لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد التاسع
بسم الله الرحمن الرحيم
البيِضة
بكسر الياء ماء بين واقصة إلى العُذَيب متصلة بالحزن لبني يربوع وبفتح الياء: أرض واسعة لبني دارم وروي بالفتح في قول الفرزدق:
حبيب دعا والرملُ بيني وبينه
فأسمعني سقياً لذلك داعيا
أعيذكما باللَّه الذي أنتما له
ألم تسمعا بالبيضتين المناديا
من أهم حوادث البيضة التقاء الحسين (عليه السلام) فيها بالحر بن يزيد مع ألف فارس. قال الطبري في تاريخه: (… إن الحسين (عليه السلام) خطب أصحابه وأصحاب الحر بالبيِضة فحمد اللَّه وأثنى عليه فكان مما قاله): أيها الناس أن رسول اللَّه(ص) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحُرم اللَّه ناكثاً لعهد اللَّه مخالفاً لسنة رسول اللَّه يعمل في عباد اللَّه بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على اللَّه أن يدخله مُدخله ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام اللَّه وحرّموا حلاله وأنا أحق من غيّر إلى أن يقول: فأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول اللَّه(ص) نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم فلكم بي أسوة، فإن لم تفعلوا فحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغنى اللَّه عنكم…))[1](.
عبدالحسين الصالحي
بيهق
منطقة في خراسان من أعمال نيسابور كانت قاعدتها خسرو جرْد على أربعة أميال من سبزوار، ثم صارت سبزوار هي القاعدة.
من قراها قرية (پاشتين) التي خرج منها عبدالرزاق مؤسس (السربدارية). وإلى بيهق ينسب الشيخ أبو الحسن علي بن أبي قاسم زيد بن محمد بن الحسين، المعروف بفريد خراسان وبأبي الحسن البيهقي النيسابوري المولود سنة 499هـ والمتوفى سنة 565هـ الذي كان لغوياً نحوياً صرفياً منطقياً متأدباً شاعراً ناظراً في الطب عالماً بعلم الحديث فقيهاً واعظاً. والذي ألف ما يزيد عن 78 مؤلفاً جلها باللغة العربية لم يصل إلينا منها سوى (تاريخ بيهق) و(صوان الحكمة). وهو أول الشارحين لنهج البلاغة بعد عصر الرَّضي. إذ كان قد شرحه في عصر الرضي علي بن ناصر.
تأويل ما نزل من القرآن الكريم
في النبيّ وآله
تأليف: محمّد بن العبّاس بن علي الماهيار البزّار، المعروف بابن الجُحام، من أعلام القرن الربع الهجري.
سفر قديم، يشتمل على رواية المعصومين (عليهم السلام) ـ 565 رواية ـ الواردة في تفسير وتأويل الآيات القرآنية النازلة في الرسول الأكرم(ص) وآل بيته الكرام (عليهم السلام) بالأسانيد العالية المتصلّة من طريق الشيعة، ومن طريق غيرهم.
تمّ استقصاؤها وجمعها من المصادر التي نقلت عن هذا الكتاب؛ إذ لم يعثر له على نسخة مخطوطة كاملة وخاصّة به، كما إنّ حجمه الحقيقي أكبر بكثير ـ نحو عشرة أجزاء ـ من هذا المجموع وممّا نقل عنه، حسب ما جاء في وصف من وصفه.
التأويل العقلي
عند الفارابي وابن سينا
معنى التأويل
والفرق بينه وبين التفسير
«التأويل، في الأصل، معناه بوجه عام التفسير والشرح». ويقول صاحب اللسان: «وأمّا التأويل فهو تفعيل من أوّلَ يؤول تأويلاً، وثلاثيه آل يؤول أي رجع وعاد، وسئل أبو العباس أحمد ابن يحيى عن التأويل فقال: «التأويل والمعنى والتفسير واحد». ويظهر من هذا النص أن التفسير والتأويل هو محاولة معرفة ما يراد من ظاهر العبارة، وبسط ما أشكل فهمه أمام النظرة العابرة.
ولا يرد التهانوي ذكر «التأويل» كمادة مستقلة، بل يذكره في ثنايا «التفسير»، ويروى أن أحد العلماء قال: «التفسير بيان لفظ متوجه إلى معان مختلفة أو إلى واحد منها بما ظهر من الأدلة». وروي كذلك أن الماتريدي قال: «التفسير القطع على أن المراد من اللفظ هذا، أو الشهادة على اللَّه أنه عنى باللفظ هذا، فإن قام دليل مقطوع به فصح، وإلاّ فتفسير بالرأي وهو المنهي عنه، والتأويل ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على اللَّه».
وفي كليات أبي البقاء، أيضاً، لا يرد ذكر لمادة «التأويل» مستقلة عن «التفسير»، بل يذكرها في ثناياها، وهو يقول: «التفسير والتأويل واحد، وهو كشف المراد عن المشكل». ويقول أيضاً: «التأويل بيان أحد محتملات اللفظ، والتفسير بيان مراد المتكلم، ولذلك قيل: التأويل ما يتعلق بالدراية، والتفسير ما يتعلق بالرواية».
ويقول الجرجاني: إن التأويل «في الأصل (هو) الترجيع، وفي الشرع صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله، إذا كان المحتمل الذي يراه موافقاً للكتاب والسنة مثل قوله تعالى: {يخرج الحي من الميت}. إن أراد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيراً، وإن أراد أخراج المؤمن من الكافر، أو العالم من الجاهل، كان تأويلاً».
ويقول الراغب الأصفهاني: «أن التفسير أعم من التأويل، وأكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ، والتأويل في المعاني كتأويل الرؤيا، والتأويل يستعمل أكثره في الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها، والتفسير أكثره يستعمل في مفردات الألفاظ، والتأويل يستعمل في الجمل». ويقول الراغب أيضاً: «إن التأويل من الأول، أي الرجوع إلى الأصل. ومنها الموئل للموضع الذي يرجع إليه. وذلك هو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه علماً كان أو فعلاً. ففي العلم نحو وما يعلم تأويله إلاّ اللَّه والراسخون في العلم… وقوله تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله}، أي بيانه الذي هو غايته المقصودة منه. وقوله تعالى: {ذلك خير وأحسن تأويلاً} قيل أحسن معنى وترجمة، وقيل أحسن ثواباً في الآخرة». ويظهر من هذا أن المراد بالتأويل هو معرفة المعنى الخفي للفظ، أو على حدّ تعبير الراغب معرفة بيان اللفظ الذي هو غايته المقصودة منه.
ويتفق القرطبي مع الراغب في فهم التأويل، فقد فسر قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} بأن المراد بالتأويل وهو المقصود منه، وقال في ذلك: «إن جماعة من اليهود منهم حيّي بن أخطب دخلوا على رسول اللَّه(ص)، وقالوا: بلغنا أنه أنزل عليك «ألم» فإن كنت صادقاً في مقالتك فإن مُلك أمتك يكون إحدى وسبعين سنة، لأن الألف في حساب الجمل واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون فنزل: {وما يعلم تأويله إلا الله} أمّا بالنسبة للآية الكريمة التي تقول: {هل ينظرون إلا تأويله}، فقد ذكر القرطبي في تفسيرها: أن المقصود بالتأويل إمّا ما وعد به اللَّه في كتابه من العقاب والحساب أو جزاء تكذيب الكافرين بما جاء في الكتاب، أو العاقبة التي تنتظر الناس في اليوم الآخر».
من كل هذا، يتبين أن التأويل معناه في الأصل التفسير والشرح، ولكن كلمة: «التأويل» تطورت مع الزمن، وفرق بعض العلماء بينها وبين التفسير، فانصرف التأويل إلى المعاني المحتملة التي يحتاج في قصد واحد منها إلى ترجيح بأمارات ودلائل أكثر من معنى الألفاظ اللغوية، وانصرف التفسير إلى شرح المفردات والألفاظ شرحاً لغوياً إلى المعنى الظاهر من النص.
وجد إذن مفكرو الإسلام بغيتهم في التأويل، يؤيدون به ما انتهى إليه تفكيرهم من نتائج وآراء. فاستخدمه بعض الفقهاء ورجال الحديث، كما استخدمه المتكلمون والفلاسفة والصوفيون. ومن أولئك وهؤلاء من ركب متن الشطط، ومنهم من سار في طريق يقبله العقل ويرضى عنه الشرع.
نماذج للتأويل قبل ابن سينا
التأويل العقلي عند المعتزلة
1 ـ كثر الخلاف في منشأ اسم المعتزلة. فقال البغدادي: إن أهل السنة هم الذين دعوهم معتزلة، لاعتزالهم قول الأمة بأسرها في مرتكب الكبيرة من المسلمين، وأنه لا مؤمن ولا كافر، بل هو في منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر. أمّا الشهرستاني فيقول: إنهم سموا كذلك لاعتزال واصل بن عطاء ـ مؤسس الفرقة وبعض من وافقه ـ مجلس الحسن البصري، حين اختلف معه في مسألة مرتكب الكبائر، وأدلى برأيه فيها، فقال الحسن البصري: «اعتزل عنا واصل». أمّا ابن خلكان، فقد ذكر: أن الذي سماهم بهذا الاسم هو قتادة بن دعامة السدوسي. ذلك أن قتادة هذا كان من علماء البصرة وأعلام التابعين ومن أصحاب الحسن البصري المختلفين إلى مجلسه، وكان ضريراً. وفي ذان يوم دخل مسجد البصرة، فإذا بعمرو بن عبيد ونفر معه قد اعتزلوا حلقة الحسن البصري وكونوا لهم حلقة خاصة وارتفعت أصواتهم، فأمهم وهو يظن، أنهم حلقة الحسن، فلما صار معهم عرف حقيقتهم، فقال: إنما هم المعتزلة، وقام عنهم، «فمذ يومئذ سموا المعتزلة».
هذا هو ما أطلقه خصوم المعتزلة على اسم «المعتزلة»، «ويخيل إليّ أنهم لا يرتاحون إليه» لكنهم ـ وقد رأوا أنه لصق بهم ـ اضطروا للدفاع عنه. فقال ابن المرتضى الزيدي اليمني، في معرض احتجاجه على البغدادي، إن المعتزلة هم الذين أطلقوا على أنفسهم هذا الاسم، لا غيرهم، فهم لا يخالفوا الإجماع، بل عملوا بالمجمع عليه في الصدر الأول من الإسلام. وإذا كانوا قد خالفوا شيئاً، فإنما الأقوال المحدثة والمبتدعة.
ولقد كان الاسم المحبب لدى فرقة المعتزلة، والذي كانوا يطلقونه على أنفسهم هو العدلية أو الموحدة، أو أنهم أهل العدل والتوحيد. ولقد سماهم بهذا الاسم أيضاً بعض أهل السنة مثل الشهرستاني. وقال ابن قيم الجوزية إنهم سموا أنفسهم أهل العدل والعدلية فقط.
2 ـ واجه المتكلمون، على العموم، أقواماً من الملل الأخرى، لا يكفيهم في الإقناع أن يقال لهم: قال اللَّه تعالى كذا، أو قال الرسول(ص) كيت، بل كانوا يريدون التحاج بالأدلة العقلية والبراهين المنطقية. فدعا ذلك المتكلمين إلى السير على نفس المنهاج الذي يريده الخصوم. فلئن كان المتكلمون قد «آمنوا باللَّه وما جاء به رسوله» فإنهم «أرادوا أن يبرهنوا على ذلك بالأدلة العقلية المنطقية» للسبب الذي ذكرناه الآن، ولطبيعتهم الحرة من ناحية أخرى.
ولقد كان للمتكلمين آراء خاصة في حدوث العالم وفي وحدانية اللَّه وفي عدله، وما إلى ذلك من قضايا فلسفية، تأثروا فيها بمذاهب فلاسفة اليونان، وأرادوا أن يبرهنوا عليها ويقيموا الدليل على صحتها، ثم يؤيدوا آراءهم بنص ديني. ولما كانت آيات الكتاب الكريم فيها متشابهات، وفيها ما قد ينبىء عن وجود خلاف في المعنى، فإن المتكلمين «جرؤوا على ما لم يجرؤ عليه غيرهم». وبحثوا المسائل بحثاً عقلياً، وتوصلوا فيها إلى آراء، ثم عمدوا إلى تأويل الآيات التي تخالف ما انتهوا إليه، فكان التأويل من أهم مظاهر المتكلمين.
ولا يتسع المقام لذكر نماذج كثيرة من تأويلات المتكلمين، بل إننا سنكتفي هنا بعرض مشكلتين من أهم المشاكل العقلية، وهما: القول بالتوحيد، ومشكلة الجبر والاختيار. وسوف لا نعرضها إلاّ عند أهم فرقة من فرق المتكلمين وهي فرقة المعتزلة. ففرقة المعتزلة «فتحت باب التأويل على مصراعيه». وتناولت هذه المشاكل بالدرس والاستقصاء، وذادت عن رأيها في حزم وقوة.
إن للمعتزلة أصولاً خمسة، من قال بها جميعاً كان معتزلياً، ومن أنكر واحداً منها لا يستحق أن يوصف بهذه الصفة، وهذه الأصول هي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمشكلتان اللتان سنعرض لهما بالبحث تتعلقان بالأصلين الأولين وهما: التوحيد والعدل.
أ ـ التوحيد:
بالرغم من أن المسلمين جميعاً من أهل التوحيد، فإن المعتزلة فسروا مبدأ التوحيد «تفسيراً خاصاً، وبلغوا في تحليله وفلسفته أقصى حد، ثم نسب إليهم» ولقد تحدث الأشعري في «مقالات الإسلاميين» عن ذلك فقال: وأجمعت المعتزلة على أن اللَّه واحد، ليس كمثله شيء، ليس بجسم، ولا صورة، ولا جوهر، ولا عرض، لا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض، وليس بذي جهات، وليس بمحدود ولا والد ولا مولود، لا تحيط به الأقدار، ولا تحجبه الأستار، ولا تدركه الحواس، ولا يقاس بالناس، ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه. لم يزل أولاً سابقاً متقدماً للمحدثات، موجوداً قبل المخلوقات ولم يزل عالماً حياً ولا يزال كذلك. وأنه القديم وحده ولا قديم غيره، ولا إله سواه، ولا شريك له في ملكه. لم يخلق على مثال سبق. وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء آخر ولا بأصعب عليه منه. ليس بذي غاية فيتناهى، ولا يجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص، تقدس عن ملامسة النساء، وعن اتخاذ الصاحبة والأبناء».
من هذا النص يظهر رأي المعتزلة في مسألة التوحيد، وهو الرأي الذي اهتدوا إليه على ضوء دراساتهم وتفكيرهم. ومن الطبيعي ـ ما دام شأنهم هذا أن يتمسكوا بآيات الكتاب الكريم التي تدل على الوحدة والتنزيه وأن يشرحوها ويحللوها ويوضحوها أمّا الآيات التي يدل ظاهرها على التجسيم أو على الجهة فقد أولوها. فقد فسروا قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} بأن «قالوا مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، وهم إذ يريدون نفيه عن ذاته قصدوا المبالغة في ذلك، فسلكوا به طريق الكناية، لأنهم إذا نفوه عمن يسدّ مسده وعمن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه، ونظيره قولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم، كان أبلغ من قولك: أنت لا تخفر. ومنه قولهم: قد أينعت لداته وبلغت أترابه، يريدون إيقاعه وبلوغه. وفي حديث رقيقة بنت صيفي في سقيا عبدالمطلب ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته، والقصد إلى طهارته وطيبه. فإذا علم أنه من باب الكناية، لم يقع فرق بين قوله: ليس كاللَّه شيء، وبين قوله: ليس كمثله شيء، إلاّ ما تعطيه الكناية من فائدتها، وكأنهما عبارتان معقبتان على معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته» وأولوا من ناحية أخرى الآيات التي يدل ظاهرها على التجسيم، فقالوا في الآية الكريمة: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}، أن «وجه ربك ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات، ومساكين مكة يقولون: أي وجه عربي كريم ينقذني من الهوان» وكذلك يفسرون القول الكريم: {إنما نطعمكم لوجه الله}، بقولهم: «إن وجه اللَّه هو اللَّه، وقد فسد أن يكون للَّه هو بعضه أو وجه هو صفة له قديم معه ـ جل اللَّه وتعالى عن ذلك ـ فلم يبق إلاّ أن يكون وجهه هو كما يقال: هذا وجه الأمر، وهذا وجه الرأي». ويفسرون أيضاً قوله تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض}، بقولهم: «أي علمه، وجاؤوا على ذلك بشاهد لا يعرف وهو قول الشاعر «ولا يكرسىء علم للَّه مخلوق» كأنه عندهم ولا يعلم علم اللَّه مخلوق، والكرسي غير مهموز، ويكرسىء مهموز يستوحشون أن يجعلوا اللَّه تعالى كرسياً أو سريراً، ويجعلون العرش شيئاً آخر».
وإذا كان المعتزلة قد فعلوا هذا بالنسبة لآيات القرآن الكريم، فقد فعلوه بالنسبة لأحاديث المصطفى(ص). فهم قد استمسكوا بما يؤيد آراءهم التي توصلوا إليها نتيجة أبحاثهم العقلية، وأولوا ما لا يتفق ظاهره مع هذه الآراء.
ب ـ العدل:
ونحن حين نتعرض للأصل الثاني من أصول المعتزلة، سوف نلتزم الطريقة عينها التي التزمناها عند البحث في التوحيد، فنبحث الناحية العامة التي سار عليها المعتزلة جميعهم بالنسبة لهذا الأصل، وسوف لا نعرض كل الموضوعات التي تدور حول هذا الأصل، والتي يمكن تلخيصها في موضوعات ثلاثة هي:
1 ـ إن اللَّه يسير بالخلق إلى غاية وإن اللَّه يريد الخير لخلقه.
2 ـ إن اللَّه لا يريد الشر لخلقه.
إن اللَّه لم يخلق أفعال العباد، وأن إرادة الإنسان حرة وهو خالق أفعاله.
بل سنكتفي بعرض المسألة الأخيرة، لنتبين منها كيفية التأويل عند المعتزلة وهذه المشكلة هي التي تسمى:
جـ مشكلة الجبر والاختيار:
بالرغم من أن المعتزلة لم ينكروا العلم الأزلي، ورأوا أن اللَّه تعالى لم يزل عالماً بكل ما يكون من أفعال خلقه، لا تخفى عليه خافية، ولم يزل عالماً بكل من يؤمن وبكل من يكفر أو يعصي. فاللَّه تعالى ـ كما يقول الخياط ـ: «لم يزل عالماً بكل ما يكون من أفعاله وأفعال خلقه، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء». نقول: بالرغم من ذلك، فإنهم يجمعون ـ فيما عدا معمر والجاحظ ـ على أن العباد يخلقون أفعالهم ويخترعونها، وأن المولى عزّوجلّ لا يصنع أفعال العباد المكتسبة ولا يقدرها». أمّا معمر والجاحظ فيريان أن أفعال العباد من فعل الطبيعة، أي اضطرارية كفعل النار للإحراق، وأن العباد ليس لهم إلاّ الإرادة.
يجمع المعتزلة، إذن، على أن الإنسان خالق لأفعاله، مختار لها، فإذا كان اللَّه خالقاً لأفعال الإنسان «فهو إذاً لا يرضى عما فعل، ويغضب مما خلق، ويكره ما دبر».
وقد استمسك المعتزلة بهذا الرأي الذي توصلوا إليه نتيجة لأبحاثهم. وكان من الطبيعي أن يستمسكوا بالآيات والأحاديث التي تدل ـ أو يدل ظاهرها على الأقل ـ على خلاف ذلك. فقد استمسكوا ـ مثلاً ـ بقول اللَّه تعالى في كتابه المبين: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، و{كل نفس بما كسبت رهينة}، و{إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً}، و{قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها}، وما إلى ذلك من آيات تنفي القدر وتقول بحرية الإنسان في أفعاله الدنيوية.
أمّا الآيات القرآنية التي تقول بالجبر، فقد أولوها حسب مذهبهم في حرية الإنسان وقولهم، بالاختيار. فقالوا مثلاً في القول الكريم: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون}، إن «ابن مسعود ـ قرأ: قل هل يصيبنا، وقرأ طلحة: هل يصيّبنا، بتشديد الياء، ووجهه أن يكون بفعيل لا بفعل، لأنه من بنات الواو، كقولهم: الصواب، وصاب السهم يصوب ومصاوب في جميع مصيبة، فحق يفعل منه يصوب. ألا ترى إلى قولهم: صوب رأيه إلاّ أن يكون من لغة من يقول صاب السهم يصيب. ومن قوله أسهمي الصائبات والصيب. واللام في قوله تعالى: {إلا ما كتب الله لنا}، مفيدة معنى الاختصاص كأنه قيل: لن يصيبنا إلاّ ما اختصنا اللَّه بإثباته وإيجابه من النصرة عليكم أو الشهادة. إلى قوله: {هو مولانا}، أي يتولانا ونتولاه، ذلك بأن اللَّه مولى الذين آمنوا، وأن الكافرين لا مولى لهم، {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}، وحث المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير اللَّه، فيفعلوا ما هو حقهم» وقالوا أيضاً في الآية الكريمة: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}، {لآتينا كل نفس هداها} على طريق الإلجاء والقسر، ولكننا بنينا الأمر على الاختيار دون الاضطرار. فاستحبوا العمى على الهدى فحقت كلمة العذاب على أهل العمى دون البصراء، ألا ترى إلى ما عقبه من قوله: {فذوقوا بما نسيتم}، فجعل ذوق العذاب نتيجة فعلهم من نسيان العاقبة وقلة الفكر فيها وترك الاستعداد لها».
هذا بالنسبة للآيات القرآنية: أمّا بالنسبة للأحاديث النبوية الشريفة مثل قول الرسول(ص): «لن يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يؤمن باللَّه، وأن اللَّه بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره»، وما إلى ذلك من أحاديث تدل على الجبر، فقد رفضها المعتزلة وكذبوا رواتها، فكذبوا قول عبداللَّه بن مسعود في روايته للحديث الشريف الذي جاء فيه «الشقي من شقي من بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره…».
«… إنه كذب به على المصطفى صلوات اللَّه عليه وسلامه».
وهذا هو مظهر التأويل عند المعتزلة وتلك خاصيته، يؤولون الدليل النقلي إذا لم يتفق مع ما انتهوا إليه من بحثهم العقلي، ويستشهدون به إذا كان يتفق مع النتيجة العقلية التي خلصوا إليها، بل ينكرون الدليل النقلي «في مجال الأحاديث النبوية» إذا لم يجدوا وسيلة إلاّ ذلك. «فهم أمام النقل يسلمون ما يوافق منها البرهان العقلي، ويؤولون ما يخالفه. فالعقل هو الحكم بين الآيات المتشابهات، وهو الحكم على الحديث ليقرر عدم صحته إن لم يوافق العقل ويحتمل التأويل».
وكما سيتضح فيما بعد يختلف منهج التأويل عند المعتزلة عن منهجهم عند الأشعرية، فقد أباح الأخيرون لأنفسهم تأويل ما ورد في النقل متعلقاً بصفات اللَّه تعالى، وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهره. ويؤيد هذا ما ذكره الغزالي في كتابه قواعد العقائد، حين قال: «وذهبت طائفة إلى الاقتصاد، وفتحوا باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات اللَّه سبحانه، وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها، ومنعوا التأويل فيه، وهم الأشعرية».
التأويل عند الأشعرية
ولقد عارض أبو الحسن الأشعري أقوال المعتزلة، ويمكن تلخيص معارضته فيما يلي:
1 ـ يقول الأشعري إن للَّه صفات أزلية مثل: العلم والبصر والكلام، وإنه عالم بعلم، بصير ببصر، متكلم بكلام، وينكر المعتزلة أن للَّه صفات، ويقولون: إنه عالم بذاته، بصير بذاته، متكلم بذاته.
2 ـ قال المعتزلة إن ما جاء في القرآن الكريم مثل «يد اللَّه» و«وجهه»، يجب أن يفسر على أنه «لطفه» و«ذاته»… إلخ. أمّا الأشعري فمع تسليمه بأنه ليس في ذلك شيء من المفهوم التجسيدي، فإنه يرى أن هذه الصفات حقيقية لا نعلم طبيعتها بالدقة. وهو يرى مثل هذا الرأي في استواء اللَّه على العرش.
3 ـ ويعارض الأشعري المعتزلة في مسألة خلق القرآن، ويقرر أنه كلام اللَّه، والكلام صفة أزلية، ولذلك فإن القرآن غير مخلوق.
4 ـ ويعارض الأشعري المعتزلة أيضاً في أن اللَّه لا يمكن أن يُرى بالأبصار، لأن في ذلك تشبيهاً يقتضي أن يكون جسم وتحيز، وقال إن رؤية اللَّه في دار القرار حق، وإن كنا لا نعلم كيف يكون ذلك.
5 ـ ويخالف الأشعري المعتزلة في توكيدهم حقيقة اختيار الإنسان في أفعاله، ذلك أنه يصر على القول بأن اللَّه قادر على كل شيء، فكل خير أو شر معلق بمشيئته، وهو يخلق أفعال العباد بأن يخلق فيهم القدرة على فعل أي فعل.
6 ـ خالف الأشعري المعتزلة في قولهم بالمنزلة بين المنزلتين. وهو أن المسلم مرتكب الكبيرة لا يعد مؤمناً ولا كافراً، وجزم بأنه يظل مؤمناً، وإن كان معرضاً للعذاب في النار.
7 ـ وقد أكد الأشعري حقيقة ظواهر شتى من علم الآخرة، مثل الحوض، والبرزخ، والميزان، وشفاعة النبي. أمّا المعتزلة فقد أنكروها أو أوّلوها تأويلاً عقلياً.
هذا، ولم يكن الأشعري أول من استعان بالكلام في الدفاع عن مذهب أهل السنة، فإن الحارث بن أسد المحاسبي من بين أولئك الذين سبقوا إلى بذل مثل هذه المحاولات. على أن الأشعري كان فيما يظهر أول من استعان بالكلام استعانة تقبلها فريق كبير من أهل السنة، ثم إنه كانت له ميزة أخرى هي أنه كان على علم وثيق مفصل بآراء المعتزلة.
ولكن الأشعرية لم يلتزموا بطريقة واحدة في آرائهم، بل اختلف مذهب الأوائل منهم عن مذهب المتأخرين.
وبعض تلاميذ الأشعري اختلفوا بعض الاختلاف عن أستاذهم، فقد نفى أبو المعالي الجويني (ت478هـ) الصفات السمعية، وما إلى تأويلها في كتابه (الإرشاد).
وقد حدث نفس الأمر عند متأخري الأشعرية، فقد اتجهوا إلى الاعتزال والفلسفة، وقالوا بنفي الصفات السمعية، وتأولوا النصوص الواردة في ذلك على وجوه تليق بذات اللَّه تعالى، وبما ينبغي له من التنزه عن مشابهة الحوادث. فقد خالف فخر الدين الرازي القدماء في إثبات صفة الوجه للَّه تعالى، ورأى فخر الدين الرازي أن الوجه في قوله تعالى: {ويبقى وجه ربك} هو كناية عن ذات اللَّه سبحانه. وقد ذكر ذلك في كتابه (أساس التقديس ص144)، ووافقه على ذلك أبو الحسن الآمدي في كتابه (غاية المرام ص140). وقد اشترك الاثنان مع البغدادي والغزالي في تأويل صفة «اليد» بالقدرة التي خلق اللَّه تعالى بها كل شيء كما حملت على هذا المعنى أيضاً ـ صفة (الأصبع) الواردة في قول النبي(ص)، «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، كما ذكر ذلك في كتاب «قواعد العقائد» للغزالي.
وقد أولت صفة «العين» عند فخر الدين الرازي على أن المراد بها شدة العناية والحراسة.
ويؤول الغزالي «النزول» في حديث: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء…» على أن المراد به نزول لطف اللَّه ورحمته في هذا الوقت من الليل، وهو الثلث الأخير. والغرض من ذلك الترغيب في قيام الليل ابتغاء ثواب اللَّه ومرضاته.
أمّا الصفات النفسية فقد نفاها الأشاعرة عن اللَّه تعالى كالمعتزلة، وحملوها على محامل تليق بذات الحق سبحانه. فقد ذكر الباقلاني في كتابه «التمهيد ص48» أن فرح اللَّه بتوبة عبده معناه الرضا عنه، وضحكه لعباده، معناه أن يظهر لهم من بره ما كان مستوراً عن غيرهم، ورضاه هو إرادته المثوبة، وغضبه هو إرادته العقوبة.
وبعد، فهذه بعض مظاهر التأويل العقلي عند أبي الحسن الأشعري وتلاميذه.
التأويل عند الفارابي
نهج الفارابي منهج التأويل في سبيل التوفيق بين الدين والفلسفة، وهو يرى «أن التأويل لفهم الدين ينبغي ألا يباح للناس جميعاً، بل هو فرض على الخاصة من أهل العلم». وأبرز ما نجده من تأويلات عند المعلم الثاني، هو تأويله للأمور التي تدخل في باب «السمعيات». والسمعيات ـ كما هو معروف ـ تقابل «العقليات»، أي التي تعرف عن طريق العقل، ولا يخلو كتاب من الكتب القديمة التي تتعرض للعلوم الإلهية الإسلامية من جزء يتناول الكلام عن المعارف التي تتم عن طريق السمعيات. كان المصدران الوحيدان «للسمعيات» هما القرآن والحديث النبوي، فلم يستطع الفارابي أن ينكرها، بل حاول أن يبرهن عليها ببراهين تتفق مع العقل، ولذا طرق باب التأويل. وسنعرض فيما يلي بعض نماذج من تأويلات الفارابي.
1 ـ سئل المعلم الثاني عن ماهية الجن فقال: «إن الجن حي، غير ناطق، غير مائت، وذلك على ما توجيه القسمة التي تبين منها حدّ الإنسان المعروف عند الناس، أعني الحي الناطق المائت. وذلك أن الحي منه ناطق مائت وهو الإنسان، ومنه ناطق غير مائت وهو الملك، ومنه غير ناطق مائت وهو البهائم، ومنه غير ناطق غير مائت وهو الجن».
فقال السائل: «الذي في القرآن مناقض لهذا، وهو قوله: {استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً}».
فقال الفارابي: «ليس ذلك بمناقض، وذلك أن السمع والقول يمكن أو يوجدا للحي من حيث هو حي، لأن القول والتلفظ غير التمييز الذي هو النطق. ونرى كثيراً من البهائم لا قول لها وهي حية، وصوت الإنسان مع هذه المقاطع هو له طبيعي من حيث هو حي بهذا النوع، كما أن صوت كل نوع من أنواع الحي لا يشبه صوت غيره من الأنواع، وكذلك هذا الصوت بهذه المقاطع الذي للإنسان مخالف لأصوات غيره من أنواع الحيوان».
«فأما قولنا» غير مائت. فالقرآن يدلك عليه بقوله: {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون}، {قال فإنك من المنظرين}.
فالفارابي يؤول الآية الكريمة بما يتفق ورأيه في تعريف الجن من أنه «حي غير مائت غير ناطق».
2 ـ ولم ينكر الفارابي وجود الملائكة، لأن القرآن تكلم عنها في عدة مواضع. وبالرغم من ذلك فإنه لم يقر التعريف الذي عرفها المتكلمون به، فالملائكة عنده موجودات عقلية ليست لها صلة بالمادة أمّا عند المتكلمين فهي «أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة» وهذا الرأي يتفق إلى حدّ كبير مع الآراء التي توجد في كتب السير، فهي «تنزع غالباً إلى تصوير الملك بصورة مادية. فأحاديث بدء الوحي تمثل جبريل جسماً، حتى أنه ليهمز الأرض بعقبه فتنبع عين ماء يتوضأ منه جبريل ويتوضأ منه النبي. وتمثله رجلاً في صورة دحية بن خليفة الكلبي، أو ذا صوت كصلصلة الجرس، أو في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت». ويعرف المعلم الثاني الملائكة، فيقول: إنها «صور علمية، جواهرها علوم إبداعية، ليست كألواح فيها نقوش أو صور فيها علوم، بل هي علوم إبداعية قائمة بذواتها، تلحظ الأمر الأعلى القدسية تخاطبها، والروح البشرية لنظامه الخاص بالكون ـ في مرتبة أعلى من مرتبة الأنبياء، فهي العقول الثواني التي تفيض عن واجب الوجود.
3 ـ ومن هذا نستطيع أن نلمس لنظرية النبوة عند الفارابي، وهي النظرية التي يوجد للتأويل فيها مجال كبير. فالعقل الفعال ـ عنده ـ هو أحد العقول العشرة المتصرفة في هذا الكون، وهو مصدر العلم الإنساني ويسميه الروح الأمين أو روح القدس.
وإذا كان الفيلسوف يتصل بالعقل الفعال بالتأمل والنظر عن طريق القوة الناطقة، فإن النبي يتصل به عن طريق القوة المتخيلة. ولقد بين الفارابي عمل القوة المتخيلة في تكوين الأحلام والرؤى الصادقة في كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة» في فصلين هما: «في سبب المنامات» و«في الوحي ورؤية الملك» فذكر أن المخيلة ـ في حالة النوم ـ لا تشغلها قوى النفس الأخرى كما تشغلها أثناء اليقظة، ولهذا تخلو لنفسها فتتمثل لها صور جديدة أو تجتمع عندها صور قديمة على أشكال مختلفة، فصاحب المزاج الرطب ـ مثلاً ـ يحلم بما يشابه ذلك كالماء والسباحة فيه، وهكذا.
والمهم هنا أن نقول كما قال الفارابي: «إن القوة المتخيلة إذا كانت في إنسان ما قوية جداً، وكانت المحسوسات الواردة عليها من خارج لا تستولي عليها استيلاء يستغرقها بأسرها، ولا يستخدمها للقوة الناطقة، بل كان فيها مع اشتغالها بهذين فضل كثير تفعل به أيضاً أفعالها التي تخصها، وكانت حالها عند اشتغالها بهذين في وقت اليقظة مثل حالها عند تحللها منها وقت النوم… ولا يمتنع أن يكون الإنسان إذا بلغت قوته المتخيلة نهاية الكمال فيقبل في يقظته عن العقل الفعال الجزئيات الحاضرة والمستقبلة أو محاكياتها من المحسوسات ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة ويراها. فيكون له بما قبله من المعقولات نبوة ـ بالأشياء الإلهية».
ومن هذا النص نرى أن المعلم الثاني طرح جانباً فكرة التجسيم التي وردت في الكتب الدينية للملك، حيث جعلت له جسماً يرى، وأوّل هذا القول فجعل مشاهدة الملك لا تعدو انفعالاً نفسياً تجود به القوة المتخيلة على الإنسان فيرى الملك رؤية المحسوسات دون أن يكون محسوساً بالفعل. وغني عن البيان أنه لا أحد يصل إلى هذا الانفعال إلاّ النبي وحده.
هذه هي بعض مظاهر التأويل عند الفارابي، يتبين منها أن المعلم الثاني سلك مسلك التأويل كي يستطيع أن يوفق بين الفلسفة التي قال بها، والدين الذي آمن به، فحاول جاهداً أن يضع تفسيرات عقلية لبعض مسائل الدين التي وردت في القرآن والحديث.
التأويل العقلي عند ابن سينا
تبين مما سبق أن عملية التوفيق بين الدين والفلسفة سمة بارزة عند فلاسفة الإسلام، فقد نزعوا إلى التوفيق بين الوحي والعقل أو بين العقيدة والحكمة وحاولوا أن يبينوا أن الوحي لا يناقض العقل وأن العقيدة إذا استنارت بضوء الحكمة تمكنت من النفس وثبتت أمام الخصوم، وأن الدين إذا تآخى مع الفلسفة أصبح فلسفياً، كما تصبح الفلسفة دينية.
ولقد بدت عملية التوفيق أوضح وأجلى ما يكون عند الشيخ الرئيس. فقد رأى ابن سينا أن خير مصلحة للدين وللناس هي في الجمع بين الدين وبين الفلسفة لا في الانحياز إلى جانب أحدهما، فإن الفلسفة ـ عنده ـ خير معين للدين على تحقيق المهمة التي جاء من أجلها. فهو يذكر في معرض حديثه عن أقسام الحكمة النظرية أن مبادىء أقسام الفلسفة النظرية «مستفادة من أرباب الملة الإلهية على سبيل التنبيه، ومنصرف على تحصيلها بالكمال وبالقوة العقلية على سبيل الحجة ومن أوتي استكمال نفسه بهاتين الحكمتين والعمل مع ذلك بإحداهما فقد أوتي خيراً كثيراً».
ابن سينا إذن، يرى الأخذ بالفلسفة والدين معاً. لكن حقائق الدين تتعارض أحياناً ـ ولو ظاهرياً ـ مع حقائق الفلسفة، فيوفق المعلم الثالث بينهما بسلوك طرق مختلفة منها التفسير والتأويل العقلي.
اعتمد ابن سينا في مذهبه الفلسفي المتكامل الأجزاء والمتناسق الجوانب، كما تعبر الآنسة جواشون على التأويل العقلي كيف يوفق بين الفلسفة والدين. ولم يفعل المعلم الثالث ذلك خوفاً من السلطات القائمة وقتئذ بل تمشياً مع نظرياته الفلسفية، فإن له فلسفة خاصة ومشرقية لا مجرد ترجمة من اليونانية إلى العربية. ولقد ساعدته في ذلك لغة العرب التي كتب بها جل فلسفته، فإن لكلمات اللغة العربية، أو بتعبير أدق لبعض كلماتها معنيين معنى ظاهراً وآخر مجازياً، وهذا مما ساعد الشيخ الرئيس في سلوك مسلك التأويل والوصول به إلى التوفيق بين ما جاء به النقل وبين ما اهتدى إليه العقل.
والتأويل العقلي عند ابن سينا، كما كان عند الفارابي له وجهان هما:
1 ـ تأويل الحقائق الدينية بما يتفق مع الآراء الفلسفية.
2 ـ إخضاع الحقائق الدينية للآراء الفلسفية.
ومن الجلي أننا إذا أردنا ذكر التأويلات العقلية لبعض الأصول الدينية عند الشيخ الرئيس، فلا بدّ لنا أن نعرض لفلسفته لنتبين منها مدى ما لجأ إليه من تأويل لبعض نصوص الشريعة من قرآن كريم وحديث نبوي شريف.
وطبيعي أننا لن نعرض لكل فلسفته في جملتها ولكننا سنقتصر على عرض الجانب الميتافيزيقي منها فقط وحتى هذا الجانب لن نبسط آراءه فيه من جميع النواحي بل سنلمس فقط ما يتصل بالتأويل العقلي.
النفس
موضوع النفس من الموضوعات التي شغلت الفلاسفة «وكانت لهم فيها آراء ونظريات مختلفة. فمنهم الماديون الذين اعتبروا النفس مجرد جسم لا ميزة له ولا اختصاص، والروحيون الذين ألهوها وأبعدوها عن عالم المادة ورأوا فيها قوة إلهية روحية تهبط إلى البدن من العالم العلوي، ومنهم من وقف موقفاً وسطاً، فجعلها مزاجاً بين الجسم والروح، أو بخاراً كما قال الرواقيون، أو صورة للجسم كما ارتأى ذلك أرسطو وأتباعه».
وكما هو معروف، فقد انتقلت آراء الفلاسفة اليونانيين في النفس إلى العالم الإسلامي عن طريق الترجمة. وأمام هذا، وأمام ما ورد في الكتاب والسنة من أفكار خاصة بالنفس، فقد «أخذ المسلمون يتوسعون في حيث موضوع النفس. وعلى الرغم من أن بعض الفقهاء وعلى رأسهم مالك والشافعي حرّموه فإنا نجد ملاحظات شتى تدور حوله لدى الشيعة والسنة ومختلف المدارس الكلامية والصوفية. ففرقة تتكلم عن هبوط النفس، وأخرى عن روحيتها، وثالثة تفضل العقل عليها.
والمهم هنا أن نذكر أن فلاسفة المسلمين ـ وخاصة ابن سينا ـ عالجوا موضوع النفس. فإن للمعلم الثالث كتباً ورسائل مستقلة فوق ما هو متفرق من مقالات في كتبه الفلسفية وكلها تدور حول النفس ومعرفة قواها ودراسة أحوالها المختلفة وخصائها المتشعبة.
قوى النفس
وابن سينا، قبل أن يتناول موضوع قوى النفس، ووظائفها، حاول إثبات وجودها ومغايرتها للبدن، فإن «من رام وصف شيء من الأشياء قبل أن يتقدم ويثبت إنيته فهو معدود عند الحكماء ممن زاغ عن محجة الإيضاح. فواجب علينا إذن أن نتجرد لإثبات وجود القوى النفسانية قبل الشروع في تحديد كل واحدة وإيضاح القول فيها». ومن ناحية أخرى فإنه وضع براهين عدة أثبت بها حقيقة النفس وأنها جوهر روحاني مغاير للبدن ولا يفنى بفنائه ووقف «موقفاً صريحاً من الذين أنكروا وجود النفس أو الذين عدوها عرضاً من أعراض الجسد» وأهم هذه البراهين هي البرهان الطبيعي، والبرهان السيكولوجي، وبرهان الاستمرار، وبرهان وحدة النفس، وبرهان «الأنا» وبرهان الإنسان المعلق في الهواء.
والنفس عند ابن سينا، كما هو عند أرسطو، عبارة عن النفس النباتية والنفس الحيوانية والنفس الإنسانية، والأخيرة هي العاقلة أو الناطقة وهي قسمان:
عاملة أو عقل عملي، وعالمة أو عقل نظري. والعقل النظري أربع مراتب: أدناها العقل الهيولاني، ثم العقل بالملكة، ثم العقل بالفعل، ثم العقل المستفاد.
فالعقل الهيولاني عبارة عن استعداد موجود في كل شخص طفلاً كان أم بالغاً، وهو استعداد لتقبل المعقولات الأولى.
فإذا ما حصلت له هذه المعقولات الأولى أو العلوم الأولية وأصبح مستعداً لقبول المعقولات الثواني أو العلوم المكتسبة بالتفكير أو بالحدث أصبح عقلاً بالملكة.
يأتي بعد ذلك العقل بالفعل، وهو حال تحصل فيها الصورة المعقولة الأولية للعقل «إلاّ أنه ـ كما يقول ابن سينا ـ ليس يطالعها ويرجع إليها بالفعل، بل كأنها عنده مخزونة، فمتى شاء طالع تلك الصورة بالفعل فعقلها وعقل أنه يعقلها سمي عقلاً بالفعل. لأنه عقل ويعقل متى شاء بلا تكلف واكتساب».
فإذا كانت الصورة المعقولة حاضرة بالفعل وكان العقل يعقلها بالفعل ويعقل أنه يعقلها سمي عقلاً مستفاداً.
وجدير بالذكر أن كل عقل هو بالقوة إذا قيس بما فوقه من مرتبة، وبالفعل إذا قيس إلى ما دونه، وعملية الانتقال من القوة إلى الفعل لا تكون إلاّ بسبب عقل هو دائماً بالفعل، هو العقل الفعال.
هذه باختصار آراء الشيخ الرئيس في العقل ودرجاته. وله في هذا المجال تأويل لآية قرآنية كريمة، هي التي تقول: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم}.
أمّا ابن سينا فقد رأى أن «النور» اسم مشترك لمعنيين: معنى ذاتي ومعنى مستعار، أما الذاتي فهو كمال المشف من حيث هو مشف كما ذكر أرسطو، وأما المستعار فيفهم على وجهين: إما الخير، أو السبب الموصل إلى الخير. ومعنى «النور» في هذه لآية هو الوجه المستعار بقسميه، أي أن اللَّه تعالى خير بذاته، وهو أيضاً سبب لكل خير. وقول اللَّه تعالى «السماوات والأرض» يقصد به الكل. وقوله «مشكاة» تعبير عن العقل الهيولاني والنفس الناطقة، ذلك لأن المشكاة متقاربة الجدران جيدة التهيىء للاستضاءة، فكل ما يقارب الجدران يكون انعكاس النور فيه أشد والضوء أكثر، وبما أن العقل بالفعل مشبه بالنور، كذلك قابله مشبه يقابله وهو المشف. والمشفات أفضلها الهواء وأفضل الأهوية هو المشكاة.
فالمشكاة رمز للعقل الهيولاني، ونسبة العقل الهيولاني إلى العقل المستفاد كنسبة المشكاة إلى النور. والمصباح عبرة عن العقل المستفاد بالفعل. ذلك أن النور هو كمال المشف ومخرج له من حالة القوة إلى حالة الفعل، ونسبة العقل المستفاد إلى العقل الهيولاني كنسبة المصباح إلى المشكاة، وهذه النسبة هي معنى قوله تعالى: «في زجاجة»، وهذه الزجاجة «كأنها كوكب دري» أي صافية مشفة.
ويفسر المعلم الثالث الشجرة الزيتونة بالقوة الفكرية التي هي بمثابة المادة للأفعال العقلية، مثلما أن الدهن مادة للسراج. ووصف الشجرة الزيتونة بأنها «لا شرقية ولا غربية» آت من أن القوة الفكرية ليست من القوى المحضة النطقية أي ليست من القوة التي يشرق بها النور على الإطلاق، ومن جهة أخرى ليست من القوى البهيمية الحيوانية التي يفقد فيها النور على الإطلاق، فإن الشرق يوجد فيه النور إلى جانب مشرقه فيه والغرب يوجد فيه النور أيضاً إلى جانب مغربه منه. أمّا قوله تعالى: {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} فهو مدح للقوة الفكرية، فقد يصدر منها رأي أو فكرة لا عن طريق الاتصال أو الإفاضة.
وأخيراً يفسر ابن سينا «النار» بالعقل الكلي. والعقل الكلي ليس هو الإله كما ظنه الإسكندر الأفروديسي ونسب ذلك الظن إلى أرسطو، فإنه إن كان واحداً من جهة فهو كثير من جهة أخرى من حيث هو صور كليات كثيرة، فهو واحد بالعرض وليس واحداً بالذات. فهو يستفيد الوحدة ممن له هذه الخاصية بالذات وهو اللَّه الواحد جلّ جلاله.
هذا هو تأويل الشيخ الرئيس للآية الكريمة. وهو تأويل يتفق مع ما رسمه من مذهب فلسفي متكامل الأطراف فقد ورد في كتابه «الإشارات والتنبيهات» ما يشير إلى ذلك حين قال: «إشارة: وأمّا نظير التفصيل في قوى النفس الإنسانية على سبيل التصنيف، فهو أن النفس الإنسانية، التي لها أن تعقل، جوهر له قوى وكمالات، فمن قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن، وهي القوة التي تختص باسم العقل العملي وهي التي تستنبط الواجب ـ فيما يجب أن يفعل من الأمور الإنسانية الجزئية للتوصل به إلى أغراض اختيارية ـ من مقدمات أولية وذائعة وتجريبية. وباستعانة بالعقل النظري في الرأي الكلي، إلى أن ينتقل به إلى الجزئي. ومن قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تكميل جوهرها عقلاً بالفعل: فأولها، قوة استعدادية لها نحو المعقولات، وقد يسميها قوم عقلاً هيولانياً، وهي المشكاة. ويتلوها قوة أخرى تحصل لها عند حصول المعقولات الأولى، فتتهيأ بها لاكتساب الثواني: إمّا بالفكرة، وهي الشجرة الزيتونة إن كانت ضعفي. أو بالحدس، فهي زيت أيضاً إن كانت أقوى من ذلك، فتسمى عقلاً بالملكة، وهي الزجاجة والشريفة البالغة منها قوة قدسية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار. ثم يحصل لها بعد ذلك قوة وكمال: أمّا الكمال، فأن تحصل لها المعقولات بالفعل مشاهدة متمثلة في الذهن وهي نور على نور. وأمّا قوة فأن يكون لها أن يحصل المعقول المكتسب المفروغ منه كالمشاهد متى شاءت من غير افتقار إلى اكتساب، وهو المصباح. وهذا الكمال يسمى عقلاً مستفاداً. وهذه القوة تسمى عقلاً بالفعل، والذي يخرج من الملكة إلى الفعل التام، ومن الهيولاني أيضاً إلى الملكة، فهو العقل الفعال وهو النار.
وجود اللَّه
يثبت ابن سينا وجود اللَّه من معنى الوجود وحده، فهو يقول: «تنبيه: تأمل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأول ووحدانيته وبراءته عن السمات إلى تأمل لغير نفس الوجود، ولم يحتج إلى اعتبار من خلفه وفعله، وإن كان ذلك دليلاً عليه، لكن هذا الباب أوثق وأشرف، أي إذا اعتبرنا حال الوجود فشهد به الوجود من حيث هو وجود، وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الوجود» ثم يعقب ابن سينا على ذلك بقوله: «وإلى هذا أشير في الكتاب الإلهي» {سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}. أقول هذا حكم لقوم أي حكم للقوم الذين يستدلون بالعالم وما فيه من حقائق على وجود خالق له، وهم جماعة المتكلمين كما يرى بعض الباحثين ثم يختم المعلم الثالث كلامه بقوله: «ثم يقول ـ أي اللَّه ـ {أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} أقول هذا حكم الصديقين الذين يستشهدون به لا عليه. وهؤلاء الصديقون هم الفلاسفة الذين ساروا على نهج ابن سينا في إثبات وجود اللَّه.
صفاته
صفات اللَّه عند ابن سينا تدور كلها حول الوحدة والبساطة، فواجب الوجود عنده واحد، لا يدخل فيه الإمكان، خير محصن، بسيط بكل وجوه البساطة، ثابت غير متغير، وجوده عين ماهيته، ليس بجسم، ولا حدّ له، ولا ندّ له ولا ضدّ عقل وعاقل ومعقول، عشق وعاشق ومعشوق، أجل سعيد وأعظم مبتهج حق محض، واحد من كل وجه.
وهذه الصفات كلها بالعرض عند ابن سينا هي في جوهرها لا تخرج عن الصفات التي أثبتها أرسطو للمحرك الأول.
وإذا كان ابن سينا قد جارى أرسطو في إثباته بعض الصفات لواجب الوجود، فإنه لم يغفل الصفات التي أتى بها الشرع وذكرها القرآن الكريم فعلى ضوء فهمه لحقيقة الواجب وضع تفسيراً لسورة «الإخلاص» وعلى هدى ما رآه من صفات لواجب الوجود، وهي التي تدور حول الوحدة والبساطة أول صفات العلم، الحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع والبصر، وما إلى ذلك من صفات.
تأويله لسورة الإخلاص
تقول السورة: {قل هو الله أحد} {الله الصمد} {لم يلد ولم يولد} {ولم يكن له كفواً أحد}.
«قل هو اللَّه أحد» يعود بنا ابن سينا في تفسيره لهذه الآية إلى فلسفته الميتافيزقية، فيقول: «الهو المطلق هو الذي لا تكون هويته موقوفة على غيره» أو بمعنى آخر هو ما وجوده متوقف على ماهيته وذاته بخلاف الممكن الذي يتوقف وجوده على غيره. وإذا كان وجود «الهو» المطلق متوقفاً على ذاته كان واجب الوجود، لأن وجوده عين ماهيته. ثم إن اقتران «الهو» باللَّه يكشف عن أن المقصود «بالهو» هو الهوية الإلهية ثم تعقيبه بأنه «أحد» لازم من لوازم تعريف الألوهية بالوحدانية، لكمال بساطتها وغاية وحدتها.
ويعلق ابن سينا على ذكر اللوازم القريبة «للهو هو» بأن ذلك تعريف حقيقي. لأن التعريف الحقيقي هو الذي يذكر فيه اللازم القريب للشيء الذي يقتضيه الشيء لذاته، لا لغيره لأنه إذا ذكر فيه اللازم البعيد لا نستطيع أن نقرر أن هذا اللازم معلول للشيء حقيقة، بل كل ما نستطيع أن نقرره أنه قد يكون معلولاً لمعلوله.
ثم يتطرق ابن سينا في تفسيره إلى أن يفرض سؤالاً قد يمكن أن يوجه إليه وهو أن ماهيته تعالى إذا كان لا يمكن لغيره معرفتها إلاّ بوساطة صفات السلوب والإضافات، فلم لم يذكر ذلك واقتصر على ذكر اللوازم؟
ويجيب على هذا السؤال بأن اللَّه باعتباره عاقلاً ومعقولاً واحداً ليس له مقومات، بل إنه وحدة مجردة، وبساطة محضة لا كثرة فيه، ولا اثنينية هناك أصلاً. وعقله لذاته، ولا يعقل من ذاته إلاّ الهوية المحضة المجردة عن الكثرة، ولذا عرفها بلوازمها القريبة. وتأكيده بأنه واحد مبالغة في الوحدة لعدم وجود التشكك في أنه واحد من جميع الوجوه، سواء أكانت معنوية كالأجناس والفصول، أم كثرة مقومات كالمادة والصور والأعراض.
ثم إن ابن سينا في تفسيره «الصمد» يقرر أن لهذه الكلمة تفسيرين.
أولهما: الذي لا جوف له.
وثانيهما: السيد.
ثم يؤول التفسير الأول بأن الصمد صفة سلوب تنفي الماهية، لأن كل ما له ماهية له جوف وباطن، وما لا بطن له وهو موجود لا اعتبار لذاته إلاّ بالوجود، والذي لا اعتبار له إلاّ بالوجود يكون بالضرورة غير قابل للعدم. فالشيء من حيث هو موجود يكون غير قابل للعدم. فالصمد يكون بهذا المعنى واجب الوجود من جميع الوجوه.
وعلى حسب التفسير الثاني لكلمة «الصمد» باعتباره سيداً يؤولها ابن سينا بأن المقصود أنه سيد للكل، أي مبدأ للكل، أي مبدأ الوجود وعلته الأولى.
ويؤول ابن سينا قول اللَّه تعالى: {لم يلد ولم يولد} بأنه هو وحده وأنه وإن كان مصدراً للوجود فإنه لا يفيض بوجود مثله، حتى يكون له ولد. ولما كان وجوده من ذاته بهويته، لم يكن صادراً هو عن غير ذاته. وإذا كان الأمر كذلك أي إذا كان واجب الوجود ماهيته هويته لا يتولد عن غيره ولا يتولد عنه شبيه له، لم يكن هناك في الوجود ما يكافئه ويساويه في قوة الوجود. ولذلك قال تعالى: {ولم يكن له كفواً أحد}.
ثم يستخلص من هذه السورة أن اللَّه بعدم ذكره المقومات في تعريفه «اللَّه»، وذكره اللوازم، قد دل على أنه في ذاته بسيط ليس له ما يقومه، واحد ليس له ما يشاركه في هذه الوحدانية. ثم إنه بإرداف الوحدانية بالألوهية قد رتب الأحدية على الإلهية ولم يرتب الإلهية على الأحدية، لأن الألوهية هي افتقار الكل إليه واستغناؤه عن الكل. ومن كانت هذه صفاته كان واحداً مطلقاً وإلاّ لاحتاج إلى أجزائه. فالإلهية تقتضي الوحدة، وليس الأمر على العكس.
رأي ابن سينا
في صفات المعاني الأخرى
العلم
قصر أرسطو علم اللَّه على ذاته. ولكن ابن سينا ـ بالرغم من حرصه الشديد على وصف واجب الوجود بالوحدة والبساطة التامة حتى يكون واجب الوجود من كل وجه ـ حرص أشد الحرص أيضاً على القول بأن من يتصف بالوحدة والبساطة يجب أن يكون عالمياً بذاته وبغيره.
أمام هذا، وأمام الرغبة في التوفيق بين الفلسفة والدين حاول الشيخ الرئيس إخضاع رأي الدين ـ الذي اعتنقه وآمن به ـ للمنهج الفلسفي الذي عرض به كل أفكاره الفلسفية. وهذا العمل وجه من وجوه التأويل كما ذكرنا سابقاً. فماذا قال ابن سينا؟
يقول في الإشارات والتنبيهات: «إشارة: واجب الوجود يجب أن يعقل ذاته بذاته على ما تحقق. ويعقل ما بعده من حيث هو علة لما بعده ومنه وجوده. ويعقل سائر الأشياء من حيث وجوبها في سلسلة الترتيب النازل من عنده طولاً وعرضاً.
فواجب الوجود ـ في نظر الشيخ الرئيس ـ يعقل ذاته، ويعقل ما بعده، أي يعقل المعلول الأول الذي يفيض منه بتعقله لذاته. وتعقله للمعلول الأول يكون من حيث إنه «أي المعلول الأول» علة لما بعده وبذا يوجد المعلول الثاني، وهكذا يكون تعقل سائر الأشياء التي تقع في سلسلة المعلولية، إمّا طولاً كسلسلة المعلولات التي تسير فوق ترتيب ينتهي إلى واجب الوجود، أو عرضاً كسلسلة الحوادث التي تسير وفق ترتيب صاعد، بل تنتهي إلى واجب الوجود من جهة كون جميع الممكنات محتاجاً إليه احتياجاً عرضياً يتساوى فيه كل ممكن بالآخر في مقدار الحاجة.
ويخشى ابن سينا من أن يعترض عليه معترض «أو يسأله سائل» فيقول: ما الدليل على أن يكون واجب الوجود المجرد المعقول القائم بنفسه له بالإمكان أن يعقل ذاته وغيره؟ ويجيب على ذلك بقوله: «كل ما يعقل فمن شأن ماهيته أن تقارن معقولاً آخر…».
ويخشى الشيخ الرئيس من أشكال آخر قد يعترضه، وهو دخول الكثرة في ذات واجب الوجود، فإن العلم بالغير قد يثلم الوحدانية والبساطة اللذين أكدهما لواجب الوجود. ولذا فإنه يجابه هذا الإشكال بكل قوته. فيقول: «وهم وتنبيه ولعلك تقول: إن كانت المعقولات لا تتحد بالعقل ولا بعضهما مع بعض. لما ذكرت. ثم قد سلمت أن واجب الوجود يعقل كل شيء. فليس واحداً حقاً، بل هناك كثرة. فنقول: إنه لما كان تعقل ذاته، بذاته، ثم يلزم قيومته عقلاً بذاته، لذاته، أن يعقل الكثرة لازمة متأخرة، لا داخلة في الذات مقومة بها. وجاءت أيضاً على ترتيب. وكثرة اللوازم من الذات مباينة أو غير مباينة لا تثلم الوحدة. والأول تعرض له كثرة لوازم إضافية وغير إضافية، وكثرة سلوب، ويسبب ذلك، كثرة أسماء لكن لا تأثير لذلك في وحدانية ذاته».
ويفهم من كلام نصير الدين الطوسي على هذا التنبيه أن تعقل الأول للكثرة لزم من تعقله ذاته بذاته، وذاته علة للكثرة. فتعقله لكثرة جاء لازماً معلولاً له. فصور الكثرة متأخرة عن حقيقة ذاته تأخر المعلول عن العلة، وذات الأول لا تتقوم بها ولا بغيرها، بل هي واحدة. ولا تتأثر الوحدة بكثرة الصور المعقولة المتقررة في ذات واجب الوجود، فإن واجب الوجود واحد بكل معاني الوحدانية.
العلم بالجزئيات
ولكن اللَّه تعالى ـ من وجهة نظر الدين ـ عالم بكل شيء في العالم، وعلمه محيط بكل ما في السماوات والأرض في الدنيا والآخرة. فالقرآن الكريم يقرر ذلك في وضوح وجلاء في آيات كثيرة، منها الآية التي ذكرناها سابقاً والتي تقول: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} فكيف يتفق ذلك مع كمال الوحدانية والبساطة اللتين أضفاهما الشيخ الرئيس على واجب الوجود؟
يؤول ابن سينا هذا المعنى فيقول إن الأول يدرك الجزئيات ويعلم بها علماً ناشئاً عن ذاته الواجبة، لا ينفعل بها ولا يتأثر بها كالمخلوقات، فهو منزه عن أن يكون مستعداً لحصولها من حيث هي معلومة له بالفعل بعد أن لم تكن، بل هو يدركها على شكل كل ينطبق في الخارج على جزئيات، إدراكاً عقلياً محضاً لا يحتاج إلى آلة جسمية. ولا يقترن بالزمان، فالزمان متغير، فإذا اقترن به الإدراك أدى ذلك إلى تغير الإدراك المقترن به وبالتالي يقع التغير في الذات المدركة. فعلم واجب الوجود بالجزئيات وإدراكه لها مجرد عن الزمان وعلى وجه كلي.
ويقول الشيخ الرئيس في ذلك: «تذنيب: فالواجب الوجود يجب أن لا يكون عمله بالجزئيات علماً زمانياً حتى يدخل فيه: الآن، والماضي، والمستقبل. فيعرض لصفة ذاته أن تتغير، بل يجب أن يكون علمه بالجزئيات على الوجه المقدس العالي عن الزمان والدهر. ويجب أن يكون عالماً بكل شيء، لأن كل شيء لازم له، بوسط، أو بغير وسط، يتأدى إليه بعينه قدره الذي هو تفصيل قضائه الأول تأدياً واجباً، إذا كان ما لا يجب لا يكون كما علمت» ويقول في موضع آخر «وليس يجوز أن يكون واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء، وإلاّ فذاته إما متقومة بما يعقل فيكون تقومها بالأشياء، وإما عارض لها أن تعقل، فلا تكون واجبة الوجود من كل جهة، وهذا محال… ونحن قد بينا في كتب أخرى أن كل صورة محسوسة وكل صورة خيالية فإنما ندركها من حيث هي محسوسة ونتخيلها بآلة متجزئة. وكما أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له. كذلك إثبات كثير من التعقلات، بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو كلي، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. وهذا من العجائب التي يحوج تصورها إلى لطف قريحة».
وهكذا يستشهد ابن سينا، بقول اللَّه تعالى: {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} الذي ورد ضمن الآية الكريمة التي تقول: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين}.
ولقد فسر النسفي ما يعنينا من هذه الآية الكريمة في هذا المجال بأن اللَّه لا يغيب ولا يبعد عنه مقدار أصغر من نملة ولا أصغر من مثقال ذرة ولا أكبر منها فكل ذلك في اللوح المحفوظ.
ولكن الشيخ الرئيس يؤول هذا المعنى بأن الأول إذا عقل ذاته وعقل أنه مبدأ لكل موجود، عقل بالتالي أوائل الموجودات عنه وما يتولد عنها، ولذا فإنه لا يوجد شيء من الأشياء إلاّ ويصير واجباً بسببه من أي وجه من الوجوه. وهذه الأسباب يتأدى بمصادماتها إلى أن توجد عنها الأمور الجزئية. وواجب الوجود يعلم الأسباب ومطابقاتها فيعلم بالضرورة ما يتأدى إليها، ويعلم أيضاً ما بينها من الأزمنة وما لها من العودات، فمن يعلم الأسباب لا بدّ وأن يعلم ما تتأدى إليه من تلك الأسباب، «فيكون مدركاً للأمور الجزئية من حيث هي كلية».
نظرية الفيض
وثمة فكرة أخرى تتصل بصفة العلم عند واجب الوجود. وهي فكرة الفيض أو الصدور التي وجدت في فلسفة ابن سينا، ومن قبله عند الفارابي، ومن قبلهما في فلسفة الأفلاطونية الحديثة، وعند أفلاطون نفسه.
وإذا حصرنا البحث في هذا الموضوع في دائرة فلسفة ابن سينا، وجدنا أن فكرة الفيض أو الصدور هي فكرة الخلق في الدين الإسلامي، وحاول ابن سينا أن يضعها في قالب فلسفي.
إن فكرة الخلق الدينية بسيطة غاية البساطة، فاللَّه «حر في أفعاله، يخلق أو لا يخلق، ولا يتوقف فعله إلاّ على مجرد كلمة منه هي «كن فيكون» في القرآن الكريم.
وقد وردت فكرة الخلق في القرآن الكريم ضمن هذه الآيات:
1 ـ {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير}.
2 ـ {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}.
3 ـ {ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}.
4 ـ {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}.
5 ـ {هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}.
هذا ويوجد غير هذه الآيات البينات آيات أخرى كثيرة تتضمن كلمة (الخلق) ولكن هذه الآيات الخمس التي ذكرناها هي التي تبين طريقة الخلق والإيجاد من العدم وسرعة إحداث الشيء بمجرد صدور كلمة اللَّه، فلا يمتنع مراد مّا عن اللَّه، لأن وجود أي شيء رهن إرادته، لا يصعب عليه شيء، لأن كل مقدور سهل عليه غاية السهولة.
وفكرة الخلق هذه وضعها ابن سينا في ثوب فلسفي. إن واجب الوجود عنده ـ كما ذكرنا ـ واحد بسيط وهو في الوقت نفسه عقل، يعقل ذاته فيصدر عن تعقله لذاته معلول أول، هذا المعلول الأول عقل أيضاً، وهو واحد كذلك إذ لا يصدر عن الواحد إلاّ واحد. وفي هذا يقول الشيخ الرئيس: «فبين أن أول الموجودات عن العلة الأولى واحد بالعدد وذاته وماهيته موجودة لا في مادة فليس شيء من الأجسام ولا من الصور التي هي كمالات الأجسام معلولاً قريباً له، بل المعلول الأول عقل محض، لأنه صورة لا في مادة، وهو أول العقول المفارقة التي عددناها، ويشبه أن يكون هو المبدأ المحرك للجرم الأقصى على سبيل التشويق» «ثم إن هذا العقل الأول واجب بالإله ممكن بذاته، وهو أيضاً يعقل الإله ويعقل ذاته. فإذا عقل الإله لزم عنه بما يعقله وجود عقل ثان تحته، وإذا عقل ذاته صدر عن تعقله لها وجود صورة الفلك الأقصى وكمالها وهي النفس، ووجود جرمية الفلك الأقصى. فالنفس تصدر عن تعقله لذاته واجبة بالإله، والجسم يصدر عن طبيعة إمكان الوجود المندرجة في تعقله لذاته. فهناك إذن ثلاثة أشياء تفيض عن العقل الأول: العقل الثاني، وجرم الفلك الأقصى، وصورته التي هي النفس. فتحت كل عقل ثلاثة أشياء في الوجود، ووجود هذه الثلاثة عن العقل الأول في الإبداع إنما هو لأجل التثليث المذكور فيه، والأفضل يتبع الأفضل. والعقول المفارقة كثيرة العدد، إلاّ أنها ليست موجودة معاً عن الإله، بل يجب أن يكون أعلاها العقل الأول، ثم يتلوه عقل ثان وثالث. ولا يزال هذا التعقل ينتج عقولاً، ونفوساً، وأفلاكاً، حتى ينتهي الإبداع إلى العقل العاشر، وهو العقل الفعال، أي العقل المدبر لعالم الكون والفساد.
والفيض في جملته فعل ضروري ينشأ عن طبيعة المبدأ الأول للكائنات، إذ إن الوجود يصدر عنه كما يصدر النور عن الشمس، وكما تصدر الحرارة عن النور. وهذا الفيض لا يكون على سبيل القصد، فلو كان كذلك لكان أسمى كمالاً من المقاصد، ولأدى إلى وجود الكثرة في ذات واجب الوجود وهو الذي يمتاز بالوحدانية والبساطة. والفيض وإن كان فعلاً ضرورياً ناشئاً عن المبدأ الأول، وهو ليس على سبيل الطبع أي ليس ناشئاً عن ضرورة عمياء، إذ كيف يعقل أن يكون العالم صادراً عن الإله من غير أن يكون له به معرفة ورضاء، وكيف يصبح هذا والإله عقل محض، يعقل ذاته، فيجب أن يعقل أيضاً أنه يلزمه عن عقله لذاته وجود الكل عنه، وأن هذا الفيض من لوازم جلالته المعشوقة له لذاتها. ولكن فيض الوجود عن الأول فيض عن رضا فالأول راض بفيضان الكل عنه.
والمهم هنا أن نذكر أن الشيخ الرئيس مبالغة منه في إضفاء صفة الوحدانية والبساطة على اللَّه، وفهمه لعلم واجب الوجود على أنه ليس زائداً على الذات، خوفاً من امتداد الكثرة إلى صفات الأول، جعل عملية التعقل أساساً للفيض والصدور «… فتعقله علة للوجود على نحو ما يعقله، ووجود ما يوجد عنه على سبيل لزوم لوجوده وتبع لوجوده، لا أن وجوده لأجل شيء آخر غيره، وهو فاعل الكل بمعنى أن الموجود الذي يفيض عنه كل وجود فيضاً تاماً، مبايناً لذاته».
فالخلق الذي قال به الدين، فهمه ابن سينا وعبر عنه بنظريته في الفيض والصدور. والتأويل العقلي في هذا يظهر واضحاً في استعارته بعض ألفاظ القرآن الكريم للتعبير عما ورد في فلسفته من مصطلحات. فلقد عبر عن «العقول» مرة بالملائكة، وأخرى بـ«عالم الأمر» وعبر عن ما تحت فلك القمر تارة بـ«عالم العناصر» وتارة بـ«الأرض» وثالثة بـ«عالم الخلق» وهو في هذا يقول: «… ثم معرفة الجواهر الثانية المفارقة عن المواد وهي الملائكة المقربون المسمون عند الحكماء بالعقول الفعالة».
الحياة
صرح القرآن الكريم بأوصاف اللَّه في مواضع متفرقة. وهذه الأوصاف تنحصر في سبع: العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.
وقد تكلمنا عن العلم، ورأينا كيف حافظ ابن سينا في كلامه عن هذه الصفة على التمسك بما رآه من وحدانية وبساطة لواجب الوجود، وكيف فسر بها ـ مع تمسكه بالوحدة والبساطة ـ علم اللَّه بالجزئيات ونظرية الخلق من وجهة النظر الدينية.
وسنعرض الآن لتأويل ابن سينا لصفة (الحياة). قال اللَّه تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم}.
وقد فسر النسفي لفظ (الحي) بأنه الذي لا سبيل عليه للفناء أي أنه دائم الحياة دائم الفعل والإدراك بالنسبة لخلقه.
ويتفق ابن سينا مع وجهة النظر الدينية هذه، ولكنه يؤول (الحياة) عند واجب الوجود بمعنى غير الحياة التي توجد عندنا «فإن الحياة عندنا تكمل، بإدراك وفعل هو التحريك، ينبعثان عن قوتين مختلفتين» أي أن الحياة عندنا لها قوتان واحدة تدرك والأخرى تفعل. وهذا تعدد ـ كما يرى ابن سينا ـ لا يليق بذات الباري التي تتسم بالوحدة والبساطة» وقد صح أن نفس مدركه ـ وهو ما يعقله عن الكل ـ هو سبب الكل وهو بعينه مبدأ فعله، وذلك إيجاد الكل، فمعنى واحد منه هو الإدراك وسبيل إلى الإيجاد، فالحياة منه ليس مما تفتقر إلى قوتين حتى تتم بقوتين، ولا الحياة منه غير العلم وكل ذلك له بذاته» فالحياة واجب الوجود في نظر الشيخ الرئيس هي العلم والإدراك. وقد سبق أن قلنا إن علم الباري هو سبب ومبدأ الإيجاد والخلق. إذن العلم وحده يحقق بالفعل والإرادة اللذان يتم بهما معنى الحياة.
الإرادة
ربط ابن سينا صفة الإرادة بصفة العلم أيضاً. فإن اللَّه مريد لأنه يعلم ذاته التي هي مبدأ النظام والخير في الوجود، وهذا يجعله عالماً بفيضان الخير والنظام عنه. وكماله في هذا الفيضان، «وجهة الكون عن مُبدئه عند مَبدئه وهو غير مناف، وهو تابع لخيرية ذات المبدأ وكمالها المعشوقين لذاتيهما فذلك الشيء مراد». «ويكون فاعله مريداً، وهذا ما يثبته الشرع» ولكن تأويل ابن سينا بالنسبة لهذه الصفة يظهر عندما يستدرك قائلاً: «لكن ليس مراد الأول هو على نحو مرادنا حتى يكون له فيما يكون عنه غرض» فإن ابن سينا يخشى أن يؤدي الغرض إلى معنى التركيب في ذات اللَّه، واللَّه يتصف بالوحدانية والبساطة ويتعالى عن وجود التركيب في ذاته،… بل هو لذاته مريد هذا النحو من الإرادة العقلية المحضة».
وهكذا يرجع ابن سينا صفة (الإرادة) إلى صفة العلم الذي يعد من مقتضيات الواجب ومن أخص خصائصه.
القدرة
ويؤول ابن سينا صفة (القدرة) ويردها إلى صفة العلم أيضاً. إن معنى (القدرة) في الدين أن أفعال اللَّه الصادرة عنه تكون بالطبع على وفق ما يعلمه ويرضاه. وهذا ما يرضاه ابن سينا ولكنه يفسره بقوله: «إن القدرة التي له (أي التي لواجب الوجود) هي كون ذاته عاقلة للكل عقلاً» أي هي عبارة عن العلم بأن ذاته مبدأ لفيضان الوجود عنه على نحو ما هو موجود في الخارج.
السمع ـ البصر
ذكر القرآن الكريم أن اللَّه سميع وبصير. ويؤول ابن سينا صفتي السمع والبصر بأنه تعالى عالم بالمسموعات وعالم بالمبصرات، فمن هذه الناحية فقط يقال إن واجب الوجود سميع وبصير. إذ إنّ سمع اللَّه وبصره أو بعبارة أخرى إدراكه للمبصرات والمسموعات لا يتعلق بآلة وزمان، بل هو عبارة عن علمه بها «فالعلم واحد، وإنما تختلف أسماؤه لاختلاف متعلقاته».
الكلام
ذكر القرآن الكريم أن اللَّه متكلم. ويفهم ابن سينا هذه الصفة بأنه كلام «لا يرجع إلى ترديد العبارات ولا إلى أحاديث النفس والفكرة المتخيلة المختلفة التي العبارات دلائل عليها، بل فيضان العلوم منه على لوح قلب النبي(ص) بواسطة القلم النقاش الذي يعبر بالعقل الفعال والملك المقرب» فكلام اللَّه تعالى عبارة عن علمه، والعلم لا تعدد فيه ولا كثرة، كما يقول ابن سينا.
وهكذا يرجع الشيخ الرئيس صفات اللَّه التي ذكرها القرآن الكريم وجاءت بها السنة الشريفة إلى صفة العلم، كيلا يتعارض ذلك مع الخاصية الرئيسية التي أضفاها على واجب الوجود، ودافع عنها دفاعاً حاراً وهي الوحدانية والبساطة.
ولا ينسى ابن سينا أن يوفي الموضوع حقه فهو فوق إرجاعه جميع صفات اللَّه إلى صفة العلم، يرى أن الاختلاف في أسماء العلم يعود إلى الاختلاف في الإضافات، ويقول في ذلك: «فالعلم واحد وإنما تختلف أسماؤه، لاختلاف متعلقاته، فإذا تعلق ببواطن الأشياء يسمى (أي واجب الوجود) خبيراً، وإذا تعلق بظواهر الأشياء سمي شهيداً، وإذا تعلق بالمعدودات سمي محصياً، وإذا تعلق بالمسموعات سمي سميعاً، وإذا تعلق بالمبصرات سمي بصيراً، وإذا تعلق بدقائق الأشياء مع حفظ تلك ورعايتها سمي لطيفاً، وإذا جمع فيقال عالم الغيب لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء».
ومن المفيد أن نختم هذا الموضوع بنص من كتاب الشفاء يلخص رأيه في الصفات، قال ابن سينا: «الصفة الأولى لواجب الوجود أنه إنٌّ وموجود، ثم الصفات الأخرى بعضها يكون المعنى فيها هذا الوجود مع إضافة وبعضها مع سلب، وليس ولا واحد منها موجباً في ذاته كثرة ألبتة ولا مغايرة. فاللواتي تخالط السلب أنه لو قال قائل للأول ولم يتحاش، إنه جوهر، لم يعن إلاّ هذا الوجود، وهو مسلوب عنه الكون في الموضوع. وإذا قال له: واحد، لم يعن إلاّ هذا الوجود نفسه مسلوباً عنه القسمة بالكم أو القول، أو مسلوباً عنه الشريك. وإذا قال: عقل وعاقل ومعقول، لم يعن بالحقيقة إلاّ أن هذا المجرد مسلوب عنه جواز مخالطة المادة وعلائقها مع اعتبار إضافة ما. وإذا قال له: أول، لم يعن إلاّ إضافة هذا لوجود إلى الكل. وإذا قال له: قادر، لم يعن به إلاّ أنه واجب الوجود مضافاً إلى أن وجود غيره إنما يصح عنه على النحو الذي ذكر. وإذا قال له: حي لم يعن إلاّ هذا الوجود العقلي مأخوذاً مع الإضافة إلى الكل المعقول أيضاً بالقصد الثاني، إذ الحي هو المدرك الفعال. وإذ قال له: مريد، لم يعن إلاّ كون واجب الوجود مع عقليته ـ أي سلب المادة عنه ـ مبدأ لنظام الخير كله وهو يعقل ذلك فيكون هذا مؤلفاً من إضافة وسلب. وإذا قال له: جواد، عناه من حيث هذه الإضافة مع السلب بزيدة سلب آخر، وهو أنه لا ينحو غير غرض لذاته. وإذا قال له: خير، لم يعن إلاّ كون هذا الوجود مبرأ عنه مخالطة ما بالقوة والنقص وهذا سلب، أو كونه مبدأ لكل كمال ونظام وهذا إضافة. فإذا عقلت صفات الأول الحق على الجهة، لم يوجد فيها شيء يوجب لذاته أجزاء أو كثرة بوجه من الوجوه».
نفي الجهة بالنسبة
لواجب الوجود
وثمة مسألة أُخرى تتصل بموضوع التوحيد والتنزيه الذي أضفاه ابن سينا على واجب الوجود، وهي تأويل ما يدل على الجهة، إذ إن إثباتها يوجب إثبات المكان، وبالتالي يوجب إثبات الجسمية. ومن الطبيعي أن فيلسوفاً بذل أقصى جهده في تأييد القول بوحدة واجب الوجود وبساطته، لا بدّ له أن يؤول الآيات التي يدل ظاهرها على وجود الجهة لواجب الوجود خوفاً من توهم المكان أو توهم الجسمية.
وللشيخ الرئيس تأويل للآية الكريمة التي تقول: {والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}.
ويفسر النسفي هذه الآية بأن (المَلَك) وردت للجنس بمعنى الجمع وهو أعم من الملائكة، (ويحمل عرش ربك) فوق المَلَك الذين على جوانبها (أي جوانب السماء التي تنشق يوم القيامة)، وهو ما يدل عليه معنى الآية التي تسبق هذه الآية والتي تقول: {وانشقت السماء فهي يومئذ واهية} يومئذ ثمانية منهم. واليوم تحمله أربعة وزيدت أربعة أخرى. ويروي الضحاك أن المقصود ثمانية صفوف. وقيل ثمانية أصناف.
ويقول ابن سينا إن العرش هو عبارة عن الموجودات الجسمانية المبدعة وينكر قول المشبهة الذين يقولون في (الاستواء على العرش) إن اللَّه تعالى على العرش لا على سبيل الحلول، ويرى أن الفلك التاسع الذي هو فلك الأفلاك هو نهاية الموجودات الجسمانية، واللَّه تعالى هناك، وعليه، لا على حلول، كما أوضح أرسطو في آخر كتاب سماع الكيان. والمقصود بالعرش في نظر ابن سينا ـ هو هذا الجرم أي فلك الأفلاك. ولما كان الفلك يتحرك بالنفس حركة شوقية، ونفوس الأفلاك ناطقة وكاملة وفعالة، والأفلاك لا تفنى ولا تتغير أبد الدهر، ومن جهة أُخرى تقول الشريعة إن الملائكة أحياء أبداً لا يلحقهم الموت كالإنسان، وهي إلى جانب ذلك ناطقة والحي الناطق غير الميت يسمى ملكاً، فإن الأفلاك تسمى ملائكة.
فإذا عرف هذا، وذكر في القرآن الكريم أن العرش محمول بثمانية، كان المقصود بذلك ثمانية أفلاك، حسبما جاء في نصوص ابن سينا.
والحمل إما أن يفهم على أنه حمل بشري وهو الأولى باسم الحمل، ومثله الحجر المحمول على ظهر الإنسان، وإما أن يفهم على أنه حمل طبيعي مثل الماء المحمول على الأرض ومثل النار المحمولة على الهواء. والمقصود في الآية الكريمة الحمل بالمعنى الثاني أي الحمل الطبيعي.
يتضح مما سبق أن الشيخ الرئيس يفسر الملائكة بالأفلاك، ويرى أن العرض هو الفلك التاسع أي فلك الأفلاك وأن واجب الوجود «هناك وعليه لا على حلول».
قدم العالم
1 ـ لا يوافق ابن سينا على رأي من يقولون إن الأجسام المفردة مكونة من أجزاء لا تتجزأ مع تناهي قسمة الأجزاء، ولا على رأي من يقولون إنها مكونة من أجزاء إلى غير نهاية. فليس وجود الجسم المفرد ـ على حدّ قوله ـ «هو من أجزاء فيه متناهية بالفعل غير متجزئة، ولا من أجزاء فيه غير متناهية. فإذن ليس للجسم المفرد بالفعل إلاّ ويحتمل التجزيء، فإذن إما أن ينتهي في التجزي في الآخرة فيكون مركباً من أجزاء لا تتجزى، لكن التالي كذب فالمقدم كذب، وإما أن لا يتناهى في التجزي البتة، وذلك هو المطلوب.
ويذهب الشيخ الرئيس إلى القول بقدم المادة والصورة والحركة.
أمّا بالنسبة لقدم المادة، فإن كل حادث فهو قبل وجوده إما ممتنع عن الوجود وإما ممكن الوجود، والأول محال، والثاني حق، وإلاّ لما وجد. ويقول المعلم الثالث في ذلك: «إشارة: كل حادث فقد كان قبل وجوده ممكن الوجود، فكان إمكان وجوده حاصلاً. وليس هو قدرة القادر عليه، وإلاّ لكان إذا قيل في المحال: إنه غير مقدور عليه، لأنه غير ممكن في نفسه، فقد قيل إنه غير مقدور عليه، لأنه مقدور عليه، أو أنه غير ممكن في نفسه، لأنه غير ممكن في نفسه. فبين إذن أن هذا الإمكان غير كون القادر عليه قادراً عليه. وليس شيئاً معقولاً بنفسه يكون وجوده لا في موضوع، بل هو إضافي، فيفتقر إلى موضوع. فالحادث يتقدمه قوة وجود، وموضوع.
ويفهم من النص أن الإمكان شيء مخالف لقدرة الفاعل، لأن ابن سينا قد علل القدرة بالإمكان، فيقال مثلاً هذا الشيء غير مقدور عليه لأنه غير ممكن في نفسه، والشيء لا يكون سبباً لنفيه، ومن جهة أخرى لا يجوز أن يكون الإمكان معنى عدمياً، فالممكن «إن يوجد قد سبقه إمكان وجوده، فلا يخلو إمكان وجوده من أن يكون معنى معدوماً أو معنى موجوداً، ومحال أن يكون معنى معدوماً وإلا فلم يسبقه إمكان وجوده، فهو إذن معنى موجود.
فالمادة إذن قديمة، وما دامت الصورة ملازمة لها، كانت ـ أي الصورة قديمة أيضاً، فالمادة «الجسمانية يستحيل أن توجد بالفعل متعرية عن الصورة».
ويقول ابن سينا كذلك: «وأيضاً فإن الصورة المادية ليست توجد مفارقة للمادة. فلا يخلو إما أن تكون بينهما علاقة المضاف، فلا تعقل ماهية كل واحد منهما إلاّ مقولة بالقياس إلى الآخر» ويذهب الشيخ الرئيس إلى أبعد من ذلك بالنسبة للصورة فيقول: «وليس كذلك فإنا نعقل كثيراً من الصور الجسمانية، ونحتاج إلى تكلف شديد حتى نثبت أن لها مادة».
هذا بالنسبة للمادة والصورة. أما الحركة فهي قديمة أيضاً ـ في رأي ابن سينا ـ فإنه يقول: «… فقد بَانَ أنه كان كلما فرضنا للحركة مبدأ بهذه الصفة كان قبلها حركة، فلا يكون للحركة المطلقة مبدأ، إلاّ الإبداع، ولا قبلها شيء إلاّ ذات المبدع، قبلية بالذات لا بالزمان. وكيف يكون قبلها شيء إلاّ ذات المبدع، وقد منعنا أن يكون للزمان في نفسه أن أول متقدم عليه بشيء أول إلاّ ذات الباري المبدع. ولذلك لا يكون للحركة ابتداء زماني إلاّ على جهة الإبداع ولا شيء متقدم عليها إلاّ ذات المبدع.
ويخشى ابن سينا من أن يظن ظان بأنه جعل الحركة ـ لقدمها ـ واجبة الوجود بدرجة تساوي واجب الوجود ذاته. فيقول: «إن واجب الوجود على نحوين، أحدهما واجب الوجود مطلقاً لذاته والآخر واجب الوجود بشرط وبغيره مثل كون الزوايا مساوية لقائمتين، فإن ذلك ليس واجباً مطلقاً، بل إذا كان الشكل مثلثاً».
وللشيخ الرئيس كلام آخر يدل على قدم الحركة فهو يقول: «فإنه قد بان لنا في الطبيعيات أن الزمان تابع للحركة. ولكن الاشتغال بهذا النحو من البيان يعرفنا إن كان الحركة قبل حركة، ولا يعرفنا أن تلك الحركة كانت علة لحدوث هذه الحركة. فقد ظهر ظهوراً واضحاً أن الحركة لا تحدث بعد ما لم تكن إلاّ بحادث، وذلك الحادث لا يحدث إلاّ بحركة ماسة لهذه الحركة. ولا تبالي أي حادث كان ذلك الحادث، كان قصداً من الفاعل أو إرادة، أو علماً، أو آلة، أو طبعاً، أو حصول وقت أوفق للعمل دون وقت أو حصول تهيؤ واستعداد من القابل لم يكن، أو وصول من المؤثر لم يكن، فإنه كيف كان، فحدوثه متعلق بالحركة، لا يمكن غير هذا».
2 ـ هذا هو رأي ابن سينا في قدم العالم، رأي لا يقبل شكاً ولا مداراة، بل هو رأي صريح في القول بالقدم، قدم العناصر التي تتكون منها الأجسام السماوية والأرضية، وإن كان قد فرق «بين عالم السماء والأرض، من ناحية أن الأول قديم بمادته وصورته الجسمية المشخصة، والثاني قديم بمادته ومطلق صورة جسمية».
فكيف وفّق ابن سينا بين هذا القول وبين رأي الدين في أن اللَّه خلق السماوات والأرض، وأنه هو الصانع والمبدع والفعال لكل ما في العالم؟
إن للشيخ الرئيس في هذا الصدد تأويلات عقلية وفق بها بين رأي الفلسفة ورأي الدين، نحاول عرضها فيما يلي:
أ ـ الكائنات عند ابن سينا إما ممكنة الوجود جميعاً وإما واجبة الوجود جميعاً والفرض الأول محال، إذ إن الممكن في حاجة إلى علة تخرجه من حيز الإمكان إلى حيز الفعل. والفرض الثاني محال أيضاً، لأن بعض اكائنات متحرك يحتاج إلى علة تحركه، بعضها مركب يحتاج إلى علة تركبه، وأجزاء المركب تسبقه في الوجود.
فالحاصل إذن أن بعض الكائنات ممكن الوجود وبعضها واجب الوجود. وواجب الوجود لا يمكن تصور عدمه، فهذا التصور يوقعنا في المجال ولا يمكن أن يسبقه شيء في الوجود، فإن هذا الشيء يكون أولى منه بالوجوب. وبالتالي يجب أن يكون واجب الوجود بسيطاً، لأنه لو لم يكن كذلك لاحتاج إلى فاعل للتركيب والإيجاد. إذن لا بدّ أن يكون واجب الوجود أولاً وبسيطاً ومنزهاً عن التركيب.
وممكن الوجود ممكن بذاته واجب بغيره.
والعالم ممكن بذاته ولكنه واجب بغيره، إذ إنه كان في علم اللَّه، وما كان في علم للَّه لا بدّ أن يكون. فليس العالم حادثاً في الزمان، لأن الزمان قديم قدم العالم، فقد تحرك العالم فوجد الزمان مع هذه الحركة «فالعالم كما كان في إرادة اللَّه قديم، وكما كان بالحركة مسبوق بذات اللَّه وهو سبق سرمدي لا يحده زمان».
ولابن سينا كلام في معنى البعدية في كتابه «الإشارات والتنبيهات» هو: تنبيه: قد يكون بعد الشيء من وجوه كثيرة: مثل البعدية الزمانية والمكانية. وإنما نحتاج الآن من الجملة إلى ما يكون باستحقاق الوجود، وإن لم يمتنع أن يكونا في الزمان معاً، وذلك إذا كان وجود هذا عن آخر، ووجود الآخر ليس عنه، فما استحق هذا الوجود إلاّ والآخر حصل له الوجود، ووصل إليه الحصول. وأما الآخر فليس يتوسط هذا بينه، وبين ذلك الآخر في الوجود، بل يصل إليه الوجود لا عنه، وليس يصل إلى ذلك إلاّ مارّاً على الآخر. وهذا مثل ما تقول: حركت يدي فتحرك المفتاح، أو ثم تحرك المفتاح، ولا تقول تحرك المفتاح فتحركت يدي، أو ثم تحركت يدي. وإن كانا معاً في الزمان. فهذه بعدية بالذات. ثم أن تعلم أن حال الشيء الذي يكون للشيء باعتبار ذاته، متخلياً عن غيره، قبل حاله من غيره، قبلية بالذات. وكل موجود عن غيره، يستحق العدم لو انفرد، أو لا يكون له وجود لو انفرد، بل إنما يكون له الوجود عن غيره. فإذاً لا يكون له وجود، قبل أن يكون له وجود، وهو الحدوث الذاتي.
ومعنى ذلك ـ كما يقول نصير الدين الطوسي ـ إن المتقدم يقال بخمسة معان: أحدها بالزمان، والثاني بالمرتبة أو الوضع الذي يكون التأخر المكاني صنفاً منه، والثالث بالشرف، والرابع بالطبع، والخامس بالمعلولية. والأخيران يشتركان في معنى واحد وهو التأخير بالذات، والمعنى المشترك أن يكون الشيء محتاجاً إلى آخر في تحققه ولا يكون ذلك الآخر محتاجاً إلى ذلك الشيء. فالمحتاج هو المتأخر بالذات عن المحتاج إليه».
فبعدية العالم بعد اللَّه بعدية بالذات، وتقدم اللَّه على العالم تقدم بالذات لا بالزمان.
ويظهر تأويل ابن سينا أكثر وأكثر في تفسيره لمعنى الفاعل والمفعول، وللصنع والإبداع ولألفاظ «أوجد وصنع وفعل» وفي تفسيره لمعنى الاختيار.
وهذا الرأي نجده واضحاً جلياً في كتابه «الإشارات والتنبيهات». يقول الشيخ الرئيس: «وهم وتنبيه: إنه قد سبق إلى الأوهام العامية أن تعلق الشيء الذي يسمونه مفعولاً بالشيء الذي يسمونه فاعلاً هو من جهة المعنى الذي تسمي به العامة المفعول مفعولاً، والفاعل فاعلاً. وتلك الجهة أنّ ذلك أوجَدَ وصَنَعَ وفَعَلَ، وهذا أُوجِدَ وفُعِلَ وصُنِعَ، وكل ذلك يرجع إلى أنه قد حصل للشيء من شيء آخر، ووجودٌ بعد ما لم يكن. وقد يقولون: إنه إذا وجد، فقد زالت الحاجة إلى الفاعل، حتى أنه لو فُقد الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجوداً، كما يشاهدونه من فقدان البنَّاء، وقِوام البِناء، حتى أن كثيراً منهم لا يتحاشى أن يقول: لو جاز على الباري تعالى العدم لما ضر عدمُه وجودَ العالم، لأن العالم عنده، إنما احتاج إلى الباري تعالى في أن أوجده، أي أخرجه من العدم إلى الوجود، حتى كان بذلك فاعلاً، فإذا قد فُعِلَ وحصل له الوجود عن العدم، فكيف يخرج بعد ذلك إلى الوجود عن العدم، حتى يحتاج إلى الفاعل؟ وقالوا: لو كان يفتقر إلى الباري تعالى من حيث هو موجود، لكان كل موجود، مفتقراً إلى موجود آخر، والباري أيضاً، وكذلك إلى غير النهاية، ونحن نوضح الحال في كيفية ذلك، وفيما يجب أن يعتقد في هذا».
«تنبيه» يجب علينا أن نحلل معنى قولنا: صنع، وفعل، وأخذ، إلى الأجزاء البسيطة من مفهومه ونحذف منه ما دخوله في الفرض دخول عرضي.
فنقول: إذا كان الشيء من الأشياء معدوماً، ثم إذا هو موجود بعد العدم بسبب شيء ما، فإنا نقول له: «مفعول» ولا نبالي الآن. أكان أحدهما محمولاً عليه الآخر: مساوياً أو أخص حتى يحتاج مثلاً إلى أن يزاد فيقال: موجود بعد العدم بسبب ذلك الشيء، يتحرك من الشيء ومباشرة وبآلة، وبقصد اختياري، أو غيره، أو بطبع، أو تولد، أو غير ذلك، أو بشيء من مقابلات هذه، فلسنا نلتفت الآن إلى ذلك. على أن الحق أن هذه الأمور له زائدة على كون الشيء مفعولاً، والذي يقابله، ويكون بسببه، فإنا نقول له: فاعل. والدليل على هذه المساواة أنه لو قال قائل: فعل بآلة، أو بحركة، أو بقصد أو بطبع، لم يكن أورد شيئاً ينقص كون الفعل فعلاً، أو يتضمن تكريراً في المفهوم، أما النقص: فمثلاً لو كان مفهوم الفعل يمنع عن أن يكون بالطبع، فإذا قال: فعل بالطبع كان كأنه قال: فعل ما فعل. وأما التكرير: فمثلاً لو كان مفهوم الفعل يدخل فيه الاختيار، فإذا قال فعل بالاختيار، كان كأنه قال: إنسان حيوان. فإذا كان مفهوم الفعل ذلك، أو كان بعضَ مفهوم الفعل، فليس يضرنا ذلك في غرضنا. ففي مفهوم الفعل وجود وعدم وجود، وكون ذلك الوجود بعد العدم، كأنه صفة لذلك الوجود محمولة عليه. فأما العدم فلن يتعلق بفاعِل وجود المفعول. وأما كونُ هذا الوجود موصوفاً بأنه بعد العدم، فليس بفعل فاعل، ولا جعل جاعل، إذ هذا الوجود لمثل هذا الجائز العدم لا يمكن أن يكون إلاّ بعد العدم. فبقي أن يكون تعلقه من حيث هو هذا الوجود: إما وجود ما ليس بواجب الوجود. وإما وجود ما يجب أن يسبق وجوده العدم».
«تكملة وإشارة: فالآن لنعتبر أنه لأي الأمرين يتعلق: فنقول: إن مفهوم كونه غير واجب الوجود بذاته، بل بغيره، لا يمتنع أن يكون على قسمين: أحدهما: واجب الوجود بغيره دائماً، والثاني: واجب الوجود بغيره وقتاً مّا.
فإن هذين يُحمل عليهما واجب الوجود بغيره، ويسلب عنهما واجب الوجود بذاته من حيث المفهوم، ما لم يمنع شيء من خارج. وأما مسبوق العدم فليس له إلا وجه واحد، وهو في مفهومه أخص من مفهوم الأول. والمفهومان جميعاً يحمل عليهما التعلق بالغير. وإذا كان معنيان أحدهما أعم من الآخر، ويحمل على مفهوميهما معنى، فإن ذلك المعنى: للأعم، بذاته أولاً، وللأخص بعده ثانياً. لأن ذلك المعنى لا يلحق الأخص، إلاّ وقد لحق الأعم، من غير عكس. حتى لو جاز ههنا أن لا يكون مسبوق العدم يجب وجود لغيره، ويمكن له في حدّ نفسه، لم يكن هذا التعلق. فقد بان أن هذا التعلق هو بسبب الوجه الآخر. ولأن هذه الصفة دائمة الحمل على المعلولات، ليس في حال الحدوث فقط فهذا التعلق كان دائماً. وكذلك لو كان لكونه مسبوق العدم، فليس هذا الوجود إنما يتعلق حال ما يكون بعدم العدم فقط، حتى يستغني بعد ذلك عن الفاعل».
من هذا النص نرى أن الشيخ الرئيس يريد بالصنع إيجاد الشيء مسبوقاً بالعدم، والإبداع إيجاد شيء غير مسبوق بالعدم، ولقد ظن الجمهور أن احتياج المفعول إلى الفاعل آت من المعنى المشترك بين معاني الفعل والصنع والإيجاد، وهو حصول وجود المفعول، بعد عدمه، عن الفاعل، أي إحداث الفاعل إياه فقط، فإذا حدث المفعول استغنى عن الفاعل، وبقي حتى لو استغنى عن الفاعل.
وهذا الظن ـ في رأي ابن سينا ـ راجع إلى بقاء بعض الأفعال بعد فناء الفاعل مثل ما يشاهد بالنسبة للبناء والبنّاء. وراجع أيضاً إلى أن الفاعل إذا أوجد الفعل وهو موجود فعلاً فإن ذلك يكون من قبيل تحصيل الحاصل، وهذا خلف. وأن الفعل ـ لو كان بعد حدوثه محتاجاً إلى الفاعل ـ لكان محتاجاً إليه في وجوده.
ويحلل ابن سينا ألفاظ «فعول، أو مصنوع، أو موجود» ويشرح المعنى المشترك بينهما. فيتساءل هل الموجود بعد العدم بسبب شيء، هل جميع أجزائه معتبرة في الاحتياج؟ أم بعضها معتبرة فيه فقط، وما بقي يعد مقارناً لذلك البعض بالعرض، ليتعين المعنى المتعلق بالفاعل؟ إن المفعول يكون أخص من المحدث إذا كان المعنى المحدث يصير بزيادة معنى مخصص مساوياً لمعنى المفعول. ولكن الشيخ الرئيس استعمله على أنه مساو للمحدث واستعمل المحدِث على أنه مساو للفاعل، فقصده هنا هو المعنى المشترك (لإيجاد الفعل والصنع) فأهل اللغة فسروا الفعل بإحداث شيء ما فقط، وهذا يؤيد ما ذهب إليه.
إذن معنى الفعل هو حصول وجود بعد العدم، عن سبب ما.
وهذا المعنى يتضمن ثلاثة أشياء: وجود، وعدم، وكون الوجود بعد لعدم. والعدم ليس متعلقاً بالفاعل، لأنه لا شيء.
وكون الوجود بعد العدم، لا يتعلق به أيضاً، لأنه صفة واجبة لمثل هذا الوجود، فإن كثيراً من الممكنات يلحقها أوصاف تجب بماهياتها لذواتها، لا لشيء آخر.
بقي أن يكون المتعلق بالفعل هو الوجود، وليس هو الوجود العام، لأن وجود الواجب لا يتعلق بالفاعل، بل هو إما وجود شيء ليس بواجب أو وجود شيء مسبوق بالعدم.
والوجود الأول أعم، إذ إن الواجب بغيره إما أن يكون غير مسبوق بالعدم، وهو الواجب بغيره دائماً، أو مسبوقاً بالعدم، وهو الواجب لغيره وقتاً ما. والواجب بالغير أعم من المسبوق بالعدم، من حيث المفهوم، وقد يحمل عليهما معاً، التعلق بالغير. فكل معنيين أحدهما أعم من الآخر يحمل عليهما معنى ثالث، فإن ذلك المعنى يكون للأعم أولا وبالذات، وللأخص بعده وبسببه، فهذا المعنى لا يلحق الأخص إلاّ وقد لحق الأعم، ويمكن أن يلحق الأعم من غير أن يلحق الأخص، إذ لو كان لحوقه للأخص بذاته، لما كان لاحقاً لغير الأخص.
والخلاصة أن التعلق بالغير ليس للمسبوق بالعدم بسبب كونه مسبوقاً بالعدم، بل بسبب كونه واجباً بالغير. وإذا ثبت هذا ثبت أن التعلق بالغير يكون للمسبوق بالغير دائماً، لا في حال حدوثه فقط، بل في جميع أوقات وجوده. وبذا يكون التعلق للمفعول كائناً دائماً، بخلاف ما ظنه الجمهور. وعلة التعلق لو كان أيضاً «كون المفعول مسبوقاً بالعدم» على ظن الجمهور، تكون أيضاً دائمة، لأن هذه الصفة حاصلة للمفعول المسبوق بالعدم في جميع أوقات وجوده، وليست خاصة بحال حدوثه فقط حتى يكون بعد ذلك مستغنياً عن فاعله.
3 ـ أمّا معنى الاختيار فإن الشيخ الرئيس يرى أن القول بالقدم يجعل كمال اللَّه وتنزهه عن النقص واختياره في أبهى الصور، على عكس القول بالحدوث الذي يتضمن التعطيل على واجب الوجود حيث لم يفعل منذ الأزل.
فماذا قال الشيخ الرئيس في هذا الموضوع؟ يرى ابن سينا أن الباري ـ جلَّ وعلا ـ ليس مستكملاً بغيره، ولذا فإنه ليس فاعلاً بالقصد والإرادة، فهو موجب، وهذا يؤكد القول بقدم العالم. ويرى أيضاً أن القائلين بالحدوث عذرهم أنهم عولوا على قولهم: إن الباري تعالى أراد في الأزل خلق العالم في وقت معين. وهذا العذر يبطل بإبطال ابن سينا للقول بأن اللَّه يفعل بالإرادة.
وللمعلم الثالث في ذلك بعض النصوص نذكر بعضها فيما يلي: «تنبيه: أتعرف ما الغني؟ الغني التام هو الذي يكون غير متعلق بشيء خارج عنه في أُمور ثلاثة في ذاته، وفي هيئات متمكنة من ذاته، وفي هيئات كمالية إضافية لذاته. فمن احتاج إلى شيء آخر خارج عنه حتى يتم له: ذاته أو حال متمكنة من ذاته، مثل شكل أو حسن أو غير ذلك. أو حال لها إضافة ما كعلم، أو عالمية، أو قدرة، أو قادرية. فهو محتاج إلى كسب».
تنبيه: اعلم أن الشيء الذي إنما يحسن به أن يكون عنه شيء آخر ويكون ذلك أولى وأليق من أن لا يكون، فإنه إذا لم يكن عنه ذلك: لم يكن ما هو أولى وأحسن به مطلقاً. وأيضاً لم يكن ما هو أولى وأحسن به مضافاً. فهو مسلوب كمال ما، يفتقر إلى كسب. «تنبيه: فما أقبح ما يقال: من» أن الأمور العالية تحاول أن تفعل شيئاً لما تحتها، لأن ذلك أحسن بها ولتكون فعالة للجميل، فإن ذلك من المحاسن، والأمور اللائقة بالأشياء الشريفة وأن الأول الحق يفعل شيئاً لأجل شيء، وأن لفعله لِّمِيَّة». «تذنيب». أتعرف ما الملِك؟ الملك الحق هو الغني الحق مطلقاً ولا يستغنى عنه شيئاً في شيء، وله ذات كلِّ شيء، لأن كل شيء منه أو مما منه ذاته. فكل شيء غيره فهو له مملوك، وليس له إلى شيء فقر». «تنبيه: أتعرف ما الجود؟ الجود هو إفادة ما ينبغي لا لعوض، فلعل من يهب السكين لمن لا ينبغي له، ليس بجواد. ولعل من يهب ليستعيض معامل، وليس بجواد. وليس العوض كله عيناً، بل وغيرُه، حتى الثناء، والمدح والتخلص من الذمة، والتوصل إلى أن يكون على الأحسن، أو على ما ينبغي. فمن جاد ليشرف، أو ليحمد، أو ليحسن به ما يفعل، فهو مستعيض غير جواد. فالجواد الحق هو الذي تفيض منه الفوائد لا لشوق منه، وطلب قصدي، لشيء يعود إليه. واعلم أن الذي يفعل شيئاً، لو لم يفعله، قبح به، أو لم يحسن منه، فهو بما يفيده من فعله متخلص». «إشارة: والعالي لا يكون طالباً أمراً لأجل السافل، حتى يكون ذلك جارياً منه مجرى الغرض، فإن ما هو غرض قد يتميز عند الاختيار من نقيضه، ويكون عند المختار أنه أولى وأوجب، حتى أنه لو صح أن يقال فيه: إنه أولى في نفسه وأحسن، ثم لم يكن عند الفاعل أن طلبه وإرادته أولى به وأحسن، لم يكن غرضاً. فإذن الجواد والملك الحق لا غرض له. والعالي لا غرض له في السافل».
وهذا يعني أن الفعل إذا كان يفعل بالقصد فإنه يكون مستكملاً بغيره واللَّه تعالى إذا كان يفعل بالقصد «سواء كان يقصد مصلحته، أو مصلحة غيره، فيكون مستكملاً بالغير. ولكن اللَّه لا يصح أن يكون مستكملاً بالغير» لأنه غني وملك وجواد. وهذه الصفات ذاتية له. «والقول بالاختيار يقتضي سلب الكمال عن اللَّه، ولا يحقق الكمال له كما يدعي المتكلمون. وإذا كان القرآن قد أثبت الاختيار للَّه وهو بهذا المعنى المتعارف عليه يستلزم النقص، فيجب أن يحمل على معنى آخر يليق بكماله. ونستطيع أن نقول إن معنى أنه مختار أنه ليس بمكره من الغير، وراض عن صدور العالم عنه، وعلى ذلك فاللَّه فاعل: واللَّه مختار بهذا المعنى، ولا يستلزم فعله واختياره القول بحدوث العالم، بل إن القول بالحدوث يتنافى مع ما وجب للَّه من صفات الكمال، وهي الغنى والملك والجود الذي لا يقابل بعوض مهما كان».
وهكذا يؤول ابن سينا معنى الاختيار ويجعل الخلق الذي قال به الدين لا يتنافى مع القدم الذي قالت به الفلسفة، بل إن كمال اللَّه يستلزم القول بالقدم.
تأويل ابن سينا للشر
إن آيات الكون العجيبة وحكمه الباهرة لا يمكن أن تصدر اتفاقاً، وإنما هي وليدة تدبير محكم ونظام دقيق، وهذه هي العناية. والعناية ـ عند ابن سينا ـ عبارة عن علم اللَّه الأزلي بنظام الخير والكمال، وصدور العالم عنه وفق ذلك وعلى أكمل وجه ممكن. وبالرغم من هذا يسلم الشيخ الرئيس بوجود الشر ولكن الشر عنده يقال على وجوه، فيقال مثلاً للنقص والضعف والتشويه في الخلقة فينتج الألم والغم، ويقال على الذنوب والمعاصي، ويقال على القحط والجدب. «وكم يذكرنا هذا بتلك القسمة الثلاثية التي قال بها ” لينتز” بعده بنحو سبعة قرون، وتقوم على تقسيم الشرور إلى ثلاثة أقسام: طبيعية وأخلاقية وميتافيزيقية».
وهذه الشرور لا تقع إلاّ في عالم ما تحت فلك القمر، إذ إن عالم السماوات خير كله، يقول ابن سينا: «فكل شيء وجوده على كماله الأقصى، وليس فيه ما بالقوة، فلا يلحقه شر وإنما الشر يلحق ما في طباعه ما بالقوة، وذلك لأجل المادة وجميع سبب الشر إنما يوجد فيما تحت فلك القمر، وجملة ما تحت فلك القمر طفيف بالقياس إلى سائر الوجود».
ذلك إن الشر إنما يلحق ما في طباعه ما بالقوة وذلك لأجل المادة. ولحوق الشر للمادة إما أن يكون لأمر عرض لها في نفسها كأن يعرض لها في أول وجودها بعض أسباب الشر الخارجة، «مثال المادة التي يتكون منها إنسان أو فرس إذا عرض لها من الأسباب الطارئة ما جعلها أردأ مزاجاً وأعصى جوهراً، فلم تقبل التخطيط والتشكيل والتقويم، فتشوهت الخلقة، ولم يوجد المحتاج إليه من كمال المزاج والبنية، لا لأن الفاعل حرم بل لأن المنفعل لم يقبل. وإما لأمر طارىء من خارج مثل مانع أو حائل ومبعد للمكمل، أو مضاد واصل ممحق للكمال.
فالوجود ـ عند ابن سينا ـ خيرية وكمال الوجود خيرية الوجود، والمبدأ الأول وهو مفيض الوجود خير محض وكمال محض.
إنما يأتي الشر من العدم «فالشر بالذات هو العدم ولا كل عدم، بل عدم مقتضى طباع الشيء من الكمالات الثابتة لنوعه وطبيعته، والشر بالعرض هو المعدوم أو الحابس للكمال عن مستحقه، ولا خير من عدم مطلق إلاّ عن لفظه، فليس هو بشر حاصل، ولو كان له حصول ما لكان الشر العام. فكل شيء وجوده على كماله الأقصى، وليس فيه ما بالقوة فلا يلحقه شر».
فالعناية الإلهية عند الشيخ الرئيس ترتبط بنظرية في الوجود، فواجب الوجود خير محض تفيض خيريته على العقول المفارقة، ويفيض الخير من العقول المفارقة على عالم الكون والفساد. فالخير متجه من الأعلى إلى الأدنى، على عكس العشق الذي يتجه من الأدنى إلى الأعلى. وكلما سار الخير من المبدأ الأول إلى كافة المخلوقات تناقص حسب ترتيبها من الملأ الأعلى إلى الأرض، لكن العشق يتزايد بصعوده من الأرض إلى السماء . يقول ابن سينا: «وكلما زادت الخيرية زاد استحقاق المعشوقية، وزادت العاشقية للخير. فالإله أكثر استحقاقاً للمعشوقية من العقل الأول لأنه خير أعلى، وكمال مطلق، والعقل الأول أكثر استحقاقاً للمعشوقية من العقل الثاني، وهكذا دواليك». فالعشق عام في الوجود، وما دام الأمر كذلك فالخير غالب على الشر، لأن الشر بذاته ـ كما قلنا سابقاً ـ هو العدم، والشر المطلق هو العدم المطلق. ولو كان الشر أكثر من الخير لانعدم الوجود كله. إن الشر يفيض بالعرض، أما الخير فمقتضى بالذات، ومعنى ذلك أن الإله لا يريد إلاّ الخير، وهو ينفح العالم بنسماته، ويريد أن تعم صورته جميع الموجودات.
الشر إذن قد وجد لأن طبيعة المادة فيها إمكان وقوة، فالنقص الذي يوجد في الموجودات إنما مرجعه إلى درجة الإمكان فيها، لا إلى وجوب وجودها المستمد من اللَّه «فالوجوب والخيرية متناسبان، والإمكان والشر متساوقان» والمادة إذا تحقق وجودها من حالة القوة إلى حالة الفعل بالصورة التي تفيض عليها من العقل الفعال يفيض عليها الخير، ولولا ذلك لظلت في عدم وشر.
بقيت مسألة هامة، هي، لماذا خلق اللَّه الشر. أما كان من الممكن أن يكون العالم خيراً محضاً؟
اللَّه قادر على كل شيء، قادر أن يخلق خيراً محضاً بدون شر. ولكن ذلك لا يتحقق إلاّ في الوجود المطلق. أما الوجود المشتمل على الوجوب والإمكان فليس من الجائز ـ كما يقول ابن سينا ـ أن يكون خيراً محضاً مبرأ عن الشر إذ إن فيه الإمكان إلى جانب الوجود وفيه المادة إلى جانب الصورة، وفيه القوة إلى جانب الفعل، إذن لا بدّ وأن يكون فيه شر.
ولكن يجب ألا يبعث ذلك على التشاؤم، لأن الشر في حقيقته عرض جزئي سلبي قليل الذيوع، بعكس الخير الذي هو إيجابي بالطبع. «وإذا كان الشر إيجابياً أحياناً فهو يتقهقر دائماً أمام الجود الإلهي».
«فالشر ـ كما يقول الشيخ الرئيس ـ في أشخاص الموجودات قليل، ومع ذلك فإن وجود الشر في الأشياء ضرورة تابعة للحاجة إلى الخير». ويضرب ابن سينا في هذا مثلاً فيقول: «إن النار إذا كان وجودها أن تكون محرقة، وكان وجود المحرق هو أنه إذا مس ثوب الفقير أحرقه، وكان وجود ثوب الفقير أنه قابل للاحتراق، وكان وجود كل واحد منهما أن يعرض له حركات شتى، وكان وجود الحركات الشتى في الأشياء على هذه الصفة وجوداً ما يعرض له الالتقاء، وكان وجود الالتقاء بين الفاعل والمنفعل بالطبع وجوداً يلزمه الفعل والانفعال، فإن لم تكن الثواني لم تكن الأوائل، فالكل إنما رتبت فيه القوى الفعالة والمنفعلة السماوية والأرضية الطبيعية والنفسانية، بحيث تؤدي إلى النظام الكلي مع استحالة أن تكون هي على ما هي عليه ولا تؤدي إلى شرور. فيلزم من أحوال العالم بعضها بالقياس إلى بعض أن يحدث في نفس ما صورة اعتقاد رديّ أو كفر أو شر آخر في نفس أو بدن، بحيث لو لم يكن كذلك لم يكن النظام الكلي يثبت، فلم يعبأ ولم يلتفت إلى اللوازم الفاسدة التي تعرض بالضرورة. وقيل: خلقت هؤلاء للنار ولا أبالي، وخلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي. وقيل: كل ميسر لما خلق له.
نظرية النبوة
نظرية النبوة من النظريات التي تعتمد عليها الأديان السماوية، فالنبي هو الشخص الذي يتلقى الوحي والإلهام عن اللَّه ويعبر عن إرادته. والإسلام ككل دين سماوي يستمد قوته من السماء، ومحمد(ص) لا ينطق عن الهوى، فإن العقائد والقوانين التي دعا إليها عبارة عن وحي مباشر أو غير مباشر جاءت في صورة قرآن أو سنة.
وأمام هذا كان لفلاسفة الإسلام أن يجعلوا للنبوة مكاناً بارزاً في فلسفاتهم، ويفسروا ما جاء به الدين من نصوص ثابتة تفسيراً عقلياً يتفق ومذاهبهم.
وقد أبلى الفارابي في هذا الميدان أحسن البلاء. وتلاه ابن سينا، فشرح نظرية النبوة، ووضعها على أسس ودعائم عقلية، مستخدماً التأويل العقلي لبعض النصوص الثابتة استخداماً كاد أن يخرج عن معالم الدين، إلاّ أنه كان مضطراً إلى ذلك، فقد كان يدافع عن النبوة أمام من أنكرها وجحد بها، ويحاول من جهة أخرى أن يوفق بين العقل والنقل.
ضرورة وجود النبي
يرى ابن سينا أن النبوة من ضرورات المجتمع، وأن وجود النبي من ألزم اللوازم لهداية الناس، ويقول في هذا: «فالحاجة إلى هذا الإنسان (أي النبي) في أن يبقى نوع الناس ويتحصل وجوده أشد من الحاجة إلى إنبات الشعر على الأشفار وعلى الحاجبين وتقعير الأخمص من القدمين وأشياء أخرى من المنافع التي لا ضرورة إليها في البقاء، بل أكثر ما لها أنها تنفع في البقاء. ووجود الإنسان الصالح لأن يسنّ ويعدل ممكن، كما سلف ذكره. فلا يجوز أن تكون العناية الأولى تقتضي تلك المنافع ولا تقتضي هذه التي هي أسسها، ولا أن يكون المبدأ الأول والملائكة تعلم ذلك ولا تعلم هذا، ولا أن يكون ما يعلمه في نظام الأمر الممكن وجوده الضروري حصوله لتمهيد نظام الخير لا يوجد، بل كيف يجوز أن لا يوجد وما هو متعلق بوجوده ومبني على وجوده موجود؟ فواجب إذن أن يوجد نبي، وواجب أن يكون إنساناً، وواجب أن تكون له خصوصية ليست لسائر الناس، حتى يستشعر الناس فيه أمراً لا يوجد لهم، فيتميز به عنهم. فتكون له المعجزات التي أخبرنا بها. فهذا الإنسان، إذا وجد، وجب أن يسن للناس في أمورهم سنناً بأمر اللَّه تعالى وإذنه ووحيه، وإنزاله الروح القدس عليه.
طبيعة النبوة
إذا أدرك الفكر الحدّ الأوسط من القياس، فإنه يكتسب الأمور العقلية من المجهول. وإدراك الفكر للحدّ الأوسط يكون عن أحد طريقين، أولهما طريق الحدس، وثانيهما طريق القياس والتعليم. والطريق الثاني لا بدّ وأن تكون فيه مبادىء تعليمية حصلت بالحدس عند أربابها، ثم انتقلت بعد ذلك إلى التلامذة والمريدين. والمهم هو أن الحدس أعلى من البرهان. وفيه تظهر قوة الذكاء الحقيقية. ويختلف الحدس من شخص إلى آخر، فمن الناس من حدسهم قوي لا يحتاج إلى زمان، فينعقد القياس في أذهانهم بلا معلم، ومنهم من لا حدس له البتة. ومن الفريق الأول من «يكون مؤيد النفس بشدة الصفاء، وشدة الاتصال بالمبادىء العقلية إلى أن يشتعل حدساً، أعني قبولاً لإلهام العقل الفعال في كل شيء إما دفعه وإما قريباً من دفعه ارتساماً لا تقليدياً، بل بترتيب يشمل على الحدود الوسطى. فإن التقليدات في الأمور التي إنما تعرف بأسبابها ليست بيقينية عقلية. وهذا ضرب من النبوة، بل أعلى قوى النبوة، والأولى أن تسمى هذه القوة قدسية، وهي أعلى مراتب القوى الإنسانية».
والتفاوت في الحدس يرجع إلى قوة المخيلة وضعفها، فقد يتفق لدى بعض الناس أن تخلق فيه القوة المتخيلة شديدة جداً بحيث لا تستولي عليها الحواس ولا العقل فهؤلاء تكون لهم في اليقظة ما يكون لغيرهم في المنام من إدراك المغيبات.
فإدراك الأمور الغيبية حالة يراها ابن سينا ممكنة، ويقول في ذلك: «تنبيه: وإذا بلغك أن عارفاً حدَّث عن غيب، فأصاب متقدماً ببشرى، أو نذير، فصدق، ولا يتعسرن عليك الإيمان به، فإن لذلك في مذاهب الطبيعة أسباباً معلومة». ثم يقول: «إشارة: التجربة والقياس متطابقان على أن للنفس الإنسانية أن تنال من الغيب نيلاً ما، في حالة المنام. فلا مانع من أن يقع مثل ذلك النيل في حال اليقظة، إلاّ ما كان إلى زواله سبيل، ولارتفاعه إمكان. أما التجربة: فالتسامع والتعارف يشهدان به. وليس أحد من الناس إلاّ وقد جرب ذلك في نفسه تجارب ألهمته التصديق. اللهم إلاّ أن يكون أحدهم فاسد المزاج، نائم قُوَى التخيل والتذكر. وأما القياس فاستبصر به من تنبيهات». تنبيه: قد علمت فيما سلف أن الجزئيات منقوشة في العالم العقلي، نقشاً على وجه كلي، ثم قد نبهت لأن الأجرام السماوية لها نفوس ذوات إدراكات جزئية وإرادات جزئية تصدر عن رأي جزئي. ولا مانع لها من تصور اللوازم الجزئية، من الكائنات عنها في العالم العنصري». «إشارة: ولنفسك أن تنتقش بنقش ذلك العالم: بحسب الاستعداد. وزوال الحائل. وقد علمت هذا، فلا تستنكرن أن يكون بعض الغيب، ينتقش فيها من عالمه فالشيخ الرئيس يرى أن إدراك الغيبيات حالة تتفق مع الأمور الطبيعية، وليس فيها شذوذ ولا خروج عن قوانين الطبيعة.
النبي والمعجزة
وهو إذ يفسر الأمور الغيبية بهذا التفسير، يرى أن المعجزات أو خوارق العادات التي تظهر عند النبي وإن كانت تخالف المألوف وتتميز عن الأمور المشاهدة إلاّ أنها لا تخالف النظام الطبيعي الذي تسير عليه، ويرى أن لها أسباباً تؤدي إليها.
ويقول في ذلك: «تنبيه: ولعلك قد تبلغك عن العارفين أخبار، تكاد تأتي بقلب العادة، فتبادر إلى التكذيب. وذلك مثل ما يقال: إن عارفاً استسقى للناس فسقوا، أو استسقى لهم فشفوا، أو دعا عليهم فخسف بهم وزلزلوا أو هلكوا بوجه آخر. ودعا لهم فصرف عنهم الوباء والموتان والسيل والطوفان أو خشع لبعضهم سَبُع، أو لم ينفر عنه طائر، أو مثل ذلك، مما لا تؤخذ في طريق الممتنع الصريح. فتوقف ولا تعجل، فإن لأمثال هذه أسباباً في أسرار الطبيعة، وربما يتأتى لي أن أقص بعضها عليك». ثم يذكر الشيخ الرئيس بعد ذلك أن النفس الناطقة تؤثر في البدن، بالرغم من اختلافهما في الجوهر. فالماشي على جذع معروض فوق فضاء يقع من الوهم، بعكس الماشي على جذع فوق الأرض. فلا غرابة إذن من أن يكون لبعض النفوس ملكة يتعدى تأثيرها بَدَنها، وتكون لقوتها كأنها نفس مَا للعالم، وبذا تستطيع أن تفعل من أجرام آخر أو في نفوس أخرى. وهذه القوة التي للنفس تكون فطرية وقد تكون بمزاج طارىء، وقد تكون بالكسب. فإذا وقعت في جبلة النفس وكان صاحب النفس خيّراً رشيداً كان ذا معجزة إذا كان نبياً، أو صاحب كرامة إذا كان ولياً، أما إذا كان صاحب النفس شريراً، كان ساحراً خبيثاً.
خاصية النبي
يمتاز النبي بمخيلة قوية جداً لا تستولي عليها الحواس، ولا تعصيها القوة المصورة. وتمتاز أيضاً نفس النبي بالقوة فلا يستولي عليها العقل. وبذا يكون له في اليقظة ما يكون لغيره في المنام من إدراك المغيبات. ويحدث أحياناً أن يغيب النبي آخر الأمر عن المحسوسات ويصيبه الإغماء، ولكن هذه الحال ليست دائماً. وكثيراً ما يرى النبي الشيء بحاله وأحياناً يتخيل له مثاله. وكثيراً ما يتمثل للنبي شبح ويتخيل أن ما يدركه خطاب من ذلك الشبح بألفاظ مسموعة تحفظ وتتلى. «وهذه هي النبوة الخاصة بالقوة المتخيلة».
يقول ابن سينا: «والذين يرون هذه الأمور في اليقظة، منهم من يرى ذلك لشرف نفسه وقوتها وقوة متخيلته ومتذكرته، فلا تشغلها المحسوسات عن أفعالها الخاصة، ومنهم من يرى ذلك لزوال تميزه، ولأن النفس التي له منصرفة عن التميز، لذلك فإن قوي تخيله فهو قادر على تلقي تلك الأمور الغيبية في حال اليقظة. فإن النفس محتاجة في تلقي فيض الغيب إلى القوة الباطنة من وجهين: أحدهما ليتصور فيها المعنى الجزئي تصوراً محفوظاً. والثاني لتكون معينة لها متصرفة في جهة إرادتها، لا شاغلة إياها جاذبة لها إلى جهتها».
ولقد أفرد المعلم الثالث رسالة خاصة لإثبات النبوات على العموم، والتأويل العقلي للملك والوحي سماها «إثبات النبوات وتأويل رموزهم». مهد فيها لنظريته بالكلام عما هو موجود بالقوة وما هو موجود بالفعل، وقدر أن ما وجد في شيء بالذات يصح فيه بالفعل أبداً، وما وجد في شيء بالعرض قد يكون فيه مرة وبالفعل أخرى، وأن ما هو موجود بالفعل مسبّب لما هو موجود بالقوة، والسبب مفضل على المسبَّب، أي أن الوجود بالفعل مفضل على الوجود بالقوة. وعلى ضوء هذا يطبق نظريته على قوى النفس الإنسانية، فهذه النفس التي أجمع الفلاسفة على تسميتها بالقوة الناطقة أو المفكرة برغم أنها حظ مشترك بين الناس جميعاً، لم يهب الناس من قواها حظوظاً متساوية. ولذا وجد التفاوت بين أفراد البشر بتفاوت درجات أنصبتهم من قوى النفس وملكاتها. وهذه القوى الثلاث:
1 ـ العقل الهيولاني. وتسمى كذلك، لأنها وإن كانت لها المقدرة على انتزاع الصور الكلية من مواردها، إلاّ أنه ليس لها القدرة على تحديد صورها، مثلها كمثل الهيولى…
2 ـ أمّا القوة الثانية فلها ملكة التصور بالصور الكلية، وهي التي تحوي الآراء المسلمة العامة.
3 ـ وكلتا القوتين السالفتي الذكر عقلان تامان بالقوة.
4 ـ أمّا القوة الثالثة فهي التي تتصور بصور الكليات المعقولة بالفعل، وهي ليست شيئاً آخر غير خروج القوتين السابقتين من القوة إلى الفعل. ولذا أطلق عليها ابن سينا (العقل الفعال).
وسبيل خروج هاتين القوتين من القوة إلى الفعل، إنما يتأتى عن طريق العقل الكلي أو النفس الكلية، وهي نفس العالم في نظر ابن سينا.
والذي تحققت فيه القوة الثالثة هو النبي الذي يتقبل الإفاضة أو الوحي عن طريق القوة المفيضة التي تدعى الملك. فالنبي هو الشخص الذي انتهى إليه التفاضل في الصور المادية، وإذا كان كل فاضل يسود المفضول ويرأسه، فإن النبي يسود ويرأس جميع الأجناس التي فضلها.
* * *
يظهر مما تقدم مدى التأويل العقلي عند ابن سينا في حديثه عن ضرورة النبوة، وتفسيره للمعجزات النبوية تفسير ارتباط علة بمعلول، وما يمتاز به النبي خصائص مميزة له عن سائر البشر من قوة جبارة في المخيلة وصفاء نفسي رائع.
وتأويل الشيخ الرئيس يظهر في شكل أوضح عندما يتحدث عن الوحي والملائكة وخاصة جبرائيل (عليه السلام).
يرى ابن سينا في رسالته عن «الفعل والانفعال وأقسامهما» أن الأفعال والانفعالات تتفاوت بحسب تفاوت الأمور العقلية، النفسانية منها والجسمانية. فالموجودات يتفاعل بعضها مع بعض، ويتوقف هذا التفاعل على قوة المؤثر. واستعداد المتأثر، فكلما كان الشيء أتم استعداداً أو أشد تهيؤاً كان قبوله للأثر الصادر عن غيره فيه أبلغ وأظهر.
ولما كان كل فعل وانفعال عبارة عن تأثير من شيء في آخر أو تأثر في شيء عن آخر، ولما كان الموجود ـ من جهة أخرى ـ ينقسم إلى قسمين نفساني وجسماني، كانت أقسام الفعل والافعال أربعة:
1 ـ أن يكون الفاعل والمنفعل نفسانيين.
2 ـ أن يكونا جسمانيين.
3 ـ أن يكون الفاعل نفسانياً والمنفعل جسمانياً.
4 ـ أن يكون الفاعل جسمانياً والمنفعل نفسانياً.
ومثال القسم الأول ـ كما يقول ابن سينا ـ «كتأثير العقول المفارقة بعضها في بعض، وتأثر بعضها عن بعض، على ما ذكر في علم الإلهيات، وكتأثير هذه العقول في النفوس البشرية في النوم مرة وفي اليقظة أخرى ثم يزيد وضوحاً فيقول: «أمّا الوحي والكرامات، فإنها داخلة في تأثير النفساني في النفساني، إذ حقيقة الحي هو الإلقاء الخفي من الأمر العقلي بإذن اللَّه تعالى في النفوس البشرية المستعدة لقبول مثل هذا الإلقاء، إما في حال اليقظة ويسمى الوحي، وإما في حال النوم ويسمى النفث في الروع. كما قال(ص): «إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، ألا فاتقوا اللَّه وأجملوا في الطلب»، وقال: «إن الرؤيا الصادقة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة»، وهذا الإلقاء عقلي واطلاع وإظهار، كما قال اللَّه تعالى: {وعلمناه من لدنا علماً} وقال عزَّ من قائل: {نزل به الروح الأمين} {على قلبك} وقال جلَّ شأنه: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً} {إلا من ارتضى من رسول} والحال في الكرامات يقرب من ذلك والفرق بينهما أن الوحي مختص بمدعي النبوة والرسالة وإنذار الخلق، والكرامات لا تقترن بذلك».
فابن سينا يسمي العقل الفعال تارة بالروح القدس وأخرى بالروح الأمين أو جبريل، ويقتصر أحياناً كثيرة على تسميته بالملك، ويقول فيه إنه «هو هذه القوة المقبولة المفيضة كأنها عليه إفاضة متصلة بإفاضة العقل الكلي، مجراة عنه لا لذاته، بل بالعرض، وهو المرئي المقابل. وسميت الملائكة بأسامي مختلفة لأجل معاني مختلفة، والجملة واحدة غير متجزئة بذاتها إلاّ بالعرض من أجل تجزي القابل». وهذه الإفاضة تتصل بإضافة العقل الكلي.
ورسالة الرسول ـ عنده ـ هي ما قيل من الإفاضة التي تسمى وحياً في عبارة يقصد بها صلاح عالمي البقاء والفساد في العلم والسياسة.
فالوحي ليس تزويداً من اللَّه للنبي(ص) بعض عبارات، وليس هو من جهة أخرى أحاديث نفسية، «بل هو فيضان العلوم على لوح قلب النبي(ص) بواسطة القلم النقاش الذي يعبر عنه بالعقل الفعال… فالنبي(ص) يتلقى علم الغيب من الحق بواسطة الملك. وقوة التخيل تتلقى تلك وتتصورها بصورة الحروف والأشكال المختلفة. وتجد لوح النفس فارغً فتنتقش تلك العبارات والصور فيه، فيسمع منها كلاماً منظوماً ويرى شخصاً بشرياً. فذلك هو الوحي، لأنه إلقاء الشيء إلى النبي بلا زمان، فيتصور في نفسه الصافية صورة الملقي والملقى، كما يتصور في المرآة المجلوة صورة المقابل. فتارة يعبر عن ذلك المنتقش بعبارة العبرية وتارة بعبارة العرب. فالمصدر واحد، والمصدر متعدد، فذلك هو سماع كلام الملائكة ورؤيتها. وكلما عبر عنه بعبارة قد اقترنت بنفس التصور فذلك هو آيات الكتاب، وكلما عبر عنه بعبارة نفسية فذلك هو إخبار النبوة. فلا يرجع هذا إلى خيال بذهن محسوس الظاهرة، وتارة يتلقاها من المشاعر الباطنة. فنحن نرى الأشياء بواسطة القوى الظاهرة والنبي(ص) يرى الأشياء بواسطة القوى الباطنة ـ ونحن نرى ثم نعمل، والنبي(ص) يعلم ثم يرى».
وفي هذا النص يبين لنا ابن سينا كيف يتصل النبي بالعقل الفعال، وكيف يتعدد الموحى به إلى قرآن أو إنجيل وإلى حديث. وعبارة «إلقاء الشيء إلى النبي بلا زمان. إشارة من المعلم الثالث إلى أن العقل لا يستطيع أن يدرك الأشياء مجردة عن الزمان وأن الملك عبارة عن عقل مجرد، وأن النبي يتصل به لأنه أوتي قوة قدسية يستطيع بها أن يتصل بالملك. فنفس النبي بما وهبت من شدة الصفاء أهل لتلقي الفيض من اللَّه بالاتصال بالعقل الفعال، وبذا تنتقش بصورة الملك والحروف المختلفة وتسمع كلاماً منظوماً وترى شخصاً بشرياً.
وهكذا يؤول ابن سينا ما تقول به الشريعة من سماع النبي للملائكة ورؤيته لهم، ويراه أنه مجرد إحساس باطني يتلقاه النبي، فهو(ص) يعلم ثم يرى، بعكس سائر البشر الذين يرون ثم يعلمون.
«وبهذه الرؤية الداخلية حل ابن سينا مشكلة الأحاديث التي وردت برؤية جبريل رجلاً، والتي تحدث بأن النبي أحياناً كان يسمع الوحي كصلصلة الجرس، ومع ذلك أبعدت الملائكة المجردة أو عقول الأفلاك عن الاختلاط والتشكل بالمادة».
سعيد زايد
تائية دعبل
بلغت هذه القصيدة في الشهرة إلى حدّ أنه لم يبق مؤرخ ولا رجالي إلاّ وذكرها أو أشار إليها أو ذكر أبياتاً منها وأشار إليها الشعراء في أشعارهم، قال الشيخ عبدالحسين الأعسم من قصيدة مخاطباً علياً أمير المؤمنين (عليه السلام):
فهب لي يا بحر الندى هبة الرضا
لدعبل في استنشاده لمدارس
وفي لسان الميزان: له القصيدة المشهورة المطولة في أهل البيت التي أولها:
مدارس آيات خلت عن تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
وفي الأغاني: قصيدته (مدارس آيات خلت من تلاوة) من أحسن الشعر وفاخر المدائح المقولة في أهل البيت (عليهم السلام) وكتبها فيما يقال على ثوب وأحرم فيه وأمر بأن يكون في أكفانه. وفي معجم الأدباء: قصيدته التائية في أهل البيت من أحسن الشعر وأسنى المدائح اهـ وبلغ من شهرتها أن يحفظها لصوص الأكراد وينشدوها ويتمثلوا بها وتكون سبباً في نجاة دعبل وأصحابه منهم ورد مسلوباتهم إليهم كما يأتي.
وقد طلب المأمون من دعبل أن ينشده القصيدة فجزع فأمنه وقال: قد رويتها ولكني أحب سماعها من فيك فأنشده إياها كلها والمأمون يبكي حتى اخضلت لحيته بدمعه.
وفي تاريخ دمشق: أن المأمون لما ثبت قدمه في الخلافة وضرب الدنانير باسمه أقبل يجمع الآثار في فضائل آل الرسول فتناهى فيما تناهى من فضائلهم قول دعبل:
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول اللَّه بالخيف من منى
وبالركن والتعريف والجمرات
فما زالت تردد في صدر المأمون حتى قدم عليه دعبل فقال له: أنشدني قصيدتك التائية ولا بأس عليك ولك الأمان من كل شيء فيها فأنا أعرفها وقد رويتها إلاّ إني أحب أن أسمعها من فيك فأنشده حتى صار إلى هذا الموضع:
ألم ترني مذ ثلاثين حجة
أروح وأغدو دائم الحسرات
أرى فيئهم في غيرهم متقسما
وأيديهم من فيئهم صفرات
فآل رسول اللَّه نحف جسومها
وآل زياد غلظ القصرات
بنات زياد في الخدور مصونة
وبنت رسول اللَّه في الفلوات
إذا وتروا مدوا إلى واتريهم
أكفا عن الأوتار منقبضات
فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد
تقطع قلبي إثرهم حسرات
فبكى المأمون حتى اخضلت لحيته وجرت دموعه على نحره، وكان دعبل أول داخل وآخر خارج من عنده ولم يشعر بأسى منه.
ذكر جماعة أنه أنشدها الرضا (عليه السلام) بمرو. وفي النبذة المختارة للمرزباني: قال دعبل: لما قلت مدارس آيات نذرت أن لا أسمعها أحداً قبل الرضا (عليه السلام) فسرت إليه وكان ولي عهد المأمون بخراسان فلما وصلت إليه أنشدته إياها فاستحسنها وقال: لا تنشدها أحداً حتى آمرك واتصل خبري بالمأمون فأحضرني وأمرني بإنشادها فقلت: لا أعرفها فقال: يا غلام سل ابن عمي الرضا أن يحضر فلما حضر قال له: يا أبا الحسن قلت لدعبل ينشدني مدارس آيات فذكر أنه لا يعرفها فالتفت إلي الرضا (عليه السلام) وقال: أنشدها فاندفعت أنشد ولم ينكر علي المأمون إلى أن بلغت إلى قولي:
وآل رسول اللَّه نحف جسومهم
وآل زياد غلظ القصرات
فقال: واللَّه لأنحلنها، ثم تممتها، وأمر لي بخمسين ألف درهم وأمر لي الرضا (عليه السلام) بمثلها فقلت: يا سيدي أريد أن تهب لي ثوباً يلي بدنك أتبرك به وأجعله كفناً فوهب لي قميصاً ومنشفة وقيل ومبطنة ووصلني الفضل بن سهل وحملني على برذون أصفر، وكنت أسايره في يوم مطير وعليه ممطر خزسوسي وبرنس منه فأمر لي به ودعا بغيره وقال: إنما آثرتك بذاك لأنه خير الممطرين فأعطيت به ثمانين ديناراً فلم تطب نفسي ببيعه وقضيت حوائجي وكررت إلى العراق فلما صرت ببعض الطريق خرج علينا أكراد يعرفون بالشاذنجان فسلبوني وسلبوا القافلة وكان ذلك في يوم مطير فاعتزلت في قميص خلق قد بقي علي وكبر أسفي على الثوب والمنشفة التي وهبها لي الرضا (عليه السلام) وجعلت أحدث نفسي إنني أسألهم إياها فبينا أنا في غمرة الفكر إذ مر بي أحد الأكراد وتحته البرذون الأصفر الذي حملني عليه ابن سهل وعليه الممطر فوقف بالقرب مني فلما رأى نهاب القافلة أنشد:
أرى فيأهم في غيرهم متقسما
وأيديهم من فيئهم صفرات
ثم بكى توجعاً لأهل البيت (عليهم السلام) واستمر في إنشاء القصيدة وهو يبكي فلما رأيت ذلك عجبت من لص كردي يتشيع وطمعت في القميص والمنشفة فدنوت منه فقلت: يا سيدي لمن هذا الشعر فقال: ما أنت وذاك ويلك قلت: لي فيه سبب أخبرك به، قال: هذه القصيدة صاحبها أشهر من أن يجهل. قلت فمن هو؟ قال: دعبل شاعر آل محمد صلوات اللَّه عليهم وجزاه خيراً قلت: فأنا دعبل وهذه قصيدتي فقال: أتدري ما تقول قلت: الأمر أشهر من ذلك سل من أحببت من أهل القافلة يخبرك بصحة قولي قال: إذاً واللَّه لا يذهب لأحد من القافلة خلال فما فوقه، والحمد للَّه الذي أقدرني على قضاء حقك يا شاعر آل محمد ثم نادى في الناس من أخذ شيئاً فليرده على صاحبه فرد علي وعلى الناس جميع أموالهم حتى لم يضع لأحد منا عقال فلما وصلت ثم أعطيت بالمبطنة ألف دينار فقلت: لا واللَّه ولا خرقة منها فلما خرجت منها وقف لي بعض أحداث قم فقطعوا عليّ الطريق وأخذوا المبطنة فعدت إلى قم وناشدتهم بصاحب المبطنة فاعترفوا لي بها وقالوا: لم نفعل هذا إلاّ رغبة في التبرك بها وما كنا نطوي عنك علم ما فعلنا فخذ الألف دينار وأعطنا أي القشرين شئت فاخترت البطانة لقربها من جسمه(ص) وأعطوني ألف دينار ثمن الظهارة.
وفي الأغاني قصد دعبل بهذه القصيدة أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بخراسان فأعطاه عشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه وخلع عليه خلعة من ثيابه فأعطاه بها أهل قم ثلاثين ألف درهم فلم يبعها فقطعوا عليه الطريق فأخذوها فقال لهم: إنها إنما للَّه عزَّوجلَّ وهي محرمة عليكم فدفعوا له ثلاثين ألف درهم فحلف أن لا يبيعها أو يعطوه بعضها ليكون في كفنه فأعطوه فرد كم فكان في أكفانه. وفي رجال الكشي. قال أبو عمرو (الكشي): بلغني أن دعبل بن علي وفد على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) بخراسان فلما دخل عليه قال: إني قد قلت قصيدة وجعلت في نفسي أن لا أنشدها أحداً أولى منك فقال: هاتها فأنشد قصيدته التي يقول فيها:
ألم ترني مذ ثلاثين حجة
أروح وأغدو دائم الحسرات
أرى فيئهم في غيرهم متقسما
وأيديهم من فيئهم صفرات
فلما فرغ من إنشادها قام أبو الحسن (عليه السلام) ودخل منزله وبعث إليه بخرقة فيها ستمائة دينار وقال للجارية: قولي له يقول لك مولاي: استعن بهذه على سفرك واعذرنا فقال دعبل: لا واللَّه ما هذا أردت ولا له خرجت ولكن قولي له: هب لي ثوباً من ثيابك. فردها عليه أبو الحسن (عليه السلام) وقال له: خذها وبعث إليه بجبة من ثيابه فخرج دعبل حتى ورد قما فنظروا إلى الجبة فأعطوه بها ألف دينار فأبى عليهم وقال: لا واللَّه ولا خرقة منها بألف دينار ثم خرج من قم فاتبعوه وقد جمعوا عليه وأخذوا الجبة فرجع إلى قم وكلمهم فيها فقالوا: ليس إليها سبيل ولكن إن شئت فهذه ألف دينار وخرقة منها. وروى الصدوق في العيون في هذا الخبر بوجه أبسط فروى بسنده عن عبدالسلام بن صالح الهروي قال: دخل دعبل بن علي الخزاعي علي أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو فقال: يا ابن رسول اللَّه إني قد قلت فيكم قصيدة وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك فقال: (مدارس آيات) البيت فلما بلغ إلى قوله: (أرى فيأهم) البيت بكى أبو الحسن وقال: صدقت يا خزاعي فلما بلغ إلى قوله:
إذا وتروا مدوا إلى واتريهم
أكفا عن الأوتار منقبضات
جعل أبو الحسن يقلب كفيه ويقول: أجل واللَّه منقبضات. فلما بلغ إلى قوله:
لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها
وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي
قال الرضا (عليه السلام): آمنك اللَّه يوم الفزغ الأكبر.
ثم نهض الرضا (عليه السلام) بعد فراغ دعبل من إنشاد القصيدة وأمره أن لا يبرح من موضعه فدخل الدار ثم خرج الخادم إليه بمائة دينار رضوية فقال له: يقول لك مولاي اجعلها في نفقتك فقال دعبل: واللَّه ما لهذا جئت ولا قلت هذه القصيدة طمعاً في شيء يصل إليّ ورد الصرة وسأل ثوباً من ثياب الرضا (عليه السلام) ليتبرك ويتشرف به فأنفذ إليه الرضا جبة خز مع الصرة وقال له الخادم: خذ هذه الصرة فأنت ستحتاج إليها ولا تراجعني فيها فأخذ الصرة والجبة وسار من مرو في قافلة فلما بلغ ميات قوهان وقع عليهم اللصوص فأخذوا القافلة بأسرها وكتفوا أهلها ومعهم دعبل وجعلوا يقتسمون السلب فتمثل أحدهم بقول دعبل: (أرى فيأهم) البيت فقال له دعبل: لمن هذا البيت قال لرجل من خزاعة اسمه دعبل فقال: أنا قائل هذه القصيدة التي منها هذا البيت فوثب الرجل إلى رئيسهم وكان يصلي على رأس تل وكان من الشيعة فأخبره فجاء وأطلق دعبلاً ومن معه واستنشده القصيدة فأنشدها ورد عليهم ما أخذ منهم كرامة لدعبل وسار دعبل حتى أتى قم فسألوه أن ينشدهم القصيدة فأمرهم أن يجتمعوا في المسجد الجامع فاجتمعوا وصعد المنبر فأنشدهم القصيدة فوصلوه من المال والخلع بشيء كثير واتصل بهم خبر الجبة فجرى له معهم ما مر عن الكشي. وانصرف دعبل إلى وطنه فوجد اللصوص قد أخذوا جميع ما كان في منزله فباع المائة دينار التي كان وصله بها الرضا من الشيعة كل دينار بمائة درهم (وإنما قيمته عشرة دراهم) فذكر قول الرضا (عليه السلام) إنك ستحتاج إليها.
وفي الأغاني بسنده عن موسى بن عيسى المروزي وكان منزله بالكوفة: سمعت دعبل بن علي وأنا صبي يتحدث في مسجد المروزية قال: دخلت على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فقال لي: أنشدني شيئاً مما أحدثت فأنشدته:
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
حتى انتهيت إلى قولي:
إذا وتروا مدوا إلى واتريهم
أكفا عن الأوتار منقبضات
فبكى وأومأ إليّ خادم كان على رأسه أن اسكت فسكت ساعة ثم قال لي: أعد فأعدت حتى انتهيت إلى هذا البيت أيضاً فأصابه مثل ما أصابه في المرة الأولى وأومأ الخادم إليّ أن اسكت فسكت فمكثت ساعة أخرى ثم قال لي: أعد فأعدت حتى انتهيت إلى آخرها فقال لي: أحسنت ثلاث مرات ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم مما ضرب باسمه ولم تكن وقعت إلى أحد وأمر لي من في منزله بحلي كثير أخرجه إلى الخادم فقدمت العراق فبعت كل درهم منها بعشرة دراهم اشتراها مني الشيعة فحصل لي مائة ألف درهم فكان أول مال استفدته. قال أبو الفرج: وحدثني حذيفة بن محمد أن دعبلاً قال له: إنه استوهب من الرضا (عليه السلام) ثوباً قد لبسه ليجعله في أكفانه فخلع جبة كانت عليه فأعطاه إياها وبلغ أهل قم خبرها فسألوه أن يبيعهم إياها بثلاثين ألف درهم فلم يفعل فخرجوا عليه في طريقه فأخذوها منه غصباً وقالوا له: إن شئت أن تأخذ المال فافعل وإلاّ فأنت أعلم فقال لهم: إني واللَّه لا أعطيكم إياها طوعاً ولا تنفعكم غصباً وأشكوكم إلى الرضا (عليه السلام) فصالحوه على أن أعطوه الثلاثين الف درهم وفرد كم من بطانتها فرضي بذلك.
وقد وقع بعض الاختلاف بين هذه الروايات ففي رواية المرزباني إن جائزة الرضا كانت خمسين ألف درهم وفي رواية الأغاني إنها كانت عشرة آلاف درهم مما ضرب باسمه وفي رواية الكشي إنها ستمائة دينار ولم يقيد بالرضوية وفي رواية العيون إنها مائة دينار رضوية ويمكن الجمع بتفاوت الدراهم في ذلك العصر وأن الرضوية كانت تزيد عن أعلى الدراهم المتعارفة وأمّا الاختلاف في التعبير بين الدراهم والدنانير فبأن أحدهما يؤول إلى الآخر وأن الستمائة دينار لم تكن رضوية والمائة دينار كانت رضوية كل واحد منها مقابل ستة والمبطنة والجبة لعل معناها واحد. وفي خبر المرزباني والكشي إنهم أعطوه بالمبطنة ألف دينار وفي رواية الأغاني أنهم أعطوه بالخلعة ثلاثين ألف درهم ويمكن الجمع بأن الدنانير الرضوية يعادل الواحد منها ثلاثة من غيرها والدينار المتعارف يعادل عشرة دراهم وفي بعضها إنهم أعطوه البطانة وأخذوا الظهارة وفي بعضها إنهم أعطوه كماً منها وفي بعضها خرقة ويمكن الجمع بأنه صارت المقاولة أولاً على شيء من ذلك ثم اتفقوا على غيره أمّا التعبير بأن أهل قم قطعوا عليه الطريق فالمراد به بعضهم وهم الأحداث كما صرح به في الخبر الآخر وإلاّ فأهل قم معدن التقوى في كل عصر وفيهم العلماء ورواة الأخبار فلم يكونوا ليستحلوا أخذ الجبة من دعبل قهراً ليتبركوا بها وأهل قم بحبهم لأهل البيت (عليهم السلام) وتهالكهم في محبة الإمام الرضا (عليه السلام) والتبرك بآثاره دفعوا في جبة لعلها لا تساوي مائة درهم ثلاثين ألف درهم. ولما أبى دعبل أن يبيعها أخذها منه الأحداث قهراً شاء أو أبى إذ كيف تفوتهم بركة هذه الجبة وقد مرت ببلدهم ويذهب بها دعبل ولا يرضى ببيعها وقد دفعوا له أضعاف قيمتها، إذاً فدعبل مستحق لأن تؤخذ منه قهراً ويتركها مرغماً. وأراد دعبل أن يقنعهم بأنهم إنما يريدونها للبركة والبركة لا تحصل مع أخذها قهراً لأنه مرغم فلم ينفع فيهم ذلك وأصروا على أنه إما أن يرضى بثلاثين ألف درهم أو لا سبيل إلى إرجاعها إليه فلما رأى دعبل ذلك ذكر وجهاً جامعاً للصلح وهو أخذه الدراهم وقطعة منها فهي إنما تراد للبركة لا للبس فقبلوا وانتهى الأمر. فللَّه دركم يا أهل قم يا أهل الإيمان وأهل الحب الخالص لأهل البيت (عليهم السلام). واللَّه أنتم يا شبان قم وأهل الفتوة فيها بما فعلتم وإن كان أوله غصباً محرماً ولا بدّ أن يكون الباري تعالى غفر لكم ما فرض بخلوص نيتكم. هذا ما كان من أهل قم في شأن الجبة.
أمّا رئيس هؤلاء اللصوص التقي الورع الذي كان يصلي على رأس التل وأصحابه يقتسمون المسلوبات فبماذا كان يناجي ربه في صلاته ويتضرع إليه أكان يقول له: يا رب استرنا بسترك ولا تطلع أحداً علينا لنفوز بما سلبناه أم كان يقول: يا رب اغفر لنا ذنبنا الذي اقترفناه فيجيبه اللَّه تعالى لا مغفرة لكم إلاّ برد المسلوبات لأهلها وهل قرأ في صلاته مع الفاتحة وما جزاء الذين يسعون في الأرض فساداً إلاّ أن يقتلوا أو يصلبوا (الآية). لا شكّ أنه كان يقرأ غيرها ولو قرأها لرد المسلوب إلى أهله. وتذكرنا هذه القصة بما حكاه لي بعض الإيرانيين حين تشرفي بزيارة الإمام الرضا (عليه السلام) عام 1353 قال: خرج اللصوص على قافلة فسلبوها وفي جملة المسلوبات قرآن شريف فلحق الذي أخذه صاحب القرآن وطلب منه أن يجعله في حلّ منه لأنه يريد أن يعلم ولده القراءة فيه فجعله في حلّ لخوفه منه.
وفي معجم الأدباء نسخ هذه القصيدة مختلفة في بعضها زيادات يظن إنها مصنوعة ألحقها بها أناس من الشيعة. (وأقول) لعل اختلاف نسخها لأن بعضهم لطولها أورد بعضها وترك البعض ونفسها واحد لا تفاوت فيه فالظن بأن الزيادات مصنوعة لا شاهد له ولعل ظنه بأن الزيدة مصنوعة لأن فيها ما لم تألفه نفسه وأورد منها خمسة وأربعين بيتاً أولها: قوله: مدارس آيات. وقالوا: إن ذلك ما صح منها وهذه هي القصيدة التائية المنوه عنها بتمامها([2]):
تجاوبن بالأرنان والزفرات
نوائح عجم اللفظ والنطقات
يخبرن بالأنفاس عن سر أنفس
أسارى هوى ماض وآخر آت
فاسعدن أو اسعفن حتى تقوضت
صفوف الدجى بالفجر منهزمات
على العرصات الخاليات من المهى
سلام شج صب على العرصات
فعهدي بها خضر المعاهد مألفا
من العطرات البيض والخفرات
ليالي يعدين الوصال على القلى
ويعدى تدانينا على الغربات
وأذهن يلحظن العيون سوافرا
ويسترن بالأيدي على الوجنات
وإذ كل يوم لي بلحظي نشوة
يبيت لها قلبي على نشوات
فكم حسرات هاجها بمحسر
وقوفي يوم الجمع من عرفات
ألم تر للأيام ما جر حورها
على الناس من نقص وطول شتات
ومن دول المستهزئين ومن غدا
بهم طالباً للنور في الظلمات
فكيف ومن أنى يطالب زلفة
إلى اللَّه بعد الصوم والصلوات
سوى حب أبناء النبي ورهطه
وبغض بني الزرقاء والعبلات
وهند وما أدت سمية وابنها
أولو الكفر في الإسلام والفجرات
هم نقضوا عهد الكتاب وفرضه
ومحكمه بالزور والشبهات
ولم تك إلا محنة كشفتهم
بدعوى ضلال من هن وهنات
تراث بلا قربى وملك بلا هدى
وحكم بلا شورى بغير هداة
رزايا أرتنا خضرة الأفق حمرة
وردت أجاجا طعم كل فرات
وما سهلت تلك المذاهب فيهم
على الناس إلا بيعة الفلتات
وما قيل أصحاب الفعيلة جهرة
بدعوى تراث في الضلال بتات
ولو قلد الموصى إليه زمامها (أمورها(
لزمت بمأمون على العثرات
أخي خاتم الرسل المصفى من القذى
ومفترس الأبطال في الغمرات
فإن جحدوا كان الغدير شهيده
وبدر واحد شامخ الهضبات
وأي من القرآن تتلى بفضله
وإيثاره بالقوت في اللزبات
وغر خلال أدركته بسبقها
مناقب كانت فيه مؤتنفات
مناقب لم تدرك بخير (بكيد) ولم تنل
بشيء سوى حد القنا الذربات
نجي لجبريل الأمين وأنتم
عكوف على العزى معاً ومناة
بكيت لرسم الدار من عرفات
وأذريت دمع العين بالعبرات
وفك عرى صبري وهاجت صبابتي
رسوم ديار قد عفت وعرات
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول اللَّه بالخيف من منى
وبالبيت والتعريف والجمرات
ديار لعبداللَّه بالخيف من منى
وللسيد الداعي إلى الصلوات
ديار علي والحسين وجعفر
وحمزة والسجاد ذي الشفنات
ديار لعبداللَّه والفضل صنوه
نجي رسول اللَّه في الخلوات
وسبطي رسول اللَّه وابن وصيه
ووارث علم اللَّه والحسنات
منازل وحي اللَّه ينزل بينها
على أحمد المذكور في السورات
منازل قوم يهتدى بهداهم
فتؤمن منهم زلة العثرات
منازل كانت للصلاة وللتقى
وللصوم والتطهير والحسنات
منازل لا فعل يحل بربعها
ولا ابن فعال هاتك الحرمات
ديار عفاها جور كل منابذ
ولم تعف للأيام والسنوات
فيا وارثي علم النبي وآله
عليكم سلام دائم النفحات
لقد أمنت نفسي بكم في حياتها
وإني لأرجو الأمن بعد مماتي
قفا نسأل الدار التي خف أهلها
متى عهدها بالصوم والصلوات
وأين الأولى شطت بهم غربة النوى
أفانين في الآفاق (الأقطار) مفترقات
هم أهل ميراث النبي إذا اعتزوا
وهم خير سادات وخير حماة
إذا لم نناج اللَّه في صلواتنا
بأسمائهم لم يقبل الصلوات
مطاعيم في الأعسار في كل مشهد
لقد شرفوا بالفضل والبركات
وما الناس إلاّ غاصب ومكذب
ومضطغن ذو أحنة وترات
إذا ذكروا قتلى ببدر وخيبر
ويوم حنين أسبلوا العبرات
فكيف يحبون النبي ورهطه
وهم تركوا أحشاءهم وغرات
لقد لاينوه في المقال وأضمروا
قلوباً على الأحقاد منطويات
فإن لم تكن إلا بقربي محمد
فهاشم أولى من هن وهنات
سقى اللَّه قبراً بالمدينة غيثه
فقد حل فيه الأمن بالبركات
نبي الهدى صلى عليه مليكه
وبلغ عنا روحه التحفات
وصلى عليه اللَّه ما ذر شارق
ولاحت نجوم الليل مبتدرات
* * *
أفاطم لو خلت الحسين مجدلا
وقد مات عطشانً بشط فرات
إذا للطمت الخد فاطم عنده
وأجريت دمع العين في الوجنات
أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي
نجوم سماوات بأرض فلاة
لقد أمنت نفسي بكم في حياتها
وإني لأرجو الأمن بعد مماتي
قبور بكوفان وأخرى بطيبة
وأخرى بفخ نالها صلواتي
وأخرى بأرض الجوزجان محلها
وقبر بباخمرى لدى الغربات
وقبر ببغداد لنفس زكية
تضمنها الرحمن في الغرفات
فقال الرضا (عليه السلام): أفلا ألحقت لك بيتين بهذا الموضع بهما تمام قصيدتك فقال: بلى يا ابن رسول اللَّه(ص) فقال الرضا (عليه السلام):
وقبر بطرس يا لها من مصيبة
ألحت على الأحشاء بالزفرات
إلى الحشر حتى يبعث اللَّه قائماً
يفرج عنا الغم والكربات
فقال دعبل: هذا القبر الذي بطوس قبر من؟ قال الرضا (عليه السلام): هو قبري والحق مجهول بهما هذا البيت:
علي بن موسى أرشد اللَّه أمره
وصلى عليه أفضل الصلوات
* * *
فأما الممضات التي لست بالغاً
مبالغها مني بكنه صفات
قبور بجنب النهر من أرض كربلا
معرسهم فيها بشط فرات
توفوا عطاشى بالفرات فليتني
توفيت فيهم قبل حين وفاتي
إلى اللَّه أشكو لوعة عند ذكرهم
سقتني بكأس الثكل والفظعات
أخاف بأن ازدارهم فتشوقني
مصارعهم بالجزع فالنخلات
تقسمهم (تغشاهم) ريب المنون فما ترى
لهم عقوة مغشية الحجرات
خلا إن منهم بالمدينة عصبة
مدينين إنضاء من اللزبات
قليلة زوار سوى إن زورا
من الضبع والعقبان والرخمات
لهم كل يوم تربة بمضاجع
ثوت في نواحي الأرض مفترقات
تنكب لأواء السنين جوارهم
ولا تصطليهم جمرة الجمرات
وقد كان منهم في الحجاز وأرضها
مغاوير نحارون في الأزمات
حمى لم تزره المدنيات([3]) وأوجه
تضيء لدى الأستار في الظلمات
إذا وردوا خيلاً بسمر من القنا
مساعير حرب أقحموا الغمرات
وإن فخروا يوماً أتوا بمحمد
وجبريل والفرقان ذي السورات
وعدوا علياً ذا المناقب والعلى
وفاطمة الزهراء خير بنات
وحمزة والعباس ذا الهدي والتقى
وجعفراً الطيار في الحجبات
أولائك لا منتوج (ملتوج) هند وحزبها
سمية من نوكى ومن قذرات
ستسأل فعل عنهم وفعيلها
وبيعتهم من أفجر الفجرات
هم منعوا الآباء عن أخذ حقهم
وهم تركوا الأبناء رهن شتات
وهم عدلوها عن وصي محمد
فبيعتهم جاءت على الغدرات
وليهم صنو النبي محمد
أبو الحسن الفراج للغمرات
ملامك في آل النبي فإنهم
أحباي ما داموا)[4]( وأهل ثقاتي
تخيرتهم رشداً لنفسي أنهم
على كل حال خيرة الخيرات
نبذت إليهم بالمودة صادقاً
وسلمت نفسي طائعاً لولاتي
فيا رب زدني في هواي بصيرة
وزد حبهم يا رب في حسناتي
سأبكيهم ما حج للَّه راكب
وما ناح قمري على الشجرات
وإني لمولاهم وقال عدوهم
وإني لمحزون بطول حياتي
بنفسي أنتم من كهول وفية
لفك عناة أو لحمل ديات
وللخيل لما قيد الموت خطوها
فأطلقتهم منهن بالذربات
أحب قصي الرحم من أجل حبكم
وأهجر فيكم أسرتي (زوجتي) وبناتي
وأكتم حبيكم مخافة كاشح
عنيد لأهل الحق غير مواتي
فيا عين بكيهم وجودي بعبرة
فقد آن للتسكاب والهملات
لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها
وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي
ألم ترني مذ ثلاثين حجة
أروح وأغدو دائم الحسرات
أرى فيأهم في غيرهم متقسماً
وأيديهم من فيئهم صفرات
فكيف أداوي من جوى لي والجوى
أمية أهل الفسق والنبعات
وآل زياد في الحرير (القصور) مصونة
وآل رسول اللَّه في الفلوات
سأبكيكم ما ذر في الأرض شارق
ونادى منادي الخير بالصلوات
وما طلعت شمس وحان غروبها
وبالليل أبكيهم وبالغدوات
ديار رسول اللَّه أصبحن بلقعا
وآل زياد تسكن الحجرات
وآل رسول اللَّه تسبى حريمهم
وآل زياد ربة الحجلات
وآل رسول اللَّه نحف جسومهم([5])
وآل زياد حفل (غلظ) القصرات
إذا وتروا مدوا إلى واتريهم
أكفاً عن الأوتار منقبضات
فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد
تقطع نفسي إثرهم حسراتي
خروج إمام لا محالة خارج
يقوم على اسم اللَّه والبركات
يميّز فينا كل حق وباطل
ويجزي على النعماء والنقمات
فيا نفس طيبي ثم يا نفس أبشري
فغير بعيد كلما هو آتي
ولا تجزعي من مدة الجور إني
أرى قوتي قد آذنت بثبات
فإن قرب الرحمن من تلك مدتي
وآخر من عمري ووقت وفاتي
شفيت لم ولم أترك لنفسي غصة
ورويت منهم منصلي وقناتي
فإن من الرحمن أرجو بحبهم
حياة لدى الفردوس غير تبات
عسى اللَّه أن يرتاح للخلق إنه
إلى كل قوم دائم اللحظات
فإن قلت غرفاً أنكروه بمنكر
وغطوا على التحقيق بالشبهات
تقاصر نفسي دائماً عن جدالهم
كفاني ما ألقى من العبرات
أحاول نقل الصم عن مستقرها
وأسماع أحجار من الصلدات
فحسبي منهم أن أبوء بغصة
تردد في صدري وفي لهواتي
فمن عارف لم ينتفع ومعاند
تميل به الأهواء للشهوات
وقال الشاعر الدمشقي أحمد صندوق مذيلاً لقصيدة دعبل:
وقبر غدا فرداً بظاهر جلق
«لزينب» بين النهر والهضبات
أصابته من أم المصائب نفحة
فعمته بالألطاف والبركات
مقيم على ظهر الطريق غدت له
معالم دين اللَّه منطمسات
سليلة بيت الوحي أمست فريدة
به بين حساد لها وعداة
لقد غالبت جور الزمان وغدره
بصبر على أرزائه وثبات
وقد فوجئت طول الحياة وبعدها
ببين وثكل موجع وشتات
كما بيضت تاريخ مجد ابن أمها
بما كتبت من ناصع الصفحات
فكم وقفت بين الطغاة مواقفاً
سقتهم كؤوس السم بالكلمات
ثوت حيث وافاها الحمام غريبة
تحاط بأخصام لها وطغاة
سوى عصبة قلت وقل غناؤها
ترى ودها من أعظم القربات
تطوف به شبانها وكهولها
تسقي ثراه واكف العبرات
دعبل الخزاعي
صاحب التائية
هذا شاعر يصح أن نعده في شعراء العقيدة من تاريخنا الأدبي، وذلك أنه كان صاحب مذهب في عهد بني العباس، ويبدو من سيرته أنه كان يلائم بين سلوكه في شعره وبين عقيدته ومذهبه السياسي هذا.
فقد ولد دعبل بن علي الخزاعي عام 148 هجرية، في خلافة المنصور العباسي، في قرية تدعى الطيب ـ كما في تاريخ بغداد، وهي قرية بين واسط والأهواز، ونشأ في الكوفة، وقيل أنه خزاعي بالولاء وإن جده «رزين» كان مولى عبداللَّه بن خلف الخزاعي والد طلحة الطلحات، ولكن هذا قول ينقضه كثير من الشواهد في شعره وفي سيرته، وقد شهد أبو دلف أمام الخليفة المأمون بأن دعبلاً من خزاعة بالنسب، لا بالولاء كما يزعم هذا القول.
«دعبل» لقبه، لا اسمه، وقيل أن اسمه الحقيقي «الحسن»، ونقل عن ابن أخيه إسماعيل بن علي أن اسمه «عبدالرحمن»، وقيل أن اسمه «محمد» وفي تاريخ بغداد أنه لقب بـ«دعبل» لدعابة فيه، ويكنى «أبا علي».
وقد ولد الشاعر ونشأ على عقيدة العلويين، وكان أهل هذه العقيدة، في العهد العباسي، كما كانوا في العهد الأموي، من ذوي المذاهب السياسية الحاملة عبء المعارضة للحاكمين، وكانوا ـ لذلك ـ يحتملون النصيب الأفر من ألوان الاضطهاد السياسي.
وكان من طبيعة هذا الوضع الذي كان عليه العلويون أن أتاح لكثير من رجال الفكر والأدب والعلم منهم، أن يكونوا على صلة بإحساس الشعب، وأن يكونوا على معرفة بمواطن الظلم الاجتماعي في الأوساط الشعبية المحرومة، بل لقد كان من طبيعة وضعهم السياسي هذا، أن يكون بعضهم من أشد الناس احتمالاً لصنوف الظلم والاضطهاد والحرمان.
وقد كان هذا نصيب شاعرنا دعبل في أوائل أمره، فإنه عاش سنيه الأولى في الكوفة على ضنك شديد مريع، ويبدو ـ كما في رواية «الأغاني» ـ أن العوز قد ألح عليه في الكوفة، وهو في مطالع الشباب، حتى كاد يفسد سيرته، فإذا هو متهم بجناية، ولا يصرح «الأغاني» بحقيقة هذه الجناية، وإذا برئيس شرطة الكوفة العلاء بن منظور الأسدي، يحبس «دعبلاً» الفتى بتهمته هذه، ويشفع له عمه سلمان بن رزين لدى رئيس الشرطة، ويرجو أن يضربه «لعله يتأدب»، فيضربه ثلاثمائة سوط!.
وتدل رواية «الأغاني» أن هذه الحادثة، قد خرجت بدعبل من الكوفة؛ «فلم يدخلها بعد ذلك إلاّ عزيزاً».
وفي النبذة المختارة من كتاب تلخيص أخبار شعراء الشيعة للمرزباني، أن «دعبل بن علي الخزاعي، كان شاعراً مجيداً، كان على غاية من الفقر».
ويظهر أنه حين خرج من الكوفة، قصد إلى بغداد، ولعل موهبته الشعرية يومئذ كانت تتفتح على مهل، فتبعث في نفسه ميلاً إلى المعرفة، ورغبة في تحصيل العلم، وطموحاً إلى مكانة الأدباء الشوامخ في بداءة عصر النهضة العباسية، ولكن الفقر كان معه في بغداد كذلك، فلم تتهيأ له الفرص، أول الأمر، لنيل حاجته من العيش، وتحصيل العلم، حتى اهتدى إلى الشاعر مسلم بن الوليد «صريع الغواني» فأخذ هذا يعلمه الأدب والشعر، ولكن «مسلماً» نفسه كان فقيراً مثله، وفي رواية «تاريخ دمشق» أن دعبلاً «كان في مبدأ أمره غلاماً خاملاً لا يؤبه به، وكان بينه وبين مسلم بن الوليد ازارا([6]) لا يملكان غيره، فإذا أراد دعبل الخروج جلس مسلم في البيت عارياً، وإذا خرج مسلم جلس دعبل كذلك، وكانا إذا اجتمعا لدعوة يتلاصقان فيطرح هذا شيئاً منه عليه، والآخر الباقي، وكانا يعبثان بالشعر».
وليست تخلو هذه الرواية من المبالغة في وصف حالهما، ولكنهما ظاهرة الدلالة على مبلغ ما كان يعانيه أديب مثل مسلم بن الوليد، كان قد اشتهر يومئذ في حلقات الأدب ببغداد بدليل أنه تصدى لتعليم دعبل وترويضه على ممارسة الشعر.
ويبقى دعبل هكذا، في عاصمة الخلافة، يتعلم ويتأدب، على هذا الحال، حتى يكون قد تزود من ثقافة بغداد، يومئذ، يزاد حسن، وحتى حذق صناعة الشعر، واكتملت عدته اللغوية والعلمية لإظهار مواهبه.
وقد رأيت أنه لم يستطع الوصول إلى هذه الغاية، إلاّ باحتمال قسوة العيش ولوعة الحرمان، مع خمول الذكر إلاّ في أوساط المجهولين المحرومين، في حين كانت بغداد تضج بأسماء الشعراء الذين شقوا طريقهم إلى بلاط الخلافة، وكان العهد يومذاك، عهد الرشيد.
ويظل دعبل في محنة الفقر وخمول الاسم، على رغم ما وصل إليه من نضج الشاعرية، حتى يكون ذات يوم، فإذا الرشيد يطلب إلى بعض المغنين أن يغنيه شعراً وإذا المغني هذا يختار أبياتاً لدعبل كان قد سمعها عنه حديثاً، إذ كان بعض أوساط الأدب يتناقلها ويتحدث عنها بالرضا والإعجاب، وهي هذه:
أين الشباب وأية سلكا
لا، أين يطلب؟ ضل، بل هلكا
لا تعجبي، يا سلم، من رجل
ضحك المشيب برأسه، فبكى
يا سلم، ما بالشيب منقصة
لا سوقة يُبقي، ولا ملكا
قصر الغواية عن هوى قمر
أجد السبيل إليه مشتركا
وعدا بأخرى عز مطلبها
حباً يطامن دونها الحسكا
يا ليت شعري! كيف نومكما
يا صاحبي، إذ دمي سُفكا
لا تأخذا بظلامتي أحداً
طرفي، وقلبي في دمي اشتركا
وما كاد يسمع الرشيد هذا الشعر في لحن المغني، حتى يعجب به ويطرب له، فيسأل المغني عن قائله، ولكن من أين لاسم دعبل أن يلفت النظر حتى يذكره للرشيد، ولذلك يقول:
ـ هذا الشعر لبعض أحداث خزاعة ممن لا يؤبه له يدعى دعبلاً!.
وتقول الرواية هنا، وهي رواية أكثر المؤرخين، أن الرشيد أرسل إلى دعبل عشرة آلاف درهم، وحلة من حلله، ومركباً من مراكبه، وأجاز المغني، وقال للرسول: أعطه هذا، ومره بالحضور إليّ، وأن أبى فلا تجبره رفقاً به، وإكراماً واحتراماً له.
ويمضي الرسول يبحث عن «دعبل» هذا… فإذا اهتدى إليه، وأبلغه رغبة الرشيد، استجاب لدعوته دون تردد، لكي يشق أول طريقه إلى بلاط الخلافة، فإذا هو أمام الرشيد في مجلسه يستنشده الشعر، فينشده، وإذا الرشيد يزداد به إعجاباً.
من هنا بدأ اسم دعبل يظهر بين الشوامخ، ولولا هذه الحادثة، لطال لبثه في غمار الموهوبين المجاهيل، ثم مضى اسم دعبل يلمع ويسطع، ومضت أبياته تشتهر وتسير على ألسنة الأدباء والشعراء والملوك والأمراء، حتى قيل أن دعبل أنشدها أبا نواس، فقال له: أحسنت ملء فيك وأسماعنا». وقيل أن مسلم بن الوليد، أستاذ دعبل، لم يأذن له بإظهار شعره حتى سمع هذه الأبيات، فقال له: «إذهب الآن، فأظهر شعرك كيف شئت». ثم غنى بها المغنون والجواري.
وليست هذه الأبيات من أفضل شعر دعبل، ولكن الترف العقلي والمادي في أوساط الملوك والأمراء ومن يلوذ بهم من الشعراء، يومذاك، قد أقام لهذه الأبيات مجدها الذي ترى.
ولكن المهم الآن في سيرة دعبل، أن هذه الحادثة قد فتحت له باباً جديداً في التاريخ، فإنه منذ بدأت صلته ببلاط الخلافة على هذا النحو، تعرّف سبيله إلى الحياة السياسية، وأخذ يجد لعقيدته ومذهبه السياسي مدخلاً يدخل بهما منه إلى جوانب هذه الحياة العامة يرى فيها المظالم والمساوىء، ويكشف منها ما يستطيع كشفه انتصاراً لعقيدته ورأيه، ثم انتصاراً للناس فيما ينالهم من عنت هذه المظالم والمساوىء.
ولكن المؤرخين لم يتعمقوا هذا الأمر من سيرة دعبل، وأخذوا بالظواهر وحدها، فإذا هم يرون إلى دعبل يمدح الرشيد، ثم إذا به يذمه ويهجوه، ثم يرون إلى أمره كذلك مع المأمون والمعتصم وعبداللَّه بن طاهر وغيرهم من الملوك والأمراء والوزراء الذين كانت السياسية العامة ودفة نظام الحكم السياسي بأيديهم، فيسمي المؤرخون هذه الظاهرة من دعبل خيانة «لأولياء نعمته»، وينسبون إليه عدم الوفاء.
وهذا صاحب «الأغاني» مثلاً يقول في دعبل أنه «شاعر مطبوع خبيث اللسان لم يسلم عليه أحد من الخلفاء ولا من وزرائهم ولا أولادهم ولا ذو نباهة، أحسن إليه أو لم يحسن، ولا أفلت منه كثير أحد، وكان من الشيعة المشهورين بالميل إلى علي (عليه السلام)، ولم يزل مرهوب اللسان وخائف من هجائه للخلفاء، فهو ـ دهره كله ـ هارب متوار».
وهذا صاحب «تاريخ بغداد» يقول فيه أن «أصله من الكوفة، ويقال من قريقسيا وكان يتنقل في البلاد، وأقام ببغداد مدة ثم خرج منها هارباً من المعتصم لما هجاه، وعاد إليها بعد ذلك، وكان خبيث اللسان، قبيح الهجاء».
ولعلك لا تقرأ فصلاً في تاريخ الأدب العباسي يُذكر فيه دعبل، إلاّ ويقترن اسمه فيه بأنه «خبيث اللسان» وأنه يسيء إلى من أحسن إليه، ويضربون لك الأمثال بموقفه من الرشيد والمأمون والمعتصم وغيرهم.
والواقع أن دعبل نفسه قد ألقى ضوءاً على هذه الظاهرة في سلوكه، حين قال هذه الأبيات يتوعد بها المأمون.
أيسومني المأمون خطة عاجز
و ما رأى بالأمس رأس محمد([7])
يوفي على هام الخلائق مثلما
توفي الجبال على رؤوس القردد
لا تحسبن جهلي كحلم أبي، فما
حلم المشايخ مثل جهل الأمرد
إني من القوم([8]) الذين سيوفهم
قتلت أخاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله
واستنقذوك من الحضيض الأوهد
فإن دعبلاً حين قال له إبراهيم بن المدبر: «أنت أجرأ الناس وأقدمهم حيث تقول هذا الشعر في المأمون»، أجاب:
ـ أنا أحمل خشبتي منذ أربعين سنة فلا أجد من يصلبني عليها.
وما كان لرجل، مثل دعبل، أن يقول هذا القول، لمجرد كونه شاعراً «خبيث اللسان» كما يصفه المؤرخون، فإن من يحمل خشبته أربعين سنة يتعرض لصالبيه، إنما هو في الواقع يحمل غرضاً كبيراً تخف المسألة الشخصية المحض في ميزانه، وتفسير هذا أن دعبلاً كان على مذهب المعارضة السياسية تأبى عليه أن يهادن سلطان الحاكمين العباسيين، لأنه كان يعتقد، في مذهبه السياسي هذا، أنهم يغتصبون السلطان اغتصاباً.
فليس «خبث اللسان» وليس «عدم الوفاء» ـ إذن ـ سبب موقفه المعروف من الرشيد، إذ مدحه، ثم هجاه وذمه في مثل قوله حين مات الرشيد:
قبران في طوس([9]): خير الخلق كلهم
وقبر شرهم([10])، هذا من العبر
وليس «خبث اللسان» ولا «عدم الوفاء» كذلك سبب موقفه من الأمين يوم مات والده واستخلف هو بعده، إذ قال:
الحمد للَّه، لا صبر، ولا جلد
ولا رقاد إذا أهل الهوى رقدوا
خليفة مات لم يحزن له أحد
وآخر قام لم يفرح به أحد
فمر هذا ومر الشوم يتبعه
وقام هذا وقام الشوم والنكد
وقيل أن دعبل قال البيتين الأولين حين مات المعتصم وقام الواثق.
وفي هذا الضوء نفسه، نفسر موقفه من إبراهيم بن المهدي المغني حين بايعه بنو العباس بالخلافة، مذ بايع المأمون أمام العلويين علياً بن موسى الرضا بولاية العهد، وقد قل المال عند إبراهيم بن المهدي، فخرج رسوله إلى الناس، وهم محتشدون ينتظرون أقواتهم، فصرح لهم أنه لا مال عنده، فقال بعض الجماهير المحتشدة ساخراً:
ـ أخرجوا إلينا خليفتنا المغني يعطي أهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، وأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، فيكون ذلك عطاؤه لهم!.
وبعد أيام، من هذا الحادث، أنشد دعبل:
يا معشر الأجناد لا تقطنوا
وأرضوا بما كان، ولا تسخطوا
فسوف تعطون «حنينية»([11])
يلدها الأمرد، والأشمط
والمعبديات([12]) لقوداكم
لا تدخل الكيس، ولا تُربط
وهكذا يرزق قواده
خليفة مصحفه «البربط»([13])
قد ختم الصك بأرزاقكم
وصحح العزم، فلا تُغمطوا
بيعة إبراهيم مشؤومة
يُقتل فيها الخلق، أو يقحطوا
وفي ضوء سياسته المعارضة هذه، وتنكره لأهل الحكم العباسي، ومن يتصل بجهاز هذا الحكم من وزراء وقادة وولاة، كان يرى إلى نقائص الدولة ونقائص رجالها، ويرى إلى علاقاتها بالشعب الذي تحكمه، فيدرك الخلل في ميزان العدل وميزان الحكم كله.
وفي هذا الضوء ذاته، قال ما قاله في أبي عباد وزير المأمون الذي كان معروفاً بشراسته مع الناس والكتاب وصغار الموظفين:
أدنى الأمور لضيعة وفساد
أمر يديره أبو عباد
خرق([14]) على جلسائه، فكأنهم
حضروا لملحمة، ويوم جلاد
يسطو على كتابه بدواته([15])
فمضمخ بدم ونضح مداد
وكأنه من «دير هرقل»([16]) مفلت
حرد، يجر سلاسل الأقياد
فاشدد أمير المؤمنين وثاقه
فأصح منه بقية الحداد([17])
ويؤيد الرأي بأن دعبلاً كان يهجو مثل هذا الهجو، لا عن محض هوى ذاتي، بل انتصاراً لعقيدة يعتقدها، موقف المأمون نفسه من شاعرنا بالرغم من هجائه إياه تقدم، وذلك أن المأمون كان ذا ميل معروف للعلويين، وقد ولى الإمام الرضا ولاية عهده، وكان يعلم من حال دعبل أنه يهجو العباسيين ورجال دولتهم عن رأي وعقيدة، لا عن «خبث لسان» و«عدم وفاء» ولذلك عفا عنه، وتناسى قوله فيه وفي أبيه وأخيه وعمه.
وقد قيل للمأمون يوماً أن دعبل قد هجاك. فقال: من أقدم على هجو أبي عباد مع جنونه، كيف لا يقدم على هجوي مع حلمي.
والأمر عند المعتصم، في موقفه من دعبل، يختلف عن أمر المأمون، فقد كان المعتصم يغضب لكل ما يقوله دعبل في أحد من بني العباس أو من رجال دولتهم، حتى لقد هم بقتله حين بلغه ما قاله في أبيه الرشيد بعد موته، فهرب دعبل واختفى زمناً في الجبل، وهجا المعتصم هجاءً لاذعاً، في مثل قوله:
بكى لشتات الدين مكتئب صب
وفاض بفرط الدمع من عينه غرب
وقام إمام لم يكن ذا هداية
فليس له دين، وليس له لب
ومن هذه القصيدة في المعتصم يصف اضطراب حال الشعب، وانتشار الفقر والظلم:
فقد ضاع أمر الناس حين تسوسهم
وحل بهم عسر، وقد عظم الخطب
وقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهم
وصيف، واشناص، قد عظم الكرب([18])
هكذا وقف دعبل، طوال عهده بممارسة الشعر، من الدولة العباسية، وقد احتمل بذلك عناء التشريد، وطوف في الآفاق هارباً وسائحاً، فرحل إلى خراسان وإلى بلاد الشام ومصر والمغرب، وقد طالت الفته، أثناء أسفاره وتشرده، بالشراة الثائرين والصعاليك المشردين.
وما اقتصر شعره في تأييد عقيدته ومذهبه السياسي على هجاء الحكام العباسيين، بل لقد مدح أهل البيت من أبناء علي بن أبي طالب، ورثى شهداء كربلاء، وسائر من قتل منهم في مختلف العهود السياسية. وأشهر شعره، في أهل البيت قصيدته التائية التي يقول فيها تعريضاً بظلم الحاكمين:
ألم تر للأيام ما جرّ جورها
على الناس من نقص، وطول شتات
ومن دول المستهترين ومن غدا
بهم طالباً للنور في الظلمات
فكيف، ومن أنّى يطالب زلفة
إلى اللَّه بعد الصوم والصلوات
ويقول فيها:
تراث بلا قربى، وملك بلا هدى
وحكم بلا شورى، بغير هداة
رزايا أرتنا خضرة الأفق حمرة
وردت أجاجاً طعم كل فرات
توفوا عطاشى بالفرات، فليتني
توفيت فيهم قبل حين وفاتي
ويشير إلى اضطهاد العلويين وتكاثر ضحاياهم:
لهم كل يوم تربة بمضاجع
ثوت في نواحي الأرض مفترقات
تنكب لأواء السنين جوارهم
ولا تصطليهم جمرة الجمرات
وقد كان منهم في الحجاز وأرضها
مغاوير، نحارون في الأزمات
وبالإجمال، نقول إن شعر دعبل يكاد يكون معظمه شعراً عقائدياً، سواء ما كان منه مدحاً وما كان منه هجاء، فقد كان يمدح لعقيدته، ويهجو لعقيدته، وكان في كلا الحالين جريئاً وشجاعاً صريحاً، ولكنه ـ كما قلت في أول هذا الفصل ـ لم يستطع أن يلائم كل الملاءمة بين سلوكه الأدبي وبين مذهبه السياسي، فقد اضطر أن يمدح ناساً من رجال الدولة السياسية لمحض الحاجة إلى العطاء والجائزة، وإلاّ لظل يعاني مكاره العوز والحرمان التي كان يعانيها أول عهده ببغداد، وقبل أن يشق له الرشيد طريقه إلى بلاطه وعطائه.
وما يدرينا، فلعله كان يظل مغموراً مجهولاً، في ذلك العصر، لولا أن يغني مغني الرشيد تلك الأبيات على مسمعه ويعجب بها ويطلب إليه قائلها هذا الذي قال عنه المغني يومذاك أنه «بعض أحداث خزاعة ممن لا يؤبه له»!
ولكن ـ على كل حال ـ قد مات آخر الأمر قتيلاً بهجوه السياسي، وصلب على خشبته التي حملها أربعين سنة، وذلك عام 246 هجرية، بعد أن عاش نحو 97 عاماً، وقد جاء في تاريخ دمشق أن المعتصم قتله وقيل أن ابن طوق التغلبي هو الذي قتله لهجائه إياه، وإنه أرسل إليه من اغتاله في إحدى العشيات بقرية في نواحي السوس بالأهواز، وكان أبو تمام قد مات قبله، فرثاهما البحتري بقوله:
قد زاد في كلفي، وأوقد لوعتي
مثوى حبيب يوم مات، ودعبل
أخوي، لا تزل السماء مخيلة
تغشا كما بسماء مزن مسبل
جدث على الأهواز يبعد دونه
مسرى النعي، ورمسة بالموصل([19])
د. حسين مروة
تاج محل
استمرت الدول الإسلامية تتعاقب في القارة الهندية، حتى كان ظهور تيمورلنك، في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، وتدفق فتوحه جنوباً حتى الهند، التي قام بافتتاحها، واستولى على عاصمتها دلهي في سنة 1398م، وأعلن نفسه امبراطوراً عليها. ولكنه غادرها ليمضي في فتوحه شرقاً حتى الشام.
وفي أوائل القرن السادس عشر نهض حفيد لتيمور هو «بابار» وسار من كابول إلى الهند، وافتتحها عام 1526م وأعلن نفسه امبراطوراً عليها، باعتباره وارث هذا الحق عن جده السادس تيمور، وجعل دلهي حاضرته.
ولما توفي بابار سنة 1530م، خلفه «همايون»)[20](، ولكنه لم يستطع الاحتفاظ بسلطانه، إذ غلب عليه زعيم أفغاني يدعى «سيرشاه سور»، ففرّ إلى فارس والتجأ إلى حماية ملكها، وبقي في المنفى خمسة عشر عاماً، تزوج خلالها فتاة حسناء، تدعى حميدة بانو، ورزق منها بغلام يدعى جلال الدين محمد أكبر، ولم يكن هذا الغلام فيما بعد سوى الامبراطور «أكبر العظيم».
وقيض لهمايون أن يسترد ملكه بعد هذه الفترة، ولكنه لم يعش بعد استرداد عرشه سوى أشهر قلائل، ثم توفي في سنة 1556م، وما زال ضريحه بها، وهو الذي أقامه له ولده أكبر، من الصروح الأثرية المرموقة.
وخلفه ولده أكبر، وكان عند وفاته صبياً في الرابعة عشرة. بيد أنه كان مقدراً أن يغدو هذا الصبي أعظم أباطرة الدولة المغولية في الهند، وأن يسبغ عليه التاريخ لقب «الأعظم». وتحول أكبر من دلهي إلى مدينة أكرا، الواقعة في جنوبها، على ضفة نهر «جومنا»، أحد أفرع «الكنج»، فجعل منها عاصمة لامبراطوريته. ولقد كانت مدينة أكرا في الواقع، من أقدم مدن الهند، وكان الملوك المغول، يتخذون منها متنزهاً ومصيفاً، لموقعها الطبيعي الرائع، وحدائقها اليانعة، فجاء «أكبر» ليسبغ عليها صفة الحاضرة لملكه، ولينشىء فيها قلعته الشهيرة. وكان عصر أكبر من أعظم عصور الهند المسلمة، وقد اشتهر هذا الملك العظيم بإدارته وسياسته المستنيرة في التوفيق بين رعاياه من المسلمين والهنود، ومراعاة منتهى التسامح الديني.
وتوفي الامبراطور العظيم أكبر في قلعة أكرا في سنة 1605م، بعد حكم استطال خمسين عاماً، ودفن في مقبرته الشهيرة، التي تمثل إلى جوار قلعته العظيمة في أكرا، صرحاً من أفخم صروح العصر الإسلامي المغولي. فخلفه ولده وولي عهده الأمير سليم، وتوج في قلعة أكرا باسم الامبراطور جهان كير، أعني «فاتح العالم» ثم تزوج الأميرة الشهيرة «نورجهان». وكانت هذه الأميرة الموهوبة، من أجمل نساء عصرها، وكانت ابنة شريف فارسي نزح إلى الهند، يدعى غياث الدين محمد، وخدم في بلاط الامبراطور «أكبر»، وغدا من خيرة وزرائه. وتسمى «باعتماد الدولة». وكان جهان كير قد رآها غير مرة، وهام بها حباً، فخشي والده الامبراطور عاقبة هذا الحب، وزوج الحسناء من شريف يدعى شيرافسان وأرسله إلى بلده ثانية. ولكن جهان كير، ما كاد يعتلي العرش، حتى دبر قتل شيرافسان، واستقدم أرملته إلى البلاط، لتعيش في كنف والدتها، ولبثت نورجهان بضعة أعوام ترد عروض الملك الفتى، ولكنها غلبت أخيراً على أمرها، وغدت زوجه الوفية. ولم تكن في الأصل تسمى باسمها الملكي «نورجهان»، بل كانت تسمى «مهر النساء» أي «شمس النساء»، فغيره زوجها الملك إلى «نور المحل» (أعني نور القصر)، ثم غيره بعد ذلك إلى اسمها التاريخي الذي عرفت به وهو «نورجهان» أعني (نور العالم). وكان جهان كير ملكاً خليعاً مدمناً للشراب، وكان حريمه يضم الآلاف من النساء والجواري، من سائر أنحاء العالم. وقد رزق من إحداهن بولده الأمير «خرام» الذي غدا فيما بعد الامبراطور «شاه جهان» وكان مولده في سنة 1592م.
وما كاد الأمير خرام يبلغ التاسعة عشرة من عمره، حتى خفق قلبه بحب فتاة رائعة الحسن تدعى «ارجمندبانو» وكانت في مثل سنه، إذ كان مولدها في العام نفسه، الذي وُلِدَ فيه، أعني سنة 1592م. وكانت هذه الفتاة ابنة وزير من وزراء أبيه يدعى يمين الدولة أصاف خان. ولم يكن يمين الدولة هذا، سوى ابن اعتماد الدولة أو بعبارة أخرى لم يكن سوى شقيق للامبراطورة نورجهان.
وتمّ زواج الأمير خرام بحبيبة قلبه « ارجمندبانو» في سنة 1612م. وهكذا توثقت وشائح المصاهرة مرة أخرى بين ملك المستقبل، وبين أسرة الوزير، على نحو ما توثقت من قبل بينها وبين والده الملك القائم. وأضفى الامبراطور جهان كير على زوجة ولده الحسناء اسماً جديداً هو «ممتاز محل»، أعني «زينة القصر» وهو الاسم الذي خلدته صحف التاريخ. وكان زواجاً موفقاً من الجانبين. وكان الأمير الفتى يضطرم شغفاً بزوجته الحسناء. ولم يمضِ سوى قليل حتى ثار الأمير بأبيه الامبراطور جهان كير، واعتقله حتى توفي في سنة 1627م. وفي العام التالي توج الأمير خرام باسم الامبراطور «شاه جهان».
وكانت «ممتاز محل»)[21]( فضلاً عن جمالها الرائع، أميرة رفيعة الخلال، رقيقة المشار، فياضة العطف على الفقراء والمساكين، وكانت كالملاك، تنثر من حولها أعمال البر والرحمة، هنا وهناك، ويحيطها الشعب المعجب بجمالها وخلالها، بفيض من حبه وإكباره وكانت فوق ذلك أميرة راجحة العقل والتدبير تشارك في شؤون الدولة، وتستشار في كل جليل من الأمور، وكان زوجها الامبراطور يعهد إليها بحفظ الختم الملكي. وكانت تخرج معه في غزواته وحملاته العسكرية. وبالجملة كانت «ممتاز محل» ملكة من أعظم ملكات عصرها.
ولكن القدر كان قاسياً، ذلك أنه لم يمض عامان على ارتقاء شاه جهان العرش، حتى توفيت «ممتاز محل» في ظروف مؤلمة، ذلك أن الامبراطور خرج في جيشه من أكرا إلى ولاية الدكن، سنة 1629م، ليقمع ثورة حاكمها خان جهان لودي، وكانت ترافقه «ممتاز محل» كعادتها وكانت حاملاً في أواخر أيامها. وما كاد الامبراطور يصل إلى «برهان بور» في أواسط الهند، حتى جاءها المخاض، ووضعت طفلها الرابع عشر، ولكنها توفيت على الأثر، وذلك في شهر ديسمبر من هذا العام. وكان المُولَد ابنة سميت «جوهرآرا».
وإنه لمما يلفت النظر حقاً، حين تجوز باب «التاج محل» أن ترى إلى يسارك لوحة كتب فيها، إن «ممتاز محل» صاحبة هذا القبر، قد توفيت في سنة 1629م في السابعة والثلاثين من عمرها، بعد أن أنجبت طفلها الرابع عشر.
أجل لقد كانت «ممتاز محل» إلى جانب صفاتها الخلابة، أماً مثلى، فهي قد أنجبت في الثمانية عشر عاماً، هي جملة حياتها الزوجية، مذ تزوجت في سنة 1612م أربعة عشر طفلاً، منهم ثمانية أبناء وست بنات، كان منهم على قيد الحياة عند وفاتها سبعة أولاد.
ولما توفيت «ممتاز محل» دفنت في قبر مؤقت في حديقة زنباد في مدينة برهانبور، حيث كان يعسكر الامبراطور يومئذ، ثم نقلت رفاتها إلى أكرا، ودفنت في حديقة «راجامان سنغ» التي اختيرت لتكون مقرها الأبدي، وعوض عنها صاحبها بضيعة من ضياع الملك. ولبث تابوت «ممتاز محل» في تلك البقعة المكشوفة، تسعة أعوام أخرى، حتى تمّ إنشاء الصرح العظيم، تاج محل، الذي تثوي به إلى اليوم.
ونستطيع أن نقول إن فكرة إنشاء «التاج محل» قد نشأت على أثر وفاة «ممتاز محل». وكانت وفاتها ضربة أليمة للامبراطور، فكاد يجن، حزناً وألماً، ولبث عدة أسابيع محتجباً يرفض أن يرى أحداً من وزرائه وخاصته، أو أن يزاول أي عمل من أعماله. وقد ارتدى البياض وسائر خاصته عنواناً للحزن العميق، ومنعت الحفلات والموسيقى، ومنع تقلد الحلي، واستعمال الطيب، ومنعت سائر مظاهر الترف، بل لقد فكر شاه جهان في اعتزال الحكم، وتقسيم المملكة بين أولاده. وكان في كل يوم جمعة يزور قبر الامبراطورة الراحلة، ويتلو القُراء حوله ختمات القرآن.
وعاد شاه جهان من حملته العسكرية، ظافراً، إلى عاصمته أكرا في سنة 1631م وقد أبيض شعره، وغيّرت الأحزان رواءه، وقد استقر في ذهنه ذلك المشروع الضخم، الذي خلد ذكرى زوجته الحبيبة، وذكراه إلى الأبد، مشروع إنشاء «التاج محل».
اعتزم شاه جهان أن ينشىء لزوجته الراحلة «ممتاز محل» أعظم وأفخم ضريح، أنشىء لملك من الملوك، ولملكة من الملكات، في أي عصر أو في أي قطر. وقيل أن الامبراطورة الراحلة التي أوصت برغبتها إلى زوجها الامبراطور بأن ينشىء فوق قبرها صرحاً، لا يضارعه أي صرح آخر في الفخامة والبهاء. وعلى أي حال فقد دعا شاه جهان أقطاب المهندسين والمعماريين من الهند، ومن سائر البلاد، ولا سيّما فارس، وتركيا، وبلاد العرب، لوضع خطط هذا الضريح وتصميماته. وقد وضع تصميم «تاج محل» على أرجح الروايات مهندس فارسي يدعى «الأستاذ عيسى الشيرازي» وبدىء بإنشائه في أواخر سنة 1631م، وحشد للعمل فيه أبرع العرفاء والبنائين من سائر الأنحاء.
واختير لإقامة الضريح الملكي حديقة «راجامان سنغ» التي سبقت الإشارة إليها، وهي تقع على الضفة اليمنى لنهر جمنا أحد أفرع نهر جانحا «الكنج»، على قيد نحو ميل من قلعة أكرا، التي بناها الامبراطور أكبر. وجلبت لبنائه كميات هائلة من الرخام الأبيض والأحمر، والأحجار الكريمة، والجواهر المنوعة، من الهند وفارس وغيرهما من مختلف الأنحاء.
واستمر العمل في بناء الضريح نحو سبعة عشر عاماً، وتمّ بناؤه في سنة 1648م، ويُقال إنه كان يشتغل في بنائه كل يوم، طوال هذه المدة، عشرون ألف عريف وبناء وعامل، أنشئت لإقامتهم في بقعة قريبة مدينة خاصة سميت باسم الامبراطورة الراحلة (ممتازأباد). ويُقال أيضاً إن جملة ما أنفق على بناء هذا الصرح العظيم، بلغت وفق تقديرات عصرنا، مبلغ خمسة ملايين من الجنيهات.
إن المجاز إلى حديقة تاج محل، عبارة عن مدخل هائل ذي ثلاثة عقود، تقوم فوق قاعدة مربعة ضخمة من الحجر الأحمر، وتبلغ هذه العقود في الطول نحو خمسين متراً وفي العرض نحو خمسة وثلاثين وفي الارتفاع نحو ثلاثين. وقد زينت البوابة الوسطى من الأمام والخلف بأفاريز من الرخام، نقشت فيها بعض آيات قرآنية بخط ثلث جميل.
ومن هذا المدخل الضخم، تهبط إلى الحديقة الشاسعة التي يقع في نهايتها الضريح قبالة المدخل، وهي حديقة منسقة ساحرة، تقوم بها أشجار الزينة في أوضاع متماثلة، وتتخللها الحظائر والممرات الرخامية، والنوافير الجميلة. ومن المسلم به أنها تقوم فوق موقع الحديقة القديمة، التي كانت قائمة منذ إنشاء الضريح. وقد بقيت بها منذ عصرها القديم شجرة ضخمة (شجرة المال) في الحظيرة الشرقية الشمالية، يبلغ عمرها نحو أربعة قرون ونصف، ومعنى ذلك أنها أقدم من الضريح ذاته بنحو قرن ونصف.
وفي نهاية الحديقة تقع القاعدة الكبرى التي يقوم عليها الضريح، وهي عبارة عن مستطيل ضخم تبلغ واجهته نحو ثلاثمائة متر، وعرضه مائة وعشرون. يقع في طرفها الأيمن مسجد صغير. وفي طرفها الأيسر بناء آخر كان يستعمل بهواً للاجتماع حين قيام الامبراطور بزيارة الضريح.
أما الضريح نفسه فإنه يقع في وسط هذه القاعدة العظيمة فوق مصطبة شاسعة مربعة من الرخام الأبيض يبلغ ضلعها نحو مائة متر، وترتفع فوق القاعدة بنحو ستة أمتار، وتقوم في أركانها الأربعة أربع منائر من الرخام الأبيض متناهية في الدقة والرشاقة. وقبالة كل منها من الزوايا الأربع قبة صغيرة. وقد بني الضريح كذلك كله من الرخام الأبيض، وهو عبارة عن مربع يبلغ ضلعه ستين متراً، وقد استقطعت من كل زاوية نحو سبعة أمتار، وهو ما يجعله مثمن الشكل. ويدخل إليه من باب ركب في عقد كبير، قسمت واجهته إلى مربعات نحاسية، وأحيط من الجانبين ومن أعلى بأفاريز نقشت فيها الآيات القرآنية، برخام من نفس اللون وهي مكتوبة كذلك بالخط الثلث الجميل.
وتقوم القبة العظمى فوق القبرين. قبر ممتاز محل، وقبر زوجها الامبراطور، الذي دفن إلى جانبها بعد وفاته في سنة 1666م. وهي كباقي الصرح مشيدة من الرخام الأبيض، ويبلغ قطرها ستة عشرة متراً، وارتفاعها الكلي مع حربتها النحاسية، التي كانت من قبل مغطاة بالذهب ثلاثة وستون متراً.
أما الضريح ذاته، فهو عبارة عن حظيرة أو قاعة يحيط بها حاجز مثمن من الرخام، وقد وضع في وسطها تابوت ممتاز محل، وإلى يساره تابوت شاه جهان، وكلاهما مدرج رائع الزخرف. وقد نقشت على تابوت ممتاز محل عبارات بالفارسية، وأسماء اللَّه الحسنى، حول جوانبه الأربعة، منتهية بتاريخ وفاتها بالهجرية وهو سنة 1040هـ (1629م). ونقشت على تابوت الامبراطور نفس النقوش، وذيلت بتاريخ وفاته في سنة 1076هـ (1666م).
على أن هذين التابوتين الفخمين ليسا إلاّ رمزين. أما المقبرة الحقيقية فتقع أسفل الصخرة تحت الموقع نفسه، في قبو يفتح للزائرين بصفة خاصة، وقد وضع فيه التابوتان اللذان يضمان رفات الامبراطور والامبراطورة.
ومما هو جدير بالذكر، إننا شهدنا بقصر أكرا المجاور لقلعة أكرا، غرفة مثلثة في الدور الأعلى، تشرف على الوادي الذي يقع فيه «تاج محل»، وقد طعمت أفاريز بابها، ونوافذها بقطع صغيرة من البلور، إذا نظرت فيها ألفيت أمامك صورة «تاج محل» معكوسة فيها. وقد قِيل لنا: إن هذه الغرفة كانت غرفة نوم الامبراطور شاه جهان، وإنه كان يسحره أن يرى صورة ضريح زوجته الحبيبة دائماً منعكسة في هذه المرايا الصغيرة.
وبعد، فإن الكلام حري أن يطول عن أوصاف «تاج محل» وخصائصه وزخارفه الرائعة، وما زين به في الزوايا، والمنعطفات، والأجزاء البارزة من الأحجار الكريمة المختلفة، ولكنا نعتقد أن القلم ليعجز عن إبراز الأوصاف الحقيقية لهذا الصرح الرائع. والواقع أني على كثرة ما شاهدت من الآثار الإسلامية وغيرها، وفي مختلف البلدان الأوروبية، لم تقع عيناي، مدى ثلاثين عاماً، على منظر أثري أجمل من منظر «تاج محل». وأن هذا المنظر بما ينطوي عليه من الرشاقة المتناهية والسحر الفياض، ليبدو كالحلم أكثر مما يبدو كالحقيقة الواقعة. ويعتبر البعض «تاج محل» من عجائب الدنيا، ويعتبره البعض الآخر أجمل بناء في العالم.
ويرى بعض العلماء الأثريين أن هندسة «تاج محل» قد تأثرت بالفن الهندي الديني، في بعض النواحي، ولا سيّما أشكال القباب الصغيرة، ولكن البعض الآخر من العلماء الأثريين يدحض هذا الرأي بشدة، ويرى أن (تاج محل)، إنما هو إنتاج إسلامي خالص. أما أثر الفن الهندي، فإنه يبدو واضحاً في طراز قلعة أكرا، وفي قصرها.
ومن جهة أخرى فإن «تاج محل» يعتبر عنواناً لأزهى مراحل العصر الإسلامي المغولي. وقد كان عهد الامبراطور شاه جهان في الواقع، بعد جده الامبراطور أكبر، ذروة الاندفاع الحضاري والمعماري لهذا العصر. وقد أنشأ شاه جهان إلى جانب تاج محل عدة صروح عظيمة أخرى، مثل جامع اللؤلؤ في أكرا. والمسجد الجامع في دلي، وغيرهما. بيد أن «تاج محل» يبقى أعظم ما خلد ذكره، وخلّد العصر المغولي بأسره.
تاريخ أبان الأحمر
أَبانُ الأَحْمَر هو أبو عبداللَّه أبان بن عثمان، راوٍ للحديث والأخبار التاريخية والأدبية في القرن 2هـ/8م ومن خواص أصحاب الإمام جعفر (عليه السلام). ولا يتيسّر الكثير عن حياة أبان، وكل ما نعرفه أن أصله من الكوفة، كما عاش فترة في البصرة، وأنه من موالي قبيلة بجيلة.
ويرى بعضهم أنه من أصحاب الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) أيضاً.
سمع أبان عن عدد من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) وشيوخ الكوفة والبصرة وحتى الحجاز وروى عنهم. وتبلغ روايات أبان عن عبدالرحمن بن أبي عبداللَّه البصري التي وردت في الكتب الأربعة حوالي 130 حديثاً.
ولمّا كان أبان قد أدرك الإمام الصادق (عليه السلام) وكثير من أصحاب الأئمة ورواة أحاديثهم، فقد أقبل عليه طلاب أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وروى عنه جماعة كبيرة، أمثال ابن أبي عمير، وأحمد بن الحسن الميثمي وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، وجعفر بن سماعة والحسن بن علي بن فضّال والحسن بن محبوب والحسين بن سعيد وحمّاد بن عيسى ودرست بن أبي منصور والسندي بن محمد البزّاز وظريف بن ناصح ومحمد بن سنان وهشام بن سالم ويونس بن عبدالرحمن.
كما روى الكثير من تاريخ القدماء والأنساب والأخبار الأدبية ونقل منها مشاهير أهل هذه الفنون الكثيرة في كتبهم كأبي عبيدة ومعمر بن المثنى وأبي عبداللَّه محمد بن سلام الجمحي.
ويعتبر أبان أحد الفقهاء الستة من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) الموثوق بهم، الذين يطلق عليهم اصطلاح «أصحاب الإجماع» والرواية التي يصح إسنادها إليهم هي صحيحة وصادقة.
من أهم ما يذكر به أبان كتابه الذي يشمل أخبار الأنبياء والقدماء وبعثة الرسول(ص) وسيرته ومغازيه ووقائع السقيفة. وقد روي هذا التاريخ من طرق مختلفة شرحها الطوسي والنجاشي. وذكر الطوسي أن بعض نسخ هذا الكتاب ناقصة إلى حدٍ ما وقِيل في أهمية هذا الكتاب إن اليعقوبي اتّخذ منه أحد المصادر الأساس في تاريخه. وقد ظلّ هذا التاريخ متداولاً حتى القرن السادس الهجري، واقتبس منه الطبرسي في مواضع من أعلام الورى.
تاريخ تبريز
لنادر ميرزا
الأمير نادر ميرزا أديب، عالم، من سلالة القاجار. ولادته، كما يذكر في مقدمة كتاب تاريخ تبريز، كانت يوم الجمعة الأول من رمضان عام 1242م.
امتاز الأمير نادر ميرزا بنبوغه وولعه بالآداب الفارسية والعربية ومثابرته على الدراسة رغم ما كان يعترض الدارس آنذاك من مصاعب وعقبات.
وكتاب «تاريخ تبريز» عبارة عن مجموعة دراسات ومشاهدات ومسموعات نادر ميرزا عن تاريخ تبريز وجغرافيتها، وكذلك آذربايجان عموماً. معتمداً على مصادر عدة منها الأسر القديمة والمعروفة في المنطقة والمطلعين على هذه الأمور، وكذلك الوثائق الحكومية التي كانت في متناول يد المؤلف وقد جمع المؤلف كل هذه المعلومات ومصادرها خلال أربعين عاماً من إقامته في تبريز. وفي عام 1300 (حينما ترك خدمة الديوان)، قام بتبويب هذه المعلومات وترتيبها وتدوينها. وفي عام 1301 و1302 قام بإعادة قراءتها وإضافة معلومات جديدة إليها.
ومن الأشخاص الذين ساعدوا في تأليف تاريخ تبريز مرتضى ميرزا، ابن عم نادر ميرزا ـ وأمين مكتبة ولي العهد الذي ساهم في الشرح التفصيلي للأبنية التاريخية في تبريز والمواد المستخدمة في تشييدها. ومن الذين ساعدوا نادر ميرزا مادياً في هذا العمل الحاج ميرزا كاظم وكيل الرعايا ـ الذي لم يقتصر دوره على وضع مكتبته الخاصة بتصرف نادر ميرزا بل أعطاه كمية كبيرة ومهمة من الوثائق الحكومية الخاصة بآذربايجان والعائدة إلى عهد نادر شاه والمراحل اللاحقة، وفيها تفاصيل إقالة وتعيين حاكم، وترفيع آخرين، وتكريم قسم آخر من المسؤولين. وقد أضافت هذه الوثائق النادرة قيمة تاريخية كبيرة لكتاب نادر ميرزا.
كُتب كتاب تاريخ تبريز بأسلوب سهل ممتنع وبلغة فارسية خالصة تشبه إلى بعيد لغة المؤرخين القدامى، خصوصاً البيهقي)[22] (. وقد اعتمد في السرد، أحداث التاريخ الفارسي وكتب الأدباء الراحلين ومذكرات الأوروبيين الذين زاروا إيران وكتبوا حول تاريخ آذربايجان وتبريز وجغرافيتهما، وكذلك النسخ المترجمة لكتب المؤرخين القدماء من الروم والأرمن. وبذلك قدم أسلوباً جديداً في كتابة التاريخ شمل كل فصول الكتاب، ومما يلفت انتباه القارىء في الكتاب، أسلوب السرد القصصي للحوادث التاريخية والنوادر، بأسلوب سلس مشوق.
كان نادر ميرزا مطلعاً على الأسلوب الجديد في البحوث العلمية في التاريخ، وعندما كان يورد وجهات نظر الآخرين، كان يتعامل معها بأسلوب نقدي مستعيناً بالأساليب العلمية لإثبات صحة أو بطلان هذه الآراء، كما كان يرفض أغلب أقوال المؤرخين الفاقدة للقيمة أو البعد الثقافي. فمثلاً عندما يأتي إلى بناء تبريز وسبب تسميته بهذا الاسم يورد آراء المؤرخين المسلمين الذين ينسبون هذا البناء إلى زبيدة، ويذكرون أسماء مختلفة لمدينة تبريز، ثم يقارن ذلك بآراء المؤرخين والجغرافيين قبل الإسلام من الأرمن والروم ـ ثم يستخلص نتيجة مؤداها أن تبريز الحالية كانت منطقة معمورة قبل ظهور الإسلام، وتاريخها يعود إلى عدة قرون قبل الميلاد.
أما التاريخ المعاصر، وسلالة القاجار ـ فيدونه ويسرده نادر ميرزا بدقة كبيرة ويقول: «كل ما أذكره هنا عن الأولين، يعلم اللَّه أنه الحقيقة ولم أقل غيرها» كما أنه يعتمد الحيادية الكاملة في نقل الوقائع، فمثلاً عندما يتحدث عن كريم خان زند يشيد بعطائه وخدمته للشعب دون أن يخاف من سخط ملوك القاجار. وعندما يسرد قصة لجوء بهمن ميرزا إلى دولة أجنبية، ينتقد «سبهر» و«هدايت» بقوله إن هذين المؤرخين «عرضا أعمال هذا الرجل بشكل أظهره عاصياً، وهذا افتراء ذلك أننا لا نثق بمدوني التاريخ، لأنهم كتبوا ذلك ليرضوا الملك».
خصص نادر ميرزا مقدمة الكتاب للحديث عن أوضاعه وأحواله، ووصف لمراحل شبابه. أما الفصل الأول فيدور حول «بناء تبريز والبناة واختلاف المؤرخين» ويتضمن هذا الفصل أيضاً قصيدة شعرية حول الزلزال الذي ضرب تبريز والدمار الذي خلفهُ. فضلاً عن شرح مفصل حول حروب تابك مع القادة الإسلاميين وما أصابه على يد الأفشين. بعد الفصل الأول تأتي عناوين مواضيع الكتاب حسب الآتي: في أماكن الأبنية، في كيفية الهوائيات، في مياهها، في عدد سكانها في أسماء محلاتها، في طول تبريز وعرضها، في الأبنية القديمة والجديدة فيها، في مقابر تبريز القديمة والجديدة. شعراء تبريز وحكماؤها، فصل في عنصر طائفة الأيل وعظماء هذه الطائفة، فصل في بيان مذكرات الحُكام والقادة الذين حكموا في تبريز منذ عهد ملوك القاجار، وحتى عام 1301هـ، فصل في بيان فواكه تبريز وأنواعها، فصل في عادات وآداب الحياة لدى أهل تبريز، فصل في الأسر الكبيرة التي عاشت في تبريز، حديث حول الملوك والقادة الذين حكموا في تبريز في القرون الخالية حتى 1301هـ وحديث في الحقوق الديوانية في تبريز ونواحيها التي وضعت في عهد الملك خاقان الكبير، وأخيراً ملحق حول تاريخ الأكراد.
لكن الخلل الكبير في هذا الكتاب، هو التصنيف غير المنظم لموضوعاته وفصوله إذ تداخلت فيه المواضيع الجغرافية والتاريخية. وعندما يأتي المؤلف إلى ذكر اسم شخص ما، أو مكان ما، يخرج عن الموضوع الأساسي ويستغرق في الحديث عن ذلك الشخص أو المكان ـ وكثيراً ما ينسى المؤلف موضوعه ـ الأساسي ويبقى الفصل ناقصاً.
فمثلاً عندما يتحدث عن مسجد كبود، نراه يستغرق في الحديث عن الرسالة التي بعثها جهانشاه بن قرايرسف إلى شريف مكة بشأن الحجاج الإيرانيين. وفي الفصل الخاص بحكماء وعلماء تبريز يستغرق في الحديث عن «صفة الربع الرشيدي»، رغم أنه خصص فصلاً مستقلاً للحديث عن الأبنية التاريخية. هذا الخلل، يحرم القارىء من الإفادة من مواضيع الكتاب بالشكل الكامل.
فضلاً عن الخلل الذي تحدثنا عنه، فإن في الكتاب نواقص وإضافات عديدة فعندما يأتي المؤلف في الحديث عن أهداف تاريخية مهمة عديدة، نراه يمر عليها مروراً سريعاً ـ بينما نراه يستغرق في تفصيل وشرح مواضيع هي خارج موضوع الكتاب أو البحث.
ولتوضيح ذلك نورد الفقرات التالية:
1 ـ في الفصل الخاص بملوك آذر بايجان وقادتها، يكتفي بذكر أسماء ملوك عصور ما قبل الميلاد وقبل الإسلام، رغم ما تحتلهُ هذه المعلومات من أهمية، لأنها لم ترد في أي من الكتب التاريخية، العربية والفارسية المعروفة، وقد استطاع نادر ميرزا الوصول إليها بعد بحث وتمحيص مضنيين. وكان ضرورياً جداً أن يفصل في شرح أحوال وأوضاع أولئك الملوك.
2 ـ عندما يتحدث عن أداب وتقاليد وأنماط معيشة أهالي تبريز يكتفي بالحديث عن عادات وتقاليد عصره ويغفل ما يخص منها العصور الماضية.
3 ـ في حديثه عن الحاج ميرزا كاظم وكيل الرعايا يعدد أجداده ـ ثم يبدأ بسرد تاريخ أنساب الرسول الأكرم(ص)، وهو ما لا علاقة له بالبحث لا من قريب ولا من بعيد.
4 ـ في الفصل الخاص بالأبنية التاريخية في تبريز يقدم نادر ميرزا شرحاً تفصيلياً لعين «رودينل» وفيضانها ـ نقلاً عن مذكرات ناصر خسرو ويبرر ذلك بقوله «لأن ذلك لم يرد بالتفصيل في أي كتاب فارسي».
وبغض النظر عن الخلل والنواقص السالفة الذكر، فإن في هذا الكتاب مزايا عديدة. فعلاوة على البعد الأدبي الراقي، امتاز الكتاب باحتوائه على أكثر من مائة قرار وحكم تاريخي صادر عن ملوك وقادة مثل نادر شاه، وشاهرخ ميرزا، وكريم خان زند، وآقا محمد خان القاجاري، وفتح علي شاه وعباس ميرزا، موجهة إلى القادة والحُكام والعلماء في آذربايجان. هذه الأوامر والتعليمات تحظى بأهمية بالغة في دراسة الأوضاع السياسية والاجتماعية لآذربايجان وإيران خلال مائة وخمسين عاماً.
من مزايا الكتاب الأخرى، المعلومات التاريخية القيمة التي يقدمها خلال حديثه عن أحوال أمراء القاجار وأربعة من ملوكهم (من آقا محمد وحتى ناصر الدين شاه)، فضلاً عن شرح تفصيلي لأحوال الحكام على الضفة الأخرى لنهر آرس منذ عهد الزندية حتى حروب إيران وروسيا، الذين ارتبطوا بعلاقات عائلية مع ملوك القاجار.
ويأتي تفصيل الحديث عن الأبنية التاريخية لتبريز (مسجد كبود، أرك علي شاه، سنب غازان، رشيدية)، ليضيف ميزة أخرى إلى مزايا الكتاب.
كما لا يمكن تجاهل الميزة المهمة للكتاب وهي تفصيلية لتاريخ وأحوال أفراد معروفين ومن أسر كبيرة وعريقة في آذربايجان مثل (دنبلي، وكيل الرعايا، وسادات وعلماء تبريز) وقد كتبت الجانب الأكبر منها، شخصيات معاصرة من هذه الأسر بطلب من نادر ميرزا بهدف تكميل تاريخ تبريز.
ويضم الكتاب ملحقاً خاصاً حول انتفاضة الأكراد بقيادة الشيخ عبيداللَّه، وهجومهم على أرومية، والأحداث المهمة التي شهدتها هذه المنطقة والتي شكلت مصدر قلق دام طويلاً، لناصر الدين شاه وحُكام آذربايجان، وأدت إلى وقوع أحداث تاريخية كبرى. وتعد انتفاضة الأكراد من الأحداث المهمة التي شهدتها إيران في العهد القاجاري.
محمد علي قوسي
تاريخ قُم
إن قُم اليوم من مدن إيران المعروفة الكبيرة، لها مكانة مقدسة في نفوس الإيرانيين خاصة وفي نفوس الشيعة عامة، لأنها مثوى السيدة فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر وأخت الإمام علي الرضا (عليهم السلام) وعاصمة التدريس الديني في بلاد إيران، ومركز المراجع الدينية، كما غدت أخيراً مركزاً هاماً من مراكز الشرق الأوسط الاقتصادية، منذ اكتشف بجوارها بئر للنفط عام 1956م.
وكتاب تاريخ قُم هو كتاب بالفارسية ترجمه الحسن بن علي بن الحسن بن عبدالملك القمي في مطلع القرن التاسع الهجري عن نسخة عربية موضوعة سنة 378 هجرية، أي منذ أكثر من ألف سنة. ومن المؤسف أن النسخة العربية مفقودة، وأن الموجود من النسخة الفارسية قسم لعله الرُّبْعُ فقط من الكتاب. وقد أشرف على طبعه وتصحيحه وأردفه بحواش وتعليقات السيد جلال الدين الطهراني أواخر سنة 1933م في طهران، ذاكراً أن النسخة التي طُبع الكتاب منها مخطوطة سنة 1001 هجرية.
والمؤلف والمترجم كلاهما من قُم.
لمن وضع الكتاب؟
وقد وضع الحسن بن محمد بن الحسن كتابه (تاريخ قُم) باسم الصاحب ابن عباد الوزير البويهي والأدب المعروف. ويستفاد من مقدمته التي تقع في اثنتي عشرة صفحة تقريباً من الكتاب أنه كان ممن شملتهم نعمة الصاحب ابن عباد، فراح يتحين الفرصة ليعبّر عن امتنانه وعرفانه لجميل الصاحب، فما رأى أفضل من أن يضع كتاباً باسمه ـ أي يقدمه له ـ لأن «كل هدية ـ كما يقول ـ مؤذنة بالزوال والفساد في وقت قريب، إلاّ المصنفات والكتب فإنها لا تبلى بمرور الأيام وكرور الأعوام»، بل تبقى ويبقى معها ذكر من وضعت باسمه وتخلد بها فضائله وحسناته. ولم يجد الحسن كتاباً يهديه للصاحب أفضل من كتاب في تاريخ قُم.
وقد ساعده على إنجاز هذا العمل الهام، أن أخاه أبا القاسم عليّ بن محمد بن الحسن الكاتب كان كما يفهم من مقدمته حاكماً لقُم، إذ يقول: «وقد جمعت معظم هذه الأخبار خلال فترة حكومة أخي لقُم». ويظهر من ذلك أن الأخوين كانا من المقربين للوزير الصاحب وللسلطان فخر الدولة، كما يظهر من لقب أخيه أنه كان من كتاب عصره.
وقد أشاد المؤلف بأيادي الصاحب ابن عباد. بدأ كتابه بمدحه وأطال، فعدد أعماله في قُم خاصة والبلاد عامة، وذكر ما كان عليه الصاحب من أدب وتقوى وخلق. ويكشف لنا الحسن بن محمد عن معلومات هامة وفوائد عديدة وهو يعرفنا بالصاحب ويصف أخلاقه وما استقبل به الطالبيين من بر وعطف بعد تشتتهم، وما شق في قُم من طرق وأقنية، وجلب إليها من مياه بعد أن كانت جافة عطشى قبله، وما وقفه من الكتب على طلبة العلم، على النقيض من معظم الوزراء والملوك الذين كانوا يحجبون كتبهم عن سواهم ويمنعونها عن عامة الطلبة، وبعد ذلك يمدح أباه (الشيخ الأمين أبا الحسن بن العباس) الذي وزر لركن الدولة البويهي، كما وزر ابنه الصاحب لفخر الدولة ابن السلطان ركن الدولة ـ وقد كان العَبّاد عالماً زاهداً ناصحاً لسلطانه ـ ثم يمدح السلطانين، ولكن مدحاً أين هو من مدح الصاحب الذي غطت شخصيته في هذا الكتاب على سواه.
أسباب تأليف الكتاب
ويعدد الحسن بعد ذلك أسباب تأليف الكتاب، فيعد في رأسها شديد رغبته في أن يجمع أخبار بلدته قديمها ومعاصرها، ومن الأسباب أن ابن العميد ـ أبا الفضل محمد بن الحسين العميد ـ الوزير البويهي المعروف، كان يتساءل مستنكراً كيف أن أهل قُم لا يحفظون أشعار شعرائهم الذين كان بعضهم في نظر ابن العميد يفوق نظراءه من معاصريه من شعراء الفارسية. ومن أسباب تأليفه الكتاب أيضاً تساؤل أخيه كتساؤل ابن العميد عن السبب لعدم وجود كتاب في قُم وأخبارها، فرغب هو في تصنيف هذا الكتاب، خاصة وأن حمزة بن الحسن الأصفهاني لم يتعرض في (كتاب أصفهان) لأخبار قُم.
ويقول الحسن إنه سمع بعضاً من هذه الأخبار من أفواه الناس، وعاين هو بعضاً، ولقي في بحثه ضنكاً وعذاباً. يذكر أنه فتش عن مجموعة لهذه الأخبار في الكتب القديمة فلم يجد، وقِيل له إن كتاباً يحوي مجموعة من أخبار قُم قد كان عند رجل من العرب الذين استوطنوا قُم يدعى علي بن الحسين بن محمد بن عامر، وقد وصلها سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وأن علياً هذا قد وضع الكتاب في بيت سقط وتهدم، فتلف الكتاب في الردم، وكان يحوي أخبار العرب الذين نزلوا بقُم وازدهار أحوالهم بإقبال الدهر عليهم وعدد حروبهم.
مضامين الكتاب
وضع المؤلف كتابه في عشرين باباً. ولكن الكتاب الذي بين أيدينا يضم خمسة أبواب فقط، أما الباقي فلا ندري هل أن المترجم لم ينقله لأنه لم يكمل ترجمة الكتاب لسبب من الأسباب، أم الأبواب الخمسة عشرة الأخرى مترجمة ولكنها مفقودة، أطاحت بها حوادث الدهر وبُعد الزمان. أما تساؤل المصحح المشرف على الطبع السيد جلال الدين الطهراني في التمهيد الوجيز الذي قدم به الكتاب، عن إمكانية تأليف هذه الأبواب الخمسة الموجودة فقط دون سواها، وأن يكون الكتاب في أصله العربي لم يكن يحوي غيرها، فأمر نستبعده، لأن الفهرست يفصل الأبواب المفقودة وأجزاءها تفصيلاً كاملاً يوحي أن الكتاب كان قد أعد بتمامه وبتفاصيله، ولأن المترجم صرح أن الكتاب في عشرين باباً وخمسين فصلاً.
إن قراءة فهرست الأبواب المفقودة ومطالعة الموضوعات التي لا نجد منها إلاّ عناوينها لمدعاة لأسف بالغ، ذلك لأن المعلومات التي يشير إليها واسعة هامة ووافية، تساعد كثيراً على فهم مرحلة بل مراحل هامة من التاريخ الإسلامي القديم، لأن الكتاب جامع بين الجغرافيا والأدب والتاريخ، ولأن الكاتب يستطرد من الموضوع الواحد إلى ما حول الموضوع، فيذكر وقائع وينقل آداباً ويتحدث عن تواريخ لا ترتبط بقُم وحدها، ومن هنا كان الكتاب أشمل من موضوع قُم وحده، ومن هنا كذلك كانت قيمته العظيمة التي تزيد أسفنا على فقدان معظم أبوابه، خاصة وأن المؤلف يتعرض أثناء عرضه لموضوعاته إلى جوانب من الحياة العامة والاجتماعية قلما يتعرض لمثلها مؤرخ آخر.
ولقد أغنانا المؤلف عن تلخيص مضامين الكتاب للقارىء، لأنه أورد في مطلع الكتاب فهرساً لأبوابه، كلها ولفصولها، وقد رأينا أن أفضل ما نفعله للتعريف بالكتاب تعريفاً شاملاً وصحيحاً أن ننقل للقارىء ترجمة الفهرست كاملة، ذلك لأن الفهرست يذكر موضوعات كل باب بتفصيل وافٍ وشرح واضح، هذا فوق أملنا بأن يكون هذا الفهرست ذا جدوى إذا تحققت ذات يوم مُنيةً حلوة بأن تظهر في زاوية من الزوايا المهملة، أو في مخبأة من مخابىء التاريخ الكتوم بقية هذا الكتاب أو بعض أقسامه، وأن لا يفوت متتبعي الأدب ودارسي التاريخ جليل الفوائد التي تضمنتها دفتاه.
الفهرست
الباب الأول ـ في ذكر قم وسبب تسميتها بهذا الاسم بعد تسميتها بالفارسية، وذكر القديم والحديث من أمرها، وكيفية فتح ناحيتها وانتهاء حدودها ومسافة أقطارها، وذكر طولها وعرضها وبرج طالعها، وعدد طرقاتها ومداخلها وساحاتها ومساجدها وحماماتها، وسبب فصلها عن أصفهان، ووقت اعتبارها مدينة مستقلة، وما يدخل في ناحية قم ويعد منها، وما يتعلق بها من ضياع وأسمائها. وذكر القديم والحديث من قلاعها، وذكر أول مسجد بنوه بقم ونصبوا المنبر فيه إلى أن بني المسجد الجامع ونقل المنبر إليه، وذكر دور الخراج ودار الضرب وسرايات الحكام والولاة والسجون، وذكر قنواتها وسواقيها وأنهارها ومطاحنها وما بها من مقاسم للمياه ومساتيق، وعدد ضياعها وقراها من عربية وفارسية، وعدد الضياع والدساكر التي ألحقت بقم من المدن الأخرى، وذكر بعض الطلسمات وبعض ما كان مشهوراً بها من بيوت النار، وذكر فضائل قم ونواحيها وسكانها وما لحقهم من الآفات والعاهات… ويشتمل هذا الباب على ثمانية فصول.
الباب الثاني ـ في عدد المرات التي مسحت فيها قم والمرات التي فرض فيها الخراج عليها، ومبلغ خراجها وأسماء ضياع الخراج وذكر أنواعه إلى أن ثبته الشيخ الأمين أو الحسن عباد بن عباس (رحمه اللَّه) سنة ثلاثين وثلاثمائة. وذكر نجومها وتقاليدها ومؤنها وإخراجاتها، وذكر رسوم الصدقات بقم وما كان من أمر الخراج في أيام العجم وفي الإسلام، وذكر وجوه الأموال وأحكام الأراضي… ويشتمل هذا الباب على خمسة فصول.
الباب الثالث ـ في ذكر من نزل بقم واستوطنها من الطالبيين، وذكر بعض الفضائل المرويّة في حقهم، بعد الابتداء بذكر أولاد أمير المؤمنين علي وفاطمة والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وعدد أولادهم ومدة أعمارهم ووفيّاتهم.. ويشتمل هذا الباب على فصلين.
الباب الرابع ـ في ذكر مجيء العرب من آل ملك بن عامر الأشعري إلى قم وآوج واستيطانهم لها وسبب رحلتهم من الكوفة إلى قم في الروايات المختلفة، والسبب الذي من أجله قتل الحجاج بن يوسف محمد بن السائب بن مالك الأشعري… ويشتمل هذا الباب على فصلين.
الباب الخامس ـ في أخبار العرب الأشعريين الذين أسلموا وسبب إسلامهم وهجرتهم مع الرسول، والفضائل المروية فيهم وحكومتهم ومفاخرهم المشهورة، مع أخبارهم في الجاهلية وذكر قبائلهم وعشائرهم وبعض وقائعهم وأيامهم وأشعارهم.. ويشتمل هذا الباب على فصلين.
الباب السادس ـ في ذكر أنساب الأبناء من العرب بقم عموماً، وفضل اليمنيين خاصة، وذكر نسب قحطان، وما نقل في ذلك من روايات.. ويشتمل هذا الباب على خمسة فصول.
الباب السابع ـ في ذكر من توطن بقم من العرب، ومن بلغ منهم مراتب الرئاسة والسيادة، مع بعض آخر من أخبارهم بصورة عامة.. ويشتمل هذا الباب على خمسة فصول.
الباب الثامن ـ في ذكر الحوادث والوقائع المشهورة التي حدثت بين هذه الجماعة من العرب.. وهذا الباب موضوع في فصل واحد.
الباب التاسع ـ في ذكر من حكم قم من ولاة الخلفاء وسائر السلاطين من عرب وعجم، وذكر بعض كتاب الديوان الذين كانت أسماؤهم محفوظة.. ويشتمل هذا الباب على فصل واحد.
الباب العاشر ـ في وقت ظهور الإسلام في قم وذكر الفضائل المروية في شأن الفرس، ومن كان من الفرس بقم في الأيام القديمة والحديثة، إِنْ الذين كانوا منها أو الذين أتوا إليها واستوطنوها.. ويشتمل هذا الباب على ثلاثة فصول.
الباب الحادي عشر ـ في تواريخ سني ولاة قم وحكامها، والجريبات وخراجها ومسافتها، من سنة صارت مدينة وكورة وذلك سنة تسع وثمانين هجرية إلى آخر سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، وذكر أسمائهم وبعض أخبارهم وعددهم وهو مائتا شخص وشخص.. يشتمل هذا الباب على فصل واحد.
الباب الثاني عشر ـ في أسماء قضاة قم وبعض أخبارهم، والسبب الذي من أجله لم يرسل الخلفاء قضاة إلى قم حتى خلافة المكتفي، وذكر الرجال الذين اختارهم العرب منهم برضاهم للقضاء فيما بينهم، إلى أن جدد المكتفي سنة توليه القضاء في قم وأرسل لها القضاة.. ويشتمل هذا الباب على فصل واحد.
الباب الثالث عشر ـ في سني الخلفاء والوزراء وحوادث قم وباقي مدن الإسلام، بعد الابتداء بذكر مولد رسول اللَّه(ص)، وجميع أخباره من يوم مبعثه إلى يوم هجرته، وسائر التواريخ المختارة من الهجرة حتى آخر سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة.. ويشتمل هذا الباب على فصل واحد.
الباب الرابع عشر ـ في ذكر ضياع السلطان والأملاك الأميرية في قم وآوج وأنواعها من قديمة خاصة معروفة بالعباسية وعامة، والفراتية السهلانية واليعقوبية، وحديثة مقبوضة في سنتي ست وسبع وثلاثمائة، ومبلغ خراجها وعدد أسهمها، مع ذكر سائر شؤون بلدة آوج التي لم تذكر في الدفتر السلطاني.. ويشتمل هذا الباب على فصل واحد.
الباب الخامس عشر ـ في الضياع والحصص الموقوفة ومبلغ خراجها وعدد أسهمها والبائر والخرب منها وذكر من تولاها من أهالي قم من العرب والعجم وهم أربعون شخصاً، وفي تفحص أحوال هذه الحصص الموقوفة وأحوال المتولين أمورها من قبل الخلفاء والولاة على قم، إلى أن صارت كلها من الأقطاع.. ويشتمل هذا الباب على فصل واحد.
الباب السادس عشر ـ في ذكر أسماء بعض علماء قم، وعدد الخاصة منهم وهو مائتان وستة وستون شخصاً، وعدد العامة منهم ممن كانوا مشهورين فيها وهم أربعة عشر شخصً، وذكر مصنفاتهم ورواياتهم وبعض أخبارهم.. ويشتمل هذا الباب على فصلين.
الباب السابع عشر ـ في أسماء بعض الأدباء والكتاب وأمثالهم ممن كانوا بقم، كالفيلسوف والمهندس والمنجم والنسَّاخ والورَّاق، مع ذكر بعض أخبارهم ورسائلهم ومصنفاتهم.. ويشتمل هذا الباب على فصل واحد.
الباب الثامن عشر ـ في ذكر بعض الشعراء الذين نظموا في مدح أهل قم، ومن كانوا معروفين وشعرهم محفوظ ومشهور وعددهم أربعون شاعراً، وذكر الشعراء الذين ظهروا بقم وآوج مع بعض أشعارهم بالعربية والفارسية وعددهم مائة وثلاثون شاعراً.. ويشتمل هذا الباب على ثلاثة فصول.
الباب التاسع عشر ـ في ذكر اليهود والمجوس الذين بقم ونواحيها، وما كان مفروضاً عليهم من أموال ورسوم وما ورد في هذا الكتاب من روايات، وسبب هجرة النصارى ونزلهم بقم واستيطانهم لها في مختلف الروايات.. ويشتمل هذا الباب على فصل واحد.
الباب العشرون ـ في بعض خصائص قم وبعض عجائب الدنيا، وأعمار الأنبياء (عليهم السلام) وعددهم وكامل تواريخ الأيام والسنين والقرون، وملوك العرب والعجم وملخص أخبارهم، وبعض أخبار الأمم من آدم (عليه السلام) حتى زمان هجرة رسولنا(ص)، وذكر بعض سنن العرب وعاداتهم وأحكامهم ومناقبهم وأصنامهم في الجاهلية، مع ذكر بعض الروايات الواردة في التوحيد، وذكر خصائص قريش وبني هاشم ومكة والمدينة والأخبار النادرة من روايات الشيعة وسواهم.. ويشمل هذا الباب خمسة فصول.
د. أحمد لواساني
تازة
ومعناها بالبربرية: الصخرة. تقع في شرق مدينة فاس بنحو 127 كلم في منتصف الطريق المؤدي إلى وجدة. وتمتاز هذه المدينة بموقعها الاستراتيجي الهام الذي جعلها منذ أقدم العصور مركزاً حربياً له خطورته، وذلك لأنها تقع فوق هضبة مرتفعة بين الأطلس والمتوسط وجبل الريف في ممر استراتيجي عظيم بين شرق المغرب وغربه، ولمكانتها الحربية اتخذها الحسن بن إدريس الثاني مقراً حربياً، وعني بها عبدالمؤمن الموحدي فجعلها حصناً منيعاً. وفي أيام بني مرين اتخذها أبو يعقوب المريني قاعدة لغزو تلمسان والمغرب الأوسط. وفي أوائل هذا القرن كانت عاصمة للثائر بو حمارة. ولا تزال إلى اليوم مركزاً حربياً له أهميته.
وينسب إليها علماء كثيرون.
تايلاند)[23] (.
ـ 1 ـ
يحدها جنوباً ماليزيا وغرباً بورما وشرقاً كمبوديا وشمالاً من جهة الشرق لاوس وبورما، وتطل على الخليج الذي اشتهر باسم (خليج سيام)، وأكثر الدول ارتباطاً بها ماليزيا ويكونان معاً على الخريطة الجغرافية شكل (الزهرة) فتمثل ماليزيا (ساق الزهرة) وتمثل تايلاند (رأس الزهرة)… وهي بلد زراعي، وللصناعة في هذا البلد مستقبل زاهر، نظراً لكثرة المواد الأولية والمحاصيل الزراعية، والتي من أهمها الأرز (السيامي). وتقوم تايلاند بتصدير الأرز والقصدير والأخشاب والمطاط والحرير الطبيعي والتمر هندي والفواكه واللحوم المحفوظة، وتشكل السياحة نسبة كبيرة في دخل البلاد.
والعاصمة (بانكوك) مركز هام للمواصلات الجوية، وهي مدينة حديثة، تشتهر بكثرة جمال فنادقها، وسعة ونظافة شوارعها.
ورغم وفرة الدراسات التي تتعمق في تاريخ الإسلام بالشرق الأقصى، وكيف وصل إليه، ومن هم حملته، وكيف استطاع أن يقضي ـ بدون قوة عسكرية أو جيش محارب ـ على ممالك بوذية وهندوكية في تلك المنطقة ويقيم محلها دولاً وإمارات إسلامية في أندونيسيا وماليزيا.. إلاّ أن هذه الدراسات لا تتعرض بكثير لتاريخ الإسلام في تايلاند.
بينما نجد العكس عند الحديث عن الفلبين وأندونيسيا وماليزيا، أو ما كان يعرف في القديم بالأرخبيل الماليزي، فقد تحدث عن تاريخ الإسلام في تلك الجهات عدد كبير من المؤرخين من عرب وفرنجة وصينيين.
ومن المعلوم في بعض المصادر التاريخية أن الإسلام وصل إلى الصين في القرن الأول الهجري، وأن العرب كانوا يسلكون في السفر إلى الصين طريق كمبوديا، وهي متاخمة لتايلاند ولكن المراجع العربية عن تاريخ الإسلام في (تايلاند) تكاد تكون منعدمة، بينما يحظى الحديث عن تاريخ الإسلام في تايلاند باهتمام المؤرخين الغربيين من برتغاليين وهولنديين وفرنسيين وإنجليز، وهم رواد الاستعمار الغربي لتلك المنطقة، أو بمعنى أصح الرواد الأوائل للتبشير المسيحي بها…
وفي الآونة الأخيرة بدأت تظهر بعض الدراسات التايلاندية وغالبها مترجم عن مصادر غربية، تتحدث عن تاريخ الإسلام في تايلاند… ومن أشهر المؤرخين للوجود الإسلامي في (سيام) أو (تايلاند) هو المفكر التايلاندي المعاصر (كيكريت براموش) المشرف على جريدة (سيام رات)، أشهر الصحف اليومية السياسية في تايلاند حالياً.
فقد ألقى (كيكريت) محاضرة بقاعة مؤتمر المعلمين ببانكوك في أوائل الستينات عن تاريخ الوجود الإسلامي في تايلاند. تعتبر من أفضل المصادر التاريخية عن تاريخ الإسلام ودور المسلمين في سيام.. فقد أثبت بما لا يقبل الجدل أو الشكّ أن الإسلام وصل إلى سيام في عصر (سكوتاي) أي في القرن الثالث عشر الميلادي، وأن الذي حمل رسالة الإسلام هم المهاجرون من الفرس والهنود والعرب، حيث نزحوا من أوطانهم بقصد التجارة.. كما أن سيام كانت في ذلك الوقت ترتبط بحدود جغرافية مع الأرخبيل الماليزي، الذي كان يشمل سومطرة ومالاكا (ملقا)، فضلاً عن أن نفوذ سيام في ذلك الحين كان يشمل (سونغ كلا) و(نكورسي نمرات) وهما ولايتان تقعان في الطرف الجنوبي لمملكة سيام ونتيجة للاحتكاك مع إمارات ودول الأرخبيل الماليزي دخل كثير من سكان الولايات الجنوبية في الإسلام.
ولقد تحدثت المصادر التاريخية السيامية القيمة أن حاكم (سونغ كلا) منذ أكثر من خمسة قرون كان مسلماً وأنه وجد على قبره شاهد مكتوب باللغة العربية (هذا قبر المرحوم السلطان سليمان)…
ومن الشواهد التي أشرت إليها، تكاد تجمع المصادر التاريخية في سيام على أن الإسلام وصل إليها في الفترة (1781 ـ 1921))[24] ( بوذية أي من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وهي الفترة التي بدأت سيام تقيم فيها علاقات تجارية وسياسية مع بعض الدول والإمارات الإسلامية بآسيا.. ولكن المدّ الإسلامي لم يبلغ ذروته إلاّ في عصر (أيوتيا) فقد نزحت إلى سيام الجموع الكثيرة من المهاجرين من الهند والفرس وجنوب الجزيرة العربية، بالأخص الحضارمة)[25] ( ودخل عدد كبير من أهل البلاد في الإسلام. ولم يقتصر عمل المسلمين المهاجرين على التجارة، بل أسند إلى الكثيرين منهم الوظائف الهامة والمراكز المختلفة في حكومة سيام وإدارة البلاد، وبعضهم منحوا إقطاعيات واسعة للزراعة وإنشاء البساتين، وأنعم على بعضهم بأسمى المراتب وأرفع الألقاب فكان المسلمون يشرفون على إدارات متعددة خاصة فيما يتعلق بشؤون التجارة والعلاقات الخارجية، وعمل كثير منهم في الجيش والأسطول البحري، وعين البعض منهم سفراء، وكان أول سفير لتايلاند بإيران مسلم اسمه علي سالم، وهو من أصل عربي.. وكان معظم المقربين من الملك أو الحاكم في سيام من المسلمين.. ولقد وصل الأمر إلى حدّ أن عين أحد هؤلاء المهاجرين في منصب كبير يوازي منصب رئيس الوزراء في العصر الحالي واسمه (الشيخ أحمد) وهو أول من أطلق عليه لقب (شولاراج مونتري) فكان يشرف على ما يعرف في عصرنا هذا بوزارتي الخارجية والتجارة، وعلاوة على ذلك كان يقوم بمهمة المستشار الخاص للملك فيما يتعلق بالشؤون الإسلامية.
ولا يعرف بالضبط جنسية الشيخ أحمد هذا.. هل هو عربي أم فارسي أم هندي.. لأن بعض المصادر التايلاندية تذكر أنه من أصل إيراني وبعضها تذكر أنه من أصل عربي.
والذي يراه كاتب هذه السطور أنه ليس بعربي، والمرجح أنه من الفرس الذين استوطنوا الهند ومن الهند نزح إلى سيام..
ولقد قام المسلمون بقيادة الشيخ أحمد بدور هام في بناء مملكة سيام وخاصة في عصر (أيوتيا)، كما استبسلوا في الدفاع عنها عندما أغارت عليها بورما للمرة الأولى.
وظهر تأثير المسلمين في المجتمع السيامي واضحاً في الفنون والآداب والزي، وتوجد في اللغة التايلاندية كلمات من أصل عربي وفرسي.
ويعزو البعض ضياع كثير من المصادر التاريخية عن الوجود الإسلامي بسيام إلى حرق بورما للعاصمة القديمة (أيوتيا) عندما أغارت عليها للمرة الثانية باعتبار أن العاصمة أيوتيا كانت تمثل مركز (التجمع الإسلامي) في ذاك الحين.
وبسقوط أيوتيا في عام 1867م انتقلت العاصمة إلى (تنبوري) وهي القسم الغربي للعاصمة الحالية، ويفصلها عن القسم الشرقي للعاصمة بانكوك نهر (شاو برايا)، وقد أدى سقوط أيوتيا إلى تفرق المسلمين، فنزحوا إلى جنوب أيوتيا لمسافة تبعد حوالي سبعين كيلومتراً، وأقاموا على ضفاف الشاطىء الغربي لنهر (شاو برايا).. والجدير بالذكر أن المسلمين المقيمين حالياً على الشاطىء الغربي لهذا النهر هم من أحفاد المهاجرين المسلمين الذين اتجهوا إلى الجنوب من أيوتيا في منطقة تشكل حالياً القسم الغربي لعاصمة تايلاند.
وبعضهم يرجع إلى أصل سيامي أو إيراني، والبعض الآخر يرجع إلى أصل هندي أو عربي، ولكنهم جميعاً من أهل السنة، ومن أشهر أسرهم وعائلاتهم: فيتونكم ومنأجت ـ وكريمي ومسعودي وبوتاسموت ـ وشالايون ديشأ وسي شرون ودمرونغ فل وستي وانيس.. إلى غيرها من الأسر التي لا تمت إلى الأصل الملايوي.. ولكنها تؤكد أن الإسلام دخل تايلاند عن طريق الجنوب، نتيجة الصلات بين سيام والأرخبيل الماليزي، وبواسطة هجرات إسلامية مباشرة من جنوب الجزيرة العربية والهند وإيران..
وهذه الهجرات تشكل مسار المدّ الإسلامي الأول نحو سيام، وتقيم الدليل على قدم الوجود الإسلامي بتايلاند، مما يؤكد ـ حسب المصادر التاريخية التايلاندية ـ أن الإسلام شق طريقه إلى تايلاند في القرن الثاني عشر الميلادي، وهذا يستوجب عناية المؤرخين المسلمين المعاصرين بتاريخ الإسلام في تايلاند، باعتبار أنها من بين المناطق النائية في جنوب شرق آسيا التي شهدت ازدهاراً للمد الإسلامي لا زال يترك أثره في المجتمع التايلاندي المعاصر.
ولقد ذكرنا أسماء عائلات تدين بالمذهب السني ترجع في أصولها إلى المهاجرين من (أيوتيا) وهناك عائلات تدين بالمذهب الشيعي تقيم بالقرب منها ولكنها أقل عدداً وما زال أفرادها يذكرون أنهم أيضاً من بقايا الأسر الأولى التي هاجرت من العاصمة القديمة.
وبانتقال العاصمة إلى مدينة (تونبوري) لم تضعف سلطة المسلمين بل ظل بعضهم يشغل مراكز حساسة في الدولة وكذلك عندما انتقلت السلطة إلى الأسرة الحاكمة حالياً في تايلاند أي حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، كان النفوذ الإسلامي لا يزال قوياً.
وأحب أن أشير إلى شيء جدير بالاهتمام وهو أن الشيخ أحمد الذي أسلفنا الإشارة إليه كان من الشيعة وهذا ما يؤكد أنه ليس من أصل عربي لأن عرب جنوب الجزيرة الذين هاجروا إلى الشرق الأقصى، وكان لهم الدور الأكبر في نشر الإسلام في تلك المنطقة، كانوا من الشوافع.. وهذا هو السرّ في أن أندونيسيا والفلبين وماليزيا على المذهب الشافعي إلى الآن.
وفي كتاب «تاريخ الشيخ أحمد» ـ وقد كتبه أحد المنتسبين إليه من إحدى الأسر البوذية المشهورة في تايلاند.. يؤكد الكاتب أنه لا توجد أدلة كافية لوجود بقايا لذرية الشيخ أحمد ما زالت تحتفظ بالإسلام للآن.
ولكن أحد أفراد الشيعة المعاصرين واسمه «أحمد جولا» كتب مقالاً منذ عامين في الكتاب التذكاري لمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي في بانكوك أكد أنه أحد أحفاد الشيخ أحمد.
وعثوري على كتاب «تاريخ الشيخ أحمد» باللغة التايلاندية له قصة.. فقد ساءني جهل الأكثرية من المسلمين بتاريخ دخول الإسلام سيام والمراحل التي مرّ بها فعزمت على إصدار عدد خاص من مجلة «الرابطة» التي تصدرها دار الدعوة الإسلامية شهرياً باللغة التايلاندية ليرجع إليه المسلم في معرفة تاريخ الإسلام والمسلمين في سيام. وبدأت أتردد على المكتبات القديمة ودار الكتب العامة لأجمع ما تنشر من المعلومات حول هذا الموضوع. ولما كانت شخصية «الشيخ أحمد» تمثل الواجهة الكبرى في تاريخ المسلمين القديم بهذه البلاد فكان جلّ همي أن أعثر على كتاب يؤرخ لحياة الرجل وكدت أفقد الأمل في العثور عليه.. لولا أن أحد الأصدقاء من أساتذة الجامعات دلني على المكان الذي يمكن أن أعثر فيه على هذا الكتاب.. ولم يكن هذا المكان سوى «رصيف» الميدان الكبير والمسمى باللغة التايلاندية «سنام لوانغ» ففيه تعرض الكتب القديمة وخاصة الكتب التذكارية التي تطبع لمناسبة حرق جثة أحد الموتى من البوذيين!.
وقد جرت عادة الأسر البوذية في تايلاند إذا فقد أحد أفرادها وفي يوم حرق جثته أن يصدروا كتاباً يحوي موضوعاً تاريخياً هاماً أو بحثاً علمياً نادراً ليكون بمثابة تخليد لفقيدهم.
وفعلاً وجدت كتاباً يحوي تاريخ الشيخ أحمد أصدرته إحدى الأسر البوذية التي ترجع في أصولها إلى الشيخ أحمد لمناسبة وفاة إحدى سيدات هذه الأسرة.. وهي امرأة في ملامحها ما يؤكد أنها ليست سيامية خالصة.
وعن حياة الشيخ أحمد، يحوي الكتاب صوراً لهذه السيدة مع أفراد الأسرة المالكة حالياً في تايلاند، ولا غرابة في ذلك فكثير من أمراء وأميرات الأسرة المالكة ينتسبون من جهة الأجداد أو الجدات إلى الشيخ أحمد.
وفي العام الماضي ألقى مندوب ملك تايلاند في مناسبة الاحتفال الجامع بالمولد النبوي التي تقام في صالة «لومبني» وهي أكبر قاعة عامة في بانكوك، ألقى هذا المندوب، وهو أحد الأمراء، كلمة في هذه المناسبة قال فيها إنه يشعر بالغبطة والسعادة والفخر والعزة لأنه شارك في ذكرى مولد النبي محمد(ص) الذي طالما ذكرت له والدته أن جدها الكبير الشيخ أحمد كان من المؤمنين به وبرسالته.
