لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الخامس
بسم الله الرحمن الرحيم
الأصول الاعتقادية
رسالة للسيد المرتضى
طبعت سنة 1954 ببغداد.
تحدّث فيها المؤلف عن صفات الله، والنبوّة، والإمامة، والبعث، وصحة الوعد والوعيد، والشفاعة، وعذاب القبر، وفناء العالم، والميزان، والصراط، والجنّة، والنار، عدد صفحاتها في المخطوط واحدة، وفي المطبوع أربع صفحات.
أصل الحديث([1])
تسميته
سمّي هذا العلم بأكثر من اسم، وأطلق عليه أكثر من عنوان، من أشهرها تسميته بـ:
ـ علم الحديث.
ـ دراية الحديث.
ـ مصطلح الحديث.
ـ قواعد الحديث.
ـ أصول الحديث.
وكلها تعني معنى واحداً، وذلك لأن العلم ـ في أصوب تعاريفه ـ: مجموعة الأصول العامة أو القواعد الكلية التي تجمعها جهة واحدة.
فتسميته (قواعد الحديث) أو (أصول الحديث) تعطي المعنى المقصود.
ولأن الدراية ـ لغة ـ ترادف العلم تأتي تسميته (دراية الحديث) من الوضوح بمكان.
إذ كلها تعني مجموعة القواعد الكلية أو الأصول العامة التي تنضوي تحت عنوان واحد هو اسم العلم الذي تؤلفه، وهو هنا علم الحديث.
فتسميته بـ (علم الحديث) أو (دراية الحديث) أو (قواعد الحديث) أو (أصول الحديث) شئ منهجي يلتقي وطبيعة التسميات العلمية.
نعم، قد يثار التساؤل حول تسميته بـ (مصطلح الحديث)، والمصطلح ـ كما هو معروف ـ من العلم، وليس هو كل العلم، ولكن عند معرفتنا لأصل التسمية بهذا الاسم من ناحية تاريخية سوف نرى أن هناك وجها علميا لهذه التسمية، وذلك أن اسم (مصطلح) هنا أطلق على (أقسام الحديث) أولا، وذلك لكثرتها ـ كما سنرى ـ وكأنها لهذه الكثرة الكاثرة إذا قيست بالمعلومات الأخرى في هذا العلم هي كل العلم، ثم تجوزوا فيها فسموا بها العلم كله، فقالوا (مصطلح الحديث)، وهم يريدون به (علم الحديث) من باب تسمية الكل باسم الجزء.
وقد يعبر عنه فيقال (علم أصول الحديث) أو يقال (علم قواعد الحديث)، كما يقال (علم قواعد اللغة العربية)، وذلك للتفرقة بين العلم حيث يراد به مطلق المعرفة وبين الأصول والقواعد حيث يراد بها الضوابط الكلية الخاصة بعلم الحديث.
ويقال أيضاً (علم مصطلح الحديث)، والتوجيه هو التوجيه.
إلا أنه قد يشكل على قولنا (علم دراية الحديث) بما حاصله، وهو أن )الدراية) إذا كانت ترادف (العلم) يكون التركيب الإضافي المذكور من نوع إضافة الشئ إلى نفسه، وهو ممتنع لاشتراط التغاير بين المضاف، والمضاف إليه.
وأجيب عن هذا الاشكال بأن لفظ (الدراية) ـ هنا ـ اسم لهذا العلم (ولذلك ساغ بعد صيرورته علَمَاً لهذا العلم إضافة العلم إليه)([2]).
وقد ذكر في علم النحو أن التغاير الاعتباري كاف في تصحيح وتسويغ مثل هذه الإضافة.
ويبدو لي أن التسمية بـ (الدراية) جاءت في مقابلة (الرواية)، ذلك أن الرواية تعني نقل الحديث فقط، بينما تعني الدراية دراسة الحديث دراسة نقدية أو معيارية يتوصل من خلالها إلى تقويم نقله (روايته) من حيث صدوره عن المعصوم أو عدم صدوره.
وقد يكون للرغبة في السجع دور في اختيار هذه اللفظة.
وعلى أيّ فتسميتنا له بـ (أصول الحديث) يراد بها (علم الحديث).
تعريفه
إن أقدم مؤلَّف إمامي وصل إلينا في هذا العلم هو (كتاب الدراية) للشهيد الثاني المتوفى سنة ٩٦٦هـ.
والتعريف المذكور فيه لهذا العلم يعد أقدم تعريف وصل إلينا.
وهو ـ كما جاء في مقدمته من الطبعة الثالثة لسنة ١٤٠٩هـ:
(علم يبحث فيه عن متن الحديث، وطرقه، من صحيحها وسقيمها وعليلها، وما يحتاج إليه ليعرف المقبول منه والمردود(.
ولعل ثاني تعريف لهذا العلم وصل إلينا هو تعريف الشيخ البهائي المتوفى سنة ١٠٣٠هـ في كتابه الموسوم بـ (الوجيزة)، وهو قوله: (علم يبحث فيه عن سند الحديث، ومتنه، وكيفية تحمله، وآداب نقله).
وقد اعتمد هذين التعريفين كل من تأخر عنهما، فنقلهما بعضهم نقلا فقط، وبعضهم بزيد تعليقة عليهما أو شرح لهما، وبعضهم بطرح اشكال عليهما.
وأحدث تعريف لهذا العلم هو تعريف استاذنا الشيخ الطهراني في (الذريعة ٨ / ٥٤)، فقد عرفه بقوله: (هو العلم الباحث فيه عن الأحوال والعوارض اللاحقة لسند الحديث، أي الطريق إلى متنه المتألف ذلك الطريق من عدة أشخاص مرتبين في التناقل يتلقى الأول منهم متن الحديث عمن يرويه له، ثم ينقله عنه لمن بعده، حتى يصل المتن إلينا بذلك الطريق، فإن نفس السند المتألف عن هؤلاء المتناقلين تعرضه حالات مختلفة مؤثرة في اعتبار السند وعدمه، مثل كونه متصلاً ومنقطعاً، مسنداً ومرسلاً، معنعنا، مسلسلاً، عالياً، غريباً، صحيحاً، حسناً، موثقاً، ضعيفاً، إلى غير ذلك من العوارض التي لها مدخلية في اعتبار السند وعدمه.
فعلم دراية الحديث كافل للبحث عن تلك العوارض).
وإذا عرفنا أن تعريف العلم يقوم على أساس من ذكر موضوع الذي يدرسه ويبحث فيه، وحاولنا أن نقيم المقارنة بين هذه التعاريف المذكورة في ضوء هذا لنرى أيها أقرب لواقع هذا العلم من ناحية منهجية لتوصلنا إلى التالي:
١ ـ إن الشهيد الثاني حصر دائرة بحث هذا العلم في سند ومتن الحديث.
٢ ـ إن الشيخ البهائي وسع في دائرة بحث هذا العلم فجعلها تشمل كيفية تحمل الحديث وآداب نقله، مضافا إلى ما ذكره الشهيد الثاني.
٣ ـ إن الشيخ الطهراني ضيق في دائرة بحث هذا العلم بقصره على دراسة أحوال وعوارض السند فقط.
٤ ـ وفي (الدراية) للشهيد الثاني ما يلمح إلى أن هذا العلم يبحث في السند فقط، وهو قوله: (إعلم أن متن الحديث لا مدخل له في الاعتبار إلا نادرا، بل يكتسب الحديث صفة من القوة والضعف وغيرهما بحسب أوصاف الرواة من العدالة وعدمها، والإسناد من الاتصال والانقطاع، والارسال والاضطراب وغيرها).
ولمعرفة الصواب من سواه في هذه التعريفات من خلال معرفة واقع هذا العلم علينا أن نرجع إلى مؤلفات هذا العلم نستقرئ محتوياتها لنرى هل أن ما جاء فيها من البحث في المتن يشكل ظاهرة علمية في موضوعه بحيث يعد البحث فيها من واقع هذا العلم، أو أن البحث فيه يأتي استطراداً أو مروراً عابراً أو لمناسبة منهجية اقتضت ذلك.
ففي دراية الشهيد جاءت موضوعاتها كالتالي:
الباب الأول: في أقسام الحديث.
الباب الثاني: في من تقبل روايته ومن ترد.
الباب الثالث: في تحمل الحديث وطرق نقله.
الباب الرابع: في أسماء الرجال وطبقاتهم.
وفي مقباس المامقاني كانت محتوياته كالتالي:
المقدمة في حقيقة علم الدراية.
الفصل الأول: في بيان اصطلاحات علم الدراية.
الفصل الثاني: في بيان الخبر وأقسامه.
الفصل الثالث: في انقسام الخبر إلى متواتر وآحاد.
الفصل الرابع: في تنويع خبر الواحد باعتبار أحوال رواته.
الفصل الخامس: في مصطلحات علماء الحديث غير ما مر.
الفصل السادس: في من تقبل روايته ومن ترد.
الفصل السابع: في شرف علم الحديث وكيفية تحمله وطرق نقله وآدابه.
الفصل الثامن: في أسماء الرجال وطبقاتهم وما يتصل به.
وهي في الكتب الأخرى لا تعدو هذه، ولا تفترق عن الدراية والمقباس إلا في التطويل والاختصار.
وربما جاء فيها شئ يتعلق بالمتن كالتصحيف والتحريف إلا أنه لا يرتفع إلى مستوى ظاهرة علمية تشكل موضوعاً في البحث.
فمن هنا يكون تعريف الشيخ الطهراني أسلم من ناحية منهجية، وألصق بطبيعة موضوعات هذا العلم.
وفي ضوءه نستطيع أن نعرّفه بالتالي:
أصول الحديث: علم يبحث فيه عن نوعية السند ومستوى اعتباره.
وبتعبير أخصر: هو دراسة مستوى السند من حيث الاعتبار.
ونتبين معنى هذا التعريف واضحا عند تبياننا العلاقة بين علم الحديث وعلم الرجال، إذ كلاهما يتوفر على دراسة السند، والفارق بينهما أن علم الرجال يدرس مفردات السند (رواته)، وعلم الحديث يدرس السند ككل (الرواية).
وبتعبير أخصر: علم الرجال يدرس حال الراوي من حيث التوثيق واللا توثيق.. وعلم الحديث يدرس حال الرواية من حيث الاعتبار واللا اعتبار.
موضوعه
ومن تعريفه المذكور في أعلاه عرفنا موضوعه الذي يبحث فيه، وهو (السند) بمعرفة مستواه فيرى هل هو معتبر أو غير معتبر.
أو قل: هو (الرواية) التي تعني طريق نقل الحديث من مصدره إلى غيره.
ففي هذا العلم يعرف السند، ثم يقسم إلى أقسامه، ويعرف كل قسم، ثم يبين مدى اعتباره وعدم اعتباره.
كذلك يبحث فيه طرق تحمل الحديث ونقله، وآداب تحمله ونقله، وما يرتبط بهذه مما يقتضيه منهج البحث في هذا العلم.
فائدته
الحديث الشريف يمثل السنة الشريفة، والسنة هي المصدر الثاني للتشريع الاسلامي بعد القرآن الكريم. والسنة من حيث الكمية والتفصيلات التشريعية أكثر وأوسع من آيات الأحكام في القرآن.
ولأن الحديث اعتمد في تحمله ونقله الرواية الشفوية ثم الرواية التحريرية بالشكل الذي اختلف فيه عن نقل القرآن حيث اعتمد في نقل القرآن طريق التواتر، ولم يشترط هذا في الحديث، فجاء أكثر الحديث عن طريق الآحاد، وخبر الواحد ـ كما هو مقرر ومحرر في علم أصول الفقه ـ لا يفيد اليقين بصدوره عن المعصوم إلا إذا اقترن بما يدل على ذلك، والكثير منه أو الأكثر غير مقترن، فكان لابد من دراسة سنده أي طريقه الذي وصل به إلينا للتأكد والتوثق من صحة صدوره عن المعصوم، فوضع العلماء ما يعرف بـ (علم الرجال) و (علم الحديث) لهذه الغاية.
وفي ضوئه عُدَّ درس وتعلم علمي الحديث والرجال من مقدمات وأساسيات الدرس الفقهي، وبخاصة في مجال الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية الفرعية من السنة الشريفة.
علاقته بالعلوم الشرعية
أعني بالعلوم الشرعية هنا العلوم الاسلامية التي تسهم في عملية الاجتهاد الشرعي واستنباط الاحكام من السنة الشريفة، وهي:
ـ علم الرجال.
ـ علم أصول الفقه.
ـ علم الفقه.
١ ـ علاقته بعلم الرجال:
قلت ـ فيما سبقه ـ إن علم الحديث يشترك مع علم الرجال في دراسة السند، ويختلفان في الحيثية أو الموضوع الذي يتناوله كل منهما، فعلم الرجال يدرس أحوال الرواة من حيث الوثاقة وعدم الوثاقة، وهو بهذا يهيئ لعلم الحديث الجزئيات التي يطبق عليها قواعده الكلية.
وذلك أننا عندما نريد أن نقيّم حديثا معينا من جهة السند نرجع إلى كتب الرجال، ونتعرف أحوال رجال سند هذا الحديث المعين، فإن كانوا جميعا ـ مثلا ـ من الاماميين العدول، فالسند من نوع الحديث الصحيح ببركة تطبيق القاعدة التي أفدناها من علم الحديث، وهي أن كل سند كان جميع رواته اماميين عدولا هو سند صحيح.
ولو أردنا أن ندخل هذا في قياس منطقي من الشكل الأول نقول:
هذا السند رجاله إماميون عدول + وكل سند رجاله إماميون عدول سند صحيح = فهذا سند صحيح.
ثم نؤلف قياساً آخر ومن الشكل الأول أيضا لاثبات اعتباره وحجيته التي أفدناها من علم أصول الفقه ـ كما سيأتي ـ فنقول:
هذا سند صحيح + وكل سند صحيح سند معتبر = فهذا سند معتبر.
فالعلاقة بين علم الرجال وعلم الحديث تقوم على أساس من أن علم الرجال يهيئ الجزئيات بتعريفه الرواة وتقييمه لهم من حيث الوثاقة واللا وثاقة لعلم الحديث فيقوم علم الحديث بتطبيق كلياته عليها، فيعرف ببركة هذا التطبيق مدى اعتبار الرواية من حيث السند ومدى عدم اعتبارها.
ولنأخذ مثالا لذلك: رواية الشيخ الكليني في (الكافي) ـ باب فضل المعروف ـ وهي:
)علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن معاوية بن عمار: قال أبو عبد الله (عليه السلام) اصنع المعروف إلى كل أحد فإن كان أهله وإلا فأنت أهله(.
فإننا لمعرفة مستوى هذه الرواية نرجع أولا إلى كتب الرجال لنعرف قيمة كل راو من رواة سند هذه الرواية الشريفة، وكالتالي:
١ ـ علي بن إبراهيم القمي: إمامي عادل (انظر: رجال النجاشي(.
٢ ـ إبراهيم بن هاشم القمي: إمامي عادل (انظر: معجم رجال الحديث للخوئي).
٣ ـ محمد بن أبي عمير: إمامي عادل (انظر: رجال النجاشي).
٤ ـ معاوية بن عمار الدهني: إمامي عادل (انظر: رجال النجاشي(.
وبعد رجوعنا إلى كتب الرجال ننتهي إلى النتيجة التالية، وهي: أن جميع رواة هذه الرواية هم إماميون عدول.
ونرجع ثانياً إلى علم الحديث لنرى أن هناك قاعدة من قواعده تقول: إن السند إذا كان جميع رواته إماميين عدولا فهو صحيح معتبر.
وبتطبيق هذه القاعدة على سند الرواية المذكورة تكون الرواية من حيث سندها من نوع الحديث الصحيح.
٢ ـ علاقته بعلم أصول الفقه:
في علم أصول الفقه يُبحث عن حجية مصادر التشريع الاسلامي وكيفية الاستدلال بها لاستفادة الحكم الشرعي منها.
ومن هذه المصادر السنة الشريفة، وتتمثل السنة في الحديث الشريف.
والحديث ـ كما يذكر في أصول الفقه ويحرر ـ على نوعين:
١ ـ ما هو مقطوع بصدوره عن المعصوم، وهو الخبر المتواتر، وخبر الواحد المقترن بما يفيد القطع بصدوره عن المعصوم.
٢ ـ ما هو مظنون الصدور عن المعصوم.
ولإثبات أن الحديث سنة يستدل بها ويحتج لابد من إثبات حجية القطع وحجية الظن المشار إليهما.
وهذا لا نفيده إلا من أصول الفقه لتكفله بذلك.
ونحن ـ هنا ـ لو رجعنا إلى الرواية السابقة ـ كمثال ـ وهي خبر واحد غير مقترن بما يفيد القطع بصدوره عن المعصوم، وأقصى ما يفيده هو الظن بصدوره عن المعصوم.
وقد ثبت في علم أصول الفقه أن خبر الآحاد المظنون الصدور حجة يستدل به ويعتمد عليه، تكون هذه الرواية مما يعتمد عليه، وتعتبر دليلا يحتج به.
وإذا أردنا أن نؤلف قياسا منطقيا من الشكل الأول نقول: هذه الرواية خبر واحد مظنون الصدور + وكل خبر واحد مظنون الصدور حجة = فهذه الرواية حجة.
فالعلاقة بين علم الحديث وعلم أصول الفقه تقوم على أساس من تطبيق قواعد أصول الفقه على قواعد الحديث التي هي بمثابة جزئيات ومصاديق لها.
ونحن ـ هنا ـ نتدرج من علم الرجال إلى علم الحديث فعلم أصول الفقه.
ففي علم الرجال نثبت قيمة الرواة.
وفي علم الحديث نثبت قيمة الرواية.
وفي علم أصول الفقه نثبت حجية الرواية.
٣ ـ علاقته بعلم الفقه:
ومما تقدم نتبين ـ وبوضوح ـ علاقة علم الحديث بعلم الفقه في مجال تطبيق الاجتهاد واستخدام عملية الاستنباط، إذ هو ـ أعني علم الفقه ـ المرحلة الأخيرة التي ينطلق منها المجتهد لمعرفة الحكم الشرعي، ذلك أنه بعد ثبوت حجية الرواية وصلاحيتها للاستدلال بها يعتمدها الفقيه مصدرا تشريعيا يفيد منه الحكم المطلوب في ضوء ما لديه من وسائل علمية أخرى يستخدمها في معرفة دلالتها.
نشأته وتطوره
إن أقدم وثيقة علمية في الفكر الحديثي هي ما رواه الشيخ الكليني في كتاب (الكافي): عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن اليماني عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي: قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام): إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن، وأحاديث عن نبي الله غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله (صلّى الله عليه وآله)، أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم؟!…
قال: فأقبل (عليه السلام) عليَّ فقال: قد سألت فافهم الجواب: إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً، وقد كذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على عهده حتى قام خطيبا فقال:( أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)، ثم كذب عليه من بعده.
وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:
١ ـ رجل منافق يظهر الإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) متعمداً.
فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ورآه وسمع منه فيأخذون عنه وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم} [المنافقون: 4]، ثم بقوا بعده (صلّى الله عليه وآله) فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان، فولوهم الأعمال، وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله… فهذا أحد الأربعة.
٢ ـ ورجل سمع من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيئاً لم يحمله على وجهه، ووهم فيه، ولم يتعمد كذباً، فهو في يده، يقول به، ويعمل به، ويرويه فيقول: أنا سمعته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
فلو علم المسلمون أنه وَهَمَ لم يقبلوه، ولو علم هو أنه وهم لرفضه.
٣ ـ ورجل ثالث سمع من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيئا أمر به، ثم نهى عنه، وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ، ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ.
فلو علم أنه منسوخ لرفضه ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.
٤ ـ وآخر رابع لم يكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، مبغض للكذب خوفاً من الله، وتعظيماً لرسوله (صلّى الله عليه وآله)، لم ينسه، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع، لم يزد فيه ولم ينقص، وعلم الناسخ والمنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فإن أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) مثل القرآن، ناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الكلام له وجهان: كلام عام وكلام خاص مثل القرآن، وقال الله تعالى في كتابه: {ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، فيشتبه على من لا يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله (صلّى الله عليه وآله).
ليس كل أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان يسأله عن الشئ فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه، حتى إن كانوا ليحبون أن يجيء الأعرابي والطارئ فيسأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى يسمعوا([3]).
وقد كانت هذه الرواية الشريفة المنطلق الواعي لتدارس الفكر الحديثي وتوالده.
ومما يعدّ من الفكر الحديثي، ومن بداياته الرائدة ما وضعه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من مبادئ عامة للتعامل مع المرويات من الأحاديث.
ـ قال (عليه السلام): اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية، فإن رواة العلم كثير، ورعاته قليل.
ـ وقال (عليه السلام): إذا سمعتم من حديثنا ما لا تعرفونه فردوه إلينا، وقفوا عنده، وسلموا، حتى يتبين لكم الحق، ولا تكونوا مذاييع عجلى([4]).
وقد يعدّ في التأليف الحديثي المبكر ما ذكره ابن النديم في (الفهرست ص ٣٠٨) من أن أبان بن تغلب الكوفي المتوفى سنة ١٤١ هـ كان له كتاب بعنوان (الأصول في الرواية على مذهب الشيعة).
ومن الفكر الحديثي الذي يعود إلى هذه الحقبة المتقدمة من الزمن:
ما رواه محمد بن مسلم الطائفي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اسمع الحديث منك، فأزيد وأنقص قال: إن كنت تريد معانيه فلا بأس.
ـ ما رواه زرارة، قال: يأتي عنكم الخبران ـ أو الحديثان ـ المتعرضان فبأيهما نأخذ؟
قال: خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر.
قلت: فإنهما معا مشهوران.
قال: خذ بأعدلهما عندك، وأوثقهما في نفسك.
ومن المؤلفات الأولى في فكر الحديث كتاب (اختلاف الحديث) لمحمد بن أبي عمير الأزدي المتوفى سنة ٢١٧هـ.
ومما يرتبط بتاريخ أصول الحديث: التأليف في رجال الحديث، ومن أقدمه:
١ ـ كتاب الرجال، عبد الله بن جبلة الكناني (ت ٢١٩هـ).
٢ ـ كتاب المشيخة، الحسن بن محبوب (ت ٢٢٤هـ).
٣ ـ كتاب الرجال، الحسن بن فضال (ت ٢٢٤هـ).
٤ ـ كتاب الرجال، علي بن الحسن بن فضال.
٥ ـ كتاب الرجال، محمد بن خالد البرقي.
وأيضاً مما يرتبط بتاريخ أصول الحديث تأليف الجوامع الحديثية الأصول (الكتب الأربعة) وذلك لاحتوائها على عدة من القواعد في هذا العلم أمثال:
ـ قاعدة الترجيح بين الخبرين المتعارضين.
ـ قاعدة الجرح والتعديل.
هذه، وأمثالها مما مهد وساعد على دخول الفكر الحديثي عالم الفكر الأصولي.
ومن أقدم ما قرأناه من فكر هذا العلم في كتب أصول الفقه ما بحثه الشيخ المفيد (ت ٤١٣هـ) في كتابه الموسوم بـ (أصول الفقه) ـ وهو أقدم كتاب أصولي وصل إلينا ـ، فقد عقد فيه مبحثا بعنوان (الخبر)، ذكر فيه أقسامه، وبحث حجيته واعتباره، قال في ص ٤٠ ـ ٤١ ما نصه: (والحجة في الأخبار ما أوجبه العلم من جهة النظر فيها بصحة مخبرها ونفي الشك فيه والارتياب).
وكل خبر لا يوصل بالاعتبار إلى صحة مخبره فليس بحجة في الدين، ولا يلزم به عمل على الحال.
والأخبار التي يجب العلم بالنظر فيها على ضربين:
أحدهما: التواتر المستحيل وروده بالكذب من غير تواطؤ على ذلك، أو ما يقوم مقامه في الاتفاق.
والثاني: خبر واحد يقترن إليه ما يقوم المتواتر بالبرهان على صحة مخبره، وارتفاع الباطل منه والفساد. والتواتر الذي وصفناه ما جاءت به الجماعات البالغة في الكثرة والانتشار إلى حد قد منعت العادة من اجتماعهم على الكذب بالاتفاق، كما يتفق الاثنان أن يتواردا بالارتجاف.
وهذا حد يعرفه كل من عرف العادات.
وقد يجوز أن تَرِدْ جماعة دون من ذكرناه في العدد بخبر يعرف من شاهدهم بروايتهم، ومخارج كلامهم، وما يبدو في ظاهر وجوههم، ويبين من تصورهم أنهم لم يتواطؤوا لتعذر التعارف بينهم والتشاور، فيكون العلم بما ذكرناه من حالهم دليلاً على صدقهم ورافعاً للإشكال في خبرهم، وإن لم يكونوا في الكثرة على ما قدمناه.
فأما خبر الواحد القاطع للعذر فهو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالناظر فيه إلى العلم بصحة مخبره.
وربما كان الدليل حجة من عقل.
وربما كان شاهداً من عرف.
وربما كان إجماعاً بغير خلف.
فمتى خلا خبر واحد من دلالة بها على صحة خبره فإنه ـ كما قدمناه ـ ليس بحجة، ولا موجب علما، ولا عملا على كل وجه).
ومن بعد أصول المفيد تناول تلميذه الشريف المرتضى (الأخبار) في كتابه (الذريعة إلى أصول الشريعة)، فبحث في هذا الباب الذي عنونه بـ (باب الكلام في الأخبار)، وقسّمه إلى الفصول التالية:
ـ فصل في حد الخبر وفهم أحكامه.
ـ فصل في إفادة خبر الواحد العلم.
ـ فصل في أقسام الخبر.
ـ فصل في جواز التعبد بالخبر.
ـ فصل في صفة المتحمل المخبر والمتحمل عنه وكيفية ألفاظ الرواية.
ـ وما يتعلق بهذه.
ونقرأ في كتاب (معارج الأصول) للمحقق الحلي (ت ٦٧٦هـ) باباً خاصاً في الأخبار، عقده في مقدمة وفصول:
ـ الفصل الأول: في المتواتر من الأخبار.
ـ الفصل الثاني: في خبر الواحد.
ـ الفصل الثالث: في مباحث متعلقة بالمخبر.
ـ الفصل الرابع: في مباحث متعلقة بالخبر.
ـ الفصل الخامس: في التراجيح بين الأخبار المتعارضة.
ويذكر تاريخياً أن السيد أحمد بن موسى بن طاووس الحلي (ت ٦٧٣هـ) المعاصر للمحقق الحلي وصاحب كتاب (حل الاشكال في معرفة الرجال) أول من نوع التنويع الرباعي المعرف للأخبار: (الصحيح، الحسن، الموثق، الضعيف).
ولعله لما أثير من النقد ـ قبولا ورفضا ـ حول هذا التنويع كان الحافز للتدوين المستقل في أصول الحديث.
التأليف فيه
وأقدم مؤلف إمامي في هذا العلم أشير إليه هو كتاب (شرح أصول دراية الحديث) للسيد علي بن عبد الكريم بن عبد الحميد النجفي النيلي تلميذ العلامة الحلي، من علماء القرن الثامن الهجري.
ولعله تأثر بما ذكره وأثاره السيد أحمد بن طاووس الذي هو أستاذ أستاذه العلامة الحلي.
وفي القرن العاشر الهجري كانت مؤلفات الشيخ زين الدين العاملي الشهيد الثاني (ت ٩٦٦هـ)، والتي بها استقر تدوين هذا العلم، وعنها نهل من جاء بعده.
وقد يكون لكتاب (حل الاشكال في معرفة الرجال) للسيد ابن طاووس تأثير على ما ألفه الشهيد الثاني، فقد ذكر أن نسخة خط المؤلف ابن طاووس كانت عند الشهيد الثاني.
وقد يكون لتلمذة ومزاملة الشهيد الثاني لعلماء من أهل السنة في الشام وغيرها، تأثير آخر، وبخاصة في الجانب الفني.
أشهر مؤلفاته
ومؤلفات الشهيد الثاني في علم الحديث هي:
١ ـ البداية في علم الدراية = بداية الدراية، طبع مع شرحه في طهران سنة ١٣١٠هـ.
٢ ـ الرعاية في علم الدراية = شرح البداية، فرغ من تأليفه سنة ٩٥٩هـ. وطبع في أولى طبعاته مع أصله سنة ١٣١٠هـ.
٣ ـ غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدثين، (ألمح إليه في خاتمة شرح البداية، وقال: من أراد الاستقصاء فيها مع ذكر الأمثلة الموضحة لمطالبه فعليه بكتابنا (غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدثين) فإنه قد بلغ في ذلك الغاية)([5]).
ثم توالت التواليف بعدها، ومما هو مشهور منها ومطبوع:
٤ ـ وصول الأخبار إلى أصول الأخبار، للشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي (ت ٩٨٤هـ).
٥ ـ الوجيزة في علم الدراية، للشيخ بهاء الدين العاملي (ت ١٠٣٠هـ).
٦ ـ الرواشح السماوية، للسيد الداماد (ت ١٠٤١هـ).
٧ ـ جامع المقال فيما يتعلق بأحوال الحديث والرجال، للشيخ فخر الدين الطريحي (ت ١٠٨٥هـ).
٨ ـ مقباس الهداية في علم الدراية، الشيخ عبد الله المامقاني (ت ١٣٥١هـ) طبع في النجف سنة ١٣٤٥هـ، ثم طبع بتحقيق حفيد المؤلف الشيخ محمد رضا المامقاني بيروت سنة ١٤١١هـ.
٩ ـ نهاية الدراية (شرح وجيزة البهائي) للسيد حسن الصدر (ت ١٣٥٤هـ)، طبع في الهند سنة ١٣٢٤ وفي صيدا سنة ١٣٣١هـ.
١٠ ـ دراسات في الحديث والمحدثين، للسيد هاشم معروف (ت ١٤٠١هـ).
١١ ـ قواعد الحديث، للسيد محي الدين الغريفي (ت ١٤١٢هـ).
١٢ ـ أصول الحديث أحكامه في علم الدراية، الشيخ جعفر السبحاني، طبع في قم سنة ١٤١٢هـ.
المصطلحات العامة
تناول علماء الحديث بعض المصطلحات العامة في هذا العلم، ببيان معانيها في اللغة العربية، وفي اصطلاح علماء هذا العلم.
الحديث. الخبر. الأثر:
ومما بحثوه: الحديث والخبر والأثر، وذكروا ما بينها من علاقات دلالية. وخلاصة ما ذكروه في العلاقة بين الحديث والخبر هي:
١ ـ أن الحديث والخبر مترادفان على معنى واحد، وهو: الكلام الذي يكون لنسبته خارج في أحد الأزمنة، سواء طابق نسبته الخارجية أم لم يطابقها.
وهو التعريف المنطقي للخبر.
وهو ـ هنا ـ عام يشمل قول النبي والإمام والصحابي والتابعي وغيرهم.
٢ ـ إن الحديث خاص بما جاء عن المعصوم، والخبر عام يشمل ما جاء عن المعصوم وغيره.
فالنسبة بينهما عموم وخصوص من مطلق، إذ كل حديث خبر، وليس كل خبر حديث، وإنما بعض الخبر حديث.
٣ ـ إن الحديث والخبر متباينان في معناهما، ذلك أن الحديث خاص بما جاء عن المعصوم، والخبر خاص بما جاء عن غيره.
وقالوا في العلاقة بين الحديث والخبر والأثر:
١ ـ الحديث ما جاء عن المعصوم.
والأثر ما جاء عن الصحابي.
والخبر يطلق على الأعم منهما، أي أنه يطلق على ما جاء عن المعصوم، وعلى ما جاء عن الصحابي، وعلى ما جاء عن غيرهما من سائر الناس.
٢ ـ إن الأثر أعم من الخبر والحديث.
حيث أن الحديث خاص بما روي عن المعصوم، والخبر خاص بما روي عن غير المعصوم، والأثر يطلق على ما يروى عن المعصوم، وما يروى عن غير المعصوم، فهو أعم منهما مطلقاً.
٣ ـ إن الأثر مساو للخبر في جميع دلالاته على اختلافها.
والذي يبدو أن هذا الاختلاف في الدلالات المذكورة جاء من الخلط الذي وقع فيه اللغويون المعجميون عند تعاملهم مع الألفاظ ودلالاتها حيث لم يفرقوا فيما ذكروه في معاجمهم بين المستوى اللغوي لاستعمال الألفاظ والمستوى العلمي، والمطلوب منهجيا هو التفرقة بين هذين المستويين.
ونحن ـ هنا ـ إذا حاولنا تسليط الضوء على واقع هذه المصطلحات الثلاثة من خلال استخدامها على ألسنة المحدثين والفقهاء، وفي كتاباتهم، أي من خلال دراستنا للمستوى العلمي لها، لرأيناها تستعمل جميعاً في معنى واحد هو حكاية السنّة في أنماطها الثلاثة: القول والفعل والامضاء (التقرير).
وذلك لأنها مأخوذة من قولهم (حدث فلان) أو (حدثني فلان) و (أخبر فلان) أو (خبر فلان) أو (المأثور عن فلان) و (أثر عن فلان).
أقول هذا، لأننا عندما نقول: هذا مصطلح من مصطلحات علم الحديث، نعني أن علماء هذا العلم هم الذين حددوا له معناه العلمي (الاصطلاحي).
والطريق السليم لمعرفة هذا هو ملاحظة ومتابعة استعمالهم للفظ المصطلح في لغتهم العلمية.
ومن خلال الاستقراء لاستخدام هذه الكلمات الثلاث في لغة المحدثين والفقهاء من أصحابنا الاماميين نجدها جميعا تستعمل في الحكاية عن السنة الشريفة.
وإذا أريد استعمالها في غير هذا في لغتهم العلمية تقيد بما يدل على المراد.
فالحديث، وكذلك الخبر، ومثلهما الأثر، تدل على معنى واحد هو السنّة.
فهي قد تحكي قول المعصوم، وقد تخبر عن فعله أو إمضائه (تقريره).
وعليه، لسنا بحاجة إلى ذكر ما ذكروه.
وفيما ذكره أصحابنا المؤلفون من الإمامية خلط بين مفاهيم علم الحديث عندنا ومفاهيم علم الحديث عند أهل السنة، ذلك أنه قد أثر عن بعضهم اعتبار قول الصحابي من السنة ـ ولعل الشاطبي في (الموافقات) أشهر من قال بهذا واستدل له ـ فمن هنا جاءت التفرقة عند بعضهم بين الأثر حيث يختص باطلاقه ـ كمصطلح علمي ـ على سنة الصحابة، والحديث حيث يختص باطلاقه على سنة النبي (صلّى الله عليه وآله).
أما نحن الذين لا نقول بسنية قول الصحابي لا نكون بحاجة إلى ذكر هذا الفرق.
الرواية
الرواية ـ في اللغة العربية ـ تعني النقل: وفي مصطلح المحدثين تعني نقل الحديث بالإسناد.
هذا إذا أريد منها المصدر.
وإذا أريد منها اسم المفعول فتعني الحديث المنقول بالإسناد.
وقد يراد بها مطلق الحديث مسندا أو غير مسند.
وتطلق في كتب الفقه الاستدلالي، وبخاصة عند متأخري المتأخرين من فقهاء الإمامية كالشيخ محمد حسن النجفي والشيخ يوسف البحراني والسيد محسن الحكيم والشيخ حسين الحلي والسيد علي شبر والسيد أبي القاسم الخوئي على ما يقابل الحديث الصحيح والحسن والموثق من أقسام الحديث الأربعة، مما يشير إلى عدم تصحيحها لديهم أو تحسينها أو توثيقها.
يرجع للوقوف على هذا إلى كتبهم الاستدلالية كالجواهر والحدائق والمستمسك والدليل والعمل الابقى والتنقيح وغيرها.
الراوي والرواية
كلمة (الراوي) من الألفاظ المستعملة عند العرب على المستوى الثقافي في حامل الشعر وناقله، فقد ذكر تاريخياً أن لكل شاعر عربي من شعراء الجاهلية المعروفين راوياً يحفظ شعره عن ظهر قلب، وينقله إلى الآخرين.
ومنه عرفت في أوساطهم الثقافية رواية الشعر، وقد انسحب هذا على رواية الحديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله) فأطلقوا على من يرويه عنه (صلّى الله عليه وآله) اسم (الراوي).
ومن هنا قالوا في تعريفهم للراوي ـ معجمياً ـ: (راوي الحديث أو الشعر: حامله وناقله، وجمعه: راوون ورواة).
والراوية: هو من كثرت روايته.
والتاء فيه للمبالغة مثلها في علامة وفهامة.
مصادر الحديث
رواية الحديث
سلك المسلمون العرب في رواية الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) طريقين، هما: الرواية الشفوية والرواية التحريرية.
١ ـ الرواية الشفوية:
وهي الظاهرة المعروفة لديهم في حمل الثقافة ونقلها. ورواية الشعر في العصر الجاهلي وعصر صدر الاسلام أجلى مصاديق هذه الظاهرة.
وتعتمد هذه الظاهرة (أعني الرواية الشفوية): على دعامتين أساسيتين هما: السماع والحفظ.
سماع الحديث من المتحدث ثم استظهاره وحفظه عن ظهر قلب.
ولأن الحديث النبوي (السنة النبوية الشريفة) كان يشمل ـ بالإضافة إلى القول الذي يعتمد فيه على السماع ـ الفعل والتقرير، أي أفعال النبي (صلّى الله عليه وآله) غير القولية وإمضاءاته أو إقراراته لأفعال الآخرين.
ولأن هذه لا تدخل في نطاق ما يدرك عن طريق السمع تقوم المشاهدة والمعاينة مقام السماع، ويقوم البصر مقام السمع.
ففي الحالة الأولى ـ وهي حكاية أقوال النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ يقول الراوي: (سمعت رسول الله يقول…)، أو يقول: (قال رسول الله…).. وإلخ.
وفي الحالة الثانية ـ وهي الإخبار عن الفعل أو التقرير ـ يقول الراوي: (رأيت رسول الله يفعل كذا) أو (رأيته أقر فلانا على فعل كذا) أو (فعل فلان أمام رسول الله كذا ولم ينكر عليه).. وإلخ.
فالرواية من قبل الراوي الأول وهو الذي يروي السنة الشريفة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مباشرة من دون أن يكون بينه وبين رسول الله واسطة، تعتمد الحس (السمع أو البصر و (الاستظهار).
هذا في حالة حمل السنة الشريفة وتحملها.
وفي حالة نقلها إلى الآخرين فتعتمد النقل الشفوي أي القول شفاهاً.
٢ ـ الرواية التحريرية:
وهي أن يكتب الراوي أقوال الرسول (صلّى الله عليه وآله) وافعاله وتقريراته.
ويعتبر هذا التدوين أو تلك الكتابة حملا للسنة الشريفة وتحملا لها.
وإذا أراد أن ينقلها فقد يعتمد في نقلها إلى الآخرين الرواية الشفوية، وقد يعتمد الرواية التحريرية بأن يسلمه ما كتبه، أو ينسخه له.
ولأن ظاهرة الكتابة والتدوين لم تكن من الشيوع والانتشار عند العرب بمستوى ظاهرة الرواية الشفهية كان اعتماد المحدثين من الصحابة على الرواية الشفهية أكثر منه على الرواية التحريرية.
تدوين الحديث
ومع هذا فقد ذكر تاريخيا وثبت عند علماء الحديث من أهل السنة أن بعض الصحابة كتب حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على عهده، وأقر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذا الفعل منهم بما يعد سنّة شريفة يستفاد منها جواز كتابة الحديث وتدوينه.
ومما اشتهر من هذا:
١ ـ الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص.
٢ ـ الصحيفة الصحيحة برواية همام بن منبه عن أبي هريرة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
٣ ـ صحيفة سمرة بن جندب.
٤ ـ صحيفة سعد بن عبادة الأنصاري.
٥ ـ صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري.
ونلمس إقرار النبي (صلّى الله عليه وآله) لكتابة حديثه على عهده، ونعرف موقفه من هذا مما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (ص) فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شئ سمعته من رسول الله (ص)، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق)([6]).
وهذه الرواية كما تعرب عن أن رسول الله (ص) أجاز الكتابة عنه وجوزها، وردَّ التهمة التي وجهت إليه من قريش، تشير إلى أن هناك من الصحابة من نهى عن كتابة حديث رسول الله (ص) على عهده.
وقد اشتهر هذا النهي أو المنع عن الخليفة عمر بن الخطاب، (وأرجع الحافظ ابن حجر هذا (المنع) إلى أمرين:
الأول: أنهم (يعني الصحابة) كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك ـ كما ثبت في صحيح مسلم ـ خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن)([7]).
)وقد أخرج الهروي في كتاب ذم الكلام من طريق الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أراد أن يكتب السنن، واستشار فيها أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأشار عليه عامتهم بذلك، فلبث عمر شهرا يستخير الله في ذلك شاكا فيه، ثم أصبح يوما وقد عزم الله تعالى له، فقال: (إني كنت ذكرت لكم في كتابة السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت فإذا أناس من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبا، فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني ـ والله ـ لا ألبس كتاب الله بشئ) فترك كتاب السنن)([8]).
وواضح من النص المذكور في أعلاه أن هذا كان اجتهادا من عمر، تأثر فيه بواقع اليهود وموقفهم من التوراة، لا أنه ـ كما قيل ـ اعتمد النهي المروي عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، لأنه لم يشر إليه، والقصة المذكورة تدل ـ وبوضوح ـ على أنه اجتهد رأيه.
إلا أنه ـ كما ترى ـ اجتهاد في مقابلة النص الآمر بالكتابة.
ومع أنه اجتهاد وفي مقابلة النص كان يصر عليه وكتب به إلى الأمصار، فقد (روي عن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب إلى الأمصار: من كان عنده شئ فليمحه)([9]).
ويبدو أن عمر كان على معرفة باللغة العبرية، فقد ذكر أنه بعد أن قرر قراره المذكور بالمنع من كتابة الحديث جمع ما في أيدي الصحابة من الحديث المكتوب على مدى شهر، ثم أحرقه، وقال: (مشناة كمشناة أهل الكتاب).
والمشناة هي نص التلمود اليهودي، ذلك أن التلمود ـ وهو مجموعة الشرائع اليهودية التي نقلت شفويا مقرونة بتفاسير رجال الدين ينقسم إلى قسمين: المشنة وهي النص، والجمارة وهي التفسير.
ولو كان النهي عن الكتابة ـ كما ذكر ـ صادرا من النبي (صلّى الله عليه وآله) لما أقدم الذين أقدموا من الصحابة على الكتابة، ومنهم علي والحسن، ولما أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) عبد الله بن عمرو بن العاص بالكتابة، وكذلك لما أمر أن يكتب لأبي شاة، ولتمسك عمر بن الخطاب بهذا النهي.
كل هذا يدل على أن عمر كان قد اجتهد رأيه في المسألة، ولم يستند فيها إلى نص.
ويبدو لي أن هذا كان منه لئلا ينتشر فضل أهل البيت من خلال نشر الحديث، ولئلا يبين حق علي في الخلافة عن طريق حديث الغدير وأمثاله.
يقول السيد هاشم معروف في كتابه “دراسات في الحديث والمحدثين ٢١ – ٢٢ ” : ) وجاء عنه (يعني عمر) أنه لمّا حدّث أُبيّ بن كعب عن بيت المقدس، وأخباره، وانتهره عمر بن الخطاب، وهمَّ بضربه، فاستشهد أُبيُّ بجماعة من الأنصار، ولما شهدوا بأنهم سمعوا الحديث من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تركه، فقال له أبي بن كعب: أتتهمني على حديث رسول الله؟! فقال: يا أبا المنذر، والله ما اتهمتك، ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً.
إلى غير ذلك من المرويات الكثيرة التي تؤكد أن الخليفة لم يعتمد على الرسول في منعه عن التدوين، وأنه قد تفرد بهذا التصرف حرصاً على كتاب الله.
ولكن الرواية التي تنص على أنه قد انتهر أبي بن كعب لما حدث عن بيت المقدس، وقوله فيها: (إني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً).. هذه الرواية تدل على أنه كان حريصاً على أن لا ينتشر الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، مع العلم بأن حديث الرسول مكمل للتشريع، ومبين لمجملات القرآن، ومخصص لعموماته ومطلقاته، وقد تكفل لكثير من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والتربوية.
ولو تقصينا الأسباب التي يمكن افتراضها لتلك الرغبة الملحة في بقاء السنة في طي الكتمان لم نجد سببا يخوله هذا التصرف، ولا نستبعد أنه كان يتخوف من اشتهار أحاديث الرسول في فضل علي وأبنائه (عليهم السلام).
ويؤكد ذلك ما رواه عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: أن علقمة جاء بكتب من اليمن أو مكة تحتوي على طائفة من الأحاديث في فضل أهل البيت (عليهم السلام)، فاستأذنا على عبد الله بن معسود، فدخلنا عليه، ودفعنا إليه الكتب، قال: فدعا الجارية ثم دعا بطشت فيه ماء، فقلنا له: يا عبد الله انظر فيها، فإن فيها أحاديث حسانا، فلم يلتفت، وجعل يميثها في الماء، ويقول {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) [يوسف: 3]، القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن.
وعبد الله بن مسعود كان منحرفا عن علي (عليه السلام)، ويساير المنحرفين عنه، كما تؤكد ذلك النصوص التاريخية).
تدوين الحديث عند أهل السنة
وقد استمرت هذه الحالة عند أهل السنة أخذاً باجتهاد عمر بن الخطاب حتى خلافة عمر بن عبد العزيز الأموي، وحيث انتهى آخر جيل من الصحابة، بدأوا يكتبون الحديث وبأمر عمر بن عبد العزيز.
ومرّت الكتابة عندهم بمراحل ثلاث: مرحلة الجمع، ومرحلة المسانيد، ومرحلة الصحاح.
١ ـ مرحلة الجمع:
(يقول أبو نعيم في الحلية: قام كبار أهل الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني فدونوا الأحكام.
فصنف الإمام مالك (الموطأ) وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم.
وصنّف ابن جريج بمكة، والأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن أبي سليمان بالبصرة، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وابن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري.
وكان هؤلاء في عصر واحد فلا يدرى أيهم أسبق.
ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم)([10]).
٢ ـ مرحلة المسانيد:
وهي التي أفردت فيها أحاديث النبي (صلّى الله عليه وآله) من سواها.
(يقول ابن حجر في (فتح الباري): رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي (صلّى الله عليه وآله) خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسنداً، وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسنداً، وصنف أسد بن موسى الأموي مسنداً، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسنداً.
ثم أقتفي الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقلَّ إمام من الحفاظ إلاّ وصنف حديثه على المسانيد كالإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن شيبة، وغيرهم من النبلاء)([11]).
٣ ـ مرحلة الصحاح:
وهي مرحلة إفراد الصحيح من حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من غير الصحيح مما روي عنه.
(وأول من اتجه هذا الاتجاه البخاري، يقول أبن حجر: ولما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها وجدها جامعة للصحيح والحسن، والكثير منها يشمله التضعيف، فحرك همته لجمع الحديث الصحيح، وقوى همته لذلك ما سمعه من أستاذه إسحاق بن راهويه حيث قال لمن عنده والبخاري فيهم: (لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)…)، قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح)([12]).
وأهم وأشهر كتب الحديث عند أهل السنة هي:
١ ـ موطأ الإمام مالك بن أنس.
٢ ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل.
٣ ـ الجامع الصحيح لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦هـ).
٤ ـ الجامع الصحيح لمسلم بن الحجاج القشيري (ت ٢٦١هـ).
٥ ـ السنن لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥هـ).
٦ ـ السنن لمحمد بن عيسى الترمذي (ت ٢٧٩هـ).
٧ ـ السنن لأحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٢هـ).
٨ ـ السنن لمحمد بن يزيد بن ماجة القزويني (ت ٢٧٣هـ).
هذا عند الصحابة القائلين بالمنع ومن تبعهم من أهل السنة وهم جمهورهم.
تدوين الحديث عند أهل البيت
أما عند أهل البيت فالأمر كان على العكس حيث التزموا سنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فدنوا الحديث وكتبوه في الصحف الصغيرة، والكتب الكبيرة الجامعة.
ورواية الكليني المتقدمة تعطينا صورة واضحة عن هذا، فقد جاء في آخرها قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (وقد كنت أدخل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كل يوم دخلة، وكل ليلة دخلة، فيخليني فيها، أدور معه حيث دار، وقد علم أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، فربما كان في بيتي يأتيني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أكثر ذلك.
وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عني نساءه فلا يبقى عنده غيري، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم يقم عني فاطمة ولا أحداً من بني.
وكنت إذا سألته أجابني، وإذا سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني.
فما نزلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) آية من القرآن إلا أقرأنيها أو أملاها علي فكتبتها بخطي، وعلمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصها وعامها.
ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله تعالى، ولا علما أملاه علي وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك شيئا علمه الله من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي كان أو يكون، ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته فلم أنس حرفاً واحداً.
ثم وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علما وفهما وحكما ونورا، فقلت: يا رسول الله ـ بأبي أنت وأمي ـ منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئا، ولم يفتني شئ لم أكتبه، أفتتخوف علي النسيان فيما بعد، فقال: لا، لست أتخوف عليك النسيان والجهل)([13]).
وأول كتاب كتب في حديث أهل البيت (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو (كتاب علي).
وقد ورد ذكره بالإشارة إليه والنقل عنه في كتب الرجال والفهارس والحديث والفقه وغيرها.
قال عنه شيخنا الطهراني بعنوان (أمالي سيدنا ونبينا أبي القاسم رسول الله ـ ص ـ) :(أملاه على أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو كتبه بخطه الشريف).
هذا أول كتاب كتب في الاسلام من كلام البشر من إملاء النبي (صلّى الله عليه وآله) وخط الوصي (عليه السلام).
وهو كتاب مدرج عظيم يفتح ويقرأ منه على ما ترشدنا إليه أحاديث أهل البيت (عليهم السلام).
نتيمن بذكر حديث واحد منها، رواه النجاشي في كتابه في ترجمة محمد بن عذافر بإسناده إلى عذافر بن عيسى الصيرفي، قال: كنت مع الحكم بن عيينة عند أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، فجعل يسأله الحكم، وكان أبو جعفر له مكرما، فاختلفا في شئ، فقال أبو جعفر: يا بني قم فأخرج كتاب علي (عليه السلام)، فأخرج كتابا مدرجا عظيما، ففتحه، وجعل ينظر حتى أخرج المسألة، فقال أبو جعفر (عليه السلام): هذا خط علي وإملاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأقبل على الحكم، وقال: يا أبا محمد إذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل. انتهى.
وقطعة من هذا (الأمالي) موجودة بعينها حتى اليوم في كتب الشيعة ـ وذلك من فضل الله تعالى ـ أوردها الشيخ أبو جعفر بن بابويه الصدوق في المجلس السادس والستين من كتاب أماليه، وهي مشتملة على كثير من الآداب والسنن وأحكام الحلال والحرام، يقرب من ثلاثمائة بيت، رواها بإسناده إلى الإمام الصادق (عليه السلام) بروايته عن آبائه الكرام، وقال الصادق في آخره: إنه جمعه من الكتاب الذي هو إملاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخط علي بن أبي طالب (عليه السلام))([14]).
تدوين الحديث عند الشيعة
مرّ تدوين الحديث عند الشيعة بمرحلتين، هما: مرحلة المجموعات الصغيرة ومرحلة المجموعات الكبيرة.
١ ـ مرحلة المجموعات الصغيرة:
ويمكننا أن نطلق عليها (مرحلة الروايات المباشرة والمبكرة)، ذلك أن من هذه المجموعات، والتي عرفت بين المحدثين بـ (الأصول)، تقوم في منهج تأليفها على رواية المؤلف عن الامام مباشرة، أو بتوسط راوٍ واحد فقط بينه وبين الامام، أي أن المؤلف يروي الحديث عمن رواه عن الامام مباشرة.
وكانت هذه المجموعات من حيث العدد كثيرة بلغت الأربعمائة ويرجع سبب كثرتها إلى:
١ ـ كثرة الرواة من الشيعة عن الأئمة.
٢ ـ كثرة الحديث الذي يرويه الأئمة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد أوضحت في كتابي (تاريخ التشريع الاسلامي) أن حديث أهل البيت (عليهم السلام) بالوفرة الوفيرة التي تغطي مساحة التشريع الاسلامي كلها، وتوفي جميع احتياجات الفقيه من النصوص الشرعية في مجال الاستنباط.
وأن من هذه المجموعات ما لم يلتزم شرط الرواية المباشرة، إلا أن ما فيه من أحاديث ترجع في تاريخها إلى عهود الأئمة، ومن هنا تعد من الروايات المبكرة.
وكانت هذه الأصول الأربعمائة، والكتب الأخرى المشار إليها، تستمد مادتها الحديثية من الامام، وكل إمام تروى عنه، يرويها هو ـ بدوره ـ عن أبيه أو آبائه عن كتاب علي الذي مرت الإشارة إليه.
وإسنادها من الإمام حتى الباري تعالى هو المعروف في عرف المحدثين من السنة والشيعة بسلسلة الذهب لنقائه وصفائه وسمو قيمته الروائية.
الأصول الأربعمائة
الأصول الأربعمائة هي أربعمائة كتاب، أطلق عليها عنوان (أصل) بمعنى مرجع لرجوع العلماء إليها واعتمادهم عليه.
وقد انفردت هذه الأصول عند العلماء بمزايا، منها:
١ ـ انفرادها بمنهجها الخاص في التأليف الذي أشرت إليه آنفا، وهو أن الحديث المدون فيها إما أنه برواية مؤلفه عن الامام مباشرة أو بروايته عمن يرويه عن الامام مباشرة.
٢ ـ الثناء على مؤلفيها، بما أوجب أن يقال بصحة ما فيها، من قبل قدماء أصحابنا.
قال شيخنا الطهراني في (الذريعة ٢/ ١٢٦- ١٣٢): (ذكر الشيخ البهائي في (مشرق الشمسين) الأمور الموجبة لحكم القدماء بصحة الحديث، وعدَّ منها: (وجود الحديث في كثير من الأصول الأربعمائة المشهورة المتداولة عندهم.
ومنها: تكرر الحديث في أصل أو أصلين منها بإسانيد مختلفة متعددة.
ومنها: وجوده في أصل رجل واحد معدود من أصحاب الإجماع).
وقال المحقق الداماد في الراشحة التاسعة والعشرين من رواشحه ـ بعد ذكر الأصول الأربعمائة ـ: (وليعلم أن الأخذ من الأصول المصححة المعتمدة أحد أركان تصحيح الرواية).
فوجود الحديث في الأصل المعتمد عليه بمجرده كان من موجبات الحكم بالصحة عند القدماء.
وأما سائر الكتب المعتمدة فإنهم يحكمون بصحة ما فيها بعد دفع سائر الاحتمالات المخلة بالاطمئنان بالصدور، ولا يكتفون بمجرد الوجود فيها وحسن عقيدة مؤلفيها.
فالكتاب الذي هو أصل ممتاز عن غيره من الكتب بشدة الاطمئنان بالصدور والأقربية إلى الحجية والحكم بالصحة.
هذه الميزة ترشحت إلى الأصول من قبل مزية شخصية توجد في مؤلفيها.
تلك هي المثابرة الأكيدة على كيفية تأليفها والتحفظ على ما لا يتحفظ عليه غيرهم من المؤلفين، وبذلك صاروا ممدوحين عند الأئمة (عليهم السلام)…
ولذا نعد قول أئمة الرجال في ترجمة أحدهم: (إن له أصلاً)، من ألفاظ المدح له، لكشفه عن وجود مزايا شخصية فيه من الضبط والحفظ والتحرز عن بواعث النسيان والاشتباه، والتحفظ عن موجبات الغلط والسهو وغيرها، والتهيؤ لتلقي الأحاديث بعين ما تصدر عن معادنها، على ما كان عليه ديدن أصحاب الأصول…
وقال الشيخ البهائي في (مشرق الشمسين): (قد بلغنا عن مشايخنا ـ قدس سرهم ـ أنه كان من دأب أصحاب الأصول أنهم إذا سمعوا عن أحد من الأئمة (عليهم السلام) حديثا بادروا إلى اثباته في أصولهم لئلا يعرض لهم نسيان لبعضه أو كله بتمادي الأيام).
وقال المحقق الداماد في الراشحة التاسعة والعشرين من رواشحه: (يقال قد كان من دأب أصحاب الأصول أنهم إذا سمعوا من أحدهم (عليهم السلام) حديثاً بادروا إلى ضبطه في أصولهم من غير تأخير).
إن المزايا التي توجد في الأصول ومؤلفيها دعت أصحابنا إلى الاهتمام التام بشأنها قراءة ورواية وحفظاً وتصحيحاً والعناية الزائدة بها وتفضيلها على غيرها من المصنفات.
يرشدنا إلى ذلك تخصيصهم الأصول بتصنيف فهرس خاص لها، وإفرادهم مؤلفيها عن سائر الرواة والمصنفين بتدوين تراجمهم مستقلة، كما صنعه الشيخ أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبد الله بن الغضائري (المعاصر للشيخ الطوسي).
ذكر شيخنا الطهراني ما يقرب من ١٣٠ أصلاً في كتابه (الذريعة ج 2 ص 125ـ167) منها:
ـ أصل آدم بن الحسين النخاس الكوفي الثقة.
ـ أصل آدم بن المتوكل بياع اللؤلؤ الكوفي الثقة.
ـ أصل أبان بن تغلب الكوفي الثقة.
ـ أصل أبان بن عثمان الأحمر البجلي الثقة.
ـ أصل أبان بن محمد البجلي الثقة.
ـ أصل إبراهيم بن عثمان أبي أيوب الخزار الكوفي الثقة.
ـ أصل إبراهيم بن مسلم الضرير الكوفي الثقة.
ـ أصل إبراهيم بن مهزم الأسدي الكوفي الثقة.
ـ أصل أحمد بن الحسين الصيقل الكوفي الثقة.
ـ أصل إسحاق بن عمار الساباطي الثقة.
كتب الحديث الأخرى
وهي الكتب (غير الأصول الأربعمائة) التي ألفت في عهود الأئمة أيضا، إلا أنه لم يلتزم فيها أصحابها ما التزمه مؤلفو الأصول الأربعمائة من التقيد برواية الحديث عن الامام مباشرة، أو بروايته عمن يرويه عن الامام مباشرة.
فهم قد يروون عن الامام مباشرة، وعن صاحب الأصل مباشرة وعنهما بالواسطة الواحدة، والواسطة المتعددة.
نذكر ـ تيمنا ـ مما ذكره شيخنا الطهراني في (الذريعة ج ٦ ص ٣٠٣ وما بعدها) العناوين التالية:
ـ كتاب الحديث لأبي يحيى إبراهيم بن أبي البلاد.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن أبي الكرام الجعفري.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن خالد العطار العبدي.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن صالح الأنماطي الأسدي.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن عبد الحميد الأسدي.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن مهزم الأسدي.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن نصر الجعفي.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن نعيم العبدي.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن يوسف الكندي.
ـ كتاب الحديث لأبي شعيب المحاملي الكوفي.
٢ ـ مرحلة المجموعات الكبيرة:
وهي مرحلة إعداد وتأليف الكتب الكبيرة التي جمع فيها ما في مدونات الحديث في المرحلة السابقة، وتختلف عنها في الإضافات على الإسناد بذكر الرواة من مؤلف الكتاب الجامع إلى مؤلف الكتاب الأصل، وفي التبويب وفق أبواب الفقه أو الموضوع الذي من أجله ألفت.
وتمثلت هذه المجموعات الكبيرة فيما عرف بين المحدثين بـ (الجوامع المتقدمة) و (الجوامع المتأخرة).
الجوامع المتقدمة
وهي الكتب المعروفة بـ (الكتب الأربعة):
١ ـ الكافي.
٢ ـ من لا يحضره الفقيه.
٣ ـ التهذيب.
٤ ـ الاستبصار.
وتعرف أيضاً بـ (الكتب الأربعة الأصول).
١ ـ الكافي، لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي (ت ٣٢٨هـ).
صنّفه مؤلفه في ٣٤ كتاباً و ٣٢٦ باباً، وعدة أحاديثه ١٦١٩٩ حديثاً.
وقسمه إلى قسمين: الأصول والفروع.
ضمن قسم الأصول أحاديث الاعتقاد، وقسم الفروع أحاديث الفقه.
وجمعه خلال عشرين عاماً.
طبع أصوله في نشرته الأولى الحجرية بإيران سنة ١٢٨١هـ بخط محمد شفيع التبريزي، وفروعه سنة ١٣١٥هـ.
ثم طبع مراراً حجرياً وحروفياً.
وفهرست كتبه:
١ ـ كتاب العقل والجهل.
٢ ـ كتاب فضل العلم.
٣ ـ كتاب التوحيد.
٤ ـ كتاب الحجة.
٥ ـ كتاب الايمان والكفر.
٦ ـ كتاب الدعاء.
٧ ـ كتاب فضل القرآن.
٨ ـ كتاب العشرة.
٩ ـ كتاب الطهارة.
١٠ ـ كتاب الحيض.
١١ ـ كتاب الجنائز.
١٢ ـ كتاب الصلاة.
١٣ ـ كتاب الزكاة.
١٤ ـ كتاب الصيام.
١٥ ـ كتاب الحج.
١٦ ـ كتاب الجهاد.
١٧ ـ كتاب المعيشة.
١٨ ـ كتاب النكاح.
١٩ ـ كتاب العقيقة.
٢٠ ـ كتاب الطلاق.
٢١ ـ كتاب العتق والتدبير والمكاتبة.
٢٢ ـ كتاب الصيد.
٢٣ ـ كتاب الذبائح.
٢٤ ـ كتاب الأطعمة.
٢٥ ـ كتاب الأشربة.
٢٦ ـ كتاب الزي والتجمل والمروءة.
٢٧ ـ كتاب الدواجن.
٢٨ ـ كتاب الوصايا.
٢٩ ـ كتاب المواريث.
٣٠ ـ كتاب الحدود.
٣١ ـ كتاب الديات.
٣٢ ـ كتاب الشهادات.
٣٣ ـ كتاب القضاء والأحكام.
٣٤ ـ كتاب الأيمان والنذور والكفارات.
٢ ـ من لا يحضره الفقيه، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (ت ٣٨١هـ).
جزّأه مؤلفه أربعة أجزاء، وبوبه ٦٦٦ بابا، وضمنه ٥٩٩٨ حديثاً.
ونقل عن خط الشيخ البهائي الاحصائية التالية:
| المجلد | الأبواب | الأحاديث | المسانيد | المراسيل |
| 1 | 87 | 1618 | 777 | 841 |
| 2 | 288 | 1667 | 1094 | 573 |
| 3 | 173 | 1810 | 1295 | 515 |
| 4 | 178 | 0903 | 777 | 126 |
| المجموع | 726 | 5998 | 3943 | 2055 |
طبع في نشرته الحجرية بإيران سنة ١٣٢٥هـ، ثم طبع مراراً حجرياً وحروفياً:
ويحتوي الكتاب الموضوعات التالية:
١ ـ الطهارة.
٢ ـ الصلاة.
٣ ـ الزكاة.
٤ ـ الخمس.
٥ ـ الصوم.
٦ ـ الحج.
٧ ـ الزيارة.
٨ ـ القضايا والاحكام.
٩ ـ الشفعة.
١٠ ـ الوكالة.
١١ ـ الحكم بالقرعة.
١٢ ـ الكفالة.
١٣ ـ الحوالة.
١٤ ـ العتق.
١٥ ـ المعيشة.
١٦ ـ الدين.
١٧ ـ التجارة.
١٨ ـ البيوع.
١٩ ـ المضاربة.
٢٠ ـ إحياء الموات والأرضين.
٢١ ـ المزارعة والإجارة.
٢٢ ـ الضمان.
٢٣ ـ السلف.
٢٤ ـ الحكرة والأسعار.
٢٥ ـ جملة من أحكام البيع وآدابه.
٢٦ ـ الربا.
٢٧ ـ الصرف.
٢٨ ـ اللقطة والضالة.
٢٩ ـ العارية.
٣٠ ـ الوديعة.
٣١ ـ الرهن.
٣٢ ـ الصيد والذبائح.
٣٣ ـ آنية الذهب والفضة.
٣٤ ـ الأيمان والنذور.
٣٥ ـ الكفارات.
٣٦ ـ النكاح.
٣٧ ـ أحكام الأولاد.
٣٨ ـ الطلاق.
٣٩ ـ الحدود.
٤٠ ـ الوصية.
٤١ ـ الوقف.
٤٢ ـ المواريث.
٣ ـ التهذيب: تهذيب الأحكام لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠هـ).
عدة أبوابه ٣٩٣ بابا، وعدد أحاديثه ١٣٥٩٠ حديثاً.
طبع حجرياَ وحروفياً مراراً.
فهرست كتبه:
١ ـ الطهارة.
٢ ـ الصلاة.
٣ ـ الزكاة.
٤ ـ الصيام.
٥ ـ الحج.
٦ ـ الزيارة.
٧ ـ الجهاد.
٨ ـ القضايا والاحكام.
٩ ـ المكاسب.
١٠ ـ التجارات.
١١ ـ النكاح.
١٢ ـ الطلاق.
١٣ ـ العتق والتدبير والمكاتبة.
١٤ ـ الأيمان والنذور والكفارات.
١٥ ـ الصيد والذباحة.
١٦ ـ الوقوف والصدقات.
١٧ ـ الوصايا.
١٨ ـ الفرائض والمواريث.
١٩ ـ الحدود.
٢٠ ـ الديات.
٤ ـ الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، لأبي جعفر الطوسي أيضاً.
(يقع في ثلاثة أجزاء، جزءان منه في العبادات، والثالث في بقية أبواب الفقه من العقود والايقاعات والأحكام إلى الحدود والديات).
(مشتمل على عدة كتب تهذيب الأحكام، غير أن هذا مقصور على ذكر ما اختلف فيه من الأخبار وطريق الجمع بينها، والتهذيب جامع للخلاف والوفاق)([15]).
وعدد أحاديثه ٥٥١١ حديثاً.
طبع مراراً حجرياً وحروفياً.
الجوامع المتأخرة
وهي المجموعات الكبيرة التي جمعت ما في الجوامع المتقدمة أو استدركت عليها أو جمعت واستدركت معا، أو استدرك بعضها على بعض، وهي الأربعة التالية:
١ ـ الوافي، للشيخ محمد بن مرتضى المدعو بمحسن الكاشاني والملقب بالفيض (ت ١٠٩١هـ).
جمع فيه أحاديث الكتب الأربعة المتقدمة إلى أحاديث مهمة نقلها من غيرها، مع شئ من التعليق والشرح.
قال في مقدمته: (بذلت جهدي في أن لا يشذ عنه حديث ولا إسناد يشتمل عليه الكتب الأربعة ما استطعت إليه سبيلاً، وشرحت منه ما لعله يحتاج إلى بيان شرحاً مختصراً، وأوردت بتقريب الشرح أحاديث مهمة من غيرها من الكتب والأصول).
يحتوي ١٤ كتاباً، و ٥٠٠٠٠ حديث.
وفهرست كتبه:
١ ـ كتاب العقل والعلم والتوحيد.
٢ ـ كتاب الحجة.
٣ ـ كتاب الإيمان والكفر.
٤ ـ كتاب الطهارة.
٥ ـ كتاب الصلاة.
٦ ـ كتاب الزكاة.
٧ ـ كتاب الصيام.
٨ ـ كتاب الحج.
٩ ـ كتاب الجهاد.
١٠ ـ كتاب المكاسب.
١١ ـ كتاب الأطعمة والأشربة.
١٢ ـ كتاب النكاح.
١٣ ـ كتاب الوصية.
١٤ ـ كتاب الروضة.
طبع على الحجر في إيران.
٢ ـ الوسائل = وسائل الشيعة = تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، لمحمد بن الحسن الحر العاملي (ت ١١٠٤هـ).
(وهو حاوٍ لجميع أحاديث الكتب الأربعة (المتقدمة)، وجامع لأكثر ما في كتب الإمامية من أحاديث الأحكام، وعدة تلك الكتب نيف وسبعون كتاباً، كافتها معتمدة عند الأصحاب، وقد فصل فهرسها، وبين اعتبارها في خاتمة الكتاب، وأدرج في الخاتمة من الفوائد الرجالية ما لم يوجد في غيرها.
بدأ بأحاديث مقدمة العبادات، ورتب أحاديث الأحكام على ترتيب كتب الفقه من الطهارة إلى الديات.
وبالجملة، هو أجمع كتاب لأحاديث الأحكام وأحسن ترتيبا لها حتى من (الوافي) و (البحار) لاقتصار الوافي على جمع خصوص ما في الكتب الأربعة على خلاف الترتيب المأنوس فيها، واقتصار البحار على ما عدا الكتب الأربعة، مع كون جل أحاديثه في غير الأحكام.
فنسبة هذا الجامع إلى سائر الجوامع المتأخرة كنسبة الكافي إلى سائر الكتب الأربعة المتقدمة.
ويشبه الكافي أيضا في طول مدة جمعه إلى عشرين سنة)([16]).
وعدد أحاديثه ٣٥٨٥٠ حديثاً.
٣ ـ البحار = بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، لمحمد باقر بن محمد تقي المجلسي (ت ١١١٠هـ).
قال فيه شيخنا الطهراني: (هو الجامع الذي لم يكتب قبله ولا بعده جامع مثله، لاشتماله مع جمع الأخبار على تحقيقات دقيقة وبيانات وشروح لها، غالبا لا توجد في غيره)([17]).
وفهرست كتبه كما ذكره مؤلفه في مقدمته له هو:
١ ـ كتاب العقل والعلم والجهل.
٢ ـ كتاب التوحيد.
٣ ـ كتاب العدل والمعاد.
٤ ـ كتاب الاحتجاجات والمناظرات وجوامع العلوم.
٥ ـ كتاب قصص الأنبياء.
٦ ـ كتاب تاريخ نبينا وأحواله (صلّى الله عليه وآله).
٧ ـ كتاب الإمامة، وفيه جوامع أحوال أئمتنا (عليهم السلام).
٨ ـ كتاب الفتن.
٩ ـ كتاب تاريخ أمير المؤمنين (عليه السلام) وفضائله وأحواله.
١٠ ـ كتاب تاريخ فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام).
١١ ـ كتاب تاريخ علي بن الحسين ومحمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق وموسى بن جعفر الكاظم (عليهم السلام).
١٢ ـ كتاب تاريخ علي بن موسى الرضا ومحمد بن علي الجواد وعلي بن محمد الهادي والحسن بن علي العسكري (عليهم السلام).
١٣ ـ كتاب الغيبة وأحوال الحجة القائم (عليه السلام).
١٤ ـ كتاب السماء والعالم.
١٥ ـ كتاب الإيمان والكفر ومكارم الأخلاق.
١٦ ـ كتاب الآداب والسنن.
١٧ ـ كتاب الروضة.
١٨ ـ كتاب الطهارة والصلاة.
١٩ ـ كتاب القرآن والدعاء.
٢٠ ـ كتاب الزكاة والصوم.
٢١ ـ كتاب الحج.
٢٢ ـ كتاب المزار.
٢٣ ـ كتاب العقود والايقاعات.
٢٤ ـ كتاب الأحكام.
٢٥ ـ كتاب الإجازات.
وطبع على الحجر في إيران سنة ١٣٠٣هـ ـ ١٣١٥هـ في خمسة وعشرين مجلدا وفق تجزئة المؤلف.
ثم طبع على الحروف في ١١٠ مجلدات خصص الثلاثة الأخيرة منها لفهرسه التفصيلي المعنون بـ (هداية الأخيار إلى فهرس بحار الأنوار) تأليف السيد هداية الله المسترحمي الأصبهاني.
٤ ـ المستدرك = مستدرك الوسائل ومستنبط الدلائل، لميرزا حسين النوري (ت ١٣٢٠هـ).
فيه زهاء ثلاثة وعشرين ألف حديث، استدركها مؤلفه على كتاب (وسائل الشيعة) للحر العاملي، ورتبه ترتيب الوسائل.
طبع بإيران حجرياً وبلبنان حروفياً.
عناصر الحديث
إن تَعَرُّفنا لعناصر الحديث يوقِفُنا على مجالات البحث في الحديث، ذلك أن كل جانب من جوانب أحد عنصريه هو مجال للبحث والدراسة.
لهذا رأيت إدراجه هنا لأهميته، وأهمية الفائدة التي يحصل عليها الدارس.
يتألف الحديث من عنصرين أساسيين هما: السند والمتن.
السند
يقال أسند الحديث إلى قائله إذا رفعه إليه ونسبه له، مأخوذا من الاستناد والاعتماد، لاستناد العلماء إليه واعتمادهم عليه في معرفة صحة نسبة الحديث إلى المعصوم وعدم صحة نسبته إليه.
فالسند: هو الطريق الروائي الذي يوصل الحديث من ناقله إلى قائله.
ويتكون السند من مفردات تؤلف مركبه.
ومفرداته: هم رواته.
ومركبه: هو روايته.
فهو يتألف من عنصرين:
أ ـ الرواة: وهم الرجال الذين يروونه.
ب ـ الرواية: وهي السلسلة التي تنتظم الرواة.
وتقدم منا أن علم الرجال يبحث في رواة السند، وعلم الحديث يبحث في رواية السند.
المتن
يراد به نص الحديث Hadith text ـ Al وهو: صيغة الكلام الأصلية التي تكلم بها قائل الحديث.
ويتكون المتن من عنصرين هما: اللفظ والمعنى.
أ ـ اللفظ: ويتألف من كلمات تنتظمها صيغة تركيبية نحوية.
أو قل: صيغة قولية من عنصرين:
ـ الكلمات المفردة.
ـ المركب من الكلمات المفردة.
ب ـ المعنى أو الدلالة.
ذلك أن الكلمات المفردة لها ثلاث دلالات هي:
١ ـ الدلالة المعجمية: وهي المعنى المستفاد من مادة الكلمة.
٢ ـ الدلالة الصرفية: وهي المعنى المستفاد من هيئة الكلمة.
٣ ـ الدلالة النحوية: وهي المعنى المستفاد من وظيفة وموقع الكلمة في الكلام.
ثم تعقب هذه الدلالات الثلاث الدلالة العامة أو:
٤ ـ المعنى العام: وهو المستفاد من المركب باعتباره كلاماً.
وكل هذه المعاني أو الدلالات تعرف عن طريق الرجوع إلى المعجم اللغوي، وبواسطة تطبيق قواعد اللغة من صرفية ونحوية وبيانية.
ثم إن كلا من السند والمتن لا يرتفع إلى مستوى الدليل للاستدلال به، أو مستوى الحجة للاحتجاج به، إلا إذا كان السند بمستوى الاعتبار، والمتن بمستوى الظهور.
وكلا هذين المستويين لا يعرفان إلا من علم أصول الفقه ـ كما تقدم ـ.
الخلاصة
الحديث
سند متن
رواة رواية دلالة لفظ
مركب مفردات
معجمية صرفية نحوي تركيبية
الحديث
السند المتن
حجة غير حجة حجة غير حجة
مثال
الكافي: كتاب الايمان والكفر: باب الحب في الله والبغض في الله: (عن ابن محبوب عن مالك بن عطية عن سعيد الأعرج عن أبي عبد الله (ع) السند).
(قال من أوثق عرى الايمان أن تحب في الله وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع في الله) المتن.
أقسام الحديث
ينقسم الحديث تقسيماً أساسياً إلى قسمين: متواتر وآحاد.
الخبر المتواتر
تعريفه
كلمة (متواتر) تقرأ بصيغة اسم الفاعل ـ أي بكسر التاء الثانية ـ بمعنى أن الخبر نفسه تواتر، وبصيغة اسم المفعول ـ أي بفتح التاء الثانية ـ بمعنى أن الخبر تُوتِر به.
ومصدره (تواتُر) ـ بضم التاء الثانية ـ من (تواتر يتواتر)، وأصله (واتر).
يقال: واتر الشئ: تابعه، مع فترة تتخلل التتابع، ومن دون فترة([18]).
والذي يظهر ـ معجمياً ـ أن أكثر ما يستعمل هذا الفعل في الدلالة على التتابع، يستعمل في التتابع تتخلله فترة، إلا أن المحدثين عندما نقلوه مصطلحا على الحديث الذي نحن بصدد تعريفه، أرادوا منه المعنى الأقل استعمالا، وهو التتابع مطلقا، ولواضع الاصطلاح أن يصطلح وفق ما تقتضيه طبيعة علمه.
ومنه ما جاء في بعض المعاجم: (مواترة الكتب: هي إرسال بعضها في أثر بعض وترا وترا من غير أن تنقطع) ([19]).
هذا في الدلالة اللغوية.
وإذا رجعنا إلى كتب علم الحديث لمعرفة دلالة كلمة (متواتر) علميا، سنرى أن كتب علم الحديث الامامية تحصره في صيغتين من التعريف، هما:
١ ـ الحديث المتواتر: هو الذي يرويه كثرة من الرواة تبلغ حد إحالة العادة اتفاقهم على الكذب.
بمثل هذا صاغه الشهيد الثاني في (الدراية ص ١٢) قال: (هو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب).
واختاره كل من الشيخ المامقاني في (المقباس ١/ ٨٩) والسيد معروف في (دراسات في الحديث والمحدثين ص ٣٣).
٢ ـ الحديث المتواتر: هو (خبر جماعة يفيد بنفسه القطع بصدقه).
وهو نص عبارة الشيخ البهائي في (الوجيزة ٢).
٣ ـ ونقل الميرزا القمي في (القوانين 1/420ـ421) التعريفين معاً.
وإذا حاولنا تحليل التعريفين سنجدهما يلتقيان في الدلالة، وذلك أن كلا من التعريفين ينص على كثرة الرواة كثرة تفيد العلم بصدق الحديث.
والفارق بينهما هو:
١ ـ أن التعريف الأول قيد حصول العلم بصدق الخبر من الكثرة بإحالة العادة اتفاقهم على الكذب.
٢ ـ بينما أوجز التعريف الثاني هذا، فلم يذكر قيد إحالة العادة اتفاق الرواة على الكذب، وإنما قيده بإفادته العلم بنفسه، ويعني بهذا: من غير اعتماد على القرائن الخارجية كما هو الشأن في قسيمه خبر الواحد المقرون.
ذلك أن الحديث قد يفيد العلم بصدوره عن المعصوم، وقد يفيد الظن بذلك.
والذي يفيد العلم بالصدور ينقسم إلى:
ـ ما يفيده بنفسه، وهو المتواتر.
ـ ما يفيده بمساعدة القرينة، وهو خبر الواحد المقرون.
ومن ناحية منهجية نقول: إننا إذا قسمنا الشئ إلى قسمين، وأردنا أن نعرف أحدهما بما يميزه عن قسيمه نقيده به، كما صنع في التعريف الثاني.
ولاحظ الشيخ السبحاني على التعريف الأول، قال: (ففي هذا التعريف ركز على الكثرة، وأنه يجب أن يبلغ عدد المخبرين إلى حد من الكثرة يمنع من تواطئهم على الكذب).
يلاحظ عليه: أن العلم بامتناع تواطئهم على الكذب، أو العلم بعدم تواطئهم عليه، لا يكون دليلا على صدق الخبر، وعدم تعمد المخبرين بالكذب، لأن للكذب أسبابا ودواعي أخر غير التواطئ عليه، فإن الحب والبغض في الأفراد ربما يجران إلى التقول في الأفراد الكثيرة بلا تواطئ، خصوصا إذا كانوا أصحاب هوى ودعاية.
وهذه هي القوى الكبرى العالمية الذين تلعب أيديهم تحت الستار في مجال الإعلام العالمي، فربما تنطق جماعة كثيرة في أرجاء مختلفة بكلام واحد بإشارة من السلطات، من دون أن يطلع واحد منهم على الآخر.
فمجرد علمه بعدم التواطئ لا يكفي في رفع الشك في التعمد بالكذب.
فالأولى أن يضاف إلى التعريف قولنا: (يؤمن معه من تعمدهم على الكذب).
ويحرز ذلك بكثرة المخبرين ووثاقتهم، أو كون الموضوع مصروفا عنه دواعي الكذب، أو غير ذلك)([20]).
وهي ملاحظة واردة وجيدة.
وفي ضوئه: لنا أن نختار التعريف الثاني، ولنا أن نختار التعريف الأول بعد تقييده بالقيد المذكور.
شروطه
ذكر علماء الحديث شروطاً لإفادة الحديث المتواتر العلم بصدقه، بمعنى أن الحديث المتواتر لا يفيدنا العلم بصدوره عن المعصوم إلا إذا توافرت فيه هذه الشروط.
وهذه الشروط تنقسم إلى قسمين: ما يختص بالمخبرين، وما يختص بالسامع.
١ ـ ما يختص بالمخبرين:
أ ـ عدد المخبرين:
اختلفوا في أصل اشتراط العدد، بمعنى هل يشترط في المخبرين أن يبلغوا عددا معينا ليفيد الخبر العلم بحيث لو كان عددهم أقل من العدد المشروط لا يفيد الخبر العلم.
فذهب أصحابنا الإمامية إلى عدم اشتراط عدد معين معتمدين الوصف معيارا وضابطا، وهو بلوغ عدد المخبرين المستوى الذي يؤمن معه تعمدهم الكذب.
وذلك لأن هذا لا ينحصر ـ عقلاً ـ في عدد معين.
مضافاً إلى الاستقراء للأخبار المتواترة في الحياة الاجتماعية يعطينا عدم اعتبار عدد معين، لأن من الأخبار ما يفيد العلم بعدد قليل، ومنه ما لا يفيد إلا بعدد كثير، وهذا شئ بديهي عند الناس.
يقول الشهيد الثاني: (ولا ينحصر ذلك (يعني كثرة الرواة المفيدة للعلم) في عدد خاص ـ على الأصح ـ بل المعتبر العدد المحصل للوصف (وهو إحالة العادة اتفاقهم على الكذب) فقد يحصل في بعض المخبرين بعشرة وأقل، وقد لا يحصل بمائة، بسبب قربهم إلى وصف الصدق وعدمه)([21]).
ومع هذا أشار علماؤنا إلى ما ذكره العلماء الآخرون من الأعداد المعينة المشروطة، فذكروا منه:
ـ أن لا يقل عدد المخبرين عن خمسة أشخاص، لعدم إفادة خبر الأربعة العدول، العلم كما في شهود الزنا.
نسب هذا القول للقاضي الباقلاني:
ـ أن لا يقل عدد المخبرين عن اثني عشر، وهو عدد النقباء في قوله تعالى: {وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} [المائدة: 12].
ـ أن لا يقل عددهم عن عشرين، لقوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [الأنفال: 65].
ـ أن لا يقل العدد عن أربعين، لقوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} [الأنفال: 64] حيث كانوا أربعين.
ـ أن لا يقل العدد عن سبعين، لأنه عدد قوم موسى (عليه السلام) كما في قوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلاً} [الأعراف: 155].
ـ أن لا يقل عن ثلاثة عشر وثلاثمائة، لأنه عدد أهل بدر أو لأنه عدد أصحاب طالوت.
وكل هذه الأقوال ـ كما تراها ـ لا تخرج عن كونها استحسانات شخصية، عللت بما ذكر تعليلاً لا يلتقي وطبيعة الموضوع، لما ذكرناه آنفا من أن إفادة الخبر العلم لا ينضبط بعدد معين.
ومن هنا لا حاجة لنا بالإطالة بذكر ردودها ومناقشاتها المذكورة في الكتب المطولة.
يقول الشيخ المامقاني: (وهذه الأقوال كلها باطلة، لأن كل واحد من هذه الأعداد قد يحصل العلم معه، وقد يتخلف عنه، فلا يكون ضابطاً له.
ولقد أجاد شيخنا الشهيد الثاني (رحمه الله) حيث قال في (البداية) ما لفظه: (لا يخفى ما في هذه الاختلافات من فنون الجزافات، وأي ارتباط لهذا العدد بالمراد، وما الذي أخرجه عن نظائره مما ذكر في القرآن من ضروب الأعداد).
والحق ما عليه الأكثر من دوران الأمر مدار حصول العلم وعدم اعتبار عدد مخصوص فيه)([22]).
ويقول العلامة الحلي: (المرجع فيه إلى حصول اليقين وعدمه، فإن حصل فهو متواتر، وإلا، فلا)([23]).
ب ـ معرفة المخبرين بمضمون الخبر:
اختلف في تحديد مستوى المعرفة ـ هنا ـ على ثلاثة أقوال:
١ ـ وجوب أن يعلم كل مخبر من المخبرين بمضمون ما أخبروا به، فلو أخبروا عن حادثة ما يجب أن يكون كل واحد منهم عالماً بتلك الحادثة… فلا يكتفي منهم بأن يخبروا عن ظنهم، أو يخبر بعضهم عن علم وبعضهم عن ظن.
وهو الرأي المعروف.
٢ ـ يجوز أن يخبروا عن ظن،… وعللوا ذلك بأن تراكم ظنون المخبرين بضم بعضها إلى بعض يرتقي بها إلى درجة اليقين فيكون الاخبار مفيدا للعلم.
٣ ـ الاكتفاء باخبار البعض عن علم ولو كان الباقون ظانين بمضمون الخبر.
ذهب إلى هذا المحقق القمي بتقريب أن العلم المستفاد من التواتر يحصل من اجتماعهم.
ولنا هنا وقفة، نفرق فيها بين الأخبار عن الحوادث الاجتماعية غير الشرعية، وبين الشرعيات، لأننا في هذا العلم نبحث عن رواية الحديث بطريق التواتر لا عن مطلق التواتر في الشرعيات كان أو في غيرها.
ذلك أن ما يرويه الرواة عن المعصوم قد يكون من نوع الحوادث كما لو كان المروي إخباراً عن فعل المعصوم أو تقريره لفعل الآخرين، وقد يكون من نوع نقل قوله.
ففي النوع الأول يأتي ما ذكر من أنه على المخبر أن يعلم بالحادثة وينقلها عن علم لا عن ظن.
مثال هذا: لو رأى الراوي أو المخبر شخصا ما يتناول سائلا بمرأى من المعصوم، على الراوي أن يتأكد من نوع ذلك السائل ـ سواء ردعه المعصوم عن شربه أو أقره ـ ولا يكتفي أن ينقل الحادثة بظن أن السائل ماء، أو بظن أن السائل مسكر.
أما في نقل قول المعصوم لا معنى لأن يقال لابد من علم المخبر بمضمون النص، وإنما المطلوب ـ هنا ـ هو التأكد بأن ما ينقله هو نص قول المعصوم لفظاً أو معنى.
واشتراط أن يكون الراوي ضابطاً، وأن يخبر عن حس، يؤكد هذا، وذلك لأن تراكم الظنون حتى لو أفاد سامع الخبر علماً، لا يغير من واقع الحادثة إذا كان الخبر نقلاً لفعل المعصوم أو تقريره ـ كما مثلنا.
يضاف إليه أن الشرط المطلوب ـ هنا ـ هو علم المخبرين لا علم السامع لأن الظن زائدا الظن لا يساوي إلا ظنا عند المخبر وإن أفاد منه السامع العلم.
وعمل السامع وفقا لقطعه الحاصل من تراكم الظنون لا يعني أن الخبر متواتر تواترا يعرب عن صدق وصحة صدوره عن المعصوم، كما هو الشأن لو كان المخبرون عالمين بالخبر.
فلا بد ـ والحالة هذه ـ من علم المخبرين بأن نص الحديث إذا كان قولاً صادراً عن المعصوم، والعلم بمضمونه إذا كان فعلاً أو تقريراً.
ج ـ استناد علم المخبرين بنص الخبر أو بمضمونه إلى الحس، وهذا يعني لزوم كون المخبر به من الأمور المحسوسة بالبصر أو السمع أو غيرهما من الحواس الخمس.
وذلك لأن الاستناد إلى العقل ـ كما في مسألة حدوث العالم ـ لا يحصل منه العلم لكثرة وقوع الاشتباه والخطأ في النظريات العلمية.
د ـ توفر الشروط المتقدمة (العدد أو الكثرة المفيدة للعلم، وإخبار المخبرين عن علم واستناد علمهم إلى الحس) في كل طبقات الرواة، بمعنى أن تتوفر هذه في الجيل الأول من الرواة للخبر، ثم في الجيل الثاني، وهكذا.
وذلك لأن التواتر لا يتحقق إلا بها.
٢ ـ ما يختص بالسامع:
أ ـ أن يكون السامع غير عالم بمدلول الخبر.
وعلّلوا ذلك بأنه إذا كان عالما بمضمون الخبر، فاخباره به إما أن يكون (عين العلم الحاصل له بالمشاهدة، أو غيره.
والأول تحصيل للحاصل، وهو محال.
والثاني من اجتماع المثلين الذي ـ أيضا ـ هو محال)([24]).
ب ـ (أن لا يسبق الخبر المتواتر حصول شبهة أو تقليد للسامع يوجب اعتقاده نفي موجب الخبر ومدلوله) ([25]).
وهذان الشرطان ـ كما هو واضح ـ ليسا شرطين لتحقيق التواتر إذ التواتر لا يتقوم بهما، وإنما قوامه بما تقدمهما من شروط.
وإنما هما مانعان من تأثير التواتر بإفادة العلم بصدق الخبر للسامع إما لأنه عالم به أو لوجود شبهة في ذهنه تمنعه من الايمان به.
فكان الأولى أن يقال إنهما شرطان في تأثير التواتر على السامع، لأن التواتر حتى مع عدم توفرهما يبقى محتفظا بوصفه وهو كونه تواترا مفيدا للعلم.
بقي هنا شئ ينبغي أن نشير إليه لبيان المفارقة التي وقع فيها الباحثون له.
ذلك الشئ هو نوعية العلم الحاصل للسامع من الخبر المتواتر، هل هو من نوع العلم الضروري أو من نوع العلم النظري.
والمسألة ـ في واقعها ـ تقوم على أساس من بحث الخبر المتواتر بشكل مطلق، وأنه إخبار عن حوادث اجتماعية.
ونحن، هنا ـ أعني في علم الحديث ـ نبحث عن إفادة التواتر العلم بصدق وصحة صدور الخبر عن المعصوم لا عن مدلوله ومؤداه، لأن البحث في المداليل والمؤديات حتى لو كان من نوع البديهيات نحو (الكل أعظم من الجزء) يحتاج ولو إلى قليل من الخلفيات الثقافية.
أما أن نبحث أن هذا المخبر صادق في نقله الخبر عن المعصوم، وأن الخبر صادر عن المعصوم فهو من الضروريات التي لا تحتاج إلى خلفيات ثقافية لأنها ليست من المفاهيم العلمية، وإنما هي ـ في حقيقتها ـ من المفاهيم الاجتماعية التي يتعامل معها كل إنسان، وإن ترتب عليها، وبخاصة في مجال الدلالة آثار علمية.
وفي ضوئه: نستطيع أن نقول إن العلم الحاصل للسامع من الحديث المتواتر علم ضروري (بديهي = تلقائي) لا نظري (كسبي = تحصيلي).
تقسيمه
ينقسم الخبر المتواتر إلى قسمين: لفظي ومعنوي.
١ ـ المتواتر اللفظي: هو الذي يرويه جميع الرواة، وفي كل طبقاتهم بنفس صيغته اللفظية الصادرة من قائله.
ومثاله: الحديث الشريف عن النبي (صلّى الله عليه وآله): (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار).
قال الشهيد الثاني في (الدراية ١٥): (نعم، حديث (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) يمكن ادعاء تواتره، فقد نقله الجم الغفير، قيل: أربعون، وقيل: نيف وستون صحابيا، ولم يزل العدد في ازدياد).
٢ ـ المتواتر المعنوي: وهو المعنى المستفاد من تكرره أو الإشارة إليه في أحاديث مختلفة الألفاظ، وكثيرة كثرة لا يمكن معها تكذيبها، كأحاديث ظهور المهدي، فإنها مع اختلاف ألفاظها تلتقي جميعها عند قاسم مشترك أو قدر متيقن، وهو ظهور المهدي.
ويظهر من خلال الاستقراء الذي أشير إليه في بعض مراجع علم الحديث أن الأحاديث المتواترة تواترا لفظيا قليلة قلة نادرة، وأكثر ما يوصف من الأحاديث بالتواتر هي من المتواتر المعنوي، يقول الشهيد الثاني في (الدراية 14 ـ 15): وهو ـ أي التواتر ـ يتحقق في أصول الشرائع كوجوب الصلاة اليومية وأعداد ركعاتها، والزكاة، والحج، تحققا كثيرا، وفي الحقيقة مرجع إثبات تواترها إلى المعنوي لا اللفظي، إذ الكلام في الأخبار الدالة عليها كغيرها.
وقليل تحققه في الأحاديث الخاصة المنقولة بالألفاظ المخصوصة لعدم اتفاق الطرفين والوسط فيها، وأن تواتر مدلولها في بعض الموارد كالأخبار الدالة على شجاعة علي (عليه السلام) وكرم حاتم ونظائرهما، فإن كل فرد خاص من تلك الأخبار الدالة على أن علياً (عليه السلام) قتل فلاناً، وفعل كذا، غير متواتر، وكذا الأخبار الدالة على أن حاتما أعطى الفرس الفلانية والجمل والرمح وغيرها، إلا أن القدر المشترك بينها متواتر تدل عليه تلك الجزئيات المتعددة آحاداً بالتضمن.
وعلى هذا نُزِّل ما ادعى المرتضى (رحمه الله) ومن تبعه تواتره من الأخبار الدالة على النص وغيره، إذ لا شبهة في أن كل واحد من تلك الأخبار آحاد.
وقد أومى إلى ذلك في (المسائل المتباينات).
ولم يتحقق إلى الآن خبر خاص بلغ حد التواتر حتى قيل ـ والقائل ابن الصلاح ـ من سئل عن ابراز مثال لذلك أعياه طلبه، هذا مع كثرة رواتهم قديما وحديثا، وانتشارهم في أقطار الأرض، قال: (وحديث (إنما الأعمال بالنيات) ليس منه) أي المتواتر، وان نقله الآن عدد التواتر وأكثر، فإن جميع علماء الاسلام ورواة الحديث الآن يروونه، وهم يزيدون عن عدد التواتر أضعافا مضاعفة، لأن ذلك التواتر المدعى قد طرأ في وسط إسناده الآن دون أوله، فقد انفرد به جماعة مترتبون أو شاركهم من لا يخرج بهم عن الآحاد.
وأكثر ما ادعي تواتره من هذا القبيل ينظر مدعي التواتر إلى تحققه في زمانه، أو هو وما قبله من غير استقصاء جميع الأزمنة، ولو أنصف لوجد الأغلب خلوا أول الأمر منه بل ربما صار الحديث الموضوع ابتداء متواترا بعد ذلك، لكن شرط التواتر مفقود من جهة الابتداء).
مشروعية المتواتر
أعني بهذا العنوان: هل يعتبر الحديث المتواتر دليلا شرعيا يرجع إليه ويعتمد عليه في مجال الاستدلال الشرعي، فيستفاد منه الحكم الشرعي؟
إن مجال البحث عن الحجج والأدلة الشرعية هو علم أصول الفقه.
وفي علم أصول الفقه لم تبحث مشروعية التواتر بشكل خاص، وذلك لإفادته العلم، فأدخل لهذا تحت عنوان مشروعية العلم.
ولأن المراد بالعلم ـ هنا ـ اليقين كما عبر عنه العلامة الحلي فيما قرأناه من عبارته المتقدمة، أو القطع والجزم كما عبر عنه المتأخرون من الأصوليين.
والعلم بهذه الرتبة وهي أعلى رتبة له يعني في حقيقته انكشاف الواقع أمام المكلف، والمكلف عندما يستخدم وسيلة الاجتهاد ووسيلة الاستدلال إنما يستخدمها ليتخذ منها طريقا إلى الواقع لتكشف له عنه فيتعرف بهذا على الحكم الشرعي المطلوب، وعندما ينكشف الواقع أمامه لا يحتاج إلى استخدام الوسائل الأخرى المساعدة على كشف الواقع.
وهذا يعني أن التواتر لإفادته العلم بأن الحديث صادر عن المعصوم وكشفه عن ذلك يصبح الاعتقاد بصدق الخبر وصحة صدوره عن المعصوم مما لا يحتاج إلى إقامة دليل يكشف لنا عن هذا.
ومن هنا تأتي للتواتر مشروعيته واعتباره مصدرا شرعيا، وعبر عن هذا بقولهم (التواتر حجة) وهم يريدون به ما ذكر أعلاه.
والمسألة موضع وفاق بينهم.
خبر الآحاد
ويطلق عليه (خبر الواحد) أيضاً.
تعريفه
يمكننا أن نصنف ما ذكر من تعاريف لخبر الواحد إلى الأصناف التالية:
١ ـ التعريفات القائلة بأن خبر الواحد هو الذي لا يبلغ حد التواتر، سواء كان راويه واحدا أو أكثر من واحد.
وممن عرّف خبر الواحد بهذا الشهيد الثاني في (الدراية ١٥)، والشيخ المامقاني في (المقباس ١/125)، وأستاذنا الشيخ المظفر في (أصول الفقه ٢/٦٩)، والسيد معروف في (الدراسات ٤٠)، وغيرهم.
٢ ـ ما ذكر من أن خبر الواحد هو الذي لا يفيد العلم بنفسه.
وممن عرفه بهذا الشيخ السبحاني في (أصول الحديث وأحكامه ص ٣٤).
٣ ـ التعريف الجامع بين التعريفين السابقين، القائل: إن خبر الواحد هو الذي لا يبلغ حد التواتر ـ سواء كثرت رواته أم قلت ـ، وليس شأنه إفادته العلم بنفسه.
وهو تعريف الشيخ العاملي في (معالم الدين ٣٤٢).
٤ ـ التعريف القائل بأن خبر الواحد هو ما يفيد الظن وإن تعدد المخبر.
وهو تعريف العلامة الحلي في (مبادئ الوصول ٢٠٣).
وإذا حاولنا المقارنة بين هذه التعاريف سوف نرى أن الصنف الأول هو من نوع التعريف بـ (غير) أو النفي المنطقي، والذي يراد به أننا عندما نعرف أحد القسمين، فتعريفه في الوقت نفسه يكون تعريفا لقسيمه، وذلك بإضافة كلمة (غير) أو أية أداة تنفي تعريف القسيم عن قسيمه.
فنحن لأننا عرفنا المتواتر لا نحتاج إلى أن نعرف الآحاد بأكثر من أن نقول عنه بأنه (غير المتواتر) أو (هو الذي لا ينطبق عليه تعريف المتواتر) بمعنى أنه هو الذي يرويه راو واحد أو أكثر من راو واحد لا تحيل العادة فيه احتمال كذب الراوي والرواة.
وفي الصنف الثاني يقوم التعريف على نفي الخصيصة التي هي للمتواتر عن الآحاد وهي إفادة الحديث العلم بصدقه بنفسه، فالآحاد ـ على هذا ـ (لأنه غير المتواتر): هو الذي لا يفيد العلم بنفسه.
والصنف الجامع بين التعريفين، جمع بين الحسنين لتأكيد الفرق بين القسمين.
وفي الصنف الرابع، وهو تعريف العلامة الحلي، قد نحتاج إلى إضافة قيد ليشمل التعريف قسمي خبر الواحد، ذلك أن أحدهما وهو خبر الواحد غير المقرون هو الذي يفيد الظن، والآخر وهو المقرون بما يفيد العلم، فإنه يفيد العلم، ولأجل أن يشمله التعريف نفتقر إلى القيد فنقول ـ مثلا ـ: هو الذي يفيد الظن أو العلم بمساعدة القرينة.
ومع إضافة هذا القيد لنا أن نختار أي تعريف من هذه التعريفات فإنها كلها تنطبق على معنى الآحاد.
تقسيمه
يقسم خبر الواحد إلى قسمين رئيسين هما: المقرون، وغير المقرون.
أو كما يعبر بعضهم: المقترن، وغير المقترن.
أو المحفوف بالقرائن، وغير المحفوف بها.
١ ـ خبر الواحد المقرون:
تقدم في تعريف خبر الواحد أنه لا يفيد العلم بصدقه بنفسه، وإنما يفيد هذا إذا اقترن بقرينة تساعده على إفادته العلم بصدقه وصحة صدوره عن المعصوم.
وقد عرّفه الشيخ المفيد في (أصول الفقه ٤١) بقوله: (فأما الخبر القاطع للعذر فهو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالناظر فيه إلى العلم بصحة مخبره).
وعرفه الشيخ الطوسي في خطبة (الاستبصار) بقوله: (وما ليس بمتواتر على ضربين: فضرب منه يوجب العلم أيضاً، وهو كل خبر تقترن إليه قرينة توجب العلم).
فالخبر المقرون: هو الذي تصحبه القرينة المساعدة له على إفادته العلم بصدقه وصحة صدوره.
والقرائن ـ هنا ـ كثيرة، منها:
١ ـ ما ذكره الشيخ المفيد في (أصول الفقه ٤١) ـ بعد تعريفه له الذي مر ذكره في أعلاه ـ قال:
ـ وربما كان الدليل (يعني القرينة) حجة من عقل.
ـ وربما كان شاهدا من عرف.
ـ وربما كان إجماعا.
٢ ـ ما ذكره الشيخ الطوسي في خطبة (الاستبصار) ـ بعد تعريفه له المذكور في أعلاه ـ قال: (والقرائن أشياء كثيرة:
ـ منها أن تكون مطابقة لأدلة العقل.
ـ ومنها أن تكون مطابقة لظاهر القرآن.
ـ ومنها أن تكون مطابقة للسنة المقطوع بها.
ـ ومنها أن تكون مطابقة لما أجمع المسلمون عليه.
ـ ومنها أن تكون مطابقة لما أجمعت عليه الفرقة المحقة.
٣ ـ ما ذكره الحر العاملي في خاتمة (الوسائل) في (الفائدة الثامنة) التي عقدها لذلك حيث عنونها بـ (الفائدة الثامنة في تفصيل بعض القرائن التي تقترن بالخبر).
وبدأ فائدته هذه بنقل تعريف المحققين من العلماء للقرينة بأنها: (ما ينفك عن الخبر وله دخل في ثبوته).
ثم قسمها إلى ثلاث أقسام، هي:
أ ـ ما يدل على صدور الخبر عن المعصوم.
ب ـ ما يدل على صحة مضمون الخبر.
ج ـ ما يدل على ترجيح الخبر عن الخبر المعارض له.
ثم عددها إجمالاً فذكر ما ذكره الشيخ الطوسي، وزاد عليه، وأهم ما ذكره من إضافات:
أ ـ كون الراوي ثقة يؤمن منه الكذب عادة.
فإنه قد يحصل من هذا العلم بصدق الخبر وصحة صدوره.
ب ـ وجود الحديث في كتاب من كتب الأصول المجمع عليها، أو في كتاب أحد الثقات.
ج ـ وجود الحديث في أحد الكتب الأربعة.
د ـ وجود الحديث في كتاب لأحد أصحاب الإجماع.
هـ ـ تكراره في كتب متعددة معتمدة.
و ـ عدم وجود معارض له.
وهذه القرائن كلها قرائن علمية يرتبط بعضها بتصحيح مضمون الخبر، وهي مثل موافقة القرآن الكريم وموافقة السنة القطعية.
ويرتبط بعضها بتصحيح السند، مثل وجود الحديث في كتاب لأحد أصحاب الاجماع، وفي كتاب أحد الثقات.
ولهذا لا تخرج عن كونها نتائج اجتهادية يقول بها الفقيه وفق اجتهاده:
ومن هنا قد تفيد العلم عند بعض، وقد لا تفيده عند آخر لاختلاف الاجتهاد، والخلاف في نتائجه.
ولعله لهذا ذهب بعضهم إلى أن خبر الواحد مطلقا ـ أي سواء كان مقرونا أم غير مقرون ـ لا يفيد العلم.
قال العاملي في (معالم الدين ٣٤٢): (وخبر الواحد: هو ما لم يبلغ حد التواتر ـ سواء كثرت رواته أم قلت ـ وليس شأنه إفادة العلم بنفسه.
نعم قد يفيد بانضمام القرائن إليه.
وزعم قوم أنه لا يفيد العلم وإن انضمت إليه القرائن والأول أصح).
والمعروف والمشهور شهرة كبيرة أن الآحاد قد تقترن بما يفيد العلم بصدقها وصحة صدورها.
والمسألة ترتبط بواقع السيرة الاجتماعية للناس، وهي قاضية ـ وببداهة ـ بذلك.
يقول الشيخ السبحاني: (وقد كثر النقاش في إفادته اليقين بما لا يرجع إلى محصل، وكأن المناقشين بُعداءُ عن الأحوال الاجتماعية التي تطرأ علينا كل يوم، فكم من خبر تؤيده القرائن فيصبح خبرا ملموسا لا يشك فيه أحد)([26]).
مشروعية خبر الواحد المقرون
وما قلناه في مشروعية الرجوع إلى الخبر المتواتر لإفادته العلم بصدوره، واعتباره مصدرا شرعيا، نقوله هنا، وللسبب نفسه، وهو إفادة الخبر المقرون العلم أيضا، والعلم حجيته ذاتية ـ كما مر.
يقول الشيخ المفيد في (أصول الفقه ٤٠): (والحجة في الأخبار ما أوجبه العلم من جهة النظر فيها بصحة مخبرها ونفي الشك فيه والارتياب.
وكل خبر لا يوصل بالاعتبار إلى صحة مخبره فليس بحجة في الدين ولا يلزم به عمل على حال.
والأخبار التي يجب العلم بالنظر فيها على ضربين:
أحدهما: التواتر المستحيل وروده بالكذب من غير تواطئ على ذلك، أو ما يقوم مقامه في الاتفاق.
والثاني: خبر واحد يقترن إليه ما يقوم المتواتر في البرهان على صحة مخبره، وارتفاع الباطل منه والفساد).
ويقول الشيخ الطوسي في خطبة (الاستبصار) ـ بعد تعريفه له الذي تقدم نقله في أعلاه ـ: (وما يجري هذا المجرى يجب أيضا العمل به، وهو لاحق بالقسم الأول) يعني المتواتر.
وقال استاذنا الشيخ المظفر في (أصول 2/69): (لاشك في أن مثل هذا حجة).
وهذا لا بحث لنا فيه، لأنه مع حصول العلم تحصل الغاية القصوى، إذ ليس وراء العلم غاية في الحجية وإليه تنتهي حجية كل حجة.
٢ ـ خبر الواحد غير المقرون:
تعريفه
أخال أننا تبيّنا مفهوم خبر الواحد غير المقرون من تعريفنا لمفهوم الخبر المتواتر وخبر الواحد المقرون.
وهو ذلكم الخبر الذي لا يبلغ مستوى التواتر، ولم يقترن بما يساعده على إفادة العلم بصدوره.
وأقصى ما يفيده إذا توافرت في إسناده شروط الصحة هو الظن بصدوره عن المعصوم.
مشروعيته:
ومن هنا أثار علماء أصول الفقه مسألة حجيته ومشروعية العمل به، لأن الظن منهي شرعا عن العمل به، والركون إليه، إلا إذا قام الدليل على مشروعيته.
قال الشيخ الطوسي في (العدة 1/44): (من عمل بخبر الواحد فإنما يعمل به إذا دل دليل على وجوب العمل به، إما من الكتاب أو السنة أو الاجماع، فلا يكون قد عمل بغير علم)([27]).
وقد وقعت هذه المسألة موقع خلاف كبير، تشعبت أطرافه، وتوسع البحث فيه توسعاً كبيراً.
وأول ما يلتقينا من خلاف في المسألة هو: موقف العقل من التعبد به.
فذهب ابن قِبَة (محمد بن عبد الرحمن الرازي) إلى عدم جواز التعبد به عقلاً، أي أن العقل يمنع من التعبد به.
وذهب الآخرون من أصحابنا إلى جواز التعبد به.
قال الشريف المرتضى: (والعقل لا يمنع من العبادة بالقياس، والعمل بخبر الواحد.
ولو تعبد الله تعالى بذلك لساغ، ولدخل في باب الصحة لأن عبادته بذلك توجب العلم الذي لا بد أن يكون العمل تابعا له)([28]).
وبعد القول بجواز التعبد به عقلاً، وقع الخلاف في جواز التعبد به شرعاً.
فذهب الشيخ المفيد والسيد المرتضى وأبو المكارم ابن زهرة والقاضي ابن البراج والطبرسي وابن إدريس إلى القول بعدم حجيته وعدم جواز التعبد به شرعاً.
قال الشيخ المفيد في (أصول الفقه ٤١): (فمتى خلا خبر واحد من دلالة يقطع بها على صحة خبره فإنه ـ كما قدمناه ـ ليس بحجة ولا موجب علما ولا عملا على كل وجه).
وقال الشريف المرتضى: (لابد في الأحكام الشرعية من طريق يوصل إلى العلم… ولذلك أبطلنا في الشريعة العمل بأخبار الآحاد، لأنها لا توجب علما ولا عملاً، وأوجبنا أن يكون العمل تابعاً للعلم، لأن خبر الواحد إذا كان عدلاً فغاية ما يقتضيه الظن بصدقه، ومن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذباً)([29]).
وذهب الآخرون ـ وهم الأكثرية الغالبة ـ إلى جواز التعبد به شرعا لقيام الدليل بذلك.
وأهم ما استدلوا به:
١ ـ قوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) [الحجرات: 6].
بتقريب (أنها تعطي أن النبأ من شأنه أن يصدّق به عند الناس، ويؤخذ به، من جهة أن ذلك من سيرتهم، وإلا فلماذا نهي عن الأخذ بخبر الفاسق من جهة أنه فاسق، فأراد الله تعالى أن يلفت أنظار المؤمنين إلى أنه لا ينبغي أن يعتمدوا كل خبر من أي مصدر كان، بل إذا جاء به فاسق ينبغي أن لا يؤخذ به بلا ترو، وإنما يجب فيه أن يتثبتوا أن يصيبوا قوما بجهالة، أي فعل ما فيه سفه وعدم حكمة قد يضر بالقوم.
والسر في ذلك أن المتوقع من الفاسق ألا يصدق في خبره، فلا ينبغي أن يصدق ويعمل بخبره.
فتدل الآية بحسب المفهوم على أن خبر العادل يتوقع منه الصدق فلا يجب فيه الحذر والتثبت من إصابة قوم بجهالة.
ولازم ذلك أنه حجة)([30]).
٢ ـ رواية عبد العزيز بن المهتدي عن الإمام الرضا (عليه السلام)، قال: قلت: لا أكاد أصل إليك أسألك عن كل ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟
قال (عليه السلام): نعم)([31]).
قال الشيخ الأنصاري: (وظاهر هذه الرواية أن قبول قول الثقة كان أمراً مفروغاً عنه عند الراوي فسأل عن وثاقة يونس ليرتب عليه أخذ المعالم منه)([32]).
إلى غيره من أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر المعنوي في قبول خبر الثقة.
السيرة الاجتماعية
يقول استاذنا الشيخ المظفر في (أصول الفقه 2/91 ـ 92): (إنه من المعلوم ـ قطعاً الذي لا يعتريه الريب ـ استقرار بناء العقلاء طراً واتفاق سيرتهم العملية على اختلاف مشاربهم وأذواقهم، على الأخذ بخبر من يثقون بقوله ويطمئنون إلى صدقه ويأمنون كذبه، وعلى اعتمادهم في تبليغ مقاصدهم على الثقات.
والمسلمون بالخصوص كسائر الناس جرت سيرتهم العملية على مثل ذلك في استفادة الأحكام الشرعية من القديم إلى يوم الناس هذا، لأنهم متحدوا المسلك والطريقة مع سائر البشر، كما جرت سيرتهم بما هم عقلاء على ذلك في غير الأحكام الشرعية.
وإذا ثبتت سيرة العقلاء من الناس بما فيهم المسلمون على الأخذ بخبر الواحد الثقة، فإن الشارع المقدس متحد المسلك معهم، لأنه منهم، بل هو رئيسهم، فلا بد أن نعلم بأنه متخذ لهذه الطريقة العقلائية كسائر الناس ما دام أنه لم يثبت لنا أن له في تبليغ الأحكام طريقا خاصا مخترعا منه، غير طريق العقلاء، ولو كان له طريق خاص قد اخترعه غير مسلك العقلاء لأذاعه وبينه للناس، ولظهر واشتهر، ولما جرت سيرة المسلمين على طبق سيرة باقي البشر.
وهذا الدليل قطعي لا يداخله الشك، لأنه مركب من مقدمتين قطعيتين:
١ ـ ثبوت بناء العقلاء على الاعتماد على خبر الثقة والأخذ به.
٢ ـ كشف هذا البناء منهم عن موافقة الشارع لهم، واشتراكه معهم، لأنه متحد المسلك معهم.
قال شيخنا النائيني (قده) ـ كما في تقريرات تلميذه الكاظمي (قده) 3/69 ـ: (وأما طريقة العقلاء فهي عمدة أدلة الباب بحيث لو فرض أنه كان سبيل إلى المناقشة في بقية الأدلة فلا سبيل إلى المناقشة في الطريقة العقلائية القائمة على الاعتماد على خبر الثقة والاتكال عليه في محاوراتهم).
وقال الشيخ الخاقاني في (أنوار الوسائل 1/5 ـ 6): (وعلى كلٍ فقد قامت الأدلة من الأخبار المتواترة على حجية الخبر الموثوق بصدوره تعبدا أو إمضاء للسيرة المتعارفة المألوفة بين الناس في اعتبار خبر الواحد الموثوق بصدوره في كل عصر وجيل).
وقد ترتب على هذا الخلاف في حجية خبر الواحد غير المقرون من ناحية شرعية خلاف آخر يرتبط بروايات الآحاد الثقات المذكورة في كتب أصحابنا المعتبرة.
فذهب القائلون بعدم الحجية إلى أنها (أعني الروايات المشار إليها) هي من نوع الخبر المقرون فتفيد العلم.
ومن هنا جاز العمل بها عندهم، وعملوا بها كما يبين ـ بوضوح ـ من استدلالاتهم المختلفة بها في كتبهم وأبحاثهم.
وذهب القائلون بالحجية إلى صلاحيتها للاستدلال بها إذ توفرت على شرائط الصحة التي تفيد الظن بصدورها عن المعصوم.
وتفرع على هذا الخلاف الثاني خلاف ثالث، وهو أن عَدَّ القائلون بأن تلكم الروايات المشار إليها هي من نوع الأخبار المقرونة، الحديث المعتبر هو ما أفاد العلم.
وهذا يعني أن الحديث المعتبر عندهم هو الحديث المتواتر والآحاد المقرون فقط.
فقد يعبرون عنه بالصحيح أيضاً.
كما اعتَدُّوا الحديث الذي لا يفيد العلم بصدوره عن المعصوم ـ سواء أفاد الظن أم أقل منه ـ حديثا غير معتبر، وعبروا عنه بالضعيف أيضاً.
ويمكننا أن نلخص هذا بالجدول التالي:
الحديث
يفيد العلم لا يفيد العلم
(المعتبر = الصحيح) (غير المعتبر = الضعيف)
متواتر آحاد مقرون
أو نقول:
الخبر
معتبر غير معبر
متواتر آحاد مقرون
وقسم الآخرون القائلون بأن تلكم الروايات فيها ما يفيد العلم وفيها ما لا يفيده الحديث كالتالي:
الحديث
يفيد العلم لا يفيد العلم
متواتر آحاد مقرون يفيد الظن لا يفيد الظن
أو نقول:
الحديث
معتبر غير المعتبر
مفيد للعلم مفيد للظن
آحاد غير مقرون
متواتر آحاد مقرون
والشيخ الطوسي من أقدم من يمكننا استخلاص هذا التقسيم من بحثه للأخبار، وذلك في كتابه (عدة الأصول).
وهو (أعني الشيخ) من أقدم من جوز التعبد شرعا بخبر الواحد غير المقرون، قال في (العدة 1/290): (والذي أذهب إليه: أن خبر الواحد لا يوجب العلم وإن كان يجوز أن ترد العبادة بالعمل به عقلا.
وقد ورد جواز العمل به في الشرع، إلا أن ذلك موقوف على طريق مخصوص، وهو ما يرويه من كان من الطائفة المحقة، ويختص بروايته، ويكون على صفة يجوز معها قبول خبره، من العدالة وغيرها).
ويكون بهذا قد خالف أستاذيه المفيد والمرتضى، كما أنه استطاع في هدي ما ذكره من أدلة على رأيه هذا في كتابه (عدة الأصول) وبشكل مفصل ومركز ـ أن يتغلب رأيه على رأي أستاذيه، ويشتهر بين العلماء، وينتشر في الأوساط العلمية الامامية.
وفي القرن السابع الهجري عندما تركز مركز الحلة العلمي، وراح وبشكل جاد يسهم إسهاما فاعلاً في التأليف في مختلف حقول المعرفة الإسلامية التي تدرس في المراكز العلمية الإمامية، والتي يحتاج إليها الفقيه في ممارسته لعملية الاجتهاد، ومنها علم الرجال، ألف السيد جمال الدين أحمد بن طاووس الحلي كتابه (حل الاشكال في معرفة الرجال).
وهداه اطلاعه على أحوال الرجال من خلال تجربته العلمية في تأليفه الكتاب المذكور، إلى استخلاص واقع هذه الأحوال وتنويعها تنويعاً يلتقي وطبيعة تنويع الأسانيد وفق أحوال الرجال، ذلك أن في رجال الحديث:
أ ـ الإمامي العادل.
ب ـ الإمامي الممدوح.
ج ـ غير الإمامي لكنه موثق.
د ـ ضعيف الحال أو مجهوله.
ولأنه رأى أن أحوال رجال الأسانيد لا تخرج عن هذه:
١ ـ فقد يأتي سند كل رواته إماميون عدول.
٢ ـ وقد يأتي سند كل رواته إماميون، ولكن فيهم المُعْدِل وفيهم الممدوح.
٣ ـ وقد يأتي سند رواته من الاماميين المعدلين والممدوحين ومن غير الاماميين إلا أنهم موثقون.
٤ ـ وقد يضم السند من هو مجهول الحال أو مضعف.
فعمل ـ لهذا ـ على تصنيف الأسانيد إلى أربعة، وسماها: الصحيح، والحسن، والموثق، والضعيف.
وهذا التقسيم يساعد ـ من ناحية عملية ـ على سهولة ويسر تقويم رجال السند، ومن ثم تقييم السند.
ولعله إلى هذا هدف السيد ابن طاووس.
ولعله لهذا أيضاً أكده تلميذه العلامة الحلي.
وسار عليه كل من جاء بعدهما من علماء المدرسة الأصولية.
وفي الطرف الآخر بقي علماء الاخبارية على التقسيم الثنائي الذي تقدم عرضه.
واستمر الوضع العلمي على هذا حتى توقُّف الدراسات الاخبارية بسبب سيطرة الدراسات الأصولية على المراكز العلمية الامامية، والأبحاث العلمية التي تصدر منها، فتحول المذهب القائل بالتقسيم الثنائي القديم إلى قضية تاريخية تذكر في مجال الدرس التاريخي لتطور البحث في علمي الرجال والحديث.
تقسيمه:
إذا رجعنا إلى تاريخ التشريع الاسلامي لمعرفة متى وضع علم الحديث عند أهل السنة، ومتى وضع علم الحديث عند الشيعة ـ ويعرف هذا عادة بأول كتاب ألف في هذا العلم ـ سوف نرى أول كتاب ظهر لأهل السنة في فن مصطلح الحديث ـ كما يعبرون عنه ـ وهو كتاب (المحدث الفاضل بين الراوي والواعي) للقاضي أبي محمد حسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى سنة ٣٦٠هـ.
وذكرت ـ فيما تقدم ـ أن أقدم مؤلف إمامي في هذا العلم أشير إليه وهو كتاب (شرح أصول دراية الحديث) للسيد علي بن عبد الكريم بن عبد الحميد النجفي النيلي من علماء المائة الثامنة.
وهذا يعني أن أهل السنة كانوا أسبق تاريخيا في تدوين علم الحديث.
وسبب هذا أن أهل السنة يعتمدون ـ كما هو معلوم ـ على الحديث المروي عن طريق الصحابة.
ولأن الصحابة انتهى آخر أجيالهم بانتهاء القرن الأول الهجري، وانتهى من بعدهم التابعون وتابعو التابعين بانتهاء القرن الثالث الهجري.
وبانتهاء هؤلاء اختفت القرائن التي كانوا يعتمدون عليها في الوثوق بصحة الحديث، فعادوا أحوج ما يكونون إلى وضع قواعد وضوابط للتوثق من صحة الحديث، فاتجهوا إلى تحقق هذا في بدايات القرن الرابع الهجري.
ولأن استمرار اتصال الشيعة بالأئمة لم ينته إلا في أواخر القرن الرابع الهجري، فاعتمدوا حينها على مدونات الحديث التي كتبت في عهود الأئمة.
واستمرت هذه المدونات موجودة بما صاحبها من قرائن الوثوق حتى عصر المحقق الحلي المتوفى سنة ٦٧٦هـ، حيث اختفت باختفائها قرائن الوثوق فأصبحت الحاجة عند الشيعة ماسة لوضع علم الحديث.
ومن المعروف ـ تاريخيا ـ أن المتأخر يستفيد من تجارب المتقدم منهجيا وفنيا، وهذا ما لحظناه في كتاب (الدراية)، للشهيد الثاني، وهو أقدم كتاب في علم الحديث وصل إلينا، فقد تأثر من ناحية منهجية وفنية بمؤلفات علماء السنة في علم الحديث.
وهذا التأثير منه أدى إلى أن يذكر من أقسام الحديث ما لا مصاديق له في حديثنا أمثال بعض أقسام الضعيف.
ومع أنه أبقى مثل هذه إلا أنه من ناحية أخرى أجاد في إضافته ما هو موجود عندنا غير موجود عندهم كالموثق والمضمر وغيرهما.
وسار على خطته كل من جاء بعده.
فرأيت ـ لهذا ـ أن أقتصر على ما هو موجود في حديثنا ومكرر ذكره في كتب فقهنا الاستدلالية، وهو كما في الجدول التالي:
خبر الواحد
المسند المرسل
باعتبار ذكر اسم المروي عنه
المضمر (المقطوع) المصرح (الموصول
باعتباره عدة الرواة
المستفيض المشهور
باعتباره قيمة الرواة
الصحيح الحسن الموثق الضعيف
المقبول المردود
المسند
تعريفه
المسند: هو ما ذكر فيه جميع رواته.
أو قل: هو ما تمت فيه سلسلة رواته.
ونعطي له مثالاً ما نقله الشيخ ابن إدريس في كتابه (مستطرفات السرائر) ـ ص ٣٩ ـ عن كتاب أبان بن تغلب الكوفي: (قال أبان: حدثني القاسم بن عروة البغدادي عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في قتل الذر؟ قال: فقال (عليه السلام): اقتلهن، آذينك أو لم يؤذينك).
وأكثر ما في كتبنا، ولا سيما القديم منها هو من الأحاديث المسانيد.
المعلق
ومن الحديث المسند ما اصطلحوا عليه باسم (المعلق)، وعرفوه بأنه الذي حذف من مبدأ إسناده راو واحد أو أكثر.
كأكثر ما جاء في أسانيد الشيخ الصدوق في كتابه (من لا يحضره الفقيه)، وأسانيد الشيخ الطوسي في كتابيه (التهذيب) و (الاستبصار)، حيث كان كل واحد من المؤلفين المذكورين يحذف أول السند أو أوائله معتمدا على ما ذكره في مشيخته المدونة في آخر الكتاب حيث يصرح فيها بذكر المحذوف.
وكان هذا منهما لأجل الاختصار بعدم التكرار.
يقول الشيخ المامقاني ـ مشيراً إلى هذا ـ: (مثل أغلب روايات (الفقيه)) و (التهذيبين) حيث أسقطا (يعني الصدوق والطوسي) فيها (يعني الكتب الثلاثة المذكورة) جملة من أول إسناد الأخبار، وبين كل منهما في آخر كتابه من أسقطه بقوله: ما رويته عن فلان فقد رويته عن فلان عن فلان عنه)([33]).
وذلك لأن المحذوف من السند معلوم ومعروف بالرجوع إلى (المشيخة)، فيكون في قوة المذكور.
ومن هنا يدخل المعلق في المسند.
(مثاله):
ذكر الشيخ الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه ـ تعليقة الأعلمي 1/ ٧٢ رقم ٢١٦) الحديث التالي.
(وسأل عمار بن موسى الساباطي أبا عبد الله (عليه السلام) عن التيمم من الوضوء ومن الجنابة ومن الحيض للنساء سواء؟
فقال: (نعم).
وعندما نرجع إلى (المشيخة) ـ في آخر الجزء الرابع من كتاب (من لا يحضره الفقيه 4/315) ـ نقرأ في أول صفحة منها العبارات التالية :
)يقول محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي مصنف هذا الكتاب ـ رحمه الله تعالى ـ:
كل ما كان في هذا الكتاب عن عمار بن موسى الساباطي فقد رويته عن أبي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ـ رضي الله عنهما ـ عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال عن عمرو بن سعيد المدائني عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى الساباطي).
وبإعادة هذا الذي ذكره في المشيخة إلى أول الرواية المذكورة في أعلاه يكون السند هكذا:
(عن أبي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال عن عمرو بن سعيد المدائني عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى الساباطي عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)…).
تقسيمه
يقسم المسند لاختلاف أسس واعتبارات القسمة ثلاثة تقسيمات هي:
ـ التقسيم الأول:
يقسم باعتبار عدد رواته إلى قسمين: المستفيض والمشهور.
أ ـ المستفيض:
وقد اختلفوا في تحديد معناه على قولين:
ـ فذهب الأكثر إلى أنه الخبر الذي زادت رواته عن ثلاثة في كل طبقة، ولم يبلغ حد التواتر.
ـ وذهب البعض إلى أنه الخبر الذي زادت رواته عن اثنين في كل طبقة، ولم يبلغ حد التواتر.
ب ـ المشهور:
أيضاً اختلفوا في تحديد معناه على قولين:
ـ فذهب بعضهم إلى عدم الفرق بينه وبين المستفيض، فكل ما يصدق عليه أنه مستفيض يصدق عليه أنه مشهور.
ـ وذهب آخرون إلى أن الفرق بينه وبين المستفيض هو عدم اشتراط توافر العدد المذكور في كل طبقاته.
ومثّلوا لهذا بحديث (إنما الأعمال بالنيات) حيث انفرد بروايته في بدء طبقاته جماعة لم يبلغوا حد الاستفاضة، أي لم يشكلوا العدد المطلوب في الحديث المستفيض.
يقول الشهيد الثاني في (الدراية ١٦): (وقد يغاير بينهما ـ أي بين المستفيض والمشهور ـ بأن يجعل المستفيض ما اتصف بذلك في ابتدائه وانتهائه على السواء، والمشهور أعم من ذلك.
فحديث (إنما الأعمال بالنيات) مشهور غير مستفيض، لأن الشهرة، إنما طرأت له في وسطه).
مشروعيتهما
لأن المستفيض والمشهور لم يبلغا مستوى التواتر المفيد للعلم بصدقه، لا يقال بحجيتهما إلا إذا توافرت فيهما شروط الصحة التي ستذكر في الأقسام الأربعة المعروفة بـ (أصول الحديث).
ـ التقسيم الثاني:
ويقسم المسند باعتبار ذكر اسم المعصوم في سنده وعدم ذكره إلى قسمين: المصرح والمضمّر.
أ ـ المصرّح: هو الذي صرح فيه بذكر اسم المعصوم الذي روي الحديث عنه.
والكثرة الكاثرة من أحاديثنا هي من هذا النوع.
وسميته بـ (المصرّح) لأن الضمير يعني الكناية عن المحذوف، ومن هنا سماه نحاة الكوفة بـ (الكناية)، والذي يقابل الكناية هو التصريح.
ب ـ المضمر: وهو الذي يكنى فيه عن ذكر اسم المسؤول بذكر ضميره.
كأن يقول الراوي (سألته) أو (سمعته) أو (عنه) أو (قال) أو (يقول).
مثل ما روي في (الوسائل ج ٢ ب ٢٢ ـ النجاسات): (عن سماعة، قال: سألته عن الرجل به الجرح والقرح فلا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه؟
قال: يصلي ولا يغسل ثوبه كل يوم إلا مرة، فإنه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة).
وما روي في (الوسائل ج ٥ ب ١ ـ الخلل الواقع في الصلاة): (عن سماعة قال: قال: إذا سها الرجل في الركعتين الأولتين من الظهر والعصر فلم يدر واحدة صلى أم ثنتين فعليه أن يعيد الصلاة).
ويقول السيد الغريفي في (قواعد الحديث ٢١٥): (وهي (يعني المضمرات) مجموعة كبيرة من الأحاديث أثبتها مشايخنا الأقدمون في مجاميعهم).
ومن أشهرها: مضمرات سماعة بن مهران (وتبلغ ثلاثمائة وتسعين موردا)([34])، ومضمرات زرارة بن أعين (وتبلغ ثمانية وسبعين مورداً)([35])، ومضمرات محمد بن مسلم الثقفي، ومضمرات علي بن جعفر.
وتسمى المضمرة بـ (المقطوعة) أيضاً.
ويمكننا على هذا أن نسمي المصرحة بـ (الموصولة) أيضا، فنقول الحديث المضمر أو المقطوع، ويقابله الحديث المصرح أو الموصول.
عوامل الإضمار
علل العلماء وقوع الاضمار بعوامل أفادوها من تتبعهم لواقع الأحاديث المروية والمدونة في الجوامع الحديثية، وهي:
١ ـ التقية:
ذلك أن بعض الرواة كان لا يستطيع التصريح باسم الإمام لظروف سياسية قاسية كان يعيشها تحت سطوة القمع والإرهاب الأموي أو العباسي فيستعمل الكناية (الضمير).
وهو أمر معروف تاريخياً لا يحتاج إلى التدليل والتمثيل.
٢ ـ تقطيع الأخبار من الأصول:
وكان يحدث هذا في موضعين:
أ ـ الكتب:
وذلك أن تأتي مرويات المؤلف في كتابه كله عن إمام فيذكر اسمه في أول الكتاب، ثم يكتفي بذكر ضميره، اعتماداً على تصريحه بالاسم في أول الكتاب، اختصاراً ومراعاة لقواعد البلاغة الملزمة بالابتعاد عن التكرار الذي لا حاجة مهمة إليه.
ب ـ الحديث الطويل:
وذلك قد يروي الراوي حديثاً طويلاً يضم مجموعة كبيرة من الأسئلة وأجوبتها، فيذكر اسم الإمام في أول الحديث، ثم يقول: (وسألته عن كذا)، (فقال كذا)… وهكذا.
وحينما جمعت الجوامع الكبرى عمد مؤلفوها إلى تفريق الأحاديث التي في الكتاب أو الفقرات التي في الحديث الطويل على أبواب الفقه ومواضيعه، ولم يسمحوا لأنفسهم بأن يذكروا اسم الامام في موضع الضمير لئلا يعد هذا منهم تصرفا في الحديث غير جائز.
وأشير إلى هذا في (الوسائل) بما نصه: (إن كثيرا من قدماء رواة حديثنا ومصنفي كتبه كانوا يروون عن الأئمة (عليهم السلام) مشافهة، ويوردون ما يروونه في كتبهم جملة، وإن كانت الأحكام التي في الروايات مختلفة، فيقول (يعني الراوي المؤلف) في أول الكتاب: (سألت فلانا)، ويسمي الامام الذي يروي عنه، ثم يكتفي في الباقي بالضمير، فيقول: (وسألته) أو نحو هذا، إلى أن تنتهي الأخبار التي رواها عنه.
ولا ريب أن رعاية البلاغة تقتضي ذلك، فإن إعادة الاسم الظاهر في جميع تلك المواضع تنافيها في الغالب قطعاً.
ولما نقلت تلك الأخبار إلى كتاب آخر صار لها ما صار في إطلاق الاسم بعينه، فلم يبق للضمير مرجع).
وقال الشيخ المامقاني في (المقباس 1/334): (إن سبب الإضمار: إما التقية أو تقطيع الأخبار من الأصول… فإنهم كانوا يكتبون في صدر سؤالاتهم: (سألت فلانا عن كذا) و (سألته عن كذا… فقال كذا)… وهكذا.
ثم بعد تقطيعها وجمعها في الكتب المؤلفة صار مشتبهاً).
وفي حواشي (الروضة البهية ط. الحجرية 1/141) تعليق على قول الشهيد الثاني في حق مضمرة محمد بن مسلم: (والرواية مجهولة المسؤول) ونصه: (قوله والرواية مجهولة المسؤول هذا ليس طعنا في الرواية، لأن من عادة أصحاب الأئمة (عليهم السلام) أنهم كانوا يذكرون المسؤول في أول الرواية، ثم كانوا يقولون: (وسألته عن كذا) بايراد ضمير المسؤول، ولما جمع المحدثون الروايات، وجعلوها أبواباً، أوردوها على ما وجدوها في كتب القدماء فصارت مقطوعة).
٣ ـ إتكال الراوي على القرينة المصاحبة للحديث عند روايته له عن المعصوم التي اعتمد عليها في معرفة مرجع الضمير، ثم وبسبب الطوارئ للتراث اختفت القرينة.
أشار إلى هذا العامل السيد الغريفي في كتابه (قواعد الحديث ٢٢٢).
حجية المضمر
اختلف في حجية الحديث المضمر ومشروعيته الرجوع إليه واعتباره مصدرا، على ثلاثة أقوال:
١ ـ التفصيل بين ما إذا كان الراوي المضمر من أجلة الرواة الفقهاء فمضمره حجة، وبين غيره فلا يكون مضمره حجة.
وإليه ذهب الأكثر.
جاء في حاشية (الروضة البهية) الموسومة بـ (حديثة الروضة) والمدرجة ضمن حواشيها في طبعتها الحجرية 1/141 شرحاً لقول الماتن (مقطوعة محمد بن مسلم): (المقطوعة هي الرواية التي لم يعلم فيها أن المروي عنه المعصوم أم لا، مثل قوله: (وسألته)، ويقال لها المضمرة.
فإن كان الراوي فيها من الأجلة والأعيان، مثل زرارة، ومحمد بن مسلم، فالأظهر عند الأكثر حجيتها، لأن الظاهر أن مثلهما لا يسأل إلا من المعصوم، وإلا، فلا) أي وإن لم يكن الراوي من الأجلة والأعيان فلا يقال بحجية مقطوعته.
وممن قال بهذا القول الشيخ الخراساني، فقد جاء في كتابه (كفاية الأصول 2/400 ـ 401 تعليقة السيد الحكيم) تعقيباً على مضمرة زرارة التي استدل بها على حجية الاستصحاب والتي يقول فيها زرارة: (قلت له: الرجل ينام… إلخ)، (وهذه الرواية وإن كانت مضمرة إلا أن إضمارها لا يضر باعتبارها حيث كان مضمرها مثل زرارة، وهو ممن لا يكاد يستفتي من غير الإمام (عليه السلام)، لا سيما مع هذا الاهتمام)، (المستفاد من تكرير السؤال).
٢ ـ القول بالحجية مطلقاً، أي سواء كان الراوي لها من أجلة الرواة وفقهائهم أم من غيرهم من الثقات، شريطة أن تتوافر الرواية على متطلبات الصحة الأخرى.
وهو ظاهر كلام الشيخ صاحب المعالم الذي حكاه عنه الشيخ البحراني في (الحدائق 5/311 ـ 312) ـ بعد أن أختاره ـ قال في معرض الاستدلال على ما يعفى من الدم في الصلاة: (وثانيهما: حسنة محمد بن مسلم بطريق الشيخ المتقدم ذكره، ورواية إسماعيل الجعفي المتقدمتان.
وأجاب في (المختلف) عن الحسنة المذكورة بأن محمد بن مسلم لم يسنده إلى الإمام (عليه السلام)، قال: وعدالته وإن كانت تقتضي الاخبار عن الامام، إلا أن ما ذكرناه لا لبس فيه يعني حديث ابن أبي يعفور.
ولله در المحقق الشيخ حسن في (المعالم) حيث رد ذلك فقال: وأما جوابه عن الثاني فمنظور فيه، وذلك لأن الممارسة تنبه على أن المقتضي لنحو هذا الإضمار في الأخبار ارتباط بعضها ببعض في كتب روايتها عن الأئمة (عليهم السلام)، فكان يتفق وقوع أخبار متعددة في أحكام مختلفة مروية عن إمام واحد، ولا فصل بينها يوجب إعادة ذكر الإمام (عليه السلام) بالاسم الظاهر فيقتصرون على الإشارة إليه بالمضمر.
ثم إنه لما عرض لتلك الأخبار الاقتطاع والتحويل إلى كتاب آخر تطرق هذا اللبس.
ومنشأه غفلة المقتطع لها، وإلا فقد كان المناسب رعاية حال المتأخرين لأنهم لا عهد لهم بما في الأصول.
واستعمال ذلك الاجمال إنما ساغ لقرب البيان، وقد صار بعد الاقتطاع في أقصى غاية البعد، ولكن عند الممارسة والتأمل يظهر أنه لا يليق بمن له أدنى مسكة أن يحدث بحديث في حكم شرعي ويسنده إلى شخص مجهول بضمير ظاهر في الإشارة إلى معلوم، فكيف بأجلاء أصحاب الأئمة (عليهم السلام) كمحمد بن مسلم وزرارة وغيرهما.
ولقد تكثر في كلام المتأخرين رد الأخبار بمثل هذه الوجوه التي لا يقبلها ذو سليقة مستقيمة.
هذا وقد كان الأولى للعلامة (قده) في الجواب عن الاحتجاج بهذا الحديث بعد حكمه بصحة حديث ابن أبي يعفور، ورجوع كلامه في جوابه، إلى أن حديث ابن أبي يعفور أرجح في الاعتبار من خبر ابن مسلم، أن يجعل في وجه الرجحان كون ذلك من الصحيح وهذا من الحسن. انتهى).
٣ ـ القول بعدم الحجية مطلقاً (أي سواء كان الراوي المضمر من وجوه الرواة وفقهائهم كزرارة أو من غيرهم من الثقات، لاحتمال عود الضمير فيها إلى غير المعصوم (عليه السلام)، وهو يكفي في عدم الحجية.
نسب الشيخ حسن بن الشهيد الثاني هذا القول إلى جمع من الأصحاب.
واختاره الشهيدان حيث خدش الأول منهما في مضمر محمد بن مسلم: (سألته عن الرجل لا يدري صلى ركعتين أم أربعا؟ قال: يعيد الصلاة) بأنه مجهول المسؤول، وعقبه الثاني بقوله: (فيحتمل كونه غير امام).
كما اختاره الشيخ محمد حسن في (جواهره) حيث خدش في صحيح محمد بن إسماعيل بن بزيع: (سأله رجل عن رجل مات وترك أخوين… إلخ) بأنه مضمر في (الكافي) و(التهذيب) فلا يصلح للمعارضة).
التقسيم الثالث
ويقسم الخبر المسند باعتبار مستوى أحوال الرواة من حيث الوثاقة واللا وثاقة.
أو قل: يقسم على أساس تقييم السند من حيث الاعتبار واللا اعتبار، إلى أربعة أقسام، هي: الصحيح والحسن والموثق والضعيف.
١ ـ الصحيح
كلمة (صحيح) على وزن (فعيل)، وهذا الوزن ـ كما هو مقرر صرفيا ـ يستعمل بمعنى (فاعل)، ويستعمل بمعنى (مفعول).
وهنا يمكننا أن نستخدم كلمة (صحيح) بمعنى (فاعل) لتوفر الموصوف بها على شروط الصحة.
ويمكننا أن نستخدمها بمعنى (مفعول) لتصحيح العلماء موصوفها وفق قواعد الصحة.
ويقرّب المعنى الثاني استعمال كلمة (مصحح) على ألسنة الفقهاء في موضعه، فيقولون: (مصحح زرارة) بمعنى (صحيح زرارة).
وتذكّر هاتان الكلمتان باعتبار أنهما وصف لكلمة (حديث)، وتؤنثان فيقال: (صحيحة) و(مصححة) باعتبارأنهما وصف لكلمة (رواية).
وتجمع كلتا (صحيح) و (صحيحة) على (صحاح) ـ بكسر الصاد ـ.
والصحيح ـ لغة ـ الصادق، والمطابق للواقع، يقال: صح الخبر والأمر، بمعنى ثبت وطابق الواقع، فهو صحيح وصحاح ـ بفتح الصاد فيهما ـ.
ويقال كلام صحيح، بمعنى صادق، ومنه قول بعضهم، وقد مدح بعض الرؤساء فلم يجزه بشئ:
أعد مدحي عليّ وخذ سواه
فقد أتعبتني يا مستريحُ
ولا تعتب إذا أنشدت يوماً
سواه وقيل لي: هذا الصحيح
ولعله لهذا اختيرت كلمة (صحيح) مصطلحاً علمياً لهذا القسم الذي نحن بصدد تعريفه.
هذا في اللغة العربية.
وعلمياً عرف الشهيد الثاني وابنه صاحب المعالم الحديث الصحيح بأنه الحديث الذي (اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الضابط عن مثله في جميع الطبقات)([36]).
وهذا يعني أن الحديث الصحيح هو المسند الذي تتامت فيه سلسلة السند من آخر راو له حتى المعصوم الذي صدر منه الحديث، مع اشتراط أن يكون كل واحد من الرواة في جميع أجيال الرواية إماميا عادلا ضابطا في حفظه للحديث ونقله له.
٢ ـ الحَسَن:
عرّفه الشهيد الثاني في (الدراية ٢١) بقوله: (الحسن: هو ما اتصل سنده إلى المعصوم بإمامي ممدوح من غير نص على عدالته، مع تحقق ذلك في جميع مراتبه أو في بعضها مع كون الباقي من رجال الصحيح).
وربما كان لاشتراط أن يكون رواته أو بعضهم من الإماميين الممدوحين دخل في اختيار هذا الوصف مصطلحا للقسم المذكور.
لأن (الحسن في عرف العلماء يطلق على ثلاثة معان:
الأول: كون الشئ ملائما للطبع.
الثاني: كونه صفة كمال.
الثالث: كونه متعلق للمدح)([37])… وهو المقصود هنا.
ويؤنث باعتبار إرادة الرواية على (حسنة)، فيقال: (حسن محمد بن مسلم) و (حسنة محمد بن مسلم).
ويجمعان على (حِسان) ـ بكسر الحاء ـ.
٣ ـ الموثّق
عرّفه الشيخ العاملي في (المعالم ٣٦٧) فقال: (الموثق: وهو ما دخل في طريقه من ليس بإمامي، ولكنه منصوص على توثقه بين الأصحاب).
(ويسمى القوي أيضاً).
وقد يفرق بين الموثق والقوي، بأن يقتصر في إطلاق الموثق على ما ينطبق عليه التعريف المذكور في أعلاه، ويقتصر في إطلاق القوي على الحديث الذي يرويه الامامي الذي لم ينعت في كتب الرجال بمدح أو ذم.
يقول الشهيد الثاني في (الدراية 23 ـ 24): (وقد يطلق القوي على ما يروي الإمامي غير الممدوح ولا المذموم كنوح بن دراج وناجية بن عمارة الصيداوي وأحمد بن عبد الله بن جعفر الحميري وغيرهم، وهم كثيرون).
وعلى أساس من هذا تتخمس الأقسام فتكون كالتالي: الصحيح والحسن والقوي والموثق والضعيف.
لكن المشهور شهرة كبيرة جداً هو التربيع.
وسمي هذا القسم بالموثق من الوثوق بمعنى الائتمان حين أؤتمن هذا الراوي على روايته الحديث.
ومن هنا نص أصحابنا على أن يكون الراوي غير الامامي الموثق موثقا ومؤتمنا على روايته الحديث من قبل علمائنا لا في مذهبه.
وجمعه منحصر ـ في لغة الفقهاء ـ بالمؤنث حيث يقولون ـ دائماً ـ (الموثقات).
٤ ـ الضعيف
وعرفوه بأنه الذي لا تجتمع فيه شروط أحد الأقسام الثلاثة المتقدمة.
وذلك بأن يشتمل سنده على راو مضعف أو مجهول الحال.
ومؤنثه (ضعيفة)، ويجمعان على (ضعاف) ـ بكسر الضاد ـ.
وتسمى هذه الأقسام الأربعة (أصول الحديث) لان جميع الأقسام الأخرى ترجع إليها من حيث التقييم، إذ لا بد أن تكون واحدا من هذه الأقسام.
وبغية أن نتبين معاني هذه الأقسام أكثر، نقوم بتوضيح المفاهيم الركائز التي قامت عليها، وهي:
١ ـ التعديل.
٢ ـ التحسين.
٣ ـ التوثيق.
٤ ـ التضعيف.
التعديل
اختلفوا ـ هنا ـ في مفهوم العدالة على قولين:
١ ـ العدالة هي الاستقامة في السلوك بالاتيان بالواجبات الشرعية وترك المحرمات الشرعية.
أو كما يعرفها المشهور بـ (أنها عبارة عن ملكة نفسانية راسخة باعثة على ملازمة التقوى وترك ارتكاب الكبائر وعدم الاصرار على الصغائر، وترك ارتكاب منافيات المروءة التي يكشف ارتكابها عن قلة المبالاة بالدين بحيث لا يوثق منه التحرز عن الذنوب)([38]).
هذا هو التعريف الفقهي للعدالة والذي رتبت عليه الآثار الشرعية، أمثال قبول الشهادة وجواز التقليد.
وقد سُرّي مفعوله إلى هنا، فأريد من عدالة الراوي العدالة بالمعنى المذكور.
وإلى هذا ذهب جمهور علماء الحديث تبعا لعلماء الفقه.
٢ ـ العدالة هي الوثاقة في نقل الحديث:
وإليه ذهب الشيخ الطوسي، كمصطلح خاص أفاده من واقع تعامل العلماء في قبولهم الروايات أو رفضها، وتصديقهم الرواة أو تكذيبهم.
قال: (فأما من كان مخطئاً في بعض الأفعال أو فاسقا بأفعال الجوارح، وكان ثقة في روايته، متحرزاً فيها، فإن ذلك لا يوجب رد خبره، ويجوز العمل به، لأن العدالة المطلوبة في الرواية حاصلة فيه.
وإنما الفسق بأفعال الجوارح يمنع من قبول شهادته، وليس بمانع من قبول خبره، ولأجل ذلك قبلت الطائفة أخبار جماعة هذه صفتهم)([39]).
ونفى المحقق الحلي وجود هذا الواقع الذي أشار إليه الشيخ الطوسي، وأفاد منه المقصود بعدالة الراوي عند علماء الحديث قال: (المسألة الثانية: عدالة الراوي شرط في العمل بخبره، وقال الشيخ (ره) يكفي كونه ثقة متحرزا عن الكذب في الرواية، وإن كان فاسقا بجوارحه، وادعى عمل الطائفة على أخبار جماعة هذه صفتهم.
ونحن نمنع هذه الدعوى ونطالب بدليلها.
ولو سلمناها لاقتصرنا على المواضع التي عملت فيها بأخبار خاصة ولم يجز التعدي في العمل إلى غيرها.
ودعوى التحرز عن الكذب مع ظهور الفسق مستبعدة إذ الذي يظهر فسوقه لا يوثق بما يظهر من تحرجه عن الكذب)([40]).
وعلق الشيخ حسن العاملي على نقد المحقق الحلي لرأي الشيخ الطوسي بعد نقله له، فقال: (وهذا الكلام جيد، والقول باشتراط العدالة عندي هو الأقرب) ([41])… يعني العدالة بمعناها المشهور.
وناقش الشيخ السبحاني مناقشة المحقق الحلي ـ بعد إشارته إليها ـ بقوله) :والمناقشة في غير محلها، فإن إنكار عمل الطائفة بأخبار غير العدول لا ينطبق على الواقع، ويتضح ذلك لمن مارس الفقه.
وإنكاره من المحقق عجيب جداً)[42])، لأن المحقق خِرِّيت هذه الصناعة، والسابر لمختلف أعماقها وأغوارها، فمن الغريب العجيب أن يفوته وضوح هذا الأمر الجلي.
والذي يظهر لي أن مرجع الخلاف في هذه المسألة هو أن الشيخ الطوسي اعتمد الاستقراء (وهو ملاحظة تعامل الطائفة مع الرواة) دليلاً لما أبداه من رأي.
والاستقراء ـ هنا ـ واضح الدلالة.
وأن القوم اعتمدوا آية النبأ: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات: 6] حيث دلت بمنطوقها على وجوب التبين في قبول خبر الفاسق، وبمفهومها على عدم وجوب التثبت في قبول خبر العادل.
بتقريب أن المراد من الفسق ـ هنا ـ ما يقابل العدالة بمعناها عند الفقهاء.
ونحن إذا حاولنا أن نلتمس معنى الفاسق في الاستعمال القرآني، وبخاصة أن هذه الكلمة لم تستعمل وصفا للانسان في لغة العرب قبل نزول القرآن الكريم، فقد نقل الراغب الأصفهاني في (المفردات: مادة فسق) عن ابن الأعرابي اللغوي الثقة أنه قال: (لم يسمع الفاسق في وصف الانسان في كلام العرب، وإنما قالوا فسقت الرطبة عن قشرها).
وجاء في (معجم ألفاظ القرآن الكريم: مادة فسق): (من الحسي: فسقت الرطبة من قشرها، إذا خرجت.
وفسق فلان في الدنيا فسقا، اتسع فيها ولم يضيقها على نفسه.
وفسق فلان ماله، إذا أهلكه وأنفقه.
ومنه يمكن إخراج معنى المادة الذي أكسبه إياها الاسلام، فقد نقل أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية في شعر ولا كلام (نثر)، فاسق.
وجاء في الشرع بأن الفسق: الافحاش في الخروج عن طاعة الله.
وعدت الكلمة من الألفاظ الاسلامية التي نقلت عن موضعها إلى موضع آخر، بزيادات زيدت وشرائع شرعت وشرائط شرطت، وهو مثل من التطور اللغوي لدلالة الكلمات.
وبهذا المعنى الاسلامي للفسق استعمل في القرآن مقابلا للإيمان، كفراً {وما يكفر بها إلا الفاسقون} [البقرة: 99]، ونفاقاً {إن المنافقين هم الفاسقون} [التوبة: 67]، وضلالاً {فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون} [الحديد: 26]، وعلى أنواع من العصيان، وبهذا كان الفسق أعم من الكفر).
وهذا يعني أن الكلمة لم تستقر في الاستعمال القرآني على المعنى الشرعي المقابل لمعنى العدالة الذي استفيد من أمثال صحيح عبد الله بن أبي يعفور: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟
فقال (عليه السلام): أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان.
ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله تعالى عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك.
والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه)([43]).
وإنما استقر لفظ (الفاسق) مصطلحا خاصا يعني ما يقابل العادل بعد صدور أمثال صحيحة ابن أبي يعفور، واستفادة الفقهاء منها ما حددوه من معنى العدالة.
فلا نستطيع ـ على هذا ـ أن نحمل لفظ (الفاسق) في الآية الكريمة على المعنى المقابل للعادل.
وفي هديه لا بد من التماس دليل آخر غير الآية الكريمة، وليس هو إلا السيرة الاجتماعية (سيرة العقلاء)، وما يفاد منها في ضوء ملاحظة تعامل الناس حين تلقيهم الأخبار بعضهم عن بعض.
وعلى أساسه نقول: هل المشترط في قبول رواية الحديث هو:
ـ عدالة الراوي.
ـ وثاقة الراوي.
ـ الوثوق بصدور الخبر عن المعصوم.
ولأننا إنما نتعامل مع الخبر لأنه سنة أو حاكٍ عن السنة يكون المطلوب هو الوثوق بصدور الخبر عن المعصوم.
وعدالة الراوي وكذلك وثاقته تكون طريقا لحصول الوثوق بالصدور.
ويؤيد هذا أن خبر الواحد المقترن بما يفيد العلم بصدوره عن المعصوم لم يشترط في رواية أن يكون عادلا أو ثقة،… وما ذلك إلاّ لأن مثل هذا الشرط إنما هو مقدمة لحصول الوثوق بالصدور، فإذا حصل بالصدور بدونه لا نحتاج إليه لأن حصول الوثوق بالصدور هو المطلوب.
ومن هنا نقول: إن (السيرة كما تدل على حجية قول الثقة، كذلك تدل على حجية كل خبر حصل الوثوق بصدوره عن المعصوم، سواء أحرزت وثاقة الراوي أم لم تحرز، بل إحراز وثاقة الراوي مقدمة لحصول الوثوق بصدور الخبر)([44]).
وتعرف عدالة الراوي من ألفاظ التقييم المذكورة في الكتب الرجالية، والتي سنستعرضها بعد قليل.
التحسين
ويراد به ـ هنا ـ أن يفهم من ألفاظ المدح التي يذكرها الرجاليون في تقييم الراوي، بالإضافة إلى أنه إمامي المذهب، ثقة في حديثه.
وبه يلتقي (الحسن) و (الموثق)، ويختلفان في مذهب الراوي حيث اشترط في الحسن أن يكون رواته جميعاً إماميين، وفي الموثق ربما كان الرواة جميعاً غير إماميين، وربما كان بعضهم إمامياً والبعض الآخر غير إمامي.
وفي القسمين لابد من وثاقة الرواة إما عن طريق المدح أو عن طريق التوثيق.
التوثيق
يراد به أن يكون الراوي ثقة في حديثه، وأن يكون توثيقه من قبل علمائنا، لا في مذهبه.
التضعيف
ويراد به أن الراوي لم يبلغ مستوى العدالة، ولا مستوى الوثاقة، إما للجهل بحاله، أو للعلم به بأنه ليس بعادل ولا ثقة، ونص من قبل الرجاليين على هذا.
(ألفاظ التعديل والتوثيق):
هناك ألفاظ خاصة استعملها الرجاليون للدلالة على أن الراوي إمامي عادل أو غير إمامي إلا أنه ثقة، عرفت بينهم بألفاظ التعديل.
وعن طريقها نعرف قيمة الراوي عند إرادتنا تقييم رجال السند.
ذكر منها الشهيد الثاني في (الدراية ٧٥) الألفاظ التالية:
ـ عدل.
ـ ثقة.
ـ حجة.
ـ صحيح الحديث.
ويبدو أن تدوينه قام على أساس أن الألفاظ المذكورة وما يماثلها إذا ذكرت في كتاب رجالي توثقنا على قيمة الراوي من حيث العدالة.
وقد يلاحظ على هذا من ناحية منهجية أن بعض القيم المذكورة أمثال (عدل) و (حجة) لم يرد في فهرستي النجاشي والطوسي.
ويرجع ذلك إلى أنهما كانا يستعملان كلمة (ثقة) للدلالة على ما يعطي معنى عدل أو حجة، وبخاصة إذا تكررت، أو اقترنت بما يفيد هذا، وللدلالة على التوثيق فقط إذا ذكرت تقييما لغير الامامي، كأن يقال: (عامي ثقة) أو (واقفي ثقة) أو (فطحي ثقة)، وكذلك إذا ذكرت تقييما للامامي واقترنت بما يفيد التوثيق لا التعديل.
ومن هنا كان المطلوب منهجيا الرجوع إلى كتب الرجال الأصول، ودراسة ألفاظ التوثيق من خلال تطبيقاتها.
وبالرجوع إلى فهرست النجاشي وفهرست الطوسي استخرجت منهما القائمة التالية:
١ ـ أوثق الناس في الحديث وأثبتهم.
٢ ـ أوثق الناس في حديثه.
٣ ـ أوثق أهل زمانه عند أصحاب الحديث.
٤ ـ أمره في الثقة أشهر من أن يذكر.
٥ ـ ثقة، ثقة، لا يعدل به أحد في جلالته ودينه وورعه.
٦ ـ ثقة، ثقة، ثبت، وجه.
٧ ـ ثقة، جليل، واضح الحديث، حسن الطريقة.
٨ ـ ثقة، ثقة، عين، لا بأس به، ولا شك.
٩ ـ ثقة، ثقة، عين، سديد.
١٠ ـ ثقة، ثقة، عين، مسكون إليه.
١١ ـ ثقة، ثقة، عين.
١٢ ـ ثقة، ثقة، ثبت.
١٣ ـ ثقة، ثقة، صحيح.
١٤ ـ ثقة، ثقة، صحيح الحديث.
١٥ ـ ثقة، ثقة، في الحديث.
١٦ ـ ثقة، ثقة، معتمد على ما يرويه.
١٧ ـ ثقة، ثقة.
١٨ ـ ثقة في حديثه، مسكون إلى روايته، لا يعترض عليه بشئ من الغمز، حسن الطريقة.
١٩ ـ ثقة في حديثه، مسكون إلى روايته.
٢٠ ـ ثقة في الحديث، صحيح الرواية، ثبت، معتمد على ما يرويه.
٢١ ـ ثقة في الحديث، ثبت، معتمد.
٢٢ ـ ثقة، جيد الحديث، نقي الرواية، معتمد عليه.
٢٣ ـ ثقة في حديثه متقن لما يرويه.
٢٤ ـ ثقة في حديثه، مستقيم في دينه.
٢٥ ـ ثقة في حديثه، صدوق.
٢٦ ـ ثقة في حديثه، مأمون.
٢٧ ـ ثقة في حديثه، سالم الجنبة.
٢٨ ـ ثقة في حديثه.
٢٩ ـ ثقة في الحديث.
٣٠ ـ ثقة، سالم فيما يرويه.
٣١ ـ ثقة فيما يرويه.
٣٢ ـ ثقة في روايته.
٣٣ ـ ثقة معتمد عليه.
٣٤ ـ ثقة، وأصله معتمد عليه.
٣٥ ـ ثقة، عين، صحيح الحديث.
٣٦ ـ ثقة، عين، نقي الحديث.
٣٧ ـ ثقة، عين، واضح الرواية.
٣٨ ـ ثقة، عين في الحديث.
٣٩ ـ ثقة، عين، حسن الطريقة.
٤٠ ـ ثقة، عين صحيح الاعتقاد.
٤١ ـ ثقة، عين، صدوق.
٤٢ ـ ثقة، عين.
٤٣ ـ ثقة، صدوق.
٤٤ ـ ثقة، مشهور، صحيح الحديث.
٤٥ ـ ثقة، صحيح الحديث.
٤٦ ـ ثقة، صحيح السماع.
٤٧ ـ ثقة، صحيح الرواية، واضح الطريقة.
٤٨ ـ ثقة، مصدق، لا يطعن عليه.
٤٩ ـ ثقة، عظيم المنزلة في أصحابنا.
٥٠ ـ ثقة، جليل، عظيم القدر.
٥١ ـ ثقة، جليل، لا يطعن عليه بشئ.
٥٢ ـ ثقة، جليل.
٥٣ ـ ثقة، لا يطعن عليه بشئ.
٥٤ ـ ثقة، وجه.
٥٥ ـ ثقة، معول عليه.
٥٦ ـ ثقة، متقدم.
٥٧ ـ ثقة، حسن الطريقة.
٥٨ ـ ثقة، خير.
٥٩ ـ ثقة، مستقيم.
٦٠ ـ ثقة، سليم الجنبة.
٦١ ـ ثقة، سليم.
٦٢ ـ ثقة، صحيح المذهب.
٦٣ ـ ثقة، لا بأس به.
٦٤ ـ من ثقات أصحابنا.
٦٥ ـ موثوق به.
٦٦ ـ ثقة.
وعلى أساس ما مر من الاختلاف في مفهوم العدالة عند علماء الحديث، حيث لم يفرق الطوسي بينها وبين الوثاقة، وفرق الجمهور بينهما فخصصوا الوثاقة بالصدق بالقول، وعمموا العدالة إلى جميع سلوك الانسان الإرادي الاختيار، ولكنهم خصوها بالامامي، وعموا الوثاقة للامامي وغيره.
على أساس من هذه لا فرق في قيمة الراوي عند الشيخ الطوسي بين الامامي وغير الامامي إذا كان كل منهما موثقاً.
فكل هذه الألفاظ ـ على رأيه ـ تصلح لتوثيق أي منهما.
بينما هي (أعني الألفاظ) تنقسم عند الجمهور إلى ما يراد به التعديل، وما يراد به التوثيق.
فما رُكّز على الوثاقة في الحديث، فإنه يعني أن الراوي موثق، ولازمه أن تختص هذه الألفاظ بالتوثيق أي بالقسم الثالث، وهو الموثق.
وما كان منها عاما أي لم يركز فيه على الحديث بالذات فيعني أن الراوي عدل.
وهنا ينبغي أن يلاحظ أن ما دل منها على الوثاقة فقط في الراوي الامامي لا بد أن يدخل ـ على رأي الجمهور ـ في القسم الثاني، وإن ذكروا أن التحسين يعني المدح من غير نص على العدالة، لأن هذا ـ في واقعه ـ لا يعني عدم النص على الوثاقة، لأننا ذكرنا أنه لابد ـ وعلى أقل تقدير ـ من وثاقة الراوي في الروايات الحسان، سواء كانت الوثاقة مستفادة من التحسين (المدح) أو من التوثيق.
ألفاظ خاصة بالتعديل
وهناك ألفاظ خاصة بالتعديل لا ينعت بها إلا من هو إمامي عادل، وهي:
١ ـ جليل القدر عظيم المنزلة عند الأئمة.
٢ ـ جليل من أصحابنا عظيم القدر والمنزلة.
٣ ـ جليل من أصحابنا عظيم المنزلة.
٤ ـ جليل من أصحابنا عظيم القدر.
٥ ـ كبير القدر من خواص الامام.
٦ ـ له جلالة في الدنيا والدين.
٧ ـ من أجلاء الطائفة وفقهائها.
٨ ـ شيخ أصحابنا ومتقدمهم، له منزلة عظيمة.
٩ ـ من وجوه أصحابنا ومحدثيهم وفقهائهم.
١٠ ـ وجه في أصحابنا، متقدم، عظيم المنزلة.
١١ ـ متقدم، عظيم المنزلة.
١٢ ـ عظيم القدر، شريف المنزلة، صحيح العقيدة.
ألفاظ التحسين
أما ألفاظ المدح التي يفاد منها التحسين، فهي:
١ ـ من أجل أصحاب الحديث.
٢ ـ صحيح الحديث، سليم.
٣ ـ صحيح الحديث والمذهب.
٤ ـ صحيح الحديث.
٥ ـ نقي الحديث.
٦ ـ حسن العلم والمعرفة بالحديث.
٧ ـ من حفاظ الحديث.
٨ ـ عين، مسكون إلى روايته.
٩ ـ يسكن إلى روايته.
١٠ ـ سحن الحفظ، صحيح الرواية.
١١ ـ حافظ، حسن الحفظ.
١٢ ـ سليم الاعتقاد، صحيح الرواية.
١٣ ـ متدين، حسن الاعتقاد.
١٤ ـ صحيح المذهب، حسن الاعتقاد.
١٥ ـ إمامي، مستقيم الطريقة.
١٦ ـ مستقيم الطريق، صالح الأمر.
١٧ ـ مشهور الأمر.
١٨ ـ قريب الأمر في الحديث.
١٩ ـ دين، فاضل.
٢٠ ـ لا بأس به.
٢١ ـ وجه في أصحابنا.
٢٢ ـ رجل من أصحابنا.
٢٣ ـ شيخ من أصحابنا.
٢٤ ـ مشهور في أصحابنا.
٢٥ ـ خاص بحديثنا.
٢٦ ـ خاصة الامام.
٢٧ ـ خصيص الامام.
ألفاظ التضعيف
١ ـ كذاب.
٢ ـ كذاب، غال، لا خير فيه، ولا يعتد بروايته.
٣ ـ ضعيف.
٤ ـ ضعيف الحديث، مرتفع القول.
٥ ـ ضعيف جدا، وفي مذهبه ارتفاع.
٦ ـ ضعيف في الحديث، غير معتمد فيه.
٧ ـ ضعيف في حديثه.
٨ ـ ضعيف في حديثه، متهم في دينه.
٩ ـ ضعيف الحديث، فاسد المذهب، مجفو الرواية.
١٠ ـ ضعيف، فاسد الرواية.
١١ ـ ضعيف، مخلط فيما يسنده.
١٢ ـ ضعيف، فاسد المذهب.
١٣ ـ ضعيف، غال.
١٤ ـ ضعيف جدا.
١٥ ـ ضعيف جدا، لا يلتفت إليه.
١٦ ـ ضعيف جدا، فاسد المذهب.
١٧ ـ ضعيف جدا، فاسد الاعتقاد، لا يعتمد في شئ.
١٨ ـ ضعيف جدا، لا يعول عليه، ولا يلتفت إلى ما تفرد به.
١٩ ـ ذكره أصحابنا بالضعف.
٢٠ ـ ضعفه جماعة من أصحابنا.
٢١ ـ ضعفه أصحابنا.
٢٢ ـ غالي المذهب.
٢٣ ـ غال، فاسد المذهب.
٢٤ ـ غال، متهم في دينه.
٢٥ ـ غال، كذاب، فاسد المذهب والحديث.
٢٦ ـ فيه غلو وترفع.
٢٧ ـ رمي بالضعف والغلو.
٢٨ ـ رمي بالغلو، وغمز عليه، ضعيف جدا.
٢٩ ـ مضطرب.
٣٠ ـ مضطرب الأمر.
٣١ ـ مضطرب الحديث.
٣٢ ـ مضطرب الحديث والمذهب.
٣٣ ـ مضطرب الرواية، فاسد المذهب، لا يعبأ به.
٣٤ ـ يعرف وينكر.
٣٥ ـ يعرف وينكر، بين بين.
٣٦ ـ في حديثه بعض الشئ، يعرف وينكر.
٣٧ ـ لم يكن في الحديث بذلك، يعرف منه وينكر.
٣٨ ـ أمره ملبس، يعرف وينكر.
٣٩ ـ مختلط الأمر في الحديث، يعرف منه وينكر.
٤٠ ـ مخلط.
٤١ ـ مختلط الأمر.
٤٢ ـ مختلط الأمر في حديثه.
٤٣ ـ حديثه ليس بالنقي.
٤٤ ـ حديثه ليس بذاك النقي.
٤٥ ـ لم يكن في المذهب والحديث، وإلى الضعف ما هو.
٤٦ ـ فاسد المذهب والرواية.
٤٧ ـ ممن طعن عليه.
٤٨ ـ لم يكن بالمرضي.
٤٩ ـ لم يكن بذاك.
٥٠ ـ ليس بذاك.
٥١ ـ لا يلتفت إلى ما رواه.
٥٢ ـ يصنع الحديث.
هذه هي العبائر التي وقفت عليها في فهرستي النجاشي والطوسي، ولعدم وضوح بعضها نكون بحاجة إلى توضيحها لمعرفة ما يراد بها، وهي:
١ ـ الغلو:
الغلو مصطلح من مصطلحات العقيدة، أخذ من قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم( [المائدة: 77].
خوطب به أهل الكتاب لأن اليهود غلوا في السيد المسيح بحطهم إياه عن منزلته الدينية، ولأن النصارى غلوا فيه فرفعوه فوق منزلته الدينية.
يقول الزمخشري: (غلت اليهود في حط المسيح عن منزلته حيث جعلته مولوداً لغير رشدة([45])، وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلهاً)([46]).
وروى الطبرسي عن الحسن البصري (قال: إن النصارى غلت في المسيح، فقالت: هو ابن الله، وبعضهم قال: هو الله، وبعضهم قال: هو ثالث ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، واليهود غلت فيه حتى قالوا: ولد لغير رشدة، فالغلو لازم للفريقين)([47]).
ومنه يفهم أن الغلو قد يكون بحط الولي عن منزلته، وقد يكون برفعه فوق منزلته أي هو انحراف في الاعتقاد إلى طرف الإفراط أو إلى طرف التفريط.
وبوجود فرقة من الشيعة غلت في أهل البيت (عليهم السلام) فرفعتهم فوق منزلتهم فسموا بـ (الغلاة).
فعندما يقال: (فلان غالٍ) أو أمثال هذه العبارة يراد به أن الراوي من هذه الفرقة.
٢ ـ الارتفاع في القول أو المذهب:
يراد به أن الراوي يعتقد أو يقول ما يرتفع بصفات الامام إلى مستوى الغلو.
وسمي بالارتفاع لأن الغلو على قسمين: غلو بالحط وغلو بالرفع ـ كما تقدم.
٣ ـ الاختلاط:
يراد به كمصطلح حديثي: التساهل في رواية الحديث، فلا يحفظ الراوي الحديث مضبوطاً، ولا ينقله مثلما سمعه، كما أنه (لا يبالي عمن يروي، وممن يأخذ، ويجمع بين الغث والسمين والعاطل والثمين)([48]).
٤ ـ يعرف وينكر:
بالبناء للمفعول فيهما… ذكر في بيان المقصود من العبارة أكثر من معنى، قال الشيخ المامقاني في الفائدة الخامسة من مقدمة كتابه (تنقيح المقال): (إنه قد تكرر من أهل الرجال، سيما ابن الغضائري (ره) في حق جماعة من رجالنا قولهم: (يعرف حديثه وينكر) أو (يعرف تارة وينكر أخرى) وإنا وإن ذكرنا في (مقباس الهداية) ما ذكروه في المراد بالعبارة، إلا أنّا لكثرة وقوعه في كلمات أصحابنا أهمنا شرح الكلام فيه هنا أيضا، فنقول: قد صدر منهم في المراد بالعبارة (أقوال(:
أحدها: أن بعض أحاديثه معروف وبعضها منكر.
وأن المراد بالمنكر ما لا موافق له في مضمونه من الكتاب والسنة، وبالمعروف ما يوافق مضمونه بعض الأدلة.
ثانيها: أن بعض أحاديثه منكر مخالف للأدلة في مضمونه، وبعضها معروف له موافق فيها.
وهذا يقرب من سابقه.
ثالثها: أن المراد بالمنكر الأعاجيب على حد ما قاله الشيخ (ره) في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك([49])، ويقابله قوله (يعرف).
رابعها: أن المراد أنه يقبل تارة ولا يقبل أخرى.
خامسها: أن المراد به أنه يعرف معنى حديثه، وينكر بمعنى أنه مضطرب الألفاظ… وقد اختار هذا التفسير بعضهم حيث قال: إن الظاهر من قول ابن الغضائري: (يعرف وينكر) اضطراب الحديث.
سادسها: أن قوله (يعرف وينكر) تفسير لقوله (مختلط)، ومعنى اختلاف الحديث أنه لا يحفظه على وجهه.
٥ ـ الاختلاف في المذهب:
من الأسباب التي توجب التوقف عن الأخذ برواية الراوي الاختلاف في المذهب، إلا إذا نص على توثيقه من قبل علمائنا.
درجات القوة والضعف
تختلف مراتب أو درجات القوة في الأقسام الثلاثة: الصحيح والحسن والموثق.
وكذلك تختلف درجات الضعف في الحديث الضعيف.
يقول الشهيد الثاني في (الدارية 24 ـ 25): ودرجاته (يعني الضعيف) في الضعف متفاوتة بحسب بعده عن شروط الصحة، فكلما بعد بعض رجاله عنها كان أقوى في الضعف، وكذا ما كثر فيه الرواة المجروحون بالنسبة إلى ما قل فيه.
كما تتفاوت درجات الصحيح وأخويه والحسن والموثق بحسب تمكنه من أوصافها.
فما رواه الإمامي الثقة الفقيه الورع الضابط كابن أبي عمير أصح مما رواه من نقص في بعض الأوصاف منه.
وهكذا إلى أن ينتهي إلى أقل مراتبه.
وكذلك ما رواه الممدوح كثيراً كإبراهيم بن هاشم أحسن مما رواه من هو دونه في المدح.
وهكذا إلى أن يتحقق مسماه.
وكذا القول في الموثق، فإن ما كان في طريقه مثل علي بن فضال، وأبان بن عثمان، أقوى من غيره.
وهكذا.
ويستفاد من هذا في مجال التعارض بين الخبرين.
أقسام الضعيف
أشرنا من خلال الجدول البياني المتقدم إلى أن الحديث الضعيف ينقسم إلى: مقبول ومردود.
والآن حيث جاء دور دراستهما نقول: عرّفوا:
١ ـ المقبول: بأنه الحديث الضعيف الذي تلقاه الفقهاء بالقبول، وعملوا بمضمونه.
أي أن الفقهاء يعتمدونه دليلا في الاستنباط، ويفتون وفق مدلوله.
وقد يؤنث باعتبار الرواية فيقال: (مقبولة).
ومثاله:
مقبولة عمر بن حنظلة العجلي الكوفية، الواردة في النهي عن التقاضي عند القضاة الرسميين المنصوبين من قبل الحاكم العباسي، ولزوم الترافع إلى فقهاء الإمامية.
وممن رواها الحر العاملي في (الوسائل 18/75، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي) بإسناده عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة، قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟… إلخ).
وضعفُ هذه الرواية آتٍ من وجود (محمد بن عيسى) و (داود بن الحصين( في سندها.
ضعّفهما الشهيد الثاني في (الدراية ٤٤) قال: (وإنما وسموه (يعني حديث ابن حنظلة المذكور) بالمقبول لأن في طريقه محمد بن عيسى وداود بن الحصين، وهما ضعيفان).
يضاف إليه أن عمر بن حنظلة لم ينص الأصحاب فيه بجرح أو تعديل.
ولكن لأنها قبلت من قبل الفقهاء، وعملوا بمضمونها في موضوع القضاء من الفقه، وفي موضوع الترجيح بين الخبرين المتعارضين من أصول الفقه، سميت بالمقبولة، ودخلت ضمن الأحاديث المعتبرة.
يقول الشهيد الثاني: (ومع ما ترى في هذا الإسناد (يعني إسناد المقبول المذكور) قد قبل الأصحاب متنه، وعملوا بمضمونه، بل جعلوه عمدة التفقه، واستنبطوا منه شرائطه كلها، وسموه مقبولا، ومثله في تضاعيف أحاديث الفقه كثير)([50]).
٢ ـ المردود: وهو الحديث الضعيف الذي رده العلماء ومنعوا من الرجوع إليه والعمل به لعدم وجود ما يساعد على جبر ضعفه.
ومن أوضح وأظهر مصاديقه:
الحديث الموضوع
تعريفه
الحديث الموضوع: هو المكذوب، المختلق، المصنوع.
والتسمية مأخوذة من الوضع بمعنى الاختلاق، يقال: وضع الرجل الحديث: افتراه وكذبه واختلقه([51]).
والوثيقة العلمية التي رواها الكليني بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ والتي نقلنا نصها عند حديثنا عن نشأة الحديث ـ صريحة في أن وضع الحديث كان على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
ويبدو أنه شكّل آنذاك ظاهرة تشبه المشكلة، مما دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يكافحها وبكل قوة، وذلك لما قد ينجم عن الوضع مع خطر على العقيدة والتشريع والمجتمع.
فقد جاء فيها: (وقد كُذِبَ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على عهده حتى قام خطيبا فقال: (يا أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) ثم كذب عليه من بعده).
عوامل الوضع
يمكننا أن نلخص عوامل وضع الحديث بالتالي:
١ ـ العامل السياسي.
٢ ـ العامل الديني.
٣ ـ العامل المذهبي.
٤ ـ العامل الاعلامي.
٥ ـ العامل الاجتماعي.
٦ ـ العامل الاقتصادي.
٧ ـ العامل الشخصي.
١ ـ العامل السياسي
وتمثل هذا بشكل واضح في أعمال معاوية بن أبي سفيان التي قام بها من أجل توطيد أركان دولته… وكان منها اختلاق الحديث.
ذلك أن معاوية عندما أسلم يوم فتح مكة أسلم لا عن طواعية، وإنما هو الأمر الواقع الذي استسلم له آل أمية.
فليس أمامهم لاسترجاع سيادتهم الجاهلية إلا أن يسايروا هذا الواقع الجديد الذي سلبهم تلك السيادة الجاهلية ليحققوا هدفهم في استرجاعها عن طريق هذه المسايرة.
وكان أول نفوذ لهم إلى ذلك، أيام أبي بكر حينما ولى يزيد بن أبي سفيان أمرة أحد جيوش الفتوح، وهو الجيش الذي وجهه الخليفة لفتح دمشق.
ثم لما ولاّه عمر بن الخطاب ولاية دمشق، وولى أخاه معاوية ولاية ما والاها من بلاد الشام.
ولما مات يزيد بن أبي سفيان أضاف عمر ولاية دمشق إلى معاوية.
ولما ولي عثمان بن عفان ولى معاوية ولاية الشام كلها.
وبعد مقتل عثمان استقل معاوية بولايته، وخرج عن طاعة الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب، وشق عصا جماعة المسلمين، بما أحدثه من فتنة الحرب بين أهل العراق وأهل الشام.
ولما استتب له أمر السلطة بعد مقتل علي (عليه السلام) (تحولت الخلافة إلى ملك آل إلى صاحبه بقوة السيف والسياسة والمكايد)([52]).
ولأن معاوية كان يعلم أن لا أهلية شرعية له للخلافة لأنه من الطلقاء.
وقد أسمعه هذا غير واحد من الصحابة والتابعين بما يجسد رأيهم فيه، وموقفهم منه.
روى المسعودي في (مروج الذهب 3/40ـ41) قال: (حدّث منصور بن وحشي عن أبي الفياض عبد الله بن محمد الهاشمي عن الوليد بن البختري العبسي عن الحارث بن مسمار البهراني قال: حبس معاوية صعصعة بن صوحان العبدي وعبد الله بن الكواء اليشكري ورجالا من أصحاب علي مع رجال من قريش، فدخل عليهم معاوية يوما، فقال: نشدتكم بالله إلا ما قلتم حقا وصدقا، أي الخلفاء رأيتموني؟!… ثم تكلم صعصعة فقال: تكلمت يا ابن أبي سفيان فأبلغت، ولم تقصر عما أردت، وليس الأمر على ما ذكرت، أنّى يكون الخليفة مَن ملك الناس قهراً، ودانهم كبراً، واستولى بأسباب الباطل كذباً ومكراً!.
أما والله ما لك في يوم بدر مضرب ولا مرمى، وما كنت فيه إلا كما قال القائل: (لا حلي ولا سيري).
ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير ممن أجلب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
وإنما أنت طليق وابن طليق، أطلقكما رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأنى تصلح الخلافة لطليق؟!
فقال معاوية: لولا أني أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول:
قابلت جهلهم حلما ومغفرة
والعفو عن قدرة ضرب من الكرم
لقتلتكم).
وفي كتاب علي إلى معاوية الذي يدعوه فيه إلى بيعته بيان آخر في أن الطلقاء لا تحل لهم الخلافة، قال (عليه السلام): (أما بعد: فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنه بايعني القوم الذين بايعوا (أبا بكر) و (عمر) و (عثمان) على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك رضا، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة، ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، ويصليه جهنم وساءت مصيراً.
وإن (طلحة) و (الزبير) بايعاني، ثم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردهما، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق، وظهر أمر الله وهم كارهون.
فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب الأمور إلي فيك العافية، إلا أن تتعرض للبلاء، فإن تعرضت له قاتلتك، واستعنت الله عليك.
وقد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إلي أحملك واياهم على كتاب الله.
فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن.
ولعمري، لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان.
وأعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا تعرض فيهم الشورى.
وقد أرسلت إليك وإلى من قبلك (جرير بن عبد الله)، وهو من أهل الإيمان والهجرة، فبايع، ولا قوة إلا بالله)([53]).
وفي (مقال عبد الرحمن بن غنم الأشعري لأبي هريرة وأبي الدرداء عندما أرسلهما معاوية إلى علي: (أي مدخل لمعاوية في الشورى! وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة، وهو وأبوه من رؤوس الأحزاب، وكيف يستقر له الأمر بعد قول عمر: (هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أحل أحد، ثم في كذا وكذا، وليس فيها لطليق، ولا لولد طليق، ولا لمسلمة الفتح)([54]).
)وقال له شعبة بن غريض: إنك ميت الحق في الجاهلية، وميته الاسلام، أما في الجاهلية فقاتلت النبي والوحي حتى جعل الله كيدك المردود، وأما في الاسلام فمنعت ولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الخلافة، وما أنت وهي؟! وأنت طليق ابن طليق)([55]).
فما كان منه (أعني معاوية) إلا أن اتجه وجهة اختلاق الأحاديث التي تؤيد ملكه وحكمه، فاستقطب ذوي النفوس المريضة من المرتزقة، والآخرين الذين يريدون الكيد للاسلام والمسلمين، فوضعوا له الأحاديث في هذا.
ومن هذا الذي وضعوه: أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (سيليكم بعدي البر ببره، ويليكم الفاجر بفجوره، فاسمعوا وأطيعوا في كل ما وافق الحق، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم)([56]).
وظلال الصنعة على هذا الحديث واضحة، وهي أنه اختلق ليلغي عنصر العدالة المطلوب توافره من ناحية شرعية في الخليقة، وليلغي وجوب الوقوف بوجه الحاكم الجائر حتى يعود إلى الاستقامة وتعود إلى النظام عدالته الاجتماعية.
ومع هذا كان أمام معاوية وتحقيق هدفه من تحويل الخلافة إلى ملك عضوض تتناوب على عرشه رجال أمية عقبة صلدة، تلك هي إيمان المسلمين بأن الخلافة لعلي وآله، فانبرى وبكل ما أوتي من حول لتذليل هذه العقبة.
(روى المدائني في كتاب الأحداث، وقال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: (أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب، وأهل بيته).
وكان أشد البلاء حينئذ أهل الكوفة.
وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.
وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه، وأهل ولايته، والذين يروون فضائله، ومناقبه، فأدنوا مجالسهم، وقربوهم، وأكرموهم، واكتبوا إلي بكل ما يروي كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه، وعشيرته.
ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعث إليهم معاوية من الصلات، والكساء، والحباء، والقطايع، ويفيضه في العرب منهم والموالي.
فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة، إلا كتب اسمه وقربه وشفعه.
فلبثوا بذلك حيناً.
ثم كتب إلى عماله: أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر، وفي كل وجه، وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة، والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي، وأقر إلى عيني، وأدحض لحجة أبي تراب، وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان، وفضله.
فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها.
وجرى الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر.
وأُلقي إلى معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم، وغلمانهم، من ذلك الكثير الواسع، حتى رووه، وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم، ونساءهم، وخدمهم، وحشمهم.
فلبثوا بذلك إلى ما شاء الله.
فظهرت أحاديث كثيرة موضوعة، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة)([57]).
وقال ابن عرفة: (إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم) ([58]).
ومن هذا ما أشار إليه ابن أبي الحديد في كتابه (شرح نهج البلاغة 1/358 الطبعة المصرية القديمة) قال: وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي: أن معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه.
منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: عروة بن الزبير.
روى الزهري أن عروة بن الزبير حدثه، قال: حدثتني عائشة، قالت: ـ كنت عند رسول الله إذ أقبل العباس وعلي: يا عائشة إن هذين يموتان على غير ملتي، أو قال: ديني.
وروى عبد الرزاق عن معمر، قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في علي (عليه السلام)، فسألته عنهما يوما، فقال: ما تصنع بهما، وبحديثهما، الله أعلم بهما، إني لأتهمهما في بني هاشم.
قال (أبو جعفر): فأما الحديث الأول فقد ذكرناه، وأما الحديث الثاني فهو أن عروة زعم أن عائشة حدثته، قالت: كنت عند النبي (صلّى الله عليه وآله) إذ أقبل العباس وعلي، فقال: يا عائشة، إن سرك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا، فنظرت فإذا العباس وعلي بن أبي طالب.
وأما عمرو بن العاص فروى فيه الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مسندا متصلا بعمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين.
وأما أبو هريرة فروى عنه الحديث الذي معناه أن عليا (عليه السلام) خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأسخطه، فخطب على المنبر، وقال: لا والله، لا تجتمع ابنة ولي الله وابنة عدو الله أبي جهل، إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي، وليفعل ما يريد، أو كلاما هذا معناه.
والحديث مشهور من رواية الكرابيسي.
قلت: هذا الحديث أيضاً مخرج في صحيحي مسلم والبخاري عن المسور بن مخرمة الزهري، وقد ذكره المرتضى في كتابه المسمى (تنزيه الأنبياء والأئمة)، وذكر أنه رواية حسين الكاربيسي وأنه مشهور بالانحراف عن أهل البيت (عليه السلام)، وبعداوتهم والمناصبة لهم، فلا تقبل روايته.
ولشياع هذا الخبر وانتشاره ذكره مروان بن أبي حفصة في قصيدة يمدح بها الرشيد، ويذكر فيها ولد فاطمة (عليهم السلام)، وينحى عليهم، ويذمهم، وقد بالغ حين ذم عليا (عليه السلام) وناله منه) وأولها:
سلام على جمل وهيهات من جمل
ويا حبذا جمل وإن صرمت حبلي
يقول فيها:
وساء رسول الله إذ ساء بنته
بخطبته بنت اللعين أبي جهل
فذم رسول الله صهر أبيكم
على منبر بالنطق ذي الصادع الفصل
… قال أبو جعفر: وروى الأعمش، قال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة، جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مراراً، وقال: يا أهل العراق، أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله، وأحرق نفسي بالنار، والله لقد سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: إن لكل نبي حرما وان حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها.
فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه، وولاه إمارة المدينة.
قال أبو جعفر: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا، غير مرضي الرواية، ضربه عمر بالدرة، وقال: قد أكثرت من الرواية وأحرِ بك أن تكون كاذبا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
وروى سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم التيمي، قال: كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلا ما كان من ذكر جنة أو نار.
وروى أبو أسامة عن الأعمش قال: كان إبراهيم صحيح الحديث، فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه، فأتيته يوما بأحاديث من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، فقال: دعني من أبي هريرة، انهم كانوا يتركون كثيرا من حديثه.
وقد روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: ألا إن أكذب الناس، أو قال: أكذب الأحياء على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبو هريرة الدوسي.
وروى أبو يوسف، قال: قلت لأبي حنيفة: الخبر يجئ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يخالف قياسنا ما تصنع به؟، قال: إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي، فقلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر؟، فقال: ناهيك بهما، فقلت: علي وعثمان؟ قال: كذلك،…. فلما رآني أعد الصحابة، فقال: والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالاً، ثم عد منهم أبا هريرة وأنس بن مالك.
وروى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمر بن عبد الغفار: أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية وكان يجلس بالعشيات بباب كندة ويجلس الناس إليه، فجاء شاب من الكوفة فجلس إليه، فقال: يا أبا هريرة أنشدك الله أسمعت من سول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول لعلي بن أبي طالب: (اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه)، فقال: اللهم نعم، قال: فأشهد بالله لقد واليت عدوه وعاديت وليه، ثم قام عنه.
وليس لنا إلا أن نعلق هنا بأن فتح باب الوضع رسميا ـ كما رأينا ـ قد أساء للفكر والعقيدة والتشريع أيما إساءة، ولا يزال المفعول يلقى بجرانه على كواهل المسلمين، وبتبعاته على رقابهم، فلوث وشوه وأعاب.
٢ ـ العامل الديني
وأقصد بالعامل الديني ـ هنا ـ السبب الذي دفع أبناء الأديان الأخرى لوضع الأحاديث كيدا للإسلام وانتقاماً من المسلمين.
وأظهر مظاهر هذا ما عرف في المحدثين والفقهاء بـ (الإسرائيليات)، و (الغلو)… الإسرائيليات التي جاءتنا عن طريق اليهود في أحاديث موضوعة، و (الغلو) الذي وصل إلينا عن طريق النصارى في أحاديث موضوعة أيضاً.
فعندما انبثق نور الاسلام في الحجاز، وتركز في المدينة المنورة، واتخذ منها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عاصمة الدولة الاسلامية عمل المسلمون على إجلاء اليهود منها، فانتقلوا إلى الشام، وبعض منهم إلى العراق.
وكان في ذلك الوقت عدد غير قليل منهم في اليمن، فأراد هؤلاء اليمنيون أن يثأروا ليهود الحجاز، فأخذوا يفدون من اليمن إلى المدينة المنورة متظاهرين باعتناقهم الاسلام.
وكان من أبرز من وفد من يهود اليمن:
١ ـ كعب الأحبار:
وكان من أكابر علماء اليهود في اليمن، ويقال: إنه أسلم في زمن أبي بكر، وقدم المدينة في أيام عمر.
٢ ـ وهب بن منبه:
وكان من أكابر علماء اليهود بأساطير الأولين، ولا سيما الإسرائيليات.
نَفَذَ هؤلاء اليهود لتحقيق مآربهم عن طريق استغلال الخلافات الفكرية التي تقع بين المسلمين بدس وتسريب فكرهم الإسرائيلي مغلفا بأحاديث مختلقة.
وقد تمثلت هذه الإسرائيليات أكثر ما تمثلت في أحاديث التجسيم.
والتجسيم ـ كما هو معلوم ـ من الفكر اليهودي، ويتردد صداه في التوراة المحرفة بشكل جلي.
وانبثت هذه الأحاديث في حديث أهل السنة، ودخلت أقدس كتبهم في الحديث، وهي (الصحاح).
وإليك أمثلة منها:
جاء في كتاب (أبو هريرة) للشيخ محمود أبو رية ص ٢٤٤ تحت عنوان )أمثلة مما رواه أبو هريرة) ما يلي:
أخرج البخاري ومسلم عنه أنه قال: جاء ملك الموت إلى موسى، فقال له: أجب ربك، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ففقأ عيني، فرد الله إليه عينه، وقال: أرجع إلى عبدي فقل له: إن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما توارت بيدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة.
وقد أورد الثعالبي في كتابه (المضاف والمنسوب) هذا الحديث تحت عنوان (لطمة موسى)، وقال عنه إنه من أساطير الأولين، وان ملك الموت هذا أعور، حتى قيل فيه:
يا ملك الموت لقيت منكراً
لطمة موسى تركتك أعورا
وختم قوله بهذه العبارة: وأنا برئ من هذه الحكاية.
ومن العجيب أن يصف الثعالبي هذا الحديث بأنه من أساطير الأولين بعد أن رواه البخاري ومسلم، مما يدل على أن هذين الكتابين لم يكن لهما في القرون الأولى الاسلامية تلك القداسة التي جعلت لهما بعد ذلك، والثعالبي ـ كما هو معروف ـ قد مات في سنة ٤٢٩هـ.
(وأخرج البخاري ومسلم عنه: قال النبي (صلّى الله عليه وآله): تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطتهم، قال الله تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله، فتقول: قط قط، فهناك تمتلئ، ويزوي بعضها إلى بعض).
(وروى الشيخان عنه: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير، يقول: من يدعوني فأستجيب له).
(وأخرج الشيخان عنه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً، وزاد أحمد عن أبي هريرة: في سبعة أذرع عرضاً.
وهذا الحديث هو نفس الفقرة السابعة والعشرين من الإصحاح الأول من سفر التكوين (العهد القديم)، وإليك نصها: فخلق الله الانسان على صورة الله، على صورة الله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم).
ونحن إذا علمنا أن أبا هريرة كان من أبرز تلامذة كعب الأحبار أدركنا مصدر هذه الروايات.
قال أبو رية: (ما كاد أبو هريرة يرجع إلى المدينة معزولا عن ولايته بالبحرين حتى تلقفه الحبر الأكبر كعب الأحبار اليهودي، وأخذ يلقنه من إسرائيلياته، ويدس له من خرافاته.
وكان المسلمون يرجعون إليه فيما يجهلون، وبخاصة بعد أن قال لقيس بن خرشة هذه الأكذوبة: (ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزلت على موسى ما يكون عليه، وما يخرج منه).
ومن أجل ذلك هرع أبو هريرة إليه، ليأخذ منه، ويتتلمذ عليه، وسال سيل روايتهما، ولا سيما بعد أن خلا الجو لهما، بموت عمر واختفاء درته)([59]).
وقام بمثل هذا الدور في صفوف الشيعة من عرفوا بالغلاة، فاستغلوا تقديس الشيعة لأهل البيت (عليهم السلام)، فوضعوا أحاديث في رفعهم فوق منزلتهم.
ومن أشهر من قام ببث أحاديث الغلو بين الشيعة وفي كتب الحديث الشيعية:
١ ـ المغيرة بن سعيد، المعاصر للإمام الباقر (عليه السلام).
روى الكشي بإسناده عن محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس عن هشام بن الحكم: أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي، ثم يدفعها إلى أصحابه، فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكل ما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم)([60]).
٢ ـ محمد بن مقلاص الأسدي الكوفي الأجدع، المعروف بمحمد بن أبي زينب والمشهور بأبي الخطاب، تلميذ المغيرة بن سعيد.
(كان من أصحاب الصادق (عليه السلام)، مستقيما في أول أمره، وقال علي بن عقبة: كان أبو الخطاب قبل أن يفسد، يحمل المسائل لأصحابنا، ويجئ بجواباتها، كذا في باب فضل التجارة من (الكافي)، ثم ادعى القبائح، وما يستوجب الطرد واللعن، من دعوى النبوة وغيرها، وجمع معه بعض الأشقياء، فاطلع الناس على مقالاتهم، فقتلوه مع تابعيه.
والخطابية منسوبون إليه، عليه وعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وفي (إكمال الدين) في التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان ـ عجل الله فرجه ـ: أما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع فملعون، وأصحابه معلونون، فلا تجالس أهل مقالتهم، فإني برئ وآبائي (عليهم السلام) منهم برئاء)([61]).
وكان ما نشروه من غلو في أهل البيت (عليهم السلام) غلو ارتفاع، فنسبوا إليهم أنهم آلهة، ونسبوا إليهم أنهم أنبياء، ونسبوا إليهم أنهم يعلمون الغيب علما لدنيا (ذاتياً)، ونسبوا إليهم أنهم يعلمون بكل ما في الكون.
وقالوا: إن معرفة الامام تسقط التكليف الشرعي.
وهذه ـ كما تراها ـ لا تعدو أن تكون صدى من أصداء الفكر المسيحي الموجود في الأناجيل المحرفة.
وبخاصة إذا علمنا أن الذين نشروا هذه الأفكار أمثال المغيرة بن سعيد وتلميذه أبي الخطاب وأتباعهما هم من أهل الكوفة،… والكوفة ـ كما هو معروف تاريخيا ـ قامت على أنقاض الحيرة وحلت محلها حاضرة للعراق الغربي.
وفي الحيرة اجتمع على النصرانية قبائل شتى من العرب، وفي أطرافها كانت أديرة الرهبان السريان تنتشر هنا وهناك.
وكان المسلمون في الكوفة يلتقون هؤلاء، وربما تظاهر بعضهم بالاسلام للكيد والوقيعة.
وكما نشر اليهود أفكارهم في المدينة عن طريق سرد الحكايات ونقل الأساطير، فعل مثلهم النصارى في الكوفة، فنشروا أفكار الغلو، ودعموها بالأحاديث المصنوعة.
وقد وقف منهم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) موقف الطرد لهم والشجب لأفكارهم، ورفضها رفضاً باتاً، وتحريم الاعتقاد بها تحريما قاطعا.
ووقفوا من حديثهم موقف الرفض له، والتحذير من روايته، ومنعها منعاً باتاً.
يقول القاضي النعمان في كتابه (دعائم الاسلام 1/48ـ50): (فأما ذكرُ من ضل وهلك من أهل هذا الأمر (يعني الغلو) فكثير، يطول ويخرج عن حد هذا الكتاب، ولكن لا بد من ذكر نكت من ذلك).
فمن ذلك: ما روينا عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن قوما من أصحابه، وممن كان قد بايعه وتولاه ودان بإمامته، مرقوا عنه، ونكثوا عليه، وقسطوا فيه فقاتلهم أجمعين، فهزم الناكثين، وقتل المارقين، وجاهد القاسطين، وقتلهم، وتبرأوا منه، وبرئ منهم.
وإن قوماً غلوا فيه لما استدعاهم الشيطان بدواعيه، فقالوا: هو النبي، وإنما غلط جبرئيل فيه، وإليه كان أرسل فأتى محمدا (صلّى الله عليه وآله).
فيا لها من عقول ناقصة، وأنفس خاسرة، وآراء واهية، ولو أن أحدهم بعث رسولا بصاع من تمر إلى رجل، فأعطاه غيره، لما استجاز فعله، ولعوض المرسل إليه مكانه، أو استرده إليه ممن قبضه، فكيف يظنون مثل هذا الظن الفاسد برب العالمين، وبجبرئيل الروح الأمين، وهو ينزل أيام حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالوحي إليه، وبالقرآن الذي أنزل عليه، ثم يقولون هذا القول العظيم، ويفترون مثل هذا الافتراء المبين، بما سول لهم الشيطان، وزين لهم من البهتان والعدوان.
وزعم آخرون منهم أن عليا (عليه السلام) في السحاب، رقاعةً منهم وكذباً لا يخفى عن ذوي الألباب.
وأتاه (عليه السلام) قوم غلو فيه ممن قدمنا وصفهم واستزلال الشيطان إياهم، فقالوا: أنت إلهنا وخالقنا ورازقنا، ومنك مبدؤنا، وإليك معادنا، فتغير وجهه (عليه السلام)، وارفضّ عرقا، وارتعد كالسعفة، تعظيما لجلال الله ـ عز جلاله ـ، وخوفا منه، وثار مغضباً،) ونادى بمن حوله، وأمرهم بحفير فحفر، وقال: لأشبعنكم اليوم لحماً وشحماً، فلما علموا أنه قاتلهم، قالوا: لئن قتلتنا فأنت تحيينا، فاستتابهم، فأصروا على ما هم عليه، فأمر بضرب أعناقهم، وأضرم نارا في ذلك الحفير، فأحرقهم فيه.
وهذا من مشهور الأخبار عنه (عليه السلام).
وكان في أعصار الأئمة من ولده مثل ذلك، ما يطول الخبر بذكرهم، كالمغيرة بن سعيد ـ لعنه الله ـ، وكان من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) ودعاته، فاستزله الشيطان، فكفر وادعى النبوة، وزعم أنه يحيي الموتى، وزعم أن أبا جعفر (عليه السلام) إله، تعالى الله رب العالمين، وزعم أنه بعثه رسولا وتابعه على قوله كثير من أصحابه، سموا (المغيرية) باسمه.
وبلغ ذلك أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام)، ولم يكن له سلطان كما كان لعلي، فيقتلهم كما قتل علي (عليه السلام) الذين ألحدوا فيه، فلعن أبو جعفر المغيرة وأصحابه، وتبرأ منه ومن قوله ومن أصحابه، وكتب إلى جماعة أوليائه وشيعته، وأمرهم برفضهم والبراءة إلى الله منهم ولعنِهِ ولعنِهم، ففعلوا، فسماهم (المغيرية الرافضة) لرفضهم إياه، وقبولهم ما قال المغيرة لعنه الله.
وكانت بينه وبينهم وبين أصحابه مناظرة وخصومة واحتجاج، يطول ذكرها.
واستحل المغيرة وأصحابه المحارم كلها وأباحوها، وعطلوا الشرائع وتركوها، وانسلخوا من الاسلام جملة، وبانوا من جميع شيعة الحق كافة واتباع الأئمة، وأشهر أبو جعفر محمد بن علي (عليه السلام) لعنهم والبراءة منهم.
ثم كان أبو الخطاب في عصر جعفر بن محمد (عليه السلام) من أجل دعاته، فأصابه ما أصاب المغيرة، فكفر، وادعى أيضاً النبوة، وزعم أن جعفر بن محمد (عليه السلام) إله، تعالى الله عن قوله، واستحل المحارم كلها، ورخص فيها.
وكان أصحابه كلما ثقل عليهم أداء فريضة، أتوه وقالوا: يا أبا الخطاب، خفف علينا، فيأمرهم بتركها، حتى تركوا جميع الفرائض، واستحلوا جميع المحارم، وارتكبوا المحظورات، وأباح لهم أن يشهد بعضهم لبعض بالزور، وقال: من عرف الإمام فقد حل له كل شئ كان حرم عليه.
فبلغ أمره جعفر بن محمد (عليه السلام) فلم يقدر عليه بأكثر من أن لعنه وتبرأ منه، وجمع أصحابه فعرفهم ذلك، وكتب إلى البلدان بالبراءة منه واللعنة عليه.
وكان ذلك أكثر ما أمكنه فيه، وعظم ذلك على أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام)، واستفظعه واستهاله).
ومن الوثائق الروائية التي تعرف عن موقف الأئمة من هؤلاء الغلاة وغلوهم ما يلي:
ـ عن ابن مسكان، عمن حدثه من أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: لعن الله المغيرة بن سعيد إنه كان يكذب على أبي، فأذاقه حر الحديد، لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا، وإليه مآبنا ومعادنا، وبيده نواصينا.
ـ عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن: أن بعض أصحابنا سأله، وأنا حاضر، فقال له: يا أبا محمد، ما أشدّك في الحديث، وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على رد الأحاديث؟… فقال: حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد لعنه الله دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله، ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله)، فإنا إذا حدثنا قلنا: قال الله عز وجل، وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله)…).
ـ عن عبد الرحمن بن كثير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) يوما لأصحابه: لعن الله المغيرة بن سعيد، ولعن الله يهودية كان يختلف إليها يتعلم منها السحر والشعبذة والمخاريق.
إن المغيرة كذب على أبي، فسلبه الله الإيمان.
وإن قوماً كذبوا عليّ، ما لهم أذاقهم الله حر الحديد.
فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع، إن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله من حجة، ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون ومقبورون ومنشرون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون.
وَيْلهم، ما لهم، لعنهم الله، لقد آذوا الله، وآذوا رسوله (صلّى الله عليه وآله) في قبره، وأمير المؤمنين، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي ـ (عليهم السلام) ـ.
وها أنا ذا بين أظهركم، لحم رسول الله، وجلد رسول الله، أبيت على فراشي خائفا وجلا مرعوبا، يأمنون وأفزع، وينامون على فرشهم وأنا خائف ساهر وجل، وأتقلقل بين الجبال والبراري.
أبرأ إلى الله مما قال فيَّ، الأجدع البراد، عند بني أسد أبو الخطاب لعنه الله.
والله لو ابتلوا بنا وأمرناهم بذلك، لكان الواجب أن لا تقبلوه، فكيف وهم يروني خائفا وجلا؟!
أستعدي الله عليهم، وأتبرأ إلى الله منهم، أشهدكم أني امرؤ ولدني رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني، وإن عصيته، عذبني عذابا شديدا، وأشد عذابه)([62]).
ـ عن عنبسة بن مصعب: قال: قال لي أبو عبد الله: أي شئ سمعت من أبي الخطاب؟!
قال: سمعته يقول: إنك وضعت يدك على صدره، وقلت له: (عِه، ولا تنس)، وأنك تعلم الغيب، وأنك قلت له: هو عيبة علمنا، وموضع سرنا، أمين على أحيائنا وأمواتنا.
قال: لا والله ما مس شئ من جسدي جسده إلا يده.
وأما قوله: (إني قلت: أعلم الغيب)، فوالله الذي لا إله إلا هو، ما أعلم الغيب، ولا آجرني الله في أمواتي، ولا بارك لي في أحيائي، إن كنت قلت له.
قال: وقدامه جويرية سوداء تدرج، قال: لقد كان مني إلى أم هذه ـ أو إلى هذه ـ بخطة القلم فأتتني هذه، فلو كنت أعلم الغيب ما تأتيني،… ولقد قاسمت مع عبد الله بن الحسن حائطاً بيني وبينه، فأصابه السهل والشرب، وأصابني الجبل، فلو كنت أعلم الغيب لأصابني السهل والشرب وأصابه الجبل.
وأما قوله: (إني قلت: هو عيبة علمنا، وموضع سرنا، أمين على أحيائنا وأمواتنا)، فلا آجرني الله في أمواتي، ولا بارك لي في أحيائي، إن قلت شيئاً من هذا قط.
ـ عن عمران بن علي: قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لعن الله أبا الخطاب، ولعن من قتل معه، ولعن الله من بقي منهم، ولعن الله من دخل قلبه رحمة لهم.
ـ عن مصادف، قال: لما لبى القوم الذين لبوا بالكوفة([63])، دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فأخبرته بذلك، فخر ساجداً، ودق جؤجؤه بالأرض، وبكى، وأقبل يلوذ بإصبعه، ويقول: (بل عبد الله قن داخر)، مراراً كثيرة، ثم رفع رأسه ودموعه تسيل على لحيته.
فندمت على إخباري إياه، فقلت: جعلت فداك، وما عليك أنت من ذا؟!.
فقال: يا مصادف، إن عيسى (عليه السلام) لو سكت عما قالت النصارى فيه، لكان حقا على الله أن يصم سمعه، ويعمي بصره، ولو سكتُّ عما قال فيَّ أبو الخطاب، لكان حقاً على الله أن يصم سمعي ويعمي بصري.
ـ عن أبي بصير: قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا محمد أبرأ ممن يزعم أنَّا أرباب، قلت: برئ الله منه، فقال: أبرأ ممن زعم أنا أنبياء، قلت برئ الله منه.
ـ عن مرازم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): قل للغالية توبوا إلى الله، فإنكم فساق، كفار، مشركون.
ـ عن ابن أبي عمير عن ابن المغيرة: قال: كنت عند أبي الحسن (الكاظم) (عليه السلام) أنا ويحيى بن عبد الله بن الحسن، فقال يحيى: جعلت فداك إنهم يزعمون أنك تعلم الغيب.
فقال: سبحانه الله، ضع يدك على رأسي، فوالله ما بقيت في جسدي شعرة ولا في رأسي إلا قامت.
قال: ثم قال: لا والله ما هي إلا رواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
ـ عن أبي بصير: قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنهم يقولون.
قال: وما يقولون؟
قلت: يقولون تعلم قطر المطر، وعدد النجوم، وورق الشجر، ووزن ما في البحر، وعدد التراب.
فرفع يده إلى السماء، وقال: سبحان الله، سبحان الله، لا والله ما يعلم هذا إلا الله.
ـ عن الحسن الوشاء عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من قال بأننا أنبياء، فعليه لعنة الله، ومن شك في ذلك فعليه لعنة الله([64]).
ـ عن المفضل بن يزيد: قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام)، وذكر أصحاب أبي الخطاب والغلاة فقال لي: يا مفضل لا تقاعدوهم ولا تواكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا توارثوهم([65]).
ومما نفيده من هذه الوثائق النتائج التالية:
١ ـ إن هذه الأحاديث الموضوعات تقوم فيما تحتويه من أفكار، إما على تشبيه الخالق بالمخلوق كما في أحاديث التجسيم، وإما على تشبيه المخلوق بالخالق كما في أحاديث الغلو.
وهي من منعطفات الانحراف اليهودي حيث نزل اليهود بالخالق فشبهوه بالمخلوق، والانحراف النصراني حيث ارتفع النصارى بالمخلوق فشبهوه بالخالق.
٢ ـ إن اليهود أيضاً شاركوا في دس أفكار الغلو كما قد يستفاد هذا من رواية عبد الرحمن بن كثير التي كانت تشير إلى تردد المغيرة بن سعيد على إحدى اليهوديات.
ومن المعروف تاريخياً أن اليهود كانوا ينزلون شرقي الكوفة في المنازل والربوع التي بينها وبين بغداد.
وربما كان منهم من سكن الكوفة.
٣ ـ إن تسمية الغلاة بـ (الرافضة) كانت من قبل الإمام الباقر (عليه السلام) لأنهم رفضوا قوله (عليه السلام) واتبعوا أقوال المغيرة بن سعيد.
ويبدو أن النظمة الحاكمة التي كانت تخشى من معارضة الامامية لسياستهم الجائرة ومعاملتهم الظالمة استغلت هذا الاسم (الرافضة) لما يحمل من طياته من قيمة نقدية تساعد على التنفير والابتعاد عمن ينبذ به فسحبته على الامامية أيضا تشويها لسمعتهم، وتحريضا لبقية المسلمين على محاربتهم، بعد أن اختلقت سببا آخر للتسمية، وهو رفضهم لخلافة أبي بكر، أو رفضهم للخروج مع زيد بن علي لأنه لم يرفض خلافة أبي بكر ـ كما يزعمون.
ونحن لا نستغرب أن تقوم الأنظمة المهزوزة بمثل هذا، ولكن الغريب أن يتأثر بهم غير قليل من كتاب اخواننا أهل السنة فيعيدوا توقيع النغمة والضرب على الوتر والوتيرة، وهم يعلمون أن للبحث حرمة وحدودا تقتضيهم أن يكونوا موضوعيين ومنصفين، ولا يرسلوا القول على عواهنه، بتكفير الامامية وهدر دمائهم تجريما بعقيدة رفضها أئمتهم ورفضوها هم أيضا تبعا لأئمتهم… وفي الوقت نفسه يغضون البصر عن بدعة التجسيم الإسرائيلي التي تتكرر في خطب الجمع وحلقات الدرس، وعلى صفحات الكتب والدوريات، وكأنهم لم يدركوا أن العدل لا يقبل التجزئة.
٣ ـ العامل المذهبي
وأعني به السبب الذي دفع بعض أصحاب المذاهب الاسلامية للوضع تأييدا للمذهب، ودعما لأفكاره ورجالاته.
ومنه:
ـ ما روي عن ابن لهيعة: أنه سمع شيخا من الخوارج يقول بعد ما تاب: (إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرنا له حديثاً).
قال الحافظ ابن حجر: هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل، إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الاسلام، والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين، فمن بعدهم.
وهؤلاء إذا استحسنوا أمراً جعلوه حديثا وأشاعوه.
فربما سمع الرجل الشيء فحدث به، ولم يذكر من حدثه به تحسينا للظن، فيحمله عنه غيره.
ويجئ الذي يحتج بالمنقطعات فيحتج به، مع كون أصله ما ذكرت([66]).
ـ ما جاء في كتاب (علوم الحديث) للدكتور الصالح من أن أصحاب الأهواء دأبوا (في مختلف العصور على الافتراء على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، حتى قال عبد الله بن يزيد المقرئ: إن رجلاً من أهل البدع رجع عن بدعته، فجعل يقول: (انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه فإنا كنا إذا رأينا رأيا جعلنا له حديثاً).
ومن أصحاب الأهواء الفقهاء الذين يتصدون للدفاع عن مذاهبهم زوراً وبهتاناً فيشحنون كتبهم بالموضوعات، سواء اختلقوها بأنفسهم أم اختلقها الوضاعون خدمة لهم وتأييداً لهواهم.
وقد تبلغ الجرأة حد الخلط بين أقيستهم وبين أحاديث الرسول، فيضعون فيه عبارات أقيستهم التي وصلوا إليها باجتهادهم.
وغالباً ما يكون هؤلاء الفقهاء من مدرسة الرأي التي تعني بالقياس عناية خاصة.
قال أبو العباس القرطبي: استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلي إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ كذا؟ ـ.
ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها تشبه فتاوى الفقهاء، (ولأنهم لا يقيمون لها سنداً)([67]).
وروى العقيلي عن حماد بن زيد قال: (وضعت الزنادقة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أربعة عشر ألف حديث)([68]).
٤ ـ العامل الاعلامي
وأقصد منه أن يضع الواضع الحديث دعاية للدين، ومن باب الاحتساب والتقرب إلى الله تعالى.
قال ابن الصلاح في (مقدمته): (والواضعون للحديث أصناف، وأعظمهم ضررا قوم من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث احتسابا فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم، وركنوا إليهم)([69]).
وقال الشهيد الثاني في (الدراية): (والوضاعون أصناف، أعظمهم ضررا من انتسب إلى الزهد والصلاح بغير علم، وزعم أن وضعه يقربه إلى الله تعالى، فقبل الناس موضوعاتهم ثقة بظاهر حالهم).
وقد جرأ هذا الاختلاق المشين أن ذهب بعض الكرّامية (وهم فرقة من المجسمة) إلى جواز وضع الحديث في الترغيب والترهيب.
قال ابن الصلاح: (وفيما روينا عن الامام أبي بكر السمعاني: أن بعض الكرامية ذهب إلى جواز وضع الحديث في باب الترغيب والترهيب)([70]).
وكما أشير أن هذا اللون من الوضع اشتهر على أَلْسنة من ظاهره الزهد والصلاح.
قال الشيخ الأميني في (الغدير ٥/275): (قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث).
وعنه: لم نرَ أهل الخير في شئ أكذب منهم في الحديث.
وعنه: ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير والزهد.
وقال القرطبي في (التذكار ١٥٥): لا التفات لما وضعه الواضعون، واختلقه المختلقون، من الأحاديث الكاذبة، والاخبار الباطلة، في فضل سور القرآن، وغير ذلك من فضائل الأعمال.
وقد ارتكبها جماعة كثيرة، وضعوا الحديث حسبة كما زعموا، يدعون الناس إلى فضائل الأعمال.
كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد الله الجويباري، وغيرهم.
قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة؟!
فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة.
وقال (القرطبي) في ص ١٥٦: قد ذكر الحاكم وغيره من شيوخ المحدثين: أن رجلا من الزهاد انتدب في وضع أحاديث في فضل القرآن وسوره، فقيل له: لم فعلت هذا؟!
فقال: رأيت الناس زهدوا في القرآن فأحببت أن أرغبهم فيه.
فقيل (له): فإن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار).
فقال: أنا ما كذبتُ عليه، إنما كذبتُ له).
ورحم الله السيد الموسوي الهندي حيث يقول:
كم هاتف باسم الشريـ
ـعة قد شكت منه الشريعة
خدع الأنام بزهده
وأجاد في طرق الخديعة
أترى تجئ فجيعة
بأمض من هذي الفجيعة
وقال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان 5/288) ـ ترجمة محمد بن عكاشة الكرماني: (وذكره الحاكم في أقسام الضعفاء، فقال: ومنهم جماعة وضعوا ـ كما زعموا ـ يدعون الناس إلى فضائل الأعمال، مثل أبي عصمة، ومحمد بن عكاشة الكرماني.
ثم نقل عن سهل بن السري الحافظ أنه كان يقول: وضع أحمد الجويباري ومحمد بن تميم ومحمد بن عكاشة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أكثر من عشرة آلاف حديث).
وفي ترجمة أحمد بن عبد الله الجويباري ١٩٣/١: (قال ابن عدي: كان يضع الحديث لابن كرّام على ما يريده، فكان ابن كرام يخرجها في كتبه عنه.
فمن ذلك: حدثنا ابن كرام، ثنا أحمد عن أبي يحيى المعلم عن حميد عن أنس : يكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة يجدد الله سنتي على يده).
(قال ابن حبان: هو أبو علي الجويباري، دجال من الدجاجلة، روى عن الأئمة ألوف الأحاديث، ما حدثوا بشئ منها).
(وقال البيهقي: أما الجويباري فإني أعرفه حق المعرفة بوضع الأحاديث على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقد وضع عليه أكثر من ألف حديث).
٥ ـ العامل الاجتماعي
وأعني به ذلك السبب الرخيص المهين الذي كان يدفع تلكم الطبقة من وعاظ السلاطين إلى وضع الحديث للزلفى من حاكم أو أمير أو غيرهما بغية الحصول على مركز اجتماعي.
يقول الدكتور الصالح: (وأدهى من ذلك (يشير إلى العامل المذهبي) وأمر ما يضعه بعض علماء السوء في كل جيل تقربا إلى الطبقة الحاكمة، وكسبا للحظوة عندها.
كما صنع غياث بن إبراهيم النخعي الكوفي، فإنه دخل على أمير المؤمنين المهدي، وكان المهدي يحب الحمام ويلعب به، فإذا قدامه حمام، فقيل له: حدّث أمير المؤمنين.
فقال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان: أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح).
فأمر له المهدي ببدرة، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
ثم قال المهدي: (أنا حملته على ذلك، ثم أمر بذبح الحمام ورفض ما كان فيه)([71]).
وأنا ـ هنا لا أدري لماذا نعى الدكتور الصالح على غياث بن إبراهيم كذبه على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولم يعقبه بنعيه على المهدي إعطاءه المال له؟!
ألا يدل هذا على تشجيع الوضع والكذب؟!
وعلى مَن؟… على رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
وممن؟… من خليفة المسلمين الأمين على أموالهم وأقدارهم!!
ألا يعد هذا أفضح وأدهى وأمر.
ولا أقل من أنهما اشتركا في الجريمة!!
٦ ـ العامل الاقتصادي
رأينا فيما تقدمه أن العامل الاجتماعي قد يكون في الوقت نفسه عاملاً اقتصادياً، فكما يستفيد منه الواضع القرب من الموضوع له، يستفيد المال منه أيضاً.
وكما يرتبط العامل الاقتصادي أحيانا بالعامل الاجتماعي يرتبط أيضا وفي كثير من الأحيان بالعامل السياسي.
وتمثل هذا بوضوح فيما قام به معاوية بن أبي سفيان، فإنه لم يكتف بما قام به من أسباب الدعاية لتوطيد قواعد مملكته الأموية (بل أحدث القصص ليعزز به أسلحة الدعاية له، ولم يكن معروفا قبله، فسخَّرَ الألوف لذلك، وبثهم بين أرجاء البلاد، ليقصوا له، ما يشد له دولته، وما يحفظ به سلطانه، بله ما ينشرون من خرافات وأباطيل، مما جلب الفساد على عقول المسلمين، وأساء ظنون غيرهم فيما بني عليه الدين، كما ذكر ذلك الأستاذ الإمام)([72]).
وكانت هذه القصص تعتمد الإسرائيليات وأساطير الأمم الخالية وتتخللها الأحاديث المصنوعة.
وكان الذي يمونها بمحتوياتها أحبار وكهان اليهود الذين أظهروا الاسلام أمثال: كعب الأحبار ووهب بن منبه.
أما كيف كان يقوم القاص بدوره، فهذا ما أوضحه أحمد أمين في كتابه )فجر الاسلام) بقوله: (يجلس القاص في المسجد، وحوله الناس، فيذكرهم بالله، ويقص عليهم حكايات وأحاديث وقصصاً عن الأمم الأخرى وأساطير، ونحو ذلك… لا يعتمد فيها على الصدق بقدر ما يعتمد على الترغيب والترهيب.
قال الليث بن سعد: هما قصصان: قصص العامة وقصص الخاصة.
فأما قصص العامة فهو الذي إليه النفر من الناس، يعظهم ويذكرهم، فذلك مكروه لمن فعله ولمن استمعه.
وأما قصص الخاصة فهو الذي جعله معاوية، ولى رجلاً على القصص، فإذا سلّم من صلاة الصبح جلس وذكر الله ـ عز وجل ـ وحمده ومجده، وصلى على النبي (صلّى الله عليه وآله)، ودعا للخليفة ولأهل ولايته وحشمه وجنوده، ودعا على أهل حربه وعلى المشركين كافة)([73]).
٧ ـ العامل الشخصي
وهو أن يتظاهر غير العالم بمظهر العالم ويعزز ذلك باختلاقه الأحاديث وروايتها. وعبر عنه في كتب علم الحديث بـ (التعالم).
(روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي، قال: صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول الله: (من قال لا إله إلا الله، خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان…).
وأخذ في قصته نحوا من عشرين ورقة.
فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين، وجعل يحيى بن معين ينظر إلى احمد، فقال له: حدثته بهذا؟! فيقول: والله ما سمعت هذا إلا الساعة.
فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات، ثم قعد ينتظر بقيتها، قال له يحيى بن معين بيده: تعال، فجاء متوهما لنوال، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟!
فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.
فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله)!.
فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما تحققت هذا إلا الساعة، كأن ليس يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، وقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.
فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما).
كيفية وضع الحديث
تصدّى بعض من كتب في علم الحديث لبيان كيفية وضع الحديث، مفيدا ذلك من واقع الأحاديث الموضوعة.
وبيان هذه الكيفية كما يوضح قضية تاريخية، يساعد أيضا في إلقاء شئ من الضوء لمعرفة الحديث الموضوع.
وتتلخص في أن الوضع نوع من التصرف الشخصي.
وهذا التصرف قد يكون في المتن، وقد يكون في السند:
ـ في المتن:
ويكون بإحدى طريقتين هما:
أ ـ أن يضع الراوي متنا من عنده، وذلك بأن يؤلف ويصوغ من كلامه عبارات الحديث الذي يروم وضعه.
وذلك مثل الحديث المشتهر: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)([74]).
ب ـ أن يعمد الراوي إلى مأثورة من كلام أحد الحكماء أو العلماء أو غيرهما، وينسبه إلى المعصوم.
ومثلوا له بالحكمة المشهورة: (المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء)، التي هي من حكم الحارث بن كلدة الثقفي، ونسبها الراوي الواضع إلى النبي (صلّى الله عليه وآله).
والمذكور في كتاب (عيون الأنبار ١٦٥) ـ ترجمة الحارث بن كلدة ـ: (البطنة بيت الداء والحمية رأس الدواء).
فربما كان النص الأول مأخوذا منه، وربما كان رواية أخرى له.
ـ في السند:
ويكون بإحدى طريقتين أيضاً، هما:
أ ـ أن يختلق الراوي سندا لحديثه الموضوع، وذلك بأن يضع أسماء لرواة لا واقع لهم.
ب ـ أن يعمد الراوي إلى سند من الأسانيد، ويحمله متن حديثه.
إمارات الوضع
وهي العلامات التي تكشف عن أن الحديث موضوع: وتنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
١ ـ ما يرتبط بالراوي، وهي:
أ ـ أن يعترف الراوي نفسه، ويقر بوضعه الحديث.
نحو اعتراف أبي عصمة نوح بن أبي مريم وضعه على ابن عباس أحاديث في فضائل سور القرآن الكريم.
ونحو ما ذكره الحافظ العراقي في كتابه (التقييد والايضاح ١٣٤) في بيان سند الحديث الطويل المروي عن أبي بن كعب عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في فضل سور القرآن الكريم، قال: (روينا عن مؤمل (بن إسماعيل) أنه قال: حدثني شيخ بهذا الحديث، فقلت للشيخ من حدثك؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن، وهو حي، فصرت إليه، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بواسط، وهو حي، فصرت إليه، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه، فأخذ بيدي، فأدخلني بيتا، فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث، ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن).
ب ـ أن يشتهر الراوي في الأوساط العلمية بالوضع.
ج ـ أن ينص في كتب الرجال الأصول على أنه وضاع.
د ـ أن يوقف على قرينة خاصة تفيد أن الراوي وضاع.
٢ ـ ما يرتبط بالسند، وهي:
أ ـ أن يتألف السند من مجاهيل ووضاعين.
ب ـ أن يشتمل السند على وضاع.
ج ـ أن يشتمل السند على أسماء لا ذكر لها في كتب الرجال.
د ـ أن ينص من قبل الرجاليين على أن سلسلة السند هي سلسلة كذب.
٣ ـ ما يرتبط بالمتن، وهي:
أ ـ أن يخالف مضمون الحديث ظاهر القرآن الكريم، ولا يقبل التأويل بما يوافقه.
ب ـ أن يخالف مضمون الحديث ظاهر السنة القطعية، ولا يقبل التأويل بما يوافقها.
ج ـ أن يخالف مضمون الحديث بديهيات العقول.
نحو ما ذكره الدكتور الصالح في كتابه (علوم الحديث) من أنه (قيل لعبد الرحمن بن زيد: حدثك أبوك عن جدك أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال: إن سفينة نوح طافت بالبيت، وصلت خلف المقام ركعتين؟ قال: نعم).
هـ ـ أن يخالف مضمون الحديث حقائق العلم وسنن الحياة ونتائج التجارب الناجحة والمشاهدات الصادقة.
نحو ما جاء في كتاب (الهفت والأظلة)([75])، من أن الإمام المعصوم يولد من فخذ أمه، في حديث طويل يرويه المفضل بن عمر الجعفي([76]) عن الإمام الصادق (عليه السلام) نقتطف منه ما يلي:
)فقال المفضل: أخبرني يا مولاي عن ميلاد الأوصياء.
فقال الصادق(ع): أول العجب أن أمهات الأوصياء ذكور، لا إناث.
قلت: يا مولاي، سبحان الله، كيف ذلك؟!
قال الصادق (عليه السلام): إن الملائكة هم في صورة النساء…
فقال الصادق: إن الله أنشأ أبدان الأوصياء أفخاذا إلى الملائكة حتى يبلغوا المدى، هذا مع طهارة الملائكة، كما أخبرتك، فإذا أراد الله إظهار الإمام في الظاهر، تأديبا لهذا الخلق أرسل روحا من عنده، فيدخل في المولود الذي قد يتطهر من كل دنس، ولم يزاحمه رحم، ولكن تدخل الروح فيه تأديباً للناس، وظهوراً للحق).
و ـ أن يحتوي متن الحديث إسرائيليات تخالف العقيدة الإسلامية.
نحو ما روي في الصحيحين (البخاري ومسلم): (عن أنس (رض) عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: يلقى في النار، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الله قدمه، فتقول: قط، قط)… و(عن أبي هريرة، وأكثر ما يوقفه أبو سفيان، يقال لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الرب تبارك وتعالى قدمه عليها، فتقول: قط، قط)([77]).
ز ـ أن يحتوي متن الحديث فكرة من أفكار الغلو.
ح ـ أن يحتوي متن الحديث أسطورة من أساطير الأولين التي لا بينة على صحتها.
ط ـ أن يحتوي متن الحديث منقبة أو فضيلة لشخص أو جماعة أو بلد، هو دون مستوى هذه المنقبة أو الفضيلة.
ي ـ أن يحتوي متن الحديث الإشارة إلى معجزة أو كرامة في موقف لا يقتضيها ولا يتطلبها.
مبلغ الموضوعات
والذي يتوصل إليه من مراجعة كتب الحديث لأهل السنة، وكتب الحديث للامامية، أن شيوع الوضع وانتشاره عند أهل السنة كان أكثر بكثير من عند الإمامية.
فقد رجعت إلى كتاب (الفهرست) للشيخ الطوسي فلم أعثر فيه على من نص على أنه وضاع مع وجود عدد من الرواة نص على ضعفهم.
وفي كتاب (الفهرست) للنجاشي المعروف بـ (رجال النجاشي)، وقفت على أربعة أسماء نص على أنهم وضاعون، وهم:
١ ـ جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى بن سابور مولى أسماء بن خارجة بن حصين الفزاري الكوفي.
قال فيه (1/302ـ303): (كان ضعيفاً في الحديث).
قال أحمد بن الحسين (الضغائري): كان يضع الحديث وضعا، ويروي عن المجاهيل.
وسمعت من قال: كان أيضاً فاسد المذهب والرواية).
٢ ـ عبيد بن كثير بن محمد الكوفي.
قال فيه 2/43 ـ44): (طعن أصحابنا عليه، وذكر أنه يضع الحديث.
له كتاب يعرف بكتاب التخريج في بني الشيصبان، وأكثره موضوع مزخرف، والصحيح منه قليل).
٣ ـ عبد الرحمن بن كثير الهاشمي.
قال فيه (2/44): (كان ضعيفاً، غمز أصحابنا عليه، وقالوا، كان يضع الحديث.
وله… كتاب (الأظلة) كتاب فاسد مختلط).
٤ ـ محمد بن موسى الهمداني السمان.
قال فيه (2/227): (ضعفه القميون بالغلو، وكان ابن الوليد يقول: إنه كان يضع الحديث).
وربما كان هناك آخرون في هذا الفهرست لم أوفق للعثور عليهم، إلا أن الذي يمكن أن يخرج به الباحث أو المراجع أن الرقم لا يتجاوز الآحاد.
وإذا رجعنا إلى كتب الرجال المطولة المتأخرة أمثال (تنقيح المقال)، و (معجم رجال الحديث) لا أخال أن الرقم يتجاوز العشرات.
بينما نقرأ في كتاب (تاريخ الاسلام) للدكتور حسن إبراهيم حسن ١/ ٥١٦ قول مؤلفه: (وقد جمع البخاري ـ على ما نعلم ـ نحو ٧٢٧٥ حديثا، بما فيها الأحاديث المكررة، فإذا حذفنا المكرر منها أصبح عددها نحو أربعة آلاف.
وقد اختارها البخاري ـ على ما قيل ـ من ثلاثمائة ألف حديث.
ومن ذلك يتبين مبلغ ما وصل إليه التحريف في الحديث).
وإذا رجعنا إلى (قائمة الموضوعات والمقلوبات) من كتاب (الغدير) للشيخ الأميني 5/88، التي استخرج إحصائياتها من كتب الحديث السنية، يصعد الرقم إلى أكثر مما أشار إليه الدكتور حسن إبراهيم حسن، فقد بلغت القائمة مستفادة من موضوعات تسعة وثلاثين راوياً: (٤٠٨٦٨٤).
كما أحصى في 5/209ـ275) أكثر من ستمائة اسم لوضاعين من رواة أهل السنة.
وذكر في (297ـ330) مائة حديث كشواهد وأمثلة مما وضع في المناقب مكذوبة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
ويرجع هذا إلى العامل السياسي الذي فتح بابه معاوية بن أبي سفيان ـ كما تقدم ـ.
وكذلك إلى العاملين الاقتصادي والاجتماعي حيث كان الحكام يقربون ويشجعون ويعطون الوضاعين.
وقرأنا ـ فيما سبقه ـ شواهد وأمثلة منه.
بينما لم يكن في الجانب الامامي شئ من هذا، وإنما كان العامل المؤثر في وسطهم هو العامل الديني الذي دخل بتأثيره أحاديث الغلو إلى الحديث الإمامي.
ولا أستبعد أن يكون للدولتين الأموية والعباسية ضلع في ذلك بغية اتهام الشيعة بما يبرر مطاردتهم وتشريدهم وإبادتهم.
وخاصة إذا عرفنا كثرة وجود النصارى في بلاطات الحكام من أمويين وعباسيين، فقد يكون عن طريق هؤلاء، وبتآمر من الحكام نفذ الغلو، وتسرب من خلال المسارب الخفية.
ولكن موقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) منه حدَّ من تأثيره ومن وصول الحكام إلى غاياتهم، إلا في رقع ضيقة غير ذات بال.
ومما يؤسف عليه ويؤسى له أن لا نجد في اخواننا من علماء أهل السنة من قاوم أحاديث التجسيم التي تسربت إلى جوامعهم.
وكنا نود أن كان هذا، لأن جوامع الحديث عندنا نحن المسلمين هي أعز ما نملكه من ثروة دينية علمية بعد القرآن الكريم، حتى لا يكون فيها ما يشوه سمعتها، ويضر بعقيدة التوحيد.
المؤلفات في الموضوعات
ويسجل لعلماء الحديث من أهل السنة مأثرة علمية جليلة هي تأليفهم في الموضوعات، وأهمها:
١ ـ كتاب تذكرة الموضوعات، أبو الفضل محمد بن ظاهر المقدسي (ت ٥٠٧هـ).
٢ ـ كتاب الأباطيل، أبو عبد الله الحسن بن إبراهيم الهمداني الجوزقي الحافظ (ت ٥٤٣هـ).
٣ ـ كتاب الموضوعات، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت ٥٩٧هـ).
٤ ـ القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد، الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ).
٥ ـ كتاب الآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، الحافظ جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ).
٦ ـ كتاب تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، أبو الحسن علي بن محمد الكتاني (ت ٩٦٣هـ).
٧ ـ تذكرة الموضوعات، جمال الدين الفتني (ت ٩٨٦هـ).
٨ ـ الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضعة، أبو عبد الله محمد بن علي الشوكاني اليماني (ت ١٢٥٠هـ)([78]).
٩ ـ سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ناصر الدين الألباني المعاصر.
ويلاحظ: أن هذه الكتب ألفت بعد تدوين جوامع الحديث السنية من صحاح وغيرها.
ولهذا السبب لم تحاول أن تقتحم حصون الصحيحين لما لهما من تقديس في نفوس أهل السنة في هذه الأزمان المتأخرة.
ولو أنها ألفت قبل تأليف الجوامع لكان تأثيرها أقوى وفائدتها أكثر، إذ ربما حالت بين الإسرائيليات والجوامع.
ومن مؤلفات الامامية: كتاب الموضوعات في الآثار والأخبار للسيد هاشم معروف الحسني المعاصر.
حجية الأقسام
اعتاد علماء الحديث من أصحابنا أن يبحثوا حجية كل واحد من الأقسام الأربعة ويعطوا رأيهم فيها.
ولأن هذه الأقسام هي أصول الحديث ـ كما ذكرنا ـ تكون هي أظهر مصاديق خبر الواحد غير المقرون، وحجيتها تكون حجيته.
وكل ما يقتضيه المنهج من الباحث ـ هنا ـ أن يتحقق من مصداقية القسم بتوفر شروط خبر الواحد غير المقرون فيه، وبشمول دليل الحجية له.
وفي مبحث مشروعية خبر الواحد يذكر علماء أصول الفقه أكثر من دليل، والذي يرتبط بموضوعنا هو:
١ ـ القرآن الكريم من خلال آية النبأ حيث تدل بمنطوقها على التبين عند سماع خبر الفاسق، وبمفهومها على عدم التبين عند سماع خبر العادل.
٢ ـ السيرة الاجتماعية من خلال إقرار وإمضاء المشرع الاسلامي لها، وهي تفيد جواز الاعتماد على خبر الثقة، وجواز الاعتماد على الاطمئنان والوثوق بصدور الخبر من قائله.
ومسألتنا هذه، وهي حجية الأقسام، تتفرع على هذا:
فمن اعتمد الآية الكريمة دليله في حجية خبر الواحد اقتصر على العمل بالصحيح فقط،
واعتده هو المعتبر والحجة، لأنه المصداق الذي ينطبق عليه مفهوم خبر الواحد، لأخذ عنصر العدالة شرطا في الراوي.
ووسّع بعض من اعتمد الآية الكريمة دليله، في دائرة الحجية لتشمل القسم الثاني، وهو الحسن، على اعتبار أن وظيفة المدح أو التحسين هي استبعاد أن يكون الراوي غير عادل، فتتوفر فيه ـ في ضوء هذا ـ الشروط المطلوبة.
ومن اعتمد السيرة الاجتماعية دليله في الحجية والاكتفاء ـ حسبما تفيده ـ بوثاقة الراوي أو بالوثوق بصدور الرواية، وسّع في دائرة شمولها إلى الموثق.
وعلى رأي الشيخ الطوسي من أن العدالة في الراوي تختلف عنها في القاضي ومرجع التقليد والشاهد، لأنها تعني ـ هنا ـ الوثاقة وتكون الحجية شاملة للأقسام الثلاثة: الصحيح والحسن والموثق، سواء كان الدليل هو السيرة أو الآية.
والذي عليه أكثر علمائنا، وبخاصة متأخري المتأخرين والمعاصرين حجية الأقسام الثلاثة: الصحيح والحسن والموثق.
أما الضعيف المردود فالاجماع قائم على عدم اعتباره، وعلى انتفاء حجيته.
ولكن وقع الخلاف بينهم في حجية الضعيف المقبول، وهو المعبر عنه في لغة الفقه بـ (الضعيف المنجبر).
والجبر عند من يقول به يتحقق بأحد أمرين هما:
١ ـ الشهرة في الرواية.
وأوضحها الشهيد الثاني بقوله: (بأن يكثر تدوينها (يعني الرواية) وروايتها بلفظ واحد أو ألفاظ متغايرة متقاربة المعنى)([79]).
٢ ـ الشهرة في الفتوى:
والمراد بها أن يستند إليه الفقهاء في مجال الاستنباط، ويعتمدونه دليلا للافتاء، فيفتون وفق مضمونه.
شريطة أن يشتهر هذا في كتب الفقه الاستدلالية وعلى ألسنة الفقهاء في البحث والاستنباط.
قال الشهيد الثاني: (وأما الضعيف فذهب الأكثر إلى منع العمل به مطلقا، وأجازه آخرون مع اعتضاده بالشهرة رواية أو فتوى)([80]).
ويلاحظ ـ هنا ـ أن الذي يدور على ألسنة الفقهاء وفي حواراتهم العلمية الاقتصار على الشهرة في الفتوى، ويعبرون عن هذا بـ (العمل بمضمون الخبر).
ودليلهم على هذا: أنّ تحقق الشهرة بالعمل به يكشف عن قرينة دالة على صدوره عن المعصوم.
أو كما قال الشهيد الثاني: إن تحقق الشهرة بالعمل به يقوي الظن بصدق الراوي (وإن ضعف الطريق، فإن ضعف الطريق قد يثبت به الخبر مع اشتهار مضمونه)([81]).
وقد ذهب الأكثر إلى القول بجبر الشهرة، واعتبار الحديث الضعيف المجبور بها حجة يركن إليه في الفتوى وفق محتواه.
وهو ظاهر قول المحقق الحلي في (المعتبر)، ونصه: (ما قبله الأصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به، وما أعرض الأصحاب عنه أو شذ يجب اطراحه).
وصريح قول المحقق الهمداني في (مصباح الفقيه ـ الصلاة ١٢)، ونصه: (فلا يكاد توجد رواية يمكننا إثبات عدالة رواتها على سبيل التحقيق، لولا البناء على المسامحة في طريقها، والعمل بظنون غير ثابتة الحجية.
بل المدار على وثاقة الراوي أو الوثوق بصدور الرواية وإن كان بواسطة القرائن الخارجية، التي عمدتها كونها مدونة في الكتب الأربعة، أو مأخوذة من الأصول المعتبرة، مع اعتناء الأصحاب بها، وعدم إعراضهم عنها…
ولأجل ما تقدمت الإشارة إليه جرت سيرتي على ترك الفحص عن حال الرجال، والاكتفاء في توصيف الرواية بالصحة، كونها موصوفة بها في ألسنة مشايخنا المتقدمين الذين تفحصوا عن حالهم)([82]).
وكذلك هو صريح قول الشيخ الخاقاني في (أنوار الوسائل ١/٥ ) ونصه: (الملاك في صحة السند واعتباره ما أوجب الوثوق في الصدور، وإن كان بجبر العلماء في الخبر الضعيف).
وذهب آخرون إلى عدم حجية الحديث الضعيف المجبور من قبل الأصحاب بالعمل وفق مؤداه.
منهم الشهيد الثاني، قال في (الدراية 27 ـ 28): (إنّا نمنع من كون هذه الشهرة التي ادعوها مؤثرة في جبر الضعيف، فإن هذا إنما يتم لو كانت الشهرة متحققة قبل زمن الشيخ، والأمر ليس كذلك، فإن من قبله من العلماء كانوا بين مانع من خبر الواحد مطلقا، كالسيد المرتضى، والأكثر على ما نقله جماعة، وبين جامع للأحاديث من غير التفات إلى تصحيح ما يصح، ورد ما يرد، وكان البحث عن الفتوى مجردة لغير الفريقين قليلا جدا، كما لا يخفى على من اطلع على حالهم.
فالعمل بمضمون الخبر الضعيف قبل زمن الشيخ على وجه يجبر ضعفه ليس بمتحقق.
ولما عمل الشيخ بمضمونه في كتبه الفقهية جاء مَن بعده من العلماء واتبعه منهم عليها الأكثر تقليدا له، إلا من شذ منهم، ولم يكن فيهم من يسبر الأحاديث، وينقب عن الأدلة بنفسه سوى الشيخ المحقق ابن إدريس، وقد كان لا يجيز العمل بخبر الواحد مطلقاً.
فجاء المتأخرون بعد ذلك ووجدوا الشيخ ومن تبعه قد عملوا بمضمون ذلك الخبر الضعيف لأمر ما رواه في ذلك، لعل الله يعذرهم فيه، فحسبوا العمل به مشهورا، وجعلوا هذه الشهرة جابرة لضعفه.
ولو تأمل المنصف، وحرر المنقب لوجد مرجع ذلك كله إلى الشيخ.
ومثل هذه الشهرة لا تكفي في جبر الخبر الضعيف).
وناقشه الشيخ المامقاني في (المقباس 1/193ـ194) قال: (وأقول: أما ما ذكره من منع كون هذه الشهرة التي ادعوها مؤثرة في الخبر الضعيف، ففيه: إن هذا المنع مما لا وجه له، فإن من لاحظ كثرة القرائن للمقاربين لعهد الأئمة (عليهم السلام)، واختفاءها علينا، اطمأن من اشتهار العمل بالخبر الضعيف بصدوره من مصدر الحق.
والمنصف يجد أن الوثوق الحاصل من الشهرة ليس بأقل من الوثوق الحاصل من توثيق رجال السند.
وأما ما جعله سندا للمنع من عدم تحقق الشهرة في زمان الشيخ (ره) ففيه: على فرض التسليم، أنه لا حاجة إلى تحققها في زمانه، بل يكفي تحققها من فتواه وفتوى موافقيه، ضرورة أن المدار على الوثوق والاطمئنان، فإذا حصل من الشهرة الحاصلة بعد زمن الشيخ (ره) فما المانع من جعلها بمنزلة توثيق الشيخ (ره) ومن تأخر عنه).
ومنهم أستاذنا السيد الخوئي، وتابعه غير واحد من تلامذته، منهم الشيخ المحسني([83]).
وأخيراً: نستطيع أن نقول: إذا كان المعتمد والملاك هو وثاقة الراوي إن تحققت، أو الوثوق بصدور الرواية مطلقا، أي من غير التفات إلى وثاقة الراوي وعدمها، وهو ما عليه أكثر متأخري المتأخرين تأتي الشهرة جابرة إذا حققت للحديث الوثوق بصدوره.
وقد نترقى أكثر، ونقول: بأن فائدة التقسيم الرباعي المذكور ـ في ضوء هذا ـ تأتي في مجال الترجيح بين الخبرين المتعارضين في السند.
أما في مجال الرجوع إليها للاعتماد عليها في عملية الاستنباط واستفادة الحكم فلا نلمس أي فارق بينها.
والخلاف في جبر الضعيف ينسحب إلى كسر الصحيح المعرض عنه من قبل الأصحاب.
فمن قال بقبول الضعيف لجبره، يقول برفض الصحيح لإعراض الأصحاب عنه وتركهم العمل به.
والعكس بالعكس تماماً.
ـ قبول الضعيف المردود:
يتفق العلماء على عدم حجية الحديث الضعيف المردود، لعدم إفادته الظن بالصدور المعتبر شرعاً.
ورتبوا عليه عدم جواز الرجوع إليه في استفادة الأحكام الشرعية من حلال وحرام.
وبتعبير أدق: قالوا: لا يجوز اعتباره دليلا في الواجبات والمحرمات من الأحكام الشرعية.
واختلفوا في الرجوع إليه في السنن (المستحبات الشرعية) والمكروهات الشرعية.
بمعنى أننا لو رأينا حديثا ضعيفا يفيد من حيث الدلالة على ندب إلى اتيان فعل أو تركه، أي استحباب الاتيان به أو كراهة الاتيان به، للحصول على الثواب من الله تعالى… هل يجوز لنا اعتماده دليلاً على الاستحباب أو الكراهة، أو لا يجوز؟
في المسألة قولان:
١ ـ القول بالجواز: وعمدة ما استدل به لهذا القول، الروايات.
ذكر منها الحر العاملي في (الوسائل ـ الباب ١٨) من أبواب مقدمة العبادات تحت عنوان (استحباب الاتيان بكل عمل مشروع روي له ثواب عنهم ـ (عليهم السلام) ـ): تسعة أحاديث.
وهي من حيث العدد قد تتجاوز حد الاستفاضة إلى التواتر المعنوي… قال الشيخ الأنصاري في رسالته (في أدلة التسامح في السنن والمكروهات) في معرض ذكره أدلة القول بالجواز: (الثالث: الأخبار المستفيضة التي لا يبعد دعوى تواترها معنى).
وفي هذه الأخبار: الصحاح الصراح والحسان الوضاح، أمثال:
ـ صحيحة هشام بن سالم، رواها (الصدوق عن محمد بن يعقوب، بطرقه إلى الأئمة (عليهم السلام): أن من بلغه شئ من الخير فعمل به كان له من الثواب ما بلغه، وإن لم يكن الأمر كما نقل له)([84]).
ـ حسنة هشام بن سالم، رواها (محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: من سمع شيئا من الثواب على شئ، فصنعه، كان له أجره، وإن لم يكن على ما بلغه)([85]).
ـ ومن طريق أهل السنة: (ما رواه عبد الرحمن الحلواني مرفوعا إلى جابر بن عبد الله الأنصاري: قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): من بلغه عن الله فضيلة فأخذها وعمل بما فيها إيمانا بالله، ورجاء ثوابه، أعطاه الله تعالى ذلك، وإن لم يكن كذلك)([86]).
وعلى أساس من هذه المرويات: قالوا: يتسامح في أدلة السنن، فيؤخذ بمؤديات الأحاديث الضعاف التي لم تبلغ حد الوضع، في المستحبات والمكروهات فقط.
قال الشهيد الثاني في (الدراية ٢٩): (وجوّز الأكثر العمل به ـ أي بالخبر الضعيف ـ في نحو القصص والمواعظ وفضائل الأعمال، لا في نحو صفات الله المتعال، وأحكام الحلال والحرام.
وهو حسن حيث لا يبلغ الضعف حد الوضع والاختلاق، لما اشتهر بين العلماء المحققين من التساهل بأدلة السنن).
٢ ـ القول بعدم الجواز:
وملخص ما استدل به أصحاب هذا القول هو أن الاستحباب حكم شرعي كالوجوب، فكما نحتاج في إثبات الوجوب إلى دليل شرعي معتبر وحجة، نحتاج في إثبات الاستحباب إلى دلل شرعي معتبر وحجة (فلا وجه للفرق بينهما، والاكتفاء فيه بأخبار الضعفاء والمجاهيل.
وكذا الكراهة والحرمة لا فرق بينهما في ذلك.
وأجيب عنه:
بأن الحكم بالاستحباب فيما ضعف مستند ليس في الحقيقة بذلك الخبر الضعيف، بل بالروايات الواردة في هذا الباب)([87]).
قال الشيخ الطريحي في كتابه (جامع المقال ١٨) ـ بعد نقله لروايات الباب ـ ( إن العمل ـ في الحقيقة ـ بهذه الأخبار، لا بما تضمنه الخبر الضعيف).
اللهم، إلا أن يقال: لا بد من تحقق الشرعية أولا في ذلك العمل الذي دل عليه الخبر الضعيف، بطريق صحيح، ليترتب الثواب عليه بهذا الخبر وإن لم يكن صحيحا، جمعا بين هذه الأخبار وبين ما دل على اشتراط العدالة في الراوي.
فحينئذٍ لا يتم الاستدلال بها مطلقاً.
أما من لم يمنع من العمل بها، ولم يشترط العدالة في الراوي، ويجعل الاعتماد في الحكم على حصول الظن كيف ما اتفق، فلا إشكال عليه في ذلك كما لا يخفى).
المرسل
تعريفه
الإرسال ـ لغةً ـ الاطلاق… يقال: أرسل الطائر من يده إذا أطلقه ليطير، ويقال: أرسل الكلام: أطلقه من غير تقييد.
ومن هذا: تسمية العرب النثر الذي لم يقيد بالسجع بـ (النثر المرسل).
وسمي الحديث ـ هنا ـ بالمرسل لإطلاقه من قيد الإسناد.
والمرسل ـ علمياً ـ هو الذي لم تتم فيه سلسلة الرواة.
وذلك:
إما بسقوط جميع الرواة الوسائط بين راوي الحديث، والمعصوم الذي روي عنه الحديث.
وإما بسقوط بعض الرواة الوسائط.
وبشرط عدم معرفة اسم الراوي الذي لم يرد ذكره في السند، وذلك لأن المعروف المحذوف في قوة المذكور، فيكون الحديث معه من نوع المسند لا المرسل.
فما انتهجه الشيخان الصدوق والطوسي في (الفقه) و (التهذيبين) من حذف أسماء الرواة أو بعض أسماء الرواة من سلسلة كثير من الأسانيد، بغية الاختصار، واعتماداً على ما ذكراه في (المشيخة) في آخر كل كتاب من الكتب الثلاثة: (الفقيه) و (التهذيب) و (الاستبصار)، لا يعد من المرسل، وذلك لمعرفة رجال السند عن طريق المشيخة.
ومن أمثلة الحديث المرسل:
ـ ما حذف من سلسلته جميع الرواة الوسائط، نحو ما رواه القاضي النعمان المغربي، قال: (عن جعفر بن محمد (عليه السلام): أنه ذكر الطواف بين الصفا والمروة، فقال: يخرج من باب الصفا فيرقى على الصفا، وينزل منه، ويرقى المروة، ثم يرجع كذلك، سبع مرات، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة)([88]).
ـ ما حذف من سلسلته بعض الرواة الوسائط، نحو ما رواه الحر العاملي عن الشيخ الطوسي (محمد بن الحسن بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: الكر من الماء الذي لا ينجسه شئ ألف ومائتا رطل)([89]).
والمحذوف من سلسلة السند هو ما أشير إليه بقول ابن أبي عمير (عن بعض أصحابنا).
ومن هنا تسمى هذه الرواية بمرسل أو مرسلة ابن أبي عمير، لأنه هو الذي أرسلها من الإسناد بينه وبين الإمام.
مشروعيته
بحث الفقهاء والمحدثون مشروعية الحديث المرسل، واختلفوا فيها على أقوال:
١ ـ حجية مرسل الثقة:
بمعنى أنه إذا كان الراوي المرسل للحديث ثقة يقبل مرسله، ويعتد حجة يركن إليه.
نسب هذا القول إلى أبي جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي صاحب كتاب المحاسن، وإلى أبيه محمد بن خالد البرقي من أصحاب الإمامين الرضا والجواد (عليهم السلام).
واستدل له: بأن رواية الثقة توثيق لمن يروي عنهم، وذلك (لأنه لو روى عن غير العدل ولم يبين حاله، لكان ذلك غشا، وهو مناف للعدالة)([90]).
ونوقش: بأن هذا (إنما يتم لو انحصر أمر العدل في روايته عن العدل أو الموثوق بصدقه، وهو ممنوع)([91]).
٢ ـ عدم حجية المرسل مطلقا، أي سواء كان المرسل له ثقة أو غير ثقة، وسواء كان لا يرسل إلا عن ثقة أم لا.
ذهب إلى هذا العلامة الحلي في كتابه (تهذيب الأصول)([92]).
واستدل له بـ (أن شرط جواز قبول الرواية معرفة عدالة الراوي، ولم تثبت، لعدم دلالة رواية العدل عليه)([93])، لأنها أعم.
٣ ـ حجية المرسل إذا كان راويه معروفا بأنه لا يرسل إلا عن ثقة، كما ذكر هذا في حق محمد بن أبي عمير.
ذهب إلى هذا الميرزا القمي في (القوانين).
واستدل له بـ (أن الارسال ممن عرف بأنه لا يرسل إلا عن ثقة، كاشف عن اعتماده على صدق الواسطة والوثوق بخبره.
ولا ريب أن ذلك يفيد ظنا بصدق خبره، وهو لا يقصر عن الظن الحاصل بصدق خبر الفاسق بعد التثبت)([94]).
ولاحظ عليه الشيخ السبحاني بـ (أنه مبني علي مبناه (يعني صاحب القوانين) من حجية مطلق الظن، وهو خلاف التحقيق.
ثم الظن في المقيس عليه أي الظن بصدق الفاسق بعد التثبت ليس بحجة ما لم يبلغ درجة التبين والاطمئنان العرفي)([95]).
هذه هي أهم الأقوال في مسألة حجية المرسل، وتتربع إذا أضفنا إليها:
٤ ـ المرسل المقبول:
ذلك أن المرسل إذا كان غير حجة ـ على رأي من يرى ذلك ـ يهبط إلى مستوى الحديث الضعيف، ويدخل في قائمة الأحاديث الضعاف، ويأخذ أحكامها من حيث القبول والرد.
فإذا وجدنا مرسلا قد تلقاه العلماء بالقبول، وعملوا وفق مؤداه يكون بمستوى الضعيف المقبول.
ومرَّ بنا أن قبول العلماء للضعيف واستنادهم إليه في الفتوى قد يكون جابر الضعفه فيدخل في دائرة الاعتبار عند المشهور، وقد لا يكون جابراً لضعفه فيبقى على عدم اعتباره، كما هو رأي الآخرين.
فما قيل هناك في الضعيف المقبول، يقول هنا في المرسل المقبول…
فقد يعتبر القبول ـ هنا ـ جابراً لضعفه الآتي من ناحية الارسال فيكون حجة، وقد لا يعتبر فلا يكون حجة.
ـ المرفوع:
وقد يطلق في لغة محدثينا وفقهائنا على الحديث المرسل اسم (المرفوع)، لأن الراوي للحديث رفعه إلى المعصوم، أو إلى من رواه عن المعصوم، بإسقاط الرواة بينهما.
وقد يؤنث باعتبار أنه وصف للرواية فيقال: (مرفوعة).
مثاله:
مرفوعة زرارة التي رواها الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي في كتابه (غوالي اللآلي)، عن العلامة الحلي مرفوعة إلى زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)، فقلت له: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران والحديثان المعارضان فبأيهما آخذ؟… إلخ.
ـ الشاذ:
من أنواع خبر الواحد غير المقرون ما سمي بـ (الشاذ)، وقد ورد هذا الاسم في أحاديث رويت عن الأئمة (عليهم السلام)، أمثال:
ـ مقبولة عمر بن حنظلة: (ينظر إلى ما كان من روايتيهما عنا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك).
ـ ومرفوعة زرارة: (يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر).
والذي يبدو أن الكلمة استعملت بمعناها اللغوي، حيث تعني في اللغة العربية: الشئ المنفرد.
وعندما نقول: (منفرد) فإنما نعني أن هناك مجموعا أو جماعة انفرد هذا عنها وشذ.
قال ابن منظور: شذ يشذ شذوذاً: انفرد عن الجمهور وندر، فهو شاذ).
وروى ابن منظور عن ابن سيده قوله: (شذ الشئ يَشِذ ـ ويَشُذ ـ شذاً وشذوذاً: ندر عن جمهوره).
وروي أيضاً عن الليث أنه قال: (شذ الرجل إذا انفرد عن أصحابه، وكذلك كل شئ منفرد فهو شاذ).
وفي ضوء ما تقدم يمكننا أن نعرف الحديث الشاذ ـ اصطلاحا ـ بأنه الحديث النادر المقابل لآخر مشهور بين الجمهور.
مثاله:
(حديث حذيفة بن منصور عن معاذ بن كثير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الناس يقولون: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صام تسعة وعشرين أكثر مما صام ثلاثين.
فقال: كذبوا ما صام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منذ بعثه الله تعالى إلى أن قبضه أقل من ثلاثين يوماً، ولا نقص شهر رمضان منذ خلق الله السماوات من ثلاثين يوماً وليلة).
ذكره الشيخ الطوسي في كتاب (التهذيب 4/167 رقم ٤٧٧)، ثم علق عليه في ص ١٦٩ بقوله: (وهذا الخبر لا يصح العمل به من وجوه
أحدها: أن متن هذا الحديث لا يوجد في شئ من الأصول المصنفة، وإنما هو موجود في الشواذ من الأخبار.
ومنها: أن كتاب حذيفة بن منصور ـ رحمه الله ـ عري منه، والكتاب معروف مشهور).
أهلية الراوي للرواية
ـ أهمية الموضوع.
يُعَدّ هذ الموضوع من أهم موضوعات علم الحديث، لأن به، ومن خلال ما يذكر فيه من مؤهلات، يلزم توافرها في الراوي، يميز ويفرق بين الرواية المعتبرة والأخرى غير المعتبرة.
ولأن على أساس منه يقوم الرجاليون بمهمة التعديل والتجريح، والتوثيق والتفسيق، ليعرف في ضوء ما يذكرون من قيم للراوي مدى اعتبار السند وعدم اعتباره.
وليعرف أيضاً مستوى السند من حيث الصحة والحسن والوثاقة والضعف… وغيرها.
ويستفاد منه أيضاً في مجال الترجيح بين الأسانيد من خلال معرفة مستوى السند من حيث العلو والدنو والتوسط.
إلى غير هذه مما يعرف في مواضعه من بحوث الرجاليين والمحدثين.
مشروعيته
ويبدو مما ذكره الشهيد الثاني في (البداية ٦٢) تمهيدا لبحث الموضوع أن تساؤلا قد أثير حول البحث في الموضوع وجوازه من ناحية شرعية، لما في الجرح للراوي من كشف لمستور وإشاعة لسلوك مقبور.
وقد أجاب الشهيد الثاني أنه باستيفاء ووفاء، قال: (وجُوِّز ذلك البحث وإن اشتمل على القدح في المسلم المستور، واستلزم إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، صيانة للشريعة المطهرة من إدخال ما ليس منها فيها، ونفيا للخطأ والكذب عنها.
وقد روي أنه قيل لبعض العلماء: (أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة)، فقال: (لأن يكونوا خصمائي أحب إلي من أن يكون رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خصمي، يقول لي: لم لم تذب الكذب عن حديثي).
وروي أن بعضهم سمع من بعض العلماء شيئا من ذلك، فقال له: (يا شيخ لا يغتاب العلماء)، فقال له: (ويحك، هذا نصيحة، ليس هذا غيبة).
وهذا أمر واضح لا مرية فيه، بل هو من فروض الكفاية كأصل المعرفة بالحديث.
نعم، يجب على المتكلم في ذلك التثبت في نظره وجرحه لئلا يقدح في بريء غير مجروح بما ظنه جرحاً، فيجرح بريئا بسمة سوء يبقى عليه الدهر عارها… فقد أخطأ في ذلك غير واحد، فطعنوا في أكابر من الرواة، استنادا إلى طعن ورد فيهم، له محمل، أو لا يثبت عنهم بطريق صحيح.
فمن أراد الوقوف على حقيقة الحال فليطالع كتاب الكشي في الرجال.
وقد كفانا السلف الصالح من العلماء بهذا الشأن مؤنة الجرح والتعديل غالبا، في كتبهم التي صنفوها في الضعفاء، كابن الغضائري، أو فيهما معا (يعني الجرح والتعديل) كالنجاشي والشيخ أبي جعفر الطوسي والسيد جمال الدين أحمد بن طاووس والعلامة جمال الدين بن المطهر والشيخ تقي الدين بن داود وغيرهم.
ولكن ينبغي للماهر في هذه الصناعة، ومن وهبه الله تعالى أحسن بضاعة تدبر ما ذكروه، ومراعاة ما قرروه، فعله يظفر بكثير مما أهملوه، ويطلع على توجيه في المدح والقدح قد أغفلوه، كما أطلعنا عليه كثيراً، ونبهنا عليه في مواضع كثيرة وضعناها على كتب القوم، خصوصا مع تعارض الأخبار في الجرح والقدح، فإنه وقع لكثير من أكابر الرواة، وقد أودعه الكشي في كتابه من غير ترجيح، وتكلم من بعده في ذلك، واختلفوا في ترجيح أيهما على الآخر اختلافاً كثيراً، فلا ينبغي لمن قدر على البحث تقليدهم في ذلك، بل ينفق ما آتاه الله تعالى، فلكل مجتهد نصيب، فإن طريق الجمع ملتبس على كثير حسب اختلاف طرقه وأصوله في العمل بالأخبار الصحيحة والحسنة والموثقة، وطرحها، أو بعضها، فربما لم يكن في أحد الجانبين حديث صحيح، فلا يحتاج إلى البحث عن الجمع بينهما، بل يعمل بالصحيح خاصة، حيث يكون ذلك من أصول الباحث، وربما يكون بعضها صحيحاً ونقيضه حسناً أو موثقاً، ويكون من أصله العمل بالجميع، فيجمع بينهما بما لا يوافق أصل الباحث الآخر، ونحو ذلك.
وكثيراً ما يتفق لهم التعديل بما لا يصلح تعديلا، كما يعرفه من يطالع كتبهم سيما (خلاصة الأقوال) التي هي الخلاصة في علم الرجال).
تحديده
عنون بعض المؤلفين في علم الحديث هذا البحث بـ (من تقبل روايته ومن ترد)، وعنونه آخر بـ (صفات الراوي)، وثالث بـ (شروط الراوي).
والمراد بهذه العناوين وأمثالها بيان أهلية الراوي لتحمل الرواية وأدائها.
والأهلية ـ كما هو معلوم ـ صلاحية الإنسان للقيام بما أنيط به من مهمة أو عمل أو وظيفة.
وعليه تكون أهلية الراوي صلاحيته للقيام بحمل الرواية وأدائها بسبب توفر متطلبات القيام بهذه المهمة لديه.
مؤهلاته
وهي الصفات التي يلزم الانسان الاتصاف بها ليكون أهلا لتحمل الرواية وأدائها.
أو هي الشروط التي يجب توافرها في الانسان ليصلح أن يكون راويا يقوم بمهمة التحمل والأداء.
وهي:
1 ـ الإسلام:
بأن يكون الراوي مسلما حال أدائه للرواية لا حال تحمله.
قال الشهيد الثاني في (البداية ٦٤): (اتفق أئمة الحديث والأصول الفقهية على اشتراط إسلام الراوي حال روايته، وإن لم يكن مسلما حال تحمله).
وقال ابنه الشيخ حسن العاملي في (المعالم 352ـ353): (ولا ريب عندنا في اشتراطه لقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات: 6] وهو شامل للكفر وغيره.
ولئن قيل باختصاصه في العرف المتأخر بالمسلم، لدل بمفهوم الموافقة على عدم قبول خبر الكافر، كما هو الظاهر).
٢ ـ العقل:
بأن يكون الراوي غير مجنون.
وهو من القضايا البديهية المتفق عليها في تحقق الأهلية.
٣ ـ البلوغ:
بأن يكون الراوي قد بلغ سن التكليف الشرعي حال أدائه للرواية لا حال تحمله.
وهو مما تسالمت عليه كلمة علمائنا.
٤ ـ الايمان:
بأن يكون الراوي إمامياً.
قال الشيخ العاملي في (المعالم ٣٥٣): (واشتراطه هو المشهور بين الأصحاب).
وفي مقابله عند أصحابنا أيضا: تجويز رواية غير الامامي من الفرق الاسلامية الأخرى، سواء كان من أهل السنة أم من الشيعة، إذ كان موثقا عند علمائنا ـ كما مر في تعريف الحديث الموثق.
وهو مذهب الشيخ الطوسي، على تفصيل له في المسألة.
وخلاصته
أ ـ قبول رواية السني الموثق عندنا ـ لا في مذهبه ـ إذا روى عن أحد أئمتنا (عليهم السلام)، شريطة أن لا يوجد في رواياتنا ما يخالف روايته.
قال في (العدة 1/379ـ380): (فأما إذا كان مخالفاً في الاعتقاد لأصل المذهب، وروى مع ذلك عن الأئمة (عليهم السلام)، نظر فيما يرويه:
١ ـ فإن كان هناك من طرق الموثوق بهم ما يخالفه، وجب اطراح خبره.
٢ ـ وإن لم يكن هناك ما يوجب اطراح خبره، ويكون هناك ما يوافقه، وجب العمل به.
٣ ـ وإن لم يكن هناك من الفرقة المحقة خبر يوافق ذلك، ولا يخالفه، ولا يعرف لهم قول فيه، وجب أيضا العمل به، لما روي عن الصادق (عليه السلام)، أنه قال: (إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنا، فانظروا إلى ما رووه (يعني أهل السنة) عن علي (عليه السلام) فاعملوا به).
ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث، وغياث بن كلوب، ونوح بن دراج، والسكوني، وغيرهم من العامة عن أئمتنا (عليه السلام) فيما لم ينكروه، ولم يكن عندهم خلافه).
ب ـ قبول رواية الشيعي غير الامامي إذا كان موثقا عندنا ـ لا في مذهبه بشرط:
١ ـ أن لا يوجد في رواياتنا ما يخالف روايته.
٢ ـ أن تقترن روايته بما يساعد على قبولها.
٣ ـ أن يوجد ما يوافق روايته في رواياتنا.
قال ـ 380 ـ 381: (وأما إذا كان الراوي من فرق الشيعة، مثل: الفطحية، والواقفة، والناووسية، وغيرهم، نظر فيما يرويه:
١ ـ فإن كان هناك قرينة تعضده، أو خبر آخر من جهة الموثوقين بهم، وجب العمل به.
٢ ـ وإن كان هناك خبر آخر يخالفه من طريق الموثوقين، وجب اطراح ما اختصوا بروايته، والعمل بما رواه الثقة.
٣ ـ وإن كان ما رووه ليس هناك ما يخالفه، ولا يعرف من الطائفة العمل بخلافه، وجب العمل به أيضا، إذا كان متحرجا في روايته، موثوقا في أمانته، وإن كان مخطئا في أصل الاعتقاد.
فلأجل ما قلناه عملت الطائفة بأخبار الفطحية، مثل: عبد الله بن بكير، وغيره، وأخبار الواقفة مثل: سماعة بن مهران، وعلي بن أبي حمزة، وعثمان بن عيسى، ومن بعد هؤلاء بما رواه بنو فضال، وبنو سماعة، والطاطريون، وغيرهم، فيما لم يكن عندهم فيه خلافه).
ج ـ وقال في قبول أو رفض روايات الغلاة والمتهمين والمضعفين: (وأما ما ترويه الغلاة والمتهمون والمضعفون، وغير هؤلاء:
١ ـ فما يختص الغلاة بروايته.
أ ـ فإن كانوا ممن عرف لهم حال استقامة، وحال غلو، عمل بما رووه في حال الاستقامة، وترك ما رووه في حال تخليطهم.
ولأجل ذلك عملت الطائفة بما رواه أبو الخطاب محمد بن أبي زينب في حال استقامته، وتركوا ما رواه في حال تخليطه.
وكذلك القول في أحمد بن خلال العبرتائي، وابن أبي عذافر، وغير هؤلاء.
ب ـ فأما ما يرويه في حال تخليطه، فلا يجوز العمل به على كل حال.
وكذلك القول فيما يرويه المتهمون والمضعفون:
١ ـ فإن كان هناك ما يعضد روايتهم ويدل على صحتها، وجب العمل به.
٢ ـ وإن لم يكن هناك ما يشهد لروايتهم بالصحة، وجب التوقف في أخبارهم.
فلأجل ذلك توقف المشايخ عن أخبار كثيرة هذه صورتها، ولم يرووها، واستثنوها في فهارسهم من جملة ما يروونه من التصنيفات).
٥ ـ العدالة:
تقدم أن تحدثت عن العدالة، عن مفهومها والخلاف فيه، بما فيه الكفاية. وذلك عند حديثي عن التعديل.
فلنا ـ إذن ـ أن ننتقل إلى الحديث عن طرق معرفة العدالة والجرح.
طرق معرفة العدالة والجرح:
أي كيف نعرف أن هذا الراوي الذي نريد أن نعتمد روايته في الاستنباط والاستدلال متصف بالعدالة أو غير متصف بها.
ذكر العلماء لذلك ثلاث طرق، هي:
١ ـ الاستفاضة:
وهي: أن تشتهر عدالة الراوي أو جرحه في أوساط المعنيين بذلك من أهل الحديث وغيرهم من أهل العلم.
وبالاستفاضة أثبت العلماء عدالة (مشايخنا السالفين من عهد الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، وما بعده، إلى زماننا هذا… فلا يحتاج أحد من هؤلاء المشايخ إلى تنصيص على تزكية، ولا تنبيه على عدالة، لما اشتهر في كل عصر من ثقتهم وضبطهم وورعهم، زيادة على العدالة)([96]).
٢ ـ البينة:
وهي أن ينص عادلان على تزكية الراوي أو جرحه، بأن يقولا في حقه: ثقة: وأمثاله، أو يقولا: كذاب وأمثاله.
ويحتاج إلى البينة في معرفة عدالة وجرح الرواة الذين لم تشتهر عدالتهم أو جرحهم في الأوساط العلمية المعنية، وذلك بأن يرجع إلى الكتب الرجالية الأصول أمثال: كتب البغداديين: الكشي والنجاشي والطوسي، ومن بعدهم، كتب الحليين: ابن طاووس والعلامة وابن داود.
٣ ـ شهادة العدل الواحد:
وهي: أن يزكي أو يجرح الرواي عادل واحد.
ذهب إليه المشهور من أصحابنا، استناداً إلى الاكتفاء بالواحد في قبول الرواية، وتزكية الراوي هنا فرع قبول الرواية، فكما لا يعتبر العدد في الأصل ـ وهو قبول الرواية ـ لا يعتبر في الفرع ـ وهو تزكية أو جرح الراوي.
وذهب الآخرون إلى عدم الاكتفاء به، لأن التزكية والجرح شهادة، والشهادة لا بد فيها من التعدد.
ولقد أجاد الفاضل القمي (ره) حيث قال: إن التزكية من باب الظنون الاجتهادية لا الرواية والشهادة.
وأن المعيار (هنا) حصول الظن على أي نحو يكون.
كيف لا، والمزكون لم يلقوا أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، وإنما اعتمدوا على مثل ما رواه الكشي([97]).
وحصيلة ما تقدم، هي: أنه إذا أفاد تقييم الرجاليين القدامى المذكور في كتبهم الرجالية المعتمدة، وفي هدي ما يملكه الباحث من وسائل الاجتهاد، الظن بقيمة الراوي، اعتمد عليه واستند إليه، وقيم الرواية في هديه.
اجتماع الجرح والتعديل:
ويتفرع على مسألتنا السابقة مشكلة ما لو اجتمع في تعريف راو واحد قول يزكيه وآخر يطعن فيه.
وقد بحثها مؤلفو علم الحديث كعموميات تنطبق على الحوادث اليومية.
وهذا يصح لمن يريد أن يؤسس قواعد لدراسات وأبحاث مستقبلية يقيم على هديها من يلتقيه من الرواة الأحياء.
ونستفيد منه إذا أردنا معرفة قيمة راو معاصر لنا.
أما ونحن نتعامل مع رواة مروا في التاريخ، وليس أمامنا من تقييم لشخصياتهم، إلا ما ذكر في كتب الرجال، وهو لا يعدو أن يكون من نوع الأخبار المنقولة، والمستفادة مؤدياتها من قرائن اطلع عليها، أو دارسات قام بها معنيون بهذا الشأن عاشوا قبل زمن المؤلفين الرجاليين، ولم يصل إلى الرجاليين منهم إلا نتائجها.
فالحل ـ على هذا ـ هو أن نوضح كيفية التعامل مع القيم المذكورة في كتب الرجال.
ويتم هذا: بأن يقوم التعامل على أساس من معرفتنا لمنهج المؤلف، وطريقته العلمية في تقييم الرواة.
فمثلاً: لو قارنا بين فهرسي النجاشي والطوسي بقراءة كل منهما قراءة ناقدة، لرأينا النجاشي أكثر تدقيقاً وتحقيقاً.
وعلى أساس منه نقول: لو تعارض تقييم النجاشي وتقييم الطوسي يقدم تقييم النجاشي.
وهكذا لو تعارض تقييم الرجاليين البغداديين (الكشي والنجاشي والطوسي) وتقييم الرجاليين الحليين (ابن طاووس والعلامة وابن داود) يقدم تقييم البغداديين، لانهم أقاموا تقييماتهم على ما أفادوه من الرجاليين السابقين لجيلهم، وهو أقرب عهدا وألصق معرفة بسيرة وواقع الرواة.
وأخيراً:
المسألة ـ في واقعها ـ اجتهادية ـ تعتمد على منهج الباحث وطريقته، والقواعد الأساسية التي توصله إلى هذا.
٦ ـ الضبط:
ويراد به أن يكون الراوي حافظا لما يرويه (متيقظا غير مغفل إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابه، حافظا له من الغلط والتصحيف والتحريف إن حدث منه، عارفاً بما يختل به المعنى إن روى بالمعنى) ([98]) ـ في رأي من يجوزه ـ.
الرواية عند المرأة
وإلحاقاً بما تقدم قال الشهيد الثاني في (الدراية ٦٦): (ولا يشترط في الراوي الذكورة، لأصالة عدم اشتراطها، واطباق السلف والخلف على الرواية عن المرأة).
ومن هنا ترانا نقرأ في كتب الرجال والتراجم والتاريخ والفهارس أسماء عدد غير قليل من النساء الراويات والمحدثات وصاحبات الإجازات لهن ومنهن.
ومن هذه الأسماء:
ـ (من الصحابيات):
١ ـ أم المؤمنين خديجة بنت خويلد القرشية.
٢ ـ أم المؤمنين أم سلمة بنت أمية بن المغيرة المخزومية، روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ٣٧٨ حديثاً.
٣ ـ أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر التيمية، روي عنها ٢٢١٠ حديثاً.
٤ ـ أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية، روى لها البخاري ومسلم ٦٠ حديثاً.
٥ ـ أروى بنت أنيس، روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله).
٦ ـ أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين.
٧ ـ أسماء بنت عميس الخثعمية.
٨ ـ أم أيمن: بركة بنت ثعلبة الحبشية.
٩ ـ أم حذيفة بن اليمان، روى عنها ابنها حذيفة.
١٠ ـ أم الخطاب زوج عثمان بن مظعون، روى عنها ابنها خطاب.
١١ ـ أم سعد بنت سعد بن الربيع الأنصارية، روى عنها داود بن الحصين.
١٢ ـ أم سليم بنت ملحان، روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وروى عنها ابنها وابن عباس وغيرهما.
١٣ ـ أم سنبلة الأسلمية، روت عنها أم المؤمنين عائشة.
١٤ ـ أم عبد الله بن مسعود، روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وروى عنها ابنها عبد الله.
١٥ ـ أم فروة الانصارية، روى عنها ابن أخيها القاسم بن غنام.
١٦ ـ أم الفضل: لبابة بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن عبد المطلب، روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وروى عنها ابناها تمام وعبد الله.
١٧ ـ أم الكرام السلمية روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله).
١٨ ـ أم نصر المحاربية.
١٩ ـ أم هاني الأنصارية.
٢٠ ـ جمرة بنت النعمان العدوية.
٢١ ـ درة بنت أبي سلمة المخزومية.
٢٢ ـ سائبة مولاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، روت عنه، وروى عنها طارق بن عبد الرحمن.
٢٣ ـ سبيعة الأسلمية، روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله).
٢٤ ـ ليلى زوج أبي ذر الغفاري، وت عنها امامة بنت الصلت.
٢٥ ـ نسيبة بنت كعب الأنصارية: أم عمارة.
ـ (من التابعيات):
١ ـ أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.
٢ ـ أم جميلة السعدية، روت عن أم المؤمنين عائشة.
٣ ـ أم حفص بنت عبيد بن عازب، روت عن عمها البراء بن عازب.
٤ ـ أم حميد بنت عبد الرحمن، روت عن أم المؤمنين عائشة.
٥ ـ أم عمرو بنت خوات بن جبير، روت عن أم المؤمنين عائشة.
٦ ـ أم عيسى بن عبد الرحمن، روت عن أم المؤمنين عائشة.
٧ ـ أم كلثوم الليثية، روت عن أم المؤمنين عائشة، وروى عنها عبد الله بن عبيد الليثي.
٨ ـ أم مسكين بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، روت عن أبي هريرة.
٩ ـ برزة أم الزبير بن عربي، روت عن أم المؤمنين عائشة.
١٠ ـ تبالة بنت يزيد، روت عن أم المؤمنين عائشة.
١١ ـ جمانة بنت المسيب بن نجية الفزاري، روت عن حذيفة بن اليمان.
١٢ ـ ذفرة بنت غالب الراسبية البصرية، روت عن أم المؤمنين عائشة.
١٣ ـ زبيبة بنت النعمان، روت عن أبي هريرة.
١٤ ـ زينب بنت كعب زوج أبي سعيد الخدري، وثقها ابن حبان.
١٥ ـ زينب بنت نبيط الأنصارية.
١٦ ـ سارة بنت عبد الله بن مسعود، روت عن أبيها.
١٧ ـ سكينة بنت قريش، روت عن أم المؤمنين عائشة، وروى عنها مسلم الجرمي.
١٨ ـ سلمى مولاة بكر بن وائل، روت عن أم المؤمنين أم سلمة وغيرها.
١٩ ـ سُمى الأنصارية، روت عن أم المؤمنين أم سلمة.
٢٠ ـ سيرين بنت عبد الله بن مسعود، روت عن أبيها.
٢١ ـ صفية بنت شيبة بن عثمان العبدية، وثقها ابن حبان.
٢٢ ـ كريمة بنت همام، روت عن أم المؤمنين عائشة، وروى عنها علي بن المبارك ويحيى بن أبي كثير.
٢٣ ـ مريم بنت أياس الأنصارية.
٢٤ ـ هند بنت الحارث، روت عن أم المؤمنين أم سلمة.
٢٥ ـ هند بنت شريك البصرية، روت عن أم المؤمنين عائشة.
ـ (من الإماميات):
١ ـ فاطمة الزهراء (عليها السلام)، روت عن أبيها.
٢ ـ زينب بنت علي بن أبي طالب (عليه السلام).
٣ ـ فاطمة بنت علي بن أبي طالب، روت عن أبيها.
٤ ـ فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب.
٥ ـ فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، روت عن أبيها، وأخيها زين العابدين (عليه السلام)، وروى عنها ابنها عبد الله بن الحسن المثنى.
٦ ـ فاطمة بنت علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، روت عن عمتها فاطمة بنت الحسين.
٧ ـ فاطمة بنت محمد الباقر.
٨ ـ فاطمة بنت جعفر الصادق.
٩ ـ فاطمة بن موسى الكاظم.
١٠ ـ فاطمة بنت علي الرضا، روت عن فاطمة بنت موسى الكاظم، عن فاطمة بنت جعفر الصادق عن فاطمة بنت محمد الباقر، عن فاطمة بنت علي زين العابدين، عن فاطمة بنت الحسين عن أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عن فاطمة الزهراء (عليها السلام).
١١ ـ أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب.
١٢ ـ آمنة بيكم بنت محمد تقي المجلسي.
١٣ ـ أسماء بنت عابس بن ربيعة الكوفية، روت عن أبيها، وروى عنها ابن ماجة.
١٤ ـ أم أبيها بنت عبد الله بن جعفر الطيار.
١٥ ـ أم الأسود بنت أعين، أخت زرارة، وهي أول امرأة تشيعت من آل أعين.
١٦ ـ أم الحسن فاطمة بنت محمد بن مكي الشهيد الأول، أجازها والدها الشهيد والسيد ابن معية.
١٧ ـ أم الحسن بن علي بن زياد الوشاء، روى عنها ابنها الحسن.
١٨ ـ أم سلمة والدة محمد بن المهاجر، روى عنها محمد بن أبي عمير عن الإمام الصادق (عليه السلام).
١٩ ـ أم فروة فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، أم الإمام الصادق (عليه السلام)، روت عن علي بن الحسين (عليه السلام).
٢٠ ـ أم موسى حبيبة مولاة أمير المؤمنين (عليه السلام)، روت عنه (عليه السلام).
٢١ ـ أم هاني الثقفية، روت عن الإمام الباقر (عليه السلام).
٢٢ ـ حبابة بنت جعفر الأسدية الوالبية أم الندى.
٢٣ ـ حكيمة بنت موسى الكاظم(ع).
٢٤ ـ حكيمة بنت محمد الجواد(ع).
٢٥ ـ حمادة أخت أبي عبيدة الحذاء، روت عن الإمام الصادق (ع) .
٢٦ ـ حميدة أم الإمام موسى الكاظم(ع).
٢٧ ـ خديجة بنت عمر بن علي بن الحسين(ع) ، روت عن عمها الإمام الباقر (عليه السلام).
٢٨ ـ الرباب زوج الإمام الحسين(ع).
٢٩ ـ سعيدة بنت أبي عمير، روت عن الإمام الصادق (عليه السلام).
٣٠ ـ سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب(ع).
٣١ ـ علية بنت علي بن الحسين زين العابدين(ع) ، لها كتاب.
٣٢ ـ فاطمة بنت السيد رضي الدين علي بن طاووس لها الإجازة من أبيها.
٣٣ ـ كلثوم بنت سليم، روت عن الإمام الرضا (عليه السلام)، وروى عنها محمد بن إسماعيل بن بزيع.
٣٤ ـ مارية العبدية.
٣٥ ـ منة بنت أبي عمير، روت عن الإمام الصادق (عليه السلام).
٣٦ ـ الهاشمية الأصبهانية بنت السيد محمد علي أمين التجار، الفقهية المجتهدة، لها أجازات الاجتهاد من الاعلام.
ـ (من غيرهن):
١ ـ آسية بنت جار الله الشيباني الطبري (٧٩٦هـ ـ ٨٣٥هـ)، أجاز لها الحافظ العراقي وغيره، وأخذ عنها السيوطي، وأجازت هي لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي.
٢ ـ آمنة بنت أبي الحرب، من مشيخة أبي طاهر الخطيب الأنباري.
٣ ـ آمنة بنت موسى بن أحمد (ت ٨٦٠هـ) أجازت للسخاوي المتقدم.
٤ ـ آمنة بنت نصر الله الكنانية (٧٧٠هـ ـ ٨٥٣هـ) قرأ عليها السخاوي، وأجاز لها جماعة.
٥ ـ أم أحمد المرسية (ت ٨٥٠هـ). أجازت للسخاوي.
٦ ـ أم البهاء فاطمة بنت الحافظ تقي الدين محمد الهاشمية، من مشايخ السيوطي.
٧ ـ أم الخير بنت يوسف، أخذ عنها السيوطي.
٨ ـ خديجة بنت إسماعيل بن عمر، أجازت للسيوطي.
٩ ـ درة بنت صالح (ت ٦٠٧هـ)، حدثت بالإجازة عن الأرموي.
١٠ ـ رقية بنت أحمد، لها إجازة من زينب الشعرية في سنة ٦٦٩هـ.
التصحيحات العامة
يلتقي القارئ المستقرئ لكتب الحديث وكتب الرجال وكتب الفقه الاستدلالي عبائر تنبئ أنها ضوابط أو قواعد حديثية أفيدت من واقع علمي الرجال والحديث، إلا أنها لم تدون في كتب الأقدمين بشكل بحوث، وإنما ذكرت على صورة نتائج لبحوت علمية، طويت صفحاتها فلم تصل إلينا.
وقد حاول علماؤنا المتأخرون، لا سيما المعاصرين منهم دراستها في ضوء مبادئ وأصول علمي الرجال والحديث، للخروج منها بنتائج مقرونة بأدلتها، ومستنداتها.
ورأيت ـ قبل البحث فيها ـ أن أعنونها بعنوان (التصحيحات العامة) لأنها ـ في حقيقتها ـ هي تصحيح لمجموعة من الأحاديث يضمها إطار خاص.
واخترت منها أهمها مفاداً، وأكثرها شمولية، وهي:
ـ تصحيح روايات أصحاب الاجماع.
ـ تصحيح مراسيل الثلاثة: ابن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي.
ـ تصحيح أحاديث الكتب الأربعة.
وسأتحدث عن كل واحد منها في حدود ما يتحمله هذا المختصر، مع التركيز والتوضيح قد الامكان.
تصحيح روايات أصحاب الإجماع
روى الشيخ أبو عمرو الكشي في كتابه المعنون بـ (رجال الكشي): أن علماءنا أجمعوا على تصحيح روايات ثمانية عشر راويا من أصحاب الأئمة (عليهم السلام).
تسميتهم:
ولأجل هذا الاجماع المومأ إليه سموا بـ (أصحاب الاجماع).
أسماؤهم:
وهم ثلاثة مجموعات، كل مجموعة ستة رجال، موزعين على صحبة أربعة من الأئمة، وكالتالي:
أ ـ من أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام):
١ ـ زرارة بن أعين الشيباني الكوفي.
٢ ـ معروف بن خربوذ المكي.
٣ ـ بريد بن معاوية العجلي.
٤ ـ الفضيل بن يسار البصري.
٥ ـ محمد بن مسلم الطائفي الكوفي.
٦ ـ أبو بصير عبد الله بن محمد الأسدي.
أو
ـ أبو بصير ليث بن البختري المرادي.
ب ـ من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام):
١ ـ جميل بن دراج النخعي.
٢ ـ عبد الله بن مسكان العنزي.
٣ ـ عبد الله بن بكير بن أعين الكوفي.
٤ ـ حماد بن عيسى الجهني.
٥ ـ حماد بن عثمان الناب.
٦ ـ أبان بن عثمان الأحمر البجلي.
ج ـ من أصحاب الإمامين الكاظم والرضا (عليه السلام):
١ ـ يونس بن عبد الرحمن.
٢ ـ صفوان بن يحيى البجلي بياع السابري.
٣ ـ محمد بن أبي عمير الأزدي البغدادي.
٤ ـ عبد الله بن المغيرة البجلي.
٥ ـ أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي الكوفي.
٦ ـ الحسن بن محبوب السراد الكوفي.
أو
ـ الحسن بن علي بن فضال.
أو
ـ فضالة بن أيوب الأزدي.
أو
ـ عثمان بن عيسى الرواسي.
نصوص عبائر الكشي:
١ ـ قال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام(: (وأجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر، وأبي عبد الله (عليه السلام)، وانقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقه الأولين ستة: زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي.
قالوا: وأفقه الستة زرارة.
وقال بعضهم: مكان أبي بصير الأسدي: أبو بصير المرادي، وهو ليث بن البختري)([99]).
٢ ـ قال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام):
(أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون، وأقروا لهم بالفقه من دون أولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم، ستة نفر: جميل بن دراج، وعبد الله بن مسكان، وعبد الله بن بكير، وحماد بن عيسى، وحماد بن عثمان، وأبان بن عثمان.
قالوا: وزعم أبو إسحاق الفقيه ـ يعني ثعلبة بن ميمون ـ أن أفقه هؤلاء جميل بن دراج، وهم أحداث([100]) أصحاب أبي عبد الله ـ ع ـ)([101]).
٣ ـ قال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن الرضا (عليه السلام):
)أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء، وتصديقهم، وأقروا لهم بالفقه والعلم، وهم ستة نفر أخر، دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)، منهم: يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى بياع السابري، ومحمد بن أبي عمير، وعبد الله بن المغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمد بن أبي نصر.
وقال بعضهم: مكان الحسن بن محبوب، الحسن بن علي بن فضال، وفضالة بن أيوب.
وقال بعضهم: مكان فضالة، عثمان بن عيسى.
وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى)([102]).
مفاد عبارات الكشي:
وقد اختلفوا في تقدير المعنى الذي يمكن أن يستفاد من هذه العبارات المذكورة، على ثلاثة أقوال هي:
١ ـ أنها تدل على توثيق أصحاب الاجماع وتصديقهم فيما يقولون من أخبار مثل: (حدثني فلان) أو (سمعت فلاناً)… إلخ.
٢ ـ أنها تدل على صحة ما يرويه أصحاب الاجماع عن الامام مسندا كان أو مرسلا، كانت الوسائط بين صاحب الاجماع والامام بمستوى العدالة أو الوثاقة أو لم تكن.
٣ ـ صحة ما يروى عنهم.
وبتوضيح أكثر:
١ ـ صاحب الإجماع.
٢ ـ من صاحب الإجماع ← الإمام.
٣ ـ من الراوي ← صاحب الإجماع ← الإمام.
فعلى القول الأول يخضع جميع رواة الحديث ما عدا صاحب الاجماع لمعايير تقييم الرواية، فقد ننتهي إلى أنها معتبرة فتقبل، وقد ننتهي إلى أنها غير معتبرة فلا تقبل.
وعلى القول الثاني تعد الرواية من صاحب الاجماع إلى الامام معتبرة، ولكنها من الراوي إلى صاحب الاجماع تخضع لمعايير التقييم، فقد تكون معتبرة فتقبل، وقد تكون غير معتبرة فلا تقبل.
وعلى القول الثالث فإن الرواية تعد معتبرة وتقبل، وتستثنى من الاخضاع لمعايير تقييم الرواية.
وإذا حاولنا أن نعيد استنطاق نصوص الكشي المرتبطة بالموضوع، منطلقين من أن مفادها واحد..وهي:
١ ـ قوله: (أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء).
٢ ـ قوله: (أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون).
٣ ـ قوله: (أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم).
سوف نرى أن النص الأول يدل على تصديقهم، وهو يشمل تصديقهم أنفسهم بمعنى توثيقهم، وتصديقهم لما يقولون وينقلون.
وهو يعطي مفاد القول الثاني، أي اعتداد الطريق منهم إلى الامام معتبرا، أسند أو أرسل، اشتمل على معدلين أو مضعفين.
ولرأينا النص الثاني والنص الثالث يفيدان ما افاده النص الأول.
ويمكن إيضاحه بالتالي:
وهو إذا كان الإسناد من الراوي إليهم معتبراً تعد الرواية معتبرة، لأنهم مصدقون لما يقولون من إسناد بينهم وبين الامام.
وهو مفاد القول الثاني أيضاً.
نوعية الإجماع:
واختلفوا في نوعية الاجماع الذي نقله وذكره الشيخ الكشي في نصوصه المتقدمة الذكر، على قولين:
١ ـ أنه الاجماع الشرعي المصطلح عليه في أصول الفقه، وهو الكاشف عن رأي المعصوم.
ذهب إلى هذا الحر العاملي، قال في (الوسائل 20/80ـ81): (فعلم من هذه الأحاديث الشريفة (يعني نصوص الكشي المتقدمة) دخول المعصوم بل المعصومين (عليهم السلام) في هذا الاجماع الشريف المنقول بخبر هذا الثقة الجليل وغيره.
وناهيك بهذا الاجماع الشريف الذي قد ثبت نقله وسنده، قرينة قطعية على ثبوت كل حديث رواه واحد من المذكورين مرسلاً أو مسنداً، عن ثقة أو ضعيف أو مجهول، لإطلاق النص والاجماع).
٢ ـ أنه بمعنى الاجتماع الذي يراد به التسالم والاتفاق على الشئ.
ذكره الميرزا النوري في (المستدرك 3/759) بقوله: (إن إجماع العصابة على صحة أحاديث الجماعة إجماع على اقتران أحاديثهم بما يوجب الحكم بصحتها).
ويؤيد القول الثاني وهو أن الاجماع ـ هنا ـ بمعني الاجتماع في الرأي لا الإجماع على الرأي الكاشف عن دخول المعصوم ضمن المجمعين، ما ورد في رواية الميرزا النوري في (المستدرك 3/757) من قوله (اجتمعت) في النص الأول مكان (أجمعت).
يضاف إليه أن الاجماع بمعناه الشرعي أو الاصطلاحي لم يبرز كدليل شرعي ومصدر من مصادر التشريع الاسلامي عند الإمامية إلا بعد الغيبة الصغرى، وبالتحديد في عهد الشيخ المفيد وتلامذته.
فلم تثلث المصادر ـ تاريخياً ـ إلا من قبل السيد المرتضى في (الذريعة) والشيخ الطوسي في (العدة).
والشيخ الكشي ناقل الاجماع ـ هنا ـ توفي سنة ٣٤٠هـ، ولازم هذا أن يكون الاجماع الذي نقله عن مشايخه كان في الغيبة الصغرى التي انتهت سنة ٣٢٩هـ.
وهذا يؤيد أنه لم يكن إجماعا شرعيا لوجود الامام، وعدم الحاجة إلى الاجماع الشرعي ليكشف عن رأي الامام.
الرأي الآخر:
وفي مقابل ما ذكرنا، ذهب آخرون إلى عدم جواز الأخذ بما ذكر من تصحيح ما يصح عن أصحاب الاجماع.
منهم: أستاذنا السيد الخوئي ـ قدس سره ـ في مقدمة كتابه (معجم رجال الحديث).
وفي هدي ما انتهينا إليه من أن الاجماع الذي نقله الشيخ الكشي لا يعني الاجماع الشرعي، وإنما هو بمعنى الاجتماع على الرأي الناشئ من وجود قرائن كانت تساعد على ذلك.
ولأنه منذ ابتداء الغيبة الكبرى حيث أخذت القرائن بالاختفاء لا يمكننا الأخذ بما أخذ به القدماء، وذلك لاطلاعهم على ما يصلح دليلاً عندهم، وعدم اطلاع المتأخرين عنهم على ذلك.
فالمسألة في حدود ما رأينا مسألة اجتهادية، لابد فيها من الاطلاع على الدليل ومعرفة مدى صلاحيته للاستدلال به والدلالة على المدعى.
تصحيح مراسيل الثلاثة
والثلاثة هم:
١ ـ محمد بن أبي عمير الأزدي البغدادي (ت ٢١٧هـ).
وصفه النجاشي بأنه جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند مخالفينا.
وقال القمي: (كان أوثق الناس عند الخاصة والعامة، وأنسكهم نسكا، وأورعهم، وأعبدهم، وأدرك أبا الحسن موسى والإمامين بعده (عليهم السلام).
وكان من أصحاب الاجماع، جليل القدر، عظيم الشأن، وأصحابنا يسكنون إلى مراسيله، لأنه لا يرسل إلا عن ثقة)([103]).
٢ ـ صفوان بن يحيى البجلي الكوفي (ت ٢١٠هـ).
قال النجاشي: ثقة، ثقة، عين، روى أبوه عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وروى هو عن الرضا (عليه السلام)، وكانت له عنده منزلة شريفة.
وقال الشيخ الطوسي: أوثق أهل زمانه عند أهل الحديث، وأعبدهم([104]).
وتقدم أن الكشي عده في أصحاب الاجماع.
٣ ـ أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي الكوفي (ت ٢٢١هـ).
قال الشيخ الطوسي: ثقة، لقي الرضا (عليه السلام)، وكان عظيم المنزلة عنده([105]).
ومر أن الشيخ الكشي عده في أصحاب الاجماع.
ويراد بـ (التصحيح) ـ هنا: أن هؤلاء الثلاثة إذا أرسلوا حديثا إلى الامام، يؤخذ به، ويعتد حديثا معتبرا، ولا يخضع لمعايير تقييم الحديث المرسل.
وأول من ذكر هذا هو الشيخ الطوسي في (العدة 1/386) في معرض كلامه عن ترجيح أحد الروايتين على الآخر، قال: (وإذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسلاً، نظر في حال المرسل، فإن كان ممن يعلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة موثوق به، فلا ترجيح لخبر غيره على خبره.
ولأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وغيرهم من الثقات، الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا ممن يوثق به، وبين ما أسنده غيرهم.
ولذلك عملوا بمرسلهم إذا انفرد عن رواية غيرهم).
ويستفاد من هذا النص:
١ ـ إن اعتداد المرسل معتبراً لا يقتصر على إرساله من قبل هؤلاء الثلاثة، وإنما يشمل كل ثقة علم أنه لا يرسل إلا عن ثقة.
٢ ـ إن العلماء استفادوا من كلمة (الطائفة) من عبارة (سوت الطائفة) دلالتها على الاجماع.
ومن هنا تكون مسألتنا هذه كسابقتها أعني مسألة روايات أصحاب الاجماع.