ومن الطريف أن المفكر التايلاندي المعاصر (كيكريت) ينتسب للشيخ أحمد من جهة إحدى جداته، وهو يصرح بذلك وكذلك شقيقه الأكبر وهو رئيس الحزب الديمقراطي أكبر الأحزاب في تايلاند بأنهما من أصل إسلامي.. وبجانب ذلك توجد عدة أسر لها مكانة مرموقة في المجتمع التايلاندي تتصل بوشائح القربى والمصاهرة مع الأسرة المالكة الحاكمة حالياً ـ تنتمي إلى الشيخ أحمد.
ومن أشهر هذه الأسر أسرة «بوناك» أو «بوناخ» ويشغل أفرادها كثيراً من وظائف السلك الدبلوماسي والمراكز الرفيعة في الوزارات والجامعات والقصر الملكي وشؤون الدولة والمجتمع. والنقيب الحالي للمحامين التايلانديين من هذه الأسرة.
وما يقال عن أسرة «بوناك» يقال عن أسر أخرى.
إن الهجرات الإسلامية الأولى التي وفدت على سيام، وخاصة من الهند وإيران رغم أنها قد تتقدم من ناحية الزمن الهجرات الإسلامية التي وفدت على الأرخبيل الماليزي أو جزر الهند الشرقية. إلاّ أنها لم تترك نفس الأثر الذي تركته هذه الهجرات، فالهجرات إلى الأرخبيل الماليزي كانت هجرات للدعوة إلى اللَّه وإلى دينه القويم، وقد يكون بين هؤلاء المهاجرين من هاجر بقصد التجارة ولكنهم كانوا يعملون للدين والدنيا معاً، وإن كان بعضهم قصد هذه البلاد بقصد الدعوة فقط.. ولذلك كانت النتيجة أن تحولت دول الأرخبيل الماليزي وجزر الهند الشرقية إلى الإسلام ولولا رحلة ماجلان لعدت الفلبين من بين الدول الإسلامية بالشرق الأقصى بجانب أندونيسيا وماليزيا.
والهجرات الأولى لسيام كانت الأكثرية منها من الشيعة كما هو مذكور في تاريخ الشيخ أحمد.
علي عيسى علي
وقد روى السيد محمد علي الشهرستاني الذي زار بانكوك عاصمة تايلاند في العشرة الأولى من محرم سنة 1394هـ قائلاً:
«إن العزاء الحسينيّ يقام على أتم مظاهره في بانكوك وبعض أنحاء تايلاند. فإنه شاهد بأم عينه إقامة مجالس العزاء والمآتم واجتماعات النياحات وقراءة المراثي على الإمام الشهيد الحسين بن علي (عليهم السلام) في هذه العشرة، وإنه اشترك بنفسه في بعضها، وخاصة في المواكب الحزينة ومجالس النياحة التي أقيمت في المساجد والحسينيات الأربع التي أنشئت في بانكوك على مرور الزمن ومنذ أن نزلها أحد علماء الشيعة قادماً إليها من إيران على عهد الأسرة الملكية الصفوية منذ أكثر من 400 سنة.
ويشترك الشيعة كلهم في هذه المراسيم العزائية التي تقرأ فيها فاجعة الطف بتفاصيلها، كما ويلبس في هذه العشرة الحزينة وخاصة يومي التاسوعاء والعاشوراء المشتركون في هذه المناحات اللباس الأسود. كما أن تقليد توزيع الخيرات وإطعام المساكين في هذه العشرة الحزينة، ولا سيّما يومي تاسوعاء وعاشوراء قائم بأتم وجه بين مختلف الطبقات هناك.
(1)في تايلاند
وننشر هنا دراسة عن تايلاند مكتوبة بقلم أحد من زاروها:
الشعب التايلاندي يسمي عاصمته بانكوك.. «مدينة الملائكة». والملائكة فيما يتصور التائيون الحديثون هم الرهبان البوذيون الذين ينطلقون من المعابد في أثوابهم الزعفرانية ورؤوسهم المحلوقة، حاملين صحافاً فارغة ليملأها لهم الناس، إنهم يطرقون الأبواب صامتين، ينتظرون أن تملأ تلك الأواني بقليل من الأرز أو بعض الفاكهة، وحين لا تمتلىء الصحاف في الوقت المناسب، فإن الرهبان الكبار يتوقفون في ورع وتأمل بانتظار من يحضر من المتبرعين بالطعام والهدايا. ويأتي المتبرعون بصحبة أطفالهم أحياناً ويقدمون الأرز الساخن والمأكولات الأخرى لتقديمها للرهبان المنتظرين. وبعد بزوغ الشمس بساعة يعود الجميع إلى معابدهم لتناول وجبة طعامهم الأولى، ويتركون ما يتبقى لوجبة ما قبل الظهر ثم لا يأكلون بعد ذلك بقية النهار.
هؤلاء الرهبان هم «الملائكة المحدثون». أما الملائكة الذين انتسب إليهم اسم المدينة وهو (كرانگثب)، فهم خدم الآلهة. والاسم مستمد من اللغة السنسكريتية لغة البلاط الملكي. وكلمة «ثب» معناها الملائكة التي تخدم الآلهة في الطقوس البراهيمة القديمة. وقد استبقيت هذه الآلهة والملائكة لتتبع العقيدة البوذية ولكنها ليست ضرورية لها، وقد قبل بوذا نفسه وجود هذا التقليد ولم يغيره، ولكنه لم يعترف به..!
بانگوك أو «كرانگثب» كانت قبل مئات السنين مجرد نقطة حصينة على منحنى النهر لحماية العاصمة السابقة «أيوثايا». وتعني كلمة بانكوك نفسها المكان الذي ينمو فيه الزيتون البري.
وقد استمدت «أيوثايا» اسمها من «آيودايا» المدينة الخرافية في شمالي الهند التي شنّ منها الإله راما حملته لغزو سيلان التي كانت تسمى عند الرحالة العرب «سرنديب» وهي الآن سريلانكا. وقد ظلت بانكوك على حالها وعرفت هكذا لدى التجار الأوروبيين. ولكن أيوثايا سقطت في أيدي البورميين بعد حصار طويل في منتصف القرن الثاني عشر، وقد دمرت تدميراً تاماً. ونقل السكان الأسرى إلى بورما تمشياً مع تقاليد تلك الأيام، ولكن جزءً من جيش «تاي» بقيادة الجنرال نصف الصيني «تاك سين» هرب قبل سقوط المدينة. ولجأ تاك سين إلى الشرق بالقرب من كمبوديا، وحشد جيشاً هزم به البورميبين وطردهم من البلاد فلم يعودوا إليها ثانية.
وأصبح تاك سين ملكاً، واتخذ من «تونبيوري» عاصمة له عبر نهر تشاونابا أمام بانگوك. وبعد السنوات الأولى من حكمه استطاع أن يوقف البورميين من ناحية والكمبوديين من الناحية الأخرى. إلاّ أنه أصيب في أخريات أيامه بالخبل وبدأ يتخيل نفسه إلهاً. وحينئذ خلفه قائده جنرال شاكري وتولى الحكم، فنقل العاصمة إلى بانگوك عام 1782م ونصب نفسه ملكاً، وأقام قصره الكبير الذي أصبح مركزاً للعاصمة الجديدة، إذ جاء الأهالي فأقاموا حوله بيوتهم التي ظلت تتزايد حتى أصبحت مدينة كبيرة رائعة. أمّا الملك تاك سين فقد قتله الملك الجديد على الطريقة الملكية التائية: حوكم وهو موضوع داخل «جوال»، وضرب بهراوات من خشب الصندل حتى لا يسكب دمه الملكي على الأرض إذا ذبح أو جرح. وفيما بعد أطلق على «شاكري» أول ملوك الأسرة الملكية الحالية لقب «راما» وتبعه خلفاؤه في حمل نفس اللقب حتى الملك الحالي «بهومبيول اديوليديج» الذي اتخذ اسم «راما التاسع» وذلك تبركاً باسم الإله «راما» الذي نشهد تفاصيل قصته المأخوذة عن «رامايانا» على لوحات متتابعة مرسومة على جدران المدخل الشرقي لمجموعة القصر الملكي الكبير ومعبده الرئيسي. وهي القصة التي انتهت بانتصار راما على ملك الشياطين «رافانا» بمساعدة القرد «هانومان».
أرض الأحرار
إذا كان للعاصمة قصة فإن لتايلاند نفسها قصة أخرى. فهذا الاسم لم يطلق عليها إلاّ في عام 1939م، حين قرر المسؤولون تحويل اسمها الأصلي من «سيام» إلى «موانج تاي» التي تعني باللغة السيامية «أرض الأحرار» ومن ثم أصبح الاسم الرسمي للمملكة يتكون من شقين هما «تاي» و«لاند». وسيام (أو تايلاند) إحدى الدول التي تشكل شبه جزيرة الهند الصينية في جنوب شرقي آسيا والتي تضم فيتنام وكمبوديا ولاوس وبورما وماليزيا، وهي كلها تشترك في الحدود مع تايلاند ما عدا فيتنام.
بدأ اتصال سيام بأوروبا عن طريق البرتغاليين في أوائل القرن السادس عشر، وعن طريق التجار الهولنديين والإنجليز والفرنسيين، بعد ذلك بقرن، وقد سعى الفرنسيون إلى مزيد من التوسع في سيام ولكن مجازفتهم في سيام انتهت بكارثة.
المهم هنا أنه مع توالي أحداث التاريخ استطاع ملوك أسرة شاكري وأولهم راما الأول عام 1782م وتاسعهم الملك بهو ميبول راما التاسع الحالي ـ أن يقيموا حضارة جديدة للبلاد، وكان أبرز عصورها في فترة حكم راما الخامس (1868 ـ 1910م) وهي تعتبر فترة تغيير جذري واتجاهاً نحو أعلى مستويات التقدم. أمّا الفترة المهمة الثانية فهي فترة تغيير نظام الحكم من نظام ملكي مطلق إلى نظام ديمقراطي في عام 1932م في عهد الملك السابع حين قام بتغيير النظام جماعة أرادوا الحصول على نظام ديمقراطي أيده الملك نفسه وقبل ذلك التغيير بالتسليم، ووقع على الدستور المؤقت في يونيو 1932م، وهو تاريخ بداية نظام الحكم الديمقراطي في مملكة تايلاند، حيث أصبح الملك بملك ولا يحكم، وإن ظل يتمتع بقدسية واحترام كبيرين باعتباره ما زال تجسيداً لبوذا المستقبل في أنظار الشعب، الذي تدين أغلبيته بالبوذية بنسبة 93% من عدد السكان البالغ 51 مليون نسمة بينما يمثل المسلمون نسة 4% والمسيحيون نسب 2,6% والباقي من الهندوكيين.
القصر الكبير
زيارة بانگوك تبدأ دائماً من قلب المدينة حيث ساحة القصر الملكي الكبير والمعابد البوذية المحيطة به التي تعرف باسم «وات».
القصر آية في الفن التقليدي التايلاندي، أقامه الجنرال فايا شاكري (راما الأول) عام 1783م على الضفة الشرقية لنهر «تشاونابا» على مساحة 218 ألف متر مربع، وأحاطه بجدران أربعة ضخمة طولها 1900 متر، تضم بداخلها مقر إقامة الملك وجناح الحريم والمكاتب الرسمية للحكم ورجال البلاط، بالإضافة إلى المعابد الملكية وأهمها معبد بوذا الزمردي (زمرة بوذا).
زمردة بوذا
وننتقل إلى المعبد الملكي الرسمي ـ معبد وات براكيو ـ أو معبد بوذا الزمردي حيث يؤدي الملك طقوس عباداته. المعبد يشكل قصراً منيفاً تحيط به جدران عالية مثل أديرة التبت البوذية، يستقر فيه تمثال بوذا الزمردي أو «زمردة بوذا». المشهد داخل المعبد مثير غريب.
تمثال زمردة بوذا أحضر إلى بانگوك بعد سلسلة من المغامرات الإعجازية، وهو أشهر تمثال من نوعه في الوقت الحالي والقسم به معناه أقدس قسم. والتمثال نفسه صغير مصنوع من قطعة واحدة من حجر الزمرد (اليشبي) وهو مستقر في مؤخرة المعبد.
على إطارات نوافذ المعبد الداخلية نتابع قصة حياة بوذا منذ مولده حتى صعوده إلى «النيرفانا» وهو السمو الأعظم. وهو الذي يرمز إليه تمثال بوذا في وضع اللوتس، على حين تشير يده الأخرى إلى الأرض، وزهرة اللوتس هي أجمل الزهور تفتح بتلاتها فوق الماء وتعني النقاء النابع من العالم المادي. ويجلس بوذا على عرش من اللوتس وعلى وجهه تعبير الرصانة والرحمة والسلام.
المعابد والرهبان
ليس معبد بوذا الزمردي إلاّ واحداً من حوالي ثلاثمائة معبد موجودة في بانگوك. ففي أحد الجوانب نشهد تمثال «الجارودا» الذهبي الذي يرمز إلى أسطورة فشنو وهو نصف رجل ونصف طائر. وفي الجانب الآخر نرى تماثيل عمالقة ارتفاعها لا يقل عن ثمانية أمتار مطلية بألوان زاهية لها وجوه عابسة متوحشة وأنيابها بارزة. ويرتفع برج ذهبي رئيسي في الهواء على أبراج موشاة بالذهب مدرجة تضيق كلما ازداد الارتفاع، في حين تقرع نواقيس المعبد مع حركة الهواء…
في «وات أرون» أي معبد الفجر نلاحظ أنه ذو طابع معماري تقليدي بأبراجه المدرجة المرتفعة، وارتفاع أعلى أبراجه لا يقل عن ثمانين متراً. أما «وات بو» وهو معبد بوذا المضطجع فنجد تمثاله ضخماً من الطوب والأسمنت المسلح ومغطى بطبقة من الذهب ويبلغ طوله 150 متراً وارتفاعه نحو 40 قدماً.
وفي «وات بنگاما بوتت» وهو معبد الملك شولا لانجكورن نعرف أنه بني في السنوات الأولى من هذا القرن. وهو مهيب المنظر مشيد من المرمر الأبيض وأسقفه مصنوعة من البلاط المزجج.
ولا نستطيع أن نتجاوز معبد «وات سوتات» الذي كان يستخدم ملاذاً للناس عند ضرب المدافع لبانگوك خلال الحرب الأخيرة.. فالمثير هنا أن وراء جدران المعبد تقام مهرجانات للألعاب السحرية والبهلوانية في موسم أعياد الحصاد التقليدية، تجري الألعاب من حول تماثيل بوذا الرائعة المتناثرة بمختلف الأحجام والمواد، بينما الرهبان الدارسون يروحون ويجيئون وهم يتذاكرون القواعد والتعليمات التي يبلغ مجموعها أكثر من مائتين، وأهمها «الفقر والعزوبة وعدم استخدام العنف».. وكل رجل يلقى تشجيعاً ليصبح راهباً لمدة ثلاثة أشهر عادة ولمرة واحدة على الأقل في أثناء حياته، ويكون ذلك عادة في شبابه قبل أن يتزوج. وتمنح الحكومة والقوات المسلحة رجالها إجازة بمرتب ليدخلوا «الدير» حيث يحظى الرهبان الدارسون باحترام كبير ويعرفون باسم «بهارا» وهو تعبير يدل على الانتماء للملكية أو التقديس.
وهناك رهبان أشرار وآخرون أخيار بالطبع، بين ذلك العدد الكبير الذي يتجاوز ربع مليون، يقيمون في حوالي 21 ألف دير قائمة في تايلاند وبعض الرهبان كسالى وبعضهم الآخر يشترك في التآمر وإن كانوا ليسوا رهباناً سياسيين كالحال في بورما وسيرلانگا. وهناك فريق منهم جهلاء يؤمنون بالخرافات ويملؤون عقول الناس بالمخاوف غير العادية حول الأرواح والأشباح. وهم يستغلون المعتقدات الشعبية بأن البلاد مملوءة بأشباح القتلى أو الذين افترستهم الحيوانات الضارية أو النساء اللاتي أسلمن الروح وهنَّ يلدن، أو الرجال الذين ماتوا بعيداً عن الوطن.. وكذلك ضحايا الكوليرا والأمراض المميتة.. وهذه الأشباح الشريرة يصعب إرضاؤها. وهم يتصورون أن بعض الأرواح أو ما تحدثه من خدوش يمكن أن تسبب المرض الذي يكون مميتاً في بعض الأحيان (ويجري الآن إبادة هذه الأرواح باستخدام مادة ال د.د.ت) وتقود بعض الأرواح المسافرين إلى طريق الحيوانات الضارية، أو تستدرجهم إلى المهاوي، وبعضها تسحر الرجال الشديدي الحساسية بجمالها الأخاذ ثم تفتك بهم فيما بعد، والبعض الثاني يقتل ويصيب بالمرض كل من يسرق نفائس الكهوف أو المعابد. كما أن هناك فريقاً ثالثاً يخيف الأطفال في الظلام.
المسلمون بين مدّ وجزر
ونبدأ اللقاء مع الإمام المسؤول عن الشؤون الدينية شافعي عبدالقادر في مقر المركز الإسلامي الذي يحدثنا عن مسيرة الإسلام في تايلاند ونشاط المركز في بانگوك في نشر الثقافة الإسلامية وتعليم الطلاب والطالبات وخاصة أنهم في الأيام الأخيرة بدؤوا يتعلمون لغة القرآن والتفسير السليم. بدأ الدين الإسلامي انتشاره أولاً في شبه جزيرة الملايو ثم جاء إلى بلاد سيام عن طريق التجار العرب الذين جاؤوا للتجارة ونشر الإسلام معاً، وفي عهد دولة «أيوتيا» حوالي عام 1590م جاء تاجر مسلم اسمه الشيخ أحمد واستوطن البلاد وأقام مركزاً للتجارة في مدينة أيوديا حيث تمتع بتكريم الملك له بمنصب المسؤول العالي (وهو منصب رئيس الوزراء) ويعتبر الشيخ أحمد الجد الأول لبعض عائلات تايلاندية الآن.
أمّا المسلمون في جنوب تايلاند فهم مواطنون أصليون ولم يتصل نسبهم إلى التجار أو الأجانب الذين هاجروا إليها. ويثبت التاريخ أنهم مواطنون محليون مقيمون في هذه البقعة قبل الميلاد وبعدة سنوات، وأقاموا دولتهم باسم «مملكة لانكاشوكا» وفي سنة 1675م أقاموا دولتهم الجديدة باسم «مملكة سرى ويشاي»، واستمرت الدولة صاحبة نفوذ إسلامي قوي حتى أوائل القرن التاسع حيث غرست الديانة الإسلامية جذورها داخل مملكة فطاني التي أسسها «برياتوانكو» الذي عالجه طبيب مسلم اسمه الشيخ سعيد من مرض مميت أصيب به وكان شرطه لمواصلة العلاج هو أن يعتنق الملك الإسلام بعد شفائه.
ونكث الملك ثلاث مرات عن وعده بعد الشفاء، فكان المرض يعاوده ثانية حتى شفي تماماً في المرة الثالثة، فأسلم هو وزوجته وأولاده وبناته وتبعه شعبه في اعتناق الإسلام، وأصبحت مملكة فطاني مملكة إسلامية منذ ذلك الوقت، وتوسعت حتى شملت الولايات الجنوبية كلها وهي «جالا، وفطاني، وناريتواسي، وستول».
يؤكد الشيخ شافعي أن عدد المسلمين في تايلاند يبلغ حوالي مليوني نسمة ثلاثة أرباعهم في مناطق الجنوب. ويقول إنهم يتمتعون بمساواة كاملة وبحرية مكفولة في ممارسة شؤونهم الدينية والسياسية والتعليمية ويمارس عدد كبير منهم المناصب الهامة في مختلف المحافظات. إن في بانگوك وحدها حوالي 200 مسجد من بين حوالي 2000 مسجد في تايلاند كلها تدعم إقامتها الحكومة وبعض الدول الإسلامية التي تقدم منحاً دراسية كثيرة لأبناء المسلمين ولكن هناك حاجة إلى المزيد من المعونات.
ولكننا نقرأ ونسمع أشياء أخرى، من المسلمين أنفسهم، سواء في مناطق الجنوب أو ممن زاروهم وتحدثوا عنهم، فعدد المسلمين يتجاوز خمسة ملايين نسمة منهم أربعة ملايين في الجنوب وحده ولكنهم يلقون أسوأ المعاملات وبخاصة بعد أن أعلنت تايلاند 1902م ـ بعد حروب وغزوات ضد قطاني استمرت 46 سنة ـ ضم فطاني واعتبارها جزءاً من المملكة، وألغيت جميع حقوق سيادة السلاطين الفطانيين المسلمين وآخرهم تنكو عبدالقادر. ومنذ ذلك الوقت أصبحت فطاني منطقة لمملكة تايلاند الكبرى. وحكمت الولايات الفطانية بشكل مباشر وعينت الحكومة حكاماً بوذيين يحكمون الجنوب المسلم. وبعد أحداث 1932م ازداد الموقف سوءاً وفرضت عليها يد من حديد وأهملت مصالح الشعب، ولجأت الدولة إلى استخدام سياسة الدمج، وعوقت مشاريع التنمية وبرامج تطوير الثقافة الإسلامية. وأدى كل ذلك إلى قيام حركة الكفاح الشعبي من أجل الاستقلال بقيادة أحد علماء فطاني «حاج سولونج تؤمينا» وحدثت اشتباكات خلال عامي 1942 و1948م وقبض على الزعيم المجاهد وزملائه، وهاجمت القوات التايلاندية قرية «دوسون بور» وقتلت أربعمائة من الرجال والنساء، وأحرقت مساكنهم، وشردت 25 عائلة في قرية بلوكر، وأغلقت المدارس الإسلامية وقبض على بعض المسؤولين فيها. وخلال السنوات التالية ازداد التعسف ضد المسلمين، ومنع الشعب الفطاني من استخدام اللغة الملاوية مع وجوب التعامل باللغة التايلاندية، وجرى تهجير عدد كبير من البوذيين من الشمال وتوطينهم في الجنوب. وكان أغلب هؤلاء من الجنود الذين خاضوا حرب فيتنام.
قال لنا أحد شباب المسلمين: في عام 1975م قامت فرقة من المشاة البحرية. بالقبض على خمسة أفراد من طلبة المدارس الإسلامية وأجبروهم على الركوع أمام تمثال بوذا، ولما أبوا قتلوهم ورموهم في النهر، وقام أهالي فطاني بمظاهرات شعبية ضخمة استمرت 44 يوماً احتجاجاً على تلك الجريمة، وطلباً للعدالة والحرية. واضطرت الحكومة لبذل الوعود ولكن أخلفتها فيما بعد. ولكن الاضطهاد استمر حتى بلغ عدد الضحايا من المسلمين الأبرياء الذين قتلتهم القوات التايلاندية 36 ألف ضحية، وبلغ عدد المهاجرين الفطانيين الذين لجؤوا إلى ماليزيا وحدها حوالي 50 ألف شخص.
يقول محدثنا: برغم كل ما يقولون في النشرات الإعلامية عن المعاملة الطيبة والمساواة التي يتمتع بها المسلمون، إلاّ أن الاضطهاد ما زال يحيط بالشعب الفطاني، ولا يمكن لهذا الشعب المسلم أن يقبل مواصلة العيش بلا معنى في وطن أجدادهم، وهم يفتقرون إلى الاستقلال والحرية، في بلاد تستعمرهم وتسمي نفسها «أرض الأحرار».
ويبلغ عدد سكان تايلاند طبقاً للإحصاء الرسمي عام 1984م حوالي 47,607,050 مليون نسمة، وهم من جنس العرق الأصفر، ولغتهم الرسمية التائية، بالإضافة إلى عدد من الملل الأخرى والأقليات التي تعيش ضمن الدولة وتتكلم بلغات هي الصينية والخمرية. وأغلب سكان المحافظات الجنوبية للدولة مسلمون يتكلمون باللغة المالاوية، وفئة منهم باللغة العربية. وخط الدولة الرسمي هو الخط التايلاندي.
ويدين حوالي 88% من سكان البلاد بالديانة البوذية، وحوالي 11% مسلمون و3% نصارى. ولقد دخل الإسلام إلى هذه البلاد عن طريق التجار الهنود والعرب والماليزيين منذ أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر، واستوطنوا في جنوبي البلاد لمجاورتهم لماليزيا، وهذا الجوار عمل على ازديادِ عددِ المسلمين فيها.
ويبلغ عدد المسلمين في تايلاند حالياً حوالي سبعة ملايين نسمة، مليون منهم يقطنون في بانكوك، وأغلب المسلمين شافعيون، وفيهم مسلمون من مذاهب إسلامية أُخرى كالأحناف والشيعة. ويزداد عدد المسلمين في جنوبي البلاد.
ويوجد في تايلاند ثلاث وعشرون جامعة، ليس فيها جامعة إسلامية واحدة، إلاَّ في جامعة «رامكان هنگك ـ “Ramkananhong” حيث تضم منبراً للفقه الإسلامي على الفقه الشافعي يدرس فيه المسلمون. على أن في تايلاند عدداً من المدارس الدينية موزعة في البلاد، وأكثرها في الجنوب. ويدرَّس في هذه المدارس القرآن، واللغة العربية، وفقه السنة، والحديث النبوي. وأغلب أساتذتهم مختصون من الجامعات الإسلامية والعربية كجامعة الأزهر بمصر، وجامعة المدينة المنورة، والجامعات الماليزية الإسلامية. كما أن بعض الأساتذة يشاركون بالتدريس من مصر والعربية السعودية وماليزيا.
ومرشد المسلمين اليوم في تايلاند شخص يدعى الحاج براسرت (Prasert) محمد، ورتبته شيخ الإسلام، وقد عينته الدولة التايلاندية للإشراف على أمور المسلمين. وقد أتمّ علومه في ماليزية ومصر، ويجيد اللغتين العربية والإنكليزية، وهو بالإضافة إلى المرتب الذي يقبضه من دولته يحظى بإعانة مالية من العربية السعودية ومن ليبيا.
وبحكم الجوار بين جنوب تايلاند وماليزية، فإن المسلمين على صلة وثيقة وروابط تاريخية وثقافية وقومية بين الشعبين، ولهذا كثرت بينهم اللغتان العربية والماليزية، وازداد تأثرهم باتجاتهم الثقافية والمذهبية. ونجم عن هذا التلاحم الوثيق ارتفاع المعنويات الإسلامية في الجنوب. مما دعا الحكومة التايلاندية إلى إعلان حرية الأديان ولا سيّما للمسلمين. وأولتْ ذلك لمسلمي الجنوب بخاصة. ولا شكّ أن ما تقوم به الدولة ذو جانب إعلامي ومظاهر سياسية. فعلى الرغم من أن الكنوز الطبيعية تقع في الجنوب، إلاَّ أن شعوب هذه المنطقة تحيا حياة الفقر المدقع. ولهذا نرى المسلمين أحياناً يثورون ويعلنون سخطهم ويهاجمون بعض المراكز العسكرية والإدارية.
وأربع محافظات جنوبية إسلامية تجاور الدولة الماليزية. بالإضافة إلى أن هؤلاء المسلمين في المحافظات الجنوبية الأربع، من أصل مالائي، ولغتهم الشائعة حتى اليوم هي المالائية، وهم أكثر ميلاً إلى الدولة المالائية منهم إلى تايلاند.
لهذا تسعى الدولة التايلاندية جاهدة إلى إيجاد السبل لتطبيق الأمر على المسلمين. وتحاول تحقيق مآربها بأنواع من السبل هي:
1 ـ نقل أعداد كثيرة من البوذيين إلى الجنوب حيث مناطق المسلمين.
2 ـ إيجاد مؤسسات خيرية إسلامية بإشراف الجيش والدولة تحدّ من حركة الجمعيات الإسلامية. ولقد تأسست مؤسسة باسم Muslim Foundation بأمر الدولة مهمتها ربط المسلمين بالدولة ويرأس هذه المؤسسة قائد القوات المسلَّحة السابق الجنرال «سيودكر ديول».
الشيعة في تايلاند
يبلغ عدد الشيعة في تايلاند حوالي 10000 نسمة يعيش أغلبهم في بانكوك. ويرجع أصل الشيعة جميعاً إلى نسل تاجر إيراني يدعى الشيخ أحمد القُمِّي، الذي ترك إيران عام 1601م بقصد التجارة واتجه نحو تايلاند. وبعد أن ترسخت علاقته مع المقامات العليا في دولة تايلاند استقر فيها وتزوج منها، وخلَّفَ عدداً من الأولاد. وقد تزوج ملك تايلاند بإحدى حفيداته في ذلك الزمان، فازداد نفوذ الشيخ أحمد في تلك البلاد. وما زال شيعة تايلاند ينتمون إليه. وقبره معروف هناك، يبعد عن بانكوك مسافة 75 كلم، في مكان كلية تربية المعلمين لمدينة «آيوتايا». وقبره مزار للمسلمين لا سيّما الشيعة وللبوذيين. ويُقام في كل عام احتفال عام يشترك فيه المسلمون والبوذيون حول قبره.
والشيعة يعيشون حياة ضنك اقتصادي وثقافة محدودة. وقد توافد بعض شبابهم إلى (قُم) لنهل العلوم الإسلامية في حوزاتها العلمية.
ولا بدَّ من الإشارة إلى أن المسلمين هناك محرومون من جميع الحقوق الممنوحة للأقليات، حتى إن نساءهم لا يستطعن وضع الحجاب في المدارس والجامعات، ويمنعون دخول أية طالبة إلى المدرسة أو الجامعة بحجابها.
المسيحية
يبلغ عدد المسيحيين في هذه الدولة قرابة المليون نسمة. وهم يلقون حماية كبيرة من الدولة ومن جميع السفارات الغربية بما في ذلك السفارة البابوية، ويحيون في وضع اقتصادي وثقافي رفيع. ولهم مستشفيات خاصة وكنائس حديثة ومدارس مجهزة، يدرس فيها، بالإضافة إلى أبنائهم، كثير من الشباب البوذيين والمسلمين لما تتحلى به هذه المدارس من إمكانات، ولأن الدروس التي تقدمها تدرَّس باللغة بالإنكليزية. وهذا ما جعل كثيراً من المسلمين يطرقون أبوابها في سبيل العلم. ويجدر بالذكر أن البابا بولس السادس حين زار تايلاند، عام 1363هـ.ش زار جميع المؤسسات المسيحية واطلع على نشاطاتها.
الأوضاع الاجتماعية في تايلاند
يعتبر الوضع الاجتماعي في تايلاند متردياً وسيئاً بسبب الفقر المتفشي والفساد بشكل يفوق التصور. ولهذا تكثر في البلاد المشكلات الاجتماعية، التي يرجع أصلها جميعاً إلى عدم العدل الاجتماعي والتفاوت الطبقي.
من أبرز التجارات المربحة في تايلاند بيع الأطفال، ويقوم به نَخّاسون مُحترفون، يستندون إلى رضا المؤسسات بشكل مستور وسري. والنخَّاسون عادةً يطوفون البلاد ويزورون الفلاحين والعمال والضعفاء والسكارى. فيعمدون إلى شراء أبنائهم الفقراء والمحرومين بثمن بخس، ويبيعونهم إلى أصحاب المعامل الكبيرة، والمطاعم، والكازينوهات بأسعار باهظة، ليقوموا بأعمال قاسية وثقيلة في تلك المحلات. وما زال منهم حوالي 900 ألف طفل وفتى يشتغلون بأقسى الأعمال. ويقع كثير من هؤلاء فريسة الأمراض والأوبئة مما يعانونه من أعمال مرهقة.
وقد صرَّح أحد النخاسين أن الدلالّين يشترون شهرياً حوالي خمسمائة طفل بشكل وسطي وأعلنت الجمعية العالمية لمحاربة بيع العبيد في لندن في خبرٍ لها حول بيع الأطفال والفتيان التايلانديين وشرائهم لأصحاب المصانع فقالت: «يعمل أغلب الأطفال والفتيان التايلانديين مدة أربع وعشرين ساعة في مقر أعمالهم في معاملهم، حتى أنهم لا يرون نور الشمس غالباً، فعلى هؤلاء الصبيان حمل أكياس الرمل المرمية في المعامل ليلاً نهاراً، ثم ينامون على أرض المعمل الباردة. إن هذا أسوأ مما كان يجري في القرون الوسطى».
وبعض النخاسين والدلالين المجرمين يشترون من الفلاحين والأسر الفقيرة والمحرومة بناتهم من الأعمار 11 سنة إلى 18 سنة ليبيعوهن إلى الفنادق ومراكز الفحشاء ومنازل التدليك (السّاونا)، ويضعونهن بتصرف الرجال.
في جنوب تايلاند مراكز ومدارس إسلامية عديدة قامت كلها بهمَّة المسلمين. ومع أن الدولة تقدم بعض المساعدات المحدودة لبناء هذه المدارس فإنها تفرض في المقابل معلمين بوذيين. كما أن الدولة تفرض نصبَ تمثال بوذا في كل مدرسة إسلامية.
معهد النهضة العربية
هو مركز مستقل عن الدولة، وهو من المدارس المختلطة التي تدرَّس ليلاً ونهاراً، وتدَّرس فيه اللغة العربية والعلوم الإسلامية. وفيه ساحة فسيحة وغابة، وقد بُني فيها غرف خشبية يقيم فيها طلبة العلوم الدينية. وأغلب أساتذة هذه المدرسة خريجو جامعات الدول العربية ويُحسنون التحدث باللغة العربية. والطالبات فيه محجبات.
المدرسة المحمدية الدينية
تأسست قبل خمس عشرة سنة، وتضم حالياً ثلاثمائة طالب يدفعون نفقات التعليم. ومدير هذه المدرسة من خريجي الجامعة الماليزية ويتكلم العربية. ولما كان موقع هذه المدرسة في جوار ماليزيا فإن التلاميذ يتزيَّون بزي الماليزيين ويتأثرون بثقافتهم.
معهد العلوم الشريفة الدلاوية
يعتبر هذا المعهد مؤسسة إسلامية كبرى، ومن أقدم الحوزات العلمية في تايلاند، يقع في منطقة ريفية اسمها «دالا» تبعد عن فتاني مسافة 20كلم، أستاذها ومديرها الحالي أمضى حوالي تسع سنوات يدرس العربية في إحدى الدولة العربية، وعاد إلى تايلاند منذ سبع سنوات. وكان أبوه وجدُّه من مؤسسي هذا المعهد والمشرفين عليه. وقد تخرّج من هذا المعهد حتى الآن ألفا طالب، 140 منهم يدرسون العلوم الدينية في المدارس.
وقد كان لهذه المدرسة مقام عريق، يفد عليه الطلاب من سنغافورة وماليزية وأندونيسيا ينشُدون العلم والتحصيل فيها. وهذه المدرسة من حيث برامجها الدراسية ووضع طلابها وغرفها كثيرة الشبه بمدارس الحوزات العلمية بقُم. إذ يفد عليها الطلاب من مختلف البلدان، وينزلون في حجر مخصصة لهم، ويدرسون الفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، والأدب العربي. وأولياء الطلاب مسؤولون عن نفقاتهم، والأستاذ فيها يعيش من عمله بالزراعة.
المؤسسة الثقافية الإيرانية
تأسست هذه المؤسسة عام 1951م، لتدريس العلوم الإسلامية. وتضم حالياً ثلاث مدارس كبيرة يؤمها الطلاب والطالبات. كما أنهم يدرسون إلى جانب العلوم الإسلامية العلوم الطبيعية والرياضيات. والطالبات فيها محجبات.
وأهداف هذه المؤسسة نشر الثقافة والعلوم الإسلامية، وتعليم الأيتام وتربيتهم، وتعليم الحرف. وتقدم الإدارة منحاً دراسية للممتازين من الطلاب.
ومما هو جدير بالذكر أن هناك مراكز ومؤسسات إسلامية ومعاهد غير ما ذكرنا موزعة في بانكوك ومدن الجنوب تعمل على تقديم النشاطات الإسلامية وتعليم العلوم القرآنية. وفي تايلاند عشر جامعات، وإحدى عشرة مدرسة عالية، ومؤسستان تعليميتان. ويزيد عدد المدارس الابتدائية والثانوية على خمسة وعشرين ألف مدرسة.
ترجمة القرآن
ما زالت الترجمات القرآنية المطبوعة حتى الآن نادرة. ومن جملة النسخ المترجمة المطبوعة ترجمة إبراهيم قريشي التي طبعت عام 1969م، وترجمة «تون سوانات» المطبوعة في عامي 1968م و1974م وترجمة مروان سماعون المطبوعة عام 1981م.
تــبّـــت
ويُقال تيبت. هناك خلط كبير بشأن حدود التبت، وذلك لأسباب عدة في مقدمتها بعد البلاد من حيث الموقع الجغرافي، وعدم اهتمام حكومتها بالشؤون الخارجية، وميل الحكومات الصينية المتعاقبة إلى مدّ حدودها بعيداً نحو الغرب. فبين الحدود الغربية للصين الأصلية والمناطق التي لحكومة التبت الولاية عليها، يقع إقليما خان وآمدو ويشكلان ثلثي مساحة التبت كلها ويضمان حوالي 80% من السكان، وهما أعلى أجزاء البلاد إذ يبلغ متوسط الارتفاع 15,000 قدم، وهناك 29 قبيلة كبيرة في خام، 25 في آمدو.
وحسب أقوال الكُتَّاب الصينيين يرجع أول اتصال بين أهل كل من الصين والتبت إلى عام 2220 قبل الميلاد حين طرد الامبراطور شون رجال قبائل سانمو إلى إقليم اسمه سان واي الذي كتب عنه الصينيون فيما بعد أنه يشكّل ثلاثة أجزاء من التبت. وفي سنة 560م هاجم الصينيون لاسا واستولوا عليها، ولكن في القرن الثامن أصبحت التبت دولة عسكرية كبرى في عهد حاكمها تي ـ تسونج ديسن، تمتد من العاصمة الصينية شانجان إلى نهر الكنج في الهند، ومن حدود تركستان إلى بورما، ولكنها في القرن الثالث عشر أصبحت دولة تابعة للمغول في عهد ملكهم جنكيز خان. وفي عام 1727م أقيم عمود عند بوم جنوب غربي باتانج ليبيّن الحدود بين التبت والصين، فسلمت جميع الأراضي الواقعة غربي هذا الخط إلى الدالاي لاما تحت سيادة امبراطور الصين، بينما اعتبر زعماء إقليمي خام وآمدو أمراء إقطاعيين وشبه مستقلين وتابعين للصين. وظل هذا التنظيم قائماً ومرعياً إلى أن غزا الصينيون التبت في عام 1905 ـ 1906م تحت قيادة الجنرال شاواره ـ فنج. ولكن النفوذ الصيني تضاءل بالتدريج. وفي عام 1913م عقد مؤتمر في سملا يمثّل بريطانيا والصين والتبت، فقسّم الأخيرة إلى منطقتين وهما التبت الخارجية «القريبة من الهند» والتبت الداخلية «القريبة الصين»، واعترف بسيادة الصين على التبت كلها، ولكن تعهدت الصين بعدم العمل على تحويل التبت إلى مقاطعة صينية. وتمّ الاتفاق في أبريل 1914م ولكن الحكومة الصينية رفضت التوقيع عليه.
وفي يوليو من 1950م أعلنت الهند أن التبت لم تكن أبداً خاضعة للسيادة الصينية. وفي 30 سبتمبر وهو تاريخ الذكرى الأولى لقيام النظام الصيني الجديد أعلن شواين لاي عزم حكومته على «تحرير شعب التبت وحراسة الحدود الصينية»، ثم أعلن الصينيون في 25 أكتوبر أن عملية التحرير بدأت. فماذا فعلت الهند؟ قبلت الأمر الواقع، إذ يحدثنا «سردار بانيكار» أن الاحتجاج الذي قدمته حكومته إلى بكين وإن كان قوي اللهجة فإنه «اعترف بسيادة الصين على التبت ونفى كل رغبة في لتدخل في شؤونها».
الدالاي لاما يهرب
بدأت الصين تنفذ في عام 1925م نظاماً للإصلاح الزراعي ولكنها قصرته على التبت الشرقية. وفي عام 1954م وقع حادثان على جانب كبير من الأهمية. أولهما توقيع الاتفاق التجاري بين الهند والصين، وإعلان المبادىء الخمسة التي وردت فيها لأول مرة عبارة «إقليم التبت التابع للصين» مما أثار شكوك أهل التبت إذ شعروا أن البلدين يتصرفان في شؤون بلادهم كما يشاءان. والحادث الثاني هو زيارة الدالاي لاما لبكين، وهذه الزيارة أقنعته بأن الصين لن تتردد عن أي عمل يحول بلاده إلى مقاطعة تصطبغ بالصبغة الصينية تماماً. وفي أثناء زيارة قام بها بين عام 1956م ومارس 1957م إلى الهند بقصد الحج طلب من حكومة الهند السماح له بالالتجاء إليها ولكنها أقنعته بالعودة إلى عاصمته.
لكن الثورة في التبت الشرقية اشتدت ثم انتقلت روح المقاومة إلى لاسا نفسها في عام 1959م. وفجأة أعلن أن الدالاي لاما وحاشيته وصلوا إلى الهند.
وفي نوفمبر 1959م توجه وفد من أبناء التبت إلى الأمم المتحدة طالباً منهم إدراج الموضوع في جدول أعمالها، ولكن الدول الكبرى أبت أن تثير الموضوع.
خط ماكماهون
إن الإقليم الجبلي الذي يحدّ الهند من ناحية جبال هيمالايا، يمتد أكثر من 2000 ميل، ويبلغ عرضه في المتوسط حوالي 200 ميل. وتقول الهند إن المناطق الواقعة على امتداد هذه المسافة الطويلة من جبال كوان لون في أقصى الشمال إلى اتصالها ببورما في الجنوب الشرقي، كانت دائماً داخلة في الاختصاص الهندي وإن قامت فيها أحياناً إمارات مستقلة. وفي سنة 1913م عقد مؤتمر في سملا ـ كما تقدم ـ برئاسة سير هنري ماكماهون، وصل إلى اتفاق وقّعه ممثلو أعضائه الثلاثة، بريطانيا والصين والتبت، بالأحرف الأولى، ولكن الحكومة الصينية رفضت التصديق عليه، بينما صدقت عليه بريطانيا والتبت. وكان خط ماكماهون الذي أقرّه المؤتمر يكون الحدّ الشمالي والحدّ الشمالي الشرقي لولاية أسام، وأطلق على منطقة تتعمق مسافة 100 ميل داخل هذا الحدّ، اسم «وكالة الحدود الشمالية الشرقية» وعرف اختصاراً باسم نيفا. هذه المنطقة الأخيرة الواقعة بين بوتان وبورما تُطالب بها الصين أيضاً، واحتلت جزءاً منها في عام 1960م ثم غزتها كلها بعد ذلك.
التشيع في التبت
وهكذا فإن التبت موزعة بين الدول الثلاث: الصين التي يتبعها القسم الأكبر. والهند والباكستان.
أما الذي يتبع الهند فهو: لاداخ وكرغل وبيوق دنغ.
ويوجد الشيعة في الثلاث ويشكّلون في لاداخ نصف السكان أما بقية السكان فهم إما سنيون أو من أتباع اللاما. أما كرغل فكل أهلها من الشيعة. ويشكّل الشيعة نصف سكان بيوق دنغ ويؤلف السنيون والهندوس النصف الباقي.
وأما ما يتبع الباكستان فهو: اسكردو وكهرمنغ وخبلو وجوربت وروندو وشفر. أما اسكردو فكل أهلها من الشيعة والباقون سنيون)[26] (. وأما روندو فكل أهلها من الشيعة وأما شفر فكل أهلها من الشيعة. وأما كهرمنغ فكل أهلها شيعة وأما خبلو فنصف أهلها شيعة والنصف الآخر سنة. وجوربت كل أهلها شيعة.
ويطلق على القسم الباكستاني اسم بلتستان)[27] ( أما القسم الهندي فيطلق عليه كله اسم لاداخ. ومع أن اللغة البلتية هي لغة القسمين فإنه يوجد فروق بسيطة بين لغة لاداخ ولغة بلتستان. وأتباع اللاما يوجدون في القسم الهندي ولا يوجدون في القسم الباكستاني.
المدارس الشيعية في تبت
توجد مدرسة في اسكردو اسمها منزل حيْدرية، ومدرسة في بلدة غول التابعة لاسكردو اسمها المدرسة المحمدية ومدرسة في بلدة يركوتا اسمها المدرسة الجعفرية ومدرسة في روندو اسمها المدرسة الأصغرية ومدرسة في بر لدو من توابع شغر اسمها المدرسة الجعفرية ومدرسة في فرانو من توابع جوربت اسمها المدرسة الاثنا عشرية.
وللشيعة كذلك في الشطر الهندي مدرسة دينية في بلدة (كركل). كما أن في معاهد النجف اليوم الكثير من الطلاب من الشطر الباكستاني والشطر الهندي.
وفي مجالس المؤمنين: تبت اسم لولايتين قرب كشمير، إحداهما تبت الكبيرة أهلها غير مسلمين، والثانية تبت الصغيرة. وفي سنة ألف فتح الأمير علي الذي هو الآن حاكم تبت بالتوفيق الإلهي تبت الكبيرة وقتل رؤساءها وغنم منها أموالاً كثيرة. وأهلها من زمن مجيء مير شمس المذكور في بحث كشمير إلى هناك أسلموا، وكلهم من الحاكم والعسكر والرعية شيعة إمامية مخلصون في التشيع ومع أنهم واقعون في جوار ملك الهند العظيم الشأن يخطبون باسم السلطان الصفوي.
التبت الصينية
وعن التبت الصينية يقول حسن منيمنة:
قد لا يفوق موضوع «التيبت» أي موضوع آخر في إبراز مدى التداخل والتفاعل بين السياسة والفكر والفن والثقافة في الولايات المتحدة. فالتيبت، وهي المنطقة الجبلية النائية التي تمّ استيعابها ضمن جمهورية الصين الشعبية مطروحة بإلحاح في الخطاب الفكري الأميركي السائد.
وهذا البروز الحديث العهد نسبياً لقضية التيبت ليس عائداً إلى استفحال أوضاعها الأمنية أو السياسية، بقدر ما هو نتيجة حملة إعلامية فنية متماسكة يقودها جمع من الممثلين والفنانين من هوليوود، عاصمة الإنتاج السينمائي في الولايات المتحدة والعالم.
فالبوذية، وفق المذهب التيبتي، تشهد قدراً من الإقبال في أوساط بعض الفنانين الأميركيين، وسواء كان الأمر للبعض بداعي الخروج عن المألوف أو طلباً لروحانية ما، فإن اعتناق البعض الآخر للبوذية يأتي في سياق الشغف الدوري لأهل الفن الأميركيين بالموجات الفكرية والدينية «التقدمية». فهوليوود اليوم، على سبيل المثال، تشهد كذلك اهتماماً بالغاً بالتصوف اليهودي (القبالة).
وغالباً ما يكون اعتناق هذه المذاهب انتقائياً وأهوائياً، ينطوي وينقضي مع بروز الموجة التالية. إلاّ أن للبوذية التيبتية في هوليوود عدداً من المؤيدين الثابتين الذين يعود إليهم دون شكّ قدر من الفضل في إنجاح الحملة الإعلامية الفنية التي حددت سياق طرح المسألة التيبتية في الولايات المتحدة اليوم. وقد تجسّد هذا النجاح في الإقبال الضخم على فيلمين سينمائيين يجري عرضهما في الولايات المتحدة اليوم، الأول بعنوان «سبعة أعوام من التيبت» يصوّر حال التيبت قبيل دخول الجيش الصيني خضمه، والثاني بعنوان «الزاوية الحمراء» يطرح نماذج من الفساد والاستبداد في النظام الصيني. وقد ترافق عرض هذين الفيلمين مع جهود لأنصار استقلال التيبت لتوزيع المنشورات والمواد الإعلامية ضمن حملة واسعة تمكّنت من تأطير خطابي وإعلامي لزيارة الرئيس الصيني جيانغ زيمين للولايات المتحدة، وإلى تثبيت قدر من الترابط بين العلاقات الصينية ـ الأميركية والقضية التيبتية.
يذكر هنا أن التيبت، تاريخياً هي إحدى المناطق المتاخمة للصلب الصيني. فعلاقتها بهذا الصلب كانت دوماً محكومة بقدرة السلطة المركزية الصينية على بسط نفوذها خارجه. فلا يختلف الهامش التيبتي للصين بذلك عن الهامشين المغولي والتركستاني. فالعلاقة بين الصلب الصيني وهوامشه لم تكن يوماً علاقة متكافئة، بحكم التفاوت الهائل في الموارد البشرية والطبيعية. فاليوم، على سبيل المثل، وقد تجاوز عدد سكان الصين المليار ومئتي مليون نسمة، لا يزيد عدد التيبتيين عن ستة ملايين نسمة. ولكن السلطة المركزية الصينية تاريخياً غالباً ما انهارت تحت وطأة الضغوط الداخلية والخارجية، مما أدى في بعض الأحيان إلى استيلاء قوى الهامش عليها «المغول مثلاً في القرن الثاني عشر)، أو إلى إشهار الهوامش استقلالها التام عنها، كما حدث في خضم الفوضى السياسية التي شهدتها الصين قبيل استتباب السلطة للحزب الشيوعي فيها. فاستقلال التيبت، أو الأحرى حكم الأمر الواقع الذاتي للتيبت في أواسط هذا القرن، هو انعكاس لتلاشي السلطة المركزية الصينية وانتفاء حاجة القيادة التيبتية إلى إعلان الولاء الإسمي لها.
وبطبيعة الحال، فإن قراءة هذا الاستعراض التاريخي تختلف باختلاف المصالح. فلدعاة استقلال التيبت، تغدو فترات الاستقلال هي القاعدة وفترات الخضوع للسلطة المركزية الصينية الاستثناء، أما لدعاة الوحدة الصينية، فالقاعدة هي الولاء للوطن «الأم» والاستثناء هي فترات حكم ذاتي اقتضته الظروف.
وقد شكّل هذا التضارب جوهر الخلاف بين القيادة الصينية والزعامة التيبتية في المنفى، وعلى رأسها «الدالاي للتيبتيين» وفيما نفذت السلطات الصينية برنامج استيطان مكثف أدى إلى تبديل التركيبة الاجتماعية اللغوية للتيبت لصالح الناطقين بالصينية، صنفت الأوساط السياسية الصينية المؤسسات التيبتية الدينية والثقافية بأنها إقطاعية دينية بائدة وعمدت إلى اختراقها أو تصفيتها واستبدالها بفروع للمؤسسات الرسمية الخاضعة للسلطة المركزية.
أما الدالاي لاما فقد اعتمد من منفاه إلى الهند نهج مقاومة سلمية قائمة على الإعلام وتعزيز العلاقات مع مختلف الجهات والمنظمات الدولية. وقد نال الدالاي لاما جائزة نوبل للسلام عام 1989م تقديراً لنهجه السلمي، في خطوة اعتبرتها السلطات الصينية دليلاً على تسخير لجنة هذه الجائزة لأغراض السياسة المعادية لها. وشخصية الدالاي لاما عنصر محوري في تحفيز التأييد للتيبت في الولايات المتحدة. إذ يعتمد الإعلام تصويراً موحداً له يبرز طبيعته المسالمة ومطالبته بالإخاء والسلم والعدل. ويتبيّن مقدار شعبية الدالاي لاما في أن شركة «وولت ديزني»، إحدى كبرى شركات الإنتاج السينمائي في الولايات المتحدة، توشك على عرض فيلم لقصة حياته، على الرغم من التهديدات الصينية بمقاطعة منتوجاتها إذا لم تنثن عن هذا العرض.
وقد تكررت زيارات الدالاي لاما للولايات المتحدة، كما توطدت علاقته بعدد من الفنانين، ولا سيما منهم ريتشاد غير الناشط ضمن «لجنة التيبت الدولية» التي أعدت برنامجاً من الاحتجاجات خلال زيارة الرئيس الصيني للولايات المتحدة.
والواقع أن الحكم في الولايات المتحدة، في شقيه التنفيذي والاشتراعي، في إطار حرصه على العلاقات مع الصين، وقد تلكأ في الماضي عن اتخاذ المواقف المؤيدة للقضية التيبتية، ولا سيّما بالمقارنة مع المجموعة الأوروبية والعديد من الدول الأوروبية التي أصدرت القرارات التشريعية الداعية إلى قدر من الاستقلال أو الحكم الذاتي الفعلي للتيبت. والموقف الرسمي الأميركي، على الرغم من بعض التلميح بخلاف ذلك، يبقى أن الولايات المتحدة لا تنكر حق الصين بضم التيبت، رغم مطالبتها السلطات الصينية باحترام حق التيبتيين بالمحافظة على ثقافتهم ودعوتها العامة لها بتعزيز حقوق الإنسان.
غير أن حكومة الرئيس كلينتون، ذات التأييد الواسع في أوساط أهل الفن، وإزاء تصاعد التأييد الشعبي للقضية التيبتية، استحدثت مؤخراً منصب «مستشار الولايات المتحدة لشؤون التيبت»، وعيّنت غريغوري كريغ لتوليه مطلع هذا الشهر، على رغم الاعتراض الصيني الذي اعتبر الأمر تدخلاً في الشؤون الداخلية للصين.
وقد باشر كريغ نشاطه خلال شهادة أمام لجنة العلاقات الدولية التابعة لمجلس النواب في الكونغرس بتأييد ضمني لمواقف الدالاي لاما، وذلك بالدعوة إلى حوار مباشر بينه وبين الزعامة الصينية، مشيراً إلى خطورة تجاهل الموضوع الذي يمكن أن يتفاقم فيؤدي إلى أعمال عنف. فتعيين كريغ مستشاراً للشؤون التيبتية هو انتصار واضح لأصدقاء الدالاي لاما الأميركيين، ومن شأنه أن يضاعف نتائج حملتهم لوضع القضية التيبتية في مقدم القضايا العالقة بين الولايات المتحدة والصين.
يذكر هنا مثلاً أن مقاومة الاستيطان الصيني والإلغاء الثقافي الذي تمارسه السلطات الصينية في الهامش التركستاني قد تمخضت بالفعل عن أعمال عنف تبعتها موجة اعتقالات وإعدامات، دون أن تقدم الحكومة الأميركية على خطوات مماثلة للتي تتبعها اليوم حول الشأن التيبتي. لا شكّ على الإطلاق بأن مقدار الدعم لأية قضية، رسمياً وشعبياً، في الولايات المتحدة، مرتبط بمقدار الجهود المبذولة لاستنهاضه. وقد أثبت أصدقاء الدالاي لاما في هوليوود أن الإنتاج السينمائي قد يكون من أمضى الوسائل المتوافرة في هذا الخصوص.
حسن منيمنة
تبريز
ـ 1 ـ
مدينة تبريز هي مركز محافظة آذربيجان الشرقية وتقع إلى جانب جبل سهند الشمالي وترتفع عن سطح البحر 1362 متراً وتعتبر من المناطق الباردة وتتراوح درجات الحرارة فيها بين 20 درجة تحت الصفر شتاء و38 درجة فوق الصفر صيفاً. وفيها نهر (أجي جاي) والمعروف باسم تلخة رود الذي يجري في شمال المدينة ويصب في بحيرة رضائية.
وتختلف الآراء حول تسميتها حتى دخلت في القصص والأساطير وأشهرها (تب ـ ريز) حيث أعتقد البعض أن من أصيب بالحمى وزار هذه البقعة من الأرض زالت عنه، وتشير كلمتا تب وريز إلى (زوال الحمى).
ولكن تشير التحقيقات المستمرة عن الآثار التاريخية إلى أنها تعود إلى زمن السلالة الساسانية.
وكتب عدد من المؤرخين المسلمين أن مدينة تبريز أحدثت بعد الفتح الإسلامي لإيران ويعود تأسيسها إلى (زبيدة) زوجة هارون الرشيد الخليفة العباسي في نهاية القرن الثاني للهجرة، ولكن هذا لا ينطبق والواقع.
وقد أشار (كزنفون) المؤرخ اليوناني في العديد من صفحات كتبه إلى موطن (الماديين) وشرح ذلك شرحاً كافياً مشيراً إلى أن (الشاهنشاهية) الإيرانية تتألف من قوميتين رئيستين هما (بارت) و(ماد) وتسكن الأولى شرق إيران، والثانية في الشمال الغربي منها. كما أشار بعض المؤرخين إلى حدود آذربيجان باسم (ماد الغربية) التي سكنها الماديون.
وهناك قول تاريخي آخر يعتبر أصدق ما روي عنها هو: أن واحداً من المعابد الخمسة الإيرانية الضخمة (تاب رزي) أي (نور أفشان) ومعناها (المنيرة) كان في هذه المدينة وكانت المدينة تسمى باسمه. وتبدل تدريجياً إلى كلمة (تبريز)، ويشير المحققون إلى صحة هذا نظراً لوجود (زرادشت) فيها.
وأشار العديد من المؤرخين الآخرين ومنهم (حمداللَّه مستوفي) و(ابن بطوطة)، و(شمس الدين سيامي) إلى هذه المدينة في مؤلفاتهم ولكنهم لم يتطرقوا إلى مصدر تسميتها وندرج هنا بعضاً مما جاء به حمداللَّه مستوفي في كتابه (نزهة القلوب) وهو من آثاره الأدبية الشهيرة للقرن الثامن حيث يشير في الباب الثالث ذكر (بلاد آذربيجان) إلى ما يلي:
إن أكثر مناطق هذه المدينة باردة وبعضها معتدل وتحدها مدن أراك وموغان وكرجستان وأرمينيا، ويبلغ طولها من باكو إلى خلخال 85 فرسخاً كما يبلغ عرضها من جبل باجروان إلى جبل سينا 55 فرسخاً.
وكانت دار الخلافة سابقاً مدينة (مراغه) وحالياً (تبريز) التي تعتبر من أجمل المدن الإيرانية.
وتبريز من (الإقليم الرابع) الإيراني وهي من المدن الإسلامية ومرصد أنظارهم ومؤسستها زبيدة زوجة هارون الرشيد. وإثر حادث زلزال عنيف انهدمت المدينة جمعاء، وذلك بعد تشييدها بتسعة وستين عاماً أي خلال عهد المتوكل الخليفة العباسي، فأعاد بناءها وعمرت مدة مائة وتسعين عاماً ثم انهدمت أخرى بكاملها على إثر زلزال عنيف آخر.
ويشير التاريخ إلى أن مدينة تبريز تأثرت خلال التاريخ بالعديد من الهزات الأرضية العنيفة وكان أهمها ما حدث إبان أعوام 244 و434 هجرية.
كما أن هذه المدينة شهدت حوادث أخرى، خلال الفترة الثانية لهجوم المغول، دخلها الغزاة ولكنهم عملوا خلافاً لما عرفوا من وحشية وبربرية وهدم وحرق وسفك دماء إذ بذلوا جهداً كبيراً في بنائها وإعمارها ذلك لأن مدينة تبريز كانت آنذاك كبيرة جداً ومركزاً مهماً، وأصبحت خلال عهد غازان خان إيلخان المغولي عاصم لامبراطوريته الواسعة.
وبعد أن استولى تيمورلنك فاتح آسيا على زمام الأمر وانقرض حكم الإيلخانيين استولى على تبريز ونصّب ابنه (ميران الشاه) حاكماً عليها وبعد مضي ثلاثين عاماً جعل القره قوينلو (الخروف الأسود) مدينة تبريز مركزاً لحكمهم.
وفي مطلع القرن السادس عشر للميلاد جعل الشاه إسماعيل الصفوي، مؤسس السلالة الصفوية الكبرى، مدينة تبريز عاصمة البلاد الإيرانية، ولكن بعد مائتي عام حدثت معارك دامية بين الإيرانيين والعثمانيين واستمرت زمناً وانتقلت سلطة هذه المدينة إلى أيدي العثمانيين مراراً عديدة.
وفي سنة 1134 هجرية اجتاحتها هزة أرضية عنيفة، واستولى عليها بعد مضي عام الأتراك العثمانيون، وما إن حلّ عام 1143هـ حتى ظهر (طهماسب قلي خان) الذي عرف بعد ذلك باسم نادر شاه افشار وجلس على العرش الإيراني فطرد الغزاة العثمانيين خارج البلاد.
وفي الحروب التي اندلعت بين إيران والروس لم تنجَ هذه المدينة من ويلاتها.
تبريز اليوم
شهدت هذه المدينة خلال الثمانين عاماً الماضية وخاصة السنوات العشر الأخيرة تحولاً كبيراً وغدت من كبريات المدن الصناعية والتجارية واكتظت بالسكان.
وترتبط تبريز بالعاصمة طهران بطريق رئيس حديث معبد تعبيداً عصرياً وتربط بينهما خطوط سكك حديد (طهران ـ أوروبا) كما تلعب الخطوط الجوية الإيرانية دوراً رئيسياً في ارتباطهما.
وفي تبريز أماكن أثرية عديدة ذات قيمة تاريخية كبيرة، منها مسجد استاد وشاكرد ومسجد الجمعة.
ومدينة (الربع الرشيدي) تقع في الجهة الشرقية من تبريز وعلى تلال (عين علي) ولكن للأسف لعبت بها تصاريف الزمان فأحالتها أطلالاً وأثراً بعد عين وهي من الناحية التاريخية والعلمية جديرة بالتحقيق والاهتمام، فقد أقام فيها رشيد الدين فضل اللَّه الهمداني وزير غازان خان المغولي مركزاً علمياً وتحقيقياً ضخماً للعلوم والفنون المختلفة، المعروفة آنذاك.
وكانت هذه المدينة (الربع الرشيدي) تحتوي على مناطق ومحلات متعددة فيها مراكز وتأسيسات عديدة كالمصحات والمكاتب والمدارس ومساكن الأطباء وحمامات وحظائر عمل ومعامل منها معمل لصكّ النقود.
تشاهد آثار مسجد كبود حالياً على جانب من شارع بهلوي، ويعبر من أضخم وأعظم المساجد الإسلامية وهو من مباني جهانشاه قره قوينلو وقد بني في أواخر عام 870 للهجرة، والقاشاني البديع الذي زين به المسجد من روائع الفن المعماري الإيراني الأصيل. ومسجد علي شاه أو ارك عليشاه كان هذا جميلاً رائعاً أمر ببنائه تاج الدين علي شاه وزير غازان خان باشتراك وإشراف رشيد الدين فضل اللَّه الوزير الآخر لغازان واستغرق بناؤه الفترة التي بين 716 و736هـ وليس لهذا لمسجد سقف. وإن ما نشاهده اليوم من بقاياه كان محراباً للصَّلاة آنذاك وقد تحدث العديد من المؤرخين والمحققين والسياح الذين شاهدوا تبريز على محاسن هذا المسجد وجماله وبديع صنعه.
وقد استغلت المباني المجاورة لهذا المسجد لحفظ الأسلحة خلال عهد القاجاريين وأصبحت مقراً للقوات العسكرية لذلك عرفت بقايا آثاره باسم (أراك). وقد شُيِّد بأسلوب خاص بالجص والآجر وما تزال جدرانه الضخمة الشاهقة مثار دهشة من يراها.
ويعتبر استرخشاه (شاه كلي) أي مسبح الشاه من أكبر وأجمل المسابح في إيران وهو من آثار العهد القاجاري ويقع على بعد بضعة كيلومترات عن أطراف تبريز وقد أقيم في وسطه بناء محاط بالمياه وكان يمثّل جزيرة، ويعد اليوم من أجمل أماكن النزهة.
وهناك المتاحف والمكتبات ومحطة خطوط السكك الحديدية والسوق الكبيرة الطويلة.
وقد تقدمت هذه المدينة في العصر الحاضر تقدماً ملموساً فأقيم فيها العديد من المصانع ومنها مصنع الآلات الضخم ومصانع الأقمشة والجلود وعلب الكبريت.
ومن أهم الصناعات التقليدية في تبريز صناعة السجاد التبريزي الشهير، وهي فن أصيل حافظت الأجيال على روائعه، وقد ضربت هذه المدينة الرقم القياسي في صادرات السجاد.
ولتبريز هذه أهمية عظيمة في إيران، فقد زارها كثير من السياح والتجار الأوروبيين منذ عهد المغول، وأيام الدولة الصفوية.. وتكلموا عن سعتها وعمرانها. وذكروا ما لها من الأهمية في تجارة الشرق… وقد أثنوا على ما شاهدوه من ازدحام أسواقها بالمتاجر المتنوعة..
ورغم أن هذه المدينة أصابتها زلازل وسيول هائلة ـ كما تقدم ـ فإنها لا تزال محتفظة بأهميتها، وتعد ثاني مدن إيران بعد طهران. وقال عنها في (أخبار الدول) بعد مدحها، والآن قد زالت بهجتها واضمحل حالها بوقوع الحرب بين العثمانية والشيعة عند دخول عثمان باشا إليها وقتل أهلها.
وتبعد عن العاصمة بثلاثمائة وتسعة عشر كيلومتراً، وتتصل بها بخط حديدي ينتهي إلى ما وراء الحدود بالأراضي السوفياتية، وبواسطته تنتقل البضائع الإيرانية عبر أوروبا الشرقية والوسطى إلى هامبورج أعظم ميناء تجاري يقع في غرب أوربا. وفي (مجالس المؤمنين): إنه علم بالتواتر تشيع أهل تبريز من زمن وصول قطب الدين ابن السيد حيدر التوني، ولكنه لم يذكر تاريخ ذلك، وقد خرج من تبريز جمع كثير من أكابر علماء الشيعة خدموا العلم بتآليفهم وفيها مطابع حجرية طبعت كثيراً من كتب الشيعة في فنون شتى.
وإليها ينسب أبو زكريا المعروف بالخطيب التبريزي شارح المعلقات السبع، وديوان الحماسة وديوان المتنبي، وسقط الزند لأبي العلاء المعري.
تبريز
ـ 2 ـ
الأوضاع الطبيعية
الموقع والمساحة: أصبحت مدينة تبريز مركزاً لمحافظة آذربيجان الشرقية في إيران، لأهميتها الاقتصادية وموقعها الجغرافي وماضيها التاريخي الخاص.
وتقع هذه المدينة في 38 درجة و15 دقيقة طول شرقي و48 درجة و23 دقيقة عرض شمالي. ووفقاً لآخر مسح لأراضيها فإن مساحتها تبلغ ما يقارب 9780 هكتاراً.
وتحد تبريز من الشمال مدينة مرند ومدينة أهر ومن الجنوب مراغة وهشترود ومن الشرق سراب وميانه ومشكين شهر ومن الغرب بحيرة أرومية.
الارتفاع والانخفاض: تقع مدينة تبريز في واد رسوبي مرتفع، والحد المتوسط لارتفاعها عن مستوى سطح البحر وفقاً لأحدث قياس هو 1405م، ويمكن اعتبار تبريز ـ بصورة عامة ـ على أنها مدينة جبلية، حيث تحيطها من أطرافها جبال عديدة ذات قمم عالية نسبياً وأشهرها مرتفعات سهند. وتقع هذه المرتفعات في جنوب المدينة وتتجه إلى الشرق محاذية بحيرة أرومية حتى تنتهي بواد، وأعلى أجزائها هو جبل «قاسم داغ» بارتفاع 3700م. وإلى الشرق من بستان آباد يقع جبل ميشاب (ميسوداغ) ويشكّل امتداده الحدّ الفاصل بين مدينة مرند وتبريز وأعلى قمة فيه هي قمة علمدار بارتفاع 3200م وجبل (أوزون يل) بارتفاع 2800م.
وبالإضافة إلى ذلك، ثمة جبال عديدة منفردة وصغيرة وكبيرة تقع في أطراف تبريز، وأهمها جبل «عون بن علي» أو «عينلي»)[28]( في شمال شرق المدينة بارتفاع 1800م وجبل «يكه جين»)[29]( بارتفاع 2500م وجبل مرو في الشمال الغربي لمدينة تبريز بارتفاع 2250م.
ويكتب مينورسكي في كتابه ما يلي: «تقع تبريز في الزاوية الشرقية لسهل رسوبي منبسط، تبلغ مساحته حوالي 55 × 30 كلم2. وينحدر هذا السهل برفق نحو الشمال الشرقي إلى بحيرة أرومية»)[30]( ويكتب أيضاً كلافيخو ما يلي: «تقع تبريز في سهل يتوسط جبلين أجردين، وليست المدينة محصورة، وتتصل بها سلسلة الجبال التي تقع إلى اليسار منها»)[31](.
ويكتب الأمير نادر ميرزا: «… إني أتحدث عما أشاهده لا عما قاله القدماء، فإذا حققنا النظر في تبريز وجدناها تقع على سفح جبل كبير يدعى سهند، وتصل تلال هذا الجبل إلى مشارف المدينة ويمكن مشاهدة هذا الجبل بكل شموخه وعظمته وقممه، وتكسوه الثلوج في جميع فصول السنة في أغلب بيوت المدينة مما يشكّل منظراً خلاباً. ويتصل شمال المدينة بالجبل المعروف بسرخاب وحتى ساحل نهر أرس وجبال قراداغ، بينما يتصل شرق المدينة ببعض سلاسل جبل سرخاب وينتهي بالجبال المشهورة بـ«شبلي»، ويمتد غرب المدينة حتى بحر خجنت الذي يكتب حالياً «شها» ويسمى (شاهي) على اسم قرية صغيرة تقع قريباً منه، وتشاركها في الغرب سلسلة من الجبال الكبيرة التي تضفي على المدينة مع سلسلة أخرى في الشمال الغربي جمالاً رائعاً، وهذان الجبلان ذوا نفع كبير وهما يظللان قرى أرونق وانزاب ونفس البحيرة، ولا يمكن رؤية البحيرة من المدينة لأن بعض أجزاء الجبل المحاذي للبحيرة يحول دون رؤيتها. وتقع القُرى على سفح هذا الجبل».
المناخ: تعتبر تبريز من أبرد مدن إيران، فهي ذات شتاء قارس وطويل، وتتزامن فصول الشتاء فيها مع نزول الثلوج الثقيلة فتكوّن الصقيع، ويصبح الجو في غاية العذوبة في بقية فصول السنة. والنهار في صيف تبريز حار نسبياً ولياليها باردة عذبة، وأقصى ما تصله درجة الحرارة في النهار هي 35 درجة سانتگراد.
وبصورة عامة يمكن القول بأن المناطق الشمالية لتبريز أبرد من النواحي الجنوبية «وهي سفوح سهند»، ويمكن القول بأن القمم الشمالية العالية المكسوة بالثلوج هي التي تؤمن مياه الشرب التي تحتاجها مدينة تبريز، لأن المياه التي تجري في الأنهار النابعة من قمم سهند تحتوي على الأملاح ومن ثم فهي غير صالحة للشرب والمواصفات الدقيقة لمناخ تبريز هي كالآتي:
معدل أقصى حدّ لدرجات الحرارة السنوية 17,9 درجة سانتيگراد.
معدل ادنى حد لدرجات الحرارة السنوية 6,0 درجة سانتيغراد.
متوسط مقدار الأمطار السنوية 285,6 ميليمتر.
متوسط مقدار رطوبة الجو في الساعة 6,30 صباحاً 75%.
متوسط مقدار رطبة الجو في الساعة 12,30 ظهراً 45%.
عدد الأيام التي يحدث فيها الصقيع في السنة هي 107 يوماً.
ويكتب «كلافيخو» عن مناخ تبريز ما يلي:
…» وثمة جبل مرتفع جداً يقع إزاء سلسلة الجبال الواقعة في شمال المدينة والتي تبعد عنها بحدود الفرسخ، وينبع من هذا الجبل نهر يتجه صوب الجنوب، وتستعمل كل مياهه للري وتجري عدة أنهار فرعية عنه في سوح وشوارع المدينة».
وكذلك يكتب شارون حول مناخ تبريز ما يلي:
مع السيد أبو القاسم ياسين من أعلام تبريز
…»يتصف جو تبريز ببرودته وجفافه، ويستمر البرد فترة طويلة، ولكون المدينة تتجه نحو الشمال فإن الثلوج تشاهد فوق قمم جبال (سهند) المتاخمة للمدينة لمدة تسعة أشهر متوالية. وتهب الرياح كل يوم تقريباً في الصباح والمساء، وتهطل الأمطار في أغلب أوقات السنة عدا فصل الصيف، وتتلبد السماء بالغيوم في جميع الفصول… وتتوفر جميع مستلزمات الحياة بكثرة ووفرة، وتقترن حياة الناس باللذة التامة وتكاليف المعيشة في غاية الرخص».
ويوجد في تبريز العديد من الأنهار والعيون الغزيرة المياه، لقربها من سلسلة جبال زاگروس والجبال المنفردة مثل سهند، وأكثر قمم هذه الجبال مغطاة بالثلوج طوال السنة، وأغلب هذه الأنهار والعيون تصب في سهل تبريز وتجعل منها مدينة غنية بالمياه.
ويختلف نظام الري في المدينة عن سائر مدن إيران وخصوصاً في المناطق الشرقية والغربية من البلاد التي يضطر فيها إلى استخدام المياه الجوفية وإنفاق الكثير من الجهد والمال والوقت لغرض تقسيم المياه وأعمال الري بسبب الجفاف الذي تتميّز به تلك المناطق لأنه يتم استخدام المياه السطحية في المدينة بكل سهولة وهذا ما جعل الزراعة وتربية المواشي تزدهر هناك بحيث كانت تبريز منذ القدم إحدى أهم المراكز المنتجة والمصدرة للمنتجات الزراعية والحيوانية، وتعد تبريز إلى الآن أحد أهم مخازن الحبوب في إيران، ولهذا فإن هذه المدينة لم تتعرض للقحط والجفاف خلافاً لأكثر مناطق إيران، وحتى في حال وقوع هذه الحوادث ـ ونادراً ما يحصل ذلك ـ فلأسباب طبيعية وسياسية (الزلازل والأمراض المعدية والحروب والغارات وغيرها) أكثر منها لأسباب الجفاف.
وتؤمن أغلب مياه تبريز من نهر (مهرانرود) الذي ينبع من جبل سهند «ويجري كالبحر في المدينة طوال السنة». وإضافة إلى الأنهار فهناك أكثر من 60 قناة وعيناً، تجري من الجبال المتاخمة لتبريز وتسدّ النقص المحتمل في مياه نهر (مهرانرود) وتجعل من تبريز إحدى المدن الغنية بالمياه في إيران، وكذلك فبالإضافة إلى هذه المياه فإن الغيوم المفعمة بالأمطار الناشئة من البحر الأسود والبحر الأبيض التوسط وبحر الخزر وبحيرة أرومية ومعها الجبال المتاخمة لتبريز تعتبران عاملين مهمين لازدياد الثلوج والأمطار في هذه المنطقة وتعد منذ القدم عاملاً مساعداً لازدهار الزراعة التي تعتمد طريقة الديم في المناطق الجبلية التي لا تصلها مياه الأنهار والقنوات.
وظلت تبريز ـ إلى حدّ ما ـ في مأمن من الغارات والمجازر التاريخية الكبرى في إيران مثل هجوم المغول والتيموريين، بسبب حسن تدبير حكامها وشجاعة وحمية أهلها. وعدا الحملات العثمانية المتكررة التي تعرضت لها تبريز والتي تسببت في المجازر الدموية، فإنها لم تتعرض للدمار المرعب الذي تعرضت له خُراسان وجنوب غرب إيران وسيستان. ومن جانب آخر كان لوفرة الخيرات واعتدال المناخ وخصوبة الأرض الدور الكبير في ترقي وتطور وتمركز السكان فيها. ولكنها تعرضت للزلازل الشديدة بسبب وقوعها على أحد الأحزمة المعروفة للزلازل في الكرة الأرضية)[32] (. وأفظع هذه الزلازل هي التي حدثت في سنة 344هـ (858م) وفي سنة 434هـ (1042م)، وكذلك زلازل سني (1641م)(ARAKEL de TABRIZ: p.496) و22 ـ 23/ سبتمبر 1854م و30 أكتوبر 1856م، وفي كل واحدة من هذه الحوادث تتعرض المدينة للخراب الشامل ويهلك الجزء الأعظم من سكانها ولكنها تستعيد ازدهارها مرة ثانية بالسعي المتواصل لأهاليها.
وأكثر الزلازل التي حدثت في تبريز دموية وفظاعة هي دون ريب الزلزلة التي حصلت عام 434هـ، حيث قتلت أكثر من أربعين ألفاً وخربت المدينة كلها تقريباً، وهي نفسها الزلزلة التي يتحدث عنها ناصر خسرو في كتاب رحلته. وتأثر الشاعر الكبير قطران التبريزي بعظم ما تركته الزلزلة من خراب وفواجع فظيعة فنظم في ذلك قصيدة رائعة مؤثرة.
سبب تسمية تبريز
قلما يمكن أن نجد اختلافاً بين أقوال المؤرخين والكتاب بخصوص تسمية مدينة من بين سائر مدن العالم وتاريخها وكيفية بنائها كما هو الحال بخصوص تبريز. بحيث يمكن العثور على أضعف الآراء وأكثرها أسطورية إلى جانب تحقيقات آراء العلماء اللغويين وعلماء التاريخ والجفرافيا، وقد بلغ الاختلاف حول المحل الأول لبنائها حداً تردد معه بين الشوش وأرمينيا ومن آشور إلى الري.
وقد جعل هذا التضارب في الآراء أي تحقيق في هذا المجال أمراً في غاية الصعوبة حتى ليصاب الباحث في كل خطوة بالشكّ والتردد.
ويعتقد شاردن أن: «… أكثر هذه الآراء منطقية واستدلالاً في هذا المجال هي آراء موله (Moule) مترجم ومفسر بطليموس، آناني، أورتليوس، گول نتس تي كرا، لا واله، آتلاس وجميع المؤلفين الجغرافيين المحدثين تقريباً، القائلة بأن تبريز هي نفس مدينة أكباتان الأثرية المشهورة التي ذكرت في التوراة وسائر الكتب التاريخية القديمة لآسيا»( )[33] (. ولكن من الواضح عدم ارتكاز هذا الرأي على أسس قوية. حيث يكتب في ذلك مينورسكي الذي يعتبر من أفضل المحققين بخصوص تسمية تبريز، ما يلي : «… إن اسم هذه المدينة كما ورد في معجم البلدان لياقوت الحموي (المجلد الأول ص822) طبع ليدن، هو تبريز بكسر التاء (Tebriz) ويستند ياقوت في ذلك إلى أبي زكريا التبريزي (تلميذ أبي العلاء المعري 363 ـ 449هـ) الذي كان يتحدث بإحدى اللهجات المحلية في إيران… وتختص اللهجة المنسوبة إلى الخزريين (Caspians) بلفظ تبريز (بكسر التاء)، واللفظ الوحيد الموجود حالياً هو تبريز (بفتح التاء) وفي تبريز نفسها تلفظ حسب اللهجة التركية الأذرية بصورة مقلوبة أي تربيز (Tarbiz).
وتؤيد المصادر الأرمنية هذا اللفظ بفتح الأول. وكتبها فاوس بيزانس (Byzance) في القرن الرابع تفرز Thavrezوتفرش Thavresh، وذكرها آسوليك (Asolik) في القرن الحادي عشر تفرز وذكرها فاردان Vardan في القرن الرابع عشر تفرز ودفرز Davrez، ويحتمل أن التسمية الأخيرة مشتقة من اللهجة الأرمنية العامية وأصل هذه الكلمة «د ـ آي ـ فرز «D-I-Vrez وتعنى «هذا من أجل الانتقام»…
وإذن فالمصادر الأرمينية تؤيد بأن اسم المدينة في القرن الخامس (بل الرابع) الميلادي هو تفرز وكذلك تلفظوه في الفارسية تفرز Tavrez ويعني ذلك في الفارسية المتداولة (تب ريز))[34] ( و(تب بنهان كن))[35] ( وحسب قول الأولياء الجلبيين (سيتمة دوكوجو))[36] ( ويحتمل أن المراد بهذه التسمية هو معنى «مخفي الحرارة» ولها علاقة ببركانية جبل سهند (وكذلك بتبريز Tapariz التي هي اسم لمعبر بين بايزيد ووان) ويظهر الخط الأرمني خصوصيات اللهجة البهلوية الشمالية (Tawltap وخصوصاً رز ـ Rez بدلاً عن «ريج ـ («Rec.
ويبدو أن هذه التسمية غاية في القدم أي ترجع إلى ما قبل عهد الساسانيين وربما قبل الأشكانيين…».
وكما ذكرنا فإن هناك آراء مختلفة حول تسمية هذه المدينة، وأكثر المؤرخين الإيرانيين ينسبون بناء مدينة تبريز إلى زبيدة خاتون زوج هارون الرشيد، وأجمعوا على أن سنة تشييدها هي 165هـ، ولكنهم يختلفون في سبب بنائها وأكثر ما ينقلونه هو مجرد أساطير وأوهام.
تاريخ مدينة تبريز
كما مرّ فإن هناك أقوال عديدة بشأن تاريخ وجود تبريز، وثمة آراء عديدة تتضارب في كون المدينة تحمل اسم إحدى المدن القديمة أم لا، ويذكر واردان المؤرخ الأرمني الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي بأن الذي بنى تبريز هو خسرو أرشاكي (أسكاني 217 ـ 233م) الحاكم الأرمني، وقد بناها لأخذ الثأر عن أردشير (224 ـ 241م) أول الملوك الساسانيين الذي قتل أردون الخامس (ارتبانوس) آخر الملوك البارتيين، ولم ترد هذه القصة في أي مصدر آخر.
تبريز في عهد العرب
كانت غاية العرب الأصلية في فتحهم لآذربيجان سنة 22 هجرية هي أردبيل وسائر المدن العامرة آنذاك، ولم تذكر تبريز في فهرست المدن التي تحشدت منها القوات الإيرانية ولذلك نكاد نجزم أن تبريز كانت آنذاك قرية لا أكثر، ويحتمل أن هذه القرية هي بقايا مدينة تفرز التي دمرت إثر زلزلة أو حادثة أخرى. وجاء في نزهة القلوب:
«تبريز من الإقليم الرابع… وقد بنتها زبيدة خاتون زوجة الخليفة هارون الرشيد رحمه اللَّه في سنة خمس وسبعين ومائة. ودمرتها زلزلة فيما بعد في زمن الخليفة العباسي عام أربع وأربعين ومائتين، وبعد 190 عاماً أي في الرابع عشر من صفر عام أربع وثلاثين وأربعمائة عصفت بها زلزلة أتت عليها كلياً…»)[37] (.
وربما كان قول المستوفي هذا في نسبة بناء تبريز لزبيدة خاتون ناشئاً عن كون حدود ساحل أرس في آذربيجان قد أوكلت إلى زبيدة خاتون بعد مصادرة أملاك الأمويين.
ويكتب مينورسكي ما يلي:
«…ذكر في كتاب البلاذري (ص231) وابن الفقيه (ص258) وياقوت (المجلد الأول ص822) بأن بناء تبر يز وإعمارها كان من أعمال عائلة «روادازي» وخصوصاً أبناء «أوالوجنا» وغيرهم…»)[38] (.
وحين يتعرض الطبري)[39] ( وابن الأثير)[40] (لذكر ثورة بابك فإنهما يذكران تبريز كاسم لقلعة دون أي تفصيل عنها، وقد كانت مع قلعة (شاهي) خاضعة لسيطرة شخص يدعى محمد بن بعيث. ويذكر ابن خرداذبه تبريز على أنها تابعة لمحمد بن الروّاد ويتحدث عن الزلزلة التي حدثت فيها عام 244 هجري)[41] (.
وفي سنة 420هـ قام وهسودان بن مهلان (أو مملان) الذي كان آنذاك حاكماً لتبريز بقتل عدد كبير من زعماء الأتراك الغز في هذه المدينة)[42] (.
بينما يذكر جميع مؤرخي السنين الأولى لدخول الإسلام تبريز على أنها إحدى المدن الصغيرة القليلة الأهمية في آذربيجان»)[43](. ولأول مرة يمتدحها المقدسي وكذلك ابن حوقل من حيث عمرانها وتفوقها على أغلب المدن الصغيرة في آذربيجان في عام 368هـ.
مع الشيخ محمود وحدت من أعلام تبريز
ويكتب مينورسكي نقلاً عن مسكويه (المتوفى عام 421هـ) ما يلي: «… وتبريز مدينة مهمة، وتحيط بها البساتين الكثيفة الأشجار، وأهلها شجعان، وأقوياء»)[44](.
وتعتبر سنة 434هـ سنة خراب تبريز إثر الزلزلة المعروفة، ولكن يبدو أن حاكمها الذي يحتمل أن يكون هو نفس وهسودان بن مهلان قد لجأ إلى إحدى القلاع المحكمة خوفاً من الأتراك الغز ونجا من الزلزلة. ويبدو أيضاً أن الحاكم المذكور باشر سريعاً بإعادة إعمار ما دمرته الزلزلة، حيث يذكر ناصر خسرو الذي زار تبريز عام 438هـ بأن في المدينة أميراً يدعى سيف الدولة وشرف الملة أبو منصور وهسودان بن محمد مولى أمير المؤمنين، ووصف تبريز بأنها مدينة عامرة تبلغ مساحتها 1400 × 1440 قدم)[45](.
تبريز في العصر السلجوقي
لم تذكر مدينة تبريز في العهد السلجوقي إلاَّ نادراً، فمثلاً ورد في كتاب راحة الصدر)[46] ( بأن طغرل تزوج من ابنة الخليفة بالقرب من هذه المدينة. وفي زمن سلاجقة العراق الذين كانوا يتخذون من همذان عاصمة لهم أخذت آذربيجان بالترقي ونالت معها تبريز أهمية كبيرة، بحيث توقف السلطان محمود السلجوقي)[47] ( ابن السلطان محمد في هذه المدينة لفترة في عام 514هـ، ويبدو أن الغرض من هذا السفر هو إزالة الخوف من نفوس أهالي تبريز الذي أحدثته غارات الگرجيين. وكان حينئذ أتابك آذربيجان برفقة شخص يدعى كون طوغدي، وبعد وفاته سعى آق سنقرأحمد يلي جاهداً للسيطرة على تبريز التي كانت آنذاك بيد طغرك أخي السلطان، ولكنه لم يفلح في مساعيه)[48](.
وبعد وفاة السلطان محمود السلجوقي عام 525هـ، اعتلى عرشه أخوه السلطان مسعود (سلاجقة غرب إيران)، ولكن داود ابن السلطان محمود دخل في حرب مع عمه وحاصر المدينة فاضطر مسعود إلى تركها وأصبحت بذلك تبريز مقراً لحكم داود.
وظلت آذربيجان وتبريز تنتقل بين أيادي الأتابكيين والأحمديليين لعدة سنين حتى انتزع أخيراً الأتابك (بهلوان بن أيلدگز) تبريز من ملك الدين حفيد آق سنقر بن أحمد يل سنة 578هـ وعيّن قزل أرسلان حاكماً في المدينة، ومنذ ذلك الحين (582هـ) أضحت تبريز من أكثر مدن آذربيجان بل وحتى إيران عمراناً وازدهاراً، وأصبحت على الدوام عاصمة لآذربيجان.
تبريز في العهد المغولي
تعد تبريز من المدن النادرة التي نجت من الغارات الأولية للمغول، لأن أزبك بن بهلوان حاكم آذربيجان استطاع إقناع المغول بالرجوع عن قلعة تبريز (617هـ) بإعطائهم غرامة كبيرة. ولكن المغول عادوا في السنة التالية، فخاف الحاكم أزبك ولاذ بالفرار إلى نخجوان بينما ظل شمس الدين طغرائي صامداً بكل بطولة بوجه المغول حتى أرجعهم ببذل مبلغ كبير آخر لهم، وعاد أزبك ثانية إلى تبريز، وحين وصلت تبريز طائفة أخرى من المغول للمرة الثالثة لبى أزبك جميع طلباتهم ومن ضمنها تسليم جميع الخوارزميين الذين لجؤوا إلى هناك، وبقيت تبريز في مأمن من الهجوم أيضاً.
شكل قدوم جلال الدين خوارزمشاه من مراغة إلى تبريز في 27 رجب عام 622هـ حادثة كبرى بالنسبة للمدينة، لأن أهالي المدينة الغيورين كانوا متنفرين من جبن واستسلام الأزبك الذين هربوا في هذه المرة أيضاً خوفاً من جلال الدين، فرحبوا أشد الترحيب بقدوم الأمير الشجاع جلال الدين الذي عمّت جميع أنحاء إير ان شهرته وشجاعته في حروبه المتواصلة مع المغول وانتصاراته عليهم، وأضحى الأمل الوحيد لأهالي البلاد المذعورين. خصوصاً وقد رأوا بسرعة فتحه لتفليس وقتله لقطاع الطرق والتركمان من القبيلة الإيوائية(Alaiwaiya) ، مما دعاهم للشعور بالفرح الغامر.
…» حكم جلال الدين ست سنوات في تبريز وتزوج من (ملكة) الزوجة السابقة لأزبك (روضة الصفا، المجلد الرابع ص170 ـ 172) وتزعزع مركز حكومته في آخر المطاف لسوء سيرته وقبحها (ابن الأثير المجلد الثاني عشر ص323) وما إن حلّ عام 627هـ حتى بسط رئيس قبيلة التركمان گوثيالوا (Kush- Yâlwâ)وحاكم روبين دز (قرب مراغة) نفوذه على أطراف تبريز، وفي عام 628هـ غادر جلال الدين آذربيجان فاستولى المغول على جميع تلك المحافظة ومركزها مدينة تبريز التي كانت محطاً لأنظار الجميع (ابن الأثير المجلد الثاني عشر ص328)…»)[49] (.
ومنذ ذلك الحين وحتى عام 663هـ فقدت تبريز رونقها السابق، لأن هولاكو خان اتخذ من مراغة عاصمة له بعد عودته من فتح بغداد، مما كان له الأثر الكبير في إنهاء أهمية تبريز. ولكن آباقا اتخذها عاصمة له مرة ثانية في نفس العام 663هـ. وظلت كذلك حتى نهاية حكم أولجايتو حيث كانت تزداد أهميتها ويعظم دورها يوماً بعد آخر. وبلغت تبريز في هذا العهد حداً من العظمة والأهمية بحيث ظلت تعتبر إلى فترة طويلة من أهم المدن.
ويكتب محمد بن خاوند شاه الملقب بمير خواند في كتابه «روضة الصفا» ما يلي:
»بلغ خراج تبريز في عهد كيخاتو 80 توماناً»)[50]( ويمكن اعتبار عهد سيطرة زعماء المغول في زمن حكم غازان خان أوج ما بلغته تبريز من عظمة وهيبة. وقد جلس هذا الملك على العرش في تبريز عام 694هـ (1295م)، وكان محيط قلعة تبريز حينئذ حوالي 6 آلاف قدم وفيها عشر بوابات تحمل الأسماء التالية: بوابة ري، سنجاران، طاق، دروب جوسرد (وذكروا صيغاً مختلفة لهذا الاسم مثل درجوسرد. دروب جوسر)، دستي شاه، نارميان، نوبر وموكله (أوهوكله))[51] (.
وشيد غازان خان قلعة جديدة بمحيط 25 ألف قدم (أربعة فراسخ ونصف)، بحيث أصبحت جميع بساتين ومحلات وليانكوه (الذي يدعى حالياً جبل سرخاب أو عيني علي زينعلي) وسنجران جزءاً من المدينة.
…» يبلغ الحصن الغازاني 25 ألف قدم وفيه عدة بوابات: أوجان، أهروجان، سردرود، شام وسراورود…».
وقد شيّدت في هذا العهد أبنية كبيرة في مدينة تبريز بواسطة الزعماء المغول، وأشهرها قبة شام (شب ـ گنبد) الغازانية، التي شيدها غازان خان عام 699هـ (1299م) بعد عودته من حربه في سوريا لتكون مقبرة له، ويعد هذا البناء من أعظم الآثار المعمارية في العصر الإسلامي، حتى أن هذه القبة تفوق بارتفاعها قبة السلطان سنجر السلجوقي التي كان قد بناها في مرو. وتوجد في هذا الأثر المعماري بالإضافة إلى القبة العظيمة لمقبرته عدة بنايات، من أهمها ضريح جميل ذو القبة، ومسجد ومستشفى مجهز، ومرصد كبير يضاهي المرصد المعروف في مراغة، وقاعة للديوان ومخزن عظيم للماء ومدرستان إحداهما للطلاب الشافعيين والأخرى للطلاب الحنفيين ومحل كبير للضيافة ومكتبة كبيرة وعدة حمامات جميلة وبناية واسعة للموظفين الإداريين في هذه المؤسسة وقد خصص غازان خان أوقافاً عديدة لإدارة مثل هذه المؤسسة الضخمة، وقد ورد أنه «… تبلغ عائداتها 100 تومان من الذهب…».
وحافظت تبريز في هذا العصر على سابق مساحتها وجمالها، وأصبحت تقاطعاً مهماً للتجارة، بحيث يقدم إليها مختلف التجار من كل مكان، وهكذا وجدت في المدينة أسواق تجارية كبيرة لعرض مختلف البضائع التي تجلب من أقصى نقاط العالم، بحيث يمكن للراغبين تأمين كل ما يحتاجون إليه هناك.
ويكتب ابن بطوطة الرحالة المغربي المعروف في كتاب رحلته عن جمال وعظمة أسواق تبريز وكذلك دار ضيافة شنب الغازاني، ما يلي: «وبعد عشرة أيام من سفرنا وصلنا تبريز وأقمنا خارجها في محل يسمى (شام). ويوجد في هذه الموضع قبر غازان ملك العراق، وقد بُني عند قبره مدرسة وزاوية، ويبذل الطعام في هذه الزاوية للخارج والداخل».
«ونزل أميرنا في هذه الزاوية وسط ماء عذب وأشجار خضراء. وفي اليوم التالي دخلنا تبريز من بوابة بغداد ووصلنا سوقاً كبيرة تُسمى سوق غازان وهي من أفضل ما رأيت من أسواق الدنيا. ولكل صنف محل مخصوص فيها وعندما ذهبت إلى سوق المجوهرات دهشت لما رأيته فيها، فقد رأيت غلماناً جميلين يرتدون الملابس الفاخرة ويتمنطقون بمناديل من حرير، يقفون إزاء سادتهم ويعرضون المجوهرات للنساء التركيات، وهؤلاء يتسابقن في الشراء ويشترين الكثير منها. وقد رأيت أثناء ذلك من الجمال الفتان ما يلجأ إلى اللَّه منه.
ثم ذهبنا إلى سوق العنبر، ورأينا فيها مثل هذه الأمور بل أكثر ثم وصلنا المسجد الجامع الذي بناه الوزير على شاه والمعروف بگيلان (وقد بنى الوزير الآخر لغازان خان الخواجه تاج الدين علي شاه مسجداً جامعاً كبيراً ثم تحول إلى قلعة معروفة، ولا يزال قسم من برجه العظيم باقياً إلى الآن)، وإلى الخارج منه على جهة اليمين توجد مدرسة وعلى جهة اليسار توجد زاوية قد فرش صحنها بحجر المرمر وغطت جدرانها بالفسيفساء، ويجري في وسطها جدول صغير، وزرعت في أنحائها أنواع الأشجار وأزهار الياسمين…».
وقد ورد كذلك شرح مفصل عن أوضاع مدينة تبريز في عهد غازان خان وكذلك وصف «شنب الغازانية» في الكتب التالية: (وصاف) المجلد الثالث ص382 ـ 383 و(تاريخ مبارك غازاني) ص117 و207 و214 و(تاريخ وجغرافي دار السلطنة تبريز) تأليف نادر ميزرا.
ومن الأبنية المشهورة الأخرى التي بنيت في هذا العهد في تبريز هو مبنى الربع الرشيدي الذي يعد من أجمل وأهم الآثار في إيران بل في العالم، وليس له نظير في نوعه، والربع الرشيدي هو سلسلة من الأبنية الجميلة التي شيدها الخواجة رشيد الدين الوزير العالم المشهور لغازان خان. ويوسف الخواجه رشيد الدين فضل اللَّه بنفسه هذا البناء العظيم في رسالة كتبها إلى ابنه حيث يقول:
لقد أعددنا خطة بناء الربع الرشيدي وهيأنا أسباب تشييده أثناء الفراق الطويل للولد العزيز، وقد تمّ الآن بناؤه بيُمن قدوم العلماء وهمة الفضلاء… وفيه أربعة وعشرون موضعاً لاستقبال القوافل حتى أصبح كقصر الخورنق، وبغض النظر عن قبته لتي بنيت من المينا، فهناك ألف وخمسمائة دكان تفوق في متانتها قبة هرمان وبنينا فيه ثلاثين ألف دار رائعة، وشيدنا فيه الحمامات المريحة والبساتين الغناء والحوانيت والطاحونات ومعامل نسج الشعر وصناعة الورق وغيرها، وقد أسكنا في هذا الربع جماعات من كل مدينة ومن كل ثغر،… وأسكنا أربعمائة شخص من العلماء والفقهاء والمحدثين في زقاق يسمى بزقاق العلماء، وخصصنا للجميع رواتب وإكراميات وقررنا لهم لباساً سنوياً وصابوناً وحلوى وأجلسنا ألف طالب علم فحل في أماكن تسمى محلة الطلبة وكل من هؤلاء فطحل في العلم ونجم في سماء الفضيلة، وعينا لجميع هؤلاء مثل ما فعلنا مع العلماء، وأسكنا ستة آلاف طالب علم آخر كانوا قد قدموا إلى تبريز لطلب العلم وقد أطلقنا رواتبهم وإكرامياتهم من حاصل جزية الروم والقسطنطينية الكبرى وجزيرة الهند ليتمكنوا برفاههم من التفرغ للدرس وتحصيل العلم، وحددنا كل مجموعة طلاب للدراسة على يد أحد المدرسين، ثم نظرنا في أي علم يصلح له ذهن كل طالب وأمرنا بتدريسه الأصول والفروع العقلية والنقلية لهذا العلم وقلنا بضرورة تردد الطلاب الساكنين في الربع الرشيدي وبلدة تبريز على مدارس الأولاد كل يوم، واستقدمنا خمسين طبيباً حاذقاً من أقصى بلاد الهند ومصر والصين والشام وسائر البلدان وشملناهم بأصناف الرعاية والعناية… وخصصنا لكل طبيب عشرة من طلاب العلم المستعدين.
«… ونقلنا الكحالين والجراحين والمجبرين العاملين في دار شفائنا إلى القرب من بستان رشيد آباد لمعالجة من يحتاجون إلى العلاج، ثم أسكنا أهل الصنعة والحرف الذين جلبناهم من البلدان في أحد الأزقة…»)[52] (.
وكتب في رسلة أخرى إلى ابنه ما يلي: (… وأنشأنا في جوار الربع الرشيدي بستاناً… ولوسع مساحته فقد أحدثنا فيه خمس قرى، ليقوموا بغرس الأشجار وحفر القنوات والأنهار وجرف السواقي وقطف الثمار وقد تمّ الآن بناء أربع من هذه القُرى، وأريد أن تكون القرية الأخرى الخالية من الرعية والعارية من الأعمار قلعة الروح…» (ص143، 144 من كتاب «دار السلطنة تبريز»).
وبعد وفاة غازان خان تحول حال دولة الإيلخانيين وشهدت تبريز سلسلة من حوادث الهرج والمرج والاضطرابات ومن هذه الحوادث قتل رشيد الدين فضل اللَّه وحرب تغتو (أوبغتو))[53] ( التي انتهت بهزيمة آرباخان خليفة أبو سعيد وانتصار علي ملك أويرات (Oirat) وكذلك مُصادرة ونهب النفائس والمكتبات القيمة للخواجه رشيد الدين)[54] (.
وبعد هذه الحوادث وانتهاء الاضطرابات استولى الجلائريون على الحكم، وكان هؤلاء يتمتعون بحب كبير في أوساط أهالي تبريز واحترام بالغ بين رؤساء القبائل والعشائر مثل قرة قويونلو وقبائل شيروان.
وفي عام 736هـ أجلس الأمير الشيخ حسن الكبير الجلائري، السلطان محمد خان على عرض الحكم في تبريز وهكذا أصبحت تبريز عاصمة مرة أخرى، ومنذ هذا العام وحتى حملة التيموريين كانت آذربيجان وتبريز مركزاً لسلسلة من الاختلافات القبائلية والنزاعات الداخلية، ويعتبر الجلايريون محوراً في هذه الاضطرابات.
وبرغم كل هذه الحوادث فإن تبريز كانت تستعيد هدوءها أحياناً، وكما نعلم فإن أهم أمر يساعد على العمران وازدهار التجارة هو الأمن والهدوء، وكانت ثمرة هذه الفترات من الهدوء المؤقت في ذلك العصر هي بعض الأبنية التاريخية التي شيدها الجلايريون في تبريز ومن أهمها: المقبرة الدمشقية والمبنى العظيم الآخر للديوان الحكومي الذي بني بأمر من السلطان أويس.
ويصف كلافيخو السائح والرحالة المعروف ـ الذي زار تبريز في أواخر العهد التيموري ـ هذا البناء العظيم الذي كان آنذاك لا يزال عامراً ولكن لم يبقَ منه الآن أي أثر، وصفه بما يلي: «… ومن نمط هذه الأبنية، رأيت قصراً فخماً يحيط به سور. وخريطة هذا القصر غاية في الجمال، ويوجد فيه عشرون ألف غرفة مستقلة. ومعروف أن ملكاً قد بنى هذا القصر الكبير، (وقد ذكرنا هذا الملك وهو السلطان أويس جلاير) وقد أنفق هذا الملك كل ما في خزينته من مبالغ ـ كان سلطان مصر قد أداها في أول سنة من حكمه بعنوان خراج ـ في بناء هذا القصر الفخم. ويعرف الآن هذا الموضع باسم «ولتخانه»، ولا يزال القسم الأعظم من هذا القصر باقياً، ونأمل أن تبقى كل أبنية تبريز على الحال التي شيدت فيها. ولكن مع الآسف فإن الكثير منها قد دمر بأمر من الأمير (ميران شاه) الابن الأكبر لتيمور…»)[55] (.
وبادر الجلايريون إلى ضرب النقد في تبريز في السنين الآتي ذكرها:
في عام 757هـ باسم حسن الكبير، وفي سني 762، 763، 764، 765، 766، 769، 770هـ باسم أويس، وفي سني 777 و778 و779 و780 و781هـ باسم حسين وفي سنتي 785 و810 باسم أحمد».
وتظهر الأحكام والأوامر التي بقيت عن الجلايريين بجلاء وضع الحكومة والأحداث المهمة في عهد ملوكهم. وخصوصاً الحكم المنسوب إلى السلطان أحمد جلاير «وقد كتب على قطعة من الجلد بطول 0,22 × 2,25م ويوجد أصله في المكتبة الوطنية في باريس… وينسب إلى السلطان أحمد جلاير وقد كتب بخط التعليق بخصوص إعفاء أوقاف مقبرة الشيخ صفي جد الملوك الصفويين من الضرائب.
تبريز في العهد التيموري
كان السلطان أحمد الجلايري آخر أمراء هذه العائلة، وقد تزامن هجوم تيمور على آسيا وإيران مع فترة حكمه. وقد بلغ تيمور مدينة «السلطانية» في أول هجومه على إيران عام 786هـ ثم رجع إلى سمرقند، وفي الفترة التي فصلت بين هجومي تيمور تعرضت تبريز لهجوم تقتمش خان رئيس القبيلة الذهبية، حيث اقتحم المهاجمون المدينة وباشروا فيها بأعمال القتل والسلب وأسروا أعداداً كبيرة من أهالي المدينة، وبعد رجوع الذهبيين، تحرك تيمور ـ الذي قصد إيران ثانية ـ صوب تبريز وهزم السلطان أحمد الجلايري الذي كان قد قدم من بغداد إلى تبريز شر هزيمة، وشتت قواته وأقطع تيمور عام (788هـ) ابنه الأكبر ميراه شاه، آذربيجان والري گيلان وشيروان ودربند وأراضي آسيا الصغرى وعزم هو على فتح النقاط البعيدة من فارس والهند والصين. ولكن ميرانشاه الذي يظهر أنه كان شبه مجنون)[56] ( عمد إلى قتل الكثير من رجال تبريز، ويبدو أنه كان يعتقد أن ليس بمقدوره إنجاز عمل يليق بابن تيمور ويخلده في التاريخ مثل (آريسترات) فقد عمد إلى تدمير البلاد ولم يكتفِ بتخريب بعض الأبنية العظيمة والتاريخية في تبريز بل كان يعمل على تدمير كل البيوت والبنايات. ولكن تيمور أسرع بالعودة إلى آذربيجان بعد أن علم بالأعمال الجنونية لابنه وعاقبه بشدة، وعزله عن الحكم وقتل جميع الذين شاركوا في هذه الأعمال ونصّب مكانه ابنه الميرزا عمر. وتوفي بعد ذلك تيمور في طريقه إلى الهجوم على الصين بسن 71 عاماً، فوقعت الاضطرابات والنزاعات العظيمة حول الأراضي الواسعة التي فتحها، ولم يستطع أي من خلفائه الحفاظ على وحدة هذه الأراضي. ولم تنجَ آذربيجان وخصوصاً تبريز من هذه الحوادث إذ بدأ صراع طويل بين عمر وأخيه أبي بكر الذي كان يحكم فيما بين النهرين تحت إشراف عمر بأمر من تيمور، ولأن التركمان التابعين لعمر كانوا قد أذاقوا أهل تبريز الأمرين، فقد استطاع أبو بكر فتح تبريز، ولكنه لاذ بالفرار عندما علم بقدوم الشيخ إبراهيم الشيرواني من شيروان لفتح تبريز، وأخيراً دخل السلطان أحمد الجلايري الملك الحقيقي لتبريز هذه المدينة عام 809هـ بمساعدة الشيخ إبراهيم دون حرب وإراقة دماء، واعتلى العرش فيها، ورحب بقدومه أهالي المدينة الذين وجدوا فيه السلطان الحقيقي لهم بعد ما ذاقوه من آلام أشد الترحيب وأقاموا الاحتفالات بهذه المناسبة. وحاول أبو بكر الهجوم على تبريز في نفس تلك السنة إلاَّ أنه عدل عن رأيه بعد انتشار الطاعون.
وفي هذه الفترة استعادت تبريز رونقها وازدهارها مرة أخرى بعد أن كانت لفترة طويلة ساحة للمجازر وحملات جيوش تيمور القاسية وللاضطرابات وقتال الإخوان فيما بينهم. وانبعثت روح جديدة في نفوس أهالي تبريز بعدما ذاقوه من ويلات الدمار والقتل وإراقة الدماء وبعد أن ظلوا لفترة طويلة يعيشون الرعب والخوف، وازدهرت الأسواق ثانية، واخضرت المزارع بعد طول جفاف وبور، واستعادت التجارة والصناعة ازدهارهما السابق، ولهذا السبب يصف كلافيخو سفير هنري الثالث ملك الكاستيل ـ الذي كان في تبريز بين أواخر عام 806 وأوائل 808 ـ هذه المدينة بأنها في عداد المدن الكبيرة العامرة ويتحدث عن بناياتها وعمرانها، فيقول: «… وفي جميع أنحاء المدينة ثمة شوارع عريضة وسوح واسعة، وتشاهد حولها أبنية كبيرة، تتفتح أبواب الدخول فيها على الساحات، وكذلك الفنادق، وفيها محلات ودكاكين ومكاتب يستفاد منها في أمور عديدة، وتعرض في الأسواق مختلف البضائع من الأقمشة الحريرية والقطنية والحرير الخام والمجوهرات وجميع أنواع الآنية… وتشاهد في جميع أنحاء تبريز البنايات الجميلة والمساجد العديدة، وخصوصاً المساجد المزينة بالفسيفساء الزرقاء والذهبية، وفي هذه المساجد ثمة أواني بلورية للمصابيح وقد رأيت مثلها في تركيا. ويُقال إن هذه البنايات قد شيّدت في العصور الغابرة بأيدي رجال أثرياء من تبريز كانوا ينفقون أموالهم بكل رغبة في هذا المجال…».
ويبدو أن تبريز كانت آنذاك مدينة كبيرة وكثيفة السكان ومحتلاًّ لاهتمام الآخرين: «وأما الآن فعدد سكان المدينة في حدود 200 ألف عائلة أو يزيدون»)[57](.
وكانت الأوضاع الاجتماعية والسياسية لآذربيجان في تلك الفترة على نحو يسمح بوصول مجموعة من عشائر المنطقة إلى الحكم. واستفاد التركمان القراقويونلو من ذلك أكثر من غيرهم لقرب رئيسهم قرايوسف من السلطان أحمد الجلايري وصداقته له، وبعد سلسلة من الحوادث التي انتهت بمقتل السلطان أحمد الجلايري في العراق استطاع أخيراً قره يوسف السيطرة على جميع أنحاء آذربيجان وما بين النهرين والنواحي المتاخمة لها واعتلى العرش في تبريز، بعد قتل ميرانشاه (الابن المجنون لتيمور) وهزيمة أبي بكر في حدود نهر (سرودرود) (على بعد 8 كلم جنوب تبريز)، ولكن الميرزا شاهرخ حفيد تيمور الذي قلق لبسط قرايوسف نفوذه في هذه المناطق عزم على شن حرب على هذا الأخير ولكن قرايوسف توفي في السابع من ذي القعدة عام 823هـ. واستغل الميرزا بايسنقر الأوضاع المضطربة للقراقويونلو والخلافات التي نشبت بين أفرادهم واحتل تبريز. وقام شاهرخ باحتلال تبريز بعد الهزيمة الكاملة لتي مني بها أبناء قرايوسف في أرمينيا في صيف عام 824هـ، وبعد أن أظهر له أبو سعيد بن قرايوسف الطاعة واستسلم له، فإنه نصبه للحكم في ولاية آذربيجان. وبعد سنة قتل أبا سعيد أخوه الإسكندر، فاضطر شاهرخ لدخول تبريز للمرة الثالثة من أجل إعادة السيطرة في هذه المناطق، وبعد أن أظهر جهان شاه الأخ الآخر لإسكندر فروض الطاعة له، فإنه أوكل الحكم في آذربيجان له (839هـ).
وبعد أن أوكل شاهرخ الحكم في آذربيجان لجهانشاه عام 839هـ عاد إلى خُراسان عام 840هـ، وأعاد جهانشاه الذي كان أقوى ملوك هذه الفترة الهدوء إلى تبريز بعد أن فقدته لحين من الزمن. وأسرع الإسكندر أخو جهانشاه إلى تبريز للقضاء على أخيه ونشبت بينهما حرب ضروس كانت نهايتها لصالح جهانشاه، وهرب الإسكندر إلى قلعة أنجق، وقتل هناك بيد ابنه قباد.
وبالتدريج سطح نجم جهانشاه قراقويونلو، واتخذ من تبريز مقراً له وباشر بأعمال العمران فيها. وسيطر على گرجستان عام 844هـ، ثم احتل عراق العجم عام 856هـ وأحدث مجزرة في أصفهان في نفس هذا العام، ثم فتح فارس وكرمان حتى استطاع أخيراً الجلوس على العرش في هراة عام 862هـ. وكان عازماً على القضاء على أبي سعيد الگورگاني، ولكنه عندما سمع بأن ابنه المجنون السجين قد فرَّ من السجن، صالح أبا سعيد وأوكل له الحكم في خُراسان ثم قدِم إلى آذربيجان على وجه السرعة، وألقى القبض على ابنه وبعد فترة نفاه إلى خارج مناطق حكمه ونصب ابنه الآخر الذي كان والياً على فارس حاكماً لبغداد. وبعد فترة من الزمن بدأ بيربداق في تمرده، فتوجه جهانشاه على رأس جيش إلى بغداد للقضاء عليه، وبعد سنة من حصار المدينة استطاع جهانشاه فتحها وألقى القبض على بيربداق وأودعه السجن، ثم نصب ابنه الآخر محمد ميرزا خليفة له في بغداد وعاد إلى تبريز بكل هيبة وعظمة.
وباشر جهانشاه بعد عودته من خُراسان والقضاء على المتمردين في أعمال العمران، فبنيت في عهده عدة بنايات ومن أشهرها مسجد كبود (أو كوك مسجد) الذي ينسب بناؤه إلى بيگم خاتون زوج جهانشاه.
وحدثت في تبريز في عهد جهانشاه فتنة الحروفية)[58] (، حيث أحدثوا فتنة وفوضى، فقتل جماعة كبيرة منهم وأحرقت أجسادهم، ولكن هذه الجماعة أخذت تنمو بعد مدة من السكوت والعمل السري وفي هذه المرة انتفضوا لمساعدة ابنة فضل اللَّه «مرشد فرقة الحروفية» وشخص باسم يوسف، وأعلنوا دعوتهم إلى طريقتهم، فانضم إليهم جمع كبير، واندلعت فتنة كبيرة مرة أخرى، وقتل وأحرق ما يقارب الخمسمائة شخص.
ويكتب منجم باشي في الفصل المتعلق بجهانشاه «… رجل فاسق وظالم ويميل إلى الإلحاد والزندقة ولا يعتني بأحكام الشرع»)[59](.
وأصبح جهانشاه في أواخر عهده متكبراً ومغروراً ولاهياً بسبب قوته المتنامية يوماً بعد آخر، ولذلك عندما طلب منه خصمه القوي حسن بايندري المعروف بحسن أوزون الصلح والهدنة فإنه اعتبر ذلك دليلاً على ضعف، ولم يعبأ به بل اشتغل باللهو، وأرسل جيشه إلى تبريز بسبب قدوم فصل البرد وظل هو وأولاده وخواصه والمقربون إليه يلهون ويشربون قرب ديار بكر. وعندما علم حسن أوزون برحيل جيش خصمه بادَر إلى الهجوم على هؤلاء المتخلفين بألفين من جيشه وقتل جهانشاه، وهكذا قتل في يوم 12 ربيع الثاني عام 872هـ الموافق للعاشر من نوفمبر عام 1467م الملك الذي خضعت له مقدرات وأراضي البلاد الواسعة من آسيا الصغرى إلى الخليج الفارسي وهراة، على يد حسن أوزون بايندري رئيس التركمان الآق قويونلو.
وبعد مقتل جهانشاه بادرت اثنتان من بنات الإسكندر للاستفادة من موقعهما وتنصيب أخيهما حسين علي المعروف بدرويش ملكاً في تبريز، ولكن بيگم خاتون أرملة جهانشاه عارضتهما وبددت آمالهما. وفي هذه الأثناء استولى حسن علي بن جهانشاه المجنون على زمام الأمور في تبريز وقتل بيگم خاتون (إذ كان ابناً للملك من زوجة أخرى) وقتل معها جميع أقاربه، ولكنه مني بهزيمة نكراء في المعركة التي دارت بينه وبين أوزون حسن، قرب مرند، بالرغم من مساعدة السلطان أبي سعيد له، ولاذ بالفرار بعد ذلك.
وتحرك السلطان أبو سعيد التيموري في جيش كبير)[60] ( لقتال أوزون حسن ولكنه قتل. ودخل أوزون حسن مدينة تبريز وأعلنها بصورة رسمية عاصمة له)[61] (. وأصبحت هذه المدينة مركزاً للعدالة في عهد هذا الملك الشجاع العادل.
وبعد أن بلغت شهرة أوزون حسن الآفاق وطرقت أبواب (البندقية) وغيرها من البلدان الأوروبية، حاول هؤلاء الملوك إقامة علاقات ودية معه وأرسلوا الوفود والسفراء تترى إلى بلاطه. فانتهز أوزون حسن الفرصة وحاول الحصول على الأسلحة النارية، وبدأ تبادل السفراء بينه وبين البندقية لإقامة العلاقات السياسية والودية.
مع السيد إبراهيم العلوي من أعلام تبريز
ويمكن القول بأنه كان للعلاقات التجارية والسياسية دور مهم في عمران وحفظ الموقع الاقتصادي لتبريز، ولا بدّ أن تكون تبريز آنذاك قد بلغت حداً من الرقي والتطور بحيث جعلت الأجانب يمتدحونها وكان ماركو دمولينو Marco de Molino أول قنصل في تبريز عام 1324م)[62](.
وكذلك شاهد جيوزافا بارابرو Giosafa Barbaro ممثل جمهورية البندقية تبريز في رمضان عام 877هـ (1473م) ووصف حركة الحياة النشطة فيها ووصف كذلك أبنيتها: «وقد استقبل في غرف قصر آبتيستي (Aptisti) العظيم»)[63]( وكذلك يتحدث أحد تجار البندقية في عام 1514 عن تبريز ويصفها كالآتي: «إن عظمة وجلال تبريز -أوزون حسن- ليس لها نظير في إيران جميعها»)[64](.
توفي أوزون حسن عام 882هـ، ودفن في المدرسة الناصرية الذي بناها بنفسه لتكون مقبرة لعائلته. وتلته فترة اثنتا عشرة سنة من حكومة ابنه يعقوب بين 883 ـ 896هـ، التي كانت فترة ازدهار وصلح وهدوء. كان يعقوب محبً للأدب والفن فجمع عنده الشعراء والمؤلفين وذوي الحرف، واستعادت تبريز آنذاك حيويتها وازدهارها وعاشت فترة من الأمن والسلام.
وفي عام 888هـ أمر يعقوب ببناء قصر في بستان صاحب آباد أسماه الجنان الثمانية (هشت بهشت)، ويعتبر هذا القصر عديم النظير من كل ناحية وهو نفس القصر الذي أكثر سائحو وسفراء البندقية من وصفه والإشادة به. وقد رسمت على جدرانه صور الحروب المهمة في إيران وصور السفراء وغيرهم، وإضافة إلى رفعة بنائه فقد كان يحتوي على دار كبيرة للحريم وساحة كبيرة ومسجد كبير ومستشفى له القدرة على استقبال 1000 شخص يومياً.
واعتلى العرش بعد السلطان يعقوب ابنه السلطان بايسنقر وظل هذا في الحكم لمدة سنتين وتوالى على الحكم بعد بايسنقر رستم بيك الذي قتل عام 903هـ، ثم أحمد بادشاه، ثم الميرزا محمد الذي قتل عام 904هـ، ثم الوند ميرزا، وأثناء حكم الأخير بدأ الملك إسماعيل الصفوي بتحركاته وسار بجيشه نحو تبريز لاحتلال آذربيجان، واشتبك الاثنان في حرب ضروس، وتكبد آخر ملوك الآق قويونلو 20 ألف قتيل، وبعد أن رأى الوند ميرزا ألّا طاقة له بالمقاومة، لاذ بالفرار إلى آسيا الصغرى، وتوفي فيها وبذلك انتهت فترة حكم الآق قويونلو.
ولا يمكن اعتبار عهد الآق قويونلو عدا بعض الفترات القصيرة مثل فترة أوزون حسن، صفحة مشرقة في تاريخ إيران ولا حتى في آذربيجان، ولكن أهم شيء في عهدهم هو إقامة العلاقات مع الدول الأوروبية.
وكان لهؤلاء السلاطين الدور الفاعل في إخراج إيران من عزلتها الاجتماعية والاقصادية والسياسية، ووضعوا ـ دون شكّ ـ الأسس القوية للعلاقات الواسعة والشاملة التي أقامها الملوك الذين خلفوهم، وخصوصاً الملوك الصفويين الكبار. وساهموا إلى حدّ بعيد في التعريف بإيران بصور عامة، وبالأخص بآذربيجان لدى الأوروبيين، وكان لهم بذلك الدور الكبير في إخراج إيران من ظلمة ووطأة القرون الوسطى.
تبريز في العهد الصفوي
كان الشيخ صفي الدين الأردبيلي جد العائلة الصفوية يتمتع بنفوذ كبير بسبب زهده وتقواه الخاصين. وكان أتباعه الذين يكثر تواجدهم آنذاك في آذربيجان وخصوصاً في أردبيل يحظون باهتمام واحترام خاصين في أوساط الفرق المختلفة للدراويش خصوصاً وأن الشيخ كان مندمجاً في أهل بيت النبوة ومن ثم فقد أصبح معبده مركزاً لدعوة التشيع بعد وفاته.
وسعى خلفاء الشيخ صفي من خلال إدارة المعبد وبالتدريج في إحداث تغير كبير في التصوف وحتى في الأوضاع الاجتماعية في إيران، لأنهم حصروا الزعامة في أشخاص بينهم وحولوا الأمر إلى وراثة بالتدريج من خلال الارتباط بعلي (عليه السلام)، ووصل الأمر بخلفاء الشيخ صفي الدين الذين كانوا يتزعمون تلك الفرقة إلى إعلان معارضتهم للسلطة الحاكمة آنذاك (في القرن التاسع الهجري وباشروا بإعلام مضاد واسع النطاق في إيران وفي آسيا الصغرى).
وتوارث زعامة هذه الفرقة كل من الشيخ صدر الدين ابن الشيخ صفي الدين وبعده الشيخ علي وبعده الشيخ شاه.
وكان للشيخ شاه ستة أولاد بأسماء: السلطان جنيد، أبو سعيد، سيد أحمد، سيد بايزيد، الخواجه جهان ميرزا وإبراهيم خواجگي، ومن بين هؤلاء أخذ السلطان جنيد على عاتقه أمر الزعامة بعد موت أبيه. وتوسعت الفرقة في عهده توسعاً كبيراً، بحيث أخذ يعلن مطالبته بتاج إيران وعرشها، خصوصاً وأنه استطاع تكوين جيش من أتباعه، تمكن بواسطتهم من شن هجماته السياسية والعسكرية. وقد ازدادت قوته وبلغت شهرته الآفاق حين استولى على أردبيل خلال الفوضى التي سادت إيران بعد شاهرخ ميرزا ابن الأمير تيمور. وأخذ نفوذ أولاد الشيخ هؤلاء يتهدد حكومة القره قويونلو تهديداً كبيراً، ومن ثم بدأ الصراع بين العائلتين بداية جدية وأخذ يتصاعد شيئاً فشيئاً.
وبعد مقتل الشيخ جنيد على يد الملك شروان قره قويونلو، خلفه ابنه الشيخ حيدر، وطالب بدم أبيه، ولكن هزم أيضاً وقتل. وآلت الزعامة إلى إسماعيل المعروف ببهادر خان الذي كان أليق أبناء الشيخ حيدر بها، وعزم هذا على تحقيق حلم أجداده القديم وبالتالي باشر رسمياً في طلب الحكم. واحتل «بادكوبه» بعد أن هزم الميرزا الوند آق قويونلو في «شرور»)[65])، ثم اتجه صوب تبريز، ودخلها فاتحاً عام 906هـ (1500م) وتوج فيها ملكاً، وأول عمل له بعد تتويجه هو تعميم التشيع في تبريز. ومن جانب آخر لا بدّ من اعتبار العهد الصفوي وخصوصاً سنيه الأولى فترة شاقة في تاريخ آذربيجان تبريز، فقد أصبحت هذه المنطقة لا سيّما مدينة تبريز لسنين طوال عرضة لهجمات الأتراك العثمانيين، وبدأت بذلك فترة جديدة من تاريخها.
وكما نعلم فإن السلطان العثماني كان آنذاك قطباً سياسياً ودينياً كبيراً في العالم الإسلامي، إضافة إلى قوته السياسية والعسكرية الكبيرة. وحين آل زمام الأمور إلى السلطان سليم العثماني القوي والمغرور، فإنه لم يتردد في تسيير جيش كبير نحو إيران للقضاء على «البدعة الجديدة التي وصلت السلطة حديثاً» وكتب إلى الملك الصفوي الشاب رسالة عنيفة قاسية ودعاه فيها إلى الحرب. وبالرغم من أن الشاه إسماعيل بذل كل ما بوسعه من أجل تجنب الحرب إلاّ أنه اضطر فيما بعد للدخول فيها، فدارت رحاها في جالدران. وأبدى الملك إسماعيل وجيشه القزلباش من الشهامة والتضحية الأعاجيب ولكنهم اضطروا إلى الانسحاب بعد أن كبدوا الجيش العثماني خسائر فادحة، لافتقادهم للأسلحة النارية والمدافع بينما كان الجيش العثماني مزوداً بها. ودخل السلطان سليم مدينة تبريز في السادس من سبتمبر عام 1624م (29 رجب 920هـ)، فنهب خزائن الملك، واحتجز العديد من الحرفيين والفنانين من تبريز لنقلهم إلى القسطنطينية. ولكنه ما لبث أن غادر تبريز. وعن ذلك يكتب الأمير نادر ميرزا في كتابه «تاريخ وجغرافياي دار السلطنة تبريز» ما يلي:
«…وبعد هذا الانتصار قدم السلطان (سليم) إلى تبريز، ودمر فيها الكثير. ولكنه غادرها إلى القسطنطينية لعلمه بمدى صلابة وشجاعة الملك الإيراني ولتوقعه لهجومه القريب عليه. وهكذا خلت آذربيجان من العدو»)[66]).
وخلف الملك إسماعيل بعد وفاته ابنه طهماسب ميرزا، وبعد أن أخمد فتنة الأوزبك وهدّأ الأوضاع في خراسان قدم إلى تبريز، ثم أوكل الحكم فيها إلى ديو سلطان وأرسل كبك سلطان وجميع قبيلته إلى گرجستان ثم توجه هو إلى السلطانية.
وبعد فترة دخل إبراهيم باشا على رأس جيش عثماني تبريز في عام 941هـ (13 كانون الثاني عام 1534م). وبعد حين التحق بهم الملك العثماني السلطان سليمان (خليفة السلطان سليم) بنفسه. ولأجل تقوية موقع جيشه عسكر إبراهيم باشا بالقرب من (شام غازان) وباشر ببناء قلعة محكمة، وفي أثناء ذلك كان الملك طهماسب منشغلاً بالحرب مع الأوزبك في هرات، ولكن ما إن بلغه الخبر حتى هرع إلى الري، وبعد حشده لقواته أسرع إلى تبريز، ولكن لم يدم توقف السلطان سليمان في تبريز أكثر من أربعة عشر يوماً، بسبب نزول الثلوج الثقيلة وحلول البرد القاسي، فاضطر إلى الانسحاب إلى بغداد عن طريق الموصل بعد أن تكبد خسائر كبيرة.
وفي عام 955هـ توجه السلطان سليمان إلى تبريز مرة أخرى بتحريض من القاص ميرزا (ابن الملك إسماعيل وأخي الملك طهماسب) وعلى الرغم من المقاومة الشديدة التي أبداها أهل تبريز استطاع الجيش التركي دخول المدينة بقيادة عثمان باشا، بسبب لا مبالاة حمزة ميرزا. ويصف نادر ميرزا هذا الهجوم فيقول: «… لجأ أهالي تبريز إلى سدّ الطرقات ولكن أنى للعامة مقاومة جيش امبراطورية. فهزموا وغلبوا وتجمع أعيان تبريز لدى عثمان باشا وأعطى هذا الأمان لأهل المدينة لأنه كان يعرف مدى صلابتهم وشجاعتهم. وأخذ التبريزيون يتخفون عن أنظار الجيش العثماني، وهاجر بعضهم بماله وأهله. وبنى القائد قلعة محكمة في جرنداب إحدى المحلات المعروفة والقديمة في تبريز. وكان الجيش الإيراني على قمم جبل سرخاب ولم يصدر عنهم شيء. وعندما فرغ عثمان باشا من بناء القلعة أصدر أمراً بقتل أهل تبريز قتلاً عاماً، فأعمل جيشه الكبير السيف في أهالي المدينة يوماً كاملاً، وغطى الدخان المدينة، ولم يتورع هؤلاء في أخذ كل ما يجدونه وقتل كل من يرونه. وخرب العثمانيون المدينة وهدموا قصورها طمعاً بما تحت الثرى من مال…»([67]) وما لبث جيش القزلباش حتى هاجم تبريز بقيادة حمزة ميرزا، ووقعت بين الطرفين معركة ضارية، كان النصر في البداية حليفاً للإيرانيين، بحيث «أطلق فرسان القزلباش العنان لخيولهم، وهجموا على قلب الجيش العثماني فشتتوه، ولم يستطع قادة الجيش العثماني نظم أمورهم فهزموا هزيمة واضحة. واستمر الإيرانيون في هجومهم حتى قلعة جرنداب ومعسكر الجيش ولم يكن عدد المهاجمين إلاّ قليلاً»)[68]).
ولكن كان المقتل المفاجىء لحمزة ميرزا بعث روحاً جديدة في الجيش العثماني وغير نتيجة الحرب وألقى بزمام النصر إلى العثمانيين.
«…ولما قتل حمزة ميرزا وتشتت الجيش (الإيراني)، بقيت تبريز في قبضة العثمانيين وكتبوا بحكم الحضرة العالية، أن تخرج الأجساد من محلات تبريز إلى خارجها وتدفن هناك ولم يبق في المدينة بيت عامر»)[69]).
وهكذا استمر العهد الطويل لاحتلال العثمانيين لتبريز. ومن الطبيعي أن هذا الاحتلال لم يكن خالياً من المتاعب، إنما كان في الحقيقة سلسلة من المعارك المستمرة بين البلدين وبالتالي فهي تنتقل من يد لأخرى. ومن البديهي أن الضرر الأصلي كان يطال المدينة وأهلها أكثر من غيرهم ولم تكن تسفر هذه الحروب غير المجدية إلاّ عن الخراب والدمار الشامل والمجازر الدموية.
وفي عام 993هـ تحرك أوزدمير أوغلي عثمان باشا الوزير الأعظم للسلطان مراد الثالث على رأس جيش مؤلف من أربعين ألف مقاتل متجهاً إلى تبريز. وكان جيشه يُدعم باستمرار من قبل المعسكرات العثمانية طوال طريقه، ومن ضمن هؤلاء جغاله أولغلي حاكم وان الذي التحق بهم مع جميع جيشه المكون من ستة إلاف مقاتل، وهكذا فقد اجتاز الجيش العثماني جالدران وصوفيان ووصل (شام غازان). وعلى الرغم من الدفاع الرجولي لعلي قليخان حاكم المدينة، فقد اضطر الجيش الإيراني للانسحاب بعد أن قتل أكثر من ثلاثة آلاف من القوات العثمانية في معركة ضارية. وبالتالي فقد دخل الجيش العثماني تبريز فاتحاً، وأصدر عثمان باشا أمره بنهب المدينة وقتل أهلها لثلاثة أيام متوالية ثاراً لدماء قتلاه.
ولكن القوات الإيرانية ظلت تحاصر المدينة، وتشن حملاتها المفاجئة حيناً بعد آخر، ولم تدع العثمانيين يخلدون للراحة ولو لبعض الوقت، وبهذا كانت القوات العثمانية تتكبد خسارة كبيرة بالأرواح والأموال، مما اضطر القائد عثمان باشا لبناء قلعة محكمة للدفاع عن المدينة، بلغ طول سورها 12700 ذراع)[70]).
وبينما كان عثمان باشا على فراش الموت انتخب جغال أوغلي الحاكم السابق لـ(وان). وانتهز القزلباش هذه الفرصة وحاصروا المدينة، وعقدوا الأمور على جغال أوغلي وأصبحوا يهددون الأتراك بالخطر الماحق، ولولا وصول الأمداد لهؤلاء في الوقت الناسب لكان انتصار القزلباش أمراً حتمياً «… أرسل السلطان العثماني فرهاد باشا لنصرة جغال أوغلي وفتح آذربيجان».
وأخيراً اضطر الشاه عباس الذي وصل حديثاً إلى السلطة وكان حينها يواجه الكثير من المصاعب والمتاعب في أنحاء مختلفة من إيران إلى عقد معاهدة صلح مشينة بين الطرفين في عام 998هـ تخلى بموجبها عن جميع المدن التي تسيطر عليها القوات العثمانية في غرب إيران وما وراء القفقاز، بعد أن دار بين الطرفين ما يقارب الخمسين معركة متفرقة. وهكذا أصبح وجود العثمانيين راسخاً في تبريز بصورة عملية، ولكن الإيرانين لم يقطعوا الأمل عن تبريز مطلقاً. وظل الشاه عباس يتربص بالعدو لاستعادة ولايته المفقودة ومدينة تبريز، حتى سنحت له الفرصة في عام 1012هـ (1603م). فخلال الفترة التي امتدت ما بين سنة 988هـ و1012هـ التي كانت فترة هدوء لتبريز، نشط الجيش الإيراني بتهيئة السلاح وتعليم وتدريب أفراده على الأسلحة النارية وبذلت في ذلك جهود متواصلة. واستطاع الجيش الإيراني خلال ذلك التجهز بالأسلحة النارية ومعرفة استعمالها بعد التدريب المكثف الذي تلقاه أفراده ومن جانب آخر كان الشاه عباس دقيق النظر يتابع تحركات العدو، مما جعله يطلع في الوقت المناسب على الفوضى السائدة في الجيش العثماني والاضطرابات التي حصلت بين أفراده، وكذلك ضعف وعجز السلطان العثماني محمد الثالث. فخرج الملك الصفوي الذكي والشجاع من أصفهان متذرعاً بالصيد في مازندران، واستطاع الوصول إلى تبريز بسرعة عجيبة تعد في ذلك الوقت غير ممكنة، إذ قطع المسافة في 12 يوماً. ولم يكن القائد التركي علي باشا يتوقع لقاء الجيش الإيراني أبداً ومن ثم فقد هزم الأخير بالقرب من حاجي حرامي (على بعد فرسخين من تبريز) هزيمة نكراء، ودخل الشاه عباس تبريز. وعلى الرغم من قساوته خصوصاً في معاملته مع أعدائه، لكنه رفق بالعثمانيين في هذه المرة وسمح لهم بكل لطف في الرجوع إلى بلادهم، ولكن أهالي تبريز قتلوا جماعة كبيرة من الأتراك انتقاماً للعشرين سنة التي قضوها في أسر الجيش العثماني وذاقوا خلالها الأمرين، وخربوا كذلك جميع ما بناه العثمانيون ومن ضمن ذلك قلعتهم.
وفي عام 1019هـ (1610م) تحرك الأتراك العثمانيون ـ الذين لم يتخلوا عن التفكير في الثأر والانتقام ـ في جيش كبير بقيادة الوزير الأعظم مراد باشا متجهين صوب تبريز، غافلين عن انتظار الشاه عباس لهم في هذه المرة بكامل القوة والاستعداد. وقد أوكل أمر الدفاع عن المدينة إلى حاكمها بيربداغ خان واتخذ هو من مرتفعات سرخاب مقراً له وبرفقته مجموعة من خيرة فرسان القزلباش.
ولكن قبل أن تقع الحرب بين الطرفين انسحب العثمانيون بسبب نقص المؤن واقتراب حلول فصل الشتاء. وقد لفت هجوم الأتراك هذا نظر الشاه عباس إلى أهمية تبريز وموقعها الستراتيجي أكثر فأكثر. ولما كان الموضع القديم لقلعة العثمانيين عرضة للسيول المحتملة لنهر مهرانرود، ولم يكن مناسبً كثيراً لبناء الاستحكامات، فإن الشاه عباس أمر ببناء قلعة محكمة في محلة الربع الرشيدي بالقرب من سرخاب، وهيئت وسائل البناء من خرائب القصور القديمة وخصوصاً (شام غازان). واستغل الشاه عباس ـ الذي يمكن اعتباره واحدً من أذكى وأفطن ملوك إيران طوال تاريخها ـ ضعف وهزيمة الجيش العثماني استغلالاً تاماً، فأرغم الدولة العثمانية على توقيع معاهدة 1022هـ (1612م) القاضية بإعادة الحدود المشتركة لإيران والدولة العثمانية إلى ما كانت عليه في زمن الملك طهماسب والسلطان العثماني سليمان. ولكن هذه المعاهدة لم تدم أكثر من خمس سنين، حيث هجم الجيش العثماني المؤلف من 60 ألف مقاتل على تبريز بقيادة خليل باشا في عام 1027هـ. وأمر الشاه عباس القائد المعروف والفدائي الشجاع قرجقاي خان الذي كان آنذاك قائداً عاماً لجيوش إيران بالدفاع عن تبريز. ولكن قرجقاي خان لم يدافع عنها بل انسحب بقواته لعدم امتلاكه للجيش الكافي وأمر ـ بعد موافقة الشاه ـ بإخلاء المدينة وإحراق كل غذاء ومؤونة إضافية. وقام بقطع مياه نهر (آجي جاي) عن القرى المتاخمة للمدينة، ثم انسحب بعد إتلافه لكل الغلال والمؤن الموجودة في طريق الجيش التركي.
وبعد احتلاله العقيم لمدينة تبريز شبه الخربة توجه خليل باشا إلى أردبيل، وأقسم على أسر «المرشد الكامل»)[71])، وهدم مقبرة الشيخ صفي الدين في أردبيل. ولم يطق قرجقاي خان صبراً حين سماعه لهذا الخبر فبادر بالهجوم على معسكر الجيش العثماني في مدينة سراب مستفيداً في ذلك من المساعدة القيمة لرجل إيراني الأصل يدعى علي بيك كان قد أسره الأتراك ويشتغل الآن في جيش خليل باشا. وعلى الرغم من كل التفوق العسكري الذي كان خليل باشا يتمتع به، فقد أبدى الأعاجيب من التضحية والفداء واستطاع هزم العساكر العثمانية وطردهم إلى خارج آذربيجان)[72]).
وبعد هذه الهزيمة النكراء اضطر الأتراك للتوقيع على معاهدة أخرى يحترمون بموجبها بنود اتفاقية عام 1022هـ.
ومع وفاة الشاه عباس، أخذت مركزية وقوة الدولة الصفوية بالانحدار بصورة عملية، واستغل العثمانيون هذه المسألة استغلالاً تاماً، حتى أنهم بادروا إلى الهجوم مرة أخرى على تبريز، حيث دخلها السلطان مراد الرابع في عام 1045هـ (1653م) أي في زمن سلطة الملك صفي خليفة الملك عباس، وكانت غاية قصده تخريب المدينة إذ أمر قواته بتخريبها.
«…ويقول الحاج خليفة الذي شاهد الحادثة عام 1045هـ ما يلي: ـ بعد أعمال التخريب التي أمر بها السلطان مراد الرابع، عمدوا إلى تخريب الأسوار القديمة للمدينة ولم يبقوا منها ومن سائر الأبنية القديمة إلاّ الأطلال، وكذلك لم يسلم مبنى شام غازان من التخريب، ولم يسلم من أيديهم إلا مسجد أوزون حسن، ووصل بهم الأمر إلى اقتلاع الأشجار إلاّ أنهم كفوا عن ذلك لعدم توفر الوسائل الكافية بعد أن اقتلعوا عشراً منها»)[73]).
ولم يبق السلطان مراد الرابع في تبريز أكثر من ثلاثة أيام لقدوم الشتاء ورحل مسرعاً إلى (وان)، واستعاد الإيرانيون تبريز مرة أخرى في ربيع السنة التالية (في زمن الملك عباس الثاني) وواصلوا زحفهم حتى بلغوا أيروان، وانتهى الأمر بإلحاق جميع أنحاء آذربيجان بإيران بموجب اتفاقية عقدت بين الطرفين عام 1049هـ (1639م).
لقد قاومت تبريز جميع الهجمات والغارات كالسدّ المحكم، وظلت جميلة، عامرة، غنية بالرغم من كل الخراب والدمار الذي حلّ بها، بحيث أجمع تقريباً كل السائحين والمسافرين الذين زاروا المدينة بعد هذه الأحداث على وصفها بالعظمة والأبهة. فمثلاً يذكر أولياي جلبي إحصاءً جميلاً لبنايات تبريز بعد زياته لها أثناء حكم الملك عباس الثاني، حيث يكتب ما يلي: «يوجد في المدينة 47 مدرسة، وأربعمائة مكتب ومائتا فندق وألف وسبعون منزلاً للأعيان ومئة وستون تكية للدراويش و47 ألف بستان ومنتزه عمومي وغير ذلك»)[74]).
وتبلع تبريز في أواخر العهد الصفوي أوج عظمتها وهيبتها مرة أخرى، بحيث كادت تضاهي كبريات مدن العالم بمركزيتها وإقبال التجار والسائحين عليها، وتحولت تبريز إلى إحدى أكثر المدن الإيرانية سكاناً.
وكانت في طريقها إلى الازدهار والرقي أكثر لتصبح مدينة عظيمة في المقياس العالمي، لولا الهجوم المفاجىء للأفغان الذي كان بمثابة السهم القاتل لسعادة إيران، فحينما هجم هؤلاء على جنوب ووسط إيران في أواخر العهد الصفوي أي في زمن الملك سلطان حسين، هرب طهماسب (ابن الملك حسين) من أصفهان ولجأ إلى تبريز وأعلن نفسه ملكاً فيها باسم طهماسب الثاني، ولكن الأتراك كانوا بالمرصاد، يتحينون الفرص للانقضاض على الإيرانيين، فانتهزوا هذه الفرصة وهجموا على تبريز عام (1724م) بقيادة عبداللَّه باشا كوبريلي، فدارت رحى معركة طاحنة بين الطرفين، وقد اتخذ الأتراك من محلتي دوجي وسرخاب موضعاً لهم، بينما اتخذ الإيرانيون من شام غازان موضعاً، وعلى الرغم من تفوق الثمانيين في بادىء الأمر، إلاّ أن قدوم فصل الشاء كان مساعداً لأهل تبريز في طرد الأتراك وإرغامهم على العودة. ولكن كوبريلي عاد في ربيع العام التالي في سبعين ألف مقاتل ووقعت حرب طاحنة راح ضحيتها ثلاثون ألفاً من أهالي تبريز وعشرون ألفاً من العثمانيين، واضطرت بقية جيش إيران البالغة خمسة آلاف مقاتل إلى الانسحاب بسرعة إلى مدينة أردبيل. ثم اعترف أشرف الأفغاني في معاهدة 1140هـ (1727م) رسمياً بسيطرة العثمانيين على آذربيجان حتى حدود السلطانية وأبهر، ولكن فترة سيطرة العثمانيين على ولاية آذربيجان ومدينة تبريز لم تدم طويلاً خلافاً لتوقعات العثمانيين أنفسهم الذين كانوا يرون في هذه المناطق جزءًا من أراضيهم بسبب الظروف التي كانت سائدة آنذاك في إيران، حيث لم يمض أكثر من سنتين على احتلال العثمانيين لتبريز حتى هجمت القوات الإيرانية بقيادة نادر سردار رشيد على آذربيجان، واستطاع أن يمني مصطفى باشا بهزيمة نكراء في سهيلا بالقرب من تبريز، ودخلها نادر فاتحاً في الثامن من محرم 1142هـ (1729م)، وكان الميرزا طهماسب يتحين الفرص لإظهار نفسه بعد فتوحات نادر المتتالية، فعزم على مهاجمة الأتراك وتحرك صوب آذربيجان ولكن الجيش العثماني هزمه بالقرب من همذان، واحتل العثمانيون تبريز مرة أخرى، حيث دخلها قائد الجيش علي باشا عام 1144هـ، وأكمل فيها بناء مدرسة ومسجد، ولكن لم يمض وقت طويل حتى وقعت اتفاقية بين الطرفين، تخلت إيران بموجبها إلى الدولة العثمانية عن جميع الأراضي الواقعة شمال نهر (أرس)، وتخلى العثمانيون عن تبريز وانسحبوا منها. ولكن فتوحات نادر التي حصلت فيما بعد زادت من ارتباط تبريز بإيران. وحصلت في أواخر عهد نادر حادثة جديرة بالذكر، إذ ظهر رجل مجهول في تبريز يطلق على نفسه الميرزا سام ويدعي بأنه من أحفاد الملك عباس وقد أحدث فتنة في المدينة، والتف حوله بعض أهالي تبريز ثم ما لبثت هذه الفتنة أن خمدت، وعين بعدها الأمير أرسلان ابن عم نادر حاكماً على تبريز، واعتلى إبراهيم خان العرش في تبريز في السابع من ذي القعدة عام 1661م بصورة رسمية وأعلن نفسه ملكاً.
وليس لدينا الكثير من المعلومات عن أوضاع تبريز في السني الأولى لحكومة الزندية، وكل ما نعلمه أن آزادخان الأفغاني هو أول أمراء هذه البلاد في ذلك العهد و«… هجم محمد حسن خان القاجاري على آدزآبادگان في السنة الأولى بعد الألف ومائة وسبعين للهجرة وأخضع أمراء هذه البلاد لطاعته، وعندما عزم على الرجوع عين ابنه الأكبر محمد خان نائباً في تبريز. وبعد هذه الحادثة استولى على تبريز فتح علي خان إفشار حاكم أرومية، إلى أن هجم كريم خان الوكيل على آذربيجان عام 1173هـ. ولم يجن من هجومه هذا نفعاً ثم عاد في عامه الثاني وتغلب على عدوه بصورة عجيبة ثم أخضع أمراء آذربيجان لحكمه وتوجه إلى شيراز، وظلت تبريز محلاً للفتن والمحن حتى قدم إليها محمد خان قاجار في عام 1204هـ.
وفي هذه الفترة، حدثت في تبريز زلزلة شديدة عام 1174هـ (1780م) أحدثت فيها خسائر فادحة.
تبريز في العهد القاجاري
بدأت تبريز تحظى بأهمية متزايدة يوماً بعد آخر، بعدما افتتحت على يد محمد خان أي في العهد القاجاري، وأخذ دورها ينمو باضطراد خصوصاً بعد أن أصبحت ولاية آذربيجان مقراً لنائب السلطنة وولاية العهد منذ زمن عباس ميرزا، وفي الحقيقة فإن تبريز أضحت حينئذ مركزاً ثانياً للحكم في إيران، إذ كان ملوك القاجار معتادين على إبقاء ولاة عهدهم في تبريز ليتمرنوا على الحكم وأساليبه نظراً لأهمية هذه المدينة ومساحتها وموقعها الخاص على حدود روسيا والدولة العثمانية، وبالإضافة إلى ذلك فإن أكثر الهيئات الأوروبية وخصوصاً الإنجليزية منها التي كانت تتوالى على إيران آنذاك كانت تتخذ من مدينة تبريز مقراً لها. ويمكن أن يقال بأن دخول ولي العهد عباس ميرزا إلى هذه المدينة كان واحداً من أهم الحوادث التي حصلت في المدينة على طول تاريخها وكثرة ما حدث فيها، لأن هذا الأمير القاجاري ينبغي أن يعد بحق أحد أجدر السياسيين العظماء في تاريخ إيران، وقد باشر في إصلاح الأوضاع في إيران بذكائه وبعد نظره وانطلق بإصلاحاته من تبريز. وكانت تبريز حين دخلها ترزح كسابق عهدها تحت أثقل أيامها وأصعبها، ولكنها استعادت حيويتها مرة أخرى بهمة هذا الأمير.
وبغض النظر عن الإصلاحات السياسية والاجتماعية العديدة التي أحدثها عباس ميرزا في تبريز، فقد باشر بنوع من التحديث الواسع والشامل في هذه المدينة، ومن ضمن أعماله الحديثة كان أول مطبعة في إيران التي يمكن اعتبارها إحدى أهم إنجازاته، حيث نعلم أن هذه المطبعة كان لها الدور الفاعل في إيجاد تحول فكري في آذربيجان وفي عموم إيران، وقد أحدث انتشار الكتب والمؤلفات وعياً في أوساط الشعب وربما كان الدور الأكبر في ثورة المشروطة راجعاً إلى هذه المطبوعات.
وإضافة إلى ذلك فقد قام الأمير عباس ميرزا ولي عهد فتح علي شاه بإيجاد عدة تأسيسات عسكرية مهمة في تبريز، إذ أدرك برؤيته السياسية الثاقبة مدى أهمية الموقع الجغرافي والعسكري لآذربيجان وتبريز، وأدرك حتمية وقوع الحرب بين إيران والروس، خصوصاً بعد أن شاهد النزعة التوسعية لهؤلاء، ولذلك فقد باشر في إيجاد الاستحكامات العسكرية في تبريز، إضافة إلى كل ما كان يبذله من جهود في تقوية الجيش الإيراني وتجهيزه بما يلزم.
ومن أهم أعماله في هذا المجال، بناء معمل لصناعة المدافع ومخازن للذخيرة وقلاع عسكرية وأسواق تجارية حديثة.
وفي عهد القاجاريين، لم تمض فترة صعبة على تبريز، إلاّ مدة عشر سنوات من الخمول والفقر الناشئين عن حرب عباس ميرزا مع روسيا التي استغرقت هذه المدة، ووصل الأمر بالمدينة أثناء هذه الحرب أن وقعت في إحدى المرات في قبضة الروس بحيث لم يذكر السائحون الذين مروا بهذه المدينة، في تلك الفترة الأوضاع فيها بصورة مرضية. فمثلاً عندما شاهد شاردن هذه المدينة فإنه لم يؤخذ بمظاهرها رغم كثرة ما كان يقال حولها من إعجاب وانبهار.
ويكتب كينر :(Kinner)«يوجد في تبريز حوالي ثلاثين ألف نسمة، وهي من المدن المنكوبة».
وبالرغم من كل هذه الأمور، فإن فترة الضعف القصيرة هذه لم تستطع منع تبريز من السير في نموها التكاملي، أو تثنيها عن دورها الأساسي.
وبينما لم تكن إيران قد بلغت مرحلة متقدمة في التجارة، فقد كانت تبريز في الحقيقة مركزاً مهماً لصادرات البلاد ووارداتها، وهي أهم منفذ للتجارة الخارجية للبلاد، ومن جانب آخر كان استقرار ولي العهد فيها حافزاً قوياً لاستتباب الأمن الذي يعتبر من مقومات توسع التجارة وازدهارها. ويكتب أوجن فلاندن السائح الفرنسي المعروف ـ الذي قدم إلى بلاط الملك محمد عام 1840 ـ 1841م برفقة هيئة سياسية ـ عن تبريز ما يلي: «… وبغض النظر عن أهمية تبريز الناشئة عن استقرار الحكومة فيها، فهي من أكبر مدن إيران وأهمها من حيث اللحاظ التجاري فهي أفضل بتجارتها من جميع نقاط إيران الأخرى، حيث تمتلىء بالقوافل التجارية، وتجلب إليها المنتوجات الآسيوية والأوروبية ثم يُصدر بعضها منها…»)[75]).
ومن البديهي، أن تسعى جميع البلدان الأوروبية لاحتواء السوق التجارية في إيران، ولكن ظلت في ذلك الوقت روسيا وبريطانيا مسيطرتين على الأسواق الرئيسية لاستيرادات إيران، ومن الطبيعي أن تبقى النشاطات والمحاولات على أوجها من قبل الدول الأخرى «… يوجد في هذه المدينة عدة غرف تجارية لبيع البضائع الإنجليزية، وتتمتع بمنتهى الرواج لأنها تباع بأسعار أرخص من أسعار البضائع الإيرانية المشابهة. وكذلك تباع بعض الأمتعة الروسية كالآنية، والمواد الأولية مثل النحاس والجلود… ويفضل الإيرانيون بعض البضائع الفرنسية على ما سواها، ولكن من المؤسف أن ليس ثمة ممثل لهذه البلاد في إيران…»)[76]). وعلى هذا الأساس فإن تبريز آنذاك كانت في طريقها إلى الازدهار بحيث أصبحت من أهم المراكز الجارية في آسيا في أوائل عهد المشروطة.
وربما كان بإمكانا القول إن فترة حكومة الميرزا تقي خان أمير كبير (أمير نظام))[77]) هي من أفضل الفترات في تاريخ تبريز، إذ كان هذا الرجل بحق من أكبر النوابغ السياسيين في تلك الفترة من تاريخ البلاد، وكان يشغل في تبريز منصب الحاكم الفعلي في آذربيجان في زمن ولاية عهد ناصر الدين ميرزا وحكومته في تبريز. وبالإضافة إلى قدرته السياسية وحسن تدبيره التي وفرت لآذربيجان واحدة من أفضل الفترات في تاريخها، فقد باشر بأعمال البناء العامة، ومنها جسر وسدّ نهر آجي جاي وتعمير المساجد والأبنية القديمة، وتعبيد الطرق والشوارع وإحداث المدارس والتكايا، ويمكن اعتبار القسم الأكبر من ازدهار تبريز وتطورها عائد إلى همة وساعي هذا الرجل ونظامه الحديدي. وكانت تبريز آنذاك مدينة كبيرة وعامرة بشوارعها الواسعة وتجارتها المزدهرة، وشعبها المرفه، ومحلاتها الواسعة وبيوتها الكبيرة الجميلة.
ومن الأحداث المهمة في تبريز، خلال أواسط فترة القاجاريين وزمن صدارة أمير كبير، هو إعدام الميرزا علي محمد الشيرازي المعروف بالباب وكان ذلك في عام 1266هـ (9/1/1850م) بالقرب من قلعة تبريز رمياً بالرصاص بعد موافقة ناصر الدين شاه وتحبيذ أمير كبير، وقد أعدم وله من العمر ثلاثون سنة.
مجيد وهرام
تبريز وثورة المشروطة)[78])
فيما يلي ترجمة لتقرير النقيب آنجي نيور الفرنسي، الذي أرسل من قبل اللجنة الآسيوية في فرسا لمراقبة الثورة في إيران عن كثب، وشاهد هذا الضابط الفرنسي بنفسه أحداث آذربيجان وسجلها يوماً بعد آخر ولمدة عشرين يوماً أي من 14 سبتمبر إلى 6 أكتوبر عام 1908م، وأعد تقريره في 19 أكتوبر، وأضاف إليه ما حصل عليه من معلومات مرتبطة بالموضوع من القنصلية الفرنسية في تبريز. وأظهر آراءه بخصوص ما شاهده من خلال ملاحظته لطبيعة أنصار المشروطة ووضع أنصار الاستبداد وكذلك دراسته لآراء الدول المتدخلة بالأمر.
وقد حاولنا رعاية النص والدقة في الترجمة لكون التقرير قد كتب بعد مشاهدة عينية ومتابعة قريبة.
ويحتفظ بهذا التقرير ـ الذي أرسله سفير فرنسا في إيران إلى وزارة الخارجية الفرنسية ـ في أرشيف هذه الوزارة، وتوجد صورة له في مستودع المستندات في لجنة التاريخ العسكري التابعة لأركان الحرب، من النقيب المدفعي آنجي نيور Anginieur الرقم 104 ـ رت إلى السيد ريموند لوكنت الوزير المفوض لدولة فرنسا في إيران طهران/ 19 أكتوبر 1908 (22 رمضان 1326هـ).
معالي الوزير المفوض: يسرني أن أبعث هذا التقرير الذي يتعلق بأحداث تبريز، والتي شاهدت بعضها شخصياً.
تعتبر تبريز ومنذ فترة من الزمن المركز الأصلي لتمركز أفكار التحرريين في إيران. ولغة أغلب أهلها هي التركية، ومذهبهم التشيع وهم في غاية الصلابة والتشدد فيما يخص اعتقاداتهم ودينهم، ويمتاز سكان هذه الأرض بقوة أبدانهم وهم في ذلك أقوى من أهالي سائر الولايات الملكية الإيرانية الأخرى. وينبغي التركيز على بعض الأمور التي كان لها الدور الكبير في إيجاد هذه الانتفاضة السياسية:
1 ـ وجود النفرة تجاه الملك (مظفر الدين شاه) لدى جميع أهالي آذربيجان، والتي خلقتها كثرة الضرائب والمطالبة بالخراج وكذلك الرشوة، وبدأت في نفوسهم منذ كان الملك ولياً للعهد في هذه المنطقة.
2 ـ مجاورة القفقاز التي تعيش وضعاً غير طبيعي في الوقت الراهن. وكان الناس يراقبون حوادث طهران في شهر حزيران)[79]).
وحين علمت «لجنة الولاية»)[80]) في 14 حزيران (13 ج1 ـ 1326هـ) بالأخطار التي تهدد مجلس الشورى الوطني، باشرت بتسجيل أسماء الجنود المتطوعين، وكان هؤلاء الجنود هم النواة الأصلية للقوات المطالبة بالمشروطة، ومن بين هؤلاء المتطوعين كان ثمة شخصان هما ستار خان وباقر خان اللذين امتازا على رفاقهما بلياقتهم وجدارتهم وحسن تدبيرهم، وكان هذان الشخصان يشتغلان ضمن المجموعة العسكرية التي شكلتها لجنة الولاية، وهما أول شخصين يبادران إلى الثورة ضد الاستبداد، ومن ثم فقد جمعا مائة وثلاثين رجلاً تحت إمرتهما واتجها صوب طهران، ولكن لم يمض على تحركهما أكثر من يومين حتى أدركا أن لا جدوى من عملهما هذا فعادا برجالهما من حيث أتيا.
وينبغي ذكر أمر مهم حول هذين الشخصين، إذ سيقومان ـ عاجلاً ـ بدور مهم في ثورة التحرر هذه.
يبلغ ستار خان من العمر 35 عاماً، وهو من أهالي قرجة داغ)[81])، ويتصف بالذكاء والقوة، وقلة معلوماته واطلاعه، ويتمتع بقوة بدنية لا تكل، وهذه الأمور جميعاً جعلته يتميز على سائر أبناء مدينته، وعمله هو شراء الخيل وبيعها، وكان يساعد حاكم تبريز في تعقب قطاع الطرق الذين لم يستطع القبض عليهم، ونجح في عمله هذا، ثم أخذ على عاتقه مهمة تعقب قطاع الطرق. ويعرف نفسه على أنه يمتاز بصحة أعماله وطهارة جانبه وليس له مثيل في إيران. وحينما كان يجمع جنوده لأجل الدفاع عن الحرية، يخطب بهم بعبارة غير مألوفة في إيران حيث يقول:
«إذا كان هدفكم من التطوع هو الغارة والنهب، فعودوا الآن من حيث أتيتم، إذ لا حاجة لي إلاّ لمن يدافع عن الحرية» ولأجل أن يطمئن أكثر، طلب إليهم أن يقسموا بالقرآن ألا يغيروا على أحد أو ينهبوا أحداً، وفي الحقيقة فإن ستار خان قد بلغ مأربه، إذ لم يشتغل جنوده بأعمال السلب أو النهب، وليس ثمة خلاف بينهم، وأثبت ستار خان باتخاذه هذا السبيل منهاجاً في عمله بأنه يمتلك جميع خصائص القائد.
وأمّا باقر خان فهو رجل ذكي، هادىء، بارد الأعصاب وحازم، ويعتقد أتباعه بأن له وقاراً خاصاً، وعمله الأصلي هو البناء وليس له حظ من التعلم.
وفي أواسط حزيران، كان الحديث عن الفدائيين (أنصار المشروطة) يتردد في أغلب أنحاء تبريز، عدا محلة دوجى التي تناصر الملك، وظلت بعض المحلات وهي سرخاب وشيشكلان مترددة لبعض الوقت في اتخاذ موقف محدد ثم انضمت إلى صفوف الفدائيين، وهكذا هو الحال بالنسبة إلى محلة قره ملك.
وأمّا أنصار الملك فهم عبارة عن:
1 ـ السيد مير هاشم الذي كان سابقاً من الأنصار المتصلبين للمشروطة، ولكنه غير رأيه بعد عودته من طهران، ومن الطبيعي أن يكون تغيّر رأيه هذا ناتج عن التطميع.
2 ـ مجتهد المدينة الكبير الميرزا حسن آقا.
وعلى الرغم من معارضة مجتهدي كربلاء والنجف لإقدامات الملك وإعلانهم الجهاد عليه، فإن الحاج الميرزا حسن آقا المجتهد ومعه بعض رجال الدين في تبريز لا يزالون معارضين لأنصار المشروطة. ويقف إلى جانب أنصار المشروطة عدد من رجال الدين في تبريز وقد شاهدت بنفسي اثنين منهم ضمن مجموعة مكونة من عشرين فدائياً.
وفي 19 حزيران (18 ج1 ـ 1326هـ) حاول زعماء الفدائيين قتل مير هاشم وفي 21 حزيران ألقوا قنبلة على منزل الحاج ميرزا حسن آقا المجتهد. ورداً على ذلك أرسل مير هاشم أنصاره إلى إدارة البرق (التلگراف) حيث كان أنصار المشروطة يعقدون اجتماعهم، فأطلقوا النار على أحدهم وهو يلقي خطاباً فجرحوه.
وفي 22 حزيران (21 ج1 ـ 1326هـ) أصدر مخبر السلطنة حاكم تبريز ـ وهو من أنصار الفدائيين ـ أمراً بحل الجمعية الإسلامية التي أنشأها الميرزا حسن آقا، وهددت جمعية الولاية أنصار الجمعية الإسلامية بالاغتيال، وأثناء الليل نفخت الأبواق، وأعلنت الحرب من جديد.
وفي 23 حزيران عطلت الأسواق، وانطلقت العبارات النارية، فحاول مخبر السلطنة حاكم تبريز أن يوفق بين الطرفين، فطلب إلى الفدائيين أن يحلوا الجمعيات الصغيرة التابعة لهم، وطالب بحل الجمعية الإسلامية، فاستجاب الفدائيون وحلوا الجمعيات الصغيرة ولكن أنصار الملك أبوا أن يحلوا الجمعية الإسلامية.
وفي غضون ذلك وصل نبأ مفاده أن المجلس في طهران قد تعرض للقصف، فأثار الفدائيين هذا الخبر، وهاجموا الروس.
وأرسل الملك بعض الوحدات العسكرية المستقرة في مرند وقرجه داغ إلى تبريز بقيادة شجاع نظام وضرغام وفرامرز خان، واستقرت هذه القوات في محلة دوجي.
طلب الحاج ميرزا حسن آقا المجتهد من حاكم المدينة، عزل اجلال الملك رئيس الشرطة واقترح تعيين شجاع السلطنة بدلاً عنه فأبى حاكم المدينة ذلك، حتى حلت الشرطة إثر بعض الحوادث. ثم أبرق مير هاشم إلى طهران للمطالبة بعزل مخبر السلطنة الذي كان موضعاً لسوء ظن أنصار الشاه، وأصدر الملك أمراً بإرسال بصير السلطنة، رئيس الجمعية وكذلك عدد من زعماء أنصار المشروطة إلى طهران، فلجأ هؤلاء إلى القنصلية الروسية، وقبلت هذه لجوءهم.
وكان الفدائيون بقيادة ستار خان، يستعدون، أثناء ذلك بكل جدّ ويتهيؤون ويتجهزون، وكذلك كان جنود الدولة في ازدياد مستمر، وباشر هؤلاء بوضع الحواجز على جميع الطرقات المؤدية إلى المدينة وفي أطراف محلة دوجي، وأقاموا المواضع القتالية، بينما ظلت القلعة (البرج والحصن) على حالها، وحينما احتل المقاتلون القلعة المذكورة، وقعت في أيديهم مقادير كبيرة من بنادق بردان Berdan ومارتيني Martini وورندل Werndl ومعها مقادير كبيرة أيضاً من الذخيرة والبارود و12 مدفعاً)[82]).
وأصبح ستار خان قائداً دون منازع، وجعل أركان حربه في محلة (أمير خيزي) مجاورة للاستحكامات الدفاعية وخلف خطوط النار، ومن هناك أمن اتصاله مع جميع المراكز الخاضعة لقيادته، بواسطة التلفون.
واستقر باقر خان في محلة خيابان، وحصلت في هذه المحلة حادثة لطيفة من الضروري ذكرها.
وفي 28 حزيران (27 ج1 ـ 1326هـ) دخل بيوك خان تبريز قبل أبيه رحيم خان، ثم دخل فرسانه محلة (باغ ميشه) ونهبوها، وكان هذا العمل مدعاة لذهول وحيرة أنصار المشروطة، ومن ثم حاول القنصل الروسي أن ينتهز الفرصة ويباشر بنشاطاته، للتوفيق بين الطرفين، فطلب من الفدائيين تسليم أسحلتهم بشرط أن يضمن لهم الأمان من جانب الحكومة الإيرانية. ولكن ستار خان رفض هذه الفكرة بينما وافق عليها باقر خان، ورفع العلمين الروسيين اللذين أعطتهما إياه القنصلية الروسية كعلامة على الطاعة وسلمت القنصلية مدفعاً لبيوك خان.
وفي 30 حزيران (29 ج1 ـ 1326هـ) دخل أنصار الملك سوق المدينة ونهبوا ما فيه، فاستولى الخوف على أنصار المشروطة، واستدعى مخبر السلطنة للحضور إلى طهران، فاعتصم بالقنصلية الفرنسية، فأخذت له (M.Teîllet) من القنصل الروسي عهداً بحمايته فخرج مخبر السلطنة من القنصلية، وبعد أن أحكم أنصار الملك قبضتهم على جميع أنحاء المدينة، لم يجرؤ الفدائيون على الاستمرار بالمقاومة.
وبدا الوضع سيئاً، فبادر الأجانب إلى رفع أعلام بلدانهم لئلا ينالهم الأذى من أنصار الملك، وحينما شاهد الإيرانيون الأعلام الأجنبية ترفرف في جنبات المدينة، أصيبوا بالذعر، فرفعوا الرايات البيضاء على عتبات منازلهم.
وبسرعة أخذت الرايات البيضاء ترفرف في جميع أنحاء المدينة وأخذ الفرسان المناصرين للملك يهاجمون كل ناحية، ويبدو أن استسلام مدينة تبريز قد بات حقيقة واقعة، ولم يختلف عن هذا الوضع إلاَّ محلة أمير خيزي، التي لا تزال تقاوم، ولا يزال أيضاً ستار خان مستمراً في مقاومته، وقد قتل فدائيوه عن آخرهم سوى 14 منهم، ورغم خطورة الوضع فقد خرج على فرسه برفقة أصحابه الأربعة عشر وأخذوا يطوفون أرجاء المدينة، ويهتف ستارخان: «ما هذه الأعلام البيضاء؟ هل تريدون الاستسلام؟ أنزلوها»!.
وكانت الرايات البيض تتوارى عن ناظره واحدة بعد أخرى، وأضفى روحاً جديدة على المقاتلين، فأخذوا الأسلحة، ثم أمر ستار خان أحد الضباط باحتلال قسم من القلعة التي لم تكن خاضعة لأنصار الملك.
حصلت هذه الحوادث في أوائل تموز ثم تبعها هدوء مؤقت. وفي 13 تموز دخل رحيم خان)[83]) تبريز في طريقه إلى قرجه داغ فاستقر في بادىء الأمر في محلة صاحب ديوان ثم في باغشي مال وأرسل مدفعاً لقصف أمير خيزي.
وبدأت الحرب بضراوة في 14 تموز/ 14 ج2 ـ 1326هـ واستمرت أربعة أيام متوالية، وكان رحيم خان يُهزم في كل هجماته، فيشجع الفدائيين بهزائمه هذه، بحيث عاد باقرخان واستولى على محلة خيابان مرة أخرى وازداد عدد المحاربين التابعين له.
وفي 17 تموز (17 ج2 ـ 1326هـ) أعلن أحد رجال الدين الجهاد في مسجد (بيگلربيكي) الذي اعتاد أنصار المشروطة الاجتماع فيه. وإثر ذلك، تحرك مائة شخص صوب محلة باغشي مال، وهزموا رحيم خان بهتافات (اللَّه أكبر)، واستولوا على غنائم كبيرة، و14 مدفعاً، وهرب رحيم خان نحو الشرق ثم لجأ إلى محلة دوجي.
ونشبت في ما بين يوم 20 و24 تموز عدة معارك أخرى، بالقرب من محلة دوجي، وكانت كلها تنتهي بهزيمة أنصار الملك، ثم عاد الهدوء إلى المدينة في الأيام التالية.
وفي غضون ذلك بلغ الفدائيين خبر تحول الحكومة العثمانية إلى نظام المشروطة، فأثر فيهم ذلك تأثيراً بالغاً، ورَفع من معنوياتهم كثيراً، بحيث أخذ هؤلاء يزيدون من طلباتهم وشروطهم ولم يكتفوا بمنحهم الأمان أو إقرار المشروطة، بل طالبوا أيضاً بتشكيل مجلس الشورى الوطني قبل أن يضعوا أسلحتهم جانباً)[84]).
وفي 8 و9 آب (9 و10 رجب ـ 1326هـ) دارت بين الطرفين معركة ضارية، وكان التفوق فيها إلى جانب أنصار الملك في بادىء لأمر، بحيث حاصروا مقر ستارخان، ولم يبقَ إلاَّ لحظات حتى ينهوا أمره.
وفي 18 آب (19 رجب ـ 1326هـ) دخل تبريز الأمير عين الدولة حاكماً على ولاية آذربيجان واستقر في محلة صاحب الديوان. وكانت قواته في حدود ثلاثة آلاف رجل)[85]) (من الجنود والبختياريين) وعلى رأس هذه القوات ناصر السلطنة. وبعد أن استقروا في محلة صاحب الديوان، باشر الأمير عين الدولة بمساعيه من أجل التوفيق بين الطرفين آخذاً بنظر الاعتبار آراءهما. ولم تدخل قواته في أي هجوم حتى 25 سبتمبر (28 شعبان 1326هـ)، وحاول ستار خان من خلال الاحتفاظ بموقعه ومعسكره إظهار شخصه بمظهر لائق، لا كرجل غوغائي، ولذلك فإنه لم يبادر بالهجوم بل اكتفى بالاحتفاظ بقواته في حالة دفاع.
وحينما شاهدت معسكر قوات الملك بنفسي أدركت أن مائة رجل قادرون على إحداث هلع شديد وبلبلة في صفوف هذه القوات.
وعمد الملك فيما بعد إلى إرسال جيش جديد من الأكراد والفرسان المقاتلين في نواحي ماكو، وكان هؤلاء في قروان، ثم ظهروا بالقرب من تبريز في 3 سبتمبر (6 شعبان 1326) ولكن الفدائيين أرغموهم على الانسحاب.
وفي 4 سبتمبر اقترح القنصل الإنكليزي (اشيفنس جراند) إقامة محادثات السلام مع الفدائيين، وتطوع أحد أنصار المشروطة بتمثيل، أصحابه في المحادثات مع عين الدولة من أجل إنهاء الحرب، ووافق القنصل الروسي بدوره على الاشتراك في المحادثات ولكن كالعادة كان هذا القنصل يحاول حلّ الأمور لوحده، بحيث كان يتصرف وكأنه ممثل لجميع الدول الأوروبية، وكان يناصر الملك في جميع الأحوال، ويغلب طابع الاستبداد في الرأي عليه، وبالتالي لم تجن روسيا من ذلك إلاَّ النفرة التي أحدثتها في نفوس أنصار المشروطة.
وفي سبتمبر (12 شعبان 1326هـ) هاجم تبريز 1500 جندي من ماكو مزودين بخمسة مدافع وعلى رأسهم القائد الماكوثي، ولكنهم اضطروا إلى الانسحاب في 10 سبتمبر بعد أن خلفوا وراءهم مائة قتيل، وعدا عن الجنود الأكراد المستقرين خارج قره ملك، فإن هذه القوات جميعها أوغلت في التراجع حتى بلغت مرند أي ما يقارب 70 كلم عن تبريز دون أن يتعقبهم أحد من الفدائيين، ولست أدري إلى أين كانوا سيصلون لو تعقبتهم قوات الفدائيين!
وقد شاهدت بنفسي الوضع البائس لهؤلاء الجنود طول مدة إقامتي في مرند التي استغرقت ثلاثة عشر يوماً، وقد شعرت بالرقة والعطف تجاههم. إذ كان هؤلاء الجنود بقدومهم إلى تبريز يطمحون لنيل الغنائم الحربية بعد أن وعدوا بها، ولكنهم أحبطوا وشعروا باليأس بعد أن فشلوا فيما عزموا عليه، ولذلك فهم الآن في حالة تمرد مستمر، وليسوا مستعدين أن يخطوا خطوة خلافاً لرغبتهم، وبالرغم من قطع آذان أربعة من أصحابهم إلاَّ أنهم لم يرعووا ولم يكفوا عن الوضع الذي هم فيه، وأخيراً أخذ الكثير منهم بالتشرذم، ويعيش هؤلاء في حوالي سلماس وخوى ويشتغلون بالسلب والنهب، ورجع ما يقارب 300 إلى 400 شخص منهم إلى قره ملك.
وفي 14 سبتمبر (17 شعبان 1326هـ) دخلت تبريز ووقفت على الآثار التي خلفها الأكراد وراءهم، فقد خربت قرى سبلان وتعرضت للنهب والسلب وقتل فيها ستون رجلاً أعزل وأسر تسعون آخرون، لا يعرف أحد مصيرهم، وجرح عشرة أشخاص بجروح بليغة وليس ثمة طبيب أو ممرض يعتني بهم، وقد أعطيتهم ما بحوزتي من أدوية، وتعرضت خمس قُرى أخرى لنفس هذا المصير.
وفي الليالي يستمر إطلاق النار في أطراف محلة دوجي، ويتقطع في النهار، وأحياناً يسمع صوت إطلاق مدفع إذ كان الفدائيون يطلقون النار على محلة دوجي من أعلى القلعة، ويستهدفون الجمعية الإسلامية على وجه الخصوص.
وفي 21 سبتمبر (24 شعبان 1326هـ) عزم الأمير عين الدولة على إنهاء الأمر بنفسه، وأعلن آخر شروطه وهي كما يلي:
1 ـ على المشاغبين أن يتخلوا عن أسلحتهم.
2 ـ وعد الملك باستئناف جلسات المجلس، وإذا استمرت المقاومة فلن يجد ممثلو آذربيجان إلى المجلس سبيلاً.
وقد أصدر الأمير إعلانه هذا متزامناً مع إعطاء هدنة لمدة 48 ساعة، ولكن جمعية الولاية رفضت اقتراح الأمير، وأصرّ الفدائيون على انعقاد جلسات المجلس أولاً ثم التخلي عن أسلحتهم فيما بعده، وكذلك كانت نشاطات الجنرال (القنصل الروسي)، إذ لم تثمر جهوده في الوصول إلى حلّ للأزمة.
وفي 24 سبتمبر (27 شعبان 1326هـ) اندلعت الحرب مرة أخرى، ودخلت مجموعات صاحب الديوان هذه المعركة لأول مرة، وقد انقسمت إلى قسمين، الأول تحرك باتجاه محلة مارالان والثاني باتجاه دوجي، واستمر تبادل إطلاق النار ليومين دون الخروج بنتيجة، ثم خف إطلاق النار في 26 سبتمبر (29 شعبان 1326) ولكنه عاد على شدته ليلاً. واستولى جنود الملك على جسر نهر آجر جاي، ولكنهم لم يوفقوا فيما أرادوا لأن النهر يسمح بعبور المشاة من كل ناحية.
واستمر تبادل النيران في الأيام التالية بصورة متقطعة ويشتد أثناء الليل، وأصدر المنتفضون بياناً باللغتين الفارسية والفرنسية إلى شعوب العالم المتحضرة، وإلى الإنسانية، وكذلك إلى المقاتلين من أجل الحرية والحقيقة.
وفي 28 سبتمبر (1 رمضان 1326هـ) بادر القنصل الروسي إلى طرح مقترحات جديدة)[86])، من أجل إنهاء الفدائيين للأزمة، ولكن ستارخان رفض هذه المقترحات، وطلب إلى القنصل أن يبلغ الأمير بعدم رغبة الفدائيين في طلب الصلح، وعدم مبادرتهم بالحرب ما لم يعتد عليهم ولن يقوموا بعمل إلاَّ الدفاع عن أنفسهم، فإذا لم يطلق جنود الملك النار فلن يطلق النار هو، ولكنهم إذا فعلوا فسيجيبهم بالمثل.
وفي الثاني من أكتوبر تعرض مخفر للروس بالقرب من مرند إلى الاعتداء، وانتزع السلاح من اثنين من القوزاق الروس.
وفي الثالث من أكتوبر، أُعلِن بأن القائد العسكري قد استقال من منصبه ولست أدري ماذا حدث بينه وبين عين الدولة.
وفي هذه الأيام أعلن الأمير بأنه سيسيطر على تبريز بالقوة، وأنه عازم على إرغام الفدائيين على الاستسلام من خلال إيجاد أزمة غذائية في مدينتهم، ومنذ ذلك الحين أخذت الأسعار ترتفع باستمرار حتى بلغ أكثر من الضعف، وأصبح الخبز أقل توفراً من سائر الحاجيات الأخرى، وليس بمقدور الأمير فرض حصار شامل على المدينة، لذلك أقام معسكرات للجيش في القُرى المجاورة لها وأمرهم بمنع وصول المؤن إلى المحاصرين.
وفي 6 أكتوبر عُلم باستدعاء الأمير، ونظراً لقرب إنهاء الأمة فقد عزمت على مغادرة تبريز، وتحركت باتجاه جلفا في يوم 7 أكتوبر لأصل طهران عن طريق باكو ـ رشت، وقد اطلعت على بقية الأخبار في طهران، إذ بلغني تحرك الأمير عين الدولة، وهزيمة جيشه، وتشتت الجنود الذين لم يكونوا يرون أي أهمية لأنفسهم، وكذلك هروب رحيم خان وشجاع نظام، وإخلاء محلة دوجي وقره ملك، ويتحدث الجميع عن الانتصار الكامل لستارخان، وأذكر فيما يلي بعض المواضيع لأختم بها التقرير:
من يحكم تبريز؟ جمعية الولاية أم ستارخان؟
ليس هذا الموضوع واضحاً كثيراً، ولكن من الواضح أن الجمعية وستارخان يعملان بتوافق تام، وواضح أيضاً أن الأوامر تصدر عن لجنة سرية وستارخان أحد أعضائها.
وليس ثمة وجود لدوائر الدولة، إذ تشتّت المؤسسات، ولم يبقَ منها إلاَّ دائرة البريد التي حافظت على موقعها ولا تزال تؤدي خدماتها بصورة جيدة، ويتألم الناس كثيراً من هذه الأوضاع وخصوصاً التجار الذين يعانون من شلل الأسواق منذ ثلاثة أشهر. والعديد من الناس مصممون على الاستمرار بالصمود ما أمكنهم ذلك، ويتمتع ستارخان بسمعة طيبة في أوساط الناس، وقد زادت من حسن سمعته وشعبيته أحداث الأيام الأخيرة.
ومما يجدر ذكره أن قوات ستارخان تبلغ 4000 مسلح وقد أخبرني ستارخان بأنه يستطيع جمع 10 آلاف مقاتل إذا لزم ذلك، واستطاعت جمعية الولاية تأمين النفقات من خلال فرض ضرائب معيّنة على التجار، وأرغم الجميع على دفع ما حدّد لهم. وبعث الإيرانيون المقيمون في القسطنيطينية المرتبطين بلجنة الشباب الأتراك حوالة باسم تاجر أوروبي قدرها 15000 فرنك، وبالتالي فإن الجنود يستلمون رواتبهم في الأوقات المحددة، وكل منهم يستلم قرانين (فرنك واحد) عن كل يوم.
وليس للجنود، مواقع خاصة كمعسكرات، بل يسكنون في بيوتهم ومن النواقص الأخرى لهؤلاء الجنود، عدم وجود الضباط والمراتب في أوساطهم، وقد شاهدت عن كثب بعض المعسكرات التي تفتقد إلى القائد، ويخدم في قوات ستارخان بعض القفقازيين والكرجيين تحت عنوان الضباط (إذا أمكن تسميتهم بهذا الاسم) وقد رأيت أحدهم مشغولاً في الخدمة في أركان حرب ستارخان.
وفي بداية شهر سبتمبر (شهر شعبان) شاهدت بنفسي دخول 60 شخصاً من القره باغيين)[87])، ويُقال بأن 300 شخص آخرين في طريقهم إلى المدينة، ويصعب إطلاق كلمة العسكريين عليهم ولكنهم لا يقلون شأناً عن أولئك الذين يسمون بالجيش في النقاط الأخرى من إيران)[88])، خصوصاً أنه ليس هناك قائد كستارخان في جميع إيران جدير بقيادتهم.
ويمكن أن أتوقع بما يقارب اليقين، وصول الفدائيين إلى أهدافهم ولكني لم أكن أتوقع أن يهزم جيش الملك بهذه السرعة، إذ كنا نتصور بأن قدوم الشتاء كفيل بإخراج الأفراد المستقرين في (صاحب ديوان) ـ الذين أشرفوا على التلاشي ـ من ملاجئهم، ومن الطبيعي أن تكون هزيمتهم سبباً في تفرقة واندحار المدافعين في (دوجي) و(قراملك) وعلى أي حال فإن تبريز في الوقت الراهن تعيش وضعاً يمكن لألف مقاتل فيه أن يحتلوها بهجوم مفاجىء، ويساهم فصل الشتاء في زيادة صعوبة الاستيلاء على تبريز، وإذن فكيف يمكن حل مشكلة هذه المدينة؟
باغ اِل گلي، تبريز
وفي اعتقادي فإن هناك ثلاثة طرق لحل هذه الأزمة:
1 ـ حلها عن طريق خطوة سياسية كبيرة بواسطة روسية، ولكن هذه الوساطة تسبب في زيادة سوء الظن لدى أنصار المشروطة لكون روسيا تناصر الملك، وبالتالي فلربما كان ذلك حافزاً لإثارة الفدائيين، ولا ترغب روسيا بإثارة مشاكل جديدة في إيران لأنها منشغلة في الوقت الراهن بالنزاع المسلح في القفقاز.
2 ـ تخلي الملك عن تبريز وبعض أجزاء آذربيجان، ولا يحظى هذا الاحتمال بكثير من الاهتمام والواقعية.
3 ـ اقتداء الملك الإيراني بالسلطان العثماني في غض النظر عن الفدائيين، وفي اعتقادي أن الأزمة إذا حلّت بهذا النمط فستكون عملية أكثر، ويحتفظ الملك بمقامه ومنزلته.
ولكن الجمعية لا تثق ـ يقيناً ـ بكل وعود الملك، لأن الفدائيين يتصورون أن الملك لن يلتزم بعهوده حينما يتخلون عن أسلحتهم، وسينتقم منهم شر انتقام، وإضافة إلى ذلك فقد أخبرني ستارخان بلهجة تبدي مدى تصميمه وعزته قائلاً:
«ما نريده هو نهاية نظام الظلم والاستبداد، أي إيجاد قوانين الحرية والمشروطية، التي هي الطريق الوحيد لإنقاذ الوطن، ونحن عازمون على أن نبذل أرواحنا في سبيل ذلك. وأنا أملك 4000 مقاتل مسلح وإذا شئت جعلتهم عشرة آلاف مقاتل فباستطاعتي المقاومة 10 سنوات، فاللَّه معنا. إنهم يقولون بأنا غوغائيون! كلا، لسنا بغوغائيين ولا ننوي الإساءة للملك، فإذا وافق رغباتنا وإلاَّ فسنعلن النظام الجمهوري».
وقد جرت هذه المحادثات في مقر قيادة ستارخان، وكنت أسمع صوت عيارات نارية أثناءها.
وحين ذهبت إلى مكان الجمعية، قالوا لي على هامش إحدى الجلسات: «إن السبب الرئيسي في ظهور هذ الثورة هو الضغط الذي مورس بحقنا، فلسنا معارضين للملك، ولكنه يجب أن يهتم برغباتنا ويتعامل معها بإيجابية، ومن جانب آخر فإن هذه الأعمال لا تصدر عن فكر الملك، فهورجل مغفل، ففكرة إيجاد مجلسين على أن يقوم الملك شخصياً بتعيين أفراد أحدهما، ليست صادرة عنه)[89])، إنما هي تلقينات الأوروبيين، وأنت تعلم قدرة الأوروبيين ولا نرغب نحن بتدخل الأجانب في أمورنا الداخلية، ولذلك فنحن نرفض وساطة القنصل الروسي في محادثاتنا مع الملك».
سراي در عباس في تبريز
والحدّ الأدنى لرغبات الفدائيين هو تشكيل مجلس شبيه بالمجلس المنحل. ولكن هل يوجد بين الفدائيين، ثوار يحملون أفكاراً تخريبية؟.
يمكننا القطع بعدم وجود حتى شخص مخرب واحد بين الفدائيين، ودليلنا في ذلك هو ما شاهدته في تبريز، إذ شاهدت تشييع جنازة لشخص من أهالي گرجستان قتل صدفة، وكان ثمة علم أحمر يتبع هذه الجنازة وقد كتب عليه باللغتين الأرمنية والفرنسية «تعيش الديموقراطية الاشتراكية العالمية»، وهذا العلم هو من صنع الأرمن أو الگرجستانيين المتطرفين التابعين للجنة الثورية في القفقاز ولا يعرف التبريزيون شيئاً عن هذه الأمور، لأن أكثر الإيرانيين لا يفقهون المعاني التي تستتر وراء هذه الكلمات، ولكن ذلك يدعو للقلق، لأنه ربما تؤثر هذه الأفكار أو هؤلاء الأشخاص (الأرمن والگرجيون) على الإيرانيين، وتجذبهم نحو الأفكار المخربة، والنقطة الرئيسة التي يعتمد عليها في ذلك هي نفرة الإيرانيين من روسيا.
وقد تسبب دور الجنرال لياخوف في قصف المجلس في إحداث هذه النفرة، وركّزها أكثر دور القنصل الروسي في تبريز. وكانت روسيا قبل ذلك موضعاً لنفرة وبغض الأتراك العثمانيين، وستصبح الآن عرضة لاشمئزاز الإيرانيين من خلال دورها في هذه البلاد، وهكذا فهؤلاء يجنون حصيلة أعمالهم ولكن الأمر المهم هو كون روسيا تضع الدول الأوروبية الأخرى في موضع الإتهام والنفرة معها، حيث تمتنع فرنسا وبريطانيا)[90]) عن التدخل في الشؤون الداخلية لإيران بموجب الاتفاقيات والعلاقات التي تقضي بذلك، ولذلك فإن روسيا تؤدي دورها وكأنها ممثلة للدول الأوروبية، ويعتقد الإيرانيون أن الدول الأوروبية تتفق مع دولة روسيا بخطواتها ومخططاتها، وهكذا أخذ هذا الاعتقاد يحول ثورتهم التي كانت في الأصل ثورة سياسية واجتماعية إلى نفور وابتعاد عن الأجانب، وهذا ما لم نكن نتوقعه في الأشهر القليلة الماضية، ولم يكن أحد يتصور ذلك.
ويعتقد الفدائيون بأنهم يحضون برضا عموم الإيرانيين ودعمهم المعنوي، ويزعمون بأن الشعب الإيراني يتمنى لهم النصر والظفر، ويعتبر هذا الادعاء صادقاً بالنسبة إلى تبريز وأرومية، ولم أرَ في هاتين المنطقتين أناسً لا يرغبون في انتصار الفدائيين وتحقيقهم لأهدافهم، وحتى في أرومية التي لم تبدر عنها أي مقاومة للحكومة يمكننا أن نشاهد بكل وضوح الرغبة بانتصار الفدائيين. وكثيراً ما اسأل نفسي، لماذا لا يدخل أكثر أهل تبريز في النضال رغم أن هذه الأكثرية لا تؤيد الحكومة؟
وقد شاهدنا الرفض القاطع للفدائيين ـ في السابق ـ لأي تدخل أجنبي في المحادثات الثنائية مع الحكومة المركزية. ولكن لا أعتقد أنهم في غنى عن هذه الوساطات، لأنه بدون ذلك لا يمكن أن تصل هذه المحادثات إلى نتيجة، بل ستختتم بالحرب حتماً.
ويشكّ الثوار بروسيا، وكذلك فهم لا يعتمدون على بريطانيا ولا يثقون بها لوجود سيطرتها ونفوذها في جنوب إيران، والدولة الحيدة التي لم تفقد الثقة بها في نفوس الثوار هي فرنسا، وهي تتمتع بإحاطة الناس بها ومعرفتهم عنها أكثر من سائر الدول الأخرى، وذلك بسبب اللغة الفرنسية. ويعتقد هؤلاء أن لفرنسا موقعاً خاصاً، ودوراً مهماً يمكن أن تؤديه، لكونها الدولة الوحيدة التي ليس لها أطماع في إيران، ولا تخلو هذه النقطة من أهمية.
وأضيف هنا بأن خسائر الطرفين طوال هذه الفترة كانت محدودة جدًا، بحيث كانت خسائر الفدائيين بعد 23 حزيران لا تتجاوز 60 قتيلاً ومثلهم جرحى. ولم يكن ثمة مستشفى للعلاج، لذلك كان الجرحى يعالجون في بيوتهم، وذهب بعضهم إلى المستوصفات الأمريكية أو للنساء الفرنسيات وعولجوا هناك مجاناً.
وقد تكبدت القوات المناصرة للملك خسائر أكبر من خسائر الفدائيين وليس لدى اطلاع دقيق عن حجم هذه الخسائر، ولكن مما يمكن الجزم به هو أن أكثر الخسائر قد تكبدتها القوات الماكوئية، إذ فقدت أعداداً كبيرة في يومي 9 و10 سبتمبر ويُقال إن خسائرهم بلغت 300 شخص، ومع ذلك يبقى عدد الضحايا قليلاً جداً إذا ما قورن بالذخيرة التي صرفت آنذاك)[91]).
تبريز
مدينة الشعر أو مقبرة الشعراء
عندما أصبحت مدينة تبريز في القرن السادس الهجري مركزاً لحكومة الأتابكيين في آذربيجان، كانت محطّ أنظار الشعراء باعتبارها مكاناً حسناً لصفاء البال والحياة الهانئة تحت ظل حماية الأتابك.
فقصدها أبو العلا والفلكي من شروان وگنجة، وظهير الفاريابي وشاهفور النيسابوري وأنوري الأبيوردي ـ على رواية ـ من خُراسان، وحطوا رحالهم في تبريز. وعندما ودعوا الدنيا دفنوا في مكان خاص يعرف بمقبرة الشعراء ـ طبقً لما يذكره التاريخ ـ.
شعراء آخرون من العهد الإيلخاني والعهد الإيلكاني وفترة دولة آق قويونلو كانوا في تبريز، أو قصدوها من مناطق إيران الأخرى، وتوفوا فيها، وغالباً ما كانوا يدفنون في مقبرة الشعراء هذه إلى جوار الخاقاني وغيره من الشعراء المدفونين في هذه المقبرة.
وقد كانت مقبرة الشعراء، حتى أواخر القرن العاشر الهجري معروفة وعامرة في مدينة تبريز.
وفي الآثار التاريخية المرتبطة بالقرن الحادي عشر الهجري، مثل؛ مزارات تبريز، وتذكرة الملا حشري هناك تصريح بأن مقبرة الشعراء إلى ما قبل هجوم العثمانيين وتسلطهم، كانت تعرف بـ(رومي)، وكانت إلى أواخر القرن العاشر الهجري ما تزال قائمة وعامرة ومعروفة، وفي سنوات الاحتلال التركي كانت خربة ومهدمة. وغير ذلك، لا يعلم الباعث وراء عدم إقدام أحد على تعميرها وتجديدها، مما يؤدي بالنتيجة إلى أن تذهب حتى هذه الآثار الخربة من الوجود، وتنسى من ذاكرة التاريخ.
إن هناك أماكن تاريخية أخرى مماثلة لهذه المقبرة من حيث إهمال التعمير وعدم الاهتمام بها، ففي أصفهان التي كانت مركزاً للحكم (دار السلطنة) لسلالتين كبيرتين: السلجوقية والصفوية توجد مقابر لعشرات الشعراء والعلماء والحكماء والفنانين والوزراء والأمراء والوجهاء فلا يعرف اليوم غير مرقد صائب، ومقبرة المجلسيين، ومزار مير، وتكية والة.
أما قبور ومراقد جمال الدين عبدالرزاق، ورفيع الدين لنباني، وشفروگان، وكمال الدين إسماعيل، فإن آثارها غير معروفة.
وكذلك مقابر ملوك الهخامنشيين، فقد كانت معروفة في أيام السلطان فتح علي شاه.
ولولا أن حافظ وسعدي كانا شاعرين، ومن العارفين والحكماء والأولياء وأصحاب الكشف والكرامة لما بقي قبراهما. فالناس في شيراز يقصدونهما في أيام مخصوصة من كل أسبوع للزيارة. إن الشيرازيين يهتمون أكثر من غيرهم في المحافظة على تراث مدينتهم وآثارها وتقاليدها، فقد ضربت الزلازل مدينة شيراز عدة مرات، مثلما ضربت المدن الإيرانية الأخرى، مثل: الري، وتبريز، ولكن اهتمام وعناية أهالي شيراز بالحفاظ على تراث شيراز استطاع أن يمنع انقراض هذه الآثار التاريخية المهمة.
في مسجد عمرو بن ليث في شيراز توجد بقعة في وسطه تعرف ببيت اللَّه (خداخانه) هي إلى اليوم محافظة على صورتها، وقد جرى تعميرها مؤخراً، إلى الحدّ الذي كانوا فيه دقيقين حتى في إكمال الحروف المكتوبة عليها، فلا يكاد أحد أن يفرّق بين الحروف القديمة والجديدة من شدة الاعتناء ودقة الفن.
ربما يكون هنالك إعتناء بقبور الأولياء والعارفين الذين عاشوا وتوفوا في إيران، كقبور شاه نعمة اللَّه ولي في ماهان بكرمان، والعطار في نيسابور، وبابا طاهر في أصفهان، وبابا كوهي والشيخ الكبير في شيراز، وبابا أفضل في فين بكاشان، وپير مرتضى على وپير جمالي في كردستان، وپير عبدالوهاب في نائين، وطاووس العرفاء في ضاحية الشاه عبدالعظيم الحسني (الري) إحدى ضواحي طهران، ومجذوب علي في تبريز، وزاوية إبراهيم خواص دري (التي تعرف عند العامة ببرج طغرل)، والملا سلطان علي في بيدخت. ولكنه للأسف لم يحظَ الشعراء بهذه العناية والتعمير رغم الحوادث الكثيرة التي أصابت آثارهم.
إن ما ذكرناه من الأمثلة وددنا أن نشير من خلاله إلى أهمية الاعتناء بمقبرة الشعراء في تبريز، فإن كانت قد بقيت إلى اليوم معروفة، فمن يدري أنها لن تكون كنظائرها اللاتي محيت آثارها.
محيط الطباطبائي
الحروفية في تبريز
مرّ شيء عن الحروفية وفتنهم في تبريز. ونضيف هنا معلومات أخرى عن هذه الفرقة مكتوبة بقلم: ناصر الدين شاه حسيني.
مؤسِّس هذه الفرقة في بلاد فارس وتركيا هو فضل اللَّه الأسترابادي وكان والده من أعيان وأفاضل تبريز. درس فضل اللَّه أكثر المذاهب الإسلامية وغيرها. درس سير الأنبياء ومذاهبهم وطالع لسنوات طوال آراء الصوفية والفلاسفة والإسماعيلية والإمامية ونظريات حاج بكتاش (مؤسس فرقة البكتاشية) فكوّن لنفسه عقيدة مأخوذة من مجموع هذه المذاهب والنحل وبما أنه كان يعتقد أن الحروف ممسوخات الإنسان فقد اشتهر مذهبه بالحروفية، وبما أنه كان مشهوراً عند الناس بأنه من رجال الدين الأفاضل فإنه حينما أعلن دعوته سكت الناس عنه فترة احتراماً لسابقته وفضله ولكنهم حينما رأوا إصراره على مبادئه ومذهبه نبذوه واتهموه بالجنون والخبل تارة وبالكفر والزندقة أخرى واشتد الأمر بحيث اضطر أن يترك وطنه ويهاجر إلى بيت اللَّه الحرام ثم إلى مدينة أستراباد وسكن فيها وكان عمره حينذاك 47 عاماً فعقد للناس مجالس للوعظ والإرشاد فاجتمع حوله جماعة من الناس واعتقدوا فيه، وخوفاً من الغوغاء اتخذ لنفسه قلعة من القلاع ولجأ إليها وذلك تأسياً بالإسماعيلية النزارية في قلاعهم. وكان حاكم إيران في تلك الفترة ميرانشاه ابن الأمير تيمور وكان ظالماً جباراً، وبسبب ظلمه وطغيانه توجه الناس إلى فضل اللَّه ودانوا بمذهبه فأثار توجه الناس إلى فضل اللَّه غيظ تيمور واشتد غضبه حينما بعث فضل اللَّه بكتاب إلى حاكم سمرقند يدعوه إلى مذهبه، فكتب تيمور إلى ولده ميرانشاه يأمره بقتل فضل اللَّه ولكن الولد كان عاجزاً عن تنفيذ أمر والده لحب الناس لفضل اللَّه. ويستفاد من الرسائل والنصوص الباقية من فضل اللَّه أنه كان يطلب من أعوانه أن يراعوا شرائط الزمان والمكان وكان يريد أن يسيطر على العالم بأي ثمن وقد استوجبت فكرته هذه جرائم بشعة ارتكبها في حق الناس. وكان ميرانشاه يعلم مدى جرائم هذه الفرقة وزعيمها وما يرتكبونه في سبيل أهدافهم وكان يحاول بطريقة ما أن يقضي عليهم فصادق فضل اللَّه وأبدى إعجابه بأفكاره وآرائه وفيما اشتدت أواصر الصداقة بينهما قتله في غفلة من أعوانه وذلك عام896هـ وكان عمر فضل اللَّه آنذاك 56 سنة، ووقع الاغتيال في مدينة شيروان، وحينما أحس بما دبر له كتب رسالة إلى أحد أعوانه وأخبره بمقتله وشبّه نفسه بالحسين (عليه السلام) وشبّه شيروان بكربلا، وبعد أن قطع ميرانشاه رأسه أمر بأن تسحب جثته في شوارع المدينة، ثم أمر تيمور بحرق رأسه وجثته. وبعد مقتل فضل اللَّه قام أنصاره وأتباعه بنشر آرائه ومذهبه وقد ارتكبوا المجازر وقتلوا الأبرياء في سبيل نشر الدعوة. وخلف فضل اللَّه في قيادة الفرقة وإمامة المذهب (علي الأعلى) حيث التحق بتكية البكتاشية في الأناضول بتركيا وترهب وترك الحياة وصار في الدراويش وألّف كتابه هناك واسمه (جاويدان كبير) باللغتين العربية والفارسية واللهجة الأسترابادية والكتاب عبارة عن مجموعة من المنامات التي كان فضل اللَّه يقول بأنه رآها في حياته وأقدم هذه المنامات ما رآها عام 765هـ. وقد قام الحروفية بنشر مذهبهم في بلاد فارس والعراق والأناضول وانتشرت آراؤهم بين الصوفية والدراويش خاصة وكانوا يودعون أسرارهم عند أتباعهم ويطلبون منهم الكتمان فمن أفشى أسرارهم كان يقتل. وأكثر أبحاث كتاب (جاويدان كبير) عن الحروف وأسرارها ومنافيها ومعانيها.
وقد قامت الحروفية بمثل ما قامت بها الإسماعيلية النزارية بسلسلة من الاغتيالات السياسية ومن أشهر من حاولوا اغتياله وفشلوا، شاهرخ بن تيمور حيث حاول ذلك أحد فدائييهم المسمّى (أحمدلرّ) يوم 22 رجب عام 829هـ وذلك حينما كان شاه رخ يهمّ بالخروج من المسجد الجامع بهرات، لكنه فشل فقتله الحراس، وبعد هذه الحادثة قام الملك التيموري بملاحقة الحروفية واستئصالهم ونتيجة للملاحقات والمضايقات التي تعرضوا لها هرب أكثرهم إلى الأناضول واحتموا في تكايا البكتاشية.
كان فضل اللَّه يرى نفسه في بداية الأمر نائباً للإمام المنتظر لكن بعد ذلك ادّعى النبوة والرسالة وكان يقوم بتطبيق بعض الآيات القرآنية على نفسه. وكان لا يعتقد بالجنة والنار أو الثواب والعقاب وأمر أتباعه بالابتعاد عن المسلمين وعدم الزواج منهم أو مؤاكلتهم.
وكان يرى جواز قتل المسلمين أطفالاً ونساء لأنهم جميعهم مشركون حسب زعمه. ويُعتقد أن مذهب الحروفية فيه من آراء الصوفية والنفطوية وأتباع (حسين بن منصور) الذي كان فضل اللَّه يكنّ له احتراماً خاصاً ويردد آراءه.
وكان يرى أن العبد لو اتصل بالرب فإنه لا حاجة بعد ذلك للصلاة والصوم والحج وغيرها من العبادات، وكان يحلل جميع المحرمات ويرى أن ما يفعله العبد حسن.
وكان فضل اللَّه يكتم أسرار مذهبه ويطلب من أعوانه كتمان ذلك ونقل ميرزا صفا قنبر علي شاه المازندراني (المتوفى عام 1291هـ) والذي كان مصاحباً لهم مدة طويلة أن الحروفية ينكرون جميع أحكام الشريعة الإسلامية والمذهب الشيعي.
وبعد أن هرب الحروفية من إيران استقروا في الأناضول (تركيا) ونشروا مذهبهم لكن اشتد عليهم الأمر هناك أيضاً حيث كفرهم المسلمون وقتلوا أنصارهم وأعدموا قادتهم وأحرقوا تكاياهم واستمر ذلك حتى عام 1240هـ أيام السلطان محمود العثماني ـ ولم تبقَ لهم بقية اليوم إلاَّ شرذمة قليلة.
وعن الحر وفيه كتب الدكتور صادق كيا ما تعريبه:
في مقدمة كتاب «اللغة الگرگانية أو الجرجانية» الذي طُبع سنة 1951م في سلسلة منشورات جامعة طهران تطرقتُ إلى تعريف فضل الأسترابادي (المتخلص بالنعيمي ومؤسس الحروفية) ومؤلفاته. كان الكتاب تحت الطبع وكان قد تمّ طبع نصفه حين لاحظت في بعض المؤلفات وخاصة مؤلفات الحروفية بعض المعلومات الجديدة عن الحروفية وكشفت بعض المجهولات التي لم أكن قد كشفتها في مقدمة الكتاب. فأضفت هذه المعلومات في ملحق الكتاب.
وكنت قد تحدثت في المقدمة والملحق مضطراً عن بعض الحروفيين وبعض المؤلفات الحروفية. وبعد أن انتهى طبع كتاب (اللغة الجرجانية) حصلت على ديوان أشعار النعيمي والنسيمي وعلى بعض الكتب التي كانت فيها إشارات ومعلومات عن فضل اللَّه وأتباعه. طالعتها وسجّلت بعض المعلومات منها وفيما يلي تلك المعلومات:
مزارات تبريزي:
يوجد مخطوط من هذا الكتاب في مجموعة تحت رقم 1297 في مكتبة كلية التاريخ واللغات بجامعة أنقرة وهذه المجموعة هي من كتب إسماعيل صايب سنجر. توج، صورة من هذا المخطوط في المكتبة الوطنية بطهران تحت رقم 131. مخطوطة «مزارات تبريز» هي في 63 صفحة وفي كل صفحة يوجد 27 سطراً وتبدأ المخطوطة بهذه العبارة «مزارات الأولياء المدفونين داخل مدينة تبريز رحمهم اللَّه تعالى» وتنتهي بهذه العبارة «انتهت مزارات أولياء كجيل قدس اللَّه تعالى أسرارهم». ولا يوجد في هذه المخطوطة اسم الكتاب واسم مؤلفه وتاريخ تأليفه. و«مزارات تبريز» اسمٌ وضعتُه على هذه المخطوطة. والظنّ أن الكتاب قد تمّ تأليفه في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري. يقول حشري التبريزي في «روضة الأطهار» في الصفحة الثانية، كذا: كتبوا تذكرة منفصلة للأولياء الذين دُفنوا في شيراز اسمها هزار مزار (الألف مزار). وكان المدعو الدرويش حسين قد كتب تذكرة قبل هذا عن الأولياء المقبورين في تبريز أسماها مزارات القبور وتاريخ تأليفه حسب جدول حساب الجمل هو نفس «مزارات قبور = 957) وقبل الانتهاء من تأليفه سُرق في غارةٍ ولم يبادر بعد ذلك أحدٌ إلى الكتابة في هذا الموضوع.
رغم أن «مزارات تبريز» كان ناقصاً و«مزارات القبور» الذي كتبه الحشري ناقص أيضاً وإن مزارات القبور تمَّ تأليفه سنة 957 والمعلومات الموجودة في «مزارات تبريز» تتحدث عما بعد سنة 957، ولا أعتقد أن هذه المخطوطة التي أسميناها «مزارات تبريز» هي نفسها «مزارات القبور» إلاَّ إذا كان هناك سهوٌ في كتابه الحشري أو أن سنة 957 هي سنة بدء كتابة «مزارات القبور». قال لي السيد سلطان القرائي (وهو من تجار مدينة تبريز العلماء) شاهدت نسخة مخطوطة من «مزارات القبور» في تبريز وهو كتاب كبير، يختلف عن كتاب >>مزارات تبريز<< وفيما يلي ننقل ما جاء ذكره في الصفحة 3 من مزارات تبريز تحت عنوان «مزار پيرترابي» وهي قطعة صغيرة ومكثفة ولكن فيها معلومات صحيحة ثمينة عن الحروفية. عن مقتل ابنه فضل واسمها (كلمة اللَّه هي العليا؟) مع خمسمائة من الحروفية في عهد الملك جهانشاه قراقوينلو في مدينة تبريز. جاء ذكر ذلك أيضاً في كتاب «علماء آذربايجان». وفيما يلي تفصيل هذه المذبحة نقلاً عن مزارات تبريز:
«مزار پيرترابي رحمه اللَّه في محلة نوبر بمدينة تبريز التي تقع في سوق نوبر نحو الميدان. في الجانب الأيمن مقبرة أو مزار لمن يُقال إنه كان قصاباً (لحّاماً) وذات يوم طرأت عليه حالة نفسية فأخذ بالبكاء بشدة من خشية إلهية، ما على أثرها. إن ابنة مولانا فضل اللَّه النعيمي الحروفي التي قُتلت في عهد الملك جهانشاه مع عدد كبير من الحروفية مدفونة في هذا المزار.
هذه الحكاية انتشرت في عهد جهانشاه وهي أن الحروفية وهم أتباع فضل اللَّه الحروفي النعيمي الأسترابادي وكان شيخ السيد النسيمي الشاعر البيضاوي الذي قتله الميرزا ميرانشاه بن تيمورلنك في يوم الخميس السادس من شهر ذي القعدة سنة ست وتسعين وسبعمائة وقبره في الكاي النجق في نخجوان في قرية خانقاه حيث قبر حضرة الشيخ أبو النصر النجفي (النجقي؟) قدس سره وكبير هذا القوم مولانا يوسف وكانت ابنة فضل اللَّه رئيسة هذه الجماعة وكانت هذه الطبقة معروفة بالإباحة والتنزدق تجتمع كثيراً بالملك وأن الكثير من الأهالي كانوا قد التحقوا بهذه الجماعة وأخيراً ثار علماء الدين وأفتوا قائلين يجب شرعاً سفك دماء هؤلاء القوم وإذا خالف الملك ذلك فإن قتل الملك فرض وواجب. غير أن مولانا نجم الدين الأسكوني وهو من خيرة علماء الدين رفض الافتاء بقتل أفراد هذه الجماعة وكان الملك يعتقد بفتوى هذا العالم. ويُقال إن رجلاً عاكفاً يعيش آنذاك في جبل سرخاب لم تطأ قدماه المدينة وفي هذه الأحوال توجّه العاكف إلى المدينة متحمساً وذهب إلى بيت مولانا نجم الدين وقال له معاتباً إياه: أنني رأيت ليلة أمس في المنام رسول اللَّه(ص) وقال لي: اذهب إلى نجم الدين وقل له: أن يفتي بقتل هذه الجماعة لأن هؤلاء مخرّبون للدين. لما سمع مولانا هذا الكلام بكى كثيراً وأمر بالقتل. يُقال إنهم قتلوا وأحرقوا ما يقارب الخمسمائة رجل ويعتقد أهل الحقيقة أن فضل اللَّه النعيمي لم يكن مخطئاً ولا مذنباً وكان شديد التنسك والزهد ولا يأكل رغيف أحد وكان يقضي أوقاته في خياطة (الطاقيات) وأن الكثيرين من أتباعه لم يعرفوا غايته وانساقوا نحو الزندقة والإلحاد. نعوذ باللَّه تعالى».
روضة الأطهار تأليف حشري التبريزي:
روضة الأطهار كتاب مثل «مزارات تبريز» عن قبر الرجال الذين دفنوا في تبريز وضواحيها. تمّ تأليف هذا الكتاب سنة 1011 هجرية وتمّ طبعه في تبريز سنة 1303 هجرية: فيما يلي مقتبسات من الصفحة 72 من هذا الكتاب: «يقع مزار پيراترابي في نوبر جنب الشارع ولما يصل الناس إلى مكان هذا المزار يطلبون العون من روح هذا الجليل وكان قصاباً (لحاماً) وذات مرة طرأ عليه حالة نفسية من الحالات الإلهية وبكى كثيراً من خشية اللَّه حتى مات. يقول البعض إن ابنة المير فضل اللَّه النعيمي كانت زوجته وكانت وليّة زمانها وكانت تنظم الشعر جيداً أجود من أبيها ولها أشعار كثيرة. وهي مدفونة أيضاً إلى جانب زوجها الجليل وببركة همته أصبحت هي أيضاً صاحبة كرامة واللَّه أعلم».
مجمع التهاني ومحضر الأماني:
مجمع التهاني ومحضر الأماني كرّاس صغير عن واقعة طعن شاهرخ ابن تيمورلنگ سنة 830 هجرية بواسطة المدعو (أحمد لر) ومذبحة جماعة من الحروفية بعد هذا الحادث. وقد كتبه الشاعر «محمد الطوسي» لبايسنقر. وتوجد مخطوطة من هذا الكرّاس في مجموعة تحت رقم 477 وقياس 10,3 × 18,2 سنتيمتر في مكتبة ملك الوطنية في طهران. وهذه المجموعة تحتوي على ثلاث كراسات وأن مجمع التهاني هو الكرّاس الثالث من هذه المجموعة ويبدو أن خطها وورقها أقدم من الكراسين الآخرين وهذا الكراس يحتوي على 31 ورقة وفي كل صفحة 11 سطر ويبدأ هكذا: الحمد للَّه الذي أعزّ عبادة المخلصين بصنوف سيوف الظفر والنصرة الناصرة».
إن محمد الطوسي أطنب في الكلام وحسب اعتقاده أنه تفنن في ذلك ضمن تنقيحه للأشعار والأمثال والعبارات والجُمل. إن كتابته أضعاف كتابات الآخرين حول هذا الموضوع وهذا الحادث ولكنه لا يعطي معلومات قيمة عن الحروفية كما لا يعطي معلومات عن حقد بايسنقر وعدائه لمولانا معروف الخطاط وجرّ مولانا نحو المشنقة ثلاث مرات وأخيراً سجنه في بئر قلعة اختيار الدين ويكتفي بالقول إنه بعد مقتل أحمد لر قدّم بعض رجال البلاط تقارير تقول: إن أحمد لر كان يجتمع ويلتقي بمولانا معروف ولهذا السبب فقد اعتقلوه وبعد إجراء التحقيقات معه ورغم أن ذنبه كان معلوماً سافراً إلاّ أن الملك عفا عنه. كما لا يوجد في هذا الكرّاس كلام أو حديث عن طرد قاسم الأنوار من العاصمة (هراة) وكيفية التعرّف على بيت أحمد لر. ولا شكّ أن هذا الصمت وتغيير وتبديل فحوى التحقيق لم يكن إلاّ من أجل تطييب خاطر بايسنقر والتملق له وفيما يلي جانب من هذا الكراس.
«لما كان اهتمام صاحب العزة والجلالة هو من أجل هداية الأمة وإرشادها والقضاء على قافلة مذهب الإلحاد والكفر فإن جماعة من الكفرة الطغاة الذين تشير إليهم الآية الكريمة: {إن الذين يلحدون في آياتنا} وتؤكد على أحوالهم الرذيلة وأعمالهم الذميمة… وإن قوماً من الفجرة الباغية الذين تنطبق على أحوال ضمائرهم المنبوذة ومخترعات خواطرهم الملومة: يقدم يوم القيامة فأوردهم النار وأن مدلول الآية: {إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} صفحة حقيقية من أعمالهم وإنهم أكابر جنود الفتنة الذين جعلوا من تفسير الآيات القرآنية: {يحرفون الكلم عن مواضعه} مهنةً محرمة لأعمالهم ويحسبون أنهم على شيء في مكان يفخر به {إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} وفي مكان وزاوية {وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم} يضحك عليهم ويخسر منهم فقد اتفقوا واتقوا أنه ولما يعزم صاحب الجلالة خلد اللَّه قوايم سرير خلافته التوجّه نحو الجامع ليتمتع من ثواب الجمعة حج المساكين وعيد المؤمنين… يقدمون برذيلتهم الشيطانية. وخلاصة الكلام أنه لما نزل الموكب الملكي إلى دار العبدة في الجامع وبعد آداء العبادات الواجبة وإتمام مستحبات الطاعة عزم جلالته على العودة إلى طريق السعادة… فإن مرفوضاً موصوفاً بصفة {يحاربون الله ورسوله} ومطروداً كا معروفاً كـ{أولئك لا خلاق لهم}.. أراد أن يوقع جرحاً على ذات جلالته التي هي أنور من أزهار الحدائق وأزهر من أنوار الشقائق.. فأوقع جرحاً طفيفاً على جسم جلالته التي هي ألطف من درة العدن ولكن نقباء حرس بلاط جلالته جرعوا روحه اللعينة التي كان عطاؤها زقوم الجحيم وقطعوا رأسه بخنجر مسموم وعلقوه على سطح أيوان بوابة دار السلطنة عبرة للنظّار ودفنوا جثمانه الحسود في أرض الذلة والهوان، وبمقتضى {ويسارعون في الخيرات} أوصلوا ذلك الملعون المطعون من درجة الحياة إلى درك الممات.. هذا وبمقتضى القول «من طلب شيئاً وجدّ وجد» فإن بعض من كانت نواياهم صادقة وبواطنهم صافية كالزلال عرضوا على جلالته قولهم إنه واللَّه على ما نقول وكيل أن معروف الخطاط كان يجتمع في السراء والضراء مع ذلك اللعين الحقيقي. فبدؤوا بالتجسس والتدقيق والتفحص والتحقيق لمعرفة حقيقة أمر معروف الخطاط، فأحضروه ولكن معروف المطرود اكتفى بالقول سبحانك هذا بهتان عظيم وكان يؤكد كلامه هذا بالقسم واليمين الكذب. ولما شاهد معروف الكافر أن أبواب الرحمة مسدودة وأساس السياسة والعقوبة منشورة، أقر واعترف بسوء فعلته وعمله قائلاً: {هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} هذا من عمل الشيطان أنه عدو مضل مبين… هذا وأفتى عليه علماء الدين بمضمون فاقتلوهم حيث وجدتموهم. ولما رأى صاحب الجلالة ذلك.. استبعد غلق أبواب التوبة بوجه العصاة والبغاة فصدر الأمر الملكي المطاع بالعفو على عظائم جرائم معروف الكافر… ولكن لما كان معروف قد قال خلال اعترافاته أن مصدر هذه الحكاية هو المدعو.. عضد.. حيث أن ذلك الفاسق الفاجر كان ملعوناً ومطعوناً من قبل الحاضرين والغائبين وأن هذا الكافر وجماعة أخرى كانوا على مذهب ورغبة وإخلاص مولانا فضل اللَّه الأسترآبادي وتقول بحقهم الآية الكريمة: {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون} {لآكلون من شجر من زقوم} وأيضاً يكتمون ما آتاهم اللَّه من فضله تدل على أقوالهم وحكاياتهم غير المحمودة.. كانوا يقضون أيامهم ولياليهم على التواتر والتوالي في عزلة {في سموم وحميم} {وظل من يحموم} في مناقشة الكفر والإلحاد ومجبولين في زاوية {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة}، في حديث الزندقة والجهل وأحضروا أولئك الشياطين الملاعين والكفرة الفجرة في طرفة العين في مجلس التحقيق والتدقيق حيث سألوهم عن هذا الموضوع غير أن جواب أولئك الفسقة الزنادقة كان {وما كنت متخذ المضلين عضداً}. وكان الأمر قد قضى على أولئك الكفار الأشرار بمصدوق الآية: {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}.. وكانت الصرخة سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص قد خرجت من ضمائرهم المنحوسة.. وبمصدوق اللهم أشغل الظالمين بالظالمين فإن شجرة اتفاق ووحدة أولئك الملاعين قد أعطت ثمار النفاق وكان نتيجة ذلك أن وقع الشقاق بينهم وخلاصة الكلام أنهم عادوا من السلب إلى الإيجاب ومن النفي إلى الإثبات.. واعترف أن ذلك الشقي الحقيقي الذي بدرت منه تلك الجسارة الشنيعة كان هو المدعو أحمد لر الذي كان قد بلغ في الإلحاد إلى ما كان قد بلغه الكفار بعد أن سمعوا تلك البشرى، {ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} وكان في الغالب يرافق الأمير منوچهر بن الأمير شيخ ولما توفي الأمير منوچهر، حَصَر خاطره الفاتر على طمس أساس الإسلام.. فغادر ولاية شروان إلى دار الملك في خراسان ظناً منه أن يتمكن بنميمته وسعايته أن يُذبل السلطة ويطمس شمس الخلافة.. فلا جَرَم فإن شجرة ضلاله أثمرت وكانت السبب في وبال ونكال عدد كبير وجمع غفير.. ولما كان جلالته أنار اللَّه برهانه يلقي في السجن أولئك الذين يتعدون النهج المستقيم للشريعة الغراء ويرتدون لباس الإضلال والإغواء.. وبما أن مولانا فضل اللَّه الأسترآبادي كان آنذاك بتكسير وتسخير الحروف يشجّع الصغير والكبير والوضيع والرفيع في كل مكان وجانب على العدول من سلوك طريق الأمة النبوية الزهراء، على واضعها السلام وصمّ آذانهم فأن جلالته أنار اللَّه برهانه رأى من أوجب الواجبات وأفرض المفروضات القضاء على القواعد الباذلة وإزالة المكائد المبطلة من أجل كسب فضيلة الثواب.. فأصدر جلالته أمراً بمصدوق {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} بقتلهم ولكن أولئك الفسقة الفجرة أرادوا بمصدوق {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} أن ينقذوا طائرهم بالمكر والحيلة ويخلصوا أنفسهم من العقوبة والجزاء أياماً معدودات قائلين {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا} ولكن معلم الرئاسة السلطانية ومشير الإلهام الربانية وبمصدوق «أن يقتلوا أو يصلبوا» {فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون}.. فإن الجلاّد بمضمون {تلك حدود الله} ألقى الأرواح الملوثة لأولئك الفسقة الزنادقة في أطراف دار الخلافة وفي وسط سوق دار السلطنة فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق وسلّ سيفاً {يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} على أشباح أولئك الكفرة والفجرة… وأن أهالي قبة الإسلام هرات أشعلوا النار في أجساد أولئك الطغاة البغاة المليئة بالحسد والعناد.. ولما منّ الوهاب المنان هذه الموهبة العظمى على جلالة الخاقان الأعلى.. فإن جلالته وضع وجهه على أرض الخشوع ساجداً للَّه بمصدوق الصدقة ترد البلاء وتزيد في العمر بلغت المواهب السلطانية إلى درجة أن زالت الحاجة والفقر بين الناس».
مقتبسات من رسالة الدرويش نور علي شاه أمجد العرفاء النيشابوري:
كان الدرويش نور علي شاه النيشابوري من الدراويش المتواضعين، توفي سنة 1920 ميلادية وأن و.إيفانوف كان قد التقى به سنة 1918 وأخذ منه نسخة كاملة مكن رسالته المخطوطة ونقل مقتبسات منها في كتابه «مجموعة رسائل وأشعار أهل الحق» (بومبي 1950). والأسطر أدناه مقتبسة من ذلك الكتاب:
«في شرح الأركان الأربعة والتكبيرات الأربعة [ترك الدنيا والاستغناء عن لذائذ الدنيا]. إن الدرويش صاحب الشريعة والهداية يجب أن يعلم. ولكل ركن سلطان، ولكل سلطان أربعة أتباع. الركن الأول هي المعرفة وهو السلطان قايى شاه خوشين وكان له أربعة مخلصين: الأول جنيد (هندوله). الثاني الشيخ، الثالث خدا داد، الرابع أحمد الركن. الثاني هي الشريعة وهي في أيدي المولى علي وله أربعة مخلصين الأول زين العابدين، الثاني الإمام جعفر الصادق، الثالث الإمام موسى، الرابع الإمام الرضا. الركن الثالث هي الطريقة (الأسلوب). وسلطانه الشاه فضل ويسمى قلندر وله أربعة مخلصين الأول تسمى، الثاني براك (ترك) الثالث منصور، الرابع زكريا. واسم المولى في الطريقة (الأسلوب) هو يحيى القلندر. الركن الرابع هي الحقيقة وسلطانها هو السلطان الحق وله أربعة مخلصين: الأول الشيخ بني أمين، والثاني داود، الثالث رزبار الرابع الشيخ موسى قلمزن، والأول والآخر هو مولى المتقين».
أمّا الشاه فضل الذي سُمي سلطان ركن الطريقة فهو نفسه فضل اللَّه نعيمي الأسترابادي مؤسس مذهب الحروفية. أمّا الباقون فقد سمّوه «الشاه» أمّا نسيمي وهو أول أتباع الشاه فضل فهو السيد عماد الدين النسيمي الشاعر الحروفي المعاصر لفضل.
ديوان النعيمي:
أرسل لي الدكتور هلموت ريتر أستاذ جامعة فرانكفورت (في ألمانيا) صورة لمخطوطة من هذا الديوان وأن المخطوطة نفسها هي ضمن مجموعة الكتب الفارسية الموجودة في مكتبة علي أميري (في أسطنبول) تحت رقم 989 وتشمل على مختلف أنواع أشعار الفضل. ولكن مثنوية عرش نامه لا توجد في هذا الديوان. هذه المخطوطة تتألف من أربعين صفحة وفي كل صفحة خمسة عشر بيتاً من الشعر وحُررت سنة 1209.
وفي نهاية هذه المخطوطة يوجد اسم الذي كتبها في هذه العبارة «الحقير الفقير المؤذن درويش عيسى ابن كمال الدين خواجه عن مدينة اركرى كسرى». أشعار الديوان جميعها باللغة الفارسية عدا الشعر الغنائي والغزل، فهو باللغة العربية في خمسة عشر بيتاً تبدأها بهذا البيت:
قد رأت عيناي في الدار السلام
قاصرات الطرف في جوف الخيام
ديوان نعيمي وديوان نسيمي:
طُبع في أسطنبول سنة 1286 مقتطفات من أشعار نسيمى باللغتين الفارسية والتركية تحت عنوان «نسيمي ديواني» في 186 صفحة.
يتضح مما سبق ذكره أن الشعراء الحروفيين لم يكتفوا في متابعة دين الفضل وأفكاره بل أنهم كانوا يتبعون أشعاره أيضاً.
مخطوطتان بالفارسية للحروفية:
في ختام الحديث تجدر الإشارة أن مكتبة ملك (في طهران) تحتوي على مخطوطتين باللغة الفارسية للحروفية لم يتمكن كاتب المقال أن يستفيد منها بسبب عدم وجود فهرست للمخطوطات في مكتبة ملك وهاتان المخطوطتان أحداهما «محبت نامة» للفضل تحت رقم 4597 والأخرى مخطوطة تحت رقم 4599 سقط بعض الأوراق من بدايتها ونهايتها ولذلك تعذرت معرفة اسم هذه المخطوطة ولكن في الصفحة 130 من هذه المخطوطة جاءت هذه العبارة: «في نهاية شهر رمضان وفي حريم ح ف (حضرة الفضل) تكرّم السبحان ج هـ (جلّ عزّه) في سنة سبع عشر وثمانمائة على هذا الفقير الحقير هو أن ح (حضرة) الواحد الأحد وفي هذا الشهر المبارك الذي أنزل فيه في ليلة القدر القرآن الكريم. وهذه هي نفس العبارة التي نقلها Ettore Rossi من مخطوطة تحت اسم «محشر نامه». ولهذا يُعتقد أن هذه المخطوطة الموجودة في مكتبة ملك، هي نسخة خطية من «محشر نامه». فمن هذه العبارة والعبارة التالية المذكورة في الصفحة 87 من هذه المخطوطة «في السادس من محرم الحرام سنة ثمان عشر وثمانمائة من كلمات ج ى ج هـ (جاودان نامه الإلهية جلّ عزّه) من كتابات الأخ الديني الدرويش حسين كيا المرحوم المغفور يتضح ويتبين..» ويبدو أن هذا الكتاب تم تحريره في النصف الأول من القرن التاسع (بعد سنة 818). إن كاتب ومؤلف الكتاب يشير في عدة أماكن إلى عبارة «حضرة المخدوم والمخدوم زاده» ويقول إنه عاش معه أعواماً كثيرة.. ويبدو أن هذا الحضرة المخدوم والمخدوم زاده [ابن المخدوم] هو أحد أبناء الفضل ولما كان يُشار إليه في بعض الأماكن ويُذكر بصفته «المرحوم المغفور المبرور السعيد الشهيد» إذاً فإن كتاب محشر نامه قد تمّ تحريره وكتابته بعد مقتله.
تبنين
ـ 1 ـ
على بقعة خلابة الرواء ارتفعت دعائم قلعة حصينة تهيمن على مدن الساحل الجنوبي غرباً وفلسطين جنوباً وبضعة قرى منثورة على جوانبها شرقاً.
ويبدو أن أول من وضع حجرها الأساسي هم الآراميون في منتصف القرن التاسع قبل الميلاد عندما بلغت مملكتهم أقصى اتساعها إذ أصبحت تمتد من اليرموك حتى الفرات شاملة سوريا الداخلية والشمالية والتي اتخذت لنفسها عاصمتين دمشق وحوبة (عنجر) فنمت بسرعة وتوسعت تجارتها وبدأت قوافلها تأخذ جميع الاتجاهات منطلقة من العاصمتين معاً. فاحتكرت التجارة الداخلية بينما احتكر منافسوها الكنعانيون التجارة البحرية. وكانت تجارتهم قبل كل شيء تشمل الأرجوان والمطرزات واللؤلؤ وجميعها أصناف اشتهرت بها صور الفينيقية.
وكانت القوافل التجارية بحاجة إلى حماية منظمة فارتأى ذوو الشأن بناء قلعة تؤمن لهم تجارتهم على أن تزود بحرس خاص منعاً للسلب والنهب في الأماكن الوعرة عند اتجاهها نحو وادي البقاع. وأغلب الظن أن حزائيل بن بنحدد هو الذي أمر ببناء هذا الصرح في مطلع عام 850ق.م. عندما وصل بفتوحاته إلى فلسطين بهدف الاستيلاء على طرق التجارة التي كانت تربط مصر بالجزيرة العربية وقد أطلق عليها اسم تبنين وتعني بالآرامية البناء المشيد. وقد عرفت أيضاً باسم طورون وطور.
وكان بناؤها ضرورياً لا سيّما عندما توسعت حدود مملكة آرام توسعاً كبيراً وأصبحت طرق القوافل بحاجة إلى حماية سريعة، لأنه من المعروف أن الآراميين شتهروا بأنهم من أبرع التجار وأحذقهم. وقد أثبتت الاكتشافات الأثرية الحديثة وجود موازين ومكاييل ورسوم تبرز بعض التجار يدونون الفواتير باللغة الآرامية اللغة التجارية المعتمدة يومذاك في البلاد السورية والهلال الخصيب.
تعرضت قلعة تبنين عام 690ق.م في عهد سنحريب الآشوري إلى الدمار بعد أن اعتصم بداخلها مجموعة من الفلسطينيين والفينيقيين والمرتزقة الذين عهد إليهم الدفاع عن المدن الداخلية فدخلها هذا القائد وهدم أجزاء منها وانتقل إلى صور حيث هدم قلعتها أيضاً.
وفي مطلع عام 582 ق.م حاصرها نبوخذ نصر الكلداني وملكها عندما كان يقترب من صور تمهيداً للاستيلاء عليها، وقد قاومته قلعة تبنين بضراوة ثم سقطت فانتقل بعدئذ هذا الفاتح على صور وحاصرها فترة طويلة من الزمن.
أعيد ترميم القلعة في العصر اليوناني الروماني ووضعت فيها حامية عسكرية لحماية القوافل المتجهة نحو المدن التجارية الرئيسية في تلك الحقبة من التاريخ. أهملت في العصر البيزنطي ولم يعد يسمع بها خلال فرة طويلة من الزمن ولم تستفق من سباتها العميق إلا على وقع حوافر خيول الصليبيين الذين غزوا هذه البلاد في مستهل عام 1099م.
استغل نصارى الغرب تفكك الدولة الإسلامية في الشرق فأرسلوا حملات عسكرية متتابعة لاحتلال الأماكن المقدسة. وقد استمرت حركة الغزو هذه مدة قرنين من الزمن. وسميت بالحروب الصليبية لأن جنودها كانوا يضعون شارة الصليب على صدورهم. وقد استطاع هؤلاء في مطلع عام 1098م احتلال أنطاكية والقدس عام 1099م وطرابلس 1109م وبيروت 1110م وصور 1124م.
ولكي يحافظوا على فتوحاتهم عمدوا إلى تشييد قلاع جديدة أو ترميم القديم منها. لذلك عمد حاكم طبريا ـ أحد كبار قادتهم ـ هوغ دي سانت أومير إلى ترميم قلعة تبنين التي كانت تشكل مع قلعتي الشقيف وصفد الثالوث العسكري المهيمن على صور وذلك في مطلع عام 1106م وزودها بالعتاد وجر المياه إليها وأقام في أسفلها تحصينات ضخمة مدعومة بقوة عسكرية هائلة. ونجد وصفاً لهذه التحصينات في رحلة بن جبير. وقد اضطر المسلمون لمهاجمتها أكثر من مرة نظراً لموقعها الاستراتيجي فشن عليها في السنة نفسها الأتابك ظهير الدين هجوماً واقتحمها على رأس قوة من التركمان وقتل حاميتها وعبث فيها مما أجبر حاكمها هوغ على الهرب مع كبار أتباعه من باب سري ملتجئاً إلى طبريا طالباً النجدة. وقد جاء في تاريخ دمشق لابن القلانسي ما يلي: «في سنة 500هـ/ 1106م تزايد فساد الأفرنج في أعمال السواد وحوران وجبل عوف وانتهت الأخبار بذلك وشكا أهلها إلى ظهير الدين الأتابك فجمع العسكر ونهض إلى حصن تبنين من عمل الأفرنج فهاجم ربضه. وقتل من كان فيه ونهب…».
بعد مدة وجيزة عاد الصليبيون إلى تبنين من جديد وأعادوا ترميم القلعة وتدعيمها وتزويدها بمختلف الآلات الحربية. فأرسل صلاح الدين ابن أخيه تقي الدين لإعادة احتلالها غير أنه عجز فاستنجد بعمه الذي ساعده على احتلالها بعد حصار عنيف دام سبعة أيام. وقد جاء عن ابن الأثير ما يلي:
قال العماد: أرسل صلاح الدين إلى تبنين ابن أخيه تقي الدين فضايقها وكتب إلى السلطان أن يأتيه بنفسه فوصل إليها في ثلاث مراحل ونزل عليها يوم الأحد الحادي عشر من جمادي الأولى فراسلوا (الأفرنج) السلطان وسألوا الأمان واستمهلوا خمسة أيام ولما دخلوا القلعة وأخلوا البقعة سير معهم العسكر وأوصلهم وتسلمها يوم الأحد الثالث من جمادى الأولى…».
غير أن موت صلاح الدين المفاجىء شدد من عزيمة الأفرنج فعادوا إلى محاصرة القلعة بقيادة الدوق دي برابانت وبالرغم من انعدام الثقة بينهم استمر الحصار شديداً وازداد الخطر على المحاصرين بعد تدخل الفرق الألمانية التي وصلت من مدينة «غوسلر». فأصيب المسلمون بالذعر غير أنهم لم يستسلموا إذ وصلت إلى مسامعهم أنباء الخلافات الحادة التي كانت تدور داخل القيادة الصليبية من جهة، ومن جهة ثانية فقد أبلغوا أن الملك العادل في طريقه إلى القلعة لفكّ الحصار عنها وإطلاق سراح المحاصرين في داخلها. وقد أفاد ابن الأثير في الكامل عن هذه الأحداث بقوله: «وأذن للعساكر الشرقية بالعود ظناً منه أن الأفرنج يقيمون ببلادهم. وأراد أن يعطي العساكر المصرية دستوراً بالعودة فأتاه الخبر منتصف المحرم أن الفرنج يريدون أن يحصروا حصن تبنين فسير العادل إليه عسكراً يحمونه ويمنعون عنه ورحل الفرنج من صور ونزلوا تبنين أول صفر سنة أربع وتسعين وخمسمائة وقاتلوا من به وجدوا في القتال ونقبوه من جهاته. فلما علم العادل بذلك أرسل إلى العزيز بمصر يطلب منه أن يحضر بنفسه ويقول له: إن حضرت وإلاّ فلا يمكن حفظ هذا الثغر. فسار العزيز مجداً فيمن بقي معه من العساكر. وأما من بحصن تبنين من المسلمين فإنهم لما رأوا النقوب قد خرجت تلك القلعة ولم يبق إلا أن يملكوها بالسيف نزل بعض مقدميها إلى الأفرنج بطلب الأمان على أنفسهم وأحوالهم ليسلموا القلعة. وكان المرجع إلى القسيس الخنصلير من أصحاب ملك الألمان فقال لهؤلاء المسلمين بعض الفرنج الذين من ساحل الشام: إن سلمتم الحصن استأسركم هذا وقتلكم فاحفظوا نفوسكم فعادوا كأنهم يراجعون من في القلعة ليسلموا. فلما صعدوا إليها أصروا على الامتناع وقاتلوا قتال من يحمي نفسه فحموها إلى أن وصل الملك العزيز إلى عسقلان في ربيع الأول فلما سمع الفرنج بوصوله واجتماع المسلمين وأن الفرنج ليس لهم ملك يجمعهم وأن أمرهم إلى امرأة هي الملكة…».
وهكذا انسحب الأفرنج من أمام القلعة الحصينة منهزمين ولم يبق منهم على قيد الحياة سوى طويل العمر إذ عمد الملك العزيز إلى قطع الطريق عليهم من جهة، بينما فاجأهم الملك العادل من جهة ثانية بهجوم مباغت فقتل منهم جمع غفير.
في مطلع عام 1198م وصلت من أوروبا حملة صليبية جديدة مدعومة بأسطول ضخم واتجهت في السابع والعشرين من أيار إلى دمياط وقد فوجىء الملك العادل بدخولها إلى النيل على حين غرة فأصيب بانهيار مفاجىء توفي على أثره وذلك في 31 آب من السنة نفسها. غير أن خلافاً مفاجئاً بين الصليبيين أخر تقدمهم فاستغل الفرصة الملك المعظم واتجه بقواته نحو قيسارية فاحتلها ثم اتجه إلى حصن بانياس فاحتله أيضاً ثم استدار نحو قلعة تبنين فوضع يده عليها وأمر بهدمها وإقفال الممرات السرية لمنع الصليبيين من العودة إليها واتخاذها مصيدة للفتك بالمسلمين وقد أشار إلى هذه الوقائع أبو شامة في كتابه الروضتين بقوله: وسار المعظم إلى بانياس وأرسل للصارم التبنيني وهو بتبنين في تسليم الحصون فأجابه فأخرب بانياس وسار إلى تبنين فأخربها وهدمها وكانت قفلاً للبلاد وملجأ للباد… وأظهر أنه ما أخرب بانياس وتبنين إلا خوفاً من استيلاء الفرنج عليها. وفي 19 آذار عام 1219م دخل المعظم القدس وضرب أسوارها وأسرع إلى مصر ليعزز موقف أخيه البكر الملك الكامل.
بعد موت المعظم في الأول من تشرين الثاني 1228م تدفقت النجدات الصليبية الآتية من صقلية إلى الساحل اللبناني فاستولى الصليبيون على قلعة تبنين ومعظم مدن الساحل بما فيها مدينة صور. فأصيب المسلمون بخيبة أمل مريرة. وقد عبر ابن الأثير عن ذلك بقوله: «كان الملك المعظم شهماً شجاعاً مقداماً. فلما توفي وولي بعده ابنه ملك دمشق طمع الأفرنج وظفروا بعكا وصور وبيروت وتبنين وهونين فعظمت شوكة الأفرنج وقوي طمعهم وساروا إلى عكا فارتاع المسلمون…».
وفي 18 شباط من عام 1229م جرى اتفاق حبي بين الكامل والامبراطور فردريك تم بموجبه إعطاء الأفرنج بيت لحم والناصرة ومملكة أورشليم (!!) وحصون تبنين وصفد. وبعد شهر واحد من توقيع هذه المعاهدة المنفردة تسلم الامبراطور المدن والقلاع المشار إليها في الاتفاق غير أن خلافاً وقع بين الصليبيين دفعه للاعتصام بحصن تبنين مدة من الزمن ثم انتقل إلى صور ومنها إلى فرنسا تاركاً الحكم بيد القائد بليان الصوري.
بعد انسحاب الامبراطور فريدريك من هذه الديار إلى بلاده يأساً من حالة الصليبيين المزرية طرح الصوت عالياً في أوروبا طالباً تجنيد حملات صليبية جديدة تساعدهم على الثبات أمام المسلمين. اهتمت أوروبا بالأمر وأرسلت الكونت ريشارد دي كورنواي شقيق ملك الإنكليز الذي حاول إصلاح ذات البين أولاً واحتلال بعض المواقع الاستراتيجية ثم تفاهم مع سلطان مصر ووقع معه معاهدة عدم اعتداء في 23 نيسان من عام 1241م أصبحت بموجبها بضعة حصون من بينها تبنين بيد الصليبيين ففضلوها على سواها وأعادوا بناءها وزودوها بالسلاح والعتاد وسلموها إلى الملك فيليب دي منفور الذي حاول إعادة جمع شمل الصليبيين.
وبعد أن أصبحت تبنين بيد القائد الجديد اتخذ منها مقراً لحكمه مستغلاً الخلافات العنيفة بين أبناء صلاح الدين.
وفي مطلع عام 1247م تنازل القائد الصليبي هنري دي شبير للكونت دي منفور عن صور فأصبح يملك تبنين وصور فقوي مركزه وأصبحت كلمته مسموعة فتدخل لإطلاق سراح ملك فرنسا لويس التاسع الذي تحطم جيشه في المنصورة وقيد بالسلاسل ورمي به في دهاليز مظلمة. غير أن محاولته لم تنجح بادىء الأمر إثر الانتصار العظيم الذي حققه المماليك على أعدائهم. غير أنه لم ييأس فعاد يتصل بالمماليك الذين أفضى إليهم حكم مصر فنزلوا عند إرادته وأطلقوا سراح الملك السجين وذلك في 6 أيار سنة 1250م لقاء فدية محترمة مما رفع من قدر حاكم القلعة وجعل منه شخصية مهمة.
وقد أثار التفاهم الحاصل بين المماليك والصليبيين حفيظة أيوبيي دمشق فهاجموا على حين غرة المدن الصليبية الغربية لا سيّما صيدا حيث جرت واقعة عظيمة سالت فيها دماء الأفرنج.
هاج الملك لويس وطلب من حاكم قلعة تبنين السير على رأس قواته ومهاجمة بانياس انتقاماً لقتلى صيدا. غير أن هذا الهجوم لم ينجح فعاد إلى مركزه يجر أذيال الخيبة بعد أن خسر معظم رجاله.
دب اليأس في صدر الملك لويس وازدادت كآبته عدما علم بوفاة والدته بلانش دي كاستيل فاتجه إلى صور حيث ركب البحر قافلاً إلى بلاده.
بعد سفر الملك لويس اتجه الكونت دي منفور إلى مدينة صور واستولى عليها كلياً ووضع يده على خزينتها ونهبها وقد جاء في كتاب «ايكلس» تاريخ الغرب ما يلي: فيليب دي منفور بن غي دي منفور أمير فرتي (فرنسا) كان حاكماً لحصن تبنين العائد أصلاً إلى زوجته ماري دي تورون. وعندما هيمن على قسم من صور واستبد بالقسم الثاني الذي كان بيد البنادقة بعد أن شنّ عليها حرباً شعواء انتهت في مطلع عام 1277م بمعاهدة تم خلالها تسليمه كل المقاطعات التي كانت تحت سلطة لويس التاسع بصفته رفيق جهاده وزميله في سجون المنصورة. وعندما حوصر صليبيو جنوى في عكا استطاع دي منفور أن يمدهم بالرجال والعتاد والأموال والغذاء من إهراءات قلعة تبنين التي أصبحت آنئذ مركز تموين رئيسي لصليبي المنطقة.
بعد سنوات قليلة هاجم بيبرس تبنين وتملكها وبعد غياب الظاهر بيبرس عن المسرح السياسي لم نعد نسمع كثيراً عن قلعة تبنين إذ دخلت في طور النسيان فترة طويلة حتى لمع نجم فخر الدين المعني وسيطر على لبنان وسوريا وفلسطين فأعاد لها اعتبارها وزودها بالعتاد والسلاح والرجال. وذكرها الرحالة الأسباني تولادو ببضعة أسطر. كما أشار إليها السائح الإنكليزي «نو» الذي زارها وأشار إليها بأنها قلعة حصينة شبه مهدمة.
وعادت قلعة تبنين لتلعب دوراً مركزياً في الحياة السياسية لجبل عامل في النصف الثاني من القرن الثامن عشر مع ظهور شيخ مشايخ جبل عامل الشهيد ناصيف النصار 1195هـ/ 1780م الذي اتخذها مقراً لقيادته ومن ساحاتها كانت تنطلق جحافل العامليين رداً لعدوان ودفاعاً عن عقيدة. ويبدو أن القلعة استمرت عامرة على يد خلفاء الشيخ ناصيف إذ يشير إلى ذلك السيد حسن الأمين في كتابه «عصر حمد المحمود والحياة الشعرية في جبل عامل» أنه حين تولى حمد المحمود زعامة الجبل «وهو رجل من أنبغ من أنجبت أسرته كان فارساً مقداماً وكان أديباً شاعراً… وكانت تبنين قاعدة حكمه وفيها ملتقى وفاده وكان قد جدد بناء قلعتها هذه القلعة التي شهدت أزهى أمجادها أيام سلفه الشيخ ناصيف النصار… فاجتمع للشعراء أمير تشوقه المدائح وشاعر يفهم ما يقولون وأمجاد مغرية بالمديح فالتقى في قصر حمد مجموعة من الشعراء لم يلتق مثلها إلا في قصور الملوك السالفين… ويخيل إليك وأنت تراجع شعر تلك الفترة أن حياة مصغرة لسيف الدولة قد انبعثت في الجبل».
والواقع أن واحداً من أبرز أبراج القلعة المهجورة الآن لا يزال يعرف بين أبناء بلدتنا حتى أيامنا هذه باسم برج «أبو حمد» هو بالتأكيد والد حمد المحمود.
وقد بقيت القلعة مأهولة حتى مطلع القرن العشرين كما أخبرتني بذلك والدتي وكما هو معروف بين أبناء البلدة.
والملفت النظر أنه على الرغم من تطور وسائل الحرب وغلبة التكنولوجيا فقد أثبتت تبنين أنها لا تزال مفتاح أمان الساحل الجنوبي. فعندما أقدمت قوات العدو الإسرائيلي على اجتياح الجنوب اللبناني عام 1978م ووصلت تلة بيت ياحون المشرفة على تبنين حيث توقفت القلعة ومحيطها حيث جوبهت بالصواريخ المضادة للطائرات مما تسبب بهدم ما يزيد على أربعين منزلاً في محيط القلعة إلى أن تمكنت من دخول تبنين بعد مقاومة شرسة وبما يشبه الصلح. فعندما بلغت تبنين تقدمت بسهولة في اليوم ذاته إلى مشارف صور.
كما حافظت تبنين على موقعها السياسي المميز في ظل دولة لبنان ما بعد الاستقلال. وكسائر قرى جبل عامل لم تبخل بالشهداء الذين سقطوا في مواجهة العدو الإسرائيلي الغاصب، وقد اختارتها قوات الطوارىء الدولية العاملة في الجنوب اللبناني إثر الاجتياح الإسرائيلي عام 1978م لتكون مركزاً أساسياً لها لا سيما القوات الإيرلندية والقوات النروجية.
واستمر أهالي تبنين في الحفاظ على وجه بلدتهم الحضاري والثقافي فانكبوا على طلب العلم فكثر فيها المتعلمون في مختلف الميادين وباختصاصات عالية.
وخرج فيها من الشعراء إبراهيم بري ويوسف بري ومحمد يوسف مقلد ومن الكتاب عبداللَّه بري. ومن الشاعرات زينب حمود.
ولكن أوضاع جبل عامل غير المستقرة إضافة إلى الحرب اللبنانية لتي تفجرت منذ العام 1975م دفعت بالكثيرين من أبنائها إلى الهجرة ولا سيّما إلى ديترويت في الولايات المتحدة الأميركية وإلى كندا. والطريف أن هؤلاء المهاجرين يرسلون الأموال من أجل بناء منازل لهم في تبنين مما جعلها تشهد هذه الأيام حركة عمرانية نشطة لا تتناسب مع الهجرة الكثيفة لأبنائها إذ إن عدد المهاجرين يفوق عدد المقيمين!.
الدكتور محمد حمود
تبنين
ـ 2 ـ
من أمهات بلدان جبل عامل في لبنان ومن أشهرها في تاريخ الحروب الصليبية فقد رافقت تلك الحروب، وشهدت كثيراً من المعارك التي تكاد تكون مصيرية، فعرفت معرفة جيدة فيما دوّن من تاريخ تلك الحروب، وعرفها المؤرخون الأوروبيون وذكروها في مدوناتهم.
والذي جعل لها هذه الأهمية هو ما كان لها من موقع طبيعي منيع أمكن معه أن تكون حصناً للدفاع أو مركزاً للهجوم.
والمصادر العربية قبل الحروب الصليبية لا تشير بشيء الى تبنين، وهذا طبيعي، إذ إن تبنين اكتسبت شهرتها أول ما اكتسبتها من القلعة التي شيدت فوقها، وليس في أيدينا ما يشير إلى وجود القلعة قبل سنة 1107م سوى بعض الترجيحات والاستنتاجات، كهذا الذي قاله الدكتور ادوارد روبنسون وهو يسجل رحلته التي وصل فيها إلى تبنين سنة 1838م، إذ قال وهو يشير إلى بناء القلعة: والمرجح كثيراً أن هذا الحصن الجديد بني على أسس قديمة.
وأول تدوين لتاريخ قلعة تبنين هو ما ذكره المؤرخ الأوروبي (وليم الصوري) الذي عاصر الحروب الصليبية وشهدها بنفسه وسجل وقائعها، فقد نص هذا المؤرخ على أن القلعة شيدها سنة 1107م (هوغ دي سان أومير) الذي كان مقر حكمه في طبريا. ففي ذلك الوقت كانت صيدا وبيروت وغيرها محتلة من الأفرنج، وبقيت صور وحدها صامدة وكان (هوغ سان أومير) مصمماً على انتزاع صور فبنى القلعة في تبنين لتكون معقلاً يرتكز عليه في شنّ هجماته على صور وناحيتها، واختار هذا المكان بالذات لبروزه وعلوه وإشرافه على ما حوله من سهول وأباطح وآكام. ويزيد على ذلك بعض المؤرخين: ولأن في وسطه بقعة زراعية تكثر فيها الكروم والأثمار والغابات.
وكان لا بدّ من إطلاق اسم على هذا الحصن الجديد فسماه بانيه باسم (طورون) وبهذا الاسم عرف في المؤلفات الأوروبية وعلى ألسنة الأوروبيين، ثم علا شأنه وصار مركزاً من أعظم المراكز الإدارية والعسكرية حتى أطلق اسمه على الأسرة التي حكمته، ومنها هو نفروي دي طورون الذي أصبح رئيساً لديوان الملك بلدوين الثالث سنة 1151م.
أما المؤرخون العرب فلم يعرفوا المكان إلا باسم تبنين، ولم يدر الاسم الجديد على ألسنتهم، لا في ذاك العصر ولا فيما بعده من العصور. فالذين عاصروا الحروب الصليبية منهم والذين تأخروا عنها لم يذكروا إلا تبنين، سواء ذلك في الشعر أو النثر.
على أنه ليس لدينا الآن ما يمكن أن نستدل به على من ذكر هذا الاسم قبل الحروب الصليبية في الكتب العربية، ولكن سريانه على أقلام الكتاب والمؤرخين والرحالين يدل على قدمه وعراقته. وأقدم ما لدينا من ذلك هو ما سجله المؤرخون الذين عاصروا تلك الحروب كصاحب (الفتح القدسي)، وما ذكره بعض الرحالين كابن جبير وما ردده بعض الشعراء كابن سناء الملك، وأبو الحكم الأندلسي وغير هؤلاء.
أما بعد تلك الحروب فمن أقدم من ذكر تبنين: صاحب مسالك الأبصار وصاحب صبح الأعشى وصاحب معجم البلدان وصاحب تاج العروس وصاحب الأعلاق الخطيرة وصاحب القاموس المحيط الذي تميز عن هؤلاء إشاراته إلى أحد نوابغ تبنين، فقال: تبنين، بلد منه أيوب بن أبي بكر التبنيني. وليته زاد على ذلك شيئاً فعرفنا من هو أيوب هذا. وحين يذكره صاحب القاموس بهذا الإيجاز فمعنى ذلك أنه معروف، وأنه أحد نوابغ هذا البلد في تلك العصور.