ومن المظنون قوياً أن الاجماع الذي أومأ إليه الشيخ الطوسي بقوله (سوت الطائفة) هو الاجماع الذي نقله الكشي، وخاصة أن هؤلاء الثلاثة هم من أصحاب ـ الإجماع ـ كما تقدم.
وأن ذكر هؤلاء الثلاثة بالخصوص في نص الشيخ الطوسي المذكور في أعلاه جاء من باب المثال، وذكر الشاهد.
ويؤيد هذا تعميمه الحكم لكل ثقة علم أنه لا يرسل إلا عن ثقة.
ويترتب على هذا أن المسألتين مسألة واحدة.
ومع القول بتعددهما فالاجماع الذي أشار إليه الشيخ الطوسي ليس هو الاجماع الشرعي التعبدي، وإنما هو اجتماع على الرأي، وذلك لما ذكرناه سالفاً من أن الإجماع الشرعي لم يبرز بشكل مصدر ودليل إلا في عهد الشيخ المفيد وتلامذته، والشيخ الطوسي يشير إلى أن الاجماع كان قبل هذا العهد.
وعليه تكون هذه المسألة ـ هي الأخرى ـ مسألة اجتهادية، يتوقف أمرها عند الباحث على معرفة الدليل ومعرفة مدى دلالته.
تماماً كما ذكرنا في المسألة السابقة.
تصحيح أحاديث الكتب الأربعة
الكتب الأربعة
١ ـ الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي (ت ٣٢٩هـ).
٢ ـ من لا يحضره الفقيه، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (ت ٣٨١هـ).
٣ ـ تهذيب الأحكام، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠هـ).
٤ ـ الاستبصار، أبو جعفر الطوسي أيضاً.
تحرير المسألة
يراد بالتصحيح ـ هنا ـ اعتداد جميع ما في الكتب الأربعة من أحاديث رويت عن أهل البيت (عليهم السلام) معتبرة ومقطوعاً بصدورها عن الأئمة.
والمسألة هذه وقعت موقع الخلاف بين علمائنا، وطال البحث فيها، وطال معه النقاش حولها.
ونقطة الخلاف ـ في واقعها ـ هي: هل أن تصريحات المشايخ الثلاثة هي شهادة منهم بصحة أحاديثهم وتوثيق رواتها، فيؤخذ بها بناء على قبول شهادة العدل الواحد في مثل هذا المقام، أو أنها اجتهاد منهم قائم على منهج خاص بهم، فلا يكون حجة في حق غيرهم.
(قال السيد في (المفاتيح): إن إخبار الكليني بصحة ما دوّنه في الكافي كما يمكن أن يكون باعتبار علمه بها، وقطعه بصدورها عن الأئمة (عليهم السلام)، فيجوز الاعتماد عليها ـ والحال هذه ـ كسائر أخبار العدول، كذلك يمكن أن يكون باعتبار اجتهاده، وظهورها عنده ولو بالدليل الظني، فلا يجوز إذن الاعتماد عليه، فإن ظن المجتهد لا يكون حجة على مثله، كما هو الظاهر من الأصحاب، بل ومن العقلاء وحيث لا ترجيح للاحتمال الأول وجب التوقف)([106]).
ومبدأ هذا، هو ما أثاره الميرزا محمد أمين الاسترآبادي الاخباري في كتابه الموسوم بـ (الفوائد المدنية)، قال في ص ١٨١: (الفصل التاسع في تصحيح أحاديث كتبنا، بوجوه تفطنت بها بتوفيق الله الملك العلام، ودلالة أهل الذكر (عليهم السلام)، وبجواز التمسك بها، لكونها متواترة النسبة إلى مؤلفيها).
وذكر اثني عشر وجهاً في الاستدلال على صحة أحاديث الكتب الأربعة.
أهمها وأقواها الوجوه التي ضمنها تصريحات المشايخ الثلاثة مؤلفي الكتب الأربعة في خطب كتبهم، باعتقادهم صحة ما فيها من أحاديث رووها عن الأئمة (عليهم السلام).
وتابعه على هذا جمع من علمائنا، وجلهم من الأخباريين، فالحر العاملي ـ مثلا ـ عقد الفائدة السادسة من خاتمة كتاب (الوسائل) لهذا، قال في ٢٠/ ٦١ 🙁 الفائدة السادسة في ذكر شهادة جمع كثير من علمائنا بصحة الكتب المذكورة وأمثالها، وتواترها، وثبوتها عن مؤلفيها، وثبوت أحاديثها عن أهل العصمة ـ (عليهم السلام)).
ثم ذكر ما قاله كل واحد من المشايخ الثلاثة من الاعتقاد بصحة ما رواه في الكتاب عن أهل البيت (عليهم السلام).
وواصل ـ بعد هذا ـ نقل أقوال العلماء الآخرين.
وفي (الفائدة التاسعة) ذكر اثنين وعشرين وجها للدلالة على قطعية صدور ما في الكتب الأربعة وأمثالها من كتب أصحابنا القدماء عن أهل البيت (عليهم السلام)، ومن ضمنها ما ذكره الميرزا الاسترآبادي.
وأيضاً أهمها وأقواها تصريحات المشايخ الثلاثة في خطب كتبهم باعتقادهم صحة ما فيها من مرويات عن أهل البيت (عليهم السلام).
وكان سبب هذه الإثارة هو تنويع الأخبار من قبل السيد ابن طاووس، والتأكيد عليه من قبل تلميذه العلامة الحلي، حيث ساعد هذا مساعدة فاعلة على فتح باب النقاش في المسألة، ودراستها دراسة موسعة، بسبب ما حدث من تطور لواقع الامامية بعد غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، واختفاء القرائن التي كانت تلقي الأضواء على الأحاديث في قبولها أو رفضها، وفقدان النسبة الكبيرة من الأصول الأربعمائة.
يقول الشيخ الطريحي: (وتعليله على ما ذكره بعض المتأخرين بأنه لما طالت الأزمنة بين من تأخر والصدر السالف، وآل الحال إلى اندراس بعض كتب الأصول المعتمدة، بتسلط حكام الجور والضلال، والخوف من إظهارها وانتساخها، وانضم إلى ذلك اجتماع ما وصل إليهم من كتب الأصول في الأصول المشهورة في هذا الزمان، فالتبست الأحاديث المأخوذة من الأصول المعتمدة بالمأخوذة من غير المعتمدة، واشتبهت المتكررة في الأصول بغير المتكررة، وخفي عليهم ـ قدس الله أرواحهم ـ كثير من تلك الأمور التي كانت سبب وثوق القدماء بكثير من الأحاديث، ولم يمكنهم الجري على أثرهم في تمييز ما يعتمد عليه عما لا يركن إليه، فاحتاجوا إلى قانون تتميز به الأحاديث المعتبرة عن غيرها، والموثوق بها عما سواها، فقرروا لنا ـ شكر الله سعيهم ـ ذلك الاصطلاح الجديد، وقربوا علينا البعيد، ووضعوا الأحاديث الواردة في كتبهم الاستدلالية، بما اقتضاه ذلك الاصطلاح من الصحة والحسن والتوثيق)([107]).
فلا بد ـ والحال هذه ـ ومن باب الاحتياط للدين، ولصيانة السنة الشريفة أن يدخلها ما ليس منها، من إعادة النظر في واقع المرويات.
وكان الميرزا الاسترآبادي ومن تابعه من الإخباريين لا يرون لهذا التطور في واقع الامامية أي تأثير مهم يدعو إلى إعادة النظر.
وعلينا من أجل أن نقف على جلية الأمر، وتلبية لمقتضيات البحث من ناحية منهجية أن نذكر مواضع الاستشهاد من مقدمات كتبهم، ثم نحاول استنطاقها لمعرفة مؤدياتها، أو ما يظهر منها على الأقل.
وهي:
١ ـ من خطبة الكافي:
(وقلتَ: إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف، يجمع من جميع فنون علم الدين، ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين، والعمل به، بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهما السلام).
هذا هو موضع الاستشهاد الذي استفيد منه تصريح الشيخ الكليني بأن ما في كتابه (الكافي) هو من (الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)).
وناقش استاذنا السيد الخوئي ـ قدس سره ـ هذه الاستفادة بقوله:
(وأما ما ذكر من شهادة محمد بن يعقوب بصحة جميع روايات كتابه وأنها من الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)، فيرده:
أولاً: إنّ السائل إنما سأل محمد بن يعقوب تأليف كتاب مشتمل على الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)، ولم يشترط عليه أن لا يذكر فيه غير الرواية الصحيحة، أو ما صح عن غير الصادقين (عليهم السلام)، ومحمد بن يعقوب قد أعطاه ما سأله، فكتب كتابا مشتملا على الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) في جميع فنون علم الدين، وإن اشتمل كتابه على غير الآثار الصحيحة عنهم (عليهم السلام)، أو الصحيحة عن غيرهم أيضاً استطراداً وتتميماً للفائدة، إذ لعل الناظر يستنبط صحة رواية لم تصح عند المؤلف، أو لم تثبت صحتها.
ويشهد على ما ذكرناه: أن محمد بن يعقوب روى كثيرا في الكافي عن غير المعصومين أيضا ولا بأس أن نذكر بعضها:
١ ـ ما رواه عن علي بن إبراهيم، عن بعض أصحابه، عن هشام بن الحكم، قال: (الأشياء لا تدرك إلا بأمرين([108]).
٢ ـ ما رواه بسنده عن أبي أيوب النحوي قال: (بعث إلي أبو جعفر المنصور في جوف الليل…)([109]) ورواه أيضاً عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن النضر بن سويد([110]).
٣ ـ ما رواه بسنده عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (لما كان اليوم الذي قبض فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) ارتج الموضع بالبكاء)([111]).
٤ ـ ما رواه بسنده عن إدريس بن عبد الله الأودي، قال: (لما قتل الحسين (عليه السلام)، أراد القوم أن يوطئوه الخيل)([112]).
٥ ـ ما رواه بسنده عن الفضيل، قال: (صنايع المعروف وحسن البشر يكسبان المحبة)([113]).
٦ ـ وما رواه بسنده عن ابن مسكان عن أبي حمزة، قال: (المؤمن خلط عمله بالحلم…)([114]).
٧ ـ ما رواه بسنده عن اليمان بن عبيد الله، قال: (رأيت يحيى ابن أم الطويل وقف بالكناسة….)([115]).
٨ ـ ما رواه بسنده عن إسحاق بن عمار، قال: (ليست التعزية إلا عند القبر…)([116]).
٩ ـ ما رواه بسنده عن يونس، قال: (كل زنى سفاح، وليس كل سفاح زنى…) وهو حديث طويل عقد محمد بن يعقوب له بابا مستقلاً([117]) وأيضاً روى بسنده عن يونس، قال: (العلة في وضع السهام على ستة لا أقل ولا أكثر) وأيضا قال: (إنما جعلت المواريث من ستة أسهم…)([118]) وقد جعل لهما أيضا محمد بن يعقوب باباً مستقلاً.
١٠ ـ ما رواه بسنده عن إبراهيم بن أبي البلاد، قال: (أخذني العباس بن موسى…)([119]).
١١ ـ ما رواه عن كتاب أبي نعيم الطحان، رواه عن شريك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، عن زيد بن ثابت أنه قال: (من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء)([120]).
١٢ ـ ما رواه بسنده عن إسماعيل بن جعفر، قال: (اختصم رجلان إلى داود (عليه السلام) في بقرة…)([121]).
وثانياً: لو سلّم أن محمد بن يعقوب شهد بصحة جميع روايات الكافي فهذه الشهادة غير مسموعة، فإنه إن أراد بذلك أن روايات كتابه في نفسها واجدة لشرائط الحجية ـ فهو مقطوع البطلان، لأن فيها مرسلات وفيها روايات في إسنادها مجاهيل، ومن اشتهر بالوضع والكذب، كأبي البختري وأمثاله. وإن أراد بذلك أن تلك الروايات وإن لم تكن في نفسها حجة، إلا أنه دلت القرائن الخارجية على صحتها ولزوم الاعتماد عليها، فهو أمر ممكن في نفسه، لكنه لا يسعنا تصديقه، وترتيب آثار الصحة على تلك الروايات غير الواجدة لشرائط الحجية، فإنها كثيرة جداً.
ومن البعيد جداً وجود امارة الصدق في جميع هذه الموارد، مضافا إلى أن إخبار محمد بن يعقوب بصحة جميع ما في كتابه حينئذ لا يكون شهادة، وإنما هو اجتهاد استنبطه مما اعتقد أنه قرينة على الصدق. ومن الممكن أن ما اعتقده قرينة على الصدق لو كان وصل إلينا لم يحصل لنا ظن بالصدق أيضا، فضلا عن اليقين.
وثالثاً: إنه يوجد في الكافي روايات شاذة لو لم ندع القطع بعدم صدورها من المعصوم (عليه السلام) فلا شك في الاطمئنان به. ومع ذلك كيف تصح دعوى القطع بصحة جميع روايات الكافي، وأنها صدرت من المعصومين عليهم السلام.
ومما يؤكد ما ذكرناه من أن جميع روايات الكافي ليست بصحيحة: أن الشيخ الصدوق ـ قدس سره ـ لم يكن يعتقد صحة جميع ما في الكافي وكذلك شيخه محمد بن الحسن بن الوليد على ما تقدم من أن الصدوق يتبع شيخه في التصحيح والتضعيف.
والمتحصل أنه لم تثبت صحة جميع روايات الكافي، بل لا شك في أن بعضها ضعيفة، بل إن بعضها يطمأن بعدم صدورها من المعصوم (عليه السلام). والله أعلم ببواطن الأمور)([122]).
على أننا لو واصلنا قراءة خطبة الكافي لرأينا فيها ما يدل على أن الشيخ الكليني لم يعتقد بصحة جميع ما في كتابه، وإنما كان يرجو أن يكون الأمر كما أراده السائل لتأليف الكتاب، وذلك بقوله: (وقد يسر الله ـ وله الحمد ـ تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت، فمهما كان فيه من تقصير، فلم تقصر نيتنا في إهداء النصيحة إذ كانت واجبة لاخواننا وأهل ملتنا).
ورجاؤه ـ هنا ـ ليس من باب التواضع، وإنما هو إيماء لواقع لم يخرج منه بيقين قاطع، وإنما بذل كل ما في وسعه من الطاقة لتحقيق ما سأله السائل، فرجا أن يكون قد وفق لذلك.
ولو كان جازماً بأنه قد حقق للسائل ما سأله، لصرح بذلك لأن الأمر هنا مما تترتب عليه آثار شرعية، ولكنه ـ رضوان الله عليه ـ لظنه، ـ ولا أقل من احتماله ـ بأن فيه ما لا يكون بمستوى المطلوب منه، كرواياته عن غير أهل البيت، والضعفاء والمجاهيل والوضاعين، وهو يعرف ذلك عين المعرفة لأنه من علماء الرجال، وممن ألف في الرجال، وبخاصة أن القرائن التي يمكن أن تكون قد اقترنت بشئ منها، وساعدت على قبولها من قبل المتقدمين على زمانه، لم تكن قد بقيت إلى زمانه.
يقول السيد الحسني: (إن قول الكليني: (وقد يسر لي الله تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت) ظاهر في أنه اعتمد على اجتهاداته ودراسته في انتقاء الأحاديث التي دونها في الكافي)([123]).
٢ ـ من خطبة الفقيه:
(ولم أقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به، وأحكم بصحته، وأعتقد فيه أنه حجة بيني وبين ربي ـ تقدس ذكره وتعالت قدرته ـ وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع).
ونصه هذا واضح وصريح في أنه يعتقد بصحة ما في كتابه، ويراه حجة بينه وبين الله تعالى.
وهو ظاهر في أنه اجتهاد منه، اعتمد فيه منهجه الخاص، الذي يحدده استاذنا السيد الخوئي في اتباعه لشيخه محمد بن الحسن بن الوليد القمي في التضعيف والتصحيح، وأنه لا ينظر هو إلى حال الراوي نفسه، وأنه ثقة أو غير ثقة، وذلك استناداً إلى قول الشيخ الصدوق نفسه في (الفقيه: باب صوم التطوع وثوابه) ونصه: (وأما خبر صلاة يوم غدير خم والثواب المذكور فيه لمن صامه، فإن شيخنا محمد بن الحسن كان لا يصححه ويقول: إنه من طريق محمد بن موسى الهمذاني، وكان غير ثقة، وكل ما لم يصححه ذلك الشيخ ـ قدس الله روحه ـ ولم يحكم بصحته من الأخبار فهو عندنا متروك، غير صحيح).
والاجتهاد غير الشهادة حيث تكون حجة على الغير، وهو لا يكون كذلك، يقول أستاذنا السيد الخوئي: (إن إخبار الشيخ الصدوق عن صحة رواية وحجيتها إخبار عن رأيه ونظره، وهذا لا يكون حجة في حق غيره).
٣ ـ من خطبة التهذيب:
(وأذكر مسألة، مسألة فاستدل عليها، إما من ظاهر القرآن، أو من صريحه، أو فحواه، أو دليله، أو معناه، وإما من السنة المقطوع بها، من الأخبار المتواترة، أو الأخبار التي تقترن إليها القرائن التي تدل على صحتها، وإما من إجماع المسلمين إن كان فيها، أو إجماع الفرقة المحقة، ثم أذكر بعد ذلك ما ورد من أحاديث أصحابنا المشهورة في ذلك، وأنظر فيما ورد بعد ذلك مما ينافيها ويضادها، وأبين الوجه فيها، إما بتأويل أجمع بينها وبينها، أو أذكر وجه الفساد فيها، إما من ضعف إسنادها، أو عمل العصابة بخلاف متضمنها، فإذا اتفق الخبران على وجه لا ترجيح لأحدهما على الآخر بينت أن العمل يجب أن يكون بما يوافق دلالة الأصل، وترك العمل بما يخالفه، وكذلك إن كان الحكم مما لا نص فيه على التعيين حملته على ما يقتضيه الأصل، ومهما تمكنت من تأويل بعض الأحاديث من غير أن أطعن في إسنادها فإني لا أتعداه، وأجتهد أن أروي في معنى ما أتأول الحديث عليه حديثا آخر يتضمن ذلك المعنى، إما من صريحه، أو فحواه، حتى أكون عاملا على الفتيا والتأويل بالأثر، وإن كان هذا مما لا يجب علينا لكنه مما يؤنس بالتمسك بالأحاديث، وأجري على عادتي هذه إلى آخر الكتاب، وأوضح إيضاحا لا يلتبس الوجه علي أحد ممن نظر فيه).
وهذا النص ـ على طوله ـ ليس فيه أي تصريح من مؤلفه بأن ما في كتابه كله صحيح، بل الظاهر منه أن في كتابه ما ليس بصحيح، كما في عبارته (أو أذكر وجه الفساد فيها إما من ضعف إسنادها أو عمل العصابة بخلاف متضمنها).
٤ ـ من خطبة الاستبصار:
كتاب الاستبصار هو تجريد من كتاب التهذيب، أي مستخلص منه، كما ذكر هذا المؤلف في مقدمته، بقوله: (وسألوني تجريد ذلك وصرف العناية إلى جمعه وتلخيصه).
ومنهج المؤلف فيه منهجه في كتاب التهذيب، كما نص على هذا بقوله: (وأجري في ذلك على عادتي في كتابي الكبير المذكور).
فكما لا يوجد في كتاب التهذيب ما يدل على اعتقاد المؤلف بصحة جميع ما فيه من أحاديث، لا يوجد هذا في كتاب الاستبصار أيضاً.
والنتيجة: هي أن ما في الكتب الأربعة لا يختلف عما في غيرها من كتب الحديث من لزوم إخضاعه لقواعد تقييم الراوي والرواية.
كيفية تحمل الحديث
التحمل والأداء
تردّد أمامنا ونحن نقرأ موضوع (أهلية الراوي للرواية) لفظا (التحمل) و (الأداء) كلفظين من ألفاظ لغة علم الحديث، وعرفنا هناك:
١ ـ أن التحمل يعني تلقي الراوي للحديث من الراوي الآخر الذي ألقاه إليه، ثم الحفظ له من قبل الراوي المتلقي، سواء كان ذلك الحفظ استظهارا وعن ظهر قلب، أو كتابة وتدويناً.
فالتحمل ـ إذن ـ يعني الحمل، ولكن علماء الحديث اختاروا لفظ التحمل مصطلحا، ولم يختاروا لفظ الحمل، لأن التحمل ـ لغة ـ حمل في مشقة، ومن غير شك أن حمل الحديث فيه شئ من المشقة لما فيه من وجوب الاحتياط له من أن يدخله أو يشوبه شئ ليس منه.
٢ ـ وأن الأداء يعني إلقاء الراوي للحديث لراو آخر يتلقاه منه.
النقل
من المعلوم بداهة أن الحديث يمثل السنة الشريفة التي هي ثاني مصدر من مصادر التشريع الاسلامي.
والتشريع الاسلامي هو لجميع المسلمين الحاضر منهم والآتي مستقبلا حتى نهاية هذه الحياة.
ولأجله لا بد من نقل الحديث من جيل لآخر.
ولكي يأتي النقل سليما وضع العلماء ضوابط لهذا تتمثل في أمور، هي:
ـ أهلية التحمل.
ـ أهلية الأداء.
ـ طرق النقل.
ولأنا أوضحنا أهلية الأداء في (أهلية الراوي للرواية) نقتصر ـ هنا ـ على بينان الأمرين الآخرين.
وفي ضوء ما تقدم، نستطيع أن نعرف نقل الحديث بإيصال الحديث من راو إلى آخر، بغية استمراره بإسناده مع أجيال المسلمين.
أهلية التحمل
ويراد بها الصفات أو الشروط التي يلزم توافرها في من يريد تحمل الحديث، وهي:
١ ـ العقل:
كما تقدم في شروط الراوي، أن اشتراط العقل في الراوي من الأمور البديهية، وذلك لأن تحمل الحديث مسؤولية، والمسؤولية لا تناط شرعا وقانونا إلا بعاقل لإدراكه لذلك.
٢ ـ التمييز:
ويراد به ـ كما يعرفه الشهيد الثاني ـ (أن يفرق (من يريد الرواية) بين الحديث الذي هو بصدد روايته، وغيره، إن سمعه من أصل مصحح)([124]).
واعتبر هذا الشرط في التحمل بالسماع، وما يماثله من طرق نقل الحديث.
٣ ـ الضبط:
تقدم تعريفه في شروط الراوي.
واعتبر شرطاً ـ هنا أيضا ـ في المميز إذا لم يسمع الحديث من أصل مصحح.
طرق نقل الحديث
التزم العلماء بهذه الطرق وألزموا بها بين الراوي والراوي، لا بين الراوي الأول والمعصوم، لأن الطريق الذي كان بينهما السماع.
وعدها بعضهم سبعة طرق، وآخر ثمانية طرق بإضافة الوصية، التي أدخلها الأول ضمن الاعلام، وهي:
١ ـ السماع:
يقال: سمع له، وإليه، وسمع لحديثه، وإلى حديثه، سمعا وسماعا، بمعنى: أصغى وأنصت.
فالسماع: هو الاصغاء لحديث المتحدث.
وبالمعنى نفسه استعمل مصطلحاً ـ هنا ـ مع إضافة: حفظ الحديث، استظهارا أو كتابة.
ويريدون به سماع التلميذ من الشيخ.
ويكون هذا على طريقتين، هما: الاملاء والتحديث.
أ ـ الاملاء:
وهو أن يملي الشيخ الحديث على التلميذ سواء أكان إملاؤه من حفظه أم من كتابه، والتلميذ يكتب عنه.
يقال: أملى الشيخ على التلميذ حديثه، بمعنى: قاله، له، فكتبه عنه.
ويقال: استملى التلميذ الحديث من شيخه، أي: سأله أن يمليه عليه.
ب ـ التحديث:
وهو أن يحدث الشيخ بالحديث، سواء أكان ذلك من حفظه أم من كتابه، والتلميذ يسمع منه.
٢ ـ القراءة:
وهي أن يقرأ التلميذ الحديث الذي يرويه الشيخ على الشيخ نفسه، أو أن يقرأه شخص آخر، والتلميذ يسمع.
ولا يفرّق بين أن تكون القراءة عن حفظ واستظهار التلميذ أو القارئ أو تكون من كتاب.
ويشترط فيها إقرار وإمضاء الشيخ بصحة ما قرئ عليه.
وتسمى هذه الطريقة بـ (العرض) أيضاً، لأن التلميذ يعرض الحديث على شيخه ليعرف منه مدى سلامة ضبطه له في السند والمتن.
٣ ـ المناولة:
وهي أن يناول (يعطي) الشيخ تلميذه أو الشخص الذي يريد أن يروي عنه، يناوله كتابه في الحديث.
وتنقسم إلى قسمين:
أ ـ المناولة المقرونة بالإجازة:
وهي أن الشيخ عندما يناول كتابه إلى تلميذه أو لمن يريد أن يرويه عنه، يصرح له ويشافهه بإجازته، وإذنه له بروايته، كأن يقول: (هذا سماعي أو روايتي فاروه عني) أو يقول: (أجزت لك روايته عني) وأمثالهما.
ب ـ المناولة المجردة عن الإجازة:
وهي أن الشيخ عندما يناول كتابه إلى التلميذ أو الراوي لا يشافهه بالإجازة، وإنما يقول له: (هذا سماعي) أو (هذه روايتي)، ويقتصر على هذا، ويكتفي به.
٤ ـ الكتابة:
وهي أن يكتب الشيخ حديثه بخطه، أو بخط آخر، مع وجود إمارة تدل على أمر الشيخ له بالكتابة.
ثم يرسل المكتوب إلى من يريد أن يرويه عنه.
وهي على قسمين أيضاً:
أ ـ الكتابة المقرونة بالإجازة:
وهي أن يكتب الشيخ إلى من يريد رواية الحديث المكتوب عنه ما يدل على إجازته له بروايته.
ب ـ الكتابة المجردة من الإجازة:
وهي التي لم تقترن كتابة، بما يفيد الإجازة بالرواية.
٥ ـ الإعلام:
وهو أن يعلم الشيخ الطالب أن هذا الكتاب أو الحديث روايته أو سماعه من فلان، مقتصرا عليه، من غير أن يقول: (اروه عني) أو (أذنت لك في روايته)، ونحوه)([125]).
٦ ـ الوصية:
وهي أن يوصي الراوي عند سفره أو موته لشخص بأن يروي عنه كتابه في الحديث، أو كتابا آخر من مروياته.
٧ ـ الوجادة:
جاء في (المعجم الوسيط: مادة وجد): (الوجادة ؛ في اصطلاح المحدثين : اسم لما أخذ من العلم من صحيفة، من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة).
ثم عقّب برمز (مو) الذي يشار به إلى أن الكلمة من المولّد اللغوي.
ويقول الشهيد الثاني: (ولّده العلماء بلفظ الوجادة لما أُخد من العلم من صحيفة، من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة، حيث وجدوا العرب قد فرقوا بين مصادر (وَجَدَ) للتمييز بين المعاني المختلفة)([126]).
وعدّد (المعجم الوسيط) تلك المعاني بالتالي:
ـ وَجَدَ فلان يجد وَجْداً: حزن.
ـ وَجَدَ عليه موجدة: غضب.
ـ وجد به وَجْداً: أحبه.
ـ وجد فلان وُجداً وجِدَةً: صار ذا مال.
ـ وجد مطلوبه وَجْداً ووُجْداً وجِدَة ووجوداً ووجداناً: أدركه، يقال: وجد الضالة.
ـ وجد الشئ كذا: علمه إياه، يقال: وجدت الحلم نافعا.
والوجادة: أن يجد الراوي كتابا أو حديثا مكتوبا لراو لم يسمعه منه، وليس لديه إجازة لروايته عنه، ولم يناوله راويه إياه (فيقول: (وجدت أو قرأت بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه: حدثنا فلان….) ويسوق باقي الإسناد والمتن، أو يقول: (وجدت بخط فلان عن فلان…. إلخ)…)([127]).
٨ ـ الإجازة:
يقال: أجاز الشيخ تلميذه، وأجاز له، بمعنى: أذن له في الرواية عنه.
ويقال: استجاز التلميذ شيخه، أي: طلب منه الإجازة.
فالإجازة: تجويز وإذن بالرواية.
وعرفها شيخنا الطهراني في (الذريعة 1/131) بـ (الكلام الصادر عن المجيز المشتمل على إنشائه الاذن في رواية الحديث عنه بعد اخباره إجمالا بمروياته).
وتنقسم الإجازة إلى قسمين:
أ ـ شفهية:
وهي أن يقول الشيخ المجيز لطالب الإجازة منه: (أجزتك رواية مسموعاتي ومروياتي) أو (أجزت لك أن تروي عني مسموعاتي ومروياتي).
ب ـ تحريرية:
وهي أن يكتب الشيخ المجيز لطالب الإجازة منه كتابا بذلك.
والاجازات التحريرية منها:
١ ـ الإجازة المختصرة:
وهي التي تقتصر على ما يفيد الاذن بالرواية فقط، كأن يكتب المجيز (أجزت فلانا أو لفلان أن يروي عني ما صحت لي روايته) وأمثال هذه.
٢ ـ الإجازة المتوسطة:
وهي التي يذكر فيها المجيز إسنادا كاملا عن أسانيده، تبركا وتيمنا بإيصال السلسلة بعرى أهل البيت (عليهم السلام).
٣ ـ الإجازة الكبيرة:
وهي التي يذكر فيها المجيز جميع مشايخه في الإجازة وأسانيدهم إلى المعصومين، مع الترجمة لكل واحد من الشيوخ، وفوائد أخرى اقتضاها المقام.
ومن الإجازات الكبيرة:
١ ـ إجازة العلامة الحلي لأبناء زهرة الحلبيين، ذكرها الشيخ المجلسي في (بحار الأنوار 107/6).
٢ ـ إجازة الشيخ العاملي صاحب المعالم للسيد نجم الدين الحسيني وولديه، ذكرت أيضا في (بحار الأنوار 109/3).
٣ ـ إجازة المحدث البحراني صاحب الحدائق المعنونة بـ (لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرتي العين) طبعت في الهند، وفي النجف بتحقيق السيد محمد صادق بحر العلوم.
٤ ـ إجازة السيد عبد الله الجزائري المعنونة بـ (الإجازة الكبيرة)، نشرت في قم بتحقيق محمد السماحي الحائري وإشراف الدكتور السيد محمود المرعشي وتقديم السيد المرعشي النجفي ـ قدس سره ـ.
٥ ـ إجازة السيد حسن الصدر الكاظمي الموسومة بـ (بغية الوعاة في طبقات مشايخ الإجازات).
ـ وغيرها.
وفائدة الإجازة كما يلخصها شيخنا الطهراني هي:
١ ـ اتصال أسانيد الكتب والروايات، وصيانتها عن القطع والارسال.
٢ ـ التيمن بالدخول في سلسلة حملة أحاديث آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، والتبرك بالانخراط في سلك العلماء الأعلام ورثة الأنبياء والخلفاء عنهم (عليهم السلام).
وكذلك يستفاد من مراجعة الإجازات المدونة، وبخاصة الكبيرة منها، في معرفة سير وتراجم الرواة والعلماء وأسماء الكتب والمكتبات ودور العلم، والمراكز العلمية، وبيئاتها، وعصورها… وإلى كثير من أمثال هذه.
الدكتور عبد الهادي الفضلي
أصيلا
ومعناها في البربرية المكان الجميل، وهي مدينة صغيرة على ساحل المحيط الأطلسي بين طنجة والعرائش. وينسب إليها كثير من العلماء، ويرجع تأسيسها إلى العصر القرطاجي، وقد اهتم الأدارسة ببنائها وجعلها مركزاً لدولتهم في شمال المغرب إلى جانب حجر النسر.
الإضراب الخمسيني في سوريا
هو إضراب شامل عمّ سوريا كلها واستمر اثنين وخمسين يوماً إذ بدأ في 18 كانون الثاني سنة 1936م وانتهى في 8 آذار.
انتهت الثورة السورية الكبرى سنة 1927 بعد أن دامت سنتين 1925ـ1927. وكان أنّ الفرنسيين استطاعوا إخمادها بقوة جيوشهم التي لم يكن باستطاعة الثوار السوريين، أن يستمروا في مقاومتها أكثر مما استمروا. وإنّ أهم عامل في خمود الثورة أنها لم تلقَ أي دعم من الخارج سوى بعض المال الذي كان يتبرع به السوريون المقيمون في الخارج وبعض العرب في بعض الأقطار العربية.
أما معونات السلاح فلم يصلها منها أي شيء، لأنّه لم يكن في ذلك الوقت في العالم العربي أية دولة مستقلة يمكن أن تمد الثورة بالسلاح أو على الأقل بذخائر البنادق منه، فكانت كل رصاصة تطلق لا يمكن تعويضها، ولا يستطاع الحصول على غيرها.
والذي أمدّ الثورة في أوّل عهدها برصاص البنادق هو ما غنمه الثوار في أوّل معركة كبرى يخوضونها مع الفرنسين من سلاح ورصاص ومدافع، وهي معركة (المزرعة) التعي قاد الجنرال ميشو فيها حملة على جبل الدروز، كان أقل تقدير لعدد جنودها هو سبعة آلاف جندي، والبعض يوصلها إلى العشرة آلاف. وكان نصيب هذه الحملة الهزيمة الساحقة واستيلاء الثواء على كل ما كانت تنقله أو يحمله جنودها من سلاح، مما زود الثوار بمقادير كبيرة منه. وكان لا بد لهذا الرصاص من أن ينفد مع استمرار المعارك، وقد كان الثوار يقتصدون في استعماله ما استطاعوا.
على عكس الثورة الجزائرة التي كان يحيط بها عدد من الدول العربية المستقلة، فكان يشترك معها في الحدود تونس والمغرب، وتقرب منها مصر والعراق وسوريا وإن بعدتا عنها، فإنّ الطائرات كانت تقرب كل بعيد.
وهكذا فإنّ السلاح العربي ومعه المال العربي أيضاً، قد أطال في صمود الثوار الجزائريين حتى اضطرت فرنسا للنزول على حكمهم في الحصول على استقلالهم.
انتهت الثورة السورية وسكت صوت بنادق الثوار، ولكن الذي لم ينتبه هو إصرار السوريين على طلب الاستقلال، والذي لم يسكت هو صوت مطالبتهم بهذا الاستقلال.
وقد اقتنع الفرنسيون بأنّه لا بدّ من حل للقضية السورية يريحهم ويسكت السوريين عنهم. وبعد أن كان ما أسماه الفرنسيون (المفوض السامي) ـ وهو ممثل الحكم الفرنسي وصاحب أعلى سلطة في سوريا ولبنان ـ بعد أن كان الفرنسيون يختارونه عسكرياً من كبار (جنرالاتهم) دلالة على صرامة حكمهم وشدته، عادوا فعينوا لهذا المنصب خلال اشتداد الثورة السورية، وبلوغها قمة تقدمها، وعينوا لأوّل مرة (مفوضاً سامياً) مدنيا هو (دي جوڤنيل) دلالة على نزوعهم إلى الحلول السلمية، وإشعاراً بنيتهم على التفاوض مع الثوار بشكل من الأشكال.
وجاء دي جوڤنيل إلى البلاد بطريق مصر، حيث كان يقيم فيها فريق من الوطنيين السوريين للاتصال بهم ومعاونته في مهمته، ومن هناك أعلن تصريحه: السلم لمن يريد السلم والحرب لمن يريد الحرب.
وظلّ يردد هذا الشعار بعد وصوله إلى بيروت، وهو يقصد بذلك أنّه مستعد للتفاوض والوصول عن طريقه إلى السلم وإنهاء الثورة صلحاً، وإلاّ فإنّه سيواصل الحرب لإخضاع الثورة.
فكان أوّل ما فعله إغراء للثوار السوريين هو أنّه أعلن عن تحويل لبنان إلى جمهورية بعد أن كان يحكمه حاكم فرنسي يعاونه مديرون عامون لبنانيون، ومستشارون فرنسيون لهم وحدهم القول الفصل في كل كبيرة وصغيرة.
مع إعلان الجمهورية أعلن عن تشكيل مجلس نيابي لها وتشكيل مجلس شيوخ ووضع دستور وإقامة وزارة برئيس وزراء ووزراء.
وبالفعل وضع الدستور بسرعة لأنّه أخذ من الدستور الفرنسي وانتخب رئيس الجمهورية، وقام مجلسا النواب والشيوخ وتألفت الوزارة. ولكن كان ذلك كله منطبقاً على ما قيل عن بعض البلاد:
علم ودستور ومجلس أمة
كل عن المعنى الصحيح محرف
لأنّ جميع هذه الأمور كانت مظاهر جوفاء تغطي وراءها حقيقة الحكم الفرنسي المباشر، إذ كانت في الدستور نصوص صريحة تجعل جميع القرارات خاضعة لموافقة الفرنسيين المنتشرين في كل دائرة.
وقد هزئ الثوار السوريون من تشكيل هذه الجمهورية، وبالطبع فإنّهم لم يروا فيها المثال الذي يريدونه لطموحاته الوطنية.
وزيادة في محاولة إغراء الثوار فقد عمد دي جوڤنيل إلى تأليف وزارة سورية برئاسة الداماد أحمد نامي أعلن عن تشكيلها في 4 أيار سنة 1926 وضم إليها ثلاثة وزراء من المنتمين إلى الحركة الوطنية هم فارس الخوري ولطفي الحفار وحسني البرازي. وكان فيما أعلنته الوزارة أنها ستشرف على إجراء مفاوضات لوضع دستور للبلاد وعقد معاهدة مع فرنسا تحل محل الانتداب وأنّها ستحقق الوحدة السورية.
وسافر دي جوڤنيل إلى باريس لإقناع حكومته بتحقيق ما اتفق عليه ولم يعد، فاستقال الوزراء الوطنيون الثلاثة في 12 حزيران سنة 1926. وفي اليوم الثاني لاستقالتهم اعتقلهم الفرنسيون ونفوهم إلى (الحسكة) أوّلاً، ثمّ إلى (أميون) في لبنان في أيلول سنة 1926 كما نفوا معهم فريقاً من الوطنيين من دمشق وحلب وظلّوا في المنفى حتى 18 شباط سنة 1928.
وكان أمر الثورة قد انتهى تحت وطأة الحملات الفرنسية العسكرية المتتابعة، وجاء مفوض سام فرنسي مدني جديد هو هنري بونسو، وظل في ذهن الفرنسيين أمل حل مشكلة سوريا بشكل من الاشكال، فأعلن المفوض الجديد عن الدعوة إلى انتخابات سورية لتشكيل جمعية تأسيسية لوضع دستور للبلاد، ولم يكن في سورية تشكيل حزبي وطني يقود الحركة الوطنية، إذ كان التشكيل الوحيد الذي أنشئ هو (حزب الشعب) الذي كان من أكبر العوامل في إشعال الثورة السورية ومدّها إلى خارج جبل الدروز. وكان الفرنسيون قد حلوا الحزب والتحق بعض زعمائه بالثوار وقبض الفرنسيون على البعض الآخر، ثم أطلقوهم في نهاية الثورة.
ولما أعلن (بونسو) الدعوة إلى انتخاب الجمعية التأسيسية، رأى الوطنيون وجوب وجود تشكيل حزبي وطني منظم يقود الاتجاه الوطني في معركة الانتخابات لضمان النجاح.
وهنا لا بد لنا من القول إنّ الخصام حتّى العداوة كان قد دب بين زعماء الثورة عند نهايتها، وانقسموا وهم خارج الوطن فريقين، وكان لكل فريق منهم أنصاره في الداخل، وكان العداء شديداً وصوت الشتائم متعالياً. فكان خوض المعركة الانتخابية في ظروف هذا التعادي عاملاً في عدم نجاح الوطنيين، وكفيلاً في إيصال أنصار الفرنسيين إلى الجمعية التأسيسية بأكثرية تحقق لهم مآربهم، فبذلت جهود لرأب الصدع الوطني في الداخل وجعل الوطنيين يخوضون المعركة صفاً واحداً، وكانت التسمية التي أطلقت في الداخل والخارج على أحد فريقي العداء (استقلاليون) نسبة إلى حزب الاستقلال، والتسمية التي أطلقت على الفريق الآخر (شعبيون) نسبة إلى حزب الشعب مما ليس هنا مكان تفصيله. وبعد أن نجحت مساعي المصالحة في الداخل بقي أن يُعلن عن إنشاء تكتل حزبي وطني موحد وأن يُطلق عليه اسم معين فاختير (الكتلة الوطنية) وكان الاختيار لبقاْ موفقاً، إذ استبعد إطلاق كلمة (حزب) على التكتل لأنّ في إطلاقه عليه معنى تخلي كل من الفريقين عن حزبه والدخول في حزب جديد، وهذا ما لم يكن يقبله أحد من الفريقين، في حين أن كلمة (الكتلة) لا تعني جماعة منفردة، بل تعني اجتماع أكثر من جماعة.
على أنّ الأيام أنست الجميع حزبيتهم السابقة وأصبحت (الكلتة الوطنية) هي الحزب الذي ينتمون إليه جميعاً وإن ظلّ للاستقلاليين منهم بعض ما يميزهم ويشير إلى تفرّدهم.
ولكن تحول (الكتلة) إلى حزب لم يعطها شيئاً من مظاهر الأحزاب التي لا بد منها، فلم يكن لها من ذلك إلا أنّ لها رئيساً. أما التشكيلات الحزبية المعروفة في أقطار الدنيا فلم يكن لها منها شيء، فهي حزب ولكن على الطريقة العشائرية، فلا نائب رئيس ولا أمين سر عام ولا لجنة مركزية ولا هيئة إدارية ولا انتماءات فردية. بل الأعجب من ذلك أنّها لم يكن لها مكتب تجتمع فيه، فكانت اجتماعاتها تعقد في بيوت المنتمين إليها.
وقد اتجهت الأنظار إلى من يمكن أن يكون رئيساً للجمعية، وكان في أذهان الناس اسمان هما الأبرز بين صفوف الكتلة الوطنية: أحدهما هائم الأتاسي والآخر إبراهيم هنانو.
ولم تكن للأوّل منهما زعامة شعبية متأصلة، بل كانت له ولأسرته وجاهة في مدينة حمص، كما أنّ شخصيته كانت شخصية بسيطة لا تتمتع بقوة الزعماء وما يتبع ذلك من فرض إرادتها على الأنصار والجماهير فرضاً طوعياً مبعثه سيطرتها وقوتها الشخصية.
ولكن كان لهاشم الأتاسي لون تاريخي جميل يدعو إلى احترامه وتكريمه، فقد كان ثاني رئيس لما أُطلق عليه اسم (المؤتمر السوري) الذي كان بمثابة برلمان لحكم فيصل الأول في سوريا الممتد من سنة 1918م إلى سنة 1920م وهو المؤتمر الذي أعلن برئاسة هاشم الأتاسي في 18 آذار سنة 1920م استقلال سوريا وملكية فيصل، ثمّ كان هاشم الأتاسي رئيساً للوزارة الثانية في ذلك الاستقلال القصير الأمد وهي الوزارة التي تلقت إنذار الجنرال غورو، ثمّ حدثت في عهدها موقعة ميسلون وانتهى عهد الاستقلال.
ومن هنا أحاطت بهاشم الأتاسي هالة من الاحترام زادها تألقاً أنّه ظلّ حتى انتخابه نائباً عن حمص في الجمعية التأسيسية نقي الصفحة الوطنية نظيف السمعة، ولئن كان قد تُنُوسي ما بين سنة 1920 سنة سقوط الاستقلال حتى سنة 1928 سنة انتخابات الجمعية التأسيسية، فقد تذكره الناس فجأة كل التذكر عند التفكير في اختيار رئيس للكتلة الوطنية، ثم للجمعية.
أمّا إبراهيم هنانو فقد كان زعيماً شعبياً نافذاً في الشعب قوي الشخصية صلب الإرادة، مع ماض ثوري باهر تقلد فيه السلاح لمقارعة الفرنسيين بعد زوال الاستقلال، وعندما اضطر للجوء إلى فلسطين، سلمه الإنكليز للفرنسيين الذين عقدوا لمحاكمته محكمة عسكرية في حلب باعتباره رئيس عصابة مسلحة عاثت فساداً في البلاد. وقف أمام المحكمة موقفاً صلباً عنيداً فلم يتنصل من حمل السلاح في وجه السلطات الفرنسية ولا تبرأ من أعماله الحزبية، ولا حاول التخفيف من فعل ما فعله على عادة من يحاكمون في المحاكم، ولكنه قال إنّه لم يكن رئيس عصابة مسلحة تعيث في البلاد كما يحاول أن يصوّره الادعاء العام، بل كان قائد مجموعة تقاتل في سبيل استقلال بلادها.
وصدف أنّ كان القضاة الفرنسيون على شيء كثير من النبل ـ على عكس الحكام الفرنسيين ـ فحكموا ببراءته، ولم يكن أحد يظن ذلك.
ومنذ ذلك اليوم تكوّنت لإبراهيم هنانو منزلة شعبية كبيرة كانت بداية زعامته الوطنية.
ولم يخلد هنانو إلى الاستراحة بعد براءته بل عاود الكفاح من جديد، فظل يقود الحركة الوطنية في حلب وشمال سورية بمعاونة سعد الله الجابري والدكتور عبد الرحمن الكيالي حتى كانت الجمعية التأسيسية.
وكان نواب الشمال لا يرون غيره رئيساً للجمعية، ولكن إبراهيم هنانو بما فطر عليه من وطنية شماء وتضحية متناهية في العطاء لم يبدِ أي رغبة برئاسة الجمعية وكان في طليعة المنادين بهاشم الأتاسي رئيساً. واختير الأتاسي بإجماع الوطنيين.
ومن هنا كانت بعد ذلك رئاسته للكتلة الوطنية، ففي خلال انعقاد جلسات الجمعية وانهماكها في وضع الدستور غاب اسم الكتلة وانشغل الناس بما هم فيه من انتظار نتائج أعمال الجمعية، ولما تمّ وضع الدستور فوجئ الفرنسيون بأنّ نصوصه نصوص دستور دولة مستقلة تمام الاستقلال لا دستور دولة زمان أمرها الحقيقي بيد الفرنسيين، لها مظاهر الدستور دون حقائقه، وظنوا أنّ ما جرى في بيروت يمكن أن يجري مثله في دمشق، لذلك اعترضوا على ست مواد فيه، إذا تبدلت عاد دستوراً كالدستور اللبناني: دستوراً لبنانياً في اسمه، ولكن فرنسياً في حقيقته، فليس هو دستور دولة لبنان، بل دستور الفرنسيين الذين يحكمون لبنان!…
فطال النقاش بينهم وبين المسيطرين على الجمعية التأسيسية، وعرفت الأزمة يومذاك باسم أزمة (المواد الست). واشتهرت كلمة (المواد الست) كل الاشتهار لكثرة ما كان يتردد ذكرها على صفحات الجرائد وعلى ألسنة الناس!…
ثم أوقف الفرنسيون جلسات الجمعية التأسيسية، ثم حلوها قبل أن تقر الدستور، وعاد الأمر قراع مع الفرنسيين، وهنا عاد اسم (الكتلة الوطنية) إلى الظهور من جديد وعادت اجتماعاتها تعقد من جديد، وما دام هاشم الأتاسي كان رئيساً للجمعية التأسيسية فهو الرئيس الطبيعي للاجتماعات، ثم هو بالتالي رئيس الكتلة الوطنية دون أن يجري انتخابه للرئاسة!…
ثم أصبح معروفاً أنّ هناك رئيساً للكتلة هو هاشم الأتاسي وزعيماً لها هو إبراهيم هنانو، وكان يُقْرن دائماً اسم هاشم الأتاسي بلقب الرئيس أو الرئيس الجليل، واسم إبراهيم هنانو بلقب الزعيم، ولكن دون أن يكون هناك أي تنافس بين الرجلين، أو أن تكون أية رغبة لإبراهيم هنانو بالتقدم على هاشم الأتاسي.
ثم توفي إبراهيم هنانو أواخر سنة 1935م وأعلن الإضراب الخمسيني وقام الحكم الوطني الأوّل، وهنا تنبه رجال الكتلة الوطنية إلى وجوب تنظيمها حزباً سياسياً ككل الأحزاب السياسية في العالم له رئيسه وأمينه العام ولجنته المركزية وهيئته الإدارية، كما له مقره الدائم الذي يجتمع فيه، ففعلوا ذلك، ولكن في الوقت الذي بدا فيه أن (الكتلة) متجهة إلى الانفراط والتشتت، وأنه سيكون منها أحزاب متشاكسة {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِم فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]. وهو ما تمّ بعد ذلك مما ليس هنا مكان تفصيله.
كان لا بد من هذه المقدمة الطويلة قبل الحديث عن الإضراب الخمسيني الذي كانت الكتلة الوطنية في صميمه قراعاً شعبياً أوّلاً، ثم مفاوضات مطولة في باريس ثانياً، وهو ما سنتحدث عنه فيما يلي من القول:
كانت شؤون الكهرباء في دمشق تعود إلى شركة أجنبية كانت قد نالت امتيازها في العهد العثماني فأنارت المدينة وأجرت فيها (الترامواي) وكانت تعرف باسم شركة (الجر والتنوير) والمقصود بالجر: هو (الترامواي)، وبحكم كونها شركة أجنبية والفرنسيون هم الحاكمون، كانت تتعسف في تعاملها مع الناس فترفع بين آونة وأخرى أثمان الكهرباء وأجور (الترامواي)، وكانت في واقعها مظهراً من مظاهر إذلال الشعب. فتقرر مقاطعة هذه الشركة بالامتناع عن ركوب الترامواي، والامتناع عن الاستنارة بالكهرباء والعودة إلى الاستنارة بالمصابيح البترولية أو بالشمع. وكذلك استعمال السيارات الكبيرة في التنقل. إلى أن تنزل الشركة على مطالب الشعب.
أمّا مقاطعة (الترامواي) فكانت ناجحة تماماً، وقد كنّا نشاهد (الترامواي) ذاهباً آيباً، وهو فارغ لا يقل سوى اثنين أو ثلاثة.
وسبب نجاح مقاطعة الترامواي أنّ من يستعمله يكون استعماله له مكشوفاً ظاهراً للناس فتنصب النقمة عليه، وإذا وجد من يتحمل النقمة الشعبية فلن يعدو ذلك أفراداً محدودين يكونون من الوقاحة بحيث لا يبالون غضب الشعب عليهم.
أمّا الكهرباء فإنّ الاستنارة بها تكون داخل البيوت المغلقة التي لا يطلع على أسرارها أحد، والذين اعتادوا على المصابيح الكهربائية ليس من السهل عليهم العودة إلى غيرها، لذلك فقد طال أمد المقاطعة دون أن تتحرك الشركة للاستجابة لمطالب الشعب.
وكان رجال الكتبة الوطنية قد اعتادوا بين الحين والحين أن يزوروا السيد محسن الأمين في منزله المتواضع البسيط جداً. وكانت زيارتهم هذه إما أن تكون فردية فيزوره كل واحد منهم منفرداً، أو زيارة جماعية تضم اثنين أو ثلاثة أو أكثر، وكثيراً ما كان يرافقهم في هذه الحالة بعض زعماء الأحياء وبعض الصحافيين.
وكان محور هذه الزيارات سواء كات فردية أو جماعية يدور على بحوث فكرية أو وطنية أو ثقافية أو اجتماعية يغتنم فيها الحاضرون وجودهم في مجلس السيد محسن الأمين ليطرحوا تساؤلات أو يناقشوا موضوعات يرون في مشاركة السيد محسن فيها وإدلائه بآرائه في مشاكلها وتفاصيلها فائدة كبرى يجب اغتنامها.
وأذكر مرة أنّ لطفي الحفار أحد أركان الكتلة الوطنية ورئيس الوزارة بعد ذلك ناقش أمر توريث البنات جميع تركة الميت إذا لم يترك أولاداً ذكوراً، فشرح له السيد محسن ذلك شرحاً مفصلاً، كان الحفار يتحدث عنه في كل مناسبة.
وكان الدكتور محسن البرازي يفضل دائماً أن يزور السيد محسن منفرداً لأنّه كان من بين السياسيين السوريين سياسياً عالماً كثير المطالعة، وكان يصرّ على أن يستقبله السيد محسن في (عليته) المربعة الصغيرة التي تحتوي على مكتبته ويجلس فيها على الأرض ويكتب فيها كتبه، فكان البرازي ينزع حذاءه قبل الصعود على الدرج الخشبي كما يفعل غيره لأنّ هذا الدرج القليل الدرجات معتبراً جزءاً من الغرفة، ثم يشارك السيد محسن في الجلوس متربعاً على السجادة المفروشة على الأرض، ثم يشرع في طرح أسئلته التي كانت تدور في معظمها على الشؤون الفقهية.
وعندما يكون نجيب الريس صاحب جريدة (القبس) بين الحاضرين فلا بد من مطارحات ومناقشات أدبية نقدية أو شعرية. وهكذا تتنوع مواضيع الزيارات بتنوع الحاضرين.
وخلال مقاطعة شركة الكهرباء زارت السيد محسن مجموعات مشتركة من أركان الكتلة الوطنية وزعماء الأحياء وبعض الصحافيين فيهم أديب الصفدي رئيس تحرير جريدة (الشعب). فكان موضوع أحاديث تلك الزيارة هو الموضوع العام الذي يشغل المدينة وهو مقاطعة الشركة الأجنبية. فأبدى السيد محسن نقمته على عدم نجاح مقاطعة الشركة، ثم حدّث الحاضرين عن الامتياز الذي منحه ناصر الدين شاه إيران لشركة إنكليزية باحتكار التنباك الإيراني والذي كانت شروطه مجحفة بحقوق الشعب الإيراني وكيف أن السيد محمد حسن الشيرازي أفتى بتحريم استعمال التنباك داعياً الشعب إلى الامتناع عن استعماله فاستجاب الشعب وقاطع التنباك مقاطعة شاملة مما أدّى إلى فشل الشركة وإلغاء الامتياز وإبطال الاحتكار.
وأفاض السيد محسن في هذا الحديث عن ذلك ودعا زعماء الأحياء الحاضرين لأن يتولوا تنظيم المقاطعة وحث الناس عليها.
ثم قال إنّ من العار علينا جميعاً أن تسودنا هذه الشركة الأجنبية وتذلنا، ثم أنهى الحديث بأن قال:
إنّني أدعو إلى اكثر من ذلك، أدعو إلى أن نتخذ من المقاطعة باباً إلى العصيان المدني على الفرنسيين فلا ينتهي هذا العصيان إلاّ بتحقيق مطالبنا الاستقلالية، وأن يكون هذا العصيان بأن تضرب البلاد السورية كلها إضراباً عاماً شاملاً وأن لا ننهي هذا الإضراب إلاّ بنزول فرنسا على حكمنا بتحقيق الاستقلال. وإنّني أقول لكم بأنّنا نحن في هذا الحي سنعلن الإضراب لا غداً لأنّ الغد سنجعل منه يوماً لإعداد هذا الإضراب، بل بعد غد وإنّنا سنستمر في هذا الإضراب، يومين متتابعين إذا رأينا المدينة قد استجابت للإضراب الجماعي تابعنا معها الإضرب، وإلاّ فإنّه يكون لنا عذرنا في إيقاف الإضراب لأنّ إضرابنا وحدنا لا يجدي شيئاً.
فلقيت هذه الفكرة تجاوباً حماسياً من جميع الحاضرين، وتحولت الزيارة إلى اجتماع تنظيمي للإضراب، وتذاكر زعماء الأحياء الحاضرون في كيفية تعميم الدعوة وقرروا الاتصال بغيرهم من رجال الأحياء لعقد اجتماع عام ليكون القرار إجماعياً، وانفضت الجلسة في منزل السيد محسن الأمين في ساعة متأخرة من الليل عن قرار ثوري خطير هو إعلان العصيان المدني. ثم أصبحت دمشق في اليوم الثاني من تلك الليلة مضربة كلها إضراباً عاماً لم يشذ عنه أحد، ثم توجهت رسل إلى المدن الأخرى تدعو لتعميم الإضراب فلم ينته الأسبوع إلاّ وسوريا كلها مضربة ليس فيها متجر كبير أو صغير فاتحاً أبوابه.
قلت إنّ أديب الصفدي رئيس تحرير جريدة الشعب كان من بين الحاضرين في تلك الليلة وفي الصباح كانت جريدة الشعب تصدر وفيها افتتاحية بقلم رئيس التحرير أديب الصفدي يصف فيها تلك الجلسة، ثم يختتم مقاله بأنّه لم يبح في هذا المقال بكل ما جرى، لأنّ بعض ما جرى لا يجوز البوح به، وإليك نص المقال الذي يصف في مفتتحه شخصية السيد محسن وشكله وجسمه وحديثه، ثم ينهيه باضطراره لكتمان بعض أسرار تلك الجلسة، قال أديب الصفدي:
مربوع القامة يميل إلى الطول، صحيح البنية، متناسق الأعضاء حتى يخيل إليك أنّ الله صاغه على ما يشاء.
وجه أسمر، بعينين سوداوين، يعلوهما حاجبان أبيض شعرهما، بلحية بيضاء مرسلة، وشاربين أبيضين فيهما بعض السواد النادر، ركبا على رأس متوسطة، تناقست أعضاء الوجه، فلا تحس فيها تنافراً، مهيب وقور، خلع الله عليه جلال العلم، وكرامة النسب، ووقار الشيخوخة، يعتمر بعمامة خضراء كبيرة، هي طراز السادة الأشراف، وكبار مجتهدي الشيعة.
هو بين مجتهدي الشيعة الفحول في العالم الإسلامي، في الرعيل الأوّل مكانة وزعامة، سما به إليهما علم واسع محيط، وعقل نير ونفس كبيرة، وأخلاق فاضلة.
كبير الشيعة ومجتهدهم الأعظم في البلاد الشامية غير منازع، وإمامهم في البلاد السورية اللبنانية غير مدافع. هذا هو السيد محسن الأمين.
جلست إليه مرتين جئته فيهما مسلماً مرحباً، إثر وفوده إلى دمشق وأصغيت إلى حديثه، فما والله تركت المجلس إلاّ وأنا معجب شديد الإعجاب لا بانسجام الحديث وطلاوته وحبكته ولا بما يزين ذلك من إدراك وفهم وألمعية، ولا بلغته الصحيحة المنتقاة الألفاظ، فسماحته قد بلغ من ذلك كله المكانة التي يغبط عليها، وإنما الروح السامية العالية التي تحبك بين مقاطع حديثه تحبك وتوفق بين معانيها وأغراضها والسمو الذي يتدفق في ألفاظه فيشعرك أنك في حضرة الرجل الذي أراده الله للهداية واختاره للزعامة، وزانه لذلك بما شاء من نفس فاضلة، وأخلاق سامية، وصفات عالية.
وأرادنا فريق من الإخوان على زيارة السيد محسن الأمين، مسلمين مرحبين فأجبنا الدعوة، ورحبنا بها، جد فرحين، ذلك أنا سنكون في حضرة رجال، نفيد من اجتماعهم فوق قيامنا بواجب الترحيب بسيد الشيعة وكبيرها.
وأخذنا طريقنا جماعة من رجال الكتلة الوطنية والشباب الوطني، وبعض زعماء الأحياء إلى أن بلغنا الدار التي نزل بها السيد الأمين، فاسقتبلنا رجاله، وقام السيد فرحب بنا من باب الغرفة إلى أن أخذنا مقاعدنا.
ودارت أحاديث المجاملات والترحيب وتفضل سماحته فقال موجهاً كلامه إلى رجال الكتلة الوطنية:
لا شك أنّا معجبون بما تبذلون من جهد موفق لخدمة البلاد مقدرون لمساعيكم وليس من شك في أن العمل الذي انقطعتم له عمل عظيم جليل، ومن يعود إلى حالة البلاد العامة من وجهاتها الأخلاقية والاجتماعية والوطنية يدرك أي عناء هذا الذي تنهضون تحت عبئه الكبير بأداء الرسالة التي وقفتم عملكم وجهدكم وتفكيركم من أجلها وفي سبيلها.
وتناول في كلامه أثر الحكم التركي، في أخلاق البلاد وطبائعها وفساد الإدارة التركية، وما رافقها من شؤون وشجون وغرسها عادات وتقاليد في أخلاق العرب السوريين تنافي الاخلاق العربية القويمة هذه التي لا نزال نشهد آثارها وبقاياها في أحوال العشائر البدوية كالكرم والشجاعة والإباء وعزة النفس، واستقلال الرأي التي تكاد تنعدم، وحلول صفات وسجايا ليست من الأخلاق العربية المذكورة في شيء كالجبن، والذل وصغار النفس، والتقليد الأعمى.
وعرض السيد الكريم، إلى أن ما تقوم به الكتلة الوطنية من مساع محمودة وأعمال مشكورة، ومضيها رغم كل ما تصادفه من عراقيل في السبيل الذي تطوعت له، واختيرت من أجله، فأشاد بذلك وأثنى عليه ثناء كبيراً.
وتكلم على التضامن الوطني، وأثره في تكوين مزاج الأمم ونفسياتها، وفعله في نهضتها، وبلوغها حقوقها وأورد الأمثلة والشواهد على ذلك، وروى لنا سماحته المثل التالي:
حصلت شركة إنكليزية أيام الشاه ناصر الدين على امتياز بحصر الدخان بشروط مجحفة، وشاع بين الجمهور، أنّ أحد كبار مجتهدي الشيعة الإيرانيين، تكلم عن وجوب الامتناع عن التدخين، وأنّ رجلاً من كبار المجرمين، سمع بفتوى المجتهد الإيراني الكبير وكان جالساً في مقهى عام ليدخن نرجيلة، فما وسعه إلا أن كسر النرجيلة وأقسم أن لا يشرب الدخان أبداً، وأنّ الشاه أمر أحد خدمه بإحضار نرجيلة فذهب ولم يعد، فكرر الطلب فلم يعد الخادم بها أيضاً، وأعاد الكرة بطلب النرجيلة، ولكن الخادم لم يستطع إحضارها وسأله الشاه عن أسباب تأخره عن الصدوع بأمره، فأخبره بأن سيدات البلاط كسرن سائر النراجيل، ولم تبقَ و احدة منها في القصر، وأنّ إجماع الإيرانيين على ترك التدخين اضطر الشركة الإنكليزية هي نفسها إلى إلغاء الامتياز.
وكان سماحة السيد الأمين، يحدثنا هذا الحديث فيفهمنا منه قيمة التضامن الوطني، وأنّ الأمة التي لا سلاح لها، ولا قوة تدافع بها عن نفسها ومصالحها باستطاعتها بمثل هذه الوسائل الوصول إلى أغراضها الوطنية.
وكان درساً قيماً جليلاً، ترك في نفوس السامعين أجمل الأثر وأبلغ العظة.
وامتد الحديث فتناول وجوهاً شتى كنا نحب أن يشاركنا قراؤنا في الاطلاع عليها، ولقد غالبنا نزعتنا الصحفية في الإفضاء للقراء بكل ما سمعنا، وشهدنا، ورأينا. وواجبنا الأدبي في أن نحفظ سر المجلس، الذي تشرّفنا بجلوسه، إلى أن نغلب الواجب الأدبي على الواجب الصحفي واكتفينا من الحديث بهذا الذي أجملناه في هذه السطور وإنا لنرجو أن لا نكون خرجنا فيما كتبنا عن أدب المجلس وأن نكون وفّقنا أيضاً إلى أداء واجبنا من قراء الشعب (انتهى).
قلت إنّ الإضراب عمّ سوريا كلها وأغلقت فيها المتاجر جميعها، وبالرغم من أنّ الدعوة كانت إلى العصيان المدني المتمثل بالإضراب بعيداً عن العنف، فقد كانت تقوم المظاهرات الصاخبة في شوارع المدن لا سيما في دمشق فتصطدم بالسلاح الفرنسي، واستمر الأمر على هذا المنوال خمسة وأربعين يوماً فشلت معها كل وسائل السلطة في كسر حدّة الإضراب. فاضطر الفرنسيون للتسليم بالأمر الواقع فاستدعوا إلى بيروت من يمثل الكتلة الوطنية للمفاوضة، فلما وصل هذا الاستدعاء إلى الكتلة بادر هاشم الأتاسي رئيس الكتلة إلى زيارة السيد محسن الأمين وإخباره بذلك وطلب رأيه، فقال السيد محسن الأمين: لست من المفاوضة في شيء ومطالب البلاد معروفة ففاوضوا على أساسها.
وفي 29 شباط سنة 1936م ذهب وفد سوري فاجتمع بالمفوض الفرنسي (دي مرتيل) وجرى الاتفاق على أساس اعتراف فرنسا باستقلال سوريا ووحدتها وعقد معاهدة مع فرنسا يقوم بالمفاوضة لأجلها وفد سوري يسافر إلى باريس.
وبذلك أعلن انتهاء الإضراب الخمسيني. وذهب وفد سوري إلى باريس وبعد مفاوضات طويلة انتهى الأمر إلى عقد معاهدة بين سوريا وفرنسا تلخص بنودها بإلغاء الانتداب واستقلال سوريا وقبولها في عصبة الأمم في غضون ثلاث سنوات على أن تستلم الحكومة السورية جميع المسؤوليات في غضون سنتين وتمارسها كاملة في السنة الثالثة وتسليم القوة السورية الموجودة إلى وزارة الدفاع السورية مع استلام جميع المطارات الموجودة على أن تنشئ الحكومة السورية لفرنسا قاعدتي طيران بدل القاعدتين الموجودتين الآن في المزة والنيرب وبحال انتهاء إنشائهما تنقل القوة الجوية الفرنسية إلى هاتين القاعدتين اللتين تختار مواقعهما بعيداً عن المدن وتسحب فرنسا قواتها البرية من سورية، ولكن تبقى مؤقتاً لمدة خمس سنين فقط في موقعين يتفق الطرفان على نقاطهما في بلاد العلويين وجبل الدروز. والمحالفة بين فرنسا وسوريا لمدة 25 سنة تتعهد بها فرنسا بالمدافعة عن سوريا ضد كل اعتداء خارجي بدون أن تقابلها سوريا بالمثل. وقواعد الطيران تبقى طول مدة المحالفة وتنتهي بانقضائها. إلى آخر ما ورد في المعاهدة، وقد جاءت هذه النتيجة بعد مفاوضات استمرت ستة أشهر.
وبعودة الوفد السوري إلى البلاد جرت الانتخابات فأسفرت عن نجاح شامل لمرشحي الكتلة الوطنية فاجتمع المجلس في 21 كانون الأوّل سنة 1931م فانتخب هاشم الأتاسي لرئاسة الجمهورية وتألفت وزارة من رجال الكتلة الوطنية. وصدق المجلس النيابي السوري على المعاهدة، وبقي تصديق البرلمان الفرنسي، فأخذ الفرنسيون يماطلون في عرض المعاهدة على برلمانهم. وكان قد جاء إلى سوريا مفوض سام جديد هو (غبرييل بيو). وفي الثالث عشر من شهر أيار سنة 1939 أصدر بياناً قال فيه إنّ فرنسا تريد الوصول إلى اتفاق نهائي على أساس مبادئ المعاهدة وأنّها تريد إيجاد نظام خاص للمحافظات وأنّ السلامة الخارجية تستدعي تنظيماً جديداً للتعاون العسكري بين فرنسا وسوريا.
وكان معنى هذا إبطال المعاهدة فبادر هاشم الأتاسي رئيس الجمهورية إلى الاستقالة في 7 تموز 1939م بعد أن كانت قد استقالت ثلاث وزارات سورية واحدة وراء الأخرى.
وبذلك انطوى هذا العهد وانطوت معه المعاهدة ونقض الفرنسيون عهودهم فألفوا ما أسموه مجلس المديرين وهو حكومة سورية مؤلفة من أربعة مديرين يرأسهم رئيس اعتبر ئيساً للحكومة وهو من أخلص صنائعهم.
ثم نشبت الحرب العالمية الثانية في أوّل أيلول سنة 1939م وكان من أمرها وأمر سوريا ما ليس هذا مكان الحديث عنه.
وقد كتب الأستاذ منح الصلح مقالاً في مجلة الديار البيروتية أشار فيه إلى دور السيد محسن الأمين في الإضراب الخمسيني، بعد أن ذكر عبد الحميد بن باديس وأثره في تحضير الجزائر للثورة. قال:
«… والنموذج الثاني بين رجال الدين الذي أكد على العلاقة الخلاقة بين العمل الوطني والإسلام وهو المجتهد الأكبر السيد محسن الأمين الذي كان في دمشق إمام العمل الوطني السوري ومرجع المذهب الشيعي الأعلى. فهو على الصعيد الديني لا يقل أثراً وسعة أفق عن محمد عبده. وعلى الصعيد الوطني كان رأس الوطنيين السوريين، وفي بيته أعلنت الحركة الوطنية في سوريا سنة 1936م الإضراب الشهير (انتهى).
وقد خطر لي أن أسأل منح الصلح عن مصدر اطلاعه على ما كتب وهو لم يدرك تلك الفترة، فقال لي إنّ قريبه عفيف الصلح الذي كان من أركان الكتلة الوطنية روى له ما جرى في الليلة التي مرّ الحديث عنها، وأنّه كان من شهودها بنفسه، إذ كان بين من زاروا السيد محسن تلك الليلة التاريخية وشاركوا في وضع المقررات، ثمّ في تنظيم الدعوة إلى الإضراب في اليوم الثاني، ثمّ واصلوا لقاء السيد محسن لاطلاعه على مجرى الإضراب والاستماع إلى آرائه وتوجيهاته.
ثمّ أراد منح أن يشرح لي تفصيل ما جرى، فقلت له: إنّ التفاصيل عندي لأنّني كنت ممّن شهد تلك الليلة الثورية التي كانت من ليالي السيد محسن الأمين الرائعة التي طالما توالت في دمشق مزيجاً من الفقه والشعر والنثر والمحاورة والمباسطة والثورة والتجديد.
محمد جميل البارودي
الأطلس (جبال)
هي السلسلة الجبلية العظمى التي تفصل المغرب إلى شطرين من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي وتنقسم إلى ثلاث سلاسل يطلق عليها الأطلس المتوسط والأطلس الكبير والأطلس الصغير ويتراوح ارتفاعها في بعض النقط بين 2000م و4000م.
وأشهر الجبال بها: طبقال 4165م ـ العياشي 3737 ـ سيروه 3304م ـ بويبلان 3190م ـ ميشليفن 3080م ـ ساغرو 3000م ـ أوكايمدن 2630م ـ تشكا 2270م.
وكان الأطلس الكبير يعرف في القديم بجبال درن أو بجبال المصامدة لأنّ سكانه من هذه القبيلة التي لعبت أدواراً حاسمة في تاريخ المغرب خلال العصور القديمة والحديثة على السواء والقبائل المتساكنة به أو حوله هي:
آيت يمور وتينمل وتكانة وحاحة ودمسيرة ودغوغة ورگراگة وكدميوة وكنفيسة وكلاوة وكندافة ومتوكة ومزوضة ومسفيوة وبنو ماجر وبنو ماغوس وغجدامة وغيغاية وفروكة وفطواكة وسكتانة وسكساوة وهزميرة وهرغة وهيلانة وهزرجة وهنتيفة وهنتاتة ووريكة ووزكيط.
الإعادة
1ـ الإعادة في اللغة: فعل الشيء مرة ثانية([128]).
وفي الاصطلاح: فعل الواجب في وقت الأداء ثانياً لخلل([129]) أو لعذر([130]) أو مطلقاً([131]).
وسيأتي توضيح الفرق بينها.
والمراد من الخلل هو الخلل السهوي. وإلاّ (أي: لو تعمد الخلل) فلا تسمى إعادة ولا أثر لما فعل أولاً([132]).
٢ – لقد حصل الاختلاف في القيد المذكور في التعريف نتيجة للاختلاف في مسوغات الإعادة، ويمكن حصر الآراء في ذلك في قولين رئيسين:
أولا: عدم صدق الإعادة إلاّ مع وجود خلل في الفعل الأول، ولذا قيد أصحاب هذا القول التعريف بالخلل، وقد انقسم هؤلاء على ثلاثة آراء.
الرأي الأول: التقييد بأن لا يكون الخلل مفسداً، وإلا فلا تصدق الإعادة، لأن الفعل الأول مع حصول الخلل المفسد كالمعدوم. وهذا قول الأحناف، ومثلوا له بترك الفاتحة في الصلاة([133]).
الرأي الثاني: التقييد بأن يكون الخلل مفسداً، وهذا قول البيضاوي ومن تبعه([134]).
الرأي الثالث: إطلاق الخلل، أي: عدم تقييده بالفساد أو عدمه، وهذا قول كثير من الأصوليين منهم الرازي([135]) وابن الحاجب([136]).
ثانياً: صدق الإعادة في حالة الخلل وغيره، وقد انقسم أصحاب هذا القول على اتجاهات ثلاثة:
الاتجاه الأول: يسوّغ الإعادة في دائرة أوسع من الخلل بما يعم طلب حصول الافضلية، كما لو صلى جماعة بعد أن صلاها منفردا، وهذا ما يطلق عليه: العذر([137]). وقد ذهب إلى هذا القول صاحب جمع الجوامع ومن تبعه([138]).
الاتجاه الثاني: يسوّغ الإعادة في دائرة أوسع من الخلل وطلب حصول الفضيلة، فيشمل مثل ما لو صلى جماعة ثانية تساوي الأولى([139]) بل ولو زادت الأولى بفضيلة([140]) وهذا ما عبروا عنه في التعريف بقولهم: «مطلقاً».
الاتجاه الثالث: يسوّغ الإعادة في دائرة أوسع من الخلل بما يشمل ما إذا تعلق بالفعل ثانيا أمر استحبابي وقد ذهب إلى هذا الرأي أكثر المتأخرين من الشيعة([141]).
والذي دعاهم لذلك هو ذهابهم إلى أنّه لا معنى للامتثال بعد الامتثال باعتبار أن الأمر يسقط بالامتثال الأول، فلا تعاد الصلاة في جماعة إلاّ لوجود أمر استحبابي تعلق بالإعادة.
وهم بهذا لا يرون الأفضلية لوحدها مسوغا للإعادة.
٣ – يوجد رأيان في تعيين النسبة بين الإعادة والأداء:
الأول: أن بينهما تباينا، وبالتالي يكون كل منهما قسيما للآخر([142]).
الثاني: أن بينهما عموم مطلق فتكون الإعادة قسما من الأداء([143]).
وقد حصل هذا الاختلاف في تعيين النسبة تبعاً للاختلاف في تعريف الأداء، من حيث أنّه هل يكون صدق اسم الأداء مشروطاً بأن لا يكون مسبوقا بفعل أم لا؟ فالذين اشترطوا عدم السبق ذهبوا إلى التباين والذين لم يشترطوه ذهبوا إلى العموم المطلق([144]) احمد المبلغي
الاعتبار (كتاب)
وصلتنا أخبار عن أسامة بن منقذ مما ذكره بعض المؤرخين العرب. ولكن معرفتنا الحقيقية به تأتي أوّلاً من كتابه الرائع المسمّى بكتاب «الاعتبار» وقد ألف أسامة ما لا يقل عن ثلاثة عشر كتاباً ذكرت أسماؤها حين تعرض لذكره المؤرخون العرب، إلاّ أنّه لم يصلنا منها جميعاً إلاّ كتابه الاعتبار. وقد قام الدكتور فيليب حَتِّي بمجهود رائع في نشر المخطوط الأصلي، إذ صحح أخطاءه النحوية، لأنّه يبدو أنّ مؤلفه أملاه ولم يكتبه بنفسه، كما أنّه بوّبه ككتاب وقسّمه إلى فقرات، وجعل للأبواب والفقرات عناوين، وكان المخطوط الأصلي خالياً من النقط والحركات وعلامات الوقف والعناوين. وقد كتب أسامة بن منقذ كتابه وأملاه بعد أن بلغ التسعين، وهو في دمشق. ويقول الدكتور فيليب حتّي إنّ كتاب «الاعتبار» هو أوّل سيرة ذاتية ـ فيما يعلم ـ في تاريخ الآداب العربية.
ولكنّنا إذا استطعنا أن نستنتج أنّه دوّنه عام 1185م (بعد تسعين سنة من ميلاده) فإنّنا نجد أنّ هناك سيراً ذاتية أخرى كتبت قبل ذلك في تاريخ الأدب العربي، أهمها «المنقذ من الضلال» للغزالي، فقد ولد الغزالي عام 1059… وكتب في مقدمة كتابه أنّه قد أناف وقت كتابته على الخمسين، فيكون قد كتبه إذن بعد عام 1109 بقليل، أي قبل كتاب أسامة بحوالي خمسة وسبعين عاماً.
ولكن الجديد في كتاب الاعتبار هذا ظهور شخصية أسامة النبيلة بوضوح وقوّة، بينما يتضاءل الشعور بالشخصية في الترجمات الذاتية التي سبقت أو لحقت هذا الكتاب، والتي يدور فيها الكلام حول نشاط صاحبها في التحصيل وكسب المعارف والعلوم، ولا تبدو شخصية صاحب الترجمة إلاّ شاحبة اللون باهتة، وكشيء عرضي طارئ.
وقد نشأ أسامة على نهر العاصي، ثمّ صرف معظم شبابه في بلاط نور الدين بدمشق، وفي قصر الخليفة الفاطمي بالقاهرة وعاش سني كهولته في الموصل وفي حصن «كيفا» وعلى نهر دجلة كما زار بيت المقدس في فلسطين وحج إلى الحرمين وصاحب ملوك الإسلام وسالم الصليبيين وقت السلم. وقاتلهم وقت الحرب، كما قاتل غيرهم من العرب ثم دوّن كل خبراته في مذكرات شيقة رائعة يسودها التواضع الجم، فنصدق انتصاره حين يذكره لأنّه يذكر عدم انتصاره حين تقابله الهزيمة.
وصفه للمعارك
فكتاب الاعتبار يتضمن من ناحية موجز تاريخ البلاد العربية في القرن الثاني عشر، قرن الحملات الصليبية الأولى، لكنّه يمتاز عن غيره من الكتب التي أرّخت لهذه الحملات بدقة العرض وذكر التفاصيل التي قلّ أن توجد في غير هذا الكتاب، فهو يصف كيف تدور المعارك الحربية التي لا تستعمل فيها السيوف فانظر إليه يصف أوّل قتال حضره: «فلمّا صرنا على وادي «أبو الميمون» والنهّابة العرب متفرقون في الزرع خرج علينا من الإفرنج جمع كثير. وكان قد وصلنا تلك الليلة ستون فارساً وستون راجلاً فكشفونا عن الوادي. فاندفعنا بين أيديهم إلى أن وصلنا الناس الذين بالزرع ينهبونه. فضجوا ضجة عظيمة فهان عليّ الموت لهلاك ذلك العالم معي. فرجعت على فارس فطعنته في صدره فطار عن سرجه ميتاً. ثمّ استقبلت خيلهم المتتابعة فولّوا، وأنا غر من القتال ما حضرت قتالاً قبل ذلك اليوم وتحتي فرس مثل الطير، ألحق أعقابهم لأطعن فيهم».
وهكذا يبدا أسامة حياة الفروسية، والكتاب مليء بما هو أدق من مثل هذه العرض للمعارك حتّى أنّه يصف في إحدى المرّات وصفاً شائقاً استيلاء العرب على أحد حصون الفرنج، وهو يصف المعركة خطوة خطوة حتّى نستطيع أن نتخيلها كأنّما هي أمامنا في شريط سينمائي.
ولمّا كان أسامة فارساً فإنّه يعرف الخيل وأنواعها وعاداتها معرفة دقيقة: فمنها الصبور كالرجال ومنها الخوار فمن ذلك أنّه جرح تحت حصان في بلدة شيزر ثلاثة جراح وهو يقاتل عليه ولا يعلم أنّه قد جرح لأنّ الحصان ما أظهر ما يدل على ألمه بل إنّه استمرّ في القتال رغم أنّه طعن في خاصرته فخرجت مصارينه، وظلّ في المعركة حتّى انتهت، وبعدها مات.
ولم يكن أسامة فارساً فحسب بل وصائداً للوحوش والطيور. ففي صغره رأى حية على حائط الدار فتسلق إليها وأخذ يحزّ رأسها بسكينه الصغيرة، وهي تلتف على يده وأبوه يراه ولا ينهاه حتّى قطع رأسها وألقاها إلى الدار وهي ميتة.
وخرج يوماً مع أبيه وأخيه لقتال أسد على جسر نهر شيزر، فلمّا شاهد أسامة الأسد وقد ربض على حافة النهر حمل عليه فصاح أبوه: «لا تستقبله يا مجنون فيأخذك» ولكن أسامة طعنه طعنة ما تحرّك بعدها من مكانه ومات بموضعه. فما نهاه والده عن قتال غير ذلك اليوم.
وأسامة الصياد كأسامة الفارس. يعرف أنّ الأسود كالناس والخيل فيها الشجاع وفيها الجبان فقد رأى أسوداً لا تخاف وأخرى تهرب من خوف. يقول أسامة: قاتلت السباع في عدّة مواقف لا أحصيها وقتلت عدّة منها ما شاركني في قتلها أحد سوى ما شاركني فيه غيري حتّى خبرت منها وعرفت من قتالها ما لم يعرفه غيري. فمن ذلك أنّ الأسد مثل سواه من البهائم يخاف ابن آدم ويهرب منه وفيه غفلة وبله ما لم يجرح فحينئذ هو الاسد وذلك الوقت يخاف منه. وإذا خرج من غاب أو أجمة وحمل على الخيل لا بد له من الرجوع إلى الأجمة التي خرج منها ولو أنّ النيران في طريقه.
فأمّا النمور فقتالها أصعب من قتال الأسد بخفتها وبعد وثبتها وهي تدخل المغامرات والمحاجر كما تدخل الضباع، والأسد ما تكون إلاّ في الغابات والآجام.
ويشارك أسامة جيله في بعض خرافاتهم فيقول مثلاً: ومن خواص النمر أنّه إذا جرح الإنسان وبالت عليه فأرة مات ولا ترتد الفأرة عن جريح النمر حتّى أنّه له سرير يجلس عليه في المساء ويربط حوله الستائر خوفاً عليه من الفأر.
عادات الإفرنج وأخلاقهم
كان لاتصال أسامة بالإفرنج أثره. فقد عرفهم وخبرهم وهو يتحدث عنهم بروح الإنصاف والعدل نفسها التي تسود سيرته فيذكر ما لهم وما عليهم. مثال ذلك حين يتحدث عن طبّهم فيذكر قصة تدل على جهلهم بأمور الجراحة لكنّه ما يلبث أن يقول وشاهدت من طبّهم خلاف ذلك ثمّ يذكر قصتين أخريين يبيّن فيهما مهارتهم في صناعة الدواء.
ثمّ يتطرق للحديث عن عادات الإفرنج ويبدو أنّ تقاليدهم كانت منذ سبعة قرون كما هي الآن فأسامة يصفهم بأنّه «ليس عندهم غيرة بكون الرجل منهم يمشي هو وامرأته، يلقاه رجل آخر يأخذ المرأة ويعتزل بها ويتحدّث معها والزوج واقف ينتظر فراغهما من الحديث فإذا طولت عليه خلاها مع المتحدّث ومضى».
ويروي أسامة قصة عن رجل إفرنجي وجد آخر مع امرأته في الفراش فقال له: «أي شيء أدخلك عند امرأتي؟ فقال: كنت تعبان دخلت أستريح قال: كيف دخلت فراشي؟ قال: وجدت فراشاً مفروشاً نمت فيه. قال: والمرأة نائمة معك؟ قال: الفراش لها. كيف أقدر أن أمنعها من فراشها وقال: وحق ديني إن عدت فعلت كذا تخاصمت أنا وأنت!! ثمّ علّق أسامة على هذا بقوله فكان هذا نكيره ومبلغ غيرته.
ثمّ روى أسامة قصصاً أخرى أكثر طرافة وأكثر سخرية لا مجال هنا لذكرها حتّى يقول: انظروا إلى هذا الاختلاف العظيم، ما فيهم غيرة ولا نخوة وفيهم الشجاعة العظيمة وما تكون الشجاعة إلاّ في النخوة.
تأمّلاته بشأن طول العمر
ثمّ يسجّل تأمّلاته بشأن طول العمر فيقول: «فلمّا توقلت ذروة التسعين وأبلاني مرّ الأيام والسنين لصقت من الضعف بالأرض ودخل من الكبر بعضي في بعض حتّى انكسرت نفسي وتحسرت على أمسي».
ثمّ يعبّر عن خلاصة فلسفته بعد هذا العمر الطويل بقوله: لو صفت القلوب من كدر الذنوب وفوّضت إلى عالم الغيوب علمت أنّ ركوب أخطار الحروب لا ينقص مدّة الأجل المكتوب والعمر موقت مقدر لا يتقدّم أجله ولا يتأخّر فلا يظن ظان أنّ الموت يقدّمه ركوب الخطر ويؤخّره شدّة الحذر. ففي بقائي أوضح معتبر. فكم لقيت من الفرسان وقتلت من الأسود وضربت بالسيف وطعنت بالسهام وأنا من الأجل في حصن حصين إلى أن بلغت تمام التسعين فرأيت الصحة والبقاء كما قال (صلّى الله عليه وآله): «كفى بالصحة داء» فاعقبت النجاة من تلك الأهوال، ما هو أصعب من القتل والقتال. وكان الهلاك في كنف الجيش. أسهل من تكاليف العيش فأنا كما قلت:
مع الثمانين عاث الدهر في جلدي
وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي
إذا كتبت فخطي جد مضطرب
كخط مرتعش الكفين مرتعد
فأعجب لضعف يدي من حملها قلماً
من بعد حطم القنا في لبدة الأسد
وإن مشيت وفي كفي العصا ثقلت
رجلي كأنّي أخوض الوحل في الجلد
فقل لمن يتمنّى طول مدّته
هذي عواقب طول العمر والمدد
وفي مساء الاثنين 23 من رمضان عام 584هـ (15 سبتمبر عام 1188) وهي السنة التي استرجع فيها صلاح الدين بيت المقدس من يد الإفرنج توفي هذا البطل العربي في دمشق عن 96 سنة قمرية (93 سنة شمسية) ودفن في سفح قاسيون وقد درس قبره مع ما درس من الآثار في ذلك الجانب من الجبل وقامت على أنقاضها الدور الحديثة. ولكن المؤرخ الدمشقي الشهير ابن خلكان زار تربة أسامة بعيد وفاته حيث قال: «ودخلت تربته وهي على جانب نهر يزيد الشمالي وقرأت عنده شيئاً من القرآن وترحّمت عليه».
يوسف الشاروني
أسامة صاحب الاعتبار
وأسامة صاحب كتاب الاعتبار بطل كبير من أبطال الحروب الصليبية، وفارس كاتب مبرز في ميدان السيف وميدان القلم، مؤرخ لعصره يقل نظراؤه في الصدق والفطنة وحسن البيان، ويندر بين العصور عصر عرفناه بكتابة أبنائه كما عرفنا العصر الأخير من الصليبيين بكتابة هذا الفارس المجلي وهذا الكتاب المبين.
ذلك هو أسامة بن منقذ فارس المعقل المسمّى بعرف الديك ومن حق هذا المعقل أن يسمّى بلُبد الأسد([145]).
ودع فيه امرؤ القيس بلاد العرب وهو راحل إلى أرض الروم إذ يقول:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
وإنما أيقن بالفراق حين ودع «شيزر» معقل عرف الديك فقال وهو ينظر إليها في ظلمات العشية:
تقطع أسباب اللبانة والهوى
عشية جاوزنا حماة وشيزرا
وبعد ذلك طالما تقطعت لبانات وتصدعت حسرات وزفرات حول هذا المعقل المنيع.
والد أسامة
كان أبو أسامة فارساً أديباً شاعراً تقياً يخرج إلى الصيد ويستريح أثناء الطراد فيجلس في الطريق ليقرأ القرآن، وكان مع ثقل جسمه وكبر سنّه كما قال أسامة: «يركض نهاره ولا يتصيد إلاّ على حصان، ونحن معه أربعة أولاد نتعب ونكل، وهو لا يضعف ولا يكل ولا يتعب، وكان يطرد اليحامير في أرض حصن الجسرة، فصرع منها يوماً خمسة أو ستة على فرس له دهماء، وكنّا إذا وصلنا موضع الصيد ينزل عن الفرس ويجلس على صخرة ويقرأ القرآن ونحن نتصيد حوله…».
أم أسامة توزع السلاح
أَمَّا شجاعة أُمِّه فمن روائعها الكثيرة أنّها هي التي كان توزع السلاح على الرجال وأنّ القلعة حوصرت يوماً وأحاط بها العدو من جوانبها، فأخذت بنتها الكبيرة وأجلستها على شرفة في القلعة تطل على الوادي، وجاء إليها أسامة يطلب سلاحه فسألها عن أخته: أي شيء تعمل ها هنا؟
قالت يا بني: إذا رأيتهم قد وصلوا إلينا، دفعتها ورميتها إلى الوادي فأراها قد ماتت ولا أراها مأسورة.
رحيله عن الشام إلى مصر
تولّى أسامة إدارة شحنة دمشق ولكن اختلاف الجنس بينه وبين رئيسه معين الدين التركي جعل معين الدين لا يطمئن إليه فآثر عليه (الياروقي) من أبناء جلدته وأصفيائه المطلعين على دخائل عشيرته. وبادر أسامة بالرحيل قبل أن تلحقه كارثة من الكوارث التي تلاحق المغضوب عليهم بعد الرضى عنهم في بلاط ذوي السلطان، وانتجع الديار المصرية لعله يعوض فيها ما فاته من الحظوة عند أصحاب الشام، وفي ذلك يقول من قصيدة ميمية من غرر شعره ومن أجمل ما قيل في الشكوى والعتاب:
فليت شعري بم استوجبت هجرهم
ملوا فصدهم عن وصلي السأم
حفظت ما ضيعوا، أغضيت حين جنوا
وفيت إذ غدروا واصلت إذ صرموا
إلى أن يقول مخاطباً معين الدين:
بلغ أميري معين الدين مألكة
من نازح الدار لكن وده أمم
وقل له أنت خير الترك فضلك الـ
ـحياء والدين والإقدام والكرم
وأنت أعدل من يشكى إلهي ولي
قضية أنت فيها الخصم والحكم
وما ظننتك تنسى حق معرفتي
«إنّ المعارف في أهل النهى ذمم»
هلا أنفت حياء أو محافظة
من فعل ما أنكرته العرب والعجم
هبنا جنينا ذنوباً لا يكفرها
عذر فماذا جنى الأطفال والحرم
ألقيتهم في يد الإفرنج متبعاً
رضا عدى يسخط الرحمن فعلهم
ثم ختم هذا العتاب المر بأبيات ضمنها شطوراً من قصيدة المتنبي في عتابه لسيف الدولة يصل فيها على ديدنه ما انقطع ويرأب ما انصدع ويستبقي للغد بقية من أمل غير مطمع فقال:
لكن رأيك أدناهم وأبعدني
«فليت أنا بقدر الحب نقتسم»
وما سخطت بعادي إذ رضيت به
«فما لجرح إذا أرضاكم ألم»
ولست آسى على الترحال من بلد
«شهب البزاة سواء فيه والرخم»
تعلقت بحبال الشمس فيه يدي
ثم انثنت وهي صفر ملؤها ندم
«فاسلم فما عشت لي فالدهر طوع يدي
وكل ما نالني من بؤسه نعم»
وهذه طبقة من الشعر يرتضيها من تخصصوا للأدب وشغلوا به عن الحرب، فإذا كان هذا الشعر بعض أداة صاحبه في حياة شغلتها المعامع وملأتها مشكلات الحكم والسياسة فهذا هو الفضل الذي يؤتاه الأفذاذ من الرجال، وقد كان أسامة في زمانه واحداً قليل النظير بين هؤلاء الآحاد.
الفتننة تلاحقه في مصر
وفي مصر حلّ أسامة محل الحفاوة والكرامة من ساعة نزوله بأرضها إلى ساعة رحيله عنها. ويظهر من جملة سيرته فيها أنّه اعتصم بما طبع عليه من الحكمة والحذر وحاول جهده أن يبتعد عن مزالق الفتنة ودسائس الكيد والخصومة بين الخلفاء والمتطلعين إلى الخلافة، وبين الأمراء والقواد والمنافسين على مناصب الإمارة والقيادة، ولكنه على ما يظهر قد غلب على حكمته وحذره فاجتذبته الدسائس إليها على الرغم منه، أو خانه الحظ فانجذب إليها باختياره على غير عادته. واتهمته حاشية السلطان العادل بالتحريض على قتله. وأيّد التهمة أنّ الوزارة صارت إلى صديقه أبي الفضل عباس بن يحيى، وكان أسامة في صحبته قبل مقتل السلطان العادل بيوم أو بعض يوم. ثم قتل الخليفة الظافر بعد ذلك، فثارت على أسامة ثائرة أنصاره ودار القتال في الشوارع والبيوت بين الحزبين المتنافسين.
وقال أسامة في وصف هذه الوقعة إنّ «القتال بيننا وبينهم في الشوارع والأزقة، خيالتهم تقاتلنا في الطريق، ورجالتهم يرموننا بالنشاب والحجارة من على السطوحات، والنساء والصبيان يرموننا بالحجارة من الطاقات».
خروجه من مصر وتركه أهله فيها
ثم تعذر المقام في مصر على أسامة بعد هذه الوقعة فخرج منها إلى الشام صحبة الوزير العباسي وترك أسرته في جيرة ابن رزيك.
ولقد شاء القدر لفارس الحروب خروجه من مصر بعد أن بلغ الشيخوخة العالية فكان في طليعة المقاتلين حينما نشب القتال بين المسلمين والصليبيين. وقد قال المقدسي عن جهاده في حصار قلعة حارم «إنّه كان من الشجاعة في الغاية التي لا مزيد عليها».
ومن شعر أسامة قوله في شيخوخته:
لهفي لشرخ شبيبتي وزماني
وتروحي لفتوة وطعان
أيام لا أعطي الصبابة مقودي
أنفاً ولا يثني الغرام عناني
وإذا اللواحي في تقحمي الوغى
ـ لا في المدام ولا الهوى ـ تلحاني
وإذا الكماة على يقين أنّهم
يلقى الردى في الحرب من يلقاني
أعتدهم وهم الأسود فرائسي
فهم دريئة صارمي وسناني
والأسد تلقى مثلها مني إذا
لاقيتها بقوى يد وجنان
كم قد حطمت الرمح في لباتها
فتركتها صرعى على الأذقان
حتّى إذا السبعون قصر عثرها
خطوي وعاث الضعف في أركاني
أبلتني الأيام حتّى كل عن
ضرب المهند ساعدي وبناني
نعم، وكأنّما كان هذا الفارس الجالس إلى رقعة الشطرنج ينظر إلى رقعة الدنيا كلها فيتمثل مصارع الأقدار والأعمار، في مصارع تلك اللعب الصغار، فيقول بلسان الاعتبار وهو كاتب «الاعتبار»:
انظر إلى لاعب الشطرنج يجمعها
مغالياً ثم بعد الجمع يرميها
كالمرء يكدح للدنيا ويجمعها
حتّى إذا مات خلاها وما فيها
عاصر الحروب الصليبية
ولقد شاء القدر لفارس الحروب الصليبية وكاتبها أسامة أن يعاصرها من مطلعها إلى ختامها، فولد قبل نهاية القرن الحادي عشر (1095م) وما قبل نهاية القرن الثاني عشر (1188م). وألقى عن كاهله عبء الحياة والجهاد، وقد آذنت تلك الحروب أن تلفظ أنفاسها، وآذن الشرق الإسلامي أن يلقي عن كاهله أعباء جهادها([146]).
عباس العقاد
ديوان أسامة
لم يطبع حتّى الآن ديوانه وكان يعتبر مفقوداً إلى أن نشر عبد الملك السيد أنّه رآه عند عبد الرحمن صالح الراوي وأنّه يقع في حوالي 400 صفحة متوسطة الحجم على ورق أسمر صقيل لماع مخطوط بخط جميل للغاية وعناوينه مذهبة مزخرفة وقد كتب قبل نيف وستمائة سنة. وهو في مجلد واحد وهو مقسم إلى أبواب مختلفة من مديح وغزل وفروسية وحماسة وإخوانيات ووصف للحرب والتعازي والرثاء وغيرها من أبواب الشعر.
الاعتبار (كتاب)
لمسألة السيرة الذاتية، في السياق العربي الإسلامي، مكانة إشكالية. ذلك أنّ الثقافة العربية الكلاسيكية أنتجت تراثاً ضخماً من السير والتراجم، لكنّها لم تمنح للهواجس الذاتية للكتاب وغيرهم، إلاّ حيزاً ضئيلاً. و«ربما كان أقدم استعمال لكلمة «السيرة»، على يد محمد بن إسحاق في كتابه عن سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ولذلك تعدّ السيرة النبوية أوسع ما في التراجم الإسلامية، وأقدمها ظهوراً وأولاها باهتمام المؤرخين والكتّاب» (شرف، 92). ارتبط الفعل التأسيسي للسيرة، منذ البدء، بالمرجعية القدسية، وهي قضية تتجاوز الذات أو الآخر في تعيناتها، بقدر ما تحيل على حدث كلي تمحور حول نبي الإسلام.
غير أنّ هذا الفن في الكتابة اتخذ أبعاداً جديدة حين «ظهرت تراجم اخرى لطبقات من الرجال تتفق في لون واحد من العلم أو الفن والصناعة، كطبقات الصحابة، وطبقات المفسرين وطبقات الشعراء، وطبقات النحاة وغيرهم»، وازدهرت فنون «السيرة الغيرية» بشكل لافت، ولا تترك إرادة المعرفة العربية جنساً من أجنالس التراجم والسير إلا وتناولته، وبغزارة كبيرة، في حين أنّ الكتّاب «لم يفكروا في المذكرات واليوميات الشخصية إلاّ على حال من الندرة ولم يفكروا في التراجم الذاتية إلاّ على حال من القلة القليلة التي لا تتكفأ مع هذا الفيض الزاخر من التراجم والسير». تحدث العرب عن تجاربهم الذاتية بواسطة القصيدة، واستعرض البعض معاناته وكشف عن هواجسه، وعن ميولاته، وحبّه وشقائه من خلال الشعر، إذ مثل الأداة التي سمحت للسيرة الذاتية العربية من التعبير عن بعض تفاصيلها، «من وراء حجب الأوضاع وأعباء العرف والاصطلاح».
ليس معنى هذا أنّ تعبيرات السيرة الذاتية حكر على الشعراء، لأنّ تطوّر الواقعة الإسلامية، سيما على صعيد فنون القول والكتابة، مكّن هذا الجنس ـ أي السيرة الذاتية ـ من التكوّن بصيغ مختلفة بفضل كتابات العلماء والفلاسفة والمتصوفة ورجال السياسة. هكذا عمل الجاحظ على تقديم عناصر من حياته داخل مختلف نصوصه، بحيث يمكن للمرء أن يستخرج «من كتبه ورسائله أكثر الخيوط التي ألفت نسيج حياته من الوجهتين الثقافية والمعاشية». حصل نفس الأمر مع أبي حيان التوحيدي، وبعض المؤرخين والجغرافيين والرحالة والسفراء.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي، كيف يمكن الحديث عن الذات داخل مناخ ثقافي يعلي من شأن الجماعة ويعطي الأسبقية للكل على الجزء؟ هل تسعف كتابة السير الذاتية على استجلاء صور الآخر في تجسداته الواقعية أم أنّها ترزح تحت ضغط المسبقات والأحكام المتخيلة والقبلية؟
يقرّ أكثر الباحثين بأنّ أسامة بن منقذ قدم، بفضل كتابه «الاعتبار» نصاً يتخذ من الذات محوره، ومن الذاكرة الشخصية منطلقه، ومن الحكي أداته. وإذا كان هذا الإقرار ليس محل مساءلة وجدال، فإنّه، مع ذلك، يطرح قضايا من طبيعة نظرية شائكة، من قبيل العلاقة بين الذات والموضوع، بين الذاكرة والواقع، وبين نمط الحكي والكتابة.
ونظراً لأهمية هذه الاعتبارات فإنّنا نودّ الاقتراب من بعض دلالاتها قبل الدخول في استظهار صور الآخر كما صاغها حكي أسامة، وتناول تجلياتها في كتاب «الاعتبار».
تتضمن صيغة «السيرة ـ الذاتية» لفظتي «السيرة» و«الذات». تحيل الأولى على الطريقة والمسار والهيئة، في حين أنّ الذات تختزل هوية الحاكي، أو الكاتب بوصفها «أنا» واعية بذاتها.
تشير السيرة إلى ذلك المسار الحيوي الذي عاشه الفرد الحاكي أو الكاتب، في سياق من التسلسل المختزن للتنوّع الوجودي والحياتي. وهكذا تتحدّد بين المسار والأنا علاقة معقدة يتشابك فيها الكائن بالوجود الذي عاشه، بين الأنا ونمط حضورها في الواقع.
بل إنّ فعل الحكي أو الكتابة ـ وهما لا يعبران عن عملية واحدة على كل حال ـ يمكن أن يلتقي، في سياق الحكي أو الكتابة، مع إمكانية حياة جديدة. فالذات حين تقرر سرد سيرتها تواجه مسألة شروط إمكان إعادة اكتشاف للذات، لإعادة بناء ولإعادة تكوين. وهنا يطرح هذا التأليف الجديد للأنا سؤال التعبير. فالحكي، المستند إلى التذكر والتجربة الشخصية، قد يكون أقسى من العيش نفسه، حين فكر أسامة بن منقذ في «الاعتبار» كان قد تقدم به العمر، وخانته يده وأصبح عاجزاً عن الكتابة. ولم يكن أمامه سوى الالتجاء إلى السرد الشفوي و«إملاء» بعض تفاصيل حياته وذكرياته وتجاربه حيث تحول كل ذلك إلى نص منسوخ ومخطوط.
يطرح الانتقال من الشفوي إلى الكتابي قضية أخرى، لكن ما هو أساسي في العمليتين هو حالة القلق التي تنتاب السارد أو الكاتب حين يتطلع إلى تكسير المسافة بين الأنا الكاتبة والأنا المعيشة، بين الحياة وتمثلها. وهي مسافة يصعب تجاوزها لأنّها تورط الذات في أحكام وتقييمات وتسقط ما هو كائن على ما كان.
فالسيرة الذاتية تفرض على كاتبها أن يعترف، ويعترف لذاته بكل الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة حول مسار لم يكن يرغب فيه في بعض الأحيان. فكيف يمكن، إذن، طرد ذلك الشخص الذي كان بعيوبه وخصاله، بمغامراته وتجاوزاته؟ وفي الآن نفسه، ما هو الأسلوب الأنسب لاستحضار بعض مكونات حياته، واستجلاء حقائق معيش ما انفك يمضي ويحضر في الزمان الشخصي والاجتماعي؟
لا تلتقي الرغبة في البوح بما مضى، دائماً، مع هاجس الاعتراف بكل ما حصل، أي أنّ كتابة السيرة الذاتية يصعب إخضاعها لمنطق قراءة عقلانية صارمة، أو النظر إليها من زاوية اعتبارها تجهر بالحقيقة الصادقة والمحضة. إذ يتداخل فيها الواقع والرغبة، العقل والمخيلة، الإمكان والكبت… إلخ، توتر هائل يولد، دوماً، شعوراً ما بالنقص، حالات متجددة من النقص، على التذكر واستجماع المشاعر، على السرد والعثور على اللغة المطابقة… إلخ.
وإذا كانت السيرة الذاتية عبارة عن حكي استرجاعي نثري يتخذ شخص واقعي من وجوده الخاص موضوعاً له، حين يركز على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته بالتحديد، فإنّ هذا التعريف يطرح اعتبارات شكل اللغة والموضوع المطروق، ووضعية الكاتب ثم وقع السارد، أي أنّ هناك كتابات سير ـ ذاتية أو تحسب على هذا الجنس من الكتابة، لا تستجيب للمعايير التي يحدّدها هذا التعريف، أو لأحدها.
فالمذكرات أو السيرة الغيرية أو الرؤية الشخصية أو القصيدة الذاتية أو اليوميات الحميمية أو المحاولة الشخصية… إلخ قد تلبي بعض الشروط التي حددها التعريف، لكن السيرة ـ الذاتية، وحدها، هي التي توفر كل الشروط، ومنها أن يقدم نصها حالة من التماهي بين المؤلف، السارد والشخصية، تتمثل في استعمال الأنا المتكلم ذلك أنّ المؤلف ليس شخصاً عادياً، لأنّه ذات تكتب ـ أو تحكي ـ وتنشر كتابتها، أي تنقلها من الحيز الشخصي المحدد إلى المجال العام. فالمؤلف يتحدّد باعتباره شخصاً واقعياً، مسؤولاً اجتماعياً ومنتجاً لخطاب في الآن نفسه.
ومهما كانت أنماط «الميثاق السير ـ ذاتي» فإنّها في مجملها تظهر عناية خاصة بما يسميه فيليب لوجون بمسألة «التوقيع»، باعتبارها تجلياً لذاتية تتطلع إلى التجسد في نص محكي أو مكتوب، وإذا كانت الهوية، في هذا المجال، تتحدد في المؤلف والسارد والشخصية، فإنّ السارد والشخصية وجهان يحيلان على «داخل النص»، في حين أنّ المؤلف بوصفه مسؤولاً عن توقيعه، فإنّه، وبحكم «الميثاق الأوتوبيوغرافي» يحيل على ذات التلفظ.
يعمل النص السير ـ ذاتي على الرجوع بالمتلقي إلى زمن مضى. ويتخذ، بذلك، طابعاً «مرجعياً»، لأنّه يدعي تقديم معلومة حول «واقع» خارج عن النص، أي في وضعية يقبل فيها إخضاع ذاته إلى المراجعة. ولذلك فإنّ هدفه لا يتمثل في اتباع وجه الاحتمال بقدر ما تحرّكه الرغبة في المماثلة مع الحق. ليس فعل الواقع وإنّما صورته. أي أنّ كل النصوص المرجعية، ومن بينها أنماط الكتابة السير ـ ذاتية، تتضمن ما يسمّيه لوجون «ميثاقاً مرجعياً»، سواء كان ضمنياً أو صريحاً، لأنّ النص الأوتوبيوغرافي يحكي ما يعتبر صاحبه أنّه قادر، وحده، على تقديمه قياساً إلى نموذج ما. والنموذج، هنا، يحيله على الواقع الذي يسعى النص إلى التماثل معه.
هل يمكن القول بأنّ كتاب «الاعتبار» يكشف حياة صاحبه كما حكاها ونقلها، بوفاء، داخل ثنايا النص الذي يعرضه علينا؟ هل صحيح أنّ قوته المرجعية تسمح لنا باعتماده كوثيقة ترصد تفاصيل سيرة حياة، وتعكس أحداثاً تاريخية ترويها الذات الساردة؟
تتقاطع أنماط متعددة من الكتابة في «الاعتبار» السرد التاريخي والسيرة الذاتية، ومقاطع من سير الآخرين… إلخ، كما تتداخل اليوميات بالمذكرات أو الذكريات. يحكم التذكر متن «الاعتبار» من أوّله إلى آخره. وهو تذكر يأتي في أواخر حياة زاخرة بالتجارب واللقاءات والأسفار والمواجهات. ومن يكتب المذكرات لا بد من أن تفرض عليه ذاكرته عملية الانتقاء، حتّى ولو كان هدفه إلإعلام المتلقي بما كان شاهداً عليه من أحداث ووقائع. وهنا يواجه المرء مشكلة ليست بالهينة تتمثل في إمكانية التمييز بين ما يرجع إلى الذكرى وبين التخيل، بين النظر والواقع أمّا إذا كانت المذكرات تحيل على وقائع تاريخية حدثت فعلياً، فإنّ الرهان الذي يطرح، هنا، لا يتمثل في الأنا، بل في نظرة شخص التقى التاريخ في لحظة ما، وتشابك تاريخه الشخصي مع التاريخ التاريخي، أي التاريخ الكبير.
وفي هذه الحالة، سواء تعلق الأمر بسيرة ذاتية محضة أو بمذكرات، فإنّ «الميثاق الأوتوبيوغرافي»، بكل ما يفترضه من تعاقد معنوي بين المؤلف أو السارد، والمتلقي، يصير ميثاقاً للأصالة والصدق أكثر ممّا يستجيب لمعايير الحقيقة.
وحتّى لو احتوى كتاب «الاعتبار» معطيات تاريخية، بل وحسبته جمهرة كبيرة من المؤرخين أنّه يقدم مادة تصلح للكتابة التاريخية، فالواقع أنّ هذا النص هو «كتاب ذكريات استدعاها أسامة بعد حين من الدهر فرواها بتواريخها التي تثير الدهشة والإعجاب بدقتها وضبطها.
ثم إنّ أسامة لم يكن معنياً بكتابة تاريخية على طريقة المؤرخين الحولية ولم يقصد إلى ذلك وإنّما كان همّه منصبّاً على تسجيل ما مرّ به في حياته» (السامرائي في تقديمه لـ «الاعتبار»)، أي أنّ أسامة اتخذ من ذاته موضوعاً للمعرفة، وإطاراً لاستحضار وقائع كان فيها عنصراً مركزياً. وباستعراضه للتجارب التي عاشها مع الأصدقاء أو الخصوم والأعداء، مع المسلمين والإفرنج، وضع نفسه في محكمة الضمير الذي حركه لاستنكار ما مضى، ولإعادة التعرّف على الأحداث التي شاهدها أو كان شاهداً عليها أو شارك في صنعها.
فسرد فقرات كتاب «الاعتبار» يدخل، عند أسامة، في عملية رهان قاسية مع الذات، لأنّه التجأ إلى الرواية في وقت انهار فيه الجسد وعجزت فيه اليد عن الكتابة. وهو يقرّ بذلك بكثير من المرارة حين يقول: «فلما توقلت دورة التسعين وأبلاني مرّ الأيام والسنين صرت كجواد العلاف لا الجواد المتلاف ولصقت من الضعف بالأرض ودخل من الكبر بعضي في بعض. حتّى أنكرت نفسي وتحسّرت على أمسي» (الاعتبار).
تزامنت لحظة الحكي مع حالة من الوهن الجسدي، غير أنّ الذاكرة لم تفقد قوتها وحيويتها. وضعية شبه تراجيدية عاشها هذا الأمير الفارس الذي، وإن كان عميق الإيمان بالله وبالقدر، يأسف على الضعف الذي اكتسح جسده، ويتألم للعجز الذي شلّ أصابعه. فكيف، إذن، يمكن الاطمئنان إلى الطابع المرجعي لهذا النص في الوقت الذي رواه صاحبه وهو في حالة من «الانكسار» الوجداني؟ ألم يقع في إسقاطات ترفع من شأن ما مضى للتعويض عن العجز الحاضر؟
كيفما كانت أجوبتنا عن هذين السؤالين، فإنّ أسامة عمل على مواجهة الأنا المعيشة مع الأنا الحاضرة، وجعل ما كان مناسبة لإعادة التعرف، وأحياناً، لإعادة الفهم. لذلك جاء كتابه، أو روايته في «الاعتبار»، مبنية على تجارب سابقة ومغامرات سمحت للسارد باستحضار أفعاله وأفكاره وموقفه، وبإعادة صياغة أحكامه إزاء ذاته وإزاء الآخر. والذات في هذه الحالة تحيل أيضاً على متخيل اجتماعي يتقدم بوصفه واقعاً، لأنّه «يلتصق» به.
فقراءة المعيش، أو رواية بعض تفاصيله تفترض، دوماً، مراعاة أبعاد «خارجية» على النص الذي يعمل السارد بواسطته على إعادة التعرّف. ومهما كانت «فرادنية» الذات، فإنّها مورطة في إيقاع الجماعة، سيما وأنّ أسامة لا يتردد في تأطير تحركاته ضمن صيغ علائقية حتّى ولو أصرّ على استعمال ضمير المتكلم.
تداخل كبير بين الداخل والخارج، بين الذات والجماعة، وبين الماضي والحاضر. وكتاب «الاعتبار» بوصفه كتاباً مروياً، أي منسوخاً اعتماداً على سرد شفوي، بقدر ما يجعل من الماضي والتجربة الشخصية محور انشغالاته، يتخذ، في الآن نفسه، من الحاضر الزمن المعاصر للتلفظ والحكي، ويغدو الحاضر كأنّه حاضر تاريخي بكسر المسافة بين الأحداث وزمنيتها بسلوك أسامة خطاباً مباشراً حراً. يشعر القارئ كأنّ السارد ـ الذي يمثل الشخصية المركزية ـ يتحدث بصوت يمكننا سماعه، حتّى ولو أنّه تحول إلى نص مخطوط فلغة كتاب «الاعتبار» تختلف، بشكل كبير، عن لغة مؤلفات أسامة الأخرى، فهي «أقرب إلى لغة الكلام العامية الوسطى» (السامرائي). لا هي بلغة أدبية ولا بعامية، لكن الكتاب تضمن أخطاءً يرجح قاسم السمرائي أنّها ليست «من صنع أسامة نفسه… لعل أحد النساخ كان يملي من النسخة الأصل والآخر يكتب وكان المملي كثير الخطأ في القراءة والناسخ يكتب ما يسمع عنه» (السامرائي).
ما يهمنا، هنا، هو أنّ كتاب «الاعتبار» يمثل لحظة قوية في جرأة بعض الكتاب العرب على الجهر بذاتيتهم، وجعل الأنا، وإن تقدّمت بكيفية متشابكة مع الآخر، محور السرد و موضوع الحكي. ولأنّ أسامة لم يكن يهمّه الأسلوب والشكل والصيغ البلاغية في هذا الكتاب، فإنّ مضمون خطابه يمثّل الهاجس الأوّل والهدف الأساسي. وهو من أجل ذلك يكسر كل المسافات بين الماضي والحاضر، بين الأنا الفاعل والأنا السارد، بين الفرد والجماعة، وبين النحن والآخرين، ليقترح علينا نوعاً من اللقاء شبه الاحتفالي بين الأنا والناس والتاريخ.
إنّه يحكي عن تفاصيل حياته بقدر ما يتقدم كشاهد على المرحلة، بل وعلى المراحل المختلفة التي عاينها أسامة، نظراً للعمر الذي امتد به إلى ما ينيف على تسعين سنة، وواكب صراعاتها وحروبها وسياسييها ونخبها، مسلميها ونصاراها… إلخ. الأمر الذي جعل من كتاب «الاعتبار» نصاً يبوح بتفرد شخص نموذجي.
صور الافرنجي في كتاب الاعتبار
يتقدّم إلينا أسامة بن منقذ في «الاعتبار» بوصفه مسلماً، مؤمناً، متشبعاً بالقيم الكبرى للإسلام، وبأطره المعيارية الجوهرية في الوجود والسلوك والعلاقات. وعلى رغم نزوعه الإرادي البارز في الشجاعة والإقدام والحرب، قبل إقراره بالقدر وإذعانه لمنطق القضاء، يظهره، في بعض الأحيان، وكأنّه سجين موقف سلبي إزاء العالم. حتّى وإن أصرّ أسامة على الضمير المتكلم في روايته، فإنّ البُعد «الشخصاني» الواضح في تحركاته وعلاقاته يكشف عن إنسان ينتمي لمرجعية عقدية واجتماعية يتخذ منها أفقاً للنظر ومصدراً للفعل، فالله أوجد الخلق «أطواراً مختلفي الخلق والطبائع: الأبيض والأسود، والجميل والقبيح، والطويل والقصير، والقوي والضعيف، والشجاع والجبان بمقتضى حكمته وعموم قدرته» (الاعتبار). بل إنّ ما يحصل في الحياة غير مرتبط، بالضرورة، بإرادة الإنسان وحريته، أو بقرار ذاتي محض، لأنّ المسألة، في تصوّر أسامة، تتجاوز الشخص مهما كانت قدرته، وتتخطى إرادة القوة التي يمكن أن تصدر عن الجماعة. فالحياة والموت والانتصار والهزيمة «كل ذلك مقرون بما يجري به الأقدار والأقضية».
رجل انتزع لقب الفارس بسبب شجاعته وخوضه لحروب لا حصر لها ضد الأتراك والأعراب والإفرنج… إلخ، وعاش المراحل الأولى لاستنهاض فكرة الجهاد مع عماد الدين زنكي وابنه نور الدين، وعاصر التتويج الحاسم لهذه الفكرة مع طرد الصليبيين من القدس على يد صلاح الدين… إلخ. رجل من هذا الطراز والقدرة على الفعل في الحدث والزمن يستسلم في كتابه «الاعتبار» لنزعة غارقة في قدريتها، إذ «النصر في الحرب من الله تبارك وتعالى لا بترتيب وتدبير ولا بكثرة نفير ولا نصير».
للعامل التربوي، على ما يظهر، دور كبير في بناء الشخصية الإسلامية لأسامة. فهو سليل أسرة أمراء، عربية النسب ومسلمة، ولكنّه تأثّر أيّما تأثّر بأخلاقيات أبيه وورعه وشجاعته. يتحدث عن أبيه، باستمرار، بكثير من التقدير والاحترام. فهو النموذج والموجه والمرجع. يقول عنه إنّه كان «شغوفاً بالصيد لهجاً به وبجميع الجوارح، وما يستكثر ما يغرمه عليه لفرجته. فإنّه كان نزهته، فليس له شغل سوى الحرب وجهاد الإفرنج ونسخ كتاب الله عز وجل عند فراغه من أشغال أصحابه». الصيد والحرب والتزوّد المعرفي والصداقة مجالات كبرى استغرقت حياة والد أسامة. وفضلاً عن شغفه الخاص بالصيد «كان الوالد، رحمه الله، كثير المباشرة للحرب وفي بدنه جراح هائلة ومات على فراشه». وعلى رغم جراحه الكثيرة، كان له ميل لافت لنسخ القرآن. ويلاحظ أسامة أنّ أباه كان «يكتب خطاً مليحاً»، وكان «لا ينسخ سوى القرآن». وقبل وفاته كشف لعائلته «ختمات عدّة منها ختمة كبيرة كتبها بالذهب وكتب فيها علوم القرآن، قراءاته وغريبه وعربيته وناسخه ومنسوخه وتفسيره وسبب نزوله وفقهه، بالحبر والحمرة والزرقة »، وترجمة «بالتفسير الكبير»، وكتب ختمة أخرى بالذهب مجردة من التفسير، وباقي الختمات بالحبر مذهبة الأعشار والأخماس والآيات ورؤوس السور وروؤس الأجزاء.
لم تكن علاقة والد أسامة مع الصيد نفعية، لأنّ لعامل المتعة فيها دوراً محفزاً، كما إنّ إيمانه الديني لا يقتصر على احترام العبادات والمعاملات بقدر ما أعطاه بُعداً جمالياً من خلال النسخ أو التلاوة أمّا الحرب أو الجهاد فالمسألة عنده تدخل في نطاق الواجب الديني. قد يظهر أنّ الإشارة إلى شخصية أبيه غير ذات معنى، إلاّ أنّ إلحاح أسامة في كتابه «الاعتبار» على دور الأب وارتباطه العميق به يسمح لنا بالقول إنّ «العبر» التي يتحدث عنها في كتابه ويهدف تبليغها إلى الآخرين استمدّ كثيراً منها من مدرسة «الأب». لم يكن أباً عادياً، بل كان مرجعاً ومثالاً ونموذجاً في التربية والسلوك والواجب. وارتقت علاقتهما إلى درجة التمازج العميق إذ يقول أسامة في هذا السياق «وما رأيت الوالد، رحمه الله، نهاني عن قتال ولا ركوب خطر مع ما كان يرى فيَّ وأرى من إشفاقه وإيثاره لي».
هذا المناخ الأبوي الغالب على البيئة العامة التي تكون فيها أسامة ترك آثاراً عميقة على موقفه من العالم والحياة والأخلاق والعلاقات، فوعيه الإسلامي بالذات لعب الاب فيه دوراً حاسماً. كما انعكس ذلك، بقوّة، على موقفه من الآخر، ومن الإفرنجي بالتدقيق. استند وعي أسامة إلى نموذج معياري قوي يتمثل بعض تجلياته في النمط التصوري والسلوكي للأب. وأمّا مصدر كل ذلك فإنّما يعود إلى المرجعية القرآنية وأخلاقيات الصحابة. وفي حكمه على صدقية الناس في القتال، يعتبر أنّ من «الناس من يقاتل كما كان الصحابة، رضوان الله عليهم، يقاتلون للجنة لا لرغبة ولا لسمعة». ومن «الناس من يقاتل للوفاء»، فالفارق بين الرجال يظهر في الهمة والنخوة، وهي عبارة استمدّها من أبيه حيث قال له: «كل جيد من سائر الأجناس يظهر من الرديئ من جنسه ما يكون بقيمته، مثل حصان جيّد يسوى مئة دينار، خمس حصن رديئة تسوى مئة دينار، وكذلك أنواع الملبوس: إلاّ ابن آدم فإنّ ألف رجل أردياء لا يساوون رجلاً واحداً جيداً»، وينتهي مؤكداً: «وصدق رحمه الله».
حكمٌ كليٌ على الجنس البشري، تتمثل قيمة الذات الإنسانية في الهمة والنخوة والجودة، وصدقية الإنسان في المعدن المؤسس لشخصيته، في النوعية الخاصة التي يتفرد بها، وهو معيار ينطبق على جميع الأجناس. هذه النظرة الشمولية التي اقتبسها أسامة من أبيه ستوجه، إلى حد ما، تصوّره للآخر. فليس الدين هو أفق الرؤية الوحيد للحكم، لأنّ القيمة تتجاوز الانتماء العقائدي أو الثقافي أو العرقي، والجودة يمكن العثور عليها في كل الأديان والثقافات والأجناس.
وعلى رغم إقراره بالقضاء والقدر، ومن تقديره للأبعاد العاطفية في الحياة ولا سيما في ظروف الحرب والقتال، فهو مع ذلك، يمنح للعقل مكانة خاصة. ذلك أنّ «العقل هو الذي يحمل على الإقدام على السيوف والرماح والسهام أنفة من موقف الجبان وسوء الأحدوثة»، بل و«كل أمر لا يحضره العقل يظهر فيه الخطأ والزلل».
وأسامة حين يتعرض لهذه الاعتبارات ذات الطبيعة الفلسفية، فإنّه لا يقوم بذلك من موقع ادعاء التفلسف، أو الارتقاء بالنظرة إلى الأمور إلى مستوى فكري عالٍ. أسامة أديب وشاعر ومثقف ومتفقّه. وهو يتناول موضوعات فكرية لكن بأسلوب بسيط وكأنّه يعكس بعض الحكم العامة المتداولة أو نمطاً متوسطاً من الوعي. وبدل التعمق فيها نظرياً، فإنّه يفكر فيها بالمثال. والمثال له حضور طاغ في الإيقاع السردي لكتاب «الاعتبار». المهم، عند أسامة، هو أنّ «الإنسان أحوج إلى العقل من كل ما سواه، وهو محمود عند العاقل والجاهل».
لم يكن أسامة أميراً ينتمي لعائلة عريقة فحسب، أو فارساً اكتسب الشجاعة في الصيد والحرب فقط، وإنّما كان مسلماً يحمل نظرة كلية إلى الإنسان مهما كان اختلافه، ويحكمه توجّه عملي وواقعي للحياة وللفعل الإنساني. لهذا جاءت كتاباته، سواء شعراً أو نثراً، وكأنّها تصف الوقائع وترصد الأحداث وتقدّمها من خلال المثال. يتخلل ذلك أحكام ومواقف تعكس تصوّر أسامة لخلفيات وأبعاد الواقعة، إلاّ أنّ الطابع الحكائي له دور لافت.
لا يكف أسامة، في كتاب «الاعتبار»، عن تدبيج صيغة الشتم وآيات اللعنة للإفرنج، إذ نادراً ما تذكر لفظة إفرنج من دون إلصاق شتمية بها، من قبيل «الإفرنج خذلهم الله»، «الأفرنج لعنهم الله»… إلخ. لقاموس اللعنة حضور كثيف في الكتاب، ويأتي تصريفه في الجمل والفقرات التي تتعرض للإفرنج، وكأنّ توجيه الشتمية للآخر مسألة شبه بديهية. هو موجود ليلعن. هل للحرب والقتال دور في ذلك؟ بلا شك. غير أنّ اللعنة لا تنسحب من لغة أسامة حتّى وهو يتحدث عن مزاياهم وخصالهم الإيجابية وشجاعتهم.
ومعلوم أنّ كتاب «الاعتبار» لا يقتصر فيه أسامة على الحديث عن الإفرنج أو عن الحروب التي دارت معهم، بل إنّه يستعرض كل الحروب التي تمكن من المشاركة فيها أو كان شاهداً عليها، بين المسلمين أنفسهم داخل مساحة الشام التي تحوّلت إلى أمارات متفرقة يتنازع مصيرها أمراء وحكام لا يحركهم سوى التسلط والحكم والطموح الشخصي، وبين المذاهب الإسلامية، فضلاً عن الاختراق الصليبي الذي استوطن الأرض العربية وأسس ممالك وإمارات وعلى رأسها المملكة اللاتينية بالقدس، وبقي يتحرش بالأراضي العربية الأخرى طيلة قرنين. مساحة واسعة من الحروب والمعارك، سببها تناقضات الداخل واختراقات الخارج. مواجهات لا حصر لها كان أسامة شاهداً عليها، إذ يقول: «قد كان بين هذه الوقعات فترات شهدتُ فيها الحروب مع الكفار والمسلمين ما لا أحصيها».
يصعب فصل كتابات أسامة عن الظرفية السياسية والوجدانية العامة التي عمل كل من عماد الدين زنكي وابنه نور الدين على خلقها لإعادة بناء الذاتية الإسلامية، وإعادة الاعتبار لقيم الجهاد واسترداد ما انتزعه الصليبيون.
فكثير من قصائد أسامة يندرج ضمن تحفيز المسلمين على الجهاد، بل ومثّل عنصراً داعماً للعملية الدعائية العربية الإسلامية الواسعة لاستنهاض الطاقات المختلفة واستعادة الأراضي المقدسة، وأسامة لا يكتفي بالمساهمة في «التعبئة الأيديولوجية»، ضد الإفرنج، لأنّه يجمع الكلمة والفعل، وحين يتحدث عنهم فلأنّه يعرف بعض مظاهر حياتهم وخبرتهم في السلم والحرب. وهم، كما يقول «لعنهم الله، أكبر الناس احترازاً في الحرب»، بل إنّ فرسانهم يزرعون الخوف لدى المحاربين، شرسين في المعارك، معبئين ضد المسلمين إلى درجة ممارسة أبشع الأعمال وأكثرها همجية. ويؤكد أسامة ذلك حين يروي: «شاهدت من الطعنات العظيمة طعنة طعنها فارس من الإفرنج، خذلهم الله، فارساً من أجنادنا… قطع له ثلاثة أضلاع من جانبه اليسار وثلاثة أضلاع من جانبه الأيمن وضرب شفار الحربة مرفقه ففصله كما يفصل الجزار المفصل ومات لساعته».
لا ينكر أسامة عنف المسلمين مع الإفرنج، لكن شراسة هؤلاء لا تضاهى. ففي تصوّره هناك مسافة بين الشجاعة والهمجية، ويعتبر أنّ «الإفرنج، خذلهم الله، ما فيهم فضيلة من فضائل الناس سوى الشجاعة، ولا عندهم تقدمة ولا منزلة عالية إلاّ الفرسان، ولا عندهم ناس إلاّ الفرسان فهم أصحاب الرأي وهم أصحاب القضاء والحكم». يقرّ أسامة للفرسان بالشجاعة، وبدهائهم في الحرب، ولكنّها ليست الشجاعة المقرونة بالشهامة ونبل النفس. ذلك أنّ الإفرنجي حين يصادفه الانتصار لا يتورع عن التنكيل بالمسلم وممارسة أعمال همجية. فشجاعة الإفرنجي شجاعة متوحشة، ولذلك يقول: «سبحان الخالق البارئ إذا خبر الإنسان أمور الإفرنج سبح الله تعالى وقدسه، ورأى فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير، كما في البهائم فضيلة القوة والحمل».
لا يكتفي أسامة بإضفاء البهيمية على الإفرنج، بما في هذا الحكم القاسي من نفي للعقل عنهم، وأنّه يزيدهم صفات سلبية أخرى لا تقل انتقاصاً من شأنهم، وتتمثل في الخيانة والغدر. ومع أنّ أسامة في رواياته في كتاب «الاعتبار» يتناول هذه المواصفات بشيء من العقل البارد أحياناً، إلاّ أنّه يصوغ هذه الموضوعات شعرياً ببعض العنف.
لم تكن الحرب هي عنوان العلاقة الوحيد مع الإفرنج، فالمنطقة كانت تعرف تركيباً فسيفسائياً من الإمارات والممالك، من المسلمين (السنة والشيعة) والإفرنج. وكانت صفقات ومساومات ومعاهدات ومفاوضات تعقد بين هذه الإمارة أو تلك، وأحلاف تنظم بين إمارات إسلامية وأخرى إفرنجية ضد ممالك إسلامية أو إفرنجية. وبحكم الموقع المتميز الذي كانت تحتله إمارة «شيزر»، والمكانة الخاصة التي كانت تحتلها أسرة ابن منقذ، وبسبب التأثير البالغ الذي مارسه والد أسامة على شخصية ابنه، فإنّ والده وعمّه لعبا دور الوساطة في أكثر من صراع بين الأمراء والملوك، سواء من المسلمين أو الإفرنج. وكتاب «الاعتبار» يتعرض لأكثر من تدخل على هذا الصعيد. ولما كان الأمر كذلك، فإنّ أسامة بدوره لعب دور الوساطة لفض نزاعات كثيرة ولتسوية خلافات لا حصر لها، حتّى أصبح وسيطاً نافذاً بين المسلمين والإفرنج. ولعل عمليات الوساطة هي التي وفرت له بعض شروط التعرف على الإفرنج. وعلى رغم الأحكام السلبية التي يطلقها عليهم، فإنّ جدلية الصراع والتساكن فرضت عليه التعامل معهم. قام أسامة بعمليات وساطة كثيرة بهدف الصلح والتفاهم أو التحالف. ويقول: «كنت أتردد إلى ملك الإفرنج في الصلح بينه وبين جمال الدين محمد بن تاج الملوك رحمه الله ليد كانت للوالد، رحمه الله، على بغدوين الملك والد الملكة امرأة الملك ابن فلك». وتحول بعض العلاقات إلى صداقة، ولو أنّه مقتنع أشد الاقتناع بأنّهم «لعنهم الله، جنس ملعون لا يألفون لغير جنسهم». بل إنّه يعطي أدلة على استحالة تحقيق تمازج اجتماعي وثقافي بين الإفرنج والمسلمين بسبب الحاجز العقائدي، حتّى ولو تظاهروا بتبني الإسلام. ومن الأمثلة على ذلك أنّه «كان في أولئك الذين صاروا إلى دار والدي امرأة عجوز ومعها بنت لها امرأة شابة حسنة الخلقة وابن مشتد. فأسلم الابن وحسن إسلامه فيما يرى من صلاته وصومه. وتعلم الترخيم من مرخم كان يرخم دار والدي، فلما طال مقامه زوجه الوالد بامرأة من قوم صالحين وقام له بكل ما احتاجه لعرسه وبيته، فرزق منها ولدين وكبرا وصار لكل واحد منهما خمس ست سنين. والغلام راؤول أبوهما مسرور بهما، فأخذهما وأمهما وما في بيته وأصبح بافامية عند الإفرنج وتنصر هو وأولاده بعد الإسلام والصلاة والدين». وأسامة لم يكتف بسرد ما يعضد شكّه في استحالة اندماج ما بين المسلمين والإفرنج، وهو يأتي بمثال من المعيش العائلي، بل ينهي هذه القصة بدعوة تختزن شحنة انفعالية مثيرة حيث قال: «فالله تعالى يطهر الدنيا منهم».
وقد تبدو هذه الرغبة قاسية من فارس تميز بدرجة من التسامح والقدرة على التواصل مع الآخر. صحيح أنّ حكمه على الإفرنج فيه شيء من العنف، ابتداء من قاموس اللعنة ومروراً بشجاعتهم المتوحشة إلى عدم الاطمئنان إلى أخلاقياتهم الظاهرة، لكن الرغبة في تطهير الأرض منهم تعبر عن نزعة إقصائية دفينة قد تتعارض مع ما يصدر عن أسامة من سلوك مهادن إزاء الإفرنج.
وقد تبدو هذه الرغبة قاسية من فارس تميز بدرجة من التسامح والقدرة على التواصل مع الآخر. صحيح أنّ حكمه على الإفرنج فيه شيء من العنف، ابتداء من قاموس اللعنة ومروراً بشجاعتهم المتوحشة إلى عدم الاطمئنان إلى أخلاقياتهم الظاهرة، لكن الرغبة في تطهير الأرض منهم تعبر عن نزعة إقصائية دفينة قد تتعارض مع ما يصدر عن أسامة من سلوك مهادن إزاء الإفرنج.
والمفارقة أنّه مباشرة بعد القصة التي رواها للبرهنة على صعوبة الثقة في الإفرنج، يتعرض لعلاقة أخرى تسمح للمرء باستنتاج بُعد آخر في نسيج الروابط التي جمعته مع الإفرنج، ذلك أنّه «كان في معسكر الملك فلك بن فلك فارس محتشم إفرنجي قد وصل من بلادهم يحج ويعود، فأنس بي وصار ملازمي يدعوني «أخي» وبيننا المودة والمعاشرة. فلما عزم على التوجه في البحر إلى بلاه قال لي: يا أخي، أنا سائر إلى بلادي، وأريدك تنفذ معي ابنك ـ وكان ابني معي وهو ابن أربع عشرة سنة ـ إلى بلادي يبصر الفرسان ويتعلم العقل والفروسية، وإذا رجع كان مثل رجل عاقل. فطرق سمعي كلام ما يخرج من رأس عاقل، فإنذ ابني لو أسر ما بلغ به الأسر أكثر من رواحه إلى بلاد الإفرنج. فقلت: وحياتك هذا الذي كان في نفسي، لكن منعني من ذلك أن جدّته تحبّه وما تركته معي حتى استحلفتني أن أرده إليها. قال: وأمك تعيش؟ قلت: نعم. قال: لا تخالفها».
يتضمن هذا النص أكثر من مستوى في تحديد طبيعة العلاقة التي جمعت أسامة مع هذا «الإفرنجي المحتشم». فهو يخبر أنّ هذا الرجل جاء ليحج ويرجع إلى بلاده، أي أنّ وجوده، في كل الأحوال، وجود عابر، لكن ذلك لم يمنعهم من نسج روابط تميزت بـ «المودة والمعاشرة»، لدرجة أنّ الإفرنجي أصبح ينعته بـ «أخي». قد تكون لهذه اللفظة دلالة إنجيلية عادية، لكن أسامة أصرّ على استحضارها للتدليل على العلاقة «الأخوية» التي قامت بينهما. وحين عبّر ذلك الفارس عن رغبته في دعوة ابنه إلى بلاده لتعلم «الفروسية والعقل»، هنا انتفضت حمية أسامة واستنفرت فيه حصانته الثقافية خوفاً من زعزعة الأساس الثقافي الذي يؤسس هويته واختلافه في الوقت نفسه. فدعوة «الإفرنجي المحتشم» اتخذت طابع استفزاز لا يحتمل، لأنّه على رغم المودة التي جمعتهم، فهو لم يكن يتصور لحظة أنّ رغبة من هذا القبيل يمكن أن تصدر عن هذا الإفرنجي، لأنّ طبيعة العلاقة لا تسمح باستقبال هذه الدعوة، ولأنّ هذا الكلام، عند أسامة «لا يخرج من رأس عاقل». فهو يفضل أن يتعرض ولده للأسر وأن يحرم من حريته على أن يذهب إلى «بلاد الإفرنج». ومع أنّ الدعوة ولدت، في العمق، توتراً ثقافياً قوياً لدى أسامة، لدرجة أنّه نعت صاحبها بالخروج عن حدود العقلانية، فإنّه برّر رفضه بلباقة جعلت الآخر يطمئن لجوابه. فكيف يمكن تصوّر انتقال ابن أسامة إلى بلاد الإفرنج وهو مقتنع بأنّهم «جنس ملعون لا يألفون لغير جنسهم»؟
محمد نور الدين افاية
التعريف بأسامة بن منقذ([147])
بين الشام ومصر كانت حياة الشاعر الفارس أسامة بن منقذ. وهو واحد من فرسان بني منقذ المعدودين أصحاب قلعة شيزر ومن علمائهم وأدبائهم، وقد خلف أسامة ديواناً كبيراً في مجلدين، وعدداً من المصنفات الأدبية في فنون مختلفة.
وقد لمع اسم أسامة في زمن الحروب الصليبية، حيث تألقت شاعريته وعرفت فروسيتة وبطولته.
وفي أثناء غيابه عن بلدته شيزر أصابها زلزال قضى على جميع سكانها ولم يبق من آل منقذ إلاّ من قدّر له أن يكون بعيداً عنها، ويبكي أسامة أهله، وبلدته في قصيدة عامرة بالمشاعر الإنسانية والتوهج الشعري، والنفس الأسيانة، ويقول:
حمائم الأيك هيجتن أشجاناً
فليبك أصدقنا بثاً وأشجانا
ما وجد صادحة في كل شارقة
ترجع النوح في الأفنان ألحانا
كما و جدت على قومي تخوّفهم
ريب المنون ودهر طال ما خانا
إذا نهى الصبر دمعي عند ذكرهمو
قال الأسى: فض وجد سحاً وتهتانا
قالوا: تأسّ، وما قالوا بمن؟ وإذا
أفردت بالرزء ما انفك أسوانا
ما حدثتني بالسلوان بعدهمو
نفسي، ولا حان سلواني ولا آنا
وفاجأتهم من الأيام قارعة
سقتهمو بكؤوس الموت ذيفانا([148])
ماتوا جميعاً كرجع الطرف وانقرضوا
هل ما ترى تارك للعين إنسانا
لم يترك الدهر لي من بعد فقدهمو
قلباً أجشمه صبراً وسلوانا
فلو رأوني لقالوا: ما أسعدنا
وعاش للهم والأحزان أشقانا
لم يترك الموت منهم من يخبرني
عنهم، فيوضح ما لاقوه تبيانا
بادوا جميعاً، وما شادوا، فواعجبا
للخطب أهلك عمارا وعمانا
هذي قصورهمو صارت قبورهمو
كذاك كانوا بها من قبل سكانا
ويح الزلازل أفنت معشري، فإذا
ذكرتهم خلتني في القوم سكرانا
لم يحمهم حصنهم منها ولا رهبت
بأساً تناذره الأقران أزمانا
أتاهمو قدر لم ينجهم حذر
منه، وهل حذر منج لمن حانا
إن أقفرت «شيزر» منهم فهم جعلوا
منيع أسوارها بيضاً وخرصاناً([149])
همو حموها فلو شاهدتها وهمو
بها، لشاهدت آساداً وخفانا([150])
كانوا لمن خاف ظلماً أو سطا ملك
كهفاً، وللجارم المطلوب جيرانا
علوا بمجهدهمو سيف بن ذي يزن
كما علت شيزر في العز غمدانا([151])
تراهمو في الوغى أسداً ويوم ندى
غيثاً هتوناً، وفي الظلماء رهبانا
حاولت كتمان بثي بعد فقدهمو
فلم يطق قلبي المحزون كتمانا
كانوا سيوفي إذا نازلت حادثة
وجنتي([152]) حين ألقى الدهر عريانا
فكيف بالصبر لي عنهم وقد نظموا
دمعي لفقدهمو درا ومرجانا
وقال الكاتب المصري محمد مصطفى الماحي:
بنو منقذ ينتمون إلى أصل عربي كريم، يرجع إلى كنانة وينتهي إلى قحطان، وهم كما قال ابن خلكان: «أسرة مجيدة نشأ فيها رجال كبار كلهم فارس شجاع، وكلهم شاعر أديب، وكانوا ملوكاً في أطراف حلب».
وقال ياقوت في معجم الأدباء إنّ من بني منقذ جماعة أمراء شعراء كان أسامة أشعرهم وأشهرهم وقال العماد الأصفهاني إنّ أسامة كان كاسمه، في قوّة نثره ونظمه، يلوح من كلامه أمارة الإمارة، حلو المجالسة صالي المساجلة ندي الندي بماء الفكاهة.
أمّأ شيزر التي اشتهر بها بنو منقذ واشتهرت بهم، فهي على بُعد خمسة عشر ميلاً إلى الشمال من حماه، على ضفة نهر العاصي الغربية، فوق أكمة صخرية، وتعدّ من أقدم مدن سوريا، وردت في التاريخ منذ 1500 عام قبل الميلاد، وذكرها امرؤ القيس في شعره وفتحها العرب سنة 17 من الهجرة.
ولد أسامة بشيزر سنة 488 المقابلة لعام 1095، وهو العام الذي ألقى فيه البابا أوربانوس الثاني خطابه التاريخي المشهور الذي حرض فيه على أخذ بيت المقدس من المسلمين.
وتوفي أسامة بدمشق سنة 584 فعاش ستة وتسعين عاماً وبضعة أشهر بالحساب الهجري.
كان أسامة في الرابعة من عمره، حين استولى الصليبيون على بين المقدس، واستعيد قبل وفاة أسامة بعام واحد. فامتدّت حياة أسامة نحو قرن من الزمن تميز بأحداثه الجسام، وتمثلت فيه صورة صادقة من الفروسية العربية، ومن الصراع العنيف بين الغرب والشرق.
كانت أم أسامة تمتاز بالنخوة والشهامة، روى أسامة أنّها في إحدى الوقعات التي هوجمت فيها شيزر، فرقت السيوف للمدافعين عنها وجاءت إلى أخت له كبيرة السن فألبستها خفّها وإزارها وأجلستها على روشن في داره، يشرف على الوادي، وجلست بقربها حتّى إذا تغلب الأعداء دفعتها إلى الوادي فتراها قد ماتت، ولا تراها مأسورة، فشكرها أسامة وشكرتها أخته. ونصرهم الله وأبو أسامة كان كثير المباشرة للحرب وفي يديه جراح هائلة، وكان مغرماً بالصيد، يقضي نهاره في تلاوة القرآن والصيام، وليله في نسخ كتاب الله حتّى أتمّ نسخ ثلاث وأربعين ختمة.
وتولّى عم أسامة حكم شيزر حين تعفف أبوه عن الملك فشمل أسامة بعطفه ودربه على فنون الحرب.
ووهب الله أسامة قلباً جريئاً وشجاعة فائقة ونخوة عظيمة وكرماً بالغاً.
وصعد أسامة بسكين صغيرة على سلم إلى حية عظيمة، أخرجت رأسها وهي نائمة وبين وجهه وبينها دون الذراع، وجعل يحز رأسها، فخرجت والتفت على يده، إلى أن قطع رأسها وألقاها في الدار ميتة وأبوه ينظر إليه ولا ينهاه.
واشترك أسامة في الخامسة عشرة من عمره في صدّ غارة الإفرنج على شيزر وشهد كثيراً من الوقائع، وعاش حتّى شاهد مصرع الصليبيين ونصر المسلمين.
وزاول أسامة الصيد سبعين عاماً، وقاتل السباع في عدّة مواقف، وقتل عدّة منها ما شركه في قتلها أحد، عدا ما شاركه فيها غيره قال أسامة:
سأنفق مالي في اكتساب مكارم
أعيش بها بعد الممات مخلدا
وأسعى إلى الهيجاء لا أرهب الردى
ولا أتخشى عاملاً ومهندا
بكل فتى يلقى المنية باسماً
كأنّه له في الموت عيشاً مجددا
فإن نلت ما أرجو للمجد ثم لي
وإن مت خلفت الثناء المؤبدا
وخرج للصيد مع أبيه فقتل أسداً وحمله إلى البلد، فدخلت عليه جدّته ليلاً ولامته على المخاطرة بنفسه، وإثارة النفور منه في قلب عمّه؛ فقال لها إنّي أخاطر بنفسي لأتقرب إلى قلب عمّي، قالت له والله ما يقربك هذا وإنّه ليزيدك منه بُعداً، ويزيده منك وحشة ونفوراً.
ولقد صدقته النصح فإنّ عمه كان يرعاه وينشئه ليخلفه على ملك شيزر، حين لم يكن له ولد فلما ولد له ومات والد أسامة تنكر له عمّه، ثم أجلاه هو وإخوته عن شيزر وحكم ابن عمّه بعده فتنكر له كأبيه وبعث أسامة إليه قصيدة يعاتبه يقول فيها:
أطاع ما قاله الواشي وما هرفا
فعاد ينكر منّا كل ما عرفا
ملكته طائعاً قلباً تعسفه
وقلما يملك الأحرار من عسفا
لي منه ما ساءني من هجره وله
مني الرضا بقضاياه وإن جنفا
ألقاه بعد التصافي معرضاً حنقاً
وبعد إقباله بالود منحرفا
ويقول فيها:
صلوا فؤاداً إذا سكنت روعته
هفا ودمعاً إذا نهنهته وكفا
لكم هواي وإن جرتم وجوركم
مستحسن منكم لو لم يكن سرفا
لا تعجلوا بفراق سوف يدركنا
كفى بنا فرقة (ريب المنون) كفى
ولمّا خرج أسامة من شيزر سار إلى دمشق سنة 532 وظلّ بها إلى سنة 539 واتخذه الوزير معين الدين عوناً وناصحاً وأولاه ثقته وأشركه معه في سياسة الملك واستعان به في فك حصار جيوش عماد الدين زنكي لدمشق كما وفق أسامة بدهائه إلى استمالة رضوان وزير الخليفة الفاطمي وكان قد فرّ من القاهرة إلى جانب معين الدين. ثمّ ظهر منافس للوزير معين الدين فاضطرته السياسة إلى تقريب غير أسامة فشق على أسامة المقام بدمشق فانتقل إلى مصر وكتب إلى معين الدين يعاتبه ناحياً نحو المتنبي في عتابه لسيف الدولة فقال:
ولوا فلما رجونا عدلهم ظلموا
فليتهم حكموا فينا بما علموا
ما مرّ يوماً بفكري ما يريبهم
ولا سعت بي إلى ما ساءهم قدم
ولا أضعت لهم عهداً ولا اطلعت
على ودائعهم في صدري التهم
حفظت ما ضيعوا أغضيت حين جنوا
وفيت إذ غدروا واصلت إذ حرموا
محاسني منذ ملوني بأعينهم
قذى وذكري في آذانهم صمم
وبعد لو قيل لي ماذا تحب وما
تختار من زينة الدنيا لقلت هم
هم مجال الكرى من مقلتيّ ومن
قلبي محل المنى جاروا أو احترموا
تبدلوا بي ولا أبغي بهم بدلا
حسبي هم أنصفوا في الحكم أو ظلموا
عاش أسامة في مصر من سنة 539 إلى 549 مكرماً معززاً من الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله وأدرك بعده الخليفة الظافر واضطربت في ذلك العهد الأمور واشتد الخلاف بين الخلفاء والوزراء فعمّت الدسائس بلاط الخليفة حتّى قتل سنة 549 فاستنجدت أسرته بطلائع بن رزيك وإلى منية بن الخصيب فقدم لنجدتها فخرج الوزير عباس من مصر وألزم أسامة الخروج معه إلى دمشق ونسب إلى أسامة اشتراكه في هذه الاضطرابات.
وخرج الإفرنج عليهم فقتلوا الوزير ونجا أسامة وعبر وادي موسى حتّى وصل دمشق بعد أهوال ولما استقر به المقام كتب إلى الملك الصالح طلائع بن رزيك يسأله تسيير أهله في كتاب قال فيه:
اذكرهم الود إن صدوا وإن صدقوا
إن الكرام إذا استعطفتهم عطفوا
ولا ترد شافعاً إلاّ هواك لهم
كفاك ما اختبروا منه وما كشفوا
فارقتكم مكرهاً والقلب يخبرني
أن ليس لي عوض منكم ولا خلف
ولست أنكر ما يأتي الزمان به
كل الورى لرزايا دهرهم هدف
ولا أسفت لأمر فات مطلبه
لكن لفرقة من فارقته الأسف
فسير طلائع أهله إليه فنهبهم الإفرنج في الطريق وأذاقوهم العذاب وضاع كل ما حملوه من مصر ونكب أسامة من جميع ثروته وفي كتبه التي بلغت أربعة آلاف مجلد ولزمته الحسرة عليها وقال أسامة:
إلى الله أشكو فرقة رميت لها
جفوني وأذكت بالهموم ضميري
تمادت إلى أن لاذت النفس بالمنى
وطارت بها الأشواق كل مطير
فلما قضى الله اللقاء تعرضت
مساءة دهري في طريق سروري
آثر أسامة بعد أن تقدمت به السن وتوالت عليه النكبات أن يستجم في حصن كيفا وهي بلدة على دجلة شمال الموصل بإقليم ديار بكر وعكف مدّة إقامته بها على التأليف والدرس ووجد بمدينة أمّه القريبة من حصن كيفا من المكتبات الضخمة ما عوض عن كتبه. ثمّ عاد إلى دمشق سنة 570.
غير أنّ الدهر أبى إلاّ أن يعاند أسامة فقد أحسّ نبوة من صلاح الدين الأيوبي لعل سببها ما انتهى إليه من أنّه يرفد الشيعة ويصل فقراءهم ويظهر التقية.
الأعسميات
قصائد للشيخ عبد الحسين الأعسم في رثاء الحسين (عليه السلام).
الشيخ عبد الحسين الأعسم ولد في حدود سنة 1177هـ وتوفي سنة 1247هـ في النجف الأشرف.
كان فقيهاً أصولياً أديباً شاعراً مشهوراً له مراث في سيد الشهداء أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) منها قصائده التي على ترتيب حروف المعجم.
فمن ذلك قوله:
عرجا بي فهذه كربلاء
أبك فيها وقل مني البكاء
يا غريب الديار بنت عن الأو
طان تخدي عنها بك الانضاء
أين من كربلاء طيبة مثوا
ك ومثوى أهليك والبطحاء
أي كرب قاسيته وبلاء
عندها إذ جرى عليك القضاء
أي عذر بين الورى لعيون
قل منها على الحسين البكاء
ويح قوم جنت عليه واغرتـ
ـهم به الجاهلية الجهلاء
يا ابن بنت النبي غرتك بالكتـ
ـب علوج ضلت بها الآراء
أظهروا الود إذ دعوك فمذ وا
فيت وافتك منهم الشحناء
لم يجودوا عليك بالماء حتى
بخلت أرضهم به والسماء
بأبي طفلك الرضيع تلظى
عطشاً حين غيض عنك الماء
جئت مستسقياً به فسقته
منهم الحتف طعنة نجلاء
لهف نفسي على بناتك تستا
ق سبايا كما تساق الإماء
لهف نفسي على خليفتك السجـ
ـاد مسته بعدك الأسواء
لست أنساه في دمشق بحال
شمتت بازدرائها الأعداء
يا لها وقعة تجددها في
كل عام علي عاشوراء
تركتها مآتماً باقيات
أبد الدهر ما لهن انقضاء
ليس ينسى مولاي عبدك رزءاً
لك تنسى لعظمه الأرزاء
لك عندي ما عشت لاعج وجد
لم تبارحه عبرة حراء
ما استعرت البكا عليك أبي
الشماخ فيكم وأمي الخنساء
مستمر على رثائك لكن
ليس يشفي غليل قلبي الرثاء
أبشعري أفي رثاءك كلا
قصرت عن رثائك الشعراء
وقوله من قصيدة:
أما في هذه الدنيا نجيب
يساعدني على نوب تنوب
مصائب لا أنادي الصبر فيها
ولا ادعى إليه ولا أجيب
تناكر موقفي قومي كأني
غداة أصبت بينهم غريب
ألانت جانبي نكبات دهر
أشابتني وما حان المشيب
وقوله:
عز غيري فلست ممن يعزى
رب رزء عزاء باكيه عزا
كم تأوبتني بتقريع قلبي
عن مرام ترى به عنه عجزا
لم تجد فيه مطمعاً فاطو عنه
كلما أوجعته قرعاً وغمزا
ويح قلبي الشجي مما يعاني
من ملام الخلي نهسا وحزا
كم وددت الردى لراحة نفس
لم أزل من حياتها مشمئزا
أي عيش يهنا لمن بين جنبيه
لظى أزت الجوانح أزا
أضرمتها في القلب أرزاء أهل الـ
ـبيت إذ ليس مثلها قط أرزا
كم حقوق لآل أحمد بزت
بعدما ظن أنها لن تبزا
ونفوس تجرعت غصص الذل
وقد كان حقها أن تعزا
واختلتها أيدي الضغائن بالأسيـ
ـاف ضرباً وبالأسنة وخزا
واضيعت دماؤها بعدما أر
وت حضيضاً من كربلاء ونشزا
كم عرانين أرغمت لم تكن تر
غم إلاّ لله جل وعزا
ونحور عزت يعز على المخـ
ـتار بعد التئامها أن تحزا
وروؤس فوق القنا لولاة الأ
مر تدعى باسم الخوارج نبزا
بأبي أفتدي قتيلاً عليه
عزيت فاطم فلم تتعزا
واستذلت بقتله ملة الإسـ
ـلام من بعدما اكتست منه عزا
فليشق الإسلام ثوباً على من
كان كهفاً للمسلمين وحرزا
ويل قوم تخاذلوا عنه ما أشـ
ـنعها سبة عليهم وأخزى
كيف خانوا نبيهم في بنيه
أبهذا خير النبيين يجزى
لهف نفسي على الحسين فلا زا
ل فؤادي برزئه مستفزا
حسبوه يرضى بذل ويأبى
أن يعيش الأعز إلا أعزا
واستثاروا بقتل والده الكر
ار منهم عباد لات وعزى
فاستجارت منهم به بيضة الإسـ
ـلام إذ أوجست من الكفر وكزا
واعتلى طرفه بلامة حرب
لا ترى مثل طرزه العين طرزا
ودنا منهم وأوقرهم وعـ
ـظاً يسوم الرواسخ الشم هزا
فأصم الشقاء منهم قلوباً
حرزتها ضغائن الشرك حرزا
فانتضى عضبه وشد عليهم
شدة الليث في أضاميم معزى
كم أرتهم عيناه هائل فتك
وجدوا من نفوسهم عنه عجزا
لكن الخطب أحكمته المقاديـ
ـر ولن يقبل المقدر حجزا
يا لقوم لفادح جز من علـ
ـيا قريش نواصيا لن تجزا
واغتدت بعده أعزاء عدنا
ن أذلاء والأذلا أعزا
واستطالت إلى المغازي يدا من
طالما كان من مغازيه يعزى
وتسلت عنهم هاشم وانصا
عت معاني غزاتها الغلب معزى
أخذوا في ديارهم بعدما كا
نوا حماة الحمى حضوراً وغزى
يا ابن بنت النبي ما برحت أحـ
ـشاؤنا بادكار رزئك ترزى
لم تسكن غليلها عبرات
يحفز الثكل دمعها فيك حفزا
هجرت جزعاً عليك عزاها
ليس عن كل ميت يتعزى
أخلصتكم أشياعكم صفو ود
ذخرته لفاقة الحشر كنزا
لك عبد إذا شجته الخطايا
يتسلى بأنّه لك يعزى
حاشى للّه أنت تخيب أناس
تخذتكم مما تحاذر حرزا
وقوله:
سخوا للمعالي بالنفوس النفائس
كذا كل من يشري العلى لم يماكس
وفازوا بها في النشأتين نفائسا
كبت دونها أنفاس كل منافس
هي الرتبة القعساء جل مقامها
لدى الله أن ترقى لها كف لامس
بها ظفرت من ألزموا عزماتهم
حفاظ المعالي بابتذال النفائس
حدتهم إلى نصر ابن بنت نبيهم
حمية دين لم تشب بالدسائس
فهبوا إلى حرب تقاعس أسدها
تخالس طرفاً للردى غير ناعس
تهاوت عليهم خيلهم مشمعلة
كما استقبت للورد هيم الخوامس
وخاضعوا لظاها مستميتين لا ترى
عيونهم الفرسان غير فرائس
بأبيض مصقول الغرارين قاطع
واسمر مهزوز المعاطف مائس
وسابغة من نسج داود توجت
مغافرها بالبيض فوق القلانس
ضراغم غيل لم تهب رشق راجل
بنبل ولا ترتاع من طعن فارس
فللّه تلك الفتية ازدلفت لها
ثلاثون ألفاً بالضغون الفوارس
فأذكت عليهم نار حرب جلاهم
سناها جلاء الصبح دهم الحنادس
وحفت بمولاها تجدل دونه
أشاوس حرب أردفت بأشاوس
كفته عداه واغتدت مهجاتها
له جننا من نبلها المتكاوس
إلى أن فدته بالنفوس فلم يجد
مجيباً له غير العدو المخالس
بدا مخمداً ضوضاءهم بزئيره
عليهم فلم يسمع لهم صوت هامس
وأوقرهم وعظاً فلم يلف ملمسا
بهم فثنى عن وعظهم عطف آيس
ومبتهج في حومة الحرب حيث لا
يشاهد من أبطالها غير عابس
يشد على جيش الأعادي بصارم
أبى غمده إلاّ رقاب الفوارس
إلى أن جرى حتم القضا وترادفت
فوادح لم تخطر على بال حادس
مصائب لم نبرح لها عكفاً على
مواقف حزن اعولت ومجالس
فواظع زادتها الرواة فظاعة
وإن كان ما لم ينس معشار ما نسي
شجتنا فما ندري أتطوى ضلوعنا
على حرق من ذكرها أم مقابس
وخامس أصحاب الكسا ما خطت لهم
يد الفضل إلاّ جبرئيل بسادس
تمنت عداه خطمها لشهامة
له شحطت عنهم على ظهر شامس
ورامت لها الويلات إذعانه لها
فكيف تنال الشمس أيدي اللوامس
وهيهات أن يرضى الحسين بذلة
أبتها أصول زاكيات المغارس
فحلق عنها وامتطى صهوة الردى
يرى الذل أخزى وصمة في المعاطس
ويرسل من كوفان للشام رأسه
إلى فاجر في غمرة الكفر راكس
وتسبى إليه الفاطميات آلفا
تشفيه في تقريعها في المجالس
فلهفي على تلك الدماء فلم تزل
تلظى لها في القلب شعلة قابس
ولولا ترجي النفس طلعة ثائر
بها أنا من نصري له غير آيس
لما كنت أستبقي لها بعد رزئهم
حياة بها ضاقت علي منافسي
إلى أن يعز الله دين الهدى بمن
يجدد من آثاره كل دارس
ويخصب من ساحاته كل ممحل
ويورق من أغصانه كل يابس
يجب به عرق الضلال وتكتسي
به سروات الرشد أبهى الملابس
لوجهك يا ابن العسكري توجهت
هداياي يذكو عرفها في القراطس
فجد لي باستنشادها جدة الرضا
لدعبل باستنشاده لمدارس
وقوله:
هو الهوى مهما كتمته فشا
وكيف يخفى ما به الدمع وشى
شغفت حباً وتروم سلوة
هيهات أن يسلو مشغوف الحشا
تشكو تجني الهوى وهل ترى
من عاشق جرى هواه كيف شا
مستوحشاً بين أهاليك ومن
غيل لفقد من يحب استوحشا
روحي الفدا لنازح ما خطرت
بخاطري ذكراه إلا انتعشا
أرجو اقتراب وعده معللا
به فؤاداً لم يزل مشوشا
يا حبذا ساعة لقياه التي
لا يرتجي الدين سواها منعشا
قضيت عمري بين يوم نفضت
على ضحاه لوعتي دجى العشا
وليلة أسهرها كأنني
مساور خزر العيون الرقشا
أجهش فيها بالبكا لغدجرة
في الدين كل من وعاها أجهشا
خرط القتاد دون سلوها وإن
صرت بها لشوكة مفترشا
حتى نرى آخذ ثأرها سطا
من كل من أسسها مفتشا
لهفي ولا يشفي الجوى تلهفي
لمن بشاطي النهر ماتوا عطشا
لم أنس يوم جعجع العدا بهم
وأنزلوهم العراء الموحشا
تخاذلت عنه رعاياهم إلى
أن بلغت منه عداهم ما تشا
هنالك استل ابن حيدر الظبا
شهامة شب عليها مذ نشا
عاف الحياة والأبي الضيم لم
يطق بدار خيمة تعيشا
واختبر الناس ببذل نفسه
ولو يريد البطش فيهم بطشا
فهب للهيجا بجاش طامن
لم يكترث بالكون جاش أم جشا
شد على خميسهم كأنّه
ليث شرى شد على قطيع شا
تطاير النبل إليه لم يكد
يسلم عضو منه إلاّ خدشا
ومذ دنا حتم القضا أصماه من
قوس الشقا ذا شعب مريشا
فخر للأرض صريعاً لم يدع
حياً تعالى الله إلاّ اندهشا
ما أنسَ لا أنسَ ابن فاطم لقى
على الثرى الجيش عليه احتوشا
حتى قضى بالسيف عطشاناً ولم
يبرح ندى كفيه يروي العطشا
حنت عليه الفاطميات فكم
جيب لها شق ووجه خمشا
تجاوبت بالنوح لا تفتر عن
طول بكى أثر فيها العمشا
ويلي على من ثكلت رجالها
وكابدت ذاك المصاب المدهشا
تنظر منهم الرُؤُس أبدلن من
أجسامهم سمر الرماح الرعشا
وجثثا فوق الثرى ودت لها
تكون أحداق المعالي فرشا
أضحت مزاراً للوحوش بعدما
كان حماها يؤنس المستوحشا
يا آل بيت المصطفى حن لكم
مضنى بغير قربكم لن ينعشا
هام بكم فؤاده نشوان من
صفو هوى خامره حتى انتشا
لا أختشي ذنباً ولي فيكم رجا
أعظم ذنب معه لن يختشى
علت لكم نار القرى فرحبوا
بمن على نار قراكم عشا
فليس للجود محل غيركم
إن تقفوا يقف وإن تمشوا مشى
وقوله:
ما بال من أصفيته إخلاصي
غاليت فيه وجد في إرخاصي
أكذا وفا الأحباب يرجع خائباً
من وصلها الداني ويحظى القاصي
سيرد لي ما فات مني جاه من
لم تبق شمس ولاه ليل معاصي
من رد قرص الشمس جاه أبيه في
سغب نحيل الجود بالأقراص
وقضيت عمري في رثاه مؤملا
برثاه من شدد الذنوب خلاصي
أفدي قتيل الطف خير من اعتلى
أسراج خيل أو رحال قلاص
فزعت أمية إذ تطلع نحوهم
فزع الظباء بطلعة القناص
نصرته قوم أرخصوا أرواحهم
للدين والأرواح غير رخاص
فسموا بذلك رفعة كادوا بها
يطؤون هام النسر بالأخماص
وخطوا بأقصى كل مكرمة غدت
لهم أقاصيهن غير أقاصي
فلأي عذر ليت شعري تنتحي
من تدعيه بمنتهى الإخلاص
شقي ابن سعد واستبد بلعنة
شملت ذؤابتها أبا وقاص
نشبت بكلكله مخالبهم فلم
تمكنه منهم فرصة استخلاص
فحمى ذمار عياله بمهند
لم تحم منه سابغات دلاص
ويظل يفحص من ظماه طفلها
والهفتاه لطفلها الفحاص
جزت نواصيها العلى لمصيبة
لم تطف جذوتها بجز نواصي
حتى نرى ابن العسكري يقودها
شعثاً يطيع بهن كل معاصي
فلتخش صولته الأعادي ويلهم
أين المفر ولات حين مناص
وقوله:
إن يضق في اليوم بي رحب الفضا
فغداً يجري بما أهوى القضا
قرب الوعد الذي أرقبه
وانتهى التسويف فيه وانقضى
تتراءى لي سيوف طالما
أغمدت قد أوشكت أن تنتضى
أرتجيها طائر القلب متى
لمحت عيناي برقاً أومضا
ويح قلبي ما بقلبي كلما
نفض البرق رداه انتفضا
انقضت أيام عمري حسرة
غير مستوف بها لي غرضا
كم أقاسي بانتظاري لوعة
قلبت قلبي على جمر الغضا
ما صغت للعذل عنها أذني
صرح العاذل لي أم عرضا
ما يفيد العذل في مثلي وكم
عاذل أغرى وناه حرضا
لا أراني الله أسلو من له
موثقاً في عنقي لن ينقضا
سرنا الله بلقياه فكم
قد لقينا من نواه مضضا
طلت يا ليل النوى حتى متى
أترجى فجرك المعترضا
يا لقومي لتمادي غيبة
غادرتنا للرزايا غرضا
اورثتنا غللاً لم يشفها
غير صمصام الإله المنتضى
طالباً أوتار أهل البيت مِن
مَن أضاعوا فيهم ما افترضا
وقوله:
سليا بالحديث غير فؤادي
بم يسلو عن الورود الصادي
بين جنبي جذوة تتلظى
مهجتي فوق جمرها الوقاد
أين منها الخمود هيهات إلا
بلقا من لقاه أقصى مرادي
منية النفس إن نأى عن سواد العين
لم ينأ عن سويدا الفؤاد
لم يفز ناظري بلقياه حتى
في رقادي وأين مني رقادي
سهدتني صبابة غادرتني
مستهام الفؤاد في كل وادي
لم يجد مطمعاً بها العدل مهما
رام نقصانها طغت بازدياد
كيف أصغي لعاذل بعدما
أعطيت يمنى الغرام فضل قيادي
من لقلبي بان يفوز بمن يهواه
بعد التياعه بالبعاد
حبذا ساعة ألاقيه فيها
ما ألذ السلسال في قلب صادي
صاحبيَّ اشرحا بندبته صدري
أفتديه وطارفي وتلادي
خاتم الأوصيا لخاتم رسل الله
غوث الولي حتف المعادي
طال حمل النوى به فمتى يا
فرج الله ساعة الميلاد
أي يوم يشدو البشير بمن لم
يحل في غيره ترنم شادي
وتلاقي عيناي منه محيا
بين عينيه نور أحمد بادي
مصلتاً عضبه لإصلاح هذا الكون
بعد امتلائه بالفساد
غصبوكم حق الخلافة واغترو
بظل اغتصابها المتمادي
كم رزايا في كربلا كست
الإيمان أحزانها ثياب حداد
يوم ذل الإسلام وانتسفت
في أوجه المسلمين كثب رماد
وتبدت أمية تتقاضى
دينها من بني النبي الهادي
أدركت بالحسين ثارات بدر
وشفت منه سالف الأحقاد
عندما استفردته مستنجداً
بأساً كفاه من كثرة الأنجاد
خذلته قديمة الغدر حتّى أدركت
منه ما اشتهته الأعادي
طمعت فيه أن يسالم لكن دون
ضيم الأباة خرط القتاد
أتراه يعطي ابن آكلة الأكباد
كف المستسلم المنقاد
كيف يستسلم الحسين وينقاد
لضيم وهو الأبي القياد
ألخوف الردى وليس لديه
الموت إلا تهويمة عن سهاد
أم لحب الحياة بين من اختارت
عليه يزيد وابن زياد
حاشى لله أن يحوم على مرعى
أبته شهامة الأمجاد
فهناك اتكى على قائم السيف
ونادى فديته من منادي
أيها الصحب ليس للقوم قصد
غير قتلي فليغد من هو غادي
فأجادوا الجواب واخترطوا البيض
احتياجاً إلى جلاد الأعادي
وانثنوا للوغى غضاب أسود
عصفت في العدى بصرصر عاد
أوردوا البيض دونه من نجيع
الهام والسمر من دما الأكباد
حرسوه حتى احتسوا جرع الموت
ببيض الظبا وسمر الصعاد
حر قلبي عليه حين رآهم
كالأضاحي على الربى والوهاد
فبكى حسرة عليهم وناداهم
وأنى لهم بغوث المنادي
سمحوا بالنفوس في نصرة الدين
وأدوا في الله حق الجهاد
صرعتهم أيدي المنايا كراماً
والمنايا حبائل الآساد
فاغتدى السبط بعدهم غرضاً
للنبل واستكلبت عليه العوادي
فاستوى فوق ظهر مرتجز
الهادي وأرخى عنانه للطراد
مستطيلاً على خميس أعاديه
لديه الآلاف كالآحاد
يرهق الجيش وهو فرد ويروي
سيف من دماهم وهو صادي
يتلقى السهام طلق المحيا
كتلقيه أوجه الوفاد
مفرداً يصدم الجموع فتنصاع
عباديد كانتشار الجراد
كاد يفنيهم فلولا القضا لم
تحظ منه أمية بمراد
فانبرت نبلة إليه فأردته
صريعاً من فوق متن الجواد
ويح سهم أصمى فؤادك يا ابن
المصطفى ليت وقعه في فؤادي
يا لقومي لفادح فتت الأكباد
منا وفت في الأعضاد
ليس تطفي غليله أدمع العين
وإن فضن من خروق المزاد
أي نحر فرى وريديه شمر
أي رأس علاه فوق الصعاد
يتباهى بقتل من فرض الله
ولاه على جميع العباد
أيعلى على القنا رأس سبط
المصطفى نصب أعين الأشهاد
ويعرى على الثرى جسمه لا
بانتظار التجهيز والإلحاد
غسلته الدما وقلبه وطء
العوادي وكفنته البوادي
ويح خيل داست سنابكها
صدراً حوى ما حواه صدر الهادي
عقرت هل درت ما ارتكبت من
سبة سودت وجوه الجياد
بأبي سادة الورى أمناء الله
ضاقت بهم رحاب البلاد
وكراماً خصوا بما يكثر الحساد
أضحوا شماتة الحساد
ووجوهاً تجلو كروب البرايا
أصبحت مجمع الكروب الشداد
ونفوساً تخيرت قتلة العز
على العيش في اهتضام الأعادي
ونحوراً تطوقت بشفار البيض
خوف التطويق بالأقياد
ورؤوساً ركبن سمر العدا كي لا
يروها خواضع الأجياد
وأكفاً ودت تقطعها بالسيف
عن أن تغل بالأصفاد
وبنات لفاطم خفرات
هتكت بين أعين الأوغاد
يتجاوبن بالبكا ولَّه الأحشاء
بحَّ الأصوات غرثى صوادي
ورؤوس القتلى أمام السبايا
تتهادى على القنا المياد
ليت عيناً رنت لها بالتشفي
كحلت بالعمى وطول السهاد
بم تلقى النبي من اتخذت
ايام قتل ابنه من الأعياد
لك عندي ما عشت يا ابن
رسول اله حزن يفي بحق ودادي
ناظر بالدموع غير بخيل
وحشا بالسلو غير جواد
وقواف بهن أرثيك في نوحي
وإن لم يطفئن نار فؤادي
آل بيت النبي أنتم غياثي في
حياتي وعدتي لمعادي
ما تزودت للقيامة إلاّ
صفو ودي لكم وحسن اعتقادي
وقوله من قصيدة:
لاحت لعينك كربلاء فما الذي
ترجى له عبرات ناظرك القذي
ومنها:
ظميا بغير دموعها لا ترتوي
غرثى بغير عويلها لا تغتذي
ولرب نادبة أيا جداه قد
وقع الذي قد طال منه تعوذي
يا ابن الوصي وفاطم إن أجترح
ذنباً فحبك من ذنوبي منقذي
ما انفك عبدك عائذاً بولائكم
فكن المعاذ لعبدك المتعوذ
حسبي ولا يتكم فكم من هالك
لولا ولايته لكم لم ينقذ
وقوله من قصيدة:
لو كان سلوان قلبي عنك مقدوراً
ما كنت فيه بشرع الحب معذورا
ومنها:
تشفي بها غللاً تغلي مسيرة
إلى انتدابك منظوما ومنثورا
لا تشتهي النفس مسموعا سوى نبأ
عنها ولا تستلذ العين منظورا
ومنها:
فازت بنصرته للّه أسد شرى
كانت مخالبها البيض المباتيرا
ترتاح للحرب لا تدري بأنفسها
تلقى عدى أم تلاقي خردا حورا
للّه كم لهم من سطوة تركوا
بها ظهيرة ذاك اليوم ديجورا
وقوة حتى أبيدوا فاغتدى غرضا
للنبل من بعدما كانوا له سورا
هناك دمدم ثبت الجاش محتقرا
بشدة البأس هاتيك الجماهيرا
واستعظموه متى يهمز مطهمه
على كتائبهم فرت مذاعيرا
ينقض مختطفاً كبش الكتيبة من
ظهر الجواد اختطاف الباز عصفورا
يغشاهم فيخالون السما انطبقت
على الثرى أو غشت أطوادها القورا
لولا القضا كاد لا يبقي لآل أبي
سفيان في الارض ديارا ولا دورا
ومنها:
إن لم أحم برثائي حول قدركم
فلست أترك بالمعسور ميسورا
رجوت منكم وإن لم يرضكم عملي
عفواً يصافح وجه الذنب مغفورا
بكم وثقت فلن أخشى الذنوب إذا
غدت ولايتكم للذنب إكسيرا
عليكم صلوات الله دائمة ما دام
مجدكم في اللوح مسطورا
وقوله من قصيدة:
سفكت رجالهم دما فتيانهم
وبكت نساؤهم على فتياتها
أصبحت في الأعداء بين مروعة
هتكوا خباها بعد قتل حماتها
وسبية بين الخيام حيية
وضعت أناملها على وجناتها
ومنها:
وسقت أخاك السم سلماً بعدما
خذلته عند الحرب في وقفاتها
للّه جأشك ما أشد ثباته
في الحرب إذ أفردت في عرصاتها
للّه صحبك إذ وقوك بأنفس
بذلوا لنصرك في الوغى مهجاتها
طوبى لهم بلغوا التي حقت لهم
جنات عدن أسكنوا غرفاتها
يا رب ضاعف أجرهم وأبلغ بهم
أعلى المراتب رافعاً درجاتها
واغفر بحق دم الحسين لعبده
ولسامعي فقراته ورواتها
وله في رثائه:
نكثوا عهود ابن النبي وأحدثوا
لابن الدعي عهود من لا ينكث
بعثوا إليه كتباً فأتاهم
فتناكروه كأنهم لم يبعثوا
كم جرعوه بكربلاء مصائباً
شنعاء كل فم بهن يحدث
قدمت ودائم حزنها متجدد
فكأنّها في كل حين تحدث
أضحت لها الزهراء ثكلى وجهها
من شجوها بادي الكآبة أشعث
لهفي لمفترس الضياغم من الوغى
أضحى فريسة كل كلب يلهث
قصموا به ظهر العلاء ورضضوا
صدراً لعلم الغيب عنه تحدث
رفعوا له فوق العواسل طلعة
بضيائها للنيرين تثلث
بأبي كريمته الخضيبة بالدما
وعواصف الأرياح فيها تعبث
ومقيد يشكو العنا رقت له
أعداؤه من عظم ما يتغوث
ومخدرات ما أذيع حديثها
أضحت أحاديثاً لمن يتحدث
سبيت على عجف تعثر في السرى
يحدو بها مستعجل لا يلبث
تعساً لمن تسبى بنات نبيها
في أي عذر عنده تتشبث
الله أكبر يا لها من فجعة
في الدين عن أهل الفعيلة تورث
نقضوا مواثيق النبي وأحدثوا
من بعده في شرعه ما أحدثوا
قسماً بكم يا آل بيت محمد
ولتلك حلفة صادق لا يحنث
لمحضتكم ودي بلاعج لوعة
مكثت وسافح عبرة لا تمكث
إنّ البكاء على عظيم مصابكم
لشعار شيعتكم إلى أن يبعثوا
فازوا بأن علقت لهم بولائكم
أيد غدت بسواه لا تتشبث
وقوله من قصيدة:
سطوا فصدمت سطوتهم ببأس
خلجت به كماة الحرب خلجا
سقيتهم به أقداح حتف
بمنصلت يمج الحتف مجا
وكم هابتك منجدلا كماة
تقاعس عن لقائك حين تلجا
ومنها:
برغمي أن يشبوا نارهم في
خيام كن للمرتاع ملجا
وتقرع في دمشق يدا يزيد
بمحجنه ثنايا منكم فلجا
بنفسي والعزيز علي بدرا
له أمسى سنان الرمح برجا
تحف به رؤوس بني علي
تخال بعاكر الظلماء سرجا
بنفسي من قضوا لك ما عليهم
وأدوا فوق ما منهم يرجى
فدوك بأنفس وجدوا فناها
أحق من البقاء بها وأحجى
إليكم يا بني الزهرا التجائي
وما لي غيركم في الحشر ملجا
رجوت من الحسين نجاة عبد
له لم يتخذ إلاه منجى
بها لي ذمة منه أرجي
وفاه لي بها وهو المرجى
فجد مولاي لي بسلامتي من
خطاياكم ضللت بهن نهجا
ألج بها عليك فلا تخيب
رجا عبد على مولاه لجا
وقوله من قصيدة:
سقى جدثاً تحنو عليه صفائحه
غوادي الحيا مشمولة وروائحه
مررت به مستنشقاً طيبه الذي
تضوع من فياح طيبك فائحه
أقمت عليه شاكياً بتوجعي
تباريح حزن في الحشا لا تبارحه
بكيتهم في الطف حتى تبللت
مصارعه من أدمعي ومطارحه
تروي ثراها من دماكم فكيف لا
ترويه من منهل دمعي سوافحه
حقيق علينا أن ننوح بمأتم
بنات علي والبتول نوائحه
مصاب تذيب الصخر فجعة ذكره
فكيف بأهل البيت حلت فوادحه
فأضحوا أحاديثاً لباك وشامت
تماسي الورى تذكارها وتصابحه
مصائب خصتكم وعمت قلوبنا
بحزن على ما نالكم لا نبارحه
تداركتم بالأنفس الدين لم يقم
لواه بكم وإلا وأنتم ذبائحه
غداة تشفى الكفر منكم بموقف
أذلت رقاب المسلمين فضائحه
أقمتم ثلاثاً بالعراء وأردفت
عليكم برمضاء الهجير لوافحه
بنفسي أبي الضيم فرداً تزاحفت
دموع أعاديه عليه تكافحه
ومنها:
نواسيكم فيها بتشييد مأتم
يرن إلى يوم القيامة نائحه
عليكم صلاة الله ما دام فضلكم
على الناس أجلى من ضيا الشمس واضحه
وقوله من قصيدة:
مصارعهم في كربلا لا تهاونت
بسقياك أخلاف الغمام النواضخ
عشية ساموهم هواناً فنافرت
بهم شيم الصيد الأباة البواذخ
رأوا قتلهم في العز خيراً من البقا
أذلاء في أحشائها الهم راسخ
ومنها:
بنفسي غريب الدار لم يبق عنده
حميم يحامي عن حماه ولا أخ
أحاطت به الأعداء منفرداً ولا
ظهير له إلا نساء صوارخ
فدمدم ثبت الجاش دون خيامه
وماضيه من قاني دم الهام ناضخ
إلى أن هوى للأرض والتاح مهره
بفسطاطه واستقبلته الصوارخ
وجاشت عليهم العدا وتتابعت
رزايا بها كم سود الكتب ناسخ
علينا لها نصب المآتم دائباً
فلا دمعها يرقى ولا الوجد بائخ
فيا وقعة لم تبل إلا تجددت
وأحزانها بين الضلوع رواسخ
تولى يزيد عقدها بعدما بنت
دعائمها أسلافه والمشايخ
هي الفتنة العمياء أضرم نارها
على الدين في يوم «الفعيلة» نافخ
كستنا ثياب الحزن حتى ينضها
إمام ليافوخ الضلالة فاضخ
أغثنا به اللهم وانصر به الهدى
فما غيره للجور بالعدل ناسخ
أعلام القاصرين
في معرفة أصول الدين (كتاب)
تأليف الشيخ محمد تقي بن محمد علي ابن الشيخ حمزة الفشندي القزويني ولد سنة 1244 هجرية في قرية فشند وتوفي سنة 1330 من أعلام عصره وهذا الكتاب هو المجلد الخامس عشر من موسوعته المسماة بـ (ذخائر المحبين) في شرح ديوان أمير المؤمين (عليه السلام) يبحث في المقدمة عن الملائكة ثم في أصول الدين ثم في نبوة محمد بن عبدالله (عليه السلام) ويختم كلامه في الإمامة وقد فرغ من تأليفه في شهر جمادى الأولى سنة 1299 هجرية ونسخة الاصل بخط المؤلف من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور في قزوين ولم أجد ذكراً لهذا الكتاب في الفهارس وكما لم يقف عليه شيخنا الأستاذ الشيخ آغا بزرك الطهراني ولم يرد ذكره في الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
عبد الحسين الصالحي
الأغاني([153]*)
ـ1ـ
بعد أن استقر العرب في الدول التي نشروا فيها الإسلام، امتزجوا بأهل البلاد، وتبادلوا الثقافات والآداب، وظفروا من الأمم العريقة في الحضارة بنصيب كبير من زهرة الدنيا وزينتها، وبهجة الحياة ومتعتها، في المأكل والملبس، والمسكن والفراش، والزخارف والنقوش، والطرب والسماع، غير مقصرين في ثقافة، ولا عاجزين عن وصف ما نالوا وما أدركوا، في أساليب جميلة، وعبارات رشيقة وأبرز ما كان هذا كله في العصر العباسي الذي جنى ثمار الامتزاج والاختلاط بذوي الحضارات العريقة في كل اتجاه.
وللنغم الحلو قوة ساحرة تأخذ بالألباب، سواء أكان ذلك في بداوة أم في حضارة. وسواء أكان المغني من الإناث أم من الذكور. ويزيده روعة إذا اقترن بالجمال والشباب في مجالس تطيب أجواؤها وتتلألأ أضواؤها، وتهفو فيها النسمات عليلة، مضمخة بأريج الأزهار وعبيرها، ونفح العطور وذكائها.
ولكل جيل ألحانه، ولكل صقع أنغامه وطرائق إيقاعه على آلات اللهو والطرب، من ضرب على الأوتار، أو نقر بالدفوف، أو نفخ في المزامير. بين خفوت وارتفاع وامتداد وانقطاع. وهمس وجهر. وحدة ولين وآهات وأنين.
وقد وضعت لمجرى الأصابع على ثقوب الآلات وأوتارها قواعد يعرفها أهل الفن، سموها لحناً… وسموها صوتاً، وسموها «نغماً» وسجلناها على الورق في عهدنا الحاضر وسميناها باسمها الإفرنجي «نوتة موسيقية».
والغناء يكون في الشعر، لأنّ الشعر له أوزان منغمة، وقد تكون للشاعر حياة فيها أحداث. وقد تجري بسبب الشعر قصة، وربما وقع للمغني والمغنية ما يحكى ويروى، وربما حيكت حولهما أساطير ومأثورات، إلى غير ذلك من أقوال وأحاديث.
اختيار الأصوات
وللفراغ والرخاء الأثر الأوّل في البحث عن كل هذا، والعناية به وتتبعه، فليس عجيباً إذن من هارون الرشيد، وهو الذي يمثل عهده قمة الخيال والأحلام عند الشرق والغرب، أن يطلب من أعظم المغنين في عهده أن يختاروا له مائة صوت من بين الغناء كله.
ثمّ يجيء الخليفة العباسي الواثق بالله، وكانت له في الغناء صنعة، فيأمر أعظم المغنين في عهده إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن يختار له ما يرى أنّه أفضل ممّا كان اختير في عهد جدّه هارون.
أبو الفرج يؤلف فيها
ثمّ تمر الأعوام عشرات، ويجيء أبو الفرج الأصبهاني([154]) فيؤلف كتاباً يبلغ الغاية في الروعة، والنهاية في الإبداع.
وقل من لم يسمع بكتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني. بل ندر من لم يقرأ شيئاً من كتاب الأغاني، لأنّه حينئذ لا يكون له في الأدب الرفيع نصيب… وإنّ شهرة كتاب الأغاني من يوم أن ألف وحتّى يومنا ترددت في كل بلد عربي، وفي كثير من غير البلاد العربية، وسيظل اسمه متردداً ما دام على الأرض ناطق باللغة العربية، لا يخلو من قارئ له، أو ناقل عنه، أو سامع بعض ما جاء فيه.
ذلك أنّ صاحبه أبا الفرج أودعه من الأشعاء والأخبار، واللطائف والطرائف، ما لم يقع في كتاب مثله. صار غاية يسمو إليها كل مثقف، ويتطلع إليها كل أديب ومتأدب.
وما حمل أحد نفسه على قراءة بعض هذا الكتاب إلاّ شغف به حباً، وأكب عليه قراءة. وأوغل فيه استقصاء، ثمّ خرج من كل هذا بثروة واسعة في الثقافة واللغة والأسلوب الفني البليغ. أما القصص التي تتناثر في أثنائه، فتمتاز بحسن العرض، وجمال السبك، ودقة الملاحظة.
وكل أعلام الأدب ممن مضى ومن بقي وممن سيأتون يذكرون أو سيذكرون فضله عليهم في أساليبهم الممتازة وعباراتهم الرائقة.
كلام صاحب الأغاني عما فعل
ولندع صاحب الكتاب يعرض علينا بعض ما قاله عنه، مقدماً له، حاكياً عن نفسه وفعله.
«هذا كتاب ألّفه علي بن الحسين بن محمد القرشي، الكاتب المعروف بالأصبهاني وجمع فيه ما حضره وأمكنه جمعه، من الأغاني العربية قديمها وحديثها، ونسب كل ما ذكره منها إلى قائل شعره، وصانع لحنه، وطريقته من إيقاعه. ولم يستوعب كل ما غني به في هذا الكتاب، ولا أتى بجميعه، إذ كان قد أراد لذلك كتاباً مجرداً من الأخبار، ومحتوياً على جميع الغناء المتقدم والمتأخر، واعتمد في هذا الباب ـ على ما وجد لشاعره أو مغنيه، أو السبب الذي من أجله قيل الشعر، أو صنع اللحن ـ خبراً يستفاد ويحسن بذكره ذكر الصوت معه «على أقصر ما أمكنه، وأبعده من الحشو والتكثير بما تقل الفائدة فيه.
وأتى في كل فصل من ذلك بنتف تشاكله ولمع تليق به، وفقر إذا تأملها قارئها لم يزل متنقلاً بها من فائدة إلى مثلها، ومتصرفاً فيها بين جد وهزل، وآثار وأخبار، وسير وأشعار، متصلة بأيام العرب المشهورة وأخبارها المأثورة، وقصص الملوك في الجاهلية، والخلفاء في الإسلام، تجمل بالمتأدبين معرفتها، وتحتاج الأحادث إلى دراستها، ولا يرتفع من فوقهم من الكهول عن الاقتباس منها، إذ كانت منتخبة من غرر الأخبار، ومنتقاة من عيونها، ومأخوذة من مظانها، ومنقولة عن أهل الخبرة بها، فصدر كتابه هذا وبدأ فيه بذكر المائة الصوت المختارة لأمير المؤمنين الرشيد رحمه الله تعالى».
وبعد أن يذكر أنواع ما جاء به وما أضافه من الألحان يقول…
«وأتبع ذلك بأغاني الخلفاء وأولادهم، ثمّ سائر الغناء الذي عرف له قصة تستفاد وحديثاً يستحسن، إذ ليس لكل الأغاني خبر، ولا في كل ما له خبر فائدة، ولا لكل ما فيه بعض الفائدة رونق يروق الناظر ويلهي السامع».
كانت غايته الغناء وأصحابه
ولم يكن الهدف من تأليف الكتاب هو الشعراء، وإنّما الغاية من تأليفه ذكر الغناء والمغنين. والغناء يجري فيما قاله الشعراء، لهذا جاء ذكرهم تبعاً، لكن ما كتبه عنهم من أنساب وأخبار وطرائف، ومن نقد للشعر أو استحسان صيرهم بحيث يبدو للقارئ أنّهم هم المقصودون بالتأليف، مما جعل كتابه مرجعاً أدبياً وتاريخياً حافلاً، لا سيما أنّ طرائق الغناء المذكور استبهم بعض شرحها على طول الزمن، ووجدت بدلها أنواع وأشكال وفنون. وظلّت الأساليب الأدبية، والأوصاف الباهرة، والمعاني العميقة، والألفاظ الرشيقة، تتحدّى الزمن عذوبة وحلاوة، تقيم الألسنة وتيسر الصياغة البارعة لمن شاء.
وقد نبهنا إلى أنّه لم يصنفه أبواباً على طرائق الغناء، أو على طبقات المغنين في أزمانهم ومراتبهم، أو على ما غني به من شعر شاعر، وأنّه لم يستوف في الموضع كل ما قيل.
ثم بيَّن المانع من ذلك والباعث على ما فعل وأضاف إلى ذلك قوله:
«وكذلك تجري أخبار الشعراء فلو أتينا بما غني به في شعر شاعر منهم، ولم نجاوزه حتّى نفرغ منه، لجرى هذا المجرى. وكانت للنفس عنه نبوة، وللقلب منه ملة، وفي طباع البشر محبة الانتقال من شيء إلى شيء والاستراحة من معهود إلى مستجد وكل متنقل إليه أشهى إلى النفس من المنتقل عنه، والمنتظر أغلب على القلب من الموجود، وإذا كان هذا هكذا، فما رتبناه أحلى وأحسن، ليكون القارئ له بانتقاله من خبر إلى غيره، ومن قصة إلى سواها، ومن أخبار قديمة إلى محدثة، ومليك إلى سوقة، وجد إلى هزل، أنشط لقراءته، وأشهى لتصفح فنونه، لا سيما والذي ضمناه إياه أحسن جنسه. وصفو ما ألّف في بابه، ولباب ما جمع في معناه»…
طريقة الإسناد أساس في
طريقة الرسائل الجامعية
والحق أنّ الكتاب حافل بالأخبار والآثار التي لا تملها النفس. كل هذا يسوقه بطريقة السند إلى من كان أصلاً في النص المروي. أو الكتاب الذي نقل منه، فهو أمين فيما يسرد علينا.
والرسالات والأطروحات الحديثة التي تقدم في الجامعات لنيل الدرجات العلمية يحرص مؤلفوها على أن يذكروا في الهامش مراجعهم التي اعتمدوا عليها. وأخذوا منها ذاكرين بعد ذلك طبعتها و تاريخها ومؤلف الكتاب.
وما كان عمل الأقدمين الذين يسندون كل خبر أو حديث إلى قائله أو الكتاب المنقول عنه، إلاّ أساساً ودعائم، بنيت عليها نظم الرسائل والأطروحات الجامعية، لا فرق بين هذا وذاك، فكل من السابق واللاحق أمين في نقله، حريص على أن ينسب الفضل إلى ذويه، ويتبين مدى الجهد المبذول في البحث والاستقصاء وكثرة المراجع.
ويجد أكثر المتأدبين في عصرنا أنّ المشكلة التي يضيقون بها في مثل كتاب الأغاني هي كثرة الأسانيد «حدثنا فلان عن فلان…» وتعدد الرواية للخبر الواحد لاختلاف في ألفاظ أو لاختلاف أحد الرواة، وتلك كانت إحدى الميزات التي يعتز بها المؤلفون القدامى، ليوثقوا عملهم وليبرئوا أنفسهم مما قد يكون في الخبر من غرابة. والذين يعنون بالتمحيص والتدقيق يهمهم أن يعرفوا رواة الأخبار، بعد أن يعرفوا شيئاً من حياتهم، ومدى صدقهم وصلتهم بالأحداث، ومن هذا يستطيعون الحكم على النص ومدى الاستعداد لتقبله والرضا عنه.
والحق أنّ المشتغلين بالدراسات الأصلية، والباحثين وراء الخبر الصحيح، ينتفعون كل الانتفاع بذكر الرواة، لأنّ ذلك يرشدهم إلى المنبع الذي تسلسل عنه الخبر، وبعض الرواة له كتب طبعت في عهدنا أو ما تزال مخطوطة وتحتاج إلى تصحيح وتحقيق لسوء خطها، أو لنسيان حدث من ناسخها. فمثلاً لابن الكلبي كتاب في الأنساب ولابن سعد كتاب في التراجم يسمّى الطبقات ولابن سلام كتاب في طبقات الشعراء وللبلاذري كتاب اسمه أنساب الأشراف وكتاب اسمه فتوح البلدان وللزبير بن بكار كتاب في نسب قريش… وهكذا، وكل هؤلاء وغيرهم ممن لهم آثار، روى عنهم أبو الفرج الأصفهاني، أو نقل من كتبهم أو روى عمن روى عنهم.
ونستطيع بالرجوع إلى مؤلفاتهم أن نجد نصوصه التي ذكرها منطبقة على ما في كتبهم الخاصة بهم، وبهذا نتأكد من أن ما أثبته لم يكن أخباراً مفتعلة، ولا نصوصاً زائفة.
ولقد قال لي مرة أستاذنا الدكتور طه حسين إنّ أحب الأشياء إلى نفسه في مثل هذه الكتب تلك الأسانيد واختلاف رواياتها.
تراجمه وأشعاره
والتراجم التي في «الأغاني» تقرب من سبعمائة، لشعراء وشاعرات، ولمغنين ومغنيات، ولحروب وغزوات.
أما من نسب إليهم شعر فيه، سواء أترجم لهم أم لم يترجم فإنّهم لا يقلون عن ألف ومائتين.
والشعر الذي جاء فيه يتجاوز ثلاثين ألف بيت من الشعر، منه ما جاء مفرداً، أو مع بيت أو بيتين، ومنه ما جاء مقطوعات، ومنه ما جاء قصائد. ولا أقول هذا جزافاً. ذلك أنّي فهرست جميع الشعر الذي ورد في الأغاني كله. ذاكراً بحوره وأوزانه، كما فهرست جميع أسماء الشعراء الذين وردوا فيه، والصفحات والأجزاء التي جاء لهم فيها شعر كما فهرست الألحان المختارة التي بنى عليها أبو الفرج الأصفهاني كتابه. وللموضوعات التي جعل لها عناوين وترجم لها. وطبع هذا الفهرس في مجلدين، تجاوزت صفحاتهما ثمانمائة صفحة، نشرتهما دار الثقافة ببيروت. وكان في العزم إكمال الفهرست لجميع ما جاء في أجزاء الكتاب، حتّى يجدها المراجع دون عناء، من أحاديث وأمثال، وطرائف ولغة ونوادر… ولكن الناشر قصر فيما يحتاج إليه العمل، واكتفى بأن ينشر المجلدين المذكورين على زعم أنّهما يحويان كل الفهارس.
مطبوعاته
طبع كتاب الأغاني في مطبعة بولاق بالقاهرة في سنة 1285 هجرية 1868م في عشرين جزءاً. وكان الاعتماد في طبعه على نسخة خطية غير وافية ولا سليمة. زادها سوءاً أنّ الكلمات كانت من غير ضبط، والكلام بدون علامات الترقيم.
وجاء المستشرق رودلف برونو الأميركي الجنسية، والألماني الأصل (المولود 1858 والمتوفى 1917) فراجع التراجم الموجودة في العشرين جزءاً، وذلك على مخطوطات للأغاني وجدها في ألمانيا في مدينة ميونخ. ووجد بعض التراجم والأخبار لم تذكر في طبعة بولاق. فجمع ما وجده، ورتبه ترتيباً هجائياً، وطبعه في جزء واحد، سمّاه الجزء الواحد والعشرين، وما زال بعض الناس يحسبون أنّ هذا الجزء هو مجلد مستقل من أغاني أبي الفرج الأصفهاني، وأنّه كان مفقوداً فوجد، وأنّه كان آخر أجزائه، في حين أنّه أشتات متفرقة في عدّة مواضع من مخطوطات.
وجاء المستشرق الإيطالي جويدي (1844 ـ 1935) فعمل فهرساً لطبعة بولاق والجزء الواحد والعشرين، وطبع هذا الجزء باسم «جداول الأغاني» وهو في الحق كان نافعاً أشد النفع، على الرغم مما جاء فيه من خطأ وتوهم ونقص، تبعاً لنقص الأصل الذي اعتمد عليه.
وفي سنة 1323هـ ـ 1905م طبع كتاب الأغاني في مطبعة التقدم، نقلاً عن طبعة بولاق والجزء الواحد والعشرين. وألحق بهذه الطبعة فهارس مترجمة عن فهرس المستشرق الإيطالي جويدي واشتهرت باسم «طبعة الساسي» لأنّه ناشرها.
وفي سنة 1925 دفعت الأريحية أحد الكرام الأجلاء المقدرين للعلم والأدب، وهو المرحوم السيد علي راتب، بالقاهرة فوجَّه خطاباً إلى وزير المعارف إذ ذاك يعلن تبرعه لإعادة طبع الأغاني ليخرج الكتاب في عناية وإتقان. ولقي معروفه أحسن القبول. وبدأت دار الكتب في إصدار هذا الكتاب، محققاً بعناية، ومراجعاً على عدة مخطوطات، مع ضبط وشرح وفي أحسن إخراج، وبفهارس وافية في آخر كل جزء على حدة، حدث في بعضها نقص، لنقص في كفاية القائمين بها، أو عدم التدقيق في القراءة.
وكان في دار الكتب قسم يسمّى القسم الأدبي، كان يضم خيرة المشتغلين بالآداب، لكن هذا القسم ما زال يصاب بالضآلة والنقص. فأخذ كتاب الأغاني يضعف في إخراجه، ويتباعد زمن صدوره، حتّى طال عليه الأمد، وكان إلى سنة 1950 لم يصدر منه إلاّ أحد عشر جزءاً تقريباً تعادل حوالي عشرة أجزاء من طبعة بولاق، في مدّة بلغت خمساً وعشرين سنة. على الرغم مما تحويه الدار من المراجع والمخطوطات التي لا تحصى والتي لا تتيسر للمشتغلين بالتحقيق بتمامها.
وأيضاً على الرغم من أنّ كتاب الأغاني الذي كانت تطبعه يجد إقبالاً منقطع النظير، وطلبات من مختلف الجهات.
لكن ما أصابه القسم الأدبي بدار الكتب من تقصير وقصور، وما تنازعه من أفكار متضاربة، قضى عليه، وانتقل النشر من دار الكتب إلى اختصاص غيرها، وإن كانت الطباعة ما تزال تجري بمطابعها. وحتّى الآن صدر من الأغاني طبعة دار الكتب سبعة عشر جزءاً، وبقي ما لا يقل عن ثمانية إذا ساروا على تقسيمهم السابق.
وطبعات أخرى
وبطء إخراج الأغاني الشديد، وتباعد الزمن بين كل جزء والتالي له بمعدل جزء كل ثلاثة أعوام، جعل الناشرين تجارياً يغتنمونها فرصة، فيطبعونه معتمدين في الأجزاء الأولى على ما طبعته دار الكتب، ثم يتعثرون في باقيه. وهناك عدّة أشخاص في مخطوطات الأغاني خلت منها الطبعات السابقة، ولم يذكرها المستشرق رودلف برونو، مثل أبي حشيشة الطنبوري، والحسن بن وهب، ومسلم بن الوليد، وعنان جارية الناطفي. إلى كثير من الزيادات في التراجم ناقصة. ومن عمل على نشره دار الفكر، ودار مكتبة الحياة ببيروت، ثم دار الثقافة ببيروت أيضاً، وقد طلبت مني هذه الدار حوالي سنة 1958 تحقيق الأجزاء الباقية من الأغاني، والتي كانت بعد الرابع عشر من طبعة دار الكتب، فسبقت إلى تحقيق الخامس عشر والسادس عشر… حتّى وصلت إلى نهاية الكتاب، فبلغ ثلاثة وعشرين جزءاً، معتمداً في ذلك على مخطوطات مختلفة، وأضفت الزيادات الموجودة بها من تراجم وأخبار في الأقسام الباقية، ثمّ أضفت إلى ذلك كله الفهرس في جزأين وسبق الكلام عليهما، فصار الكتاب خمسة وعشرين جزءاً، على أنّ اهتمام الناشر بأن يكمل الكتاب جعله ينقل طباعته إلى بيروت، ولم يرسل التجارب النهائية إليّ لأعتمد طبعها، فجاء الجزء الواحد والعشرون من هذه الطبعة مختلاً كل الاختلال في تحريفه، وسقوط بعض كلماته، وجمله، مع تغيير في ضبطه مما يقع من جامعي الحروف، دون الاعتماد على الأصول المحققة التي سلمتها إلى الناشر. على أنّي لا أظلمه، فقد كان حريصاً على أن يكون إنتاجه سليماً، وكما بلغني أسند مهمة التصحيح في بيروت إلى أحد الذين ظنّ فيهم الثقة، والمطبعة ليست ملكاً للناشر، فكان هذا الذي أسند إليه التصحيح يوقع على التجربة دون قراءتها، مستحلاً أن يأخذ أجراً من الناشر دون عمل. بل مع إساءة بالغة إلى الأدب والأدباء ولقد أرسلت إلى صاحب دار الثقافة متبرئاً من هذا الجزء طالباً إليه أن يعيد طبعه صحيحاً. ولكنه كما قال لي في بعض المناسبات إنّه رجل تاجر.
سقت هذه تبياناً للقراء، حتى يعرفوا المطبوعات و ما فيها، ولكي يكون الكلام عن الأغاني وافياً.
ومن عهد قديم بدأ الاختصار لكتاب الأغاني، والتخير لرواية واحدة، من الروايات المتعددة للخبر الواحد، مع حذف رجال السند.
وأهم مختصر له هو ابن منظور صاحب لسان العرب، فقد حذف الأسانيد، ورتبه ترتيباً هجائياً، ولكن ليس بالدقة التي ترتب بها الأعلام في الحرف الواحد، والمهم عنده أنّه أورد أولاً كل ما بدأ بحرف الهمزة، مراعياً أنّ ما سبق أوّلاً في الكتاب يجيء أوّلاً، فمثلاً الأحوص يتقدم في الترتيب في مختصره على أبان اللاحقي، ذلك أنّ الأحوص أسبق في أجزاء الأغاني التي عملها أبو الفرج الأصفهاني. والمهم عند ابن منظور أنّ كلاًّ منهما يبدأ بحرف الهمزة. وهكذا يفعل فيما أوّله باء، وفيما أوّله تاء إلى آخر التراجم.
وسمّي هذا الكتاب «مختار الأغاني الكبير» طبع في القاهرة محققاً. والأصل في مكافآت المحققين قدّمه السيد حسن الشربتلي إلى أستاذنا الدكتور طه حسين بإذن مصرفي قدره عشرة آلاف جنيه مبيحاً له حرية التصرف فيه، فقدّمه أستاذنا الدكتور طه حسين إلى الجامعة العربية لتتولى دفع المكافآت لمن يسند إليهم تحقيق الكتب التي تستحق النشر بإشراف منه وتوجيه.
وطبع أيضاً طبعة أخرى محققاً على نفقة الأمير علي آل ثاني حاكم قطر السابق.
ومن المعاصرين لابن منظور أديب اسمه محمد بن سالم المعروف بابن واصل الحموي المتوفى سنة سبع وتسعين وستمائة، وقد اختصر أيضاً كتاب الأغاني، ولكنه جعله على النظام الذي سار عليه أبو الفرج الأصفهاني، بدون ترتيب على حروف الهجاء غير أنّه حذف بعض التراجم وكثيراً من النصوص.
وطبع هذا المختصر بالقاهرة، واسمه «تجريد الأغاني» بتحقيق أستاذنا الدكتور طه حسين والأستاذ إبراهيم الأبياري.
والمهم في «مختار الأغاني» لابن منظور و«تجريد الأغاني» لابن واصل الحموي أنّهما بأسلوب أبي الفرج نفسه دون تغيير ما عدا الاختصار الذي أجرياه فيه.
ومن الذين رتبوا الأغاني بعد طبعه في مطبعة بولاق الأستاذ محمد الخضري، وكانت طريقته سقيمة ومتعبة في الاختصار والترتيب، إذ رتب الشعراء على القبائل العربية التي تنتمي إليها نسباً أو ولاء. فإذا كنت تعرف قبيلة الشاعر ربما عثرت عليه بسهولة، وإلاّ فعليك أن تقلب جميع الأجزاء التي طبعت وهي على ما أذكر تسعة، هذا إلى أنّه لم يضبط شعره ولا أعلامه، وحذف منه ما رأى أنّه لا يليق، وهذا تصرّف غريب. ثمّ إنّه لم يذكر المغنين والمغنيات على أمل أن يفرد لهم أجزاء مستقلة، و سمّى كتابه «مهذب الأغاني» والحق يقال إنّ بعض الأدباء سخروا من الكتاب فسمّوه «مهزئ الأغاني».
نموذج ممّا روى
ونذكر للقارئ قصة ممّا ساقه في كتابه بأسلوب غاية في القوة والسلاسة([155]).
«أخبرني محمد بن يزيد عن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، عن سياط قال:
حدّثني يونس الكاتب قال:
كان معبد قد علم جارية من جواري الحجاز الغناء، ثمّ ملكها رجل من أهل الأهواز، فأعجب بها، وذهبت به كل مذهب، وغلبت عليه. ثمّ ماتت، وأخذت جواريه أكثر غنائهن عنها، فكان لمحبته إيّاها وأسفه عليها لا يزال يسأل عن أخبار معبد وأين مستقره، ويظهر التعصب له والميل إليه، والتقديم لغنائه على سائر أغاني أهل عصره، إلى أن عرف ذلك عنه، وبلغ معبداً خبره. فخرج من مكة حتّى أتى البصرة، فلمّا وردها صادف الرجل وقد خرج عنها في ذلك اليوم إلى الأهواز فاكترى سفينة. وجاء معبد يلتمس سفينة ينحدر فيها إلى الأهواز، فلم يجد غير سفينة الرجل، وليس يعرف أحد منهما صاحبه، فأمر الرجل الملاح أن يجلسه معه في مؤخرة السفينة ففعل، وانحدروا. فلما صاروا في فم نهر الأبلة تغدو وشربوا، وأمر جواريه فغنين، ومعبد ساكت، وهو في ثياب السفر، إلى أن غنت إحدى الجواري في شعر للنابغة (واللحن الغنائي فيه لمعبد). فلم تجد أداءه، فصاح بها معبد: يا جارية، إنّ غناءك هذا ليس بمستقيم، فقال له مولاها وقد غضب: وأنت ما يدريك بالغناء ما هو؟ ألا تمسك وتلزم شأنك؟ فأمسك. ثمّ غنت أصواتاً من غناء غيره وهو ساكت لا يتكلم حتّى غنت في شعر لعبد الرحمن بن أبي بكر، (واللحن فيه من صنعة معبد)، فأخلت ببعضه فقال لها معبد: يا جارية لقد أخللت بهذا الصوت إخلالاً شديداً. فغضب الرجل وقال له ويلك. ما أنت والغناء؟ ألا تكف عن هذا القول؟
فأمسك معبد عن الكلام. وغنت الجواري مدّة، ثمّ غنّت الجارية في شعر لكثير عزة (واللحن لمعبد) فلم تحسن الأداء. فقال لها معبد: يا هذه أما تقوين على أداء صوت واحد؟ فغضب الرجل وقال له: ما أراك تدع الفضول بوجه ولا حيلة، وأقسم بالله لئن عاودت لأخرجنك من السفينة. فأمسك معبد. حتّى إذا سكتت الجواري سكتة اندفع يغني الصوت الأوّل حتّى فرغ منه فصاحت الجواري: أحسنت والله يا رجل، فأعده. فقال: لا والله، ولا كرامة. ثم اندفع يغني الثاني فقلن لسيدهن: ويحك، هذا والله أحسن الناس غناء، فاسأله أن يعيده علينا ولو مرة واحدة، لعلنا نأخذه عنه. فإنّه إن فاتنا لم نجد مثله أبداً. فقال: قد سمعتن سوء ردّه عليكن، وأنا خائف مثله منه، وقد أسلفناه الإساءة، فاصبرن حتّى نداريه. ثمّ غنّى الصوت الثالث، فزلزل عليهن الأرض. فوثب الرجل فخرج إليه وقبّل رأسه وقال: يا سيدي أخطأنا عليك ولم نعرف موضعك (أي قدرك) فقال له: فهبك لم تعرف موضعي، قد كان ينبغي لك أن تتثبت ولا تسرع إليّ بسوء العشرة وجفاء القول. فقال له: لقد أخطأت وأنا أعتذر إليك مما جرى، وأسألك أن تنزل إليّ وتختلط بي، فقال: أما الآن فلا. فلم يزل يرفق به حتّى نزل إليه. فقال له الرجل: ممن أخذت هذا الغناء؟ قال: من بعض أهل الحجاز، فمن أين أخذه جواريك؟ فقال: أخذته من جارية كانت لي، ابتاعها رجل من أهل البصرة من مكة، وقد كانت أخذت عن أبي عباد معبد، وعني بتخريجها، فكانت تحل مني محل الروح من الجسد، ثمّ استأثر الله عز وجل بها. وبقي هؤلاء الجواري وهن من تعليمها، فأنا إلى الآن أتعصب لمعبد، وأفضله على المغنين جميعاً، وأفضل صنعته على كل صنعة. فقال له معبد: أو أنك لأنت هو، أفتعرفني؟ قال: لا، قال: فصك معبد بيده صلعته ـ أي ضرب بيده على رأسه الأصلع ـ ثم قال: فأنا والله معبد، وإليك قدمت من الحجاز، ووافيت البصرة ساعة نزلت السفينة لأقصدك بالأهواز. والله لا قصرت في جواريك هؤلاء، ولأجعلن لك لكل واحدة منهم خلفاً من الماضية.
فأكب الرجل والجواري على يديه ورجليه يقبلونها ويقولون: كتمتنا نفسك طول هذا حتّى جفوناك في المخاطبة، وأسأنا عشرتك، وأنت سيدنا ومن نتمنى على الله أن نلقاه».
ثمّ أكرمه وأتحفه وأهدى إليه وانحدر معه إلى الأهواز، فأقام عنده حتّى رضي حذق جواريه وما أخذته عنه، ثمّ ودعه وانصرف إلى الحجاز.
رموز، ومحاولات حلها
أما المصطلحات التي وضعها أبو الفرج ليبين طريقة المغني في تناول هذا الشعر، من أمثال قوله: «خفيف رمل بالبنصر» أو قوله: «ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر» أو قوله «خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى».
فإنّ محاولات جرت لرسمها على الطريقة الحديثة، وممن فعل ذلك «الدكتور الحفني». وله في ذلك بعض المؤلفات. كما حاول شرحها بعض الأوروبيين، ونجد في مجلة المجمع العلمي العراقي بحثاً مطولاً عنها. وهذا كله يعني أهل الفن الموسيقي والمغنين. أمّا الذي يعنينا قراء وكاتبين فهو ما يشتمل عليه من أخبار ومعلومات وأساليب ومعان.
الحق أنّ كتاب الأغاني فيه ثروة أدبية كبرى، لم تجتمع في غيره من الكتب. وهي كما قال عنها صاحبه: يجمل بالمتأديبين معرفتها، ويحتاج الأحداث إلى دراستها، ولا يرتفع من فوقهم من الكهول عن الاقتباس منها».
إنّه كتاب فيه مجال للدراسات عظيم، ومعين للبحث لا ينضب. وروضة تنعم في مغانيها النفوس.
عبد الستار أحمد فراج
تجريد الإغاني
تأليف ابن واصل الحموي
إلى جانب اهتمام الأقدمين بكتاب الأغاني وعناية فريق منهم باقتنائه، أخذ جماعة من الأدباء في العصور المتقدمة باختصار هذا الكتاب، منهم الوزير أبو القاسم الحسين بن عليّ بن حسين المعروف بابن المغربي المتوفى سنة 418هـ، والأمير عز الدين محمد بن عبدالله بن أحمد الحرّاني المسبّحي المتوفى سنة 420هـ، والكاتب الحلبي أبو القاسم عبدالله المعروف بابن باقيا المتوفى سنة 485هـ، والقاضي ابن واصل المتوفى سنة 697هـ، ثمّ ابن منظور جمال الدين محمد بن المكرّم صاحب لسان العرب المتوفى سنة 711هـ.
وقد قام الدكتور طه حسين والأستاذ إبراهيم الأبياري بتحقيق كتاب «تجريد الأغاني» الذي ألّفه القاضي جمال الدين أبو عبدالله محمد بن سلم بن نصر الله بن واصل الحموي، وجرّده من ذكر الأصوات وما احتوت عليه من أنواع النغم والإيقاعات مما لا فائدة من ذكره، كما جرّده من الأسانيد والمكررات والأخبار والأشعار المشتركة، وأضاف إليه فوائد أخرى تتعلق به، وشرح بعض المستغلق من ألفاظه.
ولم يُخفِ الدكتور طه حسين في الكلمة التي قدّم بها للكتاب ضيقه باختصار الكتب وعدم اطمئنانه له، ويرى في ذلك أزوراراً عمّا أراد المؤلفون، وانحرافاً عمّا رسموا لأنفسهم من طريق، وجحوداً لما احتملوا من سلوك هذه الطريق من ألوان المشقة والعناء. ثمّ قال:
«ولست أخفي على القرّاء أيضاً أنّي أقرأ كتاب الأغاني فأستمتع بأسانيده كما أستمتع بما يروى فيه من الشعر والأحاديث. ولكن لا بد مما ليس منه بد، فليس كل الناس قادراً على أن يفرغ للأغاني وأمثاله من كتب القدماء. ونحن بين اثنتين: إمّا أن نخلي بين الأدب العربي القديم وبين النسيان يلقي عليه أستاره الكثاف، ويقصر العلم به على الذين يفرغون له ويتخصصون فيه».
على أنّ من ميزات كتاب التجريد إلى جانب ما ذكره المؤلف أنّ في تضاعيف الكتاب نصوصاً وتراجم وأخباراً لم ترد في بعض أجزاء كتاب الأغاني مما يقطع بأنّ مؤلفه رجع إلى نسخة كاملة من كتاب الأغاني.
وميزة أخرى لهذا الكتاب هو أنّ الزيادات التي عثر عليها المستشرق رودلف برونو وأفرد لها جزءاً هو الجزء الحادي والعشرون واردة في «التجريد» في مواضعها الأصلية من الكتاب، وهي زيادات وردت في مخطوطات أخرى غير التي طبع عليها كتاب الأغاني.
أبو الفرج ومقاتل الطالبيين والأغاني
علي بن الحسين المعروف بأبي الفرج الأصفهاني بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبدالله بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
ولد سنة 284 في أصفهان وتوفي سنة 356هـ.
نشأ في بغداد بعد تركه أصفهان وأخذ العلم عن أعلامها، وكانت بغداد إذ ذاك قرارة العلم والعلماء ومثابة الأدب والأدباء ومهوى أفئدة الذين يرغبون في الالمام بالثقافة أو يودون التخصص في فروعها.
وقد أخذ أبو الفرج نفسه بالجد في طلب العلم وإفراغ باله فنبغ وتفوق، وكان له من توقد ذكائه وسرعة حفظه وشغفه بالمعرفة ما مكن له من ناحية التفوق وذلل له من شماس النبوغ وجعله ينهض بتأليف كتاب (الأغاني) العظيم ولما يبلغ الثلاثين من عمره، فإذا ما بلغها أو جاوزها بعام أو ببعض عام ألف كتابه الخالد (مقاتل الطالبيين).
وقد قدّر له أن يعرف شاباً من لداته يهيم بالمجد مثله، ويبتغي إليه الوسيلة بالقوة في العلم والأدب، وهو الحسن بن محمد المهلبي، وتظهرهما المعرفة على ما بينهما من التمازج النفسي، والالتقاء الكثير في الإرادات والاختيارات والشهوات، فتتوثق بينهما صداقة عقلية، ومؤاخاة روحية، ستظل قوية العرى، مستحصدة العلائق أبداً.
ويختلف الدهر، ويتبدل العسر باليسر، ويرق الزمان لفاقة المهلّبي، ويرثى لطول تحرقه، وينيله ما يرتجى، فيصير وزيراً لمعز الدولة البويهي. ويطيع الدهر بعد عصيانه لأبي الفرج فيصبح كاتباً لركن الدولة البويهي قريب المنزلة منه، عظيم المكانة لديه. ولعلّ من أسباب تلك الحظوة اتفاقهما في التشيع، فقد كان ركن الدولة يتعهد العلويين بالأموال الكثيرة والمنح الجزيلة.
وفي سنة 328هـ يستوزر ركن الدولة أبا الفضل بن العميد فيكون بينه وبين أبي الفرج ما يكون عادة من التحاسد والتباغض، والمصارعة النفسية، والاستباق إلى قلب ركن الدولة، ويستطيل ابن العميد على أبي الفرج ويتعاظم، ولا يلقاه بما ينبغي له من الإجلال والتعظيم أثناء دخوله وخروجه، فتثور نفسه، ويجيش صدره، ويخاطبه بقوله:
ما لك موفور فما باله
أكسبك التيه على المعدم
ولم إذا جئت نهضنا وإن
جئنا تطاولت ولم تتم
وإن خرجنا لم تقل مثل ما
نقول: قدّم طرفه قدّم
إن كنت ذا علم فمن ذا الذي
مثل الذي تعلم لم يعلم
ولست في الغارب من دولة
ونحن من دونك في المنسم
وقد ولينا وعزلنا كما
أنت فلم نصغر ولم تعظم
تكافأت أحوالنا كلها
فصل على الإنصاف أو فاصرم
ويظل أبو الفرج في ظلال الوزير المهلبي مدة وزارته لمعز الدولة، وهي مدة طويلة أربت على ثلاث عشرة سنة، يسامره وينادمه ويؤاكله، ويصبر الوزير على مساوئ أبي الفرج فقد كان قذر المطعم والمشرب والملبس، لا ينضو عنه ثوبه إلّا إذا أبلت جدته الأيام.
وتجري الأيام بينهما على خير ما تجري بين صديقين أو على خير ما تجري به بين سمير ظريف، ووزير حصيف يفيض بالكرم والإنعام.
ويؤتى الكرم ثماره فيسخر أبو الفرج أدبه في خدمة الوزير، ويترصد مواقع هواه فيضع فيها نثره وشعره، ويؤلف له «نسب المهالبة». و«مناجيب الخصيان» وينظم فيه الشعر كلما دعت المناسبة، فيهنئه إذا أبلّ من مرض أو ولد له ولد، ويمدحه في المواسم والأعياد، ويتظرف فيشكو إليه الفأر، ويصف الهر، ويستميحه البر:
رهنت ثيابي وحال القضا
ء دون القضاء وصد القدر
وهذا الشتاء كما قد ترى
عسوف عليّ قبيح الأثر
ينادي بصرّ من العاصفا
ت أو دمق مثل وخز الإبر
وسكان دارك ممن أعو
ل يلقين من برده كلّ شر
فهذي تحنّ وهذي تئنّ
وأدمع هاتيك تجري درر
إذا ما تململن تحت الظلام
تعللن منك بحسن النظر
ولاحظن ربعك كالممحليـ
ن شاموا البروق رجاء المطر
يؤملن عودي بما ينتظرن
كما يرتجى آيب من سفر
فأنعم بإنجاز ما قد وعدت
فما غيرك اليوم من ينتظر
وعش لي وبعدي فأنت الحيا
ة والسمع من جسدي والبصر
وهو إذا ما عرض لمدحه لا يجنح إلى المبالغة الممقوتة، ولا يتعمل الثناء الأجوف ولا يتصيد المكارم تصيداً، بل يقول ما يعرفه ويصفه بما فيه:
إذا ما علاى في الصدر للنهي والأمر
وبثهما في النفع منه وفي الضر
وأجرى ظبا أقلامه وتدفقت
بديهته كالمستمد من البحر
رأيت نظام الدر في نظم قوله
ومنثوره الرقراق في ذلك النثر
ويقتضب المعنى الكثير بلفظة
ويأتي بما تحوى الطوامير في سطر
أيا غرة الدهر أئتنف غرة الشهر
وقابل هلال الفطر من ليلة الفطر
بأيمن أقبال وأسعد طائر
وأفضل ما ترجوه في أفسح العمر
فليس في هذا المديح إسراف ولا إغراق في المبالغة: فقد كان الوزير المهلبي كما يقول الثعالبي: (غاية في الأدب والمحبة لأهله وكان يترسل مترسلاً مليحاً، ويقول الشعر قولاً لطيفاً يضرب بحسنه المثل يغذي الرّوح ويجلب الرّوح) وكان محدثاً حسن الحديث، بليغ العبارة رشيق اللفظ، وكان أكثر حديثه يدور حول مذاكرة الأدب ومقابسة العلوم، لكثرة من يغشى مجالسه من العلماء والأدباء والندماء كالصاحب بن عباد وأبي إسحاق الصابي والقاضي التنوخي، وابن سكّرة الهاشمي، وأبي القاسم الجهني، وأبي النجيب الجزري، وأبناء المنجم، وكان أبو الفرج يجول في هذه المجالس ويصول يقص ويروي وينقد وينذر وينثر من أدبه ويفيض من علمه فكان مجلس المهلبي من أسباب نباهة شأنه وشيوع ذكره، كما كان بر المهلبي من أسباب رفاهية عيشه وتفرغه للعلم والأدب، ولكنه مع ذلك لم يخل من هجوه وكان يعلم أنه يهجوه سراً فطلب إليه ذات ليلة أن يهجوه جهراً في قصة معروفة، وقد رأى أبو الفرج منه بعض ما يكره فظن أنه رمى به من حالق، بعد أن أنعم عليه الخالق، فقذفه بهذين البيتين:
أبعين مفتقر إليك رأيتني
بعد الغنى فرميت بي من حالق
لست الملوم أنا الملوم لأنّني
أملت للإحسان غير الخالق
يومىء أبو الفرج إلى ما كان من فقر الوزير أيام كان يشتهي اللحم ولا يقدر على ثمنه فيتمنى الموت ويقول من أبيات:
ألا موت يباع فأشتريه
فهذا العيش ما لا خير فيه
ولكن الهجاء لم يقطع الصديقين ويظل حبل إخائهما متصلاً حتى يقطعه موت المهلبي سنة 352هـ.
وقد كان أبو الفرج هجّاء يحذره الناس ويتقونه، وقد استوزر الخليفة الراضي أبا عبد الله البريدي وكانت داره ملاصقة لدار أبي الفرج فهجاه وأنّب الراضي بقصيدة تزيد على مائة بيت مطلعها:
يا سماء اسقطي ويا أرض ميدي
قد تولى الوزارة ابن البريدي
وانحدر مرة إلى البصرة فضاق بها وهجاها وأهلها وقال عنهم:
«إنهم كلاب يلبسون الفرا». وقد كان أبو الفرج ذا عناية ملحوظة بالحيوانات وتربيتها قال في وصف ديك له:
من حمرة في صفرة في خضرة
تخييلها يغني عن التحقيق
وكأن سالفتيه تبر سائل
وعلى المفارق منه تاج عقيق
وهذان البيتان من قصيدة له في رثاء هذا الديك يقول فيها في الرثاء:
أبكي إذا أبصرت ربعك موحشاً
بتحنن وتأسف وشهيق
ويزيدني جزعا لفقدك صادح
في منزل دان إليّ لصيق
قرع الفؤاد وقد زقا فكأنّه
نادى ببين أو نعيّ شقيق
فتأسفي أبدا عليك مواصل
بسواد ليل أو بياض شروق
وإذا أفاق ذوو المصائب سلوة
وتصبّروا أمسيت غير مفيق
ذلك رثاؤه لديك له فقد صوّره تصويراً واضحاً كاملاً بفضل عينه الشديدة الانتباه وفكره البعيد في العمق. وأبو الفرج الأصبهاني رزق من محاسن اللغة والفن الشيء الكثير حتى كدنا نرى الديك يزهى بمحاسن ألوانه، وكدنا نر خطراته وميساته ونسمع صياحه، إنّه يصيب اللفظ في مواضعه وينزله في منازله، وإلى هذا الوضوح في اللغة والغنى في الألفاظ المصوّرة نستطيع أن نضيف الصفات المحسوسة وخصب التشبيهات في الشعر: ومما جاء في قصيدته في رثاء الديك قوله:
لهفي عليك أبا النذير لو أنّه
دفع المنايا عنك لهف شفيق
وعلى شمائلك اللواتي ما سمت
حتّى ذوت من بعد حسن سموق
وتكاملت جمل الجمال بأسرها
متلألئاً ذا رونق وبريق
من حمرة في صفرة في خضرة
تخييلها يغني عن التحقيق
عرض يجل عن القياس وجوهر
لطفت معانيه عن التدقيق
وخطرت ملتحفاً ببرد حبرت
منه بديع الوشى كف أنيق
كالجلنار أو صفاء عقيقة
أو لمع نار أو وميض بروق
أو قهوة تختال في بلورة
بتألق الترويق والتصفيق
وكأن سالفتيك تبر سائل
وعلى المفارق منك تاج عقيق
وكأن مجرى الصوت منك إذا نبت
وجفت عن الأسماع بح حلوق
ناي دقيق ناعم قرنت به
نغم مؤلفة من الموسيقي
يزقو ويصفق بالجناح كمنتش
وصلت يداه النقر بالتصفيق
ويعيش ممتطياً لسبع دجائج
مثل المهارى أحدقت بفنيق
وهكذا فلم يعنَ أبو الفرج بمراقبة الناس وحدهم وتتبع آثارهم وأخبارهم وإنما عني بمراقبة الحيوان أيضاً ولا سيما الحيوان الذي كان يعيش في داره. فهو يصف هذا الحيوان وصفاً إذا جاء في عصرنا هذا مصور وقف عليه ما استطاع أن يعيد صورته بريشته وهذه براعة أبي الفرج في الدقة والتصوير.
وكان من عادة أبي الفرج أن يغشى سوق الوراقين ويجلس على دكاكينهم يقرأ ما يلحظ وينقد ما يسمع ويأخذ بأطراف الأحاديث التي يتجاذبها بينهم رواد السوق من العلماء والأدباء ثمّ يؤوب إلى منزله بعد أن يصطفي ما يرتئي من الكتب والمصادر التي يعتمد عليها في تأليف كتبه.
كما كان يجلس لتلاميذه ورواد أدبه يقرئهم من كتبه ما يريد أو يريدون على نحو ما كان يفعله أستاذه أبو جعفر الطبري، وفي طليعة تلك الكتب التي قرئت عليه من أوّلها إلى آخرها كتاب الأغاني الذي يقول عنه ابن خلدون:
«جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيّامهم ودولهم، وجعل مبناه على الغناء في مائة الصوت التي اختارها المغنون للرشيد فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه. ولعمري أنه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال- ولا يعدل به في ذلك كتاب فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها وأتى له بها».
مقاتل الطالبيين
ومن كتبه التي قرئت عليه كذلك «كتاب مقاتل الطالبيين» وهو كتاب مترجم فيه للشهداء من آل أبي طالب (عليهم السلام) منذ عصر الرسول (ص) إلى الوقت الذي شرع يؤلف فيه كتابه وهو جمادى الأولى سنة 313هـ سواء كان المترجم له قتيل حرب أو صريع السم في السلم، وسواء أكان مهلكه في السجن أو في مهربه أثناء تواريه من السلطان.
وقد رتّب مقاتلهم على السياق الزمني ولم يرتبها على حسب أقدارهم في الفضل ومنازلهم في المجد. واقتصر على من كان نقي السيرة قويم المذهب، وأعرض عن ذكر من عدل عن سنن آبائه وحاد عن مذاهب أسلافه وكان مصرعه في سبيل أطماعه وجزاء ما اجترحت يداه من عبث.
وقد صنّف أبو الفرج أخبارهم، ونظّم سيرهم، ووصف مقاتلهم، وجلّى قصصهم بأسلوبه الساحر، وبيانه الآسر وطريقته الفذة في حسن العرض، ومهارته الفائقة في سبك القصة، وحبك نسجها، وائتلاف أصباغها وألوانها، وتسلسل فكرتها، ووحدة ديباجتها، وتساوق نصاعتها، على اختلاف رواتها وتعدد روايتها وتباين طرقها، حتى لتبدو وكأنها بنات فكر واحد وهذا هو سر الصنعة في أدب أبي الفرج الأصفهاني.
ولئن كان أبو الفرج قد بلغ غاية التصوير والتعبير في كتاب الأغاني لأن موضوعه يلتئم ومزاجه الفني ويتفق ومسلكه في الحياة ويقع من عقله وفكره وذوقه وعاطفته موقع الرضا والقبول، فإنه لكذلك قد بلغ غاية التصوير والتعبير في (مقاتل الطالبيين) لأن موضوعه حبيب إلى نفسه، عظيم المكانة من قلبه.
وهذا الكتاب كنز من كنوز الأدب والتاريخ ترجم فيه أبو الفرج لنيف ومائتين من شهداء الطالبيين، فأحسن الترجمة وصوّر بطولتهم تصويراً أخاذاً يختلب الألباب، ويمتلك المشاعر وذكر فيه من خطبهم ورسائلهم وأشعارهم، ومحاوراتهم، وما قيل فيهم وبسببهم من روائع الشعر والنثر، ما لا تجده مجموعاً في كتاب سواه، إلّا أن يكون منقولا عنه، أو ملخصاً منه، وأوجز ما يقال في وصف مقاتل الطالبيين إنّه دائرة معارف لتاريخ الطالبيين وأدبهم في القرون الثلاثة الأولى.
الناقد
شارك أبو الفرج عصره في أكثر النواحي الأدبية، والمتتبع يدرك مدى هذه المشاركة فقد كان إماماً من أئمة النقد في الأدب شغف بتتبع الشعراء حتى يعرف مصادرهم كما شغف في الحياة بتتبع الخلفاء ليعرف أسرار حياتهم، وقد تعقب أبا العتاهية وأبا نواس وأبا تمام والبحتري، ولكنه كان يميل إلى الاعتدال في نقده ويكره الإسراف، أما رأيه في قضية القديم والجديد فهو رأي ظاهر فقد كان يجري مجرى الزمن ولا يجمد على حال، فهو يعلم أنّ لكل عصر أطواراً وأنّ الشعر ينبغي له أن يتبع هذه الأطوار، من ذلك رأيه في شعر ابن المعتز، فالأصبهاني في هذا النوع من النقد، صاحب مذهب فهو من المجددين الذين يرون لكل عصر أحوالاً خاصة في الذوق و الشعور ورأيه في ذلك رأي أكابر رجال الأدب واللغة أمثال ابن قتيبة وابن فارس.
معاصر له يصفه
وصفه معاصره القاضي التنوخي فقال: كان من الرواة المتسعين الذين شاهدناهم أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني فإنّه كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والحديث المسند والنسب ما لم أر قط من يحفظ مثله. وكان شديد الاختصار بهذه الأشياء ويحفظ دون ما يحفظ منه علوماً أخر منها اللغة والنحو والخرافات والسير والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئاً كثيراً مثل علم الجوارح والبيطرة ونتف من الطب والأتربة وغير ذلك.
مؤلفاته
1ـ الأغاني، وعندما ألفه حمله إلى سيف الدولة الحمداني فأعطاه ألف دينار، 2ـ مقاتل الطالبيين، 3ـ أخبار القيان، 4ـ أخبار الطفيليين، 5ـ أخبار جحظة البرمكي، 6ـ أيام العرب: ألف وسبعمائة يوم، 7ـ الإماء الشواعر، 8ـ أدب الغرباء، 9ـ أدب السماع، 10ـ الأخبار والنوادر، 11ـ الفرق والمعيار في الأوغاد والأحرار، 12ـ المماليك الشعراء، 13ـ الغلمان المغنين، 14ـ الحانات، 15ـ التعديل والانتصاف في أخبار القبائل وأنسابها،16ـ تفضيل ذي الحجة، 17ـ تحف الوسائد في أخبار الولائد، 18ـ الخمارين والخمارات، 19ـ دعوة التجار، 20ـ دعوة الأطباء، 21ـ الديارات، 22ـ رسالة في الأغاني، 23ـ مجرد الأغاني، 24ـ مجموع الأخبار والآثار، 25ـ مناجيب الخصيان، 26ـ كتاب النغم، 27ـ نسب المهالبة، 28ـ نسب بني عبد شمس، 29ـ نسب بني شيبان، 30ـ نسب بني كلاب، 31ـ نسب بني تغلب.
وقد عني بديوان أبي تمام فجمعه ورتبه على الأنواع، كما جمع ديوان أبي نواس وديوان البحتري ورتبه على الأنواع كذلك.
الأغاني
ـ2ـ
لا شك أن كتاب الأغاني يعدّ في الطبقة الأولى من تراثنا القديم، ولكن لهذا الكتاب ميزة جديدة غير هذه، أي غير كونه تراثاً فكرياً ثقافياً محضاً، ومن خلال هذه الميزة يستحق أن ينظر إليه على وجه جديد.
وميزة الأغاني هذه، هي أن مؤلفه أبا الفرج الأصبهاني، قد عني عناية ظاهرة في أن يسجل فيه الحياة العربية في عصره وفي العصور التي سبقته تسجيلا أمينا صادقا شاملا تجاوز به طبقة الخلفاء والملوك والوزراء، إلى فئات العلماء والشعراء والمثقفين، والمغنين والملحنين، والندماء، والى سائر فئات الشعب في مختلف أحوالهم ووقائع عيشهم وطرائق تفكيرهم وعاداتهم إلى كثير من علاقاتهم الاجتماعية بعضهم ببعض وعلاقات الحكام بهم.
ولكن هذه الميزة كانت تظل ناقصة، إذ كانت تكون غير ذات نفع، ولا قيمة تاريخية إنسانية، لو أن ابا الفرج الأصبهاني قد حابى طبقة من هذه الطبقات كلها على حساب التاريخ، أو لو أنه كان هو نفسه من الذين هانت عليهم كرامتهم العقلية فازدلف إلى الحكام بشئ من التملق والمراعاة والمداجاة، أو لو أنه كان من غير هذه الطبقة التي عاش حياتها طوال عمره، نعني طبقة المثقفين العاملين الذين يعتمدون حياة العمل في سبيل المعرفة وسيلتهم الوحيدة لتحصيل المعرفة، حتى ينشأ فيهم وجدان يأبى عليهم إلاّ الصدق والصراحة، والاّ التحرر من الهوى والطمع والرياء والدجل والمحاباة.
ذلك أن أبا الفرج على رغم انه ينتسب إلى الأمويين فهو من أحفاد مروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين قد ولد بأصبهان في أحضان الفقر، وانتقل منذ صغره إلى بغداد، وليس له من أسباب العيش الا أيسرها وأتفهها، فعكف في مدارسها ومعاهدها يطلب العلم من كل سبيل ويطرق له كل باب لا يختص فرعاً من المعرفة دون فرع.
وخرج الفتى الأصبهاني من شبابه وهو يجمع في واعيته فروعا شتى من ثقافات بغداد، فإذا هو عارف باللغة والنحو والفقه والفلسفة، وإذا هو على بصر في الشعر والأدب والأغاني، وإذا له إلمام جامع باخبار العرب واثارهم وأيامهم وانسابهم، وإذا هو يحيط بأطراف من علوم الاحياء والاجتماع وإذا له خبرة بعلوم البيطرة والتشريح والطب والنجوم.
وما عرف الناس في أبي الفرج وهو العالم الأديب النقاد المرموق انه تملق إلى الحكام الا صلة كانت به بالحسن المهلبي وزير معز الدولة البويهي، فإذا استثنينا هذه الصلة، نرى ان أبا الفرج كان منقطعاً إلى علمه وأدبه يعز شأنهما عن كل ابتذال وامتهان، ونرى رجال السلطان ورجال العلم والأدب جميعاً يجلون لذلك قدره ويهابون شأنه.
ثم نرى أبا الفرج رجلاً ليس يخنقه الوقار والتزمت، ولكن نرى فيه إلى وقار العلم ومهابة المعرفة، خفة روح وعذوبة طبع ونزوعا محببا إلى الفكاهة، والطرب والمرح وإرسال النادرة المستملحة الطيبة.
ومن هنا نعرف أنه رجل حفظ لنفسه كرامتها، وحفظ لعلمه وأدبه عزتهما وإلا لكان أولى بمثله يومئذ أن يختاره الخلفاء نديماً، بل لكان أولى أن يكون ذا منزلة وسلطان في دولة المنادمة وعلى موائد الملوك والخلفاء والوزراء، ولكنه ترفع عن كل ذلك إكراماً للعلم وإعزازا للأدب والفكر.
على مثل هذه البسطة في العلم والأدب، وعلى مثل هذا الشمول في ممارسة المعرفة وعلى مثل هذه النفس العزوفة عن الهوان والابتذال، عكف أبو الفرج خمسين سنة يؤلف كتاب (الأغاني).
ولقد مكنه علمه وأدبه ومكنه استقلاله الفكري وتحريره من كل ما يقيده بصلة مع الحكام ومكنه اطلاعه على شؤون الحياة العامة في أوساط الشعب كافة، لقد مكنه هذا ان يكتب الأغاني في استيعاب شامل وفي صراحة ليس معها محاباة ولا رياء ولا ملق.
بل لقد بلغ به استقلاله الفكري وتحرره من علاقات العيش بذوي السلطان على اختلاف في درجات السلطان وبلغ به التجرد العلمي من كل ما كان يعرف أهل عصره من العصبيات أنه كتب الأغاني بطريقة موضوعية ليس متأثراً فيها بشيء من الدوافع الذاتية فلم يستسلم لعصبية من العصبيات ولم يندفع مع خوف من خليفة أو ملك أو وزير، بل لم يحذر من تقاليد الناس ومواضعاتهم العرفية في الأخلاق الشائعة.
ومن هنا جاء هذا الكتاب العظيم يتحدث إلى الأجيال عن حياة ذلك العصر وما سبقه من عصور العربية حديثا شاملا حيا زاخراً بالحياة، فصور ثقافة العصر وصور أدبه وغناءه وألحانه ثم صور حياة الخلفاء والملوك والوزراء ورجال الدولة جميعاً كما كانوا يعيشون ويبذخون ويلهون ويمجنون واستعرض ألواناً من تاريخ الجاهلية وصدر الإسلام والعصر الأموي أدباً واجتماعاً وسياسة وصراعاً على الحياة وعلى الرأي وعلى الخلافة جميعاً.
وبعد فإن للأغاني ميزة أخرى تضاف إلى الميزات كلها، وهي أن أبا الفرج كتبه بلغة الأديب المنشئ المطبوع فإنما هو من حيث تعبيره فن أدبي بارع بجمال السرد وجمال العرض والأداء، وجمال اللغة وصفائها، فهو يمثل من هذه الناحية تطورا تاريخيا للنثر الفني في عصره، بل لقد كان وثبة هائلة في هذا التطور.
فقد جمع (الأغاني) مزايا الفن الإنشائي ومزايا الفن القصصي ومزايا النقد الأدبي البصير بكل جمالات الفن.
ولقد بنى أبو الفرج هذا الكتاب على دراسة مائة صوت من أصوات الغناء العربي كان قد اختار لها الرشيد ثلاثة من اعلام الغناء في عهده : إبراهيم الموصلي وإسماعيل بن جامع وفليح بن العوراء ثم اختاروا منها ثلاثة أصوات. وفي عهد الواثق اختار له إسحاق من هذه المائة ما ارتأى انه أفضل من غيره.
وقد جرى أبو الفرج في كتابه على البدء بصوت من هذه الأصوات فذكر الشعر ونوع اللحن ومن غناه ومن لحنه. ثم ترجم للمغني وللشاعر، واستطرد في خلال ذلك إلى صور من الحياة المتصلة بكل منهما وإلى ترجمات من أشخاص آخرين، وإلى نقد الشعر وذكر ما يعارضه. وما يماثله. وهكذا ينتقل المؤلف من صورة إلى صورة ومن لون إلى لون، يتخلل ذلك كله صنوف من العلم والمعرفة وشؤون من الحياة العامة.
ولا بد من القول أخيراً إن صاحب الأغاني كان أميناً للتاريخ كل الأمانة فلم يذكر حديثاً ولا حكاية ولا رواية ولا شعراً إلا اجتهد في إسناده إلى عدد من الرواة والأسانيد ولذلك يمكن القول انه من التجني على المؤلف ما كتب بعض مؤرخي الأدب المعاصرين من أنه لا يجوز الاعتماد على الأغاني من الناحية التاريخية الشاملة.
حسين مروة
علي بن الحسين أبو الفرج الأصفهاني
مؤلف الأغاني
إذا ذكرت العوامل التي هيأت للثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر للميلاد، ذكرت النهضة الفكرية التي عاشتها فرنسا في هذا القرن، وأشير بحروف عريضة إلى الدور الكبير الذي لعبه الموسوعيون (الانسيكلوبيديون)، من أمثال ديدرو Didrot ودالمبرت D’alembert وغيرهما، في فتح عيون الناس على نور المعرفة وتبصيرهم بواقعهم وبالتالي شحذ هممهم للوقوف في وجه جلاديهم.
الموسوعيون من العرب
وإذا كان على أوروبا أن تنتظر حتّى القرن الثامن عشر حتى تتعرف على ثمار الفكر الموسوعي، فإنّ عالمنا العربي كان يتنعم بنتاج هذا الفكر منذ أوائل القرن العاشر الميلادي حين نبغ الكثيرون من الموسوعيين العرب الذين لم تقتصر همتهم على ميدان واحد من ميادين المعرفة بل نقلوا أقلامهم بين مجالات متنوعة تنوع الطب والعلوم والفلسفة والتاريخ والأدب وعلوم البلدان والحيوان والنبات وغير ذلك. وكان الواحد منهم لا ينتهي من تذكرة في الطب حتّى يشرع في بحث فلسفي، ولا يجف مداد ما سوده من أوراق في التاريخ حتّى يملأ الصفحات الطوال في علم البلدان وهكذا.
أبو الفرج الأصبهاني موسوعي كبير
وأبو الفرج الأصبهاني، أو علي بن الحسين بن محمد الذي ينتهي نسبه إلى مروان بن محمد آخر من استخلف من بني أمية، علم من أعلام الموسوعة العرب يستحق منّا وقفة نطل منها على حياته ونتاجه الخصب المتعدد الآفاق.
متى ولد أبو الفرج، ومتى مات؟
أمّا متى ولد أبو الفرج فأمر اتفق عليه دارسو حياته من قدامى ومحدثين. إنّه العام 284 للهجرة. أمّا أين ولد ومتى توفي فأمر فيه أكثر من قول. فابن النديم مثلاً يمد في حياة أبي الفرج إلى ما بعد العام 360 للهجرة، في حين أنّ أبا نعيم يجعل وفاته في سنة 357هـ، وابن أبي الفوارس يحدد اليوم الرابع عشر من شهر ذي الحجة سنة 356هـ، لانتهاء حياة عالمنا الجليل. ونحن وإن كنّا لا نملك إلاّ المنطق والحجة غير المباشرة في تفضيل رواية على رواية من هذه الروايات الثلاث، فإنّا نميل إلى الأخذ برأي ابن النديم وتأخير وفاة الأصبهاني إلى ما بعد سنة 360هـ لأسباب أهمها أنّ ابن النديم كان معاصراً له، وبينهما صلات معرفة ولأنّ كليهما من سكان بغداد حيث توفي صاحبنا وعاش الشطر الأكبر من حياته، وهذا الرأي نخالف فيه الكثيرين من دارسي حياة أبي الفرج من المحدثين الذي مالوا إلى رواية ابن أبي الفوارس الذي كان من تلامذة الأصبهاني وروى عنه بعض السير والأخبار.
أين ولد أبو الفرج؟
وما قلناه عن اختلاف الرأي في تاريخ وفاة أبي الفرج يصح على المكان الذي ولد فيه، فأبو الفرج، في رأي بروكلمان، وهوارث، وصدر الدين، وماريا ناللينو، وأحمد أمين وغيرهم، من مواليد أصبهان التي ينسب إليها ويشتق منها اسمه. ولست أعلم مصدراً قديماً واحداً يشير إلى هذه الحقيقة من قريب أو بعيد، اللهم إلاّ إشارة لا تحتمل هذا المعنى ترد في يتيمة الدهر للثعالبي الذي يقول أثناء حديثه عن أبي الفرج إنّه «أصبهاني الأصل» وقد نقل ابن خلكان فيما بعد هذه الإشارة وأثبتها في وفيات الأعيان. وكلمة «الأصبهاني الأصل» لا تعني بالضرورة أنّه ولد في أصبهان، وأغلب الظن أنّ المقصود منها أنّه أصبهاني الأصول وأنّ أسرته قطنت أصبهان لأمد، وذلك لأنّ طبقة الثعالبي من المؤلفين كانت تستعمل هذه الكلمة ـ «الأصل» ـ بهذا المعنى، وحين تريد الإشارة إلى مكان ولادة المترجم له تقول: فلان… كوفي المولد، أو شامي المولد، وهكذا. وأبو الفرج نفسه من هؤلاء المؤلفين، فهو حين يترجم للمغنّي محمد الرف مثلاً يقول عنه إنّه «كوفي الأصل والمولد والمنشأ» ليدلنا على مكان ولادة المترجم له ونشأته. وقد يسأل سائل بحق: إذا لم يكن أبو الفرج أصبهاني المولد والمنشأ فمن أين جاءت النسبة «أصبهاني» إلى اسمه، وأين ولد فعلاً؟!
انتساب أبي الفرج
إلى بني ثوابة من جهة أمّه
نحن نعلم أنّ أسرة أبي الفرج لأبيه كانت تقطن مدينة سامراء حاضرة الخلافة ومقر دواوين الدولة، كما نعلم أنّ الكثيرين من أقربائه كانوا يعملون كُتّاباً في هذه الدواوين. وسامراء أيضاً مستقر آل ثوابة أسرة أبي الفرج لأمّه، إذ أنّا نقرأ في الأغاني أنّ جدّه لأمّه يحيى بن محمد بن ثوابة، كان يعمل كاتباً في ديوان الخليفة في هذه المدينة. وما دامت أسرة الأب وأسرة الأم تعيشان في سامراء زمن ولادة صاحبنا فلا تجني على الحقيقة إذن في قولنا مع الدكتور محمد أحمد خلف الله في كتابه «أبو الفرج الأصفهاني الراوية» أنّ سامراء هي مكان ولادته على أرجح الوجوه. وانتساب أبي الفرج إلى بني ثوابة من جهة أمّه يفسّر لنا ميله الشديد إلى الشيعة وحبّه المتناهي لآل علي (عليهم السلام) فبنوا ثوابة، كما يقول ياقوت الرومي، كانوا في الأصل نصارى وحين أسلموا انتموا إلى المذهب الشيعي. فتشيع الأصبهاني إذن أثر من آثار احتكاكه بأسرة أمّه، ولولا معرفتنا لهذه الحقيقة لظللنا حائرين مع ابن الأثير الذي يَعجب لأموي، كأبي الفرج، يتشيع ويظهر هذا الحب والاحترام لآل علي (عليهم السلام).
أبو الفرج بغدادي المنشأ
وإذا كنا قد تلمسنا طريقنا في متاهة من المعلومات حين تحدثنا عن الجزء الأوّل من حياة أبي الفرج الأصبهاني، فإنّ ما لدينا من معلومات عن حياة هذا المؤلف الجليل في شبابه وشيخوخته يجعل مهمتنا أقل عسراً حين نتحدث عن طالبَ علم ومؤلَّفاً وشخصيةً مرموقة من شخصيات عصره.
تتفق المصادر أنّ أبا الفرج بغدادي المنشأ والثقافة وأنّه تلقى العلم في المدينة الزاهرة على أيدي النخبة من الرجال العظام الذين كانت تزخر بهم بغداد حاضرة العلم والمعرفة في عالم القرون الوسطى، ورغم أنّنا لا نستطيع تحديد السنة التي أتى أبو الفرج فيها للسكنى في بغداد، إلاّ أنّنا نستطيع القول إنّه في سنة 300هـ كان يقيم مع أبيه في تلك المدينة وذلك لأنّه يحدّثنا في «أغانيه» عن لقائه في تلك السنة مع شخص قدم عليهم وعلى أبيه دارَ السلام حيث كانا يقيمان.
ومن بغداد يخرج أبو الفرج ليزور البصرة والكوفة وأنطاكية وغيرها سعياً وراء رواية يتلقفها من فم راوٍ أو خبر لم يَطرق مسامعه وهو في بغداد.
السنة التي أصبح فيها أبو الفرج مؤلفاً
وتجيء السنة 313 للهجرة فينتقل صاحبنا من صف طلاب العلم ليتربّع مكاناً مرموقاً بين صفوف المؤلفين. ففي هذه السنة ألّف أبو الفرج مؤلفه «مَقاتل الطالبيين» الذي أرَّخ فيه لمن قُتل من آل أبي طالب أو مات في موقعة أو سُجن مبتدئاً بجعفر بن أبي طالب ومنتهياً بالطالبيين الذين قضوا خلال حكم المقتدر.
وانتقال أبي الفرج إلى صف المؤلفين هيأ له فرصاً من الشهرة جعلته يحظى بعطف وحماية أشخاص من نوع الوزير المهلَّبي وزير معز الدولة الذي وجد مؤلفنا الشاب في كنفه الظل الوارف والملجأ الأمين. وقد أتيح للعلاقة بين صاحب «مقاتل الطالبيين» ووزير معز الدولة أن تنقلب إلى صداقة، وأن تدوم هذه الصداقة حتّى يفرق الموت بينهما.
وينصرف أبو الفرج إلى التأليف فيطرق العديد المتنائي من الأبواب، ويضيف إلى كنوز المكتبة العربية آفاقاً ما زلنا نَعبُّ من ينابيعها الثرَّة حتّى هذا اليوم.
اللهو والأقذاع والقذر في حياة أبي الفرج
ولكن حياة أبي الفرج لم تكن كلّها جدًّا وتأليفاً. فقد اجتذبت أضواء بغداد، وجلبة حاناتها، وشدو قَيْناتها، وفتنة غلمانها، جزءاً غير يسير من انتباه صاحبنا، فشَرِب وطَرِب وتمتع بشدو القيان وجمال الغلمان. وقد حفظت لنا كتب الأدب وتراجم الرجال الكثير من أخبار مُجونه مما لا نرى ضرورة للتفصيل فيه في مقام كهذا.
وما دمنا في صدد الحديث عن أبي الفرج الإنسان فلا بد لنا من أن نشير إلى ما تتحدث عنه الروايات من ضَراسة خلقه وحدة مزاجه وإبداعه في الهجاء من بين فنون الشعر المختلفة، وإقذاعه في مذمة إخوانه إذا بدت منهم أصغر الهفوات، أو تراءى له منهم ما قد يفسره بجفوة أو نبوة. هذا بالإضافة إلى الحديث المستفيض عن قذارة ثوبه وبدنه وكيف أنّ ثوبه لا يعرف غسلاً منذ أن يَترك دكان البائع حتّى يصير في زمرة الأسمال البالية. على أنّ قذارة الثوب والبدن وشراسة الطبع وبذاءة اللسان لم تحرم صاحبنا من نعمة الصداقة ولم تبعد عنه أنس الأخوان، فقد كان له في جليل مكانته العملية خير جواز مرور لأرفع الأوساط وأرفه المجالس.
عاش أبو الفرج حياة لم يعكر صفوها خوف من جوع أو قلة في المال، فقد كان بيته في بغداد بين درب سليمان ودرب دجلة بيتاً رافهاً يدل على غضارة العيش. ولا غرو فالأصبهاني عمل في ديوان ركن الدولة كاتباً، ونعم بأعطيات المهلبي وغيره من السادة ودرت عليه مؤلفاته مالاً ليس بالقليل.
وقبل أن يوافيه الأجل يصاب بالفالج ويخلط، ولكن المنية ما تلبث أن تضع حدًّا لآلامه.
أبو الفرج مؤلف متعدد الجوانب
هذه هي الخطوط العريضة للحياة الخصبة التي عاشها علم من أعلام الفكر والموسوعة في القرن الرابع للهجرة، وإذا كان لا بد لنا من وقفة أمام أحد جوانب هذه الحياة فلا أحرى بنا من أن نطل على الجانب الفكري فيها، إذ يكمن في هذا الجانب قصة من قصص الشموخ والعلاء جديرة بانحناءة إجلال وإكبار.
كانت ثقافة أبي الفرج ثقافة موسوعية متعددة الجوانب، وكان من بين الذين تلقى العلم عنهم أناس جالوا في أكثر من ميدان. وتظهر آثار هذه الثقافة المتسعة المتلونة كلون قوس قزح في القائمة الطويلة من المؤلفات التي دبجها يراعه. فلأبي الفرج حسب ما تقول المصادر المختلفة الكتب التالية:
كتاب الأغاني، كتاب مجرد الأغاني، كتاب مقاتل الطالبيين، كتاب تفضيل ذي الحجة، كتاب الأخبار والنوادر، كتاب أدب السماع، كتاب أخبار الطفيليين، كتاب أدب الغرباء، كتاب مجموع الآثار والأخبار، كتاب أشعار الإماء المماليك، كتاب الخمارين والخمارات، كتاب الديّارات، كتاب الفرق والمعيار في الأوغاد والأحرار، وهي رسالة عملها في هارون بن المنجم، كتاب القيان، كتاب دعوة النجار، كتاب أخبار جحظة البرمكي، كتاب الحانات، أيام العرب، كتاب التعديل والانتصاف في أخبار القبائل وأنسابها، كتاب جمهرة النسب، كتاب نسب بني عبد شمس، كتاب نسب بني شيبان، كتاب نسب المهالبة، كتاب نسب بني تغلب، كتاب الغلمان المغنين، وكتاب مناجيب الخصيان.
ولم يصلنا من هذه القائمة الطويلة الدسمة إلاّ كتاب الأغاني ومقاتل الطالبيين، وهما مطبوعان ومتداولان، وكتاب الديارات وهو على ما أعلم ما يزال مخطوطاً ينتظر يد المحقق والطابع.
الدكتور نبيه عاقل
أغمات
مدينة قديمة اندثرت ولم يبق منها إلاّ الاسم، وكانت أغمات عبارة عن مدينتين متقابلتين إحداهما تدعى أغمات أوريكة والأخرى أغمات هيلانة وبينهما نحو 8 أميال. كما كانت بالقرب منهما مدينة أخرى تدعى مدينة نفيس.
ولعبت أغمات دوراً مهماً في تاريخ المغرب قبل بناء مدينة مراكش وبعد بنائها. فكانت مدينة عامرة مزدهرة تقصدها القوافل التجارية القادمة من السودان كما كانت في نفس الوقت مركزاً من مراكز العلم والدين. ففي القرن الثاني وصلها المولى إدريس بن إدريس في غزوته لبلاد المصامدة سنة 197هـ وبعد وفاته اختص بها ابنه عبدالله فجعلها عاصمة الإقليم التابع لحكمه وإليها نزح عدد كبير من الأندلسيين في أوائل القرن الثالث بعد فرارهم من فتنة الربض بقرطبة في عهد الحكم الأموي.
وبعد انقراض الأدارسة أصبحت إمارة تابعة لحكم الزناتيين وتداولها أمراء مغراوة إلى أن فتحها المرابطون.
وقصدها العباد والزهاد من أنحاء إفريقيا والقيروان وكانت رباطاً كبيراً للنساك والمتصوفين.
واستقر بها زعماء المرابطين مدّة طويلة قبل بناء مراكش كما استقرّ بها يوسف بن تاشفين وتزوج بها.
وبعد بناء مراكش العاصمة خفتت حركتها التجارية. وإليها نفي المعتمد بن عباد أمير إشبيلية إلى أن توفي بها سنة 488هـ.
وقد بني له ضريح جديد سنة 1960 ووضعت رخامة في وسط البناية نقشت عليها الأبيات التي أوصى المعتمد بكتابتها على قبره.
ولم يبق من هذه المدينة الزاهرة اليوم سوى الأطلال البالية.
تقع على بُعد 40 كلم جنوب مراكش وسط قبيلة أوريكة.
افتتاح الدعوة وابتداء الدولة
يلاحظ أنّ هذا الكتاب من بين المصادر الأصلية التي بقيت تحتل من أعمال أبي حنيفة النعمان بن محمد بن حيون التميمي (ت363هـ ـ 974م) منزلة كبرى، إذ أنّ أهمية هذا المؤلف، تبدو في أكثر من ناحية، فهو رجل مخضرم، أي عاش لفترة طويلة سنياً، حيث كان له ارتباطات برجال السنة، وعلاقات جاهد للإبقاء عليها بعد انضمامه إلى الحركة الفاطمية وإلى خدمة الخلفاء الفاطميين في بلاد المغرب، وهو معاصر لما سجله من أحداث عن هؤلاء وأولئك، وبحكم ارتباطاته المختلفة كان مطلعاً على الآراء وعلى سير الوضع، وعلى الوثائق أيضاً ولم تكن أعماله الأدبية والتاريخية وفي ميدان العقائد تلقائية، وإنّما كان معظمها قد تمّ بوحي ومراقبة أشهر خلفاء الدور المغربي وأبي خلفاء الدور المصري وهو المعز لدين الله.
وبفضل التشيجع تمحضت جهود النعمان ـ كما أراد المعز لدين الله، لخدمة الدولة، وأنصارها، في ميدان القضاء والدعوة، وفي تنشيط حركة التأليف.
والنعمان بعد كل ما سبق هو عربي، ومن قبيلة تميم، عصبية الإمارة الأغلبية ومن ثم يصب أن يتهم بأنّه عنصري ضد العرب أو متحامل على الأغالبة، إذا ما صور أخبارهم، أو عرض جوانب من مساوئ أمرائهم، مثل إبراهيم بن أحمد، وأبي العباس عبدالله، وابنه زيادة الله، وأطنب في ذكر محاسن ومزايا أولياء الدولة الكتاميين.
ودليل موضوعيته فيما كتب عن أحداث الفترة، رغم تشيّعه وإخلاصه للدولة تأثّر المؤرخين المغاربة، السنيين بروايته، واعتمادهم على أهم كتبه، وهو افتتاح الدعوة وابتداء الدولة التي يعتبر قصة متكاملة عن الحركة الفاطمية منذ أن ابتدأت في المغرب، بفضل جهود الدعاة الأوائل الذين جاؤوا من مركز الدعوة في اليمن إلى أن تطورت إلى نظام خلافة عتيدة. وفي هذا الكتاب: إشارات عن تنظيمات الداعي في كتامة، وعن أحداث المنطقة، وردود الفعل المختلفة، لانتشار الحركة الفاطمية سواء كان مصدرها فروع حلف كتامة، المعارضين، أو الأمراء الأغالبة، وفيه أيضاً عرض يصور فن البطولة الكتامية، التي تجلت في الميدان الداخلي ـ في كتامة والزاب، كما تجلت في الميدان الخارجي في إفريقيا وأرض المغرب.
وعلى رواية النعمان ـ حول أحداث قبيلة كتامة وإفريقيا في هذه الفترة اعتمد كل من ابن الأثير، وابن خلدون والمقريزي والنويري ويبدو التأثير واضحاً في أكثر من موطن ويرقى حتّى إلى استخدام نفس العبارات التي جاءت في افتتاح الدعوة للنعمان، ومن ذلك أنّ الأخير مهد للحديث عن معركة الأربس([156]) الحاسمة بقوله «ولما دخل فصل الربيع وطاب الزمان جمع أبو عبدالله»، هذه العبارة نجدها بنصها في المقريزي، نقلها مباشرة عن النعمان، أو عن ابن الأثير، الذي يصرح المقريزي بالنقل عنه أو نقلها عن شيخه ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون، الذي تتفق روايته مع رواية النعمان في مواطن كثيرة، وبالجملة فتأثير النعمان لم يقتصر على هؤلاء فقط، بل يتجاوزهم إلى غيرهم من مؤرخي المغرب، والمشرق. «وكتاب افتتاح الدعوة» وثيقة هامة في ميدانها ولا يؤثر على جانب الموضوعية فيها أو ينقص من قيمتها، المذهب الخاص أو كون النعمان تحت تأثير وضغط معاصرته لأعظم الخلفاء الفاطميين في المغرب، الذي حرص النعمان ـ إرضاء له ـ على تسجيل، وجمع أقواله، وروايته عن أقوال الأئمة السابقين له، التي كانت تلقى في مجالس الدعوة الحكمية، في كتابه «المجالس والمسايرات والمواقف والتوقيعات» عن الإمام المعز لدين الله وعن آبائه.
ويعتبر هذا الكتاب أيضاً وثيقة هامة عن الدور المغربي للخلافة الفاطمية، فقد تضمن صورة صحيحة عن سياسة خلفاء هذا الدور، تجاه ثوار المغرب، سواء كانوا من كتامة أو من مكناسة، أو زناتة، وعن علاقاتهم المختلفة، بالأمويين في الأندلس، والروم وسكان أقريطش وعن نظرتهم للخلفاء العباسيين، ويتسع الكتاب لعرض شتى المشاكل التي عانى منها الخلفاء، وتسبب فيها أما أعداؤهم أو غلاة الإسماعيلية وجهلة الدعاة وأولياؤهم الكتاميون، كما يتسع لأدق المعلومات وأوفاها عن نظرة الخلفاء لهؤلاء وامتيازات كتامة في نظام الدولة، ومراحل قوتهم وضعفهم وحماسهم أو فتورهم، وجهاد الخلفاء ضد المنحرفين منهم أو من غيرهم، وتبرئهم ممّا ينسب إليهم بهتاناً كل هذه نجدها في ثنايا هذا الكتاب الهام، الذي يزيده اعتباراً وأهمية صبغته العلمية المتزنة، وبلاغته، وكونه صورة لكلام المعز ولكلام آبائه كما رواها عنهم، وسجلها النعمان بكل دقّة وأمانة.
وفي الرسالة المذهبة، وهي تنسب إلى النعمان ـ ما يفيد تبرؤ الأئمة ممّن يدّعي ألوهيتهم أو ينسب إليهم ما ليس لهم من خوارق وصفات، كما أنّ كتابه الهمّة في آداب أتباع الأئمة، يعتبر شرحاً مستفيضاً لأهم واجبات المريدين نحو الإمام المعصوم وهي الطاعة المطلقة.
الدكتور موسى لقبال
النعمان وبنوه
أسس أسرة النعمان رجل عرف أنّه من أشهر فقهاء المذهب الفاطمي ومن أكثرهم تأليفاً للكتب، وتعدّ مؤلفاته من الأسس التي تبعها من جاء بعده من علماء هذا المذهب، بل لا تزال بعض كتبه إلى اليوم من أهم الكتب وأقومها لدى طائفة البهرة الإسماعيلية، هذا الرجل هو القاضي أبو حنيفة النعمان بن أبي عبدالله محمد بن منصور بن حيون التميمي المغربي، ويعرف في تاريخ الدعوة الفاطمية باسم القاضي النعمان تمييزاً له عن سميه أبي حنيفة النعمان صاحب المذهب السني المعروف. اختلف الناس في تاريخ مولده فذهب بعضهم مثل الأستاذ جوثيل إلى أنّه ولد سنة 259 وتبعه الأستاذ ماسينيون في ذلك الرأي، ولكن الأستاذ آصف فيظي خالفهما وذهب إلى أنّه ولد في العشر الأخير من القرن الثالث وليس لدينا ما يرجح أحد الرأيين. بل نصرح بأنّه لم يصلنا شيء عن نشأته الأولى ولا عن آبائه وأسرته إلاّ ما رواه ابن خلكان: أنّ والده أبا عبدالله محمد قد عمر طويلاً، وأنّه كان يحكي أخباراً كثيرة نفيسة حفظها في كبره، وتوفي في رجب سنة 351 وصلّى عليه ولده أبو حنيفة النعمان ودفن بأحد أبواب القيروان فحياة الأسرة غامضة أشد الغموض ولم يحفظ التاريخ شيئاً عنها، ولا أدري من أين استقى الأستاذ جوثيل ما رواه من أنّ والد النعمان كان من رجال الأدب، إلاّ إذا كان قد فهم من نص ابن خلكان ذلك.
وليس لدينا شيء عن حياة النعمان قبل قيام الدولة الفاطمية سنة 296هـ وقبل اتصاله بعبيد الله المهدي الفاطمي مؤسس الدولة الفاطمية، إلاّ أنّه كان مالكي المذهب وتحول إلى المذهب الفاطمي، ولكن مؤرخي الشيعة الإثني عشرية قالوا إنّ النعمان كان مالكي المذهب ثمّ تحوّل إلى الشيعة الإثني عشرية ثمّ انتقل إلى الإسماعيلية الفاطمية ويذهب أبو المحاسن إلى أنّه كان حنفي المذهب قبل أن يعتنق المذهب الفاطمي. ولكن إذا أمعنا النظر في هذه الخلافات وجدنا أنّ الأرجح هو ما رواه ابن خلكان، فالمذهب المالكي هو المذهب الذي كان يسود شمال إفريقيا والأندلس، على أنّ المذهب الحنفي كان قليل الانتشار بين المسلمين في إفريقيا وفي مصر أيضاً، وأنّ خلاصة تلاميذ مالك كانوا مصريين، وعن مصر انتقل هذا المذهب المالكي إلى شمال إفريقيا والأندلس وساد هذه البلاد حتّى قل أن نجد فيها مذهباً آخر من مذاهب أهل السنة، فمن المرجح أنّ النعمان كان على مذهب أهل بلاده، أمّا ما يدّعيه الأستاذ آصف فيظي أنّ النعمان كان إسماعيلي المذهب منذ نعومة أظفاره وأنّه اتّخذ التقية والستر خوفاً على نفسه وعلى مذهبه فهو كلام يحتاج إلى ما يؤيده، وكذلك لم يتحدث أحد من المؤرخين الذين ذكروا النعمان عن إسماعيليته إلاّ بعد صلته بالمهدي سنة 313هـ أي بعد أن أظهر المهدي نفسه في المغرب وهزم الأغالبة واحتل ديارهم. دخل النعمان في خدمة المهدي واتصل به، ولا ندري نوع الخدمة التي كان يؤديها ولا الصلة التي اتصلها به، ولكن بعد وفاة المهدي اتصل النعمان بالقائم بأمر الله طوال مدّة حكمه. وفي أواخر أيام القائم ولي النعمان قضاء مدينة طرابلس الغرب، أمّا قبل ولايته قضاء طرابلس فلا نكاد نعرف عنه شيئاً. ولما بنى المنصور مدينة المنصورية كان النعمان أوّل من ولي قضاءها بل ولاه المنصور القضاء على سائر مدن إفريقيا.
وأصبح النعمان شديد الصلة بالإمام الفاطمي مقرباً منه، وظلّ قاضي قضاة هذه المدن ومن تحته قضاتها، إلى أن ولي المعز لدين الله الإمامة فاشتدّت صلة النعمان به حتّى أنّه كان يجالسه ويسايره وقل أن يفارقه بعد أن كان مستوحشاً منه عقب ولايته. ولكن المعز طلب إليه أن يكون في عهده كما كان في عهد أبيه المنصور بالله، ثمّ قربت الصلة بين المعز والنعمان حتّى أصبح النعمان جليسه ومسايره، ووضع النعمان كتابه المجالس والمسايرات جمع فيه كل ما رآه وما سمعه من إمامه المعز. ولمّا رحل المعز من إفريقيا إلى مصر سنة 362هـ اصطحب معه بني النعمان، وكان النعمان إذ ذاك قاضي الجيش، وكان من الطبيعي أن يقلد النعمان قضاء مصر، ولكن المعز بعد أن استقر بمصر ترك القضاء لأبي طاهر الذهلي محمد بن أحمد الذي كان على قضاء مصر منذ سنة 348هـ وطلب إلى أبي طاهر أن يحكم بفقه الفاطميين، فكان لا بد للقاضي من أن يسترشد في أحكامه بالقاضي النعمان، وما زال كذلك حتّى توفي النعمان سنة 363هـ.
ويقول ابن حجر: إنّ النعمان كان يسكن مصر أي الفسطاط ويغدو منها إلى القاهرة في كل يوم ويروي ابن خلكان عن المسبحي أنّ النعمان كان من أهل العلم والفقه والدين والنبل ما لا مزيد عليه، ونقل ابن خلكان عن ابن زولاق أنّ النعمان بن محمد القاضي كان في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانيه. وعالماً بوجوه الفقه وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر الفحل والمعرفة بأيام الناس مع عقل وإنصاف. وكل من تحدّث عن النعمان من المؤرخين يذكر فضله وعلمه و سعة ثقافته، فلا غرابة إذن أن نرى هذه الكتب الكثيرة التي ألّفها النعمان والتي أصبحت عمدة كل باحث في المذهب الفاطمي بل أصبحت الاصل الذي يستقي منه علماء المذهب: فلا أكاد أعرف عالماً من علماء الدعوة الفاطمية لم ينهج نهج النعمان في فقهه أو اختلف معه في رأي في المسائل الفقهية، وقد يكون ذلك لأنّ النعمان قال في كتابه المجالس والمسايرات: إنّ الإمام المعز لدين الله طلب إليه أن يلقي على الناس شيئاً من علم أهل البيت، فألّف النعمان كتبه، وكان يعرضها على المعز فصلاً فصلاً وباباً وباباً حتّى أتمّها، فهو يقول مثلاً:
أمرني المعز لدين الله بجمع شيء لخصه لي وجمعه وفتح لي معانيه وبسط لي جملته فابتدأت منه شيئاً ثمّ رفعته إليه، واعتذرت من الإِبطاء فيه لما أردته من إحكامه ورجوته من وقوع ما جمعته منه بموافقته فطالعته في مقداره، فوقع إلي: يا نعمان لا تبال كيف كان القدر مع إشباع في إيجاز، فكلما أوجزت في القول واستقصيت المعنى فهو أوفق وأحسن، والذي خشيت من أن يستبطأ في تأليفه فوالله لولا توفيق الله عز وجل إياك وعونه لك لما تعتقده من النية ومحض الولاية لما كنت تستطيع أن تأتي على باب منه في أيام كثيرة، ولكن النية يصحبها التوفيق.
وفي كتابه هذا كثير من النصوص التي تدل على أنّه كان يعرض كتبه على المعز قبل إذاعتها ونشرها بين الناس، كما أنّه كان يقرأ مجالس الحكمة التأويلية ومن هنا لقبه ابن زولاق بالداعي وليس لدينا من النصوص ما يثبت أنّ النعمان كان من الدعاة، وإن كان مؤرخو المذهب المحدثون مثل الداعي إدريس يحدثنا في كتابه عيون الأخبار أنّ النعمان كان في مكانة رفيعة جداً قريبة من الأئمة. وأنّه كان دعامة من دعائم الدعوة، ولكنّه لم يصرّح بأنّ النعمان ولي مرتبة داعي الدعاة، وأغالي إذا قلت: إنّ النعمان هو أوّل من دوّن فقه المذهب الفاطمي، فلا أكاد أعرف فقيهاً من فقهاء المذهب قبله كتب في هذا الفن، وبين يدي الآن كتاب المرشد إلى أدب الإسماعيلية وهو ثبت لأسماء المؤلفين والكتب الإسماعيلية، وأمامي فهرست ابن النديم، ومجموعة خطية قديمة لمؤلف مجهول جمع فيها أسماء الكتب التي ألّفت منذ أوائل الدعوة الإسماعيلية، فلم أعثر في هذه الكتب كلها على كتاب واحد في الفقه الإسماعيلي قبل القاضي النعمان بن محمد. فلا غرو أن يعرف المعز فضل هذا العالم وأن يرفعه إلى أعلى الدرجات، ولا سيما أنّ النعمان ذكر في كتبه أنّه اقتبس هذه العلوم عن الإمام ويحدثنا المؤيد في الدين في سيرته أنّ الوزير اليازوري قال له: إنّ النعمان بنى هذا الأمر وإنّ أحق الناس بمكانه أبناؤه فالنعمان إذن قد أدّى للدعوة الفاطمية هذا الفضل الذي عرفوه له، إذ لا يزال علماء الدعوة يعيشون على الفقه الذي وضعه لهم النعمان، وربما على التأويل الذي ذكره في كتبه.
لننظر الآن إلى هذه الكتب التي وضعها النعمان لأهل الدعوة، فيقول ابن خلكان: إنّ النعمان ألّف لأهل البيت من الكتب آلاف ألاوراق بأحسن تأليف وأملح سجع، وعمل في المناقب والمثالب كتاباً حسناً، وله ردود على المخالفين، له رد على أبي حنيفة وعلى مالك والشافعي وعلى ابن سريج، وكتاب اختلاف الفقهاء ينتصر فيه لأهل البيت، وله القصيدة الفقهية التي لقبها بالمنتخبة وسرد الأستاذ أيفانون مؤلفات القاضي النعمان فإذا نحو أربعة وأربعين كتاباً بعضها لايزال يحتفظ به أتباع المذهب وهم طائفة البهرة. ومنها كتب عثر على بعض أجزائها، ومنها ما فقد ولم يعرف إلاّ أسماؤه، ولا تعرف مكتبات أوروبا إلاّ ستة كتب من كتب النعمان وهي:
- جزء من كتاب شرح الأخبار بمكتبة برلين، وأحضرت دار الكتب المصرية صورة فوتوغرافية منه.
- كتاب دعائم الإسلام بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية بلندن، وفي دار الكتب المصرية صورة فوتوغرافية منه.
- تأويل دعائم الإسلام بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية بلندن، وفي مكتبة جامعة القاهرة صورة فوتوغرافية منه.
- أساس التأويل بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية بلندن.
- جزء من كتاب المجالس والمسايرات بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية بلندن، وفي مكتبة جامعة القاهرة.
- كتاب الهمة في اتباع الأئمة بمكتبة مكتب الهند بلندن، وعندي نسخة خطية منه.
ويحتفظ أصحاب الدعوة الآن في مكتباتهم الخاصة بالكتب الآتية:
(1) افتتاح الدعوة، وعندي نسخة خطية منه كما تحتفظ مكتبة جامعة القاهرة بصورة منه. (2) كتاب الإيضاح. (3) كتاب الينبوع. (4) مختصر الآثار. (5) كتاب الطهارة. (6) القصيدة المختارة. (7) القصيدة المنتخبة. (8) منهج الفرائض. (9) الرسالة ذات البيان في الرد على ابن قتيبة. (10) اختلاف أصول المذاهب. (11) كتاب التوحيد والإمامة. (12) مناقب بني هاشم. (13) تأويل الرؤيا. (14) مفاتيح النعمة.
أمّا كتبه التي لم يعثر عليها وعرفت أسماؤها فهي:
(1) مختصر الإيضاح. (2) كتاب الأخبار. (3) كتاب الاقتصار. (4) كتاب الاتفاق والافتراق. (5) كتاب المقتصر. (6) كتاب يوم وليلة. (7) كتاب كيفية الصلاة. (8) الرسالة المصرية في الرد على الشافعي. (9) كتاب في الرد على أحمد بن سريج البغدادي. (10) دامغ الموجز في الرد على العتكي. (11) نهج السبيل إلى معرفة علم التأويل. (12) حدود المعرفة في تفسير القرآن والتنبيه على التأويل. (13) كتاب إثبات الحقائق في معرفة توحيد الخالق. (14) كتاب في الإمامة في أربعة أجزاء. (15) كتاب التعاقب والانتقاد. (16) كتاب الدعاة. (17) كتاب الحلي والثياب. (18) كتاب الشروط. (19) أرجوزة ذات المتن وهي في سيرة الإمام المعز. (20) أرجوزة ذات المحن وهي في تاريخ ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد. (21) كتاب معالم المهدي. (22) كتاب منامات الأئمة. (23) كتاب التقريع والتعنيف.
هذه هي الكتب التي تركها النعمان بن محمد، ولعل أهم كتاب خالد له هو كتاب «دعائم الإسلام، في ذكر الحلال والحرام، والقضايا والأحكام» وهو الكتاب الذي أمر الظاهر بأن يحفظه الناس، وجعل لمن يحفظه مالاً جزيلاً، ويشتمل هذا الكتاب على جميع فقه الفاطميين. فدعائم الإسلام عندهم الولاية والطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد، وكل فريضة من هذه الفرائض لها أصولها وفروعها وآدابها فهو يتحدّث عن ذلك كلّه بشيء من الإطناب، ويروي عن كل فريضة ما ورد عنها في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية وما جاء عن الأئمة، ومن يقرأ هذا الكتاب ويقارن بين الفقه فيه وبين فقه مالك لا يكاد يجد اختلافاً إلاّ في بعض أمور لا تمس الدين في شيء، اللهم ما ورد في القسم الخاص بالولاية.
والفصل الخاص الذي في أوّل الكتاب تحدث فيه عن الإيمان وجعل الولاية شرطاً أساسياً للمؤمن، أمّا في سوى ذلك من أحكام فرائض الدين وسنته والمعاملات وغيرها فلا تختلف عن الأحكام الشرعية عند المالكية. وتظهر قيمة هذا الكتاب عند علماء المذهب ـ منذ عرف هذا الكتاب ـ إذا عرفنا أنّ عالمين من أكبر علمائهم ذكراه في كتبهما واعتمدا عليه ونوّها به، أمّا العالم الأوّل فهو أحمد حميد الدين بن عبدالله بن محمد الكرماني المتوفى سنة 412هـ فقد ذكر في مقدمة كتابه «راحة العقل» الكتب التي يجب أن تقرأ قبل قراءة راحة العقل، ومن هذه الكتب كتاب «دعائم الإسلام»، وأمّا العالم الثاني فهو المؤيد في الدين هبة الله بن موسى الشيرازي المتوفى سنة 470هـ فقد ذكر في السيرة المؤيدية «أنّه كان يعقد مجلساً خاصاً كل يوم خميس يقرأ فيه على السلطان أبي كاليجار البويهي فصول كتاب دعائم الإسلام، ويعتبر هذا الكتاب الآن من كتب الإسماعيلية على الرغم من أنّه في علم الظاهر، ويعدّ من كتبهم السرية التي لا يقر بها إلاّ علماء المذهب فقط.
وقد أتبعه القاضي النعمان بكتاب تأويل دعائم الإسلام واسمه الكامل: كتاب تربية المؤمنين بالتوقيف على حدود باطن علم الدين في تأويل دعائم الإسلام، وهو في ذكر التأويل الباطني للأحكام والفرائض التي وردت في كتاب دعائم الإسلام، وهو من أهم كتب التأويل عند الإسماعيلية، وعليه اعتمد الدعاة بعد النعمان، وقد توفي النعمان قبل أن يتم هذا الكتاب.
ومهما يكن من شيء فالقاضي النعمان يعدّ من أكبر علماء الدعوة وفقيهها الأعظم، وتوفي هذا الرجل بمصر سنة 363هـ.
كان هذا الفقيه رأس هذه الأسرة ومؤسسها، وجاء بعده أبناؤه وحفدته وعرفوا جميعاً بالعلم والفقه، وتولوا الدعوة والقضاء بعده.
أفريدي
اسم لقبيلة كبيرة تنتشر في النواحي الحدودية لباكستان وأفغانستان وجبال الهند وممر خيبر حتّى غرب وجنوب غربي بيشاور.
تنقسم هذه القبيلة إلى ثماني عشر عشيرة، أشهرها: عشائر (كوكي خيل) و(ملك دين خيل) و(كمبر خيل) و(كمرائي) و(زكاخيل) و(سياه) التي تعيش في ممر خيبر وتشتهر باسم (أفريدي خيبر).
يشتهر الأفريديون ببسالتهم، وقد صمدوا لفترات طويلة بوجه الجيوش الهندية والأفغانية والإنكليزية وحافظوا على استقلالهم، وعلى الرغم من اعتبارهم في الوقت الحاضر تابعين للدولة الباكستانية، إلاّ أنّهم في الواقع يعيشون في قلاعهم حياة مستقلة، ويتبعون تعليمات وأعرافاً عشائرية.
ينحدر الأفريديون ـ كسائر الباتهانيين ـ من أصول آرية ويتحدثون اللغة البشتوية، ويتبع بعضهم المذهب الشيعي والبعض الآخر المذهب السني.
إفريقيا
اسم أطلقه العرب الأقدمون في الأصل على القسم الشرقي من بلاد البربر، ولم يتفق جغرافيوهم على تحديدها. يذكر صاحب الاستبصار ـ وهو ما يقوله أبو عبيد عبدالله البكري الأندلسي ـ إنّ حدّ إفريقيا طولاً من برقة شرقاً إلى مدينة طنجة غرباً، وإنّ عرضها من البحر إلى الرمال التي هي حاجز بين بلاد إفريقيا وبلاد السودان. ولكن ياقوت في معجمه يحدد إفريقيا من طرابلس الغرب إلى بجاية. ويؤخذ من ابن صاحب الصلاة أنّ إفريقية تشتمل طرابلس ولكنّها لا تصل إلى منطقة الزاب. والظاهر أنّ كل تحديد لإفريقيا كان مرتبطاً بزمن معين ودولة معينة في سعتها وضيقها([157]).
أمّا اليوم فإنّ اصطلاح إفريقيا يطلق على قارة تبلغ مساحتها نحو 30 مليون كيلومتر مربع ويزيد عدد سكانها على 235 مليون نسمة أي نحو 8% من سكان العالم. ويفصلها عن أوروبا البحر المتوسط وعن آسيا المحيط الهندي والبحر الأحمر. تقترب كثيراً من أوروبا عند مضيق جبل طارق الذي يصل البحر المتوسط بالمحيط الأطلنطي. ومن آسيا عند مضيق باب المندب الذي يصل البحر الأحمر بالمحيط الهندي.
وتشمل الصحارى مساحة واسعة من أراضيها، فالصحراء الكبرى في الشمال، وصحراء (كلهاري) في الجنوب. وأهم أنهارها النيل الذي يصب في البحر المتوسط، والكونغو ويصب في المحيط الأطلنطي، والنيجر ويصب في خليج غينينا، والزمبيزي ولمبوبو، ويصبان في المحيط الهندي.
وهناك من الأنهار: مجردة في تونس وشليف وحلوية في الجزائر. وسبو وأم الربيع وتنسقت في المغرب.
وتتكون أفريقيا من هضبتين كبيرتين تحف بهما سهول ساحلية منخفضة، الهضبة الشمالية قليلة الارتفاع، يبلغ متوسط ارتفاعها 450 متراً وتمتد من المحيط الأطلنطي حتى البحر الأحمر، وتشمل الصحراء الكبرى وبلاد السودان، ويحف بها في الشمال جبال الأطلس وفي الجنوب مرتفعات فوتوجالون، وترتفع بعض أجزائها في الوسط مكونة جبالاً مثل تبستي وتاسيل، وبها منخفضات واسعة مثل: توات وتشاد والقطارة وواحات مصر الغربية والفيوم.
والهضبة الجنوبية أكثر ارتفاعاً إذ يبلغ متوسط ارتفاعها 800 متر، وتنتهي بحافات عالية تشرف على سهول ساحلية ضيقة، ومن مرتفعاتها دراكنزبرج وكينيا، وكليمانجارو ورونزوري، وهضبات الحبشة.
الفتح الإسلامي
عبرت الجيوش المسلمة الأولى الصحراء الغربية من مصر إلى داخل شمال إفريقية في عام 647 ميلادية أي بعد ست سنوات من فتحهم لمصر.
ويبدو أنّ الحملات الأولى كانت مكوّنة من الجماعات القبلية التي دعمتها وحدات عسكرية منظمة من الجيش المسلم وبعد أن ضعفت قوة مقاومة البيزنطيين أمام الفتح الإسلامي أخذوا يتوسعون في تنفيذ خططهم.
على أنّ حركة الفتوح الإسلامية في شمال إفريقية ترتبط عادة باسم عقبة بن نافع الذي كان قد عيّن قائداً للجيوش العربية في هذه المنطقة عام 663م، وقد استطاع عقبة أن يؤسس في عام 680م مدينة القيروان في تونس… المدينة التي ظلّت العاصمة الإدارية والعسكرية للانطلاق في شمال إفريقية خلال فترة الفتوحات.
فمن هذه المدينة تمكن المسلمون من فتح تونس، ثمّ مدّوا نفوذهم ناحية الغرب لشمالي إفريقية وقد استغرق ذلك وقتاً طويلاً ومجهوداً جباراً، لا لمقاومة البيزنطيين لهم، فقد كانوا قد انزاحوا من المسرح ولم تعد لهم قوة تخشاها القوة الإسلامية، ولكن هذه الصعوبات كانت تأتي من البربر سكان البلاد الأصليين([158]).
وبدأ العرب يتدفقون من الشرق في أعداد ضخمة هائلة.
بل وكانت كل ثورة يقوم بها البربر تؤدي دائماً إلى وجود المزيد من الإمدادات البشرية العربية، وكان هؤلاء القادمون الجدد إمّا من القبائل التي وفدت من الجزيرة العربية أو من الجيوش المرابطة في كل من مصر وسوريا والشرق.
وقد كان القادمون من هؤلاء يستقرون في القيروان وفي غيرها من المدن الأخرى التي أصبح العرب يمثلون فيها معظم السكان.
وكانت اللغة العربية لغة الحكومة والتجارة، وهذا ما أضفى عليها الأهمية والاحترام وقد كانت كذلك لغة الدين، ولغة القرآن، ومع انتشار الإسلام السريع في إفريقية انتشرت لغة كتابه وتعاليم هذا الدين.
على أنّ هناك عنصراً آخر بين هؤلاء الفاتحين لا يصح إغفاله هنا، وأعني به عنصر التجار. كان شمالي إفريقية خلال الفترة الأولى من الحكم الإسلامي، ولاية تابعة للإمبراطورية العربية في الشرق نستطيع أن نتعرف فيها على النماذج المعروفة للجنود والإداريين ورجال الدين والتجار، ولقد وفد العنصر الأخير وأعني به التجار من سوريا والعراق وفي بعض الأحيان كان يفد أيضاً من بلدان منطقة آسيا الوسطى، وكانت التجارة التي يشتغلون بها تشمل كثيراً من السلع المختلفة، وتتحدث بعض المصادر العربية الأولى في شيء من الإعجاب عن الغابات الواسعة لأشجار الزيتون التي كانت موجودة يومذاك في شمال إفريقية كما يتحدث بعضها الآخر عن الجياد الأصيلة والإبل القوية في هذه المنطقة.
وكان الذهب من أهم صادرات هذه البلاد إلى الشرق، فقد كان يأتي من غربي إفريقية وبالذات من المملكة التي كانت تقع عاصمتها يومذاك إلى الشمال من نهر النيجر. وكان التجار المسلمون الذين يفدون من بلاد ساحل البحر الأبيض المتوسط يسافرون عدّة شهور لكي يصلوا إلى المراكز التجارية الكبرى في الجنوب حيث يحضرون الذهب من هناك.
ونستطيع أن نقف على كل شيء من معرفة مدى ما كانت عليه التجارة من ضخامة في هذه المراكز مما ذكره الرحالة العربي الشهير ابن حوقل الذي زار أودغشت في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي، واندفع التجار المسلمون ناحية الجنوب إلى غربي إفريقية ولم تأتي الفترة الأولى من القرن الثامن الميلادي حتّى كان هؤلاء التجار يسافرون فعلاً بل ويستقرون كذلك ـ إمّا على أنهم عملاء وإمّا على أنّهم متسترون في مراكز الأسواق التجارية التي تقع جنوب الصحراء الكبرى، فكانت الدعوة الإسلامية تدخل إلى هذه المناطق في ركاب هؤلاء التجار العرب، إلاّ أنّنا لا نستطيع أن نغفل هنا التذكير أنّ البربر بعد أن دخلوا الإسلام كانوا أنشط في نشر الدعوة الدينية في هذه المناطق، وتركيز رسالة التوحيد.
وهذا ما يعني العلامة هوبيرديشان في كتابه: «الديانات في إفريقية السوداء» حيث يقول: «بأن جمهرة الدعاة كانوا من المغاربة» وهو يعني بذلك القبائل المغربية التي انطلقت مع الفاتحين المغاربة الذين تحركوا في جميع نقط القارة من الفتح الإدريسي إلى عصر الدولة العلوية.
أضواء على المسلمين في إفريقية
وحسب ما ذهب إليه هوبيرديشان فإنّه «لا يمكن أن نحدد بالضبط عدد المسلمين في أقطار إفريقية» لأنّ هذا العدد كان يزداد كل يوم لسببين:
دخول الوثنيين على شكل مجموعات كبيرة في الدين الإسلامي وإقبالهم على مبادئه وانسجامهم مع بساطتها.
توالد المسلمين السود بشكل يدهش المعنيين بالدراسات البشرية خصوصاً وأنّ وسائل الوقاية تنتشر فيما بينهم بسهولة…
وإذا اعتمدنا على الإحصاءات التقريبية التي ظهرت في بداية عام 1960 نجد أنّ عدد المسلمين في إفريقية هو كما يلي:
1ـ يبلغ عدد المسلمين في إفريقيا حوالي 117 مليون نسمة موزعين كالآتي:
أـ في إفريقيا البيضاء: 57 مليون نسمة.
ب ـ في إفريقيا السوداء: 60 مليون نسمة.
وإذا عرفنا أنّ عدد سكان إفريقية يبلغون 220 مليون نسمة نجد أنّ نسبة المسلمين تكون في المائة أكثر من نصف سكان القارة، وهم لا يكوّنون هذه الأكثرية بالعدد فقط، ولكن حتّى بالنسبة للتوزيع الطبيعي… سواء بالنسبة للمسيحية أو بالنسبة للديانات الأخرى الموجودة في إفريقية… ومن الجدير بالملاحظة أنّ سكان هذه الأقطار وقوتهم في الواقع لا تتمثل في هذا العدد الضخم دائماً، وإنّما في عصبيتهم وتكاتفهم، تلك العصبية التي تظهر على شكل تنظيمات قبلية.
وبذلك يكون هذا الموقف قوياً في أساسه، وعلى شكل طوائف صوفية… في تنظيماته دائماً…
وممّا لا شك فيه أنّ الاستعمار الذي كان يحتل إلى أمد قريب جل الدولة الإسلامية، قد عمل على إبعاد المسلمين عن الحياة السياسية وأهّل لذلك ـ بالطبع تحت عوامل شتى ـ عدداً من الأشخاص غير المسلمين.
ولعل السبب في نجاح هذه التجربة الاستعمارية المضادة هي أنّ المسلمين في إفريقية بصفة عامة وفي إفريقية الغربية بصفة خاصة ارتكز اهتمامهم ـ وهذا بالوراثة ـ بالتنظيمات الصوفية التي ترتكز على الدعوة الإسلامية، وخدمة التوحيد… أكثر من اهتمامهم بالتنظيمات السياسية والاجتماعية التي انصبّ عليها المستعمرون القدماء والجدد وحتى المذاهب الغازية التي تُسابق الاستعماريين في إفريقية قد ارتكزت على هذا المخطط.
وعلى الرغم من كل هذه العوامل وغيرها ـ كما يقول العلامة سينون ـ فقد استطاع المسلمون في إفريقية أن يحافظوا على عقيدتهم الروحية، بل ليس هذا فحسب وإنّما أخذ عدد المسلمين يتزايد بفضل ما تنطوي عليه تعاليم الإسلام من البساطة والمبادئ الإنسانية السامية. وهذا ما صرّح به رجال التبشير أنفسهم([159]) في حين يرى العلامة هوبيرديشان([160]) أنّ الإسلام كان له دور بعيد المدى يرتكز على أسس قويمة وهذا ما يجعلنا نلمس أثراً واضحاً في تشكيل حياة الناس الاجتماعية والفكرية وفي إحداث نوع من التطور الشامل الذي تجلت أبسط مظاهره في خلق إمبراطوريات قامت من غرب ووسط وشرق إفريقيا وأدّت دورها في طبع حياة الإفريقيين بالطابع الحضاري المزدهر بل وأتاحت لهم الفرص الكريمة للاتصال بالعالم الخارجي على قدم المساواة، ولولا أنّ أطل الاستعمار بوجهه الكريه في القرن الخامس عشر على إفريقية على أيدي البرتغاليين والصليبيين ثمّ بقية شعوب أوروبا بعد ذلك لكان للإسلام في إفريقية اليوم وضع غير الوضع الذي هو عليه الآن.
لقد كان للإسلام فضل كبير في توحيد كثير من القبائل، وفي إذابة كثير من الحدود العنصرية، وفي القضاء على عدد عديد من الخلافات التي عاشت دهوراً وأزماناً.
ومهما يكن فإنّ القبائل الإفريقية لا زالت تدخل كل يوم في الدين، وأنّ الإسلام يزحف بقوة نحو الجنوب، وقد أسلمت مثلاً قبيلة ـ ديولا ـ في السودان منذ سنوات قليلة وهي تضم أكثر من 200 ألف نسمة، أمّا قبائل ـ المحاروصا والبهل ـ في نيجيريا التي يبلغ عددها أكثر من عشرين مليون نسمة فقد أسلمت في القرن الماضي، أمّا قبائل ـ أيبو ـ فهي تدخل الآن في الإسلام تباعاً بعد أن كانت تخاصمه بالأمس القريب.
ويعمل الدعاة الباكستانيون على التبشير بالديانة الإسلامية في جنوب نيجيريا وغانا، بينما يبشر به مشايخ الطرق في المناطق الأخرى بصورة تنطلق معه كل يوم حركة جديدة.
ومن المهم أن نذكر بأنّ هذه الطرق هي الحركة الناجحة لتنظيم المجموعات المسلمة بكل بساطة.
ولكن ينبغي الانتباه إلى حركات الإصلاح الدينية وخاصة في غينية هذه الحركات التي تهدف إلى أن يكون الدين عملياً وتطويرياً وسلوكياً.
وتجد هذه الحركة خصومات متنوعة، والسبب في ذلك أنّها تنطلق تحت شعار وطني…
جدول تقريبي
وفيما يلي جدول تقريبي لنسبة المسلمين في بعض دول إفريقية اليوم باستثناء الدول العربية.
حاولنا بكثير من الدقة أن نستخرجها معتمدين على كثير من المراجع المهمة في الموضوع.
وهذه النسبة هي كما يلي([161]):
السينغال 30670000 95%
غامبيا 343010 84%
مالي 47475000 90%
غينية 3702000 95%
غانا 6700000 33%
لبيريا 1207000 31%
سيراليون 2439000 65%
فولتا العليا 5054017 55%
ساحل العاج 4010000 55%
الداهومي 2505000 60%
الحبشة 23457000 60%
الصومال 2660127 100%
التوجو 1724300 75%
نيجيريا 61450000 75%
النيجر 3546000 89%
التشاد 3410000 85%
إفريقيا الوسطى 1459000 60%
الكاميرون 5470000 29%
الغابون 540000 29%
كينيا 6450000 19,5%
تنجانيقا 12173000 61%
زنجبار 304000 59%
زين العابدين الكتاني
انتشار الإسلام في إفريقيا
يمكننا تقسيم دخول الإسلام في القارة الإفريقية إلى مراحل أربع، توغل الإسلام خلالها عبر ثلاثة طرق رئيسية، في ثلاث أو أربع مناطق كبرى، على يد ثلاث مجموعات من الدعاة هم: العرب، ثمّ البربر والنوبيون، وأخيراً الأفارقة السود. وسأحاول أن أفصّل دور كل فئة فيما يلي:
بدأت المرحلة العربية مع موجة الفتوحات الإسلامية التي اندفعت عبر الشمال الإفريقي بدءاً بمصر، حتّى ساحل المحيط الأطلسي. ويقدر من هاجر من العرب في بدء هذه المرحلة بنحو ربع مليون عربي، واختلط هؤلاء مع الوطنيين من القبط والبربر وغيرهم اختلاطاً كاملاً.