ويتوالى بعد ذلك ذكر تبنين في الكتب العربية، وتتردد أسماء بعض نوابغها، ولكن دون تفاصيل.
ولولا ذلك الأسلوب الجميل الذي جرى عليه الأقدمون من نسبة الرجل إلى بلده لضاعت علينا معرفة من عرفنا ولما أدركنا أنهم من تبنين بالذات.
فمن أقدم الأسماء التي وصلتنا اسم الشيخ محمد بن علي التبنيني الذي ذكر له أنه كان من تلاميذ بهاء الدين العاملي، وبهاء الدين ولد سنة 953 وتوفي سنة 1030 هجرية وهكذا يكون هذا العالم التبنيني قد عاش منذ أكثر من 400 سنة.
على أنه قد ورد اسم نابغة تبنيني آخر متحد مع هذا الاسم دون أن يذكر اسم أبيه فجهلنا أهما شخص واحد أم شخصان؟ إذ أن اسمه قد ورد هكذا: الشيخ محمد العاملي التبنيني. والمؤلفان اللذان ذكرا لصاحب هذا الاسم يدلان على منزلته العلمية الكبرى. فقد ذكر له المؤلفان الآتيان: جامع الأقوال في علم الرجال، جمع فيه ما في أصول كتب الرجال مع إضافة بيانات وتفاصيل وجعله مرتباً على حروب المعجم.
وكتاب سنن الهداية في علم الدراية.
ومواضيع هذين الكتابين تشير إلى أنه كان عالماً من أبرع العلماء وأعمقهم، فعلم الرجال وعلم الدراية من العلوم التي لا يعالجها إلا فحول العلماء. ولكن المؤسف أنه ليس لدينا من هذين الكتابين إلا اسمهما، فقد ضاعا مع ما ضاع من كنوز هذا الجبل العلمية الكثيرة.
ويبرز أمامنا أيضاً اسم الشيخ حسين العاملي التبنيني الذي قال عنه صاحب أعيان الشيعة إنه من مشاهير العلماء وإنه في طبقة صاحب المعالم والسيد فيض اللَّه التفريشي. والذين يعرفون منزلة هذين العالمين يعرفون ماذا يعني هذا القول.
والشيخ حسين هذا هو أستاذ الشيخ محمد المتقدم مما يدلنا على أن العلم في تبنين كان متصل الحلقات يتلقاه الخلف عن السلف. ولكن التفاصيل ضاعت، والأسماء فقد أكثرها، وما وصلنا من الأسماء لم يصلنا معه إلا القليل مما يعرف بها ويدل عليها، فنحن لا ندري الكثير عن حياة أولئك العلماء وأماكن دراستهم وطراز عيشهم وأسماء أساتذتهم وأسماء تلامذتهم وغير ذلك.
وتتوالى العصور إلى أن تخرج من تبنين رائدة النهضة النسائية في العالم العربي في القرن التاسع عشر زينب فواز التي كانت أول من كتب في القصة العربية لا بين النساء فقط بل ربما بين الرجال أيضاً، وروايتها (حسن العواقب) صورت معالم الحياة العاملية، على أن أعظم كتبها هو كتاب الدر المنثور في طبقات ربات الخدور الذي ضم 456 ترجمة لمشهورات النساء من شرقيات وغربيات. وقد طبع لها خمسة كتب وديوان شعر. ولها كتاب آخر لم يطبع سمته مدارج الكمال في تراجم الرجال، لا ندري أين صار به الزمن.
ونزوحها إلى مصر وإقامتها فيها لم ينسها الحنين إلى تبنين فقد ظلت تناجيها بالشعر وبالنثر.
لقد كان بناء القلعة في تبنين شيئاً فاصلاً في تاريخ تبنين السياسي والإداري، وإذا كانت الأسماء التي عددناها هي نتيجة تبنين البلدة العاملية العريقة، لا فضل فيها لأي أثر خارجي، بل هي حصيلة جد أبنائها واجتهادهم ورغبتهم في العلم وطموحهم إلى المعرفة. وسواء قامت القلعة أم لم تقم فإن من نبغ فيها كان سينبغ حتماً.
إذا كان الأمر كذلك في هذا، فليس هو كذلك في الشؤون السياسية والإدارية، الحكم والحرب. فإن قيام القلعة في تبنين وموقعها المتوسط في البلاد، وقربها من المراكز العسكرية والمدنية الكبرى وأهمها صور، إن ذلك جعل لتبنين شأناً أي شأن فيها لكبار الرجال وبعضهم يلقب بالملك، وظل الطرفان العرب والفرنج يتنازعانها ويعد كل منهما الفوز بها فوزاً كبيراً.
وبعد أن كانت مركز الثقل عند الفرنج في هجماتهم على صور ومضايقتها والوثوب إليها. عادت كذلك عند العرب بعد جلاء الفرنج عنها وتحصنهم في صور. فكما تأخر احتلال الفرنج لصور بعد احتلالهم الساحل كله فاتخذوا من تبنين معقلاً يهددون به صور. كذلك تأخر احتلال العرب لها بعد احتلالهم للساحل مئة وسبع سنين كان العرب خلالها حين تكون تبنين في أيديهم يتخذون منها قاعدة هجوم على صور وأشغال لحاميتها كهذا الذي جرى عام 585 هجرية حين خرجت القوى العربية من تبنين فاصطدمت بالفرنج وهم خارجون للاحتطاب والاحتشاش محاولة استدراج فرسانهم إلى الأودية والجبال.
وقد استطاع الفرنج مرة أن يتقدموا إلى تبنين عام 594هـ وأن يحاصروها حصاراً شديداً حتى كادت أن تستسلم لهم، بل أرسلت وفداً لتحديد شروط الاستسلام، ولكن الوفد كان حازماً فأدرك أن الاستسلام كان في غير محله وأنه يمكن الصمود حتى وصول النجدات، فتعلل المندوبون بمراجعة من في القلعة ببعض الشروط ثم لم يعودوا، وصمدت تبنين حتى جاءت النجدات من مصر بقيادة العزيز، فارتدت الفرنج إلى صور.
وفي ذلك يقول ابن سناء الملك من قصيدة:
أغثت تبنين وخلصتها
فريسة من ماضغي ضيغم
وللتدليل على أهمية تبنين في تلك الفترة نذكر أنه لما قصدها الفرنج وحاصروها هذا الحصار الذي ذكرناه ونقبوا قلعتها، وأصبحت في خطر التسليم، خشي من هذا العادل أبو بكر الأيوبي فأرسل يستنجد بابن أخيه العزيز في مصر. وهكذا فإن ضرورة الاحتفاظ بتبنين حملت القيادة الإسلامية على استدعاء الجيوش إليها حتى من مصر.
ويقول المؤرخون: إن العادل لم يكتف بطلب النجدة، بل أصر على ابن أخيه أن يحضر بنفسه، قائلاً له: «إن حضرت وإلا فلا يمكن حفظ هذا الثغر».
وهكذا سار العزيز من مصر لإنجاد تبنين، فوصل عسقلان في فلسطين ثم واصل السير إلى جبل عامل وقبل وصوله إلى تبنين حصرته الأمطار في مكان من الجبل لم يسمه المؤرخون، وبقيت الأمطار متواصلة ثلاثة عشر يوماً. ثم سار إلى الفرنج واشتبكت مشاته بالفرنج بالنبال واستعد للهجوم، فرحل الفرنج إلى صور ليلاً.
وبعد أن اطمأن العزيز على تبنين عاد إلى مصر وترك أكثر جيشه مع عمه العادل، ومن الطريف أن هذا الحصار أثار قرائح الشعراء كما رأينا في ابن سناء الملك. وكما فعل أحد الشعراء المقيمين في تبنين داخل الحصار. وذلك أن عزالدين أسامة كان قد تعهد بالدفاع عن بيروت قبل ذلك بعام، ولكن لما شعر بتقدم الفرنج نحوه فرّ ومن معه عنها.
وفي حال اشتداد الحصار على تبنين، قال أحد من فيها هاجياً أسامة ومعرضاً بفراره:
سلم الحصن ما عليك ملامه
لا يرم الذي يروم السلامه
فعطاء الحصون من غير حرب
سنة سنها ببيروت سامه
وتوهم بعضهم أن أسامة هذا هو أسامة بن منقذ، وهذا غير صحيح لأن أسامة بن منقذ يلقب مجد الدين، وهذا يلقب عزالدين، كما أن ابن منقذ كان قد توفي قبل هذه الأحداث عام 584هـ.
وللتدليل على أهميتها أيضاً نذكر أنه لما تقدم المسلمون بعد معركة حطين، أرسل صلاح الدين ابن أخيه تقي الدين لفتح تبنين.
يقول المؤرخون: (فلما وصلها نازلها وأقام عليها فرأى حصرها لا يتم إلا بوصول عمه صلاح الدين).
فأرسل إلى عمه بذلك فاضطر صلاح الدين أن يحضر بنفسه لحصارها إلى أن سلمت صلحاً.
ولكن الفرنج عادوا بعد ذلك فاحتلوها لا حرباً بل بخيانة الأيوبيين حين سلم الصالح إسماعيل الأيوبي صاحب دمشق للفرنج كلاًّ من صيدا وهونين وتبنين والشقيف فيما سلمهم من البلاد ليساعدوه على ابن أخيه الصالح أيوب صاحب مصر وذلك سنة 638هـ. ويبدو أنها لم تتحرر نهائياً إلا في عهد الظاهر بيبرس حين زحف من مصر وظل يتقدم حتى حرر فيما حرر تبنين سنة 664 هجرية (1266) ميلادية.
ومن الزوار التاريخيين لتبنين صلاح الدين الأيوبي وقد وصف صاحب (الفتح القدسي) هذه الزيارة لأنه كان في ركاب صلاح الدين، فقال: «سار على طريق جبل عامل ونزل ضحوة بضيعة يقال لها الجش، وسرنا منها وخيمنا على مرج تبنين (المعروف اليوم بسهل الخان) وفي الصباح تفقد القلعة ووصى الوالي بعمارتها، ثم رحلنا بكرة السبت».
وكانت تبنين في تلك العهود ملتقى القوافل الكبرى القادمة من دمشق إلى السواحل، وكانت تنازعها بهذا مدينة طبريا الفلسطينية، إذ كانت القوافل تنقسم قسمين فالذين يفضلون سهولة الطريق مع طولها يقصدون إلى طبريا، والذين يفضلون قصر الطريق مع الوعورة يقصدون إلى تبنين، وقد أشار إلى ذلك الرحالة ابن جبير فقال: «وعلى بادية طبرية اختلاف القوافل من دمشق لسهولة طريقها. ويقصد بقوافل البغال على تبنين لوعورتها وقصر طريقها».
وقد مرّ ابن جبير نفسه بتبنين في سفره من دمشق إلى عكا فأعطانا صورة طريفة عنها حين علمنا أنها كانت المركز الرئيسي وفيها يجري تفتيش المسافرين ودفع الضريبة، وهذا ما قاله ابن جبير حين مرّ عليها وهي محتلة من الأفرنج: «… وانتهينا إلى حصن كبير من حصون الأفرنج يعرف بتبنين، وهو موضع تمكيس القوافل، وصاحبته خنزيرة تعرف بالملكة، وهي أم الملك الخنزير صاحب عكا دمرها اللَّه، فكان مبيتنا أسفل ذلك الحصن، ومكس الناس تمكيساً غير مستقصى، والضريبة فيه دينار وقيراط من الدنانير الصورية على الرأس».
ولا أعرف أحداً من الرحالين العرب مرّ بتبنين بعد ابن جبير، أما غير العرب فقد ذكرها كل من (بنيامين دي توديله) و(برو كاردوس) وبعدهما لم يرد لها ذكر حتى سنة 1674م حين مرّ بها «نو» فذكرها عرضاً. وآخر من نعلم أنه زارها هو الدكتور ادوار روبنسون الأمريكي سنة 1838م فكان مما ذكره عنها أن عدد الذكور فيها يبلغ 380 شخصاً.
ولما جدد الأمراء العامليون الوافر من قلاعهم وأحدثوا بعض الحصون في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، كانت المقاطعات ثمانية: تبنين وهونين وساحل معركة وساحل قانا ومرجعيون والشقيف وإقليم الشومر وجباع.
والمرجع الام للثماية كانت تبنين. والحاكم فيها من آل علي الصغير (الأسعد).
ومن الشعر الذي ورد فيه ذكر تبنين قول: أبي الحكم لأندلسي سنة 542هـ لما حاصر الفرنج دمشق ثم انهزموا عنها:
بشطي نهر داريا
أمور ما تواتينا
وأقوام رأوا سفك الد
ما في جلق دينا
أتانا مائتا ألف
عديداً أو يزيدونا
فبعضهم من اندلس
وبعض من فلسطينا
ومن عكا ومن صور
ومن صيدا وتبنينا
لعلي بك الأسعد الذي كان مقره في تبنين:
كوى الدهر أحشائي من الهجر وانثني
علي بسهم أوترته النوازع
متى نلتقي يوماً بتبنين عامل
ونبصر هاتيك الليالي (رواجع) كذا
أأننسى ليلات أديرت كؤوسها
علينا وأقداح السرور فواقع
نعمت صباحاً ربع تبنين واغتدت
بك العين والآرام وهي روائع
خليلي إني كلما ذر شارق
شرقت بماء أسبلته المدامع
التبيان
من أشهر كتب تفسير القرآن عند الشيعة ويأتي في بحث التفسير دراسة عنه. أما هذا البحث فهو عرض عام له ويراجع البحث الوارد في (التفسير) استكمالاً لهذه الدراسة.
إن ثقافة الشيخ الطوسي)[92]) كانت نموذجاً من ثقافة العلماء في القرن الخامس، ذلك القرن الذي حفل بنتاج خصب للعقلية الإسلامية في أوج نضجها ورقيها، فكان نشيطاً في التأليف والتحقيق، وكانت ثقافته وآراؤه موضع احترام القوم في عصره وبعد عصره فقد أثنوا عليه، وعولوا على تصانيفه، وقد أخذ العلم عن جماعة عرفوا بالجمع والإحاطة فكان مثلهم في الجمع والإحاطة. على أنه لم يكن متعصباً ولا مقلداً وإنما كان حرّ الفكر. مستقل الرأي مع سماحة في النفس، ونبل في الخلق.
أما أسلوبه: فأسلوب العالم المتزن الطويل النفس، الخبير بأساليب الحوار والجدل، يعرض المسألة بإيجاز ويورد أحسن ما قيل فيها من الآراء والحجج. ثم ينقد ويقوم ويضعف وينقض أو يقوي ويستحسن. ويمتاز الطوسي بالدقة والأمانة في النقل والرواية فلا يذكر شاهداً إلا معزواً إلى قائله ولا خبراً إلا مصحوباً بسنده ـ اللهم إلا ما غرب في حافظته وحسبنا دليلاً على دقته وأمانته، تأليفه القيم «التبيان في تفسير القرآن الكريم»، ففي هذا التفسير نرى الطوسي بكل ثقافته وصوره العلمية ففيه صورة الطوسي المحدث والفقيه والأصولي والكلامي، والطوسي الأديب النحوي اللغوي المرهف الحسّ الذواق لجمال النصوص القرآنية من جميع نواحيها ومن أحب أن يشاهد الصورة الحقيقية التي تمثل جميع جوانب حياة الطوسي الثقافية فلينظر إلى التبيان.
إن تفسير التبيان للشيخ أبي جعفر يعد نموذجاً ومثلاً واضحاً لمقدرة الطوسي العلمية والثقافية. إذ إنه يمثل بصورة رفيعة الثقافات التي اكتسبها خلال الأعوام التي مرت في حياته.
ويحدثنا الطوسي عن ظروف تأليف تفسيره بأنه لم يجد بين الشيعة قديماً وحديثاً من عمل كتاباً يحتوي على تفسير جميع القرآن ويشتمل على فنون معانيه. فأراد الطوسي أن يملأ هذا الفراغ بتفسيره لكلام اللَّه عزّوجلّ، لأن الذين كتبوا من قبله لم يزيدوا ولم يأتوا بشيء إلا النقل عن كتب الحديث وإثبات الروايات في تفاسيرهم دون أن يستوفوا ذلك، وأما علماء السنّة من المفسرين، أمثال الطبري فكانوا بين مطيل في جميع فنون القرآن وبين مقصر اقتصر على ذكر غريبه، ومعاني ألفاظه وسلك الباقون المتوسطون في ذلك مسلك ما قويت فيهم همتهم وتركوا ما لا معرفة لهم به، فإن الزجاج والفراء وأمثالهم من النحويين أفرغوا وسعهم فيما يتعلق بالإعراب والتصريف. ومفضل بن سلمة وغيره استكثروا من علم اللغة واشتقاق الألفاظ، وإن المتكلمين كأبي علي الجبائي وغيره صرفوا همتهم فيما لا يتعلق إلا بالمعاني الكلامية، ومنهم من أضاف إلى ذلك الكلام في فنون علمه فأدخل فيه ما لا يليق به من بسط فروع الفقه واختلاف الفقهاء كالبلخي وغيره. فهو ـ أي الطوسي ـ يشعر بأن الأمة محتاجة إلى تفسير لكلام اللَّه ولم يكن وحده يحس بهذه الفجوة بل إن جلّ العلماء قديماً وحديثاً أحسوا بهذا النقص فانبرى بينهم وشمر عن ساعديه ليأتي بتفسير يذكر في مواضع كثيرة منه أدلة الشيعة التي يخص بها الاستدلال على صحة مذاهبهم. والتبيان ينطوي على نواحي متعددة، ففي كل ناحية يبرز لنا الطوسي بشخصية جديدة لم نكن نعرفها حتى الآن أو لم يكن معروفاً لدينا بتلك الصورة.
فهناك الطوسي البلاغي والطوسي اللغوي والطوسي النحوي والطوسي الأديب فالطوسي يحتاج إلى دراسة عميقة وصادقة في كل ناحية من هذه النواحي وحسبنا أن نلتقط جميع هذه الجوانب من تفسيره التبيان، والذي يهمنا الآن هنا أن نشير إلى نبذة من هذه الجوانب وهي الناحية اللغوية للتفسير، لأن الطوسي قد أودع في تفسيره مجمل الأصول اللغوية العربية وأمهات المسائل الهامة فيها مع ذكر مصادرها التي فقدت كلها أو غالبيتها، فهذا التفسير مودع تلك المصادر الهامة التي تهم الباحثين في الجانب اللغوي، والتي كان التبيان من مراجعها الهامة، لا سيّما وأن هناك مصادر فقدت أو احترقت ولم يكن لدينا نسخ كاملة منها، مثل تفسير الرماني وكثير من كتاب العين للخليل، وإنني أعتقد أننا إذا تصفحنا التبيان، يمكن لنا أن نلتقط مقداراً كثيراً من تفسير الرماني، وكتاب العين للخليل وغيرهما.
تحلت ثقافة الطوسي العربية، والدينية، في تفسيره التبيان، الذي يعد دائرة معارف عربية واسعة الذيوع، فلقد عرض الطوسي فيه للغة، والنحو، والتصريف، والاشتقاق، والقراءات، والبلاغة، وغيرها من العلوم العربية، في مناسبة حديثة عن الآيات القرآنية في سعة بسط وقوة عرض، وعظمة دراية بالمأثور وإلمام بالمنقول، وأضاف إلى كل ذلك ذوقه وشخصيته في التفسير، والشرح والبيان، ولا ضير أن نستطرد في تحليل الاتجاه اللغوي عند الطوسي في تبيانه:
1 ـ يعرض الطوسي في كل آية وموضع للألفاظ اللغوية بالتفسير والشرح مشيراً إلى فروع الكلمة وأصولها ولما قاربها أو شابهها، من الألفاظ والمشتقات يفسر مثلاً الرحمن الرحيم فيقول: «هما اسمان مشتقان من الرحمة.. موضوعان للمبالغة وفي رحمن خاصة مبالغة.. فإن أرادوا المبالغة حملوا على فعلان وفعيل كما قالوا: غضب فهو غضبان.
2 ـ وهو يتعرض لفقه اللغة، وهل الكلمة من أصل عربي أم أنها من الكلمات المعربة والدخيلة فيقول وقال بعضهم: إن لفظة الرحمن ليست عربية وإنما هي ببعض اللغة كقوله تعالى: {قسطاس} فإنها بالرومية، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {قالوا ما الرحمن} إنكاراً منهم لهذا الاسم، ولكن الطوسي يرفض هذا الفرض ويقول: والصحيح أنه معروف اشتقاقه من الرحمة ويدعم رأيه بقول اللغويين وأشعار الجاهليين. ويقول في تفسير قوله تعالى: {الحمد} ومعنى الحمد للَّه الشكر للَّه خالصاً… وقال بعضهم: الحمد للَّه ثناء عليه بأسمائه.. ثم يرجح القول الأول فيقول: «والأول أصح في اللغة لأن الحمد والشكر يوضع كل منها موضع صاحبه.
3 ـ قال ابن جريج إنما سميت اليهود يهوداً لقولهم: «إنا هدنا إليك» قال أعرابي يؤخذ بقوله على ما قال أبو عبيدة: فإني من مدحه هائد، أي تائب، أي لتوبتهم عن عبادة العجل. وقيل: إنما سموا يهوداً لأنهم نسبوا إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب فعربت الذال دالاً)[93]).
4 ـ النصارى: جمع نصران كقولهم سكران وسكارى ونشوان ونشاوى وقد سمع في جميعهم أنصار بمعنى النصارى وفي الأنثى نصرانة، إنما سموا بذلك لنصرة بعضهم بعضاً وقيل: لأنهم نزلوا أرضاً يقال لها: ناصرة وكان ينزلها عيسى فنسب إليها، فقيل: عيسى الناصري وقيل: لقوله تعالى: {من أنصاري إلى الله})[94]).
5 ـ في جبريل ست لغات: جبرائيل. جبرئيل. جبرال. جبريل. جبريل. وجبرين.. وجبرائيل وميكائيل اسمان أعجميان أعربا، وقيل إن «جبر» عبد «وايل» اللَّه مثل عبداللَّه، وضعف ذلك أبو علي الفارسي من وجهين: أحدهما أن «أيل» لا يعرف في أسماء اللَّه في لغة العرب، والثاني: أنه لو كان كذلك لأعرب آخر الكلمة كما فعل في سائر الأسماء المضافة)[95]).
6 ـ ونراه أيضاً يكثر من الإتيان بالمعاني اللغوية حقيقية كانت أو مجازية، ففي تفسير قوله تعالى: {المغضوب} يقول: أصل الغضب الشدة ومنه الغضبة الصخرة الصلبة الشديدة المركبة في الجبال المخالفة له، ورجل غضوب شديد الغضب، والغضوب الحية الخبيثة لشدتها، والغضوب الناقة العبوس.
7 ـ وكذلك نجده يأتي باللغة ويظهر لنا القرابة الوثيقة بين جذور الكلمات وما تفرع عنها في تسلسل متطور من المعنى الحقيقي للكلمة إلى المعنى المجازي فيقول في تفسير قوله تعالى: {المفلحون} هم المنجحون.. والفلاح النجاح.
قال الشاعر:
أعقلي إن كنت لما تعقلي
ولقد أفلح من كان عقل
يعني: من ظفر بحاجته وتقول: أفلح يفلح إفلاحاً وتقول: فلح يفلح فلاحاً والفلاح البقاء.. وأصل الفلح القطع.. ومنه قيل للأكار فلاحاً، لأنه يشق الأرض، والفلاح المكاري لأنه يقطع الأرض.
8 ـ وهو يؤمن أيضاً بالاتساع اللغوي وذلك إذا اقتضى الحال فيقول في تكرار الرحمن الرحيم إن عادة القوم تكرير المعنى بلفظين مختلفين، اتساعاً في اللغة.
9 ـ لا يستشهد بالألفاظ النادرة واللغات الشاذة فإننا نراه يقول: وحتى لو كان التأويل يحتاج إلى شاهد من اللغة فلا يقبل من الشاهد إلا ما كان معلوماً بين أهل اللغة شائعاً بينهم، وأما طريقة الآحاد من الروايات الشاردة والألفاظ النادرة فإنه لا يقطع بذلك ولا يجعل شاهداً على كتاب اللَّه. (مقدمة التبيان).
10 ـ وهو شديد الاستقصاء للمعاني اللغوية للألفاظ وفي تحريه في تحديد المعنى اللغوي تحديداً واضحاً فالطوسي عندما يتعرض للقرآن من الوجهة اللغوية وغيرها لا ينساق وراء صناعته كسائر اللغويين فينصرف ويبعد عن جانب المعنى ويأخذ بالظاهر بل نراه يجعل كل همه ـ حيثما كانت هناك آراء مختلفة لغوية ـ في تبيين مقاصد اللغة من الناحية التي تخدم تفسير القرآن وتنسق معانيه وهو يميل في تفسيره اللغات إلى ترجيح الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر فيقول في تفسير {جاءهم رسول}: المعني بالرسول محمد(ص) ويجوز أن يعني بها هنا الرسالة، كما قال كثير… وهذا ضعيف، لأنه خلاف الظاهر قليل الاستعمال.
11 ـ والطوسي يكثر من الاستشهاد بأشعار الجاهليين والإسلاميين، وبأقوال المولدين، والفلسفة اللغوية ظاهرة جلية في التبيان، حيث نراه يحاول ردّ الفروع اللغوية إلى أصل واحد، ويحاول أن يجعل بين الأصول المختلفة وجوه صلة وتناسب.
12 ـ ويذهب الطوسي إلى الإبدال اللغوي، ويستدل له بشواهد كثيرة في اللغة ومن مثل ذلك كلامه عن الصراط: قرأ بالسين وبالصاد، وأشم الصاد زاياً، وفي بعض الروايات إشمامها الزاي ما كان فيه ألف ولام وأما الصاد إذا سكنت وكانت بعدها دال نحو يصدر وفاصدع ويصدقون فاشم الصاد الزاي… فمن قرأ بإشمام الزاي فللمواخاة بين السين والطاء بحرف مجهور من مخرج السين وهو الزاي من غير إبطال للأصل ومن قرأ بالصاد فللمواخاة بين الصاد والطاء بالاستعلاء والإطباق.. والقراءة بالصاد أحسن. ثم يشرع في تفسير كلمة الهداية فيعود مرة أخرى إلى كلمة الصراط ويستشهد بقول جرير بأنه معناه الطريق:
أمير المؤمنين على صراط
إذا اعوج الموارد مستقيم
وقول الشاعر: «فصد عن نهج السراط الواضح»، وقيل: إنه مشتق من مسترط الطعام وهو ممره في الحلق. والصاد لغة قريش، وهي اللغة الجيدة وعامة العرب يجعلونها سيناً والزاي لغة لعذرة.. يقولون: «ازدق»، فيجعلونها زاء إذا سكنت.
13 ـ ويقول في تفسير قوله تعالى: {وفومها وعدسها} إلخ.. إنه الثوم أبدل الثاء فاء، كما قالوا: جدث وجدف وآثافي وأثاثي)[96]).
14 ـ كذلك نرى الطوسي يعالج الآيات القرآنية من الناحية النحوية، ويستخدم النحو لتفسير كلام اللَّه، ومبيناً لمعانيه، وموضحاً لأغراضه، فهو يرجح إعراباً على إعراب، ويحمل الأسلوب على وجه دون وجه، حتى يستبين من ذلك المعنى المقصود، ويضفي على النحو أهمية خاصة في تفهم القرآن، وجوانب بلاغته ومن ذلك قوله في قوله تعالى: {يا عيسى ابن مريم} يحتمل عيسى أن يكون منصوباً مثل ما تقول يا ابن عبداللَّه وهو الأكثر في كلام العرب، وإنما يجوز ذلك إذا وقع الابن بين علمين. ويحتمل أن يكون عيسى في موضع الضم، ويكون نداء أي كأنه قال: يا عيسى يا ابن مريم. ويقول في تفسير قوله تعالى: {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} إلخ… فيوم ظرف للقول وهذه إشارة إلى ما تقدم من قوله تعالى:
{إذ قال الله يا عيسى ابن مريم})[97]) وجاء على لفظ الماضي وإن كان المراد به المستقبل. وليس ما بعد قال حكاية في هذا الوجه… ويجوز أن يكون المعنى على الحكاية وتقديره: هذا يوم ينفع أي هذا الذي اقتصصنا به يقع أو يحدث يوم ينفع، فيوم خبر المبتدأ الذي هو هذا الأمر، إشارة إلى حدث، وظروف الزمان تكون أخباراً عن الأحداث، والجملة في موضع نصب على أنها في موضع مفعول. قال الفراء: يوم منصوب، لأنه مضاف إلى الفعل وهو في موضع رفع بمنزلة يومئذ مبني على الفتح في كل حال… قال الزجاج هذا خطأ عند البصريين… ويجوز هذا يوم ـ منوناً ـ على إضمار هذا يوم ينفع فيه الصادقين صدقهم.. وهكذا نرى في تفسير كثيراً من آراء علماء النحو مبسوطة ومشروحة قد يميل إلى رأي الآخر، وقد يكتفي بسرد آراء النحاة، واختلاف البصريين والكوفيين في المسألة. وكان الطوسي يؤمن بالقياس في النحو سالكاً نهج سيبويه، والفراء والفارسي، والرماني وابن جني، وأترابهم في هذه السبيل.
15 ـ كذلك يقول في تفسير قوله تعالى: {لعلكم تشكرون} ـ التوبة ـ: معناه لكي تشكروا، وهذه لام الغرض. فالطوسي يسخر النحو ليستدل به على صحة عقيدة كلامية وإبطال رأي المجبرة فيضيف على ذلك: وفيه دليل على فساد قول المجبرة إن اللَّه تعالى ما أراد من الكفار الشرك لأنه لو أراد كفرهم لقال: لتكفروا وذلك خلاف القرآن.
16 ـ نراه حيناً يرد على المفسرين آراءهم النحوية فيقول في قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات}.. إنه التقرير والتنبيه الذي يؤول إلى الإيجاب كما قال جرير: ألستم خير من ركب المطايا… وأنكر الطبري أن يدخل حرف الاستفهام على حرف الجحد بمعنى الإثبات، والبيت الذي أنشدناه يفسد ما قاله وأيضاً قوله: «أليس ذلك بقادر…» وقوله: {أليس الله بكاف عبده}… وغير ذلك يفسد ما قاله.
من مصادر التبيان
إن كتاب التبيان حافل بالعديد من الآراء والمصادر التي اعتمد الطوسي عليها، ورجع في تفسيره إليها، واستدل بآرائها حيناً، ونقدها حيناً آخر، وأضاف إليها إضافات حيناً ثالثاً.
ومن أجل إعطاء صورة واضحة عن التبيان رأيت أن أشير في خاتمة هذا العرض السريع إلى أهم المصادر التي لفتت نظري، ولا شكّ أن في معرفة هذه المصادر ما يوضح لنا إيضاحاً جلياً الكثير من ثقافات الشيخ الطوسي واتجاهاته الفكرية معاً ومدى تأثره بالمفسرين الذين وجه نظرته إليهم.
قد احتوى تفسير التبيان للطوسي على كثير من الآراء اللغوية والنحوية، ويعد موسوعة غنية لمن يريد أن يراجع أقوال العلماء واللغويين في تفسير الذكر الحكيم، وقد أتى الشيخ الطوسي بكمية كبيرة من أقوال علماء مدرستي البصرة والكوفة، ومن مثل ذلك آراء الخليل بن أحمد في اللغة وتفاسيره اللغوية، وقد استفاد الطوسي من كتاب العين للخليل كثيراً، وتفسيره يزخر بآراء الخليل في اللغة والاشتقاق، مع أن كتاب العين للخليل قد فقد، ولكن يمكن أن نستخلص من التبيان الكثير من هذا الكتاب المفقود، ولو عني بعض الباحثين بهذا الأمر لأدوا خدمة جلى بالنسبة إلى اللغة العربية.
أ ـ من الكتاب لسيبويه المتوفى (188هـ) ويستشهد ببعض آرائه النحوية.
ب ـ من الفراء أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبداللَّه بن منظور الديلمي الباهلي (م207هـ)، وهو أول من درس تفسير القرآن في مسجد من مساجد بغداد، كما كان يلقي غير ذلك من دروس اللغة والنحو.
ج ـ من الزجاج. أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل وكان من أشهر تلامذة المبرد، وله معاني القرآن، أو إعراب القرآن ومعانيه وغير ذلك.
د ـ من أبي علي الفارسي: الحسين بن أحمد (أو محمد) بن عبدالغفار الغنوي الفارسي الشيرازي وهو من تلاميذ ابن السراج والزجاج، وله كتاب إعراب القرآن ومصنفات أخرى ـ توفي عام (377هـ).
وللطوسي رأي خاص بالنسبة إلى الاستشهاد بأشعار العرب الجاهليين فهو لا يأتي بهذه الشواهد إثباتاً لإعجاز القرآن وفصاحته، بل إنه يأتي بها قسراً وهو مسير في الإتيان بهذه الشواهد لا مخير كما يحدثنا هو بذلك في مقدمة تفسيره التبيان، فيقول:
« ولولا عناد الملحدين، وتعجرفهم لما احتيج إلى الاحتجاج بالشعر وغيره للشيء المشتبه في القرآن، لأن غاية ذلك أن يستشهد عليه ببيت شعر جاهلي، أو لفظ منقول عن بعض الأعراب، أو مثل سائر عن بعض أهل البادية، ولا يكون منزلة النبي(ص) (وحاشاه من ذلك) أقل من منزلة واحد من هؤلاء، ولا ينقص من رتبة النابغة الجعدي، وزهير وغيرهم، ومن طرائف الأمورأن المخالف إذا ورد عليه شعر من ذكرناه، ومن هو دونهم سكنت نفسه، واطمأن قلبه، وهو لا يرضى بقول محمد بن عبداللَّه بن عبدالمطلب، ومهما شكّ الناس في نبوته فلا مرية في نسبه وفصاحته. فإنه نشأ بين قومه الذين هم الغاية القصوى في الفصاحة، ويرجع إليهم في معرفة اللغة…» إلى أن يقول: «وقد علمنا أنه ليس بأدون الجماعة في الفصاحة، وكيف يجوز أن يحتج بشعر الشعراء عليه، ولا يجوز أن يحتج بقوله عليهم، وهل هذا إلاّ عناد محض، وعصبية صرف، وإنما يحتج علماء الموحدين بشعر الشعراء، وكلام البلغاء اتساعاً في العلم، وقطعاً للشغب، وإزاحة للعلة، وإلا فكان يجب ألا يلتفت إلى جميع ما يطعن عليه لأنهم ليسوا بأن يجعلوا عياراً عليه بأولى من أن يجعل هو عليه السلام عياراً عليهم».
ولهذا الرأي من الأهمية والصواب ما لا يخفى على من درس الأدب الجاهلي، وما قيل في انتحاله.
وجدير بالذكر أن أنوه هنا عن بعض مصادر التفسير من حيث أهميتها، ولأجل الاطلاع على المراجع الهامة التي استقى الشيخ الطوسي منها تبيانه، ففي ثنايا تفسير التبيان نرى الشيخ يذكر أسماء تفاسير مختلفة ومتنوعة، كتفسير البلخي، والرماني، ومحمد بن بحر، والزجاج، والطبري، ومن كتاب خصائص القرآن لحسين بن علي المغربي. إلى غير ذلك.
وقد نقد هذه التفاسير في مقدمة تفسيره، وكثيراً ما كان ينقل عن هذه التفاسير شارحاً الآيات القرآنية، أو أنه ينقدها بنقد ينبىء عن اطلاع وسعة باع، وقد اختص من بين تلكم التفاسير تفسير أبي مسلم محمد بن بحر الأصفهاني، وتفسيره هذا «جامع التأويل لمحكم التنزيل».
وقد لعبت أيدي الزمان بهذا التفسير فأبادته، وقد قام الأستاذ سعيد الأنصاري من الهند بالتقاط نصوص هذا التفسير من مفاتيح الغيب المعروف بالتفسير الكبير للفخر الرازي، وسماه «ملتقط جامع التأويل لمحكم التنزيل» طبع في كلكته عام 1330هـ، والشيخ الطوسي يكثر من الاستشهاد بقول أبي مسلم في لغوياته وتفسيره للآيات القرآنية.
بين الطوسي والرماني
وننتقل إلى ناحية أخرى في هذا العرض السريع، وهي نظرة فيما يتعلق بآراء الطوسي، والرماني في تفسيريهما، وإن كان تفسير الرماني مفقوداً إلا أن الطوسي يشير إليه كثيراً، وقد وصفه الطوسي في مقدمته بأنه أصلح من سلك في التفسير مسلكاً جميلاً، وأصلح ما صنف في هذا الباب لولا إطالته.
فتفسير الطوسي يمكن أن يكون جامعاً لكثير من المجلدات المفقودة من تفسير الرماني (الجامع) ولو قام أحد منا بمثل ما صنعه الأستاذ الأنصاري بالنسبة إلى أبي بحر لأسدى خدمة عظيمة للقرآن وللعلم.
ويوجد الجزء السابع منه في باريس. أول 6523.
وقد صور معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية قسماً من تفسير الرماني عن نسخة عثر عليها في المسجد الأقصى، والنسخة جميلة ومشكولة، ويرجع تاريخ نسخها إلى القرن السادس الهجري، وتقع في «150» ورقة من القطع المتوسط، وهي ناقصة من الأول والآخر، وتحمل رقم (16 ـ 490) وتبتدىء بتفسير قوله تعالى، من سورة إبراهيم: {يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن وراءه عذاب غليظ} وتنتهي بتفسير الآية 35 من سورة الكهف وهي قوله تعالى: {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً} وهذه المصورة صحيحة النسبة إلى الرماني بعكس تفسير «جزء عم» وهي محفوظة بدار الكتب المصرية ـ قسم المكتبة التيمورية ـ ففي رأيي أن هذه المخطوطة ليست صحيحة بالنسبة إلى الرماني، وهي صورة طبق الأصل من تفسير الكشاف، فإذا سلمنا جدلاً بأن هذا التفسير حقاً للرماني يكون معنى ذلك أن الزمخشري انتحل تفسير الرماني، ونسبه إلى نفسه، وأعتقد أن هذا يتنافى مع ما نعرفه من الظروف التي كانت تحيط بالزمخشري من ناحية منافسيه ومخالفيه في الرأي.
على أن تفسير هذا الجزء يتسم بسمة معاداة الاعتزال، ونحن نعرف أن الرماني كان معتزلياً، فهو ينتهز فرصة تفسيره لبعض الآيات ليحملها على تأييد آراء جماعة المعتزلة وقد وقع بعض الباحثين في خطأ الانتساب وأخذ يستنتج استنتاجات لا أصل لها.
وهكذا نرى الطوسي ينظر إلى الرماني، وإلى آرائه بعين الاعتبار، فيقول في: «حم قد ذكر فيما تقدم أن «حم» اسم للسورة، وإنه أجود الأقوال. قال الرماني: وفي تسمية السورة بـ«حم» دلالة على هذا القرآن المعجز كله من حروف المعجم لأنه سمي به ليدل عليه بأوصافه. ومن أوصافه أنه مفصل قد فصلت كل سورة من أختها، ومن أوصافه أنه هدى ونور، فكأنه قيل هذا اسمه الدال عليه بأوصافه…
الدكتور مرتضى الشيرازي
تتارستان
كتب حيدر حيدر علي في نيسان سنة 1994 عن تتارستان ما يلي:
تقع جمهورية تتارستان في جمهورية روسيا الاتحادية، إلى الشرق من موسكو، فهي مثل الجزيرة في بحر كبير، وتربط مناطق روسيا بسيبيريا وروسيا بالجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى وعاصمتها مدينة قازان ومن مدنها الشهيرة مندلي وعباس وبلطة جي والمحمد ومحمد شاه وياقرجي وإلخ.
واليوم الوطني لتتارستان هو الـ30 من أغسطس من كل عام وهو يوم الاستقلال. وعلمها يتألف من اللونين الأخضر والأحمر وبينهما خط أبيض.
ويبلغ عدد سكان تتارستان (اليوم سنة 1994) 3,800,000 نسمة يعيش معظمهم في العاصمة قازان ويتوزع الباقون في أنحاء البلاد.
القوميات الأساسية التي تعيش في تتارستان هي التتار واسمهم الآخر أتراك الشمال وقومية الشواش والروس والباشقرد والأذربيجانيين… وحسب النسب الآتية سكان تتارستان هم 55% تتار و35% روس و10% من أبناء 75 قومية مختلفة.
99% من التتار يعيشون خارج تتارستان. وهناك مناطق تترية كثيرة ما زالت حتى الآن محتلة من قبل روسيا. ذلك الاحتلال الذي استمر من العام 1556م بعد حرب الروس الصليبية ضد مملكة قازان.
واليوم يعيش 55% من التتار في مختلف المناطق الروسية و10% في جمهورية أوزبكستان والباقون في الولايات المتحدة الأميركية وكندا وأستراليا والدنمارك والسويد وفنلندا وجمهورية إيران الإسلامية وتركيا والصين الشمالية والشرقية واليابان ومصر وسوريا والسعودية وأفغانستان والمانيا وفرنسا. و23% من سكان العاصمة الروسية موسكو هم من التتار ويشكلون 10% من سكان سانت بترسبورغ.
أول من دخل تتارستان من المسلمين الشيعة هم من سواد العراق وإيران. وكان ذلك في زمن العباسيين. وفي مدن بلغار (الاسم السابق لتتارستان) الكثيرة كانت للشيعة أحياؤهم ثم ازداد عددهم حتى وجد سفراء بغداد إلى بلغار، آلاف الشيعة من العراق وإيران. عند قدومهم بطلب من الملك شهر بلغار. وفي عام 922م وقعت الأحداث المعروفة عندما وصلت قافلة الخليفة من بغداد وقبول الملك الماس خان الإسلام ديناً رسمياً للدولة. والشيء البارز في تتارستان إنه لم يسبق إن وقعت أي أحداث ضد الشيعة، حيث يعيش التتار سنّة وشيعة معاً متعاونين. وكانت الحوزات العلمية والحسينيات منتشرة في بلغار، وفي كل قرية حسينية. نذكر منها على سبيل المثال ـ حسينية إبراهيم وحسينية مصره وغيرها.
حكم الشيعة بلغار في مراحل مختلفة من التاريخ ومن هؤلاء الحكام علي ميرزا وعلي دوست، وعليدار.
إضافة إلى الشيعة التتار عاش في هذه الأرض آلاف الإيرانيين والعرب من الشيعة.
أما اليوم فأبناء الشيعة من التتار نسوا هويتهم الشيعية. وأما كيف حدث ذلك؟ ولماذا؟ فبعد الانقلاب الشيوعي الدموي لم يعان المسلمون من مشاكل كبيرة في تتارستان خلال قيادة لينين، رغم أنه حارب حتى المسحيين الروس. ونستطيع أن نضرب مثلاً على ذلك، في بناء المساجد والحسينيات وطباعة الكتب أيام حكمه، أما بعد موته، فبدأت المذبحة ضد المسلمين جميعاً حين أعلن ستالين حربه على المسلمين وتمّت مصادرة جميع أوقاف أتباع المذاهب الإسلامية الخمسة وأملاكهم وبلغ عدد المدارس والحوزات التي أقفلت في تتارستان والمناطق التتارية المجاورة لها 3200 مدرسة وحوزة علمية، بما فيها أشهر المعاهد الدينية مثل القاسمية للشافعيين ومعهد الحسينية للشيعة، والمحمدية للأحناف.
عاصمة تتارستان… قازان
الجدير بالإشارة أن كل المدارس والحوزات العلمية كانت في المساجد ويقدر عدد رجال الدين الذين قتلوا على أيدي الشيوعيين بأكثر من 35,000 عالم. ولم يبق من الأساتذة والملالي وشيوخ الإسلام على قيد الحياة سوى ثلاثة علماء، أما الباقي إما قتلوا أو فقدوا أو هاجروا وهذا ما حدث للمذاهب الإسلامية الأخرى أيضاً.
في الستينات، وبعد موت ستالين، أخذ النظام الشيوعي في تغيير سياساته إزاء المسلمين وذلك بتعيين رجال المخابرات كمشرفين دينيين في المساجد. ومن النتائج السيئة لهذه السياسة المشبوهة ـ محو الكثير من عقائد أبناء المذاهب الخمسة، لأن رجل الدين في المسجد هو المشرف العام على كل نشاطات المسجد. ففي ظروف عدم وجود رجال دين تقوم السلطة بتعيين رجالها للقيام بالتوجيه السياسي والعقائدي لمصلحتها. هكذا فقد أهل الشيعة وأبناء المذاهب الإسلامية الأخرى الكثير من كتبهم التي أحرقت، والحسينيات التي هدمت وقتلت العلماء ولم يبق منهم أحد حياً وكانوا يجيدون التحدث باللغتين العربية والفارسية. وتوجد لدينا معلومات دقيقة على أنه قبل الانقلاب الشيوعي في أكتوبر 1917م، كان كل واحد من اثنين من التتار يفهم اللغة العربية أو الفارسية.
من المعروف أن سكان تترستان هم 100% من المسلمين. فمنهم 55% من الأحناف و32% من الشافعية و13% من المالكية و20% من الشيعة.
نحن الشباب، ومن نجا من المذبحة الشيوعية نحاول محاولة أخيرة لإنقاذ إسلامنا في ظروف يقوى فيها موقف المناوئين لنا ولا يوجد عندنا جهة تدعمنا ولن نستطيع أن نحقق أي نجاح لأنه لا توجد عندنا الحسينية أو المركز الإسلامي ولا الكتب ولا دار الطباعة ولا حتى إمكانيات مادية لبناء هذه المراكز والحسينيات.
ونحن لدينا مشروع كبير وهو بناء مركز إسلامي فيه حسينية وحوزة علمية ومكتبة ودار للطباعة، تقدر تكاليف هذا البناء وتجهيزاته بـ13,000 دولار أمريكي، وإذا كنا لا نملك هذا المبلغ والجهات الإسلامية الأخرى لا تقدم لنا شيئاً .. فنحن ننتظر اليد التي ستمتد إلينا بالعون الأخوي.
حيدر حيدر علي ـ تتارستان
تجارب الأمم وتعاقب الهمم
والكتابة التاريخية عند مسكويه
كل من يتقدم من دراسة الطبري إلى دراسة مسكويه، يجد أن مؤهلات الأخير لتأليف التاريخ أعظم جداً من مؤهلات سلفه، وكانت لديه ميزة كبيرة في أخبار عصره من معرفته الشخصية بالرجال المشهورين. إذ كان قادراً على الحصول على المعلومات من مصادرها الأصلية. أضف إلى ذلك، أنه كان عارفاً بمناهج الإدارة والحروب في عصره، مما يسّر له وصف الأحداث وصف عارف، والحكم على الأعمال حكم واقف على دقائقها».
(مارغوليوث، دراسات. ص143)
تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق أمرين:
الأول، التعرف على مسكويه المؤرخ، باعتباره واحداً من كبار مؤرخي الحقبة الإسلامية.
الثاني، تتبع تطور علم التاريخ عند العرب، من خلال كتاب تجارب الأمم ودور مؤلفه مسكويه في هذا المجال.
والدافع لهذا البحث، ندرة الدراسات والأبحاث عن مسكويه المؤرخ وعن كتابه «تجارب الأمم وتعاقب الهمم».
وقبل المباشرة بموضوعنا، أودّ أن أؤكد على موضوعتين:
الأولى، أنه لا يمكننا، دراسة على عمل تاريخي من دون دراسة واسعة وشاملة للمؤرخ الذي كتبه. فليس هناك كتابة تاريخية مستقلة عن المؤرخ. إلا أن هذا، يجب أن لا يعني على الإطلاق، أن تدخل «المؤرخ» بتاريخه عمل سلبي وابتعاد عن الحقيقة والموضوعية. فبقدر ما نتعرف على المؤرخ (حياته، تفكيره، مصادره.. إلخ) سيكون بمقدورنا ليس فقط إدراك نوعية الأحداث التي أوردها، وأسباب انتقائه إياها عن غيرها، بل أيضاً وهذا هو الأهم سيكون بمقدورنا أن نسير بالاتجاه الصحيح للاقتراب من الحقيقة.
إن معرفتنا بأن مسكويه كان فيلسوفاً ورجل أخلاق، وتعرفنا على اتجاهاته وأوضاعه السياسية والاجتماعية والفكرية وآراء أصحابه وأخصامه، سيفسر لنا الكثير من تاريخه. ولهذا شدد ابن خلدون على الواجبات والمهام التي يجب أن تتوافر في المؤرخ.
أما الموضوعة الثانية، فهي أنه، لكي نقدّر ونقيّم عملاً تاريخياً، علينا أن ندرك بصورة دقيقة المنطلقات التي نظر بها المؤرخ إلى عمله. هذه المنطلقات ذات الخلفية الاجتماعية والتاريخية، تحتم علينا دراسة بيئته الاجتماعية والتاريخية، وهذا ليس بالعمل السهل. إذ لا يكفي الاطلاع على كل ما كتب عن هذه البيئة من كافة النواحي والأوجه للخلوص إلى نتائج سليمة، بل الأهم أن نضع أنفسنا مكان المؤرخ ونتعامل معه انطلاقاً من مفاهيم عصره ومن قوانين العلاقات والصراعات التي حكمت تلك الفترة، والتي انعكست بدورها على كتابته بشكل أو بآخر.
على أنه يجب أن لا يفهم من قولنا هذا بأنه دعوة «للتقوقع» في مفاهيم الماضي، ونظرة أحادية الجانب في تفسير وتأويل التاريخ. فالتمثل بالكاتب المؤرخ هو الوجه الأول للتقييم، أما الوجه الثاني، فهو إدراك ذاك الماضي على ضوء الحاضر، عندها يمكننا الخلوص إلى تقييم سويّ للمؤرخ وأعماله.
الأمر متداخل وليس متناقضاً، فالعمليتان مرتبطتان بعضهما ببعض ومتداخلتان في آن معاً، والانزلاق في ترجيح إحداهما على الأخرى أمر كثير الوقوع، وما علينا ألا أن نظل في محاولتنا للإمساك بكلا الخيطين دون أن نسمح لأحدهما بشدنا إليه على حساب الآخر. إلا أنه يجب أن لا يعني ذلك الدعوة لتقييمين مستقلين، الأول على ضوء الماضي، والثاني على ضوء الحاضر، بل الاستفادة من معارف الحاضر لقراءة ذاك الماضي. ولا يتسع المجال هنا لتوضيح وإثبات ما أشرت إليه، فالمقصود هو تحديد بعض عناصر منهجية هذا البحث.
ـ 1 ـ
الكتابة عن مسكويه تعترضها مجموعة من الصعاب، القسم الأكبر منها لا يواجه أي دارس لأحد كبار كتّاب الحقبة الإسلامية، خاصة تلك التي عاش خلالها صاحب كتاب تجارب الأمم. أي القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي.
فهذا العصر هو عصر الكبار: الهمذاني، الثعالبي، التوحيدي، ابن حزم، ياقوت، القفطي… إلخ. الذين لم يخل أي كتاب تراجم وضع في عصرهم أو في العصور التالية عن ذكرهم. والذين تحفل المطبوعات الحديثة بالدراسات عنهم وعن مؤلفاتهم، الأمر الذي أتاح الوصول إلى مجموعة تحديدات أصبحت حقائق ثابتة حول مجمل ما يتعلق بهم: أسمائهم، حياتهم، علومهم، تقييم تلك العلوم… إلخ. في حين أن مسكويه، والذي عاش بينهم وفي عصرهم وكان على صلة مباشرة ببعضهم، فلقد أهمل من بعض كتّاب التراجم في عصره وفي العصور اللاحقة. واختلف حوله في كل شيء في اسمه وأصله، وسنة ولادته ومكان وفاته، وفي مسلكه وتقييم علومه ومؤلفاته.
هذا الإهمال من القدماء والذي استمر بشكل تام حتى مطلع هذا القرن، والمستمر لغاية اليوم فيما يتعلق بكونه مؤرخاً، هو إحدى هذه الصعوبات، كذلك الخلاف الحاد حول مؤلفاته هو المشكلة التالية. خاصة وأن الدراسات العربية الحديثة، اقتصرت في معظمها على دراسة مسكويه «الفيلسوف» وغلب على أصحابها وجهة الدفاع الكامل عن مسكويه وفلسفته، رافضين الأخذ بالانتقادات التي وجهت إليه، رادّين كل ما قيل بحقِّه إلى «العداوات الشخصية والحقد…» متبنِّين ما يحلو لهم من أقوال القدماء بحق مسكويه دون الأخذ بعين الاعتبار وبالحماس نفسه أقوال خصومه([98]*).
أما المستشرقون، فبالرغم من أهمية الإشارات والملاحظات التي دوّنها مرغوليوث عن مسكويه في مقالتين صغيرتين، بالإضافة إلى مقدمة كيتاني(*)، فإن ما أورده اللاحقون في الموسوعات التي صدرت فيما بعد، لم تزد عن الأمر شيئاً بل كانت في الواقع أقل مما كتبه وأشار إليه السابقون. فيما انصبّت أعمال البعض على تأكيد اكتشافهم لمسكويه الفيلسوف(*). ومع ذلك فما زال مسكويه الفيلسوف والطبيب والكيميائي والمؤرخ والأديب مدار بحث وتدقيق.
المصادر والمراجع
إن الكتب العربية القديمة خاصة تلك التي تعرف بكتب التراجم، هي أهم مصادرنا للتعرف على مسكويه، كذلك كتب ومؤلفات الذين عرفوه وكانوا على صلة به من فلاسفة وأدباء. رغم أنه ليس هناك بين المؤلفين العرب القدماء من تناول مسكويه بالبحث والتحليل لسائر أبواب فكره أو بعضها حتى يمكن أن يصدر أحكاماً صحيحة لها قيمتها… ففيما أغفل البعض حتى عن ذكره، اكتفى الآخرون بإيراد شيء يسير عن سيرته ومؤلفاته ونشاطه، مختلفين في تقييمه. البعض يهاجمه، والبعض الآخر يتخذ موقفاً مخالفاً لذلك. بل إن المؤلف الوحيد قد يكون في كتاب واحد تارة خصماً له وتارة صديقاً له)[99]).
من هؤلاء الكتّاب الذين عاشوا في عصر مسكويه وعرفوه وعرفهم، هناك: المنطقي، التوحيدي، ابن النديم، الثعالبي، ابن سينا، والهمذاني.
المنطقي وهو أبو سليمان السجستاني (300 ـ 375هـ) كان تلميذاً ليحيى بن عدي تلميذ الفارابي الأول، وكان عظيم زمانه وله الكتاب المشهور «منتخب صوان الحكمة»)[100]). وأهمية ما يقوله، يعود إلى أن التوحيدي الذي يعتبر من المتحاملين على مسكويه، يقرّ بدقة نظر المنطقي وحسن تقييمه، الذي يورد مختصراً للوظائف التي احتلها مسكويه منذ صحبته للوزير المهلبي وحتى صمصام الدولة. معدداً المواضيع التي كتب فيها، مشيراً إلى كثرة مؤلَّفاته وبلاغته مختتماً كلامه عنه بالقول «وقصة فضائله وأحواله وسيره تستدعي طولاً»)[101]).
والواقع أن معظم الذين دافعوا عن مسكويه يستندون إلى أقوال المنطقي للرد على أبي حيان التوحيدي وهو خير من حدثنا من القدماء عن مسكويه وكان يتامل عليه كثيراً)[102]). وكان التوحيدي (310/ 320 ـ 414هـ) الذي يصفه متز بأنه ربما كان من «أعظم كتّاب النثر العربي على الإطلاق» و«لم يكتب في النثر العربي بعد أبي حيان ما هو أبسط وأقوى وأشد تعبيراً عن مزاج صاحبه مما كتب أبي حيان»)[103]). قد عرف مسكويه عن قرب وعاشره فهو أهم من كتب عنه «وأغزرهم»، إلا أن الصفة الملازمة والتي يجمع عليها الكثيرون أنه كان متحاملاً ضد كل من «وفق في حياته من الكتّاب في زمانه»)[104]). فلقد كان التوحيدي حسب ما يراه «فناناً غريباً بين أهل عصره، وكان يعاني وحشة من يرتفع عن أهل زمانه ويتقدم عليهم»)[105]). أما صاحب كتاب تاريخ الفلسفة في الإسلام فيتهم التوحيدي بـ«سخف اللسان وقلة الرضا واتخاذه الثلب ديدناً)[106]). وعلى كل حال، فالتوحيدي نفسه يقرّ ببعض هذه التهم)[107]).
يعرض التوحيدي لمسكويه في أربعة من كتبه «المقابسات»)[108]) ص326. «مثالب الوزيرين»)[109]) حيث يعرض له خمس مرات: ص23 ـ 24، 201، 326، 346، 464. ثم في «الإمتاع والمؤانسة»)[110]) سبع مرات: ج/1 ص32، 35 ـ 36، 48 ـ 49، 136، ج/2، ص2، 39، ج/3، ص227. وأخيراً في كتابه «الصداقة والصديق»)[111])، ص67 ـ 68. ويمكننا تلخيص آراء التوحيدي بمسكويه على الوجه التالي:
1 ـ إن مسكويه لم يكن طويل الباع في الفلسفة النظرية. ولم يحصّل فيها الكثير على الرغم من الفرص العظيمة التي أتيحت له من وجود أساتذة ممتازين قيمين بالعلوم الحكمية مثل المنطقي وأبي الحسن العامري، وهو يعزو ذلك إلى قصور فهم مسكويه، ويؤيده في هذا الرأي ابن سيناء، كما سنرى لاحقاً)[112]).
2 ـ إن مسكويه كان حريصاً على الدنيا وعلى طلب المال، وأن هذا هو الذي يفسر اشتغاله بالكيمياء وأنه كان بخيلاً كل البخل حريصاً على طلب الدنيا لدى أصحاب السلطان، غير حرّ في نفسه ولا زاهد في شؤون الحياة)[113]).
3 ـ إن مسكويه كان منافقاً يعظ بما لا يتعظ هو به، ويدعو إلى أخلاق لا يقوم هو عليها في سلوكه.
وإلى هذه النقاط الثلاث، التي لخَّص بها عبدالرحمن بدوي)[114]) آراء أبي حيان بمسكويه، نضيف:
4 ـ إن مسكويه كان لطيف اللفظ، رطب الأطراف، رقيق الحواشي… ذكيّ، حسن الشعر، نقي اللفظ)[115]).
5 ـ إن مسكويه كان من الرجال المهتمين بالعلم والموصفين بين الكبر، مثل أبي الوفاء المهندس وأبي زرعة المتفلسف)[116]).
هذه ملخص آراء التوحيدي بمسكويه كما وردت في مجمل كتبه التي أشار فيها إليه. وهي توحي بأن التوحيدي متناقض في أقواله بحق الرجل، وهذا ما أشار إليه آركون([117]) وبنى عليها موقفه الرافض لاتهامات التوحيدي بحق مسكويه. فإلى أية درجة بلغ تحامل التوحيدي على مسكويه؟ وهل التناقض في أقواله دليل على ضعفها ودعوة لعدم الأخذ بها؟.
لنر أولاً كيف يتحدث التوحيدي عن صديقه الذي أسدى إليه خدمة لا تنسى أي أبو الوفاء المهندس (336 ـ 376هـ) وكان أحد الأئمة المشاهير في علم الهندسة ومن كبار المترجمين، وقد لقي التوحيدي في آرجان بفارس فوصله بالوزير ابن العارض الملقب بابن سعدان، فلقي عنده الرعاية والتكريم. وقد أهدى التوحيدي كتابه «الإمتاع والمؤانسة» إلى أبي الوفاء اعترافاً بفضله وجميل صنعه. كما أن التوحيدي ختم كتابه الإمتاع برسالة شكوى من البؤس ورجال المعونة موجهة إلى أبي الوفاء المهندس تدلل على مدى اعتماده على صداقته ومؤازرته)[118]).
هذه الصداقة التي ربطت بين التوحيدي وأبي الوفاء لم تمنع أبا حيان من إظهار إحدى نواقص صاحبه فيقول «وأما أبو الوفاء فهو واللَّه ما يقعد عن المؤانسة الطيبة والمساعدة المطرية والمفاكهة اللذيذة…، إلا أن لفظه خراساني وإشارته ناقصة، هذا ما استفاده بمقامه الطويل ببغداد، والبغدادي إذا تخرسن كان أحلى وأظرف من الخراساني إذا تبغدد»)[119]).
إذاً، فالتوحيدي لا يتردد في إظهار حسنات وسيئات صديقه أبي الوفاء. فلا عجب إن أبرز مساوىء خصومه. وهو بذلك يؤكد ما قاله من أنه لم يكذب فيما روى بل جمع المثالب الموجودة عندهم وأبرزها، ولم يمنعه ذلك من ذكر بعض فضائلهم)[120]).
على ضوء كل هذا، كيف ننظر إلى اتهامات التوحيدي وأقواله المتناقضة في الظاهر، بحق مسكويه؟.
لا شكّ أن التوحيدي كان يعاني من عقدة اضطهاد وظلم الآخرين والمجتمع له. ومن يقرأ رسالته إلى أبي الوفاء المهندس والتي ختم بها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» وضمّنها شكواه من حالة البؤس التي يعيش فيها وسوء حظه، وظلمه، وعدم تقدير كفاياته)[121]). يفهم نقمته وقسوته في أحكامه على كل من نعم بالتقدير المادي والعنوي من أهل زمانه. وأشد قسوة وعدائية مع من ظلمه أو قلل من قدره وقيمته. ولا يجد طريقة للانتقام سوى بالبحث عن عيوب الآخرين وسقطاتهم وزلاّتهم وإبرازها، منتقصاً من مكانتهم الشخصية والاجتماعية والعلمية. وطريقته في ذلك، البحث عن العيوب الصغيرة والموضوعية عند هؤلاء، فيظهرها ويشير إليها دون الإشارة إلى محدوديتها أو ظروفها أو أوانها، ويعمد إلى تعميمها وتضخيم نتائجها وإطلاق الأحكام على ضوئها. فإذا ما سأل مسكويه عن الفرق بين «تَفعال وتِفعال فقد اشتبها؟» ولم يجبه، فلأنه على حدّ قول التوحيدي لم يكن «له فيها مطلع» يخرج بحكم قاس وغير دقيق على مسكويه وأهل العلم في زمانه بأن ذلك «دليل على دثور الأدب وبوار العلم والإعراض عن الكدح في طلبه»)[122]).
وكذلك يأخذ التوحيدي)[123]) من عمل مسكويه بالكيمياء كان في مطلع شبابه، كما أن هذا الاهتمام أو الهوس بتحويل المعدن إلى ذهب قد شدّ الكثيرين من أصحاب العلم والفلسفة. حتى أن شيخ التوحيدي أبا سليمان المنطقي أكبر علماء بغداد في زمامه، قال، وحسب رواية التوحيدي نفسه، بإمكان حصوله)[124]).
ولن ندخل في فاصيل التهم الأخرى الشخصية منها خاصة)[125]) فقد أوفاها عزت وآركون مناقشة ودحضاً)[126]). إنما نخلص إلى القول، بأن الأحكام التي أصدرها التوحيدي بحق مسكويه إنما استندت إلى بعض الهفوات، والأخطاء والعيوب التي لا يخلو من بعضها إنسان، وجرى تضخيمها وتعميمها لتعطي انطباعاً وأحكاماً غير دقيقة ولا تعكس بأي حال حقيقة الرجل الشخصية والاجتماعية والعلمية. يكفي أن نستشهد بأقوال أبي سليمان المنطقي الذي يعتبره التوحيدي أستاذه وشيخه والذي يصفه بأنه كان بين أهل زمانه «أدقهم نظراً، وأقعرهم غوصاً، وأصفاهم فكراً، وأظفرهم بالدرر، وأوقفهم على الغرر»)[127]). فهو خير من يرد على أبي حيان فيما يرويه عن مسكويه. فأبو سليمان يصف مسكويه بأنه كان ذا شخصية محبوبة عند سائر الأمراء والوزراء، وأنه معروف يجلّه الناس قاطبة لأن سمعته الحسنة سبَّاقة إليهم. وإنه عالم له القدح المعلَّى في التأليف في سائر أبواب المعرفة، وأنه كان غريز الإنتاج في هذا الباب وأنه كان يؤدي ذلك في أسلوب شيّق على درجة فائقة من البلاغة، وأن هذه المؤلفات كان لها حظّ الإقبال والتقدير على سائر الناس. كما يذكر أبو سليمان، أن مسكويه كان كفؤاً أن ينازل في الأدب أهل زمانه من الكتّاب إذا ساجلوه. وهذا ما فعله مع التوحيدي نفسه عندما قصده هذا الأخير بمسائل معيّنة وضعها في رسالة سمّاها «الهوامل» فأجابه مسكويه عنها في رسالة أخرى سماها «الشوامل». وعلى الصعيد الشخصي يؤكد أبو سليمان أن مسكويه كان رجلاً فاضلاً سيرته حسنة وأخلاقه طاهرة)[128]).
إذا كانت شهادتيّ التوحيدي وأبي سليمان المنطقي بحق مسكويه من أهم شهادات معاصريه والتي استحوذت على اهتمام الباحثين. فهناك أيضاً شهادات معاصرين آخرين وإن لم تكن بالأهمية نفسها. من هؤلاء: الثعالبي، أبو منصور (429هـ) صاحب «يتيمة الدهر» و«تتمة اليتيمة»، وقد خصص مسكويه، بأربع صفحات في التتمة)[129]). والخوارزمي، أبو بكر (383 أو 393هـ) وقد ذكر مسكويه في إحدى رسائله)[130]). والهمذاني، بديع الزمان (389هـ) الذي تبادل رسالة اعتذار مع مسكويه)[131]) وأخيراً هناك من معاصريه ابن سينا التي تستحق روايته عن مسكويه. التوقف قليلاً أمامها.
الشيخ الرئيس ابن سينا ( 328-370 هـ) عرف مسكويه لكنه كان على علاقة سيئة به. وليس لدينا من أقواله بحق مسكويه سوى روايتين، الأولى نقلها القفطي (646هـ) وفيها يتهم ابن سينا مسكويه بـ(عسر الفهم))[132]). والثانية نقلها البيهقي (575هـ)، وهي وإن كانت تصب في الاتجاه نفسه أي الطعن بعلوم مسكويه الفلسفية، إلا أنها الأهم لأنها تروي تفاصيل ما حصل وتتيح لنا تحليل نتائجه. إذ تذكر تلك الرواية أن ابن سيناء «كان مؤذياً، دخل على الحكيم أبي علي بن مسكويه صاحب تجارب الأمم… والتلامذة حوله فرمى أبو علي (ابن سينا) إليه جوزة وقال بيِّن مساحة هذه الجوزة بالشعيرات. فرفع ابن مسكويه أجزاء في الأخلاق ورماها إلى ابن سينا وقال: أما أنت فأصلح أخلاقك أولاً حتى استخرج مساحة الجوزة وأنت أحوج إلى إصلاح أخلاقك مني إلى مساحة الجوزة…»)[133]).
هذا النصر له أهميته، كما يقول عزت، «لأنه يوقفنا على أن مسكويه في شيخوخته اهتم بالفلسفة وبتدريسها ويلقي الضوء واضحاً على طباع مسكويه وخصاله، لأن رده على ابن سيناء كان ردّ عالم فيه كثير من الأدب، وهذا بخلاف أخلاق الشيخ الرئيس، وربما كانا له العذر في تطاوله على علماء عصره، فلقد كان في ذلك الحين يندفع تحت تأثير حمية الشباب…»)[134]).
أما المتأخرون الذين ذكروا مسكويه في كتبهم ومؤلفاتهم، فمنهم: الروذاوري، ياقوت، الشهرزوري، الخوانساري، ابن أبي أصيبعة، ابن خلكان، والصفدي، ومن المتأخرين جداً، حاجي خليفة في قاموسه)[135]).
أما في العصر الحديث، فإن دراسة مسكويه لم تبدأ إلا في الأربعينيات من هذا القرن، قبل ذلك أي منذ 1854م تاريخ طباعة أول كتبه «تهذيب الأخلاق» في الهند، فإن الحديث قد اقتصر عن مسكويه في المقدمات التي وضعت لطباعة كتبه التي نشطت ابتداءً من 1901م طباعة كتابه «الفوز الأصغر» في بيروت. وقد أفاض عزت في الحديث عن الذين قدموا لمؤلفات مسكويه في تلك الفترة، حيث غلب على كتابتهم النقل والاختصار ولم يضيفوا شيئاً جديداً. لكن منذ سنة 1910م تقريباً بدأت الدراسات عن مسكويه تأخذ طابعاً جدياً ونقدياً. ومن الذين تحدثوا عنه، جورجي زيدان في كتابه «تاريخ آداب اللغة العربية»، وسركيس في «معجم المطبوعات العربية والمصرية» وأحمد أمين في مقدمته لكتابي مسكويه والتوحيدي «الهوامل والشوامل»، وعبدالرحمن بدوي في مقدمته لكتاب مسكويه «الحكمة الخالدة»، ومن كتَّاب التراجم الزركلي في كتابه «الأعلام»، وكحالة في «معجم المؤلفين، والسيد محسن الأمين في «أعيان الشيعة»)[136]).
أما بالنسبة للكتّاب الأجانب، فأول من تحدث منهم عن مسكويه الطبيب والفيلسوف: ليكلرك Leclerc في كتابه «تاريخ الطب عند العرب» ثم راست Rasset,R في كتابه عن لغز قابس الذي تنسب ترجمته إلى مسكويه، ثم دي بور De Boer في كتابه «تاريخ الفلسفة في الإسلام» وكذلك برو كلمان، أميدروز، كارا دوفو Brockelmann, Amedroz, Carra de Vaux وغيرهم)[137]).
ومن بين هؤلاء الكتّاب الحديثين، العرب والأجانب الذين كتبوا عن مسكويه، سنتوقف عند ثلاثة: عبدالعزيز عزت، محمد آركون، ومارغوليوث Margoliouth.
أصدر عبدالعزيز عزت كتابه (ابن مسكويه. فلسفته الأخلاقية ومصادرها سنة 1946م، فكان أول دراسة موسعة ومتخصصة عن مسكويه، وإن خصصه للجانب الفلسفي عنده إلا أنه تطرق لمختلف نشاطه الفكري والاجتماعي.
وأهم ما يمتاز به الكتاب هو ذلك الجهد الكبير المبذول في تجميع المصادر والمراجع، حتى يمكننا القول أنه اطلع على معظم ما كتب عن مسكويه قديماً وحديثاً عند العرب والأجانب، المنشور والمخطوط، حتى أيامه. إلاّ أن عزت يقصر دراسته على مسكويه الفيلسوف ولا يبحث في مسكويه المؤرخ. كما أنه يعمد إلى الدفاع المطلق عن مسكويه، ويسوّق الحجج والبراهين لنفي أية تهمة شائبة لحقت بصاحبه، فيجد له العذر الذي يبرر به أية شائبة ألصقت به ولا يتردد عن تفسير الاستشهاد الواحد حسب ما يلائم توجهه)[138]).
أما محمد آركون الذي يكتب بالفرنسية، فهو أغزر من كتب عن مسكويه فقد نشر وحقق ثلاثة كتب لمسكويه. ووضع دراسات عن مسكويه الفيلسوف والمؤرخ، أهمها فيما خص موضوعنا مباشرة اثنتان:
1- Ethique et Hisotire d’aprés les Tajarib al-Umam, in Atti del III Congresso di Studi Arabie Islamici 1967, 2 – Contribution â l’Etude de l’Humanisme Arabe au IV/X siecle: MISKAWAYH, PHILOSOPHE ET HISTORIEN. Paris, J. Vrin: 1970.
لقد استفاد آركون من كل من كتب عن مسكويه، ونقده وحلله بصورة ممتازة، لكنه يقع بدوره في نفس ما وقع به عزت في الدعاء الشديد عن الرجل. ولقد أضاف على عزت في أنه وإن أعطى للفلسفة عند مسكويه الاهتمام الأول والأكبر في أبحاثه إلا أنه أفرد لمسكويه المؤرخ جانباً من دراساته من منطلق استكمال بحثه عنه كفيلسوف أخلاقي)[139]).
أما Margoliouth فهو أهم المستشرقين الذين كتبوا عن مسكويه، ومهدوا الطريق للتعرف على أهم مؤرخي القرن الرابع الهجري كما يصفه متز)[140]). المرة الأولى كانت في المقدمة التي وضعها لنشر القسم الثاني من كتاب مسكويه «تجارب الأمم»، والتي احتوت على صورة مسكويه الإنسان المؤرخ. كما يعمد إلى تحديد سنة ولادته ويوصل إلى أنها كانت سنة 330هـ. كما يستقصي عن مصادر مسكويه ومعارفه التاريخية، وكيف أنه لا يخضع لما يقرأ بل يجتهد أن يكون حراً في تفكيره في فهم التاريخ ويمارس النقد بعقل ثاقب، مما جعل كتابه «تجارب الأمم» من أحسن المصادر العربية لتاريخ العصر العباسي)[141]).
أما الدراسة الثانية التي وضعها مارغوليوث عن مسكويه، وهي الأهم، فكانت من ضمن سلسلة المحاضرات التي ألقاها في جامعة كلكتا ـ الهند حول المؤرخين العرب. وهي أول دراسة عن مسكويه المؤرخ)[142]).
مسكويه حياته وأعماله
على ضوء كل تلك المعلومات والأخبار التي أمدتنا بها المصادر والمراجع المذكورة، نستطيع الآن أن نقدم صورة عن حياة وشخصية واتجاهات تفكير مسكويه، على الوجه الذي خلصنا إليه من قراءتنا لمختلف الروايات والأخبار المتناقضة والمختلفة أحياناً، حول بعض أوجه حياة ونشاطات الرجل.
ولد أحمد بن محمد يعقوب الملقب بمسكويه)[143]) ويطلق عليه اسم أبي علي الخازن ما بين 320 ـ 325هـ)[144]) بالري، من أسرة متوسطة المكانة الاجتماعية. وقد توفي والده مبكراً مما اضطره إلى أن يعيل أمه التي عادت وتزوجت في سن متقدمة مما أساء إليه، لأن ذاك الأمر لم يكن مستساغاً اجتماعياً)[145]).
ولا نعلم الشيء الكثير عن نشأته الأولى، لكن ما يمكننا أن نستنتجه من كتاباته الأخلاقية، خاصة أن والده لم يحسن تربيته)[146]). وأنه كان يتلو على مسامعه شعر الفحش وغير ذلك. كما لا نعرف كيف تلقى علومه، فلا يبدو أن كان له أستاذ درس عليه، إنما بالتأكيد كان يتابع حلقات دروس علماء عصره بصورة غير منتظمة، وكوّن ثقافته عن طريق الجهد الشخصي، ثم ساعدته وظيفته كخازن للمكتبات على تنميتها)[147]).
بدأ مسكويه يشق طريقه منذ أن التحق بخدمة الوزير أبي محمد المهلبي وزير معز الدولة البويهي. ورافقه مدة اثني عشرة سنة (340 ـ 352هـ)، وكانت هذه السنوات بالنسبة إليه بداية تحقيق طموحه بأن يكون ذا شأن عظيم. وقد أتاحت له مهنته في بلاط المهلبي، كنديم من ندماء مجلس الوزير، أن يتأمل ويختار الطريق الذي سيسلكه. وقد عاش هذه المرحلة حياة الشباب مقبلاً على لذّات الحياة ومباهجها والتي يتيحها له وجوده في بلاط الوزير.
لكن، كما كان للمهلبي مجلس للهو واللعب والانفلات كما يخبرنا الثعالبي)[148])، فقد كان له مجلس علم، وهو من أعيان البيان والأدب. وقد أخبرنا التوحيدي)[149]) بأن «ندماء المهلبي كانوا من أعيان الفضل وسادة ذوي العقل وأهل الأدب والفن»، لذلك نعتقد أن مسكويه وهو الطموح قد اكتشف أن دوره كنديم في مجالس اللهو والتسلية لن يوصله إلى ما يسعى إليه من الجاه والشهرة، فانكبّ على تثقيف نفسه مستفيداً من الجو الفكري والثقافي في مجالس الوزير العلمية، عاملاً على التحصيل الذاتي. ويخبرنا أنه في هذه الفترة أخذ يتردد على مجلس القاضي أبي بكر أحمد بن كامل لدراسة تاريخ الطبري)[150]). ولذلك لا نستبعد أن يكون قد انتقل من دور النديم في مجالس اللهو، إلى دور النديم في مجالس العلم والأدب.
بوفاة المهلبي (352هـ) عاد مسكويه إلى الري. وكانت فرصته العظيمة الاتصال بابن العميد)[151]) وزير ركن الدولة البويهي حاكم إقليم الجبال. وتولى عنده مهام خازن مكتبته الكبيرة، ومهمة تعليم ابنه أبو الفتح رغم أنه كان يرى نفسه أكبر من أن يكون معلماً للصبيان، إنما فعل ذلك إكراماً لابن العميد وطمعاً بالتقرب منه للاستفادة من جاهه ونفوذه)[152]).
لعبت شخصية ابن العميد الفكرية والسياسية)[153]) والجو الثقافي الذي شهدته الري، العاصمة الثالثة للدولة البويهية بعد بغداد وشيراز، وغنى مكتبة ابن العميد، دوراً في إغناء ثقافته وتنوعها. وكان كبار الكتّاب والأدباء والفلاسفة يقصدون الري وبلاط ابن العميد للمناظرة والنقاش والتدريس، كالعامري والمنطقي وغيرهم. لكن مسكويه أبدى في هذه الفترة اهتماماً بالكيمياء)[154]) خاصة وأن صاحبه ابن العميد مهتم بها أيضاً، ولأنه وجد فيه الطريق لتجميع المال عبر إمكان تحويل المعدن إلى ذهب وفضة. ولا شكّ أن طموح مسكويه هو الذي دفعه إلى هذا الطريق، إذ كان يدرك ما للمال من دور كبير للترقي، خاصة وأنه في هذا العصر باتت المناصب الكبرى تشتري بالمال. ويبدو أن مسكويه متأثراً بشخصية ابن العميد السياسية، قد رغب ضمناً بأن يرتفع بدوره في يوم من الأيام للعب دور سياسي ولذلك، سنراه فيما بعد يرفض الخدمة عند الصاحب بن عباد لأنه وجد نفسه نداً له.
توفي ابن العميد، فاستمر مسكويه في خدمة ابنه أبي الفتح الذي حلّ محل أبيه في منصب الوزارة عند ركن الدولة، ثم عند خلفه مؤيد الدولة. واستمر مسكويه في تأدية العمل نفسه طوال الفترة ما بين 360 ـ 366هـ. ولا شكّ أنه أخذ بإسقاط فكرة العمل بالكيمياء لجهة تحويل المعدن إلى ذهب، بعد أن اكتشف أنها مضيعة للوقت، مستفيداً منها لتطوير معرفته في الطب وفي تركيب الباجات والأطعمة. وهذا الرجل يملك مقدرة عظيمة للخلاص من كل ما من شأنه أن يكون عقبة في طريقه للتقدم.
أمضى مسكويه سنواته الست التالية مع أبي الفتح ابن العميد، في زيادة التعلم ومراقبة الأحوال. فلم يكن أبو الفتح كأبيه مهتماً بالعلوم والآداب، كما لم تسمح الظروف السياسية وانشغال أبي الفتح في الصراع المستجد بين عضد الدولة وبختيار، لبلاط الوزير أن يشهد ما شهده أيام سلفه.
بوفاة أبي الفتح (366هـ)، وتوزير مؤيد الدولة الذي حلّ مكان أبيه ركن الدولة للصاحب بن عباد، ترك مسكويه بلاط الري، رافضاً العمل في خدمة الصاحب، لأنه ربما اعتبر أنه أحق منه بهذا المنصب، وليس بالطبع، كما تروي معظم الدراسات لكراهية متبادلة بين الأثنين بسبب نكتة أطلقها الصاحب على مسكويه)[155]).
توجه مسكويه بعد ذلك، إلى عضد الدولة أمير فارس الذي كان يعرفه من خلال ابن العميد. وقد قبل ملك العراق المقبل، أن يضمه إلى خدمته. ولا نعرف بالتحديد نوع العمل الذي كلف به عند عضد الدولة. فالخوانساري يقول إنه كان من ندمائه ورسله إلى نظرائه. ومسكويه يخبرنا أن عضد الدولة أرسله مع أحد عماله لاستلام أحد القلاع واعتقال المتغلب عليها)[156]). لكن هذه المهمة لم تكن دائمة، لذلك نفترض أنه عمل عنده كخازن لمكتبته الكبيرة التي «لم يبق كتاب صنف إلى وقت عضد الدولة من أنواع العلوم إلا وحصله فيها»)[157]).
اهتم مسكويه خلال هذه المرحلة بالطب وبتركيب الأطعمة. وعلى الأرجح، فإنّ كتابيه (كتاب في الأدوية المفردة) و(كتاب في الباجات) قد وضعهما في هذه الفترة. خاصة، وأن عضد الدولة كان مهتماً بهذين الموضوعين. كما وضع مسكويه كتابه «الشوامل» في الردّ على أسئلة أبي حيان، في الوقت نفسه.
كانت نهاية عضد الدولة، نهاية مرحلة عند مسكويه. وبوفاته سنة 372هـ، انتهت مرحلة «مشايخ الملوك» على حدّ تعبيره)[158])، وانتهت على ما يبدو كل طموحاته السياسية لينصبّ بعد ذلك إلى التدريس والتأليف.
إن المرحلة الممتدة من سة 321 تاريخ وفاة عضد الدولة. إلى سنة 372هـ، وفاة مسكويه، والتي تبلغ نصف قرن تقريباً، ونصف عمر مسكويه. هي الوجه الآخر لحياته الأولى الممتدة من 320/325 ـ 372هـ وخلالها احتفظ مسكويه بصلاته بخلفاء عضد الدولة، لكن الأكيد أن هذه الصلات لم تكن شبيهة بالتي كانت قبلها. بل كانت من كونه رجل علم ومعرفة. فاتصل بصمصام الدولة (372 ـ 376/5هـ) وبخليفته شرف الدولة (376 ـ 379هـ) وبمن أتى بعده، بهاء الدولة (379 ـ 403هـ). ولا تحدثنا المصادر عن مدى صلته بهؤلاء وما إذا استمر بمهنته كخازن للمكتبات، المهم أنه في هذه المرحلة انكبّ على الفلسفة درساً وتدريساً ومجالسة مشاهير عصره والتأليف. ثم اتصل مسكويه بخوارزم شاه وعمل في بلاطه مع جملة من الأطباء، منهم ابن سينا وابن الخمار وأبو ريحان. ومارس، إلى جانب الطب، تدريس الفلسفة في مجالس الإملاء العامة)[159]). وفي أواخر أيامه اتصل بعميد الملك وزير القادر والقائم)[160]).
ويمكننا تقسيم حياة مسكويه الطويلة والتي بلغت القرن تقريباً، إلى ثلاثة مراحل:
الأولى، فترة الشباب والتي امتدت إلى نهاية خدمته عند المهلبي، حيث عاش حياة النديم في مجالس اللهو والمسرّات مهملاً تثقيف نفسه.
والثانية، من بداية علاقته بابن العميد وحتى وفاة عضد الدولة، وهي مرحلة تكوين الذات حيث أدرك سوء عاقبة الطريق الذي كان يسير فيه وبدأ بالانغماس في العلم والتعلم ومجالسة الأدباء والعلماء والأخذ عنهم، باعتبار ذلك هو الطريق للترقي الاجتماعي، ولربما على أمل احتلال موقع سياسي. وكانت علاقته بابن العميد عنصراً حاسماً في هذه المجالس.
والثالثة، وهي المرحلة الأخيرة من حياته والتي تبدأ بوفاة عضد الدولة، وهي مرحلة سقوط كل أوهامه السياسية وانصرافه بشكل كلي إلى الدرس والتعليم والتأليف، مستفيداً مما شاهده وعرفه وخبره في حياته.
أما بالنسبة لديانة مسكويه وهو الفارسي فقد كان مسلماً شيعياً.
مؤلفات مسكويه
أحصى عزت استناداً إلى ما ورد في كتب التراجم والمعاجم وكتب القدماء، 33 كتاباً لمسكويه بين مخطوط ومطبوع ومفقود. ووضع آركون لائحة مفصلة لهذه الكتب حسب المصادر التي ذكرتها؛ مما يؤكد أن مسكويه كان غزير الإنتاج وقد كتب في مختلف المواضيع، خاصة الفلسفة والتاريخ والأدب على أنواعه)[161]).
ولن نتطرق إلى هذه المؤلفات، إذ يستطيع المهتم أن يعود إليها في المراجع والمصادر التي أشرنا إليها. ما يهمنا هنا، هو كتابه الوحيد في التاريخ المسمى «تجارب الأمم وعواقب الهمم» وهو موضوع هذا البحث.
مسكويه المؤرخ
عندما أشرنا في مقدمة هذا البحث إلى الصعوبات التي واجهناها وخاصة ندرة المراجع، فكنَّا نقصد بالتحديد تلك المتعلقة بدراسة مسكويه المؤرخ. فبالرغم من توافر المراجع التي تطرقت إلى نشاطات مسكويه بشكل عام، ووجود بعض الدراسات عن مسكويه الفيلسوف، إلاَّ أن معظم الباحثين من عرب وأجانب قدماء وجدد اكتفوا فيما يتعلق بمسكويه المؤرخ بالإشارة إلى أنه صاحب كتاب «تجارب الأمم». أو وصفه بالمؤرخ الكبير. لذلك فإن مصادرنا لهذا الموضوع ستعتمد بالأساس على كتاب مسكويه في التاريخ أي «تجارب الأمم»)[162]) بالإضافة إلى مقالتي مارغوليوث)[163]) ومقدمة كيتاني)[164]) وأبحاث آركون)[165]).
إن أول ما يرتب على الدارس لمسكويه المؤرخ، مواجهة التهمة ذات الوجهين التي أطلق إحداها الوزير أبي شجاع الروذراوري في كتابه)[166]) والتي اتهم فيها مسكويه بأنه نقل القسم الأخير من كتابه «تجارب الأمم»، عن كتاب «التاجي» لأبي إسحاق الصابي)[167]) نقلاً حرفياً. والثانية، نقلها ياقوت الحموي وتقول بأن أبي إسحاق الصابي قد وصف كتابه «التاجي» في أخبار الدولة البويهية، بأنه مجموعة من الأباطيل)[168]). مما يعني إذا تبنينا هذين القولين أن القسم الأهم من كتاب مسكويه والخاص بتاريخ البويهيين، باطل ومليء بالأباطيل.
والواقع أن قول الروذراوري بأن مسكويه قد نقل عن كتاب الصابي ليس هناك ما يؤكده، بل العكس فإننا نستطيع نفي هذه التهمة استناداً إلى الملاحظات التالية:
إن مسكويه نفسه لم يشر على الإطلاق بين المصادر التي أخذ عنها إلى الصابي، في حين أنه أشار بالاسم إلى عدد ممن أخذ عنهم، ومنهم: سنان بن ثابت، وابنه ثابت بن سنان)[169]).
ـ إن أسلوب الصابي، أكثر صناعة أدبية من أسلوب مسكويه، البسيط غاية البساطة في أنحاء الكتاب)[170]).
ـ إن الروذراوري الذي ينفرد وحده من بين كل من عرف مسكويه وكتابه بإطلاق هذه التهمة، وبالرغم من أننا لا نعرف السبب الذي دفعه إلى إطلاقها، هو عادة غير دقيق في أحكامه، فهو في بداية كتابه يفيض مدحاً لمسكويه وكتابه، ثم لا يتردد بعد صفحات قليلة من إطلاق تهمته تلك. ورغم أن تاريخه لا يصل إلى المرحلة السلجوقية إلا أنه كثيراً ما يمدحهم باعتبار أنه عاش في ظل حكمهم. ومن الواجب أن نقارن بين الكلام الموجز الحذر لصفات عضد الدولة عند مسكويه، وبين المديح المطنب المبالغ الذي يخصه به الروذراوري، مما يفسر عدم دقته في أحكامه)[171]).
ـ ثم إن ما دوَّنه مسكويه عن الأسرة البويهية اتصف بالكثير من الحياد فهو لا يخفي عيوبهم، بل يقسو في أحكامه قسوة شديدة)[172]) مما ينفي عملية النقل، إذ ما كان بإمكان الصابي الذي أمره عضد الدولة بوضع كتابه وهو في السجن، أن يقسو مثل تلك القسوة على مؤسسي الدولة البويهية.
ـ لو كان أمر هذه التهمة صحيحاً، فهل كان يخفي عن التوحيدي، وهو كما رأينا لم يترك سقطة لمسكويه إلا وأبرزها وتحدث عنها مع شيء من التضخيم. فالتوحيدي لم يشر في أي من كتبه إلى مثل هذا الأمر، بالرغم من أنه أشار إلى سقطات لمسكويه أقل قيمة من هذه التهمة.
أما القول بأن تاريخ الصابي مجموعة أباطيل وأكاذيب، وهو ما نقله ياقوت، فالرواية أساساً ضعيفة، ولا إسناد لها. والأهم أن كل من اطلع على كتاب الصابي في وقته، قد أشاد به، ولو كان حقاً يضم أكاذيب وأباطيل لكشفوا ذلك. فأبو حيان التوحيدي يقول بأن الصابي قد تقدم بهذا الكتاب عن كل ما سبق. كما أن الوزير ابن سعدان قرأ كتاب «التاجي» ولم يشر إلى تضمنه أية أباطيل)[173]). كذلك أشاد الروذراوري بالكتاب وبما تضمَّنه)[174]).
لا نعرف بالتحديد متى ألَّف مسكويه كتابه «تجارب الأمم». لكننا نعتقد أنه دوّنه على مراحل متعاقبة. ويدل إهداؤه إلى عضد الدولة إلى أنه أنهى القسم الأول منه قبل 369هـ خلال وجود عضد الدولة، وإلا أشار إلى وفاته كما يفعل عندما يكتب أو ينقل عن ابن العميد فيردفها بالترحم عليه. والأرجح أنه بدأ بوضع هذا الكتاب أيام وجوده في خدمة ابن العميد (353 ـ 360هـ)، قبل تلك الفترة يخبرنا مسكويه أنه أبدى اهتماماً بالتاريخ وبدراسته، ودرس تاريخ الطبري على يدي القاضي أحمد بن كامل)[175]). كما أننا لا نوافق على ما ذهب إليه آركون من احتمال أن يكون مسكويه قد كتب كتابه بناءً لطلب عضد الدولة، فلو كان الأمر كذلك لأشار مسكويه إليه، مثلما فعل عندما كلفه عضد الدولة بإحصاء موجودات إحدى القلاع وأسر صاحبها)[176]).
أما القسم الأخير من الكتاب والخاص بتاريخ البويهيين، فالأرجح أنه كتبه بعد وفاة عضد الدولة. إذ إن كل المصادر تشير إلى أن كتاب أبي إسحاق الصابي «التاجي» سابق على كتاب مسكويه. ونحن نعلم أن عضد الدولة أمر أبي إسحاق)[177]) بكتابة «التاجي» عام 371هـ وأنهاه قبل وقاة عضد الدولة سنة 372. ثم إن هذا الحياد العظيم الذي يكتب به مسكويه عن نشوء البويهيين وعن زعماء الأسرة، تؤكد أنه ما كان له أن يكتب ما كتبه عنهم وبالقسوة تلك، خلال وجود أقوى زعمائهم.
والكتاب)[178]) يبدأ من بدء الخليقة، من الطوفان وينتهي سنة 369هـ. وقد طبعت منه أجزاء عدة هي التالية: منذ بدء الخليقة إلى سنة 37هـ (نشرها كيتاني). ومن 196 إلى 651هـ (نشرها دي خويه) ومن 284 إلى 369هـ (نشرها كيتاني). والقسم الأهم من الكتاب الذي ستتمحور حوله هذه الدراسة هو القسم الذي يتحدث عن الفترة من 295 إلى 369هـ، وهو الجزء الذي قام بتحقيقه ونشره المستشرقان آمدروز ومارغليوث)[179]).
ويخبرنا مسكويه في مقدمة كتابه عن أسباب تسميته بـ«تجارب الأمم» فيذكر أنه بعد أن اطلع على أخبار الأمم وسير الملوك وكتب التاريخ وجد فيها ما تستفاد منه تجربة، فقرر تجميعها ليستفيد منها الوزراء وقادة الجند وسائر المسؤولين، مهملاً الأخبار الخرافية وأخبار معجزات الأنبياء. أي أن مسكويه أراد من وراء كتابه هذا الذي يصفه ابن خلكان بقوله «هو التاريخ المشهور بأيدي الناس»)[180]) أن يتخذه الناس عبرة وتجربة وخاصة الملوك والوزراء والحكام وأمراء السياسة والحرب. فغرضه من الكتاب غرض أخلاقي، فهو يعتقد أن حوادث التاريخ قد تتردد أحياناً بالوضع نفسه وعلى العاقل أن يتخذ من هذا التردد درساً وعبرة. فعندما يتحدث عن سوء تدبير أبي الفتح ابن العميد، فإنما يفعل ذلك (ليعتبر بها المعتبرون ويجري مجرى «تجارب الأمم» التي يتكرر مثلها فيحترز منها) ولهذا، فهو يسميه تجارب الأمم. وهو أحسن كتاب يرجع إليه في تاريخ دولة بني بويه وأخبار الدولة العباسية)[181]).
مصادره
لا يحدثنا مسكويه كثيراً عن مصادره، فلم يفعل الطبري بإسناد كل رواية إلى مصادرها. ولا كما فعل المسعودي عندما سرد في مقدمة كتابه لائحة طويلة بمراجعه، ولا كما فعل ابن الأثير لاحقاً عندما أوضح مصدره، عند الابتداء أو نهاية روايته، وإنما اكتفى بذكر أسماء من نقل عنهم بعض الروايات كثابت بن سنان، أما الفترة الأهم، التي عايش مسكويه أحداثها وعرفها من قربه من مواقع القرار وما سمعه وشاهده بنفسه، فقد ذكر أسماء من أمدَّه بالمعلومات ومن كان له دور في صناعة الحدث نفسه، كابن العميد والمهلبي وغيرهم.
كذلك، فإن مسكويه لم يسع من بلد إلى بلد وراء الأخبار والتحقق منها، كما فعل معظم مؤرخي عصره والذين سبقوه بقليل، بل يجمع معظم الدارسين له أن مصدره الرئيسي كان الكتاب، الذي توفر أمامه خلال عمله كخازن للكتب في أكبر مكتبات عصره عند ابن العميد وعضد الدولة خاصة)[182]).
انطلاقاً من هذه المعلومات المتداولة عند الدارسين لمسكويه، بالإضافة إلى قراءتنا لمسكويه وتاريخه، سنحاول تحديد مصادره بصورة أكثر دقة وتحديداً. وهنا لا بدّ بداية من القول إن مصادر مسكويه تقسم إلى قسمين رئيسيين. الأول المتعلق بتاريخه للفترة التي سبقت سنة 340هـ. والتي اعتمد فيها بصورة أساسية على كتب ومؤلفات من سبقوه. والثاني للفترة الممتدة من 340 إلى 369هـ، وهي التي عايش خلالها مسكويه الأحداث وعرفها مباشرة وكتب عنها كشاهد عيان.
اعتمد مسكويه لكتابة القسم الأول من تاريخه الذي ينتهي سنة 340هـ، على المصادر التالية:
1 ـ من المؤكد أن المصدر الرئيسي لمسكويه هو الكتاب، أي كتب ومؤلفات سابقيه. وقد ركن إلى هذا الاختيار، لما توافر أمامه في المكتبات التي عمل فيها من كتب ربما لم تخلُ من أي كتاب وضع حتى ذلك الوقت كما ذكر المقدسي بالنسبة لمكتبة عضد الدولة)[183]). ولما وجد من قدرة على اختيار وانتقاء رواياته بتفكير حرّ ومنهج سليم. وهو وإن لم يسع وراء أخباره، لكنه سعى وراء مصادره الكتبية، فيخبرنا مثلاً أنه عندما سمع بكتاب «جاويدن خرد» حرص على طلبه في البلدان التي جال فيها حتى وجده في فارس عند موبذان موبذ)[184]). وأهم من أخذ عنهم مسكويه:
أ ـ سنان بن ثابت (331هـ) وكان أديباً ومؤرخاً عارفاً بعلم الهيئة ماهراً بصناعة الطب. عمل في خدمة المقتدر والقاهر والراضي، وله عدة مؤلفات)[185]). ويميز مسكويه بين ما يأخذه مباشرة عن سنان بقوله «قال سنان… حكى سنان بن ثابت»)[186]). وبين ما يأخذه نقلاً عن ثابت «فهذا ما حكاه ثابت ابن سنان عن والده سنان»)[187]).
ب ـ ثابت بن سنان (393هـ) صاحب كتاب التاريخ. وهو الوحيد الذي يشير إليه مسكويه وإلى كتابه صراحة. ويبدو أنه كان المرجع الأساسي للفترة الممتدة من 295 ـ 340هـ. وينقل مسكويه عن ثابت على الشكل التالي: «قال ثابت في كتابه في التاريخ… حكي ثابت… ما حكاه ثابت عن…»)[188]).
ج ـ الطبري (310هـ) صاحب كتاب تاريخ الأمم والملوك. يذكر مسكويه أنه درس كتاب التاريخ لأبي جعفر الطبري على يد القاضي أحمد بن كامل)[189]). وكتاب الطبري كان في ذلك الوقت من أهم كتب التاريخ، كما يخبرنا المسعودي في مقدمة كتابه)[190]) «مروج الذهب». ونعتقد أن مسكويه قد أخذ عنه لكتابة القسم الأول من تاريخه، وإن لم يشر إليه.
دـ الصولي (336هـ) صاحب كتاب «الأوراق في أخبار الخلفاء». لم يشر إليه مسكويه وإن كنا نعتقد اعتقاد مارغوليوث)[191]) بأن صاحب «تجارب الأمم» قد رجع إليه. وكان الصولي رفيق ونديم عدة خلفاء. مما أتاح له فرصاً كبيرة لفهم أسرار الإدارة، والمؤامرات التي كانت تحاك دائماً لخلع الوزراء والولاة. وهذا الجانب هو ما رجع إليه مسكويه في «الأوراق». ونعتقد أن ما رواه مسكويه عن مصادرة الوزراء والعمال وقتلهم… إلخ، في بعض صفحات كتابه، مستند إلى ما ورد في أوراق الصولي من دون الإشارة إليه.
هـ – الأزدي، عمر بن يعقوب (328هـ) يقول مسكويه «فحدّث أبو الحسين بن أبي عمر…»)[192](، ويعتقد أنه الأزدي. فبعض الروايات الموجودة في «تجارب الأمم»)[193])،موجدة أيضاً في كتاب الأزدي.
و ـ الضبعي شبيل بن عروة (119هـ). راوية ونسّابة، له الغريب في اللغة. يأخذ عنه مسكويه مرة واحدة)[194]) قائلاً: «هذا ما حدّث به الضبعي…».
ر ـ الكندي، محمد بن يوسف (350هـ): «فضائل مصر المحروسة»، «الولاة والقضاء»، خاصة ولاة مصر وأخبار كافور الموجودة عند مسكويه ربما أخذت عن الكندي.
حـ أبو إسحاق إبراهيم الطبري (393هـ) وله كتاب «المناقب». يذكر مسكويه)[195]) في معرض كلامه عن ابتداء أمر البويهيين أن «علي بن بويه قد استخلف بحضرة وشمكير وهو بالري عند خروجه أحمد حاجبه» وهو والد أبي إسحاق الطبري الشاهد. الذي ربما نقل مسكويه عنه بعض أخبار أبيه.
ط ـ الشمشاطي علي بن محمد (380هـ)، وهو معلم أبي تغلب بن ناصر الدولة الحمداني. وله تذييل تاريخ الموصل، وأخبار أبي تمام. وكتاب (الديارات». ومسكويه لا يخبرنا إطلاقاً عن مصادره بالنسبة لحروب الروم مع الحمدانيين. فلربما أخذها من الشمشاطي، الذي ينقل عنه أيضاً صاحب «تاريخ الإسلام» روايته لواقعة حلب التي رواها مسكويه)[196]).
ي ـ عريب بن سعد الكتاب (368هـ). وله صلة تاريخ الطبري. ما تجدر الإشارة إليه، أن عريب وضع تكملته لتاريخ الطبري قبل كتاب مسكويه. وهناك الكثير من الروايات التي تعود للفترة من 291 ـ 320هـ موجودة في كتاب مسكويه وعند عريب وإن لم تكن متشابهة في التفاصيل. ولربما أخذها مسكويه عن عريب دون أن يشير إليه.
ك ـ بالإضافة إلى هذه المصادر التي أخذ منها مسكويه، مشيراً إلى بعضها مغفلاً الإشارة إلى بعضها الآخر، فلا شكّ أنه اطلع على كتابات كبار المؤرخين والكتّاب الذين سبقوه كاليعقوبي (284هـ)، والمسعودي (345هـ) والبلاذري (279هـ)، وقدامة بن جعفر وغيرهم.
ل ـ وأخيراً، فمن مصادر مسكويه لهذه الفترة التي تنتهي بسنة 340هـ وخاصة للمرحلة التي سبقت هذا التاريخ بعقود قليلة، هناك الشهود العيان الذين عايشوا بعض تلك الأحداث وكانوا ما يزالون على قيد الحياة، فأخذ عنهم مسكويه بعض رواياته. فعندما يتحدث مثلاً، عن المعركة التي دارت بين ياقوت قائد جيش الخلافة وعلي بن بويه سنة 322هـ، ينقلها قائلاً: «فحدّثني من شهد الوقعة من الديلم…»)[197]).
2 ـ أما مصادره للمرحلة الثانية التي عايشها وشهد أحداثها، والممتدة من 340 إلى 369هـ، فكانت كما حددها بنفسه في كتابه)[198])، وهي:
مشاهداته ومعايشته المباشرة للأحداث.
ما أخبره به أبو الفضل بن العميد وأبو محمد المهلبي.
ما حدَّثه به من كان في خدمة الوزراء ودار الخلافة، وموظفو الدواوين والولايات… إلخ.
والحقُ أن مسكويه خير من يحدِّثنا عن تاريخ الدولة البويهية، فلم يكن قد مضى ست سنوات على قيام هذه الدولة بدخول أحمد البويهي بغداد سنة 334هـ، حتى كان مسكويه في أقرب موقع داخل الجهاز الحاكم مما أتاح له معرفة الأحداث والواقع عن كثب. فقد التحق سنة 340هـ بخدمة أبي محمد المهلبي كاتب ثم وزير معزّ الدولة البويهي. وبعد وفاة هذا الأخير سنة 352هـ، التحق بخدمة ابن العميد 353 ـ 360هـ، وزير ركن الدولة من بعده بخدمة ابنه أبو الفتح ابن العميد من 360 ـ 366هـ ومن ثم بعضد الدولة أعظم أمراء بني بويه، من 366 ـ 372هـ (انظر حياة مسكويه).
إن قرب مسكويه من أماكن صناعة الحدث، لم يتح له فقط التقاط ما يجري بل إدراك وفهم حقائق الأمور والدوافع التي أدت إلى ذاك الحدث. ومن مشاهداته ومعايشته لأحداث هذه الفترة دوّن مسكويه بعض تاريخ هذه المرحلة من حياة الدولة العباسية.
فعندما يروي حادثة مصادرة المهلبي لبعض عماله، ينقل ما شاهده وسمعه مباشرة باعتبار أنه كان حاضراً وقائع الجلسة)[199]). وينقل رواية وفاة المهلبي بالسمّ عن طبيبه فيروز بعد سؤال مباشر من مسكويه)[200]). ويقول ورد الخبر بأن حصل… كذا، أي كان حاضراً عندما ورد خبر هذا الحديث أو ذاك)[201]). وينقل استقبال ركن الدولة وتفاصيل الاحتفال بإبراهيم السلار، قائلاً وكنت حاضراً)[202]).. ويروي عدم رضى ابن العميد وابنه لقتال حسنويه الكردي)[203]). ويصف تفاصيل توجه أبي الفتح إلى بغداد على رأس جيش لنجدة بختيار باعتباره كان من السائرين في الحملة)[204]).
أما الأحداث التي رواها نقلاً عن ابن العميد وأبي محمد المهلبي، فيوردها على الشكل التالي)[205]): حدّثني.. أو سمعت..، أو حكى.. الأستاذ الرئيس أبو الفضل ابن العميد. أو.. قال أبو محمد المهلبي…
وأخيراً، فهناك مجموعة الرجال الذين كانوا على صلة بالوزراء والولاة وتولوا مناصب مختلفة في الدولة وعرفوا بعض أخبارها وشهدوا بعض أحداثها، وهم الذين يصفهم مارغوليوث بأنهم «الموظفين الدائمين في الدواوين»)[206]) فقد نقل عنهم مسكويه عدداً من الروايات ووقائع الأحداث التي شهدوها أو عرفوا بها عن طريق مواقعهم. ومن هؤلاء الذين يشير إليهم بالاسم: أبو زكريا يحيى بن سعيد السوسي وكان صاحب المهلبي والخليفة المتقي. وقد نقل عن لسانه مسكويه مجموعة من الأخبار)[207]). وكذلك أبو الفرج ابن أبي هشام، المافروخي، ابن قديدة، القاسم بن الحسين، القاضي محمد بن صالح الهاشمي، الفضل الشيرازي، ابن زنجي، أبو مخلد، إسرائيل الجهبذ، ومحمد بن عمر العلوي،… إلخ)[208]).
إذا كانت تلك هي مصادر مسكويه في كتابة تاريخه، فما هي الطريق التي اعتمدها في نقل ما اختاره من مصادره إلى كتابه.
الواقع أن مسكويه لا يخبرنا الكثير حول هذا الموضوع. وهو لا يفعل كما فعل الثعالبي وابن خلكان وابن الأثير عندما ذكروا أنهم كانوا يرجعون إلى جزازاتهم ومسودّاتهم التي دونوا عليها المقتبسات عن الكتب التي قرأوها والملاحظات التي سمعوها، مما شكل المادة الأولية لمؤلفاتهم، مما يجعلنا نفترض أنه لم يفعل هذا الأمر باعتبار ان بإمكانه العودة بسهولة إلى الكتب التي يريدها والموجودة تحت يديه في المكتبات الكبرى التي عمل فيها. أما الأخبار والأحداث التي عاشها وشهدها بنفسه، فالأرجح أنه اعتمد على ذاكرته في استعادتها عند تدوينها، فالإشارة الوحيدة حول هذا الأمر تؤكد ذلك فيقول: «وأنا أذكر جميع ما يحضرني ذكره وما شاهدته وجربته بنفسي فسأحكيه أيضاً»)[209]). وفي مطلق الأحوال، علينا أن لا نستهين من قيمة الذاكرة وقدرتها في ذلك الزمان.
محتويات تاريخه
إذا أردنا أن نضع فهرساً للموضوعات التي تحدث عنها مسكويه في كتابه تجارب الأمم وخاصة للقسم الأهم منه للفترة الممتدة من 295 ـ 369هـ، فستظهر لنا اللائحة التالية:
* الخلافة: الخلفاء، طريقة تعيينهم، عزلهم، صفاتهم، علاقتهم بالوزراء والأمراء، صراعاتهم العائلية، الحاشية، دور النساء، مركز الخلافة والخليفة، مهام الخليفة.
* الوزارة: الوزراء، تعيينهم، عزلهم، صلاحياتهم، مصادرتهم، صراعاتهم، علاقتهم بالخليفة وقادة الجند، إشرافهم على الدواوين وطبقة الكتَّاب، أعمالهم وإنجازاتهم.
* الجيش: عناصره وهيكليته، عصبياته، نزاعات مختلف فئاته، أنظمته، حالات التمرد داخله، الرواتب، الرتب، كبار القادة، أسماء الفرق، وصف المعارك.
* القضاء: القضاة وطرق اختيارهم وتعيينهم، الجسم القضائي، علاقة القضاء بمراكز القوى، دور الخليفة وقادة الجند في تعيين القضاة.
* القمع والمصادرات: أشكال التعذيب والقتل، تطور أساليب القمع، كيفية المصادرات وأسبابها.
* الوضع الاقتصادي: توزيع الأراضي، الغلاء، طرق جباية الخراج، الضرائب والضرائب المستحدثة وأسبابها، النقود، الإقطاع والإقطاع العسكري.
* الأحوال الثقافية والفكرية: مجالس الوزراء، الشخصيات السياسية والفكرية، المكتبات.
* أحوال السكان: الاضطرابات وأسبابها، الانقسامات الطائفية، الحالة الأمنية العيارون، أعمال السلب والنهب، فئات الناس.
الفتن الداخلية: سياسة (حركة ابن المعتز) دينية (السنّة والشيعة). صراعات الأمراء وقادة الجند وولاة الأقاليم، الحركات الانفصالية.
* الحروب الخارجية: هجمات البيزنطيين.
* بنو بويه: بداية ظهورهم، سلوكياتهم وصفاتهم، علاقاتهم فيما بينهم، مفاهيمهم وعاداتهم، وزراؤهم وكتَّابهم، جيشهم وحروبهم، بداية تأسيس دولتهم، علاقتهم بالخلافة والخليفة، دخولهم بغداد.
* الأوضاع العامة خلال العهد البويهي: الخلافة، أمير الأمراء، الجيش، الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، صراعات الأمراء وقادة الجند، إصلاحاتهم، مواقفهم الدينية، علاقتهم بالقرامطة، الحمدانيون.
* الأحوال في شرق المملكة: خراسان، فارس، الجبال، طبرستان.
* فئات السكان: العرب، الفرس، الديلم، الأتراك، والأكراد.
لكن هذه الموضوعات، لا تحتل الأهمية نفسها عند مسكويه. ففيما يفرد للحديث عن الوزارة والوزراء حيزاً مهماً من كتابه يمر مروراً عابراً أمام الانتفاضات الشعبية وأحوال السكان، ولا يتحدث إلاّ عن أهم وأكبر الأحداث المتعلقة بهذه الموضوعات. كذلك الحال بالنسبة للحياة الفكرية والثقافية، فلا يعرض لها سوى عند ارتباطها بأحداث سياسية كمحاكمة الحلاج، والصراع بين الحنابلة وخصومهم، والصراع بين الشيعة وخصومهم. أو عند الحديث عن حياة كبار رجال السلطة ذوي الاهتمامات الفكرية والعلمية، كالمهلبي وابن العميد، وعضد الدولة.
كذلك الحال بالنسبة لأحوال سائر مناطق الخلافة والدويلات والإمارات التي استقلَّت عنها. فمسكويه لا يخبرنا إلا عن المناطق الواقعة تحت مراقبته ومتابعته. لذا، لا يحدّثنا عن مناطق شرق المملكة إلا منذ أن التحق بخدمة ابن العميد في الري. ومعظم ما يخبرنا به عن أحوال تلك المناطق مرتبط بصورة أو بأخرى بأحداث لها صلة بالري وبالبويهيين. كذلك الأمر بالنسبة للحمدانيين والبريديين والقرامطة وغيرهم. أما الأقاليم الأخرى فلا نكاد نسمع عنها شيئاً، فلا يذكر الأخشيديين إلاّ عابراً وفي أمور لها صلة بالخلافة، وبمناسبات محددة. أما الفاطميون فلا يعلمنا عنهم إلا أن مؤنس القائد قاتلهم مرة وأنهم أصبحوا حكام مصر. أما الأندلس، فلا نسمع بوجودها وهذا بعكس ما كتبه ابن الأثير وتوسع فيه. لهذا كله، اعتبر البعض أن تاريخ مسكويه هو في الأساس تاريخ البويهيين للفترة التي كتب عنها.
ويصف مسكويه الأحوال الاقتصادية بصورة مختصرة وعامة، فهو لا يحدثنا بصورة واضحة عن الأحوال الزراعية والتجارية وطرق المواصلات وما إلى ذلك، لكن ما يقدمه عن أحوال الأراضي الزراعية والإقطاع العسكري الذي اعتمده البويهيون والنتائج التي ترتبت على ذلك وإظهار أهمية الإنشاءات الزراعية، وتعداد الضرائب المستحدثة إلى آخر ذلك، يعتبر أمراً مهماً إذا ما قورن مع سابقيه، وهذا ما يشير إليه مارغوليوث قائلاً: «وبينما نجد الطبري مقلاًّ فيما يذكره عن اقتصاديات الخلافة: مصادر الخراج وطرقه وما أشبه، نجد مسكويه يفيض ويدقق ويوضح تلك المسائل»)[210]).
ولا يكتفي مسكويه بوصف وقائع المعارك العسكرية، بل بتعداد أسباب الهزائم والانتصارات. ويخبرنا الكثير عن أحوال الجند ومطامعهم وانقساماتهم. وبالإجمال، فإن تعليقاته على الشؤون العسكرية تتفوق عما قدمه سابقوه في هذا المجال. وتفوق «أسباب هزيمة المهلبي في القضاء على الثورة في المستنقعات، أو أخطاء بختيار في حربه مع عضد الدولة، الوصف المطوَّل الذي أورده الطبري عن حرب الموفق في المنطقة نفسها تفوقاً كبيراً، ولا نعرف ما أسباب النجاح أو الفشل»)[211]).
ولقد دوّن مسكويه تاريخه على طريقة الحوليات. إلاّ أنه اعتمد في أحيان قليلة على سرد الموضوع كاملاً. فعند حديثه عن تمرد ابن أبي الساج يروي أحداث الموضوع كاملاً تحت سنة 304هـ)[212]).
منهجه التاريخي
ارتبط مسكويه المؤرخ بكونه فيلسوفاً أخلاقياً، وما زاد من عملية الربط وتغليب الصفة الثانية على الأولى ليس فقط كثرة مؤلَّفاته الفلسفية والأخلاقية وشهرته في هذا المجال، بل في أنه جعل هدف كتابته التاريخية أخلاقياً وتعليمياً، كما أعلن هو نفسه في مقدمته لكتاب «تجارب الأمم». ومما زاد الأمر التباساً أن كافة عناوين الأخبار التي سردها حملت تصنيفات أخلاقية: صواب، خيانة، تدبير سيىء، تدبير حسن، ترك الحزم، حيلة، خديعة… إلخ)[213]). كما أنه عمد إلى سرد بعض الروايات بصورة مطوَّلة ودون مبرر أو حاجة علمية إلا لإثبات نزعته الأخلاقية، كروايته لدفاع أبي الهيجاء عن الخليفة القاهر)[214])، بحيث يخرج القارىء بعبرة عن الوفاء والإخلاص. أو عندما يتحدث عن تبذير المقتدر للأموال ويقول «رأيت أن أثبه مشروحاً لئلا يغتر أحد من الملوك ومدبري أمور المملكة بكثرة الأموال»)[215]). أو إبرازه صفات علي بن بويه، السماحة وسعة الصدر والشجاعة، كسبب لبلوغه لما وصل إليه)[216])، وكذلك عندما ينقل نصائح سنان بن ثابت ليحكم بصلاح نفسه وأخلاقه)[217]).
لكن هذه المعطيات كلها، يجب أن لا تدفع بنا إلى القول السائد بأن مسكويه الفيلسوف لم يكتب تاريخاً بل مجموعة عبر ليستفاد منها. فالواقع أن المؤرخين إجمالاً «كتبوا في أغلب الأحيان لتعليم مواطنيهم»)[218])، كما ضمنوا تواريخهم بعض القصص التعليمية والأخلاقية. فمسكويه الفيلسوف الأخلاقي هو في الوقت نفسه وبدرجة أكبر المؤرخ الكبير، فما كتبه كان خطوة إلى الأمام في تقدم الكتابة التاريخية عند العرب.
ـ إن الفرق بين المؤرخ ورجل الأخلاق، أن الأول لا يهتم بصفات أبطاله الأخلاقية إلا بمقدار تأثيرها على الأحداث التاريخية. فيما الثاني لا تعنيه سوى تلك الصفات بغض النظر عن تأثيراتها. ومسكويه في تاريخه هو من النوع الأول. فعضد الدولة كان رجلاً قاسي القلب (اعتقاله لجميلة أخت أبي تغلب الحمداني) سفاكاً للدماء «قتله لبختيار وتنكيله بخصومه»، لا يمتنع عن استعمال أسوأ المكائد والحيل لتحقيق أهدافه.. إلخ. إلا أن هذه الصفات، ولأن تأثيرها على الأحداث التاريخية لم يكن سلبياً، ترافقت مع انتصارات عضد الدولة وحسن تسييره لإدارات الدولة. وسوء تصرفاته وإداراته. لذلك يخلص مسكويه لإطلاق حكم على عضد الدولة قائلاً «إنه لولا خلال كانت في عضد الدولة يسيرة لا أستحسن ذكرها مع كثرة فضائله لبلغ من الدنيا مناه ورجوت له من الآخرة رضاه واللَّه ينفعه بما قدمه من العمل الصالح ويغفر له ما وراء ذلك»)[219](. فيما أفرد صفحات للحديث عن خراب الدولة بسبب تصرفات وسياسات معز الدولة الخاطئة)[220](.
ـ ثم إن مسكويه لا يخضع تاريخه لمقياس الأحكام الأخلاقية. فعندما يعدّد أسباب نوع الأحداث التي يروي وقائعها، يذكر الأسباب السياسية والاجتماعية أو الاقتصادية ولا يلعب السبب الأخلاقي فيها سوى دور ثانوي عابر، فعندما يتحدث عن أسباب فتك عضد الدولة بأبي الفتح ابن العميد وزير أبيه ركن الدولة، لا يكتفي مسكويه بإيراد سوى تصرفات وطيش أبي الفتح، بل يتحدث عن الصراع السياسي وتحالف أبي الفتح مع بختيار ضد عضد الدولة، وهو السبب الأساسي لفتك عضد الدولة به. كذلك، فمسكويه لا يستطيع أن يتجاهل الأسباب الحقيقية لاضطهاد عضد الدولة لأبي إسحاق الصابي، والتي كانت سياسية بسبب كونه الكاتب المخلص لسيده بختيار.
إن معظم روايات مسكويه لا تحمل تفسيراً أخلاقياً، بعكس ما يعتقد البعض. فعشرات الروايات التي تتحدث عن عزل الوزراء وتعيينهم يعطيها مسكويه مضمونها الحقيقي، أسباب اقتصادية (انخفاض دخل الدولة، الغلاء… إلخ) اجتماعية (انتفاضات العامة، الجند…) سياسية (الصراعات الداخلية والخارجية…) والأمثلة على ذلك لا تحصى)[221](. كذلك الحال بالنسبة لأسباب عزل الخلفاء وتعيينهم، واضطرابات الجند والعامة، والمؤامرات الداخلية والصراعات الخارجية.
ومسكويه لا يكتفي بذكر سبب واحد لتعليل وتفسير أحداث تاريخه. بل يورد دائماً عدة أسباب لتفسر ذلك الحدث مجتمعة. وربما كان المؤرخ الإسلامي الأول الذي أعطى لمفهوم السببية التاريخية دورها وأهميتها في الكتابة التاريخية. فهو لا ينفكّ يسأل (لماذا) أمام كل حدث، ويعمد إلى الإجابة بجملته التي يعنون بها سرد تفاصيل الحدث «ذكر السبب في ذلك» التي يكررها في مطلع كل رواية لحدث تاريخي.
إننا نكرر هنا، ما يشير إليه فلاسفة التاريخ، من أن المؤرخ العظيم هو الذي يسأل باستمرار «لماذا»، والذي يجيب عن ذلك بمجموعة أسباب، محدداً علاقتها ببعضها البعض، مظهراً في الوقت نفسه السبب الرئيسي بينها. وقد كتب مسكويه تاريخه على هذه القاعدة.
الموضوعية والحياد
عندما نتحدث عن مؤرخ موضوعي، فإننا نعني بالدرجة الأولى ذاك الذي ينجح بنسبة كبيرة في إبعاد المؤثرات العاطفية والعقائدية والسلطوية والمادية في أن تؤثر على رؤيته للأحداث واختيارها، وعند كتابتها وتحليلها. أي ذاك الذي يملك القدرة على الارتفاع فوق وضعه في المجتمع وفي التاريخ. ولا نتحدث هنا عن الموضوعية المطلقة المستحيلة بفعل ارتباط الإنسان بمجتمعه ومحيطه، وإنما نتحدث عن الموضوعية النسبية. فالمؤرخ، إما أن يكون غير موضوعي وبذلك يفقد صفته تلك، وإما أن يكون موضوعياً بنسبة تقلّ أو تزيد حين واحد وآخر. وعلينا أن ندع الذين نكتب ونحلل لهم أن يحددوا نسبة هذه الموضوعية.
لقد كتب مارغوليوث عن المؤرخين العرب ومنهم مسكويه، يقول)[222]( «إنه برغم تأثرهم أحياناً بهوى ديني أو وطني يعتبر حيادهم العام سمة مدهشة في كتبهم، ولا نستطيع أن نجد مثالاً لهذا، أحسن من تاريخ مسكويه» الذي ينفرد عن غيره بعدم تحفظه في أحكامه، إلى جانب تخلصه من معظم صور التحيّز)[223](.
هذا الحياد الذي هو أحد مظاهر الموضوعية، يتجلى في قسمي الكتاب. أي للفترة الممتدة من 295 ـ 340هـ، والتي أرّخ اعتماداً على المراجع الكتبية. والفترة الممتدة من 340 ـ 369هـ والتي عاش في ظلها وعرف رجالاتها وعاش أحداثها وأرَّخ لها من موقع الشاهد والمعايش لها.
في المرحلة الأولى، يتبدّى حياده في اختياره للأحداث المكوّنة لتاريخه، فيغربل ما يقرأ ويحاول الخروج بصورة كاملة للحدث دون أن يسمح لروايات وأحكام من سبقوه أن تؤثر على رؤيته له، محاولاً الاقتراب به من الحقيقة على ضوء التعرف على كل الظروف والأحوال التي أحاطت بالحدث، مظهراً الأسباب الحقيقية التي أدّت إليه، مستبعداً ما أملته المصالح السياسية والسلطوية على الخبر من تشويهات مظهراً حياده الكبير في تدوينه للحدث على ضوء قراءته له. وأفضل مثالين على ذلك، ما دوّنه عن الحلاّج وعن القرامطة.
فالصفحات السبع التي أفردها مسكويه للحديث عن الحلاج ومحاكمته وإعدامه، لا تتضمن أية اتهامات من قبله، بعكس معظم الروايات التي أوردها المؤرخون السابقون عن هذه القضية والتي ضمنوها نعوتاً واتهامات للحلاج بالكفر والزندقة والدجل… إلخ. بل يعمد مسكويه وبكثير من التوازن إلى إيراد أقوال الحلاج وخصومه، وسرد روايات عنه نقلاً عن الحلاج وأصحابه، كذلك عن ألسنة خصومه وكارهيه، مظهراً في النهاية وبما يشبه الاحتجاج غير المعلن، الطرق «الاحتيالية» التي أتبعها محاكموه بما ساعدهم لإصدار حكم الإعدام بحقه)[224](.
كذلك بالنسبة للقرامطة، فيتكلم عنهم مسكويه بحياد كبير معدداً أعمالهم وهجماتهم، مكتفياً بسرد الوقائع والأحداث متجنباً إصدار أحكام ذات خلفيات دينية عليهم مظهراً شجاعتهم وجرائمهم، انتصاراتهم وهزائمهم، علاقاتهم بالأطراف والقوى المتصارعة، وبعض معتقداتهم)[225](.
وفي كلا الحالتين يعطي مسكويه للأسباب السياسية والاجتماعية دوراً رئيسياً في تفسير وقراءة هذه الأحداث، ولا يدخل وهو الفيلسوف ورجل الأخلاق في نقاش لمعتقدات الحلاج والقرامطة، (بل لا يتحدث عن هذا الموضع إلا في معرض تسجيله للأحداث)، فالحلاج لم يُعْدَم ولم تشن عليه وعلى أنصاره تلك الحملة الضخمة لاستئصالهم إلا بعد أن اخترق مواقع السلطة نفسها وبات يشكل تهديداً داخلياً لها بانضمام عدد من قادة الجند ورجال الخليفة والوزير إلى دعوته)[226](. والقرامطة الذين كان هدفهم إسقاط الخلافة العباسية وإقامة دولتهم، لم تهتم السلطة لأمرهم إلا بعد أن باتوا يشكلون تهديداً حقيقياً لها وليس بسبب معتقداتهم التي لم تمنعهم كما لم تمنع خصومهم من إقامة تحالفات سياسية وعسكرية في مراحل متعددة.
في القسم الثاني من تاريخه الممتد من 340 ـ 369هـ. والتي قضاها مسكويه في خدمة البويهيين والعيش في ظلهم والاستفادة من حكمهم. يظهر حياده بأجلى صوره. فلا نلاحظ أي أثر للتحيّز فيما يكتبه عن تاريخ هذه الأسرة. رغم أن الوضع قد يفترض العكس. إما امتناناً منه للذين حضنوه، أو خوفاً من عاقبة الأمور، خاصة وأنه كتب تاريخه والدولة البويهية ما زالت قائمة.
إن العلاقة بالسلطة الحاكمة وبقواها، خوفاً من اضطهادها، أو طمعاً بمكاسبها، كانت باستمرار أحد أهم المؤثرات التي انعكست سلباً على المؤرخين وعلى كتابة التاريخ، مُحوِّلَةً المؤرخ إلى مجرد كاتب مُطْلِقةً عليه لقبه الذي يستأهله «مؤرخ السلطان».
إن موضوعية وحياد مسكويه فيما يكتبه عن تاريخ هذه الأسرة الحاكمة التي عاش في كنفها ومن نعمها، وعمل لدى حكامها وأمرائها نديماً، وخازناً، ومبعوثاً، وكان واحداً من رجالات مجالسهم العلمية والأدبية، تثير الدهشة والإعجاب، إذ لم يترك لكل تلك الاعتبارات أن تؤثر على قراءته لأحداث تلك الفترة، ولا على كتابته لتاريخها وتاريخ الدولة البويهية، مما يؤكد مكانته المميزة كمؤرخ حقيقي.
فهو لا يخفي أخطاءهم بل «بل يقسو في أحكامه عليهم أحياناً قسوة شديدة، ويتوسع في الحديث عن معز الدولة الذي كان يسترضي الجند والقادة على حساب مصالح الشعب والدولة)[227](، ويصفه بأنه كان سريع الغضب بذيء اللسان يكثر من سب وزرائه ويفتري عليهم)[228](. أما ركن الدولة فكان مع فضله على أقرانه من الديلم، على طريقة الجند المتغلبين، لا يرى النظر في عواقب أمره وكان يفسح لجنده وعسكره على طريق مداراتهم ما لا يمكن تلافيه)[229](. لكنه مع كل هذا لا ينسى الإشادة بأعمالهم المجيدة فيتحدث عن حسن تدبير عماد الدولة)[230]( وشجاعة وشهامة ركن الدولة)[231](، ويخلص في حكمه على عضد الدولة قائلاً «لولا خلال كانت في عضد الدولة يسيرة لا أستحسن ذكرها مع كثرة فضائله لبلغ من لدنيا مناه»)[232](.
ولا يشذّ مسكويه عن حياده فيما يرويه إلاَّ في حالة واحدة، عند الحديث عن أبي الفضل ابن العميد. والبعض يضيف أبا محمد المهلبي، وهذا غير دقيق. فروايات مسكويه عن المهلبي كانت محايدة بنسبة كبيرة. صحيح أنه لم يبد استنكاره للوسائل الكريهة التي استعملها المهلبي لمصادرة أبي علي الخازن)[233]( معتبرها دليل ذكاء. إلاَّ أن روايته للحدث على تلك الصورة من الدقة والتفصيل هو بحد ذاته إدانة للمهلبي. كذلك، فإنه لا يمتنع عن ذكر الرواية التي تتحدث عن تزوير المهلبي والصيمري لخط ابن قرابة)[234](، كما لا يجد حرجاً في أن ينتقد المهلبي بسبب هزيمته أمام عمران بن شاهين لأنه ترك الحزم وركب الخطأ)[235](.
أما في حالة ابن العميد، وهي الحالة الوحيدة التي غاب عنها حياد مسكويه، فيظهر ذلك في الصفحات التي تحدَّث فيها مسكويه عن فضائل ابن العميد وسيرته والتي يستهلها بقوله: «وكانت وفاة الأستاذ الرئيس بهمذان.. ففقد به الفضل أجمع وعدمت المحاسن التي ما اجتمعت لغيره في الإسلام»)[236](. فهو إذن ليس فريد زمانه وعصره، بل أعظم رجال التاريخ الإسلامي!!
ثم يسرد مسكويه فضائل ابن العميد وسيرته، مانحاً إياه كل الصفات العظيمة في الأدب والعلم والأخلاق والشجاعة وسياسة الملك.. إلخ)[237](. إلا أنه في ختام عرضه لسيرة ابن العميد، يشعر بأنه قد يتهم بالمبالغة وعدم الموضوعية والتحيّز، فيؤكد صدق وصفه قائلاً «ولعل من يطلع على هذا الفصل من كتابنا ممن لم يشاهده يظن أنّا أعرناه شهادة أو ادينا له أكثر من قدر علمه ومبلغ فضله، لا والذي أنطقنا بالحق وأخذ علينا ألا نقول إلاّ به»)[238](.
والواقع، أن ما تحدث به مسكويه عن صفات ابن العميد، كان حديث صدق، وإن أضفي على تلك الصفات بعض التعظيم. فالرجل بحق كان أدبياً، شاعراً عارفاً ببعض العلوم، بصيراً بسياسة الجيوش، ماهراً بمكايد الحروب، أستاذاً بتدبير الممالك وصناعة الملك. وهذا ما أدى إلى إعجاب مسكويه به، لا بل انبهاره بشخصه. وهو الذي عرفه وعايشه عن قرب مدة سبع سنوات.
ولا شكّ أن هذا الإعجاب والانبهار بشخصية ابن العميد كان السبب في عدم تدقيق مسكويه ببعض الروايات التي نقلها عنه، مما أوقعه بالتحيز وعدم الموضوعية. فعندما يروي مسكويه خبر قدوم الخراسانيين إلى الري في طريقهم لمقاتلة الروم، يصدق مسكويه ما قاله ابن العميد من أن هدفهم ليس الغزو بل إحداث فتنة في الري)[239](. بالرغم من أن مسكويه سبق وأشار أكثر من مرة إلى مشاركة الخراسانيين في قتال الروم إلى جانب سيف الدولة. كما أن ابن الأثير فيما بعد عندما يروي الحادثة نفسها يؤكد أن هدف الخراسانيين الذين قدموا إلى الري كان الحصول على المساعدات لمقاتلة الروم. كذلك، فإنه عندما يروي خبر المنام الذي شاهده ركن الدولة وكيف تحقق، فإنه يرويه، وهو الذي لا يؤمن بالمعجزات، استناداً إلى أن مصدره كان ابن العميد)[240](.
إلا أن هذه «الهفوات» الصغيرة التي ارتكبها مسكويه، يجب أن توضع في حجمها ومكانها الصحيحين. وبالتالي أن لا تؤثر على حكمنا على الرجل لجهة موضوعيته وحياده الكبيرين، كما رأينا، واللذين طبعا كتابته التاريخية بصورة رائعة. إذ من النادر فعلاً أن نجد مؤرخاً احتل هذه المكانة لدى سلطة حاكمة، وعاش تلك الأجواء والظروف، وتمكن من تجاوز كل هذه المؤثرات ليكتب تاريخاً بهذه الدرجة من الحياد والموضوعية.
ويظهر أن مسكويه يؤمن بأن للصدفة دوراً في أحداث التاريخ. فيقول عن انتصار أحمد بن كيغلغ علي لشكري الديلمي «وكان فتحاً طريفاً واتفاقاً عجيباً»)[241](. وعندما يبدأ بالحديث عن بروز البويهيين، فإنه يعطي للحظ وللصدفة دوراً مهماً في وصول بني بويه إلى ما وصلوا إليه. ويضع عنواناً لذلك «ذكر السبب في ما ملك»، ويقول: «كان السبب في ارتفاع علي بن بويه وبلوغه ما بلغ سماحة كثيرة… واتصل بجميع ذلك اتفاقات محمودة ومولد سعيد»)[242](.
أخيراً، ليس لنا بعد هذه القراءة لمسكويه وتاريخه، سوى أن نوافق أو نرفض حكم مستشرقين كبيرين، درسا كتاب «تجارب الأمم وتعاقب الهمم». الأول، مارغوليوث)[243]( الذي اعتبر أن التأليف التاريخي العربي قد بلغ أوجه في كتاب مسكويه حتى أنه يفضله عن الطبري في مجالات كثيرة، والثاني، كيتاني)[244]( الذي يقول عن مسكويه بأنه ترك عملاً، أهميته أن منهجيته قريبة جداً من تلك التي أتبعها الغربيون لاحقاً وخاصة المؤرخين الحديثين.
الدكتور حسن منيمنة
مسكويه
صاحب تجارب الأمم
يُعدُّ مسكويه من أهم مؤرخي القرن الرابع الهجري، استطاع من خلال كتابه «تجارب الأمم» أن يسهم في تطور الكتابة التاريخية العربية، التي بلغت في عصره نضجاً لم تعهده من قبل.
إنَّ لدى مسكويه فكراً تاريخياً متميزاً يستحق الدراسة والبحث، وهو يعد من أبرز المصادر لدراسة الحقبة البويهية، مع ذلك فإنَّ هذا الفكر لم يأخذ نصيبه الذي يستحقه من اهتمام المؤرخين.
حياته:
«أحمد بن محمد بن يعقوب، أبو علي الخازن، الرازي، الملقب بِـ«مِسْكَوَيْه».
ولد ما بين سنة 320 ـ 325هـ بالري في إيران. وقد أغفلت المصادر إغفالاً غريباً ذكر نشأته في مقتبل حياته، فلا نعرف شيئاً عن أساتذته ومعلميه، أو عن ثقافته المعرفية الأولى. لقب بالخازن، لأنه كان قيماً على خزانة كتب ابن العميد، ثم كتب عضد الدولة البويهي. ولقب بالرازي، نسبة إلى بلدة الري، حيث ألحقوا الزاي في النسبة تخفيفاً.
بدأ مسكويه حياته العملية بمصاحبة أبي محمد المهلبي ـ وزير معزّ الدولة البويهي ـ في أيام شبابه، وكان خصيصاً به، رفيق مجالسه، ونديم لياليه، ودامت الرفقة اثنتي عشرة سنة (340 ـ 352هـ).
ثم عاد بعد وفاة المهلبي إلى الري، حيث اتصل بابن العميد ـ وزير ركن الدولة البويهي ـ حاكم إقليم الجبل، وعمل معه خازناً لمكتبته الضخمة.
وعندما توفي ابن العميد، ظل مسكويه في خدمة ابنه أبي الفتح، حتى سنة 366هـ، حيث توفي الأخير، فترك مسكويه الري متجهاً إلى فارس، ملتحقاً بأميرها «عضد الدولة البويهي». والظاهر أنَّ مسكويه قد عمل خازناً لمكتبة «عضد الدولة البويهي»، إذ كانت تعدّ الأخيرة من كبريات المكتبات في التاريخ الإسلامي، بما جمعت بين دفتيها من آثار القدماء وتصانيف العلماء.
ومثلت وفاة عضد الدولة البويهي سنة 372هـ، منعطفاً مهماً في حياة مسكويه، ففي الوقت الذي حافظ فيه على علاقاته مع خلفاء الأول، فإنَّه انصرف عن مجالسة الأمراء ومنادمة الوزراء، إلى التأليف والتصنيف قرابة خمسين عاماً، أثرى فيها المكتبة العربية بالمفيد النافع من علوم الفلسفة، والأخلاق، والطب، والأدب، والتاريخ. توفي في 9 صفر سنة 421هـ.
لقد عاش مسكويه ما يقارب قرناً كاملاً هو تقريباً عمر الدولة البويهية أيام ازدهارها وعنفوانها. لذلك يعدُ مؤرخ البويهية بلا منازع.
مؤلفاته:
تتنوع آثار مسكويه بتنوع معارفه وعلومه، فقد صنف في علوم الأخلاق، والفلسفة، والطب، والرياضيات، والتاريخ.
ومؤلفاته بين مفقود لا نكاد نعثر له على أثر، إلا عند من ترجم له من القدماء، وهي الأغلب، وبين مخطوط محفوظ في خزائن الكتب الخطية، وبين مطبوع أبصر النور من كوة جهود المستشرقين ابتداءً، بعض الأكاديميين المتخصصين في الجامعات العربية انتهاءً. وهي بين هذا وذاك. قاربت نيفاً وثلاثين كتاباً.
1 ـ آداب الدنيا والدين: وهو كتاب أخلاقي يتضمن أصول المعرفة مع شيء من مراسيم الشريعة، وأحاديث العلم.
2 ـ أحوال الحكماء وصفات الأنبياء السلف، وهو في تأريخ الحكماء والأنبياء، حسب مفهوم العنوان.
3 ـ كتاب في الأدوية المفردة، وهو في علم الطب.
4 ـ كتاب الأشربة، وهو كتاب في علم الطب ظاهراً.
5 ـ أنس الفريد: قال ياقوت: «وهو مجموع يتضمن أخباراً وأشعاراً وحكماً وأمثالاً، غير مبوب» وقال القفطي: «فمن تصانيفه كتاب أنس الفريد، وهو أحسن كتاب صنف في الحكايات القصار والفوائد اللطاف». وقال آدم متز: «وهو أحسن كتاب صنف في الحكايات القصار والفوائد اللطاف. وهذه القصص الجديدة هي من نوع يغاير كل المغايرة القصص القديمة التي ألفها ابن قتيبة وصاحب العقد الفريد، ففيها نجد لأول مرة تمام الأسلوب القصصي الإسلامي أعني طريقة القصص التي ليست عربية خالصة».
6 ـ تجارب الأمم: في التاريخ، وهو من أهم مؤلفات مسكويه، بل هو أثره الوحيد في علم التاريخ. ألفه ـ كما يقول ـ ليستفيد منه «الوزراء، والأمراء، وأصحاب الجيوش، وسواس المدن، ومدبرو أمر العامة والخاصة». بعد أن تصفح «أخبار الأمم، وسير الملوك، وقرأ أخبار البلدان، وكتب التواريخ» ووجد «ما يستفاد منه تجربة».
يؤرخ الكتاب من مرحلة ما بعد الطوفان حتى سنة 369هـ، وقسمه إلى ستة أجزاء، ورغم أن مسكويه عاش حتى سنة 421هـ، إلا أنه لم يدوّن أحداث الحقبة الزمنية الممتدة من سنة 369هـ، حتى وفاته، ولعل السبب في ذلك يعود إلى ابتعاده النسبي عن الساحة السياسية، وما يدور فيها، في تلك الآونة، وانصرافه للتأليف والتصنيف كما تقدم.
والكتاب على أهميته لم يأخذ حقه من التحقيق والنشر بشكل كامل؛ فقد قام المستشرق «كايتاني» بنشر الجزء الأول، والخامس، والسادس منه (ليدن 1909، 1913، 1917م)، ثم قام المستشرق «ايمدروز» بنشر الجزء الخامس سنة 1914م، في (420) صفحة، وصدر عن شركة التمدن الصناعية في القاهرة، ويحتوي هذا الجزء على أحداث سنة 329هـ حتى سنة 395؟هـ. ثم نشر الأخير الجزء السادس سنة 1915م. وصدر عن الشركة نفسها، في (420) صفحة، ويحتوي على حوادث 329هـ إلى سنة 369هـ، وهو نهاية الكتاب، وألحق «ايمدروز» بطبعته تلك جزءًا ثالثاً هو كتاب «ذيل تجارب الأمم» للوزير أبي شجاع محمد بن الحسين الملقب ظهير الدين الروذراوري، الذي أرخ لسنوات من 369هـ حتى 389هـ، وصدر في 332 صفحة. مع العلم أن ايمدروز لم يتم عمله في تحقيق نص الذيل بسبب وفاته، فتابع عمله المستشرق «مارغليوث» فحقق النصف الثاني منه. ثم قام «مارغليوث» بنشر ترجمة إنكليزية للأجزاء آنفة الذكر، وأصدرها في سبعة أجزاء (أكسفورد 1920 ـ 1921م).
ثم أصدر الدكتور الإيراني أبو القاسم إمامي الجزءين الأول والثاني من الكتاب في طهران، سنة 1978م.
وتحتفظ مكتبة أيا صوفيا في أسطنبول، بمخطوطة ثمينة كاملة، تقع في ستة أجزاء تحت رقم (3116 إلى رقم 1321)، نسخها محمد بن علي بن محمد أبو طاهر البلخي، فرغ من نسخ الجزء الأول في شهر ربيع الأول سنة خمسة وخمسمائة هجرية، ومن نسخ الجزء السادس سنة ستة وخمسمائة هجرية. كما توجد نسخ أخرى، لا تضاهي النسخة آنفة الذكر، من حيث القدم والأهمية.
أما بالنسبة لعنوان الكتاب، فقد ضبطه قسم كبير بشكل دقيق، بينما توهم آخرون من أعلام المتقدمين والمتأخرين فيه، ابتداءً من الروذراوري صاحب الذيل، وانتهاء بالدكتور حسن منيمنة، والدكتور عبداللَّه العروي، حيث أضافوا عبارة «وتعاقب الهمم» بعد اسم الكتاب، فأصبح الكتاب عندهم «تجارب الأمم وتعاقب الهمم»، وهذا ما لا أصل له عند مسكويه، لأنه قد صرح في مقدمة كتابه قائلاً: «فذلك، جمعت هذا الكتاب، وسميته تجارب الأمم»، والظاهر أن الإضافة جاءت على عادة بعض المتقدمين من الاستيناس بالسجع في عناوين الكتب، فأضيفت العبارة الثانية «وتعاقب الهمم» لذلك.
ويتعرض مسكويه، في كتابه «تجارب الأمم»، في السنوات المختصة بالحقبة البويهية، إلى كل ما يدور في فلك الخلفاء والوزراء وأمور الجيوش والسياسة، وما كان يدبر في كواليس القادة، ومدبري شؤون الناس من القضاة والشخصيات الفكرية والسياسية، كل ذلك من خلال مشاهدة عيان، أو سماع من وزير، أو حوار مع قائد، الأمر الذي جعله مصدراً لا يستغنى عنه في دراسة تلك الحقبة.
7 ـ ترتيب السعادات ومنازل العلوم: في الأخلاق، وهو شرح لمراتب السعادة الثلاث، وتحديد دقيق لمراتب العلوم، حسب مدرسة أرسطو.
8 ـ كتاب في تركيب الباجات في الأطعمة.
9 ـ تعاليق على الكتب المنطقية.
10 ـ تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين.
11 ـ تهذيب الأخلاق: في علم الأخلاق، ويتألف من ست مقالات، في مبادىء الأخلاق، والكمال الإنساني، والخير وأقسامه، والسعادة ومراتبها، والعدالة، والمحبة والصداقة، وصحة النفس وحفظها. نقله نصير الدين الطوسي إلى الفارسية وسماه «أخلاق ناصري» وقد أعجب به إعجاباً شديداً. كما ترجم إلى الإنكليزية والفرنسية. وطبع الكتاب طبعات عديدة.
12 ـ كتاب الجامع: والظاهر أنه في علم الطب.
13 ـ جاويدان خرد: وهو أصلاً لأحد ملوك الفرس القدماء، بالفارسية، يتحدث عن آداب الفرس ومواعظهم، وزاد عليه مسكويه آداب الأمم الأخرى من العرب والهند والروم، ومعناه بالعربية: «الحكمة الخالدة»، وقد ورد اسم الكتاب مصحفاً عند ياقوت، بعنوان «جاوزان فرد» وهو لا معنى له بالفارسية.
14 ـ حقائق النفوس: وهو في أحوال النفس.
15 ـ الخواطر: وهو في أحوال النفس، وتبيان أنها جوهر بجهة وعرض بجهة.
16 ـ رسائل فلسفية وهو مجموعة رسائل فلسفية، كالآتي: أ ـ رسالة في اللذات والألم. ب ـ رسالة في الطبيعة. ج ـ رسالة في جوهر النفس والعقل. د ـ رسالة في إثبات الصور الروحانية. هـ الفصل بين الدهر والزمان.
17 ـ رسالة في دفع الغم من الموت: وهي في الحكمة.
18 ـ رسالة في ماهية العدل: وجهها مسكويه إلى علي بن محمد أبي حيان الصوفي، وهي في ماهية العدل وأقسامه.
19 ـ الرسالة المسعدة.
20 ـ كتاب السياسة للملك.
21 ـ كتاب السير: قال ياقوت: «أجاده، ذكر فيه ما يسير به الرجل نفسه من أمور دنياه، مزجه بالأثر، والآية، والحكمة، والشعر».
22 ـ فقر أهل الكتب: وهو كتاب طريف من عنوانه، ولعله خلاصة تجربة مسكويه، كونه خازناً لمكتبات البويهيين.
23 ـ الفوز الأصغر: وهو في علم الفلسفة.
24 ـ الفوز الأكبر.
25 ـ فوز السعادة.
26 ـ فوز النجاة.
27 ـ المختصر في صناعة العدد: وهو في علم الرياضيات والحساب.
28 ـ مختصر النبض: كتاب في الطب، كتبه مسكويه لعضد الدولة البويهي.
29 ـ مراسلة بينه وبين بديع الزمان الهمذاني: رسالة جوابية من مسكويه إلى بديع الزمان الهمذاني رداً على اعتذاره.
30 ـ المستوفي: في الشعر، وهو أشعار مختارة.
31 ـ الهوامل والشوامل: وهي هوامل أبي حيان التوحيدي، أي أسئلته المبعثرة البالغة (175) مسألة أجابه عليها مسكويه بالشوامل، لأن الشوامل هي الحيوانات التي تضبط الإبل الهوامل فتجمعها.
منهجه:
يمثل مسكويه وعياً متميزاً في الكتابة التاريخية العربية، وذلك من خلال التزامه الشديد بالخطوط العريضة لمنهجه التاريخي، التي حددها في مقدمة كتابه «تجارب الأمم» ولم يضعف هذا الالتزام عند دخوله في تفاصيل الأحداث، وجزئيات التأريخ.
يستبعد مسكويه الخرافة من تاريخه، فهي «لا فائدة فيها غير استجلاب النوم بها، والاستمتاع بأنس المستطرف منها»، ويعد استحالة حدوثها ووقوعها سبباً منطقياً لرفضها. يقول مسكويه في كلامه عن خرافات الفرس: «فللفرس هاهنا خرافات، وتزعم أن الشياطين كانت مسخرة لكيتابوس، وقوم يزعمون أن سليمان بن داود (عليه السلام) أمرهم بذلك في خرافات كثيرة، ظاهرة الإحالة من الصعود إلى السماء، وبناء مدينة كنكرز بأسوار من ذهب وفضة وحديد ونحاس، وأنها بين السماء والأرض، وأشباه ذلك، مما لا فائدة في ذكره»، فهو يقرر كون الخرافة ظاهرة الإحالة، فلا فائدة في ذكرها.
ولم يتعرض مسكويه لذكر معجزات الأنبياء وأفعالهم المرتبطة بالغيب، واستثنى من ذلك ما كان فعلاً بشرياً غير مقترن بالإعجاز. يقول مسكويه: «ولم نتعرض لذكر معجزات الأنبياء ـ صلوات اللَّه عليهم ـ وما تم لهم من السياسات بها، لأن أهل زماننا لا يستفيدون منها تجربة في ما يستقبلونه من أمورهم، اللهم إلا ما كان منها تدبيراً بشرياً لا يقترن بالإعجاز».
ويلتزم مسكويه بما تقدم، فيقول في حديثه عن بني إسرائيل: «وأما القيم بأمر بني إسرائيل بعد يوشع فكان كالب بن توفيل، ثم حزقي ـ الذي يقال له ابن العجوز ـ وكانت لهما أخبار مشهورة، تركنا ذكرها لأنها معجزات، لا يستفاد منها تجربة».
لقد اهتم مسكويه بالتدبير البشري ـ أي فعالية الإنسان غير المرتبطة بالغيب ـ اهتماماً كبيراً، لما يمثله ذلك من زخم عملي في الحياة العامة، لذلك فقد ترك «ذكر أكثر مغازي رسول اللَّه(ص) ووقعاته، لأنها كلها توفيق اللَّه ونصره، وخذلان أعدائه، ولا تجربة في هذا ولا تستفاد منه حيلة، ولا تدبير بشري، ويستثني من ذلك غزوة الخندق، لما تخللها من مشاركة الصحابة في إبداء الرأي حول حفر الخندق، وما يعنيه ذلك من المشاركة الإنسانية المتجردة من تأثير (الماوراء)، والتي كانت أحد الأسباب الرئيسية لانتصار المسلمين، فيقول: «فما جرى في غزوات رسول اللَّه(ص) من التدابير البشرية، والحيل الإنسانية، ما كان منه في غزوة الخندق».
ويقول في حديثه عن داود (عليه السلام): «وملك داود لما كان منه من مبارزة جالوت. والخبر مشهور، مقرون بمعجزة الأنبياء. ثم ملك سليمان، وأخباره ومعجزاته مذكورة». فكون الخبر مقروناً بمعجزة الأنبياء كان مسوغاً كافياً لعدم ذكره ـ حسب منهج مسكويه ـ ولم يشفع لذلك الخبر شهرته، كما صرح.
ويؤمن مسكويه بالمصادفة في فهمه لأحداث التاريخ، فيقول في مقدمة كتابه: «وقد ذكرنا أشياء مما يجري على الاتفاق والبخت». وينقل في كتابه حوادث كثيرة ترتكز على المصادفة ـ التي عبر عنها بالاتفاق ـ أذكر منها نموذجاً واحداً، لأهميته.
نقل مسكويه رواية استخدام الرسول لنعيم بن مسعود، في غزوة الخندق من أجل أن يخذل عساكر الأحزاب المتمثلة بمشركي قريش وغطفان من جهة، وحلفائهم من بني قريظة داخل المدينة من جهة أخرى، وذلك في رواية طويلة، ثم يقول: «فكان من الاتفاق الجيد ان أرسل بعد ذلك أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان». ومفاد الرواية أن ذهاب الوفد إلى بني قريظة بعد تحرك نعيم بن مسعود كان عاملاً مهماً في وقوع الشكّ واهتزاز الثقة بين الأحزاب وحلفائهم اليهود، وتأكيداً لما زرعه نعيم بن مسعود من مخاوف عند الطرفين بعدم وفاء أحدهما للآخر.
إن عبارة مسكويه «فكان من الاتفاق الجيد» تعني أنه اعتبر ذلك مصادفة جيدة. لقد نقل مسكويه هذه الرواية عن الطبري، وعندما نراجع الطبري، نجد النص كالآتي: «وكان مما صنع اللَّه عزَّوجلَّ لرسوله أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة…» وهذا يعني ـ حسب الطبري ـ تدخل اليد الغيبية في إرسال الوفد.
إنَّ الغيب عند الطبري، تقابله المصادفة عند مسكويه، وهذا يعني أن الميتافيزيقا لا وجود لها في منهج مسكويه في فهمه لتسلسل الحدث التاريخي.
ويؤكد مسكويه على التجربة المستفادة، التي كانت هاجسه في كتابته للتاريخ، إذ يكاد لا ينفك عن رفض نقل أي نص تاريخي لخلوه من تجربة مستفادة، وهو إنما ينقل النص لوجود تجربة مستفادة، وذلك في مواضع عديدة. والتجربة المستفادة عند مسكويه هي العبرة المستوحاة من النص ونفعها للمستقبل، فإذا لم يلب النص هذه الحاجة، فلا فائدة في ذكره، ويتجلى هذا المعنى واضحاً عند نقله لرواية لقاء علي مع الزبير في واقعة الجمل، وتذكيره بقول رسول اللَّه(ص) له، بأنه سوف يقاتل علياً وهو له ظالم، فتذكر الزبير ذلك، وقال لعلي: «واللَّه لا أقاتلك أبداً» ولما رجع إلى عائشة، قالت: ما تريد أن تصنع؟ قال: «أريد أن أدعهم وأذهب»، قال له ابنه عبداللَّه: «جمعت هذين الغارين حتى إذا جرد بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب، أحسست رايات ابن أبي طالب وعلمت أنها تحملها فتية أنجاد»، فغضب الزبير حتى أرعد، ثم قال: «ويحك إني قد حلفت ألا أقاتله». قال: «كفر عن يمينك». فدعا غلاماً يقال له: مسحول، فأعتقه.
ويعلق مسكويه على هذه الرواية، فيقول: «وإنما حكينا هذه الحكاية، لأن فيها تجربة تستفاد، وإن ذهب ذلك على قوم، فإنا ننبه عليه، وذلك إنَّ المحنق ربما سكن بالكلام الصحيح، والساكن ربما أحنق بالزور من الكلام».
ولم يجد مسكويه في حروب خالد بن الوليد على عظمها وشدتها «موضع حيلة، ولا موقع تدبير، تستفاد منه تجربة إلا اليسير مما سنذكره، وباقيه كله جهاد من القوم، ونصر من اللَّه، واجتهاد من المسلمين، وخذلان للفرس، وانصرام لمدتهم وانقضاء لملكهم. وكان شرطنا في أول الكتاب لا نثبت من الأخبار إلا ما فيه تدبير نافع للمستقبل، أو حيلة تمت في حرب أو غيرها، ليكون معتبراً وأدباً لمن يستأنف من الأمر مثله، فلذلك تركنا إثبات هذه الوقائع».
وتتجلى السببية التاريخية عند مسكويه واضحة المعالم، فهو يعنون لمقتل ابرويز، ما يلي: «ذكر سبب هلاك أبرويز ومقتله». ويقول عن قتل النعمان بن المنذر: «قتله كسرى لأسباب نذكر جملها إن شاء اللَّه…». ويعنون أيضاً: «ذكر سبب طمع العرب في أطراف الفرس». ويعنون في حديثه عن حمران أحد كتَّاب عثمان: «سبب سقوط الكاتب في عين عثمان».
وتتكرر هذه المعاني بكثرة في تاريخه، الأمر الذي حدا ببعض المعاصرين أن يقول: «ومسكويه لا يكتفي بذكر سبب واحد لتعليل وتفسير أحداث تاريخه. بل يورد دائماً عدة أسباب لتفسير ذلك الحدث مجتمعة، وربما كان المؤرخ الإسلامي الأول الذي أعطى لمفهوم السببية التاريخية دورها وأهميتها في الكتابة التاريخية».
ويظهر أنَّ مسكويه كان يعتمد الإجماع بوصفه أحد الأسس في قبوله للرواية التاريخية، ففي حديثه عن حسان بن تبع، يقول: «وفي بعض الروايات ـ وهو المجمع عليه ـ أن شمراً وحساناً انصرفا في الطريق…». ومن عبارة «بعض الروايات» نستفيد أن هناك روايات أخرى، لم يذكرها مسكويه لأن بعض الذي ذكره، قد حاز على إجماع المؤرخين، وفي ذلك حجة وكفاية.
ويستخدم مسكويه الاختزال ـ أو إن شئت فقل: «الاقتصاد اللغوي ـ في تعاطيه مع النصوص التاريخية، فما يهمه أن يؤدي النص الفائدة المتوخاة لفهمه من دون إطالة وإسهاب. ومثال ذلك ما نقله عن الطبري في حوادث مقتل عثمان، ومجيء المصريين إلى المدينة، فقال: «فأما المصريون فإنهم لما أتوا علياً وجدوه في عسكر عند أحجار الزيت، فسلم المصريون على عليَّ، وعرضوا…»، وعندما نراجع النص عند الطبري نجده كالآتي: «فأتى المصريون عليَّاً، وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أفواق، معتم بشقيقة حمراء يمانيّة، متقلد السيف، ليس عليه قميص…». لقد حذف مسكويه مقاطع من نص الطبري ـ كما هو الظاهر ـ فهو لا يهمه، ما هو لباس علي؟ وما هو لون عمامته؟ حمراء أم خضراء، وهل كان يرتدي قميصاً أم لا؟ وإنما كان اهتمامه ينصب على مضمون الحادثة التاريخية، ونقلها بما يؤدي الغرض، من دون تفاصيل جانبية.
وفي كلامه عن استشارة عمر للصحابة حول وقعة نهاوند، يقول مسكويه: «قام طلحة فقال: يا أمير المؤمنين قد أحكمتك التجارب، وأنت وشأنك ورأيك، في كلام طويل يشبه هذا، ثم جلس» ولم ينقل مسكويه الكلام الطويل، لأنه مشابه لما تقدم، لذا اقتضى اختزاله. بينما نجد الكلام الطويل عند الطبري كاملاً.
وعن قدوم وفود هوازن على النبي(ص)، يقول مسكويه: «أعتق لهم أبناءهم ونساءهم كلهم، في حديث طويل». والأمثلة على ذلك كثيرة.
وتبنى مسكويه الإمتناع العقلي في رفضه للرواية التاريخية، ففي حديثه عن محاربة أبرويز وبهرام، وهما من ملوك الفرس، يقول: «والمجوس تحكي حكايات عظيمة لا فائدة في ذكرها، مع امتناعها». والظاهر أنَّ الكلمة الأخيرة تعني امتناع وقوع هذه الحكايات العظيمة وحدوثها امتناعاً عقلياً، لذلك فهي لا تستحق الذكر، إذ لا فائدة ترجى منها مع استحالتها.
ويستنكر مسكويه المبالغات المعهودة في الروايات التاريخية، ويواجهها بإعمال العقل للحدّ منها، ويقول في وصفه لإحدى معارك الفرس: «فتزعم الفرس أنه بلغ عدد القتلى أمراً عظيماً لم أستحسن ذكره لكثرته».
وفي كلامه عن بهرام أحد ملوك الفرس، قال: «وتحكي الفرس عنه حكايات عظيمة جداً» ولم ينقلها.
لقد التزم مسكويه بوحدة الموضوع التاريخي، وجنب نفسه الاسترسال عند سرده للأحداث، متمسكاً بموضوعه الأساسي، مكباً عليه، حتى إنهائه، فإذا ما اعترضه موضوع جانبي، استخدم الإحالة لتجنبه وعدم الخوض فيه، الأمر الذي جعل النص التاريخي عنده خالياً من الثغرات، متماسك الوقائع. يقول مسكويه في كلامه عن النعمان بن مقرن ومقتله في وقعة نهاوند: «فلما التقوا كان أول قتيل. وسنحكي خبره في موضعه» فهو لم يرد الاسترسال في الحديث عن النعمان، كي لا يخرج عن إطار الموضوع الأساسي، فاستدرك بالإحالة، وتابع الموضوع.
وفي حديثه عن «آرزمي دخت» ابنة كسرى، قال: «وهو رستم صاحب القادسية الذي تولى قتال العرب من قبل «يزدجرد» في ما بعد، وسنحكي خبره هناك».
وعند تعرضه للقتال الذي نشب بين عائشة وبين والي الإمام عليّ في البصرة، واتفاقهم على إرسال رسول إلى المدينة يسأل عن بيعة طلحة والزبير، هل كانت اختيارية أو إجبارية، قال مسكويه: «فجرى خطب طويل بالمدينة لما ورد الرسول من البصرة، ليس لذكره وجه في ما نحن بصدده».
لقد أظهر مسكويه دقة متناهية في تحكمه بمسار النص التاريخي، لأنه كان في صدد الحديث عما دار من قتال وتوادع في البصرة أما مسألة إرسال الرسول إلى المدينة، وما دار هناك فهي مسألة عرضية.
وتميز مسكويه بالانتقائية ـ من أحداث التاريخ ـ المبنية على الاستحسان، فعندما روى مواجهة بعضهم للضحاك ـ وهو الطاغية الكبير ـ ومطالبته بالعدل والإنصاف «فقالت له أمه: هلا دمرت عليهم وأمرت بهم»، فقال لها الضحاك على عتوه: «إنك لم تفكري في أمر إلا وقد سبقت إليه، إن القوم بدهوني بالحق. فلما هممت بالسطوة بهم، وقف الحق بيني وبينهم، واعترض كالجبل، فحال بيني وبين ما أردت».
قال مسكويه: «فهذا ما استحسن من فعل الضحاك وقوله، ولا يعرف له شيء مستحسن غيره».
إنَّ التاريخ عند مسكويه يقارب أن يكون محققاً، فهو لا يقف أمام النص وقفة محايدة، بل يتصدى لمناقشته، وإبداء رأيه بكل وضوح، معتمداً في تبنيه لرأيه التاريخي على تناقضات النصوص ومقارنة بعضها ببعضها الآخر، وصولاً إلى الحقيقة.
يقول مسكويه عند ذكره لمقتل بن الحوية عند فتح (بهرمير) بعد معركة القادسية، ما نصه: «هكذا وجدت في التاريخ، وهو سهو، لأنَّ زهرة بن الحوية عاش بعد هذا، وشهد مواقف كثيرة، وسيرد جميعه على الأثر، ولعل هذا زهرة بن خالد. فلينظر في ذلك».
لقد تعاطى مسكويه مع هذا النص على ثلاث مراحل:
الأولى: تخطئة ما وجده في التاريخ، وتقريره بأنه (سهو).
الثانية: ذكره لسبب التخطئة.
الثالثة: ذكره البديل لحل الإشكال التاريخي.
والظاهر أنَّ ما عناه مسكويه بـ«التاريخ» إنما هو تاريخ الطبري، لأننا وجدنا الرواية نفسها هناك، وهذا يدل على أنَّ مسكويه حتى في أخذه عن الطبري لم يكن ناقلاً سردياً، وإنما كان خبيراً بما ينقل، ناقداً له.
ولم يعتن مسكويه بالسند اعتناءه بالمتن، فقد تحرر من قيود الأول، ولم يلزم نفسه إلا بما تقدم من اعتبارات «العقل، والإجماع، والاستحسان».
ولم يعتمد مسكويه الطريقة الحولية بالمطلق ـ خلافاً لما يفهم من عبارة بعضهم ـ وإنما اعتمادها في القسم العباسي من كتابه فقط. أما المدة الأولى فقداعتمد فيها على تسلسل الأحداث التاريخية حسب تدوينها من دون تقيد بالحولية.
لقد كان مسكويه موضوعياً في تعاطيه مع الأحداث التاريخية، فلم يتأثر بعلاقاته مع الأمراء والوزراء البويهيين، مع ما له من الحظوة عندهم، بل لم يتوان عن توجيه النقد الشديد لسياستهم، وكان بعيداً كل البعد عن أي صورة من صور التحيز، حتى أنَّ المطالع لتاريخه لا يخرج بأي استنتاج عن مذهب الرجل وديانته، ولعل التردد الذي أشرنا إليه في بداية البحث حول تقرير مذهبه، ناشىء من موضوعيته الشديدة في كتابته التاريخية.
آراء العلماء والمفكرين فيه
قال المستشرق الكبير «مارغليوث»: «وكل من يتقدم من دراسة الطبري إلى دراسة مسكويه يجد أنَّ مؤهلات الأخير لتأليف التاريخ أعظم جداً من مؤهلات سلفه. وكانت لديه ميزة كبيرة في أخبار عصره من معرفته الشخصية بالرجال المشهورين، إذ كان قادراً على الحصول على المعلومات من مصادرها الأصلية. أضف إلى ذلك، أنه كان عارفاً بمناهج الإدارة والحروب في عصره مما يسر له وصف الأحداث وصف عارف، والحكم على الأعمال حكم واقف على دقائقها بحكم تقلده مركزاً، وإن لم يكن سامياً جداً، في بلاط البويهيين.
ويقول المستشرق فرانتز روزنتال: «إن مسكويه يمثل مستوى عالياً في الكتابة التاريخية… فهو قلما يهتم بالأمور التافهة، بل يدرك كل ما له قيمة تاريخية جوهرية، ويعرض الأحداث بشكل معقول، متماسك».
وقال الدكتور مصطفى: «ومنطلقات مسكويه في تاريخه إنما لخصها العنوان نفسه: (تجارب الأمم)، ولهذا فإنه لم يكلف نفسه لا المنطلق الموسوعي ولا الفلسفي، ولكن المنطلق البراغماتي، أو السياسي العملي… فكأنَّ مسكويه إنما أراد أن يقدم تاريخاً عاماً منظوراً إليه من زاوية التجربة السياسية العملية لا ليكون درساً في الأخلاق ـ وإن حرص عليها ـ ولا نظرية في الفلسفة، ولا مجمعاً للأخبار والطرائف والأفكار، ولكن دراسة في تدبير أمور الحكم والدول وقصص الدهاء والغلبة والفشل».
ويقول الدكتور السيد عبدالعزيز سالم: «ويعبر (مسكويه) في كتابته عن خبرة بشؤون السياسة وإدراك كامل، وتفهم شامل للتاريخ، وهو لذلك يقتصر على السياسات التي يمكن لأهل زمانه أن يفيدوا من تجاربها».
ويقول الدكتور أبو القاسم إمامي: «إن المؤرخين المسلمين ـ ومعظمهم ممن تأخر عن مسكويه وربما تأثر به بالذات ـ نظروا إلى التاريخ من حيث هو درس وعظة وعبرة، ولكن مسكويه السابق في هذا المضمار، هو المؤرخ الوحيد الذي نهج منهج الاستدلال الفلسفي مع ما كان له من نظرة أخلاقية عملية براغماتية إلى حوادث التاريخ».
ويقول الدكتور حسن منيمنة: «ارتبط مسكويه المؤرخ بكونه فيلسوفاً أخلاقياً، وما زاد من عملية الربط وتغليب الصفة الثانية على الأولى ليس فقط كثرة مؤلفاته الفلسفية والأخلاقية وشهرته في هذا المجال، بل في أنه جعل هدف كتابته التاريخية أخلاقياً وتعليمياً، كما أعلن هو نفسه في مقدمته لكتاب (تجارب الأمم)… لكن هذه المعطيات كلها، يجب أن لا تدفع بنا إلى القول السائد بأنَّ مسكويه الفيلسوف لم يكتب تاريخاً بل مجموعة عبر ليستفاد منها… فالواقع أنَّ المؤرخين إجمالاً «كتبوا في أغلب الأحيان لتعليم مواطنيهم»، كما ضمنوا تواريخهم بعض القصص التعليمية والأخلاقية. فمسكويه الفيلسوف الأخلاقي هو في الوقت نفسه وبدرجة أكبر المؤرخ الكبير، فما كتبه كان خطوة إلى الأمام في تقدم الكتابة التاريخية عند العرب».
وفي بحثه عن تطور الكتابة التاريخية عند العرب؛ يقول الدكتور إبراهيم بيضون: «بل إنَّ مسكويه، كنموذج من هذا القرن الأخير (أي الرابع الهجري)، أكثر نضجاً في رؤيته، ورهافة في حسّه التاريخي…».
على ضوء ما تقدم، يمكن استنتاج ما يلي:
إنَّ مسكويه اتخذ موقفاً تجاه الخرافة والأسطورة فلم تجد لها مكاناً في تاريخه، فهو لا يؤمن بها، ويرى استحالة حدوثها، وعدم فائدة ذكرها، سبباً منطقياً لاستبعادها من نتاجه التاريخي، وتزداد هذه المسألة أهمية إذا عرفنا أنَّ مسكويه تطرق لتاريخ الفرس القديم، المليء بالأساطير والخرافات، فاستطاع تحييدها خارج إطار الأحداث التاريخية من دون أي تردد.
ولم يذكر مسكويه معجزات الأنبياء وأفعالهم المرتبطة بالغيب، مستثنياً من أفعالهم ما كان مرتبطاً بالفعل البشري. لقد تعامل مسكويه بسلبية واضحة مع كل ما هو «ميتافيزيقي»، حيث مارس دوره بوصفه مؤرخاً يسعى لوضع الحدث التاريخي في إطار الواقع، ففي الوقت الذي يدل ذلك على نزعة عملية تعطي دفقاً علمياً لمنهج مسكويه، فإنه يشير إلى ضعف الميل الديني عنده في فهمه لأحداث التاريخ، الأمر الذي يوهن منهجه من زاوية أخرى، لأن «الماورائية» جزء لا يتجزأ من الفكر والتاريخ الإسلاميين، لا يمكن التغاضي عنها بسهولة.
إنَّ اتجاه مسكويه هذا، يجعلنا نشكك في نسبة أحد الكتب إليه، وهو كتاب «أحوال الحكماء وصفات الأنبياء السلف» السالف الذكر في مصنفاته، ومما يقوي شكنا، أنه لم يذكر إلا في مرجع فارسي واحد، هو كتاب «ريحانة الأدب»، وهو مرجع متأخر.
لقد استطاع مسكويه أن يتخلص ـ ببراعة ـ من تأثير المدرسة الدينية التي أسس لها الطبري، رغم أنه أخذ عنه كثيراً من دون أن تتأثر شخصيته المميزة أداءً ومضموناً، فهو لم يكن فقيهاً كالطبري ولا جغرافياً كالمسعودي، أو نسابة كالبلاذري، بل كان فيلسوفاً أخلاقياً، لكن خارج إطار الكتابة التاريخية، التي لم يكن لها إلا أن تتأثر ولو قليلاً بالصفتين المتقدمتين، ومع ذلك فقد تميز مسكويه بوضوح كامل في رؤيته التاريخية ومنهجيتة الصارمة.
ويلاحظ أن مسكويه آمن بالمصادفة التاريخية، وجعلها مقابل الغيب، عند تحليله للحدث التاريخي، محاولاً فهمه خارج دائرة (المعجز) أو (الخارق)، مستجيباً لنداء السببية الواقعية التي ميزته. وفي هذا الإطار وقف مسكويه على طرفي نقيض مع الطبري، فالأخير لا يتردد في تفسير الأحداث بالاعتماد على تدخل الغيب والقدرة الإلهية، في حين لا ينفك الأول عن تفسير تلك الأحداث نفسها بوصفه مؤرخاً بفعل وقوع المصادفة، معبراً عنها بـ«الاتفاق».
واستخدم مسكويه «الاقتصاد اللغوي»، بأجلى صورة، فهو يعرض النص بالشكل الذي يؤدي إلى فهم الحدث من دون إطالة وإسهاب، معرضاً عن التفاصيل الجانبية التي لا نفع فيها، ولا يتردد في حذف بعض المقاطع الطارئة على النص التاريخي، بالمعنى الذي لا يؤثر بقاؤها أو إزالتها على فحوى الحدث ومضمونه الأساسي. لقد تدخل التفكير العملي عند مسكويه حتى في حجم النص المنقول من المصادر التاريخية، وجدوى السرد التاريخي الموسوم عادة بالتطويل غير المفيد، على حساب الخبر ومضمونه.
وركز مسكويه على «التجربة المستفادة» بوصفها سبباً رئيسياً لنقل النصوص التاريخية، وهي عنده: العبرة المستوحاة من الحدث التاريخي، ونفعها المستقبلي، وتأثيرها على الأفراد والجماعات: ولا نغالي إذا قلنا: إنه في هذا المجال، استشرافي النظرة، يحاول تجيير حدث الماضي لحساب حركة الحاضر والمستقبل، من خلال رصده لمواطن النفع ـ التجربة المستفادة ـ في الواقعة التاريخية من جهة، ومظان الاستفادة من هذه التجربة في حركة الإنسان من جهة أخرى.
إنَّ النفعية التاريخية التي تجلَّت واضحة في خطاب مسكويه ونهجه التاريخي، رسمت الخطوط الأساسية لما يمكن أن نسميه بـ«المدرسة البراغماتية في الكتابة التاريخية العربية».
وتبرز (السببية التاريخية، أسلوباً واضحاً في نص مسكويه، إذ أنه تجاوز التعاطي مع الحدث بوصفه واقعة تاريخية مجردة، إلى البحث في أسبابه، ونتائجه، حتى عدّ المؤرخ الإسلامي الأول الذي أعطى السببية التاريخية دينامية علمية تتحرك في إطار النصوص من خلال تحليل منطقي يبتني على أسس متينة من الواقعية العملية، التي وظفها مسكويه ـ باتقان ـ في سبيل الوصول إلى أسباب دقيقة ونتائج عقلانية.
واعتمد مسكويه عدة معايير لقبول الرواية التاريخية أو رفضها، فرأى أنَّ «الإجماع» أحد الأسس المساعدة التي يطمئن المؤرخ من خلالها لصحة النص، هذا إذا لم يتعارض النص (المجمع عليه) مع مقتضيات الضرورة العقلية في تقبل فحوى النص. لأنَّ مسكويه ركز على الامتناع العقلي في رفض الرواية، فإذا لم يتقبل العقل مضمون الرواية، فهي مرفوضة عنده، وعلى ذلك، فالعقل ـ عند مسكويه ـ مرتكز أساسي، بينما الإجماع عامل مساعد. وعلى هذا الأساس رفض مسكويه المبالغات الكبيرة في الروايات التاريخية القديمة التي تتحدث عن أعداد القتلى بشكل غير معقول، أو الحكايات التي تضفي على الملوك القدماء هالة من التعظيم في أحوالهم وتصرفاتهم تفوق حدود الواقع.
إنَّ النخبوية التي تميز بها خطاب مسكويه، جعلته يعتمد «الاستحسان» في غربلة الأحداث التاريخية، والتقاط ما يتناسب مع موضوع الكتاب وهدفه. لقد استطاع مسكويه إخراج مفهوم «الاستحسان» من محيطه في علم الأصول، والإفادة منه، وتوظيفه بوصفه أداة فاعلة في علم التاريخ. ولعل ذلك يبيح لنا الاعتقاد، أنه كان رائداً في هذا البعد بحدود اطلاعنا.
لقد التزم مسكويه بوحدة الموضوع التاريخي بشكل دقيق، محاولاً رصد الحادثة التاريخية وشدّ مفاصلها بإحكام، الأمر الذي ساعده على تمكنه من تقديم نصّ مترابط ومتماسك، ولم يتردد في استخدام «الإحالة» إذا ما اعترض النص موضوع دخيل، أو غير أساسي، مجنباً نفسه الاسترسال عند سرده الأحداث. إنَّ «الإحالة» من الأساليب العلمية التي استخدمها مسكويه بمرونة وكفاءة حفاظاً على وحدة الموضوع، فسبق بذلك الطبري وغيره من كبار المؤرخين الذين وقفوا أمام النصوص التاريخية التي تتداخل فيها عدة مواضيع من دون معالجة. إنَّ ما قام به مسكويه لا يعدّ تجاوزاً لمبدأ احترام النص، بل كان علاجاً علمياً لتشتت الموضوع التاريخي وتفرقه.
ولم يكن مسكويه ناقلاً للنصوص التاريخية من مصادرها بالمعنى التقليدي، وإنَّما كان ناقداً ومحللاً ومحققاً، يتعامل مع النص بكل مهارة، تساعده على ذلك ثقافة تاريخية شمولية، ومعرفة موسوعية، ويعتمد في سبيل الوصول إلى الحقيقة التاريخية على دراسة تناقضات النصوص ومقارنة بعضها ببعضها الآخر، ثم يتدخل لتقرير صوابية الحدث التاريخي أو خطئه. لقد أخذ مسكويه عن الطبري كثيراً، ولكن بحيطة وحذر، ينقل ما يراه حدثاً تاريخياً محققاً، وإلا فهو يعترض ويخطىء ويصحح، بشكل يعكس قدرته كمؤرخ علمي.
ولم يهتم مسكويه بأسانيد الروايات التاريخية، ولعله كان من أنصار التركيز على متن الرواية «النص»، بما يوحيه من انعكاسات التطابق مع الواقع والمنطق العقلي، فإذا كانت الرواية غير مقبولة عقلاً فما فائدة البحث في سندها؟ وإذا كان نص الرواية معقولاً ومنطقياً ومستحسناً، تدعمه روايات أخرى، فلا يضيره ضعف السند براوٍ أو أكثر. لقد تجاوز مسكويه تفاصيل علم الجرح والتعديل، وقيود علم الدراية بكل بساطة. وركز على روح «النص» سلباً وإيجاباً. لقد لعب النص عند مسكويه دور «السند»، فإذا كانت صحة السند دليلاً على صحة الرواية، فلماذا لا تكون صحة المتن (النص) ومنطقيته وقوته دليلاً على صحة السند، والعكس صحيح؟! لقد تعامل مسكويه مع هذه المسألة بانفتاح واضح، وكفاءة علمية رائدة، في آونة سادت فيها المدرسة الإخبارية (مدرسة الحديث)، وكثر أنصارها وأتباعها، الداعون إلى تقديس «السند» ودراسته، فنشأت علوم خاصة به، وألفت عشرات الكتب لدراسة طرق نقله.
ولم يعتمد مسكويه الطريقة الحولية في الكتابة التاريخية إلاَّ في القسم العباسي من كتابه «تجارب الأمم». ولعل ذلك يرتبط بمعاصرته لجزء مهم من تلك الحقبة.
وتميز مسكويه بالموضوعية الشديدة في تعاطيه مع الأحداث التاريخية، فلم تؤثر علاقاته مع أمراء الدولة البويهية ووزرائها على مواقفه وآرائه، فكان ينتقد سياساتهم، ويعرض آراءه بكل جرأة، متجاوزاً الحيادية التاريخية إلى النقدية التاريخية ـ إن صحّ التعبير ـ المتركزة على دراسة الحدث وتحليله والإفادة منه. لقد كان مسكويه بعيداً عن كل صور التحيز والمجاملة والمحاباة، ولهذا وجدنا من يشكك في مذهبه وديانته، نتيجة للموضوعية الشديدة التي رافقت نتاجه العلمي، والتي لا تعكس ميلاً طائفياً أو دينياً أو سياسياً، بقدر ما تعكس الحقيقة التاريخية بكل ثقة واتزان. لقد سجل مسكويه في هذا الجانب بعداً مهماً نادراً لم نجده عند مؤرخين كبار لم يستطيعوا الصمود أمام إغراءات السلطة أو بطشها، فتأثرت كتاباتهم بأجواء السلاطين والخلفاء، ونشأ في تراثنا ما يمكن أن نطلق عليه بـ«تاريخ الحاكم»، وتحت هذا العنوان تندرج أغلب المصنفات التاريخية في التراث العربي.
ويلاحظ أن تركيز مسكويه على مصطلحات ومواضيع مثل: (الخديعة، الحيلة، المكيدة، السياسة) وتكرارها، في كتابه «تجارب الأمم»، قد عدَّها بعضهم من نتائج شخصيته الأخلاقية والفلسفية، وليست التاريخية، بينما حاولنا أن نفهم ذلك على أساس ارتباطه بما عاصره مسكويه عن كثب في كواليس الحكم البويهي، تلك الحقبة التي وإن كانت من أعظم حقب العصور الإسلامية ازدهاراً حضارياً على المستوى الفكري والثقافي والعلمي، إلا أنها كانت متدنية على المستوى السياسي، وعلاقات الأمراء في ما بينهم.
إنَّ فارسية مسكويه من جهة، وعمله خازناً في مكتبات الأمراء البويهيين من جهة أخرى، جعلاه يعثر على نصوص إيرانية قديمة ونادرة، ضمنها كتابه «تجارب الأمم»، لم تتوافر عند كبار المؤرخين أمثال الطبري والمسعودي، مثل «عهد أردشير» الذي يعد أقدم نص إيراني مدوَّن. والسيرة الذاتية لأنوشروان وخطبته المهمة.
حامد الخفاف
تحرير الأحكام الشرعية
على مذهب الإمامية
تأليف: العلامة الحلي، الشيخ جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (648 ـ 726هـ).
من المتون الفقهية المهمة للعلامة(قده) صاحب الموسوعات الفقهية والمصنفات الأصولية والكلامية، وهو دورة كاملة من الطهارة إلى الديات.
يشتمل على معظم المسائل الفقهية، مع إيراد أكثر المطالب التكليفية الشرعية الفرعية، من غير تطويل بذكر حجة ودليل، مقتصراً على مجرد الفتوى، تاركاً الاستدلال، مستوعباً الفروع والجزئيات، مستخرجاً لفروع لم يسبق إليها.. مرتباً على ترتيب كتب الفقه في أربع قواعد في: العبادات، المعاملات، الإيقاعات، والأحكام.
اشتمل الجزء الأول على القاعدة الأولى: في العبادات، المتضمنة كتب: الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصوم، وبعض مقاصد الحج.. فيما اشتمل الجزء الثاني على بقية مقاصد كتاب الحج، وكتب: الجهاد، المتاجر، الدَّين والضمان.
تحفة الأزهار وزلال الأنهار (كتاب)
تأليف: ضامن بن شدقم الحسيني المدني، تحقيق وتعليق: كامل سلمان الجبوري.
يعتبر كتاب (تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب الأئمة الأطهار عليهم صلوات الملك الغفار) من أوسع الكتب المتخصصة في أنساب العلويين ومن المراجع المهمة لكثير من المعنيين بالأنساب والتراجم والتاريخ والسير إذ حاول مؤلفه أن يؤرخ للعلويين في أنحاء العالم ويوصل بين أجذامهم وأصولهم التي تحدروا منها خلال مراحل تاريخية طويلة تمتد من القرن الأول الهجري حتى نهاية القرن الحادي عشر مبيناً المدن والمساكن التي حلوا فيها بعيداً عن الجفاف السائد في كتب الأنساب.
ويمتاز مؤلفه بأنه توارث علم الأنساب عن جد وقام بجولات ميدانية واسعة ذاكراً الأئمة الأشراف من آل الرسول(ص) وذراريهم في أربعة مجلدات. وقام المحقق بتشجير جميع مجلداته في كتاب مستقل بثلاثة أجزاء يشمل الأول تشجير السادة الحسنيين والثاني للسادة الحسينيين والثالث للسادة الموسويين.
تذكرة الفقهاء على تلخيص فتاوى
العلماء وذكر قواعد الفقهاء
كتاب للحسن بن يوسف بن المطهر
المعروف بالعلامة الحلي:
وموسوعة فقهية استدلالية كبيرة يذكر فيها اقوال الفقهاء من الشيعة والسنّة، ويذكر دليل كل قول ويناقشه، وربما يحاول أن يذكر للمخالف دليلاً من جانبه ثم يجيب عنه.
وإليك بعض ميزاته:
أ ـ أثبت في تأليفه هذا أنَّ الفقه الشيعي الذي يرفض العمل بالقياس والاستحسان قادر على الإجابة على المسائل الفقهية عامة مستمداً من الأدلة الأربعة: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل.
يقول العلاّمة في مقدمة الكتاب: وقد عزمنا على تلخيص فتاوى العلماء وذكر قواعد الفقهاء على أحق الطرائق وأوثقها برهاناً وأصدق الأقاويل وأوضحها بياناً، وهي طريقة الإمامية الآخذين دينهم من الوحي والعلم الرباني، لا بالرأي والقياس، ولا باجتهاد الناس، على سبيل الإيجاز والاختصار وترك الإطالة والإكثار.
ب ـ أنه يقارن الأقوال بعضها ببعض ويحاكم بينها بأسلوب متين، ويشير إلى ذلك في مقدمة الكتاب بقوله: أشرنا إلى كل مسألة إلى الخلاف واعتمدنا في المحاكمة بينهم طريق الإنصاف.
ج ـ أنه ألف بصورة الفقه المقارن، والمراد منه جمع الآراء الفقهية المختلفة وتقييمها والموازنة بينها بالتماس أدلتها وترجيح بعضها على بعض، وهذا هو المسمى عند القدماء بعلم الخلاف.
فالمؤلف في هذا الصدد يجعل نفسه مسؤولاً عن فحص جميع الأدلة والقضاء بينها واختيار أتقنها وأوثقها بالقواعد وهو ليس أمراً سهلاً، وللفقه المقارن فوائد جمة يذكرها السيد محمد تقي الحكيم حيث يقول:
أ ـ محاولة البلوغ إلى واقع الفقه الإسلامي من أيسر طرقه وأسلمها، وهي لا تتضح عادة إلا بعد عرض مختلف وجهات النظر فيها وتقييمها على أساس موضوعي.
ب ـ العمل على تطوير الدراسات الفقهية والأصولية والاستفادة من نتائج التلاقح الفكري في أوسع نطاق لتحقيق هذا الهدف.
ج ـ ثماره في إشاعة الروح الرياضية بين الباحثين، ومحاولة القضاء على مختلف النزعات العاطفية وإبعادها عن مجالات البحث العلمي.
د ـ تقريب شقة الخلاف بين المسلمين، والحدّ من تأثير العوامل المفرقة التي كان من أهمها وأقواها جهل علماء بعض المذاهب بأسس وركائز البعض الآخر، مما ترك المجال مفتوحاً أمام تسرب الدعوات المغرضة في تشويه مفاهيم بعضهم والتقول عليهم بما لا يؤمنون به.
والموجود بين أيدينا من الكتاب ينتهي إلى أواخر كتاب النكاح، إلا أن ثمة شواهد تشير إلى أن المؤلف انتهى في كتابته إلى أكثر من ذلك:
أولاً: ولده فخر المحققين يقول في كتابه «إيضاح الفوائد في شرح القواعد» في آخر شرحه لإرث الزوج: قد حقق والدي هذه المسألة وأقوالها وأدلتها في كتاب التذكرة)[245](.
وثانياً: أنه فرغ من كتاب النكاح سنة 720هـ بالحلة، فقد عاش بعده حوالي ست سنين، ومن البعيد أن يهمل إنهاء ذلك الكتاب الذي يعد من ثمرات عمره اليانعة)[246](.
وفي الختام أود أن أشير إلى ما جاء في مجلة رسالة الإسلام لدار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة حول هذا الكتاب والإشادة به حيث يقول:
من ذخائر الفكر الإسلامي كتاب تذكرة الفقهاء للشيخ العلاّمة الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، هذا كتاب من أنفس كتب الفقه الاستدلالي المقارنة، وقد جرت عادة المؤلفين في الفقه المقارن من علماء السنّة أن يعرضوا للمذاهب الأربعة متحدثين عن آراء علمائها، وعن أدلتهم دون أن يخرجوا عن نطاقها فيعرضوا للمذاهب الأخرى لا سيّما مذهب الشيعة.
وقد أوحى ذلك إلى كثير من طلاب العلم وأساتذة الفقه بمعنى فيه ظلم كثير للفقه الإمامي، وهو أن هذا الفقه ليس كفقه السنّة استيعاباً واستنباطاً ودقة نظر، وأنه لا يستند إلى أدلة يمكن مناقشتها ومقارنتها.
ولما اتسع نطاق الفقه المقارن في كلية الشريعة وأصبح حتماً على الأساتذة والطلاب أن يعرفوا رأي الشيعة في مسائل المقارنة وأن يوازنوا بين أدلتهم وأدلة غيرهم من أهل المذاهب الفقهية، كانوا يجدون كثيراً من الصعوبات في الرجوع إلى مصادر هذا الفقه الشيعي، وإذا عثروا على مرجع من هذه المراجع وجدوه مطبوعاً طبعاً حجرياً على نحو غير مألوف عندنا في مصر، فلم يستطيعوا الإفادة منه على الوجه الذي ينبغي.
إلى أن قال: وكنت أعرف كتاب تذكرة الفقهاء للشيخ الحلي وهو المعروف بالشيخ العلاّمة، وله مؤلفات كثيرة غير هذا المؤلف، ولكن تذكرة الفقهاء بين أيدينا، ولكنه رهين محبسين: محبس من عدم معرفة علماء السنّة وعدم اطلاعهم عليه إلا قليلاً منهم، ومحبس من هذه الطبعة الحجرية الضيقة التي تجعله بعيداً عن متناول الذين يهتمون بالفقه ودراسته وأصوله المحررة.
ولذلك تمنيت لو أنَّ هذا الكتاب طبع طبعة حديثة حتى يمكن لعلماء الأزهر وغيرهم أن يقرؤه، إذاً لوجدوا فيه علماً غزيراً، وخيراً كثيراً، ولاستطاعوا أن يملأوا جو المقارنة الفقهية بما يذكره من آراء وأدلة، ولعرفوا أن هناك فقهاً لا يقل في مستواه العلمي والفكري عن فقههم، ولما بقي في بعضهم أثر من الغربة عن هذا الفقه استهانة به أو تعصباً عليه.
ثم إن صاحب المقال أخذ شيئاً من كتاب النكاح فطبعه في آخر مقاله، يبلغ عدد صفحاته قرابة 31 صفحة، وبذلك حاول أن يلفت نظر الفقهاء في الأزهر وغيره إلى هذا الكتاب الثمين وما فيه من مادة فقهية قلما يتفق في غيره. (انتهى).
ونقول أن الكتاب طبع طبعة أنيقة محققة مع تخريج مصادر الروايات والأقوال.
تذكرة ابن حمدون
لمحمد بن ابن أبي سعد الحسن الكاتب البغدادي المعروف بابن حمدون.
ولد سنة 495 وتوفي سة 562هـ في سجن العباسيين ودفن في مقابر قريش التي تعرف اليوم بالكاظمية.
من أكابر العلماء مؤرخ أديب شاعر أخذ العلم على جماعة من أفاضل عصره منهم والده وسمع الحديث على فحول محدثي زمانه منهم أبو القاسم إسماعيل بن الفضل بن إسماعيل التميمي الجرجاني وغيره.
وآل ابن حمدون من الأسر العلمية الشيعية البغدادية برزت في بغداد في أوائل القرن السادس للهجرة وتولوا مناصب كبيرة في الدولة العباسية، كما نبغ منهم جماعة من العلماء والشعراء والأدباء وأول من اشتهر منهم والد صاحب التذكرة أبو سعد الحسن بن محمد البغدادي المتوفى سنة 546 عن عمر طويل وأخواه أبو المظفر البغدادي والشيخ أبو نصر محمد بن الحسن الملقب بغرس الدولة المتوفى سنة 545 ونجل أبو سعد وغيرهم ووصف هذه الأسرة ابن خلكان فقال: (من بيت مشهور بالرياسة والفضل هو وأبوه وأخواه أبو نصر وأبو المظفر…».
تخرج على صاحب التذكرة جماعة كثيرة منهم نجله أبو سعد وأحمد بن طارق القرشي الكركي وأبو المعالي أحمد بن يحيى بن هبة اللَّه وأبو العباس أحمد بن الحسن العاقولي وغيرهم.
وقد اشتهر في أيام المستنجد باللَّه العباسي فولاه (ديوان العرض) وفي عام 558 ولي (ديوان الزمام) ولقبه الخليفة بلقب (كافي الكفاة) ثم عثر الخليفة على بعض كتاباته التي يظهر منها تشيعه ففصله من مقامه وقبض عليه وسجنه ومات في السجن.
قال الدكتور مصطفى جواد عن ذيل تاريخ بغداد النسخة المخطوطة في (دار الكتب الوطنية بباريس) بعد ذكر اسمه: (شيخ فاضل له معرفة حسنة بالأدب والكتابة من بيت مشهور بالرئاسة والفضل هو وأبوه وأخواه أبو نصر وأبو المظفر، وأبو المعالي هذا جمع كتاباً حسناً سماه (التذكرة) يحتوي على فنون من العلم آجاد فيه وأحسن جمعه.
وذكره ابن خلكان بعد ذكر اسمه فقال: (كان فاضلاً ذا معرفة تامة بالأدب والكتابة من بيت مشهور بالرياسة والفضل هو وأبوه وأخواه أبو نصر وأبو المظفر وسمع أبو المعالي المذكور من أبي القاسم إسماعيل بن الفضل الجرجاني وغيره وصنف كتاب (التذكرة) وهو من أحسن المجاميع يشتمل على التاريخ والأدب والنوادر والأشعار لم يجمع أحد من المتأخرين مثله وهو مشهور بأيدي الناس كثير الوجود وهو من الكتب الممتعة.
وذكره العماد الأصبهاني الكاتب في كتاب (الخريدة) فقال: كان عارض العسكر المقتفوي ثم صار صاحب ديوان الزمام المستنجدي وهو كلف باقتناء الحمد وابتناء المجد وفيه فضل ونبل وله على أهل الأدب ظل وألف كتاباً سماه (التذكرة) جمع فيه الغث والسمين والمعرفة والنكرة فوقف المستنجد على حكايات ذكرها نقلاً من التواريخ توهم في الدولة غضاضة ويعتقد للتعرض بالقدم فيها عراضة فأخذ من دست منصبه وحبس ولم يزل في نصبه إلى أن رمس.
وكتاب التذكرة الحمدونية من مصادر المجلسي في كتابه بحار الأنوار ينقل عنه بعض مواعظ الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) معبراً عنه بالتذكرة ومجلدات التذكرة متفرقة في خزائن الكتب الخطية في مكتبات الشرق والغرب ولم يظفر أحد بمجموعة كاملة في خزانة واحدة ويوجد منها الجزء الثاني عشر وأوله في الباب الثامن والأربعون في مزح الأشراف والنوادر. وينتهي بذكر السفلة وأصحاب المهن والسوقة وهما مخطوطان بخط قديم من مخطوطات دار الكتب المصرية تحت رقم 1514 وفي مكتبة الأستاذ عبدالحسين الصافي بكربلاء المجلد الثاني والخامس والثامن حتى الثاني عشر بخط واضح مؤرخة سنة 710 وتوجد أجزاء مختلفة من كتاب التذكرة في خزائن راغب باشا وعاشر أفندي بأسطنبول والخزانة الوطنية في باريس ومكتبة الأسكوريال في أسبانيا وخزائن ألمانيا ولندن وعثر الأستاذ عيسى أسكندر المعلوف على أجزائها الثلاثة الأولى بدمشق ووصفها مع ترجمة مؤلفها بالجزء العاشر من المجلد الرابع من مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق وذكر آغا بزرك الطهراني في الذريعة المجلد الأخير وهو من مخطوطات المدرسة الفاضلية في المشهد الرضوي بخراسان ويشتمل هذا المجلد على ثلاثة أبواب منه: الباب الثالث والثلاثون في الحجج البالغة والأجوبة الدامغة. والرابع والثلاثون في الكبوات والهفوات والسرقات. والخامس والثلاثون في أخبار الجاهلية. وهو من موقوفات فاضل خان في سنة 1065 وقد طبع الباب الثاني والقسم الثاني من هذه التذكرة في مصر عام 1345هـ 1927م.
تربيخا
يقول في (خطط جبل عامل) إن اسمها (طيربيخا) وإن الناس يلفظونها بالتاء.
أقول: إن ذلك يجري على ما هو معروف في جبل عامل من تخفيف الطاء إلى تاء، ولكن يعترضنا هنا أن العامليين يستثنون في لفظهم هذا أسماء القرى، فهم يقولون طير دبّا وطير حرفا وطير سمحات وطير فلسيه، كل ذلك بالطاء.
قرية هي في الأصل من جبل عامل، ثم ألحقت بفلسطين سنة 1923م عندما ألحقت بها الحولة وهونين وغيرهما من قرى جبل عامل (راجع: هونين)، وتؤلف هي وسروح ومزرعة النبي ما يمكن اعتباره قرية واحدة، وجميع سكانها من الشيعة..
ترتفع تربيخا عن سطح البحر 400م وتبلغ مساحتها 112 دنماً ومساحة الأراضي التابعة لها 18,451 دنماً. وبالرغم من كل محاولات اليهود فإنهم لم يتمكنوا من شراء شيء من أراضيها.
وفي سنة 1948م أجبر الصهاينة أهل تربيخا على تركها فانتقلوا إلى القرى المجاورة، ثم هجروهم إلى لبنان ودمّروا القرية وأقاموا مكانها مستعمرة (شومراه).
وفي تاريخ جبل عامل تعتبر تربيخا قرية تاريخية ففي أرضها قامت معركة بين أمير جبل عامل ناصيف النصار وبين حاكم فلسطين ظاهر العمر انتصر فيها ناصيف على ظاهر. وكان ذلك سنة 1118هـ وبعد هذه المعركة بعام عقد الصلح بين ظاهر وناصيف في عكا وتحالفا.
وعدا عن هذه المعركة فقد كانت حدثت معركة بين الفريقين عند (الدولاب) جنوبي تربيخا.
وقبل قيام الصلح والتحالف بين ناصيف وظاهر قامت معركة شعرية بين الشيخ عبدالحليم النابلسي شاع ظاهر العمر وبين الشيخ إبراهيم الحاريصي شاعر ناصيف النصار، تحدى فيها النابلسي العامليين وفخر عليهم من قصيدة بدأها بالغزل قائلاً:
ما بال مالكتي تزيد دلالها
كبراً عليّ فليت شعري مالها
ثم يسترسل في الغزل بتسعة أبيات أخرى إلى أن يقول:
ما زلت مذ نيطت عليّ تمائمي
أهوى الملاح وجدها وجدالها
جد كجد أبي سعيد ظاهر
خاض المنايا بالنفوس فغالها
وسرى بجمع لو تشاهد هوله
أسد الشرى والراسيات لهالها
فيها النسور والصواعق والقنا
ترمي على أهل الهوى أهوالها
وبه السوابق كالنعام شوازباً
يرقلن عند الملتقى إرقالها
تنقض من أعلى الصخور كأنها
عصم تروم من البزاة نعالها
من كل مشرقة القفا نجدية
ألفت سباريت الفلا ورئالها
يحملن كل مدجج لو أنه
رام المعاقل بالمداد لنالها
وافى بها عند الصباح أعزة
كانت عليه سوأة ما نالها
فاجتاحهم واللَّه ينفذ أمره
بظبا أجادتها القيون صقالها
جمعوا وما أغنت سوى أن قربت
تلك الجموع من الردى آجالها
خمس مئون وما استراءت غير أن
ألقت وما حق الردى أثقالها
ألقت من الجزع السلاح وسلمت
للصنع بالبيض الرقاق قذالها
جوزوا بما سبقت إليه رعاعهم
حنقاً وكان جزاؤهم أمثالها
ما كان أحراهم بعروة ماجد
أن لا يبثوا بالخيال خيالها
لو راجعوا أحلامهم وتدبروا
رأوا الطريق رشادها وضلالها
ورأوه إذا ناووه غير مغلب
ولكم دعوه لمحنة فأزالها
وبنى لهم في المجد أعظم رتبة
يتفيؤون من الهوان ظلالها
أنسيتم يوماً (بملحم))[247]( أولغت
بكم السيوف وأشبعت أشبالها
وبيوم (مرجعيون))[248]( لولا تذكرون
كماته وضرابها وقتالها
ولكم فوادح ذادها عن حيكم
لولاه ما كنتم هناك رجالها
يا عصبة جاءت بما لا ينبغي
ولربما جنت النفوس نكالها
فالرتبة القعساء حلة سيد
حامي العشيرة حامل أثقالها
بدر له نجم سعيد (ظاهر(
باهت بطلعته النجوم هلالها
لو أنه لبني بغيض)[249]( قائد
ما زايلت من منذر أطلالها
فادّاركوا إن كان ثم بقية
إن الصنيعة ويحكم أولى لها
واستوثقوا في رأيكم بأولي النهى
ما عز قوم قلدت جهالها
لم تأخذوها بالطراد بل احمدوا
أما حمدتم أرضكم وجبالها
كنتم لها يمنى فخانت أختها
لا خير في يمنى تخون شمالها
فقال الشيخ إبراهيم الحاريصي شاعر ناصيف يرد عليه ويذكر في شعره تربيخا من قصيدة بدأها بثلاثة عشر بيتاً من الغزل:
يا للرجال لمحنة لا يرتجى
غير ابن نصار يحل عقالها
)ناصيف) من يحمي الثغور ومن به
أبدت سماء المكرمات هلالها
ندب له ألقى الزمان قياده
لو طاولته الشامخات لطالها
ويد مقبلة البنان كريمة
مد على المستضعفين ظلالها
شكر الإله فعاله في غارة
شعوا أرى خير المآل مآلها
فسرى الصباح بفتية مشهورة
علم العزيز صلاحها فأدالها
شوس تمد من السيوف قصارها
يوم الوغى ومن الرماح طوالها
لا تنثني عما يحاوله من العليا
وإن بلغت بها آجالها
تجفو لدى كسب الثنا أرواحها
وتعاف في نيل المنى أموالها
سارت على اسم اللَّه غير مطيعة
أهواءها يا للعشيرة يا لها
تهوي بها نحو الطراد سوابق
تخذت غبار الدارعين جلالها
جرد تقول العصافات إذا عدت
هذي بناتي من يجول مجالها
ما أطلقت في غارة ثم انثنت
إلا وبلّغت المنى أبطالها
وافى بها في يوم (تربيخا) وقد
جاست خيول الدارعين خلالها
طافوا عليها بالصوارم والقنا
فكأنهم قطع الغمام حيالها
فسطا فنادى لا فرار فأدبرت
تلك الجموع ونالها ما نالها
عافت هنالك خيلها وسلاحها
والرعب عن تلك السروج أمالها
يا عصبة رأت الجميل وما وفت
وبنت على نياتها أفعالها
وتعمدت سفك الدماء وما رعت
سنن النبي حرامها وحلالها
أنسيتم أيام (سخنين))[250]( التي
لم ينسكم طول المدى أهوالها
جافت جفون كماتنا طيب الكرى
فيها وعافت عذبها وزلالها
ألقت على ابن (العظم) كل عظيمة
فرأى أشد نكاية ما نالها
و(الصقر))[251]( لولا الخوف من عقباننا
ما أزمعت عن أرضكم ترحالها
أفما أبحنا في العراك غنيمة
أغنامها وخيولها وجمالها
حتى خلت لكم البلاد وأوترت
من كان يبغي حربها ونزالها
يبلي الجديدان الصفا وحقوقنا
تبقى وإن حاولتم إبطالها
يا فتنة تأبى العقول وقوعها
ألقت على متن الهدى أثقالها
فيها ذهاب الدين والدنيا وما
يسطيع غير أبي سعيد)[252]( زوالها
واستمرت المساجلة بينهما، فإن الشيخ عبدالحليم ردّ على ردّ الشيخ إبراهيم، فردّ الشيخ إبراهيم مرة ثانية على الشيخ عبدالحليم.
قال الشيخ عبدالحليم:
سبقت فما شقّ الغبي غبارها
وسمت فما بلغ البليغ مدارها
وسرت مسار النجم وهي مصونة
عن درك غير ذوي النهى أسرارها
وحشية ترعى بقيعان الغضى
قيصومها وبريرها وبهارها
ما أوجست في النفس نبأة خاتر
إلا استزادت بالوجيس نفارها
عجباً لها كيف البصير وقد نأت
عن ذي البصيرة حاول استبصارها
واهاً له من ذي شطاطٍ عاسفٍ
لم يهد من طرق الرشاد منارها
كيف السبيل لنقض أهرامية
نقل الرواة إلى الورى أخبارها
بجعاجع لو جسمت من عنبر
واستافها الحادي لمج خيارها
غفل فلا معنى يروق لناظرٍ
فيها ولا سبك يزين فقارها
لو كنت معنياً بقول زعانفٍ
لأمطت عن تلك العقيم خمارها
وكشفت عن تلك المريبة جلها
لترى البرية عرها وعرارها
لكن رأيت من السفاه مساسها
عبثاً وإن من المجون سبارها
وكفى بمطلعها الركيك وتلوه
فهما أبانا للغبي شنارها
وانظر لهذاك النسيب ترى به
عنفاً يطير من النفوس شرارها
وكفى بمخلصها المشوب رقاعة
ومتى جعلتم في الثغور مدارها
قل لي متى ألقى الزمان قيادة
لذويك سقيت المنون خمارها
أو ما شعرت بضد ما برقشته
حيث الزيادة جاوزت مقدارها
ما أنت في عليا معدٍ معرقاً
كلا ولم تك في الفخار نزارها
لو نافرتك بنو شهاب في العلا
هل تستطيع هبلت أنت نفارها
كم طوقوك بمنة وبضدها
لولا عوالينا استدمت مرارها
فهم إذا عدّ المفاخر مصقع
كانوا من الجل الكرام كبارها
فاسأل معاشرك الكرام فإنهم
أدرى بمن فكّ الأسار صغارها
من آل زيدان الألى شادوا العلى
بعوارفٍ لم تستطع إنكارها
فهم الأولى اتخذوا العوارف سنة
واستسهلوا من صعبها أوعارها
وسواهم إن رام ذاك فمقتف
تلك الجحاجح تابع أثارها
وهم الألى قد عودوا سمر القنا
والمرهفات طوالها وقصارها
وِرْدَ العلاصم والأباهر والكلا
حتى استردوا اللجفون غرارها
فاعرف ولا يجديك ما لم ترعوي
إن الحمية حركت أوتارها
ما محسن إيراد نيب جلة
من لا يراعي محسناً إصدارها
طرّيت نعم فتى ونعم مجلياً
حامي الحقيقة دافع أضرارها
ناصيف نعم أخو المكارم والعلا
حامي العشيرة حامل أوزارها
ولرب مظلمة تفاقم خطبها
بالمرهفات دعي لها فأنارها
سباق غايات وليس مصلياً
حيث المذاكي ألهبت مضمارها
سخنين ما سخنين ويك وهل بها
خضتم وقد حمي الوطيس غمارها
وبيوم قاقون شهدتم حربها
ردأ وكنتم لليمين سوارها
لكن شهدتم من صلى نيرانها
ومن الذي تلك الطحون أدارها
لم تشهدوا منها سوى دخانها
وكما تناقد الهبت أقطارها
إن دمتم عد السوالف منكم
لم تبلغوا مما لنا معشارها
ومن السفاهة والسفاهة كاسمها
قول الشويعر أشعرته شعارها
يا جيرة مالت بها أهواؤها
وهو الذي قد أزرته إزارها
قل لي لحاك اللَّه ما جلب القضا
ومن التي جلب الفساد عثارها
ومن التي جاءت بأخسر صفقة
ومن التي كان المآل دثارها
ومن التي جاءت بما لا ينبغي
ومن التي أعفى الإله ديارها
إن لم نعظم ويحكم سنن النبي
وآله أو لم نكن أنصارها
فمن الذين يحمي حماها عنوة
إن عضها أهل الهوى أحبارها
ومن الذي بادا بظلم واعتدى
ومن الذي تلك الحروب أثارها
ساورت نعما لست من أكفائها
ثكلتك أمك لو عرفت نجارها
لولا ذكرت صرامها وعرامها
فصغرت عن ذكراكها ومزارها
أتقول نعما أعرضت لا عن قلاً
منها وهذا موضح إنكارها
أخطأت لم تدر مدارات المها
ولقد أثرت بذي اللحى أوغارها
فلئن قلتك فرفض مثلك ما عدا
عين الصواب وقد خفرت جوارها
فأجابه الشيخ إبراهيم:
ما السبق فخراً إن بدا ما ضارها
ولقد بدى فادخل بها أوكارها
وما ترى الأخرى أتت في أثرها
تعدو ولم يشكّ الزمان عثارها
وثبت بغير تكلف وتعنت
فقضت بأيسر خطوها أوطارها
ليس الوجيه بذي الوجاهة عندها
كلا ولا الغبرا تشق غبارها
أنسية الأخلاق لا وحشية
ترعى البهار وتستزيد نفارها
وكفاك حاريصية أودى بها
فرط الحياء فصيرته خمارها
وبدت لناظر حسنها آدابها
ومن المكارم أسبلت أستارها
تعطيك معناها أوائل لفظها
كملاً ويستحلي الحجا تكرارها
برعت بأحسن مطلع وبمخلص
كذب الذي ألفا بذين عوارها
ما أنشدت في محفل إلا زها
برقيق معنى مجتل أنوارها
أبدت محاسنها مساوي غيرها
لذوي العقول وأظهرت إضمارها
ومشت إليها وهي فاغرة لها
ثغراً تلقفها وأبقى عارها
كعصاة موسى حين جاء بسحره
فرعونه فاستنكر استظهارها
فعلام مولانا يصغر شأنها
ويحط عند أولي النها مقدارها
ويقول تلك جعاجع مع أنها
حسناء عينيه الغزال أعارها
لو كان ناظرها بعين كثير
لرأى الرقاعة كلها استحقارها
لكن دعو فضرة من شأنها
تهزأ بضرتها لتأخذ ثارها
وتقول أفكا تلك غير عفيفة
من غير ليلتها تضاجع جارها
والوجد هيج ما بها من ساكن
منها وإن هي زيَّنت أطمارها
ومن السفاهة أنه قد نال من
نفرٍ حمت بشبا الحسام ذمارها
ورقت بأجنحة الآباء إلى العلا
فبنت على هام المجرة دارها
وأتت إليها بكر كل فضيلة
تسعى وقد حلت لها أزرارها
من آل نصار الألى كم أعملت
في دفع كل ملمة أفكارها
هي إن تسر فإلى العراك وإن تقم
بلغ الكفاية من يؤم عقارها
فمتى ترى الحرب العوان ولم تكن
تذكي بأطراف الأسنة نارها
أياً كنا صيف ترى وهو الذي
حاز المفاخر واجتلا أبكارها
ما حاربته قبيلة إلا انثنى
نكصاً على أعقابه جبَّارها
ما قلت فيه وما أقول فإنه
لم يحص من أوصافه معشارها
أعلى بني نصار ويحك تجتري
لم لا تراع قدرها وفخارها
فبني الشهاب شهاب كل ممرد
ولربما بالأمس ذقت شرارها
وبلوتها فرأيت كل بلية
هذا وما سلت عليك شفارها
أو عاقل يومي إلى من فوقه
أف لنفس لا ترى إكبارها
وتقول من جهل وعدم تدبر
إن الحمية حركت أوتارها
أحمية في غير نيل فضيلة
في الدين يرضى ربنا إيثارها
ماذا صنعتم يوم وقعة ملحم
أجهلت أن لم تركبوا أخطارها
بل يوم مرجعيون كنتم أعيناً
تلك الجليلة لا نرى إنكارها
كنتم لنا فيها على الأعدا يداً
بيضاء لا ننسى لكم آثارها
لكن بعثمان اجترأتم يومها
لولاه ما خضتم هناك غمارها
فهو الذي ما قاد يوم كريهة
خيلا وولت خصمها أدبارها
وغشمشم صعب اللقا لا ينثني
حيث المنية أنشبت أظفارها
لم لا ترى أيامنا في خصمكم
والحرب فيها لم تضع أوزارها
فعلام نجل العظم جاء بجحفل
لجب وانزل بالبلاد دثارها
لا علم مع حمق فلا تك سالكاً
طرق الجهالة حاملاً أوزارها
فقل الصواب فلا يليق بك الخطا
والكذب ليس بمرخص أسعارها
تيك الفوارس خيلها وسيوفها
ورماحها قد خالفت أخبارها
شهدت بأن كماتها من فورها
قد أسلمتها وانتحت أوعارها
واسأل بقية من نجا من هولها
هل غير ناصيف التقى أخيارها
قلب اليمين على الشمال وساقها
قسراً وألحق باليمين يسارها
وتقول نعماً لست من أكفائها
أصلاً وإني قد خفرت جوارها
ما أنت من أنساب أرباب العلا
فيما علمت نجارنا ونجارها
يا شاعر الدنيا وليس شويعراً
لكن عليه رحى الهجاء أدارها
قعدت عن العليا به آدابه
حنقاً عليه ومزقت أطمارها
وهوت لمركزها الثرى وتسترت
لما رأته مقرها وقرارها
كانت ممتعة به فتنغصت
لما بوحشته الضجيج أغارها
وارى ذكاها في دجنة وهمه
المدخول فاستولى الكسوف نهارها
طلبتك من شهم ذكي نبذة
نبذتك فاطعم ما حييت مرارها
أبلغت من عظم المقام سوى اجتنا
هائية ألقت عليك شنارها
لم لا تراعي للأمور عواقباً
تلك السفاهة أزرتك إزارها
أتميل أرباب العلوم إلى الهجا
فلقد خفضت مقامها ومنارها
ألبست ثوب فضيحة ومذلة
أبناء جنسك واجتلبت صغارها
إنَّ الإنا إذا أتتك مذمتي
قد أذهبا عن مهجتي أوغارها
أتقول لا حرج علي وتبتغي
حربي فها هي أسعرت مضمارها
فاقدم إذا شئت العراك أو اتئب
عن ورطة مدت عليك غبارها
وقال الشيخ إبراهيم الحاريصي من قصيدة أخرى يذكر فيها وقعة تربيخا:
له يوم (تربيخا) على الخصم غارة
تكاد بها شم الجبال تقطر
أحاط بها الأقوام من كل جانب
وللحقد أبدوا والضغائن أظهروا
وداروا بها شرقاً وغرباً وأقبلوا
بعسكر بغي لا يباريه عسكر
فلما دنا أن يأخذوها ولم يكن
لسكانها شيء سوى اللَّه ينصر
أتاهم (علي)([253]) في كماة أعدها
ليوم الوغى كل على الموت يجسر
سباع إلى كسب المعالي تسابقوا
محجلة أيامهم ليس تنكر
فمذ أبصر الأعدا بريق صفاحه
تولوا على أعقابهم ثم أدبروا
وعافوا هناك الخيل والبيض والقنا
ولم يطلبوا إلا النجاة فقصروا
وحاق بهم سوء العذاب فأصبحوا
على الأرض صرعى منهم الدم يقطر
هم جردوا سيفاً من البغي قاطعاً
فلم ينجهم منه دلاص ومغفر
وقال يذكر وقعة الدولاب جنوبي تربيخا، من قصيدة في علي الفارس:
أربط الفرسان جأشاً إن سطا
ما ابن قيس عنده ما ذو الخمار
كم تلقى لليالي حادثاً
أنسيتم يوم من (تبنين) غار
فوق طرف ذي نشاط أمه
من بنات الريح مأمون العثار
وبيمناه صقيل مرهف
في طلى أقرانه ماضي الغرار
أبصر (الدولاب) منه وقفة
يومه في جنح ليل من غبار
والمذاكي بالرواسي أقبلت
شزباً تعدو وللأقوام ثار
والقضا ألقى مجانيق الردى
للفريقين وما نادى حذار
والعلى بالنفس في سوق الوغى
سلعة ليس لشاريها خيار
الترقيم
ـ 1 ـ
لا بدّ لنا قبل الولوج في بحث الترقيم من الحديث عن تاريخ الطباعة في البلاد العربية بمقال لسمير غريب، وفيه ما سيتكرر ذكره في مقال جعفر حمودي التميمي:
اخترع جوهانس جوتنبرج في ألمانيا المطبعة قرب منتصف القرن الخامس عشر، أي حوالي عام 1440م. وصنع مارتن روث عام 1486م أول حروف طباعة عربية في أوروبا استخدمها في طباعة ترجمة كتاب برنارد برايدنباخ عن رحلته إلى الأماكن المقدسة، ثم طبع بالعربية في إسبانيا عام 1505م كتاب «وسائل تعلم قراءة اللغة العربية ومعرفتها». وفي عام 1516م نشر كتاب «المزامير» باللغة العربية في جنوه بإيطاليا وبعد ذلك بخمسة وسبعين عاماً طبع الإنجيل باللغة العربية.
ثم انتقلت المطبعة العربية إلى حواضر أوروبية مختلفة ـ البندقية وروما وجوتنجن وليدن وباريس ولندن وغيرها ـ قبل أن تصل إلى العالم العربي صاحب هذه الحروف!!
أما عن علاقة المطبعة بالعالم العربي، فيبدو أنها دخلت إلى حلب وكسروان قبل أن تدخل إلى مصر، لأننا نجد أنه طبع في حلب عام 1706 كتاب «الدر المنتخب» تأليف يوحنا فم الذهب، وترجمة اثناسيوس الأنطاكي عن اليونانية. أي بعد 266 سنة من اختراع المطبعة وأكثر من قرنين من ابتكار الحروف العربية في أوروبا!! هكذا حدث.
ثم طبع في دير القديس ماري يوحنا الصائغ الملقب بالشوير في كسروان عام 1769 كتاب اسمه «تأملات جهنم المريعة، وحماقة الخطاة الفظيعة، ترجمة يوسف الأبودياكن الشهير بابن جرجس الحلبي الماروني. كما طبع في الدير نفسه أيضاً سنة 1775 «كتاب النبوات الكنائسي» ترجمة الرهبان القانونيين الباسليين، وسنة 1794 الطبعة الثانية من كتاب «مرشد الخاطىء في سرّ التوبة والاعتراف» تأليف بولس سينيري وترجمة بطرس فرماج. وكلها كتب دينية مسيحية كما هو واضح.
أما مصر فقد دخلتها المطبعة كما هو معروف مع جيش نابليون بونابرت سنة 1798، وسميت بـ«مطبعة الجمهور الفرنساوي»، واستخدمها الفرنسيون لطبع المنشورات والأوامر باللغة العربية، كما طبعت أوراق قضية قتل سليمان الحلبي لقائد الجيش الفرنسي كليبر الذي خلف نابليون في مصر، ويقال أنهم أخذوها معهم عند رحيلهم من مصر مهزومين.
كانت المطبعة الثانية التي دخلت مصر هي مطبعة بولاق التي أسسها والي مصر محمد علي باشا على اسم الحي القاهري عام 1821م وبدأت بطبع الأوراق الرسمية المدنية والعسكرية باللغة التركية، ثم أخذت في طبع الكتب المتنوعة باللغة العربية. وكان أول ما طبعته قاموس لغوي عربي ـ إيطالي، وجريدة الوقائع المصرية.
وظهرت في القاهرة بعد ذلك، مطابع أخرى كثيرة كان من ضمنها مطبعة عرفت باسم مطبعة الحجر عام 1858م قامت بنشر ترجمة محمود فهمي لكتاب «جامع المبادىء والغايات في فن أخذ المساحات» سنة 1858م.
وعلى ذكر اسم هذه المطبعة كانت الطريقة التي طبع بها كثير من الكتب في تلك الفترة في العالم العربي تسمى «الطباعة على الحجر» وهي باختصار كتابة النص على سطح حجري وتغطية الحروف بالحبر ووضع ورقة وضغطها على الحجر فتظهر عليها الكتابة وهي طريقة كانت مستعملة في فن الحفر. وهي مختلفة عن الطباعة الآلية باستخدام الحروف المعدنية التي اخترعها جوتنبرج.
وعلى الرغم من تعدد المطابع في القاهرة فإن مطبعة بولاق استأثرت بالعدد الأكبر من الكتب المطبوعة في مصر في القرن التاسع عشر.
وقد عرفت أول مطبعة حجرية في العراق عام 1830، وعرفت الطباعة في فلسطين في العام نفسه، وفي اليمن عام 1877، وفي الحجاز عام 1882 وفي السودان في الفترة ذاتها تقريباً. أما باقي الدول العربية فقد عرف معظمها الطباعة في القرن العشرين.
وشكل دخول المطبعة ثورة وبداية لتاريخ جديد في الثقافة العربية. إذ لأول مرة يمكن عمل أعداد كبيرة من النسخ من كتاب وإتاحتها العدد كبير من القراء في وقت قصير جداً، لا يقاس بطريقة الاستنساخ اليدوية للمخطوطات وإتاحتها لعدد محدود من القراء. فمع المطبعة بدأت ديمقراطية القراءة. وبالتالي أثرت «المطبوعات» في مسيرة الثقافة العربية منذ بداية القرن التاسع عشر.
ولكن ماذا فعل العرب بالمطبعة بعد دخولها إليهم؟ من المهم هنا ـ وقد يكون من المثير ـ أن نتعرف على أوائل المطبوعات التي استخدموا لها المطبعة في العالم العربي. بماذا اهتموا بطباعته أولاً؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تشرح لنا تلقائياً اهتمامات العرب الثقافية في تلك الفترة المهمة في تاريخهم الحديث. ويجب أن يعقب هذا تحليل لتلك الاهتمامات، وتحولاتها بعد ذلك، وتأثير ذلك كله في تكوين الثقافة العربية الحديثة، ومن ثم في مسيرة المجتمعات العربية وعلاقتها بالخارج.
هناك بضعة مراجع نتعرف من خلالها على أوائل المطبوعات العربية في القرن التاسع عشر، منها القديم، ومعظمه غير متيسر الآن، ومنها ما هو موجود حتى اليوم، مثل «قائمة أوائل المطبوعات العربية المحفوظة في دار الكتب المصرية حتى سنة 1862»، والتي جمعها وصنفها محمد جمال الدين الشوربجي ونشرت سنة 1963، وتضم هذه القائمة 851 كتاباً. ولا أعرف ما هو السرّ في توقفه عند سنة 1862م بالذات؟ ولماذا لم يستكملها حتى نهاية القرن التاسع عشر؟
لكن هذه القائمة لا تقتصر على أوائل المطبوعات العربية التي طبعت في العالم العربي، بل تضم تلك التي طبعت خارجه، فمرجعها الأساسي هو مقتنيات دار الكتب المصرية وليس مكان الطباعة.
والمرجع المهم الآخر هو كتاب إدوار فان ديك القيم «اكتفاء القنوع بما هو مطبوع من التآليف العربية في المطابع الشرقية والغربية» سنة 1897م. وقد أورد فيه بياناً بعدد من الفهارس لمطبوعات باللغة العربية، لكن هذه الفهارس ليست مقصورة على الكتب العربية التي طبعت في الدول العربية، وإن كان أكثر من نصف هذه الفهارس مطبوعاً في بيروت مثل:
* برنامج مكتبة فارس منصور دي بول في بيروت من سنة 1887 إلى 1888.م
* قائمة الكتب التي احتوت عليها المكتبة العثمانية بإدارة مصباح اللبابيدي في بيروت «1310هـ».
* برنامج الكتب المطبوعة على نفقة المطبعة الأدبية لصاحبها خليل سركيس في بيروت «1891هـ».
* جريدة المطبعة الكاثوليكية في بيروت «1890هـ».
الروضة البهية في أسماء كتب المكتبة العمومية لإبراهيم صادر وأولاده في بيروت «1303هـ».
* قائمة الكتب الموجودة في المكتبة الجامعة لصاحبها خليل وأمين الخوري في بيروت «1888هـ».
نجد أيضاً فهارس أخرى في غير بيروت منها:
* بيان الكتب العربية والفارسية والتركية المطبوعة في الشرق الموجودة للبيع في مكتبة تروبنر وشركاه في لندن «1869هـ».
* بيان خصوصي مطبوع في لايدن فيه ذكر ألف مجلد فما فوق، ومن ضمنها كشف يحتوي على أسماء 684 من المصنفات العربية المطبوعة في الشرق قدمها الكونت لاندبرغ لملك أسوج ونروج (السويد والنرويج) بمناسبة اجتماع المؤتمر الشرقي الثامن بمدينة استكهولم سنة 1889م.
وكان الفهرس الوحيد الذي اهتم بجمع المؤلفات المصرية للمؤلفين المصريين هو «جامع التصانيف المصرية الحديثة من سنة 1301هـ إلى سن 1310هـ، جمعه عبداللَّه الأنصاري، طبع في بولاق سنة 1312هـ.
عندما نتعرف على أوائل المطبوعات العربية في بعض هذه الفهارس وفي غيرها نلاحظ ما يلي:
* كانت الدول العربية رسمياً منضوية في الدولة العثمانية، وكانت عواصم الطباعة العربية في هذه الامبراطورية ثلاثاً: القاهرة والقسطنطينية أو الأستانة وبيروت. فإذا استثنينا القسطنطينية لأنها غير عربية، نجد أن أغلبية الكتب طبعت في القاهرة وبيروت. ويرجع ذلك لأسباب منها:
ـ مشروع التحديث الذي بدأه محمد علي في مصر والذي أسفر عن ظهور رواد الفكر العربي الحديث مثل رفاعة رافع الطهطاوي وعلي مبارك ثم محمد عبده وجيله، ثم طه حسين وجيله… إلخ.
ـ الانفتاح التقليدي لبلاد الشام على الخارج والمعروفة به عبر العصور، بالإضافة إلى تأثير البعثات أو الإرساليات المسيحية الأجنبية التحديثي في هذه المنطقة.
ـ الانغلاق والتسلط ومحاولة طمس الهوية والاستعمار الثقافي الذي مارسته فرنسا على بلاد شمال أفريقيا (تونس والجزائر والمغرب).
* إن اهتمام العرب الأول في الطباعة كان في موضوعين أساسيين: الدين الإسلامي والأدب العربي بفروعه المتنوعة. وتلا ذلك كتب الجغرافيا والتاريخ والفلسفة. أما أقل الموضوعات التي طبعوا فيها في القرن التاسع عشر فهي العلوم والسياسة. ومن تلك القلة تميزت مصر بطباعة عدد من الكتب في علم الآثار المصرية، وكان علماً وليداً في ذلك الوقت، ويبدو هذا الترتيب منطقياً لسببين.
ـ إنهم بدأوا بطبع المخطوطات وليست المؤلفات الحديثة. وجل مخطوطات العرب في الدين والأدب، وإن كان فيها أيضاً العلوم الرياضية والطبيعية وعلم الكلام وغيرهما.
ـ إن تراث العرب الثقافي يعتمد على ما يزخر به من مؤلفات في هذين البابين.
ومع ذلك يجب أن نذكر أن عدداً كبيراً من المخطوطات العربية في هذين البابين وغيرهما طبع أولاً باللغة العربية في أوروبا عن طريق المستعربين والمستشرقين. وهذا من الأدوار الإيجابية المهمة التي قام بها هؤلاء خدمة للثقافة العربية.
* ونجد أن الكتب العربية التي طبعت أول مرة في أوروبا أكثر عدداً من تلك التي طبعت في العالم العربي. وذلك يرجع إلى عدة أسباب منها:
ـ التقدم العلمي والفكري الذي سبقت إليه أوروبا وأدى إلى اهتمامها بإعادة النظر في العالم وفي الحياة وغير ذلك.
ـ ولقد أدى ذلك إلى سبق أوروبا في اختراع المطبعة في ألمانيا، والتي لم تدخل العالم العربي إلا بعد أكثر من قرنين ونصف قرن من اختراعها. ولم تبدأ الطباعة بانتظام في العالم العربي إلا مع بداية القرن التاسع عشر. وهذا من الأسباب التي تدعوني إلى القول بأن البداية الحقيقية للثقافة الحديثة في العالم العربي مع بداية القرن التاسع عشر وليس قبله. فالطباعة من أهم أسباب ظهور الثقافة الحديثة. وهذا الفارق الزمني الكبير أتاح لأوروبا طباعة عدد كبير من الكتب العربية.
ـ تزامن ذلك مع اهتمام الغرب بالشرق بشكل عام وبداية الحملات الاستعمارية، واهتمام رحالة أوروبيين باستكشاف العالم المجهول لهم خارج أوروبا.
ـ وتولد عن كل ذلك ظهور المستشرقين والمستعربين، باتجاهاتهم ومدارسهم، ولكن بفضلهم الكبير أيضاً على الثقافة العربية الحديثة.
لقد شغلني أمر أوائل المطبوعات في العالم العربي، وهو جزء مهم جداً في دراسة بدايات الثقافة العربية الحديثة ومسيرة التحديث في تلك الثقافة. ووجدت أنه يمكن تقسيم هذا الموضوع إلى قسمين:
ـ المطبوعات عن أصول ترجع إلى ما قبل القرن التاسع عشر، وهي طباعة المخطوطات سواء على حالتها الأصلية أو بعد مراجعتها وتصحيحها، ولا أقول تحقيقها فالأسلوب العلمي في التحقيق لم يظهر في القرن التاسع عشر. وهذه تتفرع إلى فرعين:
ـ المطبوعات التي طبعت لأول مرة في العالم العربي.
ـ إعادة الطبع لمطبوعات سبقت طباعتها خارج العالم العربي وبخاصة في أوروبا والهند، وهذه ربما تكون أعدادها أكبر من الأولى.
* المطبوعات لأصول حديثة تعود إلى القرن التاسع عشر نفسه. ولا تقتصر هذه المطبوعات على المؤلفات منها بل دخلها الكثير من الترجمات وبخاصة في فروع العلم المختلفة مما يدعو إلى دراسة خاصة بحركة طباعة الكتب المترجمة إلى اللغة في القرن التاسع عشر.
سمير غريب
الترقيم
ـ 2 ـ
تشكو الكتابة العربية الراهنة، من انحسار الترقيم فيها انحساراً خطيراً يتناقض مع ما تتجه إليه الكتابة في اللغات الأخرى من الدقة، والموضوعية، والعناية المنطقية بعلامات الترقيم. التي يسهل بها الفهم، والإدراك، وتتضح بها النبرات الصوتية المعبرة عن المعاني والأساليب التي تقتضيها طبيعة الكتابة، فكانت النتيجة عندنا: عجز القارىء أو اضطرابه لدى الأحوال الصوتية التي يجب أن يدل عليها الترقيم في المكتوب: الترقيق، والتفخيم، والوقف، والفصل، والوصل، والتعجب..
وهذا الواقع يشعرنا بأطوار الحاجة إلى تدارك النقص الحاصل في مناهجنا التعليمية، في هذا الجانب المهم الذي أولته الأمم المتقدمة ما يستحقه من رعاية وعناية واهتمام تتجلى في: إن الكاتب يعبر عن موضوعه المكوّن من عدد من الأفكار، وفكرته المتكونة من عدد الجمل، بسلسلة من الكلمات التي تؤدي معنى كاملاً مستقلاً. واستخدام علامات الترقيم يكون بمثابة الوسيلة في الدلالة على العلائق التي تربط بين الكلمات من جانب، وبينها بين الكلمات من جانب، وبينها وبين الجمل من جانب آخر، مما يضفي على الموضوع السلامة والوضوح، ويقود القارىء في نبراته الصوتية. فالفصل بين فعل الشرط وجوابه مثلاً بالفاصلة، يعطي القارىء شبه استراحة تدل على انتهاء مقدمة الكلام، ووضع النقطة نهاية الجملة يوحي للقارىء بانتهاء فكرة جزئية يستريح عندها قليلاً لينتقل إلى فكرة قادمة، فارتباط المعنى بالوقف يكون ارتباطاً مهماً، والجملة العربية ينبغي أن تكون من الوضوح بحيث أن تغييراً بسيطاً لو جرى في جزء منها لأثر هذا التغيير في الموضوع نفسه.
وإذا كانت أهمية الترقيم تشتد بروزاً في التفريق بين الجملة إعرابياً وبيانياً، فإن الفكرة المتكونة من عدد من الجمل، هي التي ينشدها الكاتب أو القارىء معاً، مما يجعله يميز الجمل بعضها من بعض.
وتتجلى أهمية علامات الترقيم في تحديد مواضع الوقف، والوقف: قطع الصوت على الكلمة زمناً يتنفس فيه القارىء عادة بغية استئناف القراءة مما يلي الحرف الموقوف عليه أو بما قبله، «ولا يتم الوقف على المضاف دون المضاف إليه، ولا المنعوت دون نعته، ولا الرافع دون رفعه، وعكسه، ولا المؤكد دون توكيده، ولا المعطوف عليه دون المعطوف، ولا المبدل منه دون البدل، ولا أن أو ظن وأخواتها دون اسمها، ولا اسمها دون خبرها». (1) وكذلك تحديد مواقع الفصل بين أجزاء الكلام، وفصل الجمل وتمييزها من بعضها، والإشارة إلى انفعال الكاتب، وتعجبه، ودهشته.
وتترتب على علامات الترقيم أهمية كبيرة في تنويع النبرات الصوتية أثناء القراءة وطريقة الإلقاء؛ والتي تعتمد على أداء صوتي معين يبرز معاني الكلمات المنطوقة بما يتناسب وكل موضع من مواضع الاستفهام، أو التعجب.
ويترتب على علامات الترقيم ما يختص بالإعراب وضبط أواخر الكلمات، والحركات؛ ففي جملة (ما أعظم الإنجازات العلمية): إذا وضعنا في نهايتها علامة التعجب، كا علينا فتح آخر أعظم، لأنها فعل ماض للتعجب، وآخر كلمة الإنجازات لأنها مفعول به. أما إذا وضعنا في نهايتها علامة الاستفهام، فنرفع كلمة أعظم لأنها للتفضيل خبر ما، ونجر كلمة الإنجازات لأنها مضاف إليه.
وتعطي علامات الترقيم جمالاً وظيفياً إلى زخرفة الجملة العربية وجمالية الخط العربي، وتتجلى بوضوح في المقارنة بين كتابة مرقمة وأخرى غير مرقمة.
ولقد أدرك العاملون في مجال المعلومات أهمية استخدام تقنين دولي موحد لعلامات الترقيم في مجال الوصف البيلوغرافي للإنتاج الفكري، على تعدد إشكال بروزه، وتمخض التصور الذي وضعه المؤتمر العام للاتحاد الدولي لجمعيات المكتبات في فرنسا عام 1973م عن: «التقنين الدولي للكتب» و«التقنين الدولي للدوريات»، والتقنين الدولي للمواد غير الكتب»، مما يمكن المعلوماتي العمل في إنجاز الشبكة الدولية للاتصالات وتبادل المعلومات عبر الأقمار الاصطناعية، من فهم الوثائق المنتجة في مختلفة الثقافات القومية الكثيرة. وكذلك فعل العاملون في مجال التصنيع والتقييس والاختراعات، فقد وضعت المنظمة الدولية للتقييس (الآيزو)، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم، «كتب مواصفات» الآيزو رقم واحد»، ووضعت المنظمة العربية للمواصفات القياسية «تعليمات استخدام الأقواس في اللغات والرياضيات» عام 1985م بهدف توحيد كتابة المواصفات القياسية للصناعات وبراءات الاختراع. إن هذا الإدراك الدولي يؤكد الأهمية القصوى لعلامات الترقيم بوصفها رموزاً دالة في التراسل الدولي والبث الانتقائي للمعلومات.
ويسأل سائل عن مصطلح «الترقيم» هذا في مصدره، وفيما يمكن أن يعوض عنه بمصطلحات أخر نحو: «التنقيط»، و«الوقف»، وما يمكن أن يسببه أي من هذه المصطلحات، ولا سيّما الترقيم، من اختلاط بدلالات سابقة مستقرة في المصطلح العربي. ونجيب على ذلك أن لنا إزاء اختيار مصطلح أو الترجمة لمصطلح «البانكجويشن» عدة اختيارات: الأول: نتبع المنهج الذي أتبعه الإنكليز في اختيار مصطلحهم من النقطة فنقول: «التنقيط». لكن هذا يختلط لدينا بالتنقيط الذي هو إعجام الحروف العربية أي: وضع نقاط الحروف المنقوطة تمييزاً لها من المهملة، وقد جاء في مادة نقط في معجم لسان العرب «نقط الحرف ينقطه نقطاً أعجمه». (2) ولدينا من التراث العربي في ذلك كتاب الخليل بن أحمد الفراهيدي بعنوان «النقط والشكل». الثاني: الوقوف والوصل أو القطع والإسئتناف، زد على ذلك إنه لا يتكون من كلمة واحدة، وهذا يقلل من الدلالة الاصطلاحية. الثالث: الترقيم والترقيم في المعجمات العربية بعيد عما نحن فيه ففي «لسان العرب»: الرقم والكتاب يرقمه رقماً أعجمه وبينه. وكتاب مرقوم بينت حروفه بعلاماتها من التنقيط». (3) وعلى هذا نعود في الترقيم إلى التنقيط على حين أن الترقيم الذي نقصده، هو شيء غير هذا.
وجد في العربية الأرقام التي هي الأعداد، وصرنا نقول الترقيم ونقصد وضع الأرقام، ففي «المعجم الوسيط». «الرقم هو الرمز المستعمل للتعبير عن أحد الأعداد البسيطة، وهي الأعداد التسعة الأولى والصفر وجمع الرقم أرقام. (4) ولم تذكر المعجمات تاريخ استعمال هذ المصطلح؛ ولكن الذي لا شكّ فيه أن مصطلح الترقيم الذي اختاره «أحمد زكي باشا» ترجمة لمصطلح «بانكجويشن» يختلط بهذه المعاني للترقيم سواء في نقط الكتاب، أو في الرمز عن الأعداد، وبما أن الكلام على الترقيم بالمعنى الذي اختاره أحمد زكي تكرر حتى أخذ الدلالة الخاصة به، وقد تبعه عليه آخرون، فقد اخترناه عنواناً لموضوعنا ومعلوم أن الذي يدفع اختلاط مصطلح الترقيم بغيره: كالنقط، أو الوقف، أو العدد، هو سياق الاستعمال.
الترقيم (أي البانكجويشن Punctuation في اللغة الإنكليزية استعمال الفواصل، والعلامات الاصطلاحية والرموز الإرشادية الطباعية، لفرض فهم وتصحيح القراءة والكتابة. (5) وهو لديهم مشتق من النقطة Punctus باللغة اللاتينية منذ عام 1540م. (6) وهذا يعني أن أول علامة للترقيم ظهرت عندهم هي النقطة وحدها Point, Full Stop وهي علامة مستديرة للوقف التام حين يسكت القارىء عندها سكوتاً تاماً ويتنفس معها. وهي قديمة عند العرب، وكانت ترسم دائرة مجوفة يضع قارىء النسخة المخطوطة على الشيخ نقطة داخلها ليدلل على مراجعته لها. وتقع بعد كل جملة تامة المعنى مستقلة عما بعدها في المعنى والإعراب، وبعد نهاية الفقرة، وبعد المختصرات، وهي نقطة أصلها علامة مستديرة سوداء دون بياض.
كوما Comma (،)) منذ 1589م وترسم عندهم واواً صغيرة قلبناها نحن وسميناها الشولة لأنها تشبه شولة العقرب، والفارزة، والفصلة، والفرزة، والفاصلة التي هي أشيع مصطلحاتنا لها وهي علامة الوقف الناقص وتكون بسكوت المتكلم سكوتاً قصيراً لا يحسن معه التنفس ويقول الكرملي: إن الأفرنج لم يبحثوا في كتبهم عن أصلها وعمن تلقوها، ويرجع أصلها إلى كتب التجويد. القديمة حين كانوا يستغنون عن ذكر اللفظة كلها بأول حرف منها أي(7) ف ثم أهملوا تنقيطها وبقي من الكلمة رأس الفاء أي (8) (و) وبقي اسمها فاصلة (9) سمي كولن Semicolon (؛) منذ عام 1644م (10) وترسم واواً مقلوبة صغيرة تحتها نقطة وهي علامة الوقف الكافي حين يسكت القارىء سكوتاً يحسن معه التنفس، وسميناها الشولة المنقوطة، أو، الفاصلة المنقوطة.
كوسشن مارك Question Mark (؟) وهي علامة توضع بعد نهاية الجملة المستفهم عنها، ويعلل انستاس ماري الكرملي أصلها بقوله: «الذي عندنا إنها حرف س العربي منكوس الوضع، وهو مقطوع من كلمة استفهام، كأنهم يشيرون إلى أن العبارة هي عبارة سؤال لا عبارة إخبار»، (11) وترسم في العربية عكس رسمها في الإنكليزية.
اكسكلامشن مارك Exclamation Mark (!) وهي عندنا علامة توضع بعد كل كلام يدل على تعجب، أو تحذير، أو حزن، أو فرح، أو استغاثة، أو دعاء، أو إنكار، أو استغراب، وقد تضاف علامة التعجب بعد علامة الاستفهام عندنا لتدل على الاستفهام الاستنكاري، وكل استفهام ليس على حقيقته.
أهلة الاقتباس Quotation Mark («») منذ 1683م، وترسم عندهم فارزتين مقلوبتين بداية الاقتباس وآخريين عكسهما نهايته، وهي عندنا ضبتان توضع بينهما الجمل والعبارات المنقولة بالحرف.
النقطتان الرأسيتان (:) Colon ، منذ 1589م (12) وترسمان بعدهما مقام الشرح لما قبلهما، حيث توضع هذه العلامة قبل الكلام المقول، أو المنقول، أو المقسم، أو المنوع، أو المجمل بعد تفصيل، أو المفصل بعد إجمال، وفي بعض مواضع الحال والتمييز.
نقط الحذف والإضمار (…)، وهي اثنتان فأكثر من النقط توضع للدلالة على أن في موضعها كلاماً محذوفاً أو مضمراً، وهي حديثة الاستعمال.
الشارحة Hyphen, Dash (ـ) وهي علامة لربط الجمل أو الكلمات المركبة منذ 1868م، وقلما تستعمل لهذا الغرض في العربية، وقد استعملت كذلك للإشارة عندهم إلى التوقف القصير بين كلمتين في الجملة، وتسمى عندنا الشرطة.
الأقواس المدورة () Round Bracket: ويوضع بينهما الألفاظ التي ليست من أركان الكلام مثل الكلمات المفسرة، وألفاظ الاحتراس، والألفاظ والعبارات التي يراد لفت النظر إليها، وألفاظ الدعاء…
القوسان المضلعتان Square Bracket [] يحصران ما يزاد من نصوص وعنوانات جديدة عند التحقيق، أو النقل من مصدر لدى التأليف. وتستعمل لحصر التعابير المعترضة في الإنكليزية.
الأبوستروفي Apostrophe يستعمل للدلالة على الحرف المحذوف داخل الكلمة وعلى أحرف العلة، وعند الإضافة ولا نعرف استعمالاً لها في العربية.
الخطان المائلان Pair of Slash ويستعملان لحصر التلفظ وكيفية النطق بالصوت، ولا يستعملان في العربية.
ويدخل الأوروبيون الحرف الكبير Capitals ويقصدون به الحرف الأول من الكلمة الأولى في الجملة أو الفقرة، ومن أسماء الأعلام، أو العصور التاريخية، أو الرسمية، في دراستهم للترقيم وهو عند العرب المعاصرين حرف وليس ترقيماً.
لقد اهتمت الدول الأوروبية بالتراث العربي بعد تطور الطباعة لديها. فظهرت الطباعة بالعربية عندها لأغراض متعددة يقف في طليعتها التبشير ودوافعه فضلاً عن نشر الفكر العلمي العربي والإفادة منه في تطوير الحضارة الأوروبية، فطبعت الكتب الدينية المسيحية والإسلامية، وكتب تعليم اللغة العربية نحوها وصرفها، زيادة على كتب العلوم الصرفة وعلم التاريخ عند المسلمين. وامتدت الطباعة العربية من إيطاليا 1499م إلى فرنسا 1538م، وهولندا 1595م وألمانيا 1694م، ثم إنكلترا 1650م.
ويبدو أن أول كتاب طبع بأحرف عربية كان «القرآن الكريم» في البندقية في مطبعة باغيني عام 1499م، ولكن نسخة واحدة من تلك الطبعة لم تصل إلينا. أما أول كتاب وصل إلينا بالعربية فهو كتاب «الأورلوجيون» المعروف بكتاب السواعية، والذي يحتوي على صلوات الساعات في الكنائس المسيحية، وقد طبعه غريغوري في مدينة قانو بإيطاليا في 12/9/1514م في 211 صفحة (13) ومن بداهة القول، استخدام الأوروبيون علامات الترقيم التي استقرت في لغتهم منذ سنة 1640م، في تحقيق المخطوطات العربية التي أشرف عليها كبار مستشرقيهم مثل تلك التحقيقات الرصينة لكارلوس تورنبرغ لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير، وقد أدرج قسم من المحققين علامات الترقيم العربية في هوامشه وزياداته وأبقى على النص الأصيل كما هو وارد عن مؤلفه بهدف الحفاظ على الأمانة العلمية بينما استخدم القسم الآخر علامات الترقيم في ضبط النصوص وتحقيقها، كما تعلم استخدامها في الكتابة بلغته الأوروبية، وحصر القسم الأخير من المحققين علامات الترقيم بين قوسين داخل النص المحقق إشارة لزيادته هذه العلامات من عنده ويلاحظ على هذه التحقيقات ترك المستشرقين نهاية الفترات دون نقاط وتركهم فراغاً صغيراً في بدايتها. وتشكيلهم الحروف، وترقيمهم السطور في الهامش الجانبي للصفحات.
وبذلك نعد التحقيقات الأوروبية لتراثنا العربي المخطوط، تلك التحقيقات التي طبعت بالعربية في البلاد الأوروبية، أول خطوة عملية لدخول الترقيم في الكتابة العربية المعاصرة.
أما الخطوة الثانية التي أعقبتها فكانت المطبوعات العربية الأولى في المشرق العربي منذ سنة 1610م، حين كانت مطبعة دير مار قزحيا الواقع في وادي قاديشا في لبنان، أول مطبعة، وقد طبعت كتاب المزامير سنة 1610م، أما في حلب فقط ظهرت بواكير الطباعة فيها منذ 1702م ثم توالت المطابع العربية في بلاد الشام، التي أشرف عليها ـ تأسيساً ورعاية ـ المبشرون المسيحيون منذ القرن الثامن عشر. وإذا كانت المطابع الحديثة في بلاد الشام قد استوردت الأجهزة والأحرف العربية التي استخدمتها البلاد الأوروبية فقد استوردت كذلك علامات الترقيم الأوروبية معها واستخدمتها في مطبوعاتها اجتهاداً لما تعتقده يلائم الكتابة العربية كما يتجلى في كتاب «مجمع البحرين» للشيخ ناصيف اليازجي الذي طبع سنة 1856م، فقد استخدمت النجمة للفصل بين الجمل والنقطة بمثابة الفاصلة. واستخدمت النقطتين الرأسيتين بين القول ومقوله في طباعة كتاب «النوادر في اللغة» لأبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري (ت215هـ) الذي صححه وعلق عليه سعيد الخوري وطبع سنة 1894م، ويبقى هذا الاستخدام لعلامات الترقيم اجتهادياً على رغم جهدهم الكبير في تشكيل الحروف بشكل يجعلنا ننظر إليه في زماننا الحاضر بالاحترام.
ويتجلى تطور استخدام علامات الترقيم في الطباعة العراقية التي تأسست سنة 1861م، في بغداد وهي مطبعة الميرزا عباس الحجرية بمقارنة طباعة كتاب «أخبار الدول وآثار الأول من التاريخ للقرماني» تصحيح ونشر محمد أمين بن أحمد، مع كتاب «الفوائد الألوسية على الرسالة الأندلسية» لعبدالباقي محمد أفندي الألوسي المطبوع في مطبعة دار السلام ببغداد سنة 1894م فقد استخدمت في الأخير علامات الاقتباس والأقواس المدورة ونقطة نهاية الفقرة.
أما الطباعة في مصر العربية، فقد ظهر أول مطبوع صدر عن مطبعة بولاق سنة 1822م، وهو قاموس للغتين العربية والإيطالية من وضع الراهب روفائيل، ولم يستخدم علامات الترقيم في الكتب الأولى التي طبعتها وهي ذات موضوعات حربية ومدرسية وثقافة إسلامية وأدب عربي. وقد استخدمت علامة الاستفهام في كتاب «تربية المرأة والحجاب» لمؤلفه محمد طلعت حرب وصدر عن مطبعة المنار بالقاهرة سنة 1901م ويبقى استخدام علامات الترقيم اجتهادياً حتى جاء أحمد زكي باشا (1867 ـ 1934م) فحاول تدارك النقص الحاصل في الكتابة العربية ووضع كتابه «رسالة التقرير في علامات الترقيم» عام 1909م، وكانت هذه الرسالة بمثابة تنظير بحاجة إلى تطبيق عملي لها في المطابع الأهلية ذلك أن ما صدر من مطبوعات بعد هذا بقي استخدام علامات الترقيم فيها اجتهادياً مثل كتاب «الأدب الصغير لابن المقفع» الذي نشره الشيخ طاهر الجزائري عام 1914م عن مطبعة البابي الحلبي. وقد جددت وزارة المعارف المصرية تقنين هذه القواعد التي وضع استعمالها بأمر الوزارة عبدالقادر عاشور، وطبعت عام 1923م، ولكن هذه القواعد فشل استعمالها في الكتابة العربية الحديثة.
جعفر حمودي التميمي
ونضيف على ما ذكره الكاتب أن الكتب الشيعية الكبرى التي هي المصادر في الحديث مثل كتاب (البحار) و(الوسائل) وغيرهما.
وفي الفقه مثل (الجواهر) وغيره.
وفي التفسير مثل (التبيان) و(مجمع البيان) وغيرهما.
طبعت أول ما طبعت طبعات حجرية في إيران وهي ـ مؤكداً ـ تخلو من الترقيم، وعندما أعيد طبعها بعد ذلك طباعة حديثة ظلت كذلك خالية من الترقيم.
وصعب علينا تحديد تاريخ طباعة أول كتاب شيعي طبعة حجرية، وكذلك تاريخ أول طبعة حديثة.
على أن المعلوم أن من أقدم الطبعات الحديثة طبعة كتاب الموسوعة الفقهية الكبرى (مفتاح الكرامة) لمؤلفه السيد جواد العاملي (1164 ـ 1226هـ) الذي كان في 32 مجلداً مخطوطاً بدأ بتأليفه سنة 1199 إلى عام وفاته سنة 1226، أشرف على طبعه السيد محسن الأمين الذي كان مقيماً في دمشق. طبع قسم منه في ثمانية مجلدات ضخام، سبعة منها طبعت في مصر، والثامن في دمشق، إذ لم تكن المطبعة الدمشقية مهيأة لطبع مثل هذا الكتاب الكبير، لذلك بعث به إلى مصر وبعد انتهاء طبع المجلد السابع صار من الممكن طبعه في دمشق. وبقي مفقوداً منه نحو مجلدين طبعا أخيراً في قم.