وفي بطء ويسر دام قروناً اعتنق سكان الشمال الإفريقي، عدا أقلية من القبط المسيحيين العقيدة الإسلامية، واتخذوا اللغة العربية لساناً لهم، وإن لم تكتب الغلبة للثقافة العربية في المغرب إلاّ بعد تغربة بني هلال، وبني سليم، وغيرهم في القرن الحادي عشر. وفي هذا الإقليم كتب النصر للمذهب المالكي، الذي نشر الثقافة الإسلامية في المغرب بطابعه الذي لا يخلو من شيء من التزمت، ومنه انتقل إلى أجزاء كبيرة من بلاد السودان. وقد صحب انتشار المذهب المالكي، وتغلغل الثقافة العربية الإسلامية بين السكان، ظهور جيل جديد من البربر، حملوا راية الإسلام والزعامة الإسلامية. وكان ذلك بداية عهد جديد للثقافة الإسلامية المغربية المتميزة عن ثقافة أهل المشرق.
وقد انتهى نفوذ المشرق العربي برحيل الفاطميين، وقيام حكومات من البربر، مثل الزيديين في تونس، والحماديين في الجزائر، والمرابطين في المغرب الأقصى. وفي مدارس القيروان، وفاس وأغمات، وسجلماسة، ازدهرت الدراسات الإسلامية، ومنها انتشرت عبر الصحراء، على يد العرب والبربر المستعمرين.
ونتيجة لتمثّل سكان شمال إفريقية للثقافة العربية والدين الإسلامي تمثلاً كاملاً، واقتباسهم للعديد من النظم الاجتماعية والمؤسسات السياسية السائدة في العالم العربي، صار ذلك الإقليم جزءاً لا يتجزأ من الأمة العربية، بل إنّ السواد الأعظم من العالم العربي يقطن في ذلك الإقليم. ولكن موقعه الجغرافي في القارة الإفريقية، جعل له ارتباطاً وثيقاً بالكيان الإفريقي، يؤثّر فيه ويتأثّر به. وحقيقة الأمر أنّ الصحراء الكبرى التي ربّما بدت وكأنّما قد ضربت نطاقاً حول ذلك الإقليم من الجنوب، فعزلته عن إفريقيا الصحراوية، أو بلاد السودان. لم تكن في يوم من الأيام حاجزاً مانعاً، بل ظلت حتى القرن التاسع عشر بمثابة المحيط الذي يربط بين ساحلين وظلّت سفن الصحراء تدعم الصلات التجارية القديمة، وتقوي من فعاليتها، بقيادة التجار المسلمين.
ومن مصر تدفقت الثقافة العربية الإسلامية في قوة وعنف، عبر أبواب النوبة، ومن المغرب خرج الطوارق يحملون نفس المؤثرات إلى بلاد السودان.
وفي الوقت الذي توغلت فيه الجيوش العربية في إفريقيا الشمالية، أخذت جماعات أخرى من العرب، تطرق الساحل الإفريقي الشرقي. وكانت هجرتهم هذه على ضآلتها امتداداً لصلة عربية عريقة بين الساحلين، وكان الجانب الشرقي للقارة الإفريية على صلة وثيقة بالأرض التي ترعرع فيها الإسلام. ورغم أنّ أوّل هجرة إسلامية كانت إلى الحبشة التي ربطها بجزيرة العرب كثير من وشائج الود، والعلائق الاقتصادية، إلاّ أنّ توغل الإسلام في الساحل الشرقي للقارة الإفريقية كان بطيئاً، وإن غلب عليه السلم.
وبانتشار نفوذ الإسلام كثرت أفواج الوافدين من العرب للساحل الإفريقي، لا للتجارة فحسب، بل للإقامة. ونتيجة لهذه الهجرة، انتظم الساحل الإفريقي عدد من المدن الإسلامية كانت تعنى بالتجارة أساساً. وتزاوجت هذه الفئات الوافدة بالوطنيين وامتزجت بهم، وعنهم أخذ الجيل الجديد الدين الإسلامي وبعض مظاهر الثقافة العربية.
وربما كان أوّل من هاجر إلى تلك المنطقة جماعة من الشيعة، وفدت في أواسط القرن الثامن، هروباً بمعتقداتها من بطش الأمويين.
وفي القرن العاشر قدمت جماعة أخرى من الإحساء([162]) إلى بلاد الصومال، وإلى هذه المجموعة يرجع الفضل في إنشاء مدينة مقديشو، ونجحت المجموعة الجديدة في دعم موقفها، بإنشاء عدد من المراكز الجديدة التجارية التي صارت على صلة وثيقة بجزيرة العرب.
وبعد بضعة عقود من الزمن، أبحرت مجموعة أخرى من الشيعة من مدينة شيراز (إيران). واستقر زعيمها في مدينة كاسو، بينما تفرّقت على الساحل.
وعلى عهد الشيرازيين ازدهرت مدينة كلوة، وتوطدت صلتها بزنجبار. واستطاع الشيرازيون أن يحتفظوا بمركز مستقل غير خاضع لأسلافهم المقيمين في منطقة مقديشو. وتتابعت هجرات العرب إلى الساحل الإفريقي. ممّا أدّى إلى نشأة عدد من المدن التجارية، مثل كلوة ومقديشو ومصوع، و(جزيرة دهلك) وممباسا وباضع وسواكن، وجميع هذه المدن انتشرت في أواسط القرن الثالث عشر، بين موزمبيق في الجنوب وعيذاب في الشمال.
ومع أنّ هذه المدن والجزر، خاصة الجنوبية منها، كانت زاهرة بالنشاط الإسلامي من حيث إقامة الشعائر الإسلامية، إلاّ أنّ نشر العقيدة الإسلامية لم يكن فيما يبدو من نشاطها الرئيسي، فكان جل اهتمامها موجهاً للتجارة وما يتبعها من منافسة في المقام الأوّل، وكانت نظرتها العامة تتجه نحو المحيط وما وراءه من أوجه النشاط التجاري. وقد أدّى النشاط التجاري العربي الإسلامي الذي تمركز في الساحل، وامتدّ منذ منتصف القرن الثاني عشر حتّى أواخر القرن الخامس عشر، أدّى إلى ازدهار ثقافة عربية إسلامية تعرف بالحضارة الشيرازية. ولكن مجيء البرتغاليين في آخر القرن الخامس عشر، وبسط نفوذهم على مواقع هامة من ذلك الساحل، واحتكارهم للتجارة الشرقية في المحيط الهندي، سلب المجموعات العربية أساس ازدهارها التجاري. وظلّ الحال هكذا نحو قرنين، تمكّن بعدها العرب من طرد البرتغاليين وبداية صفحة جديدة من السيطرة العربية.
ففي سنة 1563 ساعد إمام عمان حكام بمبا وزنجبار وأوتوندو في ثوراتهم ضد البرتغاليين. وفي عام 1689 سقطت ممباسا في يد العمانيين الذين عيّنوا نصر بن عبدالله المزروعي حاكماً عليها. وظلّت صلة العمانيين بالساحل الإفريقي اسمية وغير محدودة بسبب الصراع الأسري في عمان حتّى عهد الإمام سعيد بن سلطان (1806ـ1856) الذي تمكّن من توسيع دائرة النفوذ العماني التي شملت زنجبار حاضرة له في سنة 1840، وركز جهده على الممتلكات الإفريقية. وامتدّ نفوذ العمانيين شيئاً فشيئاً وتدريجياً، حتّى شمل كل المنطقة الواقعة بين «واد» الشيخ ورأس لقادو، وظلّوا يحكمونها حتّى آلت إلى الإدارة البريطانية في نحو سنة 1890م.
ومنذ اضمحلال النفوذ البرتغالي تجدّدت الهجرة العربية، ومع أنّ جماعات من هؤلاء وفدت من عمان وهم من الإباضية إلاّ أنّهم لم يحاولوا نشر مذهبهم في الموطن الجديد، بل كانت الغلبة للحضارمة الذين يدينون بالمذهب الشافعي([163])، والذين تدفقوا في أعداد كبيرة، وقد أدّى تمازج الأثر الحضرمي مع المؤثرات الإفريقية إلى ظهور ما يعرف بالثقافة السواحلية.
وقد أدّى التفات سعيد بن سلطان إلى الأراضي العمانية في إفريقيا دون سواها إلى بداية نقطة تحوّل هامة في تاريخ العرب في شرق إفريقيا، إذ ظلّ العرب والإسلام حبيسي الرقعة الساحلية، ولم يتوغلا إلى الداخل إلاّ في القرن التاسع عشر. وكان هدف العرب والسواحليين الأساسي هو الحصول على العاج وعلى الرقيق لنقل العاج من أواسط القارة إلى السواحل، ثمّ الاتجار فيه. فتوغل العرب عبر ثلاثة طرق رئيسية إلى تنجانيقا وما وراءها نحو الكونغو ونياسا، حيث شيّدوا عدداً من المحطات التجارية. كما أنشأ العرب على الساحل عدداً من المزارع الكبرى لزراعة القرنفل. فأدّى ذلك الانتعاش الاقتصادي إلى استتباب الأمن وزيادة فرص الاختلاط، فتسرب الإسلام بين قبائل الديقو والزرمو وقبائل دلتا الروفيجي، وكذلك بين بعض زعماء القبائل التي كانت تتعامل مع المسلمين تجارياً ـ مثل الياو النياموزي ـ وحتّى المجموعات التي لم تدن بالإسلام تأثّرت تأثراً كبيراً بالثقافة السواحلية.
وقد خطا الإسلام خطوات و اسعة منذ نحو عام 1880، وهي بداية الحكم الأوروبي، ربما نتيجة استتباب الأمن، وفتح أقاليم للتجارة فتهيأت فرصة جديدة للنفوذ الإسلامي، كما أنّ المستعمرين استخدموا المسلمين كأعوان لهم في إدارة الوظائف الدنيا، فسار الإسلام متابعاً للسكة الحديد وللطرق التجارية. ولكن الإسلام لم يخط بعيداً غرب الساحل الكيني، كما لم تتوغل طرق تجارية إلى ما وراء كينا، خوفاً من هجمات الماساي وغيرهم. وقد بلغ التجار المسلمون منطقة يوغندا منذ عام 1844 وحققوا بعض النجاح في بلاد الملك موتيسا Moutesa ولكن قدوم البعثات المسيحية في أواخر السبعينات أدّى إلى صراع طويل بين الدينين الوافدين، ومع أنّ المسلمين ازدادوا قوة بمجيء المصريين، وبعض الجنود السودانيين، إلاّ أنّ التنافس استمرّ سجالاً، غير أنّ كفة المسيحية رجحت في آخر الأمر.
ويمكننا أن نقول إنّه برغم قرب هذه الديار من جزيرة العرب، فإنّ قدم الإسلام لم ترسخ في المنطقة الداخلية، وظلّ الأثر الإسلامي حبيس الساحل ردحاً من الزمن.
وفي الشمال تسرّبت بواكير الدعوة الإسلامية إلى ساحل البحر الأحمر الغربي الذي تسكنه قبائل البجة (الحامية) وإلى بلاد النوبة منذ فجر الإسلام عن طريقين رئيسيين، أولهما: عبر البحر الأحمر، حيث أدّت الهجرات العربية، بقصد التجارة إلى انتعاش عدد من الموانئ، وإنشاء موانئ أخرى مثل مصوع (دهلك) وباضع وسواكن وعيذاب. وثانيها: من مصر عن طريق وادي النيل والصحراء الشرقية. وقد أسهم التجار المسلمون أثناء توغلهم في بلاد البجة وفي مملكتي النوبة وعلوة المسيحية بالدعوة إلى الإسلام، كما أسهم بالدعوة غيرهم من العرب الذين عملوا بالتنقيب عن الذهب والزمرد في الصحراء الشرقية، وفي نقل البضائع الهندية. إلاّ أنّ دور هاتين الفئتين كان محدوداً إذا ما قورن بدور القبائل العربية التي تدفقت منذ القرن التاسع عشر في هجرات سلمية، بحثاً عن المراعي الجيدة، وهروباً من ضغط الحكومات المركزية في مصر. وبلغت هذه الهجرات ذروتها عندما اشتركت بعض القبائل العربية في الحملات العسكرية المملوكية ضد مملكة النوبة في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر، وقد أضعفت هذه الهجمات السياج السياسي لتلك المملكة، وصارت الأسرة الحاكمة نوبية مستعربة تدين بالإسلام. فتدفق العرب دون رقيب. متابعين مسيرتهم عن طريق وادي النيل إلى أرض البطانة و«الجزيرة» ثمّ عبروا النيل إلى سهول كردفان. ودارفور، حيث التقوا بموجة عربية أخرى كانت قد تابعت شاطئ النيل الغربي، واستقرّ هؤلاء الوافدون في مناطق أواسط السودان الغنية بالمراعي، مسالمين حيناً ومحاربين حيناً آخر. ولمّا زاد عددهم وقويت شوكتهم، قضوا على مملكة علوة المسيحية في أواسط القرن الخامس عشر.
وخلال ستة القرون الماضية انفتح المهاجرون العرب على المجموعات الوطنية من بجة ونوبة وعنج وغيرهم من الشعوب السوداء. فاختلطوا بها وصاهروها، وصبغ العرب البلاد بلغتهم وثقافتهم، واعتنق المولدون دين الآباء، وتمثلوا النسب العربي. ومع أنّ الوطنيين قد أثروا في الوافدين كما تأثروا بهم، إلاّ أنّ سمات العروبة رغم سمرة الأجسام كانت أغلب على النتاج البشري الجديد. وبقيام مملكتي الفونج (1504ـ1821) والفور (1650ـ1874) الإسلاميتين يبدأ الميلاد الحقيقي لغلبة التيار الإسلامي في سودان وادي النيل.
وكان لهجرة عدد من العلماء ورجال الطرق الصوفية من مصر والحجاز والمغرب أثر كبير في تعميق مفاهيم العقيدة الإسلامية ونشرها بطريقة أشمل. وقد وجد المتصوفة، وجلّهم من أتباع الطريقة القادرية، قبولاً عند عامة السودانيين، وتشهد بذلك الأضرحة والقباب المنتشرة في شواطئ النيل، وتعكس روحه طبقات ود ضيف الله. وقد غلبت روح التصوف على الثقافة الإسلامية في سودان وادي النيل حتّى صارت سمة عليها.
وما إن توطدت أركان العقيدة الإسلامية في البلاد، حتّى قام كثير من المولدين من النوبة المستعمرين كالجعليين والركابية والدناقلة بنشر العقيدة في أطراف البلاد الجنوبية والغربية التي لم يبلغها نفوذ الإسلام بعد، كما جذبت مدارس العلوم في الجزيرة، وعند ملتقى النيلين، كثيراً من الطلبة التكرور ومن وادي ودار صليح.
ويدل هذا التطور على أنّ النشاط الإسلامي لم يكن وقفاً على العرب وحدهم، بل أسهم فيه فريق من أهل البلاد، بعد أن تشبعوا بروح الإسلام، وصاروا من دعاته. ولكن دور العرب كان كبيراً في المرحلة الأولى، فالهجرات العربية التي دخلت بلاد النوبة توغلت في السودان، حتّى عمّت معظم الجزء الشرقي منها، بل تابعت طلائعها زحفها جنوباً، حتّى بلغت أطراف الغابات الاستوائية عند خط عرض 11 درجة شمالاً في أوائل القرن التاسع عشر، ولعل هذا أبعد مدى وصلته الهجرة العربية الوافدة من الشمال الإفريقي.
وفي إقليم السافانا الواقع جنوب كردفان ودارفور أخذ البدو يعتمدون على البقر بدلاً من الإبل في ترحالهم، ممّا هيّأ لهم فرصة التجول في مناطق غزيرة الأمطار كثيرة الشجر لم يألفوا الحياة فيها من قبل، ولكن طبيعة المناخ الاستوائي الممطر لم يلائم عرب البقارة وماشيتهم، فوقف زحفهم هناك حتّى حين.
أمّا الأثر العربي الإسلامي في المنطقة الواقعة بين السودان والقرن الإفريقي، والتي كانت وثيقة الصلة بجزيرة العرب منذ فجر التاريخ وإليها هاجر المسلمون هروباً بدينهم، فلم يضرب بجذور عميقة حتّى القرن العاشر. وظلّ حبيس المنطقة الساحلية ردحاً من الزمن.
وقد انتشر الإسلام في بادئ الأمر في المدن الساحلية، التي يتردّد عليها العرب كثيراً بقصد التجارة خاصة تجارة الرقيق. وكان أرخبيل دهلك (وميناؤه مصوع) ومدينة زيلع أولى تلك المدن تأثراً بالإسلام والثقافة العربية. وقد كان للتجار العرب دور رئيسي في نشر العقيدة الإسلامية عبر الطرق التجارية المتفرعة من مصوع وزيلغ إلى الداخل، خاصة في السهول الساحلية بين بدو العفار (أو الدناكل) والسهو. وقد أدّى انتشار الإسلام إلى قيام عدد من الإمارات أسّستها أسر عربية، وقد عرفت هذه السلطنات بالطراز الإسلامي. ومن أشهرها:
1ـ أوفات، 2ـ عدل، 3ـ فتجار، 4ـ وجدية، 5ـ هوبت، 6ـ دوارو، 7ـ وهدية، 8ـ وبالى موره وهرر التي ظلّت معلماً باقياً للثقافة الإسلامية. وكانت أوفات أقوى هذه الإمارات. وقد أسّسها جماعة من بني مخزوم صاهروا الأسرة الحاكمة في أواخر القرن التاسع. واتّسعت رقعتها في ظل بني ولشع، وهم من أصل حبشي. وقد شهد عهدهم مولد حلف إسلامي بقيادة أوفات، ضمّ معظم الإمارات الإسلامية، واشتمل على جزء من جنوب شرقي الحبشة وشمال الصومال. وكانت دائرة نفوذ ذلك الحلف الإسلامي أكبر من مساحة مملكة الحبشة المسيحية نفسها، كما كانت سيطرته على التجارة الخارجية لذلك الإقليم كاملة. ولكن هذا التوسع الإسلامي قد أثار حفيظة مملكة الحبشة بقيادة الأسر السليمانية التي استطاعت أن تعيد للبلاد وحدتها، وأن تنشر العقيدة المسيحية بين الوثنيين في الهضبة الأثيوبية، وأخذت تحاول الفكاك من العزلة التي فرضتها عليها الإمارات الإسلامية وهي تحيط بها من الشمال والشرق والجنوب.
ومنذ أواسط القرن الرابع عشر وجدت الإمارات الإسلامية نفسها في حرب طاحنة مع الأسرة السليمانية، انتهت بتقلّص الحلف الإسلامي، والتزام حكام الإمارات الإسلامية بدفع الجزية للنجاشي عاهل مملكة الحبشة المسيحية. وظلّ النجاشي يدير دفة البلاد دون منازع حتّى ظهور الإمام أحمد القرن[القران أوالاشول] (1527ـ1542) الذي أعلن الجهاد ضد المملكة المسيحية. ولكن انتصاراته الباهرة أصيبت بنكسة بعد مقتله، ولم يبق للإسلام أثر دائم إلاّ في مدينة هرر والمناطق الساحلية وبين العفار والصوماليين.
وفي ذلك الوقت كان الأحباش على اتصال بالصليبية العالمية وعلى علم بما كان يدور في منطقة الشام، وكانت جهود الأوروبيين منصرفة إلى الوصول إلى مملكة القديس يوحنا لتحقيق نوع من التعاون لوقف الزحف الإسلامي. وفي سنة 1517 استولى البرتغاليون على مدينة زيلع واشتبكوا مع المجاهدين في سنة 1542.
ولكن هذا كلّه، لم يصرف المسلمين عن محاولة نشر الإسلام بالطرق السلمية، خاصة على يد التجار والعلماء، ونجحوا في نشره بين قبائل القالا التي انتشرت على الهضبة الحبشية.
وفي الشمال، من منطقة أرتيريا، دخل البدو من قبائل التقرى والحباب في الإسلام أفواجاً، نتيجة هجرات عربية، وقدوم بعض الدعاة من العلماء ورجال الطرق الصوفية. لكن توحيد المملكة على يد ثيودور ويوحنا ومنليك، وأتباع سياسة تبشيرية للعقيدة المسيحية، وضعت حدّاً لانتشار الإسلام بصورة جماعية.
ويتضح من هذا الموجز، أنّ العرب قد قاموا بدور رئيسي في نشر الإسلام بالطرق السلمية، بواسطة التجار والعلماء ورجال الطرق الصوفية. وقد نجح الإسلام، رغم معارضة الحكومة المسيحية في اكتساب أتباع كثيرين. وكانت أغلبية هؤلاء الأتباع من الوطنيين. وعلى هذه الفئة وقع عبء نشر العقيدة الإسلامية والمنافحة عنها ضد الضغوط الصليبية. وكان لصلة الحبشة الوثيقة بجزيرة العرب ومصر أثر في إثراء الحياة الثقافية في البلاد. فكان فقهاء اليمن والحجاز يكثرون من التردّد على تلك الديار، ممّا ساعد على غلبة السمة الفقهية على الثقافة الدينية. وفي هذه المنطقة الساحلية الممتدة من صعيد مصر حتّى بلاد الصومال كتب النصر للإسلام، وتمثله قبائل البجة والسهو والعفار والقالا والصومال تمثّلاً كاملاً، إلاّ أنّ الثقافة العربية رغم تبني هذه القبائل للنسب العربي لم تضرب بجذور عميقة كما هو الحال في أواسط سودان وادي النيل، وظلّت هذه القبائل محافظة على لغاتها وكثير من تقاليدها.
وفي غرب إفريقيا، ونعني بها في هذه الدراسة، في شيء من التجاوز، كل المنطقة الممتدة من غرب سودان وادي النيل حتّى المحيط الأطلسي، وهي تقع بين الصحراء الكبرى والغابات الاستوائية، وهي تمثل الجزأين الأوسط والغربي من المنطقة التي أطلق عليها الجغرافيون العرب «بلاد السودان». وكان الأثر الإسلامي الذي غلب على هذا الإقليم قد وفد من المغرب. ففي المنطقة الواقعة بين دارفور وبحيرة تشاد انتهت موجة الهجرات العربية القادمة من الشرق، بل إنّ دارفور ذاتها قد تعرّضت لبعض المؤثرات المغربية.
وقد حمل البربر المستعربون مشعل الإسلام والثقافة العربية إبان رحلاتهم التجارية عبر الطرق التي تربط بين الشمال الإفريقي وأواسط بلاد السودان وغربها منذ فجر التاريخ. واتخذوا من المدن التجارية المنبثة على أطراف ذلك الإقليم قواعد نشاطهم التجاري والتبشيري.
وكما هو الحال في سودان وادي النيل، كان التجار أو «الجلابة» يجمعون بين دور التاجر والعالم في بث العقيدة الإسلامية. ونتيجة لهذه الصلات السليمة، اتّسع نطاق التجارة، وزادت الهجرة، وكثر الاستيطان، فأدّى ذلك إلى الاختلاط بين الوافدين والسكان الأصليين، مما مهد لنشر تعاليم الإسلام بين الشعوب السوداء: كالولوف، والتكرور، والسوننكة، والديولة، والصنغي، والكانوري، والفلاتة، والماندنقو، والهوسا، وغير أولئك.
فلمّا سيطر المسلمون على بلاد المغرب استمر البربر يرعون العلائق الاقتصادية التي تربطهم ببلاد السودان، خاصة في تجارة الذهب والملح والرقيق. غير أنّ تجار البربر لم يكتفوا بتنظيم القوافل التجارية المتجهة لذلك الإقليم، بل أقاموا لهم أحياء خاصة بهم في مدن ذلك الإقليم، وأنشؤوا مدناً أخرى، مثل أودغشت لتخدم مصالحهم.
وتؤكد المصادر العربية أنّ الإسلام قد انتشر في أوائل القرن الحادي عشر بين سكان نهر السنغال، وكذلك في منطقة الساحل، كما تؤكد أنّ رحلات المسلمين التجارية قد بلغت دولة غانا نفسها. لم تكن الدعوة إلى الإسلام في المدن التجارية وقفاً على التجار فقط، بل إنّ هجرات قبائل البربر التي كانت تتوغل في موجات متعاقبة نحو الجنوب نتيجة بعض الأحداث السياسية في المغرب، كان لها شأن كبير في نشر الإسلام. فقد كانوا هم حلقة الاتصال بين المغرب الإسلامي وبلاد السودان الممتدة حتّى بحيرة تشاد فمن المغرب خرجت بعض قبائل البربر عبر الطريق الساحلي إلى السنغال بينما اندفعت مجموعات أخرى صوب الشرق، حتّى بلغت بلاد البرنو أو كانم.
ويبدو أنّ معظم المؤثرات الإسلامية كانت تنطلق من أقصى الغرب في اتجاه شرقي: من مصب السنغال أو لمنحنى النيجر أو من مراكز الإشعاع الإسلامي، مثل تنبكتو وجني وكنو.
وكان لجهد قبيلتي لمتونة وحدالة، خاصة بعد أن تمثلتا تعاليم المجاهد عبدالله بن ياسين، وتبنتا دعوة المرابطين للجهاد في أوّل القرن الحادي عشر كان لهما دول فعال في نشر الإسلام بين قبائل السودان القاطنة على ضفتي نهر السنغال، وفي المنطقة الواقعة بينه وبين النيجر. وكان لجهادهم في تلك المنطقة أثر في إضعاف مملكة غانا، والاستيلاء على جزء كبير منها، ممّا مهّد لانتشار الإسلام بين شعوبها.
وفي عهد المرابطين أنشئت مدينة تنبكتو التي أمّها التجار وتدفق إليها العلماء من المغرب وبلاد الأندلس ومصر، حتّى صارت حاضرة للعلوم الإسلامية والعربية في ذلك الإقليم. وقد أجمل السعدي وصفها بقوله: «ما دنستها عبادة الأوثان، ولا سجد على أديمها قط لغير الرحمن… مأوى العلماء العابدين، ومألف الأولياء والصالحين» (ص21). وكان لمدينة جني دور مماثل في نشر الثقافة الإسلامية.
ويمكن تقسيم تسرّب النفوذ الإسلامي إلى غرب إفريقيا إلى ثلاث مراحل: الأولى، يغلب عليها الاحتكاك السلمي، وكان تجار البربر دعامته، والمرحلة الثانية، تغلب عليها الحرب. وقد اقترنت بجهاد المرابطين الذين أعطوا للنفوذ الإسلامي سنداً سياسياً. والمرحلة الثالثة، وهي مرحلة تجمع بين السلم والحرب، وبين تعميق مفاهيم العقيدة الإسلامية والدعوة لها، وقد ارتبطت بانتقال الزعامة الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية إلى سكان البلاد الأصليين من الزنوج بعد أن تشبعوا بروح الإسلام. ولعل خير ما يمثل المرحلة الثالثة هو قيام عدد من الممالك الإسلامية السودانية، كمالي، وصنغي وإمارات الهوسا التي جمعت في نظمها السياسية بين أطر محلية وأنماط إسلامية.
وقد أنشأ مملكة مالي شعب ماندنقو الذي اعتنق ملوكه وكثير من أبنائه الإسلام إبان توسع المرابطين في أواخر القرن الحادي عشر. وامتدت رقعتها بين السنغال وتخوم بحيرة تشاد في الشرق، وشملت بلاد التكرور ومالي، وصوصو، وغانا، وكوكو. ومن أعظم ملوكها سنسي موسى (1307ـ1322) الذي خرج في رحلة مشهورة لحج بيت الله الحرام، واصطحب فيها نحو عشرة آلاف مرافق. وكانت تلك الرحلة استهلالاً لدعم الصلات الثقافية بين غرب إفريقيا وعلماء المشرق، الذين تدفقوا في أعداد كبيرة إلى تنبكتو، فازدهر النشاط الإسلامي، وواكب هذا كلّه ازدهار اقتصادي.
وما إن بلغت الدولة أوج عظمتها، حتّى بدت عليها أمارات الضعف، وأخذ الولوف والتكرور ودولة الكانم يتحرشون بها، وانتقلت الزعامة الإسلامية تدريجياً إلى إمارة صنغي، التابعة أصلاً لمملكة مالي. ولا يختلف تاريخ نشأتها عن تاريخ مالي: فقد تسرّب الإسلام إلى أبنائها أيام المرابطين. ويروى أنّ ملوكها كانوا في الأصل من البربر الذين تجري في عروقهم دماء زنجية. ومهما يكن أصل هؤلاء الملوك فإنّها إمارة سودانية، لم تقو على الصمود أمام سلطنة مالي. وقد ارتبط توسعها بالسلطان سنسي علي (1464ـ1492) وأسكى محمد الذي خلع عليه الشريف العباسي عند حجه لقب خليفة بلاد التكرور.
واتخذت الدولة الجديدة في توسعها العسكري مظهراً إسلامياً غلب عليه الجهاد. واتسعت رقعتها حتّى جاوزت حدود مملكة مالي، بل تسرّب نفوذها إلى شمالي نيجيريا، إذ هاجمت بعض إمارات الهوسا.
وقد سعت دولة صنغى لنشر الثقافة الإسلامية وتركيز الحضارة الإسلامية السودانية في المنطقة، في عهدها الذي استمر حتّى نهاية القرن السادس عشر.
ومع أنّ الإسلام قد ظل باقياً في ذلك الإقليم، إلاّ أنّه قد افتقد القيادة الرشيدة التي حظي بها في عهد مالي وصنغى.
ظلّت قبائل الهوسا أو إمارات الهوسا، بتعبير أدق، التي تحتل الجزء الشمالي ممّا يعرف بنيجيريا في وقتنا هذا، ظلّت على الوثنية حتّى القرن الرابع عشر فيما يروي ابن بطوطة. وكلمة الهوسا التي تطلق على الدلالة العرقية (وتعني الضفة الشمالية من نهر النيجر). وأشهر هذه الإمارات كنو وكاتسينا ودورا وزنفرا وقوبير ونقرا وزاريا. وبما أنّ هذه الإمارات السبع تقع في أواسط بلاد السودان، فالراجح أنّ الروافد الإسلامية قد انحدرت إليها من الشمال والشرق والغرب. فقد بلغتها بعض المؤثرات الإسلامية التي وفدت مع قبائل البربر إبان هجرتها صوب ديار الهوسا. ويؤكد تاريخ مدينة كنو أنّ فريقاً من فقهاء الماندنقو قد نشروا الإسلام بين الهوسا في أواسط القرن الرابع عشر، ويبدو أنّ بعض فقهاء المالكية من تنبكتو وجنى قد تقاطعوا على هذه الإمارات، كما وفدت إليها بعض المؤثرات الإسلامية من الشرق من سلطنة برنو في أواسط القرن الخامس عشر. ولعل امتداد نفوذ سلطنة صنغى على أطراف هذه المنطقة قد أحدث بعض هذا الأثر، ولكن رغم هذه الجهود فلم يكتمل انتشار الإسلام بين الهوسا، وظلّت الوثنية متفشية بين كثيرين منهم حتّى مطلع القرن التاسع عشر عند بدء موجة الجهاد الفلاتي.
وفي الإقليم الواقع شرق ديار الهوسا وغرب دارفور، والذي يشمل برنو وكانم وواداي، انتشر الإسلام في مبدأ الأمر نتيجة مؤثرات سلمية كالتجارة، وتدفق قبائل البربر من الشمال، والعرب من الشرق. ولكن كان للطرق التجارية الثلاث بين بدو الزغاوة، الذين كانوا يبسطون نفوذهم على الجزء الصحراوي من تلك المنطقة. وظلّ الزغاوة، فيما يروي البكري على الوثنية حتّى أواسط القرن الحادي عشر، ولكن بنهاية القرن الحادي عشر انتشر الإسلام بين ملوك كانم.
وقد اشتهر الكانميون بالصلات التجارية الواسعة، واهتموا بنشر الإسلام بالسلم والجهاد، خاصة بين القبائل الوثنية الواقعة إلى الجنوب من ديارهم.
وبنهاية القرن الرابع عشر، انتقل مركز الثقل السياسي إلى مملكة برنو التي تسرب الإسلام إليها، وظلّت برنو تسيطر على ذلك الإقليم حتّى أوائل القرن التاسع عشر. وإلى الجنوب من برنو نشأت إمارة باقرمي المسلمة في القرن السادس عشر. وإلى الشرق من سلطنة برنو ازدهرت دولة واداي، وفيها تعيش مجموعات من الزنوج، وعرب لشوا، وتحكمها أسرة مسلمة وفدت من سودان وادي النيل.
ولا تختلف هذه الممالك الإسلامية الشرقية عن ممالك غرب السودان كثيراً، إذ يغلب عليها جميعها مظاهر الحضارة الإسلامية السودانية. فالثقافة الإسلامية الغالبة مغربية السمات. والمذهب السائد هو مذهب الإمام مالك، وهو مذهب يميل في بعض جوانبه إلى التشدّد في الدين. وتظهر هذه الروح بين مواطني سلطنة مالي الذين وصفهم ابن بطوطة بقوله: «فهم أبعد الناس عن (الظلم)، والسلطان لا يسامح أبداً في أي شيء منه، وعدم تعرضهم لمال من يموت في بلادهم، ومواظبتهم على الصلوات، والتزامهم لها في الجماعات، حتّى إذا لم يبكر المرء بالذهاب إلى المسجد لم يجد موضعاً»… (ـ193). ولكن مع تزمّت المذهب المالكي بين المسلمين فإنّ الروح العامة يغلب عليها التسامح، إذ تجمع المجتمعات الجديدة أشتاتاً من الوثنيين ظلّوا يشاركون المسلمين الديار ردحاً من الزمن. فقد كان الدين الإسلامي هو دين الدولة، ودين التجار والفقهاء ولكنّه لم يبلغ من الانتشار والعمق ما بلغه في الشمال الإفريقي. ولذا ظلّ كثير من المعتقدات الوثنية دون رقيب حتّى بداية موجة الإصلاح والجهاد التي انتظمت القارة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.
ومن السمات المغربية الغالبة، أنّ الخط العربي الشائع يماثل القلم المغربي. كما كان أهل بلاد السودان يتشبهون بالمغاربة في زيّهم وفي فنهم المعماري. وتشارك الأسر السودانية الحاكمة غيرها من الأفارقة المسلمين بل تفوقهم في كثرة ظاهرة تمثل النسب العربي، فسلاطين مالي يرجعون بنسبهم إلى الحسن بن علي، وينتسب سلاطين كانم وبرنو إلى سيف بن ذي يزن الحميري، مثل ما فعل ملوك الفونج في سودان وادي النيل عندما ادعوا النسب الأموي.
قلت: إنّ الفتور قد بدأ يدب في المجتمعات الإسلامية، وأصاب الضعف كثيراً من التكوينات السياسية في غرب بلاد السودان وأواسطه منذ القرن السادس عشر، ولكن ما أن انتصف القرن الثامن عشر حتّى بدأت حركة بعث إسلامي جديد غلبت عليها روح إصلاح سلفية، تدعو إلى العودة بالإسلام إلى عهوده المشرقة، وتسعى لتكوين مجتمع إسلامي سليم، يهتدي بالقرآن الكريم والشريعة السمحاء، وتعمل على نشر العقيدة الإسلامية بين المجموعات الوثنية التي ما زالت تحيط ببعض المجتمعات الإسلامية. وقد تزعم حركة الإصلاح هذه جماعة من المجددين والمصلحين ممّن تأثّروا بحركات الإصلاح، كالوهابية والمهدية والسنوسية، التي انتظمت بعض أجزاء العالم الإسلامي وكان هؤلاء المصلحون من أبناء السودان عامة، ومن الفلاتة أو الفلاتي خاصة. وحالف هؤلاء المصلحون اتباع الطريقة القادرية التي أخذت في الانتشار منذ القرن الخامس عشر وكتب لها أن تنشر الإسلام بين الوثنيين، لتحقيق أهدافهم، كما اتخذوا الجهاد وسيلة لتوسيع دائرة نفوذ الإسلام، ممّا مهد لتمكين تعاليم الإسلام على أسس سليمة مثل ما حدث في شمال نيجيريا. وقد صادفت موجة الجهاد هذه بداية توغل الاستعمار الأوروبي، فاتخذ المواطنون الجهاد مظهراً لمقاومة ذلك الزحف، بل إنّ دعوات المهدية التي انبثقت في ذلك حين كانت في بعض مظاهرها رد فعل للتسلط الأوروبي.
ولما كانت حركات الجهاد هذه شديدة التشابه، وقد انتظمت معظم الإقليم، فسأكتفي بذكر بعض الأمثلة. وقد بدأت أولاها في أقصى الغرب، عند فوتا جالون، بغينية، إذ قاد الفقيه إبراهيم موسى الفلاتي الشهير بسوري (مات سنة 1751م) الجهاد ضد السكان الوطنيين من السوسو ـ جالكونه حتّى انتصر عليهم، ونجح في بسط تعاليم الإسلام وتأكيد سيادتها على سواها. وفي فوتا تورو في السنغال طرح سليمان بال (مات في 1776م) نفس التعاليم. وفي عام 1804م بدأت حركة مماثلة في (شمال نيجيريا) قوامها جماعة الفلاتة التي هاجرت إلى ذلك الإقليم، بقيادة الشيخ عثمان بن فودي، المجاهد والمجدد الملهم. وقد امتد نشاط جهاد الفلاتة إلى بعض الأقاليم الوثنية مثل بوربا والورين ونوبى Nupe وبوشى وكاتقوم وزاريا، حيث تسرب الإسلام. وامتد نشاط الفلاتة إلى برنو، لكن الزعيم محمد الأمين الكانمي استطاع بمساعدة عرب الشوا أن يوقف زحفهم. وبموت عثمان بن فودى بويع ابنه محمد بلو أميراً للمؤمنين.
وكان لنجاح عثمان بن فودى وأتباعه أثر كبير على سائر بلاد السودان الوسطى والغربية إذ سار على نهجه ثوار آخرون. ففي ماسينه، قاد الشيخ حمد بري ثورة مماثلة (1810ـ1818) أدّت إلى إنشاء حكومة إسلامية تقارب الصورة المثلى التي يصبو إليها المصلحون المسلمون. ولكن هذه الدولة سقطت أمام موجة أخرى من الجهاد قادها الحاج عمر بن سعيد، من مريدي الطريقة التيجانية، وقد استهل دعوته بجهاد قبائل البامبوا الوثنية حتّى سيطر على معظم إقليمي السنغال والنيجر، وانتهى أمر خلفائه بالتدخل الفرنسي عند نهاية القرن.
ولم يعتمد الفلاتة في نشر الإسلام على الحرب وحدها، إذ كان دورالحرب مفيداً في بسط نفوذ الإسلام السياسي، ولكن ما صاحب حملات الجهاد من حماس ديني ساعد على بث الدعوة الإسلامية بطرق سلمية بين الوثنيين. كما سعوا لتوسيع نطاق دائرته عن طريق التعليم، وكان مريدو الطريقة القادرية التي انتشرت في سائر الإقليم منذ بداية القرن الخامس عشر، خير حليف لهم في هذا المضمار. ولا غرابة في ذلك فقد كان الشيخ عثمان بن فودى وغيره من المصلحين من أجلة العلماء، وقد ألّف الأوّل نحواً من عشرين كتاباً جلّها باللغة العربية.
وفي سودان وادي النيل الذي تأثّر بحركات الإصلاح والجهاد التي اجتاحت العالم الإسلامي وجدت الدعوة المهدية أنّ الحكم التركي المصري (1821ـ1885م) قد وسع رقعة البلاد السياسية، حتّى شملت أجزاء كبيرة من أعالي النيل الأبيض، لم يبلغها الزحف الإسلامي بعد. وساعدت الإدارة التركية المصرية، على بسط النظام والأمن، في الغابات الاستوائية التي خضعت للاستعمار الأوروبي، فاستطاع التجار المسلمون والدعاة من أتباع الطرق الصوفية كالقادرية والختمية أن يتوغلوا في أجزاء لم يكن من المتيسر لهم من قبل بلوغها لصعوبة المواصلات. ولكن الثورة المهدية بتدخلها العسكري في إقليم أعالي النيل أوقفت التسرّب السلمي للإسلام على يد التجار والموظفين. ولما وقعت تلك البلاد تحت السيطرة البريطانية، سعى الاستعمار لوقف المؤثرات الإسلامية والعربية وقفاً تاماً، بينما سمح للمبشرين المسيحيين بالدعوة لدينهم بين الوطنيين، تمهيداً لفصل الإقليم النوبي عن شمال السودان.
وقد عاصرت المرحلة الأخيرة من انتشار الإسلام التوسّع الأوروبي الذي انتهى بسيطرته التامة على سائر القارة الإفريقية.
ففي البدء وقف المسلمون ينافحون في إباء وشمم عن التكوينات السياسية التي ظلّت منذ دخول الإسلام في تلك القارة بعيدة عن أي تسلّط خارجي، ولكنّها صرعت في آخر الأمر وصارت بنهاية القرن التاسع عشر تحت السيطرة الأوروبية.
ويبدو أنّ الظروف التي خلفتها الإدارات الاستعمارية ساعدت على خلق مناخ مناسب للتوسّع الإسلامي. ففي كنف الاستعمار الأوروبي، خطا الإسلام خطوات ثابتة في تعميق المفاهيم الإسلامية في المناطق التي سيطروا عليها في حملات الجهاد في نيجيريا وفي غرب إفريقيا، كما خطوا به خطوات عبر تلك الحدود في مناطق ربما لم يبلغها نفوذ الإسلام من قبل. ففي محاولة الاستعمار لتمكين قبضته من المستعمرات الجديدة، نجحت الإدارات الاستعمارية في توفير بعض الخدمات الأساسية، مثل فتح الطرق، وتحسين المواصلات، واستتباب الأمن، واستقرار الأحواأتستس
ل، ممّا أدّى إلى ازدهار التجارة، وقيام مدن جديدة، كما أنّ التسلّط الاستعماري أضعف التكوينات القبلية ممّا أضعف سياجها، وهيأها لقبول مؤثرات جديدة. وقد استفاد المسلمون من هذه الظروف فتوغل التجار، والدعاة، والموظفون، يدعون للعقيدة الإسلامية.
وبالرغم من أنّ الإداريين البريطانيين والفرنسيين كانوا يخشون من تمرّد المسلمين ضدهم، إلاّ أنّهم اضطروا للاستفادة منهم في الوظائف الإدارية الدنيا، لما لهم من خبرة وصلات مع الشعوب الوثنية التي كان المستعمرون يجهلون عاداتها ونظمها جهلاً تاماً. فقام المسلمون السود (والهنود في شرق إفريقيا) بدور الوسيط بين الفئتين، ممّا هيأ لهم فرصة الدعوة للإسلام.وكان لتفضيل الأوروبيين لهذه الفئات المتعلمة من المسلمين أثر كبيرعلى الوثنيين ممّا رغبهم في اعتناق الإسلام. كما أنّ الإسلام فوق ما يتمتع به من بساطة في تعاليمه، وما يضربه من مثل طيب في المساواة بين أبنائه، دون اعتبار لأصولهم العرقية، فضله كثير من الوطنيين على المسحيحية لعدم ارتباطه بالمؤسسات الاستعمارية. كما أنّ طول ارتباط الإسلام بالقارة الإفريقية واعتناق كثير من أبنائها له جعله معلماً هاماً من معالم التراث الإفريقي.
ومع أنّ الإسلام قد خطا خطوات واسعة سريعة، إلاّ أنّه ما زال في حالة انتشار في بعض البلدان، مثل غينية، ومالي، وسيراليون، ونيجيريا، والكميرون، وشرق إفريقيا. وقد دخل مسرح الدعوة للإسلام مؤخراً جماعات من مسلمي الهند والباكستان، وأهمها الأحمدية الذين اتخذوا من أسلوب الكنيسة في التبشير منهجاً لها، وجعلوا من شرق إفريقيا وغربها منطلقاً لنشاطاتهم، وقد لاقوا نجاحاً كبيراً وكانت الأحمدية أوّل من ترجم القرآن إلى اللغة السواحلية بقصد الاستفادة منه في التبشير. ويعتقد بعض الباحثين أنّ الإنكليز قد شجعوا دخولهم لإحداث الفرقة في «العمل» الإسلامي([164]).
ولكن الاستعمار وإن اضطر للتعايش مع الإسلام إلى حين، أو قُل التعامل مع بعض العناصر المسلمة لظروف قاهرة، فإنّ تاريخ أوروبا كان يفرض على المستعمرين ضرورة التعامل مع المبشرين المسيحيين، وتمهيد الطريق لتثبيت أقدامهم، ووضع العراقيل أمام التيار الإسلامي ونتيجة للتدخل الأوروبي تعثر انتشار الإسلام في كينيا ويوغندا والكنغو ومولاوي خاصة، وفي شرق إفريقيا عامة.
وفي غرب إفريقيا استطاع التيار الإسلامي أن يمضي قدماً في زحفه، وأن يقف في وجه التحدّي الأوروبي المسيحي رغم ما تتمتع به الكنيسة المسيحية من إمكانات متعددة، تدعمها قوّة أوروبا المعنوية ممثلة في خلفيتها الحضارية، وزحفها التكنولوجي، وتفوّقها الاقتصادي.
يتضح من هذا العرض الموجز حقيقتان هامتان أولاهما: أنّ الإسلام استطاع في مسيرته التاريخية التي بدأت منذ منتصف القرن السابع في القارة الإفريقية أن ينتشر في معظم النصف الشمالي من القارة بين أغلبية سكانه، كما نفذ من الساحل الشرقي لإفريقيا إلى يوغندا وكينيا وتنزانيا، وتسرّب مع بعض المهاجرين إلى الكنغو ومنطقة البحيرات، ووفد إلى إفريقيا الجنوبية مع بعض الهنود المسلمين، وما زال يكسب آفاقاً جديدة يوماً بعد يوم.
والحقيقة الثانية: أنّ الأسلوب السلمي كان الطابع الغالب على نشر الإسلام في إفريقيا، وقد أسهم البدو والتجار بدور رئيسي في هذا التحوّل السلمي للإسلام، فقد زخرت هذه الفترة بهجرات بشرية كبيرة، كان قوامها العرب والبربر والقالا وغيرهم من المسلمين. واختلطت هذه الجموع البدوية بمن وفد إليهم من السكان الأصليين، وعن طريق الاحتكاك والتزاوج تسرّبت العقيدة في يسر وبطء. كما أنّ التجار المسلمين سواء كانوا من العرب أو البربر أو النوبة أو الديولة أو الهوسا أو السوينكة، كثيراً ما كانوا يشتغلون بالعلم إلى جانب اشتغالهم بالتجارة. وكانوا في حركة دائمة، يحطون الرحال بين موضع وآخر، عبر الطرق التجارية التي كانت تخترق القارة الإفريقية، ويزاولون الدعوة للإسلام كما يزاولون أعمالهم التجارية، وكان أسلوبهم في الدعوة، ضرب المثل الحسن، وأخذ الناس بالتدرج، دون أن يقتلعوهم من مجتمعاتهم القبلية، أو جذورهم الاجتماعية التي ألفوها. وكان ذلك كلّه ممّا حبّب الناس في الإسلام.
ولعل خير وصف لأسلوب هؤلاء التجار ما كتبه العالم البريطاني توماس أرنولد في كتابه الدعوة إلى الإسلام: «وحيثما شقّ الإسلام طريقه، نجد هذا الداعي المسلم حاملاً الدليل لعقائد هذا الدين ـ فالتاجر سواء كان من العرب أم البول أم الماندنقو، يجمع بين نشر الدعوة وبيع سلعته، وإنّ مهنته وحدها لتصله صلة وثيقة مباشرة بأولئك الذين يريد أن يحولهم إلى الإسلام، وتنفي عنه كل ما يحتمل أن يتهم به من دوافع شريرة. وإذا ما حل مثل هذا الرجل قرية وثنية، فسرعان ما يلفت إليه الأنظار، بكثرة وضوئه، وانتظام أوقات الصلاة والعبادة، والتي يبدو فيها كما لو كان يخاطب كائناً خفياً. وإن ما يتحلى به من سمو عقلي وخلقي، ليفرض احترامه والثقة به على الوطنيين الوثنيين، كما يبدي لهم في نفس الوقت استعداده ورغبته في مدهم بمزاياه ومعارفه السامية. والحاج الذي عاد من مكة مليئاً بالحماسة، من أجل نشر العقيدة التي يقف عليها كل جهوده، متنقلاً من مكان لآخر يعيش على صدقات المؤمنين الذين يحملون الدليل على الحق بين جيرانهم الوثنيين» (ص393).
وينشئ بعض الدعاة، تجاراً كانوا أم علماء، المدارس أو رصيفاتها كالخلاوي والزوايا في الأماكن التي يترددون عليها، فيختلف عليها الأطفال المسلمون والوثنيون على حد سواء.
ولعل ما مهد إلى تقدّم الإسلام تقدّماً جوهرياً هو أنّ معظم الدعاة الذين كانوا من الإفريقيين، ذوي البشرة السمراء، أو السوداء، وأنّ شكلهم هذا جعلهم أكثر قبولاً لدى الوثنيين من أهلهم، كما أنّ انعدام أي تمييز عنصري عند المسلمين كان عاملاً مساعداً. ولعل هاتين الملاحظتين تفسران النجاح النسبي الذي يلاقيه الدعاة المسلمون إذا ما قورن بمجهودات المبشرين المسيحيين القادمين من أوروبا في إفريقيا السوداء.
ويرى بعض المرجفين أنّ الإسلام انتشر بحد السيف. وهذا قول مرفوض، نصيبه من الصحة قليل، ولا يعطي تفسيراً حقيقياً لما حدث. إذ أنّ حروب الجهاد ضد الوثنيين قد وسعت من دائرة النفوذ السياسي للإسلام. وقد مهّدت هذه الغلبة السياسية للمسلمين ليلقوا بثقلهم السياسي والاجتماعي نحو تحويل الوثنيين للإسلام. وهيأت هذه الغلبة أيضاً للدعاة المسلمين أن يتحركوا في حرية وأمان، وأن يدعوا لدينهم بالحسنى، دون ما إكراه أو قهر. إذن فالأمر على خلاف ما ذهب إليه هؤلاء المرجفون، فإنّ الإسلام قد خطا خطوات واسعة بعد أن حرمت السلطات الاستعمارية المسلمين من قوتهم العسكرية، وقد تهيأت له فرص النجاح في أقاليم لم يتقدم فيها كثيراً من قبل.
وقد لوحظ أنّ نجاح الإسلام كان كبيراً في المجتمعات ذات الحكومات المنظمة، كما هو الحال في شمال إفريقيا، وفي الدول التي كانت تدين بالمسيحية، كمصر وبلاد النوبة وعلوة، وبين سكان المدن والمراكز التجارية، أكثر من القرى والأرياف. ولاقى الإسلام نجاحاً طيباً في المجتمعات البدوية التي تفتقد التنظيم السياسي المتطور، وتنقصها الحكومات المنظمة، خاصة بين الشعوب «الحامية» التي تعيش في شمال إفريقيا وشرقها، كالبربر، والبجة، والقالا، والصومال. ولكن الإسلام قد أخفق في إحراز تقدّم ملموس بين القبائل الزنجية التي كانت تعيش في ظروف مماثلة في إفريقيا الاستوائية ـ كالزاندي، والأيبو، والقبائل النيلية، والنيلية الحامية ـ مثل الدنكا، والشلك، والباريا، والماساي، والناندي وغيرها. ولعل حداثة صلة المسلمين بهذه الأقاليم، وقلة من بلغها منهم، وبعدها عن مراكز الثقافة الإسلامية هي السبب في ذلك كلّه.
هذا ما كان من ماضي الإسلام في القارة الإفريقية، ماض مشرق، أثبتت فيه الثقافة الإسلامية متانة منبتها، وقوة فعاليتها، وحسن تكييفها مع الظروف الإفريقية تأثيراً وتأثّراً، حتّى صارت معلماً حضارياً هاماً. ولكن حاضر الإسلام في إفريقيا يواجه تحدّيات كبرى، أهمها: المحاولات الكنسية المتكررة لإيقاف الزحف الإسلامي وإضعاف فعاليته، وثانيهما: تأثير رياح التغيير التي أثارتها الحضارة الأوروبية على المجتمعات الإسلامية عامة وعلى البيئات الإفريقية خاصة.
لا جدال في أنّ اليهودية والمسيحية كالإسلام من الشرائع المنزلة من الحق عز وجل ولكن… العلائق التي تربط بين الدينين الأخيرين، وهما من الأديان الإنسانية الكبرى التي ينضوي تحت لوائها مئات الملايين من الأتباع، قد اتّسمت بالمنافسة الشديدة. وقد تمثّل هذا التنافس أو الصراع في الحملات المغرضة للنيل من الإسلام ونبيّه الكريم، وأدّت أحياناً إلى حرب سافرة كالحروب الصليبية التي بدأت بمحاولة السيطرة على بيت المقدس، وشملت قتل المسلمين ونبش قبورهم في الأندلس، وانتهت بالسيطرة الأوروبية المسيحية على أجزاء كبيرة من الوطن الإسلامي، كما شملت الاتصالات المتكررة بين أوروبا المسيحية وبلاد الحبشة المسيحية بقصد التحالف لوضع حد للتيار الإسلامي الزاحف بين الوثنيين الإفريقيين.
والصراع بين المسيحية والإسلام، أو قضية انتشار الأديان في إفريقيا، من أهم ما يشغل أتباع الدينين عامة والكنيسة بوجه خاص في وقتنا هذا. ولكن نادراً ما يظهر هذا الصراع فوق السطح، بل يظل مستتراً تحت شعارات وواجهات مختلفة، ليس من قصدي أن أستعرض كل مظاهر هذا الصراع، ولكن يكفي أن أقول: إنّ التبشير المسيحي كان في كثير من مظاهره مرتبطاً بالزحف الاستعماري الذي يريد التمكين لنفسه ثقافياً وعسكرياً واقتصادياً. إنّ الأوروبيين منذ دخولهم هذه القارة اعتبروا الإسلام ديناً دخيلاً على المجتمع الإفريقي، وأنّ واجبهم الأوّل هو تخليص الإفريقيين من هذا الخطر، وكسبهم إلى حظيرة المسيحية. ولهذا شنّوا حرباً ما زالت مستمرة ضد الإسلام واللغة العربية، وسعوا إلى عزل الإفريقيين عن مراكز الإشعاع الإسلامي كالأزهر والقيروان، حتّى يقطعوا الروافد الثقافية التي تربط بينهم. وكان سلاحهم الرئيسي لتحقيق هذا الهدف هو التبشير.
والتبشير عند المسيحيين على خلاف المسلمين، عملية منظمة، تخضع لتوجيهات الكنيسة الأم، وتتمتع بدعمها المادي. وقد اعتبر التبشير منذ القدم من أهم واجبات الكنيسة، وهناك رجال أكفاء مدربون خصيصاً لمثل هذا العمل، الذي يتطلب صبراً وجَلَداً ونكراناً للذات، ومعرفة دقيقة بلغة وطبائع الشعوب التي يرغبون في كسبها لدينهم. وينال هؤلاء المبشرون رواتب معلومة، ويخضعون لنظام كهنوتي دقيق.
أمّا في الإسلام، فهو جهد فردي تطوعي في الغالب، إذ لا توجد هيئة مركزية لترشيد مثل هذا العمل ودعمه روحياً ومادياً، سوى ما نجده عند بعض أتباع الطرق الصوفية، في صورة بدائية أو عند «الأحمدية» الذي تمثلوا كثيراً من أساليب الكنيسة في التبشير([165]).
وقد اهتم الأوروبيون بدراسة المجتمعات الإفريقية عامة، والإسلامية خاصة، بغية عزلها سياسياً وثقافياً، والسيطرة عليها فكرياً وروحياً، كما بيّنت في أوّل هذا الحديث، وقد بثّوا الباحثين من علماء التاريخ وعلم الاجتماع، وكان بعضهم ممّن يجيدون اللغة العربية وغيرها من اللغات الإفريقية، لمعرفة تاريخ الإسلام ودوره في الوطن الإفريقي. وفي عام 1952م عهدت فرقة الدومنيكين الكاثوليكية إلى بعض أفرادها التخصّص في الدراسات الإسلامية كما قام ج. س. ترمنغهام، القس البريطاني، وله معرفة تامة باللغة العربية، بدراسة الإسلام فطاف بجميع أنحاء القارة الإفريقية وكان حصاد ذلك نحواً من ستة كتب، أوّلها عن الإسلام في السودان، وثانيها وثالثها عن غرب إفريقيا، ورابعها عن الحبشة، وخامسها عن شرق إفريقيا، وسادسها عن أثر الإسلام على القارة الإفريقية. واستهل دراسته بكتاب عن النظرة المسيحية للإسلام، مبيناً فيه ما يجب عمله، وموضحاً ضرورة إقامة جسور من الحوار والتفاهم مع المسلمين قبل محاولة هديهم للمسيحية.
وقد ترجم الكتاب المقدس إلى كل اللغات المهمة في سائر العالم، بما فيها كل اللغات التي يتكلمها المسلمون. كما أعدّت مجموعة من الكتب لتلائم المزاج الإسلامي بلغات المسلمين الرئيسية وصارت معظم المدن الإسلامية الكبرى هدفاً لنشاط تبشيري تحت ستر حرية الأديان، عن طريق المدارس والمستشفيات والمطابع.
وفوق هذا كلّه، فإنّ عدداً كبيراً من أبناء المسلمين وبناتهم يتلقون تعليمهم في مدارس الإرساليات المنتشرة في طول البلاد الإسلامية وعرضها. ولعل خير مثال لذلك، ما حدث في سودان وادي النيل. وكما هو الحال في سائر البلاد الإفريقية، فقد دخل المبشّرون مع المستعمرين في وقت واحد. وهناك سعى الأسقف قوين للحصول على تصريح من الإدارة البريطانية في البلاد بالسماح له بتنصير أبناء المسلمين، استاء قوين استياءً شديداً جدًّا من هذا التصرف. وورد في مذكراته: «وبينما كنت مهموماً حزيناً في داري على أثر عدم التصريح لي بتنصير أبناء المسلمين… إذ جاءني رسول يدعوني على عجل لسراي الحاكم العام… فقال لي: لقد صرّح لك بافتتاح مدارس في الشمال… ورقص قلبي فرحاً، وأيقنت أنّ الله استجاب دعائي، وما الفرق بين عدم السماح لي بتنصير المسلمين والسماح بتعليم أطفالهم؟ وهل كنت أطمع في أكثر من التصريح لي بافتتاح مدارس تبشيرية؟ وهكذا بدأت العمل فوراً…» (المسلمون 308ـ309). وعلى يد هذا الأسقف تمّ فتح بضع مدارس تبشيرية في شمال السودان، كما قام بإنشاء عدد كبير من الإرساليات في جنوب السودان.
حدث هذا في بلد يمثل فيه المسلمون أغلبية السكان. أمّا في البلاد التي يكونون فيها أقلية، فليس أمام أبناء المسلمين من فرصة للتعليم فوق الأولى سوى مدارس الإرساليات، ومن يرغب في العناية الطبية فليس أمامه غير مستشفيات الإرساليات.
ونتيجة هذه الجهود المكثفة بين المسلمين وسواهم، تحت رعاية الحكومات الاستعمارية، كالبريطانية والفرنسية والبلجيكية والبرتغالية اكتسبت الكنيسة أتباعاً بين الوثنيين خاصة في المنطقة الواقعة «جنوب الصحراء». ولكن مع هذا النجاح فما زالت المجتمعات الإسلامية العريقة موصودة في طريقهم، وما فتئت الانتصارات التي يحققها المسلمون رغم قلة إمكاناتهم التبشيرية تقلق مضاجع الكنيسة. فإنّ بساطة التعاليم الإسلامية مجسدة في قول: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، وسهولة عرض فكرتها السامية في تدرج، تكفي لأنّ يعدّ الوثني نفسه من أتباع الدين الذي يساوي بين الجميع ويفتح أبواب الاخاء الكامل بين كافة أتباعه. فقد اقترنت المسيحية بين الإفريقيين بأنّها دين الرجل الأبيض، وأنّها وفدت في ركاب الاستعمار، كما أنّها لم تضرب بجذور عميقة، وما زالت تبدو وكأنّها كغرس من أجنبي، لم يتأصل بعد مثل ما تأقلم الإسلام في المجتمعات الإفريقية. ولذا تخشى الكنيسة أن يرتد أتباعهم إلى الأديان الإفريقية أو يعتنقوا الإسلام.
ويجب ألا يغيب عن بالنا أنّ الخلاف بين المسيحية والإسلام، وإن اتّخذ مظهراً عقائدياً، فهو خلاف حضاري في المقام الأوّل. فالمسلمون كما نوّهت من قبل يؤمنون برسالة السيد المسيح كما نزلت عليه، ويحترمون تعاليمه، كما أنّ البابوية وصحف الفاتيكان لا تنزل الإسلام منزلة العدو الأوّل، وربّما لا تتشّدد في مقاومته مثل ما تفعل نحو معتقدات وأفكار أخرى. وحقيقة الأمر، أنّ قوى التبشير العالمي ليست إلاّ امتداداً لسيطرة الغرب، وامتداداً لغلبة الحضارة الأوروبية فكرياً وتقنياً واقتصادياً. فقد نجحت أوروبا الغربية خلال القرنين الماضيين في أن تبسط نفوذها العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي على أجزاء كبيرة من المعمورة، نتيجة للمنجزات الفنية، والتطور الصناعي، وما تبعه من توسع اقتصادي، وتحسين المواصلات ونشر للفكر الأوروبي روحياً كان أم مادياً. وبمعنى آخر صارت حضارة الغرب هي الحضارة الطاغية في عالم اليوم، فسعت لفرض سلطانها على الأمم الأخرى بكل الوسائل، سلمية كانت أم عسكرية.
وقد تمّت هذه الغلبة لأوروبا المسيحية في وقت كان معظم المسلمين يغطون في سبات عميق بسبب الجهل والجمود، والتخلف. وانتقل زمام المبادرة منهم، نتيجة التسلط الأوروبي، إلى منافسيهم، فانتشرت الجمعيات التبشيرية وعمّت مؤسسات الحكم الأوروبية في البلاد، وسادت أنماط السلوك والتقاليد الأوروبية، وصارت السمة الغالبة للفكر الأوروبي، وغلب نظام التعليم المدني على التعليم الديني التقليدي، بل فضله كثيرون لأنّه يعطي فرصة أفضل لكسب العيش. وكانت استجابة المسلمين لهذه المؤثرات متفاوتة، فاستكان بعضهم وقاوم آخرون. فقد آثرت فئة الانكفاء على الماضي، وأعلنت الجهاد على التسلط الأجنبي وعلى البدع الأوروبية كالثورة المهدية، واختارت فئة ثانية أن تتمثل كل الحضارة الوافدة، وأن تذوب في طوفانها، كما فعل الأتراك بقيادة كمال أتاتورك، وارتضت الأغلبية أن تسلك مسلكاً وسطاً، محاولة اختيار ما يوائم واقعها للخروج من أطر الجمود والعوز، على أساس من العلم والمعرفة لمواجهة التحدّي الغربي.
ولا شك أنّ الانتصارات التي حققتها الحضارة الأوروبية قد جعلت كثيراً من المسلمين سواء كانوا في إفريقيا أم آسيا يفقدون الثقة في أنفسهم، وأصابهم ما يشبه خيبة الأمل في فعالية الإسلام ـ وهي جهد حضاري متطور ـ وطنّوا أنّه لم يعد يوائم روح العصر، وغير كفء للصمود أمام حملات التشكيك التي تبثها الدعاية الأوروبية.
وحتّى نخرج من هذه الأزمة النفسية، وهي أزمة ثقة في الكيان الحضاري الذي ننتمي إليه، لا بد من إعادة النظر في المتغيرات من موروثنا الحضاري. فالمسلمون ليسوا ضد الحضارة الأوروبية، فهي نتاج إنساني مشترك، بل الواجب أن نقتبس منها ما يوائم مقومات الثقافة الإسلامية.
ولكن التكالب على الحضارة الأوروبية، والانبهار بمنجزاتها، وتفضيل الناس للجوانب المادية فيها، أثر على الحضارة الإسلامية، فانفصلت تدريجياً عن جذورها الدينية، وبعدت الشقة بين الجانب الروحي والمدني في مجالات الحياة المختلفة.
وربما كانت الأزمة الحضارية التي يعيشها المسلمون، والشقة المتزايدة في حياتهم بين الواقع والمثال من أعظم التحديات التي تواجه المسلمين، ليس في المجتمعات الإسلامية فحسب بل في المناطق التي دانت له مؤخراً. ولذا وجب على المسلمين في العالم العربي والشرق الإسلامي، وهم بحمد الله أكثر تحرّراً من السيطرة الأجنبية، وأقدم سابقة في الإسلام، وأقوى مركزاً في ميزان القوى العالمية، أن يمدّوا يد المساعدة لإخوانهم المسلمين في القارة الإفريقية، حتّى يتخطوا هذه المحنة الممثلة في الضغوط التبشيرية وما يماثلها من تحديات.
ولا أريد أن أعدّد ما يجب أن نفعله، ولا أقترح برنامجاً، معيناً، ولكن يكفيني بعد هذا العرض السريع للجذور التاريخية لانتشار الإسلام في القارة الإفريقية، والذي نبهت فيه للصعاب التي تواجه الإنجاز العظيم، الذي غلب عليه الجهد الفردي والتطوعي في معظم الأحيان، أن أذكر ضرورة إجراء دراسات ميدانية لحال المسلمين في تلك البلا. كما يجب أن نتقصى احتياجاتهم، والتي تبدو لي أنّها شديدة الارتباط بإمدادهم بمعلمين أكفاء لتدريس مبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية، حتّى لا يقعوا فريسة الدعايات التبشيرية. كما يجب أن ندعم الجهود التي تبذلها بعض الأمم الإسلامية، وأن ننسق بين جهودها في هذا المجال، تحت لواء جهاز واحد. كما هي ضرورة أن نطوّر أسلوب عمل الدعاة المسلمين، بما يوائم روح العصر، إذ لم يعد هناك مجال للجهد الفردي، إذ أنّ التنافس المقنع بين قوى التبشير المختلفة، إسلامية كانت أم مسيحية يتطلب قدراً من الحصافة والتخطيط الواعي. وينبغي أن يسبق هذا كله لقاءات تخطيطية، وندوات علمية، لوضع الأسبقيات، ورسم أسلوب العمل، على أعلى المستويات الإسلامية.
وفي الختام أرجو أن نأخذ قضية انتشار الإسلام، ودعم موقفه في مواقعه الجديدة، في إطار نهضة شاملة للحضارة الإسلامية، نهضة تشمل التحرير من التسلط الأجنبي، والتخلص من الجهل والجمود، ونأخذ بأسباب العلوم الجديدة، واصلة لها بتوجيه ديني متطور، مراعية رفع مستوى المسلم الاجتماعي والاقتصادي حتّى يشعر بالعزة والكرامة، ويصبح سيد نفسه، وموجه مصيره، ليتابع مسيرة الإسلام التاريخية، بقلب ثابت وجنان خلاق.
الدكتور يوسف فضل
أثر الإسلام في إفريقيا
يمكننا تقسيم الإسلام في إفريقيا إلى ستة أقاليم ثقافية، يعتمد تحديدها على المظاهر الجغرافية والعرقية (الأثنولوجية) والثقافية، وكذلك على المظاهر التاريخية للاختراق الإسلامي إلى قلب القارة وآثاره. وهذه الأقاليم الستة هي: إفريقيا البحر المتوسط، السودان الغربي والسودان الأوسط والسودان الشرقي وشمال شرق الحبشة وشرق إفريقيا.
أوّلاً: إفريقيا البحر الأبيض المتوسط:
وهو أوّل إقليم دخله الإسلام، وذلك مع الفتوحات العربية الأولى. وقد أصبح الإسلام متأصّلاً فيه ومغروساً في كل مظهر من مظاهر حياته. ولكن توجد بعض الفروق المحلية بين مصر وأقطار المغرب ناجمة من التاريخ المختلف لكل بلد قبل الإسلام.
إنّ دور مصر في إدخال الإسلام لسائر إفريقيا محدود للغاية، نظراً لأنّها تؤلف عالماً قائماً بذاته، حول نهر النيل، فاتصالاتها كانت ـ إلى حد ما ـ مقصورة على أقطار البحر المتوسط فيما عدا بعض أجزاء من إفريقيا نخص بالذكر منها منطقة النوبة.
أمّا الوضع في المغرب العربي فهو مختلف، ذلك أنّ الصراع كان قائماً بين الصحارى والسهول، فالصحراء الكبرى لم تكن مانعاً كما كان الحال في مصر. وكان الصراع دائماً بين البدو (سكان الصحراء) وبين الحضر (سكان المدن في السهول). ولم يستفد البربر كثيراً من المراكز الواقعة على البحر المتوسط الأمامية، بالنسبة لهم، ولكنّهم تعربوا بعد الفتح العربي واعتنقوا الإسلام، وزادت حركة التعريب بعد هجرة بعض القبائل العربية في القرن الحادي عشر، مثل قبيلة بني هلال. وعلى الرغم من تعريب غرب الصحراء الكبرى المغربية إلاّ أنّ العرب لم يخترقوا وسط هذه الصحراء، حيث ظلّ الطوارق محتفظين بلغتهم وثقافتهم ومعتقداتهم، وفي هذه المنطقة يقلّ البربر فهم يسكنون الجبال (جبال أطلس)، ولكن الطوارق انتشروا جنوباً حتّى حدود أراضي نهر النيجر، وهم بخلاف الطوارق في الشمال فقد تكيفوا بحسب البيئة الطبيعية واصبحوا عاملاً هاماً في تاريخ غربي السودان ووسطه.
ولعل أهم مظهر من مظاهر هذا الاقليم الدينية هو انتشار الصوفية التي يعتبر «أحمد بن العريف» من أقدم رجالها، وهو من قبيلة صنهاجة البربرية، عاش في اسبانيا عام 1143م. وقد بلغت الصوفية أوج عظمتها وانتعاشها على يد « ابن عربي» وممثله في الشمال الإفريقي «ابن مدين» المتوفى عام 1197م. وقد زار أصحاب الطرق الصوفية إقليم الجبال حيث عاش كثيرون منهم مع عائلاتهم في زوايا.
ومنذ القرن الرابع عشر بدأت الصوفية في التخلّف ثم انتعشت فجأة وخطت إلى الأمام على شكل حركة شعبية مرغوبة. وقام زعماؤها مثل «الشدهيلي» بتعليم طرقها الخاصة التي لاقت رواجاً عند طبقة الطليعة الروحية. ولكن تطوّرت هذه التعاليم فيما بعد مكوّنة طوائف ليس هدفها إرشاد أعضائها إلى طرق الوسائل الصوفية وحدها ولكن ربطهم بصلة قوية مع سيد الطريقة أيضاً، ثمّ تطوّرت إلى تقديس الأسياد الروحيين، والنظر إليهم كأنّهم وسطاء مع عالمهم الروحي. وقد بدأ هذا النهج السيد الجزولي المتوفى سنة (1465ـ1466م). وعلى الرغم من أنّ تعاليم الصوفية الأخيرة هذه وما جاءت به من عادات وتقاليد لم تستطع أن تدخل قلوب عامة الناس، ولكن مناهج الأوامر والنواهي الدينية ناسبت أساليب الناس وأفكار حياتهم ومشاعرهم.
ومن خلال هذه الدوافع الجديدة استطاع الإسلام كسب سيطرة متكاملة على كافة الطبقات المتفرقة للمجتمع المغربي. هذا وإن فهم الإسلام ـ كتراث مغربي ـ أوجد نقطة انطلاق تاريخية، ورؤيا جديدة ونوعاً جديداً من المجتمع، فحلّت الأسماء العربية بدلاً من البربرية، سواء في الريف أبو البادية. كما شاع احترام الأضرحة والمقامات الإسلامية التي كانت تزار التماساً للبركة، وأصبحت موريتانيا أو شنقيط مركزاً هاماً لمثل هذا النشاط الروحي، وكذلك الساحل السوداني.
ثانياً: السودان الغربي
يعتبر الحاميون والزنوج أوّل الأقوام الراحلة (المتنقلة) التي تحترف الرعي في هذا الإقليم، بينما استقرّ غيرهم من الشعوب ليعملوا في الزراعة. وقد امتزجت الحضارة والزرّاع والرعاة فيما بعد. وقد كان لاختلاف حضارتهم وامتزاجها أثر هام على مظاهر التاريخ الإسلامي في إفريقيا. ولكن منذ القرن التاسع الميلادي زاد عدد بربر الصحراء وقويت شوكتهم. وعن طريقهم انتشر الإسلام ومؤثراته الحضارية، وذلك لأنّ الصحراء لم تكن ـ كما قلنا ـ عامل فصل يفصل الشمال الإفريقي عن الساحل الغاني، بل كانت الصحراء الكبرى طريقاً هاماً لتجارة الملح والذهب، وظلّت كذلك إلى ما بعد الفتح العربي الإسلامي للشمال الإفريقي. وبهذا وصلت المؤثرات العربية في القرن الحادي عشر إلى أعالي السنغال وإقليم الساحل الأطلسي. وقد عبرت القوافل هذه الصحراء إلى ساحل دولة غانا لتتبادل معها الملح وبضائع بلدان البحر الموسط كالذهب والرقيق. وقد خصّص الغانيون حياً خاصاً للتجار المسلمين، وفيه شيّدوا لهم مسجداً. وتأسّست مراكز إسلامية مثل «كوغا» kugua، ونتيجة لهذا ظهرت طبقة من الزعماء السودانيين الروحيين اشتغلت بالحفاظ على الإسلام وأحواله وشؤونه.
ويبدو أنّ ظهور دولة المرابطين في غرب الصحراء زاد من تأكيد انتشار الإسلام عند بربر الصحراء مثل «جودالا» Goddala و«المتونة» Lamtuna وعلى الرغم من أنّ هذا الأثر قد غيّر من المزيج السياسي للمغرب إلاّ أنّه لم يؤثر كثيراً على السواحل الغربية الإفريقية، فيما عدا فتح العاصمة غانا سنة 1076م وحطّم قوّة الدولة الغانية ومزقها إلى عناصر مختلفة، ولكن كان من نتائجها اعتناق جماعات «السوننكيين» Soninks الإسلام، الذي ساد أعالي السنغال في منطقة «التوكولر» Tokolor وساحل السوننكي، وأصبح المسلمون يشكلون طبقة التجار. وعن هؤلاء انتشر الإسلام في ساحل غانا وشماله.
أمّا الزنوج الناطقون بلغة «الفلفلدي» Fulfuled في أعالي السنغال والذين يطلق عليهم «التكرور» فقد اعتنقوا الإسلام فيما بعد وأصبحوا من المتعصبين له.
ولا ننسى في هذا المقام أثر انتشار البربر في أواخر عصر المرابطين على اعتناق كثير من الأفارقة للإسلام. وكذلك كان لدولة «مالي» دور كبير في هذا المجال. وقد كانت مالي دولة كبيرة يحكمها صن جاتا Sun jata (1250ـ1255م) الذي شملت فتوحاته الواسعة دولة غانا. وزادت شهرة مالي بعد أن واظب حكامها الملقبين «بالمنساس» Mansas على الحج وشجعوا التجارة، وحببوا العرب على زيارة بلادهم مثل ابن بطوطة الذي زار البلاد بين عامي 1352 و1353م.
ثالثاً: السودان الأوسط
ويشمل هذا الإقليم القسم السوداني الممتد من بلاد جماعات «السنغاي» Songhay، في منتصف النيجر عبر أراضي الحوصا أو الهوسا Hosa والبورنو Bornu و«كانم» Kanem وواداي Waday، إلى دارفور في جمهورية السودان.
ونجد أنّ تاريخ توغل الإسلام في هذا الإقليم وتأثيره مختلف تماماً عمّا هو في السودان الغربي، والسبب يعود إلى نظام الطرق التجارية، فقد كان التجار من الشمال الإفريقي ينشطون على ثلاثة محاور تعبر الصحراء إلى السودان الأوسط. ويروي اليعقوبي أن تجارة الرقيق كانت تجري عن الطريق الممتد من طرابلس عبر «زاويلا» Zawila إلى «كاوار» Kawar ومنها إلى المراكز التجارية الهامة التي كان يرسل إليها زعماء الزنوج والتجار عبيدهم ورقيقهم، والفارق بين غربي السودان ووسطه أنّ النقاط الرئيسية للتبادل التجاري كانت تقع على هذه الطرق في قلب الصحراء وليس على أطرافها أو حدودها، كما أنّ البدو هنا الذين يطلق عليهم «زغاوة» Zaghawa كانوا حماة للتجارة بحكم سيطرتهم على أقاليم «كاوار» Kawar وتبستي Tibesti وبسطوا نفوذهم على «كانم» وشمال شرق بحيرة «تشاد» وفي نهاية القرن الحادي عشر دخل ملكهم «هيوم» Hume الإسلام، وحذت باقي القبائل حذوه. وقد كانت هذه القبائل ـ التي كوّنت لها دولة فيما بعد ـ على علاقة طيبة بكل من تونس وطرابلس ومصر. ويمكننا القول إنّ الإسلام لم ينتشر في هذه المنطقة بواسطة التجار وإنّما عن طريق رجال الدين الذين جاؤوا من «كانم» والسودان الغربي.
رابعاً: السودان الشرقي أو النيلوتي
إنّ الموقع الجغرافي للسودان الشرقي قد جعل منه منطقة تفاعل بين الحاميين والزنوج وعرب إفريقيا. وكان الأساس البشري لهذا الإقليم هم الأقوام الحامية الشرقية أو «الكوشيين».
وفي أثناء الفتح العربي الإسلامي لمصر كان في جنوب أسوان دولتان نيلوتيتان تدينان بالمسيحية هما: ماكارا Maquarra وعاصمتها في دنقلة، وتمتد من حدود الشلال الأوّل حتّى التقاء النيل بفرعه في عطبرة، والدولة الثانية اسمها «علوة» Alwa وتمتد من حدود الدولة الأولى وتشمل النيل الأبيض والأزرق، وعاصمتها «سوبا» Soba قرب مدينة الخرطوم حالياً. وقد ظهر الإسلام لأوّل مرّة على يد الفاتحين الأوائل لمصر من العرب، ولكن حال دون تقدّمه جنوباً دولة ماكارا. ولكن والي مصر عبدالله بن سعد قاد حملة إلى جنوبي أسوان حتى النوبة، وحاصر دنقلة عام (651/652م). وكان من نتيجتها إبرام معاهدة تحالف وتبادل تجاري استمر عدّة قرون حتّى قيام دولة المماليك البحرية في مصر.
هذا وقد استوطن العرب بين جماعات النوبيين والبجة Beja واستغلوا مناجم الذهب في منطقة «العلاقي» Allagi، ولكن هذه القبائل فقدت عروبتها بعد أن امتصتها الجماعات النوبية والبجية. ومن هذه القبائل العربية «بنو كنز» التي أصبحت قوّة كبيرة في إقليم الحود، ولعبت دوراً كبيراً في الحوادث التي أدّت إلى سقوط دولة «ماكارا». هذا وقد نشط التجار المسلمون ووصلوا حتّى العاصمة «علوة» وكان لهم حي خاص بهم.
وعلى كل حال فقد تفككت دولة «ماكارا» بعد غزو ركن الدين بيبرس لها بين عامي (1260ـ1270م) فتشجعت القبائل العربية وهاجرت جنوباً إلى الأرضي النوبية.
أمّا «علوة» فقد عاشت بعد سقوط «ماكارا» ولكن تاريخ زوالها ظلّ غامضاً.
ويمكن القول بأنّ هذا الإقليم لم يسيطر عليه الإسلام تماماً إلاّ بعد قيام الأسر الدينية الوطنية التي نشرت تعاليم عبد القادر([166]) (القادرية). وكان معلمو القادرية الأوائل مهاجرين مثل غلام الله بن عبدي الذي استقر في دنقلة حوالي (1360ـ1380م) وعلم القرآن والفقه وأسس له أسرة دينية.
خامساً: إقليم شمال شرق الحبشة
في هذا الإقليم يظهر الكثير من التباين الجغرافي والبشري والثقافي واللغوي والديني. ولما كان ارتباطه المصيري قوي بالبحر الأحمر ووادي النيل فإنّ مؤثّراته السامية جاءت من الجزيرة العربية، فالمهاجرون الذين جاؤوا عن طريق البحر الأحمر كونوا مملكة «أكسوم» Axum في إقليم «تجري» (Tigar)، وفي القرن الرابع الميلادي أصبحت المسيحية عقيدة ملكية واعتنقها جميع الناس. ولكن قيام الإسلام في الشرق الأدنى ومصر فصم عرى ارتباطها بالعالم المسيحي الواسع، وظلّت الحبشة دولة مسيحية في محيط مسلم.
ونظراً لاتصال بلدان البحر الأحمر بجزيرة العرب ـ مهد الإسلام ـ فقد دخلت مدن هذا البحر وجزره وسواحله في الإسلام بعد ظهوره تقريباً «مثل جزر دهلك Dahlak التي خضعت للأمويين في سنة 715م. ومن هذه المدن والجزر والسواحل انتشر الإسلام في الأراضي المنخفضة السهلية المجاورة مثل «البجة» وأفار (الدناقل) Afar Danakil، وذلك بفضل الطرق الجيّدة التي تربط بلاد البجة بموانئ البحر الأحمر، مثل طريق عيذاب الذي كان يسلكه الحجاج عابرو الصحراء ومن زيلع كانت الطرق التجارية تسير نحو الداخل عن طريق «هرر» في الحبشة إلى إقليم المرتفعات. وكان التوسع الإسلامي مرتبطاً بالتجارة التي كانت في أوج نشاطها. وبناء عليه قامت دويلات إسلامية في هذا الإقليم منها «أفات» Ifat و«آدال» Adal و«مورا» Mora، و«هوبات» Hobat، و«جدايا» Jidaya، كما اعتنق الإسلام كثير من القبائل في جنوب نهر «هوامش» حيث نمت هرر كمدينة مسلمة. وكان الإسلام قوة كبيرة يقاوم توسع نفوذ الدولة الحبشية في الجنوب والجنوب الشرقي. وكان من أبرز الشخصيات الإسلامية «أحمد جران» الذي سيطر على الحبشة، ولكنّه قتل في عام 1542م فضعف نفوذ أتباعه.
أمّا في الشمال أي في الإقليم المعروف اليوم باسم «أريتيريا» ـ حيث تقطن قبائل البجة في السهول ـ فقد اعتنقت الإسلام جماعات كثيرة من مدة طويلة، ولكن بحلول القرن التاسع عشر أقبل كثير من القبائل المسيحية على الإسلام.
وبعد ذلك ضعفت شوكة المسلمين بعد النجاح الذي أحرزته الملكية في الحبشة، وما نجم عن ذلك من توحيد الدولة، وكان هذا إبان النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد كان لجهود الأباطرة الأحباش العظام ـ (1889ـ1913م) ـ أثر كبير في توحيد الحبشة وتوسيع حدودها بحيث ضمّت إليها الدويلات الإسلامية سابقة الذكر.
ومن حيث التأثير الإسلامي يمكننا أن نميز أربع مناطق نفوذ في هذا الإقليم هي:
1 ـ النطاق الساحلي الممتد على طول البحر الأحمر حيث نجد مزيجاً بشرياً من الحاميين والزنوج، ثقافتهم إسلامية، اختلطت فيهم الدماء العربية بحكم الهجرات التي وفدت من الجزيرة.
2 ـ أقاليم الهضبة الشمالية والوسطى، ويسودها الأحباش المسيحيون، ويحيط بهم أقوام مسلمون مثل الجبرتية (الأحباش المسلمون) وجماعات الجالا.
3 ـ السهولة الشرقية والجنوبية الشرقية وهضبة «هرر» حيث تعيش قبائل متنقلة مثل «أفار» Afar أو الدناقل والصوماليين وجميع هذه المنطقة إسلامية.
4 ـ الجنوب الغربي من الحبشة أو إقليم «جيبي» Gibe وفيه يكثر المسلمون ويقل الوثنيون.
سادساً: شرقي إفريقيا
وهو إقليم سهل الاختراق، فقد حضر التجار المسلمون إلى ساحل إفريقيا الشرقي منذ عهد بعيد مكملين للنشاط العربي قبل الإسلام. وقد قسم العرب الساحل الإفريقي الشرقي أربعة أقاليم هي: إقليم بربارا أو كوش وبلاد الزنج ومنها مدينة ممباسا وإقليم سوقالا بلاد الذهب وأراضي واق الواق الغربية في الجنوب.
ويقول الإدريسي (1154م) بأنّ الإسلام كسب مناطق ساحل بربارا ولم يكسب بلاد الزنج فيما عدا جزيرة زنجبار. وفي الشمال دخل الإسلام ساحل كوش حيث تقطن فيه أقوام رحل، فكسب الطبقة الحاكمة لدولة «سيداما» Sidama، وفي الوقت نفسه فإنّ السواحليين المسلمين كانوا يحترفون التجارة، وكانت نظرتهم تجاه المحيط، فلم يهتموا بنشر الإسلام بين الأفارقة، ولكنّهم كوّنوا مجتمعاً سواحلياً اختلطت بهم عناصر من البانتو. ولقد تأثّرت حضارة السواحليين بحضارة حضرموت الإسلامية. وظلّ السواحليون محتفظين بقوتهم ووحدتهم إلى أن جاء البرتغاليون في القرن الخامس عشر، وعملوا على تفككهم وتدهور تجارتهم، فقام النزاع بين جماعات الجالا في الشمال، وعصابات الزنوج الغزاة في الجنوب.
وبعد نحو 200 عام تدهور نفوذ البرتغاليين فطردهم عرب عمان الذين حافظوا على ارتباطهم بالساحل، وأقام بعضهم في جزيرة زنجبار وكانوا من الإباضية، ولكنّهم لم يحاولوا نشر مذهبهم، وعلى العكس من ذلك شهدت هذه الفترة وصول أفواج من مهاجري حضرموت، فبدؤا بكتابة السواحلية بحروف عربية. ولعل انتشار العناصر الإسلامية المتعددة في هذا الإقليم، وبقايا البانتو والشيرازيين واختلاطهم مع الحضارمة أدّى إلى ظهور مكونات الثقافة السواحلية الحالية ذات التوجيه والإلهام العربي، على عكس الحال في إسلام السودان الآتي من بربر المغرب.
وكان تأثير حكام عمان قليلاً على الساحل الإفريقي إلى أن قام «سعيد بن سلطان» المتوفى عام 1856م بنقل مركزه إلى مسقط وحوّل انتباهه إلى إفريقيا، وجعل زنجبار مركزاً لحكومته فيما بعد. وقد بدأ الاختراق العربي السواحلي للداخل في أوائل القرن التاسع عشر من أجل تبادل السلع المختلفة بالعاج، وتمّ التوصل إلى ما بعد تنجانيقا والكونغو ونياسا، وتأسّست مراكز تجارية مستقلة. وبعد فترة من الاستيطان الساحلي لم ينتشر الإسلام بين جماعات البانتو إلاّ بعد سنة 1880م، وذلك بعد أن استولى الألمان على هذه الأراضي وهي منطقة الشرق الإفريقي وتنجانيقا بوجه خاص.
وعلى كل حال، فإنّ انتشار الإسلام في الشرق الإفريقي يختلف عنه في النطاق السوداني، ذلك أن الإسلام لم يدخل إلى المجتمعات القائمة آنذاك بالتدريج، ولكن أنشأ في المرحلة الأولى مجتمعات إسلامية سواحلية، نمت بعد أن دخل الإسلام أقوام من البانتو، وفي المرحلة الثانية التي بدأت بانتشار الإسلام منذ سنة 1880م وكان هذا على شكل كبير، تمّ عن طريق التحوّل الفردي عن المعتقدات غير الإسلامية.
وممّا سبق نجد أنّ أثر الإسلام يقع في أربع مراحل تاريخية، سنعمل على إيجازها طالما أنّها تتمشى مع أربع مستويات أو أنماط إسلامية موجودة في إفريقيا المعاصرة.
تبدأ المرحلة الأولى بعد فتح العرب المسلمين الأوائل لسواحل البحر المتوسط من مصر حتّى ساحل الأطلسي بالمغرب.
أمّا المرحلة الثانية فبدأت بانتشار الإسلام عبر الصحراء الكبرى، ومن النيل إلى نطاق السودان بواسطة التجار ورجال الدين. وأسلم في هذه الفترة القبائل الرحل في الصحراء، وزنوج الساحل، وبعض سكان أنهار السنغال والنيجر والنيل.
وتبدأ المرحلة الثالثة من سنة 1750م، وتمتاز بظهور رجال دين يحملون آراءً وأفكاراً دينية جديدة تمتاز بالتعصب والتزمت وعدم التسامح، وكونوا دويلات في السودان الغربي قرب المحيط الأطلسي حتّى الحبشة شرقاً. والإسلام في هذه المرحلة انتقل من كونه هامشياً بالنسبة لحياة معتنقيه إلى صلب حياتهم الاجتماعية وجوهرها.
أمّا المرحلة الرابعة ففيها انتشر الإسلام بأعداد كبيرة، نتيجة الظروف المناسبة، بعد التوسّع الاستعماري الأوروبي لإفريقيا. وتتمثل هذه الظروف في شق الطرق وتوفير سبل الأمن.
ولعل أهم العوامل التي ساعدت أو عاقت انتشار الإسلام في إفريقيا تعود إلى ظروف مناخية وإلى طبيعة المجتمعات المتأثرة بالإسلام، كما يجب أن تؤخذ في الاعتبار العوامل الموضوعية والذاتية.
كما ينبغي أن لا ننسى العوامل التاريخية التي تشمل الروابط التجارية والهجرة والحركات القبلية والنزاعات السياسية ومسألة الاندماج الثقافي. ويعتبر دور البدو الرحل كبيراً في انتشار الإسلام، لا يوازيه أو يفوقه أهمية في هذا المجال إلاّ دور التجار المتنقلين.
أثر الإسلام في الحياة الاجتماعية
وعلى الرغم من أنّ الإسلام غيّر الأسس الدينية التي كان يقوم عليها الأساس الاجتماعي في إفريقيا إلاّ أنّه لم يسبب تغيّراً اجتماعياً جذرياً لدى الأقوام الإفريقية، أو لم يعمل على فصم عاداتها وتقاليدها قبل دخولها الإسلام. ففي المجتمعات الإفريقية التي اعتنقت الإسلام مبكراً نجد أنّ العادات الحالية عندها هي نتيجة عملية طويلة من التغيّر حدث قبل أن تتأثّر بالقوانين الإسلامية. وفي بعض المجتمعات لم تبدأ عملية التغيّر إلاّ قريباً جدّاً، وبناءً عليه نتبين أنماطاً متنوعة ومتطرفة من عادات وتقاليد المجتمعات المختلفة ممّا يجعل تعميمات هذه الأنماط الاجتماعية أمراً مستحيلاً، إذ أنّ لكل قبيلة ولكل أسرة وعائلة عادتها المميزة من غيرها.
ويبدو أنّ عملية التغيير الاجتماعي لإفريقيا الزنجية لم تتم على النحو الذي حدث في البلاد التي دخلها الإسلام في آسيا أو الشمال الإفريقي. ولعل سبب هذا يعود إلى أنّ الزنوج الأفارقة لم يختلطوا مع المجتمعات الإسلامية المتحضرة في الشمال الإفريقي لوجود الحافز الصحراوي ولهذا فإنّ التغيّر إلى نمط الحياة الإسلامية قد مرّ خلال سلسلة من الخطوات، وحينما تعرف الأفارقة على مظاهر القانون الإسلامي. ولكن بالنظر إلى جميع الشعوب الإفريقية تكاد ترى بوضوح أنّ المسلمين الأفارقة استطاعوا أن يكونوا لهم نمطاً خاصاً من الحياة. ولكن نكاد نلمس اختلافاً واضحاً بين توغل الحركات الدينية التي نقلت الوعي الديني المغربي في القرن السادس عشر إلى النطاق السوداني الغربي وبين السودان الشرقي، والفرق يمكن رؤيته بوضوح من التباين بين السودان النيلوتي حيث ارتبط الإسلام والتعريب بشكل متكامل، وتأثّر السكان فيه كثيراً بالدين الإسلامي كما شاع في الجزيرة العربية ومصر. ولكن سكان وسط السودان وغربه لم تتقبل القانون الإسلامي بالدرجة نفسها التي تقبلها بها أهل السودان الشرقي، نظراً لقرب العرب من شرقي السودان، وبعدهم وعدم تمكّنهم من دخول الوسط والغرب.
وبما أنّ التغيّرات الاجتماعية تستغرق مدّة أطول حتّى يتقبلها الناس على عكس الأمور الدينية التي يمكن اعتناقها بسرعة لما لها من صفة القداسة والاحترام، فإنّ النواهي والمحرمات المتعلقة بالطعام وطرق العادات وذبح الحيوانات ومزاولة الصلوات نجدها عند الأفارقة، ولكن الأمور الخاصة بالعلاقات العائلية والإرث لم تطبق إلاّ بعد مدّة طويلة. فمثلاً نجد الطوارق الذين يسكنون الصحراء وعددهم لا يزيد على 20000 نسمة ما زالوا رغم إسلامهم منذ نحو ألف عام لم يطبقوا أمثال هذه الجوانب الاجتماعية الإسلامية والتي تنظم علاقات الناس بعضهم ببعض. أمّا الأقوام الذين يعيشون في منطقة ثنية النيجر وعند الساحل ـ وعددهم نحو نصف مليون نسمة ـ فقد كان تأثّرهم أكثر. وبناءً عليه نجد أنّ زعماء الجماعات الصحراوية حاولت إحلال الدية بدلاً من الثأر من الأقارب، كما نجد العرف الخاص بتوريث الأرامل شائعاً بين جماعات «ديولا» Dyula وهم تجار في إفريقية الغربية، ولم ينجح الإسلام في تغيير عاداتهم وتقاليدهم تغييراً كبيراً.
والملاحظ أنّ البلاد التي اعتنقت الإسلام وهاجر إليها العرب أخذت من عادات العرب وتقاليدهم الإسلامية ـ كما حدث في المغرب العربي ومصر ـ أمّا البلاد التي أسلمت ولم يدخلها العرب فظلّت محتفظة بكثير من عاداتها وتقاليدها الشائعة قبل إسلامها.
ولو توفّر للإسلام عنصر الزمن لنجح في غرس مظاهره الاجتماعية في نفوس الأفارقة. ويمكننا ملاحظة هذا بشكل واضح من المدن. فمدن السودان الغربي والأوسط مثل تمبكتو Timbuktu، و«جني» Jennei، و«سكوتو» Sokoto و«ميدوجوري» Maidugur، كلّها مدن معالمها الإسلامية واضحة وظاهرة، لا تختلف كثيراً عن أم درمان في السودان، وفاس في المغرب، والقيروان في تونس. ولكن الازدواجية تبدو واضحة في المجتمع بمجرد أن يتحرّك المرء إلى خارج هذه المدن ويصل إلى قرى «السنغاي» Songhay، المجاورة، مثل: «بوزو» Bozo و«هوسا» Hausa أو «كانوري» Kanuri الزراعية، بعكس الحال في قرى السودان الشرقي المستعربة التي تختلف كثيراً عن أم درمان في عاداتها وتقاليدها الإسلامية العربية.
ويبدو أنّ أوّل تأثير للإسلام انصبّ على الأسرة التي غيّر الإسلام ـ من خلال تعاليمه ـ بعض مظاهرها الخاصة بالزواج والطلاق ورعاية الأطفال وكفالتهم، وكذلك العلاقات ـ المتبادلة بين الزوجين والمسؤوليات ونظام الزوجات الرقيقات وما يتعلق بأمور توريثهن. هذا وقد قلّل الإسلام من عدد أفراد الأسرة الإفريقية التي كان يصل عددها إلى ثمانين شخصاً فأصبحت مقصورة على الزوجين وأبنائهما. وجعل الإسلام لرب الأسرة مكانة مرموقة، وكلمة مسموعة.
وفيما يختص بالزواج من الأقارب ـ كانت كثير من الجماعات الإفريقية تحرم الزواج من نفس العشيرة أو البطن، فجاء الإسلام وغيّر هذه الأنماط، وأباح الزواج بين أبناء وبنات الأعمام والعمات والخالات.
وفي المجتمعات الإفريقية الزراعية ـ كان تأثير الإسلام ضئيلاً، فنظام الوقف لم يعمل به، ذلك لأنّ معظم المسلمين كانوا تجاراً بينما اشتغل الوثنيون بالزراعة. ومن الأمور التي يحمد عليها الإسلام أنّه نهى عن إظهار العورات، ونص على ستر الأجسام، وألزم الأفارقة الذين كان بعضهم عراة بارتداء الملابس، ولذلك يميز المسلمون عن سواهم في بعض المناطق الإفريقية بملابسهم الطويلة الفضفاضة. كما نهى الإسلام عن اختلاط النساء بالأغراب من الرجال، وأصبحت دور المسلمين تتميز عن سواها بأسوارها العالية.
أمّا من حيث اللغة فنجد أنّ الحاميين البيض أخذوا العربية، بينما ظلّ الزنوج على لغاتهم، واستخدموا فيما بعد الحروف اللاتينية مع إدخال كثير من الكلمات العربية فيها.
ومن حيث اتصال الأفارقة بالوطن العربي ـ كان هذا منعدماً في الماضي القريب، ذلك لأنّ المستعمرين الفرنسيين والبريطانيين وغيرهم كانوا غير راغبين عن هذا الاتصال، بل إنّهم كثيراً ما وقفوا ضده، وحالوا دون اتصال الأفارقة المسلمين بإخوانهم في الدين من العرب. ولكن بعد استقلال إفريقيا حدث نوع من الاتصال، وقام بعض رجال الحكم ورؤساء الدول الإفريقية المسلمة بأداء فريضة الحج، وتعرّفوا بإخوانهم في الدين. كما أنّ المؤتمرات الإفريقية أدّت إلى تقريب الأفارقة من العرب.
«ملخص عن سبنسر تريمنغهام»
العربية في إفريقيا
وتحدّث المستشرق الفرنسي الخبير بشؤون إفريقيا الأستاذ فانسان مونتاي عن إفريقيا السوداء والوضع الراهن فيها، قال:
ترجع علاقات إفريقيا السوداء بالعالم العربي إلى القرن الثامن على الأقل. فمن جهة الشرق، ذهب فاتحو مصر العرب حتّى الجنوب، ومن جهة الغرب، الذين ذهبوا حتّى المحيط الأطلنطي نزولوا خلال الصحراء إلى جنوب موريتانيا الحالية. ومن جهة أخرى، فإنّ الشاطئ الشرقي لإفريقيا كان مفتوحاً أمام تجار جنوب شبه الجزيرة العربية. وطبعاً كانت هذه العلاقات في البداية علاقات غزو، وعلاقات تجارية دائماً، وعلاقات تبشير ديني. ولا بد من القول إنّها كانت أيضاً علاقات ترى في إفريقيا مستودعاً للعبيد.
40 مليون زنجي مسلم
وأضاف المستشرق: كان العرب يميزون في إفريقيا السوداء طبقتين من الإفريقيين: إفريقيي الغرب حتّى التشاد، وسمّوهم «السودان» ومن هنا كلمة سودان ـ التي عرفت بها كل من مالي والسودان وإفرقيي الشاطئ الإفريقي الشرقي (الصوماليين مثلاً) وكانوا يسمّونهم الزنوج، وقد بدأ إسلامهم باكراً، ويظن أنّ بعض مسلمي السنغال أصبحوا مسلمين بعد القرن الثامن عشر. لكن أكثرية التحويل إلى الإسلام جرت في القرن التاسع عشر تحت تأثير غزاة كبار، كالحاج عمر في السنغال.
التعريب بعد الإسلام
وجواباً على سؤال قال الأستاذ مونتاي:
جرى هذا التحويل إلى الإسلام تعريباً ثقافياً تمّ بطرق مختلفة. إنّ الإفريقيين السود يتكلمون لغات زنجية إفريقية لاعلاقة لها بالعربية. وحيث جرى تأثير الإسلام ظهرت بصماته بطرق عديدة:
1 ـ الأبجدية العربية، وقد أتاحت تثبيت اللغات الإفريقية بكتابتها، وهكذا أصبحت لغة «السواحلي»، مثلاً، هي اللغة الرسمية في تانغانيكا، وأصبح لهذه اللغة أدب يمتد من القرن السادس عشر ومكتوب بلغة إفريقية وأحرف عربية… واليوم أيضاً في السنغال نرى «ألولف» و«الفلان» يكتبون لغتهم بأحرف عربية.
غزو مفردات
2 ـ ظهر التعريب في المفردات. فقد حملت العربية للزنوج مفردات غنية في حقول عديدة: كالحقل الديني والإداري والسياسي، إلخ. لكن هذه الكلمات العربية جرى تحريفها بحيث تأفرقت.
ونسبة هذه المفردات تبلغ 40 أو 50 بالمئة من مفردات بعض اللغات الإفريقية. ولا غرابة، ففي اللغة الفارسية الحالية ما لا يحصى من المفردات المتداولة بالعربية.
3 ـ وظهر التأثير العربي، كذلك في تركيب بعض الجمل وبعض العبارات الإفريقية الزنجية، التي ليست سوى قولبة لجمل عربية.
ترجمة القرآن
4 ـ من العوامل التي ساعدت على انتشار نفوذ اللغة العربية ترجمة القرآن إلى لغات زنجية إفريقية، كما إلى لغة السواحلي وألولف وسواهما. وأصبح بإمكان الإفريقي المقارنة بين الأصل والترجمة. وقد نقلت الترجمة كثيراً من الكلمات العربية بحرفيتها.
5 ـ لجميع هذه الأسباب نرى أنّ اللغات الكبرى في إفريقيا هي اللغات الإفريقية التي أسلمت وجرى تعريبها، مثلاً: اللغة الفلانية التي تمثل 7 ملايين فلاني منتشرين من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، الهاوسا التي يحكيها 10 ملايين خصوصاً في جمهورية نيجيريا، السواحلي التي يحكيها 30 مليون إفريقي أسود في إفريقيا الشرقية والكونغو وجزائر القمر والقسم الغربي من مدغشقر.
العربية لغة رسمية في السودان وحده
وجواباً عن سؤال قال المستشرق مونتاي إنّ العربية ليست لغة رسمية إلاّ في سودان النيل أو السودان الشرقي وعاصمته الخرطوم، وذلك لأسباب محض تاريخية. وأضاف: خارج السودان لا نجد اللغة العربية لغة رسمية ولا لغة قومية. لكنّها داخلة في برامج التعليم في المدارس القرآنية وإن تكن على مستوى منخفض من حيث الجودة (هناك 30 ألف مدرسة قرآنية في شمال نيجيريا، و60 ألف طفل يدرسون في هذه المدارس في السنغال).
حروف لاتينية محل العربية
وقال: ـ في جميع الدول الإفريقية الحديثة نرى التعليم علمانياً وذلك لأسباب واضحة هي وجود مسلمين ومسيحيين معتنقي الديانات الإفريقية التقليدية. ولكن التعليم الرسمي فرض أحياناً اللغة العربية مادة إجبارية كما في غينيا، إلاّ أنّها إجبارية كلغة أجنبية وفي الصفوف الابتدائية. كذلك في مالي. أمّا في السنغال فالعربية اختيارية، وهناك في الصفوف الابتدائية 4 آلاف ولد يتابعون دروسهم بهذه اللغة يومي الخميس والسبت. وهناك 800 طالب اختاروها كلغة أجنبية، و250 كهلاً يتابعون الدروس الإسلامية. وكانت النتيجة أن مارست العربية تأثيراً على مجموع الإفريقيين الذين احتكت بهم. ويظل هذا التأثير مهماً في المفردات، غير أنّ الحروف العربية بدأت تنقرض في الكتابة لتحل محلها الحروف اللاتينية، خصوصاً في المستعمرات الفرنسية السابقة حيث تعتمد الكتب والصحف والأحرف اللاتينية.
واستطرد الأستاذ مونتاي: ـ يبقى عند الكثير من الإفريقيين، حتّى غير المسلمين منهم، الرغبة أو الإرادة في تعلّم العربية كثقافة عالمية وكأي لغة أخرى فرنسية أو إنكليزية. يجب الاستنتاج، من هذا، أنّ هذا التعريب هو محض ثقافي وخال من أي عروبة.
«انتهى حديث الأستاذ مونتاي»
إفريقيا من رق الاستعمار
إلى الحرية والاستقلال
أصبح تطور إفريقيا السياسي حديث الناس في أقطار العالم. وهي التي ألف الناس أن ينظروا إليها من قبل بوصفها مجرد «مستعمرات»، لا حول لها ولا خطر، وقد حرمت كل حق في الحرية، والتصرف في شؤونها وفق ما تطلبه مصالحها ويرتضيه شعبها. ولكن موجة الاستقلال مشت إلى إفريقيا. وبات حكامها من أبنائها، وصارت حكوماتها ترسل السفارات والبعثات السياسية إلى مختلف العواصم وتشهد المؤتمرات الدولية، وتساهم فيما تتخذه من قرارات، وذلك على عدم المساواة التامة مع جميع الأعضاء على اختلاف أشكالهم وألوانهم.
ولعل أعب وأغرب مظاهر التطور الجديد ما نشاهده اليوم في تلك المجموعة من الدول المستقلة التي تدعى «الكومنولث» فالعهد ليس ببعيد حين كانت عضوية تلك المجموعة مقصورة على دول بعينها وهي: بريطانيا وكندا وأستراليا وزيلندة الجديدة، وإفريقيا الجنوبية (لا يدخل في ذلك السكان الأصليون). كانت هذه الدول «البيضاء» الناصعة البياض هي وحدها التي تؤلف الكومنولث ثم انتقلت الأمور إلى طور جديد، عجيب غاية العجب، إذ دخل تلك المجموعة، على قدم المساواة أعضاء سمر مثل الهند وسيلان وبرما، ثمّ دخلها أعضاء سود مثل غانا ونيجيريا وغيرهما! ولست أدري ماذا يحسّه رجل من قدماء الاستعماريين، أمثال جوزيف تشمبرلين لو أنّه رأى هذا المنظر، وقد اجتمع مجلس الكومنولث، واختلط فيه الأبيض بالأسود والأسمر لا شك أنّ هذا المنظر سيدهشه أشد الدهشة. بل إنّ حكومة إفريقيا الجنوبية نفسها ليست راضية عن هذه التطورات الجديدة. وربما دفعها ذلك بالتدرج إلى الانسحاب من الكومنولث! وقد كانت جديرة أن تنسحب منذ أعوام، لولا اعتبارات تتصل بالدفاع عن كيانها، وبعجزها بمفردها عن أن تدفع العدوان عن ثرواتها من الذهب والماس…
لا شك إذن أنّ طوراً جديداً بالغ الخطر قد طرأ على القارة «السوداء»… لكن هذا يجب ألا ينسينا أنّ القارة قد خاضت دون هذا الطور الجديد، بحراً من الدم والعرق والدموع…
منذ مائة عام كان الجزء الأكبر من هذه القارة مجهولاً، لا يعرف الناس من أمره سوى شائعات وأنباء مشوهة. كان أكثر القارة بمعزل عن العالم، لا صلة له بالعالم الخارجي، سوى الأقاليم الساحلية، بخاصة في غرب القارة وجنوبها… أمّا الجهات الداخلية فكان مسدولاً عليها ستار كثيف. وهذا الطور الجديد للقارة، لن نستطيع أن نفهمه تمام الفهم، إلاّ إذا نظرنا إلى الأطوار التي سبقته. وهي على كل حال ليست أطواراً عديدة، بل إنّ من الميسور أن نقسم تاريخ إفريقيا جنوب الصحراء إلى أربعة عهود: أوّلها: عهد العزلة التامة عن العالم، بحيث لم يكن يعلم أحد عنها إلاّ النزر اليسير. وقد انتهى هذا العهد في القرن الخامس عشر، حين بدأ العهد الثاني وهو عهد الكشف وارتياد الجهات الساحلية من القارة… ثمّ جاء العهد الثالث ولا بد لنا أن ننعته بالصفة التي غلبت عليه، وهي تجارة الرقيق… وقد استغرق هذا العهد معظم الفترة من القرن السادس عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر. وجاء بعد ذلك عهد الاستعمار.
ولا بد لنا لكي نصوّر التطور السياسي للقارة أن نلم بعض الإلمام بكل عهد من تلك العهود، ضاربين صفحاً عن القديم الأوّل، الذي لا نعرف عنه إلاّ القليل.
بدء الكشف عن القارة
في منتصف القرن الخامس عشر، بدأ الأوروبيون يلتفتون إلى قارة إفريقيا، ويحاولون كشف الستار عمّا خفي من أمرها وكانت دولة البرتغال هي أوّل دول أوروبا اقتحاماً لهذا الميدان. ساعدها على ذلك موقعها الجغرافي الذي يغري سكانها بالملاحة ويحببهم بالمغامرات البحرية.
انطلق أسطول برتغالي إذن في النصف الأوّل من القرن الخامس عشر متجهاً نحو الجنوب ملازماً شواطئ المحيط الأطلسي، وبعد أن تجاوز شواطئ مراكش بقليل، تبيّن له أنّ الأقاليم التي تليها من الجنوب ذات طبيعة صحراوية لا أثر فيها لتلك البساتين والزروع الناضرة والثروة الوافرة التي كانوا يتطلعون إليها. وعادت البعثة الأولى أدراجها دون أن تكشف عن شيء يستحق الذكر.
غير أنّ أولي الأمر في البرتغال لم ييأسوا وظلّوا يرسلون السفينة تلو السفينة، وفي كل مرة يحرزون بعض التقدّم، حتّى وصلوا في عام 1460م إلى جهات ذات زرع وعمران، وهي التي ندعوها اليوم «سيراليون» وذلك بعد محاولات دامت ثلاثين عاماً.
كان البرتغاليون لا يبغون إفريقيا من أجل إفريقيا، بقدر ما كانوا يودّون أن يتخذوا من سواحل هذه القارة وسيلة للوصول إلى الهند، وقد كانت بغيتهم أن يظفروا بتجارة الهند، وإن لم يروا بأساً في أن يظفروا ببعض الغنائم الإفريقية أيضاً. وقد أمكنهم أن يصلوا بعد زمن قليل إلى الرأس الذي سمّوه «رأس الرجاء الصالح»، وبعد أن داروا حوله وصلوا إلى الساحل الإفريقي المطل على المحيط الهندي… وهناك وجدوا رجلاً من الهنود اتخذوه دليلاً في اجتياز المحيط ووصلا إلى الساحل الغربي للهند، عند بلدة كاليكوت سنة 1498م.
هكذا كان البرتغال ـ وهم أمّة صغيرة ـ أوّل من اتصل بالقارة الإفريقية وسكانها.
ولكن هذه الجهات الإفريقية التي نزلها البرتغاليون وغيرهم في القرن الخامس عشر والسادس عشر لم تكن أقطاراً أو مستعمرات بالمعنى المعروف. بل مجرد نقط مبعثرة على الساحل، لا تتعمق في الداخل. ولم تلبث تلك النقط أن حصنت، وأقيمت بها القلاع والاستحكامات، ينزل بها ـ ويحتمي بها عند الحاجة ـ عدد من الجنود والملاحين والتجار. وها هنا كان يجري الاتصال بالأهالي من سكان القارة. ويتم تبادل السلع بين الفريقين. وكان أهل هذه السلع التي تؤخذ من إفريقيا: الذهب والعاج. وأمّا ما كان يأخذه الإفريقيون نظير ذلك فسلع أهمها الكحول، والروم، والجن، والأسلحة النارية والبارود. ولم يكن العبيد من السلع الداخلة في التبادل أوّل الأمر، ولكنّها لم تلبث في النصف الأوّل من القرن السادس عشر أن أصبحت هي أهم السلع جميعاً.
تجارة الرقيق
عند ذلك بدأت صفحة من أtظع الصفحات وأشنعها في تاريخ العالم كلّه، وتعرّضت القارة الإفريقية لطوفان من الشقاء قلّما عرف له نظير في جميع العهود، وارتكبت في تلك القرون موبقات قلّما يتصوّرها العقل.
كان البرتغاليون أوّل المشتغلين بتجارة الرقيق، وكان الاتجاه أوّل الأمر إلى الأسواق الأوروبية في إسبانيا والبرتغال. وكان الخطب هيناً لو أنّ السوق ظلّت مقصورة على تلك الجهات دون غيرها. غير أنّ إسبانيا لم تلبث أن عمدت إلى استخدام الرقيق في المزارع والمناجم في جزر الهند الغربية… وإذا بهذه الأسواق الجديدة تستوعب الآلاف بعد الآلاف، ولا تكاد رغباتها أن تنتهي. لذلك أخذت دول جديدة تتسابق في هذا الميدان، فدخلته هولندا وفرنسا والدانمارك وبريطانيا، ولم تلبث هذه الأخيرة أن احتلت المكان الأوّل، وبزّت الجميع في هذه التجارة الضخمة…
نابغ في تجارة الرقيق
كان أوّل من نبغ من الإنكليز في تجارة الرقيق يدعى سيرجون هوكنس Hawkins المعاصر للملكة اليزابيت الأولى. وقد كافأته الملكة على نشاطه بمنحه درعاً نقشت عليه صورة زنجي مصفد بالأغلال. فصار هذا شعاراً له ولأسرته. وكان هذا الرجل يقود سفينته لاختطاف العبيد ثم يبيعهم لأصحاب المزارع في المستعمرات الإسبانية. وقد اختارته الملكة بعد ذلك وزيراً.
هولندا تموّن أميركا بالرقيق
كانت المستعمرات الإسبانية أهمّ الأسواق أوّل الأمر لتصريف هذه السلعة البشرية. ولكن في عام 1620م تحرّكت سفينة هولندية من سواحل غرب إفريقيا وباعت حمولتها من الرقيق لأصحاب مزارع الدخان في ولاية فرجينيا، فكان ذلك بمثابة افتتاح لسوق جديدة تظللها الراية البريطانية وهذه لم تلبث أن صارت هي أعظم الأسواق استيعاباً للرقيق حتّى كان في فرجينيا وحدها في القرن الثامن عشر ما لا يقل عن 200000 من الرقيق.
تجارة رابحة تقسمتها الأمم
وكانت تجارة الرقيق في أيدي شركات رأسمالية، تؤلف بموافقة الحكومة والبرلمان، ويصدر بإنشائها قانون يخوّلها صراحة الحصول على الرقيق من إفريقيا وبيعه في الأسواق وبعد ذلك لا بدّ للشركات أن تسعى لدى حكومة إسبانيا أو غيرها حتّى تخوّلها الحق في توريد الرقيق للمستعمرات. وهذا الترخيص ينص فيه على عدد العبيد الذين يوردون سنوياً…
ولما في هذه التجارة من الربح الكبير كانت المنافسة شديدة بين الشركات وللمقارنة بين نصيب كل منها نذكر أنّ في عام 1790م مثلاً، كان نصيب البريطانيين 38000 رأس، والفرنسيين 20000 رأس، والبرتغال 10000، والهولنديين 4000، والدانمركيين 2000: والمجموع الكلي 74000 فاز الإنكليز منه بأكثر من النصف.
10 ملايين من الرقيق وصلوا أميركا
ومثلهم ماتوا قبل أن يصلوا
ولا يقل عدد الإفريقيين، رجالاً ونساء وأطفالاً، من الذين تصيدهم الأوروبيون ونقلوهم إلى بلاد أميركا عن عشرة ملايين موزعة بين أميركا الشمالية وجزر الهند الغربية وأميركا الوسطى وأميركا الجنوبية، وذلك في المدّة ما بين منتصف القرن السادس عشر ومنتصف القرن التاسع عشر. وفي أثناء اقتناص هذه الملايين هلك عدد آخر لا يقل عن عدد الذين نقلوا ووصلوا أحياء إلى الأسواق الأميركية.
فإنّ طريقة اقتناص الرقيق كانت تتسم بالوحشية والتناهي في القسوة، وكانت الوسيلة المفضلة هي أن تحرق القرى وقت السحر والناس نيام، ثمّ يخطف الناس وهم يحاولون النجاة من النيران. وبعد أن يجمعوا يساقون إلى الشواطئ. حيث أعدّت لهم مستودعات خاصة، يحبسون فيها حتّى تجيء السفن لنقلهم. وهذه المستودعات الخاصة كان يطلق عليها اسم «مصنع» Factory وقد كان في سواحل غرب إفريقيا نحو أربعين من هذه «المصانع» يودع فيها الناس بعد اختطافهم، ولا يعطون من الزاد إلاّ بمقدار ما يمسك الرمق، ثمّ يدمغ كل رجل أو امرأة أو طفل، ويوسم بوسم التاجر الذي اشتراه. ويجري هذا الوسم كما توسم الماشية بقطعة من الحديد الملتهب. ويظلون في محبسهم حتّى يحملوا في السفن. وكان لا بد للسفينة من أن تحمل أكبر عدد ممكن حتّى تقل نفقات النقل. ولذلك كانوا يرصّون رصًّا، الواحد لصق الآخر، كما يرصّ السردين. ومع قلة العناية الصحية والغذائية، كانت نسبة الهالكين لا تقل عن الثلاثين في المائة.
بعد استنكار تجارة الرقيق
ظلّت هذه الحال سائدة، إلى أن انقضت بضعة عشر عاماً من القرن التاسع عشر. ثمّ بدأت ترتفع أصوات في الدانمرك أوّلاً، ثمّ في إنكلترا، تستنكر تجارة الرقيق، وتنادي بأنّ هذا عمل وحشي. فأين كان هؤلاء المستنكرون في غضون ثلاثة قرون طويلة.
ومن الجائز أنّ أصوات الاستنكار كانت موجودة دائماً، ولو بصورة ملطفة، ولكنّها لم يسمح لها بأن تظهر إلاّ في أوائل القرن التاسع عشر. وربما كانت لظهورها في هذا الوقت بالذات أسباب، منها أنّ أسواق أميركا اكتظت بالرقيق، ولم تعد الحاجة شديدة إلى بضاعة جديدة تأتي من وراء المحيط، وفي التوالد والتكاثر الطبيعي ما يكفي لسد الحاجة. وهذا كان سيرتب عليه نقص الأسعار وقلّة الربح.
ومنها أنّ الجهات الإفريقية الغربية ـ الجهات التي أطلقوا عليها اسم ساحل العبيد ـ قد استنفذت مواردها من الرقيق. فأصبح مثلها كمثل المنجم الذي استخرج منه أكثر ما يحتوي من المعدن والباقي يكلف الحصول عليه جهداً كبيراً فيهجر المنجم بسبب ذلك.
ومنها أنّ معظم التجار قد أثروا ثراء فاحشاً، وظهرت في إنكلترا ثورة صناعية، تستهلك رأس المال المتراكم، فاتجه النشاط المالي وجهة جديدة.
ومهما يكن من شيء فقد أخذت إنكلترا تدعو بشدّة إلى حظر تجارة الرقيق، وتعلن هذا في المحافل الدولية، وعلى الرغم ممّا لقيته أحياناً من السخرية والتهكم والمعارضة فإنّ ساستها ثابروا على دعواهم واضطرت الدول إلى مجاراة الإنكليز وأمكن إبرام معاهدات واتفاقات دولية تستنكر الاتجار في الرقيق.
ومن الممكن أن نعتبر الأعوام من 1850 إلى 1870م بمثابة ختام تلك المرحلة الأليمة في تاريخ القارة الإفريقية، وبداية مرحلة جديدة.
من الرقيق إلى الاستعمار
وهنا تأخذ السياسة البريطانية شكلاً جديداً، وتتجه وجهة جديدة. ومن الطريف أن يكون هذا النشاط الجديد متولداً من حركة تحريم الرقيق. فقد رأت بريطانيا أن تمضي في مكافحة تجارة الرقيق بطريقة خاصة. ومن العجيب أنّ هذه الطريقة الخاصة أدّت إلى التوسع الاستعماري. فقد رأت بريطانيا أن ترسل أسطولها الضخم إلى سواحل إفريقيا لمراقبة التجارة المحرمة، من أجل القضاء عليها. وكان لا بد لهذا الأسطول العظيم من موانئ عديدة ومرافئ للتموين في جهات مختلفة ولذلك اضطرت بريطانيا إلى احتلال مساحات كبيرة على الشواطئ الغربية والجنوبية والشرقية، ورفعت عليها الراية البريطانية، وعلى أثر ذلك لم تجد فرنسا بداً من أن تحتل هي أيضاً مساحات أخرى من السواحل الإفريقية، ولم تلبث ألمانيا التي اتّحدت وتكوّنت في عام 1871م أن دخلت المضمار أيضاً.
العهد الاستعماري
وهكذا بدأت تلك الحركة التي أدّت في مدى ربع قرن من الزمان إلى استيلاء بريطانيا على ثلاثة ملايين ونصف مليون من الأميال المربعة يسكنها 46 مليوناً من الخلق. وفرنسا على 4 ملايين من الأميال المربعة يسكنها خمسون مليوناً. وألمانيا على مليون واحد من الأميال المربعة يسكنها 15 مليوناً من الناس.
لقد تمّ هذا التوسّع الاستعماري بسرعة هائلة. ففي عام 1875م كانت المساحات التي تسيطر عليها أوروبا في القارة الإفريقية لا تتجاوز 5000000 ميل مربع أكثرها على الجهات الساحلية. ثمّ ازدادت الرقعة الاستعمارية بسرعة حتّى بلغت ستة ملايين من الأميال المربعة في عام 1890م، وبلغت في عام 1914م قبيل الحرب العالمية الأولى أحد عشر مليوناً ونصف مليون من الأميال المربعة…
ومن المهم أن نذكر أنّ أكثر هذه المساحات العظيمة كان مجهولاً، إذ لم يكن يعرف أحد ما انطوى عليه باطن القارة… وفي عهد تجارة الرقيق لم تحاول دولة أن تستولي على إقليم واحد في الداخل، بل ظلّ سلطانها مقصوراً على بعض الجهات الساحلية… ولذلك لم يكن بد من أن نفرق بين عهد تجارة الرقيق وعهد الاستعمار.
ثمّ بدأت رحلات لكبار المستكشفين في منتصف القرن التاسع عشر. رجال مثل لفنجستون، وسبيك، وبرتون، وغرانت… استانلي…
كشف هؤلاء الرجال عن مساحات شاسعة، وأقطار مترامية الأطراف، عليها مظاهر الغنى والثراء، وسكانها برغم قوتهم وبأسهم لا ينتظر منهم أن يثبتوا طويلاً أمام المبتكرات الأوروبية الحديثة. هنالك أخذت دول «أوروبية» تتحفز وتتأهب، وكل منها ترقب الأخرى حتّى لا تسبقها.
أكبر استعماري من أصغر دولة
ثمّ بدأت الحركة الاستعمارية بداية لم يكن أحد يتصوّرها، فلقد كان المنتظر أن تصدر الضربة الأولى من يد استعمارية عريقة في الاستعمار متمرسة بحيله وألاعيبه، لها بعض الاتصال بالقارة الإفريقية، وبتجارة الرقيق أوّلاً، ثمّ بحضرها من وطنها ثانياً. أجل كان منطق الأمور يقضي بأن تكون بريطانيا أو على الأقل فرنسا، هي البادئة بحركة التكالب. ولو حدث ذلك ما دهش أحد. ولكن الذي حدث فعلاً كان يبعث الدهشة حتماً، فإنّ الدولة ـ بل الدويلة ـ التي دخلت الميدان بقوّة هي دولة بلجيكا، أو بالأحرى ملك بلجيكا ليوبلد الثاني! ذلك الرجل هو الذي رفع السدادة عن فم القمقم، وأطلق المارد الفظيع بمخالبه وأنيابه، وأنفاسه المشتعلة الملتهبة…
كان هذا الاستعماري الكبير يراقب حركة الكشف في القارة الإفريقية، ويتابع بوجه خاص تلك الكشوف الضخمة التي أماط عنها اللثام حوض الكونغو، ما بين عام 1874م و1877م. وعلى أثر عودة استانلي استقبله الملك في قصره في بروكسل، واتفق معه على إنشاء (لجنة لدراسة أعالي الكونغو) ثمّ تحوّلت اللجنة بعد قليل إلى شيء يسمّى «الاتحاد الدولي للكونغو» ولم يلبث المستكشف العظيم استانلي أنّ دخل في خدمة الاتحاد، وأرسل في عام 1879م في بعثة إلى الكونغو من أجل إنشاء «محطات» أو مواقع في داخل حوض الكونغو، وإبرام اتفاقات مع الزعماء الوطنيين، بالنيابة عن الاتحاد الدولي الذي يمثله، وأخذ استانلي فعلاً ينشئ المحطات، ويبرم الاتفاقات، حتّى تجمع لديه منها المئات، وكلّها باسم ذلك الاتحاد الدولي اسماً، والبلجيكي، بل الليوبلدي، دماً ولحماً.
انكلترا تتحدّى بلجيكا
ورأى كبار الاستعماريين في إنكلترا، وفي شبه ذهول كيف استغفلتهم بلجيكا ومليكها. فمد يده بقوة إلى الجائزة التي كانوا يحلمون بالظفر بها… ورأت إنكلترا أو رأى ساستها أنّ لا بد من عمل تحدّ به أطماع بلجيكا التي ليس لها في نظرهم أي حق في التطلع إلى امتلاك جزء صغير من القارة الإفريقية، فكيف وهي تهم بالاستيلاء على مساحة ضخمة تزيد على المليون ميل مربع، مليئة بالخيرات والغلات والمطاط.
مؤتمر لتنظيم الاستعمار
ومن الطريف أنّ فرنسا وبعض الدول الأخرى لم تر بأساً فيما عمله ليوبولد، ومالوا للأخذ بنصح بلجيكا حتّى لا يصيبها الغضب البريطاني بأذى. ورأى بسمارك أن يكون واسطة خير في توزيع الغنائم والأسلاب، وأنّ في المجال الإفريقي الكبير متّسعاً للجميع، على أن يتم كل شيء بالمداولة والاتفاق وأنس من الدول استعداداً لذلك، فأرسل الدعوة لعقد مؤتمر في برلين سنة 1884م فاجتمع في العاصمة الألمانية ممثلو 14 دولة أوروبية، وكذا الولايات المتحدة وتركيا… وقد اعترفوا أثناء المؤتمر بالاتحاد الدولي للكونغو، الذي أنشأه الملك ليوبلد، ونص الاتفاق النهائي الذي تمخض عنه المؤتمر على الأمور الآتية:
1 ـ حرية التجارة في حوض الكونغو.
2 ـ حظر الاتجار في الرقيق.
3 ـ الحياد التام لأراضي الكونغو.
4 ـ حرية الملاحة في نهر الكونغو.
5 ـ حرية الملاحة في نهر النيجر.
6 ـ القواعد التي يتم بمقتضاها احتلال سواحل القارة الإفريقية في المستقبل.
وعلى الرغم من أنّ هذه الأمور لها خطرها، فإنّ أهم منها بكثير ما دار بين المؤتمرين في برلين من المباحثات الجانبية والاتفاقات الثنائية، التي تمّ فيها تقسيم القارة إلى مناطق نفوذ، تطلق فيها حرية الاستيلاء على المستعمرات لكلّ دولة طبقاً لما يقتضيه الاتفاق بينها وبين من يجاورها من الدول الاستعمارية
لم يكن عقد هذه الاتفاقات بين الدول أمراً سهلاً، بل كان هناك تنافس، وكيد يكاد… ولكن كان التنازع ينتهي ـ ولو مؤقتاً ـ إلى شيء من الاتفاق، ويبقى ما في القلب في القلب.
بلجيكا تظفر بالكونغو
وهكذا ظفر الملك ليوبلد بمستعمرة الكونغو كلها، وأطلق عليها اسم «دولة الكونغو المستقلة»، ومعنى استقلالها أنّها خاضعة لسلطانه هو لا لسلطان بلجيكا، ثمّ أخذ يعيث فيها الفساد ويأتي فيها كل إثم ومنكر حتّى ضجّ العالم ممّا ارتكبه من المظالم من أجل جمع المال. فاضطر لأن يتخلى عن ملكه الإفريقي في عام 1908م لدولة بلجيكا، ومات ليوبلد، في العام التالي.
فرنسا وبريطانيا في ميدان
الاستعمار فرسا رهان
أمّا سائر القارة الإفريقية فقد ظفرت منها فرنسا وبريطانيا بالنصيب الأكبر… والمساحة التي احتلتها فرنسا أكبر نوعاً، ولكنّها تشتمل على الصحراء الكبرى، ولذلك لا بد لنا أن نعدّ الكفتين متعادلتين… وقد استأثرت فرنسا بأكثر الإقليم الغربي… ومع ذلك فإنّ بريطانيا ظفرت فيه أيضاً بنيجيريا وساحل الذهب، وسيراليون وغامبيا، واستطاعت بريطانيا أن تبعد فرنسا عن شرق إفريقيا، فيما عدا جزيرة مدغشقر، والصومال الفرنسي، وهو مساحلة ضئيلة على مضيق باب المندب. أمّا ألمانيا فقد ظفرت بمستعمرات في الشرق والغرب ولكنها آلت الى بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى. ووضعت «تحت الوصاية»! وكذلك إيطاليا ظفرت بليبيا والصومال وأريتيريا، وفقدتها جميعها بعد الحرب العالمية الثانية.
أمّا البرتغال فقد ترك لها أنغولا وموزمبيق، بعد أن اقتطعت بريطانيا من كل منهما أجزاء وأطرافاً. كما ترك لها بعض الجزر وجهات ساحلية محدودة. وبين البرتغال والإنكليز على كل حال تحالف قديم يبيح لإنكلترا أن تساهم في استغلال موارد المستعمرات التي ترفرف عليها راية البرتغال.
مستعمرات وحمايات
وهكذا قسمت القارة السوداء إلى مستعمرات، وتمّ إخضاعها لحكام غرباء. وبعض هذه المستعمرات يدعى فعلاً «مستعمرات» أو كما يسمّيها الإنكليز «مستعمرات التاج» وهذه هي التي تحكم بواسطة حاكم عام من قبل الدولة صاحبة السيادة، وبعضها يدّعي «حمايات» أو أقطاراً تحت الحماية، أي أنّ السلطة الوطنية لا تزال قائمة شكلاً، ولكنّها تحت حماية دولة أجنبية، تحميها من كل عدوان خارجي، وتتولّى تنظيم شؤونها الخارجية والداخلية، لكي يتسنى لها تنفيذ تلك الحماية على الوجه الأكمل.
واستوطنها الأوروبيون
ولكن لعل أكبر وجوه الاختلاف في الاستعمار الإفريقي هو مسألة هجرة الأوروبيين واستقرارهم في البلاد… إنّ أفريقيا بوجه عام تغلب عليها الحرارة، التي قلّما يطيقها الأوروبي المستعمر إلاّ لفترة محدودة من الزمان. ولكن هناك هضاب عالية في الجنوب والشرق، هواؤها في غاية الاعتدال وبها غابات وأحراج وحيوان للصيد، ولذلك كثر المستوطنون الأوربيون في إفريقيا الجنوبية وعددهم هناك نحو المليونين، في مقابل عشرة ملايين من الوطنيين… وهناك أيضاً نزلاء أوروبيون في نياسالند وروديسيا الشمالية والجنوبية وكينيا. ومع أنّ المستعمرين في كينيا كانوا لا يزيدون على مائة ألف، فإنّهم يملكون أحسن الأراضي، والمزارع الواسعة، ويسخر الوطنيون لخدمتهم على الرغم منهم.
أمّا غربي إفريقيا فقد أنقذه جوّه الحار من أن يكون به نزلاء مستوطنون، واضطر الاستعمار للاكتفاء بأن يكون له الحكم والإدارة، أمّا الاستغلال الاقتصادي، فلم يكن بدّ من أن يضطلع به الوطنيون القادرون وحدهم على العمل في تلك الأجواء. لذلك كانت للأهالي في نيجيريا وساحل الذهب مزارعهم. وأمكنهم أن يكتسبوا ثروة وينالوا حظّهم من العلم والمعرفة.
النهضة الحديثة
هكذا اختلفت أساليب الاستعمار وكان بعضها شراً من بعض… وقد كان هناك اختلاف أيضاً بين المستعمرات في مسألة تجنيد الأهالي. وقد دأب الفرنسيون منذ زمن غير قليل على أن يتخذوا من سكان المستعمرات جنوداً، يستخدمونهم في كل مكان، وكثيراً ما كانوا يرسلونهم خارج القارة الإفريقية.
ورأى الإنكليز أيضاً أثناء الحرب العالمية الثانية أن يستخدموا الجنود الإفريقيين في المجهود الحربي الذي دام عدّة سنين، مع أنّهم كانوا مترددين في هذا الأمر من قبل…
ومع أنّ شعوب إفريقيا كانت قد استنارت وعرفت حقوقها، وأخذت تسعى جاهدة لنيل حريتها واستقلالها، فإنّ الأزمات العالمية الضخمة تعمل على سرعة التطور، وتنتج فرصاً للتمرس بالشؤون السياسية، وإدراك ما على كل مواطن أن يعمله لوطنه. ورأى بعض الدول الاستعمارية أنّ هذه النهضة لا يمكن كبتها، وأنّ كلّ محاولة لإخماد الشعلة المقدسة مصيرها الفشل. فإنّ الشعوب لن ترضى بعد اليوم أن يكون زمامها بيد أحد سوى قادتها الوطنيين.
محمد عوض محمد
الإسلام واللغة العربية
في غربي إفريقيا
الإسلام واللغة العربية في غربي إفريقيا، إحدى صفحات الحضارة الإسلامية في تلك الأصقاع، وهذه الصفحة بعينها، هي صفحة الماضي المجيد في التاريخ القومي الإفريقي، في عصر ما قبل الاستعمار.
والمقصود بالتاريخ الإفريقي: تاريخ البلاد الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى بصفة عامة، وأمّا غربي إفريقيا فهو ذلك الشطر الغربي من الحزام السوداني أو بلاد السودان([167]) كما عناها جغرافيو العرب ومؤرخوهم. ويشمل المنطقة الواقعة بين بحيرة تشاد شرقاً والمحيط غرباً، وهي التي أطلق عليها كتّاب أوروبا في العصور الوسطى اسم نجرتيا نسبة إلى نهر النيجر، وأوّل من سمّى النيجر باسمه، المؤرخ الروماني القديم بلينيوس الكبير (879م) فقد سمّاه: «نيجريس» أي نيل الأجناس السوداء، ومساحة هذه المنطقة نحو 2,4 مليون ميل مربع.
لقد ظلّ التاريخ القديم لغربي إفريقيا غامضاً حتّى عهد قريب إلى أن كشفت البحوث الأثرية عن حضارات وطنية قديمة، دلّت على أنّ هذه البلاد لم تكن من البربرية أو الهمجية على النحو المتصوّر.
أثبتت هذه الكشوف أنّ حوض النيجر كان مركز نشاط ومدنية منذ أقدم العصور، ويقول بعض كتّاب الغرب: إنّ صناعة الحديد قديمة في غربي إفريقيا.
والثابت أنّ الأثر الشرقي عامة، بارز في حضارة غربي إفريقيا منذ القدم، على أنّ أحدث هذه الآثار وأبينها في مدينة غربي إفريقيا هي التي ترد إلى عصر الإسلام، حتّى أنّ العالم الأوروبي ظلّ يعتقد لبضعة قرون أنّ بلاد السودان عامة والصحراء في شمالها ليست سوى جزء من العالم الإسلامي.
وعن طريق الإسلام، دخل قدر كبير من المدنية والعلوم الإسلامية، بجانب مظاهر الحياة الشرقية الإسلامية. وبرز في رحاب الإسلام، عدد كبير من العلماء الإفريقيين السود الذين كتبوا باللغة العربية في شتى فنون المعرفة، ثمّ بالإسلام ظهر عدد من الإمبراطوريات الإفريقية في ذلك الجزء من القارة، أقامها الوطنيون الإفريقيون، وكان عمادها، زمن ازدهارها وقوتها الدين الإسلامي عقيدة، واللغة العربية أداتها في الإدارة والثقافة والتجارة.
وأقدم هذه الإمبراطوريات: غانا، ثمّ تلتها مالي، ومن بعدها صنغى، كما وجدت إمبراطورية التكاررة في العصور الوسطى، وبعثت مرّة أخرى في العصور الحديثة (القرن 19م) وكان لها دور كبير في كفاح الاستعمار الفرنسي، كما بعثت مالي أيضاً في نفس القرن، ممثلة في مملكة ساموري التوري جد أحمد سيكوتوري الرئيس الحالي لجمهورية غينيا (971م) كذلك قامت إمبراطورية الهوسا، وتمثّلت في عدد من دول الهوسا، مثل كانو وجوبر وكتسنا وكبي وغيرها، وهناك إمبراطورية البرنو التي قامت أوّلاً في كانم ثمّ إقليم بورنو، وهذه عاصرتها وورثتها إمبراطورية الفولانيين أو الفلاتا في العصور الحديثة.
ولعل في هذا العرض السريع، شرحاً وتفسيراً للعبارة الصحيحة التي أطلقها مؤرخ فرنسي حديث منصف هو جوي فقد قال: «إنّه بالإسلام، يبدأ العصر التاريخي لإفريقيا السوداء».
ومن هذا يتضح أنّ أهم السجلات والمصادر التي يرجع إليها في تاريخ غربي إفريقيا هي المصادر العربية سواء كتبها العرب من الجغرافيين والمؤرخين والرحالة والتجار أم كتبها الوطنيون الإفريقيون في غربي إفريقيا وهذه كثيرة لم تحصر بعد.
وينصب موضوعنا على هذه الدول أو الإمبراطوريات الإفريقية الإسلامية، التي قامت في غربي إفريقيا من ناحيتين:
أولاهما: تاريخ انتشار الدعوة الإسلامية وطبيعة هذا الانتشار ولما كان الإسلام أسبق إلى غربي إفريقيا من النصرانية رغم أنّ النصرانية ظهرت قبل الإسلام بما يقرب من ستة قرون؟ ثمّ أثر الإسلام في تلك البلاد.
ومبحث الشطر الثاني هو تاريخ انتشار اللغة العربية والعوامل التي ساعدت على انتشارها وبعض خصائص العربية في تلك البلاد ثم وقفة قصيرة بين اللاتينية والعربية.
عن الجانب الأوّل
هناك خمس مراحل انتشرت خلالها الدعوة الإسلامية في غربي إفريقيا:
الأولى: واستغرقت الأربعة القرون الأولى للهجرة تقريباً وتقابل من القرن 6م إلى القرن 11م.
خلال هذه الفترة المبكرة، وصل الإسلام إلى غربي إفريقيا عن طريق هجرات وحوادث متفرقة ومنظمة، ولم يكون المرابطون أوّل من أدخل الإسلام في تلك المناطق لأوّل مرّة في القرن 11م، بل إنّ حركتهم الحماسية أدّت إلى ازدياد عدد المسلمين فيها.
لم ينعزل قلب إفريقيا عن العالم الخارجي في أي فترة من فترات التاريخ منذ أقدم العصور، فهناك الصلات التجارية والثقافية القديمة، وهذه ازدادت بعد دخول الجمل إفريقيا حوالي القرن 6ق.م. ([168])، ثمّ كثرت الهجرة والصلات بعد ظهور الإسلام ولا سيما بعد الفتح العربي لمصر وشمال إفريقيا خلال القرن الأوّل الهجري والسابع الميلادي.
وليس من شك في أنّ الهجرة الإسلامية الأولى للحبشة عام 615م ـ السنة الخامسة من البعثة والثانية من الجهر بالدعوة ـ أي للطرف الشرقي من الحزام السوداني كان لها أثرها في التعريف بالإسلام في هذا الشطر في ذلك الوقت المبكر، وكان هذا الاتصال الإسلامي الجديد امتداداً للاتصال القديم بين جزيرة العرب وساحل إفريقيا وهو الاتصال الذي أدّى في نهاية الأمر وقبل القرن 11م إلى تأسيس إمارات إسلامية عربية داخل الوطن الحبشي. باسم «ممالك الطراز الإسلامي» لأنّها على جانب البحر كالطراز له([169]) وقد ظلّت قائمة حتّى القرن 16م.
ومن بين هذه الإمارات إمارة قامت في منطقة شوا الشرقية بالحبشة، يحتمل أنّها ترجع إلى حوالي نهاية القرن: (3هـ ـ 9م) (283هـ ـ 896م) ـ أي في زمن الخليفة المعتضد العباسي في (287 ـ 289هـ ـ 892 ـ 901م) بزعامة أسرة عربية تنسب إلى قبيلة مخزوم القرشية يقال: إنّ أسلاف هذه الأسرة هاجروا عبر البحر الأحمر على عهد خلافة عمر بن الخطاب (13ـ23هـ ـ 634ـ644م).
وبجانب هذه الإمارات تكون عدد من المشيخات الإسلامية العربية على طول ساحل إفريقيا الشرقي من عوان ومقديشو في الشمال إلى سوفالا في الجنوب، ويقول المسعودي (القرن 10م) إن سوفالا هي المركز الذي تنتهي إليه السفن العمانية ـ بضم العين ـ في بحر الزنج([170]).
تكوّنت هذه الممالك والمشيخات الإسلامية العربية في أوّل أمرها على الأقل، لا عن طريق الفتح الحربي وإنّما عن طريق التجارة والهجرة والامتزاج بالوطنيين والتسرّب التدريجي، وقد أسلم كثير من القبائل الوطنية في إفريقيا الشرقية، مثل قبائل الساهو والعفو ـ بفتح العين المهملة وتشديد الفاء المفتوحة بعدها راء مهملة ـ شرقي الحبشة، وامتدّ الإسلام إلى مناطق السيدامو وشوا الشرقية جنوبي الحبشة.
الخلاصة
إنّ طريق البحر الأحمر والحبشة من أهم الطرق وأولاها، التي دخل عنها الإسلام إلى شرقي الحزام السوداني، ومنه امتدّ إلى غربي هذا الحزام، أي إلى تشاد فبلاد الهوسا واليوروبا والأشانتي في غربي إفريقيا.
هناك طريق آخر وصلت عنه الدعوة الإسلامية إلى غربي إفريقيا، في هذه المرحلة المبكرة، هو طريق وادي النيل من مصر إلى النوبة فطرق القوافل الشرقية إلى حوض تشاد فبلاد الهوسا.
والطريق الثالث، من شمالي إفريقيا إلى حوض النيجر الأوسط والأعلى وحوض السنغال.
ومعنى هذا أنّ الإسلام وصل إلى غربي إفريقيا منذ وقت مبكر وهذا يفسّر قول القلقشندي، من أنّ أهل غانا أسلموا أوّل الفتح. وما أورده البكري من أنّ جيشاً وصل في صدر الإسلام لفتح بلاد السودان، وأنّ ذرية هذا الجيش استقرّت في غانا، وأنّ أربعة من جنود عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ ـ 720م) هاجروا إلى كانم واستقرّوا فيها.
وفي هذه الصلات التجارية الإسلامية الأولى والأحداث التاريخية خلال القرن 1هـ، ما يلقي الضوء على الرواية التي أوردها البكري وتواترت عند مؤرخي السودان ومؤرخي أوروبا، وهي أنّه وجد في مدينة غانا خلال القرن 1هـ السابع الميلادي، حي إسلامي به اثنا عشر مسجداً، بل وكان في الحي الوثني منها، حيث يقيم ملك غانا الوثني، مسجد يؤدي فيه المسلمون الوافدون على الملك شعائر دينهم.
ومن الجهود التي بذلت لنشر الدعوة الإسلامية في غربي إفريقيا أواخر هذه المرحلة الأولى، ما قامت به إمبراطورية أودغست([171]) في القرن (3هـ ـ 9م) حيث تحكم قبيلة لمتونة البربرية الصنهاجية، ورعاياها من قبائل السوننك الإفريقيين فقد عمل سادة لمتونة على نشر الإسلام بين قومهم من البربر وبين الزنوج المجاورين، حتّى أنّ ملك أودغست: تين يروتان بن وينسو بن نزار (ت 222هـ ـ 837م) كان قد أخضع فيما يقوله البكري، أزيد من عشرين ملكاً من ملوك السودان.
وفي نفس العام الذي توفي فيه هذا الملك اللمتوني، أسلم ملك غانا الوثني المعاصر وهو تلوتان بن تكلان (837م).
وفي مطلع القرن الحادي عشر الميلادي (حوالي عام 400هـ ـ 1009م) أسلم ملك صنغي، من أسرة الازواء وهو زاكاسي ونما في عاصمته جاو على النيجر، حي إسلامي على غرار الحي الذي نما في غانا.
هذه هي خلاصة المرحلة الأولى من مراحل نشر الدعوة الإسلامية في غربي إفريقيا.
ثمّ كانت المرحلة الثانية، على أيدي المرابطين أو الملثمين، خلال القرن (5هـ ـ 11م) والقطب الروحي لحركتهم هو عبدالله بن ياسين الجزولي (ت 541هـ ـ 1059م) فتح المرابطون غانا عام (469هـ ـ 1076م) وأنهوا الحكم الوثني فيها، إذ لم يضطرد إسلام جميع الحكام في بعض الدول الإفريقية، ومنذ ذلك الوقت، وهو أواخر القرن 11م، أصبحت غانا إسلامية، وبفضل حركتهم ازدادت حركة الاتصال التجاري والثقافي مع البلاد الإسلامية حتّى الأندلس شمالاً، والمرابطون هم الذين أنشؤوا مدينة تنبكتو على النيجر، وكانت من قبل قرية صغيرة.
وفي هذه المرحلة أيضاً، كان إسلام وارجابي بن رابيس ملك التكرور (ت 432هـ ـ 1040م) وجهوده في نشر الإسلام في بلاده حوض السنغال الأدنى.
المرحلة الثالثة
وجاءت المرحلة الثالثة في نشر الدعوة الإسلامية، على أيدي سادة مالي الإسلامية، بعد أن أسلم أوّل ملوكها «مانسا جورماندانا» من أسرة الكوناتيين السابقة على أسرة كيتا، حوالي منتصف القرن 11م وجورماندانا هو المعروف في الكتب العربية باسم برمندانة، و«مانسا» بمعنى ملك في لغة الماندنجو سادة مالي.
كان الإسلام قد انتشر في مالي قبل إسلام ملوكها، كما كان الشأن في غانا، ووجد في مالي دعاة وعلماء مسلمون، أسلم ملك مالي على أيدي أحدهم، على أثر وقوع قحط، ومضمون رواية البكري، أنّ هذا العالم كان يقرأ القرآن ويعلّم السنة، فشكا إليه الملك، ما دهمهم بسبب القحط. وحينئذ عرض الفقيه المسلم الإسلام عليه بقوله: أيّها الملك، لو آمنت بالله تعالى وأقررت بوحدانيته وبمحمد عليه الصلاة والسلام وأقررت برسالته واعتقدت شرائع الإسلام كلّها، لرجوت لك الفرج ممّا أنت فيه، وأن تعم الرحمة أهل بلدك. ولم يزل به حتّى أسلم وأخلص نيته وأقرأه ما تيسر من كتاب الله، وعلّمه من الفرائض والسنن ما لا يسع جهله، وأمهله الى ليلة الجمعة وطلب إليه أن يتطهر، ثمّ خرج به إلى الفلاة، واستسقى فأنزل الله الغيث، وحينئذ أمر الملك بكسر الأصنام، وصحّ إسلامه ومن جاء بعده.
تزعّم ملوك مالي بعد ذلك حركة الدعوة الإسلامية في البلاد المجاورة، ويقول القلقشندي: وملك مالي في جهاد دائم وغزو ملازم لمن جاوره من كفار السودان.
ويذكر عن أشهر سلاطين مالي كنكد موسى (ت 1337م) أنّه كان يبني مسجداً في كل مدينة تدركه صلاة الجمعة فيها. وعن منسا سليمان (ت 1360م) أنّه بنى المساجد والمنارات وأقام الجمع والجماعات والأذان وجلب إلى بلاده الفقهاء من مذهب الإمام مالك.
وإلى ملوك مالي وعلماء مالي الإفريقيين يرجع الفضل في نشر الإسلام في بلاد الهوسا.
ويدلنا حادث إسلام ملك جني (جنكي) حوالي القرن (6هـ ـ 12م) على ازدياد عدد المسلمين في بلاده، على النيجر، زيادة تدعو للدهشة، ففي الوقت الذي هداه الله فيه إلى الإسلام، أمر بحشر العلماء المسلمين في بلاده فاجتمع له فيما يقوله السعدي: نحو أربعة آلاف ومائتي عالم، وأسلم على أيديهم، قد يكون هذا الرقم غير دقيق، لكنّه يدل دلالة يقينية على كثرة المسلمين وعلى مدى الحماسة لنشر الإسلام، في مملكة جني بحيث تجمع مثل هذا العدد من العلماء أو ما يقرب منه([172]) حتّى ولو كان الربع.
المرحلة الرابعة
وأمّا المرحلة الرابعة، من مراحل الدعوة الإسلامية في غربي إفريقيا فكانت على أيدي سادة دولة صنغي الإسلامية، وهي التي خلفت مالي في الزعامة والسيادة السياسية على معظم بلاد غربي إفريقيا. وأعظم ملوكها هو أسكيا الحاج (ت 1529م) كان قد أخذ لقب إمام وأمير المؤمنين، وكان على صلة بالشيخ السيوطي([173]) في القاهرة. ولم يكتف سادة صنغي بنشر الدعوة الإسلامية، بل عملوا على تنقية العقيدة من البدع وحاربوا المتنبئين الذين ظهروا في منطقة فوتا جنوب السنغال.
وفي هذه المرحلة كذلك، قام مايات البرنو، بجهود مثمرة في نشر الدعوة، مع العلم بأنّ الإسلام قديم في كانم والبرنو، وأوّل داعية معروف هو محمد بن ماني (القرن 11م) الذي عاش 120 سنة وعاصر خمسة من مايات البرنو، قرأ معهم القرآن وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
ثمّ إنّ الماي عثمان بن زينب (ت 1300م) اشتهر بحماسته لنشر الإسلام بين القبائل الوثنية، وادّعى أنّه من نسل عثمان بن عفان، وفسّر بعض الكتّاب بأنّ «الهادي العثماني» الذي اشتهر بالدعوة الإسلامية في حوض تشاد، هو الماي عثمان هذا.
المرحلة الخامسة
ثمّ جاءت المرحلة الخامسة والأخيرة، على أيدي قبائل الفولانيين أو الفلاتا، زمن ازدهار إمبراطوريتهم في القرن 19م، مع العلم بأنّ إسلام الفولانيين يرجع إلى القرن 14م.
وزعيم حركة الجهاد والدعوة الإسلامية، شيخهم الصالح العالم ومؤسس دولتهم عثمان دان فودي (ت 1817م) ـ دان بمعنى ابن في لغة الهوسا ـ وقد اشتهر بلقب أمير المؤمنين Sarki musulmi شملت إمبراطوريته معظم غربي إفريقيا ولها قاعدتان: صكت «سكوتو» وكانو.
سار ابنه أمير المؤمنين السلطان محمد بلو ـ بتشديد اللام وضمّها ـ على نهجه، والمعروف عن محمد بلو أنّه كان قد منع الضابط المكتشف الإنكليزي كلابرتون عام 1822م من التقدّم نحو النيجر.
وخلال نفس القرن (19م) نهض التكاررة في إمبراطوريتهم، بدور كبير في الدعوة الإسلامية، ولا سيما زمن أعظم سلاطينهم الحاج عمر التكروري (ت 1864م) فازداد انتشار الإسلام في السنغال وفوتا جالون وغينيا.
وعلى أيدي التكاررة، أسلم الولوف (الجف) وللحاج عمر وابنه أمادو (أحمد) تاريخ حافل في كفاح الاستعمار الفرنسي.
ويضم إلى هذه المرحلة، جهاد ساموري التوري جدّ أحمد سيكوتوري رئيس جمهورية غينيا (1871م) في نشر الإسلام، فقد أخذ لقب إمام Alimami وله كفاح مشهور ضد الاستعمار الفرنسي، استغرق نحو 30 سنة حتّى 1900م.
والمذهب الغالب عند مسلمي غربي إفريقيا، هو مذهب الإمام مالك (ت 179هـ ـ 795م) ويوجد في كانم بعض الشافعية، وللكانميين مدرسة مالكية في فسطاط مصر هي المعروفة باسم «مدرسة ابن رشيق» نسبة للقاضي المصري ابن رشيق الكامني الذي تولّى بناءها والتدريس فيها أواخر عهد الدولة الأيوبية.
كذلك انتشرت الطرق الصوفية، وأشهرها وأقدمها الطريقة القادرية، على مذهب الإمام مالك، وهي أقدم الطرق الصوفية في إفريقيا وترجع إلى سيدي عبد القادر الجيلاني في العراق منذ القرن 11م من أشهر الأولياء، وأشهر أتباعها في إفريقيا المختار بن أحمد (ت 1811م) من أصل عربي من واحة توات ومركزها الرئيسي في فوتاجالون والسنغال، ومن أتباعها الأقوياء الفلانيون في ماسنه وبلاد الهوسا والولوف (الجلف) في السنغال، وعنها تفرّعت طريقة عرفت باسم المريدية أسّسها أمادون (أحمد) بامبا من الولوف، ولا تزال المريدية قائمة إلى اليوم.
كذلك هناك الطريقة التيجانية، نسبة إلى الفقيه الجزائري سيدي أحمد التيجاني (القرن 18م) وأقوى أتباعها في إفريقيا الحاج عمر التكروري (ت1865م) ولها فروع، وتمتاز بالعنف وشدّة الوطأة على الوثنية ومقاومة الطرق الصوفية الأخرى.
وهناك الطريقة السنوسية، وترجع إلى الفقيه الجزائري سيدي محمد بن علي السنوسي (1787ـ1859م) تعاليمها التوحيد المطلق، وجانبها السياسي عدم الاتصال بغير المسلمين ومقاومة كلّ ألوان النفوذ الأجنبية وأشهر أتباعها إلى اليوم في واداي وكانم، وكان الاستعمار الفرنسي قد قاومها.
أمّا المهدية، فقد وجد لها بعض الأتباع في منطقة تشاد وبلاد الهوسا، لكن الكثرة في شرقي تشاد وفي سودان وادي النيل.
طبيعة انتشار الإسلام في غربي إفريقيا
هذه هي خلاصة المراحل الخمس في نشر الدعوة الإسلامية في غربي إفريقيا، ولقد أجمع المؤرخون والرحالة في الشرق والغرب على أنّ السلم والإقناع كانا الطابع الأساسي لنشر دعوة الإسلام ممّا جعل الإفريقيين يقبلون عليه، فكان الداعي يعقب الفاتح، ليدخل الطمأنينة في النفوس وليقرب العقيدة في قلوب الناس، وفرق بين انتشار العقيدة الإسلامية وبين الفتوح الإسلامية.
واشترك في الدعوة الإسلامية العلماء والتجار من الأجانب والوطنيين والملوك والأمراء والحكام وقادة الفتوح من الوطنيين الإفريقيين. ويدل على سلمية الدعوة أنّ أقوى القبائل الإفريقية هي التي اعتنقتها أوّلاً، وقام ملوكها وحكامها بنشر الإسلام بين الوثنيين عن طريق العلماء والدعاة والرسائل.
وحتّى في زمن الاستعمار، حيث لم توجد قوّة سياسية وطنية قادرة، ازداد انتشار الإسلام في المناطق الساحلية المتطرفة في غربي إفريقيا، وهي بعينها المناطق التي تركز فيها نشاط البعثات التبشيرية. أكثر من ذلك كانت هذه المناطق بعيدة عن متناول الإمبراطوريات الإفريقية الإسلامية أمثال مالي وصنغي والبرنو والفولانيين.
وممّا ساعد على قبول الإسلام، ذلك الاندماج والمصاهرة([174]) اللذين تمّا بين المسلمين من التجار والدعاة من العرب والبربر، وبين الوطنيين الإفريقيين، وبهذه الطريقة الهادئة، دخل كثير من الأمراء ورؤساء القبائل في الإسلام، وتحمّسوا بدورهم لنشره، وشهد بذلك رجال الدين المسيحيون والمستعمرون الأوروبيون.
كذلك ساعد على تقبّل الإسلام، أنّه دين الفطرة، سهل التناول، لا لبس فيه ولا غموض ولا تعقيد، ثمّ إنّ فكرة التوحيد لم تكن غريبة على الوثنيين الإفريقيين لأنّه مهما تعدّدت آلهتهم كانوا يعتقدون بوجود إله أعظم خالق للكون.
بل لعل أبرز ما يميز طبيعة انتشار الإسلام في غربي إفريقيا، ويفسّر سرعة قبوله والتحمّس له، أنّه جاء إلى إفريقيا السوداء وأهلها سادة في بلادهم يتمتعون بحرياتهم واستقلالهم ويمارسون حياتهم وشؤونهم وحكوماتهم وفق تقاليد مجتمعهم، وظلّوا كذلك بعد دخول الإسلام وانتشاره، لم يأت جيش فاتح من قبل الدول الإسلامية الأم، بل جاء تجار ومهاجرون ودعاة وعلماء، واندمجوا وصاهروا ورعوا وعلّموا، ولم يدمروا نظمهم أو يحتقروا عاداتهم، كما لم يلجؤوا إلى الإغراء أو التنويف أو الرشوة، حتّى شعر الإفريقيون بالأخوة مع الدعاة المسلمين، بل نظروا إلى الإسلام على أنّه «دين السود» وإلى غيره مما يكافح دعاته بشتى الوسائل ببعثاته، ممّا جاء في أعقاب الاستعمار بعد حروب تدمير وإبادة، نظروا إليه على أنّه دين البيض الأوروبيين المستعمرين الحاكمين.
وفضلاً عن ذلك، فإنّ الدول الإسلامية الأصلية التي جاء بها الإسلام والعلوم الإسلامية، وما صحبها من نظم سياسية وتقاليد اجتماعية، حتّى في مظاهر الزي، لم يكن لهذه الدول أي جانب من جوانب السيطرة أو السيادة السياسية، أو أي نوع من أنواع الإشراف أو الحماية أو الوصاية، على تلك البلاد، لقد ترك الإسلام الوطنيين سادة في بلادهم.
أثر الإسلام
أمّا عن أثر الإسلام في تلك الجهات، فهو عميق، شأنه في جميع البلاد الإسلامية، وحسبنا شهادة أحد رجال الدين المسيحي وهو القمص ستانلي: لا يمكن أن ننسى أنّ الإسلام هو الديانة السامية الوحيدة التي أدّت إلى تطوّر وتقدّم القارة الإفريقية.
كما أنّ الجلبة والضوضاء التي كانت تقترن بالحفلات الوثنية الصاخبة قد اختفت، بحيث لم يعد هناك مدلول للعبارة التي اشتهرت عن إفريقيا الوثنية: «إذا غربت الشمس رقصت إفريقيا».
وبلغ من تمسك المسلمين بالقرآن الكريم في غربي إفريقيا، أن كان أهل مالي يجعلون لأولادهم القيود إذا قصر أحدهم في حفظ القرآن، ولا تفك قيوده إلاّ بعد أن يحفظ القرآن وقد شهد ابن بطوطة، أبناء قاضي مالي في قيودهم حين زاره في يوم عيد الفطر عام 1253م.
أخذ الإفريقي المسلم من القرآن جميع حاجياته، حتّى وسائل علاجه فهو يتحجب بالقرآن ويحمل بعض آياته في عنقه وذراعه، ومن الآيات التي يتحجب بها: سور النجاة (القلق والناس) وآيات الحفظ {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64] ومن تقاليدهم الاستجارة بالمسجد وبيت الخطيب، والتبرك بالحجاج عند عودتهم حتّى كان أسكيا صنغي يخرج في موكبه لاستقبال العائدين من حجاج بلاده، ويطلب الدعوات منهم ويقبّل أيديهم حتّى ولو كان بينهم عبيد.
اللغة العربية
أمّا اللغة العربية، فهي مرتبطة بالدعوة الإسلامية في غربي إفريقيا، كما في أي بقعة من بقاع العالم، فهي لغة القرآن والعلوم الإسلامية، وقد سارت جنباً إلى جنب مع الجهاد في سبيل نشر الدين وتوسيع رقعة البلاد الإسلامية. أي أنّ انتشار الإسلام كان يتضمن كذلك انتشار اللغة العربية.
وممّا ساعد على انتشار اللغة العربية، فضلاً عن الجانب الديني المرتبط بها، هجرة كثير من القبائل العربية واستقرارها في تلك البلاد واندماجها مع الوطنيين ويؤرخ لهذه الهجرات بما قبل عهد الإسلام بزمن طويل، وازدادت بظهور الإسلام، فهناك مثلاً مجموعة من القبائل العربية في حوض تشاد تعرف باسم «الشوا» وهي التسمية التي أطلقها البرنويون عليها، واشتهرت بالفروسية في جيش البرنو. وهذه الكلمة مشتقة من الشوى([175]) بمعنى شاء في صيغة الجمع والمفرد شاة، وتدل على رعاة الأغنام، قيل إنّها مأخوذة من الكلمة الحبشية (شا) وكلمة حبشة نفسها تسمية عربية.
ويقول ناختجال عن قبائل الكانوري، أشهر قبائل إمبراطورية البرنو، إنّ هذه التسمية مشتقة من الكلمة العربية «نور» ثمّ أضيف المقطع «كا» ليدل على التبعية، ومعناها حملة المشاعل، إشارة للدور الذي لعبوه في نشر الإسلام، والثقافة العربية، والمعروف أنّ قبائل الكانوري خليط من العرب والزنوج.
ومن مجموعات القبائل العربية ما احتفظ بالتسمية الأصلية مثل قبيلة جذام.
وتدعي قبائل البولالا، وهي من أقرباء الأسرة السيفية المالكة في برنو، أنّها نتيجة المصاهرات بين الشوا العرب وبين الزنوج.
ولا شك في أنّ عامل الهجرة والاندماج من أهم عوامل التعريب، كما كان الشأن في إسبانيا الإسلامية بل وفي كل موطن وطنه العرب.
عامل آخر ساعد على انتشار اللغة العربية، هو ادعاء أغلب الشعوب الإفريقية الانتساب إلى الأصول الشرقية العربية، فهذه قبائل البولالا التي تقول إنّها مولّدة عن المصاهرات بين الشوا العربية وبين الزنوج تدّعي كذلك أنّ لها أصولاً عربية بحتة ترجع إلى اليمن كذلك ادّعى ملوك مالي وصنغي والتكرور والبرنو والهوسا والفولانيين وغيرهم، أنّهم انحدروا أصلاً عن العرب، وأنّ أسلافهم الأوائل جاؤوا من الشرق، ومنهم من ادّعى النسب العلوي مثل ملوك مالي وتكرور… وهؤلاء مايات كانم والبرنو، يدعون أنّهم من نسل سيف بن ذي يزن الحميري، حتّى اشتهرت أسرتهم في التاريخ باسم الأسرة السيفية. وتقول قبائل الكانوري إنّ لهم أصولاً يمنية وتدعى قبائل الهوسا([176]*) وأنّ أسلافهم جاؤوا من مكة وهكذا.
ومهما يكن في هذه الادعاءات والمقولات، من بعض الجوانب الأسطورية، فإنّ النتيجة التاريخية المحققة لها، هي سرعة انتشار اللغة العربية، نتيجة الحرص والاعتزاز بكل ما هو شرقي عربي، والفخر بالانتساب إلى العروبة وإلى مصادرها.
ساعد على انتشار اللغة العربية كذلك، كثرة وجود الكتب العربية الإسلامية، وكان في تنبكتو سوق رائجة للكتب.
وهناك عناية الملوك والأمراء والحكام وحماستهم لنشر العلوم العربية الإسلامية، فيذكر مثلاً، عن مانسا سليمان في مالي أنّه استكثر من الفقهاء في بلاده من مذهب الإمام مالك، وأنّه اشترى نسخة من القاموس المحيط في تنبكتو بثمانين مثقالاً من الذهب وأهداها لبعض علمائه. ويذكر كذلك عن فقيه البلاط البرنوي العالم الإفريقي الكبير عبدالله ديلي بن بكر، أنّه قرأ مع أحد أبناء الماي سلما (ت 1221م) نحو 150 كتاباً في فروع العلوم العربية والإسلامية، واللهجة العربية السائدة في البرنو، هي اللهجة الحجازية ويحرص المتكلمون بها على أن لا تطغى عليها اللغات المحلية.
وهكذا وجدت اللغة العربية تربة خصبة في غربي إفريقيا، ولقد ظلّت كذلك حتّى عصر الاستعمار، فحين وصل الرحالة المكتشف الإنكليزي فرانسس مور عام 1731م إلى حوض نهر غامبيا، وجد معظم سكانه يتكلم العربية كما وجد القرآن شريعتهم، وممّا أثار دهشته أنّه وجد إلمام أهل غامبيا بالعربية، يفوق إلمام أهل أوروبا في العصور الوسطى باللاتينية مع العلم بأنّ اللغة اللاتينية في أوروبا الوسطية، كانت اللغة الدولية ولغة الدين والثقافة والقانون والتجارة.
وفشل الاستعمار الفرنسي والإنكليزي في القضاء على اللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية في غربي إفريقيا، وإن ضيّق الخناق عليها، وحاول عبثاً أن يحوّل أنظار الإفريقيين المسلمين عن فاس وتونس والقاهرة ومكة.
ويقول سير توماس أرنولد، المستشرق والمؤرخ الإنكليزي: لقد غدت اللغة العربية لغة تخاطب بين قبائل نصف القارة السوداء.
لكن هذا لا يعني أنّ اللغة العربية قد قضت على اللغات المحلية في غربي إفريقيا، بل كان الوطنيون يتكلمون العربية بجانب لغتهم أو لهجتهم المحلية، ويشبه هذا ما كان سائداً في الأندلس الإسلامية حيث كان المجتمع الأندلسي من عرب ومستعربين يتكلمون اللغتين العربية والرومانية أو اللاتينية الدارجة ويسمّيها العرب «لطينية» أهل الأندلس([177]) ويشبه كذلك ما كان سائداً عند ملوك الجرمان فهم يتكلمون فيما بينهم بلغاتهم الأصلية، الفرنجية أو القوطية أو الأنكلو سكسونية. لكن لغات العبادة والثقافة والأدب هي اللاتينية.
وكما تركت اللغة اللاتينية آثارها البارزة في اللغات القومية الأوروبية الحديثة، تركت اللغة العربية آثارها في اللغات المحلية في غربي إفريقيا، لقد كانت لغة الهوسا تكتب بالحروف العربية منذ وقت مبكر، لكنّها الآن تكتب بحروف لاتينية، وأمّا اللغة الفولانية فلا تزال تكتب بالحروف العربية إلى اليوم.
ومن حيث الألفاظ، هناك عشرات الألوف من الكلمات العربية المستعملة إلى اليوم في غربي إفريقيا: في الحياة الدينية والثقافية والاقتصادية في الحرب والسياسة ونُظُم الحكم والحياة الاجتماعية، حتّى في أسماء النباتات والمدن والحيوانات والأعلام.
فمثلاً في الحياة الدينية: الله = أنلا، عند الهوسا «ياللا» و«يالف» عند الولوف والصنغي والفولانيين والبامباره والديولا والصوصو والخاسونك، الصيام: أزومي عند الهوسا. الجنة: ديانا عند الولوف.
قرأ يقرأ: كارها أو كارا عند الماندنجو وكاراني عند الديولا.
وفي أسماء الأعلام: محمد: أمادو أو دودو. محمود: مامودا. الأمين: لامين. أبو بكر: بو كار. عائشة: ايساتو. فاطمة: فايتماتو. بنت: منت.
وفي أسماء المدن: أطلق كثير من أسماء المدن الإسلامية المشهورة على بعض مدن غربي إفريقيا، ففي السنغال نجد القيروان وتنطق كيروان، وفي غينيا نجد مصر وتنطق ماسير، والطائف وتنطق تايفا، وهكذا.
وهناك بعض الخصائص في الكتابة العربية ونطق الحروف في غربي إفريقيا… فالكتابة على طريقة المغاربة وأهل فاس بصفة خاصّة، وبعض حروفها يرسم على شكل زوايا، وتوضع نقطة الفاء تحت الحرف، وإذا وضعت النقطة فوق الحرف نطقت (ق).
أمّا نطق الحروف، فليست هناك قواعد ثابتة عند القبائل المختلفة، أو حتّى داخل القبيلة الواحدة، وكلّها أو أغلبها يختلف عن النطق العربي الصحيح.
فمثلاً: حرف (ق) أو (خ) ينطق مثل (ك) كما في القرآن: الكران والكرانو، عند المالنك، خليل: كاليلو، عند الديولا. وأحياناً ينطق حرف (ق) مثل (هـ) كما في كلمة قبة: هبارن، عند الهوسا، حرف (ش) ينطق مثل (س) عند الماندنجو في كلمة شريعة: ساريا، بينما ينطق كما هو عند الفولانيين كما في كلمة شيخ: شيهو، وهكذا.
هكذا كان انتشار اللغة العربية وأثرها وخصائصها في غربي إفريقيا ويقترن العهد الزاهر للغة العربية والعلوم العربية في تلك الجهات، بعهود الإمبراطوريات الإفريقية الإسلامية، فقد كانت اللغة العربية هي اللغة السائدة.
كما كانت لغة الهوسا من قبل واستخدمت العربية في جميع الأغراض وأوفت بها، ففي المكاتبات الدولية مثلاً، وجدت صيغ عربية في دواوين السلاطين المماليك في مصر لمخاطبة ملوك تلك البلاد، وهذه الصيغ عبارة عن افتتاحيات تصدر بها المكاتبات، فمثلاً افتتاحية المكاتبة لملك التكرور أو ملك مالي: «أدام الله نصر المقر العالي السلطان الكبير العالم المجاهد المؤيد الأوحد عز الإسلام شرف ملوك الانام، سيف الخلافة، ظهير الإمامة… فلان…».
ودلّت ردود ومراسلات ملوك غربي إفريقيا على تقدّم الاسلوب العربي فيها، فمثلاً جاء في رسالة الماي عثمان بن زينب (ت 1425م) إلى برقوق سلطان المماليك في مصر.
«من المتوكل على الله تعالى، الملك الأجل سيف الإسلام وربيع الأيتام، الملك المقدام، المستنصر بالله، الملك الغشمشم (من الجرأة والشجاعة)، إلى ملك المصر الجليل»…
ولقد شجع الملوك في غربي إفريقيا على تعلّم العربية وإجادتها، فضلاً عن العلوم الإسلامية، مثل السلطان گنگد([178]*) موسى سلطان مالي، وأسكيا داود (991هـ ـ 1582م) آخر سلاطين صنغي، فقد كان داود حافظاً للقرآن وله خزائن كتب ونساخ ينسخون له ويهادي العلماء من خزائنه.
لذلك ازدهرت المراكز العلمية الإسلامية في غربي إفريقيا، مثل تنبكتو زمن مالي وصنغي، وبها جامعة سنكري، وكذلك جني وولاية ونيمه وكومبي صالح وصكت وكانو وكاتسننا ودوي وزاغه وكابره، وكلها في حوض النيجر.
لم يكن عجيباً إذن أن يسهم الوطنيون الإفريقيون في التراث العربي وفي المكتبة العربية بالشيء الكثير.
لقد غطّى التراث العربي الذي كتبه وصنّفه العلماء والملوك الإفريقيون جميع فنون المعرفة من تاريخ وآداب إلى علوم لغوية وفقهية وحديث، ولو لم يتعرض هذا التراث لبعض الكوارث خلال حروب الاستعمار والكفاح الوطني، لكان لدينا اليوم منه أحمال ضخمة، ومع ذلك فما بقي ونجا منه يعدّ بالآلاف.
ومن ذلك مثلاً: ما كتبه محمد الكتسناوي (ت 1655م) واشتهر بين الهوسا باسم دان مارينا (ابن مارينا) (مزجرات الفتيان)، وهي قصيدة في بث الروح الديني في قلوب الشباب. وممّا كتبه الشيخ عثمان دان فودي (1817م) مؤسس إمبراطورية الفولانيين: (إحياء السنة وإخماد البدعة) ـ (ضياء الأمة في أدلة الأئمة الأربعة) ـ (بيان رجوع الشيخ السنوسي عن التشديد على التقليد في علم التوحيد) ـ (إرشاد أهل التفريط والإفراط إلى سواء الصراط) في علم أصول الدين إلخ.
ولشقيقه عبدالله المحدث، مؤلفات تربو على المائتين، حتّى لقب بنادرة الزمان وعلامة السودان، منها: ضياء الحكام فيما لهم وعليهم من الأحكام ـ مطية الزاد، إلى المعاد إلخ…
ومن مؤلفات السلطان أمير المؤمنين ابن بلو بن عثمان دان فودي: قدح الزناد في أمر هذا الجهاد، النصيحة الوضيئة في بيان أنّ حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة ـ عجالة الراكب في الطب الصائب…
وللحاج عمر التكروري (ت 1865م) ويسمّي نفسه قطب الأقطاب وخاتم الأولياء: منظومة في إصلاح ذات البين ـ المقاصد السنية ـ لكل موفق من الدعاة إلى الله من الراعي والرعية (في مهام الدعوة الإسلامية) ـ قصائد متنوعة، وكان شعره يتغنّى به من فوتا في سيراليون إلى كانو في بلاد الهوسا.
وغير هؤلاء كثيرون…
وفي التاريخ: ما كتبه الفغي محمود كعت: تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس وذكر وقائع التكرور وعظائم الأمور وتفريق أنساب العبيد من الأحرار (بدأ تأليفه 925هـ ـ 1519م) وما كتبه الإمام أحمد بن فرتوا مؤرخ بلاط البرنو زمن إدريس الوما (ت 1583م) وعبد الرحمن السعدي (من أسرة أرستقراطية سودانية) (ت بعد 1655م) وله (تاريخ السودان) ولأمير المؤمنين محمد بلو (إنفاق الميسور في فتح بلاد التكرور) وهكذا.
ولا يزال الكثير من هذا التراب العربي الإسلامي مخطوطاً، بحاجة إلى إحصاء ونشر علمي سليم على أيدي العلماء العرب والأفارقة المسلمين، لأنّه ليس من المقبول أن ينشط لإحياء تراثنا العربي من هم من غير العرب أو من غير المسلمين، لكنّا لا نغمط جهود من تجشموا العنت أو يتجشمونه في سبيل نشر العلم من الغربيين الذين بحثوا ونقلوا وعثروا على مخطوطات عربية كثيرة ونشروها أو ترجموها وليس معنى هذا تناسي أو إغفال تلك الجهود الجبارة التي تبذل حالياً ومنذ مدة طويلة في جميع البلاد العربية لإحياء تراثنا على النحو العلمي السليم. ومن الأوروبيين الذين ساهموا في كشف التراث العربي الإسلامي في غربي إفريقيا الرحالة الألماني الدكتور بارث Barth (رحلة 1849ـ1855م) وكان في خدمة الحكومة الإنكليزية، ومن الفرنسيين: مونتي ودولافوس وبنوا وهوداس (نشروا وترجموا الفتاش والسعدي ومخطوطات أخرى). ومن الإنكليز: سير وتشموند بالمر Balmer حاكم نيجيريا، فقد كان من بين أعماله العلمية: ترجمة 62 مخطوطة عربية في كتابه Sudanese memoirs (لاجوس 1928م) والأستاذ هوتينج C.E.Whiting الأستاذ بمدرسة العلوم العربية في كانو، فقد نشر كتاب «إنفاق الميسور» في لندن عام 1951م([179]). وغير هؤلاء كثيرون.
من هذا العرض، يتضح أن اللغة العربية قد نهضت في إفريقيا بالدور الذي نهضت به اللغة اللاتينية في أوروبا الوسطية، إذ كانت اللاتينية لغة الدين والثقافة والإدارة والتجارة ولم تكن هناك عراقيل تحول دون انتقال الطلاب أو الأساتذة بين مدارس وجامعات أوروبا الناشئة في ذلك الوقت.
أمّا وجه التفوق الذي ظفرت به العربية على قرينتها اللاتينية، فينحصر في أنّ العربية، في الجانب الأوروبي: قد أثرت على اللغات القومية الأوروبية الحديثة، وهي التي طغت من قبل على اللاتينية نفسها وانتصرت عليها. وفي الجانب الإفريقي: اكتسبت العربية صفة القداسة في غربي إفريقيا، لأنّها لغة القرآن ولغة العبادة، ومن الأدلة التاريخية على هذه الصفة، تلك الرسالة التي نشرها Gowther أسقف النيجر الإنكليزي عام 1870م بصدد الإذن الذي ظفر به من أحد ملوك المسلمين في منطقة النيجر، للسماح بقيام بعثة تبشيرية نصرانية بالعمل في بلاده، ذكر هذا الأسقف أنّ الإذن الملكي، بعد أن سجل بالإنكليزية تناوله السلطان وسلمه لأحد علمائه لترجمته إلى العربية.
وأمّا اللاتينية، فلم تكتسب مكانتها التاريخية المرموقة، إلاّ لأنّها لغة الحضارة الرومانية، وأمّا لغة النصرانية، والمقصود بها لغة الأناجيل الأصلية، فلم تكن اللاتينية وحدها، فقد كتبت بالعبرية واللاتينية والإغريقية، ثمّ ترجمت إلى اللغة الإغريقية، بحيث أضحت هذه النسخة الإغريقية ممثلة للأصل، ثمّ ترجمت هذه النسخة الإغريقية إلى اللاتينية في القرن (4م) وهي التي اشتهرت باسم Vulgate([180]*) وفي نفس القرن ظهرت ترجمة قوطية للإنجيل.
الخلاصة: أنّ صفة القداسة التي اكتسبتها اللغة العربية في غربي إفريقيا، لم تتوافر للغة اللاتينية، فالعقيدة النصرانية تمارس بأكثر من لغة، كما يقرأ الإنجيل بأكثر من لغة، من بينها العربية، وأمّا القرآن فلا يتلى إلاّ بالعربية، وإن فسر بغير العربية وقد سمح أئمة المسلمين في العصر الحديث بترجمة معانيه فقط.
ومن ناحية أخرى: أنّ اللغة اللاتينية برمتها، سرعان ما ذبلت وفقدت مكانتها بل وجودها أو كيانها أمام ظهور اللغات القومية الحديثة في أوروبا منذ القرن (13م) فقد حلّت هذه اللغات محل اللاتينية تدريجياً في جميع الأغراض التي كانت تؤدّيها اللاتينية.
وحسبنا اليوم، أنّ اللغة اللاتينية، أصبحت في عداد اللغات الميتة، وهذا ما لم يحدث للعربية.
الدكتور إبراهيم علي طرخان
مملكة غانا وحضارتها
ليس في حوزة المؤرخين أيّة وثائق مكتوبة عن أولية هذه المملكة. وقد زودنا الرحالة والمؤلفون العرب منذ القرن العاشر، بمعلومات هامة عن تلك المملكة. ففي كتب ابن حوقل والبكري([181]) وابن خلدون إشارات هامة تثبت للبحث العلمي لأنّها بنت المشاهدة الشخصية. أمّا المؤرخان الإفريقيان السعدي وكاتي فإنّهما يحدّدان القرن الرابع الميلادي كبدء لظهور هذه المملكة.
امتدّت غانا([182]) الدولة الأولى في تاريخ إفريقيا الغربية، بين وادي النيجر الأدنى شرقاً والمحيط الأطلسي غرباً وبين وادي السوس والصحراء الموريتانية شمالاً ومنابع النيجر والضفة اليمنى لنهر السنغال جنوباً فيما كان يسمّى بلغة البلاد «واكادو» Wagadou أو فيما يسمّى اليوم «جمهورية مالي» و«جمهورية السنغال». وتدل الروايات التي اعتمد عليها المؤرخون العرب والإفريقيون على أنّ أربعة وأربعين ملكاً تولّوا حكم البلاد حتّى عام (880م) وبعد ذلك تربعت على عرش البلاد سلالة جديدة وفي زمنها دخل الإسلام إلى المملكة لأوّل مرّة في القرنين التاسع والعاشر، عن طريق التجارة أوّلاً ثمّ عن طريق الفتوح وبواسطة الملوك. على أنّ هذه الرقعة العظيمة التي سيطرت عليها مملكة غانا، لم تكن تابعة لسلطة مركزية، وإنّما كانت هناك إمارات صغيرة تابعة للعاصمة كومبي: غاؤ في الشرق ومملكة مالي في الجنوب والممالك البربرية في الصحراء الموريتانية. وإن اتّساع رقعة هذه المملكة، التي بلغت الأوج بين القرنين التاسع والحادي عشر، ووجود عدد من القبائل الكثيرة تعيش في تنازع قبلي دائم، كان سبباً في تفتيت وحدة هذه المملكة الكبيرة، فلم تستطع الصمود أمام الهجمات التي قام بها المرابطون بقصد نشر الإسلام: فقد استطاع الإسلام أن يؤلف بين القبائل البربرية القاطنة في شمال غانا فتمكّنت تلك القبائل من أن تتخطف أطرافها الشمالية فاستولت على مدينة أودغست([183]) إلاّ أنّ غانا قد استفادت من الخلافات القبلية التي استعر أوراها بين البربر فاستعادت بعض الأراضي واستردّت نشاطها في مواجهة هذه القبائل المسلحة. وعندئذ شعرت القبائل بضرورة الوحدة تحت زعامة دينية قوية تقف في وجه القوة الوثنية وتستطيع نشر الإسلام في إفريقيا. وبعد نزاع مرير تولّت قبيلة (جدالة) القيادة وعاد يحيى بن إبراهيم صاحب أودغست من الحج مصطحباً معه عبدالله بن ياسين ليقوم بتفقيه القبيلة، وكان هذا شعلة من الحماس لنشر الإسلام والجهاد في سبيله، ولم يلاق ابن ياسين في أوّل أمره كبير نجاح نظراً للنزاع القبلي الذي آذى جهوده، فانسحب مع بعض أتباعه إلى الجنوب، وأقام في جزيرة على مصب نهر السنغال سمّاها الرباط، أرسل منها أعوانه للقيام بالدعوة إلى الإسلام. وقد عاش في الرباط حياة الزهد والورع. فالتف الناس حوله بعد أن ذاعت شهرته واتخذ لنفسه ولأتباعه لقب المرابطين (أي القاطنين في الرباط أو العاملين بمبادئه) وقد عمل المرابطون على صيانة الإسلام ونشره وتفقيه الناس أصول الدين، وما أن اكتملت قوّة المرابطين واطمأن عبدالله بن ياسين إلى تأييد أنصاره حتّى هاجم مملكة غانا عام 1056م واستعاد أودغست وأعلن الجهاد ضد الوثنية وانضمت القبائل الإفريقية التي أسلمت على يديه إلى جيوشه، ولما قتل في إحدى المعارك عام 1057م انفرد أحد أنصاره بالزحف نحو الشمال وبهم استطاع يوسف بن تاشفين تأسيس دولة المرابطين في المغرب فيما بعد بينما قام تلامذته بمحاصرة كومبي عاصمة غانا عام 1076م وفتحوها عنوة وأسلم قسم كبير من سكانها كما أسلم ملكها تانكامنين.
إلاّ أنّ الخلافات القبلية عادت إلى صفوف المرابطين فانتهزت غانا الفرصة وطردتهم من العاصمة عام 1078م إلاّ أنّ تأثير الإسلام قد تغلغل في حياتها.
التأثير العربي الإسلامي في غانا
ويقصد بذلك الأثر الذي تركه الإسلام في هذه الدولة الإفريقية وينبغي أن نشير إلى أنّ التأثّرات الإسلامية لم تكن عامة بل كانت ظاهرة خاصة بالعاصمة وببعض المدن الأخرى، ذلك لأنّ الإسلام قد أتى إلى تلك البقعة عندما كانت غانا تلفظ أنفاسها الأخيرة.
ومن الملاحظ أنّ التغلغل الإسلامي في غانا كان في أكثر أحواله سلمياً، وقد بدأ حين قدم التجار المسلمون إلى كومبي فبنوا لسكناهم مدينة خاصة على الطراز المعماري في المغرب فلم يلبث الملك والأشراف أن استقدموا المهندسين المعماريين العرب من فاس ليقوموا ببناء القصور، وقد امتنع المسلمون عن التدخل في عبادة الإفريقيين فمارس المسلمون عبادتهم بحرية تامة، وبنوا من أجل ذلك المساجد، وأنشؤوا المدارس التي تعلّم القرآن والعربية. وقد أقبل المؤمنون الإفريقيون على هذه المدارس بشغف كبير، ممّا جعل اللغة العربية لغة الثقافة الوحيدة في البلاد بالإضافة إلى أنّها كانت اللغة التجارية المستعملة في التبادل التجاري والمكاتبات.
وقد اعترف الغانيون للعرب المسلمين بالتفوق الثقافي، لهذا طلب من المسلمين أن يشاركوا في إدارة البلاد بخبراتهم الواسعة، ويحدّثنا البكري عن أنّ كثيراً من وزراء الملك كانوا من المسلمين وكان التراجمة منهم، وكان وزير الخزانة من المسلمين وقد أدخل هذا نظام الضرائب العينية على البضائع المصدرة والمستوردة نظراً لعدم وجود النقد المسكوك.
وقد تولّى المسلمون في غانا تنظيم أمور المالية لخبرتهم بها، وللثقة الكبيرة التي كان الملك الوثني يشعر بها نحوهم. ولما أسلم الملك أخذوا بالتقاليد الإسلامية التي فرضت على الحاكم أن يتجول في شوارع المدينة ليشرف بنفسه على سير الأمور في مملكته، وليتلقى الشكاوى من المواطنين.
وكان من تأثير الإسلام في هذه المملكة أن أوقف التناحر القبلي بين السكان والقبائل التي دانت به. وقد أطل الإفريقيون بواسطة الحضارة العربية الإسلامية على عالم الثقافة والنور فلم تلبث القبائل التي اتخذت الإسلام ديناً، أن حملت لواء نشره بحماس عجيب. وبعد مضي قرنين من ذلك انتشر الإسلام في أودية النيجر والسنغال العليا. وهناك ظهرت مملكة كان الإسلام عنصراً هاماً في تكوّنها، بل إنّه كان الأساس الذي قامت عليه ألا وهي مملكة مالي أو الماندينغ.
مملكة مالي([184])
كانت مملكة مالي تشغل الدول التالية في الوقت الحاضر: جمهورية مالي في الوسط وموريتانيا الجنوبية في الشمال والسنغال وغينيا في الغرب وأراضي ساحل العاج الشمالية والفولتا في الجنوب. وجمهورية النيجر في الشرق.
إنّ المعلومات المتعلقة بالنشأة الأولى لهذه المملكة تغلفها الأساطير وقد اعتمد المؤرخون على التقاليد الشعبية المتداولة Traditions في بعض القرى المحيطة بمدينة كانغابا Kangaba على نهر النيجر (جنوب باماكو عاصمة جمهورية مالي الحالية) أو القرى الواقعة جنوب مدينة «سيغيري» Siguiri (على نهر النيجر جنوب غرب باماكو) في شمال شرق غينيا.
وإنّ نظرة بسيطة في هذه الروايات أو التقاليد تبين لنا أنّ الضعف قد تسرب إليها بعد عمر يزيد على ثمانية قرون. فقد تناقلتها الأ[يال طوال هذه المدّة ولعب بها خيار الرواة وتحكمّت أهواؤهم.
وتنسب هذه الروايات ملوك مالي إلى بلال مؤذن الرسول (صلّى الله عليه وآله) وتورد في شجرة العائلة المالكة ثمانية عشر اسماً من ملوكهم بعضها عربي. وتنتهي هذه الأسماء عند «مغان كون فاتا» Konfatta والدسوندياتا، المؤسس الحقيقي لمملكة مالي. ونفهم من هذه الروايات أيضاً أنّ الإسلام قد رافق مالي منذ نشأتها. فقد ذكر البكري أنّ أوّل ملك اعتنق الإسلام في مالي كان يسمّى المسلماني([185]) ويسمّيه ابن خلدون «باراماندانا» وتتلخص قصة إسلامه بأنّ البلاد قد تعرّضت لجفاف شديد، عام (1050م)، ضاق به أهلها. ولما سئل أحد التجار العرب المسلمين عن الحل المناسب اقترح على الملك أن يعتنق الإسلام ويقيم صلاة الاستسقاء لكي يرسل الله الأمطار… ويضيف المقريزي أنّ هذا الملك قد أصبح ورعاً، سن للملوك بعده تقليد زيارة البيت الحرام كل عام غير أنّ الروايات قد أغفلت بعد هذا الملك ذكر خلفائه إلى أن أتى عهد سوندياتا([186]).
وقد ذكر ابن بطوطة مالي في رحلته إليها عام 1353م كما أشار إليها ليون الإفريقي الذي زارها في أوائل القرن السادس عشر. أمّا ابن خلدون فإنّه يستقي معلوماته عن تاريخ البلاد من الشيخ عثمان مفتي كومبي الذي زار القاهرة عام 1394م في طريقه إلى الحج، ومن أبي عبدالله محمد السجلماسي الذي كان يعمل عام 1374م قاضياً بمدينة غاؤ (جنوب شرق تومبكتو على النيجر) وينقل ابن فضل الله العمري تاريخ البلاد عن عثمان الدقلي الذي مرّ ذكره ثمّ تجد بعد ذلك إشارات عن مالي عند الإدريسي([187]). وأنّ هناك أبحاثاً مستفيضة عن مالي في تاريخ السودان لعبد الرحمن السعدي([188])، وفي التاريخ الفتاش لمحمود كابي وهناك روايات إفريقية مخطوطة بالعربية محفوظة في دكار ترجم «دولافاس» بعضها إلى الفرنسية في مجلة الدراسات الإفريقية.
ظهور المملكة
بعد أن استولى المرابطون على غانا في عام 1087م مرّت إفريقيا الغربية باضطرابات قبلية، أدّت إلى حروب طويلة بين الدويلات الصغيرة التي ورثت مملكة غانا، على أنّ الإسلام قد تدافعت موجاته بعد ذلك التاريخ، وساعد على نشوء بعض الدول مثل مملكة مالي بعد أن اعتنق ملوكها الدين الجديد وعملوا بمبادئه على توحيد إفريقيا الغربية.
إزاء تقدّم الإسلام لم تجد الوثنية بدّاً من المقاومة والتكتل، وقد تبلور ذلك في مملكة الصوصو الوثنية إلى الجنوب من غانا. ودام رد الفعل هذا ما يزيد على قرن (1087ـ1235م).
ومنذ أوائل القرن الخامس عشر أخذ نجم مالي بالأفول أمام القوّة المتزايدة لمملكة غاؤ التي نشأت شرقي مالي على النيجر الأيمن.
مملكة السونراي في غاؤ
كانت قبائل السونراي أو السونغوي Sonari Songhoi تعيش على امتداد وادي النيجر الأوسط، إلى الشمال من الداهومي. وكانت تشكل عشيرتين كبيرتين متعاديتين([189]) وقد اضطرت إلى ترك إحداهما في نحو عام 890م مواطنها الأصلية باتجاه الشمال وتمركزت حول محطة القوافل (غاؤ). ويقول السعدي([190]) إنّ قسماً كبيراً من هذه القبيلة قد استجاب لدعوة الإسلام التي بشّر بها دعاة قادمون من طرابلس الغرب. ولم يلبث هؤلاء الدعاة المثقفون أن أصبحوا حكاماً لهذه القبيلة الكبيرة. وبذلك تأسّست إمارة صغيرة حول غاؤ في مطلع القرن الحادي عشر. وقد تطوّرت المدينة وأصبحت عاصمة للسونراي بعد قرنين ونافست مالي بفضل موقعها التجاري العظيم، فقد كانت في منتصف المسافة بين السودان الشرقي (سودان الخرطوم) وتشاد وبين السودان الغربي والأوسط (إفريقيا الغربية) وكانت أيضاً نقطة الاتصال بالجزائر شمالاً وبطرابلس في الشمال الشرقي.
وتقول الروايات إنّ الدعاة المسلمين اندمجوا بعد مدّة في العناصر الزنجية عندما ساد الإسلام بين جميع القبائل، والملك الخامس من السلالة الحاكمة أوّل من اعتنق الإسلام. وقد ظلّ الملوك في أوّل أمرهم يخضعون اسمياً إلى ملك غانا حتّى القرن الثاني عشر ثمّ إلى مالي في القرن الثالث عشر والرابع عشر، ولما غاب نجم مالي منذ مطلع القرن الخامس عشر أعلنت مملكة غاؤ استقلالها بين تهديد قبائل الموسي الوثنية في الجنوب وغزوات الطوارق في الشمال والشرق.
في ذلك القرن قدمت إلى موريتانيا موجة عربية إسلامية تتمثل في قبائل بني حسان التي جاءت من مراكش، وقد وصلت إلى السنغال وساهمت في نشر الإسلام بين القبائل الوثنية، على أنّ بعض القبائل الوثنية استعصت على الدين الجديد، وهاجمت المسلمين هجوماً عنيفاً، بينما بدأ الأوروبيون على سواحل إفريقيا الغربية منذ مطلع القرن الثامن عشر بإقامة مراكز لهم كانت نقاط انطلاق للاستعار.
إنّ هذا الوضع الجديد قد دعا كثيراً من الزعماء المسلمين إلى الاتحاد لصدّ العدوان الجديد، وللقضاء على الوثنية. وقد آتت نتائج هذا الاتحاد أكلها في مطلع القرن التاسع عشر، إلاّ أنّ عوامل أخرى صنعها الاستعمار قد قضت على الوحدة المأمولة التي كان يسعى إليها كلّ من الحاج عمر، وساموري توري وغيرهما.
الممالك الإسلامية في نيجيريا
وتشاد والهاوسا في نيجيريا
سجل القرن الرابع عشر ظهور عدد من الإمارات الإفريقية في الأنحاء الجنوبية من إفريقيا الغربية كانت تقوم على التجمّع القبلي أو الديني: الإسلامي والوثني. وقد دخلت هذه الإمارات في منازعات مريرة لأنّها لم تكن ذات حواجز طبيعية تقيها الغزوات. وكان العامل الديني يجمع الإمارات في مملكة واحدة كما حدث لإمارات الهاوسا Haoussa في نيجيريا الشمالية.
والهاوسا قبيلة كبيرة كانت تعيش فيما نسمّيه الآن نيجيريا الشمالية والقسم الجنوبي من جمهورية النيجر، أتاها الإسلام خلال القرن الحادي عشر وما بعده عن طريقين: الأوّل شرقي عن طريق تشاد والثاني غربي عن طريق الممالك الإسلامية والتجار من غرب إفريقيا.
لعبت الهاوسا الإسلامية دوراً هاماً في تاريخ نيجيريا فألفت عدّة إمارات حول بعض المدن بين الحوض الأدنى للنيجر وبحيرة تشاد. وأشهر هذه الإمارات التي وحّد الإسلام بينها من الغرب إلى الشرق كبي Kebbi وسوكوتو Sokoto وكاتسينا Katsina وكانو Kano في الوسط ثم زاريا في الشرق([191]). وكانت شعوب الهاوسا([192]) على شيء من الرقي في الزراعة والصناعة ولما تغلغل الإسلام في المنطقة استطاعت بعض الأسر الإسلامية أن تحكم مدينة كانو بزعامة محمد رومفه عام 1352م([193]) ثمّ ضمّوا إليهم مدينة كبي عام 1550م التي كانت على علاقات وثيقة مع السلطان محمد صاحب غاؤ وكانت حليفة له في حروبه ضد سلطان أغادس في صحراء النيجر.
وبعد أن توحّد أمر المسلمين في الشمال شنوا حرب الجهاد باتجاه الجنوب الوثني.
وكانت ثروة المملكة مطمعاً للدول المجاورة في تشاد وللسونراي في غاؤ، ولما سقطت غاؤ عام 1591م تمتعت الهاوسا بالهدوء والاستقلال إلاّ أنّ المسلمين في تشاد كانوا يقتطعون أقساماً من أراضي الهاوسا الشرقية وقد ضاع كثير من المصادر المحلية التي ألفت بالعربية في تاريخ الهاوسا خلال تلك الحروب.
وفي بداية القرن التاسع عشر وصلت إلى نيجيريا موجة إسلامية إفريقية قادمة من غرب إفريقيا تمثّلت في الهجرة الجماعية لقبائل البوهل Pehuel([194]) ويسمّيهم بعض المؤرخين بالفولا أو الفولاني أو التوكولور، ولما عظم أمرهم وكثر عددهم سيطروا على البلاد بشجاعتهم وحماستهم للدين وللدعوة إليه.
الدعوة إلى الإسلام في نيجيريا
ودور عثمان دان فوديو
قام زعيم البوهل «عثمان دان فوديو» عام 1801م بالدعوة للجهاد ولقطع دابر الرقيق. وقاد عاد من الحج متحمساً لفكرة توحيد المسلمين والوقوف في وجه الاستعمار وتحصن بمدينة سوكوتو ولقب نفسه أمير المؤمنين، وفي الوقت نفسه، ضمّ إلى ملكه حتّى عام 1808م أربع عشرة إمارة من الهاوسا. ثمّ قصد الجنوب الوثني([195]) فأسّس هناك مراكز إسلامية في أيللورين ولوقوغا وساراكي ترك فيها عدداً من الدعاة، كما وجّه بعض أتباعه إلى الكاميرون الشمالي وقد استطاع هؤلاء أن يشكلوا هناك مملكة آداماوا الإسلامية عام 1826م، ثمّ كلف عثمان أخاه عبدالله باسترداد بعض الأراضي من مملكة تشاد([196]).
قسم عثمان مملكته إلى ولايات جعل عليها أقرباءه وأتباعه، ولما مات عام 1843م خلفه ولده محمد بللو، وكان هذا عالماً أديباً قرض الشعر بالعربية وألف بها([197]). وكانت سوكوتو في عهده مركزاً إسلامياً ثقافياً وفد إليها كثير من العلماء. وكان يتبع في نظام الحكم نصوص القرآن والشريعة، فعمّ العدل وساد الأمن([198])، غير أنّ عهده الطويل لم يسلم من المشاكل الداخلية التي ظهرت في التنازع على السلطة. وقد تدهورت الدولة بعد موته عام 1855م وثار سكان البلاد على حلفائه لأنّهم كانوا غرباء في البلاد، وقد استمرّت الاضطرابات في الشمال طيلة نصف قرن بينما كان المستعمرون الإنكليز يتوغلون في البلاد من الجنوب، ثمّ ألحقت نيجيريا بالتاج عام 1890م.
الإسلام في تشاد
مملكة كانم Kanem وبورنو Bornou
سكنت المنطقة المحيطة ببحيرة تشاد عناصر زنجية اختلطت على مر العصور بالطوارق والعرب والشعوب القادمة من غرب إفريقيا([199]). وقد وصل الاسلام إلى تلك البقاع في القرن الحادي عشر عن طريق السودان العربي وعن طريق فزان بليبيا، ثمّ تأثّرت البلاد بموجة قبائل البوهل. وقد انحسرت الوثنية نتيجة لذلك في الجزء الجنوب الشرقي من البلاد.
كان مجيء الإسلام حافزاً على توحيد القبائل تحت سيادة مملكة الكانم ببورنو حول بحيرة تشاد. وقد تربعت على عرش البلاد أسرة إسلامية في القرن الثاني عشر، ووصلت حدود هذه المملكة في القرن التالي إلى الصحراء الليبية شمالاً وإلى كانو غرباً وإلى «واداي» Ouadio شرقاً وإلى «الباغيرمي» Baguirmi جنوباً. وقد اشتهر من ملوكها إدريس الأوّل (1353ـ1376م) وفي نهاية القرن الرابع عشر دب الانحطاط في أمور المملكة وانفصلت المناطق الجنوبية وعرفت باسم مملكة البورنو.
وقد قدر للبورنو أن تلاقي شيئاً من النشاط عندما استورد إدريس الثالث (1571ـ1603م) الأسلحة عن طريق طرابلس([200])، فأعاد للبلاد أراضيها المسلوبة وهيبتها. غير أن خلفاءه الضعفاء لم يتمكنوا من الاحتفاظ بسيادتهم فاستقلت الواداي (شرق تشاد وغرب السودان) عام 1635م بينما نشأت في الجنوب الشرقي من البحيرة مملكة الباغيرمي Baguirmi.
ولم يستطع السلطان علي بن عمر، في آخر القرن السابع عشر، أن يقف أمام هجمات قبائل البوهل فترك البلاد، وعندئذ قام شيخ من أصل عربي من فزان، يدعى محمد الأمين الكانمي، بتوحيد الجهود لتخليص البلاد من الغزاة وحثّ الناس على التمسك بأهداب الدين وصيانة الأخلاق واستطاع أن يعيد السلطة للملك الهارب.
وبعد وفاته عام 1835م سادت الفوضى في البلاد زمن السلطان إبراهيم 1846م وما بعده. وفي نهاية القرن التاسع عشر خضعت البلاد للسلطان رباح القادم من بحر الغزال بسودان الخرطوم، وكان هذا يقود جيوش المجاهدين ضد الاستعمار الإنكليزي والفرنسي، وبعد مقتله على يد الفرنسيين عام 1900م احتل الإنكليز الجزء الجنوبي الغربي من تشاد بينما ابتلعت فرنسا بقية أجزاء المنطقة([201]).
وقد وقف الباحثون([202]) على بعض المعلومات المبعثرة عن الحضارة الإسلامية الإفريقية في تلك الأصقاع، كان تأثير العرب واضحاً من ذلك الاتصال الدائم مع السودان العربي وليبيا، وكانت العاصمة (كوكا) جنوب غرب تشاد (في نيجيريا حالياً)، مركزاً لجالية عربية كبيرة من التجار والعلماء.
وتقع جمهورية تشاد بين درجتي العرض (8ْـ22ْ) شمالاً وخطي طول (14ْـ24ْ) شرقاً وتبلغ مساحتها 1224000 متر مربع. وأغلبية السكان من المسلمين على المذهب المالكي، وغالبيتهم تعيش في الشمال وينتشرون حول بحيرة تشاد. أمّا أهل الجنوب فمعظمهم وثنيون وتحول عدد منهم من الوثنية إلى المسيحية. والمسيحيون في تشاد هم بين كاثوليك وبروتستانت.
وليس لتشاد مرفأ على البحر، وهي تقع في جنوب ليبيا وغرب السودان وغرب النيجر وشمال شرقي جمهورية إفريقيا الوسطى والكاميرون ونيجيريا.
والنظام في تشاد جمهوري رئاسي.
الكاميرون
تقع جمهورية الكاميرون الاتحادية في الدرجة الثانية والثالثة عشرة من العرض الشمالي، و(45ْ) و(16ْ)، و(15ْ) من الطول الشرقي وعلى مساحة أربع درجات من خط الاستواء وتشبه الكاميرون الكمثرى في شكلها، أو بمثلث الزوايا ينتهي أعلاها في بحيرة تشاد بعرض (250) كيلومتراً، وأسفلها على شاطئ البحر الأطلنتكي بعرض (1500) كيلومتر.
يحدّها جنوباً الخليج الغيني وجنوباً غربياً جمهورية نيجيريا الاتحادية، وشمالاً غربياً جمهورية تشاد، وشمالاً شرقياً إفريقيا الوسطى، وشرقاً جمهوريتا الكونغو وغابون، وشرقاً جنوباً الغينية الاستوائية.
ومساحتها (474900) كيلومتراً مربعاً، وللكاميرون الشرقية (432000) كيلومتراً مربعاً، وللكاميرون الغربية (429000) كيلومتراً مربعاً.
وعاصمتها الإدارية ياوندي، وتقع على علو (750) متراً من البحر أمّا عاصمتها التجارية فهي دوالا، وتقع على الضفة الشمالية من نهر (وري) (Wouri).
توجد أكثر من أربعين لغة محلية في الكاميرون، واللغات الرئيسية من بينها هي: الفلان، وهي أكثر انتشاراً في الجمهورية وهي منتشرة أيضاً في كثير من بلاد إفريقيا وخاصة في جمهوريات: نيجيريا، ومالي، وسنغال، وغينيا، والموريتانية (ويقال إنّ القبائل الفلانية متفرعة من العرب) والهوسا، والعربية والبنتو، والباملكي، أمّا اللغة الرسمية فهي الفرنسية والإنكليزية معاً.
أطلق هذا الاسم على الكاميرون الملاح البرتغالي فرناندو أوب Fernando-op وذلك في (1472م) حينما وصل إلى ضفة دوالا Douala في نهر وري Wouri ووجد سكانها من الأقزام، فسمّاها: نهر كمروس Rio de Cameroes اي نهر الأقزام.
كانت الكاميرون مستعمرة الألمان من عام (1884م) إلى عام (1914م) وبعد الحرب العالمية الكبرى انقسمت إلى قسمين، فجعل القسم الشرقي منها تحت وصاية فرنسا، وقسمها الغربي تحت حماية الإنكليز.
وفي نهار أوّل يوم من يناير عام (1910م) استقلت جمهورية الكاميرون (وهي القسم الشرقي).
وفي أوّل أكتوبر عام (1961م) انضم القسم الغربي بموجب الحاصل من الأصوات نتيجة الانتخاب العام الذي أجرته الأمم المتحدة في اليوم الحادي عشر من فبراير عام (1961م) وبه صارت الكاميرون جمهورية اتحادية.
والمسلمون في الكاميرون يشكلون ستين بالمائة من مجموع سكانها البالغ ستة ملايين نسمة بالإحصاءات التي أجريت سنة (1970م).
وكلهم يتعبدون على مذهب الإمام مالك.
دخل الإسلام في شمال الكاميرون في القرن الحادي عشر الميلادي بواسطة القوافل والتجار العرب المسلمين الذين وفدوا إليها من السودان العربي عبر جمهورية تشاد. وفي عام (1801م) وجّه الشيخ عثمان بن فوديو الداعية الإسلامي جيشاً إلى شمال الكاميرون لغزو الوثنيين الذين يحيطون بالقبيلة الفلانية المسلمة واستطاع رجاله تشكيل مملكة (آداماوا) الإسلامية في عام (1826م).
وللمسلمين جمعية وحيدة في الجمهورية مركزها في ياوندي العامصة، تسمّى: (الجمعية الإسلامية الكاميرونية).
والمسيحية منتشرة في الجنوب بين الوثنيين من قبائل البنتو والباملكي وغيرهم.
الحياة الفكرية
مرّ بنا في الفصول السابقة أنّ الإسلام قد وجد طريقه إلى غرب إفريقيا منذ القرن العاشر، وأنّه قد ساهم في التطوّر السياسي لغانا ومالي وغاؤ. وقد أجمع المؤرخون على أنّ السلم والإقناع كانا الطابع العام لانتشار هذا الدين، لذلك أقبل عليه الإفريقيون إقبالاً شديداً، فلم يشهر المسلمون الأوائل السيف إلاّ في الحالات الدفاعية التي خلقها تكتل الوثنية، وكان الداعية الإسلامي يعقب الفاتح في هذه الحالة، ليدخل الطمأنينة إلى النفوس وليقرب إليها الإسلام وقد شهد الرحالة الأوروبيون([203]) على انتشار الدعوة بالطرق السلمية وقيام الداعي بأعمال إنسانية، تنطوي على الرفق في معاملة الإفريقيين، ممّا ساعد على تقدّم الإسلام بسرعة كبيرة. على أنّ هناك بعض العوامل التي ساهمت في ذلك نلخصها فيما يلي:
1 ـ أنّ قدوم عدد كبير من التجار والفقهاء والدعاة المسلمين قد بعث نشاطاً عظيماً، فقد أدّى هؤلاء واجبهم في نشر دينهم والتفوا حول الملوك والأمراء وحبّبوا إليهم الدين الجديد. وقام الفقهاء بمهمة شرح الأحكام، وقد كان في حاشية السلطان موسى والسلطان سليمان عدد منهم ولهذا نفسّر إيمان بعض الملوك في غانا ومالي بالإسلام قبل أن يعتنقه سواد الشعب.
2 ـ ولمّا قلّد الشعب حكّامه في اعتناق الدين الجديد، شهدت البلاد حماساً عجيباً، فقد قاد بعض الملوك حملات من الجهاد المقدس ضد الوثنية قام بها السلطان موسى صاحب مالي والسلطان محمد الحاج صاحب غاؤ.
وقد حاول عثمان دان فوديو والحاج عمر وولده أحمد خلال القرن التاسع عشر أن يوحدّوا البلاد في ظل الإسلام ليجابهوا الاستعمار الأوروبي. وقد احتاج الدعاة للملوك ليكونوا سنداً لهم، بينما كان الملوك يتعطشون إلى تأييد هؤلاء الفقهاء الدعاة في سبيل تثبيت سلطتهم وإعطائهم الصفة الشرعية ويحتاجون أيضاً إلى ثقافتهم وخبراتهم.
3 ـ وقد وجد الباحثون أنّ للإسلام صلة وثيقة بنفسية الإفريقي، ذلك أنّ تقارباً عظيماً قد ربط بين العقلية الإفريقية والتقاليد الإسلامية، إذ شعر الإفريقي المسلم منذ الوهلة الأولى، بالأخوة الحقيقية بينه وبين الداعية. وقد قال في ذلك أحد المؤرخين الأوروبيين([204]) على لسان أحد الشهود: إنّنا نجد الدعاة المسلمين ينفذون إلى قلوب الإفريقيين الوثنيين، ويحوّلونهم إلى الإسلام. وكان من أثر تصرّفات الداعية السلمية أن أصبح الزنوج ينظرون إلى الإسلام على أنّه دين السود وإلى غيره على أنّه دين الأوروبيين الفاتحين، وكان الإسلام يدعوه إلى الثقة بالنفس قائلاً له: «إنّ بلوغك أسمى الدرجات إنّما يتوقف عليك». ويشعر الإفريقي على الدوام بأنّ الإسلام لم يقطعه عن ماضيه أو عن مجتمعه، في حين أنّ غيره كان يجد نفسه حائراً ضائعاً، فلا هو قريب من مجتمعه، ولم يرض الأوروبيون له أن ينتسب إلى الحضارة الأوروبية.
4 ـ أمّا العامل الرابع في انتشار الإسلام فإنّه يعود إلى القيم المتداعية التي ظهرت في بقايا الوثنية، لأنّ المستوى الثقافي والأخلاقي والعقلي للمسلم كان يمثل الذروة بالنسبة لسوية الوثنية المنحطة، فلم تصمد الوثنية أمام الإسلام، فانتصر عليها انتصاراً ساحقاً في كثير من الأماكن، ومن ثم فقد كان الوثنيون ينظرون إلى المسلمين على أنّهم قدوة تحتذى([205]).
وقد تجسّدت أفكار الإسلام بشكل جلي واضح في مملكة غاؤ، فقد كان الملوك في غاؤ يجمعون العلماء والشيوخ إبان الخطوب، ويتداولون معهم في شؤون المملكة وفي الأخطار التي تتعرض لها ثم يتخذ المجتمعون قراراً في التدابير الواجب اتخاذها. وكانت سلطة العلماء زمن السلطان محمد الحاج غير محدودة وآمن الناس بقدسية رجال الدين وبأعمالهم. وقد تطور الأمر في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلى أن يصل بعض رجال الدين نسبهم بالأسرة الهاشمية([206])، وقد لقبوا بالشرفاء. ومنذ أن وطئت أقدام المستعمرين أرض إفريقيا، أصبح الإسلام عاملاً موجهاً ومسايراً للروح الوطنية، يتضح ذلك من النضال المميت الذي قام به السلطان رباح في تشاد ومحمد الأمين وأحمد الشيخ في السنغال والحاج عمر وولده أحمد في السودان الفرنسي (سابقاً) وساموري توري في غينيا([207]).
ساحل العاج
على الشاطئ الغربي لإفريقيا المطل على المحيط الأطلنطي توجد جمهورية ساحل العاج والتي يدعونها في إفريقيا بالفرنسية (كوت ديفوار) أي ساحل أو شاطئ العاج كما نعرفها في العالم العربي.
كيف دخل الإسلام؟
يقول كثير من الرواة إنّ الإسلام دخل في ساحل العاج عن طريق المجاهد الإسلامي الكبير السيد ساموري توري الذي عرف بفضله وعلمه في خدمة الدعوة الإسلامية ـ والسيد ساموري توري هو جد أحمد سيكوتوري الرئيس لجمهورية غينيا المجاورة لساحل العاج (1971). هذا ويتعبد المسلمون وفق الشريعة الإسلامية على مذهب الإمام مالك كما هو الغالب على غرب إفريقيا كلها([208]). ولقد كان لموقع ساحل العاج بجوار دولتين إسلاميتين كبيرتين هما غينيا ومالي كان له أثر كبير في تدعيم قوة المسلمين فكرياً وثقافياً إلى حد ما. كما كان لهجرة أفراد بعض القبائل المسلمة من هاتين الدولتين إلى ساحل العاج، والإقامة بها، وتكوين فروع لها لا تلبث طويلاً حتّى تنشر دينها وثقافتها في كل مكان تحل به، أثر في انتشار الإسلام.
ومن أشهر القبائل المهاجرة إلى ساحل العاج من غينيا قبيلة ونجرا ولها قوة وسطوة وعادات حسنة.
نزول الاستعمار
والبعثات التبشيرية
أوّل من نزل من البيض الأوروبيين في هذه الأرض رجل اسمه «هولندي» على أحد شواطئ بلدة آرسيني وكان قد حضر على سفينة ومعه أتباعه المسلحون بأسلحة حديثة تفوق تلك الأسلحة البدائية بدرجة كبيرة حيث لا يوجد في تلك البلاد آنذاك سوى السهام والعصي الخشبية. ولقد سجل التاريخ بسطور من نور تلك المقاومة الرائعة التي أبداها الوطنيون الإفريقيون لمنع هولندي وأتباعه من النزول في هذه البلاد، واشتبكوا معه في قتال عنيف ومرير كان النصر فيه للأسلحة الحديثة التي لا يعرفها الوطنيون، ودخل هولندي البلدة على جثث وأشلاء القتلى التي امتلأت بها الطرقات والميادين حتّى كاد أن يفنى جميع الوطنيين الذين يقاومونه في كل مكان يلقونه، بالرغم من أنّهم عزل من السلاح. وبعد هذه المرحلة من النزول بدأ في المرحلة الثانية، وهي اكتساب الصفة القانونية والشرعية لاحتلال هذه الأراضي، واستغل في ذلك بعض الفقراء والجهلاء مهدداً مرّة ومعذباً مرّة أخرى، ثمّ يلوح لهم أحياناً بالوعود والأماني، حتّى أجبرهم على التوقيع على عقود لبيع أراضيهم له، وإلى رفاقه حتّى استولى على جميع الأراضي، وأصبح المواطنون الأصليون خدماً وعبيداً له يستغلهم في العمل والأرض كما يشاء.
نزول الفرنسيين
ولكن هذا الأمر لم يدم طويلاً، فبعد انقضاء عدة سنوات وصل إلى بعض الشواطئ جماعة من الفرنسيين، كان يتزعمهم رجل اسمه بنجيير ومعه تريش ولبلين، وأخذوا يتجولون في هذه البلاد بحثاً عن الحياة، حتّى عثروا على هولندي وأتباعه في بلدة آرسيني. ويبدو أنّ الفرنسيين كانوا أكثر عدداً وعدّة، ذلك أنّ هولندي وأتباعه غادروا البلاد فوراً، بمجرد أن طلب منهم الفرنسيون ذلك، وهكذا دانت هذه الأراضي للفرنسيين وحدهم، واحتلوها وانتشروا فيها، وأخذوا يقومون ببعض الخطوات العمرانية، فأسّسوا أوّل مدينة لهم وسمّهوها «بنجيير فيل» على اسم زعيمهم ثم مدينة «تريشفيل»، ثم «غراندباسم» فدابوا، فمدينة آرسيني أوّل مدينة نزل بها الرجل الأبيض.
الثقافة العربية
تعتبر الثقافة العربية محدودة جداً أو شبه معدومة حيث لا يوجد إلاّ بعض المدارس الصغيرة التي تدار بالطرق البدائية القديمة وعددها لا يتجاوز أصابع اليد. والدولة لا تعترف بها وينفق عليها بعض الخيرين من المسلمين وكذلك آباء التلاميذ ممّا يدفعونه كل شهر ولقد استطاع بعض تلاميذ هذه المدارس أن يسافر للقاهرة ويلتحق بالأزهر الشريف بجانب إخوانه المسلمين هناك.
السكان
يبلغ سكان جمهورية ساحل العاج حسب الإحصاء الذي قامت به هيئة الأمم في عام 1964م: (3375000) ثلاثة ملايين وثلاثمائة وخمسة وسبعين ألف نسمة. فقبائل ماندي، ودولا، وسينوفا، التي تسكن المنطقة الشمالية من جمهورية ساحل العاج هي قبائل مسلمة.
أمّا قبيلتا أجنى وأشانتي، والقبائل الأخرى التي تقطن وسط جنوبي جمهورية ساحل العاج فهي في طور بدائي همجي لا تدين بأي دين. ومن التدقيق في أقوال الذين كتبوا عن هذه الجمهورية يمكننا أن نستخلص ما يلي: يشكل المسلمون 55 بالمائة من السكان والمسيحيون 10 بالمائة والسكان البدائيون 35 بالمائة. ومع أنّ لهجات السكان تبلغ ستين لهجة فإنّ اللهجات الأكثر شيوعاً هي لغة الماندي، والأجنى أما لغة الدولة الرسمية فهي الفرنسية.
تاريخ هذه الجمهورية
معلوماتنا عن تاريخ هذه الجمهورية القديم ضئيل جداً. وجل ما نعرفه هو أنّ القسم الشمالي منها كان تحت النفوذ الإسلامي منذ القرون الأولى للهجرة فقد كانت مدينة بنتوكي تقع على طريق القوافل من مدينة (تومبكتو) في جمهورية مالي إلى مدينة (سوكوتو) الإسلامية في نيجيريا.
وفي خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد كان القسم الشمالي من جمهورية ساحل العاج واقعاً تحت سيطرة دولة مالي الإسلامية. وفي القرن الثامن عشر للميلاد، كانت هذه المنطقة جزءاً من مملكة (إبراهيم سمبيجو الغيني).
الاستعمار في جمهورية ساحل العاج
بدأ البرتغاليون غزو الأراضي الساحلية الواقعة على خليج غينيا في القرن الخامس عشر وأعقبهم الفرنسيون. ولما كانت القبائل التي تقطن على ساحل خليج غينيا تتعاطى تجارة العاج، فقد أطلق الأوروبيون على هذا الساحل (ساحل العاج) وفي القرن الثامن عشر للميلاد نزحت قبيلتا أجنى، وأشانتي، من الشرق، واستوطنتا الأجزاء الجنوبية من ساحل العاج وأسستا مملكتهما هنالك.
ومنذ استهلالة هذا القرن (الثامن عشر) بدأت الإرساليات التبشيرية المسيحية نشاطها على هذا الساحل وفي عام 1842م وقعت فرنسا اتفاقية مع ملك (أجنى) دخلت بموجبها منطقة «بسام الكبيرة» تحت الحماية الفرنسية. وكان القسم الشمالي من ساحل العاج جزءاً من مملكة (موسى) التي اعتنق ملكها الإسلام، في منتصف القرن التاسع عشر وتسمّى بـ (أبي بكر) ولم يدخل تحت النير الإفرنسي إلاّ في عام 1898م عندما هزم الفرنسيون القائد المسلم المشهور في غربي إفريقيا (إمام المامي ساموري الغيني).
ثمّ أصبح ساحل العاج مستعمرة إفرنسية ثمّ انتخب أوّل مجلس له في 1947م. وفي عام 1957م منح استقلالاً ذاتياً، وتشكلت أوّل حكومة بموجبه، وفي شهر ديسمبر من عام 1958م أعلنت جمهورية ساحل العاج وفي 20 سبتمبر 1960م أصبحت جمهورية ساحل العاج عضواً في هيئة الأمم المتحدة. وفي 31 أكتوبر 1960م وضع دستور جديد لهذه الجمهورية أعلنت فيه حرية الأديان وأنّ الدولة بموجبه ليست لها صبغة دينية.
الحبشة
أخذ الإسلام ينتشر في المناطق الشرقية للحبشة ولكن ببطء ثمّ أخذ يشق طريقه إلى داخل البلاد بواسطة المسلمين من الأحباش الذين أسلموا على أيدي العرب.
ويقول أرنولد Arnold إنّ أربعة وأربعين عربياً من حضرموت وفدوا إلى الحبشة وقاموا بالدعوة الإسلامية في بلاد الصومال وإنّ أحدهم ويدعى الشيخ إبراهيم أبو زرباي سار إلى مدينة هرر سنة 1430 ميلادية ودعا الناس إلى الإسلام فأسلم على يديه خلق كثير.
وازداد عدد المسلمين فكوّنوا جبهة وزحفوا على هرر سنة 1521 ميلادية بقيادة أبي بكر بن محمد سلطان عدول واستولوا عليها ونشروا الإسلام فيها.
ونهض أحمد بن إبراهيم من أبناء مدينة هرر وغزا الجلا وسائر القبائل التي تجاور مدينة هرر. ومنها زحف إلى عند فاكسوم ولقد حالفه النصر في جميع غزواته وانضم تحت لوائه عدد كبير من زعماء الأحباش واعتنقوا الإسلام. وقد قتل في ميدان الحرب عام 950هـ.
وتمكّنت طائفة من التجار المسلمين من أهالي تكرور بالسودان من الانتشار في شتى بقاع الحبشة وهؤلاء ساعدوا إلى حد ما في نشر الإسلام.
وليس من شك أنّ اشتغال المسيحيين في الحبشة بالخلافات المذهبية ساعد الإسلام على التوسع والانتشار في الأراضي الحبشية.
ولمّا قام محمد أحمد المهدي بحركته وغزا كردفان ودارفور وبحر الغزال وسنار الخرطوم أرسل أحد أتباعه ويدعى محمد جبريل إلى الحبشة لنشر الإسلام ولقد نجح في دعوته إذ أسلم على يديه خلق كثير منهم شقيقة الملك يوحنس وقد تزوجت أحد الأمراء المسلمين الأمر الذي أغضب الملك فأخذ يضطهد المسلمين ويذيقهم ضروباً من الأذى حتّى اضطر كثير منهم للهجرة إلى السودان. «كما ورد في مجلة رابطة العالم الإسلامي».
هكذا بدأ الإسلام يخطو في الحبشة خطوات واسعة نحو الأمام ثم انكمش وتقلص في عهد الملك يوحنس وفي عهد خلفه منليك واستمرت تلك الاضطهادات زمناً طويلاً حتّى عام 1913م حين قام بالأمر الملك ليج اياسو فناصر الإسلام بكل قوّته وزعم أنّه من سلالة الرسول (ص) وليس من سلالة سليمان، وتزوج من النساء المسلمات وانتظم في سلك المسلمين وتزيّى بزيّهم وتقلّد السيف العربي وكتب على العلم بالحروف الحبشية (لا إله إلاّ الله محمد رسول الله) «كما ورد كذلك في المجلة المتقدم ذكرها».
وفي أواخر عهد هذا الملك ظهرت فكرة إيجاد رابطة بين الأحباش والعرب وكانت فكرة هذا التقرّب أقوى وأبرز وضوحاً بين أهالي الصومال منها بين سائر القبائل الحبشية. فالصوماليون يقولون إنّهم من سلالة عقيل بن أبي طالب كما تقول القبائل البشارية إنّها من سلالة عربية ولقد أخذ كثير من الأحباش يقبلون على دراسة اللغة العربية وهم يعتبرونها لغة مقدسة.
ومن المؤسف أنّ كثيراً من مسلمي الجلاء والساهو والبجة وغيرهم من الكوشيين وغير الكوشيين لا يفهمون الإسلام على حقيقته وليس من شك أنّ ذلك يرجع إلى قلّة المدارس الدينية وعدم وجود دعاة مثقفين يعلمون الناس حقائق الإسلام. وهناك عادات قديمة سيئة عاشوا عليها فترة من الزمن لذلك كان من الصعب أن يقتلعها الإسلام من نفوسهم.
وللطرق الصوفية في الحبشة مكانة خاصة في نفوس المسلمين، منها:
1 ـ الطريقة القادرية: نسبة إلى عبد القادر الجيلاني ـ وهي أكثر الطرق انتشاراً وأتباعها يقومون بمهنة التعليم ولا يميلون إلى احتراف الزراعة والصناعة.
2 ـ الأحمدية وهم أتباع أحمد بن إدريس المتوفى في عسير في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر.
3 ـ الصالحية وهم فرع من الأحمدية أنشأها محمد صالح. وقد استطاع أتباع هذه الطريقة تحت زعامة محمد بن عبدالله حسان أن يكوّنوا نفوذاً واسع النطاق وأن يوحدوا القبائل تحت لواء الإسلام.
على أنّ هناك طائفة مثقفة من مسلمي الحبشة تلقوا العلم في الأزهر وفي الحجاز. كما أنّ هناك طائفة من علماء الحبشة المسلمين ظهرت آثارهم في العالم الإسلامي بعيداً عن وطنهم. وعلى رأس هؤلاء الأعلام: الجبرتي المؤرخ، ارتحل جدّه السابع الشيخ عبد الرحمن من بلاده في أوائل القرن العاشر واستقرّ في مصر بعد أن أقام ردحاً من الزمن في مكة والمدينة.
ومنهم الشيخ إسماعيل بن سودكين الجبرتي ومنهم الفقيه الأصولي فخر الدين أبو عمر وعثمان بن علي بن محجن الزيلعي وغير هؤلاء ممّن ورد ذكرهم في كتب التاريخ.
ويرى بعضهم أنّ عدد المسلمين في الحبشة لا يقل عن ستين في المائة، وهو دون شك لا يقل عن خمسين. وفي الحبشة بعض الشيعة لا سيما في هرر.
الكونغو
ممّا لا جدال فيه أنّ الإسلام دخل الكونغو منذ زمن موغل في القدم فقد عرف العرب كل المنطقة بكل مجاهلها وأدغالها، ولولا شذرات ترد عرضا
في تقارير الرحالة والمكتشفين ومذكراتهم لظلّ أمر هذه المناطق والأثر الإسلامي فيها مجهولاً لمن يريد أن يكتب للتاريخ أو يفهم حقيقة التاريخ.
ومن هؤلاء الرحالة البلجيكي (فريتزفان در ليندن) فقد استوفى في كتيب رحلته الحديث عن الكونغو وتناول في بعض لفتاته ذكر العرب فقال في الصفحة 261 في بحث عن تداول المسكوكات… إنّ أكثر الأهالي المستعربين يعفون النقود وإنّ التجار العرب من الكاسنقو وأكبر التجار الذين لهم علاقات مع زنجبار يؤثرون الذهب لا سيما الليرة الاسترلينية لأنّ علاقاتهم متصلة مع عرب أوغندا،… والمستعمرات الألمانية في شرقي إفريقيا ثمّ استطرد قائلاً: إنّ العنصر العربي لا يزال عظيماً في جهات كاسنقو القديمة ثمّ ذكر مدينة نيانقواء Niangwa فنقل عن السويدي (غليروب) قوله في سنة 1886م إنّ نيانقواء هي مقر العرب الأصلي وهي مقسومة إلى قسمين يفصل بينهما واد عميق تكثر فيه مزارع الأرز ـ فإذا بلغ ارتفاع نهر الكونغو معظمه طغت المياه على هذا الوادي ـ وقد زادت هذه المدينة من عهد استانلي ازدياداً عظيماً بفضل الحركة العربية النشطة ـ فأهلها اليوم يبلغون نحو عشرة آلاف نسمة وهؤلاء هم المستقرون فيها ـ وترى على جانبي الوادي أفخر المزارع والمغارس وجميع الأشجار المثمرة المجلوبة من إفريقيا الشرقية كذلك أدخل العرب فيها المواشي والحمير الفارهة للركوب.
وممّا يذكر أيضاً أنّ حاكم مدينة (نيانقواء) كان زعيماً عربياً في الصميم وقد أبقته الحكومة البلجيكية أميناً لها وحظي بمقابلة الملك في قصر (بروكسل ببلجيكا).
وفي صفحة 290 ذكر قرية أخرى مستعربة مدحها بنظافتها وبيّن الفرق العظيم بينها وبين القرى الآخرى التي يسكنها غير المستعربين وشاهد فيها سوقاً مهمة تقام كل يوم من الصبح إلى الظهر في ساحة القرية، ووصف الدكاكين فيها ـ معروضة أمامها أصناف البضائع ـ وحوانيت الخياطين. وباعة الخزف وغير ذلك، وقال إنّ المستعربين رحبوا بهم ترحيباً ودعوهم إلى منازلهم، فعرجوا على معلم (كتاب) أمامه جماعة من الصبيان يعلمهم القرآن الكريم.
وذكر أنّ سكان هذه القرية عددهم ألفا رجل. وقال إنّه سأل (المسيو دومو لمستر) المندوب العام في الكونغو عن عدد المستعربين في الولايات الشرقية من الكونغو: فقال له لا أقدر أن أجزم بشيء ولكنّي أظنّ أنّهم نحو مائتي ألف، فقال له ألا تراهم خطراً دائماً على المستعمرة؟!
فأجابه كلا!! لأنّهم متفرقون، ولأنّنا نحن نملك القوّة اللازمة لقمع كلّ ثورة، ثمّ قال له: طالما اتّهم هؤلاء العرب والمستعربون تهماً باطلة فلا أنكر أنّه يجب علينا مراقبتهم وإجبارهم على طاعة القوانين، ولكن ممّا لا أنكره أيضاً أنّهم عنصر جيّد في البلاد ـ لأنّهم قوامون على الزراعة، مدنيون بطبعهم، وعندهم ميل إلى الجنس الأبيض، ونحن في كل سنة نشتري منهم في جهات (ستانليفيل) و(بونتيارفيل) و(لوكاندو) و(كيرندو)… ومناطق حوض النيل مقداراً مهماً من الأرز!
وهكذا فقد انتشر الإسلام في المناطق الاستوائية من لدن عدّة قرون خلت وقد دخل إلى كل مدينة وقرية إلى كلّ الأدغال والأحراش من عدّة جهات نوضحها كما يلي:
1 ـ عن طريق المد الفكري الذي صحب الهجرة العربية الأولى إلى إفريقيا الشرقية وكان ذلك جد قديم بل قبل أن تكون هناك دولة عربية في زنجبار ودار السلام.
2 ـ عن طريق المحيط الهندي الذي استغله التجار العرب والشيرازيون الإيرانيون وكانت زنجبار ودار السلام محط الرحال ومنطلق الدعاة للدين الإسلامي وتأسيس المراكز التجارية بالذات بعد توطيد الحكم العربي الإسلامي في البلدتين.
3 ـ عن طريق الشواطئ الغربية ـ المحيط الأطلسي ـ حيث امتدّ إليها الإسلام بواسطة المرابطين الذين توغلوا في الأوساط من إفريقيا فأخذوا يبشرون بالدين ويتاجرون.
4 ـ عن طريق تشاد إبان ازدهار مملكتها الإسلامية ثمّ عن طريق الحركة المهدية التي امتدّت إليها من السودان وقد أثرت كل هذه الجهات تأثيراً فعالاً في كل شيء.
ومما تجدر الإشارة إليه أنّ معارك إسلامية ضارية قامت في طول وعرض المناطق الاستوائية والغربية في القرن التاسع عشر، وذلك عندما قامت الحركات التحررية التي قاومت العدو المستعمر وقد نشط لها كل مسلمي الكونغو وأحراره، وقد قام بها ثلاثة من الرجال.
أوّلهم الزبير باشا في حوض النيل الأعلى من سنة 1856مـ1875م ورابح بن فضل ـ في حوض تشاد من سنة 1877مـ1900م والحاج عمر تال الذي كوّن جيشاً من مسلمي (غابون) من بلاد الكونغو وظلّ يحارب الوثنيين وينشر دعوة الإسلام حتّى توفي سنة 1865م وكان الفضل في التمهيد لكل هذه الحركات يرجع إلى حامد محمود الزنجباري ـ الرجل العربي الذي أنشأ عدّة مراكز إسلامية في الكونغو… وأسّس أوّل دولة إسلامية فيها وجعل ينشئ على ضفاف النيل مراكز ومخازن للتجارة أهمها ـ ريبا ـ ونيانقوا ـ وكازنقو ـ وأنشأ لكل هذه القرى والمدن مزارع منظمة رتّب لها العمال وحكم هذه المنطقة ما يقرب من خمسة وعشرين عاماً ـ وإلى هذا المجاهد يرجع الفضل في تمكين الرحالة المكتشفين من أداء مهماتهم بل كانت له اليد الطولى في تمكين ستانلي ـ من كشوفه العديدة ـ وعثوره على ليفنجستمين المفقود.
وعلى غرار هذه الوثبات ازداد المستعمر يقظة واستشاط غضباً وقضى على كل شيء جملة وتفصيلاً ومن ذلك التاريخ بدأ يقاوم بشدّة كلّ حركة من شأنها الدعوة إلى الإسلام أو تثبيت دعائمه ونشطت حركة التبشير ومنع رجال الدعوة من القيام بأي نشاط. وفرضت رقابة شديدة على الدعاة الوافدين من الأقطار الإفريقية الأخرى ورغم كل هذا فقد احتفظ المسلمون بكيانهم وعقيدتهم غير أنّ الحرمان كان نصيبهم في كل شيء فلم يلتحق بالمدارس الحكومية من أبنائهم إلاّ النزر القليل ـ وبدأت فرنسا في الغرب (برازافيل) تكثر من الإرساليات وتعبئ من البعثات إلى فرنسا للدراسة كما قامت بلجيكا في الشرق والوسط من ليوبولدفيل وكاتنجا، بمثل ذلك واستمرّت الحالة سنين طوالاً حتّى فقد المسلم كيانه ونسي عقيدته الصحيحة ـ ورغم كلّ ما لقيه من المثبطات لم يفقد الإسلام أبداً تدفُّقَ الوثنيين إلى حظيرته حتّى أصبحت نسبة المسلمين في برازافيل الغرب 15 في المائة وفي الشرق والوسط 35 في المائة وجاءت آخر إحصاءات لمسلمي الكونغو عام 1965م حسب ما ورد في النشرة الحادية عشرة من الدراسات التي تقوم عليها المنظمة الإسلامية في جامعة (بارك ـ بنسلفانيا) بالولايات المتحدة 5370000 مسلم وقد شارك كلّ مسلم بنفسه ونفيسه في كلّ الثورات الوطنية التي قاومت المستعمر. وعلى الرغم من كل هذا، فإنّ الحكم بعد الاستقلال وفي كلّ صورة قد حاول إبعاد المسلمين وفصلهم عن المشاركة في الحكم، إنّ الاستعمار في كلّ أرجاء القارة قد بذل جهداً عظيماً في عزل المسلمين عن مقاعد الحكم، فتنجنيقا مثلاً نالت استقلالها على أعتاب حزب (تانو) وكانت الأغلبية الساحقة من المسلمين ممثلة في هذا الحزب كما كانت به مجموعة من الشخصيات المسلمة المثقفة بالثقافة العالية والجديرة بالقيادة، ولكن المستعمر نفسه مع أعوانه وخلفائه أبوا إلاّ أن تكون القيادة لغير المسلمين فقط، وهكذا كانت الحال في زنجبار، وأريتيريا، وأثيوبيا، وساحل العاج، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وتوجو، وتشاد، وزامبيا، والكاميرون، والسنغال، وسيراليون.
التوغو
توغو Togo أو توغولاندا Togoland جمهورية تقع على الساحل الغربي لإفريقية الغربية بين جمهوريات غانا غرباً، والداهومي شرقاً والفولتا العليا شمالاً، والمحيط الأطلسي جنوباً. وكانت توغو سابقاً مستعمرة ألمانية، وبعد الحرب العالمية الأولى قسمت إلى منطقتين، وضعت أحداهما تحت الحماية الإنكليزية، وهي الصغرى التي انضمّت فيما بعد إلى جمهورية غانا، ومساحتها مائة وثلاثون ألف وواحد وأربعون ميلاً مربعاً. والأخرى تحت الوصاية الفرنسية ومساحتها ستة وخمسون ألف كيلومتراً مربعاً. وهي المعروفة اليوم بجمهورية التوغو.
لقد انتشر الإسلام في جمهورية توغو في حوالي القرن السابع عشر الميلادي على يد التجار المسلمين من السودان الفرنسي (جمهورية مالي)، ومن شمال اتحاد نيجيريا (بلاد هوسا) أيضاً، ممّن وفدوا إليها واستقرّوا بها ولا زال أحفادهم حتّى اليوم متمتعين برئاسة الشؤون الدينية كالإمامة في المساجد، والخطابة في الجوامع، وعقود الأنكحة وغيرها.
والإسلام هو دين أغلبية سكان شمال توغو. وأمّا الجنوب فالمسيحية هي المنتشرة فيه، ومع ذلك فإنّ الإسلام قد تغلغل إلى حد ما في الجنوب.
وأمّا (الفتشيمة) أي الوثنية فقد تضاءلت، ولا توجد إلاّ في بعض الرساتيق والبوادي.
يبلغ عدد المسلمين في هذه الجمهورية ثلث مجموع عدد سكانها.
وينقسم المسلمون في الجمهورية إلى قسمين: القسم الأوّل ـ مؤلف من أبناء البلاد الأصليين، وهم سكان الشمال، والقسم الثاني من الغرباء والمولودين في جمهورية توغو الذين قدم آباؤهم من البلاد المجاورة.
والتعليم العربي الإسلامي كان مقتصراً على تلقين أولاد المسلمين القراءة والكتابة للقرآن الكريم وشيء من علوم التفسير والحديث والنحو والفقه الإسلامي لإقامة شعائر الدين على مذهب الإمام مالك.
وفي يوم 27 من شهر آب عام 1963م أسّست أوّل جمعية إسلامية وحيدة تحت اسم (اتحاد مسلمي توغو) ثمّ مدّت يدها إلى الجمهوريات المجاورة، فأسّس مسلمو الداهومي جمعية إسلامية في يوم 27 آب عام 1966م تحت اسم (الاتحاد الإسلامي الداهومي).
تومبكتو
في أقصى الجنوب عند حدود صحراء إفريقيا الواسعة بالقرب من نهر النيجر.
كانت تومبكتو مكاناً لالتقاء القوارب النهرية بقوافل الجمال كما كانت مركزاً كبيراً لتبادل السلع والمنتجات بين شمال إفريقيا وبين البلاد الغنية الواقعة جنوبي وغربي النيجر.
وتاريخ تومبكتو يتصل بتاريخ قبيلة من الزنوج أصلها من وادي النيل. فقد كانوا يقطنون السودان الشرقي ولما جاء الطوارق([209])، وهم البربر القادمون من شمال إفريقيا، وكان ذلك في القرن الحادي عشر، اعتنقت هذه القبيلة عن آخرها الإسلام.
ولم يكتف الطوارق بجعل تومبكتو مركزاً تجارياً ناجحاً بل نجحوا في جعله مركزاً من مراكز العلم كذلك. وإلى «كاهياسني علي» يرجع الفضل في هذه الشهرة الواسعة، فهو الذي أسّس «مدرسة سنكور»، وهو الذي جعل عليها «أحمد بابا». ولم يكن أحمد بابا هذا رجلاً من رجال التعليم فقط بل كان كاتباً ومؤلفاً. له كتب كثيرة في الفقه. وكتابه عن «تاريخ السودان» لا يزال إلى اليوم مرجعاً يعتمد عليه في البحث عن تاريخ صحراء إفريقيا في تلك الأيام.
وقد بقيت دولة الطوارق، وعاصمتها تومبكتو، حوالي مائة سنة إلى عام 1590م، وفي ذاك الوقت استنجد الحاج حسونة خليفة أحمد بابا، بمولاي حسن المنصور المراكشي طالباً منه العمل على الإبقاء على الأثر التاريخي الذي أقامه سلفه. وسرعان ما استجاب المنصور إلى هذا الرجاء، فبعث بالمدرسين والمعلمين والمهندسين والبناة وكل أصحاب الحرف والمهن ليعيدوا إلى تومبكتو مجدها الغارب وليجعلوا منها من جديد مركزاً للحضارة الإسلامية والثقافة في قلب إفريقيا.
وعادت تومبكتو مكاناً لاجتماع كلّ من يأتي إليها من التجار من جنوب السودان ومن النوبة. وأنشئت فيها مدرستان فرعيتان، إحداهما «باب القبة» والثانية «دار الخطوط». كان من نتيجة ذلك أن أصبحت تومبكتو موطناً لطباعة الكتب وتجارة الورق، الأمر الذي كان له أثره وخطره في نشر الإسلام بين كثير من قبائل هذه المناطق.
وممّا يروى أنّ رئيساً من رؤساء هذه القبائل أعلن إسلامه وتعهّد بأن يذهب لمكة لتأدية فريضة الحج، على أن يبني عند كلّ استراحة على طول الطريق من تومبكتو إلى القاهرة مسجداً. وقد صدق هذا الرجل في وعده.
وممّا يروى كذلك أنّ ابن بطوطة، الرحالة والمؤرخ المشهور، زار تومبكتو ليتعرّف على أحوالها ويتعرّف على أهلها.
وكان يدرّس في جامعة تومبكتو هذه القرآن الكريم والحديث وعلم الكلام والفقه والمنطق والطب والجراحة والهندسة والآداب. ولتومبكتو الفضل في نشر العلوم والمعارف في مختلف مدارس السودان والنوبة ودارفور ودنقلة ونيجيريا وسنجمبيا.
ولمّا تغيّر العصر الأوروبي وأصبحت الحضارة حضارة البخار والغاز والكهرباء قدم الفرنسيون، وهم أقرب أهل أوروبا إلى شمال إفريقيا، هذه الأرجاء. وما أن جاء عام 1813م حتّى رأينا الحكم الفرنسي يطغى على حكم العرب والزنوج في هذه البقاع. وسرعان ما عمد الفرنسيون إلى تحويل تومبكتو من جامعة كبيرة للعلوم والفنون إلى مجرد مستعمرة.
ولم ينقض وقت طويل حتّى قدم البريطانيون فأسّسوا لهم مستعمرة أخرى في نيجيريا، وتبعهم الألمان والبرتغاليون الذين أسّسوا لهم مستعمرات في غربي إفريقيا.
مقارنة بين الإسلام في شرق
القارة الإفريقية وغربها([210])
حمل التجار الإسلام إلى الساحل الشرقي من القارة الإفريقية حيث امتدّت جذوره هناك. وقد تقدّم المهاجرون نحو وادي النيل بحثاً عن موارد الرزق وأصهروا إلى الزنوج من أهل البلاد، وبذلك أصبح الإسلام العمل الثقافي البارز في شمال السودان.
أمّا في غربي إفريقيا فقد أخذ الإسلام ينتشر تدريجياً عبر الأقاليم الصحراوية الجنوبية حتّى بلغ ساحل إفريقيا الغربي عن طريق التجارة.
وقد انتشر الإسلام من ساحل البحر الأبيض المتوسط في شمال إفريقيا نحو الصحراء الكبرى، وفي إقليم المراعي والشجيرات القصيرة جنوب الصحراء، وتطرق في بعض الجهات إلى ساحل المحيط الأطلسي وساحل غينيا على أنّ بعض القبائل المشتغلة بالزراعة هناك قد قاومت الإسلام ـ كما يقول كارينتر ـ هناك وفضلت المسيحية في ذلك الوقت.
أمّا في الشرق، فإنّ شعب الأزندي وشعوب جنوبي السودان قد رحبت بالمسيحية.
وفي غربي إفريقيا وجد الفرنسيون والبريطانيون، إمارات إسلامية رضي أصحابها بالحماية الغربية التي ضمنت احتفاظهم بالحكم الذاتي. وفي سنة 1881م أخذ محمد أحمد المهدي في السودان يدعو إلى إقامة عالم جديد، فأعلن الثورة على نظام الحكم السوداني، واستطاع أن يسيطر على شرقي السودان كلّه في سنة 1883م.
وقد أرسلت الحكومة البريطانية التي كانت تسيطر على مصر في ذلك الوقت الجنرال غوردون لإقامة حكم جديد في السودان، على أنّ الخرطوم لم تلبث أن حوصرت وقتل هذا القائد البريطاني في يناير سنة 1885م وبدأ المهدي ينظم إماراته، ولكنّه مات في شهر يونيه من تلك السنة. ولم يستطع عبدالله التعايشي خليفة المهدي أن يوحّد صفوف أنصاره فلجأ إلى وسائل العنف، وعادت بريطانيا إلى احتلال السودان بين سنتي 1896 و1898م وأقيم نظام الحكم الثنائي الذي كان لبريطانيا فيه أوفر نصيب، وكان للروابط السياسية والدينية بين مصر والسودان أثر كبير في دعم الثقافة الإسلامية في السودان. لكن المهدية كانت لا تزال حتّى ذلك اليوم عاملاً مهماً في هذه البلاد، فقد حاولت هذه الحركة أن تمدّ نفوذها حتّى شمالي نيجيريا، وكسبت في غربي إفريقيا أنصاراً عن طريق دعوة الحجاج أثناء مرورهم بالسودان إلى الدخول في دعوتها.
وفي شرقي إفريقيا جاء الإسلام بظاهرة جديدة، هي أنّه جلب معه عدداً كبيراً من مسلمي جنوب آسيا وكلّهم أو أغلبهم من الهند والباكستان.
ولا زالت هذه الجالية الآسيوية التي يتكوّن أكثرها من طبقة التجار تؤلف عنصراً جنسياً وثقافياً مستقلاً غير أنّهم أخذوا في السنين الأخيرة يؤثرون في الشعوب الإفريقية في النواحي السياسية أكثر من تأثيرهم في النواحي الدينية.
وتختلف جهود الدعاة المسلمين الإفريقيين في كلّ مكان من حيث النجاح الضئيل والتوفيق الشامل. ومن هؤلاء الدعاة الفقهاء والمعلمون، ومنهم المشتغلون بالتجارة وبخاصة بين شعوب الهوسا في شمال نيجيريا، ومن الغريب أن نجد أنّ الإسلام في غربي إفريقيا ينتشر على الأخص حول الطرق الرئيسية التي تخترق البلاد.
وهناك مظاهر أخرى لتباين الأوضاع في شرقي إفريقيا وغربها: فالمؤثرات الإسلامية في الشرق تتركز حول الهجرات في زنجبار ومدن كينيا الساحلية وتنجانيقا، كما تتركز في التأثيرات الهندية في أنحاء متفرقة من أوغندا، وفي شعب السواحلية وفي اللغة السواحلية التي تمثل اختلاط المهاجرين العرب بدماء البنتو الحاليين ولغاتهم. وعلى العكس من ذلك نرى في غربي إفريقيا أنّ شعوبها مهما كان أصلها فهم مستوطنون لهذه الجهات مثل الفلاني والهوسا وغيرها. وهم روح التأثيرات الإسلامية. على حين نجد المهاجرين من شمال إفريقيا وسوريا ولبنان والهند يقومون الآن بدور ثانوي.
والإسلام في شرقي إفريقيا جاء أصلاً من بلاد العرب على أيدي دعاة هم على الأغلب من الشيعة العلويي النسب. وتتمثل فيه الآن على نطاق محدود المذاهب الإسلامية السنية، كمذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة، وفيه مذهب الشيعة من جعفرية وإسماعيلية وزيدية، وفيه الإباضية من الخوارج وفيه الأحمدية، وإن كان المذهب الشافعي قد فشا إلى حد بعيد بين السكان الأصليين، وهم يتطلعون إلى الشرقين الأدنى والأوسط باعتبارهما مركزين للإمامة الروحية.
أمّا الإسلام في الغرب فإنّه على العكس قد تسرّب من المغرب الأقصى في عهد الأدارسة والمرابطين ومن بلاد المغرب بصفة عامة، وعلى يد القادرية والتيجانية. وهم نادراً ما يتطلعون إلى خارج حدود بلادهم التماساً للزعامة الروحية، لأنّ كلاًّ من سلطان سكتو والسيهو في برنو يعتبران أئمة المجتمع الإسلامي… وهم في الأقاليم الأخرى من غربي إفريقيا يتطلعون إلى مراكز التعليم في المستعمرات الفرنسية ـ سابقاً ـ أكثر من تطلعهم إلى مراكزها في الشرق الأدنى، ويندر التحدّث بالعربية بينهم، وإن كان بعض المفردات العربية قد تسرب إلى لغات غربي إفريقيا.
وبرغم هذا نجد تشابهاً ملحوظاً بين تطبيق المذهبين الشافعي والمالكي في محاكم كينيا وفي ساحل الذهب (غانا) ويتمثّل هذا التشابه في معالجة المشاكل الناجمة عن انتحال الوثنيين الإسلام. «انتهى».
جنوب إفريقيا
في القرن الخامس عشر والسادس عشر وجّه البرتغاليون والإسبانيون والهولنديون أنظارهم إلى الشرق الأقصى. وكان الاقتصاد والتجارة الهدف الرئيسي عندما خرج فاسكو دو گاما من وطنه ونجح في اكتشاف الطريق إلى الهند والشرق الأقصى عبر رأس الرجاء الصالح.
واستيقظ الهولنديون والإسبانيون ونجح الهولنديون في اكتساح البرتغاليين، واتخذوا من رأس الرجاء الصالح محطة لأسفارهم إلى الهند وغيرها من بلدان الشرق الأقصى.
ويتوقف نجاح التجارة على قوّة تحميها ووجود الأيدي العاملة الرخيصة، وقد نجح الهولنديون في تطبيق هذه النظرية، وجاؤوا بأربعين عاملاً من مسلمي جاوا وسومطرا والملايو إلى رأس الرجاء الصالح. وكان ذلك أوّل حدث لدخول المسلمين في أقصى بقعة من جنوب قارة إفريقيا.
وكان هؤلاء المسلمون مثقفون ولهم اطلاع واسع وانتهزوا هذه الفرصة لنشر الإسلام وتزواجوا بنساء رأس الرجاء الصالح وأسلمن كما تبنّوا أولاد ساداتهم الذين يطلق عليهم ـ الملونين ـ وأنصاف المنبوذين ـ وكان هؤلاء الأطفال منكوبين. ولمّا تبناهم المسلمون، درسوا الإسلام وأسلموا على أيدي هؤلاء الدعاة. ويبلغ عدد المسلمين اليوم في رأس الرجاء الصالح وحدها أكثر من مائة ألف مسلم نتيجة لهذا المجهود وجيء أيضاً بهنود وكان بينهم مسلمون إلى ناتال، وجعلوا منها بلداً زراعياً. ويوجد اليوم في ناتال نصف مليون مسلم.
وظلّ المسلمون في إفريقيا النوبية على روابط طيبة بالعرب والأتراك والهنود والباكستانيين. وأبرز معالم هذه الروابط تمكّنهم من الاحتفاظ بالروح الديني، والاتصال القوي بالقضايا الإسلامية. بخلاف زنوج أميركا الذين انقطعوا عن أصلهم ولم يكن لهم صلات بالعالم العربي.
وقد تمكّن المسلمون في إفريقيا الجنوبية من بناء المساجد والمدارس والمعاهد العلمية والجمعيات الدينية وأصبحوا يرسلون أبناءهم إلى الخارج لتلقي التعليم الديني بصفة مستمرة.
وفي إفريقيا الجنوبية أربعة مقاطعات وهي ناتال وولاية أوينج الحرة ورأس الرجاء الصالح وترانسفال. ويوجد فيها هيئات منظمة للعلماء، وجمعيات إسلامية ما عدا ولاية أوينج الحرة حيث لا يسمح لأحد غير البيض بالسكن والعمل التجاري.
وفي ناتال جمعية لعلماء المسلمين. وفي ترانسفال جمعية إسلامية وفي رأس الرجاء الصالح مجلس قضائي إسلامي.
ونشطت حركة الشباب الإسلامي في الترانسفال في السنوات العشر الأخيرة وتعمل هذه الجمعيات صامتة بلا جلبة ولا ضوضاء. لكنّها تعمل جاهدة وأبرز أعمالها ترجمة معاني القرآن الكريم إلى عدّة لغات إفريقية وقد طبعت ووزّعت الآلاف من الكتب الإسلامية حول سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وعن الصيام والحج.
وقد تمّ ترجمة معاني القرآن بلغة “إفريقان“ وهي اللغة الرسمية في إفريقيا الجنوبية ويتخاطب البيض غالباً بهذه اللغة ولغة زولو وهي اللغة الثقافية الواسعة الانتشار في إفريقيا. وراجع هذه الترجمة علماء ولغويون وأدباء من المسلمين. ولكنّها لم تطبع لأسباب كبيرة. «انتهى».
البرتغاليون([211]*)
قام البرتغاليون، خلال ما يقرب من نصف قرن، برحلات استكشافية لإيجاد طرق بحرية تسمح لهم بالتخلّص من الوسيط، (أو العدوّ)، التركي والوصول إلى الهند ـ إلى حريرها وبهاراتها ومعادنها التي هي مفاتيح السوق الأوروبية ـ دون مقاومة تُذكر ولكن هذه الجهود لم تُؤتِ ثمارها، إلاّ في عهد دوم جواو (Dom Joâo) (1481ـ1495م)([212]).
لم يكن لأحد أن يتنبّأ وقتذاك بأنّ هذه الحملات الاستكشافية المكرّسة مبدئياً لفتح طرق تجارية سوف تعطي إشارة عصر جديد، عصر الاستغلال الاستعماري للشرق.
وفي تموز (يوليو) 1497 غادر فاسكو دو گاما لشبونة، ودار لأوّل مرّة حول رأس الرجاء الصالح، ثمّ عاود الصعود ببطء، من مرفأ إلى آخر.
وعندما وصل إلى الهند، أمر رجاله بشراء كل ما يستطيعون شراءه، من أصناف البهارات، بأسعار مضاعفة، رغم دهشة التجّار الهنود والعرب. ولدى عودة دو گاما إلى لشبونة، باع سلعه تلك بما يفوق سعرها الأوّلي بستين ضعفاً وغطّى بذلك ستّة أضعاف نفقات الحملة. وعندما انتشر، في المدينة، خبر ربح بلغ 3000 بالمائة، راح كلّ هاوٍ يجرّب المغامرة الشرقية نفسها([213]).
وحمل هذا النجاح الملك مانويل الأوّل (Manuel 1er) على إضافة لقب «سيّد غزو الملاحة وتجارة الهند وأثيوبيا وبلاد العرب وفارس» إلى ألقابه، وبارك البابا هذا اللقب.
من المؤكّد أنّ الهدف الأوّل كان ذا طابع تجاري. إلاّ أنّه تلوّن بلون «صليبي» لا يمكن إنكاره لدى فاسكو دو گاما وألفونسو دو ألبوكرك (Alfonso de Abluquerque)، وقادتهما العسكريين. ويبدو، بشهادة مؤرخ برتغالي من القرن الثامن عشر، هو جواو دو باروس (Joâo de Barros)، أنّ نشاطهم في هذه المنطقة من العالم كان من أكثر الأنشطة تهديماً:
«لقد خصّ الله البرتغال بنعمة أنّ كتب لهم أن يغزوا الكفّار ـ وخاصّة العرب منهم ـ الذين غادروا بلادهم الواقعة في الشرق، ووفدوا إلى بلادنا في الغرب. ويبدو أنّ الله تغاضى عن إنزال العرب الويلات بإسبانيا وتدمير أراضيها وإتلافها، عقاباً لها على خطاياها. ثمّ قضت إرادته أن يمارس البرتغاليون حقّهم الطبيعي هذا، بعد انقضاء قرون عديدة وبالطريقة ذاتها، بحدّ السيف ليس فقط في الجزيرة العربية الجدباء، حيث دمّروا مدنها وأحرقوا منازلها وسبوا نساءها وأطفالها، واستولوا على الثروات وملكوا على مدنها، ولكن في بلاد الفرس أيضاً»([214]).
لا تحتاج هذه الأقوال إلى تعليق، وإذا أضفنا إليها الأرباح التجارية التي بلغت 3000% من بضائع الشرق، فلن يصعب علينا أن نتخيّل الحمّى التي انقضّ بها البرتغاليون على المدن الهندية والإفريقية والعُمانية، وكذلك على هرمز والبحرين فيما بعد.
وبالفعل، فإنّ المنظور الاستراتيجي لبناء الإمبراطورية البرتغالية لم يتّضح جيّداً إلاّ بعد زيارة دو ألبوكرك للهند عام 1502ـ1503. وقد ظهرت، إذ ذاك، خطّة من ثلاث نقاط: أوّلاً، احتلال عدن لتأمين باب المندب وإغلاق الملاحة في البحر الأحمر. ثانياً، احتلال هرمز والمرافئ العُمانية، قلهات وقريات ومسقط وخروفكان وجلفار والسيطرة على التجارة في الخليج. ثالثاً، احتلال منطقتي ديو (Diu) وغوا، وبسط السيطرة على كلّ مناطق الهند.
وفي عام 1502 مضى فاسكو دو گاما، ثانية، إلى الهند على رأس أسطول صغير من خمس سفن. ولم يلبث الطابع العدائي لهذه الحملة أن كشف عن حقيقته. فقد بدأ فاسكو دو گاما في إغراق كلّ مركب صادفه في طريقه. وسرعان ما تحوّل المحيط الهندي الآمن، حتّى ذلك الحين، إلى منطقة صراعات وقرصنة. ويدوّن ويلسون بأنّه في عام 1505، سمّي دوم فرانشيسكو دو ألميدا (Dom Francisco de Almeida) حاكماً عاماً ونائباً للملك دوم مانويل (Dom Mamuel)، ملك البرتغال، في الهند.
في عام 1508 وصل أسطول برتغالي آخر بقيادة البحّار الشهير ألفونسو دو ألبوكرك إلى جزيرة سقطرة اليمنية، القريبة من مدخل الخليج. وكان البرتغاليون يعتقدون، بناء على أسطورة يتناقلونها، أنّ المسيح مرّ بهذا المكان في طريقه إلى الهند. وربّما كان هذا هو السبب الذي دفع البحّارة البرتغاليين إلى أن يجعلوا منها نقطة انطلاق حملاتهم إلى الهند والخليج. ومن هذه النقطة، اتّخذ ألبوكرك ترتيباته لتنفيذ المرحلة الثانية من الخطّة الاستعمارية في منطقة الخليج.
في 10 آب (أغسطس) 1508، انطلق الهجوم، وفي أقلّ من عشرة أيام، أحرقت أربع مدن عُمانيّة ونهبت ثمّ احتلّت، وهذه المدن هي: قلهات، قريات، مسقط، خورفكان([215]). ولم يتردّد الغزاة في اتباع أبشع الأساليب، إذ نكّلت القوات البرتغالية تنكيلاً وحشياً بالمهزومين. فقد جدعت أنوف الأسرى وقطعت آذانهم، تعبيراً عن الفرح بالانتصار ولكن أيضاً لردع كلّ محاولة مقاومة. وخلال الشهر نفسه، تابع دو ألبوكرك حملته على هرمز. وعلى الرغم من وسائله المحدودة نسبياً فلقد تمكّن على أثر الهلع الذي انتشر في المنطقة من تصفية مقاومة 40 سفينة عُمانية وتوقيع أوّل اتفاق مع الحاكم سيف الدين المسمّى ملكاً على هرمز. وبموجب هذا الاتفاق، أعلن إعفاء البضائع من الرسوم الجمركية، وتعهد الملك بدفع جزية سنوية للبرتغاليين وليس للفرس.
بعد ذلك، تابع دو ألبوكرك البرنامج الاستعماري البرتغالي في أمكنة أخرى. ففي عام 1514 قاد حملة على عدن وحاول، عبثاً، احتلال منطقة المصوّع وإغلاق البحر الأحمر في وجه السفن المصرية([216]). ولو أمكن لملك البرتغال، كما يقول ويلسون، السيطرة على عدن كما سيطر على هرمز ومالاقة (Malaga)، لكان لُقِّب سيّد العالم كلّه على غرار الإسكندر الكبير لدى عبوره الجانجز. وفي حملة ثانية، عام 1515 أخضع الأميرال البرتغالي كلّ منطقة الخليج، بل اندفع إلى أبعد من ذلك: فقد سقطت مومباسا ومالندي وبعض الجزر تحت سلطته.
وعلى وجه الإجمال، وبعد بضع سنوات من معركة غير متكافئة لعب فيها تأثير المباغتة والإرهاب دوراً رئيسياً، أصبح البرتغاليون سادة منطقة شاسعة، من السواحل الشرقية لإفريقيا إلى السواحل الغربية للهند. وكانت عُمان ومضيق هرمز تتحكّمان، في مركز هذا الجهاز، بكلّ تجارتها في الخليج.
واعتباراً من عام 1542 وعلى أثر عجز حاكم هرمز عن دفع الجزية المفروضة، قرّر البرتغاليون تعيين مراقبين لجمع الرسوم الجمركية. وبهذا الإجراء القمعي، أصبحوا السادة الفعليين لهرمز.
بقي عليهم أن يلتفّوا على القوّة الفارسية، وهنا أيضاً خدم السياق مصالحهم بصورة مدهشة: فقد كان الشاه إسماعيل (1499ـ1542)، الذي جعل من تبريز في شمال بلاده عاصمة له، يهتمّ بهذه المنطقة أكثر من اهتمامه بالجنوب. وفضلاً عن ذلك، حاول صدّ العثمانيين الذين سحقوا جيشه في معركة چالدران عام 1514 واحتلوا عاصمته تبريز([217]).
واضطر الشاه الذي هدّده الاندفاع العثماني في منطقة لها منزلة خاصّة في قلبه لأن يتراجع في الخليج أمام البرتغاليين.
لنسمع ما يقوله المؤرّخ البرتغالي جواو دو باروس:
«غزا البرتغاليون الفرس، وهم شعب ذاع صيته نظراً لقدم بلاده وأسلحتها وحضارتها. وقد دفع الفرس ثمن إهانتهم لإسبانيا لأنّهم اعتنقوا ديانة أولئك العرب المتخلّفين»([218]).
كان في إمكان الأتراك، نظراً لمكانتهم الدينية في العالم الإسلامي، كسب شاه الفرس والإمبراطور المغولي في الهند والتحالف معهم وطرد الأوروبيين من المحيط الهندي لسنوات طويلة. ولكن سليمان الكبير أخفق في استيعاب الأهميّة الحيوية لتعبئة كلّ القوى في سبيل بلوغ هذا الهدف.
لم تلبث شعوب المنطقة، بعد انقضاء زمن المفاجأة والوجوم، أن استعادت أنفاسها، وسرعان ما كان على البرتغاليين أن يواجهوا حركات تمرّد عام 1519 و1521. ثمّ اندلعت ثورة عامّة في 30 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1522. ولم يتوصّل البرتغاليون إلى خنقها إلاّ باستدعاء تعزيزات جاءت خصيصاً من الهند.
العرب في سواحل إفريقيا الشرقية
إلى مجيء البرتغاليين([219])
لعلّ صلات العرب الأولى بسواحل شرق إفريقيا ترجع إلى عصور طواها النسيان، فالمؤرخون وعلماء الآثار يعتقدون، بناء على الدليل والخبر، أنّ تلك السواحل كانت منذ عصور متطاولة في القدم ميدان التجارة والمغامرة عند سكان جنوب جزيرة العرب.
وبحثنا هذا مقصور، على الأخصّ، على سواحل ما يطلق عليه في العادة إفريقيا الشرقية باستثناء ساحل البحر الأحمر.
صلة العرب بالبحر الأحمر
وبالحبشة قديمة معروفة
أمّا سواحل إفريقيا على البحر الأحمر وخليج عدن فصلة العرب بها واضحة مشهورة. ويكفي أن نذكر أنّ جماعة من أهل جنوب جزيرة العرب رحلوا إلى الحبشة عن طريق البحر الأحمر، قروناً قبل الميلاد، وأقاموا فيها دولة، وتركوا فيها آثارهم ونقوشهم ومعابدهم، وما تزال تلك الآثار مرئية حتّى اليوم. بل إنّ اسم الحبشة اسم أطلقه العرب على دولتهم في تلك البلاد، ومن لغة أولئك العرب أخذت الحبشية الفصحى التي لمّا تزل لغة العبادة والدين حتّى اليوم. وقد تطوّرت من هذه اللغة الحبشية القديمة لغات ما تزال حيّة يتكلم بها في الحبشة، أهمها التيجري والتجرينا في أريتيريا، والأمحرية في أواسط بلاد الحبشة، وهي لغة الحبشة الرسمية اليوم، ولكن شابتها شوائب من لغات القبائل «الحامية» الذين هم سكان الحبشة الأصليون.
سواحل إفريقيا الشرقية
في القرن الأوّل الميلادي
وأقدم خبر مدوّن عن صلات العرب بسواحل إفريقيا الشرقية نجده مفصلاً في «المذكرات البحرية» المسّماة «بريبلوس البحر الأرتري» وهو كتاب يصف الملاحة والتجارة في البحر الأحمر والمحيط الهندي والصين، ألّفه في منتصف القرن الأوّل الميلادي باليونانية تاجر لا يعرف اسمه.
الساحل الأوساني
هذا الكتاب سمّي ساحل إفريقيا الشرقية، جنوب الصومال الحالية، «الساحل الأوساني»، والعلماء متفقون على أنّ هذه التسمية تشير إلى أوسان، وكانت مملكة من ممالك جنوب الجزيرة العربية قبل الميلاد بقرون، في ما يعرف اليوم بدثينة وبعض إمارات العوالق في محافظات عدن الغربية اليوم.
الساحل الأوساني يحكمه
الشيخ المعافري
ثمّ يقول الكاتب بعد ذلك: «ويحكم هذا الساحل «الكبير» أو (الشيخ) المعافري بمقتضى حق يجعل الساحل تحت سلطان الدولة التي صار لها الغلبة في بلاد العرب». والمقصود بالمعافري هنا: المعافري نسبة إلى المعافر، بلد أو قبيلة سمّي البلد باسمها في جنوب اليمن.
مملكة سبأ
أمّا «الدولة التي صار لها الغلبة في بلاد العرب»، فهي مملكة سبأ، التي قضت على دول معين وقتبان وأوسان، وورثت، على ما يبدو، أملاك بعضها على ساحل إفريقيا الشرقية. والكاتب نفسه ينص على ذكر سبأ حين الكلام على سوقطرة فيقول إنّها كانت خاضعة لملك حضرموت مثلما كان «ساحل أزانيا»، أي ساحل الزنوج، وهو عينه ساحل أوسان، «خاضعاً لكبير المعافر وملكة كريب آل ملك سبأ».
أهل موزع في ساحل أوسان
ثمّ يقول الكاتب: «ويتولى الأمر فيه ـ أي ساحل أوسان ـ أهل موزا، وهم يرسلون إليه سفناً كبيرة فيها ربابنة ووكلاء من العرب لهم معرفة بأهل البلاد ويتزوجون منهم، وهم على معرفة جيّدة بالساحل كلّه ويفهمون لسانهم». وموزا هذه محرفة عن «موزع»، وهي ثغر على ساحل اليمن قريباً من المندب بحذاء بلد المعافر.
الهمداني يذكر موزع
وممّا يجدر ذكره هنا أن الهمداني صاحب «صفة جزيرة العرب»، الذي عاش في صدر القرن الرابع الهجري، يقول عند الكلام على أهل موزع وغيرها من القرى المجاورة: «ويحملون التجارة إلى بلاد الحبش ولهم في السنة سفرة، فينضم إليهم كثير من الناس». وبين زمن الكاتب اليوناني وبين الهمداني تسعة قرون كاملة.
سواحل إفريقيا الشرقية
في الإسلام
وليس هناك ما يمنع أن يكون سلطان العرب على تلك السواحل امتدّ إلى ظهور الإسلام. ونحن نعلم أنّ الحبشة غزت اليمن مرّتين مرّة في القرن الرابع الميلادي استمرّت حوالي أربعين عاماً، ومرّة أخرى في القرن السادس الميلادي استمرّت حوالي خمسين عاماً، ونحن نعلم أنّ الحبشة مدّت سلطانها على بعض سواحل الصومال، ولكن ينبغي أن ندرك أنّ المؤرخين العرب حين يتكلمون عن الحبشة لا يعنون بالضرورة مملكة الحبشة النصرانية بل كثيراً ما يعنون ممالك وإمارات إسلامية في تلك المنطقة سلطانها قائم في تلك البلاد. وعلى كلٍّ، فظاهر أنّ سلطان العرب وتجارتهم لم ينقطعا من سواحل الزنج، وإن جاز أنّ سلطانهم ربّما ضعف في فترات مختلفة، ويعلّق بعض الباحثين في تاريخ إفريقيا والتجارة في المحيط الهندي فيقول: إنّ العرب كانوا أمّة فتوح وسلطان في المحيط الهندي قبل الإسلام قروناً طويلة، وإنّ الإسلام يسّر لهم، لأوّل مرّة، أن يصبحوا أهل فتوح وسلطان في ما يلي بلادهم من ناحية الشمال، وهي ناحية قل أن ظهر للعرب فيها قبل الإسلام سلطان ملموس وراء حدودهم ذاتها.
رحلة الخوارج إلى بلاد الزنج
وأقدم الأخبار التي ترجع إلى زمن الإسلام تقول إنّ جماعة من أزد عمان من الخوارج رحلوا إلى بلاد الزنج بعد أن غلبهم على أمرهم الحجاج بن يوسف وعماله. ولكن من الجلّي أنّ بدء سلطان العرب في تلك المنطقة لا يعود إلى هؤلاء الخوارج من أهل عمان، ولا بدّ أنّهم فرّوا إلى بلاد لم يكونوا فيها غرباء تمام الغربة، وإن جعلتهم في مأمن من سلطان الحجاج والأمويين. ويبدو أنّهم أقاموا لأنفسهم سلطاناً في تلك النواحي، فنحن نجد الهمداني يذكر أنّ الشراة، وهم الخوارج، احتلوا سوقطرة، ممّا قد يدل على أنّهم حاولوا أن يسيطروا على مراكز الملاحة والقوّة البحرية في طريق الزنج.
أسماء المدن التي عمرّها
العرب في الإسلام
وفي الفترة الإسلامية تبدأ تظهر أسماء المدن والبلدان التي كان يعمرها العرب أو يرتادونها للتجارة. وهي تمتد من مقديشو، عاصمة الصومال، اليوم، شمالاً إلى سفالة على خط عرض عشرين جنوب خط الاستواء، في إفريقيا الشرقية البرتغالية اليوم، وتشمل الجزر التي بحذاء الساحل، ولا سيّما جزيرتي زنجبار وبمبا وجزر القمر التي ربّما دخل فيها، في اصطلاح العرب جزيرة مدغشقر. من أهم هذه المدن مقديشو وبراوة ولامو وماليندي وممباسا وبمبا وزنجبار وكلوة وموزمبيق وسفالة. وكانت سفالة في زمن المسعودي صاحب مروج الذهب أقصى ما يصله مراكب أهل عمان وأهل سيراف على بحر الزنج.
لماذا لم يذهب العرب
وراء سفالة جنوباً
ولعلّ السبب في أنّ العرب لم يذهبوا وراء سفالة جنوباً هو أنّ رياح الموسم لا تهب جنوب رأس كورينتس عند مدار الجدي، بل تهب عواصف لا ضباط لأوقاتها، وتصبح التيارات أقوى ويبرد المناخ. ولا يعرف أيضاً إن كان العرب تغلغلوا في داخل إفريقيا. فبينما تكثر على الساحل الآثار الدالّة عليهم، من مبان ونقود وفخار، لم يثبت حتّى الآن وجود آثار عربية في داخل إفريقيا ترجع إلى ما قبل العصور الحديثة. ولكن التجارات كانت ترد إليهم من الداخل فيشترونها ثمّ يرسلونها بالمراكب إلى عدن وغيرها من ثغور بلاد العرب والدول الإسلامية والهند. وكانت صادرات تلك البلاد العاج والذهب والنارجيل أو جوز الهند والرقيق. وقد كثر الرقيق من الزنج في البلاد الإسلامية، ولا سيّما في العراق والأهواز، كثرة ظهر أثرها في ثورة الزنج في البصرة في منتصف القرن الثالث الهجري، القرن التاسع الميلادي.
وكانت مقديشو وكلوة أشهر مدن الساحل إلى القرن الخامس عشر الميلادي، ولعل ذلك يرجع أيضاً إلى كونهما مراحل للسفر في البحر. فابن المجاور الدمشقي يقول في النصف الأوّل من القرن السابع الهجري: «من عدن إلى مقديشو موسم، ومن مقديشو إلى كلوة موسم ثان، ومن كلوة إلى القمر موسم ثالث».
ابن بطوطة في سواحل
إفريقية الشرقية
وقد زار ابن بطوطة مقديشو والسواحل إلى كلوة وابن بطوطة يعدّ مقديشو آخر بلاد البربرة ـ أي الصومال ـ وهذا صحيح، ولا يعدّها مع سواحل الزنج. وقد أعجب ابن بطوطة بمقديشو إعجاباً عظيماً، ووصفها ووصف مقامه فيها وصفاً مطولاً. فقد لقي فيها من إكرام السلطان والقاضي ما كان معدّاً لأمثاله من العلماء والفقهاء فسرّ به سروراً عظيماً. ويظهر من كلام ابن بطوطة أنّ دولة مقديشو كانت غاية في حسن الترتيب وأنّ البلد كان غنياً بالتجارات. وكان لسلطانها أو شيخها كما كان يسمّى هيبة عظيمة. ويقوله ابن بطوطة إنّه رآه أوّل مرّة بعد صلاة الجمعة، وكان مضى على ابن بطوطة في مقديشو أربعة أيام. ويقول ابن بطوطة: «فلمّا خرج الشيخ من باب المقصورة سلمت عليه مع القاضي فرحّب وتكلّم بلسانهم مع القاضي ثمّ قال باللسان العربي قدمت خير مقدم وشرفت بلادنا وآنستنا».
ويصف ابن بطوطة مجلس الشيخ وصفاً مطوّلاً ممتعاً. ثمّ يرحل عن مقديشو فيقول: «ثمّ ركبت البحر من مدينة مقديشو متوجّهاً إلى بلاد السواحل قاصداً مدينة كلوة من بلاد الزنوج فوصلنا إلى جزيرة منبسي. وهي جزيرة كبيرة بينها وبين أرض السواحل مسيرة يومين في البحر ولا بر لها، وأشجارها الموز والليمون والأترج… وأكثر طعامهم الموز والسمك، وهم شافعية المذهب أهل دين وعفاف وصلاح، ومساجدهم من الخشب محكمة الإتقان». ويتبادر إلى الذهن أنّ منبسي هنا هي ممباسة اليوم ولكن قد تكون بمبا، الجزيرة الشمالية في سلطنة زنجبار اليوم لأنّ «جزيرة» ممباسا لا تبعد عن السواحل مسيرة يومين في البحر.
وواصل ابن بطوطة رحلته وكلامه بقوله: «وبتنا بهذه الجزيرة ليلة وركبنا البحر إلى مدينة كلوة… وهي مدينة عظيمة ساحلية أكثر أهلها الزنوج المستحكمو السواد… وذكر لي بعض التجّار أنّ مدينة سفالة على مسيرة نصف شهر من مدينة كلوة… ومدينة كلوة من أحسن المدن وأتقنها عمارة وكلّها بالخشب… والأمطار بها كثير وهم أهل جهاد لأنّهم في بر واحد متّصل مع كفار الزنوج. والغالب عليهم الدين والصلاح. وهم شافعية المذهب». ويذكر ابن بطوطة سلطانها فيمدحه بالجهاد والغزو إلى أرض الزنوج «يغير عليهم ويأخذ الغنائم فيخرج خمسها ويصرفه في مصارفه المعينة في كتاب الله تعالى».
إمبراطورية الزنج
ولا يعرف أنّ مدن هذه السواحل اتّحدت يوماً في دولة واحدة، فهي بقيت دويلات مستقلة بينها نوع من التعاون لأنّها دار إسلام. ولذا، فالكلام عن شيء اسمه «إمبراطورية الزنج» دعوى ضعيفة الأساس، وهي قائمة في الدرجة الأولى على كتاب اسمه «سيرة الكلاوية» يؤرخ لأهل كلوة، وفيه يسرد الكاتب قصة مؤدّاها: أنّ أميراً من شيراز كانت أمّه حبشية فنازعه إخوته الملك فخرج من شيراز في أبنائه الستة في سبع سفن فكانوا يقفون على موضع في الساحل فتتخلف سفينة فيها واحد من أبنائه يبني له مدينة إلى أن نزل أبناؤه الستة وبقي هو في سفينة فنزل في كلوة وبناها. وممّا لا شك فيه أنّ كثيراً من المسلمين الذين ارتادوا السواحل بعد الإسلام كانوا من الفرس، ولا سيّما أهل سيراف ومن الهنود.
العربية لم تستطع أن تكون
لغة أهل هذا الساحل الإفريقي
ولم تغلب العربية على ألسنة أهل الساحل، وإن كانت لغة العبادة والمعاملات والكتابة عامة ولكن نشأت في السواحل لغة جديدة خليط من ألفاظ عربية لا عداد لها ولسان مأخوذ من اللغات البنتوية، وهذا اللسان يسمّى اليوم اللغة السواحلية، واسمه، كما هو ظاهر، نسبة إلى السواحل. وقد انتشر هذا اللسان في داخل إفريقيا. خصوصاً في القرن التاسع عشر حين توسّع العرب براً حتّى أقاموا مراكز تجارتهم ووطدوا قوّتهم الحربية وسلطانهم في أواسط إفريقيا، في تنجانيقا وأعالي الكونغو وكاتانجا وروديسيا. بل لعل أصول اللغة السواحلية نشرت في الداخل قبل ذلك، فقد كان العرب في العصور الوسطى يرسلون القوافل إلى داخل البلاد تبيع وتشتري وتنقل خيرات الداخل إلى السواحل، ومن ثمّ ترسلها إلى الخارج بحراً. وكان أهم ما تأتي به القوافل: العاج والذهب. ولعلّ من الأسباب في عدم انتشار العربية بين أهل السواحل بل وفي غلبة اللسان السواحلي على العرب أنفسهم أحياناً، انّ العرب في السواحل لم يكونوا أهل معرفة وثقافة واشتغال بالعلم، ولم ينشئوا المدارس ولم يشتهر من بينهم علماء، كما كان الحال في سائر أقطار العرب والإسلام في ذلك الحين. وقد يستثنى من ذلك مقديشو، فقد عرف منها علماء ومحدّثون وكان بها دار للطلبة، ومع ذلك فقد كان قاضيها حين زارها ابن بطوطة مصري الأصل.
ولم يدخل العرب في داخل إفريقيا في ذلك الحين للاستقرار، بل كان مقرّهم على السواحل حيث عاشوا تجاراً يصدّرون ويستوردون. ولم يتعدّوا في الزراعة ما يكفي حاجتهم المحلية للطعام، ومع ذلك فقد أدخلوا إلى تلك السواحل النارنج، أي البرتقال، وأدخلوا فواكه أخرى وتوسّعوا في زراعة النخل وحبوب الطعام.
ظهور البرتغاليين أوّل مرّة
عند تلك السواحل
وبينما هذه البنادر وأهلها سادرون في معيشتهم الرتيبة منذ قرون طوال، يعيشون في يسر ورخاء ودعة، من كسب تجاراتهم، وكد رجال قوافلهم في الداخل ورجال مراكبهم في البحر، خرج عليهم من الجنوب، من وراء البلاد التي لا عمارة بعدها ـ كما كانوا يظنون ـ مراكب تحمل قوماً لم تكن تلك السواحل عرفتهم من قبل، كان القوم برتغاليين، وكان أمير أسطولهم «فاسكو دو گاما»، أوّل من دخل المحيط الهندي عن طريق رأس الرجاء الصالح. وكانت أوّل وقفة لهم عند موزمبيق. واستقبله شيخ موزمبيق ورجاله أوّل الأمر بالمودّة والإكرام. وقد بهر ترف موزمبيق وأهلها البرتغاليين. كان الشيخ ورفقته يرفلون في ثياب الديباج والحرير الموشى بالذهب، عمائمهم حرير وذهب وسيوفهم وخناجرهم في أغماد من فضة خالصة. ووصف أحد البرتغاليين أهل موزمبيق بأنّ «فيهم الأبيض والأسمر والأسود، لأنّهم كانوا أبناء أمهات من الكافرين من أهل البلاد وتجار عرب بيض تجاراتهم في جميع الأقطار الهندية منذ زمن بعيد حتّى صارت وطناً لهم». ويقصد بالأقطار الهندية ما حول المحيط الهندي. أمّا قوله «الكافرين» فيقصد به الزنوج أهل البلاد الداخلية، كما كان العرب يسمّونهم، ولكن لا شك أنّ نساء المسلمين كنّ مسلمات.
البرتغاليون وصفوا ما وجدوا في هذه السواحل من ثروة وعمار
وقد أكثر البرتغاليون في كتاباتهم وأخبارهم من الثناء على روعة مدن السواحل وثروتها كما رأوهما قبل أن يدمروا معظمهما. فيصف أحدهم مدينة كلوة فيقول: هي ذات بيوت حسنة مبنية بالحجر والجص. كثيرة الشبابيك على مثال شبابيكنا، شوارعها منتظمة حسنة وسطوح بيوتها مستوية. والأبواب من خشب منحوت مزخرف وصناعتها متقنة محكمة. وحولها أنهار وبساتين وجنات تجري فيها قنوات ماء عذب. وفي هذه المدينة ذهب وافر، إذ ما من مركب يأتي من سفالة أو يمر إليها إلاّ ويقف في هذه المدينة. «وما من مدينة نزلوا بها أو مروا عليها إلاّ بهرتهم فتحدّثوا عنها وعن ترف أهلها حديث المندهش. حتّى مقديشو التي لم يقفوا عندها، لاحظوا من مراكبهم في البحر أنّها مدينة كبيرة بيوتها طبقات كثيرة وفي وسطها قصور باذخة وحولها أربعة أبراج».
كان شعار البرتغاليين في هذه الرحلات العصبية الدينية والسعي وراء التجارة بالقوّة، ولمّا أدرك شيخ موزمبيق ورجاله أنّ القادمين يبطنون هذه النوايا أظهروا لهم الجفاء، فركب دو گاما ورجاله البحر مسرعين. ووصلت الأخبار إلى كلوة وممباسا قبل وصول دو گاما إليهما فلقي فيهما جفاء. ولكن مالندي كانت على عداء لممباسا دفعها أن تتودّد إلى القادمين وتعقد معهم عهداً. ويقول مؤرخ مشهور: ومن الجلي أنّ مالندي إنّما فعلت ذلك نكاية بممباسا لا خوفاً من البرتغاليين إذ لم يكن ليخطر ببال أحد من عرب السواحل، وهم سادة تلك البقاع منذ زمن سحيق، أنّ هذه السفن الثلاث من أوروبا، رغم حسن تسليحها، كانت تنذر بخطر على مياههم التي تمتعوا فيها دوماً بالثروة والقوّة. ولكن سرعان ما تفتحت عيون العرب على الحقيقة.
الصراع بين العرب والبرتغاليين
في إفريقيا الشرقية
كان البرتغاليون قد أخرجوا العرب من بلادهم في غرب «الأندلس» منذ منتصف القرن الثالث عشر للميلاد، وشغلوا بعدها وقتاً بحروبهم مع مملكة ليون، إحدى مملكتي إسبانيا إذ ذاك.
وفي مطلع القرن الخامس عشر بدؤوا يتجهون إلى البحر. إذ إنّ سبيل التوسّع في البر كان مسدوداً بسبب إحاطة إسبانيا بالبرتغال من سائر الجهات.
وكان البرتغاليون قد أنشأوا أسطولاً تجارياً يتاجر مع ساحل أوروبا الغربية ولكنّهم ابتدأوا في القرن الخامس عشر، تحت قيادة الأمير هنري الملاح، يبحرون حذاء ساحل إفريقيا على المحيط الأطلنطي تدفعهم رغبة أن يصلوا إلى مملكة «القسيس يوحنا» وهو الاسم الغريب الذي كانوا يطلقونه على مملكة نصرانية في شرق إفريقيا لا يعرفون حقيقتها، إلى أن تبيّن لهم فيما بعد أنّها مملكة الحبشة.
وصول البرتغاليين إلى رأس الرجاء الصالح
كانوا يظنون أنّهم أبحروا جنوباً، بحذاء ساحل المغرب، وصلوا إلى نهر عريض، هو نهر السنغال في الحقيقة، يتصل مع نهر النيل، فيمكنهم من الوصول بمراكبهم إلى تلك المملكة الغامضة فيتحدّون معها ويطبقون منها على المسلمين من الشرق. ومضوا يزحفون على سواحل إفريقيا الغربية على مهل، من بقعة إلى التي تليها، ثمّ يعودون أدراجهم إلى بلادهم محمّلين بغنائم وبضائع تدر عليهم ربحاً كثيراً. وأغراهم الربح بزيادة المخاطرة حتّى بلغ بهم سعيهم إلى رأس الرجاء الصالح، أقصى نقطة جنوبية في إفريقيا، عام 1486م، بقيادة البحار دياز Dias.
ووصولُ البرتغاليين إلى رأس الرجاء الصالح اكتشافٌ لا يقل أهمية عن اكتشاف كولومبس أميركا عام 1492م لحساب إسبانيا. فكلا الاكتشافين كان بعيد الأثر في تطوّر الاستعمار الغربي وتطوّر التاريخ الحديث. ولكن اكتشاف دياز عام 1486م يزيد أهمية بالنسبة للعرب عن عام 1492م، عام كشف أميركا، وعام سقوط غرناطة بالأندلس كذلك. فسقوط غرناطة كان أمراً يكاد يكون محتوماً، فقد كانت آخر ما بقي من تركة تفتّت وضاع حافظها من زمن. أمّا اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح فكان أكبر ضربة على العرب في الشرق، بعد أن تضعضع مركز العرب في الغرب فقد كان قدوم البرتغاليين إلى المحيط الهندي فادح الأثر على العرب والبحر الأحمر وشمال المحيط الهندي. بل إنّه هو الذي سهل القضاء على دولة المماليك في مصر حين عجزت عن حماية مياه المحيط الهندي، ويسر للعثمانيين احتلال مصر، إن لم يكن حفزهم على ذلك.
جاسوس برتغالي يتجوّل في الشرق
وفي عام 1487م طاف رسول برتغالي بالشرق يتجسّس، فزار مصر وعدن، ثمّ ذهب إلى قاليقوط وگجوا في الهند ثمّ إلى هرمز على المضيق بين خليج عمان وخليج البصرة ثمّ إلى سواحل إفريقيا الشرقية حتّى سفالة جنوباً ثمّ عاد إلى القاهرة حيث أرسل تقريره إلى ملك البرتغال عن تجارة المحيط الهندي. وقد حلّ هذا الرسول أيضاً لغز «مملكة القسيس يوحنا، فقد عرف أنّها الحبشة، ولم تعد تلك المملكة النصرانية تستأثر بالاهتمام الذي كان لها في نفوس الغربيين حين كانت لا تزال غامضة مجهولة».
فاسكو دو گاما يصل إلى الهند
ولمّا علم البرتغاليون بما في سواحل المحيط الهندي من تجارات غنية رابحة بدأوا يعدّون الأساطيل للسفر إلى الهند عن طريق رأس الرجاء الصالح. وفي عام 1497م أبحر فاسكو دو گاما في ثلاث سفن في رحلة استطلاعية. وبعد أن طاف برأس الرجاء الصالح وصل موزمبيق ووقف عندها. وأكرمه شيخ موزمبيق أوّل الأمر ثمّ شكّ في أمره فأبدى له الجفاء فأسرع إلى مراكبه هارباً إلى الشمال. ووصلت الأخبار قبله إلى كلوة وممباسا فلقي فيها جفاء، ولكن مالندي رحبت به نكاية بممباسا لعداوة بينهما ـ كما مرّ ـ، ووصل فاسكو دو گاما إلى قاليقوط في الهند بإرشاد ملاحين من أهل مالندي، وعاد إلى البرتغال من نفس الطريق فوصلها عام 1499م.
فاسكو دو گاما يعود إلى الشرق بأسطول
وبعودة دو گاما بدأ البرتغاليون يرسلون الأساطيل التي كانوا أعدّوها. فعاد دو گاما عام 1502م ولمّا وصل كلوة أكره سلطان البلد على الإقرار بسيادة ملك البرتغال عليه ودفع جزية سنوية وإلاّ أحرق البلدة. وتلت ذلك زنجبار. وفي عام 1505م خرج من البرتغال أسطول عداده 20 سفينة عليها 1500 محارب فاحتلوا سفالة، مدينة الذهب، ثمّ احتلوا كلوة، بعد أن هرب منها سلطانها لأنّه لم يكن دفع الجزية الموعودة. ثمّ احتلوا ممباسا ولكن بعد أن قاتل عنها أهلها قتالاً شديداً وخسروا خسائر جسيمة، ولمّا احتلها البرتغاليون نهبوها ثمّ أحرقوها عن آخرها، وتركوا قسماً من غنائمهم وراءهم إذ لم يكن لهم طاقة بحمل كلّ ما نهبوا. فلمّا رجع أهل ممباسا إليها من فرارهم وجدوها، كما قال شيخنا في كتاب إلى شيخ مالندي يحذّره: «ليس فيها حي، لا رجل ولا امرأة، ولا صغير ولا كبير، ولا طفل ولو رضيع. وكل من عجز عن الهرب قتل أو مات حرقاً» ولكن بغضاء أهل مالندي للممباسيين أعمتهم فمالوا مع البرتغاليين، وكافأ البرتغاليون أصدقاءهم الوحيدين على تلك السواحل بأن جعلوا لأهل مالندي نصيباً من غنائمهم في ممباسا.
البرتغاليون يواصلون استعمارهم وتخريبهم شمالاً
وفي عام 1506م جاءت حملة جديدة من أربع عشرة سفينة وذهبت شمالاً إلى لامو فخضعت لهم وأدّت الجزية. أمّا أوجا فقد رفضت موالاة البرتغاليين وقال أهلها إنّهم لا يقرّون ولاء لغير مصر والخليفة العباسي، فاقتحمها البرتغاليون ونهبوها وأباحوها ثمّ أحرقوها. وقاومتهم براوة كذلك، واستعدت بستة آلاف محارب من قبائل الصومال الأشداء قاوموا مقاومة عنيفة وأوقعوا بالبرتغاليين الخسائر ولكنّهم عجزوا آخر الأمر عن حمايتها. فلمّا ظفر بها البرتغاليون نهبوها وأحرقوها وتركوها كما تركوا ممباسا.
البرتغاليون عند مقديشو
ثمّ ساروا إلى مقديشو فاستعدّ لهم أهلها بالرجال والسلاح، ولمّا وصلهم رسول البرتغاليين، وكان أحد أهل السواحل، اخترطوه بسيوفهم جزاء خيانته. فرحل البرتغاليون عن مقديشو دون أن يمسّوها وساروا إلى جزيرة سوقطرة فاحتلوها بعد قتال عنيف، وأقاموا فيها قاعدة لعملياتهم الحربية البحرية في خليج عدن والبحر الأحمر.
البرتغاليون عند مسقط وعدن
وفي هذه الأثناء هاجموا مسقط واحتلوا هرمز ودمّروا عام 1509م أسطولاً إسلامياً كبيراً بقيادة أسطول المماليك في مصر عند ديو على خليج بمباي في الهند. وساروا بعدها إلى عدن ولكنّهم عجزوا عن احتلالها. ولكنّهم استطاعوا في عشر سنوات أن يحتلوا السواحل الإفريقية إلاّ مقديشو وجزر القمر ومدغشقر، وهكذا ضاع من العرب في بضع سنوات سلطانهم القديم على سواحل المحيط الهندي ومياهه الشرقية.
سلطان البرتغاليين
في شمال الساحل الإفريقي
وينقسم سلطان البرتغاليين على السواحل قسمين، ففي الجزء الجنوبي، في سفالة وموزمبيق وكلوة، أقاموا حكماً مباشراً تدعمه حصون وحاميات وأساطيل مسلحة مستعدة. وانتهى الأمر بأن ضعف كيان العرب في هذا الجزء فرحل قسم كبير منهم ومن الهنود الذين كانوا يحتمون بهم إلى مدغشقر أو إلى مدن الشمال، وبلغ الحال سوءاً في كلوة حدّ أنّها كادت تهجر وتنطمس آثارها لكثرة ما ضيق البرتغاليون على تجارة أهلها. أمّا موزمبيق وسفالة فلم يبق للعرب فيهما بعد زمن أثر يذكر، وما زالتا حتّى اليوم قسماً في إفريقيا الشرقية البرتغالية.
سلطان البرتغاليين
في جنوب الساحل الإفريقي
أمّا في موانئ الشمال، فلم يتعدّ سلطانهم وجود جماعات من المستعمرين والتجار البرتغاليين بدون حاميات وحصون، ولكن كان البرتغاليون يزورونها بأساطيلهم ويجمعون الجزية من السلاطين والشيوخ. وقد استطاعت موانئ الشمال لذلك أن تعيد بناء حياتها وتجارتها إلى حد ما وإن كانت فقدت التجارة مع الخارج لأنّ البرتغاليين احتكروها كلّها. وفقدت هذه الموانئ أو المدن الصلة المستمرّة ببلاد العرب أمّها الأولى التي كانت تمدّها على الدوام بدماء جديدة قويّة.
البرتغاليون لم يفلحوا في التوغل في قلب إفريقيا
ولم يعرف أنّ البرتغاليين استطاعوا أن يبلغوا من سواحل إفريقيا الشرقية أو داخلها مكاناً لم يكن العرب بلغوه ومهدوا السبيل إليه، فكانوا كالثعلب يشبع من فريسة الأسد. ولم يزيدوا على العرب إلاّ في محاولة نشر دينهم في بعض الداخل على يد مبشرين، ولكن رغم محاولات رجال من المبشرين صادقي العزيمة مؤمنين برسالتهم لم ينجحوا في شيء من ذلك.
ولم يفهم البرتغاليون كيف كان العرب يتاجرون ويخاطرون في تلك البقاع، وتوهموا أنّ ما عليهم إلاّ أن يقعدوا على السواحل ويملؤوا مخازنهم ووكالاتهم من السلع الهندية التي يحتاجها زنوج الداخل وإنّ أولئك الإفريقيين سيأتون إليهم بخيرات بلادهم إلى مقرهم حاملين إليهم الذهب والعاج. ولكن الأمر لم يكن كذلك ولما قام بعض العرب بالهجرة إلى الداخل هرباً من البرتغاليين وبدأوا يجمعون الذهب والعاج ويرسلونهما إلى السواحل تحرّك في البرتغاليين المطع فجرّدوا حملة عليهم انتهت بفناء رجالها، ولكن بعد أن حموا الجالية العربية وقريتها، ولم يظفروا إلاّ بتعطيل التجارة من جديد.