وأول مطبعة شيعية في بلاد الشام هي مطبعة (العرفان) التي أسسها الشيخ عارف الزين في صيدا سنة 1909م لطبع مجلته العرفان، وكانت تدار باليد لأن الكهرباء لم تكن وصلت إلى صيدا. والكتب الشيعية الأولى التي طبعت فيها كتاب (مجمع البيان في تفسير القرآن) الذي كان مطبوعاً قبل ذلك طبعة حجرية، في إيران وكتب السيد محسن الأمين: لواجع الأشجان، والدر النضيد، وأصدق الأخبار. وهذه الكتب الأربعة ينقصها الترقيم.
أما أول مطبعة شيعية في العراق فقد كانت في النجف الأشرف. وفيها صدرت المجلة الشيعية الأولى في العراق مجلة (العلم) التي أصدرها السيد هبة الدين الشهرستاني.
ونستطيع القول أن الطباعة الشيعية عرفت الترقيم لأول مرة في المقالات التي كانت تنشر في المجلتين: العرفان والعلم.
تركستان
هذا البحث في واقعه مرتبط ببحث (آسيا الوسطى) الذي تقدم ذكره في موضعه، ومن البحثين معاً تتألف حقيقة واحدة عن تلك الأرض الشاسعة الواسعة، فلا بدّ للقارىء من أن يربط بينهما، وأن لا يكتفي بمطالعة أحدهما عن مطالعة الآخر، بل أن يجمع في المطالعة بينهما:
تقع تركستان بين خطي عرض 35 ـ 55 درجة شمال خط الاستواء، وهذا ما يجعلها ضمن مناخ البحر الأبيض المتوسط في جزئها الجنوبي، بينما يقع جزؤها الشمالي ضمن مناخ المناطق الأوروبية الداخلية.
وتهطل الأمطار من بقايا هذين المناخين صيفاً في القسم الشمالي وشتاء في القسم الجنوبي بما لا يزيد عن 200مم سنوياً مما يجعلها تقع ضمن المناطق الجافة الصحراوية. وتسبب هذه الأمطار نمو بعض الحشائش التي يطلق عليها اسم استبس. وفي المنطقة بعض المجاري المائية التي تتغذى من الجبال المرتفعة المحيطة بالمنطقة والتي تتلقى مزيداً من الأمطار، ومن ذوبان الثلوج المتراكمة على تلك الجبال، هذه المجاري جعلت الحياة تقوم على ضفافها وعلى طول مسراها، حيث يسايرها شريط من الخضرة. وهناك بعض الينابيع البسيطة في المنطقة قامت حولها المدن والقرى، فكانت واحات منتشرة في قلب تلك المنطقة الجرداء، وهذا ما جعل سكان المنطقة منذ القديم قسمين: بدو يرعون في مناطق الأستبس، وينتقلون وراء عجماواتهم، وحضر يسكنون الواحات ويستثمرون الأراضي التي تطالها مياه الأنهار والواحات.
وتقوم زراعة الأشجار في الأودية الجبلية كما هو الحال في وادي فرغانة، وفي الواحات وعلى ضفاف المجاري المائية، ويساعد على نمو الفاكهة في هذه المنطقة الواقعة على درجات العرض القليلة. كما يمكن زرع المزروعات الجافة كالقطن وغيره، ويساعد على ذلك التربة اللحقية الغنية المؤلفة من المجروفات المتجمعة والملائمة كثيراً للزراعة.
وقد أقيمت المشاريع الإروائية ومدت الأقية، مما أسهم في زيادة الإنتاج وأصبح القطن وكذا الفواكه من الموارد الرئيسية الهامة، ويضاف إليهما زراعة الحبوب والشمندر السكري والعنب.
والمنطقة ذات مواد هائلة بالكروم والرصاص والنحاس والتوتياء إضافة للحديد والفخم والذهب والفضة وغيرها.
وقد كان وصول المسلمين إلى تركستان على المراحل التالية:
بعد معركة نهاوند)[254]( الحاسمة بين المسلمين والساسانيين سار يزدجرد إلى خراسان وأقام بمرو، فسار المسلمون بقيادة الأحنف بن قيس نحو مدينة هرات)[255]( ففتحوها، ثم ساروا نحو مرو فدخلوها وفر يزدجرد إلى بلخ)[256]( وحاول القتال من جديد ولكنه هزم وانتهى الأمر بوصول المسلمين إلى نهر جيحون (أموداريا) وخلصت خراسان للمسلمين.
وحاول المسلمون اجتياز نهر جيحون والوصول إلى بخارى في غزوات متعددة فلم يتم لهم ذلك إلا في 88هـ 706م حيث استولوا على مدينة بيكند، ثم على مدينة سمرقند)[257]( عاصمة الصغد، ثم رجعوا إلى مرو، وفي العام التالي غزوا بلاد الشاش (طاشقند) وفرغانة، ثم اتجهوا نحو الشرق وفتحوا مدينة كاشغر.
وقد بني أول مسجد في بخارى عام (94هـ 714م) وقد جدد هذا المسجد ومنارته عام (515هـ 1121م) بأمر أرسلان خان. ويعتبر هذا المسجد ومنارته من أهم آثار بخارى الإسلامية، وقد حول هذا المسجد بعد الثورة الشيوعية إلى متحف ومكتبة، وسميت المكتبة باسم «مكتبة ابن سينا».
القسم الشرقي من الدولة الإسلامية
كانت الدولة الإسلامية تقسم إلى أقاليم، إقليم الشرق وهو ذو جناحين، أحدهما في الشرق وهو ما كان شرق نهر جيحون أو أموداريا ويسمى ببلاد ما وراء النهر، والثاني هو ما كان غرب نهر جيحون ويعرف باسم خراسان.
1 ـ بلاد ما وراء النهر: قال عنه البشاري: «هذا الجانب أخصب بلاد اللَّه تعالى، وأكثرها خيراً، وفقهاً، وعمارة، ورغبة في العلم، واستقامة في الدين، وأشد بأساً، وأغلظ رقاباً، وأسلم صدراً، وأرغب في الجماعات مع يسار وعفة ومعروف وضيافة وتعظيم لمن يفهم، وفي هذا القسم ست كور».
1 ـ فرغانة)[258](: وقصبتها أخسكيت.
2 ـ أسبيجاب: ومركزها أسبياب.
3 ـ الشاش)[259](: وقصبتها نبكث (طاشقند).
4 ـ أشروسنة: وقصبتها بنجكث.
5 ـ الصغد: وقصبتها سمرقند.
6 ـ بخارى: وقصبتها بخارى.
ويمر نهر جيحون من هذا الإقليم، ويتشعب منه أنهار كثيرة، وعليه كور عديدة، ومن أهمها خوارزم، وهي على حافتي النهر، وقصبتها العظمى شرق النهر، وهي مدينة كاث، ولها قصبة أخرى غربية، وهي الجرجانية، وتقع على النهر ترمذ وآمل.
2 ـ خراسان: في هذا الجزء تقع مدينة مرو قصبة الإقليم المشهورة، كما تقع فيه أيضاً سرخس وبيهق وفي هذا الإقليم قامت الدولة الطاهرية في مرو حاضرة خراسان، وقامت الدولة السامانية في بلاد ما وراء النهر، وكانت عاصمتها مدينة بخارى، وهي أول دولة غير عربية تعلن استقلالها الكامل عن الحكم العباسي وتنفرد بحكم قطر إسلامي كبير. واستطاع السامانيون أن يقيموا في بخارى نهضة شاملة حملت الثعالبي على أن يقول في كتابه يتيمة الدهر: «كانت بخارى في الدولة السامانية مثابة الحجة وكعبة الملك ومجمع أفراد الزمان ومطلع نجوم أدباء الأرض وموسم فضلاء الدهر».
وقد ظلت بخارى طوال عهد بعيد مركزاً من أكبر مراكز الإشعاع العلمي في العالم الإسلامي وبقيت مقصداً لطلاب المعرفة من كل مكان. ولما زارها المستشرق المجري (ويبري) متنكراً قبل أكثر من مئة عام أدهشه ما رأى فيها من الحركة العلمية وما شاهده من كثرة مساجدها ومدارسها في حين أنها كانت في دور الانحدار. ويروي هذا المستشرق أنه رأى فيها ثمانين مدرسة حافلة بشتى العلوم الإسلامية والعربية يؤمها أكثر من خمسة آلاف طالب جاؤوا من الهند وكشمير وأفغانستان وإيران وروسيا والصين وغيرها. ويمكن اعتبار مدينة كاشغر ثانية مواطن الثقافة بعد بخارى، لقد سميت بخارى الصغرى وظهرت مدارس كثيرة للحضارة فكانت مرو)[260]( وغزنة)[261]( وبخارى)[262]( وسمرقند)[263](.
وكانت أكبر الدول في بلاد ما وراء النهر هي خوارزم وتمتد على مساحات واسعة، تشمل ضفاف نهر جيحون، وتمتد حتى بحر قزوين.
المغول
لقد كانت قبائل المغول تتجمع حول جنكيز خان الذي أعلن نفسه امبراطوراً عليها، واجتاح الصين، ثم اتجه غرباً، فدخل أرض الإسلام، وغزا خوارزم، ثم دخل بخارى وأحرقها، وسلب، ونهب وسبى منها ما شاء له طغيانه، ثم استمر في تقدمة نحو الغرب فقاومته نيسابور، فكان جزاء أهلها الذبح والقتل، وبقي في تقدمه إلى أن وصل إلى غايته المحتومة، فخلفه ابنه، فسار على خطة أبيه، فغزا ما بقي من الصين، ثم اتجه غرباً، واكتسح روسيا، وجعلها ولاية مغولية في عام (633هـ/ 1235م) وكذا استولى على بولندا والمجر، ولكن المغول انسحبوا من أوروبا عندما حدث بينهم نزاع على العرش، وأخيراً استولى مانگو على مقدرات المغول عام (649هـ 1251م)، فولى أخاً له على الصين، وسير أخاه الثاني هولاكو ليغزو غرب آسيا فدخل بغداد وهدمها (656هـ/ 1258م) ووصلت جيوشه فلسطين ولكنها هزمت على أيدي المماليك في معركة عين جالوت (658هـ/ 1260م)، وبعد هذه الهزيمة توقفت فتوحات المغول، وتجزأت دولتهم إلى أجزاء، يحكم كل منها خان مستقل.
وقام تيمور)[264]( بتزعم التتار، واستطاع تيمور أن يغزو خوارزم، وأن يوسع رقعة دولته، حتى غدت سمرقند عاصمة التتار تتبعها أقاليم واسعة، وورث التتار أمبراطورية المغول الشاسعة بعد حروب طاحنة ومناورات عظيمة، واحتفظ تيمور لنفسه بلقب أمير، وأقام خاناً من المغول من أحفاد جنكيز خان في سمرقند رمزاً لتحالف قديم بين المغول والتتار ثم فتح فارس والعراق والشام وآسيا الصغرى وقسماً من الهند.
روسيا وتركستان
وبعد موت تيمور عام (808هـ 1405م) اختلف الأمراء من بعده على العرش، فتجزأت الدولة الواسعة، واستحالت قوتها إلى ضعف، وبدأت الولايات تنفصل عنها، والمناطق الخاضعة لها تتمرد عليها، بالانفصال تارة وبالاستقلال أخرى، ومنها روسيا التي تحررت من التتار عام (885هـ 1480م) على يد أمير موسكو الذي بدأ يسعى لتأسيس دولة قوية له، ومنذ تلك الفترة بدأت هذه الدولة الجديدة تظهر في العالم، وتتضخم تدريجياً.
في عهد إيفان الثالث عام (867 ـ 911هـ/ 1462 ـ 1505م) أخرج التتار من بلاده عام (665هـ/ 1480م)، ثم في عهد إيفان الرابع الذي كان يسمى بالرهيب، استطاع أن يضم المدن التتارية الكبرى إلى إمارة موسكو الواحدة تلو الأخرى، فقد ضم مدينة كازان عام (960هـ/ 1552م) ثم مدينة استراخان عام (963هـ/ 1555م).
وبعد أن قويت الدولة الروسية الجديدة، بدأت بالتوسع نحو الشرق والإغارة على البلاد الواقعة شرق جبال الأورال وذلك منذ عام (988هـ/ 1580م) وتمكنت من الاستيلاء على مدينة سيبر عاصمة التتار، وسميت البلاد التي تقع شرق جبال الأورال بأكملها باسم سيبيريا تذكاراً للاستيلاء على تلك المدينة. ولم تمض عشر سنوات حتى غزت نصف سيبيريا وضمتها إليها.
وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر بدأ الروس بضم المناطق الإسلامية لدولتهم المنطقة تلو الأخرى ففي عام (1191هـ/ 1777م) ضمت منطقة القرم، وكذا جورجيا (1216هـ/ 1801م)، ثم بقية مناطق قفقاسيا (1281هـ/ 1864م)، بعد أن قضت على مقاومة الشراكسة بزعامة الشيخ شامل، وكذا آسيا الوسطى التي كانت في فوضى تامة، حيث غزا المنطقة وأخذها من خلفاء تيمورلنك قبائل الأوزبك والقوزاق والقيرغيز، وكانت هذه القبائل وثنية، ولكنها لم تلبث أن اعتنقت الإسلام، ثم ضعفت الحكومات التي أقامتها هذه القبائل وخاصة منطقة الأوزبك التي دفع سكانها بالقوزاق نحو الشمال، وقامت في بلادهم عدة خانيات، كان أهمها خيوه وبخارى وخوقند، وقد استطاع الروس ضم هذه المنطقة إليهم، فوصلوا إلى فرغانة، وكانت حتى ذلك الوقت تتبع الصين. واحتلت بخارى وسمرقند (1285هـ/ 1868م) واستولت على خيوه على حين غرة عام (1290هـ/ 1873م)، وعلى خوقند (1293هـ/ 1876م)، وضمت إليها فرغانة لتشكل منها إمارة واحدة، كما غزا الروس وادي سيحون (1263هـ 1280/ 1846 ـ 1864م)، واستولوا على طاشقند عام (1282هـ/ 1865م) وقد دافع التركمان عن مرو دفاعاً مستميتاً ولكنها سقطت أخيراً (1302هـ/ 1884م)، وبقي الروس في التقدم نحو الجنوب الشرقي حتى وصلوا إلى بامير (1310هـ/ 1892م).
وسيطر الروس على المنطقة بأكملها.
وأبقى الروس المجموعات الإسلامية غير موحدة سياسياً ولا إدارياً ولا دينياً، فكان القيصر يعين مفتي روسيا الداخلية ومفتي القرم (المناطق الغربية) ولم يكن لآسيا الوسطى مفتي واحد إنما عدد من المفتين. أما على الصعيد السياسي فكان المسلمون يشكلون جزءاً من روسيا كسائر شعوب الامبراطورية وكانوا خاضعين لأنظمتها إلا في المحميات، (إمارة بخارى وخانية خيوه)، وكان مسلمو تركستان ومركزها طاشقند والسهوب يخضعون للحكام العامين أما سكان القفقاس فيخضعون لنائب الملك، والقبائل الرحل يخضعون لعاداتهم وتقاليدهم مثل القيرغيز والقوزاق.وبقيام الثورة الشيوعية وانتصارها قضت على خان خيوه عام (1338هـ/ 1919م) وعلى أمير بخارى (1339هـ/ 1920م) وسقطت الدولة العثمانية وفر زعماء حزب الاتحاد والترقي الذي كان يحكم البلاد واستطاع أنور باشا أن يصل إلى تركستان فنزل بخارى وصار الأمر كله له فيها. ثم مدّ دعوته إلى خيوه وفرغانة فعمت الثورة على الروس في تركستان ثم انتهت في آب سنة 1922م بعد أن دامت أحد عشر شهراً، وبعد ما قتل أنور.
وقد بطل استعمال كلمة تركستان تدريجياً في روسيا السوفيتية، وبقيت جمهورية تركستان وعاصمتها القديمة طاشقند بضع سنوات بعد الثورة الروسية. وكانت رقعتها أصغر بكثير من رقعة الولاية القديمة، وضمت الأجزاء الشمالية القائمة بذاتها إلى جمهورية القرغيز. ولما أخذ بمبدأ القوميات سنة 1924م استبدل بالاسم العام الذي كان يطلق على هذه البلاد أسماء أخرى مستعارة من أسماء عدة شعوب مثل أوزبكستان وتركمانستان وطاجكستان. وصار اسم آسيا الوسطى يطلق على تركستان.
تركستان:
وتركستان امتدت حدودها في عهد الاسكندر المقدوني ـ القرن الثالث قبل الميلاد ـ بين سيبيريا وشمال الصين شرقاً والتبت والهند جنوباً، وبحر القرم شمالاً وإيران غرباً. تركستان التاريخية هذه قام الروس والصينيون بتقسيمها منذ بداية القرن السادس عشر إلى تركستان شرقية ما زالت تحت السيطرة الصينية، وتركستان غربية احتل الروس جزءاً منها في منتصف القرن السادس عشر الميلادي ثم احتلوا البقية على مراحل طوال قرنين من الزمن، وذلك في إطار خطة توسية تهدف إلى بلوغ سواحل المياه الدافئة في جنوب غرب القارة الآسيوية، وقد أكمل الروس سيطرتهم على تركستان تماماً عام 1880م عندما أوقف البريطانيون زحفهم نحو المحيط الهندي على أبواب أفغانستان وإيران، وبذلك يكون مسلمو تركستان قد قضوا ثلاثة قرون تحت السيطرة الروسية، حتى انفرط الاتحاد السوفياتي.
وحسب ما حدده الجغرافيون العرب: هي موطن الأتراك ومنبتهم، وتشمل بلاداً تمتد من بحر الخزر(قزوين) ونهر أورال غرباً إلى حدود التبت، ومنغوليا والصين الأصلية شرقاً، وسيبيريا شمالاً، وأفغانستان جنوباً، وتحتوي على أقاليم بلاد (ختن وكاشغر وما وراء النهر وسند وخوارزم وجزء من خراسان وبدخشان وبامير).
وتشغل تركستان الغربية الثلث الشمالي من قارة آسيا، وقد ساعد امتدادها الكبير من الشرق إلى الغرب على تنوع خصائصها الطبيعية والحضارية والبشرية عن بقي القارة الآسيوية. فهي تمتد بين دائرتي عرض 28، 35 جنوباً عند بلدة كوشكا قرب الحدود السياسية مع أفغانستان، و50، 81 شمالاً عند جزيرة رودولوف إحدى جزر فرانز جوزيف في المحيط المتجمد الشمالي، وخطي طول 55 شرقاً عند مرتفعات أورال، و40، 69 غرباً عند جزيرة زاتمانوف عند مضيق برنح في الشرق أي تمتد في نحو 46 دائرة عرضية، 125 خطاً من خطوط الطول. وتحوي آسيا الوسطى العديد من السهول والمرتفعات والأنهار، من أشهرها سهول سيبيريا، مرتفعات تشونسكي ـ فرخوبانسيك ـ كولما ـ التاي تيان شن ـ هندو كوش، وتوجد بها ألف بحيرة أشهرها بلكاش وبحر قزوين وبحر أورال، ومن أشهر الأنهار. أوب ـ لينا ـ أموداريا (جيحون) ـ سردريا (سيحون).
وترتبط خمس من الجمهوريات الإسلامية في تركستان بنهري جيحون وسيحون إذ تشغل «طاجكستان» و«قيرغيزيا» الإقليم الجبلي الذي ينبع منه النهران وتشغل أوزبكستان بعض المنابع العليا لنهر سيحون وأجزاء من مجرى نهر جيحون إضافة إلى دلتا على بحر أورال. وتشغل تركمانستان معظم مجرى نهر جيحون جنوب دلتاه على بحر أورال ويشغل جنوب كازاخستان كل المجرى الأدنى لنهر سيحون. هذان النهران قد أعطيا الحياة للإقليم الصحراوي أو حوض طوران، ونهر جيحون هي التسمية العربية لما يسميه الإغريق نهر أوكسس (Oxus) بينما يسميه الإيرانيون أموداريا. أما نهر سيحون فيطلق عليه الإغريق اسم جاكسارتا (Jaxartes) ويسميه الإيرانيون سيرداريا.
ما علاقة إقليم تركستان وأبعاده الجغرافية بالنسبة إلى إقليم نهري جيحون وسيحون؟
الأبعاد الجغرافية التي أوردها الامبراطور المغولي بابر (Babur) لإقليم تركستان تزيد عن إقليم نهري جيحون وسيحون المناطق التالية: منطقة باداخستان في أفغانستان، وخراسان في شمال إيران ومنطقة جنجاريا في الصين.
أي إن إقليم تركستان أكثر اتساعاً في أبعاده الجغرافية عن إقليم نهري جيحون وسيحون وقد نال شهرة عظيمة عبر التاريخ باعتباره همزة الوصل على طريق الحرير للتبادل التجاري بين الشرق والغرب وكانت مدنه ذات أهمية تاريخية، ولكن تحولت التجارة العالمية إلى الطريق البحري في بداية القرن السادس عشر وذهب عنه الرخاء وأسدل الستار على أهميته العالمية.
وهناك تسميات أخرى للإقليم (نهري سيحون وجيحون) ولكن أبعاده الجغرافية أقل امتداد عما هو معروف الآن ـ لقد كان العرب يطلقون عليه (ما وراء النهر) والغرب يطلق عليه ترانس أوكسيانا (Transoxiana) وهي ترجمة للتسمية العربية.
وهذه أقل اتساعاً من إقليم نهري جيحون وسيحون بأبعاده الحالية لأنها تشمل فقط الأراضي الواقعة بين نهري جيحون وسيحون في النطاق السهلي من مجرى النهرين.
الملامح الجغرافية:
تمتد أنواع التضاريس فيها على هيئة أحزمة أو نطاقات تمتد من الغرب إلى الشرق ففي الشمال أراضي الأستبس وهي سهلة منبسطة تمتد شمال كازاخستان يكسوها غطاء نباتي من حشائش الأستبس يغزو نسبياً في الغرب لوفرة الأمطار، ثم يأخذ في التلاشي تدريجياً نحو شرق كازاخستان. وإلى جنوب هذا النطاق الأستبسي تمتد الأراضي المنبسطة القليلة الارتفاع وهي سهول الأستبس الصحراوي والغطاء النباتي من الحشائش المتناهية القصر تنتشر في منطقة تركمانستان. وتمتد شرقاً جنوبي كازاخستان الأرض المرتفعة ذات الرمال السوداء إلى جنوب نطاق الأستبس الصحراوي، وهذه المنطقة الصحراوية أكثر ارتفاعاً من الحزامين السابقين إذ تأخذ الأرض في الانخفاض تدريجياً من الجنوب إلى الشمال. وأخيراً في أقصى الجنوب تمتد المرتفعات الشاهقة الارتفاع وهي مرتفعات تيان شان، وتجري في هذه الأراضي الأنهار التي تنبع من إقليم المرتفعات ثم تتجه إلى الشمال والشمال الشرقي. ينتهي بعض هذه الأنهار إلى بحر أورال مثل نهري سرداريا وأموداريا، وبعض الأنهار ينتهي إلى بحر قزوين مثل إمبا Emba وبعضها ينتهي إلى بحيرة بلكاش وبعض الأنهار القصيرة تموت بعد جريان قصير في الصحراء ومن الأنهار الهامة التي تجري مسافات طويلة نهر إرتش Irtsah الذي يمتد من مرتفعات التاي، ويتجه نحو الشمال الغربي حيث يغذيه نهر إشم Ishim وتقع عليه بعض المدن الهامة مثل أومسك وتبولسك Tobolsk. هذه الأنهار جميعاً لا تصلح للنقل البحري. ولكنها تستخدم في ري الأراضي المنتثرة على جوانبها؛ ولهذا اشتغلت القبائل التركية والمغولية في هذه الأصقاع بالرعي المتنقل ومعهم خيامهم، ويربون الخيل إلى جانب الأنواع الأخرى من الحيوان والبعض اشتغل بالزراعات في هذه الواحات، حيث القرى التي تبنى بالطوب والطين المتوفر محلياً. ويشتغلون بزراعة الحبوب والخضر والفاكهة.
إقليم القوقاز وملامحه الجغرافية:
إن إقليم القوقاز مجموعة من المرتفعات والمنخفضات نشأت أصلاً في منخفض ضخم من سطح الأرض يعرف بالمنخفض الألبي.
وهذا المنخفض هو الذي تعرض لمحركات القشرة الأرضية مكوناً من بعض أجزاء هذا المنخفض الالتواءات الضخمة التي كونت مرتفعات القوقاز العظمى، وإلى جنوبها مرتفعات القوقاز الصغرى التي تنتهي جنوباً بالحدود السياسية الجنوبية للاتحاد السوفيتي مع إيران وتركيا. ثم مجموعة المنخفضات إلى شمال هذه المرتفعات، وإلى غربها وشمالها الغربي وإلى شرقها وإلى جنوب مرتفعات القوقاز العظمى أيضاً والتي تبلغ مساحتها جميعاً 440,000 كلم2.
لدراسة هذا الإقليم جغرافياً نقسمه إلى الأقسام الآتية:
1 ـ مرتفعات القوقاز العظمى في شمال الإقليم:
تمتد هذه المرتفعات الالتوائية الضخمة من شبه جزيرة تامان Taman التي تقع بين البحر الأسود وامتداده إلى الشمال بحر آزوف ثم تأخذ اتجاهاً جنوبياً شرقياً إلى شبه جزيرة آسفرون Aspheron الملحقة ببحر قزوين والغنية بالطبقات الحاملة للنفط.
تتميز السفوح الشمالية لهذه المرتفعات بأنها تنحدر في رفق إلى المنخفض الضخم في شمالها وهو قسمان:
(أ) المنخفض الذي يجري فيه نهر كوبان Kuban والذي يصب في البحر الأسود ويقع إلى الشمال الغربي من هذه المرتفعات.
(ب) المنخفض الذي يشغله نهر كوما في الشمال ويصب في بحر قزوين والذي ينتهي شمالاً بالمنخفض الذي تتكون منه دلتا نهر الفولگا ويقع إلى الشمال الشرقي من المرتفعات، والأجزاء الجنوبية من هذا المنخفض يجري فيها نهر ترك Terek الذي يصب ـ أيضاً ـ في بحر قزوين.
أما السفوح الجنوبية لمرتفعات القوقاز العظمى فهي أكثر وعورة وتنتهي غرباً بمنخفض كولخيد Kolkhida المطل على البحر الأسود والذي يجري فيه نهرا ريوني Rioni ونهر إنجوري Inguri الذي يصب في البحر الأسود، وهو مرتبط بمنخفض البحر الأسود وتنتهي السفوح الجنوبية ـ أيضاً ـ في الجنوب الشرقي بالمنخفض الذي يشغله نهر كورا ورافده أراكس، وهو مرتبط بمنخفض بحر قزوين. إن مرتفعات القوقاز العظمى هذه وخط تقسيم المياه بها هما الحدّ الفاصل بين قارتي أوروبا وآسيا.
يطلق على هذه المرتفعات العظمى من القوقاز والسهول والمنخفضات التي تمتد إلى شمالها الغربي وإلى شمالها الشرقي اسم «سيس قوقازيا» Cis Caucasia أي: القوقاز القريب.
2- مرتفعات القوقاز الصغرى:
تمتد مرتفعات القوقاز الصغرى شرقاً باسم مرتفعات «طاليش» Talish بين منخفض «كولخيدا» Kolkhida في الغرب ومنخفض «كورا» في الشرق وهذه المرتفعات يحددها نهر «كورا» الذي يجري إلى شمالها ورافده نهر «أراكس» الذي يمتد إلى جنوبها وكأنها تمتد بين أحضان هذين النهرين ـ هذا الالتواء المحدب الذي يكون مرتفعات القوقاز الصغرى نتيجة التواء في سطح المنخفض الألبي السابق الإشارة إليه. وفي الأجزاء الشرقية من هذه المرتفعات تقع بحيرة «سيفان» Sevan* وإلى شرقها توجد أكثر القمم ارتفاعاً 3600 متر فوق سطح البحر.
إن مرتفعات القوقاز الصغرى والمنخفضات إلى غربها وشرقها يطلق عليها عبر القوقاز Transcaucasia أو القوقاز البعيد.
ومما تجدر الإشارة إليه أن التركيب الجيولوجي للطبقات حول مرتفعات القوقاز العظمى خاصة في منخفض «كورا ـ أراكس» Kura Araks ـ تحتوي على النفظ والغاز والفحم ـ وهناك أيضاً الحديد الخام في نطاق جمهورية آذربيجان كما يوجد النحاس ومعادن أخرى كثيرة غير فلزية مثل المنغنيز والرواسب المحتوية على الأسمنت.
3-المجاري المائية:
إقليم القوقاز غني بالأنهار التي تستخدم في الري والتي تصلح بعض مجاريها الدنيا للملاحة، ومما تجب الإشارة إليه أن أنهار مرتفعات القوقاز العظمى تفيض أنهارها بالمياه حوالي ستة أشهر في فصل الدفء، أما أنهار مرتفعات القوقاز الصغرى فإن مياهها تفيض في فصل الربيع، وهناك أيضاً محطات توليد الكهرباء على مجاري هذه الأنهار.
الأهمية الاستراتيجية للموقع الجغرافي:
تقع الجمهوريات الإسلامية الست في منطقة تركستان والقوقاز وتتصل جميعاً بحدود بحرية مشتركة باستثناء آذربيجان التي يفصل بينها وبين بقية هذه الدول بحر قزوين، وهي تتاخم حدود الصين شرقاً، وأرمينيا وجورجيا غرباً، وروسيا شمالاً وأفغانستان وإيران جنوباً. ومع ذلك فإن هذه البلدان لا ترتبط مع بلدان العالم الأخرى بحدود بحرية مفتوحة على بحاره، ومحيطاته، نظراً لأن بحر أورال الواقع بين كازاخستان وأوزبكستان يعتبر بحراً مغلقاً، وكذلك الأمر بالنسبة لبحر قزوين الذي تطل عليه كل من آذربيجان، وكازاخستان، وتركمانستان.
أي أن الجمهوريات الإسلامية الست تتمتع بموقع جغرافي ذو أهمية استراتيجية؛ حيث تتاخم حدودها دولاً إسلامية وهي: أفغانستان وباكستان وإيران وتركيا، ودولاً غير إسلامية مثل: الصين والهند وروسيا الاتحادية.
وهناك بعض الصعوبات التي تواجهها كل جمهورية على حدة، فعلى سبيل المثال تمتد حدود جمهورية كازاخستان من أوروبا غرباً إلى الصين شرقاً، ومع ذلك تعاني من افتقارها إلى موانىء تصديرية؛ حيث لا يوجد لها سوى ميناء واحد على بحر قزوين. كما أن بعضها يعاني من مشاكل حدودية مع الجمهوريات المتاخمة مثل مشكلة الحدود بين آذربيجان وأرمينيا.
المساحة:
تبلغ مساحة الكلية للجمهوريات الإسلامية في تركستان والقوقاز 4,42 مليون كيلو متر مربع، وتعتبر كازاخستان أكبر الدول الست من حيث المساحة، إذ تبلغ مساحتها 2717,3 ألف كيلو متر مربع وبنسبة 60% من المساحة الكلية، وعاصمتها «الماآتا» تليها في الترتيب تركمانستان وتبلغ مساحتها 488.1 ألف كيلو متر مربع وبنسبة 15% وعاصمتها «عشق آباد» ثم أوزبكستان وتبلغ مساحتها 409 ألف كيلو متر مربع بنسبة 10,1% وعاصمتها «طشقند» ثم قيرغيزيا وتبلغ مساحتها 197 ألف كيلو متر مربع بنسبة 4,9% وعاصمتها «قروزني» ثم طاجكستان وتبلغ مساحتها 143 ألف كيلو متر مربع وبنسبة 3,5% وعاصمتها «دوشينبه» وأخيراً آذربيجان وهي أصغر البلدان الست من حيث المساحة وتبلغ مساحتها 87 ألف كيلو متر مربع فقط أي بنسبة 2,1% وعاصمتها «باكو».
| الدولة | المساحة ألف كيلو متر مربع | العاصمة |
| كازخستان
توركمانستان أوزبكستان قيرغيزيا طاجيكستان آذربيجان |
2717,300
488,100 408,400 196,800 143,100 86,800 |
ألماآتا
عشق آباد طشقند قروزني دوشنبيه باكو |
التركيب الإثنولوجي العرقي
ينتمي مسلمو هذه الجمهوريات إلى ثلاث مجموعات عرقية هي:
1 ـ مجموعة الشعوب التركستانية: وتضم سكان أوزبكستان وكازاخستان وآذربيجان وتركمانستان، وقيرغيزيا. وهؤلاء يتحدثون بلغات قريبة من اللغة التركية، وهم أقرب ثقافياً إلى تركيا.
2 ـ مجموعة الشعوب الإيرانية: ويتركزون في طاجيكستان أساساً وهؤلاء أقرب حضارياً وثقافياً إلى إيران وإن لم يكونوا كلهم شيعة.
مجموعة الشعوب الإيبروقوقازية: وهؤلاء يعيشون في مجموعات متفرقة في القوقاز وروسيا.
والجمهوريات الإسلامية يكثر فيها المذهب السني عدا آذربيجان فيكثر فيها المذهب الشيعي ويتحدث الطاجيك لغة فارسية، أما بقية الجمهوريات فتتحدث لغة تركية محلية.
وأتراك تركستان من الناحية الإثنولوجية والتاريخية ينقسمون إلى مجموعات من القبائل وهي:
1 ـ مجموعة القبجاق، وهم القازاق والأوزبك والأويغوريون والمنغيت وقاراقالباق وأتراك منطقة قازان في شمال القوقاز وهم أتراك الباشقرد وداغستان والتتر.
2 ـ مجموعة التركمن الأوغوز (الغز) وهم أتراك الوسط (أورتاتور كلر) وهم التركمن والأوغوز (الغز) والياقوت وأتراك التاي وهم حضريون أيضاً.
3 ـ مجموعة ترك جيل ويدخل في هذه المجموعة الأتراك الحضريون الذين يعيشون في المدن والقرى والتارنجي والكاشغريون والقيرغيز وهم البدو.
ويقطن تركستان من الأقوام غير التركية الطاجيك من أصل فارسي ويتكلمون الفارسية وهم الأغلبية ويسكنون منطقة خجند وسمرقند وبخارى وأوراتيه وكانبادام وكاسان وجست وأسفره ودرواز وخزار ثم تونكاث وفالموق واليهود وعدد غير قليل من الهنود والغجر.
ويتألف سكان الجمهوريات الإسلامية من عدة عناصر تركية وإيرانية ومغولية، فمنهم:
الأوزبك: وهم مسلمون سنيون إلى جانب مجموعات من الشيعة يتكلمون اللغة الأوزبكية، وكانت تكتب الحروف بالعربية ثم استبدلت بها الحروف اللاتينية.
القيرغيز: وهم مسلمون سنيون انقسموا إلى ثلاث مجموعات العشيرة الكبرى ـ الوسطى ـ الصغرى، عاشت المجموعة الأولى بين الركن الشمالي الشرقي لبحر قزوين ونهر أورال وبحر أرال، والمجموعة الثانية في الأورال الأعلى، والثالثة حول بحيرة بلكاش ونهر سرداريا، وقد تحول القرغيز إلى الإسلام في القرن الثامن عشر وأقاموا في السهول الفسيحة الممتدة جنوباً من تبلسك.
الطاجيك: يتركزون في الركن الجنوبي الشرقي من بحر قزوين ونهر أموداريا، واللغة الطاجيكية لغة فارسية.
التركمان: وهم مسلمون سنّة إلى جانب مجموعات من الشيعة.
الكازاخ: يعيشون في جمهورية كازاخستان، كما يعيش عدد منهم في تركستان الشرقية بالصين على الحدود السياسية لكازاخستان ولم يطلق على هذا الشعب لفظ الكازاخ إلا منذ القرن الحادي عشر حيث كانت تعني «راكبي الخيل».
وفي النصف الأول من القرن العشرين قام الروس بتقسيم جمهورية تركستان الغربية إلى وحدات إدارية أو جمهوريات على أساس قبلي أثنولوجي، وصاحب ذلك تهجير عناصر سلافية وغيرها إلى مناطق الجماعات التركية إثنولوجيا، ولم تعد أغلبية في الوحدات الإدارية التي أطلق عليها أسماء هذه الجماعات التركية. والتقسيم القبلي كان على النحو التالي:
جماعة الطاجيك، جماعة القيرغيز، جماعة الأوزبك، جماعة الكازاخ، جماعة التركمان وجماعة الكاراكلبك (أوزبكستان) وسيلي الجدول الذي يوضح الوزن النسبي لكل جماعة داخل التقسيم الإداري الذي يحمل اسمها.
المسلمون في اتحاد الجمهوريات السوفيتية
الاشتراكية السابق
دخلت روسيا، وما كانت تسيطر عليه من
أراض، عهداً جديداً في أعقاب نجاح «البلاشفة» (Bolsheviks)، بزعامة فلاديمير إيليتش أوليانوف، الشهير باسم «لينين» Vladimir Ilich Ulyanov في الاستيلاء على الحكم في نوفمبر 1917م)[265](، ثم أطلقوا على أنفسهم «الحزب الشيوعي الروسي».
| السكان الأصليين% | الأجناس المسلمون وغير المسلمون | |||||||||||
| الدولة | أوزبك | كازاخ | آذار | طاجيك | قيرغيز | تركمان | التركية% الأخرى | الأتراك % | روس | آخرين | إجمالي | |
| أوزبكستان
كازاخستان آذربيجان طاجيكستان قيرغيزستان تركمانستان |
69
4 ـ 22 11 8 |
4
40 ـ ـ ـ ـ |
ـ
ـ 78 ـ ـ ـ |
ـ
ـ ـ 59 ـ ـ |
ـ
ـ ـ ـ 52 ـ |
ـ
ـ ـ ـ ـ 68 |
14
1 5 1 1 1 |
87
45 83 82 64 77 |
8
37 8 10 22 13 |
5
18 9 8 14 10 |
13
55 17 18 36 13 |
100
100 100 100 100 100 |
خاضت روسيا غمار حرب أهلية (1918 ـ 1920م)، أسفرت عن منح روسيا الحكم الذاتي لجمهوريات، وأقاليم بداخلها، كان أولها بشكيريا، في مارس 1919م، وبعد ذلك تتاريا وغيرها… ثم جمهوريات وأقاليم إسلامية، وغير إسلامية حصلت كلها على الحكم الذاتي.
وبموجب اتفاقية 30 ديسمبر 1922 قام اتحاد الجمهوريات الروسية الاشتراكية، وهو الجمهورية المحورية، والكبرى في الكيان الدولي الجديد، الذي أطلق عليه «اتحاد الجمهوريات السوفيتية». وفي هذا الإطار ظهرت جمهوريتي أوزبكستان، وتركمانستان عام 1924م، وطاجيكستان عام 1929م، وكازاخستان وقرغيزيا عام 1936م. ومنذ هذا العام 1936م تم تقسيم القوقاز إلى جمهوريات مستقلة هي أرمينيا، وأذربيجان، وجورجيا، وأصبحت أبخازيا، والإظهار، وأوسيت أقاليم ذات حكم ذاتي.
وكانت جمهوريات القوقاز قد ظهرت كأمر واقع بالفعل منذ عام 1920م ومنذ ذلك التاريخ تم ضم أربعة أقاليم إلى أرمينيا هي: أزوزوم (أرض الروم)، وترابزون، وفان، وتبليس. وفي أخر عام 1992م أقطع إقليم « نخشيفان» من أرمينيا، وتم ضمه إلى آذربيجان ليصبح سبباً مستديماً للتوتر بينهما.
انهيار الاتحاد السوفيتي
عندما تولى الرئيس السوفيتي ميخائيل غورباتشوف السلطة في الاتحاد السوفيتي في آذار عام 1985م انتهج سياسة مختلفة تماماً عن سياسة أسلافه، وذلك عندما رفع شعار «البيروسترويكا» اذي يقوم على سياسة «الجلاسنوست» أي: إعادة البناء والمصارحة. وأحدثت سياسات غورباتشوف صدى سريعاً في دول أوروبا الشرقية التي أسقطت شعوبها الأنظمة الشيوعية وسار معظمها في طريق الانفتاح الاقتصادي على المعسكر الغربي، وتبنت سياسة اقتصاديات السوق، وتمت الوحدة الألمانية، وانهار حلف وارسو، في حين لم يتأثر الاتحاد السوفيتي نفسه كثيراً من سياسة المصارحة والمكاشفة إلا من بعض التغيرات المظهرية على حدّ قول بعض المحللين في الوقت الذي وافق فيه الرئيس غورباشوف على سحب وتدمير الأسلحة النووية المتمركزة في دول أوروبا الشرقية، وتقليص الترسانة الاستراتيجية السوفيتية إلى أدنى معدل لها في خطوات أجبرت الولايات المتحدة على انتهاج خطوات مماثلة تمثلت في المبادرة التي أعلنها الرئيس بوش لخفض ترسانة الولايات المتحدة في الأسلحة النووية. وعندما بدأت سياسة البيروسترويكا تأتي ثمارها في الاتحاد السوفيتي واتجه العديد من الجمهوريات (ليتوانيا ـ لاتفيا ـ أستونيا) للاستقلال جاء الانقلاب العسكري الفاشل ضد الرئيس السوفيتي غورباتشوف في 19 آب (1991م) احتجاجاً على هذه السياسة التي أدت من وجهة نظر قادة الانقلاب إلى تردي الأوضاع الاقصادية. تلا ذلك اعتراف معظم دول العالم باستقلال الجمهوريات الثلاث ليضطر الرئيس غورباتشوف إلى إعلان ذلك بعد أن عارض كثيراً عملية الانفصال. حاول الرئيس السوفيتي عقب ذلك إنقاذ الاتحاد السوفيتي من خطر التفكك، فدعا رؤساء الجمهوريات الاثنتي عشرة لعقد لقاء للتوصل إلى معاهدة جديدة للاتحاد تراعي الكونفدرالية أو الفيدرالية لدول مستقلة ذات سيادة يكون للسلطة المركزية بموسكو دور واضح فيها.
في الوقت الذي كان فيه الرئيس غورباتشوف يستعد لهذا اللقاء أعلنت جمهورية أوكرانيا عن إجراء استفتاء شعبي أسفر عن موافقة مواطنيها على الانفصال وتكوين دولة مستقلة رغم نداءات غورباتشوف لهم بالوحدة، واستغل الرئيس الروسي بوريس يلتسين هذا الوضع كحجة لعدم الموافقة على عقد معاهدة جديدة للاتحاد. هكذا جاء الكومنولث الجديد بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا وروسيا البيضاء لينهي «عملياً» وضع الاتحاد السوفيتي كدولة وليقضي على المستقبل السياسي للرئيس غورباتشوف. يرجع السبب في ذلك إلى أن الاتحاد السوفيتي كان يتكون من خمس عشرة جمهورية رئيسية، وبعد انفصال جمهوريات البلطيق الثلاث اقتصر الاتحاد السوفيتي على اثنتي عشرة جمهورية فقط هي: روسيا الاتحادية ـ أوكرانيا ـ روسيا البيضاء ـ جورجيا ـ أرمينيا ـ مولدافيا بالإضافة إلى ست جمهوريات إسلامية: كازاخستان ـ آذربيجان ـ أوزبكستان ـ قيرغيزيا ـ طاجيكستان ـ تركمانستان. وقبل الأحداث الأخيرة كان الاتحاد السوفيتي يملك نحو 30 ألف رأس نووي ما يعادل 54% من القدرة التدميرية لكل الرؤوس النووية في العالم ورغم ذلك فإن العجز الاقتصادي مقوماً بالسعر العالمي وصل إلى 40 مليار دولار والديون 84 مليار دولار، وأصبحت المجاعة واقعاً عملياً وخطراً يواجه شعوب الاتحاد السوفيتي مما دعا العديد من الدول إلى إعلان عزمها على إرسال معونات غذائية لموسكو لمواجهة فصل الشتاء القارس.
وفي الثامن من ديسمبر (1991م) أعلن رؤساء ثلاث جمهوريات سوفيتية في خطوة هامة وغير مسبوقة إنشاء كومنولث جديد ونهاية الاتحاد السوفيتي كدولة، واختيار مدينة «مينسيك» عاصمة روسيا البيضاء للكومنولث الجديد.
وجاء إعلان تشكيل الكومنولث الجديد من جانب رؤساء جمهوريات: روسيا الاتحادية وروسيا البيضاء وأوكرانيا؛ ليضع حداً للمحاولات التي كان يقوم بها الرئيس السوفيتي ميخائيل غورباتشوف لإيجاد تجمع جديد وصيغة جديدة للاتحاد السوفيتي في محاولة من جانبه للخروج من الأزمات التي يواجهها الاتحاد السوفيتي، خاصة الأزمة الاقتصادية التي لم يشهد لها مثيلاً من قبل. وعقب إعلان الكومنولث الجديد قدم الرئيس السوفيتي غورباتشوف استقالته من منصبه مع نهاية عام 1991م وبذلك انتهى رسمياً الاتحاد السوفيتي كدولة. وفي هذا الإطار أصدر رئيس جمهورية روسيا الاتحادية عدة قرارات استهدفت الاستيلاء على مبنى الكرملين والإذاعة والتليفزيون ووكالة المخابرات السوفيتية «الكي.جي.بي» وحل وزارة الخارجية السوفيتية وإنزال العلم السوفيتي الأحمر من فوق مبنى البرلمان السوفيتي السابق. وفي «آلما ـ آتا» عاصمة جمهورية كازاخستان اجتمع زعماء إحدى عشرة جمهورية، ووقعوا على اتفاقية جديدة تعلن قيام كومنولث جديد يضم الجمهوريات الإحدى عشر بما فيها الجمهوريات الثلاث المؤسسة للكومنولث، كما تم الاتفاق على إلغاء منصب رئيس الاتحاد السوفيتي.
الموارد البشرية
ينظر إلى الموارد البشرية اقتصادياً من زاويتين:
1 ـ زاوية الاستهلاك.
2 ـ زاوية الإنتاج.
فكل أفراد المجتمع يدخلون في فئة المستهلكين من الأطفال الرضع إلى الشيوخ، وهم يشكلون حجم الطلب الكلي من السلع والخدمات في أي مجتمع، وكذلك يشكلون هيكل الطلب على السلع والخدمات فالأطفال الرضع يحتاجون إلى الملابس والرضاعة والرعاية الصحية، بينما من هم في سن الشباب يحتاجون إلى التعليم، والرياضة وغيرها… بالإضافة إلى الطعام والرعاية الصحية، أما الشيوخ فاحتياجاتهم الصحية تتزايد وكذلك الرعاية الاجتماعية.
أما الفئة المنتجة في المجتمع فهي فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 سنة و65 سنة، وهم يشكلون قوة العمل في أي مجتمع، وهذا ما تأخذ به منظمة العمل الدولية.
وللتعرف على حجم الموارد البشرية، ومعدل نموها، وهيكل التركيب السكاني، وكذلك مستوى الخدمات الصحية والتعليمية المقدمة في الجمهوريات الإسلامية سنقسم هذا البحث إلى ما يلي:
أولاً: أعداد السكان فيما بين عامي (1983 ـ 1991م).
ثانياً: معدل النمو السنوي للسكان.
ثالثاً: هيكل التركيب العمري للسكان.
رابعاً: مستوى الخدمات التعليمية والصحية وأهم مؤشراتها.
أولاً: حجم السكان (عدد السكان) فيما بين عامي 1983 ـ 1991م.
لا يقتصر وجود المسلمين على البلدان الستة محل الدراسة، ولكن منهم أعداداً كبيرة تعيش في مناطق أخرى داخل أقاليم متعددة سواء في روسيا أو في الجمهوريات الأخرى، غير أنها لا تشكل أغلبية كبيرة في هذه المناطق، ومع ذلك فالأمر يستدعي أن يوجه الاهتمام إلى المسلمين في مختلف مناطق العالم سواء أكانوا أغلبية في بلادهم أو أكثرية.
ويشير الجدول رقم (10) إلى أعداد السكان للبلدان الستة على النحو التالي:
جدول رقم (10) أعداد السكان فيما بين عامي (1983 ـ 1991م) بالمليون نسمة
| السنة | آذربيجان | أوزباكستان | تركمانستان | طاجيكستان | كازخستان | قيرغيزستان | المجموع |
| 1983
1984 1985 1986 1987 1988 1989 1990 1991 النسبة المئوية |
6,45
6,56 6,66 6,76 6,87 6,98 7,07 7,15 7,22 12,3% |
17,27
17,74 18,23 18,76 19,30 9,74 20,11 20,53 20,86 35,6% |
3,08
3,15 3,23 3,32 3,41 3,49 3,58 3,67 3,75 6,4% |
4,30
4,43 4,57 4,72 4,87 5,03 5,18 5,30 5,42 9,2% |
15,55
15,74 15,93 16,14 16,36 16,50 16,61 16,74 16,90 28,8% |
3,86
3,94 4,01 4,09 4,17 4,25 4,33 4,39 4,49 7,7% |
50,51
51,56 52,63 53,73 54,98 55,99 56,89 57,78 58,74 100 |
ويستدل من الجدول السابق على ما يأتي:
1 ـ بلغ مجموع السكان للدول الست من المسلمين وغير المسلمين نحو 50,51 مليون نسمة وذلك في عام 1983 وقد شكل هذا العدد نحو خمس سكان الاتحاد السوفيتي السابق ثم أخذت هذه الأعداد في الزيادة عاماً بعد آخر حيث بلغ المجموع الكلي 58,74 مليون نسمة في عام 1991م أي بزيادة قدرها 8,23 مليون نسمة وبمتوسط سنوي قدره 1,03 مليون نسمة.
2 ـ تعتبر أوزبكستان من أكبر الدول الإسلامية من حيث مجموع السكان، إذ بلغ عدد سكانها نحو 21 مليون نسمة في عام 1991م وبنسبة 35,7%، تليها في الأهمية كازخستان وبلغ عدد سكانها في العام نفسه 16,74 مليون نسمة، وبنسبة 28,8%، بمعنى أن الدولتين شكلتا معاً 64,5%، أي ثلثي مجموع السكان، تليهما في الترتيب آذربيجان إذ بلغ عدد سكانها 7,22 مليون نسمة بنسبة 12,3%، وتعتبر كل من طاجيكستان وقرغيزستان وتركمانستان أصغرها من حيث العدد، وبلغت نسبتها إلى المجموع الكلي للسكان 9,2%، 6,4% على التوالي.
تفاوت معدل النمو السكاني لهذه الدول بشكل كبير وذلك خلال الفترة (1980 ـ 1991م) إذ تراوح معدل النمو السنوي بين (1,2%، 2,9%) لكل من: كازخستان، وطاجيكستان على التوالي أي إن الفارق بين أدنى معدل وأعلى معدل يعتبر كبيراً؛ لأن النمو في طاجيكستان يفوق ما هو سائد في كازخستان بأكثر من الضعفين.
أما في الدول الأخرى فإن معدل النمو السنوي عن نفس الفترة، فقد بلغ 1,5% في أوزبكستان، 1,9% في قرغيزستان، 2,5% في تركمانستان 2,6% في أوبكستان.
الكثافة السكانية:
تقاس الكثافة السكانية بخارج قسمة عدد السكان إلى المساحة الكلية للدولة، ويعكس هذا المؤشر درجة الإزدحام السكاني أو الخفة السكانية وعادة ما تتخذ هذه النسبة اتجاهاً متزايداً في غالبية دول العالم نظراً للنمو السكاني السنوي الموجب لهذه الدول. وهذا المؤشر لا يعتبر دقيقاً في أحيان كثيرة بل يعتبر في بعض الأحيان مؤشراً مضللاً؛ لأن هناك دولاً ذات كثافة سكانية منخفضة غير أن سكانها يتركزون في مساحات ضيقة، وبقية أراضيها غير مأهولة كما هو الحال في مصر.
يستدل من الجدول السابق على ما يلي:
جدول رقم (11)
| الدولة | المساحة | عدد السكان عام 1991م | الكثافة
نسمة/كم2 |
|
| ألف كيلو م2 | % | |||
| آذربيجان
أوزبكستان تركمانستان طاجيكستان كازاخستان قرغيزستان المجموع |
86,600
408,980 488,100 143,100 2717,300 196,840 4040,920 |
2,1
10,1 12,1 3,5 67,3 4,9 100 |
7,22
20,96 3,75 5,42 16,9 4,49 58,740 |
83,4
51,3 7,7 37,9 6,2 22,8 14,5 |
1 ـ بلغت الكثافة في المتوسط (مجموع البلدان الست) 14,5 نسمة/ كم2 أي إن الكثافة السكانية تعتبر منخفضة إذا ما قورنت بغيرها من مناطق العالم المختلفة فعلى مستوى العالم ككل تبلغ الكثافة السكانية 37 نسمة/ كلم2. كما تبلغ الكثافة 83 نسمة/ كلم2 على مستوى 40 بلداً من البلدان ذات الدخل المنخفض، 26 نسمة/ كلم2 على مستوى 22 بلداً من بلدان العالم ذات الدخل المرتفع.
2 ـ أن الكثافة السكانية تتباين بشكل كبير من بلد لآخر وتتراوح بين 6,2 نسمة/ كلم2 في كازاخستان، 84,4/كم2 في آذربيجان ويرجع ذلك إلى اتساع المساحة في الدولة الأولى اتساعاً كبيراً وضيق المساحة في الأخرى.
3 ـ يلاحظ وجود علاقة عكسية بين الكثافة السكانية ومساحة الدولة من جهة أخرى، إذ جاءت الكثافة السكانية مرتفعة في البلاد ذات المساحة الصغيرة والعكس صحيح.
ثالثاً: معدل النمو السنوي:
يعبر معدل النمو السنوي للسكان عن نسبة الزيادة السنوية في بلدنا كمحصلة لكل من معدلات المواليد ومعدلات الوفيات وصافي الهجرة الخارجية.
ويبين الجدول التالي رقم (12) تطورات معدل النمو السكاني للبلدان الإسلامية الستة محل الدراسة فيما بين عامي (1985 ـ 2000) كالآتي:
جدول رقم (12)
تطور معدلات النمو السنوي السكاني فيما بين عامي (1985 ـ 2000) (المعدل بالمائة)
| الدولة | الفترة الأولى
(1985 ـ 1990) |
الفترة الثانية
(1990 ـ 1995) |
الفترة الثالثة
(1995 ـ 2000) |
| آذربيجان
أوزبكستان تركمانستان طاجيكستان قازقستان قرغيزستان المتوسط العالمي الاقتصاديات عالية النمو في الداخل الاقتصاديات منخفضة النمو في الداخل |
1,39
2,53 2,46 2,93 1,10 1,91 1,75 0,64 2,05 |
1,07
2,06 2,36 2,63 0,85 1,58 1,65 0,64 1,190 |
1,15
2,05 1,93 2,57 0,96 1,74 1,51 0,51 1,71 |
ويمكن الاستدلال من الجدول السابق على ما يأتي)[266]):
1 ـ يتراوح معدل النمو السنوي بين 1,10%، 2,93% كحدين أدنى وأعلى لكل من كازاخستان وطاجيكستان على التوالي مما يستدل منه على أن معدل النمو السكاني في طاجيكستان عال جداً، ويبلغ نحو ثلاثة أضعاف نظيره في كازخستان.
2 ـ تشير معدلات النمو السكاني السائدة في الفترة الأولى إلى انقسام هذه الدول إلى مستويين من حيث معدل النمو كالآتي:
المستوى الأول: وهو يقل عن 2% وتقع في إطاره كل من: كازاخستان، وآذربيجان وقرغيزستان بنسبة 1,10%، 1,39%، 1,91% على التوالي.
المستوى الثاني: وهو يزيد عن 2% وتمثله كل من: تركمانستان وأوزبكستان، وطاجيكستان بالنسب التالية 2,46% 53، 2%، 2,93% للبلدان الثلاثة السابق ذكرها على التوالي.
وعلى ضوء التصنيف المذكور يتضح وجود فروق ملموسة في معدلات النمو بين المجموعتين السابقتين من الدول، غير أن هذه الفروق قد تقلصت نسبياً في الفترتين الثانية والثالثة.
3 ـ رغم وجود اتجاه عام نحو تناقص معدلات النمو السكاني في البلدان الستة فيما بين الفترتين الأولى والثالثة إلا أن هذا الاتجاه يتباين من بلد لآخر فيما يتعلق بالفترتين الثانية والثالثة، ونتيجة لما سبق فهناك ثلاث دول سيتزايد لديها معدل النمو السنوي فيما بين الفترتين الثانية والثالثة بدلاً من أن يتناقص، وهذه الدول هي: آذربيجان، وكازاخستان، وقرغيزستان، وتفسير ذلك تلاشي دور الهجرة الخارجية السالبة حيث ساهمت هذه الهجرة في خفض معدل النمو السكاني فيما بين الفترتين الأولى والثانية.
أما الدول الأخرى فهي أوزبكستان وتركمانستان، وطاجيكستان وقد حدث بها تناقص في معدل النمو السنوي فيما بين الفترتين الثانية والثالثة وذلك كنتيجة مباشرة للتناقص الكبير في معدلات المواليد لهذه الدول.
4 ـ يعتبر معدل النمو السنوي منخفضاً جداً في اقتصاديات البلدان ذات الدخل المرتفع حيث يتوقع أن يبلغ 51% فقط في الفترة الثالثة، في حين أن معدل النمو السنوي في البلدان ذات الدخل المنخفض يبلغ 1,71%.
رابعاً هيكل التركيب العمري:
يمكن تصنيف السكان عدة تصنيفات حسب الغرض والأهمية (سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً، ودينياً) وما يهمنا هو التصنيف حسب العمر وذلك لدلالته الاقتصادية.
هيكل التركيب العمري للسكان:
من أكثر التصنيفات العمرية شيوعاً حيث يتم بموجبه تقيم السكان إلى فئات عمرية ثلاث وهي: الأطفال، والبالغون والشيوخ.
جدول رقم (13) هيكل التركيب العمري للسكان في عام 1991 ـ 2025
| الدولة | 1991 | 2025 | ||||||
| آذربيجان
أوزباكستان تركمانستان طاجيكستان كازاخستان قيرغيزستان الدول مرتفعة الدخل الدول منخفضة الدخل |
أطفال%
33,1 41,6 41,3 44,9 31,6 38,2 19,7 4,35 |
بالغون%
60,1 53,9 54,2 50,2 62,4 55,6 67,1 60,4 |
شيوخ%
6,8 4,5 3,5 4,9 4,0 6,2 13,2 4,2 |
إجمالي
100 100 100 100 100 100 100 100 |
أطفال%
22,6 27,5 29,5 30,5 22,3 25,8 17,2 26,8 |
بالغون%
63,2 65,5 64,1 64,2 64,6 66,3 61,2 65,6 |
شيوخ%
14,1 7,0 6,4 5,3 13,1 7,1 21,6 7,6 |
إجمالي
100 100 100 100 100 100 100 100 |
جمهوريات تركستان)[267])
تقسم تركستان إلى الجمهوريات التالية:
1 ـ جمهورية كازاخستان.
2 ـ جمهورية أوزبكستان.
3 ـ جمهورية تركمانستان.
4 ـ جمهورية طاجكستان.
5 ـ جمهورية قيرغيزيا.
كازاخستان
تبلغ مساحتها 2717300 كيلومتر مربع، وهي تمتد من دلتا نهر الفولغا في الغرب إلى حدود الصين في الشرق، وتقع سيبيريا وروسيا في شمالها، أما في جنوبها فتوجد بقية جمهوريات تركستان هي تركمانستان وأوزبكستان وقيرغيزيا.
وتتألف أراضي كازاخستان من مرتفعات في الشرق، هي السفوح الشمالية لسلسلة جبال آلتاي في أقصى الشرق والتي تمتد نحو الغرب مكونة نجوداً واسعة في وسط البلاد تعرف باسم هضاب كازاخستان، وبين هاتين السلسلتين توجد مجموعة من البحيرات أكبرها بحيرة بلخاش، وتنخفض هذه الأراضي بالاتجاه نحو الغرب حتى تصل إلى مناطق صحراوية في الجنوب أما في الشمال فتوجد بحيرات عديدة أكبرها بحر أرال الذي يصب فيه نهرا سيحون وجيحون، وبعد بحر آرال تعود الأراضي للارتفاع تدريجياً حيث تكون نهاية جبال أورال فتتكون بعض الهضاب، ثم يعود الانخفاض باتجاه بحر قزوين، وقبل أن نصل إلى البحر المذكور نكون قد وصلنا إلى منطقة تنخفض عن سطح البحر. ويوجد في أقصى الشمال الشرقي سهول خصبة يجري فيها نهر أيرتيش أكبر روافد نهر ينيسي.
وتجري المياه من المرتفعات الجنوبية الشرقية فتتجه نحو بحيرة بلخاش، أو نحو بحر أرال على شكل روافد لنهر سيحون، وبعضها لا تستطيع مياهها القليلة أن تتابع مجراها لتصل إلى نهر سيحون أو بحر آرال، فتفيض مياهها في رمال الصحراء.
أما المياه التي تنحدر من المرتفعات الوسطى والشرقية، فإما أن تنحدر إلى الشمال لتشكل أنهاراً بعضها صغير والآخر كبير مثل نهر أرتيش لترفد كلها نهر أوب، وإما أن تنحدر نحو الجنوب لتصب في بحيرة بلخاش أو في البحيرات الصغيرة التي تقع شرق بحيرة بلخاش.
وهناك أنهار تنحدر من جبال أورال تتجه كلها نحو بحر قزوين أهمها نهر أورال ونهر أميا.
وأهم أنهار كازاخستان نهر سيحون الذي ينبع من جمهورية قيرغيزيا ثم يمر بجمهورية أوزبكستان ثم يدخل كازاخستان ويجري فيها مسافة طويلة وسط مناطق صحراوية فيؤلف شريطاً من الواحات فتكثر المدن على طول مجراه، ويستقر البشر وتقوم الحياة الحضارية وأخيراً يصب في بحر أرال في جزئه الشمالي، وتقوم مشاريع الري على هذا النهر.
وهناك نهر أرتيش الذي ينبغ من بلاد الصين بالقرب من حدود منغوليا ويدخل كازاخستان مشكلاً وادياً منخفضاً بين المرتفعات الشاهقة وتشكل بعض البحيرات في ذلك المجرى ثم يدخل منطقة سهلية وأخيراً يدخل سيبيريا وتأتيه روافد كثيرة أغلبها ينبع من هضاب كازاخستان وأخيراً يرفد نهر أوب الذي يصب في المحيط المتجمد الشمالي.
وهناك نهر أورال الذي ينبع من جبال أورال التي يأخذ اسمها ويكون في مجراه الأعلى ضمن الأراضي الروسية متجهاً نحو الغرب وتقع عليه مدينة أورينبرغ، ثم يدخل كازاخستان ويتجه نحو الجنوب ليصب في بحر قزوين.
تعتبر كازاخستان منطقة غنية في ثروتها الزراعية والحيوانية والمعدنية. ففي المناطق المرتفعة تكثر زراعة الفاكهة في الأودية حتى لتسمى المناطق التي جنوب بحيرة بلخاش بلاد التفاح (آلما اضا). كما تكثر زراعة الحبوب في المناطق المنخفضة ومع المشاريع الإروائية كثرت زراعة القطن، وأصبحت من المناطق التي تدر أرباحاً للاتحاد السوفيتي من خلال هذه الزراعة.
وكانت كازاخستان تقدم للاتحاد السوفياتي ثروة حيوانية ضخمة ويكثر الرعي في المناطق الجافة في فصل الشتاء، اما في الصيف فتحترق أعشاب المناطق المنخفضة بأشعة الشمس المحرقة ويسود فيها الجفاف، فينتقل الرعاة إلى الجبل، وهذا الانتجاع يتم في كل عام.
وتصطاد الأسماك من بحيرة بلخاش وبحر أرال وبحر قزوين.
وتفوق الثروة المعدنية كل ثروة أخرى، فتعتبر مخزن المعادن لكل ما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي وتعتبر كازاخستان الأولى في العالم بإنتاج الكروم كما أنها تقدم:
57,4 بالمئة من النحاس في الاتحاد السوفييتي و 49,8 بالمئة من التوتياء.
كما يوجد فيها ثروات كبيرة من الفحم والبترول والفضة، وأغلب هذه الثروات توجد في الهضاب الوسطى وأهم مناطق النحاس من بلخاش وكارزاكبي، وأهم مناطق الفحم من كاراغنده، ويوجد البترول حول نهر أمبتا.
وقد وصلت أكثر مناطق الثروة بخطوط حديدية.
وعاصمة جمهورية كازاخستان هي مدينة آلما اضا أي بلد التفاح وتقع في أقصى الجنوب الشرقي قريباً من حدود جمهورية قيرغيزيا في منطقة مرتفعة، عند رأس واد تتجمع فيه مياه تلك المرتفعات ليرفد نهر أوي الذي يصب في بحيرة بلخاش مشكلاً دلتا واسعة. ومنطقة آلما اضا ذات فاكهة كثيرة وخاصة التفاح وقد انتقل إليها مركز حكم المنطقة منذ عام 1937م. وتمر منها سكة حديدية تصلها مع بقية أجزاء كازاخستان ومع بقية جمهوريات تركستان كما تتصل بواسطتها مع روسيا وسيبيريا.
ومن المدن المهمة الأخرى كاراغنده في وسط كازاخستان العليا وتشتهر منطقتها بغناها بمناجم الفحم لذلك وصلت بخط حديدي لنقل منتجاتها كما تتصل بخط حديدي خاص بمدينة كرزاكبي حيث مناجم النحاس، وكذلك بمدينة بلخاش على بحيرة بلخاش الغنية أيضاً بغازات النحاس. ومدينة أوردا قزيل ومعناها المدينة الحمراء وكانت تسمى اكمشيت أي المسجد الأبيض وبقيت مركزاً لحكم كازاخستان مدة عامين 1925 ـ 1927م تقع على مجرى نهر سيحون الأدنى وتقوم زراعة القطن في ضواحيها وتتصل مع مدن الوادي بسكة حديدية حيث تصلها من طاشقند وبقية أجزاء تركستان الجنوبية، أما من الشمال فتصلها مع روسيا وبحر قزوين.
أوزبكستان
المساحة 447,000 كيلومتر مربع.
التركيبة السكانية
| 71,4
8,3 4,7 3,3 4,1 0,5 0,2 0,6 0,3 0,4 0,8 0,9 0,1 4,5 |
في المئة
في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة |
أوزبك
روس طاجيك تتر قزاق يهود ألمان تركمان أرمن أذريون أوكران قرغيز بلغار قوميات أخرى |
الغالبية مسلمون سنة على المذهب الحنفي، مع مجموعات شيعية في الأرياف وبعض المدن.
وصل الأوزبك المنطقة في القرن الرابع عشر ميلادي، وكانوا وثنيين، ولكنهم لم يلبثوا أن اعتنقوا الإسلام، واستطاعوا أن يؤسسوا لهم دولة في سمرقند، بسبب ضعف الإمارات التتارية التي قامت في المنطقة عقب نهاية تيمورلنك، ثم استطاعوا فتح مدينة بخارى عام (905هـ/ 1500م) ولكنهم احتفظوا بمدينة سمرقند عاصمة لهم.
تشترك جمهورية أوزبكستان في حدودها مع الجمهوريات التركستانية الأربع الأخرى كما تشترك مع أفغانستان. هذا الموقع وهذا العدد من السكان جعل دولاً قوية تقوم في هذه المنطقة، وقد فاقت هذه الدول مثيلاتها في المناطق الأخرى وأهمها دولة خوقند التي سقطت عام 1875م وإمارة بخارى وخانية خيوه اللتان استمرتا حتى بعد قيام الثورة الشيوعية، كانت سمرقند هي عاصمة هذه الجمهورية، ثم نقلت العاصمة إلى طاشقند عام 1930م.
تتألف أوزبكستان من منطقة جبلية في الجنوب الشرقي وتميل تدريجياً نحو الشمال الغربي حتى تصل إلى صحراء قزيل قرم ثم إلى سهل طوران الذي تتقاسمه مع كازاخستان، ثم منطقة كاراكالباكيا التي تقع جنوب وغرب بحر أرال، هذا بالإضافة إلى المنطقة الشرقية التي تعتبر أهم منطقة في الجمهورية من حيث السكان والثروة الزراعية والصناعية حتى أن أعظم المدن توجد فيها، وهي تتغلغل بين أراضي قيرغيزيا كما تدخل بين جمهوريتي طاجكستان وكازاخستان، وهي عبارة عن واد يجري فيه نهر سيحون وتحف به المرتفعات.
وتشمل المنطقة الشرقية وادي سيحون الأعلى الذي ينبع من مرتفعات فرغانة وأواسط قيرغيزيا، وتأتيه الروافد من نفس مرتفعات فرغانة، فيمر بشمال مدينة خوقند، ثم يدخل جمهورية طاجكستان ثم يعود مرة أخرى إلى أوزبكستان وتأتيه الروافد من مدن انغرن وطاشقند، وبعدها يدخل جمهورية كازاخستان.
أما نهر جيحون فيشكل الحدود بين أوزبكستان وأفغانستان مسافة 150كلم، ويدخل بعدها جمهورية تركمانستان، وبعد أن يسير فيها ما يقارب 600كلم يعود ليشكل الحدود بين أوزبكستان وتركمانستان، ثم يجري في أوزبكستان وسط سهل منبسط يمر في شرق مدينة خيوه ثم يصب في بحر أرال مشكلاً دلتا واسعة، ويجري نهر جيحون في منطقة صحراوية فيشكل واحة على طول مجراه.
وهناك نهر زرافشان الذي ينبع من جمهورية طاجكستان ويدخل فيها، ويتجه نحو الغرب، ثم نحو أوزبكستان قبل مدينة سمرقند فيمر فيها، ويتجه نحو الغرب ثم الجنوب الغربي حتى يصل مدينة بخارى حيث يأتيه رافد من الجنوب. وعندما يصل إلى بخارى يكون سيلاً يجري عقب الأمطار، وبعدها ينتجه نحو الغرب ليصب في نهر جيحون ولكن لا يصله إلا في بعض الأعوام التي تكثر فيها الأمطار.
كانت منطقة أوزبكستان شهيرة بزراعتها وماشيتها. فتكثر الفاكهة في الأودية والمناطق الشرقية بشكل عام، وكذلك على ضفاف نهر جيحون، كذلك تعرف زراعة الحبوب في سهل طوران، وسفوح الجبال وأكثر المناطق المروية، ولكن بدأت زراعة القطن تأخذ طريقها في الانتشار، فارتفعت نسبة هذه الزراعة وانخفضت زراعة الحبوب.
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية دخل المنطقة أكثر من مليوني لاجىء إثر الغزو الألماني للاتحاد السوفييتي فتوسعت أوزبكستان في زراعة الحبوب والشوندر السكري لتؤمن حاجة هؤلاء اللاجئين ولتعوض عما خسره الاتحاد السوفياتي من هذه المزروعات التي كانت تنتجها أوكرانيا التي غزاها الألمان واحتلوا أرضها.
وكذلك توسعت منطقة أوزبكستان في الصناعة.
ومن المدن الصناعية الهامة طاشقند وانغرن ولينسيك وقد أصبحت هذه المدن ذات طابع غربي تماماً، وهنا بعض المدن التي لا تزال تحافظ على الطابع الشرقي مثل أنديخان ومدينة نامانغن.
وتتصل أكثر المدن التي تقع في المنطقة الشرقية مع بعضها بخطوط حديدية كما تتصل أمهات المدن الأخرى.
وتضم أوزبكستان أكثر المدن المعروفة في التاريخ وأهمها:
طاشقند: وهي عاصمة الجمهورية وقد أصبحت العاصمة بعد نقلها من سمرقند عام 1930م.
وتقع طاشقند على نهر يرفد نهر سيحون كما أنها قريبة من حدود كازاخستان، وهي مركز إداري وثقافي، وتعتبر من أهم المراكز الصناعية.
سمرقند: ذات طابع شرقي وماض تاريخي حافل وكانت مركز بلاد الصغد، كما كانت عاصمة تيمورلنك. وتقع على نهر سيحون.
خيوه: تقع في منطقة سهلية غربي نهر جيحون، وفيها قامت دولة خوارزم الشهيرة كما قامت فيها إمارة حديثة استمرت حتى بعد الثورة الشيوعية وانتهت عام 1924م.
بخارى: تقع على نهر زرافشان عند التقائه برافده المنحدر من الجنوب فهى واحة تحيط بها الصحارى، وقد خربت عام (616هـ/ 1220م) على يد جنكيزخان ثم فتحها الأوزبك (905هـ/ 1500م) ولكنهم أبقوا سمرقند عاصمة لهم.
وتوثقت العلاقة بين دولة الأوزبك وبين قياصرة موسكو، وبهذا عرفت بخارى في روسيا، وكان الروس يطلقون اسم «بخارى» على كل التجار والمهاجرين من آسيا الوسطى مدة القرنين السابع عشر والثامن عشر، كما كانوا يسمون تركستان الصينية اسم بخارى الصغيرة. وحكمت بخارى أسرة أوزبكية تسمى بني منغيت واستمر حكمها حتى عام 1920م حيث هاجم الروس المدينة واضطر آخر أمرائها إلى الهجرة إلى أفغانستان حيث توفي 1944م.
غازلي: مدينة حديثة ظهرت في الخريطة في الأربعينات حيث اكتشفت هناك مكامن هامة من الغاز الطبيعي النقي، زهاء خمسمائة مليار متر مكعب، لا تتيح تقديم الوقود إلى الجمهورية فحسب، بل إلى مناطق البلاد الصناعية الأخرى. ووضعت تصاميم:
أولاً: تصميم أنبوب غاز من ألفي كيلومتر، (بخارى ـ الأورال) ثم أنبوب من ستة آلاف كيلومتر، (آسيا الوسطى ـ الوسط).
وفي العام 1960م أنتجت أوزبكستان خمسمائة مليون متر مكعب من الغاز. وفي العام 1970م تجاوز إنتاجها الاثنين والثلاثين ملياراً.
وعن أوزبكستان كتب (ب.بورين):
إن أوزبكستان بلاد ذات حضارة عريقة فمنذ قرون عديدة، نشأت مدن غنية في طرق القوافل. فيها هياكل وقصور رائعة، وما تزال باقية حتى اليوم دليلاً على ثقافة مهندسيها العالية ومهارتهم.
ومن أقدم المدن في أوزبكستان، حيث يقوم العديد من الآثار الهندسية، بخارى وسمرقند.
فبخارى المدينة: المتحف إذا صح التعبير، هي في عداد المدن النادرة في العالم التي تملك آثاراً من الفن الشعبي تعود تقريباً إلى جميع عصور التاريخ. هناك ما يزيد عن أربعمائة أثر من آثار الماضي، وضع أثمنها تحت حراسة الدولة، تلك هي ثروة بخارى وضواحيها. هذا وإن مقبرة السامانيين، التي أنشئت في أواخر القرن التاسع ومستهل القرن العاشر، هي أقدم الآثار هذه. وتنسب الأسطورة بناءها إلى الأمير إسماعيل من أسرة السامانيين المالكة الذين جعلوا بخارى عاصمة لهم. والمقبرة هي بناء متجانس كل التجانس، ذو حجم صغير نسبياً وتلبيس زخرفي من الآجر مختلف النقوش بحيث إنه يبدو كزينة غنية.
وفي العهد الأخير رممت المقبرة برمتها. وهي توجد الآن في روضة جميلة أنشئت حديثاً.
وبعد سقوط السامانيين، استولى الأمراء الأتراك على بخارى. هذا وإن مئذنة كاليان التي بنيت عام 1127هـ، وهي أكثر مآذن آسيا الوسطى ارتفاعاً، والتي ما تزال تهيمن اليوم على المدينة، هي أكثر آثار ذاك العصر إثارة للاهتمام.
إنها عبارة عن برج كبير يضيق في قسمه الأعلى بشكل مخروطي، تتوجه فيه أسطوانة لها 16 فتحة مقوسة. ويبلغ ارتفاعها أكثر من 46 متراً، ومحيطها في مستوى الأساس 33 متراً.
إن مئذنة كاليان هي أبرز بنايات الشرق الإسلامي. وهي ـ كمقبرة السامانيين ـ مبنية بالآجر، وتمتاز بزخرفتها، فمن أعلى البناية يطل المرء على مشهد رائع لضواحي بخارى. أما قاعدتها فيصل بينها وبين جامع كاليان جسر صغير. وقد بني الجامع هذا عام 1540 ـ 1541م، وهو من أفخم جوامع آسيا الوسطى وباحة هذا الجامع محاطة بدهاليز مسقوفة.
وتكمل المجموعة الهندسية هذه مدرسة (مير عرب) 1535 ـ 1536م والواقعة مقابل الجامع. وهنا توجد حالياً مدرسة تابعة للإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وكازاخستان.
وقد بنيت مدرسة مير عرب وجامع كاليان الكبير في عصر الأمراء الأزبكيين الذين استلموا زمام الحكم وجعلوا في بخارى عاصة دولة الشيبانيين. وللحقبة هذه عينها، يعود تاريخ بناء مدرسة كوكيلتاس (1568 ـ 1569م) أكبر مدارس آسيا الوسطى فهي تضم 160 غرفة عدا القاعات والمماشي. ولنذكر أثراً هندسياً طريفاً في هذه المدرسة الهندسية، تعني به قبابها المزخرفة المصنوعة من الرخام الأبيض. وثمة بركة من الماء كبيرة مبنية أمام المبنى تضفي عليه مزيداً من الروعة.
تجد الهندسة البخارية التقليدية آخر تعبير لها في مدرسة عبدالعزيز خان 1651 ـ 1652م. وكان البخاري محمد صالح تيمور، مهندس البلاط، هو الذي شيد البناية هذه، وقد حاول محمد صالح تيمور أن يضع في عمله أفضل تقاليد العصور السالفة، من فسيفساء منقوشة، ورسوم وأعمدة رخامية. وإن رخام السقوف المنقوش يعطي نوعاً من القباب المصغرة، والطاقات الصغيرة التي لها شكل نجمة. وقد جرت العادة على اعتبار هذه المدرسة كأثر غريب من آثار آسيا الوسطى.
ولا تقل سمرقند عن بخارى غنى بآثار الهندسة القديمة. ولكن أياً من أجمل آثارها الهندسية لا يمكن أن يقارن، من حيث الدقة والأناقة، وتنوع الأشكال، مجموعة القبور المعروفة باسم شاه السند (الملك الحي) وهي مجموعة مؤلفة من رواق مكشوف اصطفت القبور على جانبيه، وقد بني أقدمها عام 1336م.
هذا وإن مقبرة غور أمين التي تضمن جدث تيمورلنك وجدت شاه رخ واولوغ بك وغيرهم من التيموريين، هي إحدى روائع الهندسة وهي تتميز بدقة الأشكال. ويغطي قبتها المضلعة، التي رممت عام 1948م، رسم هندسي صنع بحجارة من الآجر صغيرة مربعة ذات ألوان صارخة.
والقسم الداخلي من المقبرة هو غني بصورة خاصة: حجارة مصقولة مختلفة الألوان، فسيفساء من الخزف، نقش على الجدران، ومطلي بالذهب، وأبواب دقيقة النقوش مصنوعة من خشب كراغاتش (أو لموس كامبيستريس) وخشب الدلب والجوز منزلة بالعاج وبقطع خشبية مختلفة الألوان. وفي منتصف بناء مقبب يوجد ضريح تيمور نفسه المبني من حجر النفريت الأخضر.
ولا تفوت زوار سمرقند مشاهدة الريغستان، وهو مجموعة هندسية رائعة، أنشئت خلال قرنين، وتتكون من ثلاث مدارس كبيرة.
شيد أقدم هذه المدارس في القرن الرابع عشر الفلكي المشهور أولغ بك حفيد تيمور وقد بنيت جدرانها من الآجر. وفي زوايا البناية الأربع يوجد مآذن مائلة يبلغ انحناؤها خمس درجات.
هذا وتحتفظ ألوان الفسيفساء المصنوعة من الآجر والتي تزين واجهة البناية والمآذن، بكل روعتها، مع أنه مضى 500 عام على بنائها. والواجهة مغطاة الآن بالصقلات الخشبية: وتقوم أعمال الترميم على قدم وساق.
إن مدرسة شيردور (1636م) الموجودة مقابل مدرسة أولوغ بك تقصر عن هذه المدرسة من حيث الرسم وألوان التزيين، بيد أن لها فتنتها أيضاً.
وتوجد بين هاتين المدرستين مدرسة ثالثة، أخيرة في المجموعة، هي مدرسة تيلا كاري، التي بدىء بها عام 1646م، والتي لم يكمل بناؤها.
ويوجد في سمرقند أيضاً أثر جليل آخر، بقايا مرصد العالم الشهير ورجل الدولة الأوزبكية أولوغ بك (القرن الخامس عشر). وقد تم هنا عام 1948م اكشاف ميناء كبير وبقايا أدوات فلكية أخرى. وفي مرصد أولوغ بك، ألف أحد أدق الجداول الكوكبية في العصر الوسيط.
ب.بورين
تركمانستان
تبلغ مساحة تركمانستان 488100 كيلومتر مربع، أكثر أراضيها صحراوية، حيث تشمل صحراء قره قرم تسعة أعشار الجمهورية، والقسم الباقي هو الذي يقع في جنوب المنطقة وتهطل عليه بعض الأمطار المتوسطة في فصل الشتاء، وذلك لارتفاعه. ورغم أن المنطقة تقع على ساحل بحر قزوين إلا أن ذلك لا يؤثر على مناخها إلا قليلاً من الرطوبة التي لا تتعدى الساحل وذلك لأن البحر مغلق وصغير، ولانخفاضه عن سطح البحر، وترتفع غربه الجبال بينما تنخفض أراضي بلاد التركمان في شرقه.
والمنطقة الجنوبية المرتفعة هي السفوح الشمالية لمرتفعات إيران وأفغانستان وهي المنطقة الآهلة بالسكان، إضافة إلى الواحة التي يؤلفها نهر جيحون عند مروره من البلاد.
استولى الروس على القسم الأكبر من البلاد إثر الحرب التركمانية 1879 ـ 1880م ولكن جنوب شرق البلاد لم يخضع للروس حتى عام 1884م بما في ذلك مرو التي دافع عنها التركمان دفاعاً مستميتاً.
وأهم مدن تركمانستان هي عشق آباد وتقع جنوب البلاد، قريبة من الحدود الإيرانية، وتقع على الخط الحديدي الذي يصل ميناء كراز لوفودسك بمدينة مرو ومنها إلى بخارى.
ومدينة مرو تقع أيضاً في الجنوب في شرق الأولى وتتصل معها بالسكة الحديدية، وهي ذات موقع ممتاز عند انفتاح الصحراء، ويرويها نهر مور كاب.
وأيام الحكم الإسلامي كنت مركز خراسان ومقر واليها.
كراز نوفودسك: الميناء المهم في الجمهورية، وتقع على ساح بحر قزوين وهذه المدينة بداية الخط الحديدي الذي يجتاز البلاد، ونهاية قناة تركمانيا الرئيسية التي تصل نهر جيحون في مجراه الأدنى في جمهورية أوزبكستان مع بحر قزوين.
قيرغيزيا
منطقة جبلية بمعظمها، تبلغ مساحتها 198500 كيلومتر مربع.
تتألف من سلسلتين جبليتين شمالية وجنوبية وبينهما منطقة من الهضاب تتجمع فيها المياه فتشكل في الشمال الشرقي بحيرات واسعة عديدة، بينما يجري في القسم الغربي سيحون. وهو ينبع من شرق البلاد ويستمر في جريانه حتى الغرب حيث نهر نارين وهو المجرى الأعلى لنهر يدخل جمهورية أوزبكستان، وتأتيه الروافد من جانبيه.
وتقترب السلسلتان من بعضهما في الغرب مكونة مرتفعات فرغانة.
وتجود الزراعة في قيرغيزيا فهناك القطن والشوندر السكري والحبوب إضافة إلى الفاكهة التي تكثر في الأودية وخاصة فرغانة. كذلك اكتشفت مكامن الذهب والقصدير وجرى تنظيم مكثفات الرصاص والتوتياء، وتعمل مقالع للفحم الحجري واستثمارات بترولية، كما تعتبر قيرغيزيا من أكبر منتجي الزئبق والانتيموان.
ولا تصل الخطوط الحديدية إلى قيرغيزيا إلا مسافة قليلة تصل إلى قروزني العاصمة في الشمال، وما عداها فطرق سيارات، وذلك بسبب طبيعة البلاد الجبلية.
ويصف أحد الكتَّاب قيرغيزيا بما يلي:
في هذا القطر الكثير من الجبال. وهي جميعاً عالية جداً. عندما يجف العشب في الهضاب في الصيف ترقى قطعان الضأن الدروب الوعرة وتأبى العنوز العجلى البقاء في المؤخرة. وتقطع الأبقار الطريق. هناك، على مقربة من السحب، تبدأ المروج الخضراء هي أشبه بمغطس كبير. يستحمون فيها طول النهار. على شواطئها الكثير من المخيمات للأطفال ودور الراحة والمصحات. يأتي الأطفال إليها ليرتاحوا والراشدون ليتعالجوا.
ويأتي الناس للإعجاب بالبحيرات والجبال، وبمدن هذه الجمهورية كذلك. قروزني، عاصمة قيرغيزيا، هي مدينة الحور والطلح. عندما يزهر الحور والطلح في الربيع يفوح أريجها في كل مكان. في مصانع العتاد الزراعي وفي المصانع التي تنتج كل أنواع الأدوات الدقيقة.
حيث العشب طيب لذيذ وحيث الزهور خارقة الجمال ساطعة الألوان.
منذ قرون تنعكس هذه المروج وهذه الغابات وهذه الجبال والسماء في إيسيك ـ كول، البحيرة الكبرى الجبلية العالية إنها بديعة جداً وكبيرة جداً. ماؤها صاف. ويقال إن من يشاهد صورته في هذه البحيرة ينعم بالصحة والعافية. وهذا صحيح لأن إيسيك ـ كول طبيب جيد. الجبال باردة والبحيرة دافئة.
أنت ترى من النافذة المعالم الوردية من معالم الجبال التي تغطيها الزهور. في الماضي كان صعباً جداً أن تتسنمها. دروب وعرة كانت توصل إلى هناك، نحو الزهور والشمس.
الآن تخترق طرق معبدة سلاسل الجبال العالية والشعاب، وهي تمر في أنفاق مثقوبة، على ارتفاعات لا يبلغها إلا النسور، كل جبل يكاد يخفي كنزاً من الفحم والفلزات والزئبق والإثمد.
طاجسكتان
أصغر جمهورية في آسيا الوسطى حيث تبلغ مساحتها: 143,000 كيلومتر مربع.
التركيبة السكانية
| 62,3
23,5 7,6 1,6 1,3 0,3 0,6 0,8 0,1 0,4 0,2 0,1 0,1 |
في المئة
في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة في المئة |
طاجيك
أوزبك روس تتر قرغيز يهود ألمان أوكران بلغار تركمان قزاق أذريون قوميات أخرى |
وقبل قيام الثورة الروسية لم يكن لطاجسكتان كيان مستقل إذ كانت المناطق الشمالية من الجمهورية من أعمال ولاية تركستان في روسيا، والمناطق الأخرى من أعمال إمارة بخارى. وقد منح الطاجكيون حق تقرير المصير بما في ذلك إقامة دولتهم لأول مرة بموجب «بيان حقوق شعوب روسيا» الصادر في 8 تشرين الأول العام 1917م على أن التنفيذ تأخر حتى سنة 1924م حيث قامت جمهوريتا أوزبكستان وتركمانيا ومنحت طاجسكتان حقوق الحكم الذاتي ضمن جمهورية أوزبكستان وفي العام 1929م عادت طاجكستان جمهورية ضمن الاتحاد السوفياتي.
أكثر من نصف مساحة طاجكستان تشغله هضبة بامير وتحتل الجزء الجنوبي والشرقي من البلاد، ومنها تتوزع السلاسل الجبلية الشاهقة. أما القسم الشمالي فتشغله سلسلة جبال آلاي، ويعتبر الجزء الجنوبي الغربي هو المنخفض نسبياً، كما تدخل أراضيها في أوزبكستان لتحتل جزءاً من وادي نهر سيحون غربي مدينة خوقند. ومن هضبة بامير وجبال آلاي تنحدر مياه كثيرة تتجه كلها نحو نهر جيحون الذي يشكل الحدود الجنوبية مع أفغانستان ويدور معها.
ويجتاز السكة الحديدية الوادي الشمالي من أوزبكستان وإليها. كذلك تسير سكة حديدية في الجنوب الغربي.
ويصف أحد الكتّاب طاجسكتان بما يلي:
«سقف العالم» تسمى جبال بامير العالية في طاجسكتان، الجمهورية السوفياتية في آسيا الوسطى. قلة هم الذين بلغوا قممها، لأن هذه القمم مستحيلة المنال أو تكاد. عليك أن تحسن التعلق كالهرة. لذا أنت لا تكاد تلقى في أعالي البامير، أحداً أو شيئاً.
لا شجر ولا زهر. فالشجر والزهر بحاجة إلى تراب. والتراب غير موجود. هناك بالمقابل ثلج كثير. جبال كبرى تعتمر قبعات من الثلج. يسود برد قارس في الأعالي وبقدر ما تهبط يلطف الجو. فترى العشب ثم الغابات وأدغال البندق. وإلى أسفل الثمار، الطقس دافىء جداً هنا ..
ويذوب الثلج من الحر. ويتحول سيل من الثلج الذائب إلى نهر. ويروي النهر الأزاهر والأشجار ابرة الراعي والورود… والكرمة والمشمش.
أنهار باردة عارمة تهدر بين المروج والوديان.
قرر الناس ترويضها. إنهم يبنون سدوداً في الجبال. ينسفون الصخور ويعترضون الأنهر بجدران من الباطون. وفيها الآن سد عال على السيرداريا.
يزرع الطاجيكيون القطن وينتجون الصوف في الجبال، والفحم والرصاص ومعادن أخرى في المناجم.. وفي دوشنبه، عاصمة طاجكستان يصنعون أعتدة للصناعة البترولية والمحطات الكهربائية وينسجون: في هذه المدينة مجمع قطنيات كبيرة.
أثر اللغة العربية في اللغة الطاجيكية
ونترك الكلام هنا للدكتور حسين علي محفوظ:
سافرت إلى تاجيكستان)[268]) صيف 1961م، فلبثت في ديارها ستة عشر يوماً، أمضيت طائفة منها في مدينة «ستاليناباد»)[269])، وأياماً في «يخته آباد» و«اب كرم» و«ورزاب».
ثم غادرتها إلى أزبكستان)[270]) فأقمت بها عشرة أيام، زرت في أثنائها «طاشقند»)[271]) و«سمرقند» و«بخارى».
ولقد أتيح لي هناك تتبع اللغة الطاجيكية، وملاحظة الآداب والأخلاق والعادات.
إن اتصال العرب بالمشرق ـ ولا سيّما «بلاد إيران» ـ قديم جداً، وعلاقة العربية بالفارسية أمر ربما أعجزتنا معرفة أوليته، وتجاور العرب والفرس شيء معرق لا يكاد يبلغ الوهم بدايته. وقد برز تأثيره في اللغة، وظهرت آثاره في العادات، ولقد جاوزهما فتوغل في الأنساب، فاختلط الناس، وتداخلت الآداب، واشتبكت الألسنة. وكان بين العربية والفارسية من التأثير والتأثر ما لعلنا لا نطمع أن نجد مثله في أيما لغتين أخريين. وما زالت بقية ذلك الاختلاط والتداخل والاشتباك واضحة في اللغتين، وهي علامة تلك الصلة العادية المستمرة، ومن معالمها القديمة الـ«هزوارش»)[272]) الموجود في اللغة البهلوية.
وفي العامية العراقية ـ مثلاً ـ كثير من الكلمات التي نسيها الإيرانيون ككلمة «وفر» وهي الصورة الأفستية لكلمة «برف» أي الثلج.
والوفر مستعمل في الآداب العربية ـ أيضاً ـ إذ ورد في كتاب الحوادث الجامعة)[273])، وفي مرآة الزمان، وغيرهما. وأمثاله لا يحصيها عداد.
وفي العربية كلمات لم يستطع علماء اللغة إدراك أعجمية أصولها (وهي فارسية) مثل: «شخت» و«سخت» أي الشديد، الخالص الصلب و«الفيلم» أي الرجل العظيم، والعظيم الجثة، التي رويت بصورة «فيلماني»، و«بيلماني» التي توشك أن تقارب أصلها الفارسي. وفارسيتها «فيل مان» أو «فيل مانند» أي شبيه الفيل.
وكذلك الـ«فيلكون» أي الغليظة، في صفة القوس:
فكائن كسرت من هتوف مرنة
من السدر كانت فيلكون المعابل
و«بنك» أي «أصل»)[274])، وفارسيتها «بن»)[275]).
ثم أتى الإسلام، ودخل الناس في دين اللَّه أفواجاً، وآمنوا به، وتعلموا القرآن، وحفظوه، وقرؤوه، وكرروا ألفاظه، وتمثلوا حكمه، واستعملوا أمثاله، وترجموا آياته وعنوا بالحديث، فتأثرت بهما محاوراتهم ومحاضراتهم. واهتموا بالأدب واللغة والشعر، مقدمة لدرس القرآن، وإنعاماً في التدين، وتقرباً إلى الدولة. فكان منهم أشياخ العلم، وأعمدة الأدب، وأساطين اللغة، وفحولة الشعر.
وانتشرت مدارس الأدب العربي في إيران، حتى عدّ حفظ معلقة امرىء القيس، وشعر المتنبي من شروط التأدب.
فلا يعجب أحد إذا كان الزوزني من أوائل شراح المعلقات، وأن يشغل المتنبي إيران كما شغل بلاد العرب، فقد لاحظته عناية الإيرانيين، فوصل ديوانه ـ في زمانه ـ إلى بخارى، وخوارزم، وبست، حتى قال الرشيد الوطواط: «إن جميع شعراء الإسلام من العرب والعجم عيال عليه»)[276]).
وليس عجيباً أن نلمح معانيه في شعر الأمير أبي الحسن علي بن الياس الأغاجي البخاري، المعاصر للشاعر الدقيقي، وأن نظفر بمآخذه منه وإن مات قبله بربع قرن.
من أجل ذلك أرى أن النقاد الإيرانيين لا يستغنون عن الأدب العربي، ولا سيّما «القرآن» لتصحيح المتون الفارسية، وحسن فهم آدابها.
ولو عرف الأفاضل الطاجيكيون مثلاً ـ إن الرودكي نظم:
زامده شاد مان نبايد بود
وزكذشته نكرد بايد ياد
معنى الآية 23 من سورة الحديد: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} ما غلطوا في استرجاع ضبط البيت الذي نشر في طبعة ستاليناباد، هكذا:
زامده شاد مان ببياد بود
وقال محقق ديوان الرودكي ـ أيضاً ـ في تعليقاته، عند قول الشاعر:
برخ هزار زهره ثامور برشكفت
ايدون زباغ قطره شبنم نيافتم
«إن تصحيح البيت عسير غير ممكن» ولا أدري لعله راجع لمعجمات فلم يظفر بلفظ «ثامور» ومن لم يتصفح المعاجم العربية كلها ـ وهو ما أمضيت فيه طرفاً من عمري. فليس هيناً أن يعثر بما يهديه الوجه. والصحيح «تامور» من مادة «أم ر». ومعناه: «الوعاء والنفس. والقلب، وحبته وحياته ودمه، والدم، والزعفران، والولد، ووعاؤه، والماء، والإبريق والحقة» وإنما أراد «الجنبذ».
ثم لا بدّ من قراءة البيت بلا إضافة هزار زهره، تامور برشكفت.
تأثير العربية في الطاجيكية
أما تأثير العربية في الطاجيكية، فأمر عجاب مدهش، وهو آية اختلاط الأمتين الشديد قديماً وحديثاً. ولقد غطى تغير الحروف الطاجيكية ـ التي استعمل أهلها الحروف العربية الإسلامية حتى حين، إذا استبدلوا بها الحروف الروسية ـ فلا أنكر على الباحثين الطاجيكيين أن تغم عليهم أصول ذلك التأثير والتأثر، عدا عن الأدباء العرب)[277]).
سمعت محاورات الناس ـ إبان إقامتي بتاجيكستان ـ ثم تصفحت «المعجم الطاجيكي الكبير» وقرأت كل ما وصل إلى مما صنفه التاجيكيون في الأدب واللغة والتاريخ، وأمعنت النظر في دواوين الشعر القديمة والمحدثة.
أما المعجم الطاجيكي الجديد، فمجموعة ألفاظه نحو من أربعين ألف كلمة لعل «4729» منها من الجديد، الذي دخل في المعجم بعد اتصال اللغة الطاجيكية الأخير باللغة الروسية ـ ويحتوي على جملة من الكلمات العالمية، وطرف من الروسية، وألفاف من الألفاظ العامية المستعملة في القرى والرساتيق، زد عليها حكايات الأصوات ـ وسائرها ما كان موجوداً في اللغة قبل تغيير الحروف. وعدته زهاء «25722» من الألفاظ والتراكيب والاصطلاحات المستعملة في المحاورة والكتب. وهو يتألف من شعبتين»:
1 ـ الألفاظ الطاجيكية، وعدتها «13549».
2 ـ الكلمات العربية، ومجموعها «11722» وهي نوعان: المفردة، والمركبة الملمعة من العربية والطاجيكية، وغير الملمعة، فنصيب العربية النصف تقريباً.
وإحصاؤها بحسب الحروف:
الألف 1210 كلمة
الباء 1006 كلمة
الباء الفارسية 135 كلمة
التاء 736 كلمة
الثاء 53 كلمة
الجيم 289 كلمة
الجيم 31 كلمة
الحاء 435 كلمة
الخاء 467 كلمة
الدال 323 كلمة
الذال 39 كلمة
الراء 306 كلمة
الزاي 106 كلمة
السين 512 كلمة
الشين 328 كلمة
الصاد 404 كلمة
الضاد 74 كلمة
الطاء 176 كلمة
الظاء 36 كلمة
العين 634 كلمة
الغين 371 كلمة
الفاء 310 كلمة
القاف 370 كلمة
الكاف 242 كلمة
الكاف الفارسية 28 كلمة
اللام 121 كلمة
الميم 1835 كلمة
النون 674 كلمة
الهاء 205 كلمة
الواو 200 كلمة
الياء 66 كلمة
المجموع 11722
وقد أصاب الألفاظ العربية «المعجمة» المستعملة في الطاجيكية من التغيير في المعاني والمباني والأصوات ما أصاب الكلام المعرب في لغتنا من تصرف.
ومن آثار العربية الباقية في اللغة الطاجيكية:
ـ 1 ـ
ربما استطعت تصنيف التراكيب العربية أقساماً، هي:
1 ـ الجمل والمركبات الإسنادية، مثل:
أستغفر اللَّه.
بارك اللَّه.
2 ـ الجمل الناقصة، وأشباه الجمل. مثل:
إن شاء اللَّه.
على حده.
بين الملل.
في الحال.
3 ـ التراكيب الإضافية، مثل:
عكس الحركة.
4 ـ التراكيب المزجية «النعتية» مثل:
ثابت قدم.
قديم نسل.
فارغ بال.
كامل حقوق.
5 ـ التراكيب النسقية مثل:
حسن وجمال.
عدل وإنصاف.
ومن التراكيب العربية الكثيرة، المركبات المؤلفة من: «الباء» بلا، دار، صاحب، عموم، غير، لا» وكلمات أخرى.
فقد ركبت:
(ب) مع 12 كلمة معرفة باللام.
(بلا) مع 12 كلمة أيضاً.
(دار) مع 19 كلمة.
(صاحب) مع 5 كلمات.
(عموم) مع 10 كلمات.
(غير) مع 70 كلمة.
(لا) مع 15 كلمة.
ـ 2 ـ
التراكيب الملمعة
أما التراكيب العربية والطاجيكية «الملمعة» فهي ضربان:
الأول: المركبات الملمعة من كلمتين عربية وطاجيكية، وهي نوعان:
أ ـ المركبات التي أول جزأيها عربي، وهي:
تهمت ـ مع 10 كلمات طاجيكية.
جمع ـ مع 6 كلمات.
حاصل ـ مع 11 كلمة.
حق ـ مع 7 كلمات.
خاطر ـ مع 9 كلمات.
خبر ـ مع 9 كلمات أيضاً.
فائدة ـ مع 10 كلمات.
ب ـ المركبات التي ثانيها عربي. فقد ركبت:
كتاب ـ مع 8 كلمات.
منفعت ـ مع 7 كلمات.
نشئه ـ مع 8 كلمات.
نظر ـ مع 7 كلمات.
نقش ـ مع 11 كلمة.
هوا ـ مع 9 كلمات.
بـ([278]) ـ مع 199 كلمة.
بد([279]) ـ مع 37 كلمة.
بر([280]) ـ مع 14 كلمة.
برابر([281]) ـ مع 6 كلمات.
بلند([282]) ـ مع 8 كلمات.
بي([283]) ـ مع 297 كلمة.
بر([284]) ـ مع 77 كلمة.
بريشان([285]) ـ مع 5 كلمات.
بست([286]) ـ مع 4 كلمات.
بيش([287]) ـ مع 9 كلمات.
جار([288]) ـ مع 12 كلمة.
خام([289]) ـ مع 5 كلمات.
خود([290]) ـ مع 18 كلمة.
خوش([291]) ـ مع 35 كلمة.
دراز([292]) ـ مع 7 كلمات.
دل([293]) ـ مع 6 كلمات.
دو([294]) ـ مع 13 كلمة.
سبك([295]) ـ مع 10 كلمات.
سر([296]) ـ مع 30 كلمة.
سير([297]) ـ مع 46 كلمة.
فرخ([298]) ـ مع 8 كلمات.
كم([299]) ـ مع 49 كلمة.
نا([300]) ـ مع 95 كلمة.
نازك([301]) ـ مع 8 كلمات.
نو([302]) ـ مع 8 كلمات.
نيك([303]) ـ مع 9 كلمات.
نيم([304]) ـ مع 27 كلمة.
هر([305]) ـ مع 7 كلمات.
هم([306]) ـ مع 49 كلمة.
يك ـ مع 22 كلمة.
الثاني: الكلمات العربية المزيد فيها (الكواسع) الطاجيكية وهذه الكواسع: نوعان:
أ ـ الكواسع الفعلية، والاسمية مثل:
آميز، آور، أورى، شونده، كار، كارانه، كارم، كننده، كنى.
ب ـ الكواسع الحرفية مثل:
انه، جى، سا، فام، كار، كر ـ كون، كى، كين، مند، ناك، وار، ي.
ـ 3 ـ
التراكيب المترادفة
ومن التراكيب العجيبة في اللغة الطاجيكية، المركبات الملمعة من اللفظ العربي ومترادفه الطاجيكي، منسوقاً، أو مضافاً، أو ممزوجاً، ومعناهما مفرد. مثل:
استراحت ودمكيري:
باد وهوا.
بيشرفت وترقى.
تازه وصاف.
تفاوت وماندني.
جنك وجدال([307]).
حيله ونيرنك.
خويش وقريب.
زهر قاتل.
عطر كل.
علف سبزى.
عهد وبيمان.
قد وبر.
قوم وخويش.
قيد وبند.
كوشش ومحنت.
كشت وسير.
كوشت لحم.
كياه وعلف.
مار أفعى.
مرخصى ودمكيري.
نقش ونكار.
ومركبات من ألفاظ عربية مترادفة ومعناها مفرد:
أستادى ومهارت.
أشراف وأعيان.
أطراف وجوانب.
أمن وأمان.
أهل عايله.
أهل وعيال.
جهد وجد.
حال طرز.
حساب وكتاب.
حرب وضرب.
حسن وجمال.
ذوق وعشق.
صفت وخاصيت.
ضبط وقيد.
عجيب وغريب.
عدل وإنصاف.
عرف وعادت.
عكس صدا.
عيش وطرب.
غم وغصه.
غم وكلفت.
قابليت واستعداد.
قدر وقيمت.
قضاء وقدر.
مال وملك.
معلومات واستفسار.
هرج ومرج.
هزل ومزاح.
ـ 4 ـ
التراكيب المضادة
وهي مركبات من ألفاظ عربية متضادة مثل:
حاضر غايب.
عرض وطول.
مد وجزر.
أو، من لفظين عربي وآخر طاجيكي، متضادين. مثل: يار وأغيار.
ـ 5 ـ
النسب
حروف النسب في اللغة الطاجيكية ثلاثة أقسام، فارسية، وأزبكية، وعربية:
فمن معالم الإضافة «النسب» العربية في اللغة الطاجيكية 46 كلمة عربية ينسب إليها بالواو والياء هي:
ادارة وى.
بيضوي.
تجربوي، تربيوي، ترجميه وى.
ثانيوى.
خاتموى، خلاصوى.
دنياوى.
زمانوى.
سالوى.
شوروى.
صحنوى.
عاموى، عائلوى، عنعنوى.
غايوى.
فاجعوى.
قبيلوى.
كسبوى، كنايوى.
لايحه وى، لهجوى.
ماليوى، مباحثوى، مبادلوى، مبالغوى، مدافعوى، مستملكوى، معالجوى، معده وى، معنوى، مقايسوى، مقدموى، مناظروى، مؤسسوي، موسيقوى، نتيجوى، نظريوى.
وقد نسبوا ـ بنفى الأسلوب ـ كلمات طاجيكية ـ أيضاً ـ مثل:
آذو قوى.
قاقشوى.
افاسنوى.
نمونه وى.
داودوى.
هنكاموى.
كما نسبوا إلى كلمات روسية وأجنبية كذلك، مثل:
أيديه وى.
دراموى.
بارتيه وى.
ريسبو بلكه وى.
ساويه وى.
براكراموي.
ميليئار أتيوى.
ـ 6 ـ
المصدر الصناعي
وفي اللغة الطاجيكية من هذا النمط 102 كلمة، هي:
آدميت، اجتماعيت، احتماليت، اذيت، ارثيت، استقلاليت، اسلاميت ـ أصليت، اقليت، اكثريت، امكانيت، امنيت، انسانيت، اصليت، اهميت.
بدويت، بديعيت، بشريت.
سببيت، تابعيت، تبعيت، تماميت.
شخصانيت، شخصيت، شعريت.
جاهليت، جديت، جمعيت، جمهوريت، صميميت.
حاكميت، حريت، حساسيت، حيوانيت، ضروريت، خاصيت، خيريت عصبيت، عموميت عينيت، دائميت، دوريت، غالبيت، غلاميت، رسميت، رعيت، رفاهيت.
فرديت، فطريت، فوقيت.
زوجيت قابليت، قانونيت، قبضيت، قديسيت، قيوميت، كراهيت لازميت، لزوميت، مالكيت، مأموريت، ماهيت، متوازيت، مجبوريت، مجموعيت، مجوسيت، مهوليت، محبوبيبت، محروميت، محزوميت، محسوسيت، محكوميت مختاريت، مخدوميت، مدنيت، مديريت، مساويت، مستقليت، مسؤوليت، مشغوليت، مطابقيت، مطلقيت، مظفريت، مظلوميت، مغروريت، مغلوبيت، مقابليت، مكمليت، ملكيت، مليت، ممنونيت موجوديت، موفقيت.
نفسانيت، واقعيت، وحشانيت، وضعيت، هويت، يهوديت.
وإذا وجدنا في إيران عشرات من الألفاظ الفارسية المختومة بـ«يت» قياساً على «المصدر الصناعي» العربي، فليس في الطاجيكي إلا:
راهبريت.
رهبريت.
واستعمال المصدر الصناعي وأشباهه قليل جداً في الأدب الطاجيكي القديم فالمستعمل في الدواوين المعروفة:
آدميت، انسانيت.
جمعيت، حميت.
خاصيت، قابليت.
قبوليت، كرويت.
كيفيت.
ـ 7 ـ
الجموع
الجموع العربية في الطاجيكية ثلاثة أقسام:
- جمع التكسير، ولا سيّما، وزن «أفعال» وأمثلته المستعملة في الطاجيكية نحو من 80 كلمة.
ووزن «فعول» و«أفعلة» و«أفعل» و«أفعلاء».
2 ـ جمع السلامة «المذكر» مثل:
أقليون، أكثريون.
3 ـ جمع السلامة «المؤنث» وفي الطاجيكية 175 كلمة جمعت بالألف والتاء، هي:
اجتماعات، احتياجات، إحساسات، أحوالات، اخبارات، اختراعات، اختلافات، أدبيات، أدويات، ارتجاعات، استحصالات، استحكامات، استعمالات، اصطلاحات، اصلاحات، اظهارات، اقتصاديات، آلات، إلاهيات، انتخابات، إنشاءات، أوقات، آيات، إيجاديات، إيضاحات، بديعيات، بيانات، تابعات، تأثرات، تأمينات، تبدلات، تبليغات، تجهيزات، تداركات، تدقيقات، ترتيبات، ترغيبات، ترقيات، ترهات، تشريفات، تشكيلات، تشويقات، تصحيحات، تصدقات، تصديقات، تصورات، تضمينات، تعريفات، تعقيبات، تعليمات، تغييرات، تفتيشات، تفحصات، تفريحات، تفصيلات، تقسيمات، تلفات، تنزلات، ثمرات، جزئيات، جواهرات، حاصلات، حروفات، حسابات، حسيات، حفريات، حيوانات، خرابات، خراجات، خرافات، خسرات، خطيات، خيالات، خيرات، درسيات، ضروريات، ذريات، طامات، طبيعيات، طلبات، رايات، رباعيات، رقعات، رياضيات، ظروفات، ظلمات، ظهورات، سماوات، عجائبات، عرصات، عمليات، صادرات، صناعات، غراميات، غزوات، غزليات، فتوحات، فحشيات، فراسات، فلزات، فلكيات، كاتبات، كائنات، كرامات، كشفيات، كليات، كمالات، كيفيات، لزومات، لغويات، لوازمات، مأكولات، ماليات، مايعات، متروكات، مثلثات، محسنات، محسوسات، محصولات، مراسلات، مزخرفات، مسكرات، مشروبات، مشكلات، مصنفات، مصنوعات، مضافات، مطبوعات، مطلوبات، معدنيات، معلومات، مفردات، مفروشات، مقدرات، مقطعات، مكاتبات، مكانات، منتخبات، مندرجات، منقولات، موهومات، مهملات.
نباتات، نشريات، نظريات، نقرات، نقليات، نكات، هجويات، هزليات، واجبات، واردات، واقعات، ولايات.
وفي الجمع العربي في الطاجيكية أشياء عجيبة، منها:
1 ـ استعماله في جمع كلمات فارسية، هي:
باغات، دهات، سبزوت، سبارشات، فرمايشات، ميودجات، نوشتجات، نيرنكجات.
ويلحق بها ألفاظ عربية تغيرت أواخرها وفق الألفاظ الطاجيكية، مثل: «قلعجات» جمع قلعة.
2 ـ جمع جموع التكسير بالألف والتاء، مثل: أحوالات، إخبارات، أديات، جواهرات، حروفات، عجائبات، لوازمات.
3 ـ استعمال الجموع، وجموع الجموع بمعنى المفرد، مثل: أخبار، أسباب، أعضا؟، أوقات «مقلوب ـ أقوات أي طعام».
ـ 8 ـ
المصدر
المصادر الطاجيكية المنقولة من العربية، ثلاثة أنواع:
1 ـ المصادر المصنوعة، وتسمى في الفارسية «مصدر جعلي» وتبنى من المصادر والأسامي العربية، مكسوعة بعلامة المصدر الفارسية «يدن» والمستعمل منها في الفارسية سبعة أو ثمانية.
أما الطاجيك، فقد أسرفوا في المصادر المختلفة، إذ صاغوا:
تجهيز اندن، تجهيز انيدن، من (تجهيز).
فوتيدن، من (فوت).
جهازانيدن، من (جهاز). مركزانيدن، من (مركز).
رقصيدن، من (رقص).
مكافاتانيدن، مكافاتيدن، من (مكافأة).
شميدن، من (شم).
ورميدان، من (ورم).
طلبيدن، من (طلب).
وهماندن، وهمانيدن، وهميدن، من (وهم).
وغالى الشاعر (سودا) في وضع المصادر، فصنع 44 مصدراً ـ في ديوانه الانتقادي الهزلي ـ هي:
اتفاقيدن، اثريدن، اختلاطيدن، اختلافيدن، ارزقنيدن، اعتراضيدن، اترافيدن، التجائيدن، التفاتيدن، اينحرافيدن (كذا) ثمريدن، رحميدن، جنوناندن، شافيدن، شوقيدن، حلويدن، صافيدن، صبحيدن، صبريدن، خرجيدن، خلافيدن، عتابيدن، عتبيدن، عسليدن، عشقيدن، علاجيدن، علنيدن، عمليدن، عندليبيدن.
طلبيدن، ذقنيدن، غلافيدن، فخريدن، قيديدن، كبابيدن، كبيدن، كفافيدن كفنيدن، لطفيدن، نصبيدن، مربيدن، معافيدن.
2 ـ المصادر اليائية ـ ويوصوغونها من الكلمات المشتقات العربية بزيادة «الياء المصدرية» في أعجازها، مثل:
أستاذي ـ الأستاذية.
إفلاسي ـ الإفلاس.
أسيري ـ الأسر.
أنيقي ـ الأناقة.
هي كثيرة في المحاورة، ولكنها قليلة جداً في الآداب الطاجيكية.
فقد استعمل كمال الخجندي: «بيصبري»، و«صيلقي» و«طفلي» مرة، و«بيقراري» مرتين، و«صبوري» ثلاث مرات.
واستعمل مشفقي: «بولهوسي» و«بيطالعي»، و«بيقصوري» و«غلامي». و«غمازي»، و«مخموري». و«مدهوشي»، «مسيني» و«فائي»، مرة، و«حيراني» و«غريبي»، مرتين، و«رعنائي» خمس مرات، و«عاشقي» سبع مرات.
واستعمل شاهين: «خلاصي»، و«صبوري»، و«عاجزي»، و«غريبي» مرة و«عاشقي» مرتين.
التنوين
وقد أحصيت أمثلته في الطاجيكية، فبلغت 115 كلمة، هي:
أبداً، اتفاقاً، إجباراً، إجمالاً، احتياطاً، أحياناً، أخلافاً، أخلاقاً، أساساً، أصلاً، أضافتا (كذا)، اعتباراً، أقلا، أكثرا، أولاً.
باطناً، بديهتا (كذا)، بعضاً تاريخاً، تخميناً، تدريجاً، تركيباً، تصادفا، تقريباً، تقريراً، تكراراً، تماماً، توكلا، ثانياً.
جبراً، جمعاً، جميعاً، جواباً.
حتماً، حرفاً، حقيقتا (كذا)، حياتاً (كذا) خفيتا (كذا)، خلاصتا (كذا)، دائماً، دفعتا (كذا)، ذاتاً رسماً، روحاً.
سابقاً، سالماً سياستا (كذا). ضمناً شخصاً، شرطاً، شكلاً، شمالاً، طبيعتا (كذا).
صنعتا (كذا)، صودتا (كذا) ظاهراً، عادتا (كذا)، عاريتا (كذا)، عمداً، عملاً، عموماً، عيناً، غالباً، غصباً، فرداً، فرضاً، فوراً.
قانوناً، قبلاً، قسماً، قصداً، قياساً كاملاً، كليتا (كذا)، لفظاً.
ماهيتا (كذا)، متحداً، متصلاً، متفقاً، متناسباً، متوازياً، متوالياً، مثلاً، مجازاً، مجبوراً، مختصاً، مخصوصاً، مرتباً، مستقلاً، مستقيماً، مضموناً، مطلقاً، معنا (كذا)، مفصلاً، مقداراً، مقرراً، منتظماً، منطقاً، موقتاً، هيئتا (كذا)، واقعاً، وجداناً، وصايتا (كذا) اعتباراً، أولاً، بناء.
والمستعمل منها في اللغة الأزبكية:
أبدياً، أساساً، اسماً، أصلاً، اعتباراً، أولاً، بناء.
تاريخاً، تخميناً، تدريجاً، تركيباً، تقريباً، تقليداً، تكراراً، تماماً، جسماً، جواباً، ضمناً.
حرمتا (كذا)، حقيقتا (كذا)، طبيعتا (كذا)، خالصاً، خصوصاً، ظاهراً، خطاباً، خيالاً، عينا (كذا)، فرضاً، فكراً، ذاتاً، دفعتا (كذا)،[ فرضاً، فكراً، ذاتاً].
قانوناً، قصداً، قطعياً، قياساً، رسماً، روحاً، لطفاً، لفظاً، شخصاً، شرعاً، شكلاً.
مثلاً، مجازاً، مجبوراً، مضموناً، معنا (كذا)، مفهوماً، منطقاً، نسبتا (كذا)، نظراً، نقلاً، واقعاً، وجداناً.
والغريب تنوين بعض الكلمات الطاجيكية، مثل: روياً، زوراً، غوناً ولكن التنوين قليل في الأدب، فقد ورد «خصوصاً» في ـ التمثيل الرابع، من ديوان (تحفة دوستان) للشاعر شاهين.
واستعمل مشفقي «قطعاً» مرة واحدة كذلك.
وجاء لفظ «قطعاً» أيضاً في شعر كمال الخجندي.
وليس هذا كل ما يقال في هذا الموضوع.
الدكتور حسين محفوظ
تركستان الشرقية (الصينية)
يطلق عليها الصينيون اسم (شينجانغ) ومعناه: «البلاد الجديدة». وهي تتمم تركستان الغربية وحدودها معها خط توزيع المياه، وتعتبر منطقة قارية تماماً، فهي أبعد مكان في العالم عن البحر، كما تحجزها الجبال العالية أيضاً، فجبال همالايا الشاهقة تمنع وصول أثر المحيط الهندي إليها وتبعد عنه مسافة 1930كلم ـ ولذلك فالحرارة شديدة صيفاً والبرودة شديدة شتاءً.
وبدراسة تاريخ تركستان الشرقية وجد أنها مرت بثلاث فترات رئيسية:
الأولى: عهد الاستقلال التام والسيادة الكاملة واستمر حتى عام 1760م.
الثاني: عهد الاستقلال الصيني الجزئي واستمر من عام 1760م وحتى عام 1949م.
الثالثة: عهد الاحتلال الصيني الكامل والذي بدأ عام 1949 ولا يزال حتى الوقت الحاضر.
وفي الفترة الأولى شهد عهد الاستقلال الكامل للبلاد قيام عدة دول تركية مستقلة أهمها:
ـ امبراطورية الهون.
ـ وامبراطورية الكوك تورك.
ـ الدولتان القراخانية والأويغورية.
لقد كانت تركستان الشرقية في ذلك العهد أحد مراكز الإسلام في آسيا، خاصة في حكم القراخانيين (840 ـ 1312هـ) وما بعده انتشر الإسلام في آسيا الوسطى بسرعة مذهلة منذ عدة قرون، وقدم للعالم علماء إسلاميين طبقت شهرتهم الآفاق.
وتتألف تركستان الشرقية من خمس مناطق:
1 ـ جبال آلتاي:
وهي في الشمال تفصل تركستان عن منغولية، ويقع القسم الأعظم منها في منغولية، وكانت موضع نزاع من أجل الحدود، يصل ارتفاعها إلى 3060م ويكون اتجاهها من الشمال الغربي نحو الجنوب الشرقي، ومن سفوحها الجنوبية ينبع نهر ارتيش ويجري نحو الغرب ويدخل تركستان الغربية ثم الأراضي الروسية لينتهي في المحيط المتجمد الشمالي.
2 ـ يقع بين جبال آلتاي في الشمال وجبال تيان شان في الجنوب، وفيه ممرات نحو تركستان الغربية، وتفيض المياه في أحواض داخلية وأهم هذه المجاري المائية نهر ماناس وتتجمع مياهه من السفوح الشمالية لجبل تيان شان، ويصب في بحيرة تيلي نور، بينما القسم الشرقي صحراوي تماماً، والمناخ في حوض زونغارية قاسٍ ومع ذلك يسمح بزراعة الحبوب والفاكهة عدا التين والعنب.
3 ـ جبال تيان شان:
جبال شامخة يقع معظمها في تركستان الغربية، ويصل ارتفاعها إلى 1758م ونظراً لهذا الارتفاع فإن الجليد الدائم يغطي قممها، ويشكل الثلاجات الدائمة.
4 ـ صحراء تاكلاماكان:
كما يطلق عليها اسم حوض تاريم، وهي صحراء واسعة تصل مساحتها إلى 647,22كلم2، وهي أكثر الصحارى جفافاً في العالم، تنعدم فيها الأمطار تقريباً، ويختفي النبات، وتستحيل الحياة عدا بعض الواحات عند مخارج الأودية، والسفر عبر هذه الصحراء صعب، فمعالم الطرق متغيرة وسلوكها شاق، وكثيراً ما يهوي المرء في مهاويها، ويجري فيها نهر تاريم الذي يبلغ طوله 1500كلم وتسمح له غزارته باجتياز هذه الصحراء، ويتشكل نهر تاريم من ذوبان الثلوج المتراكمة على الجبال الغربية والمجاورة ومن جداول صغيرة تقوم عليها المدن بارقند وكاشغر واقصو وغيرها وأحياناً تتبخر المياه في الجداول قبل أن تصل إلى النهر، ويصب نهر تاريم أخيراً في بحيرة لوب نور في الشرق.
ويمكن أن نلحق بصحراء تاكلاماكان منخفض طرفان الذي تحيط به الجبل، فتمنع عنه الرطوبة، وتنعدم الحياة إلا في واحة طرفان، وينخفض عن سطح البحر 278م.
5 ـ جبال التين تاغ:
وتعزل التيبت عن تركستان، ويصل ارتفاعها إلى 6000م.
والأمطار قليلة في تركستان الشرقية، وإذا هطلت فهي نتيجة التبخر المحلي، ويهطل في أورومجي 225مم بينما ينزل في يارقند 150مم.
وتبلغ مساحة تركستان الشرقية 745، 710،1 كلم2 ويبلغ عدد سكانها 15 مليون نسمة، فالكثافة قليلة لا تزيد عن خمسة أشخاص في الكيلومتر المربع الواحد، وليست قلة الكثافة هذه نتيجة ضيق الأرض الزراعية فحسب وإنما لأثر الأحداث التي مرت على البلاد، والنكبات السياسية التي اجتاحتها. كان قد تضاعف عدد السكان في الفترة الأخيرة حسب الجدول التالي:
| العام | عدد السكان |
| 1945م
1953م 1961م 1967م |
3,870,954
6,000,000 7,350,000 8,000,000 |
وسكان تركستان هذه لا ينتمون إلى جنس واحد، فقد جعلها موقعها التجاري عرضة لمرور أجناس كثيرة، ولدخول أقوام عديدة، تأتي للسيطرة عليها والمحافظة على الطرق التجارية أو تعمل في التجارة ثم تستقر فيها، أو فراراً من مناطقها، وأهم هذه الأجناس:
الأويغور: ويشكلون 80 بالمئة من السكان، ويسكنون النصف الجنوبي من تركستان.
الكازاق: ويشكلون 9 بالمئة من السكان.
صينيون: ويشكلون 5 بالمئة من السكان.
القيرغيز والأوزبك: وقد قدموا من تركستان الغربية «الروسية» عندما بدأ الروس يسيطرون على بلادهم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولم تكن تركستان الشرقية قد وقعت بعد في قبضة الصين بشكل نهائي.
المغول: وقد دخلوا البلاد في القرن الثالث عشر الميلادي.
الهوي: وهم من أصل عربي وينتسبون إلى العرب المسلمين الفاتحين.
الروس: الذين جاؤوها مؤخراً.
ويدين أكثر من 75 بالمئة من السكان بالإسلام، وهم جل السكان الأصليين، أما السكان الوافدون فقد احتفظ كل بديانته التي قدم بها.
يعيش سكان تركستان في واحات تقع على مجاري الأودية في سهل زونغارية وحوض تاريم وأهم هذه الواحات:
أورومجي: وهي عاصمة تركستان وتقع في جنوب سهل زونغارية وقد أضحى اسمها اليوم تيهوا.
كاشغر: تقع على رافد صغير لنهر تاريم، وقد فتحها العرب وكانت مركز المنطقة وتسمى اليوم شوفو ويبلغ سكانها 70 ألف نسمة.
يرقند: فيح وض تاريم الأعلى، ويبلغ عدد سكانها ما يقارب 300 ألف نسمة وتسمى اليوم سوجي.
خوتان: وتقع على رافد كبير لنهر تاريم، وسكانها اليوم 100 ألف نسمة وتسمى اليوم هوتين.
اقصو: ويبلغ عدد سكانها 40 ألف نسمة وتقع في الغرب وتسمى اليوم ونسوه. ثم هناك واحة طرفان، وواحة حامي في أقصى الشمال الشرقي، ويطلق عليها اليوم اسم كومول.
طريق الحرير
طريق الحرير: يمتد من الصين مخترقاً آسيا الوسطى إلى طرابزون، ويلتف حول سواحل البحر الأسود الشمالية إلى القرم، ثم يواصل سيره إلى القسطنطينية. وكانت أمم آسيا الوسطى، كالصين والمغول والخزر والتركستانيين والفرس تتولى نقل المنتجات الصينية عبر هذا الطريق إلى القسطنطينية.
ونترك الكلام هنا للأستاذ محمد روحي أويغور الكاشغري:
ثبت بالتحقيق، أنه وجدت بين بلاد آسيا الوسطى وبلاد الشرق الأوسط، علاقات عريقة ثقافية وتجارية، وكذلك علاقات سياسية يرجع تاريخها إلى عهد غابر قبل الميلاد وقد مضى الأسكيتون أو طائفة السقا إلى الشرق الأوسط وإلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، وفلسطين العتيقة، متوجهين من الشمال ومن بلاد آسيا الوسطى ـ وهم بسطوا سلطانهم إلى بلاد سورية ومصر، وآسيا الصغرى، وذلك، بعد أن استولوا على البلاد الأشورية في غرب الفرات، وبين النهرين، حوالي سنة 637 قبل الميلاد، بقيادة زعيمهم الملك برطوطة، وحكم بعده ابنه مديس نيفاً وثمانية وعشرين سنة وقد بنى في أرض فلسطين العتيقة مدينة سماها سيتو ـ بوليس التي توجد الآن، وتسمى بيت شان أو بثشن ثم بسط الإيرانيون (البارثيون) نفوذهم السياسي والثقافي، على كل من بلاد آسيا الوسطى في الشرق والشرق الأوسط في الغرب، ردحاً طويلاً من الزمن ثم جاء دور الإغريق وقد تغلغلوا عن طريق تلك البلاد (أي سورية ومصر وبين النهرين) إلى إيران، ومن هنا إلى بلاد آسيا الوسطى، ثم منها إلى الهند حيث أقاموا سلطانهم في هذه البلاد نحو قرنين ونصف القرن. ثم أخذ الإيرانيون (الساسانيون) فالأتراك (اليوئجي) ثم الهياطلة محلهم. وكانت بلاد تركستان أو آسيا الوسطى في غضون هذه القرون والحوادث كلها همزة وصل بين الشرق والغرب كما كانت بين الشمال والجنوب. والحضارة والأديان والمذاهب تمضي عن طريقها من بلدة إلى أخرى، إلى أن أشرقت شمس الإسلام فلم تمض برهة من الزمن حتى تغلغل الإسلام إلى أقاصي تركستان من جانب، وإلى أقصى الهند من جانب آخر، فانتشر الإسلام، وانتشر علمه وثقافته، كما انتشرت حضارته وتجارته في أرجاء بلاد الشرق، والتركستان تلعب دورها في كل هذا كهمزة وصل. قام العرب بسلطانهم مباشرة في إيران وتركستان، نحو مائة وخمسين سنة. ثم تحول الأمر بعد ذلك للفرس والأتراك الذين خدموا كمسلمين وفيين مخلصين صادقين، يجدون ويجهدون في سبيل الإسلام وحضارته حتى بلغت المملكة الإسلامية التي امتدت ثغورها من صحراء غوبي إلى ثغور البلاد البيزنطية في آسيا الصغرى، قمة مجدها بنصرتهم. وبلاد تركستان تخدمها بطريقها الحريري، كمصدر للطاقة والإنسان.
وهكذا فإلى جانب العوامل المعنوية، كانت هناك جملة من العوامل الطبيعية التي لم يقل دورها في تحكيم العلاقات والتبادل الثقافي والحضاري، بين البلاد المختلفة في الشرق والغرب، وكان لطبيعة البلاد وموقعها وجغرافيتها أثر كبير في هذا الحقل.
ومن أهم هذه العوامل الطبيعية، كان ذلك الطريق الذي مضى من قلب آسيا الوسطى، متجهاً إلى الغرب والشرق الأوسط حتى وصل إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، ومنه مضى إلى بلاد أوروبا وانتهى إلى شواطىء بريطانية، وعرف في التاريخ «بالطريق الحريري» وكان هذا الطريق عبارة عن خط مزعوم طويل يبدأ من داخل الصين، ويمضي في صحارى وبراري ومفاوز، وفيافي، لا أثر فيها سوى الوحوش والسباع، وسلاسل جبال شاهقات لا يستطيع الإنسان تسلقها إلا بعرض النفس للمخاطرات والمهالك أمثال صحارى غوبي في التركستان الشرقية، وصحارى قزل قوم وقراقوم الخاوية في التركستان الغربية، وصحراء مازندران في إيران، وجبال تيانشان، وسقف الدنيا بامير وهندوكش، وغيرها من الجبال الشامخات التي أحيطت بها بلاد تركستان بجهاتها الأربع. وكان السفر عن هذا الطريق خطراً مدمراً فذهب ضحيته خلال القرون الخالية ألوف من القوافل البشرية والرواد، ولكن مع ذلك خدم الإنسانية وذلك على الرغم من المخاطرات التي كمنت في كثبان الرمال وفي غيابات جبابه وأوديته، وكهوفه وغاباته وفجواته ومضيقاته، وقطاع الطريق، والرياح الصرصرية التي لا تسكن، وكتلات الثلوج الجامدة الثابتة على قلل الجبل، ومعابرها التي تزل بها الأقدام، وسباع الحيوان والوحوش المغيرة وأخيراً بسرابه الذي يخدع الظمآن.
وحيث إن هذا الطريق، قد مرّ به للمرة الأولى الحرير وأمتعته وظلت تجارة الحرير رونقاً له ردحاً طويلاً من الزمن، فلذلك عرف بالطريق الحريري.
ولهذا الطريق تاريخ عريق لم يعلم تمام لعلم، وإنه قد وجد منذ القديم خط بري امتد من النهر الأصفر في الصين إلى البحر الأسود في الغرب، مضى فيه الرواد بتجارتهم وثقافتهم، تنشعب منه حينما يصل إلى ربوع التركستان الشرقية (اليوم) عدة خطوط تمر غرباً وشمالاً وجنوباً.
وكان ذلك الخط، على حسب التقدير، قد أسس بواسطة مهاجرة الإنسان في العصر الجيولوجي، وقد استشعر وجوده واضحاً بدءاً من العصر الحجري الجديد ثم أخذ هذا الخط على مرّ الزمان، شكل طريق تجاري منظم، حتى أخذت تجارة الحرير منذ قرنين قبل الميلاد، تمضي منه إلى إيران، ومنها إلى البلدان العربية الواقعة على شواطىء البحر الأبيض المتوسط، وإن الخيوط الحريرية، على قول بليني كانت تنقل عن هذا الطريق من بلاد سرس (الصين) إلى سورية وبلدان الشرق الأدنى، ومنها تؤخذ إلى البلاد البيزنطية وامبراطورية الروم الشرقية. وكانت امبراطورية الفرس في عهد كل من البارثيين والساسانيين تشكل، منذ افتتاح طريق آسيا الوسطى، ممرً وحيداً لنقل أمتعة الحرير والبضائع الواردة من الصين بشتى أنواعها، وكانت تجارة الحرير محصورة بالفرس وظلت كذلك حتى النصف الأول من القرن السادس بعد الميلاد كانت صناعة أمتعة الحرير وتربية دودة القز قد شاعت في بلاد الإغريق للمرة الأولى في هذا العهد أي عهد جوستنيان. وقد ازدهرت صناعة الحرير في إيران في عهد الساسانيين، وكان ذلك على قول المسعودي: بفضل النساجين الهلينيين الذين نقلهم سابور الثاني من بلاد الجزيرة وآمد وسورية وغيرها حوالي النصف الأول من القرن الرابع بعد الميلاد، فمنذ ذلك الوقت صار الديباج التستري وغيره من أنواع الحرير يعمل بتستر والخز بالسوس وقد قيل أيضاً: إن صناعة نسج الحرير وتربية دودة القز قد شاعت في جزيرة كوس الإغريقية في العصر الرابع قبل الميلاد، وكانت سيدات الأشراف والارستقراطيين في البلدان الواقعة على شواطىء البحر الأبيض المتوسط يرتدين أزياء ثمينة صنعت من الديباج الفاخر، منذ القرن السادس قبل الميلاد. وقيل بشأن انتشار نسيج الحرير تربية دودة القز في البلاد البيزنطية إن ملك الروم جوستنيان قد بعث إلى الصين راهبين إيرانيين في سنة 550 بعد الميلاد، فأتيا بها وقد أخفياها في جوف قصب بمبو، إلى بلاد قسطنطينية، فشاعت فيها صناعة الحرير المنظمة منذ ذلك الوقت.
فمن البديهي أن يكون ازدهار صناعة الحرير ودودة القز سواء في بلاد آسيا الوسطى وإيران، وسورية والبلاد البيزنطية أو شبه القارة الهندية الباكستانية يرجع الفضل بها لهذا الطريق الحريري الذي مضى من قلب التركستان الشرقية، وكان ممراً وحيداً للقوافل الجارية المترددة بين الشرق والغرب، وما زال يلعب دوراً هاماً حتى أخذ الطريق البحري محله. وقد مضى فيه منذ القديم فضلاً عن أمتعة الحرير، البضائع النفيسة كالظروف الصينية والورق وصناعة الطبع والبارود وغيرها من الابتكاراالصينية من الصين، والأحجار النفيسة كاليشم والعقيق واللازورد وغيرها من الأحجار الكريمة، والخيول، والآلات الفلزية والفنية، والثمار اليابسة، والعبيد والجواري الحسان والملحنين والمغنين وغيرهم، من آسيا الغربية أي بلاد آسيا الوسطى والشرق الأدنى، ولم ينحصر الأمر في هذا فحسب، بل لقد شهد أن نماذج الظروف الصينية التي يرجع تاريخها إلى زمن ما قبل التاريخ، قد وجدت في روسيا الشرقية، وقد مضت صناعة سبك البرونز إلى الصين من بين النهرين بعد ألف سنة منذ انتشارها هناك، مما يدل على أن هذه الصناعة قد مضت من آسيا الغربية إلى الصين عن طريق آسيا الوسطى في إبان الألف الثاني قبل الميلاد.
وكان الطريق الحريري قد انشعب إلى شطرين: الجنوبي والشمالي. والشطر الجنوبي بدأ من وسط الصين، وذهب عن طريق كانسو جنوباً إلى لوب نور في تركستان الشرقية بجنوب نهر طارم، حتى وصل إلى ختن الذي كان مركزاً مزدهراً بالنشاط الفني والثقافي البوذي، ثم انشعب هناك إلى قسمين، جنوبي وغربي. فالقسم الجنوبي مر إلى كشمير ومنه عن طريق معبر قراقرم وطريق معبر خيبر، إلى بلاد الهند والباكستان، والقسم الغربي قد امتد إلى كاشغر أو إلى بامير، حتى وصل إلى فراتكين ووادي زرفشان أو إلى بذخشان، والقسم الشمالي قد امتد عن طريق طرفان وحامي اللتين كانتا أكبر سوق لتجارة الحرير، وكانتا كحكم الباب المفتوح لوجه الصين. ثم عبر الطريق الحريري الممرات الواقعة في شمال تيانشان، فتغلغل إلى كاشغر، ومنه عن طريق وادي آلاي وقراتكين مضى إلى انتوسيو (مرغيانه أو المرو) ثم إلى باكترا فيما وراء أمو ومنه إلى إيران، ثم إلى بلاد الشرق الأدنى والأوسط إلخ.
وقد اعترف العلماء بالدور الهام الذي لعبه هذا الطريق الحريري في نشر الحضارة والثقافة والأديان في القرون الخالية بين الشرق والغرب. وقد أجمعوا بأنه كان كالشريان والجسم البشري، يجري فيه دم الحضارة.
كان للطريق الحريري أثر كبير في تاريخ الحضارة البشرية حيث مضت فيه البضائع النفيسة كأمتعة الحرير وحجر اليشم والظروف الصينية، فوثق عرى العلاقات بين البلدان الشاسعة بوصل بحر الكاهل بشواطىء جزائر بريطانية.
وقال سوف هدين:
إن الطريق الحريري الذي يبدأ من سيان في الصين المركزية ويمر عن طريق أنشى وكاشغر وسمرقند وسلوسية إلى تيرة كان كأنه همزة وصل بين الشرق الأدنى وبلاد الصين، وإنه لا مغالاة في أن هذا الشريان التجاري كان أطول طريق في العالم القديم، ولكن كان له أهمية خطيرة من الناحية الثقافية والتاريخية لقد ألف بين الشعوب والقارات التي كانت موجودة على وجه الأرض في ذلك العهد. والواقع أن هذه الشرايين التجارية التي مرت عن طريق البر كما صار الحال بعد ذلك بطريق البحر قد ألفت بين قلوب الشعوب الكثيرة، حيث كانت القوافل تمضي بأموالهم التجارية وبضائعهم والعلماء ومبلغو المذاهب والجغرافيون والرواد والمستكشفون والسفراء والجوابون والرحال بعلومهم وثقافتهم إلى أقاصي البلاد شرقاً وغرباً وهم يجدون على الطريق رباطات في كل منزل ينزلونه فيستريحون فيها ويتلاقون بجماعات شتى، ويستعملونها كمراكز لتبليغ تعليماتهم الدينية ونشر ثقافتهم.
وقد أعجب هذا الطريق العالم الإنجليزي دوغلاس روكيثور، أثناء جولته في آسيا الوسطى لدرس حياة الحيوان فيها، حيث قال: إن هذا الطريق الحريري لم يكن شيئاً غير متسق بل كان طريقاً منظماً متشعباً في عدة خطوط متشابكة، ربطت الأسواق العديدة، وكان كأنه خط بترولي مزعوم وضعه واضع ممتداً من بلاد كاشغر (التركستان الشرقية) إلى الأسواق التي تطلب البترول. وكانت تلك الأسواق حينئذ بلاد الروم البيزنطية. مضى هذا الخط عن طريق بكتريا وبلاد الفرس مباشرة، حتى وصل إلى بغداد، ومضى منها إلى حلب، ثم إلى انتيوش في شواطىء البحر الأبيض المتوسط.
وكان لهذا الطريق الحريري فضلاً عن الدور الذي لعبه في ميدان التجارة والثقافة البشرية، أثره البالغ في حقل السياسة أيضاً، حيث إن العلاقات التجارية القديمة التي قامت بها الصين مع آسيا الوسطى، بعد أن افتتحت ذلك الطريق الحريري في العصر الثاني قبل الميلاد، كانت عاملاً وحيداً أدى إلى توسع الصين السياسي في تلك البلاد، وما زالت الصين منذ ذلك الوقت في سعي متواصل ونزاع مستمر مع البلاد الغربية (التركستان الشرقية)، للتسلط عليها وبسط نفوذها السياسي والثقافي، ولضمان الطرق التجارية التي مضت منها بضاعتها وأمعتها الحريرية إلى بلاد تركستان، ومنها إلى بكتريا فيما وراء آمو (جيحون). وقد أمكن للصين بفضل استقرار حكمها وسلطتها في أن تسهل توغلها واتجاهها العسكري إلى البلاد فيما وراء آمو وبامير، ومنها إلى سواحل بحر الخزر. وكان ذلك هو العامل الذي مهد الطرق لتوسيع العلاقات التجارية والثقافية والدينية، وتبادل الحضارات بين الشرق والغرب وقد مضى الورق الصيني عن هذا الطريق إلى سمرقند، وبعد أن تمكن هناك مضى إلى بلاد الشرق الأوسط، كما مضت صناعة الطبع والبارود والشاي، وغيرها من الأمتعة والاختراعات الصينية العتيقة وكذلك أوغلت الأديان القديمة كالزرداشتية والبوذية والنسطورية ثم تغلغل منه الإسلام من بلاد الشرق الأدنى إلى الشرق الأقصى، وشاعت اللغة الفارسية والعربية والثقافة الإسلامية في أكناف الشرق.
وقد توالى الفاتحون القدماء كالآريين والاسكيت (الساكا) وأتراك الهون والهياطلة والسلاجقة، والمغول والأتراك، على هذا الطريق في زحفهم لفتح البلاد حتى توغل بعضهم إلى قلب أوروبا. كما كان الاسكندر المقدوني قد سلكه في زحفه للشرق قبل ثلاثة قرون قبل الميلاد فانتشرت ثقافة الإغريق وحضارتهم عن هذا الطريق في إيران وتركستان والهند وقد عاشت نحو مائتين وخمسين سنة فيها. وقد مضى على هذا الطريق السفير الصيني الأول في التاريخ، تشانك تشين إلى بلاط اليونجي في بكتريا، وتعاقب عليه الرحالون الصينيون أمثال فاشين وهوثان تسيانك وكونك وسونك يون وغيرهم قاصدين بلاد الهند، في طلب أسرار بوذا الدينية وعلمه وأصوله. وقد جاب هذا الطريق ماركس أورليوس أنوتنيوس أول سفير لروم الشرق إلى الصين، في سنة 166م والرحالة الونسي مار كوبولو، والرحالة العربي تميم بن البحر المطوعي قاصداً بلاد الإيغور، وابن بطوطة وابن فضلان قاصداً بلاد الصقالبة وياقوت الحموي وعطاء ملك الجويني المؤرخ الفارسي، وطائفة كبيرة من جوابي العرب والإسلام وعلمائه ومبلغيه، فانتشرت علوم الإسلام وفنونه وحضارته بواسطتهم.
وفي إبان الفتح الإسلامي، صار هذا الطريق المنهج الذي وغل فيه قتيبة سنة 96هـ بجنوده حتى قرب من الصين.
فقال فيه سوادة بن عبداللَّه السلولي:
لا عيب في الوفد الذين بعثتهم
للصين إن سلكوا طريق المنهج
كسروا الجفون على القذى خوف الردى
حاشى الكريم، هبيرة بن شمرج
لم يرض غير الختم في أعناقهم
ورهائن دفعت بجمل سمرج
أدى رسالتك التي استرعيته
وأتاك من حنث اليمين بمخرج
ومنذ ذلك الحين انتشر الإسلام في تلك البلاد، ويرجع الفضل فيه لوفود المبلغين من العرب والفرس والأتراك وغيرهم الذين تعاقبوا على هذا الطريق الحريري.
وقصارى القول، أن تركستان ظلت تلعب دوراً هاماً في تاريخ الحضارة الإنسانية والثقافة البشرية بطريقها الحريري ذلك، الذى مضى من قلبها وعمل كالشريان النابض فأنعش الحياة البشرية، والذي استغله الإنسان لمصالحه الحيوية والنقلية واهتدى به طالبو الحقيقة في غضون القرون، وما زال فيها حتى افتتاح الطرق البحرية وابتكار السكك الحديدية، واستعجال الطرق الجوية التي قلبت نظام الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ونظام المناقلات في العالم، كما قلبت نظام الحياة في آسيا الوسطى، وحلت محل هذا الطريق الحريري السكك الحديدية الروسية، والصينية.
محمد روحي أويغور الكاشغري
تركستان الشرقية ضحية
التجارب النووية الصينية
في الخامس من تشرين الأول 1993 (أكتوبر) تجاهلت الصين احتجاجات الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا وعدد كبير من الدول الآسيوية وأجرت تجربة نووية تحت الأرض. وسجل الانفجار خمس نقاط وثمانية أعشار النقطة على مقياس ريختر للزلازل (وأقصاه سبع نقاط) وكشفته مراكز المراقبة الدولية في أنحاء العالم. وأفادت الأنباء أن التجربة الذرية حدثت في صحراء لوب نور حيث موقع التجارب في إقليم سينجيانغ الواقع «في أقصى الغرب والمتناثر السكان» داخل أراضي الصين.
وهذا الإقليم ـ الذي يعرف أيضاً باسم سينكيانغ ـ يشترك في حدود طولها حوالي ثلاثة آلاف كيلومتر مع أراضي الاتحاد السوفياتي السابق. وعلى رغم أن المنطقة يشغل حجمها 17 في المئة من مساحة الصين إلا أنها لا تضم أكثر من واحد في المئة من مجموعة السكان. وكانت تقطن هذا الإقليم في الأصل قبائل ناطقة باللغة التركية منذ القرن السادس الميلادي. وأكثر من نصف السكان مسلمون يعيشون في ما يعتبرونه شرق تركستان. وهؤلاء هم الذين يعانون أكثر من غيرهم بسبب التجارب النووية وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان في سينكيانغ.
ومع أن أجداد العديد من الأسر العربية كان أصلهم من هذه المنطقة إلا أن القليل يعرف اليوم عن مصير أولئك الذين بقوا في ما يعرف هذا العصر بدولة الصين. وأحفاد الأسر التركستانية منتشرون في أنحاء الشرق الأوسط حيث يعرفون في أغلب الأحيان بـ«البخاريين»، نسبة إلى بخارى التي كانت عاصمة إقليم في أواسط آسيا أطلق عليه الاسم ذاته. وهو اليوم الدولة المعروفة بأوزبكستان. وكانت مدينتا بخارى وسمرقند في آسيا الوسطى تجمّعين مزدهرين للحضارة الإسلامية خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر.
وتركستان القديمة بلاد شاسعة حقاً كانت تضم أراضي من الصين وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق في آسيا الوسطى وأفغانستان في عصرنا هذا. وكان هذا الإقليم المترامي، الذي كان يقطنه الناطقون بالتركية قبل خمسة عشر قرناً، يقع على «الطريق الذهبي» الذي أتبعه الرحالة الإيطالي ماركو بولو في أسفاره.
وكان شعب تركستان من أوائل الشعوب الناطقة بالتركية التي عملت في الزراعة. وقد شاد هذا الشعب المدن وأقام الدول وسعى إلى المحافظة على نقاء عرقه وثقافته. وكان المسلمون التركستان يعرفون عام 1760 بـ«الإيغوريين» الذين فقدوا دولتهم أمام جحافل القوات الصينية التي أطلق على الإقليم بعد استيلائها عليها اسم سينكيانغ ـ أو «البلاد الجديدة».
وهرب الكثير من القبائل التركستانية هناك إلى أماكن أخرى من آسيا الوسطى التي أصبحت في ما بعد جزءاً من الامبراطورية الروسية. وهبّ الإيغوريون في وجه الاحتلال الصيني مئات المرات وحققوا في بعضها استقلالاً مؤقتاً. وخلال الأربعينات من القرن الحالي أصبح سينكيانغ الإقليم الاستعماري للصين وخضع لسلطة الجنرال الصغير آنذاك شيانغ كاي شيك. لكن الإقليم البعيد عن أواسط الصين ارتبط بعلاقات أوثق وأمتن مع الاتحاد السوفياتي منذ أوائل الثلاثينات. وفي عام 1944 اندلع تمرد جديد في مناطق الإقليم الشمالية المحاذية للاتحاد السوفياتي. ويوم الثاني عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) من ذلك العام أعلن جمهورية تركستان في مدينة كولجي.
وقدم ستالين المساعدات للحكومة المؤقتة التي كان يعتبرها عنصر توازن في وجه قوة الصين المتعاظمة. وفي الوقت ذاته أرسل ستالين خبراء في علم الأعراق البشرية ليقسموا الأجزاء الجنوبية المضطربة من الاتحاد السوفياتي إلى عدد من الجمهوريات الأصغر ما سمح لموسكو بممارسة سلطة أوسع في تلك البلاد. وبرزت، نتيجة لذلك، جمهوريات أوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان وقيرغيزيا وطاجسكتان. غير أن مساعي السلطات الشيوعية في كل من بكين وموسكو لم تنجح في إحلال الولاء الوطني محل الهوية القومية لشعوب هذه الجمهوريات في مناطقها. فقد حافظ التركستانيون على هويتهم الثقافية واللغوية والعرقية، إضافة إلى جذورهم الإسلامية.
وفي خريف عام 1949م تواترت أنباء عن مقتل زعيم تركستان الشرقية أخمجير قاسمي ووفد من أبرز قادة الجمهورية في حادث تحطم طائرة خلال رحلة إلى بكين للاشتراك في الجلسة الأولى لـ«المؤتمرات الشعبية السياسية الاستشارية» للصين. ومنذ ذلك الحين تشكك الفئات القومية الإيغورية بوصف السلطات الصينية ذلك الحادث أنه قضاء وقدر. ويعتقد الكثير من المؤرخين في أيامنا هذه أن قاسمي والوفد المرافق له قتلوا في مؤامرة تواطأ فيها الشيوعيون الصينيون والسوفيات.
وتعود أهمية إقليم سينكيانغ بالنسبة إلى الصين إلى موقعه الجغرافي وموارده الطبيعية بما في ذلك النفط والذهب والبلاتين والنحاس وفلذات الحديد. ويقع أكبر موقع في العالم اليوم لتجارب الصواريخ والقنابل الذرية قرب بحيرة لوب نور في صحراء (تاكل ماكر) وهناك فجرت الصين أولى قنابلها الذرية في الجو خلال تشرين الثاني (نوفمبر) 1964. واستمرت الانفجارات منذ ذلك التاريخ وكان آخرها التفجير الذي تم في تشرين الأول 1993 كما أسلفنا. وتفيد تقارير الخبراء بأن حوالي مليوني شخص على طرفي الحدود الصينية ـ الروسية كانوا ضحايا لهذه التجارب. فقد سقط المئات من الأطفال في تركستان الشرقية ضحية مرض غريب من أعراضه آلام في الأذنين وآلام في الرأس وإقياء. ويعتقد الأطباء أن هؤلاء الأطفال تأثروا بالتجارب النووية. كما عانت هذه المنطقة التي يشكل المسلمون غالبية سكانها أيضاً من ترحيل جماعي من سينكيانغ على مدى السنوات الخمس والثلاثين الماضية. وقد تعرضت اللغة الإيغورية للقمع ومنع المسلمون من بناء المساجد.
لم تنتهك حقوق أفراده العرقية والثقافية والدينية فحسب، بل تعرضوا أيضاً لأضرار جسدية وصحية بسبب برنامج التجارب النووية الذي تمضي الصين في تنفيذه على رغم الاحتجاجات الدولية.
يقول حسن الأمين:
في شهر نيسان من سنة 1990 قرأت خبراً في جردة (النهار) البيروتية عن تركستان الشرقية فعلقت عليه بما يلي:
الخبر المنشور في عدد يوم الأربعاء 11/4/90 من «النهار» عن رويتر، وفيه أن وحدات من جيش التحرير الشعبي الصيني انتشرت في ثلاث مدن في إقليم (هسين تشيانغ) في شمال شرق الصين عقب اضطرابات في مناسبة شهر رمضان.
ويضيف أن وحدات من الجيش نقلت جواً إلى كاشغر ومدن أخرى (سماها الخبر بأسمائها) غداة أعمال عنف مناهضة للصينيين قام بها السكان المسلمون.
ثم يعرف بالمنطقة تعريفاً محدوداً أهم ما فيه أن غالبية سكانها مسلمون. ويشير إلى اضطرابات قام بها من سماهم (المشاغبين) وأن سببها أنهم كانوا يحتجون على صدور كتاب في شانغهاي عنوانه «العادات الجنسية» اعتبروه مسيئاً إلى القرآن والإسلام.
هذا الخبر لا أحسب أنه أثار اهتمام أو حرك أثراً إلا بمقدار ما قد يهم من يتابعون التحركات الاستقلالية في الاتحاد السوفياتي، إذ ربما رأى فيه من رأى شبهاً لما يجري هناك، ففكر قليلاً، ثم طوى الجريدة وغاب الخبر وأحداثه وناسه ومكانه عن الذهن كل الغياب.
ولكنني أعترف للقارىء أن الخبر أسرني في قيوده ليلاً طويلاً وهو بعض ما أقصه في السطور التالية:
إن ما سمته رويتر (هسين تشيانغ) ليس هو الاسم الصحيح للمنطقة، بل الذي أطلقه عليها الصينيون بعد أن سيطروا عليها سيطرة كاملة، أما الاسم الصحيح فهو «تركستان الشرقية»، وصفة الشرقية لحقتها تمييزاً لها عن (الغربية) التي يحكمها الاتحاد السوفياتي، وكل من الغربية والشرقية تتمم إحداهما الأخرى.
وفي خبر رويتر ما سماه طريق الحرير، وطريق الحرير هذا، أو الطريق الحريري ـ كما عرفنا اسمه من قديم ـ من أثر الأسماء في أذهاننا، ومن أعلقها في ذكرياتنا التاريخية، فهو الطريق العالمي الذي امتد من تركستان الشرقية وصولاً إلى إيران فبغداد إلى حلب إلى إنطاكية إلى شواطىء البحر المتوسط، ولم يكن طريقاً عشوائياً. كان طريقاً منظماً متشعباً في خطوط متشابكة ربطت الأسواق العديدة.
قال عنه العالم الإنكليزي دوغلاس ركيثور: «كأنه خط بترولي مزعوم وضعه واضع ممتداً من تركستان إلى الأسواق التي تطلب البترول».
وإذا كان المجال لا يسع الآن للحديث الطويل عن هذا الطريق التجاري الرائع، فإن مجرد ذكره في خبر رويتر أعادني إلى الماضي البعيد إعادة مثيرة عذبة فعشت مع الرحالة العربي تميم بن البحر المطوعي الذي سار عليه قاصداً بلاد الإيغور، وابن فضلان قاصداً بلاد الصقالبة، وابن بطوطة قاصداً بلاد العالم كلها، وياقوت الحموي وعطا ملك الجويني في رحلاتهما التاريخية الجغرافية.
وعشت مع الشاعر العربي سوادة بن عبداللَّه السلولي الذي كان هناك مع الجيش العربي سنة 96 الهجرية، فسماه المنهج حين قال:
لا عيب في الوفد الذين بعثتهم
للصين إن سلكوا طريق المنهج
كسروا الجفون على القذى خوف الردى
حاشى الكريم هبيرة بن شمرج
أدى رسالتك التي استرعيته
وأتاك من حنث اليمين بمخرج
أيها الثائرون هناك في تلك الديار القصية، أو أيها المشاغبون ـ كما سمتكم رويتر ـ أيها الثائرون غضباً للقرآن ونصرة للإسلام. يا من هزهم شهر رمضان فتماوجوا حنقاً وأنفة.
من ها هنا من بلاد لغة القرآن، ومن هذه الأرض التي انتقل منها إليكم الإسلام، ومن هذه الربوع التي عرفتكم برمضان.
من ها هنا أبعث إليكم بالتحايا، لو كان لها أن تصل إليكم. أيها الثائرون هناك في بلاد كاشغر: البلاد التي طالما أصغت للغة العربية مكتوبة أو محكية، وطالما تعالت فيها أصوات العرب غاضبة أو راضية.
إليكم هذا الصوت العربي المرتفع صدى لأصواتكم، لو كان له أن يبلغ أسماعكم.
ويقول حسن الأمين:
سمى العرب قديماً تركستان الشرقية (بلاد كاشغر) نسبة إلى مدينة كبرى من مدنها لا تزال تحتفظ حتى اليوم بالاسم نفسه.
وفي نيسان من سنة 1993 التقيت أثناء مشاركتي في المؤتمر الألفي للشيخ المفيد في مدينة (قم).
ـ التقيت بأحد علماء تركستان الشرقية الهارب من الحكم الصيني الشيوعي فأنشدني بيتين من الشعر العربي لأحد أبناء كاشغر يصف بها مدينته كاشغر وهما:
وكشغر فهي تبدو ذات سور
وإن أنصفت قل هي ذات نور
تراها بين نهرين استقلت
بمجرى الماء أو مجرى العبير
وقال لي إن عاصمة المنطقة اليوم هي: أوروتشي.
الأمويون في تركستان
يقول الطبري في أحداث سنة عشر ومائة: فيها كان والياً على خراسان الأشرس بن عبداللَّه المسلمي في عهد هشام بن عبدالملك فقال: أبغوني رجلاً له ورع أفضل أوجهه إلى من وراء النهر فيدعوهم إلى الإسلام فأشاروا عليه بأبي الصيداء صالح بن طريف مولى بني ضبة فقال لست بالماهر بالفارسية فضموا معه الربيع بن عمران التميمي. فقال: أبو الصيداء: أخرج على شريطة أن من أسلم لم يأخذ منه الجزية. قال الأشرس: نعم قال أبو الصيداء لأصحابه: فإني أخرج فإن لم يف الولاة أعنتموني عليهم، قالوا: نعم، فشخص إلى سمرقند، وعليها ابن أبي العمرطة الكندي، على حربها وخرابها، فدعا أبو الصيداء أهل سمرقند ومن حولها إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية فسارع الناس، فكتب «غوزك» إلى أشرس: أن الخراج قد انكسر فكتب أشرس إلى ابن أبي العمرطة كتاباً جاء فيه: «فانظر من اختتن منهم وأقام الفرائض وحسن إسلامه وقرأ سورة من القرآن فارفع عنه خراجه». ثم عزل أشرس ابن أبي العمرطة عن الخراج وصيره إلى هاني بن هاني وضم إليه الأشحيذ فقال ابن أبي العمرطة لأبي الصيداء: لست من الخراج الآن في شيء فدونك هانئاً والأشحيذ. فقام أبو الصيداء يمنعهم من أخذ الجزية ممن أسلم، فكتب هاني: أن الناس قد أسلموا وبنوا المساجد. فجاء دهاقين بخارى إلى أشرس فقالوا: ممن نأخذ الخراج وقد صار الناس كلهم عرباً؟ فكتب أشرس إلى هاني وإلى الولاة: خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه منهم فأعادوا الجزية على من أسلم، فامتنعوا واعتزل من أهل الصغد سبعة آلاف فنزلوا على سبعة فراسخ من سمرقند وخرج إليهم أبو الصيداء وربيع بن عمران التميمي والقاسم الشيباني وأبو فاطمة الأزدي وبشر بن جرموز الضبي وخالد بن عبداللَّه النحوي وبشر بن زنبور الأزدي وعامر بن بشير الخجندي وبيان العنبري وإسماعيل بن عقبة لينصروهم. قال: فعزل أشرس ابن أبي العمرطة عن الحرب واستعمل مكانه المجشر ابن مزاحم السلمي وضم إليه عميرة بن سعد الشيباني. قال: فلما قدم المجشر كتب إلى أبي الصيداء يسأله أن يقدم عليه هو وأصحابه، فقدم أبو الصيداء وثابت قطنة فحبسهما، فقال أبو الصيداء: «غدرتم ورجعتم عما قلتم». ثم حمل أبا الصيداء إلى الأشرس وحبس ثابت قطنة عنده، فلما حمل أبو الصيداء اجتمع أصحابه وولوا أمرهم أبا فاطمة ليقاتل هانئاً فقال لهم: كفوا حتى أكتب إلى أشرس فيأتينا رأيه فنعمل بأمره. فكتبوا إلى أشرس، فكتب أشرس: ضعوا عليهم الخراج، فرجع أصحاب أبي الصيداء فضعف أمرهم، فتتبعوا الرؤساء منهم فأخذوا وحملوا إلى (مرو) وبقي ثابت محبوساً وأشرك أشرس مع هاني، سليمان بن أبي السري مولى بني عوانة في الخراج فألح هاني والولاة في جباية الخراج، وأخذوا الجزية ممن أسلم من الضعفاء فكفرت الصغد وبخارى واستجاشوا الترك. «انتهى كلام الطبري».
هذه النصوص التي تقدمت وردت في تاريخ الطبري وإننا نقف الآن عندها لنتحدث عنها ثم ننتقل إلى ما جرته هذه الخطة الأموية في هذه الحادثة بالذات على المسلمين والعرب من فواجع وكوارث وأهوال.
ضمير يتيقظ مؤقتاً
من المؤسف أنه لم يكن القصد من هذا الذي سموه الفتوح والغزوات، الخير للعرب وللإسلام لأن هؤلاء الذين قضت الأقدار بأن يقودوا العرب والمسلمين في هذا الظرف، هم أبعد الناس عن مصلحة العرب والمسلمين، بل هم الشر الأول الذي نكبت بهم العروبة والإسلام حين مثلوهما في تلك البلاد البعيدة فساروا فيها المسيرة الشوهاء التي نفرت الناس وأثارتهم.
هذا والي الأمويين على خراسان الأشرس بن عبداللَّه، في ساعة من ساعات استيقاظ الضمير يعن له أن يتخلى عما سار عليه هو وأسلافه من استرقاق الناس ونهب أموالهم، ومصادمة مبادىء الإسلام المثلى وأخلاق العرب الفضلى، وأن يعيد نفسه إلى ما كان مفروضاً فيه أن يكون: داعية هداية وإرشاد، ورسول رحمة وعدل، يحمل إلى من يليه من الأمم والشعوب المبادىء التحريرية القويمة التي نادى بها محمد بن عبداللَّه(ص) لقلب أوضاع الناس وخلق المجتمعات المثالية فيهم، والتي شاء اللَّه أن يحمل دعوتها العرب حين اختار لرسالته محمداً(ص) منهم.
هذا الأشرس والي الأمويين في ساعة من ساعات استيقاظ الضمير عنَّ له أن يعود عربياً مؤمناً كالمأمول في العربي المؤمن، فقال: ابغوني رجلاً له ورع وفضل أوجهه إلى من وراء النهر فيدعوهم إلى الإسلام.
إذن فلم يكن فيمن يحيط بهذا الوالي من له ورع وفضل، وإن فإن الأمة محكومة بمن لا ورع فيهم ولا فضل، فالوالي حين يريد رجلاً من هذا الطراز يحتاج للتفتيش عليه.
وإذن فلم يكن من هم الوالي الأموي من قبل أن يدعو الناس إلى الإسلام، فهو بعد طول المدة يفكر فيمن يرسله إلى ما وراء النهر للدعوة إلى الإسلام.
ثم ها هم الناس يدخلون في الدين أفواجاً حين يرون الدعاة إليه من أمثال أبي الصيداء.
ولكن الضمير الذي استيقظ في ساعة من الساعات أثبت أن استيقاظه إنما كان صحوة الموت.
لقد عاد فأغفى ثم نام نومه الأبدي فلم يستيقظ ولم يعد للحياة أبداً.
حقيقة مهمة الحاكم الأموي
فهذا الأشرس عاد إلى حقيقة مهمته فاستلهمها تصرفاته، وما هي مهمته في الأصل؟ أهي حمل دعوة الهدى إلى الشعوب، وإنقاذ البشرية مما كانت تعانيه من فساد مجتمعاتها؟ إن شيئاً من هذا لم يودع إلى الأشرس، فالجالس على العرش في دمشق الذي يمثله الأشرس ويحكم باسمه لم يكن من همه ما يؤول إليه أمر العرب والمسلمين ودعوتهم، إن همه وجود السبيل الذي يملأ به خزائنه لينفق منها على الموبقات وشراء الضمائر، وإن همّه أن تكثر الجواري ليحيط مجلسه بالمئات منهن، وإن همّه أن يجرد البلاد العربية من كل مفكر حرّ ومن كل قوة شعبية، وأن يستصفي النخبة فيوردها الموت فإن لم يستطع الحجاج وزملاء الحجاج وخلفاء الحجاج وأسلاف الحجاج أن يبيدوا أكثر من مئات الألوف التي أبادوها فإن سهول سجستان وثنايا بخارى وعقاب الصغد وأسوار سمرقند، وما هو أبعد من ذلك وما هو أقرب، كفيلة بأن تبيد من لم تستطع سيوف الطغاة أن تبيده صبراً من أحرار الأمة العربية ومفكريها.
لقد عاد الأشرس إلى حقيقة مهمته فاستلهمها تصرفاته، فإذا دخل الناس في الإسلام أفواجاً وإذا مضوا في الاستعراب، فمن أين يملأ خزائن الملوك في دمشق، ومن أين يوفد لهم الجواري.
لذلك عاد الأشرس يتحيل للتخلص مما ورط نفسه… فارتأى أن لا يكتفي ببناء المساجد، بل أن يشترط فيمن أسلم من أيام شروطاً يعلم هو قبل غيره أن تحقيقها مستحيل. إنه يريد من هؤلاء الذين لم يعرفوا العربية أن يكونوا قد تعلموا هذه اللغة في الحال وأن يدرسوا القرآن في بضعة أيام ويحفظوا سوره، ويريد من هؤلاء الذين تجاوزوا كلهم مراحل الشباب الأولى وتجاوز أكثرهم الشباب نفسه وصاروا في الكهولة والشيخوخة يريد منهم أن يختتنوا في الحال، فإن لم يفعلوا ذلك كله فيجب أن يعودوا إلى الوثنية والكفر.
ونسي هذا الأشرس أن أسلافه مشركي قريش وعلى رأسهم أبو سفيان الذين قاتلوا محمداً حتى آخر نفس وحاربوا حتى آخر سهم، ثم اضطروا أن يسلموا عند فتح مكة. نسي هذا الأشرس أن محمداً صاحب الرسالة اكتفى منهم بإعلان الإسلام ولم يطلب يوم ذاك من أبي سفيان ومن ابنه معاوية شروطاً مثل هذه الشروط ليصح إسلامهما.
دائماً الاختتان
ومن الطريف أن قضية الاختتان كانت دائماً النقطة التي يقف عندها عمال الحكم الأموي فإذا رأوا أن الناس قد أسلموا وحسن إسلامهم وأن لا سبيل لهم عليهم ليسلبوا أموالهم ويردوهم عن الإسلام عادوا يطالبونهم بالاختتان.
فقد حدث الشيء نفسه في عهد عمر بن عبدالعزيز. وكان مثيره صاحبنا الداعية الإسلامي (الورع الفاضل) أبو الصيداء نفسه فإن الجراح بن عبداللَّه والي خراسان في عهد عمر ابن عبدالعزيز أرسل وفداً إلى عمر مؤلفاً من ثلاثة أشخاص فيهم أبو الصيداء صالح بن طريف ويصفه الطبري الذي (هو مصدرنا في هذه القصة) بأنه كان فاضلاً في دينه، ووصل الوفد من خراسان إلى الشام فتكلم الاثنان وأبو الصيداء ساكت، فقال له عمر: أما أنت من الوفد؟ قال: بلى، قال فما يمنعك من الكلام، قال يا أمير المؤمنين، عشرون ألفاً من الموالي يغزون بلا عطاء ولا رزق، ومثلهم قد أسلموا من الذمة يأخذون بالخراج، وأميرنا عصبي جاف يقوم على المنبر ليقول: أتيتكم حفياً وأنا اليوم عصبي، واللَّه لرجل من قومي أحب إلي من مائة من غيرهم، وهم بعد سيف من سيوف الحجاج قد عمل بالظلم والعدوان.
فقال عمر بن عبدالعزيز: إذن مثلك فليوفد. وكتب عمر إلى الجراح: انظر ممن صلى إلى القبلة فضع عنه الجزية. فسارع الناس إلى الإسلام. فقيل للجراح: إن الناس قد أسرعوا إلى الإسلام وإنما ذلك نفوراً من الجزية فامتحنهم بالختان. فكتب الجراح بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن اللَّه بعث محمداً داعياً ولم يبعثه خاتناً.
الخاتمة الفظيعة
وكتب هاني إلى الأشرس أن الناس قد أسلموا وبنوا المساجد، فلم يشأ هاني هذا أن يثقل ضميره فشهد بإسلامهم وإسراعهم إلى بناء المساجد، ولكن الإسلام وبناء المساجد ليسا مما يرضيان والي الأمويين، وما المساجد وما العرب وما المسلمون والإسلام، إذا كان ذلك يحول دون سلب الشعوب واستصفاء أموالها فأصر الأشرس على أخذ الجزية ممن كانوا يأخذونها ولو حال ذلك دون انتشار الإسلام واستعراب الناس.
ومما يلفت النظر هنا أن الدهاقين وهم مجوس كانوا من رأي الأشرس، وهذا يؤكد أنه قد هالهم انتشار الإسلام وسيادة العنصر العربي، وخافوا المستقبل وطغيان الدعوة الإسلامية وتوغل العروبة في النفوس. فقالوا للوالي الأموي:
ممن نأخذ الخراج وقد صار الناس كلهم عرباً؟!)[308]).
الدهاقين المجوس الذين كان الأمويون يولونهم جباية الخراج ويمنعون العرب والمسلمين من ذلك، الدهاقين يتفق رأيهم كل الاتفاق مع الرأي الأموي في منعه انتشار الإسلام وسيطرة العروبة، فيحرضون الأمويين وعمالهم على هؤلاء الذين أسلموا وبدؤوا يستعربون فيقولون: ممن نأخذ الخراج وقد أصبح الناس كلهم عرباً؟.
لقد أحسوا الخطر قبل غيرهم وخافوا على مجوسيتهم أن يجرفها الإسلام والعروبة فتصايحوا مغضبين: لقد أصبح الناس كلهم عرباً. وماذا يسوء الأشرس وسادته الأمويين إذا صار الناس كلهم عرباً ومسلمين؟ نحن نفهم أن يسوء ذلك دهاقين المجوس ولكن أن يسوء ذلك حكام الدولة العربية، فذلك هو العجيب.
إنه عجيب على من لم يعلم أحداث هذه الدولة وموقفها الصحيح من العروبة والإسلام، ولكنه ليس بعجيب عند من يعلم ذلك، ليس بعجيب أبداً أن يتفق رأي الدهاقين المجوس مع رأي الأمويين من سيادة العرب وانتصار الإسلام.
ولا نستطيع إلا أن نحيي (الورع الفاضل) أبا الصيداء وعصبته الخيرة الذين أخرجهم معه ليعينوه إذا لم يف الولاة فإنهم تضامنوا جميعاً مع أهل الصغد وذهبوا إلى السبعة الآلاف الذين اعتزلوا لينصروهم ويتفقوا معهم. ولكن الولاة استدرجوا هؤلاء الأبرار فكان مصيرهم السجن والنفي والتشريد.
نعم، السجن والنفي والتشريد للذين دعوا إلى الإسلام، الذين أسلمت على أيديهم الأفواج، واستعربت بدعوتهم الألوف.
ثم كانت النتيجة الحتمية لكل ذلك، النتيجة التي أرادها الأمويون وولاتهم، كانت النتيجة بنص الطبري: فكفرت الصغد وبخارى واستجاشوا الترك.
وقرت عيون الدولة (العربية الإسلامية فالدعاة إلى الإسلام والعروبة في سجونها ومنافيها، والناس يخرجون من الإسلام ويعودون إلى مجوسيتهم ووثنيتهم، وهل تريد الدولة غير ذلك.
ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، والبلاء كان أقوى مما نتصور، فإن كفر الصغد وبخارى واستجاشتهم الترك لم تمض مضياً سهلاً بل دفع العرب الثمن غالياً، دفعوه أكثر من سبعين ألف قتيل من فتيان العرب المناجيد وشبانهم المغاوير وكهولهم المذاويد.
دفعوه هناك لسيوف الصغد وبخارى وخاقان الترك على السفوح القفراء والسهوب الجرداء والمفاوز المهلكة.
فإن الصغديين والبخاريين قرروا أن يردوا على الأشرس رداً جباراً يتناسب وما نالهم من الخيبة، فلم يروا أفضل من اللجوء إلى السيف فحالفوا خاقان الترك وهددوا الأشرس بقوى عظيمة. ورأى الأشرس الخطر الداهم فزحف يرده. يقول الطبري متحدثاً عن تلك الوقائع: ومضى الأشرس بالناس حتى نزل (بيكند) فقطع العدو عنهم الماء إلى أن يقول: فأصبحوا وقد نفد ماؤهم فاحتفروا فلم يخرج الماء وعطشوا. ثم يقول: فلقيهم العدو فقاتلوهم فجهدوا من العطش فمات منهم سبعمائة وعجز الناس عن القتال.
سبعمائة عربي يموتون من العطش بين يدين الأشرس في متاهات (بيكند) لأن الوالي الأموي الأشرس يرفض إسلام الوثنين ولا يريد إلا المال.
وما أشجى ذاك الصوت العربي الكريم الذي ارتفع في تلك الساعة منادياً، ما أشجى صوت الحارث بن سريع وهو يهتف بالناس العطاشى الذين يموتون الواحد وراء الآخر: أيها الناس، القتل بالسيف أكرم في الدنيا وأعظم أجراً عند اللَّه من الموت عطشاً.
وما أشد حزن ذاك الشاعر الذي أنشد يومذاك:
أبت سرية مسعود وما غنمت
إلا أفانين من شد وتقريب
حلوا بأرض قفار لا أنيس لها
وهن بالسفح أمثال اليعاسيب
وتتابعت المعارك معركة بعد معركة، وفي كل منها تتساقط ألوف الأبطال صرعى في سبيل لا شيء، وحسبك أن معركة واحدة منها بقيادة سورة بن الحر التميمي كان فيها اثنا عشر ألف شاب مسلم عربي، خرج فيهم سورة تنفيذاً للأمر، فقال له الوجف بن خالد العبدي: «إنك لمهلك نفسك والعرب بمسيرك». لقد كان هذا العبدي كما كان غيره من العقلاء يعرفون مصير هذه الحملات، فأراد أن يريح ضميره بهذا التحذير لعله يستطيع إنقاذ هذه النفوس البريئة.
ولكن الأوامر كانت هي الأوامر، ولا من يجرؤ على مخالفتها، فالتقى سورة وجيشه، بخاقان الترك، فلم ينج من الجيش الإسلامي سوف ألف وذهب الباقون طعمة للسيوف وللنيران.
نعم للنيران، فكما ماتوا قبل قليل من العطش ماتوا الآن من الحريق، فإن نيراناً قد أشعلت أمامهم في الحشائش والغابات يقول الطبري: «وثار الغبار فلم يبصروا ومن وراء الترك اللهب فسقطوا فيها» وقتل فيمن قتل سورة قائد الجيش، وقتل كذلك صاحب التحذير: الوجف بن خالد العبدي قتلة شنيعة. واستمرت المعارك وكان من أشدها هولاً معركة «الشعب» التي فني فيها الجيش الإسلامي وقتل منه خمسون ألف قتيل.
الشعر في المعركة
اذكر يتامى بأرض الترك ضائعة
هزلى كأنهم في الحائط الحجل
وارحم وإلا فهبها أمة دمرت
لا أنفس بقيت فيها ولا ثقل
لاقوا كتائب من خاقان معلمة
عنهم يضيق فضاء السهل والجبل
لما رأوهم قليلاً لا صريخ لهم
مدوا بأيديهم للَّه وابتهلوا
ويقول الشرعبي الطائي:
تذكرت هنداً في بلاد غريبة
فيالك شوقاً هل لشملك مجمع
تذكرتها «والشاش» بيني وبينها
وشعب عصام والمنايا تطلع([309])
بلاد بها خاقان جم زحوفه
ونيلان في سبعين ألفاً مشرع
إذا دب خاقان وسارت جنوده
أتتنا المنايا عند ذلك مشرع
هنالك هند، مالنا النصف منهم
وما إن لنا يا هند في القوم مطمع
ألا رب خود خدلة قد رأيتها
يسوق بهاجم من الصغد أصمع
أحامي عليها حين ولي حليلها
تنادي إليها المسلمين فتسمع
تنادي بأعلى صوتها صف قومها
ألا رجل منكم يغار فيرجع
ألا رجل منكم كريم يردني
يرى الموت في بعض المواطن ينفع
فما جاوبوها غير أن نصيفها
بكف الفتى بين البرازيق أشنع
إلى اللَّه أشكو نبوة في قلوبها
ورعباً ملا أجوافها يتوسع
فمن مبلغ عني ألوكاً صحيفة
إلى خالد من قبل ما تتوزع
بأن بقايانا وأن أميرنا
إذا ما عددناه، الذليل الموقع
هم أطمعوا خاقان فينا وجنده
ألا ليتنا كنا هشيماً يزعزع
وقال ابن عرس يخاطب الجنيد وهو الذي أصر على سور ابن الحر التميمي بالخروج في حملته التي أبيدت، وحاول سورة أن يقنعه بالعدول عن ذلك فأرسل إليه الجنيد يشتمه ويأمره بتنفيذ الأوامر العليا قال ابن عرس:
أين حماة العرب من معشر
كانوا جمال المنسر المارد
بادوا بآجال توافوا لها
والعائر الممهل كالبائد
فالعين تجري دمعها مسبلاً
ما لدموع العين من زائد
كنا قديماً يتقى بأسنا
وندرأ الصادر بالوارد
حتى مضينا بالذي شامنا
من بعد عز ناصر آبد
فتقت ما لم يلتئم صدعه
بالجحفل المحتشد الزائد
ترقت الأسياف مسلولة
تزيل بين العضد والساعد
تساقط الهامات من وقعها
بين جناحي مبرق راعد
أضحت (سمرقند) وأشياعها
أحدوثة الغائب والشاهد
وكم ثوى في (الشعب) من حازم
جلد القوى ذي مرة ماجد([310])
يستنجد الخطب ويغشى الوغى
لا هايب غس ولا ناكد
ليتك يوم الشعب في حفرة
مرسومة بالمدر الجامد
لا تحسبن الحرب يوم الضحى
كشربك المزاء بالبارد
أبغضت من عينك تبريحها
وصورة في جسد فاسد
خمسون ألفاً قتلوا ضيعة
وأنت منهم دعوة الناشد
والواقع أن الشعر قد استطاع أن يردد على الأجيال العربية صدى المحن التي حلت بالعرب على أيدي حكامهم، وهذا الشعر الذي نرويه هنا هو بعض ما استطاعت تلك الجماهير العربية المعذبة أن تعبر به عما في نفوسها من أشجان وما في جسمها من آلام!
لم تنظم هذه القصائد في معركة واحدة، بل نظمت في أوقات متقاربة فعندما كانت تثور المعركة ويرى الشاعر بعينيه فواجع إخوانه وفاجعته هو نفسه وما آل إليه أمر هذا الشعب البائس المنكود وكيف أهدر حكامه دماءه في أقصى الأرض، بلا هدف سوى محاولة إملاء خزائنهم بالمال وقصورهم بالقيان، وسوى التخلص من حيوية الأمة ونظرتها المتطلعة إلى حياة فضلى!.
عندما كان الشاعر يرى ذلك، كان الشعر يتدفق من صدره أنيناً مراً ودموعاً غزيرة، فنرى الشاعر الأول ابن السجف، قد حرك عاطفته مشهد اليتامى الضائعين الذين خلفتهم، وراءها تلك الألوف من الشهداء هزلى تائهين لا يدرون أين يذهبون!.
وهذا مشهد إنساني مثير، مشهد الطفولة اليتيمة المشردة الضائعة، مشهد يهز الجماد فكيف لا يهز الشاعر!.
وفي أي شيء تشردت تلك الورود العربية النضيرة، وهزلت تلك الجسوم الصغيرة، وفي أي غاية مات الآباء فتيتم الأبناء؟!.
لأن (الدولة العربية)! رفضت إسلام المجوس والوثنيين واستعرابهم ولأن الأشرس والي الأمويين بلغت به التقوى إلى الحدّ الذي لا يقبل في إسلام الأعاجم واستعرابهم إلا إذا حفظوا القرآن في الحال واختتنوا في الحال!!.
لأن (الدولة العربية!!) ولأن ممثلها الأشرس يريدون المال ولا شيء غير المال، يريدون الكنوز، يريدون القناطير المقنطرة من الذهب والفضة! في هذا السبيل وحده تيتم من تيتم وقتل من قتل، ولهذا قال الشاعر:
اذكر يتامى بأرض الترك ضائعة
هزلى كأنهم في الحائط الحجل
ومن هو الذي يريد منه هذا الشاعر أن يذكر؟! أهو الوالي الأشرس وغيرالأشرس ممن لا يقلون عنه شراسة وفظاظة، أم الجالس على العرش في دمشق، أم أي رجل من رجال الحكم الأموي؟!.
إن كان يريد واحداً من هؤلاء، فهؤلاء لا يمكن أن يذكروا اليتامى والأيامى!.
إن هؤلاء يذكرون شيئاً واحداً هو هل ستعجز الحملة القادمة عن أن تنقل إليهم خزائن الترك وسباياهم كما عجزت هذه الحملة، أم أنها لن تعجز!. هذا هاجسهم الوحيد! أما اليتامى الضائعة والطفولة المشردة، فهذا ليس من شأنهم!.
ويكمل هذا الشاعر شعره، فبعد أن يخاطب المجهول ويطلب إليه أن يذكر اليتامى يقول: وارحم!.
اذكر اليتامى وارحمهم، ارحم هزلهم وارحم ضياعهم وارحم حيرتهم وارحم مستقبلهم!.
أيها الشاعر الكريم: إن الرحمة هي الأخرى يتيمة في عصرك الأموي!.
وارحم وإلا فهبها أمة دمرت
لا أنفس بقيت فيها ولا ثقل
لا أنفس بقيت فيها ولا ثقل بهذا البيت صور الشاعر ضياع الأمة نفسها، لا ضياع يتاماها فحسب!.
وكأنه عزّ عليه أن تسجل على أمته تلك الهزائم النكراء، أو ينسب إليها الجبن والتخاذل، فقال يعتذر عما لاقاه أولئك الذين حلت بهم الهزائم وأبيدوا:
لاقوا كتائب من خاقان معلمة
عنهم يضيق فضاء السهل والجبل
ثم يصف محنة قومه وانقطاعهم في تلك البراري الموحشة أمام ذلك العدو الرهيب:
لما رأوهم قليلاً لا صريخ لهم
مدوا بأيديهم للَّه وابتهلوا
الحكم الذي عارضه الشيعة
هذه السياسة التي سار عليها الحكم الأموي، وهذه الأحداث التي رأينا مثالاً منها هي التي عارضها التشيع ودعا إلى الرجوع إلى الصواب في حكم الشعوب ومعاملتها بالعدل وتطبيق رسالة الإسلام عليها التطبيق الذي أراده محمد بن عبداللَّه(ص).
وكانت نقمة الشعب نقمة عامة ولكنه كان محكوماً بالقهر، والسيف مسلط عليه، وعندما كانت تحين له أول فرصة كان يعبر عن نقمته بشتى ألوان التعبير، وعندما كان يجد للثورة المسلحة مجالاً كان لا يتأخر عنها كما رأينا في الحركة التي شاءت الظروف أن يتزعمها عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث)[311]) والعوامل التي سببت تلك الثورة خير صورة عن حالة الشعب وحكامه الأمويين وعن حقيقة الروابط التي كانت تربط ذلك الشعب بأولئك الحكام.
كيف كان الحكام الأمويون يمثلون الإسلام
رأينا فيما تقدم كيف أن الحكام الأمويين كانوا يحولون بين الناس وبين الاستعراب والدخول في الإسلام، وكيف أن همهم كان سلب الأموال، وكيف أن تصرفاتهم هذه أدت لا إلى خروج الناس من الإسلام فقط، بل إلى قتل عشرات الألوف من المسلمين، وكيف كانت نتائجها مذابح رهيبة أريقت فيها دماء المسلمين ودماء الشعوب الأخرى كالأنهار وسنرى فيما يلي كيف كانت معاملة الحكام الأمويين لأهل البلاد المفتوحة، وكيف كانوا يتصرفون حين يقدر لهم أن ينتصروا.
قال الطبري وهو يتحدث عن إحدى الحملات على بلاد لاْتراك، وكان يقودها أحد أركان العهد الأموي يزيد بن المهلب: (دخل يزيد بن المهلب دهستان فأخذ ما كان فيها من الأموال والكنوز والسبي شيئاً لا يحصى، ثم قبض على أربعة عشر ألف رجل تركي وقتلهم، وكتب بذلك إلى الخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك).
وتحدث الطبري في موضع آخر عن هجوم يزيد هذا على جرجان فقال: (قصد جرجان فأعطى اللَّه لئن ظفر بأهلها أن لا يتركهم ولا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم ويخبز من ذلك الطحين ويأكل منه).
ثم يصف الطبري ما جرى بعد انتصار يزيد: (ونزل أهل جرجان على حكم يزيد بن المهلب فسبى نساءهم وأولادهم وقتل رجالهم، وصلبهم فرسخين عن يمين الطريق ويساره، وساق منهم اثني عشر ألف رجل إلى وادي جرجان وقتلهم هناك وأجرى الماء في الوادي على الدم، وكان فيه مطاحن ليطحن بدمائهم، فطحن وخبز وأكل).
يقول الطبري: (قتل يزيد من أهل جرجان أربعين ألفاً).
هذا ما فعله حاكم أموي واحد في بلدتين اثنتين فقط، وإليك ما فعله حاكم أموي آخر هو قتيبة بن مسلم حاكم خراسان. قال الطبري: إنه قتل نيزك بعدما آمنة وقتل معه اثني عشر ألفاً. وقال الطبري أيضاً: (إن قتيبة لما تغلب على ملك (خام جرد) جيء إليه بأربعة آلاف أسير فقتلهم، قتل أمامه ألف وعن يمينه ألف وعن يساره ألف وخلف ظهره ألف).
ويقول الطبري عن حاكم آخر من حكام الأمويين هو قحطبة بن شبيب: إنه قتل من أهل جرجان زهاء ثلاثين ألفاً.
وقال الطبري أيضاً إن الجراح الحكمي غزا أرض الترك ففتح (بنلجر) وهزم الترك وغرقهم وعامة ذراريهم في الماء وسبوا ما شاؤوا. وقال الطبري أيضاً وهو يروي عن الوالي الأموي ابن أبي العمرطة في إحدى غزواته لبلاد الترك: (لقد آتيناهم وغلبناهم على أمرهم واستعبدناهم) (لاحظ كلمة استعبدناهم).
هذا الذي أوردناه في ما تقدم هو حوادث عادية كانت تقع دائماً، وكل الحكام الأمويين والقواد كانت سيرتهم في البلاد المفتوحة على هذا المنهج من القتل والنهب والسبي. فماذا كانت نتيجة هذه الفتوح على الإسلام والمسلمين؟.
ما لنا وللنظريات ولننظر إلى النتائج العملية لتلك الفتوح ونأخذ منها الحملات الشرقية ابتداء من محمد بن القاسم إلى محمود الغزنوي، تلك الحملات التي استهدفت فتح الهند والسيطرة عليها.
إنه في طيلة تلك القرون الطويلة، ومع تلك القوى الرهيبة لم يستطع الإسلام أن ينفذ إلا إلى عدد ضئيل من سكان الهند وظلت الهند بأكثريتها الساحقة غير مسلمة، ومن أصل ما يقارب 700 مليون من سكان شبه القارة الهندية لم يزد عدد المسلمين عن مائة مليون.
وكيف ينتشر الإسلام في الهند وغير الهند وممثلوا الإسلام فيها رجال تخرجوا على يدي الحجاج بن يوسف وأشباهه من السفاحين، وكيف يرغب البوذيون والهندوس والمجوس في الإسلام وأعمال حكامه مثل الأعمال التي رأينا صورة عنها فيما تقدم، وكيف ينتشر الإسلام، ويدخل فيه الناس وأفعال قواده منبثقة عن الوضع الذي قال عنه عمر بن عبدالعزيز: (امتلأت واللَّه الأرض ظلماً).
وفي مقابل ذلك فلننظر إلى ما فعلته الدعوة الإسلامية في بلاد أخرى حين تقدمت وشعارها الإسلام، ودعاتها رجال من صميم الشعب لا يطمعون إلا بهداية الناس وإرشادهم ولا يرجون إلا سيادة العدل والحق.
لننظر ما فعلته في جزر متفرقة وأرض متباعدة مثل أندونيسيا، فإن المائة والعشرين المليون المسلم الذين يتألف منهم مجموع الجزر الأندونيسية لم يدخلوا الإسلام لأن سيفاً مثل سيف محمد بن القاسم سلط عليهم، أو أن خيلاً مثل خيل محمود الغزنوي هبطت إليهم، بل دخلوا الإسلام لأن تجاراً بسطاء مؤمنين، وعلماء أبرياء مخلصين، هدوا الناس بأعمالهم قبل أقوالهم، وحملوا الإسلام على قلوبهم رحمة وعدلاً وحقاً وإنصافاً ففي الوقت الذي لم يسلم فيه إلا ربع الهنود، أسلم كل الأندونيسيين.
وفي يقيني أن إسلام من أسلم من الهنود إنما كان على أيدي المؤمنين البسطاء لا على أيدي السفاحين الطغاة، وأنه لولا هؤلاء الطغاة الذين رأينا مثالاً لأعمالهم فيما تقدم لكان للإسلام في الهند مثل ما كان له في أندونيسيا)[312]).
لقد كان مقدراً للترك أن يسلموا بمجرد وصول المسلمين إليهم، ولكن الحكم الغاشم، والحكام السفاحين، حالوا بجرائرهم دون ذلك. فعادت أرض تركستان ـ كما عاد غيرها ـ مجازر تراق فيها الدماء العربية، ويذبح فيها شبان العرب وتفنى جموعهم إرضاء لشهوات الحكام وإشباعاً لنزواتهم.
ثم رأينا كيف أن الترك عادوا فأسلموا بعد ذلك بحوالي قرنين ونصف القرن حين تقلص ظل أولئك الحكام، وتولى الدعوة إلى الإسلام خير القواد وخير الفاتحين.
إسلام الأتراك
كان الاتصال الأول للمسلمين بالشعوب التركية على يد حكام الأمويين الذين أبعدوها بسياستهم الجائرة عن الإسلام، ولم يكتفوا بأن حالوا بينها وبين الدخول فيه ـ مما يجد القارىء تفاصيله في بحث (تركستان) ـ بل جعلوها عدواً شرساً له تقض مضاجعه وتذبح عشرات الألوف من رجاله، لذلك تأخر إسلام الترك، ولم يدخلوا في الإسلام إلا بعد أن انقطعت الفتوح وزال القواد السفاحون، وعاد يدعو إلى الإسلام الداعاة الهداة البسطاء. وظل الترك على أديانهم حتى كان العام 348هـ أي بعد أكثر من مائتين وثمان وثلاثين سنة من وصول الفاتحين إليهم. وبعد أن اتصل بهم المؤمنون الطيبون فإذا بهم ينتقلون إلى الإسلام.
أسلم ساتوق بغراخان مؤسس الإيلكخانية المتوفى سنة 344هـ (955م) فأسلم معه مائتا ألف أسرة مما عمم الإسلام بين الترك.
أما إسلام الغز فقد كان بعد سنة 309هـ لأن ابن فضلان زارهم في هذه السنة فأشار إلى أنهم غير مسلمين.
وقال اليافعي في مرآة الجنان وهو يتحدث عن أحداث سنة 348هـ فيها كان إسلام الترك، قال ابن الجوزي: أسلم من الترك مائتا ألف نفس «انتهى».
وقال ابن الأثير وهو يتحدث عن أحداث سنة 349هـ: وفيها أسلم من الأتراك نحو مائتي ألف خركاه.
على أن دخول الترك في الإسلام جماعات جماعات، كان أيضاً في غير الفترة التي يشير إليها اليافعي.
فقد مرت بلاد الأتراك والشرق المذكور بأسره في الفترة الواقعة بين أواخر خلافه هارون الرشيد إلى أواخر خلافة المأمون وأوائل خلافة المعتصم بمر حلة خطيرة من مراحل الانتقال، مرحلة امتازت بإقبال الأتراك على الدخول في حظيرة الإسلام، وهي ثمرة من ثمرات السياسة الإنشائية التي انتهجها المأمون في ولايته على خراسان بل في خلافته بأسرها وولاية عهده قبل ذلك. وفي هذه الفترة اشتهر الفضل بن سهل وزير المأمون الملقب بذي الرياستين. ولهذا الوزير جهود لا تنكر في هذا الشأن.
أقبل أتراك ما وراء النهر أتراك «الصغد» و«الشاش» و«أشروسنة» و«الصغانيان». في مقدمتهم ملوكهم وأمراؤهم وأشهرهم «كاوس» وابنه حيدر بن كاوس المعروف «بالأفشين» وأمثالهم. على الإسلام وازدحمت وفودهم على باب المأمون أمير خراسان ثم وفدوا على بغداد فرأوا حرمة وافرة وصلات دارة وحياة رافهة لم يروا بعضها في بلادهم ووجدوا أنفسهم في بلاد العرب أو في كنف حكامهم أحسن حالاً من بقية إخوانهم الذين يعيشون في كنف ملوكهم وقبائلهم الرحل المتنقلة في فيافي الشرق. هذا وعلينا أن نلاحظ أن الفترة المذكورة في تاريخ الأتراك والدولة العباسية امتازت بميل الفريقين إلى التعاون أو ميل دار الخلافة إلى التقرب من شعوب الأتراك بتخفيف المؤن والضرائب وحرمة الزعماء والأكابر ورعاية حقوق المسلمين منهم ومساواتهم بغيرهم من سائر المسلمين.
هكذا أسفرت هذه السياسة الإنشائية عن نتائج باهرة في تلك البلاد إذ نعمت بعهد منقطع النظير من الطمأنينة والرخاء في عصر المأمون ثم استخلف المعتصم فحذا حذو أخيه، ومن ذلك الحين انتظم في سلك عسكره من انتظم من أتراك ما وراء النهر صغد وفراغنة وأشروسنة وغيرهم وحضر ملوكهم بابه وغلب الإسلام على من هناك من القبائل التركية بالحرب مرة وبالمكاتبة والدعوة تارة، وكفى هؤلاء الأتراك جيش بني العباس في الفترة المذكورة مؤونة الحرب في الثغور وراح الأتراك المسلمون يغزون من وراءهم تركاً ومغولاً ووصل طاهر بن عبدللَّه بن طاهر ـ من أشهر القواد في عصره ـ إلى مواضع لم يصلها أحد من قبله)[313]).
فهذا ـ أعني غناء الأتراك وكفايتهم في الفتوح والإلحاح في الغارات والحروب على بني قومهم ـ من أهم أسباب ركون المعتصم إلى هؤلاء الأتراك وفي مقدمتهم كاوس وابنه الأفشين بعد إسلامه وهو من ملوك القوم حتى غلب الإسلام على أهل تلك البلاد في خلافة المأمون ثم المعتصم، ولإسلام الأفشين وحضوره إلى بغداد قصة معروفة في تاريخ الدولة العباسية.
وجد المعتصم ـ وقبله المأمون ـ مضاء وكفاية أظهرهما هؤلاء الذين دخلوا الإسلام من الترك في حرب من وراءهم من القبائل والبوادي التركية والنكاية بمن خرج من الخوارج من الخرمية وغيرهم بعد ذلك. وقاموا في هذه الناحية بأعمال ومهام لا يتسنى لسواهم من الخراسانيين والعرب القيام بها لأن الأتراك أدرى ببلادهم فكان ذلك من أهم دواعي تلك الثقة والاطمئنان بالأتراك وسدّ الثغور بقوم من أهلها كما عرف ذلك عن المعتصم ولكن المعتصم أفرط في الاطمئنان إلى القوم حتى أدى الأمر إلى طغيانهم وغلبتهم على الخلفاء.
امتازت الفترة الأخيرة من عصر العباسيين الأول ـ أعني عصر المأمون وأخيه المعتصم بضرب من السياسة الإنشائية في بلاد الشرق وما وراء النهر ـ كما قلنا ـ، وقد نحا المأمون نحو سياسة أساسها الكف عن الغزو والإثخان في البلاد النائية وقوامها التعاون مع أهل البلاد المفتوحة والميل إلى الصلح وتسوية ما بين الفريقين من الخصومات تسوية سلمية مهما أمكن ذلك، وقد توالت بعد هذه الفترة أو في المائتين الثالثة والرابعة عصور ازدهرت فيها الثقافة الإسلامية ونهضت آداب اللغة العربية نهضة منقطعة النظير وأصبحت لغة الضاد فضلاً عن كونها لغة الدين لغة العلم والكتابة والتأليف وتغلبت في تلك الأصقاع الواسعة على اللغات كافة ووضع فيها عدد لا يستهان به من أمهات الأسفار في العلوم والفنون.
ويلاحظ أن الأتراك الغربيين أسبق من إخوانهم الشرقيين إلى ذلك. والخلاصة تأخر إسلام الترك في الشرق الأقصى وأواسط آسية، ولكنهم أقبلوا على الإسلام شيئاً فشيئاً في عصور العباسيين، ثم في عصور بعض الدول الإسلامية التي انفصلت عن الدولة العباسية فيما وراء النهر أو بعض ديار الأتراك، وما زال هذا شأن بعض القبائل التركية حتى بعد زوال دولة بني العباس)[314]).
القره خانية
والقره خانية أو الإيكخانية: أسرة تركية حكمت في أراضي آسيا الوسطى التي تعبر جبال (تيان شان) أي التركستان الغربية (ما وراء النهر)، وفي التركستان الشرقية (كاشغر، أو سين كيانغ) من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) حتى مستهل القرن السبع الهجري (الثالث عشر الميلادي).
وقد أسلم القره خانية خلال القرن الرابع الهجري ـ كما تقدم واهتدى رأس الخانية الغربية (ساتوق بغراخان) المتوفى سنة 344هـ (955م) إلى الإسلام واتخذ اسم عبدالكريم. ولكن الخانية الشرقية لم تهتد إلى الإسلام إلا بعد ذلك بوقت قليل. ثم أسلمت سنة 435هـ (1043 ـ 1044م) 10,000 خيمة من الأتراك الذين كانوا يتجولون بين بلغار وبلاساغون.
ولم تلبث كاشغر بخاصة أن أصبحت المنطلق الرئيسي لانتشار الإسلام والثقافة الإسلامية في حوض تارم وصوب حدود بلاد المغول والصين…
واحتفظ القره خانية بتركيتهم القوية، وكان عصرهم عصراً له شأنه العظيم في خلق وعي ثقافي تركي بعامة وخلق أول أدب إسلامي.
(راجع: آسيا الصغرى)
تركيا
تتألف من جزأين يفصل بينهما مضيق البوسفور شرقاً ومضيق الدردنيل غرباً، ويمتد بين المضيقين بحر مرمرة. يقع الجزء الأصغر في أوروبا (تراقيا) ويجاور بلغاريا واليونان، والجزء الأكبر في آسيا الصغرى (الأناضول). يحده البحر الأسود وبحر إيجه والبحر المتوسط وسوريا والعراق وإيران وروسيا.
وأكثر السكان يقيمون في الريف إذ تزيد نسبتهم على 70% بينما نسبة سكان المدن هي 30%.
المجموعات البشرية: ينتمي سكان تركيا من حيث الجنس إلى المجموعات التالية:
الترك ـ وينتمون إلى العرق الأصفر ويسودون البلاد كافة.
الأكراد ـ وهم في المنطقة الجبلية في شرقي البلاد.
العرب ـ في أسكندرون وكيليكيا وشمالي الأرض السورية.
الشركس ـ في الشمال الشرقي، ومهاجرون إلى مناطق مختلفة.
اليونانيون ـ في الغرب وبخاصة في أزمير.
الكرج ـ في الشمال الشرقي.
الأرمن ـ في الشرق ومنطقة كيليكيا وجالية في أستانبول.
البلغار ـ في الغرب.
اليهود ـ في أستانبول وأزمير.
والأقليات غير المسلمة لا يزيدون على 8% من مجموع السكان.
وتقسم تركيا إدارياً إلى 67 ولاية يحكم كلاً منها وال، يعين من قبل الحكومة، ويعتبر مسؤولاً أمام وزير الداخلية. ولكل ولاية مجلس ينتخبه سكانها انتخاباً مباشراً، ويختلف عدد أعضائه حسب عدد سكان الولاية وتنقسم كل ولاية إلى عدد من المراكز يختلف حسب مساحتها.
وتشغل الزراعة ثلث مساحة تركيا، وتمتاز بانتشار الملكية الصغيرة واعتمادها على المطر إذ إن المساحة المروية تزيد قليلاً عن 6% من مساحة الأرض الصالحة للزراعة وما تبقى فإنما يزرع بعلاً.
وأهم الزراعات هي:
1 ـ الحبوب: وتشتهر تركيا بزراعة مختلف أنواع الحبوب وبخاصة في الأناضول والمناطق المتوسطية إضافة إلى بنية المناطق الأخرى إذ تكاد لا تخلو بقعة من زراعة الحبوب، وأهم أنواعها: القمح والشعير والذرة والرز.
والقطن: ويزرع في غرب الأناضول ومنطقة أضنة، وقد أصبح من الصادرات الرئيسية للبلاد.
والتبغ: ويزرع على السفوح الساحلية وبخاصة سواحل البحر.
والفاكهة: وتزرع في أجزاء تركيا كلها وبخاصة على سواحل بحر إيجه حيث يزرع العنب والتين والزيتون.
والبندق: ويزرع على سواحل البحر الأسود حيث هناك أكبر بقعة في العالم لزراعة هذا النوع من الثمار.
والشاي ويزرع على الجانب الشرقي للبحر الأسود. والشوندر السكري.
كما يجود الكتاب بأصناف أخرى من الزراعات.
وتكثر الحيوانات في تركيا بسبب كثرة الأراضي البور التي تبقى دون زراعة بعد حصاد الحبوب وتصدر تركيا كثيراً من هذه الحيوانات وأشهرها:
الأغنام.
الماعز العادي.
ماعز أنجورا.
الأبقار.
كما تصدر الصوف المشهور بالموهر الغالي الثمن.
الأتراك الغز
ـ الغُز (Oghuz) هي التسمية العربية لفرع من القبائل التركية التي كانت تقطن، قُبيل ظهور الإسلام، رقعة واسعة من أواسط آسيا تمتد من تخوم الصين شرقاً إلى البحر الأسود غرباً. يقول ابن خلدون: «وكان الظهور فيهم (الأتراك) لقبيلة الغُز من شعوبهم، وهو الخوز، إلا أن استعمال العرب لها عرَّب خاءها المعجمة غيناً، وأدغمت واوَها في الزاي الثانية فصارت زاياً واحدة مشددة».
وكانت هذه القبائل في معظمها تعيش على الرعي وتربية الخيول، واشتهر أبناؤها فرساناً ورماة بالقوس والنشّاب، ويذكر ابن خلدون «أن أمم الترك لهذا العهد قتالهم مناضلة بالسهام». ويحدثنا المروزي ـ الذي كتب في حدود سنة 514هـ 1120م ـ عن هؤلاء الأغزاز في موطنهم الأول في أواسط آسيا فيقول: «الترك أمة عظيمة كثيرة الأجناس والأنواع، كثيرة القبائل والأفخاذ… ومن قبائلهم العظيمة الغُزِّيَّة… فأما الذين يسكنون البراري والصحارى، وينتقلون شتاء وصيفاً، فهم أشد الناس بأساً، وأصبرهم على القتال والحروب… ونساؤهم يحاربن مثل الرجال، وإنهن يقطعن أحد الثديين لترجع القوة كلها إلى الذراع، وكي تخف أبدانهن ويثبتن على صهوات الخيل… ولا يمنعن من قطع الآخر إلا حاجتهن إلى رضاع أولادهن واستبقاء النسل، وإنما يقطعن الواحد لئلا يحبسهن عن رمي النشاب على ظهور الخيل».
كان اعتناق الغُز للإسلام في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، فأخذ أمراء المسلمين في تجنيدهم في جيوشهم للقيام بغزوات الجهاد، وقد عرفوا لدى المؤرخين العرب باسم «التركمان»، ولدى الروم البيزنطيين باسم (Ouzoia) . ومن أشهر قبائلهم السلاجقة الذين انتزعوا الأناضول (آسيا الصغرى) من أيدي الروم البيزنطيين بعد انتصارهم الكبير في وقعة مانزيكرت سنة 1071م، وسيطروا على معظم بلدان الشرق الأدنى في أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي والأتراك العثمانيون هم أبناء عمومتهم.
وفي المصنَّفات المغربية ترد كلمات «الغز» و«الأغزاز» و«الغُزْيون» و«الغُزْية» للدلالة على الجنود المرتزقة من التركمان الذي وفدوا إلى شمال أفريقيا عن طريق مصر منذ منتصف القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي.
الأغزاز
في المغرب والأندلس
أ ـ قبل قيام دولة الموحدين
ثمة إشارتان في المصادر المغربية إلى وجود بعض عناصر الغز في المغرب في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي فابن أبي زرع الفاسي يذكر أن يوسف بن تاشفين، سلطان المرابطين جنّد الأجناد في سنة 454هـ/ 1095م «وجعل في جيشه الأغزاز والرعاة». إلا أنه ليس ثمة ما يؤيد هذا القول ويبدو أن ابن أبي زرع ـ الذي ألّف كتابه بعد ذلك التاريخ بقرنين ونصف القرن.
ـ يحسب أن كلمة «الغز» تعني فقط رامياً أو رامياً يستعمل قوساً من نوع خاص.
ويذكر ابن عذاري أنه ظهر في أفريقيا (البلاد التونسية) في حدود سنة 488هـ/ 1095م غُزِّي يشار إليه أحياناً بأنه تركي ومعه مئة من أتباعه، فتلقاه الأمير الزيري تميم بن المعز وأكرمه، وقال أنه سينتفع بهم كما ينتفع بمئة ولد وإنه يعرف كيف يستخدمهم. إلا أنه سرعان ما دب الخلاف بين هؤلاء الأتراك وبين سيدهم الجديد، وبعد مناوشة، اختفوا من التاريخ من دون أن يتركوا ـ كما يبدو ـ أي أثر.
ويرد ذكر الغز في إحدى رسائل «جنيزة القاهرة» في قرينة غير منتظرة تماماً، وذلك في خطاب من طليطلة إلى المريَّة بالأندلس في العشرينات أو الثلاثينات من القرن الثاني عشر للميلاد، أي في أواخر أيام المرابطين في الأندلس. وكاتب الرسالة هو الشاعر اليهودي يهودا بن ليفي (اللاوي Judah La- Levi) الذي يكنيه العرب بأبي الحسن، وكان طبيباً ومن رؤساء الطائفة اليهودية. وقد تناول في الخطاب قضية امرأة يهودية كانت سافرت في قافلة من تجار المسلمين، وأسرها النصارى. وكانت فدية الشخص الراشد 33 ديناراً. وتذكر الرسالة ما تم جمعه من ذلك المبلغ ألاّ في أن يدفع الباقي الشخص الموجهة إليه الرسالة في مدينة المرية وكان من بين من تبرعوا «الترك الغز» بقيمة أربعة دنانير. ولعل من أشار إليهم خطاب يهودا بن ليفي كانوا تجاراً سلاجقة مسافرين في القافلة نفسها كالمرأة اليهودية.
ـ كان الموحدون أول دول المغرب استخداماً للغز في جيوشهم، لا سيّما على عهد ثالث خلفاء الموحدين أبي يوسف يعقوب المنصور (حكم 1184 ـ 1199م)، لا بدّ أن قدم من مصر المغامر الأرمني الأصل شرف الدين قراقوش ـ الملقب بالغُزِّي على رأس فرقة من الأغزاز العام 568هـ/ 1172م، على عهد صلاح الدين الأيوبي، وتمكن ـ بالتحالف مع بني غانية من فلول المرابطين في جزيرة ميورقة ـ من انتزاع معظم البلاد التونسية من أيدي الموحدين ولمواجهة هذا الخطر، قاد السلطان الموحدي يعقوب المنصور بنفسه حملة كبرى من عاصمته مراكش ضد قارقوش وحلفائه. وفي وقعة عمرة بأحواز قفصة، هُزم جيش موحدي على أيدي الأغزاز والموارقة (15 ربيع ثاني 583هـ/ 24 حزيران 1187م: ووقع القائد الموحدي أبو الحسن علي بن الربرتير في أسر الأغزاز أصحاب قراقوش. ويبدو أن الغز لعبوا دوراً مهماً في إحراز النصر إذ «ناشب الأغزاز القتال… فدفع القائد أبو الحسن بن الربرتير بجملته… فغشيته وأصحابه سحائب سهام أكبَّت منهم جماعة لوجوههم كسقوط الألغام… وكانت تغشاهم سحائب السهام كسحاب الغمام، وهم في مثل حلقة من الازدحام… يتوقعون المنايا من كل الجهات ويتدافعون على مثل ظهر القنفذ…».
ولما علم المنصور ـ وكان بمدينة تونس ـ بما حلّ بجنده، توجه بنفسه على رأس جيش كبير وأوقع ببني غانية والأغزاز هزيمة كبرى عند حامّة مطماطة بالقرب من مدينة قابس (9 شعبان 583هـ/ 14 تشرين الأول 1187م) ولم تلبث أن سقطت قابس وقفصة في أيدي الموحدين، واستسلم من بهما من الأغزاز بعد أخذ الأمان وألحقوا بجيش الموحدين وبعد استسلام الأغزاز بقفصه، سيّرهم المنصور إلى الثغور لما رآه من شجاعتهم ونكايتهم. وفي ذلك يقول شاعر المنصور أبو بكر بن مجبر:
ما أغنت قسي الغُز عنها
فليست تدفع القدر السهامُ
وقال أيضاً من قصيدة يمتدح فيها المنصور ويذكر هزيمة الأغزاز:
أنحى الزمان على الأغزاز واجتهدت
في قطع دابرهم أحداثه السود
وفي الرسائل الموحدية، التي كانت ترسل من ساحات القتال إلى أشياخ الموحدين وطلبتهم في مراكش، إشارات عدة إلى هؤلاء الغز. ففي رسالة من إنشاء الكاتب ابن محشرة (13 شعبان 583هـ/ 23 تشرين الأول 1187م) من ظاهر قابس إلى الطلبة والموحدين والأشياخ بمراكش ـ بعد أسبوع من وقعة حامة مطماطة ـ قوله: «فقد علمتم ما كان من الأشقياء الغزيين، وإخوانهم في الضلالة الميورقيين من التسحب على أرجاء هذه الجهة الأفريقية وأكنافها… وكان بقابس بنو الشقي قراقوش وأهله… ومعهم جماعة من أوباشه الذين يعتمد عليهم… فحصنوا بقصبة منها منيعة الجوانب… وأجمعوا على الاستماتة بها… وهذه المدينة العتيقة (قابس) روح هذه الجهات الأفريقية ومعناها… وما تمشي للأغزاز ـ أبادهم اللَّه ـ ما تمشي إلا بملكها…».
وجاء في رسالة مؤرخة في 2 رمضان 583هـ/ 5 تشرين الثاني 1187م ـ أي بعد أسبوعين من الرسالة السابقة ـ من إنشاء ابن محشرة إلى الطلبة والموحدين والأشياخ بتونس، من ظاهر قفصة، أن الموحدين ألفوا بقفصة «جملة دميمة من أشقياء الأغزاز وأتباعهم… وفي يوم الحلول بقفصة، وصل خطاب قراقوش وإرساله راغباً في التوحيد (الالتحاق بالموحدين) خاضعاً… معلماً أنه إن قبلت توبته وأجيبت رغبته، جاء إلى الموحدين… مطيعاً سامعاً. ووصلت في غده إرسال أبي زيان ومخاطبته، معرفاً بركونه إلى هضبة هذا الأمر العظيم وركنه… وهو زعيم من زعماء الأغزاز يضاهي قراقوش في قدره، ويقاسمه في أمره. وكان قد انتبذ عنه أنفه من مشاركته… واستبد بطرابلس ونواحيها، وأظهر دعوة التوحيد فيها…».
وفي رسالة من قفصة، بعد استيلاء الموحدين عليها (ذو القعدة 583هـ/ حزيران 1188م) إلى الطلبة وأشياخ الموحدين بمراكش أن التأمين اندرج على الأغزاز وأتباعهم وجميع أهل قفصة باستثناء «المرتدين المارقين والضالين الميورقيين»، وعاد إلى تلك الموحدين معقل قفصة الأشب «ولم يبق في هذه الجهات كلها من الأغزاز من ينفخ للفتنة في خرم… إذ أذهبت هذه الغزوة المباركة يوم الفتح الأعظم إنجادهم وأعيانهم، وتملكت بقابس وقفصة أشداء هم وشجعانهم، فصار جماهيريهم وأهل البسالة النجدة منهم خول الموحدين، وعبدانهم، وأجمع منهم عندهم جملة وافرة، وجماعة ظاهرة، وأعداد جمة متكاثرة…».
وفي رسالة تالية من إنشاء ابن محشرة ـ لعله صاحب كتاب «الاستبصار» ـ بتاريخ 10 ربيع الأول 584هـ/ 9 أيار 1188 إلى الطلبة وأشياخ الموحدين بمراكش، من منزل أبي سعيد، «وكنا ـ وقفكم اللَّه ـ قد عرّفناكم بمن استولي عليه بقابس… من الأغزاز، ومن استنزل منهم بقفصة… وقد اجتمعت منهم كتيبة جأواء، وفيلق شهباء، وجحفل بخباء، ترتعص منه الأباطح… وحصلوا في ملكة هذا الأمر العزيز بكافة أحوالهم، وجميع من معهم من بنيهم وأهليهم وأموالهم… وقد قدموا بين يدي الموحدين… غنماً يروق أهل المغرب منظره…». وألحق الأغزاز بعد استسلامهم بجيش الموحدين المرابط في أفريقية، إذ تشير الرسائل الموحدية إلى «عسكر من الموحدين والأغزاز والعرب» وإلى «جيش من الموحدين والأغزاز والأعراب».
ومهما كان الدافع أصلاً لقدوم قراقوش والأغزاز من مصر إلى أفريقية، فإنه كان لقودمهم وأعمالهم الحربية في البلاد التونسية ـ وتحالفهم مع بني غانية ـ مضاعفات وآثار سيئة في ما بعد علاقات الموحدين بالدولة الأيوبية.
تأثر يعقوب المنصور ببسالة الأعزاز وفاعلية رماتهم، فحرص على تجنيدهم في جيوشه، وبالغ في إكرامهم لكسب ثقتهم وولائهم له، يذكر ابن الأثير أن أبا يوسف يعقوب المنصور سير الأتراك «إلى الثغور لما رأى من شجاعتهم ونكايتهم في العدو». وقد شارك الأغزاز في الغزوة الكبرى التي قادها المنصور بنفسه في غرب الأندلس، واسترد فيها مدينة شلب من أيدي الصليبيين (586هـ/ 1190م). ولما استعرض المنصور عناصر الجند لدى عودته إلى أشبيلية «ركب السودان على النجب البيض بأيديهم الدرق، وعالي رؤوسهم طراطير الطليقان الشديد الحمرة، وصدور النجب منظومة بجلاجيل (أجراس) على شكل السفرجل، والأغزاز بضروب الحلل، وظهر مرأى تحار فيه الأبصار، وتذهل الخواطر والأفكار».
ويشكو عبدالواحد المراكشي صاحب «المعجب» من الحفاوة البالغة التي لقيها الغز من جانب السلطان الموحدي يعقوب المنصور لدى وصولهم إلى مدينة مراكش ومن الامتيازات التي حظوا بها دون سائر جند الموحدين. فقد بالغ المنصور «في تكرمتهم، وجعل لهم مزية ظاهرة على الموحدين، وذلك أن الموحدين يأخذون الجامكية (العطاء) ثلاث مرات في كل سنة… وجامكية الغز مستمرة في كل شهر لا تختل. وقال (المنصور): الفرق بين هؤلاء وبين الموحدين أن هؤلاء غرباء، لا شيء لهم في البلاد يرجعون إليه، سوى هذه الجامكية، والموحدون لهم الإقطاع والأموال المتأصلة. هذا مع أنه أقطع أعيانهم (الغز) إقطاعاً كإقطاع الموحدين أو أوسع. فقد أقطع شعبان الغزّي بالأندلس قرى كثيرة تغلّ في كل سنة نحواً من تسعة آلاف دينار هذا خارجاً عن جامكيتهم الكثيرة التي ليس لأحد من الأجناد غيرهم مثلها». إن شعبان الذي يشير إليه المراكشي كان من أمراء الغز، يقرض الشعر، وذا ميول أدبية، وهو ابن كوجيا من غزّ الموصل، وفد على يعقوب المنصور «ورفع له أمداحاً جليلة، وقدمه على مدينة بسطة (BAZA) من الأندلس. قال أبو عمران بن سعيد: أنشدني لنفسه:
يقولون أن العدل في الناس ظاهر
ولم أر شيئاً منه سراً ولا جهراً
ولكن رأيت الناس غالب أمرهم
إذا ما جنى زيد أقادوا به عمرواً
وإلا فما بال النطاسي كلما
شكوت له يخنى(يمنى) يدي فصدّ اليسرى؟
وكان المراكشي يعرف شعبان الغزي، وهو يطريه إذ يقول: «ولم يرد المغرب من هذه الطائفة ـ أعني الغز ـ ألطف حساً، ولا أزكى نفساً، ولا أحسن محاضرة، ولا أطيب عشرة من شعبان هذا المذكور، ما لقيته إلا أستنشدني أو أنشدني… وفي الجملة، كان له شغف بالآداب شديد، وكان يقرض شيئاً من الشعر، وربما ندرت له الأبيات الجيدة». ويترجم صاحب «الذيل والتكملة» لعمر بن عثمان بن محمد بن أحمد الغزي فيقول أنه فقيه خراساني، قدم الأندلس سنة 600هـ/ 1203م، ودخل مالقة وغرناطة وغيرهما، وروى عنه الكثيرون، وكان من خيار الناس وفضلائهم، صحيح السماع، ثقة فيما يرويه.
وكما تقدم، فإنه بعد أن استسلم للمنصور عدد وافر من الأغزاز في قابس وقفصة، ألحقهم بجيشه، ونقلهم معه إلى مراكش، واتخذهم رماة في غزواته في الأندلس، ولذلك فإن اسم الغز كثيراً ما يتردد في كتب التاريخ الأوروبية في القرون الوسطى ضمن جيوش الموحدين المحاربة في الأندلس. وكان لرماة الغز في جيوش الموحدين شهرة رماة مدينة سبتة وكان الواحد منهم يحمل قوساً عُرف بالقوس الغزي، وكانوا يحتلون الصفوف الأمامية في الجيش، ودورهم شبيه بدور المدفعية في الجيوش الحديثة، إذ برشقهم النبال على صفوف الأعداء كانوا يمهدون لتقدم الفرسان والمشاة. وقد نوه يعقوب المنصور بالغز في وصية حين قال «وهؤلاء الأغزاز أمرنا لهم بهذه البكرة يأخذونها، فاتركوها على ما رتبنا وربطنا، لأن الموحدين لهم سهام يرجعون إليها، وليس للأغزاز سهام».
جـ بعد الموحدين
يرد ذكر الغز في جيوش الدول التي أعقبت الموحدين في المغرب، بعد منتصف القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، كبني مرين في فاس، وبني عبدالواد (بني زيان) في تلمسان، والحفصيين في تونس.
فقد صار إلى الأمير المريني يحيى بن عبدالحق ـ بعد أول انتصار له على الموحدين ـ كتيبة الروم والناشبة من الغز». وساهم رماة الغز في الغزوات الأربع التي قادها في الأندلس أول سلاطين بني مرين أبو يوسف يعقوب وفي إحدى هذه الغزوات عند مهاجمة شريش «تقدمت الأغزاز ورماة المسلمين فرشقوهم بالنبال، ثم رجعت عليهم خيل بني مرين والعرب، فهزم النصارى». وفي غزاة في الأندلس لثاني سلاطين بني مرين، أبي يعقوب يوسف، «خرج شيخ الأغزاز قاصداً في مئة فارس إلى قلعة الوادي (Alcala del Rio) فأغار عليها وقاتلها، فقتل على بابها ما يزيد على سبعين «علجاً وأسر كذلك».
ويورد لسان الدين بن الخطيب ـ الأديب والوزير الغرناطي، وكان لاجئاً بمدينة فاس ـ وصف شاهد عيان لجيش السلطان أبي سالم المريني (سنة 761هـ/ 1360م) فيقول: «تقدمت الجمع كراديس الغز الرماة الناشبة، بين أيديهم قوم من مشاهير الميدان وذوي الثقافة». كما يبدو أن بعض فرق الجيش المريني تأثرت بالأغزاز زياً وزحفاً للقتال، ففي لقاء مع جيش لأحد الثائرين عليه (763هـ/ 1361م)، أمر السلطان المريني من في جيشه «من القبيل المريني بالمناوشة والاختصاص بباكورة اللقاء، ثم أردفوا بالناشبة ورماة القسيّ العربية، فرجفت راياتهم على شأن غز المشارقة، من المزمار والطبل، وحمل جمة الشعر في أرنية سنان الراية».
ولما شيّد السلطان المريني أبو يوسف بن عبدالحق فاس الجديدة (المدينة البيضاء) سنة 674هـ/ 1276م، أمر بتقسيمها إلى ثلاثة أقسام منفصلة: القسم الأول للقصور الملكية، والثاني اصطبلات كبيرة للخيول، «أما القسم الثالث، فقد أعدَّ لسكنى الحرس الخاص بالملك، وكان يومئذ مؤلفاً من المشارقة (الأغزاز) المسلحين بالقسي، لأن استعمال قاذفات البارود لم يشع بعد في البلاد، وكانوا يتقاضون مرتباً عالياً من الملك… ويشغل اليهود في أيامنا هذه (أوائل القرن السادس عشر) جزء المدينة الذي كان مقاماً قديماً لحرس الرماة».
ويبدو أنه كان للأغزاز مقابر خاصة بهم إذا أخذنا بما يذكره ابن أبي زرع الفاسي من أنه في سنة 719هـ/ 1320م، أمر السلطان أبو سعيد «ببناء الجبوب برأس قبور الأغزاز، فبنيت».
وكان للسلطان أبي حمو صاحب تلمسان قائد غزي هو موسى بن علي عهد إليه أكثر من مرة بقيادة جيش الأمير في حروبه مع المرينيين والحفصيين. وكان ليغمر أسن الزياني فرقة من الغز ورثها عن الموحدين وأخرى من الأكراد قدمت بعد استيلاء هولاكو على بغداد (656هـ 1258م)، ويبدو أن الجماعتين اندمجتا آخر الأمر. ولعل هذا الاندماج يفسر السبب الذي من أجله عرف موسى بن علي بالكردي والغزي في آن واحد.
أما الحفصيون في تونس، فكان جندهم متعدد الأجناس، من بينهم على عهد أول سلاطينهم أبي زكريا (حكم 1228 ـ 1249م) «جموع من الغز القدماء الذين هاجروا إلى المغرب في مدة بني عبدالمؤمن (الموحدين)، ونحو ألف فارس من المماليك الأتراك، ابتيعوا من مصر».
هذا، ولم يفقد الأغزاز أهميتهم في جيوش المغرب إلا بعد ظهور الأسلحة النارية، وأصبح يشار إليهم منذ القرن السادس عشر باسم الأتراك. يقول المستشرق الهولندي دوزي (Dozy) أن الغز فقدوا منذ القرن السابع عشر المكانة المرموقة التي كانوا يحظون بها في جيوش المغرب، وأصبح يعهد إليهم بتكبيل السجناء بالحديد، وضربهم بالسياط ثم بجزّ رؤوسهم. ويذكر أن اللغة البرتغالية احتفظت بكلمة (algoz) بمعنى الجلاَّد.
أمين الطيبي
العثمانيون
كان من القبائل الوثنية التي فرت أمام المغول قبيلة صغيرة يتزعمها أميرها سليام شاه الذي انتقل بجماعته نحو الغرب، ولكنه لم يتم الطريق إذ غرق في مياه نهر الفرات عندما أراد اجتيازه، ولا يزال قبره قائماً هناك. فتابع ابنه أرطغرل سيره بالقبيلة نحو الشمال حتى وفدوا الأناضول في عهد السلطان السلجوقي علاء الدين الأول، فاستقروا في المنطقة الشمالية الغربية وتوفي أرطغرل سنة 687هـ.
وبعد أرطغرل خلفه على زعامة القبيلة ابنه عثمان، وكان الرعي هو المهنة التي يزاولونها، ولما عاشوا في بيئة إسلامية، فقد دخلوا في الإسلام ولم يكن تحت إمرة عثمان وقتذاك سوى 400 فارس ومع ذلك استطاع فتح مدينة قره حصار واتخذها قاعدة له. وبعد مداهمة المغول للسلاجقة عام 699هـ، أعلن عثمان استقلاله بما تحت يده من الأرض، بل جاء أمراء البيت السلجوقي ليعيشوا في كنفه وبالوقت نفسه أصبح ملاذاً للمسلمين جميعاً الذين يعيشون في تلك الديار أو الذين يفرون من وجه التتار.
وإلى عثمان هذا ينتسب العثمانيون ودولتهم «العثمانية».
توفي عثمان عام 727هـ فخلفه ابنه أورخان الذي تمكن من فتح بروسه وأنقره وإزمير، وأسس الجيش الانكشاري وتوفي عام 761هـ، وخلفه ابنه مراد الأول، فتخطى مضيق البوسفور ومنطقة القسطنطينية واتجه نحو أوروبا يفتح في أراضيها. وجاء بعده ابنه بايزيد الأول الذي اضطر أن يلتفت إلى الشرق ليلاقي تيمورلنك الذي يتقدم جحافل التتار، وقد هزم العثمانيون أمام تيمور، وذهب سلطانهم بايزيد أسيراً، وحمله تيمورلنك معه وذلك عام 805هـ. واختلف أبناء بايزيد على الحكم بعد جلاء تيمور وإن تم الأمر أخيراً لمحمد الأول بن بايزيد، واستمر فيه حتى عام 825هـ حيث استطاع أن يوحد ما افترق من البلاد، وجاء بعده ابنه مراد الثاني حتى عام 855هـ ثم تسلم الأمر ابنه محمد الثاني الذي عرف بالفاتح حيث تم على يديه فتح مدينة القسطنطينية عام 857هـ وأصبح اسمها إسلام بول (استانبول) وكانت هي وما حولها المنطقة الوحيدة التي بقيت للدولة البيزنطية. وتوسع محمد الفاتح في أوروبا إذ دانت له معظم شبه جزيرة البلقان. وبعد محمد الفاتح جاء ابنه بايزيد الثاني عام 886هـ، واستمر في الحكم حتى جاء السلطان سليم الأول ابنه عام 918هـ، وبقي نزاعه مع أخيه أحمد مدة عام كامل ثم استتب له الأمر.
وبعد أن استتب الأمر للسلطان سليم غير الخطة التي سار عليها العثمانيون قبله إذ كانت وجهتهم أوروبا، واتجه نحو الشرق، يحارب الصفويين ويقاتل المماليك، فانتصر عليهم ونادى نفسه خليفة.
مات السلطان سليم الأول عام 927هـ، وخلفه ابنه السلطان سليمان الذي عرف باسم القانوني، وقد وصلت الدولة العثمانية أيامه إلى أزهى مجدها وأكبر قوتها وأكثر اتساع لها إذ تم له ضم البلاد العربية كلها ودقت جيوشه أبواب فيينا عاصمة النمسا.
ضعف الدولة العثمانية بعد السلطان سليمان وإن استطاعت في بعض الفترات أن تنهض من كبوتها، وأن تسير الجيوش للفتح، واستطاعت أن تحصر مدينة فيينا عام 1095م.
بالوقت نفسه كانت أوروبا تنهض من كبوتها وتقف على قدميها بقوة واتجهت نحو الدولة العثمانية وأراضيها تريد تحقيق مصالحها ومد نفوذها، ولكن اختلاف الدول الأوروبية فيما بينها جعل عمر العثمانيين يطول. كانت انكلترا تريد اقتطاع أكبر جزء من أراضي العثمانيين، وتريد المحافظة على طريق الهند عن طريق سيطرتها على مصر بالدرجة الأولى. وكذا كانت مصالح فرنسا التي تنافس انكلترا في كل مكان وبخاصة في مصر، هذا إضافة إلى النمسا وبروسيا والدويلات الإيطالية وبخاصة جنوى والبندقية.
أما روسيا فإنها ترى احتلال القسطنطيية، والسيطرة على المضايق (البوسفور، والدردنيل) وتنادى بهذا الرأي صراحة.
واستطاع سلاطين بني عثمان أن يحتفظوا بمركزهم بما اتخذوه من سياسة وما ساروا عليه من مرونة وما عرفوه من تضارب مصالح الدول الأوروبية وإن اضطروا في بعض الأحيان أن يوقعوا بعض المعاهدات الإفرادية ويتركوا نتيجتها بعض أملاكهم أو يتنازلوا عن بعض سيادتهم على أجزاء من دولتهم كمعاهدة قينازجة([315]) ومؤتمر برلين([316])، وقد تكون بعض المعاهدات السرية التي تتنازل فيه الدول العثمانية لإحدى الدول الأوروبية عن بعض القواعد في سبيل حمايتها ولقاء الوقوف بجانبها.
وكانت خاتمة الدولة العثمانية بدخولها في الحرب العالمية الثانية إلى جانب ألمانيا حيثي انتهت بهزيمتها وهزيمة حلفائها. واستطاع مصطفى كمال النجاح في ثورته على اليونان ثم ألغى السلطنة والخلافة وغدت تركيا جمهورية علمانية.
نشوء الدولة وتوسعها
قامت الدولة العثمانية، على ما أثبتت الروايات علمياً، سنة 1302م على أيدي عثمان. وكان ذلك في غرب آسيا الصغرى، وتوسعت في هذه الرقعة شرقاً بعض الشيء.
وبعد ذلك بفترة قصيرة عبر العثمانيون البحر إلى أوروبا واستولوا على رقعة واسعة في البلقان. وأثار تقدمهم خشية بعض الأمراء الأوروبيين فهيأوا حملة اتجهت نحو الحدود العثمانية.
لكن هذه الحملة انكسرت في نيكوبوليس سنة 1397، فكان ذلك إيذاناً بتوسع آخر نحو أواسط أوروبا. لكن حملة تيمورلنك المغولي على الشرق وصلت آسيا الصغرى واشتبك مع بايزيد في معركة أنقرة (1401) وكسر الأخير وأسره خصمه.
لذلك فإن الأمر اقتضى من الحكام التوقف بعض الشيء عن الفتوح وإعادة ما كان قد ضاع منهم (مؤقتاً).
وعلى ما يمكن أن يحدث في أسرة ملكية لم يكن لولاية العرش، عند وفاة السلطان، ضابط، قامت خصومات ونزاعات، داخل الأسرة. لكن لما سويت الأمور، وفي أيام محمد الفاتح وبايزيد (1451 ـ 1512) عادت الدولة إلى التوسع، فافتتحت القسطنطينية (1453) ـ وجعلت العاصمة ـ واحتلت أجزاء في شرق آسيا الصغرى وفي البلقان في اتجاه أواسط أوروبا.
وحري بالذكر أنه خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر انصرف السلاطين العاقلون إلى تنظيم للامبراطورية كان أساسه الشريعة، إلا أن الأعراف المحلية أخذت في الاعتبار في الولايات الأوروبية وكان أساس الإدارة السلطة المطلقة للجالس على العرش يساعده وزير أكبر.
وكان ذراع الدولة الحربي أساسه الجيش بفرسانه ومدفعييه، وبالإنكشارية (المشاة) الذي قام تنظيمهم في هذه الفترة. وكان ثمرة عناية بالبلاد المفتوحة من حيث تقسيمها ولايات وسناجق وتعيين حكام أتراك لأكثرها بحيث يكون إلى جانب هؤلاء الحكام قضاة ينظرون في ظلامات الناس.
والمقولة المهمة هو أن الفتوح العثمانية وضعت حداً للفوضى في آسيا الصغرى والبلقان.
العصر الذهبي للامبراطورية العثمانية
يمثل القرن السادس عشر العصر الذهبي في تاريخ الدولة العثمانية. ففيه تولى العرش سليم الأول (1512 ـ 1520) وسليمان القانوني (1520 ـ 1566) وسليم الثاني (1566 ـ 1574)، ومراد الثالث (1595 ـ 1603) وفيه تم فتح بلاد الشام (1516) ومصر (1517) وترحيب شريف مكة بالسلطان سليم وقبول سيادته، وفتح اليمن والعراق وشمال أفريقيا (سوى المغرب) وقبرص ورودس وهنغاريا وجوارها. وحاصرت الجيوش العثمانية فيينا.
لكن الأمر لم يقتصر على الفتوحات، فقد عرفت هذه الفترة تنظيماً للدولة أساسه أن السلطة كانت بيد السلطان الذي كان جيشه قوياً وأسطوله ناجحاً في البحر المتوسط وكانت الولايات وبخاصة العربية منها، تقبل بلاد الشام ومصر من حكم المماليك، والتي ضبطت، لبعض الوقت على الأقل، تصرف رجال الزعامات المحلية، ولو إنها لم تقض عليهم. وكان الإنكشارية وهم درع السلطان داخلاً وخارجاً، بعد منتظمين.
ومما هو مهم في هذه الفترة تطور التجارة مع أوروبا والنشاط الاقتصادي الفلاحي في الولايات. ويمكن القول إجمالاً بأن الدولة وكان هذا أسلوب العصر، كانت تسيطر على الناحيتين، التجارية والزراعية.
وبسبب أهمية الإتجار مع الأجانب في هذه الفترة، وهو أصلاً استمرار إلى ما كان قبلاً، يجدر بنا أن نذكر أن التجار الأجانب في القرن السادس عشر كانوا البنادقة والجنويين والراغوسيين والملدافيين والفلاخيين والبولونيين والمسكوبيين (الروس): الجماعات الثلاث الأولى بحراً، والباقون براً. لكن فرنسا أخذت تنافس في التجارة البحرية.
وفي سنة 1536 عقدت معاهدة بين سليمان القانوني وفرنسوا الأول تعطي التجار الفرنسيين بعض الإمتيازات وأهمها أن يكون لفرنسا قناصل في استانبول والاسكندرية وطرابلس (لبنان) والجزائر؛ وقد عين هؤلاء سنة 1569 فكان هذا تثبيتاً للوجود الفرنسي سياسياً بثوب تجاري. وفي أواخر القرن السادس عشر كان الفرنسيون قد حلوا محل البنادقة، أقوى تجار البحر المتوسط، وكانت السفن الإنكليزية والهولندية تتاجر تحت العلم الفرنسي.
لكن الإنكليز تدبروا أمرهم بين 1580 و1583 فصارت لهم إمتيازات مثل الفرنسيين وفي سنة 1612 جاء دور الهولنديين ولنذكر أن معاهدة سنة 1536 توسعت بنودها وامتيازاتها تدريجاً بحيث أصبحت أساس «الإمتيازات الأجنبية» في ما بعد.
والمتاجر التي كانت تنقل إلى أوروبا في هذه الفترة تشمل الكثير من الصناعات الشامية ـ الأقمشة والأدوات النحاسية والسيوف. والمواد الخام وأهمها الزيت والسكر ورماد كان يستعمل في صناعة الزجاح في أوروبا. أما التجارة الشرقية، في مصر وبلاد الشام، فكان يدخل فيها الأقمشة الثمينة والتوابل والعطور والحلى والأصبغة.
وفي القرن السادس عشر كان ثمة نقدان فضي وذهبي، ويسمى الأول أقجة، وهو الشائع استعمالاً، فالذهب كان ظهوره قليلاً. وكانت عملات الدول الأجنبية مقبولة في التجارات الكبيرة.
وقد رأينا أن ننقل هذا الجدول للنقد الفضي لتبيان تدهور قيمة النقد:
1) بين 1491 و1566 يسك من مئة درهم فضة 420 أقجة (في الأقجة الواحدة 731، غرام فضة).
2) 1566 يسك من مئة درهم فضة 450 أقجة (في الأقجة الواحدة 682 غرام فضة).
3) 1584 ـ 1586 يسك من مئة درهم فضة 800 أقجة (في الأقجة الواحدة 384 غرام فضة).
4) 1600 (في الأقجة الواحدة 323 غرام فضة).
5) 168 (في الأقجة الواحدة 306 غرام فضة).
قطعة نقد الذهب تساوي 3,517 غرام.
1491 ـ 1516 52 أقجة.
1517 ـ 1549 55 أقجة.
1550 ـ 1566 60 أقجة.
1574 ـ 1595 120 أقجة.
القرن السادس عشر كان عصر القوة العظمى التي بلغتها الدولة العثمانية لكن القرن نفسه كانت فيه عناصر الضعف التي نخرت جسم الإمبراطورية في ما بعد. ومما يلفت أن تدني قيمة النقد بدأت سنة 1466 واستمرت في الهبوط وهو أول إشارات التصدع.
وهناك ثقل الضرائب الأمر الذي اقتضته الحملات العسكرية الكثيرة. صحيح أن هذه وسعت حدود الإمبراطورية، لكن هذا التوسع اقتضى نفقات باهظة أتعبت السكان. ومع أن الإنكشارية كانوا منضبطين في هذا القرن فإنهم بدأوا، في مطلع القرن التالي، يصبحون عنصراً مزعجاً للدولة في العاصمة والولايات.
الدولة العثمانية في الميزان
في معركة ليبنتو البحرية (1571) كانت خسارة الدولة تامة، لكن هذه كانت بعد قوية بحيث أن المعركة لم تؤثر كثيراً في إضعاف الإمبراطورية. لكن في سنة 1622 قامت ثورة ضد السلطان لم تنته بعزله فحسب بل بقلته. وكان هذا يحدث للمرة الأولى. وهنا يبدأ قرنان (السابع عشر والثامن عشر) هما فترة كانت الدولة فيهما في الميزان.
صحيح أن الدولة العثمانية استطاعت أن تحتل العراق نهائياً وتحتل جزءاً من آذربيجان وجزيرة كريت، لكن في مقابل ذلك، كانت الخسارة كبيرة في أوروبا، وحتى آذربيجان اضطرت إلى إعادتها إلى الصفويين في معاهدة قصر شيرين (1639).
وكانت خسارتها في أوروبا كبيرة فقد استعادت النمسا (معاهدتي كارلوفتز 1699 وبساروفتز 1718) أكثر الأملاك العثمانية في أواسط أوروبا. واستعادت روسيا (معاهدة كوجك قنارجه 1774) أجزاء كبيرة في شمال شرق الإمبراطورية.
ففي الوقت الذي كانت فيه الدول الأوروبية تبني نفسها وتقوي إدارتها ووسائل القتال، كان السوس ينخر في جسم الدولة العثمانية ومع أن الفترة عرفت محاولات للإصلاح أيام عثمان الثاني (1618 ـ 1622) وأيام الوزراء كوبرلي (1656 ـ 1683) فقد انتهت هذه المحاولات بالفشل.
وثمة نقاط أربع نود أن نشير إليها، من دون تفصيلها وهي:
أولاً: أن السلطان، الذي كان يعتبر من قبل شخصاً مقدساً تقريباً، أصبح ينظر إليه أنه أمير عادي (ومن ثم يمكن قتله 1622).
ثانياً: أن عدد الرحالة والزوار الأجانب إزداد في هذه الفترة، وأصبح بإمكانهم الإطلاع على نواحي الضعف الداخلي.
ثالثاً: أن ما كان أمراً اقتصادياً عادياً يفيد منه الفريقان الأوروبي والعثماني (ولو أن فائدة الأول أكبر) أصبح في هذه الفترة «إمتيازات» سياسية، بحيث أخذت الدول الأوروبية تتدخل في شؤون الدولة العثمانية، لا في الولايات وبين الأقليات فحسب، ولكن حتى في البلاط نفسه.
رابعاً: أن الهالة التي كانت تحيط بالدولة العثمانية من أنها لا تقهر، زال ألقها.
«لما عقدت معاهدة كارلوفتز (1699) بدا أن الإمبراطورية العثمانية لم تعد لها القوة الكبيرة التي عرفتها الأيام السابقة».
الولايات العثمانية
كانت الإمبراطورية العثمانية في القرن السادس عشر أوروبية عربية، لكنها خسرت في القرنين السابع عشر والثامن عشر أجزاء كبيرة من أملاكها الأوروبية، فأصبحت شرقية الطابع عربيته، وكان أكثر سكانها من المسلمين. ومع أنه ثمة فصل طويل عن الولايات البلقانية، فإننا نكتفي هنا بالإشارة إلى بضعة أمور مهمة تتعلق في أيام السيادة العثمانية الواسعة هناك. فقد كانت الشعوب الأوروبية داخل الدولة متعددة الأعراق واللغات والتاريخ والثقافة. ورأت الدولة أن تراعي هذا الأمر فتركت لكثير من هذه الشعوب نوعاً من الحكم الذاتي.
لكن الهجمات الأوروبية وما تتطلبه عملية الدفاع عن الدولة من نفقات حملت الدولة على الضغط على الشعوب مالياً. وازداد تدخل الدول الأوروبية حتى انتهى الأمر بخروج الكثير من الولايات عنها.
وفي القرن التاسع عشر قامت الحركات القومية بانتفاضات، بمعونة أوروبا. فخرجت اليونان والمناطق المجاورة عن طوق الدولة.
لكن الأمر اختلف بالنسبة للمناطق العربية، فقد ظل أكثرها تحت الحكم العثماني حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.
لكن المشكلات التي لقيتها الدولة، في إدارة الولايات، كانت كبيرة. منها ما يتعلق باضطراب الإدارة المركزية الذي أدى إلى تبديل الولاة بحيث أن القاهرة تولى أمرها بين سنتي 1517 و1789 من الولاة 110 (وكان الوالي يسمى باش)، وعرفت حلب بين سنتي 1701 و1750 ثلاثة وأربعين، «باشا»، ودمشق بين سنتي 1516 و1600 تسعة وثلاثين، وفي القرن الثاني حكمها 65 باشا، وولي أمر صيدا في النصف الأول من القرن الثامن عشر أربعون باشا.
وظل المماليك حكام مصر الفعليين حتى مجيء بونابرت سنة 1798. وجميع الباشاوات كانوا أتراكاً. ومثل ذلك يقال عن الدفتردار (وهو مدير المالية) والقاضي وقائد الأوجاق الذين كانوا يرسلون من استانبول.
وشرّ ما يدل على ضعف الإدارة المركزية سوء تصرف الإنكشارية خصوصاً في بلاد الشام. فضلاً عن استمرار عدد من زعماء القبائل والمناطق بالاستبداد بالسلطة.
وقد جربت الإدارة المركزية أن تهتم بالمالية، لكن النفقات الكثيرة للإدارة المركزية والمحلية جعلت الضرائب عبئاً ثقيلاً على كاهل السكان. وانتهى الأمر بانتشار الالتزام سبيلاً لتحصيل الضرائب. ذلك بأن يفرض على كل أرض مبلغ من المال يلتزم أحد أصحاب النفوذ دفعه للدولة ويحصل هو أضعاف ذلك لنفسه.
عندنا أرقام عن الضرائب التي كانت بعض الولايات تدفعها للدولة. في أواخر القرن الثامن عشر كان يتوجب على مصر أن تدفع خراجا للدولة مقداره 87 مليون بارة، يضاف إليه 49 مليوناً للوالي. أما «البراني» فكان يبلغ 274 مليوناً.
فيكون المجموع 410 مليوناً من البارات، وكان الفلاح في فلسطين يدفع بين سدّ نتاجه وريعه (رسمياً) في أوساط القرن الثامن عشر.
وفي الفترة نفسها دفع الفلاح التونسي بين 20 و25 في المئة من ريعه. لكن شرّ ما كان يصيب الجميع هو، «البلص» الذي يفرضه الباشا لمناسبات مختلفة.
ولكن مع هذا التفسخ الذي يبدو في إدارة الدولة، فقد كانت هناك أمور تربط بين أجزاء الإمبراطورية. أولها: التلاحم الديني والخلقي باعتبار الدولة العثمانية حامية للإسلام والمسلمين في وجه الهجوم الأوروبي العنيف في القرن التاسع عشر خاصة. وثانيها: الروابط التجارية بين الولايات.
ففي آخر القرن الثامن عشر كانت مصر لها تجارة ناجحة، فكان منها 30 في المئة مع الشرق و50 في المئة مع الولايات العثمانية و18 في المئة فقط من أوروبا، وقد صدرت مصر وخصوصاً القاهرة إلى أفريقيا الشمالية نسيجاً بقيمة 125 مليون بارة، وإلى سوريا بنحو 56 مليون بارة، وكانت القاهرة السوق الرئيسية للبن الذي يحمل إليها من اليمن.
وثالث ما كان يربط هذه الولايات ببعضها: الحج إلى بيت اللَّه الحرام. فقد كانت دمشق والقاهرة مركزين لتجمع الحجاج، وكان على الوالي (أو من يتصدر لذلك من الزعماء في بلاد الشام) تأمين سفر الحجاج، وكان السلطان شديد العناية بهذا الأمر، حتى أنه كان ينتظر من أمير الحج أن يدفع «الصرة (وهي مبلغ من المال) للقبائل التي تقيم على طريق الحج دفعاً لأذاها وشرها (ان يدفعها باسم السلطان). ولا بدّ من الإشارة إلى الثورات المختلفة التي عرفتها بلاد الشام ومصر في القرن الثامن عشر مثل أحمد باشا الجزار وظاهر العمر وعلي بك الكبير ومحمد أبو الذهب، وقد استطاعت بعض الأسر تمكين نفسها في حكم أجزاء من البلاد مثل آل العظم في دمشق والجليلي في الموصل.
أما الشمال الأفريقي فقد قامت فيه الدايات في الجزائر والبايات في تونس والقرملية في ليبيا وأخيراً جاء استقلال محمد علي باشا في مصر في القرن التاسع عشر.
إلا أن أوروبا لم تسمح للدولة بأن تجمع أنفاسها. فالقرن التاسع عشر شهد الضغط الشديد على الدولة فأحتلت فرنسا الجزائر (1830) وتونس (1881) وبريطانيا مصر (1882).
والواقع هو أنه من الغرابة بمكان أن الدولة العثمانية صمدت حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.
نهوض الفن العمراني العثماني وهبوطه
لدراسة تاريخ المساجد العثمانية ومراحل تطورها وازدهارها، لا بدّ أن نسلط الضوء سريعاً على تاريخ هذه الدولة، بنشأتها وتوسعها الذي دام ستة قرون حافلة بالمعارك والفتوحات في أنحاء العالم.
وهي الدولة التي كان لبعض سلاطينها سليم وسليمان القانوني ومحمد الفاتح وعبدالحميد الدور الرئيسي في تغيير مجرى التاريخ عموماً، والإسلامي خصوصاً.
يعود تاريخ العثمانيين إلى قبيلة صغيرة مؤلفة من أربعة آلاف إنسان تدعى قايي، هاجرت من آسيا الوسطى هرباً من المغول التي كان يتزعمها جنكيز خان، في الربع الأول من القرن الثالث عشر الميلادي. ترأس هذه القبيلة كوندوز ألب وخلفه ابنه أرطغرل والد مؤسس الدولة العثمانية الأمير القبلي عثمان.
إن الانطلاقة الحقيقية لهذه العشيرة كانت في منح سلطان قونية السلجوقي أرضاً (تقع في الشمال الشرقي من تركيا حالياً، وعلى الحدود بين سلطنته والامبراطورية البيزنطية) لهذه القبيلة تعبيراً عن شكره لهم لمساندته في محاربة جلال الدين خوازرمشاه خاقان تركستان، ثم عين عثمان أميراً على قبيلته بعد وفاة والده أرطغرل عام 1281م. وعلى رغم صغر سنه وكونه أصغر إخوته، اختاروه لذكائه وقوته وتميزه عن الآخرين.
كانت مساحة الإمارة حينها 4800 كيلومتر مربع. وبوفاة عثمان عام 1326، تسلم ابنه أورخان الحكم بينما كان يحاصر مدينة بورصة، وفتح المدينة لتصبح عاصمة للدولة العثمانية بل وصارت مسرحاً لآثار عثمانية لا تزال إلى يومنا.
بوفاة أورخان بن عثمان، تولى مراد الإمارة العثمانية عام 1360م. وفي العام نفسه فتح أدرنة، لتكون عاصمة الدولة العثمانية بدلاً من بورصة.
في عام 1389م استشهد الأمير مراد الأول غدراً إثر طعنة بخنجر مسموم من أحد الجنود الصرب الجرحى، بعد نصره على ملك الصرب وأمراء البانيا في منطقة قوصووه. ويقال إنه إثر هذه الحادثة تحول العلم التركي إلى اللون الأحمر وبداخله هلال ونجمة (العلم الحالي لتركيا). ثم تولى الحكم بايزيد ابن مراد الأول فتحولت الإمارة إلى دولة في عهده (عام 1396م) وبات أول سلطان عثماني، بعد انتصاراته في أوروبا الشرقية.
في تلك الفترة أرسل بايزيد إلى الخليفة العباسي في القاهرة أنباء انتصاره، فاعترف به المتوكل كسلطان على إقليم الروم مرسلاً له تشريفاً وخلعة وسيفاً، تعبيراً عن اعترافه له بسلطنته.