ممباسا تحاول التخلص من البرتغاليين
ولم تبدر من العرب في القسم الشمالي من السواحل مقاومة تذكر للبرتغاليين مدّة الثمانين سنة الأولى إلاّ في ممباسا، فقد نسي أهلها نكبتهم عام 1505م بعد أن أعادوا بناء المدينة وعاودهم جأشهم وأنفتهم فخلعوا طاعة البرتغاليين. فأرسل البرتغاليون عام 1528م يؤازرهم بعض مدن الساحل وجزره، ولا سيّما مالندي، فخاف شيخ ممباسا ورضي بدفع الجزية. ولكنّها جزية لم تدفع آخر الأمر فأعاد البرتغاليون حرق المدينة حرقاً تاماً كاملاً. ولكن ما إن رحل البرتغاليون حتّى شمّر أهلها عن سواعدهم وأعادوا بناءها.
العرب يستعيدون سلطانهم بسواعدهم
ورغم أنّ ممباسا لم تقف للبرتغاليين بعدها نصف قرن تقريباً إلاّ أنّ أهل الساحل الشمالي جميعه، ما عدا مالندي، لم ينسوا سابق سلطانهم وسيادتهم فلم يوطدوا للبرتغاليين بينهم سلطاناً إلاّ خوفاً ورهبة وما إن أحسّ العرب بضعف البرتغاليين، ورأوا أساطيل الأمم الأخرى تدخل المحيط الهندي متحدية البرتغاليين، حتّى أدركوا أنّ ساعة خلاصهم قد دنت. ومع ذلك فإنّ طرد البرتغاليين من سواحل إفريقيا الشرقية تمّ بسواعد العرب أنفسهم، لم يساعدهم فيه أحد من الإنكليز أو الهولنديين أو الفرنسيين الذين طردوا البرتغاليين من الهند وما حولها من الجزر الغنية.
ولكن البرتغاليين أرسلوا حملة من جوا في الهند قاعدة سلطانهم البحري، ففرّ معظم أهل الموانئ عنها ولم يظفر البرتغاليون إلاّ بفازا حيث قتلوا شيخها ومئات من السكان نساء وأطفالاً ورجالاً وأحرقوا البلدة و المراكب في الميناء ودمّروا الزرع. وفي سنة 1588م، قامت ثورة. ولكن شاء سوء الحظ أن تكون قبيلة زنجية من الداخل قد وصلت بر ممباسا، ووجدوا أنّ حصونها منيعة فقعدوا على البر بآلافهم يتحيّنون الفرصة. ثمّ جاء البرتغاليون فوجد أهل ممباسا أنفسهم في حصار من البر والبحر. اعتصم أهل ممباسا، فتحالف البرتغاليون مع أولئك المتوحشين ونقلوهم إلى الجزيرة، فكان ما تلا ذلك أبشع مأساة عرفها تاريخ ممباسا. فقد تعقّبهم الزنوج المتوحشون بحرابهم، وأكلوا معظمهم فمن لم يقض عليه الزنوج رمى بنفسه في البحر ليهلك أو يلتقطه البرتغاليون ويسترقوه، ويعتذر مؤرخ برتغالي مشهور عن فعلة البرتغاليين تلك فيقول إنّ الرأفة بالعدو لم تكن أمراً متعارفاً في تلك الأيام.
ضم البرتغاليون ممباسا إلى مالندي
فكان في ذلك سقوطهم
وقرّر البرتغاليون أن يقيموا في ممباسا مركزاً حربياً بحرياً إدارياً، فبنوا عام 1563م قلعة على البحر جبارة وجعلوا فيها حامية برتغالية وجعلوا لها السلطة على السواحل من براوة، في الصومال اليوم، إلى رأس دلجادو، موضع حدود تنجنيقا الجنوبية اليوم. وحاولوا أن يجعلوا ممباسا مثل موزمبيق مستعمرة يسكنها مستوطنون من البرتغال وأن ينشروا بين أهلها النصرانية. ولكن هذا العمل كان تعظيماً لشأن ممباسا على حساب مالندي، صديقة البرتغاليين الوفية، فكافأ البرتغاليون شيخ مالندي، حسن بن أحمد، بأن جعلوه سلطان ممباسا أيضاً وأزلوا شيخ ممباسا الذي توارث السلطة فيها آباؤه. ولكن «وتقدرون فتضحك الأقدار»، فقد كان ضمّ ممباسا إلى سلطان مالندي بذرة سقوط البرتغاليين في القسم الشمالي من الساحل.
البرتغاليون يقتلون حاكم البلدين العربي
ثمّ يتخذون من ولده صنيعة، وينصرونه
فقد اختصم القواد البرتغاليون في مالندي وممباسا، وحار بينهم حسن بن أحمد، سلطان البلدين، وتعدّوا جميعاً عليه. فلمّا طلب منه القائد البرتغالي في جوا أنّ يأتي ليشرح حقيقة الحال خاف وهرب إلى الداخل حيث قتله أهل بلده وراء الساحل برشوة من البرتغاليين. ثمّ ندم البرتغاليون على ما فعلوا فجعلوا ابنه سلطاناً. كان ابنه يوسف في السابعة من عمره، فأقاموا وصياً من أهله مكانه ونقلوا يوسف إلى جوا حيث نشؤوه على النصرانية وسمّوه دوم خيرونيمو شنكوليا. وفي عام 1630م عادوا به إلى ممباسا بعد خمس عشرة سنة من الغياب، ونصبوه سلطاناً.
ولد الحاكم يخلع عن نفسه رداء
الزيف، وينتصر لأهله
ما إن أقام يوسف بين قومه وعشيرته من العرب حتّى ذاب عنه رداء الزيف الذي ألقاه عليه البرتغاليون فقد رآهم يحتقرون قومه، وهو منهم وزاده كرهاً للبرتغاليين معرفته بهم وبلغتهم. فعاد يوسف إلى الإسلام وإن لم يعلنه، وفي يوم عيد عام في العام التالي لعودته، وبينما الناس في بهجة الاحتفال، ردّ تحية القائد البرتغالي بأن أغمد فيه خنجره، وسرعان ما أعلم رجاله السيف في البرتغاليين وما هي إلا فترة قصيرة حتى لم يبق من البرتغاليين في ممباسا حياً إلاّ أربعة قسوس ورجل واحد فرَّ إلى مدينة قريبة. ثمّ أقام حدّ الردّة على من خرج من دين الإسلام إلاّ أن يكون عاد إليه.
وأرسل يوسف الرسل إلى عرب السواحل أن يثوروا، ولكن الظروف في تلك الموانئ لم تكن مؤاتية وأرسل البرتغاليون حملة على ممباسا فاعتصم يوسف ورجاله فلم يظفروا بهم. ثمّ عاد البرتغاليون بحملة أخرى، ويبدو أنّ يوسف ورجاله وجدوا أنّ لا طاقة لهم بالحصار ففرّ يوسف من ممباسا وقضى بضع سنوات يناوش البرتغاليين على السواحل ويحرّض الناس على الثورة ويواتيه النجاح أحياناً، ولكنّه مات شاباً في جدة عام 1637م. وطبعاً أعاد البرتغاليون سلطانهم على ممباسا وفتكوا بأهلها فتكاً ذريعاً.
سلطان البرتغاليين يتضعضع
في المحيط الهندي
وفي تلك الأثناء كان مركز البرتغاليين يتضعضع في المحيط الهندي. فقد حلّ الإنكليز مكانهم في الهند والهولنديون في سيلان، وقوّى هذان الطرفان الأوربيان مركزيهما على حساب البرتغاليين. ولكن يهمّنا ما فعله العمانيون في هذه الفترة. ففي عام 1650م طرد الإمام سلطان بن يوسف البرتغاليين من مسقط وبر جزيرة العرب، وما إن بلغ خبر انتصار العمانيين إلى السواحل حتّى اتّقدت النفوس وحاشت العزائم. وسرعان ما أرسلت ممباسا إلى سلطان بن سيف تستنجده أن يستنقذ إخوانه في السواحل. ولمّا كانت قوّة سلطان بن سيف في ذلك الحين لم تكن تكفي لاسترداد ممباسا بقلعتها الحصينة فقد هبط بأسطوله على باتي وزنجبار ومحا البرتغاليين منهما.
وفي عام 1660م عاد سلطان بن سيف بأسطول أقوى فاحتل فازا وممباسا، ولكنّه لم يقدر على القلعة. ومضى الأسطول العماني جنوباً حتّى بلغ موزمبيق عام 1669م، وكاد أن يحتلها. ولكن العمانيين لم يستطيعوا أن يقيموا حاميات في تلك الموانئ، فما أن رحلوا عن الساحل حتّى أوقع البرتغاليون بالموانئ التي ظفروا بها عقاباً فاق كل ما سبق، ممّا يعلّله المؤرخون بأنّه كان شعوراً من البرتغاليين بقرب أجل سلطانهم في تلك البقاع.
وكان العمانيون خلال ذلك ينازلونهم في مواضع أخرى، فقد أغاروا على ديو، قرب خليج بمباي عام 1670م، واستباحوها، وفعلوا مثل ذلك في باسين، شمال مدينة بمباي، وكانت كلتاهما مستعمرة برتغالية. وقرب نهاية القرن السابع عشر دنت ساعة نصر العمانيين نهائياً في السواحل. ففي عام 1696م، أرسل سيف بن سلطان، وكان خلف أباه سلطان بن سيف، أسطولاً من سبع سفن حربية وعشرة مراكب فيها 3000 محارب إلى ممباسا لاحتلالها. فاحتمى البرتغاليون ومن لاذ بهم في القلعة حتّى اكتظّت بما يزيد عن 2500 شخص. وأرسل البرتغاليون أسطولين لنجدتها فلم ينجحا، وحين وصل الأسطول الثالث وجد علم العمانيين الأحمر يرفرف عليها، فقد سقطت قبل يومين، بعد حصار دام ثلاثة وثلاثين شهراً. وسقطت دون قتال يذكر، ولم يرق العرب في سبيلها دماً يذكر، وإن كان المحاصرون هلكوا مرضاً وجوعاً.
بين البرتغاليين والعمانيين
وكان فشل البرتغاليين في استنقاذ مركز قوّتهم البحرية وسلطانهم السياسي في الشقة الشمالية من الساحل أمارة واضحة على أفول شمسهم، ورغم أنّهم أرسلوا حملات من جوا ولشبونة بين عام 1699م و1710م، إلاّ أنّهم لم ينجحوا. وفي عام 1728م تحيّنوا فرصة نزاع بين ممباسا وزنجبار وانشغال عمان نفسها بنزاع داخلي فأعادوا احتلال ممباسا وسيطرتهم على الشقة الشمالية، ولكن العمانيين عادوا فطردوهم بعد عامين.
وبذا تبيّن أنّ العمانيين إذا اتّحدت كلمتهم أقوى من البرتغاليين في شرق إفريقيا، وقد بلغت قوّة أسطولهم في السواحل وشمال المحيط الهندي في مطلع القرن الثامن عشر مبلغاً أرهب الأوروبيين جميعاً، بما فيهم الإنكليز والهولنديون، فكانوا يتجنبون المرور بالعمانيين في عرض البحر. ولمّا استقرّ الأمر في عمان عام 1740م لأحمد بن سعيد، رأس الأسرة الحاكمة في مسقط وزنجبار حتّى الثورة الأخيرة، بعد أن وحّد عمان فقد البرتغاليون الأمل في استرداد الشقة الشمالية من السواحل.
العرب لم ينازعوا البرتغاليين
في جنوب السواحل
ولكن العرب لم ينازعوهم في جنوب السواحل، وتركوا لهم موزامبيق وسفالة وكلّ ما هو جنوب رأس دلجادو. ولعل السبب في ذلك أنّ أثر العرب والإسلام كان قد انقطع مع تلك الديار التي عمرت بالعرب قبل مجيء البرتغاليين دهوراً طوالاً.
محمود الغول
العرب في «بلد السواحل» الإفريقية
(بلد الزنج) اسم معروف لدى قرّاء العربية، يتكرّر في التواريخ ليبرز جزءاً من ساحل إفريقية الشرقي، يمتدّ قرابة ألف وخمسمائة كيلو متر جنوب مقديشو وأوّل من أطلق هذه التسمية على هذا الجزء من الساحل هو (المسعودي) عندما زاره في القرن العاشر الميلادي فرآه مجزأ بين عدد كبير من الدويلات البحرية المستقلة، لكلّ منها حاكمها وكيانها الاقتصادي المستقل. هذه المنطقة اليوم ملك لثلاث دول هي الصومال، وكينيا وتنزانيا، فيها عدد من المدن الكبيرة منها عاصمتان (مقديشو ودار السلام) وميناء دولي (ممباسا) ومجموعة أخرى من المدن، كلّها تعكس بطابعها ومعالمها الحضارية تأثيراً عربياً وإسلامياً واضحين. والمنطقة، وإن كانت فقدت الاسم الذي أطلقه عليها (المسعودي)، لم تزل تعرف باسم (بلد السواحل). ذلك الاسم البسيط الذي سمّاها به (ابن بطوطة) عندما زارها في عام 1331م. وبالاسم نفسه كذلك يعرف سكان المنطقة ولغتهم وحضارتهم.
المصادر
إنّ تاريخ أولى الموجات السكنية التي استوطنت ساحل إفريقيا الشرقي لم يزل غامضاً، والمعلومات المحدودة المتوفرة عنها تعتمد على ثلاثة أنواع من المصادر الأولية هي: أوّلاً ما كتبه الجغرافيون العرب والبرتغاليون، وثانياً، ما تبقّى من الأحاديث الشفهية التي يتناقلها الناس من سكان المنطقة ومصدر ثالث هو التواريخ الرسمية التي دوّنها مؤرخو بلاطات الدويلات الساحلية الرسميون، كلّ في حينه، لكن المؤسف أنّ مثل هذه النسخ الفريدة ضاعت أو تلفت قبل وصولها إلينا، ولو أنّ عدداً منها تمّ تدوينه ثانية في بداية القرن الحالي، نقلاً عن ألسنة الرواة من سكان المنطقة. وهذه الأخيرة تشير إلى كون من سكن (بلد السواحل) كانوا من العرب الذين يرجع تاريخ وصول أولى موجاتهم إلى ما قبل الإسلام.
ومن بعضها نستدل على أنّهم أسلموا في فترة خلافة عمر، ومن أخرى يتبيّن لنا أنّ هجرة العرب وصلت ذروتها في عهد خلافة عبد الملك بن مروان. وقسم آخر يخبرنا بأنّ البدايات السكنية المتواضعة تطوّرت بسرعة إلى مدن تجارية جمعت أخيراً من القوّة والثقة بالنفس ما دفعها إلى تحدّي الخلفاء الذين تلوا عبد الملك. وهذا ما دفع بالمنصور أن يجنّد ضدّها جيشاً أرسله حملة تأديبية في عام 766م. وفي المصادر كذلك إشارات متكررة إلى هجرة عدد كبير من العمانيين وهذا يؤكده ما جاء في (حوادث عمان) من قصة الأخوين سليمان وسعيد اللذين فرّا إلى الساحل من حكم الأمويين في عام 692م وأقاما حكم النبهانيين واتّخذا من جزيرة «بانة» مقرّاً لحكمهما…
إنّ الصورة التي ترتسم من دراسة هذه المصادر هي صورة مجتمع متحضّر، منذ القرون الأولى للهجرة، عربي الجنس، مسلم الدين، يعتمد على التجارة والملاحة، ويعكس في هيكله الإداري وطراز عمارة مدنه إدارة المدنية الإسلامية العربية وعماراتها. لكنّها صورة تنقصها التفاصيل وتشوبها المبالغات التي كثيراً ما يتّسم بها هذا النوع من التواريخ التي تدّعي القدم ادعاء بسبب دوافع سياسية. والصورة تتعارض في أهم جوانبها مع المصادر المدونة من الكتّاب العرب الذين يتفقون على أنّ الإسلام بقي دين الأقلية حتّى القرن الثالث عشرولم يصبح ديناً شاملاً إلاّ بعد هذا التاريخ.
(فابن حوقل) المتوفى عام 977م يضع حدود الإسلام الجنوبية عند اليمن، وهذا ما يؤكّده كلّ من المسعودي والإدريسي (1154م) اللذان يتحدّثان عن عبادة الأصنام في أرجاء إفريقية الشرقية.
إنّ أوّل شهادة عيان بعد إسلام المنطقة تأتينا من (ابن بطوطة) الذي يتغنّى بإسلامها ويتمسّك حكّامها التقاة بأصول الدين. وبعد هذا التاريخ إشارات عديدة تؤكد هذه الحقيقة، أهمّها ما جاء في كتاب (أبو المحاسن): «المنهل الصافي بعد الوافي» من وصف لمقابلة جرت في مكة عام 1441م بين (المقريزي) وقاضي مدينة (لامو) الساحلية حين وجود الأخير هناك لأداء فريضة الحج… ويؤكّد إسلام الساحل في هذه الفترة مجموعة من الأدلة التنقيبية وأوضحها تاريخ (كزمكازي) في زنجبار هذا نصّه:
«أمر ببنائه الشيخ السيد أبي عمران الحسن بن محمد في اليوم الأوّل من شهر ذي القعدة لعام 500هـ».
وبالرغم من التحريات الكثيرة التي قام ويقوم بها علماء الآثار في المنطقة، لم يظهر حتّى الآن أثر للتمدّن يرجع تاريخه إلى ما قبل القرن التاسع الميلادي. وهذه الحقيقة ركّزت لدى علماء الآثار الاعتقاد بكون الساحل، بل جميع إفريقيا الشرقية والوسطى، لم تكن تعرف التمدّن قبل الإسلام. إنّ الإسلام كان هو الوسط الذي جلب التمدّن الحقيقي إلى المنطقة.
حملة تشويه
لكن هذه الحقيقة تجابه مقاومة ممّن يتعمّدون تشويه الحقائق بدوافع متنوّعة. وهذا التشويه يجري بصور عديدة. أوّلها تضخيم حجم تجارة العبيد التي شارك العرب فيها، ومحاولة خلق الانطباع بأنّ مجالات نشاطات العرب في هذه التجارة عبر القرون كانت تساوي أو تزيد على ما كان الأوروبيون مسؤولين عنه وراء الأطلسي في غرب إفريقية فهؤلاء المؤرخون يتحمّلون وزراً كبيراً لتشويههم الحقائق وهم إنّما فعلوا ما فعلوا للدفاع عن أسلافهم، وهم لهذا يحسّون براحة نفسية في ادعائهم أنّ عبئاً مشابهاً يقع على أكتاف آخرين في الضفة المقابلة، بالرغم من الحقائق التي استجدّت تثبت بأنّ مقارنة من هذا النوع هي أشبه بمقارنة المحيط بالجدول. فالأولى كانت من الضخامة بحيث صار لها تأثير واضح على كثافة السكان وتوزيعهم في المنطقة. وعدد الزنوج في الأمريكتين دليل على ما نقول. والتشويه الثاني يخصّ هيكل التجارة. فالفكرة التي أفلح هؤلاء المؤرخون في تثبيتها مبنية على قصص خيالية عن قوافل كان يرسلها العرب من الساحل إلى الغابات الاستوائية لاقتناص الأفارقة واختلاسهم خفية خلال ممرّات خفية إلى قوارب التصدير. ومن له أي علم مهما كان سطحياً بجغرافية المنطقة يقدر خرافة هذه الأقاويل.
حقيقة تجارة العبيد
وعلى كلّ حال، نرى نتائج الدراسات الحديثة التي يقوم بها جيل جديد من المؤرخين في جامعات (نيروبي) و(دار السلام) و(مكريري) تثبت أنّ القبائل الإفريقية هي نفسها التي كانت تستعبد أفراد القبائل المعادية بعد غزوها وسبي أفرادها ومن ثمّ نقلهم، لكي يتمّ بيعهم على الساحل لغرض ترحيلهم إلى أسواق الخليج العربي. ويبدو أنّ نتائجها كذلك أنّ تجارة العبيد من شرق إفريقيا، على ضآلة حجمها، لم تخل من اشتراك الأوروبيين المباشر فيها. فالمخطوطات التي عثر عليها مؤخراً في مكتبة البحرية الفرنسية تصف بالتفصيل النشاط المسعور الذي قام به البرتغاليون والهولنديون والفرنسيون في هذا المضمار.
دور العرب الإيجابي
إنّ قصة تجارة العرب بالعبيد أصبحت قصة مشهورة كتب عنها الكثير، وترسبت حوله المبالغات والأكاذيب التي تهدف إلى طمس دور العرب وتشويه أثرهم، وإظهارهم بمظهر المستعمر المستغل والحقيقة هي أنّ المجتمع الإفريقي يدين للعرب بما يملكه من فن وأدب وكتابة وتكنولوجية بحرية وما شابه هذا من جوانب إيجابية اتّخذ الغرب آزاءها موقف المتجاهل. فالفكرة التي كان يعمل دعاتهم على ترسيخها هي كون الحضارة السواحلية دخيلة على القارة لا تمت لتقاليدها بصلة ـ هي وليدة حضارة عربية إسلامية معادية جلبتها إلى الساحل أغراض نفعية ومطامع ذاتية كالتجارة بالعبيد والعاج. فهي لذلك خالية من أي محتوى إنساني لأنّها لا تزيد عن كونها نقلاً مشوّهاً عن أصل غريب.
الغاية من حملات التلفيق
لقد نجحت حملات التلفيق هذه إلى حد كبير، وكثير من هذه الأكاذيب لا يزال عالقاً بالأذهان. والواقع الذي تكشّف بعدئذ هو أنّ هذه الحملات لم تكن سوى تمهيد لترسيخ النفوذ الغربي في المنطقة. وما تلا ذلك يمكن وصفه بكونه سياسة مزدوجة ـ شقّها الأوّل كان يهدف إلى بث التفرقة والكراهية بين الأفارقة والعرب، رغم كون العرب هؤلاء استوطنوا الساحل منذ مئات السنين، فقدوا بنتيجتها لغتهم الأصلية، وتزاوجوا من أهل البلاد وتبنّوا لغتهم. وشقّها الثاني كان يدعو إلى تشجيع الأوروبيين للهجرة والاستيطان لاستغلال أراضيها الخصبة الفسيحة بعد سلبها من سكانها الأصليين وتحديدها كمناطق بيضاء لا يحق للسود دخولها.
رد الفعل ضدها
إنّ هذا الاتجاه يمرّ الآن بأيامه الأخيرة. وهو حتّى حين كان في أوجه ـ لم يخل عن معارضين، أشهرهم جيمس كوكمان، كبير علماء الآثار المختصين وناظر متحف ممباسا حالياً. اشتهر بما قام به في عام 1948م من حفريات في مدينة (جدي)، تلك المدينة المسورة التي تغطي مساحة عشرين هكتاراً تقريباً والتي تكشف عن هندسة وتخطيط يجمعان بين التأثير العربي والأصالة المحلية. ولقد دفعته معارضته الشديدة لمخالفيه إلى تسمية المدينة باسم (مدينة جدي العربي)، وإلى نشر وصف لها في دليل يحمل العنوان نفسه. ونحن نعلم أنّ (جيمس كوكمان) يعرف قبل غيره مدى مرارة الطعم الذي تتركه هذه التسمية في بعض الأفواه ويعرف كذلك أنّ اسماً كهذا لمدينة إفريقية تبعد آلاف الكيلومترات عن أقرب بلد عربي لا بد أن يفسّر بالسذاجة إلى حد ما عند الأوساط العلمية. لكنّنا في الوقت ذاته نقدّر أنّ الظروف أحياناً تدفع الإنسان ـ ولو كان عالماً مثل (كوكمان) إلى اتخاذ أسلوب التشديد، أو المبالغة اضطراراً.
نشوء المدن الساحلية
أصبح الساحل، بحكم موقعه الجغرافي واحتوائه على المواد النادرة كالعاج والتوابل ملتقى للقوافل التجارية من مختلف أرجاء المحيط الهندي وكانت تصل على متن سفن شراعية، وكانت تتحكّم الرياح الموسمية بوقت واتجاه سفرها.
فهذه كانت تترك الخليج الفارسي والهند وأندونيسيا والصين، متّجهة نحو الساحل، محمّلة بالفرفوري والأدوات الحديدية والأثاث والأكواز وغيرها عند بدء الرياح الشمالية في النصف الأوّل من السنة، ثمّ كانت تمكث هناك، انتظاراً لبدء الرياح الموسمية الجنوبية في نهاية السنة، حين كانت تبدأ رحلة الرجوع، محمّلة بالعاج والتوابل وغيرها. وبسبب هذا التفاوت الزمني بين الرياح الموسمية نشأ على الساحل عدد من القرى لإيواء البحارة كانت تعقد فيها الأسواق لاستبدال البضاعة عند وجود السفن، وتهجر عند ذهابهم. تطوّرت بعدئذ هذه القرى إلى مراكز سكنية دائمة، استوطنها مهاجرون من أنحاء المحيط تزاوجوا بينهم ومع السكان الأصليين.
تاريخ الاستيطان العربي
ويبدو أنّ ما يدورعلى ألسنة الناس من كون أوّل سكان المنطقة الذين سيطروا على أسواقها، وعن طريقهم كانت تتمّ الصفقات التجارية كانوا عرباً هو القول الصحيح. ونحن نعلم أنّ هجرة بالاتجاه المقابل جرت أيضاً، اختياراً، أو في قوارب تجار الرقيق. نستدل على هذا من ثورة الزنج في البصرة في نهاية القرن التاسع الميلادي، أو ممّا جرى قبل هذا التاريخ بقرن من استخدام أبي العباس السفاح للزنوج في جيشه الذي هجم به على مدينة الموصل.
إنّ أقدم إشارة تاريخية تدلل على وجود العرب قبل الإسلام في بلد السواحل تصلنا على هيئة دليل تجاري للملاحة، كتبه بحار إفريقي من سكنة الإسكندرية في القرن الثاني للميلاد تحت عنوان (دليل أريتريا)، جاء فيه أنّ الأسواق التجارية تدار من قبل عرب، يعلنون الولاء لمملكة (حمير) في جنوب شبه الجزيرة العربية.
تطوّر المدن الساحلية
وهكذا نشأت المدن الساحلية مثل (ممباسا) و(مالندي) وغيرهما عن بدايات متواضعة، تطوّرت بعدئذ إلى ممالك مستقلة، لكلّ منها ميناؤها وأسطولها التجاري، يجمع بينها عامل اللغة السواحلية المشتركة والتاريخ الواحد ويفرّقها عن بعضها التزاحم على الأسواق والتنافس من أجل السيطرة على خطوط المواصلات البحرية المحدودة. وفي أحيان كثيرة كان هذا التنافس يؤدّي إلى حروب أزهقت الكثير من الأرواح ودمّرت العديد من المدن مثل مدينتي(تقوى) و(كتاو) جنوب جزيرة (ماندا). وعدد آخر من المدن هجرها أهلها بعد اضمحلال التجارة التقليدية، أي عندما حلّت البواخر الكبيرة والموانئ الدولية العميقة المياه بدل السفن الشراعية والمراسي البدائية. وقسم أخير تمكّن بطرق مختلفة من التكيّف لمجابهة الظروف الجديدة والمحافظة على كيانه. فمنها ما ساعدها موقعها الجغرافي على التطوّر إلى موانئ صالحة للملاحة الحديثة مثل (ممباسا) و(دار السلام) و(مقديشو) ومنها ما تمكّن أن يحول وظيفته من ميناء تجاري يعتمد على حركة الرياح الموسمية إلى مدن تعتمد على السياحة كـ (مالندي) و(تامو) أو على ثروات حيوانية مثل صيد الأسماك في (براوة) أو على الزراعة مثل التبلغ في (باته) أو على ثروات طبيعية أخرى كالأخشاب في مدينة (لامو).
لامو
لقد اخترنا المدينة الأخيرة نموذجاً لدراسة نوعية ومدى التأثير العربي على شكل ومحتوى المدن السواحلية.
تقع مدينة لامو على خط 52 جنوبي خط الاستواء على الجانب الشرقي من الجزيرة التي تحمل الاسم نفسه وهذا الموقع يوفّر للمدينة كلّ ما كانت تحتاج إليه لأداء وظيفتها كدويلة تجارية تمتدّ مواصلاتها عبر البحر بواسطة السفن الشراعية.
فهي نظراً لانفصالها عن جسم القارة تأمن خطر هجوم القبائل التي سبّبت دمار المدن الساحلية أكثر من مرّة فيما قبل. وهي كذلك بعيدة من خطر أمواج المحيط الفتاكة، بسبب من الحماية التي توفّرها لها الجزيرة المقابلة (ماندا). هذان العاملان، إضافة إلى ذلك عمق القناة البحرية التي يطل عليها ميناء المدينة، تشترك في حماية المدينة من الهجرة التي أصابت كثيراً من المدن المعاصرة لها. وهذه هي النكسة التي تعرّضت لها التجارة البحرية القديمة نتيجة تأسيس خط حديد (ممباسا) الذي أثّر على اقتصاد مدينة (لامو) تأثيراً سيئاً.
طابع المدينة
(لامو) عربية الطابع، شوارعها ضيقة، بيوتها عالية الجدران ليس لها نوافذ خارجية، يدخلها الضوء عن طريق صحون داخلية. يسكن المدينة سبعة آلاف نسمة ثلثاهم من أصل عربي، معظمهم من (عمان) و(حضرموت) وهم ما يزالون يحتفظون بأسماء عوائلهم العربية مثل (العلوي) و(الخطيب) و(الجهاضمي) وهكذا.
جميعهم مسلمون، ومعظمهم يدينون بالمذهب الشافعي، وفي المدينة شيعة وإباضية. جميعهم حريصون على تنفيذ فروض الدين. يؤدّون الصلاة المفروضة جميعها. ففي المدينة على صغرها، أربعة وعشرون مسجداً، أي بمعدل مسجد واحد لكلّ مائة ذكر بالغ، وهذه دون شك نسبة نادرة مقارنة بالمدن الإسلامية الأخرى. جميع المساجد في حالة صالحة للاستعمال وتستعمل فعلاً. في عدد منها مدارس ملحقة بها، يأتي إليها أطفال المدينة طلباً للعلم، يتعلّمون فيها القراءة والكتابة العربية والسواحيلة وأصول الدين والتاريخ الإسلامي والنحو والأخلاق. التدريس مجاني والمعلمون الذين يتبرّعون بوقتهم لهذه المهمة يتبؤون مكانة محترمة من باقي السكان الذين كثيراً ما يعبّرون عن هذا الاحترام بتقبيل أيديهم عند مقابلتهم. في هذه المدارس يتعلّم الأطفال كذلك المهن الحرفية، كحياكة الحصران وصنع الأطباق، ويرجع ريع بيعها للمدرسة.
كلية دينية
في (لامو) كلية دينية إسلامية يتوافد إليها التلاميذ من جميع أرجاء ساحل إفريقيا الشرقي، ومن بعض الدول الآسيوية كذلك لدراسة المواضيع اللغوية والدينية والفلسفية التي تتراوح مدّتها بين سنتين وخمس سنوات.
مؤسّس الكلية (الحبيب صالح جمال الليل). جاء إلى لامو في عام (1928م) من جزائر القمر، وصار له أثر كبير على الحياة الدينية في المدينة «فهو الذي أدخل الموسيقى إلى المساجد لتصاحب الموالد والمدائح النبوية التي لا تزال تقام في ثلاث أمسيات من كلّ أسبوع وتستعمل خلالها الدفوف والطبلات. ولقد لاقى هذا في البداية معارضة شديدة من قبل أهل البلد الأصليين، لكن إقبال أطفال المدينة، وعوام الناس عليها، والدور الذي لعبته في تشويق الدين الإسلامي للوثنيين الأفارقة خفّف من وطأة المعارضة وسارع في إزالتها. يتفاهم الناس باللغة السواحلية، التي تعود بقواعدها إلى عائلة لغات (البانتو) الإفريقية، ولو أنّ أكثر من ثلث مفرداتها من أصل عربي. واللغة غنية بالشعر الذي ينظّم على البحور العربية والذي يوجد منه تراث كبير يتغنّى به الناس لأنّه يعكس أمجادهم الماضية.
دور النساء
يلعب النساء دوراً مهماً في المجتمع السواحلي. فالواقع الاجتماعي الذي يفرض عليهن العزلة داخل البيت يشجعهن على حفظ الشعر ونظمه. وتاريخ المنطقة يشهد لعدد من الشاعرات السواحليات بنماذج خالدة من الشعر الرائع، مترجمة للغات عديدة، ويشهد كذلك لعدد من ملكات الدويلات الساحلية بأمثلة نادرة من ضروب الشجاعة. كملكة (كمبو) التي رمت بنفسها في البحر، وشقّت طريقها سباحة بين الكواسج والتماسيح إلى الأدغال في الجزيرة المقابلة عندما علمت بمجيء الأسطول التركي تحت قيادة (ميرال بي) عام 1528م. أو كحاكمة (تقوى) التي اختارت الموت بين أمواج البحر القاسية احتجاجاً على الخيانة التي اكتشفتها بين بعض بلاطها. والنساء هنا ـ كعادة النساء العربيات ـ يلبسن العباءة في الشارع، والعباءة دخلت المدينة في مطلع القرن الحالي تحل محل الخيمة المتحرّكة التي كانت الإماء يرفعن أوتادها، وكانت تسير السيدة داخلها.
الكيان الاجتماعي
(لامو) نشأت مجتمعاً طبقياً يتألف من طبقتين، الأولى صغيرة من السادة العرب تمثّل الأرستقراطية التجارية والثانية كبيرة من العبيد والأفارقة تمثّل المزارعين والخدم. جميعهم مسلمون، يسوي بينهم الإسلام وتجمع بينهم أماكن العبادة المشتركة. كانت موارد العيش سهلة المنال والأرض خصبة، والبحر غنياً بالأسماك، والميناء مزدحماً بالسفن. كانت الأيام أمينة فسارت الحياة سهلة رغيدة… العبيد يفلحون الأرض لقاء حصة مضمونة والماهر منهم يجمع من المال ما تسمح به قدرته هو أيضاً على امتلاك العبيد… والسادة قلّما تضطرهم الظروف للعمل غير متابعة الوارد وإدارة الملك. كانوا يقضون وقتهم بين فترات الصلاة في التحدّث على دكّات منازلهم، وبين أصابعهم مسبحات من الأحجار الكريمة المستوردة من الشرق الأقصى، ويشربون القهوة التي تقدّم مع الحلوى، وكان العبيد يتفنّنون في صنعها، و(لامو) لا تزال مشهورة بالجيّد من كليهما. وفي أوقات الأصيل كان أشراف البلدة عند (البرازة) على ساحل البحر يتحدّثون فيما بينهم، ويستشيرون رئيسهم المنتخب عن أمور الساعة والمستقبل، و(البرازة) على ساحل البحر يتحدّثون فيما بينهم، ويستشيرون رئيسهم المنتخب عن أمور الساعة والمستقبل، و(البرازة) كانت منتدى سياسياً يعقد على مقاعد خشبية معدّة لهذا الغرض وهذه العادة ما تزال قائمة. ففي مساء كلّ يوم يجتمع اشراف البلدة على برازة (لامو) ليتجاذبوا أطراف الحديث، كما كان يفعل أسلافهم منذ العصور الوسطى. ولا يحق لغير سكان المدينة الأصليين من الغرباء أو الزوار حضورها.
فالمدينة كانت لا تزال مقسومة جزأين يفصل بينهما خط وهمي معروف الأبعاد. يسكن شمال الخط السكان الأصليون من سلالة الأسر اللامية. ويطلق عليهم اسم (الفوجوهو) أو أصحاب الجاه في بيوتهم الحجرية ذات الطابقين، وفي جنوبي الخط الغرباء والزوار والمستضعفون من القوم في بيوتهم المتواضعة.
ولهذا التقسيم تأثير ملموس على عمارة المدينة وتخطيطها. فالمسجد الجامع يقع في القسم الشمالي بينما يزخر القسم الجنوبي بالأحياء الشعبية ذات المقاهي والمطاعم الصاخبة التي يتحاشاها سلالة (الفوجوهو) حتّى يومنا هذا، بمثل الحذر الذي يتحاشى به سكان القطاع الجنوبي الجلوس على مقاعد (البرازة). وفي أيام سيادة المدينة كان حق التصويت مقصوراً على سكان القسم الشمالي يمارسونه كلّ أربع سنوات لاختيار رئيس يحكم طبقاً لتعاليم القرآن والعرف، يساعده في ذلك مجلس شورى منتخب بالصورة نفسها. ولا شكّ في أنّ حالة كهذه كان لا بدّ لها من أن تترك بذور فرقة ونفور بسبب من تعالي فريق على آخر، الأمر الذي يولد الأحقاد، لولا أنّ القسم الجنوبي هو الآخر كان يحتفظ بمزية كانت قصراً عليه، فسكانه كانوا ولا يزالون بيدهم مقاليد إدارة الأمور الدينية، وأداء المراسيم الشرعية.
الحياة الفكرية والفنية
أدّت سهولة العيش وبساطة الحياة إلى انتعاش الإنتاج الفني والفكري. لذلك تحتل المدينة مكان الصدارة بين المدن السياحية، يزورها كلّ موسم عدد كبير من جميع أنحاء العالم، تدفعهم الرغبة لمشاهدة بيوتهم العربية الطراز، وآثارها الفنية الأخرى. ولعل أشهر هذه الآثار هي الأبواب الخشبية المنقوشة، والمجوهرات الفضية، والأدوات النحاسية، التي ما تزال تصنع حتّى يومنا هذا… جميعها يعكس تأثيراً عربياً في طريقة الصنع ونوع النقش. ومن الغريب أنّ الظروف التي خلقت هذه الحركة الفتية النشطة دفعت في الوقت ذاته رعاة الفن هؤلاء إلى احتقار العمل اليدوي، فمن الطرائف التي ما يزال الناس يتندّرون بذكرها أنّ أثرياء البلد كانوا يبعثون حللهم عبر المحيط إلى حضرموت لغسلها وكيّها.
خلاصة
الحضارة السواحلية جزء من سلسلة الحضارات الإسلامية التي ترعرعت على سواحل المحيط الهندي. جميعها مدينةٌ للعرب مباشرة في بدء نشوئها وتطوّرها وفي معظم معالم حضارتهم المادية كالعمارة والخط والنقوش وغيرها… دراستها ما تزال في المهد لكن الاستمرار عليها سيكشف حقائق هامة بالنسبة للتاريخ الإسلامي عموماً.
عصام عيسى غيدان
وصف إفريقيا
للحسن الوزان (ليون الإفريقي)
كتاب «وصف إفريقيا» الذي كتبه الحسن الوزان بالإيطالية العام 1526 بعد أن صار معروفاً باسم ليون الإفريقي، هو الذي صنع أسطورة هذا الرجل. وإذا كان الكتاب ـ الذي صدر عن دار الغرب الإسلامي بتحقيق من د. محمد حجي ود. محمد الأخضر ـ هو في الأصل كتاباً في الجغرافيا، فإنّ المعلومات التي يتضمنها هي حصيلة رحلات المؤلف إلى وسط المغرب والأطلس والحجاز والبلاد التونسية والبلاد التركية وعاصمة الدولة العثمانية وصولاً إلى إيطاليا حيث خدم البابا ليون العاشر وألّف له هذا الكتاب.
والحسن الوزان عالم وديبلوماسي كلّف بسفارات من قبل سلطان فاس في فترة اضطرابات وانقسامات في المغرب. وهو ألّف العديد من الكتب. ومن المرجح أنّ «وصف إفريقيا» جزء من كتاب كان ألّفه بالعربية بعنوان «الجغرافيا العامة». وله أيضاً مختصر تاريخ الإسلام وكتاب في الفقه المالكي وآخر في قواعد اللغة العربية.
وقصة الحسن الوزان أو ليون الإفريقي باتت معروفة، بسبب تجربته الفريدة في الانتقال من بلاد الإسلام في المغرب إلى أوروبا وخدمته لأحد باباوات روما. كذلك فإنّ «وصف إفريقيا» الذي يعكس جوانب من سيرة هذا الرجل أصبح معروفاً لكن الكتاب شقّ طريقاً طويلة قبل أن ينتقل من الإيطالية إلى العربية مجدّداً.
ويذكر المحققان اللذان ترجما الكتاب إلى العربية: أنّ الكتاب نشر للمرّة الأولى في إيطاليا العام 1550 بمدينة البندقية. وترجم إلى اللاتينية بعد سنوات قليلة ونشر في بلجيكا العام 1556، وفي زوريخ العام 1559 وفي لايدن العام 1632، ونشر بالهولندية العام 1665 في أمستردام، وبالإنكليزية العام 1600 في لندن، وبالألمانية العام 1805 في هيربورن، ونشر مرّات عدّة بالفرسية الأعوام 1556 و1564 و1830 و1896 و1949 و1956، قبل أن ينتقل أخيراً إلى العربية نقلاً عن الفرنسية.
وشهرة الكتاب لا تقوم على كونه موسوعة في الجغرافيا الإفريقية، بل تعود بشكل خاص إلى هذا اللقاء بين الشرق والغرب، بين المسيحية والإسلام، الذي جسّده مؤلف الكتاب في كتابه وفي شخصه وفي تجربته. والحقيقة أنّ الحسن الوزان، الذي أمضى ما يقرب من عشر سنوات في تجربته الأوروبية قبل أن يعود إلى تونس العام 1528 (توفي فيها العام 1552)، قد عاش في فترة مهمة من التاريخ العالمي، وقُدّر له أن يشهد بنفسه أخطر اللحظات في الانقلابات التي شهدها عالم البحر المتوسط. فقد كان طفلاً عندما غادر غرناطة وغادرها الإسلام معه أيضاً. وكان في مصر العام 1517 عندما انهارت دولة المماليك وقضى عليها العثمانيون. وزار اسطنبول التي كانت عاصمة الدولة العثمانية. وحين سقط في الأسر وأهدي إلى البابا ليون العاشر، أكرمه هذا الأخير نظراً إلى ما يملكه من معرفة وعلم. ويمكن القول بأنّ الحسن الوزان عاش في أوروبا في لحظة من لحظاتها الإنسانية، وأمكنه أن يتصل بعلمائها ويتعلّم لغاتها ويتعرّف إلى شعوبها.
ويذكر المستشرق أغناطيوس كراتشكوفسكي عن الحسن الوزان ما يلي: «كان إلمامه الجيّد باللغة الإسبانية التي كانت أشبه ما تكون بلغته القومية ما عاونه سريعاً في التعرّف على بيئته الجديدة وإجادة الإيطالية واللاتينية بصورة مرضية. ومنذ العام 930هـ/1524م نجده يؤلّف معجماً عربياً ـ عبرياً ـ لاتينياً من أجل طبيب يهودي، لا تزال مخطوطته محفوظة بالاسكوريال. وفي العاشر من آذار (مارس) العام 1526 أتمّ الترجمة الإيطالية لكتابه الذي وضعه أصلاً باللغة العربية أي كتاب «وصف إفريقيا». وفي العام 1527 ألّف باللاتينية كتاباً جامعاً في سير ثلاثين من مشاهير العرب في الفلسفة والطب، نشر العام 1664، وكان أوّل سفر من نوعه يقدّم معلومات ذات أهمية بالنسبة إلى أوروبا في تاريخ تطوّر العلوم عند العرب». قسّم المؤلف كتابه إلى تسعة أقسام: جعل القسم الأوّل للحديث عن اسم إفريقيا وأقسامها الأربعة وممالكها وسكانها ولغاتها وأحوال العرب فيها وأصنافهم. أمّا أقسام إفريقيا فمملكة مراكش ومملكة فاس ومملكة تلمسان ومملكة بجاية وتونس. ويخصّص القسم السادس لنوميديا أو بلاد الجريد. والسابع لبلاد السودان والثامن لمصر. والقسم التاسع والأخير يتحدّث عن الأنهار والحيوانات والنباتات الإفريقية.
ونلاحظ منذ بداية الكتاب أنّ المؤلف: (الوزان الإفريقي) يقارن الأسماء اللاتينية بالعربية فيقول مثلاً: القسم الثاني يسمّيه اللاتينيون نوميديا ويدعوه العرب بلاد الجريد حيث ينبت النخيل… ويقول أيضاً: القسم الثالث المعروف بليبيا عند اللاتينيين لا يطلق عليه بالعربية سوى اسم الصحراء أي القفر.
ويلاحظ كراتشكوفسكي في كتابه «الأدب الجغرافي العربي» أمرين متعلقين بكتاب «وصف إفريقيا»، الأوّل هو أنّ طابع الكتاب يختلف عن طابع الكتب الجغرافية التقليدية المعروفة باسم المسالك، ويقول بهذا الخصوص، «إنّه قد كتب من أجل الأوروبيين… ولعل معرفة المؤلف بعدد من اللغات مكّنته من الاطلاع على مؤلفات العالم الكلاسيكي ومؤلفات العصور الوسطى الأوروبية، وربّما عاونه في ذلك علماء النزعة الإنسانية من بين الإيطاليين». والأمر الثاني هو إشارته إلى بعض المؤلفين الأوروبيين، فيذكر في مطلع القسم التاسع أنّه سيتكلم «عمّا يوجد من المعادن والنبات في إفريقيا باستثناء ما أورده بلينوس الذي كان بحق رجلاً ممتازاً»… إلخ.
وعلى هذا النحو نستطيع أن نقدّر خصوصية الكتاب في عصره وإذا اعتبرناه كتاباً في الجغرافيا، فإنّه يهتم بالجغرافيا الطبيعية والسياسية والعمرانية على السواء. إلاّ أنّنا نستطيع أن نقول أيضاً إنّ الكتاب هو ايضاً في تاريخ المنطقة، لأنّه يتحدّث عن أحوالها السياسية وملوكها، فحين يتحدّث عن مصر مثلاً فإنّه يتحدّث عن سلطانها وموظفيه وكلّ أقسام الإدارة قبل أن ينتقل للحديث عن مناطقها.
ولعل الأقسام الأشد إمتاعاً في الكتاب تلك التي يتحدّث فيها عن المناطق التي عاش فيها وأحبّها، خصوصاً مدينة فاس التي يخصّص لها العديد من الصفحات ضمن فصل خاص: «المدينة العظمى عاصمة موريتانيا كلّها»، فيتحدّث عن أصل بُناتها وموقعها ونوعية أبنيتها ومساجدها ومدارسها وحماماتها وبيمارستاناتها وأسواقها وأزقتها، قبل أن يتحدّث عن نوع الحياة الاجتماعية في فاس.
والذي يلفت انتباهنا في الكتاب نزعته «الأنتربولوجية، ففي القسم الأوّل، عندما يتحدّث عن سكان إفريقيا، نجده يرجع سكانها العرب إلى أصولهم العشائرية فيقول: «ينتمي العرب الذين دخلوا إفريقيا إلى ثلاث قبائل: حكيم وهلال ومعقل. وتنقسم حكيم إلى ثلاثة فروع كبرى: أثبج وسمّيت وسعيد. وتتفرّع أثبج إلى ثلاثة فروع صغرى: دلاج والمنتفق وصبيح. كما تتفرّع كلّ قبيلة من هذه القبائل إلى عدّة بطون». ثمّ يعود ليتحدّث عن توزّع العرب بحسب مناطقهم. ويتحدّث عن عاداتهم وطرق معاشهم.
والواقع أنّ نزعته الأنتربولوجية تتجلّى خصوصاً عندما يتحدّث عن عادات كلّ بلد أو مملكة من البلدان التي يتحدّث عنها، ومن ذلك مثلاً حديثه عن عادات سكان القاهرة وأرباضها ولباسهم وممارساتهم. أو عندما يتحدّث عن نمط عيش سكان مراكش ولباسهم. ولعل أطول قسم يتعرّض فيه إلى العادات عندما يتحدّث عن فاس، وقد مررنا بما ذكره عن أقسامها وعمرانها، ونذكر الآن ما أورده حول عادات أهلها من طريقة اللباس إلى عادات الطعام والزواج، إلى أعياد أهلها وطرق لعبهم ومدارس أطفالهم… وفي أحد المقاطع يقول:
«سأحدثكم عن العرّافين الكثيرين، وهم أصناف ثلاثة: يتألف الصنف الأوّل من الذين يتعاطون خط الرمل، فيرسمون عليه أشكالاً ويؤدّي لهم من كل رسم بحسب الموارد المتوفّرة للشخص ووفقاً للعادة. ويضمّ الصنف الثاني العرّافين الذين يجعلون الماء في قدر لمّاع ويرمون فيه قطرة زيت فيصير شفافاً، ويزعم العرّافون أنّهم يرون فيه كما يرون في المرآة ويشتمل الصنف الثالث من العرّافين على نساء يوهمن العامّة أنّهن يرتبطن بصداقة مع شياطين من أنواع مختلفة إلخ. وهناك صنف آخر من العرّافين يدعون المعزمين، أي السحرة، يعتبرون قادرين تماماً على إنقاذ من اعتراهم مس من الشيطان… وهناك أيضاً صنف آخر من الناس يعمل وفق قاعدة تدعى الزايرجة أي مخاطبة الأرواح، لا يربطون عملياتهم بنصوص، بل يعتبرونها جزءاً من العلوم الطبيعية».
ونختم بما ختم به الحسن الوزان كتابه: «والحاصل أنّ ذلك ما شاهدته ـ أنا يوحنا ليون ـ ممّا هو جميل وجدير بالذكر في كلّ إفريقيا التي جبتها من جهة إلى أخرى… ثمّ رتّبت هذه المذكرات بقدر استطاعتي، وألّفت منها في الأخير كتاباً عندما كنت بروما في العام الميلادي 1526 في العاشر من مارس».
وهنا ينتهي كتاب يوحنا ليون الأندلسي المولد، المغربي النشأة.
الصحراء الإفريقية الكبرى
كانت المناطق الصحراوية تمثّل على كتب الأطلس في القرن الماضي بمساحات بيضاء يكتب عليها «الصحراء الكبرى». وكانت كلمة «صحراء» في قواميس اللغات الأوروبية، قبل فترة الاحتلال والاكتشافات تعني «اراضي جرداء غير مأهولة».
وكان الانطباع السائد لدى الأوروبيين أنّه لا يمتدّ بين الشريط الساحلي لإفريقيا البيضاء والبراري الشاسعة لإفريقيا السوداء في الجنوب سوى فضاء هائل من الرمال حيث لا يتجلّى الحضور البشري إلاّ من خلال بعض القوافل التي تجوب هذا الامتداد والتي تنتقل عبر مسالك قليلة تتوزّع على طولها بعض الآبار. ولا يكون هذا التنقّل إلاّ في أشهر معدودة من السنة.
لكن هذه الانطباعات البعيدة عن الحقيقة الجغرافية والتاريخية سرعان ما تغيّرت، حين بدأت جحافل العلماء والمكتشفين تغزو منطقة الصحراء الكبرى لإفريقيا إلى جانب الجيوش العسكرية التي كانت تشق طرقها انطلاقاً من الشمال باتجاه أعماق الجنوب أو تتوسّع من سواحل غرب إفريقيا شرقاً باتجاه الوسط، وقد انضاف إلى هذين المدّين العسكري والاستكشافي مدّ ثالث قاد حملات تنصيرية ليدعم بذلك المساعي الحثيثة التي بذلتها الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية لترسيخ وجودها، بكل صوره، في هذه الأرض المجهولة، حيث يبدو اختراقها مغامرة لا تخلو من مخاطر.
وقد أكدت الاكتشافات التي قام بها الجغرافيون والأنتروبولوجيون وعلماء الأديان الأوروبيون أنّ منطقة الصحراء الكبرى كانت مأهولة منذ عصور بعيدة.
وقد عرفت وجوداً بشرياً مكثفاً وحضارات متعاقبة وراقية لا تزال شواهد عنها ماثلة إلى اليوم، كما دلّت عليها نتائج الحفريات التي توصّلت إليها البعثات الأوروبية في بدايات القرن العشرين ومنتصفه.
وأفضت هذه الاكتشافات إلى مراجعة الكثير من الآراء والتصوّرات، حيث كتب العالم ت. مونود يقول إنّ الصحراء «ليست بالضرورة أراضي مهجورة» وهو ما يعني أنّها كانت معمورة بما يؤهلها لاحتضان نشاطات بشرية تتمخض عن قيام شكل ما من الحضارات.
وهناك حياة نباتية وحيوانية في الصحراء باستثناء بعض المناطق كتنزروفت والعروق الكبرى وبعض الأماكن في أقصى الشرق كصحراء ليبيا، وهذا يؤكد وجود حياة بشرية قوية، من دون شك، تتمثّل في سكان الواحات وقبائل البدو الرحل الذين يتوزّعون في خمس مجموعات تتدرّج من الغرب إلى الشرق هي: الموريتانيون والرقيبات والشعابنة والطوارق والتيدة.
ويعتقد أنّ هذه المجموعات، وهي من الجنس الأسود، هي الشعوب القديمة التي عمّرت هذه المناطق واستقرّت بها بعد هجرات متلاحقة من شرق القارة تمّت في عصور سابقة. وقد حدث في التاريخ المعاصر زحف من سكان الشمال البيض باتجاه مناطق الجنوب لدوافع تجارية ودينية، فتأسّست نتيجة لذلك، حواضر جديدة.
ويمثّل انتشار البربرية والعربية بين سكان الطوارق الموزعين بين الجزائر وليبيا ومالي والنيجر أحد مظاهر هذا الزحف، وهو ما أدّى أيضاً إلى تراجع المعتقدات الشعبية المحلية التي ظلّت تشكّل الأساس الديني لهذه الشعوب وانتشار الإسلام واللسان العربي في أغلب هذه المناطق، ليتواصل هذا الزحف باتجاه الجنوب وإفريقيا الغربية والوسطى. ويمنح الجزء الأكبر من الصحراء الكبرى اليوم انطباعاً بأنّها تمثّل في تركيبتها البشرية والثقافية امتداداً للشمال نحو الجنوب.
ولكن هل كانت هذه هي حال الصحراء قديماً؟ لقد أثبتت الدراسات أنّ الصحراء كانت في عصور ما قبل التاريخ أراضي خصبة وغنية بالمياه سمحت بوجود ثدييات ضخمة وبقيام حياة إنسانية في ما بعد، كما تُبيّن ذلك الآثار الهائلة التي تمّ العثور عليها والتي تمتدّ من عصر الحجارة إلى العصر الحديث وحتّى ما قبل التاريخ.
ولا تتوافر لدى العلماء اليوم المعطيات الكافية لتحديد المدّة الزمنية التي استغرقتها هذه الحياة. ويخشى أن لا تكون الوثائق المحصل عليها في هذا الشأن كافية لتقديم إجابات دقيقة ومقنعة، بالنظر إلى شساعة المناطق التي امتدّت عليها حضارة إنسان الصحراء وصعوبة البحث فيها والناجمة بالخصوص عن الظروف الطبيعية القاسية للمنطقة. غير أنّه، في ما يتعلّق بالعصر الحديث والذي يليه يمكن الاستعانة ببعض الآثار العمرانية والفنية.
فمنطقة الصحراء، التي أصبح التحرّك فيها مقتصراً على الطوارق اليوم، تعجّ صخورها بالنقوش والرسومات التي تؤكّد أقدمها على وجود سكان كانت حياتهم تقوم على الصيد وكانوا يعيشون على قطعان الحيوانات البريّة، بينما كانت حياة المتأخرين منهم، والتي تعود إلى عصر التاريخ، أكثر تطوّراً خلال الحقب المعروفة بحقبة الثور ثمّ الحصان فحقبة الجمل، وبعض هذه الرسومات يمثّل بشراً. ويقول الباحث لوت الذي عاين رسومات بمنطقة الطاسيلي بالجنوب الجزائري، إنّ بعضها، وهي التي تعود إلى العصر الحديث، تظهر رجالاً برؤوس مستديرة غاية في الغرابة. لكنّه لا يمكن تحديد جنسها أو عرقها. وقد انضافت إليها لاحقاً عناصر ذات خصوصيات متوسطية وأخرى قريبة الشبه بالزنوج.
وتقع منطقة الطاسيلي بالجزء الشمالي من الصحراء الكبرى على بُعد 500 كلم فقط من حوض غدامس النفطي بالجزائر، وغير بعيد من مدينة تمنراست. وهو ما يعني أنّ زنوج الجنوب يكونون قد زحفوا أيضاً باتجاه الشمال وتوغّلوا في أعماق الصحراء بمساحات هائلة في تلك الحقب. وفي زمن متأخّر، وتحديداً في عصر الثور، عوض أولئك الرجال الصيّادون برجال الدين الذين اتّخذوا الملامح نفسها التي نجد عليها سكان النيل الأعلى.
لكن هذه القراءات تظل هشّة، ولا تعدو أن تكون مجرد تخمينات. ذلك أنّ رسّامي عصور ما قبل التاريخ، إذا استطاعوا إنجاز رسومات جيّدة ودقيقة للحيوانات التي تحيط بعالمهم، فما كان أصعب عليهم أن ينجزوا ملامح واضحة للوجوه البشرية. فتحت أي طائل كان أولئك الرسامون؟ ولا يوجد، تقريباً، سوى عنصر وحيد يمكن الباحث الأنتروبولوجي اعتماده إذا أراد معرفة هوية السكان الأصليين القدامى للصحراء، وهو دراسة البقايا العظمية.
والأبحاث في هذا الميدان قليلة. إذ لم تسجل سوى بعض الاكتشافات المعزولة كتلك التي شملت الهيكل المعروف بأسلار الذي يعود إلى الفترة الماطرة المتأخرة جدّاً، وهي لا تعتمد إلاّ على بعض الأجزاء التي لا تفضي إلى نتائج وخلاصات نهائية بخصوص هوية الإنسان الذي سكن المنطقة، ولذلك فإنّ المسألة يجب أن تكون أبعد من أن تتوقف عند اكتشاف بعض الهياكل العظمية، إذ المطلوب الاستناد كذلك إلى مقدار هائل من المعلومات والوثائق التي ينبغي البحث عنها. ولعل المحاولات التي قامت بها الباحثة الفرنسية «شاملا» والمركّزة على أبحاث معمّقة في بقايا زنوج إفريقيا الغربية والوسطى وعلى أعمالها الخاصّة بالشعوب القديمة في السودان وشمال إفريقيا، تعدّ الأكثر أهمية وجرأة، وتأسيساً لأعمال لاحقة تبتغي الحصول على المزيد من الإجابات عن الأسئلة المعلّقة والمحيّرة.
لكن هذا العمل لم يخلُ من صعوبات: فقد كانت البقايا في وضع سيء للغاية، كثير منها مهشّم. فالجماجم مكسورة وغير مكتملة. وكان ينبغي القيام بأعمال إضافية وبذل المزيد من الجهد والصبر لترميم أجزائها وإعادتها إلى صورتها الأولى، أو على الأقل إلى أقرب صورة مشابهة لحالتها الأصلية، وكذلك شأن بقية العظام. وقد تمكّنت الباحثة «شاملا» فعلاً من تجاوز هذه العقبات وأعادت تركيب الهيكل بتجميع دقيق وشاق لأجزائه. مستفيدة من معارفها الواسعة في الأنتروبولوجيا والمورفولوجيا وحسّها الحاد عند التحليل، وهو ما ساعدها على استخراج أجزاء ثبطت دراستها عزيمة العديد من العلماء قبلها.
وقد أمكن على ضوء الدراسة التي قدّمتها في كتابها عن «شعوب الصحراء»، العلم بوجود عناصر زنجية مهمة ضمن سكان الصحراء في العصور الحديثة ومن ثمّ تواجد مختلط لإنسان البراري الإفريقية الممتدة شمال خط الاستواء والإنسان ذي البنية القوية الذي عاش في النيل الأعلى.
لكن أهم ما انتهت إليه الدراسة أنّ التركيبة العرقية للشعوب التي سكنت الصحراء في عصور ما قبل التاريخ تبدو مختلفة عن تلك التي كانت تحتل المناطق الشرقية. غير أنّه لا ينبغي إنكار سيطرة الجنس ذي البنية القوية الذي يحمل خصوصيات مورفولوجية يميّزها ضخامة الجمجمة وضيق الأنف وطول الساعدين والساقين، وهي ميزات قريبة من تلك التي نقف عليها إلى اليوم عند إنسان تلك المنطقة.
أمّا أصل الجنس الصحراوي غير الزنجي، أو الأبيض تحديداً، والذي يعود تواجده بالمنطقة إلى الفترة نفسها، فالمرجح أنّ أصوله من المناطق الشرقية للشمال الإفريقي، ويستبعد أن يكون قد أهَلَ المنطقة حديثاً، غير أنّ المتوافر من المعلومات حالياً يرجح ذلك التواجد إلى بدايات توسّع الفتوحات الإسلامية باتجاه الجنوب، والهجرات التي تمّت انطلاقاً من شمال إفريقيا نحو واحات الجنوب التي تطبع اليوم بطابع المناطق الصحراوية.
خليفة قرطي
التشيّع في إفريقيا الشرقية
يرى السيّد سعيد اختر الرضوي في بحث له نشر باللغة الإنكليزية أنّ التشيّع وصل إلى إفريقيا الشرقية في القرن الأوّل الهجري عندما فشا الظلم وسفك الدماء في البلاد الإسلامية على يد الحجاج بن يوسف فاضطر فريق من الشيعة إلى الهجرة البعيدة فكان من الأماكن التي وصلوا إليها إفريقيا الشرقية. ويذكر أنّ زعيمين أحدهما يسمّى سليمان والآخر سعيد كانا هما طلائع هذه الهجرة ولكن التفاصيل عنهما وعن رحلتهما مجهولة.
ويستند السيّد سعيد فيما يستند إلى ما اء في كتاب (المتكلمون بالسواحلية من أهل زنجبار وساحل إفريقيا الشرقي) الذي ينص على أنّ هذين الزعيمين جاءا مصحوبين بأتباعهما في السنة السابعة والسبعين من الهجرة 695م ويقول المستر «برنس» Prins مؤلف الكتاب المذكور: «ومن الممكن أنّ هجرات مماثلة حدثت ولكنّنا لم نسمع عنها».
ويقول أيضاً: «وهكذا نجد اعتقاداً في جزيرة كيوايو، بأنّ الإسلام دخل إلى تلك الديار على يد رجل يسمّى حمزة أو رجل يسمّى جعفر»… ويقول أيضاً: «إنّه يظنّ أنّ الأوّل هو ابن عبد الملك بن مروان والثاني أخو عبد الملك». ولكن المؤلف برنس يعود فيرد على هذا الظن قائلاً: «ولكن ذلك يشير إلى تقليد شيعي بقدر ما يوحي هذان الاسمان».
ويضيف السيّد سعيد اختر إلى ذلك قائلاً: «لم يكن لعبد الملك ابن يسمّى حمزة ولا أخ يسمّى جعفر، ويمكن أن يكون صاحباً هذين الاسمين من الشيعة اللاجئين إلى تلك البلاد».
ويتأكد وصول الشيعة إلى إفريقيا الشرقية في وقت مبكر وتأثيره التأثير العميق في الحياة الإفريقية بما ورد في الملحمة السواحلية «النظم في أحوال الحسين بن علي (عليه السلام)» التي نشرها سنة 1960م الأديب الإفريقي (بورو) مع تعليقات وترجمة «ألن».
وهذه الملحمة كتبها في القرن التاسع عشر حمد عبدالله البحري ـ ويظهر أنّها إعادة لكتاب سابق ـ وتحتوي هذه الملحمة على ألف ومائتي وتسع مقطوعات شعرية.
ويشير بعد ذلك (برنس) إلى تأثير وصول الشيرازيين الأقدمين إلى السواحل الإفريقية الشرقية وكيف انطبع الشعب بالطابع الشيعي حتّى الآن فهو يقول: «أثر هؤلاء لا يزال ظاهراً في قالب من المودة العميقة لأهل البيت التي تعدّ من ميراث المسلمين الإفريقيين».
ويضيف إلى ذلك: أنّ هؤلاء الإفريقيين يضيفون إلى أسماء سلالات الرسول كلمة شريف التي انقلبت في اللغة السواحلية إلى كلمة (شريفو) كما أنّهم يكرمون الصالحين من أموات هؤلاء الأشراف. ويقول: «وعلى طول الشواطئ تقوم مزارات هؤلاء الأشراف الصالحين وفي (لامو) أهم مركز للزيارة حيث يؤمّها في أسبوع الزيارة عشرات الألوف كلّ عام. وتعتبر زيارة الشريف صالح بن عبدالله العيدروس في لامو أفخم الزيارات وأهمها».
ويقول السيّد سعيد اختر: «وهذه الدرجة من الإكرام الكبير لأهل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) لا يوجد لها مثيل في بلد من البلاد الأخرى. إلى أن يقول: وإنّني أعرف كثيراً من الشيخ في لامو وزنجبار ممّن يصرّحون باعتقادات تعتبر في البلاد الأخرى من اعتقادات الشيعة».
وهذا كلّه ولا شكّ من أثر الهجرات الشيعية القديمة التي حملت الإسلام إلى إفريقيا، ثمّ تبدّل الزمن وتوالى على تلك السواحل الإفريقية أنواع شتّى من الدول والحكّام فلم يبق التشيّع فيها مذهباً سائداً ولكنّه ظلّ مؤثّراً في الحياة العقلية.
ويقول محمود شاكر في كتابه (تنزانيا) الصفحة 13: لقي الشيعة أنواعاً من الاضطهاد وأصنافاً من العذاب، فمنهم من قتل ومنهم من قضى نحبه في غياهب السجن، ومنهم من فرّ من وجه العباسيين فمن هؤلاء الذين فرّوا، جماعة في أواخر القرن التاسع الميلادي متجهين نحو شرق إفريقيا، وتوزّعوا هناك جنوب مقديشو، وكانوا يدعون للإسلام ـ حسب مذهبهم ـ فانتشرت الدعوة على يدهم.
وذهبت جماعة أخرى من شيراز يعود إليهم الفضل في نقل المذهب الشيعي (يقصد نقل الإسلام على المذهب الشيعي) إلى تلك الأصقاع. وتروي الأخبار أنّ من أشهرهم رجلاً يدعى الحسن بن علي ذهب إلى شرق إفريقيا لأسباب وظروف غامضة مع أبنائه الستّة في القرن العاشر الميلادي حوالي العام 975م فتفرّقت بهم السفن قبل الوصول، فنزل أحدهم في مدينة ممباسا، ورست مراكب الآخر في جزيرة بمبا، بينما وصل الثالث إلى جزيرة جوهانا إحدى جزائر القمر، أمّا الأب فقد نزل مع بعض أبنائه الآخرين في مدينة كيلو. واستطاع الأب أن يؤسّس بعد نزوله بمدّة من الوقت حكومة امتدّت حتّى شملت المناطق التي يقوم فيها أبناؤه.
الشيعة اليوم في إفريقيا الشرقية
يوجد الشيعة في كلّ من تنزانيا، وكينيا وأوغاندا والصومال وموزامبيق. كما يوجدون في جزيرة مدغشقر وكلّ من جزيرتي موريتش وريئونيون الواقعتين في جنوب المحيط الهندي. ويوجدون في الكونغو.
يعيش الشيعة في إفريقيا الشرقية حياة اجتماعية مثالية يصحّ أن تكون قدوة لكلّ مجتمع يريد أن تكون حياته حياة الخير والحق. فهم في معظمهم من أصل غير إفريقي هاجر أجدادهم من شبه القارة الهندية منذ أكثر من مائة وعشرين سنة فاستقرّوا في هذه المناطق في كينيا وأوغندا وتنكانيكا وزنجبار والكونغو ومدغشقر([220]) وتخلّوا بحكم حياتهم الجديدة عن وطنهم نهائياً وصاروا جيلاً بعد جيل من أبناء البلاد يحملون جنسياتها ويتكلمون لغتها ويحيون حياتها، ولكنّهم لم يتخلّوا عن حقائقهم بل حافظوا عليها محافظة لا مثيل لها.
إنّ أجدادهم القدامى هم من الهندوس في الأصل ثمّ اعتنقوا الإسلام، وكلّ من كان هندوسياً واعتنق الإسلام يطلق عليه في الاصطلاح الهندي لقب (الخوجا) فهم كلّهم من الخوجا، وكلّهم يتكلمون اللغة الكجراتية، فهي لغتهم الأساسية وقد أوجدت فيهم هذه الروابط التحاماً فريداً فتمسّكوا بالتشيّع تمسّكاً كاملاً وحافظوا على عقائدهم الإسلامية محافظة تامّة وأخذوا على أنفسهم تربية أولادهم على ما ربّاهم عليه آباؤهم فظلّوا على ما كانوا عليه منذ اعتنقوا الإسلام قبل أكثر من مائتي سنة من أصلب الناس عقيدة وأثبتهم إيماناً وأشدّهم إقبالاً على الخير.
وهجرة المهاجري الأوّلين كانت مع نسائهم، أمّا غير المتزوجين، فمن أراد الزواج كان لا بدّ من أن يستقدم هندية من جنسه وبذلك حافظوا على أصالتهم، فظلّوا محتفظين بلغتهم وعقائدهم.
والطفل منهم من أجل الاحتفاظ بحقيقته مع مجاراة الحياة الإفريقية لا بدّ له من أن يتعلّم أربع لغات معاً: اللغة الأم (الكجراتية) واللغة المحلية (السواحلية) ولغة الكثرة من مسلمي شبه القاهرة الهندية الباكستانية (الأُردوية)، ثمّ اللغة الإنكليزية، اللغة الرسمية ولغة الحياة اليومية. وقد ثبتوا على هذا ونفذوه.
ثمّ أنّ همّ الواحد منهم هو كيف يحفظ في أولاده دينهم الإسلامي وعقيدتهم الشيعية، وأنّ هذا الهمّ هو همّه الأوّل والآخر. وأنّ لا شأن من شؤون الحياة يصرفه عنه.
ولقد شهدتهم في أورشا وتانكا وممباسا ومساجدهم عامرة بالشبان قبل الشيوخ، ورأيت أطفالهم ينكبون على القرآن يحفظونه ويرتلونه، ورأيت فتيانهم شعلاً من الإيمان.
ولقد كان من حسن حظيّ أن قضيت أياماً من شهر شعبان وشهر رمضان سنة 1385هـ ـ 1966م بينهم في مدينة ممباسا، فرأيتهم يقبلون كلّ يوم قبل الغروب على الحسينية المجاورة للمسجد والتي لا يفصلها عنه إلاّ ممر طويل، فيجلسون هناك حول موائد طويلة مفروشة على الأرض وقد أحضر كلّ واحد شيئاً قليلاً من الطعام يبسطه على المائدة المفروشة، ويكون أشخاص معينون قد أعدّوا الشاي لجميع الحاضرين. فما أن يعلن المؤذن حلول الغروب حتّى يفطر الجميع معاً وكأنّهم أسرة واحدة في بيت واحد، ثمّ ينتقلون إلى المسجد حيث يؤدّون صلاة المغرب والعشاء جماعة، ثمّ ينصرفون إلى منازلهم لتناول العشاء، ثمّ يقبلون من جديد إلى المسجد فيقرؤون الأدعية المأثورة المعروفة، ويبقون هكذا ساعات في تهجّد ودعاء. ثمّ ينتقلون إلى الحسينية حيث يستمعون إلى الخطباء والواعظين الذين ينهون خطبهم ومواعظهم بذكر استشهاد الحسين (عليه السلام). وهنا تكون الساعة قد بلغت الحادية عشرة فيبدؤون بالانصراف إلى بيوتهم.
وفي خلال ذلك يكون أكثر من ثلاثين شخصاً بين طفل ومراهق وشاب جالسين على الأرض في جانب من السهل يتعلّمون تجويد القرآن وترتيله، وقد استمعت إليهم يرتلون القرآن أحسن ترتيل، لولا عدم استطاعتهم لفظ بعض الحروف لفظاً صحيحاً كالعين والحاء.
جمعياتهم
كان لهم جمعيات منتشرة في كلّ مكان ولكن منذ عام 1945م دخلت هذه الجمعيات في طور جديد، إذ أنّها ارتبطت كلّها بنظام واحد يشرف على تطبيقه مجلس أعلى منتخب. ففي كلّ عام تعقد هذه الجمعيات أو (الجماعات) ـ كما يسمّونها هم ـ تعقد مؤتمراً عاماً في مكان يعيّنه مجلس الاتحاد الأعلى فترسل كلّ جماعة مندوباً واحداً عن كلّ مائة نفس فيلتقي هؤلاء المندوبون في المكان المعين بشكل مؤتمر عام فيتدارسون شؤونهم الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية ويتخذون المقررات التي تلتزم بتطبيقها جميع الجماعات كلّ واحدة في منطقتها. وممّا يقوم به مجلس الاتحاد الأعلى أنّه يستدعي الفقهاء من الهند والباكستان ويتعاقد معهم لمدّة أقلّها سنتان وأكثرها ثلاث سنوات قابلة للتجديد ويدفع لكلّ واحد منهم راتباً يتراوح بين ثلاثين وأربعين ليرة إسترلينية إذا كان بدون عائلة، كما يقدّم له المسكن والطعام، والذين يتناولون رواتب أكثر من غيرهم هم الذين يحسنون أكثر من لغة كأن يحسن أحدهم اللغة الإنكليزية واللغة الكجراتية.
ويقوم هؤلاء الفقهاء بواجباتهم الدينية من صلاة جماعة ووعظ وإرشاد وتعليم والمجلس الأعلى هو الذي يحدّد لهؤلاء الفقهاء أماكنهم، كما أنّه يشترط على الواحد أن لا يقيم أكثر من سنة واحدة في مكان واحد ينقل بعدها إلى مكان آخر. ويعطى الفقيه إجازة شهر عن كلّ سنة يستطيع أن يذهب خلالها حيث يشاء. وعند التعاقد مع الفقيه تدفع له نفقات سفره من بلده إلى إفريقيا، وعند انتهاء مدّة العقد تدفع له نفقات عودته.
وكان الحاج إبراهيم ديوجي هو صاحب فكرة استدعاء الفقهاء والتنظيم الذي وضع لهم، كما أنّه عمل على تأسيس شركات تجارية بعد أن كان عملهم التجاري إفرادياً.
كما كان عبد الحسين نور محمد هو صاحب فكرة تأسيس الجماعات وإنشاء الاتحاد العام وذلك سنة 1945م وقد انتخب رئيساً لأوّل اتحاد وظلّ ينتخب اثنتي عشرة سنة.
وفي كلّ سنة يعقد اجتماع عام للجماعات توفد فيه كلّ جماعة مندوباً واحداً عن كلّ مائة شخص وينظر هذا الاجتماع في شؤون الشيعة العامة ـ كما تقدم ـ وفي كلّ ثلاث سنوات يعقد مؤتمر عام ترسل فيه كلّ جماعة ثمانية مندوبين مهما كان عدد المنتمين إليها. وهذا المؤتمر ينتخب مجلساً جديداً للاتحاد العام مؤلفاً من الرئيس ونائبه والسكرتير وأمين الصندوق. ولهذا المؤتمر وحده حق تغيير ما يرى تغييره من مواد دستور الاتحاد العام.
عدد الجماعات
توزّع الجماعات المرتبطة بالاتحاد العام كما يلي:
في إفريقيا الشرقية خمس وخمسون جماعة.
في جزيرة مدغشقر: إحدى عشرة جماعة.
في كل من جزيرة موريتش وجزيرة ريثونيون جماعة واحدة([221]).
في الصومال: جماعتان.
في موزامبيق: جماعة واحدة.
من أعمال المجلس
وممّا يشرف عليه مجلس الاتحاد الأعلى أمر إثبات رؤية هلال رمضان وشوال حيث يظلّ على اتصال تلفوني مستمر طوال الليل مع جميع الفقهاء في كلّ أماكنهم، فإذا كان قد ثبت عند واحد منهم أو أكثر من واحد اتّصل المجلس بكلّ الجماعات وأخبرها بذلك. هذا حين يغم أمر الهلال فلا يرى في كلّ مكان. كما حدث حينما كنت في ممباسا، حيث ظلّ الفقيه مع رئيس المجلس وهيئة المجلس ساهرين في مكتب المجلس حتّى الساعة الثالثة صباحاً حيث وصلتهم أخبار من دار السلام وليندي عن ثبوت الهلال لدى كلّ من فقيهيها فاتّصلوا بجميع البلاد وأعلنوا لها أنّ العيد غداً فأصبحت جميع البلاد معيدة وكثيراً ما يعتمد المسلمون من غير الشيعة على الشيعة في هذا الأمر.
وقد تولّى المجلس إرسال عدد من الطلاب إلى النجف وقم وكراتشي ولكهنو. كما أرسل بعض الطلاب الإفريقيين السود.
وممّا يذكر أنّ الشيعة في إفريقيا الشرقية يحتفلون كلّ عام بيوم 8 شوال وهو ذكرى تهديم قبور أئمة البقيع في الحجاز من قبل الوهابيين.
ومن المنشآت الشيعية في إفريقيا الشرقية: (منازل المسافرين) وهي منازل بعضها موقوف وبعضها مملوك وبعضها مستأجر وموجودة في كلّ من: تانكا وممباسا وزنجبار وأروشا وموشي ودار السلام، وتديرها الجماعة في كلّ من هذه المدن وينزل فيها المسافرون فيبيتون ويأكلون لقاء مال قليل. كما تقام فيها حفلات الزواج.
ويقول السيد مصطفى إمام زاده فيما كتبه:
من مشاهير الشيعة تجب الإشارة إلى الملا عبد الحسين المرعشي الشوشتري المتوفى عام 1320هـ وقد شاءت العناية الإلهية أن تسخر هذا العالم لنشر التشيّع في إفريقيا الشرقية وفي إحدى السنين تأخّر الموسم وتلفت الحاصلات وقد تضرّعت جميع الطوائف إلى الله كلّ على طريقته الخاصّة طلباً للمطر، ولم تؤد صلوات جميع الطوائف إلى نتيجة فطلب العاهل إلى الملا الشيعي أن يصلي على طريقته في المصلّى فذهب الرجل وصلّى صلاة الاستسقاء طبقاً للتعاليم الشيعية ولم يكد ينتهي من صلاته حتّى هبّت العاصفة وحملت معها الأمطار الكريمة التي طال انتظارها. وقد سبّب ذلك أنّ عدداً كبيراً بمن فيهم العاهل اعتنقوا المذهب الشيعي وكان ما أراده الله.
وتجب الإشارة أيضاً إلى (كلب علي) الضابط في المدفعية ووزير الحربية ولولا النفوذ السياسي لهذا الضابط النبيل الممتاز الذي كان يتمتع بثقة أثرياء الشيعة وثقة السلطان لما كان من الممكن أن يكون هناك للشيعة مساجد في زنجبار ولم نكن لنجهر من أعالي المآذن بنداء حي على خير العمل. هذا بالإضافة إلى أنّنا مدينون إلى الجنرال (كلب علي) بإنشاء المقبرة الجميلة التي يرقد فيها إلى جانب هذا الدفين الجليل عدد من العلماء الأعلام والوجهاء الذين يتكوّن معظمهم من أصل فارسي.
وإليكم ما نقش على قبر منشئ المقبرة: وفاة السعيد المرحوم المبرور المأسوف عليه السيّد محمد من سلالة أفشار أورميا([222]) وفاته يوم الأربعاء 20 ربيع الأوّل سنة 1327هـ وقد كان نقش خاتمه:
«كلب أهل الكهف السبعة قد أنقذ من نار جهنم وكيف لا أنقذ وأنا كلب علي».
والجنرال «كلب علي» هو الذي نقل إلى زنجبار المدافع القديمة التي نالت إعجاب الجميع وقد انتزعت هذه المدافع عام 1621م من البرتغاليين في عهد الشاه عباس الأوّل شاه إيران وقد نقشت على فوهة أحد هذه المدافع باللغة الفارسية العبارة الآتية:
(في حكم منقذ العالم وإمبراطور الكون الشاه عباس الصفوي خادم الأمّة وحاكم فارس ولارستان وكوه خيلويا والخادم الأمين لسيّد الكون في سنة 1030هـ بعد غزوة لأرخبيل البحرين وقلعة (أورمز) قد انتزع هذه المدافع).
ولا ننسى كذلك اسم المرحوم علي ناتو الذي أدّى خدمات كبيرة لدولة زنجبار خلال الفترة الواقعة بين 1914ـ1918م وقد قال له السلطان ذات يوم اختر أنت بنفسك الجائزة التي تريدها مقابل خدماتك فأجابه على الفور:
كل ما أريده أن يكون اليوم الحادي والعشرون من الشهر التاسع القمري واليوم العاشر من الشهر الأوّل يومي عطلة رسمية. فوافق السلطان على ذلك. ومنذ ذلك اليوم تعطل الدوائر الرسمية كلّ سنة في ذكرى مقتل الشهيد علي (عليه السلام) ومقتل الشهيد الحسين (عليه السلام). (انتهى ما أورده السيد مصطفى إمام زاده).
الشيعة البهرة
هذا الذي تحدّثنا عنه يشمل الشيعة الجعفرية وحدهم، وعدا هؤلاء هناك الشيعة (البهرة) وهم موجودون في كلّ مناطق إفريقيا الشرقية. ويمثّل الداعي المطلق المقيم في بومباي (عامل) يقيم في ممباسا ولهم مؤسساتهم وجمعياتهم وكنّا قد طلبنا من (عامل ممباسا) بأن يكلف من يكتب لنا تفصيل أحوالهم ولكنّه لم يفعل([223]).
الاحتفال بمولد الحسين (عليه السلام) في ممباسا
ومن الاحتفالات التي شهدتها في ممباسا الاحتفال بذكرى مولد الحسين (عليه السلام) ليلة الخامس من شعبان وتبدأ الاحتفالات قبلها بيومين ولكنّها احتفالات محدودة. أمّا الاحتفال العام فقد أُقيم في المسجد ليلاً حيث كان المسجد مزداناً بالأنوار وغير الأنوار من أنواع الزينة. ثمّ أخذ الناس يقبلون على المسجد شيوخاً وشباناً وأطفالاً وقد ارتدوا أحسن ملابسهم، حتّى ملؤوا المسجد بجموعهم. وقد بدأ الاحتفال بعد صلاة العشاء بأن خطب إمام المسجد باللغة الأردوية متحدّثاً عن الحسين وأهل البيت (عليهم السلام) ذاكراً بعض الأحداث التاريخية والمواعظ.
وبعد أن أنهى الخطيب كلمته التي استمرّت أكثر من ساعة، وقف رجل آخر وأخذ يتلو شعراً بالأردوية من كتاب بيده بإنشاد جميل، ووقف الحاضرون كلّهم يشاطرونه إنشاد بعض المقاطع ثمّ جلسوا، وكانوا بين آونة وأخرى يردّدون معه وهم جلوس مقاطع فيها التسليم على النبي (صلّى الله عليه وآله) وعلي والزهراء والحسنين (عليهما السلام) بإنشاد جميل عذب رقيق.
وبعد الانتهاء من الإنشاد وقف الجميع متابعين مع القارئ زيارة النبي والأئمة. ثمّ قدّم الشاي لجميع الحاضرين. ثمّ أعلن أحد منظّمي الاحتفال أنّه سيحتفل في الليلة القادمة بذكرى مولد العباس بن علي وفي الليلة التي بعدها بمولد الإمام زين العابدين علي بن الحسين وفي اليوم الثاني أقيمت مأدبة غداء عامّة في المسجد حيث تناول الجميع طعام الغداء جلوساً على الأرض في صفوف منتظمة وكأنّهم عائلة واحدة.
مولد العباس
وفي الليلة التالية ازدحم المسجد بالناس شيوخاً وشباناً وأطفالاً كالليلة السابقة وكان على نفس الزينة بالأنوار وغير الأنوار. وابتدأت الحفلة كما ابتدأت ليلة الحسين (عليه السلام) بأن صعد الخطيب على المنبر وتكلّم بالأردوية ما يزيد على 45 دقيقة. ثمّ نزل ووقف مكانه أحد الحضور وقد حمل كتاباً بيده وبدأ يرتل منه مطلع قصيدة عربية شهيرة، وهي القصيدة التي تبدأ بهذا البيت:
بآل محمد عرف الصواب
وفي أبياتهم نزل الكتاب
فهبّ الجميع وقوفاً، وما إنّ أنهى المنشد إنشاده للمطلع حتّى أنشده الجميع وقوفاً إنشاداً جميلاً عذباً. ثمّ جلسوا واستمرّ المنشد يكمل إنشاد بقية أبيات القصيدة وكان كلّما انتهى من بيت يجيبه الجميع بصوت واحد منشدين المطلع. وهكذا حتّى أنهى القصيدة كلّها. فكان ذلك من ألطف ما شهدت في حياتي من حفلات.
وبعد الانتهاء من القصيدة العربية، أنشد المنشد نفسه شعراً بالأردوية كان يردّد معه الحاضرون بعض مقاطعه، ثمّ وقف الجميع وتابعوا تلاوة الزيارة، ثمّ جلسوا فوزّعت عليهم أكواب الشاي. وأعلن المعلن عن موعد احتفال الغد بمولد الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام). وفي ظهر اليوم الثاني تناول الجميع طعام الغداء في المسجد كما جرى ظهر الأمس، وكأنّهم أسرة واحدة.
وهذا المسجد الذي تقام فيه هذه الاحتفالات مخصّص شطر منه لحضور النساء ويفصل بين الشطرين جدار يتجاوز علوّه منتصف جدران المسجد بحيث يصل الصوت للنساء واضحاً جلياً، وكان عدد النساء الحاضرات كبيراً إذ رأينا جموعهن الخارجة من المسجد تملأ الطريق. ولا أدري إن كانت النساء تشارك بالإنشاد أم لا، لأنّنا لا يمكن أن نسمع أصواتهن من مكاننا.
ميلاد زين العابدين
في الليلة الثالثة كان المسجد كالليلتين السابقتين من حيث الزينة والاجتماع، إلاّ أنّه يلاحظ أنّ عدد الحاضرين كان أقل من الليلتين السابقتين. وبدأ الاحتفال كما بدأ من قبل بأن ألقى إمام المسجد خطاباً ثمّ وقف أحد الحضور وبدأ ينشد قصيدة عربية مطلعها: (سلام على عترة المصطفى) فوقف الجميع يردّدون المطلع بينما كان هو يكمل القصيدة العربية، وعند كلّ بيت ينشد الحاضرون جميعاً المطلع. وبعد إنشاد بيتين أو ثلاثة جلسوا واستمرّوا بترديد المطلع جلوساً. وعند انتهاء القصيدة العربية أنشدوا جميعاً قصيدة أردوية ثمّ وقفوا يتابعون قراءة الزيارة. ثمّ تناولوا الشاي. وخصّص عصر اليوم الثاني لاحتفال الأطفال بهذه الذكرى، وكان مكان الاحتفال حديقة المقبرة الواسعة الواقعة في مكان مستقل عن القبور وأظن أنّ تخصيص هذه الحديقة بهذا الاحتفال لاتساعها ووجود مقاعد حجرية كبيرة وكثيرة تتّسع لأكبر عدد من الحاضرين.
وفي الموعد المعين حضر جمهور كبير من الأطفال كما حضر بعض الكبار وجلس الجميع على المقاعد الحجرية في الفضاء تحت الشجر العالي وأقيمت حفلة مصغرة عن حفلة الليل واختلفت عنها بأنّ أحداً لم يخطب، بل اقتصر الأمر على الإنشاد القليل ثمّ تليت الزيارة، وبعدها وزّع الشاي والحلويات والمناديل على الأطفال الذين كانوا بملابسهم الزاهية وكانوا ممتلئين بِشْراً وسروراً.
مسجدان في ممباسا
وممّا يذكر أنّ في ممباسا مسجدين كبيرين مع أنّ عدد الشيعة فيها لا يحتاج إلى مسجدين. وقد عرفت أنّ السبب في ذلك أنّه حدث في إحدى السنين اختلاف بين الشيعة أدّى إلى أن يختصّ أحد الفريقين بالمسجد وأن يبني الفريق الآخر مسجداً خاصّاً به. ثمّ زالت عوامل الاختلاف، ولئلا يتعطل أحد المسجدين اتفقوا على أن يقيموا صلاة الظهرين في المسجد القديم والعشاءين في المسجد الجديد.
البلدان التي يتوزع فيها الشيعة في إفريقيا الشرقية
تنزانيا
زنجبار، ويتي وتشاكي تشاكي، دار السلام، تانكا Tanga بينكاني Pangani، موشي، آروشا، سنجيدا، دودوما، تابورا، موانزا، بكوبا، أجيجي، ليندي، كلوة، متاما، منكويو Mingoyo، نوالا، تندورو، مساسي، ككوما kigoma، سونكيا Songea، خروموا، مالمباكا، مكنداني، هيمو.
كينيا
ممباسا، لامو، نيروبي.
الصومال
مقديشو، ميركا.
أوغندا
كمبالا Kampala، جنجا، فورت بورتل، ممبالي، سوروتي، كبيرامايدو، هواما، أروا، مسندي، نكورا Nagora، مدغشقر (مالاغاسي)، مورتيش، رئيونيون، موزامبيق.
إفريقيا الشمالية
إذا أخذنا بالاصطلاح الإسلامي القديم فإنّ إفريقيا عندهم لا تتجاوز معظم إفريقيا الشمالية اليوم ـ كما تقدّم ـ والعرب سمّوا أوّل ما سمّوا الشمال الإفريقي باسم جزيرة المغرب لأنّ البحر يكتنفها من ثلاث جهات بينما رمال الصحراء تكتنفها من الجهة الرابعة، وقد يطلقون عليها اسم المغرب فقط([224]) وهو يقسم عندهم إلى:
1 ـ المغرب الأوسط وهو ما يعرف اليوم بالجزائر.
2 ـ المغرب الأدنى وهو ما يعرف اليوم بتونس.
وإفريقيا الشمالية أو المغرب تقع بين الخط 28 و37 من خطوط العرض الشمالية. وبين الدرة 13 غرباً والدرجة 10 شرقاً من خطوط الطول. وتفصل الصحراء المترامية الأطراف شمال إفريقيا عن بقية القارة الإفريقية، ولعل هذا الحاجز الطبيعي القاسي هو الذي أكسب الشمال خصائص ميزته عن بقية الأقطار الإفريقية.
الطبيعة في إفريقيا الشمالية
وتخترق بلاد المغرب من أقصاه إلى أقصاه سلسلة جبلية عظيمة يعتبرها الجغرافيون جزءاً من جبال «الألب» الأوروبية وتبتدئ تلك الجبال من ساحل البحر المتوسط الشرقي وتنتهي بالساحل الأطلنطي.
وهي من المغرب إلى المشرق:
أوّلاً: جبال الريف الشمالي الواقعة بالمغرب الأقصى، وتشتمل من جهة على الأطلس الساحلي البالغ ارتفاعه 330 متر في جبال جرجرة (الجزائر)، وعلى جبال (بيتكة) في الأندلس، من جهة أخرى.
ثانياً: الأطلس التلي، وهو عبارة عن سلسلة جبلية أخرى عظيمة تتجه من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي، والظاهر أنّ الأطلس التلي يتّصل بجبال الأطلس المتوسط الذي يعتبره علماء الجيولوجيا بمثابة خزانة تذخر فيه كمية عظيمة من الماء عند ذوبان الثلوج، وفيه يقع جبل بوابلال المشهور البالغ ارتفاعه 3000 متر، أمّا جبال الأطلس التلي فلا يزيد ارتفاعها بالمغرب الأوسط عن 1975 متراً، ثمّ إنّها تنتهي بجبال خمير في تونس، وهي جبال متوسطة الارتفاع.
ثالثاً: الأطلس الصحراوي، ويبتدئ أيضاً بالمغرب الأقصى حيث يحمل اسم الأطلس الكبير، الشامخ بأنفه إلى السماء، وفيه جبل العياشي الذي يتراوح بين 3000 و4000 من الأمتار، وهناك أيضاً الأطلس الصغير وفيه جبل سروا البركان القديم (3000م) ويمتد الأطلس الصحراوي إلى تونس وفيها يعرف ذلك القسم منه بجبال زغوان، وتحتوي هذه السلسلة بالمغرب الأوسط على قطع جبلية هامة منها جبال القصور وجبال أولاد نايل وجبال أوريس التي يتجاوز ارتفاعها 2300 من الأمتار، وأغلب هذه الجبال تكسوها الغابات وتكللها الثلوج.
هذا وفي بلاد المغرب نجود واسعة ترعى فيها الماشية وتقع غالباً بين جبال الأطلس والسهول الأطلنطية أو بين الأطلس التلي والأطلس الصحراوي، ويوجد البعض الآخر منها حول المدن التي اشتهرت بتربية الغنم والإبل كمدينتي برجم وفجيح الواقعتين بالمغرب الأقصى.
وهناك سهول فيحاء نجد عدداً منها على ساحلي المحيط والبحر المتوسط أشهرها سهل شاوية ودكالة عبدة بالمغرب الأقصى، أمّا السهول الواقعة على الساحل الجزائري فهي لا تكاد تذكر لضيقها وقلة عددها في آن واحد، والسبب في ذلك يرجع إلى وقوع جبال الأطلس الساحلي قريبة جدّاً من الشاطئ البحري، على أنّه إذا كانت تلك السهول تمتاز بقلّة العدد وعدم الأهمية بحيث لا يمكن استخدامها للزراعة بصورة واسعة النطاق، فمن المعلوم أنّ ورائها سلسلة أخرى من السهول تعرف بسهول ماكنة ووهران ومجرى وادي شلف وكلّها في الجزائر وسهل مجرّدة بتونس، وهذه السهول هي في الجملة أعظم أهمية بالنسبة للأولى من الناحية التاريخية، إذ استخدمها الفاتحون، منذ قديم الزمان، للتوغّل في داخل البلاد وبسط نفوذهم على أطرافها. هذا وهناك سهول أخرى واسعة الأرجاء حول مدينتي فاس ومكناس يستعملها أهلها للزراعة وإنتاج أنواع الخضر والفواكه.
وتختلف نواحي البلاد المغربية من حيث الأمطار باختلاف طقسها وبعدها من البحار، فهناك نواح غزيرة المياه، كثيرة الأودية والآبار كالنواحي الشمالية من تونس، وهناك قسم جاف مثل الجهات الواقعة من وراء الأطلس المتوسط أو المشرفة منها على رمال الصحراء، ليس فيها توازن في الحرارة وليس يوجد فيها من الماء ما يشفي الغليل إذا نحن استثنينا وادي ملوية الكبير ووادي شلف ونهر مجرّدة. والسبب في ذلك أنّ جبال الأطلس المتوسط تقع سدّاً منيعاً في غرب البلاد، فلا تجد السحب المتصاعدة من المحيط قادرة على اجتياز قممه العالية، فتتحوّل إلى مياه منهمرة تنصب بغزارة ليتسرّب بعضها إلى جوف الجبل ويسيل البعض الآخر على سفحه.
وهذه الأودية والأنهار في بلاد المغرب تقسم إلى ثلاثة أقسام: غربية وشمالية وجنوبية. فأمّا الغربية منها فلها أهمية خاصّة وسبب ذلك أنّ منابعها تبعد كثيراً عن مصباتها. وهذا ما جعل بعضها صالحاً في الجملة للملاحة كوادي سبوا ولتوليد الكهرباء كوادي أم الربيع بالمغرب الأقصى.
الأنهار الشمالية قصيرة بصفة عامة لقرب منابعها من الشاطئ، وأعظم هذه الأنهار وادي ملوية (480كلم). وقد تكثر مياهه في إبان الربيع عند ذوبان الثلوج، ومنها أيضاً نهر الشلف الجزائري وكجردة التي ينصب ماؤها في الخليج التونسي.
أمّا الأنهار الجنوبية فهي قليلة الفائدة، تتجه إلى الصحراء فتغيب تحت رمالها الذهبية المترامية الأطراف أو تنصب في بحيرات منبثة هنا وهناك داخل البلاد كبحيرة الجريد الواقعة في جنوب تونس…
ثم إنّ الكلام على توزيع المياه بالمغرب يحدو بنا إلى التحدّث عن إمكانية الأراضي المغربية من حيث الإنتاج، والذي يجب إثباته، قبل كلّ شيء، هو أنّ هذه الأراضي زراعية بالطبع، كانت منذ قديم الزمان تنتج الحبوب والفواكه والخضر والأزهار، ومعلوم أن روما كانت تعتمد عليها في تموين سكانها وإمدادهم بالمواد الغذائية اللازمة، وهذه الأرض كانت ولا تزال صالحة لتربية المواشي والدواب المسخرة للركوب أو المستعملة في الفلاحة، أضف إلى هذا أنّ البلاد غنية بالمواد الأولية كالصوف والجلد والمواد المعدنية مثل الفوسفات (المغرب الأقصى وتونس) والنفط والنحاس والذهب والفضة والرصاص والفحم الحجري.
ومن حيث السكنى ونظام المعيشة نستطيع القول بأنّ سكان المغرب ينقسمون، بطبيعة الحال، إلى بدويين ومدنيين، وإن كان عدد أهل البادية يفوق بكثير عدد أهل المدن، أمّا القاطنون في البوادي فيشتغلون بزراعة الأرض وتربية المواشي.
أشهر المدن
ومدن المغرب عديدة أهمها: من الوجهة التاريخية بالمغرب الأقصى فاس، عاصمة العلم والعرفان التي أسّست سنة 192هـ. فقصدها عدد وافر من أهالي الأندلس والقيروان، ولم تزل تعظم وتتّسع منذ ذلك الحين. أمّا السر في ذلك النمو العجيب فيرجع من غير شك إلى موقع مدينة فاس في مفرق الطرق المؤدية، من جهة، إلى طنجة وساحل الأطلنطيك والجنوب المراكشي ومن جهة أخرى، إلى تلمسان والقيروان على طريق ممر تازة، ثمّ نذكر بالمغرب الأقصى مراكش الحمراء ـ مهد الدولة المرابطة ـ وسبتة وطنجة وقد لعبت كلّ منهما دوراً خطيراً في عهد الوندال وأيام الدولة الإسلامية الزاهرة.
أمّا مدن المغرب الأوسط فنذكر من بينها تلمسان والجزائر العاصمتين الرومانيتين الشهيرتين وقرطاجنة في المغرب الأدنى، ذات التاريخ المجيد، ثمّ القيروان عاصمة الإسلام الأولى بهذه الديار، وقد أسست على يد عقبة بن نافع الفهري الذي اتخذها مقراً لقيادته العسكرية.
أمّا مدن المغرب الحديثة أو الشبيهة بالحديثة فهي من الغرب إلى الشرق: الرباط العاصمة الإدارية للمغرب الأقصى والدار البيضاء، العاصمة التجارية الكبرى ثمّ وهران، الميناء التجاري الجزائري المشهور، فمدينة قسنطينة ذات المناظر الطبيعية الرائعة والماضي المجيد، ثمّ تونس.
وقد كانت معظم هذه المدن القديمة تعيش، في الماضي السحيق بمعزل عن بقية البلاد، ولم تكن تشارك ـ على الأصلح ـ في حياتها المادية إلاّ مشاركة ضئيلة، والسبب في ذلك يرجع، على حد تعبير المؤرخين أنفسهم، إلى تعذّر أسباب المواصلة في الزمان القديم، فالمغرب الأقصى، مثلاً، وإن كان من شأنه أن يلعب دوراً مهماً في تاريخ الأمم المتمدنة القديمة نظراً لحسن موقعه بالنسبة للبلاد الأوروبية ويشارك بنوع خاص في الحياة الاقتصادية المغربية ـ ظلّ منعزلاً عن تلك الحياة، بعيداً عنها، والعلة في هذه الظاهرة الاقتصادية الغربية وجود المغرب الأقصى محصوراً بين جبال الأطلس والصحراء والأندلس، بحيث مكّن أن نقول في حقّه إنّه فصل جغرافياً عن بقية المغرب من جهة وعن أوروبا من جهة أخرى، فأدّت به هذه الحالة الجغرافية الخاصّة إلى العزلة والانكماش.
وقد لعبت جبال الأطلس بنوع خاص دوراً مهماً في حياة المغرب سواء من الناحية الاقتصادية أم من الناحية السياسية حتّى أنّ الرومان ـ رغم مهاراتهم ـ لم يتمكنوا من ربط العلاقات ربطاً متواصلاً بين منطقتي طنجة وتلمسان، وذلك راجع كلّه إلى وقوع جبال الأطلس سدّاً منيعاً في وسط البلاد. وهكذا ستلعب تلك الجبال، مرة أخرى، دورها المعتاد ـ على انسحاب الفاطميين من المغرب ـ فتحول، أي جبال الأطلس نفسها، دون رغبة بني هلال الرامية إلى اقتحام المغرب الأقصى والاستيلاء عليه.
أمّا اليوم فقد قضي على الحواجز الطبيعية، وكثرت الطرق في البلاد مخترقة إياها من الشرق إلى الغرب، وبالعكس، وتعدّدت السكك الحديد العريضة وانتشر الأمن في جميع أنحاء هذه البلاد.
السكان
يخبرنا علماء الجغرافيا والجيولوجيا أنّ شكل البلاد المغربية في أيامنا هذه مخالف عمّا كانت عليه في الزمن القديم، بمعنى أنّها كانت متّصلة بإسبانيا من الناحية الشمالية، فلا وجود لمضيق جبل طارق وكان البحر المحيط ـ على حد تعبير المؤرخين المذكورين ـ ممتداً إلى ناحية تازة بل إلى مصب نهر ملوية ويعلّلون هذه الأقوال بأنّهم عثروا في تلك النواحي على بقايا حيوانات لا تعيش إلاّ في البحر.
والواقع أنّه ليس لدينا في الوقت الحاضر معلومات تاريخية مفصّلة عن أحوال البلاد في العصور القديمة، بل نستطيع أن نقول إنّ معلوماتنا عن الشمال الإفريقي في الزمن الذي قبل التاريخ ضئيلة لا تسمن ولا تغني من جوع، وذلك لعدم تدوين أخبار السلف. على أنّ طائفة من الباحثين عثروا أثناء تجوّلاتهم الاستطلاعية العلمية في هذه البلاد على بعض الأدوات الحجرية والصخور المنقوشة التي تبرهن بكيفية ثابتة على أنّ أهل العصر الحجري ـ أي سكان المغرب الأوّلين ـ كانوا يتمتعون بحضارة بسيطة.
أمّا فيما يرجع لحقيقة سكان المغرب الأوّلين فقد أجمع المؤرخون على بكرة أبيهم أنّ العنصر الأوّل الذي استوطن هذه البلاد يتألّف من البربر، وفي أصل هذه الكلمة يقول عبد الرحمن بن خلدون: إنّ العرب لمّا وفدوا على هذه البلاد وسمعوا لهجة أهله الغريبة صاحوا قائلين: ما هذه البربرة، يريدون الرطانة، فسمّوا بالبربر، ويعتقد ألم البارتيني أنّها مأخوذة من كلمة «بارباري» اللاتينية التي كان الرومان يطلقونها على كافة الشعوب القديمة باستثناء اليونان والرومان.
وكيفما كان الأمر فقد اجتهد المؤرخون في إثبات وطن البربر الأصلي غير أنّ آراءهم في هذا الباب ظلّت متباينة: فمن قائل إنّهم جاؤوا من أوروبا ومن زاعم أنّهم قدموا من الصحراء والبلاد العربية ومن جملتهم عبد الرحمن بن خلدون الذي يقول: إنّ هؤلاء البربر قدموا من جنوب جزيرة العرب وإنّ جدّهم الأوّل يدعى «مازيغ»([225]). وهي نتيجة مقبولة رجحها علماء كثيرون بحجة أنّ الشبه موجود بين الساميين وبرابرة إفريقيا الشمالية لا فيما يتعلّق بالبنية فحسب بل فيما يخصّ اللغة أيضاً. في حين أنّه لا سبيل إلى إثبات الشبه المذكور بين البربر من جهة وإحدى الأمم الأوروبية من جهة أخرى. وإذن فلا بدّ من أن يكون البربر قد أتوا إلى المغرب من آسيا، فانتشروا في هذه البلاد واستوطنوها إلى أن أغار عليها العرب، فتخلّوا إذ ذاك عن طباعهم ووثنيتهم وتدينوا بدين الفاتحين وتطبّعوا بطباعهم.
هذا وينقسم البربر من حيث الخلقة إلى صنفين مختلفين: فالنوع الأوّل معروف بلونه الأسمر وشعره الأسود ورأسه المستدير، وهو بارز الخدّين، أنفه قصير وجبهته مقوّسة. وهذه الصفات توجد في أهالي إسبانيا وإيطاليا وجنوب فرنسا الغربية.
أمّا النوع الثاني الذي ينتسب إليه بالأخص سكان الريف بالمغرب الأقصى وأهالي جبال جرجرة بالغرب الأوسط (الجزاير) فهو أشقر الشعر، أزرق العينين، مستطيل الرأس رقيق الأنف والشفتين، مسطّح الجبهة. وهو أقدم العنصرين في هذه البلاد ـ على حد قول المؤرخين ـ إلاّ أنّه قليل العدد بالنسبة للنوع الأوّل الذي هو منتشر في كافة أنحاء الشمال الإفريقي.
وللبربر شيم عالية منها حبّهم للوطن والحرية المطلقة التي شبّوا عليها منذ نعومة أظفارهم، ومن أجل ذلك تراهم يسعون بكلّ ما لديهم من وسائل وراء المحافظة على كيان القبيلة وضمان استقلالها. والبربري ـ فضلاً عن ذلك ـ شجاع بالطبع، يحبّ الخوض في ساحات القتال كما أنّه معروف بالتعصّب لقبيلته وأهله.
والبربري ـ فوق ما ذكر ـ شديد المحافظة على عوائده الموروثة وأخلاقه ولغته وأوضح دليل على ما نزعم أنّ الرومان ـ وإن كانوا قد استعمروا هذه البلاد مدّة من الدهر لا تقل عن خمسة قرون ـ لم يتمكنوا من القضاء على عوائد أهلها ولا على لغتهم التي لم تتغيّر ولم تتبدّل مهما طرأ عليها من الحوادث… ثمّ إنّ البربري نشيط، لا يعرف للكسل معنى، يتعاطى الزراعة ويشتغل بتربية المواشي وفي كلتا الحالتين يعيش عيشة بسيطة إذ يكتفي بقليل من القوت ولا يرتدي إلا ملابس الصوف أو الوبر. مسكنه بيت من الطين والحجر أو خيمة نسجت من الصوف وشعر النياق. وتارة أخرى هو عبارة عن كوخ بسيط جداً يتّخذه من القصب وأغصان الشجر الممزوجة بالوحل.
على أنّ هناك طائفة من البربر تعيش على ساحل البحر أو بالقرب منه قد اختلطوا منذ أقدم العصور بالأجانب الذين كانوا يجوبون البحار، فأخذوا عنهم أشياء من الحضارة القديمة ـ نظراً لذلك الاختلاط والاحتكاك ـ وتفنّنوا ببعض الشيء في بناء المنازل وصنع الملابس ومنهم من كان يتعاطى التجارة والصناعة نوعاً ما، ولكن الغريب أنّهم لم يبرهنوا على مقدرة خاصّة في شؤون الملاحة ولا سيّما منهم أولئك الذين كانوا يعيشون على ساحل الأطلنطيك.
أضف إلى هذا أنّ البربر لا يميلون لحياة العزل والانفراد، بل يعيشون جماعات أو قبائل ـ شأن العرب في الجاهلية ـ وتمتاز كلّ قبيلة باتحاد أفرادها وتعصّبهم بعضهم لبعض.
أمّا مصالح القبيلة فيوكلونها إلى رئيس يشترطون فيه عدّة مزايا كالشجاعة والقوّة، والكرم والحلم، وغيرها من الخصال الحميدة التي تجعله أهلاً لذلك المنصب وتمكّنه من الدفاع عن مصالح القبيلة الحيوية.
يحسن بنا الآن في نهاية هذا البحث أن نتساءل عمّا إذا كان للبربر آداب تستحق الدرس والاهتمام كسائر الآداب العربية والأجنبية أو بعبارة أخرى، هل يوجد بين البربر علماء وفلاسفة وكتّاب وأدباء يمثلون اللغة البربرية؟
فنقول إنّ المتتبّع للحياة الأدبية والاجتماعية عند البربر لا يسعه إلاّ أن يعترف بعدم وجود آداب بربرية بالمعنى الصحيح، ذلك لأنّ اللهجات البربرية على اختلافها سواء منها الشلحة أو الزناتية أو المزابية أو الزناقية وغيرها لا يتّسع صدرها لقبول الأفكار العالية ولا يستطيع المتكلمون بها التعبير عن الحقائق العلمية الدقيقة. نعم اهتمّ البربر نوعاً ما بالأدب الديني، فكتبوا فيه ما شاء لهم أن يكتبوا، ومن جملة مصنّفاتهم في هذا الباب كتاب «حميم المفتري» وترجمة للقرآن الكريم باللهجة البربرية من وضع المهدي بن تومرت. لكن للبربر ولعاً خاصّاً بفن الملاحم وهي كثيرة الشبه بتلك المقطوعات الأدبية التي كتبت في فرنسا أثناء القرون الوسطى والتي تعرف في الأدب الإفرنسي «بأغاني الوقائع».
ومن الملاحم البربرية الشهيرة قصيدة بالشلحة للصابي وهي ملحمة كتبها الصابي بالحروف العربية يحدّثنا فيها كيف أنّ بعض الشبان قدّر له أن ينزل إلى الجحيم كي يبحث عن أبويه فيخلصهما من عذاب جهنم.
وهناك أنواع أخرى من الأدب البربري أعظم شهرة من التي سبقت الإشارة إليها كالحكايات والألغاز والأمثال على ألسنة الحيوان، وقد توارثتها القبائل البربرية خلفاً عن سلف وأعارتها أهمية كبرى، غير أنّ الحكايات قليلة بالنسبة للحكايات والفكاهات العربية، ذلك لأنّ اللغة البربرية صلبة، ليست من الرقة والحلاوة بحيث تسمح لصاحبها بتنميق الحكايات وزخرفتها… ومهما نسينا فلا ننسى تلك الأغاني البربرية المنتشرة في البلاد الإفريقية جميعها، فهي من المقطوعات الغنائية الحلوة التي لا تكلف فيها ولا تصنع، تنبعث من أعماق الفؤاد معبّرة عمّا يختلج في صدر المرأة والرجل على السواء من عواطف مختلفة رقيقة في كثير من الأحيان.
أمّا الفنون الجميلة فللبربري وللبربرية بنوع خاص حظ وافر منها، فهي تبدي مواهب فنية حقيقية في تزويق الزرابي والملابس التي تحيكها بنفسها والأواني الطينية التي تصنعها بيديها، ممّا يدلك على نشاطها المتزايد وذوقها السليم.
وهي، من جهة أخرى، شديدة الاعتناء بخلقتها، حريصة على تجميلها حتّى أنّك لتراها تتحمّل آلام الوشم وتصبر على حمل الجواهر الثقيلة في سبيل ذلك، غير شاكية ولا متبرمة.
على أنّ هذا الوشم لم يكن المراد به ـ أوّل الأمر ـ التجمّل والتزيّن في حدّ ذاتهما وإنّما كانت القبيلة تتّخذه كالعلامة تتميّز به عن سائر القبائل الأخرى، حتّى أصبح لكلّ قبيلة وشمها الخاص. ومعلوم لدينا أنّ البربر أثناء غزواتهم الظافرة لم يكونوا ليكتفوا بالفوز والانتصار على العدو، وإنّما كانوا ينتهزون الفرصة للاستيلاء على كلّ ما كان يقع تحت أيديهم من أسلحة ومتاع ونساء… ويروى بهذا الصدد أنّ أفراد القبيلة المغلوبة تمكّنوا غير مرّة ـ بفضل ذلك الوشم ـ من استرداد نسائهم اللواتي وقعن، سابقاً، في قبضة العدو، كلّما ساعدهم الحظ وبرقت لهم بارقة الانتصار.
هذا ولسنا نختتم هذا الفصل دون أن نقول كلمة عن أشهر القبائل البربرية، وهي تنقسم إلى ثلاث: مصمودة وصنهاجة وزناتة وهناك من يقول: «بل قبائلهم الرئيسية اثنتان: قبيلة زناتة المسمّاة أيضاً بالبطر، وهم أهل بادية وقبيلة صنهاجة، وصنهاجة هؤلاء كانوا يعيشون في المدن والقرى ويسمّونهم بالبرانس. وإلى هاتين القبيلتين تنتمي سائر القبائل الصغيرة الاخرى ومنها قومية وقالبة ومكناسة وجزولة وغمارة وغيرها.
أمّا زناتة فعاصمتهم تلمسان، ولهم أيضاً مدينة تاهرت، وأمّا أشير وبجابة وقلعة بني حماد فهي من عواصم الصنهاجيين الذائعة الصيت. يضاف إلى هذا أنّ قبيلتي صنهاجة وزناتة مشهورتان جدّاً في هذه البلاد، أوّلاً، بسبب الكراهة الطبيعية التي كانت تكنّها كلّ منهما للأخرى، ثانياً، من أجل الدور السياسي الذي لعبته كلّ من القبيلتين المذكورتين أثناء الحروب الطاحنة التي اشتعلت نيرانها في القرن العاشر الميلادي بين الفاطميين، من جهة، والمروانيين، من جهة أخرى.
الإسلام في إفريقيا الشمالية
الأدارسة([226]) الشيعة هم الذين عمّموا الإسلام في شمال إفريقيا ونشروه بين البربر، ولقد كان فساد الحكم في العهد الأموي ثمّ في العهد العباسي وتسلّط الولاة بالظلم على الشعوب حائلاً دون انتشار الإسلام حتّى جاء الأدارسة يحملون إلى الشمال الإفريقي الإسلام الصحيح فأقبل البربرعلى الإسلام على أيديهم حتّى عمّ بلادهم كلّها فكانوا من بعد حماته لا في ديارهم وحدها بل في الأندلس أيضاً.
ولقد ظلّ المغرب كلّه، الأقصى([227]) منه والأوسط([228]) والأدنى([229]) في ثورات دائمة لا يقرّ له قرار، وكان أحراره يفتشون عن متنفّس لهم، فكثيراً ما كانوا يؤيّدون دعوة الخوارج ويثورون على الحكام، وللدلالة على فساد الحكم الأموي وسوء المعاملة التي كان الأمويون يعاملون بها الرعايا ومنهم قبائل البربر فيبعدونهم بذلك عن الإسلام ويدفعونهم للثورات نقصّ بعض ما رواه المؤرخون ممّا كان مظهر الحكم يومذاك، فمن هذا أنّ يزيد بن أبي مسلم دينار (مولى الحجاج الثقفي) جعله الحجاج كاتبه وصاحب شرطته. وفي عهد يزيد بن عبد الملك ولاه يزيد على بلاد المغرب، فسار هناك بسيرة الحجاج، ومن أفعاله أنّ الحجاج كان قد وضع الجزية على رقاب الذين أسلموا من أهل السواد وأمر بردّهم إلى قراهم ورساتيقهم على الحالة التي كانوا عليها قبل الإسلام.
وأراد يزيد بن أبي مسلم أن يفعل عين ما فعله الحجاج ويطبق ذلك على البربر. فاستفظع البربر هذا الأمر ولم يصبروا عليه فتآمروا فيه وأجمعوا على قتله فقتلوه([230]).
وفي عهد هشام بن عبد الملك، كان عمر بن عبيدالله المرادي والياً على طنجة والمغرب الأقصى، فأساء السيرة في البربر وأراد أن يخمس من أسلم منهم وزعم أنّه الفيء فنفرت قلوب البربر وأحسّوا أنّهم طعمة للعرب([231]). وقد كان الولاة بعامة يرهقون البربر بما يطالبونهم به من المطالب الظالمة، فمن ذلك مثلاً أنّه كانت تشوّقهم الجلود العسلية الملونة، فكانوا يتغالون في جمع ذلك حتّى كان القطيع من الغنم يهلك ذبحاً لا لشيء إلاّ لاتخاذ الجلود العسلية من سخالة ولا يوجد فهيا مع ذلك إلاّ الواحد وما قرب منه(3) ويقول صاحب الاستقصا «فكثر عيثهم بذلك في أموال البربر فأجمعوا الانتقاض».
والجلود العسلية هي مثال ممّا كانوا يطلبونه، فقد كانوا يفتنون بطلب أنواع طرف المغرب بمثل هذه الأساليب([232]).
ويقول المالكي صاحب كتاب (رياض النفوس) إنّ وفداً مغربياً من بضعة وعشرين رجلاً بقيادة ميسرة توجّه إلى الشام لمقابلة هشام بن عبد الملك والشكوى إليه ممّا ينزل بهم من البلاء فرفض هشام استقبالهم فدخلوا على الأبرش يشتكون قائلين: «إنّ قائد الجيش الأموي يغزو بنا وبجنده، ومتى غنمنا نفل جنده (أي أعطاهم الغنائم) دوننا، بدعوى أنّ حرماننا أخلص لجهادنا». ثمّ سألوا الأبرش: «هل هذا الموقف له سند من كتاب الله أو سنّة رسوله، أو أنّه مجرد رأي صار إليه الحكّام؟!».
قال المالكي في روايته: إنّه لمّا طال بهم الانتظار ونفدت نفقتهم دون أن يحظوا بمقابلة هشام كتبوا أسماءهم ودفعوها إلى أحد وزرائه قائلين: «إذا سأل عنّا فأخبروه». ثمّ رجعوا إلى إفريقيا وقاموا بثورة أدّت إلى حركة انفصالية ناجحة.
فلمّا وصل إدريس الأكبر وقامت دولة الأدارسة عرف البربر أنّ الإسلام الصحيح ليس هو الذي كان يمثّله أولئك الحكّام الطغاة وأنّه ليس إلاّ عدلاً وتسامحاً ورحمة فأقبلوا يدخلون فيه أفواجاً على أيدي الأدارسة.
وقد خلقت هذه القبائل البربرية دولة الأدارسة بعد ذلك في مراكش وما يليها من بلاد الأندلس وأسّست غير دولة من دول البربر كدولة الموحدين وبني مرين والمرابطين ولكنّها لم تعش كما عاشت دولة الأدارسة. وبعض هذه الدولة البربرية مواقف مشهورة في الدفاع عن بيضة الإسلام في الأندلس والنكاية بمن هاجمها من طغاة الفرنجة مثل ملوك أرغان وقشتالة في غرب الأندلس. وقد توارثت هذه القبائل إلى اليوم ولاء أهل البيت والإخلاص لهم، وما أكثر بيوت العلويين على اختلاف بطونهم في المغرب وما زالوا يتمتعون بحرمة وافرة([233]).
الخوارج
في صدر هذه الانتفاضات والثورات في شمال إفريقيا، نستطيع أن نسجّل بادئ ذي بدء ثورة الخوارج الصفرية والإباطية التي كان منطلقها سنة 122هـ والذي تزعم قيادتها وأثار شرارتها ـ فيما يحكيه التاريخ ـ ميسرة المضغري ثمّ واصل حركتها خليفته من بعده خالد بن حميد الزناتي الذي تغلّب على خالد بن حبيب الفهري بموقعة الأشراف قرب طنجة سنة 123هـ كما هزم فيما بعد بقدورة على مقربة من تاهرت بالجزائر القائد كلثوم بن عياض.
وقد امتدّ نفوذ هذه الانتفاضة إلى سائر أصقاع المغرب الكبير من طرابلس إلى تونس فالجزائر فالمغرب، وامتدّت شمالاً ما بين طنجة وسبو وجنوباً من قابس إلى سجلماسة ففجيع.
وتوطدت هذه الحركة حين أسّس الخوارج بزعامة بني رستم دولة لهم بسجلماسة للتخلص من جور عمال الخلافة الأموية وعسفهم، حسب رواية المالكي صاحب كتاب (رياض النفوس) الذي أورد قصة توجّه ميسرة في بضعة وعشرين رجلاً من أصحابه ـ كما مرّ ـ إلى الشام لمقابلة هشام الذي رفض استقبالهم، ثمّ كان من أمرهم ما كان ويُقال إنّ قطب دائرة حركتهم الانتفاضية تلك كان في البداية أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري.
والملاحظ أنّ هؤلاء الخوارج الصفرية «أقاموا دويلات لهم في المغرب الأقصى».
في طنجة بزعامة ميسرة وخلفائه من بعده كما قلنا.
وفي تامسنا أحواز فضالة والبيضاء، بقيادة صالح بن طريف.
وفي مكناسة بإمرة عيسى بن مزيد الأسود من موالي العرب. وهذه تفرّقت إلى صفرية جرسيف الواقعة بين تازة ووجدة، وصفرية سجلماسة بتافيلالت بالصحراء التي تأسّست قواعد مملكتها العظيمة، مملكة (مدرار) سنة 140هـ. أقول كما أقاموا تلك الدويلات في المغرب أقاموا دولة أخرى إباضية بالمغرب الأوسط الجزائر، وهي الدولة الرسمية التي قامت بتاهرت (عراق المغرب) كما كانت تدعى نظراً لاختلاف من آوتهم من طوائف دينية ما بين الخوارج والمعتزلة والشيعة والسنّة أيضاً.
وقد دامت دويلة تاهرت هذه حوالي القرن والنصف من الزمان وكان سقوطها على يد الفاطميين.
ولتتم الوحدة استطاع الخوارج هؤلاء في سنة 160هـ أن يهزموا جيوش المنصور العباسي، وأن يبايعوا عبد الرحمن الرستمي الذي كان رشحه لمثل هذه المهمة أبو الخطاب حين همّ بمقاتلة جيوش المسودة التي كانت بقيادة محمد بن الأشعب الخزاعي…
ثمّ لإعطاء وجوده الخارجي أبعاداً أوسع، أصهر عبد الرحمن هذا إلى المنتصر أمير سجلماسة بأنّ زوجه ابنته أروى التي ـ فيما قيل ـ استطاعت أن تكون ذات شأن كبير لفائدة مصالح الدولة الصفرية السجلماسية.
وقد سار ابنه عبد الوهاب في هذه الخطة فتزوّج بنت شيخ قبيلة (لواتة) الباقية آثارها حتّى الساعة قرب صفرو، وهي ما تزال تحمل نفس الاسم. ونعود إلى تفصيل هذا الإجمال بما يلي:
بعد الذي عاناه الخوارج في المشرق وجهوا أنظارهم إلى المغرب لبُعده عن مراكز السلطة الأساسية، وجاءه دعاتهم في أوائل القرن الثاني ونزلوا في ليبيا ثمّ توجّهوا إلى المغرب وكانت لهم في ليبيا حركات وأحداث وتسلّط وسفك دماء على عادتهم وتقدّموا بعد ذلك فاستباحوا القيروان وهتكوا فيها الأعراض وسبوا النساء المسلمات وأهانوا المساجد وربطوا فيها الدواب([234]).
وظلّ تسلّط الخوارج قائماً في المغربين الأوسط والأقصى وقام لهم حكم تمثّل بالرستميين الإباضية وبالزناتيين الصفرية. وما كاد القرن الثاني الهجري ينتصف حتّى كان الخوارج الإباضيون قد استطاعوا نشر مذهبهم في أغلب المغرب الأدنى والمغرب الأوسط ساعدهم على ذلك فساد الحكم الأموي أوّلاً ثمّ العباسي ثانياً، وما كان يبهظ به هذا الحكم كاهل الشعب من المظالم والمغارم. وصارت الإباضية منتشرة في معظم ليبيا وجنوب تونس إلى شمال قفصة وأغلب المغرب الأوسط من شرق مدينة مليانة إلى غرب وهران وكان يقابلها الصفرية وهي الفرقة الثانية من الخوارج التي تمركزت في مناطق أخرى، فقام قتال بين الفرقتين انتهى بانتصار الإباضيين بقيادة أبي الخطاب واحتلالهم للقيروان وإلحاقها مع غيرها من المناطق التونسية بدولته في ليبيا ثمّ أرسل عماله إلى المغرب الأوسط وجنوب الزاب، وهكذا قضى على الصفرية وامتدّت دولة أبي الخطاب الإباضية من خليج سرت شرقاً إلى غرب وهران غرباً ولكن المنصور العباسي جهّز عليه جيشاً كثيفاً انتهى بمقتل أبي الخطاب وهزيمة جنده والقضاء على دولته، وذلك في أواخر صفر سنة 144هـ.
وكان قيام هذه الدولة قد بدأ سنة 140هـ. فيكون عمرها أربع سنين. لكن قامت لهم بعد ذلك دولة أخرى هي الدولة الرستمية بزعامة عبد الرحمن بن رستم([235]) أحد ولاة أبي الخطاب وقواده، كانت أكبر دولهم وأطولها مدّة إذ دامت من سنة (144ـ296هـ / 761ـ909م) وكانت عاصمتها مدينة تاهرت في المغرب الأوسط (الجزائر) واشتملت على أغلب عمالة الجزائر وأغلب عمالة وهران وعلى جبال أوراس وشمالها إلى جنوب بغاية وعلى نصف تونس الجنوبي من شمال قفصة وجنوب صفاقس إلى الصحراء وعلى ليبيا من خليج سرت إلى قابس غرباً ما عدا مدينة طرابلس والبحر اللذين كانا يتبعان الدولة الأغلبية. ومن البحر إلى الصحراء الكبرى. ويحدّد بعض المؤرخين([236]) الدولة الرستمية بهذه الحدود: شمالاً تلول منداس إلى قرب غيليزان، ويذهب الخط جنوباً من هناك إلى فرندة وينعطف شرقي جبل عمور، ومن هناك إلى ميزاب وإلى وارجلة، وينبعث الخط من الناحية الشرقية إلى تسيسل والسرسو، ويذهب صعداً إلى ثنية الأحد وإلى قصر البخاري مشرقاً وأعالي وادي شلف، ويذهب جنوباً شرقي الأغواط إلى تقرت ووادي ريغ، ثمّ يقول: وبالجملة فإنّ هذه الدولة استولت على جميع التراب الجزائري الحاضر ما عدا ناحية الزاب شرقاً وتلمسان غرباً.
ومع أنّ الخوارج يقولون بأنّ من رأيهم أنّ الإمامة شورى بين المسلمين، نراهم وقد استتبت لهم أمور دولتهم يحصرون الإمامة في عبد الرحمن بن رستم وعائلته واحداً بعد واحد، وهكذا تبيّن أنّهم بعيدون عن تطبيق ما يدعون إليه من نظريات.
وانتهت الدولة الرستمية الإباضية بقيام الدولة الفاطمية التي ضمّت إليها دويلات المغرب كلّها ودخلت جيوشها عاصمة الإباضيين تاهرت بقيادة أبي عبدالله الشيعي في شوال سنة (296هـ ـ 909م). وكان من أهم عوامل سقوط هذه الدولة أن رابطتها بالشعب كانت واهية ممّا ختم حياتها بالفتن الداخلية. ولمّا تقدّم أبو عبدالله الشيعي وقتل آخر حكّام الرستميين اليقظان محمد كان ذلك «بإيعاز ومؤامرة من وجوه الرعية» على حد تعبير صاحب كتاب تاريخ الجزائر العام بل إنّ «دوسرا» بنت اليقظان نفسه شاركت في حملة أبي عبدالله الشيعي للقضاء على الدولة وقتل اليقظان أبيها.
وبعد سقوط الدولة الرستمية هاجر بعض الإباضية إلى الجنوب الغربي وإلى الجنوب. وهاجر آخرون مع إمامهم يعقوب إلى نواحي وادي مينة فأسّسوا مدينة الكريمة ودخلوا مدينة بني وجلان «وارقلة» وهناك على بُعد 14 كيلومتراً جنوباً أخذوا في تأسيس عاصمتهم «سدراته» المعروفة عند البربر بأسدراتن التي خربت بعد ذلك وطمرتها الرمال.
ثمّ جلوا عن وارقلة إلى جبال بني مصاب فسكنوا أوّل الأمر في الخيام ثمّ أسّسوا المدن والقرى ومنهم من توجّه بعد الجلاء عن تاهرت وسدراته إلى ليبيا وتونس فهم فيها إلى اليوم([237]).
ومدينة تاهرت خربت على مرّ الأيام فهي اليوم أطلال وآثار وموقها على بُعد ستة أميال في الجنوب الغربي لمدينة تيارت في غرب الجزائر. ولا يزال يعيش اليوم في الجزائر بقايا من الخوارج وجمهورهم بنو مزاب وقاعدتهم غرداية جنوب الجزائر ولها خمس مدن منها بني أيزكن ومليكا والعطف وهذه كلها من المدن التي أسّسوها بعد جلائهم عن وارقلة. وكلّهم هناك من البربر ويبلغ عدد نفوسهم ستين ألف نسمة على ما روى لي بعض من عاش هناك.
مواطن الخوارج الإباضيين
ووصف (أميليو طامبيا) منطقة الخوارج الإباضيين في جنوب الجزائر بما يلي:
جميع أولئك الذين اهتموا حتّى الآن بهذه المدن المدهشة المثيرة المنتشرة في منطقة المزاب في الجنوب الجزائري الأوسط كانوا يتساءلون لماذا اختيرت مثل هذه المواقع القاحلة الجرداء لإنشائها. ومع ذلك فإنّ تاريخ جماعة الإباضيين يحدّثنا مطولاً عن الأسباب التي حدت بأبنائها إلى هذا الاختيار، ذلك أنّ تلك الجماعة لم تتمكن من مقاومة تحطيم دولتهم في (التل) وعاصمتها تاهرت إلاّ باللجوء إلى الصحراء. ومنذ ذلك الزمن لم يعد هناك مجال للعودة إلى منطقة صعبة الدفاع حتّى بعد أن تعرض مركزهم الأوّل في الصحراء إلى نقص في المجال الحيوي لتنمية وسائل معيشته.
وهكذا اختير وادي المزاب لإنشاء مدن محصّنة كانت الجماعة بحاجة إليها. فكان أن نجحت في العيش في منطقة تعتبر من أقحل مناطق العالم، ممّا يعتبر معجزة تستحق الإعجاب وتضفي سحراً على هذه المدن الجميلة.
وفي الحقيقة تمتدّ هذه المنطقة فوق تلة مسطحة واسعة تعتبر مساحتها الصفراء قاحلة جرداء، ولكن هذه المنطقة نحتت وحفرت بواسطة المياه الطبيعية بحيث باتت تستحق اسمها «الشبكة» التي عرفت به منذ زمن بعيد. وبالفعل فإنّ المنحدرات المجمعة في سلسلات غير منتظمة والتي تتقاطع مع التلة المسطحة تشبه عقود الشبكة.
وكان لا بدّ من تصميم وإرادة بشرية فوق العادة لإحياء هذه المنطقة القاحلة وجعل الواحات التي أنشئت فيها ممتعة وجديرة باستقبال الناس كما هي الآن…
لماذا ومتى أنشئت مدن الزاب؟
ليس هناك من ريب بأنّها نشأت نتيجة إرادة الإباضيين القوية ـ الذين كانوا بفضل تنظيمهم الديني ـ بناة الصحراء الحقيقيين. ويبدو أنّ الموقع كان محتلاً من قبلهم عندما كانت إمارة تاهرت في عزّها وعظمتها. لأنّه عثر على وثيقة مخطوطة تشير إلى اتفاق خاص بتنظيم الملكية العقارية في جزء من وادي المزاب وضعت سنة 824 ميلادية.
ومهما يكن فإنّ أقدم المدن وهي «العطف» بنيت سنة 1011م ثمّ مدينة «بونورة» سنة 1048م ثمّ تبعتها مليكة، بينما أنشئت الأسس الأولى لمدينة غرداية سنة 1053م. أمّا «بني أيزكن» فقد سبق تأسيسها غرداية. وهكذا فإنّ تعمير الوادي أصبح كاملاً.
أمّا كيف أمكن لهذه الحضارة المعمارية أن تتفتح في الصحراء؟ ما من شك في أنّ مدينة تاهرت كانت النموذج الأوّل للمدن التي أنشئت على غرارها: سدراته ومجموعة مدن المزاب. وشيئاً فشيئاً غدا هذا النوع من التنظيم المدني جزءاً من التقليد الاجتماعي، وأصبح إنشاء المدينة هناك قراراً مدروساً ومخططاً ومنفذاً بعناية… بل نابعاً من الرغبة في الدفاع عن النفس والحماية.
تنظيم المدينة
إنّ شكل مدن المزاب وبصورة خاصّة مدينة غرداية العاصمة الاتحادية للإباضيين مثير للدهشة بحيث يبعث على العديد من التفسيرات لأنّ التفنّن (الفانتزية) يحلّ أحياناً على ما يبدو. ويستنتج من ذلك أنّ غرداية مؤلفة من طرق دائرية تدور حول نقطة وسط مرتفعة تنطلق منها جميع ممرّات البلدة وتخدم جميع الأحياء وتقوم في هذه النقطة المتوسطة عمارة المسجد التي تستخدم في آن واحد مركزاً إدارياً وحصناً منيعاً للحماية المعنوية والمادية للمدينة التي تعيش في ظلّه.
فالمسجد هو دائماً في قلب كلّ منها. لا بل في موقع مشرف على ما حولها. وهكذا كانت الحلقة التي تدير شؤون الإباضيين تختار دوماً مرتفعاً ما فتبني فوق قمته المسجد ومن ثمّ تتجمّع حوله البيوت والشوارع بصورة دائرية، والمسجد كان في آن واحد كما قلنا معدّاً لحماية المدينة ومركزاً للحاكم أو للشيخ ومستودعاً للسلاح وحصناً منيعاً وقلعة منيفة.
ومن هذه الناحية تختلف مدن المزاب عن المدن الإسلامية التقليدية بأنّ المسجد فيها يحتل وحده قلب المدينة ممّا جعل أسواقها تبتعد عنه إلى أطرافها، بذلك يكون المركز الروحي للحياة الاجتماعية قد أدّى إلى ابتعاد المركز الاقتصادي للمدينة.
الأسواق
في غرداية تقع أسواقها على أطراف المدينة وحتّى عندما كانت غرداية أصغر منها اليوم كانت السوق تقع على أطراف المدينة القديمة. ولمّا توسّعت انتقلت أسواقها إلى أسوارها الحالية وهي محاطة بدكاكين ذات قناطر تشرف عليها المئذنة المتوسطة وشلالات البيوت المكعبة التي تهبط شيئاً فشيئاً. ومع أنّ هذه الدور أنشئت سنة 1886م فقط فإنّها تعطي انطباعاً بأنّها تؤلف جزءاً من منظر المدينة منذ أقدم العصور كلّ ذلك للدلالة على قوّة وفضائل تقاليد عريقة لم تتبدل وما زالت محترمة إلى اليوم رغم تبدّل العصور وتطوّرات الأزمان.
وتعتبر ساحة السوق المركز السياسي للمدينة ويستخدم أحد بيوتها منذ أمد طويل بيتاً للضيافة حيث يستقبل التجار على حسابهم زوّار المدينة، وفي الوقت نفسه هو بيت الاجتماعات العامّة.
وهكذا أصبحت السوق المركز الانطلاقي للحياة الاقتصادية للمدينة حيث تحيط بها دكاكين تجار المنتجات العادية المنتشرين في جميع أنحائها وكذلك تتجمّع فيه دكاكين الحرفيين والصناعات الشعبية التقليدية. وهكذا فإنّ غرداية تتمتع بجميع ميزات المدينة النشيطة والمنظمة في آن واحد.
المساجد
وتختلف مساجد الإباضيين عن المساجد الإسلامية بأنّه لا توجد فيها المنابر باعتبار أنّ سقوط دولة تاهرت سنة 296 هجرية قد قضى على إمامهم، ومنذ ذلك الحين لم ينتخبوا إماماً غيره ولذلك لم تبق عندهم حاجة لخطبة الجمعة التي يجب أن يلقيها الإمام على المنبر.
أمّا مآذانهم فهي ذات شكل هرمي، وهو طراز منتشر في المناطق الإسلامية الصحراوية والإفريقية السوداء وهناك تفسيرات عديدة بشأنه، ويلاحظ أنّ جوامع السودان أيضاً ليست لها منابر وهذه المآذن هي على جانب كبير من الارتفاع بحيث يمكن من تحتها مشاهدة الجهات الأربع للمنطقة، وكانت تستخدم كمركز للاستطلاع والاستكشاف حتّى لا تفاجأ المدينة بغزوة غير منتظرة من الصحراء، وهي ذات متانة صلبة لا غبار عليها وهي تدخل ضمن نطاق التقاليد البربرية القديمة.
وتتميز مدن المزاب أيضاً بأسوار وحصون محاطة بها على طريقة مدن العصور الوسطى وذلك لحمايتها من الغزاة والدفاع عنها بسهولة.
الواحات
وهناك واحات النخيل المحيطة بها، ومع ندرة المياه في المنطقة ورغم عمق الآبار الموجودة فيها فإنّ حياة هذه الواحات كانت تتوقف على ما يحمله وادي المزاب من سيول في الشتاء يقوم الأهلون بجمع مياهها ونقلها، أو البحث عنها في الطبقة المائية التي تجري تحت أراضي الوادي ولا بدّ من حفر آبار عميقة للوصول إليها وقد دلّ أوّل بحث عن مكامن المياه عن وجود طبقة مائية في مدينة مليكة على عمق 71 متراً وهي بعلو 37 متراً تقريباً. وهكذا كان لا بدّ من عناد وتصميم وطاقات أهالي المزاب لكي يستمّروا طوال قرون عديدة في استخراج المياه من أعماق الأرض لكي يجعلوا غاباتهم النخيلية تعيش، وقد استخدمت في ذلك طرق بدائية قديمة لرفع قرب الماء بصورة آلية بواسطة الجمال أو الدواب (طريقة الناعورة) وفي النصف الثاني من القرن الماضي جرى بناء بعض السدود العملية في وادي المزاب للاحتفاظ ببقايا المياه التي تحملها السيول النادرة في المنطقة وتحويلها إلى سواقٍ تساعد على إنعاش بعض الزراعات الملائمة للمناخ الحار، وبالفعل فقد نجح السكان في إحياء عدد من الواحات تعتبر دليلاً على روح المغامرة البشرية في ظروف طبيعية قاسية.
بساتين من الفواكه
أجل نجح أهالي المزاب في تحويل منطقتهم إلى «شبكة» من الواحات الخضراء اليانعة حيث تلقى الزراعة فيها عناية أشد من أي مكان آخر. وبالفعل فإنّ بساتين المزاب هي أكثر عناية وأكثر غنى، وهي ليست بساتين للاستغلال، بل حدائق للاستجمام، لأنّ الأهلين يحبّونها، وإذا بنى أحدهم بيتاً فيها فإنّه يقضي فيه ثمانية أشهر من أشهر السنة حيث ترى خلال أعمدة النخيل السامقة أشجاراً أخرى من التين والرمان، والمشمش، والدراق التي تشكل تحت غابة النخيل غابة أخرى ظليلة ذات أوراق خضراء تبعث على الإنعاش والطراوة، كما توجد هناك أشجار من الكرمة ذات الأغصان الممتدة التي تتعلق بجذوع النخيل ممّا يجعل أشعة الشمس الحادّة تتغلغل بصعوبة من خلال هذه المجموعة من الأغصان والأوراق المتراكمة فوق بعضها البعض. «انتهى».
عدد الخوارج
ويبدو أنّه لم يبق اليوم من فرق الخوارج إلاّ فرقة الإباضية. وقد أحصاهم صاحب كتاب (تاريخ الجزائر العام) (وهو منهم) كما يلي، جامعاً بين من هم داخل إفريقيا الشمالية وغيرها:
في الجزائر: 40 ألفاً.
في جرية([238]*): 20 ألفاً.
في جبل نفوسة بطرابلس الغرب: ثمانية وأربعون ألفاً.
في عُمان: 597600.
أي إنّ عدد نفوسهم جميعاً يبلغ زهاء 705600.
أمّا المستشرق الفرنسي ماسينيون فقد قدّرهم بزهاء مليون نسمة.
ومن الطبيعي أن نقول إنّ هذا العدد قد ازداد بعد ذلك.
التشيّع في إفريقيا الشمالية
التشيّع كفكرة ومذهب دخل إفريقيا الشمالية كما دخل الأندلس وأخذت به جماعات كثيرة ولكن لم ينتشر ويتركز ويصبح دولة إلاّ عندما دخل إدريس بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى المغرب والتفّت حوله القبائل الإفريقية، ثمّ زاد التشيّع انتشاراً وتوسّعاً بقيام الدولة الفاطمية سنة 296هـ ولمّا انتقلت العاصمة الفاطمية إلى مصر أخذت السيطرة المركزية على المغرب تضعف تدريجياً حتّى كانت السنة 435هـ وسيطر المعز بن باديس الصنهاجي فأزال الخطبة الفاطمية وخطب للقائم العباسي ويصف ياقوت الحموي في معجم البلدان هذه الأحداث بما يلي: «دخلها ـ أي إفريقية الشمالية ـ أبو عبدالله الشيعي في ولاية زيادة الله آخر ملوك بني الأغلب سنة 296هـ بعدما ملكوها 112 سنة ثمّ انتقلت الدولة إلى بني عبيد الله العلوية فوليها منهم المهدي والقائم والمنصور والمعز حتّى ملك المعز مصر وانتقل إليها سنة 362هـ واستمرّت الخطبة للفاطميين بإفريقيا إلى سنة 435هـ فأزال خطبتهم المعز بن باديس الصنهاجي وخطب للقائم العباسي وكاشف الخليفة الفاطمي المستنصر الذي بمصر بخلع الطاعة وقتل من كان بإفريقيا من شيعتهم.
ولم يكن هذا آخر عهد الفاطميين في المغرب، بل إنّ الخطبة عادت لهم بعد انقضاء عهد المعز بن باديس وعهد ولده تميم حيث تولّى يحيى بن تميم بن المعز فعاد إلى طاعة الفاطميين.
وقال ابن الأثير: «في سنة 407هـ قتلت الشيعة بجميع بلاد إفريقيا([239]) وذلك أنّ المعز بن باديس ركب ومشى في القيروان فاجتاز بجماعة فسأل عنهم فقيل هؤلاء رافضة فترضى عن الشيخين فانصرفت العامّة من فورها إلى درب المقلى من القيروان وهو مكان يجتمع به الشيعة فقتلوا منهم وكان ذلك شهوة العسكر وأتباعهم طمعاً في النهب وانبسطت أيدي العامّة في الشيعة وأغراهم عامل القيروان وحرضهم، وسبب ذلك أنّه كان قد أصلح أمور البلد فبلغه أنّ المعز بن باديس يريد عزله فأراد إفساد البلد فقتل من الشيعة خلق كثير وأحرقوا بالنار ونهبت ديارهم وقتلوا في جميع إفريقيا. واجتمع جماعة منهم إلى قصر المنصور قرب القيروان فتحصّنوا به فحصرهم العامة وضيّقوا عليهم فاشتدّ عليهم الجوع فأقبلوا يخرجون والناس يقتلونهم حتّى قتلوا عن آخرهم، ولجأ من كان منهم بالمهدية إلى الجامع فقتلوا كلّهم، وأكثر الشعراء ذكر هذه الحادثة فمن فرح مسرور ومن باك حزين».
وعبارة ابن الأثير تدل على أنّ الأمر لم يقتصر على هذه الحادثة وحدها فهو يقول: «قتلت الشيعة بجميع بلاد إفريقيا». وقد ذكر التيجاني في رحلته التي كانت (706ـ708هـ) ما يؤيّد ذلك إذ قال وهو يتحدّث عن طرابلس الغرب: «لمّا كانت في إفريقيا الوقعة المعروفة بوقعة المشارقة سنة سبع وأربعمائة قتل فيها الشيعة وأتباعهم، وعلى يد الفقيه أبي الحسن كان قتل من قتل بطرابلس منهم».
وقد ترك حكم الأدارسة أثره الشيعي القوي في المغرب الأقصى وفي غيره فالكثير من الناس هناك شيعة بعواطفهم وتعلّقهم بأهل البيت (عليهم السلام) وإن كانوا مالكيي المذهب.
وعدا هذا فقد قامت دولة الموحدين في المغرب على أسس شيعية وتفكير شيعي واتجاهات شيعية. فهي في الواقع الدولة الشيعية الثالثة التي تقوم في إفريقيا. وما وصلنا من شعر شعراء تلك الدولة يرينا إلى أي مدى كان تشيّعهم عريقاً أصيلاً([240]). فأبو العباس الجراوي([241]) شاعر الدولة الموحدية يقول في مدح عبد المؤمن مثلاً:
أكرم بهن قبائل إقلالها
في الحرب يغنيه عن الإكثار
وانظر إذا اصطفت كتائبها إلى
ما تحمد الكتاب في الأسطار
لو أنّها نصرت (عليّاً) لم ترد
خيل ابن حرب ساحة الأنبار
هم أظهروه مع النبي وواجب
أن يتبعوا الإظهار بالإظهار
ملئت به الدنيا صفاء بعدما
ملئت من الأقذاء والأكدار
ومن قصائد الجراوي ملحمة شعرية في رثاء الحسين (عليه السلام) لا تقل في عاطفتها وانفعالها عن أي شعر شيعي آخر. وقد شاء أن يتفنّن فيها ولكنّه تفنّن شوهها، وذلك حين ربط بين أجزائها بأعجاز معلقة امرئ القيس. فهو يقول مثلاً:
ألا يا رسول الله صدري توهجا
لمصرع سبط بالدماء تضرجا
فعطلت جيد اليأس من حلية الرجا
فتعساً لأقوام يريدون لي نجا
يقولون لا تهلك أسى وتجمل
ويقول:
أقول الحزن في الحسين تأكدا
تملك فؤادي متهماً فيه منجدا
ولو غير هذا الرزء راح أو اغتدى
لناديته قبل الوصول مرددا
عقرت بعيري يا امرأَ القيس فانزل
ويقول:
وركب إذا جاراهم البرق يعثر
تذكرت فيهم كربلا فتحيروا
وغيدار لا تدري الأسى كيف يخطر
بثثت لها ما كنت بالظن أضمر
فألهيتها عن ذي تمائم محول
ويقول:
أيا فاسقاً قاد الغرور شكائمه
فأورد في صدر الحسين صوارمه
تهيأ ليوم الحشر تجرع علاقمه
فما لك منجى من خصومة فاطمه
وما إن أرى عنه العماية تنجلي
وإذا كان تشيّع الموحدين بارزاً واضحاً، في الكثير من آثارهم وأفكارهم فإنّ هناك لمحات شيعية في دول إفريقيا أخرى لم يصلنا ـ مع الأسف إلاّ بصيص ضئيل من توهجها، ولكنّه مع ذلك يدل على الشيء الكثير كهذا الذي وصلنا عن الدولة الحفصية والدولة السعدية في تونس.
يقول محمد بن تاويت من مقال له في مجلة دعوة الحق، متحدّثاً عن الموحدين ونهاية دولتهم:
«… ولكن النشاط الفكري تحوّل إلى تونس مرّة أخرى وتجدّدت الدولة بالحفصيين منها. ولا نستبعد أن يكون ابن الأبّار كتب لهم درر السمط([242])، وهي آخر ومضة للتشيّع في هذه الدولة. إلى أن كانت دولة السعديين، فعاد المنصور إلى هذه النغمة في أشعار بلاطه التي تردّدت في مولديات القشتالي وعبد الواحد بن أحمد وأبي الحسن الشياظمي… وقد جازى المنصور سعيد الماغوس بالآلاف على شرحه لدرر السمط…».
ويقول أحمد بن أبي الضياف صاحب كتاب (اتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان) المولود سنة (1219هـ ـ 1804م) والمتوفى سنة 1291هـ في كتابه المذكور:
«,اهل إفريقيا يدينون بحبّ علي وآله (عليهم السلام) يستوي في ذلك عالمهم وجاهلهم، جبلة في طباعهم حتّى أنّ نسوانهم عند طلق الولادة ينادون: (يا محمد، يا علي) وكان الإمام الشاذلي رضي الله عنه يقول لأصحابه: إذا اشتدّ عليكم كرب فقولوا: (يا محمد يا علي) «انتهى».
الأفشاريون
يتعلق هذا الاسم بإحدى السلالات التي حكمت إيران في الفترة التي أعقبت سقوط السلالة الصفوية بيد الأفغان واستمرّت حتّى ظهور السلالة القاجارية، أي ما بين عام 1148 وعام 1210هـ.
وهذا الاسم مشتق من قبيلة أفشار قرخلو (أو قرقلو) التي هجّرها الشاه إسماعيل الأوّل من آذربيجان إلى خراسان للتصدّي لحملات الأزبك هناك. ومؤسّس الدولة الأفشارية هو نادرقلي (1100ـ1160هـ) المولود في عائلة مغمورة معدمة.
كان نادرقلي في الفترة التي يحكم الأفغان خلالها إيران يشتغل في خدمة بعض الخوانين المحليين في خراسان، ثمّ لبّى دعوة الشاه طهماسب له في عام 1139هـ فالتحق بخدمته ولقب نفسه بـ (طهماسب قلي).
توجّه نادرقلي إلى مركز إيران بعد أن أحكم سيطرته على خراسان، وبدأ يلحق الهزائم المتلاحقة بجيوش الأفغان حتّى طهر نواحي إيران الشرقية والوسطى من وجود القوات الأجنبية.
وبعد أن فرغ من طرد الأفغان، باشر من فوره بخطوات عملية في سبيل إخراج العثمانيين والروس من الأراضي الايرانية الغربية والشمالية التي استولوا عليها بعد دخول الأفغان إلى إيران، وبعد أن حقّق كلّ هذه الفتوحات الكبرى، بعث بكتبه إلى جميع أنحاء البلاد، لدعوة الحكّام والأمراء والعلماء والسادات والأعيان لعقد اجتماع عام في (دشت مغان)، وأعلن أمام الحاضرين الذين بلغ عددهم المائة ألف شخص انقراض السلالة الصفوية وتتويج نفسه ملكاً لإيران على الرغم من تظاهره بادئ الأمر بعدم رغبته بالتصدّي للأمر.
وبعد أن وصل نادر إلى عرش إيران سار إلى خراسان مرّة أخرى وانطلق منها للاستيلاء على قندهار ثمّ توجّه إلى الهند ففتحها لفترة قصيرة، واحتلّ دلهي، عاصمة السلاطين المغول في الهند عام (1151هـ) وغنم من الهند غنائم كبرى ثمّ عاد إلى إيران، فلم يلبث إلاّ قليلاً حتّى عاد العداء بينه وبين العثمانيين من جديد.
أحدث نادر بفرضه الضرائب الثقيلة على الناس وشنّه الحملات المتتالية موجة من السخط والاستياء بين الإيرانيين، فانشغل منذ ذلك الحين بإخماد الانتفاضات والاضطرابات الداخلية وخصوصاً انتفاضات القرويين، إلى أن انتهى به الأمر إلى القتل في سفره نحو قوجان للقضاء على الاضطرابات التي أحدثها الأكرا في أطراف هذه المدينة، وكانت وفاته في الحقيقة نهاية للسلالة التي بدأها بنفسه.
وبعد وفاة نادر شاه، جلس ابن أخيه علي قلي ميرزا على العرش في مشهد ملقباً بلقب عادل شاه، ولم يستمرّ هذا طويلاً في تولّيه العرش حتّى نشبت الحرب بينه وبين أخيه إبراهيم خان فهزمه الأخير وأمر بسمل عينيه في عام(1161هـ)، ولم يمض وقت طويل حتّى بادر مؤيدو شاهرخ، حفيد نادر شاه إلى سمل عيني إبراهيم خان في قم وتنصيب شاهرخ ملكاً في مشهد دون معارض. إلاّ أنّ شاهرخ هذا سملت عيناه بعد حين على يد شخص يدعى محمد كان يشغل آنذاك سدانة الروضة الشريفة في مشهد.
استمرّت السلالة الأفشارية العليلة في الحكم في خراسان حتّى عام 1210هـ حيث دخل محمد خان القاجاري مشهد وأطاح بحكومة شاهرخ وبذلك انتهت فترة حكم هذه السلالة.
وخلال فترة حكم فتح علي القاجاري، أخذ نادر ميرزا نجل شاهرخ يشن حملاته على خراسان ونجح في بعضها في الاستيلاء على مشهد ثمّ انتهى به الأمر إلى اعتقاله عام 1218هـ ثمّ قتله.
أفغانستان([243])
تقع أفغانستان في جنوب غربي آسيا الوسطى، وتحدّها من الغرب إيران، ومن الشمال الاتحاد السوڤييتي (سابقاً) ومن أقصى الشمال الشرقي الصين «سنكيانغ» ومن الشرق وجنوب الشرق والجنوب باكستان وتبلغ مساحتها بعد وضع الحدود الأخيرة بينها وبين الاتحاد السوڤييتي 65 ألف كيلومتر مربع. ويناهز عدد سكانها الخمسة عشر مليون نسمة والقسم الأكبر من أفغانستان منطقة جبلية وهي من أقل المناطق الآسيوية التي جابها المكتشفون، ووقفوا على مجاهلها حتّى اليوم. وتتخللها سلاسل جبلية عظيمة تتجه فيها إلى مختلف الاتجاهات.
وتعدّ سلسلة جبال (الهندوكوش) من جبال العالم المرتفعة، وتأتي في الدرجة الرابعة من حيث الارتفاع. وأعلى قمة فيها هي قمة تيرشمير (7750 متراً) كما وهناك عدّة جبال أخرى يصل ارتفاعها إلى سبعة آلاف متر. وترجع طبقات هذه المنطقة، إلى العهد الجيولوجي الثلاثي، وتبدأ جبال أفغانستان في الارتفاع في جنوب الغرب والغرب، من أربعة آلاف متر إلى خمسة آلاف فستة إلى سبعة آلاف متر وقد حوّلت قمم «الهمالايا» و«الكاراكورم» المرتفعة اهتمام العلماء عن جبال هندوكوش، فظلّت هذه الأصقاع مجهولة لا يعرف عنها الشيء الكثير. ويقل وجود الأشجار والغابات في جبال هندوكوش بسبب استخدامها في الوقود منذ أزمان طويلة، وتلاشت واستحالت سفوحها إلى أراضي جرداء اللهم ما عدا بعض المراعي التي تطرقها السائمة. ويلتقي فيها بين الحين والآخر بأشجار الفستق أو العرعر. أمّا الأراضي الزراعية في أفغانستان فلا تزيد مساحتها عن ثلاثة في المائة، من مجموع مساحة البلاد ويجري ري نصف الأراضي الزراعية بالطرق الصناعية. ويستحصل على ماء الري من مساقط المياه الجبلية الصغيرة التي تساق في أقنية صغيرة إلى الحقول والمزارع ولا تعرف مياه الينابيع والنواعير في أعمال الري في أفغانستان. وترتفع مزارع القمح والحبوب حتّى إلى ثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر، أمّا في الأماكن التي يكثر فيها تساقط الأمطار فترتفع فيها هذه المناطق الزراعية إلى ما يزيد عن 3500 متر. وتغرس أشجار الفاكهة والأشجار الأخرى التي تستقي بالماء إلى جانب زراعة الحبوب كالحور والتوت وأشجار الزيتون.
أفغانستان في التاريخ
ظلّت أفغانستان خلال التاريخ مقسّمة بين جيرانها، فقد كانت تخضع لنفوذ إيران في العهود الإخمينية والسلوقية والفرثية والساسانية والسلجوقية والإيلخانية المغولية والصفوية، كما خضعت لنادر شاه. وكانت تحت نفوذ آسيا الوسطى في عهد الكاشنية والسامانية والمغلية والتيمورية وفي عهد الأزابكة كما بسطت الهند نفوذها عليها في عهود ملوك مورية وكوبتا والمغول.
ويمكن القول إنّها لم تحمل اسم أفغانستان إلاّ منذ أواسط القرن الثامن عشر. وكانت المقاطعات المختلفة تحمل من قبل أسماء مختلفة، ولم تشكل وحدة سياسية. ولم ينجح الأفغان في تأسيس كيان مستقل موحّد لهم إلاّ في القرن الثامن عشر. على أنّ استقلالها الكامل كان بعد نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1919م بعدما تولّى الملك أمان الله خان حين أبلغ الحكومة البريطانية طلبه بإلغاء معاهدة راول بندي المعقودة بين حكومة الهند وجدّه الأمير عبد الرحمن خان سنة 1883م والتي كان قد تنازل بموجبها عن سيادة أفغانستان الخارجية للإنكليز الذين ظلّوا يمارسونها باسم حكومته مقابل هبة سنوية قدرها 1,850,000 روبية.
وتمّ الإلغاء واعترف بالاستقلال الكامل لأفغانستان كما سيأتي تفصيله.
الطاشكيون
يعيش في أفغانستان نحو ثلاثة ملايين من الطاشكيين، وهم ينحدرون من الشعب الإيراني ويتكلمون الفارسية وينتسبون لأقدم الشعوب الآرية الموجودة هناك. ويعيشون من الفلاحة في الوديان النهرية والسهول حيث يمكن استخدام الري الصناعي أو يعيشون من المتاجرة في المدن. أمّا في الجنوب والغرب فإنّهم يشتغلون في أعمال الفلاحة بالأجرة أو يستأجرون الأراضي لزراعتها، أو يعملون عند زعماء القبائل الأفغانية، من أصحاب المزارع. أمّا في القسم الشمالي من «سهل كابل» في اتجاه باداخستان وعبر نهر جيحون فإنّ الطاشكيين يمارسون أعمال الفلاحة باستقلال تام، وقد اشتهر عنهم تعشقهم للحرية ولهم قوانينهم وعاداتهم وتقاليدهم الخاصّة ويشتدّ شبههم بقبائل «الباتان» التي تسكن مناطق الحدود الأفغانية. وقد كان «باجي سقا» الذي اغتصب الملك من الملك أمان الله لبضعة أشهر بعد عودته من أوروبا في عام 1929م من زعماء العصابات الطاشكية من كوهيستان.
ويكوّن الأفغانيون الذين يتكلمون اللغة الفارسية الطبقة السياسية المهيمنة في البلاد ويمثلون نحو نصف سكان أفغانستان. وقد كانوا يقطنون أصلاً، المنطقة التي تقع على جانبي سلسلة جبال سليمان ثمّ أخذوا يتقدّمون منذ القرون الوسطى إلى المناطق المجاورة، إلى أن أصبحت أفغانستان، الرقعة التي ينشرون فيها نفوذهم بوضعها الحالي. وأغلب المزارع الأفغانية أشبه شيء بالحصون التي تحيط بها الجدران المرتفعة وتعلوها الأبراج التي يمكن منها إطلاق النار. ويعود سبب ذلك، إلى قيام النزاعات الكثيرة في الماضي بين الأسر والقبائل الأفغانية المختلفة ولا يزال الثأر للدم منتشراً في أفغانستان حتّى اليوم. أمّا البيوت هناك، فإنّها مبنية من الطين أو الطوب، وأمّا الأسقف فهي مسطحة تغطّيها جذوع وأغصان أشجار الحور. وكثيراً ما تغرس أشجار الحور والتوت، بجانب المساكن وأقنية المياه. وتقوم المساكن الريفية أمام مزارع القمح والأراضي التي يجري فوقها درسه مباشرة. ويدرس القمح بالنورج، وتزرع علاوة على القمح والشعير، الحبوب القرنية ويزرع الأرز والذرة في الأماكن المنخفضة. وتضم أفنية المساكن جنينات تغرس فيها أشجار الفاكهة وعلى الأخص المشمش والرمان وأحياناً العنب والجوز واللوز.
القوافل الأفغانية السيّارة
تنتشر القوافل الأفغانية المكوّنة من القبائل الرحل، في مختلف أرجاء أفغانستان وتتاجر بالسلع التي تنقلها معها من مكان إلى آخر. وتصعد الجبال والمرتفعات بما تحمله حتّى إلى ألفين وألفين وخمسمائة متر مع جمالها. وتكون القبائل الرحل فيها، حوالي مليوني نسمة. وتقصد القوافل السيّارة الأفغانية الجميلة، المراعي المرتفعة الواقعة في قلب البلاد إلى المناطق الصحراوية الواقعة في الجنوب والغرب في فصل الشتاء وتمارس الأعمال الزراعية في منطقة «جبل آباد» وتتقدّم من هناك عبر الحدود إلى باكستان حتّى إلى وادي نهر الهندوس. وتقوم باجتياز المضائق عبر حدود أفغانستان وباكستان مرّتين في العام على هذه الصورة. ومن جملة المضائق التي تعبرها بين البلدين مضيق «خيبر» حيث تعبر بجمالها وماشيتها في كلا الاتجاهين. وتتكوّن ثروة القوافل الأفغانية في الدرجة الأولى من قطعان الغنم وتستخدم الجمال والحمير في نقل الأرزاق التي تحملها، ولا تعرف هذه القوافل تربية الخيل بعكس القبائل التركمانية التي تعيش في شمال أفغانستان. وتقوم هذه القوافل أثناء ترحالها، في فصلي الصيف والخريف بالمتاجرة، فتحمل معها الأرزاق من تركستان وأواسط أفغانستان إلى أسواق كابل وأسواق المدن الأفغانية الأخرى فتبيع فيها صوف الأغنام والأقطان وجلود غنم الكراكول الشهيرة، والسجاد والثمار المجففة والملح ثمّ تعود محمّلة بما تحتاج إليه من السلع الأخرى، كالمنسوجات والسكر والشاي. ويجري القسم الأكبر من تجارة القوافل الأفغانية دون علم الحكومة أو مراقبتها. ولهذا فإنّ حكومتي باكستان وأفغانستان لا تنظران إلى متاجرة هذه القوافل بعين الارتياح. وتجري المساعي الحثيثة في أفغانستان لاستيطان القبائل الرحل والحد من تبديل مكانها، وحملها على اتخاذ مكان سكن ثابت لها، وراحت تقوم بأعمال الري الكبيرة في جنوب البلاد لأجل تحقيق هذه الخطة. ويتم إلى جانب متاجرة القبائل بين المدن الأفغانية نقل السلع بواسطة السيّارات أيضاً. أمّا السكك الحديد فإنّها لا تعرف في أفغانستان حتّى اليوم. أمّا شبكة طرق السيّارات فيها والجسور الخاصّة التي نصبت لها فوق الأنهار فهي صغيرة جدّاً. وينقطع الكثير من الطرق خلال فصل الشتاء بسبب هطول الثلوج وفي فصل الربيع أثناء الذوبان وحدوث الفيضانات. وكثيراً ما يعثر في أفغانستان على مناطق واسعة الأرجاء تقابل مساحاتها مساحات مقاطعات بكاملها لا تحتوي على طريق واحد صالح للعبور. ويوجد في أفغانستان، طريق سيّارات هام يمتدّ من كابل إلى قندهار عابراً هضبة «غزنة» وهو من أكبر طرق الاتصال في أفغانستان… وهضبة غزنة… قاحلة جرداء ولا تكاد تصل المياه المتساقطة من الجبال إليها حتّى تغيض في الأرض.
كابل عاصمة البلاد
وتقع على ارتفاع 1800 متر فوق سطح البحر، وتحيط بها القلاع، التي تقوم فوق المرتفعات حتّى إلى ارتفاع أربعة آلاف متر. ويمر فيها «نهر كابل» ويصب في الهندوس. ويعثر في ضواحيها، على الكثير من آثار العصور التاريخية الماضية. فقد سبق للإسكندر الكبير أنّ أنشأ مدينة كبيرة في سهل كابل، وعاش في هذه المنطقة حكّام وأمراء الإغريق والهونيين والهنود. وتطل من أعالي المرتفعات في تلك المنطقة تماثيل بوذية ضخمة، ماثلة للعيان حتّى اليوم. ويعود تاريخ القسم الأكبر من سور المدينة الكبير إلى عصور ما قبل الإسلام. وقد أغار جنكيزخان خلال الحروب التي خاضعها على المدينة ودمّرها أشد تدمير ولم يعد لها شأن يذكر بعد ذلك. واجتاحها القائد التركماني بابرشاه في عام 1525م في طريقه إلى الهند عندما أراد تأسيس «مملكة المغول» فيها، وقد دفن في كابل ولا يزال قبره فيها حتّى اليوم. وظلّت كابل، لا تحتل سوى مرتبة ثانوية في «مملكة المغول» مدّة طويلة من الزمن، وكانت عبارة عن قاعدة عسكرية عند حدود مملكة المغول الخارجية ضد هندوكوش. ولم تكن كابل في عصور أفغانستان الحديثة عاصمة البلاد، بل كانت مدينة «قندهار»([244]) هي العاصمة، ثمّ تمّ تحويل كابل إلى عاصمة في عام 1771م. ولا يزال يوجد في المدينة اليوم قبر الأمير تيمور شاه الذي شيّد له مسجد خاص به وهي تعج بالحواري والأزقة الضيقة الكثيرة الالتفافات وفيها بقايا قلعة «بالاحصار» التي دمّرت خلال الحرب التي قامت بين الأفغانيين والإنكليز (1839ـ1842 و1878ـ1880م). ولم يتم تشييد طرق عصرية مستوية فيها، إلاّ خلال السنين الأخيرة، فصار يشاهد فيها بين العمارات بعض المباني ذات الأدوار المتعددة، والمباني الحكومية، والمكاتب والمحلات التجارية. كما شيّدت في المدينة دار للسينما. والمدينة مهدّدة بخطر الزلازل ولهذا فقد صار يتخذ حذر خاص عند تشييد المباني فيها، لكي لا تكون عرضة لخطر السقوط أثناء حصول الزلازل.
وتجف مياه «نهر كابل» حوالي فصل الصيف، إذ تروى بها الحقول والبساتين المحيطة بالمدينة، قبل وصولها إليها. وتقوم المباني العصرية المكوّنة من دورين، على كلا ضفتي النهر. ويكثر في أسواق كابل عرض السجاد الأفغاني الشهير ويرد القسم الأكبر منه من المناطق الأفغانية الشمالية والشمالية الغربية. وأكثر من يصنعون السجاد هم النساء. ويأخذ السجاد الأفغاني طريقه من كابل إلى البلدان الشرقية والعالم الغربي.
باميان
تقع باميان على ارتفاع نحو 2500 متر، فوق سطح البحر، وتعتبر من أهم المناطق التي تحتوي آثار حضارات ما قبل الفتح الإسلامي. فقد كان يمر هنا في عهد ازدهار البوذية في الهند، طريق هام من «بشاور» مجتازاً كابل ومضائق جبال هندوكوش إلى «بلخ» ومنها إلى قلب آسيا. وكان يقع على هذا الطريق، دير بوذي هام، ازدهر من القرن الثاني حتّى السابع، قبل فتح الجيوش الإسلامية. ولا يزال يعثر على مئات صوامع الكهنة البوذيين المنقورة في الصخور تحمل جدرانها الصور الثمينة والنقوش البارزة الرائعة. ومن آثار البوذيين الفنية التي بقيت هناك، منذ تلك الأيام البعيدة حتّى الآن، تمثال ضخم لبوذا يبلغ ارتفاعه 53 متراً وقد نقر في الصخور ولم يصب سوى ببعض الأضرار الطفيفة بعد محاولة الأمراء المسلمين تحطيمه([245])، ويشرف هذا التمثال العظيم على وادي باميان. ويتبيّن منه تأثير الفن الإغريقي، كما يشير إلى قيام اتصال بين تعاليم البوذية وحضارة الإغريق في الأزمان الماضية عندما كان الإغريق موجودين في تلك المناطق. وقد كانت باميان تحتل مركزاً هاماً إبان العصور الإسلامية الأولى، وكانت نقطة تجارية معتبرة، تقوم على الطريق الممتد من التركستان إلى الهند، قبل أن يغير المغول عليها ويدمروها، أمّا اليوم ففقدت باميان شأنها، ولا يسكنها سوى عدد قليل من الناس الذي يعيشون من زراعة الحقول التي تروى رياً صناعياً.
مدينة مزار شريف
يقع في هذه المدينة مسجد «مزار شريف» الذي ينسب إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) ويزوره الزائرون([246]) وتحتوي المدينة على الكثير من المباني التاريخية الفخمة، وهي لا تقل بروعتها عن المباني العظيمة التي أقامها تيمورلنك وأتباعه التيموريون في تركستان الشرقية وخراسان. وتقع مزار شريف على الطريق القديم المعروف باسم «طريق الحرير» الذي يمتدّ من الصين مخترقاً قلب آسيا عبر هضبة بامير ويتجه نحو مناطق البحر الأبيض المتوسط الشرقية ويتفرّع في طريقه ويؤدّي من جانب آخر إلى الهند عبر ممر خيبر. وقد ارتفعت أهمية مدينة بلخ التي تبعد عنها نحو 30 كيلومتراً، عن أهمية مدينة مزار شريف إلى أن عادت فارتفعت أهمية هذه في عهد التيموريين وأصبحت قاعدة لأمراء الأتابكة. وصارت هذه المدينة من ضمن مدن أفغانستان اعتباراً من القرن التاسع عشر، وقد كانت أسواقها ملتقى البضائع الواردة من الهند والصين وإيران وتركيا، في الأزمان الغابرة، أمّا اليوم فلا تصلها سوى البضائع المحلية وتصلها من الشمال جلود أغنام الكراكول الشهيرة (نحو مليونين إلى ثلاثة ملايين جلد في العام) ومحاصيل القطن الذي يزرع ويجنى في أطراف جبال أفغانستان الشمالية، ولا تزال هذه المزارع تتّسع حتّى اليوم.
لعبة «البوسكاشي»
تعدّ اللعبة التي يطلق عليه الأفغانيون اسم «البوسكاشي» اللعبة القومية التي حملها معهم فرسان التركمان والأتابكة والقرقزيين من المناطق الشرقية، وانتشرت أوّلاً في شمال أفغانستان. وقد اشتهر الأتابكة والتركمان والقرقزيين بتربية الجياد منذ زممن طويل وتعتبر الجياد التركمانية، من الجياد الممتازة. ويستقدم الأفغانيون أفضل جيادهم، من المناطق الأفغانية الشمالية. وتؤدّى هذه اللعبة على أشكال مختلفة، فيقوم فريقان من الفرسان، يتكوّن كلّ منهم من خمسين فارساً فأكثر. ويحاول أحد الفريقين من ظهور الجياد حمل جثة غنمة ميتة إلى هدف معين، ويقوم الفريق الآخر بالتصدّي له ومنعه من ذلك أو اختطاف الجثة منه. وقد انتشرت هذه اللعبة في أفغانستان، لدرجة أصبحت قومية، وصارت كلّ قرية من قراها تملك فريقاً يمارسها. وتشبه اللعبة لعبة البولو المنتشرة غربي منطقة الهيمالايا وغربي التيبت. وتقام المباريات الكبرى والاحتفالات العظيمة لها في الأقاليم الأفغانية. وقد اشتهر عن القبائل التركمانية التي تسكن مناطق أفغانستان الشرقية، بأنّها كانت تعيش من أعمال السلب والنهب وتجارة الرقيق في الأزمان الماضية. أمّا اليوم فقد أصبحت تسكن في أماكن ثابتة وتمارس زراعة القطن، وتحول التركمان إلى رعاة أو راحوا يربون أغنام الكراكول، وهم يصنعون أيضاً السجاد. وتقع نقطة ثقل اقتصاديات أفغانستان اليوم في المناطق الشمالية.
استثمار مرافق البلاد
تعتبر أفغانستان غنية بثرواتها المعدنية الأرضية وبإمكانها رفع محاصيلها الزراعية بصورة ملحوظة إذا ما استخدمت الطرق العصرية، ووسائل الاقتصاد العلمي. وبالرغم من كلّ ذلك فإنّها لم تستطع خلال العشرين عاماً الأخيرة، سوى القيام بقسط ضئيل من أعمال النهوض بصناعتها وبنائها. ولذلك أسباب عديدة أهمها أنّها لم تكن حتّى الآن في وضع يمكنها من استثمار الطاقة المتوفرة في مياهها والفحم والنفط الموجودين في قلب تربتها. وعلاوة على ذلك، فإنّها بحاجة إلى مساعدات تكنيكية ومالية من الخارج. ولمّا كانت أفغانستان تقوم على الهضاب والمرتفعات، فإنّ استثمار الطاقة المائية فيها، لتوليد الكهرباء وتصنيع البلاد تعتبر ذات أهمية خاصة. وقد قام عدد من الشركات الألمانية بتشييد سد كبير ومحطة لتوليد الطاقة الكهربائية في منطقة ساروبي الواقعة خلف كابل وعلى نهر كابل في واد عميق، يسقط فيه الماء من مرتفع كبير وسوف يتم هناك توليد الطاقة الكهربائية لتزويد العاصمة الأفغانية بها، ومصنع كبير للمنسوجات. وقد قام الأفغانيون بتشييد سدود ضخمة، تقع في جنوب البلاد لكي يستفيدوا منها في زراعة آلاف الهكتارات من الأراضي البور، وريّها في المستقبل.
بلاد الصحراء الشاسعة
والجبال الشاهقة والأودية الخضر
عبر أراضيها… وبين وديانها… وفوق جبالها وصحاريها… مرّ الإسكندر الأكبر بجيوشه مكتسحاً أمامه إمبراطورية فارس القديمة في القرن الرابع قبل الميلاد، وعندما دالت دولة الإسكندر توالى على حكمها اليونان والأتراك والصينيون والعرب والمغول ثمّ سقطت بين براثن الاستعمار البريطاني في القرن الثامن عشر.
وأخيراً حصلت على استقلالها في أوائل القرن العشرين.
وكانت تعتبر مفترق طرق لكلّ الغزاة أو بناة الإمبراطوريات وذلك بالنسبة لموقعها الجغرافي في جنوب غرب آسيا… فعلى حدودها يقع الاتحاد السوڤييتي (سابقاً) في الشمال، وباكستان في الشرق، والجنوب، والصين الشعبية في الشمال الشرقي وإيران في الغرب.
20 لغة
يعيش على هذه الأرض 15 مليون نسمة يعود أصلهم إلى فئات ثلاث: الأفغان ويمثلون 60 بالمئة من عدد السكان، التاجيك ويبلغ عددهم 31 بالمئة، والأوزبك الذين لا يزيدون عن 5 بالمئة، أمّا باقي السكان ونسبتهم 4 بالمئة فهم من أصول مختلفة.
ويتحدّث الأفغانيون عدا الفارسية 20 لغة مختلفة أهمها اللغة البشتوية وهي مع الفارسية اللغتان الرسميتان للبلاد وتليهما اللغة الأوزبكية المنتشرة في شمال أفغانستان ويتكلم بها نحو ثلاثة ملايين ولكنّها غير رسمية وتنتشر لغة البشتو في كلّ من المقاطعات الآتية: قندهار، بختيا، ننكررهار، لغمان، سراة، هلمند، غزنة. وتنتشر الفارسية في هذه المقاطعات: بدخشان، بغلان، شمالي كابول، هراة. أمّا في العاصمة كابول نفسها فيتكلمون الفارسية وفي أرباضها يتكلمون البشتو وسيأتي مزيد من الحديث عن لغة البشتو.
وأمّا بقية اللغات فهي لغات قبلية إقليمية غير منتشرة.
وهناك خلاف جزئي بين فارسية إيران وفارسية أفغانستان من ذلك أنّ بعض الألفاظ الفارسية القديمة لا تزال مستعملة في أفغانستان في حين أنّها لم تعد مستعملة في إيران.
طبيعة ساحرة
وأفغانستان تتميز بطبيعة ساحرة فسلسلة جبال الهندوكوش تقسم البلاد من الشرق إلى الغرب… ويتراوح ارتفاعها من 20 ألف قدم إلى أقل من ألفي قدم… وعلى سفوح هذه الجبال تنمو الغابات الخضراء بينما توجد الثلوج البيضاء على قممها التي تناطح السحاب. أمّا الوديان التي تتمتع بتربة خصبة فلا تزيد مساحتها عن 32 ألف ميل مربع، بينما تمتدّ الصحارى إلى مساحات شاسعة ولا يفصل بين الوديان والصحارى والجبال إلاّ مسافات بسيطة… في كلّ إقليم من أقاليم افغانستان التي تبلغ 29 إقليماً توجد مناطق صحراوية ومناطق جبلية ووديان زراعية.
والجو لا يتأثّر بخطوط الطول والعرض تأثّره بارتفاع الأرض… فدرجة الحرارة قد تصل إلى 46ْ مئوية أثناء فصل الصيف في سهول الشمال بينما لا تزيد عن 28ْ مئوية في مرتفعات الشمال. وفي كابل العاصمة تصل درجة الحرارة في الصيف إلى 38ْ مئوية وتنخفض في الشتاء إلى 23ْ مئوية تحت الصفر.
القديم والحديث
وأفغانستان ما تزال تجمع بين القديم والحديث في عاداتها وتقاليدها وتحاول أن تمزج بينهما بقدر الإمكان ويتجلّى هذا واضحاً في كابل وهي عاصمة أفغانستان. فهذه المدينة تنقسم إلى قسمين أحدهما كابل الحديثة والآخر كابل القديمة. ويفصل بينهما نهر «كابل» الذي يتلوى بين شوارع المدينة على شكل حرف (اس) اللاتيني. وفي المدينة الحديثة تجد السيّارات وطرق المواصلات والعمارات التي أقيمت على أحدث طراز… بينما تجد الجمال تمرح على ضفاف النهر من ناحية كابل القديمة… وهي جمال القوافل… التي تأتي إلى العاصمة محمّلة بالفاكهة وبالمحاصيل الزراعية عبر سلسلة الجبال والصحارى والوديان.
مدينة تعيش في الظل!
وكابل العاصمة تتميّز بظاهرة غريبة قلّما تميّزت بها مدينة أخرى في العالم… فهي تقع بين هضبتين كبيرتين واحدة تحدّها من الشرق والأخرى تحدّها من الغرب وهذا يجعل المدينة تعيش في ظل دائم اللهم إلاّ ساعة الظهيرة وحين ترتفع الشمس إلى كبد السماء.
وكما تتميز العاصمة بهذه الظاهرة الغريبة… تنفرد أفغانستان بين البلاد المحيطة بها بأنّها دولة بلا شواطئ… فهي محصورة بين البلدان المجاورة لها. وليس لها منفذ واحد إلى شاطئ البحر. وهي أيضاً دولة من القلائل في العالم التي ليس بها نظام السكك الحديد ـ كما تقدّم ـ فهي تعتمد في مواصلاتها على سيّارات نقل الركاب والبضائع… وفي الآونة الأخيرة أصبحت تعتمد على شركة طيران داخلية تسير طائراتها بين أقاليم أفغانستان المختلفة… ولعل هذا يعود إلى طبيعة البلاد وإلى الجبال التي تمتدّ من الشرق إلى الغرب.
وتعتمد اقتصاديات أفغانستان على إنتاج السجاد الشهير وعلى تصدير صوف الأغنام وجلودها إلى روسيا نظير الحصول على البترول والآلات، وهي في حالة اكتفاء ذاتي بالنسبة للمحاصيل الزراعية والمواد الغذائية. ولكن صعوبة المواصلات هي العقبة الرئيسية في البلاد ولذلك قامت الحكومة الأفغانية بإنشاء طرق حديثة معبدة وأنفاق في الجبال ولكن ما يزال الطريق طويلاً أمامها في هذا المضمار حتّى تحقّق ما تريد.
والشعب الأفغاني شعب يعشق الأمانة ويعتز بالشرف وفي نفس الوقت يتمسّك بالحرية الفردية إلى أبعد الحدود. فهو ما يزال متأثّراً بالحياة القبلية التي كانت تسود بلاده حتّى عهد قريب جدّاً.
أقسامها الإدارية
وتضم هذه البلاد تسعاً وعشرين ولاية أو محافظة.
وقد لحق هذه المحافظات الكثير من التغيّرات كما تغيّرت أسماء بعضها. فبلخ كانت أهم المدن في خراسان بعد العاصمة مرو، كما كانت ملتقى القوافل بين الشرق والغرب، غير أنّها فقدت الكثير من أهميتها منذ كشف طريق رأس الرجاء الصالح. وقندهار أصبحت المحافظة الثانية بعد كابل بفضل مطارها الفخم ومصانع الفاكهة فيها، ومحافظتا فراه وجحانسور هما الجزء الذي ظلّ في أفغانستان من سجستان القديمة (أو سيستان كما يسمّيها الفرس)، والجزء الباقي منها في إيران. ومحافظة بلخ كانت تسمّى إلى عهد قريب (مزار شريف). ومحافظة فرياب كانت تسمّى ميمنة، وتخار تالقان، وجوزجان شبرغان، وتنجرهار مشرقي، وبكتيا جنوبي.
فيها جزء من خراسان
وقد أطلق على هذه البلاد اسم أفغانستان منذ سنة 1747م في عهد أحمد شاه، غير أنّه من الخطأ أن نذهب إلى ما ذهب إليه بعض المؤرخين من أنّ أفغانستان الحالية هي نفس خراسان القديمة، فممّا لا شك فيه أنّ خراسان مقسّمة الآن بين أفغانستان وإيران وروسيا، فمرو العاصمة وسرخس، هما الآن في روسيا، ونيسابور وطوس، التي بنيت على أنقاضها مدينة مشهد هما في إيران، فضلاً عن أنّ محافظات تنجرهار وبكتيا وغزنة وكابل وقندهار لم تكن ضمن خراسان بحال من الأحوال. أمّا سجستان فقد عدّها بعض المؤرخين إحدى مدن خراسان، والبعض اعتبرها قائمة بذاتها.
ومع أنّ الجغرافيين يختلفون في تحديد خراسان إلاّ أنّي أرجّح ما ذكره ياقوت الحموي في معجمه وكان قد تنقّل في هذه البلاد هرباً من غارة المغول في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) قال: «أوّل حدودها ممّا يلي العراق أزاذوار قصبة جويين وبيهق، وآخر حدودها ممّا يلي الهند طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان وليس ذلك منها، وإنّما هو أطراف حدودها وتشمل على أمهات من البلاد منها نيسابور وهراة ومرو، وهي كانت قصبتها، وبلخ وطالقان ونسا وأبيورد وسرخس وما يتخلل ذلك من المدن التي دون نهر جيحون».
الپشتو
وفي أفغانستان لغات كثيرة كما قلنا، منها لغة الپشتو ويبدو أنّ لغة الپشتو تنتمي إلى مجموعة اللغات الآرية، وأنّ بينها وبين لغة الأوستا أو الابستاق (الكتاب الديني لزرادشت) وجه شبه، وهي كالفارسية ـ غير معربة ـ، وقواعدها تختلف بعض الاختلاف عن قواعد الفارسية الحديثة أو الإسلامية وخاصّة في حالة الإضافة، وترسم بالحروف العربية منذ القرن الثالث الهجري، غير أنّ حروفها تختلف عن الحروف الفارسية والعربية برسم دوائر صغيرة تتصل ببعض الحروف من أسفل وتؤثر في نطقها، وهي كالفارسية ـ متأثرة باللغة العربية عن طريق الفارسية.
غير أنّ أدبها القديم قد طمسه الزمن بسبب الغارات المتكررة على أفغانستان، وإن كانت أسماء مراجعه لا تزال محفوظة في بعض الكتب.
ومعنى پشتو أو بختو الپشتية أو البختية، فالواو المضموم ما قبلها تقوم مقام ياء النسب في اللغة العربية وپشت أو بخت أو بكت هي بلخ فمعنى الپشتو البلخي أو البلخية لأنّه لا فرق في الصفات بين المذكر والمؤنث باللغات الآرية. أمّا لماذا نسبت هذه اللغة إلى بلخ مع أنّها منتشرة في جميع أنحاء أفغانستان أو پشتونستان (البلاد المحيطة بأفغانستان من الشرق والجنوب) فيذكر بعض علماء هذه اللغة أنّ بلخ كانت قديماً الموطن الأصلي لها. وفي التاريخ الموغل في القدم ضاقت بلخ بسكانها فالتمسوا مكاناً دافئاً خصيباً، فلم يجدوا خيراً من شرق أفغانستان إلى نهر السند فكانوا يقضون الشتاء في موطنهم الجديد حتّى إذا اعتدل الجو في الشمال عادوا إلى وطنهم الأصلي، ومن هنا انتشرت اللغة الپشتية في طول البلاد الأفغانية كما انتشرت في الأماكن المحيطة بها شرقاً، وجنوباً، على أنّ هناك روايات أخرى في سبب هذه التسمية.
ومعنى پشتون من يتكلم اللغة الپشتية، وستان أرض أو مكان أو بلاد، فمعنى پشتونستان بلاد من يتكلمون اللغة الپشتية. وهي البلاد التي كانت موضع نزاع بين أفغانستان وباكستان.
الحدود بين باكستان وأفغانستان
كان ظهور أفغانستان على خارطة العالم لأوّل مرّة كدولة قائمة بذاتها في منتصف القرن الثامن عشر ـ على عهد أحمد شاه ـ وقد كانت إنكلترا وروسيا تتوغلان في زحفهما قدماً في القارة الآسوية، إحداهما تتقدّم نحو أواسط آسيا من الجنوب «الهند» والأخرى من الشمال. ولو لم يقف الزحف لتقابلت جيوش الدولتين وجهاً لوجه.
وأدركت الدولتان هذا فوافقتا على أن تقفا بمنأى إحداهما عن الأخرى حرصاً على مصالحهما فاتخذتا من أفغانستان «حائلاً» يحول بينهما ويمنع تصادمهما. وكان على أفغانستان أن تحد حدودها وتعين رقعتها، إذ لم تك لها ثمة حدود معلومة حتّى الربع الأخير من القرن التاسع عشر وحينئذ أصرّت حكومة الهند البريطانية على وجوب مبادرة روسيا لتخطيط حدّ بينها وبين أفغانستان ليكون حدّاً شمالياً لأفغانستان بحيث لا تتخطاه فتتقدّم دونه، بينما أصرّت روسيا على وجوب تعيين الحدود الجنوبية لأفغانستان بحيث لا تتخطّاه بريطانيا فتتقدّم دونه وهكذا رضي الروس أن يحترموا حدود أفغانستان الشمالية، تلك الحدود التي تجري مع نهرجيحون (آموداريا) من منابعه على جبال بامير إلى نقطة تعرف باسم «خامياب» ثمّ نحو الجنوب الغربي إلى الحدود الإيرانية وذلك لكي تقع ضمن أفغانستان كلّ من بلخ واندخوى وميمنة وهراة، كان هذا في سنة 1873م أمّا الحدود الجنوبية فقد حدّدت نهائياً بعد عشرين سنة.
ومن هنا يتّضح سبب من الأسباب التي دعت إلى تحديد الحدود الجنوبية لأفغانستان، فلقد كانت روسيا تطالب بذلك وتلحّ. بيد أنّ هناك أسباباً أخرى أبعد أثراً وأقوى مفعولاً.
كانت العلاقات بين الأمير عبد الرحمن (1880ـ1901م) والحكومة الهندية متوترة متأزمة نظراً للأسباب الآتية:
كان الأمير يعامل «الوكيل البريطاني» كما لو كان سجيناً، فمنعه من الاختلاط بالناس بالمرة.
وكان يبدي في بياناته ومنشوراته بين أفراد رعيته عداء لكلّ من روسيا وبريطانيا، وكان يقسو ويغلظ في معاملته مع من ساند الإنكليز من رعاياه في الماضي بأي وجه من الوجوه… ثمّ إنّه أصرّ على التمسّك بالمناطق المعروفة باسم «شكنان» و«روشان» والتي تقع شمال نهر جيحون، ممّا أثار حفائظ الروس على البريطانيين، لأنّ الروس كانوا يعزون ذلك إليهم نظراً لأنّ بريطانيا كانت تسيطر على شؤون أفغانستان الخارجية.
وكانت حكومة الهند ترى دوماً أنّ الأقسام المعروفة باسم جترال وباجور وصوات لا تؤلف قسماً من مملكة أفغانستان، فأنذرته كما أنذرت من قبله دوست محمد وشير علي ألا يتدخل في أمر هذه الأقسام ومع ذلك فقد احتلّ الأمير منطقة أسمر بودي كونار وأبى أن يجلو عنها بالرغم من جميع الاعتراضات والاحتجاجات وهكذا اقترب من عاصمة جترال وكان منها قاب قوسين أو أدنى فعرضها إلى خطر جسيم متحدياً دعوى الحكومة الهندية بملكية هذه الأراضي.
وشاب تصرفات الأمير في علاقته مع قبائل الإفريدي جنوب جترال ظلم فادح مع أنّه أفضى فيما كتبه سنة 1883م بأنّ «بلاد قبائل الإفريدي تقع ضمن المنطقة البريطانية» فإنّه سعى سعياً حثيثاً لخطب ود رجال الدين ورؤساء القبائل هناك، وكان هذا الحال من الخطورة بمكان لأنّ جنداً من قبائل الإفريدي كانوا يتولّون حراسة ممر خيبر ولأنّ عدداً من رجال هذه القبائل كانوا ينخرطون في سلك الجيش الهندي.
وفي جنوب هذه المنطقة كان الجيش البريطاني قد أخلى منطقة كرم سنة 1880م وحصل الطوريون على وعد بالاستقلال. ولمّا كان الأمير يدرك تمام الإدراك ما لهذا الوادي من أهمية عسكرية استراتيجية فقد بادر إلى مضايقتهم والتنكيل بهم. إذ أغار عليهم واحتلّ الأقسام الشمالية من واديهم واضطرّ الإنكليز إلى أن ينفذوا قوّة منهم لإعادة الأمن إلى نصابه هناك.
ويقع في الطريق الموصل بين كابل وقندهار ووزيرستان ممران مهمان هما «توجي» و«كومل» وكانت تسلكهما القبائل الرحل من الأفغان أثناء هجرتها السنوية إلى السهول أو منها إلى الجبال، وهنا حاول صنائع الأمير أن يستولوا على ممر «كومل» فاضطر الإنكليز إلى أن يرسلوا جندهم لإعادة الوضع إلى ما كان عليه.
وممّا ينبغي أن يُقال إنّه وإن كانت هناك اتفاقات ومعاملات تلزم الأمير ألا يبسط نفوذه أو يوسّع ملكه دون حدود معلومة، فإنّ هذه الحدود لم تحدّد تحديداً دقيقاً واضحاً بالنظر لهذا كلّه كان لا بدّ من تحديد الحدود بين الهند وأفغانستان تحديداً دقيقاً واضحاً، وكان الأمير يجيب على الاحتجاجات البريطانية بقوله: أين الحد الفاصل بين أفغانستان والهند؟
وطلب من الحكومة الهندية أن ترسل بعثة إلى كابل لتسوية هذه المشكلة فوافقت الحكومة الهندية وأوفدت السير مورتير ديوراند، سكرتير وزارة الخارجية حينئذ على رأس بعثة إلى كابل فقوبلت البعثة بترحيب بالغ واحتفل باستقبالها في كابل احتفالاً ملكياً رائعاً يوم 2 أكتوبر سنة 1893م، وأطلقت المدافع 21 طلقة تحية للضيوف كما عزفت جوقة موسيقية أفغانية السلام الملكي البريطاني ونفخت الأبواق ودقّت الطبول في جميع أرجاء أفغانستان.
حاول ديوراند خلال المرحلة الأولى من المفاوضات أن يقنع الأمير بالتخلي عن دعواه بصدد «شكنان» و«روشان» شمال نهر جيحون وكان يظن استحالة ذلك ولكن الأمير وافق فوراً، إذ حاول أن يمكر بأن يتهاون في هذا الأمر حتّى يكون في وضع يستطيع معه أن يساوم في مسألة الحدود بينه وبين الهند. وهذا ما حدث بالفعل غير أنّ ديوراند قد أثبت حسن بلائه في المفاوضات فسويت المشكلة تسوية نالت رضاء الطرفين وهكذا وقعت المعاهدة وحدّد خط ديوراند المشهور. ووفقاً لهذه المعاهدة قبل الأمير ألا يتدخل بأي وجه من الوجوه في أمر جترال وباجور وصوات وذلك في مقابل احتفاظه بمنطقة أسمر ووادي كونار حتّى منطقة جنك. ثمّ تخلّت الحكومة البريطانية عن منطقة «برمل» بوزيرستان إلى الأمير بينما تخلّى هذا عن دعواه في بقية وزيرستان حتّى منطقة داور كما تخلّى أيضاً عن جكاي وكف عن اعتراضاته في بقاء المعسكر البريطاني في جمن. وأخيراً تعهّدت الحكومة البريطانية أن تزيد مخصصاته السنوية من 1200,000 روبية إلى 1800,000 روبية تقديراً لما أبداه من صداقة وود.
ووفقاً لتسوية ديوراند اعترفت الحكومتان بأنّ جميع القبائل التي تقطن شرق الحدود تعود «لمنطقة النفوذ» البريطاني وترتب على ذلك أن تكون المناطق القبلية ضمن الممتلكات البريطانية وأن يكون رجال القبائل من رعايا بريطانيا.
وبعد التوقيع على الوثائق الخاصّة بالمعاهدة عقد الأمير مجلساً ملكياً (دربار) يوم 13 نوفمبر سنة 1893م حضره إثنان من أكبر أنجاله وأربعمائة شخص من الأعيان وكبار الموظفين المدنيين والعسكريين. وقد وصف ديوراند الاحتفال فقال: وألقى الأمير خطاباً بليغاً جدّاً بدأ بقوله إنّ الثقة تجلب الثقة وإنّه لما استأمنني على سلامته وسلامة بعثته فقد حميته من كلّ سوء ثمّ طلب إلى شعبه أن يكونوا لنا أصدقاء مخلصين وأن يجعلوا من أولادهم أصدقاء مخلصين لنا أيضاً. وقال إنّنا لم نعمل إلاّ ما فيه الخير لهم فلم نرد ببلادهم سوءاً، وكان خطابه يقاطع بصيحات: موافق. موافق فكان في هذه المناسبة خطيباً عظيماً. وقال الأمير نفسه في مذكراته: وقبل المقابلة ألقيت خطاباً افتتحت به الاجتماع فأوجزت جميع الأمور التي تمّ التفاهم عليها والبنود التي تمّ التوقيع عليها وذلك لكي يطلع عليها شعبي وجميع الحاضرين ثمّ دعوت الله لإحلال الصلات الودية التي تقوم الآن بين حكومتينا ولتوثيق هذه الصلات أكثر من ذي قبل.
وإنّني أشير هنا إلى مثل واحد للدلالة على مبلغ اهتمام شعبي بصداقة الشعب البريطاني ومدى حبّه وحبّ رجال حكومتي لهم. وغادرت البعثة كابل في 14 نوفمبر بعد أن استمتعت بزيارتها استمتاعاً عظيماً وانتهى سوء التفاهم والنزاع الذي كان يقوم حول هذه الحدود.
شرعية الحدود
لقد ذكرنا سابقاً أنّ بعثة السير مورتيمر ديوراند التي قصدت كابل في أكتوبر سن 1893م إنّما تألّفت بناء على التماس الأمير عبد الرحمن خان نفسه لكي تخط الحدود بين الهند وأفغانستان وبعد إجراء المباحثات والمفاوضات تمّ التوقيع على الاتفاقية في 12 نوفمبر سنة 1893م ونورد فيما يلي أول فقرتين من فقراتها:
1 ـ تكون الحدود الشرقية والجنوبية لمملكة صاحب السمو من واخان إلى حدود إيران بموجب الخط المبين في الخريطة الملحقة بهذه الاتفاقية.
2 ـ لن تتدخل الحكومة الهندية في أي وقت من الأوقات في الأراضي التي تقع وراء هذا الخط من ناحية أفغانستان ولن يتدخل صاحب السمو الأمير في الأراضي الواقعة وراء هذا الخط من ناحية الهند.
وفي سنة 1905م عقد الأمير حبيب الله خان (ابن الأمير عبد الرحمن خان) معاهدة مع حكومة الهند البريطانية أيد فيها ما يلي:
يوافق بهذا صاحب الجلالة المذكور على أنّه فيما يختص بالمبادئ والتفصيلات المتعلقة بالاتفاقات التي عقدها صاحب السمو المرحوم والدي وعمل بموجبها مع الحكومة البريطانية السامية… عملت وأعمل وسأعمل بموجب نفس الاتفاقات والمعاهدات ولن أخرقها في أي معاملة من المعاملات.
ولمّا ولي الحكم الأمير أمان الله خان وقع معاهدة أخرى سنة 1919م أقرّ فيها الحدود القائمة بين الهند وأفغانستان على الوجه الآتي:
توافق الحكومة الأفغانية على الحدود الهندية ـ الأفغانية التي وافق عليها الأمير الراحل.
وفي سنة 1921م عقدت معاهدة بين الحكومة البريطانية والحكومة الأفغانية أقرّت فيها الحكومتان الحدود الهندية الإفغانية كما قبلتها الحكومة الأفغانية في معاهدة سنة 1919م وفيما يلي نبذة من المادة الثانية من تلك المعاهدة:
يقبل الطرفان الساميان المتعاقدان الحدود الهندية الأفغانية كما قبلتها الحكومة الأفغانية وفقاً للمادة الخامسة من معاهدة آب 1919م. ويقول السير كير فريزر تيتلور في كتابه «أفغانستان» وذلك عند الإشارة إلى احتجاجات الملك أمان الله خان ضد «سياسة التقدّم» التي كانت تتبعها الحكومة البريطانية «ولما لم تجد هذه الاحتجاجات فتيلاً رأى أن يتولى الأمر بنفسه في لندن سنة 1928م وهناك أجابه وزير الدولة السير أوستن تشمبرلن ببيان قاطع قائلاً إنّه لن يبحث أمر السياسة البريطانية إزاء رجال القبائل إلاّ على أساس أنّ الحدود هي الحدود وأنّ تلك القبائل التي تسمّى مستقلة إنّما هي ضمن حدودنا وأنّها من رعايا الملك الإمبراطور».
وفي سنة 1930م وبعد أن اعتلى عرش أفغانستان الملك نادر شاه تبودلت الرسائل الآتية بين الحكومة البريطانية والحكومة الأفغانية وعاد الطرفان فأكدا معاهدة سنة 1921م:
وزارة الخارجية رقم 2823/56/97
6 مايو 1930م.
يا صاحب السمو لقد اتفقنا على أنّ من المرغوب فيه نظراً لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد نادر شاه عرش أفغانستان مؤخراً أن نؤكد شرعية المعاهدة التي عقدت في كابل في 22 نوفمبر سنة 1921م مع الرسائل الأربع المرفقة بها والمعاهدة التجارية المعقودة بتاريخ 5 يونيو سنة 1923م.
2 ـ ووفقاً لهذا يشرّفني أن أسجل أنّنا على وفاق في أنّ هذه المعاهدات لازالت سارية بكلّ مفعولها وأثرها.
3 ـ من المفهوم أنّ استمرار التسهيلات فيما يختصّ بالتفصيلات ممّا كان الأخذ بها ضرورياً وسمح أحد الفريقين في معاهدة سنة 1921م بممارستها في عهد الملك السابق أمان الله خان ستكون موضوعاً لترتيبات ودية في حالة ما إذا كانت هذه الترتيبات ضرورية.
يشرفني… إلخ
توقيع أرثر هندرسن
إلى حضرة صاحب السمو الجنرال شاه والي خان… إلخ المفوضية الأفغانية ـ لندن.
6 مايو سنة 1930م، رقم 3480/1930م و2970/56/97.
سيدي تلقيت مذكرتكم رقم 2823/56/97 المؤرخة في مايو 1930م التي جاء فيها أنّنا وافقنا على أنّ من المرغوب فيه ـ نظراً لاعتلاء ـ صاحب الجلالة الملك نادر شاه عرش أفغانستان مؤخراً أن نؤكد شرعية المعاهدة التي عقدت في كابل 22 نوفمبر 1921م مع الرسائل الأربع المرفقة بها والمعاهدة التجارية المعقودة بتاريخ 5 يونيو سنة 1923م.
2 ـ أتشرّف أن أسجّل أيضاً أنّنا على وفاق بأنّ هاتين المعاهدتين لا زالتا ساريتين بكلّ مفعولهما وأثرهما.
3 ـ من المفهوم أنّ استمرار التسهيلات فيما يختص بالتفصيلات ممّا كان الأخذ بها ضرورياً وسمح أحد الفريقين في معاهدة سنة 1921م بممارستها في عهد الملك السابق أمان الله خان ستكون موضوعاً لترتيبات وديّة في حالة ما إذا كانت هذه الترتيبات ضرورية.
يشرفني… إلخ
توقيع شاه والي إلى صاحب الشرف… أرثر هندرسن ـ لندن.
الخلاف على الحدود
وجاء وقت بعد قيام باكستان قام فيه خلاف شديد بين أفغانستان وباكستان رفضت فيه أفغانستان إقرر خط الحدود هذا واعتبرته مفروضاً عليها ممّا أدّى إلى عداء بين البلدين. ثمّ سوي الأمر وانتهى الخلاف. ثمّ تحرّكت الخلافات بعد قيام الحكم الجمهوري.
أفغانستان من حال إلى حال
جاء وقت كانت فيه أفغانستان جزءاً من إيران فقد حكمها الصفويون من سنة 912 هجرية إلى سنة 1135هـ حيث عاد الأفغانيون فانتصروا على الإيرانيين ودخلوا عاصمتهم أصفهان إلى أن أخرجهم منها «نادر شاه» ثمّ استولى على بلادهم سنة 1150هـ وبعد وفاة نادر شاه سنة 1160هـ استعادها أحمد خان الدراني من الإيرانيين وأقام نفسه أميراً عليها إلى أن توفي سنة 1187هـ، وخلفه ابنه تيمور ثمّ توفي سنة 1246هـ وخلفه ابنه تريمون شاه فخلعه الأفغانيون لممالأته الإنكليز وأجلسوا مكانه أخاه محمود خان ثمّ توفي سنة 1247هـ وانتهت الدولة الدرانية. فاستولى عليها (دست محمد خان) وجرت حرب بينه وبين الإنكليز انتهت بانكساره وأسره وإقامة الشاه (جوهاه) مكانه ثمّ قتل وأعيد دست محمد خان بعد إطلاقه من الأسر فاستولى على قندهار وبلخ والقسم الجنوبي من البلاد سنة 1282هـ وكانت هراة لا تزال بيد الإيرانيين وحاكمها يار محمد خان. ثمّ مات يار محمد فحرّك الإنكليز دست محمد لمحاربة الإيرانيين فحاربهم محمد وبمساعدة الإنكليز استولى على هراة ثمّ توفي دست محمد وخلفه ابنه (شير علي خان). ثمّ جمع شير علي عساكره واستولى على البلاد ثمّ توفي سنة 1295هـ فملك بعده (يعقوب خان) وكان لمن يملك البلاد لقب أمير أفغانستان. وعيّن الإنكليز ليعقوب خان راتباً سنوياً يدفعونه له. وفي سنة 1297هـ أخذه الإنكليز إلى الهند وأقاموا مكانه ولده عبد الرحمن خان ولمّا توفي أقيم مكانه ولده حبيب الله خان ثمّ قتل وأقيم مكانه أخوه (أمان الله خان) ملكاً على الأفغان وكان كأخيه حبيب الله محبوباً من الشعب ولكن بعد رحلته إلى أوروبا وعودته منها أراد أن يغيّر الكثير من التقليد الأفغاني فقامت ثورة انتهت بخلعه وخروجه من البلاد كما سيأتي.
من تاريخ أفغانستان المعاصر([247])
لقد ظلّت أفغانستان تجد نفسها منذ أكثر من قرن في مركز حربي وسياسي يكاد يحرم عليها الحياة الهادئة. فقد كانت تقع بين الهند البريطانية من الشرق، وبين التركستان الروسية من الشمال، وتكون بذلك ملتقى الجذب بين سياستين استعماريتين قويتين تتنازعان السيادة والنفوذ في أواسط آسيا، وتلتقيان دائماً في ذلك الاقليم الجبلي الوعر، الذي يحد نفوذهما ويفصل بين أراضيهما، اعني أفغانستان. والشعب الافغاني لا يتجاوز أربعة ملايين جلهم من القبائل الجبلية، ولكنه شعب قوي بخلاله الطبيعية ونزعته العسكرية يعتصم دائماً بهضابه الوعرة، ويحرص على استقلاله أيما حرص. وإذا كان تجاذب السياستين البريطانية والروسية يعرض أفغانستان بين آن وآخر إلى تيار النفوذ الأجنبي، فان أفغانستان من جهة أخرى تتخذ من هذا التجاذب أداة لتدعيم استقلالها، وتجعل منه دائماً وسيلة لاقامة التوازن بين السياستين المتنافستين. بيد أن السياسة البريطانية التي تقدر أهمية أفغانستان في حماية حدود الهند الشمالية الغربية من الغزو الروسي، تحرص دائماً على أن تكون راجحة النفوذ والكلمة، ولا تترد في تأييد هذا التفوق في السهر على مصائر أفغانستان بالقوة القاهرة. وأفغانستان تعرف أنها لا تستطيع أن تتخلص من هذا النفوذ دون أن تعرض استقلالها للخطر؛ وقد أنست هذا الخطر في تاريخها الحديث غير مرة إذ غزتها الجيوش الانجليزية في سنة 1838، ثم في سنة 1878م، وعرض استقلالها للضياع في المرتين.
ونستطيع أن نرجع من مرحلة التاريخ الأفغاني المعاصر إلى أواخر القرن الماضي، أو إلى عهد الأمير عبد الرحمن خان الذي تولى العرش عقب تطورات الحرب الأفغانية الإنكليزية الثانية، سنة 1884؛ فقد استطاع هذا الأمير القوي لأول مرة أن يحطم سلطة القبائل الاقطاعية، وان يخضعها لصولة العرش، واستطاع أن ينشئ لأفغانستان جيشاً نظامياً حسناً، وان ينظم الضرائب والموارد العامة؛ وتمتعت أفغانستان في عهده بعد طويل من السكينة والاستقرار في ظل ادارة قومية صارمة. ثم توفى عبد الرحمن سنة 1901 وخلفه على العرش ولده حبيب الله خان. واستطاعت السياسة البريطانية في تلك الفترة ان توطد نفوذها في أفغانستان؛ وكان حبيب الله برغم حرصه على استقلال أفغانستان الداخلي، يصانع السياسة البريطانية ويتقي اثارتها ما استطاع؛ وفي عهده بلغ النفوذ البريطاني ذروته في توجيه سياسة أفغانستان الخارجية، ولا سيما في علائقها مع روسيا القيصرية، وتضاءل النفوذ الروسي إلى أعظم حد ولما نشبت الحرب الكبرى حافظ حبيب الله على صداقته مع بريطانيا العظمى، وقاوم كل مسعى بذلته ألمانيا لتحريض أفغانستان على نقض هذه الصداقة، ثم تُوفي قتيلاً في أوائل سنة 1919، فخلفه اخوه نصر الله؛ ولكن ثورة نشبت بقيادة أمان الله ثالث اولاد حبيب الله انتهت بعزله. وتبوأ أمان الله العرش في ربيع هذا العام. وهنا كان تطور حاسم في تيار النفوذ الخارجي؛ وانتهزت روسيا السوفيتيه، هذه الفرصة لتسترد نفوذها الذاهب، فعاونت أمان الله على انتزاع العرش من عمه، واستعملت كل وسيلة لمقاومة النفوذ الإنكليزي والقضاء عليه؛ وذهب أمان الله في خصومته للإنكليز الى حد أنه دفع بجنده إلى اجتياز الحدود الهندية، ولكن الإنكليز ردّوها في الحال وعبروا الحدود الافغانية إلى وأرغموا أمان الله على عقد الصلح، ولكن بشرط أن تعترف إنكلترا باستقلال أفغانستان (أغسطس (آب) سنة 1919).
وكانت روسيا من وراء أمان الله تؤيده وتوجه خططه؛ وكانت إنكلترا من جانبها تقدر هذا العامل الجديد في تطور حوادث أفغانستان، وتتحاشى الاصطدام بروسيا السوفيتية، وتعمل لاتقاء دسائسها ما استطاعت، وأفغانستان من جانبها تجني ثمرة هذا النضال بين الدولتين الخصيمتين. بيد أن السياسة البريطانية لم تعدم وسيلة للاتفاق مع أمان الله؛ ففي سنة 1921م عقدت في كابول معاهدة إنكليزية افغانية جديدة، تعترف إنكلترا فيها باستقلال أفغانستان الخارجي والداخلي؛ وتعترف أفغانستان فيها بالحدود الهندية الافغانية القائمة؛ وتنص على تبادل التمثيل السياسي والقنصلي؛ وتخول لأفغانستان الحق في ان تستورد من إنكلترا ما يلزمها من الاسلحة والذخائر معفاة من الرسوم. وفي سنة 1923م عقدت بين الدولتين معاهدة تجارية. ومع أن العلائق بين إنكلترا وأفغانستان لبثت عادية ودية، فان النفوذ الإنكليزي لم يعد إلى سابق تمكنه واستئثاره، واستمر النفوذ الروسي متفوقاً في أفغانستان مدى حين.
وقضت أفغانستان فترة من الاستقرار والسكينة، توطدت فيها شؤونها الداخلية وعلاقتها الخارجية. وفي سنة 1927م قرر الملك أمان الله أن يقوم مع زوجته الملكة ثريا برحلة رسمية في بعض الدول الاوربية؛ فغادرا أفغانستان في شتاء هذا العام، ثم سافرا إلى أوروبا وزارا ايطاليا وفرنسا وإنكلترا وألمانيا، وتسابقت الدول في الاحتفاء بهما وإغداق الهدايا عليهما، كما تسابقت في التقرب إلى أمان الله ومحاولة الحصول منه على بعض المزايا السياسية والتجارية، ولكن أمان الله لم يتورط في التعاقد واكتفى ببذل الوعود. ثم غادر ألمانيا إلى روسيا، واستقبله حلفاؤه البلاشفة أعظم استقبال، وعقدت أثناء مقامه بموسكو معاهدة افغانية روسية تجارية جديدة. وأبدى أمان الله أثناء رحلته اهتماماً عظيماً بمظاهر الحضارة الغربية، ولم يخف أثناء تجواله نيته في الاقتباس منها لبلاده بأعظم قدر، والعمل على تجديد أفغانستان ودفعها إلى طريق الحضارة الغربية باسرع ما يستطاع، ولم تخف زوجته الملكة ثريا نيتها في العمل على تعليم المرأة الافغانية وتحريرها، وكان لهما في ذلك تصريحات رنانة. واستمرت الصحف الاوربية مدى حين تفيض في رحلة الملك الشرقي وفي اخباره وأعماله وأقواله، وفي برنامجه الاصلاحي، وفي أحوال أفغانستان وشؤونها وأهميتها الحربية والسياسية. بيد أنه لوحظ منذ قصد أمان الله إلى موسكو فتور الصحافة الغربية في الحديث عنه، ولوحظ بنوع خاص أن الصحف البريطانية أخذت تحمل على سياسته، وتنتقد زيارته لموسكو وتورطه في محالفة البلاشقة. ولم يكن حديث الصحف البريطانية عبثاً، وإنما كان دلالة لاتجاه جديد في السياسة البريطانية كما سنرى.
عاد أمان الله إلى أفغانستان بعد أن زار تركيا وفارس، وعقد مع كل منهما معاهدة صداقة، وتأثر ايما تأثر بما رأى في تركيا من مظاهر التجديد الاوربي. ولم يضع وقتا في تنفيذ برنامجه الاصلاحي وكان برنامجاً شاملاً تناول نظام الحكم، كما تناول كل نواحي الحياة القومية. فاما في نظام الحكم فقد ألغى أمان مجلس الحكم القديم الذي يضم زعماء الدين ومشايخ القبائل بمجلس تمثيلي يؤلف بالانتخاب، وأدخل نظام الوزارة الحديث، والغي سلطات الاشراف وزعماء الدين، وفرض الضرائب العامة المنظمة والخدمة العسكرية الاجبارية على كل أفغاني. وكان أمان الله في الناحية الاجتماعية أشد جرأة واندفاعاً وقد خيل له أنه يستطيع بقوة التشريع العاجل أن يخلق من أفغانستان العصور الوسطى، أمة جديدة تتمتع بمظاهر التمدن الحديث. وكانت زوجة الملكة ثريا، وهي امرأة سورية لاتفهم روح الشعب الذي رفعت إلى عرشه، تدفعه في ذلك الطريق بعنف فاصدر طائفة من القوانين الاجتماعية الجديدة ترمي إلى تحرير المرأة وسفورها، والغاء تعدد الزوجات، ورفع سن الزواج، والزام الافغانيين بلبس القبعة والثياب الاوروبية على نحو ما فعل مصطفى كمال بالترك، وأرسل إلى أوروبا بعوثاً من الشباب والفتيات ليتعلموا في معاهدها. وكان الشعب الافغاني يشهد هذا الانقلاب في دهشة وروعة ولا يكاد يصدق أنه المقصود بهذه الاجراءات، وفي أفغانستان أمة قديمة تغلب فيها البداوة، ولم تخرج بعد من غمرة القرون الوسطى، وللتقاليد الدينية والاجتماية فيها ايما هيبة ورسوخ، فوقعت هذه السياسة الجريئة في الشعب الافغاني وقع الصاعقة، وثار سخطه لهذا الاجتراء على تقاليد القرون، وقابل زعماء الدين والقبائل تلك المحاولة لسحق سلطانهم القديم بمنتهي الانكار والمقاومة، ولم تمض أشهر قلائل حتى سرى ضرام الثورة إلى ذلك الشعب المضطرم المتأهب أبداً للثورة وتحطيم أية سلطة مطلقة تحاول ارغامه على ما لا يرضى.
نشبت الثورة بسرعة. ولا ريب أن تطرف الملك أمان الله في تطبيق برنامجه الاصلاحي كان عاملاً هاماً في نشوبها بين القبائل الاقطاعية القوية التي أدركت خطر السياسة الجديدة على نفوذها واستقلالها المحلى، ولكنه لم يكن كل شيء، فقد نشبت الثورة بادئ ذي بدئ في الولايات الشرقية المجاورة للسند، ولا سيما منطقة جلال أباد، وهي منطقة يسود فيها النفوذ البريطاني، ثم امتدت بسرعة مدهشة برغم ما بذله أمان الله لحصرها واخمادها. وقد كانت السياسة البريطانية تأخذ دائماً على أمان الله تأثره بنفوذ السوفييت ومحالفته إياهم، وترى في زيارته لموسكو وتقوية صلاته بالسوفييت تحدياً لا تحمد عواقبه. وكان للسياسة البريطاينة دائماً أثرها في تطورات أفغانستان الحاسمة، والمرجح انها لم تكن بعيدة عن ذلك الانفجار الذي فوجئ به أمان الله وكان خطراً على عرشه وشخصه. وقد استطاع أمان الله أن يهزم الثوار بادئ بدء، واعتقد مدى لحظة أنه سيد الموقف، ولكن الحوادث تفاقمت بسرعة وامتدت الثورة إلى الجيش، وزحف الثوار على العاصمة الأفغانية، فبعث الملك بزوجه وأسرته إلى قندهار، وفر الأجانب من كابول على متن طيارات بريطانية أرسلت من الهند، وحاول أمان الله عبثاً أن يهدئ الثورة بالغاء القوانين الجديدة التي أصدرها، فلما رأى أنه فقد كل أمل في الاحتفاظ بعرشه وسلطانه، نزل عن العرش لأخيه الأكبر عناية الله، وفر الى قندهار لاحقاً بزوجه، ولكن الملك الجديد ألقى نفسه في مأزق صعب، ولم يجرؤ على مواجهة الحوادث، فغادر بدوره ذلك العرش الخطر وفر ناجياً بنفسه، ودخل الزعيم الثائر باتشه سقا كابول ظافراً، وتربع على العرش باسم حبيب الله. (أوائل سنة 1929م).
ولما رأى أمان الله تطور الحوادث على هذا النحو عاد فاسترد تنازله. وجمع فلوله وحاول السير إلى كابول، ووقعت بينه وبين خصومه معارك عديدة انتهت بهزيمته، فانسحب من الميدان أخيراً وفر مع زوجه وأسرته في مايو (أيار) سنة 1929م عن طريق الهند، ثم جاز إلى أوروبا منفياً طريداً، واستقر بروما، يرقب مجرى الحوادث في أفغانستان.
ولكن الملك الجديد باتشه سقا أو حبيب الله لم يستطع أن يبسط سلطانه على غير كابول وضواحيها، ولبثت أفغانستان تضطرم بالحرب الأهلية وزعماء القبائل القوية يتطلع كلّ منهم إلى الملك. عندئذ ظهر في ميدان الحوادث رجل لم يكن له في بدء الفتنة من الأمر شيء، وكان يقيم منذ حين بعيداً عن وطنه في معزل عن الحوادث. ذلك الرجل هو الجنرال نادر خان. وكان من قبل وزيراً للحربية وقائداً عاماً للجيش في حكومة الملك أمان الله ولكنّه لمّا رأى اندفاع أمان الله في سياسته، استقال من منصبه وعيّن سفيراً لأفغانستان في باريس وأبعد بتلك الوسيلة عن طريق أمان الله، فلمّا نشبت الثورة وتفاقم خطر الحرب الأهلية عاد إلى أفغانستان ليحاول إخماد الفتنة وإنقاذ أفغانستان من عواقب ذلك النزاع الخطر، ولكنّه ألفى الموقف مستحيلاً فاعتزم أن يخوض المعركة وأن يحاول سحق ذلك الزعيم المتغلب الذي أثار هذا الضرام، وجعل من أفغانستان مسرحاً للجريمة والفوضى فحشد أنصاره وفاوض زعماء القبائل القوية. ومن المعقول أيضاً أن تكون السياسة الإنكليزية قد أدّت مهمتها التاريخية في هذا النزاع، وأمدت نادر خان بالمعاونة المطلوبة لأنّها رأت فيه زعيماً مستنيراً متزناً، ولأنّها تحرص دائماً أن يستتب الأمر في أفغانستان لأمير يؤثِر التعاون مع بريطانيا العظمى. وعلى أي حال فقد استطاع نادر خان أن يشق طريقه وأن يهزم قوات المتغلب والثوار في عدّة معارك ثمّ زحف أخيراً على كابول ودخلها في أكتوبر (تشرين الأوّل) سنة 1929م وقبض على حبيب الله وأمر به فأعدم رمياً بالرصاص وقبض على زمام السلطة في كابول. بيد أنّه لم يكن سيّد الموقف بعد، لأنّ الثورة لبثت تضطرم في مختلف الأنحاء. وكان نادر خان من معارضي سياسة التجديد الأوروبي التي كان لها شأن في إضرام الثورة، فأعلن مرّة أخرى أنّه سيعمل على احترام أحكام الشريعة الإسلامية وتقاليد البلاد وحمايتها من كلّ انتهاك وعبث، وأخذت الثورة تهدأ شيئاً فشيئاً، ونادر خان يصرّح أنّه لا يبغي العرش وأنّه يتركه للرجل الذي تختاره أفغانستان، على أنّه لم يك ثمّة شك في نتيجة هذا التطور فقد انتهى نادر خان بارتقاء العرش بعد ذلك بأيام قلائل (15 أكتوبر) على يد جمعية وطنية من الزعماء نادت به ملكاً وأيّدته معظم العناصر القوية في البلاد.
وقد ولد السردار محمد نادر خان في سنة 1883م من والدين ينتمي كلاهما إلى أصل ملكي. وظهر منذ فتوته بالبراعة الحربية وتولّى منذ سنة 1919م قيادة حزب الاستقلال الأفغاني في صف الملك أمان الله، ولبث مدى أعوام شخصية بارزة في حياة أفغانستان العامّة، ولكنّه أبى التعاون مع أمان الله مذ رأى تطرّفه واندفاعه. وتولّى نادر خان الحكم في غمار من الصعاب، ولكنّه أبدى منتهى الاعتدال والكفاية، والحزم، وألغى جميع الإجراءات المتطرفة التي اتّخذها أمان الله، وردّ أحكام الشريعة كما كانت، ونظم علائق أفغانستان مع الدول، وكانت بريطانيا العظمى أوّل الدول التي اعترفت بحكومته، واهتمّ نادر خان بإصلاح الجيش وتقويته، ولبث يعمل في مثابرة وجلد حتّى عادت السكينة إلى البلاد واستقرّ الأمر في نصابه نوعاً ما. ولكن بعض القبائل القوية ولا سيّما قبيلة الشنواري لبثت محتفظة بموقفها من الاستقلال عن كلّ سلطة. ولم تمض أشهر قلائل حتّى عادت الثورة والقلائل العنيفة تهدّد سلام البلاد وأمنها. فعاد نادر خان إلى الكفاح، وكانت تعترضه صعاب فادحة مالية وغيرها. واستمرّت الثورة تخمد وتضطرم في أفغانستان مدى الأربعة الأعوام التي حكمها نادر خان بيد أنّها كانت ثورات محلية، ولم تتخذ ذلك العنف الذي تتحوّل معه مصائر أفغانستان إلى وجهة جديدة، وكان نادر خان دائماً رجل الموقف، وبذل نادر خان جهوداً صادقة لإصلاح نظم الحكم والإدارة، وجرى في الحكم على نظام الوزارة الحديث، وأنشأ مجلساً تمثيلياً (برلماناً) يقوم بمهمة التشريع بإشرافه، ولزم جانب الاعتدال في سياسة الإصلاح، ورد المرأة الأفغانية إلى حجابها ومنزلها ولم يحاول أن يغيّر بالعنف شيئاً من تقاليد البلاد الدينية أو الاجتماعية وسار بأفغانستان في طريق التقدّم والتوطد رغم القلاقل التي كانت تعترض سبيله من آن لآخر، وعادت السياسة البريطانية فوثقت علائقها مع أفغانستان، وقامت السفارة البريطانية في كابول مرّة أخرى، وطبقت المعاهدة المعقودة بين البلدين منذ سنة 1921م، وبالجملة فقد بدأت أفغانستان على يد هذا الأمير القوي الحازم مرحلة من الاستقرار والتقدّم كان مقدّراً أن تطول وأن تثمر خير النتائج لو لم يذهب نادر خان فجأة ضحية الاغتيال السياسي سنة 1933م.
وقد كان للحادث دوي عميق، وكان مدبّرو الجريمة يؤمِّلون على ما يظهر أن يُحدث موت نادر شاه اضطراباً وقلاقل ينتهزها خصوم الملك القتيل لإضرام الثورة، وكانت بوادر الثورة تبدو في الجنوب منذ حين، ولكن السردار محمود وزير الحربية وأصغر إخوة الملك القتيل أبدى منتهى الحزم والسرعة في تلافي هذا الأثر، فلم تمض ساعة واحدة على مقتل نادر شاه حتّى كان قد استدعى الوزراء والقادة والزعماء إلى القصر، ونادى في الحال بظاهر شاه ابن نادر شاه الوحيد ملكاً على أفغانستان مكان أبيه، وحيّاه الزعماء والقادة بلقب الجلالة.
وفي السنوات الأربعين التي أمضاها في السلطة واجه مشكلات اقتصادية ضخمة وتزايدت في عهده المطالبة بإقامة حكم أكثر ديموقراطية.
وفي العام 1964م أعلن في البلاد دستور جديد تضمّن اعتبار النظام ملكياً دستورياً وإقامة مجلسين، لكن عدد الأعضاء المعينين كان يطغى دائماً على المنتخبين، ولم تقم في البلاد حياة سياسية فعلية. واتهمت المعارضة الملك بالابتعاد عن شؤون الحكم وقضاء فترات طويلة في الخارج وتسليم السلطة الفعلية إلى زعماء إقطاعيين من المقربين إليه.
أفغانستان جمهورية
وفي 17 تموز سنة 1973م أصبحت أفغانستان جمهورية، بعدما أطاح انقلاب بالملك محمد ظاهر شاه وأعلن زعيم الانقلاب محمد داود خان وهو رئيس وزراء سابق ومن أقرباء الملك ـ أعلن نفسه رئيساً للجمهورية.
وفي 27 نيسان سنة 1978م قام انقلاب عسكري يساري بقيادة الجنرال عبد القادر فأطاح بمحمد داود وألّف مجلساً عسكرياً ثورياً سيطر على الوضع بعد معارك دامية قتل فيها محمد داود خان وأخوه وأولاده. وكان أوّل المعترفين بالواقع الجديد الاتحاد السوڤياتي.
وفي سنة 1979م قامت ثورة إسلامية مسلحة لمقاومة الحكم اليساري، وتتابعت المعارك الدامية بين الثوار والحكومة، فأرسل الاتحاد السوڤييتي جيوشه إلى أفغانستان لمناصرة الحكم اليساري، فلم تستطع حسم الأمر لمصلحة هذا الحكم، واضطرت للانسحاقب من أفغانستان، على أن السوڤييت ظلّوا يمدّون اليساريين بالأسلحة الثقيلة والمعدات. وفي المقابل كان الأميركان يمدّون الثوار حتّى انتهى الأمر بفشل الحكم اليساري بعد معارك طاحنة، ودخل الثوار العاصمة كابل، ولكن الأمر لم ينته فقد قامت بين جماعاتهم المتعددة الميول والمطامع حرب أهلية ثمّ انتهى الأمر إلى التصالح وقيام حكم إسلامي.
ولم يلبث أصحاب هذا الحكم أن انقسموا وراحوا يتحاربون فيما بينهم إلى أن انتهى الأمر إلى قيام من تسمّوا باسم (طالبان). وهي حركة رجعية ظلامية متعصبة تعصباً أعمى، قامت بمذابح أهلية فيمن هم على غير مذهبها، فاستشهد على يديها آلاف الشيعة، وعانى الشيعة في حكمها أقسى أنواع الاضطهاد والظلم والترويع والتشريد والقتل.
فقد استطاعت الاستيلاء على كابل والسيطرة على أكثر من ثلثي البلاد. وظلّ فريق صامداً لها فيما بقي من بلاد.
واقع طالبان
وقد صدر كتاب ساهم في تدوينه عدد من المفكرين، تحدّث عن واقع طالبان، وتحدّث عن الكتاب كاتب فقال:
بعيداً عن صخب «الحرب على الإرهاب»، الدائرة رحاها الآن في أفغانستان، يأتي هذا الكتاب ليذكرنا بأنّ المسألة الأفغانية هي في المقام الأوّل، وفي عهد «طالبان» حصراً، مسألة ثقافية.
وهذا بشرط أن نأخذ الثقافة بالمعنى الواسع للكلمة باعتبارها نمط حياة ونمط تفكير ورؤية ناظمة للكون والوجود معاً.
ومن هذا المنظور، فإنّ هذا الكتاب الجماعي، الذي شارك في تحريره إثنا عشر باحثاً دولياً في شتّى قطاعات الثقافة، يمثّل صرخة احتجاج على «الجريمة ضد الثقافة» التي ما فتئ يجسّدها المشروع الطالباني منذ استيلاء الحركة على كابول في أيلول (سبتمبر) 1996.
فالمشروع الطالباني هو في جوهره مشروع لـ «ثقافة مضادة للثقافة»، مشروع لاستئصال الثقافة، ولتدمير أدواتها ورموزها، ولاجتثاثها من الجذور وللرجوع بها إلى نقطة الصفر المطلقة.
فالمشروع الطالباني لا يقرّ بأي مشروعية للفن والرسم والموسيقى وللشعر وللتراث ولذاكرة الأجيال، وهو نموذج مكتمل ومتطرف للنزعة التي طالما كانت مميزة لحركات التعصّب الديني في العصر البيزنطي والقروسطي، والتي بلغت أوجهاً في أفغانستان الطالبانية ابتداء بحرق الأفلام وأشرطة الفيديو في الساحات العامة وحظر البث التلفزيوني، ومروراً بمحو صور الأشخاص وحرق المخطوطات المصوّرة في متحف كابول، وانتهاء بتدمير تماثيل بوذا العملاقة في جبال باميان.
والواقع أن المبادرة إلى إصدار هذا الكتاب الجماعي إنّما جاءت من المنظمة المكلفة الدفاع عن شؤون الثقافة والتراث الإنساني المشترك في العالم: اليونسكو.
فأولى مقالات الكتاب تحمل توقيع كويشيرو ماتسورا، المدير العام لليونسكو، الذي افتتحها بالقول: «إنّ جريمة ضد الثقافة قد اقترفت. فـ «طالبان»، بتدميرهم تماثيل بوذا العملاقة التي ما فتئت ساهرة منذ ألف وخمسمائة عام على وادي باميان، قد اقترفوا الجرم الذي لا يغتفر ولا يعوض. فقد اغتالوا جزءاً من الذاكرة الأفغانية، وأبادوا شهادة ثمينة وخارقة للمألوف على التواصل ما بين الحضارات، وهدموا تراثاً ينتمي إلى البشرية قاطبة».
أوليفييه ويبر، المكلف من قبل اليونسكو تنظيم ندوة الدفاع عن «تراثات أفغانستان وآسيا الوسطى»، اعتبر المشروع السياسي والثقافي الطالباني مشروعاً ظلامياً غير مسبوق في التاريخ.
فـ «طالبان» هم دعاة «للعزلة الثقافية التامة» وطلاب «لطهارة عدمية مطلقة» وأعداء ألداء للمرأة بما هي كذلك، وبالتالي لما تمثّله من قيم جمالية، وأنصار لأسوأ أشكال الاستبداد: الديكتاتورية على العقول وعلى النفوس، وجنود/ رهبان بالمعنى القروسطي للكلمة، أو هولاكيون جدد يحرقن الأخضر واليابس ليقيموا «حكم الملات» Mollarchie، وليمارسوا الشكل الأكثر تطرّفاً من حرق الصور، بما في ذلك حرق الصورة الحضارية للإسلام نفسه.
الجامعي الأفغاني المنفي لطيف بدرام يلجأ هو الآخر إلى الرمز الهولاكي ليقول: إنّه كما أنّ المغولي هولاكو خان دمّر مكتبة قلعة ألموت الإسماعيلية الكبرى، كذلك فإنّ زعيم «طالبان» الملا عمر، أمر بإضرام النار في الخمسة والخمسين ألف من مجلدات ومخطوطات مكتبة الحكيم ناصر خسرو.
أمّا كريستيان فهارت، الاختصاصي بشؤون آسيا في قسم التراث الثقافي باليونسكو، فيقدّم أوفى عرض وأكثر تفصيل للجريمة ضد الثقافة التي اقترفها «طالبان» بتدميرهم تماثيل باميان. وهو يبدأ عرضه بإيراد النص الحرفي للمرسوم الذي أصدرته حكومة «طالبان» في مدينة قندهار في 26 شباط (فبراير) 2001 بصدد تدمير جميع التماثيل، الموجودة في أفغانستان، أيّاً تكن قيمتها الفنية والتاريخية، بهدف إلغاء «عبادة الأوثان».
وقد جاء في النص: «على أساس مشورات الرؤساء الدينيين لإمارة أفغانستان الإسلامية، وعلى أساس فتاوى العلماء وقواعد المحكمة العليا لإمارة أفغانستان الإسلامية، يتعيّن تدمير جميع التماثيل والأضرحة غير الإسلامية الموجودة في مختلف مناطق إمارة أفغانستان الإسلامية. فهذه التماثيل كانت ولا تزال أماكن حج للكفار الذين لا يفتؤون يوقرون ويبجلون أماكن العبادة هذه. فلا إله إلاّ الله العلي القدير. أمّا سائر الآلهة فليس لها من مصير إلاّ الإبادة.
ولهذا فإنّ الرئيس الأعلى لإمارة أفغانستان الإسلامية قد أصدر أوامره إلى جميع المسؤولين في وزارة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وكذلك في وزارة الإعلام والثقافة، بهدم التماثيل كافة.
وكما رسمت المحكمة العليا لإمارة أفغانستان الإسلامية وهيئة العلماء، فإنّ التماثيل كافة ينبغي أن تدمر، كيلا يبقى في متاح أحد بعد اليوم أن يعبدها ويبجلها».
وعلى أثر صدور هذا المرسوم وجّهت منظمة اليونسكو نداء أوّل إلى قادة «طالبان» تسألهم فيه الحفاظ على التراث الثقافي الأفغاني. ونشر هذا النداء على سعة في الصحافة الباكستانية، كما في الصحافة الدولية. وفي 28 شباط أوصل المديرالعام لليونسكو رسالة شخصية إلى زعيم «طالبان» الملا عمر، عن طريق سفير «طالبان» في إسلام أباد، يناشده فيها التدخل لوقف عملية التدمير.
وبعد إصدار ثلاثة بيانات صحافية إضافية في الأسابيع التالية نظم مدير اليونسكو سلسلة من المباحثات مع سفراء مختلف الدول الإسلامية، لا سيما تلك التي تعترف بنظام «طالبان». وفي غضون شهر آذار (مارس) قام بيار لافرانس، الممثل الخاص للمدير العام لليونسكو، بسلسلة من الزيارات لإسلام آباد وقندهار وكابول حيث التقى وزير الخارجية ووزير الثقافة في حكومة «طالبان» ثمّ توجّه إلى الإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية ليناشد حكومات هذه البلدان تصعيد ضغطها على نظام «طالبان».
وبناء على طلب اليونسكو أصدر عدد من علماء الإسلام في مصر والعراق وباكستان فتاوى ضد مرسوم «طالبان» بالهدم. وبناء أيضاً على تدخّل المدير العام لليونسكو لدى منظمة المؤتمر الإسلامي توجّه وفد من رؤساء إحدى عشرة دولة مسلمة إلى قندهار بهدف إقناع الملا عمر بعدم اتخاذ القرآن والدين الإسلامي حجة لتدمير تلك التماثيل. لكن جميع هذه التدخلات السياسية والدينية لم تجد فتيلاً. وبقيت زعامة «طالبان» مصرّة على التمسّك بمرسومها التدميري، على رغم المعارضة التي أبداها العديد من المثقفين الأفغانيين المنفيين أو اللائذين بالمناطق غير الواقعة تحت حكم «طالبان». ويشير كريستيان فهارت إلى واقعة لها دلالتها، فقوات «طالبان» الموجودة في وادي باميان امتنعت لنحو أسبوعين عن تنفيذ أمر الملا عمر، ممّا استوجب مجيء وزير «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» شخصياً إلى باميان في 8 آذار ليتولّى مع رجاله نسف التماثيل بالديناميت والمدفعية في اليوم التالي.
يبقى أن نقول إنّ تماثيل باميان هي الأكبر من نوعها في العالم. فهي مقدودة في الصخر على ارتفاع 55 متراً لأكبرها، و38 متراً لأصغرها. وهي رمز للقاء الشرق والغرب ولحوار الحضارات. فنحتها يعود إلى القرن السادس أو السابع للميلاد، وقد نفذه رهبان بوذيون كانوا استقرّوا في مِغَر جبال باميان على ارتفاع 2700 متر، وكان فنّهم مزيجاًمن الثقافتين اليونانية والبوذية اللتين عرفتا طوراً مديداً من التفاعل على أثر فتوحات الإسكندر المقدوني التي أوصلته إلى قلب آسيا الوسطى، وتحديداً إلى مملكة بكتريان (بلخ حاليا) في شمال أفغانستان. وقد عكس فن أولئك الرهبان البوذيين تأثّراً واضحاً بفن مدرسة الإسكندرية الهلنستية التي كان فنانوها أوّل من نحت تماثيل لبوذا مع إعطائه ملامح أبولونية.
الهجوم الأميركي على أفغانستان
في 11 أيلول سنة 2001 هوجمت واشنطن ونيويورك بطائرتين مخطوفتين هجوماً أذهل أميركا.
ووصف كاتب ما جرى على الشكل التالي:
صباح الثلثاء 11 أيلول (سبتمبر) 2001، بعد الثامنة صباحاً، كانت السماء صافية فوق الساحل الشرقي الأميركي. لم يكن هناك ما يدل إلى شيء غير عادي في المطارات. استقلّ طائرة «أميركان إرلاينز» الرحلة الرقم 11 خمسة هم ـ كما حدّدتهم أجهزة التحقيق الأميركية ـ المصري محمد عطا والسعوديون وليد الشهري، وائل الشهري، عبد العزيز العمري، وسطّام السُقامي. اقتحم الخمسة الذين يُزعم أنّهم من «الخلايا النائمة» لـ «القاعدة» قمرة القيادة في الطائرة بعد قليل من إقلاعها من مطار بوسطن (شرق) في رحلة مقرّرة إلى لوس أنجلوس (كاليفورنيا)، وحوّل واحد منهم مسارها باتجاه نيويورك، تحديداً باتجاه البرج الشمالي لمركز التجارة العالمية الشاهق وضربته… وبدأ الموظفون في هذا البرج بإخلائه، في حين وصل مئات من رجال الإطفاء والدفاع المدني لمحاولة إنقاذ المصابين من البرج المحترق.
مركز التجارة العالمي قبل ضربه مركز التجارة العالمي بعد ضربه
كانت عملية الإخلاء بدأت للتو، عندما اقتربت طائرة أخرى تابعة لشركة «يونايتد إرلاينز» (الرحلة 175) من البرج الجنوبي لمركز التجارة (بعد نحو 18 دقيقة). كان المشهد مُرعباً: ظلّت الطائرة تسير على خط مستقيم حتّى ضربت البرج في وسطه واخترقته من جهة وخرج حُطامها من الجهة الثانية. كان خمسة آخرون من عناصر «الخلايا النائمة» المزعومة لـ «القاعدة» خطفوا الطائرة قبل لحظات وحوّلوا مسارها أيضاً إلى نيويورك. والخمسة، كما أفاد الـ «أف. بي. آي.»، هم: أحمد الغامدي، مروان الشحي، فايز أحمد، محمد الشهري، حمزة الغامدي (والأسماء، هنا أيضاً، ليست في الضرورة صحيحة، ولا حتّى الجنسيات التي أكدت أجهزة التحقيق الأميركية أنّها سعودية وإماراتية).
ما حصل في نيويورك كان وعلى وشك أن يتكرّر في أنحاء أخرى في الولايات المتحدة. إذ خطفت خلية أخرى قيل إنّها من «القاعدة» طائرة لـ «اميركان إرلاينز» (الرحلة 77) وطارت بها إلى العاصمة واشنطن لتضرب مقر وزارة الدفاع (البنتاغون). وعناصر الخلية هم (بحسب «أف. بي. آي.»): خالد المحضار، نواف الحازمي، هاني جنجور، سالم الحازمي، ماجد مُقيد.
طائرة رابعة لـ «يونايتد إرلاينز» (الرحلة 93) كانت في طريقها، كما يبدو، نحو هدف رابع. لكن ركابها الذين عرف بعضهم ـ من خلال اتصالات هاتفية أجروها خلال الرحلة ـ بما حصل للطائرات الثلاث الأخرى، رفضوا الاستسلام لخاطفيهم. حاولوا المقاومة واشتبكوا معهم ـ كما تقول الرواية الأميركية ـ ممّا أدّى إلى سقوط الطائرة في غابة في ولاية بنسلفانيا، الأمر الذي يقول المحققون الأميركون إنّه حال دون بلوغها الهدف وهو مقرّ المنتجع الرئاسي في كامب ديفيد. والخاطفون كانوا أربعة هم: سعيد الغامدي، أحمد النعمي، أحمد الحزناوني (سعوديون)، زياد الجرّاح (لبناني). وهنا أيضاً الأسماء والجنسيات حدّدتها أجهزة التحقيق الأميركية.
لم تكن ضربات نيويورك وواشنطن، على الأرجح، الجزء الوحيد من خطة تفجيرات ذلك اليوم الرهيب الذي «أمطرت فيه السماء طائرات مخطوفة»، وهزّ أميركا والعالم، وأدّى إلى إعلان الرئيس جورج بوش «الحرب على الإرهاب». إذ يُقال إنّ طائرتين أخريين كانتا على وشك التعرّض للخطف أيضاً، لولا صدور قرار بوقف كلّ الملاحة الجوية فوق الولايات المتحدة.
وشكّل 11 أيلول 2001 كارثة لكبرياء أميركا أصابتها في الصميم. فهناك العدد الهائل للضحايا الذي يُقدّر بأكثر من سبعة آلاف. وهُناك أيضاً تدمير برجي مركز التجارة الشاهقين فوق نهر الهدسون، وعلى مسافة قصيرة من تمثال الحرية. الأخطر من ذلك كلّه ما ظهر من عجز كلّي للولايات المتحدة حتّى عن الدفاع عن وزارة دفاعها «البنتاغون»، على أبواب العاصمة واشنطن وعلى مسافة قصيرة من البيت الأبيض.
كان السؤال الكبير بعد 11 أيلول الأسود كيف سيردّ «النسر» الأميركي الجريح؟ وأين يبدأ التحالف الجديد «الحرب على الإرهاب» الدولي؟
يقع مركز التجارة العالمي في مدينة منهاتن في ولاية نيويورك الأميركية وكان البرجان التوأمان (الشمالي والجنوبي) لمركز التجارة العالمي يعتبران ثاني أطول ناطحة سحاب في العالم بعد برج شيكاغو حيث بلغ ارتفاع كلّ منهما 411 متراً، ويمكن للمشاهد أن يتمتع بمنظر رائع لمدينة نيويورك عند قمة البنانية حيث يمكن الرؤية على مدى 45 ميلاً في كلّ الاتجاهات.
كان المركز مؤلفاً من سبع بنايات من ضمنها البرجان التوأمان اللذان يتألف كلّ منهما من 110 طوابق، وماريوت هوتيل من 22 طابقاً، وبناية بلازا الجنوبية من 9 طوابق، وبناية بلازا الشمالية من 9 طوابق، وبناية Customs House وأخيراً بناية خاصّة بالمكاتب تعرف بالبناية رقم 7 وتضمّ 47 طابقاً، بالإضافة إلى سبعة طوابق تحت الأرض تضمّ مركزاً للتسوّق، وكراجاً للسيّارات، ونفقين للقطارات.
تقدّر كلفة بناء مركز التجارة العالمي الكلية بـ 1,25 بليون دولاراً أميركياً، وقد كان قادراً على استيعاب 50,000 نسمة من العاملين و90,000 نسمة من الزائرين والسياح.
في صباح يوم الثلاثاء المصادف 11 أيلول/ سبتمبر 2001 الساعة 8:45 صباحاً بتوقيت نيويورك اصطدمت طائرة البوينغ 767 التابعة لشركة الخطوط الجوية الأميركية بالبرج الشمالي لمركز التجارة العاملي وكان على متنها 92 راكباً، وفي الساعة 9:03 صباحاً اصطدمت طائرة أخرى من نوع بوينغ 757 تابعة للخطوط الجوية المتحدة بالبرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي وكان على متنها 65 راكباً، وقد انهار البرج الشمالي في الساعة 10:30 صباحاً. أمّا البرج الجنوبي فقد انهار في الساعة 9:50 صباحاً أي بعد حوالي 47 دقيقة من الاصطدام. إنّ ما حدث من اهتزاز للمنطقة أدّى إلى انهيار المبنى رقم 7 الذي يحتوي على 47 طابقاً في الساعة 5:25 بعد ظهر اليوم نفسه. هناك بنايتان معرضتان للانهيار في أيّة لحظة، وقد أعلنت المنطقة المدمرة Ground Zero، حيث لا يمكن البناء عليها أو استعمالها لأي غرض في الوقت الحاضر.
قدرت سرعة الطائرة المصطدمة الأولى بحوالي 345 ميلاً بالساعة وكانت مجهزة بـ 80,000 لتراً من البنزين، أمّا سرعة الطائرة الثانية فقدرت بحوالي 300 ميلاً بالساعة وكانت مجهزة بـ 91,000 لتراًمن البنزين. الانفجار حطّم الأعمدة الخارجية وقسم من الأعضاء الأفقية للمبنى وعدد من الطوابق، ما أحدث فجوة بين الطوابق أدّت إلى زعزعة استقرار الهيكل الفولاذي Instability، كما أنّ ارتفاع درجة الحرارة إلى أكثر من 800مْ نتيجة لاحتراق البنزين كانت كافية لانصهار الحديد، فدرجة الحرارة العالية والثقل المسلط من هبوط الطوابق العليا وطريقة تصميم المبنى أدّت إلى انهيار الطوابق بالتوالي.
غطّت مدينة منهاتن سحابة خانقة من الدخان المنبعث من ركام مركز التجارة العالمي. وهو دخان ظلّ يحرق الخدود ويؤثّر على الرئات منذ أن انهار برجا المركز التجاري العالمي. يحتوي الدخان المؤلم مخاوف بشأن وجود ألياف الاسبستوس ومزيج خطير من الكيماويات السامة نتجت عن احتراق وقود الطائرتين وغيره من المواد المحترقة. وقال كثير من الخبراء إنّه من السابق لأوانه معرفة نوع الغازات التي تولّدت عن احتراق وقود الطائرات، والمواد العازلة والصناعية في واحد من أكثر المجمعات ازدحاماً بالنظم الالكترونية والكومبيوترية في العالم.
وصار المشاة وأصحاب الحوانيت في قرية غرينتش وبارك أفنيو يضعون الأقنعة القطنية.
وقد لوحد وجود خيوط من الغبار والرماد من الحطام تحت الأنوار الكاشفة المسلطة على الموقع. كما لوحظ وجود دخان أسود ينبعث باستمرار من ركام المباني، ما يعرقل أعمال الإنقاذ، ويتصاعد الدخان ليشكل ستارة كثيفة فوق جبل من النفايات، يغطي السماء.
وقال خبير الصحة البيئية بول ليوي، في جامعة رتجرز «لا أعتقد أنّ اختبارات أولية ستكشف لنا ما ترسب في مناطق الجوار، وفي رئات الناس الذين يستنشقون هذا الدخان».
كما حذّر الخبراء في جامعات كاليفورنيا وسان دييغو، ونيويورك، ومعهد ماساتشوسيتس التقني، أنّه لا يوجد طريق قصير وسهل لتقييم الخلطة المتفردة للكيماويات التي يمكن أن تحتوي على مكوّنات سامة. وبالقدر نفسه يصعب قياس الآثار الصحية على المدى البعيد.
وقالت خبيرة كيمياء الغلاف الجوي، كيمبرلي براثر من سان دييغو، هناك مزيج غريب: وقود الطائرات والغبار من الأبنية والإسمنت، والالكترونيات المحروقة، والأسلاك والأنابيب المحترقة. هذا يجب أن يشعرك بالقلق.
وقال فيليب لاندريغان في كلية طب ماونت سايناي في نيويورك، إنّ أكبر المخاطر يتعلق بسلامة عمال الإنقاذ. أولئك الذين تعرّضوا للفح النيران الأولى أو وطئوا مواقع ساخنة من الحطام، معرّضين للجروح الحرارية التي يمكن أن تسبّب الاحمرار والالتهابات والقروح، وتعطل التنفس وتضعف مقاومة الناس لآثار الدخان والغبار في الهواء.
وأضاف لاندريغان بقول إنّ «عمال البناء والإطفاء وعناصر الشرطة تعرّضوا لكميات هائلة من الغبار والاسبستوس، هذا لن ينتهي غداً، بل سيستمر لأسابيع وشهور».
وفي تطوّر آخر ذكر عمدة مدينة نيويورك رودولف جولياني أنّ أكثر من 10 آلاف طن من الأنقاض أزيلت من موقع مبنى مركز التجارة العالمي وأفادت شركات التأمين الأميركية خصوصاً في نيويورك أنّ حجم الأموال التي ستقوم بدفعها نتيجة الكارثة كبيرة للغاية وقد تصل إلى 25 بليون دولار ويقدّر عدد الضحايا بأكثر من 7000 نسمة، بالإضافة إلى الخسائر الناجمة من احتمال تدهور اقتصادي من إغلاق بعض الشركات مكاتبها وتسريح آلاف العاملين في قطاعات مختلفة وبخاصة الاستثمار والطيران على المدى البعيد.
وفي الوقت نفسه كانت طائرة ثالثة تخترق مبنى (البنتاغون) في واشنطن فتحدث فيه ما أحدثته الطائرتان في مبنى التجارة العالمي.
اتهمت أميركا بتدبير هذا العمل([248]) (أسامة بن لادن) الذي كانت تتهمه من قبل بتدبير نسف سفارتها في كينيا وتنزانيا سنة 1998م وإصابة مدمرتها (كول) في مرفأ عدن.
وكان ابن لادن هذا السعودي الجنسية قد أغضب الحكّام السعوديين بمعاداته لأميركا فجرّدوه من جنسيته فاستقرّ في أفغانستان التي تحكمها (طالبان). فطلب الأميركيون من حكومة طالبان تسليمه لهم فرفضت هذا الطلب.
وفي اليوم السابع من تشرين الأوّل سنة 2001 بدأت أميركا الحرب على أفغانستان، فوجّهت طيرانها الحربي لقصف مواقع طالبان فتوالى القصف على كابل وقندهار والمزار الشريف وغيرها من المدن، وظلّت الحرب الأميركية حرباً تكتفي فيها الطائرات الأميركية بقصف ما تعتقده قواعد حيوية لطالبان.
على أنّه كانت في البر قوى أفغانية معارضة لطالبان كانت تتمسك بمساحة من الأرض الأفغانية مدافعة عنها بما تملك من قوى، فجاءها الغزو الأميركي الجوي بالفرج فراح يدكّ الخطوط العسكرية لطالبان، فزحفت القوى الأفغانية البرية المعارضة فاحتلّت مدينة (المزار الشريف) طاردة قوى طالبان منها في العاشر من شهر تشرين الثاني سنة 2001.
ثمّ توالت هزائم طالبان وتوالى سقوط المناطق والمدن بأيدي معارضيها، وفي اليوم الثاني عشر من تشرين الثاني كانت الأوضاع قد جرت على الشكل التالي:
سيطرت قوات «تحالف الشمال» الأفغاني المعارض على تسع ولايات، في أقل من 48 ساعة، وتقدّمت إلى أبواب العاصمة كابول، بعد سلسلة انسحابات سريعة نفذتها حركة «طالبان» في ظل قصف أميركي شديد استهدف بشكل خاص معقلها في قندهار جنوب البلاد.
وجاءت تلك التطورات، بعد إحكام التحالف سيطرته على مدينة المزار الشريف عاصمة الشمال التي كان قد احتلها. وأفيد أنّ عشرات من مقاتلي «طالبان» وأنصارهم المتطوعين الباكستانيين والعرب، قتلوا أو أسروا، فيما انشق عدد آخر عن الحركة وانضم إلى المعارضة.
وتركّزت الاشتباكات بين الجانبين، في ولاية تخار شمال شرقي البلاد حيث بدا أنّ فلول «طالبان» فشلت في التصدّي للتحالف.
وأعلن وزير الخارجية في حكومة التحالف عبدالله عبدالله أنّ «طالبان» خسرت القسم الأساسي من قواتها خلال القتال في الشمال. وقال ـ في مؤتمر صحافي عقده في جبل سراج (شمال كابول) ـ إنّ «حجم هزيمتهم (طالبان) يبرز ليس عبر خسارتهم السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي فحسب بل أيضاً القسم الرئيسي من قواتهم».
وفي غضون ذلك، تقدّمت قوات التحالف غرباً عبر ولايتي فارياب وبادغيث إلى حدود ولاية هراة المحاذية للحدود مع إيران، إذ يتوقع أن تستجمع قواها مع انضمام قوات الحاكم السابق للولاية إسماعيل خان إليها، تمهيداً لنقل خط الجبهة إلى الحدود مع ولاية فرح البشتونية في الجنوب الشرقي.
وفي وسط البلاد، تقدّم التحالف عبر ولايات سامنغان وساري بول وبغلان ليصل إلى المداخل الشمالية الغربية لكابول، مستعيداً بذلك ولاية باميان المعقل السابق لحزب الوحدة الشيعي.
وبدا أنّ «طالبان» فشلت في التصدّي للتحالف في ولاية تخار غرب بغلان حيث دارت معارك أسفرت عن فقدانها السيطرة على مدينة طالقان عاصمة الولاية، بعدما كان التحالف نجح في بسط سيطرته على تقاطع طرق رئيس في بولي خمري عاصمة بغلان، ما فتح أمامه الطريق للتقدّم جنوباً في اتجاه ممر سالانغ المؤدّي إلى العاصمة.
وأعادت قوات التحالف التجمّع في محيط قاعدة باغرام على بُعد بضعة كيلمترات شمال كابول حيث كانت مواقع «طالبان» عرضة لغارات عنيفة من قاذفات «بي 52» الأميركية الثقيلة وتوقع خبراء عسكريون أن تصبح الطريق إلى كابول سالكة أمام التحالف بحلول الظلام، وذلك في انتظار «قرار سياسي» للدخول إليها.
وأفيد أنّ 200 متطوّع باكستاني قتلوا في مزار الشريف بعد دخول قوات التحالف المدينة. وأعلن الحاج محقق أحد قادة المعارضة الشيعية للصحافة الإيرانية أن «معارك جرت في منطقة تسمّى مكتب السلطان راضي دخلها أخيراً 1200 باكستاني لم يتمكنوا من الفرار منها مع طالبان وقتل 200 منهم».
وأضاف محقق الذي كان وزيراً للداخلية في حكومة برهان الدين رباني ورئيساً للمجلس السياسي لحزب الوحدة: «وجهنا لدى دخولنا مزار الشريف تحذيرات «للباكستانيين» لكي يسلموا أنفسهم فطلبوا منّا إرسال ممثلين لكنّهم أطلقوا النار عليهم وقتلوا ستّة منهم». وقال: «لم تحدث في الواقع اشتباكات عنيفة للسيطرة على المدينة. والآن حرر شمال أفغانستان كلّه فيما عدا «ولايتي» قندوز وبغلان»، علماً أن بغلان تابعة منذ زمن بعيد لقادة موالين للتحالف الشمالي، فيما تقدّم التحالف في اتجاه قندوز حيث حاصر 15 ألف عنصر من قوات «طالبان».
وأوضح محقق أنّ جنود التحالف سيخرجون من المزار الشريف بعد تطهيرها وسيعهد بالأمن إلى مجموعة من 3000 شخص من مختلف مجموعات المجاهدين. وأكد أنّ «طالبان» لم تعد تملك القدرة على شن هجوم مضاد، «لكنّهم إذا فعلوا فإنّنا لهم بالمرصاد». وأكد أنّ قوات تحالف الشمال صادرت في مزار الشريف «قذائف هاون وقذائف مضادة للطائرات وكاتيوشا».
معارك تخار
وسبقت سيطرة التحالف على طالقان عاصمة تخار (شمال شرقي) معارك بينه وبين مقاتلي «طالبان». وسمع إطلاق نار غزير بالرشاشات ومدافع الهاون قرب قرية أصفان دشت على مسافة 10كلم جنوب غربي خط الجبهة في شاراتاي حيث تمكّن تحالف الشمال من الاستيلاء على موقعين للحركة يقعان على تلال تبعد بضع مئات الأمتار من مواقع المعارضة.
وأوضح القائد محمد نوروز: «بعدما تقدّمنا كيلومتراً على الجبهة، اضطررنا إلى التراجع مجدداً بسبب نقص في العديد والعتاد. لكنّنا استأنفنا الهجوم ما إن وصلت تعزيزات». وقتل 15 إلى 30 مسلحاً من «طالبان» في معارك السبت وفق أرقام متناقضة صدرت عن تحالف الشمال الذي اعترف بمقتل ستة رجال في صفوفه.
وبسقوط تخار، أصبح في إمكان التحالف استقدام أسلحة وعتاد من مستودعاته في طاجيكستان المجاورة إلى وادي بنجشير المعقل التاريخي للقائد الراحل أحمد شاه مسعود.
وبادغيث
وتكرّر الأمر نفسه، في بادغيث غرباً، حيث أعلنت قوات التحالف الاستيلاء على قلعة نو عاصمة الولاية التي تفتح السيطرة عليها الطريق إلى مدينة هراة.
وقال الناطق باسم الجنرال إسماعيل خان أحد قادة تحالف الشمال في تصريح نقلته وكالة الأنباء الإسلامية إنّ «سكان هراة بدؤوا يثورون ومن المفترض أن تسقط المدينة».
وأوضح الناطق محامي الله أفضلي أنّ قوات المعارضة استولت على قلعة نو من دون تلقى مقاومة. وأشار إلى اعتقال حاكم الولاية وأربعين مسلحاً من «طالبان». لكن إسماعيل خان أكد لاحقاً اعتقال 300 من مقاتلي «طالبان» وقتل 15 آخرين بعد قتال استمرّ أربع ساعات في ضواحي قلعة نو.
وفي ساعة مبكرة من اليوم الثالث عشر من تشرين الثاني سقطت كابل بعد خمسة أعوام من سيطرة حركة «طالبان» عليها. وشهدت المدينة حوادث سرقة ونهب شملت الصيارفة ومستودعات الأمم المتحدة قام بها طالبان المنسحبون، ودخل مئات من المقاتلين ورجال الشرطة التابعين للتحالف إلى العاصمة عبر الطريق القديمة المقبلة من الشمال على متن شاحنات وسيّارات عسكرية أو سيراً على الأقدام، لاحقين بالطلائع التي ناهز عددها الـ 60 شخصاً الذين دخلوا إلى المدينة فجراً بسيّارات جيب.
ونقل التلفزيون الإيراني مظاهر فرح وبهجة بين سكان العاصمة، خصوصاً لدى وصول قائد قوات التحالف الجنرال محمد قاسم فهيم برفقة وزير الخارجية في حكومة التحالف عبدالله عبدالله.
وفي وقت كانت العناصر الأولى للقوات المعارضة المسلحة برشاشات كلاشينكوف وقاذفات قنابل تدخل المدينة بسيّارات من جهة الشمال، كان عناصر «طالبان» يفرّون منها من جهة الجنوب. وأشارت الإذاعة الإيرانية إلى «إطلاق نار متقطع» في المدينة وتحدّثت عن «صفوف طويلة من سيّارات طالبان» تغادر.
وتدفق المئات من سكان العاصمة على المواقع الأمامية التي تبعد نحو كيلومترين من المدينة للترحيب بالمقاتلين. وشوهدت على الطريق المؤدّي إلى هذه المواقع دبابات «طالبان» وقطع من المدفعية المحترقة من جرّاء القصف الأميركي.
وقال يونس قانوني وزير الداخلية في التحالف: «نحن هنا الآن لضمان أمن المدينة والحؤول دون تعرّض المجرمين للمواطنين». وأوضح أنّ «طالبان أخلت كلّ المناطق المحيطة بالعاصمة وربّما أيضاً ولايتي لوغار (جنوب العاصمة) وميدان شار (عاصمة ولاية وردك في غرب كابول). وتولّى سكان المنطقة السيطرة على الولايتين».
وأفاد مراسل لوكالة «فرانس برس» أنّ عمامات سوداً ترمز إلى حركة «طالبان» علقت على شرفة مقر قيادة الشرطة في العاصمة الأفغانية حيث ردّدت الحشود «الموت للإرهابيين» وهي تطلق النار عليها.
وراح محمد أجمل وهو أحد السكان في شمال كابول يهتف وقد بدت عليه علامات الفرح «طالبان انسحبوا، طالبان انسحبوا». وقال آخر متحدّثاً عن قوات التحالف التي دخلت كابول من الشمال: «لقد وصلوا». وأشار مراسل «فرانس برس» إلى أنّ مجموعات من السكان تجمّعت على امتداد الشوارع لاستقبال قوات التحالف وهي تهتف مع المقاتلين الذين كانوا على متن سيّارات الجيب «الله أكبر». ولم يشاهد أي من جنود «طالبان» في شوارع كابول باستثناء مجموعة من الأسرى كان يواكبها مقاتلون من المعارضة.
وأكد سجين سابق يدعى عصمة الله أنّه أفرج عن 360 معتقلاً من مقر قيادة الشرطة في كابول. وقال: «حين وصلت المعارضة هذا الصباح أطلقت سراح جميع الناس».
وبث التلفزيون الإيراني نقلاً عن مراسله في كابول أنّ «مقاتلي تحالف الشمال استولوا على مقر الرئاسة وأهم المباني العامة، لا سيما مقر وكالة بختار» للأنباء. مضيفاً أنّ «قوات التحالف يضمنون اعتباراً من (أمس الثلاثاء) أمن السفارات الأجنبية».
ونشر تحالف الشمال قواته في أرغندي (10 كلم إلى شمال المدينة) وفي سانجي نويشتا (5 كلم إلى الجنوب) وفي بولي شرقي (10 كلم إلى الشرق)، على ما ذكرت وكالة الأنباء الإسلامية. وأضافت الوكالة: «ليس هناك أي مقاومة والوضع هادئ. كما أنّه ليست هناك إشارة تدل على تحرّك من جانب طالبان».
وسرق المنسحبون ملايين الدولات من سوق الصرف الرئيسة في كابول، فيما كانوا يغادرون المدينة ومقاتلو تحالف الشمال يدخلون إليها.
وقال حجي أمين خوستي المسؤول عن سوق الصرف: «كل رأسمالنا، حتّى الكومبيوترات والسجاد وأباريق الشاي ذهبت. إنّها جريمة ضد بلادنا، ضد الأفغان وضد الإسلام».
وفي نيودلهي، أعلنت مفوضة الأمم المتحدة العليا لحقوق الإنسان ماري روبنسون أنّ مخازن المساعدات الإنسانية نهبت في كابول. وقالت للصحافيين أثناء زيارتها لنيودلهي: «سبق ووردت معلومات حول نهب المساعدات الإنسانية ونخشى أن تزداد الحال سوءاً. وفي ذلك مأساة شاملة للسكان المدنيين». وكانت الأمم المتحدة أعلنت أن مستودعاتها ومخازن الأغذية التابعة لها نهبت على أيدي عناصر «طالبان» في الأسابيع الأخيرة.
تحرير التلفزيون
هل تتخيل عالماً بلا تلفزيون؟
«طالبان» حقّقت هذا الخيال الفظيع. حرمت الشعب الأفغاني من أهم وسيلة إعلام في هذا العصر، وأوقفت مشاهد الحياة اليومية للبشر، وغيّبت الأحداث والمعلومات والتطورات العلمية والطبية، وأغلقت الباب دون وصول الصور ووجهات النظر والآراء الأخرى… وأغرقت الأفغان في عزلة سوداء كقطع الليل، وصادرت حق المعرفة، ومارست الجهل والتجهيل، وحرّمت التلفزيون وحطمت شاشته.
عاد التلفزيون الأفغاني إلى الحياة، وعاد مقدمو البرامج إلى العمل بعد انقطاع فرضته حركة «طالبان» استمرّ خمس سنوات. أخرج الناس أجهزة التلفزيون من المخابئ ونفضوا عنها الغبار، ووضعوه على المناضد، وتحسّسوها، واستعادوا ذكرياتهم معها، وتناقلوا الخبر، وتساءلوا عن النبأ وهم بين مصدق ومكذب: هل عاد التلفزيون إلى الحياة بالفعل… وتنفّسوا الصعداء.
يا الله ما أفظع «طالبان». يا الله ما أقسى هذه الحركة التي جهلت فوق جهل الجاهلين، وأعادتنا قروناً إلى الوراء، وجاءت بدعوى وقف الحرب وإشاعة الأمن ونشر الدين القويم، وتوحيد البلاد، وإذا بها تنفر الناس من الدين، وتشوّه صورة الإسلام، وتوقف حرية الحوار وسماع الأخبار، وتمارس القمع، وتحجب النور وتتحالف مع الظلم والظلام والبؤس، وتحارب الحضارة والمدنية، وتغيب الوعي وتحرم الإعلام والخيال والإبداع والتطلع إلى المستقبل، وتهين المرأة، وتنتهك حقوق الإنسان، وتحيل حياة الشعب الأفغاني إلى جحيم.
لا شك في أنّ الحرب على الجهل والتخلف أولى من الحرب على الإرهاب، واستئناف التلفزيون الأفغاني بثّه وفكّ أسره من سجن «طلبة الجهل والتخلّف» خبر بحجم طردهم من كابول، وواحد من أهم إنجازات هذه الحرب. ولكن بأسف، لم يأخذ هذه الإنجاز حقّه من الإبراز والضوء، على رغم كونه انتصاراً على الإرهاب والتطرّف والغلو، وإشارة إلى فداحة الظلم الذي كانت «طالبان» تمارسه ضد الإنسان الأفغاني وضد الحرية.
حين يعود جواسيس أميركا إلى القرون الوسطى
ترسانة غريبة تستخدم
الأقمار الاصطناعية والخيول والحمير
تتداخل العصور إلى حد السريالية في حرب أفغانستان. ففي الوقت الذي يختبر فيه الأميركيون آخر ما توصلوا إليه في تكنولوجيا الآلة الحربية، تبرز ترسانة لوجستية لا بديل عنها، تستخدم الخيول، وأحياناً الحمير في المواصلات.
تابع العالم أخبار جواسيس أميركيين يحملون آخر ما توصل إليه العلم من أجهزة الاتصال، وهم يصلون إلى أفغانستان التي تشهد أولى حروب القرن الواحد والعشرين يمتطون ظهور الدواب وكأنّهم خرجوا من بطن التاريخ في القرون الوسطى. واعترف وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد بأنّ الأميركيين استخدموا مزيجاً غريباً من وسائل الاتصال والمواصلات، يراوح بين الأقمار الاصطناعية والدواب، من خيل وحمير، لعبور مضائق الهندوكوش قبل موسم الثلوج. وتقدِّم الجبهات حول قندهار وقندوز وكابول مرآة أخرى للتاريخ، فالمتاريس والخنادق والمدن المحصنة وراء جدران الطين، تذكّر بالحرب العالمية الأولى وما قبلها.
إلى الصورة يمكن أن تضاف أيضاً مساومات تجار السجاد وبائعي الدواء على الطريقة الأفغانية، من شدّ الأيدي وكلمة الشرف وكلّ قيم الماضي السحيق، مع الآلة الحاسبة… ثمّ الكلفة الباهظة لوسيلة النقل البدائية التي تعبر بالصحافيين الأجانب المناطق الجبلية، وهي عادة حمار وفي أحسن الحالات حصان! أمّا الكلفة فتعادل ثمن سيّارة ومعدلها نحو ألفي دولار. احتاج الصحافيون وسيلة النقل هذه منذ بداية تشرين الثاني (نوفمبر)، إذ تقطع الثلوج لستة شهور كاملة طريق الهندوكوش، بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا. وقام العديد من كبار المراسلين بهذه الرحلة بين مدينة خواجا بهاء الدين، مقر قيادة «تحالف الشمال» القريب من الحدود الطاجيكية ووادي بانشير في شمال كابول، على متن طائرات هليكوتبر مستأجرة. أمّا المراسلون الأقل شأناً فكان عليهم أن يقوموا برحلة تستغرق أربعة أيام، وهم يتسللون بين المواقع التابعة لـ «طالبان» وتلك التابعة لعدوهم «تحالف الشمال». وإذا كانت الرحلة طويلة جدّاً للجميع، فإنّ الأحاديث خلالها قصيرة ومجتزأة، مع الإدلاء بلغتهم الدارية وهي نوع من الفارسية المحكية. واضطر المراسلون أن يسلكوا الطريق ذاتها التي سلكها البريطانيون في الحرب البريطانية ـ الأفغانية الأولى التي أعلنتها الإمبراطورية العظمى السابقة على الأمير دوست محمد عام 1838.
ويروي التاريخ أنّ البريطانيين أرادوا لحملتهم عبر هذه المناطق، تأمين بعض الرفاهية لضباط الحملة، فكانت الكلاب جزءاً من الحملة، لا للحراسة، بل لاستخدامها في صيد الثعالب بين وقت وآخر. حتّى أنّ أحد الجنرالات كان يملك ستين من هذه الكلاب المدربة. وتظلّ طريق الحروب هي ذاتها في القرن التاسع عشر والقرن الواحد والعشرين لهؤلاء الأجانب الذين خاضوا غمار القتال في أراض شديدة القسوة، في مواجهة بشر لا يقلون قسوة عن الطبيعة.
توالي الأحداث
توالت أحداث الحرب وتوالى استسلام قوات طالبان واحتلّت عاصمتهم (قندهار)، فأدّى ذلك إلى أن تعقد الفصائل الأفغانية في مدينة (بون) الألمانية مؤتمراً تقرّر فيه تأليف حكومة مؤقتة تتولّى التمهيد لانتخابات عامة تمهيداً لاستقرار حكومي.
وقد توارى ابن لادن وزعيم طالبان محمد عمر مع أنصار لهما في الجبال حيث يتعقبها الطيران الأميركي والقوى الأفغانية. وحتّى هذا اليوم الذي نكتب فيه هذا الكلام 4 آذار 2002 لم يبد لهما أثر.
من الأدب الحديث في أفغانستان
ونترك الحديث بعد هذا للأستاذ كامل المهندس:
قبل أن أعرض للشعر الفارسي الحديث في أفغانستان، يجدر بي أن أذكر كلمة عن اسم هذه البلاد قديماً وحديثاً، وأنّ أقدم نبذة عن الأساليب التي لوّنت الشعر الفارسي في جميع عصوره، ومدى تأثيرها في الشعر الفارسي الحديث في أفغانستان.
اسم أفغانستان
اسمها القديم (آريانا). وفي العصر الإسلامي احتلّت كلمة (خراسان) مكان (آريانا) القديمة وقد ترجم كتاب هذا العصر ـ أمثال أبي الفداء، وابن خرداذبه وخواندمير ـ (خراسان) بالمشرق أو مطلع الشمس، واستعملوها في مكان (أفغانستان) القديمة.
كما أطلق شعراء هذا العصر وكتابه على ملوك (أفغانستان) القديمة ـ أي أمراء الدولة الطاهرية، والصفارية، والسامانية ملوك (خراسان).
وكتاب الفرس وشعراؤهم ـ البيهقي، والعروضي والسمرقندي، والعنصري، والبلخي، والغضائري وأمثالهم ـ يذكرون هذا الاسم أيضاً.
حدث في القرنين الثاني عشر والثالث عشر للهجرة أن ظهرت كلمة (أفغانستان) مطلقة على مساحة أصغر من (آريانا) أو (خراسان)، وإن كانت قد شملت أجزاء لم تكن ضمن (خراسان) قديماً.
وشغل اسم (أفغانستان) تدريجاً مكان (خراسان).
وأخيراً أصبح الاسم القومي والرسمي للبلاد التي تحدّ شمالاً بما كان يسمّى الاتحاد السوڤياتي، وجنوباً وشرقاً بباكستان، وغرباً بإيران.
الأساليب التي لوّنت الشعر
الفارسي في أفغانستان
الشعر الفارسي بصفة عامة لا يمكن أن يخرج من تأثير أربعة اساليب، يتداخل بعضها أحياناً في بعض. ويراد بالأسلوب مجموع الألفاظ والتراكيب وأنواعها من ناحية قواعد اللغة، وما تعنيه كلّ كلمة، وأنواع التخيّل، وطرق التعبير عنها، وحالات الشاعر الروحية التي انعكست فيها آثار بيئته ونوع معيشته. إذ كلّ من هذه الأمور يحدّد لون الشعر، ويضفي عليه رونقاً خاصّاً:
أ ـ الأسلوب الخراساني أو التركستاني: ويبدأ من منتصف القرن الرابع، إلى منتصف القرن السادس للهجرة.
ب ـ الأسلوب العراقي: ويبدأ من منتصف القرن الخامس، إلى أواخر القرن التاسع للهجرة.
ج ـ الأسلوب الهندي: ويبدأ من القرن العاشر الهجري، إلى اليوم.
والأسلوب الساماني أقدم أقسام الأسلوب الخراساني. ويمتاز بما يأتي:
1 ـ خلوّه من الألفاظ العربية، مع استثناء المصطلحات الدينية والإدارية والسياسية، التي ليست لها نظائر في اللغة الفارسية وذلك كألفاظ الحج، والجهاد، والمحتسب، وأمثالها، فقد استعملت هذه الكلمات في النظم والنثر.
على أنّه قد وجِدَت في الاسلوب الساماني ألفاظ عربية لها نظائر فارسية، واستعمل المصطلح الفارسي بجانب نظيره العربي، مثال ذلك. «نماز: الصلاة، روزة: الصوم».
2 ـ كما أنّ الأسلوب الساماني ينفرد بعدم فنية القافية، وبجريانها على نمط واحد، فإنّ القوافي تختم فيه عادة بالألف والنون أو ما يماثل ذلك من الحروف. ويمتاز كذلك بالمبالغة في الوصف والمدح.
فمن المبالغة في وصف الخمر مثلاً. قول الرودكي:
«إنّ تأثيرها يصل إلى أعالي المخ قبل أن تذاق، وإنّها لو سقطت منها قطرة في نهر النيل لظلّ التمساح ثملاً من رائحتها مائة عام، وإنّ غزال السهل لو شرب قطرة منها لصار أسداً عربيداً لا يكترث بالفهد».
3 ـ وأغلب ما نظّمه السامانيون، كان في صورة «المقطعات» أو القطع الشعرية القصيرة. وتختلف القطعة عن القصيدة، في أنّ الأولى تتكوّن من بيتين على الأقل، وأنّ مطلعها لا يشترط فيه التصريح (اتحاد شطري مطلع القصيدة في القافية) وتتفقان في أنّ أبياتهما لا تتجاوز عادة سبعين ومائة.
والأسلوب الغزنوي قسم آخر من أقسام الأسلوب الخراساني.
ويمتاز كذلك بما يأتي:
التجديد والقوّة، واتجاه الشعراء إلى المدح أكثر من اتجاههم إلى أي غرض آخر.
كما يمتاز بظهور القصائد الطوال، وزيادة الاهتمام بنظم الملاحم والأساطير الوطنية. (وأطول ملحمة هي الشاهنامه التي نظمها الفردوسي)، وظهور المناظرات الشعرية، التي لم تكن مألوفة في الشعر الفارسي من قبل.
وفي هذا العصر ولع الشعراء بالدقة في وصف الفاكهة وغيرها، وظهر نوع جديد من الشعر يسمّى «الملمعات». والملمع نوع من القصيدة، ينظم فيه الشاعر بيتاً بالفارسية يليه بيت بالعربية أو العكس، مع مراعاة أن تكون معاني الأبيات مرتبطة بعضها ببعض بحيث تكون القصيدة وحدة متماسكة الأجزاء.
وفي هذا الأسلوب، زادت العناية باستعمال الألفاظ والمصطلحات العربية في الشعر، ولذا اعتبر الأسلوب الغزنوي نقطة التحوّل من الأسلوب الخراساني إلى الأسلوب العراقي.
وممّا يمتاز به الأسلوب الخراساني بصفة عامة، قلّة الالتجاء إلى المجاز، وعدم العناية باستعمال المحسنات اللفظية والمعنوية، وسذاجة المعاني وبساطة الألفاظ، والإقلال من الغزل، وعدم الاتجاه إلى المعاني العلمية، غير أنّ الشاعر في الأسلوب الغزنوي، قد يمسّ الحقائق العلمية عفواً ومن غير قصد.
الأسلوب العراقي
ويبدأ من أواسط القرن الخامس (عصر السلاجقة) حتّى أواخر القرن التاسع للهجرة.
وفي هذا الأسلوب وضح النضج والقوّة في الشعر الفارسي، وذهبت بساطة الأسلوب الخراساني وسلاسته، وشقّت الألفاظ العربية طريقها إلى أشعار الشعراء بصورة أكبر. والاستعارات والتشبيهات والكنايات التي كانت في الأسلوب الخراساني طبيعية ومحسوسة وغاية في البساطة، أصبحت عقلية وأكثر غموضاً وتعقيداً.
ولمّا كان اتجاه الشعراء إلى نظم القصيدة أقل في هذا الدور أعطوا عناية خاصّة لإنشاد الغزل:
«والغزل في العادة أقصر من القصيدة وأطول من القطعة، ويتفق مع القصيدة في أنّه يبدأ ببيت مقفى المصراعين، ويختلف عن كلّ من القصيدة والقطعة في أنّه لا يكون وحدة شعرية متصلة الأفكار» والصناعة الشعرية التي كانت قليلة ومحدودة في الأسلوب الخراساني زادت في هذا وبدت أكثر تكلفاً، وبخاصّة الصناعة اللفظية التي كلف بها الشعراء.
وفي هذا العصر أكثر الشعراء من أستعمال الشعر «الملمع»، كما ظهر الشعر الأخلاقي والديني، ونظمت القصائد في ذم الدنيا ووصف الآخرة، واتّسعت فنون الشعر، ونظم التركيب بند (مجموعات من الأبيات متّحدة البحر مختلفة القافية، يؤتى فيها بعد كلّ مجموعة ببيت للربط بين معاني المجموعات، ولكن هذا البيت لا يتكرر) الذي لم يكن معروفاً في الآداب الفارسية، ونظمت الرباعيات بشكل أزيد وأوضح (والرباعي يتكوّن من أربعة مصاريع، فيها يتّحد الأوّل والثاني والرابع في الروي، وليس من الضروري أن يتّحد الثالث مع هذه الثلاثة. ولا بدّ أن يكون من بحر الهزج (مفاعيلن ثمان مرّات). وكلّ رباعي وحدة شعرية مستقلة، وبخاصّة رباعيات المتصوّف العارف بالله: أبي سعيد أبي الخير، ورباعيات الفيلسوف الحكيم: عمر الخيام.
ومن المميزات البارزة لهذا العصر تخصّص الشاعر في فن واحد من فنون الشعر وتفوّقه فيه، وذلك كتخصّص سعدي وحافظ في الغزل، والنظامي وجلال الدين الرومي في المثنوي (مجموعات أبيات متّحدة البحر مختلفة القافية، كلّ بيت منها مقفى المصراعين).
كما أنّ من أخصّ صفات هذا العصر، سيطرة التصوّف على الأدب الفارسي. وكان قد بدأ ظهوره في القرن الخامس. واتّسع في القرن السادس وبلغ أوج قوّته في القرن السابع للهجرة.
وممّا يمتاز به هذا العصر أيضاً التعمّق في استعمال المعاني العلمية وإلحاق مادة التاريخ بالشعر، وكان هذا نادراً في العصر الخراساني، وكان تاريخ الأحداث والأعمار في الشعر الخراساني بالأعداد، فأصبح في الشعر العراقي بالحروف.
الأسلوب الهندي
وقبل أن أعرض لمميزات هذا الأسلوب لا بدّ أن أذكر كلمة عن نشأته. ولمؤرخي الأدب في هذا رأيان:
أوّلهما أنّ أوّل من أسّس مدرسة هذا الأسلوب هو «بابافغاني» الشيرازي وأنّه سافر إلى (هراة) عاصمة (خراسان) في زمن السلطان حسين واتصل هناك بإمام الشعراء وقتئذ (عبد الرحمن الجامي). ولمّا أصبحت هراة ميداناً للنزاع بين الشيبانيين والصفويين اتّجه شعراء خراسان نحو الهند حيث الأمن والطمأنينة والعطايا الوفيرة وحيث الملوك الذين كانوا يتذوقون الشعر ويقدرون الشعراء تمام التقدير، فابتكر الشعراء المعاني الجديدة والموضوعات التي لم يسبقوا إليها والأخيلة الطريفة.
والرأي الثاني أنّ هذا الأسلوب أقدم من عهد الجامي، وأنّه ظهر في شعر أمير خسرو الدهلوي وحافظ الشيرازي، لذلك لا يعتبر أسلوباً جديداً وإنّما هو أحد التطوّرات التي لحقت الأسلوب العراقي.
ومهما يكن أصل هذا الأسلوب، فإنّ كثرة شعراء العصر الحديث في أفغانستان ولعوا بالأسلوب الهندي واتخذوا شعر «أبي المعاني بيدل» ـ شاعر الهند الذائع الصيت ـ مثالاً يحتذونه وينسجون على منواله ويمتاز هذا الأسلوب بابتكار المعاني والموضوعات الجديدة، والمبالغة في استعمال الدقة الفكرية في ربط أجزائها بعضها ببعض إلى حد فقد معه الشعر السلاسة والانطلاق ومالت معانيه إلى الاستغلاق والالتواء، حتّى استحال الشعر أحياناً لغزاً، وعزّ على القارئ كشف معمياته.
مثال ذلك ما قاله أحد شعراء هذا الأسلوب في وصف الشمعة:
شمع رابر سرنمي دائم هواي روى كيست
بوي كل مي ايد از دوربر بروانه أم
ومعنى البيت: «إنّي لا أدري في حب وجه من تحترق الشمعة. إنّها تحترق لأنّ رائحة الوردة تأتي من حول جناح فراشتي».
ويقصد الشاعر بهذا أنّ الشمعة تحترق لأنّ رائحة الوردة التي تنبعث إليها من جناح فراشته تبثّها لوعته وحرقة فؤاده.
قارن هذا الغموض بوضوح «منوجهري» (من شعراء العصر الغزنوي) في وصفه للشمعة حين يقول:
كرنه كوكب جرابيدا نكردي جزبشب
ورنة عاشق جراكريي همي برخويشتن
ومعناه: إذا لم تكوني كوكباً فلم لا تظهرين إلاّ ليلاً؟
وإذا لم تكوني عاشقاً فلم تبكين على نفسك؟
فشعراء هذا الأسلوب كثيراً ما كانوا يعمدون في ابتكار المعاني الممعنة في الخيال، ويستخدمون الاستعارات والتشبيهات البعيدة عن الحقيقة، غير أنّ أسلوبهم لم يخل أحياناً من اللطيف الطريف.
وممّا يلاحظ على شعرائه بصفة خاصّة التعفّف، وعلو الهمّة، ومعنى هذا أنّهم لم ينشدوا الشعر طلباً للجدوى والعطاء بل إنّهم كانوا يضعون أنفسهم أحياناً في مركز أعلى من حقيقتهم.
وممّا يمتاز به هذا الأسلوب أيضاً اختيار الألفاظ الجيّدة الطريفة وصوغها في أسلوب متين رصين. وكان النظامي الكنجوي إمام أهل الأدب الفارسي في هذا الميدان.
كما يمتاز بكثرة استعمال ما يسمّونه «مدعا» ويراد به أن يدّعي الشاعر في مصراع ادعاء، ويقيم دليلاً شعرياً على إثباته في المصراع الثاني، وعلى قدر قوّة الدليل يكون الادعاء أثبت وأصح. وقد استعملت هذه الصنعة في أسلوب المتقدمين غير أنّ الاسلوب الهندي بلغ فيها القمة.
وما أشبه هذا بالتشبيه الضمني عندنا الذي يكون الغرض منه بيان أنّ المشبه ممكن، كما في قول أبي الطيب المتنبي:
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلام
فقد ادعى الشاعر في المصراع الأوّل أنّ من يتعوّد الذل يسهل عليه أن تذل نفسه، وأراد في المصراع الثاني أن يبرهن على ذلك، فشبّه حال من تعوّد الذل بالميت، وكما أنّ الميت لا يؤلمه الجرح كذلك من اعتاد الذل لا يؤثّر فيه إذلال نفسه.
أحدث هذا الأسلوب انقلاباً كبيراً في عالم الآداب الفارسية، وبعث نوعاً من الفكر الجديد والخيال الطريف في ميدان الأدب والشعر، وترك تأثيراً كاملاً في شعراء خراسان وما وراء النهر الذين سحروا بروعته، فنسجوا على منواله. لهذا ظلّ شعراء كثيرون في أفغانستان ينظِمون على هذا الأسلوب من القرن العاشر الهجري إلى اليوم.
وقد حدث على أثر تدهور الشعر في إيران، أنّ فكّرت طائفة من شعراء أصفهان ونواحيها في عهدالصفويين ـ وبخاصّة في القرن الثاني عشر الهجري ـ في أن تعيد للشعر أسلوبه القديم، وتزيل ما لحقه من انحطاط وابتذال، وتكوّنت منها فرقة تروّج لهذه الفكرة، وتبذل الجهد في إحياء أسلوب الأساتذة من السلف مرّة أخرى، فحذت في إنشاد الغزل حذو شعراء الأسلوب العراقي وبخاصّة (سعدي وحافظ). وفي القصيدة حذو الشعراء السامانيين والمحموديين (نسبة إلى السلطان محمود الغزنوي 366ـ421هـ) من أمثال الرودكي والفرخي والعنصري وغيرهم.
لكن في أفغانستان لم يعر الشعراء هذه الفكرة أقل اهتمام، بعد أن اتّجهوا إلى الأسلوب الهندي، وبخاصّة بعد أن نسجوا على منوال (بيدل) والتزموا مدرسته. بهذا ـ إذا استثنينا عدداً من الشعراء ـ لا نجد في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر للهجرة سوى عدد قليل من الشعراء في أفغانستان اعتنقوا فكرة الرجوع بالشعر إلى أسلوب القدامى.
ومن جملة الشعراء الذين نظموا الشعر على الأسلوب الخراساني والعراقي (أديب البشاوري، وشرر الكابلي) اللذان أنشدا القصائد الغراء على الأسلوب الخراساني، وجعلا مصباحه المظلم في أفغانستان نصف مضيء.
وهناك شاعران آخران في هراة هما: (مشواني، وسيدمير) نظما قصائد رائعة على أسلوب المتقدمين، فسيدمير حذا حذو (الخاقاني الشيرواني) بالذات وأحيا اسمه مرّة أخرى، وجدّد ذكرى الأساتذة القدامى في الأذهان.
أمّا الشاعر الذي بلغ القمة في الغزليات العذبة الممتازة، وبعث الأسلوب العراقي من جديد، وحذا حذو حافظ الشيرازي في لغته وأسلوبه فهو (ميرزا محمد نبي خان دبير) المعروف «بواصل الكابلي». أراد «واصل» أن ينسج على منوال الأسلوب العراقي فلم ير هادياً في بلوغه هذه الغاية خيراً من حافظ، إذ هو يقول في بيتين معناهما:
لا يملك أحد معنى من هذا النوع سوى حافظ إقليم الكلام.
ومهما أكثر قلمي من تحطيم أقلام الأساتذة فإنّ قلم حافظ لا يزال يخدش أقلامي.
ولكن هذه الفكرة ذهبت بذهاب «واصل» ولم يحذ شعراء أفغانستان حذوه بل ظلّوا متمسكين بالأسلوب الهندي. غير أنّنا نجد في الوقت الحاضر عدداً من الشعراء والكتّاب يقلّدون أساتذة السلف في النظم والنثر ويبرزون آثاراً تذكّرنا بأشعار الفرخي والعنصري ونثر البيهقي والعروضي.
من شعراء القرن الرابع عشر
الهجري في أفغانستان
واصل الكابلي
هو ميرزا محمد نبي خان ابن ميرزا محمد خان الملقب «بدبير الملك» (كاتب الملك)، والمشهور «بواصل».
ولد في كابل في حدود سنة 1244هـ، وتلقّى تعليمه الأوّلي فيها، ولمّا كبر انتظم في سلك المنشئين. ثمّ عيّن معاوناً لزميله في الدراسة (ميرزا محمد محسن خان) الذي كان قد عيّن سفيراً لأفغانستان في روسيا، وظلّ في هذا المنصب حتّى نهاية زمن (أمير شير عليخان) 1296هـ. ثمّ عاد إلى كابل في عهد (الأمير عبد الرحمن خان)، فاختاره كاتباً له، واستمرّ في هذا المنصب حتّى نهاية حياته في شهر شوال سنة 1309هـ.
وكانت لـ “واصل” مقدرة فائقة في الشعر: فقد أنشد الغزل والقصيدة والقطعة والرباعي والترجيع بند (مجموعات من الأبيات متحدة البحر مختلفة القافية، يؤتى بعد المجموعة الأولى ببيت يتكرّر بعد كلّ مجموعة للربط بين المجموعات) وأمثالها بمهارة بالغة.
وأسلوبه في الشعر هو الأسلوب العراقي، وأستاذه فيه حافظ الشيرازي.
وله ديوان شعر، كما أنّ له كتاباً في النثر يصوّر فيه يوميات حياة «أعلى حضرت أمير شير عليخان».
ومن غزلياته ما ترجمته: «اقبل أيّها الساقي، فإنّ الزهر قد زان العرش الملكي بحسن الكمالات الصوفية».
وغرّد البلبل على عرش «باربد([249]) وبدأ ينشد الغزليات الفهلوية([250]).
هات الخمر في لون نار موسى([251])، لأنّ نفس عيسى([252]) ممثلاً في رائحة البنفسج قد بعث الحياة في كلّ مكان. قلب البستان ينافس صدر طور سينا من شدّة (ما ازدهرت فيه الأزهار) وأشعلت النار التي تحكي نار موسى نسيم الربيع ـ بسبب النار التي اشتعلت في كلّ زهرة ـ أراق على الأرض ما في وجه النقش المانوي([253]) من ماء».
«من الظلم أيّها الشاب أن تنزوي من منزلك في مثل هذا الموسم الذي أينعت فيه زهرة «اللاله»([254]) بالصحراء. مر بطرف الحديقة فإنّ الطيور الصادقة التغريد تقطع بسرور طريق المقامات الروحية.
احتس الليلة المدام على صوت القطاة([255]) فإنّك لا تسمع مع تنفّس الصبح نغماً من عندليب هذا البستان.
أيّها الناشئ الغر لم تثور إلى هذا الحد، وأنت عمّا قريب تغادر هذا الروض؟
ما جزاء الإحسان إلاّ الإحسان، وما جزاء سيئة إلاّ سيئة مثلها، وكلّ ما زرعته بالأمس تحصده اليوم. شيوخ مدينتنا كلّهم أصحاب كبر وغرور، فإياك يا بني أن تنقاد لظاهر هؤلاء القوم.
الشكر لله على أنّ ثوب إمامنا البالي الملطخ بالخمر ليس من أموال الوقف مثل عمامة المولوي»([256]).
خليل الله خليلي
أمّا الشاعر المعاصر الذي يتغنّى بشعره في أفغانستان وإيران، والذي سار غزله وقصائده في البلاد مسير الشمس فهو «خليل الله خليلي» الذي ينتهي نسبه إلى عظماء أفغانستان.
تلقّى خليل الله تربيته الأدبية في وطنه، وكان أبوه يلقب في بلاط أفغانستان بـ «مستوفي الممالك».
وقد شغل خليل الله عدّة مناصب في الدولة منها: «رئيس مستقل مطبوعات» وهذه الإدارة تشبه «وزارة الثقافة والإرشاد» عندنا.
«كاتب الملك ومستشاره في شؤون النشر والمطبوعات».
وقوّة الحافظة، وحسن البيان في نظم الشعر من أخص ما يمتاز به خليل الله. وقد كانت قوّة حافظته سبباً في غزارة ما يحفظه ويرويه من الاشعار حتّى أنّه ليذكرنا بالأصمعي والأديب النيسابوري في رواية الشعر.
وله من التحقيقات الأدبية ما يضعه في الصف الأوّل من نقاد الأدب الفارسي. وكتاب «آثار هراة» و«شرح حال سنائي» من أجل آثاره.
كامل المهندس
التشيّع في أفغانستان
الغالب على الأفغانيين المذهب السني على مذهب أبي حنيفة، ولكن التشيّع انتشر في أفغانستان في عهد الصفويين، وعيّنوا فيها علماء ومدرسين ومشايخ إسلام في أهم مدنها مثل هراة وكابل وقندهار وغيرها. وكان الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي والد الشيخ البهائي معيناً شيخاً للإسلام في هراة.
والآن لا تخلو بلد من أفغانستان من الشيعة. ومن الشيعة هناك القبائل المعروفون باسم هزارة وهم يتعاطون الزراعة وقبائل قزلباش هم شيعة كذلك. وستأتي الفاصيل في الآتي من القول.
ويشغل موطن هزارة مساحة واسعة من هضاب أفغانستان الوسطى جنوب سلاسل هندوكوش ما بين مدينتي كابل وهراة، وهم يحترفون الرعي في المقام الأوّل ولا ينتجون من الغلات الزراعية إلاّ بالقدر الذي يسدّ حاجتهم منها وهم يتصفون بالأمانة والشجاعة وطيب القلب. وقد امتاز شبانهم في صفوف الجيش بالشجاعة والوطنية الصادقة.
وتقوم هزارة بالاتجار بغنمهم في أسواق كابل وغيرها من المدن الأفغانية وفي الشتاء عندما تكسو الثلوج مراعيهم يقوم بعضهم بغزل القطن والصوف ونسجهما على أنوال يديوية وتطريز الثياب ونقش الجلود بينما يذهب بعضهم للعمل في المدن.
وكان الأمير يعقوب وولده عبد الرحمن متعصبين على الشيعة لا سيما الثاني فقد قتل عدداً كثيراً من قبائل البربر، إلاّ أنّ ولده حبيب الله كان متساهلاً مع الشيعة وغير متعصب عليهم وكذلك كان أخوه أمان الله.
ويوجد في النجف دائماً طلاب أفغانيون يدرسون هناك ولكن عددهم قليل بالنسبة لعدد الشيعة الأفغانيين.
مناطق الشيعة في أفغانستان
يشكّل الشيعة الثلث من سكان أفغانستان وكذلك فهم يشكلون الثلث من سكان العاصمة كابول ويسكنون فيها الأحياء الآتية: شنداول وجمال مينا ومراد خاني ومرابد آبد وقلعتشه وقلعة شاده وإفشار نانكجي وإفشار تبه وقلعة فتوح وزنده بانان وقلعة علي مردان. أمّا في ضواحي كابول فيسكنون في لوكر.
وهذه الأحياء مملوءة بهم وفيها أكبر مساجدهم وحسينياتهم كما أنّهم موجودون في كثير من الأحياء بأعداد متفاوتة. وأكبر أحيائهم حي شنداول وحي جمال مينا وحي مرادخاني وكذلك هم موجودون في المدن الآتية:
هراة: ويؤلف الشيعة الأكثرية من سكانها وفي التقسيمات الإدارية الأخيرة قسمت مدينة هراة إلى سبعة نواحٍ، منها ناحية واحدة سنية سمّيت الناحية الأولى وكان اسمها القديم قطبي تشاق وبقية النواحي شيعية. ويسكن الشيعة في هراة في الأحياء الآتية: خاجه عبدالله المعري وبرج خاكستر وشوره خانه وكلاب وقلبتشه وكارته وسربل وفيروز آباد وجهاد باغ تركمان وباباجي وشاهزاده قاسم وباعشته ميتر.
غزنة: يؤلف الشيعة الأكثرية من سكانها ويسكنون في القسم القديم منها في حي طقشة وفي القسم الجديد في كلّ من: جادة ظاهر شاهي وكلاه سبزواري ومندوي وسره كاريزي خاجه أحمد.
أمّا في ضواحي غزنة فالضواحي الآتية كلّها شيعية: منطقة خاجه عمري المشتملة على ثلاثين قرية بينها قريتان هما علي آباد ونه برجه جميع أهلها سادة حسينيون ومنطقة جاغاتو ومنطقة قره باغ ومنطقة ناورد ومنطقة سرآب ومنطقة جاغوري ومنطقة مالستان ومنطقة آلوه داني.
كمّا أنّ الشيعة يسكنون في ضواحي غزنة، في كلّ من: بكاول وكلّ أهلها سادة موسويون وقلعة نووسره ريك وقره باغجي ونوغي ومونكر ولاشمك وجلوكير وأحمد أوقياق وبريكه وده خداداد وزركر.
قندهار: الشيعة فيها أقلية.
مدينة مزار شريف ونواحيها: يؤلف الشيعة فيها أكثرية.
مقاطعة بهسود: كلّ أهلها شيعة.
مقاطعة ده رنكي: كلّ أهلها شيعة.
بلدة باميان ونواحيها: أكثر أهلها شيعة.
بلدة ياكولنك: كلّ أهلها شيعة.
مقاطعة شهرستان: كلّ أهلها شيعة.
بلدة كندي: كلّ أهلها شيعة.
مدارسهم الدينية
لهم الكثير من المدارس الدينية منها اثنتان في كابول واحدة في حي وزير آباد بنيت لها بناية حديثة ويشرف عليها اليوم الشيخ محمد أمين. والأخرى في حي جمال مينا يشرف عليها السيد محمد سرور واعظ وعدّة مدارس في مزار شريف وثلاثة في بهسود وواحدة في ياكولنك، وفي غير هذه الأماكن أيضاً. ومعظم هذه المدارس تصل في تدريسها إلى كتاب الكفاية ومن هذه المدارس يذهب الطلاب إلى النجف الأشرف كما يوجد منهم اليوم أفراد في معاهد قم وطهران ومشهد الرضا.
نصف الأطباء من الشيعة
ويوجد فيهم أعداد كثيرة من المثقفين ثقافة حديثة، ويكثر فيهم الأطباء. وسبب ذلك أنّ رئيس الوزراء محمد هاشم عم الملك ظاهر أراد أن يحول بين الشيعة وبين الوصول إلى وظائف الدولة من عسكرية وإدارية وقضائية وخارجية فكان يصدّهم عن دخول الكلية الحربية وكلية الحقوق، ولكنّه لم ينتبه إلى أنّهم موجودون في المدارس الثانوية. لذلك كان خريجوهم لا يرون أمامهم إلاّ كلية الطب. ممّ لم يفطن له رئيس الوزراء إلاّ بعد فوات الأوان.
مزاراتهم
من أشهر مزاراتهم: مزار شريف المقام على اسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). ومزار يحيى بن زيد شهيد الجوزجان وتسمّى الآن سربل. وغير ذلك من المزارات.
جمال الدين الأفغاني بالعمامة النجفية صورة أخرى لجمال الدين خلال إقامته في إيران
بعد تخرجه من النجف وقبل انتقاله إلى مصر
وضعهم الاقتصادي
أكثر اشتغالهم في كابول بالتجارة وفي غيرها أكثر ما يعملون بالزراعة([257]).
جمال الدين الأفغاني
ومن أشهر من نسب إلى أفغانستان جمال الدين الأفغاني مع أنّه ليس بأفغاني، بل هو إيراني. وقد تعمد هو نفسه أن ينسب إلى أفغانستان تعمية لأصله ولئلا يدل على مذهبه لأنّ مصلحة الدعوة الإصلاحية التي كان يدعو إليها تقتضي ذلك. فهو من بلدة أسد آباد الإيرانية التي تقع قرب مدينة همذان. قال السيد صالح الشهرستاني فيما كتبه في مجلة العرفان: لا يزال يوجد في أسد آباد من أفراد قبيلة وأولاد وأعمام وعمّات وإخوان وأخوات السيّد جمال الدين ما ينوف على الخمسين نسمة بين ذكر وأنثى، ومنهم أحد أحفاد أخي السيد جمال الدين وهو السيد محمود ابن السيد كمال ابن السيد مسيح المتوفى عام 1300هـ أخي السيد جمال الدين ابن السيد صفدر. وهو مدرس مدرسة القرية عام 1351هـ. ولا تزال الغرفة التي ولد فيها السيد جمال الدين في دار والده الواقعة في محلة (سيدان) أي السادات على حالها حتّى اليوم. وتعرف أسدآباد عند أهل القرى المجاورة بقرية السيد جمال الدين.
وقال السيد صالح: إنّ السيّد محمود المذكور أهداه نسخة من كتاب فارسي فيه تاريخ حياة السيد جمال الدين منذ ولاته حتّى وفاته بقلم ابن أخت السيد جمال الدين الميرزا لطف الله الأسد آبادي وأمه هي السيدة طيبة بيكم بنت صفدار أخت جمال الدين وهو صاحب المذكرات عن خاله المذكور بالفارسية المطبوع في برلين.
وقال السيّد محسن الأمين في الجزء السادس عشر من أعيان الشيعة في ترجمة جمال الدين: أمّا نسبته إلى الأفغان واشتهاره بالأفغاني فمن المشهورات التي لا أصل لها ـ ورب مشهور لا أصل له ـ وسبب اشتهاره بذلك أنّه نسب نفسه إلى الأفغان في مصر وخلافها لا إلى إيران تعمية للأمر ولولا ذلك لما سمّي بحكيم الإسلام وفيلسوف الشرق، ولا كانت له هذه الشهرة الواسعة، ولا أنزله الصدر الاعظم علي باشا في استنبول منزلة الكرامة ولا أقبل عليه بما لم يسبق لمثله ولا عظمه الوزراء والأمراء ولا عين عضواً في مجلس المعارف ولا أجرت له حكومة مصر ألف قرش مشاهرة، ولا عكف عليه الطلبة للتدريس في مصر ولا تمكن الشيخ محمد عبده أن يصاحبه ويأخذ عنه ويتخذه مرشداً وصديقاً حميماً إلى غير ذلك. ومع هذا فقد انتدب بعض المصريين ـ ممّن عرفا أصله ـ لذمّه في كتاب مطبوع سمّاه بكلب العجم([258]).
ومن هنا يلزم أن لا يعتمد على المشهورات دينية كانت أو عادية… إلى آخر ما قال في أعيان الشيعة.
وقال في الأعيان أيضاً: ولا ندري هل كان الشيخ محمد عبده يعرف حقيقة حاله ويخفيه لخوفه ممّا خاف منه جمال الدين بصحبته له وأخذه عنه أو كان يجهلها؟…
وفي كتاب حاضر العالم الإسلامي تأليف (لوتروت ستودارد) وتعريب عجاج نهويهض: (أنّ السيّد جمال الدين ولد في أسد آباد بالقرب من همذان في بلاد فارس وهو أفغاني الأرومة لا فارسي).
يقول في أعيان الشيعة عن هذا القول: فتراه قد نطق بالصواب من كونه ولد في بلاد إيران في أسد آباد بالقرب من همذان. وجمع بين ذلك وبين كونه أفغانياً كم يدل عليه لقبه بأنّ أصل آبائه من أفغانستان. والذي دعاه إلى ذلك اعتقاده أنّ هذا اللقب صحيح.
وقال الدكتور عثمان أمين في مقال له في مجلة العربي وهو يتحدّث عن جمال الدين وعن علاقة الشيخ محمد عبده به: … فلا بدعَ إذن أن نرى محمد عبده، الذي كان يناصر في كتاب «العقيدة المحمدية» آراء السنيين والأشاعرة ـ وهم يمثلون حزب المحافظين في الإسلام ـ لا يتردّد الآن في التحوّل عن تلك الطريق، وإذا به في كتاب «الحاشية على شرح العقائد العضدية» ينقلب مناصراً، المعتزلة والعقليين وجميع النظار من الأحرار والمتسامحين.
هذا ما قاله الدكتور عثمان في مقاله عن جمال الدين. ولكن الحقيقة أن تحول الشيخ محمد عبده إنّما كان تحوّلاً عن آراء السنيين الأشاعرة إلى آراء الشيعة، وهي الآراء التي وافقهم فيها المعتزلة، وهي نفس آراء جمال الدين وآراء مذهبه التي لقنها لتلميذه الشيخ محمد عبده.
وفي عصر جمال الدين كان ميرزا حسين خليل المرجع في النجف وكان من زملاء جمال الدين في الدراسة ويروي محمد جابر في الجزء الثاني من المجلد 29 الصفحة 159 من مجلة العرفان، أنّ الشيخ عبد الحسين صادق حدّثه أنّ جمال الدين كتب من استنبول إلى صديقه ميرزا حسين خليل ملتمساً أن يكتب إليه بما تحتاجه النجف من إصلاح ليعرضه على السلطان عبد الحميد، وأنّ ميرزا حسين خليل عقد مجلساً من كبار العلماء وطلبوا عدّة مطالب. وأنّ الشيخ عبد الحسين نفسه تولّى كتابة الجواب.
وقد كان السيد جمال الدين حكيماً في أنّه لم يعلن إيرانيته أو بالأحرى تشيّعه في عصر تسوده العصبيات المذهبية. فما دام يرى نفسه داعية إصلاح، فقد كان عليه أن لا يعطي خصوم الإصلاح منافذ يدخلون منها إلى عقول العامة فيثيرونها عليه.
اللغة في أفغانستان
وهنا نترك الكلام للدكتور نجيب مايل الهروي:
1 ـ مدخل:
أعتقد أنّه أقل ممّا قيل ـ أي أقل من مئتي سنة ـ بعد ظهور الدين الإسلامي المبين في جزيرة العرب، وانتشاره في منطقة المتحدثين بالفارسية، فإنّ اللغة الفارسية استمرّت على طابعها الجديد بعد مرورها بمرحلتيها التاريخيتين: المرحلة القديمة (الفارسية القديمة) والمرحلة المتوسطة (اللغة البهلوية) بوضع لائق، ومحكم. فعدا رواية عماد الدين أبي المظفر الأسفراييني المعروف بلقب «شاهفور»، والتي أشارت إلى الترجمة الفارسية للقرآن المجيد التي جرت بإذن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) واهتمام سلمان الفارسي، وذلك لإدراك المفاهيم القرآنية عن طريق ترجمة القرآن المجيد.
وعلينا في هذا الموضوع أنّ نرجع إلى النسخة القرآنية المترجمة رقم (54) والمحفوظة في مكتبة العتبة الرضوية المقدسة (بمشهد)، وإلى غيرها من النسخ القديمة المترجمة. وتبدو هذه الترجمة، من ناحية خصائصها الصوتية واللفظية والصرفية النادرة، أنّ كثيراً من ميزاتها ـ تتفاوت بينها وبين الأصول النحوية وفروعها للعهود التالية، كنصوص المائتين الرابعة والخامسة. ونحن إن قسنا بين موازين تحوّلات النظام اللغوي والأشكال الصوتية واللفظية والصرفية للغة الفارسية، وبين المجموعة الثلاثية للغة القرآن المترجم، وبحثنا في هذه المقايسة اتضح لنا أنّ هذه الترجمة أقدم كثيراً من الآثار المكتوبة المعروفة على أنّها أقدم أثر مدوّن.
ربما تخطر هذه الملاحظة على ذهن القارئ، وهي: لو أنّ الرواية المبنية على أنّ ترجمة القرآن هي لسلمان الفارسي، وأنّ الترجمات القرآنية المحفوظة تحت الرقم (54) في المكتبة المركزية للعتبة المقدسة جرت قبل السنوات (350ـ366هـ) فكيف نعتبر كلام المترجمين لتفسير الطبري على أنّه أوّل ترجمة للقرآن ولتفسير الطبري إلى الفارسية؟
ولا بدّ من القول إنّ ترجمة تفسير الطبري جرت بأمر رسمي وسياسي. ونحن نعلم أنّ تفسير محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ)، وعنوانه «جامع البيان في تأويل القرآن» كان معاصراً لأبي صالح منصور بن نوح الساماني (350ـ366هـ) ذي الصلات الوثيقة بمركز الخلافة ببغداد. فبعد أن صدرت الإجازة وفتوى علماء الفقه والكلام بالترجمة انكبًّ المترجمون على ترجمتهم، وذلك في الوقت الذي لم يكن في المنطقة الفارسية معيار «Standard» من جهة، ومن جهة أخرى كان هناك اختلاف حول أشكال اللغة الفارسية في كلّ قسم من المنطقة التي وجد فيها متكلمون بهذه اللغة، ولا سيما في المنطقة اللغوية. وهي الأشكال التي كان علماء الجغرافية يدعونها باللهجات الفارسية. فالمقدسي يكتب كتابه باللهجة الهروية. ويكرر أخلافه ـ حتّى المرحلة المعاصرة ـ طريقته في هذا التعبير من غير أن يهتموا بالموازين العلمية واللغوية. كما أنّ النصوص المكتوبة لأتباع المقدسي مثل عبد الرحمن الجامي وغيره من المحققين الفرس يذكرون أنّ اللغة المعاصرة التي دُوّنت بها هذه الآثار كانت باللهجة الهروية. ويذكرون أنّ اختلافات بسيطة لا تتعدّى بعض الألفاظ والاصول الصوتية هي التي وجدت مع اللغة الفارسية الأصل «المعيار» التي اعتُبرت فيما بعد، بحيث إنّنا نعدُّ مثل هذه الاختلافات المحدودة في «نوعية اللغة» وليس في «اللهجة اللغوية».
تذكرة مرور باسم جمال الدين الأفغاني تذكرة إيرانية أخرى باسم جمال الدين الأفعاني
من قنصلية إيران في مصر تثب إيرانيته من قنصلية إيران في مدينة فيينا تثبت إيرانيته
ومن ناحية أخرى، فإنّ عدم وجود الوسائل الرابطة بين الناطقين باللغة الفارسية في القرون الأولى الهجرية، وعدم الاطلاع على الأعمال الثقافية المنجزة في المناطق المختلفة يمكن أن يكون دليلاً على عدم اعتبار ترجمة تفسير الطبري، التي جرت في بلاط السامانيين ـ ذات العلاقة والارتباط بمركز الخلافة، وترجمة القرآن المجيد بحاجة إلى الإذن والإجازة ـ أوّل عمل وترجمة إلى اللغة الفارسية. ولهذا، وبناء على مراعاة الروايات العديدة التي ذكرناها، فإنّنا نستطيع أن نعدَّ تشكُّل هوية اللغة الفارسية في مرحلتها الجديدة بدأ منذ العشرات الأولى من انتشار الإسلام في منطقة الناطقين باللغة الفارسية.
وعلى هذا، فإنّ اللغة الفارسية ترسّخت بالهوية الثقافية بعد الإسلام منذ العشرات الأولى التي انتشر فيها الإسلام في أراضي الناطقين باللغة الفارسية وتنوّرت بنور توحيده. وعمَّ التأليف التاريخي والأدبي، إضافة إلى الأعمال التفسيرية، أرجاء المناطق التي يتكلم فيها الناس بالفارسية. وقد تمّ في غزنين وما وراء النهر وهراة وخوارزم وفارس وآسيا الوسطى ودهلي أفضل التحقيقات والدراسات حول العلوم الإسلامية باللغة الفارسية، واعتبرت هذه المناطق من المراكز السياسية والعلمية. وهي التي أهدت العالم الإسلامي ـ في المجالات الأدبية والكلامية والعرفانية، عن طريق المتحدثين بالفارسية ـ أوسع الآثار العلمية وأكثرها دقة.
السيد جمال الدين بعمامته النجفية قبل الذهاب إلى مصر وهو الثالث إلى يمين القارئ في صف الجالسين
السيد جمال الدين بعمامته النجفية
قبل الذهاب إلى مصر
2 ـ الفارسية، هي اللغة الثانية في العالم الإسلامي
ألفُ سنة ونيِّف مضت والأسلاف من عشاق الثقافة الإسلامية يدأبون على أعمالهم الثقافية في المراكز العلمية مثل: بلخ، بخارى، غزنين، خراسان، فارس، خوارزم وقد أهدوا دنيا الإسلام والعالم مئات المؤلفات والتصانيف والترجمات، في مجالات علوم القرآن، والحديث النبوي، والتاريخ، والجغرافية، والأخلاق، والسياسة، وقواعد إدارة البلاد، و… ممّا جعل اللغة الفارسية ـ في الثقافة الفارسية ترصف إلى جنب اللغة العربية، وتتمتع بالاعتبار والرونق الخاص والخصائص التي تتمتع بها اللغة العربية. ويمكن اعتبارها ـ بناء على هذا ـ تاليةً للغة العربية، بل لعلها تحتل مقاماً متعادلاً معها في مجال معرفة الثقافة الإسلامية. حتّى انّنا نستطيع أن نتجرّأ ونقول إنّنا في العصر الحاضر لا نستطيع استعراض الثقافة الإسلامية بكلّ جمالها ما لم نُولِ أهمية كبرى للغتين العربية والفارسية معاً في مجال التأليف والتحقيق وتحلية صورة الثقافة الإسلامية.
ومن حسن الحظ، فإنّ هذه الملاحظة (الاهتمام باللغة العربية) بين الناطقين باللغة الفارسية كانت محط اهتمام منذ القديم. وبمقتضى عوامل عدّة، وبناءً على الارتباط المحكم بين اللغتين الفارسية والعربية وثقافتيهما فقد برزت أدق القضايا العلمية والثقافية، وبسط العلماء أعمق العقد الفكرية، كالدقائق الإلهية، وقضايا النبوة، والولاية، والكلام، والأصول، والفقه، والمنطق… وبمعنى آخر العلوم الدقيقة وغير الدقيقة.
وعلى الرغم ممّا قام به الفرس فإنّ العرب عبر التاريخ كانوا يجهلون أهمية اللغة الفارسية وثقافتها، إلاّ في بعض الأمور الخاصّة، وبعيدين عن دورهما الأصيل. وهذا الجهل لم يكن مقصوراً على العلماء القدماء فحسب، بل إنّ ذلك منتشر في العصر الحاضر، فلا نراهم يتتبعون المنشورات الثقافية الفارسية ولا الدراسات التي راجت في العالم. وأذكر هنا، مثالاً على عدم اهتمامهم، واحداً من المعاصرين العرب الذين عرفوا بالتحقيق والدراسات الدقيقة. ذلك هو الدكتور عبد الرحمن بدوي، فقد أهمل الدراسات البكر والجديدة المنتشرة بين الناطقين باللغة الفارسية، في حين أنّه أمضى حيناً من الزمان يعمل في بعض المراكز العلمية ويشتغل بالتدريس في طهران. وكان في كثير من كتاباته، ولا سيما في ما له علاقة بالعرفان والتصوف الإسلامي، يقع في بعض الإشكالات العلمية، التي ينجم بعضها من استنباطاته للمفهومات المخفيّة وراء صناعة اللغة الفارسية وتركيب اللفظة إذ أنّنا نراه يعكس مؤدّاها، في حين أنّنا نعلم أنّ التصوّف والعرفان الإسلامي لا تتمُّ معرفتهما من غير عناية تامة باللغة الفارسية وثقافتها. ومن تلك الأخطاء التي وقع بها هذا الباحث، حينما أراد تصحيح رسالة «النور من كلمات أبي طيفور» ـ والتي كانت تتضمن بعض الأشعار الفارسية ـ وشرح بعض مفاهيمها اللغوية، من ذلك هذا البيت:
«مراد نيست، كان جون نمكين نشود
بغمكنان شود، وغم فراز گيرد وام»
والتي يجب أن تكون هكذا:
«مرا دِليست كه آن جونكه غمگين نشود»
«بغمگنان شود وغم فراز گيرد وام».
ولمّا كان يصعب عليه القراءة ويجهل الفارسية فإنّه ترجم البيت هكذا: «لا يبلغ المتمنى، لأنّه إذا كان المنجِّم خالياً صار لأصحاب الهموم وصاحب الهم الكبير يستردّ دينه».
وطنّ في مكان آخر هذه العبارة المشهورة «آن دل دلين به، نه دل كلين» شعراً، وترجمها هكذا: «القلب القلبي خير من القلب الكلي ـ يقصد أنّ القلب المتعلق بشخص معين خير من المتعلق بالجميع».
ومع هذا، فإنّنا نأتي على أصل المطلب، الذي هو أهمية اللغة الفارسية في التمدّن الإسلامي. فمن المحقق أنّ الأساس الأصلي لوظيفة اللغة ما تمنحه من مفاهيم متجردة وذهنية. وفي الوقت الذي نضجت فيه أصول الدين الإسلامي وفروعه باللغة الفارسية، وتشكلت فيه دقائق الثقافة الإسلامية عن طريق هذه اللغة ووساطة أعلامها، فقد كانت اللغة موضع بحث وتقدير إذ غدت أحد أسباب انتشار الإسلام وشرح أحكامه في البقاع التي تُعتبر نائية عن تجمّع العرب. وهكذا فإنّ الدين الإسلامي ومفاهيمه الإلهية والإنسانية انتشرت في شبه القارة الهندية، وامتدّت حتّى أقصى نقاط آسيا كدولة الصين عن طريق اللغة الفارسية. كما أنّ كثيراً من المفاهيم القرآنية والحديثية، والكلامية، والفقهية، و… راجت في شبه قارة الهند عن طريق اللغة الفارسية حتّى أنّ جميع السلاسل الحاكمة في الهند كالغزنويين والغلاميين والخلجيين والتغليقيين واللوديين اعتمدوا اللغة الفارسية أساساً في دينهم وإرادتهم وثقافتهم.
ونتج عن ذلك اشتغال عدد من العلماء منذ المراحل الأولى في التأليف باللغة الفارسية، أمثال السيد محمد إسماعيل البخاري، والشاه حسين الزنجاني، وعلي هجويري في مجالات التفسير والحديث والفقه والعرفان الإسلامي، وكلّهم من شبه القارة الهندية. وقد غدت اللغة الفارسية بعد ذلك بعدّة قرون اللغة الدينية والعلمية لمسلمي الهندي، وبرز فيها أشهر الأدباء في مجالات العلوم الإسلامية.
وهناك كذلك ـ في المائتين العاشرة والحادية عشرة ـ امتدّ مذهب الدولة الوطني الصفوي، فترسّخت المراكز العلمية والثقافية الرسمية وغير الرسمية. وبالإضافة إلى مسلمي الهند فإنّ كثيراً من العلماء والمفكرين الإيرانيين انكبُّوا هناك على التأليف والتبويب والتصنيف وترجمة الآثار العظيمة في مجالات الثقافة الإسلامية وعلومها، وذلك باللغة الفارسية واللغة العربية. ولم تكن مجهوداتهم محددة لأجل المجتمع الإسلامي، إنّما كانت توأماً خالصاً يتطلع إلى وضع لبنة في مسيرة الثقافة البشرية للعالم.
ولكن، بعد مرور ألف سنة ونيف، نهد بعضهم إلى كنز العلوم الإسلامية ـ المكتوب باللغتين العربية والفارسية ـ يسعون في تفريقه، ويعملون على استحداث دويلات حديثة، وإدارات غير متماسكة ولا مؤهلة ـ ولا سيما في المناطق التي يتوافر فيها الناطقون بالفارسية ـ مفتعلين بعض الصفات للغة الفارسية، ويُتبعونها بعصبيات قومية ووطنية ومذهبية و… ويعمِّقون الفواصل بينها. ومن ذلك الوقت واللغة الفارسية تفقد قدرتها وتوليدها وإحكامها. ويعمدون إلى تفتيت الهوية الثقافية العريقة، وتضييع الناطقين باللغة الفارسية في حدودهم السياسية المصطنعة، وإبراز اللغة الفارسية بهوية أسطورية في شبه القارة. ومن بين الناطقين بالفارسية يقاسي مسلمو روسيا الضيق السياسي الخاص، وتمتزج في أفغانستان العصبيات، وتثقابل بالأقوال المضادَّة لقبائل البشتو. ولمّا كانت السياسة تحكم قبضتها على مساعي علماء اللغة فإنّنا في هذا البحث ننبِّه القارئ إلى مقام اللغة الفارسية في أفغانستان.
3 ـ روح في جسدين
حينما تكون المباحث العلمية والتحقيقية معروضة على بساط البحث لا مكان ولا قيمة للعصبية. ونحن لا نشك بهذا الأصل الذي يجعل الشعبين منفصلين بحدود أقل من مائتي سنة، ويسميهما: الإيراني والأفغاني. وقبل أن يكونا روحاً في قالبين كانا روحاً طائراً في قالب واحد، لكن غنى شبه القارة الاقتصادي والثقافي وأوضاع المنطقة الجغرافية، وجشع الاستعمار الإنكليزي كان سبباً لأولئك الأجانب الكبار ممتصِّي البلاد كي يسموا المنطقة في قاموس جغرافية العالم بأفغانستان، لتكون سداً منيعاً ضد روسيا السوڤييتية، كي يقفلوا كنز شبه القارة الهندية بمفتاح غير مستوٍ لا يستطيع الرقباء فتحه.
وهكذا تأسّست دولة ذات عراقة تاريخية وثقافية ضمّت أقواماً وقبائل مثل أقوام: التاجيك، والهزاركان، والجورايما، والكهاي تاجيك، واللوريين، والأكراد، والبختياريين، والبلوجيين، والأوزبكيين، والتركمان، والهنود، والعرب، واليهود منذ القرن الثامن عشر، باسم غير جامع، ومستحدث تُجمع خصائص قومية في قوم متطرفين، أي أنّهم ينسبون إلى مجموعة هم من الافغان (=أو كان=أوه كن)، وسمّوها «أفغانستان»، والتي لا تستطيع مطلقاً، ولن تستطيع، أن تحصر هوية تلك البقعة المميزة ولا تراثها العلمي والثقافي ضمن عدّة حروف، وتسمّى بها باسم ذي مدلول معين.
ومع أنّ اسم أفغانستان مستحدث فإنّ القوم «الأفغان» بشكل (بشتون) و(أفغان) قديم وعريق.
4 ـ تعدّد اللغات في أفغانستان
قلنا إنّ في أفغانستان قبائل وأقواماً عديدين مثل: التاجيك، والهزاركان، والبشتو، والجورايما، والكهاي تاجيك، واللور، والكرد، والبختياريين، والبلوج، والأوزبك، والتركمان، والهنود، والعرب، و… ولأغلب هذه القبائل والطوائف لغات أو لهجات خاصّة. ولو أنّنا ألقينا نظرة على منطقة پامير الجبلية، وأمعنّا الرأي لدى علماء اللغات باللهجات وأنواع اللغات، سنجد أنّ في منطقة محدودة هنا عدداً متداولاً ومستخدماً من اللغات واللهجات مثل: السُّجني ـ Sujni، الوَخي ـ Waxi، المنجي ـ Munji، الاشكاشمي- Ishkashmi، السنكليجي – Sanglici،اليازغُلامي ـ Wazghulami، الزَّباكي ـ Zebaki، السَّريكُلي ـ Sarikoli، الشُّغني ـ Shyhgni، أُرموري ـ Ormuri.
وعدا ما ذكرنا في أفغانستان فإنّ كل لهجة ولغة ذات أنواع متعددة فلغة الپشتو ذات نوعين: شرقي وغربي. واللغة الفارسية ـ كذلك ـ المتداولة في أفغانستان ثلاث لهجات بارزة هي: الكابلي، والخراساني، والبامياني، (=الهزاري). واللهجة الباميانية ظلّت تعدُّ نوعين آخرين عريقين، مصونين من أي تغيير أو تحويل يطرأ على أساسيهما. في حين أنّ اللهجتين: الكابلية والخراسانية لم تتقبلا أي تبديل طبيعي وغير طبيعي، أو سياسي في أفغانستان.
لهذا التعدد اللغوي في أفغانستان عوامل عديدة، من أهمها: العامل الطبيعي، والعامل البيئي. وكما هو معلوم فإنّ أفغانستان دولة جبلية، وذات سلسلة من الجبال الشاهقة الشامخة، ممّا جعل بعض القبائل والأقوام تحصر ضمن حدود أشبه بالحدود السياسية في مواضع متفرقة ومحدودة. وعدم تساوي تلك المناطق جعل الناس لا يعيشون في بيئة طبيعية. كما لم تفكر الحكومات الأفغانية منذ عدّة عقود من السنين بأن تزيل هذه الموانع الطبيعية. وقد سبب وجود هذه الفاصلات المكانية بين أفراد القوم الواحد اختلافاً في اللغة الواحدة وانشطاراً لها.
والعامل الآخر الذي كان سبباً في عدم وجود لغة أصيلة في أفغانستان، وفي خلق عدّة لغات في هذه الدولة، انعدام الوسائل والإمكانات الكفيلة بربط أطراف الدولة بعضها ببعض. ولم يكن هذا الأمر سبباً في عدم إيجاد لغة رسمية وأساس مقبول يضمن وجود لغة رسمية في أفغانستان، ويحفظ لهجاتها بشكل مقبول، ويضمن للمجتمع طريقاً أكثر دقة في وجود لغة خاصّة به وحسب، بل إنّه عمل على الانقسامات الداخلية من حيث الاقتصاد والثقافة، وغير المتكافئة بالنظر إلى الثقافة والاقتصاد الخارجيين.
كما أنّ هذه الدولة منقسمة إلى ثلاث مناطق سياسية من الداخل، فإنّها منغلقة على نفسها من الخارج بحيث إنّ أهدافها الثقافية والاقتصادية محررة من الأطراف الثلاثة السياسية: إيران، وروسيا السوڤييتية، وباكستان (أو أنّه من الأفضل القول: شبه القارة الهندية وباكستان). وهي كذلك غير مرتبطة مع الجوار بعلاقات اقتصادية وثقافية، وهذا في حدِّ ذاته أمر بديهي وطبيعي، بل إن هذا موجود ظاهراً وذلك بعد ظهور أفغانستان بالنسبة إلى الدول الثلاث حيث ارتبطت بالحضارة الإيرانية الحديثة مع حدودها السياسية الحالية والاقتصادية النفطية، ومع روسية السوڤييتية ببثِّ بعض الأفكار الإلحادية، ومع باكستان بسياستها الناشئة واقتصادياتها الحديثة النشأة، وقبولها لثقافات متنوعة.
ومن العوامل المؤثرة حول تعدّد اللغات في أفغانستان، لا بدّ لنا من التعرّض إلى كيفية حياة الناس ومدى علاقات بعضهم ببعض، وكيفية التحام المدينة بالقرية. فمع أنّ الاستعمار الإنكليزي الناقص والأبتر أطال مدّة احتلاله للبلاد، ومع أنّ عدداً غفيراً من السوّاح كانوا يتوافدون على أفغانستان ويسعدون بزياراتهم، ومع أنّ قدوم الغربيين أوجد مظاهر الهدوء والاستقرار مع المدنية الغربية، وشاعت تلك المظاهر في أفغانستان، فكيف لا تتأثر حياة السكان بكلّ هذا؟ فهم لم يعترهم أي أثر في جذور عاداتهم وآدابهم وعلاقاتهم في ما بينهم. كما لم يتأثروا تأثُّر الدول الأخرى. ولهذا فإنّ الناس مع إحساسهم بنسائم المدنية الغربية أو برياحهم إلاّ أنّها لم تُبعدهم عن سُنتهم ومعتقداتهم القديمة. ومن البديهي أنّ مثل هذه الارتباطات كانت مدداً في الإبقاء على التعدّد اللغوي.
ومن العوامل المؤثرة الأخرى في تعميق الفجوة بين اللغات في أفغانستان إشهار لهجة الپشتو على أنّها اللغة الرسمية، والتي يُظن خطأً أنّ هذه اللغة تمثّل المجتمع الأفغاني. وإنّ هذه القضية ـ والتي هي ربط الشعب الأفغاني بلغة الپشتو ـ لم يضع هوية الثقافة الفارسية في ذلك الوطن في وضع مقلق فقط بل إنّه أتبع ضرباته الاقتصاد وتقصير لغة الپشتو كذلك. ومع هذا كلّه فإنّ اللغات التي تأخذ مقامها اليوم من وجهة نظر السياسي وعالم اللغات في أفغانستان والتي تعتني بها المراكز العلمية العالمية، لغتان هما الفارسية والپشتو، واللتان نوليهما دراستنا فيما يلي.
5 ـ لهجة الپشتو وشخصية الأفغانيين
ورد فيما سبق أنّ پشتو (Pashto) أو پختو (Paxto) إحدى اللهجات القديمة للغات الهندية الإيرانية. وهي ـ بناء على أسس علم اللغات وموازينه ـ ذات قرابة وثيقة مع اللغة الأفستائية من جهة، وقرابة مع اللغة السنسكريتية من جهة أخرى. ولقد ظلّت هذه اللغة المذكورة من ناحية الصناعة والصوتيات بعيدة عن التغيرات والتحولات التي طرأت على اللغات واللهجات الهندية الإيرانية الأخرى. وبالنتيجة فإنّ كثيراً من التعقيدات الصوتية والأشكال القديمة أثبتت عجزها في كثير من قضاياها الصوتية حالما تقبَّلت الخط العربي بعد ظهور دين الإسلام.
واللهجة التي نحن بصددها، هي نفسها مفاهيم حياة القوم، فقد كانوا يعرفون باسم پشتون في أطراف سلسلة جبال سليمان. وقد اختاروا الآن كذلك مواطن سكنهم في كثير من مناطق أفغانستان وأشرطة حدود إيران وباكستان وفي أفغانستان فإنّ اسم «أفغان» يطغى على الأمور السياسية الإدارية للدولة بعد ظهورها أكان ذلك بشكل مستقيم أو بشكل غير مستقيم. ومن الميزات الأساسية لهؤلاء القوم ميلهم الشديد إلى الفلسفة العملية، وعزوفهم عن الفلسفة النظرية والحركات الفكرية المؤدية إلى الخلق والإبداع، ولا سيما كلّ مظاهر الحياة وإيجادها، من ذلك المسائل اللغوية والثقافية.
ومن البديهي أنّ الپشتونيين ما داموا يعيشون في مناطق جبال سليمان المحدودة ويرغبون في هذا العيش فإنّهم يظلّون متمتعين بالمدنية المناسبة لهذه المنطقة. ومن المسلَّم به أنّ أطراف اللغة ـ ولا سيما ألفاظها ـ تجد فسحة وانتشاراً، لأنّ أهل اللغة يحتاجون كثيراً ـ ويعرفون ـ إلى الروحاني والجسماني، وأبعاد أجناس العوالم الإلهية والمادية، ويمدّون سماط عيشهم بالأغذية الروحانية والجسمانية، ويعتادون التأمُّل للوصول إلى مظاهر عيشهم. وجليٌّ أنّ مثل هذه الرؤية في الحياة البدوية وذات الرغبات الإحساسية والحاجات البسيطة لأبناء آدم لا توفر أيَّ بُعد. وفي النتيجة تبقى اللغة كذلك بكلّ أبعادها وخصائصها، ولا تتطور، لأنّ لون الماء لون الإناء.
ولكن الپشتونيين بعد ظهور الإسلام بزمن رحلوا عن حدود جبل سليمان، وبلغوا مناطق أوسع أفقاً، فتقابلوا مع مدنية المسلمين الناطقين بالفارسية. وعلى أثر تلاقي مدنيتهم المرتبطة بالصيد والمطابقة لأصول الحياة البسيطة والعشيرية تماماً بمدنية الناطقين للغة الفارسية نتج عن ذلك لغات ذات خصائص نادرة بناء على الدراسات اللغوية وأهمية اللغة الفارسية وعملها التاريخي. وبرغم أهميتها في مجال أبحاث علم اللغة في أفغانستان، فإنّ علماء اللغة الروس والأوروبيين وعلماء لغة المنطقة لم يهتموا بها ولم يوجَّهوا إليها.
وإحدى النتائج المهمة النادرة إغناء لغة الپشتو، لأنّ اللغة الفارسية من الوجهة اللفظية ذات قيمة بالنسبة إلى لغة الپشتو، لأنّ مدنية الپشتونيين ـ كما ذكرنا ـ بسيطة وبدائية وتتّصف بالصيد والعشيرة. وهي لذلك مضطرة إلى العيش بعيداً عن مظاهر المدنية ومفاهيمها، وعن أصول سكان المدن وموازينهم. وبقدوم الپشتونيين إلى المدن ومساكنتهم للناطقين بالفارسية، وجدت بينهم مفاهيم جديدة ومظاهر حديثة في حياتهم اليومية والعملية والملامح التي تستطيع أن توضح تلك المفاهيم ـ مع الاعتناء بالوضع الأصلي للغة ـ إنّما هي في الألفاظ التي لم تكن موجودة في لهجتهم. ومن هذا المنطلق أقبلوا على الألفاظ الفارسية. وقد استقبلوا كثيراً من الألفاظ الفارسية مع تغييرات طفيفة في المجالات الصوتية بخاصة. وإنّ نظرة واحدة إلى هذا النوع من الألفاظ الدخيلة على لهجة الپشتو تُظهر بكلّ وضوح دقة تأثّر اللغة الپشتونية بالحياة الثابتة والمدنية والعلاقة بالزراعة والتجارة والصناعة ولاحظوا نماذج لهذه الألفاظ: آباد (معمور). أنبار (مخزن). أنبر (ملقط). بادام (لوز). بام (سطح). پل (جسر). ترب (مكر). توت. جارو (مكنسة). جامه (لباس). جار مغز (جوز). جراغ (مصباح). دانه (حبّة). خانه (منزل). ديوانل (= ديوار: جدار). ساوزي (= سبزي: أخضر). كاريز (قناة). گندم (قمح). ميوه (فاكهة)…
وعدا الألفاظ الفارسية في لهجة الپشتو هناك ألفاظ عربية دخيلة متصلة بمظاهر الدين والعقيدة ونظام الإدارة وتحتل قسماً كبيراً مهماً في مجموعة ألفاظ الپشتو. كما أنّ كثيراً من المظاهر الصوتية وأصوات اللغة الفارسية دخلت لهجة الپشتو عن طريق اللغة الفارسية.
ومن الفوائد التي جذبت الپشتونيين من أثر معاشرتهم للناطقين بالفارسية، وكانت أكثر أهمية من النتائج السابقة هي أنّهم اشتغلوا بتعلّم اللغة الفارسية لكثرة اختلاطهم بالناطقين باللغة الفارسية وتأقلمهم مع حياتهم الاجتماعية، لأنّهم اكتشفوا أنّ جميع علاقاتهم والأمور المتصلة بالزراعة، والتجارة، والحياة المدنية، وتقبلهم لذلك كلّه تهيئه لهم صور اللغة الفارسية وأشكالها. وعدم توفرها في تلك اللغة، فإنّ راية حياتهم لا تُنشر بهذه المدنية، ولا يتحقق مجالهم العلمي. وحاجتهم هذه أجبرتهم على تعلّم اللغة المذكورة فقادهم هذا إلى معرفة الثقافة الفارسية الغنية العجيبة.
ويُستحسن هنا أن نتحدّث عن كيفية تعلّم الپشتونيين للغة الفارسية. ولا بدّ من القول إنّ لتعلّم لغة ثانية على مدى العصور طريقتين. يُتبع في الطريقة الأولى تعلّم اللغة الثانية عن طريق القواعد المدوَّنة حيث يقوم المعلم بتدريسها بالصوت، واللفظ، والنحو. وفي هذا فإنّ المعلم مع أنّه متمكن من جميع الميزات النحوية للغة الثانية، ومع أنّه متعمّق في كثير من دقائق اللغة الثانية ومحيط بها من كثرة تمرّنه وممارسته لها، فإنّه ـ بناء على قول ابن خلدون ـ لا يستطيع أن يحيط بالخصائص الجمالية والذوقية لهذه اللغة الثانية. وعلى هذا فإنّ تعلّم اللغة الثانية لا ينسجم تماماً مع تعلّم القواعد الصرفية والنحوية تماماً.
والطريقة الثانية هي أن يتعلمها المرء من البيئة والمحيط، لأنّ الفلسفة والمنطق تنسجان اللغة الثانية، بجميع خصائصها المختارة، بذهنه وخاطره. فهي لا تكتفي بأنّ تجعله يتعلّمها لاحتياجاته اليومية، بل إنّها تغدو مسائل ممزوجة باستمرار وتصبح سلوكاً اجتماعياً، وتثيره للتفكير باللغة الثانية. والمتعلم في هذه الحال لا يتمكن من قواعد الصرف والنحو للغة الثانية وحسب بل تقوده إلى إدراك جمال اللغة الثانية، وذوقياتها، وثمرة معانيها اللغوية، وآثارها الموروثة وتأثيرها الصوتي، إضافة إلى عملها النفسي ولطائفها المعنوية. وإنّ طريقة تعلّم اللغة على هذه الطريقة هي الطريقة الشائعة بين علماء الاجتماع الإسلاميين كابن خلدون، ولكن حين انتظم علم اللغات في المغرب، وانتشر بين الناطقين باللغة الفارسية دعيت ـ هذه الطريقة ـ باسم: «التسرب اللغوي»، بمعنى أنّه تسرّب من محيط لغة الأم، وتسلّط على اللغة الثانية من أثر الامتزاج والتعلّم، ويجري هذا التسرّب كثيراً في الحدود السياسية للدولة ذات عدد من اللغات، أو يكون من لغة لدولة غريبة.
والخلاصة، حين لمس الپشتونيون رغبتهم الشديدة في التمدن، ومدى احتياجاتهم الاقتصادية والثقافية وتصاعد الحاجات اليومية المتنوعة أقبلوا على تعلّم اللغة الفارسية بعمق وسرَّبوا إلى لغة الپشتو ما يمكن تسريبه من الفارسية، ولو لم يتلاعب السياسيون ويبدِّلوا من روابط المجتمعات الإسلامية لما خسر علماء اللغة، ولما وُجد في أفغانستان قضية اللغتين المنتشرة بين الشعب المسلم، ولعمَّت اللغة والثقافة الفارسيتان بكل خصائصهما الإسلامية الدولة بأجمعها.
أمّا لهجة الپشتو من وجهة النظر التاريخية وعمل كتابتها فنعدُّ عملنا ناقصاً ما لن نولها عنايتنا. فكما ذكرنا في الأسطر السابقة فإنّ الپشتونيين قوم أقوياء وجسورون ومتمسكون بتقاليد عشائرهم، ومعتنون في مجال الفلسفة العملية، من غير أن يولوا مجالات الفلسفة الذهنية أي اهتمام. ولهذا فإنّهم مهتمون بالعمل قبل التفكير، ونادراً ما يتابعون ما يعتمل في تفكيرهم قبل أن يكونوا منشغلين بمعايشة الناطقين بالفارسية والاختلاط بهم. ولذا لم يتعالوا في ثقافتهم الذهنية بما اهتموا له بعد ذلك من الثقافة العلمية الخاصة، في حين أنّ ثقافتهم الشعبية (= الفولكلور) زاخرة بالذوقيات والوجدانيات وهي بشكل عام تعجُّ بالجمال الطبيعي والبشري. وهذا ما جعل ثقافتهم بلا شك كثيرة الأهمية والبروز في نظر دراسات علم لغة الپشتو، ومن وجهة تحقيق آداب هذا الشعب واستقبالاته الشعبية.
وعلى أي حال، فإنّ لوحة الثقافة الإسلامية في المنطقة التي نحن بصدد بحثها مشتركة، وتثبت أنّ البشتونيين كانوا يعايشون الناطقين للغة الفارسية. ويقال إنّهم بعد أن تمكنوا من التسريب اللغوي تعرَّفوا إلى الخط العربي ـ الفارسي. وبعد أن تفاعل هذا الخط مع فلسفتهم الذهنية عمدوا إلى الآثار المكتوبة باللسانين العربي والفارسي ودرسوها. حتّى إذا أزف القرن التاسع الهجري انتهجت اللهجة المذكورة منهج الكتابة. وأوّل سند مكتوب وصل إلينا باللغة البشتوية ما كتبه الشيخ الملّي في باب قبائل «يوسف زائي». وانتشرت الكتابة والتأليف بهذه اللغة بعد ذلك، ولا سيما ما كان من أتباع «پير روشن» وغيرهم. ويعد «خير البيان» نتا مهم لبايزيد الأنصاري الذي يدعى «پيرروشن» (1525ـ1585م)، ويتضمن هذا الكتاب أسس التعاليم الروشنيَّة.
وفي القرنين العاشر والحادي عشر ازداد الاهتمام بالكتابة والفلسفة الذهنية بلغة الپشتو، فظهر عدد من الشعراء الأتباع من أمثال «خوشحال خان ختك» (1613ـ1688م)، ونظموا قصائد في الغزل، ومزيجاً تبعا بأناشيد سعدي وحافظ والجامي، وأضافوا على اللغة المذكورة غنىً في الفلسفة الذهنية والصور المكتوبة.
لكن هذه المسيرة لم يحالفها حظ الدوام والحياة الطبيعية بدلائل عدّة، وأدلّ برهان على ذلك ندرة النصوص المتبقية إلى اليوم، لأنّ تعظيم اللغات في أفغانستان امتزج بالمفهوم المجرد للغة، فكان أوّل أثر لها غير مقبول ومريض أثقل لهجة پشتو. وممّا يدعو إلى العجب أنّ ولادة هذه الآراء لم تكن معروفة بين الناس، بل إنّ مبدأ هذه الفكرة الجائرة انطلق من بلاطات الأمراء. ويقال إنّ الفكرة كانت من تفنيدات البرنامج الإنكليزي. وقد تهيأت ظروف هذه الموضوعات الأولى في عهد الأمير عبد الرحمن خان؛ فقد ألّف «قاموس ألفاظ پشتو». وفي عهد الأمير حبيب الله خان، روايةً عن محمود طرزي في «سراج الأخبار الأمانية» دخلت لغة پشتو مجموعة من الأمور العسكرية وتعليماتها. لأنّه يظن أنّ صلابة هذه اللغة ومهابتها تبرز في القضايا العسكرية أكثر ممّا تبرز في اللغة الفارسية. وأمر «أمان الله خان» أن يدعى رسمياً «تولواك»؛ وهي كلمة مركبة من «تول: تمام» و«واك: اختيار»، فصار معناها: صاحب الاختيار المطلق.
وحين وصل ميراث الأمراء الپشتونيين المذكورين إلى مرحلة الشاه، برزت فكرة الشخصية الوطنية والاستقلال في أفغانستان مرتبطة بلغة الپشتو. وكان أن غدت هذه اللغة رسمية للبلاد إلى جانب اللغة الفارسية. وبسطت مكانتها في النظام الإداري والتربوي، مع رعاية أكثر في الاقتصاد والامتيازات الاجتماعية والسياسية. واضطر المجتمع ذو اللغة الواحدة في أفغانستان إلى أثنينيَّة اللغة مقدِّراً للمفهوم المعاكس والتقابل اللغوي الظالم.
ولا بدّ لنا من الإشارة هنا إلى أنّ وجود لغتين أو أكثر ضمن مجتمع سياسي واحد لا يكفي أن يكون فقط مقبولاً، بل إنّ هذه المسألة ذات حسنات وميزات مقبولة كذلك شريطة ألاَّ تمتزج فكرة اللغتين أو أكثر في مجتمع واحد بالمفاهيم المتصلة بالسياسة، والعصبيات القومية والدينية والاقتصادية، وبشكل عام لا ترتبط بتحقير لغة أو تعظيمها بشكل عدائي للغة الأخرى أو لأهلها. وإذا لم يُنظر إلى تلك المفاهيم المغرضة في المجتمع السياسي الواحد، فإنّ أهل اللغات يستطيعون أن يفكروا بأشكال مختلفة، ويمنحوا تفكيرهم صفة من التنويع الثقافي يؤهل مجتمعهم لتربيته. ولكن لما كانت أمثال هذه المفاهيم المفككة ارتبطت بالمنظورات اللغوية، فإنّ النتيجة الحسنة التي أشرنا إليها ستنقلب عكسياً. وهذا ما يجري في أفغانستان؛ فعوضاً عن تنمية الفكر العلمي من إجراء اللغتين نجد أنّ نظرة التعصب وغير العلمية طغت على اللغتين الفارسية والپشتوية.
فلقد شغل الپشتونيون بأمراضهم القديمة ولا سيما في اللغة، ولم يوافقوا مطلقاً على النقد ولا على النظرات العلمية اللغوية لعلماء اللغة الوطنيين والأجانب على السواء. ولم يعبؤوا بكلّ ما له علاقة باللغة الفارسية من أجل «شخصية الشعب الأفغاني»، وفضَّلوا الألفاظ الپشتوية على الفارسية في الأمور السياسية، والإدارية، والتربوية. وفي مقابل ذلك أظهر الناطقون بالفارسية تعصّبهم مضطرين، وعوضاً عن أن يشاركوا في المجالات العلمية اللغوية، ويهتموا بقيمة الثقافة الفارسية الإسلامية وعلو شأنها، ويحلّوا مسألة العداء اللغوي والانشقاق بين لغتي المجتمع نراهم ينشغلون بطعن لغة الپشتو وثقافتها وبعجزها. وعوضاً عن دراسة المباحث العلمية ولا سيما بسط العقدة اللغوية يهاجمون ويسخرون.
وقد اشتدّ هذا التصادم اللغوي كثيراً هناك، وبدأ بمطالبتهم بالمناصفة بين الپشتوية والفارسية في جميع شؤون الحياة شكلاً ومعنىً، فنجم عن ذلك استعدادات كبيرة للعبث في المراكز التعليمية، ونكبوا الاقتصاد العاجز عملاً وأساساً. وفي النتيجة لم يستطع الناطق بالفارسية أن ينمِّي لغته وثقافته على قدرتها وتوليدها، كما حرم الناطق بلغة الپشتو من النفع الذي يجنيه من اللغة والثقافة الفارسيتين.
ولم يمضِ حين حتّى برز بعض الدارسين للغة الپشتو يعملون لصالح لغة الپشتو، ولم ينجم عن عملهم سوى التقصير والزيادة في التضاد اللغوي. ومن متقدمي هذه المجموعة أشخاص مثل: أُلفت، وخادم، والعالم الروحي المبارك عبد الحي حبيبي. فقد ادعوا أنّ أوّل نص مدوّن بلغة الپشتو يرجع إلى أوائل القرن السابع الهجري وعنوانه «تذكرة الأولياء» لسليمان ماكو (ت 612هـ)، ولم يبقَ منه إلاّ أوراق، وهم وحدهم الذين شاهدوها. وكتاب آخر عنوانه «يته خزانه: الخزائن المغطاة» هم ألّفوه ونسبوه إلى محمد هوتك، والمؤرخ بـ هـ 1142. وقد ادعوا في هذا الكتاب أنّ أوّل أثر أدبي مكتوب بلغة الپشتو في العهد الإسلامي كان ترجيع بَنْد فصيحاً جارياً، قد أُنشد سنة 139هـ.
ومع أنّ هذا السند منتحل من قبل عالم لغة پشتو ـ أعني «مور كونستيرنه» فإنّه يظل موضع شك ورد. ولقد طُلب منهم الاطلاع على أصل النسخة لدراستها عن طريق معرفة المخطوطات من الوجهة العلمية. إلاّ أنّ النسخة «الخزانة المغطاة» ظلّت كما هي مغطاة. وظلّت مسألة اللغتين في أفغانستان مع بعض المفهومات غير اللغوية كالشخصية الوطنية، والمذهبية، والأصل شغلهم الشاغل نجم عنها انهيار اقتصادي وثقافي واجتماعي. وكان من نتائج ذلك الآلام والأوجاع القاصمة للوضع الراهن ليس على لغة الپشتو وحسب بل على الفارسية أيضاً. فعبر ألف ونيِّف من السنين قدَّمت بلخ وهراة وغزنين أعلى النتاج العلمي والفكري غدت الآن عاجزة ومشلولة، ممّا نشرحه فيما يلي:
6 ـ اللغة الفارسية في أفغانستان
قلنا إنّ اللغة الفارسية المتداولة اليوم في المناطق السياسية الثلاث: إيران، أفغانستان، تاجيكستان قد أثمرت في الماضي مراكزها العلمية والثقافية، والتي هي: بلخ، غزنين، هراة، فارس،… وأبرزت معالمها الإسلامية بالأسماء الفارسية، والفارسية الدرية، والدرية. وحينما تحدّدت مساحة اللغة الفارسية بشكلها ووضعها الحاضر أطلق عليها علماء اللغة ـ ولا سيما علماء روسيا ـ اسماً على كلّ لغة، بحيث أسموا فارسية إيران «اللغة الفارسية»، والفارسية الرائجة في إيران «اللغة الدرِيَّة»، والفارسية المتداولة في تاجيكستان «اللغة التاجيكية». هذا الاختلاف في المعاني ـ والذي تبعه اختلاف في الأقوام ـ تدرَّج شيئاً فشيئاً بين علماء اللغة ومقنِّني الدول السياسية الثلاث الناطقة بالفارسية. وحتّى أنّ بعضهم انساق إلى تنمية أهداف غير لغوية في هذا الميدان الفاصل. ومن هؤلاء «نكهت سعيدي» المدرّس في كلية آداب كابل في «قواعد اللغة الدرية المعاصرة» الذي ينقل من رسالة السيدة كيسيلووه ـ عالمة اللغات في مجمع الاستشراق الأكاديمي للعلوم الروسية: «إنّ السيد حبيب أعطاني نسخة من كتابكم القواعدي الدري لأطلع عليها. فأحسست بأنّ بعض المحققين حتّى الآن ينكرون وجود لغة أدبية مستقلة في أفغانستان، ومن جملتهم السيد حميدي (عبد الحبيب) والذي هو من أبناء وطنكم إذ يقولون: إنّ لسان حديثنا لهجة كابلية، والتي هي تختلف في الحقيقة عن اللهجة الطهرانية. في حين أنّ لغتنا الأدبية هي اللغة الفارسية الإيرانية المعاصرة نفسها. ولقد ناضلت من أجل هذه الفكرة منذ عام 1958م، وتحدّثت (وكتبت) عن خير لغتكم. واطَّلعت مؤخراً على نظريتكم حول وجود ثلاث لهجات مستقلة للغة الفارسية في البلاد المجاورة. ولا يمكنك أن تتصوّر مدى سعادتي لهذه النظرية.
ويعتد إي. إم. آرانسكي ـ عالم اللغة الروسي ـ أنّ لهجات اللغة الفارسية الثلاث والتي هي: الإيرانية، والأفغانية، والتاجيكية، إنّما هي لهجتان هما: الفارسية والتاجيكية، بحيث أنّ الفارسية متداولة في إيران، والتاجيكية معروفة في أفغانستان وتاجيكستان. وإنّ الفارسية والتاجيكية كانتا لغة واحدة عبر قرون مديدة استمرّت على المراحل المتأخرة ـ القرون الوسطى ـ وتشعبت اللغة الواحدة إلى لغتين في القرون الأخيرة فقط بسبب الأوضاع التاريخية لآسيا الوسطى وإيران، ونتج عن هذا التشعُّب هذا التفاوت البارز بين اللغتين الفارسية والتاجيكية.
وحتّى ندرك هذا «التفاوت» الذي عناه كلّ من السيدة كيسيلووه والسيد آرانسكي وغيرهما من علماء اللغات الشرقية والمحلية. وهل هذا التفاوت موجود في النوع الأدبي للغة الفارسية المتدولة في المناطق السياسية الثلاث التي فيها اللغة الفارسية، لا بدّ لنا من أن نطلع على ما اصطلحوا عليه لغةً.
بناء على التعريف اللغوي الذي ذكره «فردينان دو سوسور»، أنّ اللغة مجموعة تخصُّ الإنسان الناطق، وتتألف من ثلاث مجموعات أصغر نذكرها فيما يلي:
الأولى: المجموعة الصوتية للغة. وقد تشكلت هذه المجموعة من عدد من الأصوات البارزة والمعينة، والتي تُبرز الكتابة بعضاً منها، ويُلاحظ عدد آخر منها حين المحادثة. ومع أنّ هذه المجموعة المذكورة يعتريها التغيير والتحويل بمرور الزمان، فإنّ التغييرات اللغوية ضمن دائرة هذه المجموعة ليست سريعة ولا صريحة.
الثانية: المجموعة الصرفية أو القواعدية للغة، والتي يمكن أن ندعوها كذلك بنسج اللغة. وتتشكل «الأفعال» ضمن وجود هذه المجموعة، وضمن الروابط النحوية الأخرى. ويمكننا أن نلحظ في هذه المجموعة تركيبات متفاوتة وغير متناسقة دوماً على أنّنا نلقى كذلك تركيبات عميقة ومنسقة. ولهذه المجموعة تراكُب، خاص، بحيث إنّنا لا نحسُّ بالتغييرات اللغوية في هذه المجموعة.
الثالثة: المجموعة اللغوية: جميع الكلمات في هذه المجموعة عبارة عن لغة واحدة بما في ذلك المفردات والمركبات. وهذه المجموعة في كلّ لغة ذات ارتباط كمي وكيفي ونوعي في الثقافة والاقتصاد والسياسة والمعاملات والعلاقات البشرية. والقاموس اللغوي لكلّ لغة يزيد أو ينقص غنى وثروة فكرية ومادية، وبشكل عام بمدى تمدّن المتحدثين بتلك اللغة. ويمكن القول إنّ ألفاظ كلّ لغة كالمرآة تُظهر عمق تمدّن المتحدثين بها. وتتقبل هذه المجموعة تغييراً كبيراً، وتغيّراتها كذلك ملموسة ومحسوسة.
ومن المحقَّق أنّ اللغة الفارسية، مثلها مثل أي لغة أخرى، ذات نوعين من حيث استخدامها والعمل بها: نوع أدبي (= كتابي) ونوع محادثة.
لهجة محادثة اللغة الفارسية في الدول الثلاث ذات اختلاف طفيف بلا شك أوجدته الروابط الاجتماعية والعقدية والاقتصادية، وعلاقاتها السياسية والثقافية مع الأمم والدول المختلفة. ويتجلّى هذا الاختلاف في مجموعة الأصوات والتقلبات ولا سيما من ناحية المفردات. وإن نحن ضربنا الصفح عن الاستخدامات الخاطئة في القواعد النحوية والصرفية التي تبرز أحياناً في هذه المناطق الثلاث الفارسية اللسان، فإنّنا لا نجد اختلافاً أساسياً.
في حين أنّ الاختلاف في النوع الأدبي لفارسية أفغانستان وإيران وتاجيكستان، فلا نجده في أساسيات اللغة، وتتمثل في المجموعة الصوتية والمجموعة الصرفية. وإن حصل أن برزت بعض الاختلافات في هاتين المجموعتين ناشئة مثلاً في أفغانستان ما زالت بعض الاستخدامات الصرفية القديمة متداولة. وهي ممّا يُرى كثيراً في النصوص القديمة ـ في حين أنّ استخدامها في إيران أو تاجيكستان ندر بسبب طارئات الأحوال المدنية. إن حصل مثل هذا فإنّ هذه الصور الصرفية لا تكون مجهولة في المنطقتين الأخريين. في حين تبرز الاختلافات في المجموعة اللفظية للأنواع الأدبية الفارسية في المناطق السياسية الثلاث التي نحن بصددها، لأنّ المفردات ـ كما أشرنا سابقاً ـ مرآة معبِّرة عن ثقافة أهل تلك اللغة وعن حضارتهم. والحق أنّ هذا الاختلاف بين الأنواع الأدبية الفارسية في أفغانستان وإيران ـ بصرف النظر عن بعض المفردات المستحدثة والمصطلحات الحديثة في إيران، وعن بعض المفردات القديمة المتداولة في أفغانستان ـ أقل من الاختلاف بين الأنواع الأدبية الفارسية في إيران وتاجيكستان. وسببه عدم استخدام اللغة الأولى بشكل فعّال ورسمي، وسبب آخر، كتابتهم بالخط اللاتيني على الشكل الروسي، وهذا بحدِّ ذاته سبب وجيه للإكثار من المفردات الروسية في لغتهم، ولبروز اختلاف أكبر بين اللهجة الأدبية الفارسية في تاجيكستان واللهجات الأدبية الفارسية في إيران وأفغانستان.
ومع وجود هذه التبدُّلات في الأنواع الفارسية في المناطق السياسية الثلاث فإنّ النص المكتوب والمطبوع يُظهر إمكانية فهمه وقراءته في المناطق الثلاث لدى الناطقين باللغة الفارسية، لأنّ وضع اللغة الفارسية ـ أي الدلائل الصرفية والصوتية ـ غير متفرقة، وهي ذات شكل موحَّد في تلك المناطق. إلاّ أنّ السياسيين وعلماء اللغة من ذوي الاتجاهات السياسية ـ بحكم نظراتهم وتحقيقاتهم الناقصة في ميادين المجموعة اللغوية ـ نظروا إلى هذه الاختلافات الصوتية في نوع المحادثة في المناطق الثلاث، أو إلى أقل اختلاف صوتي ملموس لدى الناطقين بالفارسية وأسموا فارسية أفغانستان «الدرية»، وفي إيران «الفارسية» وفي تاجيكستان «التاجيكية». فهم يعتقدون أنّ اختلاف الخلق يقع من الأسماء. وعندما يفصلون الاسماء فإنّ المبادئ والفروع والتبدلات تبتعد عن الأصول وتتحقق أهدافهم، وكذلك جرى بعد تثبيت الأسماء الثلاثة، وهكذا فإنّ المفاهيم الدينية، والوطنية، والقومية، والاقتصادية، والسياسة، وكثيراً من المسائل الاخرى ممّا ليس له علاقة باللغة ذاتها تولَّدت ونَمَت بفعل تتابع هذه الأسماء. وغدا ـ عدا أهل الكتاب والقلم ـ أغلب المتحدثين بالفارسية في المناطق السياسية الثلاث غرباء عن بعضهم بعضاً، وخفَّت الأعمال والمشاركات الوجدانية فيما بينهم، وازدادت حدَّة العصبيات والمعارضات…
ولعل من أهم المسائل التي نجمت بسبب «اختلاف الأسماء» حول اللغة الواحدة بين الناطقين بالفارسية، ولا سيما أهل إيران وأفغانستان، وشغلت أذهانهم رَدحاً من الزمان، واختصت بها بعض الكتابات مسألة «منّا وليس منكم». وما زلتُ أسمع هذه المسألة من أساتذة الكلية الأدبية الأفغانية والإيرانية. وممّا لا شك فيه أنّ جميع مسلمي العالم، بما في ذلك الناطقين باللغة العربية، يعترفون بمآثر اللغة الفارسية في شتى المراحل الإسلامية، ويُقرّون «الميراث الحلال» من جميع الناطقين بالفارسية بقضية الدائن والمدين، بمن في ذلك من لم تكن الفارسية لغتهم الأصلية، ويعترفون بأنهم سعوا ـ ويسعون ـ للغة الفارسية وثقافتها في سبيل الله. وإنّ اختلاف الاسماء حول اللغة الفارسية ونمو العصبيات القومية من وراء هذه الأسماء المذكورة غدا سبباً في حصر رجال الفلسفة الإسلاميين ضمن الحدود والرسوم الضيقة، وهم كانوا يعملون بتجرّد وتحرّر بدافع من موهبتهم الإبداعية واستعدادهم المطلق ومساعيهم اللامحدودة، وأوجدوا سعادة لهذا العالم بآرائهم وعقائدهم، إلاّ أنّهم حصروهم وضيّقوا عليهم، من غير أن يستفيد سكان تلك المنطقة من أزهى الأفكار وأعظم الآراء الثقافية. وكان قصد هؤلاء المفكرين سعادة أبناء آدم، من غير أن يعمدوا إلى الاستفادة المطلقة من السعادة التي يرغب فيها هؤلاء الرجال الممتازون.
إلاّ أنّهم ـ ومن غير أن يهتموا بهذه الأعمال ـ ادعوا أنّ «فلاناً» من الحكماء الذكي المتألِّه المتفتح منّا، وأنّ «فلاناً» من منطقتنا، وعلينا أن نقول إنّ أبا الريحان من أفغانستان، وسعدي من إيران، والسيد جمال من إيران وليس من أفغانستان، أو من أفغانستان وليس من إيران، والملاحظة التي يجب ان يدركها ذوو المقام أنّ عليهم رفض كل التضييقات والتعصبات والأنانيات التي تزيل روح الإنسانية وتُنسيها.
هذه القصة الزاخرة بالغصَّة، برغم اشتراكها في الدين، والقواعد، واللغة، والثقافة، والآداب، والعادات، والآلام المشتركة علينا أن نطرح «اختلاف الأسماء» في المؤتمرات والمجتمعات والكتابات التحقيقية والعلمية، ونُتبعها بالعصبيات التي لا تتصل باللغة ولا بالثقافة. وأليس من الأفضل لنا عوضاَ عن أن نتعصب لابن سينا تعصباً أعمى وقاتلاً، أن نتّحد ونتعاضد ونسعى إلى الشفاء بدوائه؟ وأن نصع دواء من “شفائه” نعالج به أذهاننا المريضة، وننير به أرواحنا القاتمة من غير أن نختصم؟ وأن نصنع من “شفائه” شفاء أفضل من أن نتفرق ونبدي عجزنا، حيث تتألم روح هذا الذكي المتأله؟
فلندع قصة «اختلاف الأسماء» الجارحة ونتجه نحو نقاط أخرى حول كمية اللغة الفارسية وكيفيتها. والنقطة الأولى التي تعني اللغة الفارسية في الدولة المذكورة هي في التنوّع اللغوي ـ للغة الفارسية ـ ففي كلّ منطقة أفغانية للغة الفارسية فيها لهجة خاصّة، ولكثير منها جذور تاريخية أيضاً لكن أهم هذه اللهجات الفارسية وأبرزها الفارسية الهروية، الفارسية الكابلية، الفارسية الهزارية، وليست متداولة في العرف، والحي، والسوق، والأطراف، والنواحي، بل هي معروفة في مراكز التعليم للمنطقة أيضاً.
وتعدّ الفارسية الهزارية أقدم هذه اللهجات وأثبتها للأصول والخصائص للغة الفارسية. بحيث إنّها كانت منتشرة في لهجات اللغة الفارسية للقرنين الرابع والخامس، كالفعل المركب عوضاً عن البسيط، والحروف، والقيود، وأداة التنبيه القديمة، واستخدامات ملحقات الأفعال القديمة، وتكرار الأفعال، والضمائر القديمة وإبدالها المهم… وإنّ دراسة هذه اللهجة الفارسية الأفغانية، قبل أن تكون غريبة ومهجورة، لا بدّ لنا من أن ندرك أنّ الدراسات التاريخية للغة الفارسية. وحل معضلات النصوص القديمة من الأمور الضرورية والفورية لعصرنا الحاضر.
أمّا الفارسية الهروية، فمثلها مثل اللهجات الفارسية المتداولة في خراسان. فمع وجود هذا الاختلاف في خصائصها وسماتها القديمة، تظل اللهجة الخراسانية متداولة في الدائرة الإيرانية السياسية. وبسبب ما تتحلّى به اللهجة الفارسية الطهرانية من وضع رسمي فإنّ كثيراً من خصائصها المتأخرة زالت من الوجود بحكم مركزيتها ومعيارها وعوامل أخر.
واللهجة الفارسية الثالثة البارزة في أفغانستان هي الكابلية. وهذه اللهجة الفارسية عرفت واشتهرت لأنّها واقعة في المركز، ومعتبرة لهجة رسمية. ولما كانت حدودها الإقليمية ضيقة بين الأفغانيين فإنّنا لا يمكننا اعتبارها لهجة رسمية ومعيارية على نطاق الدولة جغرافياً. وفي اللهجة الفارسية الكابلية، مع أنّها ذات خصائص عريقة متأصلة وثابتة فإنّها تقبّلت تغييرات كثيرة بالنسبة إلى غيرها من اللهجات الفارسية المعروفة في أفغانستان بسبب اضطرارها إلى التغييرات والتبديلات، ممّا جعلها أبعد كثيراً من غيرها عن أصالتها اللغوية، واستقبالها للألفاظ الأردوية، والپشتوية، والفرنسية، والإنكليزية.
وكما ذكرنا فإنّ اللهجات الفارسية الثلاث في أفغانستان منقسمة نظرياً بحسب المناطق والجغرافية. ولكنّها في الواقع، ومن منظار آخر، تنقسم إلى نوعين: اللغة الرسمية، واللغة غير الرسمية.
والمراد من اللهجة غير الرسمية الأشكال والهيئات التي راجت بين السكان ـ ولا سيما سكان القرى، وضواحي المدن. هذه اللهجة الفارسية في أفغانستان لم تُعدّ أساسية لأنّ ألفاظها رسمية، وأكثرها مستحدث ومحمّل على اللغة الفارسية الرسمية أو دخيل عليها، كما أنّه لم تعدّ غريبة لمحافظتها على عناصرها الأصلية، ومتانتها ونضجها، وكثرة الألفاظ القديمة الفارسية فيها. ودراسة هذه اللهجة الأفغانية ضرورية جداً بلا شك للإمعان في النصوص القديمة، وإغناء المجموعة اللفظية للغة الفارسية بعامّة، والفارسية الأفغانية بخاصّة.
وبالإضافة إلى اللهجة المذكورة؛ اللهجة الرسمية في أفغانستان ـ والتي تشمل اللغة الإدارية وقسماً من كلام العامة والصحف والتعليم ـ فإنّها لهجة مفككة، ضعيفة، زاخرة بالمولد والدخيل، وذات تصريفات نحوية من الفارسية الهندية، وهي تتسلّط على اللهجة غير الرسمية من منظار العون الرسمي. وبلا شك، لو أنّ الترابط الاجتماعي الأفغاني اتّخذ شكلاً رسمياً مقبولاً، ولو أنّ الدول التي تألفت في السنوات الثلاثين الأخيرة أنس فيها شعبها بترابطه فإنّ صعوبة اللغة الفارسية وقيمتها تبدوان واضحتين في اللهجة غير الرسمية.
والخلاصة، فإنّ اللهجة الفارسية الرسمية في أفغانستان ذات ميزات متولدة إمّا حُمِّلت تحميلاً، وإمّا انّها تصرَّفت بها من أثر العجز الاقتصادي ـ الذي يتبعه ضعف اللغة والثقافة. ومن أبرز الميزات المتولدة في اللهجة المذكورة ـ والتي تعدّ أساس الضربات في جسدها ـ احتمال الضغط عليها من لغة الپشتو ـ ويرجع تاريخ تحميل ألفاظ من الپشتو منذ خمسين سنة ونيف حتّى يومنا هذا؛ من أيام حكومة الأمير حبيب الله خان. ولعل المراحل الأولى اكتفت فيها لغة الپشتو بتحميل اللهجة المذكورة مجموعة من المفردات، وأغلبها في النطاق العسكري. مثل محمود طرزي في «سراج الأخبار» الذي يثبت دخول هذا النوع من الألفاظ، فهو يكتب دليلاً على ذلك ويقول إنّه «في عهد الأمير حبيب الله خان دخلت ألفاظ پشتوية كثيرة في مجال الجيش وتعليماته، لأنّ صلابة هذه اللغة ومهابتها مناسبة جداً لهذا الغرض، إذ منحت القواعد العسكرية شأناً وشوكة. فلو ظلّت شعارات القواعد العسكرية باللغة الفارسية بدت ضعيفة وطولانية جداً وغير موزونة». وشيئاً فشيئاً زخرت اللهجة الفارسية في جيش أفغانستان بأسماء وألقاب وصفات وألفاظ وكلّها من لغة الپشتو، بحيث إنّنا لو حاولنا كتابة قصة في هذا الزمان باللهجة الرسمية الفارسية، ويكون شخوصها وحوادثها في الجيش الإفغاني، لبدت عناصر تلك القصة ـ بلا شك ـ عدا الروابط وبعض تصريفات اللغة الأساسية پشتوية خالصة.
وازداد أمر تحميل المفردات الپشتوية في الأمور العسكرية وفي جميع الشؤون للهجة الفارسية الرسمية وتوسّع انتشارها منذ سنة 1335هـ حتّى اليوم. ولقد حلَّت ألفاظ كثيرة مستحدثة وأحياناً مجهولة الأصل محلّ ما يعادلها من الكلمات الفارسية المتداولة، مثل الكلمات :آقا (سيد) ـ خانم (سيدة) ـ دوشيزة (آنسة) ـ مجلس سنا (مجلس الأعيان) ـ محكمة عالي (المحكمة العليا) ـ دانشگاه (جامعة) ـ دانشكده (كلية) ـ دبير ستان (ثانوية) ـ استعيض عنها بالكلمات: شاغلي ـ ميرمن ـ پيغله ـ لوي جرگة ـ ستره محكمة ـ پوهنتون ، پوهنحئي ـ شونحئي ـ التي ملؤوا بها اللغة.
وعدا الكلمات المذكورة، تُرى عشرات المفردات في اللهجة الرسمية، وهي ألفاظ دخيلة من: الأردوية ـ الفرنسية ـ الإنكليزية. ولقد تسرَّبت بسبب الروابط السياسية، والاقتصادية، والثقافية، مع اللهجة المذكورة. وقد يكون بعض هذه الالفاظ متسرباً من القبيلة، مما لا تبدو أصوله التاريخية القديمة لدى الناطقين بالفارسية، ولم تترسخ هيئتها اللغوية كذلك بما يعادلها، في حين أنّها واردة في اللهجة المذكورة منسولة من اللغات الآنفة الذكر. في حين أنّها لا تتَّسم فقط في اللغة الفارسية بالمفاهيم والمعاني بشكل يربطها بالتاريخ والثقافة بل تتحلّى بصور وأشكال لغوية تامة التوازن والرصانة. إلاّ أنّ عادات الأذهان الكسولة والأذواق المريضة والآراء المتعصبة حرمت هذه الأشكال المشهورة من الاستعمال.
وفيما يلي نموذج واحد، وهو كلمة «ليسيه» الفرنسية التي استخدمت عوضاً عن «دبيرستان: ثانوية». ولقد كنتُ مقيماً سنة 1354هـ في كابل لمدّة عدّة أشهر، فكتبتُ مقالة حول «أفكار پيرهري» ونشرتها في مجلة «أدب» التي تنشرها كلية آداب جامعة كابل. واستخدمت في المقال كلمة «دبيرستان» مكان «ليسيه» نقلاً عن «نفحات الأنس» لجامي. وحينما انتشر المقال أثنى عليَّ عدد غفير من أهل القلم. وتدل مثل هذه المصادفة على حساسية الناطقين باللغة الفارسية نحو لفظة دخيلة في لغتهم وثقافتهم، ولا سيما في مفاهيمهم الثقافية القديمة وتاريخهم العريق. ولم تكن حساسيتهم في غير محلها، لأنّنا إن أمعنّا النظر في مجموع المفردات الدخيلة من اللغات: الپشتوية، الأردوية، الإنكليزية، الفرنسية، وكذلك لو دققنا في التركيبات السريعة التي دخلت عن طريق تساهل القدماء وسوء نظرهم في مجالات قواعد اللغة الفارسية من العربية والتركية ومن اللغات الأجنبية مؤخراً رأينا أنّ الركن المتين للغة الفارسية قد فقد متانته وموسيقاه من كثرة استخدام المفردات الدخيلة من اللغات المذكورة.
هذه هي النقطة المتصلة ببحث علم جمال اللغة الفارسية، فإن لم تلق العناية لدى الناطقين باللغة الفارسية فستتهيأ أسباب من صناعة الزمان، قد لا تكون قريبة لكنّها ستجعل الثقافة القديمة غريبة، ولن يُعلم قدر الكلام الدري، وسيغدو فهم الثقافة الفارسية ثقيلاً لأنّ:
«شخصاً كان على علم بشعر حافظ الجذاب».
«لأنّه يدرك لطف طبع الحديث الدريّ».
الدكتور نجيب مايل الهروي
التشيّع في أفغانستان
مضى الحديث عن مناطق الشيعة في أفغانستان وننشر بحثاً عن التشيّع في أفغانستان مكتوباً بقلم الشيخ حسين علي يزداني:
الإحصاءات الدقيقة عن نفوس أفغانستان لم تجر لحدّ الآن، غير أنّه برعاية منظّمة الأمم المتحدة أُجريت إحصاءات في عام (1978م) حيث أعلنت أنّ سكّان أفغانستان يبلغون الـ (21) مليون نسمة، وأمّلت في أن يبلغ عدد السكّان في عام (1985م) إلى الـ (25) مليوناً.
أمّا الشيعة فيشكّلون نسبة (30%) من سكّان أفغانستان، والمناطق التي يسكنون فيها هي المناطق المركزية لأفغانستان ومساحتها نحو (80) ألف كيلومتر مربع والتي يُطلق عليها اسم (هزارة جات)([259])، حيث إنّ كلّ ساكنيها هم شيعة.
التشيّع في هزارة جات
(الغور القديمة)
يرى البعض أنّ انتشار المذهب الشيعي في (هزارة جات) يرجع إلى ظهور الدولة الصفوية وأنّها هي السبب الرئيسي لانتشاره هناك، وأمّا التأريخ فيرفض ذلك جملة وتفصيلاً، حيث لم نجد فيه دليلاً أو شاهداً على ذلك، بل إنّ الشواهد والأدلة تدل على حقيقة ثابتة وهي أنّ ساكني بلاد الغور (هزارة جات) كانوا شيعة قبل ظهور الدولة الصفوية.
يقول علي أكبر تشيد في كتابه: (هدية إسماعيل ـ الفصل الثاني ـ طبعة طهران) حول التشيّع في بلاد الغور: إنّ مركز مسلمي الغور كان أوّل تمركز للشيعة، إنّهم أسلموا بين سنوات (35ـ40) للهجرة، وإنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) في خلافته نصب (جعدة بن هُبيرة المخزومي) الذي كان ابن أخت الإمام نصبه والياً على خراسان، ولمعاملة جعدة الحسنة مع الناس أصبح أهل الغور من الموالين والمُحبين للإمام علي (عليه السلام)، كما وأنّ أُمراء الغور لمسوا تلك المعاملة الإنسانية من والي الإمام على خراسان فأعلنوا طاعتهم للإمام (عليه السلام)، وبناء على اقترح جعدة، أمر الإمام (عليه السلام) بإبقاء بلاد الغور تحت تصرّف أُمراء عائلة (شنسب) الذين كانوا يحكمونها من قبل ومن أجل تفويض الحكم إليهم كتب الإمام (عليه السلام) كتاباً حول ذلك، واحتفظت تلك العائلة بكتاب الإمام بمثابة وسام افتخار وشرف لها من قبله (عليه السلام)، وكان ينتقل الكتاب من سلف إلى خلف بين أيدي تلك العائلة على مدى القرون.
وبعد استشهاد الإمام علي (عليه السلام) وفي عهد معاوية ومن بعده من حُكّام بني أُمية كان المسلمون مُرغمين على سبّ ولعن الإمام علي (عليه السلام) على المنابر، وكانت تلك البدعة الأموية أصبحت سارية المفعول يُعمل بها في أكثر مساجد العالم الإسلامي آنذاك، ولكن (شعب هزارة) في بلاد الغور رفضوا أمر معاوية في لعن الإمام (عليه السلام). (انتهى كلام تشيّد).
ويقول القاضي منهاج السراج الجوزجاني الأفغاني:
أغلب الظن أنّ الأمير (شنسب) أمير الغور أسلم في زمن خلافة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحصل منه عهداً للولاية واستبقاه في رئاسة (الغور)، وكان فيما بعد الشرط الأساسي الإمارة بين أحفاد (شنسب) هو الحصول على ذلك العهد المبارك من سلفهم، فإذا حصل الخلف على ذلك العهد فهو بمثابة تأييد جدارته على إدارة البلاد، هكذا كانوا يجلسون على كرسي الإمارة واحداً بعد آخر دون أيّة معارضة من قبل الآخرين وكان أُولئك من المُوالين والمُحبين لعلي وأهل بيت الرسول (عليهم السلام) وكانوا راسخين في عقيدتهم لا تهزّها العواصف([260]).
ونظم فخر الدين مبارك شاه، قصيدة في أُمراء الغور من عائلة (شنسب) يتحدّث فيها بإسهاب عن محبّة وولاء أهل الغور لأهل بيت الرسول (عليهم السلام)، ثمّ يضيف: «كفى فخراً وشرفاً لأهل الغور أنّهم لم يستسلموا لأمر معاوية بسب ولعن الإمام علي (عليه السلام) وأولاده الطاهرين ورفضوا ذلك)، وفيما يلي جزء من تلك القصيدة:
به إسلام در هيج منبر نماند
كه بروى خطيبي همى خطبه
نخواند
كه بر آل ياسين به لفظ قبيح
نكردند لعنت به وجهي
صريح
ديار بلندش از آن يود مصون
كه از دست آن ناكسان بود
بيرون
ازاين جنس هرگز در آن كس
نگفت نه در أشكار ونه اندر نهفت
نرفت اندر آن لعنت خاندان
از أين بر همه عالمش فخر
دان([261]).
ومعناها: أنّه لم يبق في العالم الإسلامي منبر لم يخطب من أعلاه خطيب إلاّ وتفوّه على آل ياسين بلفظ قبيح، ولعن صريح، سوى ديار الشموخ (الغور) كانت منّاعة للاعنين إذ كانت خارجة عن أيدي اللئام ولم يتفوّه فيها من ذلك القبيل أحد، لا في العلن ولا في الخفاء أبداً.
وبما أنّ فيها لم يُلعن الآل مطلقاً، كفى ذلك فخراً لها على العالم وشرفاً.
دخول أهل الغور في الإسلام منذ أيامه الأوائل، وولاؤهم الشديد ومحبتهم لأهل بيت النبوّة وعدم سبّهم للإمام علي (عليه السلام) رغم أوامر بني أُميّة الشديدة بذلك، كلّها حقائق ثابتة وردت في كثير من كتب التأريخ، حتّى أنّ القصص العامية والشعبية على ألسن العجائز من الرجال والنساء يتردّد باعتزاز في هزارة جات إلى اليوم: (بأنّنا أسلمنا فقط برسالة الإمام علي (عليه السلام) ومن أجل ذلك فقد دعا لنا، وكذلك نحن تحملنا مصائب عديدة من أجل المحبة والولاء لأهل البيت (عليهم السلام) حيث نباهي بها، ومن هنا يصدق القول المعروف البلاء للولاء).
وأهل الغور برفضهم لأوامر معاوية القاضية بالسب واللعن للإمام علي (عليه السلام) دفعوا ضريبة ولائهم له (عليه السلام) لأنّهم اتُّهموا بعد ذلك بالارتداد، ثمّ أوخذوا مؤاخذة شديدة.
فقد ذكر ابن الأثير أنّ معاوية أرسل إلى الغور جيشاً بقيادة حكم بن عمر لأنّهم ارتدوا.
وتدلّ القرائن التأريخية أنّ الغوريين لم يرتدّوا عن الدين، بل إنّهم اتهموا بذلك حين رفضوا أوامر معاوية بلعن علي (عليه السلام).
ومن هنا نرى أنّ مساهمتهم في ثورة أبي مسلم الخراساني كانت مساهمة فعّالة، فإنّه جهزوا خمسة آلاف رجل مسلم تحت قيادة الأمير فولاد الغوري والتحقوا به لنصرته، على أمل أن تنتقل الخلافة من بني أُمية إلى آل الرسول (عليهم السلام)([262]).
وتوالت العهود بين مد وجزر حتّى انقضاء عهد السربداريين الذين حكموا سبزوار وقسماً واسعاً من خراسان أكثر من خمسين سنة أي من سنة ( 737ـ788هـ).
وبعد زوال ملكهم صعب الأمر على السادة من الشيعة في سبزوار، لذلك ارتحلت عدّة عائلات منهم في عهد شاه رخ من سبزوار والتجؤوا إلى (هزارة جات) فاستقبلهم الهزاريون الشيعة أحسن استقبال ووهبوهم العقارات والأراضي الزراعية.
كما أنّ (مير السيد علي بخ سوز) وأتباعه استوطنوا (باميان) و(شاه قباد)، وبعضهم اتخذوا من وادي (سنكلاخ) وطناً لهم. واستقرّ إخوة (شاه سيد بابا) في شرق هزارة جات على حدود (جلريز) و(تكانه) وكان سكانها من (هزارة). واستوطن (السيد يحيى شاه قلندر) وأخوه بين الهزاريين في منطقة (وردك) التي كانت منطقة شيعية آنذاك.
هذه خلاصة من المعلومات التي يرويها المعمرون في (هزارة جات)، ويقول الشيخ حسن القندهاري إنّ سيداً آخر من سادة سبزوار اسمه (بابا حسن أبدال) أتى إلى الجنوب الغربي لهزارة جات قرب منطقة (قندهار) وسكن هناك، وكذلك (السيد حسن زنجيرپا) ابن أُخت (بابا ولي) و(مسعود شاه بيگلر بيگي) و(شاه مقصود) و(السيد شير قلندر ابن السيد حسن زنجيرپا)، هؤلاء كلّهم كانوا من السادة المتصوفين أولاد السيد (شير قلندر) في قندهار كلّهم من الشيعة([263])، والسيد (شير قلندر ابن السيد حسن زنجيرپا) كان من سبزوار واسمه الأصلي (السيد محمد) وكان رجلاً صوفياً ذا نفوذ واسع في ساكني قندهار ومناطق (هزارة جات) حتّى أنّهم أصبحوا من مريديه، وكانوا يتبرعون له بالأموال ويبعثون إليه بهداياهم.
يروى أنّ السيد (شير) عبر منطقة (زمين داور) وسكن في موضع يقال له (ساربان قلعه) وكان فيها حتّى سنة (933هـ) على قيد الحياة ودفن في محل يقال له (اشكلجه) على بُعد كيلو مترين من غرب (قندهار)، ويقصده الزائرون من أطراف قندهار وزمين داور حاملين معهم الهدايا والتبرعات لأبناء ذلك السيد، ويذبحون الذبائح حول مقبرته ويطعمون المساكين هناك وكذلك ساكنو هزارة جات أكثرهم من مريديه([264]).
وفي سنة (1016هـ) سار (معتمد خان بخشى) بأمر من (جهانگير ملك الهند) إلى (خواجه تابوت) في منطقة (باميان) وكتب عن مشاهداته: أن في باميان شاهدت جمعاً كثيراً من السادة الذين أصلهم من سبزوار بإيران، أتوا إلى باميان واستوطنوا بين (الهزارة) ([265]).
إنّ هؤلاء السادة فضلاً عن ترويجهم للتشيّع فإنّهم كانوا يُروّجون الطريقة الصوفية على مسلك شيخ الطريقة شاه نعمة الله ولي أيضاً، وفي مدّة من الزمن أصبح أكثر أفراد هزارة مريدين لهم، والسيد (شاه برهنه) كنظيره (مير سيد علي بخسوز) امتدّ نفوذه في باميان، وأصبح أكثر أهالي باميان من مريديه، وقبره إلى الآن مزار لأهالي المنطقة، وسيد آخر هو (مير سيد مراد ولي) الذي قبره إلى الآن يزار في منطقة (بلخاب)، وإليه يرفع نسب الشهيد إسماعيل البلخي.
ولا تزال آثار التصوّف التي روّجها السادة بادية في هزارة جات، ومن مخلفاتها الدارجة: مراسم السيّد والمريد وشدّ الأحزمة للأطفال على يد المرشد ومباركته لهم، فإنّ تلك العادات ما برحت حيّة حتّى في يومنا هذا فالمسنون والعجائز والمعمرون عموماً في هزارة جات كانوا مريدين لأحد السادة، ففي رأس كلّ سنة كانوا يُقدّمون شيئاً من المال بقدر وسعهم إلى السيّد وإذا مات فيرجع المريد إلى أولاد المراد.
والعامل الرئيسي الذي جذب السادة الشيعة من سبزوار إلى هزارة جات هو العامل المذهبي، فهم بعد هجرتهم من موطنهم الأصلي واستقرارهم في هزارة جات تصدّوا للأُمور المذهبية فأخذوا بترويج التشيّع وترسيخ دعائمه هناك.
وفي عهد (شاه رخ ميرزا بن تيمورلنك وقد اتخذ مدينة هراة عاصمة له ودام حكمه اثنين وأربعين عاماً من 1405 إلى 1447م)، كان الجو العام لصالح التشيّع في مناطق أفغانستان، حيث إنّ الخواجه (إسحاق الختلاني) من رجال البلاط كان مُريداً للسيّد علي الهمذاني وكان يُروّج للمذهب الشيعي، و(شاه رخ) نفسه كان شيعياً فلذلك كان يروّج للتشيّع([266])، ويُقال إنّ زوجته (گوهر شاد آغه) التي أسّست مسجد (گوهر شاد) في (مشهد) والمسجد (الجامع) في هراة كانت شيعية أيضاً([267]).
وكما ذكرنا آنفاً أنّ الشيعة كانوا موجودين في أفغانستان قبل الصفوية، حتّى أنّهم في أفغانستان كانوا أكثر عدداً من نظرائهم في إيران آنذاك.
وممّا تجدر الإشارة إليه ما ذكره عبد الحسين خاتون آبادي ممّا يتعلق بهذا الموضوع: في عام (1082هـ) كنتُ في المشهد المقدس (في خراسان) وأتى رسولان من أهالي الأراضي الجبلية في أطراف (بدخشان) ومعهما هدية ورسالة من شيعة ذلك البلد موجهة إلى عامل المشهد يطلبون فيها عالماً مذهبياً ليعلمهم ويعلم أبناءهم الطريقة الإمامية، فأرسل العامل الرسالة إلى العاصمة أصفهان إلى حضرة الملك لينظر في أمرهما، ولكن لم يوجد في البلاط شخص لائق وجريء ليقوم بتلك المهمة العظيمة، وفي النهاية رجع السفيران إلى بلادهما (أفغانستان) بعد أشهر من التيه والحيرة بدون عالم ديني([268]).
وفي عهد تسلّط الإمبراطورية الگوركانية الهندية على أفغانستان فإنّ الشيعة هناك وبالخصوص في هزارة جات، تمتعوا بالحرية المذهبية حتّى أنّهم في ذلك العهد كانوا يرسلون المبلغين إلى بعض نقاط الهند من أجل الدعوة والعمل على نشر التشيّع، كما أنّ (آخوند درويزه) الذي عاش في القرن العاشر الهجري وكان من العلماء المتعصبين غير الشيعة يذكر أنّ أحد علماء هزارة ذهب من أجل دعوة الناس إلى التشيّع في نواحي (تيرا) بمنطقة (مندر) ثمّ يقول:
(… فمن جملتهم الرافضي ملا عبدالله الذي أتى في هذه الايام من جانب الهزارة واختار منطقة (مندر) مكاناً له حيث أعلن فيها مذهب الرفض، ويدّعي أنّه ابن أُخت (الملاّ عبد الرحيم مانكراوي)، وأنّه حينما كان في كشمير كان يقوم بالتبليغ والترويج لمذهبه، وبما أنّ أهالي (مندر) هم من الجهال والضالين، فاتبعوه في مذهبه واشتهروا بذلك (أي بالتشيّع)([269]).
وفي هذا المطقع من التأريخ كان لشيعة أفغانستان الاقتدار والوضعية الاقتصادية المطلوبة وقد كتب الشهيد القاضي نور الله حول شيعة هزارة جات في سنة (1010هـ) بشكل ملخص:
إنّ نفوس هزارة كابل كثيرة ويسكنون بين كابل وغزنة وقندهار أكثريتهم شيعة أهل البيت الأطهار (عليهم السلام)، ومن رؤسائهم في هذا العهد (ميرزا شادمان) الذي يفرح به المؤمنون ويحزن من كرّاته الأجانب وعويلهم صاعد منها([270]).
حينما تسلّط أُمراء قبيلة (سدو زايى ومحمد زايى) على أفغانستان ابتلي الشيعة بأفجع المصائب، ففي عهدهم بلغت العصبيات الجاهلية المذهبية العمياء ذروتها وشنّوا على الشيعة حملات الإبادة الجماعية وفي عهدهم قلَّ عدد الشيعة، فالأمير عبد الرحمن أهلك أكثر من ثلث سكان مناطق الشيعة بما فعله من تقتيل لهم أينما وجدهم، يكفي أن تعلم أنّه في بداية حكمه كان يُقدر سُكان)(بهسود) بـ (20) ألف عائلة، أمّا في أعوام (1309ـ1312هـ) أي في غضون (3) سنوات فتراجع عددهم إلى الـ (6400) عائلة، ممّا يعني أنّه قام بإبادة (13600) عائلة شيعية فقط من منطقة (بهسود)، هذا مع العلم أنّ أهالي بهسود لم يُلاقوا إلاّ القليل قياساً بإخوانهم الشيعة في سائر مناطق هزارة، فشيعة (أجرستان) و(داية بولاد) والقسم الأعظم من (أرزكان) و(زمين داور) أُبيدوا كلياً.
وخلاصة القول إنّ أُمراء قبيلة (سدو زايى ومحمد زايى) قتلوا بشكل جماعي ثلثي سكان (هزارة جات) ورجعت البقية الباقية من الشيعة القهقهرى.
وفيما يتعلق بمسائل العلم والثقافة يقول المؤرخ الأفغاني غلام محمد غبار: (ومن منطقة يكه ولنگ) اعتقلت الحكومة مائة ألف عائلة من عائلات الروحانيين الشيعة، واستطاعت ألف عائلة روحانية أن تلوذ بالفرار (من أفغانستان) وقتل ألفان ومائة روحاني وعالم شيعي([271])، وهدمت الحسينيات والتكايا الشيعية من أساسها، فحسينية (ميرايلخاني) في منطقة (يكه ولنگ) التي كانت فريدة في نوعها هدمت من الأساس، وكان عدد الحسينيات في مدينة هراة (50) حسينية عامرة([272])، كان يقام فيها مراسم العزاء الحسيني هدمها الأمير عبد الرحمن وعلاوة على تلك المصائب والفجائع فإنّ الكتب والتراث الثقافي والمخطوطات الشيعية كلّها أُحرقت بأوامر الامير عبد الرحمن.
كتابة التاريخ في أفغانستان
بدأت حركة كتابة التاريخ في أفغانستان ممنذ عهد الشهيد الملا فيض محمد الكاتب. وقد وجّه الأمير أمان الله خان الدعوة إلى عدد من علماء الآثار الغربيين للسفر إلى أفغانستان للتنقيب عن الآثار التاريخية في خرائب هذا البلد. وبعد ذلك وفي عهد عائلة نادر (آل يحيى) استمرّت التنقيبات. وفي سنة 1930م تأسّست جمعية أدباء كابل بأمر من نادر خان وبعد ذلك تأسّست جمعية أدباء قندهار وجلال آباد وغيرها. وبعد مرور ثلاث أو أربع سنوات تأسّست جمعية تاريخ أفغانستان وجمعية بشتوه [بشتوتولنه] وكان أهم أعمال هذه الجمعيات تأليف وطبع الكتب التاريخية. وقد تمّ خلال أكثر من أربعين عاماً طبع وتوزيع ونشر ما يقارب 209 مجلدات من الكتب التاريخية الصغيرة والكبيرة باللغات الفارسية والبشتو والأردو والإنكليزية والعربية وغيرها من اللغات. ولما كان أكثر هذه الكتب كتب وطبع بأمر من النظام الحاكم فإنّه يمكن للقارئ أن يعرف محتوياتها. وكان المؤرخون والمؤلفون البلاطيون يقبضون الرواتب العالية ولكن الذي كانوا يكتبونه ما هو إلاّ تزييف للحقائق. ومن جملة ما تمّ تأليفه كتاب الكنز الخفي (بته خزانة)، وتذكرة الأولياء وغيرها من الكتب بقلم عبد الحي حبيبي ومؤرخين آخرين. وكانوا ينسبون هذه الكتب إلى مؤلفين وهميين في القرون الماضية وممّا جاء في هذه الكتب تاريخ حياة شخصيات تاريخية وشعراء وشاعرات ومؤلفين وعلماء ورجال من قوم بشتون كلّهم شخصيات وهمية لا وجود لها. وقد استند المؤرخون اللاحقون على محتويات هذه الكتب المزيفة. وبهذا فإنّ الكثير من التلاعب والتزييف حصل في تاريخ أفغانستان. حتّى أنّ المؤرخين الأجانب الذين كانوا يجهلون هذه الحقائق استندوا على هذه الكتب المزيفة، إلاّ أنّ القليل من المحققين كانوا على علم بحقيقة هذه الأمور. ولمّا كان بعض العلماء الغربيين الباحثين في لغة البشتو قد شككوا بتأليفات حبيبي وأصحابه، فقد طلبوا منه النسخ الأصلية من هذه الكتب ليختبروا الورق والحبر. إلاّ أنّ حبيبي رفض بشدّة عرض النسخ الأصلية، حيث كان يعلم أنّه لو أبرز النسخ الأصلية فسيظهر زيفها.
وعلى هذا الأساس، فإنّ الكتب التي تمّ تأليفها في عهد آل يحيى قد أعطت الدور الرئيسي إلى الأقوام الحاكمة وقل ما جاء ذكر الأقليات القومية والدينية. وعلى سبيل المثال: فمن الكتب التي صدرت كتاب «موسوعة آريانا» [آريانا دائرة المعارف] في ستة مجلدات ضخمة حسب حروف الهجاء. وقد أشارت الموسوعة بالتفصيل إلى الأقوام الآرية كما أنّ فيها معلومات عن رجال مجهولين في أوروبا وأميركا وكذلك معلومات عن الأنهار والجبال والمدن الأوروبية. ولكن الكتاب لا يشير أبداً إلى سكان هزارة الكادحين وهم من الأقوام البطلة الشجاعة التي أسّست أفغانستان. وذلك لأنّهم من الشيعة.
وقرأت في كثير من الموسوعات العالمية، معلومات عن هؤلاء الناس تحت عنوان كلمة «هزارة».
عدم اهتمام الشيعة بتاريخهم
من المؤسف أن نرى الشيعة قد تجاهلوا كتابة تاريخ أفغانستان فنال تاريخهم أذى جسيم. إنّ تجاهلنا لكتابة التاريخ قد جعل مؤرخي السلاطين والبلاطات ينسبون بطولات ونضالات الشعب الأفغاني ضد الاستعمار إلى الأقوام غير الشيعية وخاصّة أقوام محمد زايى. وكانوا يشيرون إلى «هزارة» بأنّهم من الأقوام التي لا تاريخ لها ولا نسب. إنّ هؤلاء المؤرخين يحكمون من جانب واحد وكتبوا ما أرادوا أن يكتبوا. ولم يظهر مؤرخ واحد خلال هذه المدّة ينتقد كتاباتهم وتأليفاتهم ويكشف الحقائق.
دور الشيعة في الانتفاضات
المعادية للاستعمار
إنّ الشيعي بسبب طبيعته الثورية لا يمكنه أن يصمت أمام الظلم والعدوان. ولهذا السبب فإنّ الشيعة في أفغانستان كانوا يناضلون جنباً إلى جنب مع شعوب هذا البلد لمقاومة العدوان الخارجي وكانوا السبّاقين في بعض الأحوال. وقد حدث أنّه في الحرب الأولى بين أفغانستان والإنكليز جاء من علماء الشيعة «الملا عبدالله» ابن الملاّ نجم من قندهار إلى كابل وأخذ يحدث الأهلين في المساجد والتكايا ويدعوهم إلى الجهاد ضد الإنكليز، كما كان يدعو الشيعة والسنّة إلى الاتحاد والأخوة. وبعد طرد القوات الإنكليزية ومجيء الأمير دوست محمد إلى السلطة قضى على الأحرار بأسباب مختلفة لأنّه كان عميل الإنكليز. ومن بين الذين هربوا من أفغانستان كان الملاّ عبدالله الذي سافر إلى مدينة (مشهد) في إيران وتوفي فيها شريداً. وللملاّ عبدالله هذا مؤلفات كثيرة لم تطبع حتّى الآن. ولم يأت ذكر تاريخ حياة هذا العالم الشيعي المناضل في أي من كتب التاريخ في أفغانستان. وبإمكاننا أن نجد تاريخ حياة هذا المناضل وتاريخ نضاله في الكتب التي ألفها إخواننا الإيرانيون.
وكان للشيعة دور فعّال أيضاً في الحرب الثانية بين أفغانستان والإنكليز. وكان يتزعم القوات الشيعية في الجبهة الشرقية (كابل) رجال أمثال مير غلام قادر أوبياني وبرويز شاه خان بغماني من سادات بغمان الشيعة، وكذلك نجل مير عباس لالا. وقد حاربوا الإنكليز بشجاعة ورجولة كما جاهد الشيعة ببطولة في الجبهة الغربية (ميوند وقندهار). وكان مؤرخو البلاط قد اعتبروا القائد أيوب خان أنّه هو الذي فتح ميوند، إلاّ أنّ الفاتحين الحقيقيين لهذا الجهاد المقدس هم رجال مجهولون من الطبقة الضعيفة المضطهدة في المجتمع. إنّ الملاّ محمد علي آخوند زاده، العالم الديني المناضل الشيعي هو الذي دعا أهالي مدينة هراة إلى الجهاد بالخطب التي كان يلقيها عليهم.
إنّ البطولات التي قام بها الكرنيل شير محمد خان هزارة وغيره من المجاهدين في صحارى «ميوند» اللاهبة أسفرت عن مقتل اثني عشر ألفاً من أفراد القوات الإنكليزية وحقق الشعب الأفغاني انتصاراً كبيراً. وفي حرب قندهار عندما اقتربت القوات الإنكليزية الموفدة من كابل إلى مدينة قندهار، فتحت نيران مدفعيتها على قوات المجاهدين كما أنّ القوات الإنكليزية المحاصرة داخل المدينة فتحت نيران أسلحتها على مواقع المسلمين. واندلعت نيران الحرب بشدّة واستمرّت بعنف واستشهد الكثير من المسلمين في هذه الحرب. وكان القائد أيوب خان قائد قوات المجاهدين قد تبادل الرسائل سراً مع الإنكليز حول السلطة الملكية في أفغانستان وخان الشعب، ولكنّه هرب في هذا اليوم مع عدد كبير. وفي مثل هذا اليوم العسير حيث القنابل والرصاص ينهالان على أهالي المدينة من السماء والأرض، وقف الكرنيل شير محمد خان هزارة مع مائة من أفراده ببسالة ورجولة بوجه المعتدين. إنّ مقاومة وصمود هؤلاء كان السبب في إنقاذ الكثير من المجاهدين الذين كانوا قد تورطوا في المهلكة حين الفرار. وقد تمكن الكرنيل شير محمد خان أن يصد ببسالة فوجاً من القوات الإنكليزية لمدّة ثماني ساعات. وقد هلك في هذه المعركة إثنان من خيوله برصاص العدو ولكنّه استمرّ في المقاومة وإنّ أغلبية المجاهدين المائة الذين كانوا تحت إمرته قد استشهدوا([273]).
وفي حرب الاستقلال أي الحرب الثالثة بين أفغانستان والإنكليز التي وقعت في سنة 1919م والتي انتهت بحصول أفغانستان على استقلالها، كان الشيعة كالمرتين السابقتين هم الذين أبدوا الشجاعة والبسالة في سبيل استقلال أفغانستان. وقد أمر الملك أمان الله بنقش أسماء عدد من الشيعة من أبطال هزارة الذين أبدوا بطولات عظيمة في هذه الحرب على لوح كبير من الحجر في منار دهزنگ في كابل.
وكان أبناء الشيعة من بهسود وباميان ودايزنگي يحاربون القوات البريطانية في الجبهتين الجنوبية والشرقية بينما كان أبناء الشيعة من غزني وجفتو وناوور وجاغوري ومالستان ودايكندي وقندهار يحاربون القوات البريطانية في جبهة قندهار. وكان يقود هؤلاء كل من السيد نور محمد شاه قزلباشي ومحمد الله خان هزارة وعبادي خان هزارة وشير أحمد خان توري وعبدالله خان قياق وأبو القاسم خان رساله دار وغيرهم([274]).
دور الشيعة في الثورة على الشيوعية
لمّا كان الشيعة في أفغانستان قد عانوا الكثير من التعذيب في الأنظمة السابقة وخاصّة في عهد الأمير عبد الرحمن. فإنّ النظام الماركسي في كابل لم يكن يتصوّر أنّ ينتفض أبناء الشيعة بل كان يعتقد أنّهم يؤيدون ما يسمّى ببرامجه الإصلاحية برحابة صدر. ولكن خلافاً لما كان يعتقد النظام فإنّ الشيعة بانتفاضتهم الشاملة قد ضعضعوا موقف الحكومة في نظام تره كي. وكان للشيعة دور بارز وكبير ومصيري في الجهاد الكبير خلال الأعوام العشرة الأخيرة.
وبالرغم من أنّ أوّل مواجهة مسلحة ضد قوات النظام الماركسي قد بدأت من نورستان، ولكن يجب اعتبار انتفاضة أبناء الشيعة الدامية في «درة صوف» بداية انتفاضة الشعب الأفغاني. لقد انتفض أبناء الشيعة في درة صوف، وحرروا مدنها، وقد دخل النظام الماركسي المعركة بقساوة لا توصف وانقطعت الطرق المؤدية إلى درة صوف من جميع أنحاء أفغانستان لمدّة عشر أيام. وقد استمرت أعنف المعارك بين الأهالي والقوات الحكومية خلال هذه المدة وارتكبت القوات الحكومية مجزرة رهيبة بحق الشيعة ودمّرت بيوتهم ونهبت أموالهم، كما استشهد الكثير من الأطفال والشيوخ ومن النساء والرجال. واضطر الأهالي إلى مغادرة منازلهم واللجوء إلى الكهوف والمغارات والجبال بين الثلوج والبرد القارس. وقد هلك عدد منهم من الجوع والبرد، ورغم كلّ هذا فإنّ الأهالي ظلّوا صامدين وقد استمرّوا في الحرب وصمدوا للقوات الحكومية والروسية التي أغارت عليهم عدّة مرّات.
كما انتفض أبناء الشيعة في بلخمرى ودهنه غورى وجنگ أغلي وقتلوا عدداً كبيراً من أفراد القوات الحكومية، ولكنّهم واجهوا أعنف الغارات الجوية والبرية الحكومية واشتعلت النيران في بيوتهم حتّى أنّ نظام تره كي أرسل ستة عشر ألفاً من المسلمين الإيلجاريين لمحاربتهم ودارت بينهما حرب دامية استشهد فيها عدد كبير من الشيعة طوال هذه المعركة كما أنّ القوات الروسية شنّت غارات على أبناء الشيعة إلاّ أنّهم قاوموا بشدّة، وأنزلوا ضربات مهلكة بالقوات الروسية.
لقد انتفض الشيعة والسنّة جنباً إلى جنب في الانتفاضة الكبيرة الدامية التي وقعت في هراة وصنعوا ملحمة كبيرة قدموا فيها في سبيل الله عدّة آلاف من الشهداء.
كانت (هزارة جات) قطعة من النار والدم، لقد انتفض أهالي هزارة الأبطال في كلّ مكان وتمكّنوا في أقل من شهرين أن يفرجوا عن أكثر من ثلاثين من أبناء ولسوال وعلاقة دار، وأنّ المعارك بينهم وبين القوات الحكومية كانت مستمرة في كلّ مكان حيث أنزلوا ضربات قاصمة بهذه القوات، كما استشهد الآلاف من الأهالي في هذه المعارك. وعلى سبيل المثال، فإنّ أربعمائة من أهالي هزارة الأبطال استهشدوا في منطقة باميان خلال السيطرة على مركز ولاية باميان. ورغم كلّ هذا فقد استمر الأهالي في المقاومة فتمكنوا من تحرير مركز ولاية باميان ثلاث مرات عندما كانت تستعيده القوات الحكومية والروسية كلّ مرّة. ثمّ تمكنوا من تحريره للمرّة الرابعة وظلّوا يسيطرون عليه.
إنّ انتفاضة أهالي هزارة جات قد أربكت نظام تره كي بشدّة ومن خوفه بدأ بسرعة بتجميع الإيلجاريين، ومن جانب آخر تظاهر النظام بتمسّكه بالإسلام. وأتذكر جيداً أنّ أهالي العاصمة كابل كان يقول بعضهم للبعض الآخر بلهف وشوق: إنّ بندقيات أبناء هزارة قد جعلت تره كي وأعضاء حكومته يلفظون كلمة التوحيد. إنّ أبناء بشتون كانوا يقولون إنّ أوغان هو الشقيق الأكبر لهزارة وإنّ هزارة هو الشقيق الأصغر، إلاّ أنّ انتفاضة أبناء هزارة أثبتت أنّ هزارة هو الشقيق الأكبر.
فيما يلي أسماء المناطق التي حررها أبناء هزارة:
دايكندى، بلخاب، انتفاضة أهالي سنگجارك، فتحت شهرستان، ناوور، يكاولنگ، بالستان، مناطق بنجاب وورس ولعل وسرجنكل، بهسود علاقة دارى دايميراد، جاغوري، دره فولاد في إبميان، علاقة دارى شيمبول، انتفاضة وادي تركمن، علاقة دارى شيخ علي فتح علاقة دارى جلريز، تكانة لولنج بعد معركة استمرّت شهرين، ولسوالي جفتو. جفتو.
وبهذا، فإنّ مركز أفغانستان (هزارة جات) بمساحة تقدّر بأكثر من 80 ألف كيلومتراً مربعاً تحرّرت في السنة الأولى من الثورة وما زالت محررة حتّى الآن.
وإضافة إلى تحرير المناطق المذكورة، فإنّ الشيعة كان لهم الدور الفعّال الأساسي في تحرير المناطق المجاورة الداخلة ضمن مناطق أبناء السنّة. حيث كان لأبناء الشيعة من بهسود ودايمير داد وسر جشمه الدور الرئيسي في تحرير (نرخ ميدان) و(بند خواجه ميدان). ومركز ولاية ميدان تحرر من قبل الشيعة والسنّة بصورة مشتركة. كما أنّ تحرير بعض المناطق في ولاية غور بما في ذلك بسابند غور ومناطق أبناء السنّة في ولاية أرزگان تمّ بالتعان بين الشيعة والسنّة، وأنّ أبناء الشيعة حرّروا مؤخراً مناطق قره باغ غزني.
لقد شنّ الشيعة عدّة هجمات على القوات الماركسية والروسية المستقرة في غزني وأنزلوا بها ضربات قاصمة. وتمّ تحرير عدّة مناطق في ولاية تركستان الأفغانية بالتعاون بين الشيعة والسنّة. إنّ المجاهدين في جهار كنت وضواحيها أنزلوا ضربات كبيرة بالقوات الروسية. وكان الشيعة إلى جانب السنّة في تحرير منطقة سياه كرد. وأتذكّر جيّداً أنّ وفوداً من المناطق السنيّة في وادي غوربند، وحتّى من بنجشير جاءت إلى وادي تركمن وطلبت الإرشاد من الجمعية الإسلامية في وادي تركمن. وفي تلك السنة تمّ إرسال خمسة وثمانين من المجاهدين التركمان إلى وادي سيدان وتايخان غوربند لمساعدة إخوانهم أبناء السنّة. وبقوا هناك عدّة أشهر. إنّ الوحدة والإخلاص بين أبناء الشيعة والسنّة في الأعوام الأولى من الثورة لم يسبق لهما مثيل في تاريخ أفغانستان. لقد تمكّن المجاهدون الشيعة في تركمن وشيخ علي وقول خويش أن يحتلوا القاعدة المهمة في جهارده في غوربند والتي تقع في منطقة الإخوة أبناء السنّة. ولقد لعبت مجموعة توحيد التركمن التي كنت أقودها دوراً هاماً في هذا الفتح. وبعد الاستيلاء على جهارده غنمنا جميع المواد الغذائية والألبسة التي كانت هناك وأهديناها إلى الأهالي كما أهدينا إليهم كمية من الأسلحة التي غنمناها([275]).
لقد شنّت قوات نظام كابل الماركسي وقوات الاحتلال الروسية عدّة هجمات على (هزارة جات) لاحتلال هذه المنطقة الجبلية إلاّ أنّها اضطرت للانسحاب في كلّ مرّة تاركة خلفها خسائر وأضراراً جسيمة. ولو أنّ (هزارة جات) قلب أفغانستان النابض وقعت بأيدي الروس فإنّ أيّة قوّة لم يكن باستطاعتها إخراج الروس من البلاد وفي عهد حفيظ الله أمين هاجمت قوّة قوامها ثمانية عشر ألف مقاتل من القوات الحكومية تدعمها المئات من المدافع والدبابات والمدرعات والآليات العسكرية والقوّة الجوية، هاجمت وادي تركمن وشيخ علي. واحتلّت شيخ علي بكاملها، كما احتلت نصف وادي تركمن، وقتلت ونهبت ودّمرت كلّ شيء. وقد لجأ الأهالي في ذلك الخريف البارد إلى الجبال والوديان. وإنّ المجاهدين كانوا يدافعون عن المنطقة بكامل قوّتهم. وكنت مع مجموعة التوحيد قد نصبنا الكمائن على طريق القوات الحكومية في ذلك البرد القارس وأنزلنا بها ضربات قاتلة. إنّ صمود ومقاومة أبطالنا، وبعد قتال استمرّ عدّة أيام أجبر القوات الحكومية على الهزيمة والانسحاب نحو مدينة كابل. وكانت خسائر الأهالي في الأرواح كبيرة جداً وإنّ أكثر من اثني عشر من الأطفال هلكوا في ذلك البرد الشديد في جبال سرهلمند.
وفي الربيع وبعد أن ذابت الثلوج، هاجمت القوات الروسية الجديدة منطقة (هزارة جات) من كلّ جانب تدعمها المئات من الدبابات والمعدات الحربية كما هاجموا تركمن وشيخ علي وباميان عن طريق غوربند وبهسود عن طريق ميدان جلريز وهاجموا جغتو وجاغوري ومالستان عن طريق غزني وهاجموا المناطق الغربية لهزارة جات عن طريق قندهار وهراة وغور. وقاموا بالقتل والنهب والتدمير. وبدأت القوّة الجوية الروسية بقصف هزارة جات. وتمّ محاصرة الأهالي من كلّ جانب. وبدأت المعارك في مختلف مناطق هزارة جات بقوّة وعنف. وكان الروس يهدفون إلى احتلال قلب أفغانستان. ولكن مقاومة الأهالي جعلت القوات الروسية تذوق طعم الهزيمة المرّة، وانسحبت إلى كابل وغزني وقندهار وهراة. وبعد ذلك تعرّضت المناطق التي يعيش فيها الشيعة في قرى غزني وبهسود وبقية مناطق هزارة جات مراراً لهجمات الروس القاسية، إلاّ أنّ الهزيمة كانت نصيب تلك القوات في النهاية. وكانت بهسود وسرجشمه ودايميرداد تتعرّض في الليل للقصف الجوي. إنّ السوق في سرجشمه ودره آبدله دمّرت مراراً نتيجة هجمات الروس عليهما وإنّ الأضرار بلغت ملايين الدولارات، إلاّ أنّ الأهالي أعادوا بناء المناطق. وفي الأعوام الأولى من الثورة كان حطام الدبابات والمدرعات والهليكوبترات الروسية منتشراً في وادي غوربند من جهارده إلى شيخ علي ووادي أوني بهسود وبقية المناطق الاستراتيجية. وكان الأهالي يأخذون حطام هذه التجهيزات العسكرية ويصنعون منها الأدوات الزراعية وأشياء أخرى. إنّ الأهالي دفعوا ثمناً باهظاً لتحرير (هزارة جات) كما كانت الخسائر في الأرواح كثيرة. خاصّة فتح مركز باميان وأطراف غزني، وصمود أهالي قياق غزني، وفتح لومان جاغوري وغير ذلك حيث لكلّ منها حكاية طويلة. وإنّ ما نذكره هنا ما هو إلاّ فهرست للحوادث.
وقع الكثير من الشهداء في المعارك التي وقعت من كوتل أونى إلى مركز بهسود. إنّ الماركسيين كانوا يقتلون أو يعتقلون جميع الذين كانوا على طريقهم عندما كانوا يسيطرون على إحدى المناطق ولا يفرقون بين المجاهدين والأهالي العاديين. فمثلاً عندما انتفض أهالي مركز بهسود فإنّ القوات الحكومية اعتقلت خلال انسحابها ثمانين من أهالي قرية وادي آبدله (آبدره) وأخذتهم معها إلى كابل. ولا نعرف عن مصيرهم شيئاً حتّى يومنا هذا، ونحن على ثقة بأنّهم جميعهم قد استهشدوا ولم يكن هؤلاء المعتقلون المساكين قد شاركوا في انتفاضة أهالي مركز بهسود وأنّهم أبرياء حقاً، وقد أعدمت القوات الحكومية بين سبعين إلى ثمانين من أهالي قرية دهن نرو الواقعة بين تركمن وفرنجل، رمياً بالرصاص. في حين أنّ أهالي القرية لم يشاركوا في الانتفاضة وكانوا أبرياء. وأنّ نساء القرية حملوا جثث الضحايا بعد ذلك ودفنوها في منطقة خاصّة حاصروها بالجدران. وعندما انتفض أهالي مركز بهسود كانت الثلوج قد غطّت المنطقة بكاملها، وإنّ القوات الحكومية هاجمت القرى ممّا اضطر الأهالي أن يأخذوا النساء والأطفال إلى الجبال. ولمّا كان الجو بارداً جدّاً فإنّ الأهالي وضعوا ما كانوا يملكونه من الأبسطة والسجاد على الثلوج وأقاموا عليها الخيام لإيواء الأطفال. لقد فُقد الكثير من الأهالي من أبناء الشيعة. فمثلاً أعدّت الجمعية الإسلامية في وادي تركمن قائمة بأسماء التركمان الذين اعتقلهم نظام تره كي وكان عدد المعتقلين قد بلغ سبعمائة شخص. ولما كان عدد المعتقلين في وادي تركمن وهي منطقة صغيرة قد بلغ هذا العدد فإنّ الله يعلم كم هو عدد المعتقلين في مختلف مناطق (هزارة جات).
إنّ أهم قضية كانت أمام النظام الماركسي خلال العشرة أعوام الماضية هي قضية المحافظة على العاصمة. لأنّ الحكومة كانت تخشى أن تتّسع رقعة نضال الأهالي في العاصمة كابل. ولهذا السبب كانت القوات الحكومية تقوم بين فترة وأخرى بتفتيش المنازل في العاصمة وأنّها كانت تعتقل كلّ من كانت تشك في أمره. وفي مثل هذا الجو الخانق استمرّ أبناء الشيعة في نضالهم. ففي الانتفاضة الدامية التي وقعت في حي جنداول كان ضحايا أبناء الشيعة حوالي سبعة آلاف معتقل أغلبيتهم من العمال من حمال وإسكافي وما إلى ذلك، لم يعرف عن مصيرهم شيء حتّى يومنا هذا. وفي انتفاضة (بالاحصار) في كابل كان أبناء الشيعة والسنّة يجاهدون جنباً إلى جنب. وكان الأمر كذلك في انتفاضة الجيوش في ريشخور وقرغه حيث كان الجنود الشيعة والسنّة وكذلك الموظفون من السنّة والشيعة يجاهدون جنباً إلى جنب. وكان للجنود الشيعة الدور الرئيسي في انتفاضة باميان وفرقة هراة وأسمار وغيرها. وفي الملحمة الكبرى التي وقعت في كابل والتي قليلاً ما نشاهد مثلها من الملاحم في التاريخ فإنّ أبناء الشيعة لعبوا دوراً فعالاً فيها. وإنّ عمليات أبناء الشيعة الفدائيين في العاصمة كانت لها أهمية خاصّة. إنّ المجاهدين البهسود شنّوا عدّة هجمات على بغمان وأنزلوا ضربات قاصمة بالقوات الروسية المستقرة في المنطقة. وإنّ فتح سهل برجي والعشرات الأخرى من العمليات الفدائية في مختلف مناطق كابل قام بها المجاهدون الشيعة.
لقد قام الشيعة في مدن: غزني وقندهار وهراة ومزار شريف وبفلان وبلخمري ومدن أخرى بعمليات فدائية كثيرة وصنعوا الملاحم. وكان الأمر كذلك في المناطق التي لا يعيش فيها أبناء الشيعة حيث كان عدد قليل من هؤلاء الشيعة يشاركون إخوانهم أبناء السنّة في عملياتهم الفدائية، علماً بأنّ الأحزاب الشيعية لها قواعد عسكرية في مختلف مناطق هراة وغور وبادغيس وقندهار ومختلف مناطق تركستان.
والمهم في عمليات أبناء الشيعة الأفغان هو أنّهم لا يدينون إلى أي بلد أجنبي في نضالهم حيث إنّ المساعدات الأجنبية التي كانت قد أرسلت في الأعوام الأخيرة باسم المجاهدين الأفغان من الولايات المتحدة وكندا والدول الأوروبية واليابان والصين وأستراليا والدول العربية كانت ترسل إلى مكاتب الأحزاب المستقرة في بيشاور. بينما نعلم أنّ الشيعة في أفغانستان عامّة والشيعة الهزاريين خاصّة هم من الناحية الاقتصادية أفقر الناس في المجتمع الأفغاني. إنّ المصابين الجرحى من أبناء هزارة يموتون بسبب عدم توفّر الإمكانيات الصحية لهم. وإنّ المجاهدين الشيعة لا يصلهم حتّى خبز الشعير الكافي، ورغم كلّ هذا فإنّهم ظلّوا مستمرين في النضال.
المؤسف حقاً أنّ الشيعة لا يتمكنون من إرسال نداء دماء شهدائهم إلى العالم، لقد صنعوا ملاحم كبيرة وكثيرة ولكن لم تلتقط لهم صور أو افلام عن هذا الكفاح وعن هذه الملاحم لعرضها على العالم أو لنشرها في الصحف والمجلات. فمثلاً فتح جهارده غوربند كان عظيماً جدًّا وكذلك حرب فرنجل الدامي وفتح لولنج وانتفاضة الجيش المسلم في باميان، والفتوحات الأخرى والمعارك الدامية، كلّ هذه الفتوحات لم ينشر عنها شيء في الصحف والمجلات. وإذا جاء ذكر عنها وعن تلك الملاحم كان ناقصاً أو بعد مرور عدّة أشهر. وكذلك الحال بالنسبة لتاريخ حياة الشهداء والأبطال الشيعة حيث إمّا أنّه لم ينشر عنهم شيء في الصحف والمجلات وإمّا أن يكون ما نشر ناقصاً ومختصراً. حتّى أنّه ليست لدينا إحصائيات عن شهدائنا. وطبعاً إنّ مثل هذا الأمر متعذر حالياً. وقد حاولت يوماً أن أعد قائمة بأسماء الشهداء من علماء الدين وطلاب العلوم الدينية من الشيعة وقد تمّ إعداد قائمة بأسماء مائتين من هؤلاء في هزارة ولكن العدد الحقيقي لهؤلاء كان أكثر من هذا العدد ولذلك صرفت النظر عن هذا الأمر ولكنّي أحتفظ بقائمة أسماء هؤلاء الشهداء. ولعلّي أنشرها فيما بعد إن شاء الله.
ومن جانب آخر يجب أن نعترف أنّنا نواجه مشاكل اقتصادية كثيرة فإنّ أيدنا مغلولة لعدم توفّر الإمكانيات الاقتصادية. لقد تعرّفت على عدّة من الشباب الشيعي كانت لهم الرغبة الكبيرة لإعداد أفلام عن ساحات القتال ولكن هذه العملية كانت بحاجة إلى المال والإمكانيات اللازمة ولمّا لم تكن الإمكانيات متوفرة فقد تركنا الأمر جانباً. إنّ بعض الطلاب سجلوا بعض وقائع الانتفاضة الشعبية. فمثلاً أحد طلاب العلوم الدينية ويدعى ضيائي سجل حادث انتفاضة دره صوف الدامية وإنّ طالباً آخر سجل حادث انتفاضة أهالي شهرستان. ولكن لمّا كانوا لا يملكون نفقات طباعتها فإنّ كتاباتهما بقيت غير مطبوعة.
أسباب عدم تقدّم الشيعة في أفغانستان
يمكن تلخيص أسباب تأخّر الشيعة وعدم تقدّمهم لأمرين:
الأوّل: التمييز العنصري واللغوي والديني من قبل الأنظمة الحاكمة.
الثاني: حياتهم القروية وابتعادهم عن مراكز الحضارة.
إنّ الحياة في وسط أفغانستان التي تبلغ مساحتها عشرات الآلاف من الكيلومترات المربعة هي حياة قروية. وإنّ هذه الحياة القروية لا شك تؤثّر في تأخّرهم الثقافي بصورة مباشرة والمعروف في جميع أنحاء العالم أنّ القرويين لا يتساوون مع سكان المدن من الناحية الثقافية وأنّ السبب الذي كان يوصي به الأئمة الطاهرين بالعيش في المدن هو لهذا الأمر حيث إنّ الحياة في المدن قد تؤدّي بطبيعة الحال إلى المزيد من الوعي واليقظة والعلم وارتفاع مستوى ثقافة الشعب. إنّ التجارب أثبتت هذه الحقيقة ايضاً حيث إنّ الاسر التي اضطرت إلى الهجرة إلى كابل قبل أربعين أو خمسين عاماً نتيجة العسر والفقر أنّ جيلها الجديد قد حقق نمواً كبيراً من الناحية الثقافية. ولحسن الحظ، فإنّ قابلية الشعب الأفغاني في التعلّم وفي الصناعة والأعمال الفنية، كبيرة جدّاً، فإن توفّرت لهم الإمكانيات الدراسية وإمكانيات التعليم فإنّهم سيحققون نمواً وتقدّماً كبيراً وسريعاً وأمّا بالنسبة للتمييز الذي تمارسه الأنظمة الحاكمة، فإنّه يجب القول إنّه لو كانت مثل هذه الضغوط الاقتصادية والسياسية والجغرافية قد فرضت خلال مائتين وخمسين عاماً على أي من الشعوب لما كانت الحضارة والثقافية قد بقيت عند تلك الشعوب، بل لما كانت تلك الشعوب نفسها باقية. وإنّه من المدهش أن نرى مدى صمود ومقاومة الشيعة في أفغانستان حيث حافظوا وما زالوا يحافظون على كيانهم ووجودهم. كان الشيعة عامة والهزاريين خاصة قد منعوا من دخول الكليات العسكرية وكلية السياسة والاقتصاد. وكان هاشم خان خته شقيق نادر الذي ظلّ رئيساً للوزراء طيلة سبع عشر سنة كان هو فيها في الحقيقة الحاكم المطلق في أفغانستان قد أصدر قراراً حكومياً تحت رقم 875 إلى وزارة المعارف آنذاك يمنع فيه قبول أبناء الشيعة في المعاهد العالية في كابل وخاصّة في المعاهد العسكرية. ولا يحق لهم دخول مثل هذه المراكز التعليمية. أمّا عبد الحي حبيبي الذي كان ذا عصبية خاصّة للشيعة وكان يدافع عنهم في كلّ مكان ويقف ضد مثل هذه التمييزات المذهبية فقد كتب قائلاً: لا توجد حتّى خمس مدارس ابتدائية في مناطق (هزارة جات) لثلاثة ملايين نسمة من أبناء هزارة.
حالة الشيعة الاقتصادية
نُشرت في الصحف الإيرانية قبل عامين بعض الإحصاءات حول الحالة الاقتصادية في دول العالم وأشار المقال إلى أنّ الدراسات التي قامت بها منظمة الأمم المتحدة أكدت أنّ أكثر من نصف دول العالم تعتبر من الدول الفقيرة. ومن بين هذه الدول عشرون دولة فقيرة للغاية، إثنتان منها من أميركا اللاتنية وتسعة منها في إفريقيا وتسعة منها في آسيا. وأنّ أفغانستان وبنغلادش يتصدران قائمة هذه الدول وأنّهما فقيرتان كلّ الفقر. وأمّا في داخل أفغانستان فإنّ الشيعة وخاصّة السكان القرويين في (هزارة جات) هم أكثر طبقات أبناء أفغانستان فقراً. إنّ هذا الفقر هو أوّلاً بسبب طبيعة الأرض التي يعيشون عليها حيث إنّ الأرض باردة وجافة وصعبة وقاسية في هذه المنطقة. وثانياً بسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة التي كانت تمارسها الأنظمة الحاكمة. فمثلاً كان يوجد في أفغانستان من الأثرياء من كان بإمكانهم منافسة أثرياء الدول المتقدمة، وكانت هناك بعض الأعمال ذات الأرباح الطائلة كالشركات التجارية الكبرى وكانت هذه الشركات في الغالب تحت إشراف العائلة المالكة، وكان الرئيس عتيق الله خان عديل الملك ظاهر شاه يملك وحده ما يقارب عشرة آلاف فدان من أحسن الأراضي الزراعية في: بلخمري وقندوز وبفلان وخان آباد وقندهار ومناطق أخرى. وكانت خمسمائة عائلة من الفلاحين في بلخمري تعمل لحسابه في حين أنّ ثلث العوائل في (هزارة جات) لا تملك بيوتاً تعيش فيها ولا تملك من الأراضي الزراعية شيئاً لتزرع فيها.
وممّا يذكر في حياة الشيعة في أفغانستان أنّ السائحين الذي كانوا قد زاروا (هزارة جات) كتبوا في مذكراتهم بإعجاب ودهشة واستحسان أنّه بالرغم من حالة هؤلاء السكان الاجتماعية والحياة القاسية التي يعيشونها فإنّه لا يوجد بين أبناء (هزارة جات) سائل ولا مسكين يستعطي، إنّ الفرد الهزاري إذا مات جوعاً لا يمد يد الشكوى والسؤال نحو الآخرين. إنّ هؤلاء السكان يدبّرون حياتهم بالقناعة والعمل المتواصل.
وإنّي أعتقد أنّ أبناء هزارة قد اكتسبوا هذه الصفة الجيّدة وهذه الخصلة الممتازة من أقوال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حيث يقول: «شيعتنا لا يسأل الناس ولو مات جوعاً».
عدد الشيعة
والمناطق التي يعيشون فيها
لا توجد إحصائيات دقيقة يعتمد عليها عن عدد سكان أفغانستان. وإنّ الإحصاءات تقرّر عدد نفوس أفغانستان من 18 إلى 27 مليون نسمة وتشير الإحصاءات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة في عام 1977م أنّ عدد سكان أفغانستان يبلغ 20,340,000 نسمة. وكان عدد سكان أفغانستان حسب ما جاء في كتاب العالم الصادر في عام 1985م، 25 مليون نسمة. والآن وبعد مضي ثلاثة أعوام على ذلك التاريخ فإنّ عدد سكان أفغانستان يزيد عن 25 مليون نسمة، ولمّا لم تكن هناك إحصاءات صحيحة عن عدد سكان أفغانستان فإنّه لا يمكن إعطاء إحصاء دقيق عن عدد السكان الشيعة هناك. ويقول عبد العظيم وليان إنّ ثمانين بالمائة من سكان أفغانستان هم من أبناء السنّة وثمانية عشر بالمائة من أبناء الشيعة وإثنان بالمائة من الإسماعيليين.
وإنّي أعتقد أنّ عدد الشيعة في أفغانستان لا يقل عن خمسة وعشرين بالمائة. وأمّا المناطق التي يعيش فيها أبناء الشيعة. فيمكن القول إنّهم ينتشرون في أغلبية مناطق أفغانستان ويعيشون فيها. إنّ خمسين بالمائة من سكان العاصمة كابل وخمسين بالمائة من سكان مدينة هراة هم من الشيعة. كما يعيش عدد كبير من الشيعة إلى جانب إخوانهم أبناء السنّة في كلّ من: غزني ومزار شريف وسربل وبلخمري وكرشك وقندهار وگرديز وبقية القرى والأرياف، وأمّا في القرى فإنّ منطقة (هزارة جات) الجبلية وتبلغ مساحتها أكثر من 80 ألف كيلومتراً مربعاً فإنّ سكانها جميعهم من الشيعة. حيث لا يقل عدد سكان هذه المنطقة عن ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف نسمة.
وتقع (هزارة جات) في وسط أفغانستان. مناخها بارد وأرضها قليلة المحاصيل فيها جبال شاهقة ووديان ضيقة عميقة، وهي تشتمل على المناطق التالية:
سرچشمه ـ بهسود ـ الحصة الأولى والثانية ـ دايميرداد ـ جرغى ، بورجكى ـ باتور ـ خوات ـ درة تركمن (وادي تركمن) ـ دره سرخ (الوادي الأحمر) ـ دره يارسا (وادي يارسا) ـ شيخعلي ـ شيمبول ـ شيبر ـ قول ليج ـ خول ـ دره سيدان (وادي سيدان) ـ كالو ـ سيغان ـ كهمرد ـ مركز باميان ـ دره بولادي (الوادي الفولاذي) ـ شهيدان ـ يكاولنگ ـ لعل ـ سرجنگل ـ آق زرات ـ كرمان ـ پنجاب ـ ورس ـ تخت ـ پسابندغور ـ شهرستان ـ داپكندي ـ كيجران ـ باغران ـ ناوه ميش ـ كيساب ـ گزاب ـ قره باغ ـ جاغوري ـ مالستان ـ ناور ـ جغتو ـ خواجه ميري وغيرها.
وكانت (هزارة جات) واسعة جدّاً في قديم الزمان وكانت تشتمل على قندهار ونواحيها وجميع ولاية غزني وولاية زابل وكابل إلى حدود جلال آباد. ومن الغرب كانت تشتمل على جميع أراضي داور ـ إلاّ أنّه خلال قرنين أو ثلاثة قرون تقلّصت مساحتها وتمّ تهجير أهاليها إلى مركز هذه المنطقة الجبلية.
وفي ولاية تركستان الأفغانية فإنّ المناطق التالية تعتبر من المناطق التي يعيش فيها أبناء الشيعة وهي:
بلخاب ـ أسمى ميدان ـ كاشان ـ سوليج ـ پلخمري ـ جنگ أغلي ـ دهنه غوري ـ پيش بند ـ تست بند ـ دره صوف (وادي الصوف) ـ جيمتال ـ شولگراه ـ جيل وآنجورك ـ جهار كنت ـ دولت آباد ـ دالان ـ سنجارك ـ جهارباغ ـ وبعض مناطق سرپل وغيرها.
سلسلة الأمراء الأرغونية الشيعة
حكمت السلسلة الأرغونية في (هزارة جات) في أفغانستان من سنة 884 إلى سنة 964 هجرية أي ما يقارب الثمانين عاماً بسياسة وحكمة وشعبية خاصّة. وكان أبناء الشيعة وأبناء السنّة يعيشون بهدوء وأمن واستقرار ـ وكانت عاصمة الأرغونية في أرض داور، غرب (هزارة جات). وكانت سلطتهم تشتمل على جميع مناطق هزارة جات وكابل وغزني وقلات ومقر وكرديز وقندهار وفراه. ومن الجنوب كانت تشتمل على السند وملتان.
وقد توسّعت وانتشرت الشيعة في عهدهم في أفغانستان والسند وملتان وكانوا يتمتعون بقوّة عسكرية واقتصادية وثقافية وفي نفس الوقت كان الأخوة من أبناء السنّة يعيشون في رفاهية واستقرار.
وكان الحكام الأرغونية ثلاثة: الأمير ذو النون أرغون وهو مؤسس هذه السلالة وحكم البلاد من سنة 884 إلى 912هـ أي لمدّة سبعة وعشرين عاماً. وقتل في هذه السنة في الدفاع عن مدينة هراة في حربه مع محمد خان الشيباني (ملك الأزبك القاهر). وقد وقعت هراة آنذاك بيد الأزبك. وجاء بعده ابنه شجاع بيگ وقد وسّع سلطته إلى السند وملتان ـ كان رجل علم وثقافة وفن، وكان ذا خبرة في التفسير والعقائد والفقه والمنطق والكلام وبعض العلوم الإسلامية الأخرى. وكتب شروحاً على بعض الكتب العلمية للعلماء السابقين وله مؤلفات أيضاً. توفي سنة 929هـ بعد حكم دام سبعة عشر عاماً خلفه في الملك ابنه ميرزا شاه حسن بيگ. وكان هذا الملك كوالده مهتماً بالعلوم وكان ينظم الشعر باللغة الفارسية. توفي في سنة 964هـ بعد حكم استمرّ خمسة وثلاثين عاماً. ولمّا لم يكن له ولد يخلفه في الملك فقد انتقلت السلطة بعده إلى قبيلة ترخانيان هزارة. ولكن أباطرة مغول الهند قضوا على هذه القبيلة بعد أعوام قليلة.
أصعب أدوار تاريخ الشيعة في أفغانستان
ازدادت الضغوط والاضطهادات على الشيعة في أفغانستان منذ سنة 1130 هجرية. وإنّ أبناء الشيعة أخذوا يفقدون أراضيهم وخاصّة في عهد الأمير دوست محمد خان وعبد الرحمن والأمير حبيب الله. كانت أصعب الأدوار بالنسبة للشيعة في أفغانستان وبالأخص في عهد الأمير عبد الرحمن فإنّهم كانوا يعذبون أبناء الشيعة لحجج واهية وأسباب تافهة. وكانوا يقتلونهم ويستولون على أموالهم ويصادرونها. وقد ارتكب الأمير عبد الرحمن الذي كانوا قد لقبوه بالأمير الذي يصنع المنائر من الجماجم أو كانوا يسمّونه بقاتل الرافضين. ارتكب مجزرة بحق أبناء الشيعة لا سيما في سكان هزارة. ويقدر مجموع الشيعة الذين قتلوا في عهد هذا الأمير من سنة 1297 إلى 1319 هجرية بما يزيد على مليون نسمة([276]).
وكان عبد الرحمن قد جهز قوّة عظيمة مؤلفة من العساكر الحكوميين ومن قوات الإيلجارية والمتطوعين السنّة المعتصبين للقضاء على أبناء الشيعة في هزارة. وكان مجموع عدد القوات الحكومية يزيد عن 120 ألفاً مزودين بالأسلحة الإنكليزية. وكان رجال الدين الجهلاء ووعاظ السلاطين قد كفروا أبناء الشيعة، وأباحوا قتلهم ونهبهم وسرقة أموالهم واعتبروها واجباً شرعياً. وقد استمرّت الحرب في (هزارة جات) ثلاث سنوات وستة أشهر. وقد قام أبناء هزارة بالدفاع عن أنفسهم وأراضيهم وأبلوا بلاءً حسناً. وقد دمّرت القوات الحكومية مناطق واسعة هي: داية وبولاد واجرستان وجوره وقسماً كبيراً من أرزگان وقضت على سكانها. وأعطت أراضيهم إلى قبائل الپشتون. أمّا بقية مناطق هزارة فقد دمرت طوال الحرب وأنّ القوات الحكومية نهبت أسلحتهم وأموالهم وكتبهم الدينية وأشياء أخرى.
وفي أرزگان وحجها تمّ تدمير 1300 حصن لأبناء هزارة تدميراً كاملاً([277]). وقد قُتل من يكاولنگ ألفين ومائة من العلماء الروحيين وعائلاتهم كما أسرت القوات الحكومية مائة عائلة للعلماء الروحيين([278]).
إنّ أقل عدد من الضحايا كان من أهالي بهسود حيث كانوا قد استسلموا للحكومة منذ البداية ورغم ذلك فقد بقيت من مجموع عشرين ألف عائلة بهسودية 6400 عائلة. أي أنّ الحكومة كانت قد قتلت خلال الفترة من 1309 إلى 1312هـ أكثر من 13600 عائلة. وأمّا العوائل الباقية فإنّ أكثر من نصف أعضائها كانوا قد قتلوا.
وكانت قوات عبد الرحمن قد دمرت جميع القرى والأرياف والقلاع والمزارع والأشجار والبساتين ونهبت أموال الأهالي أو أحرقتها. كما أنّ هذه القوات كانت قد قتلت الأطفال الرضع والشيوخ من الرجال والنساء بقساوة.
وكانوا يصنعون المنائر من جماجم القتلى.
وقد دمّر الكثير من المساجد والحسينيات، وواحدة منها هي حسينية ميرايلخاني في يكاولنگ كانت من روائع الفن المعماري. شيّدت على يد الفنانين من إيران وهزارة. وفي مدينة هراة دمرت الحكومة أكثر من 50 حسينية أو حولتها إلى جهة أخرى. وأضرموا النيران في الكتب الدينية حيث إنّ العساكر الحكومية وبتلقين من علماء السنّة كانوا يعتبرون كتب الشيعة من كتب الضلال وبهذا فقد قضوا على الثقافة الشيعية قضاء كاملاً. وكان رجال الدين السنّة يصلون في مساجد الشيعة، وكانوا عدّة أعوام يخطبون على المنابر مهاجمين أبناء الشيعة ولكن الأمر العجيب والمدهش هو أنّ واحداً من أبناء الشيعة لم يترك مذهبه.
وخلال الحرب، لمّا كان الرجال من أبناء هزارة يقتلون في الحرب كانت نساؤهم إمّا أن ينتحرن وإمّا أن يقاومن العدو حتّى يقتلن. حتّى لا يستسلمن للعدو.
وذات مرّة لمّا استشهد جميع رجال إحدى القرى، لجأت النساء إلى أحد الجبال الشاهقة، فلاحقتهم القوات الحكومية. ولمّا رأت النساء أنّهم سيقعن في أيدي القوات الحكومية ألقين بأنفسهم من فوق صخرة عظيمة، وتهشّمت أجسامهن. وكان عدد هؤلاء النساء اللاتي ألقين بأنفسهن من أعلى الجبل سبعاً وأربعين امرأة([279]).
قلّ قتل أبناء الشيعة في هزارة منذ سنة 1313هـ ورغم ذلك فلم يكن هناك أي ضمان لحياتهم وأموالهم.
وكانت حالة الأسرى مؤلمة ومحزنة جدّاً. فقد مات عشرات الآلاف من النساء والرجال من أبناء هزارة في سجون كابل وقندهار وغزني الرهيبة تحت التعذيب أو الجوع أو تفشي الأمراض السارية كالكوليرا في السجن. وكن رجال السجن يطلبون من النساء السجينات غزل الصوف وحياكة البسط لهم. وفي اليوم الذي مات فيه الأمير عبد الرحمن كان عدد النساء السجينات في سجن كابل وحدها ثمانية آلاف امرأة من هزارة.
وجاء بعد عبد الرحمن ابنه الأمير حبيب الله وقد خفّت في عهده مذابح الشيعة ولكن تعذيبهم واضطهادهم كان مستمراً. ولم يكن الشيعة يأمنون على حياتهم وأموالهم. وكانوا مضطرين للتظاهر بغير مذهبهم ويدفعون الرواتب إلى رجال الدين من السنّة.
وبعد ثمانية عشر عاماً من الحكم المشحون بالضغط والكبت، قُتل حبيب الله في عام 1337 هجرية وجاء بعده إلى الحكم ابنه أمان الله، وكان مغرماً بالحضارة الأوروبية، وكان يريد أن يمنح الحرية للشعب تقليداً للأوروبيين، ولم تكن عنده العصبية الدينية ولكن كانت عنده العصبية العنصرية. فحصل الشيعة في عهده على الحرية إلى حدٍ ما وكان هو يرغب في الاعتراف بالمذهب الشيعي في أفغانتسان إلاّ أنّ علماء الدين من السنّة المتعصبين احتجّوا على ذلك بشدّة. وخوفاً من هؤلاء العلماء فقد اضطر أن يسحب كلامه([280]).
وفي سنة 1347 هجرية وبعد حكم استمرّ عشر سنوات عُزل أمان الله عن السلطة من قبل المدعو، بجه سقو بعد الثورة التي قامت عليه.
كان بجه سقو من أهالي تاجك ورجلاً أميًّا إلاّ أنّه كان شجاعاً، لا يعرف السياسة ولا إدارة البلاد. وكان قد أحاط به مجموعة من الخوانين وعلماء الدين من أبناء السنّة المتعصبين ولذلك تجهّم للشيعة فأرسل جيشاً كبيراً بقيادة أخيه السردار حميد الله لإبادة أهالي هزارة الذين كانوا ما زالوا يؤيدون أمان الله.
فاضطر أهالي هزارة للدفاع وحاربوا القوات الحكومية ببسالة وبطولة تامة مدّة تسعة أشهر وقد هزمت القوات الحكومية عدّة مرّات أمام أهالي هزارة. وكان سعيد أحمد بجه شاه نور هو الذي يقود أهالي هزارة آنذاك. وكان هذا الرجل من أبطال عصره وتمكّن من إلحاق هزائم كبيرة بقوات بجه سقو. حتّى أنّه كاد أن يحتل العاصمة كابل. ولكن وفي الوقت الذي كانت قوات بجه سقو في حرب مع أبناء هزارة الشيعة وكانت العاصمة كابل خالية من القوات الدفاعية، انتهز نادر خان من أبناء الملوك السابقين الفرصة واحتل العاصمة كابل، وانهزم بجه سقو، فأعلن نادر نفسه ملكاً وطلب البيعة من الأهالي.
استمرّت حكومة بجه سقو ما يقارب التسعة أشهر. وقد أبرز بجه سقو خلال هذه المدّة عداءه للشيعة. وإضافةً إلى إرسال قواته إلى (هزارة جات) فقد استشهد على يده عدد من الرجال الشيعة بينهم العالم الكبير الملا فيض محمد الكاتب وأحمد علي خان ميراوخور من كبار رجال الشيعة.
وكان نادر خان من قبيلة محمد زايي (پشتون) وكان فاشياً وعنصرياً. فقد صرف هو وإخوته وأفراد عائلته ثروات أفغانستان في سبيل جعل البلاد پشتونية.
ولم يكن يؤمن بالدين، ولكنّه كان حريصاً أن لا يعرف الناس أنّه لا إيمان له. وخطط نادر خان برامج جهنمية للقضاء على الشيعة في مركز البلاد ونفّذ بعض هذه المخططات. ففي البداية نزع السلاح عن أهالي هزارة جات ثمّ اعتقل كبار القادة وكبار رجال هزارة جات وعلمائهم وألقى بهم في السجن كما سمّم بعضهم. لقد بدأت أيام قاسية على أبناء الشيعة. إنّ مخطط دهن كته باوي الذي سنذكره فيما بعد هو من صنيعه.
ولمّا شاهد أحد الطلبة الجامعيين من أبناء هزارة ويدعى عبد الخالق اضطهاد وظلم نادر خان عزم على اغتياله. وبالفعل أطلق خمس رصاصات من بندقيته على نادر فأصابت رأسه ووجهه وفمه وصدره. واعتقلوا القاتل مع أبيه وعمّه وجميع أعضاء عائلته وبعد ممارسة التعذيب عليهم عدّة أيام قتلوهم جميعاً. بينما كان جميع أعضاء عائلته أبرياء ولم يكونوا على علم بعزم عبد الخالق.
وبعد نادر شاه، اعتلى ابنه ظاهر شاه العرش، إلاّ أنّ السلطة الحقيقية كانت في أيدي أعمامه. وبعد هذا التاريخ كان أبناء الشيعة في هزارة يتلقون مختلف أنواع التعذيب لذرائع واهية. وكان لا يحق لأبناء الشيعة خاصّة أبناء هزارة دخول المعاهد العليا. وتابع إخوة نادر خان جميع مخططات أخيهم الفاشية. فاعتقلوا الكثير من رجال الشيعة وألقوا بهم في السجن أو أعطوهم السم فقتلوهم.
وكانوا يأخذون نوعاً خاصاً من الضرائب من أهالي هزارة كانت تسمّى (دهن كته باوي) ولا توجد مثل هذه الضريبة في أي بلد وفي أيّة نقطة في العالم. وكان بقية أبناء الشعب الأفغاني معفوون من دفع مثل هذه الضرائب. وكان هذا القانون خاصاً بأهالي هزارة. و(دهن كته باوي) هو أنّهم كانوا يحصون عدد الحيوانات لدى كلّ عائلة وأنّ تلك العائلة كانت مضطرة إلى إعطاء الحكومة كمية من السمن الحيواني حسب عدد الحيوانات التي تمتلكها. وكانت الحكومة تأخذ من كلّ عائلة في السنة ثلاثة كيلوغرامات من السمن عن كلّ حيوان (الغنم، الماعز، الدجاج، الكلب) كما كانت تأخذ ست كيلوغرامات من السمن عن كل بقرة أو حمار وإثني عشر كيلوغراماً من السمن عن كلّ حصان. وبصورة عامّة فإنّ كلّ عائلة من أبناء هزارة كانت تعطي للحكومة ما يقارب الثلاثين أو الأربعين كيلوغراماً من السمن في كلّ سنة. وكانت هناك بعض العوائل التي تعطي إلى الحكومة سنوياً حوالي مائة كيلوغراماً من السمن أو أكثر.
وعندما كانت الحكومة تجبي الضرائب، لا تُفرّق بين الحيوان الذكر أو الأنثى وكان جميع أهالي هزارة مرغمين على إعطاء السمن إلى الحكومة. وأمّا العوائل التي لم تكن لديها أيّة حيوانات فكانت هي أيضاً مرغمة على دفع هذه الضريبة. وكانت ضرائب الأراضي الزراعية منفصلة عن تلك الضريبة وكانوا يدفعونها إمّا نقداً أو يعطون القمح والحبوب الأخرى. ولم يكن الهدف من جباية هذه الضرائب زيادة عائدات الحكومة وعائدات الخزنة بل كان الهدف جعل أبناء الشيعة ضعفاء من الناحية الغذائية ليصابوا بمختلف الأمراض ويقل عددهم. ومن جانب آخر ليضطر أبناء الشيعة لبيع أراضيهم الزراعية إلى الأفغان الرُّحل (البشتون الرحل) ليتمكن هؤلاء من الاستيلاء على مركز أفغانستان بالتدريج.
فخلال عشرة أعوام من جباية (دهن كته باوي) من أبناء الشيعة أخذ الكثير من العائلات الشيعية يفقدون أراضيهم الزراعية ويصابون بالفقر والمسكنة كما مات الكثير منهم لإصابتهم بالأمراض المتفشية.
كان الأهالي قد ضاقوا ذرعاً وكان من المنتظر أن تحصل انتفاضة شعبية في أي وقت إلى أن انتفض أهالي مدينة شهرستان (مركز ولاية هزار جات) بقيادة شاب شجاع يدعى إبراهيم بيگ بجه گوسوار وذلك في شتاء سنة 1367 هجرية وفجروا مركز الحاكمية وقتلوا جمعاً كثيراً من رجال الحكومة وخاصّة جباة الضرائب. وقد جاء الأهالي من كلّ صوب من القرى والأرياف للالتحاق بأهالي مدينة شهرستان. فاستولى خوف شديد على الحكومة إذ أنّها كانت تعلم أنّه بانتهاء فصل الشتاء فإنّ جميع سكان هزارة جات سيلتحقون بهذه الانتفاضة، لذلك عجلت بإخمادها بالتعاون مع عدد من رجال الدين والخوانين المحافظين واستسلمت لمطاليب الثوار، وأعفت الأهلي من دفع ضريبة (دهن كته باوي).
دور الشيعة في نشر الثقافة في أفغانستان
بالرغ من الأنظمة الحاكمة في أفغانستان لم تكن تعطي الفرصة لأبناء الشيعة في مجال الدراسة والتحقيق والعلم فإنّ أبناء الشيعة كان لهم دور هام في نشر العلم والثقافة في أفغانستان. فقد دخلت العلوم الحديثة إلى أفغانستان في عهد الأمير حبيب الله وانتشرت في عهد أمان الله. إنّ أوّل مدرسة أنشئت في أفغانستان حسب الأساليب الحديثة كانت مدرسة حبيبة أو (ليسيه حبيبية) وذلك في العاصمة كابل. ومن الذين ساهموا في نشر العلوم الحديثة الملا فيض محمد الكاتب الهزاري. حيث ألّف الكتب الدراسية للمدارس الحديثة وكان مدرساً لفترة من الزمن في مدرسة (ليسيه حبيبية). كما كان للملا فيض محمد دور أساسي في وضع الدستور في البلاد وذلك بمساعدة عدد من علماء الدين من أبناء السنّة في عهد أمان الله خان. ولم يكن قبل ذلك أي قانون في أفغانستان. ويمكن اعتبار الشهيد العلامة البلخي أوّل من وضع حجر الأساس للأدب الثوري في أفغانستان حيث نظم الكثير من الشعر وهو في السجن.
وكان للشيعة الدور الهام في تأليف تاريخ أفغانستان. ويمكن اعتبار الشهيد الملا فيض محمد الكاتب من أكبر المؤرخين في أفغانستان في العصر الحاضر. كما ألّف علي أحمد كهزار المؤرخ وعالم الآثار كتباً عن تاريخ أفغنستان كما توجد كتب ومقالات تاريخية كثيرة من تأليف رضا مايل هروي. والشهيد إسماعيل مبلغ ولكن المؤسف هو أنّه لم يكن للمؤرخين الشعية الحق في تأليف الكتب عن تاريخ وحياة الشيعة في أفغانستان. غير أنّ الملا فيض محمد الكاتب تمكّن وبمهارة خاصّة من ذكر بعض المظالم التي لحقت بأبناء الشيعة في بعض مؤلفاته. وكان قد ألّف سرّاً كتاباً أسماه (فيض من الفيوضات) شرح فيه بصورة مفصلة المظالم التي لحقت بأبناء الشيعة.
وقد برز بين أبناء الشيعة عدد كبير من الشعراء. كما كان للعلماء الشيعة الدور الخاص في نشر الصحف والمجلات. حيث كان سرور جويا رئيساً لتحرير صحيفة (أنسِ) الواسعة الانتشار فترة من الزمن كما ترأس محمد حسين هدى فترة أخرى تحرير هذه الصحيفة. وكان علي أصغر بشير مديراً مسؤولاً عن صحيفة (ترجمان) التي كانت تصدر في مدينة هراة. وكان صفر علي أمني مديراً مسؤولاً عن صحيفة بلدية هراة فترة من الزمن إلى أن اعتقلوه وأمضى 12 عاماً في السجن.
وكان السيد علي أكبر الشهرستاني يشرف مدّة من الزمن على مجلة الآداب التي كانت تصدر عن كلية الآداب في العاصمة كابل.
وكان المرحوم (دگروا عبد الرؤوف التركماني) يتعاون في البداية مع غلام بني خاطر في إصدار صحيفة نداء اليوم (بيام امروز). ثمّ أسّس صحيفة نداء الضمير (بيام وجدان) وأصدرها بصورة مستقلة. وكانت الصحيفة الوحيدة التي تنشر عقائد أبناء الشيعة في هزارة وتدافع عنهم.وكان الشهيد الملا فيض محمد الكاتب يتعاون مع محمود الطرزي في إصدار صحيفة (سراج الأخبار) الأفغانية وهي إحدى الصحف القديمة في أفغانستان([281]).
العلماء وكبار رجال الشيعة
نكتفي في هذا الفصل بذكر عدد قليل من رجال الشيعة:
1 ـ أكبر شخصية علمية من أبناء الشيعة في أفغانستان في القرن الأخير هو الشهيد الملا فيض محمد الكاتب الهزاري، وهو كالشمس المضيئة في سماء العلم والمعرفة في أفغانستان. وقد قضى خمسين سنة من عمره الشريف في التحقيق والتأليف والتدريس. وكان شخصية بارزة في مختلف فروع العلم والمعرفة. كالأدب العربي والمنطق والأصول والفقه والتفسير والكلام والتاريخ والجغرافيا والقانون والهيئة والحساب. ترك آثاراً مخطوطة كثيرة طُبع البعض منها ولكن الأغلب منها ما زالت مخطوطة. وفيما يلي أهم مؤلفاته:
1 ـ فيض من الفيوضات في مجلدين حول التاريخ والكشف عن جرائم الأنظمة الحاكمة في أفغانستان.
2 ـ سراج التواريخ في أربعة مجلدات ضخمة في التاريخ.
3 ـ تحفة الحبيب في أربعة مجلدات ضخمة، أيضاً في التاريخ.
4 ـ تاريخ الحكماء المتقدمين من آدم إلى عيسى.
5 ـ تذكرة الانقلاب.
6 ـ تاريخ عصر الأمانية.
7 ـ الأنساب في طوائف الأفاغنة وعددها.
8 ـ تحفة الإخوان.
9 ـ فيض الأمان، في الجغرافيا.
10 ـ أمان الإنشاء في الأدب الفارسي.
11 ـ سياسية إدارة البلاد، في علم الاجتماع والقضايا السياسية والإدارة.
12 ـ أسباب الإصابة بالأمراض النفسية، في الأخلاق.
13 ـ شرح أصول الدين لمولانا محمد علي الرشتي، في العقيدة.
14 ـ فقرات شرعية، في الفقه.
15 ـ مقالات مختلفة، علمية وأخلاقية وإسلامية واجتماعية في مختلف مجلات البلاد بما في ذلك مجلة سراج الأخبار ومجلة العرفان.
ويقول حفيده فدا محمد، إنّ هذا الفقيه المناضل قد ألّف كتاباً كبيراً في الفقه تناول فيه المسائل الفقهية حسب عقيدة فقهاء مذاهب السنّة الأربعة، ثمّ قارن تلك المسائل حسب عقيدة فقهاء الشيعة وشرح دلائلها. وكتابه هذا يشبه كتاب (الخلاف) للشيخ الطوسي أو كتاب (الفقه على المذاهب الخمسة). وكان الشهيد الملا فيض محمد الكاتب من جملة دعاة الدستور في أفغانستان ولهذا السبب فقد قضى فترة من حياته في سجن الأمير حبيب الله.
وقد أصرّ كثيراً على الاعتراف بالمذهب الشيعي في أفغانستان. وفي سنة 1348 هجرية طلب من لويه جرگه بغمان من الحكومة ونواب المجلس أن يكون المذهب الشيعي مذهباً رسمياً كما الحال بالنسبة للمذهب السني. وكان دليله الاعتراف رسمياً بالمذهب الشيعي لصالح أبناء السنّة والشيعة ويكون لصالح البلاد أيضاً، إلاّ أنّ رجال الدين من أبناء السنّة المتعصبين احتجّوا عليه بشدّة في ذلك الاجتماع حتّى أنّهم هجموا عليه ممّا دفع بالسلطات الحكومية لأن تنقذه من تلك المعركة فألقته في السجن بصورة مؤقتة ثمّ أرسلوه إلى هزارة جات، إلى أن يخمد غضب رجال الدين من غير الشيعة.
وقد قام عملاء بجه سقو باعتقال الملا محمد فيض الكاتب بتهمة تحريضه لأهالي هزارة ضد الحكومة السقوية ومارسوا معه التعذيب العنيف وانهالوا عليه بالضرب. فمرض نتيجة هذا الأمر ثمّ توفي بعد عدّة أشهر أي في سنة 1350 هجرية متأثّراً بجروحه وآلامه.
2 ـ سرور جويا ـ كان من أبناء الشيعة في مدينة كابل ـ وكان من رجال الثورة ومن المناضلين المجاهدين. قضى 22 سنة من حياته في سجن ظاهر خان بتهمة مطالبته بالحرية. وقد توفي في السجن، كان أديباً شاعراً.
3 ـ براتعلى تاج: العلاّمة والاقتصادي الكبير، نشر له حوالي 290 مقالاً في موسوعة آريانا. وله مؤلفات كثيرة في مواضيع مختلفة، كلّها مخطوطة.
كان من الأحرار وقضى في السجن ما يقارب الخمسة أعوام. وفي عهد داود خان الصدر الأعظم مات مسموماً بأمر من داود خان. ولد براتعلى تاج في قرى هزارة جات وأكمل دراسته في تركيا.
4 ـ الشهيد إسماعيل مبلغ: الفيلسوف والخطيب والمدرس ورجل السياسة والكاتب. له مؤلفات كثيرة ما زالت مخطوطة. نُشر له حوالي 83 مقالاً علمياً وفلسفياً في موسوعة آريانا. كما ونُشر له العشرات من المقالات العلمية والفلسفية والتاريخية في مجلة (آريانا) ومجلة (العرفان) ومجلة (الأدب) ومجلة (وندون) والصحف والمجلات الأخرى التي تصدر في كابل. وله مؤلفات كثيرة طبعت، منها: (الجامي وابن العربي) و(الفلسفة في عقيدة جامي) و(الدين ليس بالأفيون). وله مؤلف كبير تحت عنوان (الإسلام دين الثورة) في الرد على الماركسية، وهو ما زال مخطوطاً.
كما وأنّ نظام كابل الماركسي صادر الكثير من مؤلفاته المخطوطة. كان أستاذاً في جامعة كابل فترة من الزمن وكان يدرس كتاب نهج البلاغة والمطول والكتب الدراسية الأخرى في الحوزة العلمية الشيعية في كابل. كان بارعاً في الفلسفة والتاريخ والكلام.
انتخب نائباً في مجلس الشورى الوطني في الدورة النيابية الثانية عشرة. ولد في قول خويش في بهسود وقد اعتقله النظام الماركسي الحاكم في كابل هو وأخوه واستشهدا في سجن الروس في كابل.
5 ـ المدرس الأفغاني: العلاّمة محمد علي المدرس الأفغاني وُلد في جاغوري ودرس في مسقط رأسه ثمّ توجّه إلى مدينة مشهد المقدسة والنجف الأشرف وبعد مدّة قصيرة أصبح أستاذاً ومارس التدريس في الحوزات العلمية في مشهد والنجف الاشرف وقم ما يقارب الخمسين عاماً. فتخرج عليه عدد كثير من الطلاب من أفغانستان وإيران والهند وباكستان وبنغلادش وتنزانيا والعراق ولبنان والكويت وتركيا. وكثيرون من هؤلاء الطلاب هم اليوم من كبار علماء الدين في بلدانهم. كان المدرس، يدرس من جامع المقدمات إلى كفاية الأصول. وكان محضره مزدحماً بالطلاب. أبعده النظام العراقي من النجف الأشرف وأقام في الحوزة العلمية في مدينة قم. توفي في سنة 1406 هجرية عن عمر يناهز الثمانين عاماً ودفن في مدينة قم.
وفيما يلي بعض مؤلفاته:
1 ـ مكررات المدرس في شرح السيوطي في أربعة مجلدات.
2 ـ الكلام المفيد للمدرس والمستفيد، في شرح الصمدية.
3 ـ المدرس الأفضل في شرح المطول في سبعة مجلدات.
4 ـ رفع الغاشية عن غوامض الحاشية، في المنطق.
5 ـ جامع المقدمات في مجلدين.
6 ـ إعراب سورة الفاتحة.
7 ـ الشواهد المنتخبة لكتاب السيوطي.
وهذه المؤلفات كلّها مطبوعة.
6 ـ الشيخ موسى بامياني: ولد في (جوكار) إحدى القرى التابعة لباميان. وبعد أن درس في مسقط رأسه توجّه إلى النجف الأشرف فكان هناك طالباً ومدرساً. له مؤلف في 15 مجلداً في شرح المطول، أسماه (المفصل في شرح المطول) ثمّ طبع تسعة مجلدات منه.
توفي في النجف الأشرف في سنة 1389 هجرية عن عمر يناهز الأربعين عاماً.
7 ـ السيد محمد سرور الواعظ البهسودي: ولد في إحدى قرى بهسود، ودرس في مسقط رأسه ثمّ توجّه إلى النجف الأشرف لمواصلة دراسته. ثمّ عاد إلى أفغانستان وأسّس مدرسة في كابل كان يتولى التدريس فيها. دخل السجن دون أي ذنب في الفترة من سنة 1340 إلى 1343 هجرية وهو أوّل من درّس الخارج في الفقه والأصول في أفغانستان. طبعت له عدّة كتب منها: (منهاج الأصول في مجلدين) و(ذكريات السجن) و(سيف الإسلام). اعتقله النظام الماركسي الحاكم في كابل في سنة 1399هـ ثمّ استشهد في السجن.
8 ـ الشيخ قربان وحيدي جاغوري: كان من كبار علماء الشيعة في أفغانستان. تخرّج على يده الكثير من الطلاب وأسّس بعض المدارس في جاغوري وبفلان. درّس المقدمات إلى كفاية الأصول وكان يحل مشاكل الناس، شجاعاً، مجاهداً ومناضلاً. وفي سنة 1372هـ اقتحمت مجموعة من قبائل أفغان كوجي (البشتون) بتحريض من الحكومة، سوق جاغوري وقتلت ثلاثة من الشيعة الأبرياء وبدأت بنهب وسرقة أموال الناس في المتاجر والحوانيت وغيرها فأسرع هذا العالم الشجاع بمساعدة شريف خان بايليت([282]) إلى مساعدة الأهالي والدفاع عن حريم الشيعة، فهلك في هذه المعركة أربعة عشر من المهاجمين، وتمّ اعتقال الشيخ وحيدي وشريف خان بايليت وعدد كبير من الأهالي وأبعدوا عن المنطقة. استمر الشيخ وحيدي وهو في السجن في الإرشاد والتبليغ وكسب بهذا شعبية كبيرة. وقد دعا الشيخ وحيدي الأهالي إلى الانتفاضة ضد نظام كابل الماركسي ثمّ توجّه إلى إيران للتشاور مع كبار علماء الدين. ولمّا كان في مدينة قم تلقّى نبأ احتلال القوات الروسية لبلاده أفغانستان فمات من الهم.
9 ـ الشيخ ميرزا حسين دره صوفي: في سنة 1349 هجرية قام بتأسيس مدرسة في منطقة دره صوف. ثمّ بدأ بتدريس الطلاب. وكان يدرّس المقدمات حتّى الرسائل والمكاسب. كما كان يستمع إلى شكاوى الناس ويحلّ مشاكلهم. وكان وكيلاً عن مراجع التقليد في النجف الأشرف للوقوف أمام ظلم نظام ظاهر شاه. ألقي في السجن عدّة أعوام. وبعد خروجه من السجن لبّى نداء ربّه مسموماً من قبل الكوجيين وبتحريض وإرشاد من العملاء الحكوميين.
10 ـ الشهيد السيد علي أصغر شعاع: كان في الأصل من سادات سنگلاخ (في شرق بهسود) ونشأ وترعرع في مدينة كابل. له مؤلفات كثيرة. وصدر العدد الأوّل من موسوعة آريانا تحت إشرافه. بذل مساعي كبيرة لكشف جرائم الحكومة ولهذا السبب اعتقل وسجن في سنة 1376هـ. واستشهد في السجن مسموماً من قبل الحكومة في سنة 1377 هجرية.
11 ـ الشهيد البلخي: الثائر والمفكر الكبير السيد إسماعيل البلخي، بزغ كالشمس في سماء أفغانستان.
ولد في سنة 1347 هجرية في إحدى قرى بلخاب. درس في مسقط رأسه ثمّ توجّه إلى النجف الأشرف في العراق ومشهد في إيران ثمّ عاد إلى وطنه. وخطط في سنة 1369هـ لإطاحة نظام ظاهر شاه وساعده في ذلك عدد من كبار القوم وكانوا يعتزمون إقامة حكومة إسلامية في أفغانستان، إلاّ أنّ مخططهم كُشف وقبل يوم واحد من تنفيذ العملية أي في يوم عيد النوروز سنة 1370هـ اعتقل البلخي وأصحابه وسجنوا وقضى في السجن 15 عاماً.
نظم وهو في السجن أكثر من 70 ألف بيت من الشعر. مرض في عام 1378 هجرية واستشهد مسموماً في مستشفى علي آباد في مدينة كابل على أيدي الحكومة.
12 ـ إبراهيم بيگ المعروف بـ (بجه گاسوار): كان إبراهيم بيگ بجه گاوسوار من كبار خوانين هزارة. ثار ضد ظلم الحكم في شتاء سنة 1366 هجرية وهو في الرابعة والعشرين من العمر. التحق به جميع أهالي شهرستان إحدى مناطق هزارة جات. ففجروا مقر الحاكم وقتلوا عدداً كبيراً من عملاء الحكومة وغنموا الأموال الحكومية. فاستولى خوف عظيم على السلطات الحكومية حيث كانت تخشى أن يلتحق جميع أبناء منطقة هزارة جات بأبناء شهرستان في انتفاضتهم بعد انتهاء فصل الشتاء. ولذلك التجأت الحكومة إلى علماء الدين المحافظين في هزارة وانتهت انتفاضة أبناء شهرستان بسلام. ووافقت الحكومة مضطرة على جميع مطاليب الثوار، وألغت ضريبة (دهن كته پاوي) إلى الأبد. ذاع صيت إبراهيم بيگ وشعبيته في جميع أرجاء البلاد وكان في سنة 1369 هجرية قد تعاون مع العلاّمة البلخي في التخطيط للإطاحة بنظام ظاهر شاه، إلاّ أنّ خطتهم كشفت واعتقل المتآمرون ولولا انتفاضة إبراهيم بيگ بجه گاوسوار لكان سكان هزارة ما زالوا يدفعون ضريبة (دهن كته پاوي).
13 ـ صفر علي أمني: كان أحد الكتّاب الشيعة. مناضلاً حراً. له مؤلفات ومقالات كثيرة. بعضها مطبوع وبعضها مخطوط. شغل فترة من الزمن منصب رئاسة تحرير مجلة بلدية هراة. كان في الأصل من هزارة جات ولكن قضى أكثر أيام حياته في مدينة هراة. عاش في سجن ظاهر خان أكثر من 13 عاماً. كان شاعراً مجيداً.
14 ـ الشهيد السيد عبد الحميد ناصر: كان مدرساً في مدرسة العرفان بمدينة كابل. وكان خطيباً ورجل دين ناجحاً. ولد في بهسود واعتقل في عام 1399 هجرية وسجن ثمّ استشهد.
15 ـ السيد بحر العلوم المزاري من كبار علماء مزار شريف استشهد في سنة 1399 هجرية على أيدي النظام الماركسي في أفغانستان.
16 ـ الشيخ سلطان المزاري: من المدرسين وعلماء الدين الكبار وأصحاب الصيت في مزار شريف.
استشهد هو أيضاً في سنة 1399 هجرية على أيدي النظام الماركسي الأفغاني.
17 ـ السيد محمد حسين مصباح: من سادات سنگلاخ، خطيب قادر، عالم مناضل، استشهد في سنة 1399 هجرية على أيدي نظام كابل الماركسي.
18 ـ الشيخ محمد أمين أفشار: من كبار العلماء والمدرسين في مدينة كابل، تخرّج على يده الكثير من الطلاب.
كان يرشد الأهالي بوعظه وتعليماته. استشهد في سنة 1399هـ على أيدي الماركسيين.
19 ـ الملا خداداد: كان الملا خداداد دلسوران دايكندي من العلماء المناضلين الثائرين. ثار في سنة 1364هـ ضد الحكومة آنذاك وقتل عدداً من جلاوزتها ثمّ هرب هو وإثنا عشر رجلاً من أنصاره إلى الجبال واستمروا في حرب العصابات مدّة ثلاث سنين ضد الحكومة وخوانين أفغان كوجي. وقتلوا أحد طواغيت كوجي. ولكن أكثر أنصار الملا خداداد استهشدوا بالتدريج إلى أن استشهد هو أيضاً في سنة 1367هـ واعتقلت الحكومة زوجته وأطفاله وجميع أفراد عائلته وألقت بهم في السجن. كما استشهد ابنه (بخشو) في صراع مع الحكومة.
كان خداداد تقياً ورعاً بطلاً شجاعاً. وقد رثي بكثير من الشعر باللهجة المحلية.
20 ـ دگروال عبد الروف التركمني. (العقيد).
ولد في وادي تركمن في غرب ولاية بروان ودخل الجيش في شبابه وأبدى شجاعة وكفاءة كبيرة في الجيش ولكن لمّا كان شيعياً لم تتجاوز رتبته العسكرية عن رتبة عقيد. ولمّا شعر بذلك استقال من الجيش وأخذ يكتب مؤلفاته في آلام الشعب. كان في البداية يتعاون مع غلام بني خاطر في صحيفة (نداء اليوم). ثمّ أصدر صحيفة مستقلة وهي (نداء الضمير). وكانت النشرة الوحيدة التي تعكس آلام السكان الشيعة في أفغانتسان. كان شاعراً، نظم الشعر بالفارسية وبلهجة هزارة. له مؤلفات كثيرة، منها كتاب باسم (ورقة من السياسة). يشرح فيه جانباً من دسائس عمال الحكومة. اعتقل العقيد عبد الرؤوف التركماني في سنة 1400 هجرية من قبل نظام كابل والروس وسجن واستشهد في السجن.
21 ـ الشيخ ضامن علي واحدي: ولد في سنة 1370 هجرية في قول خويش في بهسود في عائلة فقيرة. ودرس في مسقط رأسه، وكان عظيم الاستعداد ثورياً ولما كان في المدرسة رأى أنّ المدرسين الحكوميين يستلمون الرشاوى من الأهالي ويعطون الدرجات لأبنائهم فقرّر وبعض رفاقه من التلاميذ الوقوف بوجه المدرسين الذين يستلمون الرشاوى فضربوا المدرسين ضرباً شديداً فتصاعد الأمر وتدخلت الحكومة وحُرم واحدي إلى الأبد من الاستمرار في الدراسة في المدارس الحكومية. فمارس الزراعة عدّة سنوات ولكن رغبته في تعلّم العلوم الدينية دفعته إلى السفر إلى كابل ليستفيد من محضر علماء الدين فيها. ثمّ سافر إلى الحوزة العلمية في مدينة قم وتقدّم سريعاً بفضل كفاءته واستعداده. وبعد سنتين سافر إلى سوريا ولبنان وتعرّف هناك على الدكتور جمران وتعلّم استخدام المتفجرات والقضايا العسكرية ولذلك يعتبر من أوائل الفدائيين الشيعة الأفغان. أسّس واحدي مع عدد من رفاقه في كابل منظمة (النصر) الشيعية ولعب دوراً فعالاً في توزيع البيانات الثورية. وبالنهاية اعتقله السافاك الإيراني وسجنه ومارس معه أشد أنواع التعذيب. وفي نهاية سنة 1398 هجرية قام بتدريب جماعة من التلاميذ والجامعيين الأفغان على الفنون العسكرية وأرسلهم إلى أفغانستان.
كتب الشهيد واحدي مقالات كثيرة في الصحف. وكان قد ألّف كتاباً حول قضايا التنظيمات ما زال مخطوطاً. لقد كان نجماً ساطعاً أفل بسرعة.
كان يتزعّم في الفترة من 1399 إلى 1400هـ مجموعة فدائية في كابل وأخيراً اعتقل مع عدد من رفاقه في معركة عنيفة مع القوات الروسية في وسط مدينة كابل، وحكم عليه بالإعدام بعد تعذيب طويل ونشر النظام الماركسي في كابل خبر إعدامه ونقلته إذاعة موسكو أيضاً.
كان واحدي حقاً بطلاً شجاعاً. استشهد في عنفوان شبابه. وإنّي أعتقد أنّ استشهاده كان ضربة مؤلمة لسكان البلاد ويمكن اعتباره مؤسساً لحرب العصابات بين أبناء الشيعة في أفغانستان حيث إنّه هو أوّل من كان يدرب المجموعات الشيعية على الفنون العسكرية ويوفدهم إلى أفغانستان.
22 ـ الحاج محمد إبراهيم البلهوان هو أحد الرياضيين البارزين في أفغانستان. وكان بطلاً وحيداً في المصارعة في أفغانستان وكان يحتل المركز الرابع في آسيا. حصل على ميداليات كثيرة في إيران والعراق واليابان والهند والاتحاد السوڤياتي وإيطاليا والأرجنتين. ورفع اسم أفغانستان في العالم في المصارعة وحقّق شعبية كبيرة في المجتمع الأفغاني.
وبعد إحالته على التقاعد بدأ بتربية الشباب الشيعي على فنون الرياضة وكان الناس يتهافتون لمشاهدة مصارعاته وكلّما كان يحقق انتصاراً كانت تزداد معنويات الشيعة. ذهب إلى وادي تركمن بعد أن سيطر الماركسيون على أفغانستان وكان يدعو الناس إلى الانتفاضة ضد حكومة كابل. ولعب دوراً هاماً في احتلال حاكمية لونج وحرب العصابات ضد الحكومة. وناضل أعواماً كثيرة في الجهاد ضد القوات الروسية.
كان البطل إبراهيم رجلاً متواضعاً، ومجاهداً شجاعاً وكان مخلصاً للأئمة الأطهار ولا يخفى أنّ أبناء الشيعة في أفغانستان حققوا بطولات كبيرة في المصارعة. نذكر على سبيل المثال البطل رامي البهسودي والبطل يعقوب گدي والبطل نجف. اغتيل البطل رامي في كمين نصبه له بعض عملاء الحكومة في عهد أمان الله خان. كما اغتيل البطل يعقوب في كمين نصبه له بعض عملاء الحكومة في عهد ظاهر شاه.
23 ـ سعيد أحمد خان المعروف بـ (بجه شاهنور): كان في سنة 1349 هجرية يحافظ على المناطق الشيعية أمام اعتداءات قوات (بجه سقو) وأنزل بكفاءته العسكرية ضربات قاتلة بالقوات الحكومية المعتدية في بهسود وكوتل أونى وتكانه وجلريز. وذاع صيته. وفي سنة 1351هـ اعتقله نظام نادر خان مع عدد من القادة الشيعة وسجنوا. وقضى حوالي 18 سنة في السجن وكان أخوه غلام حيدر خان معتقلاً أيضاً.
24 ـ فرقة مشر غلام بني بيگ جبه شاخ: كان من مشاهير هزارة جات وأنزل في سنة 1349 هجرية ضربات مميتة بالقوات الحكومية المعتدية. اعتقله النظام النادري فيما بعد وألقى به في السجن وتمّ الإفراج عنه بعد سجن استمرّ ثمانية عشر عاماً إلى أن توفي مسموماً في المنفى.
25 ـ الجنرال مير أحمد شاه من سادات لوگر الشيعة، له خدمات ممتازة في جيش أفغانستان وكان ذائع الصيت بين العسكريين. اعتقل في عهد الرئيس داود خان بتهمة محاولته الانقلاب، وسجن واستشهد في السجن في عهد نظام كارمل الماركسي.
26 ـ الشيخ إسحاق فياض: ولد الشيخ إسحاق فياض في جاغوري ودرس في النجف الأشرف على أيدي علماء بارزين. وهو من كبار علماء الدين في أفغانستان.
27 ـ الأستاذ عزيز الله شفق من علماء الدين البارزين والمجاهدين في أفغانستان ناضل أعواماً كثيرة. وكان ذائع الصيت وله شعبية كبيرة. وهو من قادة الجهاد في أفغانستان.
28 ـ الشيخ آصف محسن قندهاري: من علماء أفغانستان الشيعة البارزين وهو زعيم الحركة الإسلامية.
حسين علي يزداني
الإقبال
الإقبال بصالح الأعمال، ويقال الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يعمل ميقاتاً واحداً في السنة: للسيد رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد الطاوس الحسيني الداودي الحلي المعروف بالسيد ابن طاوس المولود في سنة 589 والمتوفى سنة 664 هجرية من أعاظم محدّثي الشيعة.
والكتاب من أجزاء موسوعته الكبيرة في الدعاء الذي سمّاه بالتتمات والمهمات في عشرة مجلدات ليكون تتمة لكتاب (مصباح المتهجد) تأليف جدّه لأمّه شيخ الطائفة الشيخ أبي جعفر محمد الطوسي المتوفى سنة 460هـ وجعل لكل مجلد اسماً خاصاً، وكتاب الإقبال هو المجلد الثامن والتاسع من موسوعته الدُعائية المذكورة ويقع في مجلدين ويجمع أعمال أحد عشر شهراً. وله مجلد خاص في أعمال وأدعية شهر رمضان المبارك سمّاه (مضمار السبق). وهذه الثلاثة المجلدات طبعت باسم (الإقبال) في سنة 1312 هجرية بخط علي أكبر الطالقاني طبعة حجرية. وفي سنة 1314 هجرية طبعت أيضاً طبعة حجرية ثانية بخط محمد بن محمد قلي براغوشي التبريزي. والطبعة الثالثة طبعت بطريقة (الافست) عن الطبعة الحجرية الأولى وهي من منشورات دار الكتب الإسلامية في طهران. ألّف السيد ابن طاوس هذا الكتاب وله ستون سنة من العمر كما صرّح به في آخر عمل شعبان وفرغ منه في سنة 650 هجرية ثمّ ألحق به في آخر شهر المحرم فصلاً سنة 656هـ وذكر في ذلك الفصل انقراض دولة بني العباس في تلك السنة وجعل السلطان إياه نقيب العلويين والعلماء فيها. ثمّ ألحق به فصلاً في الثالث عشرمن ربيع الأوّل سنة 662هـ حين تفطن فيه لانطباق حديث الملاحم على نفسه. وقال في كتابه كشف المحجة الذي ألّفه لولده السيّد محمد سنة 649هـ والذي ذكر فيه كتب الأدعية ما يلي: (… وهيأ الله جل جلاله عندي عدّة مجلدات في الدعوات أكثر من ستين مجلداً فالله الله في حفظها والحفظ من أدعيتها فإنّها من الذخائر التي يتنافس العارفون في حياطتها وما أعرف عند أحد مثل كثرتها وفائدتها…) ويقول شيخنا الأستاذ الإمام الرازي في الذريعة: (… وذكر في كتابه اليقين الذي هو من أواخر تصانيفه أنّه بلغت عدّة كتب الأدعية عنده إلى سبعين كتاباً فظهر أنّ جميع ما أورده السيّد من الأدعية والأعمال في عشرة مجلدات كتابه التتمات كلّها منقول من تلك الكتب الكثيرة التي لم تتهيأ لأحد قبله ولا بعده، وليس فيها منشآت السيد إلا في عدّة مواضع صرّح فيها بأنّه لم يجد في كتب الأدعية دعاء خاصاً به فأنشأ دعاء من نفسه، وأكثر تلك الكتب كانت عنده معتمدة مصححة مروية مؤرخة ذكر خصوصياتها والبعض الذي وجده ولم يكن له طريق معتبر إليه اكتفى فيه بعموم الحديث فيمن بلغه ثواب على عمل، كما صرّح به في مواضع من كتبه، وبالجملة للسيّد رضي الدين علي بن طاوس بتأليفه أجزاء كتاب التتمات وجمعها من تلك الكتب حق عظيم على جميع الشيعة وكلّ من ألّف بعده كتاباً في الدعاء فهو عيال عليه مغترف في حياضه متناول من موائده ويحق علينا تقدير علمه)([283]).
وهذه الكتب من أجلّ كتب الأدعية، جمعها المؤلف من الكتب النادرة الوجود في عصره، كما كانت مصدراً مهماً للدعاء ونقل عنها أكثر علمائنا الذين ألّفوا في الدعاء حتّى اليوم. كما أضاف إليه وترجمه إلى الفارسية ولخّصه بعض علمائنا الأعلام منهم السيّد المير عبد الباقي ابن السيّد المير محمد حسين ابن المير محمد صالح الخاتون آبادي كبير المتوفى سنة 1207 هجرية الذي ألّف في مستدركات كتاب الإقبال وأضاف عليه زيارة العتبات المقدسة وغيرها وسمّاه (إكمال الأعمال في استكمال الإقبال)، ومنهم الشيخ عبد النبي ابن الحاج علي الكاظمي المولود سنة 1198 هجرية والمتوفى بـ”جويا” من قرى جبل عامل في 5 ذي القعدة سنة 1256هـ فقد لخّص كتاب الإقبال وسمّاه (أختصار الإقبال) ونسخة الأصل بخط المؤلف عند السيّد محسن الحكيم الطباطبائي النجفي المولود في سنة 1306هـ والمتوفى سنة 1390هـ في النجف الأشرف، ومنهم الشيخ محمد صالح البرغاني الحائري المتوفى سنة 1271 هجرية قام بتلخيص وترجمة كتاب الإقبال إلى الفارسية ثمّ استدرك عليه في بعض الموارد وأضاف عليه إضافات هامة ونسخة الأصل بخط المؤلف في مكتبة كاتب هذه السطور في كربلاء.
وقد قام بترجمة كتاب (الإقبال) إلى الفارسية بعض علمائنا في العصر الصفوي ومن تلك الترجمات الفارسية ما لم يذكر اسم مترجمه قال في الذريعة:
1- (ترجمة الإقبال لبعض الأصحاب رأيت نسخة منه عند السيّد محمد ابن السيّد سلطان علي المرعشي التستري النجفي وأُخرى في مكتبة المرحوم المولى محمد علي الخوانساري)([284]).
2 ـ ترجمة للمولى محمد تقي ابن المولى مقصود علي المجلسي المتوفى سنة 1070 هجرية كما ذكره الميرزا كمال صهر المؤلف في البياض الكمالي.
3 ـ قام بترجمته أحد العلماء المعاصرين للشاه عباس الصفوي وتمّت الترجمة بعد وفاة الشاه ولم يذكر المترجم اسمه حيث صرّح في مقدمته أنّه ترجمه إلى الفارسية بأمر من أغابيگم بنت الشاه عباس الصفوي وشرع من أعمال شهر المحرم وانتهى إلى شهر شعبان ومنه نسخة نفيسة مزينة سطورها في كلّ من الصفحة الأولى والثانية بخطوط من ماء الذهب تحت كلّ سطر، كما أنّ الصفحة الأولى مفتتح أعلاها بما يشبه التاج الذهبي المزدان برسوم زرقاء وحمراء.
أمّا بقية صفحات الكتاب فكلّ واحدة منها مؤطرة بإطار رقيق من ماء الذهب. وهو من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور في قزوين ومنه نسخة ثانية مؤرخة 1089 هجرية من مخطوطات المكتبة المرعشية العامة في قم([285]) كما أنّ هناك ترجمات أُخرى إلى الفارسية يطول بنا ذكرها.
عبد الحسين الصالحي
الاقتصاد الإسلامي
نعرض هنا ملامح من التخطيط لموارد الدولة كما أرادها الإسلام، ويمكننا هنا أن نقسّم الموارد المالية للدولة الإسلامية إلى أقسام خمسة:
1 ـ الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق الضرائب.
2 ـ الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق العقارات.
3 ـ الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق قيامها بنشاطات اقتصادية.
4 ـ الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق القرض.
5 ـ الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق ولايتها العامة على المواطنين.
وأهم الضرائب المالية في الإسلام: الزكاة، والخمس، والجزية، والضرائب المالية الأُخرى التي تفرضها الدولة على المسلمين، فيما إذا اقتضت ذلك الضرورة الاجتماعية([286]).
الهدف من تشريع الضريبة في الإسلام
والمهم في تشريع الضرائب المالية في الإسلام أن الغرض منها ليس فقط تهيئة المال الكافي لتسيير المرافق الاجتماعية وتغطية نفقات الدولة الإسلامية، وإن كان ذلك جزءً كبيراً من الغرض في التشريع الضريبي على كل حال. . بل المهم من تشريع الضرائب المالية امتصاص الثروات الفائضة عن دخول الطبقات الغنية وإعادتها إلى الطبقات الفقيرة أو إلى المرافق الاجتماعية التي تنشأ لصالح الفقراء.
وتؤدي هذه العملية إلى توزيع الثروة في البلاد بصورة عادلة وتحقيق العدالة الاجتماعية في التوزيع، كما تحول دون حصول التضخم المالي في المجتمع.
وإلى هذا الأصل التشريعي تشير الآية الكريمة: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم، وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}([287]).
فالتشريع الضريبي، إذن، يؤدي دوراً مزدوجاً في حياة الأمة، فهو من جانب يؤدي إلى توفير المال الكافي لحاجات الفئات الفقيرة في المجتمع وإدارة المرافق الاجتماعية، ومن جانب آخر يهدف إلى القضاء على التورّم المالي في طبقات أُخرى من المجتمع.
أقسام الضرائب المالية
تنقسم الضرائب في الإسلام إلى قسمين رئيسيين:
1 ـ الضرائب المالية المحددة من حيث الكمية والمتعلق والوقت، وهي التي حدد الشارع كميتها ومتعلقها وزمان تعلقها.
2 ـ الضرائب المالية غير المحددة من حيث الكمية والمتعلق والوقت، وهي التي لم يحددها الشارع، وإنما ترك أمرها إلى نظر الحاكم فيما تقتضيه الظروف الاجتماعية والاقتصادية الطارئة.
والضرائب المالية المحددة تنقسم بدورها إلى قسمين هما:
أ ـ الضرائب المالية التي تتعلق بالثروات بغضّ النظر عن أصحابها.
ب ـ الضرائب المالية التي تتعلق برؤوس الأشخاص، بغضّ النظر عما يملكون من ثروة.
وعليه، فإن الضرائب المالية في الإسلام تنقسم إلى ثلاثة أقسام بالتفصيل كالآتي:
1 ـ الضرائب المالية المحددة التي تتعلق بالثروات.
وهذا النوع من الضرائب يشكّل الجانب الأكبر والأهم من الضرائب المالية في الإسلام.
ومما يلفت النظر أن الثروات التي يتعلق بها هذا النوع من الضريبة المالية هي من الثروات التي لا تنقطع حاجة الإنسان اليها وإلى تداولها، وطبيعي إن استمرارية تداول هذه الثروات بين أيدي الناس تضمن استمرارية تحصيل هذه الضرائب في المجتمع الإسلامي.
ويجد القارئ ـ فيما يلي ـ عرضاً موجزاً لأهم الثروات التي تتعلق بها الضرائب المالية في الإسلام:
أ ـ الثروة النقدية: وهي تتكون من الذهب والفضة المسكوكين بسكة المعاملة، وتجب عليهما الزكاة بشرط النصاب ومرور حول كامل على تملكها.
ب ـ الثروة الحيوانية: وتتكون من الإبل والبقر والغنم، وتجب فيها الزكاة بعد بلوغها النصاب ومرور حول كامل، لو كانت سائمة وغير عاملة، أما المعلوفة والعاملة ـ ولو في بعض الحول ـ فلا يجب فيها شيء.
ج ـ الثروة النباتية: وتتكون من الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وتجب فيها الزكاة بعد بلوغ النصاب، لو تمت في ملك مالكها.
د ـ الثروة المعدنية: والمعادن على ثلاثة أقسام: منها ما يقبل الانطباع، كالذهب والفضة والنحاس والحديد، ومنها ما لا يقبل الانطباع، كالياقوت والزبرجد وغيرهما من الأحجار الكريمة، ومنها المايع، كالنفط والزئبق. . . ويجب فيها الخمس.
هـ ـ الثروة البحرية: وهي كل ما يستخرج من البحار بالغوص، ويجب فيها الخمس.
و ـ الثروة الحربية: وهي كل ما يستولي عليه في الحرب ، من أموال ثابتة وصالحة للنقل، كالأسلحة والنقود وغير ذلك، ويجب فيها الخمس هذا في غير الأراضي، أما في الأراضي فالمفتوحة العامرة منها تبقى موقوفة لمصالح الناس على استمرار العصور، دون أن يحق لأحد تملكها، وغير العامرة منها ملك للإمام الممثل لجهاز الحكم.
ز ـ الثروة التجارية: وهي كل ما يفضل للتاجر عن مؤونة عياله سنة كاملة من أرباح التجارة، ويتعلق بها الخمس، ويميل بعض الفقهاء إلى اعتبار الزكاة فيها.
ح ـ الثروة الصناعية: وهي كل ما يفضل لذوي الصناعات من أرباح الصناعة بعد وضع المؤونة ومرور سنة كاملة، ويتعلق بها الخمس.
ط ـ الثروة الزراعية: وهي كل ما يفضل للزارع عن مؤونة عياله سنة كاملة من أرباح الزراعة، ويتعلق بها الخمس.
ي ـ الثروة المدخرة: وهو المال المدخر في الأرض الذي يعثر عليه المسلم في دار الحرب أو في الوطن الإسلامي، من غير أن يعرف مالكه الشرعي، ويتعلق بها الخمس.
ك ـ ضريبة الأموال المختلطة: المال المختلط يفرز منه المال الحرام، ويرد إلى أصحابه الشرعيين إذا عرف قدره، ويفرز منه الخمس لحساب الدولة إذا لم يعرف قدره وصاحبه.
ذلك كله في الضرائب التي تتعلق بالثروات والأموال.
2 ـ الضرائب المالية التي تتعلق بالرؤوس بغضّ النظر عن نوع الثروة وكمية الثروة التي يملكها أولئك:
وأهم هذه الضرائب هي:
أ ـ زكاة الفطرة: وتجب بحلول شهر شوّال على كل مكلف بالغ متمكن عن نفسه وعمن يعيله، وهي صاع من القوت الذي يتناوله عادة من الحنطة والشعير والأرز والتمر أو غير ذلك.
ب ـ ضريبة الفداء: وهي ضريبة مالية، تضرب على الأسرى المحاربين ليطلق سراحهم بعد انتهاء فترة الحرب.
ج ـ ضريبة الجزية: وهي ضريبة مالية يقررها الإمام حسب ما يراه من المصلحة على الرؤوس أو الأراضي على الذميين المسالمين، الذين يعيشون في الوطن الإسلامي أو في الأقطار المحمية من قبل الدولة الإسلامية. . عوضاً عما تقوم به الدولة الإسلامية في هذه الأقطار من الخدمات العامة.
د ـ الأضحية التي تجب على كل حاجّ في منى من مكة وقد تتعدد الأضحية حسب ما يرتكبه الحاج من مخالفات في وقت الحج والاحرام.
ذلك كله فيما يخصّ الضرائب المالية المحددة وشبه المحددة.
3- الضرائب المالية غير المحددة: وقد تطرأ على الحياة الاجتماعية أوضاع طارئة غير عادية، أو تحدث ثغرات مالية كبيِرة، تتطلب نفقات كثيرة لا تغطيها الموارد المالية التي شرعت للحالات الاعتيادية، كما يحدث ذلك في أوقات الحرب. . . ففي مثل هذه الأحوال تلتجئ الدولة الإسلامية إلى فرض ضرائب مالية جديدة في حدود حاجة البلاد وإمكانيات الأُمة.
ونجد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة إشارات واضحة إلى تشريع هذا النوع من الضرائب:
قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الخيلِ تُرهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ}([288]).
وقال تعالى: {. . . وَجاهِدوُا بِأَموالِكُمْ وَأَنفُسِكُم. . . }([289]).
قال تعالى: {وَكرِهُوا أَنْ يُجاهِدوُا بِأموالِهِمْ وَأنفْسِهِمُ. . . } ([290]).
والآية الأُولى صريحة في الأمر بإعداد العدة الحربية الكافية، والآيتان الأخيرتان قرنتا الجهاد بالنفس بالجهاد بالمال، ولما كان الجهاد بالنفس لا حدّ له في الشريعة الإسلامية، كان الجهاد بالمال بحكمه لا يحده شيء غير الحاجة.
كل ذلك فيما إذا اقتضت الضرورة الحربية ذلك.
وهناك حقوق خاصة للفقراء والضعفاء والمساكين والمحرومين غير الزكاة والخمس، يقررها التشريع لصالح هؤلاء في حالات الضرورة المعاشية، ويندب إليه في غير حالات الضرورة.
وفي الحديث عن الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ: «ولكن الله ـ عزّ وجلّ ـ فرض في أموال الأغنياء حقوقاً غير الزكاة، فقال: {وَالَّذينَ في أموالهِم حقٌ معلوُمٌ، للسائِلِ وَالمحروَمُ}. فالحق المعلوم غير الزكاة، وهو شيء يفرضه الرجلَ على نفسه في ماله، يجب عليه أن يفرضه على قدر طاقته وسعة ماله، فيؤدي الذي فرض على نفسه»([291]).
وعن سماعة قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام، قلت: قوم عندهم فضول وبإخوانهم حاجة شديدة، وليس تسعهم الزكاة، أيسعهم أن يشبعوا ويجوع إخوانهم، فإن الزمان شديد؟».
فقال عليه السلام: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحرمه؛ فيحق على المسلمين الاجتهاد فيه، والتواصل والتعاون والمواساة لأهل الحاجة، والعطف منكم. . . تكونون على ما أمر الله فيهم: رحماء بينكم، متراحمين»([292]).
وأخرج مسلم من طريق أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «من كان له فضل من ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له»([293]).
ونعني به الدخل الذي يرد الدولة عن طريق وارداتها العقارية، والعقارات التي تملكها الدولة أو تملك التصرف فيها، هي: الأراضي الزراعية المحياة المفتوحة، والأراضي الموات، والغابات، والأجمات، والمعادن، ورؤوس الجبال، والبحار، وبطون الأودية، وسواحل البحار.
ويرد الدولة عن طرق هذه العقارات وارد مالي كبير، تسدد به كثيراً من نفقاتها، وتغطي به على كثير من مصارفها.
ملكية العقارات العامة
العقارات العامة التي يملك الحاكم أمر التصرف فيها، ولا يجوز حيازتها وتملكها بصورة فردية ومن قبل الأفراد. . . على أقسام من حيث الملكية.
فقد تكون الأُمة بجميع فئاتها، حكاماً ورعايا، وبصفتها الجمعيّة، هي المالكة، وقد تكون هذه العقارات ملكاً للهيئة الحاكمة التي تمثل مجموعة الأُمة في الحكم.
وبناءاً على تسمية الأمة بمجموعة فئاتها حكاماً ورعاياً (بالدولة)([294])، وتسمية الهيئة التي تمثل هذه المجموعة في الحكم بـ (الحكومة) يمكن تصنيف ملكية العقارات العامة التي تشرف عليها السلطة الحاكمة في المجتمع الإسلامي إلى قسمين رئيسيين.
1 ـ ملكية الدولة: وهي تشتمل على العقارات التي تملكها مجموعة الأُمة حكاماً ورعايا وتعتبر هذه العقارات وقفاً على المسلمين جميعاً، يجوز لهم الإنتفاع بها واستثمارها بإشراف من الحاكم الإسلامي في قبال بدل مالي خاص تحدده الحكومة، ولا يجوز تملك رقبة هذه العقارات ولا بيعها ولا شراؤها، ولا تخص جيلاً خاصاً من المسلمين، وإنما تعمهم جميعاً على امتداد العصور والأجيال، ومن أهم هذه العقارات أراضي الفتح الإسلامي فيما إذا كان الفتح بإذن الإمام الحاكم.
وطبيعي إن أمر الإشراف في هذه العقارات يكون للحاكم الإسلامي بصفته حاكماً على المسلمين وممثلاً عن مجموعة الأُمة ووالياً عليهم. ويعود ربح هذه الأراضي ووارداتها التي تستلمها السلطة من المنتفعين بها إلى بيت المال الذي يصرف على حاجات المسلمين والمرافق الاجتماعية.
2 ـ ملكية الحكومة: وهي تشتمل على مجموعة العقارات التي تملكها السلطة الحاكمة أو الحاكم الشرعي بصفته حاكماً على المسلمين. وتعرف هذه العقارات عادة في الفقه الإسلامي ب (الأنفال)، وتشتمل على امهات الثروات العقارية والطبيعية.
ومن الواضح أن اعتبار هذه الثروات الطبيعية والعقارات من ملك السلطة الحاكمة يؤدي إلى تحديد الملكية الفردية وانعدام الملكيات الفردية الواسعة التي تنجم عن السيطرة غير المحدودة على المصادر الطبيعية للانتاج.
2 ـ عقارات الدولة
وفيما يلي نعرض على القارئ أهم العقارات العائدة إلى الدولة سواءً منها ما تملك السلطة رقبتها أم تملك أمر الإشراف عليها.
1 ـ الأراضي: تعتبر الأراضي من أهم موارد الدولة الإسلامية.
وليس الغرض من استيلاء الدولة على الأراضي تغطية نفقاتها عن طريق الريع الذي تدره هذه الأراضي على الدولة وحسب. . . بل الغرض من ذلك ـ قبل ذلك كله ـ المنع من حدوث أي توسع في ملكية الأراضي يؤدي إلى «الاقطاع» وثمّ توزيع هذه الأراضي بين الفلاحين والمنتفعين توزيعاً عادلاً، يتماشى مع حاجاتهم الخاصة وإمكانياتهم على الإحياء.
والأراضي التي تملكها الدولة الإسلامية، أو تملك الإشراف عليها هي كما يلي:
أ ـ الأراضي التي استولى عليها المسلمون من بلاد الكفار من دون قتال، سواءً كانت أراضي محياة أو ممات، وهي من الأنفال([295]).
ب ـ أراضي الفتح الإسلامي العامرة: وهي ملك للمسلمين يشرف عليها الإمام، ويؤجرها أو يستثمرها، ويصرف حاصلها على المسلمين. وهي لا تخص جيلاً دون جيل، وإنما هي للأجيال جميعا (([296]).
ج ـ أراضي الفتح الإسلامي (البائرة): وهي ملك للإمام الممثل لجهاز الحكم يجعل عليها من يعمرها، أو يودعها من يعمرها؛ ويصرف مواردها (طسقها) على المرافق العامة.
د ـ أراضي دار الإسلام (البائرة): الأراضي الموات ملك للإمام، يصرف مواردها في شؤون الأمة والحكومة، سواءً كانت مملوكة وباد أهلها، أم كانت غير مملوكة من أول الأمر كالمفاوز والصحاري النائية. فإذا أحياها أحد بإذن الإمام، جاز له أن يتصرف فيها إزاء خراج يدفعه للدولة عن الأرض، وإن كانت الأرض لغيره قبل ذلك؛ لقوله ـ عليه السلام ـ: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له»([297]). وقد قال الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: «إن الأرض لله، يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين». (الى ان يقول): فمن أحيا أرضاً ميتة من المسلمين فليعمرها، وليؤد خراجها إلى الإمام»([298]).
هـ ـ الأراضي الموقوفة، التي يتولى شأنها الإمام: ويكثر مثل هذه الأراضي في بلاد المسلمين. وقد حث الشارع الإسلامي المسلمين على الوقوف وإخراج الأرض عن حيِّز الملكية الخاصة، واعتبارها وقفاً على المسلمين، واعتبر ذلك صدقة جارية لأصحابها ويتولى الإمام شؤونها فيما إذا لم يعّين الواقف عليها أحداً.
فالتشريع الإسلامي في الأراضي يذهب، بصورة مبدئية، إلى تجريد القطاع الخاص من ملكية الأرض تقريباً، وتمليك الأرض للقطاع العام والدولة.
وبذلك فالدولة([299]) تملك الكثرة الغالبة من الأراضي الموات والأراضي المحياة بصورة طبيعية، فتوزع هذه الأراضي بين المستثمرين والمنتفعين بصورة عادلة، وبشكل لا يؤدي إلى ظهور الملكيات الواسعة.
كما تسحب ملكية أصحاب الأرض عند إهمال إحيائها، وتدفع الأرض إلى غيرهم ممن يعملون في إحيائها.
فالتشريع الإسلامي إذن يحقق في هذا المجال مطلبين رئيسيين:
فهو من ناحية يحد من توسع الملكيات الأرضية، إذ أن الأراضي في حال الموات، ملك للحكومة ويتم توزيعها على الفلاحين والمنتفعين بإشراف من السلطة.
ومن ناحية أُخرى فإن حق السلطة في سحب ملكية أصحاب الأراضي الذين أهملوا إحياء أراضيهم وإعادة الأراضي إلى من يمارس إحياءها يضمن استمرار عملية الإحياء والإعمار في الأراضي.
هذا بالإضافة إلى ما تدر هذه الأراضي من وارد مالي كبير على بيت المال.
2 ـ سواحل البحار: وهي ملك الإمام (من الأنفال)، كما ذكره المحقق في «الشرائع»([300])
وهي ذات أهمية كبرى في التجارة والصيد البحري والحروب والرحلات البحرية وغير ذلك.
3 ـ الغابات والأحراش: تعتبر الغابات من أهم موارد الثروة الطبيعية في البلاد، فهي تزود البلاد بثروة غذائية وطبّية وخشبية، بالإضافة إلى ما لها من تأثير كبير في تلطيف الجو.
ويعرض هذا المورد الطبيعي للخطر عندما يسمح فيها بالاستغلال الفردي.
ولذلك فالدول الحديثة تعني عناية كبيرة بالمحافظة على هذه الثروة الطبيعية وتوسيع رقعتها، وتمنع عن استغلالها بصورة فردية، وتنسق عمليات الاستغلال بصورة لا تؤدي إلى ضياع هذه الثروة الطبيعية، وتحاول في نفس الوقت أن تجعل من هذه الثروة الطبيعية مورداً مالياً لنفسها.
وقد اعتبر الفقه الإسلامي الغابات والأحراش من الثروات التي تمتلكها الحكومة، ولا يحق للفرد استغلالها، إلاّ بإذن الحاكم الشرعي، وضمن الشروط التي يحددها الحاكم.
4 ـ رؤوس الجبال والأودية: وهي نقاط غنية بالثروات الأرضية. ويملكها الإمام، كما يقرره الفقهاء.
5 ـ صفايا الملوك واقطاعاتهم: وهي الأراضي الزراعية والاقطاعات الكبيرة التي كان يملكها الملوك قبل أن يحكم الإسلام البلاد. وهذه الاقطاعات ـ في الغالب ـ قطع ثرية من الأرض، اغتصبها الملوك من الرعايا، فيعيد الإمام صرف ريعها على الرعايا المسلمين والمسالمين مرة أُخرى عن طريق بيت المال.
6- المعادن والمناجم: وهي على أقسام ثلاثة:
فلزات تقبل الصهر كالذهب والفضة والرصاص والنحاس والحديد.
ومايعة وشبه مايعة كالنفط والزئبق.
وجامدة لا تقبل الصهر كالأحجار الكريمة والفحم الحجري.
وهذه المعادن تمد الصناعة بالمواد الأولية (الخام)، ولذلك فاستيلاء الدولة على المناجم يؤدي إلى إشراف الدولة على سير الانتاج الصناعي، بصورة عامة، والتمكن من تكييفها بالشكل الذي يحقق العدالة الاجتماعية.
والإمام (رئيس الدولة) في المجتمع الإسلامي يملك كافة المناجم والمعادن وهذا ما ذهب إليه علماء الإمامية كـ «الكليني» وشيخه «القمي» في تفسيره، و«المفيد» و«الشيخ» و«القاضي»، واختاره في «الكفاية» و«الذخيرة» و«كشف الغطاء».
ويشهد له حديث الصادق ـ عليه السلام ـ عن الأنفال، حيث عدّ المعادن منها([301])، وقوله ـ عليه السلام ـ في جواب من قال ما الأنفال؟ (منها المعادن والآجام) ([302]).
والدولة إما أن تقوم بنفسها باستخراج المناجم، وإما أن تعهد أمرها إلى الشركات الخاصة بهذا الأمر، لقاء أجر تدفعه.
7 ـ الأنهار والبحار (المياه): وقد عدّهما (ابو الصلاح) وصاحب (المقنعة) من الأنفال التي يملكها الإمام، ويؤيده بعض الأحاديث الصحيحة([303]).
وللبحار أهمية كبيرة من الناحية التجارية والحربية والأسفار والصيد.
ولا تقل أهمية الأنهار عن البحار، فهي تزود الأراضي المجاورة لها والبلدان القريبة والبعيدة منها بالماء، كما يمكن استغلالها لتوليد الطاقة الكهربائية.
وبذلك فهي تدرّ أموالاً كبيرة على الدولة، كما أن الدولة باعتبار استيلائها على الأنهار تتمكن من تأميم مشاريع الماء والكهرباء.
3 ـ مشاريع الإنتاج والزراعة الحكومية
تزداد حاجة الناس إلى المرافق العامة والتكافل الاجتماعي كلما تقدمت حياة الإنسان، ولا تفي الضرائب المالية التي تتقاضاها الحكومة من الأمة إلاّ بجزء يسير من نفقات الدولة في تشييد هذه المرافق.
وفي الحالات العامة يقصر الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق الضرائب والعقارات عن تسديد نفقاتها، فتضطر الحكومة إلى البحث عن موارد مالية جديدة لتغطية نفقاتها المالية.
وتتجه اليوم الدول الرأسمالية والاشتراكية، بشكل سواء، إلى القيام بإنشاء مشاريع تجارية وصناعية وزراعية، وممارسة الإنتاج والتجارة بصورة واسعة، وتهيئة موارد مالية جديدة، لتغطية نفقاتها المالية.
وتتم هذه المهمة في الدول الاشتراكية على حساب القطاع الخاص في الصناعة والزراعة، بينما تتم هذه المهمة في الدول الرأسمالية بشكل أخف من ذلك.
وقد قام فعلاً كثير من الدول الرأسمالية بإنشاء مشاريع حكومية للماء والكهرباء ومصالح للمبايعات والسفر والبرق والبريد وغير ذلك من الشؤون الاجتماعية وحاجات الإنسان.
والدولة الإسلامية في حياة صاحب الرسالة ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وفي عهد الخلفاء الأوائل لم تكن ـ بحكم الظروف الاقتصادية والمالية في ذلك الوقت ـ بحاجة إلى المزيد من الدخل المادي، ولم تضق مواردها المالية عن نفقاتها. . وفي الوقت نفسه لم تغلق على نفسها أبواب هذا المورد المشروع عندما تلجئها الظروف المادية إلى البحث عن موارد مالية جديدة.
ويعتبر إنشاء المشاريع الحكومية للتجارة والانتاج من أهم هذه الوسائل التي تدر على الحكومة دخلاً مادياً كبيراً، يغطي كثيراً من نفقاتها.
ولا يفقد الباحث في النظام المالي للدولة الإسلامية، في حدود ما تعرضنا له في هذا الحديث، ملامح عامة لهذه المسألة.
في المجال الزراعي: رأينا فيما تقدم من هذا الحديث أن الدولة تستولي على الأراضي المحياة والموات المفتوحة عنوة ـ بصفة الإشراف ـ وتملك الأراضي التي انجلى عنها أهلها، والأراضي الموات والمحياة بصورة طبيعية، ورأينا كذلك أن من غير الجائز أن يتصرف أحد في هذه الأرضي من دون إذن الإمام.
وفي مثل هذه الوضعية التشريعية لا يتيسر لأحد ـ مهما بلغت إمكاناته ـ أن يملك من الأراضي الزراعية أكثر من حاجته الخاصة، وبشكل يؤدي إلى الإضرار بالآخرين، أو أن يقتطع قطعاً كبيرة من الأرض بصورة تؤدي إلى (الإقطاع).
والدولة وحدها هي التي تملك الإمكانات النقدية والأرضية الواسعة التي تمكنها من إحياء قطع كبيرة من الأراضي لحسابها، والقيام بممارسة النشاط الزراعي بصورة واسعة، تتجاوز حدود طاقة الفرد، وإحداث مزارع وحقول نموذجية وكبيرة، تخضع للتطورات الزراعية الجديدة.
في مجال التصنيع: وفي المجال التصنيعي تستولي الدولة بموجب تملكها للأنفال على كميات كبيرة من المواد الخام، من معدنية ونباتية، بصورة مباشرة وغير مباشرة.
فهي تملك المعادن والغابات والأحراش ورؤوس الجبال والأراضي العامرة طبيعياً، وغير ذلك من مصادر الثروة الطبيعية.
وكثيراً ما تقوم الدول بإنشاء مشاريع زراعية وثقافية وصحية وعسكرية كبيرة. كإنشاء السدود والجسور والبنايات، وإحداث الطرق والشوارع المبلطة، والمدن والقرى النموذجية.
وإنشاء هذه المشاريع يتطلب رصيداً مالياً كبيراً يخرج عن عهدة الحكومة، ولا تفي الضرائب والموارد التي ترد الحكومة عن طريق العقارات وغيرها بتمويلها.
في مثل هذه الأحوال، لا تفقد الدولة الإسلامية مبررات شرعية لتمويل هذه المشاريع عن طريق عقد قروض طويلة الأجل، تدفعها الحكومة بشكل أقساط يمتد اداؤها إلى الأجيال اللاحقة.
وقد ترجع الدولة في عقد قروض طويلة الأجل إلى أفراد الأُمة مباشرة، وقد ترجع إلى البنوك الأجنبية، كما قد ترجع إلى الدول الأُخرى.
ولا يجوز للدولة ـ من جهة شرعية ـ أن تدفع إزاء هذه القروض أرباحاً نقدية وغير نقدية، إلاّ إذا كانت تضطر إلى ذلك لحاجة ضرورية. فتصطنع في ذلك بعض المبررات الشرعية التي يذكرها الفقهاء في باب «الربا» من الفقه.
وهنا يبدو للباحث الفقيه اعتراضان على هذا النحو من القروض، نحاول أن نجيب عليهما بصورة سريعة.
فقد يثار التساؤل عن جواز تحميل خزانة الدولة تبعات أداء هذه القروض، ولا سيما إذا كانت خزانة الدولة قاصرة على أداء نفقات هذه المشاريع.
وقد يتساءل ثانياً عن مشروعية تحميل الأجيال التالية تبعات أداء هذه القروض التي عقدتها الأجيال السابقة ولم تشترك هي في شأن من شؤونها.
ويظهر الجواب عن التساؤل الأول إذا علمنا أن النظام المالي للمجتمع الإسلامي قرر سهماً خاصاً من سهام الزكاة لأداء ديون الغارمين، إذا كانت هذه الديون لأغراض مشروعة.
والدولة الإسلامية ـ كشخصية حقوقية يمثلها الحاكم الأعلى ـ تتمتع بكافة الحقوق الشرعية التي يتمتع بها سائر الأشخاص في الدولة؛ ولذلك فمن حقها أن تستغل هذا الحق الشرعي لأداء ديونها بشكل أقساط، وحسب إمكانيات الخزينة.
وفيما يخص التساؤل الثاني: ينبغي أن نشير إلى أن الاستفادة من هذه المشاريع لا تخص الجيل الحاضر؛ بل يتاح للأجيال القابلة أن تستفيد من هذه المشاريع بصورة أوسع.
وأكثر من ذلك، نجد أن هذه القروض قد تستخدم لتوسيع مشاريع الانتاج الصناعي والزراعي وإنتاج المكائن والأدوات الثقيلة.
والجيل الحاضر لا يستطيع أن يستفيد من هذه المشاريع في توسعة نشاطها الانتاجي وواردها المالي كما تستفيد منها الأجيال اللاحقة.
فمن وجهة شرعية، نجد أن هذه القروض تقع لصالح الأجيال اللاحقة أكثر من أن تقع لصالح الجيل الحاضر.
والدولة ـ كشخصية معنوية ـ لا تفنى بموت شخص الإمام أو الرئيس. ولذلك، فليس هناك ما يمنع من تحمل الدولة لأعباء هذه القروض في الأجيال اللاحقة، بعد صحة وقوع العقد. نظراً لاستمرارية شخصية الدولة، ووجود المصلحة المبررة؛ ونظراً لاستغلال الأجيال المقبلة لهذه المشاريع.
وبهذه الصورة، نجد أن الدولة الإسلامية تستطيع أن توفر لنفسها مورداً مالياً للقيام بأعمال عمرانية وفلاحية وتصنيعية عن طريق عقد القروض الطويلة الأجل.
1 ـ الفيء: وهو ما يرجع إلى المسلمين مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وما يتركه المقاتلون غير المسلمين للمسلمين من غير أن يقاتل عليه المسلمون. ويشمل الأموال المنقولة ـ كالنقود والأثاث ـ وغير المنقولة ـ كالعقارات.
ويملكها رئيس الدولة الإسلامية ليصرفها في شؤون الدولة العامة والمصالح الاجتماعية.
2 ـ إرث من لا وارث له: بما أن الإمامة هي الولاية الشرعية على المسلمين. يعتبر الإمام وارثاً لمن لا وارث له من أقارب وموالٍ. والذي يموت عن غير وارث من الأقارب والموالي، تضبط أمواله فوراً لتنقل إلى خزينة الدولة.
وبعد … .
ذلك إجمال من تفصيل عن موارد الدولة المالية في المجتمع الإسلامي.
ولا بد أن الباحث قد لمس بنفسه ـ خلال هذا البحث ـ ملامح العدالة الاجتماعية في تخطيط هذه الموارد، وتوزيع الضرائب منها بصورة خاصة على طبقات الأُمة بشكل عادل، كما لاحظ مرونة الموارد المالية للدولة الإسلامية وسعتها، بشكل لا تضيق من مواكبة تطور نفقات الدولة وحاجاتها.
وهذه من أهم خصائص التخطيط المالي في الفقه الإسلامي.
تمهيد: بعد أن استعرضنا الملامح العامة لموارد الدولة الإسلامية بصورة موجزة. . . يأتي دور البحث عن النفقات العامة للدولة.
والنفقات العامة ـ عادة ـ هي التي تحدد موارد الدولة من حيث السعة والضيق.
وقد رأينا ـ فيما تقدم من هذا الحديث ـ أن الموارد المالية للدولة الإسلامية تتصف بصلاحية واسعة لتغطية النفقات العامة للدولة مهما توسعت هذه النفقات وازدادت.
تعريف النفقات: ونعني ـ عادة ـ من هذه الكلمة: صرف مبالغ مالية لتقديم خدمات عامة لأفراد الأمة وتسيير المرافق العامة في البلاد وإعاشة الفقراء.
ومما ينبغي ملاحظته أن التشريع الإسلامي يلاحظ في (الانفاق) أموراً ثلاثة:
1 ـ أن الحكومة لا تستنفذ الخدمات العامة عن أفراد الأمة لمصلحتها من غير أجر، وبدون تقديم جزاء عادل. . بعكس كثير من الحكومات التي كانت تسبق الإسلام أو التي لحقت الإسلام.
فقد كانت أساليب العنف والسخرة شائعة في كثير من الحكومات القائمة قبل الإسلام في استنفاذ الخدمات المختلفة من الناس.
وليس غريباً عنا أساليب السخرة التي كانت رائجة لدى الحكومات القيصرية في تشغيل العمال بسحب العربات الثقيلة والقيام بالأعمال الشاقة من غير أجر أو جزاء. . . اللهم إلاّ مما يقوّم أجسامهم من الخبز والماء. وجاء الإسلام بأصل تشريعي هام يقضي باحترام عمل المؤمن واحترام شخصيته.
فلا تجوز أعمال السخرة وتسخير الفرد لمصلحة الحكومة أو الأُمة، ولا يجوز استخدام فرد في عمل ما لم يرتفع عنصر الإجبار عن العمل أولاً، ويدفع للعامل جزاء عمله ثانياً بشكل عادل.
فقد جاء قوم من بعض الأقاليم إلى الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ليقولوا له: إن في بلادهم نهراً قد طمرت الأيام مجراه فعفاه، وإن في حفره من جديد خيراً لهم. . ورجوه بعد ذلك أن يأمر عامله على اقليمهم بأن يسخرهم في احتفار النهر.
فما كان من علي ـ عليه السلام ـ إلاّ أن قبل فكرة احتفار النهر. . غير أنه أبى عليهم ما أرادوه من السخرة فكتب إلى عامله ـ واسمه قرضة بن كعب ـ يقول:
«أما بعد: فإن قوماً من أهل عملك أتوني فذكروا أن لهم نهراً قد عفا ودرس، وانهم إن حفروه عمرت بلادهم وقووا على كل خراجهم، وزاد فيء المسلمين قبلهم. وسألوني الكتاب اليك لتأخذهم بعمله وتجمعهم لحفره والإنفاق عليه. ولست أرى أن اجبر أحداً على عمل يكرهه. . . فادعهم إليك فإن كان الأمر في النهر على ما وصفوا، فمن أحب أن يعمل فمره بالعمل. والنهر لمن عمل دون من كرهه ولئن يعمروا ويقووا أحب إليَّ من أن يضعفوا. والسلام».
فالعامل في حقل الخدمات الاجتماعية في الدولة الإسلامية يعمل بملء حريته واختياره، ولا يحق لأحد مهما كانت مكانته أن يرغم أحداً على ممارسة الخدمات الاجتماعية.
وفي نفس الوقت تقدم السلطة إلى العامل جزاءاً عادلاً عن عمله، ولا يجوز منع حقه عنه([304]).
2 ـ يجب على الحكومة ـ بصفتها صاحبة السلطة الشرعية ـ أو الإمام بصفته رئيساً للحكومة ـ القيام بهذه النفقات. وتهيئة الميزانية الكافية لها وذلك بعد البحث ودراسة ملابسات الحياة الاجتماعية، وحدود ميزانية الدولة واستشارة ذوي الخبرة في الموضوع. فالسلطة الحاكمة تعتبر مسؤولة عن وفاء كل الحاجات الاجتماعية، وإدارة مرافق الدولة، في حدود إمكاناتها وقدراتها، وهذه المسؤولية هي المسؤولية التي يعبر عنها عادة في الفقه بـ (الحسبة).
3 ـ توزيع هذه الخدمات بصورة عادلة على أبناء الأمة، من غير لحاظ جانب شخصي أو نفوذ اجتماعي.
وقد رأينا أن الحكومة الإسلامية كانت تفرض الضرائب المالية على الأفراد في حدود إمكانياتهم المالية بصورة عادلة، من غير ملاحظة أية جهة شخصية.
وهذه التسوية في فرض الضرائب تقتضي التسوية في توزيع الخدمات وتقديم النفقات للفئات الاجتماعية.
وأي تمييز في توزيع هذه الخدمات على أبناء الأُمة يعتبر خروجاً عن حدود التشريع.
عرض لنفقات الدولة
وفيما يلي نحاول أن نستعرض وجوه النفقات في الفقه الإسلامي، بالشكل الذي يعرضه القرآن الكريم. وقد نظم الفقه الإسلامي وجوه النفقة التي يجب على السلطة القيام بها بشكل يفي بكل الحاجات الاجتماعية والعسكرية والاقتصادية والعمرانية، وما يتجدد من حاجة في البلاد.
ولكي نستعرض هذه النفقات بشكلها التشريعي نحاول أن ندرس هذا الجانب من البحث في ضوء آيتين من القرآن الكريم، هما آيتا الزكاة والخمس.
آية الزكاة
قال الله ـ تعالى ـ: {إنَّماَ الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمسَاكِينَ، وَالْعامِلينَ عَليْها، وَالْمُؤلَّفةِ قُلُوبُهُم، وَفيِ الرِّقابِ، وَالْغارِمِينَ، وَفيِ سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ}([305]). ويلمح الباحث من سياق الآية الكريمة نحوين من المصارف يختص الأول منهما بتملك هذه النفقات. ويختص الثاني بصرفها عليه.
ويشعر بذلك موضع «اللام»و «في»في الآية الكريمة.
فقد أضافت الآية الكريمة الصدقات إلى الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم بـ «اللام» مما يشعر بأنهم أشخاص حقيقيون يملكون هذه الصدقات.
وأضافت «الصدقات» إلى «الرقاب» و«الغارمين» و«سبيل الله» و«ابن السبيل» بكلمة «في» أو بالعطف عليها مما يشعر بأنها مرافق عامة وجهات اجتماعية تختص بهذه المصارف وليست أشخاصاً تملك ذلك.
فالنفقات المالية للدولة الإسلامية على نحوين:
1 ـ نفقات عامة تبذل على أشخاص حقيقيين يملكونها (التمليك).
2 ـ نفقات عامة تصرف على جهات ومرافق اجتماعية تختص بها من دون أن تملكها (الصرف والاختصاص).
وعلى ضوء من هذا النهج نحاول أن نستعرض آية الزكاة بالبحث الفقهي. . ونتناول هذه المصارف واحداً بعد آخر.
أ ـ النفقات الشخصية: وهي النفقات التي تبذل لأشخاص من الفئات التالية:
1 ـ الفقراء.
2 ـ المساكين.
3 ـ العاملون عليها.
4 ـ المؤلفة قلوبهم.
1، 2 ـ الفقراء والمساكين والظاهر أنّ المسكين أشد فقراً من الفقير، بحيث يضطر للسؤال.
والفقير هو المحتاج المتعفف، الذي لا يملك قوت سنته، ولم يبلغ به الحال حد الاستجداء([306]).
والفقراء والمساكين ـ في حدود هذا المعنى ـ يملكون سهماً من سهام الزكاة، يصرفونه على شؤونهم الخاصة والعامة مما يحتاجون إليه.
أقسام الفقر: والفقر على ثلاثة أقسام:
فقد ينشأ الفقر عن عجز الشخص عن الاكتساب، لآفة في جسمه أو لعاهة تلازمه.
وقد يكون الشخص قادراً على الاكتساب، ولا يحمل أي مرض يقعده عن العمل. ولكن اشتغاله بالخدمات العامة يمنعه عن الاكتساب، فلا يملك قوت سنته.
وقد يكون الشخص سليماً قوياً فارغاً من أي نشاط عملي أو فكري، مهملاً، عاطلاً…
ولكل من هذه الأقسام الثلاثة حكم خاص في التشريع الإسلامي:
أ ـ المرض والشيخوخة: فإن كان الفقر ناشئاً عن عجزه عن العمل لعاهة جسمية أو مرض عصبي أو شيخوخة، فلا شك في شمول الآية له.
وقد خصصت الشريعة الإسلامية لهم سهماً من الزكاة، ليحفظ لهذه الطبقة من المسلمين كرامتها، ويكف وجوههم وأيديهم عن ذل الاستعطاء.
كما قررت الشريعة أن تصرف الدولة من بيت المال راتباً على الفقراء العاجزين عن العمل بمرض أو شيخوخة.
فقد ورَد عن محمد بن أبي حمزة عن رجل بلغ به علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ. قال: مرَّ شيخ مكفوف كبير يسأل. فقال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: ما هذا؟ قالوا يا أمير المؤمنين نصراني. فقال أمير المؤمنين: استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه. انفقوا عليه من بيت المال.
وهذا الحق الذي يفرضه الإسلام للفقراء والمعوزين من المرض والشيوخ يشبهه ـ إلى حد ما ـ (حق التقاعد) في الأنظمة الحديثة.
ب ـ القائمون بالخدمات العامة: وقد يكون الفقر ناشئاً عن الإشتغال بالخدمات الاجتماعية العامة، كالتعليم، والتبشير، والدعوة، والطباعة، وحفظ الأمن الداخلي وحفظ الثغور، والجهاد، والإدارة. . وما شابه ذلك.
وهؤلاء ـ في الغالب ـ أُناس يصلحون للإكتساب والعمل، وليس بهم شيء من الكسل أو الإهمال. . ولكن اشتغالهم بالخدمات الاجتماعية لا يفسح لهم مجالاً للعمل والاكتساب؛ فيدخلون في عداد الفقراء الذين لا يملكون قوت سنتهم.
ولا بد أن نشير إلى أن الآية الكريمة لا تقصد بالفقراء السائلين باليد أو المقعدين والعاجزين والمرضى فحسب… وإنما تشمل كل من يقصر ماله على تمويله سنة كاملة (واحدة). سواء كان الفقر ناشئاً عن عجز أو عاهة في الجسم أو كان ناتجاً عن اشتغال الإنسان بالخدمات الإجتماعية الواجبة بحيث تستوعب وقته، ولا تسمح له بالوقت الكافي لينصرف إلى بعض أسباب الرزق.
والإنسان في هذه الحالة يحق له أيضاً أن يسترزق من بيت المال بصورة محترمة تليق بمكانته، ويأخذ من بيت المال ما يكفيه ويغنيه، ليس على سبيل الاجرة والجزاء، وإنما على سبيل الحاجة والاستحقاق.
وقد يدل وضعه على بعض اليسر والسعة والرفاهية، كما لو كان يملك مركباً مناسباً له وخادماً وبيتاً للسكنى. ومع ذلك فلا يمنع ذلك من أن يأخذ حاجته وحاجة عياله من بيت المال.
قال السيد الطباطبائي اليزدي: «ودار السكن والخادم وفرس الركوب المحتاج إليها بحسب حاله، ولو لعزه وشرفه، لا يمنع من إعطاء الزكاة وأخذها»([307]).
ولا يقتصر فيما يدفع لهم على قدر الحاجة والكفاف، وإنما يبذل لهم من مال الزكاة ما يلائم مكانتهم الاجتماعية وما يغنيهم.
فقد سئل أبو جعفر ـ عليه السلام ـ: «كم يعطى الرجل من الزكاة؟ فقال: اعطه من الزكاة حتى تغنيه»([308]).
وقال رجل لأبي عبد الله الصادق ـ عليه السلام ـ: «أعطي الرجل من الزكاة مائة درهم؟ قال: نعم. قال: مائتين؟ قال: نعم. قال: خمسمائة؟ قال: نعم. . حتى تغنيه»([309]).
وكذلك يظهر للباحث من خلال الكتاب والسنة أنه ليس في تقبل هذه الطائفة للزكاة ما يشعر بالهوان، وإنما هو حق طبيعي لهم، يتقاضونه من الدولة كما يتقاضون أي حق آخر لهم.
ويدخل رجال الثقافة والفقهاء، والعلماء، والأطباء، ورجال الشرطة والإدارة، والجند. . في عداد هؤلاء وتيسر لهم الدولة حياتهم المادية، ليتفرغوا لما يُقدِّمون للمجتمع من خدمات عامة، وإن كانوا يقدرون على الاكتساب.
قال الفقيه اليزدي في «العروة الوثقى»:
«لو اشتغل القادر على الكسب بطلب العلم المانع عنه، يجوز له أخذ الزكاة إذا كان مما يجب تعلمه عيناً أو كفاية، وكذا إذا كان مما يستحب تعلمه»([310]).
وعن مؤلف «جواهر الكلام» عن «نهاية الأحكام» و«السنن» و«التحرير» وغيرها:
«لو كان التكسب يمنع من التفقه في الدين، جاز أخذها؛ لأنه مأمور به إذا كان من أهله… وجاز الإنشغال بالتعليم والتعلم عن الاكتساب»([311]) وكذلك شأن القضاة والحكام، والجند والشرطة، وأطباء المستشفيات العامة، والسعاة ـ كما تصرح به الآية الكريمة ـ من الذين يقومون بالخدمات الاجتماعية داخل الإدارة الحكومية وخارجها ـ.
ج ـ الفقراء العاطلون: وهؤلاء هم طائفة من الناس يؤثرون حياة الذل والراحة ـ إذا كان فيها شيء من الراحة ـ على أن يخوضوا ميادين الحياة، ويعتمدون على ما يدره عليهم عطف الناس، وإن كان ضئيلاً مقروناً بالذل.
ويقف التشريع الإسلامي موقفاً حاسماً من هؤلاء، ولا يجوز تقديم أي مساعدة مالية من بيت المال لهؤلاء، مهما بلغ الأمر.
قال الفقيه الشيخ محمد حسن (صاحب الجواهر):
«فمن يقدر على اكتساب ما يموّن نفسه وعياله على وجه يليق بحاله، لا تحل الزكاة له؛ لأنه كالغني. وكذا ذو الصنعة اللائقة بحاله التي تقوم بذلك، كالتجارة والحياكة ونحوهما، بلا خلاف معتد به»([312]).
3 ـ العاملون عليها: وهم السعاة الجباة الذين يقومون بجمع الضرائب المالية وجبايتها، والولاية عليها، وتنظيم شؤونها وتسجيل حساباتها.
4 ـ المؤلفة قلوبهم: وهم غير مسلمين يستمالون للجهاد مع المسلمين، أو مسلمون ضعفاء الإيمان يستمالون إلى حفظ الثغور والأمن في الوطن الإسلامي.
وذلك فيما يخص الأشخاص الذين تبذل لهم الدولة النفقات التي تنهض بأمرهم.
ب ـ الجهات والمرافق العامة «وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله».
قلنا ـ فيما تقدم من هذا الحديث ـ أن موقع «وفي»في الجزء الثاني من الآية الكريمة يشعر بأنه من الإنفاق على جهة عامة أو مصلحة إجتماعية، وليس من الإنفاق على شخص خاص أو تمليك لفرد من الأفراد.
ومن ذلك يستظهر الباحث أمرين: الأول: أن مصرف الزكاة في الآية الكريمة لا يقتصر على الأشخاص، بل يشمل الجهات العامة والمرافق الاجتماعية التي تخدم المصلحة العامة من الجهات المذكورة في الآية الكريمة، كما تشمل الأشخاص المعوزين والعاملين والمؤلفة قلوبهم.
وقد رأينا ـ فيما تقدم ـ ان الإنفاق قد يتم عن طريق التمليك لفرد من الأفراد، كما قد يتم عن طريق الانفاق على مشروع خيري أو مصلحة اجتماعية تخدم الأُمة من الجهات المتقدمة في الآية الكريمة.
والآية الكريمة تحوي على كلتا الصورتين من الإنفاق: الإنفاق على الأشخاص والإنفاق على الجهات والخدمات العامة والمرافق الاجتماعية. وهي ظاهرة في هذين القسمين من الأموال.
الثاني: أن الإنتفاع من المرافق والخدمات العامة التي يصرف عليها من بيت المال ومن الزكاة لا يتوقف على فقر المنتفع وحاجته وإنما هي مرافق عامة لكل المنتفعين، لا تخص فئة خاصة منهم، مسلمين كانوا أم غير مسلمين، فقراء كانوا أم أغنياء، وذلك كالمال الذي يصرف من بيت المال في إقامة الجسور والسدود ومشاريع الريّ والمدارس والمستشفيات العامة وغير ذلك من المرافق والمؤسسات الاجتماعية.
ومن هنا قال الفقيه كاشف الغطاء: «لا يعتبر في المدفوع إليه، الإسلام والإيمان، والعدالة، ولا الفقر ولا غير ذلك»([313]).
فإذن تخصص جملة من هذه السهام لرفع مستوى الحياة عامة وليست لخدمة طبقة خاصة، وجزء منها فقط يخصص لمصلحة الفقراء والمعوزين كأشخاص وجماعات. وفيما يلي نشرح واحداً من هذه المصارف كشاهد على ما نقول:
في سبيل الله: «سبيل الله» جهة من مصارف الزكاة، ولا يعنى به شخص خاص. ومعنى «سبيل الله»الطريق الذي يؤدي إلى رضى الله ـ تعالى ـ وهو يشمل كافة المرافق الاجتماعية الخيرية. وإضافة «السبيل» إلى «الله» تفيد هذا المعنى.
وليس في هذه الكلمة ما يدل على حصر مدلولها بالجهاد والغزو فقط وما يلزمهما من شؤون وعدة.
ولذلك، فقد توسع الفقهاء رحمهم الله في تفسير هذه الكلمة.
قال الفقيه الشيخ محمد حسن (صاحب الجواهر): «… فلا ريب في أن الأقوى عموم (سبيل الله) لكل قربة فيدخل حينئذ جميع المصارف ويزيد عليها. وإنما يفارقها في النية. ضرورة شموله لجميع القرب، من بناء الخانات وتعمير روضة أو مدرسة أو مسجد، أو دعاء ونحوها، أو تزويج عزَّاب أو غيرها، أو تسبيل نخل أو شجر أو ماء أو مأكول أو شيء من آلات العبادة، أو إحجاج أحد، أو إعانته على زيارة، أو في قراءة أو في تعزية، أو تكرمة علماء أو صلحاء أو نجباء، أو إعطاء أهل الظلم والشر ليخلص الناس من ظلمهم ومن شرهم، أو إعطاء من يدفع الظلم عن الناس ويخلص الناس من شرهم، أو بناء ما يتحصن به المؤمنون عنهم وشراء الأسلحة لدفاعهم، أو إعانة المباشرين لمصالح المسلمين، من تجهيز الأموات أو خدمة المساجد والأوقاف العامة. . أو غير ذلك.
ومن هنا قال الأُستاذ في «كشفه»: إنه لا يعتبر في المدفوع إليه الإسلام والإيمان، ولا عدالة، ولا فقر، ولا غير ذلك؛ للصدق»([314]).
وأُحب أن الفت النظر إلى مدلول الفقرة الأخيرة التي نقلها الشيخ مؤلف «جواهر الكلام»عن «كاشف الغطاء»فيما يخص الفئات التي تستفيد من هذا المورد المالي.
فإن هذا السهم من سهام الزكاة لما كان يخص المرافق الحياتية العامة، فلا يمكن تخصيصه بالمسلمين أو المؤمنين أو العدول منهم خاصة؛ نظراً إلى أن المرافق المدنية موضوعة للخدمات الاجتماعية العامة وليست تخص فئة بذاتها.
آية الخمس
ولنعقب مصرف الزكاة في القرآن الكريم بآية من القرآن الكريم في مصرف الخمس:
{وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ، وَللِرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبى وَالْيتامى وَالمَساكينِ وَابْنِ السَّبِيلِ…} ([315]).
والظاهر من الآية الكريمة،: أن خُمس الغنائم والمكاسب يقسم على ستة سهام:
(1) سهم منه لله. (2) وسهم للرسول. (3) وسهم لولاة الأمر بعد الرسول «ذوي القربى». (4) وسهم لليتامى من بني هاشم. (5) وسهم للمساكين منهم. (6) وسهم لأبناء السبيل منهم.
والثلاثة الأُول من السهام الستة يعود إلى ولي الأمر ـ وهو سهم الله والرسول وذوي القربى ـ وليس لعامة المسلمين، وإنما هو من أموال الدولة الخاصة، ينفقها ولي الأمر على المصالح والمرافق الاجتماعية وحاجات الحكومة الخاصة، بالشكل الذي يرتئيه الحاكم الشرعي الأعلى للدولة الإسلامية.
وهذا وارد مالي كبير للدولة الإسلامية، يساوي عشر الوارد الصافي العام لمجموع الأُمة، تصرفه الدولة على المرافق الاجتماعية في الدولة.
ومما يدل على أن النصف الأول من السهام الستة ملك لجهة خاصة، وهي الحكومة الإسلامية وليس ملكاً لشخص ولي الأمر هو أن الإمام القائم بالأمر يرث سهم الله وسهم الرسول.
وواضح أن ملكية السهم الأول لله ـ سبحانه وتعالى ـ ليس من قبيل الملكية الاعتبارية القائمة بين الناس، فله ـ سبحانه وتعالى ـ ملك السماوات والأرض، وليس بحاجة إلى مثل هذه الاعتبارات والإضافات، وإنما المقصود من إضافة السهم إليه تعالى هو ملكية الجهة التي يريد الله ـ تعالى ـ تخصيص هذا المال لها، وهي جهة الولاية والحكومة الشرعية.
وكذلك سهم النبي صلى الله عليه وآله فلم يعهد من النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يصرف هذا المال في حاجاته وحاجات أهله، وإنما كان يصرفه في حاجات الجند والقضاء والإدارة وشؤون المجتمع والدولة.
والمعني من إرث الإمام الحاكم لسهم الله ورسوله هو نهوض الإمام بعد النبي بشؤون الولاية والحكومة خلافة عن الله ورسوله وليس الغرض هو الوراثة النسبية والسببية.
محمد مهدي الآصفي
الاقتصاد في الإسلام
وأصل التنمية الشاملة
الحديث عن الاقتصاد في الإسلام لا بدّ وأن ينطلق من مقولة أساسية وهي أنّ القرآن والسنَّة لم ينصا على «نظرية» أو «نظام» اقتصادي معين… وإنّما نصا على عدد من الأصول أو المبادئ الاقتصادية، التي لا شك في كونها صالحة لكلّ زمان ومكان، وغير قابلة للتغيير أو التبديل.
ومن ثمّ فإنّه، بناء على هذه الأصول أو المبادئ الاقتصادية، يمكن أن نجتهد، فنستخلص منها، على المستوى النظري أو الفكري «نظرية أو نظريات اقتصادية معينة… ونستخلص منها، على المستوى العملي أو التطبيقي، «نظاماً أو نظماً» اقتصادية معينة.
وهذه «النظم» وتلك «النظريات» اجتهادية، وهي ـ بالتالي ـ متعدّدة وتختلف باختلاف الزمان والمكان، ولا تعتبر «إسلامية» إلاّ بقدر تعبيرها عن الأصول أو المبادئ الاقتصادية التي وردت بنصوص القرآن والسنّة ولا تتجاوزهما.
ولا شك أنّه بناء على هذه المقولة، تترتب قاعدتان: الأولى، هي ضرورة التمييز وأهمية التفرقة بين «الأصول الاقتصادية» في الإسلام، والتي وردت بنصوص القرآن والسنّة، والتي يمكن التعبير عنها باصطلاح «المذهب»، وبين «الاجتهاد في اعمال هذه الأصول وكيفية تطبيقها»، وهو ما يمكن التعبير عنه على المستوى النظري أو الفكري باصطلاح «نظرية»، وعلى المستوى العملي أو التطبيقي باصطلاح «نظام».
أمّا القاعدة الأخرى، فهي أنّه من المنطقي في أي حديث عن «الاقتصاد في الإسلام»، أن يبدأ بـ «محاولة معرفة» ما هي الأصول «أو المبادئ» الاقتصادية في الإسلام، أو ما هو «المذهب الاقتصادي» في الإسلام… وذلك قبل الاندفاع في اتجاه «محاولة الاجتهاد» في تبيان ما هي «النظرية» الاقتصادية أو «النظام» الاقتصادي في الإسلام.
وبكلمة… لا بدّ أن يبدأ الحديث عن «الاقتصاد في الإسلام» بمعرفة ما هو «الثابت» قبل أن يسترسل في طرح ما هو «المتغير».
في هذا السياق، يمكننا الحديث عن أصل من أهم الأصول التي جاء بها الإسلام في هذا المجال… ونقصد به أصل «التنمية الشاملة» (الاقتصادية والاجتماعية) كعملية ديناميكية متتابعة تستهدف القضاء على التخلّف الاقتصادي والاجتماعي، وصولاً إلى تقدّم المجتمع «الإسلامي».
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة ـ بداية ـ إلى أنّ التنمية في الإسلام، إنّما تعتمد على بُعدين أساسيين:
البُعد الأول: وهو البُعد الاجتماعي، أي ذلك البُعد المتمثل في «التصور الإسلامي للمسألة الاجتماعية»، وهي المسألة التي تتقاطع عندها دوائر ثلاث: الإنسان والمجتمع، العمل والإنفاق، الحلال والحرام…
أمّا البُعد الثاني، فهو البُعد الاقتصادي، أي ذلك البُعد المتمثل في «التصوّر الإسلامي للمشكلة الاقتصادية»، وهي المشكلة التي تتقاطع عندها، أيضاً، دوائر ثلاث، الموارد والإنتاج، الحاجة والإشباع، التوزيع والتوازن.
ومن المنطقي، والحال هذه، أن نبدأ بـ «محاولة معرفة» التصوّر الإسلامي للمسألة الاجتماعية، أو بالأحرى «البُعد الاجتماعي للتنمية». يقول «البُعد الاجتماعي» للتنمية في الإسلام، على أساس إرساء الدوائر الثلاث للمسألة الاجتماعية على ثلاث قواعد: تنبع من نظرة الإسلام العامة إلى الإنسان والمجتمع والكون… هذه القواعد الثلاث هي قاعدة تعمير الأرض، وقاعدة قيمة العمل، وقاعدة الثواب والعقاب.
أمّا عن القاعدة الأولى، قاعدة تعمير الأرض، فهي القاعدة التي يرتكز عليها الهدف من التنمية، وما إذا كان الهدف يقتصر على مجرد تحقيق إشباع الحاجات المادية للإنسان والمجتمع، أم أنّ ذلك مرحلة لهدف أسمى وهو تعمير الأرض.
يشير إلى ذلك، ويؤكده أنّ لفظ «العمارة» (أو التعمير) يحمل في حقيقته مضمون التنمية والهدف منها، وذلك ما في قوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]… في هذه الآية الكريمة طلب للعمارة في قوله تعالى: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ} وهو طلب مطلق من الله عز وجل، ومن ثمّ يكون على سبيل «الوجوب».
بيد أنّ الملاحظة التي نودّ أن نشير إليها، في هذا المجال، أنّ لفظ «العمارة» أشمل وأعمّ من لفظ «التنمية» من حيث إنّ «العمارة» تشمل «التنمية» ببعديها الاجتماعي والاقتصادي، فـ «عمارة الأرض» (أو تعمير الأرض) تعني نهوض مختلف مجالات الحياة الإنسانية، ولهذا فإنّ لفظ «التنمية الاقتصادية» ـ السائد في الحديث عن التنمية ـ إذا أخذناه بمعناه الحرفي، يكون قاصراً، لأنّ التنمية لا تتحقق إلاّ في مجتمع، ومن ثمّ تكون موارد المجتمع، مادية وبشرية، وغايات هذا المجتمع ومستوى ثقافة أفراده ودرجة «ولائهم» عناصر مهمة في تحديد مدى نجاح عملية «التنمية» الاقتصادية، التي هي اجتماعية في الوقت نفسه.
ملاحظة أخرى نودّ أن نشير إليها في هذا المجال، أيضاً، وهي أنّ تعمير الأرض كقاعدة اجتماعية ينبني عليها الهدف من عملية التنمية لا يمكن فصلها عن مضمون استخلاف الله سبحانه وتعالى للإنسان، وجعله خليفة له على الأرض، وذلك كما في قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً…} [البقرة: 30].
وبناء على ذلك، فإنّ التنمية كعملية هدفها تعمير الأرض إنّما تلتقي مع القصد من أنّ الله عزّ وجل قد سخّر لهذا الخليفة (الإنسان) ما في السموات والأرض ليستفيد منها وينعم بخيراتها ويسبح بحمده، كما في قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13]… ومن ثمّ، يتمكّن «الإنسان/ الخليفة» وعن طريق هذا التسخير، من تحقيق القصد من الاستخلاف وأداء مهمته في تعمير الأرض. وترتيباً على ذلك، تعتبر التنمية عملية واجبة إسلامياً على الفرد والدولة والمجتمع. وفي هذا يقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15]… ويقول تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]… ففي هذه الآيات يأمرنا الله عز وجل بالمشي في مناكب الأرض، والانتشار فيها، والابتغاء من فضل الله، ومعنى هذا هو ممارسة مختلف العمليات الإنتاجية، والخدمية… أي ممارسة «التنمية» كعملية تستهدف «تعمير الأرض».
وأمّا القاعدة الثانية، قاعدة «قيمة العمل»، فهي القاعدة التي تتكامل مع قاعدة «تعمير الأرض» فإذا كان الإسلام اعتبر أنّ تعمير الأرض، كهدف لعملية التنمية التي يقوم بها الإنسان هو أساس خلقه ووجوده، بل ومناط تكليفه، فإنّ هذا لا يعني سوى أنّ الله لم يخلق الإنسان في هذه الدنيا عبثاً، أو لمجرد أن يأكل ويشرب، وإنّما خلقه لرسالة يؤدّيها، وهي أن يكون خليفة الله على أرضه: يدرس ويعمل، وينتج ويعمر، عابداً الله شاكراً فضله، ليقابله في نهاية المطاف بعمله وكدحه، وذلك كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ} [الانشقاق: 6] بل لقد جعل الإسلام صدق الكدح أو بطلانه هو سبيل سعادة المرء أو شقائه في الدنيا والآخرة بقوله: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء: 72].
ولقد بلغ حرص الإسلام على العمل وتعمير الأرض أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قال: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة ـ شتلة ـ فاستطاع ألا تقوم حتّى يغرسها، فليغرسها، فله بذلك أجر» كما قال عليه الصلاة والسلام: «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو بهيمة، إلاّ كان له صدقة».
ويروى عن جماعة من الصحابة أنّهم اعتكفوا في بيوتهم وانصرفوا إلى العبادة، عند نزول قول الله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 3] وقالوا قد كفانا، فأرسل إليهم النبي (صلّى الله عليه وآله) قائلاً: «إنّ من فعل ذلك، لم يستجب له، عليكم بالطلب».
هذا وإن كان يؤكد مدى حرص الإسلام على «العمل»، فإنّه في الوقت نفسه، يشير إلى القيمة التي أعطاها الإسلام لـ «العمل»… إذ أنّ الإسلام ولا شك، قد ارتفع بالعمل إلى مرتبة «العبادة» فهو لم يكتف بالحثّ على العمل بقوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]، وقوله (صلّى الله عليه وآله): «اعملوا فكلّ ميسر لما خلق له»… بل اعتبر أنّ العمل في ذاته عبادة، وأنّ الفرد قريب من الله ومثاب على عمله الصالح في الدنيا والآخرة، بقوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} [سبأ: 13]. وواضح من هذه الآية الكريمة مدى الربط بين الشكر والعمل وبالتالي فإنّ الحمد والشكر لا يعبّر عنهما في الإسلام بالقول والامتنان، بل أساساً بالعمل والإخلاص فيه.
وإذا كان الإسلام لا يعرف الفصل بين ما هو مادي وما هو روحي، ولا يفرق بين ما هو دنيوي وما هو أخروي، من حيث أنّ كلّ نشاط مادي أو دنيوي يباشره الإنسان هو في نظر الإسلام عمل روحي أو أخروي، فإنّه بناء على ذلك، وفي إطار التكامل بين قاعدة «تعمير الأرض» وقاعدة «قيمة العمل» يمكن فهم مضمون العبادة في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] على أنّها العمل الصالح وهذا يشير إلى أنّ الإيمان في الإسلام ليس إيماناً مجرداً، ولكنّه إيمان محدّد بالعبادة مرتبط بالعمل الصالح.
ولقد سوّى الإسلام بين المجاهدين في سبيل الدعوة الإسلامية وبين الساعين في سبيل الرزق، وذلك كما في قوله تعالى: {… وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزيل: 20].
أكثر من ذلك اعتبر الإسلام السعي إلى الرزق وخدمة المجتمع وتنميته أفضل ضروب العبادة. فقد أراد أحد الصحابة الخلوة والاعتكاف لذكر الله، فقال له الرسول (صلّى الله عليه وآله): «لا تفعل، فإنّ مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته ستين عاماً».
وإذا كان سبيل الله هو ـ في الأساس ـ تعمير الأرض، وإذا كان مقام أحدكم في سبيل الله هو عمله في هذا السبيل، فإنّنا يمكن أن نخلص إلى أن العمل في الإسلام هو فريضة وعبادة، بل هو من أفضل ضروب العبادة، وأنّ المسلمين مقرّبون إلى الله سبحانه وتعالى، بقدر اقترابهم من تعمير الأرض وأخذهم بأسباب التنمية في مختلف صورها.
وأمّا القاعدة الثالثة، قاعدة «الثواب والعقاب»، وهي القاعدة التي يرتكز عليها وجوب إتقان العمل وتحسين الإنتاج كمّاً وكيفاً، ذلك لأنّ هذا الإتقان يعتبره الإسلام أمانة ومسؤولية وقربة كما في قوله تعالى: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93]، وقوله تعالى: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30]، وقول الرسول (صلّى الله عليه وآله): «إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه».
والإتقان في اللغة يعني الإحكام للأشياء، أي حسن الأداء والسيطرة على الشيء، وقد وردت مادة الإتقان في قوله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88]، ولهذا فإنّ الإتقان أي الإجادة والإحكام مطلوب، بل واجب في كلّ شيء يباشره الإنسان، ولا يقتصر على مواطن معينة فقط.
وترتيباً على ذلك، فإنّ وجوب إتقان العمل، من حيث إنّه يرتكز على قاعدة «الثواب والعقاب»، إنّما يأتي في إطار دعوة الإسلام إلى مراقبة الله والخوف منه في كلّ شأن من شؤون الحياة… فالعمل الصالح والقول الطيب يرفعه الله إليه، كما في قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، بل إنّ الله عزّ وجل يحذّر من مخالفة ذلك، لأنّ المخالف لن يفلت من مراقبة الله وعقابه، ولهذا يقول تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
ولأنّ العمل هو العنصر الفعّال في طريق الكسب التي أباحها الإسلام، وهو الدعامة الأساسية للتنمية كعملية تستهدف تعمير الأرض، فقد أوضح الإسلام أنّه على قدر عمل المسلم واتّساع دائرة نشاطه، يكون نفعه ويكون جزاؤه، يقول الله سبحانه وتعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]، ويقول تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} [الزلزلة: 6ـ8].
هذه الآيات الكريمة تشير بجلاء إلى قاعدة «الثواب والعقاب» التي ينظم الإسلام من خلالها النشاطات الإنسانية جميعاً، بل إنّ الإسلام، وبناء على هذا التوضيح الاختياري بين عمل الخير وعمل الشر، يأمر بممارسة النشاطات النافعة ويصفها بأنّها حلال، وينهى عن تلك التي توصف بأنّها حرام.
هذا يعني أنّ الإسلام ينظر إلى العمل الصالح، النافع، كواجب لا يكمل الواجب الديني إلاّ به… وعلى هذا الأساس، فإذا كان العمل هو الذي يمنح الإنسان قيمته في الحياة، وإذا كان هو سبيل تقدّم الأمم وتعمير الأرض، فإنّ العمل يأخذ في الإسلام جانباً اجتماعياً مضافاً ومكملاً لجانبه الشخصي، إذ تتعلق مصالح الناس بالعمل، إيجابياً بناء على حاجة المجتمع إلى هذا العمل، من جهة، وسلبياً بناء على تضرّر المجتمع من الأعمال السيئة من جهة أخرى. ولذا يكون من المنطقي أن تقاس الأعمال في أهميتها وضرورة مراقبتها والتدخل في شأنها بـ «مقياس» حاجة المجتمع لها ومدى نفعها له.
وهكذا… يبدو التكامل الرائع في نظرة الإسلام إلى «البُعدالاجتماعي» للتنمية، وذلك من خلال التكامل بين القواعد الثلاث: قاعدة تعمير الأرض، وقاعدة قيمة العمل، وقاعدة الثواب والعقاب… هذه القواعد التي ترتكز عليها، في الإسلام، الدوائر الثلاث للمسألة الاجتماعية: الإنسان والمجتمع، العمل والإنفاق، الحلال والحرام.
حسين معلوم
إقريطش([316])
جزيرة معظم سطحها جبلي، تقع في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، مقابل بلاد اليونان شمالاً، والحدود الليبية المصرية الآن جنوباً، وهي من أهم الجزر هناك لقربها من إفريقيا وآسيا وأوروبا وهي من أهم مراكز الحفريات الحديثة عند الباحثين في تاريخ علم الإنسان وتاريخ الحضارات القديمة وتاريخ اللغات، وقد كانت لها حضارة عريقة بلغت ذروتها في القرن 16ق.م. ثمّ بادت فجأت، وكانت ذات صلات قوية بكل الحضارات القديمة القريبة منها في القارات الثلاث، ومن مزاياها بين مراكز الحضارة أنّها جزيرة صغيرة تنعزل عن جيرانها تارة، وتتّصل بهم تارة أخرى.
ومن المعروف تاريخياً الآن، أكثر من ذي قبل، أنّ سواحل الشام في تلك الحقبة كانت مواطن أمم خرجت من جزيرة العرب، ثمّ أسّست في تلك السواحل حضارات سامية كالكنعانيين والفونيين (الفينيقيين) وأهل «أوبكاريت» Ugarit ومنهم جماعات انطلقت بسفنها من تلك السواحل تجوب البحر المتوسط، وتتاجر مع أهل جزره وسواحله، بل تقيم مستعمرات تجارية هناك، وتنشر مع التجارة نفوذها وحضارتها. وكان لكريت حظّها الوافي من تلك الحضارات ونقلها إلى اليونان، وتعدّ حضارة كريت من أقدم حضارات العالم القديم، وأكثرها صلة بها، منذ أربعة آلاف سنة. وكان ممّن سكنها أيضاً قديماً اليونان (الدوريون) ثمّ استعمرها الروم (الغربيون) سنة (68/69ق.م.) حتّى انتزعها منهم المسلمون سنة (826م/210هـ) بعد معارك متطاولة في ظروف مختلفة.
وعاد الروم إلى استرجاعها سنة (961م/349هـ) بجيش عدّته 72,000 مقاتل، منهم 5,000 فارس، فحاصروها نحو سنة، حتّى فتحوها بالقتال والتجويع، ثمّ خرّبوا الحصون وألقوا حجارتها في الميناء لسد باب الجزيرة في وجوه غزاة المسلمين، ثمّ استولت عليها البندقية سنة 1204م، ثمّ ملكها الأتراك المسلمون سنة 1669م فبقيت في حكمهم، وخلال ذلك حكمها المصريون في أيام محمد علي باشا، حتّى إذا كانت سنة 1896م ثار أهلها بتحريض اليونان وتشجيع الدول الأوروبية التي احتلت قواتها كريت، وأجلت القوات التركية عنها سنة 1898م، وصارت لها حكومة مركزية، ثمّ أعلنت كريت اتحادها مع اليونان سنة 1908م، واتحدت معها فعلاً 1913م وكانت أيام حكم الأتراك منفى لمن يغضب عليهم الحكام.
وفي هذا البحث دراسة عن علاقة المعز لدين الله الخليفة الفاطمي بها وهو مكتوب بقلمي الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه أحمد شرف.
وكانت جزيرة إقريطش (كريت) في قبضة العباسيين، ولقربها من مصر كان يشرف عليها والي هذه البلاد. وقد استوطنها منذ أوائل القرن الثالث إلى منتصف القرن الرابع الهجري، جماعة من مهاجري الأندلس، يعرفون بأهل الربض، وكان هؤلاء الربضيون قد ثاروا على الحكم بن هشام الأموي حوالي سنة 204هـ، وحاصروه في قصره بقرطبة؛ ولكنّه انتصر عليهم في واقعة «الربض» المشهورة، وقتل منهم عدداً كبيرا، وأجلى البقية الباقية منهم عن الأندلس، فقصد بعضهم مدينة فاس بالمغرب الأقصى، وقصد بعض آخر مدينة الإسكندرية.
ويظهر أنّ هذا الفريق كان يميل إلى إثارة الشغب، فأثاروا الرعب في قلوب أهالي الإسكندرية، في عهد ولاية عبدالله بن طاهر (211-213هـ)، واعتصموا بهذه المدينة، وطردوا أهلها منها، وولوا عليهم واحداً منهم يعرف بأبي حفص عمر بن شعيب البلوطي. ولكن والي مصر استطاع أن يهزمهم، ويجليهم عن الإسكندرية، ويمثل معهم الدور الذي قام به الحكم الأموي من قبل، فطردهم عن مصر، وطاردهم إلى جزيرة إقريطش، فعمروها، وتولّى أمرهم جميعاً هذا الثائر الخطير أبو حفص عمر بن شعيب.
وظلّ الربضيون بجزيرة إفريطش زهاء قرن ونصف قرن، في أمن ودعة، حتّى طمع الروم في بلاد الدولة العباسية، وبدؤوا في منتصف القرن الرابع الهجري يوجّهون ضرباتهم المتتالية إليها من كلّ ناحية، فهاجموا شمالي العراق، وشمالي الشام. ولم يكتفوا بذلك، بل هاجموا جزيرة إقريطش في أواخر حكم الدولة الإخشيدية؛ فطلب الربضيون النجدة من خلفاء بغداد، ومن سيف الدولة الحمداني الذي اشتهر بحروبه مع الروم، ومن ولاة مصر فلم يسعفهم هؤلاء ولا أولئك، فولوا وجوههم شطر المنصورية، يطلبون النجدة من المعز لدين الله، فهمَّ بمساعدتهم، وبعث إليهم أساطيله، واتّصل بالإخشيديين في مصر وحثّهم على إنجادهم، كما اتّصل في الوقت نفسه بالروم وحذرهم مغبة التعرّض لهؤلاء الربضيين.
ويدل اتصال المعز بالربضيين على مهارته السياسية، لأنّه عوّل على أن يلقي الرعب في قلوب الروم، ويبيّن لهم أنّه يستطيع أن يقف في وجههم، ويقضي على جيوشهم إذا حاولوا أخذ إقريطش.
وكان المعز لدين الله قد أحلّ الهزيمة بإمبراطور الروم، وبحلفائه الأمويين في الأندلس، وعقد معه هدنة أمدها خمس سنين. وقد هاله أن يغير الروم على جزيرة إقريطش، بقيادة الدمستق([317])، ويهدّدوا بهجومهم هذا جناح المعز الأيمن من جهة، ويحولوا بذلك بينه وبين فتح مصر والقضاء على العباسيين من جهة أخرى. لذلك عمل الخليفة الفاطمي على نقض هذه الهدنة، والوقوف في وجه مطامع الروم، وما كاد أهالي جزيرة إقريطش يرسلون إلى المعز «مركباً فيه رجل من قبلهم مع وجه من وجوههم… يستغيثون به، ويسألونه استنقاذهم وإعانتهم»، حتّى أمر المعز بالأخذ في الأهبة والعدّة، ليكون نفوذ الأساطيل إليهم في أوّل زمان الإمكان واقتفى المعز أثر الرسول (صلّى الله عليه وآله) حين نبذ عهد المشركين من العرب إذ خانوه، فنزل قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ}([318]) [الأنفال: 58].
أرسل المعز رسالتين تعدّان من خير الوثائق في تاريخ العلاقة بين المعز والإخشيديين، ثمّ بينه وبين الروم. كما أسهب القول مع رسول الإقريطيشيين، فأوضح لنا بهذا كلّه سداد رأيه ومهارته السياسية. كما تدلّنا محادثته مع رسول الربضيين على أهمية جزيرة إقريطش للمعز نفسه. وعلى أنّ أهلها كانوا على علم تام برغبة المعز في فتح مصر. فقد أوضح الرسول للخليفة الفاطمي أهمية هذه الجزيرة من الناحية الاستراتيجية، وبيّن له أنّ من يستولي عليها يستطيع أن يستولي على مصر والقسطنطينية، وأنّه يجد من مرافئها ملاذاً لأساطيله، ومن معادنها خير معين لتقدّم صناعته. وهكذا جعل الرسول «يذكر له قدر البلد وموضعه من بلد الروم ومن مصر، وأنّه فرصة لهما، وأنّ الله تعالى إن أقدره على دفع المشركين عنه وملكه إياه، كان سبب فتح القسطنطينية والمشرق عليه إن شاء الله. وعدد ما فيه من الآلات والمعادن، وما يتهيأ به من إنشاء الأساطيل وقربه من القسطنطينية ومصر([319]).
والحق أنّ ردّ المعز على رسول الربضيين ليدل على ما كان يجيش في نفسه من آمال لفتح هذه الجزيرة وصدّ الروم عنها. ولذلك نراه يلوم الرسول وأهل إقريطش، لأنّهم لم يتصلوا به قبل أن يستفحل خطر الروم، ويظهر له أن سيقوم بهذه المساعدة، لأنّه كرجل من سلالة محمد (صلّى الله عليه وآله)، يجب عليه أن ينظر إلى جميع المسلمين على أنّهم رعاياه. ويدل ردّه على الرسول على أنّه جادّ في إعداد العدّة لصدّ الروم. وقد أبقى المعز الرسول ليكون في صحبة الأسطول الفاطمي، وأرسل إلى أهل إقريطش يخبرهم «بما عزم عليه من إغاثتهم ونصرتهم في أوّل وقت الإمكان من الزمان»([320]).
وأمّا اتّصال المعز بالإخشيديين في عهد وصاية كافور على «صاحب مصر»، كما أطلق عليه المعز. فإنّ مسلمي هذه الجزيرة كانوا قد اتصلوا به قبل أن يتصلوا بالمعز، لأنّهم كانوا «من أهل دعوته، تجمعهم دعوة آل العباس». أضف إلى ذلك أنّ جزيرة إقريطش كانت مستودعاً هاماً لتموين مصر في ذلك الحين، حتّى كانت سفن أهل هذه الجزيرة «ومراكبهم بخيرات بلدهم وأطعمتها تمير أهل مصر وهداياهم تصل إلى عمالها». ومع ذلك عجز هؤلاء الإخشيديون أن يمدوا يد المعونة لأتباعهم ورعاياهم من المسلمين في إقريطش، ولكنّهم أرسلوا في الوقت نفسه إلى المعز سرّاً، عن طريق بعض كبار الشخصيات المصرية، يستحثّونه لنجدة الربضيين، وتظاهر الإخشيديون بالاستعداد للعمل على طرد الروم، فأنزلوا بعض سفنهم إلى البحر الأبيض.
وقد عمل المعز لدين الله على الاستعانة بالسفن المصرية، واستحثّ الإخشيديين على الإسراع لنجدة المسلمين في إقريطش، فذكر لهم أنّه قد عقد العزم على صد الروم عن الجزيرة، وتعهّد بأن يتعاون كلّ من الأسطولين المصري والفاطمي على طرد العدو، وأن توزّع الغنائم والأسلاب بين هؤلاء وأولئك بالعدل، وإنّما فعل المعز ذلك ليقضي على مقاومة الروم قبل أن يستفحل خطرهم. وفي ذلك يقول المعز لكافور، الذي آلت إليه الوصاية على أولاد الإخشيد:
«لا تخش على مراكبك منّا، فلك علينا عهد الله وميثاقه أنّا لا نكون معهم إلاّ بسبيل خير، وأنّا نحلّهم محلّ رجالنا، ونجعل أيديهم مع أيدينا، ونشركهم فيما أفاء الله علينا، ونقيمهم في ذلك وغيرهم مقام رجالنا، ومراكبك مقام أساطيلنا حتّى يفتح لنا إن شاء الله، ثمّ ينصرفوا إليك»([321]).
وقد وضع المعز خطة العمل المشترك مع الإخشيديين، وهي تقضي بأن يرسلوا رجالهم وسفنهم إلى إحدى الموانئ الفاطمية في برقة القريبة من إقريطش، وأن يكون ذلك في شهر ربيع الآخر من سنة 350هـ، ثمّ يؤكد للإخشيديين أنّه قد عقد العزم على مهاجمة الروم. سواء اشتركوا معه في ذلك الهجوم أو تقاعسوا عن معونة أهل هذه الجزيرة. وهكذا اتخذ المعز لدين الله من موانئ برقة مراكز أساسية لمهاجمة الروم في إقريطش، كما اتخذ الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، تلك الموانئ لطرد الألمان منها.
«فإقريطش وغيرها من جميع الأرض لنا. بما خولنا الله منها، وأقامنا له فيها.
وأمّا موقف المعز العدائي من الروم، فنقف عليه من رسالته التي أرسل بها إلى إمبراطور القسطنطينية، يهدّده فيها بنقض الهدنة التي بينهما، ويحتج عليه لهجومه على المسلمين في إقريطش.
أطاعنا منه من أطاعنا، وعصانا من عصى، وليس بطاعتهم يجب أن نملك، ولا بعصيانهم يحق علينا أن نترك»([322]).
وهذا القول لا يترك مجالاً للشك في أنّ المعز لدين الله قد أعلن للروم أنّه لن يترك لهم شيئاً من هذه البلاد، لأنّ الاعتداء على أي جزء منها ينطوي على التحدّي للفاطميين أنفسهم.
ولم يقف المعز في إثارة مخاوف الروم عند ذلك الحد، فقد كشف لإمبراطورهم عن ضرورة تنحّيه عن إقريطش التي هاجمها قائدهم «الدمستق»، وإلاّ قطعت الهدنة، وحلّت محلها الحروب.
وهكذا تتضح سياسة المعز نحو إقريطش ومن بها من المسلمين، فلم يقر للروم بالعبث بها، والحق أن تدخل المعز في شؤون هذه الجزيرة لون من المظاهرات السياسية التي استغلها لإظهار قوّته للروم.
لذلك لا نعجب إذا رأينا المعز لدين الله يتردّد إلى أهل إقريطش وإلى كافور الإخشيدي، وقد حفظ لنا التاريخ بعض الرسائل الودية التي أرسلها الفاطميون إلى الاخشيديين يستميلونهم إليهم. فقد حاول الخليفة القائم بأمر الله الفاطمي (322ـ334هـ) أن يستميل إليه محمد بن طغج الإخشيدي. ولم يكن خلفاؤه أقل منه في ذلك، فقد كان المعز خاصّة دائم الاتصال بكافور الإخشيدي الذي آلت إليه السلطة بعد وفاة محمد بن طغج الإخشيدي، حتّى أصبح كافور شديد الميل إلى العلويين، وبذلك عمل المعز على عدم إثارة الشكوك في نفس كافور حتّى يضمن انقياده له، واطمئنانه إليه.
ولم تمدّنا المراجع التاريخية بشيء عمّا كان للجهود التي بذلها المعز لمساعدة المسلمين في إقريطش من أثر. فهل انضم أسطول مصر إلى أسطوله؟ أو تمّ إخراج الروم من هذه الجزيرة؟ هذا ما لم تذكره المراجع.
الأقطاب الفقهية على مذهب الإمامية
تأليف: الشيخ محمد بن علي بن إبرهيم الهجري الأحسائي، المعروف بابن أبي جمهور الأحسائي، من أعلام القرن التاسع الهجري.
كتاب مرتّب في 46 قطباً في بيان قواعد الأحكام الفقهية نظيراً لكتاب «قواعد الأحكام» للشهيد الأوّل، إلاّ أنّ هذا الكتاب أوجز منه، جمع فيه مؤلفه الفروع ومآخذها ودلائلها بأُسلوب لطيف ومتين، وقد تمّ تحقيقه وفق ثلاث نسخ مخطوطة اثنتين منها من محفوظات مكتبة السيّد المرعشي العامّة في قم، والثالثة من محفوظات مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد.
أگْرَه (آكرا أو أكبرآباد)
وأكثر مَنْ يطلق عليها اسم آگرا: الهندوس، وأكثر من يطلق عليها اسم أكبر آباد: المسلمون. إحدى أكبر المدن التي يقطنها الشيعة في الهند، وتقع على ضفاف نهر جفنا المتفرّع عن نهر گنك.
نقل السلطان إسكندر لودي الأفغاني عاصمته إلى آگره في عام 918هـ بعد أن أصاب زلزال مدينة دلهي، ومنذ ذلك الحين دخلت هذه المدينة أبواب التاريخ الإسلامي. وكان هذا السلطان أوّل حاكم مسلم يشيد فيها مسجداً وقصراً ويحوّلها إلى مدينة إسلامية.
وكان لمؤسّس الإمبراطورية الگورگانية في الهند ظهير الدين بابر (937م) دور كبير في إعمار آگره.
وكانت آگره لفترة من الزمن عاصمة لأكبر شاه وابنه جهانگير وحفيده شاه جهان. وقد أمر أكبر شاه ببناء عدّة مساجد وقصور فيها إضافة إلى القلعة الحمراء، وغيّر اسمها إلى أكبر آباد. ولكن جهانگير لم يمكث طويلاً، وأمّا شاه جهان فعاش فيها طويلاً حتّى أكمل بناء القلعة والمسجد الجامع في دلهي.
شيّد جهان شاه في آگره مقبرة لزوجته الشيعية أرجمند بانو التي سمّيت فيما بعد باسم ممتاز محل أو تا محل وهي بإجماع الفنانين أجمل مقابر العالم وأثمنها قاطبة.
سيطر الهندوس على آگره في عام 1770م وألحقوا بها أضراراً جسيمة، ثمّ فتحها الجيش البريطاني في أكتوبر عام 1803م.
قال أهالي آگره قتالاً شديداً ضمن حركة المطالبة باستقلال الهند في عام 1857م، إلاّ أنّ الجيش البريطاني استولى على المدينة في العاشر من تشرين الأوّل وعامل الثوار بكلّ وحشية.
اشتهرت آگره في الأوساط العالمية بآيات الإعمار التي تحتويها، والتي كان أغلبها حصيلة جهود الفنانين والمعماريين الإيرانيين، وأشهر هذه الآثار: المسجد الجامع ومسجد مرواريد وتاج محل ومقبرة أكبر ومقبرة اعتماد الدولة الطهراني والإمام بارات والروضات الشيعية ومزارات العلماء الشيعة. وتوجد في هذه المدينة مقبرة القاضي نور الله الشوشتري الذي استشهد بأمر من جهانگير، وهذه المقبرة الواقعة في محلة (ديال باغ) هي مزار وحسينية ومحل لأداء مراسم التعزية وإقامة احتفالات الهنود الشيعة ومدفن لعلمائهم ورجالهم وتعتبر محلة گنج في آگره إحدى محلات الشيعة الرئيسية في هذه المدينة، وجميع سكانها من الشيعة وخاصّة السادة ويبلغ عدد سكان آگره حوالي 2,300,000 نسمة.
ومن أكبر آباد خرج أعاظم شعراء اللغة الأردوية، كما كانوا في الوقت نفسه شعراء الشيعة الذين حفلت آثارهم بالمدائح العلوية والمراثي الحسينية، ويأتي في الطليعة منهم: أسد الله غالب، ومير محمد تقي مير، ونظير أكبر آبادي.
وخلال أعمال تقسيم الهند تعرّض المسلمون في أكبرآباد لمذابح واعتداءات فكثرت هجرتهم سنيين وشيعيين إلى الباكستان.
الأكراد
ـ1ـ
يقطن الشعب الكردي المناطق الواقعة غربي إيران والجزأين الأعلى والأوسط من شرقي العراق وشماله، والجزء الشرقي والجنوبي من سوريا، إضافة إلى بعض الجيوب المتفرقة فيما كان يسمّى بالاتحاد السوڤييتي وشرقي إيران وأفغانستان وبلوجستان وغربي تركيا وأواسطها. والساكنون في هذه الجيوب إمّا نفوا إليها بالإكراه، أو هاجروا إلها مضطرين نتيجة لغزوات تاريخية أو لضرورات العيش.
وقد كان لهذا الشعب قبل الإسلام دوله وحكوماته التي كانت تبسط سيطرتها على أراضي البلاد المجاورة أو تصبح خاضعة لغيرها حسب الظروف. وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب أصبحت كردستان بأسرها جزءاً من أراضي الخلافة الإسلامية. وعندما ضعفت الخلافة ونشأت دول ملوك الطوائف تكون مثلها في كردستان أيضاً. ومنذ ذلك الحين لم تشهد كردستان وحدة إدارية، فقد كان يحكمها ملوك الطوائف المستقلون والتابعون للدول الأخرى إلى أن تكوّنت الدولتان العثمانية فالصفوية، آنئذ وبعد حروب سجال بين الأمراء الكرد وتلكما الدولتين وبين الدولتين نفسيهما ترسخت الحالة في كردستان على أساس التقسيم بين إيران والإمبراطورية العثمانية. وظلّت الحالة على هذا المنوال إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى حيث تعمّقت التجزئة وأصبحت كردستان أقساماً أربعة داخلة في الإطار الجغرافي الحالي لدول العراق وإيران وتركيا وسوريا.
وترجع اللغة الكردية بلهجاتها الأربع إلى اللغة الميدية التي تعود بدورها إلى اللغة الآرية القديمة المعروفة باللغة الأنزانية والتي كانت منشأ جميع اللغات المادية والهندية والفارسية العيلامية. أمّا اللهجات الكردية الأربع المتداولة فهي الآن الكرمانجية ـ الشمالية والجنوبية. والكورانية واللرية والكلهرية. وهناك شعب متفرقة أيضاً داخل كلّ واحدة من هذه اللهجات.
ومن الثابت تاريخياً أنّ الأكراد لم يكن لهم خط خاص. فعندما اكتشف الخط المسماري كان الأكراد والفرس يستعملونه سوية. ويقول أحمد بن أبي بكر بن أبي وحشية النبطي الكلداني في كتابه «شوق المستهام، في معرفة رموز الأقلام» إنّه في حوالي القرن العاشر قبل الميلاد اخترع شخص يدعى «ماسي سورات» حروفاً حسب المخارج الأبجدية ودوّن بها أفكاره، ثمّ أخذ الأكراد يستعملونها لأغراضهم الكتابية. وهذه الحروف تشبه الحروف الأوستائية التي اخترعت في القرن السادس قبل الميلاد. وقد ظلّت حروف «ماسي سورات» مستعملة بين الأكراد إلى ظهور الإسلام في كردستان. وكان الأكراد يستعملون فضلاً عن تلك الحروف، الحروف اليونانية والآرامية السريانية كما يستدل على ذلك بالرقوق التي عثر عليها أحد الصيادين الأكراد في واحد من كهوف جبل «هوران» قبل حوالي خمسين سنة. وبعد ظهور الإسلام وانتشاره في كردستان، أخذ الأكراد يدوّنون ما يريدون بالحروف العربية وباللغتين الفارسية والعربية، وزالت كتابة المواضيع الكردية حتّى بالحروف العربية طيلة قرون عديدة.
وما من مصدر بعد الإسلام يثبت أن الأكراد دوّنوا أي أثر بلغتهم القومية لحين ظهور الشاعر المتصوف بابا طاهر الهمذاني الذي عاش في سنوات القرن العاشر الميلادي والذي نظم رباعياته الوجدانية الرائعة باللهجة اللورية. كما نظّم الشاعر والحكيم الإيراني سعدي الشيرازي أبياتاً باللهجة اللورية أيضاً. وهكذا فإنّ التدوين بالكردية بدأ ينبعث شيئاً فشيئاً وبلغ حدّاً كبيراً منذ القرن السابع عشر. وهو الآن في طريقه إلى السيادة في جميع أنحاء كردستان بالرغم من جملة عراقيل تقف في طريقه.
إنّ المدونات بالكردية القديمة، وكلّها شعر، دوّنت بمختلف اللهجات الكردية. فأشعار «بابا طاهر العريان الهمذاني» منظومة بلهجة اللور، وأشعار «فقي طيران» و«ملاي جزيري» و«أحمد خني» و«علي حريري» منظومة باللهجة الكرمانجية الشمالية، وأشعار «خاناي قبادي» و«صيدي هورامي» و«بيساراني» و«مولوي» وكثيرين غيرهم منظومة باللهجة الهورامية «الكورانية»، وأشعار «سالم» و«محوي» و«كردي» و«نالي» وآخرين منظومة باللهجة الكرمانجية الجنوبية. وهكذا يبدو أنّه يوجد أدب مدوّن بمختلف اللهجات الكردية.
في بداية نشوء الحركة القومية الكردية كانت الصحف والمنشورات السياسية تدوّن باللهجة الكرمانجية الشمالية، حيث إنّ طلائع تلك الحركة بدت في المناطق الكردية التابعة الآن إلى تركيا. وعندما سحق الكماليون الحركات الكردية أصبحت كردستان العراق أكثر المناطق الكردية تمتعاً بالحرية. فقد تكوّنت فيها حكومة الشيخ محمود الحفيد. وفيما بعد روعيت فيها المشاعر القومية. ولذلك نشطت الحركة الثقافية في كردستان العراق وفي لواء السليمانية بالذات. وظهرت مجموعة من الجرائد والمجلات وطبع عدد من الدواوين الشعرية والكتب الأخرى. وهكذا انتقل مركز الثقافة الكردية إلى اللهجة الكرمانجية الجنوبية التي يتحدّث بها، ضمن من يتحدّثون بها، أبناء منطقة السليمانية. وكان ظهور جمهورية كردستان الديموقراطرية في منطقة «مهاباد» التي تتحدّث باللهجة ذاتها، عاملاً مساعداً في ذلك. أمّا البقية الباقية من النشاط الثقافي باللهجة الكرمانجية الشمالية فقد استقرّت في سوريا والاتحاد السوڤياتي، وهي في الأخير في انتعاش مستمر.
وفي السنوات الأخيرة ظهر خلاف فكري حاد حول أي من اللهجتين تعتبر اللهجة الكردية الفصحى ـ إن صحّ التعبير ـ حتّى تتّخذ لغة للكتابة. وكان هذا الموضوع مادة بحث طويل في مؤتمري المعلمين الأكراد الأوّل والثاني في «شقلاوة» في عامي 1959 و1960م وكتب عصمت شريف وانلي رسالة بعنوان «مسألة توحيد اللغة الكردية» دعا فيها إلى اعتبار الكرمانجية الشمالية هي الأصل والفصحى. ورد عليه صالح هزار برسالة أخرى انتصر فيها للكرمانجية الجنوبية. أمّا في المجال العلمي فلا تزال كفة الكرمنجية الجنوبية هي الراجحة حتّى الآن.
الأكراد الشيعة
وبين أكراد العراق فريق من الشيعة موجودون في مندلي وزرباطية وبدرة وجصان، وأكراد هذه المناطق كلّهم من الشيعة، أمّا أكراد خانقين ففيهم الشيعة وفيهم غير الشيعة.
كما يوجد الأكراد الشيعة في محافظة الكوت ومحافظة العمارة. على أنّ ممّا يذكر أنّ الزعيم الكردي العراقي الشيخ محمود الثائر الشهير كان يحرص على حضور مآتم الحسين (عليه السلام) في العشرة الأولى من المحرم، وقد رأيته بنفسي في الكاظمية جالساً بين جمهور الناس بكلّ بساطة على مقاعد في الشارع بادي الحزن والتأثّر.
وقد قيل في تعليل ذلك إنّه حسيني النسب، وإنّ شأنه في ذلك شأن أمثاله من الإيرانيين والباكستانيين والهنود والسودانيين وأبناء البربر الذين طوحت بأجدادهم القدامى صروف الزمان حتّى حطّوا في الأرض التي حطّوا فيها فصبغتهم بصبغتها وأكسبتهم قوميتها، ولكن ظلّوا مخلصين لأنسابهم النبوية وعارفين بأصولهم الفاطمية.
ينتمي الشيخ محمود إلى الأكراد (البرزنجية). ويقول عباس العزاوي في الجزء الثاني من كتاب عشائر العراق (ص227) وهو يذكر (البرزنجية) ـ والشيخ محمود ـ يقول: إنّ الآلوسي قد قطع في تفسيره بصحة نسبهم (الحسيني)، وأنّ شجرتهم معروفة.
وفي أكراد إيران كثرة من الشيعة وهم موجودون في المناطق الآتية: كرمنشاه ومنطقتها، وفي إيلام ومنطقتها، وبشت كوه ومنطقتها، ومدن كردستان وما إليها.
وفي أكراد إيلام كثير من السادة الحسينيين، ومنهم عشيرة كبيرة، كما يوجد الحسينيون في غير إيلام أيضاً.
وممّن وصلوا إلى سدّة الملك من الأكراد الإيرانيين: كريم خان الزندي الذي استمرّ ملكه ثلاثين سنة وثمانية أشهر وثلاثة أيام. ثمّ خلفه في الملك أربعة ملوك زنديون هم: زكي خان وصادق خان وجعفر خان ولطف علي خان، وبه انتهى حكم الأسرة الزندية وقام حكم الأسرة القاجارية.
ومن الأكراد الشيعة أكراد منطقة خراسان وأهم مدنهم هي: قوجان، ودرگز، وأسفرايين، وبجنورد، وشيروان. وجميع سكان هذه المدن من الأكراد الشيعة ما عدا جماعات قليلة من الأتراك، والأقلية غير الشيعية موجودة في درگز وبجنورد على الأغلب.
وأقرب هذه المدن إلى الحدود الروسية هي مدينة (درگز)، ومن النواحي التي تتبع درگز (لطف آباد) وهي تبعد عن الحدود حوالي نصف كيلومتر.
وتمر سكك الحديد الروسية على مقربة من المخافر الإيرانية بحيث يستطيع الدركي الإيراني تسجيل أرقامها.
وتختلف لغة أكراد خراسان عن لغة أكراد كردستان، وقد قال لي حسن علي زيدان الطالب في الجامعة الرضوية الإسلامية عندما لقيته في مدينة (مشهد) في الثامن عشر من صفر سنة (1411هـ ـ أيلول 1990م) وهو من أبناء هذه المنطقة: إنّه لا يمكن لكلّ فريق من أكراد المنطقتين أن يفهم من لغة الآخر أكثر من عشرين في المائة من الكلمات. وهذه المنطقة أغلبها جبلي.
ومن جهة ثانية، فإنّ أكراد أذربيجان وگرجستان وتركمانستان هم من الشيعة.
وهناك مجموعة من الأكراد الذين يسكنون في مناطق ما وراء القفقاس هم من العلويين. ويسمّون أنفسهم (أهل الحق).
ومن القبائل الكردية التي تتكوّن من الشيعة والسنّة معاً: قبائل (كلهر) ويقول عنها عباس العزاوي في كتابه عشائر العراق ما يلي: هذه القبائل يقال لها (كلهور)، و(كلور) وهي متفرقة في أنحاء عديدة من محافظات السليمانية وكركوك، وديالى في العراق، ومجاورة في الأصل لقضاء مندلي ومواطنها الأصلية هناك في (الإيوان) وما جاوره… وتقع على الحدود، تقيم في إيران ممّا يجاور العراق.
وفي (الشرفنامه) أنّ قبائلهم يقال لها (گوران). وأمّا الأمراء فيدعون أنّهم يتصلون بنسب كودرز بن كيو في أيام الكيانيين وهو الذي سمّاه المؤرخون (بخت نصر)، بقي الحكم بيد أولاده مدّة وهذه الإمارة تقسم إلى ثلاث شعب: (1) حكام پلنكان و(2) أمراء درتنك (حلوان) و(3) أمراء ماهي دشت.
وهذه القبائل في الحاضر متولدة من أخوين:
1 ـ منصور. ومنه حصل فرع «منصوري).
2 ـ شهباز ومنه تشعّب فرع «شهبازي».
1 ـ قبيلة منصوري:
وهذه توطنت (الإيوان) المجاور لمندلي (بندنيجين) وهي طوائف عديدة:
- بان سيري. ومن هؤلاء من يعيش بصورة مبعثرة.
- كاوسوار: وبين فروع قره أولوس من تسمّى بهذا الاسم.
- جولَكْ.
- هَلشي.
- نَرْكسي: تسكن في أنحاء كرمانشاه (إيران)، ومنهم من يعيش مع السنجاوية.
- پَهلُوخور.
- سرتنگي.
- زرنَهْ بي.
- كوتُكتي.
- كلهرها: ومن هؤلاء من يقيم في جرداول. والأغلب في الإيوان.
- كلوه سوند في آسمان آباد من الإيوان.
- سليم: تقيم في هرسم. ومن هؤلاء في أطراف خانقين وبينكدره، وآخرون في كرند وزهاو.
2 ـ قبيلة شهبازي: وهذه في أطراف كرمانشاه وهم:
- مربُلْ.
- كاوبندي.
- سياه بيدي.
- شياني.
- بداغ بكي.
- شله.
- كبنك شري.
- نوري.
- جيفا كبودي.
- ولَوُ.
- حزكان.
- دولت شوني.
وهؤلاء تابعون ماهي دشت.
- بياتي.
- باقر آبادي.
وهؤلاء تابعون زوبري من كرمانشاه.
- جولَكْ.
- باسكلي.
- خالدي.
وهؤلاء تبع كواور في شرقي جبل قلاّجه.
- منيشي في كفرآور.
- شهرك في ديره.
- كيلاني في كيلان.
- جله يي في جله.
- كمره يي. في مواطن متفرقة.
- شاهيني: في مواطن متفرقة.
- شوهان: منهم في العراق وهم كثيرون، منتشرون في مختلف مواطنه.
- قلعة شاهيني.
- مله سري: في روان، رحالة.
- كله پا: في روان، رحالة.
- قوجمي: في روان، رحالة أيضاً.
- سياسيا: في روان، رحالة أيضاً.
- كله جوبي: في روان، رحالة أيضاً.
- ده رويكه: تسكن القرى.
- بدره يي: تسكن القرى.
- هارون آبادي: تسكن القرى.
- برف آبادي: تسكن القرى.
- كوركه بي: تسكن القرى.
وهذه العشائر من القبائل الكردية الأصلية، وهي تابعة لكرمانشاه، انتشر الكثير منها في أنحاء عديدة من العراق. وطوائف منصوري منها ممتدة على الحدود، ويبدؤون من حيث انتهى الفيلية وتقيم (كلهر) في الإيوان المجاور (ده بالا) من أراضي الفيلية وتتصل بقضاء مندلي ولا يخلون من زعازع وفتن على الحدود خصوصاً أيام قلة المياه، ويتعرّضون لنهر (سومار)، وهذه الفرقة أكثر تعرّضاً وغالب المنازعات متأتية منها، فتشغل العراق وإيران معاً.
ومنذ نحو أكثر من مائتين وثلاثين سنة كان الإيوان خالياً، وإنّ قبائل منصوري جاؤوا من إيران إلى هنا، تابعوا أميراً يسمّى (منصور خان)، وفي أيام كريم خان زند كان أميرهم علي خان وهو والد شير خان وكانت له أخت يقال لها (شاه پسند) جميلة فزوجها إلى كريم خان. ومن ثمّ وجه هذا إمارة ذلك المكان إليه، ثمّ خلفه ابنه شيرخان.
وأمّا قبيلة شهبازي فإنّها تابعة لحكومة كرمانشاه، قسم في الإيوان وذهاب، وقسم على الحدود، وآخرون في أنحاء كرمانشاه في الحدود. يتجولون صيفاً وشتاء في أنحاء سرميل، وبندنيجين وذهاب في صحارى (كواور)، (كفراور)، و(كيلان)، و(ديره)، و(قلعة شاهين) وغيرها من المواطن والصحارى القريبة منها، يصيفون ويشتون فيها وذلك أنّ طوائف (خالدي)، وكله پا) من قبائل شهباز، يقيمون في الصحراء بين شوراب وهو نهر صغير في الحد الشمالي من صحراء (سومار)، وبين (كلال دام) وهو نهر صغير معروف أيضاً يقيمون في يساره، وكذا طوائف أخرى تقيم فيه، وتؤدّي البيتية (الكودة) إلى قضاء مندلي، رأساً واحداً عن كلّ قطيع من الغنم ربيعاً وفي الشتاء عن كلّ قطيع مبلغاً من المال.
وفي أحوالهم كلّها لا يخلون من تعرّض بالمارة من نهب وسلب… وإنّ هذه الرسوم تؤخذ من الشهبازيين والسنجابيين على السواء، كما هو معتاد أخذها منهم دائماً. وفي الغالب كانوا لا يؤدّون للدولة العثمانية رسوماً من حين أن استولت إيران على لواء ذهاب.
وعلى كل حال هذه القبائل لا تفترق عن سائر الأكراد، توطنوا هذه الأماكن من أمد بعيد، لا في الوقت الذي بينه صاحب سياحتنامه وحدود، وإنّما كانت سكناهم من أزمان متباعدة إلاّ أنّهم لم يكن لهم ذكر إلاّ أيام كريم خان زند، فالطوائف ظهرت قوّتها في عهود انحلال إيران واضطراب أمور العراق، والملحوظ أنّهم سكنوا الإيوان في عهد المغول وربمّا كانو سكانه الأصليين.
وهؤلاء لا يختلفون عن البدو في الغزو… إلاّ أنّهم لم تتفش بينهم الأمية وإنّما يقرؤون بفخر وحماسة (فرهاد وشيرين)، و(رستم زال وبهرام گور) وأمثال ذلك من القصص… يتسلّون بها أيام راحتهم.
قص ذلك صاحب السياحة بسبب أنّهم كانوا على الحدود بين إيران والعراق، في أنحاء مندلي فعلمنا هذا كلّه منه، والكتب الإيرانية أيضاً تتعرّض لإمارة هؤلاء، وتتكلم عليها بسعة في مختلف الآثار. إلاّ أنّ القبائل التي ذكرناها هي قرى ائتلفت فكوّنت مجموعة نالت هذا الاسم إمّا تبعاً للمكان الذي أقامت فيه مدّة، أو إلى الرئيس الذي حكمها في وقت واشتهر اسمه، ولكن الرئاسة قسّمت بالوجه المشروح، ولا تمثّل أصل قبائلهم، ولا تشير إلى اسم الفرع الذي التحق بالأمير. فكانوا قد توزعوها من قديم الزمان ولا يشترط أن يكونوا أجداد هذا القبائل، وإنّما هم رؤساؤها وحكامها أو المتحكمون بها، بل جاء في الشرفنامه أنّها كانت تابعة للدولة العثمانية، وأنّ الأمير منصور قتل أخاه شهباز في سنة 1002هـ، وأنّ الضريبة التي كانت تأخذها الدولة العثمانية منها في كلّ سنة أربعون ألف رأس من الغنم فلا شك أنّها قديمة السكنى في مواطنها([323]).
وإنّ أصل تكون الرئاسة قد تعين، فاستولى هؤلاء على قبائل كلهر.
ومن هم فروع هذه القبيلة (الداودة) وقد سبق ذكرها. ومن كلهور فروع عديدة توطنت العراق، وماعت بين أفرادها، فلا تعرف لها مجموعة كبيرة وإن كان لا يزال بعض الأكراد يحفظون أنّهم من هذه القبيلة. وحالة الأفراد ممّا لا يقام له وزن والمطلوب بيان المجموعات والتعريف بها في مختلف عصورها المعروفة.
ونعلم يقيناً أنّ (الإيوان) كان يحوي قديماً قبائل تركمانية، ورئاستها كانت لابن برجم ولهم الإمارة على هذه القبائل والمنازعات بين المغول والتركمان دفعتهم إلى نواح أخرى أو مالوا إلى المدن والقرى بل الملحوظ أنّ إمارة آلبرجم كانت إمارة على الكرد. ولا يبعد أن يكون معهم ترك وهذا هو الذي أرجّحه فلمّا ذهبت هذه الإمارة ظهرت إمارة حلّت محلها على قبائل كلهر وآخر من وليهم منصوري وشهبازي. بل إنّنا لم نستطع أن نعيّن إمارتهم بعد سليمان شاه الإيواني.
ومن الضروري أن نتحرّى النصوص الموضحة لما كان خلال المدّة بين قَتَلة سليمان شاه وظهور إمارة منصور وحدوثهم في هذه الأنحاء وسكناهم هذه المقاطعات لم يكن كما بيَّن صاحب سياحتنامه حدود بل أقدم بكثير.
وكلّ ما نقوله هنا إنّ المسعودي، وابن الأثير، والسمعاني والبدليسي قد عرفونا ببعض القبائل القديمة، ومن بينها (قبيلة كلهر) أو كلهور، فهي قديمة إلاّ أنّ سكناها في هذه الأنحاء القريبة من مندلي تدعو للالتفات، فهي محل نظر. ويفسر بأنّهم مجاورون فتجاوزوا.
وكان صاحب نزهة الجليس قد مرّ بهم من العراق مجتازاً إلى تلك الأنحاء، وصل إلى بلاد الروز (بلد روز المعروفة قديماً براز الروز)، ثمّ رحل منها إلى بندر علي وكلّ هذه كانت من أنحاء بغداد، ثمّ جاء إلى قرية سومار، ويسكنها أكراد كلهور وهي أوّل حد إيران يسكنها الأكراد ثمّ رحل إلى قرية جمنسورت ويسكنها كلهور أيضاً قال: «أقمنا بها بإعزاز وإكرام ثلاثة أيام في بيت حاكم الأكراد الأمير محمد علي خان، وفي كلّ يوم يخرج بنا بين تلك المياه والزهور والآكام والربى لصيد الأرانب والظبي… وأسلوب هؤلاء الأكراد كالعرب البواد، تراهم في كلّ جبل وواد، متفرقين كالجراد (إلى أن قال) ثمّ رحلن من جمنسورت فأتينا قرية كيلانك. ثمّ رحلنا فأتينا إلى قرية تسمّى جشمة قنبر. ورحلنا، فأتينا (هارون آباد)، وهي قرية لطيفة. ورجعنا فأتينا إلى ماهي دشت وكلّ هذه القرى عامرة. ورحلنا فأتينا مدينة كرمان شاه. انتهى»([324]) كلّها ـ ما عدا كرمان شاه ـ من قرى كلهور…
ومن أهم مواطنهم (الإيوان)، وهذا يقع في شمال (ده بالا) وشمالها الغربي وأنّ مياهه تروي قضاء مندلي، وتدخل حدود العراق، وتقرير الحدود لا يختلف في بيانه عن سياحتنامه حدود. وهذه المياه أي مياه سومار وما يتصل بها وهو كنكر كانت تأتي من الأراضي بين الإيوان، وده بالا من مانشت الجبل المعروف من أقصى نقطة منه، وهو من سلسلة شيره زول، فتسقي مندلي وما يتصل به كقرية (دوشيخ)، و(قزانية)… فإذا قطع حرمت مندلي وقراها من المياه، وتهدّدت حياة بساتينهم الأمر الذي يؤدّي إلى توتر العلاقات دائماً، ولا سبب لذلك سوى هذه القبيلة… ممّا أدّى إلى النزاع على هذه الأراضي، وتجديد فتنها في كلّ سنة.
هذا مع العلم بأن زراع هذه الأنحاء من كلهور أيضاً، ولكن هذا لا يمنع من إيجاد النزاع. وقد يضطر أحياناً أن يؤدّي أرباب المزارع العقر لأمراء كلهور بلا وجه حق… سواء كانوا منهم، أو من قبيلة قره أولوس ممّن يزرع تلك الأراضي. وأمراؤهم آنئذ شيرخان، وألفت خان…
وقد وجد فرمان لدى متصرف ذهاب مؤرخ في سنة 1120هـ يعين مقدار ما يؤدّيه أمراء قره أولوس، واللك، وكلهور… ممّا يعين وجودهم في التاريخ المذكور في تلك المواطن([325])… وكلّ ما علمناه أنّ الإيوان كان بيد أمراء التركمان أيام الخلافة العباسية هم آل برجم وقد قضى هولاكو على أميرهم سليمان شاه بن برجم الإيواني، وأنّنا نقطع في صحة النسبة إلى هذا الإيوان، وأنّ المومأ إليه كان من التركمان الإيوانية أمراء تلك الأنحاء، وقد اضطربت النصوص في تحقيقها، فظهر الصواب بصورة لا تقبل الارتياب.