بداية النهضة العمرانية
منحت انتصارات السلطان بايزيد المتلاحقة الدولة الازدهار والنشاط من الناحية العمرانية.
أهم نموذج عمراني لتلك الفترة هو جامع بورصة الكبير الذي أمر السلطان بايزيد بتشييده عام 1396م. فالجامع مستطيل الشكل (56 × 58 متراً). مقسم إلى عشرين وحدة متساوية بواسطة 12 دعامة. مما أطلق على هذا النوع من العمارة العثمانية اسم الوحدات فجميعها مسقوفة بقبب متساوية الشكل.
يتم الدخول للجامع عبر ثلاثة أبواب موزعة على جوانبه الثلاثة لتقودنا إلى الشادروان الواقع في وسط الوحدة الموجودة في الصف الثاني بعد المدخل الرئيسي مباشرة لتضفي على المكان الروعة والحركة، مع تدفق مياهها عبر ثلاثة مستويات ينخفض مستواها بدرجتين عن الوحدات الأخرى، ويلتف حولها المصلون للوضوء، مما جعل أرضيتها رخامية. أما قبتها فمغطاة بغطاء زجاجي لتكون أشبه بالفناء الداخلي، علماً أن كلمة شادروان فارسية الأصل ومعناها حوض الماء الذي يقام في المساجد للوضوء أو لتزيين حدائق القصر.
للجامع مئذنتان فوق الركنين الشمالي الشرقي والشمالي الغربي، وقد زينت جميع جدران الجامع بآيات قرآنية مخططة بشكل فني ومتناظر.
كما انتشر في تلك الفترة نموذج ناضج للمساجد العثمانية في بورصة بتخطيط الحرف (T) المقلوب. وهناك الشكل البسيط للمساجد، الشكل المربع بجدران حجرية ومداميك آجر حيث القبة على البناء مباشرة. انتشر هذا الشكل طيلة القرون الستة للحكم العثماني لسهولة إنشائه. وسمي بالوحدة الواحدة المقببة. كانت هذه المرحلة بمثابة البدايات لظهور الشكل الرئيسي للمساجد العثمانية التي تميزت بالبساطة مع التأثر الملحوظ بالعمارة السلجوقية.
وفي مدينة أدرنة ظهرت منشآت معمارية أقامها السلطان مراد الثاني بعد عام 1434م. أعتمد الشكل العام لهذه المساجد على فكرة تخطيط المسجد بالحرف (T) المقلوب كمبنى المرادي الذي أمر ببنائه السلطان مراد عام 1434م. فللمبنى قبتان واحدة تلو واحدة وإيوان بقبة في كل جانب، أما القبة الرئيسية فتقوم على مثلثات منشورية.
استعملت البلاطات الملونة باللون الأزرق الداكن والفاتح بكثرة في تغطية المحراب والجدران. وتحمل هذه البلاطات أشكالاً تزيينية لوريدات صغيرة وأوراق نباتية.
في عام 1447م تم الانتهاء من إنشاء جامع أوج شرفلي (معناه الشرفات الثلاث) وسمي بهذا الاسم لأن إحدى مآذنه الأربع لها ثلاث شرفات وارتفاعها 67,75 متراً وهو أعلى ارتفاع تصل إليه العمارة العثمانية في بناء المآذن لتلك الفترة.
يعتبر جامع أوج شرفلي نموذجاً مهماً وجديداً بشكل مخططه العام. إذ ظهرت قبة رئيسية ضخمة قطرها 10، 24متر، مرتكزة على دعامات سداسية الأضلاع وبعقود مدببة. وأضيفت قبتان في كل جانب للقبة، قطر الواحدة منها 50، 10متر، لتزيد من المساحة. ظهر أيضاً صحن الجامع بشكله المستطيلي وحوله البوائك وفي وسطه الشادروان.
تعددت أساليب عمارة مآذنه الأربع الموزعة في أركان الصحن، فالأولى ذات قنوات حلزونية والثانية عمودية والثالثة لها أشكال معينات أما الرابعة فلها ثلاث شرفات للمؤذن، وبداخل المئذنة سلم مستقل إلى كل مطاف.
الطابع البيزنطي في المرحلة الانتقالية
فتحت صفحة وضاءة مشرقة في تاريخ الدولة العثمانية، وفي تاريخ العالم الإسلامي، بفتح القسطنطينية عام 1453م على يد السلطان محمد الفاتح، بعد استعدادات عثمانية دامت أعواماً من التخطيط والتحضير، على رغم محاولات سابقة للخلفاء العرب العثمانية في محاصرتها، بعدما بشر الرسول محمد(ص) بهذا الفتح قائلاً: (لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش). ونذكر من أهم الصحابة الكرام أبا أيوب الأنصاري الذي توفي وهو يحاول فتح القسطنطينية وقد دفن هناك. وبدخول السلطان محمد الفاتح توجه إلى كنيسة أيا صوفيا مصلياً ومعلناً تحويل هذه الكنيسة إلى جامع تقام فيه الصلاة. وتم إنشاء أربع مآذن على زوايا الجامع خلال فترات زمنية متفرقة.
وتأثرت عمارة المساجد العثمانية بشكل هذه الكنيسة ذات الطابع البيزنطي بقبتها الضخمة وارتفاعها الشاهق إذ يبلغ قطر قبتها 30,9مترا وارتفاعها 55,92مترا من الأرض إلى عقدة القبة.
فاقتبس العثمانيون طريقة التسقيف بالقباب البيزنطية للحصول على مساحات واسعة في بيت الصلاة. وبلغ عدد المساجد التي بنيت في فترة حكم السلطان محمد الفاتح والتي دامت ثلاثين عاماً 300 مسجد بالإضافة للمدارس والقصور والحصون والقلاع.
واستحدثت العمارة العثمانية فناً خاصاً بها مع منتصف القرن الرابع عشر، وخصوصاً في عهد بايزيد الثاني الذي امتد حكمه من عام 1481 إلى عام 1512. ففي عام 1501 أمر بإنشاء جامع يحمل اسمه في مدينة أسطنبول وقام المعمار خير الدين بتشييد الجامع الذي انتهى عام 1506، مستغنياً عن الأعمدة التي كانت موجودة في المساجد العثمانية السابقة، لأنها كانت سبباً في إعاقة صفوف المصلين أو في رؤية الخطيب. وحقق ذلك بإنشاء قبة مركزية مرتكزة على خناصر متدلية فوق أربع دعائم، ويتوسط كل اثنين منها عمودان من حجر اليورفير.
على جانبي القبة من الشمال والجنوب وحدتان متساويتان، مساحة كل منهما نصف مساحة الوحدة المركزية. ويعلو كل وحدة جانبية نصف قبة. وفي جهتي الشرق والغرب جناحان، سقف كل واحد منها بأربع قباب صغيرة. ولهذا السبب سمي هذا النوع من المساجد بالوحدات المتعددة وغير المتماثلة. لفناء الجامع أربع وعشرون باكية، ولكل باكية، قبة كروية. ويتوسط الفناء أو صحن الجامع الشادروان.
وبهذا صار الشادروان عنصراً مهماً وثابتاً في عمارة المساجد العثمانية وعنصراً جمالياً بشكله المتناسب مع حجم الجامع عموماً ومساحة صحن الجامع خصوصاً.
لجامع بايزيد مئذنتان على طرفيه، وله ثلاثة مداخل، اثنان جانبيان يتم الدخول من خلالهما للقبلية مباشرة، ومدخل رئيسي منفتح على صحن الجامع. وحظيت جميع جدرانه وقببه من الداخل بتزيينات هندسة ونباتية وكتابات قرآنية.
المعمارسنان
تولى السلطان سليم الأول الحكم عام 1512، بعد أن اعتزل والده العرش وخاض السلطان سليم معارك عدة ومهمة، ما جعل فترة حكمه التي دامت ثماني سنوات مملوءة بالحروب والمعارك وخالية من أي نشاط معماري.
في فترة تولي السلطان سليم كان هناك شاب يدعى سنان مرافقاً ومشاركاً في الحروب العثمانية، متنقلاً في الشرق والغرب، مما أثرى لديه الروح الفنية. حيث تعرف على العمارة الصفوية والفن الإيراني. ودخل سورية متعرفاً على العمارة الأموية وعلى العمارة المملوكية في مصر.
تخرج سنان في مدرسة عجمي أو غلانار وصار انكشارياً فنياً، في فترة وفاة السلطان سليم عام 1520 ليرتقي ابنه سليمان القانوني الحكم في البلاد.
وتابع سنان تنقلاته ومشاركاته للجيش العثماني في فتحه لأوروبا وانتصاراته لأنه أحب السفر والتجوال في بقاع العالم. وفي كل زيارة لأية دولة عربية أو أوروبية يزداد تعمقاً ونضوجاً دارساً الأشكال المعمارية بنماذجها المختلفة التي تحمل الهوية المعمارية للعهد الذي أنشئت فيه. إلى أن عين عام 1534 في منصب كبير المعماريين وكان عمره آنذاك 50 سنة.
وتوزعت أعمال سنان في أرجاء الدولة العثمانية، ففي عالمنا العربي بنى أول أثر له وهو مجمع الخسروية في مدينة حلب عام 1536 ـ 1537، وفي مدينة دمشق بنى التكية السليمانية عام 1557، وقام بترميم قباب الحرم المكي في مكة المكرمة وله آثار عدة في المدينة المنورة والقدس وبصرة.
أما أهم أعمال سنان وأشدها ضخامة في تركيا فثلاثة جوامع بكلياتها هي جامع شهزادة (1544 ـ 1548م) وجامع السليمانية (1557م) في مدينة أسطنبول، وجامع السليمية (1569 ـ 1574م) في مدينة أدرنة.
وسندرس جامع السليمية كنموذج لعمارة سنان المتميزة والثرية، خصوصاً وأنه بنى هذا الجامع عن عمر يناهز الثمانين. ولهذا نلاحظ نضوج فنه وابتكاراته لتتحول إلى رائعة معمارية استغرقت خمس سنوات من الإنشاء. فعندما أمره السلطان سليم الثاني بإنشاء الجامع، قام سنان باختيار المكان المرتفع المناسب لهذا الصرح المعماري، وذلك على أعلى ربوة في مدينة أدرنة بحيث يمكننا رؤيته من جميع أنحاء المدينة بقبته الضخمة ذات القطر 31,5متر التي فاقت قبة أيا صوفيا، محققاً بذلك حلماً رافقه لسنوات طويلة واقض مضجعه.
فنقلاً عن «كتاب فنون الترك وعمائرهم» الصادر عن «مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة» الإسلامية بأسطنبول، الذي قام بتأليفه أوقطاي صلان آبا وترجمه أحمد محمد عيسى، إنه ورد في (تذكرة البنيان) التي يقال إنها من إملاء المعمار سنان: (وإذا كان قد شاع بين المهندسين المسيحيين القول بتفوقهم على المسلمين، لأنه لم تقم في العالم الإسلامي كله قبة تضارع أو تنافس قبة أيا صوفيا، فقد حزّ في نفسي كثيراً أن يقال أن بناء قبة بمثل ضخامة أيا صوفيا، ربما يكون من الأعمال العسيرة، ولهذا قررت ـ مستعيناً باللَّه ـ إقامة هذا المسجد في عهد السلطان سليم خان جاعلاً قبته أوسع من أيا صوفيا بمقدار ستة أذرع، وأعمق منها بمقدار أربعة أذرع).
استغنى المعمار سنان عن إنصاف القباب، التي استخدمها من قبل في جامعي شهزادة والسليمانية. وارتكزت القبة على قاعدة مثمنة، محمولة على ثماني دعامات قوية وهذا ما نلاحظه في القبلية من رحابة في المكان وارتفاع في القبة.
أما مآذن جامع السليمية الأربع السامقة فتطل على مدينة أدرنة بارتفاعها الرشيق حيث يبلغ ارتفاع كل مئذنة 81, 70مترا. ولكل مئذنة ثلاث شرفات، يتم الصعود إليها عن طريق ثلاثة سلالم مستقلة. مع هذه الرحابة والعظمة في إنشاء القبة والمآذن حظي الجامع من الداخل بالعناية في محرابه البالغ عمقه ستة أمتار وبقبة بارتفاع منخفض. وبمنبره المنحوت من قطعة حجرية واحدة، ليكون شاهداً على براعة الصناع في تلك الفترة بالإضافة للبلاطات الخزفية المغطية جدران القبلية ومحفل السلطان الواقع شمال المحراب ويوجد أسفله نافورة صغيرة لشرب الماء وزينت القبة بالكتابات القرآنية التي قام بها المولوي حسن بن قره حصاري. وتحيط بصحن الجامع البوائك المغطاة بالقبب، وفي وسطه الشادروان الرخامي. وبهذا يعتبر جامع السليمية عملاً متكاملاً من جميع النواحي الإنشائية والمعمارية والفنية والجمالية.
في عام 1588 رحل المعمار الشهير والفذ سان عن عمر يقارب المئة، بعد أن قام بعمل ضريح متواضع لنفسه تعلوه قبة صغيرة. وبعد أن عاصر خمسة سلاطين هم: بايزيد الثاني، سليم الأول، وسليمان القانوني، وسليم الثاني، ومراد الثالث، مخلداً أعمالاً منتشرة في العالم الإسلامي ولتكون مصدر إلهام لتلامذته الذين ساروا على نهجه حتى الربع الأول من القرن الثامن عشر الميلادي.
ومن النماذج المهمة التي أنشئت بأسلوب المعمار سنان جامع السلطان أحمد الشهير أو الجامع الأزرق في مدينة أسطنبول، والواقع أمام جامع أيا صوفيا ليرتفع بمآذنه الست وبقبته الضخمة التي يحيط بها نصفا قبة أصغر حجماً، اكتمل إنشاء هذا الجامع في عام 1617. وأمر بإنشائه السلطان أحمد، ليكون استمراراً للمنهج المعماري التركي الذي اتخذه المعمار سنان.
سمي هذا الجامع بالأزرق لأن جدرانه الداخلية مغطاة ببلاطات خزفية ملونة بالأزرق القاتم والفاتح وبأشكال هندسية ونباتية رائعة، من أعمال الفنان الصداف محمد آغا. وتبلغ مساحة هذا المسجد 64 × 72 متراً وقطر قبته 23,5متر، إذ ترتكز القبة على أربع دعائم أسطوانية قطر كل واحدة منها خمسة أمتار. وللجامع سور مرتفع يحيط به من جهاته الثلاثة وله خمسة مداخل: اثنان منها يؤديان للقبلية مباشرة وثلاثة مداخل تؤدي إلى صحن الجامع الواسع الذي يتوسطه الشادروان، ليكون مركز تجمع المصلين قبل أدائهم الصلاة. وتحيط بصحن الجامع البوائك المحمولة على 26 عموداً من الغرانيت أو المسقوفة بقبب نصف كروية يبلغ عددها 30 قبة.
تدهور العمارة العثمانية
بعد هذا التطور الواسع في عمارة المساجد العثمانية ذات الضخامة والارتفاع في قببها وفي تعداد مآذنها وتميزها بشكلها المخروطي المدبب والسامق، عصفت رياح التجديد في الدولة العثمانية، مع التحرك التدريجي نحو أوروبا وفرنسا خصوصاً، بعدما دخلت بلاد المجر تحت سيطرة الدولة العثمانية عام 1689 (معاهدة كارلوفيتش).
ففي خلال فترة حكم السلطان أحمد الثالث (1703 ـ 1730م)، ومع توطد العلاقات بين الدولة العثمانية وفرنسا بدأت العمارة العثمانية تحمل طابعاً أوروبياً مستحدثاً ومتأثراً بفن الباروك والروكوك لتسمى هذه المرحلة بزهرة التوليب. ولم ينعكس هذا التطور على المساجد فحسب، بل على القصور العثمانية والحدائق المحيطة بها أيضاً.
أول جامع عثماني بني على هذا الطراز هو مسجد نور العثمانية الذي انتهى بناؤه عام 1755 في فترة حكم السلطان عثمان الثالث. وحمل هذا الجامع جميع الأساليب الباروكية الجديدة التي دخلت على العمارة العثمانية. فقبته ذات القطر 25، 75متر محمولة على أربعة عقود كبيرة مدعمة بأبراج ركنية. وظهر المحراب خارج جدار القبلية. وقد تحول صحن الجامع المعهود إلى شكل بيضاوي مع انعدام الشادران الذي كان أحد أهم العناصر في المساجد العثمانية. وللجامع مئذنتان مرتفعتان عند ركني المدخل.
ثم تطور هذا الأسلوب في أيام السلطان محمود الثاني (1808 ـ 1839م) ليأخذ أسلوباً امبراطورياً كما أطلق عليه، وهو مختلف بعض الشيء عن الأسلوب الأوروبي واستمر هذا الأسلوب في عهد السلطان عبدالمجيد حين تم إنشاء جامع أورطاكوي عام 1854، وبالأسلوب الجديد نفسه. ما نلاحظه في الجامعين أن الجامع أصبح عبارة عن مبنى غني بالزخارف والقبة محمولة على أربعة عقود وذات أبراج ركنية مع انقراض نظام إنصاف القباب. وهكذا أصبح الدخول للجامع أو القبلية من الخارج مباشرة لعدم إنشاء الصحن والبوائك.
هذه المرحلة في عمارة المساجد العثمانية شكلت تدهوراً وابتعاداً عن العمارة العثمانية. على رغم أنه ظهر في الفترة الأخيرة بعض المعماريين الذين قاموا بتصاميم أقرب للعمارة العثمانية أمثال المهندس كمال الدين (1870 ـ 1927) الذي كانت له آثار عدة أهمها مسجد بوسطانجي ومسجد ببك.
وتحافظ تركيا إلى يومنا هذا على تراثها المعماري عبر تشييد الكثير من المساجد ذات الطابع العثماني، مما يبقى أسلوب الباروك محصوراً في نماذج عدة فقط، ليستمر منهج المعماري سنان صامداً مثلما بقيت أعماله قروناً عدة صامدة في وجه الزلازل.
محمد زين العابدين
مؤتمر دولي في أسطنبول حول العلم والمعرفة في العالم العثماني
في شهر نيسان سنة 1999 نظم مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية في استنبول (أرسيكا) التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، مؤتمراً دولياً حول «العالم والمعرفة في العالم العثماني»، وذلك بالتعاون مع مجمع التاريخ التركي (أنقرة)، والمجمع التركي لتاريخ العلوم (استنبول)، وبالتعاون مع وزارة خارجية جمهورية تركيا، ومنظمة اليونسكو، والاتحاد الدولي لتاريخ الفلسفة والعلوم IUHPS وذلك في مدينة استنبول خلال الفترة من 12 إلى 15 الشهر الحالي.
وناقش المؤتمر مجموعة المسائل المتعلقة بآفاق تطوير الدراسات العلمية والبحث في تاريخ الدولة الثمانية، واقتراح السبل والوسائل الكفيلة بإحيائه، والوصول إلى فهم أعمق والحث على تحريك نشاطات جديدة.
كما قدمت خلال المؤتمر دراسات حول نشاطات وتقاليد المؤسسات العلمية والثقافية والتربوية العثمانية، وكذلك حول الحياة العلمية والفكرية، إلى جانب عدد من الموضوعات ذات الصلة. والهدف هو أن يأتي المؤتمر بإسهامات في مجال التاريخ العثماني. من خلال إتاحة الفرصة للعديد من الدارسين في هذا الميدان لعرض نتاج أبحاثهم والمداولة بخصوص خطط التعمق في هذه الدراسات خلال الفترة المستقبلية.
وهدف المؤتمر دعوة خبراء هذه الدراسات والعلماء المتخصصين في هذا الميدان والمراكز والهيئات المعنية بتنمية هذه الدراسات، لدراسة الوضع الحالي لحركة البحث في تاريخ الدولة العثمانية، ومناقشة آفاقها المستقبلية، بحيث يتم وضع الخطوط الرئيسية للنهوض بحركة تطوير هذه الدراسات في المستقبل.
يتطلع المؤتمر لإتاحة الفرصة للباحثين والدارسين والهيئات المتخصصة في هذه الدراسات، للالتقاء والتشاور وتبادل الخبرات ووجهات النظر حول المعوقات وآفاق المستقبل المتعلقة بدفع حركة البحث العلمي والدراسات في هذا الميدان، لما يشكله من أهمية بالنسبة إلى مسيرة الكتابة الصحيحة لتاريخ الشعوب الإسلامية.
وركزت موضوعات المؤتمر حول المحاور الرئيسية التالية:
مؤسسات التعليم العثماني: المؤسسات الشرعية والدينية، ومؤسسات مركزية وإقليمية.
المؤسسات التربوية: الفترة التقليدية، فترة الحداثة، المعاهد التقنية والمعاهد المدنية، والتعليم العصري في المناطق المختلفة.
الحياة الدينية والتصوف: التعايش الديني في إطار الدولة العثمانية، الجماعات الدينية، والتصوف وتأثيره.
الحياة الثقافية: الفترة التقليدية، التغيير الثقافي والتأثيرات الغربية، والموسيقى.
العلوم والتكنولوجيا: التقاليد العلمية وتاريخ التراث العلمي العثماني التقليدي، الرياضيات والعلوم الطبيعية، ونقل العلوم والتكنولوجيا الغربية، والآلات العلمية.
النشاطات الخاصة بالبيئة والأشغال العامة، العمران وتخطيط المدن.
حركة التأليف والترجمة والنشر، هذا بالإضافة إلى موضوعات أخرى متفرقة.
المسألة الشرقية وعصر التنظيمات
(1774 ـ 1878)
عبارة المسألة الشرقية، على ما هو متعارف عليه بين الباحثين، تعني اشتداد الضغط على الدولة العثمانية إما لانتزاع إمتيازات إضافية أو لاسترجاع أجزاء منها والدول الأربع التي كانت كل منها تريد أن «تنهش» هذه الدولة هي: روسيا التي كانت تدعي حماية الأرثوذكس (دينياً) والسلاف (عرقياً) والتي كانت، منذ أيام بطرس الأكبر، تسعى إلى الوصول إلى طريق بحري مفتوح، خصوصاً عبر المضائق، وبريطانيا التي كان يهمها «حماية» طريق الهند وذلك بـ«السيطرة» على الممر البري بين البحر المتوسط والمحيط الهندي، وفرنسا التي كانت ترمي إلى الحفاظ على موقعها (وتوسيعه) التجاري والثقافي في المنطقة وحماية المسيحيين الشرقيين الكاثوليك، وفرنسا كانت تبدل تحالفها مع روسيا وبريطانيا بحسب الحاجة؛ وكانت النمسا معنية بصد الروس عن البوسنة وهرتزو غروفينيا واتقطاعهما (وسواهما) من الامبراطورية لنفسها؛ أما الألمان الذين كانوا حديثي عهد في المسرح العثماني فكانت سياستهم الإندفاع نحو الشرق. إلى أين؟ المستقبل يوضح الأمر.
هذه السياسات والمطامع ازدادت بعد معاهدة كوجك كفارجه (1774). لكن هذه المواقف الأوروبية قابلتها محاولات عثمانية لإصلاح الأمور. وكانت أولى هذه اهتمام سليم الثالث بالقضاء على الإنكشارية، مصدر الوجع الرئيسي. لكن محاولته لم تنجح وانتهت بخلعه (1807). إلا أن محمود الثاني (1808 ـ 1839) تابع الأمور بعده. ويرى البعض أن جزءاً من محاولات الإصلاح جاء بسبب الضغط الأوروبي، مثل خط شريف غلخانة (1839): إلا أن أموراً أخرى عسكرية (القضاء على الإنكشارية وإقامة جيش نظامي جديد، وتنظيم الإدارة المركزية بحيث أنه أوجد مجلس وزراء وانشأ إدارات للقيام بوظائف محدودة: فالصدر الأعظم هو المدبر المدني للدولة، والسر عسكر مسؤول عن الشؤون الحربية، وشيخ الإسلام يتولى الشؤون العلمية والقضائية. وقد ظهرت في أيام محمود أولى الصحف: تقويمي وقائعي (بالتركية) سنة 1831 (وقد بيع منه 5000 نسخة). و Moniteur(بالفرنسية) في السنة نفسها (300 نسخة). وفي عهد خلفه عبدالمجيد صدرت الجريدة بالتركية الثانية «جريدتي حوادس» (1840).
وقد وضع خط غلخانة في أيام محمود الثاني، لكنه أعلن بعد وفاته ببضعة شهور في عهد خلفه والأمر الرئيسي في هذا «المنشور» السلطاني هو أنه اعتبر أن جميع سكان الإمبراطورية سواء أمام القضاء، (بهذه المناسبة سنة 1856 صدر منشور آخر باسم خط شريف همايوني، لكنه لم يضف إلى جوهر الأول شيئاً: لقد عني بالتفاصيل).
في أواسط القرن التاسع عشر (1853 ـ 1856) وقعت حرب القرم بين روسيا والدولة العثمانية. ودخلت فرنسا وبريطانيا إلى جانب العثمانيين وانتهت الحرب بانكسار روسيا. وكان أن أصرت فرنسا وبريطانيا على وضع خط شريف علخانة موضع التنفيذ فكان أن صدر خط همايوني (1856) المذكور. وفي سنة 1869 افتتحت قناة السويس، فركزت بريطانيا نظرها على مصر حتى احتلتها سنة 1882.
ومما أدخل في جدول الإصلاحات، حتى سنة 1876، توحيد القوانين والاتجاه نحو العلمانية في التعليم وتحسين العلمانية في التعليم وتحسين إدارة الولايات. وكان آخرها إعلان عبدالحميد الثاني (1876 ـ 1909) الدستور (وقد سمي بالتركية «مشروطية») حكماً منفرداً تسلطياً إلى سنة 1908، كما أرغم على إحياء الدستور (مشروطية ثانية) ثم خلع سنة 1909.
العقود الأخيرة من حياة الامبراطورية
في سنة 1876 ـ 1878 وقعت حرب بين روسيا والدولة العثمانية انتهت بانتصار الأولى، وتدخلت الدول الأوروبية، فعقد مؤتمر برلين 1878. وبموجب المعاهدة التي فرضت يومها تم استقلال رومانيا والصرب والجبل الأسود والبوسنة عن الدولة، وانتزعت هرتزوغروفينيا وضمت إلى النمسا ومنحت بلغاريا حكماً ذاتياً واحتلت روسيا شرق الأناضول. وهكذا فقد كانت معاهدة برلين خطوة كبيرة (بعد معاهدة باريس 1856) في سبل تقطيع أوصال الامبراطورية العثمانية، فضلاً عن ذلك فقد كانت الغرامة التي فرضت على الدولة العثمانية وتبلغ 800 مليون فرنك!
تتفق معاهدة برلين زمنياً مع ابتداء العهد الحميدي المطلق. ويمكن التوقف عند بعض الأمور الأساسية التي كانت تدور حولها سياسة عبدالحميد وحلفائه وخصومه.
1 ـ اتخذ عبدالحميد من الإسلام أساساً لسياسته. فاتجه نحو البلاد الإسلامية ليثير فيها الاهتمام بالبلد الذي يدافع عن الإسلام ضد الغرب الطامع فيه. فكانت بعض الصحف الصادرة في الامبراطورية تنفخ في هذا البوق، وكانت بعض الصحف الصادرة في الخارج تتلقى هذا النفخ وتعيده صدى محلياً. ومن هنا جاءت قضية تعظيم دور السلطان العثماني كخليفة للعالم الإسلامي والمسلمين.
ولعل أكبر مظهر لهذا الارتباط بين الدولة والعالم الإسلامي هو سكة حديد الحجاز. فمما هو مقبول أن عبدالحميد تبنى ـ إن لم يكن قد بدأ ـ فكرة إنشاء خط حديد يربط دمشق بالمدينة المنورة ومكة المكرمة واليمن. فعبدالحميد كان يدرك أن مثل هذا الخط يمكنه من إرسال الجنود إلى أنحاء الجزيرة تلك بسرعة، ومن ثم يقوي قبضته على تلك الديار التي كانت تميل إلى الخروج على السلطة. لكن لما أعلن السلطان العثماني عن مشروع هذا الخط الحجازي قال أن المقصود منه هو تيسير الحج على أهل الشام وما إليها وسكان اليمن وجوارها. وقال أن تمويل المشروع إسلامي بحت ـ يتقدم بالتبرع له المسلمون حيث كانوا، وإن الخط عند إتمامه، سيكون وقفاً على المسلمين»، و هكذا كان بدىء العمل سنة 1900 وانتهى بناء الخط الحجازي سنة 1908 (وقد وصل أول قطار من دمشق إلى المدينة المنورة في أيلول/ سبتمبر 1908).
وجرب عبدالحميد أن يحيط نفسه بعدد من كبار المسلمين رغبة منه في استجلاء آرائهم في شؤون الخلافة والدولة. وكان ممن وقع في حياله جمال الدين الأفغاني، ولكن الذي لم يقدر عليه كان المهدي السنوسي.
2 ـ تمت إنجازات لا بأس بها في أيام عبدالحميد ولو أن بعضها بدىء به قبلاً منها: بين سنتي 1882 و1908 رصفت من الطرق، في بلاد الشام والحجاز، 2350 كلم، وأما الأناضول فقد نالها 1850 كلم فقط. ونالت بلاد الشام 47 في المئة من سكك الحديد فيما نال الأناضول 37 في المئة فقط.
3 ـ ازداد عدد سكان الإمبراطورية من 17,4 مليون نسمة (1893) الى 20,8 مليون (1905 ـ 1906). وكان عدد سكان استانبول 391,000 (1844) فأصبح 850,000 (1886) ووصل إلى المليون سنة 1900!
4 ـ في السياسة الخارجية قوي الاتجاه نحو المانيا التي كانت قد توحدت (1871) وأصبحت ذات وزن في المعترك الأوروبي. وألمانيا التي كانت قد أخذت بسياسة اندفاع نحو الشرق حتى قبل ذلك لقيت الآن من يتقبل صداقتها، ومن أمثلة التطور الحديث هو أن المانيا كانت تصدر إلى تركيا 2 في المئة (1878) فأصبحت النسبة 12 في المئة (1914)؛ وصار التصدير إلى ألمانيا 7 في المئة.
وثمة أمران حريان بالاهتمام الشديد: تدريب الجيش التركي على أيدي ضباط ألمان وتصديق امتياز سكة حديد برلين ـ بغداد.
لكن فكرة مقاومة الاستبداد الحميدي أخذت تتغلغل في النفوس، ففي استانبول وما إليها قامت حركة «الشباب الأتراك» (1889) وصارت تركيا الفتاة (1902). أما في الولايات العربية فقد بدأت تظهر بعض الدلائل على الرغبة في الانفصال عن الدولة أو على الأقل الحصول على حكم ذاتي، على ما دل على ذلك المنشورات التي أخذت تظهر في بيروت ودمشق وحلب وبغداد منذ ثمانينات القرن التاسع عشر (أو حتى قبل ذلك).
خلع عبدالحميد سنة 1909 ذلك أن ويلات الدولة العثمانية والضغط الخارجي عليها كانا أشد مما تستطيع تحمله بل مقاومته. وجاءت حربا البلقان (1912 و1913) ثم الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) وخسرتها الدولة إلى جانب ألمانيا وبقية دول الوسط.
5 ـ قسمت تركيا (أي الأناضول) التي بقيت من الامبراطورية بعد 1918 بشكل تعسفي. لكن مصطفى كمال (أتاتورك فيما بعد) لم يقبل بذلك وجمع الباقين من مخلفات الجيش المكسور وقاتل اليونان وانتصر عليهم وأخرجهم من البلاد وحمل الدول المعنية على تبديل بمعاهدة سيفر التقسيمية (1920) معاهدة لوزان (1923) التي اعتبرت تركيا وحدة سياسية (ولن ندخل بالتفاصيل).
6 ـ في معاهدة لوزان أعلنت تركيا الحديثة تخليها عن ممتلكات الامبراطورية في العالم العربي. فكان ذلك هو الاعلان الرسمي بانتهاء دولة شغلت نفسها والدنيا ستمائة سنة ويزيد من 1302 إلى 1923!
7 ـ حضارة الامبراطورية العثمانية: الفن والفكر تاريخ ستة قرون لا بدّ أن يكون هذا مختصراً جداً، لكنه يضع بعض الخطوط الأساسية لهذا الموضوع. ولسنا نطمع هنا إلا في الإشارة إلى النقاط الرئيسية في هذا القسم.
الفن: الفن الإسلامي، بالرغم من بعض الاستعارات هنا وهناك، ظل فناً إسلامياً، وممثله الأول كان المسجد وما يتصل به. وعندما ننتقل إلى الزخرف الجزئي نجد أن القيشاني كان العنصر الرئيسي فيه. ولنضف أن نماذج هذا الفن الرئيسية كانت في المدن. فالحضارة العثمانية ظلت حضارة مدنية. أما الريف فقد خص، على وجه العموم، بمساجد صغيرة وأضرحة وجسور وخانات وحصون.
والجوامع والمدارس والمستشفيات، على قلة هذين النوعين الأخيرين، منتشرة في المنطقة التي سيطر عليها العثمانيون. وقد تأثر المعماري العثماني بالعمارة البيزنطية والآثار الإيرانية والسورية والمصرية على درجات متفاوتة كان الغالب فيها تفصيلياً، لأن التخيط الأساسي للجامع يبقى على مسيرته.
ومع أن العثمانيين بنوا جوامع في عاصمتيهما الأولى بروسة والثانية أدرنة، فإن استانبول، لما فتحها محمد الثاني (1453)، أصبحت العاصمة التي لا يعلى عليها. وكان محمد الفاتح مثقفاً واعياً لشؤون الفن، لذلك فقد بدأ سلسلة من الجوامع الكبيرة تعظيماً لعاصمته، وذلك ببناء جامع الفاتح (الذي تهدم في زلزال سنة 1771) فكان مدعاة للفخر والعظمة. ويرى الباحثون أن معمارييه تأثروا بكنسية أيا صوفيا، فجعلوا للجامع قبة واحدة كبيرة قطرها 25 متراً. (فضلاً عن قباب أخرى صغيرة قليلة). وقد أصبح هذا أساس البناء بالنسبة لأكثر الجوامع (وبعضها أضخم وأكبر) التي بنيت فيما بعد.
وقد أتيح لأستانبول أن ينبغ فيها معماري عثماني مشهور (لعله الأشهر!) هو سنان (1489 ـ 1578) الذي عاصر السلطان سليمان القانوني (1520 ـ 1566).
ولما كان زمن سليمان (وبعض ما قبله وما بعده) يمثل العصر الذهبي للامبراطورية، فإن التقليد الذي بدأ بأيام الفاتح سار بخطى سريعة في هذه الفترة. وإذا عرفنا أن سنان مسؤول عن نحو 360 أثر معماري من جوامع وقصور وتكايا ومدارس وحمامات وأضرحة، منتشرة من دمشق إلى أدرنة، أدركنا أهمية الأثر المعماري في الفن العثماني.
ولنشر إلى أهم ما خلفه سنان: منها جامع شيخ زاده والسليمانية في استانبول والسليمية في أدرنة والسليمانية (تكية) في دمشق. وقد كان للسلاطين العثمانيين قصور تليق بمقامهم، وفي مقدمتها قصر طوب قبي. وقد عني العثمانيون بالبناء في البلاد العربية، ولو عن طريق الولاة. فقد استطاع الباحثون أن يهتدوا إلى نحو 200 أثر في القاهرة ونحو مئة أثر في حلب، ومثلها في دمشق ونحو خمسين أثراً في بغداد.
الحياة الثقافية ـ في القرن الثالث عشر أصبحت اللغة التركية الغالبة في الأناضول. وقد ترتب على ذلك تأخر الثقافة العربية (التي كان يعبر عنها أحياناً بالفارسية أيضاً) فلم تعرف البلاد مدرسة علمية (بالمعنى الإسلامي) ولا فكراً علمياً، وحل مكانها ثقافة تركية شعبية أسسها التصوف المحمول إلى البلاد من أواسط آسيا.
لكن هذا القرن نفسه عرف أمرين على غاية الأهمية، أولهما أن اللغة التركية كتبت بأحرف عربية، وثانيهما أنها أصبحت لغة الإدارة والمعروف أن الأمير محمد كرمنوغلو (في قونية) هو الذي اشترع ذلك سنة 1277.
وعرفت الفترة الممتدة من أواخر القرن الثالث عشر وحتى العقود الأولى من القرن الرابع عشر أدباً كتب باللغة التركية. برز فيه من الشعراء: يونس إمري (1240 ـ 1320) الذي عاش في شمال غرب الأناضول وكتب شعراً صوفياً، وغولشهري الذي نقل «لغة الطير» (للعطار) نقلاً معدلاً إلى التركية (1317)؛ وعاشق باشا (1271 ـ 1332) الذي نظم قصيدة صوفية من 15,000 بيت سماها «غريب نامه» (كتاب الحاج)؛ وتشياد حمزة الذي استوحى جلال الدين الرومي.
من المتعارف عليه أن أول مدرسة أنشئت في أيام العثمانيين تعود إلى أيام أورخان (1330) وكانت تدرس فيها العربية (وبعض الفارسية) والفقه والشريعة والمنطق والميتافيزيق والفلك والرياضيات والطب. ثم تلا ذلك تأسيس مدرسة في بروسة وكان، من الطبيعي، أنه بإمكان المسلمين أن يتلقوا العلوم في مناطق عدة من العالم الإسلامي. فداود (القيسري)، شيخ مدرسة نيقية درس في القاهرة. وعلماء المسلمون، دوما، يرحلون في طلب العلم وتوصيله إلى الطلاب كما كانوا ينتقلون من معهد إلى معهد. فالفلكي قاضي زاده (1357 ـ 1412) بعد أن كان في مدرسة بروسه انتقل إلى (بغ) حيث تولى مشيخة المدرسة فيها. وقد وضع (بالعربية) رسالة في الهندسة وحاجي باشا (القوني الأصل درس الطب في القاهرة وتدرب هناك، ثم عاد إلى إمارة أيادين حيث انصرف إلى التطبيب والتأليف في الطب.
ومما يجدر ذكره أن الثقافة العربية قد حافظت على خصوصيتها، وحتى القرن الخامس عشر لم يتمكن الأتراك من تقبلها كي يفيدوا من إنجازاتها الكبيرة. ومثل ذلك يقال عن أوروبا وثقافتها، على أنه حري بالذكر أن الأمر تبدل بعض الشيء في أيام محمد الفاتح (1451 ـ 1481). فقد أراد هذا السلطان أن تكون عاصمته ذات طابع ثقافي. فقد كان هو يعرف العربية والفارسية، ويدرك ما يمكن أن يفاد منه من الاتصال بمثل هذه الحياة الفكرية. لذا فإنه عمد إلى فتح مدرسة، على غرار المدرسة الإسلامية، تدرس فيها العربية والفارسية والفقه والشريعة والمنطق والحساب والفلك والطب. لكنه لم يكتف بذلك بل أنشأ ما يمكن تسميته (جامع)، لتدريس الطب بفرعه المختلفة وألحق بها مستشفى. ومما ذكر لمحمد الفاتح أنه استدعى الرسام الإيطالي بليني إلى بلاطه، وقد رسم له صورة.
ولما كان الناس على دين ملوكهم فقد أخذ الكثيرون يعنون بالثقافة العربية والأدب الفارسي. وكان من الطبيعي أن تقوم في استانبول فئة من شعراء القصر، وبعضهم كان يلتحق بكبار الموظفين وأصحاب الزعامات. وكان أكثر هؤلاء يعرفون العربية والفارسية. وقد شهد القرنان الخامس عشر والسادس عشر شعراء كبار مثل فضولي (1494 ـ 1555) وهو تركي كان يقطن بغداد، فلما احتلها سليمان القانوني (1534) انضم إلى شعراء السلطان، لكنه لم يترك بغداد. وخير أعماله الشعرية هو «ليلى ومجنون» وفيه شعر غنائي ونزعة صوفية. وهناك باكي (1526 ـ 1600) الذي كان شاعر السلطان سليمان وعندنا بني (1642 ـ 1712) ونديم من أهل القرن السابع عشر أيضاً.
إلى جانب الشعر البلاطي كان هناك شعر شعبي أكثره صوفي النزعة يمثله إبدال في القرن الخامس عشر وبير سلطان إبدال من القرن التالي.
وقد حفلت الحلقات الأدبية والصوفية المتعددة بعدد من رواة القصص التاريخية الطابع وكانت تدور حول موضوعين رئيسيين هما حياة الرسول(ص) على نحو ما أشرنا من قبل، والبطولات التركية القديمة.
لكن بعد محمد الفاتح وخليفته بايزيد (1481 ـ 1512) بدأ اتجاه لتدوين التاريخ «رسمياً» أي تفخيم السلاطين وإنجازاتهم. وقد استمر هذا بطبيعة الحال أيام ازدهار الامبراطورية في القرن السادس عشر. ويمثل المؤرخين كمال باشا زاده (توفي 1534) وسعد الدين أفندي (توفي 1599) ومصطفى أفندي (توفي 1599). وكان حاجي خليفة (كاتب تشلبي 1609 ـ 1657) أول من وضع تاريخاً منتظماً. لكن أهم المؤرخين العثمانيين الرسميين هو نعيماً (1655 ـ 1716).
وعرفت أنواع أخرى من الكتابة التاريخية والجغرافية في القرن السابع عشر. فقد وضع أوليا تشلبي (1611 ـ 1683)، الذي كان مؤرخاً رحالة، كتابه «سياحت ـ نامه» الذي كان وصفاً دقيقاً جغرافياً تاريخياً لأجزاء كبيرة من الامبراطورية. كما وضع اثنان من أمراء البحر، هما بري رس (توفي 1554) وخليفته سيد علي (توفي 1462) كتابين مهمين مزودين بالخرائط هما على التوالي: الأول عن البحر المتوسط ـ شواطئه وجزره، والثاني عن المحيط الهندي (وقد سماه «المحيط») إذ أنه قاد الأسطول العثماني الذي قارع البرتغاليين وانتصر عليهم هناك.
كان حاجي خليفة مؤلفاً موسوعياً فوضع رسالة طويلة بعنوان جهان ـ نامه وهي جامعة للتاريخ والجغرافيا والحياة الاجتماعية والأدبية (توفي 1657).
بين سنتي 1727 ـ 1729 أنشئت أول مطبعة في إستانبول، وكانت، بالطبع تستعمل الحروف العربية. وكان المشرف عليها إبراهيم متفرقة، وهو هنغاري كان قد اعتنق الإسلام. وكان قد صدر أمر سلطاني (1726) بأن المطبعة لن يسمح لها أن تقوم بطبع كتب دينية أو شرعية، بل يجب أن يقتصر عملها على طبع كتب علمية وفنية وتاريخية وفيلولوجية. وكان أول ما طبع فيها (سنة 1732) موسوعة حاجي خليفة وتقريراً عن فرنسا وضعه السفير محمد أفندي.
كانت الإمبراطورية تفيد قليلاً من بعض النظم التي عرفتها عن أوروبا، لكن ذلك كان قليلاً قبل القرن التاسع عشر. وفي القرن التاسع عشر ظهرت أول صحيفتين تركيتين في إستانبول (1831 و1840)، لكنهما كانتا صحيفتين رسميتين. وقد أصدر شناصي (1826 ـ 1871) أول صحيفة خاصة. ثم توالى صدور الصحف التي كانت تنشر أموراً مهمة تتعلق بالحضارة الغربية.
في أيام عبدالعزيز (1861 ـ 1876) أنشئت أول مدرسة ثانوية على أسلوب الليسيه الفرنسية (1868)، وكانت لغة التعليم فيها، في أكثر الموضوعات، تركية لكنها كانت تعنى بالأدب الفرنسي. وفتحت مدارس للجاليات الأجنبية التي كان يرودها طلاب أتراك. ونال البنات حظ من التعليم للمرة الأولى في هذه الفترة.
في سنة 1891 فتحت كلية الفنون (والكلمة كان يدخل فيها العلم أيضاً)، وهي أول كلية علمية حديثة. وبدأ المسرح الحديث في استانبول سنة 1839 على أيدي فرق فرنسية وإيطالية، ثم ترك بعض الشيء.
يمكن القول إجمالاً بأن العاصمة والمدن الكبرى في الولايات العربية (أو السابقة منها) مثل دمشق وحلب والقاهرة وبغداد، كانت قد تعرفت، قبل انقضاء عهد الامبراطورية، إلى نواحي كثيرة من الحضارة الغربية، وكانت آراء جديدة قد وجدت طريقها إلى القراء.
لكن الريف العثماني ظل تقليدياً في تعليمه وتعلمه، باستثناء بعض الولايات العربية التي كثرت فيها ـ حتى في الريف ـ مدارس أجنبية.
وهكذا فقد كانت الامبراطورية في أواخر عهدها، تمثل وجهين من الثقافة: عصرية وتقليدية.
مؤتمر أهل البيت الثاني في استنبول
للأتراك الشيعة
بمشاركة (105) ممثلاً عن (42) دولة إسلامية وأوروبية عقد في فندق هوليدي أن اسطنبول بتركيا مؤتمر أهل البيت(ص) الثاني في الفترة من 25 ـ 27 نيسان 1998 بدعوة من جمعية وقف أهل البيت وقد شارك وفد من الاتحاد الإسلامي لتركمان العراق الشيعة في المؤتمر المذكور ضم كل من عباس البياتي الأمين العام للاتحاد والحاج حيدر فاضل مسؤول مكتب العلاقات وانضم إلى الوفد لاحقً يوسف تسنلي مدير تحرير «الدليل».
الجلسة الافتتاحية:
في الساعة العاشرة من صباح يوم السبت 25 نيسان 1998 وبعد أن اكتظت القاعة بالحضور واكتمل نصاب المشاركين، افتتح السيد فرمان آلتون رئيس جمعية وقف أهل البيت المؤتمر بكلمة مفصلة رحب في مستهلها بالحضور وخاصة بالضيوف القادمين من خارج تركيا، وبعد ذلك تحدث عن إنجازات الجمعية خلال الفترة المنصرمة والجهود التي بذلت من أجل تنفيذ مقررات المؤتمر الأول.
ثم تحدث عن الأهمية التاريخية لهذا المؤتمر من حيث الحضور وتنوع جنسياتهم والحجم النوعي للمشاركين، وأكد أنه يكفي المؤتمر إنجازاً أنه هيأ هذه الفرصة الثمينة لأتباع أهل البيت في التعارف والالتقاء فيما بينهم والتحدث في قضاياهم وهمومهم المشتركة، ثم خرج على المواضيع والقضايا التي ينبغي أن يناقشها
السيد فرمان آلتون رئيس جمعية وقف أهل البيت(ع)
المؤتمرون، وفي الختام دعا عدداً من الشخصيات إلى المنصة الرئاسية للمؤتمر لإدارة الجلسة الصباحية الأولى، وقد كان الأخ عباس البياتي من بين المدعويين إلى جانب 11 شخصية يمثلون عدداً من الأقطار الإسلامية الأوروبية.. وبعد الكلمة الافتتاحية لرئيس الجمعية السيد آلتون، توالت الكلمات تبعاً وكانت أغلبها من قبل ضيوف الخارج وبعض الشخصيات الرسمية من الداخل.
كلمة البياتي
وقد ألقى الأخ عباس البياتي الأمين العام للاتحاد الإسلامي لتركمان العراق كلمة في الجلسة الصباحية الأولى من المؤتمر جاء فيها بعد البسملة والتحميد والصلاة على الرسول(ص) على هذه الدعوة الكريمة التي جمعتنا مع أخوتنا من كل الأقطار، وإن أهم ما ينبغي التركيز عليه هنا هي مسألة الوحدة والاتحاد بين أتباع أهل البيت (عليهم السلام) حيث التفرقة مضرة، وإن اللقاء والتعارف هي الخطوة الأولى والأساسية لبناء الوحدة ومن خلال ذلك يتعرف بعضنا على البعض الآخر ويتفهم معاناته ومشاكله وهكذا نتقرب من البعض ويساعد بعضنا الآخر، فطريق الوحدة يمر عبر التعارف، وقد وفر لنا هذا المؤتمر القاعدة والأرضية المناسبة لكي يحدث أحدنا أخاه عما يعاني، وأن التفرقة والابتعاد سيؤدي إلى أن ينفرد بنا الأعداء كل في مكانه وبالتالي يسهل عليهم القضاء علينا والأضرار بنا، أما إذا توحدنا فلن تستطيع أي قوة أن تنال منا حيث سيجابه بالصرخة والتنديد من كل مكان وصوب بمجرد أن يحاول المساس أو التعرض بنا، إنني هنا أتحدث باسم التركمان العراقيين الموالين منهم لأهل البيت(ص) وباسم هذه الشريحة التي نهلت الإسلام وآمنت به عن طريق أهل البيت(ص)، كما إنني من العراق هذا البلد الذي كل ذرة من ترابه وكل قطرة من مائه يشم منها رائحة علي والحسين (عليهم السلام) وهو مهد الأئمة، هذا البلد الذي يتعرض فيه شعبه والموالين لأهل البيت (عليهم السلام) إلى الظلم والطغيان منذ سنين طويلة وبعد حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت عام
1991 تم القضاء على انتفاضة الشعب العراقي. النظام الصدامي بقصف العتبات المقدسة والمراقد الشريفة في كربلاء والنجف، وهكذا انتهكت تلك القوات حرمة تلك الأماكن الطاهرة والمزارات المباركة، وقتلت جميع من لاذوا والتجأوا إلى تلك الأماكن حيث انفجرت فيها حمامات الدم البريئة، وفي الختام أكرر شكري لكم داعياً لكم بالنجاح والتوفيق والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
كلمات أخرى:
وألقيت في جلسات اليوم الأول والثاني من المؤتمر عدة كلمات من قبل المشاركين من الخارج والداخل، حيث ألقى الدكتور جواد الشهرستاني رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في لندن، كلمة مختصرة تحدث فيها عن منزلة أهل البيت في القرآن والإسلام، وألقى الأخ علي الدباغ من دبي من مؤسسة الإمام الحسين (عليه السلام) العالمية في لندن كلمة بالمناسبة وألقيت كلمات من قبل ممثلين من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في كل من مقاطعة (نخجوان) في روسيا، وإقليم كوسوفو، وجمهورية مقدونيا، وبلغاريا، ومصر، وألمانيا، وهولندا، وأمريكا، وكندا، وقبرص، وألبانيا، وجمهوريات آسيا الوسطى، وانكلترا، وأفريقيا، والعراق، وأقطار إسلامية وأوروبية أخرى بالإضافة إلى كلمات من قبل ممثلين عن مؤسسات إسلامية من سائر المدن التركية ومن قبل الشخصيات العلمية والرسمية.
البياتي يلقي كلمته في المؤتمر
وقد تحدث أصحاب تلك الكلمات عن أهمية هذا المؤتمر والتأكيد على بعض المطالب لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) في تركيا.
أهمية مشاركة الاتحاد
تكتسب مشاركة الاتحاد في المؤتمر المذكور أهمية كبيرة، حيث تم التعريف بالتركمان العراقيين ودورهم في التصدي للنظام الدكتاتوري والذي كلفهم تضحيات غالية، وقد عرف الجميع ولأول مرة أن هناك موالين لأهل البيت (عليهم السلام) من التركمان في العراق يعيشون في وئام مع سائر أخوتهم التركمان وعامة الشعب العراقي على اختلاف مذاهبه وقومياته.. وكان وفد الاتحاد موضع الحفاوة والتكريم والترحيب من قبل القائمين على المؤتمر والمشاركين فيه.
وعلى هامش المؤتمر أجرى وفد الاتحاد لقاءات ثنائية مع جميع المشاركين والمؤتمرين. من الداخل والخارج، حيث تحدث معهم عن أوضاع الشعب العراقي ومعاناته المستمرة في ظل تسلط العصابة الدكتاتورية الحاكمة، وقد أوضح لهم ما التبس عليهم نتيجة الأعلام المضاد والدعاية المغرضة للنظام وأتباعه حيث ذكر أحد المؤتمرين وهو من مقاطعة (نخجوان) إنه قيل لهم أن أمريكا هي التي قصفت العتبات المقدسة أثناء حرب تحرير الكويت، وذكر آخر أنه زار العراق وشاهد صور الطاغية صدام، في كل مكان وهذا دليل على أن الشعب يحب صدام؟؟!! وقد كانت تلك اللقاءات الثنائية مثمرة جداً في توضيح حقيقة ما يجري في العراق وعلى شعبه من ظلم واضطهاد وتجويع وحصار، والتعرف بالتركمان وقضيتهم ومظلوميتهم.
جانب من المؤتمر
الاهتمام الأعلامي والرسمي:
حظيت أعمال المؤتمر باهتمام أعلامي كبير حيث نقلت جميع القنوات التلفزيونية التركية لقطات من الجلسة الافتتاحية للمؤتمر وقامت بتغطية جلساته المفتوحة، كما تابعت جميع الصحف اليومية أعمال المؤتمر ونشرت تقاترير خبرية وتحاليل ودراسات عنها طيلة أيام انعقاده وكانت للجلسة الافتتاحية والختامية نصيبها الأكبر من التغطية التلفزيونية والصحفية للأنباء وبثت تقريراً خبرياً عن المؤتمر.
وتمثل الاهتمام الرسمي بسيل من البرقيات التي انهالت على رئاسة المؤتمر من مكتب رئاسة الجمهورية ورئيس الوزراء والبرلمان وقادة الأحزاب السياسية التركية ومن عدد من الوزراء وأعضاء البرلمان والمسؤولين الرسميين في الحكومة والدولة التركية. هذا وقد حضر الجلسة الافتتاحية رئيس الوزراء الأسبق يلدرم اق بولوط، وعدد من الوزراء ونواب البرلمان السابقين ومسؤول التفتيش الديني بالإضافة إلى عدد من العلماء والمثقفين والكتاب.
البيان الختامي:
وفي يوم الاثنين 27 نيسان 98 اختتم المؤتمر أعماله بمؤتمر صحفي حضرته وسائل الأعلام المرئية والمقروءة، حيث تلي البيان الختامي من قبل رئيس جمعية وقف أهل البيت (عليهم السلام) السيد فرمان آلتون وأجاب بعد ذلك على أسئلة واستفسارات الصحفيين والمراسلين على مدى أكثر من ساعتين.
وقد جاء في البيان الختامي التأكيد على ضرورة تعزيز التبادل الثقافي والاقتصادي بين أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في كل مكان.
كما طالب بإنشاء جامعة لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) في تركيا لتخريج الكوادر والعلماء للتعريف بخط أهل البيت وعلومهم، والمطالبة بإنشاء قناة تلفزيونية خاصة مع السماح بإصدار صحيفة محلية دورية تتحدث عن عقيدة أهل البيت (عليهم السلام) وأخبارهم ونشاطهم.
كما طالب بتشكيل لجنة علاقات وارتباط بين أتباع أهل البيت (عليهم السلام) كما تضمن البيان جملة مطالب أخرى من بينها إعطاء حرية للطوائف المتعددة في تركيا للتعبير عن معتقداتهم الفكرية والدينية، وإلغاء بعض الدروس الدينية من المنهج الدراسي الحالي في تركيا والتي تخالف الأسس الديمقراطية، واعتبار يوم عاشوراء ويوم عيد الغدير عطلة رسمية ومناسبة مقدسة في تركيا، وطالب برفع التمييز المناطقي ووضع خطة شاملة لإعمار بعض المناطق والمدن المحرومة في الأناضول. هذا وقد تركزت أسئلة المراسلين حول كيفية تحويل هذه المشاريع المقررة وبالذات مسألة إنشاء الجامعة ومكانها فقد أكد السيد فرمان آلتون في أجوبته أن 25 مليون من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وبما يملكون من قدرة اقتصادية، إذا كان ليس بمقدورهم تمويل هكذا مشروع يخصهم فكيف سيحافظون على هويتهم واعتزازهم بذلك، ورفض فكرة التمويل الخارجي وقال لسنا بحاجة إليه وإذا أعوزنا المال هناك بنوك أوروبية تعطي قروضاً واستثمارات سنلجأ إليها، وحول المركز المقرر لإدارة العلاقة بين أتباع أهل البيت (عليهم السلام) أكد سيد آلتون أن في أوروبا أماكن مناسبة لذلك بما فيها من مجال واسع للتحرك، وفي ختام حديثه شكر الصحفيين والحضور والمشاركين في المؤتمر وتمنى ان يحالفه وأخوته التوفيق في تطبيق مقررات المؤتمر والسعي لتحقيق مطالبه. وأدلى الأخ عباس البياتي الأمين العام للاتحاد الإسلامي لتركمان العراق بحديث إلى قناة S.T.V. التلفزيونية التركية خلال زيارة قام بها إلى مركز التلفزيون جاءت تلبية لدعوة الغداء للوفود المشاركة في مؤتمر أهل البيت (عليهم السلام) ومما جاء في الحديث، كان المؤتمر فرصة تاريخية للالتقاء والتعارف بين أتباع أهل البيت (عليهم السلام) تحدثوا فيها حول أوضاع المسلمين بشكل عام وأتباع أهل البيت (عليهم السلام) بشكل خاص وأكدوا على أهمية الوحدة بين المسلمين خاصة وأن الجميع يتبعون رسولاً واحداً وكتاباً واحداً ويؤمنون باله واحد وأضاف البياتي إنه تم في المؤتمر التركيز على ضرورة العيش بسلام ومحبة بين المسلمين بلا تفريق وإن اتباعنا لمنهج أهل البيت (عليهم السلام) جاء بعد تأكيد القرآن والرسول(ص) على منزلتهم السامية ومقامهم الرفيع. وأوضح أن التعددية في أسماء وطرق أتباع أهل البيت (عليهم السلام) تنبثق من حقيقة جوهرية واحدة وهي أنهم جميعاً على اختلاف مشاربهم وأسمائهم يرجعون إلى أهل البيت (عليهم السلام) حيث منهم تعلموا الإسلام وعن طريقهم عرفوا الدين المبين. وأكد أن الإسلام بحر عميق وواسع وأن طريقنا إلى هذا البحر ووسيلتنا في الوصول إليه والاستفادة منه هم، أهل البيت (عليهم السلام) كما أن لسائر المسلمين طرقهم الخاصة في ذلك.
الشيعة في تركيا
تتجمع أكثرية الشيعة في مناطق الحدود بين روسيا وإيران وتبلغ عددهم خمساً وسبعين بالمائة في مدينة (قارص)، وتسعين بالمائة في مدينة (أغدر)، ومائة بالمائة في بعض الأقضية والقرى الأخرى. ولهم في مدينة قارس مسجدان وفي أغدر أكثر من ستة مساجد. ومع أن عددهم في مدينة إزمير ليس بالكثير فإن لهم فيها مسجدين. ومنهم في مدينة أنقرة عدة ألوف. كما يكثر عددهم في استانبول (الآستانة) ولهم فيها مساجدهم وكذلك يوجد منهم عدد وافر في مدينة بورصة ولكن ليس لهم فيها مسجد مستقل.
ويبلغ عدد الشيعة في تركيا أكثر من ستة ملايين جلّهم في محافظتين في شرق تركيا:
1 ـ محافظة كارس.
2 ـ محافظة آغري.
الأكثرية الكاثرة في المحافظتين المذكوريتين هم من الشيعة ولهم نشااطاتهم ومساجدهم وعلماؤهم ويوجد عندهم الشيء الكثير من كتب الشيعة المؤلفة باللغة التركية، أو المنقولة إليها، من التفسير وشرح نهج البلاغة، وغيرهما في أصول الدين وعقائد الشيعة والرسائل العملية وغيرها.
وهناك جمّ غفير من الشيعة المهاجرين من إيران والبلاد الإسلامية الأخرى، يبلغ عددهم حوالي مليون نسمة، جلهم يسكنون في استانبول وبعضهم في أنقرة وإزمير وغيرهما من المدن.
ولهم نشاطات وجمعيات ومساجد ومقابر، ويوجد كتب لعلماء الشيعة في مكتبة «السليمانية» وغيرها من مكتبات تركيا، يرجع تاريخ استنساخ بعضها إلى القرون الأولى، ويوجد بعض المزارات المنسوبة إلى أولاد الأئمة في استانبول تزار ويتبرك بها.
وللشيعة مساجد كثيرة في قرى وقصبات ومدن تركيا، أشير هنا إلى بعضها:
استانبول.
ـ مسجد الإيرانيين، في القسم الأوروبي من استانبول، يرجع تاريخ بنائه إلى أكثر من مائتين سنة، أسس الإيرانيون المهاجرون في «جاكمالجيلار» في وسط خان كبير يسمى بـ«بيوك والده خان»، كانوا يعقدون اجتماعاتهم فيه. وهناك مسجد آخر في إحدى محلات استانبول لم يتم بعد.
وفي أنقرة مسجد الإمام جعفر الصادق ومسجد آخر جديد في محلة «كجي أرن».
ومسجد أسن تيه، قد تم بناءه أخيراً في محلة أسن تيه.
وفي إزمير ـ مسجد الإمام جعفر الصادق في «آلب آرسلان» في محلة «بايراقلي» في إزمير على تلة مشرفة على بحر «إيجه».
وفي گارس ـ مسجد بني محلة (المحلة الجديد).
ومسجد جارشي (مسجد السوق).
وفي أغدير سبعة مساجد كلها معمورة بإقامة الجماعات والنشاطات الإسلامية. وفي «أغدير» قاعدة «آغري» الممتازة بكثرة المساجد وتوفر العلماء.
ومسجد بورسا ـ لم يتم ـ.
ومسجد تورقوتلو ـ تم بناؤه أخيراً.
ومسجد الإمام جعفر الصادق في تاشلي جاي.
ومسجد توزلوجة.
ومسجد آراليك.
مسجد ملكي.
مسجد داش بورون.
وللشيعة الأتراك نشاطات كثيرة في البلاد الأوروبية ولا سيّما في ألمانيا وهولندا وبلجيكا:
ففي برلين مسجد الإمام جعفر الصادق، تقام فيه الجمعة والجماعة ويعد مركزاً لنشاطات الأتراك الشيعة في أوروبا، وفي هولندا يوجد شركات شيعية توزع اللحوم المذكاة في مستوى البلاد الأوروبية، تعرف بـ«حلال غدا» أي «الطعام الحلال».
وأعظم مكتبة للشيعة في تركيا:
ـ مكتبة الدكتور عبدالباقي كلبناري، في قونية، بجنب مقبرة جلال الدين الرومي، وهي مكتبة ضخمة تحتوي على مئة ألف كتاب باللغات المعروفة في العالم.
لما كان الأستاذ كلبناري يعد من أكبر محققي الأتراك، وكان معروفاً في الأوساط العلمية والمراكز العالمية، كان سيل الكتب ينحدر إليه من أنحاء العالم بشتى اللغات، فكان ينظر إليها عابرة، فإن كانت مورد حاجته، كان يضرب عليها طابع الوقف ويضعها في صالة مطالعاته، حتى يقضي منها الوطر ثم يرسلها إلى المكتبة، وإن لم تكن مورد حاجته كان يضرب عليها طابع الوقف ويضعها في الصناديق المعدة لذلك، لكي يرسلها إلى المكتبة.
فاجتمع في مكتبته عشرات الآلاف من الكتب المخطوطة ومئات الآلاف من الكتب المطبوعة، وقد ألف فهرستاً فنياً لمخطوطات هذه المكتبة، طبع في اربعة مجلدات ضخمة بالحجم الكبير.
ومكتبة أهل البيت، في قاعة واسعة في مسجد الإيرانيين في استنبول (والده خان) تحتوي على الكتب القيمة في شتى المواضع الإسلامية، أسسها «الشيخ عبدالمجيد الواعظي». وهناك المكتبات البسيطة في مساجد الشيعة في استانبول وأنقره وإزمير وگارس وأغدير وغيرها.
والمكتبات الثقافية التابعة للسفارة الإيرانية في أنقرة، والقنصليات الإيرانية في استانبول وأرضروم.
ولا يوجد في تركيا مدرسة قديمة مهمة للشيعة، ولكن يوجد مدارس جديدة (الابتدائية والتحضيرية) في أنقره، و(الابتدائية والتحضيرية والثانوية) في استانبول، تدرس فيها كل الدراسات الدارجة في مدارس إيران وتركيا بالفارسي والتركي.
ويوجد في أنقرة مقام باسم (الحاج بايرام ولي)، وهو أحد المشايخ في القرن الثامن الهجري، توفي سنة 733هـ يزار ويتبرك به وتدعى له الكرامات، كان الأستاذ (كلبناري) يزوره ويقول إنه من علماء الشيعة وبعيد عن مسائل الصوفية، وهو دائماً غاص بالزوار.
الأدب التركي الشيعي
وللشيعة في تركيا أدب تركي قديم، ففي القرن الرابع عشر نظم الشاعر (نقيب أوغلي) قصة الحسن والحسين (عليهما السلام) وهو معاصر لشلبي عريف المتوفي سنة 719هـ وهناك في القرن نفسه قصيدة (دستان مقتل حسين) نظمها الشاعر (شادي أوشياد) سنة 763هـ بقسطموني، كذلك معاذ أوغلي البك بازاري ما يعرف بالمثنوي في غزوات علي (عليه السلام). وفي سنة 803هـ (1400م) كان أول ما صنف في الروملي قصيدة في رثاء الزهراء (عليها السلام)، نظمها خليل إمام مسجد قره بولت من أعمال أدرنة.
وكذلك ظهرت في القرن السابع عشر تآليف شعبية تصف غزوات النبي(ص) ومعجزاته بصفة عامة وبطولات عليّ (عليه السلام) بصفة خاصة، وقد صيغت هذه التآليف في قالب المثنويات.
وأما في النثر، فقد ظهرت كتب السير التي ألفت في الزهراء والحسن والحسين (عليهم السلام) وما جرى في كربلاء.
وكل الذي ذكرناه يعد من روائع الأدب التركي. والشاعر الشيعي فضولي الذي عاش في القرن السادس عشر يعتبر أعظم شعراء اللغة التركية، وليس في العالم التركي شاعر نال شهرته إذا استثنينا نسيمي ونوائي: قال عن نفسه وهو في جلال السن إنه مدح علي بن أبي طالب (عليه السلام) خمسين سنة.
أما أشهر شعراء المراثي الحسينية في الأناضول فهو روحي بغدادي المتوفى عام 1065م، وملا عزت المتوفى عام 1829، وشيخ مشتاق مصطفى المتوفى عام 1830، ولبيب محمد المتوفى عام 1867، وقد كتب الأخير تسع مجلدات في رثاء الحسين. أما عثمان شمس المتوفى عام 1893 فقد طبع كتابه المسمى «مرثية سيد الشهداء»، ومعلم فيضي المتوفى عام 1910 الذي طبع كتابه المسمى «مأتم نامه».
وإلى جانب هؤلاء الشعراء هناك شاعرتان مشهورتان في الأناضول في القرن التاسع عشر، هما ليلى خانم المتوفاة عام 1847، وشريفة خانم المتوفاة عام 1908. وقد احتوى ديوان شريفه خانم على مجموعة من المراثي الشعبية حول مقتل الإمام الحسين وأهل بيته في كربلاء. وكانت قصائدها العاطفية حول مأساة كربلاء من أروع ما كتب من الشعر الشعبي الحسيني في تركيا.
ولا يقيم الأتراك الأناضوليون مسارح شعبية لتمثيل واقعة الطف بكربلاء، غير أن لديهم نصوصاً تاريخية وشعرية كثيرة حول مأساة الحسين في كربلاء يمكن تصنيفها إلى نوعين رئيسيين هما:
أولاً ـ كتب المقاتل التي تصف بشكل تراجيدي معركة الطف بكربلاء وما جرى للإمام الحسين وأهل بيته وكذلك مقتل الإمام علي، ومقتل أبي مسلم الخراساني، الذي قاد الثورة ضد الأمويين.
وثانياً ـ كتب الأشعار، والمراثي التي تقرأ أو تنشد في الاحتفالات في شهر محرم من كل عام.
ومن المؤكد أن واقعة الطف بكربلاء واستشهاد الإمام الحسين تأخذ حيزاً كبيراً وبارزاً في كتب المقاتل. ويبدو أن أول كتاب من كتب المقاتل صدر في الأناضول كان كتاب «سعدي مداح». وكان سعدي مداحاً ممتهناً مشهوراً ويطلقون عليه أيضاً اسم «قصخان»، وتوجد اليوم نسختان من كتابه، الأولى معنونة «دستين حسين بن علي» وهي محفوظة اليوم في مكتبة جامعة أنقرا، والثانية محفوظة في المكتبة الوطنية التركية بأسطنبول، ويعود تاريخ طباعتها إلى عام 1361هـ. ويتضمن كتاب المقاتل لسعدي عشر قصص، كل واحدة منها تتحدث عن واقعة من وقائع معركة الطف التي حدثت في كربلاء.
وفي تركيا كذلك الملايين من البكداشية وقد تحدث عنهم مراسل جريدة الجمهورية البغدادية بتركيا في رسالة نشرتها بتاريخ 12 أيلول سنة 1965م هذا نصها:
كان يوم 16 آب عيد البكداشيين في تركيا، وقد تقاطر على قصبة (حاج بكداشس) الواقعة في ولاية نوشهر على بعد 180 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من أنقره الألوف من مريدي الطريقة البكداشية فغصت بهم الرحاب الواسعة والساحات الفسيحة وطافوا بمرقد شيخ طريقتهم الحاج بكداش ولي وشاركوا في الاحتفالات وهم بملابسهم التقليدية المؤلفة من قلنسوة أسطوانية ذاات 12 طية تحيط بها عمامة خضراء وجبة بنفسجية أو خضراء اللون مزركشة بشرائط ذهبية وحزام أخضر. أما النساء فقد كن بالملابس والشفوف الوطنية ذات الألوان الجذابة والمؤلفة من سروال طويل أو تنورة وحزام وسترة طويلة الأكمام وغطاء شفاف على شعورهن.
وذكرت جريدة حريت (التركية) أن 13 مليوناً من سكان تركيا يعتنقون الطريقة البكداشية وأن بضعة آلاف منهم يحضرون في قصبة حاج بكداش في 16 آب في كل سنة ومن جميع أنحاء تركيا وبينهم أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسون والعلماء والتجار والصناع والفلاحون والقرويون وغيرهم وبينهم من الشيوخ من يبلغ طول لحيته إلى السرة كما أن بينهم أحدث العصريين من شباب الجامعات والموظفين. ولهم مراتب حسب درجات المريدين من بعض أسمائها الده ده والخليفة وبابا وغير ذلك. وتدوم هذه الاحتفالات ثلاثة أيام كل سنة ويجري ذلك منذ 770 سنة.
وقد انتخب أحد أساتذة الجامعة المساعدين رئيساً للمريدين في هذه السنة واسمه الدكتور بدري نويان ولقبه في الطريقة (ده ده بابا).
إلغاء الخلافة
على أثر النصر التركي المبين على اليونانيين بقيادة مصطفى كمال وطرد اليونانيين من الأناضول سنة 1922م بعد نضال مرير استمر نيفاً وثلاث سنين. تم دخول الأتراك عاصمتهم القديمة اسطنبول وخروج الحلفاء المحتلين منها. واضطرار السلطان الخليفة محمد وحيد الدين إلى الفرار بباخرة إنكليزية والنزوح عن تركيا بعد ممالأته للمحتلين وتحريضه على الثائرين.
على أثر ذلك أعلن مصطفى كمال تولية عبدالمجيد ابن السلطان عبدالعزيز مكان وحيد الدين، ولكن بشكل جديد يتولى فيه الخلافة دون السلطنة، وكان ذلك مقدمة لإلغاء الخلافة كاملاً سنة 1923م.
على أن من الجدير بالذكر أن نشير إلى الخطاب الذي ألقاه مصطفى كمال عند زيارته لمدينة قونية خلال الفترة التي مضت بين إلغاء السلطنة وإلغاء الخلافة فربما كان فيه ما يلقي بعض الضوء على حقيقة تفكير مصطفى كمال.
قال مصطفى كمال ما تعريبه:
لقد جعل ديننا السامي طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، كما ناط بكل مسلم ومسلمة أمر إرشاد الأمة وتعليمها، وأريد أيها السادة أن أتبسط فى الأمر فأقول إن في أمتنا علماء حقيقيين يفتخر بهم بحق كما أن هناك في مقابل هؤلاء أميين بعيدين عن حقيقة العلم لم يتعلموا التعليم الكافي يلبسون اللباس الديني، فيجب أن لا نخلط بين هؤلاء وهؤلاء. وقد اجتمعت في أسفاري بكثير من العلماء المستنيرين ممن تعلموا علماً صحيحاً على الطراز الحديث فكأنهم والذين درسوا في أوروبا في مستوى علمي واحد. ويقال بالإجمال إن عندنا علماء أعلاماً واقفين على روح الإسلام وحقيقته بلغوا مرتبة الكمال، كما أن بينهم علماء خائنين بلا وجدان.
أيها السادة:
لقد بدأ جهلة العلماء يندسون بين العلماء الحقيقيين منذ العصر الأموي وذلك لأن المسلمين في العهد النبوي وفي زمن الخلفاء الراشدين ما كانوا بحاجة لمن يعظهم ويعلمهم لما كانوا متحلين به من الأخلاق العالية والنزاهة والاستقامة، ولكن الخلاف الذي نشب بين علي بن أبي طالب ومعاوية وجعل جند معاوية في معركة صفين يرفعون القرآن الكريم على أسلات الرماح كان أول مفسدة دينية في الإسلام إذ اتخذ الكتاب الكريم واسطة لترويج الباطل. وإنكم لتعلمون ما تلا ذلك من حكم الحكمين وكيف أن معاوية رقي إلى الخلافة بالحيلة. وكان بعد ذلك أن اتخذ الملوك المستبدون الدين آلة للوصول إلى مطامعهم وأغراضهم واتخذوا من العلماء الحقيقيين الذين لم ينقادوا في وقت من الأوقات إلى الملوك المستبدين ولم يخضعوا لأوامرهم ولم يرهبوا تهديدهم وقد قضى بعضهم تحت سيوف الجلادين ونفوا من بلادهم وقذف بهم في غياهب السجون حيث قضوا السنين الطوال لا يرون نور الشمس وصلبوا إلى جذوع الأشجار. ومع ذلك فلم يكونوا آلة في أيدي أولئك الملوك. وهناك طائفة ليست من العلم في شيء تلبس اللباس الديني لتعد في مصاف العلماء لا تمتنع حين الحاجة عن اختلاق الأحاديث الشريفة استرضاء للملوك المستبدين «انتهى».
وكان لما قامت به الحكومة الكمالية، من إلغاء الخلافة دوي عظيم وأثر أليم جداً في العالم الإسلامي، إذ كان مفاجأة للمسلمين، ولا سيّما لحدوثة انتصار الأتراك في حرب الاستقلال على أعدائهم. ولهذه المناسبة الأليمة نظم أحمد شوقي إحدى قصائده البليغة، يرثي فيها الخلافة.
وفيما يلي أبيات من هذه القصيدة:
عادت أغاني العرس رجع نواح
ونعيت بين معالم الأفراح
كفنت في ليل الزفاف بثوبه
ودفنت عند تبلج الأصباح
ضجت عليك مآذن ومنابر
وبكت عليك ممالك ونواح
الهند وآلهة ومصر حزينة
تبكي عليك بمدمع سحاح
والشام تسأل والعراق وفارس
أمحى من الأرض الخلافة ماح
وأتت لك الجمع الجلائل مأتماً
فقعدن فيه مقاعد الأنواح
يا للرجل لحرة موؤدة
قتلت بغير جريرة وجناح
إن الذين أست جراحك حربهم
قتلتك سلمهمو بغير جراح
نزعوا عن الأعناق خير قلادة
ونضوا عن الأعطاف خير وشاح
أدوا إلى الغازي النصيحة ينتصح
إن الجواد يثوب بعد جماح
إن الغرور سقى الرئيس براحه
كيف احتيالك في صريع الراح
غرته طاعات الجموع ودولة
وجد السواد لها هوى المرتاح
التسميات
1 ـ متى بدأ عنوان «التسمية» للمؤلفات؟ وإلامَ استمر؟.
إنَّ المؤلفات والكتب، تارة تأخذ أسماءها من موضوعاتها التي تبحث فيها.
وأخرى يجعل لها اسم وعنوان خاص.
فمن الأول:
مؤلفات في الحديث الشريف، يسمى الواحد منها بـ«حديث فلان» مضافاً إلى روايه، أو مؤلفه، وكذلك «تفسير القرآن» وقد يقال «تفسير فلان» مضافاً إلى مؤلفه.
وهذا القسم من المؤلفات سماه شيخنا العلاّمة الطهراني بالاسم «النوعي» ونسميه نحن الاسم «الموضوعي» للكتاب، لأنه اسم مأخوذ من موضوعه الذي يبحث فيه، كما قلنا.
وقد جرى رواد التأليف عند المسلمين على هذا الطرز، فأكثر ما بأيدينا من كتبهم ومؤلفاتهم تجد في عناوينها وأسمائها ذكر موضوعاتها بوضوح.
وقد يضاف على عنوان الكتاب، كلمة «جزء» أو «صحيفة» أو «كتاب» فيقال: جزء فلان في الحديث، أو: صحيفة فلان في الحديث، أو: كتاب فلان في التفسير، وهكذا.
أو: كتاب الحديث، أو: كتاب التفسير، أو: جزء الطب، وهكذا.
وقد يأخذ العنوان اسم قسم من الموضوع العام، كما تسمى بعض الكتب بـ«المسند» باعتبار أن «المسند» هو واحد من أنواع الحديث وكذلك الكتب المسماة بـ«الصحيح» أو «الغريب».
وكذلك: «غريب القرآن» الذي هو نوع القرآن، وتأويل مشكل القرآن، أو الناسخ والمنسوخ، أو ما نزل من القرآن في كذا، أو أسباب النزول…
فكل هذه الأسماء التي تسمى بها الكتب، هي معبرة عن موضوعات تلك الكتب.
ومن الثاني:
ما هو المتداول حتى اليوم من وضع عناوين خاصة للكتب، وقد سماه شيخنا العلاّمة الطهراني بالاسم «العلمي» للكتاب، نسبة إلى «العَلَم» الذي هو من أقسام المعارف عند اللغويين والنحاة، باعتبار أنَّ ذلك الاسم قد وضعه مؤلفه عَلَماً على كتابه، كما يسمى كل شخص باسم يعتبر علماً واسماً له.
ولا ريب أنّ هذا الطرز من أسماء الكتب، متأخر ـ وجوداً ـ عن الطرز الأول، والدليل على ذلك: أنّ أكثر الكتب والمؤلفات المأثورة عن القدماء لا يحمل عنواناً عَلَمياً خاصاً، بل غالبها يحمل الاسم الموضوعي العام، وحتى القليل من مؤلفات القدماء، الذي يحمل اسماً عَلَمياً مثل «الصحيفة الصادقة» المنسوب إلى عبداللَّه بن عمرو، فإنّ هذا العنوان لا يعدو أن يكون صفة وصفت بها الصحيفة.
كما أنا كلما توغلنا في السنين الهجرية نشاهد وجود الكتب الحاملة للعناوين العلمية، والأسماء الخاصة، بكثرة ملحوظة.
وعلى هذا:
فلا بدّ أن يصاغ السؤال على النحو الآتي: متى بدأ العنوان العلمي للكتب؟
ونحن لا نبحث عن هذا فعلاً، فإن الإجابة عليه تستدعي جهداً خاصاً، له مجاله الخاص، وأهله المختصون.
وعنوان «التسمية» هو من الطرز الأول فإن كلمة «التسمية» لها إطلاقات:
فقد تطلق: «التسمية» من الفعل سمى يسمي: بمعنى وَضَعَ الاسم للشخص، أو الشيء، مثل: سمى فلان ابنه زيداً، أو يزيد.
وبهذا الإطلاق ألف الوحيد البهبهائي كتاب «تسمية بعض الأئمة أولادهم بأسماء الجائرين» وكذلك الميرزا التنكابني كتاب «تسمية الأئمة أولادهم بأسماء الخلفاء وذكر عللها».
وقد تطلق «التسمية» من الفعل سمى يسمى: بمعنى ذكر اسم الشخص، مثل: سمى فلان إخوته، أي ذكر أسماءهم.
وقد اعترف اللغويون بهذين المعنيين وهما مستعملان عند العرف العام أيضاً.
ولكلمة «التسمية» إطلاق خاص عند بعض الفقهاء، وبعض علماء القرآن، وهو خصوص تلاوة آية: {بسم الله الرحمن الرحيم}.
وقد ورد هذا الإطلاق في أسماء بعض المؤلفات:
مثل كتاب «التسمية في فقه أهل البيت (عليهم السلام) بالأخبار» لابن عقدة الحافظ الكوفي.
وكتابان بعنوان «رسالة في التسمية» وردا في فهرس مكتبة برلين بألمانيا الغربية، برقمي 2261 و3264.
وقد عبر الرشداني (ت593) عن {بسم الله الرحمن الرحيم} بكلمة «التسمية» وكذلك من تبعه من شراحه والمعلقين عليه مثل: ابن همام في «فتح القدير» والخوارزمي في «الكفاية» والبابرتي في «العناية» وسعدي جلبي في «حاشيته» انظرجميع ذلك في فتح القدير.
وقال الجزيري في سنن القراءة في الصلاة: ومنها «التسمية» في كل ركعة قبل الفاتحة، بأن يقول: {بسم الله الرحمن الرحيم} وهي سُنّة عند الحنفية والحنابلة، أما الشافعية فيقولون إنها فرض، والمالكية يقولون إنها مكروهة.
ولكن الأشهر إطلاق كلمة «البسملة» على هذه الآية، وتلاوتها، يقال: بَسْمَلَ يُبَسْمِلُ بَسْمَلَةً، إذا قرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم}.
وعلى كل حال: فإن هذا الإطلاق ليس إلا من المعنى اللغوي الثاني مع التحديد بذكر الآية المذكورة، فالتسمية هنا بمعنى اسم اللَّه تعالى بالخصوص.
ومن ذلك ما ورد في الحديث، من قوله (عليه السلام): «سموا، وسمتوا» قال ابن منظور: أي كلما أكلتم بين لقمتين، فسموا اللَّه عزّوجلّ.
وعنوان «التسمية» في كتاب «التسميات» ليس بالإطلاق الثالث، كما هو واضح.
وليس هو بالإطلاق الأول، لأن مؤلفيها لم يريدوا أن يضعوا أسماء لمن جاء ذكرهم في تلك الكتب.
وإنما هو بالإطلاق الثاني، أي بمعنى ذكر الأسماء.
فإنَّ تلك الكتب تسرد أسماء المذكورين في واقعة أو حادثة ونحو ذلك، كما سيأتي مفصلاً.
فعنوان «التسمية» يؤدي بوضوح «موضوع» هذه الكتب ومحتواها، من دون زيادة أو نقيصة.
فهذا العنوان ليس إلا «اسماً موضوعياً» لهذا الكتب، وقد عرفت أن ذلك هو الطرز الأول الذي كانت عليه أقدم المؤلفات.
أما أقدم كتاب حمل عنوان «التسمية» فسيأتي بيانه في الباب التالي. وأما آخر ما عثرنا عليه فهو «تسمية من عرف ممن أبهم في العمدة» لابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة 852هـ.
2 ـ ما هو أول كتاب ألف بهذا الاسم؟
يعد الأعلام ـ من مفهرسي الكتب ـ كتاب «تسمية» من شهد مع عليّ (عليه السلام) حروبه» لعبيداللَّه بن أبي رافع، أول كتاب في موضوعه.
يقول شيخنا آغا بزرك الطهراني، شيخ الفهرسة الشيعية في كتابه «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»: «كتاب تسمية من شهد…» [مؤلفه] هو أول من صنف في الإسلام، في أسماء الرجال…
ويقول ـ أيضاً ـ: هو أول من صنف في المغازي، والسير، والرجال، في الإسلام، لم نعرف من سبقه فيه، لأنه كتبه في عصر أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي استشهد سنة الأربعين من الهجرة.
ويقول ـ أيضاً ـ: هو أول من دوّن أسماء الرجال، لأنه كان في عصر أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان كاتبه.
فالشيخ الطهراني يؤكد على أمرين:
1 ـ أن ابن أبي رافع هو أول من صنف، وأن كتابه «التسمية» هو أول كتاب في موضوعه.
2 ـ أن الكتاب قد تم تأليفه في عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قبل سنة 40 للهجرة.
والسيد حسن الصدر الكاظمي في كتابه «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» يقول في ابن أبي رافع: أول من صنّف في علم المغازي والسير، في الإسلام، لأني لم أعثر على من تقدمه في ذلك.
وبعد أن ذكر تصنيف محمد بن إسحاق (151هـ) وكذلك عروة بن الزبير (ت94هـ) قال: فعبيداللَّه بن أبي رافع تقدمهما في تصنيفه المذكور على كل حال، فهو أول من صنف في السير والمغازي.
والدليل على مدعاه: أن ابن أبي رافع «صنف ذلك على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام)».
فالسيد الصدر يؤكد على نفس ما ذكره الشيخ الطهراني، من:
1 ـ أن ابن أبي رافع، هو أول من صنف، وأن كتابه «التسمية» هو أول مصنَّف في موضوعه.
2 ـ أنه صنفه على عهد الإمام (عليه السلام).
نقول:
أما الأمر الأول ـ مما أكدا عليه ـ فهو ما نهتم للتوصل إلى معرفة الحق فيه، هنا، في هذا الباب، وسنذكر رأينا في نهايته.
وأما الأمر الثاني:
فبالرغم من تأكيد هذين العلمين عليه، فإنا نتمكن من قبول دليلهما عليه، خاصة بعد وقوفنا على نصّ كتاب ابن أبي رافع، حيث لم نجد فيه أدنى إشارة إلى أن تأليفه قد تم في عهد الإمام (عليه السلام) وقبل استشهاده.
بل، على العكس من ذلك، فإنَّ في الكتاب قرائن تشير إلى تأخر تأليفه عن ذلك العهد، حيث اشتمل الكتاب على حوادث متأخرة زمنياً، كقضية شهادة حجر بن عديّ رضي اللَّه عنه.
وبالنسبة إلى الأمر الأول نقول:
ظاهر ما بأيدينا من المؤلفات الأولى يؤيد ما قاله العَلَمان المذكوران، فإن المؤلفين المعروفين في المغازي والسير كلهم متأخرون عن عصر ابن أبي رافع وفاةً.
فقد حددت وفاة ابن أبي رافع بحوالي سنة 80هـ. بينما نجد أقدم من عرف له تأليف في المغازي، وهو عروة بن الزبير، قد توفي سنة 93هـ على أقل تقدير، أو سنة 94هـ أو سنة 96هـ وقد ذكر خليفة: أنه يقال: إنه ـ يعني عروة ـ أول من ألف في السيرة.
ونقله الدكتور الأعظمي، عن السخاوي في كتابه «الإعلان بالتوبيخ» ص48.
أكد ذلك مارسدن جونسن، وقال: إنه هو أول من دون السيرة بشكلها الذي عرف فيما بعد.
ووافقه الأعظمي، ثم أضاف: قد أطبق الكتاب والمؤلفون ـ من القرن الثاني، حتى الآن ـ على أن عروة بن الزبير كتب شيئاً عن المغازي، بل ألف كتاباً في المغازي.
ونقول:
إن كان المراد بكلمة «المغازي» خصوص مغازي رسول اللَّه(ص) ـ كما هو ظاهر الكلمة، والمنصرف منها عند إطلاقها، أو بقرينة البحث عن غزوة ـ فذلك أمر يعود التحقيق فيه إلى أهله.
وأما إذا كان المراد به مطلق الغزوات، بما يشمل الحروب التي وقعت في تاريخ الإسلام، وذكر منهم ابن أبي رافع، الذي حدد وفاته نحو سنة 80هـ، وذكر كتابه «تسمية من شَهِدَ مع علي (عليه السلام) حروبه».
3 ـ تصنيف التسميات في طبقات العلوم.
إن تصنيف الكتب يتبع موقعها من العلوم المتنوعة، وحسب طبقاتها المختلفة، ففي أي علم تندرج التسميات، وفي أية طبقة تصنّف؟
وشيخنا الطهراني، صنف كتاب «تسمية من شهد مع علي حروبه» لابن أبي رافع، في كتب الرجال، وعدّه منها.
وعلى هذا الأساس ذكره في كتابه «مصفى المقال في مصنفي علم الرجال» وقال:
عبيداللَّه بن أبي رافع، (القرن الأول).
كاتب أمير المؤمنين (عليه السلام)، له كتاب «قضايا أمير المؤمنين» وكتاب «تسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفين والنهروان من أصحاب رسول اللَّه(ص)» ذكره الشيخ في «الفهرست» وذكر إسناده في رواية الكتاب عن عبيداللَّه المذكور.
أقول: هو أول من دوّن أسماء الرجال، لأنه كان في عصر أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان كاتبه، وأبوه أبو رافع شهد حروب أمير المؤمنين (عليه السلام) كلها، واقتصر من ترجمة الرجال وتسميتهم على خصوص الصحابة، واقتصر من بينهم على خصوص من شهد حروب أمير المؤمنين (عليه السلام)، لغرض إتمام الحجة على بعض الضعفاء والجاهلين لأحقيّة أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلو قصروا عن مشاهدة دلائل أحقيته، فلينظروا إلى ما تابعه، وشايعه، وفدى بنفسه في نصرته، وحمايته، ممن لا ريب فيهم، وهذا هو الجدال بالأحسن مع من كان في ذلك العصر من المخالفين، كما قاله إمام القراء والمفسرين أبو سعيد أبان بن تغلب، وأورد حديثه النجاشي.
وكذلك صنع في كتابه الذريعة فقال: هو أول من صنف في الإسلام في أسماء الرجال الذين شايعوا أمير المؤمنين، وعنون له هنا برجال ابن أبي رافع.
ولكنه أضاف على علم الرجال علمي المغازي والسير، فقال في الذريعة: هو ـ أي عبيداللَّه ـ أول من صنف في المغازي والسير والرجال، وفي الإسلام لم نعرف من سبقه فيه.
فالشيخ الطهراني صنف كتاب التسمية لابن أبي رافع، في علم الرجال، سواء كان منحصراً به، أو مع انضمام علم المغازي والسير.
لكن السيد الصدر، لم يذكره في علم الرجال، وإنما ذكره في علم السير والآثار الإسلامية والمغازي، وهو الصحيفة الأولى من الفصل السابع من كتابه «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» قال: أول من وضعه وصنف فيه عبيداللَّه بن أبي رافع مولى رسول اللَّه(ص)، صنف كتاب «تسمية من شهد من الصحابة مع أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السلام)».
وذكر بعد ذلك أول من أسس علم الرجال وهو عبداللَّه ابن جبلة الكناني.
والدكتور محمد مصطفى الأعظمي:
ذكر كتاب «التسمية» لابن أبي رافع، ضمن الكتب التي تم تدوينها في التاريخ العام.
ولكنه أدرج ما ورد عن عروة بن الزبير ـ خاصة ـ من «التسميات» في كتاب جمعه باسم «مغازي رسول اللَّه(ص) لعروة»، وهي:
تسمية من شهد العقبة الأخيرة من الأنصار، ص126.
تسمية من شهد بدراً، ص147.
تسمية من شهد بدراً ـ أيضاً ـ ص158.
تسمية من لم يشهد بدراً وضرب له بسهمه، ص160.
تسمية من استشهد يوم أحد، ص172.
تسمية من استشهد بخيبر، ص199.
تسمية من استشهد بمؤتة، ص206.
تسمية من استشهد يوم حنين، ص129.
ومع أن بعض هذه التسميات، قد وردت في المصادر القديمة بعنوان «التسمية» إلا أن منها ما عنون لها الدكتور من عند نفسه، وسماها بالتسمية، نظراً إلى إنها تحتوي على تعداد الأسماء، من دون توجه إلى أن مثل هذا العنوان له أهمية تراثية، ومن المحتمل أن يكون كل ما عنون به كتاباً مستقلاً، وليس من حق أحدنا أن يفتعل مثل هذا العنوان من عند نفسه.
إلا أن عمل الدكتور يدل على أنه اعتبر هذه «التسميات» من علم المغازي.
لكن من الواضح أن «المغازي» يعتبر في تصنيف العلوم علماً برأسه له خصوصياته وشؤونه ومؤلفاته ومؤلفوه، وإن كان مندرجاً في «السيرة النبوية» من جهة عامة، حيث إن السيرة تستوعب حياة الرسول الأكرم(ص) في كل فترات السلم والحرب، وما يتصل بأخلاقه وتصرفاته وشؤونه الخاصة، ومواجهاته ولقاءاته ومحادثاته، وحياته العامة الشريفة. مع أن بعض «التسميات» إذا كان يدور حول بعض الغزوات، فإن منها ما لا يرتبط بشيء منها مثل «تسمية من شهد العقبة» فهي تدخل في علم السيرة، ولا يصح إدراجها في «المغازي» بأي وجه، فهو على الأقل أخص من علم «السيرة».
نعم، قد نقف أمام عقبة عندما نرى الواقدي قد ضمن في كتابه «المغازي» التسميات التالية:
1 ـ تسمية من خرج مع عبداللَّه بن جحش في سريته، 1/19.
2 ـ تسمية المطعمين في طريق بدر من المشركين، 1/144.
3 ـ تسمية من استشهد من المسلمين ببدر، 1/145 ـ 147.
4 ـ تسمية من قتل من المشتركين ببدر، 1/147 ـ 152.
5 ـ تسمية من شهد بدراً من قريش والأنصار، ص152 ـ 172.
6 ـ تسمية من قتل من المشركين (بأُحد)، 1/307 ـ 309.
7 ـ تسمية من استشهد من قريش (في بئر معونة)، 1/352 ـ 353.
8 ـ تسمية سهمان الكتيبة، 2/693.
9 ـ تسمية من استشهد بخيبر، 2/699 ـ 700.
10 ـ تسمية من استشهد بحنين، 2/922.
11 ـ تسمية من استشهد بالطائف، 3/938.
ولكن لا نستبعد أن يكون الواقدي قد استفاد من بعض من سبقه ممن ألف تسميات مستقلة في تلك المواضيع فأدرجها في كتابه المغازي، ولو كان قد جمعها هو، فإن تضمينها كتابه الكبير، لا يؤدي إلى خلل فيما نحن بصدده، لأنه اتبع نفس المنهج الذي سنفصله فيما بعد، للتسميات المستقلة.
وعلى كل حال فهذه «التسميات» الواقدية، لا شكّ في كونها ضمنية، إلا أنه ليس فيها شيء مما يخرج عن موضوع المغازي ولذلك أدرجها في كتابه الخاص بها،
والرأي الأقرب إلى الصواب، في هذا الباب، هو:
أن تعدد الاتجاه الموضوعي في الكتاب الواحد، لا يمنع ـ مطلقاً ـ من أن يكون التركيز في وجهة الكتاب على بعض الموضوعات وبعض العلوم خاصة، وعلى ذلك فليس من الصائب تصنيف ذلك الكتاب في جميع تلك العلوم، بمجرد اتجاه بسيط فيه إليها، بل لا بدّ من تصنيفه في العلم الأكثر تركيزاً فيه عليه، وإن كان تعيين العلم الذي يلحق الكتاب فيه التصنيف، أمراً شاقاً، أحياناً، يستدعي دقة فائقة وجهداً عميقاً.
وكتب «التسميات» لا بدّ من أن تصنف على أساس الجهة الجامعة بين كل «التسميات» وهي السمة المشتركة بين جميع ما يحمل هذا العنوان، والتي توجد بوضوح في جميعها.
ويمكن تحديد ذلك الجامع من خلال ملاحظة ما أوردناه في توضيح عنوان «التسمية» وهو أن كل واحد من هذه الكتب إنما يتصدى لذكر الأسماء لمسميات معينة.
وهذا في حدّ ذاته يقرب أن تكون كتب «التسميات» من كتب علم الرجال الشامل لتراجم الأعلام، ورواة الحديث المذكورين في أعمدة الأسانيد.
ولو تجاوزنا عدداً قليلاً من كتب التسميات، مما لا يرتبط بالرجال بل تتصدى لتسمية بعض الجمادات. وهي أربعة فقط:
1 ـ تسمية الأرضين.
2 ـ تسمية البيع والديارات.
3 ـ تسمية سهمان الكتيبة.
4 ـ تسمية الكتب التي رواها بعضهم.
لو تجاوزنا هذه الأربعة، فإنَّ باقي كتب «التسمية» وهي تنوف على التسعين كلها تختص بتعداد أسماء الأشخاص والأعلام والرواة.
وهذا يؤكد على أن المهمة الأساسية للتسميات، إنما هي ما يهدف من علم الرجال وتراجم الأعلام، فيجب أن تصنف في هذا العلم.
وهذا هو ما صنعه شيخنا الطهراني، فعدّ بعض التسميات من مؤلفات علم الرجال، وعدّ مؤلفه من مصنفي ذلك العلم.
ونِعْمَ ما صنع، فإنَّ مراده بعنوان «علم الرجال» إنما هو علم تراجم الأعلام والشخصيات بما يشمل رواة الأحاديث.
ولذا فإن ما قد يتخيله بعض المتطفلين على علم الرجال من الاعتراض على ساحة شيخنا، بأن عدّ كتاب «تسمية من شهد مع علي حروبه» لابن ابي رافع، من كتب الرجال، غير صحيح، لأنه كتاب في التاريخ.
اعتراض واهٍ، لم يصدر ممن يزن الأمور بموازين العلم والمعرفة.
فإنّ علم الرجال، وإن أصبح عند المتأخرين خاصاً بأحوال رواة الحديث، إلا أن ذلك نشأ من تواضع تعيني، من دون تخصيص ووضع.
وآلان فعلم الرجال هو العلم الشامل لمعرفة ما يتعلق بأحوال الأعلام كافة، والمعاجم وكتب الرجال القديمة على ذلك كان منهجها.
وقد بقيت آثار ذلك الشمول في كتب الرجال المتأخرة أيضاً، فكثيراً ما يترجمون لمن لا رواية له، سوى أنه من أعلام العلماء، وإذا سئل أحدهم عن سبب ذلك، لم يحر جواباً إلا أن يتذرع بفعل الأقدمين.
نعم، لو أريد بعلم الرجال، خصوص ما تعورف عند المتأخرين من أنه علم أحوال رواة الحديث، فإن «التسميات» ـ وإن كان منها ما حمل عنوان «تسمية من روى…» ـ إلا أن ذلك ليس هو الجامع المشترك بين كل «التسميات».
وكذلك تصنيف كتب «التسميات» في علوم «المغازي» أو «السيرة» أو «التاريخ العام» حيث إن بعض كتب «التسمية» يختص بوقائع خاصة من صميم المغازي، أو بقضايا من السيرة، أو بأمور وحوادث من التاريخ العام، فإن ذلك خاص بتلك الكتب، وليس أمراً مشتركاً بين كل «التسميات» فلا يكون عدها من مقولة تلك العلوم جارياً على أساس التصنيف العلمي، الذي يقتضي ما ذكرناه.
4 ـ منهج التسميات، وأهميتها علمياً من خلال مزاولتنا لعدة من «التسميات» المتوفرة لدينا، ومنها:
1 ـ تسمية من شهد مع علي (عليه السلام) حروبه، لابن أبي رافع المدني.
2 ـ تسمية من قتل مع الحسين (عليه السلام)، للفضيل بن الزبير الرسان الكوفي.
3 ـ تسمية عروة بن الزبير، المنقولة في المصادر.
4 ـ تسميات ابن إسحاق، الواردة في سيرة ابن هشام.
5 ـ تسميات الواقدي، الواردة في المغازي.
توصلنا إلى اشتراكها في العرض، وتقاربها في النسق، مما دعانا إلى الاعتقاد بأن ثمة «منهجاً متحداً» تسير عليه كل التسميات.
وقد حاولنا كشف هذا المنهج الموحد المشترك، فتوصلنا إلى عناصر ثلاثة تشكل قوام ذلك المنهج، وهي:
1 ـ تنظيم الأسماء على القبائل والبطون والأفخاذ والفروع.
2 ـ ذكر الموالي مع أصول القبائل.
3 ـ التلفيق في المتون واختزال الأسانيد.
الأمر الأول: تنظيم الأسماء على القبائل وفروعها:
دأب مؤلفو التسميات على سرد الأسماء متتابعة، مقتصرين غالباً على الاسم الثنائي، أي اسم الشخص واسم أبيه فقط، من دون وصف غالباً، أو مع وصف بسيط أحياناً، لكن من دون التفصيل في أحواله، إلا فيما يرتبط بشؤون موضوع التسمية نفسها.
ولكنهم ينظمون قائمة الأسماء، حسب الانتماءات القبلية، ثم يقسمونها على البطون المتشعبة من القبيلة، ثم يوزعونها على الأفخاذ والفروع من كل بطن، وهكذا… فيذكرون تحت كل فرع، ما يلزم من الأسماء المنتمية إليه.
وقد تنبه الدكتور الأعظمي إلى هذا، فقال في خصوص ما يرتبط بكتابات عروة بن الزبير:
لقد أعطى أهمية خاصة للأنساب في السيرة، فعندما يذكر المشتركين في الغزوات، أو الشهداء فيها، لا يسرد مجرد أسمائهم، بل يذكر أنسابهم مفصلاً.
وقال: لا يكتفي بالاسم، بل يذكر القبائل والبطون، فيعطي أهمية كبيرة للأنساب، وهذا منهجه في الكتاب كله، وبذلك أصبح مرجعاً لكل من جاء بعده وكتب في السيرة النبوية.
أقول: بل هذا هو منهج كل التسميات، قبل عروة، وبعد عروة، فابن أبي رافع (توفي نحو سنة 80هـ) قد طبق هذا المنهج بشكل دقيق جداً في «تسمية من شهد مع علي (عليه السلام) حروبه».
حيث قسم كتابه إلى خمسة أقسام:
1 ـ القرشيين.
2 ـ الأنصار البدريين.
3 ـ الأنصار ممن لم يشهدوا بدراً.
4 ـ المهاجرين.
5 ـ التابعين.
وذكر تحت العنوان الخامس، التابعين: عدة أسماء، تبلغ 13 شخصاً.
وكذلك الفضيل بن الزبير الأسدي الرسان (ت بعد 145هـ) قد رتب تسميته على نفس المنهج، وذكر فيه:
1 ـ الشهداء من آل البيت (عليهم السلام) ومواليهم 25 شخصاً.
2 ـ من بني أسد بن خزيمة.
3 ـ من بني غفار بن مليل بن ضمرة.
4 ـ ومن بني تميم.
5 ـ ومن بني سعد بن بكر.
6 ـ ومن بني تغلب.
7 ـ ومن قيس بن ثعلبة.
8 ـ ومن عبدالقيس ـ من أهل البصرة ـ.
9 ـ ومن الأنصار (ستة أشخاص).
10 ـ ومن بني الحارث بن كعب.
11 ـ ومن بني خثعم.
12 ـ ومن تيم اللَّه بن ثعلبة.
13 ـ ومن عبداللَّه.
14 ـ ومن طيىء.
15 ـ ومن مراد.
16 ـ ومن بني شيبان بن ثعلبة.
17 ـ ومن بني حنيفة.
18 ـ ومن جوأب.
19 ـ ومن صيداء.
20 ـ ومن كلب.
21 ـ ومن كندة.
22 ـ ومن بجيلة.
23 ـ ومن بني راسب.
24 ـ ومن حرقة جهينة.
25 ـ ومن الأزد.
26 ـ ومن همدان.
27 ـ وذكر من ارتثَّ في الحرب.
فنجد في هاتين التسميتين ذكر اسم القبيلة العام، وذكر البطون واحداً بعد واحد، ثم تعداد الأسماء متتابعة.
وهذا وارد في تسميات ابن إسحاق، والواقدي أيضاً..
1 ـ من بني عبدالمطلب 17 شخصاً.
2 ـ من بني المطلب شخصان.
3 ـ من بني عبدشمس شخص واحد.
4 ـ من بني زهرة ثلاثة أشخاص.
5 ـ من بني تيم شخصان.
6 ـ من بني مخزوم أربعة أشخاص.
7 ـ من بني جمح شخصان.
8 ـ من بني عامر ثلاثة أشخاص.
وذكر تحت العنوان الثاني، الأنصار البدريين: أحد عشر بطناً:
1 ـ من بني مالك بن النجار سبعة أشخاص.
2 ـ من بني مازن ثلاثة أشخاص.
3 ـ من بني دينار أربعة أشخاص.
4 ـ من بني الحارث بن الخزرج ثلاثة أشخاص.
5 ـ من بني ساعدة ثلاثة أشخاص.
6 ـ من بني عوف بن الخزرج أربعة أشخاص.
7 ـ من بني سلمة ستة أشخاص.
8 ـ من بني زريق أربعة أشخاص.
9 ـ من بني بياضة ثلاثة أشخاص.
10 ـ من بني عمرو بن عوف خمسة أشخاص.
11 ـ من بني عبدالأشهل ستة أشخاص.
وذكر تحت العنوان الثالث، الأنصار غير البدريين: عدة أسماء، تبلغ 62 شخصاً.
وذكر تحت العنوان الرابع، المهاجرين: ثلاثة قبائل:
1 ـ من خزاعة شخصان.
2 ـ من بني أسلم أربعة أشخاص.
3 ـ ومن غيرهم تسعة أشخاص.
وكذلك في تسمية عروة، إلا أن المنقول عنه ـ في الراويات المتأخرة ـ يختلف شيئاً ما عن ذلك.
وأظن ـ قوياً ـ أن أصل تسمية عروة، كان كسائر التسميات منظماً على هذا المنهج، من دون تكرار، كما رأيناه في ما سبقه عند ابن أبي رافع، وما لحقه عند الفضيل الرسان، إلا أن الرواة لما نقلوا عن عروة ما في كتب تسمياته، غيروها عما كانت عليه.
وعلى كل حال: فإن ما ذكر لا يؤثر فيما توصلنا إليه من منهج كتب التسمية، وأنها تعتمد في سرد الأسماء على التنظيم الذي شرحناه.
وهذا واضح لمن راجع واحداً من التسميات الكاملة، الموجودة.
يبقى في المقام:
بيان وجه الاعتماد على هذا المنهج في كتب «التسميات» والفوائد العلمية المترتبة على ذلك:
1 ـ وقبل كل شيء، يبدو أثر هذا المنهج في اختصار كتب التسمية، إلى حدّ كبير، وخلوها من التكرار الممل.
فإذا أريد ذكر أسماء عديدة من قبيلة واحدة، ومن بطن واحد منها، فإن هذا المنهج يذكر اسم القبيلة ثم البطن مرة واحدة، ويذكر تحتهما كل تلك الأسماء في مكان واحد متتابعة كما فعل ابن أبي رافع، فقال:
من الأنصار البدريين.
من بني مالك بن دينار.
ثم ذكر سبعة أسماء متتابعة.
ولو أراد أن يذكر كل واحد مستقلاً، لزمه أن يذكر مع كل واحد اسم القبيلة وعنوانها، ثم اسم البطن وما يحتاج إلى توضيحه.
فالاختصار، هو واحد من أهم فوائد ذلك المنهج المتبع في التسميات، ولعله أيضاً هو المقصود الأول لواضعيه مؤلفي التسميات.
2 ـ ثم إن من آثار هذا المنهج الأمن من التصحيف في الأنساب وأسماء القبائل والبطون، وكذلك أسماء الآباء والأجداد، المتعددة في عمود النسب.
فإن كلاً منها أعلام خاصة، وأسماء لا يدخلها القياس، وفي مثلها يقع كثير من التصحيف والتحريف.
فإذا ذكرت مرة واحدة، وأدرج تحتها الأسماء المتعددة، للمنتمين إليها، قل تكررها، وكان الكتاب آمن من التصحيف والغلط، وأحفظ من السهو.
بعكس ما لو تكرر ذكرها مرات متعددة مع تعدد الأسماء المنتمية إليها، فإن احتمال تصحيفها أكثر، كما لا يخفى على أهل الخبرة، الواقفين على مثل هذه التصحيفات.
ولعل هذه الفائدة ـ أيضاً ـ كانت من أهداف أرباب «التسميات» في وضع كتبهم على ذلك المنهج.
3 ـ ثم إن من آثار ذلك المنهج. أن الأسماء قد رتبت فيه على أساس القرب من النبي(ص) نسبياً، ثم السوابق الدينية، ثم الفضل والدرجات المعنوية التي جاء بها الإسلام، كالجهاد في سبيل اللَّه، والنصرة لدين اللَّه، والتفاني في التضحية للدفاع عن الحق والعدالة.
وكذا على أساس ما ورد في حقهم عن النبي(ص) من التمجيد والمدح.
وهذا واضح في تسمية ابن أبي رافع، حيث رتب كتابه على الترتيب التالي:
1 ـ القرشيين وهم عشيرة النبي(ص) وقبيلته:
فذكر (بني عبدالمطلب) أولاً، وهم آل النبي وشجرته.
ثم ذكر سائر القرشيين حسب فضلهم ومقاماتهم.
وذكر (الأنصار) وقدمهم على المهاجرين، لما ورد فيهم من الفضائل الكثيرة.
2 ـ وقدم أولاً (البدريين) لما ورد في حقهم عن الرسول الأكرم(ص)، بخصوص شهودهم بدراً، ولما أبدوه من النصرة والإيثار.
3 ـ ثم ذكر (الأنصار غير البدريين) لما قدموه من المواساة والبذل.
4 ـ ثم ذكر (المهاجرين) لسبقهم، وتحملهم في سبيل الدين العناء والنصب.
5 ـ ثم ذكر (التابعين لهم بإحسان) وخص بالذكر منهم من شهد لهم النبي(ص) بالجنة.
وليس في ترتيب التسميات على هذا الشكل أية حزازة، ولا منقصة للمتأخر في الذكر، إذ إن التفضيل المذكور، جاء به القرآن الكريم، قبل كل أحد حيث قال: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً} سورة النساء، الآية 95.
وقال: {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير} سورة الحديد، الآية 10.
وقال: {والسابقون السابقون} {أولئك المقربون} سورة الواقعة، الآية: 10، 11.
قال الدكتور الأعظمي: وهذا هو الحق… إذ لا بدّ من إعطاء كل ذي حق حقه، فالذين أوذوا، وهاجروا وجاهدوا، لا يمكن أن يوضعوا في مصاف الذين حاربوا رسول اللَّه، ثم أسلموا في آخر الأمر.
ولقد خطّأ الدكتور الأعظمي من نظر إلى ذلك المنهج بمنظار القبلية الجاهلية، والعنصرية البشعة، وسماها بالنظرة الاجتماعية.
أقول: وقد يحاول بعض أولئك المغرضين إسناد تلك النظرة إلى الديوان.
لكن الواقع أن الديوان لم يرتب إلا على أساس من القرابة إلى النبي(ص)، والسابقة في الدين، والفضل كما ورد في سنن البيهقي، فيما نصه:
لما دون عمر الدواوين، قال: ابدؤوا ببني هاشم… وبني المطلب.
فإذا كان السنّ في الهاشمي قدمه على المطلبي، وإذا كان السنّ في المطلبي قدمه على الهاشمي، فوضع الديوان على ذلك، وأعطاهم القبيلة الواحدة.
ثم استوت له عبدشمس، ونوفل، في جذم النسب، فقال: عبدشمس إخوة النبي(ص) لأبيه وأمه دون نوفل، فقدمهم.
ثم دعا بني نوفل يتلونهم.
ثم استوت له عبدالعزى، وعبدالدار.
فقال في بني أسد بن عبدالعزى: أصهار النبي(ص) وفيهم: أنهم من المطيبين، وقال بعضهم: هم من حلف الفضول، وفيهما كان رسول اللَّه(ص).
وقيل ذكر سابقة، فقدمهم على بني عبدالدار.
ثم دعا بني عبدالدار يتلونهم.
ثم انفردت له زهرة، فدعاها تلو عبدالدار.
ثم استوت له تيم ومخزوم.
فقال في بني تيم: إنهم من حلف الفضول والمطيبين، وفيهما كان رسول اللَّه(ص).
وقيل: ذكر سابقه.
وقيل: ذكر صهراً. فقدمهم على مخزوم.
وهكذا بقية القبائل.
إن التسميات يمكن أن تكون نماذج حية لما كانت عليه الدواوين من الترتيب المبتنى على ذلك النظام الديني.
أقول: إن التفاضل على هذا الأساس، إنما يكون في غير موارد الحقوق وخاصة الواجبة منها، كقسمة الغنائم وعطاء بيت المال، فإن الحق فيهما ما فعله رسول اللَّه(ص) وعلي (عليه السلام) من التسوية بين الناس، وعدم التفرقة في ذلك بين الأسود والأبيض، والشريف والوضيع، والمولى والعربي، كما وردت بذلك الأحاديث الكثيرة، التي جمعها صاحب الوسائل في كتاب الجهاد، باب 39 التسوية بين الناس في قسمة المال والغنيمة، ح20076 ـ 20081، وقد جمع الإمام الصادق (عليه السلام) تمام القول لما سئل عن قسم بيت المال؟
فقال: أهل الإسلام هم أبناء الإسلام، أسوي بينهم في العطاء، وفضائلهم بينهم وبين اللَّه، أجعلهم كبني رجل واحد، لا يفضل أحد منهم لفضله وصلاحه في الميراث على آخر ضعيف منقوص.
قال: وهذا هو فعل رسول اللَّه(ص) في بدو أمره، وقد قال غيرنا: أقدمهم في العطاء بما قد فضلهم اللَّه بسوابقهم في الإسلام… وكذلك كان عمر يفعله.
تهذيب الأحكام، للطوسي 6/136 ح225.
وأقول: إن الشرع الإسلامي المقدس إذا كان يلزمنا بالتسوية بين الأفراد في مجال الحقوق، فلا يعني إطلاقاً إلغاء السوابق، وأثرها في مقام أولئك الذين سبقوا إلى الخيرات، والمهاجرين الأولين، والذين نصروا أيام العسرة.
إن الآثار الكريمة متضافرة في تكريم أولئك، والمفاخرة بتلك السوابق، فلا يستوي من آمن قبل الفتح وهاجر، مع من دخل الإسلام على كره، ومن أجل الأطماع، كمسلمة الفتح!.
4 ـ ومن فوائد ذلك المنهج:
أنه يكشف عن انتماءات الأسماء المدونة فيها، وهو ما يفيد في بابه عند التباس بعض الأنساب، ويمكن الاستناد إلى التسميات لحل بعض المشاكل العالقة هناك.
الأمر الثاني: ذكر الموالي:
كلمة «المولى» تطلق على عدة معان:
1 ـ فيقال: مولى فلان، أو مولى بني فلان، ويراد به مولى العتق، أي من كان عبداً لهم، وهذا هو الأغلب في إطلاق الكلمة.
2 ـ ويقال: مولى فلان، ويراد به ولاء الإسلام، أي إنه أسلم على يد فلان.
3 ـ ويقال: مولى فلان، ويراد ولاء الحلف، والموالاة، والمناصرة، لمن التحق بقبيلة وتحالف معهم بغرض التقوي بهم، وهذا يتحقق عادة من الضعفاء أو المنقطعين أو المشردين.
4 ـ ويقال: مولى فلان، لمجرد ملازمة الشخص لفلان، كما يقال: مقسم مولى ابن عباس، لملازمته إياه.
وقد ذكر الفضيل الرسان اسم «زاهر» في قبيلة كندة، باعتبار مصاحبته لعمرو بن الحمق الخزاعي الكندي.
وأضاف البلقيني في معاني «المولى».
5 ـ مولى القبيلة: من استرضع فيهم.
وقد ذكر الفضيل الرسان «عبداللَّه بن يقطر» رضيع الحسين (عليه السلام) في أهل البيت.
6 ـ ومولى المولى ـ ينسب إلى القبيلة ـ أيضاً.
وقد دأب أرباب التسميات على ذكر الموالي مع قبائل من ينتمون إليهم بالولاء، سواء ولاء العتق، أو الحلف، أو غير ذلك. ولكن:
1 ـ يذكرون الموالي بعد الانتهاء من أسماء المنتمين إلى كل قبيلة إلى أصله.
2 ـ يصرحون مع ذكر الموالي، بنوعية الولاء.
ولا بدّ من توضيح عباراتهم في هذا المجال، حيث إن الرجاليين يتداولون نفس هذه التعبيرات، فنقول:
إذا أرادوا نسبة الشخص إلى قبيلة أو بطن، وكان صلبها ومن أبنائها ، فلهم تعبيرات.
فربما قالوا: «فلان قرشي من أنفسهم» أي منتم إلى قريش بالنسب.
وربما قالوا: «فلان صليب» أي من صلب القبلة.
وربما قالوا: «فلان قرشي» وأطلقوا، فظاره، أنه من صلب القبيلة، كما قال ابن الصلاح: «الظاهر في المنسوب إلى القبيلة، كما إذا قيل: «فلان القرشي» إنه منهم صليبة.
وفي هذه الصورة ـ كلها ـ ينتفي الولاء عن الشخص بكل معانيه.
وإن لم يكن الشخص من أبناء القبيلة، وإنما كان منتمياً إليها بشكل من أشكال الولاء الستة المذكورة، فلا يقال فيه: «فلان القرشي» بالإطلاق، بل لا بدّ من تقييده بشكل الولاء.
فإن كان ولاء العتق، قيل «مولاهم» أو «مولى فلان»، وإطلاق هذا التعبير ينصرف إلى ولاء العتق عندهم.
وإن كان ولاء حلف، قيل: «حليفهم» أو حليف بني فلان».
وإن كان ولاء صحبة قيل «صاحب فلان» لواحد من أفراد القبيلة كما مرّ في «زاهر» صاحب عمرو بن الحمق الخزاعي، حيث ذكروه في كندة لأن عمراً كندي، بينما هو «أسلمي» النسب.
وإن كان ولاء ارتضاع، قيل: «رضيع فلان» كما ذكروا «عبداللَّه بن يقطر» رضيع الحسين (عليه السلام)، في أهل البيت.
ولنذكر أمثلة من التسميات التي بأيدينا:
ففي تسمية ابن أبي رافع:
ذكر في بني عبدالمطلب:
16 ـ ربيعة.
17 ـ أبو رافع.
وقال: موليا رسول اللَّه(ص).
أقول: والولاء ولاء عتق.
وفي بني مخزوم:
26 ـ عمار بن ياسر.
27 ـ محمد بن عمار.
وقال: وياسر كان قدم مكة، وحالف أبا حذيفة المخزومي.
أقول: فعمار وابنه مخزوميان بالحلف، فلذا يقال لعمار: حليف بني مخزوم، فذكروا فيهم، وهما من عنس من مذحج. وفي تسمية عروة:
من الأنصار من طريف بن الخزرج:
10 ـ بسبس الجهني، حليف لهم.
ومن الأنصار:
72 ـ عبداللَّه بن طارق البلوي، حليف لهم.
أقول: واختلاف الأنساب بين الجهني أو البلوي من جهة، والأنصاري أو الخزرجي، من جهة أخرى، يدل على أن عدّ الرجلين في الأنصار ليس من جهة النسب وإنما هو للولاء.
وفي تسمية من قتل مع الحسين (عليه السلام) للرسان الأسدي:
ذكر ثلاثة من الموالي مع أهل البيت (عليهم السلام) بالأرقام (21 و22 و23) مصرحاً مع كل منها بأنه «مولى الحسين (عليه السلام).
وذكر في عبدالقيس.
47 ـ سالم، مولى عامر بن مسلم.
وذكر في مراد:
69 ـ واضح الرومي، غلام جنادة السلماني.
وذكر في صيداء:
75 ـ سعد، مولى عمرو بن خالد الصيداوي.
وذكر في كلب:
77 ـ أسلم، مولى لهم.
وذكر في كندة:
80 ـ زاهر، صاحب عمرو بن الحمق الخزاعي.
وهكذا غيرهم.
أقول: والأصل في الالتزام بعد الموالي مع أبناء القبيلة في مكان واحد وتحت عنوان واحد، هو الوازع الديني، فالإسلام جعل الموالي بمستوى المنسوبين إليهم في كثير من الأمور، نبذاً للطبقية الممقوتة، بل أعطى الموالي أحكام السادة في بعض التشريعات.
فقد ورد في الحديث الشريف بطرق عديدة: أن الرسول الأكرم(ص) منع مولاه أبا رافع عن العمل في جباية الصدقة، وقال له: «يا أبا رافع، إن الصدقة حرام على محمد وعلى آل محمد، وإن مولى القوم من أنفسهم».
وفي نص آخر: «اجلس، يا أبا رافع، فإنه لا ينبغي لنا أن نأكل الصدقة».
وعن عطاء بن السائب عن فاطمة أو أم كلثوم، بنت علي ابن أبي طالب (عليهم السلام)، قالت: سمعت مولى لنا، يقال له «هرمز» يكنى أبا كيسان قال: «سمعت رسول اللَّه(ص) يقول: «إنا أهل البيت لا تحمل لنا الصدقة، وإن موالينا من أنفسنا».
والنبي(ص) قال لرشيد الفارسي، مولى الأنصار ـ لما سمعه يقول: أنه الغلام الفارسي ـ.
قال له النبي «ما منعك أن تقول: (الأنصاري) فإنَّ مولى القوم منهم».
وهكذا اتبع أرباب التسميات أثر الشرع الكريم، والصادع بالوحي، الرسول الأمين في تطبيق ما قرره في نبذ الطبقية المقيتة التي هم من مخلفات الجاهلية، واستبدلت به رتباً سامية، يتميز أصحابها بالتقوى والفضل والعمل الصالح، دون الاعتناء بالقبيلة أو العنصرية أو الانتماءات العصبية.
الأمر الثالث: التلفيق في الحديث:
التلفيق في الحديث هو: أن يجمع المحدث نصاً كاملاً لحديث من متون أحاديث وردت بأسانيد متعددة.
وبعبارة أوضح: أن يذكر قضية كاملة مأخوذة عن عدة أحاديث ومتون بأسانيد مختلفة، فيجمع الأسانيد في البداية، ويؤلف من المتون، متناً واحداً متسلسلاً.
وقد استعمل هذه الطريقة أهل الأخبار والمؤرخون.
فنجد مثل ذلك عند أبي الفرج الأصفهاني (ت356) حيث يقول عند الرواية عن عدة شيوخ ما نصه: دخل حديث بعضهم في حديث الآخرين.
واستعمل الواقدي أيضاً هذا الأسلوب.
وأما أهل التسميات فقد التزموا به، وهو ملاحظ في التسميات المتوفرة منها:
فعروة يقول: عن مروان والمسور بن مخرمة، يزيد أحدهما على صاحبه.
ويقول: يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه.
ويقول الفضل بن الزبير: سمعت الإمام أبا الحسين زيد بن علي (عليه السلام)، ويحيى ابن أم الطويل، وعبداللَّه بن شريك العامري، يذكرون: «تسمية من قتل مع الحسين بن علي (عليه السلام) من ولده وأخواته وأهله، وشيعته».
وسمعته ـ أيضاً ـ من آخرين سواهم.
ثم يبدأ بذكر الأشخاص من دون ذكر الرواة، مما يدل على أنه جمع كلام أولئك، ولفق من كلامهم المعدد هذا النص الواحد.
والسبب الملحوظ في لجوء أهل التسميات إلى هذا الأسلوب هو: أن سرد الأسانيد المتعددة، عند كل اسم ورد ذكره في الكتاب، يؤدي بلا ريب إلى تطويل الأمر، وإلى الملل، وإلى تقطيع القضية الواحدة، وانقطاع تسلسلها عند السامع، والقارىء.
مع أن التسميات كما عرفنا إنما تسرد الأسماء سرداً، من دون تفصيل غالباً، فذكر الأسانيد مع انتهائها إلى مجرد اسم شخص واحد فيه من الخلل ما لا يخفى.
بينما يكون جمع الأسانيد كلها في البداية، وفي موضع واحد، مع الإشارة إلى «التلفيق في المتن» بالمعنى الذي ذكرناه، مبعداً عن ذلك الخلل والملل.
مع أنه وافٍ بالغرض المنشود من ذكر الأسانيد، وهو: توثيق المنقولات، وإضفاء نوع من الاطمئنان بها، والتأكيد على ثبوتها.
وقد ذكر الدكتور الأعظمي: أن عروة بن الزبير يبدو أن يكون أول من جمع روايات عدة في كتابه «السيرة» وبين أسانيدها أولاً، ثم مزج متونها ليؤلف منها حادثة متكاملة.
ولكن الواقع أن مثل هذا العمل إنما هو ديدن أهل التسميات، وليس عروة إلا واحداً منهم.
هذه الأمور الثلاثة، التي عرفناها من منهج التسميات، وما ترتب عليها من الفوائد.
والواقع أن المحقق يتمكن من معرفتها بنظرة سطحية أولى، كما يدرك بذلك أهمية هذا النوع من التأليف، حتى لو لم يثق يكون ذلك منهجاً عاماً لجميع التسميات.
إن مجرد جمع الأسماء في مكان واحد له أهميته، ودلالته على نباهة الجامع، وأهمية ذلك الجمع.
وقد تنبه الدكتور مارسدن جونسن إلى ذلك ـ وهو لم يلتفت إلى عنوان «التسميات»، بل بمجرد وقوفه على بعض ما أورده الواقدي ضمناً في كتاب ـ فقال: في المغازي العامة يذكر الواقدي أسماء الذين شهدوا الغزوة، وأسماء الذين استشهدوا أو قتلوا فيها، ومن اليسير أن نستدل على فطنة الواقدي وإدراكه، من المنهج الموحد الذي يستعمله.
إن هذا المنهج المتين ليس خاصاً بالواقدي، وليس هو البادىء به، بل هو منهج «التسميات» كلها، وأول من وجدناه عنده هو ابن أبي رافع في تسميته، ثم طبقه عروة، وابن إسحاق والفضيل الرسان، وغيرهم في «تسمياتهم».
وهو الذي بعثنا على أن نعتبر «التسمية» نوعاً متفرداً بنفسه من أنواع التأليف.
5 ـ كيف يستفاد من هذه الكتب؟
إن المراجعة إلى كتب التسميات ـ في المصادر المتأخرة ـ لها طريقتان.
1 ـ طريقة النقل.
2 ـ طريقة الوصف.
أما طريقة النقل:
فهو أن يعمد الناقل إلى ما جاء في التسمية حول شخص ما، فيذكر أن صاحب التسمية ذكر اسمه من قبيلة كذا، ثم من بطن كذا، ويورد اسمه كما في التسمية، ثم يتبعه مما ورد في التسمية من أوصاف، ويقول: ذكره فيمن فعلوا كذا، ويذكر عنوان التسمية.
مثلاً: نجد ابن أبي رافع قال في تسميته:
«من الأنصار البدريين من بني مالك بن النجار أبو أيوب بن زيد بدري».
فعند الاستفادة منه، بطريقة النقل نقول:
ذكر ابن أبي رافع من الأنصار البدريين، ثم من بني مالك ابن النجار: أبا أيوب بن زيد، وقال: بدري. في تسمية من شهد مع علي (عليه السلام) حروبه. وهكذا نفعل مع كل شخص نريد نقله من التسميات.
والمنقول عن تسميات عروة في سائر الروايات، هو بهذا الطريق ولذا نجد فيها تكرار أسماء القبائل والبطون.
وأما طريقة الوصف:
فهو أن يعبر المستفيد من التسمية بتوصيف الشخص المسمى بأوصاف مستفادة من التسميات.
ثم يذكر، خصوصيات العناوين التي أدرج الاسم تحتها في التسميات، فيقول في المثال المذكور:
أبو أيوب بن زيد، الأنصاري، النجاري، بدري ممن شهد مع علي (عليه السلام) حروبه، ذكره ابن أبي رافع في «تسميته».
وقد استعمل المؤلفون هاتين الطريقتين عند النقل عن التسميات، وهما معاً من قبيل الكلام المنقول غير المباشر، وإن كانت طريقة الوصف أوغل في عدم المباشرة، وأبعد عن نص كلام المنقول عنه.
وبالإمكان النقل عن التسمية مباشرة، بإثبات ما جاء فيها، بعينه، ففي المثال السابق، نقول: قال ابن أبي رافع، في تسمية من شهد مع علي (عليه السلام) حروبه: من الأنصار البدريين، من بني مالك ابن النجار: أبو أيوب بن زيد، بدري.
وقلما رأيت هذا الشكل من النقل في المصادر.
6 ـ تعداد أسماء التسميات:
لقد عثرنا ضمن مطالعتنا المتفرقة على أسماء مجموعة من المؤلفات المعنون كل منها بعنوان «التسمية» مضافة إلى المسميات فيها.
والملاحظ:
1 ـ ورود بعض هذه العناوين في ضمن روايات مسندة معنعنة، مما يوهم أن يكون ذلك كله رواية واحدة، دون أن يكون كتاباً مستقلاً مؤلفاً بالخصوص.
ومثال ذلك «تسمية من قتل مع الحسين (عليه السلام)، رواية الفضل بن الزبير الأسدي الرسان الكوفي (ت بعد 145).
لكن:
أولاً: إن تلك الروايات ـ مع نقلها بالإسناد والعنعنة ـ تنتهي إلى الراوي الأخير، الذي هو القائم بعملية تجميع الأسماء وتنظيمها على المنهج المذكور كما هو واضح في «تسمية من قتل…» للفضيل.
وليس واقع التأليف إلا هذا، خاصة في عصر التأليف الأول.
وثانياً: إن كثيراً مما لا ريب في كونه كتاباً مستقلاً مؤلفاً معنوناً بـ«التسمية» قد ورد نقله في الروايات الأخر بأسانيد معنعنة كذلك.
مع أنه لا يتوهم أحد في كون المنقول عنه كتاباً برأسه.
مثال ذلك ما وقع في «تسمية من شهد مع علي (عليه السلام) حروبه» لابن أبي رافع، حيث إنه كتاب مستقل، وذكروه في الفهارس والمعاجم، ومع ذلك فإن الرواة المتأخرين نقلوا عنه بالأسانيد المعنعنة.
2 ـ إن «التسميات» كما أثبتنا في الباب الثالث، تصنف في كتب الرجال، باعتبار أنها تسرد أسماء الأشخاص المرتبطين بموضوع البحث، لكن بعض كتب التسمية إنما تذكر أسماء غير الأشخاص، كالأرضين والديارات والبيع، أو الكتب، أو السهام، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً.
فلا بدّ أن نعتبر ذلك نشازاً عن الهدف الأساس من «التسميات» التي عليها الأكثرية الساحقة منها.
أو نعتبر ذلك خروجاً عن ذلك المنهج لعدم إحرازه، أو تساهلاً فيه أدى إليه تطاول المدة والبعد الزمني عن عصر تأليفها الأول.
3 ـ إن بعض «التسميات» ورد في ضمن مؤلفات أخرى وكأنها فصول خاصة منها:
مثل التسميات المنسوبة إلى عروة، المذكورة ضمن ما سمي له بكتاب «مغازي رسول اللَّه(ص)».
وتسميات الواقدي، المذكورة في المغازي.
وتسميات خليفة المذكورة في تاريخه، أو طبقاته.
والحق أنّا لا يمكننا أن نميز استقلال هذه التسميات بالتأليف، إلا أن ما لا ريب فيه اعتماد المؤلفين لها على منهج سائر «التسميات» المستقلة وتطبيقها حرفياً، بما يمكن ـ بذلك ـ فصلها، وأداؤها دور التأليفات المستقلة.
والأجدر أن تسمى مثل هذه بالتسميات الضمنية، وقد اقتصرنا منها على ما ذكرناه من المصادر لكثرة ما ورد فيها من ذلك.
4 ـ إن بعض ما سنورده من «التسميات» قد وقع تصحيف في عناوينها مثل «تسمية الأرضين» لهشام الكلبي، حيث ذكر في بعض المصادر بعنوان «قسمة الأرضين».
وهكذا وقع خفاء في المراد من بعضها، كما في «التسمية» للحسن بن عبداللَّه، أبي علي، الأصفهاني، الذي ذكره في معجم الأدباء 8/142، حيث لم يعلم المراد من العنوان، فهو غير ظاهر في كونه من التسميات التي نحن بصددها، وأحتمل ـ قوياً ـ أن يكون موضوعه هو كيفية وضع الاسم على المسميات مقابل التكنية التي هي وضع الكنية للأشخاص أو الأشياء.
وكذلك: كتاب «كشف التعمية في حكم التسمية» للحر العاملي، الذي ذكره في إيضاح المكنون 4/358 والذريعة 18/23 فإنَّ المراد به ذكر اسم الإمام المهدي (عليه السلام) وقد رد الحر العاملي بهذا الكتاب على كتاب ألفه السيد الداماد باسم «شرعة التسمية» المذكورة في الذريعة 14/178، والرد عليه المذكور في الذريعة 10/202 ورسائل في حرمة تسمية الإمام (عليه السلام) في الذريعة 11/138 و72.
وكذلك كتاب «كشف التعمية عن وجوه التسمية» للشيخ حسين بن الحاج محمد صادق الخراساني (ت1349) المذكور في الذريعة 18/23 فإنه في بيان وجه تسمية الأشياء.
5 ـ لقد رتبنا الكتب في الدليل القادم على حروف المعجم حسب الحروف الهجائية الواقعة بعد كلمة «تسمية…»، مع إغفال «الألف واللام» الواقعة في بداية بعض الأسماء.
ثم ذكرنا أسماء المؤلفين لها، ثم مواضع ذكرها في المعاجم أو الفهارس أو محل وجودها في المكتبات، بما لها من أرقام وخصوصيات.
1 ـ تسمية الأحزاب.
لمكي بن أبي طالب محمد، أبو محمد القيسي القيرواني القرطبي (ت…).
ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان 5/276. وذكره الحموي في معجم الأدباء 19/170. وكشف الظنون: عمود 404.
2 ـ تسمية أحياء العرب.
لهشام بن محمد أبي المنذر الكلبي (ت206).
ذكره في الذريعة 4/180 عن ابن النديم.
3 ـ تسمية الإخوة الذين روي عنهم الحديث.
لأبي داود السجستاني، سليمان بن الأشعث الأزدي (ت275).
نسخة منه في المكتبة الظاهرية، بدمشق، برقم 9 من المجموعة رقم 3765، في سبع أوراق، كتب حوالي القرن السادس.
فهرس مجاميع الظاهرية: 682.
4 ـ تسمية الإخوة من أهل الشام: لأبي زرعة الدمشقي.
نقل عنه ابن عساكر في تاريخ دمشق 39/45 في ترجمة عبدالحكيم المخزومي.
5 ـ تسمية الأربعة عشر وفد نصارى نجران في المباهلة. لابن إسحاق.
ذكره ابن هشام في السيرة 2/224.
6 ـ تسمية الأرضين: لهشام بن محمد أبي المنذر الكلبي (ت206).
ذكره في الذريعة 4/180، عن ابن النديم. لكن المنقول في معجم الأدباء 19/291 هو «قسمة الأرضين» فلاحظ.
7 ـ تسمية أزواج النبي(ص) وأولاده.
لمعمر بن المثنى، أبي عبيدة، التيمي، البصري (ت209).
ذكر في تاريخ بغداد ـ للخطيب ـ 7/277، وذكر في فهرس دار الكتب الظاهرية، بدمشق، قسم التاريخ وملحقاته 2/633، تأليف خالد الريان: أن منه نسخة برقم عام 4514، في عشر أوراق، بتاريخ نحو سنة 651هـ.
8 ـ تسمية الأشياء.
ذكره في كشف الظنون: عمود 404 من دون ذكر المؤلف.
9 ـ تسمية أصحاب رسول اللَّه(ص).
لأبي بكر بن البرقي.
ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق 34/94.
10 ـ تسمية أصحاب العقبة الذين بايعوا رسول اللَّه(ص) بالعقبة.
لعروة بن الزبير: 22 ـ 93.
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (6/50 ـ 51، وأورده الأعظمي في مغازي رسول اللَّه(ص) لعروة: 126 ـ 127، وذكر من بايع في العقبة الأولى في سيرة ابن هشام 2/73 ـ 76.
11 ـ تسمية أصحاب مكحول ـ وأبي زرعة الدمشقي.
ذكره في تاريخ دمشق 39/322.
12 ـ تسمية أعضاء الإنسان.
قال في كشف الظنون: عمود 404: لروفس الكبير، سبق ذكره في (حرف التاء) فليراجع، لكن لم نجد له ذكراً في حرف التاء فليلاحظ.
13 ـ تسمية أمراء دمشق في أيام بني العباس.
لمحمد بن عبداللَّه، أبي الحسين الرازي، أسد السُّنّة (ت347).
نقل عنه في تاريخ دمشق لابن عساكر تراجم حرف العين ص1 هامش 2، وذكره المنجد في معجم المؤرخين الدمشقيين: 513.
14 ـ تسمية الأمراء يوم الجمل: لخليفة بن خياط.
روى عنه ابن عساكر في تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) ـ 164 ـ 212.
15 ـ تسمية البشراء الذين كان رسول اللَّه(ص) يبعثهم إلى المدينة بالفتوح والسلامة.
لمحمد بن حبيب، أبي جعفر البغدادي (ت245).
ذكره في كتابه المحبر: 287، طبعة حيدرآباد.
16 ـ تسمية البكائين: لمحمد بن كعب.
ذكره في الإصابة 2/354، وقد ذكر ابن إسحاق البكائين في سيرة ابن هشام 4/161.
17 ـ تسمية بني أمية الذين كانوا بدمشق وغوطتها: لأحمد بن حميد بن أبي العجائز الأزدي.
ذكره في تاريخ دمشق 40/351.
18 ـ تسمية البيع والديارات ونسب العباد، لهشام بن محمد بن السائل الكلبي (ت206).
ذكر في الفهرست للنديم: 109، ومعجم الأدباء 19/291، والذريعة 4/180.
19 ـ تسمية التابعين من أهل البصرة: لخليفة بن خياط.
نقل عنه في تاريخ دمشق 40/123، وهو في طبقات خليفة 1/485.
20 ـ تسمية الحفاظ لابن الدباغ، يوسف بن عبدالعزيز اللخمي الأندلسي المالكي (ت546).
ذكره الذهبي في سير أعلامه 20/220.
21 ـ تسمية الخلفاء وكناهم وأعمارهم، للمدائني، علي بن محمد بن عبداللَّه أبي الحسن.
ذكره في الفهرست للنديم: 115، ومعجم الأدباء للحموي 13/133.
22 ـ تسمية الرجال الذين رووا الحديث عن النبي(ص) وعن أهل البيت (عليهم السلام)، وهم الأئمة الاثنا عشر: للشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، أبي جعفر، شيخ الطائفة الإمامية (385 ـ 460).
كذا جاء اسم الكتاب في مخطوطة له بتاريخ (533) في المتحف البريطاني، بلندن، وهو كتاب «رجال الطوسي» المطبوع.
23 ـ تسمية الرواة عن سعيد بن منصور عالياً: لأبي نعيم الأصفهاني، أحمد بن عبداللَّه (ت430).
يوجد في المكتبة الظاهرية، برقم 15 من المجموع 3827، فهرس مجاميع الظاهرية: 535.
25 ـ تسمية سهمان الكتيبة: للواقدي، محمد بن عمر بن واقد (ت207).
ذكره في البغدادي 2/693.
25 ـ تسمية شعراء القبائل ـ لمحمد بن حبيب، أبي جعفر (ت245).
ذكره إبراهيم الأبياري في مقدمة كتاب «مختلف القبائل ومؤتلفها» لابن حبيب: 14، وقال: كذا ورد في المؤتلف والمختلف، للآمدي: 119 و120.
26 ـ تسمية الشعراء الوافدين على ابن أبي عامر: لابن حزم الأندلسي.
ذكره الذهبي ضمن مؤلفات ابن حزم في سير أعلامه 18/197.
وذكر في مجلة المجمع العلمي العربي ـ دمشق 16 ـ 436.
27 ـ تسمية شيوخ أهل دمشق: لأبي زرعة الدمشقي، نقل عنه في تاريخ دمشق 40/65 و68.
28 ـ تسمية شيوخ مالك: لابن حزم الأندلسي.
ذكره الذهبي ضمن مؤلفاته في سير أعلامه 18/197.
وذكر في مجلة المجمع العلمي العربي ـ دمشق: 16/436.
29 ـ تسمية الضعفاء: للعقيلي.
نقل عنه ابن عساكر في تاريخ دمشق 40/54.
30 ـ تسمية عمال عمر بن عبدالعزيز لخليفة بن خياط.
روى عنه في تهذيب التهذيب 1/318.
31 ـ تسمية عمال محمد بن مروان، لخليفة بن خياط.
نقله ابن عساكر في تاريخ دمشق 40/48، وهو في تاريخ خليفة 2/622.
32 ـ تسمية الفقهاء والمحدثين: للهيثم بن عدي.
ذكره النديم في الفهرست: 112، وذكره الحموي في معجم الأدباء 19/310.
32 ـ تسمية العور: للهيثم بن عدي، أبي عبدالرحمن الطائي الثعلبي (ت207).
نقل عنه في تاريخ دمشق 39/320.
33 ـ تسمية الفقهاء والمحدثين: للهيثم بن عدي.
ذكره النديم في الفهرست: 112، وذكره الحموي في معجم الأدباء 19/310.
34 ـ تسمية الفقهاء من أهل الكوفة: للنسائي، أبي عبدالرحمن، ذكره في تاريخ دمشق 39/1908.
35 ـ تسمية كتاب أمراء دمشق: لمحمد بن عبداللَّه، أبي الحسين الرازي، أسد السُّنّة (ت347).
ذكره المنجد في معجم المؤرخين الدمشقيين: 513، وانظر: تاريخ ابن عساكر ـ حرف العين ـ ص1 هـ2، وفي 40/46 ترجمة عبدالحميد بن يحيى الكاتب، وفي 40/298، ترجمة عبدالرحمن ـ أو عبداللَّه ـ بن دراج، وفي 39/321.
36 ـ تسمية الذين خرجوا إلى أرض الحبشة.
لعروة بن الزبير (22 ـ 93).
أورده الهاشمي في مجمع الزوائد 6/32 ـ 34، نقلاً عن الطبراني في الكبير، وانظر: ذكر من هاجر من المسلمين إلى أرض الحبشة لابن إسحاق في سيرة ابن هشام 1/344 ـ 353 و4/3 ـ 12، وذكر من عاد من أرض الحبشة في سيرة ابن هشام 2/3 ـ 8.
37 ـ تسمية الذين يؤذن النبي(ص)، للمدائني، علي بن محمد بن عبداللَّه، أبي الحسن.
38 ـ تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن أبي نعيم، الفضل ابن دكين، الطلحي، لأبي نعيم الأصفهاني (ت430).
يوجد في المكتبة الظاهرية، برقم 17 من المجموع 3761.
فهرس مجاميع الظاهرية: 122.
39 ـ تسمية ما في شعر امرىء القيس من أسماء الرجال والنساء، وأنسابهم، وأسماء الأرضين، والجبال، والمياه. لهشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت206).
ذكر في الفهرست للنديم: 110، ومعجم الأدباء للحموي 19/291، والذريعة 4/180.
ويعتبر هذا أول فهرست متنوع لديوان امرىء القيس.
40 ـ تسمية ما ورد به الشيخ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، دمشق، من الكتب، من روايته، من الأجزاء المسموعة، والكبار المصنفة، وما جرى مجراها: لمحمد بن أحمد بن محمد المالكي الأندلسي.
يوجد في الظاهرية، بدمشق، رقم 10 من المجموع 3755، في 6 أوراق.
فهرس مجاميع الظاهرية: 84.
41 ـ تسمية المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين: للمدائي، علي بن محمد بن عبداللَّه، أبي الحسن.
ذكر في الفهرست للنديم: 113، ومعجم الأدباء للحموي 14/130.
42 ـ تسمية المشايخ ـ لابن عقدة الحافظ، أحمد بن محمد ابن سعيد، أبي العباس الكوفي (ت333).
نقل ابن طاوس في «الاستخبارات» عن الجزء السادس منه، حديثاً، كما في «فتح الأبواب» للسيد ابن طاووس: 159 ـ 160، ووسائل الشيعة للحر العاملي 8/66 كتاب الصلاة، أبواب الاستخارة، الباب الأول، الحديث 9 و10.
43 ـ تسمية المطعمين في طريق بدر من المشركين: للواقدي، محمد بن عمر بن واقد (ت207).
ذكره في المغازي 1/144 ـ 145، وانظر: أسماء المطعمين من قريش في سيرة ابن هشام 2/320.
44 ـ تسمية من أخرجهم الإمامان، البخاري ومسلم، ما اتفقا عليه، وما انفرد به كل واحد منهما: للحافظ أبي عبداللَّه، محمد بن عبداللَّه، الحاكم، النيسابوري، ابن البيع (ت405).
يوجد في الظاهرية، بدمشق،برقم 1179، في 28 ورقة، كتب حوالي سنة 704هـ.
ذكره الكتّاني في الرسالة المستطرفة: 99، وانظر: الأعلام للزركلي 7/101.
45 ـ تسمية من استشهد بحنين: للواقدي، محمد بن عمر ابن واقد (ت207).
ذكره في المغازي 3/922.
46 ـ تسمية من استشهد بخيبر مع رسول اللَّه(ص): للواقدي، محمد بن عمر بن واقد (ت207).
47 ـ تسمية من استشهد بخيبر من المسلمين ـ لابن إسحاق.
أورده ابن هشام في السيرة 3/357 ـ 358.
48 ـ تسمية من استشهد بالطائف ـ للواقدي، محمد بن عمر بن واقد (ت207).
ذكره في المغازي 3/938.
49 ـ تسمية من استشهد من قريش (في بئر معونة)، للواقدي، محمد بن عمر بن واقد (ت207).
ذكره في المغازي 1/ 353-362.
50 ـ تسمية من استشهد من المسلمين ببدر: للواقدي، محمد بن عمر بن واقد (ت207).
ذكره في المغازي 1/145 ـ 147. وانظر ذكرهم في سيرة ابن هشام 2/4 ـ 365.
51 ـ تسمية من استشهد يوم بئر معونة: لعروة بن الزبير.
ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 1/130.
52 ـ تسمية من استشهد يوم اليمامة من الأنصار: لعروة.
ذكره في أسد الغابة 2/299 و300.
53 ـ تسمية المنافقين ومن نزل فيه القرآن منه(م)، ومن غيرهم للمدائني، علي بن محمد، أبي الحسن (ت215).
ذكر في الفهرست النديم: 113، ومعجم الأدباء للحموي 14/130، والذهبي في سير أعلامه 10/402.
وانظر: ذكر منافقي الأنصار في سيرة ابن هشام: 2ج166 ـ 174.
54 ـ تسمية من بالحجاز من أحياء العرب: لهشام بن محمد بن السائب الكلبي.
ذكر في معجم الأدباء 19/291.
55 ـ تسمية من حضر صفين: لوهب بن وهب القاضي، أبي البختري (ت200).
روى عنه الخطيب في تاريخ بغداد 1/185 و194 و198، وقال في المورد الأول: عن جعفر بن محمد وغيره، وروى عنه في 1/203و4/286، وانظر ترجمة المؤلف في 13/451 من تاريخ بغداد.
56 ـ تسمية من خرج مع عبداللَّه بن جحش في سريته: للواقدي، محمد بن عمر بن واقد (ت207).
ذكره في المغازي 1/19 وانظر: ذكر سرية عبداللَّه بن جحش في سيرة ابن هشام 2/252.
57 ـ تسمية من روى الحديث، وغيره من العلوم، ومن كانت له صناعة ومذهب ونحلة: للجعابي، محمد بن عمر، أبي بكر (ت355).
ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست (178) ونقله في أعيان الشيعة ج1 ق2 ص83، وذكره في معالم العلماء ـ لابن شهرآشوب، طبعة النجف ـ: 107 باسم (تسمية من روى الحديث).
58 ـ تسمية من روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من أصحابه ليعقوب بن شيبة العالمي، ذكره في: معالم العلماء، لابن شهرآشوب: 119 رقم 863.
59 ـ تسمية من روى عن رسول اللَّه(ص) لمحمد بن إسماعيل البخاري، ذكره الخطيب في الأسماء المبهمة: 429.
60 ـ تسمية من روى عن المزني المختصر الصغير من علم الشافعي: للأكفاني، هبة اللَّه بن أحمد الأنصاري الدمشقي (ت524).
كتبت عن خط السلفي سنة 571هـ.
يوجد في الظاهرية، برقم 7 من المجموع 3830.
فهرس مجاميع الظاهرية: 495.
62 ـ تسمية من روى عن النبي(ص) من بني زهرة ذكر في: تاريخ دمشق 40/144.
63 ـ تسمية من روى عنه أبو إسحاق السبيعي، ولم يحدث عنه غيره لمحمد بن الحسين الأزدي، أبي الفتح، الحافظ ذكر في تاريخ بغداد 9/341.
64 ـ تسمية من روى من أولاده العشرة، وغيرهم، من أصحاب رسول اللَّه(ص): لعلي بن عبداللَّه بن جعفر السعدي، أبي الحسن البصري، المعروف بابن المديني (ت234).
يوجد في الظاهرية، بدمشق، برقم 3 من المجموع 3764، في 15 ورقة، نحو سنة 606هـ، ونسخة أخرى برقم 3803، في 9 أوراق، فيه سماع سنة 609هـ.
فهرس مجاميع الظاهرية: 138 و342.
65 ـ تسمية من روى الموطأ عن مالك: لابن بشكوال، أبي القاسم.
نقل عنه ابن خلكان، وفيات الأعيان 3/40.
66 ـ تسمية من شهد بدراً: لابن إسحاق، ذكره ابن حجر في الإصابة 1/208 و211 وروى عنه مكرراً.
67 ـ تسمية من شهد بدراً: لابن شهاب.
يروي عنه الطبراني كثيراً في «المعجم الكبير».
68 ـ تسمية من شهد بدراً: لعروة بن الزبير: 22 ـ 93. ذكره ابن حجر في الإصابة 1/209 ـ 213، وروى عنه مكرراً وكذلك ابن الأثير في أسد الغابة 2/229 و300، ويروي عنه الطبراني كثيراً في «المعجم الكبير»، وقال الهيثمي: من سماهم عروة بن الزبير أذكرهم… في مجمع الزوائد: 6/97 ـ 102، والسنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 9/57 وأضاف فيه: من لم يشهد ثم ضرب له رسول اللَّه(ص) ـ لعروة ـ: 146 ـ 160.
69 ـ تسمية من شهد بدراً: للكلبي، ذكره في الإصابة 2/303.
70 ـ تسمية من شهد بدراً من قريش والأنصار من شهد الوقعة ومن ضرب له رسول اللَّه(ص) بسهم وهو غائب: للواقدي، محمد بن عمر بن واقد (ت207). ذكره في المغازي 1/152 ـ 172.
71 ـ تسمية من شهد بدراً من المسلمين: لابن إسحاق، أورده ابن هشام في السيرة 2/33 ـ 364.
72 ـ تسمية من شهد بدراً، وذكر الاختلاف فيهم: لمحمد ابن الحسن الصالحي (ت789).
قال العش: لعله للبرزالي علم الدين، القاسم بن محمد (ت739) في الظاهرية، مجموع 47.
انظر: فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية، تأليف: يوسف العش: 46 ـ 47.
وذكره في فهرس مجاميع الظاهرية: 245، وهو الكتاب 17 من المجموع الام 3783.
73 ـ تسمية من شهد الجمل مع علي: للكلبي، محمد بن السائب. ذكره في أسد الغابة 2/291، والاستيعاب 2/555.
74 ـ تسمية من شهد صفين من الصحابة: للكلبي: ذكره في الإصابة 1/218.
75 ـ تسمية من شهد العقبة وبايع رسول اللَّه(ص) بها من الأوس والخزرج: لابن إسحاق، أورده ابن هشام في السيرة 2/97 ـ 110.
76 ـ تسمية من شهد غزوة بدر. مجهول المؤلف.
قال العش: مؤلفه علم الدين، القاسم بن محمد، البرزالي الإشبيلي (ت739).
يوجد في الظاهرية، رقم 3783، في 8 أوراق. وهو بخط المؤلف (!) ورقمه في فهرس العش 46/47 وفي المجموع 47/135.
77 ـ تسمية من شهد مع علي (عليه السلام) حروبه: لعبيداللَّه بن أبي رافع (ت نحو سنة 80). ذكره الطوسي في الفهرست (133)، وعنه في الذريعة 4/181، وقد حققناه. بحمد اللَّه. وتحدثنا عن نسخه وخصوصياته في مقدمته.
78 ـ تسمية من شهد مع أمير المؤمنين (عليه السلام) حروبه من الصحابة والتابعين: لابن عقدة الحافظ، أحمد بن محمد بن سعيد، أبي العباس الكوفي (ت333).
رجال النجاشي: (94) وذكر في معالم العلماء لابن شهرآشوب: 14 رقم 76، وعن النجاشي في الذريعة 4/181.
79 ـ تسمية من شهد مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) من أصحاب رسول اللَّه(ص): لأجلح بن عبداللَّه الكندي. ذكر الخطيب في تاريخ بغداد 1/154 عن الأجلح أنه قال:
سمعته من: زيد بن علي، وعبداللَّه بن الحسن وجعفر (عليه السلام) ومحمد بن عبداللَّه بن الحسن. كلهم ذكره عن آبائه، وعمن أدرك من أهله وسمعته أيضاً من غيرهم.
وانظر: مصفى المقال، للطهراني: 497 ـ 500.
80 ـ تسمية من عرف ممن أبهم في العمدة، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852).
منه نسخة بمكتبة الأزهر، بالقاهرة، ضمن المجموع رقم 109.
81 ـ تسمية من قال بيتاً، أو قيل فيه: لهشام بن محمد بن السائب الكلبي، أبي المنذر (ت206).
ذكر في الفهرست: 109، ونقله الحموي في معجم الأدباء 19/290.
82 ـ تسمية من قتل مع الحسين (عليه السلام) من أصحابه وأهل بيته: للفضيل بن الزبير بن درهم الأسدي الكوفي.
حققناه وطبع في نشرة «تراثنا» الفصلية، السنة الأولى 1405، العدد 2.
83 ـ تسمية من قتل من الأنصار يوم الطائف: لابن إسحاق. ذكر في أسد الغابة 1/396.
84 ـ تسمية من قتل من المشركين [بأُحد]، للواقدي. محمد بن عمر بن واقد (ت207). ذكره في المغازي 1/307 ـ 309، وانظر: سيرة ابن هشام 3/134 ـ 135.
85 ـ تسمية من قتل من المشركين ببدر، للواقدي، محمد ابن عمر بن واقد (ت207). ذكره في المغازي (1/147 ـ 152)، وانظر: ذكر الفتية الذين قتلوا ببدر من المشركين في سيرة ابن هشام 2/394 ـ 295، ولاحظ 2/365 ـ 372.
86 ـ تسمية من قتله بنو أسد: لأبي عبيدة معمر بن المثنى. ذكره في إيضاح المكنون 2/281.
87 ـ تسمية من قدم دمشق، مع المتوكل، من الكتاب: لعبداللَّه بن محمد الخطابي.
روى عنه ابن عساكر في تاريخ دمشق 38/281، ترجمة عبداللَّه بن محمد بن يحيى بن حمزة الحضرمي.
88 ـ تسمية من قطع من قريش في الجاهلية في السرق، للقاسم بن سلام، أبي عبيدة.
89 ـ تسمية من كان ببغداد من العلماء، لمحمد بن سعد. ذكر في تاريخ بغداد 13/3 ـ 384.
90 ـ تسمية من كان بواسط من الفقهاء والمحدثين. ذكر في الطبقات الكبرى 7/310.
91 ـ تسمية من كتب عنه في قرى دمشق، لمحمد بن عبداللَّه، أبي الحسين الرازي، أسد السنّة (ت347). تاريخ دمشق، تراجم حرف العين، ص1هـ 2، ومعجم المؤرخين الدمشقيين ـ للمنجد ـ: 513.
92 ـ تسمية من كتب عنه بدمشق في الدفعة الثانية: لمحمد ابن عبداللَّه، أبي الحسن الرازي (ت347)، معجم المؤرخين الدمشقيين: 513، ونقل عنه ابن عساكر في تاريخ دمشق 38/420 ترجمة عبداللَّه المستملي، وفي 40/69 و119.
93 ـ تسمية من وبد بأرض الحبشة، لابن إسحاق، أورده ابن هشام في السيرة 4/11 ـ 12.
94 ـ تسمية من لم يرو عنه غير رجل واحد، لأحمد بن شعيب، أبي عبدالرحمن النسائي (ت303).
رواية أبي محمد، الحسن بن رشيق العسكري، منه نسخة في مكتبة أحمد الثالث، طوب فبوسراي، إسلامبول، رقم 624/2، كتب في القرن التاسع.
95 ـ تسمية من نزل حمص من أصحاب رسول اللَّه(ص) من الأنصار: لأحمد بن محمد بن عيسى، البغدادي، تاريخ دمشق 40/390.
96 ـ تسمية من نزل حمص من الصحابة: لعبدالصمد بن سعيد الحمصي الكندي القاضي. ذكر في الإصابة 1/273، وذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق 34/47 و40/390.
97 ـ تسمية من نقل عنه بدمشق: لمحمد بن عبداللَّه، أبي الحسين الرازي (ت347). ذكر في معجم المؤرخين الدمشقيين: 513.
98 ـ تسمية من قتل من عاد وثمود والعماليق وجرهم وبني إسرائيل من العرب، لهشام بن محمد بن السائب الكلبي، أبي المنذر (ت206). ذكر في الفهرست للنديم: 108، ومعجم الأدباء للحموي 9/…، وذكره في الذريعة 4/181، باسم «تسمية من قتل»، وهو تصحيف بقرينة أن المذكور وقع في سياق الكتب التي ألفها الكلبي في «نوافل العرب»، والمراد بهذا التعبير من انتقل من موطنه إلى محل آخر واستوطن فيه.
99 ـ تسمية النفر الداريين الذين أوصى لهم رسول اللَّه(ص) من خيبر: لابن إسحاق. أورده ابن هشام في السيرة 3/368 ـ 369.
100 ـ تسمية ولد عبدالمطلب: لهشام بن محمد بن السائب، أبي المنذر الكلبي (ت206).
الفهرست: 109، معجم الأدباء 19/291، الذريعة 4/181.
101 ـ تسمية من ولي العراق: لابن عياش، نقل عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان 6/313.
محمد رضا الجلالي الحسيني
التصوف
قبل أن ندخل في بحث التصوف لا بدّ من أن ننقل هذه الآراء الشيعية في التصوف:
قال السيد محسن الأمين وهو يترجم للسيد حيدر الآملي في موسوعته (أعيان الشيعة):
طريقة التصوف إن خرجت عن مجرد الزهد في الدنيا والتفكر في عجائب قدرة اللَّه تعالى فهي من تسويلات الشيطان. وهذا السيد (الآملي) حاول تطبيق شطح الصوفية وأقوالهم المعارضة المناقضة للشرع على ظاهر الشريعة وما الذي يدعو إلى ذلك وما الفائدة فيه.
وقال صاحب رياض العلماء عن الآملي:
جمع في كتابه جامع الأسرار بين الأقوال المتعارضة المتضادة للصوفية وتوجيه كلماتهم المعرضة المتناقضة للشريعة الحقة وفيه فوائد نافعة وحشو كثير من مطالب الصوفية الشائعة ثم قال: لما كان هذا السيد غالياً في التصوف جداً ما كان يليق بنا إيراده في هذا القسم لكن أوردته هاهنا تبعاً للقوم.
وعندما يتحدث صاحب رياض العلماء عن الشيخ حسين بن عبدالصمد يقول عنه: كان له رضي اللَّه عنه رغبة في مدح مشايخ الصوفية ونقل كلماتهم، كما هو ديدن ولده الشيخ البهائي أيضاً وكأنه أخذ ذلك من أستاذه الشهيد الثاني لكن زاد في الطنبور نغمة ومن ذلك ما أورده في رسالته المسماة بالعقد الطهماسي حيث قال في أواخرها في أثناء موعظته للشاه طهماسب الصفوي ما لفظه: ولهذا كان بعض الملوك والأكابر من أهل الدنيا إذا علت همتهم وكثر علمهم باللَّه ولحظتهم العناية الربانية تركوا الدنيا بالكلية وتعلقوا باللَّه وحده كإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي وأهل الكهف وأشباههم فإنهم لكمال رشدهم لا يرضون أن يشغلوا قلوبهم بغير اللَّه لحظة عين ولكن هذه مقامات آخر ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات.
ويرد السيد حسن الأمين على ذلك قائلاً:
قد ذكرنا في ترجمة البهائي أن الميل إلى التصوف الصحيح لا منقصة فيه كما كان عليه جماعة من علمائنا كالشيخ أحمد بن فهد الحلي وغيره. أما التصوف الباطل فينزه عنه أمثال الشيخ حسين بن الصمد وابنه وشيخه الشهيد الثاني. وأما مدح مشايخ الصوفية ونقل كلماتهم فلا شكّ أنه كان لهم فيه غرض صحيح، ومن مدحوهم كانوا غالباً على طريقة مستقيمة، وتصوف إبراهيم بن أدهم وبشر الحافي وأهل الكهف كان محض الزهد في الدنيا فقوله: زاد في الطنبور نغمة هفوة منه سامحه اللَّه،…
التصوف
ـ 1 ـ
إن المستشرقين الذين يدركون جذور الطريقة الراسخة في القرآن الكريم هم قلة فقبل سنوات طويلة كتب ما سنيون يقول: بأنه يتضح من قراءة القرآن الكريم عدة مرات أنه مصدر للطريقة واعترف مارغوليوث أيضاً بأنه القرآن مصدر الصوفية. وأيد هذه النقطة الأساسية المستشرق قربان، وهو صاحب نظرة تختلف عن نظرة غالبية المستشرقين، ويقوم بأبحاثه في الإسلام بروح من الفهم والرغبة الشخصية والمشاركة الروحية لكن الأكثرية الساحقة من المستشرقين الذين قد لا يريدون الاعتراف بوجود جانب روحي للإسلام نادوا بمختلف أنواع النظريات لتفسير أصل الصوفية لكن نظرياتهم تبحث في الواقع مظاهر الصوفية الثانوية لا الصوفية ذاتها.
هناك عدد من النظريات عن أصل الصوفية جاء انتشارها في الظاهر على شكل دائري: فكل منها احتلت مقام الصدارة بين الباحثين ردحاً من الزمن ثم أصبحت هدفاً للنقد وفقدت أهميتها، ثم عادت إلى الظهور والانتشار من جديد. فما أكثر المذاهب في أصل الصوفية: هناك من أرجعها إلى مؤثرات الأفلاطونية الحديثة أو الرهبنة المسيحية أو… رد الفعل الآري على الدين السامي، أو المجوسية أو المانوية أو الهندية، أو البوذية وغيرها من الديانات، والفلسفات. واتخذ أصحاب كل مذهب من التشابه الظاهري أو ربما الاقتباس التاريخي لأسلوب أو تعبير معين برهاناً جديداً على أن أصل الصوفية غير إسلامي. على أن وراء حججهم كلها تقريباً افتراض مسبق بأن الإسلام دين غير سماوي وعليه فلا يمكن أن يكون له جانب روحي أصيل وهناك كذلك الاعتقاد الغربي القديم بأن الإسلام، دين سيف، بسيط كون مجتمعاً بالقوة، ولهذا فلا بدّ وأن يكون قد اقتبس كل عنصر له طبيعة روحية أو عرفانية من خارجه.
لكن هؤلاء الذين ينادون بأن أصول الطريقة خارجة عن الإسلام، يهملون الطبيعة الفعلية للطريقة الروحية. فالطريقة الروحية هي التي تمكن الإنسان من أن ينفذ إلى ما وراء القيود البشرية ويقترب من اللَّه. على هذا فلا يمكن لهذه الطريقة ذاتها أن تكون من صنع الإنسان. فإن محاولة الإنسان الاستعلاء على الطبيعة البشرية بوسائل من صنع البشر تنطوي على خطأ منطقي. وينبغي لمن يسلم بحقيقة الحياة الروحية أن يسلم بالحقيقة التالية وهي أنه لا بدّ وأن تكون الطريقة فضلاً من اللَّه يؤتيه من يشاء وإنها بالتالي طريقة خلقها اللَّه ليسلكها عباده الصالحون.
ويمكننا تطبيق هذه الحقيقة الأساسية على الصوفية أيضاً. فاما أن تكون الطريقة في الإسلام طريقاً روحياً يؤدي بصاحبها إلى الولاية وتشهد ثمارها على أصلها الإلهي بما تبعثه من عبير روحي، وأما إنها اقتباس من خارج الإسلام أي إنها من صنع البشر واقتباسهم. ويتحتم عندئذ ألا تكون طريقة روحية ولا فائدة من البحث فيها. لكن إذا كانت تخرج أولياء صالحين ولها فاعلية روحية فلا بدّ أن تكون عندئذ هذه البركة الإلهية، التي تجعل التحول الروحي ممكناً، من مصدر إلهي، ولا بدّ أيضاً أن تكون نابعة من الوحي الإسلامي ذاته. وينبغي أن تكون هي البركة المحمدية. إذ من المؤكد أن البركة المسيحية لا تقدر على أن تخرج ولياً مسلماً يحمل صورة مصغرة للعبقرية الإسلامية أكثر مما تقدر البركة المحمدية على إخراج قديس نصراني، غير أن بركة الدين الآخر تستطيع في حالات استثنائية أن تساعد على تحقق الغاية الروحية.
قد لا تكون هذه الحجج صائبة في نظر من ينكرون صدق الحياة الروحية ولكن لا يستطيع أحد أن يسلم بحقيقة الروحية المسيحية مثلاً وينكر روحية الإسلام على أساس الحجج التاريخية فلكل دين شجرة روحية لا بدّ وأن تمتد جذورها إلى أصله. فلا يقبل مسيحي القول بأن روحية القديس أوغسطين يونانية بسبب معرفته بالأفلاطونية أو الأفلاطونية الحديثة وذلك لأن المسيحي يدرك أن القديسي صادر قديساً لا بقراءته كتب الفلاسفة القدماء وإنما ببركة المسيح. أما حكماء اليونان مثل أفلاطون أو أفلوطين فإنهم أمدوه بلغة صالحة للتعبير عن حقيقة هي مسيحية.
لكن البعض لا يدركون إنه من الخطأ كل الخطأ اعتبار روحية الحلاج أو ابن عربي أو الرومي غير إسلامية استناداً إلى أن الحب الذي تحدثوا عنه يحمل بعض الشبه بتعاليم المسيح أو بناء على استخدامهم صيغاً معينة في مذهبهم نقلوها عن الأفلاطونية الحديثة أو الهرمسية. فليست هذه الفكرة أو تلك التي نادى بها الحكمي اليوناني أو الحكيم النصراني هي التي جعلت من هؤلاء صوفيين وإنما هي البركة المحمدية أو الحضور الإلهي، الحقيقي الذي تهيىء لنا الصوفية الطرق والوسائل للوصول إليه. وما هذه البركة إلا ثمرة شجرة الإسلام الروحية، ولا يتأتى لشجرة أن تؤتى ثماراً إلا إذا كانت جذورها في التربة التي تغذيها وفي حالة الشجرة الروحية لا بدّ للتربة، ان تكون الوحي الإلهي ولا بدّ وأن تكون الجذور حلقة الوصل المباشرة بين كل مظهر روحي في أية ديانة وبين أصلها.
إذا كنا قد أطلنا في دحض وجهة النظر السائدة بين المستشرقين عن أصل التصوف فذلك لأنها تشوه صورة الإسلام الكلي وبالتالي يستحيل معها فهم التصوف فهماً حقيقياً. وبمجرد اعتبار الصوفية عنصراً أجنبياً منقولاً يصبح الإسلام ذاته في نظر الأجنبي نظاماً سياسياً اجتماعياً لا أكثر ولا يرضى عمق النزعات الروحية عند الإنسان، وإن سبب الإهمال النسبي لدراسة الإسلام اليوم في حقل دراسة الدين المقارن هو بالضبط إهمال الجوانب الروحية في الإسلام واعتبارها في الغالب غير أصيلة فيه. ولا يمكن أن تدرس الصوفية دراسة جدية، وأن تفهم فهماً كاملاً إلا إذا أدركنا أن جذور الطريقة أو الجانب الباطني في الإسلام راسخة في القرآن الكريم، وأن الطريقة كباقي المظاهر الأصيلة في الدين الإسلامي قائمة على القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
وقبل أن ننتقل إلى بحث أصول الطريقة في القرآن الكريم نرى من المهم أن نحدد معنى الأسماء التي يعرف بها أتباع الطريقة. ان مدلول كلمة تصوف بالعربية هو تلك الحكمة الإلهية التي يحفظها أصحاب الطريقة وينشرونها بين أتباعهم. ومهما يكن من أمر اشتقاق كلمة تصوف سواء كان من التصوف الذي كان يلبسه المتصوفون المتقدمون أو من الصفاء الذي يطمحون إلى الوصول إليه أو من الكلمات الأخرى العديدة التي تناولها الباحثون في المراجع القديمة والحديثة ـ فإن مدلولها الديني هو الحكمة الإلهية، بالضبط.
د.حسين نصر
التصوف
ـ 2 ـ
نشأ التصوف مع نشأة الإسلام بظهور أهل الصفة، وهم جماعة من المؤمنين تفرغوا للصلاة والعبادة بالمسجد في عهد الرسول، متخلين عن كل نشاط دنيوي، وقد حظوا بعطف الرسول والأمة.
وخلال القرن الثاني (8م) ظهر كثير من أصحاب النظريات الصوفية بعد أن مرّ التصوف من مرحلة الزهد والتقشف إلى الاستغراق في العبادة، فسعيد بن المسيب وخباب بن الأرث والحسن البصري زهاد من أهل القرن الأول الهجري. ومن بين أصحاب التصوف النظري سفيان الثوري وإبراهيم بن الأدهم، وابتداءً من القرن 3/9 قام الجنيد بأول محاولة للتوفيق بين التصوف وتعاليم السنّة ، وهكذا فأغلب رواد التصوف من هذا الصنف فارسيون كالجنيد، وأصله من نهاوند، والغزالي والطوسي إلخ… وفي إقليم أفريقية ظهر الصلحاء الأولون في عصر الأغالبة، أي انطلاقاً من القرن 2/8 وأغلبيتهم من طبقة المثقفين، وهذا لا ينفي وجود طبقة من الزهاد محدودة العدد مع الفتح الإسلامي بسائر أنحاء الشمال الأفريقي.
وعلى كل حال فقد كان التصوف في صورته الأولى أقرب إلى أصول السنّة، منه إلى حالات الجدب والاستغراق التي تطور إليها فيما بعد. فلم تكن هناك طقوس خارجة عن السنة ولا طرق أو مذاهب متميزة، وهذه هي نفس الصورة التي عرفناها عن أوائل التصوف بالمغرب، ثم ظلت كذلك لأمد طويل، عكس ما وقع بالمشرق الذي ظهرت فيه مذاهب بارزة الملامح ابتداء من القرن 3/9 كما سبق. وهكذا فبعد تولية محمد بن إدريس الثاني (213 ـ 227) قام أخوه القاسم بثورة ضده، ثم تخلى عن إمارة طنجة، لينشىء على ساحل أصيلا رباطاً للعبادة ويعيش فيه عابداً متزهداً. وحيث تخلى القاسم عن الاشتغال بشؤون الدنيا وملذات الحياة متفرغاً للذكر والعبادة ومكتفياً من المعاش بما يقيم أوده، فقد أصبح صوفيا على طريقة السنيين.
وليس من شكّ في أن الشريعة الإسلامية نفسها أحدثت للتصوف بابا يمارس فيه المؤمن باختياره شعائر الذكر والعبادة لمدة أدناها عشرة أيام في أحد المساجد دون أن يغادره ألا لإحضار قوته في أوقات معلومة، وهذا ما يسمى بالاعتكاف، ومن أجل ذلك نرى أن التصوف نشأ بنشأة الإسلام نفسه دون أن يخضع لتعميق في مدلوله وأهدافه إلا بعد فترة طويلة.
إبراهيم حركات
التصوف
ـ 3 ـ
تعددت الآراء في أصل كلمة صوفي ورشحت لهذه الكلمة أصول كثيرة منها ما يوافق صورتها من الناحية الصوفية ومنها ما يخالفها.
وقبل التفرغ لمناقسة هذه المسألة ينبغي أن نذكر أن أول زاهد لقب بالصوفي في المجتمع الإسلامي كان أبا هاشم عثمان بن شريك الكوفي الصوفي (ت150هـ/ 767م).
وهذه الحقيقة تفيدنا في تعيين اللفظ الذي يصلح لاشتقاق صوفي وبخاصة أن «الكلمة موضوعة البحث تتأخر عن سنة 150هـ سنة وفاة أبي هاشم الكوفي ـ.
لقد رشحت ألفاظ عديدة لتكون أصلاً لكلمة صوفي منها:
«الصفاء ـ الصُّفَّة ـ الصفوة ـ الصوفانة ـ سوفيا ـ صوفة القفا ـ الصوفة المرمية ـ بنو صوفة ـ الصوف»([317]).
أما «الصفاء» فقد أراد الصوفية أنفسهم أن يكون مشتقّ منزعهم باعتبار التصوف يتصل في أساسه بالتصفية الروحية، غير أن ذلك ادعاء ليس عليه دليل من الناحية التاريخية، ولكنه يبين رغبة الصوفية بأن يرتبط بالصفاء.
وهذه الكلمة لا تصلح أصلاً لكلمة صوفي من الناحية الصرفية أيضاً، إذ أن النسبة إليها صفائي.
والصُّفَّةُ، التي تعني ساحة مسقوفة بسعف النخل، كانت مسكناً لجماعة من الفقراء المهاجرين إلى مكة، وكانوا من السابقين الأولين إلى الإسلام، وقد عرف عنهم الزهد الشديد لفقرهم من ناحية، ولاعتبارهم الدين الإسلامي مجموعة من المثل العليا الزهدية من ناحية ثانية. لقد لمح الصوفية هذه المعاني في الصفة التي يتصل بها هذا الفريق من المسلمين الذين أطلق عليهم لفظ «أهل الصفة» فأرادوا من ادعائهم اشتقاق كلمة صوفي من هذا اللفظ، أن ينسبوا أنفسهم إلى أهل الصفة، بوصفهم سلفاً وقدوةً لهم. وتلك رغبة ندركها ولكن لا تسوّغ في الواقع بأن تقترن بالحقائق، علاوة على أن النسبة إلى الصفة (صُفّي) لا (صوفي) ولا نجد مسوّغاً لتحويل هذه الكلمة إلى الكلمة الثانية بأية صورة من الصور.
و«الصفوة» في اللغة تعني الفريق المختار وترتبط هنا بالصفوة المختارة من المسلمين الذين يحاول الصوفية أن يعنوا بهم أنفسهم باعتبارهم أصحاب توجه روحي واندفاع نحو المثل العليا وإعراض عن حطام الدنيا، وتلك دعوى تحتاج إلى دليل تفتقر إليه هنا بالإضافة إلى أن النسبة إلى هذه الكلمة (صفوي) وليست (صوفي).
أما «الصوفانة» فهي من البقول التي تنبت من تلقاء نفسها ويهملها الناس لعدم حاجتهم إليها؛ فزعم الصوفية أن مشربهم ينتسب إلى هذه الكلمة باعتبارها تدل على المعنى الذي يلتزمونه من إهمالهم أنفسهم ومن الناس الاهتمام بهم، مَثَلُهم في ذلك مثل هذه البقلة، وعلى هذا لا يستقيم هذا الفرض مع الحقائق العلمية لأنه يتصل بوجه شبه بين هذا النبات والصوفية لا أكثر.
ومما يزيد هذا الفرض سلبية أن النسبة إلى صوفانة (صوفاني) وما أبعد هذه الكلمة عن لفظ صوفي.
تبقى «سوفيا» ـ النصف الثاني من الأصل اليوناني فلسفة [= فيلوسوفيا] ـ وقد افترضها أبو الريحان البيروني (ت سنة 441هـ/ 1049م) وفي ذلك ما فيه من تأخر واضح عن بداية ظهور هذه الكلمة.
ثم إن هذا اللفظ ينسب إليه على صورة (سوفي) بالسين لا بالصاد. وقد توصل الباحثون إلى أنه بهذا المعنى الدال على الحكمة الفلسفية لم يصادف استعمالاً واحداً بدلت فيه السين صاداً سواء أكان ذلك في الاستعمال السرياني الذي نقل عن اليونانية أو العربي الذي استقرت فيه هذه الكلمة. على أن هذا الفرض له ما يبرره، وذلك أن القرن الخامس الهجري اقترن بظهور فريق من المتصوفة مزجوا التصوف بالفلسفة إلى حدّ أطلق معه عليهم لفظ «متفلسفة المتصوفة»، وعلى هذا فإن نسبة الصوفي إلى «سوفيا» يعبر عن ملاحظة مرحلية من مراحل الثقافات الصوفية.
أما «صوفة القفا» ـ فإنها أول كلمة تصلح تكون مشتقة من كلمة صوفي من الناحية الصرفية غير أن دلالتها المحدودة على التصوف. باعتبارها تعني إهمال حلاقة مؤخر الشعر، لا تصلح أن تستغرق الصوف كله ولا ما تعارف عليه أكثرية الصوفية الذين لم يتبعوا هذا التقليد.
كذلك لا تصلح «الصوفة المرمية» التي تقاس بالصوفانة ومعناها، من حيث الإهمال وقلة القيمة، لأن تكون أصلاً لهذه النزعة الروحية، وإنما تتناول جانباً بسيطاً من مظهر الصوفي المهمل باعتباره يتبنى الزهد في اللباس وفي سائر القيم المادية والاجتماعية المتعارف عليها بين الناس.
وأول الألفاظ صلاحاً لهذا المعنى بتمامه عبارة «بني صوفة» التي تعبر عن أعضاء قبيلة يمنية أطلق عليها هذا الاصطلاح قبل الإسلام، وقد لقب به أولهم «الغوث بن مر» لما نذرته أمه لبيت اللَّه الحرام، وعلقت على رأسه في صغره صوفة وسماه الناس «ربيط البيت» لاتصال حياته بالحفظ الإلهي وقيامها على أساس من إهمال الناحية المادية فيه، باعتباره مقرباً بوجوده إلى اللَّه. وقد استقر هذا المعنى في أذهان العرب قبل الإسلام، حتى لقد ربطوا بعض مناسك الحج بحضور أفراد هذه العائلة التي صار لها امتيازها الروحي، فلم يكن الحجاج يفيضون من عرفات أو يرمون الجمار إلا بحضور رجل من هذه الأسرة الروحية.
من هنا يصح أن تكون كلمة صوفية مشتقاً لكلمة صوفي لا من حيث مدلولها التاريخي وإنما من حيث معناها الرمزي. وبما أن هذا الحادث سبق الإسلام وأن التصوف ظهر في القرن الثاني الهجري فلا يمكن اعتبار كلمة «صوفة» أصلاً حقيقياً لكلمة «صوفي» بل يمكن اعتبارها دالة دلالة سابقة على روح التصوف بعثت من جديد بعد ظهور الإسلام.
ويسلمنا هذا التسلسل إلى «الصوف» الذي يعتبره أكثر الباحثين مشتق كلمة صوفي باعتبار أن لباس الصوف كان منذ القديم شعاراً للزهاد والنساك سواء من العرب أو الساميين أو الآريين من أصحاب الأديان المعترف بها عندنا وغيرهم. ثم إن لبس الصوف، الذي ظهر في المجتمع الإسلامي في بداية القرن الثاني الهجري، كان ردّ فعل لحركة سياسية أرادت أن تبث الإرفاه في المجتمع الإسلامي، وتفرض ليس الخزّ [وهو نسيج من الحرير والصوف] على كل من يتصل بالدولة كما سنرى فيما بعد.
وقد أدى ردّ الفعل هذا إلى ظهور مجموعة من الزهاد يلبسون الصوف، وخصوصاً في الكوفة ومصر، حيث ظهر أول من لقب بالصوفي من المسلمين كأبي هاشم الكوفي، وجابر بن حيان، وعبدك الصوفي، في الكوفة وأبي عبدالرحمن الصوفي في الاسكندرية بمصر.
على أننا ينبغي أن نتنبه إلى أن نسبة الصوفية إلى الصوف يلاحظ فيه كونه رمزاً لإهدار القيم المادية التي تعارف عليها الناس بعد إهمال القيم الإسلامية من جانب الحكومات التي صار همها الإبقاء على سلطتها مهما كان الثمن حتى ولو ارتفع إلى اضطهاد الحساسين من المسلمين الذين أرادوا الدين أن يستمر كما كان في البداية مثابة للقيم الروحية ونواة للمساواة المطلقة بين الناس، بحيث ينزل السري والغني والشريف إلى مستوى أدنى الناس مادياً وشعوراً بالفقر والتواضع «ليقتدي بهم الغني ولا يزري بالفقر فقره»، كما قال علي بن أبي طالب برواية الغزالي، في إحياء علوم الدين، وبذلك تلتقي دلالة الصوف مع دلالة «صوفة» من حيث رمزها إلى الحيوان الهالك وفناء الوجود المادي الإنساني وذلك بإهمال الزاهد للجوانب المادية من الحياة بوصفها مؤدية إلى التمييز بكافة أشكاله، وهي تفرق ولا تجمع وتؤدي إلى تناقض مع المثل العليا التي تتبناها الأديان جميعاً ولا سيّما الدين الإسلامي.
وجمعاً لدلالتي الصوفي والصوف على هذا التوجه، ينبغي أن نذكر أن كبار الصوفية صرحوا بهذا المعنى في عبارات لهم لم يولها الباحثون حقها من الدرس وإنعام النظر، ومنها قول سهل بن عبداللَّه التستري: «الصوفي دَمُه هَدَرٌ، وملكُه مباح».
وقول الحلاج:
للناس حجٌّ إلى سَكَنى
تهدى الأضاحي وأُهدي مهجتي ودمي
إلى كثير من الأقوال الأخرى التي تؤيد هذا الاتجاه الذي يربط سلوك طريق التصوف بإلغاء الوجود المادي الإنساني والتوجه إلى الوجود الروحي الذي يناسب المثل الأعلى عند المتصوفة.
تعريفات التصوف
يصعب تحديد تعريف جامع مانع للتصوف كما يحدث مع الموضوعات الأخرى ومَثَلُهُ في ذلك كمثل الفلسفة التي تضاربت الآراء في شأن تعريفها تضارباً شديداً لمَّا يستقر حتى الآن.
ولعل مما يزيد هذه الصعوبة بالنسبة للتصوف ارتباطه بالفلسفة من قديم، في قول معروف الكرخي (ت سنة 200هـ/ 815م): «التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق»، وهو تعريف شبيه بعبارة للكندي في تعريف الفلسفة نصها أنها «علم الأشياء بحلقاتها بحسب طاقة الإنسان».
من هنا يتبين أن ارتباط التصوف بالحقائق وهي أساس الصعوبة في تعريف الفلسفة، فقد وضع في هذا السبيل صعوبة تعوق محاولتنا في الوصول إلى تعريف محدد للتصوف لأنه مرتبط بصعوبة تعريف الفلسفة أولاً، وقبل كل شيء هذه ناحية.
وأمرٌ آخر يزيد في صعوبة الوصول إلى تعريف محدد للتصوف هو أن من مارس هذا المشرب إنما فعل ذلك وفي عرفه أنه مجموعة من الحالات النفسية، وربما النوبات العصبية، ومواقف يفقد فيها الإنسان توازنه النفسي وربما كثيراً ما غاب عن حسّه.
فحالاتٌ مثل هذه يصعب تعريفها وتحديدها لأنها أولاً، وقبل كل شيء، ينبغي أن يحس بها وتدرك ثم توصف ليتيسر لمن يتصدى لهذه المهمة أن يقوم بها عن بينة؛ ثم إن الصوفية أنفسهم يسمون هذه الظواهر النفسية بالأحوال ويعبرون عنها بالتغير الشديد في عبارتهم التي تقول: «لو لم تَحُلْ ما سميت حالاً». وأمور مثل هذه في عدم الثبات تورث أوصافاً متفرقة يصعب الجمع بينها وربما أوهمت الباحث السطحي أن التصوف نوع من التغير العاطفي الشاذ أو حالة من حالات الغيبة عن الوعي وربما ساغ لبعضهم أن يصفوه بالجنون المؤقت.
وشيء ثالث يعقد هذه المسألة هو أن كيان التصوف العملي والنظري قد أصابه تطور سريع منذ ظهوره في بداية القرن الثالث الهجري إلى أن وصل إلى أوجه في القرن السابع الهجري بحيث بدا لنا في كل قرن وكأنه موضوع جديد له تمام الاستقلال عن صورته في القرن الذي سبقه؛ فتصور القرن السادس مثلاً يبدو في صورة فلسفية بحتة تستمد عناصرها من الأفلاطونية الحديثة والغنوصية كما في حكمة الإشراق للسهروري، وهو في القرن الخامس مزاج من الزهد الشديد وعلم الكلام والفلسفة التي أخذت تتسرب إليه في إبانه، وبلغت هذه أوجها على يد «ابن سينا» الذي كان في مرحلة من حياته صوفياً كاملاً بنفسه. وهكذا إذا تقدمنا في الزمان أو تأخرنا فيه وجدنا الطابع العام للتصوف في تغير مستمر، خصوصاً إذا بلغ بنا الأمر القرون المتأخرة والعصر الحاضر حين فقد التصوف أصالته وصار في المشرق على الأقل، مجموعة من الأفكار الساذجة مقرونة بمظاهر مادية يعدّها الصوفية المحدثون كرامات وخوارق تتصل بصدق توجههم أو ثبات قدمهم في التصوف وصدورهم عن جوهره بوصفه الإنسانية الكاملة.
* * *
بعد هذه المقدمات نعود إلى تعريفات التصوف فنذكر أنها قد تكثرت تكثراً عظيماً خلال القرون حتى لقد تجاوزت الألف عداً بنص الشيخ عمر السهروردي (ت632هـ/ 1234م) في كتابه عوارف المعارف؛ وموضوع له ألف تعريف بين الصعوبة في تناوله وبحثه. ومع هذا كله فقد تصدى لهذه المهمة باحثان محدثان هما الأستاذ المستشرق رينولد نيكلسون من جامعة كمبردج والدكتور قاسم غني من إيران. الأول في بحثه المنشور في دائرة معارف الدين والأخلاق والمترجم بقلم الدكتور أبو العلاء عفيفي في كتابه في التصوف الإسلامي»، والثاني في كتابه الفارسي (تاريخ التصوف في الإسلام) الذي ترجمه من الفارسية د.أحمد ناجي القيسي. ود.عبدالنعيم حسنين.
وقد حاول الباحثان المذكوران ترتيب التعريفات المأثورة عن الصوفية على أساس تاريخي في محاولة لاكتشاف الأسلوب الذي أتبعه التصوف في تطوره، غير أن المدة التي اختاراها لا تتجاوز القرنين من الزمن وليس ذلك مما يحدد تطوراً واضحاً من تاريخ الأفكار على العموم.
ومن ناحية أخرى يلاحظ في هذه التعريفات الدلالة على جزئيات من المنهج الصوفي وأفكاره ربما شتتت المبذول في تتبع تطور هذه الفكرة. وأكثر من ذلك أن صوفياً واحداً ربما أطلق جملة تعريفات للتصوف بها من الاختلاف والتنوع ما يزيد الأمر تعقيداً. لهذا كله نرى أن أفضل ما يمكن أن يتبع في مثل هذه المحاولة تصنيف التعريفات نفسها بحسب الموضوعات، وتأجيل البحث التاريخي فيها إلى ما بعد تبلور النتائج المتصلة بهذه التجميعات المصنفة. وإذا استعرضنا تعريفات التصوف، بما فيها المادة التي جمعها نيكلسون، والتي أضافها الدكتور قاسم غني ـ وكذلك التي تقصيناها نحن ـ وجدنا التعريفات قابلة لأن تصنف إلى ثلاث مجموعات: بسيطة ذات جانب واحد ومركبة ذات جوانب متعددة وجامعة تتميز بالنضوج والإحاطة والعموم.
أ ـ التعريفات البسيطة:
في نظرة إلى التعريفات البسيطة، التي ترد في كتب التصوف وبخاصة القديمة منها، يتبين أن أبسط ما يرد على التصوف من وصف يتناول فكرة الإيثار والكرم باعتبارهما أول درجة في سلم تصفية النفس الإنسانية من ماديتها وأنانيتها لترتفع عن هذا العالم الدنيوي المادي الذي تباعد بينه وبين العالم الروحي هذه المثل المادية؛ وعلى هذا الجانب يرد قول أبي الحسين النوري (ت295هـ/ 908م) «التصوف السكون عند العدم والإيثار عند الوجود» وقوله: «التصوف الحرية والكرم وترك التكلف والتمسك بالسخاء»، ثم قول ممشاد الدينوري: «التصوف أن تظهر الغنى وأن تكون مجهولاً حتى لا يعرفك الخلق، وأن تعف عن كل ما لا خير فيه».
هذه التعريفات تعكس في الحقيقة روح الفتوة التي هي المعنى الذي تنطبق عليه فكرتا المروءة والسخاء، وهي أقدم تصور اتصل بالتصوف على الإطلاق، وآية ذلك أن الفتوة، التي هي مقصود السخاء والكرم، قدر مشترك بين سائر الصوفية أشخاصاً وطرقاً وفلاسفة لا يستغنون عنها ولا ينكرها منهم أحد.
وفوق ذلك ينبعث من هذه التعريفات معنى الإخلاص وتجنب الرياء وهما من المبادىء التي تتمم معنى الفتوة وتصور الإيثار بشكله الحقيقي ونتيجة لهذا واختصاراً للوقت نذكر أن أبا حفص النيسابوري لخص هذا الجانب من التصوف بقوله: «حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن»؛ وذلك يعني أن بداية التصفية الروحية ينبغي أن تقترن بتصرف الإنسان ومعاملته لأبناء جنسه فإذا تم له تطبيق فكرة الإيثار وجعلها طبيعة له استطاع عندئذ أن يتجه إلى باطنه في التصفية وإلى ذهنه بالتركيز فيستريح من المطالب المادية التي تشغل الناس عن طلب المعاني الروحية. وبانتقاله من الضد، الذي هو التنافس على المادة والتكالب على الحظوظ إلى بذل نصيبه لزملائه في المجتمع يتم له هذا الأمر. وقد عبر عن ذلك الجنيد البغدادي (ت298هـ/ 911م) بقوله: التصوف خُلُقٌ؛ فمن زاد عليك في الخُلُق، فقد زاد عليك في التصوف».
هذه فائدة ما كان لنا أن نتوصل إليها على الأساس التاريخي الذي اتبعه نيكلسون وقاسم غني. وبعد استبعاد الجزء الذي يتناول الفتوة والخلق، على العموم، من مجموعات التعريفات تلوح لنا مجموعة أخرى منها تتصل بالتصفية الروحية والاتجاه الداخلي إلى المثل الأعلى.
وهكذا يتناهى إلينا قول أبي بكر الشلبي: «الصوفي منقطع عن الخلق متصل بالحق». وقول الجنيد: «التصوف لحوق السر بالحق».
وهو في هذه الحال على العموم يتلخص في قول الجنيد: «التصوف أن تكون مع اللَّه بلا علاقة»، وهي عبارة جامعة تعكس المبدأ الصوفي الذي يتمثل في عبارتهم: «قطع العلائق» أي قطع جميع أنواع الاتصال بالدنيا لينفتح المجال أمام الصوفي للاتصال بالعالم الروحي. وفي هذه الحال يسوغ لنا أن نورد التعريفات التي تعبر عن ربط التصوف بالفناء الإنساني في الدنيا والاتجاه إلى عالم الروح ويتمثل ذلك في حديث ينسبه الصوفية إلى النبي نصه: «موتوا قبل أن تموتوا». وعلى هذا المعنى يرد قول ذي النون المصري: «التصوف بذل الروح» وقول سهل ابن عبداللَّه التستري: «الصوفي دمه هدر وملكه مباح». وعلى الجملة فالتصوف في هذا المجال يعني «أن يكون الصوفي كما كان قبل أن يكون»، أي أن يشعر بالوجود المطلق قبل أن يتجزأ من عالم الروح ويحصر في هذا البدن الإنساني ليعود من جديد إلى عالمه الأول بعد تمام الجسد وفقاً لمدلول الآية: {يا أيتها النفس المطمئنة} {ارجعي إلى ربك راضية مرضية} {فادخلي في عبادي} {وادخلي جنتي} [الفجر 27 ـ 30].
واختصر أبو الحسن الخرقاني الطريق فقال: «الصوفي من لا وجود له». ولا يعني هذا اختفاءه من الدنيا على صورة الشبح وإنما يعني أن قطع العلائق قد تم عنده بحيث صار في إحساسه الداخلي جزءاً من العالم الروحي؛ وبذلك أصبح التصوف يعني: الفناء عن مفاهيم العالم المادي والاندماج في مفاهيم العالم الروحي.
ب ـ التعريفات المركبة:
مع أن هذا الجانب من التصوف يمثل جوهره وملاك أمره. التفت الصوفية إلى دعمه بالجوانب التنظيمية والتقاليد الروحية والمظاهر النفسية فقرنوها بفكرة فناء الإنسانية لينتظم لهم تحديد جامع للتصوف في صوره المختلفة.
ومن هذه التعريفات المركبة عبارة صدرت عن ممشاد الديوري ونصها: «التصوف صفاء الأسرار وعمل ما يرضى الجبار وسقوط الاختيار مع صحبة الخلق» بمعنى أنه يتمثل في التصفية الروحية والطاعة الدينية والإيمان بالجبر على صورة التوكل الصوفي. كل ذلك دون عزلة ولا انزواء.
ومثل ذلك قول أبي علي الرُّوذباري «الصوفي: من لبس الصوف على الصفا، وأطعم نفسه طعم الجفا، ونبذ الدنيا وراء القفا، وسلك سبيل المصطفى». ومثل ذلك أيضاً قول محمد بن خفيف: «التصوف تصفية القلوب حتى لا يعاودها ضعفها الذاتي، ومفارقة أخلاق الطبيعة، وإخماد صفات البشرية، ومجانبة نزوات النفس، ومنازلة الصفات الروحية، والتعلق بعلوم الحقيقة، [= التصوف] وأتباع النبي في الشريعة». وكل هذا قد تلخص في عبارة صغيرة للجنيد البغدادي نصها: «التصوف ذكر مع اجتماع، ووجد مع استماع، وعمل مع أتباع».
وبمرور الزمن حاول المتصوفة والباحثون في التصوف إزالة التعدد من مضمون تعريفاته وإصدار هذا المشرب الروحي عن جوهره فعبروا عن ذلك في عبارات جامعة مركزة؛ ومن ذلك تعريف ابن عربي الذي يقول: «التصوف الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهراً وباطناً وهي الأخلاق الإلهية، وعندنا هي الاتصاف بأخلاق العبودية».
وقد ضمن الشريف الجرجاني تعريفاته هذه العبارة مع شرح طفيف لها إذ قال في «الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهراً»: «فيرى حكمها من الظاهر إلى الباطن»، وشرح لفظ «باطناً» بقوله: «فيرى حكمها من الباطن إلى الظاهر»، وختم ذلك بالغرض المنشود الذي عبر عنه بقوله: «فيحصل للمتأدب في الحكمين كمال الأخلاق الإلهية». ومعنى هذا متناً وشرحاً أن التصوف في حقيقته يعني التوجه الكامل إلى اللَّه جملة وتفصيلاً وظاهراً وباطناً؛ ففي الظاهر يعتبر التصوف الاتباع الكامل والطاعة التامة لما أنزل اللَّه في شريعته للناس كافة مضافاً إليه الغوص على المعاني الباطنية التي تتصل بظواهر الشريعة والملاءمة بينها وبين الحياة الروحية؛ وبذلك يكتمل للإنسان الاندماج بالعالم الروحي والصدور عنه قلباً وقالباً. وهكذا ينتهي الأمر بتحقق الأخلاق الإلهية أو المثل الأعلى التطبيقي للإنسان من حيث كونه منعكساً للَّه وخليفة له على الأرض مثل آدم الذي علمه اللَّه الأسماء الحسنى كلها ونفخ فيه من روحه وغرس كل ذلك في جسده المادي الفاني.
ثم يلتفت ابن عربي إلى الأخلاق الإلهية المقصودة هنا لا يراد بها أن يكون الإنسان شبيهاً باللَّه أو متميزاً عن البشر وإنما يقصد بها أن يكون الصوفي إنساناً كاملاً وعبداً مثالياً يتجه إلى اللَّه وينزع إلى الاندماج في عالمه الروحي؛ وذلك يعني الإتصاف بأخلاق العبودية الحقيقية.
وبعد، فقد أدى صدور هذا التعريف عن ابن عربي وكون قائله من أصحاب وحدة الوجود إلى توجيه شراح كتبه لمفهوم التصوف للدلالة على هذه الفلسفة الصوفية، ومن هنا ذكر القيصري (من شراح ابن عربي) أن التصوف: «هو العلم باللَّه سبحانه وتعالى من حيث أسماؤه وصفاته ومظاهرها، وأحوال المبدأ والمعاد، وبحقائق العالم وكيفية رجوعها إلى حقيقة واحدة هي الذات الإلهية ومعرفة طريقة السلوك والمجاهدة لتخليص النفس من مضايق القيود الجزئية وإيصالها إلى مبدئها واتصافها بنعت الإطلاق والكلية». وهذا التعريف، في الواقع تفصيل لما جاء في التعريفات المركبة والجامعة، ويمكن التعبير عن الجزء الأول بأنه الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرها وباطنها، ويمكن التعبير عن الجزء الثاني منه وهو، «وبحقائق العالم.. هي الذات الإلهية» بأنه الإيمان بوحدة الوجود التي تحقق هذا الغرض ويمكن التعبير عن الجزء الباقي منه بقولنا: طبق التقاليد الصوفية، وبذلك نستطيع أن نعبر عن تعريف القيصري بالعبارة التالية: «التصوف هو التطبيق الصوفي للتدين بظاهره وباطنه والإيمان بأن اللَّه هو الموجود الوحيد في العالم الذي تتجه إليه الموجودات الجزئية بالوحدة على أساس من التقاليد العملية الصوفية.
وأخيراً يحسن بنا أن نضيف إلى كل هذا التعريف الذي قدمه البروفسور آرثر جون آزبري، المستشرق المعروف، من أن التصوف «هو الظاهرة الثابتة للشوق الكلي الذي يبديه الروح الإنساني في سبيل الاتصال الشخصي باللَّه».
نشأة التصوف
التصوف بمعناه نزعة إنسانية لا يحدّها مكان ولا زمان. وهو في حقيقته جوهر التوحيد لانبعاثه من الإيمان بالعالم الروحي، الذي هو أساس الدين، ولتأسسه على التوجه إلى هذا العالم ـ سواء أفي اللحظات التي يحس الإنسان أنه قابل للاتجاه إليه أم على أساس تنظيمي يهيىء النفس الإنسانية للاندماج في عالم المثل الأعلى. والتصوف على هذا الأساس يحتمل أن يعبر عنه بألفاظ كثيرة اختير بعضها اصطلاحاً يطلق على مجتمعات دينية مختلفة، ويصلح بعضها الآخر تعبيراً عن حال النزوع الإنساني إلى العالم الروحي وحنينه إلى التسامي عن العلائق المادية التي طالما أثارت في نفوس الناس في شتى العصور والمواضع شعوراً بالسخط والنفور من بيئته التي تسودها قوانين الغاب الناقضة للمثل الدينية والأخلاقية.
لقد كان بين مجوس الفرس صوفية أطلقوا على أنفسهم ما ترجمته «مشرق القلب» أو «الناظر إلى الواحد» وتمثلوا عند المسيحيين بالرهبان وعند البوذيين بهذا الاسم أيضاً وكذلك عند الهنود. وأطلق عليهم العرب لفظ النساك والزهاد قبل تبلور هذا الاسم بعد ظهور الإسلام. وفوق ذلك كان في الجاهلية من اتخذ سمة التصوف العام تقليداً لرهبان النصارى وأطلق على بعضهم هذا اللقب. وكان منهم إلى ذلك طوائف دينية ينعكس منها التصوف في معناه العام انعكاساً واضحاً كما سنراه فيما بعد.
وإذا كان الأمر كذلك، ينبغي أن نفرق بين صورتين من صور التصوف الإسلامي واحدة: بسيطة ساذجة متصلة بصورة التدين الإنساني العام، دون الالتزام بمنهج معين، أو بأفكار على حدتها وسنطلق عليها اصطلاح (الزهد)، وثانية: لها أصولها وتقاليدهاوأفكارها ومناقشاتها ومدارسها، وسنطلق عليها اصطلاح (التصوف). ويحسن أن نذكر أن لفظ الزهد يصدق على الفترة التي سبقت الإسلام باعتبارها نبعاً استقى منه الزهد الإسلامي بعض ملامحه ولا ينتهي في زمن معين لأن كل تطلع ديني صادق يقترن بالزهد بوصفه صورة السلوك الإنساني المثالي الذي يقترن دائماً بالمساواة المطلقة بين الناس إعلاءً للإنسانية وتخلقاً بأخلاق تحقق هذا الغرض، وتتمثل في التواضع والرحمة، وتجنب المحارم الإلهية والالتزام بالأعراف الأخلاقية، وكلها، وفي جميع الأحيان، تؤكد إعلاء العنصر الإنساني وتأمر بالنظر إلى كل الناس باعتبارهم كائنات من صنع اللَّه يتجسم فيها الروح الإلهي.
غير أن هذا الزهد تحول جانبه، الذي اختاره فريق من المسلمين منهجاً لحياته، إلى صورة جديدة اطلق عليها اسم التصوف وذلك ابتداء من مطلع القرن الثالث الهجري [= التاسع الميلادي] فصار الزهد ذو المنهج الروحي المنظم صوفياً، وبقي المتدين المثالي ـ سواء أكان غنياً أم فقيراً، سرياً أم حقيراً ـ زاهداً دينياً يتقبل غناه وفقره بنفس راضية باعتبارهما من أقدار اللَّه ومن أرزاقه، ولا يبطر الغني غناه ولا يحمله على أن يرى في نفسه إنساناً أفضل من غيره، وإنما يعد ما له أمانة عنده من اللَّه يتصرف فيه على هذا الأساس ويجعله أداة للتخفيف عن زملائه في الإنسانية دون أن يميز نفسه عنهم إلا بالقدر الذي يراه ضرورياً. وعلى هذه الصورة أمثلة رائعة من رجال الإسلام على الخصوص.
أما التصوف الذي ظهر في القرن الثالث الهجري ردّ فعل للمدارس الفكرية المختلفة في الكلام والفلسفة والفقه، وكذلك في المجالات الأخرى، فقد مرّ في سلسلة من التطور بحيث تعددت صوره ومناهجه وأفكاره وتحول جانب منه إلى جماعات ذات طابع عملي اجتماعي ـ وربما عسكري أيضاً كالفتوة ـ وتطور جانب آخر منه إلى مدرسة فلسفية بحتة كالقائلين بالإشراق وأصحاب وحدة الوجود.
وبين هؤلاء تفرعت صور أخرى من التصوف تمثلت في الجمع بين الجانب النظري والعملي وظهرت على شكل الطرق الصوفية ابتداء من القرن السادس الهجري.
الزهد الجاهلي
1 ـ الزهد في معناه اللغوي، عدم الاهتمام بالشيء سواء حصل أم لم يحصل، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن في موضع واحد في سورة يوسف في الآية: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين}. بمعنى أن القافلة التي اشترت يوسف لم تمتلىء به عينها واعتبروا هذه الصفقة أمراً لا يزيد ولا ينقص ولا يثير شيئاً من الحرص. من هنا ينبع معنى الزهد الاصطلاحي الذي يتصل في الغالب بالأمور الدنيوية التي تميز إنساناً عن آخر بالمال على الخصوص وبما يساير المال أو يتصل به من المميزات المادية في الحياة الدنيا. وكان توزيع العطاء عند السابقين الأولين في الإسلام أبسط صورة للزهد تمثل معناه في سرعة إنفاقه؛ فأبو ذر الغفاري ـ رضي اللَّه عنه ـ مثلاً، كان يتحرج أن يبيت عطاؤه معه ليلة واحدة، وكان سلمان الفارسي ـ رضي اللَّه عنه ـ يتعلق بحديث سمعه من النبي(ص) مؤداه: «لتكنْ بُلْغَةُ أحدكم كزاد الراكب» من القلة والخفة.
2 ـ وينبغي ألا يفهم من هذه المقدمة خلو المجتمع العربي قبل الإسلام من روح الزهد. فقد كان في مكة والمدينة وغيرهما من حواضر الحجاز وكذا في اليمن وغيره زهد وزهاد باعتبار اتصال التدين عموماً بالزهد. ومع أن الجاهليين كانوا عموماً من المشركين إلا أن هذا لا يمنع من كونهم متدينين بدينهم الوثني وكان منهم من يؤمن به إيماناً عميقاً ويعتبره المثل الأعلى في الحياة الروحية.
لقد كان في المجتمع العربي قبل الإسلام كُهّان يرعون بيوت الأصنام وكان منهم زهاد يصدرون عن ذات الروح التي وجدناها عند المسلمين الأولين وعند النصارى واليهود والمجوس وغيرهم. وما سجع الكهان المعروف إلا صورة قديمة من عبارات الصوفية التي وصلت بالصفاء الروحي والغيبة عن الحسّ والصدور عن الباطن في حالة نفسية تشبه الفناء الصوفي في حال نضجه. يضاف إلى هذا أن المتدينين من العرب كانوا في وثنيتهم منقسمين في تطبيق شعائر دينهم إلى فريقين:
فريق: كان يسكن مكة ضمن حدود الإحرام في الحج ويطلق على طائفته لفظ «الحُمْس» جمع الأحمس بمعنى المتحمس والمتشدد في الدين. وفريق: يطلق عليه لفظ «الحلة» بمعنى المحلين، عكس المحرمين، ممن تقوم مواطنهم خارج حدود الإحرام.
وكان الزهد العربي شاملاً يتمثل في موسم الحج حين يمتنع «الحمس» عن أن يسلؤوا السمن ويأتقطوا الأقط ويدخلوا البيوت من أبوابها. وكانوا بدل ذلك يحيون حياة شظف وزهد ويتناولون من الطعام ما يخلو من مواد حيوانية كالسمن والجبن ويتجنبون أن يدخلوا البيوت من أبوابها وإنما من شقوق يعدونها في ظهر البيت تشبهاً بحياة الحيوان وخصوصاً ما يتقرب به إلى بيوت الأصنام من تناول الطعام النباتي البري ومن الالتجاء إلى الكهوف والمغاور.
وأما «الحلة» فكان أمرهم أشق وزهدهم أقسى وكان عليهم أن يحجوا عراة رجالاً ونساء: الأولون في النهار والأخيرات في الليل وقد ذكر في الأخبار ما يؤيد هذه الصورة. وقد أشار القرآن إلى هذا التقليد وردَّ عليه في الآية: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون} [الأعراف 31 ـ 32].
غير أن التقاليد الجاهلية تساهلت مع «الحلة»، فسمحت لهم بأن يحجوا في ثياب مستعارة أو مشتراة من الحُمَس على ألا يعودوا إلى ملابسهم التي جاؤوا بها.
وشيء آخر تميزت به الحمس في الجاهلية عن الحلة هو وقوف الحلة في عرفات، دون الحُمس. ثم كان ينبغي على الحلة ألا يُفيضوا [= ينزلوا] من عرفات إلا بحضور رجل من زهادهم الذين ينتمون إلى أسرة (صوفة) التي تقدم عنصراً زهدياً عربياً يكاد يكون صوفياً.
لقد كان جد هذه الأسرة، وهو الغوث بن مُرّ اليماني، قد لقب بصوفة لما نذرته أمه للَّه وعلقت في رأسه صوفة تشبيهاً له بالبُدْن التي تقدَّم قرباناً للكعبة بيت اللَّه في مكة.
والبُدْن ـ جمع بَدَنَة وهي الماشية التي يضحى بها لوجه اللَّه عند تمام الحج أو استجابة دعاء أو وفاء نذر. وبهذه المناسبة سمي الغوث بن مرّ المذكور بربيط البيت تأكيداً لهذه الصفة ومن اتصال الغوث بن مرّ بالبيت وإقامته الدائمة فيه اقترن اسمه بالامتياز الروحي الذي أسبغته عليه هذه الصفة وصار الحجّاج يتبرّكون بإنهاء حجّهم بحضوره هو ثم نسله من بعده ليتمّ لهم القبول.
وينبغي أن نذكر هنا أن الغوث بن مرّ كان من الحلّة بل زعيماً لهم مقيماً هو وأسرته بمكة؛ فكأنّ العرب، من غير قريش وجدوا لهم في شخص صوفة نوعاً من الامتياز الروحي يتمثل في رجل منهم تجاوز أحجار البيت ربط اليمانيين بالكعبة ملاك الدين العربي قبل الإسلام مع الحجابة والسقاية وغيرهما من الشؤون المتصلة بالكعبة.
كل ذلك كان ثمرة زهد رجل منهم من ناحية وعنصراً من عناصر الزهد العربي بالنسبة لدراستنا من ناحية أخرى.
على أن الإشارات إلى الزهد الجاهلي لا تتم إلا بالتطرّق إلى الحج ومناسكه، فنظرة عميقة إليها تبين أنّ الحج في جملته ينظر إلى بناء إبراهيم (عليه السلام) هذا البيت المقدس وتضحيته بولده إسماعيل (عليه السلام) استجابة لأوامر اللَّه بعد تمامه ثم استبدال الكبش به كما جاء في الرواية بنص الآية: {وفديناه بذبح عظيم} [الصافات 104].
ومن هنا يمثل الحجاج في سعيهم بين الصفا والمروة وحتى في إحرامهم الاستعداد للبناء والتنقل بين المواضع القريبة من مركز البناء استعداداً لإقامته ثم إنجازاً لبنائه، كلّ ذلك وكل حاجَ منهم يعتبر نفسه منذوراً للَّه، كالغوث بن مُرّ، وموجهاً إلى إتمام هذه المهمة الدينية المقدسة. وتستمر مناسك الحج ـ والحجاج يعتبرون أنفسهم قرابين كالبُدن ـ يتصرفون بمعزل عن حياتهم الحضرية الإنسانية ويتشبهون بالماشية المسالمة التي لا تقتل ولا تأكل طعاماً حيوانياً ولا تحلق شعرها ولا تلبس الملابس، إلا للمكيين الذين يتميّزوا عن العرب بأنهم «أهل اللَّه»، ولا يأكلون سمناً ولا جبناً ولا لحماً ولا يقتلون حيواناً ـ ولو كان حشرة مؤذية ـ ولا يغتسلون، ولا يقصرون شعرهم ولا يتم الحج لهم إلا إذا ضحَّوا بحيوان ليكون بديلاً منهم في القربان كفعل إبراهيم مع إسماعيل لما استبدل به الكبش.
بعد هذا يصعد الحجاج إلى جبل عرفات القريب من السماء ليعلنوا إنجازهم المهمة ويدعون اللَّه الاستجابة. وحرصاً منهم على ذلك يصطحبون معهم رجلاً مقرّباً إلى اللَّه مقيماً في بيته بامتياز (روحي ليسهل هذا الأمر ويطمئن الحجّاج على بلوغ مقصدهم).
من هذا كله يتبيّن لنا أن الحج في حدّ ذاته عمل زهدي كامل بل صورة صوفية لا مزيد عليها تعني التوجّه الكامل، نحو اللَّه، وتتطور إلى الفناء في اللَّه إلى حدّ التضحية بالنفس ثم تختم بعودة الحاج إلى الحياة بعد تطهّر وصفاء ليدعو إلى اللَّه وإلى المثل العليا الروحية التي مارسها وخبرها. ومن هنا يعتبر الحج نصاً في الزهد وجوهراً للتصوّف العربي لما فيه من دلالة رمزية على الاستعداد الروحي في القصد إلى عودة إلى الحياة الإنسانية بعد التصفية في ختام هذه المناسك العربية التي تبناها الإسلام دون تغيير جذري إلا في النصوص التي تتلى في أثنائه.
وفوق هذا كان في الحياة العربية نوع من الذكر يشبه أذكار الصوفية المتأخرين في اقترانه بالتنغيم والموسيقى والتصفيق، وقد ذكر القرآن الكريم ذلك في الآية: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال 35] بمعنى الصفير والتصفيق.
وفوق ذلك كان بين الجاهليين من يدين بالحنيفية وهي عقيدة التوحيد الساذج الموجَّه إلى خالق مجرد عن المادة والتحديد بشتى أشكاله. وكان منهم، كما ذكر محمد بن حبيب في كتابه «المحبر» ورقة ابن نوفل وزهير بن أبي سلمى وخالد بن سنان العبسي، ثم أبو ذر الغفاري. ودين في مثل هذه البساطة لا بدّ أن يقترن بشيء من الاتجاه الروحي الزهدي الذي وجدناه عند أتباع الحنيفية. من كل هذا يبدو أن للتصوف الإسلامي جذراً عميقاً يمتد حتى يصل إلى المجتمع العربي قبيل الإسلام. ونستطيع في ختام هذه الفقرة أن نعتبر هذه المظاهر الدينية عناصر اجتماعية تتصل بالتقاليد والأعراف التي استوجبتها الحياة العربية في ذلك الوقت ولا يدخل فيها عامل التناقض بين الشرك الجاهلي والتوحيد الإسلامي لأن تلك التقاليد تنتقل كلياً أو جزئياً مع تغير حياة المجتمع وتصبح قالباً تنصب فيه التقاليد الدينية التي تمثل الجانب الروحي من النفس الإنسانية والمجتمع البشري. وإذا تغير الدين فإنما تتغير معه الأصول النظرية. أما التقاليد العملية والأعراف الاجتماعية فيبقى الصالح منها المناسب للحياة الإنسانية الصرفة التي تشترك فيها الأديان على عمومها.
الزهد الإسلامي 1
وجاء الإسلام مصلحاً للحياة الدينية والاجتماعية مبشراً بالعودة إلى الأصول الأولى وذلك بالعودة إلى دين إبراهيم دين الحنيفية عند العرب. ونص القرآن على ذلك في الآية: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} [آل عمران 67].
والمسلم هنا بمعنى الخاضع للَّه المسلم له المتبع أوامره ونواهيه وبوصف الإسلام ديناً بسيطاً يختار الصالح من العقائد السماوية السابقة ويحارب المادية القرشية واليهودية، وجدناه يؤكد على الجانب الزهدي في الحياة ويقلل من شأن التوجه المادي والتهافت على الجوانب الدنيوية مع الحفاظ على طبيعته المرنة التي يبدو الخيار في كل جانب من جوانبها، فكما أن في القرآن ذكراً للجبر والاختيار وذكراً لمسائل أخرى تتناولها الآيات المتشابهة، ينعكس منه أيضاً جانبا المعنى والمادة أو الحياة الروحية والحياة المادية مع ميل واضح إلى تفضيل الأولى. ويتمثل هذا الجانب في القرآن في المظاهر التالية:
1 ـ لا يذكر القرآن لفظ المترفين قط إلا مقترناً بمقاومة الأديان واضطهاد الأنبياء، يستوي في ذلك السابقون والمتأخرون، وقد عمم القرآن هذه الفكرة في الآية:
{وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون} {وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين} [سبأ 34 ـ 35]. والآية: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً} [الإسراء 16].
2 ـ يتمثل طابع من أهم ما يميز القرآن في مخاصمته لليهود وأخذه عليهم الاتجاه المادي في عقائدهم وحيواتهم ومن هنا نص على أنه: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون} [المائدة 82]. وقال معترضاً على ماديتهم: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق} [آل عمران 181].
3 ـ من ناحية أخرى لاحظ القرآن أن الزهد كان قدراً مشتركاً يجمع بين النصارى والمسلمين في منهاج روحى واحد؛ ومن هنا كان موقف الأولين موقف مودة من أصحاب الدين الجديد فقالت الآية: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون} [المائدة 82]. وكذلك أكد القرآن هذه الظاهرة في الآية: {ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} [الحديد 27].
وبعد ذلك سلط القرآن الأضواء على الرهبانية، باعتبارها عملاً شاقاً لا ينهض به إلا القليل فقال: {ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} [الحديد 27]. ومن هذه الآية يتضح أن الرهبانية في حدّ ذاتها ليست شراً وإنا كانت كتابتها ابتغاء مرضاة اللَّه بنص القرآن لكن تطبيقها انحرف عن الطريق المرسوم لها وتلك مسؤولية المطبق لا التقليد نفسه.
ومما يؤيد هنا التوافق بين الإسلام والمسيحية في الاتجاه الزهدي أنه ـ وإن قال النبي(ص): «لا رهبانية في الإسلام» من حيث العزوية الدائمة والتبتل ـ إلا أن معناها يدل على التقوى والخوف من اللَّه، اشتقاقاً من الرهبة. مما ليس للإسلام اعتراض عليه. ومما يكمل هذا المعنى أن الرهبانية قد انفصلت عن البتولة في الفرق غير الكاثوليكية من المسيحية وبقيت متمثلة في التقوى الشديدة والاتجاه الروحي والدعوة إلى اللَّه. يضاف إلى هذا أنه قد روي عن النبي(ص) حديثان نصهما: «الحج رهبانية أمتي»، و«الجهاد رهبانية أمتي». وإذا علمنا مبلغ ما في الحج من عناصر روحية تصلح أن تكون جوهراً للتصوف وما في الجهاد من تضحية بالحياة في سبيل اللَّه من عناصر روحية فإن ذلك يجلو حقيقة دور الزهد في الحياة الإسلامية وعلى وجهها الصحيح.
يضاف إلى هذا أن لفظ السائح الذي يعني الراهب الذي لا يستقر في مكان معين قد ورد في القرآن باعتباره صفة محمودة للمجاهدين في سبيل اللَّه ولأزواج النبي: أمهات المؤمنين، والنساء المثاليات في الإسلام. فنص القرآن على الآية: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين} [التوبة: 111، 112]. والآية: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً} [التحريم 5].
4 ـ من المعروف أن الصيام الإسلامي أشد على النفس والبدن منه عند أهل الكتاب الذين ينقطعون عن تناول أصناف معينة من الطعام في حين أن المسلمين ينقطعون عن الطعام والشراب كلياً سحابة النهار كله من صلاة الفجر إلى صلاة المغرب. وفوق هذا صار الصيام. في الشريعة الإسلامية ضمن الكفارات وهي التعويض عن ضرر أو أذى أو ذنب بالمال أو تحرير العبيد. وصار الصيام بمعناه الذي يتصل بتعذيب النفس ومعاقبتها، جزءاً من هذا التعويض الإسلامي وذلك جانب آخر من جوانب الزهد الذي يشكل مظهراً من مظاهر هذا الدين. وإيضاحاً لذلك نذكر أن القرآن تطرق إلى الكفارة في الصوم وفي الحج والقتل والحنث في الايمان فنص لمناسبة الحج على قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحضرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمنع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} [البقرة 196].
وفي اليمين جاء في القرآن: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} [المائدة 89].
5 ـ يضاف إلى هذا أن في القرآن آيات فيها دفاع عن الفقراء ورحمة بهم كالأية: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} [البقرة 273].
ويقصد بالفقراء هنا أهل الصفة وهم فقراء المهاجرين الذين لم يكن لهم مال يقيمون لهم به بيوتاً في المدينة ولا أصدقاء ولا أقرباء ينزلون عندهم؛ فاضطروا إلى نزول الساحة المجاورة لمسجد رسول اللَّه(ص) بعد تسقيفها بالسعف. ومن ناحية أخرى عاتب القرآن النبي على تفضيله مجالسة الأغنياء على الفقراء في موقف واحد، فنص في آية على قوله: {عبس وتولى} {أن جاء الأعمى} {وما يدريك لعله يزكى} {أو يذكر فتنفعه الذكرى} {أما من استغنى} {فأنت له تصدى} {وما عليك ألا يزكى} {وأما من جاءك يسعى} {وهو يخشى} {فأنت عنه تلهى} [عبس 1 ـ 10].
وفوق هذا ذكرت الآية قوله تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} [القصص 5] وهو في حدّ ذاته إعلاء للفقر والتزام بأن يكون الفقراء ـ وكانوا أكثرية الداخلين في الدين الإسلامي في البداية على الأخص ـ الطبقة الأولى من المجتمع الإسلامي.
وإذ كان الأمر كذلك فهو يعني أن مظهر الفقر ـ وهو الزهد في الحقيقة ـ كان الغالب الاجتماعي الذي تبناه الإسلام للداخلين فيه ليكونوا جبهة متراصة ضد الملأ المكي من التجار والسراة والمترفين الذين قاوموا انتشار هذا الدين اندفاعاً من طبيعة طبقتهم الاجتماعية وتنظيمهم الاقتصادي كما رأينا من ذم القرآن للمترفين من أيام آدم (عليه السلام) إلى أيام محمد(ص).
ومن أهم ما يتصل بهذا الموضوع أن الباحثين الذين يعارضون فكرة كون الإسلام ديناً زهدياً قد احتجوا لرأيهم بآيات من كتاب اللَّه كالآية التي تقول: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} [القصص 77] والآية: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون} [الأعراف 32]، والآية: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} [الملك 15].
وللرد على ذلك نذكر أن أصحاب هذا الرأي قد اقتطعوا شواهدهم القرآنية اقتطاعاً من مواضعها ولم يراعوا المناسبة التي نزلت فيها ولا الآيات التي اكتنفتها، ولو أنهم فعلوا ذلك، إذن لعدلوا عن رأيهم وسلمو لفكرة الزهد الإسلامي. فبالنسبة للآية الأولى توجه القول إلى أغنى رجل في التاريخ [= قارون]. ونصيحة مثل هذه يقصد بها التزهيد والتقليل في الاندفاع إلى المادة لا العكس. والآية الثانية تناولت الردّ على الجاهليين الذين اعتادوا الحج وفق تقاليدهم التي ذكرناها. ومدلول الآية الثالثة لا يتناول الحض على التوجه الدنيوي وإنما ينصح الناس بعدم التوكل ويوجههم إلى العمل المنتج وطلب رزق اللَّه الذي قدره للناس كما قدره لسائر المخلوقات. وامر آخر يوثق الاتجاه الزهدي في الإسلام هو أن القرآن، قد منع من كنز المال، وهو جوهر الغنى والحياة المترفة؛ فنصّ في آياته على قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة 34]. وفي مقابل هذه الآية لا تردّ الأخرى بعكس معناها وإنما كثيراً ما يتطلب القرآن من المسلمين أن يبذلوا الأموال في سبيل اللَّه ليشفع ذلك لهم في آخرتهم، ومن أبرز الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111]. والآية: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون} [البقرة 245].
هذا بالإضافة إلى التزهيد المستمر في الحياة الدنيوية في الآية: {المال والبنون زية الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخيرٌ أملاً} [الكهف 46]، التي شرحت بالآية: {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم} [الأنفال 28، التغابن 15].
ويسوغ الآن أن ننعم النظر في قوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد} [آل عمران 14 ـ 15].
هذا هو موقف القرآن من الزهد، وتبدو منه إيجابيته الشديدة تجاه هذا الشكل من أشكال الحياة الإنسانية.
فإذا جئنا إلى السابقين الأولين من المسلمين وجدناهم مجموعة من الزهاد فهموا من هذا الدين كونه مجموعة من المثل العليا تتجه نحو القيم الروحية لا المادية وسلموا أنه، لكي يحظى الإنسان بالسعادة المادية في الآخرة ينبغي أن يتخفف منها في الدنيا.
وهكذا وجدنا أبا ذر الغفاري وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وأبو الدرداء مجموعة من الزهاد صاروا نماذج للصوفية فيما بعد وأسوة وقدوة. وكان هؤلاء الزهاد الأولون ثابتين على نزعتهم الزهدية حتى بعد أن فتح اللَّه على المسلمين الفتوح وانصب المال انصباب السيل عليهم. وهكذا وجدنا هؤلاء ومن في ثباتهم وإخلاصهم لا يصبرون على عطائهم الكثير بعد تسلمهم له فينفقونه بين الناس ليومه لئلا يبيت عندهم فيثير في نفوسهم القلق عليه والتدبير لحراسته أو الإبقاء عليه أطول مدة ممكنة كما يفعل الإنسان العادي.
وإذا تناولنا الزهد التطبيقي عند المسلمين الأولين بدا لنا سلمان الفارسي(رض) الذي كان من أبناء الفرسان [ـ الأساورة] غير أن قلقه الروحي حمله على أن يبحث عن دين ترتاح إليه نفسه؛ وهكذا ترك روزبه بن خشنود ـ وهذا اسمه الفارسي القديم ـ بلاده يبحث عن راحة لقلبه واطمئنان لنفسه فوجد في المسيحية هدفاً جزئياً فتنصر وجال في الديارات المسيحية وترهب. وفي أثناء حياه المسيحية، أخبره زملاؤه الرهبان أنَّ نبياً قد ظهر في الحجاز فتوجه سلمان إلى الحجاز على نية الإطلاع على الدين الجديد وفي الطريق استعبد. وأخيراً وصل إلى المدينة، وكان، فيما ذكر المؤرخون، يعرف علامات فسلجية للنبي فوجدها في محمد وأسلم على يده ودفع النبي فدية عتقه وضمه إلى مواليه؛ ومن هنا روي في الحديث «سلمان منا أهل البيت». ودارت الأساطير حول شخصية سلمان دليلاً على أهمية دخوله في الإسلام، فكان مما دار حوله أنه عمّر قروناً وأنه اشتمل على المعرفة السرية الباطنية، وأنه كان ذا امتياز روحي ملحوظ.
وبعد، فرجل مثل سلمان في تطلعه الروحي وبلوغه هدفه بالإيمان برسالة محمد، رسالة الإسلام، يجسم المثل الزهدية التي جاء بها هذا الدين على أساس إنساني يؤكد أن الروح هي مثابة التدين وأساسه. وقد كان من زهد سلمان أنه عكس تواضعاً بيناً حتى في امارته على المدائن، وكان مسكنه وملبسه ومأكله صورة لما ينبغي أن تكون أمثالها عند الزهاد. وقد كان سلمان إلى ذلك يروي عن النبي حديثاً كان يخرج عطاءه من يومه فيوزعه على الفقراء. وقيل: إنه كان ينفر من التفاخر بالعنصر أو النسب وأثر عنه قوله في هذا المجال: «لكنني خلقت من نطفة قذرة ثم أعود جيفة منتنة، ثم يؤتي بي إلى الميزان، فإن ثقلت فأنا كريم وإن خففت فأنا لئيم».
يمكن إجمال الطابع الخاص الذي ينعكس من زهد سلمان الفارسي في أمرين هما أولاً: أن صدور التدين عن روح زهدية هي من طبيعة الاتجاه الروحي الذي ينبعث من الإيمان بالمثل العليا الدينية، وثانياً من أن عالم الروح هو الأساس في الحياة الدنيا. ومن الطابع الخاص لزهد سلمان يتفجر الاطلاع على الأسرار الدينية ويتمثل ذلك في بحثه عن النبي الموعود بعلامات كان يعرفها فيه. فقد اعتبرت هذه المعرفة من لوازم الصوفية فيما بعد بوصف الظاهر معرفة مشاعة بين الجميع والباطن معرفة خاصة بأصحاب الاتجاه الروحي. وقد حفز هذا النوع من العلم إحدى الفرق الإسلامية إلى الدعوة إلى عقائد تتبنى هذا الاتجاه السري وتطلق على نفسها لفظ «السينية» نسبة إلى الحرف الأول من اسم سلمان الفارسي(رض).
وكان من مكانة سلمان في المجتمع الإسلامي أنه دخل في عالم النقابات الإسلامية فاختاره الحلاقون شيخاً فخرياً لهم يزورون قبره في مناسباتهم الدينية ويعتبرونه من المواضع المقدسة، وكان أساس ذلك توهمهم أنه كان حلاق النبي(ص). ومن الطريف أن نذكر هنا أن لفظ سلمان في اللغة الفارسية مرادف للفظ حلاق في اللغة العربية أخذاً من هذا المعنى.
وأما أبو ذر الغفاري فقد كان زاهداً، مثل سلمان، وكانت ميزة أبي ذر أن زهده ارتبط بالنهي عن كنز المال التفاتاً منه إلى الطابع الزهدي للدين الذي دخله والآية التي تقول: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة 34].
وقد كان النهي عن كنز المال سبباً لصعوبات قاسى منها أبو ذر ونفي بسببها عن المدينة إلى الربذة القريبة منها في خلافة عثمان وامارة معاوية على الشام أيام هذا الخليفة. يضاف إلى هذا أن أبا ذر، فيما قيل، كان حنيفياً قبل الإسلام يتجه إلى اللَّه في عبادته البسيطة، فكان هذا جامعاً روحياً مشتركاً بينه وبين سلمان الفارسي الذي كان، فيما يذكر، أخاه في الدين.
ونقطة أخرى ينبغي أن تذكر في هذا المجال هي: أن أبا ذر عُدَّ في نظر الباحثين المحدثين عالماً اقتصادياً يدعو إلى الاشتراكية الحديثة وله مذهب خاص فيها؛ وذلك أمر فيه تعنت وتحميل لأبي ذر ما لا يطيق.
أما حذيفة بن اليمان، النموذج الثالث للزهد الإسلامي القديم فقد كان عبداً سابقاً نسب إلى سيده، ثم لما منع الإسلام نسبة الأبناء إلى غير آبائهم أعيد إليه نسبه؛ لكنه اشتهر باسم حذيفة بن اليمان أي المنسوب إلى بلاد اليمن. أما أبوه فقد كان حسل بن جَرْوَل، وكان يمانياً. ولما برز اسم حذيفة في المجتمع الإسلامي تفادى المصنفون ذكر اسم أبيه احتراماً له واكتفوا بذكر موطنه ونسبوه إليه على غرار ما فعلوه في شأن الحسن البصري، الآتي، من نسبته إلى نفسه فقالوا: الحسن بن أبي الحسن!
وكانت ميزة حذيفة في الزهد الأول أنه كان يلقب بصاحب سر رسول اللَّه(ص) وأنه كان مطلعاً على أشخاص المنافقين وعلامات النفاق عن طريق النبي نفسه، ومن هنا كان الصحابة يستخبرونه عن أنفسهم في هذا المجال. وكان حذيفة إلى ذلك خبيراً بالفتن عارفاً بأوقاتها؛ وهذا هو مجال الامتياز الروحي عند هذا الرجل باعتبار أن صفاء نفسه قد قدح فيها شرارة روحية جعلته قادراً على الكشف عن المستقبل والنفوذ إلى داخل النفس الإنسانية.
وهكذا احتل حذيفة بن اليمان مركزاً ممتازاً بين من اعتبرهم الصوفية مؤسسين لمشربهم واتجهوا إليه في فكرة الكشف عنده باعتباره النموذج والسابقة لهذه الظاهرة الروحية عند أصحاب التصفية والرياضة النفسية.
ولا تكمل صورة الزهد الإسلامي الأول دون التطرق إلى ذكر علي ابن أبي طالب (عليه السلام) الذي كان نموذجاً واضحاً للتفاعل الكامل بين الإسلام، من حيث هو عقيدة روحية، وبين الحياة الزهدية. والسبب في ذلك بسيط وعميق في وقت واحد هو نشأة الإمام في بيت النبي منذ طفولته حين ألم الفقر، بأبي طالب، فصعب عليه الإنفاق على كل أولاده، فأبقى لنفسه عقيلاً الصغير ووكل بالباقين أقرباءه فكان علي بن أبي طالب من نصيب محمد قبل الدعوة، اعتبارنا علياً وزهده حجة على الاقتران بين الإسلام والروح الزهدية. ومصداقاً لذلك وصف علي بأنه أزهد الصحابة واختير نهاية لسلاسل الصوفية وطرقهم ومشايخهم؛ فليس بين الطرق الصوفية قديمها وحديثها ولا سلسلة خرقة [وهي اللباس الذي يلبسه الصوفي بعد تخرجه على يد شيخ معترف به] إلا وتنتهي بسم علي بن أبي طالب إما عن طريق معروف الكرخي عن الرضا: الإمام الثامن من الأئمة الإثني عشر [ت203هـ/ 818م]، أو عن طريق الحسن البصري [ت110هـ/ 728م].
وسوغ للصوفية تتويج علي شيخاً لهم ما روي في تقسيمه المتعلمين والعلماء إلى ثلاثة مستويات أو أصناف: العالم الرباني والمتعلم على سبيل نجاة والرعاع أتباع كل ناعق.
فالأول من يتلقى المعرفة، في رأي الصوفية، عن طريق التصفية والإلهام كالحدس اليدكارتي في الفلسفة الحديثة، والمتعلم على سبيل النجاة صاحب الثقافة المعتادة دون اجتهاد أو أصالة، والرعاع هم المقلدون لغيرهم الذين لا يستعملون عقولهم.
وقد أخذ الصوفية هذا التقسيم عبر القرون وألبسوه ما شاؤوا من قوالب تختلف في عصر عن غيره اختلاف الثقافات والتطورات في المعرفة. وزادت مكانة علي في التصوف لما جعل الصوفية يسبغون على مشايخهم النسب العلوي بعد أن دخل في هذا الميدان نسله وبرزوا فيه كالسيد أحمد الرفاعي وإبراهيم الدسوقي وأحمد البدوي والحاج بكتاش ومحمد نور بخش وإسماعيل الصفوي وعبدالوهاب الشعراني وأغلب شيوخ الطرق المتأخرين كمحمد علي السنوسي والمهدي السوداني وعبدالقادر الجزائري وغيرهم.
ومن الطريف في هذا الأمر أن الجنيد البغدادي [ت298هـ/ 911م] قد صنع له نسب علوي مع فارسيته الواضحة والشبلي مع تركيته التي لا تقبل النقاش. هذا بالإضافة إلى الانتحالات الكثيرة لهذا النسب بين الصوفية في القرن الثامن والتاسع على الخصوص وأيام المغول والمماليك.
ونختم القول على علي بن أبي طالب (عليه السلام) في زهده بأنه قد صدرت عنه عبارة ذات دلالة عميقة على وجوب الزهد في المسلم، وخصوصاً صاحب السلطان منهم، وذلك قوله بنقل الغزالي في إحياء العلوم: «إن اللَّه أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا في مثل أدنى الناس ليقتدي بهم الغني ولا يزري بالفقير فقره».
ولا شكّ بعد أن علياً كان عنواناً للمثالية في الإسلام بعد وفاة النبي(ص) بما كان يصدر عنه من زهد ومن تشرب بمثل الإسلام العليا ولا يمكن أن يكون هذا الاهتمام بمعزل عن أي تقسيم يهدف إلى ترجيح نزعة المسلمين العملية على المثالية في حال من الأحوال وخصوصاً عند الأتقياء الحقيقيين منهم.
الزهد وخصائصه في الأمصار الإسلامية
كانت هذه الصورة التي عرضناها فيما مضى ما رسمه الإسلام للمسلمين من شكل ومنهاج للحياة الإنسانية على النسق الديني، فكان الزهد في الجوانب المادية والنزوع إلى غنى الروح مطمح المتدينين؛ وبهذا كان الزهد صورة طبيعية لتصرف المسلمين لا يحملهم عليها تكلف ولا حالات نفسية ولا ما سوى هذين العاملين مما يخطر في الذهن. وهكذا كان المسلمون بأغنيائهم وفقرائهم وبعربهم وعجمهم أشباهاً في المظهر الزهدي والمخبر الروحي لا يغير من ذلك إلا ميل أحدهم إلى الغلو في الجانب المادي أو الجانب الروحي، فعندئذ يشذ منهم عن الطابع العام ما يقتنصه الباحثون للتدليل مرة على نزعة الإسلام الروحية وأخرى على النزعة المادية بحسب هوى الباحث أو اقتناعه.
فإذا عرفنا هذا تمهد لنا السبيل لدراسة الزهد الإسلامي بعد انتشار الإسلام وتفرق المسلمين في الأمصار المختلفة وتعرضهم لظروف جديدة غيرها الزمن مرة وعملت يد الثقافة فيها أخرى، وتدخل فيها العامل الاجتماعي والأديان السابقة، والتفاعل بين كل هذه مرة بعد مرة. ونلاحظ أن الزهد الإسلامي بعد انتشار هذا الدين في الشرق كوّن له صوراً متميزة في المراكز الإسلامية التالية:
1 ـ الكوفة ـ 2 ـ البصرة ـ 3 ـ الشام ـ 4 ـ خراسان ـ 5 ـ مصر.
ولهذا سندرس أشكال الزهد فيها وعوامل تطوره وطابعه الخاص في كل مركز من هذه المراكز.
الزهد في الكوفة
مصرت الكوفة سنة 16هـ/ 637م للهجرة بعد أن كانت معسكراً للجيش الإسلامي الفاتح، وكانت المكان الذي اختير لنزول القبائل التي سكنتها قريباً من موضع الحيرة عاصمة المناذرة ملوك الدولة العربية التي سبقت الإسلام في جنوبي العراق، وكانت محمية فارسية في مقابل دولة الغساسنة في الشام التي كانت محمية رومانية. وقد سكن الكوفة من العرب أغلبية يمانية وأقلية حجازية يضاف إليهما فريق من الفرس انضموا إلى الجيش العربي بعد القادسية ونزلوا المدينة الجديدة وكانوا يسمون بالحمراء بمعنى البيض والأساورة بمعنى الفرسان.
ويلاحظ في هذا المزيج من سكان الكوفة تغلب العنصر اليماني الذي كان يفوق العرب الآخرين حضارة ونضجاً وأصالة لأن وطنه الأول كان متميزاً بهذه الميزات ومشهوراً بالحضارات القديمة التي تتمثل في الدول المعينية والسبئية والحميرية.
وكان العنصر اليماني مشهوراً بالعاطفة والحماسة الدينية نزاعاً إلى الصدور عن المثل الروحية مؤمناً إيماناً راسخاً بالإسلام باعتباره جامعاً لهذه المثل الروحية. من هنا كان الزهد الذي يعكسه الإسلام أمراً مسلماً به عنهد اليمانيين الذين كانوا أغلبية سكان الكوفة لأول تمصيرها.
ومما زاد هذا الاتجاه الروحي لهذا المركز الإسلامي ظروف صعبة طبعت هذا المجتمع بطابعها وحملت الحسَّاسين من سكانها على المبالغة في هذه النزعة وتطوير القوالب الزهدية الإسلامية المعتادة إلى أشكال أشد تناسب الظروف الجديدة وتعبر عن القلق النفسي والنزوع الروحي اللذين كانا يعتملان في قلوب الكوفيين.
لقد مرت بالكوفة أحداث جسام كان من نتائجها ظاهرة اجتماعية طبعت المجتمع الكوفي بطابعها وذلك هو ما يمكن أن يسمى بعذاب الضمير الجماعي وبالتالي الرعب الجماعي من عذاب الآخرة الذي صار تقليداً راسخاً في هذا المجتمع القلق.
لقد قتل علي بن أبي طالب في الكوفة. واعتدى على الحسن فيها حتى يئس من تحقيق الأهداف التي بويع من أجلها، فحمله ذلك على التنازل لخصمه وخصم أبيه معاوية بن أبي سفيان. وأعقب ذلك دعوة الكوفيين للحسين بن علي ثم قتله والتمثيل به. ثم ظهر التوابون بقيادة سليمان ابن صرد الخزاعي تكفيراً عن هذه الفعلة الشنيعة؛ فكانت حركتهم مصداقاً لعذاب الضمير الجماعي الذي استشعرته الكوفة بعد قتل الحسين على الخصوص. وكان من إخلاص التوابين هذا: أنهم رفضوا التحالف مع المختار بن أبي عبيد، الذي كان يخطط لحركة تهدف إلى الانتقام للحسين وقتله، رفضوا التحالف معه لأنهم خرجوا في حركة زهدية تكفيرية شعارها الآية القرآنية: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم} [البقرة 54].
ومن هذه الآية استمد التوابون لقبهم من عبارة: «فاقتلوا أنفسكم» التي تقرأ كذلك على لفظ «فاقبلوا» أو «فأقيلوا» أيضاً. لكن هذه الجماعة اختارت فكرة التضحية بالنفس تكفيراً عن الذنب دون القراءتين الأخريين.
ولم يقف الاضطراب الاجتماعي والسياسي في الكوفة عند هذا الحدّ وإنما ظهر المختار بعد التوابين ليثأر للحسين (عليه السلام) فتحرى قَتَلَتَه واحداً واحداً فقتلهم، وحاول أن ينشىء ملكاً. غير أن ترك معاوية الثاني الأمر شورى أدى إلى نشوب الحرب الأهلية في العالم الإسلامي كله، وكان من نتائج ذلك احتلال مصعب بن الزبير الكوفة وقتله المختار وآلافاً معه في يوم واحد. وتلا ذلك أن قتل مصعب وعاد الأمر إلى الأمويين فقامت موجة جديدة من النكبات والمذابح والمظالم التي قاستها الكوفة على يد الحجاج ومن جاء بعده من العمال. ولم يكف الكوفة كل هذه الاضطرابات بل ما لبثت أن ناصرت زيد بن علي بن الحسين ثم قل، وكذلك عبداللَّه بن معاوية بن عبداللَّه بن جعفر بن أبي طالب الذي كاد أن يبلغ غايته بتأسيس الدولة التي طالما طمح إليها الكوفيون غير أنه فقد حياته في سجن أبي مسلم الخراساني.
وهكذا تكررت الأحداث وزادت الجراح في قلوب الكوفيين وزادت الأثقال على ضمائرهم فأدى الأمر بفريق منهم إلى ترك العمل السياسي في صورة صارخة تنشد النقيض التي كانت تصر عليه وهو الخلود إلى السكينة الفردية والجماعية المطلقة واعتزال كل ما يؤدي إلى حركة عسكرية جديدة؛ ومن هنا زحفت عوامل الزهد على الكوفة ووجدت فيه الروح مما كانت تعانيه وتتعذب به.
لقد كانت مشكلة الكوفة تتمثل في التداعي الظاهر بين الغاية السامية وبين الخطة والعمل على تحقيقها؛ فقد كان الكوفيون مثاليين جداً في أهدافهم عاجزين جداً عن تغذية هذه المثالية الشديدة بالجهد والعمل والإخلاص.
كانوا يخططون لأشرف الغايات وتقف بهم قوتهم عند أول حجر تتعثر به أقدامهم، فكان ردّ الفعل لهذا العجز الضمير المعذب والقلق النفسي والرعب من مغبة هذا الظرف والخوف من عذاب الآخرة.
ونتيجةً لتفاعل كل هذه العوامل النفسية والاجتماعية والسياسية ظهر في الكفة نزوع حادّ ينحو نحو التشاغل الذهني ويميل إلى العزلة الشديدة تجنباً لما يؤدي إليه اجتماع كلمتهم وضعف قواهم وسواعدهم. وهكذا ظهر هذا التشاغل في صورة جهد شديد في جمع الحديث وتأسيس المدارس الفقهية والأصولية واللغوية والنحوية. وكان الزهد نفسه نوعاً من التشاغل عن القلق النفسي ومَلْء للفراغ الذي يقترن به في المجتمع الكوفي بصور العذاب واعتلاء القلق النفسي.
ويمكن أن نبوب الزهد الكوفي على الصور التالية:
1 ـ كانت الكوفة أول مركز إسلامي يجتمع فيه الأتقياء على لبس الصوف بوصفه نسيجاً يعكس الزهد ويؤكد تطبيقه، وكان من الكوفيين أوائل المسلمين الذين حملوا لقب صوفي، ومن أولئك جابر بن حيان (ت150هـ/ 767م). وكان من أولئك أيضاً أبو هاشم الكوفي عثمان بن شريك الذي تعلم منه سفيان الثوري شيخ الزهاد الكوفيين «دقائق الرياء» بالمعنى الصوفي الذي يتعمق عيوب النفس الإنسانية ويصلحها فكان رائداً للحارث بن أسد المحاسبي في تحليله النفسي الذي ضمنه كتابه الأصيل «الرعاية لحقوق اللَّه».
وكذلك كان عبدك الصوفي [= عبيد بالفارسية] (ت210هـ/ 825م) كوفياً سكن بغداد ودار حول اسمه هذا اللقب. وفي محاولة للوصول إلى ظروف انتشار لبس الصوف في الكوفة والتزام زهادها بلبسه، يبدو أن الأصل في ذلك المعارضة الكوفية للدولة الأموية أيضاً. وذلك أنه روي عن هشام بن عبدالملك وسليمان بن عبدالملك أنهما استحبا لرعيتهما في الأمصار الإسلامية أن يلبسوا الخز [= قماش نصفه صوف ونصف حرير] وبخاصة سليمان الذي ولي الخلافة قبل عمر بن عبدالعزيز الذي حكم بين سنتي 99 و101هـ/ 717 ـ 769م. وكان سليمان «يلبس الثياب الرقاق وثياب الوشي؛ وفي أيامه عمل الوشي باليمن والكوفة والإسكندرية، ولبس الناس جميعاً الوشي جباباً وأردية وسراويل وعمائم وقلانس، وكان لا يدخل عليه رجل من أهل بيته إلا بالوشي، وكذلك عماله وأصحابه ومن في داره، وكان لبسه في ركوبه وجلوسه وعلى المنبر، وأمر أن لا يدخل عليه أحد من خدامه إلا في الوشي حتى الطباخ فإنه كان يدخل إليه في صدرة وشي، وعلى رأسه طويلة وشي، وأمر أن يكفن بالوشي المثقلة». وكان هذا أيضاً فعل هشام [حكم من سنة 105 ـ 125هـ/ 727 ـ 743م]. وكانت النتيجة أن «سلك الناس جميعاً في أيامه مذهبه».
وإذا عرفنا أن الإسلام حرم الحرير على الرجال وأن النبي كان ينفر منه ولم يسمح لأي صحابي أن يلبسه إلا لعبدالرحمن بن عوف، الذي كان مصاباً بمرض جلدي، أدركنا لماذا اقتنصت الكوفة هذه الفرصة لتعبر عن معارضتها لهذه السياسة في الإرفاه الذي لا يتسق مع روح الإسلام الزهدية.
من هنا اندفع الكوفيون إلى الصوف يلبسونه ويسرفون في استعماله إرضاء لروح المعارضة فيهم من ناحية وإشباعاً لقلقهم النفسي ونزعتهم الزهدية من ناحية أخرى. وهكذا دخل الصوف عالم التصوف وصار عَلَماً عليه بهذه الصورة. ونعرف، بعد هذا، أن هذا اللباس يزيد في الدلالة على مجرد المظهر الخشن إلى الرمزية التي تنبعث من اتصاله بالحيوان الهالك وبالتالي بنذر الإنسان لوجوده المادي للَّه واستهلاكه في طاعته تطلعاً إلى السعادة الروحية في عالم الملكوت.
2 ـ برز في الزهد الكوفي مظهر لم نجده عند زهاد المسلمين الذين صدروا عن روح هذا الدين الزهدية من ذلك أن بعض زهاد الكوفة اعتزلوا الناس وانزووا في بيوتهم لا يخالطون أحداً، وكان قائلهم يقول، إذا لِيمَ على ذلك: «ما رأيت أن أحداً يستوحش مع اللَّه».
وبالغ بعض زهاد الكوفة في العزلة حتى اندفع فريق منهم إلى التعبد في المقابر هرباً من عالم الأحياء الذي لم يؤد إلا إلى زيادة في القلق النفسي والخوف من عذاب الآخرة.
3 ـ وكان النشاط العقلي في الكوفة، وبخاصة ما يتصل بالحديث وجمعه، والفقه والخوض فيه، عند أبرز من عرف بهذين النشاطين مع الزهد ـ وهو سفيان الثوري ـ يقترن بملء الفراغ الفظيع وقطع الطريق على إحساس الزهد، بوجوده الحافل بالعذاب وبغاياته الشخصية المستحيلة. وكان قائل هؤلاء يقول: «إني لأذكر الشيء من أمر الدنيا أَلهي به نفسي عن ذكر الآخرة: أخاف على عقلي».
وكان سفيان الثوري نفسه يقول: «ليس طلب الحديث من عدّة الموت لكنه عدةٌ يتشاغل بها الرجل» ومن هنا سمعنا رجلاً زاهداً كوفياً يعبر عن هذا القلق النفسي بقوله: «لولا أن تكون بدعة لسحت أو ـ همت ـ في الجبال».
وإذا كان الأمر كذلك بات معروفاً معنى قول بشر الحافي الصوفي (ت227هـ/ 842م): «إن طلب العلم إنما يدل على الهرب من الدنيا لا على حبها».