وبعد ذلك همل ذكر قبائل كلهو وإمارتهم، ولم يتعين لنا أمراؤهم إلاّ في الشرفنامه وهم متأخرون. ولا يعرف ما جرى خلال المدّة بين سليمان شاه وبين الأمراء منصور وشهباز.
وهؤلاء كلّهم شيعة في إيران، وسنة في العراق.
دعبل الخزاعي والأكراد
ومن الطرائف التي تذكر في هذا الموضوع ما جرى للشاعر الشهير دعبل الخزاعي مع الأكراد، وقد قصّه دعبل نفسه:
وذلك أنّ دعبل بعد أن نظّم قصيدته الكبرى في أهل البيت، وهي القصيدة التي مطلعها:
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
ثمّ أنشدها للإمام علي الرضا (عليه السلام) في مدينة مرو، وطلب من الرضا أن يهب له شيئاً من ثيابه يتبرّك به، فلبّى الرضا (عليه السلام) طلبه، وعاد دعبل إلى العراق فمما جرى له ما تحدّث به دعبل بهذا النص:
وكرّرت راجعاً إلى العراق فلمّا صرت ببعض الطريق خرج علينا أكراد يعرفون بالشاذنجان فسلبوني وسلبوا القافلة، وكان ذلك في يوم مطير فاعتزلت في قميص خلق قد بقي عليّ، وكبر أسفي على الثوب والمنشفة التي وهبها لي الرضا (عليه السلام) وجعلت أحدث نفسي أنّي أسألهم إيّاها. ففيما أنا في غمرة الفكرة إذ مرّ بي أحد الأكراد فوقف بالقرب منّي فلمّا رأى نهاب القافلة أنشد:
أرى فيئهم في غيرهم متقسماً
وأيديهم من فيئهم صفرات
ثمّ بكى وتوجّع لأهل البيت (عليهم السلام)،واستمر في إنشاد القصيدة وهو يبكي. فلمّا رأيت ذلك عجبت من لص كردي يتشيّع وطمعت في القميص والمنشفة، فدنوت منه فقلت: يا سيدي لمن هذا الشعر؟ فقال ما أنت وذاك ويلك. قلت: لي فيه سبب أخبرك به. قال: هذه القصيدة صاحبها أشهر من أن يُجهل. قلت: فمن هو؟ قال: دعبل شاعر آل محمد جزاه الله خيراً.
قلت: فأنا والله دعبل وهذه قصيدتي. فقال: أتدري ما تقول؟ّ قلت: الأمر أشهر من ذلك، سل من أحببت من أهل القافلة يخبرك بصحة قولي. قال: إذن والله لا يذهب لأحد من القافلة خلال فما فوقه، والحمد لله الذي أقدرني على قضاء حقّك يا شاعر آل محمد.
ثمّ نادى في الناس من أخذ شيئاً فليردّه على صاحبه، فردّ عليّ وعلى الناس جميع أموالهم حتّى لم يضع منّا لأحد عقال.
أقول: الذي يخيل إليّ أنّ هؤلاء الأكراد لم يكونوا قطاع طرق بالمعنى المفهوم من هذه الكلمة، بل كانوا ثواراً على الحكم القائم يومذاك.
وفي ما كان يسمّى بالاتحاد «الاتحاد السوڤييتي» مجموعات من الأكراد يسكن بعضها في مناطق ما وراء القفقاس وهم علويو الاعتقاد ممّن يسمّون أنفسهم: أهل الحق. ويسكن البعض الآخر في آذربيجان وگرجستان وتركمانستان، وهؤلاء يعتنقون المذهب الشيعي، وكذلك من يسكنون في أرمينيا.
الثورات الكردية
استقلّت شعوب الأرض وحكمت نفسها بنفسها، ولا يزال الشعب الكردي الباسل محكوماً من غيره، مقسّماً بين عدّة دول.
وقد قام الأكراد بعدّة ثورات استقلالية قوبلت كلّها بالقمع الشديد، ولا يزالون يتحرّكون حتّى اليوم بالرغم ممّا نالهم. ومن أفظع ما أصابهم هو الإبادة الجماعية التي سلّطها عليهم نظام البعث العراقي في هذه الايام، حيث استعمل ما أجمعت على تحريم استعماله جميع الأمم، وهو ما سمّوه الأسلحة الكيمياوية. ففي مدينة (حلبجة) الكردية قُذقوا بهذا السلاح فلم ينج منه ناج، وكذلك في غيرها من المدن والقرى.
ومن أبسط القواعد الإنسانية أن يكون لهذا الشعب وحدته وكيانه واستقلاله، وعندما يكون له ذلك، فمن الممكن أن يرتبط بإرادته بمن يشاء من الدول بنوع من أنواع الاتحادات التي تحفظ له وجوده كاملاً ضمن دولة الاتحاد.
ومن الإنصاف ـ إذا لم تتم الوحدة الكردية ـ أن يقوم هذا النظام الاتحادي مع كلّ دولة توجد فيها كثرة كردية.
الثقافة الكردية
عندما أسلم الكرد أخلصوا لدينهم الجديد غاية الإخلاص ودافعوا عنه بجرأة وبسالة. رغم أنّهم قاموا بعدد من الثورات ضد حكومة الخلافة العباسية. وقد نبغ بين الأكراد علماء فطاحل في مختلف العلوم والفنون أضافوا تراثاً رائعاً إلى العلم والفن الإسلاميين، وساهموا مع علماء الأمم الإسلامية الأخرى في بناء صرح الحضارة الإسلامية، فهي حصيلة الجهود المشتركة لجميع الشعوب التي اعتنقت الإسلام ديناً.
الكتابة الكردية
قلنا إنّه بعد سيادة الإسلام على كردستان أخذ الأكراد يكتبون بالحروف العربية. وقد ظلّ الأمر على هذا المنوال ولا يزال ـ إذا استثنينا تركيا التي تخلّت منذ الحركة الكمالية عن الحروف العربية ـ إلاّ أنّه بالنظر للفرق الواضح بين الحركات والأصوات الكردية والاشكال التقليدية للحروف العربية وعدم استيعاب الأخيرة لتلك الحركات والأصوات، فقد توصّل كثرة من المثقفين الأكراد إلى أنّ الحروف العربية لا تفي بحاجة اللغة الكردية. وكما فعل الأتراك في أواخر أيام الدولة العثمانية، فإنّ الأكراد أيضاً أجروا تعديلات كثيرة على طريقة الكتابة العربية لتكون وافية باللغة الكردية، إلاّ أنّ ذلك أيضاً لم يحل المشكلة جذرياً، فظهرت الدعوة إلى استعمال الحروف اللاتينية مع إجراء تغييرات بسيطة عليها لتكون ملائمة تماماً. وقد ألفت كتب عديدة لتعليم الكتابة الكردية بهذه الحروف، ونشرت في الدعوة إليها مقالات عديدة في الصحف والمجلات الكردية. وساعد على انتشار هذه الدعوة استعمال اللاتينية في تركيا والروسية في جمهوريات الاتحاد السوڤياتي الإسلامية عوضاً عن الحروف العربية. ويرى دعاة استعمال اللاتينية رأيهم سليماً ومنطقياً بالنظر للبون الشاسع بين الحركات والأصوات الكردية والحروف العربية كما أسلفنا، ولأنّ أكراد تركيا والاتحاد السوڤياتي يستعملون الحروف اللاتينية والروسية، وأكراد لواء الموصل والأكراد الفيليبين في العراق يكتبون باللغة العربية، وأكراد إيران يكتبون باللغة الفارسية.
والأقلية التي تستعمل الحروف العربية للكتابة باللغة الكردية في ألوية كركوك وأربيل والسليمانية ودياله ـ إلى حد ما ـ ونسبة هؤلاء تكاد لا تذكر بين مجموع الشعب الكردي، فضلاً عن أنّ الأميّة ما تزال ضاربة أطنابها في معظم أرجاء كردستان، وأنّ التراث الكردي المدوّن بالحروف العربية ليس من الكثرة بحيث يخشى عليه من الضياع من حيث صعوبة إعادة طبعه كما هو شأن التراث العربي. ويستخلص دعاة اللاتينية ممّا سبق أنّه ما دمنا نريد إقرار حروف معينة يستعملها الأكراد في مختلف ديارهم، فلتكن اللاتينية بالنظر للأسباب المؤاتية التي شرحناها آنفاً. وعلى كل حال فإنّ الظروف الراهنة خففت كثيراً من الحدّة التي بلغتها المشكلة.
الأدب الكردي
يتشعّب الأدب الكردي، كآداب الأمم الأخرى، حسب مراحل حياة الشعب الكردي. فقد مضى عصر كان الأدب الكردي فيه لا يشمل أكثر من الأغاني والملاحم وأشعار في الغرام والمديح والنصح وما شابه ذلك. وتطوّر الزمن فدخلته القصة والرواية والمسرحية، وأصبح لهذه الأنواع الجديدة شأن كبير. وفقد بعض أنواع الشعر التقليدي مكانته لأنواع جديدة ظهرت في الميدان. وكما تغيّرت الأصناف والأشكال تغيّر المحتوى أيضاً، فبعدما كان الغرض من الشعر وصف الطبيعة والتغنّي بالجمال أو الدعوة إلى ترك الدنيا والتخلّق بالأخلاق الفاضلة المتعارف عليها، أو مدح شخص ورثاء آخر، أصبح هدف الشعر الجديد والقصة والرواية والمسرحية إيقاظ الهمم وإحياء الشعور الوطني والدعوة إلى مكافحة الاستعمار والاستغلال والنضال في سبيل السلم والعدل الاجتماعي وما شاكل. إنّنا نحاول هنا أن نأتي على أصناف الأدب الكردي وأشكال كلّ صنف ونلقي ضوءاً عليها لإعطاء صورة عامة لما كان عليه الأدب الكردي وما هو عليه الآن. ولنبدأ بالشعر بالنظر لكونه أقدم أنواع الأدب الكردي بل والآداب الأخرى أيضاً.
الشعر الكردي([326])
يكاد قول الشعر يكون سمة عامّة للكرد، فقلّما تجد كردياً لا يقول شعراً مهماً بلغ من البساطة. فقد منحت الطبيعة للكرد بلاداً جميلة شامخة الجبال، سامقة الأشجار، فياضة الأنهار، خضراء المراتع، عذبة المياه، وافرة الثمار، لطيفة المناخ، ممّا يفتح قريحة الشعر وينمّي الخيال. لقد كانت كردستان دوماً بلاد الحب العذري الوفي وأرض البطولة والدفاع عن الأمجاد وموطن الشهامة والخصال الحميدة التي يتغنّى بها الرائح والغادي. لقد خلفت لنا الملاحم الشعرية القديمة والأغاني الشعبية قصصاً عن معارك ضارية دارت رحاها على ثرى كردستان بوجه الغزاة الأتراك والعجم وصمود المدافعين عن قلعة «دمدم» وبسالة فرسان «مريوان» الإثني عشر ومعارك عبد الرحمن باشا الباباني والأمير محمد الرواندوزي. وحفظت لنا الأبيات الغرامية حكايات عن حب «خسرو وشيرين» ومأساة «فرهاد» وغرام «مم وزين» و«سيامند وخجه زر» وغير ذلك ممّا لا تزال الألسن تتداولها بين الفلاحين الأكراد وظلّت الكثرة الكاثرة منها غير مدونة ممّا يهدّد بضياعها، كما ضاعت نظائر لها كثيرة من قبل.
ينقسم الشعر الكردي من حيث الشكل إلى قسمين: قسم منه منظوم على أشكال خاصّة بالكردية، أي ليس على طريقة الشعر العربي الذي تضمّه أبواب العروض المعروفة. والقسم الآخر منظوم حسب أبواب العروض العربي. ومن الواضح أنّ هذا القسم دخيل على الأدب الكردي جاء بعد انتشار الثقافة الإسلامية في كردستان وعلى أثر انبعاث التدوين باللغة الكردية. أمّا القسم الأوّل الأصيل فهو موجود منذ القديم وصياغته بسيطة ممّا يجعل قول الشعر سهلاً بالنسبة للكردي كما سبق أنّ ذكرنا. وينقسم القسم القومي الأصيل إلى نوعين نوع منظوم تتّحد نهاية مصرعيه ويتوحّد عدد إيقاعاته الموسيقية وله أبواب متعددة. وهذا أيضاً يتفرّع إلى «بيت» وهو شعر غنائي تنظم به الملاحم و«كوراني» وهي وحدات شعرية مستقلة ولكلّ(وحدة) شعر منها أو (وحدتين) شعرين معنى كامل قليل في شؤون الحب. وأكثر ما قيل من هذا النوع قد دخل في عداد الفولكلور ولم يعد صاحبه معروفاً. أمّا النوع الثاني فيتفرّع أيضاً إلى فرعين الملاحم البطولية والملاحم الغرامية. ولكلّ عدّة مجموعات من كلّ من الفرعين لحن خاص يغنّى به.
أمّا الشعر العروضي فهو المنظوم حسب مختلف أبواب العروض، وقد شاع استعماله بصورة عامة منذ أواخر عهد الأمراء البابانيين واستعمل لأغراض الدعوة إلى الله وإلى الزهد والمديح وغيرها. ثمّ إلى اليقظة الاجتماعية والنهوض الثوري والمواضيع الجديدة الأخرى.
وقد شاعت مؤخراً مدرسة الشعر الحديث الذي لا يتقيد بالقواعد العروضية التقليدية، ولكنّه يلتقي في الأساس مع النمط القومي الأصيل. وقد أحرز فيه البعض نجاحاً باهراً، وكان منشؤه تقليد المجددين من الشعراء الأتراك. وفي طليعة أولئك الذين طوّروا تكنيك الشعر الكردي المرحومون «بيره ميرد» و«نوري الشيخ صالح» و«عبدالله كوران». وقد بلغ الأخير في إبداعه مستوى جعله في أنظار النقاد خالق الشعر الكردي الحديث. ولو أُتيح لشعره أن يترجم إلى لغات العالم الحيّة لاصبح في عداد مشاهير الشعراء. ومن أبرز من نظموا الشعر على الطريقة القومية الأصيلة «أحمدي خاني» المتوفى في عام 1953م وصاحب ملحمة «مم وزين» الخالدة التي نقلت إلى العربية والفرنسية والروسية والأرمنية.
و«خاناي قبادي» الذي نظم في عام 1154 هجرية مأساة «خسرو وشيرين» في أكثر من خمسة آلاف وخمسمائة بيت و«صيدي هورامي» في القرن السادس عشر و«مصطفى بيساراني» في القرن السابع عشر و«عبد الرحيم مولوي» في القرن التاسع عشر. والثلاثة الأخيرون أصحاب أشعار وجدانية رائعة. كما أنّ من أبرز من نظموا على الطريقة العروضية «كردي» و«سالم» و«محوي» و«حاجي قادر كويي» و«نالي» والشيخ رضا الطالباني» وكثيرين غيرهم. وقد عاش أولئك في سنوات القرن التاسع عشر، وقد طبعت دواوين كثير من هؤلاء وغيرهم. وقد تبوأ العرش الفني لهؤلاء فيما بعد شعراء من أمثال «بيخود» و«زيور» ويرثهما الآن «رمزي معروف» و«أحمد هردي» رغم إقلال الأخير من الشعر.
ويعتبر الحاج قادر الكويي أوّل من حول اتجاه الشعر الكردي من خط سيره الكلاسيكي عملياً، فقد انتقد في شعره بصورة لاذعة قول الشعر في مدح العيون السود والعذار الطويل والقامة الرفيعة والقد الأهيف، أو في الثناء على فلان والترحّم على غيره، وطالب بتسخير الشعر الكردي لخدمة الشعب، وقارن بين أولئك الذين يبنون برج «إيڤل» في باريس ويمخرون عباب البحار والذين يصرفون حياتهم عندنا في شرح أصول الطهارة والمضمضة والاستنشاق، واعتبر من المخزي أن يكون الهدف من حياة المتعلمين عندنا الإسهاب في ذكر كيفية التطهر من البول. ودعا إلى الاكتفاء الذاتي وإلى التسلّح لمجابهة الأخطار والاتعاظ بمجريات التاريخ، وحذر من الانخداع بأقوال الحكّام الأتراك والفرس، وأعاد إلى الذاكرة أمجاد شعبه وبطولاته، ونادى بالتعلّم للرجال والنساء على السواء، كما هاجم بعنف رجال الطرق الصوفية المتزمتين، وتأسف لزوال المدارس العلمية التي كانت تعمّ أرجاء كردستان. وخلاصة القول إنّ الحاج قادر الكويي هو رائد الأدب الكردي الحديث وباعث النهضة الفكرية في كردستان، فلم تتحمّله الرجعية في وطنه فسافر إلى استانبول وهناك التقى بالأمراء البدرخانيين الذين كانوا يعملون لإحياء مجد وطنهم، وتوفي هناك. صحيح أنّ الشاعر «أحمد خاني» تمنّى في شعره أن يرى للأكراد ملكاً متوّجاً كما هو شأن الروم والفرس، وأنّه عاتب في مقدمة «مم وزين» العلماء الأكراد لعدم كتابتهم بلغتهم القومية، وإن «خاناي قبادي» قال في مقدمة «خسرو وشيرين» إنّه نظم تلك المأساة ليطلع عليها أبناء كردستان جميعاً بلغتهم الأم وأثنى فيها على اللغة الكردية، إلاّ أنّ أثر هذين الشاعرين لم يتعد نطاقهما الخاص، كما لم يكونا يواصلان الدعوة لهذه الفكرة المختلجة في نفسيهما. أمّا الحاج قادر فقد كرّس نفسه للكفاح بكلّ ما أوتي من قوّة من أجل ما كان يؤمن به، فجعله ذلك نبراساً للأدباء الأكراد إلى أبد الآبدين.
ومنذ بداية القرن العشرين أخذ الاتجاه الجديد يبرز في الشعر الكردي بصورة واسعة ويفرض نفسه. وقد ساهم الشعر في هذا القرن مساهمة فعّالة في مختلف الأوجه النضالية في حياة الشعب الكردي، فأصبح الطابع الكفاحي سمة بارزة لشعرنا الحديث، ولم يعد الرأي العام يهتم كثيراً بالشعر المجرد عن معاني النضال والسائر على طريقة القدماء. فقد برز شعراء قوميون وآخرون تقدميون، وظهر شعراء يقولون الشعر في المجال الفلاحي للمطالبة بالأرض وفضح الإقطاع. إنّ شعراءنا اليوم على العموم إذ يتغنون بأمجاد شعبهم ويشيدون بها، يربطون مشاكله بمشاكل الشعوب وبالجهة العالمية ضد الاستعمار والاستغلال. لقد عبر الشعر الكردي عن مآسي كوريا والجزائر وجميلتها والكونغو ولومومباها وتغنّى بانتصارات الاتحاد السوڤياتي والصين والڤيتنام وكوبا ودافع عن مختلف قضايا الشعوب وفضح دسائس الإمبرياليين وتجار الحرب الأنكلو ـ أمريكان.
وفي مضمار الشعر الكفاحي يحتل مكانة بارزة كلّ من المرحومين «دلدار» و«بيكس» و«بيره ميرد» و«كوران» والأحياء «ديلان» و«ع.ح.ب.» و«دلزار» و«هزار» و«كامران» وغيرهم. وكان المرحوم «قانع» أحسن الشعراء الشعبيين الأكراد قاطبة، وقد ذاعت دواوينه المطبوعة بين الفلاحين الأكراد وكان لشعره أثر كبير في توعية جماهير الريف سياسياً واجتماعياً. ويتبوأ الآن مكان الصدارة في الشعر الشعبي الكردي الشاعر «عبد الرحمن هزار». وفي مقدمة شعرائنا الشباب الذين يتمتعون بمقدرة شعرية جيدة الشعراء «شيركو بيكس» و«جمال شارباريزي» و«عثمان شارباريزي» و«هوكر كوران» الذين يرتجى لهم مستقبل شعري مشرق.
القصة الكردية
ليست القصة جديدة بكلّ معنى الكلمة في الأدب الكردي. فقد عرف هذا الأدب منذ الأجيال العريقة في القدم القصص الأسطورية التي تقصّها العجائز على الأولاد في الشتاء على ضوء النيران الملتهبة في المواقد البيتية مقروناً بتناول الزبيب ولباب الجوز والفستق برهة من الليل الطويل. وهذه القصص لها شعبيتها في أرجاء كردستان، ويصغي الأولاد بكلّ انتباه للعجائب التي تحكيها الجدّة العجوز عن العفريت الأبيض ورستم زال وعملاق مازندران والجنية الساكنة تحت حجر الرحى وغيرها… وهي كلّها ذات فحوى أخلاقي يندّد بالرذيلة ويشيد بالشهامة والوفاء والمساعدة في وقت الشدّة وما شابه… كما أنّ هناك أقاصيص قصيرة ذات مغزى سياسي أو اجتماعي وهي إذا ما دوّنت تكاد الواحدة منها لا تتجاوز عدّة أسطر. ثمّ إنّ كثرة من القصص الكردية نظمت شعراً وذلك للحماس الذي يخلقه الشعر في نفوس الشباب ولسهولة حفظ الشعر ولأنّ التدوين الكردي القديم كان محصوراً في تدوين الشعر. وهذا النوع يتحدّث إمّا عن الحروب والغزوات أو عن مواضيع الحب والغرام.
وبمرور الزمن وتسرّب معالم الحياة الجديدة إلى كردستان اطلع المثقفون الأكراد على نوع جديد من الأدب ألا وهو القصة والرواية. فكان لا بد من أن تترك هذه المعرفة أثرها… وهكذا نشأت القصة الكردية بمفهومها الحديث. وحسب علمنا فإنّ أوّل قصة كردية من هذا النوع هي قصة «رأيت في الحلم» التي كتبها المرحوم جميل صائب عام 1925م ونشرها تباعاً في جريدتي (زين ـ الحياة) و(زيانه وه ـ الانبعاث). وقد نجح الكاتب في قصته ذات المغزى السياسي وتعتبر كاملة من حيث سبكها وصياغتها وشروطها الفنية. وكتب المرحوم محمد علي كوردي قصة طويلة ونشرها تباعاً في مجلة «دياري ى كوردستان ـ هدية كردستان». وفي عام 1933م نشر المرحوم «بيره ميرد» قصة «فرسان مريوان الإثنا عشر» وهي مأثرة كانت الأفواه تتداولها وموضوعها بطولة اثني عشر فارساً من فرسان البابانيين توجهوا إلى منطقة «مريوان» لصدّ عدوان الجيش الإيراني وانتصروا عليه. وكتبت في هذه الفترة قصص أخرى لم يكتب لها الطبع والنشر لحد الآن، منها قصة «حلم» لزيرو و«على قمة أڤرست» لفائق زيور. كما نشرت مقاطع أدبية ذات طابع قصصي على صفحات الجرائد.
وفي عام 1949م بدأت مجلة «كلاويز» الشهيرة بالصدور واستمرّت تصدر إلى أن عطلت في عام 1950م فكانت تاج المجلات الكردية على الإطلاق لتنوّع مواضيعها وكون كتّابها من مختلف الآراء ورحابة صدرها واتصالها الوثيق بالثقافة التقدمية. وقد نشرت «كلاويز» مجموعة من القصص الناجحة وعلى صفحاتها برز قاصون مجيدون من أمثال شاكر فتاح وإبراهيم أحمد وعلاء الدين السجادي وغيرهم. وفي هذه الفترة بالذات ظهرت ثلاث قصص للمرحوم الأستاذ محمود أحمد بعنوان «زهرة» و«الإنسان في ظل الإقطاع» و«جنة مفقودة» كما نشر شاكر فتاح «قوس قزح» وهي مجموعة قصص اجتماعية. وخلال الخمسينيات ظهرت وجوه جديدة في القصة الكردية أمثال محرم محمد أمين وجمال بابان وحسين عارف ومحمد مم ومصطفى صالح كريم وميديا وآخرين. وقد نشر بعض من هؤلاء كتباً قصصية، وبعضهم الآخر لم يتسن له أن ينشر إلاّ على صفحات المجلات الكردية. كما عني نجم الدين الملا بنشر قصص للأطفال على صفحات جريدة «زين».
وفي السنوات التي أعقبت ثورة تموز برز كلّ من المرحوم معروف البرزنجي وحسن القزلجي قاصين من الطراز الممتاز. وبالرغم من أنّهما لم يتسن لهما أن ينشرا نتاجهما في كتب، فقد تلقف القرّاء قصصهما التي نشراها على صفحات المجلات الكردية بشغف. وقد امتازا بأصالتهما اللغوية واستيعابهما الشروط الفنية للقصة.
ومن جهة أخرى صدرت في عام 1961م قصة طويلة بعنوان «بيشمه ركه ـ الفدائي» للدكتور رحيم القاضي وهو كردي من إيران يسكن الآن آذربيجان السوڤياتية. وقد تأثّر في قصته بالقاصين السوڤيات ويجمع فيها بين الحب والنضال الوطني والطبقي، وتدور أحداث القصة في الفترة التي سبقت ورافقت تأسيس جمهورية كردستان الديموقراطية في مهاباد بإيران. وقد نشرت هذه القصة في العراق واستقبلها الرأي العام الكردي بالاستحسان، فنفدت نسخها في الاسواق خلال مدّة وجيزة.
هذا، وقد صدرت خلال أعوام (1957 ـ1961م) صحف ومجلات كردية ساهمت مساهمة مشكورة في نشر القصص على الأخص وفي تطوير الأدب الكردي بوجه عام.
المسرحية الكردية
وبدرجة أقل من القصة دخلت المسرحية أيضاً الأدب الكردي الحديث. وهنا نوع من الأساس للمسرحية في أدبنا. ففي مواسم الحصاد والعمل في المزارع وبساتين الكروم ورعي الأغنام مثلاً يتبادل الفتيان والفتيات أغانٍ هي عبارة عن محاورات غرامية بين الفتى وفتاته. وقد نشرت في السنوات الأخيرة عدّة مسرحيات منها «الظالم المجرم» لفؤاد عزت و«معذرة» لكمال رؤوف و«المرأة والتعويذة» لكامل زيرو و«عروس يبنى بها» لعبد الرزاق محمد و«عروس في الخيمة السوداء» لأبي بكرهه وري و«ثورة الفن» لفتاح كريم و«زيرين» لأمين ميرزا كريم. وهناك مسرحيات شعرية لكوران وهزار وعبد الرزاق محمد وكامران وزكي هفاري وآخرين.
الترجمة عن الآداب العالمية
أمّا في مضمار الترجمة عن الآداب العالمية، فإضافة إلى القصص والمسرحيات القصيرة المترجمة والمنشورة على صفحات الجرائد والمجلات، ترجم كوران مختارات من القصة القصيرة ونشرها في كتاب، وترجم بيره ميرد «عازف الكمان» عن الألمانية، وترجم مال نبز «العاصفة» لشكسبير و«المعطف» لكوكول، وأبو بكرهه وري ترجم «صلاح الدين ومكائد الحشاشين» لجرجي زيدان، وترجم محرم محمد أمين فصولاً من «ذكريات من بيت الموتى» لدستويفسكي، وترجم محمد علي كوردي «قصة زاديج» لفولتير، وترجم أحمد عزيز علي «شيترا» و«سفينة الأحلام» لطاغور. وترجم آخرون غير ذلك. كما ترجمت اثنتان من مسرحيات يوسف العاني ومسرحيات لموليير وجان بول سارتر وغيرهما. ومعظم هذه التراجم من العربية وليست من لغة المؤلفين الأصلية. وينبغي أن لا يفوت على الأذهان أنّ هناك قصصاً مؤلفة ومترجمة كثيرة لم يكتب لها أن ترى النور بالنظر لفقر أصحابها وعدم وجود دار نشر في كردستان كما سنأتي على ذلك فيما بعد.
الفولكلور الكردي
لا نعني هنا بالفولكلور مفهومه الواسع الذي يشمل المأثورات الشعبية، فغرضنا الحكم والأمثال والقصص والشعر الشعبي. إنّ الأدب الكردي غني بهذا النوع من الأدب، وقد نشرت في مختلف أرجاء كردستان كتب عن هذا الموضوع. ففي إيران نشر الدكتور محمد مكري «الأشعار والأنغام الكردية»، وفي سوريا نشر جميل كفه «حكم وأمثال كردية»، وفي الاتحاد السوڤياتي نشرت كتب عديدة، وفي العراق نشر إسماعيل حقي شاويس أساطير شعبية وعدداً من الألغاز والأحاجي في كتاب خاص، ونظم بيره ميرد قسماً من الحكم الشعبية في رباعيات وكانت تنشر تباعاً على صفحات جريدة «زين» إلى أن عطلت في شباط 1963م. كما نشر بيره ميرد أيضاً مجموعة من القصص الشعبية في كتاب بعنوان «للضحك والتسلية»، ونشر معروف جياووك «ألف مقولة وحكمة» والشيخ محمد الخال «أقوال القدماء»، وجمع كاتب هذه السطور حوالي ألفي مثل شعبي وشرح موارد قسم منها حسب المعلومات المتوفرة، كما ذكر مجال استعمالها. وقد وصفها حسب موقع كلّ مثل من الحياة الاجتماعية عند الاستعمال. ويمكن اعتبار هذه المجموعة دراسة للأمثال الكردية حسب مراحل تطوّر المجتمع الكردي. كما نشرت نقابة المعلمين في أربيل في عام 1961م كتاباً بعنوان «نظرة من باب الفولكلور الكردي». ونشر محمد توفيق وردي عدّة مجاميع للملاحم الفولكلورية والأساطير الشعبية. ونشر علاء الدين السجادي ثلاثة أجزاء من كتابه «عقد اللؤلؤ» ويضم مجموعة كبيرة من النكات والمستظرفات والأقوال المأثورة التي تتداولها الأفواه في مختلف الأوساط الشعبية. وفي عام 1965م أصدر نوري علي أمين كتاباً يضم عدّة أقاصيص فولكلورية أسماه «ذات الجدائل الذهبية والسن اللؤلؤية». وفي هذا العام أصدر صالح رشدي المحامي «قصص وأساطير من الأدب الكردي» باللغة العربية.
الدراسات التاريخية
والنقدية الأدبية واللغوية
وبالنظر لعدم توفّر المصادر المطلوبة وصعوبة الحصول عليها، وعدم اطلاع جمهرة كبيرة من المثقفين الأكراد على لغة شعبهم وأدبه، فإنّ الدراسات التاريخية والنقدية في الأدب الكردي لم تحظ حتّى الآن بالعناية الكافية. غير أنّ الباب لم يعد غير مطروق. فقد نشر المرحوم رفيق حلمي كتابه القيم «الشعر والأدبيات الكردية» في مجلدين خلال عشرين عاماً، ونشر الأستاذان عبد المجيد لطفي وعبد السلام حلمي كتابهما «نظرات في الأدب الكردي»، ونشر الأستاذ علاء الدين السجادي كتابه الضخم «تاريخ الأدب الكردي». ومحاضرات المرحوم عبدالله كوران التي ألقاها على طلبة الفرع الكردي بكلية الآداب بجامعة بغداد حول تاريخ وتطور الأدب الكردي ونقده ذات قيمة كبرى إذا تسنّى لها أن تطبع وتنشر. ونشر عبد الرزاق محمد جملة مقالات تحليلية لبعض القصص والمجاميع الشعرية التي نشرت في أعوام (1958ـ1962م)، ولأدب بعض الشعراء الأكراد. ولكاتب هذه السطور دراسة مطبوعة عن أفكار الشاعر الحاج قادر الكويي من خلال أشعاره. ولكريم شارزا «تاريخ شعراء كويسنجق». ونشر محمد سعيد ناكام دراسة قصيرة عن الشعر الكردي الحديث. ونشر معروف خزندار فصلاً من أطروحته التي قدمها إلى جامعة لينينغراد في الاتحاد السوڤياتي لنيل الدكتوراه في الأدب الكردي وعنوانها «الوزن والقافية في الشعر الكردي». كما نشر الدكتور عز الدين مصطفى رسول ترجمة عربية لأطروحته إلى جامعة باكو عن «الواقعية في الأدب الكردي»، كما نالت الدكتورة نسرين فخري شهادتها من جامعة باكو أيضاً على أطروحتها عن «الفعل في اللغة الكردية». وكتب كامل حسن البصير بحثاً بعنوان «كامران شاعر من كردستان». ونشر حسين عارف مؤلفاً أسماه «كامران والشعر الحديث». وهناك مؤلفات أخرى غير منشورة. وألّف نوري علي أمين عدّة كتب عن قواعد اللغة الكردية والإملاء الكردي. أمّا عن النتاج الأجنبي فقد سمعنا أنّ دراسات عديدة صدرت مؤخراً عن اللغة والأدب الكرديين فيما كان يسمى بالاتحاد السوڤياتي. وفي الأعوام الأخيرة وضعت أستاذة سوڤياتية كتاباً يعتبر الدليل إلى المصادر التي تتحدّث عن مختلف الشؤون الكردية من كتب ومجلات وصحف. وفي الآونة الأخيرة صدر باللغة الإنكليزية كتاب يقع في مجلدين موضوعه اللهجات الكردية. كما أنّ هناك مؤلفات عديدة أخرى لم يتسن لي أن أحصل على معلومات كافية بشأنها.
فن المقالة
ولم يتخلف فن المقالة عن دخول الحلبة. فمع نشوء الصحافة الكردية أخذت المقالات تشق طريقها إلى صفحات الجرائد والمجلات، وتعدد كتّاب المقالات السياسية والاجتماعية وغيرها. وقد برز في هذا المضمار كتاب عديدون عرف بعضهم بأسلوبه التهكمي وآخرون بشعبية التعابير وجماعة ثالثة بسلاسة الأسلوب واقترابه من ذهنية الجماهير. غير أنّ ما يعانيه معظم الكتّاب في هذا المضمار هو تقليد اللغات الأجنبية ومصطلحاتها وعدم استيعاب لغة الشعب بدقة، فالبعض متأثّر بالتعبير الفارسي وغيرهم بالتعبير العربي وغير ذلك. ولذلك فإنّهم بحاجة إلى مزيد من الصلة بالجمهور ليتمكنوا من إعادة صياغة أساليبهم المنبثقة من لغات غير لغتهم لتكون منسجمة وخصائص اللغة الكردية وليفهمها ويتذوقها الناس بدون كبير عناء ومشقة.
وبعد أن استعرضنا حالة الأنواع الأدبية في الأدب الكردي، نودّ أن نبيّن أنّ محور بحثنا هذا في الأساس هو كردستان العراقية بالنظر للأوضاع التي لا تمكننا من الاطلاع على الوضع الثقافي في أجزاء كردستان الأخرى.
المخطوطات الكردية
بالرغم من أنّ المحن والكوارث التي تعرّضت لها كردستان عبر تاريخها الطويل، أدّت إلى ضياع القسم الكبير من تراثها الحضاري، فلا تزال زوايا المساجد ومكتبات رجال الدين ووجهاء القوم تحتوي على قسم كبير من التراث القديم، وجلّه شعر كما أسلفنا. كما أنّ مكتبات أوروبا الكبرى تحتوي على جملة من المخطوطات الكردية القيّمة. وقد نشر الدكتور معروف خزندار عندما كان طالباً في القسم الكردي من معهد الاستشراق لدى أكاديمية العلوم السوڤياتية بجامعة لينينغراد، نشر مقالاً في مجلة «هيوا» الكردية المعطلة عن زيارته إلى المكتبة الإمبراطورية في برلين ضمنه أسماء وأرقام حوالي 25 مخطوطة أدبية وتاريخية كردية وفارسية عن الكرد. كما كتب أنّه علم أنّ في مكتبات لندن وباريس ولينينغراد وموسكو وغيرها عدداً كبيراً آخر من المخطوطات الكردية. ولا ريب أنّ نشر هذه المخطوطات يتوقف في الظرف الراهن على الجهود الفردية التي قد يبذلها هذا أو ذاك بالنظر لعدم وجود مؤسسة أو جهة تتعهد بذلك.
حركة النشر في كردستان
إذا استثنينا الاتحاد السوڤياتي حيث توجد جميع الإمكانيات الضرورية لنشر أي مؤلف بأيّة لغة، وحيث نشرت وتنشر دوماً جملة من المؤلفات الكردية، فإنّ العراق ـ في السابق لا اليوم ـ كان أحسن الأمكنة التي تهيأت فيها الفرص، على ضيقها، للنشر الكردي. فمثلاً في تركيا لم يصدر منذ أن تسلم الكماليون مقاليد الحكم أي مطبوع كردي ـ عدا مجلة أدبية كردية ـ تركية صدرت في عام 1963م، وسرعان ما عطلت ـ على ما نعلم. أمّا إيران فقد نشر فيها دواوين شعرية خلال السنوات الأخيرة. وفي سوريا سبق أن صدرت عدّة مجلات كردية ونشرت عدّة كتب.
أمّا العراق فكان فيه، إلاّ فيما ندر، نشاط فكري كردي قليل او كثير حسب الظروف والأحوال. وبلغ الذروة في عامي 1957 و1958م ولكنّه بدأ يتضاءل من جديد وينقص في كلّ سنة عن سابقتها حتّى نزل إلى الصفر. ونادراً ما يوجد مؤلف كردي حصل على ما صرفه على طبع مؤلفه.
الكتاب الكردي
هذا، وفي الختام نودّ أن نعرض إحصائيات عن الكتاب الكردي زيادة في الاطلاع، وهي مستقاة من الكتاب الذي ألّفه مصطفى نريمان، ونشره في أواسط عام 1960م بعنوان «المكتبة الكردية».
- طبع حتّى نهاية عام 1959م في مختلف أنحاء كردستان وخارجها ـ البلاد التي تدخل كردستان ضمنها ـ حوالي 410 كتب كردية، عدا الكتب المدرسية ـ في العراق ـ.
- 60 بالمائة من المطبوعات الكردية تعتبر في حكم الكراريس لأنّ 40 بالمائة منها لا يتجاوز عدد صفحاتها 50 صفحة. وهناك فقط 15 بالمائة من مجموع المطبوعات الكردية تتجاوز صفحاتها المائتين.
- ضيق ذات اليد في المجتمع الكردي له أثر كبير في صغر حجم الكتاب الكردي، حيث روعي أن تكون الأسعار منخفضة قدر الإمكان تسهيلاً للمؤلف والمشتري.
- أوّل مطبعة تأسّست في كردستان كانت مطبعة «زاري كرمانجي ـ اللسان الكرمنجي ـ» وقد أنشئت في رواندوز، وتلتها مطبعة البلدية في السليمانية.
- أوّل كتاب كردي طبع كان ديوان أشعار مولانا خالد النقشبندي بالكردية والفارسية، وقد طبع في استانبول عام 1844 ميلادية.
- 50 بالمائة من المطبوعات الكردية شعر.
- 35 بالمائة من المطبوعات الكردية أدب ودين، و12 بالمائة منها تاريخ، و9 بالمائة منها لغة. والبقية في مواضيع أخرى.
- تفتقر المكتبة الكردية إلى الدراسات الأدبية والتاريخية والنقدية والكتب العلمية وكتب الأطفال. وحركة الترجمة ضعيفة.
- طبعة ملحمة «مم وزين» ست مرّات: في استانبول عام 1917م وفي السليمانية عام 1934م وفي يريفان وحلب وأربيل ودمشق. كما طبعت قصة المولد النبوي ست مرّات أيضاً.
عدد من المؤلفين الأكراد حاولوا مراراً نشر سلسلة كتب، غير أنّ السلسلة سرعان ما كانت تنقطع كلّ مرّة.
وممّا يجدر ذكره أنّ تحسّناً لم يطرأ على الموقف خلال السنوات التي أعقبت صدور كتاب الأستاذ نريمان، بل إنّ حركة النشر الكردي كانت تعود خلال هذه المدّة القهقرى، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق. فخلال الفترة التي أعقبت شباط 1963 وحتّى عام 1964م لم يصدر أي كتاب كردي أو مجلة أو جريدة كردية على الإطلاق. وفي عام 1964م أُعيد طبع كتاب قديم كما أسلفنا القول. ومنذ عام 1965م أخذت الحياة تعود إلى حركة النشر الكردية من جديد بصدور كتب شعرية وقصصة صغيرة.
أوّل جريدة باللغة الكردية([327]*)
في 21 نيسان (أبريل) 1898 صدر في القاهرة العدد الأوّل من جريدة «كردستان» باللغة الكردية على يد رئيس تحريرها ومالكها مقداد بدرخان. كانت عائلة بدرخان من الأمراء الأكراد الذين حكموا إمارة بوتان (جزيرة ابن عمر) ردحاً طويلاً من الزمن. وكان الجد الكبير للعائلة بدرخان باشا استقل بإمارته في بوتان ووقف في وجه السلطنة العثمانية ووسّع دائرة حكمه إلى حدود الموصل وأورمية وضرب النقود باسمه. ومن جراء ذلك عمد الجيش العثماني إلى تجريد حملة عسكرية كبيرة على الإمارة الكردية العاصية وقضت عليها وأخضعتها للسلطنة ونفت العائلة البدرخانية إلى خارج كردستان، وقد استقر عدد كبير من البدرخانيين في سورية ولبنان ومصر.
ينتمي مقداد بدرخان، إذاً، إلى فروع العائلة التي نزحت إلى القاهرة واستقرّت فيها. وفي القاهرة سعى البدرخانيون إلى جمع الأكراد حولهم ودفعهم إلى التمسّك بروحهم القومية والتشبّث بالمطالب الكردية القاضية في حصول الأكراد على حكم ذاتي داخل الإمبراطورية العثمانية. ورأى مقداد بدرخان أنّ تأسيس جريدة باللغة الكردية تخاطب المثقفين والقرّاء والأكراد سوف يمثل خطوة أولى ومهمة في درب تشكيل وعي قومي موحد. سعى إلى أن تكون جريدته مستقلة وعامة لا تفرّق بين جماعات الأكراد وتنظيماتهم المختلفة. وكانت الجريدة توزّع على الأكراد في المهجر وكذلك ترسل إلى كردستان عبر سورية. كما أنّها استقطبت اهتمام الأوروبيين المستشرقين المتتبعين للغة الكردية وآدابها.
كان الهاجس الأوّل لصاحب الجريدة يقوم في تثقيف الأكراد وتنويرهم وربطهم بأفكار الحرية والاستقلال القومي واطلاعهم على تطوّر العلوم والفنون في العالم وإلقاء الأضواء على الأحداث العالمية والكشوفات العلمية فضلاً عن محاولة شرح مبادئ الدين الإسلامي القائمة على المساواة والتسامح والحرية وتنبذ الظلم والاستعباد والإكراه. ولهذا فقد كان المحرر يدعم كلّ فكرة يوردها في الجريدة بآية قرآنية. وكان بدرخان يرى أنّ خلاص الأكراد لا يكون إلاّ بأيديهم ومن خلال تفهّم السلطنة لذلك وبعيداً عن تدخل القوى الأوروبية والبعثات التبشرية.
كان العلم والتنوير غايتين أساسيتين في نظر مقداد بدرخان، وقد كتب في ملحق العدد الأوّل باللغة الفرنسية ما يلي: «أصدر هذه الجريدة وقد وضعت نصب عيني هدف ترسيخ الاهتمام والحب في نفوس أبناء قومي إزاء التعليم، وكذلك لأمنح الشعب فرصة التعرّف على حضارة العصر وتقدّمه وكذلك على أدبه. إنّني وأنا في مصر أريد أن أرى الأمن والنظام مستتبين في كردستان، ولا أبغي من صدور هذه الجريدة، ولو من بعيد، سوى خدمة شعبي وسعادته ورفع المستوى الثقافي لبني قومي».
لم تكن الجريدة كبيرة الحجم، فقد كان عدد صفحاتها أربعاً. وكان يصدر منها ألف نسخة وقد طبعت الأعداد الثلاثة الأولى في مطابع الهلال. ثمّ بعد ذلك بدأت تصدر الجريدة مذيلة بهذه العبارة: تصدر في مصر وتطبع في مطبعة جريدة «كردستان»، لقيت الجريدة صدى كبيراً واهتماماً واسعاً لدى جمهرة الأكراد.وانشغل بها كثيراً المثقفون الأكراد وكذلك المنفيون في لبنان ومصر. وكانت ترد إلى الجريدة رسائل كثيرة تعبر عن فرحة أصحابها بصدور الجريدة وسرورهم لمحتواها وتقديرهم لرئيس تحريرها، فقد كتب أحد الأكراد القاطنين في دمشق في رسالة نشرت في العدد الثالث ما يلي: «لقد اشتريت الجريدة وجمعت الأكراد حولي كي نقرأها سويةً، وحين علموا أنّها تدعى «كردستان» وأنّ أميرهم يقوم على إصدارها، لم تسعهم الدنيا من الغبطة والفرح، فرفعوها فوق رؤوسهم تقديراً. وإذ فهموا فحواها وهزتهم كلمات محتواها فقد وعدوا بعضهم بعضاً بالتعاون والتعاضد وتعليم أطفالهم مهناً فنية».
وكان القرّاء يطلبون من المحرر التعمّق أكثر في شؤون الأكراد في الإمبراطورية العثمانية والتركيز على الظروف الصعبة والأوضاع القاسية التي يعيشها الأكراد، ولفت الأنظار إلى المعاملة اللاإنسانية التي يلقاها السكان المحرومون الأكراد في أماكنهم القصية والنائية.
ومع هذا فقد دأب مقداد بدرخان على انتهاج خط سياسي معتدل مع السلطنة واستنكف عن الهجوم عليها والنيل منها والتجريح بها. وهو سعى إلى التقرّب من السلطان ومحاولة إثارة انتباهه إلى حال الأكراد عسى أن يلتفت إليهم ويكترث بهم ويلبي مطامحهم دونما حاجة إلى إثارة القلاقل وبث الضغينة والكره ونشر التفرقة والفوضى. ورغم تعرّض الجريدة إلى الملاحقة ونيل الموزعين لاعدادها في كردستان صنوف التنكيل والضرب على أيدي الموظفين العثمانيين ورجال الشرطة فقد أصرّ مقداد بدرخان على اعتبار ذلك ضرباً من ضروب فساد البيروقراطية العثمانية وحاشية السلطان دون أن يكون للسلطان يد في ذلك. وقد كتب رسالة مفتوحة إلى السلطان ذكر فيها إخلاصه وثقته في تعاطف السلطان مع الشعب الكردي.
أصدر مقداد بدرخان الخمسة أعداد الأولى من «كردستان» في القاهرة، ثمّ خلفه في إدارة شؤون الجريدة أخوه عبد الرحمن بدرخان فانتقل بها من القاهرة إلى جنيڤ. وكان عبد الرحمن، قبل نزوحه إلى أوروبا، مديراً في وزارة الثقافة باسطنبول. وقد اتخذ موقفاً أكثر صلابة من السلطان والتحق بالجماعات المعارضة له ولا سيما من أنصار «تركيا الفتاة»، حيث انضم عبد الرحمن إلى الجناح اللامركزي فيها.
وكان عبد الرحمن يحظى بشهرة كبيرة في صفوف المستشرقين الأوروبيين وقدم لها مساعدات كبيرة في ما يخصّ شؤون الأكراد واللغة الكردية.
ورأى عبد الرحمن أنّ سبب تخلّف الأكراد وجهلهم إنما يرجع إلى اضطهاد السلطنة العثمانية لهم وجباية الأموال منهم من دون الاهتمام بحالهم والسعي لتطوير أوضاعهم. وقد كتب في العدد السابع من المجلة افتتاحية دعا فيها الأكراد إلى الاستيقاظ والانصراف إلى العلم والمعرفة: «إذا كانت السلطات المحلية ستعرقل جهودكم لفتح المدارس فاكتبوا للسلطان عن ذلك، وإذا لم يسعفكم ذلك فاكتبوا لي وسوف أحيط السلطان علماً، وإذا لم يدر السلطان لكم آذاناً صاغية فأشهروا سيوفكم. ولا بدّ لكم، من أجل الوصول إلى غاياتكم، من الوحدة فإن لم تتّحدوا لن تنالوا شيئاً». ثمّ بدأت الجريدة شيئاً فشيئاً توجّه سهامها إلى السلطان نفسه من دون الدعوة إلى إسقاط السلطنة نفسها. وشرع عبد الرحمن بدرخان يدعو في افتتاحياته ضرورة رحيل السلطان عبد الحميد وقيام «سلطان عادل مؤمن جديد يكون تقياً ورعاً لخلفاء الإسلام الأوائل». وتعرّضت الجريدة إلى السياسة الداخلية للإمبراطورية العثمانية وكشفت عن أحوال الناس وانتقدت النظام الإداري الفاسد والجهاز البيروقراطي البطيء وسلّطت الأضواء على حالات الاختلاس والرشوة وشراء الذمم في أجهزة الدولة العثمانية. ورأت الجريدة أنّ السلطان لا يعنى سوى بالسجون والجندرمة والمحاكم من دون اهتمام بالمصانع والمزارع والثقافة والعمران.
ودأبت جريدة «كردستان» على الدعوة إلى الأفكار القومية الكردية ولكن مقرونة بالدعوة إلى الحفاظ على الإمبراطورية وعدم تجزئة أراضيها. وهي طرحت مسألة الحياة الدستورية ورأت فيها منقذاً للناس وتخليصاً لهم من التعسّف والمظالم.
وكرّست الجريدة صفحات طويلة وفي أعداد كثيرة للدفاع عن الأرض ورفع الصوت ضد تعرّضهم للتنكيل والقتل على يد جهات متعصبة في الدولة. وكتبت افتتاحية العدد الرابع عشر أنّه في الوقت الذي «تفتتح المدارس في كلّ مكان من المعالم وتنهمك الشعوب في العمل والإبداع وتنشغل بوسائل التطور فإنّ السلطان لا يفعل سوى تحريض الأكراد على الأرمن. إنّه يسعى لإبقائنا في متاهات التخلّف إلى الأبد وزرع الكراهية في نفوسنا تجاه الأرمن».
ولم تقتصر الجريدة على المواضيع السياسية والقومية ولم تكتف بالدعاية والتحريض والبحث السياسي، بل خصّصت مكاناً واسعاً للآداب الكردية. وقد نشرت، منذ العدد الثاني، ملحمة «مم وزين» الكردية التي استحوذت على اهتمام القرّاء الأكراد وغير الأكراد وكذلك المستشرقين الأوروبيين، واستقطبت الجريدة الأقلام الأدبية وألقت الضوء على الشعراء الأكراد الكلاسيكيين مثل حمد خاني وملاي جزيري. كما أنّها نشرت مقتطفات كبيرة من الكتاب التاريخي الكردي «شرف نامه».
استمرّ صدور الجريدة حتّى شباط (فبراير) 1902 وصدر منها واحد وثلاثون عدداً، وقد تعدل مكان صدورها أكثر من مرّة بعد انتقالها من القاهرة، فصدرت في كلّ من جنيڤ ولندن وفولكستوف، ومن جديد جنيڤ فالقاهرة.
وتوجد مجموعة أعداد المجلة مجلدة في مكتبة هامبورغ في ألمانيا.
لقد وضع مقداد مدحت بدرخان باشا الحجر الأساس الأوّل في الصحافة الكردية وكانت جريدة «كردستان» ذلك الحجر.
نزار أغري
كردي شيعي شاعر باللغة العربية
هو أبو عبد الله الحسين بن داود البشنوي.
توفي سنة 370 هجرية.
والبشنوي بالباء الموحدة المكسورة والشين المعجمة الساكنة والنون المفتوحة والواو نسبة إلى الطائفة الكردية المعروفة بالبشنوية أصحاب قلعة الفنك بنواحي ديار بكر.
كان من أمراء الأكراد البشنوية أصحاب قلعة الفنك بنواحي ديار بكر وكان شاعراً مجيداً مكثراً وأورد ابن شهراشوب في المناقب مقتطعات كثيرة من شعره في أهل البيت وأورد له غيره أيضاً وذكره ابن شهراشوب في معالم العلماء في شعراء أهل البيت المجاهرين ولا بد أن يكون له أشعار كثيرة في جميع مناحي الشعر لكنّه لم يصل إلينا شيء منها في غير أهل البيت سوى الأبيات الثلاثة الآتية التي ذكرها ابن الأثير.
قال ابن الأثير في حوادث سنة 380 إنّ أبا طاهر إبراهيم وأبا عبدالله الحسين ابني ناصر الدولة ابن حمدان لما ملكا بلاد الموصل طمع فيها باذ الكردي وجمع الأكراد فأكثر وممّن أطاعه الأكراد البشنوية أصحاب قلعة فنك فقتل باذ وكان أبو علي بن مروان ابن أخت باذ فملك بعده جميع ما كان لخاله من البلاد وذلك ابتداء دولة بني مروان الذين ملكوا بعد البشنوية ففي ذلك يقول الحسين البشنوي الشاعر لبني مروان يعقد عليهم بنجدتهم خاله باذ من قصيدة:
البشنوية أنصار لدولتكم
وليس في ذا خفا في العجم والعرب
أنصار باذ بأرجيش وشيعته
بظاهر الموصل الحدباء في العطب
بباجلايا جلونا عنه غمته
ونحن في الروع جلاؤون للكرب
وما ذكره ابن شهراشوب في المناقب من شعره:
يا صارف النص جهلاً عن أبي حسن
باب المدينة عن ذي الجهل مقفول
وقوله:
مدينة العلم ما عن بابها عوض
لطالب العلم إذ ذو العلم مسؤول
وقوله:
وكيف تحرقني نار الجحيم إذا
كان القسيم لها مولاي ذا الحسب
وقوله:
ولست أبالي بأي البلاد
قضى الله نحبي إذا ما قضاه
ولا أين خط إذا مضجعي
ولا من جفاه ولا من قلاه
إذا كنت أشهد أن لا إله
سوى الله والحق فيما قضاه
وأنّ محمّد المصطفى
نبي وأنّ علياً أخاه
وفاطمة الطهر بنت الرسول
رسول هدانا إلى ما هداه
وابناهما فهما سادتي
فطوبى لعبد هما سيداه
وقوله:
التالي التنزيل غضا هكذا
قال النبي الطهر ذو الإرسال
وقوله:
يوم الغدير لذي الولاية عيد
ولدى النواصب فضله مجحود
وقوله:
لقد شهدوا عيد الغدير وأسمعوا
مقال رسول الله من غير كتمان
ألست بكم أولى من الناس كلّهم
فقالوا بلى يا أفضل الإنس والجان
فقام خطيباً بين أعواد منبر
ونادى بأعلى الصوت جهراً بإعلان
وشال بعضديه وقال وقد صغى
إلى القول أقصى القوم بالحفل والداني
علي أخي لا فرق بيني وبينه
كهارون من موسى الكليم بن عمران
ووارث علمي والخليفة في غد
على أمتي بعدي إذ رثّ جثماني
فيا رب من والى علياً فواله
وعاد معاديه ولا تنصر الشاني
وقوله:
يا ناصبي بكل جهدك فاجهد
إنّي علقت بحب آل محمد
الطيبين الطاهرين ذوي الهدى
طابوا وطاب وليهم في المولد
واليتهم وبرئت من أعدائهم
فاقلل ملامك لا أبا لك أو زد
فهم أمان كالنجوم وأنّهم
سفن النجاة من الحديث المسند
وقوله:
أأترك مشهور الحديث وصدقه
غداة بخم قام أحمد خطابا
ألست بكم أولى ومثلي وليكم
علي فوالوه وقد قلت واجبا
أتيتك ربي بالهدى متمسكاً
باثني عشر بعد النبي مراتبا
أأبغي عن البيت المطهر أهله
بيوت قريش للدنانير طالبا
وقوله:
سليل أئمة سلكوا كراما
على منهاج جدّهم الرسول
إذا ما مشكل أعيا علينا
أتونا بالبيان وبالدليل
وأورد له محمد بن علي بن حسن الجباعي في مجموعته قوله:
حبي لآل المصطفى فرض
وجزاء من عادهم بغض
فعلائق الإيمان أوثقها
الحب في الرحمن والبغض
إن كان هذا الرفض عندكم
فيما ترون فديني الرفض
قدمتموا قوماً برأيكم
ولهاشم الإبرام والنقض
يا أمّة ضلّت ببدعتها
أتكون فوق سمائها الأرض
الأكراد
ـ2ـ
الأكراد بصفتهم أمّة وقضية لها خصائصها وهويتها، مجهولون حتّى لدى أقرب الناس إليهم، دِيناً، أو هَمّاً، أو موطناً. ولكي لا نضيع في متاهات الألفاظ وعمومياتها نحاول هنا توضيح الأكراد تأريخاً وجذوراً، ثمّ معرفة جغرافية المنطقة الكردية المعروفة اليوم باسم (كردستان). كمدخل يخوّلنا الحديث عن الأكراد ـ أكراد العراق خاصّة ـ كأقليّة في العراق اسْتُغِلَّ وضعها وحرمانها من قِبَل العثمانيين مرّة، والروس مرّة أُخرى، وبريطانيا وأميركا مرّة ثالثة ورابعة، فأُخضِعَت (كردستان) المنطقة وأبناؤها، لمحاولات التوظيف من قبل تلكم الجهات، فيما لم يجنِ الأكراد بعد محاولات التوظيف تلك إلاّ مزيداً من التخلّف والحرمان والاضطراب، إن على صعيد الفرد الكردي، أو على صعيد المنطقة التي اقترنت باسمه وبهويته، وبالتالي صار يُنظر إليهم وكأنّهم عنصر اضطراب لا يساعد على الاستقرار السياسي لجيرانهم.
منشأ الأكراد وتاريخهم
يكاد يتّفق أكثر الباحثين الذين تناولوا موضوع تاريخ الأكراد وجذورهم، على أنّ ذلك التاريخ يحيطه الغموض في أكثر جوانبه، وترتب على ذلك افتقار معظم مكتبات العالم إلى تواريخ واضحة نهائية عن الأكراد.
ووسط ذلك الغموض، نحاول أن نفتح نافذة ـ ولو كانت ضيّقة ـ علّها تنير وتضيء… فنحاول أوّلاً عرض بعض ما جاء من أقوال متضاربة عن أصل الأكراد:
1 ـ يقول د. هـ. فلورانس في كتابه الأجناس:
«… ومن الصعب الرجوع إلى قبائل الأكراد، ولكن تذكر المخطوطات القديمة، أنّ هناك شعباً يُدعى (غوتو Guto) أو (غوتي Guty). وأصبح بعد ذلك (كرتي Gyrtti) أو (كوتو Guto)، وذلك قبل ألفي سنة من الميلاد، ويمكن الرجوع بأصل بعض القبائل إلى القرن السادس، وكانت حينها لا تختلف عن حياة الأكراد اليوم»([328]). وشعب (كوتو Guto) «هم الأقوام الذين عاشوا في مملكة (كويتام Gutium) الواقعة على الضفة الشرقية من نهر دجلة بين الزاب الصغير ونهر ديالى»([329]).
2 ـ هناك من يرى أنّ أصل الأكراد يعود إلى ما قبل سنة (400 أربعمائة)، قبل الميلاد، إذ تحدّث المؤرخ الإغريقي «كزينوفون» «عن شعب يقطن منطقة كردستان ويدعى (الكردوخيين)، ثمّ قيل إنّ الكردوخيين هم أجداد الأكراد»([330]). بينما يرى آخرون أنّ أجداد الأكراد (الكردوخ) إنّما عاشوا في كردستان منذ (2700) ألفين وسبعمائة سنة([331]).
3 ـ إنّ الأكراد إنّما يعودون بأصلهم إلى (الكرتيين Kyrtii) «وهم قوم كانوا يعيشون أصلاً في المنطقة الجبلية في غربي بحيرة (وان WAN)، وقد تطوّرت كلمة (كورتو Qurtu) أو (كاردو Kardu) أوّلاً، ثمّ تطوّرت إلى كلمة (كرت Kurt)، وهي كلمة أصلية وليست صفة لهذا الشعب، كما هو كلمة (كرد) الفارسية التي تعني الشجاع»([332]).
4 ـ إنّ الأكراد من أصل عربي، وهذا الرأي يذهب إليه بعض المؤرخين العرب كالمسعودي، وكذلك بعض الأكراد، «ويرجعون أصلهم إلى ربيعة بن نزار بن معد، أو إلى مضر بن نزار بن معاد، وهي قبيلة كانت تقطن ديار ربيعة (الموصل)، أو ديار مضر (الرقّة). ويزعم هؤلاء المؤرخون أنّ الأكراد كانوا قد انفصلوا عن قبيلتهم لخلاف حدث فيما بينهم فهاجروا إلى الجبال، واختلطوا بعناصر أُخرى فنسوا لغتهم»([333]).
5 ـ «إنّ الأكراد من الآريين، وإنّ هؤلاء الآريين قدموا إلى هذه الجبال في عهد ما قبل التاريخ، واندمج سكانها الأصليون فيهم بفعل الزمان والحضارة»([334]).
6 ـ إنّ الأكراد يعودون بأصولهم إلى أحد الأقوام الهندية ـ الإيرانية ـ وهو ما ذهب إليه المؤرخ (سيدني سميث Sidny Smith)([335]). «ويستند سميث Smith» في قوله هذا إلى أنّ النقوش الآشورية التي يرجع تاريخها إلى ما قبل (650) ستمائة وخمسين سنة قبل الميلاد، لا تذكر شيئاً عن الأكراد»([336]).
هذا مجمل ما قيل عن أصل الأكراد، ومثل هذا التضارب في أصل الأكراد، يكشف عن غموض حقيقي يكتنف أصل تلك الأمّة. ومثل ذلك التضارب يضع الباحث إزاء موقف حذر في اعتماد هذا الرأي أو ذاك. بيد أنّنا ـ والموضوعيّة هنا تقتضينا العودة لأصحاب القضية ـ نحاول قراءة ما كتبه الأكراد أنفسهم.
يقول الكاتب الكردي السوري صلاح بدر الدين:
«إنّ الأكراد ينحدرون من السلالة الهندو ـ أوروبية، وهم شعب قديم كتب عنه لأوّل مرّة المؤرّخ كزينفون عام (400) أربعمائة قبل الميلاد في مؤلَّفه الشهير «أناباس»، وقد سمّاه في حينه «الكردوخي». ويروي التاريخ بأنّ الأكراد هم أحفاد «الميديين» الذين قاموا بغزو مدينة نينوى عام 612 ستمائة واثني عشر (قبل الميلاد). وقد عرف الأكراد باسمهم هذا، وموطنهم باسم «كردستان» منذ القرن السابع الميلادي»([337]).
ويتضح ما في كلام بدر الدين من اضطراب، فقد نقل رأيين، دون أن يجزم بأحدهما، فيعتمده ويؤيده.
أمّا الكاتب الكردي الآخر، جلادت بدر خان أحمد أبرز مؤسسي (جمعية خويبون الكردية الوطنية)، فقد نشر كتاباً جاء فيه على ذكر تاريخ الأكراد، بعد أن ذيّل كتابه باسم مستعار، وهو د. بله ج. شيركَوه، فيقول: «كانت المعلومات التاريخية التي ذكرها المؤرخ اليوناني (كزينفون) في كتابه عن تقهقر العشرة آلاف يوناني سنة 401 أربعمائة وواحد ـ قبل الميلاد ـ من بلاد العجم إلى الشمال متضافرة على أنّ الكرد من أحفاد (الكاردوكيين) الذين اعترضوا سبيلهم وقاوموهم أشدّ مقاومة، واستمرّ هذا القول سائداً إلى ما قبل نصف قرن، غير أن تقدّم المباحث التاريخية والحفريات في السنين الأخيرة قد أظهر أقوالاً أخرى عن منشأ الأكراد وأثبت أنّهم أقدم من اليونانيين بزمن طويل. فمن ذلك أنّه في فجر التاريخ كان يسكن الجبال المشرفة على سورية أمّة تُدعى (Gutu) وجوتو معناها المُحارب، إذ تُرجمت إلى اللغة الآشورية بـ (Gardou) وقد استعمل «إسترابون» هذا التعبير نفسه لتوضيح اسم «كارداك» الوارد في خريطته التي عملها سنة 60 ستين قبل الميلاد، وكان هؤلاء (الجوتو) على جانب عظيم من المدنيّة، إذ وجدوا لهم مجالاً كبيراً لنشر حضارتهم بين الأمم المعاصرة لهم كالعيلاميين والحثيين والبابليين بالخط المسماري»([338]).
وبعد هذا يُثبت هذا الكاتب أنّ «مباحث عِلْمَي الأنثروبولوجيا والأثنولوجيا أثبتت بالأدلة العلمية القاطعة: أنّ الكرد من الآريين، وأنّ هؤلاء الآريين قدموا إلى هذه الجبال في عهد ما قبل التاريخ، واندمج سكانها الأصليون فيهم بفعل الزمان والحضارة التي أحدثوها بها»([339]).
ويبدو أنّ القول بعودة الأكراد إلى أصول آريّة هو ما يقرّه الكثير من المؤرخين([340])، كما ويميل معظم الباحثين إلى تصديق أنّ كلمة (كرد) قد تطوّرت من اللفظ الآشوري لكلمة (كوتو Guto) على النحو الذي وصفه به الآشوريّون في سجلاتهم، حيث ذكروا المناطق الحالية لكردستان([341]).
كردستان جغرافياً
تتألّف كردستان من منطقة سهلية وجبلية، تتقاسمها تركيا وإيران والعراق مع مستعمرات في القوقاس ومنحدرات جبل آرارات في أرمينيا السوڤيتية، هذا ما يقوله د. هـ. فلورانس عن كردستان في كتابه: الأجناس([342]).
وتُقَدَّر مساحة (كردستان) من حيث طولها بحوالي 900 تسعمائة كيلومتر تقريباً. ويتراوح عرضها بين (100ـ200) كيلومتر، وهو قُطر جبلي يقع بين الدرجة 24ْ و39ْ عرضاً وبين الدرجة 37ْـ46ْ طولاً([343]). وبهذا فإنّ مساحة كردستان تُقَدَّر في حدود «500 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ طولها من الشمال إلى الجنوب (1000) كيلومتر([344]).
وعن كردستان العراق نقول:
في التقسيم الإداري للعراق، يُطلق على منطقة كردستان العراق: المنطقة الشمالية «والتي تشمل محافظات: الموصل، والسليمانية، وأربيل، وكركوك، وانضمّت في عام (1389هـ ـ 1969م) محافظة (دهوك) إلى المنطقة»([345])، بعد أن كانت (دهوك) قضاءً تابعاً لمحافظة الموصل.
وضمن التقسيم الإداري للعراق هناك ـ بالإضافة للمنطقة الشمالية ـ منطقة الجنوب التي تشمل محافظات: العمارة (ميسان) والبصرة والناصرية (ذي قار)، ومنطقة الوسط التي تشمل بغداد، وكربلاء والنجف وغيرها.
وإذا ما عرفنا أنّ «مساحة العراق الإقليمية تبلغ (924) ألف كم2»([346])، فإنّ مساحة المنطقة الكردية تشكّل نسبة (11,5) بالمائة من مجموع مساحة العراق العامّة([347]).
تحدّ منطقة كردستان ـ العراق شمالاً وشرقاً إيران، وشمالاً تركيا، وغرباً سوريا «وهي من أغنى المناطق العراقية من حيث وجود النفط، والثروة الزراعية، والمعدنية، والمياه الجوفية والأنهار»([348]).
الأكراد
ـ3ـ
يعتبر الشعب الكردي من أقدم الشعوب التي سكنت الشرق الأوسط، فمنذ آلاف السنين يعيش الكرد في سهول بلادهم وجبالها، التي تقع في ملتقى الحضارات القديمة، والتي أصبحت بفضل ثرواتها الغزيرة وموقعها الاستراتيجي، مركزاً للنزاعات والغزوات المتواصلة ومصدراً لمطامح الإمبراطوريات التي ظهرت خلال الفترات التاريخية المتعاقبة.
ونتيجة الظروف الموضوعية التي مرّت على كردستان وطبيعتها الجغرافية، بالإضافة إلى سيادة الحياة الرعوية والزراعية البدائية المعتمدة على منابع المياه الصغيرة، تكوّنت تجمّعات قبلية، وإمارات منعزلة، لعبت دوراً ملموساً في تكريس التجزئة التي مكّنت الأعداء من استغلال الوضع لصالحهم، الأمر الذي جلب الويلات والكوارث وجعل من كردستان ساحات قتل دموية بين الجهات الغازية. وأبرز مثال على ما ذكرنا، كان الصراع المتواصل بين الصفويين (الإيرانيين) والعثمانيين (الأتراك) للسيطرة على كردستان، الذي وصل ذروته عام 1514م في معركة (جالديران)، التي تمّ على أثرها تقسيم كردستان للمرّة الأولى بين الدولتين المذكورتين. ورغم تعقيد تلك الظروف الذاتية والموضوعية المذكورة، فإنّ جماهير الكرد كافحت من أجل الحفاظ على وجودها والدفاع عن كردستان. فالتاريخ القديم والحديث للشعب الكردي حافل بالعديد من الانتفاضات والحركات القومية والدينية، والتي قدم فيها مئات الألوف من أبناء الشعب حياتهم في سبيلها.
وفي سياق تلك الثورات والانتفاضات والحركات الاحتجاجية، شرعت العناصر الأساسية التي تتكوّن منها التجمّعات الموجودة في كردستان، بالانصهار في بوتقة واحدة من جرّاء النمو التدريجي للعلاقات الداخلية وتوسّع التجارة والإنتاج الزراعي. وتحت تأثيرات الارتباط بالسوق الدولية، وبروز حركات التحرّر والاستقلال في المنطقة، ظهرت القومية الكردية بشكله الجديد، كظاهرة اجتماعية ـ تاريخية في الربع الأخيرة من القرن الماضي.
ربّما كان مناسباً، أن يتم التطرّق ولو بشكل سريع للماضي القريب لجهاد الشعب الكردي ووقوفه ضد حملات الإبادة والقهر والتشريد لأكثر من قرن ونيف على يد العثمانيين والكماليين والحكومات القاجارية والبهلوية وروسيا القيصرية والستالينية والقوات البريطانية والفرنسية والحكومات العراقية المتعاقبة وآخرها نظام صدام.
وأبرز الثورات والانتفاضات والأحداث المهمة هي:
ثورة الشيخ عبيدالله النهري القومية التحررية 1880م. أوّل ثورة كردية ضد حاكم القاجار وحملت مطالب قومية محددة. ونادى الشيخ النهري في مؤتمر قومي موسّع، بتوحيد كافة مناطق كردستان. وكان الشيخ يتمتع بنفوذ ديني ودنيوي كبيرين بين الأكراد، سحقت الثورة بعنف ونفي الشيخ إلى مكة مع أسرته حيث وافاه الأجل في تشرين الأول (أكتوبر) 1888م.
ثورة بدرخان ـ (1842ـ1843م). طالبت الثورة بتحرير كردستان من الدولتين العثمانية (التركية) والقاجارية (الإيرانية) وتشكيل دولة مستقلة في المناطق الكردية. ولعب رجال الدين المسلمين دوراً مهماً في تلك الثورة.
ثورة هكاري وبوتان ـ (1853ـ1856م) ـ بقيادة القائد يزدان شير الذي حرّر منطقتي هكاري وبوتان. تمّ قمع تلك الثورة بمساعدة القوات الروسية (القيصرية) التي هيمنت على المنطقة في تلك الحقبة من الزمن.
انتفاضة ديرسيم ـ (1877ـ1878م) ـ قاد الانتفاضة عدد من رجال الدين المسلمين الذين شعروا بالظلم والقهر، الواقع على الشعب الكردي.
حركة بدليس ـ (1912م) ـ بقيادة الشيخ سليم والشيخ شهاب الدين النقشبندي. وكانت جمعية (هيفي ـ الأمل) التي تأسّست عام 1910م في اسطنبول من الكرد المتنورين والضباط، بمثابة الجهة الموجهة لتلك الحركة الثورية، التي قمعت بقسوة بالغة بعد فترة قصيرة. ويذكر أنّه كان للكرد أيضاً دورهم في إحداث الثورة الدستورية الإيرانية (1905ـ1911م). فإنّ الجماهير الكردية وقفت في أكثريتها الساحقة إلى جانب الثورة التي استهدفت النظام القاجاري المستبد، وتمّ تأسيس عدد من «لجان الثورة» في المدن الكردية كرمنشاه، مهاباد، سنندرج، سقز، بوكان وغيرها. وبعد إخماد حركة بدليس، أعدم الثائر الشيخ عبد السلام البارزاني ورفاقه وعدد كبير من أبناء كردستان الذين ساهموا بحماس في الحركة تلك.
ولعبت الصحف والمجلات (يوم الكرد)، (هتافا كرد ـ شمس الكرد) (زين ـ الحياة) والجمعيات (جمعية أزادي كردستان ـ جمعية تحرير كردستان) و(جمعية جهانداني ـ جمعية معرفة العالم) دوراً فاعلاً في دعم الحركة والدفاع عن الحقوق القومية الكردية وتبني شعارات الحكم الذاتي والاستقلال. وكانت تلك الصحف والمجلات والجمعيات الاجتماعية ـ السياسية، تدار من قبل الأكراد المتعلمين الذين أنهوا دراساتهم في معاهد وجامعات باريس والقاهرة واسطنبول وحلب وجنيڤ وبطرسبورغ.
ثورة عام 1917م. وبينما كانت الحرب العالمية الولى تطحن المنطقة، انتفض الكرد في مدن ديار بكر، خربوط، الموصل، بوتان، ماردين، السليمانية للمطالبة بتوحيد مناطقهم تحت إدارة كردية من أهالي المنطقة وإبعاد شبح الإبادة الجماعية والجوع من مناطقهم والتصدّي لمعاهدة (سايكس ـ بيكو 1916م) التي عقدت سراً بين البريطانيين والفرنسيين والروس القياصرة، واتفقوا فيها على تقسيم مناطق الكرد من دون استشارتهم.
ثورة السليمانية (1918ـ1919م) وتأسيس حكومة كردستان في مدينة السليمانية بقيادة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي. قمعت الثورة وحكومتها من قبل القوات البريطانية الموجودة في المنطقة، واحتلت مدينة السليمانية عاصمة الدولة والمدن الأخرى. وبعدها تمّ تشكيل الوفد الكردي الذي سافر إلى باريس ليمثّل الأكراد في صوغ معاهدة (سيفر) التي أقرّت بالحقوق القومية للأكراد ضمن بنود 62، 63 و64 من المعاهدة.
ثورة الشيخ سعيد بيران (1920ـ1925). قادت «جمعية استقلال كردستان» الثورة واستقطبت المتعلمين من كافة أجزاء كردستان إلى صفوفها.
ثورة سمكو شكاك (1921ـ1924م): شملت منطقة واسعة من غربي بحيرة أرومية ومهاباد وسقز وبانه وشرق السليمانية وغرب أربيل وشمزينان.
أخمدت الثورة بعد أن شنّ رضا شاه حملة عسكرية واسعة على كردستان، قتل فيها الألوف من الكرد.
ثورة الشيخ محمود الحفيد (1922ـ1924م) بعد رجوع الشيخ محمود من منفاه، قاد ثورة جديدة في كردستان العراق، للمطالبة بالحرية والعدالة، وذلك بعد أن تأسّست (جمعية كردستان) وصدور صحيفة «نداء كردستان» باللغات الكردية والعربية والتركية والفارسية. أعلن الشيخ عن تشكيل الحكومة يوم 1/1/1923م وكانت السليمانية عاصمة لها وانتخب الوزراء وسن الدستور وعين الحكام والموظفين والشرطة المحلية. وجاء الإعلان بعد انتصار القوات الكردية على القوات البريطانية في معركة 5/9/1922م المعروفة.
لم تمض فترة طويلة، حتّى شنّ البريطانيون حملة واسعة النطاق على كردستان والسليمانية بالذات، فتمّ لهم إخماد الثورة وأعدم وأبعد وسجن المئات من القادة الكرد وحلّت الدولة الكردية وألحقت المنطقة بالدولة العراقية الحديثة التكوين آنذاك.
انتفاضة جبال آرارات (1927ـ1930م) ـ بقيادة الجنرال إحسان نوري باشا، وسمّيت بانتفاضة (آكري داغ) أيضاً. وكان حزب (خويبون ـ الاستقلال) بمثابة التنظيم السياسي للانتفاضة، وقد قمعت بعنف من قبل قوات أتاتورك وقتل الألوف من أبناء المنطقة بتهمة مساندتهم للانتفاضة ونفي مئات الألوف منهم إلى مناطق خارج كردستان.
انتفاضة البارزانيين (1932م) بقيادة الشيخ أحمد البارزاني ضد الإنكليز في العراق.
انتفاضة درسيم (1937م) بقيادة سيد رضا: قمعت تلك الثورة كمثيلاتها، وتمّ عقد معاهدة عسكرية باسم معاهدة (سعد آباد) بين تركيا وإيران والعراق وأفغانستان للقضاء على أيّة حركة شعبية تقوم في إحدى الدول الأربع التي وقعت على المعاهدة تلك.
انتفاضة بارزان (1943ـ1945م): اندلعت الثورة في كردستان العراق بقيادة مصطفى البارزاني. وساهم حزب (هيوار ـ الأمل) بكلّ ثقله في تلك الثورة إضافة إلى عدد من كبار الضباط الأكراد والمثقفين.
جمهورية كردستان في مهاباد الإيرانية (1946ـ1947م) فتح انتهاء الحرب العالمية الثانية، آفاقاً جديدة أمام النضال التحرري حين كانت كردستان تحت منطقة نفوذ الاتحاد السوڤياتي. فبعد تأسيس الحزب الديموقراطي الكردستاني في 16 آب (أغسطس) 1945م بدئ العمل من أجل التفاوض مع شاه إيران في طهران من أجل نيل الحقوق القومية الكردية المهضومة وذلك ضمن صيغة الحكم الذاتي الموسع. بالنظر لتعنّت الشاه من تلبية مطالب الكرد، تمّ الإعلان في مدينة مهاباد يوم 22 كانون الثاني (يناير) 1946م عن تأسيس (جمهورية كردستان الديموقراطية ذات الحكم الذاتي) عرفت باسم (جمهورية مهاباد)، وعيّن القاضي محمد رئيساً للجمهورية، وشارك الكرد من كافة أجزاء كردستان في عملية بناء وتطوير الجمهورية الفتية. سرعان ما تحالف الشاه مع ستالين لضرب الجمهورية وسحقها، وإعدام قادتها صبيحة يوم 30 آذار (مارس) 1947م وسط مدينة مهاباد.
ثورة كردستان العراق (1961ـ1975م): وهي أكبر ثورة في تاريخ الشعب الكردي المعاصر من حيث السعة والقدرة القتالية والسياسية والتنظيم الاجتماعي والسياسي. وسمّيت بثورة أيلول (سبتمبر)، نظراً لاندلاعها في 11 أيلول 1961م وقد رفعت شعار (الديموقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان) وحقّقت مكاسب كثيرة وفي مقدمتها اتفاقية 11 آذار (مارس) 1970 التي أقرّت الحكم الذاتي ضمن الجمهورية العراقية ولم تطبق بسبب سياسة وممارسات نظام صدام حسين.
انتكست الثورة بعد تفاهم صدام مع شاه إيران في الجزائر يوم 6 آذار 1975م على حلّ الخلاف على الأرض والمياه مقابل وقف الدعم للثورة الكردية، وهو أمر أدّى إلى انهيارها.
وأخيراً الثورة الكردية التي اندلعت في كردستان العراق في آب (أغسطس) 1976م.
عادل مراد
الأكراد
ـ4ـ
القوانين التركية التي تلاحق الجماعات الكردية المسلحة والأزياء واللغة والشواهد الثقافية الكردية، هي نفسها «القوانين الاستثنائية» التي صدرت قبل ما يزيد على 70 سنة حين أغلقت حديثاً صحيفتان محليتان (دنكي آزاد) و(أوزغور أولكه) بموجبها، وهي نفسها تحوّلت إلى «مرجع» للأزمة السياسية التركية الناشئة عن الحيرة في صوغ موقف واقعي من الملف الكردي.
صدرت «القوانين الاستثنائية» خلال ظروف تداخلت فيها الحرب الأهلية مع الحرب العالمية الأولى، على خلفيات تداخل المصالح واضطراب المبادئ والعلاقات والتحالفات، واشتعال العواطف القومية وخيارات القوّة… إلخ. فما هي تلك الخلفيات من زاوية الصراع التركي ـ الكردي؟ وكيف تكوّنت صورة الحاضر في شريط واسع من الأراضي التركية الجنوبية؟ وماذا عن أكراد ذلك الجزء من العالم؟
تاريخ الصراع التركي ـ الكردي هو تاريخ وعود تركية بإنصاف الأكراد في غمرة الحرب وتخل عن تلك الوعود عند إحلال السلام، وهو تاريخ اعتدال كردي في المطالب وقت الحرب وتخل عن الاعتدال وقت السلام. وعلى هامش التاريخ المديد، ومن مفارقاته، كان الأتراك، يغيرون على جبهة المعتدلين الأكراد إذ تقع في مرماهم، فيحطمون معاقلهم وأطروحاتهم ونفوذهم، ويغير الأكراد على صفوف المعتدلين الأتراك فيدكّوا حصونهم ومنابرهم ومحاولاتهم التوفيقية، لتخلو الساحة للمتصلبين من الجانبين في غياب المحاورين والحلول الوسط ومحاولات تطييب الخواطر أو محاولات التقرّب من مفاتيح الحل لمشكلة ما زالت تعالج بالاحتكام للسلاح والقوّة.
وفي هذه اللوحة من المفارقات، كانت الحياة وضعت أكراد تركيا في خيار الترقّب بما يعنيه من تعويل على المستقبل، والتقليل من شأن علامات الماضي، وعذرهم أنّ قدماءهم تركوا لهم حكمة صالحة لمثل هذا الخيار، تقول: قيل لأحدهم من قتل والدك راكبون أم راجلون؟ أجاب: لقد قتل والدي.
ينقل المؤرخون القدامى عن اللوائح السومرية تأكيدها أنّ الأكراد من أقدم المجتمعات الأرستقراطية في العالم، وأوردوا عن «هيرودوتس» قوله إنّهم شعب محب للقتال ويتحدّر عن سلالة (كورديوني) التي تمتد إلى 400 سنة قبل الميلاد، إذ ينتسبون عرقياً إلى الآريين الذين يتحدّثون اللغة الهندو ـ أوروبية.
استوطن الأكراد في منطقة تحدّها من الجنوب أرض بلاد الرافدين وامتداد منطقة الموصل التابعة للدولة السومرية ومن الشمال مناطق يرفان وأرضروم حتّى الإسكندرون، واتخذ الشماليون منهم جزيرة ابن عمر (جنوب تركيا) وطناً أقاموا عليه حضارة وسوقاً وشرفة للصلة القومية بالأطراف الكردية الأخرى. وطبقاً لكتب التاريخ الكردية فإنّ مصطلح «كردستان» أطلق للمرّة الأولى من قبل السلاطين السلاجقة «سنقر» على أحد مقاطعات مملكته في القرن الثاني عشر الميلادي. وإنّ أوّل مؤرخ ذكر كلمة كردستان كان القزويني في مؤلفه «نزهة القلوب». وجاء في «روح المعاني» للآلوسي أنّ من بين أصحاب النبي محمد (صلّى الله عليه وآله صحابي كردي جليل كان يدعى (كابان).
حتّى القرن السابع عشر كانت كردستان تحتفظ بشخصية سياسية معنوية موحدة، غير أنّها قسّمت للمرّة الأولى في عهد السلطان العثماني مراد الرابع في اتفاق له مع شاه الإمبراطورية الفارسية عباس الثاني حين وقعا في العام 1639م اتفاقاً بتوزيع كردستان بين تركيا وبلاد فارس، وبقيت على هذه الحال حتّى عام 1918. وجاءت اتفاقية فرانكلين ـ بولوف الفرنسية ـ التركية عام 1921 حين قضت بفصل القبائل الكردية وأجلي قسم منها إلى داخل الحدود السورية. واعتبرت حركة التمرّد التي قادها الأمير الكردي بدرخان حاكم بوتان بمثابة رد على تفتيت كردستان حين نجح في إقامة كونفيديرالية مستقلة عام 1830م ودامت حوالي 15 عاماً قبل أن يهاجمها الأتراك ويقومون بنفي الأمير الحاكم، وفرض إدارة تركية على المنطقة أدّت إلى اضطرام المشاعر الكردية الانفصالية وولادة حركة سياسية منظمة باسم «لجنة خويبون» بقيادة حفيد بدرخان: جلادت خان.
عشية التحضير للحرب العالمية الأولى، ومع التفكّك المضطرد للإمبراطورية العثمانية، كانت حركات العصيان السياسي الكردية تتخذ طابع الدعوة للاستقلال. حتّى أنّ «حزب الحرية والائتلاف» التركي عقد اتفاقاً مع «جمعية انبعاث كردستان» حول منح الحكم الذاتي لكردستان «في إطار الإمبراطورية العثمانية». واعتبر الكثير من المشايخ ورجال السياسة والعسكريين الأكراد أنّ الاتفاق، إذا لم يكن من دون فائدة سياسية، فإنّه يعترف للأكراد بحق إقامة كيان لهم بكفالة الاعتراف بوجودهم كقومية، غير أنّ الغالبية من الشبيبة الكردية اعتبرت الاتفاق لا يستجيب للحد الأدنى لطموحات القومية الكردية.
وإذ دخلت بريطانيا، في سنوات الحرب الأولى، كدولة مؤثرة في اتجاهات الوضع في المنطقة، فإنّها مدّت خيوطاً من الصلة مع الجماعات الأثنية والطائفية المنضوية تحت خيمة الإمبراطورية العثمانية، وكان الأكراد من بين أبرز تلك الجماعات، وتولّى المفوض السامي البريطاني في اسطنبول بنفسه محاورة الأكراد واستقراء مطالبهم. ففي برقية له إلى ممثل الديبلوماسية البريطانية في بغداد مؤرخة في 18/4/1919 يؤكد أنّ الزعيم الكردي سيد عبد القادر «عرض عليّ باسم اللجنة الكردية هنا مسألة استقلال الأكراد وتحريرهم من النير التركي». وفي برقية أخرى موجّهة إلى وزارة الخارجية البريطانية في 3/5/1919 يؤكد المندوب السامي «إنّهم يريدون دولة حرة. إنّهم يريدون التخلص من الأتراك».
ومن جنبه، حاول سياسي كردي، كان يعمل في السفارة التركية في بطرسبرغ في روسيا، عقد اتفاق مع الروس عام 1916 يقضي بتعاون الأكراد مع قواتهم الزاحفة على بتليس وأرضروم مقابل تقديم الدعم الروسي والمساعدة في تحقيق الاستقلال الكردي.
وحصل التعاون ولم تتحقق الوعود، فيما كان الأتراك أنفسهم قد وعدوا أكراداً بتأمين استقلال كردستان «بعد النصر» في محاولة لتشجيعهم على القتال ضد جيوش الدول الغربية الزاحفة.
وقبل أن تتوقف الحرب كان الملف الكردي مطروحاً بقوّة على جدول البحث، ففي مؤتمر فرساي، مثلاً، كان رئيس الوفد التركي شريف باشا (من مواليد السليمانية) فاجأ المتفاوضين بالتخلي عن هويته التركية ليعلن أنّه يمثّل الأكراد الذين يطمحون للاستقلال عن تركيا. وتفاوض، فعلاً، مع وزير خارجية إيران حول فكرة إعلان استقلال كردستان تحت الحماية الإيرانية، وقدم مذكرتين إلى «مؤتمر الصلح» بالمطالب الكردية في آذار (مارس) 1919 مرفقتين بخريطة كردستان. كما أجرى شريف باشا الكثير من اللقاءات، من بينها مع ممثلي الأرمن الذين كانوا هم ايضاً يسعون إلى الانفصال عن تركيا، وأصدر الجانبان بيانات مشتركة تدعو إلى طرد الأجانب من كلّ من كردستان وأرمينيا، ما أثار حفيظة كما أتاتورك الذي أمر في حزيران (يونيو) 1919 القوات التركية بشن هجوم عسكري واسع النطاق لإخضاع الأكراد.
وحين بدأت مفاوضات الصّلح بين الحلفاء عام 1920 في باريس انتدب الأكراد الجنرال شريف باشا ابن سعيد باشا باعتباره ممثلاً لهم، في حين شكّلت لجنة دولية بقرار من المتفاوضين لدراسة إمكان منح كردستان حكماً ذاتياً أولياً على طريق إقامة دولة كردستان خلال سنة واحدة. وتكلّلت الاتصالات بإعلان حق الأكراد، مبدئياً، بالاستقلال وفق «معاهدة سيفر» التي توصل لها الحلفاء في آب (أغسطس) 1920 فيما كان الصراع بين بقايا أنصار السلطان العثماني والحركة الكمالية على أشدّه.
وجاء في المادة 62 من المعاهدة إلزام لجنة مكوّنة من ثلاثة أعضاء يعينون من قبل الحكومات البريطانية والفرنسية والإيطالية، «مشروعاً للحكم الذاتي المحلي للمساحات التي تقطنها غالبية كردية واقعة بين شرق الفرات وجنوب الحدود الجنوبية لأرمينيا، كما ستقرر، وشمال حدود تركيا مع سورية وما بين النهرين (ميتسوبوتاميا). وفي حال عدم حصول الإجماع في الرأي حول المسألة تحول القضية إلى الحكومات الثلاث».
وجاء في المادة 63 من المعاهدة «توافق الحكومة التركية على قبول وتنفيذ مقررات اللجنتين المذكورتين في المادة 62 خلال ثلاثة أشهر من إيصالها لتلك الحكومة»، فيما أوردت المادة 64 استدراكاً متطوراً: «إذا قررت الشعوب الكردية في المناطق المحددة في المادة 62 خلال سنة من بدء تنفيذ المعاهدة الحالية أن تبيّن لمجلس عصبة الأمم أنّ أكثرية سكان هذه المناطق تريد الاستقلال عن تركيا، وإذا قرّر المجلس أنّ هذا الشعب قادر على هذا الاستقلال ويوصي بمنحهم إياه توافق تركيا على تنفيذ التوصية وتتخلى عن جميع الحقوق في هذه المقاطعات، إنّ النصوص التفصيلية لهذا التخلي ستكون موضوعاً لاتفاقية منفصلة عن الدول الحليفة الرئيسية وتركيا». عندما يحدث هذا التخلي «لن تعارض الدول الحليفة الرئيسية انضمام الأكراد القاطنين في ذلك القسم من كردستان ضمن ولاية الموصل إلى هذه الدولة الكردية المستقلة».
غير أنّ «معاهدة سيفر» بقيت حبراً على ورق مع العاصفة الكمالية التي هبّت على الحكم السلطاني في تركيا وانهياره، الأمر الذي طرح على الحلفاء ضرورة تدقيق المعاهدة عبر الحوار مع الكماليين، وهم في ذروة الزهو بالانتصار. وهكذا فتح الباب إلى معاهدة جديدة، شاء الأكراد أن يكونوا ضحيتها الأولى.
ففي تموز (يوليو) 1923 تمخضت مفاوضات معقدة ومضنية وزاخرة بالتداخلات والصفقات عن معاهدة جديدة وقعت في لوزان، حين حلّت، حقوقياً، محل «معاهدة سيفر» وأسقطت أيّة إشارة لحقوق الشعب الكردي في تقرير مصيره، باستثناء تضمينات عمومية مثل حق التحدّث باللغة القومية «والمرافعة بها أمام المحاكم التركية وإصدار الجرائد والمجلات والكتب بها وإنشاء أندية كردية علمية اجتماعية وتهذيبية، وفي التجوال داخل تركيا وخارجها بكلّ حرية» كما جاء في الفصل الثالث من المعاهدة.
وإذا أغفلت معاهدة لوزان حقوق الأكراد القومية، فإنّها تجاهلت حقيقة أنّهم يشكلون نسبة 9 في المئة من السكان الأتراك، آنذاك، وأنّهم القومية الثانية داخل النسيج السكاني التاريخي للدولة التركية الجديدة. فطبقاً لإحصاء عام 1927، كانت نفوس الأتراك 11 مليوناً و777,815 نسمة (بنسبة 86 في المئة) والأكراد مليون و184,446 نسمة (بنسبة 9 في المئة) والعرب 134 ألف نسمة و273 نسمة (بنسبة 1 في المئة). وجاء في نتائج الإحصاء أنّ الأكراد يشكّلون حوالي 35 في المئة من سكان مناطق الأناضول الشرقية ويشكّلون 77 في المئة في ولاية وان و75 في المئة من ولايتي بتليس (مورن) وسيرت و69 في المئة من ماردين و53 في المئة في العزيز. ويجب الأخذ في الاعتبار أنّ هذا الإحصاء جاء بعد فشل الانتفاضة الكردية الكبرى في عام 1925 التي اضطرت الكثير من القبائل والجماعات والعوائل الكردية إلى الهجرة إلى مناطق كردستان الأخرى.
سوء ظن
يمكن اعتبار سوء ظن الأكراد بالوعود التركية من جملة المراكمات التاريخية التي تمتد إلى عمر الشراكة في الجغرافيا، غير أنّ البيان الصادر عن «مؤتمر أرضروم» الذي عقدته الحركة الكمالية في تموز (يوليو) 1919 تحول إلى كابوس في ذاكرة الأكراد، إذ تعيد إنتاجه بمزيد من الفزع والمرارة كلّما لوّح وريثو الكمالية بوعود جديدة.
عقد المؤتمر مسبوقاً بطائفة من التلميحات المنسوبة إلى أتاتورك باستعداده لتسوية الأزمة مع مناطق الأكراد المتمردة، غير أنّه، بدلاً من ذلك، صاغ سياسة إخضاع الأعراق بالقوّة بأكثر المفردات تزمّتاً، وقرّر «أنّ ولاية أرضروم وسيواس وديار بكر غير قابلة للتقسيم أو التجزئة عن الإمبراطورية العثمانية بأيّة ذريعة كانت».
كما أنّ المؤتمر الذي عقدته الحركة الكمالية بعد شهرين في «سيواس» لم يخرج عن قرارات «مؤتمر أرضروم» مثلما لم تخل الفترة بين المؤتمرين ـ كما هي العادة ـ من وعود وتلميحات للتسوية. بل إنّ المؤتمر الأخير أمعن في التنكّر لوعود المساواة والحكم الذاتي واحترام الخصائص العرقية والقومية للأكراد و«كان معبأ بالروح الشوفينية المتجاهلة لحقوق الأقليات القومية، وبشكل خاص الأكراد».
غير أنّ قرارات المؤتمرين الكماليين يمكن أن تبقى في موضع الأخذ والرد، أو عرضة لإعادة النظر، تبعاً لردود الفعل ومستحقات الأحداث لولا أن أخذ الكماليون أكثر ما في تلك القرارات من تصلّب إزاء القوميات ـ وخصوصاً إزاء الأكراد ـ ليضعوه في أساس «الميثاق القومي» الذي أقرّه البرلمان في كانون الثاني (يناير) 1920، وجاء في البند الأوّل منه «أنّ أجزاء الإمبراطورية العثمانية، الواقعة على طرفي الخط المثبّت في صلح مردوس والمأهولة على الأغلب بالأتراك والمسلمين المرتبطين بالأواصر الدينية والثقافية والمتطلعين لهدف واحد: تشكل وحدة تامة غير قابلة للتجزئة بأيّة ذريعة واقعية كانت، أم حقوقية».
ويمثل صدور الميثاق وحملة الترويج له الذروة الجديدة في النزعة القومية التركية، وبمثابة الفتيل الذي ألهب المشاعر الكردية حين اندلعت حركات استعادة الحقوق بمقاسات جديدة تجاوزت حدود النشاط السياسي إلى طائفة من أعمال العصيان والصدام المسلح، وساعدت عوامل إضافية الأكراد على الانتفاضة وهي:
- الدعم الذي قدّمته بريطانيا لبعض القيادات الكردية، في محاولة لإضعاف الحركة الكمالية التي تطرح فكرة المجابهة مع المصالح الغربية، وإقامة تركيا قوية في المنطقة.
انحياز فئة من القيادات الكردية التقليدية، موضع نقمة شعبية، إلى جانب الأتراك، والتحالف مع الكماليين، الأمر الذي أبعدهم من التأثير في الوسط الكردي من جهة وضاعف من التفاف السكان الأكراد حول الانتفاضة من جهة أخرى.
- اندلاع حركات مقاومة في أجزاء أخرى من كردستان، خصوصاً في شمال العراق ما ألهب المشاعر القومية الكردية ونقل مركز الثقل إلى الأجزاء التركية التي كانت موضع مناقشات على المستوى الدولي.
وفي النسيج المتداخل للمؤسسة العسكرية التركية تحرّك ضابط كردي لامع، على نحو سري، للدعاية إلى فكرة استقلال كردستان تركيا. وكان خالد بك من بين الكثير من الأكراد الذين لمعوا في الجيش العثماني وحازوا على نفوذ واسع فيه، وأفادته سمعته العسكرية في نيل احترام وثقة زعماء العشائر في مناطق فارتو وكارلوفا ومالازغيرت وبولانيك وغيرها للعمل على إعلان الانتفاضة ضد «الميثاق القومي» وقرارات مؤتمري أرضروم وسيواس، ونقل القضية الكردية إلى عصبة الأمم عبر مذكرات عديدة باسم الفعاليات السياسية والقبلية والاجتماعية الكردية إلى عواصم الدول المعنية، ثمّ بدأت التحضيرات للانتفاضة بالدعوة إلى تسليح القبائل الكردية وإلزام المواطنين الأكراد بارتداء زيّهم القومي وتعلّم القراءة والكتابة بلغتهم والتوجّه إلى المؤلفات القومية لكتّاب مثل جبرانلي والجزيري وخاني.
وفيما بلغ الغليان الشعبي ذروته بعث زعماء الأكراد برقية إلى «مجلس الأمّة العالي» جاء فيها «تقضي معاهدة سيفر إنشاء كردستان مستقلة مشتملة على ولايات ديار بكر والعزيز ووان وبتليس، وعليه يجب تأسيسها، وإلاّ سنكون مضطرين إلى انتزاع هذا الحق بقوّة السلاح». غير أنّ أتاتورك الذي شعر بخطر العاصفة الكردية سرعان ما غيَّر لهجته ضمن خطة تستهدف اختراق الصف الكردي، ونجح في استدراج الزعماء الأكراد إلى الموافقة على التفاوض حول «المطالب الكردية الملحة» التي أشار لها بيان رسمي نسب إلى الزعيم التركي قوله: «إنّ مطالب كردستان ستلبى بشكل عام».
وحين وصل الزعماء الأكراد إلى أنقرة، نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) 1920، أمر أتاتورك باعتقالهم (مجو آغا ودياب آغا) وأجبرهم على إصدار بيانات بوجوب الصلح مع الحكومة المركزية وإنهاء المظاهر المسلحة، غير أنّ ذلك لم يحل دون اندفاع أعمال العصيان الكردي. وفي آذار (مارس) عام 1920 قامت جماعة كردية مسلحة بالسيطرة على نقطة حراسة تركية في بلدة «يازي حاجي» وتحرير معتقلين، ثمّ قام ثوار في منطقة أومرانية بإعدام قائد الجيش التركي (خالص)، ورفع علم كردستان فوق المباني.
ومرّة أخرى احتكمت الحكومة التركية إلى المناورة. ومرّة أخرى برز في صفوف الأكراد من يدعو إلى تصديق الوعود الجديدة (شفيق حيدر بك) ومن يدعو ـ بالمقابل ـ إلى خوض المجابهة حتّى نهايتها (محمود بك وعلي كمالي). ومرّة أخرى تلحق الهزيمة بالجماعات الكردية المسلحة تحت ضغط عدم تكافؤ القوى، وتخلي الدول الغربية كذلك روسيا السوڤياتية عن دعم الأكراد، وتواطؤ حكومات دول الجوار مع أنقرة.
كانت الحركة الكمالية آنذاك في نقطة الوثوب إلى اسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية المترنحة، ومالت جميع التطورات في صالحها بعد أن استقطبت مشاعر المرارة الطاغية لدى الأتراك جراء الهزيمة المذلة أمام الحلفاء. وكان الحلفاء بدورهم في حيرة من أمرهم إزاء هذا التنوّع المعقّد من الأعراق والقوميات (الأرمن، الأكراد، اليونانيون، البلغار، إلخ) ويتردّدون في ترجمة «وعود الحرية» وشعارات التحرّر التي حملوها، بمختلف التفسيرات لشعوب المنطقة عشية الإعداد للهجوم على الأسلاب العثمانية.
استقوى الكماليون لا شك بقرارات مؤتمر لوزان الذي وضع حقوق الأكراد جانباً وتركهم إلى مصير مجهول بمواجهة الكراهية القومية التركية المتتابعة، وبدل أن يستدل الكماليون بحكمة الرابطة الإسلامية مع الأكراد راحوا يوظفون الطابع العلماني لتركيا الجديدة في الحملة ضد الأكراد، ممّا أضفى على المقاومة الكردية منذ العام 1924 الطابع الديني، بشقيه: ضد الأتراك ودولتهم العلمانية من جهة وضد الغرب والروس المتواطئين مع الأتراك من جهة ثانية. وتصدر العالم الإسلامي الكردي المعروف الشيخ سعيد النقشبندي حملة الإعداد لثورة كردية ذات نزعة ودعوات وشعارات إسلامية تعبوية وأهداف قومية بعيدة المدى، وليس من دون مغزى أن يعلن الشيخ النقشبندي في أوّل بياناته «ما دام الأتراك الكماليون قد تخلوا عن رابطة الإسلام التي كانت تربط الكرد بهم فإنّه يتوجب على الكرد الآن ضمان مستقبلهم بأنفسهم». وهكذا انتشرت حركة العصيان من مناطق كنج وموش وأرغانه ودسيم وديار بكر وماردين وأورفه وسيورك ووان وكيلي وشملت أقاليم أرضروم وهكاري ابتداء من شباط (فبراير) 1925. وليس من دون مغزى، أيضاً، أن تحظى الانتفاضة الكردية بعطف الفئات الإسلامية التركية المتذمرة من التحول إلى الدولة العلمانية، خلافاً للفئات القومية المندفعة إلى بناء تركيا قوية وجديدة، بمن فيها الفئات الليبرالية والديموقراطية بقيادة عصمت إينونو الذي كلفه مصطفى كمال بتشكيل حكومة مهمتها «مواجهة الرجعية». وهي الصفة التي كان الإعلام التركي يضفيها على الحركة الكردية.
ومن جانبهم كان الثوار الأكراد لا يخفون انزعاجهم إزاء النظام الجمهوري الجديد، ولاحظ السفير البريطاني في تركيا آنذاك في رسالة له إلى لندن: «إنّ السبب الرئيسي للانتفاضة هو ديني وقومي ومعاد للنظام الجمهوري». وأورد فيها أنّ ابن السلطان العثماني المخلوع عبد الحميد الشاب سليم أفندي الذي كان يقيم في بيروت «نودي به كملك لكردستان المستقبل».
ألحقت الهزيمة بالانتفاضة الكردية، وكانت فرص نجاحها ضئيلة بسبب عدم تكافؤ القوى، وغياب الدعم الخارجي ولاسباب أخرى تتعلق بضعف «هيئة أركان» الانتفاضة والاعتماد على الإهابة والتحريض بديلاً عن التنظيم والتخطيط، غير أنّ ثمن الهزيمة كان مرتفعاً بالنسبة لمستقبل الأكراد في تركيا، ليس في بركة الدم التي غرقت بها مناطقهم بل في القوانين الجديدة التي أصدرتها السلطات الأتاتوركية بهدف تذويبهم ومصادرة آخر الحقوق الشكلية التي يتمتعون بها، مثل القانون رقم 1097 الصادر في حزيران (يونيو) 1927 من مجلس الأمّة ويقضي بتهجير قبائل كردية من الولايات الشرقية إلى الولايات الغربية «لما اقترفت يداها من جرائم» وقرار وزارة الداخلية في العام نفسه بتصنيف المقاطعات الكردية كمناطق شبه عسكرية ووضعها تحت إمرة «مفتش عام» بصلاحيات عسكرية استثنائية، والتشريعات اللاحقة بمصادرة أراضي الأكراد وتوزيعها على قبائل رحل تركية. وأعلن رئيس الوزراء عصمت إينونو أنّ على قبائل كردية دفع فدية للحكومة. ولم تثن الحكومة التركية عن هذا النهج لا الانتفاضات وحركات العصيان الواسعة التي اندلعت في ما بعد ولا مساومات وتراجع الكثير من المشايخ والشخصيات والرموز الكردية عن خيار المقاومة لصالح التعاون مع الحكومة المركزية والمشاركة في نشاطها وهيئاتها المختلفة أملاً في إنهاء العمل بالقوانين الاستثنائية.
وفي 12 تموز 1930 نشرت «وكالة أنباء الأناضول» بياناً يؤكد «انتهت العمليات العسكرية ضد العصاة، وأبيد المتمردون. إنّ حركة العصيان ذات الطبيعة الرجعية الواضحة أخمدت نهائياً» فيما أعلن رئيس الوزراء بعد أيام من خبر الوكالة وهو يفتتح الخط الحديد في منطقة كردية «أنّ للأمّة التركية وحدها حق المطالبة بحقوق الجنسية في هذه البلاد. لا حق في هذا لأيّة عناصر أخرى».
وفي عام 1934 صدر قانون الترحيل الرقم 2510 الذي نقل عمليات الصهر القومي إلى ذرى جديدة وثبتها كسياسة عامة للحكومة، وجاء في البند العاشر (فقرة أ) «إنّ القانون لا يعترف بشرعية العشائر». والبند الحادي عشر (فقرة أ) يحظر على كلّ من لا يتخذ التركية لغته الأم تشييد قرى أو حياء جديدة أو الانتساب إلى منظمات الحرفيين والعمال». وفي غمرة الاندفاع لترجمة سياسة «تلقيح الحضارة بالقوّة» منعت السلطات التركية استخدام كلمة «كرد» كدالة للقومية الكردية، أمّا ارتداء الزي القومي والأغاني الشعبية والنوادي الثقافية أو الاجتماعية الكردية فقد منعت منعاً باتاً بكفالة تعليمات مركزية صارمة.
ومنذ هذا الوقت اتخذت حركات المعارضة الكردية طابع العنف والسرية، ونفذت في شعاراتها من داخل معاناة الأكراد المعيشية بمواجهة حملات الجباية القسرية والضرائب ومصادرة الأرض والتمييز الاجتماعي وانعدام حقوق العمل وفرصه. ووجد أوّل هذه التنظيمات ظهيراً له في الاتحاد السوڤياتي الذي شجع هذه التنظيمات القومية ـ اليسارية في نطاق الصراع الدولي والتحضيرات للحرب العالمية الثانية، حين قام الألمان بدعم السياسة التركية المركزية بتصفية الشوائب القومية (القوميات الصغرى).
وخلال العقدين الرابع والخامس من القرن الجاري انتقل مركز الحركة القومية الكردية بين العراق وإيران حين اندلعت عام 1943 انتفاضة البارزانيين في كردستان العراق، وأقيمت في إيران حكومة مهاباد غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولم ينحسر المد القومي الكردي في هذين الجزأين مع هزيمة انتفاضة البارزانيين أو انهيار الحكومة الكردية الإقليمية في غرب إيران. غير أنّ عرض الشأن الكردي اتخذ هنا أشكالاً متنوعة، ولم يقتصر على حمل السلاح، فيما اتخذ في الجزء التركي طابع العنف المسلح كدالة لانعدام أرضية الحوار السياسي.
وإذ يبدو، في النفق الطويل، ضوء رفيع إلى طاولة للحوار بين الأكراد والحكومة التركية المركزية فإنّ مصير القوانين الاستثنائية الأتاتوركية التي تدار بها مناطق الأكراد يطرح نفسه بين الأولويات، ونأمل أن لا يكون صحيحاً الخبر الذي نشر حول محاكمة المغني إبراهيم تاتسليشيتش لأنّه غنّى بالكردية في السويد، وليس صحيحاً، أيضاً، خبر محاكمة موظفين أتراك بتهمة تورطهم في تسجيل اللغة الكردية من بين لغات السكان الذين كانوا يقومون بأخذ بياناتهم خلال عمليات الإحصاء الرسمية.
عبد المنعم الأعسم
جمهورية مهاباد
أعلن قاضي محمد رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران ـ رسمياً ـ ولادة جمهورية كردستان يوم ٢٢/١/١٩٤٦ أثناء اجتماع حضره، في ساحة جوار جرا (القناديل الأربعة) بمدينة مهاباد، مندوبون يمثلون معظم المناطق الكردية في إيران والعراق وتركيا وسورية بينهم قادة بارزون وعسكريون ومثقفون وعدد من رجال الدين ورؤساء العشائر، إضافة إلى حشد كبير من أهالي المدينة. وتضمنت الكلمة القصيرة التي ألقاها رئيس الجمهورية التأكيد على أن الأكراد شعب مستقل، يعيش في وطنه كردستان، ويتمتع في ذلك شأن باقي شعوب الأرض بحقه في تقرير المصير، وان الأكراد قد استيقظوا من سباتهم ولديهم الآن أصدقاء أقوياء. ثم شكر في ختام كلمته اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردستاني،واستعرض وتطرق إلى برنامجه السياسي، وأشاد بالاتحاد السوفيتي على مساندته المادية والمعنوية للشعب الكردي، وهنأ الشعب الأذربيجاني على استقلاله، ودعاه إلى التعاون المتبادل لصيانة مكاسب وحقوق الشعبين.
ولدت جمهورية كردستان بظل ظروف داخلية ودولية مواتية: فقد رافق احتلال الحلفاء لإيران في صيف ١٩٤١ انهيار النظام السياسي القائم، وانتعاش الحريات الديمقراطية في البلاد، وتعاظم قوة الأحزاب السياسية الإيرانية ولاسيما حزب تودة إلى جانب نمو الأحزاب والمنظمات الأخرى، ومنها ظهور منظمات قومية جديدة مثل جمعية (كومه له زياني كورد) أي جمعية “الاحياء الكردي”. كما تميز الوضع الدولي آنذاك بتنامي الحركات الديمقراطية المعادية للفاشية والنازية والمطالبة باستقلال الشعوب وحقها في تقرير المصير وإحرازها لانتصارات باهرة في جميع أنحاء العالم. كما كانت الظروف المحلية في مدينة مهاباد بوجه خاص، وفي بقية أنحاء كردستان الشرقية مهيأة لإحراز نصر عظيم للشعب الكردي في هذه المنطقة المحررة من النفوذ الشاهنشاهي والمحتلة من قبل القوات السوفيتية منذ ٢٥/٨/١٩٤١ حيث أزال أهالي مهاباد والقرى المجاورة جميع مؤسسات السلطة الشاهنشاهية وعهدوا بالسلطة إلى قادتهم المحليين.
وفي صيف ١٩٤٢ أسّست مجموعة من أبناء الطبقة الوسطى من أهالي مهاباد بمساعدة من بعض المثقفين الأكراد من أهالي السليمانية، جمعية الاحياء الكردي، وحددوا أهدافها بتحرير الأمة الكردية، واصدروا مجلة نيشتمان ـ الوطن ـ للتعبير عن أفكارهم. وكانت هذه الجمعية في الواقع أول منظمة كردية قوية تخلو قيادتها من الإقطاعيين ومن رؤساء العشائر، كما أنها كانت أول منظمة قومية تستطيع ترسيخ دعوتها القومية لتحرير الأكراد. ومن هذه المنظمة بالذات، نشأ الحزب الديمقراطي الكردستاني في ١٦/٨/١٩٤٥ واستلم السلطة في جمهورية مهاباد يوم ٢٢/١/١٩٤٦ محددا لنفسه إنجاز ثلاث مهام أساسية ربط من خلالها تحرير الأمة الكردية بآلية مستحدثة لم يكن الفكر السياسي الكردي الناشئ لتوه قادرا على إدراك مخاطرها، كما لم يكن قادة الحزب أنفسهم قادرين على إدراك المخاطر قريبة المدى على كيان الجمهورية والمخاطر بعيدة المدى على مستقبل الحركة القومية الكردية لمثل هذا الربط الأممي للمسألة الكردية.
ومن الممكن تلخيص تلك المهام الثلاث التي اخذ الحزب الديمقراطي الكردستاني ومن ثم الجمهورية الكردية على عاتقهما إنجازها بجملتين هما: ربط كفاح الشعب الكردي بكفاح الشعوب الإيرانية، وتنظيم الجماهير الكردية تحت راية الحزب وحول برنامج سياسي واضح المعالم.
وقد حدد بيان الحزب الديمقراطي الكردستاني الصادر آنذاك هذا البرنامج بثمانية بنود، تلخص البنود 1 و 5 و 6 جوهر برنامج الحزب وسياسته القومية.
وحقق الشعب الكردي خلال العمر القصير للعهد الجمهوري الأول في تاريخه إنجازات عديدة لكن أهمها على الإطلاق: الحرية في إدارة شؤونه وممارسة لغته وإحياء ثقافته وتكوين شخصيته القومية والبدء بعملية تغير اجتماعي واقتصادي وثقافي عميقة الجذور، والتحرر من الخوف ومن بطش السلطات الإيرانية وظلمها وفساد نظامها الإداري.
وإذا كان الفرح الذي غمر كردستان برمتها آنذاك لم يشهد له تاريخ الأكراد، كما لم تشهد الأجيال اللاحقة له مثيلاً حتى الآن، فقد تحول الإحباط في النفوس جراء السقوط المأساوي للجمهورية، ولم تكمل العام الأول من عمرها، إلى جرح ظل ينزف في قلوب الأكراد جيلاً بعد جيل، وأصبح علم كردستان الذي ظل خفاقاً في مهاباد فوق مقر الحكومة الكردية وعلى سطوح المنازل وواجهات المحلات مستمسكاً جرمياً يخفى عن عيون السلطات ليس في إيران فحسب بل وفي العراق وتركيا وسورية خوفا من العقاب الصارم، وتودعه الأمهات في متاع المسافرين من أبنائهن كي لا ينسوا وطنهم في الغربة، وأصبح نشيد جمهورية كردستان “الأمة الكردية باقية – الأمة الكردية حية لا تموت”. نشيداً سرياً لا يذاع إلا في الخفاء.
سقطت جمهورية كردستان في ١٧/١٢/١٩٤٦ بأيدي قوات الحكومة المركزية دون مقاومة تذكر، رغم أن تعداد الجيش الذي دخل مهاباد لم يزد عن (٦٠٠) جندي ترافقهم مدرعتان ومعهم مدفعين فقط، ناهيك عن ارتباك المهاجمين وعدم كفاية عتادهم ومؤونتهم من الطعام والوقود وتعذر تقدمهم بسبب الثلوج والأمطار التي قطعت الطرق المؤدية إلى قلب العاصمة مهاباد.
وهكذا أسدل الستار على أول جمهورية كردية باعتقال رئيسها ثم إعدامه شنقاً مع عدد من أبرز قادة الجمهورية في ساحة القناديل الأربعة فجر يوم ٣٠/٣/١٩٤٧، كما أعدم قادة آخرون وسجن بعضهم وهرب معظمهم، وأزيلت من مهاباد جميع معالم الجمهورية ومؤسساتها.
أما أسباب سقوط جمهورية مهاباد على هذا النحو المأساوي، فعديدة ومتشابكة؛ ولم تدرس هذه الواقعة التاريخية بعمق سياسي استراتيجي حتى الآن، وإنما أهملت كمجد تليد وحلم ربما يتكرر ذات يوم. ولأضع ذات السؤال بصيغة ديناميكية على النحو التالي: هل كان بالإمكان أن تستمر جمهورية كردستان وتتطور؟!
إن الإجابة على هذا السؤال تضفي على هذه التجربة الفريدة في تاريخ الشعب الكردي طابعا تحليليا، وتحدد ـ دون شك ـ معالم الدروس التي كان يتوجب الاهتداء بمنطوياتها في الكثير من المواقف التي تعرضت لها القضية الكردية خلال العقود التالية ابتداء من الخمسينات وحتى اليوم.
ومن الممكن تلخيص الأخطار التي كانت تحيط بالجمهورية الكردية في إطار فئتين مترابطتين ومتكاملتين من العوامل: الموضوعية والذاتية. وتشمل الأولى مجمل الظروف الخارجية المحلية والإقليمية والدولية بما في ذلك طبيعة نظام الحكم في إيران ومدى سلامة نهج الحركة الديمقراطية الإيرانية والموقف الإقليمي من مسألة التحرر القومي وأخيرا مصالح الدول الكبرى التي كانت تحتل إيران آنذاك وهي بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وتشمل الثانية طبيعة النظام السياسي الذي أقامته الجمهورية الكردية وعلاقتها بجمهورية أذربيجان الديمقراطية المجاورة لها ومدى سلامة خطتها للدفاع عن نفسها وصيانة مكاسبها.
كانت قيادة الجمهورية تدرك دون شك حجم هذه الأخطار. وبإمكاننا الاستدلال من دراسة هذه الفترة من تاريخ الحركة الوطنية الكردية على أن قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني وجدت من جهة في استراتيجية التحالف مع القوى الديمقراطية في إيران أي مع حزب توده والفرقة الديمقراطية الأذربيجانية وحزب إيران والحزب الاشتراكي وحزب جنكل في إطار جبهة وطنية موسعة خير ضمان لبقاء الجمهورية الكردية وصيانتها.كما عمدت من جهة أخرى إلى تعزيز القوات الكردية المدافعة عن الجمهورية بقيادة الملا مصطفى البارزاني، والعمـل على سـد الثغرات الخطيـرة في مستويات تدريبهـا وتسليحها وتثقيفها بالولاء للجمهورية وليس للرؤساء العشائريين. ولم يكن عدد هذه القوات يزيد إلا قليلا عن (١٢٧٥٠) مقاتلاً منهم (٢٠٠٠) من المقاتلين البارزانيين.
وسعت قيادة الجمهورية إلى تمتين علاقتها مع حكومة جمهورية أذربيجان الشعبية واحتاطت لما قد ينجم من مشكلات بين الجمهوريتين في المستقبل، بإبرام معاهدة صداقة وتعاون وقعها في تبريز قاضي محمد وجعفر بيشوري يوم ٢٧/٢/١٩٤٦. وقد نصت المعاهدة من بين أمور أخرى، على احترام حقوق الأقليات الكردية في أذربيجان والأذربيجانيين في كردستان، وعلى أن يكون التفاوض مع السلطة المركزية في طهران بموافقة الحكومتين مسبقاً.
وهكذا يمكننا أن نستنتج بوضوح عناصر الاستراتيجية التي حددتها الحكومة الكردية لصيانة الجمهورية وهي: الجبهة الوطنية الموسعة، وتدعيم قواتها المسلحة، وإبرام معاهدة الصداقة والتعاون مع حكومة جمهورية أذربيجان ذات الحكم الذاتي المجاورة. ومن المؤكد أنها وجدت في السياسة السوفيتية المدافعة بحماس عن حقوق الشعوب في حق تقرير مصيرها وصيانة مكاسبها الديمقراطية إطاراً شاملاً لدعم كيانها. فهل كانت استراتيجية الدفاع عن الجمهورية هذه سليمة وكافية؟
لعل من نافلة القول أن نجيب بكلا. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. ولكن النظرة المعمقة لبرنامج الحزب الحاكم تكشف لنا عن الأسباب الأساسية للانهيار المأساوي للجمهورية الفتية.
أ ـ السياسة القومية:
اختارت قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني صيغة الحكم الذاتي لتحديد نمط ارتباط جمهورية كردستان بالحكومة المركزية في طهران، ووجدت في هذه الصيغة خير تعبير عن حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، كما وجدت في قيام نظام ديمقراطي في إيران خير ضمان لاستمرار تطبيق هذا الحكم الذاتي، أي أنها اختارت عمليا حكما ديمقراطيا في إيران يتمتع بظله الأكراد بحكم ذاتي . ولولا ضعف النظام الشاهنشاهي آنذاك وقوة الجبهة الوطنية الإيرانية ولاسيما حزب توده الإيراني، واستعدادها لاستلام السلطة بين لحظة وأخرى لأمكننا القول بان قادة الحزب قد وضعوا العربة أمام الحصان بتأسيس جمهورية مهاباد، أي أنهم ارتكبوا خطأً تاريخياً لا يغتفر، وكان الأجدر بهم أن يقفزوا سوياً مع الأحزاب السياسية الإيرانية إلى السلطة في طهران قبل أن يقفزوا إلى السلطة وحدهم في مهاباد.
وقد برهن تطور الأحداث اعتبارا من صيف ١٩٤٦ على أن هذه السياسة القومية لم تكن تستند إلى ضمانات فعلية بجميع المقاييس النظرية والعملية.
ففي الفترة ما بين ٢/٨/١٩٤٦ وهو اليوم الذي يؤرخ مشاركة حزب توده في السلطة بثلاثة وزراء وبين ١٧/١٢/١٩٤٦ ـ وهو نفس اليوم الذي يؤرخ فيه مداهمة السلطات الإيرانية لمقرات الحزب المذكور وهروب قادته إلى خارج البلاد، وانهيار الحركة الوطنية الإيرانية واستسلام أنصارها دون مقاومة ـ ظهر أن الجبهة الوطنية الإيرانية لم تكن تملك آنذاك أي برنامج عملي ليس للوصول إلى السلطة فحسب وإنما حتى للدفاع عن نفسها ناهيك عن قدرتها على الحركة للدفاع عن جمهورية كردستان أو أذربيجان الشعبية.
ولم تكن صيغة الحكم الذاتي لجمهورية كردية من المنتظر ازدهارها ونموها بظل دولة إيرانية ديمقراطية معادية لمصالح المستعمرين البريطانيين والأمريكيين وحليفة للاتحاد السوفيتي منسجمة مع مصالح التركيبة الطبقية لقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني والجمهورية. فقد كان نصف أعضاء قيادة الحزب ولجنته المركزية من الإقطاعيين وكبار المالكين، كما كانت قيادة معظم فصائل المدافعين عن الجمهورية تحت إمرة رؤساء العشائر. وكان هؤلاء يدركون إدراكا تاما مدى خطورة جمهورية كردستان الديمقراطية على مصالحهم المادية ونفوذهم السياسي والاجتماعي لذلك لم يتأخروا هم وغيرهم عن التخلي عن الجمهورية ومكاسبها حين حان وقت الدفاع عنها، بل انهم كانوا يقاومون أي اتجاه نحو الاهتمام بمصالح غالبية سكان كردستان من الفلاحين المعدمين حتى خلال العمر القصير لجمهورية كردستان.
ومن ذلك نستند إلى أن صيغة الحكم الذاتي هذه لم تكن بالضرورة موجهة لرعاية مصالح الأكراد من الفلاحين والرعاة والعمال الموسميين والنساء والعاطلين وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أخرى هي أن الحكم الذاتي المحلي صيغة تتعارض مع طبيعة نظم الحكم السائدة في البلدان المتخلفة (النامية) ومع السلوك الاستبدادي لقادة تلك البلدان، وإنما هي (أي الحكم الذاتي) صيغة مستعارة ولا تصلح للتطبيق إلا في مجتمع متقدم ولنظام حكم راسخ يستند في ممارسة وظائفه على مستوى الدولة والقيادة على مؤسسات ديمقراطية تضمن حرية التعبير وحقوق الإنسان وتداول السلطة ونزاهة الانتخابات والحريات العامة، يمكننا أن نستنتج ما يلي: لقد استعارت قيادة الحزب مفهوم الحكم الذاتي من جارتها جمهورية أذربيجان الديمقراطية الشعبية ولا يمكن استثناء دور السوفييت في إملاء هذه الصيغة على قيادة الحزب والجمهورية الكردية.
ب ـ السياسة الاقتصادية:
كان النفوذ القانوني لسلطة جمهورية كردستان يقتصر على ثلث مساحة كردستان ـ إيران (ماعدا لورستان) أي زهاء (٤١٠٠٠) كيلو متر مربع. وكان النظام الاقتصادي السائد نظاما إقطاعيا من الطراز الكلاسيكي، حيث يتملك ١% من السكان نسبة ٥٦% من الأراضي الزراعية، وتعود ملكية ٤٠% منها إلى أقل من ٢ في الألف من الإقطاعيين. أما نسبة المعدمين في الريف فقد تجاوزت نسبة ٦٠% من الفلاحين في حين لم تزد نسبة صغار المزارعين ومتوسطيهم (ممن يمتلكون أقل من هكتار واحد) عن نسبة ٢٣% من مجموع سكان القرى.
وقد حدد برنامج الحزب الديمقراطي الكردستاني المعالم الرئيسية للسياسة الاقتصادية التي اتبعتها جمهورية كردستان في إطار فقرتيه ٥ و ٧. فقد حددت الفقرة ٧ السياسة الاقتصادية العامة بأن: يعمل الحزب ويناضل من أجل تقدم الزراعة والتجارة وتطوير الثقافة والصحة وتحسين الحياة الاقتصادية والمعنوية للشعب الكردي بالاستفادة من الثروات الطبيعية والمعادن في كردستان، في حين حددت الفقرة 5 كما ذكرنا أعلاه تحقيق اتفاق على أساس قانون عام، بين الفلاحين والمالكين، وان يضمن (أي الاتفاق) مستقبل الطرفين. كما وضعت الجمهورية خريطة تحدد مساحة الملكيات الزراعية، وأنشأت إدارة لمعالجة قضايا الزراعة والمشكلات العقارية وشركة تتولى مراقبة التجارة الخارجية.
ويعزى تعاون الحزب الديموقراطي الكردستاني مع الإقطاعيين إلى نشوء نوع من المصالح المتبادلة بين الطرفين. فمن جهة أنعش الحزب، بمبادرته إلى إقامة جمهورية كردية في مهاباد، مشاعر الاعتزاز بالانتماء القومي لدى جميع الفئات الاجتماعية الكردية في كردستان برمتها، وهي ظاهرة اجتماعية تعكس تراكم الشعور بالظلم والاستياء من الحكام الأجانب، وترتبط ارتباطا وثيقا بالتركيب النفسي للشعب الكردي، وخصائصه القومية ونزعته الاستقلالية وبذلك غذت مبادرة الحزب طموحات الإقطاعيين ورؤساء العشائر ورجال الدين ونزعتهم القومية الكردية واندفعوا لتأييدها بحماس بالغ. ومن جهة أخرى، لم يكن الحزب الديمقراطي الكردستاني الناشئ حديثاً قادراً على الأخذ بزمام المبادرة، ولم يكن يمتلك الوسائل المادية الضرورية لإسنادها ودعمها وتحقيق أهدافها دون الاعتماد على المصدر الوحيد لتعبئة المال والسلاح والرجال أي على فئة الإقطاعيين ورؤساء العشائر.
لكن تعاون هذه الفئة لم يكن دون شروط أو ضمانات، بل إن هذه الضمانات تأكدت بوجود ممثليهم في اللجنة المركزية للحزب وفي مجلس وزراء الجمهورية بنسبة تزيد عن النصف، وبعدم إقدام الجمهورية على توزيع الأراضي على الفلاحين وتقويض النظام الإقطاعي، وبمطالبة الحزب بحكم ذاتي ضمن إطار الدولة الإيرانية أي المطالبة بهدف لا يشكل في واقع الأمر خرقا للنظام الإيراني الذي يقر بمبدأ مجالس المناطق والولايات في القانون الأساسي. وتشكل هذه النقطة الأخيرة خط الرجعة للإقطاعيين بالنسبة لعلاقتهم بالسلطة المركزية في طهران ناهيك عن ارتباط معظمهم بنظام الشاه في طهران في وقت كانوا يحتلون فيه مراكز عالية في جمهورية كردستان.
من هذا نستنتج خطأ الفكرة التي اعتنقها السياسيون الأكراد ممن يقولون بعدم وجود طبقة اجتماعية معادية لنضال الشعب الكردي التحرري، إذ أنهم لا يميزون بين شعور الاعتزاز بالانتماء القومي ـ وهي ظاهرة اجتماعية وتاريخية وسمة إنسانية طبيعية لدى جميع الأكراد شأن غيرهم من القوميات ـ وبين المصالح الطبقية الحقيقية التي تحدد الولاء السياسي، بالضرورة للحكومات المركزية والدول الاستعمارية إذا كان البديل المطروح دولة كردية تستهدف سياستها القضاء على امتيازات الإقطاعيين ونفوذهم السياسي والاجتماعي.
جـ ـ السياسة الخارجية والدولية:
اتفق الحلفاء (روزفلت وستالين وتشرشل) أثناء الحرب العالمية الثانية في مؤتمر طهران (تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٤٣) على إجلاء قواتهم من إيران بعد انتهاء الحرب بستة أشهر. وقد انتهت الحرب في أوروبا يوم ٨/٥/١٩٤٥ باستسلام ألمانيا وفي آسيا باستسلام اليابان يوم ٢/٩/١٩٤٥ . وطبقا لبنود الاتفاق، فقد انسحبت القوات الأمريكية من جنوب إيران يوم ١/١٢/١٩٤٥ وانسحب الجيش البريطاني من الوسط والجنوب في ١/٢/١٩٤٦، ولم تنسحب القوات الروسية من شمال إيران.
وفي ١٦/٣/١٩٤٦ قدمت الحكومة الإيرانية شكوى إلى مجلس الأمن تطالب فيها بانسحاب الجيش الأحمر من إيران. وفي نهاية الشهر نفسه سافر قوام السلطنة رئيس وزراء إيران آنذاك إلى موسكو ونجح في إبرام اتفاقية مع الاتحاد السوفيتي نصت على: (أ) أن يغادر الجيش الأحمر الأراضي الإيرانية خلال شهر ونصف من موعد إبرام الاتفاقية في ٢٤/٣/١٩٤٦ (ب) تأسيس شركـة للنفط مختلطة إيرانية ـ سوفيتيـة بموجب اتفاقيـة أمدها ٥٠ عاما واستخراج النفط من شمال إيران على أن تكون حصة إيران خلال منتصف المدة ٤٩% وحصة الاتحاد السوفيتي ٥١%، ثم يتساويان في الحصص في النصف الثاني من مدة الاتفاقية، ويعقبها شراء إيران لحصة الاتحاد السوفييتي. وجرى ربط تنفيذ الاتفاقية المذكورة بموافقة البرلمان الإيراني الذي سينتخب خلال ستة أشهر بعد موعد انسحاب الجيش الأحمر. ومن المؤكد أن قوام السلطنة نجح في إقناع القادة السوفيت باتجاهاته التقدمية ورغبته في إقامة نظام ديمقراطي في إيران وتقليص نفوذ الشاه وإطلاق الحريات العامة وتأييده لحقوق القوميات في الحكم الذاتي ولربما معاداته للإمبريالية والاستعمار أيضاً؟!!! وذلك على نسق ما كان قد فعل قبل ذلك حيث أقنع الأحزاب السياسية الإيرانية اليسارية ولاسيما حزب توده باتجاهاته الديمقراطية ومعاداته للاستعمار والدكتاتورية وسعيه لإقامة نظام ديمقراطي في إيران. وعزز هذا الإقناع في بداية تموز/يوليو ١٩٤٦ بتأسيس حزب سياسي (الحزب الديمقراطي الإيراني) وجعله حليفاً للجبهة الوطنية وأحزابها اليسارية، وباشراك حزب توده في السلطة ممثلاً بثلاثة وزراء مهمين (الصناعة والصحة والثقافة) في مطلع آب/أغسطس من نفس العام وبتعيين سفير له في موسكو موالي للاتحاد السوفياتي.
وبذلك يكـون رئيس وزراء الحكومـة المركزيـة في طهران قـوام السلطنة قد أوجد (١) المبرر القوى لانسحاب القوات السوفيتية من إيران، واقتصد للدولة السوفيتية نفقات احتلال الجيش الأحمر لشمال إيران،وتكاليف دفاعه المحتمل عن الجمهوريتين اللتين أنشئتا بمساعدته وبدعم منه. (٢) ربط الحركة الوطنية الإيرانية بعجلته، وسحب البساط من تحت قدميها وأعاقها عن الحركة. (٣) خدع قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني وحجب عنها الرؤيا السليمة للأحداث واستقرائها بطريقة واقعية بما في ذلك تحركات الجيش الإيراني نحو احتلال الجمهورية.
ولعل النجاح الأساسي الذي أحرزه قوام السلطنة على كل من الاتحاد السوفييتي والحركة الوطنية الإيرانية وقيادتي الجمهوريتين الأذربيجانية الشعبية والكردية يتمثل في ربط الوفاء بوعوده (الديموقراطية) بإجراء انتخابات للبرلمان الإيراني وربط حرية الانتخابات ونزاهتها بعودة قوات الجيش الإيراني إلى احتلال المواقع التي سبق وان طرد منها في شمال إيران.
وعلى الرغم من الإجراءات التي تكشف بوضوح النوايا الحقيقية لقوام السلطنة ـ ومنها على سبيل المثال لا الحصر: مساهمته شخصيا في تموز/يوليو ١٩٤٦ في إثارة القبائل الإيرانية بالتعاون مع شركة النفط البريطانية في محافظتي خوزستان وفارس على المنظمات الديمقراطية ونقابات العمال ومهاجمتهم مقرات حزب توده والمطالبة بإخراج الوزراء التودويين من الحكومة، وعدم تصديق حكومته على الاتفاق المبرم مع رئيس جمهورية أذربيجان ذات الحكم الذاتي للاعتراف بوجودها ولتوسيع نطاقها الجغرافي، والسماح بتغلغل النفوذ الأمريكي في شؤون إيران وتدعيم النفوذ البريطاني القوي أصلاً ـ إلا أن قادة الأحزاب السياسية الإيرانية ومنها قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني ظلوا يثقون بقوام السلطنة إلى نهايـة المطاف علما بأن الاذري والكـردي البسيط كانا يعلمان أن قوام السلطنة لا يفعل شيئا إلا بموافقة الشاه وموافقة الأمريكان والإنجليز.
ولا غرابة البتة في أن تساعد الحكومتان الأمريكية والإنجليزية الحكومة الإيرانية الرجعية بقوة، وتعملان بحزم على إنقاذ نظام الشاه الموالي لهما، بالقضاء على الحركة الوطنية التحررية الإيرانية المعادية للشاه وللإمبريالية ومنع نظامه من التفكك حماية لمصالحهما الاقتصادية والنفطية والاستراتيجية، وتعملان على إسقاط جمهورية كردستان للحيلولة دون انتعاش الحركة التحررية الكردية في العراق وتركيا، بما يعرض مصالحها للخطر في ثلاثة بلدان غنية بالموارد الطبيعية تدور في فلك سياستيهما الاستعمارية، إضافة إلى قربها من الاتحاد السوفيتي الذي تحول إلى العدو الأول للإمبريالية العالمية غداة القضاء على ألمانيا النازية ودول المحور.
د ـ عوامل أخرى:
وثمة عاملان إضافيان لابد من التطرق إليهما ساهما في التعجيل بإسقاط جمهورية كردستان هما: تلكؤ قادة الجمهورية في توسيع رقعة الجمهورية وتعذر توسيع نطاق الثورة الكردية لتشمل أجزاء كردستان الأخرى.
طرح موضوع توسيع رقعة جمهورية كردستان منذ ربيع ١٩٤٦، فقد كانت قيادة الجمهورية تتلمس مدى خطورة وجود قوات إيرانية في مدن سقز وسردشت الواقعة على طول الحدود الجنوبية للجمهورية. كما كانت تدرك أهمية تحريرها لبقية المناطق الكردية في إيران. وعلى الرغم من حشدها في جبهة سقز ـ بأنه نحو ١٣ ألف مقاتل كردي من بينهم (٢٠٠٠) من البارزانيين المدربين تدريبا جيدا مقابل نحو ١١ ألف جندي إيراني محاصرين عمليا ومقطوعين عن خطوط تموينهم واشتباك هذه القوات في معركتين الحق البارزانيون في المعركة الأولى هزيمة نكراء بالجيش الإيراني أثارت المشاعر القومية لدى الأكراد ورصت صفوفهم، كما أثارت حنق رئاسة الأركان الإيرانية في طهران وثبطت عزيمة الجيش، وآلت إلى إرسال اللواء رزم آرا قائداً جديداً لمنطقة سقز، واضطرار القوات الكردية إلى التراجع في المعركة الثانية إلا أنها لم تفقد معنوياتها العالية واستعدادها لإعادة الكرة والتوجه لتحرير مدينة سنه، لكن قيادة الجمهورية اتخذت تحت تأثير القنصل السوفياتي في أرومية، وتوقيع الحكومة الإيرانية على اتفاقية تأسيس شركة النفط الإيرانية ـ السوفياتية المشتركة (بانتظار موافقة البرلمان الجديد) وتوقيع اتفاقية مظفر فيروز ـ بيشوري للاعتراف بجمهورية أذربيجان (التي أهملت فيما بعد)، قراراً بالتوقف عن الهجوم على الجيش الإيراني أي ترك فكرة تحرير بقية مناطق كردستان. وكان هذا القرار هو الشق الأول من السياسة العسكرية الانتحارية لجمهورية كردستان.
عقدت الأمة الكردية برمتها آمالها في التحرر والانعتاق على جمهورية كردستان في مهاباد، وشخصت في قيامها اللبنة الأولى في صرح مستقبلها ومكانتها بين الأمم والشعوب المتحررة. فقد تدفق على الجمهورية الفتية أكراد العراق بمقاتليهم ومثقفيهم وشاركوا بحماس في بناء مؤسساتها وجاءها ممثلو أكراد تركيا وسورية وزارها أكراد المهجر قادمين من مختلف بقاع العالم، واحتضنت الجمهورية جميع هؤلاء بكل صدق وحرارة إلا أن جمهورية كردستان كانت وحيدة وصغيرة ومحاطة بأعداء أقوياء، من الداخل ومن الخارج، وبأصدقاء ضعفاء وبحركة كردية كانت في حالة جزر وانكماش اثر فشل ثورة البارزاني في العراق عام ١٩٤٥ وتصفيتها بفضل تدخل سلاح الجو البريطاني في المعارك إلى جانب قوات الجيش العراقي. ولم يكن الشعب الكردي في تركيا قد أعاد تكوين تنظيمه واستعداده للثورة بعد. وهذا هو الشق الثاني الذي قـتل الجمهورية الكردية وهي في المهد.
زهير عبد الملك
يهود كردستان
يشعر يهود كردستان في إسرائيل بكرديتهم. ويصرّ يهود كردستان على أنّهم هاجروا إلى إسرائيل بدوافع صهيونية وليس فراراً من اضطهاد قومي أو ديني. ومقارنة بيهود بغداد، مثلاً، تأثّر يهود كردستان بتقاليد محيطهم الكردي المعزول بجغرافيته الجبلية، ما جعلهم يتمسكون بالقيم الكردية دون العربية أو التركية.
قبل تأسيس الدولة اليهودية في 1948 كان في إسرائيل نحو 20 ألف يهودي كردي. وبين 1950 و1951 هاجر إليها نحو 40 ألف يهودي آخرين من كردستان إيران والعراق. ويقدر عدد يهود كردستان في إسرائيل حالياً بنحو 100 ألف، غالبيتهم من كردستان العراق، منهم 35 ألفاً في القدس وخمسة آلاف في طبرية وسبعة آلاف في حيفا ونحو 20 ألفاً في مستوطنات، والبقية في أنحاء مختلفة من إسرائيل.
ومنذ بداية القرن العشرين هاجر عدد من يهود كردستان إلى فلسطين لكن غالبيتهم هاجرت في الأربعينات ومطلع الخمسينات. وبين 1970 و1973 ساعد الأكراد نحو ثلاثة آلاف يهودي كانوا ظلّوا في بغداد على الفرار عبر كردستان إلى إيران، ومنها سافروا إلى إسرائيل. وليس سراً أنّ إسرائيل قدمت، دعماً مادياً، وعسكرياً للحركة الكردية في العراق منذ 1963 حتّى 1974. واللغة الأصلية للجيل الأوّل من يهود كردستان في إسرائيل هي الآرامية التي تشبه العبرية المعاصرة وتسمّى أحياناً، خطأ، في إسرائيل بـ «الكردي». ولغتهم الثانية هي الكردية التي تغلب عليها اللهجة الكرمانجية تليها التركية والفارسية ثمّ العربية. لكن العبرية تعتبر حالياً اللغة الأولى لغالبية الأكراد الإسرائيليين.
لقد وصل يهود كردستان إلى هذه المنطقة في عهد المعبد الأوّل. ويعتقد بعضهم أنّهم أحفاد القبائل العشر من اليهود الذين سباهم الآشوريون بعدما دمروا مملكة إسرائيل في 720ق.م.، وانضم إليهم يهود السبي البابلي بعد ذلك بـ 150 عاماً.
ومنذ مطلع القرن الثامن عشر تعزّزت الصلات في فلسطين، وفي 1812 هاجرت جماعة من يهود كردستان إلى فلسطين وأقامت في القدس. لكن الهجرة الرئيسية تمّت في عامي 1950 و1951 بعد تأسيس الدولة اليهودية خلال ما عرف بحملتي «عزرا» و«نيجيميا». ولم يبق حالياً سوى عدد ضئيل من اليهود في كردستان إيران وتركيا وسوريا.
نماذج من الشعر الكردي المعاصر
لم يكن بإمكاننا في هذا العرض أن نشير إلى نماذج من أشعار كلّ الشعراء الأكراد المعاصرين، لذا نقدّم هنا بعض النصوص من القصائد الكردية المترجمة إلى العربية.
لكنه ستكونين لي
ذلك النهر المطهر
النهر الذي تفتخر به الأرض
وذلك النهر الذي
يركع عند ضفافه الإنسان
تلك الليالي
حيث كان المذياع الأحمر الوحيد
لدار ـ الجد الأكبر ـ العامرة والقرية كلّها
يرسم ألف بسمة دافئة
على شفاه الفلاحين المتيبسة
ويوقد في قلوبهم ألف أمل وأمنية جديدة
وتلك الليالي
حيث كان قلبي قد أنس حبّ الارض
في الفترة الأخيرة من عام 1970 فما فوق ظهر إلى الوجود كثير من الآراء والتعابير الجديدة في الساحة الأدبية، وبرزت في مسيرة الشعر الكردي مجموعة من الشعراء أرادوا أن يعبروا بنفس طويل وتعابير أوسع في سبيل إيجاد العلاقة بين الإنسان الكردي وأرضه، ولو دققنا في أعمارهم نراهم شواهد حيّة على تلك المأساة التي ألقت على أرضهم الخراب والدمار في الخمسينات والستينات من هذا العصر. لذا نرى كثيراً من الحوادث طبع في أفكارهم عندما كانوا أطفالاً، وبعد أن شبّوا عن الطوق كبرت معهم تلك المأساة وأصبحت مادة حيّة لبناء قصائدهم، وبمعنى آخر أنّهم ملتزمون بمسألة كبيرة هي مسألة الأرض والتعبير الصادق عنها، وأنّهم لم يخافوا ذلك الالتزام عندما كان أعداء الشعر الواقعي يقولون: من يلتزم يخسر الإبداع، وبعكس ذلك دفع الالتزام بالشاعر الكردي الى ان يجسد اواصر ارتباطه بالارض ويبدع في هذا المجال وعلينا ان نفرق بين الالتزام والإلزام، وأن نوضح دائماً أنّه ليس ثمة تعارض بين حرية الأديب والتزامه الحر وأنّ حرية الأديب جزء من حرية الوطن والمواطن، وأنّ الالتزام ليس مخيفاً إلى الدرجة التي يصوّرها بها أعداء الالتزام إلى درجة الاتهام بالتبعية والكتابة بموجب القرارات الإدارية. إنّ اختيار الشاعر الكردي المعاصر الالتزام بإدارته كان قراراً مبدئياً، فهو يعتبر التزامه بأرضه عملاً مقدساً ونبيلاً ولأجل هذا كان ينشد الشعر بكلّ حرية ولأنّه يحسّ بأنّ بقاءه مرتبط ببقاء أرضه وهذا شيء حتمي وطبيعي لأنّ الأرض هي الأم الحنون ولن تكف أبداً عن عطاءاتها من أجل سعادة البشرية، لنسمع الشاعر لطيف هلمت في قصيدته هذه:
ماذا تستطيع العواصف الهوجاء أن تفعل
فإنّها إن هدمت المنازل
فإنّ الارض ستبقى.
كلّ الظواهر الطبيعية في الارض تحوم حولها، وما يعمله الإنسان في تطوّر مستمر مع الأرض والمثال على ذلك هو الشاعر رمضان عيسى الذي جعل من حادثة هدم إحدى القلاع التاريخية على أرضه موضوعاً لشعره:
مثلما القلعة ـ دمدم ـ
تنتفض اليوم
من تحت أنقاض الغدر
بعدما جرى لها ما جرى
عندما جرى من النبع الوفي دم
ولم تكف الصلوات
لقطرة من المطر
فهلك خلقها و ـ دمدم ـ هدمت
مثلما تنتفض
حسب رأيي أنّ المثل العليا المشرقة في الشعر الكردي المعاصر هي التعبير عن معاني الإنسانية بأوسع شكل لها وتوظيفها توظيفاً مناسباً، ولا شك في أنّ الشعراء عبروا عن أحلام وآمال الشعب دون غموض وإبهام وطرحوا موضوع الأواصر الإنسانية والمظاهر الوطنية الميمونة، وعبروا عن تلك المظاهر الطبيعية حيث الجبال والأنهار والغابات والمناخ البارد وحالة سقوط الثلوج وهطول الأمطار بغزارة ومشاهد العواصف والرعد والفيضانات والجبال العالية المكسوة ببياض الثلج الكثيف ودخلت أسماء هذه الظواهر والحالات بأوجه متعددة في نتاجاتهم الشعرية، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على الصدق الشعري ورمز الخير والتقدّم، من جهة أخرى تفتح أسماء تلك الظواهر باب التعرّف على السمات الشعبية والمحيط والبيئة للقارئ الأجنبي، يعبر الشاعر ـ صلاح شوان عن هذه الظاهرة:
عواصف، عواصف، عواصف
وهذي حمامات قمر كردستان الوحيد
تنثر ريش أجنحتها البيضاء كالثلج
فوق صقيع الأرض
وفوق صدر الأرض ونهدها
ويقف الشاعر الشاب عباس صالح عبدالله بين لوحتين فنيتين فيجعلهما معادلة متوازنة، حيث المسألة الإنسانية لديه ظاهرة من الظواهر الطبيعية.
آه، كم أتحسر على ذلك الزمن
وبعكس هذا الزمن الذي فيه
أجد نفسي مخنوقاً داخل جراح ثقيلة
مثل أي كائن، يئن تحت كومة جليد
حين تنهدم
الشاعر يريد أن يجعل من كلّ بلاده عروساً شقراء جميلة، لا شك أنّ لون الثلج رمز للحب الطاهر والمقدس من جهة، والبناء والتقدّم من جهة أخرى فيقول:
أختنق إذا لم أكتب
كيف يمكن أن تعطي أرض أحزاني وبلادك
ذرات وكتلاً ناعمة من الثلج
لتعل منها عروساً
ولنستمع إلى شاعر آخر هو صلاح محمد لنعرف ماذا يهمس في أذننا؟ وكيف يصوّر رؤياه الشعرية؟
قلبي كشجرة خريف من الغربة
نائية تحت الغيث
عن آلهة أمسياتي تعيش وحيدة
كم أخشى أن يصبح قلبي هذا تابوتاً
يحتضن رأسي
بعد أن تحدّثنا عن انعكاس ظاهرتي الثلوج والأشجار على أرض كردستان في لوحات هؤلاء الشعراء نتحدّث عن الجبال والأنهر، حيث إنّ الإنسان الكردي عند ولادته يفتح عينيه أمام جبال شاهقة وأنهر جميلة. فعندما تحدّث الشاعر عن الجبال لا يستبعد أن يتحدّث عن حبيبته، والشاعر هدايت عبدالله حيران يتحدّث عن (هلكورد) أحد الجبال العالية في كردستان بمقدار ما يتحدّث عن حبيبته وهنا تتمازج الحالة الإنسانية للشاعر مع ظاهرة حبّه وإعجابه بالجبل:
أيام خلت كنت أحبك
شامخة شموخ هلكورد
كالسليمانية كنت لا تعرفين السكوت
عظيمة أكثر من الآمال
حنونة ومنشرحة أكثر من الترانيم
والعنصر الآخر الذي يكمل طبيعة بلاد كردستان هي الأنهر حيث الحركة والتقدّم اللانهائي للنهر أصبحتا رمزاً حياً لدى الشاعر ومن جهة أخرى غدا جريان النهر رمزاً للنقاوة والطهارة. فالنهر يعكس استمرارية الحياة والتجديد فيصف الشاعر النهر وما حوله من الطبيعة الجميلة، ويصوّر تلك الأسماك الملونة التي تعكس أشعة الشمس ألوانها الزاهية، ولدينا نماذج كثيرة من الشعر الكردي المعاصر تتعمّق في هذا الموضوع حيث يتحسّر الشاعر مرّات عديدة مع جريان النهر ويشبه ذلك الجريان بانقضاء سنوات العمر أو الرحيل بعيداً مع النهر قبل أن تذهب زهرة ربيع حياته مع الهم والمشاكل والآلام.
والشاعر برهان هزار يصف تلك اللحظات من اللقاء مع الحبيبة على ضفة النهر سيروان:
كنت أوقد أصابعي الملتهبة شموعاً
لكي تنير طريقاً مدلهماً
لأنّنا غداً، غداً.
سنلتقي في موعد
على شاطئ نهر سيروان
علينا أن نبيّن هنا بأنّ نهر سيروان الذي يمر قرب مدينة السليمانية ويقطع سهل شهرزور الفسيح، هذا النهر دخل الشعر الكردي من أوسع أبوابه. إنّ هذه الظواهر التي تقدم ذكرها وجدت مكانها في الشعر الكردي المعاصر وأصبحت تعبر عن رموز الحركة والحرية والجمال والطهارة والضياع والإيجاد.
لهذا نجد الشاعر عثمان شيدا يهب كلّ ما لديه من الحب والعمر للنهر المقدس حيث إنّ السماء أيضاً بكت لتوجّه النهر ورحيله نحو اللانهاية ذلك ما تعلنه لنا فحوى إحدى قصائده:
الأمواج تتداخل مع بعضها
وتسلك طريق رحلتها الأبدية
تغادر الأموار راحلة حتّى الموت
تمطر دموعاً
وختاماً يجب القول بأنّ كلّ العناصر الطبيعية من النهر والبساتين والجبال والثلوج والأشجار تشكل المثل العليا لدى شعرائنا المعاصرين ولن تنقطع تلك الأواصر المتينة بين الشاعر وأرضه وتنصهر في بوتقة واحدة. إنّ القدرة الإبداية للشاعر من جهة وعطاءات الأرض من جهة أخرى تكوّنان معادلة ثابتة في الحياة وتعطيان نتيجة حتمية لإبراز لوحة الحياة الجميلة بكلّ معانيها الإنسانية.
نوميد ناشانا
الأكراد الفيلية الشعية([349]*)
الكرد الفيليون هم جزء من الأمة الكردية وتاريخهم السياسي والاجتماعي يجب أن لا يبقى منفصلاً عن تاريخ الكرد العام لكن ذلك لا يمنع من دراسة تاريخية منفصلة.
وأنا ما تطرقت إلى شيء عن هذا الجزء من كردستان بقصد دراسة منهجية وإنّما وقفت في الاطلاع وفي تسجيل ما لدي عنهم من بين مصادر عديدة عبرت عليّ. ورأيت فيها ما غفل عنه المؤرخون والكتّاب الذين سبقوني وربّما كان ذلك لصعوبة حصولهم على مثل هذه المراجع. ولا أنسى هنا أن أشيد بتلك الفصول القيمة الرائعة حول كرد لورستان التي تجدها عند المؤرخ الكبير «محمد أمين زكي» مثلاً في كتابه «تاريخ الكرد وكردستان» ومقالات الاستاذ «علي سيدو الكوراني». وفي الكرد الفيليين اليوم عدد كبير من ذوي الثقافة ومن الباحثين الذين يسهل عليهم ولوج هذا الباب لجمع ما يمكن جمعه من تاريخ إقليمهم وأحواله الاجتماعية فيما غبر من الأيام.
كان اهتمامي أوّل الأمر قد انصبّ على تتبّع مصدر صفة «الفيليين» التي عرف به الكرد اللر في العرق. والحيرة فيها التي ما زالت مستولية عليهم لا سيّما في محاولة ردّها إلى جذر لغوي في لهجتهم الخاصّة. هذا ما سأتصدّى له بعد أن أعرض للقارئ بعض ما توصلت إليه من شذرات في خفايا الوقائع التاريخية.
اعتبار بعض المؤرخين (اللر) قومية لا علاقة لها بالكرد هو تجن على الحقائق التاريخية. قال ياقوت الحموي (1179ـ1229م) صاحب معجم البلدان وهو من أوثق المصادر الجغرافية التاريخية، في التعريف باللر ما نصّه:
«اللر بالضم وتشديد الراء وهو جيل من الأكراد في جبال بين أصبهان وخوزستان وتلك النواحي تعرف بهم فيقال بلاد اللر، ويقال لرستان. ويقال اللر أيضاً».
ويجري هذا على قياس قولنا الكرد الصورانيون، الكرد البادينيون، الكرد الكورانيون، الكرد البوطانيون، إلخ.
وهذا ما تجده عند الجغرافي الاصطخري المتوفى 957 ميلادية في كتابه «صور الأقاليم والمسالك والممالك».
ويتحدّث المؤرخ (رشيد الدين فضل الله الهمذاني) الذي عاش في زمن الأليخان المغولي (غازان) في كتابه (مكاتبات أصولي) عن «الأتابك الكردي» أفراسياب الأوّل حاكم لرستان الكبرى في الفترة (1288ـ1296م) ويصف قيامه بزيارة الايلخان المذكور. وكان قد أعلن الثورة على سلفه أرغون قبلها. وكيف استقبل بحفاوة وإكرام، وكيف أنّ (غازان خان) عمد إلى قتله أثناء عودته إلى مقر حكمه، على يد قائده (هرقدق).
وفي كتابه «نزهة القلوب» للمؤرخ والجغرافي الشهير (حمد الله المستوفي القزويني) الذي أنجز تأليفه في العام (1339مـ740هـ)، تجد الكثير عن إمارتي لرستان الكبرى والصغرى. وممّا يقوله: إنّ مواطن اللر الكرد تنقسم إدارياً إلى لرستان الكبرى وهي المنطقة الجبلية وما يليها من السهوب شرقاً (ضمن الحدود الإيرانية اليوم) ولرستان الصغرى (وأكثرها يقع ضمن الحدود العراقية الحالية غرباً).
ويثبت المستوفي مبلغ الخراج الذي كان يجبى منهما خلال الفترة المنحصرة بين (1335ـ1340م) بمليون دينار ايلخاني سنوياً، يدفع منه تسعون ألفاً فقط للديوان (أي الخزينة المركزية) والباقي يستقل بتصرف الأتابك (أي حاكم الإقليم).
أمّا «عبدالله المازندراني» مؤلف كتاب (رسالتي فلكية) في العام 1364 فيذكر أنّ أتابكة لرستان كانوا يعينون أوّلاً من قبل الحكام الايلخانيين (أحفاد هولاكو) وعندما انتاب سلطة هؤلاء الضعف استقل الأتابكة بإقليمهم.
ويثبت فضلاً عن هذا قوائم بالضرائب التي كانت تحصل من هذين الإقليمين وهي تقل كثيراً عن المبالغ التي وردت في قوائم المستوفي.
وممّا أغفله المؤرخون أو ذكره بعضهم ذكراً عابراً دون تفصيل أنّ العراق وقع تحت حكم الأكراد الفيليين «اللر» مدّة ست سنوات وأنّ أميرهم «ذو الفقار أحمد سلطان ماوصللو» حاصر بغداد بجيشه وفتحها واتخذها عاصمة له وأوجد خلال ذلك حاميات عسكرية كردية في سائر المدن العراقية التي دانت له بالطاعة، من شمال سامراء حتّى البصرة. وإليك هذا التفصيل على إيجازه كما ورد في كتاب (البدر الطالع ج1: ص270) ونقله الأستاذ عباس العزاوي في كتابه (العراق بين احتلالين ج2: ص360):
«في السنة 930 للهجرة الموافق للسنة 1523 ميلادية، هاجم بغداد، الأمير ذو الفقار رئيس قبيلة (موصوللو) من عشيرة كلهور الكردية وكان أمير لرستان، وضمّها إليه.
وبعد أن وطد أمره في بغداد استولى على معظم المدن العراقية. وخوفاً من الدولة الصفوية كاتب السلطان (سليمان القانوني) واحتمى به. لكن الشاه طهماسب الأوّل الصفوي هاجم العراق ودخل بغداد في العام 936 الهجري الموافق للعام 1529 ميلادي وجرت معركة كتب النصر فيها للفرس على الأكراد، وقتل الأمير ذو الفقار، وأخضع الشاه طهماسب العراق لسلطته ثمّ رجع إلى مقر ملكه بعد أن عيّن على العراق (بكلو محمد خان) وفوّض إليه إدارة شؤونه».
في الواقع أنّ السلطان سليمان القانوني رحب باقتراح الأمير ذو الفقار مبدئياً، على أن كتب التاريخ العام بمصادرها الإيرانية والغربية تجمع على أنّ موافقة السلطان العثماني وترحيبه، لم يتعديا حدود الكلام والوعود، فقد كانت جيوشه منشغلة في حروب أوروبا وبخاصّة حصار (ڤيينا) ومواجهة الحلف العسكري الغربي.
وفي اعتقادي أنّ هذا الاحتلال الكردي للعراق كان واحداً من أسباب استقرار الكرد في العاصمة العراقية وسائر الحواضر الأخرى. وأعود الآن إلى أصل كلمة الفيلية والفيلي:
إنّ أقدم ما وقفت عليه من ذكر صريح للتعبير مقروناً بكلمة (كرد) أو بكلمة (لر) في كتب التاريخ المدونة والمطبوعة. يعود إلى ما يقارب ثلاثة قرون مضت. وإليك بعض الأمثلة:
تتحدّث الحوليات التاريخية الإيرانية عن ثورة (اللر الفيليين والبختيارية) في زمن فتح علي شاه. وهذا هو النص:
«… مع أنّ مدينة كرمنشاه بقيت هادئة، فإنّ سائر البلاد كلّها حتّى همذان وشوشتر كانت تغلي غلياناً. وعندما حول اللر الفيليون والبختياريون أن يغنموا أكثر ما يمكن اغتنامه من الفراغ الذي خلفته فترة خلو العرش الفارسي».
ورد هذا النص في كتاب جمس فريزر James Frazer المطبوع في لندن سنة 1744م بعنوان (تاريخ نادر شاه) الملقب سابقاً بطهماس قلي خان The History of Nadir Shah Formerly Called Thamas Kuli Khan، نقلاً عن ميرزا أبو الحسن غفاري كاشاني. وهو مخطوط في المكتبة البريطانية بعنوان «كلستان مراد».
وفي كتاب السير جون مالكولم John Malcolm الموسوم «تاريخ فارس من أقدم الأزمان حتّى الوقت الحاضر» The History of Persia from the Most Early Period to the Present Time المطبوع في لندن في العام 1815م. نجد هذه العبارة وهي بالأصل تتحدّث عن قومية (كريم خان زند):
«هو أيضاً من الكرد اللر. وهي قبيلة من الرعاة كانت تقضي فترة الشتاء في سهول همذان. ومركزها قريتا (بري مكازان) المجاورتان لبلدة (ملاير). والزنديون والمجموعات الأخرى القبلية التي تتكلم اللغة الكردية وتتسمّى بـ (الزند) وجدت هناك في الأيام الأخيرة على أنّ مجموعة كثيرة من الدلائل تشير إلى أنّهم ينتمون إلى واحدة من القبائل الكردية الشمالية أو من اللك الذين نزحوا أصلاً من كردستان. وهم على أيّة حال غير فيليي خرم آباد».
وفي كتاب أحمد كسروي الموسوم «تاريخ بانصد سال خوزستان» المطبوع في طهران 1313 هجري، نجد هذه العبارة:”
«في العام 1165 هجري الموافق 1751م امتنعت مدينة شيراز على كريم خان، بعد أن واجه هزيمته على يد فتح علي خان وأرغم على التراجع وقضى بقية شتائه في جبال اللر، بضيافة وحماية الكرد الفيليين في خرم آباد».
وجاء في كتاب (فراسنامه ي. نصيري ج1: ص214ـ215) المطبوع في طهران عام 1313 هجري لمؤلفه حاجي ميرزا حسن حسيني فساتي ما نصه حول ثورة اللر الفيليين بقيادة زكي خان على حكم كريم خان زند:
«وبعد أن استتب الأمر لكريم خان زند وأخضع القبائل البختيارية وصالحهم وانضم إلى جيشه منهم ثلاثة آلاف، توجّه نحو جيرانهم الكرد الفيليين في الشمال فأوقع فيهم مقتلة، وفي شتاء 1179ـ1180هـ الموافق 1764ـ1765م) وجّه ضربته إلى عاصمتهم خرم آباد ونهب ممتلكات إسماعيل خان وأرغمه على الهروب إلى سهول العراق، فأجاره «بنو لام» وبسطوا عليه حمايتهم، ولم ينزل كريم خان عقاباً بالفيليين الكرد أكثر من هذا واقتصر على عزل إسماعيل خان رئيسهم الأعلى، ونصب محله أخاه الذي كان أطوع له. وفي الوقت الذي أخلدت قبائل البختياري إلى السكينة طوال حكم كريم خان، فإنّ محاولاته لإخضاع اللر الفيليين لم يحالفها النجاح. إذ ما لبث إسماعيل خان أن كرَّ راجعاً ليمارس سلطته ونفوذه ودام حكمه طوال حياة كريم خان».
ويحدّد كتاب تاريخ كمبردج لإيران في مجلده السابع (ص512) منطقة الكرد الفيليين (يذكر الاسم بالنص) بهذا الشكل:
«وبين أواسط تخوم زاكروس الشُم وسهول عربستان الحارقة، نجد أوسع انتشار مركز لقبائل رحل قد يصل تعداده المليون. فالبخيتاري اللر يجاورون (كوه جيلويه) ويتمتع رئيسهم بسلطة ومركز مساوٍ لما يتمتع به الولاة الكبار الأربعة في إيران. وفي خرم آباد يحكم والي لرستان الأصلية على الفيليين وعلى مجموعات متفرقة من اللر».
هذه النماذج من المقتبسات التاريخية التي يظهر فيها اسم الفيلي والفيلية الكردية، تمييزاً بالصفة وبشكل واضح كما هي العادة في نسبة الكردي إلى عشيرته بالاسم الذي تعرف به.
ومن النادر أن لا يثير اسم شعب أو قبيلة أو طائفة من الناس أو موقع جغرافي ـ حيرة المؤرخ عندما يحاول ردّه إلى أصل أو تعليل سبب اتخاذه أو من أين اشتق. وأنا عادة لا أضيّع وقتاً في تحرّي الأصول أو العثور على تعليل معقول من مثل هذه الأمور، إلاّ أنّي وجدت بين إخواني وأبنائي من الكرد الفيليين اهتماماً كبيراً في معرفة أصل النسبة وكثيراً ما لوحقت وشوقت من قبلهم.
كان دليلي إلى أنّ الكلمة ليست كردية وهي أنّ الكرد الفيليين وغير الفيليين يعجزون عن ردّها إلى جذر لغوي في لهجتهم بشكل مقنع ومعقول. وكلّ التعاليل التي ترد عن ألسنة المهتمين بالأمر لا تخلو من ثغرات ولا تعصم من مؤاخذة وأنا لا أرى محاولتي هنا غير واحدة من تلك المحاولات ربّما أصابت الحقيقة وربّما أخطأتها.
رجحت أن تكون تسمية عربية ـ عراقية، ينبغي التحرّي عنها في المعاجم العربية والكلام العربي المتداول لسبب ثلاثية أحرفها ولأنّها بتشكيلها (ضم الفاء أو كسرها مع سكون الياء) تبدو الكلمة مصدرية للجذر الثلاثي العربي. ومع أنّ الجزء الأكبر من إقليم لرستان يقع اليوم داخل الحدود الإيرانية إلاّ أنّ صلة قاطنيها الكرد كانت بما يبدو أوثق بالعرب من صلتهم الاجتماعية بالفرس.
حاضرتهم التاريخية خرم آباد مجاورة لإقليم خوزستان (عربستان). إنّ للمادة (فال ويفيل ويفوله وفياله) الواردة في معاجم اللغة العربية، معنيين: فهي (الضعف، والخطأ في الرأي) حيناً و(الزيادة والقدرة) حيناً، فيقال هذا الرجل (فيلي) ـ أي (معمّر) أو أنّ عمره زائد. ويقال لرجل (فيل) أو (فائل الرأي). وعلى هذا ربما ألصقت هذه الصفات بهم من قبل جيرانهم.
هناك تخريج آخر تحفظه الذاكرة للكاتب (نوري ثابت) ذكر فيها أنّ الأصل في إطلاقها كان (الكرد الفلاوية) ثمّ صحفت إلى فويلي وأنّها مأخوذة من كلمة (فلاة) أو (فلوات) العربية أي الأرض المنبسطة أو البطحاء القليلة الكلأ والماء. ومعلوم أنّ الكرد الفيلية العراقيين كان محل سكناهم الأصلي في الجهة الغربية للجبال وفي أرض سهلة وهي عند مؤرخي المغول لرستان الصغرى كما تقدّم ذكره.
وكلّ هذا رجم بالغيب وتخريج، وليس لديه سند تاريخي. وكلّ ما استطعت إثباته للقارئ هو أنّ الاسم تاريخي فعلاً وليس حديثاً. وعلى أبناء هذه الشريحة الهامة من الأمّة الكردية أن ينشطوا في هذا المجال كما نشط غيرهم. فالمراجع التي أخذت منها معلوماتي الضئيلة هذه لا يصعب الوصول إليها، حتّى الكتب الفارسية لها ترجمات بالالمانية والإنكليزية والفرنسية».
التاريخ السياسي للأكراد الفيلية
في غرب إيران وعلى امتداد سلسلة جبال زاكروس وفي سهل سوزيان (شوش حالياً) الذي هو امتداد طبيعي لسهول منطقة ما بين النهرين تجمعت قبائل وتكاثرت على أطراف نهر سيمرة (النهر الكبير) الذي تصب فية جداول كثيرة وبدورها تصب في شط العرب.
فخصوبة الارض ووفرة المياه كانت شرطاً أساسياً للتحضّر والتمدّن فمن قبل (4 ـ 6 آلاف سنة ق. م) أصبحت هذه الأرض الخصبة مهداً للتمدن ومركزاً للعمران فكانت الحضارة العيلامية التي ظلت لقرون عديدة مركزاً للعلوم والفنون مقدمة خدمة كبيرة للبشرية، وما الآثار الباقية والكشوفات المتكررة في مدينة شوش عاصمة العيلاميين ويار سوماس (مسجد سليمان حالياً) وغيرها إلاّ دليلاً تاريخياً شامخاً على مر الدهور.
فمدينة شوش كانت واحدة من المدن الرئيسية في العالم ونقطة وصل سهلة بين بلاد مابين النهرين وآسيا الصغرى، واقصى نقاط العالم المتمدن في ذلك الوقت، فمع الهند كانت الروابط التجارية والثقافية على احسن وجه وكذلك مع جاراتها المتحضرة كالدولة السومرية والاكدية وغيرها.
كانت حدود الإمبراطورية العيلامية في بعض مراحل أوجها وعظمتها كانت كما يلي: من المشرق قسم من بارس، ومن طرف الشمال من همدان إلى بابل، ومن الغرب نهر دجلة، ومن الجنوب خليج بارس إلى بوشهر، وهذا يعني أنها كانت تتكوّن من (خوزستان، لورستان، بشتكوه، بختياري) والذي في مناطق الكورد الفيلية عدا منطقة خوزستان. واختلف المؤرخون في نسب العيلاميين فمنهم من يرجعهم إلى أولاد (عيلام ابن سام ابن نوح) ومنهم من يقول إنّهم (لا هندو أوروبيون ولا ساميون ولكن من القفقازيين أو الخزريين ونزحوا إلى هذة المناطق قبل آلاف السنين). وقد ذكروا بعض صفاتهم «فهم ذوي أجسام قوية وقامة طويلة ومقاتلين أشداء معروفين بالشجاعة ومن أقوى العشائر قاطبة، مطيعين بشكل كلي للحاكم الذي يحكمهم سواء كان رئيس عشيرة او مالك».
ويمكن تقسيم تاريخ العيلاميين إلى ثلاث دورات: أوّلاً، دورة قبل التاريخ من (8 الآف سنة ق.م. إلى سنة 2225 ق.م.) ولهذه الدورة ارتباط بتاريخ السومريين والأكديين وختمت بانقراض الدولة السومرية والأكدية للأبد على يد العيلاميين، وقد ذكرت فتوحاتهم الجديدة في التوراة في مبحث خاص في الباب الرابع من سفر بيدايش الآيات (1، 5، 9، 17) وذكر اسم ملك إيلام (كدر عمر).
ثانياً، الدورة التي عاصرت الآشوريين من سنة (745 ق.م. إلى سنة 645 ق.م.) وتحكم بعدها سلسلة الاخمينيين وهم نفسهم البارسيون الفرس، وبعد اتحاد هذه الدولة مع الدولة الميدية الكردية تتكون دولة (إيران) ويحكمها كورش الكبير حتى يسقطه إسكندر المقدوني عام 331 ق.م. ويطلق عليها اسم سلوقية، بعدها يجتاحها شابور ملك الفرس في عهد الساسانيين والذي كان آخر ملوكها كسرى الذي أسقطت إمبراطوريته بيد المسلمين بين عام 636م إلى 640م حيث أصبحت جزءاً من الإمبراطورية الإسلامية زمن الخليفة عمر بن الخطاب.
وبعد مجيء الإسلام أصبحت المنطقة الكردية الفيلية ضمن الإمبراطورية الإسلامية وسميت بالجبال، وكانت مدينة ميمرة وشيروان جزءاً من حكومة بغداد، ومدينة دره شهر ضمن ولاية البصرة في زمن الخليفة العباسي السفاح.
وكان تواجد الأكراد الفيلية في نواحي عراق العجم وعراق العرب، وكانوا غالباً أصحاب خراج بغداد، وكانت سهول المنطقة مراتع لمواشيهم صيفاً وشتاءاً وكانوا من العناصر الفعالة آنذاك ولهم الأثر الجميل في الإدارة. وقد حكمت المنطقة الكردية الفيلية عدّة حكومات:
1 ـ حكومة تابكان، لورستان، سنة (545هـ ـ 1145م) ودامت ثلاثة قرون وأبادها تيمورلنك المغولي.
2 ـ دولة آل خورشيد في لور كوجك سنة (580هـ ـ 1185م) إلى سنة (695هـ المصادف 1295م).
3 ـ دولة أتابك لور كجك سنة (621هـ ـ 1224م) إلى سنة (693هـ ـ 1294م).
في زمن المغول أبدل اسم لورستان بـ(لوربزرك) (ولوركچك). وفي زمن الدولة الصفوية أصبحت لوربزرك تطلق على منطقة بختياري وكهكيلوية.
عهد الدولة الصفوية والعثمانية:
زمن الدولة الصفوية، في فترة حكم الشاه عباس الصفوي أبدل لقب أتابك وجعل كلمة والي محلها، وأول والي حكم المنطقة هو حسين خان وكان مقره خرم آباد، وقد حكم الأمير ذو الفقار في فترة أخرى أطراف لورستان وهو من عشيرة الكلهور الفيلية وقد أرسل من قبل شاه عباس الصفوي لفتح بغداد فحاصرها لثلاث أشهر حتى سقطت بيده عام 1622م فأصبحت تحت حكمه ولفترة 6 سنوات إلى حين إسقاط حكمه من قبل الشاه عباس الصفوي بعد استقلاله عنه ومخالفته لأوامره([350]). جرجيس فتح الله
الأكراد الفيلية الشيعة
ـ2ـ
قال الدكتور عزيز الحاج:
كان والدي من الأقلية الكردية الفيلية (أو الفولية)، ذات المذهب الشيعي، أي بخلاف الأكثرية السنية من أكراد المنطقة. وكنّا بين عوائل كردية فيلية معدودة في محلات الكرخ، إذ أنّ أغلب الفيلية كانوا يسكنون جنب الرصافة لا سيما في حارات ومحلات باب الشيخ والصدرية والتسابيل وغيرها. أمّا مذهبياً فإنّ الأغلبية من سكان محلات الشواكه وباب السيف وعلاوي الحلة المجاورة والشيخ بشار كانت من الشيعة. فكانت تشهد في شهر عاشوراء مراسيم (السباية)، أي العزاء على الحسين في الحارات، بلبس الأسود واللطم على الصدور وضرب الظهر بسلاسل الحديد وتمثيل مذبحة كربلاء (واقعة الطف)، حيث مقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) وأفراد عائلته. وكان «الممثلون» يركبون الخيول المسرجة والسيوف، ويستخدم بعض الرجال تلك المناسبة للزهو أمام النساء اللواتي كن يشرفن على المنظر من الشناشيل وسطوح البيوت. وكانت تقام في دارنا وباستمرار «قراية» النسوان أي مأتم نسائي للحسين (عليه السلام)، إذ يتجمّع حشد من نساء المحلة القريبات وصديقات العائلة من حول (الملاّية)، أي منشدة القصائد البكائية الملحنة تلحيناً حزيناً ومعها اثنتان من المساعدات. وتستمرّ «القراية» زهاء الساعة أو أكثر وتنتهي بشرب الشاي مع كعك خاص بالمناسبة.
كان أبي ينتمي إلى عشيرة القيتول من الأكراد الفيلية، أمّا أمّي فتنتمي إلى عشيرة «خميس» الفيلية، وقد ولد أبواي في بغداد وكذلك جدّتي من أمّي. وكانت عشائر الفيلية تنقسم إلى ما بين مستقر في العراق منذ مئات السنين، لا سيّما في مناطق الوسط والجنوب (الكوت، العمارة، الناصرية) فضلاً عن بغداد حيث النسبة الأكبر منهم، وما بين عوائل وعشائر تسكن وتزرع وترعى في منطقة جبال (پشتكوه) الحدودية داخل إيران، وهي الجبال التي تمتد سهولها إلى داخل الأراضي العراقية من نواحي محافظتي العمارة والكوت.
وكان عدد غير قليل من شباب الفيلية ورجالهم الأقوياء المستقرين في الجبال الإيرانية يعبرون الحدود من قرب (زرباطية) ليأتوا إلى بغداد ويشتغلوا بالعتالة (حمّالين) وأشغال أخرى، ثمّ يعودون بعد أشهر إلى عوائلهم مع دخل مريح.
وكانت المراكب تحمل في دجلة الأحمال الضخمة جدّاً فيحملها الحمالون الأكراد من ظهر الباخرة أو الجنيبة لينزلوا منها على خشبة طويلة (دوسة) تصل الأرض ومن هناك يصعدون حوالي العشرين درجة إلى الرصيف، فإمّا أن تؤخذ البضاعة فوراً إلى التاجر المستورد أو تودع في المخازن. وكان أبي يتقاضى أجور استخدام الحمالين وصيانة البضائع وحراستها حتّى يأتي وكلاء الشركات والتجار ـ ويسمّون «وكلاء إخراج» ـ بتصريحات حكومية رسمية لتسلم البضاعة مقابل رسوم تدفع لكلّ من الحكومة وأبي. وكان هذا العمل يستدعي أيضاً عدداً من الكتبة لضبط وتقييد البضائع والحسابات ولتسجيل الصادر والوارد، وكان يقوم بذلك ما لا يقل عن ستة من الكتبة يدفع أبي مرتباتهم الشهرية، وأذكر منهم المحامي قاسم حمودي الذي أصبح من رموز التيار القومي في العراق (حزب الاستقلال) وصاحب جريدة معروفة، وهو أب كلّ من الشخصية البعثية المعروفة سعد قاسم حمودي وشقيقه جعفر.
وكان في الرصيف أيضاً، خط حديدي قصير، عليه رافعة تسمّى «سلنك» تستخدم لرفع الصناديق الضخمة والكتل الحديدية، وما لا يمكن حمله من الدوبة إلى الرصيف. وقد يتعاون حمالان أو أكثر لنقل بعض الصناديق أو أعمدة الحديد إلى المخازن الخارجية أو الداخلية أو لوضعها على ظهر شاحنة، تنتظر. وكان الحمالون الفيليون في بغداد عدا قوتهم الأسطورية أمناء غالباً، ولذلك كانت ثقة التجار وأصحاب المخازن (الخانات) بهم كبيرة للعمل والحراسة.
لكن القسم الأكبر من الأكراد الفيلية في بغداد كانوا أصحاب حوانيت للبيع، والعديد منهم كانوا من كبار التجار. ومع تأسيس الكليات، لا سيما الحقوق (القانون) ظهر من بينهم القضاة والمحامون ومن بينهم ابن عمي محمود شكر، كما برز الموظفون، والمعلمون، والمثقفون من شعراء وكتّاب، والموسيقيون والملحنون والمغنون. وعلى الصعيد السلبي كان عدد من الفيلية من بين أشهر فتوات (أشقيائية) بغداد العشرينات والثلاثينات، وفي مقدمتهم «أبو جاسم لر» الشهير جدّاً. وقد قتل بعد سنوات من تركه تلك الهواية السيئة. وانتشر الفيلية على مدى قرون وقرون، في سهول العراق الشرقية ومدنه الجنوبية، لا سيما في علي الغربي، والكوت، وزرباطية، وبدرة، ومندلي، وخانقين، والناصرية، وقلعة سكر وغيرها، وكانوا جميعاً تقريباً أصحاب دكاكين أو مخازن أو تجار حبوب ومواشٍ ويلبسون الملابس العربية الأصيلة حتّى لا يكاد أحد يميز بينهم في الزي واللغة عن أي من أبناء العشائر العربية.
وممّن برزوا من بين الأكراد الفيلية علماء وأدباء مشهورون أمثال الدكتور مصطفى جواد وعبد المجيد لطفي، والشاعر زاهد محمد، وموسيقيون نوابغ منهم سلمان شكر (ابن عمي) ونصير شمة، وملحنون ومغنون منهم رضا علي، وحسن خيوكة، وأطباء أشهرهم جعفر محمد كريم، (شقيق حبيب محمد كريم)، من مؤسسي الحزب الديموقراطي الكردستاني، الذي اضطر تحت مطاردة الشرطة العراقية للهجرة سرّاً إلى إيران، وفي الحياة السياسية برز حبيب كريم، الذي شغل منصب سكرتير عام الحزب الديموقراطي الكردستاني في الستينات والسبعينات. ومن المربين برز سلمان رستم ومهدي ساخان، وشهاب أحمد وآخرون. ومن أبطال الرياضة البدنية داود سلمان ورحمن سردار وحسن دارا وكاظم رضا ونور الله رضا وشمّة جمعة ونعمان مراد وعبد الرزاق باوي وسعيد حسين وأنور مراد وزكي غلام، وكانوا بارزين في كرة السلة والكرة الطائرة، وغيرها. وقد حصل عبد الرزاق باوي، مثلاً، على ثلاث ميداليات ذهبية في ألعاب الساحة والميدان في أولمبياد المدارس. وفي أولمبياد مدارس بغداد عام 1954 حصل عبد جان علي على ميدالية ذهبية في ركض 400م، وحصل إبراهيم علي على الميدالية الذهبية في رمي الثقل.
أمّا أثرياء الفيلية وتجارها في بغداد فقد تجمعوا مع عدد من مثقفيها في أواخر الحرب العالمية الثانية لتأسيس «المدرسة الفيلية» التي بدأت ابتدائية وتطوّرت إلى ثانوية، ثمّ تأسّس لها فرع مسائي عام 1946. كما تأسّست «الجمعية الفيلية» في العام نفسه، ومن بين المؤسسين والممولين الحاج أحمد، ونوخاس مراد، والحاج علي حيدر (والدي)، وهادي باقر وشكر محمود، وحميد الملا علي، وآخرون. وقد نجحت المدرسة الفيلية نجاحاً باهراً، وتطوّعت شخصياً في سنتها الدراسية (1946ـ1947) للتدريس في مسائيتها مجاناً مع زميلي المسلم السني ممدوح الآلوسي (من تكريت) وعبد الأحد المالح (مسيحي من شمال العراق)، وكنّا جميعاً في الصف المنتهي في كلية دار المعلمين العالية، ومن اليساريين.
إنّ تأسيس المدرسة والجمعية الفيليتين، كان بحد ذاته تعبيراً حاسماً عن انتماء الفيلية للعراق، وعن رفض تهمة الانتماء «التبعي» الإيراني. فإذا كان عدد من أبناء الفيلية قد درسوا في المدارس الإيرانية المتواجدة في بغداد والكاظمية، فإنّ المدرسة الفيلية جذبت الجميع، وأكدت على عراقية الانتماء، لا سيما ولم تكن تدرس إلاّ باللغة العربية والمناهج الدراسية العراقية وحدها. وقد ترعرع آلاف الصبية والشباب الفيلية وهم لا يقرؤون بل لا يتكملون إلاّ بالعربية في بيوتهم مع آبائهم. وإذا كان حزب البعث قد نص في نظامه الداخلي على أنّ العروبة تعني أوّلاً من ينطقون بالعربية فإنّه لمن الغريب أن يعتبر الأكراد الفيلية «فرساً» مع أنّ لغة أغلب شبابهم هي العربية. لكن الصحيح جدّاً أنّ ذلك لم يلغ شعور كلّ الفيلية بالانتماء إلى قومية كردية متميزة بلغتها، وتقاليدها وتاريخها. أمّا اتهامهم بالتفرّس فكان «ذروة» التشويه، والتحريف المتعمدين.
لقد لعب الأكراد الفيلية دوراً مهماً في الحياة الاقتصادية والتجارية للعراق ولا سيما بغداد. وكذلك دورهم في الحياة السياسية للعراق، وكانت مناطق الفيلية في بغداد بين أهم مراكز تحشد المظاهرات الوطنية الكبرى ضد السيطرة البريطانية ومن أجل الاستقلال والديموقراطية في العراق، أي أنّهم ناضلوا مع بقية الشعب العراقي وقدموا التضحيات، وبذلوا الدم في سبيل أهداف وطنية عامة، ولم يتقدموا يوماً ما بأي مطلب أقلّوي خاص ما عدا السماح لهم بفتح جمعياتهم ونواديهم ومدارسهم، وإلغاء التمييز العنصري عنهم الذي كان يمارس من خلال ما يسمّى بقانون الجنسية المعتمد في أواخر سنة 1924.
وقانون الجنسية العراقي هذا هو من أغرب قوانين الجنسية في العالم وأكثرها شذوذاً، فقد وضعه أقطاب الحكم الوطني عند تأسيسه بإشراف الإنكليز، وكان يقسم المواطنين إلى قسمين: من لهم أوراق تثبت «عثمانيتهم» ومن هم خلاف ذلك فيحسبون على إيران ويعتبرون من فئة «التبعية» الإيرانية. فحتّى إذا حصل عراقي منهم على شهادة تجنس فكان يكتب بالخط الأحمر على الشهادة: «تبعية» أي أنّ أصله إيراني، وهذه كانت حالتي أنا عندما استجيب لطلبي فاعتبرت عراقياً أصلياً، بعد أن تمّ الاعتراف رسمياً بأنّ أبي كان من مواليد بغداد.
وقد تعرّض شاعر العرب الأوّل في هذا العصر محمد مهدي الجواهري إلى حملة تنكيل وتشهير لأنّه لم يكن يحمل ورقة تثبت انتماءه «العثماني» وحاربه أمثال ساطع الحصري عندما أريد تعيينه مدرس ثانوية. لكن الملك فيصل الأوّل تحدّى الموجة العنصرية فاختار الجواهري ضمن موظفي البلاط الملكي بالذات.
يقول الجوهري في الجزء الأوّل من مذكراته (الصادر عام 1988) في إشارته إلى وقائع اضطهاده التعسفي في العشرينات:
«طفت بكلّ البلدان العربية وسألت في بلدان عديدة أخرى عمّا إذا كان يوجد في أي مجتمع نظير لمثل هذه الفضيحة، أن يكون أهل البلد بعد انحسار الاحتلال الأجنبي، أجانب في التبعية إذا لم يثبت تمتعهم بجنسية الأجنبي المحتل (أي العثماني) فلم أجده. ولا أعتقد أنّ هناك من يقدر أن يرد عليّ ويورد مثالاً لذلك في كلّ ما وجدته قبل، وهذا وأنا في عز شبابي في النجف، وتوسّعت فيه بعد ذلك. إن من يولد «بمجرد الولادة» في أميركا فهو على حق من أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية، وأكرر هذه الكلمة ـ رئاسة الجمهورية. أمّا وأنا في براغ وما أزال حتّى يومي هذا، فإنّ من تضعه أمّه في طائرة تحلق في سماء براغ وتحط فيها، فهو بحكم دستورها چيكوسلوفاكي لمجرد ولادته في سمائها، وليس على ترابها فحسب».
وقد تعرّض الأكراد الفيلية إلى تمييز فاضح خلال العهد الملكي كلّه وبعده. واستبشروا خيراً بثورة 14 يوليو/ تموز 1958، فتشكل بعد الثورة بشهور وفد من الأكراد الفيلية المنتمين لكلّ من الحزب الديموقراطي الكردستاني (البرزاني)، والحزب الشيوعي، وذهبنا لمقابلة عبد الكريم قاسم وعرضنا مشكلة أقليتنا وطالبنا باعتبارنا عراقيين أقحاحاً ومنح الجميع شهادات جنسية عراقية أصلية، فوعد خيراً. ولكن التمييز تفاقم وتصاعد بعد سقوط قاسم في عهد عبد السلام عارف. وانتهى إلى موجة واسعة من عمليات التهجير الوحشية المخالفة لحقوق الإنسان وللدستور العراقي الموقت نفسه، وذلك في السبعينات وبداية الثمانينات (في عهد سلطة حزب البعث الحالية)، فقد اعتبروا أكثر الفيلية «فرساً» و«طابوراً خامساً» لإيران. لقد جرى تهجير عشرات الآلاف من الأكراد الفيلية في بغداد وخارجها، وسيقوا بأساليب همجية وبدون إنذار إلى خارج الحدود، ونهبت كلّ ممتلكاتهم. وأمّا المتزوجات من الفيليات من عرب أو الفيلية المتزوجون من نساء عربيات، فقد صدر قانون خاص يشجع الزوجات والأزواج العرب على الطلاق مقابل مكافآت وامتيازات مغرية.
لقد كان هذا نصيب أقلية قومية عراقية بذلت الكثير من أجل العراق وازدهاره. أمّا المحسوبون على «العثمانية» فهم وحدهم العراقيون الأصلاء. ويا للعجب!
وبالعودة إلى التاريخ، فإنّ الأكراد الفيلية كانوا عماد الإمبراطورية العيلامية قبل أكثر من 2000 سنة قبل الميلاد، وكانت مدينة (شوش) الحدودية التاريخية العريقة عاصمتهم.
وفي العهد الإسلامي، بعد مجيء الإسلام، أصبحت المنطقة الكردية الفيلية ضمن الإمبراطورية الإسلامية وسمّيت بالجبال، وكانت مدينتا ميمرة وشيروان جزءاً من حكومة بغداد، ومدينة (دره شهر) ضمن ولاية البصرة في زمن الخليفة العباسي السفّاح. وكانت سهول المنطقة من جهات علي الغربي (ميسان) وبني سعد وأجزاء من محافظة الكوت الحدودية مراتع لمواشيهم صيفاً وشتاء. وحكمت المنطقة الكردية الفيلية في لورستان وأجزاء من الجانب الآخر من الحدود عدّة حكومات منها حكومة تايكان، لورستان، سنة 1145 ودامت ثلاثة قرون، ودولة آل خورشيد في «لوركوجك» بين 1185 و1295. وفي زمن المغو أبدل اسم لورستان، الموطن الأصلي للفيلية، بلوربزرك (أي لور الكبيرة) ولوركچك (أي لور الصغيرة) وتضم أساساً پشتكوه. وفي عهد الدولة الصفوية كان للمنطقة الفيلية (لورستان) من إيران حكم ذاتي فرضه الأكراد، ومن أمرائه الأمير ذو الفقار وهو من عشيرة الكلهور الفيلية، وقد أرسله الشاه عباس الصفوي لفتح بغداد فسقطت بيده عام 1622، وأصبحت تحت حكمه لمدّة 6 سنوات حتّى أسقطه الشاه عباس بعد إعلان ذي الفقار استقلاله عن حكام الفرس ومخالفة أوامر الشاه. وخلال تلك السنوات من حكم الفيلية لبغداد اتّسع نطاق الهجرة من لورستان الإيرانية إلى وسط العراق وجنوبه فاستوطنت أجيال كبيرة العدد من الفيلية في العراق واندمجت بالسكان الأصليين كما مرّ آنفاً.
واستردّت منطقة پشتكوه من لورستان سيادتها الذاتية في أواخر العهد القاجاري في إيران وكان آخر أمرائها حسين قلي خان الذي قامت القوات الإيرانية في عهد رضا پهلوي باعتقاله، وقتله في السجن وسحق سيادة المنطقة، كما جرى الشيء نفسه مع أمير المحمرة العربي الشيخ خزعل في منطقة خوزستان. وقد لجأ الابن الأكبر لحسين قلي خان المدعو أشرف خان إلى العراق، وسكن في قضاء علي الغربي قرب جبال پشتكوه وخصّصت له الحكومة العراقية راتباً شهرياً. كما تزوجت شقيقة له من نقيب أشراف مندلي وشقيقة أخرى من السيد بحر العلوم عضو مجلس التمييز الشرعي. وطالب أشرف خان بملكية مقاطعة «البكساية» بين الشيخ سعد وعلي الغربي إذ كانت، كما قال، ملكاً لأبيه ولكن الإدارة العراقية لم تستجب لطلبه. وبالمناسبة فإنّ والي پشتكوه حسين قلي (أو قولي) خان كان من بين من تردّدت أسماؤهم مع الأمير فيصل لحكم العراق عام 1921، وهو كردي لا فارسي، وإنّ اسم قلي اسم كردي.
ما بين 1971 و1982 جرى تهجير أكثر من ثلاثمائة ألف كردي فيلي من العراق، ومات من مات من المهجَّرين على الحدود، لا سيما بين كبار السن، ومنهم خالتي، شقيقة أمي، ونهبت ممتلكات الجميع بعد أن قضوا في العراق ـ وطنهم ـ أجيالاً وخلفوا فيه الأولاد والأحفاد. كما حجزت الحكومة ما لا يقل عن ستة آلاف من شباب الفيلية في السجون والمعتقلات ولا يزالون محجوزين حتّى اليوم (سنة 1998) دون ذنب وبلا تهمة رسمية، بعد أن جرى تهجير آبائهم وأخواتهم وأمهاتهم.
وجرى في الوقت نفسه تهجير آلاف من العرب العراقيين الأقحاح من جنوب العراق ووسطه بحجة «التبعية» وبينهم الكثيرون من أبناء العشائر العربية. ولكن «الذنب» الوحيد الذي اقترفوه هو انتماؤهم الشيعي.
د. عزيز الحاج
الإبادة الجماعية في كردستان العراق
في عهد صدام حسين
الإبادة الجماعية أو إبادة العنصر (Genocide) مصطلح ابتدعه رافايل لامكين للتعبير عن التدمير المتعمد للعنصر، كلياً أو جزئياً، بدوافع التعصب العنصري أو الديني أو الاستعماري. وفي 1948 تبنّت الأمم المتحدة التعريف التالي للإبادة الجماعية: «هي محاولة القضاء محلياً او جزئياً، على جماعات قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية، بسبب هويتها هذه».
وأصبحت الإبادة الجماعية (أو إبادة العنصر) جريمة دولية يعاقب عليها القانون الدولي بموجب معاهدة الأمم المتحدة بالموافقة على «ميثاق عقوبة جريمة إبادة العنصر» التي تمّ التوقيع عليها في كانون الأوّل (ديسمبر) 1948، ودخلت حيز التطبيق في 1951، وقد وقّعها العراق عام 1959، أي بعد عام على تحوّله إلى النظام الجمهوري.
وتشمل «الإبادة الجماعية ـ الجينوسايد) قتل أفراد جماعة أثنية معينة، وتشريدهم والاستيلاء على ممتلكاتهم والاعتداء عليهم جسدياً ومعنوياً، وإجبارهم على اتباع طريقة معيشة تؤدي إلى انقراضهم كلياً أو جزئياً، وفرض تدابير تمنع توالدهم وتكاثرهم واستمرار جنسهم، وخطف أطفالهم بشكل جماعي لإذابة شخصيتهم الأثنية.
ولو أخذنا بالمقاييس أعلاه، لوجدناها تنطبق تماماً على كلّ من كردستان العراق في الشمال ومنطقة الأهوار في الجنوب. فالمنطقتان تعرضتا لعلميات إبادة النوع والزرع وتغيير الطابع الجغرافي والديموغرافي فيهما. ففي الأهوار عمدت السلطات العراقية إلى القضاء على مقومات المعيشة والحياة الطبيعية هناك، عبر تجفيف الأهوار والمستنقعات. والقضاء، بالتالي، على الثورتين السمكية والحيوانية فيها، وهما مصدر الغذاء الرئيسي لسكان المنطقة. كذلك تمّ حرق الغطاء النباتي للمنطقة، والمتمثل بالقصب الذي هو مأوى عشرات أنواع الطيور الي يعتمد عليها السكان كمصدر آخر للغذاء. وهكذا لم يترك النظام العراقي من خيار أمام هؤلاء المنكوبين سوى ترك مناطق سكناهم الأزلية والتوجّه، هائمين على وجوههم، إلى المدن والقصبات القريبة، تدفعهم في ذلك غريزة البقاء.
أمّا بالنسبة لعمليات القتل والإعدام هناك فهي قائمة على قدم وساق. ولا أجد أبلغ من شهادة مراسل صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية، الذي ذكر أنّ جلاوزة النظام العراقي أسروا ثائراً أهوارياً، ولإشاعة الرعب بين سكان المنطقة لجؤوا إلى ربطه إلى سيخ حديد وشيّه حيّاً على النار!
وفي كردستان العراق تبدو الصورة أجلى وأوضح حيث وضع النظام العراقي الصدّامي خطة عسكرية منهجية لإفراغ الريف الكردي من جميع سكانه، مدنيين ومقاتلين على حد سواء، في محاولة منه للقضاء على جذور ومقومات المجتمع الكردي.
ومن هذا المنطلق أعطى صدام حسين صلاحيات واسعة غير محدودة لابن عمّه ووزير دفاعه علي حسن المجيد للشروع في تنفيذ خطة الإبادة الجماعية للنوع والزرع في كردستان العراق، والتي انطلقت أولى حملاتها في 1987 تحت اسم «الأنفال» التي تعني الغنائم أو الأسلاب.
كانت مدّة كلّ حملة من حملات «الأنفال» ستة أشهر. وكعملية تمهيدية لها، باشرت الحكومة العراقية بتنفيذ خطة واسعة لإفراغ آلاف القرى والقصبات الكردية الحدودية (على حدود كلّ من تركيا وإيران)، وبعمق 18ـ30 كلم من سكانها. وانطلقت أولى حملات التهجير عام 1976، وبلغ عدد القرى المهجرة حتّى 1979 ألفي قرية. ثمّ تلتها حملة أخرى في 1985 حين تمّ تهجير سكان 360 قرية وإبعادهم إلى صحارى محافظة الرمادي. وكرّت سبحة التهجير حتّى بلغت أوجها في عام الأنفالات (1987)، حيث تمّ تدمير أربعة آلاف وخمسمائة قرية وقصبة كردية وآشورية من ضمنها تسعة أقضية وخمس عشرة ناحية، أي أربع وعشرون مدينة صغيرة، تدميراً كاملاً بالقصف الجوي والمدفعي والنسف بالديناميت وردم ينابيع المياه بالإسمنت المسلح، وقطع مئات آلاف أشجار الفاكهة المتنوعة والغزيرة، وإيقاد النيران في بقايا أطلال القرى والمزارع والبساتين والغابات والأحراش الكثيفة ومجمل الغطاء النباتي للمنطقة، وذلك ضمن ما سمّي بسياسة الأرض المحروقة، أي حرق الأرض والحرث والحيوان، والقضاء بالتالي على كلّ مظهر من مظاهر الحياة النباتية أو الحيوانية في المنطقة. وكخطوة أخيرة في هذا المجال، كان يتم رش المزارع والبساتين، بواسطة الطائرات السمتية، بالمواد الكيماوية الحارقة للحؤول دون إنباتها ثانية.
أمّا سكان هذه القرى والقصبات المهجرة، فقد أُعدم منهم من أُعدم ونفي بعضهم إلى صحارى وسط العراق وجنوبه، وحشر البقية في مجمعات سكنية قسرية، بنتها الحكومة في أطراف المدن الكردية وأطلقت عليها تسمية «مدن النصر» أو «القرى العصرية» أو «القرى النموذجية» والتي لم تكن في حقيقتها أكثر من معسكرات اعتقال ليس إلاّ. وبلغ عدد المهجرين من سكان هذه القرى والبلدان، في المراحل الأولى، أكثر من سبعمائة وخمسين ألف شخص.
ويقول الصحافي الأميركي جوناثان راندل في كتابه «أمّة في شقاق ـ دروب كردستان كما سلكتها» إنّه في برقية أرسلتها السفارة الأميركية في بغداد إلى حكومتها في واشنطن بتاريخ 19 نيسان (ابريل) 1988 تمّ تقدير عدد الكرد الذين أُرغموا على الانتقال إلى «مدن النصر» بحوالي مليون ونصف المليون شخص، وأظهرت الصور التي التقطتها الأقمار الاصطناعية الأميركية أثناء مرورها فوق الأراضي العراقية حجم الدمار والخراب الحاصلين في الريف الكردي.
وأطلقت بعض الجهات الإعلامية الغربية على هذه العمليات تسمية «الإبادة الجماعية الثقافية»، انطلاقاً من كونها تعني، ضمن ما تعنيه، اقتلع الحياة الريفية التي تشكل عصب المجتمع الكردي.
وفي خطوة تصعيدية لاحقة لعمليات «الإبادة الجماعية» هذه شرعت الحكومة العراقية في استخدام السلاح الكيماوي الفتاك، والمحرّم دولياً، حيث استخدمته ولأوّل مرّة في 15ـ16/4/1987 في مناطق شيخ وسان وباليسان (محافظة أربيل) وشمل ذلك العديد من القرى والمرتفعات. وفي هذه العملية أبيد سكان قرية شي، وسان بالكامل، رجالاً ونساء وأطفالاً، وحتّى الحيوانات الداجنة والبرية أبيدت أيضاً.
وتوالى استخدام السلاح الكيماوي على نحو تدريجي، ولكن ممنهج وشديد الفعالية. وضمن هذا السياق العملياتي تمّ في 23 شباط (فبراير) 1988 قصف مقر قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني (بقيادة جلال طالباني) في وادي (جافتي) بالسلاح الكيماوي. ثمّ توّجت عمليات «الإبادة الجماعية» هذه بمجزرة حلبجة الرهيبة، التي هزّت الأوساط الإعلامية والسياسية العالمية، وتناقلتها وسائل الإعلام كافة في العالم. فقد تمّ قصف هذه المدينة الكردية يوم 16 آذار (مارس) 1988 بغازي الخردل والسارين، وقصفت في اليومين التاليين أيضاً، ممّا أسفر عن سقوط أكثر من عشرة آلاف قتيل ومشوّه (حسب الإحصاءات الأولية للحركة الكردية، بينما بلغت إحصائيات الأمم المتحدة أكثر من ذلك بكثير).
قمين بالإشارة أنّ النظام العراقي قد وثّق جرائمه هذه بمستندات تحريرية وأشرطة تسجيل (كاسيت) وفيديو، ظانّاً أنّها ستبقى في حوزته دوماً ولن تطولها الأيادي أبداً. ففي خلال انتفاضة آذار (مارس) 1991 استولى المنتفضون الكرد على ثمانية عشر طناً من وثائق المخابرات العراقية، التي كانت تتضمن كميات هائلة من المعلومات والأدلة العيانية المباشرة على استخدام السلاح الكيماوي، سواء في حلبجة أو لاحقاً في بهدينان ومناطق أخرى من كردستان.
وفي 25 آب (أغسطس) وحتّى 9 أيلول (سبتمبر) 1988 شنّ النظام العراقي آخر حملاته الكيماوية على الكرد، وختم عمليات «الأنفال» بالإجهاز على البقية الباقية من الريف الكردي في الأعماق وضواحي المدن، وبدأ سلسلة من عمليات الإعدام الجماعي الكيفي والاعتقال العشوائي لأكبر قدر ممكن من الناس، رجالاً ونساء وشيوخاً وأطفالاً، في محاولة مستميتة لتغيير الطابع الديموغرافي للمنطقة! وقتل في هذه العمليات آلاف الأشخاص، ولم تكد تسلم عائلة كردية واحدة من عمليات التصفية الجسدية هذه، واعتبر أكثر من 182,000 شخصاً في عداد المفقودين.
وأنا شخصياً فقدت في هذه العمليات 17 شخصاً من أبناء عائلتي، حيث اعتقل هؤلاء في يوم 28/8/1988 وأعدم 9 منهم رمياً بالرصاص على مدى أكثر من نصف ساعة حتّى تقطعت أوصالهم ثمّ أحرقت جثثهم حتّى تفحمت، بعدها أهيل عليهم التراب بالبلدوزرات. أمّا الثمانية الآخرون فاقتيدوا إلى صحارى الوسط والجنوب ودفنوا هناك مع عشرات الآلاف غيرهم في مقابر جماعية، بعد تجريب السلاح البيولوجي عليهم. ونجا واحد فقط من أبناء عمومتي من هذه المذبحة، وخرج منها بأعجوبة بالغة وهو مثخن بالجراح، ليروي لي في ما بعد تفاصيل المذبحة المروعة لحظة بلحظة، وكيف شاهد بأم عينه سبعة عشر من أبناء عمومته وأقاربه يمزقهم الرصاص إرباً إرباً وتفوح منهم رائحة الشواء.
ومن المفارقات المضحكة والمبكية في آن، أنّ علي حسن المجيد (أو علي كيماوي كما يسمّيه الكرد) قد انتفض ممتعضاً من الوفد الكردي المفاوض، في ربيع 1991، حين سئل عن مصير الـ 182 ألف مفقود من أبناء كردستان، وقال مزمجراً «ما هذه المبالغة؟ من أين أتيتم بهذا الرقم؟ فالرقم الحقيقي لم يتجاوز حدود المئة ألف شخص»!.
صلاح برواري
الإكليل
من أعظم الكتب العربية القديمة، ألّفه الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني المتوفى سنة 334 (946) وكان من كبار علماء اليمن والكتّاب في أنساب حِمْير وأيام ملوكها، وهو في الحقيقة عنوان لعشرة أجزاء في الكلام على ماضي اليمن من جميع الوجوه مفصلة كالآتي:
الأوّل: مختصر من المبتدأ وأصول الأنساب.
الثّاني: في نسب ولد الهَمَيْسَع بن حِمْير.
الثّالث: في فضائل قحطان.
الرّابع: في السّيرة القديمة إلى عهد أسعد تبع أبي كَرِب.
الخامس: في السّيرة الوسطى، من أوّل أيام أسعد تبع إلى ذي نُواس.
السّادس: في السّيرة الأخيرة، إلى ظهور الإسلام.
السّابع: في التّنبيه على الأخبار الباطلة والحكايات المستحيلة.
الثّامن: في ذكرى ملوك حمير ومحافدها ومدنها ودفائنها. وما حفظ من شعر علقمة بن ذي جدن.
التّاسع: في أمثال حِمْير وحِكَمِها واللّسان الحِمْيريّ وحروف المسند.
العاشر: في معارك هَمْدان وأنسابها وعيون أخبارها .
والمطبوع من هذه الأجزاء أربعة فقط هي الأوّل والثاني والثامن والعاشر وتعتبر الأجزاء الأخرى بحكم المفقودة. على أنّ نسخة كاملة من الإكليل بأجزاءه العشرة كانت موجودة في مكتبة إمام اليمن والله أعلم أين انتهى أمرها بعد اضطرابات اليمن وحروبه الأخيرة وهناك كتاب «الإكليل في استنباط التنزيل» في التفسير لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911 (1505). وكتاب (الإكليل في الحديث) للنيسابوري المتوفى سنة 405 (1014).
وعندما يطلق اسم (الإكليل) فإنّما يراد به الكتاب الأوّل.
و(الإكليل) اصطلاح فلكي عربي يطلق على ثلاثة كواكب على رأس العقرب كالإكليل.
حسن بن أحمد الهمذاني صاحب كتاب الإكليل
كن الهمداني مؤرخاً شاعراً نسابة فيلسوفاً نحوياً محدّثاً رحالة، وهو إلى ذلك سياسي، وما بين أيدينا من آثاره شعراً ونثراً يعرب عن علم جم، ومعارف واسعة، وتبحّر في الرواية، وبصيرة في الدراية، وما ضاع منها أو ما يزال مفقوداً ـ وهو الكثير بينها ديوان شعره في ستة مجلدات يخوّل لنا القول بأنّها لو وصلت إلينا ـ أو لو اكتشفناها ـ لازدادت معارف الناس عن اليمن وتاريخها وأدبها؛ وازدَدْنا إجلالاً لذلك العلم الشامخ الذي أطلق عليه الأوائل والأواخر بجدارة لا تمارى «لسان اليمن».
وقد ذاع صيت الهمداني وانتشر ذكره في أنحاء العالم الإسلامي أيام حياته وبعد وفاته؛ لأنّه كان ذا نشاط جاد؛ يواصل ويراسل علماء وأدباء الحجاز والشام والعراق، وكان كثير الأسفار والتجوال، وكان بمزاجه العلميّ، وذوقه الأدبي، وحسّه الشاعري يسجّل كلّ ما يراه أو يقرؤه أو يسمعه ولذلك ظهرت كتبه وكأنّه يؤلفها للمسلمين في كلّ زمان ومكان، وليس لأبناء قومه من اليمنيين فقط؛ وإن كان قد وهب قلبه، وحسّه، وعلمه لوطنه وقومه إلى حدّ يراه بعض النقّاد والمؤرخين من القدامى والمحدثين أنّه قد أفضى به إلى التعصّب الأعمى، والعنصريّة المشينة!
نشأته ومذهبه
يكاد المحققون من المؤرخين أن يجمعوا على أنّه قد ولد في أوائل عام (280هـ) (894م) وهي من الفترات الرهيبة في تاريخ اليمن والجزيرة العربيّة حين بدأ الحكم العباسي يتضعضع، وتشعّبتِ الملل والنحل، وإنَّها لَصُدْفة عجيبة لا يُغْفلها «الفلكيّون» القدامى ـ وقد كان الهمداني منهم ـ أن تكون ولادته في نفس السنة التي خرج فيها الإمام الهادي يحيى بن الحسين خرجته الأولى إلى اليمن؛ ثمّ انقلب راجعاً إلى الحجاز واكتسحت الفتن اليمن، وغادرها وَالي صنعاء من قبل العبّاسيين؛ وظلّت نهباً بين «القرامطة» و«الدعام» و«بني يعفر» وغيرهم حتّى عاد الهادي من جديد وكتب إليه صاحب صنعاء «أبو العتاهية» ليستقدمه، ودخلها سنة (288هـ). و«الهمداني» يشاهد كلّ ذلك بعقله الواعي، وشبابه المتحفز وفطرته السليمة. وتهيّئ منه الأقدار شخصاً سيلعب دوراً كبيراً في أحداث فترته وتاريخها ويتحمّل من بؤسها ونعيمها، وخيرها وشرّها، ما لا يتحمّله إلاّ المحظوظون من نوابغ البشر.
وقد ثابر الشاب الهمداني في «صنعاء» على دراسة العلم وكسب المعارف، لم يشغله عن ذلك شاغل، وكان ذا لاقطةٍ حافظة، وذاكرة واعية، سجّلت معظم ما شاهده أو سمعه من أحداث صباه؛ ومنها كارثة القحط التي حلّت باليمن سنة: (290هـ) (903م) وهو لا يزال في العاشرة فقد ذكرها في الكتاب العاشر من «الإكليل» فقال وهو يتحدّث عن أنساب آل أبي حبش: «فنوا جميعاً في حَطْمة التسعين ومائتين باليمن وذلك أن ما لهم فني، ورقّت وجوههم من المسألة فاعتفدوا، وأوصدوا عليهم وعلى أهاليهم وعيالهم أبوابهم فماتوا رحمهم الله، فلم يبق منهم أحد سوى طفلة درجت من خلل بين حجَرَيْن فأخذها بعض بني الأزهر بن عبد الرحمن فرشّحت عندهم وزوجت فيهم، وسوى رجل كان نازحاً عنهم» ص200ـ201: 10 ـ تحقيق الخطيب، وقال يحيى بن الحسين في «غاية الأماني» ص190: «وفي هذه السنة (290هـ) اشتد القحط في اليمن حتّى أكل النّاس بعضهم بعضاً ومات خلق كثير وخربت عدّة قرى «ثمّ ذكر حادثة اعتفاد آل أبي حبش [أو جيش] وأسندها إلى «الهمداني» ونحن نعلم أنّ الإكليل من آخر تأليف لسان اليمن بعد عام (331هـ) فهو قد ألّفه بعد الحادثة بأكثر من أربعين عاماً ولولا أنّه قد سجّلها لما علمها ولا أشار إليها أحد من المؤرخين. فيما عدا مؤلف سيرة الهادي.
وتوفي الهادي عام (298هـ) والهمداني في عنفوان شبابه يزحف إلى العشرين ولا شك لدي أنّه قد حضر مجالسه وأخذ عنه وعرف طبيعة الصراع بينه وبين بقيّة المشائخ والسلاطين وميّز بين الخير والشر، والحق والباطل، وفي أيامه سنة (306هـ) ذهب إلى مكة المكرمة للحجّ وجاور فيها مدّة وكتب صدراً من الحديث والفقه وتعرّف على الكثير من علماء الحجاز والشام والعراق ولمّا عاد إلى «صعدة» ظلّ يكاتبهم… ويراسلهم وذكر القفطي وغيره أنّه قد رحل إلى «بغداد» و«الكوفة» [وهذا بعيد]، وأنّه قد اختلف مراراً بين «صعدة» و«مكة» وقد اختار «صعدة» له سكناً وظلّ فيها كما يقول عشرين حولاً لأنّ حكامها أمثال «الهادي» و«المرتضى» و«الناصر» كانوا أقرب إلى روحه وطبيعته اليمنية المستقلّة، وإلى مذهبه من «القرامطة» و«آل زياد» أتباع بني «العباس» بل ومن آل يُعْفِر الذين كانوا كما قال الأستاذ حمد الجاسر «يميلون مع هؤلاء آونة ومع أولئك أخرى، وينضمون إلى غير الفئتين في بعض الأحيان»؟ [مقدمة صفة جزيرة العرب] والهمداني الفيلسوف لا يستطيع أن يطمئن إلى أمثال هؤلاء، ولذلك استقرّ في «صعدة»ولا شك أنّ علاقة ودّ كانت تربط بينه وبين الناصر وقد أشار في كتبه إلى مدائح الشاعر ابن الحدوبة فيه وفي أبيه الهادي
وذكر أشعار غيره ولو أنّ كتب الهمداني قد وصلت إلينا دون تحريف، أو لو ظفرنا بديوان شعره كاملاً لوجدنا فيها الكثير ممّا يجحد التخرّصات والاختلاقات ويقرّ الحقائق التي تتلاءم وتنسجم مع أخلاق الهمداني الأصيلة وطبيعة مثله في مثل تلك الفترة المضطربة التي نتحدّث عن آدابها ورجالها.
ولا بدّ من القول: إنّ خيراً كثيراً قد حجب عنّا عمداً، وإنّ كثيراً من المؤرخين قد أعماهم التعصّب، أو التحيبّز لفئةٍ ما، أو مذهب ما، ولذلك فعلى من يريد أن يدرس تاريخ اليمن وآدابها أن لا يقتصر على كتب فئة من الفئات، أو مؤرّخي دولةٍ من الدول، بل عليه أن يتحرّى ويتتبع آثار كل فئةٍ من كتب مؤرخيها وأدبائها، وأنّه لمن دواعي الأسف أن نذكر أنّ أغلبيّة مؤرخينا ـ قدامى ومحدثين ـ هم من المتعصبين والمتحيزين، ومعظمهم تأثّروا بما يحيط بهم، وتضجّ به مجتمعاتهم من تعصّبات مذهبيّة، أو دعوات سلالية، وقلَّ أن تجد فيهم من يستطيع أن يتحرر من قيود بيئته، أو ينصف غير أبناء طائفته؛ ويتفاوتون؛ بين مغرق يتعسّف، وخائف يتعثّر، وعالم يتجاهل، وجاهل يتعالم، وقد يبلغ بالبعض التطاول إلى التكفير والتفسيق؛ وبآخرين الانسياق وراء الخرافات والسخافات، وبقومٍ الهبوط إلى مهاوي التضليل والدجل ويستوي في ذلك المحدّثون والأقدمون.
العمود الفقري لحياة الهمداني
لقد امترست الآراء والألسن، واختلفت وتضاربت وتجادلت بالكلام عن «الهمداني» ثناءً ومدحاً، وتجريحاً وقدحاً؛ شأنها في كلّ زمان ومكان مع الأفذاذ، وقد ترجمه من القدامى صاعد الأندلسي، والقفطي. ويحيى بن الحسين. واهتم به وبكتبه المستشرقون، وأثنى عليه ناقداً محب الدين الخطيب وحمد الجاسر ومجده وقدسه محمد بن علي الأكوع، وتحدّثت عنه أوّلاً في كتابي «قصّة الأدب في اليمن» وثانياً في كتابي «دامغة الدوامغ» ثمّ ثالثاً في كتابي «جناية الأكوع على ذخائر الهمداني» وفيه زيّفت بعض ما ينسب إليه من قِبَل من لم يعرفوا قدره، وفنّدت من يزعم أنّه كان منحرفاً عن آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وأنّه كان من أصحاب الهادي وأولاده «المرتضى» و«الناصر» وأن تشيّعه لم يتأثّر بعصبيته لقومه «قحطان» ضد «العدنانيين»، ولا بسوء التفاهم الذي حديث بينه وبين الناصر في أواخر أيامه بصعدة بسعاية ووشاية خصومه القوميّين والسياسيين.
على أنّ جلّ ما قيل عن الهمداني قبل اكتشاف بعض مقالات كتابه «سرائر الحكمة» كان لا يخلو من العاطفة والهوى، والتأثّر بما قاله محبّوه أو خصومه، ولا سيما في معرفة مولده ونشأته الاولى وقضيّة سجنه، أمّا بعد العثور على «سرائر الحكمة» فإنّ حياة المهداني لم تعد محاطة بالغموض لأنّه قد تحدث بنفسه عن نفسه، وسجّل كتاب سيره بأسلوب روائي بديع نستطيع ممّا جاء فيه… أن نستجلي صورة الهمداني ونحدّد معالمها فيما يلي:
1 ـ ولد بصنعاء في يوم الأربعاء 19/صفر سنة (280هـ) وهو العام الذي خرج فيه الهادي يحيى بن الحسين إلى اليمن للمرّة الأولى.
2 ـ حدثت به علّة ليست بشديدة وهو في الخامسة من عمره، ولم يكد يبلغ السابعة إلاّ وهو يحدّث نفسه بالأسفار.
3 ـ كان أبوه رحّالة دخل الكوفة والبصرة وبغداد وعمان ومصر وكان لأسرته بصرٌ بالإبل منذ كانوا في «مشرق اليمن» ولما انتقلوا إلى صنعاء اشتغلوا بالجمالة والتجارة ونَقل الحاج بين جنوب الجزيرة وشمالها.
4 ـ انتقل من «صنعاء» وهو في الخامسة عشرة؛ أي عام (295هـ) إلى صعدة قبل وفاة الإمام الهادي ببضع سنوات وفي صعدة شارك أهله في عملهم وهو نقل الحجيج والتجّار ما بين صعدة ومكة. وفي صعدة بلغ سن الرشد وجنح إلى متع الحياة وطيّباتها وشغف بمخالطة الناس ومجالسة الغرباء خاصّة واكتسب من ذلك معارف وتجارب.
5 ـ بعد عشر أعوام من استقراره في صعدة أي حوالي سنة (305هـ) وهو في الخامسة والعشرين وقد أمِر أمرُهُ، وكثر أصدقاؤه وحاسدوه وأشقاه الكد، وأضناه الترحال واكتسب حدّة الطباع، وحبّ الجدل والنقاش فنال من مخالطة المنافسين ومعارضة الخلطاء وعداواتهم ما زيّن له «السفر الكبير» فارتحل إلى مكة طالباً للعلم ومجاوراً للبيت الحرام… ونعلم أنّه أثناء رحلته هذه قد أصابه مرض شديد أشرف به على الموت ولكنّه واصل الرحلة حتّى وصل «مكة».
6 ـ جاور في مكة حوالي سبع سنوات أي إلى عام (311هـ)؛ وفي مكة تفتّحت له آفاق المعرفة، واتّسعت بسطته في العلم، وعرف الكثير من علماء الحجاز والعراق والشام ومصر والأندلس وتلقّى العلم عن بعضهم وأخذ شيئاً من علم الأخبار والمنطق والحديث والفقه واقتنى بعض كتب السيرة ودواوين الشعر، ورغم أنّه فقد في مكة رفاهية «صعدة» ولذاتها، وتعرّض لأذى حرّها وهجيرها، كما يقول في المقالة العاشرة عن نفسه إلاّ أنّ فترة إقامته بها كانت من أخصب سني التحصيل العلمي والنضوج الثقافي.
7 ـ في عام (311هـ) أو العام الذي يليه رجع الى اليمن ونزل صعدة وهي يومئذ قاعدة الإمام الناصر بن الهادي الذي كان أثناء غياب الهمداني في مكة ـ قد قضى على سطوة القرامطة، واجتث شوكتهم في وقعة «نُغَاش»، وأصبحت «صعدة» أكبر مراكز العلم والأدب في اليمن، وتكتظّ بالأفذاذ من العلماء والشعراء والفقهاء، كما أنّها أصبحت أهم المحطّات التجارية، وأكبر مراكزها ما بين مختلف الجهات اليمنيّة، بل وطريق قوافل الحجّاج والتجّار من جنوب الجزيرة إلى شمالها، وقد رحبت صعدة بالهمداني من جديد، و«عمَرَ بها داراً، وامتلك عقاراً»، وطاب له العيش والمقام بها وراق، وساهم في إحياء الحركة العلمية والثقافية، وشارك في الأمور السياسية والتجارية، وكان له حظ لدى الناصر، ومكانة بين العلماء والشعراء، ووجاهة لدى زعماء القبائل، وأخذ عن العلماء وأخذوا عنه، وأرفدهم بما تعلّمه وهو بمكة، وبما أورده معه من كتب تاريخيّة وفقهية ولغويّة ودواوين شعر، وارتفع قدره وعرض جاهه، وكانت «صنعاء» وما صاقبها تحت حكم أسعد بن يعفر و«زبيد» يحكمها «ابن زياد»، وهناك عدد من المشائخ والسلاطين يحكمون قبائلهم بتقاليد عشائريّة، وأسلوب جاهليّ يُوالون هذا تارةً وذلك أخرى، والجميع يتصارعون على حطام الحكم والسلطة، ومدنهم وقراهم تتعرّض للفتن والنَهْب والدمار، بينما كانت «صعدة» عندما عاد الهمداني تتمتّع بشيء من الرخاء والاستقرار السياسي وتزدهر بنشاط ثقافيّ حيّ، وحاكمها إمام مبرّز في علوم المعقول والمنقول. ولذلك كلّه اطمأن الهمداني إلى الاستقرار بها كما هاجر إليها أستاذه أبونصر الحنبصي فراراً من «القرامطة» و«الحواليين». وهناك قرءا معاً «سجل بن أبان» وأخذ عن شيخه الطاعن في السن ما أخذ في علم الأنساب([351]).
8 ـ ما بين عام (311هـ) وسنة (315هـ) وبعد أن شبّ أولاد الإمام الناصر، وبرز إلى الساحة مجموعة من الوزراء والقوّاد والمشائخ بدأت تنجم قرون الصراع والخلاف بين المتطلّعين إلى «وراثة السلطة» إذا ما انتقل «الإمام الناصر» إلى جوار ربّه، كما أنّ الخلافات القديمة بين قبائل منطقة صعدة والتي كانت سبباً من أسباب ذهاب وفود تلك القبائل إلى «الرسّ» وتنصيب الهادي إماماً لهم سنة (284هـ) بدأت أيضاً تُثَار من جديد؛ ونشأت معارك كلامية نشب بسببها صراع بياني مرير بين شعراء التعصّبات العرقية، والدعوات الجاهلية والتفاخر بين «القحطانية» التي ينتسب إليها عرب جنوب الجزيرة، و«العدنانية» التي يعتزي إليها عرب شمالها؛ إلى جدل كلامي وفقهي بين أصحاب المذاهب والنِحل. وشبت المعارك اللسانية بالحجج و«الدوامغ الشعرية». وما كان للهمداني أن يسكت أو يظلّ محايداً؛ وأنّى له ذلك وهو يعتبر نفسه بل ويعتبره الآخرون «لسان اليمن»! وليس ذلك فحسب بل وقد نالت ألسنةُ الشعراء من قومه، وربما أنّ بعض حاسديه ومنافسيه قد نالوا منه شخصياً ونبزوه بألقاب «الجمّال» و«الحائك» و«ابن الدمينة»!؟
فما كان منه إلاّ أن نضا شبا اليراع، وجرّد سيف لسانه الصقيل وخاض المعركة البيانية شعراً ونثراً وكال لهم الصّاع صاعين، ولعلّ بعض شعراء «اليرسميّين» و«الهشميين» و«العَدَوَيّين» و«التميميّين» قد لفقوا ضدّه ما أوغر قلب «الإمام الناصر» الذي كان قد أرهقته الحرب مع «القرامطة» و«اليعافرة» والموالي والمشائخ، وغيرهم، وضاق ذرعاً بالجدل البيزنطي السخيف بين الشعراء حول من هم الأكرم أَعَرب «قحطان» أو عربُ «عدنان»؟ وكان يخشى على «اليمن» من التمزّق والضياع، والفتنُ والأطماعُ تتربّصُ بها الدوائر؛ وربّما أنّه قد خشي أيضاً أن يكون بين هؤلاء الشعراء المتفاخرين «بقحطان» و«عدنان» و«مذحج» و«جُرهم» من غرضُه الفتنة والمكر، وهدفه تمزيق العرب والمسلمين ولذلك فقد انفعل «الناصر» وأمر بوقف تلك المفاخرات والمشاحنات العرقية والعصبية، التي تجانف روح الدين الحنيف، بل وأمر بسجن بعض الشعراء ومنهم «الهمداني» في يوم الثلاثاء 11/ رجب سنة (315هـ) ولكنّه سرعان ما أفرج عنه، ولم يمكث في السجن غير عشرة أيام؛ وربما أنّ الناصر قد توعّده، لو عاد إلى إثارة المعارك اللسانية بين «قحطان» و«عدنان» وربّما أنّه قد تخوّف على مستقبله وليس من شراسة خصومه السياسيين ومنافسيه من الأدباء والعلماء بل وممّا قد تتعرّض له صعدة بعد موت «الناصر»، وهو يرى الأطماع، والأهواء والخلافات والتعصّبات تتربّض. بل وتعمل لمصير مرعب مجهول. ولذلك قرّر النزوح إلى «صنعاء» مسقط رأسه وكان يحكمها ـ والياً من قبل السلطان أسعد بن أبي يعفر ـ ابنُ أخيه أبو الفتوح الخطاب اليُعْفِري، وظنّ الهمداني أنّه سينعم عند «آل يعفر» الحواليّين، الحميريين بالجاه والحماية لأنّهم من قحطان والهمداني لسانها، وما لجأ من صعدة إليهم إلاّ بعد الملاحاة العنيفة، وتحت وعيد الناصر بالعقاب إذا ما عاد إلى إثارة تلك المشاحنات السلالية، والمفاخرات التي ضمّنها قصيدته «الدامغة» ولكنّه ما أن وصل صنعاء حتّى اشتغل خلال العامين (316 و317هـ) بشرح قصيدته الدامغة في كتاب حافل بشتى فضائل قحطان. غير هياب ولا وجل لأنّه في حمى سلطانٍ حميريّ قحطاني.
9 ـ لكن سرعان ما خاب أمل الهمداني في آل يُعْفِر الحواليين وكان معهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، إذ كان يظن أنّه بنجاته من «صعدة» حيث الشعراء والعلماء والفقهاء الذين يتعصّبون لِعدنان والتحاقه بصنعاء حيث الحاكم فيها «تبعيّ» «قحطاني» سيبعده عن أيّ احتمال لمكروهٍ يحلّ به، أو شر يراد له؛ غير أنّ الذي حدث كان عكس ما ظن وتصوّر؛ فقد أمر السلطان أسعد بن أبي يُعفر ابنَ أخيه أميرَه على صنعاء في يوم الاثنين 24/شوال سنة (319هـ) بإلقاء القبض على الهمداني وتكبيله بالقيود والزجّ به في أعماق سجن رهيب، وقد وصف الهمداني سجنه في المقالة العاشرة من «سرائر الحكمة» فقال: إنّ السلطان غضب عليه في صنعاء في التاريخ المذكور آنفاً وإنّه «كثرت المطالبة من الأشراف وذوي النجدة، بالحسنى وبالشدّة، لإخراجه من السجن فكان أن سمح له في ابتناء مسكن يتّسع فيه، وفسح له في زيارة الإخوان، وقضاء الحوائج وذلك بعد مضي سبعة أشهر وأربعة أيّام ـ أي أنّه ظلّ تلك الفترة في سجن انفرادي» ـ قال: «ثمّ أطلق من القيد الخفيف بعد أربعة وعشرين يوماً ونقل من السجن العظيم إلى ما هو في عداد المنزل» ثمّ بدا للسلطان «الحوالي» ما بدا فعاد إلى التشديد عليه والتنكيل به، قال الهمداني: «ثمّ تبدّلت به الحال الرضيّة إلى حال ضيق؛ فنقل من بلد إلى بلد وطيف به مصفّداً إلى مواضع غُرْبة؛ فلقي من ذلك الأمرّين، وكان ذلك بعد ستة عشر شهراً وثمانية عشر يوماً من مدخله السجن، ثمّ أدخل عليه بعض الراحة بعد سبعة عشر شهراً وثمانية عشر يوماً، واحترك في الطلب فيه العظماء من الناس فنفذت فيه الشفاعة وأذن بإطلاقه وأخرج»، «ثمّ ردّ إلى السجن ثانيةً، ثمّ أطلق من «الموضع» وبُعث به مغرّباً مع حفظَة أينما وصلوا من قرية سجنوه فقام على ذلك ثمانية أيام، ثمّ فلَت من النهج الذي قُصِدَ له به، وملك نفسه [كأنّه يعني أنّه تمكّن من الفرار من الحفظة الذي يطوفون به مكبلاً في مملكة الحوالي] وذلك بعد ستمائة و22 يوماً تكون شهوراً تامة ـ 21 شهراً و19 يوماً» قال: «ثمّ كان وقوعه في مأمنه وخلوده للراحة بعد فَلْتَةِ شهرين ويومين»، أمضاها في تشرّد وتخفّي وخوف.
وإشارةُ الهمداني إلى فراره من السجن تفسّر بعض الروايات القائلة بأنّ سلطان «زبيد» قد ساعده على الخلاص من ذلك السجن والتنكيل!. وبمتابعة قيودات الهمداني التاريخية نعرف أنّه قد فلت من سجن «اليعافرة» في أواخر شعبان سنة (321هـ، 934م) ولكنّه ظلّ هارباً خائفاً يترقّب حتّى شهر ذي القعدة عام (321هـ) ولجأ إلى مأمنه في «ريدة» جوار سيّد «حاشد» يومَها أبو جعفر أحمد بن الضحّاك. ولا تفسير يُعقل لماذا لم يهبط على السلطان ابن زياد في «زبيد» إذا كان حقاً قد ساعده على الفرار من سجن اليعفري إلاّ إذا كان قد أدرك أنّ «آل زياد» على وشك الاضمحلال والاستسلام لمواليهم من الأحباش وهو ما لا تطيقه نفسيّة «الهمداني».
شهادة «قصيدة الجار»
تلك هي فقرات عمود حياة «الهمداني» وسيرته منذ طفولته وحتّى بلغ قمّة هرم الحياة، وجاوز الأربعين، وخلد إلى كتابة «الإكليل» في أسفاره العشرة ومؤلفه الذي لم يصل إلينا كاملاً أيضاً «صفة جزيرة العرب»، وفي جوار ابن الضحاك «برَيْدَة».
وبهذا نعرف أنّ الهمداني قد سجن مرّتين الأولى في «صعدة» ولم يمكث فيه غير عشرة أيّام، والسجن الرهيب الثاني مع التنكيل كان في «صنعاء» على يد السلطان أسعد بن أبي يُعْفِر، وتتلاشى التخرّصات والدعاوى التي تريد أن تلقي تبعة ما قاساه وعاناه في ذلك السجن على الإمام الناصر بن الهادي([352]).
وأمّا ما ورد في الجزء الأوّل من «الإكليل» ممّا يوحي أنّ الهمداني نفسه قد ذكر أنّ «أسعد بن أبي يعفر» قد ذكر أنّه إنّما سجنه بأمر «الناصر» فلا شك عندي أنّ تلك العبارات لم يزبرها قلم الهمداني؛ وأنّها من كلام مختصر الإكليل محمد بن نشوان([353]) الذي أقرّ أنّه قد تصرّف في الكتاب، وحذف وغيّر وبدّل لأسباب فصلتها في كتابي «جناية الأكوع على ذخائر الهمداني» وقلت «إنّ تشدّد الحواليّين في تعذيبه كما ذكر في المقالة العاشرة من «سرائر الحكمة» لا يمكن أن يقوم به إلاّ ذو حقد شخصي نحو عدوٍ لدود: ولا يمكن أن يكون ذلك مجاملةً لعدوٍ قديم ـ وهو الناصر ـ الذي زعموا أنّه أصبح صديقاً»!! «وفي نفس الوقت قد يجوز أنّ «أمراء آل يعفر» الذين تولّوا حبس الهمداني وتعذيبه قد حاولوا بعد إطلاق سراحه، أو على الأصح فراره من سجنهم أن يقولوا له إنّهم إنّما عملوا ما عملوا عن أمر الناصر، أو بإشارته دساً وكيداً! وزعم «الحوالي» ما زعم تنصّلاً وتبريراً!
على أنّ كلّ ذلك من باب الافتراضات والجدل، وإلاّ فقد بيّن الهمداني نفسه أنّ سجنه كان على يد السلطان اليعفري في كتابه سرائر الحكمة، بل وسجل ذلك شعراً في قصيدته الطويلة التي سمّاها «الجار» وأثبتها المحقق «الأكوع» في مقدمة الجزء الأوّل من الإكليل وأوّلها:
خليليَّ إنّي مخبرٌ فتخَبّرا
بذلةِ كهرانٍ، وحيرة حميرا،
إلى أن يقول بعد ذكر ما قاساه من ويلات وما نزل على أهله و«بُنَيَّاتِه» من كرب وبلاء، ومذكّراً لقحطان مناضلته عنهم وعن أمجادهم:
كأن لم تقولوا يوم ناضلتُ دونكم
لئن ثأرتْ «عدنان» منك لنثأرا
أ «مسْلم» لا تُلْحِقْ «مَعَداً» ملامةً،
فإنّي أراهم من قبيلي أعْذَرا
وكأنّه يفنّد العذر السخيف الذي زعمه «اليُعفري» بأنّ «الناصر» قد طلب منه حبسه! ويشير أيضاً إلى قصيدته «الدامغة» التي تعصب فيها لقحطان وهاجم «الأمويين» و«العباسيين» بما كانوا يصنعونه بآل الرسول (صلّى الله عليه وآله)؛ ثمّ وجّه اللوم والعتاب إلى السلطان بن أبي يُعفِر فقال:
فليس بمنجيهم من الخِزي موتهم
إذ كان حرّ الشعر فيهم معمّرا
ويسقط ضِعْفيْ ذاك في حيّ حميرٍ
وسيدها المنظور فيها «بن يُعْفِر»
أنختُ بهِ خوفَ العداة وغدْرهم
فألفيتُه فيهم على الأمن أغدَرا!
فملكهم منّي مناط قلادتي
وأسلمني فيهم بأذني، فَيُعذَرا!
ولكنّه غضى على الذل عينَه
وفرّط في حق الجوار، وقصّرا!
وأصلح بي ما كان من قبل بينَه
وبين «قريش» الأكرمين تَغَيَّرا!
وقد ذلّ من جارى بذمة جاره
وأسلمه فيما يخاف، فأخفرا!
وهو يعني بقريش هنا «العباسيين» وأتباعهم في اليمن وقد كان لهم «اليُعْفريّون» عمّالاً على صنعاء قبل أن ينقلب عليهم السّلطان أسعد ويتحالف مع علي بن الفضل كما هو مذكور في كتب التاريخ.
وقصيدة الجار حوالي مائة بيت وهي من الشعر القصصي البديع ولكنّها كما نشره الأكوع ـ مفعمة بالأخطاء، وتحريفات النسّاخ ولم يبذل المحقق أيّ جُهْدٍ في تصحيحها.
أهم أسباب حبس الهمداني
ويحق لأيّ منّا أن يتساءل: لماذا تُرَى ذلك السخط الوحشيّ الذي استبدّ بقلوب أمراء «آل يُعفِر» على «لسان اليمن» الهمداني؟ وماذا كان بين السلطان أسعد وبين أبي محمد من تِراث؟ وما هي الدوافع التي جعلته يعامله بذلك التنكيل الشديد، والقسوة التي لا ترحم ولا تلين؟
إلى أن يقول الكاتب:
نظرة إلى ما ورد في «الدامغة» من تشيّع وولاء لأمير المؤمنين «علي» بني أبي طالب (عليه السلام)، وتفنيده لما عمله «الأمويون» و«العباسيون» بأولاده وبنيه، ووصفه لعليّ بالوصيّ، ونبزه لمن حاربوه وناصبوه العداء «بالناكثين» و«المارقين» و«الخوارج»؛ لأنّ ذلك أو بعضه يكفي لإيغار قلوب «آل يعفر» عليه؛ إذ أنّهم كانوا مع «الأمويّين بني زياد» و«العباسيين» وكان على صاحبنا الهمداني أن يقدّر ذلك قبل أن يهاجر من «صعدة» إلى «صنعاء» وترك قاعدة «الناصر» العلوي، إلى حمى «جوار» السلطان «الحِوالي»، وإن كان قد أشار إلى ذلك في قصيدته «الجار» إذ قال:
وأصْلح بي ما كانَ من قبلُ بينَه
وبين قريش الأكرمين تغيّرا
ولكنّه لم يفطن لذلك إلاّ بعد المأساة، وسبق السيف للعذل.
يقول الهمداني في قصيدته الدامغة:
وكان «المصطفى» بأبي وأمّي
بأفخر مفخرٍ للآدمينا
ولم يكُ في «مَعَدّ» له نظيرٌ
ولا «قحطان»، غير مجمجمينا
وآويناهُ إذ أخرجتموه
وكنّا فيه منكمْ ثائرينا
وأسلمتم بحدّ سيوف قومي
على جدع المعاطس صاغرينا
وكنتم حين أرمس في ثراه
له في «الأهل» بئس الخالفينا
غدرتم بابنه فقتلتموه،
وفتياناً من «المتهشّمينا»
وأعليتم بجثته سناناً
إلى الآفاق ما إن ترعوونا
وأشخصتم كرائمه اعتداءً
على الأقتاب غير مساترينا
وها أنتم إلى ذا اليوم عمَّا
يسوء المصطفى ما تقلعونا
وقد أراد بهذه الأبيات وأمثالها أن يستثني الرسول (صلّى الله وعليه وآله) وأهل بيته الكرام ممّا سيقولُه، أو قد قاله في «قريش» وهو يفاخر بقومه، وبفضلهم عليهم، وأنّ يسْتَلّ المصطفى وآله من بينهم، كما أنّه في الشر قد فصل ما قاساه «الطالبيّون» على يد القرشيين من «أمويين» و«عباسيين» حتّى يومه الذي ألّف فيه الدامغة في مطلع القرن الرابع الهجري وبأسلوب لا يقوله إلاّ «الشيعة» المخلصون.
وليس ذلك فحسب، بل أنّه يعود فيجعل من مؤازرة «اليمنيين» لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) شعارَ فخرٍ، ويستعمل عبارات «الشيعة» التي يطلقونها على من خرج على عليّ أيام «الجمل» و«صفّين» و«النهروان» فيقول:
ووازرنا «أبا حسن» عليّاً
على «المرّاق» بعد «الناكثينا»
وسار إلى «العراق» بنا فسِرْنا
كمثل السيل نحطم ما لقينا
علينا اللامُ؛ ليس يبين منا
بها غير العيون لناظرينا!
فأرخصنا الجماجم يوم ذاكم
وما كنّا لهنّ مثمنينا!
وأجحفْنَا «بضبّة» يوم صُلنا
فصاروا من أقلّ «الخندفينا»
وطايرنا الأكفّ على خطامٍ
فما شبّهتها إلاّ القلينا!
وينتقل من واقعة «الجمل» إلى معارك «صفّين» فيقول:
وعبأنا الخيولَ إلى «ابن هندٍ»
نطالبُ نفسه، أو أن يدينا
وظلنا نفتل الزندَيْن حتّى
أطارا ضرمةً للمضرمينا…
ونادينا «معاوية» اقتربنا
بجمعك إنّنا لك موفدونا
وامت دونه جمرات قومي
ومن دون «الوصيّ» محافظينا
* * *
ويوم «النهروان» فأيّ يوم
فلَلْنا فيه ناب «المارقينا»
وقوّمنا «أميّة» فاستقامت
وكانوا قبلها متأودّينا…!
وقلنا «الهاشمون» أحقّ منكم
ونحن لهم عليكم ما يلونا
فقام بنصرهم منا «جُديعٌ»
وكان لحزبهم حصناً حصينا
إلى آخر ما قال ممّا يبرز شخصيّة الهمداني في إطارها الصحيح ويثبت أنّه كما قلنا في «الجناية» رغم اعتزازه باليمن وقوميته «القحطانية» كان من الذين يعتزّون بمحبة عليّ وبنيه (عليهم السلام)، وإنّه قد سلك في مناقضته لنونيّة «الكميت، العدناني الشيعي» مسلك «دعبل» «القحطاني» الشيعي، والسيد «الحميري» «القحطاني» الشيعي، من قبل «الهمداني» ومسلك من جاء بعده من شعراء قحطان أمثال «الأسلمي» و«ابن العليف» و«الهَبَل» والمئات غيرهم. وهذا الإطار لشخصية «الهمداني» سينصفه وينفض عن اسمه غبار الدعاوى التي ظلّ يراكمها عليه من لم يعرفوا تاريخ ذلك العلاّمة النحرير والأديب الفذّ، ولا تعمّقوا في دراسة أشعاره وأخباره، ولا فهموا طبيعة عصره وبيئته سواء ممّن نقده قادحاً، أو بالغ وأغرق في تمجيده مادحاً. أو انفعل بتحريفات محمد بن نشوان.
جواره لابن الضحّاك في ريدة
قلنا: إنّ الوشايات قد أفسدت بين «الهمداني» و«الناصر» وإنّ ذلك ومع ضيقه بمنافسة الحاسدين من العلماء والفقهاء والأدباء بصعدة، إلى تخوّفه ممّا عسى أن يحدث بعد وفاة الناصر، قد دفعه إلى النزوح إلى «صنعاء» ومجاورة «الحِواليين»؛ وأنّه قد كان كالمستجير من الرمضاء بالنار للأسباب التي ذكرناها ولأخرى لم نطّلع عليها بعد؛ ولقد مات الناصر بعد ذلك واختلف أولاده على السلطة، وعادت الفتن كما كانت هائجة مائجة بين قبائل «صعدة»، وبدأ ملك بني زياد يتلاشى في زبيد ويمتلك الأمر جواريهم ومواليهم من «الأحباش» وكان قد صنع أسعد بن أبي يعفر وذووه بالهمداني ما وصفه نفسه في «سرائر الحكمة» وهنا لم يجد ظلاً وارفاً يلجأ إليه غير ابن الضحّاك أحمد بن محمد الذي كانت «ريدة» مركز سلطنته القبلية، وقد انتزع «صنعاء» من أيدي الحواليين، وهو الذي لجأ إليه العالم الزيدي الكبير أحمد بن موسى الطبري بعد وفاة «الناصر»، وقال عنه: إنّه بين سلاطين وزعماء عصره كان كالأسد بين الذئاب والثعالب والنعاج؛ ولعل الكثير من نبغاء وأفذاذ ذلك العهد والذين لم يستسيغوا تصلّب «ورثة النظرية الهدوية» واختلافاتهم وصراعاتهم وظنونهم بأنّ الأمر تركة يتقسمونها بمجرّد النسب، ولا اطمأنوا إلى موالي «بني زياد»، ولا إلى مكر «الحواليين» وتفاهة وارتزاق المشائخ الآخرين قد لجؤوا أيضاً إلى ظلّ «ابن الضحّاك» مع «الطبري» و«الهمداني» وربما شيخه «أبي نصر الحنبصي». والطبريون منهم عادوا إلى طبرستان ولقد خَلَدَ لسان اليمن إلى التأليف والكتابة في «ريدة» حيث ألف «الإكليل» و«صفة جزيرة العرب» والكثير من الاشعار حتّى توفي بها سنة (334هـ) (946م) وقيل بل عاش إلى ما بعد سنة (344هـ) (956م) وانظر مقدمة حمد الجاسر لكتاب «صفة جزيرة العرب» والذي اطمئن إليه أنّه توفي حوالي (340هـ).
إبراز صورته الحقيقية
وعلى كلّ فقد اضطربت الأقوال والتخمينات في تحديد سنة وفاته وسواء كانت عام (334هـ) أو بعد عام (340هـ) أو في وقت بينَ بَين؛ فذلك ليس من أهدافنا تحقيقه الآن لأنّنا لن نستطيع أن نقطع برأي جازم بل نرجّح أنّه والسلطان أحمد قد توفيا عام (340هـ) قبل أن يضعف سلطان آل الضحّاك وهدفنا الآن هو إبراز صورة «الهمداني» في إطارها الحقيقي، وأن ننفض عنها غبار القادحين والمادحين المغالين، وتشنّجات دعاوى المتعصّبين، من كلّ الفئات. عرفنا أنّه قد ولد بصنعاء ولكنّه هاجر شاباً إلى «صعدة» وعاش في كنف «الإمام الهادي»، ثمّ كان من أصحاب «المرتضى» و«الناصر» حتّى هاجر إلى «مكة» لطلب العلم وحين عاد بعد بضع سنوات لم يقصد «صنعاء» ولا «زبيد» بل فضّل البقاء في «صعدة» مقام الناصر وأنّ العيش قد طاب له وراق حينذاك «وعمر داراً وامتلك عقاراً» ونظم قصيدته التي ردّ بها على نونية الكميت وسمّاها «الدامغة»، والتي أغضبت عليه شعراء «عدنان» فهجوه وهجاهم، فاختلقوا وشايات أوغروا بها عليه قلب الناصر؛ لأنّ الدامغة نفسها لا يمكن أن تكون هي التي أوغَرَتْ عليه قلب الناصر، وغيّرت ما بينهما من ودّ وتقدير، لأنّها وإن كانت تعبّر عن تعصّبه الشديد للقحطانية ضد العدنانية إلاّ أنّها تنمُّ بل تصرخ بصوت جهير بتشيّعه وإخلاصه في محبة آل الرسول (عليهم السلام)، وقد أوردنا أبياتاً منها آنفاً، ولا نستطيع أن نتصوّر «الناصر» وهو «ابن الهادي»، ومن نسل الحسن بن علي (عليه السلام) غير راض عن موقف الهمداني هذا، وأن لا يسعده أنّ الهمداني لسان اليمن قد أثبت «الوصاية» للإمام علي (عليه السلام)، وذكّر مشنّعاً بأعمال «الأمويين» وخلفاء بني العباس الذين كانوا لا يزالون يحكمون من «بغداد» معظم العالم الإسلامي، ويعدّد ما صنعوه بالطالبيّين؛ بل ويفاخر بأنّ اليمن وقفت مع «الإمام علي (عليه السلام)» في حروب «الجمل» و«صفين» و«النهروان» وينبز الخارجين عليه بالناكثين والمارقين، لا نستطيع أن نتصوّر ذلك، ومجرّد افتراضه لا ينسجم مع منطق ولا ذوق ولا تفكير سليم! وإذا كان قد ورد شيءٌ يوحي بذلك في الجزء الأوّل أو الثاني من الإكليل فهو من وضع محمد بن نشوان الذي اختصر الإكليل وحذف منه ما يهوى وزاد ما يريد.
إعادة النظر في كتبه
إنّ كتب «الهمداني» أو الموجود منها تفتقر إلى عناية جديدة وإعادة نظر، وتحقيق علمي، وضبط دقيق، وتجريدها من الهوامش والحواشي والفضول الذي أسرف بها من قام بطبعها، وبدلاً عن كلّ ذلك توضع لها الفهارس، ويترجم للمجهولين من رجالها وتُخرج إخراجاً جديداً يليق بما فيها من علم كثير وأدب جم.
هذا ومن أراد أن يعرف ما لم نفصّله، أو نتحدّث عنه، ممّا يتعلّق بأسرة الهمداني، وحياته في مكة ومن لقي فيها من العلماء ومن أخذ عنه من المشائخ، والهمداني الجغرافي، والنّسابة والأثري، واللغوي، وأسماء مؤلفاته فليراجع مقدمة الأستاذ حمد الجاسر لكتاب «صفة جزيرة العرب»، ومقدمة محب الدين الخطيب للكتاب العاشر من «الإكليل» وبكل إخلاص، ولوجه العلم أحذّر من الاعتماد على معظم تعليقات وهوامش محمد بن علي الأكوع التي أثقل بها ما تولّى نشره من أجزاء الإكليل وكتاب «شرح الدامغة» فإنّه ممّن يلقون الكلام على عواهنه، ويدفعهم التعصّب إلى الإغراق، ولا ننكر حبَّه للهمداني لكي يكفّر به سيئات تنكيل جدّه «الحوالي» بلسان اليمن، والحبّ يعمي ويصمّ ومن الحبّ ما قتل!
مختارات من شعر الهمداني
للهمداني ديوان شعر في ستة أجزاء، نقل ذلك السيوطي عن المؤرخ الخزرجي، وقال القفطي: «ولما دخل الحسين بن خالويه الهمداني النحوي إلى اليمن توفي ابن خالويه سنة (370هـ)، وأقام بها في ذمار جمع ديوان شعره وعربه وأعربه وهذا الديوان بهذا الشرح وهذا الإعراب موجود عند أهل اليمن وهم به بخلاء». ولو وجد ديوان الهمداني سواء ما ذكره «الخزرجي» أو بشرح وإعراب «ابن خالويه» لعرفنا عن حياة ذلك العلم الشامخ ما حاول «الغلاة» أو «المتحاملون»، و«العنصريون» أو «المتعصبون» طمسه وتحريفه من مؤلفات الهمداني والأحداث التي مارسها وما ساهم به في حركات عصره.
وقد أوردنا أبياتاً من قصيدته «الدامغة» التي هي في مخطوطتنا ستمائة و سبعة وأربعون بيتاً والتي مطلعها:
ألا يا دار لولا تنطقينا
فإنا سائلوكِ؛ فخبّرينا
وقد سجل المؤرّخ علي بن الحسن الخزرجي في كتابه «طراز أعلام الزمن في طبقات أعيان الزمن» نقلاً عن المؤرخ الشاعر محمد بن الحسن الكلاعي [ت404هـ] أبياتاً ممّا دار بين الهمداني وشعراء صعدة من ملاحاة ومشاجرة.
قال: وكان بها ـ أي بصعدة ـ عدّة من الشعراء المنتسبين إلى عدنان منهم أبو العسّاف الحسين بن علي بن الحسن بن القاسم الرسي، وأبو أيوب بن أبي أسد السلمي، وأيوب بن محمد بن محمد اليرسمي، وكان ينسب إلى الفرس فبلغ الحسن بن أحمد الهمداني أثناء إقامته في صعدة أنّ هؤلاء يتعصبون على قبائل اليمن ويتناولون أعراضهم بالأذى فقال لأبي العسّاف:
أبا العساف غرّكم فضل قومي
وإنّك من رؤوس الهاشمينا
وإنك لا تخاف ولا تجاري
ولا تلقي بما قدّمت هونا…
إليك، إليك عرضك عن شداتي
لكي لا أطبع الحسب المصونا
وأقسم إن رملتُ إليك بيتا
لتغتمزن قناتك، أو تلينا
أمّا الشاعر «السلمي» فقد أرسل إليه الهمداني أبياتاً منها:
ألا أصْحُوا بني عدنان من سكراتكم
وإلا علمتم مَنّ أجنَّ وأسكرا
بني أختنا لا تقطعوا ثدْي أمّكم
فشر ثديّ القوم ما كان أبترا
ومن مختار شعره قوله في «اليمن»:
أرض تخيّرها سام وأوطنها
وأسّ غمدان فيها بعدما احتفرا
أمّ العيون فلا عين تقدّمها
ولا علا حجر من قبلها حجرا…
لا القيظ يكمل فيها فصل ساعته
ولا الشتاء يمسّيها إذا قصرا!
وقال في «صنعاء» وقصرها «غمدان»:
ما زال سام يرود الأرض مطّلبا
للطيب خير بقاع الأرض يبنيها
حتّى تبوّأ «غمدانا» وشيّدها
عشرين سقفاً يناغي النجم عاليها
فإن تكن جنة الفردوس عالية
فوق السماء فغمدان يحاذيها
وإن تكن فوق وجه الارض قد خُلِقَتْ
فذاك بالقرب منها أو يُصاليها
وله في رثاء سلم بن صعصعة:
لئن قرع الناعي قلوباً فصدّعا
وغار عيوناً بالبكاء وأدمعا
دعاة دعا من رأس «تلفم» ناعيا:
إلا رحم الرحمن سلم بن صعصعا!
وجاوبه من رأس «ناعط» هاتفٌ
فرنّ له الطودان صوتاً ورجّعا
وله:
عمرتم بمهدي على الأمن سرقةً
وبيّتم همدان، وابن حزام
ثلاثة أبطالٍ تريك وجوههم
إذ أسفرتْ ما تحتة كلّ ظلام!
وله يمدح المسلم بن عباد بن عبدالله الخولاني الأكيلي:
إلى امرئ نصبت قحطان رايتها
بالكف منه ورأس العزّ منكوس
فقام فيها مقاماً لا يقوم به
عمرو بن هند، ولا هند وقابوسُ
مكلّم بخماشات الحروب له،
كأنّه زلمٌ بالعجم مضروس
مبرّأ ليس فيه للعيوب إذا
ما عيبَ عيْبٌ، ولا في العرض تدنيس
ينمي به فوق «خولان» ويرفعه
عليهم حسبٌ في الدهر قدموس
وكلّ ساع إذا يسعى لهمته
فقد يساعده في سعيه البوس
ولم يزل في «أكيل» من أبوته
نافى المذلّة عن خولان عتريس
حجرٌ، وحجر، وعمرو، كلّهم رأسوا
حيّي قضاعة ما في القوم مرموس
تلقاك منهم وجوه إن نزلت بهم
مثل الأهلّة ما فيهن تعبيسُ
|
سجيّة لا يزال العسر بنبتها
والطبع قبل اكتساب العقل مأسوس
يوصي أكابرهم منهم أصاغرهم
بسورة المجد، أنّ المجد محروس
حماهُمُ، وحماه عند دعوته
من «مُغْرق» صنوه والفتية الشوس
وكلّ تلعاء تعلو كف ملجمها
ومخطف، خطوه دفقٌ وتكديس
مشرّف الهاد يرتاح النديّ له
فبالأكف له مسحٌ وتحسيس
وله يستغيث من السجن بزيد بن أبي العباس:
يا زيد زيد الخير يا ابن محمدٍ
ما كنت لاسمك إذ عرفت بناسي
بل كنت أوّل من هتفت به إلى
إحياء نفسي ساعة الإبلاس
فابدر إلى نقذ الغريق فإنّه
ألا تحث يعوم عوم الغاسي
وليلحقني منك بُعْدَة مالكٍ
في جاره المزنيّ، أو جساس
واطلب بطايلتي طلاب مهلهلٍ
|
وزهير عبس ثأره في شاس
وقال من مرثية طويلة في زيد هذا:
لا رَمَتْ يعربٌ بسهم شديد
بعد زيد أخي الفعال الحميد
خير «خولان» بل «قضاعة» بل «حمير»|
بل «قَحطْنَ» الشريف بن «هود»
فانعياه بكلّ ملك عظيم
يرحم الله خَير ميتٍ ومودي
عقمت بعد هلكه رحم
الأرض فليست لمثله بولودِ
من أقوال العلماء فيه
يقول «ابن فهد» في الدرّ الكمين:
«لم يولد في اليمن مثله علماً وفهماً ولساناً وشعراً، ورواية وذكراً، وإحاطةً بعلوم العرب من النحو واللغة والغريب والشعر والأيام والأنساب والسير والأخبار، والمناقب والمثالب، مع علوم العجم من النجوم والمساحة والهندسة والاستنباطات الفلسفية والأحكام الفلكية».
وقال القفطي في «أنباه الرواة»:
«الأديب النحوي الطبيب المنجّم الإخباري اللغوي؛ نادرة زمانه، وفاضل أوانه، الكبير القدر، الرفيع الذكر، صاحب الكتب الجليلة، والمؤلفات الجميلة؛ لو قال قائل: إنّه لم يخرج اليمن مثله لم يزلْ؛ لأنّ المنجّم من أهلها لا خطر له في الطب، والطبيب لا يَدَ لَهُ في الفقه، والفقيه لا يَدَ لَهُ في علم العربية، وأيام العرب وأنسابها وأشعارها وهو قد جمع هذه الأنواع».
وقال صاعد الأندلسي في كتاب «طبقات الأمم» عن العرب: «وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله منه شيئاً، ولا هيّأ طباعهم للعناية به، ولا أعلم أحداً من صميم العرب شهر به إلاّ أبا يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، وأبا محمد الحسن بن أحمد الهمداني».
الهمداني وخط المسند
هل كان يعرف الكتابة الحميرية، وخط المسند؟
أمّا القدماء فلا يشكّون في ذلك «وله ـ كما قال الأستاذ حمد الجاسر ـ أهميةٌ عظيمة عند علماء اللغات والمنقّبين عن الآثار القديمة لذكره في كتبه الكتابات العتيقة بالخط المسند الحميري، ونقوش الأحجار كما يفعل علماء اوروبا الباحثون عن الآثار القديمة». «وقراءة النصوص التي أوردها في «الإكليل» تدل على معرفته التامة». [مقدمة صفة جزيرة العرب].
وقد كان يقرأ الخط المسند قراءةَ عربيّة فصيحة ولا تربكه المصطلحات من علامات التعريف والتنكير والتأنيث والتذكير والإفراد و الجمع وهي حروف يلصقونها بالكلمات فيظن من لا خبرة له ولا معرفة بقواعد خط المسند أنّ تلك العلامات تُنْطَق، أو أنّ حذف بعض الحروف من بعض الكلمات يستلزم عدم نطقها؛ فيذهب بهم الجهل والوهم إلى أنّ لغة اليمن قديماً لم تكن عربيّة فصيحة، وأنّها تختلف اختلافاً كبيراً عن لغة شمال الجزيرة ونجد والحجاز وذلك ما وقع فيه بعض «المستشرفين» وجرّ الدكتور طه حسين إلى القول بأنّ اللغة التي كان اليمنيون قبل الإسلام يتكلمون بها لم تكن العربية؛ وقد ناقشت هذا الموضوع بإسهاب في كتابي «قصة الأدب في اليمن»، وأثبت بما لا يقبل الشك أنّ لغة اليمنيين كانت هي العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وأنّ رَسْم الخط الذي يسمّونه «المسند» هو الذي يسبّب الإرباك لمن لا يدري تلك القواعد وأنّهم كانوا يكتبون ما لا ينطقون من حروف، ويحذفون ما لا يهملون النطق به، كما نقرأ نحن «ألم» ألف لام ميم، ونكتب «الرحمن» وننطقها الرحمان؛ ونحو ذلك وقد نبّه الهمداني نفسه إلى ذلك في أكثر من مكان من كتابه «الإكليل».
ويقول أغناطوس كراتشوفسكي، في كتابه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي»: «وممّا يدعو إلى الدهشة حقاً أنّ الهمداني استطاع فك رموز الكتابة العربية القديمة في جنوب الجزيرة» وللدكتور جواد علي رأي في الموضوع.
يقول الدكتور جواد علي (ص:91):
لقد بذل الهمداني مجهوداً يقدّر في تأليف كتبه وفي اختيار موضوعاته، وسلك في بحوثه سبيلاً حسناً بذهابه بنفسه إلى الأماكن الآثارية وبوصفه لها في كتبه، فأعطانا بذلك صوراً لكثير من العاديات التي ذهب أثرها واختفى رسمها، بل طمست حتّى أسماء بعضها. وبمحاولته قراءة المسند وترجمته إلى عربيتنا، للوقوف على معناها ومضمونها. يكون قد استحق التقدير والثناء، لأنّ عمله هذا يدل على إدراكه لأهمية الكتابات في استنباط التواريخ. على أنّنا يجب أن نذكر أيضاً أنّ الهمداني، لم يكن أوّل من عمد إلى هذه الطريقة، طريقة قراءة الكتابات لاستنباط التواريخ منها، فقد سبقه غيره في هذه القراءات، وكانوا مثله يبغون الوقوف على ما جاء فيها، ومعرفة تواريخها. وقد أشار (الهمداني) نفسه إليهم وذكرهم بأسمائهم، مثل (أحمد بن الأغر الشهابي من كندة) و(محمد بن أحمد الأوساني) و(مسلمة بن يوسف بن مسلمة الخيواني) وغيرهم. فهم مثله يستحقون الثناء والتقدير أيضاً، وهم بطريقتهم هذه في جمع مادة التاريخ يكونون على شاكلة الآثاريين المحدثين في إدراك أهمية دراسات الآثار والكتابات بالنسبة إلى اكتشاف تواريخ العاديات، وهم بطريقتهم هذه يكونون قد فاقوا غيرهم من المؤرخين العرب في الأمكنة الأخرى بهذه الطريقة، فقلما نجد مؤرخين في الأماكن الأخرى لجؤوا إلى دراسة الآثار ودراسة الكتابات ووصف الأمكنة الآثارية لاستنباط التواريخ منها كما يفعل الآثاريون في الزمن الحاضر.
وبعد أن أورد ثناء الهمداني على شيخه وأستاذه «أبي نصر الحنبصي»، وذكر أنّ الأسماء اليمانية القديمة كانت ثقلت على ألسنة الناس في أيامه وقبلها وأنّ في ذلك دلالة على حدوث تغيّر في عقلية أهل اليمن بعد الميلاد وعلى حصول تقارب بين لهجتهم وبقية لهجات العرب في الشمال قال (ص:96) عن أبي نصر هذا:
أمّا علمه بالمساند ومدى وقوفه عليها، فأنا أعتقد أنّ علمه بها لا يختلف عن علم غيره من أهل اليمن: وقوف على الحروف، وتمكن من قراءة الكلمات، وإحاطة عامة بالمسند. أمّا فهم النصوص واستنباط معانيها بوجه صحيح دقيق، فأرى أنّه لم يكن ذا قدرة في ذلك، وهو عندي في هذا الباب مثل غيره من قرّاء الخط الحميري. ودليل على ذلك أنّ القراءات المنسوبة إليهم هي قراءات لا يمكن أن تكون قراءات لنصوص جاهلية، وإن تضمّنت بعض أسماء يمانية قديمة، لسبب بسيط، هو أنّ أساليبها ومعانيها و نسقها لا تتفق أبداً مع الأساليب والمعاني المألوفة في الكتابات الجاهلية، فقراءات أبي نصر وأمثاله قراءات بعيدة جداً عن النصوص المعهودة، هي قراءات إسلامية فيها زهد وتصوّف وتوحيد وحض على الابتعاد عن الدنيا. أمّا نصوص المسند التي عثر عليها حتى الآن هي نصوص وثنية لا تعرف هذه المعاني، وأسلوبها في الكتابة لا يتفق مع ذلك الأسلوب. وهي في أمور أخرى شخصية أو حكومية لا صلة لها بمثل هذه الآراء والمعتقدات.
ثمّ قال (ص:97ـ98):
ولكنّني لا أريد هنا أن أكتفي بتقديم التقدير إلى الهمداني وإلى الباقين من علماء اليمن الذين سبقوه أو جاؤوا من بعده والثناء على طريقتهم المذكورة، بل لا بد لي من التحدّث عن درجة علم هؤلاء العلماء بالمسند، وبقراءة الكتابات وبعلمهم بمعانيها، أي علمهم بقواعد وأصول اللهجات التي كتبت بها مثل اللهجة المعينية أو السبئية أو القتبانية أو الحضرمية وغيرها من بقية اللهجات، وذلك ليكون كلامنا كلاماً علمياً صادراً عن درس ونقد وفهم بعلم أولئك العلماء بتاريخ اليمن القديم.
ولن يكون مثل هذا الحكم ممكناً إلاّ بالرجوع إلى مؤلفات (الهمداني) وغيره من علماء اليمن لدراستها دراسة نقد عميقة. ومقابلة ما ورد فيها من قراءات للنصوص مع قراءات العلماء المحدثين المتخصصين بالعربيات الجنوبية لتلك النصوص إن كانت أصولها أو صورها موجودة محفوظة، وعندئذ يمكن الحكم حكماً علمياً سليماً على مقدار علم أولئك العلماء بلغات اليمن القديمة وبتاريخها المندرس. ولكنّنا ويا للأسف لا نملك كلّ أجزاء كتاب (الإكليل) ولا كلّ مؤلفات الهمداني أو غيره من علماء اليمن، فالجزء السابع من الإكليل مثلاً وهو جزء خصّص بأمثال حمير وبحكمها باللسان الحميري وبحروف المسند، هو جزء ما زال مختفياً، فلم نر وجهه، وهو كما يظهر من وصف حتوياته مهم بالنسبة إلينا، وقد يكون دليلاً ومرشداً لنا في إصدار حكم على علم الهمداني بلغة حمير. ولكن ماذا نصنع ونفعل، وقد حرمنا رؤية هذا الجزء، وليس في مقدورنا نشره وبعثه، فهل نسكت ونجلس انتظاراً للمستقبل، على أن يُبعث إلى عالم الوجود؟
هذا، وقد طبع الجزء الثامن من الإكليل وكذلك الجزء العاشر منه، فاستفاد منهما المولعون بتاريخ اليمن القديم وبتاريخ بقية أجزاء العربية الجنوبية، وطبع الجزء الأوّل من هذا الكتاب حديثاً برواية (محمد بن نشوان بن سعيد الحميري)، وقد ذكر أنّه اختصر شيئاً في مواضع الاختلاف وفي النسب ممّا ليس له شأن في نظره دون أن يؤثّر على الكتاب.
وطبع الجزء الثاني من الإكليل أيضاً، أخرجه ناشر الجزء الأوّل: «محمد بن علي الأكوع الحوالي» من عهد غير بعيد، وليس لنا الآن إلاّ أن نرجو نشر الأجزاء الباقية من هذا الكتاب، ليكون في وسعنا الحكم على ما جاء فيه من أخبار عن أهل اليمن الجاهليين.
إنّ أقصى ما نستطيع في الزمن الحاضر فعله وعمله لتكوين رأي تقريبي تخميني من علم الهمداني وعلم بقية علماء اليمن بلهجات أهل اليمن القديمة وبتاريخهم القديم، هو أن نرجع إلى المتيسر المطبوع من مؤلفاتهم، لدراسته دراسة نقد علمية عميقة، لاستخراج هذا الرأي منها. وهو وإن كان أقل من الضائع بكثير، ولكن ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه، والموجود خير من المعدوم، وفي استطاعته تقديم هذا الرأي التخميني التقريبي.
فلنبحث إذن في هذا المطبوع لنرى ما جاء فيه.
أما بخصوص الخط المسند، فقد ذكر «الهمداني» أنّ جماعة من العلماء في أيّامه كانت تقرأ المسند، غير أنّ أولئك العلماء كانوا يختلفون فيما بينهم في القراءة، وكان سبب ذلك ـ على رأيه ـ اختلاف صور الحروف، (لأنّه ربّما كان للحرف أربع صور وخمس، ويكون الذي يقرأ لا يعرف إلاّ صورة واحدة)، وقد عرف (الهمداني) أنّ كتّاب المسند كانوا يفصلون بين كلّ كلمة وكلمة في السطر بخط قائم، وذكر أنّهم كانوا يقرؤون كلّ سطر بخط. غير أنّه لم يذكر عدد الحروف. وصرّح أنّهم «كانوا يطرحون الألف إذا كانت بوسط الحرف، مثل ألف همدان وألف رئام، فيكتبون رئم وهمدن، ويثبتون ضمة آخر الحروف وواو عليهمو». وهي ملاحظات تدل على إحاطة عامة بالمسند، سوى ما ذكره من أنّه ربمّا كان للحرف أربع صور وخمس، ويظهر أنّه وغيره قد توصلوا إلى هذا الرأي من اختلاف أيدي الكتّاب في رسم الحروف ونقرها على الحجر، كالذي يحدث عندنا من تباين الخطوط باختلاف خطوط كتبته، فأدّى تباين الخط هذا إلى اختلافهم في القراءة، وإلى ذهابهم إلى هذا الرأي، أو أنّهم اختلفوا فيها من جرّاء تشابه بعض الحروف مثل حرف الهاء والحاء، فإنّ هذين الحرفين متشابهان في الشكل، فكلاهما على هيئة كأس يرتكز على رجل، والفرق بينهما، هو في وجود خط عمودي في وسط الكأس هو امتداد لرجل الكأس، وذلك في حرف (الحاء)، أمّا الهاء، فلا يوجد فيه هذا الخط الذي يقسم باطن الكأس إلى نصفين. ويشبه حرف (الخاء) حرف (الهاء) في رسم رأس الكأس، ولكنّه يختلف عنه في القاعدة، إذ يرتكز هذا الرأس على قاعدة ليست خطاً مستقيماً، بل على قاعدة تشبه كرسي الجلوس ذي الظهر. ومثل التشابه بين حرفي الصاد والسين، فكلاهما على هيئة كأس وضعت وضعاً مقلوباً، بحيث صارت القاعدة التي ترتكز الكأس عليها إلى أعلى. أمّا الرأس، وهو باطن الكأس، فقد وضع في اتجاه الأرض. ولكن قاعدة (الصاد) هي على هيئة رقم خمسة في عربيتنا، أي على هيئة دائرة أو كرة بينما قاعدة حرف السين هي خط مستقيم، أمّا باطن كأس حرف (الصاد)، ففيه خط يقسمه إلى قسمين وذلك في الغالب، وقد يهمل هذا الخط المقسم، أمّا حرف السين، فلا يوجد فيه هذا الخط.
ثمّ قال:
وممّا يؤسف عليه كثيراً أنّنا لا نملك النسخ الأصلية التي كتبها أولئك العلماء بخط أيديهم، حتّى نرى رسمهم لحروف المسند. فإنّ الصور المرسومة في المخطوطات الموجودة وفي النسخ المطبوعة، ليست من خط المؤلفين، بل من خط النساخ، فلا أستبعد وقوع المسخ في صور حروف المسند في أثناء النقل، ولا سيما إذا تعدّدت أيدي النساخ بنسخ أحدهم عن ناسخ آخر وهكذا، فليس للنساخ علم بالمسند، ولذا لا أستبعد وقوعهم في الخطأ. ومن هنا فإنّ من غير الممكن إصدار رأي في مقدار إتقان الهمداني وبقية العلماء لرسم حروف الخط المسند.
وقد أشار «الدكتور كرنكو» إلى هذه الحقيقة، إذ ذكر أنّ صور الحروف الحميرية في «الإكليل» تختلف باختلاف النسخ اختلافاً كبيراً، فقد صوّر كلّ ناسخ تلك الحروف على رغبته وعلى قدرته على محاكاة النقوش، ومن هنا تباينت وتعدّدت، فأضاعت علينا الصور الأصلية التي رسمها الهمداني لتلك الحروف.
وتابع كلامه قائلاً:
وخلاصة ما توصلت إليه من دراستي الإجمالية للأجزاء المطبوعة من مؤلفات «الهمداني» أنّ الهمداني، وإن كان يحسن قراءة حروف المسند، ويعرف القواعد المتعلقة بالخط الحميري، إلاّ أنّه لم يكن ملمّاً بألسنة المسند. ولم يتمكن من ترجمة النصوص التي نقلها ترجمة صحيحة، ولم يعرف على ما يتبين منها كذلك ما كان قد ورد فيها وما قصد منها، فجعل (تالياً)، وهو اسم إله من آلهة اليمن المشهورة، ومعبود قبيلة (همدان) الرئيس، اسم رجل من رجال الأسرة المالكة لهمدان. وجعل (رياما)، وهو اسم مكان من الأمكنة المشهورة، وكان به معبد معروف للإله (تالب)، ابناً من أبناء (نهفان)، ومن أبناء (تالب). ولم يبخل الهمداني عليه، فوهب له أماً قال لها: (ترعة بنت بازل بن شرحبيل بن سار بن أبي شرح يحضب بن الصوار).
ويظهر على كلّ حال أنّ قرّاء المسند (وقد قلت إنّهم يحسنون في أيام الهمداني قراءة حروف المسند) لم يكونوا على اطلاع بقواعد الحميرية، ولا باللسان الحميري، أو الألسنة العربية الجنوبية الأخرى. خذ مثلاً على ذلك: (بن) وهي حروف جر عند العرب الجنوبيين، وتعني (من) و(عن) بلغتنا قد أوقعتهم هذه الكلمة في مشكلات خطيرة. فقد تصوّر القوم عند قراءتهم لها، أنّها تعني أبداً (ابناً) على نحو ما يفهم من هذه الكلمة في لغتنا. وفسّروها بهذا التفسير. ففسروا (ابن بتع) أو (بن همدان) وما شابه ذلك (ابن بتع) أو (ابن همدان)، والمقصود من الجملتين هو (من بتع) و(من همدان)، وبذلك تغيّر المعنى تماماً، ومن هنا وقع القوم ـ على ما أعتقد ـ في أغلاط حين حسبوا أسماء القبائل وأسماء الأماكن الواردة قبل (بن) وبعده، أسماء أشخاص وأعيان، وأدخلوها في مشجرات الأنساب. فاقتصار علمهم على الأبجدية وجهلهم باللغة، أوقعهم في مشكلات كثيرة، وسبب ظهور هذا الخلط.
وجاء الهمداني بنصوص أخر ذكر أنّها كانت مكتوبة بالحميرية، مثل النص الذي زعم أنّ مسلمة بن يوسف بن مسلمة الخيواني قرأه على حجر في مسجد خيوان، وهذا نصه: (شرح ما، وأخوه ما، وبنوه ما، قيول شهران بنو هجر، هم معتة بدار القلعة). وأمثال ذلك من النصوص. ولا أعتقد أنّك ستقول: إنّ هذا نص حميري، ولا يسع امرءاً له إلمام بالحميرية أن يوافق على وجود مثل هذه العائلة عائلة ما، أو يسلم بأنّ هذه قراءة صحيحة لنص حميري. بل لا بدّ من وجود أخطاء في القراءة وفي التفسير. ولا أريد أن أتجاوز على رجل مشى إلى ربه، فلعله كان يحسن قراءة بعض الحروف والكلمات، ويتصوّر أنّه أحسن قراءة النص كلّه وفهمه، فجاء بهذه العبارة، وعلى كلّ، إنّ كلّ الذي جاء في النصوص التي وقفت عليها في كتب الهمداني لا يمكن أن يعطي غير هذا الانطباع، ولعلنا سنغيّر رأينا في المستقبل إذا تهيأت لنا نصوص من شأنها أن تغيّره.
ثمّ يقول ناقداً:
ويأتي (الهمداني) أحياناً بأبيات شعر زاعماً أنّها من المسند. ففي أثناء كلامه مثلاً على قصر (شحرار) قال: وفي بعض مساند هذا البنيان بحرف المسند:
شحرار قصر العلا المنيف
أسسه تبع ينوف
يسكنه القيل ذي معاهر
تخر قدّامه الأنوف
أمّا نحن، فلم نعثر حتّى اليوم على أيّة كتابة بالمسند، ورد فيها شعر، لا بيت واحد ولا أكثر من بيت. وأمّا متن البيتين المذكورين، فليس حميرياً ولا سبئياً ولا معينياً وليس هو بأيّة لهجة يمانية أخرى قديمة، وإنّما هو بعربيتنا هذه، أي بالعربية التي نزل بها القرآن الكريم، نظمه من نظمه من المحدثين بهذه اللغة البعيدة عن لغات أهل اليمن.
أمّا الباب الذي عقده في الجزء الثامن بعنوان: (باب القبوريات)، فقد استمدّ مادته من روايات وأخبار (هشام بن محمد بن السائب الكلبي)، و(ابن لهيعة) و(موهبة بن الدعام) من همدان و(أبي نصر) و(وهب بن منبه) و(كعب الأحبار) و(عبدالله بن سلام). وقد أورد فيه نصوصاً زعم أنّها ترجمات لنصوص المسند، عثر عليها في القبور عند الأجداث. وأورد بعضها شعراً، زعم أنّه ممّا وجد في تلك القبور، كالذي ذكره عند حديثه عن قبر (مرشد بن شدّاد)، وعن قبرين جاهليين عثر عليها بـ (الجند) وقد نص على أنّ الشعر المذكور كان مكتوباً بالمسند وقد دوّنه. وهو وكلّ الأشعار الأخرى ومنها المراثي منظوم بعربية القرآن. وأمّا النثر، فإنّه بهذه العربية أيضاً، وهو في الزهد والموعظة والندم والحثّ على ترك الدنيا، فكأنّ أصحاب القبور، من الوعاظ المتصوفين الزهاد، ماتوا ليعظوا الأحياء من خلال القبور، ولم يكونوا من الجاهليين من عبدة الأصنام والأوثان.
وهو قسم بارد سخيف، يدل على ضعف أحلام رواته، وعلى ضعف ملكة النقد عند (الهمداني) وعلى نزوله إلى مستوى القصاص والسمّار والأخباريين الذين يروون أخباراً ويثبتونها وإن كانت مخالفة للعقل. إذ أنّه لا يختلف عنهم هنا بأي شيء كان.
ومجمل رأيي في (الهمداني) أنّه قد أفادنا ولا شك بوصفه للعاديات التي رآها بنصّه على ذكر أسمائها، وأفادنا أيضاً في إيراده ألفاظاً يمانية كانت مستعملة في أيامه استعمال الجاهليين لها: وقد وردت في نصوص المسند، فترجمها علماء العربيات الجنوبية ترجمة غير صحيحة، فمن الممكن تصحيحها الآن على ضوء استعمالها في مؤلفات الهمداني وفي مؤلفات غيره من علماء اليمن. أمّا من حيث علمه بتاريخ اليمن القديم، فإنّه وإنْ عرف بعض الأسماء إلاّ أنّه خلط فيها في الغالب، فجعل اسم الرجل الواحد اسمين، وصيّر الأماكن آباء وأجداداً، وجعل أسماء القبائل أسماء رجال، ثمّ هو لا يختلف عن غيره في جهله بتاريخ اليمن القديم، فملأ الفراغ بإيراده الأساطير والخرافات والمبالغات. وأمّا علمه بالمسند فقد ذكرت أنّه ربما قرأ الكلمات، ولكنّه لم يكن يفقه المعاني، ولم يكن ملمّاً بقواعد اللهجات اليمانية القديمة، وقد حاولت العثور على ترجمة واحدة تشير إلى أنّها ترجمة صحيحة لنص من نصوص المسند، فلم أتمكن من ذلك ويا للأسف.
ويختتم حديثه عن الهمداني قائلاً:
«وعلم (الهمداني) بجغرافية اليمن والعربية الجنوبية، يفوق كثيراً علمه بتاريخ هذه الأرض القديم، فقد خبر أكثرها بنفسه وسافر فيها، فاكتسب علمه بالتجربة. أمّا علمه بجغرافية الأقسام الشمالية من جزيرة العرب، فإنّه دون هذا العلم».
وهذا قبل أن يطّلع على ملاحظات الأستاذ محمد عبد القادر بامطرف عن معارف الهمداني الجغرافية ويعرف أنّها بنيَتْ على السماع، واستندت إلى ما يدور على ألسنة الناس وليس إلى المشاهدة والعيان، ولم يخبر أكثرها بنفسه، ولا سافر فيها فاكتسب علمه بالتجربة.
أمّا أنا فلا يسعني إلاّ أن أتذكّر ما سبق أن قلته قبل ربع قرن في كتابي قصة الأدب في اليمن وأنا أتحدّث عن الهمداني:
«ولكنّه على كلّ أحواله؛ منصفاً كان أو متحيّزاً، مخلصاً أم مغرضاً كان يمثّل العبقرية والكمال، أحبّ بلده وقومه، وتعمّق في دراسة تاريخ وطنه وأهله، وورث علومهم وآدابهم وأعطى من نفسه كثيراً باحثاً متجوّلاً، وكاتباً ساهراً، ومجادلاً صائلاً، ومناوياً وثائراً، ولا تزال كتبه مصدراً كريماً للباحثين والعلماء، وينبوعاً ثرّاً يستقي منه روّاد المعرفة والمؤرخون والنقّاد».
وكان بحقّ وجدارة «لسان اليمن».
أحمد الشامي
الله آباد
تقع مدينة الله آباد الغنية بتقاليدها الدينية والوطنية وحاضرة عهد تيرث أو عهد براياغ أقدس الأماكن المقدسة لدى ملايين الهندوس ـ تقع في بقعة رائعة الجمال عند ملتقى نهري الكنج وجمنا حيث تقبع هناك منذ بزوغ فجر الحضارة. وتقول إحدى الأساطير الشعبية إنّ هنالك نهراً ثالثاً هو نهر سارا سواتي، ينضم إلى هذين النهرين عند مجرى تحت الأرض. وقد ألهمت هذه الأسطورة الشيخ إمام بوكس «الناسك» الشاعر البارز بلغة الأردو إلى الحد الذي شبه به «الله آباد» بمقاطعة البنجاب «أرض الأنهر المقدسة».
حيث يقول:
«إنّ الأنهر الثلاثة وعيناي
تجعل الله آباد والبنجاب صنوين»
وقد تكون مدينة الله آباد التي كانت تعرف قديماً باسم براياغ Parayag هي أقدم مزار على الأرض حج إليه الناس بصورة متواصلة منذ القدم حتّى الزمن الحاضر. ويعتقد أنّه في موقع «الله آباد» هذه قام «الإله براهما» أحد الآلهة الذين يشكلون الثالوث الإلهي في الديانة الهندوسية بطقوس «الياجنا» لينقي الأجواء بعد أن خلق الكون. ومن هنا جاءت التسمية القديمة للمدينة براياغ أي «موقع التنقية». وقد كانت الله آباد في عهد الملاحم مركزاً عظيماً للمعرفة والتعليم، حيث كان مقر الشري([354]) بهارادواجا أحد أعظم سبعة حكماء في الهند القديمة. ويعدّ المقر الديني الذي أسّسه فيها ورعاه وهو ما يدعى في الهند (الأشرم)([355]) أضخم جامعة في ذلك الزمن حيث تلقى فيه ما يزيد على 10,000 تلميذ العلم والسكن والإقامة مجاناً. وممّا زاد في رفعة مجد هذه المدينة المقدسة زيارة كلّ من الشري رام تشاندراجي والشري بهاراتجي لها.
وتقديراً لأهمية هذه المدينة قصدها غوتاما بودا لإلقاء مواعظه ونشر تعاليمه الدينية، وبعد ذلك بحوالي 300 سنة وقع اختيار الملك الهندي ذي التاريخ الحافل أشوكاً عليها لينشئ فيها الإسطبات وهي الأبراج البوذية التي على هيئة هرم أو قبة وليعقد فيها مجامع العلماء.
إنّ الله آباد هي درة مسبحة المدن المقدسة اللؤلؤية في الهند. وقد جاء في البورانا وهي القصص الهندية الأسطورية أنّه عندما وضعت جميع الأماكن المقدسة في كفة ميزان ووضعت براياغ في الكفة الأخرى رجحت كفة براياغ على الكفة الأخرى. وتصف بورانا ماتسايا مجد عهد تيرث وعظمته في الأبيات الشعرية التالية:
«يتألف في مجده ملك جميع المعابد المقدسة
وتقوم وصيفتان نبيلتا المحتد وهما الكنج وجمنا
ابنتا الناسك جاهنو
وابنتا الشمس
تلوحان بإزارهما الأبيض والأزرق وشجرة الآثاب([356]) المقدسة التي لا تفنى.
هي كالمظلة الملكية اللازوردية اللون
فوق رأس براياغ موئل عهد تيرث».
إنّ الأدب الهندي يطفح بالأحاديث عن مآثر وأهمية هذه المدينة، كم تنوّه بمهرجان الاستحمام العظيم الذي يقام هنا كلّ عام خلال شهر ماغ. وكلّ اثنتي عشرة سنة يتحوّل مهرجان الاستحمام السنوي هذا إلى «كمب» أي الإبريق التام حيث يحتفل به احتفالاً يفوق الوصف، وفي مناسبة كهذه تتابع للزائر فرصة إمتاع ناظريه بعرض رائع من الأزياء والألوان، وأن يسمع مئات اللغات واللهجات التي يتحدّث بها الناس من شتى أنحاء الهند.
ومن أبرز مظاهر مهرجان «كمب» هذا مجموعات الرهبان والنساك المتنقلين والذين يدعون «أخراس» ويعتقد بأنّ «شنكر أشاريا» قد أسّس وحدات «الأخراس» هذه ليقوموا بنشر تعاليم «الفيدا»([357]) ومثلها وفلسفتها في الحياة بين الجماهير.
وهناك وصف حي لمناظر «السنغام»([358]) في كتاب «ريغ فيدا» وفي كتاب «رامايانا» وكتاب مهابهرتا وكذلك في كتابات كاليداس العالم والشاعر الكبير باللغة السنسكريتية وكذلك في كتابات الرحالة الصيني الشهير «هيوين تساينغ».
وأيضاً لم يقصر شعراء اللغة الأردوية في إغداق المدائح على براياغ المقدسة. ومن هذه القصائد الجميلة التي تطري بإفراط عظمة ومجد هذه المدينة القصيدة التي ألّفها المرحوم مولانا السيد علي تقي صفي الشاعر المحبوب باللغة الأردوية. وقد ألقاها بنفسه في الجلسة السنوية «لمؤتمر الشيعة لعموم الهند» الذي عقد في مدينة الله آباد في عام 1915م، حيث قال:
«إيه مدينة الله آباد يا ملعب نهري الكنج وجمنا، إنّ تربتك المقدسة هي مجمع الجداول الثلاثة. ويتعلّم الناس منك دروس الإخاء الإنساني ووحدة الأواصر.
وإنّ التقاء الأنهر فيك هو رمز للوفاق الإنساني.
ويطفح كأسك بعواطف الإخلاص والمودة كما أنّ حانات شربك هي ملجأ العليل والمنهك».
وقد حج لزيارة براياغ ـ يستهوي أفئدتهم ما لها من حرمة وقدسية ـ حكماء الهند الخالدين من أمثال: الشري دادهيتشي، والشري هريش تشاندرا، والشري فاشيشتا والشري فيشواميترا، والشري شنكر أتشاريا، والشري تشيتانيا ديف وغيرهم كثيرون.
وعندما ينجلي ضباب الماضي الغابر، ويتألق ضياء التاريخ يتبدّى للعيان هار شفاردهانا المحسن وهو يجري المحاورات الدينية مع رؤساء الديانات والشيع، ويوزع بسخاء ثروته على الحشد الهائل من الناس المجتمع عند ملتقى النهرين العظيمين. وقد ترك الرحالة الصيني الأشهر هيوين تسيانغ وصفاً حياً لحفلات البر والإحسان الرائعة المسمّاة دان ياجنا التي كان يقيمها الملك حرشا في براياغ وذلك في عام 664 بعد الميلاد.
وقد عادت المدينة للتألق والازدهار مرّة أخرى في عهد الإمبراطور أكبر الذي زار براياغ في عام 1574 ميلادية إدراكاً لأهميتها الاستراتيجية وقدسيتها الدينية، وقرّر أن يبني قلعة عند ملتقى النهرين، وجعل من المدينة عاصمة إقليمية وأطلق عليها اسم «الله آباس» ومعناه «مقام الله»، ولكن هذا الاسم حور فيما بعد إلى «الله آباد». ويسترعي الانتباه أنّ كلا هذين الاسمين الجديدين حافظا على ما تتّسم به من قدسية.
أمّا ابن الإمبراطور أكبر جهنكير الذي تولّى حكم الله آباد من سنة 1599 إلى 1605م، فقد أنشأ فيها حديقة جميلة تعرف باسم «خسروباغ» أي بستان خسرو.
لقد ارتبطت مدينة «الله آباد» دائماً ارتباطاً وثيقاً بنضال الهند من أجل الاستقلال. وقد تخضّبت تربة براياغ المقدسة مراراً بدماء الشهداء. ففي هذه البقاع واجه الوطنيون العزل من السلاح في عام 1857م تحت قيادة المولوي لياقت علي والقاضي السيّد محسن علي القوات البريطانية الضخمة بقيادة الجنرال نيل. وقد ضحّى ما يزيد على 5000 من مواطني الله آباد ومن بينهم الكثير من الأطفال بحياتهم حفاظاً على شرف أرض الوطن. وقد انتزعت شجاعة هؤلاء المواطنين ورباطة الجأش التي تحلوا بها في القتال وفي مواجهتهم أعواد المشانق بالقبل إعجاب السلطات البريطانية العسكرية والمدنية. وقد وصف ادوارد تومبسون في كتابه «الوجه الآخر للميدالية» وصفاً مؤثراً رباطة جأش خمسين من الفتيان الشجعان وهم يعتلون منصة المشنقة هاتفين من أجل حرية بلادهم إلى أن أطبقت حبال المشانق على رقابهم الغضة. وإنّ قراءة الوصف المؤثّر لهذه التضحية المتفانية التي أقدمت عليها هذه العصبة من الشهداء الصغار المجهولين، والتي تشكل في واقع الأمر صفحة مؤثّرة من تاريخ البلاد الحافل تستدر الدموع من عيون حتّى أقل القرّاء عاطفة.
وقد أفلح المولوي لياقت علي أحد القائدين الوطنيين اللذين تزعما هذه المواجهة مع البريطانيين في النجاة إلى كنبور حيث انضم إلى «نانا صاحب»، أمّا القائد الوطني الآخر القاضي السيد محسن علي وعمره 26 سنة فقد جرح في المعركة جرحاً خطيراً واعتقل بفعل وشاية أحد الخونة وأعدم بقسوة في العشرين من حزيران (يونيو) عام 1857م، أمّا أملاكه التي كانت قيمتها تساوي بضع مئات من آلاف الروبيات فصودرت وأُعطيت للمرتدين المتعاونين مع البريطانيين.
وقد استمرّ سكان هذه المدينة المقدسة يلعبون دوراً رئيسياً في الحركة الوطنية، مقتفين خطى أجدادهم وآبائهم الشجعان، إلى أن بزغ فجر الاستقلال.
وقد ظلّت مدينة آباد الله طيلة قرون طويلة مركزاً للفنون والآداب. وقد وردت في تاريخ براياغ القديم إشارة إلى أعمال «أشاريا سوامي راماناند» الأدبية ملف الكتب المعروفة «أناند بهاشي» و«شريمد بغوات غيتابهاشي» و«الشري راماشاران بادهات» وغيرها. وأشهر شعراء براياغ القدماء «سانت كافي بابا ملوك داسجي» ابن القرية التاريخية «كارا» في مقاطعة الله آباد. وما زالت ترانيمه الروحية «اهجن» العذبة يترنم بإنشادها ليس النساك المتبتلون فحسب بل والناس العاديون أيضاً. وخلال الحكم البريطاني ازدادت أهمية المدينة وأصبحت مقراً للحكومة الإقليمية، وأصبح فيها محكمة عليا وجامعة، ولعبت دوراً بارزاً في حركات النهوض الاجتماعي، والثقافي والسياسي في البلاد.
وتحتل الله آباد المقام الأوّل بين مدن الهند في مساهمتها في تطوّر الأدب الهندي المعاصر. وقد أثّرت مجلة «ساراسواتي» التي كانت تصدر في «الله آباد» تأثيراً كبيراً في الحياة الأدبية الهندية، وذلك عندما كان يتولّى رئاسة تحريرها مهابير برشاد دويدي. ويحتل السيد أكبر حسين المعروف باسم «أكبر الله آبادي» والذي قدم أسلوباً جديداً خلاباً في الشعر بلغة الأردو المقام الأوّل بين شعراء اللغة الأردوية. وقد ألّف أشعاراً بسيطة ولكنّها ساخرة. وفي الزمن الحاضر اكتسبت مدينة «الله آباد» أهمية عظيمة كمركز من مراكز الشعر الهندي، إذ ينتمي إلى هذه المدينة الشعراء البارزون باللغة الهندية «نيرالا» و«سوميترا نندن بانت»، و«بتشن»، و«مهاديوي ورما» و«رام كمار ورما»، و«بادما كانت مالويه» الذين أغنوا الأدب الهندي إغناء عظيماً.
وعلاوة على كون مدينة «الله آباد» موئل الأدب الهندي، فإنّها لعبت دوراً لا يقل أهمية في تطوّر الأدب بلغة الأردو. فإلى جانب الشاعر الكبير «أكبر الله آبادي» هناك الأدباء «نوح» ناروي والسيد علي عباد «نيسان»، والسيد تحمل حسين «محبوب»، و«رغوابائي سهاي فراق» الذين حفروا أسماءهم في سجل تاريخ الأدب الأردوي.
وكذلك ساهمت المدينة مساهمة فعالة في حقل الصحافة الإنكليزية، فقد تأسّست فيها كلّ من «المودرن ريفيو» و«توينتيث سنشوري» و«بيونير» كذلك ما زالت تصدر فيها جريدتان يوميتان باللغة الإنكليزية هما «ليدر» و«نورثيرن أنديا باتريكا»، وجريدتان باللغة الهندية «بهارت» و«براياغ باتريكا» وجريدة بلغة الأردو هي «قايد» وعدد من المطبوعات الدورية باللغتين الهندية والأردوية.
أمّا في الحقل السياسي، فقد أنتجت مدينة الله آباد وطنيين بارزين من أمثال: موتي لال نهرو، وبيشمر ناتسه، وأجود هيار برشاد، والسير تيج بهادر سبرو، ومدن موهن مالويه، والدكتور كيلاش نات كتجو، والمحامي مولوي سيد حيدر مهدي، ومولانا محمد رشيد فخري والخان آغا علي خان، وبابو برشوتم داس تندن، ورئيسا الوزراء الشري جواهر لال نهرو، والشري لال بهادر شاستري. وهنالك شخصيات وطنية أخرى لامعة مثل: سندر لال، والسيدة فيجي لكشمي باندت، وموالانا السيد محمد شهيد فخري، والدكتور هريدايا ناث كنزرو، والشري كبشو دوك مالويه، والسيد أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند وتمتاز مدينة الله آباد أيضاً بأنّها مسقط رأس رؤساء وزارات البلاد الثلاثة الأول. ويهرع إلى مدينة الله آباد هذه ملايين الهندوس صغاراً وكباراً، معافين وعليلين، أغنياء وفقراء، متعلمين وأميين، فهم يتوافدون إلى مقر عهد تيرث «التي ترمز إلى روح الهند الخالد مثلما هي رمز متوقد لبقائنا وبعثنا القومي». وهم يتحملون كلّ مشاق السفر في سبيل الوصول إليها، فيتدفقون إليها بالطائرات وبالسكة الحديد، بالسيارات والحافلات، بالمراكب وبالعربات التي تجرّها الثيران، وممتطين الخيول أو سيراً على الأقدام وذلك من أجل أن يستحموا في مياه مجمع النهرين المقدسة. وهكذا كان سيل لا ينقطع من الحجاج يتدفقون على هذه المدينة المقدسة، منذ الأزمان الغابرة، من شتى أرجاء الهند وأنحائها ومن خارج الهند، مؤمنين بأنّ مياه أنهر الكنج وجمنا وساراسفاتي المقدسة ترفع الخفيض الجناح إلى قمة الأبدية الأرجوانية.
فكلّ هندوسي مؤمن يطمح إلى زيارة مدينة الله آباد ولو مرّة واحدة على الأقل خلال حياته. وتتحقق أمنية العمر لهذا المؤمن عندما يغوص بجسده في مياه هذه الأنهر المقدسة التي يعتقد أنّها ما زالت تحتفظ بالرحيق الذي انسكب من «الكمب»… أي الإبريق المقدس أثناء القتال الذي نشب بين الآلهة والشياطين بشأن ملكيتها ووضع اليد عليها. كذلك إنّ حلم الهندوسي المؤمن (الأثير) إلى فؤاده هو أن يوقن بأنّ رماد رفاته سيمزج بمياه السنغام المقدس أي ملتقى النهرين الكنج وجمنا. وحري بالذكر هنا أنّه قد جرى في براياغ (الله آباد) هذه في عام 1948م حفل مزج رماد رفات المهاتما غاندي وغيره من الزعماء الوطنيين.
وتعود نشأة طقوس «الكمب» (بضم الكاف) أي الإبريق هذه إلى زمن سحيق، إذ تروي إحدى أساطير البورانا أنّه بينما كانت الآلهة والشياطين تخوض في المحيط بحثاً عن الرحيق عثرت على «كمب» أي إبريق يحتوي على إكسير الخلود، وقد حاولت الآلهة أن تأخذه وتهرب به ولكن الشياطين عدت وراءها تلاحقها طيلة إثني عشر نهاراً وإثنتي عشرة ليلة بصورة مستمرة. وفي أثناء العراك ومحاولة تخاطف هذا الإبريق في نهاية هذه الملاحقة انكسر الإبريق هذا وانسكبت محتوياته في أربعة مواقع هي:
هردور، وعجين، وناسك، وبراياغ. وهكذا أصبح يجري الاحتفال بهذا الإبريق في واحد من هذه المواقع مرّة كلّ ثلاث سنوات، وفي السنة الثانية عشرة يحتفل بحشد الحجاج العظيم في براياغ وهذا الاحتفال يدعى «الكمب التام» أي الإبريق التام.
وتوجد لاحتفال الإبريق التام هذا أهمية للكمية أيضاً، فهو يجري في براياغ عندما يكون «بريهاسباتي» في «ميش راشي» وعندما يكون القمر والشمس في «مكار». في شهر «ماغ» من كلّ سنة يحل القمر والشمس في «مكار»، ولكن «بريهاسباتي» يدور دورة كاملة مرّة كلّ إثنتي عشرة سنة. ويحتفل بالإبريق التام هذا في مناسبة هذا التوافق الخاص، ويجذب هذا الاحتفال أضخم جمهور من الحجاج.
ويشار إلى أهمية الرقم 12 في احتفال الإبريق التام بواسطة خمسة أعضاء من الجسم التي تجلب «غيان» أي الإدراك والمعرفة. وهذه الأعضاء الخمسة الخاصّة بالسمع والشم والحسّ والذوق والبصر، والأعضاء الخمسة الخاصّة بالفعل وهي أعضاء اللمس والكلام والمشي والتمتع والعزم، والعضو الحادي عشر هو العقل والثاني عشر هو الفطنة.
ويعتقد أنّ الإنسان باستخدامه هذه الأعضاء الإثني عشر استخداماً سليماً يحوز على المعرفة الأساسية للنجاح في الحياة في الدنيا وفي الآخرة كما يحقق الخلاص من دورة الولادة والموت، فالخلاص إنّما يعني الوجود الخالد المبارك بعد الموت.
ولدورة الإثنتي عشرة سنة أهمية ثقافية أيضاً. ففي الأزمنة القديمة كان الطالب يحتاج إلى الدراسة مدّة إثنتي عشرة سنة ليصبح «باندت» أو «شاستري» إلى عالماً حكيماً، وكذلك لقد استغرق وضع كتاب «بانيني» وهو أعظم كتاب في قواعد اللغة في العالم مدّة إثنتي عشرة سنة.
وتوجد في مدينة «الله آباد» التي هي بمثابة مزيج غريب من مظاهر العصور القديمة والوسطى والحديثة معالم وأمكنة كثيرة تستحوذ على الاهتمام مثل المتنزهات، والحدائق، والبنايات، والنصب، والقاعات الكبيرة، والأبراج، والجسور، والمؤسسات التعليمية وأيضاً المعالم التي لها قيمة تاريخية عظيمة. ودرة العدد الكبير من المعابد المقدسة في مدينة الله آباد هو معبد «بتال بيوري» القائم في قلعة أكبر العظمى. ويحتوي هذا المعبد ذو الماضي التليد والقائم تحت مستوى سطح الأرض على رسومات للآلهة والآلهات، وممّا يدل على مقدار أهميته وتقادمه في الزمن زيارة الشري رام تشاندراجي له.
وتقع في فناء هذا المعبد بقايا «شجرة تين البنغال (البنيان) التي لا تموت» التي كانت ضخمة جداً في الماضي، وهي تحظى بمرتبة عظمى من القدسية عند الهندوس. ويؤمن الهندوس أنّ هذه الشجرة قائمة هنا منذ بدء الخليقة وأنّها ستبقى موجودة إلى الأبد. وبصفة هذه الشجرة من أقدم وأقدس معالم البلاد فهي تمثل روح الهند، وترمز إلى حضارتها التليدة وإلى تصميمها على الوقوف بثبات في خلال جميع فترات الأزمات والشدائد. ويحضر الحجاج إليها معهم الهدايا والعطايا ويصبون على جذع هذه الشجرة شيئاً من مياه نهر الكنج.
ما من حاج إلى «الله آباد» يغادرها دون أن يزور المعبد الذي سمّي نسبة إلى الحكيم العظيم «بهارادواجا». وكان مقرّه الديني قائماً على الضفة العالية المطلة على مجمع النهرين، ولكنّه ما لبث أن أنتقل إلى موقعه الراهن. وفي مقر بهارادواجا هذا أقام الشري «رام تشاندراجي» في طريقه إلى تشيتراكوت.
وتشتمل قصة «رامايانا ولميكي» على وصف مؤثر لمقابلة جرت بين راما وبين الحكيم برادواجا. ومن الصدف المدهشة أنّ جامعة الله آباد الحالية وكلياتها ومرافق نوم الطلاب فيها تقوم في جوار المكان الذي كان المعلم العظيم يعقد فيه حلقاته التعليمية الصادقة في روحها ومضمونها…
وقد بنى الإمبراطور «أكبر» قلعته التاريخية عند مجمع النهرين في العام 1583م. وقد اشتمل هذا الصرح الرائع الذي كلف 320,224 62 روبيه (أي ما يعادل نحو ستين مليون دولار في هذه الأيام) على إثنتي عشرة حديقة ومتنزه تسرّ الناظرين، كما اشتمل على قصور كثيرة جميلة منها قصر الأربعين عموداً الخلاب، وقد زيّن بالحجارة المنقوشة وبالرسوم الجدرانية الجميلة. وقد وصف «أبو الفضل»، الكاتب والسياسي البارز، ببراعة الساحر صورة خلابة للجمال المعماري الذي امتازت به هذه القلعة في كتابه الشهير «أكبر نامه»، غير أنّ السلطات البريطانية، وهي تحاول أن تجعل من القلعة التاريخية حصناً عسكرياً عصرياً، دمّرت الكثير من الأعمال الفنية فيها. وتدل الصومعة الرائعة التي تدعى «قصر زنانه»، وهي آخر ما تبقى من مجد هذه القلعة الغابرة، على روعة وسحر فنون العهد المغولي في الهند.
وممّا يسترعي انتباه السواح عند زيارتهم لهذه القلعة عمود الملك «أشوكا» الذي ما زال قائماً داخل أسوار هذه القلعة القديمة. وتسجل النصوص المنقوشة على العمود مراسيم الملك أشوكا الستة، وسجل انتصارات الإمبراطور سمودراغوتبا وزيارة بيريال وزير الملك أكبر المشهور بفطنته وفكاهته، واعتلاء الملك جهنكير العرش وينتصب «عمود أشوكا» هذا في موضعه صامتاً منذ قرون يشهد التغييرات التي طرأت على هذه المدينة القديمة عبر تاريخها الطويل الحافل.
أمّا حديقة خسرو والتي تعرف باسم «خسروباغ» وهي الحديقة الساحرة بجمالها فقد أنشأها في «الله آباد» الإمبراطور جهنكير في عام 1601م لتكون منتجعاً له للراحة والاستجمام، ولكنّها أصبحت مقر إقامة ابنه العاثر الحظ خسرو ثمّ ما لبثت أن أصبحت مثواه الأخيرة بعد وفاته. وتمتاز الحجرات الداخلية لضريح هذا الأمير المغولي خسرو وضريح أمّه بأنّها مزينة بسخاء بالرسوم واللوحات الجدرانية والعبارات المنقوشة بخط جميل ومعظمها مواعظ أخلاقية مقتبسة من أشهر الشعراء الفارسيين. أمّا في الزاوية الشرقية من الضريح فتوجد أحواض تنقية الماء وخزانات ترسيب الماء، كما يقوم في ناحية منها صهريج ماء ضخم تابع لمصلحة المياه في البلدية.
أمّا «متنزه الفريد» الذي يعدّ حديقة عامة في مدينة «الله آباد» وأشدها إمتاعاً فتشتمل على أحواض زهور جذابة كثيرة وعلى أشجار تزيينية خلابة كما يوجد فيها متنزه دائري جميل يشتمل على منصة للفرقة الموسيقية. وتوجد في فناء هذه الحديقة الجميلة المكتبة العامة والمتحف ومعهد أبحاث الشري «غانغا ناتجها» ومشاتل للزهور والأغراس وبيت زراعة زجاجي. أمّا المكتبة فقد أنشئت في عام 1878 ميلادية، وهي نموذج رائع من نماذج فن المعمار القوطي. أمّا متحف الله آباد فهو حافل بالمعروضات التي تهمّ كلاًّ من طالب التاريخ والإنسان العادي، كما يحتوي هذا المتحف على كثير من الهدايا القيّمة التي تلقاها البنديت جواهر لال نهرو من بلدان العالم الأخرى. وبالتجول في ردهات هذا المتحف يطلع المرء على تراث هذه المدينة الفريد وعلى تراث ضواحيها الغنية بالمعالم الأثرية ويكوّن بالتالي فكرة عن حياة أهلها الأقدمين الذين لفّهم النسيان منذ زمن طويل.
وقد تأسّست جامعة الله آباد في عام 1887م، وهي تتمتع بشهرة في ميدان التعليم. وتشكل أبنيتها منظراً مهيباً مرموقاً في المدينة، لا سيما قاعة الاحتفالات وكلية الحقوق وكلية موير المركزية ذات القبة الكبيرة والبرج الشاهق الارتفاع.
ومن المنشآت العصرية التي تحفل بها مدينة الله آباد وتستحق مشاهدة زائر هذه المدينة مبنى محكمة الله آباد العليا وهو صرح أبيض لامع، والمبنى المهيب لكاتدرائية جميع القديسين، ومبنى «أناند بهاوان» الساحر ومعناه «مربع الفرح» وكان مقر الشري جواهر لال نهرو في الله آباد، وقاعة مايو، ومحطة سكة الحديد الحديثة، والمعهد الزراعي المجهز جيّداً، الجسور العظيمة على كلّ من نهري الكنج وجمنا.
وعلاوة على ما تزخر به مدينة الله آباد ذاتها من معالم تاريخية توجد في مناطق معينة من مقاطعة الله آباد ثروة من المعالم الأثرية التي ترجع إلى العصور القديمة والوسطى من تاريخ الهند. فهنالك مواقع وأمكنة كثيرة بجوار المدينة ترتبط بالأساطير والتاريخ.
فيوجد على الضفة الشرقية من نهر الكنج قبالة قلعة الملك أكبر موقع يدعى جوسي أو براتيشتانبور كما تدعى في المخطوطات القديمة التي تعود إلى فترة ما قبل التاريخ. فجوسي هذه كانت عاصمة مملكة مزدهرة حكمتها الأسرة القمرية (3000ـ2500ق.م.). وظلّت في ازدهار إلى حين فترة غوبتا، ولكنّها ما لبثت أن انحطت بعد ذلك. وقد كشفت التنقيبات الأثرية في جوسي عن تماثيل فنية صغيرة من التراكوتا (الطين النضيح) ترجح إلى فترة غوبتا([359])، كما كشفت عن تمثال في غاية الإتقان الفني للإله «فيشنو» وهو أحد الثالوث الإلهي في الديانة الهندوسية، كما وجدت كذلك لوحة نحاسية محفورة فيها نقوش. ويشتمل موقع مدينة جوسي القديمة، علاوة على عدد كبير من المواقع والآبار القديمة المقدسة لدى الهندوس، على ضريح أحد أولياء المسلمين وهو الشيخ محمد تقي، وقد كان يتردد عليه الإمبراطور المغولي فاروق سير. وقد حيكت العديد من الأساطير والخرافات المدهشة حول هذه المدينة الخربة، كما يرمز إليها بهذه العبارة الشعبية الشائعة:
«مدينة تسودها الفوضى وحاكم مرتبك في حيرة من أمره، وجميع الحاجيات بغض النظر عن صنفها وجودتها تباع بسعر واحد هو بيزتان لكل متفرج».
وتوجد على بُعد 65 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من مدينة الله آباد خرائب مدينة «كوسمبي» وهي مدينة ذات ماض تليد. وقد ورد ذكرها في أساطير البورانا ولكن باسم مختلف هو مهابوري، كما يرد ذكرها كثيراً في «الرمايانا» وفي «المهبهاراتا». ويُقال إنّ الشري رامشاندراجي الذي يعدّه الهندوس تجسيداً للإله قد زارها، كما أنّ الإخوة «باندافا»([360]) قد أمضوا معظم مدّة نفيهم التي دامت 13 سنة في جوار هذه المدينة.
وقد زار بوذا هذه المدينة مرتين على أقل تقدير، وقد تمتعت خلال الفترة البوذية بازدهار عظيم. وتظهر البقايا الآرية التي استخرجت من خرائب مدينة كوسمبي إتقان الصناعة بصورة فائقة، كما تكشف قطع العملة النحاسية التي عثر عليها هنا أسماء حكامها الذين لم يكونوا معروفين من قبل.
وعلى مسافة 22 ميلاً إلى الشمال من مدينة الله آباد تقع آثار مدينة لاكتشغير حيث يُقال إنّ الإخوة كورافا([361]) بنوا قصراً من مواد شديدة الالتهاب ضمن مجهوداتهم ومحاولاتهم العقيمة لحرق الإخوة باندافا أحياء. وقد وجدت في هذا الموقع القديم بعض التعاويذ والرقى التي يعتقد أنّها نحتت في فترة ما بعد عهد غوبتا وفي العصور الوسطى.
وتوجد على الضفة الجنوبية لنهر الكنج على بُعد نحو 93 كيلومتراً إلى الشمال الغربي من مدينة الله آباد مدينة «كارا» وهي إحدى تسعة مواقع كان يقصدها الحجاج في الهند القديمة. وتحتوي مدينة كارا هذه على الكثير من المعابد القديمة والبنايات التي تعود إلى العصور الوسطى وأضرحة للأولياء المسلمين.
ونظراً لأهمية موقع كارا من الناحية الاستراتيجية أصبحت هذه المدينة خلال العهد الإسلامي عاصمة إقليمية حتّى عام 1559م عندما نقل الإمبراطور أكبر مقر الحكومة الإقليمية إلى مدينة الله آباد. وفي مدينة كارا هذه قَتَل السلطان علاء الدين خلجي بصورة غادرة عمّه السلطان جلال الدين.
ومن الأماكن الأخرى المقدسة أو التاريخية الهامة التي توجد في مقاطعة الله آباد، والتي يحتاج إعطاؤها حقّها من الوصف إلى مجلد كامل، المواقع التالية: سوجاوان وسذرواريل، وقلعة غرذوه، وسنغرور، وجلالبور، وبربهاس، وبيهتا.
ومعظم المكتشفات الأثرية التي عثر عليها في هذه المواقع موجودة في متحف الله آباد. لقد قال أحدهم بحق إنّ «مدينة الله آباد من الناحية الحضارية قد سمت بأفضل تقاليدنا، ومن الناحية الثقافية كانت موئلاً رصيناً للعلم والهداية، ومن الناحية الروحية تشيع فيها بصيرة وحكمة تجعلان الإنسان يحب أخاه الإنسان، أمّا من الناحية السياسية، فلهذه الأسباب عينها كانت مدينة الله آباد هي طليعة وقائدة نضالنا من أجل الاستقلال». أمّا الآن، فإنّ مدينة الله آباد أصبحت تقف على عتبة العصر الصناعي. فهي بحكم موقعها في وسط مناطق الهند الشمالية ومرتبطة بجميع مدن ونواحي البلاد الهامة بشبكة من الطرق وخطوط السكة الحديد تتوفر فيها كلّ المقومات المطلوب توفرها لإقامة صناعة ناجحة. ورغم أنّ مدينة الله آباد قد أهملت من هذه الناحية لفترة طويلة، فإنّها تسير الآن بقفزات كبيرة لتصبح مركزاً من مراكز الصناعة في البلاد.
ويعود الفضل في إدخال مدينة الله آباد في العصر الصناعي إلى السيد مصطفى رشيد شرواني، وهو صناعي نشيط يتمتع بنظرة ثاقبة في الأمور الصناعية، وهو ينحدر من أسرة معروفة برجالها الوطنيين البارزين. وقد أنشأ في عام 1958م، ودون التمتع بأيّة حماية جمركية وأيّة معونة من الحكومة وفي وجه منافسة قوية من منتوجات هونغ كونغ وغيرها من المصانع الراسخة القدم، «صناعات غيب للمصابيح» لصناعة المصابيح الكهربائية التي تعمل بالبطارية الجافة. وخلال فترة وجيزة نما هذا المصنع وأصبح مركزاً صناعياً زاهراً، ولم تحقق منتوجاته نجاحاً في السوق المحلية فحسب بل غزت أسواقاً أجنبية كثيرة لا سيما في الشرق الأوسط، وهذه الشركة ذاتها الآن أقدمت على إقامة مشروع آخر طموح لإنتاج البطاريات الجافة.
وقد كان إنشاء «صناعات غيب للمصابيح المحدودة» بداية نمو صناعي سريع شهدته مدينة الله آباد، فقد أقيم فيها الآن عدد من المشروعات الصناعية الثقيلة والمتوسطة، وهي إمّا باشرت الإنتاج أو أنّها على وشك ذلك، ومن هذه: شركة إطارات يونيفرسال، وشركة أعمال تريفيني الهندسية، وشركة الكهرباء العامة وشركة تريفيني للإنشاءات.
ولقد اتّسعت المدينة مؤخراً وزاد عدد سكانها زيادة ملموسة فأصبحوا يزيدون على 750 ألف نسمة.
ولقد كانت مدينة الله آباد عاصمة ولاية «أوتر براديش» منذ عام 1858م إلى عام 1930م. وما زالت تقوم فيها كثير من المكاتب الهامة التابعة لحكومة الولاية أو للحكومة المركزية، وإذا كانت مدينة الله آباد لم تعد العاصمة، بل حلّت محلها في ذلك مدينة «لكناو» فإنّ مدينة الله آباد ما زالت تعدّ العاصمة «القانونية» لأكبر ولاية من ولايات الهند.
الملامح البارزة لمقاطعة الله آباد
مدينة الله آباد ـ السكان: ثلاثة أرباع المليون. المساحة 81 كيلومتراً مربعاً.
مقاطعة الله آباد ـ السكان: مليونان ونصف. المساحة: 4600 كيلومتر مربع.
الارتفاع ـ 322 قدماً فوق سطح البحر.
المناخ ـ استوائي.
الحاصلات الزراعية: القمح، الحمص، الشعير، الأرز، الذرة، قصب السكر، البطيخ، المانغا، الجوافة (وهذه لها شهرة فائقة)، وأصناف كثيرة من الخضراوات.
الشيعة في الله آباد
في الفترة السابقة للاستقلال وتقسيم شبه القارة الهندية إلى الهند والباكستان في 15 آب (أغسطس) من عام 1947م، كان يوجد في مقاطعة الله آباد عدد كبير من السكان المسلمين الشيعة الذين كان لهم دور كبير في الحياة العامة. ورغم هجرة القسم الأعظم من هؤلاء المسلمين الشيعة إلى باكستان لتعرّضهم لضائقة اقتصادية نجمت عن تقليص حجم الملكيات الزراعية وصعوبة حصولهم على وظائف سواء في الدوائر الحكومية أو في الشركات والهيئات الخاصة، فإنّه ما زال هناك نو 40,000 من هؤلاء المسلمين الشيعة يقطنون في مدينة الله آباد ذاتها وفي المدن والقرى المجاورة لها مثل: كراري، ومنجن بور، وكارا، ودرانكر، ودندوبور، ومصطفى آباد، وتشيل، وكورالي، وسيويت، وأسروه كالان، وبسونه، وبهول بور إلخ…
وممّا يدعو للأسف أنّ المجموعة الإسلامية الشيعية هذه التي كانت في الماضي ميسورة الحال وتتمتع بنفوذ عظيم في مقاطعة الله آباد قد أخذت أوضاعها تتدهور في شتى النواحي. وهذا التراجع والتدهور في الأوضاع قد نتج عن الأسباب التي ألمحنا إليها سابقاً، والفشل في مجاراة الظروف والأحوال المتغيرة والجمود الذي شجع عليه التوجيه الخاطئ، بتأثير من بعض رجال الدين الجامدين في تفكيرهم، هذه الأسباب كلّها هي المسؤولة بصورة أساسية عن تدهور أوضاع الشيعة الاقتصادية في هذه المقاطعة كما في أنحاء أخرى من الهند.
ويعتمد الشيعة في معيشتهم بصورة أساسية على الزراعة وتجارة المفرق.
ومن أبرز رجالات الشيعة في منطقة الله آباد يمكننا أن نذكر كلاًّ من:
النواب([362]) إرادة علي خان:
أوّل حاكم من الشيعة عيّن في أواخر العهد المغولي. وقد سمّيت باسمه تكريماً له إحدى محطات السكة الحديد وقرية «إرادة غانج».
والقاضي السيد محسن علي: وهو من أعظم الشخصيات الوطنية المعروفة بين الشيعة. وقد اشترك في حرب الاستقلال الهندية الأولى (1857ـ1858م). وقد قاتل هو وأصدقاؤه وأتباعه القوات البريطانية المجهزة تجهيزاً حربياً ثقيلاً والتي هاجمت مدينة الله آباد. وقد جرح خلال القتال جرحاً بالغاً، ثمّ تمّ اعتقاله بفعل وشاية أحد الخونة، وأقدم قائد الجيش البريطاني الظافر على إعدامه بقسوة وهو في ريعان الشباب (26 سنة). كذلك صادر البريطانيون ممتلكاته.
وقد اعتاد الشهيد القاضي السيد محسن علي أن يعقد المجالس على نطاق واسع لتمجيد وإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام). واعترافاً ببطولة السيد محسن وتمجيداً لاستشهاده أُقيم قرب مقر عائلته مسجد يعرف باسم «مسجد القاضي»، كما أطلق اسمه على المحلة المعروفة باسم «قاضي غانج».
السيد سلامة علي: وكذلك يذكر الشيهد سلامة علي الذي كان من الشخصيات الوطنية، وكان قاضياً مساعداً. وقد أعدمه البريطانيون لاشتراكه كذلك في حرب الاستقلال.
ومن الشهداء في تلك الحرب: غلام حيدر الذي استشهد وصودرت ممتلكاته وهناك العديد من الزعماء السياسيين والفقهاء المجتهدين والأساتذة الجامعيين والكتّاب والشعراء والمؤلفين والمفكرين من الشيعة الذين أنجبتهم مدينة الله آباد سواء ممّن طوتهم يد الموت أو لا يزالون أحياء فنذكر منهم:
السيد أكبر علي:
أكبر محام شيعي بارز في عصره.
النواب عرب علي خان:
ملاّك واسع النفوذ؛ وقد بنى داراً للاحتفال بذكرى عاشوراء (عاشورا خانه) في مدينة الله آباد، حيث ما زالت إلى الآن تعقد فيها الاحتفالات خلال شهر المحرم وفي المناسبات الأخرى.
النواب مظفر حسين خان:
وزير مملكة «أَوَدْ» الشيعية في مدينة لكناو وقد ساهم في إنشاء «عزا داري»([363]) (لمآتم) الإمام الحسين (عليه السلام) في مدينة الله آباد.
النواب حسين جان خان: المعروف باسم حُسُّو ميان:
ملاك واسع النفوذ، وقد كان من اشّد المتحمسين والعاملين بتفان لإنشاء (عزا داري) الامام الحسين(ع) في هذه المدينة.
القاضي السيد نصير الدين حسين:
هو نجل القاضي السيد محسن علي، وقد ولد بعد استشهاد والده. وقد كان من أكبر أبناء مدينة الله آباد احتراماً. وهو من المبدعين في ترتيل المراثي الحسينية. وقد خاطر بحياته وهو يقود أوّل موكب «ذو الجناح»([364]) في وجه معارضة شديدة من خصوم العزا داري. وقد عمل على تأمين الأعمال لعدد من أبناء الطائفة الشيعية الذين سدّت أمامهم سبل العمل.
النواب أحمد جان خان:
مؤمن متفان بالإمام الحسين. وقد نذر حياته لقضية «العزاداري» في مراحلها الأولى.
السيد عبد علي:
محام قدير ومواطن بارز من مواطني الله آباد وهو مرجع ثقة في القانون المدني.
السيد رضيّ الدين حسن:
محام بارز ومرجع ثقة في القانون المدني.
السيد حيدر مهدي:
من زعماء المؤتمر الوطني الهندي. ورئيس مجلس إدارة صندوق التحسين (مجلس الإنماء). وهو من أشجع المدافعين عن قضية الشيعة وأصرحهم في مواقفه.
السيد آل حسن:
أبرز المحامين في مجلس الإيرادات الإقليمي. وهو مرجع ثقة فيما يتعلق بقانون الإيرادات، وهو أيضاً زعيم سياسي.
آغا علي خان:
هو شاعر، وكان نائب رئيس مؤتمر الشيعة لعموم الهند، وهو زعيم سياسي ومن رجال البر والإحسان، وكان يتولى رعاية العديد من الجمعيات والهيئات والمنظمات الدينية والاجتماعية والرياضية، كما كان رئيس لجنة الاستقبال لمؤتمر الشيعة لعموم الهند الذي عقد في الله آباد في عام 1929 وفي عام 1950.
السيد آغا حيدر:
أوّل من يتولّى منصب مدّعي عام المقاطعة من الشيعة. وقد كان رئيس لجنة الاستقبال لمؤتمر الشيعة لعموم الهند الذي عقد في الله آباد في عام 1915.
مولانا السيد أمجد حسين:
هو من الفقهاء المجتهدين متبحّر في شؤون الشرع والفقه.
الدكتور السيد جعفر حسين:
هو مفكّر وعالم بارز في الرياضيات، وكاتب بعدّة لغات.
الدكتور السيد محمد مصطفى:
(طبيب) لمداواة أمراض سقوط الشعر، محبوب جدّاً وشديد الاحترام. ومعروف عنه شدّة ورعه وتقواه، وهو يتولّى رعاية عدد من الهيئات الدينية والاجتماعية.
السيد أبو طالب النقوي:
امتاز بسجل أكاديمي لامع، وكان موظفاً في حكومة الهند ثمّ هاجر إلى باكستان حيث تولّى المنصب المرموق: المفوض السامي لمدينة كراتشي التي كانت يومئذ عاصمة الدولة الناشئة. وقد عمل على مساعدة آلاف الشيعة المهاجرين من الهند إلى الباكستان.
السيد زاهد حسين:
هو نائب قاضي المقاطعة، وباني أكثر إمام بارة([365]) يتردّد عليها الناس في مدينة الله آباد.
الملا السيد محمد قاسم:
هو مرجع ثقة في فلسفة الفقه الشيعي وفي التاريخ وطبيب يمارس الطب اليوناني.
السيد مرتضى حسين:
خطيب لامع وطبيب يمارس الطب اليوناني.
السيد علي عُبّاد (نيسان):
شاعر موهوب، وقد ترك أثراً عميقاً في الشعر باللغة الأردوية.
السيد تحمل حسين [محبوب]:
شاعر موهوب كان دائماً يتحاشى الأضواء.
السيد حسين حيدر:
من أمناء كلية (يدغري حسيني) أي كلية تخليد الحسين، والرئيس المؤسس لكلية رفيع أحمد قدوائي التخليدية للبنات.
النواب أصغر حسين خان:
هو عالم وكاتب، ومن المساهمين في إنشاء عزاداري.
الكابتن محمد ضمين علي:
رئيس دائرة اللغة الأردوية في جامعة الله آباد.
السيد ظهور الحسنين:
من مؤسسي كلية تخليد الحسين كما كان نائب رئيسها سابقاً.
علي مهدي خان:
أستاذ في دائرة الفلسفة في جامعة الله آباد، وكان رئيس «كلية يدغري حسيني» أي كلية «تخليد الحسين» في الله آباد، وهو فيلسوف ومفكّر، ويجيد عدداً من اللغات، وهو مؤسس أكاديميات الفلسفة الإسلامية في الجامعات الهندية.
ومؤلف كتابيّ: «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، و«عناصر الفلسفة الإسلامية».
السيد خورشيد حسين:
رئيس سابق «لكلية يدغري حسيني»، ومدير مسجد القاضي، وترجع الحالة الممتازة والتنظيمات الجيدة في هذا المسجد إلى جهده الدؤوب المخلص، كما أنّه عضو نشيط في جميع منظمات وهيئات الشيعة الاجتماعية والدينية.
غلام حيدر:
وطني متفان قدم حياته فداء لقضية حرية بلاده في عام 1857 وصودرت جميع ممتلكاته.
فيما يلي أسماء بعض المشاهير الأحياء من رجالات الشيعة البارزين([366]):
السيد كلب عباس:
خطيب قدير ومحام بارز وهو الأمين العام «لمؤتمر الشيعة لعموم الهند» والرئيس الحالي لكلية «يدغري حسيني» وعضو في مجلس أوقاف الشيعة المركزي، وعضو في لجنة الإدارة لكلية جامعة الشيعة في مدينة لكناو، وعضو في مجلس أمناء الجامعة الإسلامية في عليگر.
وهو نجم لامع بين القادة الوطنيين في الهند، ويدعى تحبّباً باسم «فخر قومي».
الدكتور السيد إعجاز حسين:
رئيس دائرة لغة الأردو. أسهم مساهمة قيمة في الأدب الأردوي بكتاباته وخطاباته.
البروفيسور السيد احتشام حسين:
هو رئيس دائرة الأدب الأردوي، وهو خطيب قدير وناقد ومرجع ثقة في الأدب الأردوي حيث ساهم بإغنائه بكتاباته.
زاهد حسين خان:
هو مرجع ثقة في شؤون التاريخ الإسلامي وعلوم الفقه وفلسفة التشريع، وهو خطيب ومحاور قدير، ويمتلك معرفة واسعة بديانات الهند المعاصرة.
السيد صابر حسين النقوي:
هو مدير «كلية يدغري حسيني» وأحد الأعضاء المؤسسين لها، ورئيس جمعية «أنجمن تحفظ قبرستان»، أي جمعية رعاية المقابر، ويشترك في نشاطات العديد من الهيئات والمنظمات الاجتماعية والتربوية، وهو مستشار بلدي وزعيم محلي للحزب الحاكم في الهند حزب المؤتمر الوطني لعموم الهند.
رضي الدين حيدر:
رئيس هيئة مؤسسي كلية «يدغري حسيني» والأمين العام لمؤتمر الشيعة الإقليمي في ولاية «أوتر براديش»، وعضو مجلس أوقاف الشيعة المركزي، ومنظّم احتفالات ذكرى مرور 1300 عام على استشهاد الإمام الحسين في مدينة الله آباد في العام 1942، وعضو هيئة إدارة جمعية «أنجمن وظيفة سادات ومؤمنين». أي «جمعية المنح الدراسية لأبناء السادات والمؤمنين»، كما أنّه أحد مؤسسي مكتبة الأمجدية [نسبة إلى الولي الشيعي المشهور السيد أمجد حسين]. وهو خطيب وكاتب، يشارك بنشاط في أعمال العديد من المنظمات الدينية والاجتماعية.
العميد السيد أنور حسن الرضوي:
ضابط كبير في الجيش الهندي، وهو قائد مقاطعة في القيادة المركزية للهند، وهو الآن نائب الرئيس لكلية جامعة الشيعة ورئيس كلية كنتونمنت (المعسكر) في لكناو.
الدكتور السيد رفيق حسين: (دكتوراه في الآداب):
مدرّس في دائرة لغة الأردو في جامعة الله آباد ورئيس لجنة الجامعة الدائمة، ومؤلف العديد من الكتب.
السيد مسيح الزمان:
أستاذ ورئيس دائرة اللغتين الأردوية والفارسية في جامعة بنارس الهندوسية، والأمين المؤسس للجمعية الهندية ـ الإيرانية، وهو يشارك بنشاطات المنظمات والهيئات الأدبية والثقافية، وهو مؤلف العديد من الكتب الأدبية.
الدكتور السيد محمد عقيل: [دكتوراه في الآداب]:
أستاذ مساعد في دائرة اللغة الأردوية في جامعة الله آباد، وهو مؤلف العديد من الكتب الأدبية.
الميجور السيد منظور حسن الكاظمي:
وهو رئيس سابق لكلية «يدغري حسيني»، وقد هاجر إلى الباكستان.
السيد محمد تقي:
خطيب وكاتب، وهو نائب رئيس كلية «يدغري حسيني»، ويشارك بنشاطات العديد من الجمعيات والمنظمات التربوية والاجتماعية، وهو الزعيم المحلي لحزب المؤتمر الوطني الهندي الحاكم.
السيد أسد علي:
من العلماء المجتهدين، وهو خطيب وكاتب، يرأس دائرة الدراسات الشرقية والفقهية في كلية «يدغري حسيني».
السيد ذيشان حيدر:
من العلماء المجتهدين، وهو خطيب وكاتب. وقد ترجم من العربية إلى الأردوية عدداً من الكتب الدينية والتاريخية، وهو مؤلف عدد من الكتب الدينية.
السيد علي عابد:
من العلماء المجتهدين ويعمل واعظاً في بلدان إفريقيا الشرقية.
السيد عباس حسيني:
كاتب، وهو صاحب ورئيس تحرير«مطبوعات نكهت» التي هي من أحب سلاسل المطبوعات الدورية الأدبية إلى القراء وأوسعها انتشاراً. وهو نائب رئيس سابق لكلية «يدغري حسيني»، ومنظم واحد من أضخم وأفخم مواكب العزا داري في الهند، وهو من رجال البر والإحسان، ويقوم برعاية عدد من المنظمات والهيئات الدينية والاجتماعية.
السيد مجاور حسين الرضوي:
كاتب رواية وعالم لامع باللغة الأدبية، وهو عضو لجنة إدارة كلية «يدغري حسيني».
محمد مصطفى خان:
منظّم قدير بارع وهو الأمين المساعد لكلية «يدغري حسيني».
السيد محمد حيدر:
نائب رئيس مجلس المقاطعة، وأحد مؤسسي كلية كَرَاري ومكتبة كراري.
السيد مُحِبُّ الحسن «سمر»:
شاعر نابه، وهو نائب المدير لكلية «يدغري حسيني»، وهو أيضاً أمين مؤتمر الشيعة الإقليمي.
السيد زوّار عباس:
شاعر بارز، وهو أحد مؤسسي كلية كراري.
السيد علي جواد:
محرر مجلة «النقشب» الأدبية باللغة الأردوية، وهو من المراجع الثقة في الأدب الأردوي، ومؤلف العديد من الكتب الدينية.
السيد منظور حسين الموسوي:
هو رئيس كلية الدراسات العليا بجامعة دلهي وأستاذ فيها، كما أنّه رئيس جمعية «أنجمن وظيفة سادات ومؤمنين» أي «جمعية المنح الدراسية لأبناء السادات والمؤمنين».
وهي منظمة لعموم الهند تقوم بمساعدة الطلاب الشيعة المتفوقين والمعوزين.
مبارك حسين خان المعروف باسم مبارك مزدور:
هو وطني ثوري، وتعرض للسجن مدداً طويلة من أجل قضية حرية الهند السياسية. وكان في فترة ما قبل استقلال الهند مرتبطاً بحزب المؤتمر الوطني لعموم الهند. وهو الآن من المدافعين المتحمسين عن القضية الإسلامية، وهو من المتبنين بإخلاص لقضية الإمام الحسين (عليه السلام).
الميجر محمد ظفر الحسن:
هو الضابط القائد لكتيبة الفيلق الوطني لطلبة الكلية الحربية، وقد كان سابقاً رئيساً لدائرة الفلسفة في كلية الدراسات العليا في جامعة شبلي في أعظم گره.
السيد ضمير قاسم:
رئيس لجنة إدارة «مسجد القاضي صاحب»، كما أنّه رئيس الجمعية الدينية المسمّاة أنجمن «أمجدية هاشمية»، أي «الجمعية الأمجدية الهاشمية».
السيد محمد مهدي:
محام وخطيب، وهو الأمين العام لفرع الله آباد للحزب الاشتراكي الهندي([367]).
ضمير حسين الكاظمي
ألبانيا
ألبانيا دولة من دول البلقان وهي عبارة عن شريط جبلي ضيق لا تزيد مساحته عن 11,100 ميل مربع يقع على ساحل البحر الأدرياتيكي، وهي تجاور كلاًّ من يوغوسلافيا واليونان ويبلغ تعداد سكانها أكثر من ثلاثة ملايين، و65 بالمائة من هؤلاء السكان من المسلمين بينما باقي السكان ولا تزيد نسبتهم عن 35 بالمائة من المسيحيين الأرثوذكس والكاثوليك.
وتاريخ ألبانيا حافل بالحروب فقد اجتاحتها الجيوش المتحاربة منذ قديم الأزل وقبل الميلاد… وقد دخل الإسلام إلى ألبانيا على أيدي الأتراك الذين احتلوها في عام 1478م.
الألبانيُّون أو الأرناؤوط
ونترك الكلام هنا للدكتور محمد موفاكو:
ليست اللغة العربية هي الوحيدة التي تطلق على هذه الأمّة تسميتين مختلفتين هما الأرناؤوط والألبانيون. ففي اللغات الأوروبية أيضاً، ولا سيما في لغات البلدان المجاورة، نجد عدّة تسميات هي: «أرفانيت» في اليونانية، و«أرناوط» في التركية والبلغارية، و«أرباناس» في اليوغسلافية و«ألبانيون» في اللغات الغربية بالإضافة إلى «شتشيبتار» في اللغة الألبانية. وهكذا يتضح أنّ الصيغتين المستعملتين عند العرب قد وردتا في اللغات الأخرى، مع أنّ البعض قد حاول أن يجد لهما تفسيراً عربياً على أساس العلاقات العربية ـ الألبانية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ آراء الأوروبيين كانت مختلفة حول أصل التسميات التي أطلقت على الألبانيين كاختلافهم في أصل الألبانيين أنفسهم([368]). ولكن في المدّة الأخيرة أصبحت نتائج البحوث المختلفة تؤكد أكثر فأكثر صحة النظرية الأولى التي تقول بانحدار الألبانيين من الأليريين، أي من السكان القدماء للبلقان([369]). ممّا ساعد على حلّ بعض الإشكالات المتعلقة بأصول التسميات التي تطلق على الألبانيين.
وهكذا أصبح من المعروف الآن أنّ أقدم ذكر للألبانيين قد ورد لدى الجغرافي الإسكندراني بطليموس في القرن الثاني للميلاد. ففي الجزء الثالث من كتابه، في القسم المتعلق بـ «الموقع الذي تحتله مكدونيا»، يذكر بطليموس أنّه «في أراضي الألبانيين Albanoi تقع مدينتهم البانوبوليس Albanopolis» ويحدّد مكان هذه المدينة في الخط الذي يقطع الآن قلب ألبانيا الحالية، وبالتحديد ما بين مدينة ديبرا Dibra في الشرق ومدينة دورس Durrës في الغرب([370]). إلاّ أنّ البعض بقي يشكك في حقيقة ما ذكره بطليموس وفي قيمته، إلى أن اكتشفت في المدّة الأخيرة الآثار التي تعود أيضاً إلى القرن الثاني للميلاد، والتي تحدّد وجود هذه المدينة كما سمّاها بطليموس([371]). لقد أشار بطليموس إلى الألبانيين على أنّهم إحدى العشائر الأليرية، التي كان عددها حينئذ يقترب من عشرين. ولكن مع الزمن تغلب الجزء على الكل، وأصبح هذا الاسم (الألبانيون) يقصد به التشكّل الجنسي الجديد الذي أخذ يتبلور في مناطقه خلال القرون الوسطى.
ففي القرن الحادي عشر وخلال عدّة سنوات (1072ـ1079م) يتردّد ذكر الألبانيين عدّة مرّات لدى الكاتبين البيزنطيين ميخائيل آتالياتي، وآنا ـ كومنينا: مرّتين بالصيغة التي ذكرها بطليموس أي Alban-oi ومرّة باسم أربانيتا Arbanita([372]). ويلاحظ هنا أنّه من ذلك الوقت سيصبح الجذر المشترك لكلّ التسميات اللاحقة: «الب» alb أو «أرب» arb أي بقلب اللام إلى راء. وليس من المصادفة أن تتردّد كثيراً التسميات المتعلقة بالألبانيين في المصادر الأوروبية منذ ذلك الحين، إذ أنّ ذلك يرتبط بزخم الأحداث التي تطوّرت في المناطق الألبانية حتّى وصول العثمانيين، أي حتّى القرن الرابع عشر.
وهكذا نجد أنّ اللاتينية قد أخذت في بادئ الأمر (1166م) بجذر «أرب» لتصوغ تسمية أربان والأربانيين Arbaneses. وفي الوقت نفسه (القرن 12) اعتمدت السلافية الجنوبية (الصربية) جذر «أرب» لتأخذ منه صيغة «أربانس» Arbanas إلاّ أنّ اللاتينية تحوّلت منذ القرن الثالث عشر إلى الجذر الآخر لتشتق منه صيغة ألباني وألبانيين، تلك التي شاعت لاحقاً في كلّ اللغات الأوروبية الغربية. ويبدو أنّ طغيان جذر «أب» قد جاء نتيجة للإيحاء الذي كانت تتركه الكلمة اللاتينية «ألبوس» albus (أبيض)([373]).
وفي الوقت نفسه، الذي اتّسم ببروز الأمراء الألبانيين المحليين الطامحين إلى المشاركة في الحكم أو في التفرّد به عن بيزنطة، كان الألبانيون قد أخذوا لأنفسهم جذر «أرب»، وشاعت منذ ذلك الحين عدّة صيغ كانوا يطلقونها على أنفسهم: أربر «arbere»، أربن «arbënë»، أربرش «arbëreshë» وعلى بلادهم آربريا arbëria أو آربنيا Arbënia([374]).
وهكذا في الوقت (القرن 14) الذي تعدّدت فيه التسميات، بدأ الاحتكاك بين الألبانيين والعثمانيين الذي انتهى بعد قرن من الزمن إلى سيطرة العثمانيين على المناطق الألبانية. وقد مال العثمانيون حينئذ إلى الصيغة اليونانية الحديثة «أرفانيت» Arvanitai، التي كانت قد تطوّرت من «أربانيت».
ونتيجة للإبدال بين حرفي n,v، وتحول i إلى u بسبب قوانين التناغم للغة التركية أصبح العثمانيون يطلقون على الألبانيين اسم Arnavud، الذي كان يكتب بالعثمانية «أرنود». وكان العثمانيون قد كوّنوا وحدة إدارية جديدة في المناطق التي سيطروا عليها وسمّوها «سنجق أرفانيد» أو «سنجق أرنود»([375]). وكما يبدو فإن الصيغة العثمانية بقيت تصاحب في البداية الصيغة اليونانية «أرفانيت» إلى أن بقيت وحدها في الاستعمال. ولكن فيما بعد، مع التغيرات الإدارية في المناطق الألبانية، أخذ العثمانيون يستعملون صيغة جديدة «أرنود لك» للدلالة بشكل عام على المناطق التي يعيش بها الألبانيون، وبغض النظر عن التقسيمات الإدارية المتعاقبة([376]).
وخلال العصر العثماني أخذ الألبانيون يميلون إلى صيغة جديدة يطلقونها على أنفسهم: شتشيبتار Chqiptarë، أو شكيبتار Shkiptarë، وهي الصيغة التي حافظوا عليها إلى اليوم. وكان جذر هذه التسمية الحديثة «شتسيب» shqip (الكلام بوضوح، بفصاحة) قد استعمل في أوّل كتاب ألباني مطبوع (1555) ثمّ توسّع معناها ليشمل اللغة الألبانية عامة. Shqipe shqija. وفي تطوّر لاحق أُضيفت اللاحقة «تار» tar لتعني المتكلم بالألبانية أو الألباني shqiptar. ولقد وردت هذه التسمية لأوّل مرّة في وثائق «المجلس الألباني» (1703)([377])، إلاّ أنّها أخذت تنتشر تدريجياً حتّى أصبحت خلال القرن 19 التسمية الوحيدة التي يطلقها الألبانيون على أنفسهم([378]). وقد ترافق هذا مع تشكّل وانتشار الصيغة الجديدة التي تحدّد الوطن القومي للألبانيين: «شتشيبريا» Shqipëria أو «شتشيبنيا» Shqypnia([379]).
ومن المعروف أنّ العصر العثماني كان قد جمع العرب والألبانيين، بالإضافة إلى غيرهم من الشعوب، في دولة واحدة لعدّة قرون (ق16ـ20). ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يميل العرب في البداية إلى الصيغة العثمانية. «أرنود»، التي أصبحت تكتب لاحقاً بأشكال مختلفة؛ «أرنوود، أرناود، أرناؤوط». وعلى هذا الأساس أيضاً أخذ العرب بالصيغة العثمانية لتسمية المناطق الألبانية أرناود لك: بلاد الأرنود، أو بلاط الأرناؤوط. وفي وقت لاحق، في النصف الثاني للقرن التاسع عشر، أخذت الصيغة الأخرى، ألبانيا والألبانيون، تستعمل في اللغة العربية، وبالتحديد في اللغة الحديثة التي بدأت تظهر في الصحف والمجلات. وفي هذا الإطار تجدر الإشارة مثلاً إلى دور مجلة «الجنان» اللبنانية، التي عززت هذه الصيغة الجديدة بعد أن نشرت على حلقات كتاب باشكوفاسا «ألبانيا والألبانيون» خلال 1882م([380]).
هذا، وقد بقيت الصيغة الأولى (الأرناؤوط) هي الأكثر شيوعاً في العربية حتّى نهاية العصر العثماني. وكان ممّا ساعد على شيوع هذه التسمية تعميمها كلقب على كلّ المهاجرين الألبانيين الذين استقرّوا في المشرق، ولا سيما في مصر والشام خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين([381]). إلاّ أنّ الصيغة الثانية (الألبانيون) شقت طريقها بسرعة في السنوات الأخيرة للعصر العثماني، ولا سيما بعد أن أعلن الاستقلال الألباني (1912م)، وبعد أن استقرّ كيان ألبانيا دولةً منذ 1920م.
ومع أنّ الصيغتين، الأولى والثانية، قد دخلتا إلى العربية من بقية اللغات التركية من ناحية، والفرنسية والإنكليزية من ناحية أخرى، فإنّ بعضهم أراد أن يجد تفسيراً عربياً للصيغة الأولى (الأرناؤوط) بالاستناد إلى التداخل الذي حصل بين العرب والألبانيين. وبعبارة أخرى لقد كان الأصل العربي للتسمية يفترض بدوره الأصل العربي للألبانيين. وهكذا فقد راجت في الجانب العربي خلال نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الآراء عن الأصل المشترك للعرب والألبانيين، وكان ممّن روّجوا لهذه الآراء المؤرخ أحمد بن زيني دحلان، الذي يعرّف الألبانيين بأنّهم «من عرب الشام من بني غسان ارتحلوا من الشام بعدما أتى الله بالإسلام»([382]).
وبالاستناد إلى ذلك أصبح من الممكن القول إنّ كلمة «أرناؤوط» تعود في أصلها إلى عبارة «عار أن نعود»، التي تفوّه بها العرب ـ الألبانيون بعد أن استقروا في وطنهم الجديد([383]).
ولقد كنّا بَيَّنَا في بحث لنا الوضع في الجانب الآخر (الألباني)، الذي يتميّز بوفرة الروايات المتعلقة بالأصل العربي للألبانيين وأهميتها. وبهذه المناسبة كنّا قد توصلنا إلى أنّ الشريعة الإسلامية في هذه الروايات نشأت في عصر متأخر، وبالتحديد فوق شريحة مسيحية أقدم، بينما يمكن تتبع الأصل إلى الأسطورة المتعلقة بالأصل المشترك بين الفينيقيين والأليريين، أي بين أجداد السوريين وأجداد الألبانيين([384]).
الدكتور محمد موفاكو
وألبانيا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي يشكل المسلمون غالبية سكانها (حوالي 70 بالمائة)، فالألبان الشعب الأوروبي الوحيد الذي اعتنق الإسلام بغالبيته، ويجدر بالذكر أن ألبانيا بلد لا يجمع سوى نصف الألبان فقط، بينما يعيش النصف الآخر في الدول المجاورة (يوغسلافيا ومقدونيا واليونان). وفي الواقع فإنّ ألبانيا تتميّز على المستوى الأوروبي بكونها بلد صغير، فمساحتها (280748)، وعدد سكانها ثلاثة ملايين، بطبيعة أرضها الجبلية (70 بالمائة جبال ومرتفعات)، وبتنوّع ثرواتها (معادن وبترول).
ويعدّ الألبان أنفسهم أحفاد الأليريين، الذين كانوا ينتشرون على امتداد الساحل الشرقي للبحر الأدرياتيكي والذين خضعوا للحكم الروماني سنة 168ق.م. بعد أن خاضوا معارك عدّة ضد الجيوش الرومانية، ومع انقسام الإمبراطورية والكنيسة أصبح خط الانقسام الروماني ـ البيزنطي، والكاثوليكي ـ الأرثوذكسي يمر في شمال ألبانيا حتّى نهاية القرن الرابع عشر (1385م) حين وصلت إلى أراضيها لأوّل مرّة القوات العثمانية، وفتحت الطريق لوصول الدين الجديد ـ الإسلام. وبسبب الموقع الاستراتيجي لألبانيا، كأقرب معبر في البحر الأدرياتيكي للطرف الآخر من أوروبا (الغربية)، فقد بقيت الدولة العثمانية حوالي قرن من الزمن (حتّى 1479) تحارب على عدّة جبهات لأجل ضمّ ألبانيا.
وهكذا يمكن القول إنّ انتشار الإسلام بدأ في ألبانيا منذ نهاية القرن الخامس عشر، حيث أخذ ينتشر في المدن أوّلاً ثمّ في الريف، وفي نهاية القرن السادس عشر أصبح المسلمون يشكلون غالبية في عدد من المدن مثل شكودرا Shkodra في الشمال والباسان Elbasan في الوسط وكورتشا Korga في الجنوب، واحتاج الأمر إلى قرن آخر لتصبح غالبية سكان ألبانيا من المسلمين، وينظر عدد من المؤرخين إلى الاعتناق التدريجي للإسلام، الذي امتدّ أكثر من قرنين، على أنّه دليل على عدم فرض الدين بفرمان سلطاني على السكان، وما يؤكد هذا، أن نسبة لا بأس بها من السكان الألبان (حوالي 30 بالمائة) بقيت مسيحية (كاثوليكية في الشمال وأرثوذكسية في الجنوب).
كان لانتشار الإسلام بهذا الشكل نتائج مهمة وبعيدة المدى بالنسبة لألبانيا والألبان. ففي المجال الاقتصادي ازدهرت الحرف والتجارة في المدن ونهضت مدن جديدة (الباسان، كورتشال، تيرانا، كافيا، بتشين) وبدأت المدن تأخذ طابعاً شرقياً. ومن ناحية أخرى انتشرت في البلاد الثقافة الإسلامية، وساهم الألبان كغيرهم من شعوب المنطقة في هذه الثقافة الجديدة كشعراء وكتاب وفقهاء يكتبون في اللغات الكلاسيكية (العربية والتركية والفارسية)، كما أصبحت اللغة الألبانية تكتب بالحروف العربية.
ومن الناحية السياسية، شارك الألبان بعدد كبير من الوزراء والصدور العظام في إدارة الدولة العثمانية، كما أنّهم احتكوا واختلطوا مع الشعوب الأخرى ضمن هذه الدولة كالعرب والأكراد والشركس وغيرهم.
وبقيت ألبانيا تحت الحكم العثماني أكثر من خمسة قرون، وبالتحديد حتّى عام 1912، حين استقلت في رقعة ضيقة، واستقرّت أخيراً ضمن حدودها الحالية منذ عام 1920 بعاصمتها الجديدة تيرانا. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ تيرانا كانت مجرد قرية متواضعة حتّى مطلع القرن السابع عشر حين شيّد فيها أحد أبناء المنطقة (سليمان باشا بارجيني) نواة عمرانية تتألف من جامع وحمام وسوق. ومع هذه النواة نمت تيرانا كقصبة جديدة بملامح شرقية تماماً، خصوصاً بعد أن بنى فيها أحد أبنائها (الحاج أدهم بك) جامعه المعروف الذي لا يزال ينتصب في وسطها.
وتزامن استقلال الدولة الألبانية واستقرارها في حدودها الجديدة مع إلغاء السلطنة والخلافة في تركيا (1922ـ1924)، ولذلك بادر المسلمون في ألبانيا إلى تنظيم أنفسهم في وقت مبكر. حيث أصبحت لهم هيئة مستقلة تنظّم وضعهم، وترعى شؤونهم، وتمثّلهم أمام الجهات المختلفة سواء في ألبانيا أو في العالم. بعد عام 1945 وبعد تولّي الحزب الشيوعي للسلطة دخلت ألبانيا في منعطف جديد، حيث تمّ التضييق بشكل تدريجي على حريات المسلمين إلى سنة 1967م، حين أصدرت مرسوماً يمنع أي نشاط ديني في البلاد، فأغلقت بهذه المناسبة كلّ الجوامع. وخلال ما سمّي بـ «الثورة الثقافية» على النمط الصيني، تمّ تهديم بعض الجوامع وتحويل بعضها الآخر إلى صالات رياضية أو مستودعات، بينما تمّ الاحتفاظ بجامع أدهم بك في العاصمة نيرانا كأثر تاريخي. وكما حدث في الصين فقد سجن حينئذٍ بعض علماء الدين وأُجبر البعض الآخر على العمل في «قطاعات الإنتاج» وحرم الجميع من أيّة صلات مع الخارج. وهكذا خلال 25 سنة، توفي الكبار ونسي الصغار، تقريباً، ما كان موجوداً في ألبانيا خلال عدّة قرون.
ولكن بعد «الثورة الديموقراطية» (1991) بادر بعض الأفراد القلائل من جيل الكبار كالشيخ صبري كوتشي، الذي قضى 25 سنة متواصلة في السجن إلى إعادة تأسيس «الهيئة الإسلامية» وفتح الجوامع وإرسال الطلاب إلى البلاد العربية.
ترجمة القرآن إلى الألبانية
في مطلع القرن العشرين (1912) انتهى الحكم العثماني في البلقان بعد وجود طويل استمر نحو خمسة قرون، وظهرت في المنطقة الدول القومية الجديدة. ولكن على المسلمين في البلقان أن يتكيّفوا بعد أن أصبحوا خارج «الدولة الأم» (الدولة العثمانية) مع الظروف الجديدة، حين حاولت الدول البلقانية أن تكرّس ثقافتها القومية الخاصّة، وفي هذا الإطار شهدت ألبانيا، في اعتبارها الدولة الوحيدة التي تضم غالبية مسلمة، محاولات متواصلة في العشرينات للتوفيق بين الثقافة الدينية الموروثة والثقافة القومية المطلوبة. وظهر عدد من رجال الدين المتنورين (علي كورتشا، إبراهيم داليو وغيرهما) فأخذوا يترجمون المصادر الأساسية للإسلام إلى اللغة الألبانية الحديثة (بالحروف اللاتينية)، وينشرون بعض المؤلفات في اللغة القومية المشتركة (مع المسيحيين) حتّى يكون الإسلام في متناول الجميع.
وفي هذا الإطار، قام العالم علي كورتشا في مطلع العشرينات بإنجاز أوّل ترجمة تفسيرية لمعاني القرآن الكريم، وأخذ ينشر نماذج منها في المجلة التي أصدرها آنذاك «الصوت السامي»، التي حاول أن يوفق فيها بين التراث الإسلامي للألبان وبين النزعة القومية الجديدة. وخلال العشرينات جرت محاولتان لترجمة معاني القرآن الكريم (1921 و1929) إلاّ أنّ هذا النشاط سينتقل بعد الحرب العالمية الثانية من ألبانيا إلى كوسوفو المجاورة نتيجة التضييق على الدين في ألبانيا خلال حكم أنور خوجا (1945ـ1984). وهكذا شهدت بريشتينا إنجاز ترجمات عدّة لمعاني القرآن الكريم كترجمة فتحي مهدي صدرت في 1985، وترجمة حسن ناهي صدرت في 1988، وترجمة شريف أحمدي (1988).
التشيّع في ألبانيا
والكثير من السكان فيها يعتنقون الطريق البكتاشية، كما أن فيهم شيعة جعفرية (إمامية). والأدب الشيعي يشكل جزءاً مهماً من الادب الالباني بما فيه من مراث ومدائح لآل البيت ومن ذلك ملحمة شعرية للشاعر نعيم بك(1846-1900م) في مقتل الحسين «عليه السلام» سمّاها كربلاء تعتبر من روائع الأدب الألباني، ونعيم بك هذا هو شقيق المؤلف الألباني الكبير شمس الدين سامي بك (1850ـ1904) الذي اشتهر بمؤلفاته العلمية.
والأيام العشرة الأولى من شهر محرم في ذكرى شهداء كربلاء لها تقاليدها الخاصّة في أوساط الألبانيين البكتاشيين. ففي خلال هذه الأيام العشرة لا يشربون الماء، كمعايشة للعطش الذي حلّ بأبطال كربلاء. كما يتخلّى الألبانيون عن الفخفخة في هذه الأيام ويذهبون للتكية لاستذكار أيام كربلاء، حيث يردّدون في الطريق: يا إمام! يا إمام!
ولكن في هذه الأيام العشرة لا يسترجع فيه ذكرى كربلاء فقط، بل الحوادث والتضحيات الأخرى لبعض الأنبياء والأئمة أيضاً، وقد جرت العادة على تقسيم هذه الأيام العشرة، بحيث تترك كلّ ليلة لذكرى خاصّة:
1 ـ في الليلة الأولى تسترجع فيها معاناة بعض الأنبياء كآدم ونوح وإبراهيم ويوسف وموسى وأخيراً المسيح (عليهم السلام).
2 ـ في الليلة الثانية تسترجع ذكرى النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) وما عاناه مع قومه.
3 ـ الليلة الثالثة تخصص لذكرى الإمام عليّ (عليه السلام) الذي سقط شهيداً في سبيل العدالة.
4 ـ في الليلة الرابعة تفتح سيرة الإمام الحسن (عليه السلام)، الذي توفي مسموماً بتدبير مؤامرة.
5 ـ الليلة الخامسة تترك لسيرة الإمام الحسين (عليه السلام).
6 ـ في الليلة السادسة تسترجع فيها ذكرى هجرة الإمام الحسين (عليه السلام) من المدينة إلى مكة.
7 ـ الليلة السابعة تخصّص لذكرى مسلم بن عقيل، الذي ذهب مبعوثاً للحسين (عليه السلام) إلى الكوفة، حيث استشهد هناك.
8 ـ في الليلة الثامنة تسترجع فيها ذكرى انطلاقة الحسين (عليه السلام) باتجاه الكوفة.
9 ـ الليلة التاسعة تخصّص لذكرى وصول الإمام الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء.
10 ـ الليلة العاشرة تترك أخيراً لذكرى موقعة كربلاء.
ومع انتهاء المأتم يحضر ويقدم في التكية طبق من الحلوى يسمّى عاشوراء Hashureja الذي يحضر سنوياً في هذه المناسبة([385]). وتحضر هذه الحلوى عادة باحتفال ديني، حيث تنشد فيه المرثيات Merthije للإمام الحسين. وبعد انتهاء هذا الاحتفال، الذي يتلوه دعاء ديني في جو مطبق من الحداد، يقبل المشاركون على أكل حلوى عاشوراء. وفي هذه الليالي العشر، يتمّ استرجاع الذكرى بالأحاديث التي تستند إلى الروايات التاريخية حول هذه الموقعة، مع بعض الخيال الذي يناسب الحال، كما تنشد فيه القصائد التي تتناول فيه الموقعة. ومن الواضح أنّه لهذه الحاجة قد وضعت في القرن التاسع عشر ملحمة «الحديقة» لداليب فراشري Dalip Frasheri وترجمت في الوقت نفسه تقريباً «مختارات نامه» من قبل شاهين فراشري Shahin Frasheri فقد كانت تنشد منهما القصائد في المناسبات الخاصّة في التكايا، ومن ذلك مناسبة كربلاء. وقد سمع هذه القصائد من هاتين الملحمتين، الشاعر نعيم فراشري Naim Frasheri في طفولته، حيث كان يعرفهما جيداً. وممّا لا شك فيه أنّ هذا قد دفع نعيم إلى التفكير في تأليف ملحمة أكثر أصالة للألبانيين في هذه المناسبات. وفعلاً عكف الشاعر ما بين سنوات 1892ـ1895 على كتابة ملحمة «كربلاء» شعراً، التي صدرت أخيراً سنة 1898 في عشرة آلاف بيت من الشعر. وتعتبر هذه الملحمة من أفضل الإبداعات، لا في شعر نعيم فحسب، بل في الأدب البكتاشي بشكل عام. وقد قسم نعيم ملحمته هذه إلى خمسة وعشرين فصلاً مرقمة دون عناوين، بحيث يتناول كلّ فصل حادثة أو أكثر.
وفيما كتبه (سوسهيم) في دائرة المعارف الإسلامية في بحث (أرناؤوط) قال: «وطابع المذهب الشيعي ظاهر كلّ الظهور في الطريقة البكتاشية الألبانية. فهم لا يقسمون بالقرآن، ويعتبرون الجنة والنار من بدع رجال الدين، ولا يصومون إلاّ ثلاثة أيام من رمضان، وكذلك يصومون الأيام التسعة الأولى من المحرم…» إلى آخر ما قال.
ومن المؤسف إغراق هؤلاء الكتّاب الذين تصدّوا لإصدار الموسوعات التي تقتضي العلم الغزير والاطلاع الواسع والتدقيق العميق ـ من المؤسف إغراقهم في مثل هذا الجهل والافتئات على الحقيقة.
فمن يقرأ كلامه يعتقد أنّ ما ذكره هو طابع المذهب الشيعي الظاهر على الطريقة البكتاشية، ويكفي هذا لوضع (سوسهيم) في صف أجهل الجهلاء في العقائد الإسلامية، إذ لا ذرة من الحقيقة في هذا الكلام المؤسف.
وإذا كنّا نأسف لأنّ يتردّى محررو دائرة المعارف الإسلامية في هذا وأمثاله ـ وقد ذكرنا شيئاً منه في بحث الإثنا عشرية ـ، فإنّ أسفنا ليتضاعف على ما فعله إخواننا الذين ترجموا دائرة المعارف هذه إلى العربية، فقد عمدوا إلى تصحيح ما ورد فيها من الأضاليل عن غير الشيعة، وهو هين بالنسبة إلى ما ورد فيها عن الشيعة. ولكنّهم لم يكلفوا أنفسهم أن يستوضحوا الشيعة عمّا ورد عنهم، أو يعهدوا لأحد منهم بمراجعة هذه المواضيع والوصول إلى الحقيقة فيها.
الطبيعة
وألبانيا تتألف من سلاسل جبلية تمتد من الشمال والشمال الغربي إلى الجنوب والجنوب الشرقي تتخللها اودية طويلة. وتنحرف الجبال في الشمال فتمتد من الغرب والجنوب الغربي إلى الشرق والشمال الشرقي وفيها أعلى قمم البانيا التي يطلق عليها اسم (جبال الالب الالبانية الشمالية). وأعلى قمة هي في جبل (ليوباتين) في سلسلة جبال شار التي يبلغ ارتفاعها 2510 أمتار.
وفي إحدى القمم في جبل طومور (2413 متراً) يوجد مقام ينسب للعباس بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقدسه السكان هناك.
وعدا الجبال فان السهول الخصبة تمتد على طول شاطىء بحر الأدرياتيك، وقد تفصل الجبال القليلة الارتفاع السهول عن البحر. وإذا كانت أكثر السهول خصبة فإن سلاسل الجبال حجرية لا تنبت أي زرع وهي مكللة بالثلوج بضعة أشهر في السنة.
اللغة
اللغة الألبانية لغة آرية وهي تقسم إلى لهجتين: لهجة الشمال ولهجة الجنوب. ويعتبر نهر أشقومي حدّاً فاصلاً بين اللهجتين، على أنّه يمكن القول بأنّ هناك لهجة ثالثة هي صلة الوصل بين اللهجتين، وتنتشر في منطقة برات جنوبي أشقومي وتكثر في اللغة الألبانية المفردات التركية لا سيما في الشمال. أما في الجنوب فقد تأثرت باللغة اليونانية إلى جانب تأثرها بالتركية.
الإنتاج
تنتج ألبانيا الأرز والرمان والحمضيات والعنب والتين والزيتون في منطقة تشامليك في الإقليم الجنوبي الغربي. وفي مناطق أخرى تنتج الذرة.
وتعيش فيها القطعان الكثيرة للغنم والماعز.
السكان
العنصر الرئيسي في ألبانيا هو العنصر الأرناؤوطي، على أن فيها الترك والأفلاق والبلغار واليونان والعرب والغجر…
من تاريخها الحديث
ألبانيا هي الدولة المسلمة الوحيدة في أوروبا، لأنّ تركيا لم تبق بعد من الوجهة الجغرافية دولة أوروبية، وكانت هذه الدولة الصغيرة تجد نفسها، مذ حصلت على استقلالها قبيل الحرب الكبرى الأولى بسبب ظروفها الجغرافية، هدفاً لأطماع ومنافسات دولية قوية لا تستطيع خلاصاً منها، وترى نفسها مرغمة بحكم ضعفها وعزلتها على التماس العون والحماية من أولئك الذين يتطلعون إلى افتراسها.
كانت ألبانيا قبل الحرب العالمية الأولى ولاية تركية. ولكن هذه الأمة الصغيرة كانت تناضل في سبيل استقلالها منذ بداية القرن التاسع عشر، وقد استطاعت فعلاً أن تحصل على نوع من الاستقلال في عهد زعيمها علي باشا اليانيني في أوائل هذا القرن، فلمّا انهار سلطان هذا الزعيم الذي تملأ حياته وسيرته المروعة كثيراً من صحف القصص الغربي، انهارت جهود ألبانيا في الاستقلال، وعادت تركيا فمكنت منها سيادتها. ولما نشبت الحرب بين تركيا والدول البلقانية في سنة 1912، كان من نتائجها استقلال ألبانيا، قضت به معاهدة لندن التي عقدت بين الدول في مايو سنة 1913، واتفقت الدول على اختيار حاكم للدولة الجديدة المستقلة، ووقع اختيارها على البرنس دي فيد الألماني. وفي أوائل سنة 1914 قدم البرنس دي فيد إلى ألبانيا بعد أن زار حكومات الدول الأوروبية المختلفة، فاستقبله وفد من الزعماء الألبانيين وعلى رأسهم عميدهم أسعد باشا الذي أعلن استقلال ألبانيا قبل أن تقرره معاهدة لندن، وطلب إليه باسم الشعب الألباني أن يقبل عرش ألبانيا، فلبّى البرنس الدعوة ولقب «بامبرت» ألبانيا وهو تصغير للقب الإمبراطور، وتولّى أسعد باشا في الحكومة الجديدة وزارتي الداخلية والحربية، ولكن الخلاف لم يلبث أن دب بينه وبين البرنس، واضطربت شؤون ألبانيا، وتفاقمت الصعاب حول الملك الجديد، وأضرم أسعد باشا نار الثورة فأرغم البرنس على مغادرة ألبانيا، لأشهر قلائل من مقدمه، وقبض أسعد باشا على رئاسة الحكومة الجديدة (أكتوبر سنة 1914)، واختارت ألبانيا ملكاً جديداً هو الأمير برهان الدين ابن السلطان عبد الحميد. ولكن البلاد لبثت تتخبط في غمار الاضطراب والفوضى، وكانت الحرب الكبرى قد اضطرمت قبل ذلك بقليل، وأخذت دول الحلفاء تتطلع إلى ألبانيا كمركز حربي هام، وتخشى أن تغدو قاعدة لحركات ألمانيا والنمسا في المشرق، وفي ديسمبر سنة 1914 بعثت إيطاليا ـ بإيعاز الحلفاء ـ حملة عسكرية إلى ثغر فالونا الألباني فاحتلته، وعلى أثر ذلك وقعت بين الدول مفاوضات سرية بشأن ألبانيا ووعد الحلفاء بأن يتركوا ألبانيا غنماً لإيطاليا مقابل دخولها في الحرب معهم ووعدت النمسا من جانبها إيطاليا بأن تؤيد احتلالها لثغر فالونا وتطلق يدها في ألبانيا إذا هي لزمت الحياد. ولكنّها لما رأت تردّد إيطاليا دفعت جيوشها إلى الجنوب، وفي أواخر سنة 1915 غزت الجنود النمساوية الألمانية ألبانيا واستولت على أشقورده، ووصلت إلى ظاهر تيرانا عاصمة ألبانيا، وغزت الجيوش البلغارية شرق ألبانيا، فاضطربت حكومة أسعد باشا الموالية للحلفاء وسقطت، واضطرت إيطاليا إلى إخلاء ثغر دورازو ولكنّها احتفظت بثغر فالونا. ولبث الألمان والنمساويون يحتلون شمال ألبانيا وشرقها لتأمين مواصلاتهم مع تركيا والميادين الشرقية حتّى نهاية الحرب الكبرى. ولمّا انتصر الحلفاء كان من المقرر أوّلاً أن يعطى القسم الجنوبي من ألبانيا لليونان ووافقت إيطاليا على ذلك بشرط أن تعترف اليونان بحمايتها على باقي ألبانيا مع التنازل عن سلخة شمالية لصربيا. ولكن هذا التقسيم لم يتم، وعادت إيطاليا إلى المطالبة بتنفيذ الوعد الذي قطع لها بالاستيلاء على ألبانيا. وفي مؤتمر سان ريمو 1920 الذي عقد للنظر في مسألة الانتدابات منح الانتداب على ألبانيا لإيطاليا، وأخذت إيطاليا تعمل لاحتلال ألبانيا وبسط سيادتها، ومع أنّ ألبانيا غدت عضواً في عصبة الأمم، فإنّ إيطاليا استطاعت في أواخر سنة 1921 أن تحمل بريطانيا العظمى وفرنسا واليابان على إصدار تصريح تعترف فيه «بأنّ انتهاك الحدود الألبانية أو استقلال ألبانيا يمكن أن يعتبر خطراً على سلامة ألبانيا من الوجهة العسكرية».
على أنّ ألبانيا لم تستكن لهذه المحاولات الاستعمارية. والشعب الألباني شعب باسل رغم قلة عدده. يقدس حرياته واستقلاله، ولهذا، عادت ألبانيا فاضطرمت بحركة وطنية أخرى وتدخلت السياسة اليوغسلافية خصيمة السياسة الإيطالية لتأييد هذه الحركة التي قادها أحمد زوغو ولم يمض عامان أو ثلاثة حتّى استطاع أحمد زوغو بمعاونة يوغوسلافيا أن ينشئ في ألبانيا جمهورية مستقلة، وأن ينتخب رئيساً لهذه الجمهورية (فبراير سنة 1925). ورأى زوغو أنّه لا يستطيع المحافظة على سلامة الدولة الجديدة في بلد وعر قوي المراس قليل الموارد دون معاونة أجنبية، ولما رأت السياسة الإيطالية أنّ يوغسلافيا تنافسها في ألبانيا، تقرّبت من أحمد زوغو، وآثر زوغو بعد أن حقق الخطوة الأولى في برنامجه أن يتفاهم مع حكومة روما وانتهى هذا التفاهم بعقد ميثاق تيرانا (نوفمبر سنة 1926) وهو ميثاق تأييد متبادل وتعاون ودّي، تستطيع الحكومة الإيطالية أن تتدخل بمقتضاه في شؤون ألبانيا، وتتعهد أن تحافظ على الحالة القائمة فيها في حدود المعاهدات المعقودة وميثاق عصبة الأمم. وفي العام التالي عقدت ألبانيا مع إيطاليا معاهدة دفاعية لمدّة عشرين سنة، تتعهد فيها كلّ منهما بأن تضع تحت تصرّف حليفتها كلّ مواردها العسكرية والمالية وغيرها متّى طلبت إليها هذا العون لدرء الخطر عنها.
واستطاع أحمد زوغو أن يهدئ الحالة في ألبانيا وأن يقبض على ناصية الأمور رغم هذه الاتفاقات التي تقضي على استقلال ألبانيا وتجعلها شبه مستعمرة إيطالية. واستغلت إيطاليا هذه الفرص لتوطيد نفوذها، وعقدت لألبانيا بواسطة عصبة الأمم قرضاً قدره خمسون مليون فرنك ذهباً، وقامت بإنشاء البنك الألباني الوطني، ووظفت أموال إيطالية كثيرة في المرافق الألبانية ومكّنت السياسة الفاشستية نفوذها من ألبانيا. واعتمد أحمد زوغو على هذا النفوذ في تأييد مركزه وسلطانه، وفي سبتمبر سنة 1928 أعلن نفسه ملكاً على ألبانيا باسم الملك زوغو الأوّل، واستطاع أن يوطد مركزه وأن يقضي على كلّ معارضة، ولكنّه شعر في نفس الوقت أن توغل النفوذ الإيطالي في ألبانيا، يثير الشعور الوطني، وقد ينقلب هذا الشعور ضده، ورأى من جهة أخرى أنّه ليس في كبير حاجة إلى معاونة إيطاليا بعد، فلم يقبل أن يجدد ميثاق تيرانا الذي انتهى أجله سنة 1931، وبقيت معاهدة سنة 1927 هي أساس العلائق بين إيطاليا وألبانيا، ولكنّه اضطر أن يعقد اتفاقاً مالياً في صيف عام 1931، تتعهد إيطاليا بمقتضاه أن تقدّم لألبانيا بشروط معينة قرضاً قدره مائة مليون فرنك ذهباً بلا فائدة، وتؤدي منها إليها كلّ عام عشرة ملايين.
واهتمام السياسة الإيطالية بألبانيا وتمكين نفوذها منها يرجع إلى عوامل جغرافية وعسكرية خطيرة، فألبانيا تقع في مواجهة إيطاليا الجنوبية على الضفة اليمنى من بحر الأدرياتيك وليس بين ثغر باري الإيطالي وبين ثغر دورازو الألباني أكثر من بضع ساعات، ولا يفصل برنديزي وفالونا أكثر من مائة كيلومتر، ثمّ أنّ شواطئ ألبانيا تصلح بطبيعتها قواعد ومرافئ حصينة للأسطول الإيطالي على حين أنّ الشواطئ الإيطالية المواجهة ليست لها هذه الخاصّة. وكان لألبانيا وقت السلم جيش نظامي يبلغ تسعة آلاف. ويمكن وقت الحرب أن يغدو مائة ألف، وهو مدرب على الأساليب الإيطالية بحيث يغدو وقت الحرب بالنسبة لإيطاليا عوناً لا يستهان به. ومن جهة أخرى فإنّ وقوع ألبانيا في جنوب يوغوسلافيا خصيمة إيطاليا ومنافستها القوية يجعلها إذا نشبت حرب بين الدولتين قنطرة سهلة للوصول إلى إيطاليا وتهديد شواطئها وثغورها الجنوبية بسرعة، وإيطاليا تحسب لهذا الخطر حسابه، خصوصاً بعد تحسن العلائق بين ألبانيا ويوغسلافيا.
ولقد رأت إيطاليا أنّها لم تحقق كلّ ما أرادت من تدخلها في الشؤون الألبانية وقرّرت أن تقطع الإعانة المالية السنوية عن الملك زوغو حتّى تجاب إلى مطالبها في السيطرة على التجارة الألبانية، وافتتاح المدارس الإيطالية المغلقة، وتعيين متساشرين إيطاليين في الإدارات الألبانية، وتعيين ضباط إيطاليين لتدريب الجيش الألباني وغيرها، وهذه مطالب لم يقبلها أحمد زوغو وحكومته. وقد أحدث قطع الإعانة المالية ارتباكاً خطيراً في الحكومة الألبانية، واضطربت المرافق والمشاريع العامة، ونضبت موارد القصر والإدارات الحكومية، وساد روح من القلق والتذمر حول الملك زوغو وحكومته، وتحرّكت المعارضة لتحاول فرصتها.
وكانت تلك الدولة الصغيرة تجد نفسها في مركز محزن، فهي لا تستطيع أن تعيش مستقلة بنفسها، ولا تستطيع رغم بسالتها أن تذود عن هذا الاستقلال الذي تجاهد في سبيله، وهي مطمح أنظار دولتين قويتين خصيمتين، وليس في مقدورها أن تفلت من نتائج هذا التجاذب السياسي الذي تتعرّض له بموقعها الجغرافي وظروفها العسكرية، وإذاً فلا بد لها أن تختار الخضوع لأحد النفوذين النفوذ الإيطالي، أو النفوذ اليوغوسلافي، وقد استظل أحمد زوغو بنفوذ يوغوسلافيا حتّى تمكّن من إنشاء ألبانيا الجديدة ومن التربع على عرشها، ثمّ استظل بعد ذلك بالنفوذ الإيطالي ليوطد دولته الجديدة.
ولكن إيطاليا بزعامة موسوليني قامت سنة 1939 بغارة على ألبانيا فاحتلتها جيوشها وهرب أحمد زوغو إلى مصر، ثمّ في العام 1943 احتلتها الجيوش الألمانية بعد أن استسلمت إيطاليا للحلفاء. ولم يدم الاحتلال الألماني سوى عام واحد انسحبت بعده الجيوش الألمانية بعد انتصار الحلفاء واستطاع الحزب الشيوعي أن يستولي على الحكم وتولّى الجنرال أنور هوكسا رئاسة الجمهورية.
وفي عام 1954 طلبت ألبانيا اعتراف حكومة الولايات المتحدة بحكومتها الجديدة وأرسلت أميركا بعثة دبلوماسية إلى تيرانا عاصمة ألبانيا لإجراء ترتيبات الاعتراف ولكن الحكومة الألبانية رفضت أحد شروط أميركا وهو ذلك الشرط الخاص باعترافها بامتداد صلاحية المعاهدات المعقودة بين البلدين منذ قبل الحرب. وانسحبت البعثة الأميركية من ألبانيا في عام 1946.
وعندما طلبت ألبانيا الانضمام إلى هيئة الأمم المتحدة في عام 1946 صوّتت كلّ من بريطانيا وأميركا ومعهما الدول المؤيدة لهما ضد ألبانيا… وتعطل انضمام هذه الدولة الأوروبية الصغيرة إلى هيئة الأمم المتحدة حتّى عام 1955. وفي نفس العام انضمّت ألبانيا إلى حلف وارسو… ولكن علاقاتها ساءت مع روسيا بعد تولّي خروشوف الحكم وفي عام 1961 قطعت روسيا علاقاتها مع ألبانيا التي اتجهت إلى اعتناق المذهب الصيني الشيوعي والستالينية المنشودة.
وقد انسحبت ألبانيا من حلف وارسو رسمياً في عام 1968 وعقدت معاهدة جديدة في عام 1970 مع الصين تحصل ألبانيا بموجبها على مساعدات اقتصادية وعسكرية صينية.
ثمّ خرجت على الصين واختلفت معها.
وبعد الانهيار الشيوعي سنة 1991 أصاب فيما أصاب ألبانيا، والحديث التالي عنها كتب بعد ذلك الانهيار وهو بقلم محمد خليفة:
العزلة المستمرة
ترجع أصول الشعب الألباني إلى العرق الأليري، وهو أقدم الأعراق التي استوطنت البلقان وأعرقها.
لقد حافظ الأليريون على وجودهم في ألبانيا، في حين ذابوا في أرجاء البلقان الأخرى تقريباً، بفضل الطبيعة الجبلية المنيعة لهذا البلد الصغير أوّلاً، وطاقة سكانه على تحمّل العزلة الطويلة، وشظف العيش في الجبال النائية، ثانياً؛ حتّى أنّ تاريخ الألبانيين، تاريخ ممتد من العزلة والقوة والشجاعة المقترنة بالأنفة والإباء في مواجهة قوى عاتية جبارة واضطهاد مستمر وقاس منذ مئات السنين. فسكان ألبانيا تعرّضوا إلى نوعين من الاخطار والمعاناة، وصمدوا أمامهما.
فمن ناحية أولى صمدوا في مواجهة التنافس الحضاري عليهم وعلى بلادهم من جانب جميع الدول والممالك والإمبراطوريات التي ظهرت في المنطقة: الصربية، البلغارية، وبشكل خاص الإمبراطورية البيزنطية في الشرق، والإمبراطورية الرومانية في الغرب. ودفعت ألبانيا ثمناً فادحاً لموقعها الجغرافي الصعب الذي يضعها في الوسط تماماً، بين مركزي الإمبراطوريتين في أقرب وأضيق نقطة تماس بينهما. فألبانيا لا تبعد سوى أميال معدودة عن اليونان، وأميال أخرى معدودة عن إيطاليا. الخصمان اللدودان لقرون طويلة، حاول كلّ منهما خلالها بسط سيطرته العسكرية أو نشر نفوذه الديني في ألبانيا وعلى الألبانيين فالإمبراطورية الأولى عاصمة الكاثوليكية والثانية وارثة الثقافة وحاملة الميراث الأرثوذوكسي ورسالته.
ومن ناحية ثانية، صمدوا في مواجهة الهجرات الجماعية والموجات البشرية المتتالية التي تعاقبت على البلقان، وخصوصاً الموجة الكبرى للسلافيين في القرن السادس الميلادي والتي استطاعت السيطرة على المنطقة وإضفاء لونها العرقي عليها وتذويب آثار الأعراق السابقة.
فحين داهم السلافيون المنطقة، لجأ الأليريون الألبانيون إلى رؤوس الجبال الشاهقة، يعتصمون بها.
وحين اشتد الصراع البيزنطي، أو الروماني على ألبانيا وقويت المحاولات لنشر الأرثوذكسية أو الكاثوليكية احتمى الألبانيون أكثر فأكثر بالجبال وانعزلوا فيها واعتزلوا «العالم الخارجي»، كفوا أنفسهم واكتفوا بالقليل الذي يمكن أن تجود به الجبال العارية، الشحيحة أصلاً.
في ظل هذا النمط من الحياة والظروف، عاش الألبانيون حياة بدائية جداً، عمادها الرعي لقرون عديدة لم يتسن لهم مجاراة التطور الذي عمّ المنطقة من حولهم، بل لم يتسن لهم إقامة حياة اجتماعية بأي معنى، وأي شكل. فلم يبدعوا ولم ينتجوا ولم يستقروا، كان الخوف والمطاردة والإحساس الدائم بالاستهداف قد أربك علاقاتهم ونشاطاتهم ونفوسهم وشل قدراتهم، فظلّوا حتّى القرن الرابع عشر لا يفقهون من أمور الاجتماع والسياسة والثقافة شيئاً يذكر. ولم يقيموا أي تجربة أو نموذج للإدارة أو الحكم أو الإنتاج ولم يبلوروا تقاليد أو ثقافة.
إلاّ أنّ هذه العزلة الطويلة، وما ولدته من مشاعر الخوف صهرت الألبانيين وقربتهم من بعضهم البعض حتّى أصبحوا كتلة واحدة متماسكة، متضامنة، متلاحمة، إلى درجة أنّ الهجرة والتشتّت والتمزق التي تعرّضوا لها في أزمان لاحقة (في الأمس القريب) لم تؤد إلى إضعاف وحدتهم أو أواصرهم، بل أبرزت درجة عالية جداً من الترابط المنظم فيما بينهم يمتد على رقعة العالم الواسع بأسره.
أضحى الألبانيون استثناءً وحيداً في البلقان. ففي اللحظة التي بدأ العثمانيون يجتاحون البلقان كان كلّ شعب من شعوب المنطقة قد كون قوميته وبنى دولة لحقبة من الزمن، طوّرت ورسخت هذه القومية وتوسّعت وامتدّت وانتصرت وازدهرت، وحين انهارت كلّ تجربة من هذه التجارب خلفت في ضمائر وعقول مواطنيها عناصر إلهام دائمة، وشعلات روحية لا تنطفئ فضلاً عن أنّها أوجدت ثقافات وتقاليد سياسية واجتماعية وعسكرية.
الألبانيون وحدهم ظلّوا خارج هذه السيرورة بل ظلّوا أقرب إلى الفطرة بلا دين، ولا ثقافة ولا اجتماع، باستثناء فئات قليلة جدّاً منهم خعضت لسيطرة البيزنطيين واليونانيين في الجنوب واندمجت في المستوطنين القادمين مع هؤلاء واعتنقت مثلهم الأرثوذوكسية والثقافة الإغريقية، أو فئات من الشمال خضعت لسيطرة الرومانيين واندمجت في المجتمعات التي أقاموها بعد الغزو واعتنقت مثلهم الكاثوليكية وامتزجت في الثقافة الرومانية (الإيطالية).
بين مطرقة البيزنطيين وسندان اللاتين
عندما بدأت خيول العثمانيين في اجتياح البلقان في النصف الثاني من القرن الرابع عشر كانت ألبانيا من الناحية السياسية تتبع الدولة البيزنطية، ونتيجة للحرب الأهلية التي وقعت في هذه الدولة فقد لحق ألبانيا شيء كثير من نارها وآثارها، فدبّت الفوضى والحروب والفتن الأهلية، وأدّت لاضطراب الأوضاع أكثر ممّا كانت عليه في السابق.
في عام 1389 توغل جيش عثماني يقوده السلطان مراد الأوّل في أعماق البلقان، حتّى وصل إلى منطقة قوصوه (أو إقليم كوسوفو) المعروف والذي يقع في يوغوسلافيا حالياً ولكنّه تاريخياً جزء من الدولة الألبانية، وسكانه حتّى اليوم ألبانيون. وفي هذه المنطقة وقعت إحدى أكبر المعارك بين العثمانيين والصرب بقيادة ملكهم الشهير لازار. وسجل العثمانيون نصراً كبيراً مبكراً أوقع الرعب في قلوب الأوروبيين، رغم أنّ السلطان مراد قتل في آخر المعركة على يد جندي صربي انتحاري استخدم الخديعة. وفي عام 1392 عبر جيش عثماني آخر بقيادة السلطان الشاب بايزيد بن مراد نهر الدانوب وأخذ يكمل فتوحات أبيه ويوسعها. وفي العام التالي استطاع أن يفرض الولاء على ألبانيا من دون غزو ولا قتال، ودانت هي له وقبلت بدفع الجزية. واستمر الحال على هذا المنوال أكثر من 60 سنة كانت ألبانيا تتمرد بعض الأحيان ثمّ تعود للاستسلام بعد استخدام القوّة ضدّها.
بعد فتح القسطنطينية، تفرّغ العثمانيون للبلقان، فوصلوا إلى إقليم المورة غرب اليونان، قريباً من إيطاليا، عام 1460 وأخذوا يتجهون شمالاً نحو ألبانيا لإخراج الرومان نهائياً من المنطقة واستكمال السيطرة العثمانية على جميع أنحائها الجغرافية ووقفت الجيوش عند الحدود الطبيعية للبلقان من الغرب، أي على شواطئ الأدرياتيكي. وكان يحكم ألبانيا آنذاك أشهر ملوكها في التاريخ، إسكندر بك. ولكي يبعده العثمانيون عن الرومان، وقعوا معه معاهدة صلح تخلّوا له بموجبها عن حكم ألبانيا وإقليم أبيروس (جنوب ألبانيا حالياً) سنة 1461. إلاّ أنّ هذا الملك عرف بالمكر والدهاء، وكان شديد الكراهية للعثمانيين، ميالاً للبنادقة والجنوبيين (والإيطاليين عموماً) الذين كانوا يبسطون نفوذهم وسيادتهم الفعلية على بعض مناطق من ألبانيا.
وفي عام 1477 وصل السلطان العثماني الشهير محمد الثاني (الفاتح) على رأس جيش لطرد بقايا الإيطاليين من غربي البلقان، فتخلوا له طواعية عن مدينة «كرويا» وهي عاصمة ألبانيا، ثمّ طلب منهم أشقودره (اسمها حالياً سكدور) فرفضوا وبعد حصارها وسلسلة من المعارك تنازلوا عنها عام 1479، وهكذا أصبحت ألبانيا بأسرها تحت الهيمنة العثمانية المباشرة.
ويذكر أنّ العثمانيين كانوا وصلوا في عام 1470 إلى شواطئ وأراضي إيطاليا نفسها واحتلوا أجزاء منها، أشهرها مدينة أوترانت، وبقوا فيها نحو 100 سنة ولم يكوّنوا فيها مجتمعاً إسلامياً أو أثراً مستمراً. أمّا في ألبانيا، فقد كانت المفاجأة أنّ غالبية سكانها دخلوا الإسلام، حتّى لم يمض قرن واحد إلاّ وكانت ألبانيا بأسرها تقريباً مسلمة، وربّما كان سبب ذلك أنّ الألبانيين عرفوا للمرّة الأولى في حياتهم الاستقرار (النسبي) وعرفوا شيئاً من الازدهار والتحسّن في أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وربّما كان ردُّ فعلٍ تاريخياً على الضغوط ومحاولات الإكراه التي اتبعها الإيطاليون والبيزنطيون ضدّهم لقرون طويلة، وتأثّراً بنظام العدالة والإدارة الذي أقامه العثمانيون بداية عهودهم، وكان أكثر تطوّراً وشأناً من الأنظمة السابقة عليه.
منذ بدايات القرن السادس عشر أصبح مواطنو ألبانيا مواطنين عثمانيين، نتيجة التحوّل الديني، وتبع ذلك أن أصبحت بلادهم «ولاية عثمانية» أي جرى ضمّها للسلطنة العثمانية ضمّاً كاملاً، إذ كان النظام آنذاك يقسم منطقة «الروميللي» أي البلقان إلى ولايات عثمانية أو إمارات أو دويلات تتمتع بالحكم الذاتي، أو الاستقلال الكبير وتدفع الجزية فقط، وتدير جميع شؤونها الداخلية الدينية والسياسية والاقتصادية بنفسها دون تدخّل من مركز السلطة العثمانية.
ونظراً لمّا عرف عن الألبان من شدّة وقوّة وشجاعة، فقد اعتمدت عليهم العسكرية العثمانية اعتماداً كبيراً بعد أن أصبحوا مواطنين مسلمين، تحق لهم مناصب الدولة العليا. وهكذا اشتهر الألبان بانخراطهم في سلاح الفرسان الذي كان يطلق عليه اسم «السباهيون». وشكّلوا عماد الجيش العثماني النظامي، وربّما كان هذا الدور للألبانيين هو سبب توزّعهم وانتشارهم في البلدان العثمانية الآسيوية والأوروبية، فقد كانوا مخلصين، وانضباطيين ومقاتلين شرسين في الحروب، وقد عرفوا في البلاد العربية باسم «الأرناؤوط» وبقاياهم مميزة حتّى الآن.
واعتمدت الدولة العثمانية على الألبان اعتماداً كبيراً في الدفاع عن حدودها الغربية، في البلقان، في مواجهة الدولة الأوروبية التي لم تتوقف محاولاتها يوماً واحداً لمقاتلة العثمانيين، واسترجاع الأراضي البلقانية منهم، ودحرهم إلى الوراء، وإنقاذ أوروبا من خطرهم الزاحف مع جيوشهم التي وصلت مراراً إلى قلب أوروبا وكادت أن تقتلع عاصمة الإمبراطورية النمسوية ـ المجرية، إحدى أكبر إمبراطوريات أوروبا وأقواها عهد ذاك، مرّات عدّة خلال القرن السادس عشر.
تقسيم ألبانيا
بقيت ألبانيا ولاية عثمانية وجزءاً من السلطنة حتّى الساعات الأخيرة، ففي القرن الثامن عشر بدأت ممتلكات العثمانيين في البلقان تسقط من أيديهم واحدة بعد أخرى كما هو معروف نتيجة للثورات القومية التي نشبت بين الشعوب، والحروب التي شنتها الدول الأوروبية ولا سيما روسيا والمجر.
وحين فرضت روسيا على أسطنبول توقيع معاهدة سان استيفانو عام 1878، سلخت هذه أغلب الممتلكات العثمانية في البلقان باستثناء، أجزاء من ألبانيا وسالونيك (شمال اليونان) والبوسنة والهرسك. وفي هذه الاتفاقية، حدث للمرّة الأولى اقتطاع جزء من ألبانيا وضمّه للدولة الصربية، وهو تحديداً إقليم كوسوفو، وليس بكامله كما هو الأمر حالياً.
في نهاية القرن الماضي تبلورت «قومية ألبانية» للمرّة الأولى شأنها شأن باقي الشعوب البلقانية التي تأثّرت بإشعاعات الأفكار «القومية» التي ظهرت في الدول الأوروبية وكانت وراء إنشاء الدول القومية المعروفة راهناً، فرنسا، إيطاليا، ألمانيا،… إلخ. وغذت الدول الأوروبية هذه الأفكار ودعمت انتشارها في البلقان في سياق محاولات تقويض السلطنة العثمانية المتهاوية.
وبتأثير من الموجات القومية، شهدت ألبانيا في العقدين الأخيرين من القرن الماضي حرباً أهلية، بين الغالبية المسلمة التي صمّمت على البقاء داخل الدولة العثمانية من جانب وأقلية شمالية تعود إلى قبائل التجيين الألبانية والتي نادت بالاستقلال عن المركزية العثمانية.
وعندما رضخت اسطنبول للروس وقبلت في معاهدة سان استيفانو ثمّ في معاهدة برلين بالتنازل عن أجزاء من الأراضي الألبانية، ثار جميع الألبانيين على الدولة العثمانية، وحدث أوّل صراع حاد بين الطرفين. وأظهرت هذه الحادثة، وغيرها في تلك الفترة المميزة، تأصل الفكرة القومية وعمق جذورها بين الألبانيين. فتشكلت فوراً روابط وحركات ألبانية تنادي بوحدة الأمة الألبانية والدفاع عن حقوقها التاريخية، ورغم أنّ السلطة المركزية (العثمانية) أخمدت هذه الحركة ومطالبها وقمعتها بالقوة استمرّت بأشكال أخرى وما زالت هذه الحركة متأججة حتّى يومنا هذا، نتيجة الشرذمة والتجزئة التي انتهى إليها الألبانيون شعباً وأرضاً.
1 ـ صربيا اقتطعت جزءاً كبيراً من كوسوفو.
2 ـ الجبل الأسود اقتطعت جزءاً آخر.
3 ـ بسبب الهجرة والحروب الأهلية، هاجر عدد كبير إلى الخارج. ففي إيطاليا وحدها كان يوجد 200 ألف ألباني في عام 1900م.
4 ـ نتيجة اعتماد الدولة العثمانية سابقاً على الألبان في المهمات العسكرية والوظائف الإدارية في البلقان فقد انتشروا هنا وهناك، ونتيجة ترابطهم القوي الذي عرفوا فيه، فإنّهم لم يندمجوا ولم يذوبوا حتّى في المجتمعات الإسلامية المماثلة لهم، وبقوا يشكلون جماعات صغيرة مميزة، وخصوصاً في مقدونيا، وبلغاريا، والمجر، والبوسنة، وسلوفينيا.
في مطلع القرن العشرين بدأ الألبانيون يظهرون المزيد من المقاومة لارتباطهم بالسلطنة، نتيجة التحوّلات المهمة التي حدثت وخصوصاً بروز القومية التركية (الطورانية) وظهور التعصّب التركي العرقي الجارف واضمحلال الفكرة العثمانية كرابطة بين لاشعوب الإسلامية ووقوع انقلابات عسكرية أوصلت الحركات القومية إلى السلطة في اسطنبول.
ثار الألبانيون على السلطة عام 1909، واستمرّت ثورتهم حتّى العام 1912 حين اشتعلت الحرب البلقانية الأهلية على نطاق واسع. وفي هذا العام وسعت اسطنبول من استقلالهم الذاتي. ومع ذلك، فإنّ معاهدة الصلح التي وقعت عام 1913 بين دول البلقان، أنهت أي وجود للأتراك في المنطقة باستثناء ألبانيا.
وتجدّدت الحرب البلقانية ثمّ اشتعلت الحرب العالمية الأولى من البلقان، وتصارعت الدول الأوروبية على اقتسام البلقان أساساً، وفي عام 1915 احتل الإيطاليون ألبانيا.
حين انتهت الحرب الكونية الأولى، تقوّضت إمبراطوريتان كان لهما التأثير والنفوذ الأوّل في البلقان، الإمبراطورية العثمانية، وإمبراطورية النمسا والمجر. وقامت الدول المنتصرة بعقد مؤتمر السلم في باريس عام 1919 ورسم حدود الدول والكيانات في البلقان، وأوجدت دولاً لم تكن موجودة، ومزقّت دولاً وشعوباً كانت موحدة. فظهرت المملكة الصربية ـ الكرواتية ـ السلوفينية (أي يوغوسلافيا) وقد ركبت تركيباً غير منسجم لا عرقياً ولا حضارياً ولا ثقافياً، من فضلات من الأراضي والدول والأقليات الصغيرة التي زادت عن حاصل القسمة الإمبريالية بين المنتصرين، واستهدفت مكافأة الصرب بشكل رئيسي على الدور المهم الذي قاموا به ضد الأتراك وكان الصربيون يحلمون بإحياء مملكتهم التاريخية التي نشأت وتوسّعت في عهد الملك دوشان في القرن الرابع عشر. وهكذا ضمّ إقليم كوسوفو الألباني إلى صربيا، لأنّ هذه اعتبرت الحرب التي جرت على أرضه ضد العثمانيين عام 1389هـ، دليلاً على تبعيته لها دون اعتبار لإرادة السكان الذين يشكل الالبان منهم 99 في المائة وهم جميعهم مسلمون.
ونشأت في ألبانيا للمرّة الأولى مملكة مستقلة عن الأراضي التي تقوم عليها الآن، ثمّ احتلت من جانب القوات الفاشية الإيطالية بداية الحرب الكونية الثانية ثمّ دخلتها القوات النازية الألمانية أيضاً. وفي نهاية الحرب وهزيمة الفاشية والنازية تحرّرت ألبانيا ولكنّها وقعت فوراً في دائرة النفوذ اليوغوسلافي ـ السوڤياتي ـ الشيوعي وبقيت على هذا الوضع حتّى الآن.
وخلال هذه الفترة تحوّلت من «الدولة المسلمة الوحيدة في أوروبا» إلى الدولة الملحدة بالكامل في العالم. فقد حارب النظام الأديان بصفة عامة، والإسلام بصفة خاصة حرباً شعواء لا هوادة فيها حقاً، إذ دمرت المساجد أو حوّلت إلى متاحف أو مخازن ومتاجر. وحلّت جميع المؤسسات الدينية وصفيت أملاكها وأوقافها، وحظرت العبادات والشعائر حظراً تاماً. وعوقب المخالفون بعقوبات صارمة وشديدة لا مثيل لها في أي قوانين أخرى أو واقع آخر في أي مكان من العالم لا ماضياً ولا حاضراً.
ويلاحظ الباحثون أنّ النظام الشيوعي (عهد أنور خوجا) طمس بشكل خاص الحقبة العثمانية، طمساً كاملاً، في حين أنّها أعظم عهود الشعب الألباني، وفيها تكوّنت قوميته وثقافته وشخصيته الحالية. وعمل النظام ـ الذي كان يرأسه ديكتاتور مستبد مطلق ترجع أصوله الدينية إلى اليهودية، وكان أجداده أسلموا في وقت متأخر وظلّت تقاليدهم يهودية، حتّى أنّ والد أنور خوجا كان يعمل مرابياً حتّى فترة الأربعينات ـ على إحياء العهود القديمة السابقة على الحقبة العثمانية رغم أنّها بادت تماماً ولا أثر لها في الواقع القائم، واعتبر إسكندر بيك الملك الذي استمدّ شهرته العالمية في القرن الخامس عشر من مقاومته العنيفة للمدّ الإسلامي والعثماني آنذاك، الرمز الأسطوري الوحيد في تاريخ ألبانيا والرمز الثاني إلى جانب أنور خوجا نفسه.
وحين انعزلت ألبانيا وتقوقعت داخل عالمها الشيوعي الخاص وتحت سيف الاستبداد المسلط لمدّة زادت عن ربع قرن، لم تأبه الدول الأوروبية والغربية كثيراً بهذه الدولة التي تقع في وسط أوروبا. ولم تنزعج لعزلتها ولم تحزن على حقوق الإنسان فيها. والتحليل الوحيد لهذا الموقف أنّ أوروبا كانت تعتبر ألبانيا في النهاية مجتمعاً إسلامياً في وسطها، وثقافة مختلفة ومغايرة لثقافتها، تذكرها بالعثمانيين والمسلمين، ولذلك فاستمرار عزلتها يريح أوروبا أكثر ممّا يزعجها، ولو أنّها انفتحت فلا بد أن تكون موقعاً إسلامياً في قلب أوروبا. ولا شك أنّ عدم اكتراث أوروبا بعزلة ألبانيا طوال العقود الثلاثة السابقة، ما كان يمكن تصوّره لو كانت هذه الشقيقة مسيحية.
دور خاص في أوروبا
من المتوقع بعد سقوط النظام الشيوعي في ألبانيا مؤخراً أو بعد زواله نهائياً أن تلعب دوراً مؤثراً ومهماً في البلقان، وأوروبا. وأوّل ملمح من ملامح هذا الدور محاولة ألبانيا إعادة توحيد الأمة الألبانية، واستعادة أراضيها المجزأة ولا سيما إقليم كوسوفو الذي يقطنه حالياً مليونان من الألبان المسلمين، وهو أمر لو تحقّق أو سعت ألبانيا لتحقيقه بالوسائل السلمية أو غير السلمية سيفجر حتماً صراعات عنيفة في المنطقة يصعب التكهّن الآن بمداها ونتائجها. فلا توجد دولة واحدة في البلقان توافق على وحدة الأمة الألبانية لأنّ من شأن هذا أن يجعلها قوّة كبرى ومؤثّرة ثقافياً وسياسياً ودينياً! ومن المتوقع ضمن مستقبل ألبانيا أن يعود إليها مئات الألوف من مواطينها الذين هاجروا ونزحوا وانتشروا في أقاصي الأرض غرباً وشرقاً خلال مائة سنة الأخيرة بسبب الاضطهاد وعدم الاستقرار الذي مرّوا به. وهناك الآن نحو مليون ألباني على الأقل بين أميركا وكندا وأوروبا.
والملاحظة المهمة هنا أنّ الألبانيين انتصروا وتفوّقوا على ظروفهم الصعبة بطريقة فريدة. فهم رغم التشتّت والتبعثر والهجرات، أقاموا فيما بينهم روابط تنظيمية متينة وتكاد تكون لا مثيل لها. وهناك جباية مالية ومؤسسات ثقافية وروابط قومية وتبادل للمعلومات والخبرات بين جميع الألبانيين حيثما وجدوا مع المركز الرئيسي لهم، وهو في السنوات الماضية كان في كوسوفو (يوغوسلافيا) لا في ألبانيا، حيث لعب هذا الإقليم دور القاعدة القومية البديلة في ظل غياب ألبانيا وتعطل دورها بسبب النظام الشيوعي.
لقد نجح الألبانيون في المحافظة على وحدة قومية عالية بينهم عوضتهم عن التجزئة والتفتت والعزلة التي فرضت على ألبانيا الأم.
ومن المتوقع أن تنتهي مستقبلاً وتدريجياً كلّ هذه الظروف وإذا ما استطاع الألبانيون المحافظة على ديناميكيتهم السابقة وتحويلها إلى ديناميكية لبناء الدولة الألبانية الموحدة وحلّ مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية فإنّ مستقبلاً مهماً ودوراً قوياً ينتظرها.
محمد خليفة
أوّل رئيس غير شيوعي
وفي التاسع من شهر نيسان سنة 1992 تمّ انتخاب أوّل رئيس جمهورية غير شيوعي هو سالي بيريشا إذ انتخبه البرلمان رئيساً بالأغلبية. وقد خلف آخر رئيس شيوعي هو رامز عليا، بعد أكثر من خمسين سنة من الحكم الشيوعي. وكان رامز عليا قد استقال من منصبه في الثالث من نيسان بعد فوز الحزب الديموقراطي في الانتخابات النيابية وهزيمة الحزب الشيوعي منها.
وقد برز بيريشا زعيماً لأوّل حزب الباني معارض بعد الاحتجاجات المعادية للحكومة التي قادها الطلاب في كانون الأوّل 1990 وتزعّم المعارضة ووجهها إلى أن انتصر الحزب الديموقراطي في الانتخابات النيابية التي أجريت في 22 آذار.
العرب والألبان
مع بداية العصر البرونزي بدأ البلقان يعمر ويزدهر. واسم البلقان مأخوذ من اللغة التركية ومعناه «سلسلة الجبال». وقد أقام هناك الألبانيون الحاليون، والرأي السائد الآن في أوساط العلماء يسلم بانحدار الألبانيين من الإليريين القدماء «Illyrians». وبرز هؤلاء الإليريون في البلقان في فترة مبكرة جداً من العصر البرونزي، ومع مرور الزمن أصبحت لتقاليدهم علامة حضارية بارزة في البلقان.
وتجدر الإشارة إلى وجود تفسير قديم يربط بين الفينيقيين وهؤلاء الإليريين، ذكره الدكتور محمد موفاكو في كتابه «الثقافة العربية في الأبجدية الألبانية» (العدد 68 من سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت)، ويقوم على أساس أنّ الإليريين استمدّوا اسمهم من إليريوس «Illyrios» ابن قدموس الفينيقي. ففي الميثولوجيا اليونانية أسطورة معروفة تقول: «إنّ قدموس بن أجنور ملك فينيقيا ذهب بأمر أبيه للبحث عن أخته أوروبا التي اختطفها زيوس، وبعد أن جال قدموس في مناطق كثيرة عجز عن العثور على أخته، فصعبت عليه العودة إلى وطنه وقد انتهى به التطواف إلى هذه المناطق حيث أسّس مدينة كانت تسكن فيها بعض العشائر وبعد استقراره تزوّج قدموس من هارمونيا التي ولدت له ابناً سمّاه إليريوس».
وتنتهي هذه الأسطورة إلى القول إنّ الإليريين أخذوا اسمهم من إليريوس منذ ذلك الحين. وبعض العلماء يعتقد بأنّ الفلسطينيين الذين سافروا إلى بلاد كنعان وسمّوها باسمهم، كانوا من الإليريين، وتؤكد ذلك ملاحظة الملامح المميزة لهذين الشعبين وهي شديدة التشابه.
وهناك رأي يقول إنّ أميراً عربياً بعد أن اختلف مع حاكم البلد، هاجر مع قبيلته إلى مدينة «شكودرا» في شمال ألبانيا الحالية واستقرّ هناك، ومن هذه القبيلة تكاثر الألبانيون.
ومن هذا القبيل أيضاً ما ذكره الدكتور حسين مجيب المصري في كتابه «صلات بين العرب والفرس والترك» حيث يقول إنّ الألبانيين يتحدرون من أمير كان في بلاد العرب. ولكن هذه الآراء تفتقد الأساس الواقعي. إذ لا يوجد حتّى الآن ما يثبتها غير أنّها تشير على كلّ حال إلى مدى التداخل في الصلات التي ربطت بين العرب والألبانيين، فإنّها نشأت بين أجداد العرب والألبانيين الحاليين.
ونجد المؤرخ أحمد بن زيني دحلان يذكر في كتابه «الفتوحات الإسلامية بعد مضي الفتوحات النبوية» عن الألبانيين أنّهم «من عرب الشام من بني غسان ارتحلوا من الشام بعدما أتى الله بالإسلام».
ولكن التاريخ يتكلم بلغة أخرى، ولعل دافع هؤلاء المؤلفين حتّى يقولوا عن الألبانيين إنّهم من أصول شامية هو أنّ صلات وثيقة واسعة النطاق نشأت بين الألبانيين والعرب وقد تداخلت هذه الصلات إلى درجة كبيرة حتّى أدّت إلى تشكّل قناعات حول الأصل المشترك للعرب والألبانيين. فالواقعة تفتقد إلى المصادر لإثبات هذه الآراء، ومن الواقعية أيضاً التفكير بأنّه لا يمكن أن ينشأ شعب كامل بعد الفتوحات. ومن الثابت في التاريخ أنّ الإسلام في ألبانيا جاء عن طريق الأتراك والتجار وبدأ الشعب الألباني يدخل فيه تدريجاً في تلك المرحلة المتأخرة من تاريخه، فكيف يسلم شعب مرّة أخرى إذا كان قد جاء من بلد مسلم؟
أصبحت للإليريين مع الزمن تقاليد حضارية، ومع نهاية القرن الخامس قبل الميلاد وصلت هذه التقاليد إلى ذروتها مع بروز الدولة الإليرية التي امتدّت على طول الساحل الشرقي للبحر الأدرياتيكي. وقد تمتعت هذه الدولة بنفوذ عسكري وسياسي كبير في المنطقة، إلاّ أنّ هذا اصطدم مع طموحات روما التوسعية ما أدّى إلى حروب طويلة بين الطرفين توجّت بالحرب الإليرية ـ الرومانية الأولى سنة 229 قبل الميلاد وتلك التي تجدّدت سنة 219 قبل الميلاد.
وفي الحرب الثانية بين الدولة الإليرية وإمبراطورية روما تمكّنت هذه الأخيرة من الانتصار على الجيوش الإليرية وأسر آخر ملوك الإليريين سنة 168ق.م. ومع هذه الهزيمة فقد الإليريون دولتهم واستقلالهم السياسي ودخلوا منذ ذلك الحين في إطار الإمبراطورية الرومانية التي شملت المناطق العربية (شمال جزيرة العرب) والأراضي الألبانية الحالية، فحدث تداخل كبير بين شعوب هذه المناطق، خصوصاً عن طريق الجنود، إذ قام هؤلاء بدور الجسر الكبير الذي كانت تنتقل عبره التأثيرات من شعب إلى آخر. ومن هذ الجانب نجد أن التأثيرات كانت تنتقل بشكل واضح من الجنوب إلى الشمال وبالتحديد من مصر والشام إلى المناطق الإليرية.
هذه هي الصلات الأولية بين الإليريين والعرب، وقد نجد في كتب التاريخ القديم ما يدل بوضوح على انتشار الجنود الإليريين في الجنوب، من سورية حتّى الجزائر، كما نجد في آثار بعض الكتّاب السوريين والفلسطينيين عدداً من الإشارات القيّمة إلى الإليريين، ما يدل على معرفة هؤلاء بالإليريين في ذلك الوقت. ومن جانب آخر، كان حضور الجنود السوريين والمصريين دائماً في المناطق الإليرية، وقد ترك هؤلاء تأثيرات واضحة في تلك المناطق، خصوصاً ما يتعلّق بالدين.
حمل هؤلاء الجنود إلى هذه المناطق آلهتهم المحلية التي كانوا يعبدونها في الشرق ليتابعوا عباداتهم خلال إقامتهم في المناطق الإليرية، والديانات القادمة من الشرق إلى أرض إليريا كثيرة ولكن أكثرها انتشاراً كان عبادة «ميثراس» من فارس وعبادة «إيزيس» من مصر. فميثراس هو الإله الذكر الخالد الذي هزم الموت إلى الأبد أوجده «أهورامزُدا» خالق الحياة وشملت دائرة هذه الديانة الرجال فقط. أمّا عبادة إيزيس فقد لقيت من التكريم والانتشار أكثر ممّا لقيت الديانات الأخرى. وعرفت جميع شعوب البحر المتوسط كيف مات زوج إيزيس وكيف قام بعدئذ من بين الموتى، وما انطوت عليه قصة الآلهة الحزينة من الحنو والرأفة. وشملت دائرة إيزيس الرجال والنساء بعكس الميثراسية التي لم ترحب بالنساء (رؤية سقوط الإمبراطورية الرومانية د. محمود محمد الحويري).
وتحت مظاهر تأثير التداخل بين هؤلاء الجنود والإليريين، اعتنق الأخيرون هذه الأديان وتحوّلت الآلهة السورية والمصرية إلى آلهة إليرية أيضاً.
وفي إطار الإمبراطورية الرومانية انتقل الدين المسيحي من الشرق إلى المناطق الإليرية حيث انتشر بسرعة شديدة، ولذلك صار الإليريون يذهبون إلى فلسطين وسورية للتنسك أو لزيارة الأماكن المقدسة.
ونظم الإليريون مقاومة شعبية ضد الإمبراطورية الرومانية وحصلوا على الاستقلال السياسي إلى حد ما، وكان هناك ملك اسمه الملك أربر، ويُقال إنّه بعد وفاته سمّى الإليريون وطنهم «أربريا» وصاروا هم «أربريون» ذلك تمجيداً للجهد الذي بذله هذا الملك من أجل استقلال الدولة الإليرية عن الإمبراطورية الرومانية.
والدولة الإربرية التي خلفت الدولة الإليرية حاولت أن تكون مستقلة ولكن الإمبراطورية الرومانية حاربتها بجيوش كبيرة وأخضعتها، وفقد الإربريون استقلالهم السياسي كما فقده الإليريون من قبل.
ومع ظهور الإسلام وقيام الدولة العربية الإسلامية التي امتدّت من أواسط آسيا إلى شمال الأندلس، تقدّم العرب باتجاه المناطق الأربرية الألبانية الحالية.
واقترب العرب المسلمون في النصف الأوّل للقرن التاسع من مدخل البحر الأدرياتيكي بعدما نجحوا في فتح كريت وصقلية. وكان هذا المدخل يتيح لهم الوصول إلى عمق أوروبا.
وتمكّنت جيوش العرب المسلمين من فتح جنوب إيطاليا وأسّسوا إمارة عربية حول مدينة «باري» على الساحل الغربي للأدرياتيكي.
وتمكّن الإسلام تماماً من التغلغل في البلقان عبر بوابته الشرقية وذلك على أيدي العثمانيين الذين فتحوا البلقان في النصف الثاني للقرن الرابع عشر. ومع هذا الانتشار العثماني تعرّف الألبانيون على الدولة الإسلامية وأخذوا في اعتناق الإسلام إلى أن شمل غالبيتهم.
إطلال مسجد قديم في ألبانيا
وربط \دين الإسلام الإربريين بشكل غير مباشر بالعرب وثقافتهم على رغم أنّ الدولة السياسية لم تكن عربية. ففي حضن دولة واحدة عاش العرب والإربريون معاً، وسمّى الإربريون بلادهم «شكبيريا» وهي تعرف في العالم باسم ألبانيا، وهذا الاسم يعني «بلاد النسور».
وعرف في التاريخ أنّ العثمانيين عندما أرادوا اقتحام البلقان عانوا كثيراً في البداية من مقاومة الألبانيين لهم، ووجدوا في الألبانيين الذين خلقوا للسلاح والكفاح ما يبحثون عنه لتحقيق طموحاتهم الكبيرة في توسيع إمبراطوريتهم. ومن هنا نفهم سر اهتمام العثمانيين بنشر الإسلام في صفوف الألبانيين، خصوصاً لكي تتحوّل طاقتهم القتالية الكبيرة في اتجاه توسيع دائرة الإسلام في أوروبا. وكان معظم الجيوش العثمانية من الألبانيين، وحدثت في هذه المرحلة هجرات كثيرة جداً أشهرها هجرة محمد علي وأولاده إلى مصر. وعلى رغم أنّها كانت حركة مضادة للدولة العثمانية فإنّها كانت من ناحية أخرى جسراً ربط أصول كثير من المصريين الحاليين بأجداد ألبانيين.
وكذلك سنان باشا الذي يرتبط اسمه بكثير من المنشآت العمرانية القديمة في سورية والجزيرة العربية ومصر، وقد كلفه السلطان في سنة 1573 بقيادة القوات العثمانية لطرد الإسبان من تونس.
ومع انضمام الألبانيين إلى الدولة العثمانية، تزوّد الجيش العثماني بدم حيوي جديد ساعده في التوجّه شمالاً في اتجاه النمسا وجنوباً في اتجاه البلاد العربية. وخلال فترة قصيرة تحوّل الإلبانيون إلى عنصر معروف ببأسه في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط وأصبح لهم خلال هذه الفترة حضور واسع في الإدارة العثمانية سواء كجنود أو كقادة وولاة وحتّى في منصب الصدر الأعظم.
ومع توسّع الدولة العثمانية في البلاد العربية انتشر هذا الحضور الواسعف في البلاد العربية أيضاً ما أدّى بدوره إلى دخول الصلات العربية ـ الألبانية في أهم طور لها. وكان هذا الحضور في القرون الأولى يقوم على وجود الجنود والعسكريين والإداريين والولاة لفترة طويلة أو قصيرة، وأحياناً يكون دائماً بالإضافة إل وجود الطلاب وأتباع الطرق الصوفية والمشايخ والقضاة.
كان لهؤلاء الألبانيين الذين استقروا في المجتمع العربي عموماً دور بارز في الحياة المحلية في البلاد التي أقاموا فيها، خصوصاً في الشام ومصر وليبيا والجزائر.
لقد استقرّ في البلاد العربية آلاف من الجنود الألبانيين، كما استقرّ أيضاً عشرات الولاة الألبانيين الذين دخلوا التاريخ العربي بشكل أو بآخر. والأسماء الألبانية الشهيرة والشاهدة على العلاقات في تلك الفترة ما زالت حيّة حتّى الآن، منها مثلاً: «شكيب» وهي عائلة كبيرة في الشام، واسم «شكيب» اسم ألباني يعني النسر «Shqip»، واسم البلاد الألبانية شكيبريا يعني «بلاد النسور». وهناك أيضاً اسم فلان «الأرناؤوط» و«الأرناؤوطي»، ومنه عائلات مصرية اشتهرت في عهد حكم أسرة محمد علي وما زال نسلها يعيش في مصر حتّى اليوم. ومعنى اللفظ الألباني باللغة التركية أطلقه الترك على الألبانيين رمزاً على شدّتهم في القتال([386]).
كان لانتشار الإسلام في صفوف الألبانيين إذاً تأثير حاسم وكبير في ما يتعلق بتأكيد وتعميق الصلات بين العرب والألبانيين. والألبانيون اليوم هم الأمة الوحيدة التي تعتنق الإسلام بغالبيتها في قارة أوروبا، ويحمل كثير من أفرادها أسماء عربية.
رولاند أكرم
ألبرز
سلاسل جبال ملتصق بعضها ببعض في شمال إيران تمتد على طول أكثر من ألف كيلومتر من غربي ساحل بحر مازندران إلى شمال غربي خراسان.
القسم الأوّل من هذه الجبال (90 كيلومتراً) على امتداد الخط الشمالي الجنوبي. والقسم الثاني (380 كيلومتراً) على امتداد خط الشمال الغربي والجنوبي الغربي. والقسم الثالث (470 كيلومتراً) على امتداد الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي.
والقسم الأوّل الذي يطلق عليه اسم جبل (تالش) يقع في جوار جبال القفقاس، ويبدأ من غرب لنكران ويمتدّ على غربي ساحل بحر مازندران تقريباً. وفي غرب استار يبعد عن الساحل من 16 كيلومتراً إلى 20 كيلومتراً فقط.
يتغيّر خط امتداد سلسلة جبال ألبرز العام من غرب مدينة (رشت)، ومن ثمّ يبدأ القسم الثاني، أي من منطقة (جيلان) إلى (دماوند) حيث أعلى قمة فيه 5671 متراً.
وفي جنوبي مدينة رشت يقطع هذه السلسلة النهر الأبيض حيث يصب في بحر مازندران. ويبدأ انقسام السلسلة إلى ثلاثة خطوط متوازية، وفي أكثر المواضع يربط هذه الخطوط بعضها ببعض الخطوط الفرعية المتشعبة منها. ويبلغ ارتفاع أكثر قمم هذه السلسلة من 3350 إلى 3967 متراً.
والقسم الثالث من ألبرز يمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي إلى قرب (بجنورد) من مقاطعة خراسان. ومن ثمّ يتّصل بجبال (الاداغ). وكثيراً ما يتجاوز ارتفاع القمم في هذه السلسلة 3050 متراً.
وتشكّل سفوح جبال ألبرز الشمالية والأراضي المنخفضة فيها وممر مازندران: منطقة جيلان من مازندران وجرجان، وتغطي هذه المنطقة غابات كثيفة وتجري فيها عشرات الأنهار، مثل تشالوس والأهواز وبابل وتجن وغيرها.
والقسم الأكثر من الغابات البكر بجيلان ومازندران، استؤصلت لاستعمال أشجارها للفحم أو جعلها مزارع للأرز. وأكثر ما كان هذا في الأراضي المسطحة. ولقد زال القسم الأعظم من الغابات قبل قرن.
إنّ الأرضي التي تقع بين سفوح الجبال والبحر يتراوح عرضها من ثلاث كيلومترات إلى أربعين كيلومتراً، وأعرضها يقع قرب مدينة رشت في ضواحي مدن آمل وساري وبابل.
وتغطي الثلوج ققم ألبرز في أكثر أيام السنة، وبعضها تغطيها طوال السنة.
وسفوح ألبرز الشمالية غنية جداً بالمياه لذا تكثر في وديانها ومنعطفاتها القرى العامرة التي تكتنفها المزارع الخصبة والبساتين المشتملة على شتّى الفواكه. كما أنّ جبال ألبرز بعامّة تحتوي على ثروات معدنية وافرة لا سيّما من الفحم والرصاص والحديد.
ألمانيا
- تقع ألمانيا وسط أوروبا، ويحدّها من الشمال: الدانمارك وبحرا البلطيق والشمال، من الشرق: بولونيا، تشيكيا والنمسا، ومن الجنوب: النمسا وسويسرا، ومن الغرب: هولندا، بلجيكا، لوكسمبورغ وفرنسا.
- تبلغ مساحتها 358 ألف كلم2، وعدد سكانها (80,1) مليون نسمة طبقاً لإحصاءات 1991.
- في 3 تشرين الأوّل سنة 1990، أعاد الألمان توحيد شطري ألمانيا الشرقي (الاشتراكي) والغربي (الرأسمالي) بعد أن قسّمها الحلفاء إثر هزيمة النازيين في الحرب العالمية الثانية، وعادت كما وحّدها بسمارك سنة 1871م، كما عادت برلين عاصمة لها منذ حزيران 1991، بعد أن كانت بون عاصمة ألمانيا الغربية وبرلين الشرقية عاصمة ألمانيا الشرقية.
- تعتبر ألمانيا اليوم ثالث قوّة اقتصادية في العالم (بعد الولايات المتحدة الأميركية واليابان) والقوّة الأولى في أوروبا، وذلك على الرغم من المشاكل الاقتصادية التي تتخبط فيها اليوم نتيجة الوحدة، ممّا أدّى إلى ارتفاع نسب البطالة والتضخّم، وانخفاض مستوى المعيشة، وازدياد الحركات العنصرية.
وألمانيا هي أوّل دولة صناعية في أوروبا عامة، وتتميز بميزانها التجاري الرابح دائماً، نتيجة تفوّق صادراتها على وارداتها، وتعتبر ثاني مصدّر في العالم بعد الولايات المتحدة، إذ تصدّر 13% من صادرات العالم، وأبرز صادراتها هي الصناعات المعدنية (الثالثة في العالم في صناعة السيّارت) والكهربائية والكيمياوية والألبسة والمنسوجات. وأبرز وارداتها: البترول والمعادن، والمواد النسيجية بالإضافة إلى الواردات الزراعية.
محطات تاريخية
يعيد الغربيون الاحتكاك الأوّل للألمان بالإسلام والمسلمين إلى القصص المشهورة حول بعثات هارون الرشيد وهداياه لإمبراطور ألمانيا شارلمان (أهدى له ساعة مائية غاية في الدقة، وفيلاً عجيباً!!)، وتنقل كتب التاريخ العربية الحديثة ذلك عن المصادر الغربية، بينما لا توجد مصادر تاريخية إسلامية موثقة حوله… ويربط الغربيون هذه القضية بأنّ أمويي الأندلس سعوا عام 777م للتحالف مع شارلمان… فسارع هارون الرشيد لتطويق هذا التحالف بالتفاهم معه!.
تدريس القرآن الكريم واللغة العربية في أحد المساجد الألمانية
وبغض النظر عن الاحتكام العسكري في فترة الحروب الصليبية التي شارك فيها الألمان بفعالية، ثمّ لدى وصول المسلمين في العهد العثماني إلى أبواب «فيينا» عاصمة النمسا، فيبدو أنّ أوّل تواجد للمسلمين في ألمانيا يعود إلى مطلع القرن الثامن عشر في عهد الدولة البروسية، إذ قامت بين بروسيا والدولة العثمانية في عهد السلطان محمد الثاني (1730ـ1754م) علاقات دبلوماسية، واستعان البروسيون بالمدربين المسلمين على الفروسية، حتّى بلغ تعداد هؤلاء في الجيش البروسي حوالي الألف فارس في نهاية القرن الثامن عشر من التتار والألبانيين والبوسنيين. وتروي المصادر أنّ أوّل مصلّى سمح بإقامته في ألمانيا كان لبعض المسلمين العثمانيين في عهد ملك بروسيا «فريدريك فيلاهلم» سنة 1831م، وفي سنة 1915م بنى القيصر مسجداً للأسرى المسلمين في الحرب العالمية الأولى، وذلك في معسكر ونسدورف قرب برلين، وكانت مئذنته ترتفع 23 متراً، وقد أزيل هذا المسجد سنة 1924 لضعف بنائه.
وكانت الموجة الأولى لانتشار أعداد كبيرة من المسلمين داخل ألمانيا قد تكوّنت من هجرة كثير من المسلمين في بداية القرن العشرين، من الذين فرّوا من آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية بعد انتشار الشيوعية في تلك البلدان، فوجدوا في ألمانيا الملاذ والمأوى. وقد بلغ عدد الأتراك والسلافيين المسلمين في برلين وحدها في مطلع عام 1940م حوالي ثمانية آلاف، التحق عدد كبير منهم بالجيش الألماني في عهد هتلر وقضي على الكثيرين منهم في الحرب.
ونتيجة للحرب العالمية الثانية بدأت الهجرة الإسلامية الثانية من دول روسيا وبلغاريا ورومانيا وبولندا، وأقام الوافدون في مدن ميونيخ وهامبورغ، وأنشؤوا جمعيات إسلامية ومسجدين في كلتا المدينتين، وبدأت الجالية الإسلامية تنهض حينذاك بعد انهيار وتفكّك.
ولكن الهجرة الأوسع للرعايا المسلمين إلى ألمانيا تمثّلت أوّلاً بتدفّق مئات الألوف من العمال المسلمين الأتراك إليها، وذلك منذ بداية الخمسينات من هذا القرن، بغية العمل في مصانعها التي أعيد تعميرها بعدما تهدّمت في الحرب العالمية الثانية، وازدادت موجات هذه الهجرة التركية في الستينات، ووصلت الذروة في أوائل السبعينات.
جانب من مدينة فرانكفورت الألمانية
ومع تواصل توافد العمّال الأتراك وعائلاتهم، وانتشارهم في المناطق الألمانية، فإنّ عدد أفراد الجالية التركية المسلمة في هذه البلاد قد قارب رقم المليوني نسمة أو تجاوزه بكثير حسب العديد من التقارير، وبذلك يمثل الأتراك حالياً ما نسبته أكثر من 80% من مجموع المسلمين في ألمانيا، يأتي بعدهم البوسنيون (حوالي 400 ألف) ثمّ العرب (خاصّة من بلدان شمال إفريقيا ولبنان)، ثمّ الإيرانيون والأفغان والأندونسيون، بحيث أنّ عدد أفراد الجاليات الإسلامية في ألمانيا أصبح يتجاوز رقم الثلاثة ملايين إلى أربعة ملايين نسمة حسب اختلاف التقديرات، ولعدم إمكانية تحديد عدد المهاجرين الداخلين بشكل غير قانوني.
الانتشار
وينتشر المسلمون في مختلف ولايات ومدن ألمانيا، إلاّ أنّ تجمعاتهم الكبرى توجد في ولايات ليدرسكن، هامبورغ، ستافلن، هسن، رينانيا، روتنبرغ، بافاريا، برلين الغربية.
ويتجاوز عدد المسلمين المقيمين في بعض الولايات النصف مليون شخص (وستفاليا)، وفي بعض الولايات يصل عددهم إلى أكثر من ربع مليون مسلم (روتنبرغ، دورتموند، بافاريا) وفي بعضها يقيم عشرات الآلاف منهم في أحياء وتجمعات خاصّة بهم.
منظر من برلين.. عاصمة ألمانيا الموحدة
وبما أنّ معظم المسلمين في ألمانيا من الأتراك لذلك فإنّ المذهب السنّي الحنفي هو الأكثر انتشاراً، ثمّ هناك الأتراك من الشافعية، وبالإضافة إليهم يوجد أيضاً أكثر من 200 ألف مسلم شيعي، أكثرهم من الإيرانيين، كما تضمّ الجالية التركية أكثر من 600 ألف تركي علوي، ولهؤلاء جميعاً مؤسساتهم ومساجدهم ومراكزهم الثقافية والاجتماعية الخاصّة بهم، والتي يحرصون على إقامتها في أماكن تواجدهم.
تختلط المشاعر والنوايا والتوجهات والممارسات تجاه الإسلام والمسلمين في ألمانيا، سواء من قبل السلطات العليا أو سلطات المقاطعات، أو الجهات الدينية والسياسية والشعبية… وتتراوح النظرة إليهم بين القبول المتحفظ الذي يضمن حق التعبير المقبول عن الهوية، وبين سياسة الاحتواء والتذويب، وبين نظرة العداء وإبداء السخط.
والمجتمع الألماني بطبعه مجتمع منغلق على ذاته، إلاّ أنّه وبحكم التجارب يرفض (بتفاوت) العنصرية والعصبيات الدينية والمذهبية، وهو في هذا يتمايز بعض الشيء عن بعض الشعوب الأوروبية الأخرى.
وإذا كان الإسلام يشكل ثاني ديانة في ألمانيا بعد ديانة الأغلبية المسيحية (البروتستانت 47% والكاثوليك 44,6%) ورغم أنّ الدستور الألماني يكفل حرية الأديان والعبادة لكلّ مواطن على الأرض الألمانية بصرف النظر عن ديانته، ورغم أنّ المسلمين في المانيا يسمعون باستمرار كلاماً طيباً من المسؤولين الألمان حول نظرتهم للإسلام والمسلمين وضرورة التقاء وتعاون الحضارتين الإسلامية والمسيحية، رغم كلّ ذلك لا تظهر أيّة رغبة حقيقية بالاعتراف بالإسلام كديانة رسمية، بحيث يتاح للمسلمين الألمان الحق العام الذي يتمتع به أتباع الديانات الأخرى الذين نالوا هذا الاعتراف، رغم أنّهم يقلّون بكثير عن المسلمين. فاليهود البالغ عددهم 50 ألفاً فقط، والمسيحيون الأرثوذكس وحتّى شهود يهوه والبهائيون والقاديانيون، كلّهم حصلوا على هذا الاعتراف والرعاية القانونية من الدولة. وفقدان هذا الاعتراف من شأنه أن يحرم المسلمين من حقوق كثيرة، ويرتّب عليهم مشاكل مع الإدارات الرسمية والجهات الكنسية وحتّى الشعبية، ويبقي الجمعيات والمؤسسات والمراكز الإسلامية تحت رحمة نظام وقانون الجمعيات الأجنبية، والتي يمكن حلّها في كلّ لحظة، وفي هذا يقول البعض من الكتّاب الألمان إنّ الإسلام ما زال يعتبر في ألمانيا مسألة تتعلق بالسياسة الخارجية والعلاقات مع تركيا. ولا يستبعد في هذا الشأن الضغوطات التي تمارسها الكنيسة للحيلولة دون هذا الاعتراف، رغم أنّ بعض رجال الدين المسيحيين الالماني يبدون مرونة تجاه المسلمين على الصعيد الواقعي، ذلك أنّ هاجسهم الأوّل هو الإلحاد الذي يسود نسبة 25% من سكان ألمانيا، بينما لا يشكّل المسلمون سوى 3%.
المركز الإسلامي التركي في هامبورغ
وفي غياب هذا الوضع القانوني يلاحظ عموماً ـ بالرغم من بعض التعقيدات ـ أنّ السلطات الألمانية خاصّة في بعض الولايات تتعامل بمرونة وتسامح مع المؤسسات التعليمية والثقافية الإسلامية القائمة هناك، خلافاً لفئة قليلة نسبياً من دعاة النازية الحديثة والتعصّب القومي. ففي هذا المجال أتاحت حكومة دوسلدورق المجال لاعتماد حصص التعليم الديني في المدارس الرسمية لمن يرغب من الطلبة المسلمين حيث يقوم مدرسون أتراك بهذه المهمة في المرحلة الابتدائية على أن تستكمل في المرحلتين التكميلية والثانوية فيما بعد.
كما قرّرت ولاية نوردراين وستفالين التي تحوي أكبر نسبة من المسلمين والتلامذة المسلمين (12% من تلامذة المدارس الرسمية في الولاية) إدخال مادة الدين في المناهج التعليمية منذ سنتين استجابة لنداء مطران روتنبرغ الذي دعا فيه الولايات الألمانية إلى إدخال مادة الدين الإسلامي في المناهج، آملاً في إعداد تلامذة مسلمين بعيدين عن التطرّف والأصولية المتنامية في ألمانيا! كما صرّح بذلك المطران والمسؤولون في الولاية المذكورة، لذلك اشترطوا أن يكون معلمو مادة التربية الدينية خاضعين لانتقاء وإشراف الجهات الرسمية التركية العلمانية المولجة بهذا الأمر، وهذ ما تمّ بالفعل. في حين أنّ ولايات أخرى ترفض التعليم الديني في مدارسها بحجة عدم المساعدة على تنامي الأصولية الإسلامية التي يخوّف بها الإعلام الموجّه صهيونياً فئات الشعب الألماني!
وقد ازدادت في ألمانيا في السنوات الأخيرة الدعايات والبرامج الإعلامية المسيئة للإسلام، والتي تدعو إلى القلق والخوف من الأنشطة الإسلامية.
ويمكن القول إنّ المسلمين في ألمانيا لا يجدون عنتاً كبيراً في بعض ممارساتهم الدينية والاجتماعية، كما هو الحال في فرنسا مثلاً، رغم أنّها تعترف رسمياً بالإسلام كدين رسمي، فموضوع الحجاب على سبيل المثال غير معقد، فلم تطرد تلميذة من المدارس بسببه، ولكن وزارة الثقافة والتربية الألمانية أعلنت بأنّها لن تسمح للمعلمات المسلمات بارتداء الحجاب في المدارس الألمانية، لأنّ ذلك يخيف التلامذة حسب وصفها وزعمها! والدولة تسمح بإعطاء هوية شخصية أو جواز سفر بالحجاب إذا قدّمت المرأة المسلمة ما يثبت إسلامها، كما أنّ الدولة تعترف بأحكام الطلاق الصادرة من دول إسلامية.
المركز الإسلامي في هامبورغ، مسجد الإمام علي (ع)
في موازاة ذلك يواصل تيار النازية الحديثة في ألمانيا صعوده الواضح، موجهاً سهامه إلى المسلمين عامة والعمّال الأتراك خاصّة، متهماً إياهم بانتزاع فرص العمل وأسباب الرزق من أيدي سكان البلاد الأصليين، وشهدت ألمانيا في هذا السياق حوادث مأساوية غامضة، كانت ضحيتها أسر تركية عديدة مات أفرادها حرقاً على أيدي عصابات ترفع شعارات (النقاء العرقي) وتدعو إلى طرد الملايين من العمّال الأجانب وخاصّة الأتراك.
مساجد ومؤسسات ومراكز إسلامية
تبرز حيوية أبناء الجالية الإسلامية الكبيرة في ألمانيا، من خلال سعي الغيورين فيها لأجل المحافظة على الهوية الإسلامية، وحماية الأجيال المسلمة الناشئة من تأثيرات المجتمع الغربي المادية والإباحية، كما في المحافظة على الروابط الاجتماعية، والعمل من أجل تعزيز مكانة أبناء الجالية الاقتصادية والثقافية، ولإحداث تأثيرات إعلامية وسياسية تخدم مصالح المسلمين المشتركة وقضاياهم العامة.
والمظهر البارز للصحوة الإسلامية والعودة إلى أحضان الدين بين أبناء الجالية المسلمة في ألمانيا يتجلّى من خلال إقامة حوالي ألفي مكان للعبادة والتجمّع للمسلمين في أنحاء ألمانيا، منها المصلّى الصغير الذي هو عبارة عن غرفة أو أكثر والمسجد الكبير المقام أو المبني حسب الأصول والهندسة الإسلامية. وهناك حوالي ثلاثين مسجداً في ألمانيا من هذا النوع الأخير. هذا بالإضافة إلى عشرات المراكز الثقافية والاجتماعية والتربوية والإعلامية. وفي المدينة الواحدة قد يجد المرء العشرات من هذه المساجد والمصليات والمراكز المنتشرة في الأحياء، مثلاً في منطقة كولونيا هناك مئة مركز، وفي برلين 40 مركزاً وفي دورتموند 30 مركزاً وهكذا… وهذه المراكز والمؤسسات يتبع كلّ منها منظمات وجمعيات إسلامية لها حضورها وتواجدها على مستوى مناطق ومدن ألمانيا كلّها. وبما أنّ معظم المسلمين في ألمانيا هم من الأتراك، فإنّ جمعية «الاتحاد الإسلامي التركي لهيئة الشؤون الإسلامية» -DITIB- الموجّهة من قبل الحكومة التركية العلمانية في أنقرة، هي التي تشرف على أكثر هذه المساجد والمراكز، وتعيّن أئمتها ومسؤوليها.
وتدّعي أنّها تسيّر أكثر من 700 مسجد ومصلّى ومركز ومؤسسة، وهي تقوم بنشاطاتها بالتنسيق والتفاهم مع السلطات الألمانية. في مقابل ذلك فإنّ «الجمعية المستقلة للرؤية الحديثة نحو العالم» (ANGT)، والتي يطلق عليها الاتجاه الوطني ـ تأسّست سنة 1975، وهي قريبة الصلة من حزب الرفاه الإسلامي التركي ـ تقول بأنّها تشرف على نحو 600 من هذه الجمعيات والمصليات والمراكز. والمقر الرئيسي لهذه الجمعية هو المركز الإسلامي في كولونيا.
إضافة إلى هاتين المنظمتين الكبيرتين، هناك الحركة الإسلامية لأكراد تركيا، وتملك العديد من المصليات والمراكز، وهناك أتباع حركة العالم التركي الشيخ قبلان، ولديهم مساجد ومراكز خاصّة بهم ايضاً. وبالطبع هناك مساجد ومراكز إسلامية خاصّة بالاقليات العربية التي تدعمها أحياناً الحكومات والجهات العربية.
وبالإضافة إلى المنظمات والرابطات الإسلامية الكبيرة، هناك حوالي 20 رابطة وجمعية ينشط كلّ منها بشكل مستقل أو بالتعاون مع الآخرين، ومنها: «رابطة المراكز الثقافية الإسلامية»، «اتحاد الجمعيات الثقافية الإسلامية»، «اتحاد العمّال المسلمين في أوروبا»، «اتحاد الطلبة المسلمين في أوروبا»، «بيت الإسلام»، «الجماعة الإسلامية في ألمانيا»، «الجماعة الإسلامية في برلين»، «اتحاد الطلبة المسلمين في ألمانيا»، «مركز الدراسات الثقافية في ألمانيا» (الحركة الإسلامية).
وفيما يلي نسلط بعض الضوء على أهم المراكز والمساجد ويأتي في طليعتها المراكز الإسلامية في هامبورغ وآخن وميونيخ.
المركز الإسلامي في هامبورغ
تقع هامبورغ شمالي ألمانيا على شاطئ بحر الشمال، وهي من أهم الموانئ ومن أكبر المدن الألمانية، ويوجد فيها جالية إسلامية كبيرة من مختلف جنسيات البلاد الإسلامية، وقد أسّس أبناء الجالية في هذه المدينة وضواحيها العديد من الجمعيات والمراكز والمؤسسات الإسلامية التي ترعى شؤون المسلمين فيها، ويأتي في طليعة المراكز الإسلامية الناشطة في هذه المدينة «المركز الإسلامي في هامبورغ» وهو من أقدم المراكز الإسلامية في أوروبا حيث تمّ افتتاحه سنة 1964م، وقد ذكر لنا الشيخ محمد باقر الأنصاري المشرف الحالي على المركز، أنّ بداية التفكير بإنشاء هذا المركز كانت عام 1953 حيث طلب عدد من المسلمين المقيمين في هامبورغ من المرجع الديني الأعلى للمسلمين الشيعة في إيران، السيد البروجردي، تأسيس مسجدد للإيرانيين وللمسلمين بشكل عام، فوافق وخصّص مبلغاً كافياً لبناء المسجد، الذي تحوّل في عهد رعاية الشهيد الدكتور بهشتي له إلى مركز إسلامي هام، وذلك بعد إضافة أبنية أخرى ملاصقة للمسجد، وتوسيع دائرة اهتماماته، وقد تابع بعده الدكتور السيد محمد خاتمي الرئيس الحالي للجمهورية الإسلامية الإيرانية عندما تولّى أمر الإشراف عليه، أعمال التجديد فيه وتوسيع نشاطاته. وها هو اليوم قد أصبح من أهم المراكز الإسلامية في أوروبا من حيث حركته في إقامة الشعائر الدينية وإحياء المناسبات الإسلامية، ورعاية المسلمين دينياً واجتماعياً وثقافياً، وخاصّة الناشئة، ومن حيث دوره في التقريب بين المذاهب الإسلامية، وتوطيد العلاقات مع أتباع الأديان السماوية، وخاصّة المسيحية منها.
وفي جولة على أقسام المركز يلفت نظرنا أوّلاً كما يشدّ انتباه كلّ مشاهد، جمال التصميم والهندسة الإسلامية الرائعة الخاصّة بالمسجد المسمّى بمسجد الإمام علي (عليه السلام). والجزء الأساسي للمسجد الذي يتسع لمئات المصلين، عبارة عن بناء دائري تعلوه قبّة كبيرة يبلغ قطرها 13,5م، وقد كُسيت القبّة بغلاف خارجي من النحاس المطلي باللون الأخضر، ممّا يضفي على المسجد روعة وجمالاً خاصّين.
أمّا الجدران الداخلية فمكسوة جميعها بنقوش وكتابة من الكاشي الأزرق تتضمن آيات قرآنية كريمة بخط النسخ الجميل مع ترجمتها باللغة الألمانية، وأكثر ما يبرز جمال هذه النقوش والكتابة في المحراب البديع الصنع، وقد استغرق تحضير وإعداد زخرفة الكاشي فترة أربع سنوات، وذلك في مدينة مشهد في إيران، لتنقل وتركّب في غضون أربعة أشهر. وعلى جانبي القبّة ترتفع منارتان مميزتان بعلو 18 متراً، وقد تمّت كسوتهما بقطع السيراميك ذات اللون البني. وهذا المسجد تؤدّى فيه الصلوات والعبادات وتقام فيه حلقات تدريس العلوم والأخلاق الإسلامية.
وإلى جانب المسجد، يقوم بناء مؤلف من ثلاثة طوابق يتضمن قاعة للمحاضرات والندوات مجهّزة بأجهزة الترجمة المباشرة، وتنعقد فيها المجالس والملتقيات على مدار السنة، ويشارك فيها مسلمون من شتى الأعراق والأجناس. ويضمّ هذا المبنى أيضاً مكتبة كبيرة تحتوي مصادر ومراجع مهمة في اللغات العربية والفارسية والألمانية والإنكليزية، كما يضمّ قسم الضيافة، وفيه مطبخ مجهّز لإعداد الولائم العامة في المناسبات، ولمن يرغب من أصحاب النذور ممّا يوثق عرى المحبة والأخوة بين المؤمنين، وذلك كلّه بالإضافة إلى غرف الإدارة حيث تجري مراسم عقود الزواج وإجراء الطلاق، كما يضمّ المبنى غرف الاستقبال وتدريس التربية الإسلامية للأطفال والفتيان (خاصّة)، حيث تعقد العائلات الألمانية المسلمة التي اهتدت عن طريق المركز، جلسات أسبوعية لأطفالها لقراءة القرآن الكريم والتعرّف على أسس العقيدة الإسلامية.
ويصدر المركز نشره اسمها «الفجر»، ومعها ملحق للأطفال يسمّى «سلام كيندر» باللغة الألمانية، كما يعمل المركز ما وسعه على طبع ونشر الكتب الإسلامية المترجمة إلى اللغة الالمانية والبوسنية… ويستقبل المركز مئات الزوار الألمان سنوياً ممّن يرغبون في الاطلاع على فن عمارته ونقوشه أو يودّون معرفة شيء عن الإسلام، خاصّة من مجموعات تلامذة المدارس الألمانية.
المركز الإسلامي في آخن (مسجد بلال)
آخن مدينة تاريخية تقع وسط طبيعة خلابة على الحدود الألمانية مع بلجيكا وهولندا، وكما لهذه المدينة شهرة علمية واسعة نظراً لجامعتها المتقدمة ومعاهدها العالية المتعددة، فلها شهرة صناعية أيضاً حيث تقوم فيها صناعات دقيقة مثل معامل الأدوية والعطور والزجاج والنسيج والكمبيوتر والأغذية، وقد استقطبت هذه الصناعة أعداداً كبيرة من العمّال المسلمين منذ أواخر الخمسينات، كما استقطبت جامعة آخن أعداداً مهمة من الطلاب المسلمين أيضاً. وكان من الطبيعي أن تنصبّ إرادة نسبة مؤثّرة من هؤلاء المهاجرين المسلمين على إيجاد مسجد ومركز إسلامي يلبّي حاجاتهم الروحية والثقافية والاجتماعية، ونظراً للسمعة الطيبة للطلبة المسلمين الجامعيين وتفوقهم الدراسي، فلم تمانع إدارة جامعة آخن في منح جمعية الطلبة المسلمين قطعة أرض تابعة للجامعة ليقوم عليها فيما بعد مسجد بلال وملحقاته… ففي قلب جامعة آخن يقوم إذاً مسجد بلال، وكلّ من يزور الحي الجامعي تطالعه مئذنة المسجد الشامخة والمزينة بكلمات (الله أكبر) المنقوشة حولها.
غرفة المكتبة في المركز الإسلامي، هامبورغ
لقد ولدت فكرة إنشاء هذا المسجد سنة 1958م، وتمّ وضع الحجر الأساس في أجواء إيمانية احتفالية حضرها ضيوف مسلمون من أنحاء أوروبا وموفدون عن جامعة آخن، وقد افتتح المسجد سنة 1967م، وكان يتألف من بناء ذي مظهر إسلامي أنيق، يتضمن قاعة للصلاة للرجال وأخرى للنساء، وقاعة للمحاضرات، وقد أضيف إليه قاعة أخرى سنة 1979 وغرف إدارية ومكتبة بالإضافة إلى أماكن الضيوف وغرف تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية، ولدى المركز مشروع للتوسعة يتضمن إنشاء دار للحضانة ومدرسة وقاعات للمحاضرات والندوات ومساكن للشباب والعائلات المسلمة.
وهذا المركز الذي يشرف عليه السيد عصام العطار السوري الجنسية، يقوم بأعمال ومهام واسعة ومتعددة من أجل توثيق عرى الجالية الإسلامية في ألمانيا وربطها بإسلامها وتراثها الحضاري، كما يقوم بتعريف غير المسلمين بواقع الإسلام وحقيقته، فبالإضافة إلى صلوات الجمعة والجماعة تقام فيه حلقات لإعطاء دروس اللغة العربية والثقافة الإسلامية وتفسير القرآن والعلوم الحديثية والفقه الإسلامي وغير ذلك من العلوم الإسلامية لمختلف المستويات والأعمار للذكور والإناث، كما يولي المركز عناية خاصّة بالأطفال والفتيان فيوفر لهم إلى جانب الثقافة والتربية الإسلامية برامج ترفيهية وفنية إسلامية هادفة. ويُعدّ المركز أيضاً الدراسات والبحوث الإسلامية بالتعاون مع أصحاب الفكر، ويعمل من أجل مدّ يد العون للمسلمين الألمان ورعايتهم، وقد عمل على نقل كثير من الكتب والدراسات الإسلامية إلى اللغة الألمانية. وإلى جانب هذه المهام يقوم المركز بإجراء عقود الزواج الشرعية، ويشرف على تجهيز الموتى ودفنهم، ويشرف على الذباحة لدى شركات تصدير اللحوم إلى البلدان الإسلامية.
المركز الإسلامي في مدينة ميونيخ
تقع مدينة ميونيخ ذات المركز الصناعي والاقتصادي والعلمي المهم جنوبي ألمانيا، ويبلغ عدد المسلمين فيها أكثر من أربعين ألف شخص، جلّهم يعمل في مصانعها ومرافقها الأخرى. وتلبية لحاجاتهم الدينية والتربوية والاجتماعية أقام المسلمون فيها عدداً من المساجد والمراكز، أبرزها المركز الإسلامي الذي يقع في وسط المدينة، ويقصده الكثيرون حتّى من أنحاء ألمانيا وأوروبا عامّة نظراً لنشاطه الإسلامي الواسع، وقد افتتحت «الجماعة الإسلامية» هذا المركز منذ 24 عاماً أي سنة 1973، وهو يقوم على أرض مساحتها 3000م2، ويحتوي ثلاثة طوابق تتضمن قاعة صلاة للرجال وأخرى للنساء، ومكتبة إسلامية وغرف الإدارة والتدريس إلى جانب بيت للضيافة، كما يضمّ المركز روضة للأطفال ومدرسة، وهي أوّل مدرسة إسلامية في ألمانيا تعترف الحكومة الألمانية بشهادتها، ممّا سمح لتلامذتها بمتابعة الدروس في الثانويات الألمانية، وتستقطب هذه المدرسة تلامذة من خارج ميونيخ وقد عمد المركز إلى إيوائهم في مسكن مناسب، وقد أنشأ المسلمون المشرفون على المركز الإسلامي إثني عشر مركزاً إسلامياً آخر.
المئذنة, ومصلون في مسجد آخن
وحول نشاطات المركز يذكر مديره فيقول: بالإضافة إلى المدرسة الإسلامية والمدرسة القرآنية التي تستقبل الأبناء الذين تخطّوا المرحلة الابتدائية يومي السبت والأحد من كلّ أسبوع ليتعلّموا فيها اللغة العربية والتربية الإسلمية، فإنّ للمركز مجالات أخرى في التبليغ حيث يقدّم المحاضرات والندوات الأسبوعية والشهرية التي يشهدها إخوة من أنحاء ألمانيا مع تأمين المبيت لهم لتكامل التعارف. وتترجم المحاضرات فورياً إلى الإنكليزية، الألمانية، التركية والعربية. كما يقوم المركز بزيارة تجمّعات المسلمين طلاباً وعمالاً وموظفين لتقديم المشورة لهم، كما استقبل المركز خلال السنوات الماضية آلاف المواطنين الألمان الذين اهتدوا بحمد الله إلى الإسلام وجرى تعليمهم أصول الإسلام ومعارفه. وإلى جانب الخدمات الاجتماعية والإنسانية كأمور الزواج وغسل ودفن الموتى، فإنّ المركز يصدر مجلة «الإسلام» باللغة الألمانية كما ترجم وطبع عشرات الكتب الإسلامية باللغة الألمانية.
المركز الإسلامي بمدينة فرانكفورت
تعدّ فرانكفورت من أكبر وأهم مدن ألمانيا، هي العاصمة التجارية والمالية الأولى فيها، وبها جامعة «غوته» العريقة، كما أنّ بها أكبر أرض للمعارض الصناعية والزراعية الدولية، لذلك كانت مصدر جذب لجالية إسلامية كبيرة تبلغ زهاء 100 ألف مسلم من العمّال والطلاب والتجار وأصحاب الاختصاصات، وبعد معاناة استمرّت عدّة سنوات ـ كان يعمد خلالها أبناء الجالية إلى استئجار أماكن غير مناسبة وبشروط قاسية لإقامة الشعائر الإسلامية ـ قامت الجماعة الإسلامية في ألمانيا بشراء مقر جديد للمركز الإسلامي بفرانكفورت، وذلك بعقد مرابحة مع البنك الإسلامي في الدانمارك، الذي قدّم مبلغ 1,3 مليون مارك ألماني يجري تسديده خلال ثلاث سنوات، والبناء مقام على أرض مساحتها 2938م2، والمساحة المبنية فيها تبلغ 2260م2، ويحتوي المركز بعد التعديلات والإضافات على مدرسة من عدّة فصول وصالة للرياضة البدنية ومصلّى للرجال يتّسع لـ 400 شخص وقاعة صلاة للنساء وقاعة محاضرات وقاعة استقبال وصالة طعام ومتجر لبيع المأكولات واللحوم، كما يتضّمن غرف الإدارة ومقر الاتحاد الإسلامي للطلاب.
أحد المراكز الإسلامية في ألمانيا
كما يوجد في فرانكفورت أيضاً معهد إسلامي لا مثيل له في العالم، وهو معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، الذي يدرّس العلوم الإسلامية الرفيعة، وقد أسّسه سنة 1928م العلامة التركي فؤاد سيزكين، الخبير الشهير في مجال الكتب والتراث الإسلامي، وقد أصبح هذا المعهد فيما بعد جزءاً من جامعة فرانكفورت، وقد أسهمت الدول العربية الخليجية في تكاليف إنشائه وهي تؤمن أيضاً ميزانيته السنوية.
مركز رابطة المسلمين في برلين
قاعة مسجد الإمام علي (ع)
تعتبر رابطة المسلمين في برلين من أوائل الجمعيات الإسلامية المرخصة التي أسّسها المسلمون العرب في مدينة برلين ـ التي عادت العاصمة الموحدة لألمانيا منذ 20 حزيران 1991 بعد توحيد شطري ألمانيا ـ وهي رابطة ذات صلة بتوجهات إحدى الجمعيات الإسلامية اللبنانية، وقد أقيم المركز سنة 1978 على أرض مساحتها بحدود 400م2، ويتضمن مصلّى يتّسع لأكثر من 500 شخص وقاعة داخلية وغرفة للنساء وأخرى للإدارة، بالإضافة إلى مكتبة كبيرة ومطبخ، ويشرف على إدارة المركز مجلس إدارة يتبع أعضاؤه لعدّة جنسيات عربية، وبالإضافة إلى إقامة الشعائر وإحياء المناسبات الإسلامية، يجري في المركز تدريس العلوم الإسلامية وإعطاء دروس في اللغة العربية وإقامة الندوات واللقاءات الأسبوعية والشهرية، لمختلف جنسيات أبناء الجالية الإسلامية.
أكاديمية الملك فهد في بون
تتميّز هذه الأكاديمية (المدرسة) بفخامة بنائها وبطرازها، المعماري الشرقي المتآلف مع نمط العمارة الأوروبية، بما تضمّه من مسجد يتّسع لنحو 700 شخص وتعلوه مئذنة متوسطة الطول، عليها قبّة ذهبية مزينة بالفسيفساء الأزرق، وهذه المدرسة التي افتتحت سنة 1995 أقيمت بتبرّع من الملك السعودي على ضفاف الراين في بون العاصمة الألمانية الغربية السابقة، وهي تتكوّن من ثلاثة طوابق تضمّ فصولاً دراسية لنحو 700 طالب وطالبة، يتلقّون فيها العلم حتّى المرحلة الثانوية، وهي تتبع مناهج التعليم السائدة في العربية السعودية، إضافة إلى تعليم اللغة الألمانية، إذ أنّها مخصّصة لتعليم أبناء الجالية العربية، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الأكاديمية تقيم دورات لتعليم اللغة العربية للراغبين من الألمان، وتنظّم معارض ومحاضرات للتعريف بالعرب والمسلمين.
مسجد السلطان سليم في مانهايم
إنّه المسجد الحديث الذي افتتح منذ أقل من سنتين في مدينة مانهايم الصناعية الواقعة في جنوبي غربي ألمانيا، وقد أتمّت بناءه وتجهيزه الجالية الإسلامية في المدينة البالغة حوالي عشرين ألف نسمة، بإشراف الاتحاد الإسلامي التركي، متجاوزة معارضة سكان حي «يونغ بوش» الذي أقيم فيه، بعدما تجاوبت سلطات المدينة وسمحت بإقامته، فارتفع المسجد شامخاً بهندسته الإسلامية الجميلة على الطراز التركي، وبمنارته التي ترتفع 32 متراً، وهو يعدّ أكبر مساجد ألمانيا من حيث السعة، إذ يتّسع لـ 2500 مصل. والمسجد ذو بناء دائري فيه جناحان يضمّان شققاً سكنية وثلاث قاعات للاجتماعات وغرفاً للإدارة، وتعلو رواق المسجد الذي تبلغ مساحته 1500م2 قبّة زيّنت بزخارف خطّية رائعة، ومنذ شهررمضان سنة 1416هـ بدأ المسجد يستقبل أبناء الجالية والزوار الألمان الذين خصّصت لهم ثلاثة أيام في الأسبوع للراغبين بالاطلاع على معالمه والتعرّف على الدين الإسلامي، وإقامة حوارات دينية تهدف إلى التفاهم ونبذ التعصّب.
المجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا
كان إنشاء هذا المجلس الحديث العهد ضرورة حتمتها الحقوق المهدورة للجالية الإسلامية في ألمانيا، والتي لا يمكن الحصول عليها بدون وحدة الكلمة وتضافر الجهود.
وعن نشأة هذا المجلس وأهدافه يتحدّث رئيسه الدكتور نديم عطا الله إلياس السعودي الأصل فيقول: «كانت البداية عام 1986 حيث اجتمع ممثلو أكبر المنظمات الإسلامية في حلقة من أجل نيل حق الذباحة والتذكية وفق القواعد الشرعية، ثمّ تطوّر نشاط الحلقة إلى أن تحوّلت إلى مجلس أعلى للمسلمين، يضمّ في عضويته اليوم ممثلي سبع عشرة منظمة كبرى، بما فيها كبريات الروابط التركية والمراكز الإسلامية المهمة… ويهدف المجلس منطلقاً من احترامه لنظام ألمانيا وقوانينها إلى تمثيل الجالية الإسلامية أمام الجهات الرسمية والشعبية، والمطالبة بحقوقهم ورعاية مصالحهم، كما يهدف إلى التعريف بقضايا المسلمين وتوعية الرأي العام بمواقفهم…». ويضيف الدكتور عطا الله: «إنّ هناك لجان عمل متخصّصة يشارك فيها مندوبون من المنظمات الأعضاء، منها لجنة الأهلة ولجنة التعليم الإسلامي التي تفاوض الدولة من أجل إدخال مادة التعليم الديني الإسلامي في المدارس النظامية، وكذلك لجنة رياض الأطفال التي تفاوض الدولة لإنشاء رياض أطفال إسلامية على غرار ما تتمتّع به الطوائف الأخرى، ثمّ لجنة لاسترداد حق التذكية والذباحة الشرعية عن طريق القضاء، وأخيراً اللجنة الإعلامية…
وفي السنة الماضي استقبل رئيس جمهورية ألمانيا، رومان هرتزوك ممثلي المجلس الأعلى، واستمع إلى طلباتهم وفي طليعتها منح المسلمين وضعية قانونية تعطيهم شرعية الاعتراف بهم كمجموعة دينية أسوة بباقي المجموعات الدينية، وما يترتب على هذا الاعتراف من حقوق في التعليم الديني وإنشاء المساجد والمدارس والمساعدات التي تقدّمها الدولة وسواها.
المسلمون الألمان
منذ أمد بعيد وجد الإسلام صدى طيباً وإعجاباً شديداً لدى الكثير من المفكرين والأدباء والرحّالة الألمان، ويأتي في طليعة هؤلاء شاعر ألمانيا ومفكّرها الكبير «جوته» (1749ـ1832) الذي دافع بحرارة عن الإسلام، وكتب بإعجاب كبير عن القرآن الكريم وعقيدة الإسلام، ونظم أجمل القصائد بالنبي (صلّى الله عليه وآله)، التي ضمّنها ديوانه «الديوان الشرقي» والذي ذكر في مقدمته قوله: «إنّني لا أكره أن يُقال عنّي مسلم» بل نقل عنه أنّه كان يحتفل بخشوع بذكرى تنزّل القرآن على النبي (صلّى الله عليه وآله) وأنّه كان يمجّد الذكريات الإسلامية.
ويذكر أنّ القس «مارتن لوثر» الذي ثار على الكنيسة الكاثوليكية كان قد درس القرآن الكريم وتأثّر به.
وممّا يدلّ على اهتمام الألمان بالشؤون الإسلامية عامة، وجود عدد كبير من المراكز والمعاهد العلمية التي تهتم بالدراسات الإسلامية، بالتخصص في فرع من فروع العلوم الإسلامية وتاريخ الحضارة الإسلامية. ولا توجد جامعة كبرى إلاّ وفيها مركز أو معهد للدراسات الإسلامية، وعددها أكثر من خمس وعشرين جامعة، أهمها: هامبورغ، ميونيخ، برلين، بون، كولن، فرانكفورت، ليبزيخ… إلخ. كما يتركّز اهتمام هذه الجامعات باللغات العربية والفارسية والتركية.
وقد عرف الألمان الإسلام بشكل مباشر منذ قرون عدّة، بعد ترجمة معاني القرآن إلى الألمانية، وفي هذا يقول المسلم الألماني المشهور السفير «مراد ويلفرد هوفمان»: «اتّضحت رغبة الألمان بالإسلام وإقبالهم على اعتناقه من خلال ترجمات القرآن الكريم، فقد تمّت أوّل ترجمة له عام 1616م، ووصل عددها إلى 22 ترجمة». كما أنّ المستشرقين الألمان أكثروا من البحث في الإسلام، وصنّفوا المؤلفات الكثيرة عنه، وإن كان كثير من أعمالهم لا يخلو من التجنّي والتشويه، إلاّ أنّ بعضهم لم يجانب الإنصاف والنزاهة، فشهد للحق وبيّن حقيقة الإسلام الناصعة لبني قومه.
ويجدر بن في هذا المجال أن نشير باحترام إلى واحدة من أبرز المستشرقين المعاصرين، السيدة «آن ماري شميل» صاحبة المؤلفات العديدة عن الإسلام والمسلمين، التي تجيد اللغة العربية منذ الصغر، والتي كان لها دور كبير في تعريف الشعب الألماني والأوروبيين عامة بحقيقة الدين الإسلامي.
وهي من دعاة الحوار البنّاء بين الإسلام والغرب، وقد نالت تقديراً لجهودها أرفع الأوسمة من مصر وباكستان، كما حصلت عام 1995 على جائزة السلام من اتحاد الناشرين الألمان، وهي جائزة لها أهمية كبيرة في ألمانيا، وقد تمّ منحها إياها رغم المعارضة الواسعة ممّن يضمرون العداء التقليدي للإسلام في ألمانيا وأوروبا.
غير أنّ إقبال الألمان على الإسلام ظهر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، مع وصول أعداد كبيرة من المسلمين وانتشارهم في الأراضي الألمانية، وإقامتهم المساجد والمراكز الثقافية والتبليغية، وترجمتهم الكتب الإسلامية إلى الألمانية واللغات الأوروبية الأخرى، ممّا أسهم في تعريف الإسلام لشرائح واسعة من المجتمع الألماني. وإذا كان لعامل الزواج من النساء الألمانيات دور واضح في إدخال أعداد كبيرة منهن في الإسلام، فإنّ اطلاع المثقفين المباشر على الأفكار والنصوص الإسلامية واقتناعهم بها كان السبب الأبرز في هداية أعداد متزايدة منهم.
وتختلف المصادر المتعددة في تقدير عدد المسلمين من أصل ألماني، حيث تتراوح التقديرات ما بين 50 ألفاً إلى 100 ألف مسلم، وتتحدّث المصادر الرسمية الألمانية عن رقم الـ 50 ألفاً، ممّن أعلنوا في دوائر النفوس عن تحوّلهم إلى الإسلام، وعن رقم الـ 100 ألف الذي يجمعهم مع الذين حصلوا على الجنسية الألمانية من المسلمين أصلاً. ولكن رقم الـ 50 ألفاً ـ الآنف الذكر ـ يرتفع بالتأكيد إذا ما علمنا حقاً أنّ هناك الكثير من المسلمين الألمان، لا يرون ضرورة التصريح عن إسلامهم في الدوائر الرسمية، ولكنّهم يمارسون التزامهم الديني كغيرهم من المسلمين.
والمسلمون الألمان وإن كانوا لم يقيموا مساجد ومراكز إسلامية خاصّة بهم حتّى الآن، حيث يقصدون مراكز ومساجد الجاليات الإسلامية أو يشاركون بها، إلاّ أنّهم أنشؤوا بعض الروابط والجمعيات المختلفة، ومنها: «رابطة المسلمين الألمان في هامبورغ» وكان يرأسها عبدالله بوريك، وهو اليوم يعمل قنصلاً عاماً لبلاده في البحرين، و«جمعية الإسلام والحداثة» وهي تحظى بدعم الحكومة الألمانية، و«الجمعية الإسلامية النصرانية» وهي تنادي بالتعايش بين أهل الديانتين. وهناك عدد من المسلمين الألمان يمتلكون مواقع مميزة في الدولة الألمانية، ومن هؤلاء الدكتور مراد هوفمان الذي يشغل منصب سفير ألمانيا في دولة المغرب، والذي كان محط اهتمام وسائل الإعلام والسياسيين في ألمانيا خلال السنتين الماضيتين بعدما ظهر في مقابلة تلفزيونية وهو يصلي في دار السفارة الالمانية بالرباط، وقد تحدّث خلالها عن مبادئ الإسلام، ممّا أثار حفيظة رجال السياسة والإعلاميين المناهضين للإسلام واعتبروا أنّ في إشهار السفير إسلامه أمراً يتناقض مع توجهات الدولة الألمانية، ولذلك حثوا الخارجية الألمانية على طرده من منصبه، لكن الخارجية الذي سبّب لها السفير الإحراج لم تتخذ بحقّه أي إجراء لأنّها لم تجد في تصرّفاته أي مخالفة. وكان السفير مراد قد أشهر إسلامه منذ سنة 1985، وأصدر كتابه الأوّل «يوميات مسلم ألماني» الذي بيّن فيه كيفية اعتناقه الإسلام، ونعت فيه المجتمع الأوروبي بمجتمع الكحول والنيكوتين ولحم الخنزير والجنس الحيواني والإجهاض والاستهتار والفساد. ثمّ أصدر كتابه الثاني منذ سنتين وهو «الإسلام هو البديل» أكد فيه: «أنّ فكرة النهوض والتجديد في الإسلام سوف تنطلق من أوروبا في القرن الواحد والعشرين، وأنّ ألمانيا هي على طريق دولة الله الإسلامية».
ومن وجوه المسلمين الألمان عبد الهادي هوفمان، وقد كان الناطق الرسمي للحزب الديموقراطي المسيحي في المانيا قبل أن يشهر إسلامه، ومنهم أيوب كولا في «كولان» وأحمد فونيور نائب رئيس المركز الإسلامي في ميونيخ ومحمد أمان قضم، وهو مدرس جامعي… وغيرهم كثيرون.
والمسلمون الألمان المتمسكون بدينهم ينظرون بحسرة وتساؤل إلى التصرفات المخالفة للإسلام والمسيئة له التي تصدر عن كثير من أفراد الجالية الإسلامية في ألمانيا، أو تلك التي تحدث في البلاد الإسلامية، وقد عبّر عن ذلك الإحباط أحد وجوه المسلمين الألمان في برلين محمد هرتسوغ بقوله: «تعرّفت على الإسلام بجهدي الذاتي، ولو أنّني عرفت المسلمين بواقعهم المؤسف قبل أن أعرف الإسلام لا أظنّني سأجد الحماس للإسلام». وقال: إنّه «يشعر أنّه يعيش في ألمانيا كمسلم أفضل من بعض الدول الإسلامية، وأنّنا لو استطعنا تطبيق الإسلام بصورته الحقيقية لقطعنا شوطاً كبيراً في مجال الدعوة الإسلامية، والتأثير على الآخرين». وحول دور الجالية الإسلامية في ألمانيا يقول عبدالله بوريك: «إنّ على المسلمين أن يمثلوا أنفسهم كمسلمين وليس كمجموعات عرقية، وأن يسعوا لتعليم الإسلام باعتباره ديناً عالمياً موجهاً إلى الناس جميعاً، وليس ديناً خاصّاً بدول العالم الثالث».
وهناك جماعات كبيرة من المسلمين استوطنت ألمانيا معظمهم من المسلمين الروس الذين لجؤوا إلى ألمانيا الاتحادية بعد عام 1945 ويبلغ عددهم حوالي خمسة آلاف أكثرهم من تركمانستان والقرم وآذربيجان والقوقاز ومن منطقة الفولغا الوسطى وبعضهم من يوغوسلافيا. وهؤلاء اللاجئون بعضهم من أسرى الحرب وبعضهم يعملون في المصانع وبعضهم كانوا قد انضموا إلى الألمان خلال الحرب العالمية الثانية. ويمكن القول إنّ هؤلاء جميعاً قد اندمجوا نهائياً في المجتمع الألماني بالعمل أو الزواج من ألمانيات. وتتولّى أمورهم الدينية (جمعية إسلام) في ميونيخ. ومعظم هؤلاء اللاجئين يقطنون جنوبي ألمانيا.
وأوّل مسجد أقيم في ألمانيا هو مسجد (شوتيزنجن) والمعروف أنّ هذا المسجد بني قبل حوالي قرن ونصف القرن ويُقال إنّ الذي بناه أمير ألماني كان قد تزوج من فتاة تركية واعتنق الإسلام وإكراماً من الأمير لزوجته ألحق بقصره مسجداً فخماً. وهناك رواية أخرى لا تنسب بناء المسجد لهذا السبب بل لسبب آخر هو مجرد المتعة الفنية التي كانت تستهوي الأمير فبنى ما بناه على الطراز الشرقي.
ولعل أطرف مسجد في ألمانيا ـ ولعله الوحيد من نوعه في العالم. ذلك المسجد المتحرك الذي يجري على عَجَلٍ وقد أنشأته هيئة السكك الحديدية الألمانية للعمال الأتراك المسلمين الذين يعملون في مدّ القضبان وإصلاحها، فهو دليل بالغ على تمسّك العمال الأتراك بشعائر دينهم ويتكوّن هذا المسجد من عربتين من عربات الركاب نزعت منها المقاعد، وغطيت أرضيتهما بالأبسطة، وأصبحتا بمثابة مسجد مثبت في القطار الذي يضم عربات الإصلاح والعمال والمواد، وحيثما انتقل العمال الأتراك إلى مكان جديد لمد قضبان جديدة أو إصلاح قضبان قديمة انتقل المسجد معهم، ولما كان من الصعب تحديد محراب ثابت يتجه نحو القبلة دائماً في هذا المسجد الكثير التنقل، فإنّ العمال الأتراك يعتمدون كلما انتقلوا إلى مكان جديد على البوصلة في تحديد اتجاه القبلة.
ألموت
لا نعيد هنا ما ذكرناه في بحث (الإسماعيليين) عن انشقاق حسن الصباح عن الدولة الفاطمية وإنكاره تولي أحمد المستعلي الخلافة بعد أبيه المستنصر، وإصراره على تولي (نزار) الابن الأكبر للمستنصر.
لا نعيد ذلك بل نحيل القارئ على بحث (الإسماعيليون) في مكانه. وكلّ ما نقوله هنا إنّه بعد خروج حسن الصباح من مصر، أو إخراجه منها، قصد الشام عائداً إلى بلاده فمر بحلب وبغداد وخوزستان. وفي شهر ذي الحجة من سنة (473هـ ـ تموز 1081م) وصل إلى أصفهان.
ولم يقر هائداً، بل تولّى أمر نشر الدعوة الإسماعيلية النزارية، ففي خلال تسع سنوات تنقل في إيران بين كرمان ويزد وخوزستان، واستقرّ ثلاث سنوات في دامغان حاملاً المذهب الإسماعيلي النزاري داعياً إليه.
وكان السلاجقة مسيطرين على المناطق المركزية والغربية من إيران ومن الطبيعي أن يكونوا مقاومين لدعوة حسن الصباح، فسافر إلى سواحل بحر الخزر والمرتفعات الشمالية من إيران لا سيّما إقليم الديلم الذي كان ملجأ لأحفاد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكانت قد قامت فيه دولة للشيعة الزيدية بعيداً عن سلطة السلاجقة، وكان للمذهب الإسماعيلي هناك دعاته.
لقد أدرك حسن الصباح أنّه بعد سيطرة الجماليين على الخلافة الفاطمية في مصر، لا يمكن الاعتماد على المصريين في مكافحة السلاجقة، وأنّه لا بدّ له من أجل النهوض بالدعوة الإسماعيلية من التخطيط لقيام كيان إسماعيلي مستقل في إيران، واتجه تفكيره أوّل ما تجه إلى اختيار مكان يكون قاعدة الانطلاق. وحوالي سنة (480هـ ـ 1087/1088م) كان قد عرف أنّ حسن الصباح قد اختار قلعة (ألموت) مقراً تنبعث منه دعوته إلى كلّ مكان. فأرسل من قاعدته الموقتة في دامغان ثمّ من شهريار كوه مازندران دعاة من أمثال إسماعيل القزويني ومحمد جمال الرازي وكيا أبو القاسم اللاريجاني إلى ضواحي ألموت لدعوة الناس هناك إلى المذهب الإسماعيلي النزاري.
وقبل ذلك كان قد اختار داعياً قديراً في الديلم ليشرف على الدعوة فيها وفي غيرها من المناطق الإيرانية، ولم يكن نشاط حسن الصباح خافياً على الوزير السلجوقي (نظام الملك) فقرّر القضاء على الدعوة الإسماعيلية بالقضاء على رجلها، فعهد إلى حاكم الري (أبو مسلم) باعتقال حسن الصباح. ويبدو أنّه كان لحسن الصباح منذ ذلك الوقت عيونه المبثوثة في كلّ مكان، ولمّا عرف بنوايا نظام الملك توارى عن الأنظار([387]).
وكان قد خطّط تخطيطاً محكماً للاستيلاء على ألموت، فتوجّه إلى (ديلمان) متخفياً، وقضى أياماً في قزوين.
وكانت (ألموت) في سلطة مهدي العلوي الحسيني التابع لملك شاه السلجوقي، وكان بعض أتباع مهدي هذا قد أخذوا سراً بالمذهب الإسماعيلي، وبينهم حسين القائني. كما جمع حسن الصباح من عدّة مناطق إسماعيليين آخرين حول ألموت. وتقدّم هو نفسه إلى (أشكور)، ثمّ إلى (انجرود) القريبة من ألموت، وفي مساء 6 رجب سنة (483هـ ـ 1090م) دخل ألموت باسم (دهخدا)، وبعد حين أدرك مهدي العلوي حقيقة حسن الصباح، ولكن بعد فوات الأوان، إذ كانت أغلبية قوات ألموت وعدد من سكان ضواحيها قد أخذوا بالمذهب الإسماعيلي فلم يكن بإمكان مهدي المقاومة، فتركه حسن الصباح ليمضي في حال سبيله، بعد أن زوّده بحوالة مالية بمبلغ ثلاثة آلاف دينار يقبضه من الرئيس مؤيد الدين مظفر بن أحمد المستوفي حاكم (گرده گوه) ثمناً للقلعة. وكان مظفر هذا قد دخل سراً في المذهب الإسماعيلي، لذلك دهش مهدي حين دفع له مظفر المبلغ كاملاً.
وهذا يدلنا على إحكام حسن الصباح لدعوته بحيث تغلغلت في كلّ مكان.
كانت السيطرة على قلعة ألموت إيذاناً بقيام الدولة الإسماعيلية النزارية، وبداية مرحلة جديدة من نشاط الإسماعيليين النزاريين الذين كانت نشاطاتهم من قبل سرية، فأصبحت اليوم علنية ترعاها قوّة الدولة التي بدأ الصراع بينها وبين السلاجقة.
تقوم قلعة ألموت على قمة عالية من سلسلة جبال (هودگان) المتفرّعة من سلاسل جبال (ألبرز) المركزية، وهي تطل على واد خصب تحصرها الجبال من جميع الأطراف، ومنذ سيطر عليها حسن الصباح أخذ بترميمها وتجديدها وإصلاح مخازن المياه فيها وتوسيع شبكة الري في أرضها وزرع القمح وغرس الأشجار الكثيرة.
ثمّ انصرف إلى إيفاد الدعاة إلى شتى المناطق والاستيلاء على القلاع أو بناء الجديد منها، أمّا الدعوة فكانت مسالمة وأمّا الاستيلاء على القلاع فكان لا بدّ فيه من القتال.
على أنّ الأمير السلجوقي (بورنتاش) أخذ المبادرة في الهجوم على سفوح ألموت وقام بمذابح في الإسماعيليين وحاصر القلعة التي كانت تشكو قلة المؤن، فلمّا ضاق الأمر على المحصورين همّوا بمغادرة القلعة ولكن الحسن ثبتهم وادّعى بوصول رسالة إليه من المستنصر فثبتوا وجرت عدّة محاولات سلجوقية للاستيلاء على ألموت فشلت كلّها، منها ما جرى سنة (501هـ ـ 1107/1108م) أو 502 حين تقدّمت حملة بقيادة الوزير ضياء الملك أحمد بن نظام الملك إلى رودبار، فقامت معارك طاحنة بين السلاجقة والنزاريين ودمرت مناطق كثيرة إلاّ أنّ الجيش السلجوقي فشل في تحقيق الغرض الرئيسي من الحملة وهو الاستيلاء على ألموت، واضطر للانسحاب من رودبار.
وفي سنة (503هـ ـ 1109م) عُهد إلى (أنوشتكين شيرگير) حاكم منطقة ساوه باحتلال ألموت فأدرك أنّ الهجوم المباشر على ألموت لا ينجح فقرّر إضعاف النزاريين وإتعابهم، فحاصر (لمبسر) والقلاع الأخرى ثماني سنوات، وكان يشعل النار في حقول القمح وكلّ المحاصيل الزراعية في رودبار، ثمّ شنَّ حرب العصابات حتّى ضاق الأمر على النزاريين ولكنّهم صمدوا وقاوموا. وفي شهر ذي الحجة سنة (511هـ ـ نيسان 1118م) وبينما (شيرگير) يحسب أنّه على أبواب الاستيلاء على ألموت، وصل نبأ وفاة السلطان محمد تپر، فانسحبت القوات السلجوقية من رودبار، ولمّا حاول شيرگير الثبات فترة قصيرة رفضت ذلك، فاضطر شيرگير إلى فك الحصار عن ألموت. واستولى النزاريون على المؤن والمعدات العسكرية التي خلفها السلاجقة. وفي خلال ذلك كان الإسماعيليون يظفرون في أماكن أخرى فسيطروا على (سنمكوه) بالقرب من مدينة (أبهر) في المنطقة الجبلية غربي قزوين.
وفي سنة (484هـ ـ 1091/1092م) أوفد الحسن أحد دعاته الأقوياء الأكفياء حسين القائني الذي كان له دور فعال في السيطرة على ألموت أرسله إلى مسقط رأسه (قوهستان) وهي منطقة برية جافة في جنوب خراسان، وهي ستكون القاعدة الرئيسية الثانية للدعوة الإسماعيلية النزارية في إيران.
ولقد نجحت الدعوة في قهستان وديلمان لوجود جذور شيعية سابقة فيهما، ولأنّ الأوضاع في شرق إيران أكثر ملائمة فالناس في قهستان كانوا يشكون مرّ الشكوى من الحكم السلجوقي الظالم، فانتشرت الإسماعيلية فيها لا انتماء سرياً أو فتحاً للقلاع، بل اتخذ الحال شكل انفجار عام شمل المنطقة.
وهكذا نجحت الدعوة في قهستان وسيطر الإسماعيليون النزاريون على مدن رئيسية منها طبس وقائن وزوزن في قهستان الشرقية واستقلوا في الحكم فيها عن السلاجقة، كما نجحوا في ذلك في رودبار.
وهال ملك شاه السلجوقي ما تمّ للإسماعيليين النزاريين، ورأى أنّ الحكام المحليين عاجزين عن صدّ الزحف الإسماعيلي، فقرّر في بداية سنة (485هـ ـ 1092م) إرسال قوات تقف في وجه قوّة الإسماعيليين المتنامية وتقضي عليها قبل توسعها. ولا يبعد أن يكون قراره هذا صادراً بناء على تعليمات من الوزير السلجوقي نظام الملك الذي أحسّ هو نفسه بالخطر الإسماعيلي، فأرسل ملك شاه قواته لقتال الإسماعيليين في رودبار وقهستان. وكانت قوات رودبار بقيادة الأمير ارسلان تاش فوصل إلى ألموت في جمادى الثانية سنة (485هـ) وحاصرها ولم يكن لدى حسن الصباح في ألموت سوى سبعين رجلاً.
وكانت المؤمن قليلة، فأرسل حسن الصباح إلى أحد دعاته في قزوين (دهدار أبو علي الأردستاني) مستنجداً به([388]) فلبّاه وأمدّه بثلاث مئة مقاتل وبمؤن كثيرة كما تجمع إسماعيليو رودبار، فعاد الإسماعيليون من الانحصار إلى الهجوم، فانقضّوا ليلاً على قوات إرسلان تاش في آخر شعبان سنة (485هـ ـ 1092م) واضطروها إلى الانسحاب.
وهكذا حقّق الإسماعيليون النزاريون أوّل انتصار كبير لهم. وفي الحين الذي كان السلاجقة يخططون للقيام بهجمات جديدة على ألموت، كان الحسن الصباح قد خطط لحرب من نوع آخر فاجأ بها السلاجقة، إذ أعدّ فدائييه لاغتيال القيادات السلجوقية الكبرى، فلم يلبث الوزير السلجوقي المقتدر أبو علي حسن بن علي الطوسي نظام الملك أعدى أعداء الحسن الصباح ودعوته وأكبرهم أنّ خرَّ قتيلاً بيد الفدائي الإسماعيلي (أبو طاهر الأرّاني) بينما كان يرافق ملك شاه إلى بغداد وذلك في 12 رمضان سنة (485هـ تشرين الأوّل سنة 1092م).
ولم يلبث ملك شاه نفسه أن توفي بعد أيام قليلة في شوال سنة (485هـ تشرين الثاني 1092م). وهكذا تلاشت مخططات السلاجقة معاودة الهجوم على ألموت.
ولمّا بلغ خبر وفاة السلطان السلجوقي إلى القوات السلجوقية بقيادة (قزل سارق) في قهستان وكانت قد أخفقت في اقتحام قلعة (دَرَه) تبدّدت.
وبوفاة ملك شاه انغمست المملكة السلجوقية في مشاكلها واضطراباتها الداخلية التي استمرّت أكثر من عشر سنوات. وقام التنافس بين أبناء ملك شاه الذين كان كلّ واحد منهم مستقلاً بحكم منطقة خاصّة به. وكان أهم هؤلاء (بركيارق) الابن الأكبر لملك شاه، وكان منافساه الرئيسيان عمّه (تُتُش) الذي يحكم الشام وشقيقه (محمد تپر). ولم يتورع بركيارق في حربه مع شقيقه عن الاستنجاد بالإسماعيليين، ويُقال إنّه بلغ عدد المقاتلين معه من الإسماعيليين في إحدى معارك حربه مع أخيه سنة (493هـ ـ 1100م) خمسة آلاف مقاتل. على أنّه عاد في أواخر عهده إلى إيذاء الإسماعيليين وتعذيبهم…
وقد استغل الإسماعيليون الصراع السلجوقي فتمدّدوا في البلاد وسيطروا على قلاع وحصون كثيرة في الديلم وعلى مدن وقلاع في قهستان، وقلاع في مناطق أخرى صعبة المنال. وتوسّعوا من القسم الغربي إلى القسم الشرقي من البلاد، وإلى شمال سلسلة جبال ألبرز، واستولوا على قلعة (منصور كوه) في شمال دامغان وقلعة (استوناوند) في ناحية دماوند.
كما تمّت لهم السيطرة على قلعة (گرد كوه) في ولاية قومس، التي ستصبح من أهم قلاعهم، وهي مبنية على صخرة عالية على مسافة 15 كلم شمال غربي دامغان ذات موقع منيع في سلسلة جبال ألبرز على الطريق الرئيسي الذي يوصل غرب إيران بخراسان.
ثمّ أخذوا بالاهتمام بمنطقة جديدة في جبال (زاغروس) لا سيما المنطقة الحدودية بين مقاطعة خوزستان وفارس جنوب غربي إيران. وفي غير الجبال انتشرت الدعوة في مملكة السلاجقة في القرى والمدن وحققوا انتصاراً كبيراً في كرمان.
بل لقد وصلوا إلى (تكريت) على نهر دجلة شمالي بغداد وظلّوا يحكمونها إثني عشر عاماً([389]). وفي سنة (486هـ ـ 1092م) استولوا على (انجرود)، وفي السنة نفسها هزموا قوّة مؤلفة من 10000 مقاتل بقيادة أبي محمد الزعفراني من فقهاء الري الأحناف البارزين، ثمّ سحقوا في رودبار بعد ان شنوّا هجوماً عليهم بقيادة الأمير نوشتكين السلجوقي.
وأمام هذه الانتصارات المتلاحقة أخذ الحكام المحليون بالاستسلام تدريجياً إلى الحسن الصباح، وبذلك تمهد أمامه الطريق للاستيلاء على قلعة (لمبسر) التي كانت أكبر القلاع التي تملكها الإسماعيليون، وصارت من أقوى حصونهم. وهي بموقعها الجغرافي في غرب ألموت على وادي شاهرود تحمي ألموت وكانت عاملاً في تعاظم قوّتهم.
وقد عيّن حسن الصباح (كيا بزرك أميد) حاكماً على (لمبسر) التي كانت ثاني أكبر قلاع الإسماعيليين في الديلم. وقد بقي حاكماً عليها طيلة عشرين سنة إلى أن استدعاه حسن الصباح إلى ألموت ليكون خليفة له.
وفي سنة (487هـ ـ 1094م) بينما الإسماعيلية تتقدّم في إيران وتنجح توفي الخليفة الفاطمي المستنصر، فحدث الانشقاق وانقطعت كلّ رابطة للإسماعيليين النزاريين في إيران بالحكم في القاهرة، وقامت لهم دولتهم المستقلة، وقاعدتها قلعة ألموت.
وأصبح الحسن الصباح الذي كان رئيساً للدعوة الإسماعيلية داخل الدولة السلجوقية ـ أصبح رئيساً للدولة النزارية المستقلة التي صارت بديلاً للدعوة الفاطمية داخل المملكة السلجوقية، وظلّ نشاطها محصوراً داخل السلطة السلجوقية. وبقيت المناطق الشرقية البعيدة في العالم الإسماعيلي لا سيما غزنة وما وراء النهر تتبع دعاة مستقلين أمثال ناصر خسرو في زمن المستنصر وظلّوا لمدّة طويلة بعيدين عن دائرة السلطة النزارية في ألموت.
أمّا في سوريا فاستمرّت المنافسة مدّة طويلة بين الجناحين: المستعلوي والنزاري، إلاّ أنّ الدعوة النزارية لم تلبث أن تغلبت لا سيّما في حلب والجزيرة والمدن الواقعة شمال سوريا. وحتّى اغتيال الخليفة المستعلوي (الآمر) كان إسماعيليو سوريا قد أخذوا بالدعوة النزارية وأفل نجم المستعلويين فيها، هؤلاء الذين قد انقسموا إلى (طيبيين) نسبة إلى الطيب، و(حافظيين) نسبة إلى الحافظ في تفاصيل ليس هنا مكان التحدّث عنها.
ولن نسترسل في تاريخ الإسماعيليين بعامّة والنزاريين منهم بخاصّة لأنّ ذلك ليس من موضوعنا هنا.
وكلّ ما نقوله إنّه قامت حروب طاحنة بين السلاجقة والنزاريين واستمرّ النزاريون في الصراع طيلة ثلاثين سنة، وهدّدوا في وقت من الأوقات أصفهان عاصمة السلاجقة كما تلقوا ضربات قاضية ومذابح عامّة. وفي النهاية هُزموا في ثوراتهم على السلاجقة ودمر الكثير من قلاعهم ولكنّهم ظلّوا محافظين على تماسكهم من شرق إيران حتّى الشام بالرغم من المصائب والمذابح التي مُنِيوا بها.
أمّا عن الحسن الصباح فنقول: إنّ حياته اعتباراً من السنة (511هـ ـ 1118م) قد سارت في هدوء واستقرار وتعزيز الدولة النزارية، ولم ينس أن يتطلع إلى تعزيز الدعوة النزارية في مصر، والانتقام ممّن يراهم خصومها، ومن ذلك اغتيال (الآمر)، واغتيال الأفضل بن بدر الجمّالي الذي كان العامل الفعلي في صرف الخلافة عن نزار، والمعتبر العدو الأوّل للنزاريين.
وتقول المصادر التي يعتمد عليها المؤرخون الإيرانيون إنّ ثلاثة من الفدائيين من حلب هم الذين قاموا باغتيال الأفضل. ولمّا وصل نبأ الاغتيال إلى ألموت أمر الحسن الصباح بإقامة احتفالات الابتهاج مدّة أسبوع.
على أنّ النشاط النزاري في مصر لم يستمر طويلاً.
مرض الحسن الصباح في بداية شهر ربيع الثاني سنة (518هـ ـ أيار سنة 1124م)، ولمّا أحسّ بدنوّ أجله استدعى (كيابزرك أميد) وهو من أقاربه استدعاه من (لمبسر) وجعله خليفته على الدولة النزارية، وجعل معه ثلاثة مساعدين هم: أبو علي الأردستاني، وحسن آدم قصراني، وكيابا جعفر.
وتوفي حسن الصباح في آخر شهر ربيع الثاني سنة (518هـ ـ 1124م). وقد عاش حياته الطويلة في ألموت لم يغادرها أبداً، عاشها حياة زهد خالص. وظلّ قبره في ألموت مزاراً للنزاريين حتّى دمره المغول فيما دمروا.
ظلّت قلعة ألموت حصن الإسماعيليين الحصين منذ حسن الصباح حتّى هجوم المغول بقيادة هولاكو، كما نفصله فيما يلي:
منكوقا آن
(648ـ655هـ / 1250ـ1257م)
عهد منكوقا آن المغولي هو من أخطر العهود في تاريخنا، ففيه تقرّر غزو البلاد الإسلامية وتمّ هذا الغزو على يد أخي منكوقا آن، هولاكو حفيد جنگيز.
وبالرغم ممّا يبدو من أنّ هذا الغزو كان تصميماً مغولياً بحتاً، وأنّ تنفيذه كان ينتظر الساعة المناسبة فقد حرضت عليه وقوّت عزيمة المغول فيه رغبة أخرى في قهر العالم الإسلامي وتمزيقه، هي رغبة أوروبا التي كانت لا تزال متشبثة بالحروب الصليبية.
فإنّ لويس التاسع المعروف ملك فرنسا ظلّ يحلم بالانتصار على المسلمين وتحقيق أمانيه في استصفاء بلادهم، وعلى ذلك فقد رأى في المغول الوثنيين حلفاء له فيما يصبو إلى تحقيقه، لا سيما وهناك ما اشتهر عن بعض زوجاتهم المسيحيات وما لهن من الأثر عليهم. فأرسل إلى منكوقا آن سنة (650ـ1252م) بعثة برئاسة الراهب «غليوم روبرك Guillame robruk» سارت من عكا إلى القسطنطينية ومنها إلى شبه جزيرة القرم، ثمّ مدينة «سراي» ثمّ عبرت منافذ الأورال ونهر إيلي إلى أن وصلت إلى قراقورم حيث قابل غليوم منكوقا آن.
ويبدو أنّ الهدف كان إنشاء تحالف مسيحي مغولي يتقدّم فيه المغول من الشرق والصليبيون من الغرب لحصر العالم الإسلامي وتحطيمه.
ولقد قوبلت البعثة بترحيب في البلاط المغولي وعادت تحمل رسالة جوابية إلى لويس التاسع([390]).
ولم تقتصر هذه الدعوة على مسيحيي أوروبا فإنّ مسيحيي غرب آسيا حاولوا هم الآخرون التقرّب إلى المغول والعمل على اجتذابهم إلى صفوفهم حتّى يستطيعوا بمعاونتهم أن يستخلصوا بلاد الشام من أيدي المسلمين.
هذا الأمل هو الذي حفز «هيتوم Hethoum» ملك كليكيا الأرمني إلى الإسراع إلى قراقورم في السنة نفسها التي عاد فيها رسول لويس التاسع إلى أوروبا وألح على منكوقا آن للقيام بحملة مشتركة على المسلمين.
على أنّ الواقع يدل على أنّ نية منكوقا آن لم تكن تهدف إلى التحالف مع الصليبيين بل كان ينوي الحلول محلهم في السواحل الشامية وأنّ ترحيبه برسلهم والتظاهر بالموافقة على دعوتهم كان يقصد بها تطمينهم وبعث الثقة في نفوسهم إلى الوقت المناسب.
التفكير في التخلص من الإسماعيليّين
استطاع الإسماعيليون أن ينجوا من غزو جنگيز وأن تظل قلاعهم سليمة ويظلوا هم فيها سالمين، وهذا ما أثار حنق المغول عليهم. فقد أعلنوا بكلّ وضوح في بدء زحفهم أنّ هدفهم استئصال الإسماعيليين ولقوا بين المسلمين من يحرضهم على ذلك ويمهد لهم السبيل.
والمسلمون نختستسصل ألماني،
بعص المسلمين الذين كان الخطر المغولي لا يزال جاثماً على أبوابهم بكل جبروته وقوته بعد غزو جنگيز خان، لم يروا في وثنية المغول إلحاداً، وإنما رأوا هذا الإلحاد في عقيدة الاسماعيليين،لذلك أطلقوا عليهم اسم “الملاحدة” وأصبحت قلاعهم تعرف باسم قلاع “الملاحدة” وأصبح همّ المسلمين لا العمل على وضع الخطط للمستقبل القريب والبعيد، والاعتبار من الماضي بالتفكير في تنظيم القوى الإسلامية وجمع صفوفها لتكون سداً منيعاً في وجه غزو مغولي جديد متوقع في كل ساعة. لم يصبح همهم هذا، بل كان همهم كيف نتخلص من «الملاحدة»، وكيف نقضي على الإسماعيليين وحكومتهم. إن التخلص من تلك الدعوة وأصحابها شئ يخص من يريدون التخلص منها ومنهم، ولكن على أن يتم ذلك بالقوى الذاتية، لا سيما المعنوية منها من إقناع ودليل وحجة، لا باستدعاء الأجنبي الوثني الطامع بالبلاد الإسلامية، والذي هو في الوقت نفسه أشد إلحادا من كل ملحد، وأفضع فتكا من كل فاتك.
كان (منكوقا آن) حفيد جنگيز هو الذي انتهت إليه خلافة جنگيز، وكان هو الحاكم الذي تسير بإشارته جيوش المغول في كل مكان. وكان له عدة إخوة يقودون جيوشه ويحكمون باسمه أحدهم «هولاكو».
وعلى منكوقا آن هذا كان يتردد قاضي قضاة المسلمين شمس الدين القزويني، وكان هم هذا القاضي أن يثير حفيظة الإمبراطور المغولي على النزاريين ويحرضه على اقتحام بلادهم، فلم يترك وسيلة من الوسائل إلا استغلها لإنجاح مقصده.
يقول رشيد الدين الهمذاني في كتابه جامع التواريخ في الصفحة 233، من المجلد الثاني ـ الجزء الأول: «في ذلك الوقت كان قاضي القضاة المرحوم شمس الدين القزويني موجوداً في بلاط الخان. وذات يوم ظهر للخان مرتدياً الزرد وأخبره أنه يلبسه تحت ثيابه خشية الملاحدة، كما سرد له طرفا من اعتداءاتهم وغاراتهم. وكان الخان يتوسم في أخيه هولاكو مخايل الملك، ويرى في عزائمه مراسم الفتح والغزو. وكان قد تفكر فرأى أن بعض ممالك العالم قد دخل فعلاً في حوزة جنگيز خان وبعضها لم يستخلص بعد».
ويقول الجوزجاني: (انظر طبقات ناصري، الصفحة 413 ـ 414) إن شمس الدين هذا كان على اتصال بالمغول، وكان إماماً وعالماً كبيراً، ذهب مرة إلى منكو خان وطلب منه أن يضع حداً لشر الملاحدة ويخلص الناس من فسادهم.
ويقول الجوزجاني أيضاً: إن كلمات هذا القاضي كان لها أثر عميق في نفس منكو خان إذ نسب إليه الضعف والعجز لأنه لم يستطع أن يستأصل شأفة هذه الطائفة التي تدين بدين يخالف ديانات المسيحيين والمسلمين والمغول، وما ذلك إلا لأنهم استطاعوا أن يغروا منكو خان بالمال، بينما هم يتحينون فرصة ضعف دولته، فيخرجون من الجبال والقلاع ليقضوا على البقية الباقية من المسلمين ويعفوا آثارهم.
هذا بعض ما حفظه المؤرخون من تحريض قاضي قضاة المسلمين (الإمام العالم الكبير) على حد تعبير الجوزجاني. أما ما لم يحفظوه فلا شك أنه شئ كثير، كما أنّه من غير شك لم يكن الوحيد الذي كان يقوم بهذه المهمة «المقدسة» مهمة تحريض المغول على الإسماعيليين، والصدفة وحدها جعلت اسمه يذكر وبعض أقواله تسجل.
وتدل أقواله وتصرفاته على أنه كان داهية دهماء يعرف كيف يصل إلى قلب محدثه وعقله وكيف يستحوذ على عواطفه وشعوره. ثم انظر كيف استطاع أن يثير في نفس حفيد جنگيز خان ذكريات عدم توفق جده بالاستيلاء على قلاع النزاريين، حتى أدى الأمر أن يروي لنا المؤرخ الموقف على هذا الشكل: «فرأى ـ منكو خان ـ أن بعض ممالك العالم قد دخل فعلاً في حوزة جنگيز خان وبعضها لم يستخلص بعد». ومن البديهي أن قلاع الإسماعيليين كانت مما لم يستخلص بعد.
وتعقيباً على تحريض القاضي يقول صاحب جامع التواريخ: «فاستقر رأي منكو خان على أن يعهد بكل طرف من المملكة إلى واحد من إخوته ليخضعها لإرادته».
هذه هي قصة من قصص بداية الغزو المغولي للبلاد الإسلامية على يد هولاكو الذي انتهى إلى ما انتهى من الوصول إلى بغداد وما جرى فيها من الفظائع والأهوال.
لقد كان بعض المسلمين محرضين على هذا الغزو، وكان بطل التحريض «قاضي القضاة الإمام العالم الكبير».
ويفجعك فيما يفجعك أن القاضي الإمام المحرض قد جعل من أبرز جرائم الإسماعيليين أنهم لا يدينون بالوثنية دين المغول، كما تراه في أقواله المتقدمة. فلو دانوا بها لما كان عليهم من بأس عند قاضي المسلمين وإمامهم العالم الكبير.
واستطاع هذا القاضي الإمام أن ينجح في مسعاه، فقضى المغول على دولة الإسماعيليين، ولكنهم قضوا في الوقت نفسه على خلافة بغداد وأزالوا دولة العباسيين. وليتنا نعرف رأي القاضي المحرض بالنهاية التي وصل إليها العالم الإسلامي نتيجة تحريضه وخيانته. صحيح أن المغول كانوا يعدون العدة لغزو العالم الإسلامي سواء حرضهم القاضي أم لم يحرضهم، ولكن الصحيح أيضاً أن «قاضي القضاة» كان من المحرضين المتحمسين لهذا الغزو وأنه أعطاهم المبرر ورفع لهم الشعار وكان من أخلص الأعوان.
ومضى هولاكو بجيشه الجرار معلناً أنه إنما يمضي للتغلب على الإسماعيليين، ولما وصل إلى (كش) أقام مدة شهر، ثم أرسل عدة رسل إلى الملوك والسلاطين في إيران تشتمل على هذه العبارات: «بناء على أمر القا آن قد عزمنا على تحطيم قلاع الملاحدة وإزعاج تلك الطائفة. فإذا أسرعتم وساهمتم في تلك الحملة بالجيوش والآلات فسوف تبقى لكم ولايتكم وجيوشكم ومساكنكم وستحمد لكم مواقفكم. أما إذا تهاونتم في امتثال الأوامر وأهملتم فإنا حين نفرغ بقوة الله من أمر الملاحدة فإننا لا نقبل عذركم ونتوجه إليكم فيجري على ولايتكم ومساكنكم ما يكون قد جرى»([391]).
وهكذا نرى أنّ شعار الحملة المغولية كان تحطيم قلاع الإسماعيليين الذين استعار هولاكو من المسلمين لقبهم فسماهم هو الآخر «ملاحدة». وأحسب أنّ القارئ يشاركني العجب من الزمن الذي جعل وثنياً مثل هولاكو يسمّي الإسماعيليين ملاحدة. ولم يكن عبثاً إصرار هولاكو على أن يعلن بأنّ شعار حملته هو القضاء على الإسماعيليين وتحطيم قلاعهم وإزعاج تلك الطائفة، فلولا أنّه يوقن بأنّ هذا الشعار يلقى صدى طيباً، وأنّه إعلان لتلبية ما دُعي إليه وحُرّض عليه، لما أكثر من ترداد هذا الشعار والتصريح به في كلّ مناسبة.
وأحسب أنّ القارئ يشاركني العجب أيضاً من الزمن الذي أرانا وثنياً يتبجح بين المسلمين بأنّه سيقضي على الإسماعيليين الذين لم يتمكن جدّه من القضاء عليهم، يتبجح بذلك ممتناً به على المسلمين الذين دعاه إمامهم وقاضي قضاتهم وألحّ في دعوته ليبيد جماعة لو لم يكن لهم من الصفات إلاّ أنّهم مواطنون شركاء في الأرض التي يعيش عليها المسلمون لكان ذلك كافياً للغضب لهم والذود عنهم، وكان مانعاً لمواطنيهم من أن يحرضوا عليهم الأجنبي الوثني.
زحف هولاكو
النصوص التي أوردها رشيد الدين فضل الله الهمذاني في كتابه جامع التواريخ، كذلك ما ورد في طبقات ناصري([392]) تدل على أنّ شمس الدين القزويني محرّض المغول كان موجوداً في بلاط منكوقا آن عندما جرى تقسيم المهمات العسكرية بين أخوة منكوقا آن وإرسال كلّ واحد منهم إلى جهة من الجهات لفتحها. فعهد هولاكو بفتح «غرب إيران والشام ومصر وبلاد الروم والأرمن» كما يقول الهمذاني.
وقبل مسير الحملة أرسل منكوقا آن خبراء الطرق ليكشفوا على الطريق الذي ستسلكه حملة هولاكو من قراقورم حتّى شاطئ جيحون وليقيموا الجسور على الأنهار والمجاري. وحدّد لكلّ جندي مائة مَنْ من الدقيق وقربة من النبيذ. وحدّد لهولاكو مهمته بهذه الوصية: «حافظ على تقاليد جنگيز وقوانينه في الكليات والجزئيات، وخصّ كلّ من يطيع أوامرك ويجتنب نواهيك في الرقعة الممتدة من جيحون حتى أقاصي بلاد مصر، بلطفك وبأنواع عطفك وأنعامك. أمّا من يعصيك فأغرقه في الذلة والمهانة مع نسائه وأبنائه وأقاربه وكلّ ما يتعلّق به. وابدأ بإقليم قهستان فخرب القلاع والحصون. فإذا فرغت من هذه المهمة فتوجّه إلى العراق وأزل من طريقك اللور والأكراد الذين يقطعون الطرق على سالكيها. وإذا بادر خليفة بغداد بتقديم فروض الطاعة فلا تتعرّض له مطلقاً، أمّا إذا تكبّر وعصى فألحقه بالآخرين من الهالكين. كذلك ينبغي أن تجعل رائدك في جميع الأمور العقل الحكيم والرأي السديد وأن تكون في جميع الأحوال يقظاً عاقلاً وأن تخفّف على الرعية التكاليف والمؤن وأن ترفه عنهم. وأمّا الولايات الخربة فعليك أن تعيد تعميرها في الحال. وثق أنّك بقوّة الله العظيم سوف تفتح ممالك الأعداء حتّى يصير لك فيها مصايف ومشاتي عديدة. وشاور دوقوز خاتون في القضايا والشؤون»([393]).
في هذه الوصية تحديد لمهمة هولاكو فهي تحدّد له المنطقة التي عليه أن يجتاحها بجحافله، وهي تمتد من نهر جيحون حتى أقاصي مصر. وسترى أنّ هولاكو نجح في المهمة فاجتاح جميع البلاد المحددة ولكنّه وقف دون مصر.
وكان تنفيذه للوصية تنفيذاً حرفياً إذ أغرق في الذلة والمهانة فضلاً عن المنية كلّ من اجتاز بهم. وزاد فلم يقتصر في التخريب على القلاع والحصون، بل شمل جميع العمران. أمّا الذي لم ينفذه من الوصية فهو تخفيف التكاليف والمؤن على الرعية والترفيه عنهم، هذا إذا كان مفهوم الرعية هو الشعوب التي ستحكم من المغول. أمّا إذا كان مفهومها هو المغول أنفسهم فقد فعل ولا شك.
وفي شهر ذي الحجة سنة (650هـ ـ 1252م) قصد هولاكو معسكره يتهيأ ويستعد وينظم أموره. وبعد سنة كاملة أي في شهر ذي الحجة سنة 651 كان قد أتمّ تدارك حاجاته فمشى زاحفاً بجيوشه الجرارة.
وقبل أن يسير كان قد عهد إلى حكام الولايات التي سيجتاز بها بأن يعدّوا المأكل والمشرب للجنود وأن يمهدوا من الطرق ما يحتاج للتمهيد وأن يعدوا السفن لعبور الأنهار. وكان كلما اجتاز بولاية ينضم إليه ما أعدته من جنودها. وقد صحب معه زوجتيه «دوقوز خاتون» و«أولجاي خاتون». وفي صيف سنة 651 كان يعسكر في تركستان وما وراء النهر. وفي شهر شعبان من سنة (653هـ ـ 1255م) كان ينزل على مراعي سمرقند فأمضى هناك ما يقرب من أربعين يوماً منصرفاً للشراب. ثمّ رحل حتّى نزل عند حدود « كِش» فأقام فيها مدّة شهر. ومن هناك أرسل إلى الملوك والحكام الرسائل التي نشرنا نصها من قبل([394]).
ففي هذه الرسائل أو بالأحرى هذا المنشور الموجّه إلى الحكام لا يوضح هولاكو حقيقة مهمته التي حدّدتها وصية منكوقا آن من أنّ عليه أن يفتح البلاد من جيحون إلى أقاصي مصر، بل يحصر مهمته في «تحطيم قلاع الملاحدة وإزعاج تلك الطائفة». أي أنّه يعلن أنّه إنّما ينفذ ما طلب إليه إمام المسلمين وقاضي قضاتهم شمس الدين القزويني تنفيذه وإن على هؤلاء الحكام المسلمين أن يسارعوا إلى معونته ونصره.
فها نحن نصبح في صميم المأساة: طاغية وثني يعكف في طريقه شهراً على الشراب، يريد أن يخلص «المؤمنين» من «الملحدين» تنفيذاً لرغبة أولئك المؤمنين!…
تخليص الناس من «الإلحاد» هو ما يهدف إليه هولاكو. وعلينا أن لا نعجب من ذلك ما دام «المؤمن» شمس الدين القزويني قد رفع له الشعار!.
ويصف رشيد الدين فضل الله الهمذاني في (جامع التواريخ) التسارع إلى تلبية النداء (الجهادي) فيقول: «أقبل من بلاد الروم السلطانان عز الدين وركن الدين. ومن فارس سعد بن الأتابك مظفر الدين. ومن العراق وخراسان وآذربيجان وأران وشروان وجورجيا الملوك والصدور والأعيان». من جيحون إلى أقاصي مصر!. وها هو هولاكو على ضفة جيحون ليخطو الخطوة العملية الأولى في طريق رحلته الطويل، فأمر بتوقّف حركة النقل في النهر الكبير ونصب عليه جسراً عبرت عليه قواته في غرة ذي الحجة سنة (653هـ ـ 1255م). وفي اليوم التالي كان ينزل في مرعى «شبورقان» من توابع بلخ ففاجأته هناك الأمطار والثلوج واستمرّت سبعة أيام فهلك الكثير من دوابه برداً. فقرّر تمضية الشتاء هناك عاكفاً على اللهو والطرب والاستمتاع.
مقدمة هولاكو
قبل أن يعبر هولاكو نهر جيحون متوجهاً إلى البلاد الإسلامية سبقته مقدمة لجيوشه مهدت له الطريق وعملت أوّل ما عملت على حصرا قلاع الإسماعيليين. ففي شهر جمادى الآخرة سنة 650 تقدّم «كيتوبوقا» بهذه المقدمة تاركاً بلاط منكوقا آن. وفي أوائل شهر المحرم سنة 651 عبر نهر جيحون فهاجم أوّل ما هاجم ولاية قهستان فسيطر على بعض أجزائها ثمّ تقدّم لحصار قلعة «گرده كوه» في ربيع الأوّل من السنة نفسها واكتفى بأن أحكم حصارها بخندق حفره حولها وأحاط الخندق بسور كما أحاط جيشه بخندق آخر وسور آخر، ثمّ ترك عندها قطعة من الجيش ومضى إلى قلعة «مهرين» وحاصرها. وتقدّم إلى مدينة (شاه) فكانت فيها أولى المذابح ورجع عنها في الوقت الذي كان قائد آخر من قواده يتغلغل في البلاد محدثاً مذبحة استمرّت ثمانية عشر يوماً.
وفي التاسع من شوال سنة 651 كان المحاصرون في كرده كوه يقومون بغارة ليلية على المغول مستهدفة قائدهم «بوري» فتنجح في القضاء عليه وعلى مائة جندي من جنوده محاصريهم. فرأى كيتوبوقا في ذلك تحدّياً ضخماً قابله بهجوم ساحق على ولاية قهستان استولى فيه على «تون» و«ترشيز» وأباح القتل والعسف والأسر. ولم تلبث قلعة مهرين أن سقطت ثمّ تبعتها قلعة «كمالي».
هولاكو يتولى بنفسه
ثمّ أرسل هولاكو رسالة إلى ناصر الدين المحتشم في قلعة «سرتخت». ويبدو جلياً من النص الذي أورده الهمذاني في جامع التواريخ([395]) أنّ بعض المسلمين كانوا قد بدأوا يتعاونون مع هولاكو ويسيرون في ركابه وينفذون أوامره، فإنّ الذي حمل رسالة هولاكو إلى ناصر الدين المحتشم هو الملك شمس الدين كُرت.
كانت الرسالة تدعو المحتشم للدخول في الطاعة، وكان المحتشم قد شاخ وضعف ورأى تساقط القلاع من قبل بيد المغول فآثر إجابة الطلب ومضى مع الملك شمس الدين حاملاً معه الهدايا والتحف معلناً بذلك استسلامه الشخصي لهولاكو في حين أبقى على القلعة ولم يسلمها. فاعترض هولاكو على ذلك. ولكن ناصر الدين ردّ قائلاً: «أنّ لهم ملكاً يدعى خور شاه يأتمرون بأمره».
وأراد هولاكو أن يضرب مثلاً حسناً لمن يستسلمون ولا يقاومون وأن يشجع على التسليم فأنعم على المحتشم وعيّنه حاكماً على مدينة «تون».
وهنا يبدو الغموض في النصوص التاريخية التي تذكر احتلال تون احتلالاً ثانياً على يد هولاكو بعد أن ذكرت احتلالها أوّلاً على يد كيتوبوقا. والذي يستنتج من ذلك أنّ تون ربّما عادت فخرجت على المغول قبل وصول هولاكو ثمّ عادوا فاحتلوها بعد وصوله.
وقد تابع هولاكو خط زحفه حتّى بلغ حدود «زاوه»([396]) و«خواف»([397]) ومن هناك وجّه قواده لاكتساح الولايات الإسماعيلية فلقوا مقاومة عند حدود قهستان تغلبوا عليها في خلال أسبوع فانتهت بأسر المقاومين. ثمّ تقدّموا إلى «تون» ونصبوا عليها المجانيق ثمّ استولوا عليها و قتلوا جميع سكانها مستثنين أرباب الحرف، ثمّ عادوا إلى معسكر هولاكو يعلنون ظفرهم.
بعد هذه التمهيدات للاحتلال اتجه هولاكو بفيالقه نحو مدينة طوس، وتجاوزها موغلاً في السير باتجاه القلاع الإسماعيلية، وفي الطريق أرسل إلى ركن الدين خور شاه كبير الإسماعيليين وفداً مؤلفاً من مغولي هو «بكتيمورجي» ومسلمين هما ظهير الدين سبلار البيتكجي وشاه أمير. فأدّى الوفد الرسالة وعاد ملتقياً بهولاكو وقد وصل إلى نواحي القلاع وشرع بهجماته عليها.
وبالرغم من أنّ النصوص التاريخية لا تعرب عن مضمون الرسالة فلا شك أنّها كانت دعوة إلى التسليم وأنّ خور شاه لم يجب إلى ذلك بدليل أنّ هولاكو حين تقدّم إلى خراسان وبسطام في العاشر من شعبان سنة 654هـ أرسل وفداً مغولياً آخر إلى خور شاه يحمل رسالة أخرى، وأمر رجلي الوفد بتخويف خور شاه وتهديده ووعيده.
التسليم
واستشار ركن الدين خور شاه من عنده من الرجال فأشاروا بعدم جدوى المقاومة ومالوا إلى التسليم. فرأى أن يرسل أخاه الأصغر شاهنشاه وأصيل الدين الزوزني على رأس جماعة من أعيان مملكته إلى هولاكو دليلاً على التسليم فأكرمهم هولاكو ولكن عاد فأرسل وفداً آخر فيه صدر الدين وظهير الدين وتوكل بها دوربخشي ومازوق برسالة إلى خور شاه تطلب إليه أن يخرب القلاع، إذا كان حقاً قد قبل التسليم ويأتي بنفسه إلى هولاكو.
فهدم خورشاه أقساماً من بعض القلاع كقلعة مامون دز ولمبسر وألموت نفسها فحطم الأبراج ورمى الأبواب وأخذ يعمل في تخريب أسوارها وحصونها.
أما بشأن قدومه بنفسه إلى هولاكو فطلب إمهاله سنة ليغادر القلعة ويقبل إلى هولاكو، فلم يرق ذلك لهولاكو فتوجّه من بسطام متقدّماً نحو القلاع وأمر أن تجتمع الجيوش كلّها وسار في قلبها، ثمّ أرسل رسلاً إلى خور شاه يقولون: «إذا أتى بنفسه لاستقبالنا فإنّنا سنعفو عنه رغم جرائمه العديدة» وظل هولاكو على تقدّمه حتّى تجاوز مدينة «فيروز كوه» وهناك التقى برسله عائدين بتعهد بتخريب القلاع وراجين أن يرضى ببقاء خور شاه عاماً واحداً في القلاع، على أن يستثنى من التخريب قلعتا ألموت ولمبسر لما فيهما من الذكريات الإسماعيلية باعتبارهما قاعدتي الحكم الإسماعيلي، وعزز خور شاه تسليمه هذا بأن كتب إلى حكام كرده كوه وقهستان بأن يتوجهوا إلى هولاكو.
ولكن هولاكو ظلّ مصراً على التسليم العام الكامل وحضور خور شاه بنفسه معلناً هذا التسليم، وظلّ مستمراً بزحفه، فتجاوز ولاية (لارودماوند) إلى (فِرَان) ثمّ حاصر قلعة (شاه دز) الواقعة في طريقه فسلمت في يومين. ثمّ عاد يرسل الرسل إلى خور شاه ليحرّضوه على التسليم. فمشى خور شاه في تسليمه هذه المرة خطوة أوسع حيث أرسل ابنه مع 200 من الجنود ورضي بأن يخرب القلاع جميعها دون استثناء.
فتوقف هولاكو في مدينة «عباس آباد الري» منتظراً تنفيذ الوعود. وفي السابع عشر من شهر رمضان سنة 654 بدأ خور شاه تطبيق ما وعد بتطبيقه فأرسل ابنه الذي كان لا يتجاوز الثامنة من عمره مع جمع من الأعيان والكبراء، فأعاد هولاكو الصبي معززاً لصغر سنّه، ورضي بأن يرسل خور شاه أخاه الآخر إذا كان لا يستطيع الحضور. فامتثل ركن الدين لهذا الأمر وأرسل أخاه شروان شاه وأصيل الدين الزوزني مع ثلثمائة من كبار رجال الدولة فالتقوا بهولاكو في ضواحي الري.
ثمّ أعاد شروان شاه إلى أخيه مصراً على تخريب القلاع وأمر بأن تتجمّع جيوشه المنتشرة وتلتقي في معسكر واحد فلم يشعر الإسماعيليون إلاّ وقد أحيط بهم وأصبحوا مطوقين من كلّ الأطراف. فأرسل خور شاه قائلاً: ما دمنا قد خضعنا ونحن نشتغل بتخريب القلاع فعلام أقبلتم علينا.
ثمّ أحاطت الجيوش بقلعة ميمون دز ولكن عجز المغول عنها لمناعتها، فهمّ هولاكو بالرحيل لمداهمة الشتاء له ثمّ العودة في العام المقبل ولكن مستشاريه وبينهم سيف الدين البيتكجي أصرّوا على البقاء والاستمرار في حصار القلعة. فأرسل رسالة جديدة إلى خور شاه تجمع بين الترغيب والترهيب فاستشار خور شاه رجال دولته ثمّ أرسل وفداً من كبار رجاله على اختلاف مناصبهم لمقابلة هولاكو ودراسة الأوضاع والعودة بالرأي الأخير، فاستقبل المغول الوفد ثمّ أنزلوهم في أماكن متفرقة كلّ رجل بمفرده، ثمّ استجوبوهم واحداً واحداً. ولا شك أنّ هذا التصرف كان يراد به شيئين: أوّلاً استطلاع حقيقة الحال في القلعة وبقية القلاع، ثمّ التهويل على الموفدين، لذلك عاد رجال الوفد إلى خور شاه مقتنعين بوجوب التسليم. وبعد أيام نزل خور شاه من القلعة ومعه نصير الدين الطوسي وأصيل الدين الزوزني، والوزير مؤيد الدين، وأبناء رئيس الدولة وهم أطباء، فكان نزوله توديعاً نهائياً للأرض التي ظلّت مقراً لأسرته وحصناً منيعاً لها طيلة قرنين.
وكان استقبال هولاكو لخور شاه استقبالاً حسناً، إذ كان لا يزال محتاجاً إليه ثمّ أوفد معه من يتسلّم القلاع والحصون في قهستان ورودبار وقومس وكانت تبلغ المائة فاستسلمت جميعها فيما عدا قلعتي گرده كوه ولمبسر.
وكانت القلاع تضم الكثير من الخزائن والذخائر والنفائس والآلات ممّا كان الإسماعيليون يجمعونه ويحتفظون به طيلة قرنين فتسلم المغول ذلك كلّه ثمّ خربوا القلاع تخريباً تاماً.
وفي لمبسر امتنعت الأسرة الحاكمة ـ إذا صحّ التعبير ـ من أقرباء ركن الدين خور شاه وفريق من أتباعه ورفضوا التسليم وظلّوا في المقاومة طيلة سنة، ولم يزعزعهم سوى حلول وباء فيهم أهلك الكثيرين منهم ممّا حمل الباقين على الإذعان وهكذا استسلمت لمبسر.
أمّا كرده كوه فقد رفضت التسليم رفضاً قاطعاً وظلّ الإسماعيليون معتصمين بها ويقاومون مستبسلين عشرين سنة فيما يبدو.
ولمّا تمّ الأمر لهولاكو في تلك القلاع تقدّم نحو القلعة الكبرى «ألموت» مستصحباً معه ركن الدين خور شاه، فلمّا بلغها هولاكو أوفد ركن الدين إلى القلعة ليحمل من فيها على التسليم ولكن قائد القلعة رفض ذلك وصمّم على المقاومة وظلّ يرد هجمات المغول بضعة أيام. فرأى هولاكو أن يؤمن من بها على حياتهم ويدعوهم من جديد إلى التسليم فنجح هذه المرّة ونزل القائد مستسلماً فدخل المغول القلعة واعملوا فيها النهب والسلب. وكان فيما قضوا عليه في القلعة، المكتبة الكبرى التي تعب الإسماعيليون في جمع نفائسها: وقد استطاع الصاحب علاء الدين الجويني أن ينقذ بعض ما فيها([398]).
مقتل ركن الدين خور شاه
وترك هولاكو عند لمبسر من يحاصرها وتقدّم في اتجاه قزوين حيث نزل في 27 ذي الحجة سنة 654 على بُعد سبعة فراسخ منها. ولم يكتف هولاكو من خور شاه بتسليم قلاع إيران، بل طلب إليه أن يرسل من قبله وفداً مع وفد مغولي إلى إسماعيليي بلاد الشام يدعوهم إلى عدم المقاومة حين تصل جيوش المغول إليهم.
وهكذا ظلّ المغول على إعزاز خور شاه والإنعام عليه ما داموا محتاجين إليه فلمّا انقضت حاجتهم أرسله هولاكو إلى بلاط أخيه منكوقا آن في قراقورم، وقبل أن يصل أرسل منكوقا آن من قتله في الطريق بين أبهر وقزوين كما قتل معه أسرته كلّها رجالاً وأطفالاً.
وهناك من يرى أنّهم أوصلوه إلى منكوقا آن، وهناك قتل. وكان هولاكو قد احتفظ بكلّ من نصير الدين الطوسي وأبناء رئيس الدولة وموفق الدولة أمّا الأوّل ففضلاً عن كونه فيلسوفاً كان فلكياً عالماً بالنجوم، وكان هولاكو مغرماً بهذا النوع من العلم. وأمّا الآخرون فقد كانوا أطباء وكان بحاجة ماسة إلى الأطباء لذلك احتفظ بالجميع في معسكره ونجوا بذلك من القتل ثمّ ألزمهم صحبته فصحبوه في مراحله كلّها.
ألموت بعد هولاكو
ويقول الدكتور فرهاد دفتري في كتابه (تاريخ الإسماعيليين وعقائدهم): يبدو أن نزاريي رودبار بعد فترة زمنية قصيرة تمكّنوا من أن يتّحدوا تحت نوع من القيادة المركزية. وفي خلال فترة زمنية تقل عن عشرين عاماً من سقوط ألموت شكّلوا قوّة عسكرية كانت نشطة لفترة من الزمن.
وقد حاول نزاريو شمال إيران عدّة مرّات استعادة ألموت والقلاع المهمة الأخرى في رودبار لأنّ هذه القلاع لم تكن قد دمرت نهائياً، كما أشار الجويني والمؤرخون الإيرانيون في عصر الإيلخانيين.
والحقيقة أنّ المغول أنفسهم جدّدوا بناء ألموت ولمبسر لأنفسهم. وفي سنة (674هـ ـ 1275ـ1276م) أي بعد سبع سنوات من سقوط قلعة (گرده كوه) كان نزاريو رودبار قد بلغوا من القوّة إلى حد أنّهم تضامنوا مع أحد أخلاف الخوارزمميين واستعادوا ألموت لمدّة سنة واحدة إلى أن طردوا منها بقوات أرسلها آباقا (663ـ680هـ) (1265ـ1282م) ابن هولاكو.
وتوفي شمس الدين محمد حوالي سنة (710هـ ـ 1310/1311م) في آذربيجان بعد إمامة استمرّت حوالي خمسين سنة، وفي خلال إمامته الطويلة تمكّنت النزارية الإيرانية لا سيما في رودبار من إعادة تنظيمها بحيث استعادت ألموت مرّة أخرى لفترة مؤقتة.
ويقول دفتري وهو يتحدّث عن وقائع تيمورلنك:
في هذه الأحوال ظهر في الديلم زعيم نزاري باسم (الرب محمد) الذي يمكن أن نعتبر أنّه نفس محمد علي شاه بن مؤمن شاه المتوفى سنة (807هـ ـ 1404م) إمام النزاريين المحمد شاهيين.
إلى أن يقول:
في سنة (776هـ/1374ـ1375م) هرم كيا ملك والقوات التي كان قد جمعها في ديلمان أمام قوات السيد علي بقيادة السيد مهدي كيا شقيق السيد علي. هرب كيا ملك بنفسه إلى ألموت…
ويتابع بعد ذلك قائلاً:
نتيجة ذلك ذهب الرب محمد إلى ألموت أيضاً والتحق بكيا ملك…
ثمّ يقول:
وعد إذا ساعده زعيم النزاريين في استعادة أشكور ثانية، بأنّه سيمنحه قلعة ألموت…
ويقول:
جمع النزاريين في ألموت ولمبسر وتوجّه بصحبة كيا ملك إلى أشكور…
ويقول:
استقرّ كيا ملك حاكماً على أشكور ثانية وسلّم ألموت وضواحيها إلى الرب محمد ويظل يتكرر ذكر ألموت في كتاب الدفتري مقروناً بالأحداث إلى أن يصل إلى عهد الشاه عباس الصفوي، فيقول:
بعد استقرار الحكومة الصفوية في شمال إيران فقد النزاريون أهميتهم في الديلم، واستمرّت جماعات صغيرة من النزاريين بحياتها في منطقة بحر الخزر في العصر الصفوي. وكانت الحكومة الصفوية قد استفادت من قلعة ألموت سجناً حكومياً لحبس أفراد الأسرة الطاغين والمتمردين.
ويقول الدكتور حسن قلي ستة في مقاله عن قزوين المنشور في (دائرة المعارف): ثمّ آلت قلعة ألموت بعد انقراض المغول إلى حكام مازندران وگيلان حتّى جاءت الدولة الصفوية واتخذت من قزوين عاصمة لها وأصبحت هذه القلعة حينئذ سجناً للمجرمين والمذنبين. وبعد أن انتقلت العاصمة إلى أصفهان تركت هذه القلعة حتّى آلت إلى الخراب بالتدريج.
نصير الدين الطوسي بعد سقوط ألموت
ذكرنا فيما تقدّم من القول استيلاء هولاكو على (ألموت) وأسره من أسر وقتله الأسرى واستبقائه منهم للأطباء ولنصير الدين الطوسي لحاجته إليهم، وسنرى هنا استغلال الطوسي لهذه الحاجة في خدمة الإسلام، وما أدّاه في هذا السبيل من جهود أنقذت الإسلام والمسلمين.
جمع نصير الدين الطوسي إلى العلم الواسع العقل الكبير، فَتُرِيكَ سيرته رجلاً من أفذاذ الرجال لا يمر مثله كلّ يوم. وتشاء الأقدار أن تعده لمهمة لا ينهض لها إلاّ من اجتمعت له مثل صفاته: علم وعقل وتدبير وبُعد نظر، فكان رجل الساعة في العالم الإسلامي، هذا العالم الذي كان مثخناً بالجراح.
كانت مهمة الطوسي من أشق المهمات، وكانت أزمته النفسية من أوجع ما يصاب به الرجال، فإنّه وهو العالم الكبير ذو الشهرة المدوية بين المسلمين، يرى نفسه فجأة في قبضة عدو المسلمين، ويرى هذا العدو مصرّاً على أن يبقيه في جانبه ويسيره في ركابه. وإلى أين يمشي هذا الركاب؟ إنّه يمشي لغزو الإسلام في دياره والقضاء عليه في معاقله، فهل من محنة تعدل هذه المحنة؟
إنّ أقل تفكير في التمرّد على رغبة القائد المغولي سيكون جزاؤه حد السيف… وإنّني لأتخيل الطوسي متأمّلاً طويل التأمّل، مطرقاً كثير الإطراق، لقد كان يعز عليه أن يذهب دمه رخيصاً وأن يكون ذلك بإرادته هو نفسه، فلو أنّ سيفاً من سيوف المغول الجانية أودى به فيمن أودى بهم في رحاب نيسابور وسهول إيران لكان استراح. أمّا الآن فلن يستسلم للقدر الطاغي وسيثور على حكم الزمن الغاشم.
كان الطوسي ذا فكر منظم يعرف كيف يخطط ويدبّر. وهو في ذلك آية من الآيات، وقد أدرك أن النصر العسكري على المغول ليس ممكناً أبداً، فقد انحل نظام العالم الإسلامي انحلالاً تاماً لم يعد معه أمل في تجميع قوّة تهاجم المغول وتخرجهم من دياره، وكانت البلاد المحتلة أضعف من أن تفكّر في ثورة ناجحة. على أنّ الغرب الإسلامي كان لا يزال سليماً، وكانت مصر هي القوّة الوحيدة التي تتجه إليها الأنظار، وقد استطاعت مصر أن تذيق المغول مرارة الهزيمة وأن تردّهم عنها، ولكنّها لم تكن مستطيعة أكثر من ذلك، فمهاجمة المغول فيما احتلوه من بلاد بعيدة وإخراجهم من تلك البلاد كان فوق طاقة مصر.
وفكّر نصير الدين طويلاً فأيقن أنّه إذا تمّ للمغول النصر الفكري، بعد النصر العسكري، كان في ذلك القضاء على الإسلام، وها هو يرى بأم عينه الكتب تباد والعلماء يقتلون، فماذا يبقى بعد ذلك؟
لقد استغل حاجة هولاكو إليه، وحرصه على أن يكون في معسكره فلكي عالم بالنجوم، فعزم على كسب ثقته واحترامه فكان له ما أراد، وصار له من ذلك سبيل لإنقاذ أكبر عدد من الكتب وتجميعها، كما استطاع أن ينجي من القتل الكثيرين ممّا كانوا سيقتلون.
ولما استتب الأمر لهولاكو خطا نصير الدين خطوته الأولى، وكانت هذه المرة خطوة جبارة، فقد أقنع هولاكو بأن يعهد إليه بالإشراف على الأوقاف الإسلامية والتصرف بمواردها بما يراه، فوافق هولاكو، وتطلّع نصير الدين فرأى أن المسلمين كانوا قد وصلوا من الانحلال الفكري إلى حد أصبح العلم عندهم قشوراً لا لباب فيها، وأنهم حصروا العلم في الفقه والحديث وحدهما، وحُرِموا ما عداهما من سائر صنوف المعرفة التي حث عليها الدين العظيم، وانصرفوا عن العلوم العملية انصرافاً تاماً. فأعلن افتتاح مدارس لكل من: الفقه، والحديث، والطب، والفلسفة، وأنّه سيتولى الإنفاق على طلاب هذه المدارس، ولكنّه سيعمل لكلّ واحد من دارسي الفلسفة ثلاثة دراهم يومياً، ولكلّ واحد من دارسي الطب درهمين ولكلّ واحد من دارس الفقه درهماً، ولكلّ واحد من دارسي الحديث نصف درهم، فأقبل الناس على معاهد الفلسفة والطب، بعدما كانت من قبل تدرس سراً.
أحرز نصير الدين النصر الأول في معارك الإسلام، فالعلم لن ينقطع بعد اليوم، ولن يجمد المسلمون عن طلبه، ثم انصرف يخطط للمعركة الكبرى الكاسحة، فإذا كان إنشاء المدارس المتفرقة لن يلفت نظر هولاكو إليها، ولن يدرك أهميتها، فإن إنشاء الجامعة الكبرى وحشد العلماء فيها وحشو الكتب في خزانتها، سيكون حتماً منبّهاً لهولاكو، فكيف العمل؟
هنا تبدو براعة الطوسي، فهولاكو استبقاه لغاية معينة، فراح يقنع هولاكو بأنه من أجل استمراره في عمله والاستفاده من مواهبه لابد من إنشاء مرصد كبير، فوافق هولاكو على إنشاء المرصد الكبير، وفوض إلى نصير الدين المباشرة بالعمل.
لقد كانت هذه الموافقة الحلم الأكبر الذي حققته الأيام لنصير الدين، وبات بعدها مستريحاً للمستقبل لا يشغله شيء إلاّ الإعداد الدقيق والتخطيط السليم الموصل إلى الغاية القصوى([399]).
ضخّم نصير الدين أمر المرصد لهولاكو وأقنعه أنه وحده أعجز من أن يرفع حجراً فوق حجر في ذاك البناء الشامخ، وأنه لابد له من مساعدين أكفاء يستند إليهم في مهمته الصعبة، وأنه لا مناص من أجل ذلك من أن يجمع عدداً من الناس المختارين، سواء في البلاد المحتلة أو في خارجها، فوافق هولاكو على ذلك([400]).
وهنا هبّ نصير الدين إلى اختيار رسول حكيم هو فخر الدين لقمان بن عبدالله المراغي، وعهد إليه بالتطواف في البلاد الإسلامية، وتأمين العلماء النازحين ودعوتهم للعودة إلى بلادهم، ثم دعوة كل مَن يراه متفوقاً في علمه وعقله من غير النازحين.
مضى العمل منظّماً دقيقاً وانصرف العلماء بإشراف الطوسي منفذين مخطَّطاً مدروساً، فلم يمض وقت كبير حتى كانت المكتبات تغص بالكتب، وأضحت مكتبة مراغة بالذات تضم مجموعة قلّ أن اجتمع مثلها في مكتبة أخرى، وغدت المدارس تقام في كل مكان، وعادت الثقافة الإسلامية حية سوية، والنفوس مشبعة بالأمل والقلوب مليئة بالرجاء، وأخذ الدعاة ينطلقون في كل صوب والهداة ينتشرون عند كل وجهة…([401]).
ثم يموت هولاكو ولكن الإسلام الذي أراد له هولاكو الموت، يظلّ صحيح البنية، متوهّج الفكر، ثم يموت ابن هولاكو وخليفته (ابقا خان) والإسلام لا يزال بقيادة الطوسي صامداً، يقاتل ويقاوم ويدعو ويهدي.
ويأتي بعد ابقا خان، ابن هولاكو الآخر «تكودار» فإذا بالإسلام ينفذ إلى قلبه وعقله، وإذا به يعلن إسلامه، وتُسْلم الدولة كلها بعد ذلك في عهد غازان.
وكان الطوسي قد مات سنة (672هـ ـ1274م). مات قرير العين وهو يرى طلائع الظفر مقتحمة الدنيا بموكبها الرائع، وبشائر النصر هازجة بأرفع صوت وأعلى نبرة. مات الطوسي مودعاً الأمر إلى تلميذه وأقرب المقربين إليه «قطب الدين أبو الثناء محمود بن مسعود الشيرازي»، فنهض بالعبء على ما أراده نصير الدين. فلم يجد «تكودار» الذي أصبح اسمه «أحمد تكودار» خيراً من الشيرازي خليفة للطوسي ليكون رسوله إلى العالم الإسلامي.
ويقول العالم الأزهري الشيخ عبدالمتعال الصعيدي: «لم يمت نصير الدين إلاّ بعد أن جدد ما بلي في دولة التتار من العلوم الإسلامية، وأحيا ما مات من آمال المسلمين بها».
إلى أن يقول: «… إن الانتصار على التتار لم يكن في الحقيقة بردِّهم عن الشام في موقعة «عين جالوت» وإنما كان بفتح قلوبهم إلى الإسلام وهدايتهم له».
وهذا ما حققه نصير الدين الطوسي.
هكذا استطاع نصير الدين الطوسي أن يهزم بالعقل والعلم الدولةَ الطاغية الباغية، وأن تنجح خططه في التمهيد لتحويل المغول من وثنيين إلى مسلمين([402]).
الطوسي يحمي كتب بغداد
لا نريد هنا التحدّث بالتفصيل عمّا جرى في فتح بغداد، بل أنّنا نريد معرفة مصير كتب بغداد وما جرى لها على أيدي الغزاة([403]).
فمن أقدم الإشارات إلى ذلك ما ورد في الكتاب المنسوب ـ اشتباهاً وغلطاً إلى ابن الساعي ـ المتوفى سنة 674هـ قوله: «ويقال إنّهم (المغول) بنوا اصطبلات الخيول وطولات المعالف بكتب العلماء عوضاً عن اللبن». ثمّ ما ورد عن ابن خلدون المتوفى سنة 808 من أنّ المغول استولوا على قصور الخلفاء وذخائرها «وعلى ما لا يبلغه الوصف ولا يحصره الضبط والعدّ، وألقيت كتب العلم التي كانت بخزائنهم في دجلة وكانت شيئاً لا يعبر عنه». كما يذكر القلقشندي المتوفى سنة 821 عن خزائن كتب الخلفاء ببغداد عند الغزو المغولي بأنّها «ذهبت فيما ذهب وذهبت معالمها وأعفيت آثارها». ويذكر ابن تغري بردي المتوفى سنة 874 عن كتب بغداد بأنّها أحرقت. كما يقول إنّ المغول «بنوا بها جسراً من الطين والماء عوضاً عن الآجر». ويقول: «وقيل غير ذلك». وهناك نص طريف لمؤرخ مكي توفي سنة 988 أو 991هـ جعل فيه بغداد على الفرات وقال: «ورموا كتب بغداد في الفرات وكانت لكثرتها جسراً يمرون عليها ركباناً ومشاة وتغيّر لون الماء بمداد الكتابة إلى السواد».
هذه أهم النصوص التي تدين المغول الذين غزوا بغداد سنة 656 بإتلاف الكتب وخزائنها. وسأناقشها بعد أن أشير بإيجاز إلى المصادر التي سكتت عن مصير الكتب عند حادثة سقوط بغداد. وقد يفيد السكوت عدم حصول أي حادث للكتب.
فمن أهم المصادر التي سكتت عن هذه المسألة ما دوَّنه رشيد الدين فضل الله الهمذاني المتوفى سنة 718 والذي يعتبر بحق مؤرخ المغول الأوّل، فقد سكت في تاريخه عن مصير الكتب، ولكنّه ذكر القتل العام والنهب والإحراق والاستيلاء على قصور الخلفاء. كما نلاحظ السكوت أيضاً عند اليونيني المتوفى سنة 726 وأبي الفداء المتوفى سنة 732 والذهبي المتوفى سنة 748 وغيرهم من المتأخرين كابن العماد الحنبلي المتوفى سنة 1089هـ.
أمّا المصادر التي أنارت الطريق للكشف عن المسألة، ففي مقدمتها معجم ابن الفوكي المرسوم بتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب. حيث يذكر لنا هذا المؤرخ البغدادي المعاصر للحوادث التي نحن بصددها في ترجمة عز الدين بن أبي الحديد ما نصّه: «ولمّا أخذت بغداد كان (ابن أبي الحديد) ممّن خلص من القتل في دار الوزير مؤيد الدين مع أخيه موفق الدين، وحضر بين يدي المولى السعيد خواجة نصير الدين الطوسي وفوّض إليه أمر خزائن الكتب ببغداد مع أخيه موفق الدين والشيخ تاج الدين علي بن أنجب. ولم تطل أيامه فتوفي رحمه الله في جمادى الآخرى من سنة ست وخمسين وستمائة». وفي الحوادث الجامعة في سنة 656: «كان أهل الحلة والكوفة والمسيب يجلبون إلى بغداد الأطعمة فانتفع الناس بذلك وكانوا يبتاعون بأثمانها الكتب النفيسة…»([404])، وفيه أيضاً أنّ علي شهاب الدين بن عبدالله عيّن صدراً في الوقوف وقد عمّر جامع الخليفة الذي أحرق أثناء الحادثة ثمّ فتح المدارس والربط وأثبت الفقهاء والصوفية وصرف لهم رواتبهم لما سلمت مفاتيح دار الخليفة إلى مجد الدين محمد بن الأثير وجعل أمره إليه». وفيه كذلك في حوادث سنة 662 خبر قدوم نصير الدين الطوسي إلى بغداد لتفقد الأحوال والنظر في الأوقاف والأجناد والممالك وزيارته لواسط والبصرة وجمعه الكثير من كتب العراق لأجل الرصد. وأكد ذلك ابن شاكر الكتبي الذي يذكر تأسيس الطوسي لرصد مهم بمراغة فيه خزانة كتب مهمة ملأها من كتب بغداد وغيرها من المدن «حتّى تجمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد». وذكر ابن كثير ذلك أيضاً وقال: «نقل إليه ـ يعني الرصد ـ شيئاً كثيراً من كتب الأوقاف التي كانت ببغداد». وهناك إشارة عند ابن الفوطي إلى سوق الكتب ببغداد سنة 722 كما أنّ المدرسة المستنصرية قد نجت أثناء حادثة سقوط بغداد «إذ كانت على وضعها حين وصفها ابن بطوطة سنة 727 مطنباً في تصوير عظمتها. وقد ذكرها حمدالله المستوفي بعد زمن ابن بطوطة باثنتي عشرة سنة فقال: «إنّ بناءها من أجل المباني الباقية في بغداد يومئذ». ولدى القلقشندي عن أوقاف بغداد ما يفيدنا في فهم مدى أثر المغول في نظم بغداد بعد سقوطها حيث يقول: «وأوقافها جارية في مجاريها لم تعترضها أيدي العدوان في دولة هولاكو ولا فيما بعدها، بل كلّ وقف مستمرّ بيد متوليه ومن له الولاية عليه، وإنّما نقصت من سوء ولاة أمورها لا من سواها»([405]).
والآن بعد ما أوردنا من نصوص، لنا أن نناقش الموضوع فنقول: إنّ أهم المصادر الأولية في موضوعنا هذا هي كتاب رشيد الدين فضل الله الهمذاني ومعجم ابن الفوطي والحوادث الجامعة. فالمصدران الأولان لم يذكرا شيئاً عن الكتب بوجه الخصوص، وإنّما أشارا إلى النهب والقتل الذين صاحبا الحادثة بوجه عام. في حين أنّ المصدر الثالث وهو معجم ابن الفوطي ذكر إناطة أمر خزائن كتب بغداد بعد سقوطها بابن أبي الحديد وأخيه موفق الدين وابن الساعي، وذلك بأمر من نصير الدين الطوسي.
وهذا النص يشعرنا ببقاء خزائن كتب بغداد على حالها، وأنّها كانت بتصرّف نصير الدين الطوسي الذي أمر بتعيين ثلاثة من كبار أدباء ومؤرّخي العصر للإشراف عليها وإدارتها. كما أنّ هذا النص ـ في الوقت نفسه ـ يدلنا على مدى التلاعب والتزوير في الكتاب المنسوب لابن الساعي الذي سبق لنا أن نقلنا ما ورد فيه عن مصير كتب بغداد حيث بدأ خبره بالتشكيك بلفظ: (يقال) ـ بأنّ المغول بنوا اسطبلات الخيول وطولات المعالف بكتب العلماء. في حين أنّ ابن الساعي وهو المؤرخ الكبير المعروف كان ببغداد وقت الحادثة وهو ممّن نجا منها، فلماذا يشك في الأمر ولا يجزم فيه وهو شاهد عيان. هذا إلى جانب كونه أحد الثلاثة الذين أناط بهم نصير الدين الطوسي مسؤولية خزائن كتب بغداد بعد سقوطها. ولعل هذا الخبر عن كتب بغداد في هذا الكتاب كخبر الآخرين عن إسلام هولاكو قبل موته بطريقة عجيبة وبمعجزة للرفاعيين. وإخباره عن أبي سعيد آخر سلاطين الايلخانيين الذي كانت وفاة ابن الساعي قبل ولادته بأكثر من ثلث قرن من الزمان.
ثمّ إذا لاحظنا ما ذكره صاحب الحوادث الجامعة أيضاً وابن شاكر الكتبي وابن كثير والمقريزي عن نقل الطوسي للكثير الكثير من كتب بغداد والعراق إلى المرصد الذي أسّسه بمراغة، نشعر أيضاً بانتقال قسم كبير من كتب بغداد إلى خزانة المرصد المذكور. وبملاحظتنا لما نقله القلقشندي عن أوقاف بغداد بعد سقوطها نستشعر بأنّ قسماً من كتبها ـ وهو جزء من الأوقاف ـ لم تعترضه أيدي المغول. وفي بقاء المدرسة المستنصرية على حالها وسلامتها من أذى الغزو، مع علمنا بأنّها كانت تضم خزانة كتب عظيمة فريدة لأمر يجلب الانتباه حقاً، ويفيد ببقاء خزانتها على ما كانت عليه قبل الغزو([406]).
يتحدّثون عن الطوسي
لقيت دعوة الطوسي استجابة كبرى لا من العلماء النازحين من مناطق الاحتلال المغولي فقط، بل من غيرهم أيضاً، من العلماء العرب وغير العرب الذي لبّوا الدعوة فدخلوا إلى مراغة حيث اجتمع هناك علماء من دمشق ومن الموصل ومن قزوين ومن تفليس ومن المغرب ومن سائر البلاد الإسلامية. ويحسن هنا أن نذكر ما كتبه العالم الدمشقي مؤيد الدين العرضي في مقدمة رسالته التي أنشأها في شرح آلات مرصد مراغة وأدواته والتي توجد منها نسخة خطية في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد. والعرضي هذا أحد العلمءا العرب الذين لبّوا دعوة رسول الطوسي فترك دمشق ومضى إلى مراغة عاملاً تحت لواء الطوسي في الميدان العلمي الواسع. وإليك ما كتبه في مقدمة رسالته: «… وذلك كلّه بإشارة مولانا المعظم والإمام الأعظم العالم الفاضل المحقق الكامل قدوة العلماء وسيد الحكماء أفضل علماء المسلمين بل المتقدمين، وهو من جمع الله سبحانه فيه ما تفرق في كافة أهل زماننا من الفضائل والمناقب الحميدة وحسن السيرة وغزارة الحلم وجزالة الرأي وجودة البديهة والإحاطة بسائر العلوم، فجمع العلماء إليه وضم شملهم بوافر عطائه وكان بهم أرأف من الوالد على ولده، فكنّا في ظلّه آمنين وبرؤيته فرحين كما قيل:
نميل على جوانبه كأنّا
نميل إذا نميل على أبينا
ونغضبه لنخبر حالتيه
فنلقى منهما كرماً ولينا
وهو المولى نصير الملة والدين محمد بن محمد الطوسي أدام الله أيامه ولقد كنت:
واستكبر الأيام قبل لقائه
فلما التقينا صغر الخبر الخبر
فللّه أيام جمعتنا بخدمته وأبهجتنا بفوائده وإن كانت قد أبعدتنا عن الأوطان والعشيرة والولدان، فإنّ في وجوده عوضاً عن غيره ومن وجده فما فاته شيء ومن فاته فقد عدم كلّ شيء فلا أخلانا الله فيه وأمتعنا بطول بقائه (انتهى).
وقال قاضي القضاة نظام الدين الأصفهاني يمدح نصير الدين الطوسي ويصف مرصد مراغة:
صفا شرب عيشي في صوى في مراغة
فظلت كما شاء المنى أتفرج
بها الرصد العالي النصيري مقصدي
إلى الفلك الأعلى به أتدرج
فللّه بانيه وطرق أبانها
إلى كشف أسرار الغوامض تنهج
أرى عصب التنجيم أحسن هيئة
به يستوي ما في التقاويم عوجوا
دقائق علم لا يجدن ثوانيا
حوى درجاً منه إلى الغيب يدرج
تسامي الهضاب الشم تتلع جيدها
عساها بما يبنى عليها تتوج
فغالت لعمري الحظ أرض مراغة
فمن كلّ إقليم عليها يعرج
فإن عيروا بابن المراغة شاعراً
فمدح على وجه الهجاء يخرج
بناء لعمري مثل بانيه معجز
تقربه الألحاظ والنفس تبهج
سيبلغ أسباب السماء بصرحه
يناغي كعاب الزهر منها تبرج
أقول وقد شاد البناء بذكره
وشيد قصراً لم يشده متوج
على الزهر أرصاد طلائع فكره
إلى الرصد المعهود من أين يحوج
ترصدت لقياه هناك وقربه
فكان منى من دونها الباب مرتج
ورمت سعود الجد في جنباته
فساعدني سعد بودي ملهج
وجدت سمه فألا علي مباركاً
مقدمة منها الميامن تنتج
إلى السدة العليا شمر ناهضاً
لتقبيله منه البنان يهيج
فكلفته عرض الدعاء وخدمتي
وحملته ما في الصحائف يدرج
ورمت على حال وقوف وقوفه
فهمي أن أنهي إليه يفرج
وأصدرت عن تبريز ما أنا كاتب
وصحبي ذموا العيس والخيل أسرجوا
لقصد جناب الصاحب الأعظم ارتمت
طلائع أسفار لما ناب تزعج
تكفل دفع الجور عنهم وإنّه
مواعيج صدق صبحها يتبلج
ولولا عوادي الخطب جئت ملبياً
دواعي أشواق لظاها تأجج
وجاء في ترجمة الطوسي في موسوعة (أعيان الشيعة):
… ويبدو أنّ همّ الطوسي انصرف أوّل ما انصرف إلى إنقاذ حياة أكبر عدد من العلماء وحفظ أعظم عدد من الكتب، إذ أنّه من الواضح أنّ الغزاة القادمين لا يمكن مقاومتهم بالقوّة العسكرية، وكان لا يصح التسليم وترك الوثنية تحل محل الإسلام، فإذا عجز المسلمون اليوم عن مقابلة السيف بالسيف فإنّهم لن يعجزوا عن مقابلة آثاره بالعلم والثقافة والدعوة الحسنة. فأدّت النتيجة إلى أن ينقلب الأمر ويعود المغول بعد ذلك مسلمين منافحين عن الإسلام.
بين جنگيز وهولاكو
جنگيز وهولاكو من طينة واحكدة: طينة الطغيان والظلم وسفك الدماء وتخريب العمران. وكلّ منهما هاجم الوطن الإسلامي وانتصر عليه. وقد كان مصير البلدان الإسلامية التي افتتحها هولاكو، في أوّل مرّة، مصير المدن التي افتتحها جدَّه جنگيز.
ففي عهد جنگيز انطلق جنده في بخارى يقتلون وينهبون ويهدمون ويهتكون الأعراض، ثم أشعلوا فيها النيران. وكذلك فعلوا في سمرقند وغير سمرقند في كلّ ما فتحوه من بلاد.
مضى جنگيز في ما مضى به من إحالة الشر في نفسه لأنّه كان يمضي بلا كابح يلوي عنانه ويروِّض جماحه ويثني من انطلاقه…
وكذلك فعل هولاكو في جميع المدن التي اجتازها وصولاً إلى مدينة «تون» التي خرَّبها وقتل جميع أهلها عدا النساء الشابات، على ما يذكر الجويني، مضافاً إليهن أصحاب المهن على ما يذكر الهمذاني. وبعد «تون» كان الوصول إلى قلاع الإسماعيليين وإلى ألموت بالذات، فكانت مذبحة «خور شاه».
من دون الدخول في التفاصيل ننقل هنا عبارة المؤرّخ محمد المدرسي التي قال فيها: «فضلاً عن مقام الطوسي العلمي استطاع بتأثيره على مزاج هولاكو أن يستحوذ تدريجياً على عقله وأن يروّض شارب الدماء…».
هذا القول من خير ما قيل عن علاقة نصير الدين الطوسي بهولاكو. وبعد تخريب «تون» وقتل أهلها، وبعد مذبحة «خور شاه»، وبعد استحواذ الطوسي على هولاكو توقف التخريب وتوقفت المذابح. وذلك لأنّه صار لهولاكو كابح عن الإيغال في التخريب والقتل، يتمثّل بشخص نصير الدين الطوسي.
كان من فضل هذا العالم الكبير على العالم الإسلامي، باضطراره لمصاحبة هولاكو، إن لم يكن مصير قزوين وهمذان والدينور وكرمنشاه وحلوان وأسد آباد والبصرة وتستر وكلّ مدن خوزستان ثمّ بغداد، وبعد ذلك ديار بكر ومدن الجزيرة وحماه وحمص والمعرة ثمّ دمشق، مصير بخارى وسمرقند، وكلّ ما كان في طريق جنگيز الطويل من مدن: حرقاً واستباحة.
ولا مصير المدن التي فتحها هولاكو حتّى قلاع الإسماعيليين وأسر نصير الدين فيها، مصيرها في الفجائع والنكبات والإحراق والقتل والنهب.
لقد أجبر هولاكو بجبروته نصير الدين الطوسي على السير في ركابه قصداً لاستغلال علمه، ولكن الطوسي عرف بعلمه وعقله وتدبيره كيف يستغل هولاكو، فانهزم الطغيان أمام الإيمان والعلم والعقل الكبير المدبّر.
يوجز الزركلي، في كتابه «الأعلام»، وصف الطوسي قائلاً: «فيلسوف كان رأساً في العلوم العقلية، علاّمة بالإرصاد والمجسطي والرياضيات. علت منزلته عند هولاكو فكان يطيعه في ما يشير عليه».
ولم يكن مستطيعاً ان يحول بين هولاكو وبين الفتح، ولكنه استطاع بإخلاصه وايمانه وقوّة شخصيته أن يحول بين هولاكو وبين السَّير على طريقة جنگيز في شرور هذا الفتح.
لم تتعرَّض أي مدينة إسلامية للإحراق والتخريب والهتك والقتل في الزحف المغولي الهولاكي منذ التقاء نصير الدين الطوسي بهولاكو، عدا مدينة الموصل التي لم يعرض لها المغول بشيء أوّل الأمر إلى أن عادت فثارت عليهم فنالها ما نالها من الأذى، وعدا حلب في بلاد الشام، ما يحتاج إلى توسُّع ليس هذا مكانه.
يقول الدكتور جعفر خصباك: «هولاكو لم يجر على سنّة جدّه جنگيز خان بتخريب أكثر أو كلّ المدن التي تقع في طريق زحفه وقتل سكّانها. ويبدو أنّ الصورة التي رسمها المؤرخون لفاتح بغداد المغولي إنّما هي انعكاس للأعمال التي قام بها جدّه في ما وراء خراسان…».,
ونقول: إنّ سيرة هولاكو ـ كما ذكرنا من قبل ـ كانت سيرة جدّه حتّى وصوله إلى قلاع الإسماعيليين واصطحابه نصير الدين الطوسي. والدكتور خصباك كان يتحدّث عن العراق فقط، وهو في كتابه لم يتجاوز العراق، لذلك لم يتحدّث عن العسف في غير العراق، ومن هناك كان حديثه سليماً.
في قزوين مع الأستاذ الصالحي
ثمّ يقول: «… ومن هذا كلّه يبدو أنّ عبارات التخريب التي أوردها المؤرخون عمّا جرى للمدينة (بغداد) مبالغ فيها، لأنّ المعالم الرئيسية للمدينة كقصور الخليفة والمدارس والأسواق وغالب المحلات بقيت من دون أن يصيبها غير تخريب محدود أمكن إصلاحه في وقت قصير…».
ونقول: كان من الطبيعي أن يحدث بعض التخريب في اليوم الأوّل من فتح بغداد، فإنّ تلك الجموع الهائجة من المغول التي اقتحمت بغداد كان من العسير في الساعات الأولى، الحوؤل بينها وبين انطلاقها الجامح فحدث ما حدث. ولكن أمكن إيقافها بسرعة من التمادي في الجموح، بفضل التدخل الحازم لنصير الدين الطوسي.
وأكثر من ذلك، فقد حمل الطوسي هولاكو على إعادة تعمير ما تخرب «بنفقة الدولة». جاء في «الحوادث الجامعة» وفي «جامع التواريخ»، وهذان الكتابان معاصران مشاهدان: «أنّ هولاكو أمر بإصلاح ما خرب من المدينة (بغداد) وترميم أسواقها وإعادة أعمال أهلها إلى ما كانت عليه سابقاً…»([407]).
وصاحب «مراصد الاطلاع» الذي كتب كتابه بعد فتح بغداد يتحدَّث عن محلات بغداد العامرة. هذا فضلاً عن دار الخلافة ودار الدويدار الكبير وجامع الخليفة الذي احترق وأعيد إصلاحه، والمدرسة النظامية وسوقها والمدرسة المستنصرية ومدرسة الأصحاب ومدارس وربط أخرى.
إلى ألموت
عزمت على زيارة ألموت استطلاعاً لحقائقها فقصدتها مع الأستاذ عبد الحسين الصالحي وحسن آغا مير بهاء في السادس من نيسان سنة 1989، وكان قد زارها المستشرق الروسي (إيڤانوڤ) المتخصص بالدراسات الإسماعيلية. ثمّ زرت بعد ذلك بسنتين المنطقة التي كانت دياراً للإسماعيليين: بكرنا متّجهين إلى قلعة ألموت حيث خرجنا في الساعة الثامنة، وانضم إلينا المهندس نصرة الله كاظمي الذي كانت سيّارته اللاند روفر الضخمة التي يسوقها بنفسه وسيلة انتقالنا إلى ألموت، لأنّ طريق ألموت لا يمكن أن تسلكه إلاّ مثل هذه السيّارات القوية. وهو طريق ترابي معبد منذ عشرين سنة تقريباً عبر الجبال الصلدة العالية، ومع ذلك لا يصل إلى ألموت بل ينتهي قبلها بمسافة بعيدة، ويبقى أمام السيّارة طريق عسير مشقوق بشكل بدائي.
بعد خروجنا من قزوين انعطفنا في طريق ألموت متجهين إلى الشمال عبر سهول واسعة خضراء بمزروعاتها المختلفة وكنّا ندنو من جبال ألبرز الممتدة شرقاً وغرباً إلى ما لا نهاية له، العالي منها مكلّل بالثلوج. وكنّا نمرّ ببعض البساتين المنتشرة هنا وهناك. وأخذت الجبال تتّضح لنا تدريجياً، ثمّ مررنا بقرية (كورانه) الصغيرة، ثمّ بقرية أخرى يخفق في وسطها علم إيراني وبقرية ثالثة فيها بعض البساتين المزهرة.
وهنا أضحت الجبال أمامنا واضحة جلية، ولمّا وصلنا قرية (رشتفون) وأشرقت لأبصارنا أزهار بساتينها كنّا قد دنونا من سفوح الجبال، وهنا انتهى الطريق (المسفلت) وبدأنا في طريق ترابي طويل، ولم نلبث أن صرنا في واد بين جبلين، ثمّ أخذنا بارتقاء الجبال التي كانت أشجارها مزهرة على يميننا وعلى شمالنا، وكان نهر صغير ينساب بينها.
صعود… صعود…، صعود مستمر في قلب الجبال الشاهقة، ومررنا بقرية (يزدجرد)، ومن العجيب أن يكون مصير اسم (يزدجرد) آخر الأكاسرة هو إطلاقه على هذه القرية البسيطة!.
وانتهت الزروع، وأوغلنا صُعُداً في صميم الجبال حتّى دنونا من القمم المكسوة بالثلوج ثمّ رحنا في صميمها مصعدين…
جبال إلى يميننا، وجبال إلى يسارنا، وجبال أمامنا، وقطعان من الخراف ترعى في الجبال!.
أبداً نحن في صعود عنيف مستهدفين الذروات العليا بين بقايا الثلوج، وبلغنا الذروات نمشي بينها غير مصعدين كأنّنا في سهل مديد، ولم نلبث أن عدنا إلى الصعود، وفوجئنا بمقهى على الطريق بين الأشجار.
صعود في صعود خلال القمم حتّى بلغنا أعلاها بين الثلوج، فاستبدلنا الانحدار بالصعود سائرين بين القمم، وأمام أبصارنا سلسلة طويلة، عريضة، عالية، شامخة من الجبال المغطّاة بالثلوج.
حسن الأمين بين قمم (خارود) الصخرية
وبعد مرورنا بقرية (خنجر بلاق) الواقعة إلى يسارنا في حضن الجبل، صار الانحدار بين الثلوج شديداً، ثمّ بدت إلى يسارنا عن بُعد قرية (مرك).
إنّ السلسلة الجبلية العظيمة المقابلة لنا والتي نهبط نحوها هي معاقل حسن الصباح التي نحاول الوصول إليها.
هنا فلاح يحرث على البقر وبعض الشجر، ثمّ فلاحان آخران يحرثان، ونحن في انحدار متواصل كنّا انتهينا فيه من الثلوج، حيث عنف الانحدار واشتدّ، فبدا اخضرار الأعشاب حولنا كما بدا بعض الشجر وبعض الأرض المزروعة، ثمّ ظهر في الأودية كثير من الشجر، وبدت قرية (قسطين لار) إلى يميننا في المنحدر بأشجار بساتينها المزهرة. ثمّ كان إلى يميننا أودية هائلة، وتابعنا الانحدار المتواصل، فشاهدنا قطعاناً من الغنم والماعز في مراعيها، ورأينا فلاحاً على حماره صاعداً في طريق الجبل كما رأينا أرضاً محروثة.
أمّا إلى الوراء فعندما تلفتنا إلى ما كنّا فيه ممّا ننحدر عنه الآن، فقد رأينا أنّ ما خلفناه وراءنا موغلين في الانحدار، كان جبالاً هائلة رهيبة!.
ثمّ بدت أمامنا في السفوح البعيدة بعض القرى. كلّ ذلك ونحن ننحدر هابطين وقد أحاط بنا بساط أخضر.
إنّ الذي أمامنا والذي وراءنا: جبال ووديان وشعاب وتلال وثنايا من أعجب وأروع ما خلق الله في الطبيعة.
هذه قرية (سياه دشت) تبدو في حضن الوادي الذي صرنا على حافته، وتقوم على ضفة نهر (شاهرود) الذي عبرناه على جسر حديدي واصلين إلى القرية.
نحن الآن في قلب الوادي الذي هو سهل واسع بين السلسلتين الرهيبتين، لقد هبطنا من السلسلة الأولى وأخذنا نصعد في السلسلة المقابلة.
وإذا كنت أقول: سلسلتان، فلا يعني أنّهما سلسلتان وحيدتان.
إنّ الجبال هنا سلاسل وراء سلاسل… وراء سلاسل… إلى ما لا يمكن أن تعيه وتدركه.
بدأنا الصعود في أرض جرداء، وتلفَّتنا إلى الوراء فرأينا ما جعلنا نكاد لا نصدق أنّنا كنّا هناك في تلك الجبال الثلجية المرعبة، وأنّنا هبطنا منه لنواجه ما هو أشدّ إرعاباً!…
كان الصعود أوّل الأمر غير شاق مضينا فيه بين اخضرار من حولنا، ثمّ عدنا إلى الانحدار الطويل البعيد الغور حتّى صرنا في واد ضيق يجري فيه نهر (أوان) الذي هو من روافد نهر شاهرود، وعبرناه على جسر لنعود إلى الصعود من جديد، وأوغلنا في الصعود أي إيغال، ورأينا قطعاناً من الغنم، ثمّ مررنا بقرية (بيكين) مجتازين وسطها ببيوتها الطينية.
ولسكان هذه القرية وسكان أربع قرى أخرى غير بعيدة عنها، وأربع قرى أخرى بعيدة في (رودبار) حديث لا بد من إيجازه هنا، وهذه القرى هي: وسته، ويوج دُرجاك، وتلو، وأسب مرد، وسوخته كش، وكش آباد، ورتايان، وزنا سوج، وهلارود، وصبوجين، وديكين، وابيترك.
إنّ لسكان هذه القرى عقيدة دينية سرية لا يظهرونها لأحد، ويكتمونها كلّ الكتمان، فقال بعض الناس عنهم إنّهم زرادشتيون، وقال آخرون إنّهم إسماعيليون نزاريون، ولكن كلا القولين لا يصح، فالزرادشتيون موجودون علناً في إيران لا يخفون عقيدتهم. وكذلك النزاريون.
حسن الأمين والأستاذ الصالحي ووراءهما بحيرة أوان وبعض القرى وهو منظر من أروع ما تقع عليه العين
وقد حاول أحد الباحثين إعداد دراسة جامعية عنهم فاتصل بهم فلم يحظ منهم بطائل.
وحدّثني رفيقنا الأستاذ عبد الحسين الصالحي أنّه صادق واحداً منهم وأوجد له عملاً يعتاش منه، فلمّا سأله عن حقيقة عقيدتهم لاذ بالصمت المطبق، ولمّا كرّر عليه السؤال بعد ذلك ترك عمله الذي أصبح مورد رزقه وانقطع عن الأستاذ الصالحي، وصار إذا رآه حيّاه مبتعداً بإشارة من يده متجنباً لقاءه.
ويطلقون عليهم في إيران اسم (كلّه بُز).
وقد عرفنا بعد ذلك من عقيدتهم أنّ الطلاق عندهم ممنوع، وإذا حدث أنّ طلّق أحدهم زوجته فإنّ أحداً منهم لا يتزوجها، وإذا مات الزوج لا تتزوج زوجته بعده، وأنّهم يصومون في السنة ثلاثة أيام. وهم يحرمون أكل لحم الحيوان الحامل، ويحرمون أكل رأس الماعز، وربّما لذلك ولما يأتي كان اسمهم (كلّه بُز)، فإنّ معنى كلمة (كلّه) الرأس، ومعنى كلمة (بُز) الماعز.
وهم يحرمون أكل الجبن، ولا يزوجون أحداً من غيرهم، ولا يتزوجون من غيرهم.
ولديهم جلسة سرية سنوية تعقد في أوّل ليلة في فصل الشتاء هي أطول ليلة وأقصر نهار. وعندما يجتمعون في هذه الجلسة يضعون حرساً حول مكان الاجتماع لئلا يدخله غريب عنهم، ويطبخون رأس عنزة ويتناولون منه بعد بركة الشيخ ويقرؤون بعد ذلك دعاء. ويسمّون هذه الليلة (شب يلدا) أي ليلة يلدا.
وهذا ما انكشف من أسرارهم، ولكن من الأكيد أنّ عندهم أسراراً لم يكشفها أحد بعد.
على أنّ من الغريب ما حدّثنا به السيد ناصر القوامي، وهو من أفاضل العلماء ومخالط لجماعة كلّه بُز أنّهم في مظاهرهم لا يختلفون عن المسلمين في شيء، فلهم مساجدهم ويصومون ويصلون ويفعلون كلّ ما يأمر به الإسلام، حتّى أنّ واحداً منهم جُند في الحرب العراقية الإيرانية الأخيرة، فكتب وصية قبل ذهابه إلى الحرب وجعل السيد ناصر وصياً، وكان ممّا أوصى به مبلغاً من المال ينفق ـ إذا قتل في الحرب ـ على بناء مسجد، فنفذ الوصي الوصية وقبض المال وبنى المسجد.
وأوغلنا في الصعود… صعود… صعود… منتحين القمم العالية، ومررنا بقرية من بضعة بيوت اسمها (مياني خاني). وكانت القمم التي نقصدها تبدو أمامنا قمماً هائلة، وكنّا في الوقت نفسه نمشي بين القمم قاصدين القمم الأعلى.
ووصلنا قرية (مُعلّم كلايه) التي ترتبط بها أربع قرى أخرى هي أكبرها، وتبدو على القرية مظاهر حضارية عكس القرية السابقة (بيكين) التي هي قرية بدائية.
ومن القرى التي ترتبط بقرية (معلم كلايه) قرية (شمس كلايه) التي تقع في سفح قلعة من قلاع الإسماعيليين النزاريين، هي عبارة عن كهف كبير يتداخل في كهوف أخرى متّصلة به. ويسمّونها هناك قلعة (شمس كلايه) ولا ندري هل أنّ القلعة أخذت اسمها من القرية أم أنّ الأمر بالعكس.
وقد وصفها لنا بما قلنا أحد الأشخاص القلائل الذين استطاعوا الوصول إليها، لأنّ الوصول إليها يكاد يكون مستحيلاً. وقيل لنا إنّ المعروف هناك أنّ الإسماعيليين كانوا يصعدون إليها بسلالم من الحبال يدلي من بداخلها إلى من يريدون الوصول إليها منهم.
كنّا طوال سيرنا نسير في طريق من أعجب الطرق، فما نكاد نخترق سلسلة من الجبال حتّى ننتهي إلى سلسلة أخرى، فنهبط ثمّ نصعد، ثمّ نهبط ثمّ نصعد… وهكذا.
كنّا نسير تارة بين تلال هي في الحقيقة قمم الجبال، وتارة في جبال، وتارة في وديان هي في الحقيقة ثنايا الجبال.
إنّنا الآن نهبط ونهبط وحولنا زروع وأمامنا الجبال التي هي أشد هولاً من كلّ هائل مررنا به.
لقد عرف الحسن الصباح كيف يختار معاقله. فأي جيوش تستطيع سلوك هذه المسالك؟!
كانت قلعة (شمس كلايه) أشبه بمخفر أمامي استطلاعي يراقب من يحاول التقدّم، ومن الذي يستطيع التقدّم من هنا؟!
نحن الآن نهبط، ونمعن في الهبوط حتّى صرنا في قلب الوادي، ووصلنا قرية (شهرك).
هذا الوادي هو لزراعة (الرز) لكثرة مياهه، عبرنا فيه على جسر رافد من روافد نهر شاهرود، ثمّ على رافد آخر قريب منه. وانطلقنا في قلب الوادي حتّى اجتزنا بقرية (دوزدك سر) على جسر لرافد ثالث للنهر الكبير، ثمّ بقرية (محمد آباد) المتصّلة بالقرية الأولى. ولا نزال نسير في الوادي الروي البعيد المدى، وهذا جسر رابع على رافد رابع، وهذه قرية (شترخان) نمرّ بها إلى رافد خامس ولكنّه صغير لم يقم عليه جسر فعبرناه وسط المياه.
وهنا كان قد انتهى الطريق المعبّد، فوجب علينا أن نسير في طرق يصعب فيها السير ويشق، فواصلنا السير مارّين على جداول متتابعة، هي الأخرى روافد صغيرة لنهر شاهرود الكبير.
ثم بدأ الصعود الجبار في جبال من أعجب ما في الدنيا من جبال، وكانت لا تخلو من حقول مزروعة وأشجا رمبثوثة، وإذا بنا نعود إلى الانحدار العنيف عابرين على جدول، عدنا بعده إلى الصعود العنيف حتّى قرية (كازرخان).
أمام قاعدة القلعة مع الأستاذ الصالحي
ولندرة ما يمر بهذه القرية من سيّارات كان وصول سيّارتنا إليها عاملاً على تجمهر أطفالها مستطلعين متعجبين، بل عاملاً على تجمهر بعض الرجال أيضاً.
وهذه القرية (كازرخان) تقع على مقربة من سفح قلعة (ألموت)، وتواجهها القلعة على القمة القريبة، ويفصل بينهما واد على شكل خندق كبير، والقرية محاطة بالأشجار من كلّ جانب.
وكان وصولنا إلى القرية في منتصف الساعة الثانية عشرة، أي أنّنا قضينا في الطريق ما بين مدينة قزوين وبين قرية كازرخان في سفح قلعة ألموت ثلاث ساعات ونصف الساعة.
وبدت القلعة حيالنا على قمة صخرية كبرى تمتد وراءها الجبال الصخرية. وكان على السيّارة أن تقف هنا فلا تتعدّى ما بعد القرية إلاّ مسافة لا تتجاوز مئات الأمتار، إذ لا سبيل للسيّارة إلى تجاوز ما وراء ذلك.
وتقدّمنا نحن قليلاً إلى ما هو أقرب إلى مواقع القلعة حتّى صرنا في سفح صخرتها الضخمة على قيد أمتار من القاعدة.
وبدا موقع القلعة فوق الصخرة الهائلة، محاطاً بالجبال شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وهي في قمة جبل تكتنفه الوديان الفاصلة بينها وبين الجبال.
ويجري جدول صغير منحدراً في سفوح صخرة القلعة، وتُرى قطعان من الضأن ترعى في سفوحها المنبتة.
لقد أوصلتنا السيّارة إلى سفح قلعة ألموت عابرة ما عبرت من جبال شامخة وأودية سحيقة، وحطت بنا على السفح المنشود، وها نحن غير بعيدين عن القلعة التاريخية العظيمة. ولكن هذا الذي يبدو لأعيننا غير بعيد، كان في الحقيقة بعيداً كل البُعد، بل إنّ بُعده هذا الذي هو غير بعيد ـ يحول بيننا وبين الوصول إليه؟!
ماذا؟ أأتكلم بالألغاز؟! لا ألغاز ولكنّها حقيقة واضحة، تبدو وكأنّها من صميم الألغاز!
بيني وبين الوصول إلى صميم القلعة مسافة تعدّ بمئات الأمتار، ولكن هذه الأمتار ممعنة في الصعود.
إنّها قريبة بالرغم من إمعانها هذا!!
ولكن إذا كانت المسافة المكانية بيني وبين القلعة تعدّ بمئات الأمتار، فإنّ المسافة الزمنية بيني وبينها هي إحدى وثمانون سنة.
إحدى وثمانون سنة من العمر هي التي تفصل الآن بيني وبين القلعة!. فكيف لي وأنا أحمل هذه السنين الثقال بأن أصعد الجبل على قدميّ إلى قلعة حسن الصباح؟!
لقد كان لحسن الصباح فدائيوه الذين طالما قذف بهم إلى اغتيال من ناوؤوه وعادوه، وفكرت وأنا في سفح قلعته في ذلك!. واستعرضت في ذهني مواقفي منه، وهل هي ممّا يسلكني في صف من يستحقون أن ينالهم فدائيوه بالشر؟ وما يدريني أن لا تكون قلعته بموقعها الشامخ معدّة إعداداً محكماً لاغتيال من يغضب عليهم حسن الصباح وهو في قبره، فتقتلهم وهم يحاولون الصعود إليها؟!
استعرضت مواقفي من حسن الصباح، فرأيت أنّني قد أحسنت الدفاع عمّا نسب إليه وإلى جماعته من بعده من تهم باطلة لا أصل لها…
لم يكن هناك مجال للتردّد لأنّ خوف الصعود مشياً على الأقدام قد أزاله إحضار (حمارة) من القرية أعدّها الرفاق لي، فامتطيتها ومضت صاعدة بي وأنا لا أكاد أتماسك على ظهرها لما في الطريق من مزالق، وصبرت على ذلك حتّى بلغنا مكاناً لا تستطيع حتّى (الحمارة) سلوك طريقه، فكان لا بد من النزول والتوقّف.
ونزلت متطلعاً إلى موقع القلعة، فإذا لا يزال بيننا وبينها مراقي طويلة. هيهات أن يتاح لي اجتيازها على قدميّ، فقرّرت الاكتفاء بما وصلنا إليه، بعد أن عرفت الكثير ممّا يجب معرفته. ولكن تشجيع الرفاق، والتفكير بخيبة عدم الوصول إلى القلعة بعد أن صرت على وشك الوصول إليها. كان دافعاً على المغامرة فمشيت وئيداً، ومضيت أمشي قليلاً وأجلس كثيراً حتّى بلغنا القمة المنشودة.
لم يبق من القلعة بعدما أمر هولاكو بتخريبها، إلاّ بقايا جدران وأكوام من الأحجار، أو أحجار متناثرة، وأطلال غرف، وبقايا صهاريج ماء، وغرف منحوتة في الصخر كانت على ما يبدو صهاريج مائية.
حسن الأمين مع الأستاذ الصالحي وصهره في سفح الصخرة التي تقوم عليها قلعة ألموت
إلى الشرق من القلعة واد صخري سحيق، وإلى الغرب واد مثله وكذلك إلى الشمال والجنوب ولكنّها أودية غير صخرية، وهي أودية يتعذر على جيش مهاجم للقلعة أن يجتازها سليماً.
ووراء هذه الأودية ما لا يدرك الطرف مداه من جبال وأودية، ونقول جبال وأودية لأنّ لا كلمات أخرى تحل محلها، وإلاّ فهي فوق أن تحمل اسم الجبل أو الوادي، إذا كان مفهوم ذلك ما يمكن أن يتخيّله الإنسان ممّا سبق أنّ رآه من الجبال والوديان.
وإذا تجاوزت التفكير بالماضي والاعتبار به، واكتفيت بالنظر إلى ما هو أمام عينيك، فإنّ تلك الجبال والوديان والقمم والثنايا والشعاب من أروع ما يمكن أن تقع عليه العين.
ولا يفوتنا أن نقول بأنّ ارتفاع الصخرة التي تقوم عليها القلعة هو 150 متراً. وارتفاعها عن سطح البحر هو 1950 متراً، وأنّ طول القلعة حوالي 120 متراً، وعرضها بين 10 أمتار إلى 35 متراً.
أين الجنة؟
ومن أوّل ما يتبادر إلى الذهن وأنت في القلعة البحث عن المكان الذي زعم الزاعمون أنّ الحسن الصباح أقام فيه جنته التي كان يغري بها فدائييه لاقتحام الأهوال. وقد تطلعت إلى كلّ مكان باحثاً عن البقعة التي تصلح لأن تقام فيها الجنة، فلم أجد تلك البقعة، لا في الأودية الصخرية ولا في السفوح المهاوي، ولا في القمم الثلجية.
على أنّني وجدت أنّ ما يعشب من تلك الأرضين يمكن أن يدل على أنّ ما قاله القائلون من أنّ أصل كلمة (الحشاشين) التي لحقت بالإسماعيليين النزاريين، هو (الحشائشيون)، أي الذين يجمعون الحشائش الطبية ويصدرونها لغيرهم ـ إنّ ذلك يمكن أن يدل على أنّ هذا القول سليم، لإخصاب تلك الأرض بالحشائش، وتنوّع تلك الحشائش.
أين هذا السكون المهيمن على هذه الخرائب الباقية من قلعة ألموت من ذاك الضجيج الذي كان يلف القلعة من كلّ جانب؟
لقد خلت ألموت من عُمّارها، وباد أولئك الذين ملؤوا الدنيا من حولهم صخباً وثوراناً، ولم يبق منهم ما يدل عليهم، ولولا أنّ سطور التاريخ وحدها هي التي تشير إليهم، لما كان في هذا المكان ما يشير إلى أنّهم حلّوه أقوياء أشداء مرعبين.
وإذا كان الشريف الرضي قد قال حين مرّ على اطلال (الحيرة):
باق بها حظ العيون وإنما
لا حظ فيها اليوم للآذان
فإنّه لا حظ لعيون من يمر على أطلال (ألموت)، إذا كان المقصود أطلال ما خلف الماضون، ولكن حظ العيون للمتطلع من قمّة ألموت هو حظ كبير، إذا كان المقصود بذلك ما أضفى الله من الروعة والجلال على ما حولها ممّا تعالى أو انحدر أو انبسط.
على أنّك مهما انفعلت بالطبيعة ومشاهدها لا تستطيع إلاّ أن تردّد قول الشاعر الآخر:
مرابع إن تلمم بها بعد عزّها
رأيت دبيب الموت من كلّ جانب
وأمر قرية (كازرخان) وريثة ألموت أمر يدعو إلى التأمل، وإذا كانت القرية لم تقم على القمة، بل على السفح لأنّ الكازرخانيين حين قرّروا الإقامة هنا لم يكن في ذهنهم عدو يهاجمهم فيمتنعون منه بالقمة، ولا هم فكروا باستعداء الناس، لذلك آثروا النزول هنا على الماء الجاري في سفحهم المعشب.
وأنا لا أعرف شيئاً عن ماضي الكازرخانيين، وعن تاريخ حلولهم في هذه القرية، فلربما كانوا ممّن سلم من مذابح المغول في القلعة، فهم من سلالة النزاريين الذين نجوا بأنفسهم، ثمّ آثروا الإقامة غير بعيد عن مقامهم الأوّل.
لم تتسنّ لي محادثتهم واستطلاع شؤونهم لأنّنا كنّا معجلين في العودة ولقد كانوا كراماً فأعدّوا لنا غداء سخياً تناولناه بعد الإياب من القلعة، كما أنّه كان منهم صاحب (الحمارة) التي استأجرناها لصعود الجبل.
على أنّ الأكيد أنّ عقيدتهم ليست العقيدة الإسماعيلية النزارية، بل هم شيعة جعفريون. وهم منعزلون بعض الانعزال عن العالم وقلّما تصل سيّارة إلى قريتهم لوعورة الطريق الذي لا يمكن أن تقطعه إلاّ سيّارات من نوع قوي غير عادي. لذلك رأينا تجمهر الأطفال عند سماعهم أزيز السيّارة، بل تجمهر بعض الرجال، لأنّ وصول السيّارة لقريتهم حدث يُرى ويُعجب!…
ولقد تأمّلت في وجوه من لقيناه منهم لعليّ أرى فيها ما يدل على أصل فدائي جبّار، نستنتج منه على أنّهم من سلالات نزارية مفادية!.
فربما كان هذا الشيخ المضياف الماثل أمامي حفيداً لذلك الفدائي الذي غرس المدية تهديداً قرب سرير الملك السلجوقي سنجر، في اللحظات التي كان سنجر يغط فيها بنومه!.
ولربما كان هذا الشاب المعوان المنهمك حيالي برصّ صحاف الطعام سبطاً لذلك الفدائي الآخر الذي جرّد خنجره على الفقيه الرازي، فارتدع الفقيه عن شتم النزاريين في مجلسه إلى الأبد!.
وربّما كان هؤلاء الغادون الرائحون من هنا وهناك متحدرين من تلك الأصلاب التي طالما أرعب أصحابها من أرعبوا!.
ولكن الوجوه (الكازرخانية) لم توح إلاّ بالدعة، ولم أجد في قسماتها إلاّ الأمن والسلام.
إلى ديار الإسماعيلية النزارية
السابع من حزيران سنة 1991 كنّا نخرج من مدينة قزوين في سيّارة جيب ضخمة عابرين السهول الفيح بين حقول القمح الممتدة إلى كلّ مكان، وكانت تواجهنا من بعيد سلاسل جبال (ألبرز)، وبدا لنا في قمة من قممها نصب عال يطل في مدى واسع على ما أمامه من سهول مترامية الأطراف.
حسن الأمين في ظل قلعة ألموت
هذا النصب هو بعض ما أعدّه الإسماعيليون النزاريون لمواجهة الأخطار، فهو عين راصدة لا تفوتها تحرّكات المقبلين في الأرض المكشوفة، فإذا لمحت ما يريب أوقدت ناراً أو أرسلت دخاناً أو أطارت حماماً، إشارة إلى الخطر الداهم، فتكون النار أو الدخان أو الحمام إنذاراً يحتاط معه المحتاطون.
وكان هذا النصب أوّل ما نبصر من مظاهر الحياة العسكرية للنزاريين، وأوّل ما يطالعنا على أبواب ديارهم التي نمشي إليها حثيثاً. وهو إن دل على شيء فإنّما على شدّة الحذر الذي كانوا يمارسونه في جبالهم التي لا تشبهها جبال.
ولم نلبث أن مررنا بنهر (باراجين) الجاري إلى يميننا. ثمّ عبرناه على جسر جعل النهر إلى يسارنا، ورأينا الدسكرة التي تقوم على ضفّتيه ومواقع المطاحن الكبرى التي كانت تدور بماء السد المشاد على النهر، ثمّ زالت مع ما زال من القديم بحلول الجديد المتطور محله.
وبعد مرور ثلاثين دقيقة على خروجنا من قزوين انتهى طريق الإسفلت، وتشعّب الطريق فمشينا في الشعبة الترابية، فكنّا في تخوم (جبال الديلم)، وعلى أبواب مداخلها.
ولهذه الجبال ذكر موغل في التاريخ ليس هنا مكان الحديث عنه، ولكن طروق جبال الديلم لا يمكن أن يمر دون أن يعيد الفكر إلى العصور التي كانت فيها هذه الجبال مسرحاً لأحداث لا تزال أصديتها تتجاوب في مسامع الزمن. فأنا الآن أسمع قول الشاعر القديم:
قد يعلم الديلم إذ نحارب
حين أتى في جيشه ابن عازب
بأن ظن المشركين كاذب
فكم قطعنا في دجى الغياهب
من جبل وعر ومن سباسب
وإذا كان هذا الشاعر أنشد ما أنشد محارباً، وعبر هذه الجبال مقاتلاً، فإنّنا نردّد شعره مسالمين، ونعبر الجبال مؤاخين متحالفين. وإذا كان يعلن بأنّ ظنّ المشركين فيها كاذب، فإنّنا نعلن أنّ فيها اليوم: المؤمنين الذين لا تكذب ظنونهم. على أنّنا مثله: كم نقطع (من جبل وعر ومن سباسب)، ولكن لا في دجى الغياهب، بل في وضح النهار وتألق الشمس ومتوع الضحى.
ومضينا في الجبال التي تكاثفت حولنا شاقين لها في واد طويل مررنا فيه على جدول ينحدر من الأعالي بين الصخور، وتقوم الأشجار على ضفته، ومن فوقها الحقول الخضراء الضيقة المستطيلة.
ورحنا نوغل في الوادي في قلب جبال الديلم، والنهر والشجر إلى يمننا في قلب الوادي، ثمّ انقطع كلّ ذلك وعادت السفوح الصخرية، ثمّ عادت شجرية، ونحن بين الجبال.
ولاح إلى يسارنا كوخ متفرّد في ذلك البر، وحياله على الضفة الثانية من الطريق غابة أشجار، ثمّ لاح لنا كوخان آخران. وكان من الغريب وجود هذه الأكواخ في هذه الأمكنة، ولكن بعد أن عرفنا أنّ هذا الطريق الترابي الذي نسير فيه لا يعود تاريخ شقّه إلى أكثر من ثلاث سنوات، استنتجنا أنّ هذه الأكواخ ربّما كانت محطات للمسافرين على ظهور الدواب يفيئون إليها من عناء السفر.
نحن نسير الآن صعوداً فوصلنا قرية (زدشك) بحقولها الخضراء، وبدت القرية إلى يسارنا ببيوتها الطينية محاطة بالأشجار الممتدة إلى خارجها، ما يدل على ماء غزير هنا يروي البساتين.
وواصلنا السير صعوداً في صميم الجبال الخضراء، ومنذ سلكنا هذا الطريق كانت سيّارتنا هي الوحيدة فيه، إذ لم نصادف أيّة سيّارة صاعدة أو هابطة، إلى أن رأينا الآن شاحنة تهبط نزولاً…
وبعد اجتيازنا بحيرة (دريابك) صادفنا حافلتين تتجهان نحونا واحدة بعد أخرى.
ومضينا مصعدين صعوداً غير عنيف بين خضرة الجبال حولنا وأمامنا، ثمّ بدت لنا السلسلة الجبلية الضخمة التي نتجه إليها، والتي هي قلب الوطن (الصبّاحي)، وإذا كنّا الآن نمشي في هذا الوطن ونعبر فيه الجبال المتكاثفة: قمماً عالية وأغواراً هاوية، فليس كلّ ذلك إلاّ خطاً دفاعياً أوّل ـ على التعبير العسكري الحديث ـ يصدّ من تسوّل له نفسه التقدّم إلى القلب.
ولم يلبث الجبل أن صار إلى يسارنا، والوادي السحيق إلى يميننا، وكانت بعض القرى الشجراء تتناثر في الوادي.
وبعد السيّارات الثلاث أقفر الطريق إقفاراً كاملاً، وبقينا وحدنا في هذا الطريق الطويل غير العريض.
ثمّ تشعّبت الجبال والأودية إلى يمننا وتداخل بعضها في بعض، وأخذنا بالانحدار بعد التصعيد المستمر، وفجأة أبصرنا (منحلاً) كبيراً في وسط البرية الواسعة المقفرة، وأحسن مربو النحل اختيار المكان المعشب المزهر لاجتناء العسل، ولكن أين هم أصحاب هذا (المنحل) المنتشر على مساحة واسعة؟ إنّنا لم نحس إنساناً في طول هذا الطريق الطويل وفي عرض هذه الدنيا العريضة التي نجتازها!.
وأوغلنا في انحدار متواصل ففوجئنا بشاحنة ثمّ بأخرى في اتجاهنا. واشتدّ الانحدار اشتداداً سيوصلنا إلى الوادي العظيم الفاصل بين السلسلتين العظيمتين: السلسلة التي ننحدر منها والسلسلة التي نمشي إليها. وتنوّعت أمامنا مناظر الطبيعة الأخّاذة التي تشْده بأفانين جمالها. كلّ ذلك في طريق مقفر وأرض خالية حتّى لتحسب أن لا بشر هنا.
وإذا كان الشاعر العربي القديم قال:
عوى الذئب فاستأسنت بالذئب إذا عوى
وصوّت إنسان فكدت أطير
فإنّنا كنّا نتمنّى لو يعوي الذئب أو يصوت الإنسان فنستأنس بالاثنين ولا نحسّ بوحشة الكون الخالي من الإنسان والحيوان.
وأبواق السيّارات التي طالما دوّت في آذاننا كريهة الدوي كنّا نتمنّى لو تدوي هنا فتكون حبيبة الدوي سائغة الزعيق.
ننحدر وننحدر راكضين في مملكة حسن الصباح إلى الوادي الخصيب الرحب. وإذا كان عزّنا حتّى الآن عواء الذئاب وتصويت البشر، وإذا كنّا افتقدنا الإنسان والحيوان فيما نمشي فيه من جبال وأودية، فإنّ قطيعاً كبيراً من الغنم فاجأنا بظهوره منكباً على الأرض المعشبة يوسعها قضماً، وراعياً يقف إلى جانب الطريق متكئاً على عصاه التي لم يكن في حاجة لأن يهشّ بها على القطيع الساكن الوادع!.
واشتدّ انحدارنا من الجبال الهائلة، فلاحت إلى يميننا قرية (فلار) في قلب الأودية والجبال، وفوقها غابة مكتظة، ومررنا ببيوت متطرفة من القرية، بيوت طينية بدائية ضاوية!.
المنحل العامر بخلياته المتراصفة صفوفاً نظيمة، بصناديقها الفنية المصوغة على أحدث ما تصاغ به صناديق خلايا النحل في أرقى البلاد.
المنحل الذي فاجأنا ظهوره في البرية المقفرة، هو نقيض هذه القرية مظهراً ومخبراً!.
ومضينا منحدرين فطلعت لنا سيّارة جيب عسكرية، كانت وحيدة في الطريق البعيد المدى.
ثمّ لاحت كتل الجبال المقابلة واضحة، وبدت في الوادي قرية (رازميان) التي سنعود إلى ذكرها، ولاحت فوقها قلعة (لمبسر) إحدى أشهر قلاع الإسماعيليين النزاريين، وهي التي ننوي الوصول إليها فيما ننوي الوصول إليه من القلاع والديار.
هنا حيال رازميان المغمورة بالزروع والبساتين، والمطلة عليها من فوق الشواهق قلعة (لمبسر) تبدو حقيقة مملكة حسن الصباح.
لم تكن الحياة في هذه المملكة جافة خشنة كما قد تبدو من وصف معاقلها والحديث عن مواقعها، ولم تكن عسكرية العيش فدائية التحرّك، عيشاً لا تعدوه وتحرّكاً لا يميزها غيره.
هناك على القلعة الشامخة فوق الجبل قلعة (لمبسر) بوحشتها وانقطاعها، هناك تتحرّك عقول العسكريين وتدبر مؤامرات الفدائيين.
وهنا في الوادي البهيج في (رازميان) تنطلق الحياة مرحة في ظلال الشجر وانبساط العشب وتدفق الماء.
هنا تتحرّك أيدي المزارعين وأقدام الفلاحين وأفكار الشاعرين والكاتبين.
فمن القمم ومن السهول، من الصخور الصلدة والغصون الغضة، من غلظة الجبل ورقّة الوادي، من تمازج ذلك كلّه وتفاعله كانت تتألف مملكة حسن الصباح وخلفائه، فكان لها ما كان من الدوي الصاخب في مطاوي التاريخ.
طال انحدارنا بين المرائي الطبيعية الجميلة، الجبلي منها والودياني، فقد تجلّى لنا الآن الوادي الخصيب الروي، ووضح بكلّ معالمه الرحبة المنطلقة في كلّ مكان بحسنها الريان.
ورحنا ننحدر في طريق مقفر من كلّ إنسان، هذا الإقفار المتوالي الذي نشهده هنا في هذه الأرض المخصاب على هذا الطريق المفترع للجبال والآكام والوهاد.
هذا الإقفار العجيب أعاد إلى ذهني وحشة الشعراء القدامى وهم يجوبون البوادي على ظهور الإبل، وحشتهم من توحّدهم في سيرهم الطويل، فألهمهم ذلك شعراً جميلاً، رحت أكد ذاكرتي لستعفني بشيء ممّا استظهره منه متمثلاً به هنا في هذه السبل القفراء، فكان أوّل ما عنَّ على الذهن من ذلك قصيدة جاء في أوّلها:
وصلنا السرى بالسير نقطعها قفرا
مهامه لا تهدى إليها القطا إثرا
على يعملات كالقسي تفاوضت
أحاديث من تهوى فطاب لها المسرى
على أنّنا نحن لم نكن نواصل (السرى)، بل (السير) فقط، ولم نكن في مهامه بل في مساكن ومزارع ومغارس وينابيع، ومع ذلك فقد كنّا كذاك الشاعر نقطعها (قفرا).
وشتان بين (يعملات كالقسي) كانت تقلّه ورفاقه، وبين (سيّارة الجيب) التي كانت تقلّنا، وإذا استطاعت شاعريته أن تجد تشبيهاً جميلاً (ليعملاته)، فقد عجزت أنا عن أن أجد مشبهاً به لهذه (الجيب) الضخمة القوية!.
وما كان أرقّه وأعذبه وهو يتحدّث عن الهوى وأصحاب الهوى، وأنّ المسرى في المهامه المقفرة، على مشقاته، كان يطيب بمجرد تذكر من يهوى، والتحدّث إليه، تفاوضاً بينه وبين الحبيب الماثل في خاطره!.
أيّها البعيدون هناك في بيروت وبغداد ودمشق وشقرا، إنّنا كنّا كهذا الشاعر نستطيب المسرى المجهد حين نتذكركم!.
ورحنا ننحدر وننحدر، والشعر البدوي ملء الذهن، فإذا (المشبّه به) الذي عجزت عن إيجاده لأضيفه إلى (الجيب) المنحدرة التي تحتوينا، إذا بذاك الشعر يمدّني به، وإذا بي لا أجد لإحدى معجزات الحضارة إلاّ مشبهاً به مستمداً من صميم شعر البداوة، إنّ هذه (الجيب) المنحدرة بنا بقوّة كانت كما قال امرؤ القيس: (كجلمود صخرٍ حطّه السيل من علِ)!.
وبينا نحن ننحدر في طريق مقفر من كلّ إنسان، إذا بدراجة نارية تفاجئنا صاعدة بدويها المعهود.
ومرّت بطيئة السير، تصدّها العقاب عن الانطلاق، وتلاقينا معها، تصدّنا الوهاد عن الانطلاق. كنّا هابطين مبطئين، وكانت صاعدة مبطئة، فكنّا كلانا في هذا الطريق الترابي المثير للغبار، وبما عبرنا به، وما نعبر من بيوت طينية في القرى الضاوية.
كنّا جميعاً صورة للحياة في هذه الأرض: حضارة متثاقلة الخطى، يلفّها العجاج ويعيقها المهبط والمصعد!.
ولاحت في الوادي قرية (بهرام آباد)، واجتازتنا حافلة صاعدة من حيث نهبط، ثمّ سيّارة صاعدة، ثمّ سيّارة (ستيشن) محمّلة بالحطب صاعدة.
وبدا أنّنا على مشارف تبدل الحياة هنا، وأنّ الحركة بدأت تمور مورانها الطبيعي إن لم يكن كاملاً فهي على كلّ حال حركة كنّا نفتقد مثلها من قبل.
وبدت قرى الوادي متناثرة بخضرتها اليانعة، خضرة أشجار وزروع. ودنونا من الوادي وظهرت (بهرام آباد) واضحة أمامنا، ثمّ صرنا في قلب الوادي إلى جانب بهرام آباد التي بدت قرية بدائية ببيوت طينية هامدة.
نحن الآن بين حقول (الرز) المنتشرة في هذا الوادي الخصيب، وكان زارعوه يخوضون الماء لغرسه. فهذا الوادي هو من أكبر منابت (الرز)، ثمّ عبرنا جسراً على نهر (شاهرود) الذي يمدّ هذه الأرض بالحياة من مائه الدافق فيها، ومضينا نشاهد منظرين: منظر الرز مزروعاً ومنظر القمح محصوداً. وكانت الحمير تنقل حصيد القمح من حقوله إلى حيث يفصل بين القش والحب.