4 ـ ويكمل صورة الزهد الكوفي ظاهرة تعذيب النفس التي برزت في هذا المركز الإسلامي؛ ومن هنا سمعنا من زهادها من يقول في التعبير عن شعوره بالإثم: «قتلت قتيلاً هي نفسي». وكان من متممات ذلك أن الزهاد في الكوفة كانوا يخشون من النوم لئلا تزعجهم الكوابس المرعبة لتي كانت تملأ يقظتهم، ولهذا قال واحد منهم: «اللهم اعفني من النوم باليسير». وكان سفيان الثوري، في بيان منهجه في العبادة يقول: «لها [= نفسي] عندي أول الليل نومة: تنام ما شاءت لا أمنعها، فإذا استيقظت فلا أقيلها».
وتجسم هذا الرعب في ظاهرة غريبة بدأت أولاً في الكوفة ثم صارت تقليداً اجتماعياً للعالم الإسلامي. ذلك أن زهاد الكوفة كانوا يتطلعون بأذهانهم إلى الآخرة ليعلموا من خبرها ما يطامن من روعهم ويخفف من خوفهم ومن هنا كانوا يتطلعون إلى رؤية الصالحين من أمواتهم في منامات يسألونهم فيها عن مصائرهم. فوردت في أخبارهم جمل تعبر عن هذا المعنى أصدق تعبير.
فقد رأى رجل مرة بن شراحيل الهمداني ـ من زهاد الطبقة الأولى في الكوفة ـ في المنام، بعد موته، فسأله: «ما منزلتك في الآخرة؟ قال: خير منزلة: دارٌ لا ينتقل عنها أهلها ولا يموتون». ورُئِيَ زاهد آخر في المنام فكان جوابه عن هذا السؤال: «وإني وجدت الأمر أيسر مما تحسبون».
5 ـ وظاهرة مميزة أخرى من زهد الكوفة تتمثل في استحباب الزهاد هناك طول العذاب أثناء النزع، وقد كان من تقاليد الزهد الكوفي أنهم: «كانوا يستحبون للمريض أن يجهد عند الموت». ولهذا لم يكن غريباً على سفيان الثوري أن يقول في نوع من الفخر والرضا:
«ما من موطن من المواطن أشد عليّ من سكرة الموت: أخاف أن يشدّد عليّ فأسأل التخفيف فلا أجاب فأفتتن». ومعنى هذه العبارة أن سفيان الثوري كان يعتبر تخفيف اللَّه عذاب الإنسان عند سكرات الموت نوعاً من عدم الرضا ومن سوء المنزلة عنده تعالى. وإذا قارنا هذا الكلام الصادر عن نفس محبة للعذاب. بعبارة لمعتزلي يقول فيها: «اللهم إن كنت تعلم أني لم أقصر في نصرة توحيدك، اللهم ولم أعتقد مذهباً إلا سنده التوحيد. إن كنت تعلم ذلك مني فاغفر ذنوبي وسهل عليّ سكرة الموت. قالوا: فمات من ساعته». فإذا قارنا بين العبارتين والنفسيتين ظهر لنا بوضوح عوامل البيئة التي أثرت في صور الزهد الكوفي وشكلته بهذه الأشكال القاتمة المتشائمة. من هذا كله نخرج بالخلاصة التالية:
إن زهد الكوفة ـ وإن كان متصلاً في منابعه بالنزعة الإسلامية الزهدية ـ تأثر بالأحداث التي جرت في هذا الجزء من العالم الإسلامي، فانعكست منها أشكال جديدة لم يألفها المسلمون الأولون وتتمثل في لبس الصوف واستحباب العذاب عند الموت والانقطاع في المقابر والرعب الشديد من عذاب الآخرة.
الزهد في البصرة
كانت البصرة توأم الكوفة في التمصير وفي النازلة (السكّان)، وحتى في العناصر الفارسية التي شاركت العرب في الإقامة فيها؛ غير أنّ نسبة هؤلاء في البصرة كانت أكثر منها في الكوفة. وكما ورثت الكوفة الحيرة ورثت البصرة ميناء الأبلة القديم. وكانت البصرة على هذا الأساس ميناء تجتمع فيه الأجناس المختلفة وتختلط فيها الثقافات المتباينة ويظهر فيها الجديد من الأفكار والثقافات والميول قبل المراكز الداخلية من العراق. ومن هنا كانت البصرة تسمى أرض الهند تحديداً لاتصالها، على الأشكال المختلفة، بهذا البلد. فإذا لاحظنا هذا كله أدركنا لماذا ظهرت الزندقة في البصرة وكذلك الفلسفة البحتة متمثلة في الكندي البصري وحركة إخوان الصفا وأكثر من هذا هو أن المعتزلة الأولين وحتى الخوارج كانوا من هذا المكان.
وقد كثرت المقارنات بين الكوفة والبصرة فأجمعت على أن الأولى أصيلة تصدر عن نفسها ويقل تأثير التيارات المختلفة فيها، وأنّ الثانية تقبل التأثر وتصدر عنه ولا قبل لها بمقاومته.
وكذلك كانت البصرة أقل قلقاً من الكوفة وأضعف مشاركة في الأحداث السياسية وأكثر استقراراً وأقرب إلى التحضر والتأثر بالتقاليد المدنية؛ ومن هنا قال أبو عمرو بن العلاء: «لنا دهاء الفرس وأحلامهم».
وذكر أن بعض المفسرين كانوا يلقون دروسهم باللغتين العربية والفارسية لحاجتهم إلى إفهام سامعيهم المختلفين الناطقين بهاتين اللغتين. زد على هذا أن البصرة كانت تتمتع برخاء اقتصادي تسبب عن استقرارها السياسي؛ وقد وصف رجل من أهل المدينة، لمّا نزل هذا المصر، بقوله: «البصرة خير البلاد للجائع والغريب والمفلس».
وكان البصريون يفخرون بأنهم «أكثر أموالاً وأولاداً وأطوع للسلطان». وإذ كانت ظروف البصرة على هذه الصورة ينبغي أن نبحث عن مظاهر الزهد التي ظهرت فيها والعوامل التي أدت إليها فنقول:
1 ـ كان في البصرة، كغيرها من مراكز الإسلام، زهد إسلامي ينبع من طبيعة هذا الدين الذي تنعكس منه المثل الزهدية كما مرّ بنا. غير أن فريقاً من سكان البصرة قد زادوا على الحدّ المعتاد من هذا الزهد لممارستهم لمجاهدات وتطبيقهم لتقاليد لم يألفها المجتمع الإسلامي، ومن ذلك ظهور طائفة من الزهاد كانوا يمتنعون عن الدخول في الحمام وعن تقصير شعورهم وهما تقليدان يتنافيان تماماً مع طابع الإسلام في الحرص على النظافة لتي صارت من الإيمان بنص الحديث. وأما لتقصير بمعنى الحلاقة، فهو من أهم المظاهر التي تعلن خروج المسلم من حال الإهمال في غمرة الحج والإحرام إلى الحياة المدنية المعتادة، وبهذا يعتبر هذا المظهر أول صورة يتميز بها زهد البصرة فوق التقاليد الزهدية الإسلامية المعروفة.
وأدى الرخاء الاقتصادي في البصرة إلى ميل الناس إلى التوفيق بين هذه الأمور الاقتصادية وبين حياتهم الاجتماعية، ومن هنا ظهر في البصرة نفر من الشباب الداعر: على صورة عصابات وجماعات تنتهك الحرمات وتبحث عن المتعة على أية صورة كانت؛ وقد أطلق على هذه الجماعات اسم (السفهاء). وقد أدى انتشار هذا التفسخ الخلقي والتحلل من المثل العليا إلى رد فعل تمثل في زهد فريق من قطان البصرة زهداً يتناسب مع نقيض هذا الشكل من التحلل الخلقي.
وسمعنا عامر بن عبداللَّه بن قيس يعبر عن معارضته لهذه الروح المتحللة بدعوته للَّه أن ينزع شهوة النساء من قلبه، وعبر عامر هذا عن روح الزهاد البصريين القلقة، نتيجة هذا الاضطراب في القيم الخلقية عندهم، وصوّره تصويراً بديعاً بقوله: «اللهم، في الدنيا الهموم والأحزان وفي الآخرة العذاب والحساب، فأين الروح والفرح؟».
وكان الحل الذي ارتضاه زهاد البصرة أن يثقوا بقدرة اللَّه ويتوكلوا عليه تعالى، ومن هنا كان الزاهد كثيراً ما يردد آيات بعينها في هذا المعنى ومنها: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم} [فاطر 2]. والآية: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} [يونس 107]. وكانت النتيجة أن ظهر الحب الإلهي في البصرة دون الكوفة وذلك لأن الأولى لم تكن مثقلة بذنوب كبيرة تحجبها من التوكل على اللَّه والثقة فيه وإسقاط الكلفة بين العبد وبين ربه.
لقد كانت الكوفة لا تجرؤ على مواجهة ربّها، بينما كان الاستغفار والتوبة كافيين لأي بصري للتوجه نحو العالم الروحي وهكذا كثر المحبون في البصرة، وكان عامر بن قيس أول زاهد استطاع أن يتخلص من أحزانه وهمومه الشخصية في الاتجاه إلى اللَّه بالحب وكان قائلهم يقول: «أحببت اللَّه حباً سهل عليّ كل مصيبة ورضاني بكل قضية؛ فما أبالي ـ مع حبي إياه ـ ما أصبحت عليه».
وظهر المحبون في البصرة واحداً بعد الآخر وكان منهم خُلَيْد العصري من بطن من قبيلة عبد قيس، وكان هذا يقول: «يا أخوتاه، هل فيكم من أحد لا يحب أن يلقى حبيبه؟! ألا فأحبوا ربكم، وسيروا إليه سيراً كريماً».
وكان منهم كَهْمَس القيسي الذي كان يقول في جوف الليل: «أتُراكَ معذّبي ـ وأنت قُرّة عيني ـ يا حبيب قلباه؟!». ثم ظهر، بَعْدُ، عتبة الغلام الذي اندفع في الحب الإلهي، فكان يقول: «إن تعذّبني فإني لك محب وإن ترحمني فإني لك محب».
ثم رأينا حبيباً العجمي يعبر عن عواطفه تجاه اللَّه بقوله: «وعزتك إنك لتعلم أني أحبك».
وبسبب كل هذا ليس من العيب أن تظهر في البصرة رابعة العدوية التي كان جنسها حاملاً للمصنفين والباحثين على إبراز حبها الإلهي من بين زملائها، ولم تكن وحيدة في هذا التوجه الروحي كما رأينا. وينبغي في المجال أن لا نهملها فنذكر لها نصوصاً في الحب الإلهي كقولها: «ما عبدته خوفاً من ناره ولا طعماً في جنته فأكون كالأجير السوء: عبدته حباً له وشوقاً إليه»، وهي عبارة تتفق مع روح الزهد في البصرة وإن كان المصنفون نسبوها مرة إلى علي بن أبي طالب، وأخرى إلى حفيده علي زين العابدين.
ونختم القول على الحب الإلهي في البصرة بالأبيات السائرة التي تنسب إلى رابعة وهي:
أحبّك حُبَّيْن: حُبّ الهوى
وحباً لأنك أهلٌ لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى
فَذكْرٌ شغلتُ به عن سواكا
وأما الذي أنت أهلٌ له
فكَشَفُكَ لي الحجب حتى أراكا
فما الحمدُ في ذا ولا ذاك لي
ولكنْ لك الحمدُ في ذا وذاكا
وبهذا يتبين أن الحب الإلهي طابع زهدي خاص بالبصرة تسرب منها إلى التصوف بعد رسوخ أركانه في أواخر القرن الثالث الهجري وكان هذا اللون الزهدي نابعاً من ظروف البصرة بالذات ولم يكن للمسلمين به عَهْدٌ في بداية الدعوة على نحو واضح.
وينبغي أن لا تفوتنا هنا فرصة الإشارة إلى أن الحب والخوف كانا متلازمين في البصرة، وأن الحب الذي ظهر فيها ـ وإن كان نتيجة لتطوير الخوف والخلاص من ثقله ـ إلا أن المحبين على العموم كانوا من أشد الناس انكباباً على العبادة وأكثر الناس في مجالي الرضى والغضب الإلهيين.
3 ـ وكان من الطبيعي في مثل بيئة البصرة التي سادها التفسخ الأخلاقي أن يظهر مذكرون ووعاظ ينبهون الناس إلى ما هم فيه من بُعْد عن المثل العليا الإسلامية ومن تعرض لسخط اللَّه. ومن هنا وجدنا جانباً من المجتمع الزاهد في البصرة مستغرقاً بوعاظ عرفوا بشدة التأثير وقوة التذكير؛ ومن هنا وصف سفيان الثوري صالحاً المري الواعظ البصري (ت172هـ/ 788م) بقوله: «ليس هذا بقاص، هذا نذير قوم».
وإطلاق لفظ القاص والقصّاص على واحد من الوعاظ أو مجموعهم، يبين الأسلوب الذي أتبعه الوعاظ البصريون في تذكير الناس ووعظهم، ومن هنا وصف هذا الواعظ بأنه «كان إذا أخذ في قصصه وكأنه رجلٌ مذعور يذعرك أمره من خوفه وكثرة بكائه وكأنه ثكلى». وهكذا ذكر في عبدالواحد بن زيد، أشهر الوعاظ في البصرة (ت177م/ 793م)، أنه قيل فيه: «لو قسم بَثُّ [= حزن] عبدالواحد ابن زيد على أهل البصرة لوسعهم». وقيل في حسن قيامه لمهمته هذه أنه قد تسبب في موت غير واحد من حضار مجلسه خوفاً ورعباً من الصور التي كان يعرضها على الناس.
ومن عبارات عبدالواحد بن زيد في هذا المجال:
«… يا إخوتاه، ألا تبكون خوفاً من النار؟ ألا إنه من بكى خوفاً من النار أعاذه اللَّه منها.
يا إخوتاه، ألا تبكون خوفاً من شدة العطش يوم القيامة؟
يا إخوتاه، ألا تبكون؟ فابكوا على الماء البارد أيام الدنيا لعله يسقيكموه في حظائر العرش مع خير الندماء والأصحاب من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك… رفيقاً».
يضاف إلى هذا أن رسالة الوعظ في البصرة قد أحوجت القصاص إلى معين من الأخبار والحكايات تعينهم على تحقيق غرضهم، ومن هنا التفت بعض هؤلاء إلى أهل الكتاب فاستعانوا بمواعظ مأثورة عن المسيح على الخصوص وقصص مستمدة من التوراة. وكان مالك بن دينار الواعظ البصري المشهور أوضح من استعان بهذا التراث.
وفي هذا المجال كان يبدأ قصصه بقوله: «قرأت في بعض الكتب» أو ما إلى ذلك من العبارات. مما أثر عن مالك بن دينار قوله: «قرأت في بعض الكتب: يجاء براعي السوء يوم القيامة فيقال له: يا راعي السوء. شربت اللبن، وأكلت اللحم ولم تأو الضال ولم تجبر الكسير، لم ترعها حق رعايتها… اليوم أنتقم منك».
ومنها قوله للناس: «اتقوا السحارة [= الدنيا]؛ فإنها تسحر قلوب العلماء».
4 ـ وفي ختام البحث في جوهر زهد البصرة ينبغي أن نذكر بأن الزهد الإسلامي كان متحققاً فيها أيضاً في سير كثير من زهادها ومن أشهرهم الحسن بن يسار البصري (ت110هـ/ 728م).
لقد كان هذا الزاهد الفارسي الذي ولد في المدينة (سنة 22هـ/ 642م)، من أبرز ممثلي الزهد الطبيعي الإسلامي. ومع أنه ولد بعد وفاة النبي(ص) إلا أنه نشأ في بيته(ص) إذ كانت أمه خيرة مولاةً لأم سلمة إحدى أمهات المؤمنين.
ومن أهم ما سوغ زهد الحسن البصري الطبيعي أنه ولد في المدينة فلم يتيسر له أن يشوب زهده الإسلامي نوازع غير إسلامية وإن كان قيل فيه أيضاً: إنه ولد على الرق.
يضاف إلى هذا أن السلاسل الصوفية التي تنتهي في عامتها بعلي ابن أبي طالب لم تجد بداً من جعل الحسن البصري الواسطة بينه وبين الصوفية في حالة سياقة سلسلة لبس الخرقة الصوفية عن طريق غير طريق الأئمة من أبناء الإمام. أما إذا تضمنت السلسلة أسماء الأئمة فإن اسم الحسن البصري يسقط منها.
الزهد في الشام
كانت حياة قدماء المسيحيين تقترن اقتراناً واضحاً بالزهد، وكان الاضطهاد الذي يقاسونه من الرومان والفرس عاملاً يزيدهم توجهاً إلى الزهد تطلعاً إلى سعادتهم الروحية التي يستمدونها من شعورهم بالقرب من السيد المسيح في معاناته وسيرته. وفي ظروف مثل هذه كان من الضروري أن تتمثل الأسوة في رهبان النصارى الذين يمثلون الزعامة الدينية والقدوة الروحية معاً. ومع أن بداية تنظيم الحياة الروحية والمجاهدة الجسدية والإقامة في الأديرة كان من حظ رهبان مصر في شخص رائدهم القديس أنتوني أو المار أنطونيوس (251 ـ 356م)، كانت مساهمة الرهبان السوريين في عالم التصوف المسيحي تتمثل في اختراع أشكال جديدة من الممارسات الزهدية تنصب على الانقطاع عن الناس ليحيوا على قمة الأعمدة التي كانت تعتمد عليها المباني الرومانية العظيمة أو أعمدة يبنونها بأنفسهم، وقد أطلق على هؤلاء الرهبان اسم الرهبان العموديين أو الأسطوانيين بالتعبير العربي القديم.
ويحدثنا التاريخ أن أول هؤلاء الرهبان كان سيمون العمودي الملقب بالأكبر (390 ـ 459م) الذي كان أبوه راعياً وسام جسده منذ صغره أشد المجاهدات البدنية خصوصاً ما يتصل بالانقطاع عن الطعام، ثم تنقل في الصوامع والديارات في شمالي سورية طوال خمسة وعشرين عاماً وبدأ ملازمة قمة عموده في عام 423م وذلك في مدينة ثلانيسوس التي عرفت في الفترة الإسلامية بدير سمعان. وكان العمود في البداية قصيراً ثم زاد ارتفاعه مع السنين إلى أن بلغ ستين قدماً. وفي القمة قامت ساحة صغيرة ذات سياج مساحتها نحو عشرين قدماً مربعاً حيث قضى القديس سيمون الأكبر بقية سني حياته البالغة ستة وثلاثين عاماً يدعو ويعظ ويرشد زائريه الذين كانوا يقصدونه من القرى المجاورة ومن الأقطار البعيدة، حتى من بريطانيا وإسبانيا، طلباً للنصيحة والدعاء والإرشاد الديني وسائر ما كان يقوم به القسيس من واجبات دينية.
وإثر نجاح سيمون الأكبر في كسب ثقة المتدينين المسيحيين وقدرته على تنصير كثير من الناس بما فيهم البدو من العرب المقيمين في تلك المواضع، سرت في بيئات الأديرة الرغبة في الاقتداء بسيرته ومن هنا وجدنا القديس دانيال العمودي علىّ عمودين (أو أسطوانتين) ملتصقتين يرتفع فوقهما سياج دائري لتوفير المأوى المطلوب، وهناك كان يمارس عمل القسيس التقليدي ويحتفل بالقربان المقدس ولم ينزل من عموده إلا مرة واحدة خلال ثلاثة وثلاثين عاماً ليعظ امبراطوراً ضالاً أحوجت حالته إلى نزوله إليه. وذكر أن القديس دانيال كان موضع مشورة الامبراطورين ليو الأول وزينو وبطارقة القسطنطينية وجماعات من الناس كانوا يقصدونه مع مرضاهم ليشفيهم بزيته المقدس ويدعو لهم.
ولم يقتصر أمر ملازمة الأسطوان على الراهبين السابقين وإنما وجدنا ذكراً للقديس سيمون الأصغر (ت592م) الذي ذكر أنه كان راهباً عمودياً مارس هذا النوع من الرهبنة قرب أنطاكية ورسم راهباً على عمود. وذكر أن ساحة قمة عموده كانت تتسع للاحتفال بالأسرار المقدسة وأن الناس كانوا «يصعدون إليها على سلالم لتلقي البركات من يده». وذكر أن القديس سيمون الأصغر «كان ذا أثر في معاصريه، وأنهم كانوا يكنون له احتراماً عظيماً لما كان يشتمل عليه من معرفة وحكمة».
ومن الطريف ذكره أن التعليل الذي قدم لسكن الأسطوان كان يتمثل في أن رائد هذا الطراز من الرهبنة إنما فعل ذلك لأن «اليأس من اعتزال العالم أفقياً حمله على محاولة اعتزاله عمودياً» والحق أن العمود كان بمثابة طلل بال متخلف من بناء قديم فهو بالخرائب أشبه؛ فوق أن بعده عن الأرض يتيح للمقيم عليه الابتعاد عن الناس بقياس المسافة!
على أن ملازمة الأسطوان لم تنته بنهاية القرن السادس الميلادي وإنما وجدنا راهباً أسطوانياً سورياً آخر يمارس هذا التقليد في العراق في أواخر القرن الثامن الميلادي «جالساً على عمود من الجص في قرية تدعى بيت قرداغ وأمضى سنين عديدة جالساً فوق ذلك البرج» الذي يبدو أنه كان على شكل سكن عال على تلك الأسطوانة بحيث وصف في مناسبة أنه «أخرج رأسه من الكوة وخاطب بني قريته».
هذه سطور قدمنا بها للزهد الإسلامي في بلاد الشام لتكون تمهيداً وبياناً لسابقة كانت معروفة قبل الفتح الإسلامي وتأثير الظروف التي مرت بهذا المصر الإسلامي في مجتمعه أدت إلى ظهور أشكال خاصة به من الزهد المحلي.
وكما تميز الزهد في الكوفة والبصرة بحكم الظروف الخاصة بكل من هذين المصرين، انصب الزهد في الشام في قوالب معينة صاغتها الظروف التي مرّ بها هذا المركز الإسلامي. وأول ما ينبغي أن يلاحظ في هذا المجال أن الشام ـ ودمشق على الخصوص ـ كانتا في دولة متحضرة تألف النظام المدني وتطبق القوانين الرومانية ويعيش سكانها كعيش الرومانيين.
وحتى العرب الغساسنة، الذين حلوا في هذا الإقليم الإسلامي، كانوا متلبسين بالأنظمة الرومانية منفذين لقوانينهم مؤتمرين بأوامر دولتهم. ولما دخل الإسلام هذه البلاد عن طريق الفتح واستقر الفاتحون فيها ثم هاجر الكثير إليها لم تستطع النازلة الجديدة أن تغير من الأمر شيئاً؛ وإنما استطاعت الحضارة الرومانية أن تذيبها في بوتقتها.
وينبغي أن نذكر هنا أن المنافسات التي سجلها التاريخ بين القبائل العربية في الشام، كالذي رأيناه من النزاع بين القيسية واليمانية، إنما كانت من التنافس الحزبي السياسي في التقرب من الخلفاء والسيطرة على مقاليد الأمور في العالم الإسلامي أيام حكم الأمويين.
وظهر في الشام شكل خاص بها من الزهد يتمثل في الجوع؛ وكان الزهاد فيها يسمون بالجوعيين صدوراً عن النفور من طبيعة هذا البلد الريفية وبروزه بالفواكه وأنواع الطعام. وقد ذكر في زهاد الشام أنهم عدوا الزهد في الجوف، أي ضبط النفس عن الشبع والشره، أول مراحل الزهد والتحكم في الإرادة.
وإذا أنعمنا النظر في هذه الظاهرة، وجدنا أخبار تروى عن أبي سليمان الداراني، من زهاد الشام، منها أنه رأى طائرين يلتقطان الحب؛ فلما شبعا أراد الذكر الأنثى، فقال أبو سليمان: «لما شبعا دَعَتْهُ بطنه إلى ما ترى». وفي هذا القول إشارة إلى أثر المثل المسيحية الرهبانية في الزهد الشامي وذلك بعقد صلة بين الشبع واللذة الجنسية التي اعتبرها أبو سليمان مخلة بالزهد وذلك تقليد مسيحي واضح. لا يضاف إلى هذا أن أول رباط صوفي في الإسلام تأسس في الرملة على يد عثمان بن شريك الذي تكنّى بأبي هاشم الصوفي (ت150هـ/ 767م)؛ ولا بدّ أنه فعل ذلك تأثراً وتأسياً بالديارات المسيحية في بلاد الشام التي كانت من المراكز المعروفة بهذا الدين.
الزهد في خراسان
قبل أن نخوض في الزهد الخراساني، يحسن أن نقرر أن المنطقة التي نعنيها تستغرق رقعة كبيرة تقع الآن بين شمالي إيران وجميع أفغاستان ويدخل فيها جانب من الجمهوريات التركية التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي [السابق].
بعد هذا ينبغي أن نثبت ملاحظة مهمة جداً، هي أن هذه البلاد الشاسعة لم تعرف الإسلام كما عرفه العرب على وجهه المثالي الإصلاحي المهذب للنفوس المنظم للعالم على أساس إنساني ليس فيه تمييز، وإنما حمله إليهم فاتحون لم يقترن سلوكهم بما كان ينبغي أن يقترن به في هذه المثل.
وآية ذلك أن هذه البلاد كانت ثائرة على المسلمين حتى مقتل علي ابن أبي طالب. ولما خضعت للفاتحين المسلمين كان العالم الإسلامي كله تأثراً على حكومته متهماً إياها بالبعد عن الروح الإسلامي مرمياً بالظلم والتصرف السيء. يضاف إلى هذا أن من أرسل إليها من العرب لإخضاعها وتنظيمها. لم يكن يهمهم في شيء أن يسود العدل والمساواة والشعور بالأخوة الإسلامية والطمأنينة والسلام. وقد بلغ الأمر بأهل خراسان، والفرس على العموم، أن الحجاج عاملهم معاملة غير المسلمين حتى بعد إسلامهم فجبى فلاحيهم الجزية بدل العشر المقرر على المسلم، وأعاد من نزل البصرة منهم، وكانت مركز إيران الإداري، إلى أرضه بعد حفر اسم قريته على يديه بالوشم الثابت كما يعاد العبد الآبق إلى أرضه التي فرّ منها. وقد عبر عمر بن عبدالعزيز عن هذه الحال لما كتب إليه عامله يخبره بأن أهلها «لا يصلحهم إلا السيف والعصا» فكان جواب الخليفة أن كتب إلى عامله: «كذبت، بل يصلحهم العدل والحق فابسطه فيهم».
وقبل أن نخوض في بيان صور الزهد الخراساني بعد الإسلام ينبغي أن نشير إلى أن النزعة الزهدية لم تكن غريبة على التدين المجوسي بل لقد كان مصلحو المجتمع الفارسي، وشراح الكتب الدينية، مجموعة من الزهاد. يضاف إلى أن جيش الفرس الذي انكسر أمام الجيش الإسلامي في القادسية، كان يضم كثيراً من الزهاد المجوس. وفوق هذا وجدنا في البصرة زهاداً من الفرس يلتزمون بتقاليد تتصل بالهيئة واللباس؛ وواضح أنها كانت من تقاليد الزهد الفارسي القديم.
وعوداً إلى صور الزهد الخراساني يبدو أن سيرة بوذا كانت المثل الأعلى للزاهد في بلاد فاس قبل الإسلام، واستمرت كذلك حتى بعد تقطع الأسباب بين الفرس والبوذية. وإزالة للعجب من هذه الملاحظة نذكر أنه ما زال في أفغانستان، حتى الآن، معبد بوذي قديم فيه تمثال شامخ لهذا النبي الآري. ويذكر أنه كان في بلخ، عاصمة خراسان، أقلية بوذية اعترف لها الإسلام بحقوق أهل الذمة، وهي معاملة فيها معنى الاعتراف الضمني بهذا الدين. وقد ظهر في بلخ أشهر الزهاد الفرس إبراهيم بن أدهم (ت160هـ/ 777م) وكانت أفكاره وتعاليمه شبيهة شبهاً غريباً بالمثل البوذية التي تعتمد الإيثار وخدمة الناس أساسين للنهج الإنساني المثالي في هذا العالم. فوق هذا كانت سيرة إبراهيم بن أدهم وزهده صورة شبيهة بما أثر عن بوذا لما نادى برسالته الإصلاحية.
ويحسن أن نذكر هنا، وفي هذا المجال، أن أبا العتاهية أشار من طرف خفي إلى هذه السيرة في قوله:
إذا أردت شريف الناس كلهم
فانظر إلى ملك في زي مسكين
وهذا المعنى يلخص سيرتي بوذا وإبراهيم بن أدهم الأميرين السابقين اللذين تركا الجاه والسلطان والترف واندفعا إلى حياة الزهد بناء على نوازع نفسية وإلهامات من عالم الروح فيما قيل.
هذه الصورة من الزهد يمكن إجمالها عندنا في عبارة: «الزهد المفاجىء». الذي هو أول خصائص الاتجاه الروحي في خراسان.
لقد كان الإسلام ينعكس من قلوب معتنقيه على صور زهدية تعتبر طبيعة ثانية للمسلم دون تكلف أو تقصد، لكن مشاهير الزهاد الفرس كانوا ممن انتقلوا من عالم المادة إلى عالم الروح في لحظات من الصفاء الروحي أو الاستجابة إلى أحوال نفسية دعتهم إلى ترك الدنيا. لقد كان إبراهيم بن أدهم كذلك ولم يختلف عن حبيب العجمي (ت200هـ/ 815م) من سكان البصرة. بل لقد عرفنا خراسانية الفضيل بن عياض في الزهد (187هـ/ 803م) من انتقاله الفجائي إليه ـ وإن كان من تطوير فكرة الفتوة إلى شكل جديد مبالغ فيه اطلق عليه مصطلح: «الملامتية». وكان الفضل هذا خراسانياً سكن الكوفة ومات في مكة سنة (187هـ/ 703م).
مهما يكن الأمر فقد كان من الطبيعي أن يتشكل ردّ الفعل الزهدي في إيران في أشكال تناسب بيئتها وظروفها، ولهذا برز في إيران أسلوب وطابع يعكس طبيعة الزهد فيها ونعني بذلك فكرة الملامة أو إثارة لوم الناس ليخلو للزهاد وجه ربهم ويتوجهوا إليه بمعزل عن الشهرة والهيبة والتقدير والأتباع، وسمي هؤلاء بالملامتية وهي نسبة (معربة) إلى الملامة التي تعبر عن الأساس الذي تقوم عليه حركتهم ـ إن جاز التعبير.
وكان من مؤسسي هذه الحركة حمدون القصار النيسابوري الذي طور حركة الفتوة إلى ظاهرة صوفية تسمى الملامتية التي كانت تصوفاً واعياً يأبى أن يغيب عن الحسّ، ويحرص في كل لحظة على أن يعود إلى نفسه فيشعر بوجودها ويدفعها دفعاً إلى درجة مبالغ فيها من إنكار الذات إلى درجة التفريط بالسمعة الإنسانية. ومن أقوال حمدون: «إذا رأيت سكراناً فتمايل لئلا تبغي عليه فتبتلى بمثل ذلك».
وسواء أكان لفظ التمايل يعني الترنح كالسكران أو الانصراف وتنكب السبيل فهو في النهاية يعني غضّ النظر عن مرتكب كبيرة تجنباً لإلحاق الضرر به، وفي ذلك ما فيه من مساس بالسمعة وتفريط بالواجبات الدينية. فكأن حمدوناً، في هذه الحال، يحمل نفسه ذنباً دون أن يعرض مسلماً آخر للفضيحة أو العقاب.
مهما يكن الأمر فقد كانت عروق الملامة سابقة على حمدون، وقد روي عن الفضيل بن عياض الفارسي أيضاً قوله لشبّان من زهاد الكوفة يلبسون الصوف: «… لئن أحلف عشراً أني مراء ومخادع أحب إليّ من أن أحلف واحدة أني لست كذلك».
وختاماً للقول على الزهد الخراساني نذكر أن الانتقال المفاجىء من الحياة المادية التقليدية إلى الحياة الزهدية الروحية من أهم مميزاته، وكذلك الفتوة والملامة.
الزهد في مصر
لعل مصر كانت أقرب الأمصار إلى القيم الروحية الإسلامية. ويلاحظ في مصر أنها كانت ذات تاريخ متصل من التزهد منذ أيام الفراعنة، وأن المسيحية لم تغير شيئاً من نزعتها الزهدية بل أقرتها وأضافت إليها عناصر جديدة حين غدت مصر مهد الرهبنة. ولما جاء الإسلام كان الجو الديني الروحاني والزهدي مهيئاً لاستقباله بروح إيجابية تألفه ولا تنكره.
وفيما يتصل بتاريخ الزهد الفرعوني، من المعروف أن الديانة المصرية القديمة، كنت تطمح إلى السعادة الأخروية وتقلل من قيمة الحياة الدنيوية، ومن هنا كان الموت سعادة وإيذاناً بالخلود والراحة الأبدية، وكان المصريون يحتفلون بالموت كما يحتفل المقبل على حدث سعيد. ويلاحظ في الآثار المصرية القديمة أنها تمثل المعابد والمقابر، ولم نألف قصراً ملكياً مشيداً أو سوقاً أو مسرحاً أو أثراً اجتماعياً يمثل حياة الناس العادية أو حتى حياة الملوك كما في الآثار الرومانية مثلاً؛ بل ملاك ما وصل إلينا من ذلك محفوظ في القبور خاصة. وهذا التراث الماثل لا يمثل الحياة المادية بل، على العكس من ذلك تماماً، يبين النزعة الروحية التي غلبت على الحياة المصرية القديمة وكانت تتصور الحياة الأخرى حياة مادية. حتى الفنون والعلوم والصناعات يبدو أنها كانت حكراً على المجتمع الديني ووقفاً عليه ولخدمته. ويبدو أن الكهنة أنفسهم كانوا هم الموسيقيين والرسامين والمثالين والمهندسين، أو أساتذة لهذه الفنون على الأقل، ليكون هدف كل نشاط إنساني ذي صفة دينية خدمة الإله والشوق إلى لقائه في الحياة الأخرى بالصورة التي تليق به.
ومما يزيد هذا الأمر توثيقاً أن الكهنة المصريين القدماء كانوا يمثلون الزهاد والصوفية في مفهومنا الإصطلاحي لا مجرد الفقهاء والمتكلمين والأصوليين. من هنا كانت طبقاتهم تمثل تفاوتاً في القرب والبعد عن الإله من حيث القدرة على التلقي عنه والاستيحاء منه والفهم لإشاراته وعباراته وحركاته داخل المعابد على الخصوص.
وكان الكهنة يستمدون ألقابهم من ممارساتهم ومراتبهم الدينية. فقد تلقب بعضهم باسم «وعب»، وتعني الطاهر أو النقي، وهي تذكرنا بالتصفية والصفاء اللتين اتصل بهما مدلول التصوف الإسلامي بعدئذ. وكان لبعض الكهنة ألقاب تترجم بأبي الإله ومحبوب الإله؛ وهذا اللقب الأخير يقابل عندنا أولياء اللَّه الصالحين. وخليل اللَّه وحبيب اللَّه والمصطفين الأخيار وما إلى ذلك من طبقات تعبر عن القرب والخلة والولاية كما هو معروف.
يضاف إلى هذا أن الكهنة المصريين مارسوا نوعاً من تقاليد التكريس أو إلباس الخرقة كما فعل الصوفية عندنا.
وكان لهم زي خاص يدل على الزهد ويباعد البدع الخاصة باللباس، فهو لا يلبس الملابس الحديثة لعصره، ويجتنب أن يرتدي ملابس فضفاضة مثنية تغطي الجزء الأعلى من الجسم! مما كان يفرضه الذوق العصري على أصحاب الطبقات الرفيعة. ولم يكن الكهنة يزينون شعورهم بشعر مستعار مصفف بطريقة فنية… بل كانوا يحلقون رؤوسهم، كما أن حلاق المعبد كان موظفاً من أهم موظفيه.
ولعل الأمر المفاجىء في تقاليد الزهد المصري القديم، أن الكهنة ـ وخاصة صغارهم الثائرين على سياسة الدولة ـ كانوا يرتدون لباساً مادته من الصوف؛ ومن هنا روي «أن حاكم مصر بين سني (120 و124) الميلادية منع صغار الكهنة من الظهور بين الناس بملابس الصوف، وهذه الظاهرة سيكون لها ما بعدها في مظاهر الزهد الإسلامي في مصر الإسلامية. وحين اتخذت مصر المسيحية ديناً لها، لم تتغير ظاهرة الزهد فيها بل زادت شدة وقوة في العصور المسيحية الأولى بحيث غدت مصر مهد الرهبانية وعد القديس أنتوني أو المار أنطونيوس (251 ـ 356م) المؤسس الأول للبيع المسيحية بما كانت تمارسه من تقاليد ونظم وتتبناه من ثقافة تتصل بهذا الطراز من الحياة الدينية الذي دانت به جماعة من الرهبان أطلق عليها وصف «آباء الصحراء».وفوق هذا عرف الرهبان المصريون معنى الفناء في التصوف فكانوا، عند تكريسهم، يرتدون لباساً مادته من الكتان أطلقوا عليه اسم «رداء الخلود» لخلوه من العنصر الحيواني الذي هو رمز الموت. ثم كانوا يخلعونه بعد إتمام المراسيم ليلبسوا لباساً من الصوف يضفي عليهم طابع الموت الرمزي أو الفناء في المسيح.
الزهد الإسلامي:2
لقد كانت مصر سباقة إلى دخول الإسلام وكان فتحها سهلاً على الجيوش الإسلامية، ولم تصدر في إسلامها عن روح معارضة أو عقدة نفسية.
لقد كان أول مظهر اتصف به الزهد الإسلامي في مصر هو الإيجابية المطلقة على صورة من الالتزام بفكرة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». ويحدثنا التاريخ أن العمل السياسي في مصر كان واضحاً عند الزهاد المؤمنين في ظل الإسلام أكثر منه عند غيرهم. ومصداق ذلك يمكن في أن قادة الثورة على عثمان كانوا من المصريين، بل كان كنانة بن بشر التجيبي وسودان بن حمران، اللذين اتهما بقتل عثمان، مصريين. وكذلك كانت حركة الخوارج العنيفة شديدة في مصر.
وإذا حاولنا الوصول إلى منابع هذا المظهر عند المصريين، أخذتنا الحوادث إلى أيام الفراعنة وميزة ظهور المسيحية في هذا البلد.
ومما يوثق هذه التجمعيات في قدم الزهد الصوفي في مصر أن أواخر القرن الثاني الهجري قد اقترنت بظهور جماعة من الزهاد على رأسهم أبو عبدالرحمن الصوفي وكان همهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاستولوا على الاسكندرية مدة ثم نفوا منها إلى جزر البحر المتوسط. يضاف إلى هذا عنصر آخر تميز به الزهد المصري وهو ربط التصوف في صوره الأولى بفكرة الأسرار واستبطان المظاهر الحضارية والمعاني الظاهرية. فقد ذكر عن عثمان بن سويد الإخميني أنه كان من تلاميذ جابر بن حيان وأنه كان مقدماً في صناعة الكيمياء ورأساً فيها. وإذا عرفنا أن الكيمياء المقصودة هنا تتصل في ظاهرها المادي بالوصول إلى الإكسير وهو المركب الكيمياوي الذي يحول العناصر الخسيسة إلى أخرى شريفة وأنه يرمز إلى تصفية النفس الإنسانية عن طريق الرياضة الروحية، بدا لنا مصدر هذا المنهج المزدوج في التصفية النفسية. وهذا المظهر، الذي يمثل الشكل الثاني من الزهد المصري، تركز في ذي النون المصري (ت245هـ/ 864م) الذي نسب إليه الخوض في الأسرار والإطلاع على خفايا البرابي [= المعابد المصرية القديمة] حتى لقد اتهم بالزندقة، على هذا الأسس، وحوكم في بغداد ثم برئت ساحته. ولقد ذكر عن ذي النون المصري أنه كان من «طبقة جابر بن حيان في انتحال صناعة الكيمياء وتقلد علم الباطن والإشراف على كثير من العلوم». وكل هذا يذكر من جديد بزهاد المصريين أيام الفراعنة وطبقة الرهبان، على الخصوص، التي كانت تحتكر العلوم احتكاراً لتطبقها في صورة قبور وأهرام تنقل الإنسان بعد موته من عالم الفناء إلى عالم الخلود. ومن المعروف أن المصريين كانوا أكثر الشعوب التاريخية حياة في الموت ونفوراً من الحياة المادية وتطلعاً إلى العالم الروحي، وكانت مظاهر الحضارة فيها موجهة إلى الحياة الثانية مهملة الأولى. ومن هنا صارت العناية بالموت عملاً خاصاً بالرهبان والكهنة باعتبارهم الأدلاء إلى العالم الآخر والعارفين بأسراره. وهكذا تبدو الينابيع التاريخية الموغلة في القدم التي أثرت في الزهد المصري إبان الإسلام وشكلته بأشكال، مهما بدا من مناسبتها لفترتها التاريخية، فلا يمكن أن تخفى جذورها على من يحاول تقصيها. ومجمل ما فات من مظاهر الزهد في مصر أنه:
1 ـ صدر عن روح إسلامية بحتة ربطته بفهم الإسلام على أنه زهدي المضمون، وأدى ذلك إلى اقتران الصورة الإنسانية من الزهد المصري بفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2 ـ صدر عن رواسب قديمة في المجتمع المصري تربط الدراسات الدينية والأسرار الروحانية بالزهاد وأصحاب النزعة الروحية وراثة لهذا الاتجاه من المجتمع الفرعوني القديم، الذي بقيت رواسبه الاجتماعية إلى ما بعد ظهور الإسلام.
3 ـ صدر عن روح تطبيقية تنعكس على ظاهر الزاهد وفي لباسه على الخصوص تعبيراً عن إهماله الحياة المادية الدنيوية واتجاهه إلى العالم الروحي التالي للموت؛ ومن هنا لبس الزهاد في مصر الصوف كما فعل أسلافهم التاريخيون في هذا المجتمع أيام الفراعنة والمسيحيين.
4 ـ والصورة الأخرى التي نضيفها الآن أن الزهد المصري قد تمثل في نزعة إيثارية متوقعة الصدور ممن عكس هذه الروح الزهدية التي بيناها. وهكذا ظهر في مصر الفتيان كما ظهروا في خراسان والكوفة، وكان من أشهرهم الليث بن سعد، الفارسي الأصل ومولى قبيلة قيس (ت175هـ/ 791م) الذي كان يجمع الفتوة والفقه معاً، وقد ذكر في أخباره أن فتوته كانت تعني السخاء والمروءة وهما عنصر الفتوة التقليدية عند الفرس وعند ورثتها من العرب. وكان من المعتاد في بيئة مثل هذه أن يظهر فيها مثل الزهد الأخرى كالخوف والبكاء والرقة الشديدة والانقطاع إلى العبادة كالذي وجدناه عند الحسن بن خليل المعاصر لليث بن سعد من أنه «كان كثير البكاء، ناحل الجسم من الانقطاع إلى العبادة، سريع الإغماء لدى قراءة القرآن خوفاً من أهوال القيامة»، وكذلك كان عبداللَّه بن وهب (ت197هـ/ 812م).
التصوف
ـ 4 ـ
كان التصوف حركة منظمة بدأت من انتظام الزهد وتجميع مثله الجديدة والقديمة في مذهب واحد منهجي له صفة التكامل الظاهر والثقافة والتنظيم الاجتماعي والمنهج المدرسي.
وقبل أن نتطرق إلى هذه الناحية ينبغي أن نشير إلى أن حركة التصوف كانت في جوهرها جهداً منظماً ظهر في قطاع من المجتمع الإسلامي أكثره من غير العرب، دون اشتراط للعنصرية أو تنبه إليها، وأن هذا القطاع كان يضم جماعة من أصحاب الحرف من ذوي المواهب المختلفة والطاقات الكامنة. ونظرة واحدة إلى فهارس طبقات الصوفية تجذب انتباهنا إلى هذه الملاحظة؛ فتقابلنا من ألقاب الصوفية ألفاظ: الحداد والقصار والخراز والحلاج والنساج والسقطي والزجاج والآجري والقواريري وما إلى ذلك، وتلك ظاهرة برزت أيضاً، في أغلب المجالات الفكرية في المجتمع الإسلامي؛ فمن المعتزل نعرف العلاف والنظام. وكان أبو حنيفة الفقيه بزازاً وهشام بن الحكم المتكلم صاحب حانوت، وكان الجاحظ في بداية حياته سماكاً؛ وهكذا تطرد هذه القاعدة في أغلب المجالات بما في ذلك العصور الإسلامية المتأخرة.
وعوداً إلى التيار الأول من هذه الظاهرة يلاحظ في التصوف الذي ظهر في أواخر القرن الثاني الهجري أنه كان حركة منظمة قامت على أكتاف فريق من الناس ممن ينشدون الاستقلال الفكري عن الجماعات الثقافية المختلفة مع قيام كيانهم على أساس تدريب عملي وفكر نظري. وهذه النقطة هي المميز للصوفية عن غيرهم من أصحاب الثقافات النظرية الأخرى؛ فلم يكن يتطلب من الفيلسوف أن يكون له نظام يومي أو لباس أو نصوص يرددها أو حسّ رقيق يستجيب للعاطفة الدينية، ولم يكن ذلك من دأب الشعراء أو الكتّاب أو ما إلى ذلك من قطاعات أصحاب الثقافات من مؤرخين ومحدثين وقراء إلا الصوفية فقد كان منهجهم النظري يلزمهم أن يكون إلى جانبه منهج عملي يعد أذهانهم إلى هضم ثقافتهم الجديدة.
لقد ظهر التصوف عملياً ونال استقلاله عن الزهد في أواخر القرن الثاني الهجري. وقد جاء ذكر «الصوفية النساك» أول ما جاء في آثار الجاحظ هذا إلى اشتهار أبي هاشم الصوفي (عثمان بن شريك الكوفي) وجابر بن حيان وعبدك الصوفي بهذا اللقب. وقد استقر التصوف نهائياً على يد معروف بن الفيرزان الكرخي (ت200هـ/ 815م). ويلاحظ في بداية ظهور التصوف أنه كان معاصراً لبواكير الانتاج الفلسفي الإسلامي. ولهذا يمكن استخلاص وجوه من الشبه بين الفلسفة والتصوف في عبارات الفلاسفة والصوفية بحيث يمكن اعتبار التصوف صورة جديدة من الفلسفة طورها أصحابها استقلالاً بها عن صور الانتاج الفلسفي كما فعل ذلك المعتزلة المتكلمون قبلهم بقليل. وإلمامة بسيطة بتعريفات الفلسفة عند الكندي (ت252هـ/ 867م) والفارابي (ت339هـ/ 950) وابن سينا (ت428هـ/ 1037م)، ثم عبارات المتصوفة في الإشارة إلى جوهر التصوف وجوانبه الأخرى يتبين صدور الحركة الصوفية منذ البداية عن الفلسفة في محاولة لإسباغ الطابع العملي عليها بعد أن ظهرت في العالم الإسلامي واستمرت كذلك قرنين وهي تحمل الطابع النظري البحت. لقد عرف الكندي الفلسفة بأنها «علم لأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان»، وهي عبارة لا بدّ أن معروفاً الكرخي نظر إليها في تحديده مفهوم التصوف بأنه «الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق».
يضاف إلى هذا أن الكندي قد جعل غاية الفلسفة «التشبه باللَّه بقدر طاقة الإنسان»، وشرح ذلك بقوله: «أرادوا أن يكون الإنسان كامل الفضيلة». وواضح جداً أن هذه العبارة شبيهة بما صدر عن الصوفية من تعريف للتصوف بأنه «خلق وأن من زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف»، وعبارة ابن عربي (ت638هـ/ 1241م) التي تعرف التصوف بأنه «التشبه بالأخلاق الإلهية».
ومن ناحية أخرى ذكر الكندي أن غاية الفلسفة «العناية بالموت» وشرح ذلك بقوله: «والموت عندهم موتان: طبيعي ـ وهو ترك النفس استعمال البدن ـ والثاني: إماتة الشهوات؛ فهذا هو الموت الذي قصد إليه لأن إماتة الشهوة هي السبيل إلى الفضيلة، ولذلك قال كثير من أجلّة القدماء: «اللذة شر»، وذلك معنى قد عبر عنه حاتم الأصم (ت237هـ/ 851م) ـ وهو معاصر للكندي ـ في قوله: «من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت: فالموت الأبيض: الجوع، والموت الأسود: احتمال أذى الناس، والموت الأحمر: مخالفة النفس، والموت الأخضر: طرح الرقاع [= زي المنتمي إلى التصوف] بعضها فوق بعض».
ثم إن الكندي قد حدّد الفلسفة من حيث صلتها بالنفس بأنها «معرفة الإنسان نفسه»، وواضح أنه ينظر في ذلك إلى عبارة سقراط السائرة: «إعرف نفسك». وكذلك من بين الصوفية الحارث بن أسد (ت234هـ/ 857م) الذي لقب بالمحاسبي إصداراً عن هذا المبدأ السقراطي الفلسفي.
والدخول في تفاصيل هذه النقطة من التصوف يطيل هذه المقدمة؛ غير أن مما يحسن أن يورد هنا، عبارة لابن سينا، الذي ذكر أنه كان في مطلع حياته صوفياً مخلصاً، ونصها أن الفلسفة «صناعة نظر يستفيد منها الإنسان تحصيل ما عليه الوجود كله في نفسه وما الواجب عليه عمله مما ينبغي أن يكتسب فعله ليعرف بذلك نفسه وتستكمل وتصير عالماً معقولاً مضاهياً للعالم الموجود وتستعد للسعادة القصوى في الآخرة وذلك بحسب طاقة الإنسان». ولو وضعت هذه العبارات بين عبارات الصوفية لما أمكن ملاحظة غربتها عنها. بعد هذا نستطيع أن نزعم أن ممارسة الصوفية للعمل الصوفي كان معاصراً لدخول المسلمين ميدان التفلسف، وأن كلا الفريقين اطلع بطريقته الخاصة على النصوص الفلسفية النظرية المترجمة فتناولاها، كل بطبيعته وطريقته وأسلوبه ومنهجه، المتفلسفون على الأساس المنطقي العقلي، والصوفية على الأساس العملي القائم على الفلسفة الروحية؛ وهذا هو السبب في أن التصوف كان في بدايته ثقافة سرية لا تباح لكل مريد. وقد ذكر الجنيد البغدادي، إمام الصوفية الحقيقي، أنه لم يكن يبدأ درسه الصوفي إلا إذا تأكد من إحكام إقفال الباب ومن خلو المجلس ممن يخشى منهم الأذى. وقد تعرض الحلاج للقتل لا على أساس منهجه العملي أو مبالغته في الزهد وإنما على أساس أفكاره الفلسفية البحتة، ولقي العنت نفسه ذو النون المصري وأبو الحسين النوري وغيرهما. وما إن دخل القرن الخامس الهجري حتى وصف فريق من الصوفية بأنهم «متفلسفة»، وقد فعل ذلك الغزالي الذي خدم التصوف خدمة جلى في كتابه إحياء علوم الدين. ولما دخل القرن السادس اقترن التصوف نهائياً بالتفلسف وذلك على يد يحيى بن حبش السهروردي (المقتول سنة 587هـ/ 1191م). ولما جاء ابن عربي (ت638هـ/ 1241م)، ونادى بفكرة وحدة الوجود، لم يكن صوفياً بالمعنى السلوكي العملي، وإنما كان فيلسوفاً صوفياً يصدر عن أعماق هذه المعرفة العقلية، وكذلك كان تاليه ابن سبعين وكثير ممن جاء بعدهما حتى اليوم. وأياً ما كان الأمر فقد امتزجت النزعات الصوفية، التي ظهرت في قرون الإسلام المختلفة، لتهيء للثقافة الإسلامية ميداناً جديداً يجمع بين النزعة الروحية على أساس منهج تطهيري مرسوم، والثقافة العقلية التي تدور حول نقطة واحدة هي الإيمان بالتوحيد وفهمه وتطبيقه على أساس أنه يتجاوز العقيدة إلى أن يصبح عاملاً للتسامي الروحي يتمثل في الدنو من العالم الأعلى وضرب المثل للإنسان النموذج بعد أداء واجباته الدينية على أكمل وجه، وذلك هو التصوف.
وانجلى الموقف، بعد بداية القرن الثالث بقليل، عن مدرستين صوفيتين إحداهما تصدر عن روح نظرية تعتمد على آراء جديدة في علم الكلام والفلسفة، وهي مدرسة بغداد الواعية، والأخرى تصدر عن روح عملية تستمد طاقتها من مثل الفتوة والملامتية من ناحية، ومن الغيبة عن الحس وإفناء الذات الإنسانية. إلى حدّ إهمال الواجب الشرعي المعتاد ظاهرياً من ناحية ثانية، وتلك هي مدرسة نيسابور الشطحية أو الغائبة عن الحس أو ما يصطلح عليه بمدرسة السكر فهي تقابل مدرسة الصحو في بغداد.
1 ـ مدرسة بغداد الصوفية
رأينا، فيما مرّ، كيف نشأ التصوف وكيف تشعب، ويحسن هنا أن نبين أن من مؤسسي مدرسة بغداد فريقاً من الصوفية مهما بدا من بعدهم عن الفلسفة فإن عناصرها لا تلبث أن تتبين للمتفحص المدقق على صورة عبارات بسيطة تقتحمها العين ويغفل عنها الذهن، أو إشارات عابرة وأخبار يبدو منها طابع الطرافة لكنها في الحقيقة تمثل البدايات التي ارتكز عليها كيان التصوف في بدايته، ثم استطاع أتباعه ومناصروه التعفية عليها بمرور الزمن فصلاً للتصوف عن الفلسفة، التي أتهم أصحابها قبل غيرهم بالبعد عن روح الدين الإسلامي التي تحرص على أتباع الكتاب والسنة وتنفر من المناورات العقلية والأسالب المنطقية والاقتباسات الفكرية من الفلسفة اليونانية سواء من الجانب المشائي المسرف في العقلانية أو الجانب الرواقي والأفلوطيني والغنوصي الصادر عن الفلسفة الروحية. وتمثلت هذه النصوص والأخبار بصورة العبارات التي سقناها في بداية هذا الفصل وفي أخبار رويت عن الجنيد البغدادي المؤسس الحقيقي للتصوف البغدادي على هذا الأساس العقلي الفلسفي حتى لقد صحت المقارنة بينه وبين أفلوطين على أشمل ما تكون المقارنة. ثم سيتبين لنا من دراستنا هذه مقدار ما أثر سقراط في أوائل الصوفية حتى لقد لقب بالمحاسبي صوفي بارز لا إنتماء إلى قبيلة أو صنعة أو بلد وإنما إلى محاسبة النفس التي تعبر تعبيراً صوفياً عن المبدأ السقراطي المشهور «إعرف نفسك». ولنأخذ في دراسة نفر من مؤسسي مدرسة بغداد الصوفية ولنبدأ بأولهم تاريخياً ونتبعه بآخرين([318]).
أ ـ معروف الكرخي:
كان معروف الكرخي أول زاهد استحق اسم الصوفي لا عن لقب ونسب، وإنما عن فكر ومنهج ورأي؛ فقد كان معروف الكرخي متأثراً بجوهر الفلسفة الروحية التي تتعلق بالنزوع إلى المثل الأعلى على أساس من منهج تطبيقي يتصل بالوصول إلى الحقائق بمعزل عن الثقافات والمناهج التقليدية التي بين أيدي الناس؛ ومن هنا قال عبارته المشهورة «التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق»، فكان في ذلك ينظر إلى التعريف التقليدي للفلسفة الذي تسلسل من اليونانية إلى الكندي ومن بعده في عبارتهم: «الفلسفة علم الأشياء بحقائقها بحسب طاقة الإنسان».
وليس من السهل البحث فيما يتصل بشخص معروف الكرخي وآرائه؛ فلقد اختلط ما كتب عنه وتناقض إلى حدّ يعسر معه على الباحث السريع أن يصل إلى شيء قطعي عنه، ويستغرق هذا الغموض الشديد اسم معروف وبلده ودينه الأول وحياته وأسرته وآراءه.
ب ـ الحارث بن أسد المحاسبي (ت243هـ/ 857م):
من أبرز رؤوس الصوفية الأوائل ممن تأخروا عن معروف الكرخي وساروا في المنهاج الصوفي البغدادي شوطاً آخر. ومن أهم ما يميز الحارث بن أسد أنه كان صوفياً عن بينة واختيار؛ وقد ذكر في كتابه «الوصايا» أنه امتحن كل ما عرف في عصره من اتجاهات إسلامية فبدا له أن التصوف أقربها إلى المثل الأعلى الذي كان يطمح إليه وذلك لتجرده من التنافس المادي الذي وجده عند عامة طوائف المسلمين من جهة، ولإعراضه عن المساس بالفرق الإسلامية الأخرى وارتفاعه فوق مستوى المماحكات الكلامية والفقهية والفكرية من جهة ثانية، ولتعلقه بمنهاج مثالي عملي تطبيقي يتصل بنقاء الإنسانية والالتزام بالإيثار والتسامح من ناحية ثالثة. ويبدو أن استعراض المحاسبي للمدارس الفكرية المعاصرة له أدى به إلى ملاحظة ما بين التصوف والفلسفة في الهدف الذي يتمثل في تحقيق حياة مثالية مجردة من الشوائب للإنسان المفكر، ووجد الالتقاء تاماً في الصدور عن المثل العليا التطبيقية لتحقيق هذا الهدف.
ولما كانت مدرسة بغداد الصوفية الواعية تبحث عن أفكار متعلقة ومنهاج عملي فقد كان فرح المحاسبي بالتعرف على سقراط ومذهبه الضالة التي كان ينشدها في وضع منهج عملي للصوفية المعاصرين له ممن كانوا يبحثون عن طابع خاص يجعل منهم كتلة متميزة عن كلا المتكلمين والمتفلسفين. وهكذا تعلق المحاسبي بسقراط واتخذ فكرة المحاسبة شعاراً وواجهة ومنطلقاً لأفكاره حتى لقب المحاسبي نسبة إلى فكرته الرئيسة لا إلى قبيلة ولا إلى حرفة ولا إلى مدينة، كما درج الناس عليه في عصره.
وأهم ما أسهم به الحارث المحاسبي في التراث الصوفي أنه كان أول صوفي يرسي قواعد المعرفة الصوفية على أساس ثقافي يتمثل في حلقات درس سرية تعقد في غرف مقفلة لا يقبل فيها إلا من يوثق به. وذكر أن المحاسبي، والجنيد البغدادي الآتي، كثيراً ما كانا يتناقشان قبل أن تعقد مثل هذه الحلقات وأن أكثر إنتاج المحاسبي كان يكتب على هذا المنوال. وكان مدار هذه الحلقات البحث في التوحيد باعتباره الفكرة الأساسية للمدرسة الصوفية. وكان من لصوق هذه الفكرة بالصوفية أنهم أطلقوا على أنفسهم عبارة، أهل التوحيد، وقد روي، فيما روي من أخبار المحاسبي أن أحمد بن حنبل حضر سراً مجلساً من مجالس هذا الصوفي فتأثر غاية التأثر بما سمع لكنه أصر على النهي عن سماعه لما فيه من إعمال للعقل في المسائل الدينية على نحو روحي مستقل يتنافى مع توجهه السلفي الحرفي.
ج ـ الجنيد البغدادي (ت298هـ/ 911):
ويمثل الجنيد بن محمد البغدادي القواريري الخزاز قمة المدرسة البغدادية الواعية في التصوف، وكان تالياً للمحاسبي في الزمان والمكانة. ومما زاد تعمقه في التصوف العصر الذي عاش فيه؛ فلقد كان القرن الثالث الهجري عصر الاعتزال واستقلال المباحث الفلسفية وانتقالها من طور الترجمة إلى طور البحث والإفادة. وقد اختار الجنيد التصوف اقتناعاً بعد موازنة بين الأفكار والأحداث المختلفة فاندفع إلى أفكاره اندفاعاً إيجابياً لا سلبية فيه.
نشأ الجنيد في بيت خاله السري السقطي (ت254هـ/ 868م)، وكان من شيوخ التصوف من نهاوند في إيران. وكان أبو الجنيد من أصحاب الحرف يبيع الزجاج ولذا لقب بالقواريري. أما الجنيد فكان خزّازاً وهذا يذكرنا بقيام الأفكار العقلية في الإسلام وغيره على أكتاف طبقة أصحاب الحرف.
2 ـ مدرسة نيسابور الصوفية
مقدمة: الفتوة والملامتية في بلاد فارس:
أثر العامل الثقافي في تكوين الطابع الإيجابي العقلي للتصوف في بغداد وأثر علم الكلام من ناحية والفلسفة من ناحية أخرى في الفكر الصوفي كما عكسه الحارث بن أسد المحاسبي والجنيد البغدادي. أما في فارس فقد كانت البيئة الثقافية تختلف عن مثيلاتها في بغداد؛ كان تركيز الاختلافات أنه، مع ظهور الفتوة في التصوف البغدادي، كان تركيز صوفية إيران على هذه النزعة أقوى وأشد وذلك لأن فكرة الفتوة تراث فارسي قديم نشأ هناك قبل ظهور الإسلام باعتباره إصلاحياً ومخففاً من جور الطغيان المطلق في النظام الملكي الفارسي وتخصصاً لدفع المظالم ومساعدة الفقراء على يد كتلة روحية من صلب المجتمع الفارسي.
وقد استمرت روح الفتوة في فارس بعد الفتح الإسلامي واشتدت لما أحس الحساسون من الفرس أن الفاتحين لم يكونوا نماذج حسنة للمبادىء التي ينادون بها. ومن هنا جاء ردّ الفعل فبرزت جماعات الفتوة في خراسان وكان رائدها التخفيف عن الناس ومدّ يد المعونة إليهم عن طريق التضحية بالمصالح الشخصية، وعن طريق نذر هذه الكتل لأعضائها في سبيل تحقيق المثل الأعلى الذي ينشدونه.
وكان الفتيان الفرس، على هذا الأساس، جبهة من الأتقياء المؤثرين الذين يتعلقون بالمثل الأعلى ويضحون بمطالبهم المادية ومصالحهم الشخصية للتخفيف من الويلات التي يعاني منها قومهم. ومما يدل على رسوخ الفتوة في المجتمع الفارسي أنها تطورت عندهم إلى معنى جديد يزيد على فكرة الإيثار التي تصدر عنها فكرة الفتوة وذلك بالتمسك بفكرة التضحية إلى أقصى حد بحيث تطورت إلى تحري إثارة استنكار الناس لما يقومون به من أعمال وما يعكسونه من تصرفات هي في باطنها فتوة مبالغ فيها وفي ظاهرها استخفاف بالتقاليد والواجبات، وأطلقوا على أنفسهم اسم الملامتية نسبة إلى الملامة على غير قياس، [لأن النسبة إليها في العربية تكون على لفظ ملامية]. وكانت الملامتية في حقيقتها تعني شكلاً من الإيثار يتجه اتجاهاً خالصاً إلى المثل الأعلى دون أن يهتم بالمتواضعات الاجتماعية والمتعارفات الدينية. ومن هنا كان الملامتي يتظاهر بالسكر دون أن يشرب ويتظاهر بالفسق دون أن يفسق ويتظاهر بالشر وهو في حقيقته على اتصال دائم بالخير والحق. وكان الغرض من ذلك أن تخلص عبادة الملامتي وما يقدمه من خير وتضحية من شوائب الغرور والرياء والشهرة والمنفعة وما إلى ذلك من مطالب مادية دنيوية. وقد اشتهرت الملامتية في خراسان على الخصوص وكان من رجالها أبو حفص الحداد [عمرو بن سلمة النيسابوري، (ت270هـ/ 833م)، وحمدون القصّار [أبو صالح بن أحمد بن عمارة النيسابوري، (ت271هـ/ 834م)] وقد صارت الملامتية طابعاً يغلب على التصوف الفارسي في أواسط القرن الثالث الهجري وصار العمل الخالص غير المشوب من المبادىء التي يدين بها من كان يختار المنهج الصوفي إطاراً لحياته الاجتماعية. وقد أدى انتشار مذهب الملامتية في فارس إلى شيوع فكرة الاستخفاف بالرأي العام وبالعرف الاجتماعي والديني ونتج عن ذلك تصريح الصوفية بمكنوناتهم دون تحرج ودون حساب لما يورثه ذلك من إنكار الرأي العام ما داموا في دخيلتهم مخلصين له ـ تعالى ـ الدين.
وقد أثمر اعتياد المجتمع لهذه الظاهرة الصوفية أن صارت هذه التصرفات من طابع التصوف؛ فأطلق عليها اصطلاح الشطحات، وبعد أن كانت الجرأة على خرق التقاليد الاجتماعية والدينية منحصرة في المسائل العملية الاجتماعية تطورت إلى تصريحات وجمل متسرعة يعبر بها الصوفية عن أحوالهم النفسية في الأوقات التي يستشعرون فيها القرب من المثل الأعلى، والفرح بشهوده ببصائرهم. وهكذا جرؤ أبو يزيد البسطامي على القول: «سبحاني سبحاني ما أعظم شأني!» وسهل على الحلاج أن يقول: أنا الحق! دون أن يقصدا تأليه نفسيهما؛ وإنما كانا يعبران عن فكرة يسميها الصوفية الشطح أو عين الجمع أو التعبير بأسلوب الحياة عن اللَّه.
أ ـ أبو زيد البسطامي
(ت261هـ/ 875م):
1 ـ أبو يزيد هو طيفور بن عيسى بن سروشان الذي عاش في بسطام التي ينسب إليها. كان من أسرة مارس أعضاؤها التصوف فكان أبوه زاهداً وأخواه صوفيين. أما جده فكان مجوسياً ثم أسلم.
وكذلك قال: «كنت اثنتي عشرة سنة حدّاد نفسي، وخمس سنين مرآة نفسي أنظر فيما بينهما. فإذا في وسطي زنار فعملت في قطعه اثنتي عشر سنة؛ فإذا في بطني زنار فعملت في قطعه خمس سنين..». وذكر أن أبا يزيد لم يهمل الثقافة الدينية والعقلية فقيل: إنه أخذ عن عدد من الشيوخ بلغوا ثلاثمائة وثلاثة عشر، وهو عدد يقصد به الكثرة من ناحية والمبالغة من ناحية أخرى، والتبرك الرمزي من ناحية ثالثة لأنه يمثل عدد جيش المسلمين في وقعة بدر وبه استطاعوا الانتصار على المشركين بمدد من اللَّه.
ب ـ الحسين بن منصور الحلاّج
(ت309هـ/ 922م):
يعتبر الحلاج معبّراً عن مدرسة السكر الصوفية وهو في أقواله وآرائه قريب الشبه بأبي يزيد البسطامي وخاصة فيما يتصل بشطحاته التي تعبر عن السفر الثالث المتمثل في التعبير عن نفسه في حال من الاندماج في العالم الروحي لا يتناسب مع متعارفات المجتمع. وقد أدى قتل الحلاج إلى إعراض كثير من مؤرخي التصوف وشيوخه عن التطرق إلى هذه الشخصية الصوفية؛ ومن فعل ذلك منهم تناوله في الحدّ الأدنى مما يمكن الخوض فيه.
لقد كان الحلاج فارسياً من مدينة البيضاء وقصد من بلده إلى (تستر) في الجنوب الغربي من إيران، وأخذ عن سهل بن عبداللَّه التستري، ثم قصد إلى بغداد حيث حضر مجالس الجنيد، وبعدها اتجه إلى مكة واتصل بعمرو بن عثمان المكي الذي كان قاضياً في الطائف، وقفل راجعاً إلى بغداد وجعل يدعو هناك إلى مذهب كوّنه لنفسه ودعا الصوفية إلى الأخذ به. وفي تلك الأثناء كانت المجاعات والاضطرابات السياسية والصراع على السلطة في بغداد تتطلب كبش فداء يضحى به وتلقى على عاتقه المسؤولية عن هذه المصائب؛ فوجدت الدولة في الحلاج هذه الضحية فقبض عليه سنة (301هـ/ 910م) وعلق على أحد أبواب بغداد في الكرخ ثم الرصافة باعتباره من دعاة القرامطة، ثم أعيد القبض عليه بعد ذلك بثماني سنين وحكم عليه بالإعدام وقطعت يداه ورجلاه ثم ذبح وأحرق وذري رماده في دجلة، وسبق كل هذا ضربه ألف سوط.
وكان مما قيل في سبب إعدامه أنه وجدت له رسالة أرسلها إلى أنصاره في إيران يقول فيها: «وقد آن آذانك للدولة الغراء الفاطمية الزهراء المحفوفة بأهل الأرض والسماء، وأذن للفئة الظاهرة في الخروج إلى خراسان ليكشف الحق قناعه ويبسط العدل باعه».
ـ وقد ذكر في الحلاج أنه كان سياسياً يريد الزعامة لنفسه. وقيل فيه إنه كان ذا علاقة بالتشيع الإثنا عشري)[319]( وأنه حاول أن يقنع أحد سفراء المهدي المعارض له في توحيد جهودهما في حركته، وقيل: إن ذلك لم يسفر عن شيء.
يضاف إلى هذا أن الحلاج كان أديباً ومتكلماً وفيلسوفاً وصوفياً وشاعراً، وقد ذكر في محاكمته أن سوق الكتب عرفت كثيراً من مصنفاته في المسائل التقليدية، غير أنه لم يصلنا من إنتاجه إلا كتاب الطواسين [= جمع طاسين بمعنى الفصل الروحاني أو الآية في رأي خصوم الحلاج]. ولهذا الكتاب شرح بقلم روزبهان البقلي من صوفية القرن السادس والسابع.
ج ـ السُّهْرَوَرْدي المقتول
[شهاب الدين يحيى بن حبش بن أميرك تصغير أمير بالفارسية] (ت586هـ/ 1190م):
ولد السهروردي في قرية سهرورد غربي إيران في المنطقة الجبلية القريبة من همذان، وظلت هذه القرية عامرة إلى القرن الرابع الهجري [= العاشر الميلادي] لما هوجمت وشرد سكانها، ولم يبق منهم إلا قلة كانت منهم أسرة السهروردي.
بدأ السهروردي ثقافته بالتلقي عن أساتذة معروفين بالاطلاع على الجوانب الفلسفية والعقلية من الموضوعات الإسلامية؛ وكان أولهم مجد الدين الجبلى، نسبة إلى الجبل شمال غربي إيران؛ ومن هناك ذهب السهروردي إلى مراغة عاصمة آذربيجان التي أصبحت مركزاً علمياً عظيماً أيام الدولة الإيلخانية وجعل يتنقل بين الأساتذة. ومما يذكر أن مجد الدين هذا كان استاذاً لفخر الدين الرازي أيضاً؛ غير أن السهروردي والرازي لم يجتمعا في حلقة واحدة لتأخر الثاني في الزمان.
بعد ذلك ذهب السهروردي إلى أصفهان ودرس كتاب البصائر النصيرية للساوي وهو تلخيص لمنطق الشفاء لابن سينا وكان أستاذه في ذلك ظهير الدين الفارسي. وفي أصفهان ترجم السهروردي رسالة الطير لابن سينا إلى الفارسية، ومن هناك ذهب إلى بلاد الروم [تركيا الحالية] واستقر في ديار بكر وألف أول رسالة ظهر فيها استقلاله الإشراقي عن الفلسفة المشائية واقترابه من الفلسفة الأفلاطونية؛ وهذه الرسالة هي الألواح العمادية. وبعد ذلك انتقل السهروردي إلى حلب في سوريا وجعل يناقش أقرانه في الموضوعات العقلية والكلامية وظهرت أصالته هناك وبرز في قوة الحجة وعمق التفكير. ونتج عن ذلك إعجاب الملك الظاهر ابن صلاح الدين الأيوبي به واختصاصه بمودته وتقريبه له؛ وكان ذلك سبباً في حقد الفقهاء عليه وحسدهم له، فجعلوا يدسون له عند صلاح الدين الأيوبي فأمر ولده بقتله ولم يستطع الظاهر إنقاذ صديقه فقتل خنقاً أو صبراً [= تجويعاً] (سنة 586هـ/ 1190م).
د ـ ابن عربي:
محيي الدين محمد بن علي الطائي الأندلسي
(ت638هـ/ 1241م):
هو شيخ الصوفية الأكبر وفيلسوفهم المبرز الذي يشتهر بين المشارقة بالتنكير تمييزاً له عن محمد بن عبداللَّه المكنى بابن العربي (بالتعريف) وهو المعاصر لمحيي الدين وصاحب كتاب أحكام القرآن والعواصم من القواصم الذي يشارك صوفينا في الكنية العربية أيضاً إذ هي أبو بكر والمغاربة يسوون بين الرجلين، ولا يميزون بينهما. لقد كان ابن عربي نفسه يشير إلى نفسه بابن سرقة انتساباً إلى أخواله من الأنصار واعتزازاً بنسبه فيهم لأن فيهم الزاهد الشامي المشهور أبو مسلم الخولاني المعارض لحكم معاوية بن أبي سفيان وقد تعارف الصوفية على وصف ابن عربي بالشيخ الأكبر.
ولد ابن عربي الملقب بمحيي الدين في مرسية بالأندلس في 17 رمضان سنة 560هـ [= 18/7/1165م] من أسرة دينية ذات ثقافة ومكانة اجتماعية، وكان أبوه وزيراً لسلطان غرب الأندلس فانتقل ابن عربي من مرسية إلى إشبيلية، عاصمة هذا الإقليم، في صباه سنة 568هـ وأقام فيها إلى سنة 598هـ/ 1202م وتخللت إقامته فيها رحلات متقطعة إلى شمال إفريقيا وخصوصاً مدينة فاس التي كانت مركزاً ثقافياً وصوفياً معروفاً. وقد بدأ ابن عربي الانضمام إلى التصوف منذ فجر شبابه ودارت حول هذا الاتجاه منه قصة تشبه إلى حدّ بعيد ما نسب إلى إبراهيم بن أدهم الأمير الزاهد، فذكر أن ابن عربي كان حاضراً مجلس شراب دعي والده إليه. فلما دارت الراح وبلغ الدور إلى ابن عربي سمع هاتفاً يهتف به: «ما لهذا خلقت»، وهي ذات العبارة التي روي عن ابن أدهم سماعها من جانب قربوس سرجه.
ويقال: إن ابن عربي استجاب لهذا الحافز وترك المجلس فلقي في الباب راعياً للسلطان فأخذ منه ثيابه كما فعل إبراهيم بن أدهم أيضاً، ثم هام على وجهه حتى وصل إلى مقبرة المدينة. وهناك وجد قبراً قد انهدم وخسف فدخله، وبقي فيه أربعة أيام يذكر. وبعد هذا الزهد المفاجىء استمر ابن عربي في طريق التصوف حتى بلغ ما بلغ. وقد أشار ابن عربي إلى هذه الحادثة في فخر فقال: «فأقمت بتلك الجبانة أربعة أيام فخرجت بعدها بهذه العلوم كلها». والملاحظ في هذه الحادثة كلها عقد صلة بين الزاهد القديم والشيخ الأكبر في الارستقراطية والمجد ليكون شيخ الصوفية الأكبر مثل أميرهم الزاهد الأول.
وبعد الزهد تدرج ابن عربي في مقامات التصوف على المنهج التقليدي الذي يتبعه الصوفية في الاستغراق فترات محددة من حياتهم في مقام واحد من مقامات التصوف يتدرجون بعده في الاستغراق في مقام آخر أشق وأشد من الأول طلباً لرياضة النفس وتعويدها على الجلد والصبر والتركيز الروحي.
فذاع صيته في الأندلس والمغرب. وطلب للوظائف الحكومية وعرض عليه أن يكون موقعاً على المراسيم، ومنشئاً للرسائل ثم مريباً لأبناء السلطان في المغرب. غير أنه لم يطل به المقام في هذه الوظيفة التي قبلها إذ قامت البغضاء والحسد بينه وبين الحاشية والفقهاء كالأمر مع السهروردي في حلب فانسحب إلى الأندلس حيث استزاد من التصوف والسلوك حتى طلب من جديد إلى المغرب سنة 597هـ فظل هناك تسعة أشهر بدأ بعدها رحلته الكبرى إلى المشرق.
ودخل ابن عربي الحجاز حاجاً ومرّ بمصر وصادفته أحداث وصعاب بسبب شهرته وكاد له الفقهاء هناك غير أنهم لم يبلغوا منه مأرباً فأسرع إلى الحجاز وحج من جديد وجعل مكة مركزاً له يعود إليه بعد سياحات قصيرة إلى حواضر المشرق. وقد ذكر ابن عربي أنه زار الموصل.. في نحو سنة 599هـ وبلغ بغداد سنة 601هـ. ثم زار حلب وبقي فيها زمناً قصيراً اتصلت أثناءه الصداقة بينه وبين الملك الظاهر سلطانها وبلغ به المطاف بلاد الروم واستقر في قونية فترة تزوج خلالها بوالدة الصوفي المشهور صدر الدين القونوي [ت672هـ/ 1273م]، واتصلت الأسباب بينه وبين سلطانها وكانت بينهما رسائل.واستقر ابن عربي أخيراً في دمشق موقراً ممجداً، يمضي وقته في التأليف والبحث إلى أن توفي فيها سنة 638هـ/ 1241م ويقوم فيها الآن قبره والجامع الكبير الذي يحويه وقد أمر ببنائه السلطان سليم العثماني ويعد هذا البناء من آثار دمشق الكبيرة اليوم([320]).
الطرق الصوفية
كان التيار الصوفي في الإسلام يتبنى اتجاهاً روحياً يحاول أن يجعل منه منهجاً تطبيقياً يتفاعل مع شتى نواحي الحياة الإسلامية. وقد حاول التصوف أن تكون له فلسفة تربوية تقوم على قطع العلائق في المجتمع وإعلاء الجانب المثالي على صورة تتمثل في الزهد الشديد المنظم.
من هنا حاول أوائل الصوفية أن يؤسسوا مدارس لهم لتعليم هذه الفلسفة على صورة عملية، ومن هنا قيل: إن أول رباط صوفي أنشىء في الرملة بالشام في منتصف القرن الثاني الهجري.
وانتقل الصوفية من إطلاق اسم الرباط على مدارسهم إلى لفظ خانقاه الفارسي. وفي العصور الأخيرة أطلقت عليه كلمة الزاوية كما عند أصحاب الطريقة السنوسية. وكان البكتاشية يسمون هذه المراكز بالتكايا. وما يزال هذا الاسم يطلق على بعض المراكز الصوفية في الوقت الحاضر في المثابات الصوفية التركية والكردية، وفي ليبيا المعاصرة استعملت كلمة المنارة.
وينبغي الالتفات إلى أن لفظ رباط كان يطلق في البداية على المعسكرات والحاميات الإسلامية من البلاد المفتوحة، وهذا هو السبب في تخلص الصوفية في هذه التسمية بعداً بمشربهم عما يوحي به هذا اللفظ من نزعة عسكرية.
هذا هو الأساس التاريخي لمحاولة التصوف الاستقلال الفعلي عن أصحاب المدارس الفكرية الأخرى في المجتمع الإسلامي كالفقهاء والفلاسفة والمتكلمين، وعلى هذا الأساس نشأت الطرق الصوفية المتأخرة.
وقبل الانتقال إلى هذه النقطة تنبغي ملاحظة أن التصوف حاول، ابتداءً من القرن الرابع الهجري، أن يخطط له أنماطاً ومظاهر وتقاليد تشكل طابعاً خاصاً يميز جماعة من الصوفية عن أخرى دون الالتفات إلى الوجوه التربوية والاجتماعية. غير أن هذا الاتجاه غلبت عليه المدارس الصوفية التي تمثلت في الطرق فيما بعد. وقد حاول الصوفية قبل ظهور الطرق أن يتسموا بالفرق الصوفية؛ ونستطيع أن نربط أصحاب الاتحاد والحلول ووحدة الوجود من الصوفية بالتقسيمات الصوفية المتعلقة بالفرق ونجعل التطبيقات العملية التي نادى بها شيوخ التصوف اعتباراً من القرن السادس الهجري مبادىء تكوّن ملامح الطرق الصوفية. وبمعنى آخر فإن ما يتصل بالمبادىء النظرية من التصوف يندرج تحت اسم الفرق وما يتفرع عن التطبيقات العملية ينطبق على مفهوم الطرق، على أننا ينبغي أن نلاحظ أن الفرق قد توقف نموها إلا على صورة فردية تتمثل في آراء شخصية تلوح في كل فترة دون أن يكون لها خطر أو أهمية، على عكس الطرق التي صاغت القالب الذي ينصب منه تجمع الصوفية على صورة من الصور.
ـ نشأة الطرق الصوفية:
لقد وصفت هذه الطرق وأولها الطريقة القادرية المنسوبة إلى الشيخ عبدالقادر الجيلي (ت561هـ/ 1166هـ) بالهيئات الصوفية المنظمة، واختلفت الآراء في بداياتها. وقيل في نشأة أوائلها: إن بعضها أسس قبل الغزو المغولي في أوائل القرن السابع الهجري [= الثالث عشر الميلادي] وإن كانت هذه الطرق قد تعددت وتشعبت منذ القرن الثامن الهجري [= الرابع عشر الميلادي] في جميع الاتجاهات من السنغال غرباً إلى الصين شرقاً.
نماذج من الطرق الصوفية القديمة:
على أن أول الطرق تاريخياً تنسب إلى الشيخ عبدالقادر الجيلي، وذكر أن لها أتباعاً في جميع أنحاء العالم ومنها الجزائر وجاوه وغينيا والهند ويوغوسلافيا والعالم العربي وغيرها. وتدل الدلائل التاريخية أن للدولة العثمانية دوراً بارزاً في نشر هذه الطريقة في أنحاء امبراطوريتها الواسعة.
وبعد هذه الطريقة ظهرت الطريقة الرفاعية التي تنسب إلى السيد أحمد الرفاعي (ت570هـ/ 1173م) وتتميز بقدرة أعضائها على القيام بأعمال غريبة كابتلاع الجمر وإمساك الأفاعي الحية وأكل الزجاج وخرق أجسادهم بالمسلات والسكاكين.
تلت هذه الطريقة في الظهور الطريقة المولوية التي تنسب إلى مولانا جلال الدين الرومي (ت672هـ/ 1273م) وقد نزح أبوه من فارس هرباً من الزحف المغولي واتجه إلى بلاد الروم، واستقر في قونية. وقد لاحظ الباحثون أن جلال الدين قد خرج عن المأثور من تقاليد الإسلام بإفراده للموسيقى مكاناً بارزاً في مراسم طريقته، وبتشجيعه الناس على اتخاذ الحرف، وبمخالطته لأمراء البلاط السلجوقي هناك حتى أدى ذلك بصوفية آخرين إلى الثورة عليه واتهامه بالنزعة الارستقراطية والقيام في وجه الدولة التي يحالفها على صورة ثورة مسلحة قادها شيخ طريقة جديدة سمت نفسها بالطريقة البابائية نسبة إلى شيخها: بابا إسحاق الكفرسودي، وكفر سود قرية قرب حلب نزح منها.
وقد اشتقت من هذه الطريقة [= الطريقة البابائية] طريقة أخرى كان لها ذيوع عظيم في تركيا والبلاد الإسلامية الأخرى هي الطريقة البكتاشية المنسوبة إلى محمد الخراساني الملقب بحاج بكتاش من رجال القرنين السابع والثامن الهجريين، وكانت الطريقة البكتاشية تختلف عن هذه الطرق جميعاً باعتمادها الكلي على التشيّع في تكوين عقائدها. وقد خدمت هذه الطريقة الدولة العثمانية بصورة غير مباشرة وذلك بإدخالها أعداداً كبيرة من المسيحيين إلى الإسلام وكان منهم زبدة الجيش العثماني الذي أطلق عليهم اسم الانكشارية [= تعريب اليني جري بمعنى الجيش الجديد].
وكان لهذه الطريقة تكايا في كثير من البلاد الإسلامية وما زالت كذلك في تركية المعاصرة، جنباً إلى جنب مع الطريقة المولوية، وكذا في يوغوسلافيا والبانيا وغيرهما([321]).
والكلام يطول في الطرق الصوفية التي تنتشر اليوم في طول العالم الإسلامي وعرضه، ولكن لا بدّ من ذكر الحركة المهدية في السودان التي قادها الصوفي العلوي محمد أحمد بن عبداللَّه (1260 ـ 1303هـ/ 1844 ـ 1885م) في نهاية القرن الثالث عشر الهجري [التاسع عشر الميلادي]، وقد استطاع هذا الصوفي أن يحرر السودان من الاستعمار وأقام دولة سودانية وطنية وقام بإصلاحات دينية واجتماعية وألغى الرقّ.
ولا يمكن تجاهل الطريقة السنوسية التي أسسها علوي صوفي آخر هو محمد بن علي السنوسي الذي ولد في مستغانم في الجزائر عام (1202هـ/ 1791م وتوفي سنة 1276هـ ـ 1859م) واستطاع أن يؤسس كياناً صوفياً سياسياً عسكرياً فقهياً حضارياً بمفرده بعد قيامه بسياحة طويلة في العالم الإسلامي كله.
ومن الطرق الصوفية التي تنتشر في أفريقيا على الخصوص الطريقة التجانية التي أسسها في المغرب الصوفي العلوي الآخر أحمد بن محمد التجاني (1150 ـ 1230هـ/ 1737 ـ 1814م) وأقام كيانها على قاعدة ثقافية متحررة استطاعت أن تجذب إليها الكثير من التجار والبرجوازيين وأتباع المذاهب الفقهية المختلفة؛ حتى لقد سميت بالطريقة الإبراهيمية نسبة إلى إبراهيم (عليه السلام) أبي الأنبياء.
وبقطع النظر عن كثير من الطرق التقليدية الأخرى، كالنقشبندية التي تنتشر في آسيا الوسطى وتمتد غرباً إلى الشرق العربي وشمالي أفريقية، والطريقة الشاذلية التي تصل إلى مصر من أصقاع شمالي أفريقية، والطريقة الرفاعية التي تتفرع منها الطرق الأخرى التي تمارس الرياضات الخارقة للطبيعة كالطعن بالسلاح وشرب السموم والدخول في النار وما إلى ذلك كالطريقة الكسنزانية في العراق والأسمرية في ليبيا، نقول: بقطع النظر عن هذه الطرق.
فإنه لا يقتصر واقع التصوف اليوم على الطرق الصوفية وأشباهها وإنما سجل تاريخ التصوف الشكل الفردي الفلسفي له المتمثل باستمرار حمل كثير من الأفراد لفكرة وحدة الوجود كعبدالغني النابلسي (ت1143هـ/ 1731م). والبطل الجزائري الكبير عبدالقادر ابن محيي الدين الحسني (1222 ـ 1300هـ/ 1807 ـ 1883م) صاحب كتاب «المواقف في التصوف». ويمكن اعتبار محمد إقبال (1289 ـ 1357م/ 1873 ـ 1938م) صوفياً من طراز جديد وأصيل يتمثل في فلسفة الذات التي حاول فيها أن يجمع بين الفكر التطبيقي المجرد على صورة أقرب إلى التصوف، وحاول أن ينفذ إلى أعماق الذات الإنسانية على الأسلوب الصوفي ويخضعها لبرنامج يزيل عنها تراكم السنين ويصفيها من أشكال النقص الموروثة.
د.كامل الشيبي
هل للحلاج نزعة شيعية؟
اختلفت الأقوال في (الحلاج) وقد ورد ذكره فيما تقدم. وفي هذا البحث الذي كتبه الأستاذ عبده وازن وهو يقدم لديوان الحلاّج يرى القارىء ما قِيل عن عقيدة الحلاّج.
ومن بين ما قِيل في ذلك: الجزم بتشيع الحلاّج. ونحن هنا نعرض هذه الأقوال كما أوردها الأستاذ وازن، نعرضها على تباينها:
لم يُتَّهم شاعر ومتصوّف مثلما اتُّهم الحلاّج في حياته وبعد مماته. والخلاف الذي قام حوله وحول قضيّته ومبادئه لم يُحسم حتى الآن. وهو لن يُحسم، على ما يبدو، نظراً إلى الالتباس الذي يكتنف شخصيّة الحلاّج ومواقفه. وما برح الكُتّاب والباحثون يختلفون عليه، حتّى وإن أجمعوا كلّهم على ريادته في حقل التصوّف، وعلى فرادة تجربته وأصالتها وعلى عمق دعوته وجرأتها؛ كما يسعى البعض إلى أن يُسبغ عليه مواصفات تجعله ينتمي إلى فئة دون أخرى، وإلى مذهب دون آخر. ولطالما قُرىء الحلاّج قراءة شيعيّة صرفة وقراءة سنيّة صرفة. ولطالما قِيل إنّه زنديق ومجوسيّ وقرمطيّ، وباطنيّ وإسماعيليّ، وإنّه من دعاة الحلولية والألوهة ووحدة الوجود وسواها… ولم يتوانَ بعضُ المستشرقين عن قراءته قراءة مسيحيّة انطلاقاً من بعض نصوصه ومن مأساة صلبه، ولكن من دون أن ينكروا إسلامه، وقرأه البعض قراءة توحيديّة، والبعض قرأه على ضوء وحدة الأديان نظراً إلى اعتباره «الأديان فرعاً لأصل واحد». وكفّر البعض الحلاّج وأسقط عنه صفات العرفان والحكمة والإيمان، نظراً إلى شهاداته التي ذاعت وأبرزها قوله: «أنا الحقّ»، ودعوته إلى الكفر حين قال: «كفرت بدين اللَّه…». غير أنّ الكفر الذي قال به الحلاّج ليس فيه من الكفر إلاَّ ظاهره، أمّا باطنه فإيمان شديد. وقد ورد في أخبار الحلاّج قوله: «ليس على وجه الأرض كفر إلاَّ وتحته إيمان…». ولعلّ الاختلاف الذي لم يُحسم حول الحلاّج هو الذي جعل منه شخصية غنيّة ومثيرة للجدل وقابلة للتأويل والاجتهاد.
وقد بدا الحلاّج متناقضاً في بعض مواقفه المعلنة، ولكن مَنْ يُنعم النظر في تلك المواقف يعلم أنّ تناقضه ظاهري لا جوهري. فهو عاش ما قال ونادى به، ولم يقل ويُنادِ إلاَّ بما كان على قناعة تامّة به. وبات الحلاّج، من كثرة ما كيلت له التهم، شخصاً غامضاً في نظر العامّة. أمّا الذين أجادوا قراءته فعهدوا فيه مثالاً راقياً للمتصوّف الذي تخلّى عن كلّ شيء وزهد في العالم، ولم يعرف إلاَّ أن يحبّ بارئه حبّاً كلّيّاً. ولكنّ الحلاّج المتصوف والمنقطع إلى اللَّه كان صاحب دعوة إصلاحية أيضاً. فهو لم يُطقِ الظلم والفساد اللّذين كانا يعيثان خراباً في المجتمع والحياة، فراح يدعو إلى إحلال الحقّ والعدل مُسْتوحياً المبادىء التي نشأ عليها. ولعلّ صورته الإصلاحية هي التي جرّت عليه وبال التهم، وقادته إلى السجن، فإلى المحاكمة فالموت صلباً.
إتُّهم الحلاّج إذاً بما قُيّض لأعدائه أن يتّهموه به، وأبرز التهم كانت القرمطية التي كانت «تهمة العصر» كما يجمع الرواة والمؤرّخون. والتهمة هذه عاقبتها وخيمة جدّاً إذ تجمع بين الاتّهام السياسيّ والاتّهام الدينيّ، والقرامطة هم من الفِرق التي انشقّت عن الشيعة المغالية، وتركّزت حركتهم بعد اندلاع ثورة الزنج في جنوب العراق. وتمكّن القرامطة من تأسيس دولة مستقلّة عن الخلافة العبّاسيّة مركزها بعض مناطق الخليج الفارسيّ. وراح القرامطة يناوشون السلطة فأغاروا على طرق مكّة حتّى تمكّنوا من احتلالها، ومنها حملوا الحجر الأسود. ولم ينكفىء القرامطة إلاَّ بعد قرابة مئة عام على قيام حركتهم، لكنّ مبادئهم السياسيّة والدينيّة استمرّت ضمن توجّهات الدولة الفاطمية([322]). ويسوق الكاتب المصريّ عبدالقادر محمود في كتابه الفكر الإسلامي والفلسفات المعاصرة([323]) معلومة عن كتاب أرسله الحلاّج إلى شاكر بن أحمد يقول فيه:
«اهدم الكعبة وابنها بالحكمة حتّى تسجد مع الساجدين وتركع مع الراكعين».
ولا يتوانى الكاتب المصريّ عن المقارنة بين هذا القول المنسوب إلى الحلاّج وبين الدعوة القرمطيّة التي انتهت بنقل الكعبة متّهماً الحلاّج بالمضيّ في مخطّطه «المتمرّد والثائر». وقد فاته ما دعا إليه الحلاّج نفسه ممّا سمّاه بـ«الحجّ المعنويّ» وهو يندرج في إطار نظرته الخاصّة إلى الفرائض والشعائر، وكان يعتبرها مجرّد وسائط يمكن تجاوزها للوصول إلى الحقيقة الإلهية التي تنطوي عليها. وهذا ما سيتوضّح لاحقاً لدى التطرّق إلى مفهوم الحلاّج للفرائض.
كان من الطبيعيّ أن يُجمع الكثيرون من الباحثين على أنّ الحلاّج كان على اتّصال سرّيّ بالقرامطة. ولا يعتبر الباحث اللبنانيّ الدكتور سامي مكارم الأمر مُستهجناً، إذ ليس من الغريب في نظره أن يتّصل الحلاّج بحركة الزنج، وحركة القرامطة تالياً، بل هو يرجّح اتّصاله بالحركة القرمطية. ويرى مكارم في كتابه الحلاّج في ما وراء المعنى والخطّ واللون([324]) أن سلوك الحلاّج ونهجه الفكريّ وروحه الثوريّة ودعوته الإصلاحية السياسية والاجتماعية كانت مشابهة جميعها لنهج القرامطة وروحهم الثوريّة، ودعوتهم إلى تغيير النظم الاجتماعية والسياسية. ويرى مكارم أنّ الصلة بين فكر الحلاّج والعقيدة الفاطمية الإسماعيلية كانت وثيقة([325]). لكنّ التهمة القرمطية لم تتلبّس الحلاّج كلّيّاً حتى وإن قادته في محاكمته الأولى إلى أن يُعرض مصلوباً ثلاثة أيّام، وأن يُدخل السجن فترة([326]).
ولكن حتى المستشرق لويس ماسينيون لم يتمكّن من إثبات «التهمة» عليه أو من نفيها نفياً قاطعاً. وكذلك لم يستطع ماسينيون أن يجزم بانتماء الحلاّج إلى التشيّع أو عدم انتمائه إليه، على ما يتّضح من دراسته الشهيرة «بحث مسرى السيرة: حال الحلاّج ـ شهيد التصوّف في الإسلام» حيث يستعرض تأثّراته الشيعية وسلوكه السنّيّ.
غير أنّ قراءة ماسينيون للحلاّج لن تنحصر في وجهة معيّنة، فهو لن يلبث أن يقرأ مأساته وآلامه على ضوء تجربة المسيح من غير أن ينفي عنه سنّيّته ونزعته الشيعيّة، ومن غير أن يسبغ عليه أيّة صفة مسيحية ثابتة؛ بخلاف ذلك نراه يتبنّى التفسير الإسلاميّ للبيت الشهير الذي يقول الحلاّج فيه:على دين الصليب يكون موتي
ولا البطحا أريد ولا المدينه«
وإن سعى ماسينيون إلى التخفيف من تَشَيُّعِ الحلاّج وتَقَرْمُطِهِ فإنّ بحَّاثة آخرين وسموه بالتشيّع، إمّا جهاراً وإمّا مواربة. فأحمد أمين قال عنه حرفيّاً: «وكان شيعيّاً إماميّاً»([327])، أمّا كامل مصطفى الشيبيّ فاعتبر أنّ الحلاّج اتّجه إلى الشيعة الإثني عشريّة إبّان محنة الغيبة الصغرى للمهديّ عندهم، بُغية التحالف معهم وإشراكهم في حركته التي تحقّق له أهمّ ما يصبون هم إليه، وهو إسقاط الدولة العبّاسية([328]). وينقل الشيبيّ عن المقدسيّ أنّ الحلاّج ذكر في كتاب له أسماء الأئمّة الإثني عشر، بدءًا من عليّ وانتهاءً بالمهديّ. لكنّ الشيعة الإثني عشرية أعرضوا عنه بحسب بعض المصادر الشيعية([329])، واتّهموه بمنازعة رؤسائهم على الزعامة الدينية والقيادة المذهبية. وتسأل قمر الكيلانيّ في كتابها في التصوّف الإسلامي:
«ولكن هل كان الحلاّج في حقيقته شيعيّاً؟»
وتُجيب أنّها لا تدري ما حقيقة الأسرار الّتي أحاطت بحياة هذا «الصوفيّ الكبير»)[330](. وكان من السهل حينذاك الربط بين التشيّع والتصوّف؛ فالتشيّع أثّر كثيراً في المتصوّفة وفي فكرهم وقد أخذ هؤلاء من التشيّع نظريات جمّة.
وواقع الحال أن الحلاّج أتُّهم بالعمل مع العلويّين على قلب النظام. ورأى البعض أن اتّصاله بالعلويّين كان من أجل القيام بحركة مشابهة لحركة الزنج ولتأسيس دولة كالدولة الزيديّة في طبرستان([331]).
ويرجّح البعض أنّ الحلاّج حمل اسمَيْن على غرار دعاة الإسماعيلية، الأوّل هو الشائع والمعروف، والثاني هو السرّيّ أو الحركيّ المحصور ضمن الجماعة. وينقل الشيبيّ عن مسكويه في كتابه تجارب الأمم أنّ الحلاّج كان يحمل اسماً سرّيّاً هو محمّد بن أحمد الفارسيّ، استدلالاً على نزعته الإسماعيلية.
ظلّ الحلاّج طوال حياته وبعد مماته ضحيّة سوء التأويل، وإن دافع عنه بعضُ مريديه وبعض الباحثين، فإنّ البعض من الذين عرفوه وكتبوا عنه لم يحسنوا فهمه ولا استيعاب تجربته، فراحوا يطلقوا عليه أحكاماً عشواء، فقال عنه الصوليّ إنّه:
«جاهل يتعاقل وغبيّ يتبالغ وفاجر يتزهّد»([332]).
وكفّره بعض المتكلّمين وجزم بعضُهم أنّه على مذهب الحلولية، ونسبه القاضي أبو بكر محمد بن الطيّب الأشعريّ إلى «معاطة الحيل والمخاريق». ورأى فيه ابن النديم:
«جاهلاً مقداماً جسوراً على السلاطين مرتكباً للعظائم يروم انقلاب الدول»([333]).
وأتُّهم بالسحر والشعوذة. وصنّفه البعض تحت خانة «الزندقة الصوفية» واعتبره من أشهر المتصوّفين الزنادقة([334]).
أمّا أطرف ما وُصف به الحلاّج فهو ما أورده أحمد أمين قائلاً عنه:
«كان حادّ المزاج، غريب الأطوار يشبه الناس الّذين عندهم هستيريا»([335]).
* * *
عُرف عن الحلاّج أنّه حجّ إلى مكّة ثلاثة مرّات، وأنّه كان يصوم رمضان كاملاً، وكان في عيد الفطر يكتسي بالأسود ذاك أنّه «لباس من يُردّ عليه عمله»([336]). ومكث في مكّة عاماً للعمرة في حرم البيت صائماً وصامتاً. وقد انطلق ماسينيون من هذه المعطيات ليؤكّد أنّ الحلاّج كان «ذا نزعة سنّيّة دائمة»([337]) على الرغم من اعترافه بأنّ «الشيعة الإسلامية تصرّ على أنّ الألوهيّة يتعذّر بلوغها»([338])، وقد أكّد عددٌ من الباحثين أيضاً سنّيّة الحلاّج، منطلقين بدورهم من أقوال وعبارات فاه بها وهي، بحسب محمد جلال شرف «تجعلنا ننسبه إلى الطائفة التي تمثّل التصوّف السنّيّ الحقيقيّ النابع من القرآن والسنّة»([339]). ولا يلبث شرف أن يعترف بأنّ الحلاّج انحرف عن الطريق السنّيّ لكثرة ما خالط الناس في الدول التي زارها، لكنّه عاد في المرحلة الأخيرة من حياته، (وهي المرحلة التي حصلت فيها محاكمته)، عاد إلى مذهبه السنّيّ مرّة أخرى «خشية أنّ يأخذ سيف الشرع». ويتذرّع شرف بما لفظه الحلاّج لدى محاكمته ونقل عنه في معظم تراجمه، ليؤكّد أن الحلاّج كان من الذين قالوا بتفضيل الخلفاء الأربعة وبقيّة العشرة من الصحابة. ويقرن شرف بين موت الحلاّج شهيداً وموت عثمان بن عفّان وهو يقرأ القرآن والمصحف بين يديه. فالحلاّج لم يمت إلاَّ بعدما صلّى ركعتين وتلا آيات من القرآن. وذكر ابن خلّكان احتجاج الحلاّج لدى محاكمته:
«فقال لهم الحلاّج: ظهري حمى ودمي حرام وما يحلّ لكم أن تتقوّلوا عليَّ ما يبيحه (الدين) وأنا اعتقادي الإسلام ومذهبي السنّة وتفضيل الأئمّة الأربعة الخلفاء الراشدين وبقيّة العشرة من الصحابة ـ رضوان اللَّه عليهم أجمعين ـ ولي كتب في السنّة موجودة في الورّاقين فاللَّه اللَّه في دمي، ولم يزل يردّد هذا»([340]).
ويعتمد بعض المدافعين عن سنّيّة الحلاّج بعض ما ورد على ألسنة العلماء والفقهاء والمؤرّخين والرواة فقد قال عنه ابن سريح مثلاً:
«إنّي أراه حافظاً للقرآن عالماً به ماهراً في الفقه عالماً بالحديث والأخبار والسنن، صائماً الدهر، قائماً الليل»([341]).
وقال عنه النصرأباذي:
«إن كان بعد النبيّين والصدّيقين مُوَحّد فهو الحلاّج»([342]).
ويرجع بعضُ المدافعين عن إسلام الحلاّج إلى ما نُقل عن لسانه هو، ومنه ما ورد في أخبار الحلاّج من مثل قوله:
«إنّ اللَّه ذات واحد قائم بنفسه، منفرد عن غيره بقِدمه، متوحّد عمّن سواه بربوبيّته، لا يمازجه شيء ولا يخالطه غير ولا يحويه مكان ولا يدركه زمان ولا تقدّره فكرة ولا تصوّره خطرة ولا تدركه نظرة ولا تعتريه فترة»([343]).
ولا أخال أحداً قال في البارىء ما قاله الحلاّج في وصفه هذا، فهو ينمّ عن إيمان عميق وإلمام نافذ بالشأن الربّاني. ويرد في أخبار الحلاّج أيضاً ما قاله أحمد بن فاتك على لسان الحلاّج:
«من ظنّ أن الإلهيّة تمتزج بالبشريّة أو البشريّة بالإلهيّة فقد كفر. فإنّ اللَّه تعالى تفرّد بذاته وصفاته عن ذوات الخلق وصفاتهم فلا يشبههم بوجه من الوجوه ولا يشبهونه بشيء من الأشياء، وكيف يتصوّر الشبه بين القديم والمحدث»([344]).
ويجب التوقّف عند تزكية القشيريّ، (المعروف باتّجاهه السنّيّ)، للحلاّج، إذ ذكر عقيدته مع عقائد أهل السنّة في مستهلّ رسالته درءاً لأيّة تهمة قد تكال له([345]).
ومن يرجع إلى ما قال الحلاّج عن «النور المحمّديّ» وتفرّد به، يتبيّن أيّة منزلة يتبوأ الرسول في نظر «شهيد الحقّ». فالنور المحمّدي هو نور قديم منه انبعثت جميع أنوار النبوّة([346]). ويرى الحلاّج في نظريّته هذه أنّ للنبيّ محمّد صورتين: صورته نوراً أزليّاً قديماً كان قبل أن تكون الأكوان ومنه انبثق كلّ نور وعرفان، فهو إذاً مصدر الخلق جميعاً، ومنهم آدم ولو كان هو الأب في الزمان، وصورته نبيّاً مرسلاً وكائناً محدثاً وجد في زمان ومكان محدودين وأدى رسالة النبوّة، ولو لم يُرسل محمّد لما اكتملت الحجّة على جميع الخلق. ويقول الحلاّج في كتاب الطواسين ما حرفيّته:
«سراج من نور الغيب بدا وعاد وجاور السّرج وساد. قمر تجلّى من بين الأقمار (…) سمّاه الحقّ أُمّيّاً لجمع همّته وحرميّاً لعظم نعمته ومكّيّاً لتمكينه عند قربته (…) أنوار النبوّة من نوره برزت وأنواره من نوره ظهرت وليس في الأنوار نور أنور وأظهر وأقدم في القدم، سوى نور صاحب الحرم. قمّته سبقت الهمم ووجوده سبق العدم واسمه سبق القلم لأنه كان قبل الأمم والشيم…»([347]).
ولا يقول الحلاّج بقدم النور المحمّديّ حتّى يعترف، بحسب المستشرق نيكولسون، أنه يجد في عيسى المثال الكامل الذي وصل إلى مقام القربى كما سيرد لاحقاً. ولا يجاهر الحلاّج بإسلامه ويصوم ويحجّ إلى مكّة حتّى يقول لاحقاً بالحجّ المعنويّ ويدعو إلى تخطّي الشعائر والفرائض إلى الحقيقة الإلهية ولا ينادي بالإيمان حتى ينادي بالكفر، («كفرت بدين اللَّه…»).
ترى هل كان الحلاّج على حالٍ من التناقض والانفصام أم أنّه كان يعيش صراعاً داخلياً يدفعه حيناً إلى القول بأمر وحيناً إلى نفيه؟ أم هي حال السكر الصوفيّ تحفزه على قول ما لا يجرؤ على قوله عادة، ثمّ حين يصحو ينسى ما قال وينقضه؟ وهل كان إشهاره سنّيّته حين محاكمته مجرّد ردّة علنية خوفاً من السيف المسلّط فوق رأسه، كما قال البعض؟ وهل ينفي قوله في إحدى قصائده: «أنا سرّ الحقّ ما الحقّ أنا» عبارته الشهيرة «أنا الحقّ» التي هزّت أهل الشرع والتصوّف؟ وهل ينفي اعترافه أن قلبه خالٍ من أيّ أمر سوى التوحيد([348]) قوله السابق الذي يشي بالحلول وطالما أتُّهم به وهو: «أنا من أهوى ومن أهوى أنا»؟ وإذا عدنا إلى بعض ما سيق على لسانه في أخبار الحلاّج لألفيناه يناقض ما قاله في بعض قصائده حتّى ليصحّ حكم الغزالي في كون ما يقوله هو «من فرط المحبّة وشدّة الوجد».
غير أن الحلاّج قد يبدو متناقضاً في نظر من يقرأه قراءة أفقيّة أو «خارجيّة». أمّا من يقرأه قراءة عميقة وباطنية فيدرك أنّ تناقضه ظاهريّ وعرضيّ وليس جوهريّاً. فحالات الوجد والسكر الّتي حملته إلى مراتب الحلول والفناء والتجلّي لا تتباين مع حالات الوعي والتأمّل التي كان يحياها أيضاً، إلاّ تبايناً ظاهريّاً. فالحلاّج واحد حتّى في أقصى انفصامه الذي ليس هو بانفصام. ولعلّ الاختبار الروحيّ العظيم الذي كابده في حياته وفي محاكمته وصلبه أضحى هو الجوهر الّذي لا تضاهيه التفاصيل كي لا أقول الأجزاء. وقد انصهر الحلاّج في نار تجربته حتّى بات أقوى من أن يشمله أيُّ حكم أو تصنيف. وحالته النورانية التي أُنعم عليه بها ساعدته على تجاوز التناقضات نفسها. وكذلك أعانه عذابه الروحيّ على تخطّي العذاب العابر ليصل إلى الخلاص عبر الشهادة مفتدياً حتّى أولئك الذين عذّبوه وقتلوه.
عبده وازن
ونقول: اختلفت أقوال علماء الشيعة الأقدمين في الحلاّج؛ فقد عدّ العلاّمة الحليّ الحسن بن المطهر في الخلاصة الحلاّج من المذمومين فقال:
ومنهم الحسين بن منصور الحلاّج([349]).
والسيد نور اللَّه التستري في (مجالس المؤمنين)، واللاهجاني في (محبوب القلوب) أثنيا على الحلاّج وأمعنا في إطرائه والثناء عليه وانزلاه المنازل العالية([350]).
وقد نشر الكاتب الإيراني (منصور جغتائي) ما قال إنه رأى الشيخ المفيد في الحلاّج، متطرقاً إلى رأي غير الشيخ المفيد من علماء الشيعة في التصوف. والكاتب نفسه لا يجزم بأن الكتاب الذي ورد فيه رأي الشيخ المفيد، لا يجزم بأنه للشيخ المفيد، لذلك فإن هذا الرأي يظل موضعاً للشكّ.
على أنه لا بدّ من الاعتداد برأي السيد نور اللَّه التستري، وهو من هو في المقام العلمي الشيعي الرفيع، وكذلك القول في اللاهجاني..
قال منصور جغتائي ما تعريبه:
رأي في الحلاّج منسوب للشيخ المفيد
محمد بن محمد بن النعمان المفيد، المعروف بابن المعلم (336 ـ 413هـ) هو أحد العلماء الكبار في القرن الرابع الهجري وأوائل القرن الخامس. وكان ذانك القرنان من أهم المراحل في تاريخ التصوّف، وقد شهد ذلك العصر شخصيات كبيرة قاموا بنشر عقائدهم وأفكارهم وطرقهم.
إن زهد بعض المتصوفين وسيرتهم الحسنة ونظمهم وانضباطهم كان من دواعي تجمع الناس عندهم والالتقاء في مجالسهم، متزكين متعلمين. ومن تلك المجالس ما كان يسمى بالخانقاه في خُراسان والعراق وفارس، الخانقاه الذي كان له نفوذه، بين الناس. ولكن غالباً ما كان الخلاف يبرز بين فقاء المذاهب المختلفة والمتصوفة فيؤدي إلى تهديدهم وإيذائهم وقتلهم.
وقد تحول التصوف خلال أربعة قرون بشكل تدريجي من حالة الزهد والتعبد إلى قالب خاص، وثبت واستقام عليه. فصوفية القرن الرابع تصدّت لمهام شرح وتفعيل آداب الطريقة ورسومها، وكيفية السير والسلوك ومراحل ومنازل السالك، وقسّموها إلى مراحل أطلقوا عليها اسم (المقامات) وأضحى على كل سالك أن يطوي هذه المقامات ليصل إلى الحقيقة، وليكون فانياً في اللَّه.
وفي هذه الفترة شهدت البلدان الإسلامية كثرة في مراكز التصوّف (الخانقاه) وخاصة في إيران، ففي نيشابور وحدها كانت هناك عدة مراكز للصوّفية في أوائل القرن الخامس كالكرامية في خُراسان. وفي منطقة ما وراء النهر أيضاً كانت هناك عدة مراكز يأوي إليها مرتدو الجبة الصوفية. ففي عهد (الهجويري) كان في خُراسان وحدها ثلاثمائة من كبار مشايخ الصوفية، ولكل واحد منهم أسلوبه الخاص في التصوّف. وفي أيام (المقدسي) ظهرت جماعة من الصوفية في شيراز.
ولما كان الصوفيون لا يعتقدون بالعلوم الظاهرية، ويجدونها غير كافية للوصول إلى اللَّه؛ لهذا كانوا دوماً يعيشون حالة الإنكار والصراع مع الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة، وكانوا لا يعتنون بالكتب خشية أن يشغلهم علم القال عن علم الحال. حتى أنهم كانوا يهتمون أحياناً بإتلاف الكتب، ويقولون: (بدا من هذا الأمر كسرُ المحابر، وتمزيق الدفاتر، ونسيان العلوم).
ونقل كتاب (أسرار التوحيد) عن أحوال (أبو سعيد أبو الخير) والمؤامرة الكبرى التي حيكت ضده في نيسابور من قبل أئمة الفقه هناك فقال: (عندما أتى الشيخ أبو سعيد ـ قدس اللَّه روحه العزيز ـ إلى نيسابور، وبدأ بمجالسه، أقبل عليه الناس، واجتمع حوله كثير من المريدين… فكان يرتقي المنبر، وينشد الشعر، ولا يذكر شيئاً من التفسير والأخبار، ويستمع ويرقص، ويُرقص الشبان… ولولا تدارك الأمر، لكانت الفتنة ستظهر عن قريب. فنقل الأمر إلى (غزنين) وعهد به إلى سلطان (غزنين) فأجاب ذاك بأن يجتمع أئمة الفريقين الشافعي والحنفي، وأن يتفحصوا وضعه، وأن يجروا بحقه ما تقتضيه الشريعة.
الردود التي كتبت على الصوفية:
أكثر علماء الشيعة القدماء والمتأخرين ذموا الصوفية، وكتب بعضهم كتباً في الردّ عليهم. مثل: علي بن بابويه وكذلك الشيخ الصدوق، والشيخ الطوسي، والعلاّمة الحلّي، والشيخ الشهيد، والشيخ علي في كتاب (المطاعن المجرمية) وابنه الشيخ حسن في كتاب (عمدة المقال) والشيخ جعفر محمد الدوريستي في كتاب (الاعتقاد) وابن حمزة في العديد من كتبه، والملا أحمد الأردبيلي في كتاب (حديقة الشيعة) والملا محمد باقر المجلسي في كتاب (عين الحياة) والملا محمد طاهر القمي في كتاب (تحفة الأخبار) إضافة إلى الكثير من علماء الشيعة الآخرين الذين كتبوا ردوداً مختلفة على هذه الفرقة.
فالفقهاء والمتشرعون بمعظمهم اعتبروا أن طريقة الصوفية تستحق النقد، أو في الحد الأدنى حالة المبالغة التي يبديها الصوفيون. وقد طعن على هذه الفرقة جار اللَّه الزمخشري (م537هـ) الذي كان من أكابر علماء السنّة، طعن عليهم في كثير من مواضع (الكشاف).
ويقول صاحب السهام المارقة: (حقاً أن علماءنا وعلماء السنّة قد كتبوا ردوداً كثيرة على هذه الجماعة، وشنعوا على طريقتهم وعقيدتهم في كتبهم المتعددة… فمن علماء السنة الطيبي في شرح المشكاة، وكذلك السيمري، والسيوطي، وأبو بكر الفارسي وغيرهم. ونقل بعضهم أن مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة السنة يقولون ببطلان طريقة الصوفية).
وأكد صاحب كتاب الإثنا عشرية على إجماع الشيعة على بطلان مذهب التصوف فقال: (إجماع الشيعة الإمامية، وإطباق جميع الطائفة الإثني عشرية على بطلان التصوف، والرد على الصوفية من زمن النبي(ص) إلى قريب من هذا الزمان، وما زالوا ينكرون عليهم تبعاً لأئمتهم في ذلك.
وهناك كم هائل من الردود الهامة والكثيرة الأخرى على الصوفية غصت بها مختلف الكتب.
كتاب الرد على أصحاب الحلاّج
النجاشي نسب هذا الكتاب إلى الشيخ المفيد. وصاحب «الذريعة» يرى ذلك أيضً فيقول: وجدت في فهرس المكتبة الوطنية بطهران ضمن المجموعة (ش1276/4) ملحقات لكتاب (الدر المنثور من المأثور وغير المأثور) يقول فيها: نجد في هذه الملحقات رسالة (الرد على أصحاب الحلاّج) التي لم تُطبع حتى الآن، وعند مراجعة النسخة الخطيّة وجدنا أن الشيخ علي حفيد الشهيد الثاني قد كتب: لقد وجدت عدداً من الأوراق المتفرقة لرسالة الردّ على أصحاب الحلاّج المنسوبة إلى الشيخ المفيد، فنقلت عدة روايات من تلك الرسالة.
وتحدثت باقي الفهارس عن هذه النسخة حيث: ذكر سزغين في ج1 ص551 من الأصل الألماني وفي ج3 ص313 من الترجمة العربية في مؤلفات الشيخ المفيد ردّ الصوفيين وقال: يوجد في المكتبة الأصفية في حيدرأباد الهند رقم 604 كلام كما في فهرستها 2/ 1304 وحكى عن (بروكلمن) أنه ذكر أيضاً برقم 22 فلعله هو هذا الكتاب.
الشيخ حسن ابن المحقق الكركي نقل عن والده أن الشيخ المفيد كتب كتاباً مفصلاً يشتمل على الأدلة العقلية والنقلية في مذمة الصوفية وبطلانها وكفرها وطغيانها.
وحرر علماء الشيعة كتباً كثيرة في الردّ على الصوفية، منها: كتاب الشيخ المفيد في الردّ على أصحاب الحلاّج. وقد ذكرت مصادر أخرى هذا الكتاب منسوباً إلى الشيخ المفيد.
لكني للأسف لم أتمكن من العثور على النسخة الخطية لهذا الكتاب، ولكني وجدت كتباً أخرى تحدثت عن الصوفية، ناقلة أقوال الشيخ المفيد في الرّد على الصوفية من كتاب (الردّ على أصحاب الحلاّج) أنقل فيما يلي مقاطع من هذه الأقوال:
أقوال الشيخ المفيد في الردّ على الحلاج والصوفية([351]):
حتى الآن جرى كلام كثير حول أوضاع الحلاّج وأحواله وكانت الأخبار والآراء التي تناولته تبدو غريبة ومتناقضة إلى حدّ يُتصور معه أحياناً وجود عدة أشخاص باسم الحلاّج، وإن ما كتب عنه هو خلط بين أحوال تلك الشخصيات المتعددة. ففي خضم هذه التناقضات المدهشة نجد بعضهم قد سما به نحو العرش الأعلى، بينما اعتبره البعض الآخر ملحداً وكافراً. واعتبره غيرهم من السحرة والمشعوذين، وجعله آخرون من أولياء اللَّه).
والسبب الرئيسي لاختلاف أئمة الدين مع الحسين بن منصور ـ الحلاّج ـ كان أمراً أساسياً وهو إشاعة فكر الوحدة الوجودية التي أنتجت عند بعض الصوفيين فكرة ظهور اللَّه وتجلّيه في كل شيء، ومن ذلك تجلّيه في أشخاصهم بالذات، وخاضوا في ذلك كثيراً. وكان التفوه بهذا الأمر سبباً لتكفيرهم، وكان الحلاّج من هذه الجماعة، مما أثار عليه غيظ فقهاء بغداد والخليفة العباسي، وأدى ذلك إلى قتله عام (309هـ) وقتل أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني عام (322هـ) إثر أخذه بنفس المذهب.
المتصوفة ينقسمون إلى اثني عشر فرقة، فرقتان منهم مرفوضتان وعشر فِرق أخرى مقبولة. أما الفرقتان المردودتان، فواحدة منهما: الحلولية المنسوبة إلى الحلول والامتزاج، وإليهم ينتمي السالمية والمشبهة. والأخرى: الحلاجيون المردودون لتركهم الشريعة وإلحادهم.
وقد كفره معظم مجتهدي الشيعة في توقيع صادر عنهم، عدا القاضي نور اللَّه الشوشتري قاضي الشيعة في الهند الذي أثنى على الحلاّج.
الشيخ المفيد في كتابه (الردّ على أصحاب الحلاّج) اعتبر أن الصوفية فرقتان (حلولية واتحادية، وكل الشيعة على هذا القول فيهم، إلاَّ القليل فإنهم جعلوا الحلولية والاتحادية فرقة واحدة. وأكثر أهل السنة يجعلونهما أيضاً فرقة واحدة. وكل الشيعة (اجمعوا)على كفرهم والردّ عليهم بطريق المبالغة العظيمة إلى حدّ لم يجوّزوا لغير ضرورة التسمية بالصوفية، ورووا بهذا المعنى أحاديث كثيرة عن أئمتهم.
نقل الشيخ المفيد حديثاً في كتاب (الردّ على أصحاب الحلاج) نقله عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، الذي نقله بدوره عبر عدة وسائط عن أبي الحسن (عليه السلام) حيث سُئِل عن الصوفية فقال: «لا يقول بالتصوف أحد إلاَّ لخدعة أو ضلالة أو حماقة. وربما استجمعها واحد منهم».
ونقل جماعة من العلماء عن كتاب الردّ على أصحاب الحلاّج أيضاً: أن جابر الجعفي قال للباقر (عليه السلام): إن قوماً إذا ذكر شيء من القرآن والحديث يصير الرجل منهم بغير شعور، بحيث لو قطعت يداه ورجلاه لم يشعر بذلك؟ فقال (عليه السلام): «سبحان اللَّه هذا من جانب الشيطان».
ونقل علماء آخرون عن نفس الكتاب أن الشيخ المفيد بإسناده عن أبي الحسن علي بن محمد الهادي (عليه السلام) أنه سُئِل عن أحوال هؤلاء، وسماعهم الغناء، وصفقهم ورقصهم وصياحهم، وكونهن يصيرون بغير شعور؟ فقال (عليه السلام): «كلهم من المرائين والخداعين، ولا يشتغلون بهذه الأعمال إلاَّ لغرور الناس، فإنها من الشيطان، وإنهم يتبعونه» فقيل له: يا ابن رسول اللَّه يقولون لا شعور لنا في بعضها. فتلا (عليه السلام): {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون}.
ونقل جمع من علماء الشيعة من نفس الكتاب: (إعلم أيّدك اللَّه أن كثيراً من هذا العالم قائل بالإمامة على ظاهر من القول مليح، وباطن من الفعل قبيح، يعلن تقى وإيماناً، ويبطن كفراً وعدواناً، يأكل الدنيا بالدين، ويدخل الشبهة على المستضعفين من المؤمنين، إلحاداً في دين اللَّه، وعناداً لرسول اللَّه(ص)، ولما رأينا منهم كالحلاّجية في إغواء ضعفاء الفرقة الناجية، توجهنا إلى سدّ إضلالهم، وردّ أقوالهم، لئلا يغترّوا بإيهامهم في المقالات، ويعرضوا بإعراضهم عن مسلك النجاة كما مرّ في مقدمة الخبر الأول من هذا الكتاب المسمّى بكتاب ـ الردّ على أصحاب الحلاّج ـ الذين نكَبوا ونكّبوا عن المنهاج، والذين ألحوا في حب اللَّه قولاً ومكيدة، وبالغوا في عداوته فعلاً وعقيدة).
منصور جغتائي
آراء غير شيعية في بعض الشؤون الصوفية
جاء في العدد الثامن من السنة الثانية والأربعين من مجلة (المسلم) التي تصدر في القاهرة، والناطقة باسم (العشيرة المحمدية) الصوفية ما يأتي:
إن التصوف كلمة غير مجهولة لغة، فمثلاً:
1 ـ يُقال: أخذ بصوفة رقبته وبصافها: بجلده أو بشعره المتدلي في قفاه، أو بقفاه جمعاء، أو أخذه قهراً. أهـ.
فالصوفي يمسك بدينه هكذا، يمسك بصوف رقبة نفسه ويأخذها قهراً إلى اللَّه، ويلزمها ذلك حتى تمرّن وتصبح العبادة لها عادة محبوبة مألوفة.
2 ـ صوف: أبو حي من العرب كانوا يخدمون الكعبة ويجهزون الحاج وكذلك الصوفي يخدم دينه ويجير نفسه وغيره من عذاب اللَّه تعالى.
3 ـ قوم من أفناء القبائل تجمعوا وتشابكوا كتشابك الصوف، كذلك الصوفية يتشابكون قلباً وقالباً كتشابك الصوف.
4 ـ صاف الكبش فهو صَوِف: إذا كبر صوفه وحماه من البرد والحرّ، كذلك الصوفي يحميه دينه من المعاصي والذنوب، لأنه تربى على الحمية الدينية والعزة الإلهية.
5 ـ صاف السهم: عدل، وكذلك الصوفي يعدل عن القبائح والذنوب.
6 ـ أصاف عني وجهه: أمال، وكذلك الصوفي يميل عن كل ما يغضب اللَّه ورسوله(ص).
7 ـ أصاف اللَّه عني شره: أماله عني، وكذلك الصوفي يصرف اللَّه عنه كل شيء، ويهيؤه لكل جميل.
وكذلك الصوفي يستوي قلبه من ذكر اللَّه، حتى لا يوجد فيه شيء غير اللَّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الصوفي الدكور أحمد الجزار في العدد نفسه من المجلة نفسها عن (الشيخ الحريد):
يقول شيخنا الإمام الرائد:
يقول: هل اتخاذ الشيخ
محتوم على القاصد؟
فقلت: وهل تربى قـ
ـط مولود بلا والد؟!
وهل يتم اليتيم كفا
ه فاستغنى عن الرافد؟!
وهل أبصرت مكفو
فاً، ولا يحتاج للقائد؟!
وهل علمٌ، وهل فـ
ـنٌ بغير المرشد الراشد؟!
وكيف يسير في الصحـ
ـرا غريبٌ، أعزلٌ، وافد؟!
وباب اللَّه مفتوحُ
ولكن مَنْ هو الرائد؟
تأمل ما أتى موسى
وقصته مع العابد
تأمل بعثة «الهاد
ي» ففيها الشاهد الخالد
اتخاذ الشيخ المربى المرشد:
يقول سيدنا ابن مشيش في صلاته: لولا الواسطة لذهب ـ كما قِيل ـ الموسوط… فالشيخ وسيلة المريد لمعرفة الرسول، والرسول(ص) وسيلة لمعرفة الحق سبحانه وتعالى كما قال بذلك مشايخنا: الشعراني وعبدالعزيز الدباغ وعليّ الخواص وصالح الجعفري وأستاذنا محمد زكي إبراهيم رضي اللَّه عنهم أجمعين، وأغلب العارفين يرى ذلك.
ويجب التحري والتدقيق في اختيار الشيخ من باب اتخاذ الأسباب، وقول الصوفية: طريقتنا مبنية على النيّة والتصدي، لا على البحث والتدقيق… هذا يكون بعد العثور على الشيخ المرشد الصادق وابتداء السلوك.. أما قبل ذلك فلا بدّ من البحث والتدقيق في اختيار الشيخ لكثرة الأدعياء والكذابين والجهلة في هذا الشأن.
من هو الشيخ المربى؟:
هل هو صاحب العلم الشرعي الغزير؟، أو الخطيب البليغ صاحب البيان والفصاحة؟ أو صاحب الكرامات وخوارق العادات؟ أو الذي يصلح أحوال المريد الدنيوية، ويقضي حاجاته الشخصية ورغباته؟ أو… إلى آخر الصفات التي يبحث عنها من يتعلق بالمظاهر وحب الدنيا.
نقول: يمكن وجود هذه الصفات في الشيخ، لكن لا يعول عليها، فكل ما ذكرناه يوجد في العلماء المنكبين على حب الدنيا، وشيخ التربية إنسان مختلف تماماً عما يتصوره أغلب المريدين وعامة الناس.
وشيوخ التسليك ثلاثة أقسام كما قال بذلك أغلب ساداتنا مثل سيدي أحمد زروق وسيدي ابن عباد في المفاخر العلية وسيدي محمد النشابي في كتابه أسرار الحقيقة لمن يسلك الطريقة:
1 ـ شيخ تعليم، ويكفي عنه الكتب للحاذق اللبيب.
2 ـ شيخ تربية، ويكفي عنه أخ في اللَّه له عقل ناصح.
3 ـ شيخ ترقية، وهذا لا يكفي عنه شيء، ولا حتى اللقاء والتبرك، بل لا بدّ من الأخذ والغوص في علومه…
وهذا هو الشيخ المربى الذي نقصده بكلامنا، صاحب الأحوال والمقامات والمدد الروحي والهمّة الفعّالة، الذي تسري أحواله في باطن المريد الصادق القابل للامداد.
الشيخ الذي سلك وتداركه اللَّه بفضله وكرمه ومدده، وعرف عقبات الطريق وقواطعه، وما يناسب كل مريد من أنواع السلوك، وأمراض المريد الباطنة، وكيف تداوى، ثم عاد ليأخذ بيد غيره إلى اللَّه تعالى ليوصلهم إليه من أقصر الطرق وأسلمها، حتى وصل بهم إلى برّ الأمان سالمين من القواطع..
إن وجود الشيخ المرشد من أهم أركان السلوك إلى اللَّه، وبدونه لا يتمكن المريد من معرفة اللَّه إلاَّ في النادر جداً، ولو عَبَدَ اللَّهَ بكل طاعاته فله ثواب العبادة: والثواب شيء ومعرفة اللَّه شيء آخر…
أحوال الشيخ ومقاماته:
أحوال الشيخ ومقاماته لا يعرفها إلاَّ من هو مثله، أو من أحاطت به العناية الإلهية فيطوي اللَّه له بشرية الشيخ ويعرفه بخصوصيته، فالنظر إلى بشرية الشيخ حجاب عظيم، ولذلك قال ساداتنا: أقل الناس استفادة ومعرفة بالشيخ أولاده وزوجته وأقرباؤه، لأنهم يرون منه صفاته البشرية من أكل وشرب وغير ذلك؛ مما يرفع الكلفة بينهم وبين الشيخ؛ فيغضوا عن كثير مما يأمرهم به أو ينهاهم عنه، وربما استقلوا عبادة الشيخ، وربما ظنوا به الظنون لأمور عارضة؛ فكل ذلك يقلل من استفادتهم بالشيخ إلاّ من رحم ربي..
الشيوخ الأدعياء:
أما وجود الشيوخ الأدعياء فقد حدث منذ بداية التصوف، وكيف لا وقد ادعى النبوة من قبل أقوام لا حصر لهم، بلى والألوهية..
وهذا ما حدا بالإمام القشيري إلى وضع رسالته المشهورة في القرن الرابع الهجري لتكون ميزاناً لأهل الحق في معرفة الصادقين من المدعين، وصنف بعده وقبله كثير من الصوفية مصنفات في هذا الشأن مثل كتاب أبي عبدالرحمن السلمي (غلطات الصوفية) وأبي نصر السراج في (اللُّمع)، لكن لكل عارف حال، ولكل عصر رجال لاختلاف الزمان وظروف السالكين فقراءة هذه الكتب تكون من باب الاستئناس فقط، ولا بدّ من صحبة أهل اللَّه حتى يوفق المريد لمعرفة الشيخ المربى.
حيرة المريد:
يقرأ المريد ويسمع عن أحوال الشيوخ وهمتهم النافذة، وأن الشيخ هو الذي يربى المريد في ساعته، بمجرد النظر ويوصله إلى اللَّه، وأنه لا يعتاص عليه حلّ أي مشكلة أو تيسير أي أمر، ثم يقابل الشيخ، فلا يجد ما تصوره في خياله عنه ويراه بشراً عادياً، تصبه الأمراض، وتعسر عليه قضاء حوائجه الخاصة، ويناله الأذى فلا يقدر على دفعه، وقد يجد أقرب الناس إليه منشغلين بالدنيا، وليس لهم صلة بمعرفة الطريق، فيصاب المريد بالإحباط وتفتر حماسته، ودواء المريض في هذه الحالة أن ينظر في أحوال الأنبياء (عليهم السلام) وما أصابهم من ابتلاء وأذى ورد لدعوتهم واتهامهم بالجنون والسحر والشعر، بل وقتل بعضهم أحياناً.
فالشيوخ كما ورثوا المعرفة الإلهية والعلم اللدني من الرسل والأنبياء ورثوا أيضاً ما أصابهم من سطوات الجلال والقهر الإلهي مثل: المرض والفقر وتسلّط سفهاء أهل الدنيا عليهم وإذاية أهلهم لهم وعصيانهم لأوامرهم، كل هذه الأمور تحدث للشيخ، لكنها لا تقدح في مرتبته وأهليته للإرشاد ما دام متصفاً بالصفات المحمودة من أتباع الشرع، والزهد في الدنيا، والتواضع وعدم حب الجاه والرئاسة والظهور، وقدرته على تقويم المريد الصادق والهادي هو اللَّه، والشيوخ ما هم إلاَّ أسباب يُيسرها اللَّه لمن أراد تقويمه ويُخفيها على من أراد إبعاده.
وعن الذكر الصوفي قال عبدالسلام عجرمة في العدد نفسه من المجلة نفسها:
إن الذكر أصل الأصول وباب الوصول إلى البغية والمأمول، فالذاكرون يدركون أن القدر غالب، والأجل طالب، وأن القاهر حاصر والعبد قاصر… وما أدرك الذاكرون هذه المعاني السامية إلاَّ بالذكر والهمم العالية؛ لأن الروح لما ذكرت تيقظت، ولما تيقظت جاهدت، ولما جاهدت شاهدت، ولما شاهدت تحققت وتيقنت، ولما تيقنت فنيت، ولما فنيت حضرت..
ومن المعلوم أنه لا حياة إلاَّ بعد موت، ولا وجد إلاَّ بعد فقد، وفي الحديث الشريف: «الناس نيام، إذا ماتوا انتبهوا» صدق رسول اللَّه(ص).
وبلا شك فإن الذاكرين لهم في المعاني الرقيقة عرائس، وفي الحِكم الدقيقة نفائس، يتكلمون كلاماً صوفياً عالياً، ويودعون أسرارهم في كلامهم في مباني مرموزة، ومعاني ملغوزة، لا يفهم مبانيها إلاَّ أهل الأنوار، ولا يدرك معانيها إلاَّ أهل الأسرار، لأنها حِكم من الصدور لا تنال من السطور.
فبالذكر ارتقى الذاكرون من الإسلام إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الإيقان، ومن الإيقان إلى الإحسان، فكان علمهم من الرحمن، ولقد قال تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم}.
ولقد أخلص الذاكرون التوحيد، فألان لهم ربهم الحديد… وأرادوا ما أراد الملك الحميد، فأعطاهم ربهم فوق المزيد، وأحسنوا الظن بالملك المجيد فكان ربهم عند حسن ظنهم بالتأكيد، وتوكلوا بحق التوكيل على الفعّال لما يريد، فكفاهم ووقاهم ربهم كل تهديد ووعيد، وكيف لا والذكر نداء على المذكور، والمذكور مجيب غفور، والذاكر قلبه سليم، وطبعه كريم، وسلوكه قويم، وإن شئت قلت: الذاكر دائماً على الفطرة، وله في الحياة نظرة، وله في الموت عبرة، وله في حب اللَّه عَبْرة.
ومن المعلوم أنه يحسب على الذاكر قبل البدء في الذكر ما يلي:
أولاً: أن يكون على وضوء، لأن الذكر مناجاة للمذكور، وهو الرب الغفور، فمن اللائق أن يدخل الذاكر حضرة مولاه في أجمل زينة حتى ينال رضاه.
ثانياً: أن يستقبل القبلة حتى يفوز بالوصلة.
ثالثاً: أن يقصد بذكره الأذكار الواردة في القرآن الكريم، حتى يجمع في ذكره بين أجر التالين وأجر الذاكرين.
رابعاً: وأن يفرّغ قبل الذكر المحل من الفكر حتى يقع له الأجر.
خامساً: أن يستحضر بقلبه عظمة ربه.
سادساً: أن يتدبر في ذكره المعاني الدقيقة والحكم الرقيقة، فإن كان يقرأ القرآن فلا يكون همه الوصول إلى آخر السورة، بل يتأمل في معاني السورة كالآليء المنثورة… وإذا كان يذكر بالأسماء الحسنى فلا يكون همه توريد الكم الأقصى، بل يسبح معها في العالم الاسني… وإن كان يصلّي على رسول رب البرية(ص) فلا يكون همه الكثرة العددية؛ بل ليكن همه أن تكون صلاته معممة بالحب لحبيب اللَّه، ومشوبة بالتعظيم لأكرم الخلق على مولاه(ص).
ويجب ألا يفوتني شيء هام مفاده: أن إذا شعر الذاكر أن النوم سيغلبه، فعليه أن يتوقف فوراً عن الذكر خشية أن يخطىء أو يلحن في أذكاره أو ينحرف لسانه في نطق أوراده..
كما أحب أن أنوّه إلى: أن قيام الذاكر ـ سيّما في حالة الابتداء ـ باستيفاء هذه الشرائط سيتطلب منه مجاهدة عظيمة، ومكابدة جسيمة إلاَّ أنه بعد حين سيتقوى في الذاكر اليقين ويشتد به الحنين، ويصبح في رياض الذكر مكين، ويدخل الحصن الحصين، في كنف رب العالمين، بعدها تنهدم منه العادة، وتصح له الإرادة.
والذاكرون يدركون أن من كان للَّه أعرف كان من اللَّه أخوف… وفي الواقع فالذاكرون أجناس وألوان، فمنهم من يذكر باللسان، وهذا ذكر المبتدئين، ومنهم من يذكر بالجنان وهذا ذكر المستشرقين، ومنهم من يذكر بالروح وهذا ذكر الواصلين، ومنهم من يذكر بالسر وهذا ذكر المتمكنين.
ومن الملاحظ: أن الذاكر بلسانه كثير الطلب، والذاكر بجنانه قليل الأرب، والذاكر بروحه شديد الطرب، والذاكر بسره عظيم الأدب.
وإن شئت قلت: الذاكر بلسانه كثير الأوراد قليل الأمداد، والذاكر بجنانه قليل الأوراد كثير الأمداد، والذاكر بروحه بديع الإيراد عظيم الأمداد، والذاكر بسره كثير الآهات قوي الاستعداد.
وفي الواقع فالذاكرون أربعة: من ذكر فتذكر، ومن ذكر فتفكر، ومن ذكر فتبصر، ومن ذكر فتحير.
وإن شئت قلت: الذاكرون أربعة: من ذكر فلام، ومن ذكر فدام، ومن ذكرفهام، ومن ذكر فرام.
وإن شئت قلت: الذاكرون أربعة: ذاكر بالذكر عاش، وذاكر عن الحكمة فتّاش، وذاكر بالحب طاش، وذاكر له في الذكر انتعاش.
وإن شئت قلت: الذاكرون أربعة: ذاكر في رياض الذكر رائع، وذاكر له في الذكر مواضع، وذاكر له في الذكر مدامع، وذاكر رفعت له البراقع.
ومن المعروف: أن الذاكر بذكره إنما يفاتح مولاه بحبه.. وما زال الذاكر يذكر ربه حتى يحبه ربه، وبعدها ينقلب الذاكر من محب إلى محبوب، ومن طالب إلى مطلوب، وليس المحب كالمحبوب، وليس الطالب كالمطلوب، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وليجتهد المجتهدون.
وعن وحدة الوجود والاتحاد والحلول قال فوزي محمود أبو زيد في العدد نفسه من المجلة نفسها:
وحدة الوجود، وفكرة الاتحاد والحلول، فكرة إلحادية قديمة، عريقة في العبادات الهندية والديانات البوذية وخلاصتها التي تقربها إلى العقول أن أصحابها انقسموا إلى فريقين:
فريق يرى اللَّه ـ سبحانه وتعالى عما يصفون ـ روحاً، ويرى العالم جسماً لذلك الروح، وأن الإنسان إذا سما وتطهر ارتفع فالتصق بالروح التي هي اللَّه ـ ففنى فيها، فذاق السعادة الكبرى، وظفر بالخلود الدائم.
والفريق الثاني يرى أن جميع الموجودات لا حقيقة لوجودها غير وجود اللَّه، فكل شيء في زعمهم هو اللَّه، واللَّه هو كل شيء، يتجلى تجلياً حقيقياً في كل شيء في الكون بذاته، فلا موجود إلاَّ الوجود الواحد، ومع ذلك يتعدد بتعدد الصور تعدداً حقيقياً واقعياً في نفس الأمر، ولكن ذلك التعدد لا يوجب تعدداً في ذات الوجود كما أن تعدد أفراد الإنسان لا يوجب تعدداً في حقيقة الإنسان، أو تعدد صور الإنسان الواحد في المرايا المجاورة لا تحتم تعدده.
تلك هي فكرتهم في وحدة الوجود، وهي سفسطة لا يقبلها منطق، ولا عقل ولا شرع، لأنها تذهب بالشرائع كافة والأديان جميعها وتنال من الجلال والكمال الواجب للَّه سبحانه وتعالى، وتُبطل الجزاء والعقاب، والجنة والنار، والحياة الأخروية، كما تُبطل الحدود بين الخالق والمخلوق، فتجعل الخلق والخالق شيئاً واحداً.
الحلاج ومحيي الدين وأمثالهم:
هذا الإفك الأكبر وهذا اللغو الإلحادي الفاجر هو الذي قذف به خصوم التصوف المتصوفة، وخاصة الأكابر منهم كالحلاج والسهروردي، والشيخ محيي الدين بن عربي، وابن الفارض ـ وهم من هم إيماناً وكمالاً وأدباً وخلقاً، ووحدانيةً وتقديساً لفاطر السماوات والأرض… مما جعل الشعراني يقول: إن إبليس نفسه، وهو مُلهم الخبائث، لا يجرؤ على تلك القولة الملعونة التي اركب أربابها أمراً إداً، تكاد السماوات يتفطرن منه، وتخر الجبال هداً.
ويقول أيضاً في المنن: وبعضهم رأى أن كل شيء في الوجود هو اللَّه، وأن غير هذا الوجود الحادث هو عين اللَّه، من الجماد والنبات والعقارب والحيّات، والجان والإنسان، والملَك والشيطان، ويجعلون الخالق هو عين المخلوق من خسيس ونفيس، ومرجوم وملعون حتى إبليس، وهذا كلام لا يرضاه أهل الجنون، ولا من كان في حبه مجنون، والذي أقوله: إن إبليس لو ظهر ونُسب إليه هذا المعتقد لتبرأ منه، واستحى من اللَّه تعالى، وإن كان هو الذي يُلقي في قلوبهم ذلك.
تحقيق الإمام عبدالحليم محمود:
وقد أجاب الدكتور عبدالحليم محمود في كتابه (قضية التصوّف) ص161 عن هذا الموضوع بما يشفي الغليل، فقال: وقد تتسائل: فيم إذن حوكم الحلاّج وقُضي عليه بالقتل؟ إن أمر هذه القضية ـ قضية الحلاّج ـ معروف سرّها، وما كان سراً في يوم من الأيام.
لقد كان الحلاّج قوة جارفة.. كان مركزاً للجاذبية لا يضرع، يلتف حوله الناس أينما حلّ، ويسيرون حوله أينما ارتحل.
وكان ككل صوفي يحب آل البيت، لأنه كان يحب الرسول(ص) وكان كآل البيت إذ ذاك، إذ يطمحون في أن تكون الدولة لهم، وما كان بنو العباس يطمئنون إلى شخصية كشخصية الحلاّج المحبة لآل البيت، نسل رسول اللَّه(ص).
وما دام الحلاّج دعاية قوية تسير في كل مكان، وتتجه إلى كل بلد، فيجب ـ حفاظاً على أمن الدولة وتحصيناً لاستقرارها ـ أن ينكل بالحلاّج.
وما كان مقتل الحلاّج دينياً قط، كلا.. وإنما كان سياسياً بحتاً، ومن السهل على الملوك المستبدين أن يزيفوا القضايا، أن يأتوا بشهود الزور، وأن يعدوا القضاة بالمال والترقية، وأن ينفّذوا أهواءهم.
فكان ما كان من قضية ومن قتل.. والدين من كل ذلك براء، والألفاظ التي ينسبونها للحلاّج ليست في كتاب من كتبه ـ وكتبه بعضها موجود ـ لا تسند خصومه ولا تؤيدهم، ثم يضع رضي اللَّه عنه قاعدة عظيمة للبحث في هذا الباب فيقول: إن المنطق الصحيح ألا يفتي المهندس في أبحاث الأطباء، وألا يحكم الأديب باعتباره أديباً في أعمال المهندسين.
ومن العدالة ـ على هذا الوضع ـ أن لا يحكم على هذه القمم الشامخة ـ ابن عربي والحلاّج، وابن الفارض ـ من لم يبلغ مداهم أو يقاربه.
ثم يستشهد بأقوال الأئمة الأعلام على ذلك فيقول: أما الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه فإنه يقول عن خصوم سيدنا محيي الدين: إن حكمهم حكم ناموسة نفخت على جبل تُريد إزالته من مكانه، وتذهب الريح بأمم من الناموس، وتبقى الجبال شوامخ راسيات، بها تثبت الأرض، وبها يحفظ ميزان الدنيا.
والرأي الذي لا يتأتى غيره من المصنف، الرأي الحق هو: ما قاله الإمام الشعراني عن الصوفية عامة، وعند سيدنا محيي الدين خاصة: ولعمري إن عباد الأوثان لم يجرؤا على أن يجعلوا آلهتهم عين اللَّه، بل قالوا: ما نعبدهم إلاَّ ليقربونا إلى اللَّه زلفى… فكيف يُظن بأولياء اللَّه أن يدعوا الاتحاد بالحق، هذا محال في حقهم رضوان اللَّه عليهم. أ.هـ (قضية التصوف ص163).
وما بالنا نذهب بعيداً وهذه كتب سيدي محيي الدين موجودة بيننا، وليس فيها ما يدعيه هؤلاء، بل إن بها يكذب دعواهم، وها نحن ننقل منها بعض النصوص التي تؤيد ذلك.
يقول محيي الدين بن عربي في عقيدته الوسطى: أعلم أن اللَّه سبحانه واحد بإجماع، وقيام الواحد يتعالى أن يحلّ فيه شيء، أو يحلّ هو في شيء، أو يتحد بشيء.
ويقول في باب الأسرار في الفتوحات: لا يجوز للعارف أن يقول: أنا للَّه، ولو بلغ أقصى درجات القرب، وحاشا للعارف من هذا حاشاه.
ويقول أيضاً في لوائح الأنوار: من كمال العرفان شهود عبد ورب، وكل عارف نفى شهود العبودية في وقت ما فليس بعارف، وإنما هو في ذلك الوقت صاحب حال، وصاحب الحال سكران، لا تحقيق عنده.
ويقول في الفتوحات: لا حلول ولا اتحاد، فإن القول بالحلول مرض لا يزول… وما قال بالاتحاد إلاَّ أهل الإلحاد، كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول، ومن دينه معلول.
وقال حسن كامل الملطاوي من كبار رجال الصوفية في مصر متحدثاً عن الصوفية:
لما اتسعت الفتوحات، واختلط العرب بالعجم، وترجمت كتب اليونان وتسربت فلسفتهم إلى المسلمين، وكثرت الجدليات ـ تبلبلت أفكار المسلمين وجنح كبراؤهم وأغنياؤهم، وتبعهم عامة الناس إلى الغفلة والتقصير في الطاعات. بل واجترحوا السيئات، وظهرت البدع التي لم تكن معروفة من قبل. ولكن اللَّه تعالى وفق فريقاً من الزهاد والعباد فحفظوا حدود اللَّه وأبقوا على المثل العليا الإسلامية التي ورثوها عن أسلافهم الصالحين ودعوا إليها، ثم ظهرت طائفة السادة الصوفية وعرفوا بهذا الاسم قبل المئتين من الهجرة. وقد قاموا على الحق، وهدفوا إلى تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق، وتعمير الظاهر والباطن بالآداب الإسلامية الصحيحة والمحبة الخالصة للَّه، والاشتغال به عما سواه لنيلي السعادة الأبدية. وهذا من فضل اللَّه على الأمة المحمدية التي قال اللَّه تعالى فيها: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}.
وقد أثرت دعوة الصوفية ونفخت في أرواح المؤمنين وأحيت لهم نهج السابقين الأولين، غير أن بعض الفقهاء أسخطهم أن يروا أناساً يتحدثون عن الضمير ويحتكمون إلى قضائه. في حين أن الشريعة تحاسب على الأعمال الظاهرة وتعاقب الناس على آثامهم، ولا حيلة لها مع النفاق في الدين، ولذلك حاولوا أن يبينوا: أن حياة الصوفية لا محالة مفضية بهم إلى الزيغ.
وأهل السنة لم يقولوا بمروق المعتدلين من المتصوفة. لا، بل دأبوا على الاهتداء في معاملتهم وعباداتهم بمؤلفات الصوفية من مثل الرسائل لابن أبي الدنيا. وقوت القلوب لأبي طالب المكي، والإحياء للغزالي.
وقد قال شيخ التصوف الأكبر الإمام محيي الدين بن عربي.
(لقد أجمع رجال التصوّف جميعاً على أنه لا تحليل ولا تحريم بعد شريعة رسول اللَّه وخاتم النبيين صلوات للَّه عليه، وإنما هو فهم يعطى في القرآن لرجال اللَّه). كما ثبت من حديث علي بن أبي طالب (وفيض من العلم يهبه اللَّه لمن أطاعه فألهمه وجعل له نوراً).
وكما حفظ علماء الظاهر حدود الشريعة، كذلك يحفظ علماء التصوّف آدابها وروحها. وكما أبيح لعلماء الظاهر الاجتهاد في استنباط الأدلة واستخراج الحدود والفروع، والحكم بالتحليل والتحريم على ما لم يردّ فيه نصّ وترك أمره للاجتهاد والاستنباط ـ فكذلك للعارفين أن يستنبطوا آداباً وأذواقاً ونهجاً للمريدين والعابدين.
وهؤلاء الصوفية المعتصمون بالكتاب والسنة هم الذين ندعو إلى سلوك مسلكهم، أما غيرهم ممن خرجوا عن جادة الدين فلا شأن لنا بهم مهما ادعوا أنهم صوفية.
والصوفية حين نادوا بالحقيقة لم يخرجوا عن الشريعة، وإنما هم يقولون: إن الشريعة هي القيام بما أمر اللَّه. والحقيقة هي شهود لما قضى وقدّر وأخفى وأظهر. ويقولون إن الشريعة هي حقيقة من حيث أنها وجبت بأمره تعالى والحقيقة أيضاً شريعة من حيث أن المعارف به سبحانه وجبت بأمره. كما يقولون: «إياك نعبد» شريعة، «وإياك نستعين» إقرار بالحقيقة.
وهم حين تكلموا عن المقام والحال والقبض والبسط والهيئة والأنس والتواجد والوجد والجمع والفرق والفناء والبقاء والغيبة والحضور والصحو والسكر… إنما تكلموا عن مذاقات الخواص المراعين أنفاسهم مع اللَّه. والسالك مسالكهم يتذوق ولا شكّ ما وصفوا، ويتحقق منه وهو ساع إلى مقام الإحسان وهو أعلى المقامات في الدين.
وقد أوضح السيوطي ذلك بأن قال: الحقيقة سرّ الشريعة ولبها الخالص، كما أن المعاني والبيان سرّ النحو ولطائفه… فغاية ما تدعو إليه الطريقة وتشير إليه الإحسان ـ بعد تصحيح الإسلام والإيمان ـ ليحرز الداخل فيها والمدعو إليها مقامات الدين الثلاثة الضامنة لمحرزها والقائم بها السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة، ومن أخل بمقام الإحسان الذي هو الطريقة فدينه ناقص بلا شكّ لتركه ركناً من أركانه. ولهذا نصّ المحققون على وجوب الدخول في الطريقة وسلوك التصوف وجوباً عينياً.
واستدلوا على الوجوب بما هو ظاهر عقلاً ونقلاً: فقد بيّن القرآن الكريم من أحوال التصوّف والطريقة بما فيه الكفاية. فتكلم على المراقبة، والمحاسبة والتوبة والإنابة والذكر والفكر والمحبة والتوكل والرضا والتسليم والزهد والصبر والإيثار والصدق والمجاهدة ومخالفة الهوى والنفس. وتكلم عن النفس اللوامة والأمارة والمطمئنة على الأولياء والصالحين والصديقين، وغير هذا مما يتكلم فيه أهل التصوف والطريقة.
ثم يقول الملطاوي:
ممَّ اشتق اسم الصوفية؟
جاء في الرسالة القشيرية ما خلاصته: يُقال رجل صوفي، وللجماعة صوفية ومن يتوصل إلى ذلك يقال له متصوف، وللجماعة متصوفة. وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق وإلاَّ ظهر فيه أنه كاللقب.
أما قول من قال: إنه من الصوف وتصوف إذا لبس الصوف كأنه يُقال: تقمص إذا لبس القميص فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف. ومن قال: أنهم منسوبون إلى صفة مسجد رسول اللَّه(ص). فالنسبة إلى الصفة لا تجيء على نحو الصوفي. ومن قال: إنه من الصفاء فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة. ومن قال: إنه مشتق من الصف فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث المحاضرة من اللَّه تعالى، المعنى صحيح، ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف.
حسن كامل الملطاوي
التصوف والعرفان
من العلوم التي وُلِدت في أحضان المعارف الإسلامية، وبلغت الرشد والتكامل، علم (العرفان)؛ ويمكن البحث في شأن (العرفان) من زاويتين: الأولى هي الزاوية الاجتماعية، والأخرى هي الزاوية المعرفية.
يختلف العرفان عن سائر طبقات المفكرين الإسلاميين أو أصحاب المعرفة الإسلامية من قبيل المفسرين والفقهاء والمحدثين والمتكلمين والفلاسفة والأدباء والشعراء و… اختلافاً كبيراً، فالعرفاء علاوةً على أنهم طبقة معرفية أوجدت علماً سمّي بالعرفان، وأنجبت من بين ظهرانيّها علماء كباراً ألّفوا كتباً مهمة، فهم أيضاً قد أوجدوا فرقة اجتماعية في العالم الإسلامي لها خصوصيات انفردت بها، وعلى خلاف سائر طبقات أهل المعرفة من قبيل الفقهاء والحكماء وغيرهم، فهم طبقة معرفية صرفة، بل طبقة يمكن اعتبارها متميزة عن الفِرق الأخرى.
فأهل العرفان إذا ذكروا في معرض المعرفة دُعوا بالعرفاء؛ وإذا ذكروا في معرض أمر اجتماعي دُعوا بالمتصوّفة.
لم ينسب للعرفاء والمتصوفة أي انقسام مذهبي في الإسلام، وهم أنفسهم لا يدّعون تميّزاً كهذا، بل لهم حضور في كل الفِرق والمذاهب الإسلامية، لكنهم في الوقت نفسه يشكّلون فريقاً مترابطاً ومنظومة اجتماعية مترابطة، وكانت لديهم سلسلة من الأفكار والتأملات، وحتى الآداب المخصوصة في المعاشرة واللباس، وأحياناً في تزيين الرأس والوجه، والإقامة في الخانقاهات (مساكن الدراويش) وغير ذلك من الأمور التي جعلت منهم فرقة دينية واجتماعية خاصة، وذات لون خاص. وبالطبع، فمع أنهم كانوا ولا يزالون ـ وخاصة بين الشيعة ـ عرفانيين لا يتميّزون أي تميّز ظاهري عن الآخرين، فهم ـ في الوقت نفسه، وبشكل عميق ـ من أهل السير والسلوك العرفاني، وفي الحقيقة فهذه الطبقة هم العرفاء الحقيقيون، لا المجموعات التي اخترعت من عندها مئات الآداب، والتي أوجدت مئات البدع.
ونحن في هذه البحوث نتعرض لبحث كليات العلوم الإسلامية، من جانبها الاجتماعي وجانب تشكيل الفِرق، ولا شأن لنا ـ في الحقيقة ـ بجانب العرفان «التصوّف»، بل سنبحث فقط في الجانب المعرفي منه أعني سنبحث في (العرفان) بعنوان أنه علم وفرع من فروع المعرفة الإسلامية، وليس بعنوان أنه طريقة ونهج لفرقة اجتماعية تتبعه وتسير عليه.
وإذا أردنا أن ندخل البحث من الجانب الاجتماعي، فلا بدّ أن نتناوله من حيث نشوء هذه الفرقة وأسبابه، ومن حيث أفكارها إن كانت سلبية أم إيجابية، وهل هي مفيدة أو مضرة بالنسبة للمجتمع الإسلامي. ونتناول في بحثنا الأفعال والانفعالات بين هذه الفرقة وسائر الفِرق الإسلامية، واللون والطابع الذي أعطته للمعارف الإسلامية، وتأثيرها في نشر الإسلام في العالم. غير أننا لا شأن لنا بهذه الأمور، ويحصر بحثنا فقط في مجال العرفان من حيث هو علم وفرع من فروع المعرفة.
والعرفان بكونه ثورة علمية ومعرفية ينقسم إلى قسمين:
عملي ونظري:
العرفان العملي
هو عبارة عن القسم الذي يوضح ويبيّن ارتباط الإنسان ووظائفه وعلاقته بنفسه وبالعالم وباللَّه، والعرفان في هذا القسم يشبه الأخلاق، أي هو «علم» عملي ولكن بتفاوت سنتحدث عنه فيما بعد.
هذا القسم من العرفان يعرف ويسمى بعلم «السير والسلوك» وفي هذا القسم من العرفان يتضح للسالك كيفية الوصول إلى القمة المنيعة للإنسانية، وهي التوحيد، ومن أين يجب عليه البدء وما هي المنازل والمراحل التي يجب عليه طيها بالترتيب، وما هي الظروف التي ستكتنفه في هذه المنازل خلال الطريق، وما هي الأمور التي سترد عليه فيها؛ ويجب عليه بالطبع أن يترسّم في هذه المنازل والمراحل خطى إنسان كامل، ناضج، بصير، ومستوعب، قد طوى هذه الطريق من قبل، وبإشرافه ومراقبته، وإذا لم يرعَ هذا الطموح وهذا الجهد إنسان كامل في هذه الطريق ففي ذلك خطر الضلال والانحراف.
العرفاء يدعون الإنسان الكامل الذي توجب الضرورة أن يرافق «المسافرين الجدد» ويرشدهم، يدعونه حيناً بـ«طائر القدس» وبـ«الخضر» حيناً آخر.
كن في رعاية همتي يا «طائر القدس»
سفري طويل والنوى لم تَبْلُهُ نفسي
* * *
عند الشدائد لا تفارق صحبة «الخضر»
تأمَنْ ضَياعاً في الظلام وقسوة الوعر
التوحيد الذي يعد في نظر العارف القمة المنيعة للإنسانية هو بالطبع الغاية القصوى لسير العارف وسلوكه، وهذا التوحيد يبعد ـ عن توحيد العوام، وحتى عن توحيد الفلاسفة، الذي يعني أن واجب الوجود واحد لا أكثر، بعد ما بين السماء والأرض. توحيد العارف يعني أن الموجود الحقيق منحصر باللَّه عزّوجلّ، فكل ما هو موجود ـ سوى اللَّه ـ ليس إلاَّ «دليلاً» لا «وجوداً».
توحيد العارف يعني طيّ الطريق والوصول إلى مرحلة لا يرى فيها غير اللَّه، وهذه المرحلة من التوحيد لا يؤيدها المخالفون للعرفاء، وأحياناً يسمونها كفراً وإلحاداً؛ ولكن العرفاء يعتقدون أن هذا هو التوحيد الحقيقي، وأن سائر مراتب التوحيد لا تخلو من نوع من الشرك.
وفي نظر العرفاء أن الوصول إلى هذه المرحلة، ليس من عمل العقل والفكر، بل هو عمل القلب والمجاهدة، والسير والسلوك، وتصفية النفس وتهذيبها.
على أي حال فهذا القسم من العرفان هو القسم العملي من العرفان، وهو من هذه الرؤية يشبه علم الأخلاق الذي يبحث في «ما يجب عمله» مع تفاوت بينهما في:
أولاً: العرفان يبحث في مجال علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم وباللَّه، وعمدة نظره منصبّة في علاقة الإنسان باللَّه، في حين أن الأنظمة الأخلاقية كافة لا ترى ضرورة للبحث في مسألة علاقة الإنسان باللَّه، ووحدها فقط الأنظمة الأخلاقية الدينية تجعل من هذا الأمر موضع توجّهها وعنايتها.
ثانياً: السير والسلوك العرفاني ـ كما يبدو من مفهوم هاتين الكلمتين ـ جارٍ ومتحرك، على خلاف الأخلاق فهي ساكنة، مستقرة، بمعنى أنه في العرفان ينطلق الحديث من نقطة ابتداء ومقصد محدد، ومن منازل ومراحل يجب على السالك طيّها بالترتيب للوصول إلى المنزل النهائي.
للإنسان في نظر العارف واقعاً، وبدون أية شائبة للمجاز، صراط موجود، وهذا الصراط يجب اجتيازه وطيّه مرحلة بعد مرحلة ومنزلاً بعد منزل، والوصول إلى منزل تالٍ لا يمكن إلاَّ بعد عبور منزل قبله.
لهذا فروح الإنسان ـ في نظر العارف ـ أشبه بالنبتة والطفل: كمالها في النمو والرشد يجب أن يتم طبق نظام مخصوص. بينما في الأخلاق يكون الحديث صرفاً عن فضائل مثل الصدق والاستقامة والعدالة والعفة والإحسان والإنصاف والإيثار وغير ذلك مما يجب على الروح أن تتزين بها وتتحلّى، فالروح في نظر الأخلاق أشبه بالدار التي يجب تزيينها بسلسلة من الزينات والرسوم والألوان، فلا حاجة فيها إلى ترتيب خاص، أو تحديد من أين يجب البدء وأين يجب الانتهاء، هل نبدأ بالسقف مثلاً أو بالجدران، ومن أي جدار، وهل نبدأ من أعلاه أم من أسفله؟ العناصر الأخلاقية في العرفان ـ على العكس من علم الأخلاق ـ لها محل في البحث ولكن بصورة ديالكتيكية ـ كما يُقال اصطلاحاً ـ متحركة وجارية مترتب بعضها على حصول البعض الآخر.
ثالثاً: العناصر الروحية في علم الأخلاق محددة بالمعاني والمفاهيم التي توضحها غالباً، أما العناصر الروحية العرفانية فهي أوسع بكثير وأشمل.
في علم السير والسلوك العرفاني، يتجه الحديث إلى سلسلة من الحالات والمستجدات القلبية المتعلقة بـ«سالك طريق» واحد، لتأخذ بيده خلال المجاهدة وطيّ الطرق، ولكن الناس الآخرين لا نصيب لهم من هذه الحالات والمستجدات.
القسم الآخر من العرفان يتعلق بتفسير الوجود أي تفسير وجود اللَّه والعالم والإنسان، والعرفان في هذا القسم يشبه الفلسفة ويريد تفسير الوجود، على خلاف القسم الأول الذي يشبه الأخلاق، ويريد تغيير الإنسان.
وكما لاحظنا في القسم الأول وجود تفاوت بينه وبين علم الأخلاق، ففي هذا القسم أيضاً نجد تفاوتاً بينه وبين الفلسفة، وهذا ما سنتعرض لإيضاحه فيما يلي:
العرفان النظري
نأتي الآن إلى شرح القسم الثاني من العرفان: أي العرفان النظري، العرفان النظري يعني تفسير الوجود، ويبحث في وجود اللَّه والعالم والإنسان، العرفان في هذا القسم أشبه بالفلسفة الإلهية التي تعنى بتفسير الكون وتوضيحه، وكما للفلسفة الإلهية موضوع ومبادىء ومسائل تقوم بتعريفها، فللعرفان أيضاً موضوع ومسائل ومبادىء يقوم بتعريفها ولكن الفلسفة في استدلالاتها تعتمد بالطبع على المبادىء والأصول العقلية فقط، بينما يتخذ العرفان من المبادىء والأصول الكشفية أساساً في الاستدلال، ثم عند ذاك يوضحها بلسان العقل.
الاستدلالات العقلية الفلسفية تشبه أموراً كتبت بلسان ما، ثم تجري قراءتها باللسان الأصلي نفسه، ولكن الاستدلالات العرفانية تشبه أموراً تجري ترجمتها بلسان آخر وبلغةٍ أخرى، بمعنى أن العارف ـ بحسب ادّعائه ـ يوضح بلسان العقل ما رآه بعين قلبه (بصيرته) وشهده بكل وجوده.
التفسير العرفاني للوجود، وبعبارة أخرى: الرؤية العرفانية لعالم الوجود تختلف اختلافاً عميقاً عن تفسير الفلسفة للوجود. ففي نظر الفيلسوف الإلهي: كما أن للَّه أصالة، فلغيره أصالة كذلك، إلاّ أن اللَّه واجب الوجود وقائم بالذات، وغير اللَّه ممكن الوجود وقائم بالغير، ومعلول لواجب الوجود، أمّا في نظر العارف فالأشياء، أو كل ما هو غير اللَّه أو كل ما تعنون في مقابل اللَّه، فرغم أنه معلول للَّه فلا وجود له في الحقيقة، بل إن وجود اللَّه هو الذي أعطى هذه الأشياء تلك الصفة، يعني أن كل الأشياء إنما هي أسماء وشؤون وصفات وتجليات للَّه عزوجلَّ، وليست أموراً مقابلة له.
تختلف رؤية الفيلسوف عن رؤية العارف، الفيلسوف يريد فهم الكون، يعني يريد إيجاد صورة صحيحة جامعة وكاملة نسبياً عن العالم في ذهنه، وفي نظر الفيلسوف أن الحدّ الأعلى للكمال الإنساني بأن يرى العالم كما اكتشفه بعقله، بحيث يرى العالم ـ في وجوده هو ـ وجوداً عقلانياً ويصير هو عالماً عقلانياً ولهذا قيل في تعريف الفلسفة: «هي صيرورة الإنسان عالماً عقلياً مضاهياً للعالم العيني» يعني أن الفيلسوف عبارة عن إنسان عالمي يصير عقلياً شبيهاً للعالم العيني الحسي.
ولكن العارف لا شأن له بالعقل والفهم، العارف يريد الوصول إلى كنه وحقيقة الوجود الذي هو اللَّه، والاتصال به، والوصول إلى حالة الشهود، ففي نظر العارف ليس الكمال الإنساني في التصور الصرف للوجود في ذهنه، بل هو يريد العودة بقدم السير والسلوك إلى الأصل الذي جاء منه وإلغاء المسافات البعيدة والفاصلة بينه وبين ذات الحق، وأن يتحول في بساط القرب من نفسه الفانية إلى البقاء باللَّه عزَّوجلَّ.
أداة الفيلسوف هي العقل والمنطق والاستدلال، بينما أداة العارف هي القلب والمجاهدة والتصفية والتهذيب والحركة والتفحص الباطني.
وسنبحث فيما بعد في رؤية العالم العرفاني، ونتعرض للاختلاف بينها وبين الرؤية الفلسفية.
العرفان في الإسلام
العرفان في قسميه العملي والنظري على تماس ونماذج مع الإسلام، ذلك أن الإسلام مثل كل دين ومعتقد آخر، بل وأكثر من أي دين آخر قد بيّن علاقة الإنسان باللَّه وبالكون وبنفسه، كما أعطى للوجود تفسيراً وتوضيحاً.
هنا يجب طرح هذه المسألة: ما هي النسبة بين ما عرضه العرفان وبين ما بيّنه الإسلام؟
العرفاء الإسلاميون بالطبع لا يدّعون أبداً أن لهم قولاً يتجاوز الإسلام، ويتبرأ بقوة من هذه التهمة بل هم ـ على العكس ـ يدّعون أنهم كشفوا الحقائق الإسلامية بشكل أفضل من الآخرين، وأنهم هم المسلمون الواقعيّون.
العرفاء من الناحية العملية كما في الناحية النظرية يستندون إلى الكتاب والسنة والسيرة النبوية وسيرة الأئمة وأكابر الصحابة، ولكن للآخرين بشأنهم نظريات أخرى، وسنورد هذه النظريات على التوالي:
أ ـ نظرية فريق من أصحاب الحديث والفقهاء المسلمين، وفي اعتقاد هذا الفريق أن العرفاء لا يرتبطون عملياً بالإسلام، وأن استنادهم إلى الكتاب والسنة إنما هو خداع صرف وتضليل للعوام، ولتأليف قلوب المسلمين، وليس للعرفان أساساً أي ارتباط بالإسلام.
ب ـ نظرية فريق من أدعياء التجديد في العصر الحاضر، هذا الفريق الذي لا تربطه بالإسلام رابطة، والذي يتلقى بلهفة كل ما يشتمّ منه رائحة «التحلّل» فيعتبره من مظاهر النهضة التي تبيح ضرب القيم والأحكام الإسلامية، وشأنهم شأن الفريق الأول في القول بأن العرفاء لا يؤمنون ولا يعتقدون بالإسلام، بل إن العرفان والتصوف حركة قامت بها ملل من غير العرب على الإسلام والعرب معاً، تحت ستار من المعنويات.
هذا الفريق يتحد في وجهة نظره مع الفريق الأول في القول بمخالفة وتعارض العرفان مع الإسلام، لكن الاختلاف بينهما هو أن الفريق الأول يقدس الإسلام ويهدف ـ بالاعتماد على المشاعر الإسلامية ـ إلى أن يحطّ من شأن العرفاء ويحقرهم، وبهذه الوسيلة يخرج العرفان من دائرة المعارف الإسلامية.
بينما الفريق الثاني يهدف بالاعتماد على شخصية العرفاء، وبعضهم يتّصفون بالعالميّة إلى ابتداع وسيلة تحطّ من شأن الإسلام بالقول بأن الأفكار العرفانية السامية في المعارف الإسلامية إنما هي غريبة عن الإسلام وأن هذه العناصر إنما انعكست على المعارف الإسلامية من الخارج، وأن الأفكار الإسلامية متدنيّة عن أفكار كهذه.
هذا الفريق يدّعي أن استناد العرفاء إلى الكتاب والسنة إنما هو تقية صرف، توسّلوها خوفاً من العامة وأرادوا بها حفظ أرواحهم.
ج ـ نظرية الفريق المستقل وفي نظر هذه المجموعة أن في العرفان والتصوف ـ وخصوصاً في العرفان العملي، وبالأخص حيث تظهر فرقة من الفرق ـ يمكن رصد بدع وانحرافات كثيرة، لا تتفق مع كتاب اللَّه ومع السنة المعتبرة.
ولكن العرفاء ـ شأنهم شأن سائر طبقات المفكرين المسلمين، ومثل أغلب الفرق الإسلامية ـ يمتلكون خلوصاً في النوايا، ولا يريدون أبداً معارضة الإسلام في أمر أو قول، ويمكن أن تكون لديهم شبهات وأخطاء كبيرة، ولكن لم يكن هناك أي سوء نية بالنسبة إلى الإسلام عملياً عندهم.
مسألة التضاد بين العرفان والإسلام طرحت من قبل أفراد كان لهم غرض خاص، إن مع العرفان أو مع الإسلام، فلو أن شخصاً محايداً منزهاً عن الغرض، قام بمطالعة كتب العرفاء شرط امتلاكه المعرفة بلغتهم واصطلاحاتهم، فإنه يقف على أخطاء خطيرة كثيرة لهم وعلى غلو بارز، لكن لن يتردد أبداً في أنهم يمتلكون الإخلاص القلبي الكامل للإسلام.
الشريعة والطريقة والحقيقة
إن أحد موارد الاختلاف المهمة بين العرفاء وغيرهم، وخصوصاً الفقهاء، النظرية الخاصة للعارفين بشأن: «الشريعة والطريقة والحقيقة».
يتفق العرفاء والفقهاء على القول بأن الشريعة ـ أي الأحكام والمقررات الإسلامية ـ مبنية على سلسلة من الحقائق والمصالح، ويفسر الفقهاء عادة هذه المصالح على أنها أمور تبلغ بالإنسان الحدّ الأعلى من السعادة، بالعمل بها مستفيداً من المواهب المادية والمعنوية، ولكن العرفاء يعتقدون أن كل الطرق تنتهي إلى اللَّه، وأن كل المصالح والحقائق إن هي إلاّ من نوع الشرائط والإمكانات والوسائل والموجبات التي تسوق الإنسان باتجاه اللَّه عزَّوجلَّ.
الفقهاء يقولون إنه تكمن تحت نقاب الشريعة، بأحكامها ومقرراتها سلسلة من المصالح، وهذه المصالح تعدّ بمنزلة العلل والروح للشريعة، والوسيلة الوحيدة لنيل هذه المصالح إنما هي العمل بالشريعة؛ أما العرفاء فيعتقدون أن المصالح والحقائق الكامنة في تشريع الأحكام هي من نوع المنازل والمراحل التي تسوق الإنسان إلى مقام القرب الإلهي، والوصول إلى الحقيقة.
العرفاء يعتقدون أن باطن الشريعة هو «طريق» ويسمونه «الطريقة» وآخر هذا الطريق «الحقيقة» أي التوحيد بالمعنى الذي أشير إليه قبلاً، والذي يتلمّسه ويصل إليه بعد الفناء وخلاص العارف من نفسه وأنانيته.
يعتقد العارف إذاً بثلاثة أشياء: الشريعة، والطريقة، والحقيقة، يعتقد أن الشريعة وسيلة أو غشاء للطريقة، وأن الطريقة وسيلة أو غشاء للحقيقة.
أمّا طراز تفكير الفقهاء فهو الذي عرفناه في دروس علم الكلام، إنهم يعتقدون أن المقررات والقواعد الإسلامية تتلخص في ثلاثة عناوين:
الأول: أصول العقائد الذي يتكفل به علم الكلام؛ ففي المسائل المرتبطة بأصول العقائد يجب على الإنسان الإيمان والاعتقاد بها عن طريق العقل، إيماناً واعتقاداً راسخين لا يتزلزلان.
الثاني: الأخلاق، وفي هذا القسم تم تبيان القواعد والأوامر التي تحدد وظائف الإنسان بصدد الفضائل والرذائل الأخلاقية، وهذا البيان يتكفل به علم الأخلاق.
الثالث: الأحكام المتعلقة بالأعمال والسلوك الخارجي للإنسان، ويتكفل بها علم الفقه.
هذه الأقسام الثلاثة منفصل بعضها عن الآخر، قسم العقائد يرتبط بالعقل والفكر، وقسم الأخلاق يرتبط بالنفس والعادات والملكات النفسانية، وقسم الأحكام يرتبط بالأعضاء والجوارح.
ولكن العرفاء في مجال العقائد لا يعتقدون بكفاية الاعتقاد الذهني والعقلي الصرف، ويدّعون بأن ما يجب الإيمان والاعتقاد به لا بدّ من الوصول إليه، ولا بدّ من العمل على إزالة الحجب والأستار بين الإنسان وتلك الحقائق، وفي القسم الثاني ـ كما أشرنا قبلاً ـ فإن الأخلاق بما هي ساكنة ومحدودة لا تكفي، ويقترحون أن تحل السيرة والسلوك العرفانيين ذوي التركيب الخاص مكان الأخلاق العلمية والفلسفية.
أمّا القسم الثالث فليس لهم أي اعتراض عليه إلاّ في بعض الموارد الخاصة فلهم قول يمكن أن يُتلقى على أنه ضد القواعد الفقهية.
العرفاء يعبرون عن هذه الأقسام الثلاثة بالشريعة والطريقة والحقيقة، ويعتقدون كما أنّ الإنسان واقعاً ليس مجزّأ إلى ثلاثة أقسام، أي إنّ البدن والنفس والعقل ليست منفصلة الواحدة عن الأخرى، بل هي ـ في نفس اختلاف الواحدة منها عن الأخرى ـ واحدة، ونسبة الواحدة إلى الأخرى كنسبة الظاهر إلى الباطن. فالشريعة والطريقة والحقيقة هي أيضاً من هذا القبيل، بمعنى أن الواحدة هي الظاهر، والثانية هي الباطن، والثالثة هي باطن الباطن.
بهذا التفاوت يقول العرفاء إن مراتب وجود الإنسان أكثر من ثلاث مراحل بمعنى أنهم يعتقدون بمراحل ومراتب فيما وراء العقل، وهذا سنوضحه فيما بعد.
أسس العرفان الإسلامي
لمعرفة أي علم لا بدّ من الاهتمام بتاريخه وتحولاته، ومعرفة الشخصيات الحاملة والوارثة أو المبتكرة في هذا العلم، وكذلك الاطلاع على كتبه الأساسية، ونحن في هذا البحث وفي البحث الرابع سنعمل على توضيح هذه المسائل.
أول مسألة ينبغي طرحها هنا هي: هل العرفان الإسلامي علم مثل الفقه والأصول والتفسير والحديث؟ أي من العلوم التي أخذ المسلمون أسسها وموادّها الأصلية من الإسلام، ووضعوا لها قواعد وضوابط وأصول كشف؟ أم هو من قبيل الطب مثلاً مما وفد إلى العالم الإسلامي من الخارج، وبلغ الرشد والتكامل في أحضان التمدن والمعارف الإسلامية، أم أنه شقّ ثالث من العلوم؟
العرفاء يختارون الشقّ الأول، ولا يرضون غيره بأي وجه. بعض المستشرقين كانوا ولا يزالون يصرون على أن العرفان والأفكار العرفانية اللطيفة والدقيقة كلها إنما جاءت إلى العالم الإسلامي من خارجه.
يقولون حيناً بأنه من أثار المسيحية ويقولون بأن الأفكار العرفانية إنما هي نتيجة لاحتكاك المسلمين بالرهبان المسيحيين. أو يقولون بأنه حصيلة الفلسفة الأفلاطونية الجديدة التي هي بدورها حصيلة لامتزاج أفكار أرسطو وأفلاطون وفيثاغوروس، لون من الكتابات الإسكندرية وآراء وعقائد اليهود والمسيحيين. أو يقولون إنه نشأ من أفكار بوذية.
وكذلك فالمعارضون للعرفان في العالم الإسلامي كانوا ولا يزالون يسعون للقول بأن العرفان غريب عن الإسلام بالمرة، وأن جذوره غير إسلامية.
وهناك نظرية ثالثة تقول: إنَّ العرفان ـ سواء في مورديه النظري أو العملي ـ قد استقى أسسه الأولى من الإسلام نفسه، وقد بيّنت لهذه الأسس قواعد وضوابط وأصولاً، وإنه وقع أيضاً تحت تأثير المجريات الخارجية، وخصوصاً الأفكار الكلامية والفلسفية، وعلى الأخص الأفكار الفلسفية الإشرافية.
إمّا البحث في مدى ما بلغه العرفاء في تبيان القواعد والضوابط الصحيحة للأسس الإسلامية الأولية، وفيما إذا كان نجاحهم في هذا الجانب يوازي الفقهاء أم لا، وما مدى القيود التي تحول دون انحرافهم عن الأصول الواقية للإسلام؟ وكذلك ما هو مدى تأثير المجريات الخارجية في العرفان الإسلامي؟ وهل استطاع العرفان الإسلامي أن يجتذب تلك المجريات، ويعطيها لونه ويستفيد منها في مساره؛ أمّ أن العكس هو الذي حصل، فاستطاعت أمواج تلك المجريات أن تجرف العرفان الإسلامي إلى مسارها؟
هذه مسائل لا بدّ من بحث كلٍّ منها على حدة وبدقة، والشيء المسلّم به هو أن العرفان الإسلامي استقى أسسه الأصلية من الإسلام، ومن الإسلام وحده. المؤيدون للنظرية الأولى، وعدد من المؤيدين للنظرية الثانية ـ قلّوا أم كثروا ـ يدّعون أن الإسلام دين بسيط لا تكلف فيه، يفهمه العامّة، ويخلو من أي نوع من الرموز والأمور الغامضة غير المفهومة، أو التي يصعب فهمها.
الأساس الاعتقادي في الإسلام هو عبارة عن التوحيد، التوحيد الإسلامي يعني كما أن للدار ـ مثلاً ـ صانعاً متمايزاً عنها، فللكون أيضاً صانع منفرد ومنفصل عنه.
العلاقة بين الإنسان ومتاع الدنيا ـ في نظر الإسلام ـ هي الزهد والزهد يعني الإعراض عن متاع الدنيا الفانية للوصول إلى النعيم المقيم في الآخرة. وللوصول لا بدّ من اتّباع سلسلة مقررات عملية بسيطة يتكفل بها علم الفقه.
بنظر هذا الفريق أن للعرفاء الذين يقولون بالتوحيد مطلباً أبعد معنى من التوحيد الإسلامي، ذلك أن التوحيد العرفاني عبارة عن وحدة الوجود، وأن كل ما عدا اللَّه وشؤونه وأسماءه وصفاته وتجلياته شيء لا وجود له.
السير والسلوك العرفاني أيضاً أبعد من الزهد الإسلامي ففي السير والسلوك تطرح سلسلة من المفاهيم والمعاني من قبيل العشق ومحبة اللَّه، والفناء في اللَّه، وتجلي اللَّه على قلب العارف، أمور لا يطرحها الزهد الإسلامي.
والطريقة العرفانية أيضاً أمر أبعد من الشريعة الإسلامية، ذلك أن في آداب الطريقة مسائل يجري طرحها، والفقه غافل عنها. بنظر هذا الفريق فإن أصحاب الرسول الأكرم ـ الذين ينتسب إليهم العارفون والمتصوفة، ويعتبرونهم طليعة لهم ـ لم يكونوا أكثر من زهّاد، فروح أولئك كانت بعيدة عن السير والسلوك والتوحيد العرفاني، كانوا أناساً قد أعرضوا عن متاع الدنيا واتجهوا نحو عالم الآخرة، فالأصل الذي يحكم أرواحهم إنما هو الخوف والرجاء، الخوف من عذاب جهنم، والرجاء بثواب الجنة، وهذا كلّ ما هنالك.
الحقيقة أن نظرية هذا الفريق ليست قابلة للتأييد بأي وجه، فالأسس الأولية للإسلام أغنى بكثير مما يفترضه هذا الفريق عن جهل أو عن عمد، فليس التوحيد الإسلامي بهذه البساطة وهذا الخلوّ من المضامين كما افترضوا، وليست معنوية الإنسان في الإسلام محصورة في الزهد الجاف ولم يكن أصحاب رسول اللَّه(ص) كما وصفوهم، وليست الآداب الإسلامية محدودة بأعمال الجوارح والأعضاء.
في هذا البحث نورد إجمالاً مسائل في حدٍّ يتضح معه أنّ بمقدور التعاليم الإسلامية الأصلية أن تلهم عطاء من سلسلة من المعارف العميقة في مورد العرفان النظري والعملي، أمّا ما هو مدى استفادة العرفاء الإسلاميين من هذه التعاليم بشكل صحيح، وما هو مدى انحرافهم، فمسألة ليس بمقدورنا إيرادها في هذه البحوث القصيرة والمختصرة.
القرآن الكريم في باب التوحيد لا يقوم أبداً بقياس اللَّه والخلق بصانع الدار وبالدار، القرآن يعرّفنا بأن اللَّه هو خالق الكون وبارئه، ويقول في الوقت عينه إن ذاته المقدسة في كل مكان ومع كل شيء. قال تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} {ونحن أقرب إليه منكم} {هو الأول والآخر والظاهر والباطن}، وآيات أخرى من هذا القبيل، بديهي أن مثل هذه الآيات يوحي بأفكار وتأملات في التوحيد أكمل وأعلى مما يقوله العامة في التوحيد.
وفي مورد السير والسلوك وطيّ مراحل القرب من الحق، وحتى آخر المنازل، يكفي أن نتأمل في بعض الآيات المرتبطة بـ«لقاء اللَّه» و«رضوان اللَّه» والآيات الخاصة بالوحي والإلهام وحديث الملائكة مع غير الأنبياء كمريم (عليها السلام) مثلاً وخصوصاً آيات عروج الرسول الأكرم. وورد في القرآن حديث عن النفس اللوامة، والنفس المطمئنة، وحديث عن العلم الفيضي واللدنيّ والهداية الحاصلة من المجاهدة: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}.
وفي القرآن ذكر لتزكية النفس بكونها وحدها الموجبة للفلاح والفوز. {قد أفلح من زكاها} {وقد خاب من دساها} وفي القرآن حديث عن الحب الإلهي الذي يفوق كل محبة وتعلق إنسانيين، وفي القرآن حديث عن تسبيح وتحميد كل ذرات الكون للَّه، وأن الإنسان لو تفقه بالكامل لأدرك ذلك الحمد والتسبيح؛ وعلاوة على ذلك فقد طرح القرآن مسألة النفخة الإلهية في خلق الإنسان.
هذه كلها وغيرها كافية عطاء معنوي عظيم واسع في شأن اللَّه والإنسان والعالم، وبالأخص في مورد ارتباط الإنسان باللَّه. وكما سبقت الإشارة، فالكلام هنا ليس في صحة أو عدم صحة القول بكيفية استفادة العرفاء المسلمين من ثروة التعاليم الإسلامية، بل الكلام في وجود ثروة عظيمة كهذه بمقدورها الإلهام بقسط جيد في العالم الإسلامي. وعلى فرض أن العارفين ـ باصطلاح التسمية ـ لم يتمكنوا من الاستفادة الصحيحة من هذه التعاليم، فإن أفراداً آخرين ـ لم يشتهروا بهذه التسمية ـ قد استفادوا منها. وعلاوةً على ذلك فإن الروايات والخطب والأدعية والاحتجاجات وتراجم أحوال العظماء الذين تربوا في حجر الإسلام تعطي الدليل على أن ما ساد في صدر الإسلام لم يكن زهداً قاسياً وتعبداً أملاً بالأجر ورجاءً للثواب.
وفي الروايات والخطب والأدعية والاحتجاجات معان عظيمة، وإن تراجم أحوال الشخصيات التي عاشت في صدر الإسلام تحكي عن سلسلة من الأمور الروحية المثيرة والتجليات القلبية وحالات الحرقة والذوبان والعشق المعنوي.
إنَّ حياة وأحوال وكلمات ومناجاة الرسول الأكرم(ص)، حافلة بالمؤثرات المعنوية والإلهية، مليئة بالإشارات العرفانية، وكانت أدعيته الكثيرة مورداً لاستشهاد العرفاء واستنادهم إليها.
أمير المؤمنين (عليه السلام)، والذي يكاد أهل العرفان والتصوف يجمعون أن مأثوراته وكلماته التي وصلتهم كانت مصدر إلهام معنويّ ومعرفيّ لهم؛ نشير هنا إلى قولين له (عليه السلام)، ممّا سطّر في «نهج البلاغة»: في الخطبة 222 يقول (عليه السلام):
«إن اللَّه سبحانه وتعالى جعل الذكر جلاءً للقلوب، تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد الغشوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برح للَّه ـ عزت آلاؤه ـ في البرهة بعد البرهة، وفي أزمات الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم، وكلّمهم في ذات عقولهم». وفي الخطبة 220 يقول (عليه السلام) في وصف السالك الطريق إلى اللَّه:
«قد أحيا عقله، وأمات نفسه، حتى دقّ جليله، ولَطُف غليظه، وبرق له لامع كثير البرق، فأبان له الطريق وسلك به السبيل وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة، ودار الإقامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن والراحة، بما استعمل قلبه، وأرضى ربّه».
الأدعية الإسلامية وخصوصاً أدعية الشيعة، كنوز من المعارف: مثل دعاء كميل، ودعاء أبي حمزة الثمالي، والمناجاة الشعبانية، وأدعية الصحيفة السجادية، وتمتلك هذه الأدعية أسمى التأملات المعنوية.
فهل نحن ـ مع وجود مثل هذه الينابيع ـ بحاجة إلى البحث عن ينبوع خارجي؟! وفي هذا السياق ننظر إلى الحركة الاجتماعية المنتقدة والمعارضة للسلطة التي قام بها أبو ذر الغفاري، عندما اعترض بشدة على الظلم والحيف والانحراف والأثرة، فقاسى آلام الإبعاد والتعذيب، وانتهى الأمر به إلى الموت وحيداً في دنيا الغربة. وقد طرح فريق من المستشرقين هذا السؤال: من الذي حرّك أبا ذر؟
هذا الفريق يفتش عن عامل خارج دنيا الإسلام يعزو إليه تحريك أبا ذر، يقول جورج جرداق في كتابه «الإمام علي صوت العدالة الإنسانية» ما مضمونه:
«أنا أتعجب من أمثال هؤلاء الذين يرون شخصاً واقفاً إلى جانب نهر عظيم كنهر الألب مثلاً وبيده كوب ماء ثم يسألونه من أية بركة ملأت هذه الكأس» هذا البحث عن البركة ناشىء عن التوجه إلى الكأس وعدم رؤية النهر، بل البحر! فأي ينبوع يستطيع أبو ذر أن يستقي منه الإلهام غير الإسلام؟ بل أي ينبوع يستطيع إلهام أمثال أبي ذر بما يمكنهم من الوقوف في وجه جبابرة من أمثال معاوية؟
والآن، فالسياق نفسه نلاحظه في موضوع العرفان، فالمستشرقون في بحثهم عن منابع غير الإسلام تلهم قسطاً من المعنويات العرفانية عموا عن رؤية هذا البحر العظيم، بحر الإسلام. هل بمقدورنا أن ننكر كل هذه الينابيع فضلاً عن القرآن والحديث والخطب والاحتجاجات والأدعية والسيرة لمجرد فرضية يرى بعض المستشرقين وأذنابهم من الشرقيين صحتها؟.
المستشرقون في البداية يصرّون على أن مصدر العرفان الإسلامي هو شيء آخر غير التعاليم الأصلية، غير أن أفراداً ـ أمثال نيكلسون الإنكليزي وماسينيون الفرنسي من الذين أجروا دراسات واسعة عن العرفان الإسلامي ولم يعودوا غرباء عن الإسلام ـ اعترفوا أخيراً أن المصدر الأصلي للعرفان الإسلامي هو القرآن والسنّة.
ونختتم هذا البحث بالنقل عن نيكلسون، بعد ذكره الآيات:
1 ـ {الله نور السماوات والأرض}.
2 ـ {هو الأول والآخر}.
3 ـ {لا إله إلا هو}.
4 ـ {كل من عليها فان}.
5 ـ {ونفخت فيه من روحي}.
6 ـ {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}.
7 ـ {فأينما تولوا فثم وجه الله}.
8 ـ {ومن لم يجعل الله له نوراً}.
«من المؤكد أن جذور وبذور التصوف تكمن في هذه الآيات، وبالنسبة إلى المتصوفين الأوائل فالقرآن ليس كلام اللَّه حسب، بل هو وسيلة التقرب إليه، وبواسطة العبادة والتعمّق في أقسام القرآن المختلفة وخصوصاً الآيات الرمزية المتعلقة بالعروج، يسعى المتصوفة إلى إيجاد حالة من صوفيّة الرسول في أنفسهم»([352]).
أصول الوحدة في التصوف مذكورة في القرآن أكثر من أي مكان أخر، وكما أن رسول اللَّه يقول عن اللَّه في الحديث القدسي:
«ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها».
فنحن قلنا تكراراً بأن الكلام لا يدور حول إن كان العرفاء والمتصوفة قد استطاعوا تلقّي الإلهام بشكل صحيح أم لا، بل الكلام يدور حول منشأ هذا التلقي للإلهام، وهل هو من مصادر خارجية، أم من المتون الإسلامية نفسها؟
لمحة تاريخية مختصرة
منشأ العرفان الإسلامي
خصص الكلام السابق لموضوع مصدر وجذور العرفان الإسلامي، فهل في التعاليم الإسلامية والحياة العملية للرسول الأكرم والأئمة الأطهار أشياء يمكنها ـ من الناحية النظرية ـ إلهام قسط من سلسلة المعاني العرفانية اللطيفة والدقيقة؟، ومن الناحية العملية، هل أدت فعلاً إلى إيجاد نشاط روحي وسلسلة من المؤثرات والحركات العرفانية والمعنوية أم لا؟ كان الجواب عن هذا التساؤل بالإيجاب، والآن نتابع هذا البحث.
الحياة والمعارف الإسلامية الأصلية حافلة بالمعنويات والتجليات الروحية لعظماء الإسلام، والتي كانت مصدر إلهام معنوي عميق في العالم الإسلامي لم يكن محصوراً فيما عرف اصطلاحاً باسم العرفان والتصوف، والبحث في فرع من المعارف الإسلامية لا يحمل هذا المعنى، خارج عن موضوع بحثنا هذا. إنما بحثنا يستمر حول هذا الفرع والمعروف اصطلاحاً باسم العرفان أو التصوف، وبديهي أن مجال هذه الدروس لا يسمح بالنقد والتحقيق بصورة شاملة، نحن هنا نسعى في أن نعكس الأحداث التي طرأت على هذه الفروع كما وقعت تماماً من الناحية المعرفية. لهذا نرى أنه لا بدّ ـ من أجل التعرف الأولي ـ من الإشارة أولاً إلى التاريخ البسيط للعرفان والتصوف منذ صدر الإسلام وحتى القرن العاشر الهجري على الأقل، ثم نطرح مسائل العرفان بالحدود المتيسرة لنا هنا وبعد ذلك نتجه إلى تحليلها علمياً والكشف عن جذورها.
من المسلّم به أنه في صدر الإسلام ـ وعلى الأقل في القرن الأول للهجرة ـ لم يكن يوجد بين المسلمين من عُرف باسم عارف أو متصوف، وقد ظهر اسم الصوفي في القرن الثاني للهجرة. ويقال إن أول من عرف بهذا الاسم هو أبو هاشم الصوفي الكوفي الذي عاش في القرن الثاني للهجرة، وهو أول من بنى في الرملة (فلسطين) صومعة (خانقاه) خصصها ليتعبد فيها جماعة من العبّاد والزهّاد المسلمين([353]) ولا يعرف التاريخ الدقيق لوفاة أبي هاشم، وهو أستاذ سفيان الثوري المتوفى سنة 161هـ.
أبو القاسم القشيري، الذي يعتبر من مشاهير الصوفية والعارفين يقول إن هذا الاسم (الصوفي) ظهر قبل سنة 200هـ ويقول نيكسلون أيضاً إن هذا الاسم ظهر في أواخر القرن الثاني للهجرة. ويظهر من رواية في كتاب «المعيشة» من الكافي، الجزء الخامس، أنه في زمان الإمام الصادق (عليه السلام)، أي في القسم الأول من القرن الثاني للهجرة، كان جماعة ـ سفيان الثوري وآخرون ـ يدعون بهذا الاسم.
إذا كان أبو هاشم الكوفي أول من عرف بهذا اللقب وكان كذلك أستاذاً لسفيان الثوري المتوفى سنة 161 هجرية، فإن مصطلح (الصوفي) يكون قد عرف في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، لا في أواخره، (كما قال نيكلسون وآخرون) وظاهراً أنه لا شبهة في كون تسمية الصوفية نسبة إلى لبسهم الصوف، فالصوفية اجتنبوا لبس الثياب الناعمة زهداً وإعراضاً عن الدنيا، وارتدوا الصوف والملبس الخشن. أمّا في أي وقت سميت هذه الجماعة بالعارفين فليس عندنا اطلاع دقيق، والقدر المسلم به هو هذا، ومن نقل بعض الكلمات عن سري السقطي المتوفى عام 243 هجرية([354]) يعلم أن هذا الاصطلاح كان شائعاً ورائجاً في القرن الثالث الهجري، ولكن في كتاب «اللمع» لأبي نصر سراج الطوسي والكتاب أحد المتون المعتبرة في العرفان نقل عن سفيان الثوري جملة تفيد أن هذا الاصطلاح ظهر في حدود القرن الثاني([355]).
على أي حال، فإن القرن الأول الهجري لم يعرف وجود جماعة باسم الصوفية، فهذا الاسم ظهر في القرن الثاني، ويبدو أنه في هذا القرن ظهرت هذه الجماعة بصورة فريق أو فرقة خاصة، وليس في القرن الثالث كما يعتقده البعض([356]).
في القرن الأول الهجري مع أنه لم يوجد أي فريق خاص باسم العارف أو الصوفي أو باسم آخر، فهو ليس دليلاً على أن خيار الصحابة كانوا مجرّد زهاد وعباد وأنهم كانوا يحيون كلهم درجة واحدة من الإيمان البسيط، فاقدين لأي حياة معنوية روحية.
يحتمل أن بعض خيار الصحابة لم يكن لديهم غير الزهد والعبادة ولكن حياة فريق آخر كانت مشبعة بالقيم المعنوية، وهؤلاء أيضاً لم يكونوا في درجة واحدة من الإيمان.
والآن نبدأ بذكر طبقات أهل العرفان والتصوف من القرن الثاني إلى القرن العاشر.
عرفاء القرن الثاني
أ ـ الحسن البصري: تاريخ العرفان في الاصطلاح مثل علم الكلام يبدأ من الحسن البصري المتوفى سنة 110هـ. ولد الحسن البصري سنة 22هـ. وعمَّر ثمان وثمانين سنة فمضى الجزء الأكبر من عمره في القرن الأول الهجري وبالطبع فالحسن البصري لم يعرف بلقب «الصوفي»، أمّا الجهة التي يحسب منها على الصوفية فهي:
أولاً: أنه ألّف كتاباً بعنوان «رعاية حقوق اللَّه» والذي نستطيع أن نعتبره أول كتب التصوف المعروفة، ونسخته الوحيدة موجودة في أكسفورد.
يقول نيكلسون:
«أول مسلم كتب عن أسلوب الحياة الصوفية الحقيقية هو الحسن البصري، والطريقة التي شرحها الحقيقية هو الحسن البصري، والطريقة التي شرحها الكتّاب المتأخرون عن التصوف والوصول إلى المقامات العالية هي: التوبة أولاً، وبعدها سلسلة أعمال أخرى… والتي يجب تسلسل العمل بها للإرتقاء إلى المقامات الأعلى»([357]).
ثانياً: إن نفس أهل العرفان يتصل سند بعض سلاسل طرقهم بالحسن البصري ومنه بأمير المؤمنين علي (عليه السلام) مثل سلسلة مشايخ أبي سعيد أبي الخير([358])، وكذلك فإن ابن النديم في «الفهرست» وفي كلامه على الفن الخامس من المقالة الخامسة يصل سلسلة أبي محمد جعفر الخلدي بالحسن البصري، ويقول أن الحسن البصري أدرك سبعين من أصحاب بدر.
ثالثاً: بعض الحكايات المنقولة تدل على أن الحسن البصري كان عملياً فرداً من المجموعة التي عرفت فيما بعد باسم المتصوفة وسنذكر بعض هذه الروايات عنه في مواضعها المناسبة.
أ ـ مالك بن دينار: كان هذا الرجل من المفرطين في مجال الزهد وترك اللذات، وينقل عنه الكثير من القصص في هذا المجال، توفي سنة 35 هجرية.
ب ـ إبراهيم الأدهم: وقصته تشبه القصة المعروفة لبوذا، ففي بداية أمره كان سلطاناً على بلخ، وجرت له بعض الحوادث أدت إلى توبته واستقر في سلسلة أهل التصوف. ويعيره أهل العرفان أهمية زائدة، وفي المثنوي قصة مؤثرة عنه، توفي إبراهيم في حدود سنة 161هـ.
ج ـ أبو هاشم الصوفي الكوفي: تاريخ وفاته مجهول، ومقدار ما نعلمه أنه كان أستاذاً لسفيان الثوري المتوفى سنة 161هـ. والظاهر أنه أول من عرف بالصوفي، يقول سفيان لولا أبا هاشم ما عرفت دقائق الرياء.
د ـ شقيق البلخي: تلميذ إبراهيم الأدهم، وبناءً على نقل «ريحانة الأدب» وغيره عن كتاب «كشف الغمة» لعلي بن عيسى الإربلي، وعن «نور الأبصار» للشبلنجي أنّه التقى بالإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في الطريق إلى مكة، ونقل عنه مقامات وكرامات؛ توفي في إحدى السنوات 153 أو 174 أو 184هـ.
هـ ـ معروف الكرخي: وهذا الرجل من مشاهير أهل العرفان، ويقال إن أبويه كانا مسيحيين، وأنه أسلم على يدي الرضا (عليه السلام) واستفاد منه. يتصل الكثير من أسانيد الطريق طبقاً لادّعاء العرفاء بمعروف الكرخي، وعن طريقه بالإمام الرضا (عليه السلام) وعن طريقه (عليه السلام) بمن سبقه من الأئمة حتى تصل إلى الرسول الأكرم، وإلى هذه السلسلة يشار بـ«سلسلة الذهب»، والذهبيون عموماً يدّعون هذا القول.
و ـ الفضيل بن عيّاض: من مرو إيراني من أصل عربي. يقال أنه في أول حياته كان متعلقاً بالنساء، وأنه في إحدى الليالي ارتقى جدار بيت ليسرقه، فسمع قارئاً للقرآن يتلو آية جعلته ينقلب إلى التوبة، وإليه ينسب «مصباح الشريعة»، ويقال أيضاً إنه تلقى سلسلة من الدروس عن الإمام الصادق (عليه السلام). وأبدى المحدث المتبحر في القرن الأخير الميرزا حسين النوري… ثقته بهذا الكتاب في خاتمة المستدرك، توفي الفضيل سنة 187هـ.
عرفاء القرن الثالث
أ ـ أبو يزيد البسطامي: طيفور بن عيسى، من أكابر أهل العرفان، يروى أنه أول من تحدث بصراحة عن «الفناء في اللَّه» و«البقاء باللَّه» في أقواله، ولأبي يزيد شطحات أوجبت تكفيره، ويسميه أهل العرفان واحداً من أصحاب «السكر» بمعنى أنه في حال «الانجذاب» يحدث بدون إرادة منه. توفي سنة 261هـ. ويدعي البعض أنه كان سقاءًا لبيت الإمام الصادق (عليه السلام) وهذا الادعاء لا يتفق مع التاريخ، فهو لم يدرك عصر الإمام الصادق (ص).
ب ـ بشر الحافي: من مشاهير أهل العرفان، وهو أيضاً كذلك ابتدأ حياته معدوداً من أهل الفسق والفجور، ثم تاب. روى العلامة الحلي في «منهاج الكرامة» قصة مفادها أن بشراً تشرف بلقاء الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) وأظهر التوبة على يديه وكان حافياً فعرف ببشر الحافي. والبعض يروي قصة أخرى عن علة تسميته بالحافي، توفي سنة 226 أو 227هـ.
ج ـ سرّي السقطي: من أصحاب ومعاصري بشر الحافي، وكان من أهل الإشفاق والإيثار في علاقته بالناس.
يروي ابن خلكان في «وفيات الأعيان» أن السقطي قال: «أستغفرت اللَّه ثلاثين سنة من كلمة جرت على لساني، وهي «الحمد للَّه»، قيل له: وكيف كان ذلك؟
قال: شبّت النار في السوق ذات ليلة، فخرجت أنظر إن كانت النار قد بلغت دكاني أم لا، فقيل لي: لم تلحق النار بدكانك، فقلت: الحمد للَّه، وتنبهت دفعة واحدة إلى أن اهتمامي بدكاني أعماني عن الضرر الأكبر، أليس الحريّ بي أن أحس بما يصيب المسلمين؟!
كان سري تلميذاً ومريداً لمعروف الكرخي وأستاذاً وخالاً لجنيد البغدادي، وله كلام كثير في التوحيد والعشق الإلهي، وهو القائل: العارف أشبه بالشمس، تغمر العالم كله بشعاعها، وأشبه بالأرض، تحمل فوق منكبيها أحمال الخير والشر؛ وأشبه بالماء، فهو ثروة الحياة لكل القلوب، وأشبه بالنار تنشر ضياءها على كل شيء. توفي سنة 245 أو 250 عن عمر يقارب 98 سنة.
د ـ الحارث المحاسبي: من رفاق وأصحاب الجنيد، لقب بالمحاسبي لاهتمامه بالمراقبة والمحاسبة، كان معاصراً لأحمد بن حنبل وبسبب بغض أحمد لعلم الكلام واهتمام الحارث بهذا العلم فقد طرده، وهذا سبب إعراض الناس عنه، توفي سنة 242هـ.
هـ الجنيد البغدادي: أصله من نهاوند، يسميه أهل العرفان والتصوف بـ«سيد الطائفة». يعدّ الجنيد من أهل العرفان المعتدلين، فلم تسمع عنه الشطحات التي سمعت من غيره، حتى أنه لم يلتزم بزي أهل التصوف، بل كان يضع زيّ الفقهاء والعلماء، وقيل له: لو لبست الخرقة (لباس أهل التصوف) إرضاء لمريديك، فأجاب: لو كنت أحسن الخياطة لاتخذت ثوباً من الحديد المذاب، ولكن نداء الحقيقة هو: «ليس الاعتبار بالخرقة إنما الاعتبار بالحرقة». (أي حرقة القلب). وكان الجنيد تلميذاً ومريداً لسري السقطي وهو ابن أخته كذلك، كما تتلمذ على يد الحارث المحاسبي وقيل إنه مات عن سبعين عاماً وذلك سنة 297هـ.
و ـ ذو النون المصري: من أهل مصر، تلميذ مالك بن أنس ـ الفقيه المعروف ـ يدعوه الجامي برئيس الصوفية، وهو أول من استعمل الرمزية، وكان يبين المعاني العرفانية باصطلاحات رمزية، يفهمها من كان له إلمام بها، أمّا غير الملمّ بها فلا يفهمها. وانتشر هذا الأسلوب تدريجاً، فكانت المعاني العرفانية تصوَّر بتعابير الغزل والإشارات ذات الدلالة. ويرى البعض أن كثيراً من تعاليم الأفلاطونية الحديثة دخلت العرفان والتصوف عن طريق ذي النون ([359]). توفي بين 240 و250هـ.
ز ـ سهل بن عبداللَّه التستري: من أكابر أهل العرفان والتصوف، وهناك فرقة من فرق الصوفية ممن يعتقدون بأصالة مجاهدة النفس يعرفون بـ«السهيلة»؛ التقى سهل بذي النون المصري في مكة المكرمة. توفي سنة 283 أو 293([360]).
ح ـ الحسين بن منصور الحلاج: من أكثر العارفين إثارة للجدل بين العرفاء الإسلاميين، مكثر في الشطحات، اتهم بالكفر والارتداد وادعاء الألوهية، كفّره الفقهاء وصلب في زمان المقتدر العباسي. ويتهمه أهل العرفان بإفشاء الأسرار، وعن هذا يقول حافظ:
ذاك الذي فيض المعارف عنه قد فاحا
كل ما جناه أنه بالسر قد باحا
كما اتهمه البعض بالشعوذة، وقد برّأه أهل العرفان وقالوا إن كلامه وكلام أبي يزيد الذي تشتمّ منه رائحة الكفر إما كان حال السكر وعدم الإرادة، ويذكره أهل العرفان باسم «الشهيد». وكان صلبه سنة 306 أو 309([361]).
عرفاء القرن الرابع
أ ـ أبو بكر الشبلي: من تلاميذ ومريدي جنيد البغدادي، أدرك الحلاّج، وهو من مشاهير العرفاء، خراساني الأصل، ينقل عنه أشعار وكلمات عرفانية كثيرة في كتاب «روضات الجنات» وسائر كتب التراجم. قال الخواجة عبداللَّه الأنصاري: أول من تحدث بالرمز كان ذا النون المصري، ثم جاء جنيد فتوسع في هذا العلم ورتبه وألّف العديد من الكتب فيه، ولما وصل الدور إلى الشبلي ارتفع به فوق المنابر توفي الشبلي بين سنتي 334 ـ 344 عن 87 سنة.
ب ـ أبو علي الروذباري: ساساني الأصل، ويعود في نسبه إلى أنوشروان، كان من مريدي جنيد، وأخذ الفقه عن أبي العباس بن شريح، والأدب عن ثعلب، يدعى بجامع الشريعة والطريقة والحقيقة. توفي سنة 322هـ.
ج ـ أبو نصر سراج الطوسي: صاحب كتاب «اللمع» المعروف، أحد المتون الأصلية المعتبرة والقديمة في العرفان والتصوف. توفي في طوس سنة 378، كان كثير من مشايخ الطريقة تلامذته وتابعيه بواسطة أو بلا واسطة.
د ـ أبو الفضل السرخسي: كان من تابعي ومريدي أبي نصر سراج الطوسي وأستاذاً لأبي سعيد أبي الخير العارف المشهور جداً توفي سنة 400هـ.
هـ أبو عبداللَّه الروذباري: ابن أخت أبي علي الروذباري، ومن أهل العرفان في الشام. توفي عام 369هـ.
و ـ أبو طالب المكي: أكثر شهرته قائمة على كتاب ألّفه في العرفان والتصوف باسم «قوت القلوب» وقد تمّ طبعه وهو من المتون الأصلية في العرفان والتصوف. توفي سنة 385 أو 386هـ.
عرفاء القرن الخامس
أ ـ الشيخ أبو الحسن الخرقاني: أحد أهل العرفان المشهورين، وينسب العرفاء إليه قصصاً عجيبة، ومن جملتها ادّعاؤه بأنه كان يذهب إلى ضريح أبي يزيد البسطامي ويقف عند رأسه، ويتصل بروحه ويحلّ بعض مشكلاته.
والمولوي يذكره كثيراً في «المثنوي» معبراً عن احترام كبير له وتعلّق به. يقال إنه التقى الفيلسوف المعروف أبا علي بن سينا والعارف أبا سعيد أبو الخير. توفي سنة 425هـ.
ب ـ أبو سعيد أبو الخير: من مشاهير العارفين وأصحاب الطرق، له رباعيات لطيفة. سُئل: ما هو التصوف؟ فقال: ترك الرئاسة، وبذل ما في اليد، والتجاوز عما يصيبك. التقى أبا علي بن سينا في مجلس وعظ، وكان بينهما حوار شعري في معنى خطبة لأبي سعيد عن آثار الطاعة والمعصية وضرورة العمل، فأنشد ابن سينا هذه الرباعيّة:
إن قلت «عفواً» ردُّنا: العفو أجل
وعن الإطاعة والمعاصي لا تسل
وَجِدِ العنايةَ منك حيث صرفتَها
إنَّ الذي لم تعمله يُحسب كالعمل
فردَّ عليه أبو سعيد من فوره:
يا من تركت الحسن، والسوءَ أتيت
وخلاصَ نفسك قد وقفتَ على الأمل
دع عنك آمالاً فلست بضامنٍ
أن الذي لم تعمله يحسب كالعمل([362])
ولأبي سعيد هذه الرباعية أيضاً:
وغداً إذا «السِّتُّ الجهات» تُبَعثَر
فالقدر منك بقدر علمك يظهر
فاسعَ إلى حسن الصفات فإنما
يوم الجزاء بمثل وصفك تحشر
توفي أبو سعيد سنة 440هـ.
ج ـ أبو علي الدقاق النيشابوري: يعدّ من الجامعين للشريعة والطريقة، كان واعظاً ومفسراً للقرآن، لقّب بـ«الشيخ النوّاحة» بسبب بكائه عند المناجاة. توفي سنة 405 أو 412هـ.
د ـ أبو الحسن علي بن عثمان الهجويري: صاحب كتاب «كشف المحجوب» المشهور والذي طبع مؤخراً. توفي سنة 470هـ.
هـ ـ الخواجة عبداللَّه الأنصاري: من أحفاد أبي أيوب الأنصاري الصحابي الكبير المعروف، والخواجة عبداللَّه واحد من أكثر العارفين شهرة وعبادة، له كلمات قصار ومناجات، وله كذلك رباعيات رقيقة في الأحوال وأكثر شهرته تعود إليها، ومنها: «في الطفولة: قصر نظر، وفي الشباب سكر، وفي الكبر ضعف وكسل فمتى تعبد اللَّه؟»، ومنها أيضاً: «العمل القبيح عمل أشباه الكلاب، والعمل الحسن كالسير على الشوك، وفعل القبيح أحسن ما فعله الخواجة عبداللَّه الأنصاري».
وله أيضاً هذه الرباعية:
عيب كبير من يميّز نفسه
فوق الخلائق أو يرجّح نفسه
إنسان عينك منه فاعلم واتّعظ
إذ يبصر الدنيا، أيبصر نفسه؟
ولد الخواجة عبداللَّه في هراة وتوفي ودفن فيها سنة 481هـ. ولذا عُرف بشيخ هراة. وقد ألّف كتباً كثيرة، أشهرها الكتب الدراسية في السير والسلوك، ومن أنضج كتب العرفان كتابه «منازل السائرين» عليه شروحات كثيرة.
قضى في بيت المقدس عشر سنوات بعيداً عن أعين عارفيه، منصرفاً إلى العرفان والتصوف، ولم يعد إلى أي منصب أو مقام حتى آخر عمره، بعد دورة من الرياضة وضع كتابه المعروف «إحياء علوم الدين». وتوفي في طوس وطنه الأصلي سنة 505هـ.
عرفاء القرن السادس
أ ـ عين القضاة الهمذاني: كان من مريدي أحمد الغزالي الأخ الأصغر لأبي حامد الذي كان أيضاً من العارفين، له كتب كثيرة، وله أشعار فيضية فصيحة لا تخلو عن الشطحات، كُفّر وقتل، وأُحرق جسده، وبعثر رماده، وكان مقتله بين سنتي 525 و535هـ.
ب ـ السنائي الغزنوي: الشاعر المعروف، له أشعار عرفانية عميقة، أورد المولوي أقواله وشرحها في «المثنوي». وتوفي في النصف الأول من القرن السادس.
ج ـ أحمد الجامي: من مشاهير العارفين والمتصوفة، مدفنه معروف في مقبرة جام قرب الحدود الإيرانية الأفغانية.
وقد توفي حوالي سنة 536هـ.
د ـ عبدالقادر الجيلاني: من الشخصيات المثيرة للجدل في العالم الإسلامي، وإليه تنسب الطريقة القادرية إحدى الطرق الصوفية، قبره في بغداد معروف ومشهور، من الذين نقل عنهم كرامات و(دعاوى). من السادات الحسنية. توفي سنة 560 أو 561هـ.
هـ – الشيخ روزبهان بقلي الشيرازي: المعروف بالشيخ شطاح بسبب قوله بالكثير من الشطحات، قام بعض المستشرقين مؤخراً بطباعة ونشر عدد من كتبه. توفي سنة 606هـ.
عرفاء القرن السابع
برز في هذا القرن عدد من العارفين ونحن هنا نذكر عدداً منهم بحسب تاريخ وفياتهم.
أ ـ الشيخ نجم الدين كبرى: من مشاهير وأكابر العارفين، تنتهي إليه كثير من الطرق، كان صهر الشيخ روزبهان بقلي ومن تابعيه ومريديه، تتلمذ وتربى على يديه كثيرون منهم «بهاء الدين ولد»، أبو مولانا المولوي الرومي. عاش في خوارزم وشهد حملة المغول عليها، أرسل إليه المغول أن بإمكانك وجماعتك الخروج من المدينة والنجاة بنفسك، ولكنه أجابهم: لقد عشت أيام الراحة إلى جانب هؤلاء الناس ولن أتركهم في هذه الأيام الصعبة، فخرج مع الناس بالسلاح وقاتل حتى استشهد، وكانت هذه الواقعة سنة 616هـ.
ب ـ الشيخ فريد الدين العطار: من أكابر الدرجة الرفيعة من أهل العرفان، ترك العديد من المنثور والمنظوم، له كتاب «تذكرة الأولياء» في شرح أحوال أهل العرفان والمتصوفة، بدأه بالإمام الصادق (عليه السلام) وختمه بالإمام الباقر (عليه السلام) ويعد من المصادر والأسانيد القيمة، أظهر المستشرقون اهتماماً كبيراً به. وكذلك فإن كتابه «منطق الطير» يعدّ من أعظم الأعمال العرفانية.
كان العطار من تلاميذ ومريدي الشيخ مجد الدين البغدادي من تابعي الشيخ نجم الدين كبرى. وقد أدرك صحبة قطب الدين حيدر الذي كان من مشايخ ذلك العصر، والمدفون في الروضة الحيدرية، وإليه تنسب هذه المدينة. عاصر العطار فتنة المغول. توفي ويقال إنه قُتل بيدهم بين سنتي 626 ـ 628هـ.
ج ـ الشيخ شهاب الدين السهروردي الزنجاني: صاحب الكتاب المعروف «عوارف المعارف» من المتون الجيدة في العرفان والتصوف، قيل إنه كان يزور مكة والمدينة سنوياً، لاقى عبدالقادر الجيلاني وصحبه، وكان الشيخ سعدي الشيرازي وكمال إسماعيل الأصفهاني الشاعر المعروف من مريديه.
السهروردي هذا هو غير الشيخ شهاب الدين السهروردي الفيلسوف المقتول والمعروف بشيخ الإشراق، الذي قُتل حوالي سنة 581 ـ 590 في حلب. توفي العارف السهروردي في حدود سنة 632.
د ـ ابن الفارض المصري: يعدّ من الطراز الأول بين العارفين، وأشعاره العرفانية في العربية، في منتهى العظمة وكمال الظرافة، طبع ديوانه مكرراً واشتغل الفضلاء بشرحه، وممن اعتنى بشرحه عبدالرحمن الجامي، العارف المشهور في القرن التاسع([363]).
أشعاره العرفانية في اللغة العربية تقابلها أشعار حافظ في اللغة الفارسية، طلب منه محيي الدين العربي أن يتولى شرح أشعاره بنفسه، فأجابه: إن كتابك «الفتوحات المكية» هو شرح لهذه الأشعار.
كان ابن الفارض من أصحاب الأحوال غير العادية، وغالباً ما كان يستغرق في حالة «الجذب» وقد أنشد الكثير من أشعاره وهو في هذه الحالة. توفي سنة 632هـ.
هـ محيي الدين العربي الطائي الأندلسي([364]): نشأ أصلاً في الأندلس ولكنه قضى أكثر عمره كما يظهر في مكة وسورية. كان من تلاميذ الشيخ أبي مدين المغربي الأندلسي، من عرفاء القرن السادس، يتصل في طريقته بواسطة واحدة بالشيخ عبدالقادر الجيلاني الذي سبق ذكره. والمسلم به أن محيي الدين الذي يدعى أحياناً باسم «ابن عربي» هو أعظم العارفين، ولهذا لقّب «بالشيخ الأكبر».
تكامل العرفان الإسلامي من بدء ظهوره قرناً فقرناً، في كل قرن وكما أشرنا ظهر بعض العارفين الذين أسهموا في تكامله وزادوه غنى وثراء، وكان هذا كله تكاملاً تدريجياً، ولكن في القرن السابع وعلى يد محيي الدين العربي قفز قفزة وصل بها إلى نهاية كماله.
أوصل محيي الدين العرفان إلى مرحلة جديدة لم يسبق له بلوغها، فأنشأ القسم الثاني من العرفان، أي قسمه العلمي والنظري والفلسفي، والعارفون من بعده تناولوا فتات مائدته، وهو علاوة على هذا من أعاجيب الزمان، إنه إنسان عجيب، ولهذا ظهرت بشأنه عقائد متضاربة. دعاه البعض بالولي الكامل، وقطب الأقطاب بينما أنزله البعض الآخر إلى حدّ الكفر، فمرة يسمونه مميت الدين ومرة محيي الدين. وقد أجلّه الفيلسوف الكبير صدر المتألهين غاية الإجلال وكان في نظره أعظم من الفارابي وابن سينا.
ألّف محيي الدين أكثر من مئتي كتاب وأكثر كتبه ـ ولعل كل كتبه التي وجدت نسخها ـ ثم تمّ طبعها (في حدود ثلاثين كتاباً) ومن أهمها كتاب «الفتوحات المكية» وهو في الحقيقة دائرة المعارف في العرفان. وكتاب آخر هو كتابه «فصوص الحكم» وهو على صغره يعدّ أعمق وأدق متون العرفان، وقد كتب عليه شروحات عديدة وقد لا تجد في أي عصر أكثر من اثنين أو ثلاثة أشخاص يقدرون على فهم هذا المتن العميق. توفي محيي الدين سنة 638هـ. في دمشق، ودفن هناك وقبره معروف ومزار حتى الآن.
و ـ صدر الدين محمد القونوي: تلميذ الشيخ محيي الدين ومن مريديه، وهو ربيبه، عاصر الخواجة نصير الدين الطوسي والمولوي الرومي، جرت بينه وبين الخواجة الطوسي مكاتبات وردود، وكان محل احترام الخواجة. كما كان بينه وبين المولوي في قونية كمال الصفاء والإخلاص، كان القونوي إماماً للجماعة وكان المولوي يصلي خلفه، وقيل إن المولوي كان تلميذاً له.
يروى أنه دخل مرة على مجلس القونوي، فتحرك الأخير عن مسنده داعياً إياه ليجلس عليه، فلم يفعل وقال له بماذا أجيب اللَّه غداً إذا سألني عن الإتكاء على مسندك، فأبعد القونوي المسند وقال: هذا المسند إن لم يكن لك، فلن يكون لي أنا أيضاً.
كان القونوي أفضل الشارحين لأفكار ومعارف الشيخ محيي الدين، ولعله لو لم يوجد القونوي لما أمكن فهم الشيخ محيي الدين، وبواسطة القونوي تعرّف المولوي على مدرسة الشيخ محيي الدين.
وما يقال عن تتلمذ المولوي على القونوي يبدو أنه يتعلق بأخذه أفكار ومعارف الشيخ محيي الدين. وقد عكسها المولوي في «المثنوي» وفي «ديوان الشمس»، وقد اعتمدت كتب القونوي ضمن كتب الدراسة في الحوزات الفلسفية والعرفانية في القرون الستة الأخيرة.
كتب القونوي المعروفة هي: «مفتاح الغيب» و«نصوص» و«فكوك». توفي القونوي سنة 672هـ. وهي السنة التي توفي فيها المولوي والخواجة نصير الدين الطوسي، ويقال إنه توفي سنة 673هـ.
ز ـ مولانا جلال الدين محمد البلخي الرومي: المعروف بالمولوي، صاحب الكتاب العالمي «المثنوي»، من أعظم نوابغ العارفين، ديوانه «المثنوي» محيط من الحكمة والمعرفة والمسائل الدقيقة في المعارف الروحية والاجتماعية والعرفانية، وهو في الصف الأول من شعراء إيران. أصل المولوي من بلخ، وفي صغره سافر مع أبيه إلى خارج بلخ حيث ذهبا إلى حج بيت اللَّه الحرام، التقى بالشيخ فريد الدين العطار في نيشابور.
وبعد رجوعه من مكة ذهب بصحبة أبيه إلى قونية، وحط رحاله فيها. كان المولوي في بداية أمره عالماً وكما هو شأن العلماء اشتغل بالتدريس فترة وكان له مقام محترم، إلى أن التقى بالعارف المشهور شمس التبريزي، فانجذب إليه بقوة، وترك كل شيء. توفي سنة 672هـ.
ح ـ فخر الدين العراقي الهمداني: الشاعر والعارف الغزلي المشهور، تلميذ صدر الدين القونوي درس على شهاب الدين السهروردي، وكان من مريديه، توفي سنة 688هـ.
عرفاء القرن الثامن
أ ـ علاء الدولة السمناني: مارس بداية أعمال الدواوين، ثم تخلى عنها وانتظم في سلك العارفين وبذل ثروته كاملة في سبيل اللَّه، ألّف كتباً كثيرة، له في العرفان النظري معتقدات خاصة، طرحت في كتب العرفان المهمة. توفي سنة 736هـ. كان من مريديه الشاعر المعروف خواجري كرماني.
ب ـ عبدالرزاق الكاشاني: من العارفين المحققين في هذا القرن، شرح فصوص الشيخ محيي الدين ومنازل السائرين للخواجة عبداللَّه، وقد طبعا، وهما من المراجع عند أهل التحقيق.
نقل صاحب روضات الجنات في ذيل أحوال الشيخ عبدالرزاق اللاهيجي عن الشهيد الثاني، ثناءً بليغاً في حق عبدالرزاق الكاشاني، وقد جرت بينه وبين علاء الدولة السمناني مباحثات ومشاحنات في المسائل النظرية للعرفان التي طرحها الشيخ محيي الدين. توفي سنة 735هـ.
ج ـ الخواجة حافظ الشيرازي: على رغم الشهرة العالمية لحافظ، فإن تفاصيل حياته غير معروفة والقدر المسلم به أنه كان عالماً عارفاً حافظً للقرآن ومفسراً له.
ومع إشارته في أشعاره، وحديثه عن المرشد وكبير الطريقة «شيخ الطريقة» فلا يُعرف من كان مرشده ومرّبيه. أشعاره في أوج الكمال العرفاني، وقلائل هم الذين يقدرون على فهم لطائفه العرفانية، اعترف كل العارفين الذين أتوا بعده بأنه طوى عملياً مقامات عرفانية عالية.
بعض الفضلاء قاموا بشرح العديد من أشعار حافظ، كالمحقق جلال الدين الدواني الفيلسوف المعروف في القرن التاسع. توفي حافظ سنة 791هـ.
د ـ الشيخ محمود الشبستري: مبدع المنظومة العرفانية الرائعة المسماة «گلشن راز» (روضة الأسرار)، وتعدّ هذه المنظومة من الكتب العرفانية السامية، وقد خلّدت اسم منشدها؛ وقد كتبت عنها شروح كثيرة، لعلّ أفضلها شرح الشيخ محمد اللاهيجي، الذي تمّ طبعه، وهو في المتناول. كانت وفاة الشبستري حوالي سنة 720هـ.
هـ السيد حيدر الآملي: واحد من العارفين المحققين، كتابه «جامع الأسرار» من أدق كتب العرفان النظري الذي جاء به الشيخ محيي الدين، وله كتاب آخر هو «نص النصوص في شرح الفصوص». كان معاصراً لفخر المحققين الحلي المعروف، ولا نعلم سنة وفاته على وجه دقيق([365]).
و ـ عبدالكريم الجيلاني: صاحب الكتاب المعروف «الإنسان الكامل» وبحث الإنسان الكامل قد طرحه نظرياً لأول مرة الشيخ محيي الدين العربي، ثم بلغ مقاماً مهماً في العرفان الإسلامي، وقد أفرد له صدر الدين القونوي تلميذ ومريد الشيخ محيي الدين فصلاً موسعاً من كتابه «مفتاح الغيب» وحسب اطلاعنا فإنه حتى الآن قد ألّف بهذا العنوان كتابان مستقلان، أحدهما لعزيز الدين النسفي من عرفاء النصف الثاني من القرن السابع، والآخر لعبدالكريم الجيلاني نفسه، وقد طبعا كلاهما بهذا الاسم. توفي الجيلاني عن 38 عاماً، وذلك سنة 805هـ.
عرفاء القرن التاسع
أ ـ الشاه نعمت اللَّه ولي: يعود نسب هذا الرجل إلى آل علي (عليه السلام)، وهو من العارفين والمتصوفة المشهورين والمعروفين والطريقة النعمت اللهية منسوبة إليه([366])، والسند عنه من أشهر سلاسل الإسناد في الطرق الصوفية في العصر الحاضر. قبره في ماهان كرمان مزار للصوفية. يقال إنه عمّر 95 سنة وتوفي في سنة 820 أو 834، يعود القسم الأكبر من عمره إلى القرن الثامن، التقى بحافظ الشيرازي، وقد ترك أشعاراً كثيرة في العرفان.
ب ـ صائن الدين علي تركه الأصفهاني: من العارفين المحققين، له اليد الطولى في العرفان النظري الذي أسّسه الشيخ محيي الدين (كما ذكرنا مراراً) وكتابه «تمهيد القواعد» المطبوع والمتداول دليل على تبحره في العرفان، وهو مورد استفادة ومراجعة المحققين بعده.
ج ـ محمد بن حمزة الفناري الرومي: من علماء البلاد العثمانية، كان عالماً جامعاً ألّف الكتب الكثيرة، واشتهر في العرفان بكتابه «مصباح الأنس» الذي هو شرح لكتاب صدر الدين القونوي «مفتاح الغيب» وحيث لم يكن بمقدور أي كان شرح كتب الشيخ محيي الدين والقونوي فقد استطاع الفناري ذلك، وقد أظهر قيمة هذه الشروح العارفون الذين جاؤوا بده. وقد طبع هذا الكتاب بالحجر في طهران مع حواشي العارف المحقق الآغا ميرزا هاشم الرشتي، ولكن بسبب سوء الطباعة فإن مقداراً من حواشي الآغا الرشتي غير مقروء.
د ـ شمس الدين اللاهيجي النوربخشي: شارح «روضة الأسرار» لمحمود الشبستري، وكان معاصراً للأمير صدر المتألهين دشتكي والعلاّمة الدواني، وقد عاش في شيراز، وطبقاً لما ذكره القاضي نور اللَّه في «مجالس المؤمنين» فإن صدر الدين الدشتكي والعلامة الدواني اللذين كانا من حكماء العصر الأجلاء قد بالغا في احترامه وتعظيمه. وكان مريداً للسيد محمد نوربخشي، وهذا كان تلميذاً لابن فهد الحلي. وفي شرح «گلشن زار» (روضة الأسرار) ص698 ذكر تسلسل طريقة الفقر التي اتّبعها بدءاً بالسيد محمد نوربخشي وصولاً إلى معروف الكرخي ثم إلى حضرة الرضا (عليه السلام) والأئمة السابقين فإلى حضرة الرسول(ص) ويسمي هذه السلسلة بسلسلة الذهب.
يعود أكثر شهرته من شرحه لگلشن راز (روضة الأسرار) الذي يعد من المتون القيمة في العرفان، وإذ يذكر اللاهيجي في مقدمة كتابه أنه شرع فيه سنة 877 فإن تاريخ وفاته غير محدد بدقة ولكن الظاهر أنه قبل سنة 900.
هـ نور الدين عبدالرحمن الجامي: يتصل نسبه بمحمد بن الحسن الشيباني الفقيه المعروف في القرن الثاني الهجري، كان الجامي شاعراً قديراً، ويعرف بأنه آخر شعراء الفارسية الكبار في العرفان؛ كان في بداية أمره يذيّل أشعاره باسم مستعار هو «دشتي»، ولكن لأنه ولد في ولاية جام من ضواحي مشهد ولكونه مريداً لأحمد الجامي فقد استبدل اسم «دشتي» باسم «جامي».
كان الجامي ملماً إلماماً عالياً بعلوم مختلفة، النحو والصرف، والفقه، والأصول، والمنطق، والفلسفة، والعرفان، وقد ألّف فيها كتباً كثيرة. من هذه الكتب: شرح فصوص الحكم لمحيي الدين، وشرح اللمع لفخر الدين العراقي، وشرح تائية ابن الفارض، وشرح قصيدة البردة في مدح حضرة الرسول(ص)، وشرح القصيدة الميمية للفرزدق في مدح زين العابدين (عليه السلام)، واللوائح، وبهارستان، على منوال «گلستان» لسعدي، ونفحات الأنس في شرح أحوال العرفاء.
كان الجامي مريداً لطريقة بهاء الدين النقشبندي مؤسس الطريقة النقشبندية، ولكن كما أن محمد اللاهيجي الذي مع كونه من أتباع طريقه السيد محمد نوربخشي، قد تقدمت شخصيته المعرفية التاريخية بمراتب على شيخه في الطريقة، كذلك فالجامي المريد للنقشبندي أيضاً، قد فاقت شخصيته المعرفية التاريخية شخصية بهاء الدين النقشبندي ونحن هنا في هذا الموجز التاريخي نتحدث عن الجانب المعرفي والعرفاني النظري لا جانب الطرق، لذلك خصصنا بالذكر محمد اللاهيجي وعبدالرحمن الجامي. توفي الجامي عن 81 سنة 898هـ.
كانت هذه نبذة تاريخية مختصرة للعرفان من البداية حتى نهاية القرن التاسع، ومن هذا التاريخ بدأ العرفان في نظرنا يأخذ موقعاً وشكلاً آخرين، فحتى هذا التاريخ كانت الشخصيات العلمية والفكرية العرفانية كلها قسماً من الطرق الرسمية الصوفية، كما أن أقطاب الصوفية يعدّون من الشخصيات الكبيرة في المعارف العرفانية، كما تعدّ الآثار العرفانية العظيمة منهم، ولكن بعد ذلك كما قلنا ظهر بشكل جديد ووضع جديد.
أولاً: لم يعد أقطاب المتصوفة ـ أو جلّهم على الغالب ـ يملكون كأسلافهم المقامات العلمية والفكرية الراقية، ويمكن القول إن التصوف الرسمي من هذا التاريخ فصاعداً غرق في الاهتمام في الآداب والظواهر وأحياناً في إحداث البدع.
ثانياً: ظهر العديد ممن لا ينتسبون إلى أية طريقة صوفية، وقد تخصصوا في العرفان النظري الذي أنشأه الشيخ محيي الدين، والذين لم يظهر لهم مثيل بين أفراد الطرق الصوفية.
فمثلاً إن صدر المتألهين الشيرازي المتوفى سنة 1050 وتلميذه الفيض الكاشاني المتوفى سنة 1091 وتلميذ تلميذه القاضي سعيد القمي المتوفى سنة 1103 كانوا أبصر بالعرفان النظري للشيخ محيي الدين من أقطاب زمانهم، مع أنهم لم يكونوا من أتباع أية طريقة صوفية، وهذا الأمر جار إلى يومنا هذا.
فمثلاً، السيد محمد رضا قمشه أي والآغا ميرزا هاشم الرشتي من علماء وحكماء المئة سنة الأخيرة، قد تخصّصوا في العرفان النظري دون أن يكونوا عملاً من أتباع أي طريقة صوفية. وبصورة عامة، فمن زمان محيي الدين والقونوي حيث قام العرفان النظري على قدميه، واتخذ العرفان بنفسه شكلاً فلسفياً، بدأ هذا التيار بالانتشار. ويحتمل أن محمد بن حمزة الفناري المذكور سابقاً كان من هذا الفريق، إنما بعد القرن العاشر، فإن هذا الوضع ـ أي ظهور طبقة من المتخصصين في العرفان النظري ممن هم ليسوا من أهل العرفان العملي أصلاً، أو أنهم إذا كانوا كذلك فغالباً لم يكونوا في عرفانهم العملي أتباع طريقة صوفية محددة ـ قد تجسّد بشكل كامل.
ثالثاً: منذ القرن العاشر فصاعداً، صرنا نلتقي بأفراد أو مجموعات هم من أهل السير والسلوك والعرفان العملي، ممّن طووا المقامات العرفانية على أكمل وجه، دون أين يكونوا في العديد الفعلي للطرق الصوفية المعروفة، بل بدون أي اهتمام منهم بهذه الطرق، فضلاً عن تخطئة بعضها كلياً أو جزئياً.
ومن خصوصيات هذا الفريق ـ الذي يتضمن الفقهاء فيمن يتضمن من سائر الطبقات ـ التوافق والتطابق الكامل بين آداب السلوك والآداب الفقهية، ولهذا التيار نبذة تاريخية قصيرة ليس هذا مجالها.
المنازل والمقامات
يقول العارفون بأنه من غير الممكن الوصول إلى العرفان الحقيقي بدون عبور منازل ومقامات يجب طيّها.
بين العرفان والحكمة الإلهية (الفلسفة الإلهية) وجه اشتراك ووجوه اختلاف، أمّا الوجه المشترك فهو أن هدف كليهما «معرفة اللَّه» وأما وجوه الاختلاف فهي:
أولاً: بنظر الحكمة الإلهية ليس الهدف خصوص معرفة اللَّه بل الهدف معرفة نظام الوجود بما هو موجود، المعرفة التي هي هدف الحكيم، معرفة تشكيل النظام الذي تعتبر معرفة اللَّه ركناً مهماً في هذا النظام بالطبع. أما من وجهة نظر العرفان فينحصر الهدف بمعرفة اللَّه.
ثانياً: المعرفة التي يطلبها الحكيم معرفة فكرية وذهنية نظير المعرفة التي يبحث عنها العالم الرياضي في مسائل الرياضيات؛ لكن المعرفة التي يطلبها العارف هي المعرفة الحضورية والشهودية، مثل المعرفة التي تحصل للعالم في المختبر. الحكيم أو الفيلسوف يطلب علم اليقين، والعارف يطلب عين اليقين.
ثالثاً: وسائل الحكيم العقل والاستدلال والبرهان، أمّا وسائل العارف فهي القلب والتصفية والتهذيب والتكامل النفسي. يريد الحكيم إعمال منظاره الذهني للإطلاع على نظام العالم، أما العارف فيريد التحرك بكامل وجوده والوصول إلى حقيقة الوجود وكنهه، وكما تتّحد القطرة بالمحيط يريد هو الاتصال بالحقيقة.
الكمال الفطري وما يتطلع إليه الإنسان يكونان بنظر الحكيم في الفهم، وبنظر العارف يكونان في الوصول، وبنظر الحكيم، الإنسان الناقص يساوي الإنسان الجاهل، وبنظر العارف، الإنسان الناقص هو الإنسان المهجور، البعيد عن أصله.
والعارف الذي يعتبر أن الكمال يكون بالوصول لا بالفهم، يرى لزوم وضرورة العبور لسلسلة المنازل والمراحل والمقامات حتى يمكن الوصول إلى الهدف الأصلي والعرفان الحقيقي، ويسمي هذا بـ«السير والسلوك».
تضم كتب العرفان ـ بخصوص هذه المنازل والمقامات ـ بحوثً مفصّلة، لا يسعنا شرحها هنا ولو بشكل مختصر، ولكن كإشارة إجمالية رأينا الاستفادة من النمط التاسع من إشارات ابن سينا. أبو علي بن سينا فيلسوف وليس عارفاً، ولكنه ليس فيلسوفاً جافاً، خصوصاً أنه في أواخر عمره أظهر ميولاً عرفانية، وأفرد في كتابه «الإشارات» والذي يظهر أنه آخر آثاره الفكرية فصلاً يختص بمقامات العارفين. ونحن نفضّل الاستفادة المختصرة من هذا الفصل القيم والبديع بدل الترجمة والنقل من كتب العرفاء.
تعريف
يقول ابن سينا: «المعرض عن متاع الدنيا وطيباتها يُخصّ باسم «الزاهد»، والمواظب على فعل العبادات من القيام والصيام ونحوهما يُخصّ باسم «العابد»، والمتصرف بفكره إلى قدس الجبروت مستديماً لشروق نور الحق في سره يُخصّ باسم «العارف» وقد يتركب بعض هذه مع بعض».
إذا كان أبو علي ابن سينا هنا قد عرّف الزاهد، والعابد، والعارف فإنه قد ضمّن ذلك تعريفاً للزهد والعبادة والعرفان، ذلك أن تعريف الزاهد بما هو زاهد، والعابد بما هو عابد، والعارف بما هو عارف، يستلزم تعريف الزهد والعبادة والعرفان.
ونتيجة المسألة هي أن الزهد عبارة عن الإعراض عن المشتهيات الدنيوية، والعبادة عبارة عن أداء الأعمال الخاصة مثل الصلاة الصوم وقراءة القرآن، والعرفان اصطلاحاً عبارة عن صرف الذهن عن ما سوى اللَّه والتوجه الكامل إلى ذات الحق لينعكس نور الحق على القلب. وفي الجملة الأخيرة من كلامه نكتة لطيفة «وقد يتركب بعض هذه مع بعض» فإنه يمكن أن يكون الفرد الواحد زاهداً وعابداً، أو أن يكون العابد عارفاً وزاهداً، أو يكون العارف عابداً وزاهداً إلخ…
ومراده طبعاً أنه لو أمكن للفرد أن يكون زاهداً وعابداً فلن يكون عارفاً، ولكن لا يمكن أن يكون عارفاً دون أن يكون زاهداً وعابداً.
وتوضيح المسألة أنه بين الزاهد والعابد عموم وخصوص من وجه، فيمكن للفرد أن يكون زاهداً ولا يكون عابداً، أو يكون عابداً ولا يكون زاهداً، أو أن يكون عابداً وزاهداً كما هو واضح، ولكن بين العارف من جهة والعابد والزاهد من جهة أخرى عموم وخصوص مطلق، بمعنى أن كل عارف هو عابد وزاهد، وليس كل عابد أو زاهد عارفاً، أي: فلسفة زهد الزاهد غير العارف، شيء، وفلسفة زهد الزاهد العارف شيء آخر؛ وكذلك فلسفة عبادة العارف شيء، وفلسفة عبادة غير العارف شيء آخر.
ويتحدث فيما بعد عن أن لزهد العارف فلسفة تختلف عن فلسفة زهد غيره، بل إن روح وماهية زهد وعبادة العارف تتفاوت مع روح وماهية زهد وعبادة غير العارف.
يقول ابن سينا: «الزهد عند غير العارف معاملة ما، كأنه يشتري بمتاع الدنيا متاع الآخرة؛ وعند العارف تنزه ما عمّا يشغل سرّه عن الحق، وتكبّر على كل شيء غير الحق. والعبادة عند غير العارف معاملة ما، كأنه يعمل في الدنيا لأجرة يأخذها في الآخرة، هي الأجر والثواب؛ وعند العارف رياضة ما لهممه وقوى نفسه المتوهمة والمتخيلة، ليجرّها بالتعويد عن جناب الغرور إلى جناب الحق…».
هدف العارف
يقول ابن سينا: «العارف يريد الحق الأول، لا لشيء غيره، ولا يؤثر شيئاً على عرفانه، وتعبده له فقط لأنه مستحق للعبادة، ولأنها نسبة شريفة إليه، لا لرغبة أو رهبة». المقصود هنا هو أن العارف من جهة الهدف «موحّد» فهو يريد اللَّه وحده، ولا يريده بواسطة نعمه الدنيوية أو الأخروية، ذلك أن الأمر لو كان كذلك، لكان مطلوبه هو هذه النعم بالذات؛ ولكان اللَّه مقدمة ووسيلة، فيكون المعبود والمطلوب الحقيقي هو تلك النعم، وفي الحقيقة، المعبود والمطلوب الحقيقي هو النفس، ذلك لأن تلك النعم إنما يريدها لإرضاء نفسه.
كل ما يطلبه العارف فلأجل اللَّه يطلبه، فإن طلب نعم اللَّه فمن جهة كونها تأتي منه ومن عنايته وكرمه ولطفه. فغير العارف إذاً يطلب اللَّه للوصول إلى نعمه؛ بينما العارف يريد النعم للوصول إلى اللَّه. وهنا يرد السؤال التالي: إذا كان العارف يريد اللَّه لا لشيء من نوال أو نعمة، فلماذا يعبده إذاً؟! أليست كل عبادة لغرض أو منظور؟
يجيب الشيخ الرئيس بأن هدف العارف والدافع له إلى العبادة أحد أمرين:
أولهما: استحقاق المعبود الذاتي للعبادة، نظير أن يرى الإنسان كمالاً في شخص أو شيء فيمدحه ويشكره، فإن سئل ما هو دافعك لهذا المديح؟ وما الذي تستفيده من هذا المديح؟ لأجاب: أنا لم أمدحه طمعاً بفائدة، سوى أنني قلت فيه ما رأيت أنه يستحقه، ومن هذا القبيل تشجيع المبدعين في كل مجال.
الهدف الآخر للعارف من العبادة أهليتها الذاتية: بمعنى شرفها وحسنها الذاتيين؛ هذه العبادة من حيث كونها نسبةً وارتباطاً بين اللَّه والعبد، هي عمل لائق وأهل للأداء. فلا لزوم بعد هذا القول بأنّ كل عبادة تكون لأجل الطمع أو الخوف. والجملة المشهورة عن علي (عليه السلام): «إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك، بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك»، تبين أنّ العبادة إنما هي من حيث أهلية المعبود لها. والعرفاء يستندون كثيراً إلى هذا الأمر، إذ لو كان هدف الإنسان ومطلبه في الحياة أو في خصوص العبادات شيئاً غير ذات الحق، فذلك نوع من أنواع الشرك والعرفان ضد هذا الشرك مطلقاً.
المنزل الأول
يقول ابن سينا: «أول درجات حركات العارفين ما يسمونه همّ الإرادة، وهو ما يعتري المستبصر باليقين البرهاني، أو الساكن النفس إلى العقد الإيماني من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى، فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال».
لبيان أول منازل السير والسلوك الذي يعتبره الجميع مشتملاً على العرفان الكامل بالقوة لا بدّ من التوضيح شيئاً فشيئاً:
يبيّن العرفاء أولاً أصلاً من أصول معتقدهم، بهذه الجملة: «النهايات هي الرجوع إلى البدايات» وبديهي أننا إذا أردنا بالنهاية عين البداية فأمامنا فرضان ممكنان:
أحدهما: أن تكون الحركة على خط مستقيم: فالشيء المتحرك بعد أن يصل إلى نقطة خاصة يغير اتجاهه، فيعود تماماً من حيث جاء. وقد ثبت في الفلسفة أن تغييراً في الاتجاه كهذا يستلزم تخلل السكون ـ ولو غير المحسوس ـ علاوة على أن هاتين الحركتين متضادتان.
الثاني: أن تكون الحركة على خط منحن، بحيث تكون كل فواصل هذا الخط مقابلة لنقطة معينة واحدة، وبمعنى آخر: أن تكون الحركة على قوس دائرة. وبديهي أن الحركة إذا كانت على صورة الدائرة فستنتهي إلى نقطة البداية، فالشيء المتحرك على الدائرة يبتعد أولاً عن نقطة البداية، حتى يصل إلى نقطة هي الأبعد عن نقطة البداية، فلو رسمنا قطراً للدائرة من نقطة البداية لوصل إلى تلك النقطة نفسها؛ وهكذا نرى أن من يصل إلى هذه النقطة فسيشرع بالرجوع إلى المبدأ (المعاد) بدون أي تخلل للسكون.
العرفاء يسمون مسار الحركة من نقطة المبدأ إلى أبعد نقطة «قوس النزول» ومسار الحركة من أبعد نقطة إلى نقطة المبدأ «قوس الصعود». ولحركة الأشياء من المبدأ إلى أبعد نقطة فلسفة هي بتعبير الفلاسفة «أصل العليّة» وبتعبير العرفاء «أصل التجلي»، وعلى أي حال فالأشياء في قوس النزول مثل القيادة إلى الخلف، ولكن حركة الأشياء من أبعد نقطة وحتى نقطة البداية لها فلسفة مختلفة هي عشق كل فرع للعودة إلى أصله ومبدئه. وبعبارة أخرى الأصل هو فرار كل منقطع ووحيد وفريد إلى وطنه الأصلي.
العرفاء يعتقدون أن هذا الميل موجود في كل ذرات الوجود، ومن جملتها الإنسان، ولكنه في الإنسان يكون أحياناً «كامناً» خفيّاً، والشواغل تمنع فعالية هذا الحسّ، وعلى أثر سلسلة تنبيهات يظهر هذا الميل الباطني. والظهور والبروز لهذا الميل هو الذي يعبرون عنه بـ«الإرادة». هذه الإرادة في الحقيقة هي نوع من يقظة شعور نائم؛ ويعرّف عبدالرزاق الكاشاني الإرادة في رسالته «الاصطلاحات» المطبوعة على حاشية «شرح منازل السائرين» بقوله: «جمرة من نار المحبة في القلب، المقتضية لإجابة دواعي الحقيقة».
أمّا الخواجة عبداللَّه الأنصاري فيعرفها في منازل السائرين بقوله: «هي الإجابة لداوعي الحقيقة طوعاً».
أي: إن إرادة الإجابة هي (إجابة عملية) بحيث إن الإنسان يستجيب ـ طوعاً ومدركاً ـ إلى دواعي الحقيقة. والنقطة التي يجب أن نذكّر بها هي أن الإرادة هنا إنما تدعى المنزل الأول، والمقصود بعد سلسلة منازل أخرى يسمّونها البدايات والأبواب والمعاملات والأخلاق، وهذا يعني أن الإرادة هي أول منزل يظهر في ما يسمى باصطلاح العرفاء بالأصول والحالات العرفانية الحقيقية.
يبدأ المولوي حديثه في مقدمة «المثنوي» بالدعوة إلى الالتفات نحو آلام القلوب التي تئنّ وتشكو من الفراق والبعاد. وهو ـ في الحقيقة ـ يطرح في الأبيات الأولى للمثنوي أول منازل العارف، أي «الإرادة» باصطلاح العرفاء، والتي هي عبارة عن الشوق والميل بعودتهما إلى الأصل الذي هو توأم للإحساس بالوحدة والفراق. يقول:
استمع للناي يحكي شجوّه
من بعاد وفراقٍ شَكْوُهُ
نحن إمّا لفّنا عدمُ الفنا
نبقى نئنّ ونشتكي خيب المنى
وقلوبنا يغري بها يقطّع
ألمُ الفراقِ والاشتياقُ الموجع
حتى نعود لأصلنا يوم اللقا
يوم الوصال ويوم يحلو الملتقى
مقصود أبي علي في العبارة المتقدمة أن «الإرادة» ميل وشوق يظهر لدى الإنسان بعد الإحساس بالغربة والوحدة، وقلة الناصر والمعتمد، فيكافح للاتصال بالحقيقة التي ليس معها أي إحساس بالغربة والوحدة وعدم الناصر والمعتمد.
التمرين والرياضة
يقول ابن سينا: «ثم إنه ليحتاج إلى الرياضة، والرياضة متوجهة إلى ثلاثة أغراض:
الأول: تنحية ما دون الحق عن مستنّ الإيثار.
والثاني: تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة…
والثالث: تلطيف السر للتنبه».
بعد مرحلة الإرادة والتي هي منطلق السفر، تأتي مرحلة التمرين والاستعداد، ويعبرون عن هذا الاستعداد باسم «الرياضة» وفي عرف اليوم لكلمة الرياضة مفهوم هو زجر النفس، وفي بعض المذاهب يعبرون أن لزجر النفس وتهذيبها أصالة، ولذا يقولون بزجر النفس وتعذيبها. ونجد نموذجاً لهذا عند رياضيي الهند، أمّا في اصطلاح أبي علي لكلمة الرياضة مفهومها الأصلي. الرياضة في أصل اللغة العربية تمرين وتعليم المهور التي لم يجر ركوبها بعد، حيث تتعلم أصول الجري وحسن السير، ثم انتقلت إلى مورد الرياضة البدنية الإنسانية، واليوم يعبرون بالعربية عن التمارين البدنية بالرياضة، وفي اصطلاح العرفاء تطلق الرياضة على تمرين وإعداد الروح لإشراق نور المعرفة.
وعلى أي حال الرياضة هنا تمرين وإعداد للروح وتهدف إلى ثلاثة أمور:
الأول منها: يتعلق بالأمور الخارجية، ويعني إبعاد الشواغل وموجبات الغفلة (من أمور مادية).
الثاني: تنظيم القوى الباطنية والقضاء على المثيرات والآفات الروحية ويعبّر عنه بتطويع النفس الأمارة من أجل النفس المطمئنة.
الثالث: يتعلق بإجراء تغييرات كيفية نوعية في باطن الروح، ويسمى «تلطيف السرّ». ثم يقول:
«والأول: يعين عليه الزهد الحقيقي، والثاني: يعين عليه عدة أشياء: العبادة المشفوعة بالفكرة، ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما لحن به من الكلام موقع القبول من الأوهام، ثم نفس الكلام الواعظ من قائل زكي بعبارة بليغة ونغمة رخيمة وسمتِ رشيد.
وأمّا الغرض الثالث: فيعين عليه الفكر اللطيف، والعشق العفيف الذي يحكم فيه شمائل المعشوق وليس سلطان الشهوة».
[تفيد أقوال ابن سينا]: أن الزهد يعين على الوصول إلى الهدف الأول من أهداف الرياضة (أي هو سبب لجلاء الموانع والشواغل وموجبات الغفلة). وأمّا الهدف الثاني: (وهو تطويع النفس الأمارة لمصلحة النفس المطمئنة، وإيجاد انتظام باطني، وطرحٌ لمثيرات الروح) فيعين على الوصول إليه أشياء:
منها: العبادة، شرط أن يتلازم فيها التفكر وحضور القلب.
ومنها: اللحن الموزون المتناسب مع المعاني الروحية، والذي يوجد تمركزاً في الذهن يوقع الكلام موقع القبول (مثلاً: آية قرآنية تتلى، أو دعاء ومناجاة يُقرآن، أو شعر عرفاني يُنشد) فينفذ إلى القلب.
ومنها: حديث الموعظة يصدر عن متحدث طاهر النفس، ببيان بليغ، ولحن رخيم نافذ، ومظهر هادٍ رشيد.
يقول ابن سينا: «ثم إنه إذا بلغت به الإرادة والرياضة حداً ما عنت له خلسات من اطّلاع نور الحق عليه، لذيذة كأنها بروق تومض إليه ثم تخمد عنه، وهو المسمى عندهم أوقاتاً؛ ثم إنه ليكثر عليه هذه الغواشي إذا أمعن في الإرتياض».
[يفيد ابن سينا]: أن المرتاض إذ بلغ من إرادته وفي رياضته حداً معيّناً غشيته غواشٍ بالغة اللذة، ملأت قلبه بنور الحق، ثم خمدت، أشبه بوميض البرق وخموده؛ وهذه الحالات تعرف باصطلاح العرفاء بـ«الأوقات»، ثم لا تلبث هذه الغواشي تعادوه إذا أمعن في ارتياضه.
ويردف ابن سينا فيقول: «وإنه ليتوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الإرتياض، فكلما لمح شيئاً عاج منه إلى جناب القدس يتذكر من أمره أمراً، فغشيه غاشٍ فيكاد يرى الحق في كل شيء».
«ولعلّه إلى هذا الحد يستعلي عليه غواشيه ويزول هو عن سكينته فيتنبه جليسه».
«ثم إنه لتبلغ به الرياضة مبلغاً ينقلب وقته سكينة، فيصير المخطوف مألوفاً، والوميض شهاباً بيّناً، ويحصل له مُعارفة مستقرة كأنها صحبة مستمرة، ويستمتع فيها ببهجته، فإذا انقلب عنها انقلب حيران أسفاً».
«ولعله إلى هذا الحد يظهر عليه ما به، فإذا تغلغل في هذه المعارفة قلّ ظهوره عليه، فكان وهو غائب ظاهراً، وهو ظاعن مقيماً».
[يفيد ابن سينا]: أنَّ المرتاض يمعن في ارتياضه بحيث إن الغواشي (المشار إليها) تغشاه حتى خارج وقت الإرتياض؛ ويستسلم لها رويداً رويداً، حتى يرى نفسه قريباً من الحق في كل شيء.
فإذا وصل إلى هذا المنزل، وغلبت عليه غواشيه، زاولته سكينته، فلفت أنظار من يجالسه إلى حالته.
فإذا بلغت به الرياضة حداً انقلب معه «وقته» إلى «سكينة» فأنست روحه بما كان يغشاه، ورأى الغريب مألوفاً، ورأى الوميض شعلة ظاهرة، استقر على شكل من (المعرفة) كأنه استقاها من صحبته المستمرة للحق، فابتهج بها فإذا زايلته هذه الحالة انقلب أسفاً.
فإذا بلغ هذه الحالة من ظهور (البهجة والأسف) عليه، وتغلغل في طوايا تلك (المعرفة) قل هذا الظهور تدريجاً. ثم (إذا بلغ مرحلة أكمل، وجمع المراتب كلها) صار غيابه عن الناس (أي إن روحه في عالم آخر) كأنه حضور بينهم، وصار في رحيله عنهم كأنه مقيم فيهم.
هذه الجملة تذكرنا بجملة لعلي (عليه السلام) في كلامه لكميل بن زياد عن «أولياء الحق» الذين يوجدون في كل العصور، يقول (عليه السلام):
«هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الناس بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى».
ويردف ابن سينا فيقول: «ولعله إلى هذا الحد إنما يتيسّر له هذه العارفة أحياناً، ثم يتدرج إلى أن يكون له متى شاء».
«ثم إنه ليتقدم هذه الرتبة، فلا يتوقف أمره إلى مشيئته، بل كلما لاحظ شيئاً لاحظ غيره، وإن لم تكن ملاحظة للاعتبار، فيسنح له تعريجٌ عن عالم الزور إلى عالم الحق مستقر به، ويحتفّ حوله الغافلون».
«فإذا عبر الرياضة إلى النيل، صار سرّه مرآة مجلوّة محاذياً بها شطر الحق، ودرّت عليه اللذات العلى، وفرح بنفسه لما بها من أثر الحق، وكان له نظر إلى الحق، ونظر إلى نفسه وكان بعد متردداً».
«ثم إنه ليغيب عن نفسه، فيلحظ جناب القدس فقط؛ وإن لحظ نفسه فمن حيث هي لاحظه، لا من حيث هي بزينتها. وهناك يحق الوصول».
[يفيد ابن سينا]: أن العارف المرتاض لا تكون معرفته ـ إذا بلغ هذا الحدّ ـ اختيارية، ثم يتدرج صعوداً كي يبلغ درجة الاختيار.
وهنا ـ مع ذلك ـ لا تكون رؤية الحق في اختياره، ذلك أنه ـ في كل ما يراه ـ يرى اللَّه خلفه، وكلما نظر إلى شيء نظر اعتبار وتنبّه، ظهر لديه التوجّه الكلّي إلى الحق، والانصراف عمّا سواه، ووجد نفسه قريباً منه.
وحتى الآن فكل شيء مرتبط بمرحلة الارتياض والمجاهدة والسير والسلوك، فإذا عبر هذه المرحلة غدا ضميره كالمرآة الصافية المصقولة يظهر فيها الحق، فيشعر ـ إذ ذاك ـ بلدة لا توصف، لما يراه في نفسه من أثر الحق؛ وهنا يتردد بين نظرتين: نظرته إلى الحق، ونظرته إلى نفسه؛ كشخص ينظر في مرآة فيرى صورته منعكسة فيها حيناً، ويرى المرآة نفسها حيناً آخر.
وفي مرحلة تالية، يغيب العارف عن نفسه، فلا يرى سوى اللَّه، وإن رأى نفسه، رآها من حيث الصانع لها، كالمرآة التي يستلزم التوجه إلى الصورة المنعكسة فيها، التوجه إلى المرآة نفسها، ولو أن ذلك لا يستلزم التوجه إلى كمال المرآة وزينتها؛ وفي هذه المرحلة يبلغ العارف ـ بحق ـ مرتبة الوصول.
كان هذا ملخص لقسم من النمط التاسع في «إشارات» ابن سينا، والنقطة التي يجب ذكرها هي أن العرفاء يعتقدون بأربعة أنواع من السير:
سير من الخلق إلى الحق،
وسير بالحق في الحق،
وسير من الحق إلى الخلق بالحق،
وسير في الخلق بالحق،
السير الأول من المخلوق إلى الخالق والسير الثاني في الخالق نفسه، بمعنى أنه في هذه المرحلة يتعرف على الأسماء والصفات الإلهية، وبها يتعرف على المتّصف بها.
وفي السفر الثالث يرجع ثانية إلى الخلق بدون أن يفترق عن الحق، بمعنى أنه في حال كونه مع اللَّه يرجع إلى الخلق للإرشاد والعناية والهداية، والسير الرابع يعني السفر بين الخلق بالحق. وفي هذا السير، يعمل العارف بين الناس ومعهم، وينصرف إلى ترتيب أمورهم ليسوقهم إلى الحق. وما لخصناه من «إشارات» أبي علي يتعلق بالسفر الأول من هذه الأسفار الأربعة وعن السفر الثاني يتحدث أبو علي، ولكننا لا نرى ضرورة لتتبعه.
كما أن الخواجة نصير الدين الطوسي قال في شرح «الإشارات»: إن أبا علي ابن سينا بيّن السفر العرفاني الأول في تسع مراحل، ثلاثة منها متعلق بمبدأ السفر، وثلاثة أخرى بالعبور من المبدأ إلى المنتهى، وثلاثة أخيرة تتعلق بمرحلة الوصول إلى المقصد وفي التأمل في كلام الشيخ (ابن سينا) تتضح هذه النقطة.
ما يعنيه أبو علي من «الرياضة» أن معناها التمرين، أي هي التمارين والمجاهدات التي يؤديها العارف، هذه المجاهدات كثيرة، وعلى العارف أن يطوي خلالها المنازل، وأبو علي يُجمل هنا لكن العرفاء يتحدثون عنها بالتفصيل في كتبهم، ويجب البحث عن تلك التفاصيل في الكتب العرفانية.
الاصطلاحات
نشير هنا إلى بعض اصطلاحات العرفاء، فبدون التعرف على مصطلحاتهم الكثيرة لا يمكن فهم مقاصدهم، بل نصل أحياناً إلى مفاهيم مضادة لما يرمون إليه، وهذا من خصوصيات العرفان.
كل علم له سلسلة من الاصطلاحات، وليس وهماً أن مفاهيم العرف الام لا تكفي لفهم المقاصد العلمية، ولا بدّ أنّ في كل علم ألفاظاً خاصة مقرّرة لمعانٍ خاصة اصطلح عليها أهل ذلك الفن، والعرفان لا يستثنى من هذا الأصل. علاوة على ذلك فليس العرفاء وحدهم ـ بناءً على هذا الدليل ـ يملكون اصطلاحات خاصة، فإنهم يصرّون على أن الأشخاص ممن لا دراية لهم بطريقتهم ليسوا على بصيرة من مقاصدهم، ذلك أن المعاني العرفانية ـ لغير العارفين، وعلى الأقل باعتقاد العرفاء ـ أمور لا يمكن إدراكها، وهذا سبب تعمّد العرفاء حفظ مقاصدهم في الخفاء، على خلاف أصحاب الفنون والعلوم الأخرى. ولهذا فإن اصطلاحات العرفاء ـ علاوة عن الجانب الاصطلاحي ـ فيها جانب من التعمية ولا يكشف التعمية سوى امتلاك سر اللغز.
وهناك غير المسألتين السابقتين أمر ثالث يأتي في سياق العمل، مما يزيد في الإشكالات، وهو أن بعض العرفاء ـ وعلى الأقل المعروفون منهم بـ«الملامتيّة»([367]) ـ يرتبطون في مراحل السير والسلوك بـ«بتبنيّات» تكسبهم ـ بدل الشهرة ـ الذم والعار بين الناس، فهم يتعمدون في مقالاتهم «الرياء المعكوس». بمعنى أنه على العكس من الرائين الذين هم في الحقيقة أشخاص سيئون يريدون الظهور بمظهر حسن، إذ يملكون الشعير ويقدمونه على أنه حنطة، فإن هؤلاء العرفاء «الملامتية» يريدون أن يكون ما بينهم وبين اللَّه حسناً، وأن يظن الناس بهم السوء، إنهم يريدون تقديم الشعير إلى الناس، بينما هم يمتلكون الحنطة، كي يتمكنوا بهذه الوسيلة من اقتلاع كل لون من ألوان الغرور وعبادة الذات من أنفسهم.
يقال إن أكثر العرفاء في خراسان «ملامتية»، ويرى البعض أن «حافظاً» كان ملامتياً، فمفهوم: «مهمل» و«لا مبالي» و«درويش» و«فوضوي» ونظائرها تأتي عندهم بمعنى عدم الاهتمام بالخلق، لا عدم الاهتمام بالخالق.
غير أن حافظاً يحكم في مكان آخر أن التظاهر بالفسق (استجلاب الملامة) يماثل التظاهر بالقداسة (المراءاة)، وذلك بقوله:
عوّد القلب على الخير ودعْ
فسقَ التظاهر، والتزهُّدَ لا تَبِعْ
يقول مولوي في الدفاع عن الملامتية:
هذا التظاهر لا يغرّك قبحه
فالعقل يدرك سرّه، لا غيره
أوَ ما ترى الذهب الذي سوّدتهُ
كيف القتام يحوطه فيصونه؟
ومن جملة المسائل التي قال بها العرفاء وخطّأهم فيها الفقهاء هذه المسألة بالذات؛ فكما أن الفقه الإسلامي يدين الرياء ويعتبره نوعاً من الشرك، فإنه يدين أيضاً عمل الملامتية ويقول: إن المؤمن لا يملك حق تحقير عرضه وشرفه الاجتماعي، كما أن الكثيرين من العرفاء يدينون الملامتية أيضاً.
المقصود هنا أن أسلوب الملامتية ـ الذي كان مألوفاً بين بعض العرفاء ـ صار سبباً لتعمّدهم إظهار ما يضادّ مقاصدهم ونواياهم، مما زاد في صعوبة فهم هذه المقاصد.
أبو القاسم القشيري ـ وهو من العرفاء أصحاب المقامات ـ يصرّح في «الرسالة القشيرية» بأن العرفاء يعمدون الإبهام في القول كي لا يطلع غير المختص على أطوارهم وحالاتهم ومقاصدهم، ذلك أنها غير قابلة للإدراك والفهم عنده([368]).
اصطلاحات العرفاء كثيرة، قسم منها يتعلق بالعرفان النظري، يعني بالرؤية العرفانية للعالم، وتفسير العرفانيين للوجود.
هذه الاصطلاحات تشبه اصطلاحات الفلاسفة وهي مستحدثة، وفهمها صعب جداً، محيي الدين بن العربي هو الأب لكل الاصطلاحات أو لمعظمها من قبيل:
الفيض الأقدس، والفيض المقدس، والوجود المنبسط، والحضرات الخمس، ومقام الأحدية، ومقام الواحدية، ومقام غيب الغيوب وأمثالها.
وقسم آخر من هذه الاصطلاحات يتعلق بالعرفان العملي، يعني بمراحل السير والسلوك العرفانيين، وهذه الاصطلاحات ترتبط قهراً بالإنسان كما في مفاهيم علم النفس أو علم الأخلاق، وهي في الحقيقة نوع خاص من علم النفس، فهي أيضاً علم نفس تجريبي، وفي اعتقاد العرفاء أن الفلاسفة أو علماء النفس أو علماء الأديان أو علماء الاجتماع الذين «لم يعبروا هذه الوديان» أي لم يطلعوا عملياً على هذه الأمور، ولم يشاهدوا أطوار النفس من قريب، ولم يطلعوا عليها، ليس لهم حق الحكم في هذه المسائل، فكيف بباقي الطبقات!!
هذه الاصطلاحات ـ على عكس اصطلاحات العرفان النظري ـ قديمة، فهي ترجع على الأقل إلى القرن الثالث، أنها سابقة لزمان ذي النون وأبي يزيد البسطامي والجنيد.
ونورد فيما يلي بعض الاصطلاحات كما أوردها القشيري وآخرون:
1 ـ الوقت
أوردنا في الدرس السابق هذا الاصطلاح عن أبي علي (ابن سينا)، ونورد هنا بيان العرفاء أنفسهم عنه، فخلاصة ما قاله القشيري: هي أن مفهوم الوقت مفهوم نسبي وإضافي، لكل حالة تعرض للعارف تقتضي سلوكاً خاصاً، فتلك الحالة الخاصة ـ من وجهة النظر التي توجب سلوكاً خاصاً ـ يدعوها ذلك العارف بـ«الوقت»، في حين أن عارفاً آخر يمكن أن يكون له في تلك الحالة بالذات «وقت» آخر، أو أن ذاك العارف نفسه يمكن أن يكون له ـ ضمن شروط أخرى ـ «وقت» آخر، ووقت آخر ليستدعي سلوكاً آخر ووظيفة أخرى.
ينبغي للعارف أن يمتلك «علم الوقت» أي الحالة التي تعرض عليه من الغيب، كما ينبغي أن يدرك الوظيفة المترتبة على تلك الحالة، كما على العارف أن يعلم كيف يغتنم «الوقت» ولهذا قيل: «العارف ابن الوقت».
ويقول المولوي:
صوفيُّ أنت ابنٌ لـ«وقت» يا رفيق
وغداً… فلا قولٌ: بذا شرط الطريق
الوقت هو ذلك المصطلح الذي يعبّرون عنه بالشعر العرفاني الفارسي بـ«دم» أو بـ«عيش نقد»([369])، و«حافظ» على الخصوص قال كثيراً بصدد «عيش نقد» و«دم غنيمت گرفتن».
وقد توهم المغرضون ـ أو من لا دراية لهم ـ من الذين أرادوا الإيحاء باتهام حافظ بالفسق والفجور، توهموا أو تظاهروا بأن ما يرمي إليه حافظ هو الدعوة لاغتنام اللذات المادية، ونسيان المستقبل والعاقبة واللَّه واليوم الآخر، أي نفس ما اصطلح الأوروبيون على تسميته بـ«الأبيقورية».
فمسألة «اغتنام الوقت» أو «الحياة الحاضرة» من المسائل التي يستند إليها شعر حافظ أحياناً، ولعله استند إلى هذا المعنى ما يقرب من ثلاثين مرة أو أكثر؛ ومن البديهي القول بأن أشعار حافظ قد روعي فيها كثيراً التعبير عن السنّة العرفانية برموز الكلام وبالاصطلاحات المختلفة، الأمر الذي يظهر هذه الأشعار موهمة بمعنى فاسد، ونورد هنا أبياتاً له يمكن اعتبارها نماذج وقرائن لغيرها يقول حافظ:
غيرَ شربِ الراح.. قل لي ما العمل
مع من يصون السرّ و«الوقتَ» يُجِلّ
ويقول:
السحر في «السلوك» فوق الدرب
فقرينه يخفيه عن ذي اللبّ
فالراح تصفو ـ لو أردت قرينا ـ
إن ضمّها الدنان أربعينا
وهو يشير رمزاً إلى الحديث النبوي الشريف:
«من أخلص للَّه أربعين صباحاً جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه».
وأشعار حافظ ذات الوجهين من هذا القبيل، كثيرة.
يقول القشيري: إن القول: «الصوفي ابن وقته» يعني أنه يقوم بما يتفق مع ما له الأولوية في تلك الحال، والقول إن «الوقت سيف قاطع» يراد به أنّ حكم الوقت قاطع، وأن التخلف عنه مهلك.
2 و3 ـ الحال والمقام
من اصطلاحات العرفاء الشائعة اصطلاح: الحال والمقام، فما يرد على قلب العارف دون اختيار منه هو «الحال» وما يقوم بتحصيله اكتساباً هو «المقام» والحال سريع الزوال، أمّا المقام فباقٍ؛ ويقال إن الأحوال كوميض البرق سرعان ما تخبو،
يقول حافظ:
برقٌ أضاء ببيت ليلى في السحر
كم قد أثار وميضه لُمَعَ الفِكَر
ويقول سعدي:
هل سائل يعقوبَ عن فقد الولد:
ماذا أزال الكربَ أو أنهى الأود؟
من أرض مصرَ شممتَ ريح قميصه
في بئر كنعانِ عييت بضمّه!!
فيقول: «حالي» «برقة» يحول
فالحال تبقى والبروق تزول
حيناً ترانا في السماء ندقّق
حيناً مواطئنا تضيع وتغرق
لو أنّ درويشاً على ذي الحال
أقام دهراً فاز بالخبال
لقد أوردنا في البحوث المتقدمة هذا القول من (نهج البلاغة):
«قد أحيا عقله وأمات نفسه، حتى دقّ جليله، ولطف غليظه، وبرق له لامع كثير البرق…».
يسمي العرفاء وميض البروق بـ«اللوائح» و«اللوامع» و«الطوالع»، مع تفاوت في الدرجات والمراتب، وميزان الشدة، ومدة البقاء.
4 و5 ـ القبض والبسط
لهاتين الكلمتين معنى ومفهوم خاص من وجهة نظر العرفاء، فالقبض يعني حالة أخذ روح العارف، والبسط يعني حالة تفتّح الروح وبهجته؛ وللعرفاء بحوث واسعة في صدد القبض والبسط وعللهما.
6 و7 ـ الجمع والتفرقة
لهاتين الكلمتين أيضاً نصيب وفير في استعمالات العرفاء، يقول القشيري:
ما كان من جهة العبد وكان العبد قد حصل عليه، وكان لائقاً بمقام العبودية يسمى «التفرقة»، وما كان من جهة اللَّه من قبيل الإلقاءات يسمى «جمعاً»؛ فمن أوقفه اللَّه على طاعته وعبادته فهو في مقام التفرقة؛ ومن أوكل اللَّه إليه عنايته فهو في مقام الجمع.
8 و9 ـ الغيبة والحضور
الغيبة تعني حال الجهل والغفلة عن الخلق، التي يتفق للعارف أحياناً أن يمرّ بها، فالعارف في تلك الحالة يكون غافلاً عن نفسه وعن من وما حوله؛ والعارف من هذه الناحية التي فيها غافلاً عن نفسه، إذ حضوره لدى الخالق، ولسان حاله يقول:
متى ما تلقَ من تهوى
دع الدنيا وأهملها
ويمكن في هذه الحال، أي حال الحضور عند الخالق والغيبة عن النفس وما حولها، يمكن أن تقع أحداث هامة وهو غافل عنها.
ويروي العرفاء قصصاً خيالية متشابهة في هذا الصدد، يقول القشيري: كانت بداية الأمر الذي دعا أبا حفص الحداد النيشابوري إلى هجر حرفة الحدادة هي الواقعة التالية:
كان أبو حفص في دكانه منصرفاً إلى عمله، فإذا بشخص يتلو آية من القرآن المجيد، فاستولت على قلب أبي حفص حالة سلبته إحساسه بنفسه، وبدون وعي منه مدّ يده إلى الكور وأخرج منه قطعة حديد محمّاة بيده، فصاح فيه غلامه قائلاً: ما هذا الذي تفعله؟! وهنا عاد أبو حفص إلى نفسه، ومن حينها هجر هذه الحرفة.
ويروي القشيري أيضاً: أنّ (الشبلي) قدم إلى الجُنيد في وقتٍ كانت زوجته جالسة معه، تحركت الزوجة تريد الذهاب، لكنّ الجنيد قال: اجلسي لا عليك، فالشبلي في حالة تجعله غافلاً عنك تماماً، فعاودت الجلوس.
وانصرف الجنيد إلى شبلي يجاذبه أطراف الحديث حتى عاد إلى وعيه شيئاً فشيئاً، وراح يبكي.
قال الجنيد لزوجته: عليك الآن بالستر، فالشبلي قد عاد إلى نفسه.
تحصل للعرفاء حال تتفق مع حال أولياء اللَّه في الصلاة، إذ يغفلون كلياً عن أنفسهم وعن كل ما يحيط لهم، وبهذا النحو يفسرون ما أردت قوله فيما بعد من أن هناك شيئاً يفوق «الغيبة»؛ وما يتفق لأولياء اللَّه هو من هذا القبيل…
10 و11 و12 و13 ـ الذوق، الشرب، السُّكر، الري
الذوق يعني التذوق والامتحان، ويعتقد العرفاء أنه ليس للاطّلاع العلمي على شيء أيّ وزن أو جاذب، فالشوق والانجذاب فرع من الذوق.
أبو علي (ابن سينا) يذكّر في أواخر النمط الثامن من «الإشارات» بهذا الأمر ويورد «العنّين» مثالاً على ذلك.
يقول إن «العنين» من حيث هو فاقد لغريزة الجنس، ولم يسبق له تذوق لذتها، فإن الشوق لا يمكن أن يظهر لديه مهما بلغ وصفك لتلك للذة.
إذاً، فالذوق هو تذوّق اللذة، والذوق العرفاني يعني الإدراك الحضوري للذات، الناتج عن التجليات والمكاشفات. فالتذوق الابتدائي هو «الذوق»، واستمراره هو «الشرب» وحصول السرور هو «السُّكر»، والامتلاء منه هو «الري».
ويعتقد العرفاء أن ما يحصل من الذوق إنما هو التساكر لا السكر، وأن ما يحصل من الشرب هو السكر، أمّا الحالة التي تحصل من الامتلاء فهي عودة الوعي (الصحو).
14 و15 و16 ـ المحو، المحق، الصحو
يرد كثيراً في كلام العرفاء حديث عن المحو والصحو، ومرادهم بالمحو هو أن العارف يصل إلى حد يمحّي فيه في ذات الحق، ويفنى عن نفسه، أي إن الـ«أنا» تمحّي فيه؛ أو يغدو بنفسه أشبه بالآخرين، فهو لا يدرك الـ«أنا».
فإذا بلغ المحو حدّاً انمحت معه آثار الـ«أنا» فهو «المحق»؛ فالمحو والمحق كلاهما أعلى من مقام الغيبة الذي سبقت الإشارة إليه، إذ المحو والمحق فناء. غير أن العارف يمكن أن يعود من حالة الفناء إلى حالة البقاء، إنما ليس بهذا المعنى الذي هو هبوط إلى الحالة الأولى، بل بمعنى البقاء باللَّه، وهذه الحالة التي فوق حالة «المحو» يسمّونها «الصحو».
17 ـ الخواطر
العرفاء يسمّون الإلقاءات التي ترد على قلب العارف بـ«واردات»، وتلك الواردات تكون حيناً بصورة قبض، أو بسط، أو سرور، أو حزن؛ وبصورة كلام وخطاب حيناً آخر؛ أي إنه يحسّ بأن كلام أحدهم يحدث إليه من الباطن؛ فالواردات في هذه الصورة تسمى بالـ«خواطر».
وللعرفاء أقوال كثيرة في باب الخواطر، فهم يقولون إن الخواطر تكون رحمانية حيناً، وشيطانية حيناً آخر، ونفسانية حيناً أخيراً؛ وهذه الخواطر تعدّ واحدة من أخطار الأحيان، ويمكن أن تكون على أثر انحراف يتسلط فيه الشيطان على الإنسان، كما يقول القرآن الكريم:
{وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم}([370]).
يقال: يجب دائماً تشخيص الفرد الأكمل إن كانت خواطره رحمانية أم شيطانية والمقياس الأساس هو أن نرى بماذا تأمره تلك الخواطر وعمّ تنهاه، فإذا كان أمرها ونهيها خلافاً لأمر الشريعة ونهيها، فهي شيطانية قطعاً. يقول تعالى:
{هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} {تتنزل على كل أفاك أثيم}([371]).
18 و19 و20 ـ القلب، الروح، السرّ
يعبّر العرفاء عن روح الإنسان بالـ«نفس» حيناً وبالـ«قلب» حيناً آخر وبـ«الروح» حيناً ثالثاً، وبـ«السرّ» حيناً أخيراً؛ فحين يكون روح الإنسان أسير الشهوات يسمى «النفس»، وحين يصل إلى المحل الذي هو مستقرّ المعارف الإلهية يسمى «القلب»، وحين تتجلّى فيه المحبة الإلهية يسمى «الروح»، وحين يبلغ مرحلة الشهود يسمى «السرّ»؛ والعرفاء بالطبع يقولون بمرتبة أعلى من «السر» أيضاً يسمونها «الخفيّ» و«الأخفى».
مرتضى مطهري
التصوف الشيعي وأصالته
رغم ما قيل أو يمكن أن يقال عن التصوف بصورة عامة والتصوف الشيعي بصورة خاصة فإنه لا مناص من الاعتراف بأن التصوف الإسلامي والشيعي منه على وجه الخصوص كان على الدوام وسيبقى يمثل وجهاً حيوياً من أوجه خلود الإسلام وبقائه فاعلاً ومؤثراً في صياغة الذات الإنسانية واستكناه مجاهيلها وخفاياها (فللشيعة أكبر الفضل في إغناء المضمون الروحي للإسلام وإشاعة الحياة الخصبة القوية العنيفة التي وهبت هذا الدين البقاء قوياً غنياً قادراً على إشباع النوازع الروحية للنفوس، حتى أشدها تمرداً أو قلقاً. ولولا هذا التحجر في قوالب جامدة ليت شعري ماذا كان سيؤول إليه أمره فيها. ومن الغريب أن الباحثين لم يوجهوا عناية كافية إلى هذه الناحية، ناحية الدور الروحي في تشكيل مضمون العقيدة، الذي قامت به الشيعة، والعلة في هذا أن الجانب السياسي في الشيعة هو الذي لفت الأنظار أكثر من بقية الجوانب، مع أنه ليس إلاّ واحداً منها، وقد يكون من أقلها خطراً من حيث القيمة الذاتية لهذا المذهب»([372]).
ولم يكن اهتمام التشيع بترقية الروح وتخليصها من قيودها بالشيء الطارىء على أصالة التشيع والإسلام، بل كان من صميم التشيع والإسلام، ولئن زعم العديد من دارسي التصوف والباحثين في تاريخه من مستشرقين وغيرهم بأن لا تصوف في الإسلام([373]) كما هو الشأن عند المستشرق «جولد تسيهر» الذي يقول: (لكي نقدر التصوف الإسلامي تقديراً صحيحاً من الوجهة التاريخية، يجب أن لا نغفل مطلقاً الأثر الهندي الذي ساهم في بناء هذا النظام الديني المتولد عن الأفلاطونية الحديثة) ([374])، ثم يقرر ذلك قائلاً: (نفذت تعاليم الأفلاطونية الحديثة إلى نطاق الحياة العقلية في الإسلام، ويعدّ هذا الحادث ذا أهمية حاسمة من جهة التصوف الإسلامي، فهذا التيار الفلسفي الذي سوف نعني مرة أخرى فيما بعد بدراسة آثاره العميقة في نمو الفكر الإسلامي وترقيه، قد أوجد أساساً فلسفياً واعتقادياً بنيت عليه تقاليد الزهد وطقوسه التي سبق لنا وصفها فالزاهد المتصوف الذي نبذ الدنيا واحتقرها، وأطرّحها واحتواها، وسما بروحه إلى الكائن الأعلى والملاذ الأوحد، يجد ما يثبت يقينه بمنهج حياته الذي نهجه، وما يقوي نزعته الروحية الإلهية التي اتجه إليها في مذهب الفيض عند أفلوطين ونظريته في وحدة الوجود([375]).
ويؤكد «جولد تسيهر» اتفاق عدة من الباحثين في نشأة التصوف الإسلامي معه في إرجاع نشوء التصوف داخل الدائرة الإسلامية إلى مؤثرات خارجية، فيقول: (هذا، والبحاثون الإنجليز، ولا سيّما الأساتذة هوينفيلد Whinfieldt وبرون Browne ونيكسلون Nicholson، الذين قاموا أخيراً بدراسة التصوف الإسلامي، وجعلوا من أصله ونموه موضوعاً لدراسة عميقة مستفيضة، قد أبرزوا بطريقة دقيقة طابع الفلسفة الأفلاطونية الحديثة في التصوف الإسلامي، وإن كانت دراستهم هذه لم تستبعد فعل المؤثرات الأخرى التي أوجدت طائفة من العناصر لم تكن أقل أهمية في تكوين هذا النظام الفلسفي والديني خلال تطوره وترقيه. وعند إلقاء نظرة عامة على تاريخ التصوف لا يمكن أن نتجاهل هذه المؤثرات بصفتها عوامل ذات أثر نافذ، وأقصد بها المؤثرات الهندية التي بدت بصورة محسوسة منذ العصر الذي انتشر فيه الإسلام شرقاً حتى حدود الصين، فتخطت أفقه تدريجاً تلك الآراء الهندية التي ظهر بعضها في الآثار الأدبية والبعض الآخر في الفكر الديني الإسلامي([376]).
أمّا المستشرق «نيكلسون» فهو وإن أوعز ظهور بذور التصوف الأولى إلى نزعات الزهد القوية التي سادت في العالم الإسلامي في القرن الأول الهجري([377])، وحاول أن ينفي مأثر المتصوفة والزهاد الأوائل بمؤثرات مسيحية قائلاً: (ولكنا مع اعترافنا بأن المسيحية كان لها أثر في تشكيل التصوف في صورته الأولى، لا نرى أن في أقوال متصوفة الزهاد، من أمثال إبراهيم بن أدهم (المتوفى سنة 161هـ) وداود الطائي (المتوفى سنة 165هـ) والفضيل بن عياض (المتوفى سنة 187هـ) وشقيق البلخي (المتوفى سنة 165هـ) ما يدل على أنهم تأثروا بالمسيحية أو بأي مصدر أجنبي آخر إلاّ قليلاً. بعبارة أخرى يبدو لنا أن هذا النوع من التصوف كان ـ أو على الأقل من المحتمل أنه كان ـ وليداً لحركة الإسلام ذاته، وإنه كان نتيجة لازمة لفكرة الإسلام عن اللَّه…) ([378])، إلاّ أنه مع ذلك لم يتردد في إرجاع نمو وتطور التصوف الإسلامي المتأخر إلى عوامل خارجية تأثر بها، فقال: (أمّا في القرن الثالث فقد ظهر التصوف في صورة جديدة تختلف تمام الاختلاف عن سابقتها، وهي صورة لا يمكن تفسيرها بأنها نتيجة تطور لعوامل روحية من صميم الإسلام نفسه. ومما له دلالته، أننا نجد أول تعريف للتصوف في أقوال معروف الكرخي (المتوفى سنة 200هـ)، وهو من أصل مسيحي أو مندائي (صابىء) فارسي كما يدل على ذلك اسم أبيه فيروز أو فيروزان) ([379]).
أمّا «هاملتون جب» فإنه يقارن بين تأثر علم الكلام الإسلامي بمؤثرات خارجية وبين تأثر التصوف الإسلامي بمؤثرات خارجية أخرى، فيقول: (فكما أن علم الكلام استُثير عن طريق الاحتكاك بالفلسفة والعقلانية اليونانية، كذلك التصوف انبعث عن طريق الاتصال بالتصوف المسيحي والغنوصية. وبما أن روح التقوى القرآنية والتعبير عنها كانا منذ البداية وتبقى الصلة بالنزعات التصوفية الزهدية في الكنيسة المسيحية الشرقية، كانت الحواجز قائمة في طريق اتصالهما المتداخل أقل منها في حال علم الكلام. ولكن مثلما أنه من الخطأ البين أن نقول: إن علم الكلام الإسلامي محض فلسفة يونانية في ثوب إسلامي، كذلك من الخطأ أيضاً أن ندعي بأن التصوف الإسلامي محض تصوف مسيحي أو غنوصي في ثوب إسلامي. بل الصواب أن علم الكلام الإسلامي أفاد من الفلسفة والمنطق اليونانيين ليؤثل نظامه العقلي على أساس المسلمات والفروض القرآنية، وبمثل ذلك استمد التصوف، ـ وهو يتأسس بقوة على الاستبصارات الحدسية في القرآن، ـ كثيراً من التجربة المسيحية والصور الغنوصية وإدراجها في صوره التعبيرية بقدر ما يتلاءم ذلك كله مع مواقفه الدينية الأساسية) ([380]).
وممن قالوا بتأثر التصوف الإسلامي بمؤثرات وعوامل خارجية المستشرق الهولندي «دوزى» حيث يذكر عنه أبو العلا عفيفي أنه يقول: (إن الصوفية أنفسهم يحاولون الرجوع بمذهبهم لا إلى علي أو محمد فحسب، بل إلى قدماء الأنبياء أمثال إبراهيم. والأقرب إلى الحقيقة في رأيه أن التصوف جاء إليهم من فارس حيث كان موجوداً قبل البعثة المحمدية، وأنه جاء إلى هذه البلاد من الهند. فقد ظهرت في فارس منذ أحقاب بعيدة، فكرة صدور كل شيء عن اللَّه ورجوع كل شيء إلى اللَّه، والقول بأن العالم لا وجود له في ذاته، وأن الموجود بحق هو اللَّه. وكل هذه معان يفيض بها التصوف الإسلامي) ([381]).
ولقد حاول «جولد تسيهر» في بعض بحوثه ودراساته عن التصوف الإسلامي التفرقة (بين تيارين مختلفين في التصوف الإسلامي: الأول الزهد، وهذا في نظره قريب من روح الإسلام ومذهب أهل السنة، وإن كان متأثراً إلى حد كبير بالرهبانية المسيحية، والثاني التصوف بمعناه الدقيق وما يتصل به من كلام في المعرفة والأحوال والمواجد والأذواق، وهو متأثر من ناحية بالأفلاطونية الحديثة، ومن ناحية أخرى بالبوذية الهندية. وقد أخذ بهذه التفرقة من بعد جولد تسيهر كل من كتب في التصوف واعتراف له بالفضل فيها)[382].
نقول: رغم كل هذه المحاولات لقطع التصوف الإسلامي عن جذوره الأصلية والرجوع به إلى مؤثرات من خارج البيئة والتراث الإسلاميين إلاّ أن اتجاهاً جديداً في البحث عن تاريخ التصوف ومراحل نشوئه وتطوره بدأ يؤكد على أصالة التصوف الإسلامي و(أن زهد المسلمين كان نتيجة طبيعية لميل العرب إلى حياة العزلة، وأن التصوف وكل ما فيه من الأقوال المتطرفة يمكن الرجوع به إلى تعاليم الرسول(ص) وسيرته) ([383])، بل إن (كبار المؤلفين في التصوف من المستشرقين قد تحولوا في أخريات حياتهم عن الفروض التي كانوا يؤمنون بصحتها، إلى فروض أخرى، وانتهت جمهرتهم إلى أن الكلمة الفاصلة في هذه المسألة وفي مسائل أخرى كثيرة من مسائل التصوف لم يحن أوان قولها بعد) ([384]).
وربما يعزي إصرار البعض من المستشرقين على ردّ التصوف الإسلامي إلى عوامل خارجية إلى ولوعهم بفكرة التأثير والتأثر (وهذه الفكرة كما نعلم أساس كل بحث علمي دقيق، ولكنها من أخطر المزالق في يد الباحث الذي يتصدى لدراسة التيارات الفكرية والنظريات الدينية، فإن الفكر الإنساني في محاولته الوصول إلى الحقيقة وتصوره للوجود، لا يخضع لقانون العلة والمعلول خضوع المادة الجامدة له: فلا يكفي ظهور فكرة من الأفكار في فلسفة ما، ثم ظهور نفس هذه الفكرة أو ما يماثلها في فلسفة أخرى، للحكم بأن الفلسفة الثانية متأثرة بالأولى إلاّ إذا وجدت دلائل واضحة مستمدة من الصلة التاريخية بين الفلسفتين) ([385]).
وفكرة التأثير والتأثر قد نفض يده منها بحاثة كبير في التصوف الإسلامي هو الأستاذ «لويس ماسينيون» الذي كتب رسالة بعنوان: «بحث في نشأة المصطلح الفني في التصوف» وفي هذه الرسالة (استعراض نشأة التصوف الإسلامي منذ عهد الرسول حتى الحلاج، ودرس المصطلحات الصوفية الكبرى التي ظهرت في تلك الفترة. وأدلى برأيه السديد الأصيل وهو: أن التصوف الإسلامي نشأ عن أصول إسلامية خالصة مستمدة من القرآن الكريم وسُنة الرسول وحياته وحياة أصحابه ذوي النزعات الزاهدة. وبهذا دفع في صدر تلك الآراء المغالية الواهية التي انتشرت في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن نتيجة للمنهج الهزيل الذي اتبع، منهج الأشباه والنظائر الواهية الظاهرة للتدليل على التأثير والتأثر. وقد اندفع فيه نفر من مؤرخي التصوف والحياة الروحية في الإسلام من المستشرقين أمثال تولك وجولد تسيهر ومكدونالد وهورتن، ولا يزال هذا المنهج يجد له معه الأسف بعض الأنصار اليوم لما أن حاولوا ردّ نشأة التصوف الإسلامي إلى تأثيرات أجنبية كالأفلاطونية المحدثة والمذاهب الهندية) ([386]).
ومع أن موجة القول بتأثر التصوف الإسلامي في نشأته بعوامل أجنبية بدأت تنحسر من بعد سنة 1920 على حدّ تعبير الدكتور عبدالرحمن بدوي([387])، إلاّ أننا ما زلنا نجد غياب الموضوعية والدقة في استيعاب الأفكار وتفهم مناشئها يولّد عند البعض من المفكرين المعاصرين جنوحاً نحو البحث عن أصول خارجية للتصوف والعرفان الإسلاميين، وخير من يمثل هذا النكوص إلى الوراء الدكتور محمد عابد الجابري الذي لم يأل جهداً في مشروعه «نقد العقل العربي»([388]) من أجل التدليل على العلاقة الوثيقة التي تربط بين العرفان الإسلامي ولا سيّما الشيعي منه وبين المذاهب الغنوصية والباطنية القديمة وبالأخص «الهرمسية»([389]) حتى أن «الجابري» يستعيد مقولة «هنري كوربان» في أن الشيعة هم أول من تهرمسوا في الإسلام([390]).
وهذه العلاقة المدعاة بين التصوف أو العرفان الشيعيين والموروث الهرمسي القديم نستطيع أن نجد ما يفندها أو على أقل تقدير يقلل من أهميتها في مطاوي كلام الجابري نفسه، وذلك من جهتين:
الأولى: الجهة التاريخية التي تدلل على أن غير الشيعة قد سبقوا الشيعة في التعرف على مضامين الفكر الهرمسي والانفتاح عليه، فها هو «الجابري» بنفسه يقرر ذلك قائلاً: (فعلاً تُجمع المصادر العربية على أن خالد بن يزيد بن معاوية (المتوفى سنة 85هـ) كان أول من اشتغل في الإسلام بالعلوم القديمة وبالخصوص منها الكيمياء والتنجيم والطب وأنه قد نقل ذلك من الاسكندرية التي قلنا عنها إنها كانت موطن الهرمسية) ([391]).
الثانية: الجهة الفلسفية التي تدلل على التمايز الواضح بين المقولات الهرمسية والأفكار الشيعية، ولنأخذ على سبيل المثال ما يقوله «الجابري» نفسه حينما يستعرض أهم ما تتميز به الإلهيات الهرمسية ولنقارن ذلك بنظرية التوحيد عند الشيعة والتي تبلورت في كلمات أئمتهم (عليهم السلام)، أنه يقول: (تتميز الإلهيات الهرمسية بالقول بإلهين اثنين أحدهما مسخر للآخر:
ـ الإله المتعالى الذي لا يصدق عليه وصف ولا تدركه العقول ولا الأبصار وبالتالي فهو لا يعرف إلاّ بالسلب: إنه منزه تمام التنزيه عن أية مشابهة بينه وبين أي شيء آخر في العالم. لا يهتم بشؤون الكون، ولا يدخل في عمله أي شيء منه لأن الكون وما فيه محفوف بالنقص، وهذا الإله منزه عن الدخول في أية علاقة مع ما هو ناقص، ولذلك كان من غير الممكن التوصل إلى معرفته عن طريق تأمل الكون ونظامه، أي عن طريق العقل والحواس. إن الكون لا يدل عليه ولا يرشد إليه لأنه لا علاقة له به.
ـ الإله الخالق الصانع، هو الذي خلق العالم ولذلك فهو يتجلى فيه، يمكن إدراكه والتعرف عليه بتأمل الكون ونظامه، من أجل ذلك يقال إنه في كل مكان، أينما اتجه الإنسان ببصره وجده فكل شيء شاهد عليه. وفي هذا المعنى ورد في نصّ هرمسي ما يلي: «إذا أردت أن ترى اللَّه فانظر إلى الشمس، إلى حركة القمر، إلى تناسق النجوم واسأل نفسك: من يحفظ النظام في كل ذلك». ويخاطب نص آخر أحد المريدين قائلاً: «هل تقول إن اللَّه لا تدركه الأبصار؟ لا تفه بمثل هذا الكلام، فمن هو أظهر من اللَّه؟ إنه لم يخلق كل شيء إلاّ من أجل أن يريك نفسه في جميع مخلوقاته»)([392]).
ونحن نتساءل أين يمكن أن نجد ما يشابه هده الفكرة الهرمسية التي تقول بإلهين اثنين أحدهما مسخر للآخر في الفكر التوحيدي والعقيدي للشيعة؟
ولا يسعنا هنا أن ننقل أقل القليل من كلمات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في قضية التوحيد والتي تفصح عن ما يناقض هذا التفريق الباطل بين الإله المتعالى والإله الخالق، إلاّ أننا سنكتفي بإيراد قسم يسير من كلام الإمام علي بن أبي طالب أول أئمة الشيعة، في أول خطبة له في «نهج البلاغة» يقول (عليه السلام): (الحمد للَّه الذي لا يبلغ مدحته القائلون ولا يحصى نعماءه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل محدود. فطر الخلائق بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه.
أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه؛ لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة: فمن وصف اللَّه سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال «فيم» فقد ضمنه، ومن قال «علام» فقد أخلى منه. كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم. مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه، متوحد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده.
أنشأ الخلق إنشاءً، وابتدأه ابتداءً، بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اصطرب فيها…) ([393]).
وربما يظن بأن التأثيرات الهرمسية قد انتقلت إلى الشيعة عبر أئمتهم المتأخرين كالإمامين الباقر والصادق (عليهم السلام) ومن تلاهما من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، إلاّ أننا نؤكد خطأ ذلك الظن، ويكفي الباحث أن ينظر في قضية التوحيد عند الشيعة ما خلفه أئمتهم المتأخرون(ص) وليواصل تلك النظرة بنظرة أخرى إلى التراث العقيدي والكلامي الذي انتجه متكلمو وعلماء الشيعة منذ زمن الأئمة (عليهم السلام) إلى يومنا هذا، فإن ذلك كفيل بأن يثبت له أن لا صلة بين الفكر الشيعي وبين الأفكار الهرمسية والغنوصية التي انتشرت في الوسط الثقافي العربي والإسلامي عبر عملية الترجمة للكتب والنصوص الأجنبية.
ونحن نتعجب من إصرار «الجابري» على الربط بين الفكر الشيعي والموروث الهرمسي والغنصوي في الوقت الذي ينقل عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما يدلل على نفوره من المتصوفة الذين يعتبرهم «الجابري» أفضل من هضم الموروث الهرمسي واستوعبه، فهو حينما يتحدث عن أبي هاشم الكوفي (المتوفى سنة 150) والذي كان أول من سمي بـ«الصوفي» يقول: (وتذكر بعض المراجع أن الشيعة سمته بـ«مخترع الصوفية» وأن جعفراً الصادق الإمام الشيعي قال عنه: «إنه فاسد العقيدة جداً، وهو ابتدع مذهباً يقال له التصوف وجعله مقراً لعقيدته الخبيثة»)([394]).
ورغم أن القول بتشابه فكرتين في شيء ما يعني تأثر إحداهما بالأخرى واقتباسها منها وصدورها عنها فيه مجازفة كبيرة، إلاّ أننا نجد أن الأمر خلاف ذلك عند «الجابري» فهو يعتقد أن إثبات الصلة بين المتكلمين الشيعة الأوائل وبين الموروث العرفاني الهرمسي مسألة ليس من الصعب البت فيها (إذ يكفي أن يتصفح المرء ما يروى عن الإمام جعفر من أحاديث وما ينسب إليه من أقوال حتى يرى الطبع الهرمسي فيها واضحاً وضوحه في الأدبيات العقائدية الشيعية اللاحقة، والإسماعيلية منها خاصة. أضف إلى ذلك ما حفظته كتب الفرق من آراء متناثرة لهشام بن الحكم، المتكلم «الفيلسوف» العرفاني الذي قال عنه ابن النديم إنه كان «من متكلمي الشيعة ممن فتق الكلام في الإمامة وهذب المذهب والنظر وكان حاذقاً بصناعة الكلام». لقد نقل عنه مؤرخو الفرق آراء ونظريات ذات أصل هرمسي واضح، كما أشار بعضهم إلى تأثره بالديصانية وأخذه عنها، والديصانية فرقة غنوصية معروفة تنسب إلى ديصان، أو برديصان، الذي ظهر في القرن الثالث الميلادي بمذهب عرفاني كان عبارة عن أمشاج من الأفلاطونية المحدثة والفيثاغورية الجديدة والرواقية المتأخرة، وبالتالي يلتقي مع الهرمسية في مجمل فلسفتها الانتقائية. ولا بدّ من الإشارة إلى جانب ذلك كله إلى ما هو معروف من رواج الموروث الهرمسي في حاشية جعفر الصادق نفسه الذي ينسب إليه أنه كان على علم بالكيمياء وعلوم الأسرار وأن جابر بن حيان تتلمذ عليه) ([395]).
وفي الحقيقة والواقع أنه إذا كان ثمة مجال إلى إرجاع الفكر الإسماعيلي إلى أصول ومؤثرات هرمسية فأننا لا نرى ذلك ممكناً بالنسبة إلى الفكر الشيعي الإثني عشري، وذلك لأن الفكرين بينهما اختلافات كبيرة جداً في الرؤية والمنهج ولا يتوقف الاختلاف بينهما كما ظن كثير من الباحثين عند حدود الاختلاف في إمامة إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وهل أنه هو الإمام بعد أبيه، أمّا أن الإمام هو موسى بن جعفر كما تذهب إلى ذلك الشيعة الاثني عشرية. ومن هنا فليس من الصحيح القول بأن (… الاختلاف الواضح بين الشيعة والإسماعيلية ينحصر في عدد الأئمة، فالإمامية تتوقف عند الإمام الثاني عشر بينما الإسماعيلية تقف عند الإمام السابع) ([396])، إذ أن هذا مجرد اختلاف تاريخي وإنما المهم في المسألة المقارنة بين مضامين الفكر الإسماعيلي والفكر الشيعي الذي انشقت عنه، وهي قضية لم يلتفت إليها كثيرون ممن عنوا بدراسة محتويات الفكر الشيعي، وهذا ربما يكون هو المبرر الوحيد لأن لا يعتمد «الجابري» أكثر من مصدر واحد للشيعة الاثني عشرية في محاولته لاستخلاص رؤيتهم في التوحيد والإمامة وهو كتاب «الكافي» لمحمد بن يعقوب الكليني (المتوفى سنة 329هـ).
وربما يكون «هنري كوربان» هو من السباقين إلى الالتفات إلى المفارقات التي تضع حداً فاصلاً بين التشيع الإسماعيلي الموغل في الباطنية بلا حدود وقيود وبين التشيع الإمامي الذي يوازن بين الظاهر والباطن (فبينما يجهد العرفان الشيعي الاثنا عشري للحفاظ على تأمين وتوازن الظاهر والباطن، يرى العرفان الإسماعيلي في مقابل ذلك، أن كل ظهور خارجي وكل مظهر، له معنى داخلي مستور وحقيقة باطنية، وهذه الحقيقة الباطنية أسمى من الحقيقة الظاهرة، إذ بفهمها يتقرر التقدم الروحي للمستجيب. إذن فالظاهر صدفة لا بدّ من كسرها نهائياً، الأمر الذي يقوم به ويتمه التأويل الإسماعيلي وذلك بأن يعود بمعطيات الشريعة إلى حقيقتها العرفانية التي هي فهم المعنى الحقيقي للتنزيل والشريعة([397]).
ولكن يؤسفنا ـ كل الأسف ـ أن «الجابري» ظل يزاوج بين الفكرين الإسماعيلي والشيعي مزاوجة تامة حتى في مثل المفارقة المتقدمة التي تنبه إليها «كوربان» فها هو يقول: «وهكذا فالشيعة، من «اثني عشرية» وإسماعيلية، يرون أن الأخذ بالظاهر وحده إنما يعني فقط «الدخول في حكم الإسلام» الذي يحصن من القتل ويعصم من دفع الجزية، أي يعفى صاحبه من أن تطبق عليه الأحكام التي يجب تطبيقها شرعاً على غير المسلمين، كالقتل بالنسبة للكفار ودفع الجزية بالنسبة لليهود والنصارى. أمّا «الإيمان» وهو أعلى مرتبة من مجرد «الإسلام» فلا يحصل إلاّ مع الاعتقاد في الأئمة والعمل بتعاليمهم وتعاليم من ينيبونه عنهم) ([398]).
وهو وإن كان ينقل هذه الرؤية عن كاتب إسماعيلي معروف هو القاضي النعمان في كتابه «أساس التأويل» إلاّ أنه يقول: (وعلى الرغم من أن القاضي النعمان من الشيعة الإسماعيلية فإن ما يقرره في هذه المسألة هو نفس ما تقول به الشيعة الاثنا عشرية) ([399]).
ومما يلزم الإشارة إليه أن الشيعة الإمامية (الاثني عشرية) لا ترى في الإيمان بـ«الإمام المعصوم» مسألة باطنية، بل هي ما زالت تتمسك لإثبات مدعاها في لزوم نصب الإمام وعصمته بأدلة عقلية وظهورات لفظية أستفيدت من النصوص القرآنية والنبوية، أضف إلى ذلك أنه إذا كانت هناك مشابهة بين فكرة «الإمام» عند الشيعة الاثني عشرية منهم والإسماعيلية وفكرة «الإنسان الكامل» التي تجلى القول بها في المذاهب الباطنية القديمة كالديانتين الأبستاقية والزرداشتية([400])، فإنه تبقى فكرة «عصمة شيعية أصيلة لا مجال للقول بتلقيها من مصدر خارجي (وأن دونالسون قد انتهى إلى أن فكرة العصمة لم تأت عن طريق الأسفار الدينية اليهودية، وأن القرآن نفسه لم يذكر عصمة الأنبياء وأن المسلمين الأوائل لم يتطرقوا في جدالهم ضد المسيحية إلى ذكر هذه العقيدة وأنها لم ترد في الصحاح، ويقطع بأن العصمة فكرة شيعية أصيلة»([401]).
وعلى الرغم من أن «الجابري» يستشهد بكلام لابن خلدون في الصلة بين المتصوفة المتأخرين والإسماعيلية([402])، وهو صريح في أن المتصوفة إنما خالطوا الإسماعيلية وتأثروا بعقائدهم، وليس في كلمات ابن خلدون التي ينقلها عنه «الجابري» أية إشارة إلى تأثر الصوفية بأفكار الشيعة الإمامية (الاثني عشرية)، إلاّ أنه لا يتردد في إطلاق القول بأن (الولاية الصوفية مؤسسة على الولاية/ الإمامية عند الشيعة ومستنسخة منها. هذه حقيقة تاريخية لا مجال لإثارة الشكوك حولها) ([403]).
ولئن اتفق الشيعة الاثنا عشرية والإسماعيلية في أصل القول بـ«الإمامة» و«العصمة» إلاّ أن بينهما من الاختلافات في التفاصيل ما يجعل منهما فرقتين متمايزتين أشد التمايز، وأدنى مقارنة بين الشيعة والإسماعيلية على مستوى الرؤية العقيدية والرؤية العرفانية تظهر هذا التمايز الواضح، وسنشير في ثنايا البحث إلى هذه الحقيقة المهمة وأن الإسماعيلية تخالف الشيعة في نقاط رئيسية لا تبرر القول بأنهما تصدران عن مرجعية فكرية واحدة.
وما نريد قوله في ختام هذه المقدمة أن محاولة البحث عن أصول الفكر الشيعي في الموروث الباطني القديم هي محاولة ليست أقل سخفاً من محاولات بعض المستشرقين والباحثين للتأكيد على أن بعض النظريات الصوفية والعرفانية المتأخرة كنظرية «وحدة الوجود» تجد أصولها الأولى في التصوف الهندي أو الفارسي القديمين فـ(إلى العنصر الهندي يرجع فون كريمر نشأة فكرة وحدة الوجود في التصوف الإسلامي، وهي الفكرة التي تقول إنها كانت آخذة في الظهور بوضوح في أواخر القرن الثالث تحت تأثير الحسين بن منصور الحلاج، كما يرجح فكرة المحاسبة والمراقبة التي يقول إنها حلت في التصوف محل الزهد في العصر القديم. والرأي الذي عليه جمهور الكتاب في العصر الحديث هو أن مذهب وحدة الوجود لم يظهر في وضوح ويتخذ له مكاناً في التصوف إلاّ في عصر متأخر جداً عن الحلاج ـ وهو عصر ابن عربي، وأن الحلاج وأمثاله من متصوفة القرن الثالث لم يدينوا بمذهب وحدة الوجود في قليل أو كثير) ([404]).
وهذه التخبطات وأمثالها التي وقع فيها كثير من الباحثين في تاريخ التصوف الإسلامي ونشأة أفكاره، لا نعتقد إلاّ أنها نتيجة شغفهم بفكر التأثير والتأثر (وهذه الفكرة كما نعلم أساس كل بحث علمي دقيق، ولكنها من أخطر المزالق في يد الباحث الذي يتصدى لدراسة التيارات الفكرية والنظريات الدينية) ([405]).
وفوق هذا أننا نشعر أن ثمة قصوراً لدى البعض من الباحثين والدارسين لنظريات المتصوفة والعرفاء الإسلاميين في هضم وإدراك هذه النظريات على حقيقتها وفهم المراد منها، مما يقلل من أهمية استنتاجاتهم واستخلاصاتهم على المستوى العلمي.
وعلى كل حال فإننا لن نكون في بحثنا القادم عن «التصوف الشيعي» مسكونين بهاجس البحث عن أصوله ومشابهاته في هذا المذهب أو ذاك من مذاهب العالم القديمة، بل إن ما سنسعى إليه هو استظهار المكونات الأصيلة للتصوف الشيعي، وإثبات أن التشيع لم يكن بحاجة من أجل أن يسمو الإنسان ويرقى بروحه ونفسه إلى مستوى الارتباط الوثيق والفعال بخالقه ومبدعه إلى استجداء الأفكار والنظريات من هنا وهناك.
التشيع الروحي بين العرفان والتصوف والباطنية
إرتأينا أن نكشف عن «الجنبة الروحية» في التشيع أو ما قد يعبّر عنه بـ«التصوف الشيعي» من خلال البحث في عدة مصطلحات وألفاظ ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بهذه الجنبة من جنبات التشيع وبهذا البعد المهم من أبعاده المختلفة، وسيكون «التصوف» هو أحد تلك الألفاظ التي سنبحث عن ارتباطها بمضامين الفكر الشيعي، وسيتضح لنا من خلال البحث أن القضية في البحث عن «التصوف الشيعي» ترقى عن أن تكون مجرد قضية ألفاظ ومسميات، وأنه لا بدّ للباحث من النظر أولاً وأخيراً في المضامين والمداليل فهي التي تكشف أولاً وقبل كل شيء عن موضوعية الفكرة وواقعيتها، والبحث في «التصوف الشيعي» لا يخرج عن هذه القاعدة، وما نرجوه من القارىء لهذا البحث أن ينطلق معنا من هذا المنطلق نفسه ليتسنى لنا من خلال ذلك أن نتعرف على الحقيقة في قضية «التصوف الشيعي».
وأمّا المصطلحات والألفاظ التي ستتم تجلية حقيقة التصوف الشيعي من خلالها فهي:
أولاً: التشيع الروحي:
هذا التعبير من التعابير التي ظهرت مؤخراً وانتشرت بين الباحثين المهتمين بالشأن الروحي في الإسلام للدلالة على البعد الروحي في التشيع والذي أولاه هؤلاء الباحثون والدارسون الكثير من العناية على حساب غيره من الأبعاد التي لا يمكن أن يفهم التشيع كفكرة متناسقة ورؤية منتظمة إلاّ من خلال النظر إليها مجتمعة.
ومما لا شكّ فيه أن النظر إلى التشيع من خلال إسهاماته الروحية فقط، ومحاولة قطع هذه الإسهامات عن إسهاماته الأخرى في المجال السياسي أو المجال الفقهي أو المجال الكلامي والعقيدي، بالإضافة إلى كونه لا يعطي للتشيع المدلول الذي يرى التشيع أنه مدلوله الحقيقي باعتباره الفهم الواقعي للإسلام، فإنه يدخل الباحث في صعوبات يتعسر عليه الخروج منها، ومن هنا فإننا نستطيع القول بأن كل من عنوا بدراسة التشيع الروحي مفصولاً عن بقية أبعاد وجوانب التشيع لم يتمكنوا إلاّ أن يقدموا رؤية مبتورة عن التشيع.
ولنأخذ على سبيل المثال قضية «الإمامة» في التشيع وكيفية معالجة المعنيين بالتصوف الشيعي لهذه القضية. فبينما ينظر إلى الإمامة وشؤونها في التراث الشيعي كمسألة عقائدية أولاً وبالذات يستقل العقل بلزومها وقام النص على وجوبها، وهي الرؤية التي ظل الفكر الشيعي يدافع عنها منذ زمن الأئمة (عليهم السلام) إلى يومنا هذا فإنها تتحول عند أولئك الباحثين إلى مسألة روحية باطنية، وهي بذلك تقتلع عن جذورها العقائدية الأصيلة ليضفي عليها صبغة سحرية وسرية تحفز الباحث لاستخلاص أصولها من الموروث الباطني القديم، وهي المعالجة التي أتعب باحث عربي كبير نفسه من أجل إثبات صحتها وتاريخيتها([406]).
وأمّا «جولد تسيهر» فهو يقدم تصوره عن «الإمامة» عند الشيعة من خلال مقارنتها بنظرية أهل السُّنة في «الخلافة» فيقول: «فالخليفة في الإسلام السني، تعقد له البيعة لتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية لكي ترتكز في شخصه واجبات الجماعة الإسلامية، وها أناذا أورد نصاً عن الإمامة من مصنف فقيه إسلامي يقول: «لا بدّ للمسلمين من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم وإقامة حدودهم، وسد ثغورهم وتجهيز جيوشهم، وأخذ صدقاتهم، وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق، وإقامة الجمع والأعياد، وتزويج الصغار والصغائر الذين لا أولياء لهم، وقسمة الغنائم، ونحو ذلك من الواجبات الشرعية التي لا يتولاها آحاد الأئمة» ومجمل القول إن الخليفة يجتمع في شخصه السلطة القضائية والإدارية والعسكرية في الدولة. ومهما كان من يشغل منصب الرئاسة في الدولة، فليست له صفة أخرى سوى أنه خليفة لسلفه، وقد تقلده بواسطة بشرية ـ كالانتخاب أو تعيين سلفه له ـ ولم يقلده بفضل ما يتصف به من صفات كامنة في شخصه، فالخليفة عند أهل السُّنة ليست له سلطة روحية لها حق الهداية والإرشاد.
على نقيض ذلك إمام الشيعة، فهو بفضل الصفات الشخصية التي أودعها للَّه تعالى فيه، يعتبره الشيعة هادي المسلمين وفقيههم ووارث رسالة النبي فيأمر ويعلم باسم اللَّه. وكما استطاع موسى أن يسمع ربه عندما آنس النار من جانب الطور: «يا موسى إني أنا اللَّه رب العالمين». فهكذا ينزل الوحي الإلهي على إمام العصر. وليس للإمام، صفة الرئاسة للسلطة الحاكمة المقبولة لدى اللَّه فحسب، وإنما يرفعه فوق المستوى البشري العادي صفات هي فوق البشرية، لم يسم إليها فقط بفضل مرتبة عالية اكتسبها اكتساباً ـ لأنها كامنة في شخصه وخاصة من خواصه ـ ولكنه نالها أيضاً بفضل مادته ذاتها.
فمنذ أن خلق اللَّه آدم، تسلسلت في أعقابه المجتبين، الواحد بعد الآخر، مادة نورانية إلهية، انتهت بأن وصلت إلى صلب الجد المشترك لمحمد وعلي، وحينئذ انقسم هذا النور الإلهي إلى جزءين: جزء أصابه عبدللَّه والد محمد، وجزء لأخيه أبي طالب والد علي، ومن أبي طالب انتقل هذا النور الإلهي إلى إمام كل عصر جيلاً بعد جيل. وإن في وجود هذا النور الإلهي الأزلي في مادة الروح عند إمام لعصر، ما يهبه قوى روحية فائقة تتجاوز كثيراً المستوى البشري، فمادة روحه أنقى من مادة روح الآدميين العاديين لخلوها من نزعات الشر وتحليها بالصفات القدسية.
هذه هي تقريباً الصورة المرتسمة في أذهان الشيعة، حتى المعتدلين منهم، عن طبيعة الأئمة وحقيقة جوهرهم([407]).
وهذه الصورة التي يرسمها «جولد تسيهر» للإمام في عقيدة الشيعة تلغي الأبعاد الأساسية التي قام عليها القول بـ«الإمامة» عند الشيعة، وكيفية تسليط الضوء على البعد الغيبي للإمامة، ومن الطبيعي أن تسليط الضوء على هذا البعد وحده يبرز الإمامة عند الشيعة وكأنها شأن روحي موغل في السرية والغموض لا يمكن أن يستند الاعتقاد به إلى دليل شرعي أو برهان عقلي.
غير أن النظرة الفاحصة في الروايات الشيعية الواردة في قضية الإمامة تعطي انطباعاً غير هذا، فهي تنطلق في تبرير الاعتقاد بالإمامة من عدة أدلة تعتبرها كافية للزوم القول بالإمامة الشيعية، ونقرأ بعض هذه الروايات ليتضح لنا المنحى الظاهري الذي لا يعتمد أية باطنية أو سرية في إثبات مدعاه، بل يعتمد الحجة والبرهان الواضحين وما هو أقرب إلى البداهة العقلية والفطرة الإنسانية.
ففي الحديث الأول الذي يرويه «الكليني» في «الكافي» في كتاب الحجة، باب الاضطرار إلى الحجة، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنه قال للزنديق الذي سأله من أين أثبت الأنبياء والرسل؟ قال: إنا لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يُجز أن يشاهده خلقه، ثُبت أن له سفراء في خلقه، يعبرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه جلَّ وعزَّ، وهم الأنبياء (عليهم السلام) وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس ـ على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب ـ في شيء من أحوالهم مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة، ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان مما أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين، لكيلا تخلو أرض اللَّه من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته([408]).
ففي هذا الحديث نجد الاستدلال على لزوم الإمام بالحاجة البشرية المستمرة التي لا ترتفع في أي زمان إلى من يربط بين الإنسان وخالقه الحكيم العليم الذي لا يمكن أن يترك الإنسان عبثاً وبلا رعاية، ورعاية الخالق سبحانه لعباده تكون بإرشادهم إلى طريق سعادتهم بأمرهم ونهيهم، وليس من طريق لإيصال الأمر والنهي الإلهيين إلى العباد إلاّ الحجة المعصوم سواء كان نبياً أم إماماً. وعلى هذا الأساس فإن الدليل الذي يدل على لزوم الحاجة إلى النبي المرسل بنفسه يدل على لزوم الحاجة إلى الإمام بعد النبي المرسل. وهذا لا يعني أن الشيعة الإمامية يقولون بأن الإمام صاحب شريعة وأنه يوحى إليه كما كان يوحى للرسول(ص) بل اعتقادهم قائم على أن مهمة الإمام (عليه السلام) المحافظة على شريعة سيد المرسلين(ص) تجاه التأويلات الباطلة والتوجيهات المنحرفة، وبهذا يكون الإمام تابعاً للرسول وعلى شريعته.
ولا تقتصر مهمة الإمام (عليه السلام) في نظر الشيعة على التوجيه الروحي ـ وإن كان ذلك من مهامه الرئيسية ـ بل تمتد صلاحياته لتشمل كل ما كان يقوم به رسول اللَّه(ص) من المهام الدينية والسياسية والاجتماعية، وهذا ما نعيه من قول الإمام الرضا ثامن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حيث يقول: «إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، إن الإمامة أسُّ الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف»([409]).
وأسندت الشيعة استدلالها على لزوم نصب الإمام عقلاً بأدلة شرعية نقلية كالاستدلال بالآية الكريمة: {لا ينال عهدي الظالمين} (البقرة 124)، ففي حديث يرويه «الكليني» عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إن اللَّه تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً وإن اللَّه اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً وإن اللَّه اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً وإن اللَّه اتخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلما جمع له الأشياء، قال: «إني جاعلك للناس إماماً» قال: فمن عظمها في عين إبراهيم قال: «ومن ذريتي، قال: لا ينال عهدي الظالمين» قال: لا يكون السفيه إمام التقي)([410]).
وفي بيان كيفية الاستدلال بهذه الآية على لزوم العصمة في ولي الأمر، يقول صدر المتألهين في شرحه للخبر المتقدم: (قال الصادق (عليه السلام): لا يكون السفيه إمام التقي، فإن كل فاسق سفيه، إذ من ظلم نفسه بإتلاف ماله الذي يعيش به في الدنيا يُعدّ سفيهاً، فمن ظلم على نفسه في خسرانه لما يعيش به في الآخرة أولى بأن يُعدّ سفيهاً، فالفاسق لا يصلح للإمامة بهذه الآية، ولأن الإمام من وجبت طاعته على الأمة والاقتداء به، فلو صدرت عنه معصية لوجب علينا الاقتداء به وذلك يؤدي إلى كون الفعل الواحد ممنوعاً منه ومندوباً إليه وهو محال، فدلت الآية على وجوب العصمة في الإمام وعلى إبطال إمامة غير المعصوم([411]).
وعلى كل حال فإن ما يهمنا إبرازه في قضية الإمامة هو أن طريقة معالجتها من قبل بعض الباحثين غير الشيعة فيها تبتعد كثيراً عن طريقة معالجتها في النصوص الدينية الشيعية، فهم إن لم يكونوا قد قدموا رؤية للإمامة مخالفة للرؤية الشيعية فلا أقل من أنهم قد قدموا رؤية مبتورة وناقصة هو إصرار البعض ممن عنوا بدراسة فكرة الإمامة عند الشيعة على «أن هذه الفكرة التي تجعل من الإمامة حقاً إلهياً، ليست من خصائص التفكير البدوي، حتى ولا من خصائص تفكير عرب الجزيرة، حيث تسود بينهم روح المساواة. إن هذه الفكرة دخلت عليهم خصوصاً من جهة الفرس، الذين كانوا ينظرون إلى ملوكهم بعين الاحترام الزائد، ويعتبرونهم أسمى من باقي البشر»([412]).
والذي تراه الشيعة أن فكرة الإمامة أسمى من أن تكون فكرة بدوية أو عربية أو حتى فارسية بل هي فكرة إلهية سماوية.
وخلاصة الأمر أن محاولة دراسة «التشيع الروحي» بصورة منفصلة عن بقية أفكار التشيع الفلسفية والكلامية والسياسية والفقهية لا يمكن أن تتبع فهماً صحيحاً للتشيع سواء في قضية الإمامة أم غيرها من القضايا.
ثانياً: العرفان:
العرفان كلمة مشتقة من المعرفة، وقد كثر إطلاقها على خصوص معرفة اللَّه باعتبارها أمّ المعارف التي من عرفها عرف كل شيء ومن جهلها جهل كل شيء، وصارت كلمة «العرفان» علماً للدلالة على علم مخصوص موضوعه اللَّه سبحانه وتعالى وصفاته وأفعاله، وغايته معرفة الباري معرفة شهودية، وهو بذلك يتحد مع علم التصوف، إلاّ أن إطلاق «علم العرفان» يكثر في الأوساط العلمية الشيعية للدلالة على تمايز ما بين التصوف والعرفان أو بين المتصوفة والعرفاء، وربما كان علماء الشيعة العرفاء يتحرزون من كلمتي «التصوف» و«المتصوفة» لبعض الملابسات التي رافقت الكلمتين تاريخياً وجعلت منهما كلمتين ممجوجتين في الوسط الشيعي، وسنعرض لذلك حينما نتحدث لاحقاً عن مصطلح «التصوف».
الشيخ المطهري يجعل الفرق بين «العرفاء» و«المتصوفة» بأن الأول عنوان ثقافي والثاني عنوان اجتماعي لجماعة واحدة ذات خصائص ومميزات مشتركة([413])، ويرى أن العرفاء والمتصوفة ليسوا فرقة منشقة عن الإسلام ولا يدعون ذلك وإنهم لهم حضورهم في جميع المذاهب الإسلامية في الوقت الذي يظهرون كجماعة واحدة. ولهم مسلسلة من الأفكار والمعارف وحتى الآداب المخصوصة في المعاشرة واللباس، وأحياناً في شعر الرأس والوجه والسكون في الصومعات وغير ذلك، وهذا الأمر يجعل منهم فرقة مذهبية واجتماعية ذات طابع خاص.
إلاّ أنه ـ ولا سيّما بين الشيعة ـ يوجد من العرفاء من لا يتميز في الظاهر عن الآخرين بشيء في الوقت الذي هو من أهل السير والسلوك العرفاني ومن المتعمقين في ذلك. وهؤلاء هم العرفاء حقيقة لا الجماعة التي تخترع لنفسها مئات الآداب وتوجد البدع([414]).
والقاشاني لا يزيد في تعريف «العارف» على قوله: (العارف: من أشهده اللَّه ذاته وصفاته وأسماءه وأفعاله. فالمعرفة حال تحدث عن شهود)([415]).
والبعض يرادف بين «العرفان أو العرفانية» و«الغنوصية» وهي كلمة يونانية يشار من خلالها إلى المعرفة التي تتم للإنسان من خلال التأمل الباطني([416])، يقول الجابري: (العرفان في اللغات الأجنبية يسمى الغنوص Gonse والكلمة يونانية الأصل Gnosis ومعناها المعرفة. وقد استعملت أيضاً بمعنى العلم والحكمة. غير أن ما يميز العرفان هو أنه من جهة معرفة بالأمور الدينية تخصيصاً، وأنه من جهة أخرى معرفة يعتبرها أصحابها أسمى من معرفة المؤمنين البسطاء وأرقى من معرفة علماء الدين الذين يعتمدون النظر العقلي (= اللاهوتيون، المتكلمون) وهكذا استعملت الكلمة في القرنين الثاني والثالث للميلاد للدلالة على المعرفة بأمور الدين معرفة أسمى من تلك التي كانت تقررها الكنيسة. ومن هنا الغنوصية Gnosticisme ـ وسنطلق عليها هنا اسم العرفانية ـ وهي جملة التيارات الدينية التي يجمعها كونها تعتبر «أن المعرفة الحقيقية باللَّه وبأمور الدين هي تلك التي تقوم على تعميق الحياة الروحية واعتماد الحكمة في السلوك، مما يمنح القدرة على استعمال القوى التي هي ميدان الإرادة». فالعرفان يقوم إذن على تجنيد الإرادة وليس على شحذ الفكر، بل يمكن القول إنه يقوم على جعل الإرادة بديلاً عن العقل)([417]).
ويقسم العرفان إلى قسمين:
القسم الأول: العرفان العلمي أو النظري وهو (الذي يتعهد تفسير الوجود ونظامه وتجليه ومراتبه على أسس المكاشفة والشهود، لا على أسس الاستدلال العقلي) ([418]).
والعرفان النظري تشمل بحوثه اللَّه والعالم والإنسان([419])، وهو في ذلك يشابه الفلسفة الإلهية التي تهتم بتفسير وتوضيح حقيقة الوجود، وكما أنه يذكر للفلسفة الإلهية موضوع ومبادىء ومسائل([420]) فكذا للعرفان موضوع ومبادىء ومسائل. غير أن الفلسفة لا تستند إلاّ على المبادىء والأصول العقلية بينما العرفان يعمد المبادىء والأصول الكشفية ويجعلها أساس استدلاله وإن كان توضيح تلك الأسس يتمّ عبر البرهان العقلي([421]). وهذه نقطة اختلاف أساسية بين العرفان والتصوف يفصح عنها صدر المتألهين بقوله: (لأن من عادة الصوفية الاقتصار على مجرد الذوق والوجدان فيما حكموا عليه. وأمّا نحن فلا نعتمد كل الاعتماد على ما لا برهان عليه قطعياً ولا نذكره في كتبنا الحكيمة) ([422]).
ومن هنا ندرك بأن اعتماد العرفان على المكاشفة (لا يعني أن العرفان يرفض كل الرفض أسلوب الاستدلال العقلي، فإن العرفان قد سمع في نظامه التفسيري لذلك الأسلوب المنطقي.
والذي يجوز أن يراد من ابتناء علم العرفان على أسس المكاشفة والشهود هو أن العرفان قد شاد صرحه العلمي على أصول ناتجة عن الاتصال بالغيب والاطلاع على باطن الوجود، وهذا العلم في بنائه هذا لا ينافي أصول العقل الضرورية، لكنه يدعي بأن أصول العقل ليست بمثابة يمكن بناء صرح علمي شامخ عليها، وذلك لقصورها عن أن ينكشف بها تلك الحقائق الوجودية التي تخضع عندها قوة العقل، لا لمنافاتها ومخالفتها لتلك الحقائق، إذن يجب أن نحصل أصولاً تقوى على كشف الأطوار المستقرة فوق الطور العقلي، وليست هذه الأصول إلاّ أسس المكاشفة وقواعد الشهود، أعني الأسس والقواعد التي انتجها الاتصال بسر الوجود مباشرة، كما يقوله علم العرفان، ثم إذا تحصلت هذه الأسس والقواعد إمّا بالكشف المباشر والشهود المتصل بالغيب، وإمّا بالإيمان بمن يدعي ذلك فللباحث عن العرفان أن يستخرج المسائل عن تلك الأسس استخراجاً مبنياً على أصول العقل وضوابطه، فأصول العقل بدلاً من أن تلعب دور التأسيس للمسائل وتتلقى بمثابة البنيات الأساسية للقضايا بدلاً من ذلك، تلعب هنا، أي في طور العرفان دور التنظيم والاستخراج كالدور الذي تلعبه قواعد المنطق في الفلسفة وسائر العلوم الاستدلالية.
فالعرفان غير ناف للفلسفة ولا متناقض معها، بل يستخدمها كعلم آلي لا ينظر إليه في نفسه، بل ينظر به إلى غيره، كالمنطق بالقياس إلى الفلسفة والعلوم، وكعلم الأصول بالقياس إلى علم الفقه) ([423]).
القسم الثاني: العرفان العملي (الذي بتعهد تفسير كيفية السلوك إلى الغاية الكمالية القصوى، بانياً بحوثه وتبييناته على أسس مسبقة من العرفان العلمي) ([424]).
والشهيد المطهري يقدم العرفان العملي على أنه ذلك الذي يعني ببيان وظائف الإنسان تجاه نفسه وعالمه وخالقه، وبذلك يكون مثل علم الأخلاق علماً عملياً مع تفاوت بينهما. وهذا القسم من العرفان يطلق عليه «علم السير والسلوك» وفيه يبين كيفية وصول السالك إلى أعلى درجات الإنسانية وهي «التوحيد» ومن أين عليه أن يبدأ؟ وما هي المنازل والمراحل التي عليه أن يطويها بالترتيب؟ وما هي الأحوال والواردات التي سترد عليه حين قطع المسافة بين كل منزلة والمنزلة الأخرى؟
ومما ينبغي الالتفات إليه أن كل تلك المنازل والمراحل ينبغي أن يقطعها السالك تحت إشراف ومراقبة إنسان كامل وواعي قد قطع تلك المنازل والمراحل من قبل، وأدرك الأخطار التي يمكن مواجهتها في طريق السير إلى اللَّه، وإلاّ فإن الضياع يتهدد السالك الذي يريد السير إلى اللَّه هداية المرشد([425]).
هذه نبذة موجزة جداً عن العرفان بقسمية النظري والعملي، وما كنا نبتغيه من وراء تقديم هذه النبذة الموجزة هو القول أن العرفان بمعطياته النظرية والعملية ومن خلال اعتماده العقل والوحي كأساسين لا مناص من تطابق مكاشفة العارف معهما من أجل التوصل إلى معرفة دينية واقعية، هو الأقرب إلى روح التشيع بل هو المعبر عن هذه الروح التي وإن اقترب التصوف السني منها اقتراباً غير يسير، إلاّ أنه لم يوفق للانصهار في هذه الروح باعتباره يختلف مع التشيع في منطلقاته العقائدية التي مما لا شكّ فيه أنها كان لها أكبر الأثر في الوصول بعلم العرفان الشيعي إلى مستوياته الحالية التي تعتبر «الحكمة المتعالية» بسماتها وخصائصها أكبر تجسيد لها([426]).
ومهما يكن من أمر فإننا لا نريد أن نجعل التصوف والعرفان على طرفي نقيض، والقول بأن التصوف محمل بدلالات سلبية بصورة مطلقة كما أن العرفان محمل بدلالات إيجابية بصورة مطلقة، وإنما كنا نهدف إلى إظهار عدم إمكانية الموازنة بصورة كلية بين الجنبة الروحية في التشيع والتي اهتم علم العرفان بالتنظير لها وإبراز مضمونها الفلسفي وبين الجنبة الروحية عند أهل السنة والتي نمت وبرزت من خلال المتصوفة، وتمّ التنظير لها عبر علم التصوف، والمتصوفة والتصوف لفظان غلب التعبير بهما تاريخياً عن المسلك الروحي السني وأصحاب هذا المسلك من رجالات السنة كما سيتضح لنا في البحث عن مصطلح «التصوف»، ومن هنا فأننا نميل على التجربة الروحية الشيعية مع متبيناتها النظرية والعلمية، وإن كان قد اشتهر بين الباحثين التعبير عن التجربة الروحية في الإسلام بصورة مطلقة بمصطلح «التصوف».
وخلاصة الأمر أننا نعتقد أن «علم العرفان» بمضمونه الشيعي هو اللفظ الأنسب للتعبير عن «التشيع الروحي» ولا سيّما أن النصوص الدينية الشيعية يرد فيها لفظ «العارف» و«العارفين»([427]) ويندران لم يعدم لفظ «التصوف» أو «المتصوفة» إلاّ في سياق الذم والقدح كما سيأتي بيانه.
ومهما يكن من أمر فإن «العرفان» و«العرفانية» ليسا مختصين بالشيعة ولا حتى بالإسلام (بل لقد صار من المسلم به اليوم أن العرفان والعرفانية ظاهرة عامة عرفتها الأديان السماوية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، كما عرفتها الديانات الوثنية.
بل أن من الديانات ما يقوم أساساً على العرفان كالمانوية والمندائية([428]).
ورغم أنه يوجد اختلاف بين المذاهب العرفانية في اعتقاداتها وتعاليمها إلاّ أنه يوجد بينها على اختلاف مشاربها جامع مشترك وأساس واحد (جهته النظرية عبارة عن الاعتقاد بإمكان إدراك الحقيقة عن طريق العلم الحضوري واتحاد العاقل بالمعقول، وجهته العملية عبارة عن ترك الرسوم والآداب القشرية والظاهرية والتمسك بالزهد والارتياض النفسي([429]).
ثالثاً التصوف:
نعتقد أن البحث عن أصل كلمتي «التصوف» و«الصوفي» قد استوفاه الباحثون والدارسون إلى الحدّ الذي لا يجعل معنى لإعادة البحث عن أصل الكلمتين هاهنا([430])، وقد جمع «نيكلسون» 78 تعريفاً للتصوف([431]) ويذكر «جولد تسيهر»: (… إن أبا منصور عبدالقاهر البغدادي المتوفى سنة 429هـ/ سنة 1307م «وهو أحد علماء نيسابور الذي عنى في كتاباته على الأخص بتفريعات العقائد وظهور الفرق في الإسلام» قد جمع على الترتيب الأبجدي من مؤلفات أقطاب الصوفية الثقات، ما يقرب من ألف تعريف للصوفية وفكرة التصوف) ([432]).
وأمّا لفظ «الصوفي» فإن «ماسينيون» يحدد أول ظهور له في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري حينما أطلق على كل من جابر بن حيان، وأبي هاشم الكوفي الصوفي الشهير([433]).
وفي النصوص الدينية الشيعية ورد لفظا «الصوفي» و«المتصوفة» وهما غالباً ما يردان في مقام ذكر بعض المواجهات بين بعض أئمة الشيعة ومن شاع تسميتهم بـ«الصوفية» أو «المتصوفة»، وكل هذه النصوص تدل على توتر العلاقة بين الأئمة (عليهم السلام) وصوفية زمانهم.
وأفضل من قام بنقل وتتبع هذه النصوص الدينية التي تدل على ذم التصوف والمتصوفة هو «الشيخ الحر العاملي» (المتوفى سنة 1104هـ) في كتاب خصصه للرد على الصوفية وانتقادهم وبيان مخالفتهم لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وأطلق على كتابه عنوان: «الاثنا عشرية في الرد على الصوفية» وقد اشتمل على اثني عشر باباً واثني عشر فصلاً، بالإضافة إلى أنه كان يلتزم غالباً في رده على أفكار الصوفية باثني عشر وجهاً أو رداً، وقد ذكر في مقدمة الكتاب العلل والأسباب التي اقتضت التزامه بهذا الرقم([434]).
ولقد ذكر «الحر العاملي» العديد من الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) في مذمة الصوفية، منها عن الإمام الهادي عاشر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يقول: الصوفية كلهم مخالفونا وطريقتهم مغايرة طريقتنا([435]).
والروايات الواردة من قبل الأئمة (عليهم السلام) وغيرها التي تذم الصوفية وتبرأ منهم، والتي يصل الأمر في بعضها إلى حد النهي عن التسمية بـ«الصوفي»، كما في الرواية التي تروى عن الإمام الرضا (عليه السلام) حيث يقول: (لا يقول بالتصوف أحد إلاّ لخدعة أو ضلالة أو حماقة، وأمّا من سمى نفسه صوفياً للتقية فلا إثم عليه) ([436])، دفعت بصاحب «الاثنا عشرية في الرد على الصوفية» إلى القول بحرمة إطلاق الإنسان المؤمن لفظ «الصوفي» على نفسه، وذكر اثني عشر دليلاً على حرمة التسمية بـ«الصوفي»([437])، وقال في الرد على من قال: بأن الانتساب لا حرج فيه ولا مضايقة في مجرد التسمية بأن (… هذه النسبة قد ظهر وتقرر أنها ليست بجايزة بالنص والإجماع والأدلة السابقة ولو جاز ذلك لجاز ان يسمى الإنسان نفسه كافراً أو يهودياً أو فطحياً وليست هذه مجرد تسمية لفظية بل هي تسمية معنوية ونسبة دينية يترتب عليها مفاسد كلية) ([438]).
غير أن هذا النفور الذي تعكسه الروايات والنصوص الشيعية في موقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تجاه الصوفية، لم يمنع بعض عرفاء الشيعة وهو السيد حيدر الآملي (المتوفى بعد سنة 787هـ) من أن يرى أن المسألة في واقعها ليست قضية لفظية، وأن الأجدر بالقرب من الأئمة (عليهم السلام) هو من عرف أسرارهم واطلع على بواطن كلماتهم وإن كان متسمياً بالصوفي، وفي حقيقة الأمر أنه لا فرق عند «حيدر الآملي» بين الشيعي والصوفي (… مأخذهم واحد ومشربهم واحد، ومرجعهم إلى واحد، لأن مرجع جميع الشيعة ليس إلاّ إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وبعده إلى أولاده وأولاد أولاده (عليهم السلام) وهو مأخذهم ومشربهم ومسند علومهم ومرجع أصلهم. وكذلك الصوفية الحقة، لأنهم أيضاً لا يسندون علومهم، ولا ينسبون حرقتهم إلاّ إليه، وبعده إلى أولاده وأولاد أولاده (عليهم السلام) واحداً بعد واحد، لأن نسبتهم إمّا إلى كميل بن زياد النخعي (رضي اللَّه عنه) وهو تلميذه الخاص ومريده الخالص، وأمّا إلى الحسن البصري وهو أيضاً من أعظم تلامذته وأكبر مريديه، وأمّا إلى جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) الذي هو من أولاد أولاده (عليهم السلام) وهو أيضاً خليفته ووصيه والإمام المعصوم المنصوص من عند اللَّه)([439]).
ومن هنا فلا ينبغي للشيعي أن يذم الصوفية، كما لا ينبغي للصوفي أن يذم الشيعة (لأنهم ليسوا غيره بالحقيقة، لأنهم قائمون بالظواهر، كما هو قائم بالبواطن. فكل واحد منهما عند التحقيق محتاج إلى الآخر، وإن لم يعرف صاحبه، لأن كل ظاهر لم يكن مستنداً إلى الباطن، فهو كُفر، وكل باطن لم يكن متمسكاً بالظاهر، فهو زندقة، كما هو مقرر عند أهل اللَّه تعالى) ([440]).
وهذا التوافق الذي يراه «الآملي» بين الشيعة والصوفية باعتبارهما مظهرين لحقيقة واحدة يدفعه لكتابة مؤلفه «جامع الأسرار ومنبع الأنوار» (مبنياً على قاعدة الموحدين، المحققين من أهل اللَّه، المسمين بالصوفية، موافقاً لمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، مطابقاً لأصول كل واحد منهم وقواعدعم، بحيث يرتفع به التنازع من بينهم بالكلية، ولا يحتاجون بعده إلى كتاب آخر فيه)([441]).
ويتوجه «حيدر الآملي» أثناء محاولته التوفيقية هذه بين الشيعة والصوفية إلى إشكال أساسي يعترضه وهو (إن قيل: إن الصوفية على طريقة «أهل السّنة» وأصولهم وقواعدهم، فكيف جعلتهم «شيعيين» حقيقيين؟ أجيب عنه بأن الصوفية وإن كانت فرقاً كثيرة، مثل الشيعة، لكن الفرقة الحقة منها واحدة، وهي الفرقة الموصوفة بهذه الأوصاف، أي بحمل أسرارهم على ما ينبغي، والإيمان بهم (يعني بالأئمة (عليهم السلام)) ظاهراً وباطناً([442]).
وفي نهاية المطاف يلتفت «الآملي» إلى من يدور تقييمهم للأفكار على أساس التسميات والألفاظ، فيرفضون إطلاق اسم «الصوفية» على أهل اللَّه الحاملين لأسرار الأئمة (عليهم السلام) فيقول: (فحينئذ، إن ثقل عليك إطلاق اسم الصوفية عليهم، فبأي اسم شئت سمهم، لأن المضايقة (يعني الخلاف الحقيقي) ليس في الاسم فقط، بل في المسمى الذي هو المعنى المخصوص والسر المعلوم، أعني: معنى التوحيد وسر الوجود.
ومع ذلك لو عرفت معنى التصوف وسبب تسميتهم بهذا الاسم، لما استنكفت من اسمهم ولا من طريقتهم لأن التصوف عبارة عن التخلق بالأخلاق الإلهية قولاً وفعلاً وعلماً وحالاً. وأي كمال يكون أعظم منه؟ وبالحقيقة ما كانت بعثة الأنبياء والرسل، وتعيين الأولياء والأوصياء بأجمعهم، إلاّ للأمر بتحصيل ذلك، كما هو معلوم لأرباب الأصول. ويشهد بذلك رياضاتهم ومجاهداتهم، وتركهم اللذات الدنيوية والأخروية، ورجوعهم إلى الفناء، وتركهم إضافة شيء إلى أنفسهم، وغير ذلك من الأوصاف الحميدة والأخلاق الجميلة) ([443]).
ومما ينبغي الإشارة إليه أن «حيدر الآملي» هذا قد اشتهر بـ«الصوفي» بين المترجمين له. وفيه يقول صاحب «رياض العلماء وحياض الفضلاء»: (السيد حيدر بن علي بن حيدر بن علي العلوي الحسيني الآملي المازندراني الصوفي المعروف بالآملي.
كان من أفاضل علماء الصوفية، وقد كان إمامي المذهب)([444]).
ثم يضيف قائلاً: (وقد ذكره القاضي نور اللَّه في مصائب النواصب، وقال في مدحه: إنه من أصحابنا الإمامية المتألهين، وأنه السيد العارف المحقق الأوحدي، وأنه من علماء الشيعة، وله كتاب جامع الأسرار ومنبع الأنوار وشرح الفصوص.
وقال فيه أيضاً: إن مشايخ الصوفية قد كانوا في الشيعة كالسيد حيدر الآملي، صاحب كتاب جامع الأسرار ومنبع الأنوار وشارح الفصوص المسمى شرحه بفص الفصوص، الذي هو من أكابر الشيعة، بل ادعى السيد حيدر المزبور فيه أن الصوفي الحقيقي لا يكون إلاّ شيعياً([445]).
وبعد هذا البيان حول الموقف من مصطلحات «التصوف ـ الصوفي ـ المتصوفة» في الوسط الشيعي، نستطيع القول أن مثل هذه الألفاظ وإن كانت ممجوجة وغير مستساغة في هذا الوسط، ولا سيّما بملاحظة الموقف السلبي الذي تبناه الأئمة (عليهم السلام) بشكل عام تجاه متصوفة زمانهم وتجاه التسمية بـ«الصوفي» أو «الصوفية»، إلاّ أننا يمكننا الجزم بأن موقف الأئمة (عليهم السلام) وموقف علماء الشيعة من بعدهم من التصوف لم يكن أسير الألفاظ بقدر ما كان موقفاً من الملابسات التي يوحي بها إطلاق اللفظ، والتي اقترنت باللفظ اقتراناً وثيقاً، وكانت في الغالب تمثل وجهاً من أوجه الانحراف عن تعاليم ومتبينات مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
ومهما يكن من أمر فإن تجليات «التشيع الروحي» انعكست بصورة جلية في كلمات وأحوال ومواقف المتصوفة، وكان «العمق الروحي» الذي تمتع به التشيع يلهم على الدوام متصوفة السُّنة وعرفاء الشيعة على السواء. ولا أعتقد أن أحداً يستطيع المجادلة في أن التجربة الروحية في الإسلام بشكل عام مدينة للتشيع مهما تكن التسميات التي تسمى بها رجالها ومهما تكن لألفاظ التي أطلقوها على أنفسهم أو أطلقت عليهم.
رابعاً: الباطنية:
الباطنية تسمية أطلقت لتوحي باتجاه يتجاوز الوقوف عند ظواهر الأشياء والكلمات، وشاع إطلاقها في تاريخ الإسلام على عدة فرق دينية تتسم بالسرية وغموض معتقداتها الدينية، مع اختلاف في مستويات السرية والغموض، وأهم تلك الفرق: الإسماعيلية والقرامطة.
ومما لا ينبغي إغفاله أن مصطلح «الباطنية» أضحى مع مرور الزمن ذا مدلول سياسي واجتماعي تستخدمه بعض الأطراف لتشويه سمعة أطراف أخرى تختلف معها في اتجاهاتها الدينية والعقيدية.
والشهرستاني في «الملل والنحل» يقول في تعريف الباطنية: (وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطناً، ولكل تنزيل تأويلاً، ولهم ألقاب كثيرة سوى هذه على لسان قوم وقوم، فبالعراق يسمون الباطنية والقرامطة والمزدكية، وبخراسان التعليمية والملحدة، وهم يقولون نحن إسماعيلية لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الاسم وهذا الشخص)([446]).
والكلمة الجامعة في «الباطنية» إنها (لقب عام مشترك تندرج تحته مذاهب وطوائف عديدة، الصفة المشتركة بينها هي تأويل النص الظاهر بالمعنى الباطن تأويلاً يذهب مذاهب شتى، وقد يصل التباين بينها حدّ التناقض الخالص فهو يعني أن النصوص الدينية المقدسة رموز وإشارات إلى حقائق خفية وأسرار مكتوبة، وأن الطقوس والشعائر، بل الأحكام العلمية هي الأخرى رموز وأسرار، وأن عامة الناس هم الذين يقنعون بالظواهر والقشور، ولا ينفذون إلى المعاني الخفية المستورة التي هي من شأن أهل العلم الحق، علم الباطن) ([447]).
وأهم فرقة إسلامية تتميز إلى يومنا هذا بالولوع بالتفسيرات الباطنية للحقائق الدينية هي الإسماعيلية، وتتخذ الإسماعيلية موقفاً من الشريعة يقوم على أنه (يجب على من يريد الاندماج في سلك الإسماعيلية أن يزيح عن بصره الحجب المادية التي تغشى الشريعة، وذلك بأن يرتقي إلى معرفة تتناهى في السمو والدقة وأن يسمو إلى عالم الروحانية المحضة، لأن الشريعة عندهم ما هي إلاّ واسطة تهذيبية ووسيلة تربيبية، ذات قيمة نسبية وأهمية عرضية وقتية. وهي تصلح لقوم لم يكتمل نضجهم بعد، وهي رمز يتحتم البحث عن كنهه الحقيقي في الخير الروحي الذي تدأب الشريعة له وتسعى إليه).
ورغم أن كل أو أغلب الفرق الباطنية وبالأخص الإسماعيلية ألهمت بالتجاوز على الشريعة وإباحة المحرمات وتفسير ظواهر الشريعة بتفسيرات باطنية لا شاهد عليها من العقل أو الشرع، إلاّ أننا نجد أن المحققين يعزون هذه الاتهامات إلى دوافع سياسية مبرئين بعض هذه الفرق من تلك الاتهامات فها هو «مصطفى غالب» الكاتب الإسماعيلي المعاصر يبرر التشويهات التي ألصقت بالإسماعيلية بأنها من طرف الخلافة العباسية التي واجهتها الإسماعيلية بالعداء ومحاولات الخروج عليها فيقول: (ولما شعرت الخلافة العباسية التي كانت تجوز مرحلة اضطراب وضعف، ويتعاقب في خلافتها عدة من الخلفاء الضعاف، أقول شعرت بخطر الحركة الإسماعيلية الداهم فوكلت رؤساء الدين وأصحاب المقالات الدينية بالطعن بمبادىء هذه الحركة والافتراء عليها بالأكاذيب، ولينعتوا مذهبها ونظامها بالإباحية والزندقة والإلحاد والخروج عن الدين الإسلامي الحنيف، ويطعنوا أيضاً بنسب أئمة هذه الحركة ويحرضوا عليهم أصحاب الجهل وأهل التعصب) ([448]).
ومن كلمات الكاتب المذكور في بيان أصول العقيدة الإسماعيلية التي تخالف ما اشتهر عنها بين مؤرخي الفرق، قوله: (فالعقيدة الأساسية الجامعة للإسماعيلية تترسخ في حقائق ثابتة هي:
1 ـ العبادة العملية (أي علم الظاهر): وهو ما يتصل بفرائض الدين وأركانه.
2 ـ العبادة العلمية (أي علم الباطن): من تأويل، ومُثل عليا للتنظيمات الاجتماعية، ومُثل عليا للإدارة السياسية. وكل هذه النقاط تعتبر من صميم العقائد، تتداخل مع بعضها تداخلاً كلياً، وتعتمد كل واحدة على الأخرى، فهم يقولون بالباطن والظاهر معاً، وذهبوا إلى تكفير من اعتقد بالباطن دون الظاهر، أو بالظاهر دون الباطن. وفي ذلك يقول الداعي المؤيد في الدين:
«من عمل بالباطن والظاهر معاً فهو منا، ومن عمل بأحدهما دون الآخر، فالكلب خير منه وليس منا»([449]).
ويؤكد «مصطفى غالب» استناد الإسماعيلية في قولهم بالتأويل إلى أدلة عقلية مستخلصة من القرآن، فيقول: (ولهم أدلة عقلية على وجوب التأويل استقوها من القرآن الكريم، فذهبوا إلى أن مثالة الذين تؤخذ من خلقة السماوات والأرض، وتركيب الأفلاك، وجميع ما يتأمل مما خلقه اللَّه، فقد ركزت في المخلوقات كل معاني الدين الذي حمله القرآن الكريم، فآيات القرآن إذاً في حاجة إلى من يستنبط كنوز هذه المعاني، واستناداً لهذه الطريقة، أوجدوا نظرية المثل والممثول، والباطن والظاهر، وجعلوا الظاهر يدل على الباطن، وسموا الباطن ممثولاً، والظاهر مثلاً)([450]).
هذا الغموض الذي يكتنف النظرية الإسماعيلية والتشويهات التي ألصقت بها ظلماً تدلنا على مدى الغموض والإبهام الذي يحيط محاولات التوصل إلى حقيقة إحدى أشهر الفرق الباطنية في تاريخ الإسلام وإذا كان الأمر بالنسبة إلى الإسماعيلية هكذا فكيف يكون حال الباحث حيال الفرق الباطنية المغمورة والتي لا تجاهر بنشر ما يمكن أن يفصح عن حقيقة معتقداتها؟.
وأمام هذه المشكلة لا نجد محيصاً من أجل إبراز الصورة الواقعية التي تحكم العلاقة بين المعتقد الشيعي والباطية على وجه العموم والتي تحكم العلاقة بين التشيع الروحي والباطنية على وجه الخصوص من بيان الحقائق التالية:
الحقيقة الأولى: إن التشيع كما كان له وجهة نظره في التأويل والرمز والباطن، فإن له وجهات نظر في علوم ومعارف كالفقه والأصول وعلوم العربية لا يستقيم العامل معها إلاّ على ضوء المنهج الظاهري ـ إذا صح التعبير ـ في الفهم والتفسير، ومن هنا يتضح لنا الخطأ المتكرر الذي ارتكبه «الدكتور محمد عابد الجابري» في ثنايا مشروعه «نقد العقل العربي» حينما اختزل التشيع في العرفان والباطنية ولم تتجاوز نظرته للتشيع هذه الزاوية التي لا يمكن أن ينظر للتشيع من خلالها، ولذا (فإن باحثنا يرتكب خطأ منهجياً في تصنيفه للتشيع. إذ هو يدرجه إلى جانب التصوف والكيمياء والتنجيم. ويجعل منه نظاماً معرفياً، ولكن، ليس التشيع مجرد ميدان علمي ولا هو مجرد فرع من فروع الثقافة الإسلامية. وإنما هو كالتسنن، فرقة ومذهب، وهو مقالة ومنطوق، وهو اجتهاد وتأويل: إنه «عقل» كما قال الجابري، بل الأحرى القول أنه وجهة نظر تجلت في مختلف فروع الثقافة الإسلامية ومجالاتها، في الفقه والحديث وفي التفسير والكلام، وفي التصوف والفلسفة ولذا فإنه من الخطأ أن ينظر إلى التشيع أو إلى التسنن بوصفهما نظامين معرفيين لا غير. ففي التشيع، كما في التسنن، بيان وعرفان وبرهان، إذا كان لنا أن نأخذ بمصطلحات الجابري، وليس العرفان حكراً على الشيعة من دون أهل السُنة).
الحقيقة الثانية: إن الشيعة رغم أنها كانت ترفض تعطيل القرآن والجمود على ظواهره، إلاّ أن موقفها هذا لم يكن يعني بحال من الأحوال أن لا قيمة لظواهر القرآن بشكل خاص ولظواهر النص الديني بشكل عام، وقد تبنى علماء الشيعة موقف الدفاع عن ظواهر القرآن وإثبات حجيتها، وذلك (أن النبي(ص) لم يخترع لنفسه طريقة خاصة لإفهام مقاصده، وأنه كلم قومه بما ألفوه من طرائق التفهيم والتكلم وأنه أتى بالقرآن ليفهموا معانيه، وليتدبروا آياته فيأتمروا بأوامره، ويزدجروا بزواجره وقد تكرر في الآيات الكريمة ما يدل على ذلك)([451]).
ويستدل «الخوئي» المرجع الديني المعاصر للشيعة (توفي سنة 1413هـ/ 1992م) على حجية ظواهر الكتاب الكريم، قائلاً: (ومما يدل على حجية ظواهر الكتاب وفهم العرب لمعانيه:
1 ـ أن القرآن نزل حجة على الرسالة، وأن النبي(ص) قد تحدى البشر على أن يأتوا ولو بسورة من مثله، ومعنى هذا أن العرب كانت تفهم معاني القرآن من ظواهره، ولو كان القرآن من قبيل الألغاز لم تصح مطالبتهم بمعارضته، ولم يثبت لهم إعجازه، لأنهم ليسوا ممن يستطيعون فهمه وهذا ينافي الغرض من إنزال القرآن ودعوة البشر إلى الإيمان به.
2 ـ الروايات المتظافرة الآمرة بالتمسك بالثقلين الذين تركهما النبي في المسلمين، فإن من البين أن معنى التمسك بالكتاب هو الأخذ به، والعمل بما يشتمل عليه، ولا معنى له سوى ذلك.
3 ـ الروايات المتواترة التي أمرت بعرض الأخبار على الكتاب، وأن ما خالف الكتاب منها يضرب على الجدار، أو أنه باطل، أو أنه زخرف، أو أنه منهي عن قبوله، أو أن الأئمة لم تقله، وهذه الروايات صريحة في حجية ظواهر الكتاب، وأنه مما تفهمه عامة أهل اللسان العارفين بالفصيح من لغة العرب. ومن هذا القبيل الروايات التي أمرت بعروض الشروط على كتاب اللَّه ورد ما خالفه منها.
4 ـ استدلالات الأئمة (عليهم السلام) على جملة من الأحكام الشرعية وغيرها بالآيات القرآنية([452])، ثم أورد جملة من هذه الاستدلالات.
وفي مقام توضيح المراد من تفسير القرآن، يقول الخوئي: (التفسير هو إيضاح مراد اللَّه تعالى من كتابه العزيز، فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنون والاستحسان، ولا على شيء لم يثبت أنه حجة من طريق العقل، أو من طريق الشرع، للنهي عن أتباع الظن، وحرمة إسناد شيء إلى اللَّه بغير إذنه…)([453]).
ويقول أيضاً: (ولا بدّ للمفسر من أن يتبع الظواهر التي يفهمها العربي الصحيح «فقد بينا لك حجية الظواهر» أو يتبع ما حكم به العقل الفطري الصحيح فإنه حجة من الداخل كما أن النبي حجة من الخارج، أو يتبع ما يثبت عن المعصومين (عليهم السلام) فإنهم المراجع في الدين، والذين أوصى النبي(ص) بوجوب التمسك بهم، فقال: إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً…)([454]).
وبالإضافة إلى تدليل علماء الشيعة على حجية ظواهر الكتاب العزيز فإنهم طرحوا مبحث حجية الظواهر بشكل عام في كتبهم الأصولية، وكتاباتهم في هذا المجال تشهد على مدى التطور الهائل الذي أحرزه علم الأصول عند الشيعة، ومن أراد أن يستوضح رأي الشيعة في حجية الظواهر فعليه بمراجعة كتبهم ومؤلفاتهم الأصولية فإنها صريحة في إثبات ذلك([455]).
الحقيقة الثالثة: إننا لنستطيع أن نجزم بلا أي تردد بأن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا أول من اعتنى بقضية «الباطن» واعتبرها مسألة في غاية الخطورة يهدد التعامل الخاطىء معها بتضييع جوهر الإسلام وتحويله إمّا إلى عقيدة ظاهرية جامدة، وإمّا إلى رؤية باطنية متحللة، وهذا ما يمكننا إدراكه من خلال استعراض المواقف التالية لأئمة أهل البيت (عليهم السلام).
1 ـ موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من المجادلة بالقرآن حينما بعث ابن عباس لمحاججة الخوارج، إذ يقول له: (لا تخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمال ذو وجوه تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسُّنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً)([456]).
وهذا الأمر لا يعني أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يريد أن يبعد القرآن عن مهمة الاستنجاد به في مواجهة الأفكار الضالة ورد الدعاوى الباطلة، وكيف يريد ذلك وهو الذي يقول عن القرآن في خطبة له: (وبرهاناً لمن تكلم به، وشاهداً لمن خاصم به، وفلجاً لمن حاج به)([457])، وإنما كان علي (عليه السلام) يعتقد أن الطرف المقابل لا يمكنه أن يدخل في حوار منتج من خلال القرآن لأنه يعتقد في نفسه القدرة على فهم القرآن وإدراك معانيه، مع أن واقعه يدل بكل وضوح على مخالفته لهذا القرآن علماً وعملاً، ولذا يقول (عليه السلام) في كلام له: (ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه)([458]).
فالمشكلة كانت تكمن إذن في عدم قدرة كل شخص على النطق والتحدث باسم القرآن، وإن كانت مهمة التحدث باسم القرآن والنطق عنه مهمة لا بدّ منها كي لا يبقى القرآن معطلاً لا ينتفع به الناس، ولذا يقول (عليه السلام): (هذا القرآن هو خط مستور بين الدفتين، لا ينطق بلسان، ولا بدّ له من ترجمان، وإنما ينطق عنه الرجال)([459]).
2 ـ موقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من تأويل القرآن وتفسيره بلا علم ولا دليل، وقد عرف ذلك بالتفسير بالرأي، وفي ذلك يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (من فسر برأيه آية من كتاب اللَّه فقد كفر)([460])، وفي حديث آخر يقول: (من فسر القرآن برأيه إن أصاب لم يوجد، وإن أخطأ فهو أبعد من السماء)([461]).
ومما لا شكّ فيه أن استخراج الوجوه والتأويلات الباطنية ونسبتها إلى القرآن من دون دليل معتمد لا يخرج عن التفسير بالرأي.
3 ـ موقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من لزوم وجود قيم على القرآن ينطق عنه ويفهم تأويله ويعي حقائقه ويدرك بواطنه، ولم يكن هذا القيم في اعتقاد الأئمة (عليهم السلام) إلاّ هُم أنفسهم باعتبارهم عدلاً للقرآن كما دل عليه حديث الثقلين المتواتر بين جميع المسلمين. وفي بعض خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) نجد أنه يبرر حربه للآخرين بالرغبة في الدفاع عن حقائق الإسلام التي طرأ عليها التأويل المنحرف. فيقول: (ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج، والشبهة والتأويل)([462]).
ومن خلال هذه المواقف استطاع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن يحفظوا للقرآن موقعه الخاص في فكر وثقافة المسلم من دون أن يعطلوا دوره في الحياة من خلال الوقوف عند ظواهره فقط، ومن دون أن يجعلوه عرضة للتفسيرات الباطلة من خلال فتح باب القول بالباطن على مصراعيه لكل أحد.
الحقيقة الرابعة: قد يبرر البعض نسبة التشيع إلى الباطنية من خلال ما يوحيه التأمل في مقولاته العرفانية والفلسفية والتي كثيراً ما تتطابق مع التصورات الفلسفية التي شيدتها المذاهب الباطنية القديمة كالهرمسية والأفلاطونية المحدثة، وهذا ما يؤكده البعض بضرس قاطع حينما يكرر القول بأن الشيعة أول من تهرمس في الإسلام([463]).
وتجذر هذه المقولة من خلال التأكيد على دور«هشام بن الحكم» المتكلم الشيعي المعروف في صياغة نظريات التشيع العقائدية والكلامية والفلسفية، وهو المعروف بتأثره بالفكر الهرمسي الباطني واقتباسه منه، وفي ذلك يقول الجابري: (أما المصدر الذي كان يغرف منه هشام بن الحكم)([464]) و(لقد نقل عنه مؤرخو الفرق آراء ونظريات ذات أصل هرمسي واضح، كما أشار بعضهم إلى تأثره بالديصانية وأخذه عنها، والديصانية فرقة غنوصية معروفة تنسب إلى ديصان، أو برديصان، الذي ظهر في القرن الثالث الميلادي بمذهب عرفاني كان عبارة عن أمشاج من الأفلاطونية المحدثة والفيثاغورية الجديدة والرواقية المتأخرة، وبالتالي يلتقي مع الهرمسية في مجمل فلسفتها الانتقائية. ولا بدّ من الإشارة إلى جانب ذلك كله إلى ما هو معروف من رواج الموروث الهرمسي في حاشية جعفر الصادق نفسه الذي ينسب إليه أنه كان على علم بالكيمياء وعلوم الأسرار وأن جابر بن حيان تتلمذ عليه)([465]).
ومن هذه الفكرة انطلق الجابري لا ليوازي بين التشيع والهرمسية فحسب، بل ليوازي ـ وبكل صلافة ـ بين التشيع والمانوية([466])، تلك العقيدة الفاسدة التي يقول عنها الجابري نفسه: (بالفعل لقد روجت المانوية، داخل المجتمع الإسلامي، لعقيدة تتعارض تماماً مع الإسلام ديناً ودولة. لقد روجت لعقيدة تقول بأن العالم نشأ من امتزاج النور بالظلمة وهما معاً قديمان، وهذا يمس مساً جوهرياً بمبدأين أساسيين في العقيدة الإسلامية: وحدة الخالق من جهة والخلق من عدم من جهة ثانية. ومن ناحية أخرى ركزت المانوية على أن الخلاص (= تخليص النور من الظلمة = إنقاذ البشرية من الشرور والآلام) إنما يكون بـ«التطهير» الذي طريقه الزهد في الدنيا وقمع الشهوات، وهدفه الاتصال باللَّه مباشرة. وفي هذا إنكار للنبوة، أو على الأقل استغناء عنها)([467]).
وأمام هذه الدعوى التي تقايس بين التشيع وبين الباطنية بمختلف تياراتها واتجاهاتها على أساس مبدء المماثلة والتشابه بين الاثنين في الرؤية الفلسفية والعرفانية، لا نجد بداً من تسجيل الملاحظات التالية:
الملاحظة الأولى: إننا حينما نريد تقييم الأفكار والمعتقدات علينا أن لا ننغلق على ذواتنا، وأن لا ننطلق في رفض أو قبول الفكرة على أساس التصنيفات العقيمة التي نؤمن بها مسبقاً، والتي تدرج الفكرة بلا تأمل فيها ضمن هذه الفئة من الأفكار أو تلك لمجرد كونها تلتقي مع الفئة المدرجة في ضمنها في بعض ألفاظها أو تعبيراتها أو أفكارها أو لكونها تعالج موضوعاً واحداً. ومن هنا هل يحق لنا أن ندرج التشيع بكل متبنياته العقائدية والسياسية والفقهية و… و… ضمن هذه المقولة الباطنية أو تلك لأنه يلتقي معها في موضوع واحد تمت معالجته وإبداء الرأي فيه من كلا الطرفين؟ أو لأنه يتفق مع تلك المقولة الباطنية في قليل أو كثير من أفكارها؟ وهل يصح لنا أن ندعي بأن التشيع صدر عن الهرمسية أو الأفلاطونية أو المانوية لأنه استخدم بعض الألفاظ والتعبيرات التي استخدمتها هذه المذاهب؟
إذا كان يصح للجابري أن يوازي بين الرؤية الهرمسية للعالم وبين ما قيل عن بعض من قالوا عن رؤية شيعية تتحدث عن بدء خلق الرسول والأئمة (عليهم السلام) لمجرد كون الرؤيتين تتحدثان عن بداية الخليقة وأن مبدأها النور([468])، وهو ما يصحح له القول بصدور الثانية عن الأولى، فإن ذلك يبرر لكل باحث عقيم التفكير أن يدعي أن كل تراثنا الإسلامي الذي يتحدث عن «فكرة النور» هو تراث هرمسي، بما في ذلك القرآن الكريم الذي يورد لفظ «النور» ومشتقاته في أكثر من خمسين آية من آياته البينات، وأهمها آية النور وهي قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} (النور 35).
وأيضاً سيكون من اللازم علينا أن نقول إن إيحاءات هذه الآية الكريمة لابن سينا في رسالته «في إثبات النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم»([469])، وللغزالي في «مشكاة الأنوار ومصفاة الأسرار»([470]) هي بفعل التأثر بالموروث الهرمسي القديم لأن مدار البحث فيهما عن حقيقة النور انطلاقاً من فهم آية النور المتقدمة.
وينبغي لنا أيضاً ـ على ضوء هذا المنطق ـ أن نلغي كل أصالة لفلسفة الإشراق السهروردية بإرجاعها إلى فكرة الأنوار في الديانة الزرادشتية كما سعى إلى ذلك «هنري كوربان» في كتابه «تاريخ الفلسفة الإسلامية»([471])، مع (أن آية النور ومحاولات تفسيرها وتطبيقها على مقولات الفيض والإفاضة والعلية سبقت شيخ الإشراق بوقت طويل، ولذا فلا معنى لربط «فلسفة الإشراق» عند السهرودي بأفكار الزرادشتية في النور والنار)([472]).
الملاحظة الثانية: إذا كانت الرؤية الهرمسية أو غيرها من الرؤى الباطنية تفيض في الحديث عن بداية الخليقة وكيفية خلق السماوات والأرض، ونظام الكواكب والنجوم والأفلاك وتأثيراتها المتبادلة، فإننا نجد أن هذه القضية كانت الشغل الشاغل لكل المتفلسفين والباحثين في حقيقة الوجود، وإن اتسمت بعض الفلسفات القديمة والمتأخرة بالإغراق في البحث عن هذه الأمور ربما يكون له مبرراته الموضوعية من حيث أن الفترة الزمنية التي نشأت فيها تلك الفلسفات كان البحث عن هذه الأمور يشغل فيها ركناً أساسياً من أركان البحث الفلسفي، فلم يكن بالإمكان تجاوزها أو التقليل من شأنها، مع أننا نجد أن كلمات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في نهج البلاغة تطفح بالحديث عن عالم الخلقة والنظام الذي يحكم هذا العالم، في الوقت الذي كانت هذه الكلمات قد أنشئت في وقت متقدم عن ظهور الهرمسية وغيرها من المذاهب الباطنية وانتشارها في العالم الإسلامي.
ففي الخطبة الأولى من «نهج البلاغة» نجد حديثاً مستفيضاً عن خلق السماوات والأرض والملائكة وآدم حيث يقول: (أنشأ الخلق إنشاءً، وابتدأه ابتداءً، بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فيها. أحال الأشياء لأوقاتها، ولاءم بين مختلفاتها، وغرّز غرائزها، وألزمها أشباحها، عالماً بها قبل ابتدائها، محيطاً بحدودها وانتهائها، عارفاً بقرائنها وأحنائها. ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء، وشق الأرجاء، وسكائك الهواء، فأجرى فيها ماءً متلاطماً تياره، متراكماً زخاره. حمله على متن الريح العاصفة، والزعزع القاصفة، فأمرها برده، وسلطها على شده، وقرنها إلى حده، الهواء من تحتها فتيق، والماء من فوقها دفيق، ثم أنشأ سبحانه ريحاً أعتقم مهبها، وأدام مربها، وأعصف مجراها، وأبعد منشأها، فأمر بتصفيق الماء الزخار، وإثارة موج البحار، فمخضته مخض الشقاء، وعصفت به عصفها بالفضاء، ترد أوله إلى آخره، وساجية إلى مآثره، حتى عب عبابه، ورمى بالزبد ركامه، فرفعه في هواء منفتق، وجو منفهق، فسوى منه سبع سموات، جعل سفلاهن موجاً مكفوفاً، وعلياهن سقفاً محفوظاً، وسمكاً مرفوعاً، بغير عمد يدعمها، ولا دسار ينظمها. ثم زينها بزينة الكواكب، وضياء الثواقب، وأجرى فيها سراجاً مستطيراً، وقمراً منيراً في فلك دائر، وسقف سائر. ورقيم مائر….. إلخ)([473]).
فهل يا ترى نستطيع القول أن علياً (عليه السلام) كان يصدر في خطبته هذه وغيرها من خطبه التي اعتنت بشرح حقائق الوجود، من رؤية هرمسية غنوصية؟!
وفي هذا السياق يمكننا أيضاً أن نضع آراء جابر بن حيان تلميذ الإمام الصادق (عليه السلام) في الكيمياء وعلوم الطبيعة. ولو سلمنا أن جابراً تأثر بباطنية هرمس، فإنه أيضاً كان فيلسوفاً يصطنع جدل الفلاسفة بالإضافة إلى كونه عالماً يؤسس علمه على مشاهدات وتجارب)([474]).
ولم يكن «هرمس» الأعلى إذ (هو يصرح بما يفيد أن مثله الأعلى من بين الفلاسفة الأقدمين هو سقراط، إذ يصفه بأنه: «أبو الفلاسفة وسيدها كلها» كما يقول عنه في موضع آخر: إنه مثال الإنسان المعتدل، مع تعريفه للشخص المعتدل بأنه هو الذي يستخرج الأشياء بطبعه، ويقع له العلم بالبديهة في أول وهلة)([475]).
ولم يقتصر اهتمام جابر على علم الكيمياء الذي كان يعد في وقته قريباً من علوم السحر والكهنة، بل لقد أبدى جابر آرائه في تسعة وثلاثين علماً كما يشير إلى ذلك الدكتور زكي نجيب محمود في دراسته عن جابر بن حيان([476]).
بل أن لجابر موقفاً من اللغة وعلاقتها بعالم الأشياء (وهو موقف جد شبيه بفرع من فروع المنطق الحديث الذي يأخذ به “فتجنشتين” و”برتراند رسل” وغيرهما من فلاسفة التحليل في عصرنا الحاضر، ومؤداه أن كلمات اللغة هي ضرب من التصوير، بل أنها قد كانت تصويراً فعلياً في بعض الكتابات القديمة)([477]).
وبالنسبة إلى المانوية التي يقول عنها الجابري أنها والتشيع من طبيعة واحدة، وهي التي تقول بأن العالم نشأ من امتزاج النور والظلمة وهما قديمان فإن جابر بن حيان يبطل هذا القول ولا يرى أن بالإمكان أن يكون هذا العالم مزيجاً من كونين قديمين لم يكن في الوجود سواهما، أو أنه حدث نتيجة امتزاج العناصر بعضها ببعض([478]).
ولا أدري كيف يسمح باحث عاقل لنفسه وهو الذي يزعم أنه يتبنى «العقلانية» كمنهج ورؤية في كل أفكاره، أن يماثل بين عقيدة تصطدم أفكارها بمبدأين أساسيين في العقيدة الإسلامية وهما: وحدة الخالق من جهة والخلق من عدم من جهة أخرى([479])، وبين التشيع القائم على التوحيد الخالص للَّه، وإثبات نقيض هاتين المقولتين تماماً، وقد روى في «الكافي» عن محمد بن زيد قال: جئت إلى الرضا (عليه السلام) أسأله عن التوحيد فأملى علي: الحمد للَّه فاطر الأشياء إنشاء، ومبتدعها بتداعاً بقدرته وحكمته، لا من شيء فيبطل الاختراع ولا لعلة فلا يصح الابتداع، خلق ما شاء كيف شاء، متوحداً بذلك لإظهار حكمته وحقيقة ربوبيته لا تضبطه العقول ولا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأبصار ولا يحيط به مقدار، عجزت دونه العبارة وكلت دونه الأبصار وضل فيه تصاريف الصفات، احتجب بغير حجاب محجوب واستتر بغير ستر مستور، عرف بغير رؤية ووصف بغير صورة ونعت بغير جسم، لا إله إلا اللَّه الكبير المتعال([480]).
وروى في «الكافي» أيضاً عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حواره مع الزنديق الذي يقول بالاثنين ـ أي أن المبدأ الأول الموجود بذاته اثنان ـ أنه قال في رده: لا يخلو قولك: إنهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين أو يكونا ضعيفين أو يكون أحدهما قوياً والآخر ضعيفاً، فإن كانا قويين فلم لا يدفع كل منهما صاحبه ويتفرد بالتدبير وإن زعمت أن أحدهما قوي والآخر ضعيف ثبت أنه واحد كما نقول للعجز الظاهر في الثاني، فإن قلت: إنهما اثنان، لم يخل من أن يكونا متفقين من كل جهة أو مفترقين من كل جهة، فلما رأينا الخلق منتظماً، والفلك جارياً، والتدبير واحداً، والليل والنهار والشمس والقمر دلّ صحة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أن المدبر واحد. ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما حتى يكونا اثنين فصارت الفرجة ثالثاً بينهما قديماً معهما فيلزمك ثلاثة، فإن ادعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين حتى يكون بينهم فرجة فيكونوا خمسة ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة…»([481]).
وأمّا محاولة انكسار النبوة أو الاستغناء عنها التي يعتبرها الجابري من النتائج الخطيرة المترتبة على فكرة المانوية في التطهير وتخليص النور من الظلمة من خلال الزهد في الدنيا وقمع الشهوات([482])، فلا نعتقد أن جاهلاً يمكن أن يرى أنها والتشيع يمكن أن يكونا من طبيعة واحدة فضلاً عن أي عالم، وذلك لأن من الواضح أن أية فرقة في الإسلام لم تؤكد على ضرورة الوحي والنبوة وعدم استغناء الإنسان عنهما كما أكدته الرؤية الشيعية التي تفردت بالقول بلزوم نصب الإمام عمَلاً وشرعاً، وذلك لأن الإمام يكمل دور النبي لئلا تنقطع الحجج بين اللَّه تعالى وعباده، وكما يقول الإمام علي (عليه السلام): (اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم للَّه بحجة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج اللَّه وبيناته)([483]). وإن كانت الشيعة لا تقول بأن الإمام صاحب شريعة، ولا تزعم إنه يوحي إليه كما يوحي للنبي، وإنما هو على شريعة النبي وتابع له.
الملاحظة الثالثة: وهي تتعلق بهرمسية هشام بن الحكم الذي يزعم الجابري أن الفكر الشيعي تهرمس منظومياً على يديه([484])، وأن مؤرخي الفرق نقلوا عنه آراء ونظريات ذات أصل هرمسي واضح، وأنه تأثر بالديصانية وأخذ عنها([485]).
وما نريد قوله حول هذه الدعوى:
أولاً: أن كثيراً مما نسب إلى هشام بن الحكم مشكوك في صحته، وذلك (لأن خصوم الشيعة قد جعلوا منه الثغر الذي حاربوا منه الشيعة، كل ما أمكنهم من الطعن والذم والتجريح، والتحامل وسوء القول، ونسبوا إليه الآراء المتناقضة…
ثانياً: أن ميل هشام إلى الهرمسية كرؤية فلسفية وأخذه عنها لا يتوافق مع ما ذكر من (أن هشام بن الحكم لم يكن موالياً للآراء الفلسفية ـ وخاصة اليونانية منها ـ التي كانت قد وفدت حديثاً يومذاك إلى الرقعة الإسلامية، واستأثرت باهتمام كبير من قبل ذوي الشأن والسلطنة، خاصة البرامكة وبعدهم المأمون الخليفة العباسي. فإن المترجمين لهشام يذكرون: أن حب يحيى البرمكي لهشام، وإيواءه إياه وحمايته له لم يدوما له، لأن «يحيى ابن خالد البرمكي كان قد وجد على هشام بن الحكم شيئاً، من طعنه على الفلاسفة…».
ويقولون أنه أحد الأسباب التي دعت البرمكي إلى أن يغري الخليفة هارون الرشيد بهشام.
ولهشام: «كتاب الرد على أرسطاطاليس في التوحيد».
ثالثاً: أننا لو سلمنا تأثر هشام بن الحكم بالهرمسية وأخذه عنها أو عن أي فكر آخر سواء كان الديصانية أو الجهمية كما نسب إليه أم غيرهما من أفكار ومذاهب عصره، فإن ذلك لا يعطي لهشام الدور الأول والأساس في صياغة الفكر الشيعي، وذلك لأنه من غير المعلوم أن هشاماً قد بقي على آرائه في التجسيم والجبر كما أدعي في حقه([486])، بل من المقطوع به أنه قد غير آرائه المتقدمة وتبرأ منها على فرض صحة نسبتها إليه، والذي يدل على ذلك ما تنقله المصادر الشيعية من آراء هشام في العقيدة، وهي بعيدة كل البعد عن القول بالتجسيم والجبر ومنافية لهما، وإذا صحت نسبة القول بالتجسيم والجبر إلى هشام فلربما كان ذلك في بداية شبابه وقبل تعرفه على الإمام الصادق (عليه السلام) واستكمال نضجه الفكري والعقيدي على يديه، كما يذهب إلى ذلك بعض المحققين([487]). أضف إل ذلك أن الشهرستاني في «الملل والنحل» يقول عن هشام: (وهذا هشام بن الحكم صاحب غور في الأصول لا يجوز أن يغفل عن الزاماته على المعتزلة، فإن الرجل وراء ما يلزمه على الخصم، ودون ما يظهره من التشبيه، وذلك أنه ألزم العلاف، فقال: إنك تقول الباري عالم بعلمه وعلمه ذاته، فيشارك المحدثات في أنه عالم بعلم، ويباينها في أن علمه ذاته، فيكون عالماً لا كالعالمين فلم لا تقول هو جسم لا كالأجسام، وصورة لا كالصور، وله قدر كالأقدار، إلى غير ذلك)([488])، وهذا يدل على أن هشاماً كان يستخدم بعض الألفاظ على سبيل المجادلة وإلزام الخصم لا حقيقة واعتقاداً.
ومهما يكن من أمر (فلو كانت هذه الآراء ثابتة لهشام لذكرها في كتبه، ولحكاها المترجمون له من الشيعة، وهم الذين ورثوا علمه وقرأوا كتبه التي لم تصل إلينا ولا واحد منها ـ ولجاءت الإشارة إليها في روايات الشيعة كما جاء ذكر بعض آرائه في أحاديثهم…
يضاف إلى هذا: أن ما حكاه الخصوم من آراء هشام إنما ذكروا أنه قالها عند المناظرة والجدل مع خصوم، ولم ينسبوا ولا واحدً منها إلى كتاب من كتبه، فلو كان هؤلاء الخصوم قد عثروا على أي منها في أحد كتبه لنسبوه إلى الكتاب نفسه) ([489]).
رابعاً: إنه مما ينبغي أن يتوجه إليه الباحث في أفكار الشيعة ومعتقداتهم هو أن الممثل الحقيقي للإسلام في نظر التشيع هو الإمام، فتصحيح عقيدة ما أو تخطأتها إنما يتم بلحاظ موقف الإمام منها، وتراث الشيعة يشهد بكل وضوح أن الدور الأساس لصياغة الفكر الشيعي في مختلف جوانبه ـ والتي أهمها الجانب العقيدي ـ قد اضطلع به أئمة أهل البيت (عليهم السلام) باعتبارهم مصداق العترة الطاهرة الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وجعلهم رسول اللَّه(ص) عدلاء القرآن بمقتضى حديث الثقلين الذي لا يسع أي مسلم إنكاره أو التشكيك في صحته وصدوره عن رسول اللَّه(ص).
وإذا تبين هذا.. فإن ادعاء تأثر هشام بن الحكم بالديصانية على فرض صحته لا يمكن أن يكون ذا أثر في تشكيل المعتقد الشيعي في ظل رفض الأئمة (عليهم السلام) لأفكار الديصانية، ووقوفهم منها الموقف السلبي، وهذا ما ترشدنا إليه الرواية التالية عن الإمام الصادق (عليه السلام) والتي يظهر فيها عدم توافق هشام بن الحكم مع الديصانية في أفكارهم، ففي (الكافي) عن محمد بن إسحاق قال: إن عبداللَّه الديصاني سأل هشام بن الحكم، فقال له: ألك رب؟ فقال: بلى، قال: أقادر هو؟ قال: نعم قادر قاهر، قال: يقدر أن يدخل الدنيا كلها البيضة لا تكبر البيضة ولا تصغر الدنيا؟ قال هشام: النظرة ـ أي المهلة ـ فقال له: قد أنظرتك حولاً، ثم خرج عنه فركب هشام إلى أبي عبداللَّه (عليه السلام) فاستأذن عليه فأذن له: فقال له: يا ابن رسول اللَّه أتاني عبداللَّه الديصاني بمسألة ليس المعول فيها إلاّ على اللَّه وعليك، فقال له أبو عبداللَّه (عليه السلام): عماذا سألك؟ فقال: قال لي: كيت وكيت، فقال أبو عبداللَّه (عليه السلام): يا هشام كم حواسك؟ قال: خمس، قال: أيها أصغر؟ قال: الناظر، قال: وكم قدر الناظر؟ قال: مثل العدسة أو أقل منها، فقال له: فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى، فقال: أرى سماءً وأرضاً ودوراً وقصوراً وبوادي وجبالاً وأنهاراً. فقال له أبو عبداللَّه (عليه السلام): إن الذي قدر يدخل الذي تراه العدسة أو أقل منها قادر أن يدخل الدنيا كلها البيضة لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة([490])، فأكب هشام عليه وقبل يده ورأسه ورجليه، وقال: حسبي يا ابن رسول اللَّه، وانصرف إلى منزله، وغدا عليه الديصاني فقال له: يا هشام إني جئتك مسلّماً ولم أجئك متقاضياً للجواب، فقال له هشام: إن كنت جئت متقاضياً فهاك الجواب، فخرج الديصاني عنه حتى أتى باب أبي عبداللَّه (عليه السلام) فاستأذن عليه فأذن له، فلما قعد قال له: يا جعفر بن محمد دلني على معبودي؟ فقال له أبو عبداللَّه (عليه السلام): ما اسمك؟ فخرج عنه ولم يخبره باسمه، فقال له أصحابه: كيف لم تخبره باسمك؟ قال: لو كنت قلت له: عبداللَّه كان يقول: من هذا الذي أنت له عبد، فقالوا له: عد إليه وقل له: يدلك على معبوديك ولا يسألك عن اسمك: فرجع إليه فقال له: يا جعفر بن محمد دلني على معبودي ولا تسألني عن اسمي. فقال له أبو عبداللَّه (عليه السلام): اجلس، وإذا غلام له صغير في كفه بيضة يلعب بها، فقال له أبو عبداللَّه (عليه السلام): ناولني يا غلام البيضة، فناوله إياها، فقال له أبو عبداللَّه (عليه السلام): يا ديصاني هذا حصن مكنون له جلد غليظ وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها، ولا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها، لا يدري للذكر خلقت أم للأنثى، تنغلق عن مثل ألوان الطواويس، أترى لها مدبراً؟ قال: فأطرق ملياً ثم قال: أشهد أن لا إله إلاّ اللَّه وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأنك إمام وحجة من اللَّه على خلقه وأنا تائب مما كنت فيه([491]).
خلاصة مهمة:
بعد هذا البحث الطويل والمضني في علاقة التشيع بوجه عام والتشيع الروحي بوجه خاص بالعرفان والتصوف والباطنية على مستوى المصطلح وعلى مستوى المضمون، نستطيع القول أن التشيع وإن كان يلتقي ويتقاطع مع هذه الثلاثة في بعض أفكارها وتصوراتها، إلا أنه يبقى منظومة فكرية مستقلة لها خصوصياتها ومميزاتها، ومن الخطأ أن تختزل هذه المنظومة الفكرية في العرفان أو التصوف أو الباطنية، وإن كان كل واحد من هذه الثلاثة قد يمثل وجهاً أو بعداً من وجوه وأبعاد هذه المنظومة المتكاملة ولكن ضمن مسايرته للأصول الأساسية والمبتنيات الرئيسية للتشيع.
واتضح من خلال البحث أننا نرجح استخدام مصطلح «العرفان» للدلالة على الجنبة الروحية في التشيع بشقيها النظري والعملي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن للعرفان الشيعي ـ وهو المصطلح الذي ربما كان أكثر استخداماً في بحثنا هذا ـ خصوصياته التي تميزه عن أي عرفان آخر وترفض دمجه بكل تفاصيله ومنطلقاته ضمن هذه الرؤية العرفانية أو تلك، وإن التقى معها في قليل أو كثير من أفكارها.
سيد كامل الهاشمي
من التصوف بين الشيعة([492])
بوفاة الملك الإيلخاني أبو سعيد (717 ـ 736 = 1317 ـ 1335) انفرط عقد الدولة الإيلخانية التي كانت تسيطر على جميع أنحاء إيران.
ولم تتوحد إيران بعد ذلك حتى قيام الدولة الصفوية، باستثناء فترات محدودة في حكم تيمورلنك المتوفى سنة (807 ـ 1405م) الذي توحدت إيران في عهده، وكذلك ابنه شاهر خ (807 ـ 850 = 1405 ـ 1447).
كانت تقوم في إيران دويلات مستقل بعضها عن البعض الآخر، وفي هذه الفترة المضطربة من تاريخ إيران التي فقدت فيها وجود دولة مركزية قوية، كانت كل مقاطعة من البلاد في يد سلالة من الحكام المحليين، كالإيلخانية الصغيرة والتيمورية المتأخرة، والجلائرية، وسلالات قرة قوينلو وآق قوينلو التي ظهرت على أساس اتحاد أو وحدة بين القبائل التركمانية. وإن تقطّع إيران سياسياً وانقسامها إلى مقاطعلات مختلفة أوجد جواً أكثر ملائمة لنشاطات النهضات المختلفة.
إن أغلب هذه النهضات كانت شيعية أو تأثرت بالعقائد والأفكار الشيعية. هذا الجو السياسي كان السبب في حركة الشيعة نحو التقدم حيث كانوا قد استردوا حيويتهم بعد عصر المغول وفي هذا العصر الذي كان فيه بعض الحكام المحليين في منافسة دائمة بعضهم مع البعض الآخر كانوا لأسباب سياسية يدافعون عن المذهب الشيعي وعلى أي تقدير فإن الإسماعيليين النزاريين وبعض الحركات المنتسبة للشيعة كالسربداريين وبعض المغالين أمثال الحروفية والنقطوية والمشعشعة وبعض الفرق الصوفية وجدت الآن فرصتها ومجالها لتجديد تنظيماتها وتكتلها طوال القرنين الثامن والتاسع (الرابع عشر والخامس عشر) رغم إنها كانت بين حين وآخر تلاقي التعذيب والإيذاء من قبل الحكام المحليين.
في غضون ذلك فإن الانحيازات والرغبات الشيعية التي كانت في نمو وانتشار منذ القرن السابع (الثالث عشر) في إيران، مهدت الطريق وسهلت الأوضاع والأحوال الدينية في البلاد لفعاليات ونشاطات الإسماعيليين النزاريين والحركات الشيعية السرية أو الحركات المتطرفة.
وبعد وفاة تيمور كان الناس يدعمون هذه الحركات التي كانت ذات نزعات شيعية وصوفية في المجالين الفكري والاجتماعي.
وبفضل إجراءات زعماء الطريقة الصوفية فإن التشيع أصبح في أوائل القرن العاشر (السادس عشر) عندما جلس الحكام الصفويون على عرش الملوكية في إيران ـ أصبح التشيع المذهب الرسمي في إيران. والفرق الصوفية التي تأسست في إيران بعد المغول كانت لفترة من الزمن، باقية على المذاهب السني الشافعي.
وفي الوقت نفسه كانوا من المتفانين بحب علي وبحب أهل البيت (عليهم السلام)، وكانوا يعتبرون علياً (عليه السلام) شيخ طريقتهم. وبمرور الزمان أعلنت بعض هذه الفرق الصوفية أنها شيعية ففي مثل هذا الجو المشحون بالولاء والإخلاص لعلي (عليه السلام) الذي كان سارياً في البداية بين بعض الفرق الصوفية وبعض الحركات الأخرى سرعان ما توسع أكثر فأكثر، ونتيجة لذلك بدأ تفوق العناصر الشيعية على غيرها، وفي القرن التاسع (الخامس عشر) ظهرت في إيران الأغلبية في أتباع المذهب الشيعي، في حين كانت هذه الأغلبية من قبل على المذهب السني، في مثل هذه الحالة استعدت إيران لقبول المذهب الشيعي مذهباً رسمياً في العصر الصفوي. ومن الفرق الصوفية التي لعبت دوراً متقدماً في إزالة الفاصلة بين أبناء السنّة وأبناء الشيعة.
وكانت السبب في إشاعة التشيع في إيران، نذكر الطريقة النوربخشية والطريقة النعمة اللهية. إن هاتين الطريقتين وكذلك السلالة الصفوية التي كانت قد لعبت دوراً سياسياً مباشراً وأكثر فعالية في إقامة دولة شيعية في إيران إن هاتين الطريقتين أصبحتا في النهاية طريقتين صوفيتين شيعيتين ومؤسس الطريقة النوربخشية هو محمد بن عبداللَّه الملقب بنور بخش الذي ولد في سنة 795/1393 في مدينة قائن في عائلة شيعية إمامية كانت قد هاجرت من البحرين إلى قمتان. كان نوربخش في شبابه تابعاً للطريقة الكبروية وهي إحدى أكبر الفرق الصوفية آنذاك في آسيا المركزية وشمال شرقي إيران وكانت قد أسست بواسطة الشيخ نجم الدين كبري (المتوفي سنة 618/1220) وكان علاء الدولة السمناني (المتوفي سنة 736/1336) الصوفي السني المعروف واحد كبار شيوخ الكبروية، كان قد أكّد من قبل على مكانة علي بن أبي طالب (عليه السلام) الخاصة لدى الفرق الصوفية وكان قد أعتبره أفضل الخلفاء الراشدين وسابقاً لهم غير أن الذي أدخل الإخلاص والوفاء لعلي (عليه السلام) كما أدخل الأفكار والعقائد الشيعية الأخرى في الفرقة الكبروية هو الشيخ إسحاق الختلاني أحد مشايخ الكبروية. وكانت له نشاطات سياسية أيضاً وقام بانتفاضة فاشلة على التيموريين. وقد قتله مع بعض أنصاره حوالي سنة 826/1423 بعض حكام شاهرخ التيموري. وكان الختلاني قد عين محمد نوربخش نائبه وخليفته. ومنحه لقب المهدي. وقد وافقت أغلبية الكبرويين على رئاسة نوربخش واتخذ قطباً وخليفة عليهم، فاشتهروا وعرفوا بالنوربخشية على أن عدداً قليلاً أنحاز إلى عبداللَّه برزش آبادي المهدي وسموا فيما بعد بالذهبية. أعلن نوربخش إنه تابع للمذهب الشيعي وحاول في تعاليمه دمج الشيعة والسنّة على الأسلوب الصوفي. وكان لفترة من الزمن تنسب إليه المهدوية بسبب أفكاره وعقائده الشيعية والشعبية التي كانت قد كسبتها طريقة نوربخش الصوفية، وقد أعتقل عدة مرات من قبل شاهرخ وأبعد وفي إحدى هذه المرات وكان ذلك في عام 840/1436 أرغموه في مدينة هرات وبين جموع غفيرة من الأهالي على أن ينكر أفكاره وعقائده([493]).
توفي نوربخش في سنة 869/1464 في مدينة الري الذي كان يقضي آخر سنوات حياته فيها. تألقت وازدهرت النوربخشية بصفتها طريقة صوفية شيعية كاملة بزعامة الشاه قاسم فيض بخش (المتوفي سنة 917/1511م) ابن نوربخش وخليفة وبقية مشايخ هذه الطريقة، في العصر الصفوي. وكان شمس الدين اللاهيجي مؤلف أشهر شرح على كتاب (گلشن راز) الذي توفي سنة 912 هجرية ـ كان يتزعم فرعاً من النوربخشية في شيراز نيابة عن نوربخش نفسه. والعالم الشيعي المعروف نور اللَّه الشوشتري الذي كان قد وصل إلى الهند وقتل هناك في سنة 1019/1610 كان من الذين اعتنقوا الطريقة النوربخشية([494]).
ولم تتمكن النوربخشية أن تستمر في حياتها في العصر الصفوي بصفتها طريقة صوفية متحدة في إيران إلا أن تعاليمها وتقاليدها العرفانية استمرت لفترة من الزمن. ومن جهة أخرى فإن الطريقة الذهبية بصفتها إحدى الفرق الصوفية الصغيرة في إيران ما زالت باقية إلى يومنا هذا وأهم مراكزها هي مدينتي شيراز وطهران.
وقد لعبت النعمة اللهية دوراً حيوياً فعالاً في إشاعة الإخلاص والوفاء لعلي (عليه السلام) وإشاعة الشعور الشيعي في إيران قبل العصر الصفوي، رغماً عن أن هذه الطريقة كانت إلى ما بعد مجيء الصفوية باقية على المذهب السني. وقد ازدهرت هذه الطريقة إلى حياة مؤسسها الشاه نعمة اللَّه ولي. وانتمى إليها طوال القرن التاسع (الخامس عشر) الكثير من سكان مختلف مناطق إيران منها يزد وكرمان وفارس وخراسان وازدهرت في نفس الوقت في القارة الهندية أيضاً. وكانت هناك تحظى بدعم الحكام البهمنيين في الدكن. ومنذ القرن الثامن (الرابع عشر) أضيفت كلمة شاه إلى قبل أو وبعد كلمة علي أو ولي بعد أسماء مشايخ الصوفية وزعمائها وأوليائها. وكان هذا بسبب وفائهم وولائهم لعلي (عليه السلام) وقبول ولايته، وبصفته شيخاً ومرشداً لهم. ولهذا السبب فإن نور الدين نعمة اللَّه بن عبداللَّه كان يسمى عادة الشاه نعمة اللَّه ولي وكان الشاه نعمة اللَّه كاتباً بارعاً في المواضيع العرفانية وشاعراً مجيداً والطريقة النعمة اللهية مأخوذة من اسمه. كان نسبه العلوي الفاطمي يمتد إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. وربما لهذا السبب تعتبره بعض الأوساط الإسماعيلية في مذهبهم. وأن نزاريي آسيا المركزية يحتفظون ببعض مؤلفاته خاصة شرحه على إحدى قصائد الشاعر ناصر خسرو. وإن هذا الأمر يوضح لنا لماذا اختار الأئمة الإسماعيليون النزاريون هذه الطريقة الخاصة للإعراب عن تضامنهم مع الصوفية. ولد الشاه نعمة اللَّه في سنة 731/1330 في مدينة حلب. كان أبوه عبداللَّه عربياً وأمه من أهالي مقاطعة فارس. انحاز إلى الصوفية والعرفان منذ بدايته وقام بالتفحص للحصول على مرشد ودليل كامل وسافر من مدينة إلى أخرى وخدم الكثير من المشايخ ويقال إنه أخيراً وجد غايته ومرشده المطلوب في نفس عبداللَّه اليافعي (المتوفي سنة 768 = 1367) مؤسس الطريقة اليافعية من فروع الطريقة القادرية. وبعد أن أمضى الشاه نعمة اللَّه عدة سنوات مع اليافعي في مكة المكرمة بدأ بالسفر والسياحة وهو العمل المتعارف عليه بين الصوفية في عصر من عصور حياتهم. سافر إلى مصر ثم منها إلى آذربيجان ويحتمل أن يكون قد اجتمع هناك مع قاسم الأنوار. ثم توجه نحو ديار ما وراء النهر وأقام هناك بالقرب من مدينة سمرقند. وبعد مدة طرده تيمور من ما وراء النهر.
وبعد ذلك تزوج في هرات حفيدة حسين أمير سادات وهو المشجع والمحرض على إنشاء منظومة گلشن راز([495]) بواسطة الشيخ محمود الشبستري. ومن زوجته هذه أصبح له ابنه الوحيد خليل اللَّه الذي أصبح خلفاً لوالده والذي كان قد ولد بالقرب من مدينة كرمان. وبعد خراسان سافر الشاه نعمة اللَّه إلى كرمان وعاش بقية حياته هناك أو في ضواحيها. وقضى خمسة وعشرين سنة من آخر حياته في مدينة ماهان على مسافة أربعين كيلومتراً جنوب كرمان، قاعدة الطريقة النعمة اللهية. وكانت علاقات الشاه نعمة اللَّه مع شاهرخ بن تيمور لا سيّما بعد فتح كرمان على أيدي التيمورين في سنة 819/1416 علاقات ودية. وكان الشاه نعمة اللَّه ولي قد أصبح الآن عارفاً مشهوراً ذا صيت بعيد. وكان له أنصار كثيرون في جميع أنحاء إيران. وتوسعت طريقته حتى وصلت إلى الهند. وكان أحمد شاه الأول الملقب بـ(ولي) (825 ـ 839 ؛ 1422 ـ 1436) حاكم الدكن البهمني الذي كان قد لقب بـ(ولي) وهو اللقب الذي منحه إياه الشاه نعمة اللَّه قد يكون اعتنق المذهب الشيعي. وكان يعتبر نفسه من أنصار الشاه نعمة اللَّه وأصر أحمد شاه علي الشاه نعمة اللَّه على أن يسافر إلى الهند ويجتمع به، إلا أن الشاه نعمة اللَّه رفض الدعوة بسبب الشيخوخة.
غير أنه أرسل حفيده نور اللَّه إلى الهند. وأقام هذا في الدكن وتزوج إحدى بنات الملك البهمني. وكان الشاه نعمة اللَّه سني المذهب وبقيت طريقته في حياته في الظاهر على أسلوب أبناء السنّة بالرغم من أنها تدريجياً أشبعت بالإخلاص والوفاء لعلي (عليه السلام). ويعتقد أغلبية الصوفية حتى يومنا هذا أن الهيكل الداخلي لطريقة النعمة اللهية وكثيراً من الطرائق الأخرى بسبب كونها صوفية بعيدة عن الخلافات السنية الشيعية. إن أكبر هدية قدمها الشاه نعمة اللَّه إلى الصوفية هي تأسيس طريقته التي تحمل اسمه وقد توفي الشاه نعمة اللَّه في كرمان في سنة 834 (1431) عن عمر يناهز المائة عام، ودفن في مدينة ماهان. ولا تزال البناية الرئيسية لمقبرته مزاراً للصوفيين، وقد أنشئت من الهدايا التي قدمها أحمد شاه بهمني وخلفه علاء الدين أحمد الثاني (839 ـ 862/ 1436 ـ 1458). عين الشاه نعمة اللَّه ابنه الوحيد برهان الدين خليل اللَّه خلفاً له ورئيساً (قطباً) للطريقة النعمة اللهية. ولا يزال الصوفيون يطلقون مصطلح قطب على مرشدهم وزعيمهم الروحي. إلى يومنا هذا.
قضى الشاه خليل اللَّه بضع سنين في ماهان ثم سافر إلى هرات حيث حل ضيفاً على شاهرخ ثم هاجر إلى الدكن. وكان الشاه خليل اللَّه قد واجه مشاكل عديدة في عصر التيموريين وكان يتوقع أن يحظى في الدكن بدعم الملوك البهمنيين بالنسبة لنفسه وعائلته وطريقته وترك الشاه خليل اللَّه أحد أبنائه الأربعة وهو شمس الدين في مدينة ماهان للإشراف على شؤون أبناء الطريقة في إيران وأخذ معه إلى الدكن اثنين من أبنائه وهما محب الدين حبيب اللَّه وحبيب الدين محب اللَّه الذي أصبح بعد وفاة والده خليل اللَّه في 860/1456 القطب الثالث للطريقة النعمة اللهية وعرفت مقبرة الشاه خليل اللَّه بالقرب من مدينة بيدر بالخليلية. ودفن فيما بعد بقية أعضاء أسرة الشاه نعمة اللَّه في هذه المقبرة واعتنق الشاه حبيب اللَّه الذي تزوج إحدى بنات أحمد شاه الثاني البهمني، المذهب الشيعي بصورة علنية. وكان أبناء وأحفاد الشاه نعمة اللَّه يعاملون معاملة حسنة وكانوا موضع احترام وتكريم في الدكن. وأقام أقطاب النعمة اللهية في الدكن مدة ثلاثة قرون.
أنشأ أقطاب النعمة اللهية في بيدر زاوية (خانقاه) لهم كانت قاعدة الطريقة النعمة اللهية في الهند حتى أواخر القرن الثاني عشر/ الثامن عشر)، وفي هذا التاريخ كان منصب القطيبة قد خرج من عائلة الشاه نعمة اللَّه. على أن الطريقة النعمة اللهية قد استعادات حياتها في إيران بواسطة ممثلين كانوا قد أوفدوا من الدكن. وإن الفرح الإيراني لهذه الطريقة التي اكتسبت بصورة متزايدة صفة كونها شيعية ساعد الشاه إسماعيل الصفوي لتسلم السلطة في إيران. وبعد فترة قصيرة من استقرار الدولة الصفوية، أعلنت النعمة اللهية بأنها طريقة شيعية. وتزوج أحفاد الشاه نعمة اللَّه في إيران من الأسرة الصفوية وكسبوا من هذا الأمر أهمية كبيرة، وكانوا في الغالب ينصبون في مراكز حكومية في مدينة يزد وأن الفرع الإيراني للطريقة النعمة اللهية، بقاعدتها ومقرها الجديد في مدينة (تفت) بالقرب من مدينة يزد كانت أكبر طريقة صوفية منتظمة في إيران في القرن العاشر/ السادس عشر). ولكن بعد هذا التاريخ فقدت أهميتها واعتبارها بسبب سياسات الصوفيين المعارضة، وهو نفس المصير الذي واجهته جميع الفرق الصوفية الأخرى في إيران.
أعيد تنظيم الطريقة النعمة اللهية بواسطة شيخها وقطبها الرابع والثلاثين رضا علي شاه الدكني (المتوفي سنة 1214/ 1799) الذي كان يقيم كأسلافه في الدكن. إن أنصار النعمة اللهية في إيران الذين كانوا قد ابتعدوا عن مرشدهم ودليلهم الروحي كانوا يطلبون من قطبهم في الهند إرسال مندوب معتمد من جانبه إليهم. كان رضا علي شاه. شيخاً لهذه الطريقة أكثر من خمسين عاماً فقرر أخيراً إرسال أحد أبرز أنصاره ومريديه وهو معصوم علي شاه إلى إيران. وصل معصوم علي إلى شيراز حوالى سنة 1184/1770 وسرعان ما التف حوله تلاميذ وأنصار أوفياء مخلصون فهم نور علي شاه وشاب موسيقار يسمى ميرزا محمد التربى اشتهر فيما بعد بمشتاق علي شاه قام نور علي شاه ومشتاق علي شاه بجولة طويلة في مختلف مدن إيران وأفغانستان ولاقيا أنواع الاضطهاد من حكام السلالة الزندية ومن علماء الدين وأخيراً وصلا إلى مدينة ماهان في عام 1200/1785 ـ 1786 ليكونا إلى جوار ضريح الشاه نعمة اللَّه وسرعان ما حصلا على أنصار كثيرون فقررا الإقامة في مدينة كرمان. إن إقامة هذين الصوفيين في كرمان جدد التلاحم والتعاضد بين الطريقة النعمة اللهية والأئمة الإسماعيليين النزاريين. وكان الإمام أبو الحسن من جملة كبار شخصيات كرمان وكان يدعم ويدافع عن نور علي ومشتاق علي وكانت علاقات هذا الإمام مع الطريقة النعمة اللهية ودية ووثيقة رغم أنه لا توجد أية مستندات أو وثائق تؤكد أو تشير إلى انتمائه لهذه الطريقة إلا أن ابن عم أبو الحسن أي الميرزا صادق كان من أنصار هذه الطريقة ومن تلاميذ مظفر علي شاه الذي كان طبيباً حاذقاً وأحد كبار الطريقة في كرمان.
إن الانتصارات التي حققها الصوفية النعمة اللهية في كرمان أثارت عداء علماء الدين الشيعة المحليين وكانت جهودهم لاجتثات الصوفيين الذين كانوا يتلقون الدعم من أبو الحسن تفشل كل مرة ورغم هذا فقد كان الملا عبداللَّه أحد علماء الدين البارز في كرمان ينتظر الفرصة المناسبة لاتخاذ إجراءات مقاومتهم وخرج الإمام أبو الحسن من كرمان متوجهاً إلى مدينة بابك لإعادة الهدوء والاستقرار إلى المدينة حيث كانت العشائر البختيارية والعرب يهددون أهاليها، وفي نفس الوقت قرر نور علي شاه السفر إلى العتبات المقدسة في العراق، فانتهز الملا عبداللَّه الفرصة. ففي شهر رمضان سنة 1206/ مايو 1791 عندما غاب الإمام أبو الحسن ونور علي شاه عن مدينة كرمان وبينما كان الملا عبداللَّه يلقي كلمة في مسجد المدينة الجامع شاهد مشتاق علي شاه وهو يدخل المسجد لإقامة الصلاة. ففور مشاهدته له حرض الملا عبداللَّه الحاضرين في المسجد على مشتاق علي شاه الذي وصفه بأنه كافر وملحد ليقتلوه. قتل مشتاق علي شاه ودفن إلى جوار الجامع نفسه ولا تزال مقبرته المعروفة بالمشتاقية قائمة يزورها دراويش إيران الصوفيون وبعد مدة قصيرة أي في نفس سنة 1206/ 1792 توفي الإمام أبو الحسن ويقال إنه دفن في مقبرة مشتاق علي شاه وبعد عدة أعوام وبتحريض من علماء الدين الشيعة وخاصة محمد علي البهبهاني المتوفي سنة 1216/ 1801 ـ 1802) قتل كل من معصوم علي شاه ونور علي شاه ومظفر علي شاه. وبعد وفاة الإمام أبو الحسن، خلفه ابن عمه الميرزا صادق لمدة قصيرة في كرمان وفي سنة 1207/ 1792 استولى آغا محمد خان القاجاري على مدينة شيراز وأرسل ابن أخيه فتح علي خان لفتح كرمان. فعزل فتح علي خان، الميرزا صادق من منصبه وعين رجلاً آخر لحكومة كرمان وبعد ذلك استولى لطف علي خان الزندي على كرمان لفترة قصيرة إلا أنه اضطر إلى الانسحاب منها وتسليمها إلى القاجارية في سنة 1209/ 1794. وفي نفس العام أقام آغا محمد خان مجزرة في مدينة كرمان وقتل عدداً كبيراً من الأهالي غير أن الإسماعيليين النزاريين نجوا من هذه المذبحة، إن الطريقة النعمة اللهية هي الآن أوسع طريقة صوفية في إيران، ولها أتباع في باكستان وغيرها من البلاد الإسلامية، لا سيّما بين الشيعة (انتهى ما لخص عن الدكتور دفتري).
عن الصوفية والنعمة اللهية بخاصة
قلنا بأننا لا نسلم بانتماء الشهيد نور اللَّه الشوشتري إلى النوربخشية بعد أن عرفنا وما سنعرف فيما يأتي من القول عن الغلو في التصوف على اختلاف طرقه. وهذا ما سبب عداء علماء الدين الشيعة له وتحريضهم على رجاله. كما رأى القارىء فيما تقدم من الكلام.
وإننا لنأخذ هنا ما كتبه الشيخ سلطان حسين قابنده رضا علي شاه شيخ الطريقة النعمة اللاهية في هذا العصر في إيران والمتوفى منذ سنين ـ ما كتبه عن ترجمة جده الشيخ سلطان محمد حيدر مقدمة لتفسير جده للقرآن المسمى (بيان السعادة في مقامات العبادة)، ودفاعاً عما نسب إلى جده من أنه انتحل كتاب التفسير، وإنه لغيره وقد نسبه لنفسه. وفيها اعتراف بالغلو المستنكر.
ما كتبه سلطان حسين قابنده رضا علي شاه
الجنابذي عن الصوفية النعمة اللهية:
كان شيخ السجادة في الطريقة النعمة ـ اللهية ومن أشهر العلماء والعرفاء في القرن الأخير، وكانت ولادته على ما كتبه والده المولى حيدر محمد بخطه في ظهر القرآن الموجود صورته الفوتوغرافية في كتاب «نابغة علم وعرفان» في الثامن والعشرين من شهر جما،ى الأولى سنة إحدى وخمسين ومائتين بعد الألف، وحين بلغ ثلاث سنين سافر والده إلى بعض بلاد إيران ثم إلى الهند وفيها انقطع خبره، وابتلى المترجم بفراق والده وصار تحت حضانة أخيه محمد علي وعند بلوغه ست سنين شرع بأمر أمه وأخيه في تعلم القرآن المجيد والكتب الفارسية وفي مدة خمسة شهور صار ناجحاً فيه وبعد ذلك لم يساعده التوفيق لإدامة التحصيل واشتغل بالأمور الدنيوية بأمر أخيه حتى بلغ عمره سبع عشرة سنة، واشتغل مرة أخرى بتحصيل العلوم الدينية المتداولة ابتداء في موطنه وسافر بعد تحصيل العلوم الأدبية إلى المشهد المقدس الرضوي (عليه السلام)، ولتكميل العلوم الدينية إلى النجف الأشرف والعلوم العقلية والفلسفية إلى سبزوار، واستفاد من محضر الحكيم العارف الزاهد المتأله الحاج ملا هادي سنين متوالية ومتناوبة، وبعد تكميل العلوم الظاهرية والتفوق والتبحر فيها أدركته جذبة من جذبات الحق بوسيلة الحاج ملا هادي وهدايته، وسافر في طلب عبدالمقصود إلى أصفهان وتشرف بأخذ الأذكار القلبية والدخول في طريقة النعمة اللهية عند المولى العارف الجليل الحاج محمد كاظم سادة علي شاه تغمده اللَّه بغفرانه.
وفي العود إلى جنابذ تزوج صبية الحاج ملا علي البيدختي حيث أمره مرشده بإطاعة أمر أمه في الزواج بعد مدة قليلة تهيجت أشواقه لتجديد زيارة شيخه وسافر إلى أصفهان. وفي سنة 1284 صار مفتخراً بأخذ إجازة الإرشاد وتلقين الأذكار القلبية والأوراد المأثورة وملقباً في الطريقة بلقب سلطان علي شاه، وفي سنة 1293 توفي شيخه وتمكن هو في مقامه وصار شيخ السجادة في طريقة النعمة اللهية وتوجه السالكون إلى اللَّه إليه، وصار مقره بيدخت من قرى جنابذ([496]) محط رحال الوافدين ولم تكن جنابذ إلى هذا الزمان معروفة وبعد تمكنه هذا اشتهر اسم جنابذ في بلاد إيران تدريجياً وكان ذلك واحداً من بركات وجوده هناك.
في سنة 1305 تشرف بالحج وزيارة البيت وعند رجوعه تشرف بزيارة الأعتاب المقدسة في العراق ولاقى بعض العلماء والفقهاء من الشيعة في هذه البلاد مثل المرحوم الشيخ زين العابدين المازندراني وأبنائه والمغفور له الحاج ميرزا حسن الشيرازي وغيرهم فبجلوه وعظموه. وبعد عوده إلى إيران وتوقفه بطهران حضر بخدمته أكثر رجال العلم والفقه والسياسة، وملك القاجار ناصر الدين شاه حينئذٍ كان بجاجرود، ولما سمع بقدومه إلى طهران أرسل رسولاً إلى طهران وأبرز علاقته إلى الملاقاة وأخبر أنه سيعود إلى طهران للقاء حضرته ولكن بعدما استمع حضرته هذا استعجل في الحركة قبل قدوم جلالة الملك إلى طهران، وقال: نحن المساكين مجالسو المساكين، مالنا وللملوك!
وعند عوده إلى جنابذ صار مدة متمكناً هنا، وبعد سنين سافر مرة أخرى لزيارة المشهد المقدس الرضوي (عليه السلام) وصار هنا مسموماً ولكن استعلج ورفع عنه الخطر ولكن لم ينل صحته الأولية.
حضرته كان مشتغلاً بالأمور الزراعية لتحصيل وسائل المعاش لأنه كان معتقداً بلزوم الكسب لتحصيل المعاش على ما أمر به المولى السيد نعمة اللَّه الولي أتباعه ومريديه بالكسب وترك البطالة وهو مع ذلك لم يترك المطالعة والتدريس والتأليف وإرشاد الحق وإعانة المساكين وقضاء حوائج المحتاجين بل كان يشتغل بمعالجة المرضى أيضاً حتى صار مشتهراً بالحذاقة في الطب. كان كثير التنسك والعبادة ولم يفت عنه تهجد الأسحار وكان مولعاً بإقامة شعائر الدين والمذهب، مثل صلاة الجماعة ومجالس الذكر وقراءة القرآن وإقامة عزاء أهل البيت (عليهم السلام)، وكان قانعاً من الدنيا في الأكل واللبس باقلها، وكان يأمر أتباعه ومريديه أيضاً بالمحافظة على الآداب الدينية، وإذا رأى أو سمع في بعض المريدين خلافاً لم يتمكن في أمر الدين من كظم الغيظ والكتمان بل كان يشدد ويغلظ عليه حتى إنه طرد بعضاً من المريدين على أثر عدم مراقبتهم لآداب الشرع بعد تذكيره إياهم للمراقبة وعدم تأثيره فيهم.
ولا غرو أن نذكر هنا استطراداً خصائص من طريقة النعمة اللهية:
منها أن السيد وخلفاءه إلى الآن أمر جميع مريديه بمحافظة آداب الشرع المقدس النبوي(ص) من العمل بالواجبات والسّنن وترك المحرمات بل المكروهات، لأن تخلية القلب عن غير اللَّه تستلزم إطاعة الرسول وأولي الأمر وأتباع أحكامه، لأن المحب لا يجوز له بل لا يمكنه مخالفة أمر المحبوب، وكل من ادعى محبة اللَّه يلزمه إطاعة أوامره وأوامر الرسول، حيث قال: إن كنتم تحبون اللَّه فاتبعوني يحببكم اللَّه، وما لم يتزين الظاهر والجوارح بحفظ حدود اللَّه لا يتأدب القلب بآداب الروحانيين، ولهذا ليس في هذه الطريقة ما يخالف الشرع الشريف من الاعتقادات الباطلة والبدع والأعمال المنهية حتى السماع، ومجالس الذكر أيضاً منزهة عن جميع هذه الأمور.
ومنها أن الإخوان في هذه الطريقة مأمورون بترك البطالة والانزواء والرهبانية وبالاشتغال بواحد من الأشغال الدنيوية المباحة لتحصيل المعاش حتى يغنيهم عن غيرهم في المعاش، لأن الإنسان محتاج في الدنيا إلى الأكل والشرب واللبس والمسكن وكلها من الضروريات للحياة الدنيوية والوصول إليها يكون إما بالكسب أو السرقة أو السؤال وإظهار احتياجه إلى الغير، وكل ما كان بدون رضا مالكه كالغصب فهو داخل في السرقة حقيقة، وكل ما كان مقروناً بالطمع فهو من السؤال وكلاهما حرامان عقلاً وشرعاً وعرفاً فيبقى الكسب مباحاً سواء كان فلاحة أو تجارة أو صنعة أو غيرها من المكاسب المختلفة المحللة، فلازم على جميع الفقراء في هذه الطريقة أن يشتغل كل منهم بكسب حتى لا يكون كلاً على غيره بل لازم أن يكون بحيث ينتفع به الغير.
ولما كان إخوان هذه الطريقة مأمورين بترك الانزواء وبالدخول في الجماعات صار البسط فيهم غالباً على القبض المصطلحين عند الصوفية، لأن غلبة القبض على البسط في السالك إلى اللَّه، تكون في الأغلب على أثر الانزواء والعزلة عن الخلق والدخول في الجماعات مستتبع للبسط لأن السالك لازم له أن يشاهد ظهور الحق في جميع الظاهر ويحسن المعاشرة والمجالسة مع الجميع لكون محبتهم ظلاً لمحبة اللَّه.
ومنها عدم التقيد في هذه الطريقة بكسوة مخصوصة وزي معين في الظاهر كالخرقة المخصوصة والتاج وأمثال ذلك المعمولة في كثير من طرق التصوف، بل قال السيد وخلفاؤه: إن اللازم للصوفي لباس التقوى لا غيره، ولا غرو إذا لم يتلبس في الظاهر بلباس معين وعبادة اللَّه والسلوك إليه ممكن وجائز في كل لباس وزي سواه زي أهل العلم أو رجال الحكومة أو غيرهم، بخلاف كثير من سلاسل الصوفية حيث يكون فيها خرقة مخصوصة والتاج المختص به بحيث يكون التقيد به لازماً على كل من دخل في هذه الطريقة، وفي بعض الطرق يكون هذا التقيد مختصاً بمجالس الذكر ولكن ليس في طريقة النعمة اللهية هذا أصلاً لا في مجالس الذكر ولا في غيرها أصلاً.
وحضرة المؤلف الجليل أيضاً لما كان بهذه السيرة وعلى أنه لم يترك واحداً من الواجبات بل المستحبات وكان تاركاً للمحرمات بل المكروهات، وكان متشغلاً بالشغل الدنيوي أمر أتباعه ومريديه أيضاً بهذه الأمور، وكان شديد التحفظ عليها، وفي ليلة السبت السادس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بعد الألف صار مخنوقاً وغريقاً وارتحل من الدنيا شهيداً، ودفن في أعلى مقابر بيدخت، وخلف ابنه العالم العارف الكامل المولى الحاج ملا علي نور علي شاه الثاني المتولد في السابع عشر من شهر ربيع الثاني 1284 وصار خليفة والده حتى قتل مسموماً بالكاشان في الخامس عشر من شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة بعد الألف؛ وصار سليله الجليل والدي المعظم المولى الحاج محمد حسن صالح علي شاه المتولد في الثامن من شهر ذي الحجة الحرام سنة ثمان وثلاثمائة بعد الألف خليفة له، ومسند الطريقة في هذا الزمان مزين بوجود سماحته أطال اللَّه بقاءه الشريف.
وللمولى الحاج ملا سلطان محمد مؤلفات كثيرة أكثرها في الأحكام والآداب الشرعية والأخلاق مع التطبيق على أصول العرفان مثل سعادتنامه ومجمع السعادة وبيان السعادة وولايتنامه وبشارة المؤمنين وتنبيه النائمين والتوضيح والإيضاح، اثنان منها وهما بيان السعادة والإيضاح بالعربية وغيرهما بالفارسية، وله تأليفات أُخر غير ذلك في المنطق والنحو مثل تهذيب التهذيب حاشية وشرح على تهذيب المنطق، وحواش على الأسفار كلها بالعربية.
وأهم مؤلفاته تفسير القرآن المجيد المسمى «بيان السعادة في مقامات العبادة» وهو من أهم التفاسير المؤلفة في القرن الأخير حتى قال فيه الفقيه الكامل المرحوم الحاج آقا محسن المجتهد العراقي والحكيم الجليل المغفور له الأخوند ملا محمد الكاشاني «تفسير السلطان سلطان التفاسير» وقد ذكر في هذا التفسير نكات دقيقة عرفانية وفلسفية وأدبية في بيان الآيات لم يذكرها أحد قبله كما صرح نفسه في مقدمة التفسير وجميع ما ذكر في تفسير الآيات مستند إلى الأحاديث والأخبار المروية من مصادر العصمة (عليهم السلام).
ولما كان شديد العلاقة والإرادة بشيخه ومرشده الحاج كاظم سعادة علي شاه سمى ثلاثة من مؤلفاته باسمه وهي سعادة نامة وبيان السعادة ومجمع السعادة كالمولوي البلخي الخراساني حيث سمى ديوانه باسم مرشده شمس الدين التبريزي، والمولى محمد تقي الكرماني مظفر علي شاه حيث ختم أشعاره في ديوانه باسم مرشده مشتاق علي شاه شمس الدين التبريزي، والمولى محمد تقي الكرماني مظفر علي شاه حيث ختم أشعاره في ديوانه باسم مرشده مشتاق علي شاه رحمهم اللَّه.
وبعد أن يسرد الكاتب خصائص كتاب التفسير مما لا علاقة له بموضوعنا هنا يعود إلى القول بأن هناك من أنكر أن يكون الكتاب للمترجم بل هو لمؤلف آخر، فيرد هو على هذا الزعم قائلاً:
وبعد تأليف هذا التفسير وطبعه وانتشاره اشتهر فضل المؤلف بين الخواص والعوام وكل من رأى التفسير ولاحظه أقر بفضل مؤلفه ونبوغه وعبقريته وصار ذلك سبباً لتشديد حسد الحاسدين حتى أنكر بعضهم كون هذا التأليف المنيف منه، وأصروا في تلقين هذا الافتراء في قلوب بعض آخر وذكروا هذا بوجوه مختلفة بحيث وقع في قلوب بعض الفضلاء أيضاً وتلقوا بالقبول من دون دقة وتحقيق. والحال أن اللازم للفقيه المحقق والناقد المدقق التحقيق والتعمق في الأمور وعدم الحكم بشيء مشكوك إلا بعد التحقيق، لأنه إذا ظهر له خلاف ذلك يصير نادماً على ما حكم به قبلاً كما قال اللَّه تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة} ولكن بعضاً من الفضلاء والفقهاء أيضاً تلقوا ما سمعوا من بعض المعاندين والحساد بالقبول ظناً منه الصدق والصحة وبعد ما ظهر لهم خلافه عدلوا عن رأيهم السابق مثل حجة الإسلام المغفور له الحاج شيخ محمد باقر الجازار حيث ألف كتاباً وسماه «اطغاء المكائد وإصلاح المفاسد» بالفارسية في رد الصوفية والشيخية والبابية والحال أن ذكر هذه الثلاثة مرادفاً بعيد عن مثل هذا المحقق لأن بين عقيدة الصوفية والشيخية مع البابية بينونة بعيدة، لأن الأولين من المتعصبين في التشيع والبابية منكرون للإسلام وقائلون بنسخة وظهور دين جديد.
والفقيه المغفور له ذم المؤلف وذكره بعبارة موهنة بهذا المضمون وهو أنه: «سمع من بعض الثقاة أن هذا التفسير ليس منه بل من صوفي مبتدع آخر سابق عليه وهو وجد نسخته الخطية القديمة وجعله باسمه والحال إنه لم يفهم مضامينه» حتى أن مؤلف هذا الكتاب حرف اسم التفسير وسماه بيان الشقاوة ولكنه لم يدرك حقيقة هذا الاسم ولم يستشعر به فلم يخض في غور معناه لأن هذا التفسير ولو فرض أنه لم يكن منه أو كان منه وكان باطلاً ولكنه بياناً للقرآن فتسميته بهذا الاسم إن كان مع قصد وشعور في الحقيقة شتم للقرآن ويكون كفراً ولكن الفقيه المذكور ذكر هذا اللفظ بدون توجه للمعنى.
ولما طبع هذا الكتاب وانتشر رأى نسخة منه واحد من أعادي مؤلف التفسير من أهالي جنابذ واعترض على الفقيه المذكور وقال كنا نحن بأعيننا شاهدين لكونه بنفسه مؤلفاً لهذا التفسير، ورأينا أنه كان مشتغلاً بكتابة جزوات هذا التفسير شخصياً، وقرأ بعضه على الحاضرين عند الكتابة، ونسبة هذا الفقيه في الحقيقة يكون مكذباً لسائر الإيرادات الواردة على مؤلف التفسير من المخالفين لأنه يوجد الشكّ والترديد عند كل من لم يعرفه في سائر المنتسبات إليه.
والفقيه المذكور بعد تأليف هذا الكتاب سافر لزيارة المشهد المقدس الرضوي (عليه السلام) وتوقف بيدخت يومين وصار مأنوساً مع خليفة المؤلف الحاج ملا علي نور علي شاه الثاني ووجد عقائده وأعماله وأفعاله مخالفة للاتهامات الواردة على الصوفية ولم يجد فيه وفي أعوانه ما يخالف الشرع المقدس النبوي وقال «شنيدن كي بود مانند ديدن» أي السماع لا يكون كالرؤية، وكتب بعده أيضاً كتاباً للمولى الحاج شيخ محمد حسن صالح علي شاه واعتذر من السابق وأظهر الندامة على تأليف الرسالة الردية، وهذا الكتاب موجود الآن وكل ذلك يكون دليلاً على صدق نيته وإنه قد اشتبه الأمر عليه من بعض المغرضين والأعادي.
وقال بعض: أن المؤلف حينما كان في أصفهان اطلع على نسخة خطية قديمة من المكتبات وتصرف فيها وحذف أولها وآخرها وجعلها باسمه، وقال بعض منهم: أنه كان في الأصل من فاضل نجف آبادي، وقال بعض آخر: أنه من فاضل يزدي كان معه في حجرة واحدة بمدرسة أصفهان ثم رتب ناشر هذه التهمة آثار اليقين على هذا الوهم لأنه مع عدم ذكر دليل على هذه الدعوى قطع بعدم كون هذا التفسير منه وهذا عجيب ولا سيّما ممن ادعى العلم والروحانية.
ونحن نقول لم يسافر هو إلى أصفهان لتحصيل العلم أصلاً بل كان تحصيله كما ذكرنا بجنابذ أولاً، وبعد ذلك بالمشهد وسبزوار والنجف الأشرف: وكانت رحلته إلى أصفهان لأخذ آداب الطريقة وزيارة الحاج محمد كاظم سعادة علي شاه وكان وجهة همته زيارته والاستفاضة من محضره فقط، لا العلوم الظاهرية الشرعية ولا مشاهدة المكتبات، على أن استكتاب هذا التفسير مستلزم لاشتغال مدة مديدة لا أقل من سنة لكتابته وهو لم يبق بأصفهان إلا مدة قليلة، وأيضاً كان هو قبل هذا السفر مشتهراً بالفضل والتبحر في العلوم العقلية والنقلية بطهران وغيرها كما ذكرته مشروحاً في كتاب «نابغة علم وعرفان در قرن جهاردهم».
وثانياً لو كان هذا التفسير من مؤلف آخر قبله لذكر في التذاكر وشروح أحوال المتقدمين وكيف يمكن أن يوجد تأليف غير مألوف ومعروف عند أحد من الفحول وعلماء الرجال ويصير طالب علم غير معروف مطلعاً عليه. وهذه النسبة لا تكون إلا محض التهمة والافتراء ولا يليق بمسلم فكيف لمؤمن أن يحوم حول هذه الافتراءات.
وقال لي بعض الفضلاء بلسان المدح مريداً به الذم (من قبيل الذم الشبيه بالمدح) أنه تفسير كامل فلسفي عرفاني بنكات دقيقة ومطالب أنيقة أخذها كلها من رشحات الأستاذ الحاج ملا هادي السبزواري رحمه اللَّه، لكنه أيضاً خلاف الواقع وليس بصحيح، لأن كثيراً من النكات التحقيقية فيها كالتحقيق في وجود الجن وأمثاله ليس موجوداً أصلاً لا في مؤلفات الحكيم السبزواري ولا في غيره بل من مبتكرات المؤلف الجليل، على أنه لم يدع الابتكار في جميع ما حقق، بل نقول أولاً: إنه يفتخر بأن كل ما أدرك من الحقائق يكون مقتبساً من رشحات إفاضات الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ومن الأخبار والأحاديث وثانياً: أن لازم كل تأليف أن يذكر من أقوال المتقدمين وتحقيقاتهم ويستشهد بها وهذا لا يكون مخالفاً للتأليف ونحن لا نقول: إن جميع ما ذكر من التحقيقات من مبتكرات فكره، بل نقول: إن كثيراً من هذه التحقيقات مما سنح بفكره الكامل ولا يكون مذكوراً في كتب المتقدمين رحمهم اللَّه كما أشار إليه في مقدمة التفسير وقال: «وقد كان يظهر لي بعض الأحيان من إشارات الكتاب وتلويحات الأخبار لطائف ما كنت أجدها في كتاب ولا أسمعها من خطب» (إلى آخره).
وذكر العلاّمة الأستاذ الشيخ محمد محسن الطهراني المعروف بشيخ آقابزرك في المجلد الثالث من كتاب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» ما عبارته كذا:
بيان السعادة في مقامات العبادة أو التفسير المنير تفسير للقرآن الشريف طبع بطهران في مجلد كبير سنة 1314 على نفقة أصحاب العارف المعاصر المولى سلطان محمد بن حيدر محمد الكنابدي (الجنابذي) الخراساني المتوفى حدود 1320 معتقدين أنه تصنيف شيخهم المذكور وهو نفسه ذكر فيه أنه فرغ من تأليفه سنة 1311 ولكن نبهني العالم البارع المعاصر السيد حسين القزويني الحائري بانتحال وقع في هذا التفسير يكشف عن كونه لغيره ولو في الجملة فإن ما أورده في أوله من تشقيق وجوه إعراب فواتح السور من الحروف المقطعات وإنهاء تلك الشقوق إلى ما يبهر منه العقل توجد بتمام تفاصيلها وعين عباراتها في رسالة الشيخ علي بن أحمد المهائمي الكوكني النوائتي المولود سنة 776 والمتوفى سنة 835 المشهور بمخدوم علي المهائمي وقد ذكر ألفاظ الرسالة السيد غلام علي آزاد البلكرامي في كتابه سبحة المرجان المؤلف سنة 1177 والمطبوع سنة 1303 وذكر أن المهائم بندر في كوكن من نواحي دكن، ونوائت كثوابت قوم من قريش نزلوا إلى بلاد دكن في زمن الحجاج قال: وله التفسير الرحماني والزوارف في شرح عوارف المعارف، وشرح الفصوص لمحيي الدين، وشرح النصوص للقونوي وأدلة التوحيد.
أقول: وتفسيره المرسوم بتبصير الرحمن وتفسير المنان طبع في دهلي سنة 1286، وفي بولاق سنة 1295 كما ذكره في معجم المطبوعات، وكتابه مرآة الدقائق طبع في بمبي؛ وبالجملة المقدار المذكور من رسالة المهائمي في هذا التفسير ليس هو جملة أو جملتين أو سطراً وسطرين حتى يحتمل فيه توارد الخاطرين وتوافق النظرين، فهذا الانتحال ثبتنا عن الإذعان بصدق النسبة إلى من اشتهر بأنه له واللَّه العالم.
وهذا أيضاً وإن كان ظاهره موهماً للتحقيق ولكنه عند المنصف المحقق لا يخلو عن شوب الغرض وبعيد عن التحقيق، لأن المحقق في كل أمر لا سيّما في الأمور المحتملة للتهمة وشوب الافتراء لا يكفي بنقل القول من واحد ولو فرض عادلاً بل يجتهد ويفتش ولا يتقاعد عن هذا حتى يحصل له القطع بالدليل، وهذا العالم الجليل كان لازماً عليه أن يطالع التفسير المنسوب إلى المهائمي ولا يقتصر على نقل القول ويطابق الكلمات والتحقيقات حتى يزول عن الشكّ لأن الخبر يحتمل الصدق والكذب، ونسبة الخلاف إلى المؤمن بنقل خبر شخص واحد خلاف، ويكون مصداقاً للآية الشريفة إن جاءكم فاسق بنبأ.
وثانياً: كان حرياً بمؤلف الذريعة لتكميل التحقيق أن يسأل معاصريه من العلماء والفضلاء المنصفين الذين كانوا يعرفونه ورأوه حتى يصير فضله عليه واضحاً، لأن كثيراً من فحول العلماء في زمانه مثل آية اللَّه الشيرازي والحاج ملا علي السمناني والحاج ميرزا حسين السبزواري والآخوند ملا محمد الكاشاني والشيخ زين العابدين المازندراني وأولاده، رحمهم اللَّه. وغيرهم كانوا معترفين بفضله ونبوغه، وكل من حضر محضره من المؤالفين والمخالفين لم يتمكن من إنكار فضله وعلمه وتقواه حتى أعاديه، وسائر تأليفاته أيضاً شاهدة على ذلك فإن تأليفه ليس منحصراً بهذا التفسير بل له تأليفات كثيرة بالفارسية والعربية وحواش وتحقيقات على الأسفار وتحقيقات في علوم الأدب وغيرها وهي كلها شاهدة لعبقريته رحمه اللَّه.
وثالثاً: لو كان هذا الفاضل محققاً لم يقع في الخطأ في تاريخ وفاة المؤلف ولم يذكره بالتقريب بل كان لازماً عليه تحقيق التاريخ القطعي لوفاته حتى لا يقع في الاشتباه، وهو نفسه أقر بهذا الاشتباه في المجلد الرابع من الذريعة عند ذكر كتاب تنبيه النائمين أحد مؤلفات صاحب التفسير، وهذا دليل على أنه خرج عن حد الإنصاف وفي كلامه الطويل الذي ذكرناه الذي يكون ظاهره متيناً وباطنه من الغرض والعناد شحيناً، وغلب عليه حسّ البغض والحال أن المحقق لا يليق أن يقع تحت تأثير إحساسات الحب والبغض ولا سيّما إذا كان شيوع أمثال هذا من شخص واحد أو شخصين معروفين بالغرض الشخصي والأهواء النفسانية فإن المغرض وإن كان بلباس أهل العلم يكون افتراؤه على المسلمين سبباً للفسق وعدم قبول قوله.
ورابعاً: كان حرياً أن يطالع ويلاحظ طرائق الحقائق للحاج ميرزا معصوم نائب الصدر الشيرازي فإنه مع كونه في زمن تأليف هذا الكتاب مدعياً للطريقة ومعرضاً عن مؤلف التفسير ولعله كان مغرضاً في وقته ولكنه مع ذلك لم ينكر فضله عند ذكر حالاته في هذا الكتاب ولا سيّما عند بيانه في شرح عظمة هذا التفسير، ونحن نحيل الطالبين إلى مطالعة هذا الكتاب ومطالعة «نابغة علم وعرفان» في شرح حال المؤلف من تأليفاتي و«رهنماي سعادت» في ترجمة تفسير بعض السور الصغار مني.
وقال بعض آخر: لقد أجاد المؤلف في تأليف هذا التفسير وبلغ الغاية القصوى في التحقيقات الأدبية والفلسفية والعرفانية وبعض المسائل الفقهية، ولكنه لشدة علاقته بأمر الولاية وتأويل الآيات بها خرج عن حدّ الاعتدال وصار كلامه شبيهاً بالغلو مثل تفسير كلمة اللَّه في قوله تعالى في سورة البقرة: {ومنهم من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر} بعلي الذي هو مظهر الإله، وكذا في آيات أخرى مثلها، وفي سورة البراءة: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} وفي موارد آخر بمظاهره وخلفائه الفانين ببشريتهم في اللَّه، ومثل إطلاق الرب على رب الأرباب والرب المضاف وتفسير الرب المضاف بالرب في الولاية كتفسير الرب في مثل آية: {فمن كان يرجوا لقاء ربه} وفي آخر سورة الكهف بالرب في الولاية ملكوته ثم جبروته وتفسير الرب في آية: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} في سورة الفجر بالرب المضاف الذي هو القائم في وجود السالك وتفسير الكفر في موارد متعددة بالكفر بالولاية وكذا الإشراك بالشرك بالولاية. ولكن هذا أيضاً خلاف لواقع مذهبه لأن كل هذا يكون مبنياً على العقائد العرفانية التي تكون مستندة إلى الآيات والأخبار المأثورة من الأئمة (عليهم السلام) لأن الأخبار في تفسير الإيمان بالإيمان بالولاية كثيرة كما في الكافي، في باب ما نزل فيهم وفي أعدائهم، وأما تفسير كلمة اللَّه بعلي فهو بطريق المجاز وذكر الظاهر وارداة المظهر وهو أيضاً مستفاد من الأخبار، لأن الإيمان باللَّه ملازم للإيمان بمظاهره، والكفر بمظاهره يستلزم الودّ ومخالفة أمر اللَّه وهو كفر به، كما روى عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): إن حبنا إيمان وبغضنا كفر؛ وأمثال ذلك كثيرة، واستعمل في القرآن أيضاً كذلك لأن نسبة قبول التوبة وأخذ الصدقات إلى اللَّه لا يمكن حمله على ظاهره لأن اللَّه لا يرى ولا يكون له يد فلا بدّ أن يراد من كلمة اللَّه مظاهر الذات المستجمعة لجميع صفات الكمال بطريق المجاز كما قال تعالى شأنه: «ما رميت إذ رميت ولكن اللَّه رمى».
أما تفسير الرب فهو أيضاً صحيح لأن الرب في اللغة بمعنى المربي وقد أطلق في القرآن على غير اللَّه كما في سورة يوسف نقلاً عن يوسف (عليه السلام) «أذكرني عند ربك» وكلمة رب الأرباب أيضاً دليل على صحة إطلاق الرب على غير اللَّه تعالى بعنوان الرب المضاف وكونه تعالى شأنه رب الأرباب.
بل أهل السنّة والجماعة ومحققوهم أيضاً اعترفوا بذلك وفي كتبهم أخبار كثيرة في هذا الباب، كما في مودة القربى للمير سيد علي الهمداني الشافعي في المودة الثالثة أنه قال النبي في جمع من الصحابة: لا يحب علياً إلا مؤمن ولا يبغضه إلا كافر.
وفي ينابيع المودة للشيخ سليمان البلخي الحنفي في الباب التاسع والخمسين نقلاً عن الصواعق المحرقة، قال: أخرج الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس أن النبي(ص) قال: «علي باب حطة من دخل فيه كان مؤمناً ومن خرج منه كان كافراً».
ونسبة الغلو إلى المؤلف الجليل كتسمية القميين المتقدمين رضي اللَّه عنهم؛ كل من لا يعترف بسهو النبي(ص) غالياً لأنهم كانوا قائلين بأنه بشر بصريح الآية الشريفة: {قل إنما أنا بشر مثلكم} وقالوا أن البشر يعتري عليه السهو والنسيان والخطأ فهو أيضاً جائز السهو، وكانوا معتدين أن كل من لم يعترف بذلك يكون غالياً، ولذا كانوا يحتسبون غيرهم من فقهاء الشيعة غالياً بالتقريب والحال أنه ليس كذلك كما ذكر مشروحاً في المفصلات، والغالي في الحقيقة من أثبت جميع الصفات الثبوتية الموجودة في الإله المستجمع لجميع صفات الكمال المتجلي في كل العوالم والذرات الحي الباقي الدائم الذي لا يعتريه نقص ولا زوال ولا ممات للفرد البشري الذي يكون له أدوار الحياة من الصغر والشباب والكهولة ويصير مريضاً وضعيفاً وفقيراً وغير ذلك من نواقص المادة، فالاعتقاد بألوهية جسمانية علي بن أبي طالب (عليه السلام) المنسوب إلى عبداللَّه بن سبأ، أو ألوهية جعفر بن محمد(ع)، كما نسب إلى محمد بن مقلاص الأسدي المكنى بأبي الخطاب أو بألوهية علي بن محمد الهادي أو الحسن العسكري (عليه السلام) كما روى نسبته إلى فارس بن حاتم بن ماهويه القزويني المقتول على يد جنيد بأمر الإمام أبي محمد العسكري (عليه السلام) كلها كفر وغلو، لأنه خلاف الشهود ورأي العقل لأن الشيء الفاني والهالك كيف يمكن أن يكون إلهاً فاطر السماوات والأرض، ولكن العبد إذا صار فانياً من صفات بشريته واستنار بنور الألوهية وصار حياً بالحياة المعنوية يصير مظهراً للذات الأحدية ومجلى للجلوات الربوبية فيصدر منه أمور خارجة عن حيطه ظاهر البشرية من المعجزات والكرامات وخوارق العادات، وكلما كان فناؤه في الذات الأحدية أتم كان بقاؤه به أقوى حتى يصل إلى مقام يصير مظهراً تاماً له، وعند ذلك يكون أقوى مظهر وأتم مجلى للَّه، وهذا يكون في الحقيقة متصلاً بل متحداً مع مقام المشية التامة وهذه المظهرية كانت مخصوصة بمحمد(ص) وبعده علي (عليه السلام) وبعده بالأئمة المعصومين من ولده حادي عشرهم ثاني عشر الأئمة وقائمهم، فهم الأسماء الحسنى والصفات العليا والمظاهر التامة والمجالي الكاملة لذات اللَّه وهم قادرون على جميع ما تعلقت القدرة الإلهية بإرادته وقدرته، فهم عالمون بعلمه، وقادرون بقدرته، ومريدون بإرادته، وليس شيء من ذلك كفراً ولا شركاً ولا غلواً، بل يكون عين التوحيد لأن المعتقد بذلك لا يرى لأي فرد منهم شخصية مخصوصة قبال الذات الأحدية بل يقول، أنهم فانون ولا يكون لهم شخصية إلا مظهرية اللَّه تعالى والبقاء به فهم كالمرأة حيث لا ينظر إليها إلا لمشاهدة الصورة المتجلية فيها؛ والأئمة (عليهم السلام) مرآة ذات اللَّه كما ورد «بنا عبداللَّه وبنا عرف اللَّه» فهذه العقيدة في الحقيقة عين التوحيد ولذا تكون عقيدة القميين في الحقيقة إفراطاً وغلواً في التمسك بظواهر الآيات والأخبار، ونسبه الغلو إلى المؤلف أيضاً كذلك (انتهى).
وقد نشرنا ما تقدم على طوله لما فيه من أمر الانتحال الطريف، وما فيه مما يقوله الصوفيون عن معتقداتهم رداً على ما يرمون به من العظائم. على أن ما في هذا الرد هو تأكيد لتلك العظائم.
رأي الدكتور فرهاد دفتري
ويقول الدكتور فرهاد دفتري ـ وهو أفضل من كتبوا عن الإسماعيلية ـ يقول عن امتزاج العقيدة النزارية بالتصوف بعد سقوط ألموت بيد المغول سنة 654هـ (1256م):
إن النزارية في إيران بقيت حية واستمرت حياتها بعد تدمير قلاعها وانهيار دولتها بأيدي المغول، ورغم المذابح التي نالتها بتلك الأيدي الجانية طيلة العامين 654 ـ 655هـ (1256 ـ 1257م) في (رودبار) و(قهستان)، فلقد نجا عدد كبير من رجالها.
وفي الوقت الذي كان (ركن الدين خورشاه) يقضي آخر أيام حياته بين المغول، فإن القيادة النزارية تمكنت من إخفاء ابنه شمس الدين محمد المنصوص عليه بعده، وأصبح أول الأئمة النزاريين بعد عصر الموت، وهكذا فإن الإمامة النزارية استمرت في سيرها. ولم تمض مدة طويلة حتى وصلت من جيل إلى جيل عن طريق سلالتين مختلفتين من الأئمة.
ولكن تعذر على النزاريين لمدة لا تقل عن قرنين الاتصال المباشر مع أئمتهم، حيث كان الأئمة طيلة هذه المدة يسترون أنفسهم في إيران ويعيشون في سرية تامة.
في هذه الأحوال كان النزاريون من أجل صيانة أنفسهم من ملاحقة الإيلخانيين والتيموريين والسلالات الأخرى التي حكمت إيران ـ كان النزاريون الذين فقدوا تنظيماتهم وتضعضعت نفسياتهم، وكان عليهم في الوقت نفسه أن يتمسكوا بالحياة والبقاء ـ كان النزاريون بقوة العقيدة في قلوبهم قد استطاعوا إخفاء أنفسهم والاستمرار في الحياة تحت مظلة الزي الصوفي.
ويقول في مكان آخر:
إن اندماج المذهب النزاري مع التصوف في إيران حصل في أوائل عصر ما بعد ألموت وبسبب عدم وجود دراسات وتحقيقات كافية في هذا الموضوع فإن أصل وبدء هذا التطور والاندماج بات غامضاً وهكذا فإن هذا الموضوع لفت انتباه الباحثين والمحققين قبل عشرات السنوات وبعد فهم التطور الصوفي في إيران والحصول على مؤلفات الأدب النزاري بعد عصر ألموت. إن هذا الأدب القليل في الكمية وكذلك قصص وروايات الإسماعيلية في إيران وآسيا المركّز خير شاهد ودليل على أن المذهب النزاري في إيران بعد سقوط ألموت اندمج بالتعاليم والمصطلحات الصوفية تدريجياً وإن أساس هذا الأمر كان قد وضح في عصر الموت. في ذلك الوقت بدأ مشايخ الصوفية الذين كانوا يعتقدون مثل الإسماعيليين النزاريين بالتأويلات الباطنية. بدؤوا شيئاً فشيئاً بالاستفادة من الأفكار والنظريات التي كانت تنسب إلى الإسماعيلية. كما أن الإسماعيلية النزارية التقطت حسب الظاهر أسلوب حياة الصوفية. ويروى أن شمس الدين محمد وأولاده وأحفاده من سلالة القاسم شاهية كانوا عادة يعيشون في الخفاء، في زي مشايخ الصوفية وإن أنصارهم اتخذوا لأنفسهم كلمة (مريد) وهي من العناوين الصوفية البارزة ولا شكّ إن هذا كان تقية يصان بها الأئمة وأنصارهم من المواقف العدائية التي يتعرضون لها.
ورغم هذا فإنه لم تكن بين هاتين العقيدتين وأسلوبهما الباطني أرضية مشتركة وكان من الصعب على النزاريين أن يتحلوا بلباس الصوفية وعلى أي تقدير وبسبب العلامات الوثيقة والقريبة بين النزارية والصوفية في إيران فمن الصعب معرفة رسالة أو تأليف من كاتب نزاري بعد عصر ألموت انخرط في اللغة والتعاليم الصوفية أو من تأليف كاتب صوفي أثرت فيه الأفكار والعقائد النزارية متمثلاً هناك الكتاب الصوفي المعروف (گلشن راز) والشرح الذي كتبه عليه كاتب نزاري.
إن منظومة (گلشن راز) الشعرية ألفها سعد الدين محمود الشبستري أحد مشايخ وشعراء الصوفية من أهالي آذربيجان. ولد في مدينة شبستر بالقرب من مدينة تبريز في سنة 686/1287 وتوفي وهو شاب في سنة 720/ 1320 ـ 1321 وعلى هذا يكون معاصراً للنزاري القهستاني. من المحتمل أن يكون النزاري أول شاعر إسماعيلي شرح أفكاره وعقائده المذهبية في صيغة ألفاظ ومصطلحات وتعابير صوفية. أنشد محمود الشبستري منظومته گلشن راز وهي تتألف من ألف بيت شعر على غرار المثنوي رداً على أسئلة حسيني سادات أمير (المتوفي بعد سنة 729/1328) من كبار صوفية مدينة هرات. إن هذا المثنوي وهو على شكل كتيب صغير يحوي المصطلحات والتعابير الرمزية الصوفية وهو من أقدم الكتب في نوعه وموضع اهتمام الأوساط الصوفية. نتيجة لذلك فإن شروحاً كثيرة جرت على هذه المنظومة أهمها وأشهرها شرح شمس الدين محمد بن يحيى اللاهيجي (المتوفي سنة 912/ 1506/ 1597) شيخ طريقة النوربخشية. على أي حال فإن الإسماعيلية النزارية في إيران وآسيا المركزية يعتبروا گلشن راز من آثارهم الأدبية وإن مؤلفاً نزارياً شرح أقساماً منه باللغة الفارسية. إن مؤلف هذا الشرح ليس معلوماً وهو يشتمل على الشرح التأويلي لبعض أبيات منظومة گلشن راز، ربما يكون الشارح هو الشاه طاهر، أشهر أئمة سلالة المحمد شاهية الذي ألف كتاباً تحت عنوان شرح گلشن راز ونظراً للتلاحم مع الصوفية، فإن النزاريين يعتبرون بعض كبار شعراء الصوفية الإيرانيين من مذهبهم وإن بعض آثارهم ومؤلفاتهم موجودة بين النزاريين في منطقة جيحون العليا ومن بين هؤلاء الشعراء نذكر سنائي (المتوفى حوالى 535/1140) وفريد الدين العطار (المتوفى حوالي 627/1230) وجلال الدين الرومي (المتوفى 672/1272) وشعراء صوفيون أقل درجة بينهم قاسم أنوار (المتوفى حوالي 837/1433). إن نزاريي جيحون العليا يعتبرون عزيز الدين النسفي من مذهبهم. وكان النسفي من أشهر المشايخ والمؤلفين الصوفية في آسيا المركزية.
سافر بعد ذلك إلى إيران وتوفي فيها حوالى سنة (661/ 1263 ـ 1262) ورسالته الصوفية تحت عنوان “زبدة الحقائق” باقية في بدخشان بصفتها مؤلفاً إسماعيلياً.
ونذكر أن الشيعة الاثني عشرية الإمامية في عصر ما بعد سقوط ألموت وحتى محبي الصوفية كانت بينهم وبين الصوفية علاقات خاصة. وأقدم نموذج للتلاحم بين الشيعة والصوفية موجودة في مؤلفات السيد حيدر الآملي، المحدث والمتأله والفيلسوف والعارف الاثني عشري كان من أهالي مازندران وتوفي بعد سنة 787/1385. حيدر الآملي الذي كان قد استهوته تعاليم ابن العربي (المتوفى سنة 638/1240) أحد كبار الصوفية في العالم الإسلامي الذي يعتبره النزاريون في مذهبهم. دمج عقائده وأفكاره الشيعية مع العقائد الصوفية التي كانت قد تبلورت في إيران والعراق وأكد قبل غيره على ما قال المبادىء المشتركة بين الشيعة والصوفية ومهد الكثير من العقائد التي اعترف بها الصوفيون الإيرانيون. وعلى هذا الأساس وحسب نظرية الآملي فإن المسلم الذي يمزج الشريعة مع الحقيقة والطريقة ـ السبيل المعنوي الذي يسير فيه السالك للوصول إلى اللَّه ـ ليس مؤمناً فقط بل مؤمناً ممتحناً. إن مثل هذا المسلم الصوفي أو العارف الذي يعتبر شيعياً حقيقياً يحافظ على التوازن والتعادل بين الظاهر والباطن بدقة أي يتجنب العقائد السطحية والظاهرية في الدين وكذلك يتجنب الانحيازات الحادة والإباحية للصوفية وللغلاة. إن حيدر الآملي الذي كان يؤمن بالمذهب الاثني عشري، كان يعتبر النزارية والغلاة. ملاحدة لأن هؤلاء قللوا من قيمة الظاهر (الشريعة أمام الباطن (الحقيقة)).
هنا يجب أن نذكر أن بعض فرق الصوفية الذين كان لهم سهم في ترويج العقائد والأفكار الشيعية في إيران قبل مجيء الصفوية، كانت قد تأسست في أوائل عصر بعد ألموت. وخاصة فرقة النعمة اللهية. التي كان الأئمة النزاريين على صلة قريبة بهم.
ونرى أن لا بدّ أن نخص حيدر الآملي بكلمة مستقلة.
حيدر الآملي
ولد في آمل من بلاد مازندران، واشتغل من عنفوان شبابه إلى الثلاثين بالعلوم الظاهرية ـ المنقول منها والمعقول ـ على كبار الأساتذة في مسقط رأسه آمل وفي خراسان واسترآباد وأصفهان لمدة عشرين سنة، ولما بلغ الثلاثين من سني عمره عاد من أصفهان إلى بلده آمل فاجتمع بفخر الدولة بن الشاه كيخسرو، فقربه فخر الدولة حتى أصبح من أقرب أصحابه وأعظم نوابه وحجابه، ثم طلبه فخر الدولة شاه غازي وأخوته جلال الدولة اسكندر وشرف الدولة كستهم وسعد الدولة طوس الملك، فحصل له منهم من الجاه والمال الشيء الكثير.
ولما اتجهت إليه الدنيا وحاز شرفاً ظاهرياً عظيماً وأموالاً طائلة، علم ضلال هذا الطريق فترك المال والأهل والوطن ولبس دلقاً قيمته أقل من درهم، فخرج بقصد الحج من آمل ووصل في مسيره إلى أصفهان فاتصل هناك بالشيخ نور الدين الأصفهاني الطهراني ـ نسبة إلى طهران (ويسميها العامة تيران أو تيرون) قرية على باب أصفهان([497]) ـ فاشتدت الصلة بينهما حتى عقدا عقد الأخوة بالرغم من أن الصحبة بينهما كانت أقل من شهر واحد، فلبس من يد هذا الشيخ الخرقة الصوفية وأجيز منه إجازة لبس الخرقة.
ثم توجه من أصفهان إلى ايدج، فكان هناك في صحبة شخص كامل عارف منتظراً تهيئة الوسائل للذهاب إلى بغداد، ولكن أخفق في مهمته وعاد إلى أصفهان فتمكن من الذهاب إلى بغداد من طريق آخر، ووفق بعد عناء لزيارة أئمة العراق (عليهم السلام) وجاور المشاهد المشرفة سنة كاملة، ثم توجه إلى حج بيت اللَّه الحرام مجرداً فقيراً، وبعد الحج وزيارة الرسول(ص) وزيارة أئمة البقيع (عليهم السلام) بالمدينة المنورة عاد إلى العراق وسكن النجف الأشرف مشتغلاً بالعبادة والرياضة والخلوة، وفي النجف التقى عبدالرحمن القدسي فقرأ عليه كتاب منازل السائرين وشرحه وكتاب فصوص الحكم وشرحه ورسائل فلسفية أخرى، وطالع أكثر كتب التصوف من المطولات والمختصرات، وكتب على كثير منها شروحاً وحواشي، وألف في مدة أربع وعشرين سنة أربعة وعشرين كتاباً.
واتصل في الحلة بفخر المحققين ابن العلاّمة الحلي، فتتلمذ عليه واستفاد منه كثيراً، وأجازه فخر المحققين بإجازات متعددة منها الإجازة التي كتبها بالحلة في شهر رمضان المبارك سنة 761هـ([498]).
ويقول السيد أحمد الحسيني:
كان السيد حيدر الآملي من كبار الصوفية في القرن الثامن الهجري، سعى كثيراً في تدوين آرائهم وما يتعلق بالتصوف الإسلامي، ولكن لم يكن من المتطرفين الذين لم يعرفوا من التصوف إلا القشور الفارغة التي لا تمت إلى روح الإسلام بصلة، ولم يعرفوا إلا الرقص والرهز والعربدة والبعد عن التعاليم الدينية، بل حاول في مؤلفاته الكثيرة أن يستعرض التصوف في إطار القرآن الكريم وما أثر عن النبي العظيم والأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، ولذا نراه في كتابه فص الفصوص يندد بجماعة من الصوفية في أقوالهم الباطلة ويبين معايبهم وخرافاتهم، كما يذم بعضهم في كتابه الكشكول، وهذا يدل على أنه يتعلق بالتصوف كطريق إسلامي لتهذيب النفس والرقي بها إلى مدارج الكمال.
ثم يقول السيد الحسيني عن كتابه (المحيط الأعظم) وهو في تفسير القرآن أنه يوجد منه نسختان أحدهما في خزانة الروضة الحيدرية برقم (22) والثانية في مكتبة السيد المرعشي العامة في مدينة (قم) ثم يصف الكتاب بما يلي:
طريقة المؤلف في كتابه أنه يبدأ بآي من القرآن يكتبها بالحمرة، ثم التفسير ويستعرض فيه ما يتعلق بالآيات من الجانب الأدبي ووجوه القراءة وبعض الأحاديث التفسيرية وأقوال المفسرين، ثم التأويل فيدخل في مباحث عقلية وصوفية عميقة.
والمؤلف في القسم التفسيري يختصر الكلام ما أمكنه مع استيعاب وشمول، وفي القسم التأويلي يطول الكلام جداً مع تقسيم وتفريع وتشقيق. ففي آية البسملة مثلاً نجد القسم الأول لا يستوعب أكثر من صفحتين، أما القسم الثاني فيستوعب سبعاً وأربعين صفحة في ستة أبحاث: الباء وتحقيقه، النقطة التي تحته، السين والميم، اللَّه وما يتعلق به، الرحمن الرحيم، تطبيق حروفها بحروف العالم كلها.
ومن هنا نعرف أن الكتاب ليس فيه من التفسير ـ على المعنى المصطلح ـ إلا الشيء القليل، بل هو كتاب حاول المؤلف أن يجمع فيه المباحث العميقة المتعلقة بالتصوف من كل جوانبها، وقد وفق تمام التوفيق فيما أراد وقصد تحت عنوان تأويل القرآن الكريم.
والشيء الجديد الذي يلفت النظر في عمل المؤلف أنه يختصر كثيراً من الموضوعات والمباحث في جداول ودوائر وصور، ولكن في النسخة التي نعرفها هنا بقي محل كثير من هذه الصور بشكل بياض لم ينقش فيه شيء.
ويستند المؤلف في معلوماته التفسيرية إلى كتاب مجمع البيان للطبرسي والكشاف للزمخشري، وفي التأويل إلى أقوال الشيخ الكامل نجم الدين الرازي والمولى كمال الدين، وينقل كثيراً عن شرح نهج البلاغة لابن ميثم والفتوحات المكية لابن العربي وكتاب الخطيب للجلودي، وربما يقتبس عن بعض الكتب من دون إشارة إلى المصدر كما فعل مثلاً في فصل تقدم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على غيره في العلوم والمعارف، حيث اقتبس هذا الفصل من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي من دون تسمية الكتاب.
يقول المؤلف في مقدمته بصدد بيان خطته في كتابه هذا: «.. أن أكتب لهم كتاباً جامعاً للتأويل والتفسير بحيث يكون التأويل مطابقاً لأرباب التوحيد وأهل الحقيقة غير خارج عن قاعدة أهل البيت (عليهم السلام)، والتفسير موافقاً لأرباب النقل وأهل الشريعة غير خارج عن قاعدة أهل البيت (عليهم السلام) بحسب الظاهر أعني يكون جامعاً للشريعة والطريقة والحقيقة لقول النبي(ص) «الشريعة أقوالي والطريقة أفعالي والحقيقة أحوالي». لأن كل كتاب يكون جامعاً لهذه المراتب الثلاثة التي هي جامعة لجميع المراتب المحمدية يكون جامعاً لجميع المراتب الإلهية والكونية حاوياً لمجموع الكمالات المنسوبة إلى الأنبياء والأولياء بأجمعهم لقوله(ص): «أوتيت جوامع الكلم وبعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
وقد جاء تاريخ الكتاب بخط المؤلف على الورقة الأولى من الجزء الثاني هكذا:
سلخ شوال بالمشهد المقدس الغروي سلام اللَّه على مشرفه من سنة سبع وسبعين وسبعمائة هجرية نبوية.
ونترك الكلام هنا للشيخ عبدالجبار الرفاعي:
إنه لا يلوح لنا أثر مهم في المعقول والعرفان كإنتاج لهذه المدرسة بعد شيخ الطائفة الطوسي حتى النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، عندما حط رحاله في النجف السيد حيدر بن تاج الدين علي پاد شاه الآملي أبرز مؤسسي الحكمة العرفانية عند الشيعة بعد أن طاف عدة بلدان في رحلة علمية تواصلت من بداية حياته إلى مدة ثلاثين سنة أو قريب منها»([499]) كما حكى لنا هو ذلك في حديثه عن نفسه وبيان حاله من ابتداء مراحل السلوك إلى حين الوصول، وما ارتسم من معالم تجربته الروحية، وتلقيه للعلوم اللدنية دون الكسبية في نهاية المطاف، حيث يقول:
«وبالجملة حتى بعد مدة وصلت إلى بغداد بطريق آخر، وزرت المشاهد المقدسة من مشهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ومشهد الحسين، وموسى والجواد، وسر من رأى (عليهم السلام) وجاورتهم سنة كاملة، ثم توجهت إلى الكعبة بقصد الحج مجرداً فقيراً مع عدم التمكن الصوري، وزرت الرسول(ص) والأئمة الأربعة (عليهم السلام) بالمدينة، ورجعت إلى العراق وسكنت المشهد المقدس الغروي سلام اللَّه على مشرفه، واشتغلت بالرياضة والخلوة والطاعة والعبادة، وطلب العلوم الحقيقية اللدنية الإرثية دون الكسبية التعليمية، ولم يكن هناك أحد يعرف هذا القسم، وكان هناك شخص عارف كامل خامل الذكر بين الناس، ولي من أولياء اللَّه، اسمه عبدالرحمن القدسي، فقرأت عليه أولاً كتاب منازل السائرين مع شرحه، ثم كتاب فصوص الحكم مع شرحه، ثم رسائل أخر، ومضى على هذا زمان، وكشف لي ببركة هذا وببركة المجاورة، والتوجه إلى حضرة الحق وحضرة الأئمة (عليهم السلام)، أكثر كتب التصوف من المطولات والمختصرات، وكتبت عليها شروحاً وحواشي كما ذكرت في صدر هذا الكتاب [يعني تفسير المحيط الأعظم] مفصلاً، وصنفت بعد ذلك الكتب المذكورة في الفهرست وهي قريبة إلى عشرين أو أربعة وعشرين كتاباً، وذلك في مدة أربع وعشرين سنة وكان آخر تلك الكتب هذا التأويل [أي تفسير المحيط الأعظم]»([500]).
يؤرخ السيد حيدر الآملي في هذا النص لأخصب مرحلة من مراحل الإنتاج الغزير في حياته، وهي المرحلة التي بدأت مع هجرته إلى النجف الأشرف وتلمذه على القدسي ومجاورته لقبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان ذلك في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة من الهجرة([501])، فقد استلهم مؤلفاته من بركات تلمذه على الولي عبدالرحمن القدسي، ومجاورة المشهد الغروي المقدس في النجف، وقد عبر عن تدفق الفيوضات على قلبه بحيث أضحى «المشهد المقدس الغروي الذي هو مشهد مولانا وسيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، موجب الفتح للفتوحات الغيبية على قلبي إجمالاً، ثم تفصيلاً.. ففاض على قلبي من اللَّه تعالى ومن حضراته الغيبية في هذه المدة، غير ما قلته من «تأويل القرآن» و«شرح الفصوص»، من المعاني والمعارف والحقائق والدقائق التي لا يمكن تفصيلها بوجه من الوجوه، لأنها من كلمات اللَّه غير القابلة للحصر والعد والانتهاء والانقطاع»([502])، ومكث الآملي في النجف مجاوراً المشهد المقدس ما يزيد على ثلاثين سنة، كما أشار إلى ذلك في شرحه لفصوص الحكم قائلاً: «فشرعت في شرحه.. وهذا كان بعد مجاورتي بالمشهد المقدس ثلاثين سنة على الوجه المذكور. وكان ابتدائي فيه سنة إحدى وثمانين وسبعمائة من الهجرة، والانتهاء منه سنة اثنين وثمانين وسبعمائة»([503]).
وفي هذا الضوء يمكن القول إن النصف الثاني من القرن الثامن شهد ازدهاراً مجدداً في مدرسة النجف، أتيح لها معه هذه المرة أن تساهم بفعالية مشهودة في تأسيس الحكمة العرفانية عند الشيعة على يد السيد حيدر الآملي، وربما كان عبدالرحمن القدسي أستاذ الآملي صاحب الحظ الأوفر في ذلك، وإن كنا لا نعرف الكثير عن حياته، لكن يمكن معرفة ما بلغه هذا الرجل من موقع علمي شامخ في هذا الفن من خلال تصديه لتدريس أدق المتون العرفانية، وما شهد به تلميذه الآملي بما أفاضه عليه من معارف.
لقد كان للقدسي دور أساسي في توجيه الآملي، وتيسير مباحث العرفاء له، وإعداده لمهمة غير عادية سيضطلع فيها لاحقاً، بإنجاز طائفة من أهم مؤلفات الحكمة العرفانية الأولى في التراث الشيعي وهذا ما يتجلى لنا بوضوح في إجازته لتلميذه الآملي التي جاء فيها:
«أما بعد، فقد قرأ عليّ السيد الإمام الهمام، العالم الكامل، قطب الموحدين، زبدة المتبحرين، كهف الحاج والمعتمرين، المخصوص بعناية رب العالمين، السيد ركن الحق والملة والدين، حيدر بن تاج الدين علي پادشاه الحسيني الآملي أدام اللَّه ظله، كتاب فصوص الحكم لمحيي الدين بن العربي قدس اللَّه سره مع شرح للقيصري، وكتاب منازل السائرين للشيخ أبي إسماعيل الهروي رحمة اللَّه عليه مع شرح لعفيف الدين التلمساني رحمة اللَّه عليه، قراءة مرضية، تشهد بفضله وفطنته، وكان استفادتي منه أكثر من إفادتي له، وكان ذلك بالمشهد الغروي سلام اللَّه على مشرفه، سلخ رجب المرجب من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وكتب الفقير إلى اللَّه تعالى عبدالرحمن بن أحمد القدسي تجاوز اللَّه عن سيئاته»([504]).
استطاع السيد حيدر الآملي أن يكتب ما مجموعه ستة وعشرين كتاباً ورسالة، تنتظم بمجموعها في محاولة لإعادة تدوين الحكمة العرفانية لمن سبقه، ولا سيّما الشيخ محيي الدين بن العربي، في إطار تأويل تراث أهل البيت (عليهم السلام)، وتأويل القرآن الكريم الذي تمثل في كتابه الموسوم بـ«المحيط الأعظم والطود الأشم في تأويل كتاب اللَّه العزيز المحكم»، والذي رتبه كما ذكر: (على سبعة مجلدات كبار، بإزاء تأويل الشيخ الأعظم نجم الدين الرازي المعروف بـ«دايه» فإنه رتب كتابه على ستة مجلدات كبار، بعد تسميته بـ«بحر الحقائق ومنبع الدقائق»، ونحن أردنا أن يكون لنا تفسير على قرنه من كل الوجوه، وبمقتضى الحديث الوارد فيه أيضاً: «إن للقرآن ظهراً وبطناً، ولبطنه بطناً، إلى سبعة أبطن»، وبمقتضى اشتماله أي القرآن الكريم على السبعات المعلومة، وغير ذلك مما أوجب ترتيبه عليها([505]).
وتعتبر محاولة الآملي هذه أول أوسع محاولة لترسيخ المنحى التأويلي في التراث الشيعي، وقد مهّد هذا المنحى لولادة اتجاه متميز بعد أقل من قرنين، ثم تعاظم دور هذا الاتجاه لدى الشيعة بمرور الزمان، ولم تجهضه الردود المتنوعة التي أطلقها المحدثون والفقهاء والمتكلمون من الشيعة، الذين أصر الكثير منهم على شجب هذا المنهج في تفسير القرآن الكريم، وفهم المأثور عن الرسول وأهل البيت صلوات للَّه عليهم. وبغض النظر عن مدى صحة هذا المنهج وصواب المنحى الذي تدور حوله أعمال الآملي، ودقة تعبيره عن هدى الوحي الإلهي فإنه يمكن اعتبار «الإنتاج العقلي لشيخ آمل، السيد حيدر بن علي بن حيدر العلوي الحسيني، من قمم التفكير الإسلامي في القرن الثامن للهجرة؛ فمؤلفاته التي حفظها لنا الزمن وأمكن الاطلاع على بعضها، تصور نضوج الحكمة العرفانية في الإسلام، وانتظامها سائر النشاط الفكري والديني على السواء»([506]).
إن الفضاء الذي انتشرت في آفاقه الآثار التي تركها الآملي جغرافياً وزمنياً، ارتسم فيه الدور التأسيسي لبيئة النجف، في إثراء التجربة الروحية عند الشيعة، ذلك أن مدرسة النجف لم يغر ماؤها بعد ارتحال الفقه والحديث إلى الحلة، وإنما أتمت عملها باستئناف مهمة جديدة لم تتعهدها الحلة ولا أية مدرسة لعلوم الدين عند الشيعة آنذاك، فأزاحت ما تكدّس من الحجب والكدورات في عالم الظاهر، وغطست بعيداً تغور نحو الباطن، متدلية من الشريعة إلى الطريقة، لتكتشف في نهاية المطاف الحقيقة فتصل إلى ملاذها المفقود، لأن «الشريعة والطريقة والحقيقة، أسماء مترادفة الدلالة على حقيقة واحدة، التي هي حقيقة الشرع المحمدي باعتبارات مختلفة، وليس بين هذه المراتب مغايرة أصلاً في الحقيقة، لأن الشرع كاللوزة مثلاً المشتملة على القشر واللب، ولبّ اللبّ، فالقشر كالشريعة الظاهرة، واللب كالطريقة الباطنة، ولبّ اللبّ كالحقيقة الباطنة للباطن، واللوزة جامعة للكل، كما قيل في الصلوات ومراتبها المترتبة عليها: الصلاة خدمة، وقربة، ووصلة؛ فالخدمة هي الشريعة، والقربة هي الطريقة، والوصلة هي الحقيقة، واسم الصلاة جامع للكل. وقيل أيضاً: الشريعة أن تعبده، والطريقة أن تقوم بأمره، والحقيقة أن تقوم به»([507]).
إن تبلور هذا المنحى في مسار الفكر الشيعي، تسبب في تداعي تفسيرات واستفهامات مختلفة، كانت تنثال عبر عدة قرون حتى عصرنا الراهن، وهي بمجموعها وإن لم تصدر عن رؤية واحدة، لكنها تتوحد في تفكيك عناصر الفكر الشيعي وإحالة بعضها إلى ثقافات أخرى خارج البيئة الإسلامية.
وقد راح ضحية هذا المنهج ذي النظرة الأحادية في قراءة الموروث الإسلامي عند الشيعة مكونات أساسية في هذا الموروث، عندما اختزل بعضهم التشيع بنزعة غنوصية باطنية ظهرت في الإسلام، مثلما هو الحال في بعض الاتجاهات الشاذة والمنحرفة في التاريخ الإسلامي، فيما حاول آخرون أن يطابقوا بين التشيع والتصوف، أو النظر إليه باعتباره نظاماً عرفانياً ليس إلا([508]). وذهب عن هؤلاء أنّ التشيع تجلى في البرهان والبيان والعرفان، فهو «وجهة نظر تجلّت في مختلف فروع الثقافة الإسلامية ومجالاتها، في الفقه والحديث، وفي التفسير والكلام، وفي التصوف والفلسفة، ولذا فإن من الخطأ أن ينظر إلى التشيع أو إلى التسنن بوصفهما نظامين عرفانيين لا غير، ففي التشيع ـ كما في التسنن ـ بيان وعرفان وبرهان، إذا كان لنا أن نأخذ بمصطلحات الجابري، وليس العرفان حكراً على الشيعة من دون أهل السنّة»([509]).
إن القراءة الموضوعية لتراث الشيعة تقضي أن نلاحظ مكونات هذا التراث بمجموعها كمنظومة متواشجة متسقة، يتمم ويغذي بعضها بعضاً، تتعانق كلها في تأليف هذا التراث، ولا ينفي أحدها الآخر، فلا يصح أن نضحي بالعقل لصالح المضمون الروحي ولا العكس، وبهذه الرؤية سنجد الحكمة العرفانية للتشيع ليست إلا تعبيراً عميقاً عن الثراء الروحي في الإسلام، وحينئذٍ سنعرف أن «للشيعة أكبر الفضل في إغناء المضمون الروحي للإسلام، وإشاعة الحياة الخصبة القوية العنيفة، التي وهبت هذا الدين البقاء قوياً غنياً قادراً على إشباع النوازع الروحية للنفوس، حتى أشدّها تمرّداً وقلقاً… ومن الغريب أن الباحثين لم يوجهوا عناية كافية إلى هذه الناحية، الدور الروحي في تشكيل مضمون العقيدة، الذي قامت به الشيعة، والعلة في هذا أن الجانب السياسي في الشيعة هو الذي لفت الأنظار أكثر من بقية الجوانب، مع أنه ليس إلا واحداً منها»([510]).
الصوفية الصفوية تتحول إلى حركة ثورية
ثم إلى قيادة دولة
انتشرت الطريقة الصوفية الصفوية التي كانت قاعدتها في أردبيل، انتشرت بسرعة في جميع أنحاء مقاطعة آذربيجان وشرق الأناضول وسوريا وخراسان. والأكثر أهمية إنها تغلغلت بين بعض قبائل التركمان في آذربيجان والمناطق المحيطة بها. ولما جلس النائب الرابع للشيخ صفي أبي جنيد على كرسي الزعامة والإرشاد أصبحت الطريقة الصوفية الصفوية حركة ثورية مقاتلة سياستها (افتح البلدان وأحكمها) وأصبح لأنصار هذه الطريقة تنظيمات بين التركمان حيث شكلوا أفواجاً من القوات الصوفية المضحية (غزاة الصوفية). وكان يستفاد من هؤلاء في البداية لمقاومة القوى غير الإسلامية المجاورة. وكان جنيد أول شيخ صفوي أبرز مشاعره الشيعية مع عقائده المذهبية المتطرفة على غرار عقائد غلاة الشيعة. حارب جنيد، المسيحيين في القفقاس حول آذربيجان وقتل في إحدى هذه الحروب سنة 864/1460.
ورث حيدر من والده الشيخ جنيد أساليبه السياسية وقتل حيدر في إحدى معاركه سنة 893/1488. كان الشيخ حيدر قد أمر. أنصاره أن يضعوا على رؤوسهم قبعات حمراً لها اثنا عشر ضلعاً تمثلاً بأئمة الشيعة الاثني عشر ولهذا يسمونهم باللغة التركية القزلباش (أي أصحاب الرؤوس الحمر). قتل السلطان علي بن حيدر سنة 898/1493 في الحرب.
وكانت الطريقة الصوفية قد أصبحت الآن منظمة عسكرية قوية يدعمها الكثير من أنصارها الأوفياء المخلصين من قبائل التركمان القوية التي كانت تشكل العمود الفقري لقوات القزلباش ونتيجة لذلك تمكن الشاب إسماعيل شقيق السلطان علي بصفته شيخاً للطريقة الصوفية، تمكن بسهولة من احتلال آذربيجان واستخلاصها من سلالة (آق قوينلو). وفي صيف سنة 906/ 907/ 1501 دخل إسماعيل مدينة تبريز عاصمة السلالة المنهارة وأعلن نفسه ملكاً باسم الشاه إسماعيل.
كان أول ملك في السلالة الصفوية رجلاً قوياً استمر حتى الربع الثاني من القرن الخامس عشر وفي السنوات التالية تمكن من أن يسيطر على جميع إيران التي كان يحكمها سلالات مختلفة. وفي عهده (907 ـ 930/ 1501 ـ 1524) توحدت إيران بعد انقسامها بين تلك السلالات. أعلن إسماعيل فور جلوسه على العرش، المذهب الشيعي الاثني عشري، مذهباً رسمياً للدولة الصفوية وفتح عصراً جديداً أمام التشيع والحركات الشيعية وعلماء الشيعة في إيران.
في مثل هذه الأحوال التي كانت المشاعر الشيعية تكسب شعبية في إيران. بدأ إحياء المذهب الإسماعيلي النزاري في مدينة أنجدان حوالى منتصف القرن التاسع/ الخامس عشر في عهد إمامة المستنصر باللَّه الثاني. والعناوين التي استخدمها هذا الإمام الإسماعيلي القاسم شاهى وحفيده تدل على أن الأئمة النزاريين بدؤوا الآن يخطون خطوات علنية لتخليد عظمة الإسماعيلية القديمة. ولكن وبالرغم من تحسن الظروف فإن الأئمة وأنصارهم كانوا مضطرين للالتزام بالتقية والتستر وراء الزي الصوفي لإخفاء حقيقتهم. والمستنصر باللَّه الثاني، الإمام الثاني والثلاثون، الذي كان عنوانه الصوفي (قلندر) ربما يكون أول إمام إسماعيلي قاسم شاهي أقام علاقات مع الطريقة الصوفية النعمة اللهية، رغم عدم وجود وثيقة مشهودة تؤيد هذا الأمر. ولكن حتى في بداية عهد (أنجدان) كان النزاريون يستخدمون الزي الصوفي في إيران ومن أجل ذلك استخدموا مصطلحات الصوفية وهي مرشد ومريد. وكان البعيدون يتصورون الأئمة النزاريين مرشدين وشيوخ وأقطاب في الصوفية وكانوا يعتبرونهم سادة حسينيين كما أن أنصار الأئمة كانوا يعتبرون أنفسهم مريدين يقوم بهدايتهم وإرشادهم، مرشد جليل المنصب في الطريق نحو الحقيقة وأثر انتشار الأفكار والعقائد الشيعية المخلصة والوفية لعلي (عليه السلام) بين الكثير من الفرق الصوفية والحركات الدينية. طوال عصر (أنجدان) فقد أصبحت العادة المتبعة بين الأئمة القاسم شاهية استعمال أسماء صوفية لأنفسهم مثل الشاه قلندر والشاه غريب أو المصطلحات الصوفية مثل شاه وعلي وإضافتها إلى أسمائهم.
ويبدو أن الأئمة النزارية القاسم شاهية، بعد بحث طويل اختارو (أنجدان) محلاً لإقامتهم وقاعدة لدعوتهم. وكانت أنجدان تمتاز بموقع جيد وفي نفس الوقت كانت بعيدة عن مراكز وقواعد ومقرات القوى الرئيسية الكبيرة السنية التي كانت آنذاك تستولي على شرق وغرب إيران. إضافة إلى ذلك فإن أنجدان كانت قريبة من قم وكاشان اللتين كانت تسمى كل منهما (دار المؤمنين) وهما مركزان شعبيان للشيعة في إيران.
تحول الأحوال
إن قيام الصوفية وإعلان المذهب الشيعي الاثني عشري المذهب الرسمي للدولة الصفوية في إيران في سنة 907/1501 كانت تبشر بفرص مناسبة لنشاطات النزارية والحركات الشيعية في إيران. والحقيقة أن النزاريين في السنوات الأولى لحكومة الصفويين قللوا من شدة مراعاتهم للتقية والالتزام بها. وكان زعيم المحمد شاهية آنذاك الشاه طاهر الذي هو أشهر أئمتهم. وكان زعيم القاسم شاهية نور الدين محمد المعروف بأبي ذر علي الذي خلف والده غريب ميرزا بصفته الإمام الخامس والثلاثون للأئمة القاسم شاهية. وكان أبو ذر علي معاصراً للشاه إسماعيل الأول وابنه الشاه طهماسب الأول. ومن المعروف إنه تزوج أما ابنة الشاه طهماسب أو شقيقته غير أن تفاؤل النزاريين لم يدم طويلاً حيث أن الصفويين بدأوا بسرعة باتخاذ سياسة مذهبية شاقة هدفها القضاء على أنواع التصوف وعلى الحركات الشيعية المختلفة التي كانت قد جاوزت حدود المذهب الاثني عشري.
وهذه السياسة نفذت حتى على قوات القزلباش الذين أوصلوا الصفويين إلى السلطة. ولكن الصفوية ومنذ البداية أخذوا يلاحقون المجموعات الشيعية المتطرفة والفرق الصوفية ويمكن القول إن أكثر الفرق الصوفية في عهد حكومة الشاه إسماعيل كانت قد تعطلت عدا النعمة اللهية والنوربخشية والذهبية حيث قلّت أهميتها طوال العصر الصفوي تدريجياً.
ويبدو أن الصفة الحقيقية للأئمة النزاريين وأتباعهم قد عرفت إلى حدٍ ما بعد استقرار الدولة الصفوية بالرغم من تسترهم تحت غطاء الزي الصوفي ولم تمض مدة حتى لفتت نشاطات الإسماعليين النزاريين المتزايدة والعلنية انتباه أوائل الملوك الصفويين وانتباه العلماء الاثني عشرية وكان رد فعلهم ملاحقتهم واعتقالهم واضطهاد أنصارهم، فالشاه إسماعيل أصدر أمراً بتأديب الشاه طاهر الذي كان قد حقق لنفسه شعبية في مدينة كاشان وأرغمه على الهرب إلى الهند المكان الذي أقام فيه أئمة سلالة المحمد شاهية بعد ذلك. كما أن الشاه طهماسب، لاحق واضطهد النزاريين القاسم شاهيين في عهد إمامهم السادس والثلاثين مراد ميرزا ابن أبو ذر علي. ويشير كتاب تاريخ ألفي([511]) في ذيل سنة 982/ 1574 ـ 1575 إلى ملاحقة واضطهاد نزاريي (أنجدان) في عهد المدعو مراد الذي كان يدعي إمامتهم. مفصلاً هذ الحادث الذي وقع في عصر الشاه طهماسب كما جاء ذكر ذلك في كتاب القاضي أحمد القمي أحد المؤرخين المعاصرين آنذاك عند الكلام عن أحداث سنة 981/ 1573 ـ 1574.
يقول المصدران أن مراد كان له أنصار كثيرون في الهند أيضاً وكانوا يرسلون إليه كميات كبيرة من النقود من السند والمناطق الأخرى ولم يكن مراد ميرزا ولا الإمام الذي قبله موجودين دائماً في أنجدان التي كانت مقر الدعوة النزارية القاسم شاهية وقاعدتها. وكان مراد ميرزا يقوم بنشاطات وفعاليات سياسية خارج أنجدان وكان قد صار له أنصار كثيرون في مدينة كاشان ومناطق أخرى من إيران المركزية. فخاف الشاه طهماسب من نشاطات مراد ميرزا وفي بداية سنة 981/1573 أصدر أمراً إلى أمير خان موصلو حاكم مدينة همذان، بالذهاب إلى منطقة أنجدان واعتقال مراد ميرزا والقضاء على أنصاره. فقتل أميرخان عدداً كبيراً من نزاريي أنجدان وأطرافها وحصل على غنائم كثيرة منهم. إلا أن ميرزا الذي كان آنذاك في قلعة في ناحية كمرة بأطراف أنجدان تمكن من الهروب. ولكن بعد فترة قصيرة اعتقلوه وألقوه في السجن. وفي جمادي الثاني سنة 981/ أكتوبر 1573 تمكن مراد ميرزا بمساعدة محمد مقيم أحد رجال الحكومة البارزين في الدولة الصفوية الذي كان تابعاً للإمام النزاري أن يهرب من السجن ومن المساعدات التي تلقاها من أنصاره في طريقه في فارس ومكران والسند، تمكن أن يصل إلى أطراف قندهار. وبعد أشهر قليلة أعتقله الحراس الصفويون في أفغانستان من جديد وجاؤوا به إلى الشاه طهماسب. فأمر الشاه طهماسب بقتله مع محمد مقيم. والجدير بالذكر أن خير خواه الهراتي الذي كان معاصراً للشاه طهماسب الأول ومراد ميرزا والإمام الذي سبقه، يقول في كتابه أن أحد أئمة النزارية في عهده غاب عن الأنظار مدة سبع سنوات، أي كان مستوراً ويعني خير خواه بذلك مراد ميرزا.
التصوف في العصر الصفوي بإيران
على الرغم من أن العصر الصفوي ابتدأ بحركة جماعة من الصوفيين إلا أنه كان عصراً غير مساعد لحركة التصوف، ونلاحظ ذلك بصورة أوضح كلما اقتربنا من نهاية هذا العصر، بل استمر هذا الوضع حتى بعد نهايته وبداية العصر القاجاري وحكم محمد شاه القاجاري (1250 ـ 1264هـ) ولكن ذلك لم يوقف الحركة العامة للتصوف والعرفان في إيران، أو يحد من النزعة الفطرية للإيرانيين في هذا المجال.
ويمكن أن نشخص سببين أصليين لهذا الوضع غير المساعد لحركة التصوف في ذلك العصر، وهما: غلبة الصوفيين الصفويين وغلبة العلماء القشريين.
تميزت الجماعة الصوفية الصفوية في زمن نهوض وسطوع نجم الشاه إسماعيل الأول وابنه الشاه طهماسب بفقدان الجانب التربوي للتصوف، ولم يكونوا جاهلين بالأهداف السامية للتصوف وحسب، بل كانوا يتبعون عقائد عامية ويطيعونها طاعة عمياء، ويعتقدون طريقة مشايخهم ويرفضون كل طريقة سواها، بل ويحاولون القضاء عليها قضاء مبرماً. وقد خرج هؤلاء الأتراك الصوفيون القزلباش عن حقيقة التصوف منذ أن استبدلوا خرق الدروشة التي كانوا يرتدونها بدروع الحرب وبزات القتال واستبدلوا مسابحهم بالسيوف وذلك في عهد السلطان جنيد والسلطان حيدر، ولكن الأمر الذي يدعو للاستغراب أنهم يصرون على ادعاء التصوف والتحدث عن طريقتهم الصوفية وتسمية زعيمهم باسم المرشد الكامل. وقد استمر هذا الأمر حتى حين في عهد الحكم الصفوي، ولكن لم يكن أصحاب التيجان الحمر يشبهون أسلافهم الصوفيين بمجاهدة النفس وتحمل الرياضات الشاقة ولا المرشدون الكاملون كانوا يشبهون المشايخ السابقين، بل كان الفريقان يعيشون على الميراث الذي تركه أصحاب هذه الطريقة الذين نشطوا في زمنهم في تعليم أتباعهم وتربيتهم دون أن يحصلوا على أسباب الملك والسلطان.
والجدير بالذكر أن النظام الخانقاهي الخاص الذي كان الصوفيون يعتمدونه قد تزعزع حينما أهان الشاه إسماعيل الثاني خليفة الخلفاء والمرشد الكامل حسين قلي وسمل عينيه بكل إذلال. وكما نعلم فإن المرشد الكامل هذا كان قد بالغ في التنكيل بالصوفيين في العاصمة وغيرهم من أصحاب التيجان الحمر، وكان ذلك قد أحدث شرخاً كبيراً في التاج الحيدري ذي الاثني عشر خرقاً. ومما زاد في تفرق القزلباش وضعف مرشديهم وبالتالي ضعف كيانهم ونظامهم الحروب الطويلة بين طوائفهم وضعف شأن المرشد الكامل، وقد بلغ هذا الأمر حداً بعيداً، بحيث حين تولى الشاه عباس الأول الحكم لم يبق من قوة التصوف والقزلباش إلا الشعارات. فنفس هؤلاء الصوفيين الذين ناصروا الشاه إسماعيل الأول في ثورته مستندين في ذلك إلى التصوف قبل كل شيء، كانوا قد خرجوا فيما بعد عن نمط حياتهم وطريقتهم التي تقوم على أساس الزهد والابتعاد عن حطام الدنيا إلى طلب الإمارة والسلطان، ففقدوا الاثنين معاً، وتعلقت أمور الدين والدنيا بغيرهم. فقد آلت القدرة المعنوية إلى علماء الدين الشيعة ففي بداية العهد الصفوي استقدم هؤلاء العلماء من البلاد العربية نتيجة للحاجة الملحة التي كان الإيرانيون حديثو العهد بالتشيع يشعرون بها، وذلك لجهلهم بتعاليم المذهب الشيعي، ولكن هؤلاء الضيوف سرعان ما تغلبوا على مضيفيهم، وأخذوا يحاربون التقاليد والأفكار الإيرانية ومنها التصوف بما كانوا يحملونه من ميراث فكري عريق.
وقد تحدث الأستاذ محمد تقي بهار (ملك الشعراء) حول التصوف في العهد الصفوي فقال: «يبدو أن مصدر جاه وحرمة الصفوية هو تصوف الأجداد وتأييد الأتباع الصوفيين لهم، ولكن هذا الأمر تغير كثيراً خلال خمسين سنة من جلوس الشاه طهماسب الأول على العرش وانتهاء الحروب وتسيير التولائيين والتبرائيين في الأسواق والأزقة وانتشار الكتب وفتح المكاتب. وقد غلبت الثقافة الجديدة وطبعت البلاد بطابعها، وأغلق باب الإرشاد رغم أن الصفوية ابتنت في بداية عهدها على هذا الباب، ولم يبق من التصوف في العهد الصفوي سوى بقايا جماعة (الفتيان) الذين كانوا يتظاهرون بالتصوف، وكان خليفة السلطان يكسيهم، فيدخلون بذلك في جماعة الصوفيين المخلصين وهم فدائيون لشخص الشاه. وفي الواقع كان الصوفيون قد انهزموا بوجه الفقهاء والإخباريين. وقد اعتبرتهم كتب الشيعة ملاحدة إباحيين وهاجمت ملا الروم (المولوي) وأفتت بقتل وحرق أتباع هذه الفرقة.
لقد تخلى الإيراني آنذاك عن خرقة الدراويش وحمل السيف والقوس وتوجه لقتال أهل السنة القادمين من الشرق والغرب فاغري أفواههم مكشرين عن أنيابهم لالتهام إيران وتقطيعها إرباً، وكان فاتحاً ومنتصراً حيثما توجه. ولو كان الإيرانيون من أهل السنة لما بقي لإيران اتحاد وطني ولا استقلال، ولتقاسمها الأوزبك والعثمانيون بل حتى دولة أفغانستان ما كان بالإمكان أن تظهر إلى الوجود. (انتهى).
التأثير المتبادل بين التصوف والتشيع في العهد الصفوي
تحدثنا فيما مضى عن طبيعة ظهور الطريقة الصفوية والتحولات التي حصلت نتيجة لمساعي زعماء هذه الطريقة. ونحاول فيما يلي أن نبين التأثير المتبادل بين التصوف والتشيع في ذلك العهد وما نتج عن التفاعل بين هذين المنهجين:
كانت نهضة الشاه إسماعيل الصفوي مبنية في الواقع على أساس بابية الإمام المهدي، وينسب هذا القول إلى الشيخ الگيلاني الذي قال بشأن أبناء صهره ومريده الشيخ صفي: «سيرقى شأنهم يوماً بعد آخر حتى يحين الزمن الذي يظهر فيه قائم آل محمد(ص) المهدي الهادي ويقطع دابر الكفر عن وجه الأرض».
وقد اقترنت حكومة الشاه إسماعيل الصفوي بإعلان مراسيم شيعية ـ صفوية جديدة في سبيل التأكيد على الفعاليات والنشاطات التبليغية للتشيع في إيران. ومن ضمن هذه النشاطات إقامة مراسم العزاء في ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) التي لا تزال إلى الآن تتبع بنفس المنهج. وكذلك التأكيد على عبارة «أشهد أن علياً ولي اللَّه» كأمر ملازم للإقرار بالتشيع، وأضافتها إلى الآذان([512]). والجدير بالذكر هنا أن حركة الشاه إسماعيل الصفوي ابتنت في حقيقتها على جوهر صوفي في إطار شيعي. وكان التشيع في نظر الشاه إسماعيل الذي اعتبر نفسه نائباً للأئمة وباباً للإمام صاحب الزمان، عبارة عن تلك المظاهر السطحية والشعارات الساذجة. وبعد وفاته اتجه التشيع نحو التنظيم والاستقرار، حيث استعان الشاه طهماسب الذي لم يكن يملك قابليات، أبيه وذكائه بالفقهاء الشيعة الذين استقدمهم من جبل عامل. وقد سبقه إلى ذلك الخواجة علي بن المؤيد آخر حكام السربداريين حينما طلب من فقهاء جبل عامل الدعم المعنوي.
استقدم الشاه طهماسب الشيخ علي بن عبدالعال الكركي ليشرف على تنفيذ هذه المهمة. وبدلاً من أن يقوم هذا بتخفيف حدة التشدد والتوتر، قام بأعمال أكثر تشدداً، لكنه لم يستطع جذب نظر الشاه إسماعيل إليه. حتى إذا مات الأخير آلت الأمور المعنوية إليه، حيث عُدَّ نائباً عاماً للمهدي في جميع الشؤون الاقتصادية والدينية في الدولة الشيعية الحديثة، وأصبح صاحب الاختيار المطلق بحيث أن الشاه طهماسب كان يعد نائباً له. وكان الكركي يبعث ممثلين عنه إلى جميع الولايات. ويسَّر له منصبه الديني الكبير أن يجتهد في آراء جديدة، ومن اجتهاداته جعل التربة للسجود، ولا يزال ذلك جارياً حتى اليوم. وقد وضع عام 933هـ رسالة في ذلك. كما وضع رسالة أخرى في أمر متشدد عنيف.
والجدير بالذكر أنه بالرغم من ذلك كله بقي التصوف يشكل هدفاً أساسياً بالنسبة لأشراف الدولة الصفوية، ومن ضمنهم علماء الشيعة الذين ساهموا بترويج التشيع في إيران من خلال نقل المتون الأصلية للتشيع إلى اللغة الفارسية. ومن هؤلاء العلماء علي بن الحسين الزوارة أي الذي كان أحد تلامذة الشيخ الكركي.
والشيخ الكركي لم يكن العالم الوحيد الذي قدم من جبل عامل إلى إيران، بل كان هناك أيضاً أخوان الشيخ الكركي والشيخ حسين بن عبدالصمد الحارثي (918 ـ 984هـ) وهو والد الشيخ البهائي الذي تولى منصب (شيخ الإسلام) بعد الشيخ الكركي، ثم أعقب ذلك تقاطر فقهاء الشيعة على إيران بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ التشيع، والمعروف أن العنصر العربي كان قائداً لجميع التحولات الاجتماعية والسياسية والدينية في مجالس التصوف والتشيع وخصوصاً في إيران منذ سقوط بغداد حتى القرن الحادي عشر الهجري، ومن الطبيعي أن إطلاق العنان للتشيع والتشديد من الضغط على التصوف السني النقشبندي ترافقا مع هذه السياسة الجديدة، وأصبحا من غايات الحركات الفكرية الحديثة من هنا نلاحظ ظهور انقلاب حقيقي في الفلسفة المشائية، مقترن بالتصوف، كان أبطاله من الإيرانيين في أغلب الأحيان ومن هؤلاء المشائين صهر الشيخ الكركي محمد باقر الملقب بميرداماد، وصدر الدين الشيرازي صاحب كتاب الأسفار الأربعة، وهو تلميذ الميرداماد، وأبو القاسم المير فندرسكي وقد تعرض هؤلاء العلماء والحكماء المتحررون الأتقياء للتكفير من قبل الفقهاء الدنيويين، مما اضطرهم إلى قرن عقائدهم وآرائهم بالنصوص الدينية واستجازة الفقهاء في الرواية تخلصاً من العواقب الوخيمة. وكان بعض هؤلاء يضطر لمغادرة إيران أو الاعتزال في بعض القرى. وقد تعرض الملا صدرا الذي كان صاحب آراء جديدة لمضايقات كثيرة، ورغم كل ما كان يحرص عليه من حذر نراه يكتب في رسالته (الواردات القلبية) هجوماً عنيفاً على الفقهاء الرسميين الذين كانوا يعملون في خدمة الدولة ويسميهم عبيد الشيطان وآلة أعوان السلطان لأخذهم الأموال من حكام زمانهم تحت عنوان (حقوق طلاب العلم) ويضيف قائلاً: «إن سبب فساد الزمن هو وجود العديد من أمثال هؤلاء الفقهاء الذين يأكلون من الحلال والحرام ويفسدون على الناس عقائدهم وهم يتمادون في أعمال الفساد، لأن عوام الناس يقلدونهم([513]).
وأما بالنسبة للتصوف فقد كان زعماء الطريقة النوربخشية والطريقة النعمة اللهية قد وصلوا أسباب القرابة بالعائلة الصفوية ودرس الصوفيون القادريون لدى الفقهاء العارفين. وكثرت في تلك الأجواء دعاوى المهدوية والنبوة، وليس غريباً أن نسمع عن الكثير من هذه الحركات في العهد الصوفي. وأول تلك الحركات هي التي أطلقها أحد الدراويش عام 988هـ وادعى بأنه الميرزا إسماعيل الابن المقتول للشاه طهماسب. وكان هذا الدرويش رجلاً شجاعاً ذا إرادة قوية أجهد الصفويين كثيراً حين حاولوا القضاء عليه.. حتى قتل عام 996هـ.
وفي عام 1002هـ خرج صوفي آخر اسمه الدرويش خسرو كان يتبع المذهب النقطوي ويحمل مسلكاً فلسفياً خاصاً. وقد بلغ تأثيره حتى على داخل الهند. ثم تبعه صوفي آخر السيد محمد في عام 1029هـ وهو من أتباع القادرية، وقد ادعى المهدوية وأسمى بعض أصحابه بالخلفاء وأصدر منشوراً بهذا الشأن.
وفي عام 1041هـ ظهر الدرويش رضا الذي كان يدعي البابية حيناً والمهدوية حيناً آخر. وقد ذكر صاحب (دبستان المذاهب) أنه رأى في مشهد عام 1053هـ شخصاً اسمه محمد قلي كان يدعو الناس إلى أتباع نبوة مسيلمة، ويزعم لهم أن كتب مسيلمة محفوظة عنده، ورداً على لقب الكذاب الذي اقترن به اسم مسيلمة أسمى فرقته (الصادقية)، واستحدث فكراً مستقلاً لفرقته. وفي الوقت ذاته ظهر شخص يطلق على نفسه اسم الأفغاني ويدعي بأن الآية الكريمة: {قل هو الله أحد} إنما نزلت بشأنه.
ومن هؤلاء أيضاً الصوفيون الذين زعموا بأن الشاه طهماسب الصوفي الأول هو الإمام المهدي، وأعدموا جميعاً في تبريز. وكذلك الشاه طاهر الأنجداني الإسماعيلي الذي ادعى الإمامة وهرب من قبضة الشاه إسماعيل إلى الهند. والشريف مهدي الهمداني الذي قتله المتعصبون عام 951هـ. وصوفي آخر شاهد السيد نعمة اللَّه الجزائري (1050 ـ 1121هـ) إعدامه في شيراز وكتب عن عقائده في كتاب (الأنوار النعمانية)، وكذلك ثلاثة دراويش آخرون كانوا يدعون بأنهم شخص الميرزا إسماعيل القتيل، وغير هؤلاء شمس الدين الكلوايي الذي شارك في الخروج علي الشاه عباس الأول في گيلان واتهم بعقائد فاسدة، وقد ورد في هذا الكتاب الحديث عن العديد من أمثال هذه العقائد. ومن هذا يستنتج المحقق التاريخي أن إطلاق الحرية للتشيع بمفهومه الواسع جداً بعد كبت طويل أحدث تحولاً كبيراً في أذهان الناس، وأن كثيراً من الأمور التي كانت تعيش الاختناق طوال قرون طويلة ظهرت للعيان بعد أن كان من غير الممكن ظهورها.
وفيما يتعلق بتأثير التصوف في بداية التشيع خلال العهد الصفوي يجدر القول أن الأصل الصوفي للحكومة وتسلم مقاليد القوة والزعامة للشيعة جعل التقارب بين المنهجين أمراً ممكناً جداً، بل وصل الأمر بهما أن اختلطا مع بعضهما. ومن ثم ليس غريباً أن يكون مترجم الكتب الشيعية إلى اللغة الفارسية في ذلك الوقت رجل صوفي، أو ينقل عن زين الدين العاملي (الشهيد الثاني) إنه كان متعمقاً في التصوف، ويبدو أمراً عادياً أن يعتبر القاضي نور الدين الشوشتري صوفياً بعد أن قتل في الهند عام 1019هـ بجرم التشيع. وأثر اختلاط التشيع والتصوف هذا لم ير الشيخ البهائي في منصب شيخ الإسلام مانعاً من كتابة رسالة صوفية صريحة باسم (الوحدة الوجودية) واستعمال العبارات الصوفية في كتابه (الكشكول)، ولم يمنع البعض من اعتباره أحد أتباع الطريقة النوربخشية([514]).
وبعد أن أدت حرية التشيع إلى ظهور فرقة جديدة متشعبة عن التشيع وقفت جماعة من الفقهاء الصوفيين في مقابل علماء الدين الجدد، وبعبارة أخرى أدى التفاعل الروحي الإيراني المخالف للفقهاء العرب في أوائل العصر الصفوي إلى ظهور مجموعة من الفقهاء الإيرانيين الذين يختلفون عن الفريق الأول بميولهم، ويؤكدون على العرفان والتصوف (سنرى فيما بعد أن تفاعلاً آخر مشابه حدث معاكساً لهؤلاء وتعرض على أثره التصوف والعرفان لهجمات شديدة). وقد كان أفراد الفريق الأخير من الإخباريين، مثل: مؤسس الإخبارية محمد أمين الأسترآبادي (م عام 1033هـ) وأستاذه محمد بن علي بن إبراهيم الأسترآبادي (م عام 1022هـ) اللذين نسب إليهما تقليد ابن العربي والغزالي، والإخباري الكبير محمد بن مرتضى المشهور بالملا محسن فيض (م عام 1090هـ) الذي كان من أتباع الطريقة النوربخشية ومتصوف من أتباع وحدة الوجود، ألف رسالتين هما: الكلمات المكنونة من علوم أهل الحكمة وضياء القلب التي تحوي على ميول صوفية واضحة وتهاجم المجتهدين ومصنف آخر في عدة مجلدات اسمه المحجة البيضاء في إحياء الأحياء، وكذلك ذكروا بشأن العالم الإخباري محمد تقي المجلسي (م عام 1070هـ) بأنه صوفي درس على الشيخ البهائي، وهو من أبناء حافظ أبو نعيم صاحب حلية الأولياء، وأن عدداً من الصوفيين القادريين درسوا على يده([515]).
استمر اختلاط التصوف بالتشيع ونشوء علماء شيعة وسط مصدر التصوف واستمرت أيضاً الميول الصوفية بين الشيعة؛ حتى هزت إيران أحداث جديدة وأصبح طغيان أمراء التصوف القزلباش يشكل تهديداً جدياً للحكومة، وحينئذ بدأ العد العكسي للتصوف فاندلعت الحرب بين التصوف والتشيع وانتهت بإقصاء التصوف عن مواقعه السياسية والاجتماعية والثقافية. وفي هذه الأثناء ظهر فقيه شيعي إيراني أخذ بإيران نحو التشيع الخالص والابتعاد عن التصوف، وهو شيخ الإسلام محمد باقر المجلسي الذي أنكر تصوف أبيه وأعلن براءته من هذه النسبة، وشن هجمات قوية على مشياخ الزهد والتصوف ورفض ارتداء الصوف، وخلافاً لسيرة الفقهاء رجح الغنى على الفقر، وانتهى أخيراً إلى تكفير الصوفيين. ومن خطواته العملية في هذا المجال ضغطه على الجهاز الحاكم في أصفهان حتى أفلح في إخراج جميع الصوفيين عن العاصمة.
وقد منعت إثر ذلك حلقات الذكر وجميع المراسيم الصوفية الأخرى، بل وصل الأمر إلى منع كلمة (ياهو) لمسح الآثار الصوفية في البلاد، وانتشر تلامذة المجلسي في أنحاء أصفهان لتنفيذ هذا الأمر، بل أنهم كانوا يطوفون على دكاكين الفخارين فإذا ما رأوا زيراً كسروه بحجة أنه يردد كلمة (ياهو) إذا ما صيح في جوفه. وفي الحقيقة أن الأهداف السياسية لهذا التحول تبين بوضوح أن المجلسي نفذ سياسته هذه في الوقت الذي وافق أهدافه، وهي ما كان فقهاء الشيعة يطمحون إليه طوال قرون عديدة من الوصول إلى القدرة في تنفيذ الأحكام الشرعية. والجدير بالذكر هنا أن محمد بن الحسن المعروف بالشيخ الحر العاملي (1037 ـ 1097) الذي كان إخبارياً كان قد ألف قبل هذه الأحداث رسالة (الاثنا عشرية في رد الصوفية) اشتملت على اثني عشر فصلاً على غرار جامع الأسرار للسيد حيدر الآملي ولكنها مناقضة تماماً.
لقد انفصل التصوف عن التشيع منذ ظهور الملا محمد باقر المجلسي، فسلك كل واحد منهما بعده مسلكاً خاصاً، وقلت أهمية التصوف في الأجواء الشيعية ولم يعد له نشاط يذكر.
إلا أن التشيع بقي مبتلياً بالانقسامات الداخلية بين الإخباريين والأصوليين. وقد تفرع عن ذلك فرع جديد سمي بالكشفية أو الشيخية.
طلب الصوفيين الصفويين للسلطة
في الحقيقة كان التشيع المرتكز الأساس للحكومة الصفوية، وعلى الرغم من الاعتماد على هذا المذهب عزل إيران عن المجتمع الإسلامي الممثل بالدول الإسلامية المجاورة، إلا أنه لم يلحق الضرر بالجوانب المعنوية للمجتمع الإيراني. ولكن الاتحاد الذي كان قائماً في بداية الحكم الصفوي بين التصوف والتشيع لم يستمر طويلاً، بعد أن كان دعامة لهذا الحكم في عهد الشاه إسماعيل بل وقوة للشيخ حيدر وحتى الشيخ جنيد. وإذا كان أتباع هؤلاء يزعمون أنهم يتبعون المذهب الشيعي الاثني عشري، فإنما كانوا في حقيقتهم يتبعون عقائد الغلاة.
لقد كان أتباع الشيخ حيدر وابنه الشاه إسماعيل الذين يرون فيهما مرشدين كاملين بالنسبة لهم يخطؤون الفقهاء وينفرون منهم ولا يعيرونهم اهتماماً، بل كانوا يرون في مرشدهم كما كان يرى هو أيضاً صاحب مقام الولاية. ولم يتغير هذا الأمر إلا بعد وفاة الشاه إسماعيل أو في أواخر حياته، حيث أخذ الفقهاء يمسكون بالتدريج بزمام الأمور، حتى استقر شأنهم في زمن الشاه طهماسب واستطاعوا تصحيح الفكر الشيعي في الدولة الصفوية. وإذا كان الاعتقاد الغالي قد بقي عند القزلباش تجاه مرشدهم، فإن الأفكار التي كانت تروج خارج حلقات المرشد ومريديه كانت أفكاراً شيعية صرفة، خالية من كل شائبة.
ومع استحكام واستقرار الدولة الصفوية أخذ كبار المحاربين الصوفيين من زعماء طوائف القزلباش يمسكون المناصب الحكومية المهمة ويتنافسون في ذلك تنافساً شديداً مما أدى إلى تزلزل بناء (الأخوة) بينهم، بحيث كان (الصوفي الأعظم) يضطر بين آونة وأخرى لتأديب أتباعه الصوفيين، وكان الفقهاء يعترضون على سلوك هؤلاء الصوفيين الذين لا يبالون بأحكام الشريعة. ولكن مع ذلك بقيت أغلب المناصب محصورة بالصوفيين القزلباش وذرية المريدين القدماء لزعماء العائلة الصفوية. وكان الصوفيون اللاهيجانيون القدماء الذين قدموا من قراجه داغ للقاء الشاه إسماعيل خلال إقامته في گيلان يتميزون بتقدمهم على سائر الصوفيين. وكان رؤساء طوائف القزلباش يجمعون إلى جانب تصوفهم مختلف العناوين من قبيل (مربي ابن الشيخ)، خليفة السلطان، أمير الأمراء، (البيگلربگي)، الخان، البيك، السلطان وكانوا يملكون الإقطاعات والأراضي الخاصة التي يهديها الشاه لهم. ومع انتقال عنوان المرشد الكامل داخل العائلة الصوفية من جيل إلى آخر، أخذ ارتباط الصوفيين يتحول بالتدريج من السلالة الصفوية إلى الارتباط بالعوائل والبيوتات، وإذا كانت هذه الطريقة قد ظهرت بصورة محدودة قبل وصول الصفويين للسلطة فإنها أصبحت بعد حكمهم أسوة لسائر السلالات الصوفية المعروفة في إيران.
المصنفات التي كتبت في الرد على الصوفية.
لم يكن علماء الدين يكتفون في محاربتهم للتصوف بالأساليب الكلامية بل كانوا يصنفون في ذلك الكتب والرسائل، وكان الحكماء الذين سلكوا مسلكاً صوفياً أو تشبهوا بالصوفيين يشاركون هؤلاء العلماء في هذا الأمر، فمثلاً كتب الحكيم الملا صدرا الشيرازي رسالة في الرد على الصوفيين اسمها «كسر الأصنام الجاهلية في كفر جماعة الصوفية» وكتب تلميذه المعروف الملا محسن الفيض الكاشاني ذماً للصوفيين في المقالات الثانية والستين والثالثة والستين والرابعة والستين من كتاب (الكلمات الطريفة)، وكذلك في كتاب بشارة الشيعة.
وقد وصف البعض الحكيم الملا صدرا بأنه «كان حكيماً فلسفياً صوفياً بحتاً» وهذا الوصف هو عين ما وُصِفَ به تلميذه وصهره الفيض.
ولكن الحقيقة هي أن الملا صدرا والفيض الكاشاني كانا يميلان إلى الحقائق العرفانية وبيان المقاصد السامية للتصوف، وليس الظواهر التي كان الصوفيون يتمسكون بها في الخانقاهات. قيل إن الملا صدرا كان يهدف في كتابه (كسر الأصنام الجاهلية) إلى الطعن «بالمتدلسين والمتشبهين بالصوفية»([516]) وذلك لأنه بالغ في مدح «أهل اللَّه وأرباب التصوف» الذين وصلوا إلى المدارج الواقعية للعرفان، بقدر ما بالغ في ذم المتظاهرين بالتصوف الكاذبين الذين يرتدون الصوف.
وقد انبرى تلميذ الفيض نعمة اللَّه الجزائري للدفاع عن أستاذه الذي اتهم بالتصوف، وقد قال ضمن ذلك في كتاب (المقامات) إن أستاذ أستاذه (الملا صدرا) كان منكراً لطريقة الصوفيين، ولذلك وضع كتابه كسر الأصنام الجاهلية. وقد ورد في كتاب روضات الجنات (المجلد السادس صفحة 100) إن سبب مهاجمة الشيخ يوسف البحراني صاحب لؤلؤة البحرين للحكيم صدرا والفيض الكاشاني هو جهله بطريق أرباب المعقول وعدم إدراكه للفرق بين الحكماء الربانيين والصوفيين البسطاء، والحال أن الفرق بينهم كالفرق بين الأعمى والبصير، والجنة والنار وطلاب الحقيقة والكذابين. وقد كان علماء الشريعة ينظرون إلى العارفين والصوفيين بعين واحدة، فهم يهاجمون العارفين لاعتقادهم ببعض المسائل مثل المكاشفة والشهود ووحدة الوجود، ويهاجمون الصوفيين لتقاليدهم الخانقاهية وسماعهم وأناشيدهم، وغيرها من الأمور التي يرونها مخالفة للشريعة وأساساً للضلالة.
وكما ذكرنا فإن هؤلاء العلماء صنفوا العديد من الرسائل في الرد على الصوفيين واتهامهم بالكفر والإلحاد، ومن هؤلاء العلماء الذين يجدر ذكرهم:
1 ـ محد طاهر بن محمد حسين القمي، صاحب كتاب (الفوائد الدينية في الرد على الحكماء والصوفية، وكتاب آخر باسم (ملاذ الأخيار) ورسالة (تحفة الأبرار).
2 ـ السيد محمد بن محمد السبزواري المعاصر لمحمد تقي المجلسي وابنه الملا محمد باقر والمعارض لكليهما. وقد كان شديداً على الصوفيين وله في ذلك العديد من المصنفات، وقد أشار في مقدمة كتابه «كفاية المهتدي في معرفة المهدي» حول الغيبة والرجعة، وهو من الكتب الأربعينية([517]) إلى كتبه التي صنفها في الرد على التصوف ومنها: «تنبيه الغافلين واخزاء المجانين» و«أعلام المحبين» و«رياض المؤمنين وحدائق المتقين».
3 ـ الشيخ علي بن محمد بن الحسن العاملي (1013 ـ 1103هـ) الذي عرف بالشهيدي لانتسابه للشهيد الثاني قدم من جبل عامل إلى أصفهان في العهد الصفوي كما فعل العديد من علماء جبل عامل وبقي هناك حتى وفاته. كان من ألد أعداء الصوفيين، وقد وصفهم بأقذع الأوصاف. وضع كتاب «السهام المارقة من أغراض الزنادقة في الرد على الصوفية» وكتاباً آخر في تحريم الغناء هاجم فيه العالم المعاصر له الملا محمد باقر السبزواري بعبارات ركيكة وسخيفة، ووصفه بالأمي والمدعي، ونقم منه لأنه لم يقل بتكفير القائلين بِقَدَم العالم (أي الحكماء).
هاجم الشيخ علي الملا محسن الفيض في آخر رسالة تحريم الغناء ونعته بنعوت بذيئة وعدَّه كافراً وملحداً، وكان الفيض يعبر عن الشيخ علي بالهضم الرابع لاتصاله بالشهيد الثاني بأربع عشرة واسطة.
4 ـ الشيخ محمد حسن المعروف بالحر العاملي (م عام 1104هـ) صاحب الكتاب المشهور (أمل الآمل) وهو من العلماء الإخباريين في القرن الحادي عشر الهجري، ترك مؤلفات عديدة، منها: «الرد على الصوفية» أو «الاثنا عشرية» وهي في اثني عشر باباً.
5 ـ الملا أحمد التوني البشرويه يي الذي سكن في مشهد وعاصر الحر العاملي المذكور، كتب رسالة في تحريم الغناء وأخرى في الرد على الصوفية.
6 ـ الملا محمد باقر المجلسي: «وتحدثنا آنفاً عن معارضته للصوفية».
7 ـ محمد إسماعيل بن محمد حسين المازندراني المعروف بالخواجويي (م عام 1173هـ) كتب رسالة باللغة الفارسية في الرد على الصوفية، والظاهر أنها نفس الرسالة التي ورد اسمها في روضات الجنات باسم (الرد على الصوفية الملعونة).
8 ـ الملا أحمد بن محمد الأردبيلي (م عام 993) ينسب إليه كتاب باللغة الفارسية باسم (حديقة الشيعة) يتحدث في قسم منه في الرد على الصوفية ويتهجم عليهم خلال ذلك، والكتاب مليء بالأحاديث الموضوعة بحقهم. إلا أن نسبة مثل هذا الكتاب وخصوصاً القسم الذي يهاجم فيه التصوف والمتصوفين للمقدس الأردبيلي رفضت مراراً من قبل علماء الدين والمترجمين لحياتهم.
وقد جاء في الجزء الملحق بهذا الكتاب والذي يتعلق بالرد على الصوفية حديث عن بداية التصوف، وأن مؤسس هذه الطريقة هو أبو هاشم عثمان الكوفي (في القرن الثاني الهجري) الذي كان يلبس الصوف أسوة بالرهبان ويقول بالحلول والاتحاد أسوة بالترسانيين، بفارق أن الترسانيين ينسبون ذلك للمسيح (عليه السلام) بينما ينسبه هو لنفسه. وقد دأب على القول بهاتين العقيدتين (الحلول والاتحاد) حتى وفاته. وكان في ظاهره جبرياً وفي باطنه دهرياً ملحداً، وقد استهدف في إيجاد طريقته هذه القضاء على الإسلام.
والحقيقة أن الذي أضاف القسم الملحق إلى حديقة الشيعة للمقدس الأردبيلي الذي عرف بميوله العرفانية هو معز الدين محمد بن ظهير الدين محمد الأردستاني المعروف بالملا معز، الذي عاش في القرن الحادي عشر للهجرة وسكن حيدرآباد في الهند، ولم يكتف بإضافة هذا الملحق إلى الكتاب بل وضع فيه الأحاديث المختلفة.
وقد قام الملا معز هذا بسرعة(بسرقة) كتاب حديقة الشيعة وأجرى عليه تعديلات طفيفة وأسماه كاشف الحق ثم قدمه للملك الشيعي في غلكنده السلطان عبداللَّه عام 1083هـ.
وقد قيل بحقه أنه ذهب إلى الهند طلباً لزخارف الدنيا، وسعى في سبيل ذلك للتقرب إلى بلاط (القطب شاهية) وقام هناك بأعماله المذكورة.
استمرار حركة التصوف في العصر الصفوي
على الرغم من شدة الهجمات التي كان علماء الدين يشنونها على التصوف والصوفيين وحتى على العرفان في إيران منذ أواسط العصر الصفوي وملا تلاها، إلا أن كل ذلك لم يستطع تقويض أساس هذه الحركات.
لقد كانت الحركات الصوفية الشيعية في العهد التيموري ضماناً لبقاء التصوف في عهد الترويج القهري للتشيع، وكذلك في عهد غلبة العلماء القشريين. وذلك لأن الصوفيين الشيعة استطاعوا خلال تلك الفترة أن يخرجوا أنفسهم من وطأة الضغط ويستمروا في حياتهم الاجتماعية دون الحاجة إلى التظاهر والتصنع. وإضافة إلى ذلك كان بعض العلماء الإخباريين والأصوليين وبعض الحكماء يميلون بطريقة أو بأخرى لمقالات العارفين والصوفيين، أو يغضون النظر عنهم، ولذلك بقي للصوفيين متسع للبقاء وترويج أفكارهم.
وإذا لم تكن إيران في ذلك الوقت أرضاً خصبة للعمل الصوفي، فإن ما وراء حدودها كان يحظى بالأمن بالنسبة لهؤلاء الصوفيين، مثل الأراضي العثمانية التي كان البكتاشيون والمولويون يعملون فيها بكامل حريتهم، وعلى وجه الخصوص كانت آثار جلال الدين محمد المولوي وأتباعه يحظون بحرمة كبيرة في هذه البلاد. وفي بلاد الهند كان السهرورديون والجشتيون والنعمة اللهيون والمرشديون والقادريون وأمثالهم ينعمون بالاحترام والحرية. ولا يزال الصوفيون إلى الآن يمارسون طقوسهم في تلك البلاد بكامل حريتهم مع احتفاظهم بكل التقاليد الموروثة.
واستمر الضغط على الصوفيين حتى آلت الرئاسة الدينية إلى الملا محمد باقر المجلسي الذي حكم على الصوفيين بالتكفير، وبلغ التنكيل بهم ذروته، ولم يستثن من ذلك حتى الصوفيين أصحاب التيجان الحمر.
وإثر هذه الضغوط، اضطرت أكثر الطرق الصوفية الإيرانية إلى مغادرة إيران منذ بداية القرن الثاني عشر الهجري، وانضافت بذلك إلى الطرق الموجودة آنذاك، وأهم هذه الطرق التي كانت موجودة خارج إيران ولا تزال إلى الآن تحظى بالأتباع هي: السهروردية في مولتان، الجشتية، القادرية، الخلوتية، البكتاشية، المولوية، النقشبندية، الرفاعية، النعمة اللهية وغيرها. وقد عادت الفرقة الأخيرة (النعمة اللهية) إلى إيران في الفترة الزندية. وفي الوقت ذاته وخصوصاً في أواسط القرن الثالث عشر استأنفت بقايا الفرق المذكورة نشاطها في إيران، ومن ثم فإن أتباع الفرق المذكورة ينتشرون في إيران والهند وآسيا الصغرى وآسيا الوسطى.
آثار الصوفيين في العهد الصفوي
ظهرت في العهد الصفوي بعض الآثار للصوفيين، التي كانت تأتي من حيث الأهمية في المرتبة الثانية والثالثة، وقد جاءت هذه الآثار نظماً ونثراً مقتدين في ذلك بأسلافهم. ولم يكن أي من كتبهم ورسائلهم تحظى بأهمية الآثار التي تركها كبار العارفين في القرون الماضية، فهي خالية من الذوق والفصاحة، وبعيدة عن العمق والفكر. وقد تركز أكثرها حول بيان الأفكار والتقاليد والعبارات والاصطلاحات الصوفية، أو جاءت تكراراً لما وضعه أسلافهم مع شرح وتعليق، وقد جاء البعض في ترجمة بعض العارفين وبيان آثارهم وأحوالهم أو ترجمة للمتأخرين من مشايخهم.
وقد حظي المثنوي للمولوي في هذا العهد باهتمام كبير كما كان في القرن التاسع وبداية القرن العاشر للهجرة، بل دعا نفوذ هذا السفر الخالد وانتشاره المتزايد إلى تلخيصه وتوضيحه وتفسيره أكثر من السابق ومن هنا جاءت بعض الكتب باللغتين الفارسية والتركية، مثل: جزيرة المثنوي للملا يوسف المولوي المعروف بـ«سينه جاك» (م عام 953هـ) وهو شرح لـ360 بيتاً منتقاة من المثنوي.
شرح مصطفى بن شعبان السروري (م عام 969هـ) وهو مكتوب باللغة الفارسية. شرح باللغة التركية للشمعي (م بعد عام 1000هـ) في ست مجلدات. شرح تركي آخر للسروي (المتوفي عام 1000هـ)، شرح مفصل للقسم الأول من المثنوي، كتبه عبداللَّه بن محمد رئيس الكتَّاب العثمانيين (م عام 1072هـ)، شرح باللغة التركية للدرويش علي، شرح باللغة الفارسية لحسن الجلبي المعروف بالظريفي تحت عنوان (كاشف الأسرار)، الشرح الممزوجي الذي كتبه الشيخ عبدالمجيد المعروف بالشيخ السيواسي (م عام 1049هـ) بإشارة من السلطان العثماني أحمد خان، وقد وصل فيه حتى أواسط القسم الأول، الشرح المعروف بـ(أزهار المثنوي وأنوار المعنوي) في بيان مشكلات المثنوي للعلائي ابن المجي الواعظ الشيرازي، وقد بدأ كتابه هذا بشرح المقدمة ثم وضع توضيحاً للألفاظ العربية الواردة في المثنوي حسب تسلسل الحروف، ويلي ذلك توضيح لكلمات المثنوي على نفس الأسلوب. شرح فاتح الأبيات في ستة مجلدات للشيخ إسماعيل الأنقروي المولوي المعروف بـ(دده) بن أحمد المولوي (م عام 1042هـ) ولهذا المؤلف أيضاً كتاب جامع الآيات في شرح آيات القرآن والأحاديث والأشعار العربية وبعض كلمات المثنوي الصعبة وجاء ذلك باللغة التركية، وقد ذكر أنه حصل على نسخة للمثنوي كان تاريخ تحريرها في عام 814هـ وهي في سبعة أجزاء ويقول بأنه اشتراها وطالعها وتيقن أنها للمولوي، والحال أن المشهور بأن المولوي نظم المثنوي في ستة أجزاء، وكانت مواجهة الصوفيين المولويين لذلك شديدة، وأوردوا عليه أربعة إشكالات، إلا أن إسماعيل دده أصر على رأيه ورفض اعتراضاتهم وشرح الجزء السابع.
وقد قام إسماعيل دده عام 1041هـ بتنظيم منتخب من المثنوي أسماه (نصاب المولوي) جعله في ثلاثة أقسام: القسم الأول في آداب الطريقة، القسم الثاني في آداب الشريعة والقسم الثالث في المعرفة والحقيقة.
وإضافة إلى هذه الشروح هناك شرح المثنوي لمحمد رضا (القرن الحادي عشر الهجري) صاحب المكاشفات الرضوية. وشرح محمد القره طوي الرومي الملقب بالضعيفي، وشرح (روج البيان) للشيخ إسماعيل حقي بن مصطفى الإسلامبولي الحنفي (م عام 1137هـ) وكذلك شرح السيد عابد دده اليعقوبي الكابلي النقشبندي الحنفي.
ومن الكتب العرفانية الأخرى التي كتبت في ذلك العصر، كتاب (رياحين البساتين) بالفارسية لوحيد الدين أبو الحسن محمد مريد الشيخ زين الدين الإسفرغاني، وقد كتبه في بخارى عام 971هـ في ضمنه حكايات عن حياة الرسول وأصحابه وزعماء التصوف، ليكون بذلك قدوة للسالكين، وقد أورد وحيد الدين بعض الموارد التي تؤيد رجوعه إلى بعض المصادر المهمة، مثل: كشف المحجوب للجلالي الهجويري، وكيمياء السعادة للغزالي وتذكرة الأولياء للعطار ونفحات الأنس للجامي وشواهد النبوة للجامي أيضاً. والمواضيع الأساسية التي وردت في هذا الكتاب هي عبارة عن بحوث حول الفناء، والذكر والفكر والتقرب والترك والأدب والتواضع وحسن الخلق والحلم وكمال النفس والسخاء والكرامة وبعض المسائل التي يختلف فيها المعتزلة عن سائر أهل السنّة.
«رسالة في التوحيد» باللغة الفارسية أيضاً للشيخ نظام الدين عبدالمشكور التهانيسري (التانيسري) في (تحقيق كلام بعض الصوفيين الذين ارتقوا سبع درجات في التوحيد، من علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وحقيقة الحق وحق الحقيقة…).
«الجواهر الخمس» باللغة الفارسية، تأليف الشيخ أبو المؤيد محمد بن خطير الدين، وهي رسالة مختصرة في خمس مواضيع، هي: «العبادة، الزهد، الدعوة، الأذكار، وعمل محققي الطريقة، كتبها الشيخ أبو المؤيد في الگجرات عام 956هـ، وشرح عبدالنبي العثماني الشطاري الجزء الثالث منها (الدعوة)، وقال في ذلك أنه استفاد في شرحه من كتاب (كشف الأنوار في شرح جواهر الأسرار) لأستاذه الشيخ سراج الدين عبداللَّه الصوفي الشطاري.
«إرشاد الطالبين» رسالة باللغة الفارسية في طريقة الصوفيين حول التوحيد والفناء، صنفها جلال الدين محمود التهانيسري (م عام 989هـ) وهو أحد مشايخ الجشتية في الهند. جاءت هذه الرسالة في عدة أقسام يبتدىء كل قسم منها بكلمة (فصل).
رسالة «العشرة الكاملة» بالفارسية، تأليف الخواجة محمد بن أبي محمد محمود بن محمد الدهدار الشيرازي (م عام 1016هـ) وهو من العلماء والعارفين والمتكلمين في القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر، وقد كتبها للبحث في عشر مسائل من المسائل العرفانية، وأورد فيها قصة عن تكفير أبو سعيد بن أبي الخير الميهني الذي كان من كبار العارفين في بداية القرن الخامس الهجري.
«در يتيم» رسالة فارسية أخرى للخواجة الدهدار، وقد طبعت في شيراز عام 1319 هجري شمسي. ورغم تظاهر هذه الرسالة بالعرفان إلا أنها تقرن بعض الطبقات مثل الحروفيين والسفسطائيين والنقطويين بالملحدين والكفار في الهند وتعتبرهم أحط مخلوقات اللَّه شأناً. وهناك رسالة أخرى لهذا المؤلف اسمها (رسالة التوحيد) بالفارسية أيضاً في مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة. وكذلك رسالة «وحدة الوجود» وهي هجوم على العقيدة القائلة باقتصار الوجود على ذات واجب الوجود وأن جميع المخلوقات إشعاعات عنه، وفيه بحث حول أصالة الوجود وأصالة العقل وعلية الوجود وعينية علم واجب الوجود.
«ترجمة رسالة أقرب الطرق إلى اللَّه» بالفارسية للخواجة الدهدار أيضاً، والمتن العربي لهذه الرسالة لنجم الدين الكبرى (م عام 617هـ) وهي رسالة في السير والسلوك، وتشتمل على عشر قواعد: التوبة، الزهد، التوكل، القناعة، العزلة، الملازمة، الذكر، التوجه إلى اللَّه، الصبر، المراقبة والرضا، والطامة الكبرى في هذه الرسالة، أنها تعدد ثلاثة طرق للوصول إلى اللَّه هي:
1 ـ طريق أهل المعاملة والسنّة.
2 ـ طريق أهل الرياضة والمجاهدة.
3 ـ طريق أهل السلوك والمحبة والجذب، ثم تنتخب الطريق الثالث دون الطريقين الأوليين.
«الرسالة الذوقية» بالفارسية للخواجة الدهدار، وهي: «كلمة في رسم نموذج للذوقيات العقلية والمعقولات الذوقية بالطريقة التي توافق المشرب الصافي للصوفيين والمتكلمين».
«رسالة الاصطلاحات الصوفية» بالفارسية للخواجة الدهدار، وهي مستقاة ـ كما ورد في مقدمتها ـ من كلام الشيخ عبدالرزاق الكاشي (المتوفى عام 736هـ).
«رسالة المشارق» بالفارسية للملا محسن فيض (المتوفى عام 1090هـ) وهي في شرح بعض العبارات والاصطلاحات التي يستعملها الصوفيين وخصوصاً الشعراء منهم. غرض الفيض في كتابته لهذه الرسالة هو بيان المعنى الحقيقي لهذه الاصطلاحات، وقطع الطريق على طعن القشريين بها.
«الحقائق القدسية والرقائق الإنسية» أو «المبدأ والمعاد» وهي رسالة باللغة العربية لحفيد أخي الفيض الكاشاني نور الدين محمد بن مرتضى، وجاء فيها بعض البحوث الفلسفية والكلامية بأسلوب العارفين ومنهجهم، وقد فرغ من تصنيفها عام 1105هـ.
«الكلمات النورية والآيات السرية» بالعربية أيضاً وللمؤلف ذاته وهي تحوي سبعين كلمة وخاتمة في بحث المسائل العرفانية والفلسفية، بالإضافة إلى بعض الأشعار الفارسية.
«سفينة الأولياء» لمحمد داراشكوه (م عام 1069هـ) ابن شاه جهان، وهي رسالة تشتمل على تراجم لمشايخ الطرق الجنيدية والقادرية والنقشبندية والجشتية والكبراوية والسهروردية، وعدد من النساء العارفات وغيرهم. وكان الفراغ من تأليفها عام 1059هـ.
«رسالة حق نما» (رسالة كشف الحق) في البحوث العرفانية، لداراشكوه الذي فرغ من تأليفها عام 1056هـ.
«حسنات العارفين» كتبها داراشكوه عام 1062هـ لبيان شطحات المشايخ المتقدمين على عصره.
«مجمع البحرين» رسالة في المقارنة بين العرفان الإسلامي والهندي واستخلاص وجه الشبه بينهما، صنفها دار في عام 1065هـ.
«السر الأكبر» أو «سر الأسرار» ترجمة فارسية لقسم من الرسالة السنسكريتية «أويا نيشادها» قام بها دارا بمساعدة أحد رجال الدين الهندوس، وسيأتي الحديث بالتفصيل لاحقاً عن الآثار الفارسية لداراشكوه التي طبعت وحظيت بشهرة واسعة.
«الرسالة الصاحبية» تأليف أخت داراشكوه جهان آرابيگم بنت شاه جهان، وهي باللغة الفارسية، وقد كانت جهان آرا في البداية من أتباع الطريقة الجشتية، ثم اقتدت بأخيها فتحولت إلى الطريقة القادرية وجاء هذا الكتاب موافقاً لهذه الطريقة (انتهى).
عبدالرفيع حقيقت
التصوف في عهد الإفشارية والزندية
تعتبر الفترة التي أعقبت سقوط الدولة الصفوية (1135هـ) واستمرت في العهد القاجاري بالنسبة للتصوف فترة تجديد العهد مع الماضي الإسلامي وإحياء التقاليد القديمة. والحقيقة أن تجديد العهد هذا بدأ على يد حكماء العصر الصفوي من خلال نقدهم للتصوف العامي وإحياء أقوال وأفكار ابن العربي والغزالي وأمثالهما مع محاولتهم لإصلاح هذه الأقوال والأفكار. وخلال العهد القصير لحكم الأفغان والأفشاريين والزنديين استعاد تصوف دراويش السوق المتجولين وجوده بسبب انقراض أنظمة التصوف القزلباشي، وضعف أشراف ونفوذ فقهاء الشريعة الذي اقترن بضعف الجهاز الحاكم الذي ساد في أواخر العهد الصفوي. إلا أن الطريقتين الذهبية والنعمة اللهية حظيتا بنشاط جديد على غرار نشاط الحركة الأدبية في أصفهان خلال العهد المعروف بالرجعة.
ومن أبرز الأشخاص الذين أضفوا على التصوف حيوية ونشاط: قطب الدين التبريزي ومعصوم علي شاه الدكني، إذ أخرج الأول السلسلة الذهبية عن ركودها الذي كانت عليه في زمن الصفويين، بينما قام الثاني «الذي قتل في كرمانشاه بفتوى من المجتهد الكبير وصاحب النفوذ الواسع محمد علي البهبهاني» بالسفر إلى إيران، وتأسيس سلسلة النعمة اللهية في هذه البلاد بصورة محكمة وقوية. وقد تقاسمت هاتان السلسلتان (الذهبية والنعمة اللهية) النشاط الصوفي في إيران في جميع المراحل التي أعقبت ذلك الوقت تقريباً. وإذا كانت الطرق الأخرى مثل القادرية والنقشبندية وحتى الجلالية المدارية والخاكسارية لم تنقطع عن ممارسة فعالياتها، إلا أن هذه الطرق ارتبطت في الواقع بصورة عملية ونظرية بسير وتحول هاتين الطريقتين السابقتين ارتباطاً نظرياً وعملياً على الفترات التي أعقبت سقوط الدولة الصفوية.
وقد تأثر موقع الصوفيين سلبياً بارتقاء شأن الفقهاء، فالمعروف أن الصوفيين القزلباش أظهروا جرأة كبيرة في سبيل إخراج الميرزا طهماسب والميرزا صفي أبناء الشاه سلطان حسين من المحاصرة، ولذلك بادر الشاه طهماسب الثاني لمكافأتهم بعد دخوله أصفهان ودحر الغزاة الأفغان بسعي نادر الأفشاري، حيث أمر بإقامة قبة وبناء خاص للصوفيين خلف بناء غالي فاپو سمي بالتوحيد خانه، والظاهر أن طهماسب الثاني كان يتصور أنه سيستطيع إعادة الارتباط السابق للناس بالعائلة الصفوية من خلال تحريكه للصوفيين وكسبه لتأييدهم، ولكن الأوضاع كانت قد تغيرت، وكان الصوفيون القزلباش قد فقدوا الكثير من موقعهم إثر مخالفة فقهاء العهد الصفوي لهم، إضافة إلى كون أكثر أصحاب الفتن هم الدراويش الذين كانوا يدعون الحق في ميراث السلطة والانتساب إلى العائلة الصفوية، كما أن وصول نادرشاه إلى مقاليد السلطة، وهو الذي كان يحاول إيجاد الوحدة بين المسلمين وإنهاء الخلافات والعداوات المتأصلة بين الشيعة والسنّة، كان مانعاً للصوفيين التولائيين والتبرائيين من استئناف نشاطاتهم.
وحين آلت الأمور إلى كريم خان زند كانت حكومته أبوية نوعاً ما ولكنها قائمة على أساس التقاليد العشائرية البعيدة عن الأفاق الواسعة والمعقدة للسياسة، ومن الطبيعي أنه حينئذٍ لم يكن يلتفت إلى مثل هذه المسائل، ولم يعير الصوفيين ومشايخهم اهتماماً، وحتى أنه رفض رأي أمناء دولته حينما اقترحوا عليه تعيين رواتب محددة لطلاب المدارس، مستشهداً في ذلك بأسلوب محمد البيدآبادي (م عام 1195هـ) أحد خلفاء قطب الدين التبريزي في عيشه، حين كان يعيش على جهده ولا يرض بمنة أحد.
ورغم هذه الظروف برز بعض الدراويش الذين كانوا يزعمون أنهم أصحاب إجازة وإذن في الإرشاد، ويدعون الإحاطة بالعلوم الخفية وأسرار إكسير الحياة، ولما كان الناس دائبين في البحث عن إكسير الحياة فإنهم كانوا ينظرون إلى هؤلاء الدراويش باحترام وإجلال وخوف وهيبة. وقد نشط هؤلاء في أعمال التفرقة والحروب والفتن الداخلية طوال السنين التي امتدت بين سقوط الدولة النادرية وغلبة محمد خان القاجاري. وفي العهد القاجاري كان إحياء المعارف والعلوم الصوفية والشرعية عودة أو تجديداً للثقافة السابقة.
تعليقات أنالوطيقا لأرسطوطاليس
أو
كتاب القياس الصغير للفارابي
توجد منه نسخة مكتبة الأمة (جار اللَّه) رقم 1349، الحميدية 812/1.
ونسخة في مكتبة تويقا بوسراي رقم 15/1730.
ونسخة في مكتبة كلية الآداب والتاريخ الجغرافي بأسطنبول 183/1.
والدكتورة مباهاة توركركويل أعدّت المتن العربي مع ترجمة تركية تشمل مدخلاً ممتعاً جداً وطبعته في أنقرة عام 1958م.
ونيكولاس روشر ترجمه إلى الإنكليزية.
التعليق العراقي
هو كتاب «المرشد إلى التوحيد والمنقذ من التقليد» في علم الكلام.
تأليف: الشيخ سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي، من أعلام المتكلمين في القرن السادس.
أملاه في العراق في مدينة الحلّة بطلب من علمائها فسمي بالتعليق العراقي، وأنهى إملاءه وانتهى منه في التاسع من جمادى الأولى سنة 851هـ.
تفتان (جبل)
في بلوجستان الإيرانية سلسلتان جبليتان شاهقتان، إحداهما اسمها بزمان يبلغ أعلى ارتفاع فيها 3497 متراً وتقع في الغرب من بلوجستان.
وتقع الأخرى على بعد مئة كيلومتر باتجاه الشرق من الأولى في منطقة معروفة باسم (تفتان). وهي امتداد للسلاسل الجبلية الداخلية في إيران. ويعتقد علماء الجيولوجيا أن السلسلة الثانية هي من براكين العهد الثالث والرابع للمعرفة الأرضية.
قمة جبل بزمان منطفئة البركان الآن على عكس تفتان، فقد ذكرت دائرة البحوث والإعلام الزراعي في وقت من الأوقات أن البخار المتصاعد من جبل تفتان كثيف.
يقع جبل تفتان في الشمال الغربي من مدينة خواش. وتبعد القمة البركانية عن خواش على خط مستقيم بما يقرب من 42 كيلومتر. ويمتد الجبل من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي وله أربع قمم أعلاها 3972 متراً وتحيط به أودية عديدة تصب فيها مياهه الشرقية والشمالية فتشكل نهري لادز، وگز اللذان يصبان في نهر مير جاوه الذي يجري بامتداد نهر تالاب، أو تلخ آب (المياه المرة).
وتجري مياه أوديته الجنوبية داخل وادي خواش، ونتيجة للارتفاع العالي للجبل والأودية المليئة بالمياه تحيط به، فهو في أيام الصيف محط رحال قبيلة (ديگي) وسائر القبائل البلوجية الساكنة حوالي مدينة خواش.
تلاحظ قمة جبل تفتان من بين جبال هذه المنطقة من بلوجستان المعروفة بـ(سرحد)، بشكل واضح وبارز حيث ترى قمته المخروطية البيضاء من على بُعد فراسخ. وعلى هذا الأساس ربما كان وجه تسمية إحدى محطات القطار في بلوجستان (المحطة الواقعة بين جوجك وبير جاوه) والتي تبعد حوالي ستين كيلومترا عن الجبل باسم محطة تفتان.
ولا بدّ من القول إنني بعد الفحص والتحقيق في الكتب الجغرافية القديمة لم أعثر على ذكر جبل باسم (تفتان)، لذلك فإنه من غير المعلوم متى اشتهر هذا الجبل بهذا الاسم. على أن ياقوت الحموي يقول في معجم البلدان عن (تميتندان): إنها مدينة بمكران عندها يعمل فيه النوشادر وهذه المدينة هي اليوم القرية المعروفة باسم (تمندان) الواقعة قرب جبل تفتان.
وفي سنة 1862م (1279هـ) كتب العميد المهندس ميرزا مهدي خان مذكرة بأنه عهد إليه بالجولان في منطقة بلوجستان، فجال في معظم مناطق بلوجستان الغربية، ومنها منطقة (سرحد) فقدم هذه المذكرة عن الأوضاع الجغرافية لتلك المنطقة بشكل كتيب، وقد نشرت في الجريدة الرسمية للدولة في العدد 258 وميرزا مهدي خان كسائر من سبقوه لم يذكر اسم (تفتان) لكنه خلال تحديده للمنطقة الجغرافية لـ(سرحد) تحت عنوان (المعادن) ذكر مفصلاً عن جبل مشهور بمادة الكبريت. والإشارات الواردة عن المنطقة المحددة للجبل تنطبق كل الانطباق على جبل (تفتان).
فهو يقول عن ذلك الجبل: «جبل عال جداً مليء بالتلال مشهور بجبل الكبريت، توجد فيه مادة كيميائية تسمى (النوشادر) وهو مكسو بالثلج دائماً، وتقع بساتين (سرحد) بجواره وفي أطرافه، وتروى تلك البساتين من ثلوج المنطقة.
أما عن معادن الجبل فيوجد في وسط قمة الجبل بئر يتصاعد منها بخار، وفي أطراف البئر تتجمد المادة الكيميائية المسماة بالنوشادر. ويخرج الكبريت من الأرض ويستقر في أطراف البئر على الأرض. وعلى مسافة حوالي أربعة فراسخ يوجد معدن الرصاص. وهناك كتاب رحلة (السبرسي سايكس) الموظف السياسي البريطاني الذي كتبه عن أسفاره المتوالية في الولايات الشرقية والجنوبية الغربية، والجنوبية لإيران… واسم الكتاب: (ثماني سنين في إيران)، وقد ترجمه إلى الفارسية السيد حسن سعادت نوري وطبعه في مجلدين.
وفي الكتاب بحوث تاريخية وجغرافية مفيدة جداً عن تلك النواحي، ومن المناطق التي رآها وبحث أمرها بإمعان عن قرب: جبل تفتان. وربما كان أول أوروبي صعد إلى قمة الجبل البركاني، وقد وصف تسلقه الجبل ببيان ممتع.
وهو ما ننقل بعضه مترجماً إلى العربية عن الفارسية، قال:
كان من الصعب إقناع الأدلاء بالصعود إلى الجبل قبل طلوع الشمس، لكنني حاولت إقناعهم وإرضاءهم بشتى الوسائل، وبدأنا السير فلم نلبث أن وصلنا بعد قليل إلى منطقة تسمى (بندگلو)، ثم إلى واد مليء بالكبريت. ولما وصلنا إلى ارتفاع عشرة آلاف قدم صار أمامنا طريق مرتفع شاهق فبدأنا بالصعود من جانب الجبل أولاً، فبلغنا ينبوع ماء يسمى (آب جوش) أي الماء المغلي، وهو يحتوي على ماء عذب، فاسترحنا لبضع دقائق هناك ومن ثم بدأت برودة الجو تشتد وأصبح إكمال الطريق صعباً.
والأدلاء كانوا قد أحسوا بالبرد أكثر مني لأن المساكين كانوا شبه عراة وقد استطعنا أن نقطع بصعوبة قسماً من الطريق الوعر المليء بأحجار كبيرة.
كان مقدار ألف قدم من القسم الأعلى للجبل مستوراً برماد أبيض ويلاحظ من بُعد كأنه ثلج ولذلك يتصور بأنه مستور دائماً بالثلج.
في الساعة الثانية بعد الظهر بعد أن قضينا ثماني ساعات في التسلق وصلنا لقمة الجبل وتبين بأن جبل تفتان له قمتان والقمة الشمالية منه معروفة بزيارت كوه» وهي أعلى بقليل من القمة الثانية. والقمة الجنوبية التي قضينا كل تلك المسيرة للوصول إليها هي بركان مسماة بـ«مادر كوه أي أم الجبل وهي في الجنوب الشرقي من جبل صبح كوه وغربها يقع جبل تركوه وليس لدى أي جبل منها أهمية إلا جبل مادر كوه لكونه بركاناً.
المناظر من تلك المنطقة هي أجمل المناطق في إيران وهكذا عندما تنظر لجهة سيستان ترى قمم الجبال في كل مائة ميل بشكل واضح وبرجوعنا إلى أداة القياس التي كانت معنا عرفنا بأن ارتفاع الجبل يبلغ 12452 قدم([518]) برودة الجو كانت شديدة جعلتنا نعاني أشد المعاناة حتى كدنا نحس أن أيدينا تكاد أن تقع ولأن الشمس كانت تميل نحو المغيب رحنا نتزلق بسرعة من على الجبل وبعد أن كان قد مضى وقت على الغروب وصلنا لـ بندگو واسترحنا قليلاً وطعمنا بعض البيض والشوكولا ثم أكملنا السير وفي الساعة التاسعة وبعد أن أمضينا نزهة عصر يوم ميلاد المسيح على جبل بلوجستان، كنا قد وصلنا للخيام. (كان ذلك سنة 1894 (1312هـ) يسمون هذا الجبل البركاني في (محل كوه) باسم جهل تن أي أربعون إنسان فهنالك عقيدة سائدة بأنه في أحد الأيام ظهر أربعون إنساناً في الجبل ثم غابوا عن الأنظار، وهناك قصة شبيهة بها مشهورة في منطقة كويتا وليس فقط هناك بل في هذه المنطقة من قارة آسيا توجد أسطورة كهذه. وقد عرفنا في هذه المنطقة بأن ساكنيها كانوا لاحترامهم لأولئك الأربعين إنساناً يمجدون ويحمدون هذا لجبل ويقدمون له قرابين كثيرة. دليلنا الذي كان بالنسبة للأشخاص الذين هم في مثل زيّه، تظهر عليه الفراسة والفطنة قال: إننا نحن مسلمون ظاهرياً لكن لا نعرف من أصول الدين الإسلامي شيئاً وفي باطننا نمجد هذا الجبل. وسايكس في ضمن تقريره لبيان الأمور التاريخية والجغرافية كتب أيضاً عن كوه گنج أي جبل الكنز وذكر الأسطورة المعروفة بين أهالي تلك المنطقة.
محمد علي مخبر
التفسير
1 ـ التفسير: معناه اللغوي:
التفسير في اللغة: البيان والكشف([519]). وجاءت الكلمة في القرآن الكريم بهذا المعنى قال تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً}([520]). فتفسير الكلام ـ أي كلام ـ معناه الكشف عن مدلوله وبيان المعنى الذي يشير إليه اللفظ.
وعلى هذا الأساس يمكن أن نطرح السؤال التالي: هل أن بيان المعنى الظاهر من اللفظ الذي يتبادر منه يعتبر تفسيراً بحيث يصدق عليه لفظ التفسير بمعناه اللغوي أولاً؟ فهناك اتجاه يقول: إن الكشف والبيان الذي أخذناه في معنى التفسير يستبطن افتراض وجود درجة من الخفاء والغموض في المعنى ليكشف ويزال الغموض عنه بعملية التفسير فلا يصدق التفسير حينئذ إلا في حالة الغموض والخفاء. فمن يسمع كلاماً له معنى ظاهر يتبادر من ذلك الكلام فيعلن عن ذلك المعنى لا يكون مفسراً للكلام. لأنه لم يكشف عن شيء خفي. وإنما يصدق التفسير على الجهد الذي يبذله الشخص في سبيل اكتشاف معنى الكلام المكتنف بشيء من الغموض والخفاء. وبتعبير آخر أن من أظهر معنى اللفظ يكون قد فسره وأما حيث يكون المعنى ظاهراً ومتبادراً بطبيعته فلا إظهار ولا تفسير.
وسيراً من هذا الاتجاه لا يكون من التفسير إلا إظهار أحد محتملات اللفظ وإثبات أنه هو المعنى المراد أو إظهار المعنى الخفي غير المتبادر وإثبات أنه هو المعنى المراد بدلاً عن المعنى الظاهر المتبادر. وأما ذكر المعنى الظاهر المتبادر من اللفظ فلا يكون تفسيراً.
وهذا الاتجاه يمثل الرأي السائد لدى الأصوليين. ولكن الصحيح هو: أن ذكر المعنى الظاهر قد يكون في بعض الحالات تفسيراً أيضاً وإظهاراً لأمر خفي كما أنه في بعض الحالات الأخرى قد لا يكون تفسيراً لأنه يفقد عنصر الخفاء والغموض فلا يكون إظهاراً لأمر خفي أو إزالة لغموض.
ومن أجل التعرف على موارد الظهور التي ينطبق عليها (التفسير) والموارد التي ينطبق عليها معنى (التفسير) نقسم الظهور إلى قسمين:
أحدهما ـ الظهور البسيط: وهو الظهور الواحد المستقل المنفصل عن سائر الظواهر الأخرى.
والآخر ـ الظهور المعقد: وهو الظهور المتكون نتيجة لمجموعة من الظواهر المتفاعلة.
ولأجل توضيح هذا التقسيم نضرب مثالاً لذلك بأن يقول شخص لولده: اذهب إلى البحر في كل يوم. أو يقول له: اذهب إلى البحر في كل يوم واستمع إلى كلامه. فالنسبة إلى القول الأول نعتبر ظهوراً بسيطاً إذ لا يوجد في الكلام إلا صورة واحدة تتبادر إلى الذهن وهي: صورة بحر من الماء يطلب الأب من ولده أن يذهب إليه في كل يوم. وأما بالنسبة إلى القول الثاني فالظهور معقد لأنه مزدوج فهناك نفس الظهور السابق، إذ يتبادر إلى الذهن من كلمة البحر: البحر من الماء يذهب إليه الولد في كل يوم. ويقابله ظهور آخر وهو ظهور الاستماع إلى كلام البحر. إذ يتبادر إلى الذهن من ذلك: أن البحر ليس بحراً من ماء بل هو بحر من العلم، لأن بحر الماء لا يستمع إلى كلامه لأنه ليس له كلام وإنما يستمع إلى صوت أمواجه.
وهكذا نواجه في هذه الحالة ظهورين بسيطين متعارضين: وحين نلاحظ أن ندرس نتيجة التفاعل بين ذينك الظهورين وما ينجم عنهما من ظهور بعد تصفية التناقضات الداخلية بينهما. وهذا الظهور الناجم عن ذلك نسميه: بالظهور المعقد أو المركب.
وإذا ميزنا بين الظهور البسيط والظهور المعقد أمكننا أن نعرف أن إبراز الظهور المعقد وتحديد معنى الكلام على أساسه يعتبر تفسيراً. لأن تعقيده وتركيبه يجعل فيه درجة من الخفاء والغموض جديرة بالكشف والإبانة فيصدق عليه اسم: (التفسير) وأما الظهور البسيط ففي الغالب لا يعتبر إبراز معنى الكلام على أساسه تفسيراً لأن المعنى ظاهر لطبيعته فلا يحتاج إلى إظهار.
والنتيجة أن في صدق التفسير على بيان المعنى في موارد الظهور اتجاهين:
أحدهما القائل: بعدم صدقه مطلقاً سواء كان الظهور بسيطاً أم معقداً.
والآخر ـ وهو الاتجاه الصحيح ـ القائل: بأن التفسير الذي يصدق على بيان المعنى في موارد الظهور المعقد دون بعض موارد الظهور البسيط.
2 ـ التفسير معنى إضافي أو موضوعي؟
وعلى ضوء الاتجاه الصحيح نعرف: أن التفسير معنى (إضافي) لأن التفسير بيان وإيضاحه في مورد ظهور اللفظ. والمعنى الواحد قد يكون بحاجة إلى البيان والكشف لإضافته إلى شخص دون شخص آخر فيكون بيانه بالإضافة إلى من يحتاج البيان تفسيراً دون الشخص الآخر.
وأما إذا أخذنا بالاتجاه الآخر الذي يرى: أن التفسير لا يشمل موارد حمل اللفظ على معناه الظاهر مهما كان الظهور معقداً، وأن التقسيم مختص بحمل اللفظ على ما لا يكون ظاهراً من اللفظ فبالامكان أن نتصور للتفسير معنى (موضوعياً) لا يختلف باختلاف الأفراد لأننا نلاحظ عندئذ اللغة نفسها فإن كان المعنى الذي يذكر للفظ هو المعنى الذي يقتضيه الاستعمال اللغوي بطبيعته فلا يكون ذلك تفسيراً حتى إذا كان محاطاً بشيء من الخفاء والغموض بالنسبة إلى بعض الأشخاص. وإن كان المعنى معنى آخر لا يقتضيه الاستعمال اللغوي بطبيعته وإنما عيناه بدليل خارجي فهو (التفسير).
3 ـ تفسير اللفظ وتفسير المعنى:
والتفسير على قسمين باعتبار الشيء المفسر تفسير اللفظ وتفسير المعنى. وتفسير اللفظ عبارة عن «بيان معناه لغة». وأما تفسير المعنى فهو تحديد مصداقه الخارجي الذي ينطلق عليه ذلك المعنى.
فحين نسمع شخصاً يقول: إن دولاً تملك أسلحة ضخمة. تارة: نتساءل: ما هو معنى الأسلحة؟ ونجيب عن هذا السؤال: إن الأسلحة هي الأشياء التي يستعين بها صاحبها في قهر عدوه. وأخرى نتساءل: ما هي نوعية السلاح الذي تملكه تلك الدول؟ ونجيب: أن سلاحها القنابل الذرية.
ففي المرة الأولى فسرنا اللفظ إذ ذكرنا معناه لغة. وفي المرة الثانية فسرنا المعنى إذ حددنا المصداق الذي ينطبق عليه معنى الجملة ويشير إليه فنسمي المرحلة الأولى بمرحلة (تفسير اللفظ) أو التفسير اللغوي، وهي مرحلة تحديد المفاهيم. وتسمى المرحل الثانية: مرحلة (تفسير المعنى) وهي مرحلة تجسيد تلك المفاهيم في صور معينة محددة.
وأمثلة ذلك من القرآن الكريم كثيرة فنحن نلاحظ في القرآن أن اللَّه سبحانه يوصف بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، ونواجه بالنسبة إلى هذه الكلمات بحثين:
أحدهما: البحث عن مفاهيم هذه الكلمات من الناحية اللغوية، والآخر: البحث عن تعيين مصداق تلك المفاهيم بالنسبة إلى اللَّه تعالى، فكيف يسمع سبحانه؟ وهل يسمع بجارحة أو لا وكيف يعلم؟ وهل يعلم بصورة زائدة؟.
والأول: يمثل التفسير اللفظي للآية أو تفسير اللفظ والثاني يمثل التفسير المعنوي أو تفسير المعنى.
ومن أمثلة ذلك أيضاً قوله تعالى: {وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}([521]) وقوله: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض}([522]) فنحن نجد هذه الآيات تتحدث عن أشياء قد أنزلت من قبيل: الحديد والماء، وتفسير اللفظ يعني بصدد هذه الآيات أن نشرح معنى (النزول) لغة ونحدد مفهوم كلمة أنزلنا الواردة في الآيات الثلاث ونعرف أنها تستبطن معنى الهبوط من جهة عالية مرتفعة وتفسير (الجهة العالية) التي هبط منها الحديد والماء، وهل هي جهة مادية أو معنوية.
أهمية التمييز بين
تفسير اللفظ وتفسير المعنى
والتفسير بين تفسير اللفظ على صعيد المفاهيم، وتفسير المعنى بتجسده في صورة محددة على صعيد المصاديق… يعتبر نقطة جوهرية جداً في تفسير القرآن الكريم. وأداة لحل التناقض الظاهري الذي يبدو بين حقيقتين قرآنيتين وهما:
الحقيقة الأولى: إن القرآن كتاب هداية. وقد وصف نفسه بأنه {هدى للناس}([523]) و{نور وكتاب مبين}([524]) و{تبياناً لكل شيء}([525]) وهذه الحقيقة تفرض أن يجيء القرآن ميسر الفهم وأن يتاح للإنسان استخراج معانيه منه، إذ لا يحتاج للقرآن أن يحقق أهدافه ويؤدي رسالته لو لم يكن مفهوماً من قبل الناس.
والحقيقة الأخرى: أن كثيراً من المواضيع التي يستعرضها القرآن أو يشير إليها لا يمكن فهمها بسهولة بل قد تستعصي على الذهن البشري ويتيه في مجال التفكير فيها لدقتها وابتعادها عن مجالات الحس والحياة الاعتيادية التي يعيشها الإنسان. وذلك نظير، ما يتعلق من القرآن باللوح، والقلم، والعرش، والموازين، والملك، والشيطان وإنزال الحديد، ورجوع البشرية إلى اللَّه، والخزائن، وملكوت السماء والأرض. وما إلى ذلك من مواضيع.
إذن فحقيقة أهداف القرآن الكريم ورسالته تفرض أن يكون ميسر الفهم وواقع بعض مواضيعه يستعصي على الفهم ويتيه فيها الذهن البشري.
وحل التناقض الظاهري بين هاتين الحقيقتين إنما يكون بالتمييز بين تفسير اللفظ وتفسير المعنى، لأن الحقيقة الأولى وحقيقة أهداف القرآن ورسالته إنما تفرض أن يكون القرآن ميسر الفهم بوصفه كلاماً دالاً على معنى أي بحسب تفسير اللفظ. وهو بهذا الوصف ميسر الفهم سهل على الناس استخراج معانيه. وإنما الصعوبة في تحديد الصور الواقعية لمعانيه ومفاهيمه.
فكل الآيات التي استعرضت تلك المواضيع التي أشرنا إليها في الحقيقة الثانية تعتبر مفهومة من ناحية لغوية، ولا صعوبة في التفسير اللفظي لها، وإنما الصعوبة تكمن في تفسير معنى اللفظ لا تفسير نفسه، لأن تلك الموضوعات ترتبط بعوالم أرقى من عالم الحس الذي يعيشه الإنسان. فيكون من الطبيعي أن يواجه الإنسان صعوبات كبيرة إذا حاول تحديد المعنى في مصداق معين،وتجسيد المفهوم في ذهن ضمن واقع خاص.
وقد يتساءل هنا عن الضرورة التي دعت القرآن الكريم إلى أن يتعرض لمثل هذه المعاني التي يستعصي تفسيرها على الذهن البشري، فيخلق بذلك صعوبات ومشاكل هو في غنى عنها.
ولكن الواقع أن القرآن الكريم لم يكن بإمكانه أن يتفادى هذه الصعوبات والمشاكل، لأن القرآن بوصفه كتاب دين يستهدف بصورة رئيسية ربط البشرية بعالم الغيب، وتنمية غريزة الإيمان بالغيب فيها. ولا يتحقق ذلك إلا عن طريق تلك المواضيع التي تنبه الإنسان إلى صلته بعالم أكبر من العالم المنظور، وإن كان غير قادر على الإحاطة بجميع أسراره وخصوصياته.
التفسير بوصفه علماً:
وأما التفسير بوصفه علماً فهو علم يبحث فيه عن القرآن الكريم بوصفه كلاماً للَّه تعالى([526]). وتوضيح ذلك: إن القرآن الكريم له عدة اعتبارات: فهو تارة يلحظ بوصفه حروفاً كتابية ترسم على الورق وأخرى يلحظ بوصفه أصواتاً نقرأها ونرددها بلساننا وثالثة يلحظ باعتباره كلاماً للَّه تعالى.
والقرآن الملحوظ بأي واحد من هذه الاعتبارات يقع موضوعاً لعلم يتكون من بحوث خاصة به، فالقرآن من حيث إنه حروف تكتب موضوع لعلم الرسم القرآني الذي يشرح قواعد كتابة النص القرآني. والقرآن من حيث أنه يقرأ موضوع لعلم القراءة وعلم التجويد والقرآن من حيث أنه كلام اللَّه يقع موضوعاً لعلم التفسير. فعلم التفسير يشتمل على جميع البحوث المتعلقة بالقرآن بوصفه كلام اللَّه. ولا يدخل في نطاقه البحث في طريقة كتابة الحرف، أو طريقة النطق بصوته، لأن الكتابة والنطق ليسا من صفات نص القرآن بوصفه كلاماً للَّه. إذ ليس كونه كلاماً للَّه دخلا في كيفية كتابته أو قراءته.
وإنما يدخل في علم التفسير على ضوء ما ذكرناه من تعرضه للبحوث الآتية:
أولاً: البحث عن مدلول كل لفظ أو جملة في القرآن الكريم، لأن كون هذا المعنى أو ذاك مدلولاً للفظ القرآني من صفات القرآن بوصفه كلاماً للَّه وليس من صفات الحروف أو أصواتها بما هي حروف أو أصوات.
ثانياً: البحث عن إعجاز القرآن والكشف عن مناحي الإعجاز المختلفة فيه فإن الإعجاز من أوصاف القرآن باعتباره كلاماً دالاً على المراد.
ثالثاً: البحث عن أسباب النزول لأن الآية حين ندرس سبب نزولها نلاحظها بما هي كلام، أي بما هي لفظ مفيد دال على معنى لأن ما لا يكون كلاماً ولا يدل على معنى، لا يرتبط بحادثة معينة لتكون سبباً لنزولها الآية.
رابعاً: البحث عن الناسخ والمنسوخ والخاص والعام والمقيد والمطلق. فإن كل ذلك يتناول النص القرآني بوصفه كلاماً دالاً على معنى.
خامساً: البحث عن أثر القرآن في التاريخ ودوره في بناء الإنسانية وهدايتها، فإن أثر القرآن ودوره مردهما إلى فعالية القرآن بوصفه كلاماً للَّه لا بوصفه مجرد حروف تكتب أو صوت أو أصوات تقرأ. إلى غير ذلك من البحوث التي ترتبط بالقرآن باعتباره كلاماً للَّه تعالى.
ومن خلال تعريف علم التفسير نحدد موضوعه أيضاً وهو (القرآن) من حيث كونه كلاماً للَّه تعالى.
وعلى هذا الضوء نعرف أن إطلاق اسم علم (الناسخ والمنسوخ) أو علم (إعجاز القرآن): على البحوث المتعلقة بهذه المواضيع، يعني عدم إمكان اندراجها جميعاً في نطاق علم واحد باسم علم: (التفسير) فهي في الحقيقة جوانب من هذا العلم لوحظ في كل جانب منها تحقيق هدف خاص يتعلق بالبحوث في ناحية خاصة من كلام اللَّه ففي علم (إعجاز القرآن) كلام اللَّه في القرآن مقارناً بالنتاج البشري أو بالإمكانات وهو معنى الإعجاز. وفي علم (أسباب النزول) يدرس كلام اللَّه في القرآن من حيث ارتباطه بالأحداث والوقائع التي لابست نزوله. وهكذا الأمر في سائر الجوانب الأخرى.
التأويل
والتأويل كلمة أخرى ظهرت إلى صف كلمة: (التفسير) في بحوث القرآن عند المفسرين. واعتبرت ـ من قبلهم ـ متفقة بصورة جوهرية مع كلمة التفسير في المعنى. فالكلمتان معاً تدلان على بيان معنى اللفظ والكشف عنه قال صاحب القاموس: (أول الكلام تأويلاً: دبره وقدره وفسره)([527]).
والمفسرون الذين كادوا أن يتفقوا على التوافق بين الكلمتين بشكل عام ـ اختلفوا في تحديد مدى التطابق بين الكلمتين.
ونحن هنا نذكر بعض الاتجاهات والمذاهب في ذلك:
1 ـ الاتجاه العام لدى قدماء المفسرين الذي يميل إلى القول بالترادف بينهما. فكل تفسير تأويل. والعكس صحيح أيضاً وعلى هذا بالنسبة بينهما هي التساوي. ولعل منه قول مجاهد: إن العلماء يعلمون تأويله وقول ابن جرير الطبري في تفسيره: (القول في تأويل قوله كذا… واختلف أهل التأويل في الآية…).
2 ـ الاتجاه العام لدى من تأخر عنهم من المفسرين الذي يميل إلى القول بأن التفسير يخالف التأويل في بعض الحدود: أما في طبيعة المجال المفسر والمؤول. أو في نوع الحكم الذي يصدره المفسر والمؤول وفي طبيعة الدليل الذي يعتمد عليه التفسير والتأويل. فهنا مذاهب نذكر منها ثلاثة:
أ ـ التمييز بين التفسير والتأويل في طبيعة المجال المفسر ويقوم هذا المذهب على أساس القول بأن التفسير يخالف التأويل بالعموم والخصوص. فالتأويل يصدق بالنسبة إلى كل كلام له معنى ظاهر فيحمل على غير ذلك المعنى فيكون هذا الحمل تأويلاً. والتفسير أعم منه لأنه بيان مدلول اللفظ أعم من أن يكون هذا المدلول على خلاف المعنى الظاهر أولاً.
ب ـ التمييز بين التفسير والتأويل في نوع الحكم ويقوم هذا المذهب على أساس القول بأن التفسير والتأويل متباينان لأن التفسير هو: القطع بأن مراد اللَّه كذا. والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون قطع وهذا يعني أن المفسر أحكامه قطعية والمؤول أحكامه ترجيحية.
جـ التمييز بينهما في طبيعة الدليلة: ويقوم هذا المذهب على أساس القول بأن التفسير هو: بيان مدلول اللفظ اعتماداً على دليل شرعي. والتأويل هو بيان اللفظ اعتماداً على دليل عقلي.
موقفنا من هذه الاتجاهات:
والبحث في تعيين مدلول كلمة التأويل والمقارنة بينها وبين كلمة التفسير يتسع في الحقيقة بقبول كل هذه الوجوه حين يكون بحثاً اصطلاحياً يستهدف تحديد معنى مصطلحي لكلمة التأويل في علم التفسير. لأن كل تلك المعاني داخلة في نطاق حاجة المفسر فيمكنه أن يصطلح على التعبير عن أي واحد منها بكلمة التأويل لكي يشير إلى مجال خاص أو درجة معينة من الدليل. ولا حرج عليه في ذلك. ولكن الخطر يكمن في اتخاذ المعنى المصطلحي معنى وحيد اللفظ، وفهم كلمة (التأويل) على أساسه إذا جاءت في (النص الشرعي).
ونحن إذا لاحظنا كلمة التأويل وموارد استعمالاتها في القرآن نجد لها معنى آخر لا يتفق مع ذلك المعنى الاصطلاحي الذي يجعلها بمعنى التفسير ولا يميزها عنه إلا في الحدود والتفصيلات فلكي نفهم كلمة التأويل يجب أن نتناول إضافة إلى معناها الاصطلاحي معناها الذي جاءت به في القرآن الكريم.
وقد جاءت كلمة التأويل في سبع سور من القرآن الكريم إحداها سورة آل عمران ففيها قوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله}([528]) الأخرى سورة النساء ففيها قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً}([529]) والثالثة سورة الأعراف ففيها قوله تعالى: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون} {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق}([530]) والرابعة سورة يونس ففيها قوله: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله}([531]) والخامسة سورة يوسف جاء فيها قوله: {وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث}([532]) والسادسة والسابعة سورتا الإسراء والكهف إذ جاء بها كلمة التأويل على هذا المنوال أيضاً.
وبدراسة هذه الآيات نعرف أن كلمة التأويل لم ترد فيها بمعنى التفسير وبيان مدلول اللفظ ولا يبدو إمكانية وردها بهذا المعنى ألا في الآية الأولى فقط لأن التأويل في الآية الأولى أضيف إلى الآيات المتشابهة ولهذا ذهب كثير من مفسري الآية إلى القول بأن تأويل الآية المتشابهة هو تفسيرها وبيان مدلولها وتدل الآية عندئذ على عدم جواز تفسير الآية المتشابهة وبالتالي على أن قسماً من القرآن يستعصي على الفهم ولا يعلمه إلا اللَّه والراسخون في العلم وأما ما يتاح للإنسان الاعتيادي فهمه وتفسيره ومعرفة معناه من القرآن فهو الآيات المحكمة منه فقط. وهذا الموقف الذي وقفه أولئك المفسرون من هذه الآية وحملهم لكلمة التأويل على ضرب من التفسير نتيجة لانسياقهم مع المعنى الاصطلاحي لكلمة التأويل ونحن بإزاء موقف من هذا القبيل يجب أن نعرف قبل كل شيء أن المعنى الاصطلاحي هل كان موجوداً في عصر القرآن؟ وهل جاءت كلمة التأويل بهذا المعنى وقتئذ؟ ولا يكفي مجرد انسياق المعنى الاصطلاحي مع سياق الآية لنحمل كلمة التأويل فيها عليه.
وملاحظة ما عدا الأولى من الآيات التي جاءت فيها كلمة التأويل تدل على أنها كانت تستعمل في القرآن الكريم بمعنى آخر غير التفسير ولا نملك دليلاً على أنها استعملت بمعنى التفسير في مورد ما من القرآن.
والمعنى الذي يناسب تلك الآيات هو أن يكون المراد بتأويل الشيء ما يؤول إليه ولهذا أضيف التأويل إلى الراد إلى اللَّه والرسول تارة، وإلى الكتاب أخرى، وإلى الرؤيا وإلى الوزن بالقسطاس المستقيم، وهذا نفسه هو المراد في أكبر الظن من كلمة التأويل في الآية الأولى التي أضيف فيها التأويل إلى الآيات المتشابهة في قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} فتأويل الآيات المتشابهة ليس بمعنى بيان مدلولها وتفسير معانيها اللغوية بل هو ما تؤول إليه تلك المعاني لأن كل معنى عام حين يريد العقل أن يحدده ويجسده، ويصوره في صورة معينة فهذه الصورة المعينة هي تأويل ذلك المعنى العام.
وعلى هذا الأساس يكون معنى التأويل في الآية الكريمة هو ما أطلقنا عليه اسم تفسير المعنى لأن الذين في قلوبهم زيغ كانوا يحاولون أن يحددوا صورة معينة لمفاهيم الآيات المتشابهة إثارة للفتنة لأن كثيراً من الآيات المتشابهة تتعلق معانيها بعوالم الغيب فتكون محاولة تحديد تلك المعاني وتجسيدها في صورة ذهنية خاصة عرضة للخطر وللفتنة ونستخلص من ذلك أمرين أحدهما: أن التأويل جاء في القرآن بمعنى ما يؤول إليه الشيء لا بمعنى التفسير وقد استخدم بهذا المعنى العام في صورة ذهنية معينة. والآخر: أن اختصاص اللَّه سبحانه والراسخين في العلم بالعلم بتأويل الآيات المتشابهة لا يعني أن الآيات المتشابهة ليس لها معنى مفهوم وأن اللَّه وحده الذي يعلم بمدلول اللفظ وتفسيره بل يعني أن اللَّه وحده الذي يعلم بالواقع الذي تشير إليه تلك المعاني ويستوعب حدوده وكنهه. وأما معنى اللفظ في الآية المتشابهة فهو مفهوم بدليل أن القرآن يتحدث عن أتباع مرضى القلوب للآية المتشابهة فلو لم يكن لها معنى مفهوم لما صدق لفظ (الأتباع) هنا فما دامت الآية المتشابهة يمكن أن تتبع فمن الطبيعي أن يكون لها معنى مفهوم وهي جزء من القرآن الذي أنزل لهداية الناس وتبيان كل شيء.
والواقع أن عدم التمييز بين تفسير اللفظ وتفسير معنى اللفظ هو الذي أدى إلى الاعتقاد بأن التأويل المخصوص علمه باللَّه هو تفسير اللفظ وبالتالي إلى القول بأن قسماً من الآيات ليس لها معنى مفهوم لأن تأويلها مخصوص باللَّه. ونحن إذا ميزنا بين تفسير اللفظ وتفسير المعنى نستطيع أن نعرف أن المخصوص باللَّه هو تأويل الآيات المتشابهة بمعنى تفسير معانيها لا تفسير ألفاظها.
وهكذا يمكننا في هذا الضوء أن نضيف إلى المعاني الاصطلاحية التي مرت بكلمة التأويل معنى آخر هو: تفسير معنى اللفظ والبحث عن استيعاب ما يؤول إليه المفهوم العام ويتجسد به من صورة.
محمد باقر الحكيم
تطور كتب التفسير
انتهاء بكتاب التبيان
ـ 1 ـ
كان لا بدّ للمسلمين وهم يؤمنون بالقرآن وقدسيته وحاجتهم الحياتية والروحية إليه أن يتعلموا معانيه ويتفقهوا فيه، ليستطيعوا العمل على ضوئه والسير على هداه، كما كان لا بدّ للنبي(ص) أن يتولى مسؤولية التفسير والشروح ـ خلال أيام حياته ـ بحكم قيامه بمهمة تلاوة ما يوحى إليه من آيات الذكر على المسلمين، فيذكر أسباب النزول ويوضح ما يحتاج إلى الإيضاح من المجمل والمتشابه والناسخ والمنسوخ ويقوم بالشرح العملي لما تضمنته تلك الآيات من أحكام عبادية وواجبات شرعية. وبفضل ذلك كله كان القرآن في عصر الرسالة قريباً إلى عقول الناس وأفهامهم وإن تفاوتت تلك الأفهام في درجة المعرفة والإدراك.
وعندما فجع المسلمون بوفاة المفسر الأول(ص) وسدّ في وجوههم باب السماع المباشر من صاحب الوحي لجؤوا إلى الصحابة الذين عاشروا النبي(ص) ورافقوه وسمعوا منه وتفقهوا على يديه يسألونهم تفسير ما يستغلق فهمه عليهم من مفردات القرآن وآياته فيروي لهم الصحابة ما سمعوه من النبي(ص) في ذلك، ولا يتحاشى بعضهم من الاعتراف بجهله بمعاني بعض الكلمات تنزيهاً للقرآن من التفسير بالرأي والظن([533]).
وهكذا بدأ تفسير القرآن معتمداً على الرواية والنقل عن الرسول(ص) مع كل التحرج والتأكد والالتزام بدقة النقل وعدم التصرف وليس ذلك غريباً ما دام «التفسير هو إيضاح مراد اللَّه تعالى من كتابه العزيز، فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنون والاستحسان، ولا على شيء لم يثبت أنه حجة من طريق العقل أو من طريق الشرع، للنهي عن أتباع الظن».
حيث أن المقصود بتفسير القرآن في المصطلح الإسلامي هو «علم معانيه وفنون أغراضه»([534]) أو أنه العلم الباحث «عن معنى نظم القرآن بحسب الطاقة البشرية وبحسب ما تقتضيه القواعد العربية»([535]) أخذ له من المعنى اللغوي للتفسير وهو البيان و«كشف المراد عن اللفظ المشكل»([536]) فإن من الصحابة من لم يكتف بالرواية والنقل في تفسير القرآن فأضاف إليهما الشعر المأثور عن العرب يستهدي به في معرفة معنى اللفظ القرآني انطلاقاً من كون القرآن عربياً وارداً بهذه اللغة ومستعملاً كلماتها ومفرداتها.
إن أول ما يخطر في أذهاننا ونحن نخزن في المخيلة عصر الرسول(ص) وتلك القوائم الكبيرة من أسماء الصحابة أن جل الصحابة ـ إن لم نقل كلهم ـ كانوا من مفسري القرآن وشارحيه، باعتبارهم قد سمعوا ذلك من النبي(ص) وأدركوا معنى كل ما سمعوه، ولكن الواقع الخارجي كان على خلاف ذلك فما أقل من وعي معاني القرآن وأرهف سمعه وقلبه وعقله للنبي وهو يشرح تلك المعاني ويوضح أهدافها ومراميها ويقول السيوطي في ذلك:
«اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وعبداللَّه بن الزبير».
«أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب. والرواية عن الثلاثة نزرة جداً، وكان السبب في ذلك تقدم وفاتهم. كما أن ذلك هو السبب في قلة رواية أبي بكر(رض) للحديث ولا أحفظ عن أبي بكر(رض) في التفسير إلا آثاراً قليلة جداً لا تكاد تجاوز العشرة».
وهكذا يغدو علي (عليه السلام) أشهر الصحابة جميعاً ـ من استخلف منهم ومن لم يستخلف ـ في تفسير القرآن وروي عنه الكثير في هذا الباب.
واشتهر عبداللَّه بن مسعود المتوفى سنة 32هـ بالتفسير أيضاً ـ كما روى السيوطي وغيره ـ وروى عنه الكثير في ذلك و«روى عنه كثيرون لكن تتبعهم العلماء بالنقد والتجريح»([537]).
ثم يأتي بعد ذلك في التسلسل عبداللَّه بن عباس المتوفى سنة 68هـ. الذي ورد عنه في التفسير «ما لا يحصى كثرة وفيه روايات وطرق مختلفة»([538]). وقد كثر النقل عنه في مصادر التفسير إلى حد الإغراق الملفت للنظر والمثير للاستفهام وأصبح ـ بكثرة أقواله المروية، ورواته المتعددين ومؤلفه المنسوب ـ أبرز المفسرين الأوائل في تاريخ الإسلام.
وبالنظر إلى هذه الهالة المشعة التي أحاطت بالرجل والقدسية التي حفته حتى منح لقب (ترجمان القرآن) يلزمنا أن نقف عند جانبين من جوانبه نستوضح أمرهما ونستطلع واقعهما هما: منهجه في التفسير والبحث في رواته وطرقه.
أما منهجه فقد روي عنه أنه قسم وجوه التفسير على أربعة أقسام:
تفسير لا يعذر أحد بجهالته.
وتفسير تعرفه العرب بكلامها.
وتفسير يعلمه العلماء.
وتفسير لا يعرفه إلا اللَّه عزّوجلّ.
فأما الذي لا يعذر أحد بجهالته فهو ما يلزم الكافة من الشرائع التي في القرآن وجمل دلائل التوحيد. وأما الذي تعرفه العرب بلسانها فهو حقائق اللغة وموضوع كلامهم. وأما الذي يعلمه العلماء فهو تأويل المتشابه وفروع الأحكام. وأما الذي لا يعلمه إلا اللَّه فهو ما يجري مجرى الغيوب وقيام الساعة([539]).
ومن هذا المنهج يظهر أنه قد اعتمد الأثر والرواية دون غيرهما طريقاً لمعرفة معاني القرآن، وليس ذكره لحقائق اللغة تطويراً في التفسير أو إضافة مصدر آخر له غير النقل والرواية، لأن القرآن قد نزل بلغة العرب ومن البديهي أن نجعل اللغة أساساً لفهم المفردات ومعرفة المقصود منها.
وإذن فمنهجه في التفسير هو التفسير بالمأثور والمأثور فقط.
أما طرقه ورواته فقد حامت حولها الشبهات وكثر فيها التشكيك حتى أصبح الاطمئنان إلى ما يروى عنه غير متحقق لدى الباحثين، بل أصبح أكثر ما يروى عنه مقطوعاً بكذبه وتلفيقه، ويقول الإمام الشافعي: أنه «لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث»([540]). ولذلك فلا بدّ لنا من أن نقول مع الشيخ الزرقاني بوجوب «الحيطة فيما عزي إلى ابن عباس من التفسير، فقد كثر عليه في الدس والوضع»([541]) ومع الدكتور الصالح في كون الناس قد «تزيدوا في الرواية عن ابن عباس وتجرأ بعضهم على الوضع عليه والدس في كلامه([542]).
وتكون خلاصة الرأي في الروايات عن ابن عباس في التفسير أنها «غير مرضية ورواتها مجاهيل»([543]).
ولزيادة الاطمئنان بهذه الخلاصة القاسية نستعرض في أدناه طرق الرواية عنه وما تناقله العلماء من رأي فيها وتمحيص ليتجلى لنا النبأ اليقين.
فمن طرقه: طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه، ومع أن السيوطي يعتبره من جيد طرقه فإنه يروي عن قوم من الناس قولهم: لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير، وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير، كما يروي عن الحفاظ إجماعهم على أن ابن أبي طلحة لم يسمعه من ابن عباس([544]) أي أن رواياته عن ابن عباس مراسيل لم تؤيد بالسماع منه.
ومن طرقه: طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: وهؤلاء ـ عند السيوطي ـ من المجاهيل «وجويبر شديد الضعف متروك»([545]).
«وطريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس منقطعة، فإن الضحاك لم يلقه»([546]) وروى الطبري عن مشاش أنه قال: «قلت للضحاك: سمعت من ابن عباس شيئاً؟ قال: لا»([547]).
ومن طرق ابن عباس، ما رواه المفسرون عن ابن جريج، وأطول طرق ابن جريج ما يرويه بكر بن سهل الدمياطي عن عبدالغني بن سعيد عن موسى بن محمد عن ابن جريج، ويقول السيوطي: «وفيه نظر([548])، كما يقول أيضاً عنه أنه «لم يقصد الصحة وإنما روى ما ذكر في كل آية من الصحيح والسقيم»([549]).
ومن تلك الطرق ـ طريق العوفي عن ابن عباس وقد «أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرا والعوفي ضعيف ليس بواه»([550]).
وأوهى طرق ابن عباس «طريق الكلبي عن ابن صالح عن ابن عباس، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدس الصغير فهو سلسلة الكذب. وكثيراً ما يخرج منها الثعلبي والواحدي»([551]).
وأبو صالح هذا الذي يروي عن ابن عباس كان يمر به الشعبي «فيأخذ بإذنه فيعركها ويقول: تفسر القرآن وأنت لا تقرأ القرآن»([552]).
وأما الكلبي الذي يروي عن أبي صالح فهو صاحب تفسير لم يكتب أطول منه ولا أشبع،ومع ذلك فقد قال فيه الأعلام أنه قد: «أجمعوا على ترك حديثه، وليس بثقة، ولا يكتب حديثه، واتهمه جماعة بالوضع»([553]).
وأما طريق بشر بن عمارة عن أبي روق «فضعيفة لضعف بشر([554])، وقد أخرج من هذه النسخة كثيراً ابن جرير وابن أبي حاتم»([555]).
وأما السدي فقد روى عنه الكثيرون «ولكن التفسير الذي جمعه رواه أسباط بن نصر، وأسباط لم يتفقوا عليه». وعلى الرغم من رواية ابن جرير عنه كثيراً فإن ابن أبي حاتم لم يورد منه شيئاً «لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد»([556]).
«ولقد قيل في السدي إنه «ضعيف وكذاب وشتام»([557]) وقال النسائي في أسباط إنه «ليس بالقوي»([558]) وروى الطبري عن الشعبي إنه مر يوماً على السدي وهو يفسر فقال: لأن يضرب على أستك بالطبل خير لك من مجلسك هذا([559]).
ومن طرق ابن عباس أيضاً ـ طريق مولاه عكرمة، وعكرمة غير مقبول لدى العلماء، وقد اشتهر عندهم بالكذب على مولاه وأنه «كان يرى رأي الخوارج ويميل إلى استماع الغناء»([560]). وروي عن علي بن عبداللَّه بن عباس أنه كان يوثق عكرمة على باب الكنيف لأنه يكذب على أبيه([561]) ومثل ذلك كان يصنع به علي بن عبداللَّه بن مسعود لأنه يكذب([562]). ويروي ابن سعد عن طاووس قوله: «لو أن مولى ابن عباس هذا اتقى اللَّه وكفَّ من حديثه لشدت إليه المطايا»([563]). ويظهر مما روي في كتب التاريخ أن عكرمة قد أصبح مضرب المثل في كذبه على ابن عباس، فقد روى ابن سعد: «إن سعيد بن المسيب قال يوماً لمولى له: اتق. لا تكذب عليّ كما كذب مولى ابن عباس على ابن عباس»([564]) ومثل ذلك روى ياقوت عن عبداللَّه بن عمر إنه قال لغلامه نافع: «واتق اللَّه ويحك يا نافع ولا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس»([565]).
أما مقاتل بن سليمان المتوفى سنة 150هـ. فقد ضعفه العلماء وقالوا: «إنه يروي عن مجاهد ولم يسمع من مجاهد شيئاً، ويروي عن الضحاك ولم يسمع منه شيئاً، فقد مات الضحاك قبل أن يولد مقاتل بأربع سنين.
ويكذبونه. ويضعفه من يستحسن تفسيره ويقول: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة، وينقلون إنه كان يأخذ من اليهود علم الكتاب»([566]).
وهكذا يظهر مما سلف أن أكثر الروايات المتعلقة بالتفسير مما اعتمدها المفسرون المشهورون لم تسلم من الطعن والتضعيف بل الرد والتزييف وقد أجمل ذلك الشيخ ابن تيمية عندما قال: «وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة»([567]).
ويعلل ابن خلدون أسباب الوضع والتلفيق في النقل التفسيري فيقول: «والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدون منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية. وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبداللَّه بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم»([568]).
ـ 2 ـ
أحيط المسلمون الأوائل الذين تصدوا للكتابة في تفسير القرآن باهتمام كبير في كتب التاريخ ومع ذلك فما زال المؤرخون مختلفين في تعيين الأول بالخصوص.
وقد ذكر ابن النديم إن أول كتاب ألف في تفسير القرآن هو «كتاب ابن عباس» الذي رواه مجاهد عنه([569]).
ولدينا الآن بين كتب التفسير المطبوعة كتاب «تنوير المقباس من تفسير ابن عباس» الذي استخرجه الفيروزآبادي صاحب القاموس المحيط، وكتاب «سؤالات نافع بن الأزرق في التفسير وجوابات ابن عباس عليها» وقد نشره الدكتور إبراهيم السامرائي.
وأن النظرة الموضوعية الفاحصة في هذين الكتابين تثير لدينا من الشكوك ما يسقط اعتبار نسبة هذين النصين لابن عباس.
أما التفسير «تنوير المقباس» فهو من رواية محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وقد مرّ علينا أن السيوطي قد أطلق على هذا السند اسم «سلسلة الكذب» كما مرّ علينا أيضاً أن الرواة عن ابن عباس ـ جلهم إن لم نقل كلهم ـ لم يسلموا من الطعن أو التضعيف، حتى قال الإمام الشافعي كلمته المأثورة السالفة الذكر: «لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث».
وإذن فليس لنا أي طريق من طرق الاعتماد والتوثيق نحو هذا الكتاب ولن نستطيع الرضوخ لـ«سلسلة الكذب» في تفسير كتاب اللَّه المجيد.
وأما سؤالات نافع بن الأزرق فآثار الصناعة عليها ظاهرة. وحسبنا أن نعلم أن رواتها يدعون إنها دارت بين ابن الأزرق وابن عباس في جلسة واحدة في المسجد الحرام ليحصل لنا الشكّ فيها، ثم كيف استطاع من حضر هذا الحوار أن يحفظ بهذه الدقة وهذا الاستيعاب نص الأسئلة والأجوبة وشواهدها الشعرية ليرويها للأجيال من بعده؟! ولعل خير ما يقال في حق هذه المسائل وأجوبتها أنها كانت «أسطورة مدرسية عظيمة الفائدة»([570]) ـ على حدّ تعبير كولد زيهر ـ.
وهكذا يبدو أن ابن عباس لم يكن أول مؤلف في التفسير لأنه لم يثبت له أي كتاب في التفسير، بل لم يثبت له في تفسير كل القرآن إلا شبيه بمائة حديث فقط ويصبح نص ابن النديم رواية من الروايات المرسلة التي لم نجد لها ما يصححها من الشواهد المعتمد عليها في هذا الباب.
أما جرجي زيدان فيذهب إلى أن مجاهداً المتوفى سنة 104هـ. هو أول من «دون التفسير في الصحف»([571]).
والظاهر أنه قد اعتمد على كلام ابن النديم عن كتاب ابن عباس، حيث ذكر أنه قد رواه مجاهد، ولعل مجاهداً جمع ما صح لديه من روايات ابن عباس وبوبها ونظمها وآلف بينها في كتاب واحد، وبهذا يكون هو المؤلف لا ابن عباس.
وكان من حق البحث على جرجي زيدان أن يدقق النظر أكثر في فهرست ابن النديم ليرى فيه «كتاب تفسير سعيد بن جبير»([572]) وسعيد أقدم تاريخاً من مجاهد لأنه توفي عام 94هـ. أي قبل مجاهد بعشر سنوات، وكان من المشهورين بالتفسير، بل روي عن قتادة أن سعيداً كان أعلم معاصريه بالتفسير([573]) فلا غرو لو ألف كتاباً في التفسير ولم يؤثر عن القدماء أي طعن أو شكّ أو كلام بشأنه.
وهكذا يصبح سعيد بن جبير أول مؤلف في تفسير القرآن.
وتتابعت السنون بالمسلمين وتتابعت معها دراسة القرآن الكريم. وعندما كثرت العلوم وتعددت فروع المعرفة وظهرت فكرة الاختصاص بين العلماء سار كل فريق من هؤلاء لتفسير القرآن على صور اختصاصه ومعرفته الخاصة أو للبحث في جانب من جوانب القرآن يلتقي مع الجانب العلمي الذي يعنى به.
فكان النحوي «ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه كالزجاج والواحدي».
وكان الإخباري «ليس له شغل إلا القصص واستيفاؤها والإخبار عمن سلف سواءاً كانت صحيحة أو باطلة، كالثعلبي».
والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أمهات الأولاد وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية».
وحتى «صاحب العلوم العقلية قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها ويخرج من شيء إلى شيء([574]) بمناسبة وبلا مناسبة في كثير من الأحيان».
ونتيجة لتعدد الاختصاص والمنحى الفكري لدى المؤلفين في القرآن حفلت المكتبة العربية القرآنية، بمجموعة قيمة من المؤلفات في معاني القرآن ومشكله ومجازه، وغريبه وقراءاته، ولاماته ووقفه وابتدائه ومتشابهه وأجزائه، وفضائله وعدد آيه، وأحكامه وناسخه ومنسوخه وأسباب نزوله، وإلى ما شابه ذلك مما تكلفت ببيانه مصادر التراجم والتاريخ وفهارس الكتب والمؤلفين([575]).
وفي غمرة هذه المؤلفات الاختصاصية قام عدد من علماء المسلمين البارزين بالكتابة في تفسير القرآن على الشكل العام المعتمد على النقل والرواية عن الصحابة والتابعين من دون الاهتمام بجانب خاص وبعيداً عن التفلسف واعتماد الذوق الشخصي في التأويل والشرح.
وكان من طلائع هؤلاء سعيد بن جبير ـ المار الذكر ـ ومجاهد وأبو حمزة الثمالي وأبان بن تغلب وأضرابهم ممن ضاعت آثارهم فلم نطلع عليها، ثم من سار على هذا المنهج من بعدهم.
ومرّ القرن الثاني والثالث والمنهج في كتب التفسير العام ما زال نفس المنهج: تفسير بالمأثور، ورجوع إلى اللغة والشواهد في معاني المفردات وقصص إسرائيلية أقحمت في التفسير بواسطة اليهود المتظاهرين بالإسلام وليس شيء غير ذلك.
وبرز إلى عالم التفسير في أواخر القرن الثالث عشرمفسر كبير اتسم منهجه بشيء من التطوير هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ.
وقد تميز هذا الرجل بمنهجه التجديدي الذي لم يسبقه إليه سابقوه ولم يعرفه معاصروه بل كانت التفاسير المعاصرة له محافظة كل الحفاظ على منهجها السابق المعتمد على الرواية فقط كما يرشدنا إلى ذلك ما هو موجود منها كتفسير علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، الذي كان حياً إلى سنة 307هـ. ويعتمد منهجه على الرواية مع ذكر السند، واختص بالروايات التي رويت له عن الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهم السلام). وجلها مما رواه والده إبراهيم بن هاشم عن مشايخه، ويتضمن كثيراً من الروايات الضعيفة التي لم ينظر لها العلماء بالقبول([576]).
وكذلك تفسير فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي أحد رجال الحديث في أواخر القرن الثالث الهجري الذي يعتمد منهجه ـ كسابقه ـ على الرواية فقط مع ذكر السند واقتصر فيه على خصوص الآيات التي لها علاقة بالأئمة وأهل البيت، وعلى الرغم من أنه يروي في التفسير عن نيف ومائة من الشيوخ إلا أنه «ليس لأكثرهم ذكر ولا ترجمة في أصولنا الرجالية»([577]) ولذلك فلا يمكن الركون إلى تلك الروايات.
وإذن فالمنهج الوحيد المتطور في التفسير إنما هو منهج ابن جرير الطبري، وقد جمع تفسيره المسمى «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» توجيه الأقوال وعرضها… مع الاهتمام باللغة والإعراب([578]) غير أنه على أهميته «قد يسوق أخباراً بالأسانيد غير صحيحة ثم لا ينبه على عدم صحتها»([579]) وقد يعتذر له عن ذلك بأنه يذكر السند ولا يحتمل ـ من ثم ـ مسؤولية عدم الصحة. ولكن هذا العذر ـ مع معرفتنا ومعرفته بكثرة عدد الوضاعين والكذابين ـ غير كاف في نفي المسؤولية عنه.
وقد تحدث كولدزيهر عن تفسير الطبري كثيراً وعده «ذروة التفسير بالمأثور… ونقطة البدء وحجر الأساس لأدب التفسير القرآني»، وذكر أن الطبري مع تصويبه المطلق للعلم القائم على الرواية يستخدم حق النقد المعمول به في الإسلام تجاه رجال السند. ولكنه «يتوسع في استخدام المصادر اليهودية الأصل ـ كعب الأحبار ووهب بن منبه ـ فيما يتصل بقصص الإسرائيليات… بل أن كتابه أغزر الكنوز بالنصوص المنتشرة في الأوساط الإسلامية من مواد الإسرائيليات كذلك الأساطير النصرانية، يرويها راجعاً إلى وهب بن منبه «ورأيي أن الطبري يحارب في تفسيره كل فكرة ترمي إلى إضعاف مذهب أهل السنّة المحافظين ويسوق الجدل مع المتكلمين، ويحارب منهج المعتزلة في التفسير»([580]).
وبالنظر إلى أهمية هذه المرحلة التي يمثلها الطبري فلا بدّ لنا من تلمس منهجه في تفسيره.
قسّم الطبري القرآن إلى ثلاثة أقسام:
الأول ـ «ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول(ص)، وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره ـ واجبه وندبه وإرشاده ـ وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه ومقادير اللازم… وما أشبه ذلك من أحكام آيه التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول اللَّه(ص) بتأويله بنص منه عليه، أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله».
الثاني ـ «ما لا يعلم تأويله إلا اللَّه الواحد، القهار وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة وأوقات آتية كوقت قيام الساعة والنفخ في الصور ونزول عيسى بن مريم وما أشبه ذلك».
الثالث ـ «ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن، وذلك إقامة إعرابه ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها والموصوفات بصفاتها الخاصة دون سواها، فإن ذلك لا يجهله أحد منهم»([581]).
وهذا التقسيم هو الأساس الذي أقام الطبري تفسيره عليه وهو مقتبس من المنهج المروي عن ابن عباس.
وأهم هذه الأقسام الثلاثة هو القسم الأول: «تفسير النقل والرواية، وهو يعتمد لدى الطبري على بيان رسول اللَّه(ص) وأصحابه وهذا البيان لن يصل إلى الطبري إلا بواسطة الرواة. ولقد سبق منا التعرض لرواة التفسير الأوائل وأشرنا إلى الشكوك والطعون الموجهة إلى أكثرهم كابن أبي طلحة الهاشمي وجويبر والضحاك وابن جريج والعوفي والكلبي وأبي صالح وبشر بن عمار وأسباط بن نصر والسدي وعكرمة ومقاتل وأضرابهم.
والنقل لديه مقدم على كل شيء بل يخشى رد كل نقل وإن ظهر لديه بطلانه، ويقول في هذه الحالة: «أخشى أن يكون غلطاً من المحدث»([582]) وفي مقام آخر يناقش مضمون الخبر على ضوء ما لديه من استنتاجات ثم يقول: «لكن الواجب على قياس ما جاء به الخبر»([583]) أو يقول: «وهذا مذهب ما يحتمله التنزيل لولا الخبر الذي ذكرته عن النبي(ص)» ([584])، ثم يرد أي تفسير لا يلائم النقل ـ سواءاً كان النقل قوي الإسناد أو ضعيفه ـ ويقول مثلاً: «وقد زعم بعض من ضعفت بتأويل أهل التأويل وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير… إلخ»([585]).
أما القصص القرآني فالطبري نقلي فيه أيضاً، ويروي القصص الإسرائيلية كما وردت، ويعتمد وهب بن منبه مصدراً لبيان هذه القصص، بل «يترجح قصص وهب على قصص غيره في بعض الأحيان»([586]) ولكنه إذا ضارب النقل واختلف اختلافاً كبيراً فإنه يقف من ذلك موقف الحياد فلا يرجح بعضاً على بعض ويقول: «وذلك أمر لا يدرك علمه من جهة الاستخراج ولا اللغة ولا يدرك علم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلم، ولا خبر عند أهل الإسلام في ذلك. وإذا كان كذلك فغير جائز فيه تصويب قول وتضعيف آخر»([587])، ويعني بقوله: «ولا خبر عند أهل الإسلام» إنه لم يجمع المسلمون على روايته أو لم ينسبوا ما رووه إلى النبي(ص) بالذات.
ثم كان القسم الثاني من أقسام القرآن في تفسير الطبري ما هو موكول إلى علم اللَّه تعالى.
أما الثالث فهو العلم المعتمد على اللغة والنحو، وقد عنى بهذا الجانب في كل مناسبة تقتضيه عناية كبيرة، وتحدث كثيراً عن القراءات واختلافها وعن المعاني اللغوية والاشتقاقية وأقوال النحويين في ذلك ونص في النحو على ذكر أقوال الكوفيين([588]) والبصريين([589]) وذهب في التفسير اللغوي إلى ضرورة أخذ المعنى الذي كانت تعرفه العرب يوم نزول القرآن ويقول: «وإنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب اللَّه الذي أنزله على محمد(ص) من الكلام إلى ما كان موجوداً مثله في كلام العرب دون ما لم يكن موجوداً في كلامها([590]).
ومع ذلك كله فإذا اصطدم التفسير اللغوي بالنقل كان النقل مقدماً لديه، ويقول في مناسبة من هذا القبيل: «وهذه الأقوال وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها. لذلك لم يستنجز صرف تأويل الآية إلى معنى منها»([591]).
منهج التبيان
ومن أشهر التفاسير التي ألفها الشيعة: كتاب (التبيان) للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ.
وإننا لنعود الآن بعد هذه الجولة السريعة في مناهج التفسير لنتعرف بالخطوط الأساسية للمنهج الذي سار عليه في كتابه الضخم الكبير «التبيان في تفسير القرآن»([592])، ولنعرف ـ ومن ثم ـ مدى تأثره بالمناهج التي سبقته ومدى ما حفل به منهجه المختار من معالم التجديد والتطوير والإبداع.
وتفسير «التبيان» تفسير قيم من تفاسير المسلمين، وقد تضمن من كنوز العلم والمعرفة ما يجعله إحدى القمم الشامخة بين الكتب المعنية بالقرآن. وليس ذلك غريباً أو محتاجاً للاستدلال ما دام مؤلفه ـ كما نعرف ـ علماً من أعلام الدين وشيخاً من شيوخ الإسلام وقيماً من قوام الشريعة وحفظتها الأمناء المخلصين.
ولعلَّ الشيخ أبا علي الفضل بن الحسن الطبرسي المتوفي سنة 538هـ. مؤلف كتاب «مجمع البيان في تفسير القرآن» خير من عرف حق هذا الرجل، وأول من اعترف بفضله وأهمية كتابه، فقال فيه في جملة ما قال:
«إنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق، ويلوح عليه رواء الصدق قد تضمن من المعاني الأسرار البديعة، واحتضن من ألفاظ اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها، ولا تنميقها دون تحقيقها. وهو القدوة استضيء بأنواره وأطأ مواقع آثاره»([593]). وقبل الدخول في صلب الحديث عن منهج الطوسي يجدر بنا أن نستعرض النصوص التالية المقتبسة من مقدمة «التبيان» لنستعين بها على وضوح الروية وتحديد النتائج.
يقول الطوسي في بيان الأسباب التي حملته على تأليف الكتاب:
«فوجدت من شرع في تفسير القرآن من علماء الأمة، بين مطيل في جميع معانيه واستيعاب ما قيل فيه من فنونه كالطبري وغيره، وبين مقصر اقتصر على ذكر غريبه ومعاني ألفاظه. وسلك الباقون المتوسطون في ذلك مسلك ما قويت فيه منتهم وتركوا ما لا معرفة لهم به، فإن الزجاج والفراء ومن أشبههما من النحويين أفرغوا وسعهم فيما يتعلق بالإعراب والتصريف، ومفضل بن سلمة وغيره استكثروا من علم اللغة واشتقاق الألفاظ، والمتكلمين كأبي علي الجبائي وغيره صرفوا همتهم إلى ما يتعلق بالمعاني الكلامية، ومنهم من أضاف إلى ذلك، الكلام في فنون علمه، فأدخل فيه ما لا يليق به من بسط فروع الفقه واختلاف الفقهاء كالبلخي وغيره. وأصلح من سلك في ذلك مسلكاً جميلاً مقتصداً محمد بن بحر أبو مسلم الأصفهاني وعلي بن عيسى الرماني، فإن كتابيهما أصلح ما صنف في هذا المعنى، غير أنهما أطالا الخطب فيه وأوردا فيه كثيراً مما لا يحتاج إليه».
«وسمعت جماعة من أصحابنا قديماً وحديثاً يرغبون في كتاب مقتصد يجتمع على جميع فنون علم القرآن، من القراءة والمعاني والإعراب والكلام على التشابه، والجواب عن مطاعن الملحدين فيه وأنواع المبطلين كالمجبرة والمشبهة والمجسمة وغيرهم، وذكر ما يختص به أصحابنا من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة مذاهبهم في أصول الديانات وفروعها»([594]).
ويقول بعد ذلك:
«إن معاني القرآن على أربعة أقسام:
أحدها ـ ما اختص اللَّه تعالى بالعلم به، فلا يجوز لأحد تكلفة القول فيه ولا تعاطي معرفته وذلك مثل قوله تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي}… إلخ.
وثانيها ـ ما كان ظاهره مطابقاً معناه، فكل من عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناها مثل قوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} ومثل قوله تعالى: {قل هو الله أحد}… إلخ.
وثالثها ـ ما هو مجمل لا ينبىء ظاهره عن المراد به مفصلاً، مثل قوله تعالى: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ومثل قوله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيل} وقوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} وقوله: {وفي أموالهم حق معلوم} وما أشبه ذلك. فإن تفصيل أعداد الصلاة وعدد ركعاتها وتفصيل مناسك الحج وشروطه ومقادير النصاب في الزكاة، لا يمكن استخراجه إلا ببيان النبي(ص)… إلخ.
ورابعها ـ ما كان اللفظ مشتركاً بين معنيين فما زاد عنهما ويمكن أن يكون كل واحد منهما مراداً، فإنه لا ينبغي أن يقدم أحد به فيقول: «إن مراد اللَّه بعض ما يحتمل، إلا بقول نبي أو إمام معصوم، بل ينبغي أن يقول: إن الظاهر يحتمل الأمور، وكل واحد يجوز أن يكون مراداً على التفصيل، واللَّه أعلم بما أراد ومتى كان اللفظ مشتركاً بين شيئين أو ما زاد عليهما، ودل الدليل على أنه لا يجوز أن يريد إلا وجهاً واحداً جاز أن يقال: إنه هو المراد»([595]).
ثم يقول في توضيح منهجه:
«ولا ينبغي لأحد أن ينظر في تفسير آية ينبىء ظاهرها عن المراد تفصيلاً أو يقلد أحداً من المفسرين، إلا أن يكون التأويل مجمعاً عليه، فيجب أتباعه لمكان الإجماع لأن من المفسرين من حمدت طرائقه ومدحت مذاهبه كابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم. ومنهم من ذمت مذاهبه كأبي صالح والسدي والكلبي وغيرهم، هذا في الطبقة الأولى. وأما المتأخرون فكل واحد منهم نصر مذهبه وتأول على ما يطابق أصله، ولا يجوز لأحد أن يقلد أحداً منهم، بل ينبغي أن يرجع إلى الأدلة الصحيحة أما العقلية أو الشرعية، من إجماع عليه، أو نقل متواتر به عمن يجب أتباع قوله. ولا يقبل في ذلك خبر واحد، خاصة إذا كان مما طريقه العلم».
«ومتى كان التأويل يحتاج إلى شاهد من اللغة، فلا يقبل من الشاهد إلا ما كان معلوماً بين أهل اللغة شائعاً بينهم. أما طريقة الآحاد من الروايات الشاردة والألفاظ النادرة فإنه لا يقطع بذلك ولا يجعل شاهداً على كتاب اللَّه، وينبغي أن يتوقف فيه ويذكر ما يحتمله ولا يقطع على المراد منه بعينه، فإنه متى قطع بالمراد كان مخطئاً وإن أصاب الحق»([596]).
ويقول عندما يستشهد بالشعر على شرح مفردات القرآن وأسلوبه:
«ولولا عناد الملحدين وتعجرفهم لما احتيج إلى الاحتجاج بالشعر وغيره للشيء المشتبه به في القرآن، لأن غاية ذلك أن يستشهد عليه ببيت شعر جاهلي، أو لفظ منقول عن بعض الأعراب، أو مثل سائر عن بعض أهل البادية. ولا تكون منزلة النبي(ص) ـ وحاشاه من ذلك ـ أقل من منزلة واحد من هؤلاء ولا ينقص عن رتبة النابغة الجعدي وكعب بن زهير وغيره. ومن طرائف الأمور أن المخالف إذا أورد عليه من شعر من ذكرناه ومن هو دونهم سكنت نفسه واطمأن قلبه. وهو لا يرضى بقول محمد بن عبداللَّه بن عبدالمطلب، ومهما شكّ الناس في نبوته فلا مرية في نسبه وفصاحته، فإنه نشأ بين قومه الذين هم الغاية القصوى في الفصاحة ويرجع إليهم في معرفة اللغة. لو كان المشركون من قريش وغيرهم وجدوا متعلقاً عليه في اللحن والغلط والمناقضة لعلقوا به وجعلوه حجة وذريعة إلى إطفاء نوره وإبطال أمره واستغنوا بذلك عن تكلف ما تكلفوه من المشاق في بذل النفوس والأموال… وكيف يجوز أن يحتج بشعر الشعراء عليه ولا يجوز أن يحتج بقوله عليهم وهل هذا إلا عناد محض وعصبية صرف؟»([597]).
إن استعراض النصوص السالفة يوضح لنا الأسس الرئيسية لمنهج الطوسي في التفسير، ويحدد بجلاء معالم ذلك المنهج وخطوطه العريضة([598]).
ويأتي في مقدمة تلك المعالم والخطوط قيام هذا المنهج على «الأدلة الصحيحة: أما العقلية أو الشرعية» دون الأتباع المطلق والتقليد الأعمى للمفسرين السابقين: وتبرز الأدلة العقلية هنا لأول مرة لتحتل مكانها الطبيعي الأصيل، بعد أن كان النقل في مناهج المفسرين هو الدليل الأوحد، وليس من دليل غيره.
وعلى الرغم من الدور الكبير الذي يلعبه النقل في هذا الكتاب فإنه يعني النقل القائم على النقد والمحاكمة والترجيح، ولذلك اشترط في قبوله إجماع عليه أو إنه «نقل متواتر به عمن يجب أتباع قوله، لا يقبل في ذلك خبر واحد» لأن في المفسرين «من ذمت مذاهبه كأبي صالح والسدي والكلبي وغيرهم». ولذلك لا بدّ للنقل المعتبر في منهج الطوسي أن يدعمه الإجماع والتواتر بشروطهما المقررة.
وحتى ذلك البعض من رواة التفسير ممن «حمدت طرائقه ومدحت مذاهبه كابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم» لم يتلق الطوسي سائر ما روي عنهم بالقبول ولم يجد ما يبرر الانسياق مع سائر مروياتهم على كل حال.
وانطلاقاً من هذه الأسس رفض الطوسي كثيراً من روايات الطبقة الأولى من المفسرين، وأبان جوانب الخطأ والضعف فيها، وكان من جملة أولئك الذين أبان خطأهم ورفض بعضاً من رواياتهم: مجاهد([599]) وابن جريج([600]) وعكرمة([601]) والسدي([602]) وعطاء([603]) وابن كيسان([604]) والحسن([605]) وابن إسحاق([606]). ووقف من نقول ابن عباس موقف التردد في بعض الأحيان([607]) كما رفض في أحيان أخرى بعض الآراء على الرغم من ورود روايات «كثيرة من جهة الخاصة والعامة» فيها، لأن «طريقها الآحاد لا توجب علماً ولا عملاً والأولى الإعراض عنها»([608]).
وإذا كان موقف الطوسي في أقوال الطبقة الأولى على هذا النحو من الدقة والحزم والموضوعية فإن موقفه من أقوال المفسرين المتأخرين ممن تلا الطبقة الأولى كان كذلك بل أكثر من ذلك، لأن «كل واحد منهم نصر مذهبه، وتأول على ما يطابق أصله، ولا يجوز لأحد أن يقلد أحداً منهم» ولذلك نجده يرفض من آرائهم ما يستأهل الرفض ويناقش في أقوالهم ما اقتضى الأمر المناقشة، كما فعل مع الطبري([609]) والجبائي([610]) والبلخي([611]) والرماني([612]).
وهكذا يصبح للنقل لدى الطوسي حدود ثابتة قائمة على الإجماع أو التواتر، دون ما كان طريقه الآحاد، ودون الشعور بضرورة السير وراء نقول التفسير في كل الفروض.
هذا الجانب أحد جوانب التطوير الرئيسية في منهج الطوسي.
أما العقل فكان له هو الآخر دور كبير أيضاً في هذا المنهج وقد اعتمد عليه الطوسي ـ كل الاعتماد ـ في شرح معاني القرآن وأهدافه وفي الرد على مقالات الفرق والمذاهب المخالفة لوجهة نظره، وفي الدفاع عن طائفته الشيعية.
ودحض ما أورد عليهم من شبهات ونقود([613]). ولم يكن يستطيع ـ لولا هذا الاستناد الكبير على العقل ـ أن يقوم بهذه المهمة على هذا النحو من الشمول والعمق والبرهنة السليمة الموفقة. وحسبنا أن نراجع النماذج التالية من ردوده ليتجلى لنا دور العقل في هذا المنهج على حقيقته الناصعة وواقعه المشرق.
الرد على أهل الوعيدية (7/448) الرد على التناسخية (4/129). الرد على الحشوية (7/243). الرد على الخوارج (19/366). الرد على الغلاة (5/93). الرد على المجبرة (1/30). الرد على المرجئة (7/449). الرد على المشبهة (4/113). الرد على المعتزلة (2/418). الرد على المفوضة (2/216).
ولعل أبرز ما يثير الإعجاب والتقدير ويوضح ما أشرنا من هيمنة العقل على منهج الطوسي أن نقرأ تصريح الشيخ ـ وهو في قرنه الخامس الهجري ـ بعدم رفضه لفكرة كروية الأرض، وفي ذلك يقول:
«واستدل أبو علي الجبائي بهذه الآية([614]) ـ البقرة ـ على أن الأرض بسيطة ليست كرة كما يقول المنجمون والبلخي، بأن قال: جعلها فراشاً، والفراش: البساط بسط اللَّه تعالى إياها، والكرة لا تكون مبسوطة.
قال ـ أي الجبائي ـ والعقل يدل أيضاً على بطلان قولهم، لأن الأرض لا يجوز أن تكون كروية مع كون البحار فيها، لأن الماء لا يستقر إلا فيما له جنبان متساويان… فلو كان له ناحية في البحر مستعلية على الناحية الأخرى لصار الماء من الناحية المرتفعة إلى الناحية المنخفضة».
ثم يقول الشيخ معلقاً على ذلك.
«وهذا لا يدل على ما قاله: لأن قول من قال: الأرض كروية، معناه أن لجميعها شكل الكرة»([615]).
ومن الشواهد البارزة على دور العقل في هذا المنهج عدم استبعاد الطوسي لفكرة كون السحاب ناشئاً من بخار الأرض، وفي ذلك يقول:
«فإن قيل: هل السحاب بخارات تصعد من الأرض؟ قلنا: ذلك جائز لا يقطع به، ولا مانع أيضاً من صحته من دليل عقل ولا سمع»([616]).
ومن تلك الشواهد أيضاً رفضه لفكرة كون السماوات غير الأفلاك، وفي هذا الصدد يقول:
قال الرماني: السماوات غير الأفلاك، لأن الأفلاك، تتحرك وتدور وأما السماوات فلا تتحرك ولا تدور لقوله تعالى: «إن اللَّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا وهذا ليس بصحيح لأنه لا يمتنع أن تكون السماوات هي الأفلاك وإن كانت متحركة، لأن قوله: {يمسك السماوات والأرض أن تزولا} معناه لا تزول عن مراكزها تدور عليها»([617]).
وهذا السلوك العقلي بهذا العمق والتجرد والانفتاح جانب آخر من جوانب التطوير الأساسية في منهج الطوسي.
ثم يأتي بعد ذلك دور الجانب الثالث من جوانب المنهج، وهو جانب اللغة والنحو والاشتقاق وما يرتبط به من بحث القراءات المختلفة وترجيح بعضها على بعض، ولذلك كله ميدان واسع في تفسير الطوسي وقد رجع الشيخ إلى آراء الأعلام البارزين في هذه الصناعات، واطلع على مؤلفاتهم المعنية بالقرآن، وسرد أقوالهم بالتفصيل.
وكان من جملة من رجع إليه في شؤون اللغة والاشتقاق والنحو. سيبويه. الخليل صاحب كتاب العين ـ ولم يسمه ـ . أبو عمرو. الكسائي. قطرب. الفراء. الأخفش. أبو زيد. أبو عبيدة. الأصمعي. ثعلب. ابن الأعرابي. المبرد. الزجاج. ابن دريد. الأزهري. أبو علي الفارسي وأضرابهم.
ولكن الطوسي إذ يروي عن هؤلاء آراءهم في الاشتقاق والنحو واللغة فإنه لا يلتزم بها إلا بعد غربلة وتمحيص وقد يرد بعضها لرجحان رأي آخر كما فعل مع الكسائي([618]) والفراء([619]) وأبي عبيدة([620]).
ورجع في القراءات إلى كل القراء المشهورين أمثال:
عاصم. الكسائي. خلف. حمزة. يعقوب. الأعمش. نافع. حفص. وأضرابهم.
ولكنه لم يذعن لكل قول قالوه، بل اختار ما رجح لديه الأخذ به ورفض ما سواه، كما فعل مع أبي([621]) وعبداللَّه([622]) وابن إسحاق([623]).
وبعد:
فهذه لمحات خاطفة عنيت بتسجيل الجوانب الأساسية لمنهج الشيخ الطوسي في تفسيره، مقارناً بالمنهج الذي سار عليه المفسرون القدامى وفي مقدمتهم الطبري صاحب المدرسة المعروفة في هذا الفن. وقد اتضح من خلالها أن الطوسي قد تأثر بمنهج الطبري واستفاد من تفسيره، بدون تقليد أعمى وبلا تبعية ببغائية. وبذلك كان هذا التأثر علمياً قائماً على الموضوعية والسعي وراء الحقيقة.
واستطاع الطوسي بعلمه وعمقه ـ وعلى الرغم من هذا التأثر ـ أن يقوم بعملية تطوير واضحة المعالم في المنهج الذي اختطه لكتابه، حيث أقام التفسير على دعامتي العقل والنقل بعد إن كان قائماً على دعامة النقل وحده كما مرّ.
وكان استعماله للعقل مثيراً للإعجاب إلى أبعد الحدود حيث استطاع أن يتخلص من كل الرواسب الذهنية التي كان يعالج بها عصره ويتجرد من كل أسباب العبودية للأفكار السائدة يومذاك مما كان الخروج عليها ضرباً من الزندقة والمروق عن الدين.
ولا أدعي ـ وأنا أختم هذا الحديث ـ إني قد استوعبت الموضوع دراسة وبحثاً واستقصاء فذلك ما يحتاج إلى كتاب ضخم ومجال كبير وحسبي من كل جهدي أن أسلط بعض الضوء على منهج الطوسي في التفسير وإن يحالفني بعض التوفيق في هذا المجال.
محمد حسن آل ياسين.
من كتب التفسير عند الشيعة.
ومن أشهر كتب تفسير القرآن عند الشيعة في القديم عدا كتاب التبيان: كتاب مجمع البيان. وفي العصور المتأخرة تفسير السيد عبداللَّه شبر وآلاء الرحمان للشيخ جواد البلاغي الذي لم يتمه وكتاب البيان للسيد أبو القاسم الخوئي وكتاب الميزان للسيد محمد حسين الطباطبائي وكتاب الكاشف للشيخ محمد جواد مغنية والتفسير المبين له. والجديد في تفسير القرآن المجيد للسبزواري.
«راجع التبيان»
التفاسير الفارسية
في القرن العاشر والحادي عشر الهجريين
أنواع التفاسير
تفسير القرآن الكريم، نستطيع أن نقسمه كلياً إلى شعبتين:
1 ـ التفسير الأثري، أو التفسير بـ«المأثور».
2 ـ التفسير بالرأي.
(1) التفسير الأثري، أو التفسير بالمأثور.
في هذه الأنواع من التفاسير، ولأجل فهم مضامين القرآن الكريم، يلجأ المفسرون إلى الاستناد إلى الروايات والأحاديث في تفاسيرهم حتى إن البعض منهم يذكر نص الحديث في تفسيره، كتفسير «البرهان» لـ«ميرزا هاشم البحراني» بيما يكتفي البعض الآخر بالتفسير بالاستناد إلى هذه الروايات والأحاديث دون التطرق لذكر متون أو نصوص هذه الروايات والأحاديث.
إلا أن جميع تفاسير صحابة رسول اللَّه(ص)، وعمدة تفاسير التابعين، وبعض التفاسير في العصور المختلفة كانت بشكل تفاسير أثرية، لكن بفارق أنه في عصور ما بعد التابعين وبسبب كثرة الاختلاف في الروايات المأثورة لجأ بعض المفسرين من أمثال (ابن كثير) و(الطبري) لدراسة هذه الروايات عن طريق الجرح والتعديل والترجيح.
(2) التفسير بالرأي:
في التفسير بالرأي هناك أنواع الاستنباطات، والأذواق والآراء، والخبرة الفردية، والفطرة الشخصية زيادة على الروايات والأحاديث، إضافة إلى طرق أخرى في توضيح وتفسير التعابير القرآنية.
ولعلماء الإسلام في التفسير بالرأي رأيان مختلفان، رأي أباحه والآخر حرّمه، وهنا يجب القول بأن كلا الرأيين ينظران إلى هدف واحد، ألا وهو أن التفسير بالرأي غير المناسب والحرام هو التفسير الذي لا يستند فيه المفسر إلى الأحاديث والروايات، والإدراك، والمعرفة لقواعد اللغة العربية، وأصول الشرع والدين الإسلامي، أو أن يعتمد المفسر على استنباطه الشخصي بدون أن يكون بيده الدليل الشرعي الذي يؤكد به آراءه ونظرياته.
وهناك شروط لجواز التفسير بالرأي الذي هو جائز لأن القرآن الكريم نفسه يدعو الناس إلى الاجتهاد والتدبر بالآيات.
بصورة إجمالية يتوجب القول: إذا كان التفسير بالرأي يحمل جميع الشروط المسموح بها لكنه معارض للأحاديث التي يحتمل أن تكون صحتها ثابتة وقطعية، فإنه تفسير ليس له أهمية دينية، لأن الاجتهاد والاستنباط في مقابل النص غير جائز، لكن إذا لم يكن هناك أي تعارض بين النص القطعي الثابت وبين اجتهاد واستنباط المفسر، بل كان النص والاستنباط يدعمان ويؤكدان بعضهما، كان هذا التفسير خالياً من أي خطأ مثل أكثر التفاسير المعتبرة وذات الأهمية لدى الشيعة كتفسير «التبيان» لـ(الشيخ الطوسي) و«مجمع البيان» لـ(أبي علي الطبرسي) (رضوان اللَّه عليهما)، أما تفسير «مفاتيح الغيب» لـ(الفخر الرازي)، و«أنوار التنزيل» لـ(البيضاوي) فهي لدى أهل السنّة تفاسير لها كامل الأهمية والاعتبار.
بصورة مختصرة إذن نستطيع القول بأن هناك نوعين من التفاسير بالرأي، أحدهما ليس له أي أهمية لفقدانه جميع شروط التفسير بالرأي، والآخر له كامل الأهمية والاعتبار لاحتوائه على جميع شروط التفسير بالرأي.
نماذج من التفاسير الفارسية للمأثور في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين:
1 ـ آثار الأخبار:
هذا التفسير عن (أبي الحسن علي بن حسن الزواره إي الأصفهاني)، كان تلميذاً (لغياث الدين جمشيد الزواره إي)، (والمحقق الكركي)، وكان يعاصر الملك (طهماسب) سنة (930 ـ 984هـ).
الكتاب المذكور ترجمة عن تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) (م260) وأصل التفسير بالنص العربي برواية أبي يعقوب محمد بن زياد، وأبي الحسن علي بن محمد السيار، الذي أملاه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عليهما ودوناه.
الزوارة إي قام بترجمة هذا التفسير إلى اللغة الفارسية بأمر من الملك إضافة إلى ترجمة كتاب «الاحتجاج على أهل اللجاج» لـ(أبي منصور الطبري) و«المناقب» لـ(ابن شهرآشوب السروي) وكتاب «ترجمة الخواص».
2 ـ ترجمة الخواص:
وهو عن الزواره إي، ويقال له «تفسير الزواره إي» وهو تفسير في مجلدين:
الأول: من أول القرآن الكريم حتى سورة الكهف.
الثاني: من سورة الكهف حتى آخر القرآن الكريم.
التفسير مختصر وقصير ويشمل الأخبار والأحاديث التي أنزلت بشأن أئمة الشيعة (عليهم السلام)، وقد فسر الزواره إي فيه سورة الفاتحة بالتفصيل، وأتم الكتاب في سنة 947، وكتب في خاتمته شعراً بالفارسية ترجمته:
بفضل اللَّه قد أتم
وتاريخه بفضل اللَّه المعين
3 ـ تفسير الأئمة لهداية الأمة:
هذا التفسير من ملا محمد رضا بن عبدالحسين النصيري الطوسي (منشىء الممالك) كما نظم كتاب (كشف الارتياب) للقرآن الكريم سنة 1067هـ. التفسير الذي نتحدث عنه يتكون من عشرين مجلداً، الأول منها بعشرين فصلاً، في مقدمات التفسير، وتفسير سورة الفاتحة، وعدة آيات من سورة البقرة إلى: {هم يوقنون}.
طريقة النصيري في هذا التفسير أنه يبدأ بترجمة الآية للفارسية ثم يفسرها بالاستناد إلى الأحاديث والروايات بنقلها (الروايات والأحاديث) إلى الفارسية أولاً. أما المواضيع المتعلقة بالآيات من قبيل الفضائل. والخواص، والنزول، وما أشبه فتأتي بعد ذلك في فصول.
ويعتمد هذا التفسير على كتب الحديث مثل «الاحتجاج على أهل اللجاج» لـ(أبي منصور الطبري) «ومكارم الأخلاق» لـ(أبي منصور حسن فضل الطبري) وغيرهما، وغالباً ما ينقل عن «تفسير العياشي» و«البيضاوي».
النصيري ذكر في هذا التفسير كل التفاسير المنسوبة للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وجميع تفاسير الأصل والنص ومختصر تفسير علي بن إبراهيم القمي.
4 ـ جلاء الأذهان وجلاء الأحزان:
الأول: جلاء الأذهان لـ(أبي المحاسن حسين بن حسن الجرجاني).
الثاني: تفسير «غازر» «كازر» لـ(غياث الدين جمشيد الزواره إي) المعروف السيد «غازر».
مؤلفا هذين التفسيرين أخذا عن أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، يبدآن بآيات من القرآن ثم يترجمانها ويفسرانها، وفي بعض الأحيان يذكران أصل الرواية ونصها وفي أحيان أخرى ينقلان الترجمة بالفارسية فقط، ويلاحظ ذكر أسماء بعض المفسرين في هذا الكتاب كـ(ابن عباس) و(قتادة) وغيرهما.
والتفسير المذكور له مقدمة بسبعة فصول، وأحياناً يتناول الحديث في شأن نزول الآيات الكريمة، ناهيك عن بحث القراءة، والتجويد، وذكر فضائل السور قبل نقلها.
والتفسير المذكور يعد من التفاسير، والمراجع الشيعية المعتبرة وذات الأهمية التي يرجع إليها الكثير من المفسرين.
أنواع التفسير بالرأي
1 ـ التفسير بالكلام:
عدة من المفسرين بل معظمهم ـ بعد أن نشأت المذاهب المختلفة المرتبطة بأصول العقائد ـ كان يسعى لأن يستخرج العقائد والآراء الخاصة بعقيدته ومذهبه من الآيات القرآنية الكريمة، ونجد جماعة من المفسرين كانوا يحاولون استغلال كل فرصة للاستمداد من الآيات القرآنية ـ حتى النقط والمسائل الأدبية في القرآن الكريم ـ من أجل إثبات أحقية وصوابية عقائدهم، ويمكننا أيضاً حتى مشاهدة الجانب الكلامي في هذه التفاسير.
وأهم وأشهر التفاسير التي تظهر أصول العقائد المذهبية بالاستناد إلى الآيات القرآنية هو «الكشاف»، لـ(جار اللَّه الزمخشري)، وهدفه النهائي تثبيت المذاهب الاعتزالية.
التفسير الكلامي الآخر، كتاب «مفاتيح الغيب» أو (التفسير الكبير)، لـ(الإمام فخر الدين الرازي)، والبارز في هذا التفسير، الجوانب العقلية، والمسائل المرتبطة بأصول العقائد، وهو يدافع بشدة في تفسيره عن عقائد أهل السنة.
2 ـ التفسير الفلسفي:
في أواخر حكومة الأمويين وخاصة في عصر حكومة العباسيين ترجمت أكثر الكتب الفلسفية اليونانية إلى اللغة العربية، وكان قسم من المسلمين عندما يطالع هذه الكتب يلاحظ بأن مسائلهم ليست موافقة للروح الدينية فكانوا يتلفونها لأنها معارضة للقرآن والنصوص المذهبية.
(الغزالي) وكذلك (فخر الدين الرازي) في بعض آثارهم يتعرضون لهذه النظريات الفلسفية اليونانية ويقولون بأن أكثر هذه الآراء والنظريات مخالفة لنصوص القرآن الكريم والدين، وفي حدود إمكانياتهم العلمية كانوا يتصدون لهذه الآراء مفندين لها.
لكن البعض الآخر من المسلمين ـ مع ملاحظتهم الخلاف بين الآراء الفلسفية والدينية ـ كانوا إلى حدّ ما يقبلون هذه الآراء ويسعون للجمع بين الدين والفلسفة، ثم أنهم بينوا أن الوحي والشرع وطرق العقل والفلسفة ليس فيها أي تناقض بل إنها مؤيدة ومؤكدة بعضها البعض الآخر.
أصحاب الفلسفة ـ نظراً لإيجاد المطابقة والتوافق بين الدين والفلسفة ـ كانوا أحياناً يتأولون النصوص الدينية بشكل يتناسب وعقائدهم ويوجهونها حسب الآراء الفلسفية، وفي بعض الأحيان كانوا يشرحون أساس النصوص الدينية حسب الآراء الفلسفية ويضعون النظريات العقلية حاكمة على الحقائق الدينية، وواضح أن آثار الطريقة الأخيرة أسوأ كثيراً من الطريقة الأولى.
(الفارابي) وضع بعض الآيات والحقائق الدينية بتعبير فلسفي محض، وفي رسائل إخوان الصفا نجد جزء من الآيات القرآنية والاصطلاحات الدينية مشروحاً بتعبير فلسفي محض، ففي حديث عن «الجنة والنار» يكتبون.
الجنة هي عبارة عن عالم الأفلاك، والنار عبارة عن العالم الموضوع تحت فلك القمر، يعني هو عالم الدنيا.
ابن سينا في ذكر آية من سورة (الحاقة) ومضمون الآية: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}، يكتب: القصد من العرش الفلك التاسع الذي يسمى فلك الأفلاك، والملائكة الثمانية ـ الذين يحملون عرش الإله ـ يعني الأفلاك الثمانية التي تقع تحت الفلك التاسع.
3 ـ التفسير العرفاني:
بعض العرفاء والمتصوفة يعتبرون التصوف والعرفان مُبْتَنيين على المسائل النظرية والمباحث الفلسفية ويفسرون القرآن الكريم بمستوى نظرياتهم وتعاليمهم وأذواقهم الخاصة، ويجب القول هنا بأن القرآن الكريم والمفاهيم القرآنية بعيدة ومعارضة لنظريات وآراء وأذواق العرفاء والمتصوفة، وأن القرآن الكريم لم ينزل من أجل إثبات وتأييد آراء ونظريات مذهب معين.
إلا أن الصوفي العارف يسعى لوضع نظرياته خلال تفسير الآيات القرآنية، ولذلك يحاول أن يأخذ بعض ما ورد في القرآن الكريم ليجعله شاهداً ودليلاً له يستند إليه.
وأشهر تفسير صوفي هو التفسير الذي ينسبونه إلى (محيي الدين بن عربي) (638) وهو يكتب في تفسير آية: {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً}. {إن الذين كفروا بآياتنا}: يعني الناس الذين بقوا محجوبين عن صفات الجلالة والأفعال (أفعال اللَّه).
{سوف نصليهم ناراً}: يعني نصليهم في نار بلاء حب المال، لأن غرائزهم تقتضي هذا الأمر بحسب استعدادهم.
{كلما نضجت جلودهم}: يعني كلما تساقطت عنهم الأحجبة وجلودهم الجسمانية، بدلناهم جلوداً غيرها.
{ليذوقوا العذاب}: يعني ليذوقوا عذاب الحرمان منا والفراق عنا.
{إن الله كان عزيزاً حكيماً}: يعني إن اللَّه تعالى قوي وقهار، يقهرهم بذلة صفتهم، ويجعلهم أذلاء بنار الاشتياق التي توصلهم للكمال، ويحرقهم ويعذبهم طبقاً للعذاب والمشقة اللذين طلبوهما لأنفسهم ووفقاً لحاجة أجسامهم بطريقة أحجبة وجلود بشكل متواتر ومتوالي.
وفي تفسير {مرج البحرين يلتقيان} {بينهما برزخ لا يبغيان} يقول: البحر هو الغول الجسماني العظيم، وهو مُرٌّ ومالح، والبحر هو الروح الخالية من الجسم الذي هو جميل وسائغ.
{يلتقيان} هذان البحران يلتقيان (يعني البحر الجسماني، وبحر الروح) {بينهما برزخ}: بين هذان البحران برزخ وهو عبارة عن النفس الحيوانية التي ليست مثل الروح صافية وخالية، وليست مثل الأجساد (الغولية) الوسخة {لا يبغيان}: كل منهما لا يطغى على الآخر، لا الروح تستطيع أن تجعل الجسم صافياً مثلها، ولا الجسم قادر على أن يطغى على الروح ويجانسها ويجعلها مثله وسخة، (سبحان خالق الخلق والقادر على ما يشاء): منزه اللَّه سبحانه وتعالى خالق الخلق والقادر على أن يخلق كل شيء.
وجماعة أخرى من أصحاب التصوف والعرفان ـ بمقتضى الإشارات الخفية التي يستعملونها لسيرهم وسلوكهم ـ يفسرون القرآن الكريم خلافاً لمفاهيمه الظاهرية، وقابلية التطبيق والإبداع في نفس الوقت بين الإشارات وظواهر القرآن الكريم ـ أحياناً تكون كأنها واضحة.
أدلة وحجج العرفاء والمتصوفة في تفسيراتهم:
آراء وأذواق مثل هؤلاء العرفاء والمتصوفة، ليست مبتنية على المقدمات العلمية، بل هي مؤسسة على المقدمات العملية، والرياضيات الروحية والصوفية التي تصل بهم ـ كما يزعمون ـ إلى درجة الكشف والمشاهدة من أي طريق كان، ويصلون إليها بذكائهم وإدراكاتهم الخاصة البعيدة عن الاستدلال ـ في الآيات القرآنية والنصوص الدينية ـ من نفس طرق المشاهدات والمكاشفات المزعومة هذه.
إذن العرفاء والمتصوفة يبحثون التفاسير الظاهرية ـ أي التفاسير التي يستخلصونها من ظواهر آيات القرآن الكريم ـ ويكتفون بها، وأحياناً ينتقدونها ـ لكن طبقاً لعقيدتهم لأنهم لهم أذواق وآراء خاصة، ثم إنهم يقولون:
لا يجوز أن نكتفي ونستند على تفسير، وشرح، وتفصيل آيات القرآن الكريم، لأن هذا العمل يوجب وضع حدّ للمعاني والمفاهيم الواسعة للقرآن الكريم.
ولكن بما أن معاني القرآن الكريم لا توضع تابعة للألفاظ والتفاسير الظاهرية، وبما أن المقياس والمعيار والأهمية لهذه التعابير وفقاً لعقلنا الجزئي المحدود، فلا بدّ من وجود قوة أخرى يعبر عنها بـ«القلب والروح»، هي أعلى من العقل، بل أقوى منه وغير محدودة، هذا القلب الذي بلا نهاية وغير محدود هو عرش اللَّه (الإله المربي) العظيم، وهذا هو القلب الذي يستطيع أن يكون خازن المعاني غير المحدودة، والمفاهيم التي بلا نهاية للقرآن الكريم ويسعها في عرضه الواسع.
ومع أن أكثر العرفاء والمتصوفة لا يدّعون أن مذاقهم ومشربهم يشكل الهدف النهائي لفهم القرآن الكريم، لكنهم يدّعون أن إدراكهم وفهمهم وتنبهاتهم هي الإشارات الإلهية وبراهين العرش، وتفسيرهم الخاص مبني على عقيدتهم بأن «لكل آية ظاهر وباطن».
هؤلاء لا يفسرون حسب التأمل السطحي بظواهر القرآن الكريم، مع أن الفقهاء يستخرجون ويستنبطون الأحكام الفقهية والفرعية من نفس هذه التعابير القرآنية، والآخرين يستكشفون ويستخرجون أكثر الأمور من نفس هذه الظواهر ، إلا أن أهل الجوف (الروح) يستخرجون الأسرار والرموز والحقائق المخفية من نفس هذه الألفاظ والتعابير.
بين المفسرين الظاهريين من يهتم بموضوع الآيات القرآنية من اللغة، والصرف، والنحو، والعلم البلاغي، (معاني، بيان وبديع)، أسباب النزول، والتشريع والقانون، والقصص، والأحاديث، وأمثالها، أما في تفسير العرفاء والصوفيين فنجد أنهم يهتمون بالأسرار النهائية والرموز المعقدة في الآيات الإلهية.
انتقاد لتفسير العرفاء والمتصوفة
أمثال هذه الاستدلالات والعلل بدعوى العرفاء والمتصوفة، التي تتشكل في نوع وطريقة الحصول على تفسير القرآن الكريم هي مورد انتقاد على الإسلام غالباً، خاصة أنها تطعن بالفقهاء وعلماء علوم القرآن الكريم، وفي نظر عدد من المتشرعين بالأخص ـ وبنظر جماعة من الفقهاء: التفاسير الصوفية والعرفانية ليست لها أي أهمية دينية، ويجب أن لا يستند إليها في أي مسألة شرعية أو دينية ـ أعم من أصول العقائد وفروع الأحكام ـ.
وغير تفسير (محيي الدين بن عربي)، أهم وأشهر تفاسير العرفانيين حتى القرن الخامس الهجري كتاب «حقائق التفسير» لـ(السلمي) (م412) وكتاب «لطائف الإشارات» لـ(أبي القاسم القشيري) (م465) وتفسير سورة الإخلاص، وجواهر القرآن للغزالي (م505).
السلمي في مقدمة تفسيره يقول ما مضمونه:
بما أني رأيت علماء علوم الظواهر كلاً منهم قد حرر تفسيراً واهتم بشأن القراءة، واللغة. ومشاكل الألفاظ، والمجمل والمفصل، والناسخ والمنسوخ وغيرها ولم يتوفقوا بفهم الخطاب بلسان الحقيقة إلا في القليل مما ورد في آياته لقرآنه الكريم، ولقد حضرت كلاماً في تفسير القرآن الكريم وأدعمته بالأسانيد وأقوال المشايخ وأهل الحقيقة.
بعد تأليف «حقائق التفسير» للسلمي، قام جماعة من المعاصرين وحتى العلماء بعد السلمي بالاعتراض عليه وانتقاده واستيعابه، واتهموه بالتحريف وخلق الأحاديث الصوفية والعرفانية والمظاهر الأخرى، وأن كل من اعتقد أن كتاب السلمي هو تفسير القرآن الكريم بالذات فهو قطعاً قد كفر وخرج عن دينه.
(الذهبي) يعاتب (السلمي) في شأن «حقائق التفسير» ويتهمه بأنه يأتي بالمصائب وبالتأويلات الباطية، وابن تيمية يتهمه بالكذب، والسيوطي يعده من المبدعين، وإنه وضع في تفسيره الآراء السخيفة والسيوطي في آخر فصل يكتب عن كلام الصوفية في تفسير القرآن الكريم ويقول:
ويقول (تاج الدين بن عطاء) في كتابه «لطائف المنن»:
تفسير هذه الطائفة (يعني العرفاء والصوفية) في شأن كلام اللَّه وحديث النبي الأكرم(ص) بظاهر القرآن الكريم والمفهوم من ظاهر الآية مطابق للعمل والمدلول العرفي لها، ولكن يوجد في الموقف الإفهامي الباطني والإدراك الداخلي الموضوع أو الحديث المفتوح كما أتى في الحديث «لكل آية ظهر وبطن».
وإجمالاً يجب القول: إن التفاسير الفلسفية والصوفية والعرفانية غالباً ما لا يكون لها أي أهمية أو اعتبار بسبب المخالفة الظاهرية للنصوص والأحاديث المأثورة.
نماذج من التفاسير الفارسية الكلامية والفلسفية والعرفانية والصوفية في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين
1 ـ أحسن القصص ـ أو حدائق الحقائق:
لمعين مسكين الفراهي (م907هـ.ق) وهذا التفسير قسم من التفسير الكبير «حدائق الحقائق» في شأن سورة يوسف.
تفسير عرفاني مستخرج من أشعار المؤلفين الآخرين، وذكر فيه من كشف الأسرار والكتب الأخرى وفي المقدمة يذكر:
بعد تفسير سورة الحمد (الفاتحة) أردت أن أفسر سورة آل عمران، لكن أصحابي طلبوا مني أن أقدم سورة يوسف على سورة آل عمران، ومن هذا الوجه تفسير سورة يوسف سميتها الحدائق.
وفي النسخة التفسيرية من هذا الكتاب الموجودة عند السيد هادي أشكوري واعظ فسرت سورة الملك إلى آخر القرآن الكريم، ومع تفسير آية: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} بصفتها أنها بشأن أمير المؤمنين علي وأهل بيته (عليهم السلام) يقول: علي (رضي اللَّه عنه) أخذ ملك الدنيا بالسنان وملك الآخرة بثلاثة أرغفة، مسكين أنت لا تملك السنان ولا تملك الثلاثة أرغفة.
2 ـ الإنسانية:
لمحمد بن محمود الدهدار من (القرن 11)، في تفسير سورة {والضحى} و{ألم نشرح}، والسورتان تعتبران مكملتان لبعض في الصلاة. هذا التفسير قولٌ في مراتب الإنسانية ومقام النبي الأكرم(ص) ويعتقد المؤلفون بأن السورتين: نزلتا في شأن حضرته(ص).
الدهدار فسر السورتين تفسيراً عرفانياً، وفهم من خلاله أن مذهبه شبيه من مذهب الشيعة الصوفية والحروفية، وهذا التفسير هو المقال العاشر من مقالاته العشر.
3 ـ الأمانة الإلهية:
لميرداماد (م1039) في تفسير آية (الأمانة) التي كتبها لفورجي الصفوي في جمادى الأولى سنة 1039، وهو تفسير فلسفي طبع مع رسائل (ميرداماد).
4 ـ تفسير آية الأمانة:
للمولى محسن فيض الكاشاني (م1091)، الذي قام بطلبه الشخصي وفي جواب لاستدعائه ـ طبق قاعدة العرفانية ـ كتبها بذكر مقدمة متناسبة مع الآية.
5 ـ تفسير آية الكرسي:
للعالم الأديب والوصفي، يقال في القرن العاشر الهجري، إنه كان عارفي حنفي وتفسيره المقدر (الحسن) يشتمل على المقدمة ومقالتان والخاتمة:
المقال الأول: في تفسير وتأويل الآية.
المقال الثاني: في شرح الآية على سيرة باطن الشريعة.
والخاتمة: في رموز الآية المشتملة عليها.
ويذكر في هذا التفسير العرفاني عن (الغزالي) (م505هـ.ق) و(جلال الدين الدواني) (م908هـ.ق).
6 ـ تفسير آية الكرسي:
لفخر الدين محمد الأسترآبادي الحسيني الذي ألفه في (952) باسم الملك طهماسب، وشرح فيه إثبات الواجب والتوحيد في خواص ومحاسن (آية الكرسي)، ولهذه النظرية يجب أن نعده من التفاسير الكلامية في القرن العاشر الهجري.
7 ـ تفسير آية: {فلا أقسم بمواقع النجوم}.
أيضاً لمحمد بن محمود الدهدار، وهو تفسير تأويلي وعرفاني على طريقته في شأن الآية الذدكورة.
8 ـ تفسير سورة النور:
أيضاً لمحمد بن محمود الدهدار، وهو يشمل بعض الموضوعات العرفانية بالفارسية والعربية.
9 ـ العروة الوثقى أو تفسير آية الكرسي:
لصدر الدين محمد الشيرازي المعروف بـ(ملا صدرا) (1050)، وهو تفسير فلسفي وعرفاني.
10 ـ العروة الوثقى:
لمحمد إبراهيم بن صدر الدين محمد الشيرازي بن ملا صدرا (م1070) الذي سماه باسم الملك (عباس الثاني) وألفه في ثلاثة عروض:
العرض الأول: الدين الذي لا يقبل الإكراه.
العرض الثاني: معنى الطاغوت والكفر والإيمان.
العرض الثالث: المستخلص من العروة الوثقى.
وهو تفسير فلسفي وعرفاني كتبه الوالد وولده، كلاهما تحت عنوان «العروة الوثقى» في شأن آية الكرسي.
11 ـ سرّ العالمين في تفسير يوم الدين:
لعبدللَّه بن نعمة اللَّه الواعظ الغيلاني (كان حياً في 1025)، وهو تفسير عرفاني وأخلاقي في شأن كلمات: مالك، وملك، في سورة الفاتحة، وتفصيل في معرفة دار الآخرة، خلق الدنيا والآخرة، وحقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة.
12 ـ لطائف الغيبة والعواطف:
لأحمد بن زين العابدين بن العلوي تلميذ (ميرداماد) (1041هـ) الشيخ البهائي في 1012 سمح له بالنقل بالرواية.
وهو تفسير كلامي في شأن الآيات المرتبط بها أصول الدين، والمبدأ، والمعاد، ويبدأ بسورة الفاتحة، وفي بقية السور بدون ترتيب.
13 ـ لوامع التأويل:
لمحمد المعصوم الأسترآبادي الذي كان يعيش في زمان الملك عباس الثاني الصفوي.
هذا التفسير ترجمة تفسير «تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة» للسيد شرف الدين الحسيني الأسترآبادي في القرن العاشر الهجري مع مقدمة وإضافات من المترجم.
في هذا التفسير، كل سورة يمدح فيها فضائل الأئمة (عليهم السلام) ويذم أعداءهم، وهو كتب هذه الترجمة بأمر من محمد المؤمن وباسم الملك عباس الثاني ونقل فيها عن «الكنز» «للكراجكي» وكتاب «ما نزل من القرآن في أهل البيت (عليهم السلام)»، وفضائل الأئمة (عليهم السلام) وجاء في بدايته:
جملة صدر الكتاب صحيفة آمال المفسرين آيات الكمال والعلم، وفصل الخطاب، وجريدة المترجمين لأحاديث عيون الأخبار وقبولهم النظر في رأي العلم.
وجاء في خاتمته ما تعريبه:
هذه النسخة روضة أزهار مفرحة
بحر لطيف الكلام مملوء بالذهب
يرغمك على التفكير في تاريخه
كأنه مرجٌ من الحقائق الطافحة
14 ـ الواضحة:
لمعين مسكين الفراهي، وفي هذا التفسير تأتي العبارة بالفارسية والعربية، وذكر فيه عن «كشف الأسرار» ومضمون قطعة من الشعر يرى فيها إخلاص (معين).
وهكذا بداية أول عبارة فيه:
(الحمد والشكر أقدمه لعرش رب الملك، آمال المذنبين، ورجاء مجرمي الزمان، بل أساس راحة المتألمين، ورأس مال استراحة المحزونين وبشرى لهم…).
التفاسير الفارسية الأخرى في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين
إضافة للتفاسير الفارسية التي ذكرت هناك تفاسير فارسية أخرى ألفت في هذين القرنين بطرق مختلفة، لأجل أن يتعرف الراغبون بمطالعة هذه التفاسير عليها نذكر هنا مجموعة منها:
1 ـ ترجمة القرآن:
لقطب الدين محمد بن الشيخ علي شريف الديلمي اللاهيجي الأشكوري تلميذ ميرداماد.
كان حياً هذا العالم في 1075هـ، وكتابه ترجمة وتفسير بطريقة الشيعة في مجلدين ويعتمد فيه على تفسير «مجمع البيان» بشكل بارز. وفي خاتمة هذا التفسير تشاهد هذه العبارة.
لا تبقى خفية على عقل العارف في الكلام أن اختتام هذه الترجمة بلفظ «بس» «يكفي»، كناية عن أن هذه الترجمة لطالبي الخالص من الحقائق القرآنية، وهذا كافٍ للعطاشى لمعين دقائق الأمور، ولا حاجة لمطالعة التفاسير التي أكثرها مفسر بالرأي، والتفسير بالرأي باتفاق العقل والنقل باطل وعاطل.
2 ـ تفسير آية الكرسي:
لعلائي بن محيي شريف الشيرازي من القرن العاشر الهجري.
3 ـ تفسير سورة الفاتحة:
للشيخ البهائي (م1030هـ) الذي ألفه في العشرة الثالثة من شهر صفر 1025هـ.
4 ـ تفسير سورة القدر:
لمحمد محيي القلشني (الكلشني) (م1104هـ).
5 ـ تفسير سورة هل أتى:
للأمير معز الدين محمد بن أمير ظهير الدين محمد الحسيني الأردستاني المعروف بـ(ميرميران) «أمير الأمراء»، الذي ألف بأمر محمد بن خاتون العاملي في حيدر آباد سنة (1044هـ.ق) وباسم (عبداللَّه قطف شاه) (1020 ـ 1083هـ.ق).
6 ـ تفسير سورة هل أتى:
لتقي الدين محمد العقيلي الذي ألفه باسم الملك عباس وإمام قلي خان.
7 ـ سفينة النجاة:
لمحمد مقيم بن محمد علي بن قاسم علي تاج الدين اليزدي، في تفسير الجزء الثلاثين من القرآن الكريم، يعني من سورة النبأ حتى آخر القرآن.
8 ـ شافع الحشر ـ أو شافع المحشر:
لصدر الدين محمد بن غياث الدين منصور بن محمد الحسيني الدشتكي الشيرازي، المعروف بـ(صدر الدين الثاني) في القرن العاشر الهجري، وهو في تفسير سورة الحشر سنة (959هـ.ق).
9 ـ كنز الدقائق وبحر الغرائب:
لميرزا محمد رضا المشهدي، كاتبه (سلم الدرجات)، وهو تلميذ المجلسي الثاني (م1111هـ.ق)، ألفه في أربع مجلدات، المجلد الأول وضعه في سنة (1079) وكتب عليه التقريظ المجلسي الثاني في (1092هـ.ق).
10 ـ الترجمة الفارسية للقرآن الكريم في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين.
11 ـ الترجمة السلطانية:
لعلي رضا بن كمال الدين حسن الشيرازي كتبه في (1084هـ.ق).
التفاسير المنظومة بالفارسية في القرن 10هـ.
1 ـ روضة القلوب:
لابن همام الشيرازي في تفسير سورة {يس} يقرأها في 20 بيت (شعر) فارسي سنة 904هـ.
2 ـ فتح الرسالة:
لهمام بن همام أتمه في 1350 بيت نسبة (903هـ.ق).
أنواع التفسير الأخرى
مع تنوع التفاسير القرآنية نلقي نظرة على التفاسير الموضوعية أو التي تعتمد تفسير الآيات المتعلقة بمواضيع معينة بشكل مسهب، ومن أقدم الموضوعات التي تناولها المفسرون في تفاسيرهم هو فقه القرآن الكريم.
وبالرغم من أن بعض المفسرين تناولوا في تفاسيرهم مواضع أخرى، مثلاً أبو حيان النحوي الأندلسي في كتاب «البحر المحيط» تناول البعد أو الموضوع الأدبي للقرآن، وبالرغم من أن لتفسير الجلالين بعداً آخر أيضاً التفت إليه جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي وآخرون من المفسرين وهو محاولة تفسير الآيات بنفس الآيات، هذا النوع من التفسير سعى أغلبية المفسرين لاستعماله في أكثر تفاسيرهم لأنهم يجدون أن له لوناً خاصاً في نظرية قاعدة التفسير ـ، بالرغم من كل ذلك المسألة المهمة والموضوع الملاحظ هو: أن تفسير الآيات الفقهية بين تفاسير القرآن الكريم لها مكان واسع في التفسير المفتوح.
التفسير الفقهي
أو تفسير آيات الأحكام
نظراً إلى أن القرآن الكريم يحتوي آيات مرتبطة بالأحكام الفقهية والمسائل الفرعية ومنسجمة مع الأحكام العملية، وبرأي كثير من العلماء والفقهاء (رضي اللَّه عنهم) يصل عدد هذه الآيات إلى خمسمائة آية، أوجب على المفسرين منذ القرون الأولى من الإسلام أن يفسروا ويفصلوا هذه الأنواع من الآيات ويستنبطوا الأحكام والمسائل الفقهية منها.
وأحياناً نجد بين صحابة الرسول الأكرم(ص) اختلافات في فهم الآيات المذكورة في وقت لم تكن قد تأسست فيه الاختلافات الأساسية بين المذاهب.
وبعد ظهور «الفرق المختلفة» في الدين الإسلامي بل وقبل ظهورها بوقت قصير يعني في حدود القرن الثاني الهجري هم المسلمون أن يفسروا الآيات الفقهية من القرآن الكريم. وأن يستخرجوا ويستنبطوا الأحكام والمسائل الفرعية العملية، لأنه أحد منابع الأحكام الشرعية الفرعية هو نفس كتاب اللَّه.
علماء المذاهب والفرق المختلفة في الإسلام ألفوا تفاسير فقهية كثيرة، وأهمها من حيث الصلة بالمذهب:
المذهب الجعفري: كتاب «كنز العرفان في فقه القرآن» للفاضل المقداد السيوري (م821هـ.ق) وكتاب «زبدة البيان في آيات الأحكام» للمولى أحمد الأردبيلي المعروف «بالمحقق»أو «المقدس» الأردبيلي (م993هـ) وهذان الكتابان من الكتب المعروفة في فقه القرآن في المذهب الشيعي.
المذهب الشافعي: كتاب أحكام القرآن، لأبي الحسن الطبري (م504هـ) وكتاب «الإكليل في استنباط التنزيل» لجلال الدين السيوطي (911هـ).
المذهب المالكي: كتاب «أحكام القرآن» لأبي بكر بن عربي (م533هـ).
التفاسير الفقهية: لا سيّما في شرح وتفصيل الآيات الفقهية للقرآن الكريم واستنباط المسائل الفرعية، بعض الأحيان مؤلفة بترتيب الآيات والسور ثم بترتيب الأبواب الفقهية، ويذكر أن كل من المفسرين الذين فسروا الآيات المذكورة فسروها بشكل يطابق مذهبهم، وبعض الأحيان باختلافات فقهية وهذا ناتجٌ عن الاختلافات المذهبية.
التفسير الفقهي
في القرن 10 و11هـ
1 ـ الآيات والأحكام الفقهية:
لمولى الملك علي التوني، ألفه باسم الملك سليمان (1077 ـ 1105هـ)، وهذا التفسير في نوع الآيات التي يستفاد من كل منها بعناوين فقهية، وظاهراً أنه منتخب من التفسير الشاهي للأمير أبي الفتح الذي نذكره هنا بالتفصيل:
2 ـ التفسير الشاهي ـ آيات الأحكام:
لمير أبو الحسين الشريف الأردبيلي بن مير مخدوم (م986هـ.ق) كتبه باسم طهماسب الصفوي (930 ـ 984هـ.ق).
هذا الكتاب، أشهر تفسير شيعي باللغة الفارسية، وذكر في كتاب الإجازات «بحار الأنوار» للعلامة المجلسي بعنوان «فقه القرآن».
3 ـ رفع اللثام ـ أو إماطة الالثام عن وجه آيات الصيام:
المتن بالعربي والترجمة، ظاهراً أنها للشيخ علي بن عبدالعالي الميسي، والذي أهدى أصله (أصل الكتاب) للملك الصفي. والترجمة الفارسية ألفها بطلب من أحد الأمراء باسم طهماسب الصفوي.
في هذا التفسير ثلاثة أقسام:أـ وجوب الصيام. ب ـ وجوب التسمية في شهر رمضان. ج ـ ليلة القدر.
جاء في الأخبار المتعلقة بالصيام والأقوال وفتاوى الفقهاء في مسائل الصوم.
4 ـ التفسير الجامع:
التفاسير التي يذكر فيها عدة فنون وعلوم متعلقة بالقرآن الكريم يقال لها التفاسير الجامعة أشهر هذه التفاسير الجامعة الشيعية هي: التبيان في علوم القرآن «للشيخ الطوسي» (م460هـ). وكتاب «مجمع البيان» لأبي علي الطبرسي، وأخيراً «الميزان» للعلاّمة الطباطبائي (رضوان اللَّه عليهم).
التفاسير الجامعة الفارسية
في القرن 10 و11هـ
1 ـ البحر المواج:
للفاضل الهندي (1066 ـ 1137هـ) الذي ذكره عن ملا خليل القزويني (م1089) بعنوان «بعض المعاصرين».
في هذا التفسير ـ استفيض من كتب حديث أهل السنّة والشيعة تفاسيرهم، وفاضل الهندي في البداية يبدأ في ترجمة الآيات، ثم يفسرها وفقاً للأخبار والروايات، وبعض الأحيان يمثلها بالأشعار الفارسية. وذكر فيها أقوال فقهاء ومفسرين وحكماء من قبيل ابن سينا والإمام فخر الدين الرازي، والشيخ الطوسي، وأحياناً كثيرة فصل وبسط في الحديث بالأمور اللازمة والمهمة.
2 ـ منهج الصادقين في إلزام المخالفين:
للمولى فتح اللَّه بن شكر اللَّه بن الشريف الكاشاني (م978هـ) تفسير شيعي جامع في خمس مجلدات. في مؤلَّفه هذا استفاد من أستاذه: فخر الدين الزواره إي، وفي أكثر المواضع استفاد من مجمع البيان. وله أهمية بين التفاسير الشيعية.
3 ـ خلاصة المنهج:
أو زبدة التفاسير للمولى فتح اللَّه الكاشاني.
الدكتور محمد باقر حجتي
- () أبو جعفر محمد الطبري تاريخ الطبري ج5، ص403 القاهرة دار المعارف. ↑
- () أعيان الشيعة. ↑
- () في نسخة حمى لم ترده المذنبات. ↑
- () في نسخة أوادي ما عاشوا. ↑
- () في نسخة هلب رقابهم. ↑
- () الأزار: ما يتستر به، أو ملحفة. ↑
- () يعني رأس محمد الأمين بن الرشيد. ↑
- () يقصد خزاعة، لأن عبداللَّه بن طاهر قائد المأمون من خزاعة وهو قائد الحملة على الأمين في سبيل خلافة المأمون. ↑
- () طوس: مدينة هي حاضرة خراسان حيث دفن الرشيد والإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام). ↑
- () يعني بالأول قبر الإمام الرضا (عليه السلام)، وبالثاني قبر الرشيد. ↑
- () ألحان منسوبة إلى حنين المغني. ↑
- () يقصد ألحان معبد المغني. ↑
- () البربط: الآلة الموسيقية التي تسمى الكمنجة اليوم. ↑
- () خرق: «بفتح الخاء وكسر الراء»: أحمق. ↑
- () كان أبو عباد يقذف كتابه بالدواة كلما غضب، وكان سريع الغضب. ↑
- () مستشفى للمجانين. ↑
- () إشارة إلى شخص معروف بالحمق. ↑
- () وصيف واشناص تركيان جعلهما المعتصم قائدين في الجيش العباسي. ↑
- () يقصد قبر دعبل بالأهواز وقبر أبي تمام بالموصل. ↑
- () كان همايون شيعياً. ↑
- () كانت ممتاز محل شيعية ولم يكن زوجها شيعياً. ↑
- () يختلف بعض الكُتّاب الإيرانيين، مع كاتب هذه الدراسة، حول موضوع وضوح أسلوب نادر ميرزا في هذا الكتاب ويرون أنه كتب بأسلوب معقد، وبعبارات ضعيفة وغير مفهومة أحياناً. ↑
- () كانت تعرف باسم سيام. ↑
- () حالياً التاريخ البوذي 2517. ↑
- () هؤلاء الحضارمة هم في أكثرهم من الشيعة (ح). ↑
- () راجع بحث اسكردو في موضعه. ↑
- () راجع بحث بلتستان في موضعه. ↑
- () مقبرة الأمير عون بن علي (من أولاد على (عليهم السلام) وقد بنيت في أعلى هذا الجبل، وهي موضع يقصده الزائرون. ↑
- () يجري نهر (تلخه رود) في وسط جبل (يكه جين) وجبل عون بن علي ويتجه نحو الغرب. ↑
- () تاريخ تبريز ص2 تأليف مينورسكي. وذكرت مساحة تبريز في الترجمة العربية للكتاب بحدود 30 × 20 ميل مربع. ↑
- () كتاب «سفرنامه كلافيخو» ص159. ↑
- () راجع كتاب (سرگذشت زين) تأليف جورج كاموف، ترجمة الدكتور بهزاد، حيث تذكر أحدث التحقيقات التي أجراها علماء الجيولوجيا أن هناك مناطق في الكرة الأرضية تكون عرضة لوقوع الزلازل والبراكين وسائر التغيرات المفاجئة التحت أرضية أكثر من سائر النقاط في الكرة الأرضية، بسبب عدم اكتمال تغيّرات الأرض. وأشهر هذه الأحزمة هو الحزام الممتد من المحيط الأطلسي، اليابان وبعض أجزاء الصين، خُراسان، سلسلة جبال البرز حتى يجتاز تركيا، وتظهر أحدث نظريات الدكتور وديعي أستاذ الجغرافيا في كلية الآداب في تبريز أن هذه المدينة تقع على حزام الزلازل هذا. ↑
- () راجع كتاب «سياحتنامه شاردن» طبع مؤسسة أمير كبير. ↑
- () تعني تب ريز التل الصغير. ↑
- () تب بنهان كن أي التل المخفي. ↑
- () سيتمه، صيتمه كلمة تركية، تعني التل ودو كوجو المنهار. ↑
- () نزهة القلوب ـ حمد اللَّه المتسوفي ص85. ↑
- () تاريخ تبريز ـ تأليف مينورسكي ص10. ↑
- () تاريخ الطبري المجلد الثالث ص117. ↑
- () ابن الأثير ـ المجلد السادس ص315. ↑
- () ابن خرداذبه ـ ص119. ↑
- () ابن الأثير المجلد التاسع ص271. ↑
- () ابن خرداذبه ص119 والبلاذري ص331 والطبري المجلد 3 ص117 وابن الفقيه ص285 والأصطخري ص181. ↑
- () تاريخ تبريز ـ مينورسكي ص12 ـ 13. ↑
- () أي ما يعادل تقريباً كيلومتر مربع. ↑
- () راحة الصدور ص111. ↑
- () تاريخ (دوهزار وبانصد ساله إيران) تأليف عباس برويز ـ طبع مؤسسة علمي المجلد الثاني ص153. ↑
- () تاريخ تبريز ـ مينورسكي و(لغت نامه دهخدا) تحت عنوان تبريز. ↑
- () تاريخ تبريز ـ تأليف فلاديمير مينورسكي ترجمة عبدالعلي كارنك ص17. ↑
- () ويعطي لفظ «تومان» في اللغة معنى عشرة آلاف (فيقال مثلاً أمير تومان أي قائد عشرة آلاف شخص) ويُعادل في العملات ـ سابقاً ـ عشرة آلاف دينار وهي عبارة عن عشرة آلاف مثقال ذهب مصكوك (نقلاً عن فرهنك وصاف). ↑
- () نزهة القلوب ـ حمد اللَّه المستوفي ص85. ↑
- () ذكرت رسالة الخواجة رشيد الدين إلى ولده في كتاب «تاريخ جغرافياي دار السلطنة تبريز» تأليف نادر ميرزا ص146 ـ 147 وكتاب «سياحتنامه شاردن» ولأجل التوسع في معرفة خصوصيات الربع الرشيدي يراجع كتاب «سياحتنامه شاردن» وكتاب «سفرنامه ماركوبولو) وتاريخ تبريز تأليف مينورسكي. ↑
- () ذكرت بالتفصيل هذه الحادثة وقتل آرباخان ووزيره غياث الدين محمد في المجلد الثالث ص223 ـ 224 من كتاب «حبيب السير» وذكر «حدود جغتو وتغتو» محلاً لوقوع الحرب.. ↑
- () وقد ورد في حبيب السير في نفس هذه الصفحات ما يلي: «وبعد هذه الحوادث المزيفة تعرض الربع الرشيدي ومنازل الخواجه غياث الدين محمد وأتباعه ورجاله للسلب والنهب وصودرت أعداد كبيرة من الكتب القيمة والأواني المرصعة والنقود التي لا تعدّ والأمتعة والأقمشة، وليس من الصواب ذكرها وكتابتها». ↑
- () كتاب «سفرنامه كلافيخو» ترجمة مسعود رجب نيا ـ طهران 1337ش. ↑
- () الرجل اليوناني شبه المجنون الذي أحرق معبد بانتوان المعروف في اليونان ليخلد في التاريخ. ↑
- () كتاب «سفرنامه كلافيخو» ص163. ↑
- () جماعة الحروفية هم أتباع الملك فضل اللَّه نعيمي التبريزي المولود عام 740هـ، وكانوا يعتقدون أن جميع الحروف مقدسة وفي كل حرف ثمة سرّ، وجمال الإنسان هو مظهر الحروف، ويستطيع الإنسان الوصول إلى درجة الألوهية عن طريق التكامل. وقد وضع أساس هذه الطريقة على غرار ما هو موجود في سائر الفِرق الصوفية، حيث تعتمد الإسلام والقرآن، ولكنها تعتقد بوجود أسرار وبواطن للقرآن ومن ثم فهي لا تهتم بالمعنى الظاهري له، ويقولون بأن هناك عدة آيات من القرآن الكريم تحدث عن شخصية فضل اللَّه وعن ألوهيته، ويعتقدون بأن اللَّه قد أضفى العرش وسدرة المنتهى في خطوط صورة الإنسان، وأن معراج الرسول كان لأجل العثور على خطوط صورته وفهمها ولمشاهدة فضل اللَّه. وللإطلاع أكثر يراجع كتاب (منجم باشى) تحت عنوان الحروفية. ↑
- () كتاب «تاريخ مختصر آذربيجان» المجلد الثالث ص376 ـ 388. ↑
- () توجه السلطان أبو سعيد إلى آذربيجان على رأس جيش مكون من 300,000. مقاتل بعد فرار حسن علي، فطلب إليه أوزون حسن الصلح، ولكنه أبى، فهزم في المعركة ولاذ بالفرار، إلاّ أن ابني أوزون حسن خليل ميرزا وزينل ميرزا تمكنا من أسره وأولاده. فقام أوزون حسن بتسليمه إلى حفيد شاهرخ ميرزا الذي قتله قصاصاً لقتل جدته گوهر شاد. ووقعت بيد أوزون حسن في هذه المعركة غنائم لا تحصى، فقسمها بين جنوده. ↑
- () استولى أوزون حسن على بغداد وفارس وكرمان بعد مقتل السلطان أبي سعيد وأسس حكومة عظيمة، واتخذ من تبريز عاصمة لملكه وسعى جاهداً في إعمارها. واحتل گرجستان وطالت شهرته الشرق والغرب، وتوالت عليه في هذه الأثناء رسل وسفراء الدول العثمانية والروم ومصر، ونظم عام 876هـ قافلة للحج وعين أخاه أويسن بيك أميراً على الحجاج، وفي عام 878هـ دخل في حرب مع الملك العثماني السلطان محمد الثاني وانتصر عليه، ولكنه هُزم في العام التالي واستغل أهالي گرجستان الفرصة وباشروا في أعمال الشغب والتمرد، واستطاع بصعوبة فرض سيطرته عليهم مرة ثانية وغنم منهم غنائم كبيرة. ↑
- () كتاب مينورسكي ص46. ↑
- () نفس المصدر ص48. ↑
- () نفس المصدر ص48. ↑
- () اسم ناحية قريبة من نخجوان. ↑
- () على أنه لا بدّ من القول بأن افتقار السلطان سليم لقوات جيشه وعلف دوابه بسبب إحراق الشاه إسماعيل لكل شيء، وإعاقة حاكم مصر قانصوه الغوري للقوافل حاملة الأقوات والعلف التي كان السلطان ينتظر وصولها ـ قد أرغم السلطان سليم على الرحيل عن تبريز وعدم تعقب الشاه إسماعيل. ↑
- () «تاريخ وجغرافياي دار السلطنة تبريز» تأليف الأمير نادر ميرزا ص323. ↑
- () نفس المصدر ص324. ↑
- () نفس المصدر ص324. ↑
- () ذكر أكثر المؤرخين تفصيل هذه المعركة، ومنهم أولياي جلبي، شاردن، مينورسكي، منجم باشى وغيرهم، وكتب اسكندر بيك تركمان التفصيل الدقيق لهذه الأحداث في كتابه «عالم آراي عباس» حيث قال:»… دخل عثمان باشا المدينة بكل اطمئنان، ورأى فيها موضعاً صالحاً لبناء قلعة محكمة، فانتقل من شوارب ونزل في جانب جرنداب وخطط لبناء هذه القلعة ثم باشرت قواته ببنائها واشتغلت فيها لمدة أربعين يوماً. وعلى الرغم من اتخاذ القزلباش من جبل سرخاب معقلاً لهم وشنّهم للحملات المتواصلة بين آونة وأخرى إلا أن عمل البناء ظل متواصلاً لكثرة الجيش حتى فرغوا منه «حسب ما يقال». ونصب جعفر باشا مسؤولاً عن حراسة القلعة وإدارة تبريز. وأباح عثمان باشا تبريز (أثناء القلعة)، ويبدو أن سبب ذلك هو عدم خضوع أهل تبريز، وهجومهم المتكرر على المعسكرات والمخيمات وسلبهم لما فيها ليلاً، وقتلهم لكل من تسمح الفرصة بقتله، وتخريبهم في الليل لما يبنى من القلعة في النهار. وقد صار حكم القتل العام لأهل المدينة موقعاً من قبل عثمان باشا. وبمجرد أن سمع الروميون العثمانيون هذا الحكم حتى سلوا سيوفهم وأعملوها بكل من تقع عيونهم عليه، فلم يجد أهل المدينة بُداً من الاعتصام في بيوتهم، وأخذ الروم العثمانيون يقتلون كل من يخرج من داره ثم اقتحموا البيوت على أهلها وراحوا يقتلون الرجال وينهبون الأثاث والأموال ويسبون النساء والصبيان. وبلغ عويل النساء والأطفال عنان السماء، حتى بادر بعض الخيرين من تلك الطائفة إلى التوسط لدى عثمان باشا لالتماسه في الكف عن هذه المجازر وعن الأعمال الشنيعة الأخرى، فمنع هذا القتل والنهب في آخر النهار. وعندئذ ترك ما بقي من أهل تبريز أموالهم خوفاً على أرواحهم من سيوف الأتراك وخرجوا تحت جنح الظلام بعيداً عن المدينة وتناثروا في أماكن غريبة شتى. وهكذا آلت هذه المدينة بكل عمرانها إلى يد الأعداء ووقعت أموال لا تعد ولا تحصى مما ترك في البيوت في قبضتهم. وظل هؤلاء ينبشون الأرض ويفتشون البيوت حتى الآبار بحثاً عما تركه الأهالي.
ولم يمض وقت طويل حتى لقي عثمان باشا جزاءه بمقتضى لا يرحم اللَّه من لا يرحم الناس، فبعد كل ما سببه من مآسي للمظلومين وشيعة أهل البيت، أصابه اللَّه بداء الخناق حتى أهلكته المنية. وفي غضون الأربعين أو الخمسين يوماً التي بقي فيها الجيش العثماني في تبريز، جرت ثلاث معارك كبرى بين القزلباش والروم بالإضافة إلى المعارك الصغيرة التي كانت تحدث في أنحاء متفرقة وكان النصر في المعارك الثلاث حليف الجيش الظافر». ↑
- () كان الصوفيون والقزلباش يسمون الملك الصفوي باسم «المرشد الكامل» وهكذا فقد كان الملوك الصفوين يتمتعون بنوع عجيب من الجاذبية والنفوذ الديني بالإضافة إلى القوة الملكية. ↑
- () لقد سرّ الشاه عباس حين سماعه بالخبر غاية السرور. ويتحدث نصر اللَّه الفلسفي عن هذه الحادثة في الصفحات 95 و96 من المجلد الثاني لكتابه «زند گاني شاه عباس أول» الذي يحمل الكثير من المتعة ودقة التحقيق، فيقول: «كان الملك عباس آنذاك في مدينة أردبيل وأمر بإحراق جميع المدن والقرى الواقعة بين تبريز وأردبيل بسبب اقتراب الجيش العثماني من الأخيرة يوماً بعد آخر، وكذلك إحراق أردبيل عندما يقترب هذا الجيش من مشارفها، حتى لا يقع في قبضة العدو إلا الرماد، ولا يدخلون مقبرة أجداده، وفي أثناء ذلك بلغه انتصار قرجقاي خان على العدو، وقدم هذا القائد إلى أردبيل بعد تحقيقه للانتصار الساحق، فأسرع الشاه عباس مع جمع من شخصيات إيران وقادتها لاستقباله، وعندما التقى به ترجل وقال لقرجقاي خان الذي ترجل بدوره احتراماً للملك: «أيها السيد العزيز لقد حققت لي نصراً لم أتمنَّ على اللَّه أكبر منه، فهلم أركب حصاني لأمشي في ركابك كالغلام…» فدهش قرجاي واستحيى من كلام الملك وألقى بنفسه على أقدامه، واعتبر نفسه غلاماً للملك وفدائياً في سبيله، وتوسل إليه أن يعفيه من لطفه هذا الذي لا يوصف. ولكن الشاه عباس أصر على طلبه ولم يعفه منه حتى أجلسه على حصانه، ونفذ ما قال له، إذ مشى وراء هذا القائد سبعة أقدام ومعه جميع قواده ورجال دولته. ↑
- () راجع كتاب «تاريخ تبريز» لمينورسكي، ص55 ـ 56 نقلاً عن «تاريخ جهان نما» ص381 ↑
- () راجع كتاب (أولياي جلبي) تحت عنوان عمارات تبريز. ↑
- () كتاب «سفرنامه أوجن فلاندن» ترجمة حسين نور صادقي، طبع: مطبعة نقش جهان 1326، ص74. ↑
- () كتاب «سفرنامه أوجن فلاندن» ص74 و75 وفي نفس الصفحات يذكر نفس هذا الكاتب بكل صراحة، أمله في السيطرة على أسواق إيران حيث يقول: «… وبالنسبة لنا، فإنه مدعاة للأسف أن تسيطر بريطانيا على أسواق إيران، وتستفيد هذه الدولة منها فائدة تامة. ولو كان لفرنسا نفس قدرة بريطانيا لاستطاعت التفوق عليها بترويج بضائعها في أسواق إيران». ↑
- () للاطلاع أكثر عن حياة (أمير كبير)، راجع المجلد الرابع من (مستدركات أعيان الشيعة). ↑
- () اصطلح على كلمة (المشروطة) في إيران على ما يقابل: الحياة الدستورية النيابية. ↑
- () لقد استقيت أغلب الأخبار التي وقعت قبل وصولي في 14 سبتمبر من م ـ ت نائب القنصل الفرنسي في تبريز (كاتب التقرير). ↑
- () تتشكل في مركز كل ولاية لجنة تابعة لهذه الولاية تسمى (أنجمن ولايتي)، ومن الطبيعي أن تتشكل اللجان العادية أو المحافل السياسية في المحلات دون برمجة مسبقة لها. (كاتب التقرير). ↑
- () قرجه داغ هي ناحية جبلية في جنوب نهر آرس (كاتب التقرير). ↑
- () استحدث الفدائيون معملاً لصناعة الذخيرة بعد هذه الحادثة، وكانوا يحتفظون بالذخيرة في محفظات خاصة (كاتب التقرير). ↑
- () رحيم خان هو أحد قُطاع الطرق، وكان قد حكم عليه بالموت قبل عشر سنين ووضعوه إزاء مدفع، فاشترى روحه من المدفعي بمبلغ من المال، بحيث يطلق القذيفة دون أن تصيبه، وفي السنة الماضية اعتقل في طهران بسبب مخالفة قام بها، ثم أطلق الملك سراحه بوساطة الحكومة الروسية، ليلقي القبض على بعض الأشخاص من قرجه داغي الذين تسببوا بقتل ضابط وجنديين من الروس، فدخل تبريز في بادىء الأمر وأرسل إلى الجمعية الإسلامية عدداً من الفرسان المقاتلين ومعهم مدفعين. (كاتب التقرير). ↑
- () ومنذ ذلك الوقت وما بعده بدأت القنصلية العثمانية تدافع عن أنصار المشروطة دفاعاً واضحاً، ووعدتهم بالإسناد من قبل الدولة العثمانية. (كاتب التقرير). ↑
- () لقد بولغ كثيراً في عدد الجنود، ولكني شاهدت الخيم في محلة صاحب الديوان وعددتها فلم تتجاوز 300 خيمة، ويمكن الاعتبار بأن كل خيمة تستوعب 10 أشخاص. (كاتب التقرير). ↑
- () استأنف القنصل الروسي المحادثات مرة أخرى من أجل حلّ الأزمة، وأبلغ جمعية الولاية بأن الملك قد وعد بتشكيل المجلس خلال برقية أرسلها إلى تبريز. ولكن هذه الجمعية رفضت هذا الوعد، وطالبت باتصال الملك شخصياً بهذا إذا كان ثمة اقتراح يمكن أن تقبله، وليس هناك أي حاجة لتوسط الأجانب. (كاتب التقرير). ↑
- () قره باغ هي سلسلة جبال، تقع في شمال نهر أرس، وتخضع لسيطرة الروس. (كاتب التقرير). ↑
- () لا يمكن إرسال عدد كبير من المحاربين عدا القوزاق الإيرانيين الذين يبلغ عددهم 2000 شخص. (كاتب التقرير). ↑
- () ولكن هؤلاء الأشخاص مخطئون، لأن المشروطة لتي أعطاها الملك مظفر الدين شاه تحتوي على مجلسين، ولم يذكر اسم أحدهما عملياً. ↑
- () ومع ذلك فإنا نلفت الانتباه إلى أن نائب القنصل الإنكليزي في تبريز، يقوم بتأييد الثوار في الخفاء ويسميهم بـ(أنصار الشعب) (كاتب التقرير). ↑
- () مترجم عن الفرنسية إلى الفارسية بقلم المقدم يحيى شهيدي، ثم تُرجم لنا عن الفارسية إلى العربية. ↑
- () راجع ترجمته في (أعيان الشيعة). ↑
- () التبيان ج1 ص281. ↑
- () التبيان ج1 ص181. ↑
- () التبيان ج1 ص363. ↑
- () التبيان ج1 ص275. ↑
- () سورة الأنعام. ↑
- (*) انظر دراسة المصادر والمراجع. ↑
- () عزت، عبدالعزيز، ابن مسكويه. فلسفته الأخلاقية ومصادرها. القاهرة 1946، ص146. (عزت، ابن مسكويه). ↑
- () المنطقي، أبو سليمان السجستاني. منتخب صوان الحكمة. وقد نقل ليون كيتاني قطعة من هذا الكتاب في مقدمته التي وضعها للجزء الأول من كتاب تجارب الأمم لمسكويه، الذي نشر ضمن مجموعة جب التذكارية سنة 1909م. ↑
- () Caetane, L:Préface Ibn Miskawayh. Gib Memorial VII, I, 1990, P.XXIIX.وينقل كيتاني عن المنطقي ما نصه: «أبو علي أحمد بن مسكويه قد صحب الوزير أبا محمد المهلبي في أيام شبيبته ثم اتصل من بعد ذلك بخدمة الملك عضد الدولة إلى أن فارق عضد الدولة الدنيا وأما تحرمه بصحبة الأستاذ الرئيس أبي الفضل بن العميد أبي الفتح ذي الكفايتين والملك صمصام الدولة ومن بعد ذلك كونه في الحضرة العالية بالري وتخصيصه بسائر الأكابر إلى وقتنا هذا فمما لا يحتاج إلى شرح لاشتهاره، وله كتب في جميع الرياضيات والطبيعيات والإلهيات والحساب والصنعة والطبائخ. وغير ذلك مما تركته ولم أنقله لكثرته. وكان ذلك مع البلاغة الجيدة والخط الحسن ولطف الصنعة. وإياه قصد أبو حيان التوحيدي بمسائله التي يسميها «الهوامل»، فأجابه عنها بالأجوبة التي سماها «الشوامل» وقصة فضائله وأحواله وسيره تستدعي طولاً…». ↑
- () عزت، ابن مسكويه، ص147. ↑
- () متز، آدم. الحضارة العربية في القرن الرابع الهجري. ترجمة محمد أبو ريدة. مكتبة الخانجي، القاهرة ودار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الرابعة 1367م، ج1/ ص465 (متز، الحضارة). ↑
- () عزت، ابن مسكويه، ص147. ↑
- () متز، الحضارة، ج1، ص477. ↑
- () دي بور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، ط/مصر، ص156. ↑
- () يذكر التوحيدي، أن أسباب تهجّمه على البعض، يعود إلى عدم اهتمامهم به، فيما ينعمون بالأنعام على من هم أقل كفاءة وعلماً منه. ويحدد سبب وضعه لكتاب «مثالب الوزيرين» في حق الصاحب بن عباد وابن العميد، بقوله «لما نالني هذا الحرمان (من الصاحب) الذي قصدني به وأحفظني عليه… أخذت أتلاقى ذلك بصدق القول عنه في سوء الثناء عليه والبادىء أظلم» ويتابع «ولئن منعني ماله الذي لم يبق له فما حظر على عرضه الذي بقي بعده».لكن، إذا كان الحق والإنتقام من أسباب تهجمه على الآخرين، إلا أنه يؤكد صدق رواياته، وبأنه لم يكذب فيما روى بل جمع المثالب الموجودة عند هؤلاء، وهذا كان انتقامه. ولم يمنعه ذلك من إيراد حسن وفضائل من انتقدهم. فلم يقتصر في أحاديثه عن الوزيرين «على ما كان طالباً لمقتهما وداعياً إلى الزراية عليهما وباعثاً على سوء القول والاعتقاد فيهما» بل ذكر «ما شاع من فضائل لم يثلثهما فيها أحد في زمانهما ولا كثير من تقدمهما».
من هنا جاء حديثه عن الكرم والبخل، والنقص والزيادة، والرزانة والسخف، والكيس والبله، والشجاعة والجبن، والوفاء والغدر، والسياسة والإهمال، والخطأ والصواب والرحمة والقسوة… إلخ. (انظر التوحيدي أبي حيان. مثالب الوزيرين تحقيق الكيلاني. دمشق 1961م، ص9 و10 و13 و87 و311). (مثالب الوزيرين). ↑
- () التوحيدي، أبو حيان، المقابسات، ط/السندوبي، مصر 1929م (التوحيدي المقابسات). ↑
- () التوحيدي، مثالب الوزيرين، حققه الكيلاني، دمشق 1961م، (مثالب الوزيرين). ↑
- () التوحيدي، الإمتاع، المؤانسة. حققه أحمد أمين الزين، القاهرة 1953م، وأعادت طبعه دار مكتبة الحياة، بيروت (الإمتاع والمؤانسة). ↑
- () التوحيدي، الصداقة والصديق، دمشق 1964م، (الصداقة والصديق). ↑
- () الإمتاع والمؤانسة، ج/1، ص35 ـ 36. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () من مقدمة عبدالرحمن بدوي لكتاب مسكويه، الحكمة الخالدة، القاهرة 1952م. ↑
- () الإمتاع والمؤانسة ج/1، ص136. ↑
- () المصدر نفسه، ص48. ↑
- () Arkoun, M, Miskawayh Philosophe et Historien. J.Vrin-, Paris 1970. (آركون مسكويه ص2 ط ـ 43). ↑
- () أنظر الإمتاع والمؤانسة، ج/1، ص1 ـ 18 وج/3، ص325 ـ 329. ↑
- () الصداقة والصديق، ص67. ↑
- () انظر هامش، ص21 رقم 6. ↑
- () الإمتاع والمؤانسة، ج/2، ص2. ↑
- () المصدر نفسه، ج/2، ص2. ↑
- () المصدر نفسه، ص39. ↑
- () المصدر نفسه، ج/1، ص35 ـ 36، ج/2، ص38 ـ 39. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () انظر عزت، ابن مسكويه، ص148 ـ 151. وآركون مسكويه،38 ـ39. ↑
- () الإمتاع والمؤانسة، ج/1، ص33. ↑
- () انظر عزت، ابن مسكويه، ص147 ـ 148. انظر هامش، ص4 رقم 3. ↑
- () الثعالبي، تتمة اليتيمة. طهران 1934م، ص96 ـ 100. ↑
- () الخوارزمي، الرسائل، القسطنطينية 1297م. ↑
- () الهمذاني رسائل، بيروت. ↑
- () القفطي، جمال الدين. إخبار بأخبار الحكماء. دار الآثار ـ بيروت، ص217 و218. ونقل ما نصه (قال أبو علي ابن سيناء في بعض كتبه وقد ذكر مسألة فقال فهذه المسألة حاضرت بها أبا علي بن مسكويه فاستعادها كراتٍ وكان عسر الفهم فتركته ولم يفهمها على الوجه. هذا معنى ما قاله ابن سيناء لأنني كتبت الحكاية من حفظي). ↑
- () البيهقي، ظهير الدين، تاريخ حكماء الإسلام. نقلاً عن عزت، ابن مسكويه، ص145 و146. ↑
- () انظر عزت، ابن مسكويه، ص146. ↑
- () المصدر نفسه، ص143 ـ 158. وقد تحدث عزت بالتفصيل عما أورده هؤلاء الكتّاب في كتبهم عن مسكويه. ↑
- () انظر حول هذا الموضوع، عزت، ابن مسكويه، ص159 ـ 178. ↑
- () المصدر نفسه، ص179 ـ 190. ↑
- () يعمد عزت مثلاً، إلى تبرير هجاء مسكويه للصاحب بن عباد، كالهجاء الفاحش الذي دفع بالثعالبي أن ينزِّه يتيمته عن ذكره، خاصة أنه قيل بعد وفاة الصاحب بفترة طويلة. فنراه يبرر عمل مسكويه بأنه عائد إلى سوء سيرة الصاحب، وعليه فمسكويه يتعمد فحش القول لأنه في نظره الوسيلة الفعَّالة لإصلاح النفوس المريضة التي لا تعترف لأهل العلم بالفضل والتي تغرم بإيذاء الغير لإشباع شهوات الأنانية فيها، أنظر عزت، ابن مسكويه، ص120 ـ 123.في حين أنه يفسر عهدم إجابة مسكويه على سؤال ابن سينا ورميه إياه بأجزاء من الأخلاق كانت بين يديه ودعوته ابن سيناء كي يصلح أخلاقه، فسرها عزت بأنها دليل بأنه كان ردّ عالم فيه كثير من الأدب. عزت، ابن مسكويه، ص146. وانظر الصفحة السابقة. ↑
- () آركون، مسكويه، ص329 ـ 354. ↑
- () متز، الحضارة، ج/1، ص468. ↑
- () The Eclipse of the Abbaside Caliphate: Amedroz and Margoliouth, Préface and Index by D.S. Margoliouth Vol. VII Oxford, a 1921: (مارغوليوث، مقدمة). ↑
- () مارغوليوث، دراسات عن المؤرخين العرب. ترجمة حسن نصّار. دار الثقافة ـ بيروت (مارغوليوث، دراسات). ↑
- () الخلافات حول اسمه ولقبه وكنيته موجود في كل المراجع والمصادر. ولقبه مسكويه وليس ابن مسكويه. انظر ياقوت معجم الأدباء، ج/5، ص5 ـ 17. كحالة، معجم المؤلفين، ج/2، ص168. الأمين، أعيان الشيعة، ج/10، ص92 ـ 130. ↑
- () أنظر مارغوليوث، المقدمة، عزت، ابن مسكويه، ص79، آركون، مسكويه، ص60 ↑
- () أنظر عزت، ابن مسكويه، ص78. ورسالة الخوارزمي. ولا نعتقد اعتقاد عزت بأن أسرة مسكويه كانت ذات مكانة عالية، والاستشهاد الذي يستند إليه لم يحسن فهمه. كذلك لا نوافقه بأن الأم قد تصرفت على ذاك الوجه نتيجة وفاة الأب المبكرة، بل نتيجة جو البيت وأخلاق الأب وطريقته في التربية والتي انتقدها مسكويه لاحقاً. ↑
- () أنظر آركون، مسكويه، ص60. ↑
- () راجع، آركون، مسكويه، ص61، عزت، بن مسكويه، ص87. ↑
- () الثعالبي، يتيمة، ج/2، ص335 و336. ↑
- () الصداقة والصديق، ص33. ↑
- () تجارب الأمم، ج/2، ص184. ↑
- () الإمتاع والمؤانسة، ج/1، ص35 ـ 36، ج/2، ص39. ↑
- () ياقوت، معجم الأدباء، ج/5، ص5 ـ 17. ↑
- () أنظر مسكويه، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، باعتناء مارغوليوث وآمدروز. جزءان. القاهرة 1914. وأعادت طبعه دار المثنى ـ بغداد، (مسكويه، تجارب)، ج/2، ص133، 141، 160، 225، 230، 274، 182. ابن خلكان. وفيات الأعيان وأنباء الزمان، ط/عباس، 8 أجزاء، بيروت 1968 ـ 1972. (ابن خلكان، وفيات)، ج/5، ص103 ـ 113. ↑
- () الإمتاع والمؤانسة، ج/1، ص35 ـ 36. ↑
- () مثالب الوزيرين، ص464، وانظر حول الصاحب بن عباد: ياقوت الحموي، إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب (معجم الأدباء)، باعتناء مارغوليوث، القاهرة 1923م. (ياقوت، أدباء) ج/2 ص273 ـ 343. ابن خلكان، وفيات، ج/1، ص228 ـ 233. ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. حيدر آباد (ابن الجوزي، المنتظم). ج/7، ص103، 179 ـ 1881. والروذراوري، ذيل تجارب الأمم، باعتناء مارغوليوث وآمدروز. القاهرة 1916م، (الروذراوري، ذيل)، ص11، 18، 94، 95، 261 ـ 263، الإمتاع والمؤانسة، ج/1، ص54، 61. ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/2، ص93ظ. ↑
- () المقدسي، أحسن التقاسيم إلى معرفة الأقاليم، المكتبة الجغرافية العربية، باعتناه دي خويه، ط/2 ليدن 1906، (المقدسي، أحسن التقاسيم)، ص449. ↑
- () أنظر بعضاً من سيرة عضد الدولة كما رواها مسكويه، التجارب، ج/2، ص39 ـ 79. ↑
- () أنظر عزت، ابن مسكويه، ص111. آركون، مسكويه، ص86 ـ 87. ↑
- () أنظر الأمين، أعيان الشيعة، ج/10، ص92 ـ 130. ↑
- () المصدر نفسه، ص125 ـ 141، المصدر نفسه، ص101 ـ 127. ↑
- () أنظر مسكويه، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، باعتناء مارغوليوث وآمدروز. جزءان. القاهرة 1914م، وأعادت طبعه دار المثنى ـ بغداد. (مسكويه، تجارب). ↑
- () The Eclipse fo the Abbaside Caliphate: Amedroz and Margoliouth, Préface and Index by D.S. Margoliouth, Vol. VII, Oxford, A 1921. (مارغوليوث، مقدمة). ↑
- () Caetane, L: Préface Ibn Miskawayh. Gib Memorial VII, I, 1901, P. XXIX. ـ مارغوليوث، دراسات عن المؤرخين العرب، ترجمة حسن نصار، دار الثقافة ـ بيروت (مارغوليوث، دراسات). ↑
- () Arkoun, M: Ethique et Histoire d’aprés les Tajarib Alumam, in Atti del III Congresso di Studi Arabie Islamici, Arkoun, M; (آركون، مقالة) Napoli; 1967 Contribution à l’Etude de l’Hmanisme Arabe au IV/X S MISKAWAYH, Philosophe et Historien, Paris, j, Vrin: 1970 (آركون، مسكويه). ↑
- () الروذراوري، أبو شجاع، ذيل كتاب تجارب الأمم، باعتناء آمدروز ومارغوليوث. وقد طبع وجمع مع كتاب مسكويه تجارب الأمم كجزء ثالث، القاهرة 1916م، وأعادت طبعه دار المثنى ـ بغداد (الروذراوري، ذيل)، ص23. ↑
- () الصابي، أبو إسحاق، التاجي في أخبار الدولة البويهية، مفقود. نشر جزءاً منه محمد حسن الزبيدي تحت عنوان: المنتزع من كتاب التاجي لأبو إسحاق الصابي، بغداد 1977م، انظر ترجمة أبو إسحاق الصابي عند الثعالبي، اليتيمة، ج/2. ↑
- () ياقوت، معجم الأدباء، ج/2، ص22. ↑
- () أنظر مسكويه، تجارب، ج/1، ص99، 200، 231، 413، ج/2، ص12، 72، 88. ↑
- () مارغوليوث، دراسات، ص148 ↑
- () أنظر الروذراوري، ذيل، ص5، 7، 8، 22، 40، 45، مارغوليوث، دراسات، ص161. ↑
- () أنظر مارغوليوث، دراسات، ص144. ↑
- () الإمتاع والمؤانسة، ج/1، ص67 ـ 68، ج/3، ص159. ↑
- () الروذراوري، ذيل، ص23. ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/2، ص184. ↑
- () المصدر نفسه، ج/2، 93ظ. ↑
- () الروذراوري، ذيل، ص32. ↑
- () المخطوطة الكاملة للكتاب موجودة في مكتبة آيا صوفيا في اسطنبول تحت رقم 32226 ـ 3221، أنظر آركون مسكويه، ص122. ↑
- () أنظر مسكويه، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، باعتناء مارغوليوث ورمدروز، جزءان، القاهرة 1914م، وأعادت طبعه دار المثنى ـ بغداد (مسكويه، تجارب). ↑
- () The Eclipse of the Abbaside Caliphate: Amedroz and Margoliouth; Préface and Index by D.S. Margoliouth, Vol. VII, Oxford. A 1921: (مارغوليوث، مقدمة). ↑
- () ابن خلكان، وفيات، ج/2، ص92. ↑
- () أنظر عزت، ابن مسكويه، ص90 ـ 91، مارغوليوث، دراسات، ص142. ↑
- () المقدسي، أحسن التقاسيم، ص449. ↑
- () مسكويه، الحكمة الخالدة، ص5. ↑
- () ياقوت، معجم الأدباء، ج/11، ص262. ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/1، ص413، ج/2، ص12. ↑
- () المصدر نفسه، ج/1، ص374. ↑
- () المصدر نفسه، ج/1، ص99، 200، 231، 238، 268، 284، 298، 374، 387، 416، وفي ج/2، ص72 ـ 88. ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/2، ص184. ↑
- () المسعودي، مروج الذهب الجوهر، القاهرة، ط/4، 1964م، ص15. ↑
- () مارغوليوث، دراسات، ص150 ـ 151. ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/1، ص194. ↑
- () أنظر المصدر نفسه، ج/1، ص14، 15، 43، 194، ج/2، ص55. ↑
- () المصدر نفسه، ج/1، ص119. ↑
- () المصدر نفسه، ج/1، ص296. ↑
- () المصدر نفسه، ج/2، ص190 ـ 194. ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/1، ص298. ↑
- () أنظر، المصدر نفسه، ج/2، ص136 ـ 137 وفيه، تحت سنة 340هـ: «قال الأستاذ أبو علي أحمد بن محمد مسكويه صاحب هذا الكتاب: أكثر ما أحكيه بعد هذه السنة فهو عن مشاهدة وعيان أو خبر حصل يجري عندي مجرى ما عاينته وذلك أن مثل الأستاذ الرئيس أبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد رضي اللَّه عنه خبرني عن هذه الواقعة وغيرها بما دبره وما اتفق له فيها فلم يكن إخباره لي دون مشاهدتي في الثقة به والسكون إلى صدقه ومثل أبي محمد المهلبي رحمه للَّه خبرني بأكثر ما جرى في أيامه وذلك بطول الصحبة وكثرة المجالسة. وحدثني كثير من المشايخ في عصرهم بما يستفاد منه تجربة وأنا أذكر جميع ما يحضرني ذكره منه وما شاهدته وجربته بنفسي فسأحكيه أيضاً بمشيئة اللَّه». ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/2، ص185. ↑
- () م.ن، ص196. ↑
- () م.ن، ص215، 216. ↑
- () م.ن، ص268. ↑
- () م.ن، ص271. ↑
- () م.ن، ص338. ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/1، ص310، ج/2، ص133، 137، 139، 140، 141، 227، 230، 272. ↑
- () مارغوليوث، دراسات، ص147. ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/1، ص7، 32، 348، 349، 397، 411. ↑
- () المصدر نفسه، ج/1، ص109، 205، 247، 251، 254، 371، 214، 273، 267، 290، 125، 176، 215، 316، 385، ج/2، ص113، 214، 18، 81، 145، 155، 14، 52، 63، 66، 146، 303. ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/2، ص137. ↑
- () مارغوليوث، دراسات، ص143 ـ 144. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () أنظر مسكويه، تجارب، ج/1، ص45 ـ 50. ↑
- () أنظر آركون، مقالة. وفيها إحصاء لهذه العناوين، ص8 ـ 12. ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/1، ص195. ↑
- () المصدر نفسه، ص238. ↑
- () المصدر نفسه، ص277. ↑
- () المصدر نفسه، ص418. ↑
- () مارغوليوث، دراسات، ص26. ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/2، ص409. ↑
- () المصدر نفسه، ص97. ↑
- () المصدر السابق، ج/1، ص7، 10، 20، 21، 56، 58، 120، 126، 141، 149، 182، 185، 201، 211، 214، 264، 270، 363، 338، إلخ. ↑
- () مارغوليوث، دراسات، ص26. ↑
- () مارغوليوث، دراسات، ص144. ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/1، ص76 ـ 82. ↑
- () أنظر المصدر نفسه، ج/1، ص33، 104، 145، 175، 177، 201، 284، والجزء 2، ص55، 57. ↑
- () المصدر نفسه، ج/1، ص76 ـ 82. ↑
- () المصدر نفسه، ص97، 176. ↑
- () المصدر نفسه، ص146. ↑
- () المصدر نفسه، ص279. ↑
- () أنظر حول عماد الدولة، المصدر نفسه، ج/1، ص277، 299، 283، 282، 278، 300، ج/2، ص100، 101، 122. ↑
- () أنظر حول ركن الدولة، المصدر نفسه، ج/2، ص222، 225، 226، 230، 279. ↑
- () المصدر نفسه، ج/2، 2409. ↑
- () المصدر نفسه، ج/2، ص186، 187. ↑
- () المصدر نفسه، ص166. ↑
- () المصدر نفسه، ص130. ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/2، ص274. ↑
- () أنظر المصدر السابق، ص275 ـ 282. ↑
- () المصدر نفسه، ص282. ↑
- () المصدر نفسه، ص222. ↑
- () المصدر نفسه، ص142. ↑
- () مسكويه، تجارب، ج/1، ص214. ↑
- () المصدر نفسه، ص275، 282، 277، 298. ↑
- () مارغوليوث، دراسات، ص143، 161. ↑
- () من مقدمة كيتاني للجزء الذي حققه من كتاب «تجارب الأمم» والممتد من بدء الخليقة إلى سنة 37هـ. ↑
- () إيضاح الفوائد: 4/242. ↑
- () لاحظ الذريعة: 4/43. ↑
- () هو الأمير ملحم الشهابي، واليوم الذي يشير إليه هو زحفه على جبل عامل سنة 1163هـ وإيغاله فيه قتلاً وحرقاً ونهباً حتى استنجد العامليون بظاهر العمر. ↑
- () هو يوم للعامليين ورجال ظاهر العمر على الدروز والأميرين الشهابيين نجم وسيد أحمد، وهو الذي أحفظ عليهم الأمير ملحم فكان منه ما تقدم وكان ذلك في السنة المتقدمة نفسها. ↑
- () بنو بغيض بطن من غطفان من قيس عيلان من العدنانية وهم بنو بغيض بن ريث بن غطفان. ↑
- () قرية من عمل طبريا. ↑
- () قبيلة من عرب فلسطين. ↑
- () هو الشيخ ظاهر العمر. ↑
- () هو علي الفارس من القواد العامليين يوم تربيخا. ↑
- () نهاوند بلدة تقع إلى الجنوب الغربي من طهران اليوم على بعد 400كلم وجنوب مدينة همذان. ↑
- () هرات، مدينة تقع اليوم شمال غربي أفغانستان. ↑
- () بلخ، مدينة تقع شمال أفغانستان جنوب نهر جيحون. ↑
- () سمرقند، تقع على بعد 7كلم جنوب نهر زرافشان، حاصرها سعيد بن عثمان والي خراسان سنة 55هـ، ثم فتحها قتيبة، احتلها الروس سنة 1868م وجعلوها عاصمة زرافشان، والآن تتبع جمهورية أوزبكستان. ↑
- () فرغانة: ولاية كبيرة في تركستان، كانت عاصمتها مدينة خوقند، وهي الآن أهم مقاطعة في جمهورية أوزبكستان. ↑
- () الشاش: وهو في الأغلب اسم مدينة طاشقند، وتقع على نهر جرجق وهو رافد من روافد نهر سيحون، وطاشقند اليوم عاصمة جمهورية أوزبكستان. ↑
- () مرو: حاضرة خراسان ومركز الدولة الظاهرية. ↑
- () غزنة: مدينة تقع جنوب كابل وقد كانت مركز الدولة الغزنوية. ↑
- () بخارى: مركز الدولة السامانية. ↑
- () سمرقند: عاصمة بلاد الصغد، وحاضرة تيمورلنك. ↑
- () ولد تيمور سنة (726هـ/ 1336م) في بلدة كش جنوب سمرقند بنحو 50 ميلاً. وقد عرف في التاريخ باسم تيمورلنك ويقصد منها تيمور الأعرج. ↑
- () انقسم الحزب الديمقراطي الاشتراكي الروسي إلى حزبين أحدهما سمي «البلاشفة» أي الأكثرية وكانوا بقيادة «لينين» والحزب الآخر سمي «المناشفة» أي الأقلية. ↑
- () أنظر: د.معين أحمد رجب، مرجع سابق، ص139 ـ 141. ↑
- () تحدث كاتب عن تلك الأرض فقال عن داغستان:إن داغستان تعني «بلاد الجبال» وهي جبال مغطاة بالثلوج الدائمة، وهي ذات الصخور الوعرة والفجاج العميقة والأنهار الروية. إنها منطقة وعرة رائعة في القفقاس لا تبلغها إلا النسور وإلا الجبليون. وليس في داغستان سوى مليون ونصف المليون من الجبليين تقريباً، ولكنهم يتحدثون 33 لغة. ويقول بعض من زارها: لقد ذهبت مرة واحدة إلى هذه المنطقة الرائعة. وذهلت بجمال الطبيعة كلياً. وتضاهي شهامة وجرأة وضيافة الداغستانيين، جمال طبيعة هذه البلاد الرائعة. وهي منطقة جبلية تقوم على المنحدرات الشمالية الشرقية من سلسلة جبال القفقاس، على سواحل بحر قزوين. وهنا، على مساحة من الأرض تبلغ 50300 كيلومتر مربع يعيش، منذ أقدم العصور، أكثر من 30 قوماً، لكل منهم لغته الخاصة.
وعالياً في الجبال، حيث تتساقط شلالات المياه بهدير شديد، وفي القرى الجبلية، الأشبه بأعشاش النسور، يعيش الأفاريون. إنهم حفدة شعب من الرعاة، المقاتلين، الشغوفين بالحرية، وهم يشكلون اليوم الأكبر عدداً من حيث السكان، في داغستان، إن الكوميين شعب يتكلم اللغة التركية، مؤلف من مزارعين وصيادين، يحب العمل، وقد قطن أبناؤه سواحل بحر قزوين. أما الموقع الشمالي فهو موطن الفوغاني المنغولي المنشأ، وهم مربو أغنام منذ القدم. وفي الجنوب، في منطقة مدينة دير بنت المحصنة، يعيش الليزغيون، الشهيرون في العالم بأسره ليس فقط برقصهم، بل أيضاً بمهارتهم في فن حياكة السجاد. وفي الجبال والوديان يعيش ويعمل أقوام «اللاك» والدارغينيون» و«التاباراسان»، وكلهم مزارعون، يعملون في البستنة والكروم، أباً عن جد، وتؤلف الأراضي المزروعة فيها 450 هكتاراً. كما أن تربية المواشي تؤلف 60 في المائة من مداخيلها، وتشغل البساتين والكروم أكثر من 80 ألف هكتار. وقد قامت فيها صناعات حسنة، كما أن فيها صناعة نفطية، وعن تتاريا تحدث كاتب آخر بما يلي: من شرق السهل الروسي وعند التقاء أعظم نهرين في أوروبا (الفولغا وكاما) تقع تتارستان جمهورية تتاريا التي يرجع انضمامها إلى روسيا إلى القرن السادس عشر.
وكان وصول الإسلام إليها في القرن التاسع الميلادي.
تمتلك مصادر ضخمة من الغاز النفطي الذي يحتوي خلافاً للغاز الطبيعي على الكثير من الهيدركربونات الثقيلة ـ الأتين، البروبان، البوتان، الأمر الذي يجعلها خامات ثمينة لمؤسسات صناعة النفط.
أنشئت فيها صناعة الأشرطة السينمائية وجيلاتين التصوير والمستحضرات الطبية والكاوتشوك الاصطناعي والمصنوعات المطاطية والأسمدة المعدنية وحامض الكبريتيك.
وتنتج الساعات وأجهزة الراديو والطوربينات. وتتاريا بلاد سهلية ومناخها قاري معتدل وتزرع في أراضيها جميع المزروعات الأساسية للمنطقة المعتدلة: القمح والدخان وبنجر السكر وعباد الشمس والبطاطا والخضراوات المختلفة. ↑
- () بلاد تاجيكستان وأزبكستان هي «ما وراء النهر» قديماً، وهي «آسيا الوسطى» اليوم. أما أزبكستان فيتكلم أهلها الأزبكية، وهي شعبة من اللغات التركية. وأما لسان تاجيكستان فاللغة التاجيكية، وهي إحدى الألسنة الإيرانية، وتشابه أختها الفارسية مع فروق في القواعد، واختلاف في أصول جملة الألفاظ ومعانيها واستعمالها ونطقها. ↑
- () وهي بلدة «دوشنبه» من قبل، ومن بعد. وقد اتخذت عاصمة تاجيكستان بعد انفصالها من أزبكستان. ↑
- () سماها ابن بطوطة في الرحلة ج6 ص206 «بلاد السلطان محمد أوزبك خان». ↑
- () عاصمة أزبكستان ـ اليوم. ↑
- () هزوارش: الألفاظ السامية والعربية، التي تكتب في «الفهلوية» بالعربية، وتلفظ بما يقابلها من معانيها بالفارسية. ↑
- () الحوادث الجامعة ص36، 384 ـ ولاحظ، أصول ألفاظ اللهجة العراقية ص101. ↑
- () القاموس المحيط ج3 ص296 مادة «البنك»، ومختار الصحاح ص322 مادة «قبط»: القبط… أهل مصر. وهم بنكها، أي أصلها». ↑
- () برهان قاطع ـ القول الثاني ـ البيان 22 ـ ص204 «بن». ↑
- () تذكرة الشعراء ص24. ↑
- () العرب في «ما وراء النهر» طائفتان: السنانيون، وقد دخلوا آسيا الوسطى من مدينة بلخ، والشيبانيون، وقد جاؤوها من بلدة اندخوى. وأصلهم جميعاً من أفغانستان. والظاهر أنهم جميعاً أقاموا ـ أولاً ـ ببخارى ثم انتشروا في سائر بلدان ما وراء النهر. ولعل هجرتهم من بلاد الأفغان قبل نحو من 250 سنة. وفي أزبكستان أمكنة ما زالت تسمى «عرب» و«عرب خانه» و«عربان» و«عربلر» و«عرب قشلان» و«عرب مزار»، ففي زرافشان ـ وحدها ـ 22 اسماً مركباً مع كلمة «عرب».عدة العرب في تاجيكستان 475 يسكنون: كولاب، وسارى جشمه، وقرغان تبه، وكباديان. وكانت عدتهم في أزبكستان سنة 1924م (446 و45) وهم يسكنون قشقادريا، وفرغانة، وسمرقند، واندجان، وخجند، وسرخان دربا. وكانوا في بخارى ـ وحدها ـ (12355). وقد بلغ الذين يتكلمون العربية من عرب ما وراء النهر سنة 1938م نحو (1750). تتبعات في اللغة والأدب والتاريخ والجغرافيا ـ نقلاً عن مقالات الأستاذ فنكوف، معلم اللغات السامية في الكلية الشرقية بجامعة لينينغراد. ↑
- () أي ـ مع، لو. ↑
- () أي ـ سيىء، رديء، خبيث، كريه، غير طيب، غير جيد. ↑
- () أي ـ على. ↑
- () أي ـ سواء، سيان، متساوي. ↑
- () أي ـ عالي، رفيع. ↑
- () أي ـ بلا. ↑
- () أي ـ كثير، جم، مشبع. ↑
- () أي ـ مشوش. ↑
- () أي ـ دون. ↑
- () أي ـ سابق، مقدم. ↑
- () أي ـ أربعة، ورباعي. ↑
- () أي ـ فج، وبسيط. ↑
- () أي ـ نفس. ↑
- () أي ـ حلو، طيب، حسن. ↑
- () أي ـ طويل. ↑
- () أي ـ قلب. ↑
- () أي ـ اثنان. ↑
- () أي ـ خفيف. ↑
- () أي ـ رأس ↑
- () أي ـ كثير، غزير، وافر. ↑
- () أي ـ سعيد، مبارك. ↑
- () أي ـ ناقص. ↑
- () حرف نفي وسلب. ↑
- () أي ـ لطيف، رقيق. ↑
- () أي ـ جديد. ↑
- () أي ـ حسن، طيب، جيد. ↑
- () أي ـ نصف. ↑
- () أي ـ كل. ↑
- () أي ـ أيضاً. ↑
- () أي ـ النزاع والتخاصم. ↑
- () المصدر في ذلك كله هو الطبري. ↑
- () شعب عصام: ينسب إلى عصام بن عبداللَّه الباهلي، وكان قبل ذلك يعرف باسم (أسفره). ↑
- () معركة الشعب هي إحدى المعارك التي فني فيها العرب يومذاك، وهي المعركة التي قادها سورة فأبيد جيشه وقتل هو مع الجيش. ويبدو من قصيدة هذا الشاعر أن معركة الشعب هذه أسفرت عن قتل خمسين ألف قتيل عربي. ومن نصوص الطبري يفهم أن المعارك بقيت مستمرة واحدة بعد الأخرى حتى كانت معركة الشعب التي يتحدث عنها هذا الشاعر. ↑
- () راجع بحث دير الجماجم. ↑
- () قال الرحالة ابن بطوطة وهو يتحدث عن رحلته في الهند ووصوله إلى بعض جبالها: (هي جبال متسعة متصلة بالصين وتتصل أيضاً ببلاد التيبت، وكان قصدي بالمسير إلى هذه الجبال لقاء ولي من أولياء اللَّه بها هو الشيخ جلال التبريزي). وبعد أن يصف ابن بطوطة لقاءه لهذا الشيخ يقول: (وعلى يديه أسلم أهل تلك الجبال ولذلك أقام بينهم).وجاء في كتاب (الإسلام الصراط المستقيم) من بحث لمظهر الدين صديقي أنه قدم إلى الهند في القرن الخامس الهجري اثنان من كبار رجال الصوفية هما سالار مسعود والشيخ إسماعيل وأدخلا في الإسلام آلاف الناس بالرغم من عدم وجود حاكم مسلم في الهند في ذلك الحين. ↑
- () انظر فتوح البلدان للبلاذري (435 ـ 437). ↑
- () ابن الفوطي للشبيبي ج1 ص180 وما بعدها. ↑
- () معادة قينارجة: معاهدة وقعت بين الروس والعثمانيين عام 1188هـ تنازلت فيها الدولة العثمانية عن ميناء آزوف فصار لروسيا قواعد حربية على هذا البحر، كما اعترفت باستقلال تتار القوم، ومنحت أسطول روسيا حق المرور في المضائق، كما بنت الدولة كنيسة في استانبول، وأصبحت روسيا حامية جميع النصارى الأرثوذكس في الدولة العثمانية. ↑
- () مؤتمر برلين: عقد عام 1192هـ وفيه حققت الدول الأوروبية بعض مصالحها في الدولة العثمانية إذ أخذت فرنسا تونس وإنكلترا قبرص. ↑
- () من طريف ما قبل في الصوفي قول شاعر:تنازع الناس في الصوفي واختلفوا
قدماً وظنوه مشتقاً من الصوف
ولست أمنح هذا الاسم غير فتى
صافى فصوفي حتى لقب الصوفي
↑ - () سيتكرر ذكر هذه الأسماء في بحوث قادمة (ح). ↑
- () يأتي بحث مفصل عن نزعة الحلاج الشيعي (ح). ↑
- () قال وليد نويهض في بحث له عن ابن عربي: احتل مكانة عالية بين مريديه ولقب بشيخ العارفين وباتت له حلقة من التابعين في وقت عاد الصوفي الآخر ابن الفارض من مكة إلى القاهرة بعد غيبة 15 عاماً من التأمل وقعد في قاعة الخطابة في الأزهر، وأخذ الناس يقصدونه للزيارة والاستماع إلى شروحه وقصائده إلى حين وفاته سنة 636 هجرية (1239م) وهي السنة التي اتفق فيها على وفاة ابن عربي في دمشق (هناك من يذكر 638 هجرية كالمؤرخ ابن كثير) ودفن في الصالحية عن 76 سنة في مقبرة القاضي محي الدين بن الزكي في جبل قاسيون. وبرحيله انتهى طور مديد في مراحل الصوفية كان ابن عربي خير معبر عنه في سيرته وأعماله بدءاً من قرطبة وانتهاء بدمشق، فقبله كانت الصوفية ممارسة وحركات رياضية تهدف إلى تطويع الجسد في انماط وتعابير لم تتجاوز حدود بعض الروايات والكتابات ومنثورات من الأدب والشعر وبعده تحولت الصوفية إلى نظرية شاملة وحركة ذهنية تهدف إلى تطويع العقل في نظام معرفي.نجح ابن عربي في حياته وأعماله في نقل التصوف من كلام شعري ورياضات تطبيقية (الإجهاد) إلى اجتهاد فقهي ـ فلسفي وتحويل الممارسة إلى رؤية مختلفة للحياة والكون والوجود والإنسان. ↑
- () راجع بحثاً مفصلاً عن البكتاشية في مادة الموصل (ج). ↑
- () يخطىء الكاتب في هذا القول، فالدولة الفاطمية قابلت القرامطة وقاتلوها ولا صلة للمبادىء السياسية والدينية بين القرامطة والفاطميين، بل بينهما العداء والتباين. (ح). ↑
- () د. عبدالقادر محمود، الفكر الإسلامي والفلسفات المعارضة في القديم والحديث، الهيئة العامّة للكتاب، القاهرة 1986، ص76. ↑
- () سامي مكارم، الحلاّج في ما وراء المعنى والخط واللون، منشورات رياض الريّس، 1989، ص21. ↑
- () أحمد أمين، ظهر الإسلام، دار الكتاب العربي، بيروت 1969، ج2، ص70. ↑
- () إذا صحّ أن نهج الحلاج مشابه لنهج القرامطة في رأي الكاتب فإن ذلك يناقض قوله أن الصلة بين فكر الحلاج والعقيدة الفاطمية الإسماعيلية كانت وثيقة لما ذكرناه من التناقض والتباين بين القرامطة والفاطميين. ↑
- () كامل مصطفى الشيبيّ، شرح ديوان الحلاّج، ص28. ↑
- () المصدر نفسه، ص28، وتحديداً الهوامش. ↑
- () قمر كيلاني، في التصوّف الإسلامي: مفهومه وتطوّره وأعلامه، دار مجلّة شعر والمكتبة العصرية، بيروت 1962, ص 110. ↑
- () راجع: الشيبيّ، شرح ديوان الحلاّج، ص26. ↑
- () أدب الزهد في العصر العباسي…، مرجع سابق، ص329. ↑
- () ابن النديم، الفهرست، ص283. ↑
- () راجع: الشعوبية والأدب: أبعاد ومضمونات، مرجع سابق، ص128. ↑
- () ظهر الإسلام، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص69. ↑
- () راجع أخبار الحلاّج ص 24؛ وكذلك: Massignon, «Étude: sur une Couebe…», op. cit., p.170. ↑
- () Massignon, «Étude: sur une Couebe…», op. cit., p.170. ↑
- () المرجع نفسه, ص 171. ↑
- () دراسات في التصوف الإسلامي، مرجع سابق، ص357. ↑
- () وفيات الأعيان، القاهرة 1948، الجزء الأوّل، ص406. ↑
- () أخبار الحلاّج، مرجع سابق، ص106. ↑
- () تاريخ بغداد، مرجع سابق، الجزء الثامن، ص121. ↑
- () أخبار الحلاّج، مرجع سابق، ص29. ↑
- () المرجع نفسه، ص47. ↑
- () الرسالة القشيرية، دار الكتاب العربي، بيروت، ص4. ↑
- () نيكولسون، في التصوّف الإسلامي وتاريخه، ص134. ↑
- () كتاب الطواسين، تحقيق بولس نويا، الطبعة الجديدة، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1972، «طس السراج»، الفقرات 1 و6 و7. ويمكن مراجعة النسخة التي حقّقها ماسينيون وصدرت عن مكتبة بول غوتنر، باريس 1913، ص9 ـ 11. ↑
- () يقول:«وَظَنّوا بي حُلولاً واتّحاداً
وقَلْبي مِنْ سِوى التَّوْحيدِ خالٍ«
↑ - () أوائل المقالات. ↑
- () خلاصة الأقوال: 274. ↑
- () مجالس المؤمنين: 2/36 ـ 39. ↑
- () هذه الأقوال ليست نصاً للأقوال المنسوبة للشيخ المفيد، بل هي مترجمة عن العربية إلى الفارسية ثم ترجمت عن الفارسية إلى العربية. والكاتب ـ كما قلنا ـ يعترف بأنه لم يثبت بأن الكتاب للشيخ المفيد (ح). ↑
- () كتاب ميراث الإسلام لمجموعة من المستشرقين ص84. ↑
- () تاريخ التصوف في الإسلام، تأليف الدكتور قاسم غني ص19. وفي الكتاب نفسه ص24 من كتاب «الصوفية وفقراء ابن تيمية» ينقل أن أول من بنى ديراً صغيراً للصوفية هم بعض أتباع عبدالواحد بن زيد، وعبدالواحد هذا من أصحاب الحسن البصري، فإن كان أبو هاشم الصوفي من أتباع عبدالواحد، فلا تناقض بين هاتين الروايتين. ↑
- () تذكرة الأولياء ـ للشيخ العطار. ↑
- () اللمع ص427. ↑
- () الدكتور غني، تاريخ التصوف في الإسلام. ↑
- () ميراث الإسلام، ص85 وراجع محاضرات الدكتور عبدالرحمن بدوي في كتابه الإلهيات والمعارف الإسلامية للسنة الدراسية 52 ـ 53هـ.ش، والنقطة الملفتة هنا هي وجود الكثير من كلمات نهج البلاغة في هذه الرسالة. وهذه النقطة تستدعي الاهتمام أكثر إذا لاحظنا أن سلسلة الإسناد عند بعض الصوفية تنتهي عن طريق الحسن البصري إلى الإمام علي (عليه السلام). ↑
- () تاريخ التصوف في الإسلام ص462 نقلاً عن كتاب «أحوال وأقوال أبي سعيد أبي الخير». ↑
- () تاريخ التصوف الإسلامي ص55 ↑
- () طبقات الصوفية ـ لأبي عبدالرحمن السلمي ص206. ↑
- () في مقدمة الطبعة الثامنة بالفارسية لكتاب «الدوافع المادية» للشهيد مطهري بحث مفصل عن الحلاج ونظرية بعض الماديين المعاصرين حيث ينسبونه إلى المادية، وقد دفع المؤلف هذه الشبهة. ↑
- () «رسالة الحكماء» ذيل أحوال ابن سينا. ↑
- () يقع الدور الرابع من تاريخ الأدب الصوفي في القرن الهجري السابع (والثالث عشر الميلادي). وفيه بلغ الشعر الصوفي العربي ذروته. ويملأ النصف الأول من هذا القرن عمر بن الفارض ومحيي الدين بن عربي، وهما صاحبا الآثار الصوفية على الحصر.أما عمر بن الفارض (ت632هـ = 1235م) فكان أشعر شعراء الصوفية العرب، ويمكن ـ مع التجاوز ـ أن نقرنه بجلال الدين الرومي. ولكنه في الناحية المعنوية العقلية كان أقل من معاصره محيي الدين بن عربي (ت638هـ = 1240م) الذي جمع في ما كتبه جميع فنون التصوف فكان في هذه الناحية أعظم الصوفيين على الإطلاق. إلاّ أن ابن عربي كان من الناحية الأدبية أقل قيمة من عمر بن الفارض. وشعره أيضاً أدنى مستوى من نثره. ↑
- () جاء في جريدة الكفاح العربي في 11 كانون الثاني 1999 ما يلي: على الرغم من مرور أكثر من سبعمائة وخمسين عاماً على رحيل فيلسوف التصوف الإسلامي الشيخ محيي الدين بن عربي إلاّ أن أفكاره المتضمنة سواء في نثره أو شعره ما تزال تبحث إلى اليوم عمن يسبر أغوارها بشكل متكامل وموضوعي.هذا المعنى أكدته ندوة عن محيي الدين بن عربي نظمتها لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر شارك فيها لفيف من الباحثين والأدباء والشعراء وأدارها الدكتور حامد طاهر عميد كلية دار العلوم بجامعة القاهرة.
وقدم الدكتور حامد طاهر إلى الندوة بحثاً بعنوان مذهب «وحدة الوجود عند محيي الدين بن عربي» بدأه بعرض للمراحل التي مرّ بها التصوف الإسلامي حتى اليوم وعددها خمس: الأولى تعود إلى عهد الرسول تميزت بالإيغال في العبادة، والثانية ظهرت بعد فترة من وفاة الرسول وتميزت بالإيغال في الزهد واستمرت حوالي 150 سنة وكان من أقطابها الصحابي أبو ذر الغفاري، والمرحلة الخامسة بدأت سنة 600 هجرية ومستمرة حتى اليوم وهي مرحلة الطرق الصوفية وقد بدأت بداية جيدة.
وأبدى الدكتور حامد طاهر أسفه للصورة السلبية لمحيي الدين بن عربي في بعض الدول الإسلامية على الرغم من أن الباحثين في الغرب يعتبرونه من أكبر الفلاسفة المسلمين. ↑
- () تأتي دراسة مستقلة عن حيدر الآملي (ح). ↑
- () تأتي تفاصيل عن هذه الطريقة (ح). ↑
- () الملامتيّة: الذين ينحون على أنفسهم بالملامة. ↑
- () الرسالة القصيرية، ص33. ↑
- () ذم بالفارسية: تعني الوقت ونفس الأولياء وغيرهما.وعيش نقد: تعني الحياة الحاضرة. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 121. ↑
- () سورة الشعراء، الآيتان: 221 ـ 222. ↑
- () عبدالرحمن بدوي: شخصيات قلقة في الإسلام، التصدير العام، الكويت وكالة المطبوعات، الطبعة الثالثة، 1978م. ↑
- () انظر: هنري كورمان: تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص38، بيروت، منشورات عويدات، ترجمة: نصير مروة وحسن قبيسي. ↑
- () جولد تسيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام، ص146، بيروت، دار الرائد العربي: طبعة مصورة عن طبعة دار الكتاب العصري، بتاريخ فبراير 1م، ترجمة محمد يوسف موسى وعبدالعزيز عبدالحق وعلي حسن عبدالقادر. ↑
- () المصدر نفسه، ص136. ↑
- () المصدر نفسه، ص141. ↑
- () نيكلسون: في التصوف الإسلامي وتاريخه، ص2، ترجمة وتعليق أبي العلاء عفيفي. ↑
- () المصدر نفسه، ص3. ↑
- () المصدر نفسه، ص4. ↑
- () هاملتون جب: دراسات في حضارة الإسلام، ص276، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الثالثة، 1979م، ترجمة: الدكتور إحسان عباس، الدكتور محمد يوسف نجم، الدكتور محمود زايد. ↑
- () انظر: مقدمة أبي العلا عفيفي لكتاب: نيكلسون: في التصوف الإسلامي وتاريخه. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () شخصيات قلقة في الإسلام، التصدير العام. ↑
- () عبدالرحمن بدوي: تاريخ التصوف الإسلامي، ص44، الكويت، وكالة المطبوعات، الطبعة الثانية، 1978م. ↑
- () صدر الجزء الأول من المشروع في عام 1984م عن دار الطليعة، بيروت بعنوان: «تكوين العقل العربي»، وصدر الجزء الثاني في عام 1987م عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، بعنوان: «بنية العقل العربي»، وأما الجزء الثالث فقد صدر في عام 1990م عن المركز نفسه وكان بعنوان: «العقل السياسي العربي». ↑
- () نسبة إلى «هرمس» الذي قيل إنه هو النبي «إدريس»، راجع: محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي، ج1، ص174 ـ 175. ↑
- () انظر: نقد العقل العربي، ج1، ص199 ـ 200، وهنري كوربان: تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص198 ـ 199. ↑
- () نقد العقل العربي، ج1، ص194. ↑
- () المصدر نفسه، ص176 ـ 177. ↑
- () محمد دشتي وكاظم محمدي: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، باب الخطب، الخطبة 1، إيران، مؤسسة النشر الإسلامي، 1406هـ. ↑
- () نقد العقل العربي، ج1، ص201. ↑
- () نقد العقل العربي، ج2، ص327. ↑
- () حسن محمد الشرقاوي: الحكومة الباطنية، ص196، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1992م. ↑
- () تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص160.ويقول حسن الأمين: على أننا يجب أن نميز بين الإسماعيلية الفاطمية وبين الإسماعيلية التي انشقت عن الإسماعيلية النزارية فأوغلت في الباطن وخلط بينها وبين الإسماعيلية الفاطمية عن عمد أو عن جهل. ↑
- () نقد العقل العربي، ج2، ص280. ↑
- () نفس المصدر، هامش 26. ↑
- () انظر: عبدالرحمن بدوي: الإنسان الكامل في الإسلام، الكويت، وكالة المطبوعات، الطبعة الثانية، 1976م. ↑
- () نقلاً عن: كامل مصطفى الشيبي: الصلة بين التصوف والتشيع، ج1، ص153، بيروت، دار الأندلس، الطبعة الثالثة، 1982م. ↑
- () نقد العقل العربي، ج2، 346. ↑
- () نفس المصدر، ص346 ـ 347. ↑
- () مقدمة أبي العلاء عفيفي لكتاب: في التصوف الإسلامي وتاريخه. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () انظر: الجابري؛ نقد العقل العربي، ج1، الفصول 8 ـ 9 ـ 10 وج2، القسم الثاني الفصلين 3 ـ 4. ↑
- () العقيدة والشريعة في الإسلام، ص182 ـ 183. ↑
- () الأصول من الكافي: محمد بن يعقوب الكليني، ج1، ص168، طهران، الطبعة الثالثة، 1388هـ. ↑
- () نفس المصدر، ص200. ↑
- () نفس المصدر، ص175. ↑
- () صدر الدين الشيرازي: شرح أصول الكافي، ج2، ص431، طهران، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگى الطبعة الأولى، 1367هـ.ش/ 1988م. ↑
- () ألبير نصري نادر: مدخل إلى الفرق الإسلامية السياسية والكلامية، ص24، بيروت، دار المشرق، الطبعة الثالثة، 1989م. ↑
- () مرتضى مطهري: آشناني باعلوم إسلامي، ج2، ص84، طهران، انتشارات صدرا، الطبعة السادسة، 1368هـ.ش/ 1989م. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () كمال الدين عبدالرزاق القاشاني: اصطلاحات الصوفية، ص106، إيران قم، انتشارات بيدار، الطبعة الثانية، 1370هـ.ش/ 1991م. ↑
- () عبدالرحمن بدوي: موسوعة الفلسفة، ج2، مادة (الغنوصية)، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1984م. ↑
- () نقد العقل العربي، ج2، ص253. ↑
- () انظر: مقدمة علي عابدي الشاهرودي لمفاتيح الغيب: صدر الدين الشيرازي، طهران، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگى ـ انجمن إسلامي حكمت وفلسفة إيران، الطبعة الأولى، 1363هـ.ش/ 1984م. ↑
- () آشنائي باعلوم إسلامي، ج2، ص89. ↑
- () في معنى هذه الثلاثة أنظر: عبداللَّه اليزدي الحاشية على تهذيب المنطق، ص114 ـ 118، إيران ـ قم ـ مؤسسة النشر الإسلامي. ↑
- () آشنائي باعلوم إسلامي، ج2 ص89. ↑
- () انظر: ترجمة صدر المتألهين بقلم العلامة المظفر في مقدمة الحكمة المتعالية والأسفار العقلية الأربعة، ج1، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1981م. ↑
- () الشاهرودي: المقدمة لمفاتيح الغيب. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () آشنائي باعلوم إسلامي، ج2، ص85. ↑
- () من أجل التعرف بصورة أكثر على طريقة وعناصر وخطوط الحكمة المتعالية التي يعود الفضل في تشييد أركانها إلى صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي المشهور بـ«صدر المتألهين» والمتوفى سنة 1050هـ، انظر ما كتبه علي عابدي الشاهرودي في مقدمته لكتاب مفاتيح الغيب لصدر المتألهين. ↑
- () ففي دعاء كميل المشهور نسبته إلى علي (عليه السلام) توجد هذه العبارة «يا غاية آمال العارفين»، وفي مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق (عليه السلام) يقول: ومن كان باللَّه عارفاً كان من اللَّه خائفاً…، وترد هذه الكلمات وأمثالها في الصحيفة السجادية المروية للإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام). ↑
- () نقد العقل العربي، ج2، ص253 ـ 254. ↑
- () عبدالحسين زرين كوب: ارزش ميراث صوفية، ص9، طهران، مؤسسة انتشارات أمير كبير، الطبعة السادسة، 1369هـ.ش/ 1990م. ↑
- () للتعرف على أصل الكلمتين انظر: القاشاني: اصطلاحات الصوفية، ص156، عبدالرحمن بدوي: تاريخ التصوف الإسلامي، ص5 ـ 18. ↑
- () تاريخ التصوف الإسلامي، ص15. ↑
- () العقيدة والشريعة في الإسلام، ص147. ↑
- () تاريخ التصوف الإسلامي، ص11. ↑
- () الحر العاملي: الاثنا عشرية في الرد على الصوفية، ص6 ـ 9، إيران ـ قم، المطبعة العلمية، الطبعة الثانية، 1408هـ ↑
- () المصدر نفسه، ص17. ↑
- () الاثنا عشرية في الرد على الصوفية، ص17. ↑
- () نفس المصدر، ص10 ـ 19. ↑
- () نفس المصدر، ص22. ↑
- () سيد حيدر الآملي: جامع الأسرار ومنبع الأنوار، ص4، إيران، شركت انتشارات علمي وفرهنگى ـ انجمن ايرانشناس فرانسه، الطبعة الثانية، 1368هـ.ش/ 1989م. ↑
- () نفس المصدر، ص47. ↑
- () نفس المصدر، ص3. ↑
- () نفس المصدر، ص41. ↑
- () نفس المصدر، ص44. ↑
- () الميرزا عبداللَّه أفندي: رياض العلماء وحياض الفضلاء، ج2، ص218، إيران ـ قم، مطبعة الخيام، 1041هـ ↑
- () نفس المصدر، ص 219. ↑
- () محمد بن عبدالكريم الشهرستاني: الملل والنحل، تصحيح وتعليق: أحمد فهمي محمد، ج1، ص233 ـ 236، بيروت، دار السرور، الطبعة الأولى، 1948م. يقول حسن الأمين: نكرر ما قلناه من قبل من التمييز بين الإسماعيلية الفاطمية والإسماعيلية المنشقة عن الإسماعيلية النزارية. ↑
- () عبدالحميد العلوجي: الباطنية وتياراتها التخريبية، ص9، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، الطبعة الأولى، 1989م. ↑
- () مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية، ص5، دار الأندلس، الطبعة الثالثة، 1979م. ↑
- () نفس المصدر، ص39. ↑
- () نفس المصدر، ص42. ↑
- () أبو القاسم الخوئي: البيان في تفسير القرآن، ص281، إيران ـ قم، المطبعة العلمية، الطبعة الخامسة، 1974م. ↑
- () نفس المصدر، ص282 ـ 283. ↑
- () نفس المصدر، ص421. ↑
- () نفس المصدر، ص421 ـ 422. ↑
- () انظر على سبيل المثال، محمد رضا المظفر: أصول الفقه، ج3، الباب الخامس، حجية الظواهر. النجف، دار النعمان، الطبعة الثانية، 1967م. ↑
- () المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، الرسائل، رقم 77. ↑
- () نفس المصدر، الخطب، رقم 198. ↑
- () نفس المصدر، الخطب، رقم 147. ↑
- () نفس المصدر، الخطب، رقم 125. ↑
- () البرهان في تفسير القرآن، ج1، ص3. ↑
- () نفس المصدر، ص19. ↑
- () المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، الخطب، رقم 122. ↑
- () نقد العقل العربي، ج1، ص200. ↑
- () نفس المصدر، ص228. ↑
- () نفس المصدر، ج2، ص327. ↑
- () أنظر: نقد العقل العربي، ج2، ص230 ـ 231. ↑
- () نفس المصدر، ج1، ص150. ↑
- () انظر فيما يخص الرؤية الهرمسية، نقد العقل العربي، ج2، ص263 ـ 268، وانظر فيما يخص الرؤية الشيعية، نفس المصدر، ص327 ـ 328. ↑
- () انظر: ابن سينا: تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات، تحقيق: حسن عاصي، الرسالة السادسة، ص98 ـ 100، بيروت، دار قابس، الطبعة الأولى 1986م. ↑
- () انظر: الإمام الغزالي: مشكاة الأنوار ومصفاة الأسرار، تحقيق عبدالعزيز السيروان، بيروت، دار الإيمان، الطبعة الأولى، 1990م. ↑
- () انظر: تاريخ الفلسفة الإسلامية، الفصل السابع الذي تحدث فيه كوربان عن السهروردي وفلسفة النور. ↑
- () انظر: مجلة كيهان انديشه (فارسية)، العدد 47، مقالة بعنوان: گفتگوئي درباب حكمت إشراق. ↑
- () المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، الخطب، رقم 1. ↑
- () زكي نجيب محمود: جابر بن حيان، ص233، مكتبة مصر. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () انظر: المصدر السابق، ص90 ـ 104. ↑
- () نفس المصدر، ص112. ↑
- () انظر: رأي جابر بن حيان مفصلاً في هذه القضية في المصدر السابق، ص243 ـ 248. ↑
- () انظر: نقد العقل العربي، ج1، ص150. ↑
- () أصول الكافي، ج1، ص105. ↑
- () نفس المصدر، ص8 ـ 81. ↑
- () نقد العقل العربي، ج1، ص150. ↑
- () المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، الرسائل، رقم 147. ↑
- () نقد العقل العربي، ج1، ص228. ↑
- () نفس المصدر، ج2، ص327. ↑
- () انظر: نفس المصدر، ص182 ـ 185. ↑
- () انظر: ممد باقر المجلسي: مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج2، ص5، إيران ـ طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية، 1404هـ ↑
- () الملل والنحل، ج2، ص311. ↑
- () مجلة تراثنا، ص189. ↑
- () هذا الجواب من الإمام على سبيل الجدل وإلزام الخصم، وقد قال صدر المتألهين في شرح هذا الحديث: فالجواب بالحقيقة عن مسألة الديصاني. أن يقال: إن الذي سألت من إدخال الدنيا مع بقاء عظمها في البيضة مع بقاء صغرها أمر محال، والمحال غير مقدور عليه إذ لا ذات له ولا سيئية إلاّ أنه (عليه السلام) عدل عنه إلى ما ذكر، لقصور الأفهام العامية عن إدراك ذلك الوجه فالذي أفاده (عليه السلام) وجه إقناعي مبناه على المقدمة المشهورة لدى الجمهور: إن الرؤية بدخول المرئيات في العضو البصري، فاكتفى في الجواب بهذا القدر لقبول الخصم وتسليمه إياه.انظر: صدر الدين الشيرازي: شرح أصول الكافي، ج3، ص29، طهران؛ مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگى، الطبعة الأولى، 1370هـ.ش/ 1991م. ↑
- () أصول الكافي، ج2، ص79 ـ 80. ↑
- () آراء للدكتور فرهاد دفتري. ↑
- () يقول حسن الأمين: إن هنا غموضاً يلف المواقف الحقيقية سواء منها ما يتعلق بمحمد نوربخش وعقيدته، أو ما يتعلق بشاهرخ. فكيف تنسب المهدوية لمحمد نوربخش وهو شيعي. إلا إذا كان مصدر هذه النسبة هم أعداؤه الذين يرمون من وراء ذلك إلى تشويه سمعته عند الشيعة. وربما كان في ما ورد في الكلام المتقدم من أن هذه النسبة إليه إنما كانت (بسبب أفكاره وعقائده الشيعية والشعبية) ـ ربما كان في ذلك شيء من الإيضاح للأمر. وذلك أن الناسبين إليه ذلك إنما يريدون تشويه سمعته عند غير الشيعة، لأن الشيعة يقولون بالمهدوية فنسب إليه غير الشيعة ادعاء المهدوية.وهنا شيء آخر، وهو ما يتعلق بشاهرخ، فهو ذو نزعة شيعية، فلماذا يعتقل محمد نوربخش، وما هي الأفكار والعقائد التي أرغم. محمد نوربخش على إنكارها؟
هي ولا شكّ ما يعترف به الصوفية أنفسهم من الغلو الذي لا يقره التشيع، كما سنرى فيما كتبه الشيخ سلطان حسين قابنده رضا علي شاه الجنابذي وهو يدافع عن عقائد الصوفية. وكذلك سنرى فيما قاله الدكتور فرهاد نفسه عن امتزاج الصوفية بالنزارية مما ألحق بالصوفية الشيعية ما ألحق حتى غدت مستنكرة عند الشيعة أنفسهم. ↑
- () يقول حسن الأمين: إن نسبة الأخذ بالطريقة النوربخشية إلى الشهيد نور اللَّه الشوشتري لا يمكن التسليم بها ونحن نرى ما أحيطت به هذه الطريقة من الأقاويل وما نسب إليها من الأفكار، فضلاً عما يعترف به رجالها أنفسهم مما لا يقره التشيع، فلا يمكن أن ننسب الشهيد الشوشتري إليها، فنقاء عقيدة الشوشتري وصفاؤها فوق أن تلحق بهما الشبهات. ↑
- () منظومة گلشن راز الشعرية ألفها سعد الدين محمود الشبستري أحد مشايخ شعراء الصوفية من أهالي آذربيجان. ولد في شبستر بالقرب من مدينة تبريز سنة 686هـ (1287م) وتوفي شاباً سنة 720هـ (1320 ـ 1321م) والمنظومة تتألف من ألف بيت من الشعر على غرار المثنوي. وهي على شكل كتيب صغير يحوي المصطلحات والتعابير الرمزية الصوفية، وهي من أقدم الكتب من نوعها. وقد كانت موضع اهتمام الأوساط الصوفية، لذلك شرحت شروحاً كثيرة، أهمها وأشهرها شرح شمس الدين محمد يحيى اللاهجي شيخ الطريقة النوربخشية على أن الإسماعيليين النزاريين في إيران وآسيا المركزية يعتبرون گلشن راز من آثارهم الأدبية وإن مؤلفاً نزارياً شرح قسماً من المنظومة باللغة الفارسية، وظل الشارح مجهولاً، وربما كان الشاه طاهر أشهر أئمة المحمد شاهية. وهذا الشرح شرح تأويلي لبعض أبيات المنظومة. ↑
- () جنابذ: بلدة في خراسان الإيرانية. ↑
- () تعرف الآن باسم (تيران آهنگران). وهي غير قرية (بلوك تيران). ↑
- () إلى هنا تلخيص لما كتبه المؤلف بخطه. ↑
- () الآملي، السيد حيدر. تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم 1:529، تحقيق السيد محسن الموسوي التبريزي ـ طهران ـ وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ط1، 1414هـ. ↑
- () المصدر السابق: 531. ↑
- () الآملي، السيد حيدر، المقدمات من كتاب نص النصوص: 536، تصحيح هنري كربين وعثمان يحيى ـ طهران ـ انتشارات طوس، 1367ش. ↑
- () المصدر السابق: 534 ـ 536. ↑
- () المصدر السابق: 537. ↑
- () المصدر السابق: 535. ↑
- () الآملي، السيد حيدر. المقدمات من كتاب نص النصوص: 12. ↑
- () الآملي، السيد حيدر. جامع الأسرار ومنبع الأنوار: 1، تصحيح هنري كربين وعثمان يحيى طهران، شركت انتشارات علمي وفرهنگى، 1368ش. من تصدير عثمان يحيى. ↑
- () الآملي، السيد حيدر، تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم: 227 ـ 228. ↑
- () ذهب إلى ذلك بعض المفكرين العرب المعاصرين كالدكتور محمد عابد الجابري في ثلاثيته «نقد العقل العربي»، وغيره. ↑
- () حرب، علي. مداخلات: 17، بيروت، دار الحداثة. ↑
- () بدوي، د.عبدالرحمن، شخصيات قلقة في الإسلام: 2 ـ القاهرة ـ دار النهضة العربية 1964. ↑
- () هو تاريخ للعالم الإسلامي حتى سنة 1000/ 1591 أمر بتأليفه أكبر شاه… ↑
- () تاريخ الشاه إسماعيل صفحة 41. ↑
- () التشيع والتصوف للدكتور كامل مصطفى الشبيبي. ↑
- () التعمق في التصوف ـ إن صح ما قيل عن الشهيد الثاني ـ شيء، والأخذ به شيء آخر، وأما عن الشهيد الشوشتري وكذلك عن الشيخ البهائي، مضافاً إلى الشهيد الثاني، فيجب أن نحدد هذا التصوف الذي ينسبون إليه.وليس المجال هنا مجال تفصيل ذلك، ولكن لا بدّ من عدم ترك هذا الكلام على إطلاقه (ح). ↑
- () روضات الجنات ص129 ـ 235. ↑
- () طرائق الحقائق، المجلد الأول صفحة 97. ↑
- () هي الكتب التي تحوي أربعين حديثاً حول موضوع معين. ↑
- () من الخرائط المتعددة من جملتها خريطة مقياس 1000000/1 البريطانية يذكر هناك أربع قمم على السلسلة الجبلية لتفتان ويذكر ارتفاع تلك القمم على النحو التالي: 13034 و10358 و10095 و10063 قدماً. وأي واحدة من هذه الأرقام لا يطابق الرقم المذكور فإما أن يكون الأمر قد اشتبه عليه بضبط الارتفاع لكون أداة قياسه كانت أداة يدوية وهي بالنسبة للأدوات الأحدث منها ليست دقيقة أو أن يكونوا قد اشتبهوا بذكر الأرقام على الخريطة. ↑
- () لسان العرب: مادة (فسر). ↑
- () سورة الفرقان، آية 33. ↑
- () سورة الحديد، آية: 27. ↑
- () سورة المؤمنون، آية: 18. ↑
- () سورة البقرة، آية: 185. ↑
- () سورة المائدة، آية: 15. ↑
- () سورة النحل، آية: 89. ↑
- () قارن هذا التعريف بما ذكره الزركشي في البرهان وما نقله الذهبي عن بعضهم في التفسير والمفسرون وما ذكره الزرقاني في مناهل العرفان. ↑
- () القاموس: مادة (أول). ↑
- () سورة آل عمران، آية: 7. ↑
- () سورة النساء، آية: 59. ↑
- () سورة الأعراف، آية: 52. ↑
- () سورة يونس، آية: 39. ↑
- () سورة يوسف، آية: 6. ↑
- () البيان للخوئي ـ 1/278. ↑
- () التبيان للطوسي ـ 1/3. ↑
- () كشف الظنون ـ 1/427. ↑
- () لسان العرب 5/55. ↑
- () مناهل العرفان ـ 486. ↑
- () الاتقان ـ 2/321. ↑
- () مجمع البيان ـ 13. ↑
- () الاتقان ـ 2/322. ↑
- () مناهل العرفان ـ 484. ↑
- () مباحث في علوم القرآن ـ 290. ↑
- () الاتقان ـ 2/321. ↑
- () نفس المصدر ـ 2/322. ↑
- () الاتقان ـ 2/321. ↑
- () نفس المصدر ـ 2/322. ↑
- () تفسير الطبري ـ 1/40. ↑
- () الاتقان ـ 2/321. ↑
- () نفس المصدر ـ 2/321. ↑
- () نفس المصدر ـ 2/322. ↑
- () نفس المصدر ـ 2/322. ↑
- () تفسير الطبري ـ 1/40. ↑
- () دائرة المعارف الإسلامية الترجمة العربية ـ 5، 351 ـ تعليق أمين الخولي. ↑
- () الاتقان ـ 2/322. ↑
- () نفس المصدر ـ 2/321. ↑
- () نفس المصدر ـ 2/322. ↑
- () دائرة المعارف الإسلامية ـ 5/305 ـ تعليق أمين الخولي ـ. ↑
- () نفس المصدر ـ 5/350. ↑
- () تفسير الطبري ـ 1/41. ↑
- () معجم الأدباء ـ 12/184. ↑
- () نفس المصدر ـ 12/184. ↑
- () المصدر السابق ـ 12/190. ↑
- () الطبقات ـ 5/214. ↑
- () نفس المصدر ـ 5/100. ↑
- () معجم الأدباء ـ 12/189. ↑
- () دائرة المعارف الإسلامية ـ 15/251 تعليق أمين الخولي ـ ويراجع كشف الظنون ـ 1/429. ↑
- () نفس المصدر ـ 5/351. ↑
- () مقدمة ابن خلدون ـ 368. ↑
- () الفهرست ـ 50. ↑
- () مذاهب التفسير الإسلامي ـ 89. ↑
- () تاريخ التمدن الإسلامي ـ 3/64. ↑
- () الفهرست ـ 51. ↑
- () الاتقان ـ 2/323. ↑
- () الاتقان ـ 2، 234 ـ 325. ↑
- () يراجع الفهرست ـ 50/57 والذريعة ـ 4/232 وما بعدها. ↑
- () الذريعة ـ 4، 302 ـ 303. وقد طبع هذا التفسير على الحجر بإيران. ↑
- () الذريعة ـ 4/289. وقد طبع في المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف (بدون تاريخ). ↑
- () الاتقان ـ 2/324. ↑
- () مناهل العرفان ـ 497. ↑
- () مذاهب التفسير الإسلامي ـ 107 ـ 117. ↑
- () تفسير الطبري ـ 1/33. ↑
- () نفس المصدر ـ 1/53. ↑
- () نفس المصدر ـ 1/54. ↑
- () نفس المصدر ـ 21/459. ↑
- () نفس المصدر ـ 1/58. ↑
- () نفس المصدر ـ 2/610. ↑
- () نفس المصدر ـ 2/615. ↑
- () تفسير الطبري ـ 1/420. ↑
- () نفس المصدر ـ 1/326 و396. ↑
- () نفس المصدر ـ 2/14. ↑
- () نفس المصدر ـ 1/365. ↑
- () ألف الشيخ الطوسي تفسير «التبيان» أيام سكناه في بغداد، ويظهر من ترجمته في مقدمة كتابه (1/3) على أستاذه الشريف المرتضى علي بن الحسين إنه قد ألف التفسير فيما بين عامي 346 ـ 448هـ. على وجه التحديد. ويأتي بحث مستقل بعنوان «التبيان». يراجع في مكانه. ↑
- () مجمع البيان ـ 1/10. ↑
- () التبيان ـ 1، 2. ↑
- () التبيان ـ 1/5 ـ 6. ↑
- () التبيان ـ 1/6 ـ 7. ↑
- () التبيان ـ 1/16. ↑
- () التبيان ـ 1/16. ↑
- () التبيان ـ 3/519. ↑
- () التبيان ـ 1/104 ـ 105. ↑
- () التبيان ـ 8/240. ↑
- () التبيان ـ 1/354. ↑
- () التبيان ـ 1/29. ↑
- () التبيان ـ 1/27. ↑
- () التبيان ـ 6/489. ↑
- () التبيان ـ 1/435. ↑
- () التبيان ـ 1/60 و230. ↑
- () التبيان ـ 11/3. ↑
- () التبيان ـ 1/60 و223 و416 و448 ومواضع أخرى من الكتاب. ↑
- () التبيان ـ 1/102 ومواضع أخرى. ↑
- () التبيان ـ 1/13 ـ 14 و255 ومواضع أخرى. ↑
- () التبيان ـ 1/125 و151 ـ 153 و393 ومواضع أخرى. ↑
- () التبيان ـ 1/13 ـ 14 و225 و2/292 و418 و5/48 ومواضع أخرى. ↑
- () لقد تعرض الطوسي للرد على هذه الفرق والمذاهب في كل أجزاء الكتاب، وأكتفينا هنا بالتنبيه على هذه المواضع لغرض التمثيل والإشارة. ↑
- () التبيان ـ 1/102 ـ 103. ↑
- () التبيان ـ 2/58. ↑
- () التبيان ـ 1/125. ↑
- () التبيان ـ 1/140. ↑
- () التبيان ـ 1/104 و229 ↑
- () التبيان ـ 1/128 ـ 129. ↑
- () التبيان ـ 1/140. ↑
- () التبيان ـ 1/437. ↑
- () التبيان ـ 1/435. ↑