وأوغلنا في جانب الوادي سائرين على أطراف قاعدة الجبل حيث بدت لنا غابة خضراء كثيفة الأشجار الشامخة المتسلسلة إلى أبعد من البعيد.
وإذا كانت الحقيقة في حياة مملكة حسن الصباح تجلّت حيال (رازميان)، حقيقة الحياة التي يرفدها العزم الصارم في قمة الجبل والزند الحازم في غور الوادي، فها هي هنا أكثر تجلياً في هذا السهل المنبسط وادياً بين السلسلتين الهائلتين، حيث حصيد القمح وغريس الرز وتكاثف الغابة وهدير النهر. وحيث الجبل المتمادي علواً تدبر فيه الأمور وتحبك حبائل الخير والشرور.
حسن الأمين مع السيد ناصر القوامي
والأستاذ عبد الحسين الصالحي في تلاتر
ومضينا صعداً نمر بينابيع مياه وغابات أشجار، ولمّا أوغلنا في الصعود صرنا في جبال جرداء عجيبة، فهي طوراً صفراء وطوراً بيضاء وطوراً سمراء، ثمّ أطلّت قرية (برود) محوطة بالبساتين في قلب الوادي الذي عدنا إلى السير فيه، فإذا بدراجتين ناريتين خارجتين من القرية. ثمّ دخلنا القرية عابرين إليها على جسر نهر. وسرنا في الشجر المتكاثف، فأبصرنا في مداخل القرية حمارتين داخلتين إليها.
دراجتان خارجتان، وحمارتان داخلتان! أحدث الحديث وأقدم القديم.
على أنّ القدم والحداثة هما أقل من القليل ظهوراً في هذا المشهد بين وسيلتي النقل: الدراجة والحمارة.
إنّ القدم والحداثة يبدوان في هذا الموقع وسيظلان يبدوان في كلّ ما سنجوزه من مواقع ـ إنّهما يبدوان بمظهرهما المذهل، متمثلاً بهذه الفجوة الواسعة بين المكان والزمان.
إنّ المكان لا يزال على ما خلفه الإسماعيليون النزاريون منذ أكثر من سبعمائة سنة: بيوت طينية واطئة شاحبة، في قرية بدائية متضائلة خابية.
والزمان هو العقد الأخير من القرن العشرين!.
خرجنا من القرية مصعدين في جبال هي بلونها غير الجبال التي عرفناها فيما وراء (رازميان)، فإذا تنوّعت ألوان الجبال هناك من ابيضاض إلى اصفرار إلى اسمرار، فإنّها هنا بيضاء تتخللها الصخور السوداء. وفجأة أشرفنا على غابات بعيدة، ولم تلبث الصخور هنا أن عادت بيضاء ابيضاض الجبال.
ابيضاض واسمرار واصفرار نعلّل أنفسنا بها هنا في هذه الدروب الموحشة.
تراب أبيض وحجر أسود وصعيد أصفر ومدر أسمر. هذا ما يشغلنا هنا، وهذا ما نحدّق فيه في هذه الرواسي الخشنة.
أمّا الرفاق في بيروت فإنّ ما يشغلهم فيها هو ما يشغلنا هنا من احمرار وابيضاض واسمرار واسوداد، فكلّنا بشر تزدهيهم الألوان ويستهويهم تموجها.
نحن هنا يشغلنا اسمرار الجماد وابيضاضه واسوداده واحمراره، نتحرّك إليه وهو ساكن، ونشرف عليه وهو هامد.
أمّا هم فإنّ ما يشغلهم هو الابيضاض والاسمرار في الوجوه والقدود والاحمرار في الوجنات والنهود، تتحرّك إليهم وهو ركود، وتشرف عليهم وهم قعود.
ويَشدَهنا السواد المتكاثف تحت التلة الناصعة، ويشدّهم السواد المترادف تحت الجبين الأغر. ويبهرنا التماع الصخرات البيض تنفتح عنها الذروتان. ويبهرهم ائتلاف الثنايا اللؤلؤية تنفرج عنها الشفتان.
وتشدّنا الخرائب في الفقر المهجور، وتشدّهم العمائر في الربع الغاني المعمور. وغلظتنا تسمّي من الألوان: (الصفرة)، ورقتهم تسميه: (الشقرة)، فإذا نحن حدّقنا في الجبل الأصفر، أطالوا هم التحديق في الشعر الأشقر.
يا لها من قسمة عجيبة بيننا وبينهم، اخترناها نحن لأنفسنا بأنفسنا. أنحن الأغبياء أم هم؟ من يدري، وهل يدري المجنون أنّه مجنون!.
تعدّد ظهور الغابات البعيدة، ولا تزال الجبال بيضاء ناصعة البياض. فهذه قرية في الوادي إلى يسارنا هي قرية (آكوجان) محاطة بالبساتين. والبساتين في كلّ ما مررنا به، وما سنمر به هي بساتين (البندق).
ثمّ رأينا مجموعة من الخيل إلى يسارنا وما أدري ما هو عمل الخيل هنا، ثمّ عبرنا إلى قرية (آكوجان) بين الشجر الغضيض، وآكوجان مثل غيرها من القرى البدائية التي مررنا بها، ولكن تتميّز بأنّ بعض بيوتها ذو طابقين اثنين.
ومضينا عنها متجهين إلى قرية (تلاتر) التي ستكون مقرّنا في ليلنا المقبل، داخلين إليها بين بساتين البندق بشجرها المتكاثف.
وإذا كنّا لم نر فيما تقدّم ذكره من القرى سوى مظاهرها الخارجية، فإنّ رؤيتنا لأزقة (تلاتر) أكدت لنا أنّ هذه القرى لا تزال على ما تركها الإسماعيليون النزاريون.
ولكن شيئاً فريداً كان في هذه القرية، شيئاً جعلها تقفز في بعض حياتها من تلك القرون البعيدة إلى أواخر هذا القرن.
فإنّ ابناً باراً من أبنائها هو السيد ناصر القوامي لم ينسها وهو يتقدّم في مناصب الدين والدنيا فأنشأ فيها مستوصفاً يكاد يكون مستشفى مجانياً بمداواته وأدويته.
وتلاتر ذات الخمسمائة النفس من السكان، من أبنائها في الجامعة اليوم خمسة عشر طالباً.
وفي الضحى كنّا نقصد بالسيّارة في طريق وعر يرج الأجساد رجاً منطقة (خارود)، التي تبعد عن (تلاتر) أكثر من خمسة كيلومترات لم تستطع السيارة اجتيازها كلّها، فمشينا صعوداً في الجبل، صعوداً كنّا ندوس فيه أحياناً في قلب الماء الجاري، وأخيراً توقفنا مرهقين وجلسنا عند الينابيع الغزيرة بين الخرير والظلال والنسيم.
حسن الأمين في ظلال قمم (خارود) الصخرية
وبرغم روعة ما نحن فيه، كان ذلك فرعاً من أصل هو مكان تفجر الماء من بين الصخور في قلب الجبل، على خطوات منّا فمشينا إليه مجهدين، ووصلناه متعبين، وأخذنا نكرع من مائه العذب الزلال البارد.
إذا كان حسن الصباح قائداً حازماً وثائراً شديد المراس، فلا شك أنّه كان إلى ذلك شاعري الطبع. فهو حين اختار لمستقره تلك الجبال التي لا تطولها أيدي الجيوش مهما امتدّت واستطالت، فإنّه لم يختر ذلك اعتباطاً، ولم ينزله مصادفة، بل جمع عامداً شدّة الصخر في القمة الجافة الغليظة، إلى رقة الصخر في الينبوع الدافق الفوّار.
ولو صحّ ما زعمه الزاعمون من اصطناع الصباح لجنّة يغري بها أتباعه، لما كان في حاجة إلى اصطناع الجنان، وعنده مثل (خارود) الجنة الطبيعية الرائعة. وكم لخارود من نظائر في ديار الصباح.
وفجأة انطلق من بين الجالسين قريباً منّا صوت رقيق عذب، ولكنّه في الوقت نفسه هدّار، انطلق من فوق صخرة شمّاء ينشد شعراً فارسياً إنشاداً استفزّه له ما في هذا الذي فيه من روض وجبل وواد وينبوع، اجتمعت فكان منها أعذب ما تحلم به العين من مرائي الوجود، وكان يعوزها التعبير الصوتي، فانطلق ينشد الشعر إنشاداً هو قطعة من هذا الجمال الأخّاذ…
ولكنّه لم ينشده غزلياً كما قد يفعل من تستفزّهم مثل هذه الطبيعة الوهّاجة، ولم يردّده منبعثاً عن شوق لحبيبٍ غائب وتلهّفاً على لقاء مرغوب.
لم أكن أفهم ما يقول، ولكنّني كنت أفهم كلمة واحدة من كلّ ما كان يرتل هذا المرتل الغريد، هذه الكلمة أفهمتني كلّ ما كان يجب أن أفهمه من مضمون هذا الشعر، كنت أفهم كلمة (علي)!.
فلم أملك الدمع أن يفيض من عيني وأنا هنا في هذا المنتأى البعيد، وفوق هذه الرواسي الشامخة، وعلى هذه المشارف الباذخة أسمع اسم علي تتجاوب به السباسب والأنجاد، وتتنادى به الذرى والوهاد.
تلاتر ثمّ خارود هما منتهى مجال المملكة (الصباحية النزارية)، إذ أنّنا بوصولنا إليهما نكون بلغنا الحدود الشمالية الغربية لتلك المملكة، وما بعد خارود وجبالها تبدأ حدود لديار أخرى تعرف اليوم باسم (أشْكَوَرْ).
حسن الأمين مع الرفااق في القمم الصخرية في خارود
على الينابيع الفوّارة في قلب القمة العالية وفوق الوادي الغضيض الشجير هنا في خارود نغيب في مطاوي الزمن البعيد متنقلين من عام إلى عام ومن قرن إلى قرن، ومن رجال إلى رجال، ومن قوم إلى قوم.
هنا نستعرض ذلك كلّه فنستمد من المكان الحاضر ما استمددنا من الزمان الغابر معرفة واطلاعاً.
يا حسن يا صباح: أنا الآن في ديارك، في الأرض التي هي منازلك، أنا ضيفك هنا في هذه المرابع مرابعك، ولئن غبت عنها، فلا تزال مطبوعة بطابعك، حاملة اسمك.
لا أقول لك ودعاً، بل أقول: إلى اللقاء، فمثلك يظل يلتقي به المؤرخ حيث اتّجه.
إلى اللقاء القريب على هذه الصفحات نفسها، وفي هذا المرتحل ذاته.
وأنت يا تلاتر، وأنت يا خارود اللتين سنبتعد عنكما بُعداً لا نحسب أن لنا بعده دنواً، حسبي أن أقول لكلّ منكما ولكلّ من صحبنا فيكما:
تذكرنيك الريح مرّت عليلة
على الروض مطلولاً وقد وضح الفجر
وما بعدت دار ولا شطَّ منزل
إذا نحن أدنتنا الأمانيُّ والذكر
إنّ ما كانت تتألف منه مملكة حسن الصباح وخلفائه يقسم اليوم بحسب التنظيم الإيراني الحديث إلى قسمين إداريين يسمّى أحدهما: رودبار شهرستان، والثاني رودبار ألموت، ويتألف كلا القسمين من 216 قرية، منها 106 قرى في رودبار ألموت، و110 قرى في رودبار شهرستان.
ويبلغ عدد نفوس أكبر قرية في المجموع وهي قرية هير 3000 نفس، وعدد نفوس أصغر قرية، وهي قرية روح آباد 150 نفساً.
ولم يبق من كلّ سكان المنطقة أي إسماعيلي نزاري بل ذاب جميع النزاريين في المحيط الإيراني الواسع. وإن كانت لا تزال منهم بقية قليلة جداً في مناطق أخرى من إيران.
وممّا يدل على إحكام حسن الصباح أمره هو اختياره لهذه المنطقة بالذات لتكون مقراً لدولته، فهي منطقة خصبة، غنية بمحاصيلها الزراعية المنوعة، ما تستطيع معه أن تكتفي اكتفاءً ذاتياً في حالة حصارها وقطع المؤونات عنها، مهما طال هذا الحصار، وساعدها على ذلك غزارة المياه فيها، مياه الأنهار والعيون والينابيع.
وقد رأينا بأعيننا كيف أنّ الأرض تنبت موسمين في العام الواحد، كنّا نشاهد أكوام القمح المحصود تنقل من الحقل وقت تدار إليه المياه لزرعه بالرز.
وهي تنتج جميع أنواع الحبوب، ومن أهم ما تنتجه: العدس والفاصوليا واللوبيا والحمص، تنتجها بكثرة للتصدير إلى خارج المنطقة. أمّا القمح فمنتوجها منه أقل من غيره. هذا فضلاً عن الرز وهي من أكبر مناطق زراعته.
أمّا الأشجار المثمرة فغابات كثيفة فيها، وهي مكوّنة من شجر الجوز وشجر البندق.
ويكفي في إخصاب شجر الجوز وشجر البندق أنّ ثلاث قرى فيها، هي قرية تلاتر التي تقدّم ذكرها، وقريتان في جوارها، أنتجت في موسم واحد مليوناً ومائتي طن من البندق. وأنّ شجرة جوز واحدة في تلاتر أعطت في موسم واحد ما ثمنه ستون ألف تومان.
نذكر هذا للتدليل على أنّ حسن الصباح أحسن اختيار المكان الذي قرّر أن يقيم أمره فيه: قلاع منيعة على قمم جبال لا تنال، ومياه غزيرة تروي حقولاً وبساتين تظل خضراء منتجة طوال العام.
قمنا صباحاً لنعود من (تلاتر) في نفس الطريق الذي جئنا منه إليها. وبعد وصولنا إلى بلدة (بهرام آباد) انشعب الطريق شعبتين، فتركنا الشعبة الموصلة إلى قزوين، واتجهنا نحو الشرق سائرين في قلب الوادي العريض، ونهر شاهرود يجري إلى يميننا معاكساً لنا في السير، ووراءه حقول الرز ثمّ السلسلة الجبلية الشاهقة، وكنّا نسير خلال حقول الرز وهي على جانبينا، ونرى أكوام القمح المحصود لا تزال مكدسة بينما يغرس الرز في الارض الحصيد نفسها.
ووصلنا بلدة (رازميان) التي تقع في الوادي على أصل الجبل بين السلسلتين الجبليتين الهائلتين وفوقها على القمة الشاهقة قلعة (لمبسر). والبلدة مقر مديرية الناحية، وهي مغمورة بالزروع والأشجار، وهي ككل ما مررنا به من قرى لا تزال بدائية، ولكنّها آخذة بالتحوّل إلى الحضارة، ومن مظاهر ذلك وجود الهاتف فيها، ووجود أعمدة الكهرباء المعدّة للتركيز وإيصال الكهرباء إليها بعد أيام.
لا بد أن تتحسّن أحوال رازميان بعد وصول الكهرباء إليها، هذه الكهرباء التي كانت تنصب أعمدتها ونحن هناك ليصل نورها بعد أيام.
وقصّ علينا أحد من لقيناهم من أبناء البلدة قصة بعثة بريطانية مؤلفة من خمسة أشخاص بينهم امرأة هي شقيقة زوجة أحدهم، جاؤوا رازميان سنة 1977م. بقصد الصعود إلى القلعة، فنصبوا خيمة لهم في القرية واصطحبوا دليلاً كان هو الذي يقص علينا قصتهم، فقال إنّه سار برفقتهم حتّى بلغوا القلعة مشياً على الأقدام، وهناك أخذوا ينقبون ويدرسون، ولما همّوا بالعودة رأى أحدهم بقايا قناة تصل إلى القلعة، فأهمّه أن يرى مصدر الماء الذي كانت تنقله القناة إلى القلعة فطلب إلى رفاقه أن يصحبوه في السير مع مجرى القناة فرفضوا إلاّ شقيقة زوجته فقد مشت معه، وعادوا هم مع الدليل إلى خيمتهم في رازميان. ولم تلبث شقيقة الزوجة أن عادت ناعية الرجل الذي زلت به قدمه خلال السير فهوى من الجبل إلى القعر.
الأستاذ الصالحي داخل قلعة رازميان
أمّا نحن فقد أقلتنا السيّارة في الطريق المشقوق حديثاً في الجبل والموصل في نهايته إلى قرية (هير)، وهو ما شق إثر الزلزال الأخير المدمر للوصول إلى مناطق الزلزال، فخرجنا من القرية الخضراء، نمشي صعوداً في جبال من أعجب ما خلق الله من جبال بوديانها وتلالها وهوّاتها وسلاسلها وتشعّبها وتداخلها بعضها في بعض، وكانت كلّها جرداء إلاّ من بعض النباتات البرية.
ولم نلبث أن وصلنا إلى أقرب مكان من القلعة حيث يستمر الطريق واصلاً هير، فنزلنا وتأملنا القلعة في القمة الشاهقة، وقدرنا المسافة بيننا وبينها بأكثر من اثنين من الكيلومترات يمتدان صعوداً من حيث نحن، وصولاً إليها.
وكان قطع هذه المسافة صعوداً في الجبل مشياً على القدمين فوق طاقتي فصممت على البقاء وانطلق الرفاق صاعدين، وكان بينهم الأستاذ عبد الحسين الصالحي، فكلفته أن ينوب عني في تدوين ما يشاهده في القلعة، وعن وصفه لها أكتب أنا ما أكتب عمّا هي عليه اليوم.
إنّها قلعة ضخمة لا تزال عامرة على عكس قلعة ألموت. وهي محاطة بسور حجري عال. وكان الطريق إليها في الجبل لا يتجاوز عرضه عشرة سنتيمترات إلى عشرين في أعرض حالاته، وشاهدنا قبل الوصول إلى القلعة مجرى قناة قدرنا عرضه بثلاثين سنتيمتراً محفوراً في الصخر لجلب الماء إلى داخل القلعة، متجهاً من الشمال إلى الجنوب فسرنا معه قليلاً، ثمّ عدنا، ويبدو أنّه هو المجرى الذي سقط في سبيل الكشف عن أصله الرجل الإنكليزي.
ويحيط بالقلعة الضخمة واد عميق، قدّرنا أنّ عمقه يبلغ في ناحية 600 متر وأخرى 1200 متر. وعندما وصلنا إلى القلعة شاهدنا أسطوانتين من الحجر هما ركنا باب القلعة الذي قدرنا عرضه بمترين ونصف المتر، وهو يقع في الشمال الغربي من القلعة. ثمّ وقفنا باتجاه الشمال فرأينا نهراً يجري باتجاه القلعة في واد عميق بين جبلين شاهقين ـ يجري من الشمال إلى الجنوب اسمه نهر نينه رود ـ. وعندما يصل إلى قاعدة الجبل الذي تقوم عليه القلعة ينشطر إلى شطرين يتجه أحدهما إلى غرب القلعة اسمه طه در والآخر إلى شرقها وهو أكبر الشطرين يحتفظ باسم (نينه رود) ويعود النهران فيلتقيان عند جنوب القلعة، وهكذا تحاط بالماء. وقدرنا عمق الوادي الذي يجري فيه النهر قبل انشطاره بألف متر.
وتقوم في وسط القلعة إثنتا عشرة غرفة منها ثلاث غرف لا تزال عامرة، وسقوفها على عقود حجرية، وهي مشادة بالحجر. وبداخل القلعة بانخفاض عشرة أمتار تقريباً قطعة أرض واسعة مستطيلة يظهر أنّها كانت بستاناً داخل القلعة، وفي الضلع الجنوبي الشرقي من هذا البستان اسطبل كبير للحيوانات لم يبق منه إلاّ الجدران، وفي جنوب البستان يقع الباب الجنوبي للقلعة.
ويحيط بجوانب القلعة خمسة أبراج لا تزال سالمة في جنوب القلعة وغربها وشرقها، وتطل القلعة من الجنوب على قرية رازميان.
وفي القلعة إثنا عشر مخزناً للمياه منقورة في الصخر لا يزال بادياً من عمقها ما يقارب الستة أمتار وبقية العمق مملوء بالتراب، وهي مستطيلة الشكل بحيث يبلغ الطول سبعة أمتار والعرض أربعة، ورأينا في بعضها ماء، يظهر أنّه ماء نابع.
وفي الجانب الغربي والجانب الجنوبي من القلعة بئران عميقان ربما كانا نفقين سريين للخروج من القلعة والدخول إليها.
وفي زاوية الضلع الشمالي الشرقي حمام يتشكل من ثلاث غرف متصلة ببعضها من الشرق إلى الغرب، وخلف هذه الغرف غرفة رابعة يبلغ طولها طول الغرف الثلاث معاً، وفي شرق الغرف الثلاث غرفة كبيرة مهدومة السقف في حين أنّ الغرف الأربع لا تزال مسقوفة.
وبعد الحمام إلى الجانب الشرقي من القلعة جنوب الحمام 48 غرفة متدرجة من الأسفل إلى الأعلى، بحيث يكون سطح كلّ غرفة باحة للغرفة التي فوقها، بحيث تشكّل كلّ اثنتي عشرة غرفة مدرجاً مستقلاً، وتطل هذه الغرف على نهر (نينه رود) في أكثر مكان منه انخفاضاً بحيث يقدر ارتفاعها عن الوادي الذي يجري فيه النهر بحوالي 2000 متر.
كما رأينا مخزناً منحوتاً من الصخر بطول ما يقارب ثمانية أمتار وعرض ثلاثة مغطاة جدرانه بطبقة كلسية ناعمة بخلاف مخازن المياه العارية من ذلك، وقيل لنا إنّ هذا المخزن ربّما كان مخزناً للعسل. وهناك مخزن كبير متّسع جداً وهو مهدوم السقف كان مستودعاً للحبوب. ورأينا في داخل القلعة كثيراً من أشجار الرمان والتوت، كما رأينا أرومات لشجر الجوز.
وتحاط القلعة بالوديان عدا الجانب الشمالي الذي يتصل بجبال (زرده جال) وجبال (كرماجال).
الإمارات العربية المتحدة
تقع دولة الإمارات العربية المتحدة بين خطي عرض 22 و26,5 شمالاً، وبين خطي الطول 51 و56,5 شرقاً. ويحدّها شمالاً وشمالاً بغرب الخليج أمّا غرباً فيحدّها دولة قطر والمملكة العربية السعودية. ويقع إلى شرقها الخليج ودولة عمان، وتكون دولة عمان وما سمّي المملكة العربية السعودية حدّها الجنوبي. وتتكوّن الدولة من سبع إمارات تقع ست منها على الخليج ممتدة مسافة نحو 700 كيلومتر وهي: أبو ظبي ودُبَي والشارقة وعَجْمان وأمّ القيوَيْن ورأس الخيمة. وتوغلها في الداخل متفاوت إلاّ أنّه يصل في نهاية حدود الدولة في المنطقة الشرقية إلى خليج عُمان، الذي تقع إمارة الفُجَيرة على ساحله في امتداد نحو تسعين كيلومتراً. والفجيرة هي الإمارة السابعة.
وتبلغ مساحة دولة الإمارات العربية المتحدة نحو 90,000 كيلومتر مربع (وقد ذكر أنّ مساحتها نحو 125,000 كيلومتر مربع) وتشغل إمارة أبو ظبي ما يقرب من ثمانية أعشار المساحة هذه، إذ تمتد سواحلها نحو 400 كيلومتر من حدود قطر إلى حدود دُبَي، وتتوغل داخلاً بحيث تصل، في بعض الحالات، ما يقرب من 250 كيلومتراً، في محاضر ليوا وواحات المنطقة الشرقية في العين والبُرَيْمي. أمّا الإمارات الباقية فمساحتها صغيرة وأكبرها دُبي (نحو 4000 كم2) وأصغرها عجمان (نحو 600 كم2).
ولنسارع إلى القول بأنّ موقع دولة الإمارات العربية المتحدة له قيمة استراتيجية كبيرة بالنسبة لخليج عمان والخليج الفارسي؛ فالبلاد تكون جزءاً من الجناح الشرقي الطبيعي الذي يحمي المنطقة ويدعم استقرارها.
ويمكن تبين مناطق خمس طبيعية ينقسم إليها سطح الدولة وهي بدءاً من الشرق وانتهاء بالغرب: (1) شريط ساحلي هو سهل رملي، تربته مالحة، حديثة العهد جيولولجياً، إذ أنّها نتيجة انحسار المياه عنها. وفي مقابل هذا السهل الساحلي توجد مئات من الجزر، يتبع أكثرها أبو ظبي. (2) المنطقة الصحراوية الرملية، التي تشغل قرابة ثلثي مساحة الدولة. وقد تنتشر في أزاء منها حشائش وأنْجم. وهذا يصدق على بُعد لا يتجاوز مائتي كيلومتر عن الساحل. ثم تتلاشى هذه المنطقة الصحراوية في الربع الخالي. (3) ثمة منطقة سهول حصبائية محدودة في مساحتها تمتد بين المنطقة الصحراوية المذكورة والمرتفعات الشرقية. (4) توجد في الشرق منطقة مرتفعات عالية لعل أكثرها في إمارة رأس الخيمة. (5) وأخيراً ثمة منطقة سهول خصبة تحتضنها المرتفعات وساحل البحر على خليج عمان، وهذه تقع في الفجيرة.
يتأثر مناخ دولة الإمارات العربية المتحدة، بشكل عام، بأمور ثلاثة: أوّلها أنّها تقع في المنطقة الجافة التي تمتد عبر الصحراء الكبرى في إفريقية وصحارى آسيا في إيران والهند. وهذا يجعل حرارتها شديدة. إذ أنّ متوسط الحرارة في الدولة هو أربعون درجة (س) لشهر تموز (يوليو) أمّا في أبو ظبي والشارقة فتصل الخمسين درجة (س) في فصل الصيف. ويمكن القول إجمالاً بأنّ فصل الحر يمتدّ من أيار (مايو) إلى تشرين الأوّل (أكتوبر)، وفصل الحرارة المعتدلة يشغل بقية شهور السنّة. والعامل الثاني الذي يؤثّر في مناخ الدولة هو الرياح التي تهب عليها والتي يتغيّر اتجاهها مع الفصول. والاضطرابات أو التغيّرات المناخية التي يتعرّض لها شبه الجزيرة العربية يُحدِثُ أعاصير رعدية في دولة الإمارات العربية المتحدة. أمّا العامل الثالث الذي يؤثر في مناخ الدولة فهو أنّ المناطق الساحلية تهب عليها رياح خفيفة من البحر فتحمل الى هذه الأجزاء الساحلية رطوبة كبيرة في نسبتها المئوية. فأبو ظبي تصل فيها درجة الرطوبة حد الإشباع (99%)، وهي ليست الوحيدة، إلاّ أنّ المناطق الداخلية لا تتأثر بذلك. وأمطار الدولة قليلة. ولا يزيد متوسط سقوطها عن 65 ملمتراً في السنة. وهذه الأمطار القليلة تسقط بين شهري تشرين الثاني (نوفمبر) ونيسان (ابريل). وجدير بالذكر أنّ المرتفعات الشرقية يغزر مطرها نسبياً، لأنّها تقدر على اقتناص ما في الأجواء العليا من رطوبة. وهذا ما يجعل رأس الخيمة بلداً فيه زراعة نشيطة، بحيث إنّها تزوّد جيرانها بالكثير من الغلات الزراعية.
قدّر عدد سكان دولة الإمارات العربية المتحدة في سنة 1977 بنحو 656,000 نسمة. ولكن تقدير سنة 1980 هو نحو 700,000، يقيم نحو ثلثيهم في أبو ظبي ودبي، ويتوزع الباقي على سائر الإمارات. ففي الشارقة نحو تسعين ألفاً وفي رأس الخيمة ما يقارب ستين ألف نسمة. أمّا الفجيرية وعجمان وأم القَيْوَيْن فأعداد سكانها قليلة([408]).
والوطنيون من سكان الدولة هم الأصل، وهم يعودون إلى قبائل معروفة أسماؤها وبطونها وأفخاذها وعشائرها، وإن كان يصعب إعطاء أرقامها بالدقة المطلوبة. أمّا المقيمون من غير الوطنيين فمنهم كثيرون جداً من رعايا الدول العربية الذين جذبتهم الأعمال الكثيرة إلى الدولة. لكن هناك أجانب من الإيرانيين والبلوش (البلوخستانيين) والهنود والباكستانيين الذين استقرّ الكثيرون منهم نهائياً في البلاد. يضاف إلى هذا كلّه الأجانب الغربيون الذين يعملون في مختلف القطاعات الخاصة والعامة، مع عناية أكبر بالأولى.
أمّا السكان الوطنيون فإنّهم ينتمون، على نحو ما يعرّف العرب أنفسهم، إلى أصول يمنية قحطانية (جنوبية) ونزارية عدنانية (شمالية). والقبائل الرئيسة في منطقة الصحراء الغربية هي بنو ياس والمناصير، ولكلّ فروعها المتعدّدة. أمّا في الساحل الشمالي فتوجد جماعات من قبائل النعيم، والخواطر (في رأس الخيمة بخاصّة). وتوجد قبائل النعيم والظواهر والعوامر في منطقة البُرَيْمي. والمناطق الجبلية المجاورة للساحل هي مساكن قبائل الشرقيين والطنيج والمزاريعو المطاريش والشحيين. على أنّه يصعب ذكر جميع القبائل وفروعها في عجالة كهذه.
إلاّ أنّه في أواخر عهد اليعاربة في المنطقة استقرّت الزعامة في المنطقة في اثنين هما محمد بن ناصر الغافري (نزاري) وخلف بن مبارك الهناوي (يمني). وقد توزّع ولاء القبائل العربية، أثناء الحروب الأهلية، بين هذين الزعيمين، بقطع النظر عن أصولها. وقام ثمة حلفان: حلف الغافريين وحلف الهناويين. على أنّ هذا الأمر آخذ في الزوال بسبب ما طرأ ويطرأ على المنطقة من تبدّل وتطوّر وتغيّر.
قبضة تاريخ
يبدو من الدراسات الأثرية والتاريخية أنّ الخليج الفارسي كان طريقاً تجارياً رئيساً بين أرض سومر ومدنها (جنوب العراق) وبحر العرب ومن ثمّ المحيط الهندي والبحر الأحمر، منذ أقدم الأزمنة التاريخية. فالقيود التي عثر عليها والتي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، تدلنا على علاقات تجارية وثيقة، وعلى وجود سفن كانت تحمل الأخشاب والنحاس وغيرهما من السلع إلى المدن السومرية التي كانت تحتاج هذه في تطوير صناعاتها. وكانت السفن الأولى صغيرة، بطبيعة الحال. فلم تكن تجرؤ على خوض غمار المياه العميقة، بل كانت تحاذي السواحل في تنقلها. ومعنى هذا أنّها كانت بحاجة إلى أماكن تمتار منها، وتتزوّد بالماء وتتقي العواصف والزوابع، وهي بهذه المناسبة كثيرة في الخليج. ومن هنا، على ما ظهر من الكشوف الأثرية على قلتها([409])، جاءت أهمية أم النار (في أبو ظبي) ورأس الخيمة. وتشير الآجرات السومرية القديمة إلى أنّ سومر كانت تستورد «عين السمك»، والمقصود بذلك اللؤلؤ. وقد كانت توجد في المنطقة الممتدة من طرف شبه جزيرة قطر إلى الشارقة أماكن بالغة الجودة للغوص (على اللؤلؤ) فمعنى هذا أنّ ساحل دولة الإمارات العربية المتحدة كان يسهم في تصدير اللؤلؤ إلى أغنياء سومر وسراتها. وقد استمرّت هذه التجارة، مثل الاتجار في المواد السابق ذكرها والحجارة للبناء إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد. وهنا نأتي على فترة تمتد نحواً من عشرة قرون، نجد فيها أنّ التجارة الخليجية مع العراق قد ضعفت، كما أنّها كادت أن تتوقف تماماً مع حوض السند بعد ذلك بنحو قرنين أو يزيد. ولعل السبب في ذلك يعود، بالنسبة إلى العراق، إلى تصدّع إمبراطورية بابل القديمة (إمبراطورية حمورابي) في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، واتجاه الدول التي خلفتها في شمال العراق إلى آسيا الصغرى وبلاد الشام للحصول على المعان (النحاس من آسيا الصغرى وقبرص) والأخشاب (بلاد الشام). أمّا بالنسبة إلى حوض السند فالأمر يرجع إلى أنّ الحضارة السندية قضي عليها في القرن السادس عشر قبل الميلاد.
وعادت التجارة الخليجية إلى الكثير من نشاطها أيام الآشوريين والكلدانيين (البابليين المحدثين) والفرس القدامى (من حوالي 750ـ330ق.م.) الذين كان يقابلهم قيام دول هندية قد اكتشفت اهتمام أرض الرافدين والبلاد الواقعة غربها بطيوبها وأفاويهها وتوابلها، كما أدركت أهمية الكثير من صناعات المنطقة المناظرة لها ـ ثياباً وخمراً وزيتاً وحلياً وما إلى ذلك.
وجاء الإسكندر إلى الشرق، وافتتح واحتل وقضى على الإمبراطورية الفارسية ووصل أواسط آسيا وحوض السند (334ـ326ق.م.). ولما اعتزم العودة جهّز أسطولاً (326ق.م.) ضخماً وعهد بقيادته إلى نياركوس الذي سار به حتّى شمال الخليج (325). وبعد عودته إلى بابل جهّز الإسكندر ثلاثة أساطيل معتدلة لاكتشاف الساحل الغربي (العربي) من الخليج. ويبدو أنّ آخر واحد من هذه الأساطيل وصل إلى مكان قريب من رأس مُسَنْدَم (إن لم يكن قد بلغه بالذات). وإذا كانت غاية الإسكندر التعرّف إلى سواحل الخليج الغربية، فإنّ الأسطول الثالث، ولا شك، عرَّج على موانئ أبو ظبي (ودبي) ورأس الخيمة. ولعل ما ورد عند الجغرافيين الكلاسيكيين من اليونان والرومان إلى القرن الأوّل قبل الميلاد مستمد في غالبيته ممّا نقله الرواة عن أساطيل الإسكندر هذه.
ومع أنّ البحر الأحمر كانت له حظوة عند البطالمة المصريين، والرومان فيما بعد، فإنّ الدول التي قامت في العراق وإيران معاصرة لهؤلاء وأولئك (وهم السلوقيون والفرثيون والساسانيون) كانت حريصة على تقوية تجارة الخليج وتنميتها. ومن هنا يمكن القول بأنّ دور تجار عمان ودول الإمارات العربية المتحدة كان دوماً كثيراً في هذا التبادل التجاري: الهندي ـ العراقي ـ الشامي.
ونحن عندما نحاول التعرّف إلى السكان الذين كانوا يقطنون السواحل والمنطقة الواقعة خلفها نجد أنّهم كانوا عرباً منذ أقدم الأزمنة، شأنهم في ذلك شأن بقية سكان الجزيرة العربية، إلاّ أنّنا نعرف أنّه منذ القرن الثاني للميلاد أخذت موجات من عرب اليمن تتجه نحو تلك المنطقة. وكان الأزد العنصر الرئيس في الهجرات الأولى. وهؤلاء الأزد هم الذين حرّروا المنطقة من الأغراب الذين كانوا قد أقاموا لأنفسهم فيها سلطة مؤقتة.
اعتناق الإسلام
وكان الحدث الهام في تاريخ تلك المنطقة عربياً وإسلامياً هو اعتناق هؤلاء القوم الإسلام في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومع أنّ بعض العشائر اشترك في الردّة، فإنّ الإسلام عاد إليهم، وعندئذٍ أصبحت المنطقة نقطة انطلاق لحملات عسكرية بحرية نحو فارس وغيرها فيما بعد. وممّا يجدر ذكره أنّ قيام الدولة الإسلامية جعل طريق الخليج وطريق البحر الأحمر متممَيْن أحدهما للآخر، بدل أن يكونا طريقين متنافسين.
وفي الفترة التي سيطرت فيها سيراف ثمّ قيس ثمّ هرمز (القرن العاشر إلى القرن الخامس عشر للميلاد) كان لموانئ المنطقة أهمية تجارية. وقد أصبح لهرمز، منذ حوالي سنة 1100م، حكام عرب يتولون شؤونها، وهم الذين سيطروا على جهتي الخليج حتّى البصرة، واحتكروا تجارته. وقد اجتمع في ميناء هرمز أحياناً نحو ثلاثمائة سفينة كبيرة. وقد كان العمانيون، وفيهم أهل الساحل المقصود به بدولة الإمارات، بحارة الخليج، وصنّاع سفنه، وسادة الطريق الهندي الخليجي.
البرتغاليون
وكان مجيء البرتغاليين في مطلع القرن السادس عشر إيذاناً بتغيّرات وتبدّلات كثيرة. وكان اهتمام البرتغاليين الأوّل منصبّاً على اكتشاف طريق جديد إلى الهند يمكن لهم الاتجار بالبهارات والتوابل والأفاويه وحتّى الطيوب رأساً، وكسر طوق احتكار المدن الإيطالية لهذه التجارة. (كانت المدن الإيطالية تتاجر عن طريق القسطنطينية ومصر، فلمّا احتل العثمانيون القسطنطينية تركزت التجارة في مصر). ومن الطبيعي أن يحاول البرتغاليون احتكار هذه التجارة بالنسبة إلى غرب أوروبا وشمالها متى نجحوا في الوصول إلى الهند.
ولمّا وصل البرتغاليون إلى مناطق عمان والخليج وركزوا أعلامهم في الهند، فإنّهم عمدوا إلى احتلال المدن الخليجية والعمانية لتكون محطات لهم. فاستولوا على مسقط وعمان وهرمز (1506) ونريد أن نشير إلى خور فكّان (الفجيرة) التي احتلها البرتغاليون، بعد أن دمروها كما دمروا غيرها (1506). وقد كانت خور فكّان، على رواية البوكيرك القائد البرتغالي، مكاناً كبيراً جداً، ومدينة ذات بيوت جيدة كانت منازل لتجار أغنياء من الهند وغيرها. وكانت المدينة تحوي اصطبلات واسعة لإيواء الخيول التي كانت تصدر منها إلى الهند. وكان ثمة صيد بحري كثير تقوم به السفن الخاصّة به.
والمكان الآخر الذي نعرف عنه شيئاً يستحق العناية هو رأس الخيمة (وكانت يومها تعرف باسم جلفر). ويبدو أنّ بحارة رأس الخيمة لم يكونوا ماهرين في الملاحة فحسب، ولكن نبغ منهم من كتب في علم الملاحة وفنون البحر مثل أحمد بن ماجد الملاح. (وهناك أيضاً سليمان المهري لكن هذا كان، على ما يبدو، من مهرة).
التزاحم الأوروبي
وكان قدوم البرتغاليين إيذاناً بدخول الدول الغربية ميدان التنافس فيما بينها للتمكّن من الإفادة من مناطق جنوب شرق آسيا تجارياً، ومن ثمّ التنافس على المراكز التجارية في الخليج باعتبارها محطات لهذه التجارة البعيدة المدى. وقد استمرّت هذه المنافسة منذ حوالي 1500 إلى أواخر القرن الثاني عشر، وكان المسهمون فيها، وعلى نحو من التوالي الزمني تقريباً، البرتغاليين ثمّ الإنكليز والهولنديين والفرنسيين. وقد تمكّن البرتغاليون من الهيمنة على الخليج لنحو قرن من الزمان. لكن بريطانيا وهولندا أخذتا بالاهتمام بتجارة الشرق، ومن ثمّ بالخليج في أواخر القرن السادس عشر. وأسّست شركة الهند الشرقية التجارية (الإنكليزية) سنة 1600 وشركة الهند الشرقية التجارية (الهولندية) بعد ذلك بسنوات، وذلك في سبيل تنظيم أعمال الغزو والاحتلال والاتجار والمساومات مع أصحاب الأمر. ويبدو أنّ الوضع البرتغالي ضعف في الخليج مع مطلع القرن السابع عشر، إذ استخلصت خور فكّان منهم نهائياً (1623)، كما ضعفوا ولو مؤقتاً في رأس الخيمة ودبا وكلبا. وكان للهولنديين المكان الأوّل في الخليج منذ العقد الثالث من القرن السابع عشر إلى أواسط القرن الثامن حيث أخذت بريطانيا، عن طريق شركة الهند التجارية، في زحزحة الهولنديين أوّلاً ثمّ إخراجهم من الخليج أخيراً. إلاّ أنّ الفرنسيين زاحموا البريطانيين في الخليج لبعض الوقت في أواسط القرن الثامن عشر.
وحري بالذكر أنّ الخليج الفارسي وخليج عمان وبحر العرب كانت مسرحاً لأعمال قرصنة على نطاق ضخم في العقود الأخيرة من القرن السابع عشر والعقود الأولى من القرن الذي يليه وقد اشترك فيها القرصان الأوروبيون (وبينهم عشرة إنكليز جاؤوا الخليج سنة 1700) وأسهم فيها العرب ـ عرب عمان والقواسم، الذين كانوا يستقرون في الشارقة ورأس الخيمة.
كان القواسم، حوالي سنة 1800، قد أقاموا لأنفسهم مركزاً ممتازاً في الخليج. إذ أنّه بالإضافة إلى استقرارهم في رأس الخيمة والشارقة، فقد كانت لهم مراكز على الساحل الفارسي. وكان ذلك يسهل لهم الاستئثار بحصة كبيرة من تجارة الخليج، ولم يكن لهم اهتمام خاص «بالقرصنة». لكن يبدو أنّ محاولة نابليون، لما وصل إلى مصر واحتلها (1798)، في الاتصال بزعماء الخليج وبعض أمراء الهند لقطع طريق الهند على بريطانيا، أثارت اهتمام هذه الدولة في محاولة لفرض سلطانها على منطقة الخليج. ولمّا تدخل البريطانيون في الحرب بين عمان والقواسم، ورفضوا أن يدفعوا لهؤلاء ضرائب على سفنهم التي تمر في ملك القواسم، أخذ هؤلاء عندها بالقيام بمهاجمة السفن الهندية البريطانية. وازدادت أعمالهم بحيث شعرت بريطانيا بضرورة الحفاظ على مصالحها الاستغلالية التجارية الاستعمارية. لذلك وجهت حملة كبيرة (بعد فشل حملات سابقة) في أواخر سنة 1819. وقد تمكّنت الحملة بين 8 كانون الأوّل (ديسمبر) 1819 و17 كانون الثاني (يناير) 1820 من احتلال رأس الخمية وأم القيوين وعجمان وفشت والشارقة ودبي. وبذلك تمّت لبريطانيا السيطرة على طريق الخليج.
ليس من اليسير أن نروي قصة بريطانيا في الخليج خلال ما تبقى من القرن التاسع عشر. لكن لا بد من الإشارة إلى ثلاث معاهدات فرضتها على إمارات الخليج ومشيخاته وهي: (1) «معاهدة السلم العام» (1820) وخلاصتها أنّه لا يجوز لأي من الإمارات أو المشيخات أن تهاجم أيّاً من السفن البريطانية. (2) «اتفاقية الهدنة الدائمة» (1853) وتنص على أنّه لا يجوز لسفن أي من الإمارات أو المشيخات أن تهاجم سفن أي من الإمارات والمشيخات الأخرى. (3) «الاتفاقيات المانعة» (1892) وكانت تقضي بتعهّد زعماء المنطقة بعدم التعامل مع أي دولة إلاّ عن طريق بريطانيا ـ فلا يسمح بإقامة أي وكالة أجنبية أو منح امتياز إلاّ باستشارة الحكومة البريطانية.
وهكذا فقد قُيِّدت مشيخات الساحل العماني (كما أطلق على الإمارات التي كوّنت فيما بعد دولة الإمارات العربية المتحدة) في كلّ تصرفاتها (كما قيدت إمارات الخليج جمعاء) بإرادة بريطانية. ومهما قيل في التطوير الذي أدخلته بريطانيا في مشيخات الساحل العماني (أو مشيخات الساحل المتصالح) كان المقصود منه قبل كلّ شيء الحفاظ على مصلحة بريطانيا.
نحو قيام دولة الإمارات العربية المتحدة
كانت ثمة اتجاهات نحو تعاون وثيق بين حكام إمارات الساحل العماني بدأ في تكوين مجلس حكام الإمارات المتصالحة (بدأت الفكرة سنة 1932، وطبقت بالفعل، وكان المجلس يعقد اجتماعات دورية) وذلك بسبب التيارات السياسية التي أخذت تصل إلى تلك المنطقة. كما أنشئ صندوق لتطوير الإمارات (سنة 1965 بشكل خاص) وكانت الجامعة العربية حاولت إنشاء صندوق لتنمية إمارات الخليج لكن بريطانيا وقفت في سبيله. واهتمت الكويت والسعودية بمشروعات تنمية خاصّة بكلّ منهما في إمارات الساحل، ثمّ أخذت أبو ظبي بالقيام بمشروعات تنمية في تلك الجهات.
لكن الخطوة الأساسية في سبيل قيام دولة الإمارات جاءت على أيدي أصحاب القضية أنفسهم. ففي سنة 1968 أعلنت الحكومة البريطانية عزمها على تصفية وجودها العسكري في منطقة الخليج في موعد أقصاه نهاية سنة 1971. وعندها أخذ حكام الإمارات باتخاذ الخطوات العملية لتحقيق وحدة تمكّنهم من الدفاع عن مصالح منطقتهم متحدين. ويمكن إجمال هذه الخطوات فيما يلي:
(1) عقد اجتماع في السميح بين حاكمي أبو ظبي ودبي، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في 18 شباط (فبراير) 1968، تمّ فيه إعلان اتحاد يضم البلدين. وقد قرّر الحاكمان أن يدعوا حكّام الإمارات المتصالحة وحاكمي قطر والبحرين للتشاور حول القضايا التي تهم البلاد بأجمعها.
(2) استجاب الحكام للدعوة واجتمعوا في 27 شباط (فبراير) من سنة 1968. حضر الاجتماع حكام ساحل عمان العربية السبع ـ أبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة ـ كما حضره حاكما قطر والبحرين. في هذا الاجتماع أعْلِنَ قيام «اتحاد الإمارات العربية». وفي دورة عقدت سنة 1969 (21ـ25 تشرين الأوّل ـ أكتوبر) انتخب الشيخ زايد بن سلطان رئيساً للاتحاد (لمدّة عامين) والشيخ راشد بن سعيد نائباً للرئيس للمدّة نفسها.
(3) قامت وجهات نظر متباينة فيما يتعلق بالاتحاد التساعي. وقد قرّرت البحرين وقطر إعلان استقلال منفرد لكلّ منهما. (أعلنت البحرين استقلالها في 14 آب (أغسطس) 1971، كما أعلنت قطر استقلالها في أوّل شهر أيلول (سبتمبر) 1971).
(4) اجتمع حكّام إمارات ساحل عمان السبع في دبي في 18 تموز (يوليو) 1971 وقرّروا، وذلك استجابة لرغبات الشعوب العربية في إماراتهم، أن يقيموا دولة اتحادية يطلق عليها اسم «دولة الإمارات العربية المتحدة» بحيث تكون نواة لاتحاد أوسع فيما بعد. وصدر عن المجتمعين دستور مؤقت لتنظيم أمور هذه الدولة. ولكن رأس الخيمة لم تعلن انضمامها يومئذٍ، لذلك اقتصر الاتحاد على ست إمارات هي: أبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة.
(5) عقد حكّام الإمارات الست (المذكورة في 4) اجتماعاً في 2 كانون الأول (ديسمبر) 1971، أعلنوا فيه سريان الدستور المؤقت و«قيام دولة الإمارات العربية المتحدة» باعتبارها «دولة مستقلة ذات سيادة وجزءاً من الوطن العربي الكبير، تستهدف الحفاظ على استقلالها وسيادتها، وعلى أمنها واستقرارها، ودفع كلّ عدوان على كيانها أو كيان الإمارات الأعضاء فيها، وحماية حقوق وحريات شعبها، وتحقيق التعاون الوثيق فيما بين إماراتها لصالحها المشترك من أجل هذه الأغراض ومن أجل ازدهارها وتقدّمها في كافة المجالات، وتوفير الحياة الأفضل لجميع المواطنين، ونصرة القضايا والمصالح العربية والإسلامية، وتوثيق أواصر الصداقة والتعاون مع جميع الدول والشعوب، على أساس مبادئ ميثاق الجامعة العربية وميثاق الأمم المتحدة والأخلاق الدولية المثلى».
وتقرّر في اليوم نفسه انتخاب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيساً للدولة لمدّة خمس سنوات، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائباً للرئيس للمدّة ذاتها.
(6) أعلنت رأس الخيمة في 10 شباط (فبراير) 1972 رغبتها في الانضمام إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وموافقتها على دستورها المؤقت. ووافق المجلس الأعلى للاتحاد بالإجماع على انضمام إمارة رأس الخيمة إلى الدولة في التاريخ ذاته.
وبذلك تكاملت «دولة الإمارات العربية المتحدة» على ما هي عليه من الإمارات السبع (السابقة) وهي: أبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة ورأس الخيمة.
وقد وقعت دولة الإمارات العربية المتحدة معاهدة صداقة مع بريطانيا في كانون الأوّل (ديسمبر) 1971، وانضمّت إلى جامعة الدول العربية (العضو الثامن عشر) والأمم المتحدة (العضو 132)، كما أصبحت عضواً في أوبيك (منظمة الدول المصدرة للبترول) وأوابيك (منظمة الدولة العربية المصدرة للبترول). كما أصبح عضواً في الوكالات المتفرعة عن الأمم المتحدة.
والتنظيم السياسي لدولة الإمارات العربية المتحدة تتكوّن هيكليته من الرئيس ونائب الرئيس والمجلس الأعلى للاتحاد واعضاؤه هم حكام الإمارات السبع، ويتمتع فيه حاكما أبو ظبي ودبي بحق النقض، والوزارة الاتحادية، والمجلس الوطني الاتحادي (التشريعي)، وقد تمّ تنظيمه في سنة 1972. ولكلّ إمارة فيه ممثلان يعينهما الحاكم، ومدّة العضوية سنتان. وترك للإمارات الأعضاء السيادة على أراضيها في جميع الشؤون التي لا يختص الاتحاد بها. والحكومة الاتحادية تمارس العلاقات الخارجية وشؤون الدفاع. وتتكوّن القوات المسلحة في الدولة من 26,100 ضابط وجندي (23,500 للجيش و1,800 للطيران و800 للأسطول).
مصادر الثروة (قبل النفط)
كان الغوص على اللؤلؤ إحدى الصناعات الكبرى التي اعتمدت عليها مشيخات ساحل عمان. وصيد اللؤلؤ قديم جداً، ونوعية اللؤلؤ الخليجي جيدة، بحيث كانت دوماً مطمح أنظار تجاره. وفي الثلاثينات من القرن الماضي كانت نحو ألفي سفينة، مختلفة الأحجمام، تشترك في الغوص على اللؤلؤ. وكانت هذه تأتي من البحرين والساحل الإيراني وساحل عمان. إلاّ أنّ نحو 350 منها كانت تخص غواصي الشارقة ورأس الخيمة، ومثل ذلك العدد تقريباً كان يأتي من أبي ظبي. وكان نحو 22,000 رجل يعملون في الغوص على اللؤلؤ في مطلع القرن الحالي، بحيث كانت قرى الساحل ومدنه تبدو خالية في موسم الغوص، الذي كان يمتد من أيار (مايو) إلى أيلول (سبتمبر). وقد قدّر عدد سفن الغوص في مطلع القرن الحالي بما يزيد عن ألف من أبو ظبي ودبي والشارقة (مع رأس الخيمة)، بالإضافة إلى أربعين سفينة كانت تخص عجمان وسبعين كانت لأهل أم القيوين. وقد قدر ثمن اللؤلؤ المصدر من الساحل العماني وحده في سنة 1896ـ1897 بنحو ثلاثة أرباع مليون جنيه استرليني. وكان حكام المشيخات يشجعون هذه الصناعة لأنّهم كانوا يتقاضون جعلاً معيناً من كلّ سفينة بحسب حجمها. وقد دخل خزانة أبو ظبي نحو 20,000 جنيه استرليني (سنة 1909) من هذا المصدر. ولم يكن يسمح إلاّ لسكان البلاد المحيطة بالخليج العربي أن يغوصوا على اللؤلؤ.
إلاّ أنّ هذه الصناعة تأثّرت كثيراً بدخول اللؤلؤ الياباني السوق العالمية في ثلاثينات القرن الحالي. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية غرق الغواصون عن العمل في هذه الصناعة، بحيث إنّ عدد السفن التي كانت تمارسها، والتي كانت تخرج من الساحل العماني، كان ضئيلاً جداً.
وكانت التجارة مصدراً هاماً للثروة، ذلك بأنّ تجار الساحل العماني كانوا، في القرن السابق ومطلع القرن الحالي، كما كانوا عبر التاريخ ينقلون السلع والمتاجر بين البصرة والبحرين (التمر والخيول) والموانئ الإيرانية (التبغ والسجاد والسكر والسمن) وبومباي (الأرز والمعادن والأقمشة) واليمن (البن) وزنجبار (الرقيق) وكان للحكام 10% عن جميع السلع التي تدخل الموانئ، ومثل ذلك على التمر.
وترتب على اتساع نطاق تجارة الساحل والحاجة إلى عدد كبير من السفن أن كانت صناعة بناء السفن صناعة هامة في دبي. وكانت السفن في تنقلها تفيد من الرياح الموسمية. فترحل إلى ممباسّا وزنجبار ودار السلام شتاء محملة بالتمر والأقمشة، وتعود في الصيف محملة بالتوابل والأفاويه. وكانت بعض السفن تحمل من ساحل عمان السمك المجفف إلى مناطق بعيدة. ذلك بأنّ السمك متوفر بكميات كبيرة في الخليج. وكانت خور فكّان (في الفجيرة) المركز الرئيس للتجارة في خليج عمان، كما كانت دبي المركز المقابل له على الخليج العربي. وهذه كانت توصف بأنّها ميناء التجار الوحيد هناك.
وكانت تقوم في الساحل العماني زراعة لا يستهان بها، إذا تذكرنا أنّ أكثر البلاد هي صحراء. وأكبر محصول زراعي في المنطقة هو التمر. وتزرع كميات ضئيلة من القمح والشعير. ويبدو أنّ العناية بزراعة الحبوب كانت أهم من قبل. (لعلّ القمح كان يزرع في أم النار الواقعة على مقربة من أبو ظبي المدينة). وينقل المسعودي أنّه بسبب كثرة التعامل التجاري بين موانئ الساحل، مثل خورفكّان ودبي، والهند فقد نقل البرتقال الهندي مع التجار، وزرع هناك قبل أن يحمل إلى حوض البحر المتوسط.
ومع أنّ الكميات الزراعية المنتجة في الساحل العماني، سابقاً واليوم، محدودة فإنّ التنويع موجود. وثمة منطقتان زراعيتان رئيستان في الساحل: إحداهما في المنطقة الشرقية، والثانية في رأس الخيمة في الشمال. وهناك تزرع أنواع الخضار التي تنمو في حوض البحر المتوسط.
ما دمنا في سبيل التحدّث عن الزراعة فلنشر إلى الأفلاج، وهي وسيلة الري المألوفة هناك منذ القرن الثالث للميلاد على الأقل. والأفلاج (ومفردها فلج) هي قنوات مائية تحت الأرض (شبيهة بما يعرف في إيران باسم قنات). والأصل فيها هو أن يعين مصدر مائي تحت الأرض، بحيث يكون مكان النبع أعلى من البستان الذي سيرويه، وعندها تحفر قناة تحت الأرض إلى أن تظهر المياه على سطح الأرض بحيث يمكن تحويلها للري. وقد يبلغ طول الفلج هذا بضعة كيلومترات. ولا شك أنّ أحد الفوائد من اللجوء إلى هذا النظام للري هي عدم تعريض الماء للجو الجاف والحار، إذ يتبخر عندها جزء كبير منه.
وهناك مادة الأكسيد الأحمر التي كانت تستخرج من جزيرة أبو موسى وغيرها منذ أزمنة قديمة جداً، وتستعمل في صنع الأصبغة والدهانات.
النفط في دولة الإمارات
شهدت العشرينات والثلاثينات من القرن الحالي نشاطاً متزايداً في البحث عن النفط في مناطق الخليج العربي، وكان أن وصل هذا النشاط إلى ساحل عمان في أواخر الثلاثينات، فمنحت بعض الشركات الأجنبية امتيازات للبحث عن النفط واستخراجه في رأس الخيمة (1938) وأبو ظبي وعجمان (1939). على أنّ رحى الحرب العالمية الثانية لم تلبث أن دارت، وتوقف النشاط النفطي في المنطقة. وقد أُعيد النظر في بعض الامتيازات من حيث شروطها وأوقاتها، كما منحت امتيازات جديدة. وكانت أبو ظبي في مقدمة مشيخات ساحل عمان من حيث تصدير النفط إلى الأسواق العالمية في سنتي 1962 و1963 (في الأولى كان من مقر البحر ومركزه جزيرة داس، وفي الثانية من البر). وقد ارتفع إنتاج النفط في أبو ظبي من 2,5 مليون طن (1963) إلى 23,6 مليون طن (1968) أمّا في سنة 1976 فقد كان منتوج النفط في أبو ظبي نحو 70,000,000 طن. وبالإضافة إلى النفط فإنّ أبو ظبي بلد غني بالغاز الطبيعي، واحتياطه في ذلك البلد يعدّ بين أغنى مخزون للغاز في العالم.
وقد عثر على النفط بكميات تجارية في دبي سنة 1966، وأنتج بعد ذلك بثلاث سنوات، ووصل ذلك 12,6 مليون طن سنة 1975. وليس احتياطي النفط في دبي كبيراً، وقد يتوقف الإنتاج بين سنتي 1985 و1990. ومع أنّ شركات النفط قد أمّمت عملياتها، فإنّها لا تزال تقوم بعملية استخراج النفط وتسويقه. والشارقة بدأ إنتاج النفط فيها سنة 1974، لكن الكميات لا تزال قليلة. ورأس الخيمة تنتظر ظهور النفط بكميات تجارية. وأم القيوين والفجيرة وعجمان لم تحصل بعد على ما يشفي الغليل من النفط.
وحري بالذكر أنّ إمارات ساحل عمان دخلت حلبة السباق النفطي في وقت كانت فيه سياسة زيادة حصة البلد المنتج للنفط بالنسبة لما كان عليه قبلاً، وهو أربع شلنات للطن الواحد. إلاّ أنّ الأرباح اليوم هي في الغالب مناصفة بين البلد المنتج والشركة المستثمرة. وقد انتهجت اليابان سياسة أساسها 60% للبلد المنتج، و40% للشركة صاحبة الامتياز. وقد اتبعت هذه الطريقة في أبو ظبي منذ سنة 1974. وقد يكون من الضروري أن نشير هنا إلى أنّ البلد المنتج لا يحصل دائماً على هذه النسبة من الأرباح، إذ أنّ الشركة تدخل في الحسابات أرقاماً متنوعة ونفقات مختلفة تخفض النسبة المخصصة للبلد.
وممّا يجب أن يذكر هنا أنّ أبو ظبي انضمّت إلى منظمة الأقطار المنتجة للبترول (أوبك) سنة 1967 وكانت هذه قد أنشئت سنة 1960. ودولة الإمارات العربية المتحدة هي اليوم عضو في تلك المنظمة. وبذلك تسنى لدولة الإمارات أن يكون لها شأن كبير في قضايا النفط العالمية.
دولة الإمارات اليوم
تكاد دولة الإمارت العربية المتحدة تعتمد على النفط في وارداتها. وأبو ظبي تعتبر بين أغنى دول العالم على أساس الدخل للفرد الواحد. وتليها في الإمارات دبي. وقد أدّى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الواردات بالنسبة إلى أبو ظبي ودبي، وبالتالي إلى دولة الإمارات. وقد بلغت واردات النفط لعام 1976 قرابة 7.000 مليون دولار.
والمركز التجاري الرئيسي بالنسبة إلى دولة الإمارات هو دبي، وهو كذلك الميناء الأوّل. وقامت دبي ببناء حوض جاف لناقلات النفط الضخمة. وثمة مركزان قد اتخذا شكل المركز الصناعي الأوّل وهما: رُبَيْس في أبو ظبي وجبل علي في دبي. وثمة ميناء عميق انتهى العمل فيه في جبل علي. كما أنّ دبي أتمّت إنشاء مصنع للألمينيوم في عام 1981.
كانت وارات أبو ظبي من النفظ 750 مليون دولار (1973) فارتفع إلى 4,500 مليون دولار (1974). وقد خصّص في سنتي 1977ـ1979 نحو 8,700 مليون دولار للتنمية، و80% من هذا المبلغ يصرف على الإسكان والمواصلات والصناعة. ولأبو ظبي مصفاتان (واحدة جديدة) ومصانع للبتروكيمائيات ومواسير البلاستيك وتحلية ماء البحر ومصانع للحديد والفولاذ.
وقد كان احتياطي أبو ظبي في 1974 يعادل 2.000 مليون دولار، فارتفع إلى 3.000 مليون دولار في السنة التالية. وقد قُدِّر الوفر لسنة 1977 بما قيمته 4.500 مليون دولار.
ولدبي تاريخ عريق في التجارة، فقد استقطبت التجارة الخليجية في جزئه الجنوبي قديماً، وجذبت إليها التجار حديثاً. وذلك بسبب نشاط أهلها وخبرتهم في شؤون البحر ومعاملة البضائع والتجار والتيسير الجمركي والحماية اللتين يحصل عليهما التجار من حكام دبي.
وميناء راشد الذي كان فيه أربعة أحواض للسفن في سنة 1974 أُضيف إليه 15 حوضاً في السبعينات المتوسطة، وأصبح في مطلع الثمانينات اثنان وعشرون حوضاً.
أمّا الحوض الجاف وصناعة الألمينيوم في دبي فقد أشرنا إليهما قبلاً. والشارقة قام فيها مصنع لمواسير البلاستيك وآخر للدهانات.
وفي رأس الخيمة إنتاج زراعي لا يستهان به. والإمارة كانت دوماً تنتج الثمار والخضار. إلاّ أنّ المزرعة التجريبية التي أُنشئت هناك في الستينات، والاهتمام الخاص الذي تبذله الدولة لتحسين الأصناف وزيادتها ومساعدة الزراع فنياً ومالياً، جعل من الأرض الزراعية القليلة منتجة لكميات كبيرة مما تحتاجه البلاد. والارض الزراعية القليلة بعضها في المرتفعات، وعندها تصبح أودية أو سهولاً صغيرة جداً، تنحصر بين المرتفعات، وترتوي من المطر الذي يسقط (وهو قليل) والذي يمهد له السكان كي يتجمع في آبار تحفظه لحين الحاجة. أمّا في الجزء الساحلي السهلي فالأرض يتيسر لها ري صالح نسبياً، من الآبار الأرتوازية ومن الأفلاج التي تنقل الماء من طبقات الأرض العليا إلى الأماكن المنخفضة. ومع ذلك فإن رأس الخيمة فيها مصنع للإسمنت كان ينتج 700 طن يومياً، لكن إنشاءاته مكّنته من إنتاج 4500 طن يومياً.
ومن الأمور التي تعنى بها الدولة، كما عني بها الحكام كلّ في إمارته، وكما عنيت بها إدارات المساعدات التي قدمت للساحل العماني (قبل إنشاء دولة الإمارات) المواصلات. فالطرق الآن تصل بين عواصم الإمارات والدواخل، كما تقوم طرق تصل الدولة ـ خاصة في قسمها الجنوبي ـ بالجيران. وفي داخل المدن طرق جيدة جداً. كما أنّ البلاد كلّها فيها ثلاثة مطارات دولية كبرى. وجدير بالذكر أنّ اتفاقات بين حكام بعض الإمارات وبعض شركات الطيران قد وقعت في الثلاثينات (مثلاً الشارقة 1932، ودبي 1937) كانت نقطة الانطلاق في هذه المشاريع. إلاّ أنّ الأمر ازداد نشاطاً بعد الحرب العالمية الثانية ثمّ طفر طفرة كبيرة في الستينات والسبعينات. أمّا الموانئ فقد ذكرنا أنّ أهمها وأكبرها دبي وأبو ظبي، هذا إلى جانب موانئ أصغر نسبياً في الشارقة ورأس الخيمة والفجيرة (خورفكّان).
وقد بلغت واردات دولة الإمارات العربية المتحدة 13,150 مليون درهم (ودرهم الإمارات يساوي في السوق العالمية نحو ربع دولار)، كما بلغت الصادرات 33,770 مليون درهم. والصادرات تشمل الزيوت الحيوانية والنباتية والمشروبات والتبغ والكيميائيات والحيوانات. إلاّ أنّ أكبر سلعتين تستوردهما دولة الإمارات هما: المصنوعات والماكينات والآلات والأدوات، ووسائل النقل والمواصلات فهذه تكاد تغطي نحو ثلاثة أرباع الواردات. وهذا طبيعي في بلد مجتمعه استهلاكي غني، ولا يُصنع فيه شيء من الحاجات اللازمة للسكان.
أمّا الدول الرئيسية التي تتعامل دولة الإمارات العربية المتحدة معها تجارياً ـ للتصدير والاستيراد ـ فهي بريطانيا والولايات المتحدة واليابان وألمانيا الاتحادية والهند وما يسمّى المملكة العربية السعودية.
وليس من شك في أنّ تطوّر التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة يعدّ في مقدمة مظاهر التقدّم هناك. فإذا نحن أخذنا السنوات الأربع بين 1975 و1978 وجدنا أنّ عدد المدارس ارتفع من 167 مدرسة إلى 350 مدرسة، وأنّ عدد الطلاب الذي كان حوالي 53,000 أصبح نحو 95,000، كما أنّ المعلمين الذين كان عددهم نحو 4,000 وصل نحو 8,000. وحري بالذكر أنّ هناك مدارس فنية وتقنية وزراعية. كما أنّ جامعة أُنشئت في العين (أبو ظبي) سنة 1977 وكان يومها عدد طلابها 320 طالباً يدرسهم 105 من الأساتذة. ولسنا بحاجة إلى القول بأنّ هناك عدداً كبيراً من الطلاب الجامعيين يتلقون علومهم في الخارج.
وهذه المدارس هي التي ستهيئ لدولة الإمارات حاجتها من الموظفين والتجار والتقنيين والمعلمين ومهرة الصناع والعاملين في الحقول الاجتماعية من أبناء البلاد. وقد كان الكثيرون من هؤلاء، إلى يومنا هذا، من الذين يفدون إلى البلاد من الخارج للقيام بالكثير من هذه الأعمال.
العنصر البشري
ذكرنا من قبل أنّ عدد السكان في دولة الإمارات هو نحو 700,000 (تقديراً لعام 1980). على أنّ هناك من قدّر هذا العدد لفترة قريبة زمنياً بنحو 877,000. وسواء صحّ التقدير الأوّل أم الثاني، فالمهم هو أنّ ربع السكان فقط هم من مواطني دولة الإمارات، أمّا الباقون فهم ممّن جاء البلاد للعمل فيها. ومن ثمّ فقد لا يكون من اليسير التحدّث عن مجتمع دولة الإمارات، بالشكل الذي يمكن أن يتحدّث الواحد عن مجتمع متجانس. فالوافدون على البلاد يأتون من أقطار مختلفة ومتباعدة، وخلفياتهم الاجتماعية والحضارية متنوعة. فهناك الباكستانيون والهنود والإيرانيون (ومؤخراً الكوريون). ومع أنّنا لا نملك أعدادهم الدقيقة، فهم كثرة، ويقومون بالأعمال اليدوية، ويصعب عليهم ـ حتّى لو أرادوا ـ أن يتفاهموا مع السكان الأصليين بسبب اختلاف اللغة. يضاف إلى ذلك أنّ الغالبية منهم تأتي لتعمل مدّة محدودة، فتجمع بعض الثروة وتعود إلى بلادها. وهناك العمانيون، وكثيرون منهم يقومون بالأعمال ذاتها، إلاّ أنّهم عرب ولغتهم عربية، ولذلك فإنّ الاتصال بينهم وبين السكان الأصليين أيسر. والغالبية من هؤلاء قد تبقى في دولة الإمارات إذا سمح لها بذلك. ويأتي بعد ذلك، لا ترتيباً ولا عدداً، العرب المشارقة القادمون من سوريا ولبنان وفلسطين والأردن ومصر. ولعلّ هؤلاء يكونون، في الدرجة الأولى، فئة أصحاب المهن الحرة (كالتعهدات والبناء والمصارف والتجارة) والموظفين في دوائر الحكومة ومنشآتها ـ الإدارية والصحية والتعليمية والمصرفية والبترولية. وصناعة النفط يعمل فيها عدد لا يستهان به من الأجانب، إلاّ أنّ هذه الصناعة، التي تزوّد الدولة بالمصدر الرئيس والأوّل من الواردات، يعمل فيها عدد قليل. ذلك بأنّها تعتمد على التكنولوجيا أكثر من أي صناعة أخرى في البلاد.
وهؤلاء الوافدون إلى الدولة يقيمون في المدن ـ حيث تطلبهم أعمالهم واختصاصاتهم، سواء في ذلك العرب وغيرهم. والمناطق النائية، على أنّها أصبحت في متناول الجميع بسبب الطرق الجيدة ووسائل النقل الحديثة، يقيم فيها أبناء البلاد. ومن الطبيعي إذن أن تكون ثمة فروق كبيرة بين المجتمعات الريفية والصحراوية من جهة وبين مجتمعات المدن. صحيح أنّ الكهرباء وصلت إلى كثير من البلدان الصغيرة، ولكن المدينة الكبيرة تظل لها خصائصها وصفاتها وطابعها.
فالمجتمعات التقليدية لا تزال تحافظ على عاداتها في أفراحها وأعيادها وأتراحها وولائمها. فهي تعقد حلقات الرقص (للرجال وحدهم طبعاً) للاحتفال بعيد أو طهور أو ختم للقرآن الكريم. ولا تزال السفن التي تجتاز الخليج في مسافاته القريبة يسمع غناء ملاحيها كما كان يسمع عبر العصور. وفي إمارة رأس الخيمة، في المرتفعات، قد تكون المستوطنة مكونة من أفراد عائلة واحدة (كبيرة طبعاً). ولعلّ من أجمل العادات التي يحافظ عليها القوم في دولة الإمارات البيزرة. فالصقر وتدريبه والمحافظة عليه واصطحابه في صيد الحبارى أمور يقبل عليها الحكام والأغنياء والشيوخ، ويعنون بها عنايتهم بأعز ما لديهم. كما أنّ سباق الخيل يعتنى به. لكن الذي لا يعرفه سكان الأماكن الواقعة على شواطئ البحر المتوسط مثلاً، هو أنّ هناك سباقاً للجمال. والقوم في دولة الإمارات يولون هذا النوع من السباق ما يولونه لسباق الخيول، من حيث الاهتمام والمشاهدة والحماسة.
إلى جانب هذه العادات العربية الأصيلة التي يعتز بها مواطنو الدولة الأصليون، تقوم عادات حملها كلّ قوم من بلدهم. وبعض هذه العادات فيها خير كثير، وبعض سكان البلاد يقبلون عليها بطبيعة الحال بسبب الاتصال اليومي المباشر مع الوافدين، وبخاصة في المدن ـ في العمل والسوق والمطعم والمقهى.
وأخيراً
دولة الإمارات العربية المتحدة لا تزال في أوائل عمرها. ونحن إذا تأملنا ما تمّ في هذه المدة القصيرة، تدهشنا الخطوات الجادة والهامة التي تمّت. إذ أنّنا عندما نمعن النظر فيما كانت عليه الحال، نجد أن مشيخات أو إمارات ساحل عمان كما كان يجب أن تسمى، أو إمارات «الساحل المهادن» أو «الساحل المتصالح»، كما كانت تسميها الوثائق الرسمية البريطانية، كانت المشاحنات بينها قوية، والخصومات عنيفة. وقد يستغرب المتمعن في الأمر لماذا كان يحدث مثل هذا في بلد أو منطقة كان لها من عناصر الوحدة ومقوماتها الكثير. فهي منطقة جغرافية متناسقة، تغلب السهول والهضاب على سطحها، وليس ثمة جبال مرتفعة تعترضها، أو خلجان كبيرة تخترقها. فالاتصال بين أجزائها متيسر دوماً. وموقعها جعل منها، على مرّ العصور، منطقة تجارية منفتحة على العالم الذي يربطها به الخليج الفارسي وخليج عمان وما وراء ذلك من المحيط الهندي وتفرعاته. وسكان المنطقة، مهما اختلفت أهواؤهم ولهجاتهم، هم عرب أصلاً، ولغتهم العربية. يضاف إلى ذلك أنّ السكان مسلمون. وإذن فالبيئة الطبيعية والجماعة البشرية والروابط الروحية قائمة بين أجزاء هذه الإمارات.
على أنّنا يجب أن نذكر أنّه إلى جانب هذه المقومات والعناصر الموحدة، كان هناك ثلاثة عوامل تدعو إلى الفرقة والتأخر. فالعصبية القبلية والتنازع الأسري كانا قويين. والفقر كان يؤخر المنطقة. لكن الذي كان أكبر أثراً وأبعد مدى في التفرقة والإبقاء على الفقر هو الاستعمار البريطاني الذي جثم على صدر هذه المنطقة ـ كما جثم على صدر أقطار الخليج جميعها ـ قرناً ونصف القرن، والذي كان يعنى بمصلحته فقط. ومن ثمّ فإنّه لم يول الأمور الداخلية أي اهتمام. بل إنّه، على العكس من ذلك، شجّع الفرقة والنزاع والتنافس، إذ أنّه رأى في هذه التفرقة توطيداً لوجوده.
ولكن الاستعمار اضطر إلى الانحسار، وتدفق النفط فأغنى المنطقة. وعندها رُئِيَ أنّ في الاتحاد مصلحة الجميع وقوّة لهذه الإمارات، فأجمعت أمرها على ذلك. وقيام الاتحاد بحد ذاته (2 كانون الأول ـ ديسمبر ـ 1971) كان عملاً جباراً اقتضى الجهد الكبير والسير الحثيث. وعندها بدأ العمل الداخلي في سبيل تطوير البلاد وتنميتها على نحو ما مرّ بنا.
صحيح أنّ الدولة لا تزال تسير على دستور مؤقت، لكن ذلك لم يمنع القائمين على الأمر من اتخاذ إجراءات تتجه نحو تقوية الحكومة المركزية كي تتم الوحدة في المستقبل. وفي مقدمة هذه الإنجازات الكبيرة إنشاء المصرف الاتحادي (1975). وفي سنتي 1976 و1977 أُعيد النظر في أُمور عامة هامة، وجُعلت شؤون كثيرة تحت سلطة الاتحاد بعد أن كانت بعض عناصرها تختص بها السلطات المحلية للإمارات. فالقوات المسلحة وُحِّدت، وأنشئ حرس لحماية حدود الدولة البرية والبحرية، ووحدت أجهزة الأمن الداخلي، وأصبح الإشراف على الأجهزة الإعلامية تابعاً للدولة الاتحادية.
والمجلس الوطني الاتحادي، المكوّن من أربعين عضواً، لا تزال صفته استشارية أكثر منها تشريعية، لكنّه آخذ بالاهتمام بالأمور الاتحادية. وهو مجلس، كما ذكرنا، يعين حكام الإمارات أعضاءه (أبو ظبي 8، دبي 8، الشارقة 6، رأس الخيمة 6، عجمان 4، الفجيرة 4، أم القيوين 4).
ودولة الإمارات العربية المتحدة تيسر لها، إلى الآن، القيام بتنظيم البنى التحتية، أو أكثرها على الأقل. ومع أنّ أكثر القائمين بهذه الشؤون هم من الوافدين، فإنّ ذلك لن يضير البلاد، ولا بد من مرور بعض الوقت حتّى تتمكّن الدولة من تدريب أبناء البلاد على ذلك. على أنّ الأهم هو الانتقال الآن، ولو على أيدي الوافدين، إلى تنظيم البنى الأوسع والأكبر ـ في الصناعة على اختلاف أنواعها، وفي الإدارة على تشعبها.
ولا بد للدولة من إنشاء مشاريع وصناعات تعوض، في المستقبل، عن النفط. ومع أنّ احتياطي البلاد (32,500 مليون برميل)، وهذا، إذا استمر الإنتاج على ما هو عليه الآن، يكفي البلاد نيفاً وخمسين سنة.
د. نقولا زيادة
الشيعة في دولة الإمارات
للشيعة في دولة الإمارات العربية المتحدة وجود بارز لا سيما في دبي وأبو ظبي، وهم ركن كبير في كيانها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ولهم مساجدهم وحسينياتهم وتجمعاتهم التذكارية.
الأمالي
كان العلماء ولا يزالون وسيظلون يلقون على الطالب ما علموه أو حفظوه، شارحين ومفصلين. مع استطراد أحياناً، أو مع اقتصاد على ما يتناولونه من دروس.
والفرق بين المحاضر في المدارس والجامعات اليوم، وبين المتصدين للتدريس في القديم، هو أنّ القدامى كانوا يملون على طلابهم ـ أفراداً أو جماعات ـ دروسهم بلغة فصيحة سليمة، وفي بطء ليتيحوا لهم فرصة الكتابة لما يلقونه عليهم كاملاً. إذ لم يكن في تلك العهود القديمة مطابع يحصل بسببها على نسخ من الكتاب الذي ألفه الأستاذ، أوسع ممّا حاضر به أو أقلّ شمولاً، وإذن فليس معهم ما يقابلون عليه ساعة الإلقاء والتدريس، أو يرجعون إليه بعد الاستماع، للاستذكار، أمّا اليوم فالمطابع أراحت الطلاب من الكتابة أو أكثر ما فيها من عناء، والأستاذ يتحدّث وطلابه يصغون ليتابعوا حديثه الذي لا يمكن أن يدوّنه أحد منهم كاملاً إلاّ إذا عرف طريقة الاختزال، وهؤلاء قلّة لا نظفر بهم إلاّ في المؤتمرات، أو مجالس الأمّة، أو المجامع. وكثيراً ما انحدر أسلوب التدريس فصار أقرب إلى العامية، حتّى في دروس الأدب وما يتصل به فليس هناك إذن ما يغري الطلاب بالتسجيل. ما دام في الوسع الحصول على الكتب هبة من الجامعات، أو شراء بنقود المتعلمين وليسوا هم بأقدر من الأساتذة في الصياغة الفصحى.
ولئن تشعّبت الدراسات في عصورنا الحديثة، فلقد كان في القديم تشعّب على قدر ما لديهم من فنون، أغلبها ديني أو أدبي أو لغوي.
وأماكن الدراسة الآن محدّدة المعالم والبقاع، ولها نظم وشروط في الأعمار والأجناس والتحصيل، أمّا أماكن الدراسة من قبل فكانت مباحة لكلّ قاصد وراغب، طالما كان له ميل إلى ذلك المعروض. قد يكون هذا في المساجد، وقد يكون في مجالس عامة أو خاصة، وقد تكون لدى الحاكمين وذوي الجاه واليسار، ولكن لا يصل إليها في حال الحاكمين والوجهاء والموسرين إلاّ الصفوة المختارة. وأخيراً يجيز الأستاذ من يرتضي علمه، ويثق بكفايته فيصير من حقّه أن يتحدّث ويروي متّى أنس في نفسه القدرة على الإلقاء والبيان.
الأمالي وأمل وأملى
والذي يلقى على الطلاب ليكتبوه هو «إملاء» أو هو «إملال» تقول: أملى عليهم الأستاذ قصيدة يمليها إملاء ولك أن تقول أمل عليهم يمل إملالاً. وهذه كلمة «أمللت أملّ إملالاً» لغة الحجازيين وبني أسد، وبها جاء في القرآن في سورة البقرة الآية 282 {فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}.
وكلمة «أملى يملي إملاء» هي لغة بني تميم وقيس، وبها أيضاً جاء في القرآن في سورة الفرقان الآية الخامسة {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}.
والتلميذ يستملي أستاذه، تعني بذلك أنّه يسأله أن يملي عليه، ومن هذا قالوا للذي يطلب إملاء الحديث من شيخ إنّه «المستملي».
والأمالي كما يقول صاحب «كشف الظنون» جمع الإملاء، وفسّرها بقوله «وهو أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله سبحانه وتعالى عليه من العلم، ويكتبه التلامذة، فيصير كتاباً، ويسمّونه الإملاء والأمالي. وعلماء الشافعية يسمّون مثله التعليق».
ويبدو أنّ الإملاء وجمعه الأمالي مثل الإعراب في النحو وجمعه أعاريب وأعاريب أيضاً جمع أعراب التي هي قد تكون جمع أعرابي. وإملاء «مصدر» لكنّه لمّا صار اسماً جاز جمعه، ومثله إحساس وأحاسيس، وعلى وزنه إعصار وأعاصير.
على أنّ أفاعيل تكون جمعاً لمثل أفعول، كأسطول وأساطيل، وإفعيل مثل إبريق وأبارقة، وإزميل وأزاميل. وأكثر ما تأتي أفاعيل جمعاً لأفعولة مثل أسطورة وأساطير وأرجوزة وأراجيز وأنشودة وأناشيد وأثفية وأثافي، وأغنية وأغاني وأحجية وأحاجي. ولك أن تخفف مثل الأغاني والأحاجي والأثافي والأمالي فتقول الأغاني والأحاجي.
وقد أورد الأستاذ الحبيب عبدالله بن أحمد العلوي الحسيني الحضرمي مصحح دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد في مقدمته لكتاب أمالي اليزيدي أن ّ «أمالي» جمع «أملية» ولكن «أملية» لم أجدها في اللسان والصحاح وتاج العروس ولا في أساس البلاغة، ولم يذكرها صاحب كشف الظنون عند حديثه عن الأمالي فلعلها قياس على أثفية وأغنية. إلاّ أنّ كلمة إملال التي على وزن إملاء جاء لها معنى آخر هو الإبرام والإضجار، تقول رجل ذو أماليل، أي مبرم، وهو جمع أملال وأملولة، كما قال الزمخشري في الأساس، أو هو جمع إملال وإملالة وأملولة كما جاء في تاج العروس، فلعل الأمالي هي جمع إملاءة، ومثل إملاءة وأماليل إطنابة وأطانيب.
كتب الأمالي
وكتب الأمالي التي أوردها «حاجي خليفة» صاحب «كشف الظنون» نذكر منها:
أمالي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحنفي المتوفى 183 هجرية وهي في الفقه.
أمالي ابن دريد في العربية «لغة».
أمالي ابن الشجري المتوفى سنة 572 هجري أملاه في أربعة وثمانين مجلساً وختمه بمجلس قصره على أبيات من شعر المتنبي تكلم عليها وذكر ما قاله الشراح فيها وزاد من عنده.
أمالي ابن حجر المتوفى سنة 852 هجرية وأكثرها حديث.
أمالي الزجاجي في النحو.
أمالي ابن الحاجب أبي عمرو عثمان بن عمر النحوي المتوفى سنة 682 هجرية وهي تفسير بعض الآيات وفوائد شتى عن النحو.
وهذا ولما كان ما يملى يكون في مجالس متعددة قيل له «مجالس». ولما كان أكثره نوادر في اللغة والشعر قيل له نوادر.
وممّا هو مطبوع ويتداوله الناس الآن:
أمالي اليزيدي، أمالي القالي، أمالي الزجاجي، أمالي ابن الشجري، أمالي الشريف المرتضى، المسمّاة «غرر الفوائد ودرر القلائد»، وهناك مجلس ثعلب. والنوادر لأبي زيد ولأبي مسحل… وغيرهما. لكن المتعارف عليه الآن عند أطلاق كلمة «الأمالي» هو ما ألفه القالي.
أمّا إذا أردت الأمالي الخاصّة بغيره فإنّك تذكرها بالإضافة إلى صاحبها، من ذلك «أمالي ابن الحاجب» وأمالي ابن الشجري… ومثل ذلك في المتعارف عليه «الحماسة»، فإذا ذكرت مطلقة أريد بها حماسة أبي تمام، أمّا غيرها فيذكر بالإضافة إلى صاحبه، مثل حماسة البحتري، وحماسة الخالديين وحماسة ابن الشجري. أو تذكر موصوفة مثل الحماسة البصرية.
تختلف الأمالي باختلاف المملين.
ونحن نلحظ أن ما يملى يختلف باختلاف العالم المملي، وتبعاً لميله وما برع فيه. ويغلب في الأمالي أن يبدأ الأستاذ الدرس بآية من القرآن، أو بحديث، أو بالمأثور من الشعر أو النثر، ثمّ يتلو ذلك شرح ما أملى، متناولاً اختلاف الإعراب إنّ كان نحوياً، ويستطرد في الأمثلة والشواهد، أو متناولاً ما في ذلك من لغة إن كان لغوياً، فيشرح الألفاظ وما يتصرف منها ومعانيها، محتجاً لذلك بالمأثور عن الرب وأقوال الأئمة السابقين، ويحاول أن يأتي بالطريف الظريف، ومن كان محفوظه الأدبي وافراً كان ما يأتي به ويورده أمتع وأجمل ممّن كان همّه غريب اللغة أو اختلاف الإعراب. ولا يخلو ما يأتي به الأديب من فائدة لغوية يسوقها، أو إبداء رأي في توجيه إعرابي، ولكنّه يأتي بذلك على فوت وندرة، كما تأتي التوابل بين الشهي من الطعام، فلا تغلب ولا تطغى ولا تخلو الأمالي من مأثور الخطب، ولطيف الحكم والأمثال، وجزل التعابير. ويتخلل كلّ هذا قصار الحكايات والأقاصيص وبعض الفكاهات.
وفي الأزمان السابقة، حين لم تكن مطابع، ولا توجد آلات الكتابة ومتطلباتها إلاّ بمشقة، أنعم الله على أولئك السابقين بصفاء الأذهان، وقوّة الحافظة وقلّة المشاغل والتوجّه إلى العلم رغبة في العلم وعملاً بما نصحوا به من أنّ العلم يرفع دوراً لا عماد لها، وأنّهم إن كانوا سوقة فبالعلم يسودون، وإن كانوا سادة فبالعلم يتجملون ويفوقون، فعكفوا عليه يحفظونه، فارتقوا بين الناس، وجالسوا ذوي الجاه والسلطان. وصانوا لنا ـ خلفاً عن سلف ـ كلّ ما نفع وأفاد، أثبتوه أو أثبته تلاميذهم في بطون الكتب. فبقي منه بعض يقاوم البلى والحدثان.
جهد القالي([410]) في أماليه
يقول القالي في مقدمة كتابه الأمالي مبيناً جهده في التحصيل:
«فإنّي لما رأيت العلم أنفس بضاعة أيقنت أنّ طلبه أفضل تجارة، فاغتربت للرواية، ولزمت العلماء للدراية، ثمّ أعملت نفسي في جمعه، وشغلت ذهني بحفظه، حتّى حويت خطيره، وأحرزت رفيعه، ورويت جليله، وعرفت دقيقه، وعقلت شارده…».
ثمّ يقول مبيناً أماكن إملائه، وأنّه لم يستعن بالكتب يقرؤها ساعة الإملاء، ذلك أنّه وعى كلّ ما ألقاه على تلاميذه وحفظه:
«فأمللت هذا الكتاب من حفظي في الأخمسة بقرطبة، وفي المسجد الجامع بالزهراء المباركة».
أمّا الزهراء فقد كانت مدينة صغيرة قرب قرطبة بالأندلس، اختطها عبد الرحمن الناصر من خلفاء بني أمية هناك، وذلك في سنة (325هـ ـ 936م) وعملها متنزهاً له، ومسافة ما بين الزهراء وقرطبة ستة أميال وخمسة أسداس ميل، كما يقول ياقوت في معجم البلدان.
وأمّا الأخمسة بقرطبة فلم أجد لها تفسيراً صريحاً، لا في لسان العرب ولا في تاج العروس ولا في معجم البلدان ولا في معجم ما استعجم ولا في تقويم البلدان ولا في أساس البلاغة، على أنّ اللغة فيها الأخمسة جمع خميس. والخميس هو أحد أيام الأسبوع، ومن معانيه أيضاً الجماعة، تقول: ما أدري أي خميس الناس هو، أي جماعتهم. والخميس الجيش. لأنّه على خمسة أقسام أو لأنّه تخمس فيه الغنائم.
فهل يا ترى يريد أنّه أملاه على الجماعات، أو لعل الخميس ـ وجمعه أخمسة ـ اصطلاح لأهل قرطبة على المكان الذي تلقى فيه الدروس. ذلك أنّ قوله «في المسجد الجامع بالزهراء» مقابلاً لقوله «في الأخمسة بقرطبة» يوحي أنّ الأخمسة تشبه المدارس أو المساجد. لكن الأستاذ محمد عبد الجواد الأصمعي في مقدمته للأمالي، فهم الأخمسة على أنّها جمع يوم الخميس ولهذا أقحم على كلام القالي ـ حين اقتبس منه ـ لفظة «أيام» فجعلها «في أيام الأخمسة» وهذا ولا شك دون دليل ولا برهان، فنحن غالباً لا نقول قرأت هذا أو عملته في السبت أو في الأحد، وإنّما نقول قرأته أو عملته يوم السبت أو يوم الأحد أو في يوم السبت… وكما قلت إنّ مقابلة الأخمسة بالمسجد الجامع توحي أنّها اصطلاح على مكان.
مزايا الأمالي وميول القالي
والقالي يبيّن لنا ما في الأمالي من مزايا فيقول: «أودعته فنوناً من الأخبار، وضروباً من الأشعار، وأنواعاً من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أنّي لم أذكر فيه باباً من اللغة إلاّ أشبعته، ولا ضرباً من الشعر إلاّ اخترته، ولا فناً من الخبر إلاّ انتحلته، ولا نوعاً من المعاني والمثل إلاّ استجدته.
وإملاء الكتب من الذاكرة إذا تعدّد يجعل بينهما بعض الاختلاف في الألفاظ، وبعض الزيادة أو النقص: ولهذا لا نستغرب أن نجد كتاباً مخطوطاً لمؤلف برواية عالم عنه، فيه اختلاف عن مخطوط آخر لهذا الكتاب، لاختلاف الراوي، فمثلاً «التهذيب» للأزهري برواية جنادة، يختلف اختلافاً كثيراً عن التهذيب للأزهري نفسه برواية غير جنادة عنه، ومثل ذلك يُقال في «أشعار الهذليين»، وهذا أشبه بتعدّد الطبعات للكتب الحديثة التي يتناولها مؤلفوها وهم أحياء بالتعديل والتنقيح.
والقالي ميال إلى اللغة، وله فيها كتاب مؤلف ضاع أغلبه وبقي بعضه وطبع، لهذا كانت عنايته في الأمالي تنصب على اللغة، لكن عنايته برواية المطولات من القصائد الرائعة كانت كبيرة، فأنت تظفر في الأمالي بكثير من القصائد النادرة الجميلة التي كان حفظها من أهم ما أقام ألسنة الخطباء، وأجرى أقلام الأدباء، وحبّب في مجالسة الرواة، وجذب الطلاب إلى الاستماع للاستمتاع([411]).
عبد الستار فراج
الأمالي عند الشيعة
هناك طرق عدة لتحمل الحديث ونقله عن الشيخ. وطريقة السماع من الشيخ من بين الطرق المذكورة. وينقسم السماع إلى إملاء وتحديث من غير إملاء، وسواء كان من حفظ الشيخ أو من كتابه. ويعدّ هذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير. وما كتب الأمالي التي نحن بصدد البحث عنها إلاّ مجموعة من أحاديث الشيوخ التي أملوها على طلبتهم.
ويعرّف الشيخ آغا بزرك كتب الأمالي بقوله: «الأمالي عنوان لبعض كتب الحديث ـ غالباً ـ وهو الكتاب الذي أدرجت فيه الأحاديث المسموعة من إملاء الشيخ عن ظهر قلبه أو كتابه، والغالب عليه ترتيبه على مجالس السماع، ولذا يطلق عليه (المجالس) أو (عرض المجالس) أيضاً وهو نظير (الأصل) في قوّة الاعتبار وقلة احتمال السهو والغلط والنسيان ولا سيما إذا كان إملاء الشيخ عن كتابه المصحح أو عن ظهر القلب مع الوثوق والاطمئنان بكونه حافظاً متقناً، والفرق أنّ مراتب الاعتبار في أفراد (الأصول) تتفاوت حسب أوصاف مؤلفيها وفي (الأمالي) تتفاوت بفضائل ممليها.
أمالي الصدوق القمي
وقد ألّف شيوخ الشيعة طائفة من كتب الأمالي. وكان الشيخ محمد بن علي المعروف بالصدوق القمي من بين أولئك الشيوخ. وقسم كتابه الموسوم بـ «الأمالي» إلى مجالس أو جلسات تدريسية يلقي في كلّ واحدة منها مقداراً معيناً من المادة. وقد حدّد القمي تواريخ معينة لمجالسه المذكورة فالمجلس الأوّل كان يوم الجمعة لإثنتي عشرة ليلة بقين من رجب سنة 367هـ والمجلس الثاني الثلاثاء لسبع بقين من رجب من السنة نفسها. والثالث يوم الجمعة لخمس بقين من رجب، والرابع يوم الثلاثاء سلخ رجب، والخامس يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان. وهكذا يستمرّ القمي بذكر مجالسه مرتبطة بيوم الأسبوع ويوم الشهر والسنة ويذكر القمي مكان المجلس أي الدرس أحياناً. فكان المجلس السابع والتسعون ـ مثلاً ـ قد جرى يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة 368هـ في مشهد الرضا (عليه السلام) ويمكن أن تستنتج من دراسة كتاب القمي المذكور ما يأتي:
أولاً: أنّ القمي قصد بمجالسه الجلسات التدريسية وليس الأمكنة، وذلك لأنّه ربط انعقاد المجلس بيوم الأسبوع والشهر والسنة.
ثانياً: يظهر أنّ القمي كان يلقي دروسه في يوم الثلاثاء والجمعة من كلّ أسبوع لأنّ تاريخ مجلس الأوّل كان يوم الجمعة الثامن عشر من رجب والثاني يوم الثلاثاء في الثاني والعشرين منه، والثالث الجمعة لخمس بقين منه، والرابع الثلاثاء في نهايته.
ثالثاً: أنهى القمي مجالسه في اليوم التاسع عشر من شعبان من السنة التالية ويعني ذلك أنّه قد أكمل جلساته التدريسية في سنة كاملة.
رابعاً: يظهر أنّ نوعاً من التنظيم الدراسي العالي اتبع في دروس القمي لبدايتها ونهايتها في سنة كاملة، ولارتباطها بأيام وتواريخ معينة من كلّ أسبوع.
أمالي المفيد
وللشيخ المفيد (ت413هـ) كتاب أمالي. ويحتوي أمالي المفيد اثنين وأربعين مجلساً تحتوي على مائتي مطلب نفيس في شتى البحوث مع إسنادها الموثوق بصدورها عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وآل بيته (عليهم السلام) وقد أملى المفيد المجلس الأوّل بمدينة السلام يوم السبت مستهل شهر رمضان (ص9). والثاني يوم الأربعاء لخمس خلون منه (ص15). والثالث السبت لثمانٍ خلون منه. والمجلس الرابع يوم السبت رمضان سنة ثمانٍ وأربعمائة وهو أوّل مجلس أملي في هذا الشهر (ص131).
ولو عقدنا مقارنة بين «أمالي» الصدوق القمي الذي أشرنا إليه قبل قليل وبين أمالي المفيد لرأينا أنّ الصدوق قام بإلقاء دروسه أو جلسات تدريسه مقرونة بأيام معينة من كلّ أسبوع، كما أنّ الفواصل بين مجلس وآخر ثابتة يضاف إلى ذلك أنّ الصدوق أنهى مجالسه بسنة كاملة. أمّا الشيخ المفيد فإنّ الفواصل بين مجالسه لم تكن ثابتة. فكانت الفاصلة بين المجلس الأوّل والثاني أربعة أيام، وبين الثاني والثالث ثلاثة أيام، وبين الثالث والرابع سبعة أيام، وبين الرابع والخامس يومين فقط. يضاف إلى ذلك أنّ المفيد لم يتقيد بأيام معينة من كلّ أسبوع لإلقاء مجالسه كما فعل الصدوق. وثمة فارق آخر بين الصدوق والمفيد هو أنّ الصدوق أنهى مجالسه بسنة كاملة دون انقطاع، بينما المفيد استمر بمجالسه سنوات عديدة. فالمجلس الأوّل كان في سنة أربع وأربعمائة والمجلس العاشر كان يوم الأربعاء سنة سبع وأربعمائة والمجلس العشرون سنة ثمان وأربعمائة.
ويظهر ممّا سبق أنّ الصفة التعليمية كانت أكثر وضوحاً في «أمالي» الشيخ الصدوق القمي منها في «أمالي» الشيخ المفيد.
أمالي المرتضى
وللشريف المرتضى (ت436) كتاب «أمالي» عرف بـ «غرر الفوائد ودرر القلائد» ويتكوّن أمالي المرتضى من مجموعة من المجالس أو الجلسات التدريسية، وتناول في كلّ مجلس من المجالس المذكورة شرح موضوع أو أكثر من المواضيع. ففي المجلس الأوّل مثلاً، تناول المرتضى تأويل آية من القرآن الكريم وذكر الوجوه المختلفة لتأويل تلك الآية (1:1-5) وبعد أن شرح المرتضى تأويل الآية التي جعلها موضعاً لمجلسه، انتقل إلى مناقشة خبر ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) (5:1 ) وقد استعرض المرتضى آراء عدد من الكتّاب حول محتويات الخبر المذكور. كان من بينهم أبو عبيد القاسم بن سلام، وعبدالله بن مسلم بن قتيبة. وبعد أن نسب الخطأ إلى الكاتبين المذكورين ذكر رأيه الخاص في الموضوع (6:1) .
ثمّ أثار المرتضى في المجلس نفسه مسألة لها علاقة بموضوع الآية والحديث الذي سبق له مناقشته وبعد استعراض آراء عدد من الكتّاب خلص إلى نتيجة (10:1).
وانتقل المرتضى في مجلس آخر من أماليه إلى تأويل آية أخرى (ص11) ثمّ أورد في فصل خاص آراء عدد من الكتاب في آية أخرى (13:1). وانتقل المرتضى في المجلس نفسه إلى تأويل خبر نقله أبو عبيد بن سلام في كتابه «غيب الحديث» عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) (17:1). ثمّ عرض في فصل جديد معلومات عن شاعر على مذهب أهل العدل، فأورد شيئاً من ترجمته وآرائه وأنهى المرتضى مجلسه بإثارة مسألة كلامية فعالجها و أوضح رأي الشيعة فيها (1: 22-24).
وهكذا يستمر المرتضى بإيراد مجالسه أو جلساته التدريسية تباعاً حتّى تبلغ ثمانين مجلساً.
ولو عقدنا مقارنة بين أمالي الشيخ الصدوق الذي سبق ذكره وأمالي الشريف المرتضى لظهر لنا ما يأتي:
أولاً: أنّ المرتضى لم يحدّد أزمنة معينة لإلقاء مجالسه كما فعل الشيخ الصدوق، فهو لم يقرنها بيوم الأسبوع والشهر والسنة في حين أنّ الصدوق تقيد بذكر كلّ ما سبق، وبدأ أماليه في رجب سنة 367هـ وأنهاها بعد مرور سنة من ذلك التاريخ. وليست لدينا معلومات عن المدّة التي استغرقها إلقاء مجلس الشريف المرتضى، وعن بدايتها ونهايتها سوى إشارة عابرة وردت في آخر مجلس من أماليه تقول «هذا آخر مجلس أملاه سيدنا أدام الله علوه. ثمّ تشاغل بأمور الحج».
ثانياً: أنّ أمالي الصدوق رتب على مجالس السماع بينما لم يراع الترتيب المذكور في أمالي الشريف المرتضى، يضاف إلى ذلك أنّ بعض مجالس الصدوق وردت مقرونة بالأمكنة التي ألقيت فيها بينما لم تراع تلك الظاهرة في مجالس الشريف المرتضى.
ثالثاً: أمّا من حيث المحتويات فهناك فارق بين أمالي المرتضى من جهة وبين كتابي الأمالي للصدوق والمفيد معاً. لقد اقتصر الشيخان الصدوق والمفيد على ذكر الأحاديث، غالباً، في أماليهما لذا كان تعريف كتب الأمالي الذي أوردناه في صدر هذا البحث أكثر انطباقاً على كتابيهما، بينما الشريف المرتضى يعالج في أماليه قضايا عدّة أهمها تأويل عدد من آيات القرآن الكريم.
رابعاً: أمّا من حيث الأسلوب وطريقة معالجة المواضيع التي تعرض لها كتب الأمالي الذين سبق ذكرهم فثمة فارق بين الصدوق والمفيد من جهة وبين الشريف المرتضى من جهة أخرى. فالمرتضى كان يورد آراء عدد من الكتّاب الذين بحثوا في القضية التي جعلها مدار بحثه ثمّ يفند بعضها، ويثبت رأيه الخاص في تلك القضية. في حين أنّ الصدوق والمفيد كانا يوردان الأحاديث التي تؤيد القضية المراد بحثها دون إيراد آراء أو مناقشة الكتّاب الآخرين الذين سبق لهم بحث القضية موضوع البحث.
أمالي الطوسي
ويعدّ كتاب «الأمالي» للشيخ الطوسي المعروف بشيخ الطائفة من كتب الأمالي المشهورة عند الشيعة. وقسم الطوسي كتابه المذكور إلى أجزاء أو جلسات تدريسية أملاها كلّها بمشهد أمير المؤمنين (عليهم السلام) (ص2). بدأ المجلس الأوّل في شهر ربيع الأوّل من سنة 455هـ (ص20ـ38) والثالث في شعبان سنة 455هـ (38ـ58). وأملى الطوسي المجلس الرابع في المكان نفسه ولكنّه لم يقرنه بذكر الشهر والسنة كعادته (ص58ـ75). أمّا المجلس الخامس فأملاه في 26 رمضان سنة 447هـ (75ـ93) وهكذا يستمر الطوسي في ذكر الأمكنة والأزمنة التي أملى فيها كتابه المذكور.
وعند رجوع القارئ إلى المقارنة التي عقدتها في صدر البحث بين أمالي الصدوق وأمالي المفيد يجد أنّ طريقة الشيخ الطوسي في إلقاء مجالسه وتعيين أوقاتها كانت أقرب إلى طريقة المفيد منها إلى طريقة الشيخ الصدوق القمي. ويمكن أن نعلل ذلك بأنّ الشيخ الطوسي كان معاصراً للمفيد ومتصلاً به اتصالاً وثيقاً وكان يحضر دروسه وربما كانت الأمالي من بينها، فلا عجب من تأثّر الطوسي بطريقة شيخه المفيد والسير على هديه.
الدكتور عبدالله الفياض
وعدا هذا فهناك أمالي أبي بكر الصولي محمد بن يحيى بن العباس المسمّى (الغرر) وأمالي ابن الشجري هبة الله بن علي.
أمالي المشتاقين (كتاب)
تأليف الشيخ محمد تقي ابن محمد علي ابن الشيخ حمزة ابن الشيخ محمد علي ابن الشيخ محمد جعفر ابن الشيخ محمد كاظم الفشندي القزويني. ولد سنة 1233 هجرية في قرية فشند وتوفي سنة 1330 هجرية وهو من كبار المحدثين، حكيم متكلم أديب شاعر وهذا الكتاب هو المجلد الثالث من موسوعته الكبيرة المسماة بـ (ذخائر المحبين) في شرح ديوان أمير المؤمنين (عليه السلام).
يبحث هذا المجلس في ترجمة الإمام جعفر الصادق (عليه السلم) والأئمة من ذريته حتّى الإمام محمد بن أبي الحسن المهدي (عليه السلام).
وقد فرغ من تأليفه سنة 1330 هجرية، وتوجد منه نسخة بخط المؤلف من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور في قزوين ولم أجد ذكراً لهذا الكتاب في الفهارس كما لم يقف عليه شيخنا الأستاذ الشيخ أقابزرك الطهراني ولم يرد ذكره في الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
عبد الحسين الصالحي
- () يأتي في حرف الحاء بحث مستقل عن (الحديث) وهو مع هذا البحث يتم أحدهما الآخر. ↑
- () مقباس الهداية 1/40ـ41. ↑
- () الوافي: باب اختلاف الحديث والحكم 1/62ـ63. ↑
- () بحار الأنوار ط4: 2/189. ↑
- () أصول الحديث وأحكامه ص10. ↑
- () معالم المدرستين للعسكري ٢ / ٤٢ نقلاً عن سنن الدارمي ١ /١٢٥ باب من رخص في الكتابة من المقدمة، وسنن أبي داود 2/126 باب كتابة العلم، ومسند أحمد٢/ ١٦٢ و ٢٠٧ و ٢١٦، ومستدرك الحاكم ١ / ١٠٥- ١٠٦وجامع بيان العلم وفضله ١/٨٥ ط ٢. ↑
- () يشير إلى ما رواه مسلم في جامعه أنه (صلّى الله عليه وآله) قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه).علق عليه الشيخ مناع القطان في كتابه (التشريع والفقه في الاسلام ٩٤، بقوله: (وهذا الحديث هو الذي صح عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في النهي عن كتابة السنة… واختلفوا في المراد بهذا الوارد في النهي.
فقيل: هو في حق من يوثق في حفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب… وتُحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث (اكتبوا لأبي شاة)…
وقيل: إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة.
وقيل: إنما نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة.
وحين نزل أكثر الوحي، وحفظه الكثير، وأمن اختلاطه بسواه، أذن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لبعض صحابته إذنا خاصا في كتابة الحديث، ليساعدهم ذلك على زيادة الضبط إن خيف نسيانهم، ولم يوثق بحفظهم.
ولعله خصّ بهذا الاذن من كان أشد ضبطاً وحفظاً.
وبهذا يلتقي ما قيل من تعارض بين النصوص الواردة في النهي عن كتابة الحديث والاذن في ذلك.
وقد اتفقت الكلمة بعد الصدر الأول على جواز كتابة الحديث).
وقال ابن الصلاح في مقدمته (انظر: التقييد والايضاح ٢٠٣): (وروينا عن أبي سعيد الخدري أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن ومن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه) أخرجه مسلم.
وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعله علي وابنه الحسن وأنس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص في جمع آخرين من الصحابة والتابعين ـ رضي الله عنهم أجمعين.
ومن صحيح حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الدال على جواز ذلك حديث أبي شاة اليمني في التماسه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يكتب له شيئا سمعه من خطبته عام فتح مكة، وقوله (صلّى الله عليه وآله): (اكتبوا لأبي شاة). ↑
- () تاريخ الفقه الإسلامي للأشقر ٧٢ نقلاً عن تنوير الحوالك ١/ ٤. ↑
- () مجلة الفكر الجديد، العدد الثالث: علوم الحديث للغرباوي نقلاً عن كنز العمال ١٠ /٢٩٤٧٦. ↑
- () تاريخ الفقه الإسلامي للأشقر ٩٦. ↑
- () م. ن. ↑
- () تاريخ الفقه الإسلامي للأشقر ٩٧. ↑
- () الوافي 1/63. ↑
- () الذريعة 2/306ـ307. ↑
- () الذريعة 2/14. ↑
- () الذريعة 4/352ـ353. ↑
- () الذريعة 3/16. ↑
- () المعجم الوسيط: مادة: وتر. ↑
- () محيط المحيط: مادة: وتر. ↑
- () أصول الحديث وأحكامه 23 ـ 24. ↑
- () الدراية 13. ↑
- () مقياس الهداية 1/114. ↑
- () مبادئ الوصول 202. ↑
- () مقياس الهداية 1/105. ↑
- () المقباس 1/106. ↑
- () أصول الحديث وأحكامه ٣٥. ↑
- () أصول الفقه للمظفر 2/69. ↑
- () م.س 70. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.س 74. ↑
- () الوسائل: صفات القاضي. ↑
- () أصول الفقه للمظفر 2/83. ↑
- () المقياس 1/215. ↑
- () معجم رجال الحديث 8/294. ↑
- () م.س 7/247. ↑
- () الدراية 19 والمعالم 367. ↑
- () محيط المحيط: مادة: حسن. ↑
- () مقباس الهداية 2/32ـ33. ↑
- () العدة 1/382. ↑
- () المعارج 149. ↑
- () المعالم 353. ↑
- () أصول الحديث وأحكامه 118. ↑
- () الوسائل باب ٤١: الشهادات، حديث ١. ↑
- () أصول الحديث وأحكامه 53. ↑
- () الرشدة ضد الزنية. ↑
- () الكشاف 1/584. ↑
- () مجمع البيان مج1، ج5، ص300. ↑
- () مقباس الهداية 2/303. ↑
- () قال الشيخ في رجاله ص458: «روى في مولد القائم (عليه السلام) أعاجيب». ↑
- () الدراية 44. ↑
- () المعجم الوسيط: مادة وضع. ↑
- () تاريخ الاسلام، حسن إبراهيم حسن 1/447. ↑
- () م.س 394 عن الأغاني 3/25. ↑
- () الأدب السياسي في النزاع بين علي ومعاوية ٧٥ نقلاً عن وقعة صفين ٢٩. ↑
- () أحاديث أم المؤمنين عائشة ٣٩٢ عن أسد الغابة 4/387 والطبقات 3/248. ↑
- () تاريخ الاسلام، حسن إبراهيم حسن 1/447. ↑
- () أحاديث أم المؤمنين عائشة 395-396 عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3/15ـ16. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.س 89ـ90. ↑
- () تنقيح المقال 3/236. ↑
- () م.س 189. ↑
- () معجم رجال الحديث 18/275ـ277. ↑
- () أي قالوا: ـ عند تلبيتهم للحج ـ لبيك جعفر. ↑
- () معجم رجال الحديث 14/248ـ254. ↑
- () تنقيح المقال 3/190. ↑
- () أبو هريرة، لابي رية 118. ↑
- () علوم الحديث 267. ↑
- () الدراية 58. ↑
- () التقييد والإيضاح 131. ↑
- () م.س 132. ↑
- () علوم الحديث 268. ↑
- () أبو هريرة لأبي رية 203. ↑
- () م.س 304. ↑
- () يراجع: الشيخ الألباني (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) ج ١ ص ٧٨ رقم ٥٨. ↑
- () الهفت والأظلة: من الكتب المقدسة عند الطائفة المفضلية، وهم من فرق الغلاة الخطابية، أتباع المفضل بن عمر الجعفي الصيرفي والكتاب منسوب إليه، يرويه ـ كما يدعون ـ عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). نشر بتحقيق عارف تامر سنة ١٩٦٠م، وفي سنة ١٩٦٤ بتحقيق مصطفى غالب، بعنوان )الهفت الشريف). ↑
- () قال فيه ابن الغضائري: (ضعيف، متهافت، مرتفع القول، خطابي). وقال النجاشي: (فاسد المذهب، مضطرب الرواية، لا يعبأ به، وقيل: إنه كان خطابيا، وقد ذكرت له مصنفات لا يعول عليها) ـ انظر: ترجمته في (تنقيح المقال).لم أقف فيما بين يدي من كتب رجالية على نسبة كتاب (الهفت) إليه. وإذا صحت نسبته إليه فمن غير شك يصح فيه ما قاله ابن الغضائري. على أن الكتاب المذكور لا ارتياب في أنه مكذوب على الإمام الصادق وموضوع لنشر الغلو، فلا يجوز الاعتقاد بمحتوياته ولا الاعتماد عليه أو الركون إليه. ↑
- () تأملات في الصحيحين ٢٠٢. ↑
- () يراجع: كتابة البحث العلمي ومصادر الدراسات الاسلامية، للدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان، نشر دار الشروق بجدة، سنة ١٤٠٠هـ ـ ١٩٨٠ م ط ١ ص 260 ـ 262. ↑
- () الدراية 27. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.ن. ↑
- () قواعد الحديث 110. ↑
- () انظر: فوائد رجالية، هامش ص ١١٠. ↑
- () عدد الداعي 12. ↑
- () م.س 13. ↑
- () م.ن. ↑
- () عدة الداعي ١٣ (الهامش) نقلا عن: المرآة. ↑
- () دعائم الإسلام 1/316. ↑
- () الوسائل: الباب 11 من أبواب الماء المطلق. ↑
- () أصول الحديث وأحكامه ٩٦. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.ن. ↑
- () المقياس 1/347. ↑
- () أصول الحديث وأحكامه ٩٦. ↑
- () م.س 96ـ97. ↑
- () البداية 69. ↑
- () المقياس 2/173. ↑
- () البداية 56ـ66. ↑
- () الوسائل 20/79: الفائدة السابعة. ↑
- () هكذا هي في (الوسائل)، وأخالها جمع حِدْث ـ بكسر الحاء المهملة وسكون الدال المهملة ـ وهو الكثير الحديث، الحسن البيان له (انظر: المعجم الوسيط). ↑
- () م.س 80. ↑
- () م.ن. ↑
- () الكنى والألقاب 1/199ـ200. ↑
- () معجم رجال الحديث 9/124. ↑
- () م.س 2/231. ↑
- () دراسات في الحديث والمحدثين 135ـ136. ↑
- () جامع المقال 36ـ37. ↑
- () الكافي: الجزء 1، الكتاب 2، باب مولد الحسين بن علي (عليه السلام) 115، الحديث 8. ↑
- () الكافي: الجزء ٢، الكتاب ١، باب حسن البشر، الحديث ٥. ↑
- () الكافي: الجزء ٢، باب الحلم ٥٥، الحديث ٢. ↑
- () الكافي: الجزء ٢، الكتاب ١، باب مجالسة أهل المعاصي ١٦٣، الحديث ١٦. ↑
- () الكافي: الجزء ٣، الكتاب ٣، باب التعزية وما يجب على صاحب المصيبة ٧٠، الحديث ٣. ↑
- () الكافي: الجزء ٥، الكتاب ٣، باب تفسير ما يحل من النكاح وما يحرم ١٩١، الحديث ١. ↑
- () الكافي: الجزء ٧، الكتاب ٢، باب العلة في أن السهام لا تكون أكثر من ستة ١١، الحديث ١،2. ↑
- () الكافي: الجزء ٦، الكتاب ٦، باب الأشنان والسعد ١٣٤، الحديث ٥. ↑
- () الكافي: الجزء ٧، الكتاب ٢، باب بيان الفرائض في الكتاب ٢. ↑
- () الكافي: الجزء ٧، الكتاب ٦، باب النوادر ١٩، الحديث ٢١. ↑
- () الكافي: الجزء 1، الكتاب 3، باب إبطال الرؤية 9، الحديث 12. ↑
- () الكافي: الجزء 1، الكتاب 4، باب الإشارة والنص على أبي الحسن موسى (عليه السلام)، 70، الحديث 13. ↑
- () الكافي: الجزء 1، الكتاب 4، باب الإشارة والنص على أبي الحسن موسى (عليه السلام)، 70، الحديث 14. ↑
- () الكافي: الجزء 1، الكتاب 4، باب مولد أمير المؤمنين (عليه السلام) 112، الحديث 4. ↑
- () معجم رجال الحديث 1/89ـ92. ↑
- () دراسات في الحديث والمحدثين ط ٢ ص ١٣٨. ↑
- () الدراية 82. ↑
- () الدراية 82. ↑
- () الدراية 106. ↑
- () الدراية 107. ↑
- () لسان العرب ٣/٣١٥ (مادة عود). ↑
- () فواتح الرحموت ١/٨٥، شرح البدخشي ١/٨٥، مفاتيح الأصول/٢٩٧، المحصول ١/٢٧. منتهى السؤل والأمل/٣٤. ↑
- () حاشية البناني ١/١١٨، منتهى السؤل والأمل: ٣٤. ↑
- () سلم الوصول للعبجي: ١٠. الكوكب المنير: ١١٥. ↑
- () سلم الوصول، للعبجي: ١١، حاشية البناني ١/١١٨. ↑
- () فواتح الرحموت ١/٨٥، نهاية السؤل ١/١١٠ ـ ١١١. ↑
- () نهاية السؤل: ١/١١١. ↑
- () حاشية البناني ١/١١٨، المحصول ١/٢٧. ↑
- () شرح القاضي: ٨٥، حاشية البناني ١/١١٨. ↑
- () حاشية البناني ١/١١٨، شرح القاضي: ٨٥. ↑
- () نهاية السؤال ١/١١١. ↑
- () حاشية البناني ١/١١٩. ↑
- () سلم الوصول، للعبجي: ١٠. ↑
- () مناهج الوصول ١/٣٠٧، بحوث في علم الأصول ٢/١٢٩، محاضرات في أصول الفقه ٢/٢٢٧. ↑
- () حاشية البناني ١/١١٩ تيسير التحرير ١/١٩٩، اشارات الأصول/١٣٠. ↑
- () شرح الجلال ١/١١٨، شرح القاضي: ٨٤. ↑
- () انظر: مفاتيح الأصول: ٢٩٧. ↑
- () ولد أسامة في شيزر سنة 488هـ المقابلة لسنة 1095 وهو العام الذي ألقى فيه البابا أوربانوس الثاني خطابه التاريخي المشهور الذي حرض فيه على أخذ بيت المقدس من المسلمين. وتوفي أسامة سنة 584 بعدما دعاه صلاح الدين إليها من مصر. ↑
- () تأتي زيادة في التعريف بأسامة في مقال قادم. ↑
- () مضافاً إلى ما تقدّم من التعريف به. ↑
- () الذيفان: السم القاتل. ↑
- () البيض: السيوف، الخرصان: الدروع والرماح. ↑
- () الخفان: مكان السباع. ↑
- () غمدان: قصر باليمن. ↑
- () الجنة: الوقاية والغطاء. ↑
- (* ) كتب الباحث المصري جورج صاوا بحثاً رأى فيه أنّ كتاب «الأغاني» هو أضخم موسوعة في تاريخ الموسقى العربية، وهو في منهجه وربطه الأنغام بالمؤثرات الاجتماعية، سبق منهج علماء الغرب في «الأنتوميوزيكولوجي»، أو ما يعرف بموسيقى الشعوب والأنثروبولوجيا بنحو ألف سنة.وفي بحثه «مذهب أبي الفرج في تجنيس الأغاني»، يرى الباحث المغربي عبد العزيز بن عبد الجليل، أنّ من العجب أن تسكت كتب المؤرخين الأقدمين عن الجانب الموسيقي في كتاب «الأغاني». ويثبت الباحث من خلال الدلائل العلمية أنّه يوفّر من خلال الأخبار والأشعار التي يرويها، فرصة لمعرفة واقع الحياة الفنية في البلادالعربية بالفترة من الجاهلية حتى منتصف القرن الرابع للهجرة. وهو سجل لتاريخ الموسيقى العربية، يحكي نشأتها الأولى، ويتعقب خطوات تطورها في حواضر الحجاز والشام والعراق. ↑
- () الأصفهاني ويقال أيضاً الأصبهاني، ذلك أنّ بلده تنطق بالفاء والباء. ↑
- () لم أذكر الشعر الذي غنى به تجنباً للإطالة. ↑
- () قرية توجد بجوار الكاف شمال مدينة تونس. ↑
- () التازي. ↑
- () لا شك أن سوء تصرفات الولاة والقواد هي التي كانت تحول بين البربر والإقبال على الإسلام حتّى أنّ الذين أسلموا منهم ظلّوا في ثورات دائمة على الحكام، إلى أن جاء إدريس بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) واتصل بالبربر فأصبحوا على يديه وعلى أيدي خلفائه من بعده من أحسن الناس إسلاماً وأكثرهم تحمّساً له. ↑
- () كتاب «شعوب إفريقيا الإسلامية» للدكتور حسن محمود. ↑
- () صاحب كتاب «الديانات في إفريقيا السوداء». ↑
- () الإحصائية مأخوذة من إحصائيات الأمم المتحدة باستثناء كينيا والغابون وزنجبار وغانا. وسيرى القارئ إحصاءات أخرى فيما يأتي تختلف عن هذا ومعظمها تقريبي ويمكن مقابلة الجميع واستخلاص الحقيقة من مجموع ذلك وهناك رأي يقول إنّ عدد المسلمين في كينيا يبلغ ثلاثة ملايين وإنّهم يشكلون نسبة ثلاثين بالمائة. وهذا الرأي قالت به جريدة أخبار العالم الإسلامي. والمناطق التي يوجد فيها المسلمون بكينيا هي: مدينة (موميس) من الإقليم الغربي ومدينة (كسومو) من إقليم (نيانازا). وفي مدينتي (ناكورو) و(الدرت) في إقليم (رفت فالي) وفي مدينة (نيري) و(فوتهول). ↑
- () تقع فيما يسمّى اليوم بالمملكة العربية السعودية وسكانها من الشيعة «ح». ↑
- () بل هم في الكثير منهم من الشيعة ومن الأشراف العلويي النسب «ح». ↑
- () الأحمدية بعيدة في حقيقتها عن الإسلام وإن ادّعت العكس «ح». ↑
- () لا يمكن اعتبار (الأحمدية) من المسلمين وإن ادعوا ذلك «ح». ↑
- () هو الشيخ الصوفي عبد القادر الجيلاني، وطريقته الصوفية منتشرة في كثير من البلاد الإسلامية بين الهند والمغرب، وقد عاش في بغداد ودفن فيها وله هناك مقام معظم، حاشد دائماً بالوفود الإسلامية من كل هذه البلدان. ↑
- () تكاد بلاد السودان التي عنوها، تنطبق على غربي إفريقية، لأنّهم ميزوا بين أصحاب البشرة السوداء في إفريقيا فقالوا عن سكان بلاد السودان بأنّهم (ليسوا بنوبة ولا بزنج ولا بحبشة ولا من البجة، إلاّ أنّهم أشد سواداً من الجميع وأصفى) الإصطخري (القرن 10م) ـ ياقوت (13م) ـ أبو الفداء (14م). ↑
- () يُقال إنّ الجمل دخل إفريقيا لأوّل مرّة في القرن (6ق.م.) على أيدي الفرس، واستخدم الإسكندر المقدوني الجمل في حملته على سيوه (القرن 4ق.م.) واستولى يوليوس قيصر على 46 جملاً من منطقة غربي سيوه، وكثر بعد ذلك. ↑
- () وجدت سبع ممالك: أوفات، بالي، هدية، دارة، دوران، أرابيني، شرخة. وهناك إمارات إسلامية صغيرة مثل مورا، هوبات، جيدايا. ↑
- () المشيخات الساحلية، عددها 14 مشيخة: عوان، مقديشو، براوا، سيو، بيت، لامو، مالندي، كليفي، ممبسا، زنزبار، مافيا، كلوه، موزمبيق، سوفالا. ↑
- () أودغست: بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الدال المهملة وفتح الغين أيضاً بعدها سين ساكنة فتاء ساكنة ـ وأطلال أودغست اليوم جنوبي جمهوريات موريتانيا الإسلامية العربية. ↑
- () طلب الملك بعد إسلامه، من العلماء أن يدعوا بثلاث دعوات «لعاصمته جني: كل من هرب إليها من وطنه ضيقاً وعسراً، أن يبجلها الله له سعة ويسراً، حتّى ينسى وطنه، وأن يعمرها الله بغير أهلها، وأن يسلب الصبر من وارديها من التجار حتّى يملوا فيبيعون ما معهم بناقص الثمن، فيربحون فيها، فقرؤوا الفاتحة على هذه الدعوات. ↑
- () كان للسيوطي (جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر) (ت 911هـ 1505م) مكانة رفيعة في غربي إفريقيا، وكان صديقاً لاسكيا الحاج ولساركن كاتسنا إبراهيم ماجي من أسرة كومايو، وقد ألّف السيوطي في «رسالة الملوك» إلى الساركن هذا وإلى سلطان أغاديس، ودرس فترة في كتسنا من بلاد الهوسا وعاد إلى القاهرة حوالي عام (876هـ ـ 1471م). ↑
- () درج المسلمون في جميع فتوحهم وهجراتهم من لدن ظهور الإسلام على الاندماج والمصاهرة مع أهل البلاد التي دخلوها حتّى في الأندلس. ↑
- () الشوى (كغنى) بمعنى شاء والمفرد شاة «أو هو اسم جمع للشاة أصلها شاهة بدليل قولهم شياه وشويهة (لسان العرب، ج17، ص3) تاج العروس (10، ص204)، ويبدو لنا أنّ الأقرب في تحليل صيغة (شوي) على وزن غني وغبي وآبي هو أنّها صيغة نسبة مختصرة من (شاوي)… فالشاوي هو بائع الشياه كما هو معروف في اللغة. ↑
- (*) سمعنا من بعض علمائهم ومثقفيهم أنّ أصل كلمة (هوسا): (حفص) العربية. ↑
- () كان لهذا الازدواج اللغوي أثره في ابتكار الأندلسيين لنوع جديد من الأدب الغنائي هو مزيج من العربية والدارجة. ↑
- (*) گنگد… هنا بالجيم المصرية. ↑
- () وقد علمت مؤخراً أنّ وزارة الأوقاف في مصر وضعته ضمن خطتها في نشر التراث العربي أو نشرته. ↑
- (*) قام بالترجمة القديس جيروم (ت 420م) بأمر البابا داماسوس (1). وفي حركة إحياء الدراسات القديمة في عصر النهضة اتضح للعلماء أنّ النصوص الإغريقية التي اعتبرت أصيلة تخالف الترجمة اللاتينية Vulgate إذ وجدوا في الترجمة اللاتينية تحريفاً. ↑
- () البكري هو عبدالله البكري (1030ـ1094م) جغرافي أندلسي توفي في قرطبة. تجول في السنغال، وزار كومبي عاصمة غانا وله: المسالك والممالك، طبع دوسلان جزءاً منه عام 1857م باسم المغرب في ذكر إفريقيا والمغرب، أمّا ابن حوقل فهو رحالة عربي معروف من القرن العاشر. زار الصحراء الموريتانية. ↑
- () إنّ كلمة «غانا» كانت تعني باللغة المحلية الساراكوله، القيادة العسكرية ثمّ تحوّل الاسم إلى العاصمة، مركز القيادة، ثمّ أطلق على المملكة. انظر المؤرخ الغيني جبريل نيان في كتابه: مملكة غانا. وقد أطلق سكان ساحل الذهب المستعمرة الإنكليزية السابقة على بلادهم اسم جمهورية غانا تيمّناً بعودة المجد الإفريقي القديم. ↑
- () تقع خرائب هذه المدينة في جمهورية موريتانيا. ↑
- () مملكة مالي: جبريل نيان. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () مجلة Notes Africaines عدد 82 لعام 1959م. ↑
- () مجلة Notes Africaines عدد آذار 1959م وكذلك العدد 83 من مجلة العدد 83 لعام 1959م Revue d’Afrique Magazine. ↑
- () عبد الرحمن السعدي بن عبدالله بن عمران «1595ـ1656م» مولود في تومبكتو، درس على والده وعلى علماء تومبكتو. كان عالماً مؤلفاً وإماماً لمسجد جنة ولمسجد سانكور في تومبكتو. عمل في خدمة دولة «السونراي» في «غاؤ» وتوفي بها. له: تاريخ السودان مطبوع ومترجم إلى الفرنسية. ↑
- () تاريخ إفريقيا الغربية الفرنسية لباري وجونه. ↑
- () تقع غاؤ الآن على عطفة نهر النيجر في جمهورية مالي. ↑
- () تاريخ إفريقيا: باري وجونه. ↑
- () تاريخ إفريقيا لأندريه جوليان «بالفرنسية». ↑
- () مجلة المجلد، العدد 47 لعام 1960م، مقال بقلم الدكتور عبد الرحمن زكي. ↑
- () كانت قبائل البوهل تسكن في الفوتاتورو في السنغال، وكانوا يشكلون في القرن الرابع عشر والخامس عشر حاجزاً وثنياً ضد تقدّم الإسلام، ولكنّهم لما اعتنقوا الدين الجديد في القرن السابع عشر غدوا متحمسين لنشره حاملين لواء الدعوة إليه. وقد قاموا بحركة اجتماعية دينية وسياسية وثقافية هدفها نشر الإسلام والقضاء على الرقيق وتوحيد البلاد في ظل خلافة إسلامية ثمّ العمل على نشر الثقافة العربية الإسلامية. وقد توجهوا من أجل ذلك إلى نيجيريا في الشرق وإلى الفوتادجالون في الجنوب «جمهورية غينيا» وقد أنشأ البوهل في عام 1720م في الفوتا تسع إمارات إسلامية تديرها النخبة المثقفة التي أضحت إقطاعية محاربة يحكم كلاًّ منها إمام منتخب لمدّة سنتين دورياً بين عائلتي سوري Sory وألفا Alfa. وقد ساد مثل هذا النظام في موطنهم الأصلي، في السنغال، حيث قضوا على الوثنية هناك عام 1776م. كما تمكن البوهل أن يؤسسوا مملكة بين النيجر والسنغال. عرفت باسم مملكة ماسينا Macina في أواخر القرن الثامن عشر وقد اشتهر من ملوكها «حمد باري» الذي سيطر على تومبكتو وجني وبنى عاصمة جديدة عرفت باسم «حمد الله» وقد استمر أمر هذه المملكة حتّى ضمّها السلطان أحمد ابن الحاج عمر إلى مملكته عام 1862م. أمّا عثمان دان فوديو، زعيم البوهل في نيجيريا، فقد ولد بالسغال، ولا تزال أسرته تحتفظ بالإمارة على سوكوتو في نيجيريا الشمالية، من هذه الأسرة الحاج أحمد بللو رئيس وزراء نيجيريا الشمالية السابق. ↑
- () مجلة المجلة: العدد47 لعام 1960م مقال عن جمهورية نيجيريا بقلم الدكتور عبد الرحمن زكي. ↑
- () يقول توماس آرنولد: إنّ عثمان دان فوديو قد حاول أن يطبق المبادئ الوهابية التي تلقنها في الحج في سياسته الإسلامية الدعوة إلى الإسلام الفصل المتعلق بإفريقيا الغربية. ↑
- () تاريخ إفريقيا الغربية وتاريخ كاتال وإمبراطورية غاؤ للمؤلفين: Boulnois et Hama باريس عام 1954م. ↑
- () المجلة العدد 47. ↑
- () تاريخ كانال والمصدر السابق. ↑
- () يذكر الدكتور عبد الرحمن زكي أنّ الإمام «أحمد بن قرتوه» قد ألّف بالعربية في عهد إدريس الثالث كتابين عن تاريخ البورنو طبعا عام 1930م في كانو بنيجيريا. المجلة العدد 47. ↑
- () السلطان رباح أحمد قواد الزبير باشا حاكم بحر الغزال، ولما استدعى الخديوي هذا الحاكم بناء على طلب الإنكليز، تولّى القائد رباح مهمة مكافحة الإنكليز القادمين من السودان وأوغندا ومحاربة الفرنسيين القادمين من الكونغو الفرنسي وتشاد، وقد أنزل بالفرنسين خسائر كبيرة قبل أن يستشهد في إحدى المعارك. ↑
- () تاريخ إفريقيا: لأندريه جوليان. ↑
- () أنتا ديوب: إفريقيا قبل الاستعمار وتوماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام «ترجمة النحراوي وعابدين». ↑
- () الدعوة إلى الإسلام: توماس أرنولد. ↑
- () لا تزال بعض المجتمعات الوثنية تعيش بين المسلمين في غينيا ومالي والسنغال وهي تستجيب شيئاً فشيئاً لدعوة الإسلام. ↑
- () وهم يرفعون أنسابهم إلى إدريس بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). ↑
- () كتاب إفريقيا الغربية في ظل الإسلام هو أفضل مرجع لهذه الدراسات وعليه اعتمدنا في كثير من الحقائق. ↑
- () يرى رواة آخرون أنّ الإسلام في ساحل العاج أقدم من ذلك كما سنرى فيما بعد. ↑
- () الطوارق مجموعات قبلية يُعرفون بـ «الرجال الزرق» بسبب بشرتهم. يُطلقون على أنفسهم اسم «أيموغار» ويعيشون في تجمّعات تحمل أسماء مختلفة كالآهاغار، (في منطقة الهوغار جنوب الصحراء الجزائرية)، أو الأدرار، (في المالي)، إلخ… وهم ينتشرون عبر حدود خمس دول هي: النيجر، مالي، الجزائر، بوركينا فاسو وليبيا. عددهم الإجمالي يُقدّر بحوالي مليون نسمة بينهم 600 ألف في النيجر وحدها، وحوالي 350 ألفاً في مالي، و50 ألفاً في ليبيا.أما في الجزائر فقد وصل عددهم إلى حدّ أقصى بلغ حوالي 50 ألف نسمة، وذلك بسبب أفواج اللاجئين الذين تدفّقوا على الجزائر من الدول المجاورة بسبب موجات الجفاف الحادّة التي ضربتهم في الاعوام الماضية وخاصّة في أعوام 1963 و1972والأخيرة في أيلول/ سبتمبر من عام 1984. ويتجمّعون في ولايتي أدرار، (معسكر ـ برج باجي مختار)، وفي ولاية تامنراست، (معسكرتين ـ زواطين ومعسكران ـ قزّام).
ابتداءً من 9 نيسان/ أبريل 1986 بدأت السلطات الجزائرية بترحيل دفعات منهم بسبب ما قيل عن دور بعض جماعاتهم في القيام بعمليات تهريب واسعة عبر الحدود مع الدول المجاورة. ↑
- () من هنا مكتوب بقلم أبي بكر هاشم علوي، ما عدا بحث جنوب إفريقيا فهو بحث مستقل. ↑
- (*) تأتي دراسات أخرى عن البرتغاليين. ↑
- () Wolpert (Stanley), A New History of India, Second Edition, Oxford University Press, New York, 1982, p. 136. ↑
- () Wolpert (S.), op. cit., p. 136. ↑
- () Barros (Joâo de), Da Asia, Lisboa, Regia Officinal Typografica, 1781 (Rémpr. Paris, pp. 1-2). ↑
- () Barrous (J.de), op. cit., pp. 3-5. ↑
- () Bondarevsky (G.), Hegemonists and Imperialists in the Persian Gulf, Moscow, Novosti Press Agency Publishing Home, 1981, p. 37. ↑
- () Al-Sabah (S.A.), op. cit., p. 22. ↑
- () Barros (J. de), op. cit., p.2. ↑
- () من هنا مكتوب بقلم محمود الغول. ويأتي بحث آخر عن العرب في «بلد السواحل» في تفاصيل أخرى. ↑
- () كانت هجرتهم من «كجرات» ومن «زكتش» المتجاورتين «ولكل من هاتين المقاطعتين لغة خاصّة بها ولكن اللغتين متقاربتان وتكتبان بحروف واحدة غير الحروف العربية». ↑
- () تقع هاتان الجزيرتان في جنوب المحيط الهندي. ↑
- () أفشار قبيلة من الأتراك بعضهم يسكن في بوادي أذربيجان في ناحية قلعة دمدم المعروفة. ↑
- () راجع بحث الإسماعيليون. ↑
- () وهذا الاسم هو الذي سنعتمده في الأبحاث التالية. ↑
- () وبزعم النسابين أنّ البربر ينحدرون من قيس عيلان. ومن ذلك قول شاعر الموحدين:ويغزو بلاد الروم جيش عرمرم
تخيّر من قيس وأبناء يعرب
وفي ذلك ينشد علماء البربر لعبيدة بن قيس العقيلي:
أبونا أبوهم قيس عيلان في الذرى
له حرمة تشفي غليل المحارب
وقيس قوام الدين في كلّ بلدة
وخير معد عند حفظ المناسب
وقيس لها المجد الذي يقتدى به
وقيس لها سيف حديد المضارب
ولكن المحققين من المؤرخين يعتبرون هذه النسبة (منكراً من القول) على حد تعبير ابن خلدون (راجع: بحث: البربر). ↑
- () راجع بحث الأدارسة. ↑
- () ما يعرف اليوم بدولة المغرب. ↑
- () الجزائر. ↑
- () تونس. ↑
- () الطبري. ↑
- () و 7 ) الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. ↑
- () يقول صاحب تاريخ المغرب الكبير: بلغ السبي الذي أخذه موسى بن نصير من المغرب عدداً مهولاً لا يخطر ببال ولا يمر بخاطر. إنّ حرص موسى على أن يبلغ أرفع الدرجات عند الوليد بن عبد الملك ويرضى عنه فيبقيه في ولايته، هو الذي جعله يرتكب ما ارتكب ويحشر كلّ ذلك العدد المهول من سبايا البربر ليتحف به الوليد وحاشيته الذين ينتظرون من موسى أن يشبع كلّ أطماعهم في سبي المغرب وفي كنوزه.ويقول أيضاً: لقد عرف موسى بن نصير في الوليد الرغبة في صبايا المغرب وطرفه فاستكثر من السبي ليرضي مليكه.
ويقول أيضاً: كان همس بيت المال من سبي المغرب ستين ألف فتى وفتاة، وبذلك يكون ما سباه موسى من أبناء المغرب وبناته ثلاث مئة ألف.
ويقول أيضاً عن حسان بن النعمان والي عبد الملك بن مروان في المغرب إنّه لمّا ارتحل إلى المشرق أهدى عبدالله بن مروان والي مصر مئتي جارية من بنات ملوك الفرنج والبربر، فلم يقنعه ذلك. ↑
- () الشبيبي في ابن الفوطي. ↑
- () تاريخ المغرب الكبير الجزء الثاني ومؤلفه خارجي إباضي. ↑
- () هو فارسي النسب ويقول بعض المؤرخين إنّه عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن سابور بن بابك ذي الأكتاف ملك الفرس وإنّ الذي أسلم هو جدّه الأوّل بهرام بن سابور. ↑
- () تاريخ الجزائر العام. ↑
- () ممّا يذكر ما كتبه عبدالله التيجاني في رحلته التي كانت بين (706ـ708هـ) وطبعت سنة (1378هـ ـ 1958م) وهو يتحدّث عن خروجه من مدينة قابس ووصوله إلى قرية الزارات. قال: ومن هذه القرية كان الابتداء بسلوك منازل البربر المستمسكين بمذهب الخوارج وهذا المذهب هو الغالب على جميع البقاع التي بين قابس وطرابلس وخصوصاً أهل الساحل منهم، فهم بهذا المذهب المذموم يتقرّبون ببيع من يمر بهم من المسلمين للروم فتجد الناس لأجل ذلك يتحامون الانفراد في قراهم ويتجنبون إيواءهم وقراهم وهم من بقايا الشرذمة الضالة التي قام بها أبو يزيد مخلد بن كيداد في إفريقيا فإنّه لما أظفر الله به وأراح منه البلاد والعباد تفرّقت أتباعه في الأقطار فسكنت هذه الشرذمة بهذه المواضع وسكنت طائفة أخرى بجبال بجاية وقسنطينة وما ولاها إلى بونة ومالت طائفة أخرى إلى بلاد الجريد فاستوطنت نفطة ونغراوة وما والاها من البلاد. ↑
- (*) جرية: جزيرة تونسية في خليج قابس تبلغ مساحتها 514 كيلومتراً مربعاً، ونفوسها 65000 نسمة. قال ابن خلدون عنها: أهلها من البربر من كتامة… وكانوا قديماً على رأي الخوارج، وبقي فيها فريقان منهم: الوهبية والنكارة. ↑
- () المقصود بإفريقيا هنا: تونس. ↑
- () مؤسّس هذه الدولة هو محمد بن تومرت الهرغي، نسبة إلى قبيلة هرغة، قبيلة في أقصى المغرب تنسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). ويُقال إنّها نزلت بذلك المكان عند الفتح الإسلامي.وقد أورد ابن خلكان في وفيات الأعيان نسب ابن تومرت المتصل بالحسن (عليه السلام). وفي عهد عبد المؤمن بن علي توحّدت إفريقيا الشمالية كلّها، حيث قضى على سلطة النومنديين في تونس واستخلصها منهم سنة (555هـ ـ 1160م) وأخضع أمراء الطوائف المستبدّين وأصبح ملكه ينبسط من أقصى ليبيا إلى المحيط الأطلنطي فالأندلس. «راجع: الموحدون». ↑
- () هو أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجراوي الزناتي. ولد في العقد الثالث من القرن السادس وتوفي سنة 609هـ. ↑
- () هو كتاب في رثاء الحسين (عليه السلام). ↑
- () تبلغ مساحة أفغانستان 300,000 ميل مربع ومعظم أراضيها جبلية ما عدا أودية هراة وبلخ ومزار شريف وفراه وسيستان وقندهار ويبلغ مساحة مجموع هذه الأودية ربع مساحة أفغانستان. وتغطي المساحة الباقية منها سلسلة جبال هندوكش بما يبلغ ثلثي مساحة البلد وهي تمتدّ من شرق أفغانستان من المنطقة المشهورة بـ (پامير) حتّى الحدود الغربية منها (هراة). وآخر الحدود الغربية لهذه السلسلة تعرف بمنطقة (بادغيس) وهي منطقة زراعية غنية جميلة وفيها الغابات والمزارع والوديان الخلابة وكانت من أجمل المنتجعات في بلاد فارس القديمة وآسيا الوسطى، وفي غابات هذه المنطقة ينبت شجر الفستق. أمّا جبال هندوكوش فإنّ فيها مناطق جميلة خلاّبة تسحر اللب منها منطقة (طخارستان) القديمة التي تسمّى الآن بـ (تطعن) ومنها مدينتا طالقان واندرآب وهما لا زالتا عامرتين ومنها منطقة جبلية تسمّى بـ (غور) وتقع غرب كابل وتمتدّ إلى حدود شرق هراة وهي منطقة غنيّة بالمحاصيل الزراعية وتعيش فيها طائفة الـ (هزارة) وهي طائفة من أصول مغولية وتتكلم الفارسية وتتمذهب بالمذهب الشيعي وهم معروفون في إيران وأفغانستان بـ (البربر) ومن الطبيعي أنّ هذه الطائفة جاءت مع الحملة المغولية وسكنت المنطقة ولكن لا نعرف منذ متّى تكلّموا الفارسية أو صاروا شيعة. وقبل قرن من الزمن قام أحد حكّام أفغانستان عبد الرحمن خان بمذبحة عظيمة في هذه الطائفة وهرب منهم كثيرون وسكنوا شرق خراسان في منطقة جام وتايباد. ومن البربر طائفة سنة تسكن شرق خراسان وهم أحناف.كما تعيش في أفغانستان في منطقتي باميان وكتل جماعة تدين بالإسماعيلية ومقرّهم في قرية تسمّى بـ (كيان) وإمامهم آغاخان، كما تعيش من هؤلاء جماعة في منطقة غوربند وكذلك في بدخشان حيث تضم أكثر عدد منهم، والظاهر أنّهم من أحفاد من صاروا إسماعيلية على يد ناصر خسرو حيث يوجد قبره في بدخشان. وعاصمة ولاية بدخشان مدينة كانت حتّى عام 1102 تسمّى بـ (جوزگون) ثمّ تبدّل اسمها إلى مدينة (فيض آباد). كما توجد في باميان ودربند جماعة من العلويين. أمّا الجناح الشرقي لهذه السلسلة من الجبال فتنتهي بالحدود الباكستانية وهواؤها معتدل وتنمو فيها الفواكه والحمضيات. وأمّا منطقة (كافرستان) التي تسمّى اليوم بـ (نورستان) فتقع جنوب پامير. وفي شمالها تقع مدينة جلال آباد ولقمان، وقد أجبرهم الأمير عبد الرحمن خان على قبول الإسلام بعد أن كانوا وثنيين يعبدون الأصنام الخشبية وكلمة (كافر) ليس المقصود منها الذي يعبد الصنم بل إنّهم ينتسبون إلى قوم اسمه (كتور) و(كتير) ثمّ حرّفت إلى كلمة (كاپر) أوّلاً ثمّ إلى (كافر) وكانت هذه المنطقة مقسّمة بين الهند وأفغانستان وفي عام 1896م ألحقت بأفغانستان. وأهالي هذه المنطقة من أنقى الأعراق الآرية وهم جميلو الوجوه بيض الألوان ذو قامات رشيقة طويلة وتجاور منطقتهم ناحية چيترال وهي منطقة پاكستانية. أمّا العاصمة كابل فإنّها تحصرها جبال هندوكوش والمدينة تقع في واد بين الجبال ويحيط مدخل المدينة من الطرف الجنوبي سور ضخم من آثار الماضين ويضم شمال المدينة وجنوبها منتزهات جميلة وقصور تاريخية بناها الحكام والملوك الأقدمون، ففي شمال كابل تقع منطقة پغمان وهي منطقة اصطياف حيث ينتقل إليها أهالي كابل في الصيف وفيها قصور الأمراء وبساتينهم. ومن شرق المدينة تبدأ سلسلة أخرى من جبال هندوكوش ويمر بجانبها نهر كابل ثمّ يأتي بعده وادي (پنج شير) الشهير. وخلاصة القول إنّ أفغانستان بلد مليء بالمياه والأراضي الزراعية الخصبة التي تنتج المحاصيل والفواكه وأنواع الورود ولذا تسمّى أفغانستان بـ (بلد الفواكه والورود) وأكثر أنواع الفواكه في أفغانستان هو العنب فهناك عشرات الأنواع منه حيث يتوافر وجوده طيلة خمسة أشهر. ↑
- () كتب الشيخ مهذّب الدين أحمد بن عبد الرضا البصري العالم الشيعي مؤلفات كثيرة في الكلام والأصول والرجال والحديث والفقه. وألّف كتاب «عمدة الاعتماد في كيفية الاجتهاد» في سنة 1080هـ في كابل وألّف «التحفة النجفية» في قندهار. وأشار في مقدمة كتاب «عمدة الاعتماد» أنّه كتب هذا الكتاب بطلب من بعض أهالي كابل. ↑
- () دمر على أيدي طالبان أوائل العام 2001. ↑
- () إنّ زوار مزار شريف لا يقتصرون على سكان البلاد بل أنّ زواراً من ما وراء النهر وباكستان والهند يتوجّهون نحو هذه البقعة. وقد أشار إليها الشاعر الإيراني جامي قبل حوالى ستة قرون في قصيدة غراء.كما أنشد أبو المعاني عبد القادر بيدل بعض الأبيات يمدحها بها. وهناك مزارات أخرى كمزار سخى في كابل. مزار يحيى بن زيد في سرپل. مزار الإمام صاحب في قُندُز. مزار السيد جعفر المجرد في أوپيان (هوفيان) بروان. مزار السيد ناصر العلوي (ناصر خسرو) في يمگان بدخشان وأماكن أخرى.
إنّ المزارات القائمة باسم عبدالله بن جعفر الطيار وقاسم بن جعفر الصادق (عليه السلام) وعبد الواحب الحسني الشهيد في هراة لها عمارات فخمة تاريخية. ↑
- () ليس بين أيدينا من ذكر للأفغان كعنصر مستقل في كتب الأقدمين قبل (تاريخ يميني) للعتبي الذي ذكر أن سبكتكين جند الأفغان في جيشه، كما ذكر أنّ محمود الغزنوي في غزوه لطخارستان قاد جيشاً مؤلفاً من الهنود والخليج والأفغان والغزنويين، وكذلك ذكر في موضع آخر أنّ محموداً غزا الأفغان وأخضعهم. وأحداث محمود الغزنوي مع الأفغان وقعت العام (411هـ / 1020ـ1021م) والعام (414هـ / 1023ـ1024م).أما العتبي صاحب هذا التاريخ فقد كان بمثابة (سكرتير) لمحمود الغزنوي فهو العليم بدقائق أموره.
وعدا العتبي فإنّ مؤرخين اثنين آخرين كانا من أوائل من ذكر (الأفغان)، هما البيروني المتقارب عصره مع عصر العتبي، والبيهقي المتأخر عنه قليلاً. وقد قال البيروني في ذكرهم: (إنّ الجبال الغربية للهند تسكنها قبائل الأفغان المختلفة التي تمتد حتّى جوار وادي السند). ↑
- () عد التضعضع المعنوي الذي أصاب أميركا، فقد ألقى هذا الاعتداء المزدوج على مركز التجارة العالمية بعبء مالي يفوق التصوّر على عاتق نيويورك، يراوح بين 90 و105 بلايين دولار ويتوزّع على السنتين المقبلتين حسب تقديرات رسمية أوّلية.وفي حين سرت أرقام تقريبية منذ بضعة أيام في المدينة المدماة، نشر مكتب المحقق المالي ألن هيفيسي الخميس الماضي أوّل دراسة تفصيلية للكلفة الإجمالية المترتبة عن أضخم هجوم إرهابي في تاريخ الولايات المتحدة. وقال إنّ تدمير البرجين التوأمين وأشغال إزالة الركام والترميم وفقدان الوظائف ومختلف الأرباح الفائتة، يرفع الفاتورة إلى 90 بليون دولار كحد أدنى و105 بلايين دولار كحد أقصى تتوزّع على السنتين المقبلتين.
وجاء في تقرير هيفيسي الذي يشغل أيضاً منصب رئيس الخزانة في المدينة: «لا يمكننا أن نقدّر بالدورا الخسائر التي تكبّدها النيويوركيون من جرّاء هذه الهجمات الخبيثة (…) لكن إن أردنا الحصول على الموارد الضرورية لإعادة البناء، سيتحتم علينا أن نحاول تقدير كلفة الهجوم على اقتصادنا».
وأشار التقرير إلى أنّ التدمير المباشر للمباني والمعدات يمكن أن يقدّر بـ 34 بليون دولار في حين تقارب الأضرار الناجمة عن هذا التدمير مثل توقّف الأجور وبدلات الإيجار 60 بليون دولار.
وقدّرت دوائر المحقق المالي كلفة إعادة البناء بأقل من سبعة بلايين دولار بقليل، في حين لم يصدر حتّى الآن قرار بإعادة البناء ولم يعرف بعد المبنى الذي سيتم تشييده في موقع البرجين التوأمين.
وتقدّر كلفة ترميم أو إعادة بناء المباني المتضرّرة في جوار البرجين بـ 12 بليون دولار، وكلفة إصلاح خطوط المترو بعد انهيار عدد من الأنفاق بثلاثة بلايين وكلفة إصلاح خطوط الهاتف وشبكات الكومبيوتر ببليوني دولار.
وسبق وأنفق بليون دولار لأشغال إزالة الأنقاض ومن المتوقع إنفاق ستة بلايين خلال الأشهر التسعة أو الـ 12 المقبلة.
وسترتفع الكلفة الإجمالية لساعات العمل الإضافية لرجال الشرطة والإطفاء الذين ما زالوا يعملون على إزالة الركام إلى 3,6 بليون دولار، يوازيها المبلغ نفسه للمعدات التي سيستخدمونها ولإعادة بناء الطرقات العامة.
وتمثّل الجزء الأصعب من هذه الحسابات في تقدير خسائر «رأس المال البشري» أي الكلفة المترتبة عن مقتل 7000 شخص. وتمّ التوصل إلى رقم تقديري بعد تحديد عدد سنوات العمل التي كانت متبقية لهم والتي كانوا سيجنون خلالها معدل 100 ألف دولار سنوياً. وقدّر المبلغ الإجمالي بـ 11 بليون دولار. ↑
- () اسم لسلسلة من الأسر الملكية. ↑
- () أي التي باللغة البهلوية أو الفهلوية، وهي اللغة التي سادت في عهد الدولة الساسانية في العصر المتوسط بين العصر القديم والعصر الإسلامي في إيران. ↑
- () يشير بذلك إلى قوله تعالى: {فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله أنس من جانب الطّور ناراً} الآية. ↑
- () يشير إلى قوله عزّ وجل يخاطب عيسى (عليه السلام): {وإذا تخلق من الطين كهيئة الطّير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني}. ↑
- () نسبة إلى «ماني» النقاش الفارسي الشهير. ↑
- () هي الـ (التيليب)، وهي على شكل كأس ولونها أحمر، وأحياناً يكون أسفلها أحمر يضرب إلى السواد، وتزدان بها صحارى أفغانستان. ↑
- () بالفارسية «فاختة»، وهي في بعض المعاجم الحمامة المطوقة، وفي البعض القطاة. ↑
- () أكبر لقب ديني بين العلماء في أفغانستان. ↑
- () يأتي حديث آخر عن التشيّع في أفغانستان. ↑
- () كان هناك من أدرك حقيقة جمال الدين فاستغل ذلك للطعن فيه. وفي ذلك يقول الدكتور عثمان أمين في مقاله عن جمال الدين بمجلة العربي إنّ وريقات نشرت في القاهرة بعنوان: «تحذير الأمم من كلب العجم». وكذلك فإنّ أبو الهدى الصيادي كتب إلى صاحب مجلة المنار يصف جمال الدين بـ (المتأفغن) يقول فيما يقول عنه: «لقد ثبت في دوائر الدولة رسمياً أنّه مازندراني من أجلاف الشيعة»… ↑
- () هزارة جات، هو في الأصل مكان، ثمّ أصبح علماً على مسكن هزارة، وهم من الشيعة وقد قطنوها منذ قديم الأيام، ويعتقد أنّ كلمة «هزارة» محرفة من «هزالة» وأنّها اسم لعاصمة دولة: «أراكوزيا» القديمة.يقول المؤرخ الأفغاني الشهير عبد الحي حبيبي حول كلمة «هزالة» هزارة: شعب عريق في أفغانستان وهم موجودون فيها من قديم الأيام حتّى أنّهم واجهوا جيش الإسكندر المقدومي وقاوموه مقاومة عنيفة، إنّ كلمة «هزارة» مأخوذة من «هزالة» كما ضبطها بطليموس أو مأخوذة من كلمة «هوسالة» كما ضبطها هوانگ تسانگ. (مجلة: آريانا ـ العدد الخامس ـ لسنة 1341هـ ش ـ مقالة المؤرخ عبد الحي حبيبي). ويقول الأمير عبد الرحمن الذي حكم على أفغانستان من 1880م إلى 1901م في كتاب منسوب إليه يسمّى: تاج التواريخ يقول هو: إنّ الهزارة أكبر قبيلة في أفغانستان وقلب البلاد بأيديهم ويحتلون معظم أراضيها وهم سكان أفغانستان الأصليون القدماء وأشجع الناس وأنشطهم في الحروب ولم يستطع أحد من السلاطين إخضاعهم كالإسكندر المقدوني ونادر شاه إفشار وغيرهما. ↑
- () طبقات ناصري (ج1، ص29 و324) تأليف الجوزجاني الأفغاني. ↑
- () انظر كتاب روضات الجنات في أوصاف مدينة هراة (ص355 و556)، وكذلك لغت نامه دهخداذيل (غرر) و(غوريان). ↑
- () كتاب: طبقات ناصري (ج1، ص324). ↑
- () كتاب: گلزار قندهار/ طبع نجف/ تأليف شيخ حسن قندهاري. ↑
- () تأريخ سند معصومي (ص33ـ146). ↑
- () إقبالنا مه جهانگيري / طبع كلكته/ (25ـ27)، تأليف معتمد خان بخشى. ↑
- () مجلةك معارض إسلامي ـ نشرة منظمة الأوقاف الإيرانية ـ العدد (6) ـ تيرماه/ 1347هـ ش). ↑
- () منتخب التواريخ تأليف ملا هاشم الخراساني. ↑
- () وقائع السنين والأعوام (ص532). ↑
- () تذكرة الأبرار والأشراف (ص202) طبع الهند. ↑
- () مجالس المؤمنين (ج1، ص152). ↑
- () كتاب أفغانستان در ميسر تأريخ (ص469). ↑
- () بحر الفوائد قسمت عين الوقائع تأليف يوسف رياضي هروي. ↑
- () سراج التواريخ، ج2، الصفحة 367، تأليف فيض محمد كاتب الهزارة. ↑
- () أفغانستان في التاريخ، الصفحة 761. ↑
- () كانت مكافأة الظلاميين البرابرة (طالبان) الذين أعمى التعصّب عقولهم وقلوبهم وبصائرهم، كانت مكافأتهم للشيعة على جهادهم ومفاداتهم وتضحياتهم في مقاومة الماركسية أن أقاموا فيهم المذابح في باميان ومزار شريف وكابل، وكلّ مكان وصلوا إليه في أفغانستان. ↑
- () تلخيص من كتاب (تاريخ هزارة) الصفحة 230 إلى 238. ↑
- () المختص المنقول في تاريخ هزارة ـ تأليف الملا محمد أفضل أكارز كانئ ـ طبع سنة 1330 هـ ق. ↑
- () أفغانستان في التاريخ ـ تأليف غلام محمد ـ القسم الخاص بـ هزارة جات. ↑
- () بحر الفوائد. قسم عين الوقائع. ↑
- () لويه جركه بغمان ـ تأليف برهان الدين كشككي. ↑
- () تيمور شاه الدراني، ص5، تأليف عزيز الدين وكيلي فوفلزائي ـ طبع كابل. ↑
- () شريف خان بايليت من أهالي جاغوري وأحد الطيارين في أفغانستان. كان يعمل ضد النظام. سجن 12 عاماً وألّف كتاباً في السجن أسماه نمر السجن. كان شاعراً أيضاً. ↑
- () آقا بزرك الطهراني: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج2، ص265، بيروت، دار الأضواء. ↑
- (2) آقا بزرك الطهراني الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج4، ص80، بيروت، دار الأضواء ↑
- () انظر فهرست نسخة ثاني خطي كتاب خانه مرعشي ج2 ص121-122 . ↑
- () قد تتم جباية وتوزيع الضرائب المالية بمباشرة واشراف الحاكم الشرعي الأعلى عند وجود الحاكم الشرعي، كما قد يقوم المسلمون أنفسهم بتوزيع الحقوق المالية المفروضة عليهم على المستحقين مباشرة، مع احراز الاستحقاق، حال عدم وجود حكومة شرعية والنتيجة سواء. فالمهم توزيع هذا الفائض المالي على فئات الفقراء وعلى المرافق الاجتماعية، مهما يكن شكل ذلك. ↑
- () سورة الحشر، الآية: 7. ↑
- () سورة الأنفال، الآية: 60. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 41. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 81. ↑
- () وسائل الشيعة: 6/270. ↑
- () وسائل الشيعة 2: 6/57. ↑
- () سنن البيهقي: 4/182. ↑
- () تطلق الدولة على مجموعة من العناصر من أهمها العنصر البشري، وهو مجموعة من الناس الذين يسكنون قطراً من الأرض. وقد تطلق (الدولة) على هذه المجموعة البشرية فحسب في قبال )الحكومة) التي تطلق على الهيئة الحاكمة فحسب من المجتمع، وهذه التسمية جديدة اقتبسناها من «ح هارولد لاسكي» في كتابه «الحرية» وإن كان واقع هذا التقسيم قديماً في التشريع الإسلامي. ↑
- () راجع «مستمسك العروة الوثقى» 9/520. ↑
- () راجع «رياض المسائل» كتاب الجهاد. وتذكرة الفقهاء: كتاب الجهاد. ↑
- () وسائل الشيعة: إحياء الموات. ↑
- () وسائل الشيعة ـ ط1 ـ: 3/326. نعود فنؤكد بأنّنا نقصد من الدولة الإسلامية التي تتسلم زمام السلطة بصورة مشروعة. ↑
- () راجع «شرائع الإسلام»: الأنفال. ↑
- () راجع مستمسك العروة الوثقى: 9/524، 525 ط 2. ↑
- () راجع مستمسك العروة الوثقى 9/524 ـ 525 ط 2. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () نفس المصدر 9/525. ↑
- () وفيما لو كان العمل ضرورياً يدخل في حقل الواجبات الكفائية. ولا يكون الجزاء بعنوان الاجرة، وإنما يسترزق من بيت المال. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 60. ↑
- () راجع تفسير التبيان: 5/283. وتفسير الطبري: 10/159. ↑
- () العروة الوثقى: كتاب الزكاة. ↑
- () جواهر الكلام: كتاب الزكاة. ↑
- () جواهر الكلام: كتاب الزكاة. ↑
- () العروة الوثقى: كتاب الزكاة. ↑
- () جواهر الكلام: كتاب الزكاة: 77. ↑
- () جواهر الكلام: كتاب الزكاة: 77. ↑
- () جواهر الكلام: كتاب الزكاة: 91. ↑
- () جواهر الكلام: كتاب الزكاة: 91. ↑
- () سورة الأنفال: 41. ↑
- () وتسمّى كريت وقد أصاب اسمها تحريفات كثيرة، فسمّيت أيضاً: أكريت وجريت Girit، وجريد (ولهذا ينسب إليها فيقال بالتركية «الجريدلي»). ↑
- () يقول النعمان (ج2، ص412) هو أقرب القواد إلى إمبراطور الروم وأخصّهم به. ويقول فورنيل Fournel: La Conquête de L’Afrique par les Arabes, p.332 إنّ الروم حاصروا هذه الجزيرة بقيادة نقفور فوكاس، الذي حاصر حاضرتها «كاندي» أكثر من سبعة أشهر، ثمّ فتح الجزيرة كلّها. ↑
- () النعمان: المجالس والمسايرات، ج2، ص412. ↑
- () المصدر فنسه، ج2، ص421. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص423. ↑
- () النعمان: المجلس والمسايرات، ج2، ص414. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص416. ↑
- () الشرفنامه ص413. ↑
- () نزهة الجليس، ج1، ص132. ↑
- () تقرير الحدود، ص37 وما قبلها. ↑
- () رد إسماعيل علي الدوسكي على بعض من تحدّث عن اللغة الكردية قائلاً:«إنّ الكاتب لم يراع الاهتمام الكامل بالانقسام اللغوي الصحيح علاوة على أخطاء كتابية في بعض المصطلحات عند ترجمته للمصادر المعتمدة لمادته. زعم الكاتب أنّ الأكراد لا يتكلمون لغة واحدة، والحق أنّ اللغة الكردية هي لغة موحّدة، ولغة مستقلة قائمة بذاتها لها قواعدها ومفرداتها ولها تطوّراتها الخاصّة بها أيضاً. ويتكلم الشعب الكردي في كلّ أجزاء كردستان لغة واحدة والاختلاف كامن في اللهجات فقط. أمّا اللهجات الكردية التي ذكرها الكاتب (الكرمانسية ـ الصورانية ـ الظاظية ولهجات جنوب ايران)، لم يوفق في اختيار المصطلحات الصحيحة، والأصل هو: الكرمانجية والسورانية والزازائية. إضافة إلى عدم تنبهه إلى التقسيم اللغوي الأصوب. فاللغة الكردية تتكوّن من لهجات رئيسية على النحو الآتي:
1 ـ الكرمانجية الشمالية: يتكلم بها معظم الشعب الكردي وتنتشر بين أكراد تركيا، ما عدا منطقة ديرسم إذ تسود اللهجة الزازائية، وبين أكراد سورية والاتحاد السوڤياتي السابق وإقليم باديان في كردستان العراق والإقليم الممتد غربي بحيرة (أورمية) من مدينة (شنو) حتّى أقصى الشمال في كردستان إيران.
2 ـ الكرمانجية الجنوبية (السورانية): هي اللهجة الثانية من حيث الانتشار بين الأكراد. ويتكلم بها معظم أكراد العراق في أربيل والسليمانية وكركوك وخانقين، ما عدا إقليم بادينان في مدينة دهوك وعقرة وضواحيها حيث الكرمانجية الشمالية وإقليم (هاورامان) إذ تسود اللهجة الهاورامية وإقليم جنوبي (مندلي) حيث الأكراد الفيليين. أمّا أكراد إيران فليس صحيحاً كما رأى الكاتب بأنّهم يتكلمون السورانية سوى بعض المناطق منها منطقة (مهاباد).
3 ـ اللهجة اللورية: تتكوّن من الفيلية واللك والبختيارية وتعتبر من حيث انتشارها اللهجة الكردية الثالثة، ويتكلم بها الأكراد الفيليون في العراق الذين يقطنون في مناطق اللهجة السورانية.
4 ـ هناك لهجات كردية فرعية كالزازائية والهاورامية والكورانية. يتكلم الزازائية أكراد ديرسم في تركيا مهد الثورة الكردية التركية ويتكلم الهاورامية أكراد منطقة هاورامان في العراق، ويتكلم الكورانية أكراد كوران في العراق أيضاً. والأكراد جميعهم يفهمون بعضهم بعضاً على رغم اختلاف اللهجات، غير أنّ الصعوبة تكمن في فهم اللهجات الفرعية المذكورة خصوصاً (الهاورامية). أمّا الأبجدية الكردية فرأى الكاتب أنّ تركيا وحدها تكتب باللهجة اللاتينية ونسي أنّ أكراد سورية أيضاً يكتبون باللاتينية، فضلاً عن الأبجدية الروسية التي يستعملها أكراد دول الاتحاد السوڤياتي السابق ومنها روسيا. ↑
- (*) ممّا يذكر أنّ الطلاب وبعض السياسيين الأكراد في استنبول أصدروا في شهر حزيران سنة 1913 مجلة شهرية لم يصدر منها سوى أربعة أعداد. إذ أوقفت صدورها السلطات التركية. ↑
- () حيدر: الأكراد، من هم وإلى أين؟ ص10. ↑
- () خصباك: الأكراد، دراسةجغرافية أثنوغرافية، ص503. ↑
- () حيدر: الأكراد من هم وإلى أين؟ ص12. ↑
- () الدرّة: القضية الكردية، ص19. ↑
- () خصباك: الأكراد، دراسة جغرافية أثنوغرافية، ص504. ↑
- () المصدر نفسه، ص506. ↑
- () شيركوه: القضية الكردية: ماضي الكرد وحاضرهم، ص12. ↑
- () الغمراوي: قضية الأكراد في شمال العراق، ص28. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () بدر الدين: الأكراد شعباً وقضية، ص32. ↑
- () شيركوه: القضية الكردية، ماضي الكرد وحاضرهم، ص11ـ12. ↑
- () المصدر نفسه، ص14.مينورسكي: الأكراد ملاحظات وانطباعات، ص33. (والنص للأوّل). ↑
- () خصباك: الأكراد، دراسة جغرافية أثنوغرافية، ص510. ↑
- () الدرّة: القضية الكردية، ص20. ↑
- () حيدر: الأكراد، من هم والى أين؟ ص10. ↑
- () شيركوه: م.س، ص19. ↑
- () بدر الدين: الأكراد شعباً وقضية، ص33. ↑
- () أشيريان: الحركة الوطنية الديموقراطية في كردستان العراق (1961ـ1968م)، ص15. ↑
- () الدُّرَّة: القضية الكردية، ص229. ↑
- () المرجع نفسه، ويبدو أنّ الباحث الكردي (أشيريان) قد وقع في سهو حين اعتبر المساحة تقدّر بـ 22,3% حيث إنّ مساحة كردستان التي ذكرها (97,7) ألف كم2، لا تشكل تلك النسبة. انظر: أشيريان م.س، ص15. ↑
- () بدر الدين: الأكراد شعباً وقضية، ص72. ↑
- (* ) تباينت الآراء في أصل كلمة «فيلية» أو «فولية». وقد ورد ذكر «الفيلية» في مراجع تاريخية كثيرة منها كتاب John Malcolm المعنون: «The History of Persia from the Most Early Period to the Present Time» (تاريخ فارس من أقدم الأزمان حتّى الوقت الحاضر) المطبوع عام 1815، وكتاب (فراسنامه ي نصيري المطبوع في طهران عام 1313 هجري (1895م)، لمؤلفه حاجي ميرزا حسن حسيني، وفي كتاب تاريخ كمبردج لإيران في مجلده السابع وحيث يرد:«وفي خرم آباد يحكم والي لرستان الأصلية على الفيليين وعلى مجموعات متفرقة من اللر».
ويرى الباحث العراقي جرجيس فتح الله أنّ التسمية عربية ـ عراقية، وبعضهم يرجعها إلى كلمة «فلاة» أي الأرض المنبسطة. لكن هذه مجرد اجتهادات وتخمينات قابلة للنقد والتجريح. وإنّ مسألة أصل التسمية (فيلي وفيلية) مفتوحة لدراسات وتمحيصات جديدة. وهذا واجب المثقفين الفيليين قبل سواهم. ↑
- () انعقدت في لندن يوم 23 ابريل/نيسان 2000 ندوة واسعة وهامة تضامناً مع آلاف الفيليين الذين اختطفوا في 7 ابريل/نيسان 1980 صبية وشباباً من عوائلهم وحجزوا في معتقلات سرية إلى الآن، ولا يعرف مصير أكثرهم، ولعل بينهم من شملتهم حملات الإعدامات الجماعية «تنظيف السجون!».لقد اختطف هؤلاء الضحايا بعد تشريد وتهجير آبائهم وأمهاتهم وأخواتهم ونهب ممتلكاتهم، ووضعهم بكلّ وحشية على الحدود، حيث تفجرت الألغام بالمئات منهم.
وقد ألقى الشاعر زاهد محمد ثلاث قصائد متميزة في الاجتماع الذي حضره أفراد الجالية الفيلية في لندن والعشرات من الشخصيات السياسية العراقية البارزة أمثال محمود عثمان وفؤاد معصوم وحبيب محمد كريم وعبد الرزاق الصافي، وغيرهم.
وأرسل عزيز الحاج كلمة إلى الندوة تأمل معالجة تقصير كبير ساهم هو فيه فيما يخص الشأن الفيلي عامة، وقضية المحتجزين خاصّة، ودعت الكلمة إلى الاتجاه لكتابة تاريخ الفيلية وتسجيل فولكلورهم، وترجمة شخصياتهم عبر التاريخ، وإبراز دورهم في النضال الوطني لشعب العراق وفي صفوف الحركة التحررية الكردية.
وأصدر الاتحاد الوطني الكردستاني بياناً هاماً «بمناسبة الذكرى العشرين لتسفير (300) ألف كردي فيلي عراقي خارج الوطن» وورد في البيان:
«مرّت اليوم، 7 ابريل/نيسان 2000 الذكرى العشرون لأوسع وأبشع حملة تسفيرات لا إنسانية طاولت مئات الآلاف من الكرد الفيليين العراقيين، وهم الشريحة الكردية العراقية التي تركت بصماتها على مختلف أشكال ومواقع النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي العراقي منذ مئات السنين، وقبل تأسيس الدولة العراقية في العشرينات من القرن الماضي».
وفي 7 ابريل/ نيسان 1980 (عشية الحرب مع إيران) غدرت السلطات بمئة وخمسين تاجراً كردياً فيلياً، اقتيدوا من صالة اجتماعات غرفة تجارة بغداد إلى الحدود العراقية الإيرانية بعد مصادرة هوياتهم وأوراق الطابو العثمانية وجميع الوثائق والمستمسكات التي تثبت عراقيتهم. وفي الوقت نفسه شنت الأجهزة القمعية أوسع حملاتها في بغداد والبصرة والكوت والحي والعمارة وعلي الشرقي وعلي الغربي والمسيب وبدره ومندلي وزرباطية والصويرة وعشرات من المدن العراقية الأخرى حيث اختطفت العوائل الفيلية بعد مصادرة أموالها وممتلكاتها وشوهدت عشرات المئات من النسوة والفتيات محشورات في الشاحنات والأقفاص السيارة بثياب النوم وحافيات الأقدام والرجال والأولاد بالبيجامات، ودفعوا دفعاً إلى داخل الحدود الإيرانية عند بلدة (سومار) وغيرها عبر مسالك جبلية وعرة ووديان ومنحدرات لتفجير الألغام الإيرانية. وكانت قمة المأساة، انتزاع الشبان ما بين 15 و25 سنة وحجزهم في سجون ومعتقلات سرية ولا يزال مصير 7 آلاف منهم مجهولاً، فيما جرى إعدام 200 منهم. وشملت حملات الاعتقال والتسفيرات حتّى الذين كانوا يعملون في بعض الأقطار العربية حيث اعتقلوا ونقلوا إلى العراق بتنسيق مع أجهزة المخابرات في تلك الدول.
وينتهي بيان «الاتحاد الوطني الكردستاني» بالتأكيد على أنّه آن الأوان لكي تكون مظالم الكرد الفيليين جزءاً من ملفات منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وكلّ الجهات المعنية بحق المواطنة والعمل والامتلاك.
«فليكن عام 2000 الحل الفيصل لقضية الكرد الفيليين ـ العراقيين باعتبارها من قضايا الإنسان العادلة، وليعمل العراقيون جميعاً، والأخوة العرب والأصدقاء في العالم على إقامة الندوات والمسيرات والمهرجانات لتقحيق هذه المهمة الوطنية والإنسانية». ↑
- () ثمّ أدرك المرتضى وكذلك أخاه الناصر. ↑
- () لا يبلغ ما يقوله الكاتب حد اليقين «ح». ↑
- () إذا كان الشك عند الكاتب قد زال، فهو لم يستطع أن يزيله عند غيره، والأمر ـ كما قدمنا ـ لم يبلغ حد اليقين، بل لا يزال الشك شكا «ح». ↑
- () الشري هو لقب احترام يخاطب به الهندي ويقابل لقب السيد بالعربية. ↑
- () الأشرم: أي المعتزل الخاص بحكيم أو فيلسوف هندي. ↑
- () شجرة الأثاب أو شجرة البنيان هو شجر ضخم من أشجار جزر الهند الشرقية ويدعى أيضاً تبن البنغال. ↑
- () الفيدا Veday هي كتب الهندوس الدينية الأربعة. ↑
- () السنغام هو ملتقى النهرين الكنج وجمنا حيث يسيران معاً وجنباً إلى جنب ولكن بلونين مميزين فلا يختلطان. ↑
- () فترة غوبتا Gupta Period فترة من فترات التاريخ الهندي القديم. ↑
- () الإخوة باندافا Pandavas هم أشقاء خمسة، أبطال معركة مهبهارات أول معركة كبرى جرت على الأرض الهندية. ↑
- () الإخوة كورافا هم كناية عن مائة من الأشقاء كانوا على عداوة شديدة مع أبناء عمومتهم الإخوة باندافا. ↑
- () النواب nawab: هو لقب في الهند يقابل الوالي في التاريخ الإسلامي ثمّ أصبح لقب يطلق على الحكام الإقليميين المستقلين. ↑
- () عزا داري: مكان الاحتفالات التي تقام لذكرى استشهاد الحسين (عليه السلام). ↑
- () ذو الجناح اسم يطلق على الجواد الذي كان يمتطيه الحسين (عليه السلام) يوم استشهاده. وفي الاحتفالات السنوية بذكرى الحسين (عليه السلام)، يتقدّم الموكب جواد يرمز إلى جواد الحسين (عليه السلام) ويدعى الموكب: موكب ذي الجناح. ↑
- () إمام بارة: هي ما تعنيه (الحسينية) في البلاد الأخرى، وهو المكان الذي تقام فيه الاحتفالات بذكرى الحسين (عليه السلام) وغيرها من الاحتفالات الدينية. ↑
- () كان ذلك عندما أرسل لنا الكاتب مقاله و لا شك أنّ أكثرهم قد انتقل إلى رحمة الله. ↑
- () هذا ما كتبه لنا كاتب هذا البحث. وقد أبى أن يذكر نفسه، ولكنّنا استقصينا عنه المعلومات الآتية:هو كاتب باللغات الإنكليزية والأردوية والهندية، ومؤلف كتاب (مدن الهند المدهشة) وكتاب «حول العالم». وهو يكتب مقالات لعدد من الجرائد والمجلات التي تنشر باللغات الإنكليزية والأردوية والهندية. وهو الأمين العام لكلّ من:
- مكتبة الأمجدية.
- المركز الثقافي الأفرو ـ آسيوي.
- اتحاد شاهي الرياضي.
وهو عضو مؤسس في لجنة إدارة كلية «يدغري حسيني». كما أنّه عضو مؤسس في لجنة إدارة كلية رفيع أحمد قدوائي التخليدية للبنات. وهو أيضاً أمين الدعاية والإعلام لمؤتمر الشيعة الإقليمي، وهو عامل نشيط في الحقل الاجتماعي والديني يمتاز بالإخلاص والتفاني. وهو نصير مقدام لقضية عزا داري الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو أيضاً أمين مكتب الإعلام لمؤتمر الشيعة لعموم الهند الذي عقد هنا في العام 1950. ↑
- () كان العالم ثونمان Thunmann خلال القرن 18 أوّل من أطلق النظرية الأولى حول استمرارية الألبانيين في مناطقهم الحالية، وبالتحديد حول انحدار الألبانيين من الأليريين الذين كانوا يسكنون هذه المناطق في العصر القديم. وقد أيّد هذه النظرية لاحقاً عدد كبير من العلماء البارزين كـ ميير Meyer، وبدرسن Pedersen، ويوكل Jokl، وهامب Hamp إلخ. وفي نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 ظهرت نظرية أخرى تقول بانتقال الألبانيين من قلب البلقان، من مكان ما يتوسط التراقيين والرومانيين، إلى المناطق الحالية التي يسكنونها، على امتداد البحر الأدرياتيكي، وذلك بالاستناد إلى نوع من التقارب بين الألبانية والتراقية القديمة والرومانية الحالية. ↑
- () مع أنّ يوغسلافيا السابقة، حيث يعيش اليوم نصف الألبانيين تقريباً، بقيت هي الساحة الكبيرة التي تتعارض فيها النظرية الأولى والثانية حول أصل الألبانيين، فإنّ الطبعة الجديدة من «موسوعة يوغسلافيا» قد حسمت الأمر بالقول إنّ «الأبحاث اللغوية والأثنولوجية والأركيولوجية وغيرها قد أصبحت تقود نحو الأصل الأليري للغة الألبانية»:Albanci, Enciklopedija Jugoslavije, II izdanje, Zagreb 1984, s. 1. ↑
- () كتاب «الجغرافيا» كما ورد في:ILirët dhe Lliria te Autorët Antikë, Prishtinë 1979, f. 268. ↑
- () B. Dragojevic-Josifvoska, Ziva Antika XXI-2, Skopje 1971, s. 513-522. ↑
- () تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الكاتبة أنا كومنينا تستعمل أيضاً تسمية «أربانون» Arbanun للدلالة على وطن الألبانيين وتعيّن بشكل تقريبي حدود هذا الوطن ما بين مدينة دورس Dureës ونهر درين Drin، أي على وجه التقريب في المجال الذي حدّده بطليموس لعشيرة الألبانيين الأليرية:Historia e Popullit Shqiptrë I, Prshtinë 1969, f. 159. ↑
- () إنّ هذا الإيحاء يبدو قائماً حتّى القرن 18. وهكذا نجد مثلاً أنّ كنية البابا الألباني الأصل كلمنت الحادي عشر «ألبانو» Albano تترجم حرفياً إلى «الأبيض»:Rexhep, Ismaili, Emri I Shqiptarëve, Jala, Prishtinë 15.X. 1985, f.3. ↑
- () مع ترسخ هذه التسميات، وخاصة مع بروز «إمارة آربريا» في نهاية القرن 12 وخلال القرن 13، أصبح اسم الألبانيين يتردّد كثيراً في المصادر الأوروبية المختلفة، نظراً لتمحور الكثير من الأحداث في مناطقهم. ↑
- () حول هذا السنجق وأهميته انظر:H. Inalcik, Hicri 835 tarihli suret-i defter-i Sancak-i Arnavud, Ankara 1954. ↑
- () أصبح الألبانيون فيما بعد يتوزعون على أربع ولايات عثمانية في البلقان: ولاية شكودرا، وولاية كوسوفا، وولاية مناستير، وولاية بانينا، ممّا كان يغذي مشاعر السخط ويدفع الحركة القومية للمطالبة بتوحيد هذه الولايات الأربع في ولاية واحدة (أرناود لك) تتمتع بحكم ذاتي. للتوسع حول هذا، انظر:15 أنتوني سوريال عبد السيد، الرابطة القومية الألبانية (1878ـ1881)، القاهرة 1986. ↑
- () Rexhep Ismaili, Gjuba e Kuvendit të Arbrit, Prishtinë 1986. ↑
- () لقد تركت هذه التسمية انطباعاً خاصاً لدى الشاعر الإنكليزي جورج بايرون. فخلال تجواله في غرب البلقان كان يحرص على أن يسأل السكان عن قوميتهم، فكان لا يسمع إلاّ «مسلم» أو «مسيحي»، بينما كان لا يسمع في المناطق الألبانية إلاّ «شتشيبتار»: No-li, Vepra 2, Tiranë 1987, F. 78. ↑
- () وبعبارة أخرى أنّ هذا ينفي الرأي الذي شاع فترة من الزمن عن ارتباط هذه التسمية Shqiponë (النسر) وبالتالي اعتبار «شتشيبريا» بلاد النسور. ↑
- () تجدر الإشارة هنا إلى أنّ المؤلف كان متصرف جبل لبنان في تلك المدة (1883ـ1892)، وكان كتابه هذا قد صدر أولاً بالفرنسية في باريس سنة 1879. ↑
- () حول هذه الهجرة إلى المشرق هناك تفصيلات في اللغة العربية: د. محمد موفاكو، الألبانيون في سوريا ودورهم في الحياة السورية، المؤتمر الدولي الثاني لتاريخ بلاد الشام، ج1، دمشق، 1978. ↑
- () أحمد بن زيني دحلان، الفتوحات الإسلامية بعد مضي الفتوحات النبوية، ج2، القاهرة د.ت، ص130. ↑
- () لقد كان المؤرخ العزاوي ممّن ذكروا ورفضوا هذه الرواية جملة وتفصيلاً: عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين، ج4، بغداد 1949، ص48ـ49. ويمكن أن نضيف هنا أنّ ترويج هذه الرواية في بداية القرن 20 كان له هدف سياسي، ألا و هو دعم تطلعات الملك فؤاد لمركز الخليفة بعد إلغاء الخلافة في تركيا الكمالية سنة 1924. ↑
- () Dr. Muhamed Mufaku, Prania Shqiptarëve në Botën Arabe’ Gjatë Shek. XVIII-XIX dhe në Fillim të Shek. XX, Diser. i Doktorates, F. Filozofik, Prishtinë 1986. ↑
- () لا بد أن نضيف أنّ هذا الطبق من الحلوى لم يعد يقتصر على هذه المناسبة بل أصبح يقدم في البيوت الألبانية في بقية أيام السنة. كما أنّه لم يعد يقتصر على البكتاشيين بل أصبح يقدم أيضاً لدى السنيين من الألبانيين. ↑
- () يُقال إنّ الاسم محرّف عن اللفظ العربي «عار أن نعود» فتحوّلت العين إلى همزة والهمزة والثانية سقطت والعين الثانية كذلك، وليس في اللغة التركية دال بل تاء فأصبحت الكلمة «أرنؤوت» ثمّ نطقها المصريون أرنؤوط. ↑
- () ممّا يذكر أنّ (أبو مسلم) هذا اغتيل بعد ذلك سنة (488هـ ـ 1095م) بيد فدائي إسماعيلي. ↑
- () كان هذا الداعي من أنشط الدعاة وهو الذي عمل على نشر الإسماعيلية في الطالقان والري وغيرهما. ↑
- () ظلّت تكريت في حكم الإسماعيليين حتّى تولّى السلطة في إيران السلطان محمد تپر السلجوقي أخو بركيارق الذي عمل على إيقاف المد الإسماعيلي النزاري. وفي سنة (500هـ ـ 1106م) أرسل جيشاً إلى مدينة تكريت، ورغم أنّ القوات السلجوقية حاصرت المدينة عدّة أشهر فإنّها فشلت في الاستيلاء عليها. ولكن (كيقباد) حاكم تكريت النزاري خشي أن يعاود السلاجقة الحصار بقوى أقوى فتقع تكريت في أيديهم فسلمها إلى الملك العربي الشيعي سيف الدولة صدقة المزيدي (479ـ501هـ / 1086ـ1108م) أمير الدولة المزيدية التي كانت عاصمتها مدينة الحلة في العراق. ↑
- () الدولة الخوارزمية والمغول لحافظ حمدي ـ ص248. ↑
- () جامع التواريخ. ↑
- () ص413ـ414. ↑
- () جامع التواريخ. ↑
- () جامع التواريخ. ↑
- () ص 246. ↑
- () كورة بخراسان. ↑
- () مدينة بخراسان. ↑
- () شهد علاء الدين الجويني مع هولاكو فتح قلاع الإسماعيلية وعني بوصف ما جرى هناك وصفاً تاريخياً ممتعاً في كتابه الذي ألفه بالفارسية وسمّاه «جهان كشا» قائلاً: كنت أعرف بأنّ هناك خزانة كتب ثمينة طبقت شهرتها الآفاق وقلت يحسن انتهاز الفرصة للاطلاع على هذه الخزانة فوافق هولاكو فوراً وزرت الخزانة وانتقيت أنفس ما فيها من المصاحف والكتب وأخرجتها كما «يخرج الحي من الميت» وحملت محتوياتها من آلات الرصد كذات الكرسي وذات الحلق إلى أنواع من الأسطرلابات التامة والمنصفة وذات الشعاع. وأمّا الكتب المجردة في عقائد الإسماعيلية ودعوتهم فذهبت طعمة للنيران.ثمّ أشار إلى ما اشتملت عليه الخزانة من الذهب وهي مقادير لا تحصى. هذا ومن النفائس التي ظفر بها علاء الدين الجويني في الخزانة كتاب في تاريخ الجيل والديلم ألف باسم فخر الدولة البويهي واستفاد الجويني منه، ونقل نبذة عنه في تاريخ تلك الأصقاع «الشبيبي». ↑
- () يقول المستشرق روندلسن: «ثمّ اقترح الطوسي في مراغة على هولاكو: أنّ القائد المنتصر يجب أن لا يقنع بالتخريب فقط، فأدرك المغولي المغزى وخوله بناء مرصد عظيم على تل شمالي مراغة، وتمّ هذا العمل في 12 سنة. وجمع خلال ذلك الزيج الذي أتمّه بعد وفاة هولاكو وهو الزيج الإيلخاني. وقد أظهر خطأ أربعين دقيقة في موضع الشمس في أوّل السنة على حساب الأزياج السابقة، وجمع مكتبة عظيمة ضمّ إليها ما نهب من الكتب في بغداد». ↑
- () أوّل مرصد هو مرصد (أبرخسن) في اليونان أنشئ قبل الميلاد، وبعده بحوالي ثلاثة قرون أنشئ مرصد بطليموس في الإسكندرية. أمّا في الإسلام فإنّ أوّل مرصد أنشئ كان مرصد الخليفة المأمون في بغداد. وفي أواخر القرن الثالث أنشئ مرصد محمد جابر البستاني في الشام، وأنشئ في مصر المرصد الحاكمي وأنشئ في بغداد مرصد آخر. ↑
- () قال ابن الفوطي في كتابه (مجمع الآداب): اتفق الحكماء الخمسة على رصد مراغة في أيام السلطان الأعظم هولاكو سنة 657 ورئيسهم نصير الدين الطوسي، وهم فخر الدين الخلاطي وفخر الدين محمد بن عبد الملك المراغي ومؤيد الدين العرضي ونجم الدين القزويني، وهؤلاء هم الذين اختارهم نصير الدين وأنفذ السلطان في طلبهم. ↑
- () يقول الدكتور عبد العظيم أنيس المعاصر: إنّ نصير الدين الطوسي كان واحداً من أعظم من أنجبتهم الحضارة العربية. ↑
- () أشرنا بعض الإشارة إلى هذا الموضوع فيما تقدّم. وهنا تفصيل لذلك الإجمال. ↑
- () قال الدكتور عبد المجيد أبو الفتح بدوي في كتابه: (التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي) ص324:رشيد الدين الهمذاني يذكر أنّه أثناء حصار بغداد قدم على هولاكو وفد من مدينة الحلة والتمسوا أن يعين لهم شحنة فأرسل في أثرهم بعض جنده ليختبروا صدقهم ويقفوا على مدى إخلاصهم فأحسنوا استقبالهم وأقاموا الأفراح ابتهاجاً بهم (جمع التواريخ) (ج1، م2، ث 295ـ296).
ويناقش الدكتور عبد المجيد هذا القول قائلاً:
إنّ ما ذكره رشيد الدين لا ينهض دليلاً على خيانة القوم بقدر ما يعكس لنا مشاعر الخوف التي سيطرت على عامة الناس: سنّيهم وشيعيهم على حد سواء.
إنّ الخيانة ـ في ظنّي ـ لا تتحقق إلاّ إذا وجدت القيادة الواعية المخلصة التي تجند الجميع في جهد منظم لدرء خطر يتهددهم. أمّا في حالة الضياع وانعدام القيادة وترك الناس يواجهون مصيرهم فإنّ مقاييس الأمانة والخيانة تصبح مقاييس حساسة يجب أن تستعمل بدقة وحذر بالغين في الحكم على الناس الذين من حقهم في هذه الحالة أن يجتهدوا لدرء الخطر عن أنفسهم. ولقد كانت بغداد تعيش حالة الضياع هذه وهي تواجه أشرس عدو عرفته البشرية في تاريخها الطويل. ↑
- () إنّ نجاة المدرسة المستنصرية وسلامة الأوقاف كان بمساعي الطوسي الذي استطاع إقناع هولاكو بأنّ يعهد إليه بأمور الأوقاف، كما أشرنا من قبل. ↑
- () الدكتور مفيد آل ياسين. ↑
- () الحوادث الجامعة ص333، وجامع التواريخ، ج2، قسم1، ص595. ↑
- () ارتفع عدد سكان دولة الإمارات في نهاية عام 1993 إلى 2,083 مليون نسمة، ويبلغ عدد الذكور منهم 1,250 مليون نسمة والإناث 833 ألف نسمة.وذكرت وزارة التخطيط في بيان إحصائي أصدرته أمس عن تقديرات السكان في الإمارات أنّ عدد السكان ارتفع بمقدار 72 ألف نسمة عن عام 1992 و234 ألف نسمة عن عام 1991.
وبلغ عدد سكان إمارة أبو ظبي عام 1993 نحو 871,1 ألف نسمة منهم 537,8 ألف نسمة من الذكور، 333,3 ألف نسمة من الإناث.
كما بلغ عدد سكان إمارة دبي 548,3 ألف نسمة منهم 337,7 األف نسمة من الذكور و210,5 ألف نسمة من الإناث. وبلغ عدد سكان إمارة الشارقة 342 ألف نسمة منهم 196,7 ألف نسمة من الذكور و145,3 ألف نسمة من الإناث، وبلغ عدد سكان إمارة رأس الخيمة 141,1 ألف نسمة منهم 78,2 ألف نسمة من الذكور و63,9 ألف نسمة من الإناث.
كما بلغ عدد سكان إمارة عجمان 82,2 ألف نسمة وإمارة الفجيرة 68 ألف نسمة وإمارة أم القيوين 29,5 ألف نسمة. ↑
- () أعلنت بعثة أثرية بريطانية أنّها عثرت في إحدى جزر الإمارات على آثار موقع مأهول يعود إلى سبعة آلاف عام على الأقل.وقالت البعثة في بيان إنّ «الفريق تعرّف في جزيرة دلما على آثار أقدم موقع مأهول يتم اكتشافه في الإمارات».
وأضاف البيان أنّ البعثة الأثرية عثرت أيضاً على آثار مدينة إسلامية في جزيرة بني ياس. وكان أعضاء البعثة البريطانية بدؤوا أعمالهم عام 1992 بطلب من رئيس دولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وتقع جزيرتا دلما وبني ياس على بُعد حوالي 200 كيلومتر مقابل شواطئ أبو ظبي. وإضافة إلى المشاريع الزراعية في الجزيرتين، تأسّست محمية طبيعية تضم أكثر من 35 ألف حيوان وطائر في بني ياس. ↑
- () هو إسماعيل بن القاسم. ولد في مَنازِ جرد من منطقة ديار بكر سنة 288 «901» فنشأ فيها ورحل منها إلى العراق لطلب العلم. «والقالي» نسبة إلى قالي قَلا من أعمال أرمينية بين طرابزون ومنازجرد. ونقل ياقوت عن سبب انتسابه إليها لا إلى منازجرد أنّ أبا علي قال: «لما دخلت بغداد انتسبت إلى قالي قلا رجاء أن انتفع بذلك لأنّها ثغر من ثغور المسلمين لا يزال بها المرابطون».انتقل سنة 303 «915» إلى الموصل فسمع فيها الحديث ثمّ سار إلى بغداد سنة 305 وكانت عامرة بالعلماء فأخذ عنهم النحو والعربية والأدب والحديث ومال بطبعه إلى اللغة وعلوم الأدب فاتقن ذلك حتّى قال فيه الضبّي في «بغية المتلمس»: «كان إماماً في علم اللغة متقدّماً فيها متقناً لها فاستفاد الناس منه وعولّوا عليه».
أقام في بغداد 25 سنة اشتهر فيها أمره، ولكن لم يكن يرى أنّه قد نال في بغداد كلّ ما ينبغي، لذلك انتقل إلى الأندلس في عهد عبد الرحمن الناصر، وقيل إنّه كان مدعواً منه فدخل قرطبة سنة 330 «942م» فاحتفل به الناصر وأكرم مثواه وعهد إليه بتعليم ولي عهده «الحكم». واستوطن أبو علي قرطبة حتّى وفاته سنة 356 «967م».
وكما عني به عبد الرحمن الناصر عني به كذلك بعده خليفته الحكم. وانصرف في قرطبة إلى التأليف والإفادة وعكف عليه العلماء والأدباء يأخذون عنه ويرجعون إليه وعرف بينهم بالبغدادي لقدومه من بغداد وقد ترك الكثير من المؤلفات وأشهرها كتاب «الأمالي» المعروف بأمالي أبي علي القالي. قال ابن حزم يقارن بينه وبين كتاب «الكامل» للمبرد: «لئن كان كتاب أبي العباس أكثر نحواً وخبراً فإن كتاب أبي علي أكثر لغة وشعراً». وقال القالي نفسه عن كتابه: «أودعته فنوناً من الأخبار وضروباً من الأشعار وأنواعاً من الأمثال وغرائب من اللغات». وقد طبع في جزأين وأضيف إليهما جزء ثالث باسم «ذيل الأمالي والنوادر للقالي». ومن كتبه التي وصلت إلينا كتاب «الأمثال» وقسم من كتاب «البارع» في اللغة. وله غير ذلك ممّا لم يصل إلينا. ↑
- () صدرت عن مركز تحقيق التراث التابع لدار الكتب والوثائق القومية المصرية طبعة ثانية من كتاب «التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه» لأبي عبدالله بن عبد العزيز البكري، تضمنت فهارس بأسماء الأعلام والقبائل والأماكن وقوافي الأبيات وغير ذلك، قام بوضعها وترتيبها محمد عبد الجواد الأصمعي، وكانت دار الكتب المصرية طبعت هذا الكتاب ونشرته للمرّة الأولى في 1926، وصدرته بمقدمة كتبها الأب أنطون صالحاتي اليسوعي.ويشير الأب أنطون في تلك المقدمة إلى أنّ كتاب «التنبيه» هو إصلاح ما أتاه أبو علي القالي من الأغلاط والأوهام في كتاب «الأمالي»، معتبراً أنّ ذلك لا يحط من علوم مرتبة أبي علي ولا يضع من سعة علمه وحفظه للآداب العربية. ويضيف أنّه لا يعرف من كتاب «التنبيه» للبكري إلاّ هذه النسخة التي كتبت سنة 1263م (على أنّ مؤلفها توفي سنة 1094م) كما يتضح في السطر الأخير من كتاب: «آخر كتاب التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه». ويوضح أنّ النسخة الخطية لكتاب «التنبيه» كانت مملوكة لـ «جناب الأديب جرجس بك صفا»، وانتقلت بالبيع إلى «سعادة العالم الأديب أحمد باشا تيمور» الذي سمح بنشرها «في مطبعتنا رغبة في خدم العلم وإفادة الأدباء». ↑
ـ مصطلح الحديث.
ـ قواعد الحديث.
ـ أصول الحديث.
وكلها تعني معنى واحداً، وذلك لأن العلم ـ في أصوب تعاريفه ـ: مجموعة الأصول العامة أو القواعد الكلية التي تجمعها جهة واحدة.
فتسميته (قواعد الحديث) أو (أصول الحديث) تعطي المعنى المقصود.
ولأن الدراية ـ لغة ـ ترادف العلم تأتي تسميته (دراية الحديث) من الوضوح بمكان.
إذ كلها تعني مجموعة القواعد الكلية أو الأصول العامة التي تنضوي تحت عنوان واحد هو اسم العلم الذي تؤلفه، وهو هنا علم الحديث.
فتسميته بـ (علم الحديث) أو (دراية الحديث) أو (قواعد الحديث) أو (أصول الحديث) شئ منهجي يلتقي وطبيعة التسميات العلمية.
نعم، قد يثار التساؤل حول تسميته بـ (مصطلح الحديث)، والمصطلح ـ كما هو معروف ـ من العلم، وليس هو كل العلم، ولكن عند معرفتنا لأصل التسمية بهذا الاسم من ناحية تاريخية سوف نرى أن هناك وجها علميا لهذه التسمية، وذلك أن اسم (مصطلح) هنا أطلق على (أقسام الحديث) أولا، وذلك لكثرتها ـ كما سنرى ـ وكأنها لهذه الكثرة الكاثرة إذا قيست بالمعلومات الأخرى في هذا العلم هي كل العلم، ثم تجوزوا فيها فسموا بها العلم كله، فقالوا (مصطلح الحديث)، وهم يريدون به (علم الحديث) من باب تسمية الكل باسم الجزء.
وقد يعبر عنه فيقال (علم أصول الحديث) أو يقال (علم قواعد الحديث)، كما يقال (علم قواعد اللغة العربية)، وذلك للتفرقة بين العلم حيث يراد به مطلق المعرفة وبين الأصول والقواعد حيث يراد بها الضوابط الكلية الخاصة بعلم الحديث.
ويقال أيضاً (علم مصطلح الحديث)، والتوجيه هو التوجيه.
إلا أنه قد يشكل على قولنا (علم دراية الحديث) بما حاصله، وهو أن )الدراية) إذا كانت ترادف (العلم) يكون التركيب الإضافي المذكور من نوع إضافة الشئ إلى نفسه، وهو ممتنع لاشتراط التغاير بين المضاف، والمضاف إليه.
وأجيب عن هذا الاشكال بأن لفظ (الدراية) ـ هنا ـ اسم لهذا العلم (ولذلك ساغ بعد صيرورته علَمَاً لهذا العلم إضافة العلم إليه)([2]).
وقد ذكر في علم النحو أن التغاير الاعتباري كاف في تصحيح وتسويغ مثل هذه الإضافة.
ويبدو لي أن التسمية بـ (الدراية) جاءت في مقابلة (الرواية)، ذلك أن الرواية تعني نقل الحديث فقط، بينما تعني الدراية دراسة الحديث دراسة نقدية أو معيارية يتوصل من خلالها إلى تقويم نقله (روايته) من حيث صدوره عن المعصوم أو عدم صدوره.
وقد يكون للرغبة في السجع دور في اختيار هذه اللفظة.
وعلى أيّ فتسميتنا له بـ (أصول الحديث) يراد بها (علم الحديث).
تعريفه
إن أقدم مؤلَّف إمامي وصل إلينا في هذا العلم هو (كتاب الدراية) للشهيد الثاني المتوفى سنة ٩٦٦هـ.
والتعريف المذكور فيه لهذا العلم يعد أقدم تعريف وصل إلينا.
وهو ـ كما جاء في مقدمته من الطبعة الثالثة لسنة ١٤٠٩هـ:
(علم يبحث فيه عن متن الحديث، وطرقه، من صحيحها وسقيمها وعليلها، وما يحتاج إليه ليعرف المقبول منه والمردود(.
ولعل ثاني تعريف لهذا العلم وصل إلينا هو تعريف الشيخ البهائي المتوفى سنة ١٠٣٠هـ في كتابه الموسوم بـ (الوجيزة)، وهو قوله: (علم يبحث فيه عن سند الحديث، ومتنه، وكيفية تحمله، وآداب نقله).
وقد اعتمد هذين التعريفين كل من تأخر عنهما، فنقلهما بعضهم نقلا فقط، وبعضهم بزيد تعليقة عليهما أو شرح لهما، وبعضهم بطرح اشكال عليهما.
وأحدث تعريف لهذا العلم هو تعريف استاذنا الشيخ الطهراني في (الذريعة ٨ / ٥٤)، فقد عرفه بقوله: (هو العلم الباحث فيه عن الأحوال والعوارض اللاحقة لسند الحديث، أي الطريق إلى متنه المتألف ذلك الطريق من عدة أشخاص مرتبين في التناقل يتلقى الأول منهم متن الحديث عمن يرويه له، ثم ينقله عنه لمن بعده، حتى يصل المتن إلينا بذلك الطريق، فإن نفس السند المتألف عن هؤلاء المتناقلين تعرضه حالات مختلفة مؤثرة في اعتبار السند وعدمه، مثل كونه متصلاً ومنقطعاً، مسنداً ومرسلاً، معنعنا، مسلسلاً، عالياً، غريباً، صحيحاً، حسناً، موثقاً، ضعيفاً، إلى غير ذلك من العوارض التي لها مدخلية في اعتبار السند وعدمه.
فعلم دراية الحديث كافل للبحث عن تلك العوارض).
وإذا عرفنا أن تعريف العلم يقوم على أساس من ذكر موضوع الذي يدرسه ويبحث فيه، وحاولنا أن نقيم المقارنة بين هذه التعاريف المذكورة في ضوء هذا لنرى أيها أقرب لواقع هذا العلم من ناحية منهجية لتوصلنا إلى التالي:
١ ـ إن الشهيد الثاني حصر دائرة بحث هذا العلم في سند ومتن الحديث.
٢ ـ إن الشيخ البهائي وسع في دائرة بحث هذا العلم فجعلها تشمل كيفية تحمل الحديث وآداب نقله، مضافا إلى ما ذكره الشهيد الثاني.
٣ ـ إن الشيخ الطهراني ضيق في دائرة بحث هذا العلم بقصره على دراسة أحوال وعوارض السند فقط.
٤ ـ وفي (الدراية) للشهيد الثاني ما يلمح إلى أن هذا العلم يبحث في السند فقط، وهو قوله: (إعلم أن متن الحديث لا مدخل له في الاعتبار إلا نادرا، بل يكتسب الحديث صفة من القوة والضعف وغيرهما بحسب أوصاف الرواة من العدالة وعدمها، والإسناد من الاتصال والانقطاع، والارسال والاضطراب وغيرها).
ولمعرفة الصواب من سواه في هذه التعريفات من خلال معرفة واقع هذا العلم علينا أن نرجع إلى مؤلفات هذا العلم نستقرئ محتوياتها لنرى هل أن ما جاء فيها من البحث في المتن يشكل ظاهرة علمية في موضوعه بحيث يعد البحث فيها من واقع هذا العلم، أو أن البحث فيه يأتي استطراداً أو مروراً عابراً أو لمناسبة منهجية اقتضت ذلك.
ففي دراية الشهيد جاءت موضوعاتها كالتالي:
الباب الأول: في أقسام الحديث.
الباب الثاني: في من تقبل روايته ومن ترد.
الباب الثالث: في تحمل الحديث وطرق نقله.
الباب الرابع: في أسماء الرجال وطبقاتهم.
وفي مقباس المامقاني كانت محتوياته كالتالي:
المقدمة في حقيقة علم الدراية.
الفصل الأول: في بيان اصطلاحات علم الدراية.
الفصل الثاني: في بيان الخبر وأقسامه.
الفصل الثالث: في انقسام الخبر إلى متواتر وآحاد.
الفصل الرابع: في تنويع خبر الواحد باعتبار أحوال رواته.
الفصل الخامس: في مصطلحات علماء الحديث غير ما مر.
الفصل السادس: في من تقبل روايته ومن ترد.
الفصل السابع: في شرف علم الحديث وكيفية تحمله وطرق نقله وآدابه.
الفصل الثامن: في أسماء الرجال وطبقاتهم وما يتصل به.
وهي في الكتب الأخرى لا تعدو هذه، ولا تفترق عن الدراية والمقباس إلا في التطويل والاختصار.
وربما جاء فيها شئ يتعلق بالمتن كالتصحيف والتحريف إلا أنه لا يرتفع إلى مستوى ظاهرة علمية تشكل موضوعاً في البحث.
فمن هنا يكون تعريف الشيخ الطهراني أسلم من ناحية منهجية، وألصق بطبيعة موضوعات هذا العلم.
وفي ضوءه نستطيع أن نعرّفه بالتالي:
أصول الحديث: علم يبحث فيه عن نوعية السند ومستوى اعتباره.
وبتعبير أخصر: هو دراسة مستوى السند من حيث الاعتبار.
ونتبين معنى هذا التعريف واضحا عند تبياننا العلاقة بين علم الحديث وعلم الرجال، إذ كلاهما يتوفر على دراسة السند، والفارق بينهما أن علم الرجال يدرس مفردات السند (رواته)، وعلم الحديث يدرس السند ككل (الرواية).
وبتعبير أخصر: علم الرجال يدرس حال الراوي من حيث التوثيق واللا توثيق.. وعلم الحديث يدرس حال الرواية من حيث الاعتبار واللا اعتبار.
موضوعه
ومن تعريفه المذكور في أعلاه عرفنا موضوعه الذي يبحث فيه، وهو (السند) بمعرفة مستواه فيرى هل هو معتبر أو غير معتبر.
أو قل: هو (الرواية) التي تعني طريق نقل الحديث من مصدره إلى غيره.
ففي هذا العلم يعرف السند، ثم يقسم إلى أقسامه، ويعرف كل قسم، ثم يبين مدى اعتباره وعدم اعتباره.
كذلك يبحث فيه طرق تحمل الحديث ونقله، وآداب تحمله ونقله، وما يرتبط بهذه مما يقتضيه منهج البحث في هذا العلم.
فائدته
الحديث الشريف يمثل السنة الشريفة، والسنة هي المصدر الثاني للتشريع الاسلامي بعد القرآن الكريم. والسنة من حيث الكمية والتفصيلات التشريعية أكثر وأوسع من آيات الأحكام في القرآن.
ولأن الحديث اعتمد في تحمله ونقله الرواية الشفوية ثم الرواية التحريرية بالشكل الذي اختلف فيه عن نقل القرآن حيث اعتمد في نقل القرآن طريق التواتر، ولم يشترط هذا في الحديث، فجاء أكثر الحديث عن طريق الآحاد، وخبر الواحد ـ كما هو مقرر ومحرر في علم أصول الفقه ـ لا يفيد اليقين بصدوره عن المعصوم إلا إذا اقترن بما يدل على ذلك، والكثير منه أو الأكثر غير مقترن، فكان لابد من دراسة سنده أي طريقه الذي وصل به إلينا للتأكد والتوثق من صحة صدوره عن المعصوم، فوضع العلماء ما يعرف بـ (علم الرجال) و (علم الحديث) لهذه الغاية.
وفي ضوئه عُدَّ درس وتعلم علمي الحديث والرجال من مقدمات وأساسيات الدرس الفقهي، وبخاصة في مجال الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية الفرعية من السنة الشريفة.
علاقته بالعلوم الشرعية
أعني بالعلوم الشرعية هنا العلوم الاسلامية التي تسهم في عملية الاجتهاد الشرعي واستنباط الاحكام من السنة الشريفة، وهي:
ـ علم الرجال.
ـ علم أصول الفقه.
ـ علم الفقه.
١ ـ علاقته بعلم الرجال:
قلت ـ فيما سبقه ـ إن علم الحديث يشترك مع علم الرجال في دراسة السند، ويختلفان في الحيثية أو الموضوع الذي يتناوله كل منهما، فعلم الرجال يدرس أحوال الرواة من حيث الوثاقة وعدم الوثاقة، وهو بهذا يهيئ لعلم الحديث الجزئيات التي يطبق عليها قواعده الكلية.
وذلك أننا عندما نريد أن نقيّم حديثا معينا من جهة السند نرجع إلى كتب الرجال، ونتعرف أحوال رجال سند هذا الحديث المعين، فإن كانوا جميعا ـ مثلا ـ من الاماميين العدول، فالسند من نوع الحديث الصحيح ببركة تطبيق القاعدة التي أفدناها من علم الحديث، وهي أن كل سند كان جميع رواته اماميين عدولا هو سند صحيح.
ولو أردنا أن ندخل هذا في قياس منطقي من الشكل الأول نقول:
هذا السند رجاله إماميون عدول + وكل سند رجاله إماميون عدول سند صحيح = فهذا سند صحيح.
ثم نؤلف قياساً آخر ومن الشكل الأول أيضا لاثبات اعتباره وحجيته التي أفدناها من علم أصول الفقه ـ كما سيأتي ـ فنقول:
هذا سند صحيح + وكل سند صحيح سند معتبر = فهذا سند معتبر.
فالعلاقة بين علم الرجال وعلم الحديث تقوم على أساس من أن علم الرجال يهيئ الجزئيات بتعريفه الرواة وتقييمه لهم من حيث الوثاقة واللا وثاقة لعلم الحديث فيقوم علم الحديث بتطبيق كلياته عليها، فيعرف ببركة هذا التطبيق مدى اعتبار الرواية من حيث السند ومدى عدم اعتبارها.
ولنأخذ مثالا لذلك: رواية الشيخ الكليني في (الكافي) ـ باب فضل المعروف ـ وهي:
)علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن معاوية بن عمار: قال أبو عبد الله (عليه السلام) اصنع المعروف إلى كل أحد فإن كان أهله وإلا فأنت أهله(.
فإننا لمعرفة مستوى هذه الرواية نرجع أولا إلى كتب الرجال لنعرف قيمة كل راو من رواة سند هذه الرواية الشريفة، وكالتالي:
١ ـ علي بن إبراهيم القمي: إمامي عادل (انظر: رجال النجاشي(.
٢ ـ إبراهيم بن هاشم القمي: إمامي عادل (انظر: معجم رجال الحديث للخوئي).
٣ ـ محمد بن أبي عمير: إمامي عادل (انظر: رجال النجاشي).
٤ ـ معاوية بن عمار الدهني: إمامي عادل (انظر: رجال النجاشي(.
وبعد رجوعنا إلى كتب الرجال ننتهي إلى النتيجة التالية، وهي: أن جميع رواة هذه الرواية هم إماميون عدول.
ونرجع ثانياً إلى علم الحديث لنرى أن هناك قاعدة من قواعده تقول: إن السند إذا كان جميع رواته إماميين عدولا فهو صحيح معتبر.
وبتطبيق هذه القاعدة على سند الرواية المذكورة تكون الرواية من حيث سندها من نوع الحديث الصحيح.
٢ ـ علاقته بعلم أصول الفقه:
في علم أصول الفقه يُبحث عن حجية مصادر التشريع الاسلامي وكيفية الاستدلال بها لاستفادة الحكم الشرعي منها.
ومن هذه المصادر السنة الشريفة، وتتمثل السنة في الحديث الشريف.
والحديث ـ كما يذكر في أصول الفقه ويحرر ـ على نوعين:
١ ـ ما هو مقطوع بصدوره عن المعصوم، وهو الخبر المتواتر، وخبر الواحد المقترن بما يفيد القطع بصدوره عن المعصوم.
٢ ـ ما هو مظنون الصدور عن المعصوم.
ولإثبات أن الحديث سنة يستدل بها ويحتج لابد من إثبات حجية القطع وحجية الظن المشار إليهما.
وهذا لا نفيده إلا من أصول الفقه لتكفله بذلك.
ونحن ـ هنا ـ لو رجعنا إلى الرواية السابقة ـ كمثال ـ وهي خبر واحد غير مقترن بما يفيد القطع بصدوره عن المعصوم، وأقصى ما يفيده هو الظن بصدوره عن المعصوم.
وقد ثبت في علم أصول الفقه أن خبر الآحاد المظنون الصدور حجة يستدل به ويعتمد عليه، تكون هذه الرواية مما يعتمد عليه، وتعتبر دليلا يحتج به.
وإذا أردنا أن نؤلف قياسا منطقيا من الشكل الأول نقول: هذه الرواية خبر واحد مظنون الصدور + وكل خبر واحد مظنون الصدور حجة = فهذه الرواية حجة.
فالعلاقة بين علم الحديث وعلم أصول الفقه تقوم على أساس من تطبيق قواعد أصول الفقه على قواعد الحديث التي هي بمثابة جزئيات ومصاديق لها.
ونحن ـ هنا ـ نتدرج من علم الرجال إلى علم الحديث فعلم أصول الفقه.
ففي علم الرجال نثبت قيمة الرواة.
وفي علم الحديث نثبت قيمة الرواية.
وفي علم أصول الفقه نثبت حجية الرواية.
٣ ـ علاقته بعلم الفقه:
ومما تقدم نتبين ـ وبوضوح ـ علاقة علم الحديث بعلم الفقه في مجال تطبيق الاجتهاد واستخدام عملية الاستنباط، إذ هو ـ أعني علم الفقه ـ المرحلة الأخيرة التي ينطلق منها المجتهد لمعرفة الحكم الشرعي، ذلك أنه بعد ثبوت حجية الرواية وصلاحيتها للاستدلال بها يعتمدها الفقيه مصدرا تشريعيا يفيد منه الحكم المطلوب في ضوء ما لديه من وسائل علمية أخرى يستخدمها في معرفة دلالتها.
نشأته وتطوره
إن أقدم وثيقة علمية في الفكر الحديثي هي ما رواه الشيخ الكليني في كتاب (الكافي): عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن اليماني عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي: قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام): إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن، وأحاديث عن نبي الله غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله (صلّى الله عليه وآله)، أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم؟!…
قال: فأقبل (عليه السلام) عليَّ فقال: قد سألت فافهم الجواب: إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً، وقد كذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على عهده حتى قام خطيبا فقال:( أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)، ثم كذب عليه من بعده.
وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:
١ ـ رجل منافق يظهر الإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) متعمداً.
فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ورآه وسمع منه فيأخذون عنه وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم} [المنافقون: 4]، ثم بقوا بعده (صلّى الله عليه وآله) فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان، فولوهم الأعمال، وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله… فهذا أحد الأربعة.
٢ ـ ورجل سمع من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيئاً لم يحمله على وجهه، ووهم فيه، ولم يتعمد كذباً، فهو في يده، يقول به، ويعمل به، ويرويه فيقول: أنا سمعته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
فلو علم المسلمون أنه وَهَمَ لم يقبلوه، ولو علم هو أنه وهم لرفضه.
٣ ـ ورجل ثالث سمع من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيئا أمر به، ثم نهى عنه، وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ، ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ.
فلو علم أنه منسوخ لرفضه ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.
٤ ـ وآخر رابع لم يكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، مبغض للكذب خوفاً من الله، وتعظيماً لرسوله (صلّى الله عليه وآله)، لم ينسه، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع، لم يزد فيه ولم ينقص، وعلم الناسخ والمنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فإن أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) مثل القرآن، ناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الكلام له وجهان: كلام عام وكلام خاص مثل القرآن، وقال الله تعالى في كتابه: {ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، فيشتبه على من لا يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله (صلّى الله عليه وآله).
ليس كل أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان يسأله عن الشئ فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه، حتى إن كانوا ليحبون أن يجيء الأعرابي والطارئ فيسأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى يسمعوا([3]).
وقد كانت هذه الرواية الشريفة المنطلق الواعي لتدارس الفكر الحديثي وتوالده.
ومما يعدّ من الفكر الحديثي، ومن بداياته الرائدة ما وضعه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من مبادئ عامة للتعامل مع المرويات من الأحاديث.
ـ قال (عليه السلام): اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية، فإن رواة العلم كثير، ورعاته قليل.
ـ وقال (عليه السلام): إذا سمعتم من حديثنا ما لا تعرفونه فردوه إلينا، وقفوا عنده، وسلموا، حتى يتبين لكم الحق، ولا تكونوا مذاييع عجلى([4]).
وقد يعدّ في التأليف الحديثي المبكر ما ذكره ابن النديم في (الفهرست ص ٣٠٨) من أن أبان بن تغلب الكوفي المتوفى سنة ١٤١ هـ كان له كتاب بعنوان (الأصول في الرواية على مذهب الشيعة).
ومن الفكر الحديثي الذي يعود إلى هذه الحقبة المتقدمة من الزمن:
ما رواه محمد بن مسلم الطائفي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اسمع الحديث منك، فأزيد وأنقص قال: إن كنت تريد معانيه فلا بأس.
ـ ما رواه زرارة، قال: يأتي عنكم الخبران ـ أو الحديثان ـ المتعرضان فبأيهما نأخذ؟
قال: خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر.
قلت: فإنهما معا مشهوران.
قال: خذ بأعدلهما عندك، وأوثقهما في نفسك.
ومن المؤلفات الأولى في فكر الحديث كتاب (اختلاف الحديث) لمحمد بن أبي عمير الأزدي المتوفى سنة ٢١٧هـ.
ومما يرتبط بتاريخ أصول الحديث: التأليف في رجال الحديث، ومن أقدمه:
١ ـ كتاب الرجال، عبد الله بن جبلة الكناني (ت ٢١٩هـ).
٢ ـ كتاب المشيخة، الحسن بن محبوب (ت ٢٢٤هـ).
٣ ـ كتاب الرجال، الحسن بن فضال (ت ٢٢٤هـ).
٤ ـ كتاب الرجال، علي بن الحسن بن فضال.
٥ ـ كتاب الرجال، محمد بن خالد البرقي.
وأيضاً مما يرتبط بتاريخ أصول الحديث تأليف الجوامع الحديثية الأصول (الكتب الأربعة) وذلك لاحتوائها على عدة من القواعد في هذا العلم أمثال:
ـ قاعدة الترجيح بين الخبرين المتعارضين.
ـ قاعدة الجرح والتعديل.
هذه، وأمثالها مما مهد وساعد على دخول الفكر الحديثي عالم الفكر الأصولي.
ومن أقدم ما قرأناه من فكر هذا العلم في كتب أصول الفقه ما بحثه الشيخ المفيد (ت ٤١٣هـ) في كتابه الموسوم بـ (أصول الفقه) ـ وهو أقدم كتاب أصولي وصل إلينا ـ، فقد عقد فيه مبحثا بعنوان (الخبر)، ذكر فيه أقسامه، وبحث حجيته واعتباره، قال في ص ٤٠ ـ ٤١ ما نصه: (والحجة في الأخبار ما أوجبه العلم من جهة النظر فيها بصحة مخبرها ونفي الشك فيه والارتياب).
وكل خبر لا يوصل بالاعتبار إلى صحة مخبره فليس بحجة في الدين، ولا يلزم به عمل على الحال.
والأخبار التي يجب العلم بالنظر فيها على ضربين:
أحدهما: التواتر المستحيل وروده بالكذب من غير تواطؤ على ذلك، أو ما يقوم مقامه في الاتفاق.
والثاني: خبر واحد يقترن إليه ما يقوم المتواتر بالبرهان على صحة مخبره، وارتفاع الباطل منه والفساد. والتواتر الذي وصفناه ما جاءت به الجماعات البالغة في الكثرة والانتشار إلى حد قد منعت العادة من اجتماعهم على الكذب بالاتفاق، كما يتفق الاثنان أن يتواردا بالارتجاف.
وهذا حد يعرفه كل من عرف العادات.
وقد يجوز أن تَرِدْ جماعة دون من ذكرناه في العدد بخبر يعرف من شاهدهم بروايتهم، ومخارج كلامهم، وما يبدو في ظاهر وجوههم، ويبين من تصورهم أنهم لم يتواطؤوا لتعذر التعارف بينهم والتشاور، فيكون العلم بما ذكرناه من حالهم دليلاً على صدقهم ورافعاً للإشكال في خبرهم، وإن لم يكونوا في الكثرة على ما قدمناه.
فأما خبر الواحد القاطع للعذر فهو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالناظر فيه إلى العلم بصحة مخبره.
وربما كان الدليل حجة من عقل.
وربما كان شاهداً من عرف.
وربما كان إجماعاً بغير خلف.
فمتى خلا خبر واحد من دلالة بها على صحة خبره فإنه ـ كما قدمناه ـ ليس بحجة، ولا موجب علما، ولا عملا على كل وجه).
ومن بعد أصول المفيد تناول تلميذه الشريف المرتضى (الأخبار) في كتابه (الذريعة إلى أصول الشريعة)، فبحث في هذا الباب الذي عنونه بـ (باب الكلام في الأخبار)، وقسّمه إلى الفصول التالية:
ـ فصل في حد الخبر وفهم أحكامه.
ـ فصل في إفادة خبر الواحد العلم.
ـ فصل في أقسام الخبر.
ـ فصل في جواز التعبد بالخبر.
ـ فصل في صفة المتحمل المخبر والمتحمل عنه وكيفية ألفاظ الرواية.
ـ وما يتعلق بهذه.
ونقرأ في كتاب (معارج الأصول) للمحقق الحلي (ت ٦٧٦هـ) باباً خاصاً في الأخبار، عقده في مقدمة وفصول:
ـ الفصل الأول: في المتواتر من الأخبار.
ـ الفصل الثاني: في خبر الواحد.
ـ الفصل الثالث: في مباحث متعلقة بالمخبر.
ـ الفصل الرابع: في مباحث متعلقة بالخبر.
ـ الفصل الخامس: في التراجيح بين الأخبار المتعارضة.
ويذكر تاريخياً أن السيد أحمد بن موسى بن طاووس الحلي (ت ٦٧٣هـ) المعاصر للمحقق الحلي وصاحب كتاب (حل الاشكال في معرفة الرجال) أول من نوع التنويع الرباعي المعرف للأخبار: (الصحيح، الحسن، الموثق، الضعيف).
ولعله لما أثير من النقد ـ قبولا ورفضا ـ حول هذا التنويع كان الحافز للتدوين المستقل في أصول الحديث.
التأليف فيه
وأقدم مؤلف إمامي في هذا العلم أشير إليه هو كتاب (شرح أصول دراية الحديث) للسيد علي بن عبد الكريم بن عبد الحميد النجفي النيلي تلميذ العلامة الحلي، من علماء القرن الثامن الهجري.
ولعله تأثر بما ذكره وأثاره السيد أحمد بن طاووس الذي هو أستاذ أستاذه العلامة الحلي.
وفي القرن العاشر الهجري كانت مؤلفات الشيخ زين الدين العاملي الشهيد الثاني (ت ٩٦٦هـ)، والتي بها استقر تدوين هذا العلم، وعنها نهل من جاء بعده.
وقد يكون لكتاب (حل الاشكال في معرفة الرجال) للسيد ابن طاووس تأثير على ما ألفه الشهيد الثاني، فقد ذكر أن نسخة خط المؤلف ابن طاووس كانت عند الشهيد الثاني.
وقد يكون لتلمذة ومزاملة الشهيد الثاني لعلماء من أهل السنة في الشام وغيرها، تأثير آخر، وبخاصة في الجانب الفني.
أشهر مؤلفاته
ومؤلفات الشهيد الثاني في علم الحديث هي:
١ ـ البداية في علم الدراية = بداية الدراية، طبع مع شرحه في طهران سنة ١٣١٠هـ.
٢ ـ الرعاية في علم الدراية = شرح البداية، فرغ من تأليفه سنة ٩٥٩هـ. وطبع في أولى طبعاته مع أصله سنة ١٣١٠هـ.
٣ ـ غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدثين، (ألمح إليه في خاتمة شرح البداية، وقال: من أراد الاستقصاء فيها مع ذكر الأمثلة الموضحة لمطالبه فعليه بكتابنا (غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدثين) فإنه قد بلغ في ذلك الغاية)([5]).
ثم توالت التواليف بعدها، ومما هو مشهور منها ومطبوع:
٤ ـ وصول الأخبار إلى أصول الأخبار، للشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي (ت ٩٨٤هـ).
٥ ـ الوجيزة في علم الدراية، للشيخ بهاء الدين العاملي (ت ١٠٣٠هـ).
٦ ـ الرواشح السماوية، للسيد الداماد (ت ١٠٤١هـ).
٧ ـ جامع المقال فيما يتعلق بأحوال الحديث والرجال، للشيخ فخر الدين الطريحي (ت ١٠٨٥هـ).
٨ ـ مقباس الهداية في علم الدراية، الشيخ عبد الله المامقاني (ت ١٣٥١هـ) طبع في النجف سنة ١٣٤٥هـ، ثم طبع بتحقيق حفيد المؤلف الشيخ محمد رضا المامقاني بيروت سنة ١٤١١هـ.
٩ ـ نهاية الدراية (شرح وجيزة البهائي) للسيد حسن الصدر (ت ١٣٥٤هـ)، طبع في الهند سنة ١٣٢٤ وفي صيدا سنة ١٣٣١هـ.
١٠ ـ دراسات في الحديث والمحدثين، للسيد هاشم معروف (ت ١٤٠١هـ).
١١ ـ قواعد الحديث، للسيد محي الدين الغريفي (ت ١٤١٢هـ).
١٢ ـ أصول الحديث أحكامه في علم الدراية، الشيخ جعفر السبحاني، طبع في قم سنة ١٤١٢هـ.
المصطلحات العامة
تناول علماء الحديث بعض المصطلحات العامة في هذا العلم، ببيان معانيها في اللغة العربية، وفي اصطلاح علماء هذا العلم.
الحديث. الخبر. الأثر:
ومما بحثوه: الحديث والخبر والأثر، وذكروا ما بينها من علاقات دلالية. وخلاصة ما ذكروه في العلاقة بين الحديث والخبر هي:
١ ـ أن الحديث والخبر مترادفان على معنى واحد، وهو: الكلام الذي يكون لنسبته خارج في أحد الأزمنة، سواء طابق نسبته الخارجية أم لم يطابقها.
وهو التعريف المنطقي للخبر.
وهو ـ هنا ـ عام يشمل قول النبي والإمام والصحابي والتابعي وغيرهم.
٢ ـ إن الحديث خاص بما جاء عن المعصوم، والخبر عام يشمل ما جاء عن المعصوم وغيره.
فالنسبة بينهما عموم وخصوص من مطلق، إذ كل حديث خبر، وليس كل خبر حديث، وإنما بعض الخبر حديث.
٣ ـ إن الحديث والخبر متباينان في معناهما، ذلك أن الحديث خاص بما جاء عن المعصوم، والخبر خاص بما جاء عن غيره.
وقالوا في العلاقة بين الحديث والخبر والأثر:
١ ـ الحديث ما جاء عن المعصوم.
والأثر ما جاء عن الصحابي.
والخبر يطلق على الأعم منهما، أي أنه يطلق على ما جاء عن المعصوم، وعلى ما جاء عن الصحابي، وعلى ما جاء عن غيرهما من سائر الناس.
٢ ـ إن الأثر أعم من الخبر والحديث.
حيث أن الحديث خاص بما روي عن المعصوم، والخبر خاص بما روي عن غير المعصوم، والأثر يطلق على ما يروى عن المعصوم، وما يروى عن غير المعصوم، فهو أعم منهما مطلقاً.
٣ ـ إن الأثر مساو للخبر في جميع دلالاته على اختلافها.
والذي يبدو أن هذا الاختلاف في الدلالات المذكورة جاء من الخلط الذي وقع فيه اللغويون المعجميون عند تعاملهم مع الألفاظ ودلالاتها حيث لم يفرقوا فيما ذكروه في معاجمهم بين المستوى اللغوي لاستعمال الألفاظ والمستوى العلمي، والمطلوب منهجيا هو التفرقة بين هذين المستويين.
ونحن ـ هنا ـ إذا حاولنا تسليط الضوء على واقع هذه المصطلحات الثلاثة من خلال استخدامها على ألسنة المحدثين والفقهاء، وفي كتاباتهم، أي من خلال دراستنا للمستوى العلمي لها، لرأيناها تستعمل جميعاً في معنى واحد هو حكاية السنّة في أنماطها الثلاثة: القول والفعل والامضاء (التقرير).
وذلك لأنها مأخوذة من قولهم (حدث فلان) أو (حدثني فلان) و (أخبر فلان) أو (خبر فلان) أو (المأثور عن فلان) و (أثر عن فلان).
أقول هذا، لأننا عندما نقول: هذا مصطلح من مصطلحات علم الحديث، نعني أن علماء هذا العلم هم الذين حددوا له معناه العلمي (الاصطلاحي).
والطريق السليم لمعرفة هذا هو ملاحظة ومتابعة استعمالهم للفظ المصطلح في لغتهم العلمية.
ومن خلال الاستقراء لاستخدام هذه الكلمات الثلاث في لغة المحدثين والفقهاء من أصحابنا الاماميين نجدها جميعا تستعمل في الحكاية عن السنة الشريفة.
وإذا أريد استعمالها في غير هذا في لغتهم العلمية تقيد بما يدل على المراد.
فالحديث، وكذلك الخبر، ومثلهما الأثر، تدل على معنى واحد هو السنّة.
فهي قد تحكي قول المعصوم، وقد تخبر عن فعله أو إمضائه (تقريره).
وعليه، لسنا بحاجة إلى ذكر ما ذكروه.
وفيما ذكره أصحابنا المؤلفون من الإمامية خلط بين مفاهيم علم الحديث عندنا ومفاهيم علم الحديث عند أهل السنة، ذلك أنه قد أثر عن بعضهم اعتبار قول الصحابي من السنة ـ ولعل الشاطبي في (الموافقات) أشهر من قال بهذا واستدل له ـ فمن هنا جاءت التفرقة عند بعضهم بين الأثر حيث يختص باطلاقه ـ كمصطلح علمي ـ على سنة الصحابة، والحديث حيث يختص باطلاقه على سنة النبي (صلّى الله عليه وآله).
أما نحن الذين لا نقول بسنية قول الصحابي لا نكون بحاجة إلى ذكر هذا الفرق.
الرواية
الرواية ـ في اللغة العربية ـ تعني النقل: وفي مصطلح المحدثين تعني نقل الحديث بالإسناد.
هذا إذا أريد منها المصدر.
وإذا أريد منها اسم المفعول فتعني الحديث المنقول بالإسناد.
وقد يراد بها مطلق الحديث مسندا أو غير مسند.
وتطلق في كتب الفقه الاستدلالي، وبخاصة عند متأخري المتأخرين من فقهاء الإمامية كالشيخ محمد حسن النجفي والشيخ يوسف البحراني والسيد محسن الحكيم والشيخ حسين الحلي والسيد علي شبر والسيد أبي القاسم الخوئي على ما يقابل الحديث الصحيح والحسن والموثق من أقسام الحديث الأربعة، مما يشير إلى عدم تصحيحها لديهم أو تحسينها أو توثيقها.
يرجع للوقوف على هذا إلى كتبهم الاستدلالية كالجواهر والحدائق والمستمسك والدليل والعمل الابقى والتنقيح وغيرها.
الراوي والرواية
كلمة (الراوي) من الألفاظ المستعملة عند العرب على المستوى الثقافي في حامل الشعر وناقله، فقد ذكر تاريخياً أن لكل شاعر عربي من شعراء الجاهلية المعروفين راوياً يحفظ شعره عن ظهر قلب، وينقله إلى الآخرين.
ومنه عرفت في أوساطهم الثقافية رواية الشعر، وقد انسحب هذا على رواية الحديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله) فأطلقوا على من يرويه عنه (صلّى الله عليه وآله) اسم (الراوي).
ومن هنا قالوا في تعريفهم للراوي ـ معجمياً ـ: (راوي الحديث أو الشعر: حامله وناقله، وجمعه: راوون ورواة).
والراوية: هو من كثرت روايته.
والتاء فيه للمبالغة مثلها في علامة وفهامة.
مصادر الحديث
رواية الحديث
سلك المسلمون العرب في رواية الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) طريقين، هما: الرواية الشفوية والرواية التحريرية.
١ ـ الرواية الشفوية:
وهي الظاهرة المعروفة لديهم في حمل الثقافة ونقلها. ورواية الشعر في العصر الجاهلي وعصر صدر الاسلام أجلى مصاديق هذه الظاهرة.
وتعتمد هذه الظاهرة (أعني الرواية الشفوية): على دعامتين أساسيتين هما: السماع والحفظ.
سماع الحديث من المتحدث ثم استظهاره وحفظه عن ظهر قلب.
ولأن الحديث النبوي (السنة النبوية الشريفة) كان يشمل ـ بالإضافة إلى القول الذي يعتمد فيه على السماع ـ الفعل والتقرير، أي أفعال النبي (صلّى الله عليه وآله) غير القولية وإمضاءاته أو إقراراته لأفعال الآخرين.
ولأن هذه لا تدخل في نطاق ما يدرك عن طريق السمع تقوم المشاهدة والمعاينة مقام السماع، ويقوم البصر مقام السمع.
ففي الحالة الأولى ـ وهي حكاية أقوال النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ يقول الراوي: (سمعت رسول الله يقول…)، أو يقول: (قال رسول الله…).. وإلخ.
وفي الحالة الثانية ـ وهي الإخبار عن الفعل أو التقرير ـ يقول الراوي: (رأيت رسول الله يفعل كذا) أو (رأيته أقر فلانا على فعل كذا) أو (فعل فلان أمام رسول الله كذا ولم ينكر عليه).. وإلخ.
فالرواية من قبل الراوي الأول وهو الذي يروي السنة الشريفة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مباشرة من دون أن يكون بينه وبين رسول الله واسطة، تعتمد الحس (السمع أو البصر و (الاستظهار).
هذا في حالة حمل السنة الشريفة وتحملها.
وفي حالة نقلها إلى الآخرين فتعتمد النقل الشفوي أي القول شفاهاً.
٢ ـ الرواية التحريرية:
وهي أن يكتب الراوي أقوال الرسول (صلّى الله عليه وآله) وافعاله وتقريراته.
ويعتبر هذا التدوين أو تلك الكتابة حملا للسنة الشريفة وتحملا لها.
وإذا أراد أن ينقلها فقد يعتمد في نقلها إلى الآخرين الرواية الشفوية، وقد يعتمد الرواية التحريرية بأن يسلمه ما كتبه، أو ينسخه له.
ولأن ظاهرة الكتابة والتدوين لم تكن من الشيوع والانتشار عند العرب بمستوى ظاهرة الرواية الشفهية كان اعتماد المحدثين من الصحابة على الرواية الشفهية أكثر منه على الرواية التحريرية.
تدوين الحديث
ومع هذا فقد ذكر تاريخيا وثبت عند علماء الحديث من أهل السنة أن بعض الصحابة كتب حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على عهده، وأقر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذا الفعل منهم بما يعد سنّة شريفة يستفاد منها جواز كتابة الحديث وتدوينه.
ومما اشتهر من هذا:
١ ـ الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص.
٢ ـ الصحيفة الصحيحة برواية همام بن منبه عن أبي هريرة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
٣ ـ صحيفة سمرة بن جندب.
٤ ـ صحيفة سعد بن عبادة الأنصاري.
٥ ـ صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري.
ونلمس إقرار النبي (صلّى الله عليه وآله) لكتابة حديثه على عهده، ونعرف موقفه من هذا مما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (ص) فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شئ سمعته من رسول الله (ص)، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق)([6]).
وهذه الرواية كما تعرب عن أن رسول الله (ص) أجاز الكتابة عنه وجوزها، وردَّ التهمة التي وجهت إليه من قريش، تشير إلى أن هناك من الصحابة من نهى عن كتابة حديث رسول الله (ص) على عهده.
وقد اشتهر هذا النهي أو المنع عن الخليفة عمر بن الخطاب، (وأرجع الحافظ ابن حجر هذا (المنع) إلى أمرين:
الأول: أنهم (يعني الصحابة) كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك ـ كما ثبت في صحيح مسلم ـ خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن)([7]).
)وقد أخرج الهروي في كتاب ذم الكلام من طريق الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أراد أن يكتب السنن، واستشار فيها أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأشار عليه عامتهم بذلك، فلبث عمر شهرا يستخير الله في ذلك شاكا فيه، ثم أصبح يوما وقد عزم الله تعالى له، فقال: (إني كنت ذكرت لكم في كتابة السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت فإذا أناس من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبا، فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني ـ والله ـ لا ألبس كتاب الله بشئ) فترك كتاب السنن)([8]).
وواضح من النص المذكور في أعلاه أن هذا كان اجتهادا من عمر، تأثر فيه بواقع اليهود وموقفهم من التوراة، لا أنه ـ كما قيل ـ اعتمد النهي المروي عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، لأنه لم يشر إليه، والقصة المذكورة تدل ـ وبوضوح ـ على أنه اجتهد رأيه.
إلا أنه ـ كما ترى ـ اجتهاد في مقابلة النص الآمر بالكتابة.
ومع أنه اجتهاد وفي مقابلة النص كان يصر عليه وكتب به إلى الأمصار، فقد (روي عن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب إلى الأمصار: من كان عنده شئ فليمحه)([9]).
ويبدو أن عمر كان على معرفة باللغة العبرية، فقد ذكر أنه بعد أن قرر قراره المذكور بالمنع من كتابة الحديث جمع ما في أيدي الصحابة من الحديث المكتوب على مدى شهر، ثم أحرقه، وقال: (مشناة كمشناة أهل الكتاب).
والمشناة هي نص التلمود اليهودي، ذلك أن التلمود ـ وهو مجموعة الشرائع اليهودية التي نقلت شفويا مقرونة بتفاسير رجال الدين ينقسم إلى قسمين: المشنة وهي النص، والجمارة وهي التفسير.
ولو كان النهي عن الكتابة ـ كما ذكر ـ صادرا من النبي (صلّى الله عليه وآله) لما أقدم الذين أقدموا من الصحابة على الكتابة، ومنهم علي والحسن، ولما أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) عبد الله بن عمرو بن العاص بالكتابة، وكذلك لما أمر أن يكتب لأبي شاة، ولتمسك عمر بن الخطاب بهذا النهي.
كل هذا يدل على أن عمر كان قد اجتهد رأيه في المسألة، ولم يستند فيها إلى نص.
ويبدو لي أن هذا كان منه لئلا ينتشر فضل أهل البيت من خلال نشر الحديث، ولئلا يبين حق علي في الخلافة عن طريق حديث الغدير وأمثاله.
يقول السيد هاشم معروف في كتابه “دراسات في الحديث والمحدثين ٢١ – ٢٢ ” : ) وجاء عنه (يعني عمر) أنه لمّا حدّث أُبيّ بن كعب عن بيت المقدس، وأخباره، وانتهره عمر بن الخطاب، وهمَّ بضربه، فاستشهد أُبيُّ بجماعة من الأنصار، ولما شهدوا بأنهم سمعوا الحديث من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تركه، فقال له أبي بن كعب: أتتهمني على حديث رسول الله؟! فقال: يا أبا المنذر، والله ما اتهمتك، ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً.
إلى غير ذلك من المرويات الكثيرة التي تؤكد أن الخليفة لم يعتمد على الرسول في منعه عن التدوين، وأنه قد تفرد بهذا التصرف حرصاً على كتاب الله.
ولكن الرواية التي تنص على أنه قد انتهر أبي بن كعب لما حدث عن بيت المقدس، وقوله فيها: (إني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً).. هذه الرواية تدل على أنه كان حريصاً على أن لا ينتشر الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، مع العلم بأن حديث الرسول مكمل للتشريع، ومبين لمجملات القرآن، ومخصص لعموماته ومطلقاته، وقد تكفل لكثير من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والتربوية.
ولو تقصينا الأسباب التي يمكن افتراضها لتلك الرغبة الملحة في بقاء السنة في طي الكتمان لم نجد سببا يخوله هذا التصرف، ولا نستبعد أنه كان يتخوف من اشتهار أحاديث الرسول في فضل علي وأبنائه (عليهم السلام).
ويؤكد ذلك ما رواه عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: أن علقمة جاء بكتب من اليمن أو مكة تحتوي على طائفة من الأحاديث في فضل أهل البيت (عليهم السلام)، فاستأذنا على عبد الله بن معسود، فدخلنا عليه، ودفعنا إليه الكتب، قال: فدعا الجارية ثم دعا بطشت فيه ماء، فقلنا له: يا عبد الله انظر فيها، فإن فيها أحاديث حسانا، فلم يلتفت، وجعل يميثها في الماء، ويقول {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) [يوسف: 3]، القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن.
وعبد الله بن مسعود كان منحرفا عن علي (عليه السلام)، ويساير المنحرفين عنه، كما تؤكد ذلك النصوص التاريخية).
تدوين الحديث عند أهل السنة
وقد استمرت هذه الحالة عند أهل السنة أخذاً باجتهاد عمر بن الخطاب حتى خلافة عمر بن عبد العزيز الأموي، وحيث انتهى آخر جيل من الصحابة، بدأوا يكتبون الحديث وبأمر عمر بن عبد العزيز.
ومرّت الكتابة عندهم بمراحل ثلاث: مرحلة الجمع، ومرحلة المسانيد، ومرحلة الصحاح.
١ ـ مرحلة الجمع:
(يقول أبو نعيم في الحلية: قام كبار أهل الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني فدونوا الأحكام.
فصنف الإمام مالك (الموطأ) وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم.
وصنّف ابن جريج بمكة، والأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن أبي سليمان بالبصرة، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وابن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري.
وكان هؤلاء في عصر واحد فلا يدرى أيهم أسبق.
ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم)([10]).
٢ ـ مرحلة المسانيد:
وهي التي أفردت فيها أحاديث النبي (صلّى الله عليه وآله) من سواها.
(يقول ابن حجر في (فتح الباري): رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي (صلّى الله عليه وآله) خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسنداً، وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسنداً، وصنف أسد بن موسى الأموي مسنداً، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسنداً.
ثم أقتفي الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقلَّ إمام من الحفاظ إلاّ وصنف حديثه على المسانيد كالإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن شيبة، وغيرهم من النبلاء)([11]).
٣ ـ مرحلة الصحاح:
وهي مرحلة إفراد الصحيح من حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من غير الصحيح مما روي عنه.
(وأول من اتجه هذا الاتجاه البخاري، يقول أبن حجر: ولما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها وجدها جامعة للصحيح والحسن، والكثير منها يشمله التضعيف، فحرك همته لجمع الحديث الصحيح، وقوى همته لذلك ما سمعه من أستاذه إسحاق بن راهويه حيث قال لمن عنده والبخاري فيهم: (لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)…)، قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح)([12]).
وأهم وأشهر كتب الحديث عند أهل السنة هي:
١ ـ موطأ الإمام مالك بن أنس.
٢ ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل.
٣ ـ الجامع الصحيح لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦هـ).
٤ ـ الجامع الصحيح لمسلم بن الحجاج القشيري (ت ٢٦١هـ).
٥ ـ السنن لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥هـ).
٦ ـ السنن لمحمد بن عيسى الترمذي (ت ٢٧٩هـ).
٧ ـ السنن لأحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٢هـ).
٨ ـ السنن لمحمد بن يزيد بن ماجة القزويني (ت ٢٧٣هـ).
هذا عند الصحابة القائلين بالمنع ومن تبعهم من أهل السنة وهم جمهورهم.
تدوين الحديث عند أهل البيت
أما عند أهل البيت فالأمر كان على العكس حيث التزموا سنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فدنوا الحديث وكتبوه في الصحف الصغيرة، والكتب الكبيرة الجامعة.
ورواية الكليني المتقدمة تعطينا صورة واضحة عن هذا، فقد جاء في آخرها قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (وقد كنت أدخل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كل يوم دخلة، وكل ليلة دخلة، فيخليني فيها، أدور معه حيث دار، وقد علم أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، فربما كان في بيتي يأتيني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أكثر ذلك.
وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عني نساءه فلا يبقى عنده غيري، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم يقم عني فاطمة ولا أحداً من بني.
وكنت إذا سألته أجابني، وإذا سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني.
فما نزلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) آية من القرآن إلا أقرأنيها أو أملاها علي فكتبتها بخطي، وعلمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصها وعامها.
ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله تعالى، ولا علما أملاه علي وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك شيئا علمه الله من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي كان أو يكون، ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته فلم أنس حرفاً واحداً.
ثم وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علما وفهما وحكما ونورا، فقلت: يا رسول الله ـ بأبي أنت وأمي ـ منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئا، ولم يفتني شئ لم أكتبه، أفتتخوف علي النسيان فيما بعد، فقال: لا، لست أتخوف عليك النسيان والجهل)([13]).
وأول كتاب كتب في حديث أهل البيت (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو (كتاب علي).
وقد ورد ذكره بالإشارة إليه والنقل عنه في كتب الرجال والفهارس والحديث والفقه وغيرها.
قال عنه شيخنا الطهراني بعنوان (أمالي سيدنا ونبينا أبي القاسم رسول الله ـ ص ـ) :(أملاه على أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو كتبه بخطه الشريف).
هذا أول كتاب كتب في الاسلام من كلام البشر من إملاء النبي (صلّى الله عليه وآله) وخط الوصي (عليه السلام).
وهو كتاب مدرج عظيم يفتح ويقرأ منه على ما ترشدنا إليه أحاديث أهل البيت (عليهم السلام).
نتيمن بذكر حديث واحد منها، رواه النجاشي في كتابه في ترجمة محمد بن عذافر بإسناده إلى عذافر بن عيسى الصيرفي، قال: كنت مع الحكم بن عيينة عند أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، فجعل يسأله الحكم، وكان أبو جعفر له مكرما، فاختلفا في شئ، فقال أبو جعفر: يا بني قم فأخرج كتاب علي (عليه السلام)، فأخرج كتابا مدرجا عظيما، ففتحه، وجعل ينظر حتى أخرج المسألة، فقال أبو جعفر (عليه السلام): هذا خط علي وإملاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأقبل على الحكم، وقال: يا أبا محمد إذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل. انتهى.
وقطعة من هذا (الأمالي) موجودة بعينها حتى اليوم في كتب الشيعة ـ وذلك من فضل الله تعالى ـ أوردها الشيخ أبو جعفر بن بابويه الصدوق في المجلس السادس والستين من كتاب أماليه، وهي مشتملة على كثير من الآداب والسنن وأحكام الحلال والحرام، يقرب من ثلاثمائة بيت، رواها بإسناده إلى الإمام الصادق (عليه السلام) بروايته عن آبائه الكرام، وقال الصادق في آخره: إنه جمعه من الكتاب الذي هو إملاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخط علي بن أبي طالب (عليه السلام))([14]).
تدوين الحديث عند الشيعة
مرّ تدوين الحديث عند الشيعة بمرحلتين، هما: مرحلة المجموعات الصغيرة ومرحلة المجموعات الكبيرة.
١ ـ مرحلة المجموعات الصغيرة:
ويمكننا أن نطلق عليها (مرحلة الروايات المباشرة والمبكرة)، ذلك أن من هذه المجموعات، والتي عرفت بين المحدثين بـ (الأصول)، تقوم في منهج تأليفها على رواية المؤلف عن الامام مباشرة، أو بتوسط راوٍ واحد فقط بينه وبين الامام، أي أن المؤلف يروي الحديث عمن رواه عن الامام مباشرة.
وكانت هذه المجموعات من حيث العدد كثيرة بلغت الأربعمائة ويرجع سبب كثرتها إلى:
١ ـ كثرة الرواة من الشيعة عن الأئمة.
٢ ـ كثرة الحديث الذي يرويه الأئمة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد أوضحت في كتابي (تاريخ التشريع الاسلامي) أن حديث أهل البيت (عليهم السلام) بالوفرة الوفيرة التي تغطي مساحة التشريع الاسلامي كلها، وتوفي جميع احتياجات الفقيه من النصوص الشرعية في مجال الاستنباط.
وأن من هذه المجموعات ما لم يلتزم شرط الرواية المباشرة، إلا أن ما فيه من أحاديث ترجع في تاريخها إلى عهود الأئمة، ومن هنا تعد من الروايات المبكرة.
وكانت هذه الأصول الأربعمائة، والكتب الأخرى المشار إليها، تستمد مادتها الحديثية من الامام، وكل إمام تروى عنه، يرويها هو ـ بدوره ـ عن أبيه أو آبائه عن كتاب علي الذي مرت الإشارة إليه.
وإسنادها من الإمام حتى الباري تعالى هو المعروف في عرف المحدثين من السنة والشيعة بسلسلة الذهب لنقائه وصفائه وسمو قيمته الروائية.
الأصول الأربعمائة
الأصول الأربعمائة هي أربعمائة كتاب، أطلق عليها عنوان (أصل) بمعنى مرجع لرجوع العلماء إليها واعتمادهم عليه.
وقد انفردت هذه الأصول عند العلماء بمزايا، منها:
١ ـ انفرادها بمنهجها الخاص في التأليف الذي أشرت إليه آنفا، وهو أن الحديث المدون فيها إما أنه برواية مؤلفه عن الامام مباشرة أو بروايته عمن يرويه عن الامام مباشرة.
٢ ـ الثناء على مؤلفيها، بما أوجب أن يقال بصحة ما فيها، من قبل قدماء أصحابنا.
قال شيخنا الطهراني في (الذريعة ٢/ ١٢٦- ١٣٢): (ذكر الشيخ البهائي في (مشرق الشمسين) الأمور الموجبة لحكم القدماء بصحة الحديث، وعدَّ منها: (وجود الحديث في كثير من الأصول الأربعمائة المشهورة المتداولة عندهم.
ومنها: تكرر الحديث في أصل أو أصلين منها بإسانيد مختلفة متعددة.
ومنها: وجوده في أصل رجل واحد معدود من أصحاب الإجماع).
وقال المحقق الداماد في الراشحة التاسعة والعشرين من رواشحه ـ بعد ذكر الأصول الأربعمائة ـ: (وليعلم أن الأخذ من الأصول المصححة المعتمدة أحد أركان تصحيح الرواية).
فوجود الحديث في الأصل المعتمد عليه بمجرده كان من موجبات الحكم بالصحة عند القدماء.
وأما سائر الكتب المعتمدة فإنهم يحكمون بصحة ما فيها بعد دفع سائر الاحتمالات المخلة بالاطمئنان بالصدور، ولا يكتفون بمجرد الوجود فيها وحسن عقيدة مؤلفيها.
فالكتاب الذي هو أصل ممتاز عن غيره من الكتب بشدة الاطمئنان بالصدور والأقربية إلى الحجية والحكم بالصحة.
هذه الميزة ترشحت إلى الأصول من قبل مزية شخصية توجد في مؤلفيها.
تلك هي المثابرة الأكيدة على كيفية تأليفها والتحفظ على ما لا يتحفظ عليه غيرهم من المؤلفين، وبذلك صاروا ممدوحين عند الأئمة (عليهم السلام)…
ولذا نعد قول أئمة الرجال في ترجمة أحدهم: (إن له أصلاً)، من ألفاظ المدح له، لكشفه عن وجود مزايا شخصية فيه من الضبط والحفظ والتحرز عن بواعث النسيان والاشتباه، والتحفظ عن موجبات الغلط والسهو وغيرها، والتهيؤ لتلقي الأحاديث بعين ما تصدر عن معادنها، على ما كان عليه ديدن أصحاب الأصول…
وقال الشيخ البهائي في (مشرق الشمسين): (قد بلغنا عن مشايخنا ـ قدس سرهم ـ أنه كان من دأب أصحاب الأصول أنهم إذا سمعوا عن أحد من الأئمة (عليهم السلام) حديثا بادروا إلى اثباته في أصولهم لئلا يعرض لهم نسيان لبعضه أو كله بتمادي الأيام).
وقال المحقق الداماد في الراشحة التاسعة والعشرين من رواشحه: (يقال قد كان من دأب أصحاب الأصول أنهم إذا سمعوا من أحدهم (عليهم السلام) حديثاً بادروا إلى ضبطه في أصولهم من غير تأخير).
إن المزايا التي توجد في الأصول ومؤلفيها دعت أصحابنا إلى الاهتمام التام بشأنها قراءة ورواية وحفظاً وتصحيحاً والعناية الزائدة بها وتفضيلها على غيرها من المصنفات.
يرشدنا إلى ذلك تخصيصهم الأصول بتصنيف فهرس خاص لها، وإفرادهم مؤلفيها عن سائر الرواة والمصنفين بتدوين تراجمهم مستقلة، كما صنعه الشيخ أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبد الله بن الغضائري (المعاصر للشيخ الطوسي).
ذكر شيخنا الطهراني ما يقرب من ١٣٠ أصلاً في كتابه (الذريعة ج 2 ص 125ـ167) منها:
ـ أصل آدم بن الحسين النخاس الكوفي الثقة.
ـ أصل آدم بن المتوكل بياع اللؤلؤ الكوفي الثقة.
ـ أصل أبان بن تغلب الكوفي الثقة.
ـ أصل أبان بن عثمان الأحمر البجلي الثقة.
ـ أصل أبان بن محمد البجلي الثقة.
ـ أصل إبراهيم بن عثمان أبي أيوب الخزار الكوفي الثقة.
ـ أصل إبراهيم بن مسلم الضرير الكوفي الثقة.
ـ أصل إبراهيم بن مهزم الأسدي الكوفي الثقة.
ـ أصل أحمد بن الحسين الصيقل الكوفي الثقة.
ـ أصل إسحاق بن عمار الساباطي الثقة.
كتب الحديث الأخرى
وهي الكتب (غير الأصول الأربعمائة) التي ألفت في عهود الأئمة أيضا، إلا أنه لم يلتزم فيها أصحابها ما التزمه مؤلفو الأصول الأربعمائة من التقيد برواية الحديث عن الامام مباشرة، أو بروايته عمن يرويه عن الامام مباشرة.
فهم قد يروون عن الامام مباشرة، وعن صاحب الأصل مباشرة وعنهما بالواسطة الواحدة، والواسطة المتعددة.
نذكر ـ تيمنا ـ مما ذكره شيخنا الطهراني في (الذريعة ج ٦ ص ٣٠٣ وما بعدها) العناوين التالية:
ـ كتاب الحديث لأبي يحيى إبراهيم بن أبي البلاد.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن أبي الكرام الجعفري.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن خالد العطار العبدي.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن صالح الأنماطي الأسدي.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن عبد الحميد الأسدي.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن مهزم الأسدي.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن نصر الجعفي.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن نعيم العبدي.
ـ كتاب الحديث لإبراهيم بن يوسف الكندي.
ـ كتاب الحديث لأبي شعيب المحاملي الكوفي.
٢ ـ مرحلة المجموعات الكبيرة:
وهي مرحلة إعداد وتأليف الكتب الكبيرة التي جمع فيها ما في مدونات الحديث في المرحلة السابقة، وتختلف عنها في الإضافات على الإسناد بذكر الرواة من مؤلف الكتاب الجامع إلى مؤلف الكتاب الأصل، وفي التبويب وفق أبواب الفقه أو الموضوع الذي من أجله ألفت.
وتمثلت هذه المجموعات الكبيرة فيما عرف بين المحدثين بـ (الجوامع المتقدمة) و (الجوامع المتأخرة).
الجوامع المتقدمة
وهي الكتب المعروفة بـ (الكتب الأربعة):
١ ـ الكافي.
٢ ـ من لا يحضره الفقيه.
٣ ـ التهذيب.
٤ ـ الاستبصار.
وتعرف أيضاً بـ (الكتب الأربعة الأصول).
١ ـ الكافي، لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي (ت ٣٢٨هـ).
صنّفه مؤلفه في ٣٤ كتاباً و ٣٢٦ باباً، وعدة أحاديثه ١٦١٩٩ حديثاً.
وقسمه إلى قسمين: الأصول والفروع.
ضمن قسم الأصول أحاديث الاعتقاد، وقسم الفروع أحاديث الفقه.
وجمعه خلال عشرين عاماً.
طبع أصوله في نشرته الأولى الحجرية بإيران سنة ١٢٨١هـ بخط محمد شفيع التبريزي، وفروعه سنة ١٣١٥هـ.
ثم طبع مراراً حجرياً وحروفياً.
وفهرست كتبه:
١ ـ كتاب العقل والجهل.
٢ ـ كتاب فضل العلم.
٣ ـ كتاب التوحيد.
٤ ـ كتاب الحجة.
٥ ـ كتاب الايمان والكفر.
٦ ـ كتاب الدعاء.
٧ ـ كتاب فضل القرآن.
٨ ـ كتاب العشرة.
٩ ـ كتاب الطهارة.
١٠ ـ كتاب الحيض.
١١ ـ كتاب الجنائز.
١٢ ـ كتاب الصلاة.
١٣ ـ كتاب الزكاة.
١٤ ـ كتاب الصيام.
١٥ ـ كتاب الحج.
١٦ ـ كتاب الجهاد.
١٧ ـ كتاب المعيشة.
١٨ ـ كتاب النكاح.
١٩ ـ كتاب العقيقة.
٢٠ ـ كتاب الطلاق.
٢١ ـ كتاب العتق والتدبير والمكاتبة.
٢٢ ـ كتاب الصيد.
٢٣ ـ كتاب الذبائح.
٢٤ ـ كتاب الأطعمة.
٢٥ ـ كتاب الأشربة.
٢٦ ـ كتاب الزي والتجمل والمروءة.
٢٧ ـ كتاب الدواجن.
٢٨ ـ كتاب الوصايا.
٢٩ ـ كتاب المواريث.
٣٠ ـ كتاب الحدود.
٣١ ـ كتاب الديات.
٣٢ ـ كتاب الشهادات.
٣٣ ـ كتاب القضاء والأحكام.
٣٤ ـ كتاب الأيمان والنذور والكفارات.
٢ ـ من لا يحضره الفقيه، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (ت ٣٨١هـ).
جزّأه مؤلفه أربعة أجزاء، وبوبه ٦٦٦ بابا، وضمنه ٥٩٩٨ حديثاً.
ونقل عن خط الشيخ البهائي الاحصائية التالية:
| المجلد | الأبواب | الأحاديث | المسانيد | المراسيل |
| 1 | 87 | 1618 | 777 | 841 |
| 2 | 288 | 1667 | 1094 | 573 |
| 3 | 173 | 1810 | 1295 | 515 |
| 4 | 178 | 0903 | 777 | 126 |
| المجموع | 726 | 5998 | 3943 | 2055 |
طبع في نشرته الحجرية بإيران سنة ١٣٢٥هـ، ثم طبع مراراً حجرياً وحروفياً:
ويحتوي الكتاب الموضوعات التالية:
١ ـ الطهارة.
٢ ـ الصلاة.
٣ ـ الزكاة.
٤ ـ الخمس.
٥ ـ الصوم.
٦ ـ الحج.
٧ ـ الزيارة.
٨ ـ القضايا والاحكام.
٩ ـ الشفعة.
١٠ ـ الوكالة.
١١ ـ الحكم بالقرعة.
١٢ ـ الكفالة.
١٣ ـ الحوالة.
١٤ ـ العتق.
١٥ ـ المعيشة.
١٦ ـ الدين.
١٧ ـ التجارة.
١٨ ـ البيوع.
١٩ ـ المضاربة.
٢٠ ـ إحياء الموات والأرضين.
٢١ ـ المزارعة والإجارة.
٢٢ ـ الضمان.
٢٣ ـ السلف.
٢٤ ـ الحكرة والأسعار.
٢٥ ـ جملة من أحكام البيع وآدابه.
٢٦ ـ الربا.
٢٧ ـ الصرف.
٢٨ ـ اللقطة والضالة.
٢٩ ـ العارية.
٣٠ ـ الوديعة.
٣١ ـ الرهن.
٣٢ ـ الصيد والذبائح.
٣٣ ـ آنية الذهب والفضة.
٣٤ ـ الأيمان والنذور.
٣٥ ـ الكفارات.
٣٦ ـ النكاح.
٣٧ ـ أحكام الأولاد.
٣٨ ـ الطلاق.
٣٩ ـ الحدود.
٤٠ ـ الوصية.
٤١ ـ الوقف.
٤٢ ـ المواريث.
٣ ـ التهذيب: تهذيب الأحكام لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠هـ).
عدة أبوابه ٣٩٣ بابا، وعدد أحاديثه ١٣٥٩٠ حديثاً.
طبع حجرياَ وحروفياً مراراً.
فهرست كتبه:
١ ـ الطهارة.
٢ ـ الصلاة.
٣ ـ الزكاة.
٤ ـ الصيام.
٥ ـ الحج.
٦ ـ الزيارة.
٧ ـ الجهاد.
٨ ـ القضايا والاحكام.
٩ ـ المكاسب.
١٠ ـ التجارات.
١١ ـ النكاح.
١٢ ـ الطلاق.
١٣ ـ العتق والتدبير والمكاتبة.
١٤ ـ الأيمان والنذور والكفارات.
١٥ ـ الصيد والذباحة.
١٦ ـ الوقوف والصدقات.
١٧ ـ الوصايا.
١٨ ـ الفرائض والمواريث.
١٩ ـ الحدود.
٢٠ ـ الديات.
٤ ـ الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، لأبي جعفر الطوسي أيضاً.
(يقع في ثلاثة أجزاء، جزءان منه في العبادات، والثالث في بقية أبواب الفقه من العقود والايقاعات والأحكام إلى الحدود والديات).
(مشتمل على عدة كتب تهذيب الأحكام، غير أن هذا مقصور على ذكر ما اختلف فيه من الأخبار وطريق الجمع بينها، والتهذيب جامع للخلاف والوفاق)([15]).
وعدد أحاديثه ٥٥١١ حديثاً.
طبع مراراً حجرياً وحروفياً.
الجوامع المتأخرة
وهي المجموعات الكبيرة التي جمعت ما في الجوامع المتقدمة أو استدركت عليها أو جمعت واستدركت معا، أو استدرك بعضها على بعض، وهي الأربعة التالية:
١ ـ الوافي، للشيخ محمد بن مرتضى المدعو بمحسن الكاشاني والملقب بالفيض (ت ١٠٩١هـ).
جمع فيه أحاديث الكتب الأربعة المتقدمة إلى أحاديث مهمة نقلها من غيرها، مع شئ من التعليق والشرح.
قال في مقدمته: (بذلت جهدي في أن لا يشذ عنه حديث ولا إسناد يشتمل عليه الكتب الأربعة ما استطعت إليه سبيلاً، وشرحت منه ما لعله يحتاج إلى بيان شرحاً مختصراً، وأوردت بتقريب الشرح أحاديث مهمة من غيرها من الكتب والأصول).
يحتوي ١٤ كتاباً، و ٥٠٠٠٠ حديث.
وفهرست كتبه:
١ ـ كتاب العقل والعلم والتوحيد.
٢ ـ كتاب الحجة.
٣ ـ كتاب الإيمان والكفر.
٤ ـ كتاب الطهارة.
٥ ـ كتاب الصلاة.
٦ ـ كتاب الزكاة.
٧ ـ كتاب الصيام.
٨ ـ كتاب الحج.
٩ ـ كتاب الجهاد.
١٠ ـ كتاب المكاسب.
١١ ـ كتاب الأطعمة والأشربة.
١٢ ـ كتاب النكاح.
١٣ ـ كتاب الوصية.
١٤ ـ كتاب الروضة.
طبع على الحجر في إيران.
٢ ـ الوسائل = وسائل الشيعة = تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، لمحمد بن الحسن الحر العاملي (ت ١١٠٤هـ).
(وهو حاوٍ لجميع أحاديث الكتب الأربعة (المتقدمة)، وجامع لأكثر ما في كتب الإمامية من أحاديث الأحكام، وعدة تلك الكتب نيف وسبعون كتاباً، كافتها معتمدة عند الأصحاب، وقد فصل فهرسها، وبين اعتبارها في خاتمة الكتاب، وأدرج في الخاتمة من الفوائد الرجالية ما لم يوجد في غيرها.
بدأ بأحاديث مقدمة العبادات، ورتب أحاديث الأحكام على ترتيب كتب الفقه من الطهارة إلى الديات.
وبالجملة، هو أجمع كتاب لأحاديث الأحكام وأحسن ترتيبا لها حتى من (الوافي) و (البحار) لاقتصار الوافي على جمع خصوص ما في الكتب الأربعة على خلاف الترتيب المأنوس فيها، واقتصار البحار على ما عدا الكتب الأربعة، مع كون جل أحاديثه في غير الأحكام.
فنسبة هذا الجامع إلى سائر الجوامع المتأخرة كنسبة الكافي إلى سائر الكتب الأربعة المتقدمة.
ويشبه الكافي أيضا في طول مدة جمعه إلى عشرين سنة)([16]).
وعدد أحاديثه ٣٥٨٥٠ حديثاً.
٣ ـ البحار = بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، لمحمد باقر بن محمد تقي المجلسي (ت ١١١٠هـ).
قال فيه شيخنا الطهراني: (هو الجامع الذي لم يكتب قبله ولا بعده جامع مثله، لاشتماله مع جمع الأخبار على تحقيقات دقيقة وبيانات وشروح لها، غالبا لا توجد في غيره)([17]).
وفهرست كتبه كما ذكره مؤلفه في مقدمته له هو:
١ ـ كتاب العقل والعلم والجهل.
٢ ـ كتاب التوحيد.
٣ ـ كتاب العدل والمعاد.
٤ ـ كتاب الاحتجاجات والمناظرات وجوامع العلوم.
٥ ـ كتاب قصص الأنبياء.
٦ ـ كتاب تاريخ نبينا وأحواله (صلّى الله عليه وآله).
٧ ـ كتاب الإمامة، وفيه جوامع أحوال أئمتنا (عليهم السلام).
٨ ـ كتاب الفتن.
٩ ـ كتاب تاريخ أمير المؤمنين (عليه السلام) وفضائله وأحواله.
١٠ ـ كتاب تاريخ فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام).
١١ ـ كتاب تاريخ علي بن الحسين ومحمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق وموسى بن جعفر الكاظم (عليهم السلام).
١٢ ـ كتاب تاريخ علي بن موسى الرضا ومحمد بن علي الجواد وعلي بن محمد الهادي والحسن بن علي العسكري (عليهم السلام).
١٣ ـ كتاب الغيبة وأحوال الحجة القائم (عليه السلام).
١٤ ـ كتاب السماء والعالم.
١٥ ـ كتاب الإيمان والكفر ومكارم الأخلاق.
١٦ ـ كتاب الآداب والسنن.
١٧ ـ كتاب الروضة.
١٨ ـ كتاب الطهارة والصلاة.
١٩ ـ كتاب القرآن والدعاء.
٢٠ ـ كتاب الزكاة والصوم.
٢١ ـ كتاب الحج.
٢٢ ـ كتاب المزار.
٢٣ ـ كتاب العقود والايقاعات.
٢٤ ـ كتاب الأحكام.
٢٥ ـ كتاب الإجازات.
وطبع على الحجر في إيران سنة ١٣٠٣هـ ـ ١٣١٥هـ في خمسة وعشرين مجلدا وفق تجزئة المؤلف.
ثم طبع على الحروف في ١١٠ مجلدات خصص الثلاثة الأخيرة منها لفهرسه التفصيلي المعنون بـ (هداية الأخيار إلى فهرس بحار الأنوار) تأليف السيد هداية الله المسترحمي الأصبهاني.
٤ ـ المستدرك = مستدرك الوسائل ومستنبط الدلائل، لميرزا حسين النوري (ت ١٣٢٠هـ).
فيه زهاء ثلاثة وعشرين ألف حديث، استدركها مؤلفه على كتاب (وسائل الشيعة) للحر العاملي، ورتبه ترتيب الوسائل.
طبع بإيران حجرياً وبلبنان حروفياً.
عناصر الحديث
إن تَعَرُّفنا لعناصر الحديث يوقِفُنا على مجالات البحث في الحديث، ذلك أن كل جانب من جوانب أحد عنصريه هو مجال للبحث والدراسة.
لهذا رأيت إدراجه هنا لأهميته، وأهمية الفائدة التي يحصل عليها الدارس.
يتألف الحديث من عنصرين أساسيين هما: السند والمتن.
السند
يقال أسند الحديث إلى قائله إذا رفعه إليه ونسبه له، مأخوذا من الاستناد والاعتماد، لاستناد العلماء إليه واعتمادهم عليه في معرفة صحة نسبة الحديث إلى المعصوم وعدم صحة نسبته إليه.
فالسند: هو الطريق الروائي الذي يوصل الحديث من ناقله إلى قائله.
ويتكون السند من مفردات تؤلف مركبه.
ومفرداته: هم رواته.
ومركبه: هو روايته.
فهو يتألف من عنصرين:
أ ـ الرواة: وهم الرجال الذين يروونه.
ب ـ الرواية: وهي السلسلة التي تنتظم الرواة.
وتقدم منا أن علم الرجال يبحث في رواة السند، وعلم الحديث يبحث في رواية السند.
المتن
يراد به نص الحديث Hadith text ـ Al وهو: صيغة الكلام الأصلية التي تكلم بها قائل الحديث.
ويتكون المتن من عنصرين هما: اللفظ والمعنى.
أ ـ اللفظ: ويتألف من كلمات تنتظمها صيغة تركيبية نحوية.
أو قل: صيغة قولية من عنصرين:
ـ الكلمات المفردة.
ـ المركب من الكلمات المفردة.
ب ـ المعنى أو الدلالة.
ذلك أن الكلمات المفردة لها ثلاث دلالات هي:
١ ـ الدلالة المعجمية: وهي المعنى المستفاد من مادة الكلمة.
٢ ـ الدلالة الصرفية: وهي المعنى المستفاد من هيئة الكلمة.
٣ ـ الدلالة النحوية: وهي المعنى المستفاد من وظيفة وموقع الكلمة في الكلام.
ثم تعقب هذه الدلالات الثلاث الدلالة العامة أو:
٤ ـ المعنى العام: وهو المستفاد من المركب باعتباره كلاماً.
وكل هذه المعاني أو الدلالات تعرف عن طريق الرجوع إلى المعجم اللغوي، وبواسطة تطبيق قواعد اللغة من صرفية ونحوية وبيانية.
ثم إن كلا من السند والمتن لا يرتفع إلى مستوى الدليل للاستدلال به، أو مستوى الحجة للاحتجاج به، إلا إذا كان السند بمستوى الاعتبار، والمتن بمستوى الظهور.
وكلا هذين المستويين لا يعرفان إلا من علم أصول الفقه ـ كما تقدم ـ.
الخلاصة
الحديث
سند متن
رواة رواية دلالة لفظ
مركب مفردات
معجمية صرفية نحوي تركيبية
الحديث
السند المتن
حجة غير حجة حجة غير حجة
مثال
الكافي: كتاب الايمان والكفر: باب الحب في الله والبغض في الله: (عن ابن محبوب عن مالك بن عطية عن سعيد الأعرج عن أبي عبد الله (ع) السند).
(قال من أوثق عرى الايمان أن تحب في الله وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع في الله) المتن.
أقسام الحديث
ينقسم الحديث تقسيماً أساسياً إلى قسمين: متواتر وآحاد.
الخبر المتواتر
تعريفه
كلمة (متواتر) تقرأ بصيغة اسم الفاعل ـ أي بكسر التاء الثانية ـ بمعنى أن الخبر نفسه تواتر، وبصيغة اسم المفعول ـ أي بفتح التاء الثانية ـ بمعنى أن الخبر تُوتِر به.
ومصدره (تواتُر) ـ بضم التاء الثانية ـ من (تواتر يتواتر)، وأصله (واتر).
يقال: واتر الشئ: تابعه، مع فترة تتخلل التتابع، ومن دون فترة([18]).
والذي يظهر ـ معجمياً ـ أن أكثر ما يستعمل هذا الفعل في الدلالة على التتابع، يستعمل في التتابع تتخلله فترة، إلا أن المحدثين عندما نقلوه مصطلحا على الحديث الذي نحن بصدد تعريفه، أرادوا منه المعنى الأقل استعمالا، وهو التتابع مطلقا، ولواضع الاصطلاح أن يصطلح وفق ما تقتضيه طبيعة علمه.
ومنه ما جاء في بعض المعاجم: (مواترة الكتب: هي إرسال بعضها في أثر بعض وترا وترا من غير أن تنقطع) ([19]).
هذا في الدلالة اللغوية.
وإذا رجعنا إلى كتب علم الحديث لمعرفة دلالة كلمة (متواتر) علميا، سنرى أن كتب علم الحديث الامامية تحصره في صيغتين من التعريف، هما:
١ ـ الحديث المتواتر: هو الذي يرويه كثرة من الرواة تبلغ حد إحالة العادة اتفاقهم على الكذب.
بمثل هذا صاغه الشهيد الثاني في (الدراية ص ١٢) قال: (هو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب).
واختاره كل من الشيخ المامقاني في (المقباس ١/ ٨٩) والسيد معروف في (دراسات في الحديث والمحدثين ص ٣٣).
٢ ـ الحديث المتواتر: هو (خبر جماعة يفيد بنفسه القطع بصدقه).
وهو نص عبارة الشيخ البهائي في (الوجيزة ٢).
٣ ـ ونقل الميرزا القمي في (القوانين 1/420ـ421) التعريفين معاً.
وإذا حاولنا تحليل التعريفين سنجدهما يلتقيان في الدلالة، وذلك أن كلا من التعريفين ينص على كثرة الرواة كثرة تفيد العلم بصدق الحديث.
والفارق بينهما هو:
١ ـ أن التعريف الأول قيد حصول العلم بصدق الخبر من الكثرة بإحالة العادة اتفاقهم على الكذب.
٢ ـ بينما أوجز التعريف الثاني هذا، فلم يذكر قيد إحالة العادة اتفاق الرواة على الكذب، وإنما قيده بإفادته العلم بنفسه، ويعني بهذا: من غير اعتماد على القرائن الخارجية كما هو الشأن في قسيمه خبر الواحد المقرون.
ذلك أن الحديث قد يفيد العلم بصدوره عن المعصوم، وقد يفيد الظن بذلك.
والذي يفيد العلم بالصدور ينقسم إلى:
ـ ما يفيده بنفسه، وهو المتواتر.
ـ ما يفيده بمساعدة القرينة، وهو خبر الواحد المقرون.
ومن ناحية منهجية نقول: إننا إذا قسمنا الشئ إلى قسمين، وأردنا أن نعرف أحدهما بما يميزه عن قسيمه نقيده به، كما صنع في التعريف الثاني.
ولاحظ الشيخ السبحاني على التعريف الأول، قال: (ففي هذا التعريف ركز على الكثرة، وأنه يجب أن يبلغ عدد المخبرين إلى حد من الكثرة يمنع من تواطئهم على الكذب).
يلاحظ عليه: أن العلم بامتناع تواطئهم على الكذب، أو العلم بعدم تواطئهم عليه، لا يكون دليلا على صدق الخبر، وعدم تعمد المخبرين بالكذب، لأن للكذب أسبابا ودواعي أخر غير التواطئ عليه، فإن الحب والبغض في الأفراد ربما يجران إلى التقول في الأفراد الكثيرة بلا تواطئ، خصوصا إذا كانوا أصحاب هوى ودعاية.
وهذه هي القوى الكبرى العالمية الذين تلعب أيديهم تحت الستار في مجال الإعلام العالمي، فربما تنطق جماعة كثيرة في أرجاء مختلفة بكلام واحد بإشارة من السلطات، من دون أن يطلع واحد منهم على الآخر.
فمجرد علمه بعدم التواطئ لا يكفي في رفع الشك في التعمد بالكذب.
فالأولى أن يضاف إلى التعريف قولنا: (يؤمن معه من تعمدهم على الكذب).
ويحرز ذلك بكثرة المخبرين ووثاقتهم، أو كون الموضوع مصروفا عنه دواعي الكذب، أو غير ذلك)([20]).
وهي ملاحظة واردة وجيدة.
وفي ضوئه: لنا أن نختار التعريف الثاني، ولنا أن نختار التعريف الأول بعد تقييده بالقيد المذكور.
شروطه
ذكر علماء الحديث شروطاً لإفادة الحديث المتواتر العلم بصدقه، بمعنى أن الحديث المتواتر لا يفيدنا العلم بصدوره عن المعصوم إلا إذا توافرت فيه هذه الشروط.
وهذه الشروط تنقسم إلى قسمين: ما يختص بالمخبرين، وما يختص بالسامع.
١ ـ ما يختص بالمخبرين:
أ ـ عدد المخبرين:
اختلفوا في أصل اشتراط العدد، بمعنى هل يشترط في المخبرين أن يبلغوا عددا معينا ليفيد الخبر العلم بحيث لو كان عددهم أقل من العدد المشروط لا يفيد الخبر العلم.
فذهب أصحابنا الإمامية إلى عدم اشتراط عدد معين معتمدين الوصف معيارا وضابطا، وهو بلوغ عدد المخبرين المستوى الذي يؤمن معه تعمدهم الكذب.
وذلك لأن هذا لا ينحصر ـ عقلاً ـ في عدد معين.
مضافاً إلى الاستقراء للأخبار المتواترة في الحياة الاجتماعية يعطينا عدم اعتبار عدد معين، لأن من الأخبار ما يفيد العلم بعدد قليل، ومنه ما لا يفيد إلا بعدد كثير، وهذا شئ بديهي عند الناس.
يقول الشهيد الثاني: (ولا ينحصر ذلك (يعني كثرة الرواة المفيدة للعلم) في عدد خاص ـ على الأصح ـ بل المعتبر العدد المحصل للوصف (وهو إحالة العادة اتفاقهم على الكذب) فقد يحصل في بعض المخبرين بعشرة وأقل، وقد لا يحصل بمائة، بسبب قربهم إلى وصف الصدق وعدمه)([21]).
ومع هذا أشار علماؤنا إلى ما ذكره العلماء الآخرون من الأعداد المعينة المشروطة، فذكروا منه:
ـ أن لا يقل عدد المخبرين عن خمسة أشخاص، لعدم إفادة خبر الأربعة العدول، العلم كما في شهود الزنا.
نسب هذا القول للقاضي الباقلاني:
ـ أن لا يقل عدد المخبرين عن اثني عشر، وهو عدد النقباء في قوله تعالى: {وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} [المائدة: 12].
ـ أن لا يقل عددهم عن عشرين، لقوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [الأنفال: 65].
ـ أن لا يقل العدد عن أربعين، لقوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} [الأنفال: 64] حيث كانوا أربعين.
ـ أن لا يقل العدد عن سبعين، لأنه عدد قوم موسى (عليه السلام) كما في قوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلاً} [الأعراف: 155].
ـ أن لا يقل عن ثلاثة عشر وثلاثمائة، لأنه عدد أهل بدر أو لأنه عدد أصحاب طالوت.
وكل هذه الأقوال ـ كما تراها ـ لا تخرج عن كونها استحسانات شخصية، عللت بما ذكر تعليلاً لا يلتقي وطبيعة الموضوع، لما ذكرناه آنفا من أن إفادة الخبر العلم لا ينضبط بعدد معين.
ومن هنا لا حاجة لنا بالإطالة بذكر ردودها ومناقشاتها المذكورة في الكتب المطولة.
يقول الشيخ المامقاني: (وهذه الأقوال كلها باطلة، لأن كل واحد من هذه الأعداد قد يحصل العلم معه، وقد يتخلف عنه، فلا يكون ضابطاً له.
ولقد أجاد شيخنا الشهيد الثاني (رحمه الله) حيث قال في (البداية) ما لفظه: (لا يخفى ما في هذه الاختلافات من فنون الجزافات، وأي ارتباط لهذا العدد بالمراد، وما الذي أخرجه عن نظائره مما ذكر في القرآن من ضروب الأعداد).
والحق ما عليه الأكثر من دوران الأمر مدار حصول العلم وعدم اعتبار عدد مخصوص فيه)([22]).
ويقول العلامة الحلي: (المرجع فيه إلى حصول اليقين وعدمه، فإن حصل فهو متواتر، وإلا، فلا)([23]).
ب ـ معرفة المخبرين بمضمون الخبر:
اختلف في تحديد مستوى المعرفة ـ هنا ـ على ثلاثة أقوال:
١ ـ وجوب أن يعلم كل مخبر من المخبرين بمضمون ما أخبروا به، فلو أخبروا عن حادثة ما يجب أن يكون كل واحد منهم عالماً بتلك الحادثة… فلا يكتفي منهم بأن يخبروا عن ظنهم، أو يخبر بعضهم عن علم وبعضهم عن ظن.
وهو الرأي المعروف.
٢ ـ يجوز أن يخبروا عن ظن،… وعللوا ذلك بأن تراكم ظنون المخبرين بضم بعضها إلى بعض يرتقي بها إلى درجة اليقين فيكون الاخبار مفيدا للعلم.
٣ ـ الاكتفاء باخبار البعض عن علم ولو كان الباقون ظانين بمضمون الخبر.
ذهب إلى هذا المحقق القمي بتقريب أن العلم المستفاد من التواتر يحصل من اجتماعهم.
ولنا هنا وقفة، نفرق فيها بين الأخبار عن الحوادث الاجتماعية غير الشرعية، وبين الشرعيات، لأننا في هذا العلم نبحث عن رواية الحديث بطريق التواتر لا عن مطلق التواتر في الشرعيات كان أو في غيرها.
ذلك أن ما يرويه الرواة عن المعصوم قد يكون من نوع الحوادث كما لو كان المروي إخباراً عن فعل المعصوم أو تقريره لفعل الآخرين، وقد يكون من نوع نقل قوله.
ففي النوع الأول يأتي ما ذكر من أنه على المخبر أن يعلم بالحادثة وينقلها عن علم لا عن ظن.
مثال هذا: لو رأى الراوي أو المخبر شخصا ما يتناول سائلا بمرأى من المعصوم، على الراوي أن يتأكد من نوع ذلك السائل ـ سواء ردعه المعصوم عن شربه أو أقره ـ ولا يكتفي أن ينقل الحادثة بظن أن السائل ماء، أو بظن أن السائل مسكر.
أما في نقل قول المعصوم لا معنى لأن يقال لابد من علم المخبر بمضمون النص، وإنما المطلوب ـ هنا ـ هو التأكد بأن ما ينقله هو نص قول المعصوم لفظاً أو معنى.
واشتراط أن يكون الراوي ضابطاً، وأن يخبر عن حس، يؤكد هذا، وذلك لأن تراكم الظنون حتى لو أفاد سامع الخبر علماً، لا يغير من واقع الحادثة إذا كان الخبر نقلاً لفعل المعصوم أو تقريره ـ كما مثلنا.
يضاف إليه أن الشرط المطلوب ـ هنا ـ هو علم المخبرين لا علم السامع لأن الظن زائدا الظن لا يساوي إلا ظنا عند المخبر وإن أفاد منه السامع العلم.
وعمل السامع وفقا لقطعه الحاصل من تراكم الظنون لا يعني أن الخبر متواتر تواترا يعرب عن صدق وصحة صدوره عن المعصوم، كما هو الشأن لو كان المخبرون عالمين بالخبر.
فلا بد ـ والحالة هذه ـ من علم المخبرين بأن نص الحديث إذا كان قولاً صادراً عن المعصوم، والعلم بمضمونه إذا كان فعلاً أو تقريراً.
ج ـ استناد علم المخبرين بنص الخبر أو بمضمونه إلى الحس، وهذا يعني لزوم كون المخبر به من الأمور المحسوسة بالبصر أو السمع أو غيرهما من الحواس الخمس.
وذلك لأن الاستناد إلى العقل ـ كما في مسألة حدوث العالم ـ لا يحصل منه العلم لكثرة وقوع الاشتباه والخطأ في النظريات العلمية.
د ـ توفر الشروط المتقدمة (العدد أو الكثرة المفيدة للعلم، وإخبار المخبرين عن علم واستناد علمهم إلى الحس) في كل طبقات الرواة، بمعنى أن تتوفر هذه في الجيل الأول من الرواة للخبر، ثم في الجيل الثاني، وهكذا.
وذلك لأن التواتر لا يتحقق إلا بها.
٢ ـ ما يختص بالسامع:
أ ـ أن يكون السامع غير عالم بمدلول الخبر.
وعلّلوا ذلك بأنه إذا كان عالما بمضمون الخبر، فاخباره به إما أن يكون (عين العلم الحاصل له بالمشاهدة، أو غيره.
والأول تحصيل للحاصل، وهو محال.
والثاني من اجتماع المثلين الذي ـ أيضا ـ هو محال)([24]).
ب ـ (أن لا يسبق الخبر المتواتر حصول شبهة أو تقليد للسامع يوجب اعتقاده نفي موجب الخبر ومدلوله) ([25]).
وهذان الشرطان ـ كما هو واضح ـ ليسا شرطين لتحقيق التواتر إذ التواتر لا يتقوم بهما، وإنما قوامه بما تقدمهما من شروط.
وإنما هما مانعان من تأثير التواتر بإفادة العلم بصدق الخبر للسامع إما لأنه عالم به أو لوجود شبهة في ذهنه تمنعه من الايمان به.
فكان الأولى أن يقال إنهما شرطان في تأثير التواتر على السامع، لأن التواتر حتى مع عدم توفرهما يبقى محتفظا بوصفه وهو كونه تواترا مفيدا للعلم.
بقي هنا شئ ينبغي أن نشير إليه لبيان المفارقة التي وقع فيها الباحثون له.
ذلك الشئ هو نوعية العلم الحاصل للسامع من الخبر المتواتر، هل هو من نوع العلم الضروري أو من نوع العلم النظري.
والمسألة ـ في واقعها ـ تقوم على أساس من بحث الخبر المتواتر بشكل مطلق، وأنه إخبار عن حوادث اجتماعية.
ونحن، هنا ـ أعني في علم الحديث ـ نبحث عن إفادة التواتر العلم بصدق وصحة صدور الخبر عن المعصوم لا عن مدلوله ومؤداه، لأن البحث في المداليل والمؤديات حتى لو كان من نوع البديهيات نحو (الكل أعظم من الجزء) يحتاج ولو إلى قليل من الخلفيات الثقافية.
أما أن نبحث أن هذا المخبر صادق في نقله الخبر عن المعصوم، وأن الخبر صادر عن المعصوم فهو من الضروريات التي لا تحتاج إلى خلفيات ثقافية لأنها ليست من المفاهيم العلمية، وإنما هي ـ في حقيقتها ـ من المفاهيم الاجتماعية التي يتعامل معها كل إنسان، وإن ترتب عليها، وبخاصة في مجال الدلالة آثار علمية.
وفي ضوئه: نستطيع أن نقول إن العلم الحاصل للسامع من الحديث المتواتر علم ضروري (بديهي = تلقائي) لا نظري (كسبي = تحصيلي).
تقسيمه
ينقسم الخبر المتواتر إلى قسمين: لفظي ومعنوي.
١ ـ المتواتر اللفظي: هو الذي يرويه جميع الرواة، وفي كل طبقاتهم بنفس صيغته اللفظية الصادرة من قائله.
ومثاله: الحديث الشريف عن النبي (صلّى الله عليه وآله): (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار).
قال الشهيد الثاني في (الدراية ١٥): (نعم، حديث (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) يمكن ادعاء تواتره، فقد نقله الجم الغفير، قيل: أربعون، وقيل: نيف وستون صحابيا، ولم يزل العدد في ازدياد).
٢ ـ المتواتر المعنوي: وهو المعنى المستفاد من تكرره أو الإشارة إليه في أحاديث مختلفة الألفاظ، وكثيرة كثرة لا يمكن معها تكذيبها، كأحاديث ظهور المهدي، فإنها مع اختلاف ألفاظها تلتقي جميعها عند قاسم مشترك أو قدر متيقن، وهو ظهور المهدي.
ويظهر من خلال الاستقراء الذي أشير إليه في بعض مراجع علم الحديث أن الأحاديث المتواترة تواترا لفظيا قليلة قلة نادرة، وأكثر ما يوصف من الأحاديث بالتواتر هي من المتواتر المعنوي، يقول الشهيد الثاني في (الدراية 14 ـ 15): وهو ـ أي التواتر ـ يتحقق في أصول الشرائع كوجوب الصلاة اليومية وأعداد ركعاتها، والزكاة، والحج، تحققا كثيرا، وفي الحقيقة مرجع إثبات تواترها إلى المعنوي لا اللفظي، إذ الكلام في الأخبار الدالة عليها كغيرها.
وقليل تحققه في الأحاديث الخاصة المنقولة بالألفاظ المخصوصة لعدم اتفاق الطرفين والوسط فيها، وأن تواتر مدلولها في بعض الموارد كالأخبار الدالة على شجاعة علي (عليه السلام) وكرم حاتم ونظائرهما، فإن كل فرد خاص من تلك الأخبار الدالة على أن علياً (عليه السلام) قتل فلاناً، وفعل كذا، غير متواتر، وكذا الأخبار الدالة على أن حاتما أعطى الفرس الفلانية والجمل والرمح وغيرها، إلا أن القدر المشترك بينها متواتر تدل عليه تلك الجزئيات المتعددة آحاداً بالتضمن.
وعلى هذا نُزِّل ما ادعى المرتضى (رحمه الله) ومن تبعه تواتره من الأخبار الدالة على النص وغيره، إذ لا شبهة في أن كل واحد من تلك الأخبار آحاد.
وقد أومى إلى ذلك في (المسائل المتباينات).
ولم يتحقق إلى الآن خبر خاص بلغ حد التواتر حتى قيل ـ والقائل ابن الصلاح ـ من سئل عن ابراز مثال لذلك أعياه طلبه، هذا مع كثرة رواتهم قديما وحديثا، وانتشارهم في أقطار الأرض، قال: (وحديث (إنما الأعمال بالنيات) ليس منه) أي المتواتر، وان نقله الآن عدد التواتر وأكثر، فإن جميع علماء الاسلام ورواة الحديث الآن يروونه، وهم يزيدون عن عدد التواتر أضعافا مضاعفة، لأن ذلك التواتر المدعى قد طرأ في وسط إسناده الآن دون أوله، فقد انفرد به جماعة مترتبون أو شاركهم من لا يخرج بهم عن الآحاد.
وأكثر ما ادعي تواتره من هذا القبيل ينظر مدعي التواتر إلى تحققه في زمانه، أو هو وما قبله من غير استقصاء جميع الأزمنة، ولو أنصف لوجد الأغلب خلوا أول الأمر منه بل ربما صار الحديث الموضوع ابتداء متواترا بعد ذلك، لكن شرط التواتر مفقود من جهة الابتداء).
مشروعية المتواتر
أعني بهذا العنوان: هل يعتبر الحديث المتواتر دليلا شرعيا يرجع إليه ويعتمد عليه في مجال الاستدلال الشرعي، فيستفاد منه الحكم الشرعي؟
إن مجال البحث عن الحجج والأدلة الشرعية هو علم أصول الفقه.
وفي علم أصول الفقه لم تبحث مشروعية التواتر بشكل خاص، وذلك لإفادته العلم، فأدخل لهذا تحت عنوان مشروعية العلم.
ولأن المراد بالعلم ـ هنا ـ اليقين كما عبر عنه العلامة الحلي فيما قرأناه من عبارته المتقدمة، أو القطع والجزم كما عبر عنه المتأخرون من الأصوليين.
والعلم بهذه الرتبة وهي أعلى رتبة له يعني في حقيقته انكشاف الواقع أمام المكلف، والمكلف عندما يستخدم وسيلة الاجتهاد ووسيلة الاستدلال إنما يستخدمها ليتخذ منها طريقا إلى الواقع لتكشف له عنه فيتعرف بهذا على الحكم الشرعي المطلوب، وعندما ينكشف الواقع أمامه لا يحتاج إلى استخدام الوسائل الأخرى المساعدة على كشف الواقع.
وهذا يعني أن التواتر لإفادته العلم بأن الحديث صادر عن المعصوم وكشفه عن ذلك يصبح الاعتقاد بصدق الخبر وصحة صدوره عن المعصوم مما لا يحتاج إلى إقامة دليل يكشف لنا عن هذا.
ومن هنا تأتي للتواتر مشروعيته واعتباره مصدرا شرعيا، وعبر عن هذا بقولهم (التواتر حجة) وهم يريدون به ما ذكر أعلاه.
والمسألة موضع وفاق بينهم.
خبر الآحاد
ويطلق عليه (خبر الواحد) أيضاً.
تعريفه
يمكننا أن نصنف ما ذكر من تعاريف لخبر الواحد إلى الأصناف التالية:
١ ـ التعريفات القائلة بأن خبر الواحد هو الذي لا يبلغ حد التواتر، سواء كان راويه واحدا أو أكثر من واحد.
وممن عرّف خبر الواحد بهذا الشهيد الثاني في (الدراية ١٥)، والشيخ المامقاني في (المقباس ١/125)، وأستاذنا الشيخ المظفر في (أصول الفقه ٢/٦٩)، والسيد معروف في (الدراسات ٤٠)، وغيرهم.
٢ ـ ما ذكر من أن خبر الواحد هو الذي لا يفيد العلم بنفسه.
وممن عرفه بهذا الشيخ السبحاني في (أصول الحديث وأحكامه ص ٣٤).
٣ ـ التعريف الجامع بين التعريفين السابقين، القائل: إن خبر الواحد هو الذي لا يبلغ حد التواتر ـ سواء كثرت رواته أم قلت ـ، وليس شأنه إفادته العلم بنفسه.
وهو تعريف الشيخ العاملي في (معالم الدين ٣٤٢).
٤ ـ التعريف القائل بأن خبر الواحد هو ما يفيد الظن وإن تعدد المخبر.
وهو تعريف العلامة الحلي في (مبادئ الوصول ٢٠٣).
وإذا حاولنا المقارنة بين هذه التعاريف سوف نرى أن الصنف الأول هو من نوع التعريف بـ (غير) أو النفي المنطقي، والذي يراد به أننا عندما نعرف أحد القسمين، فتعريفه في الوقت نفسه يكون تعريفا لقسيمه، وذلك بإضافة كلمة (غير) أو أية أداة تنفي تعريف القسيم عن قسيمه.
فنحن لأننا عرفنا المتواتر لا نحتاج إلى أن نعرف الآحاد بأكثر من أن نقول عنه بأنه (غير المتواتر) أو (هو الذي لا ينطبق عليه تعريف المتواتر) بمعنى أنه هو الذي يرويه راو واحد أو أكثر من راو واحد لا تحيل العادة فيه احتمال كذب الراوي والرواة.
وفي الصنف الثاني يقوم التعريف على نفي الخصيصة التي هي للمتواتر عن الآحاد وهي إفادة الحديث العلم بصدقه بنفسه، فالآحاد ـ على هذا ـ (لأنه غير المتواتر): هو الذي لا يفيد العلم بنفسه.
والصنف الجامع بين التعريفين، جمع بين الحسنين لتأكيد الفرق بين القسمين.
وفي الصنف الرابع، وهو تعريف العلامة الحلي، قد نحتاج إلى إضافة قيد ليشمل التعريف قسمي خبر الواحد، ذلك أن أحدهما وهو خبر الواحد غير المقرون هو الذي يفيد الظن، والآخر وهو المقرون بما يفيد العلم، فإنه يفيد العلم، ولأجل أن يشمله التعريف نفتقر إلى القيد فنقول ـ مثلا ـ: هو الذي يفيد الظن أو العلم بمساعدة القرينة.
ومع إضافة هذا القيد لنا أن نختار أي تعريف من هذه التعريفات فإنها كلها تنطبق على معنى الآحاد.
تقسيمه
يقسم خبر الواحد إلى قسمين رئيسين هما: المقرون، وغير المقرون.
أو كما يعبر بعضهم: المقترن، وغير المقترن.
أو المحفوف بالقرائن، وغير المحفوف بها.
١ ـ خبر الواحد المقرون:
تقدم في تعريف خبر الواحد أنه لا يفيد العلم بصدقه بنفسه، وإنما يفيد هذا إذا اقترن بقرينة تساعده على إفادته العلم بصدقه وصحة صدوره عن المعصوم.
وقد عرّفه الشيخ المفيد في (أصول الفقه ٤١) بقوله: (فأما الخبر القاطع للعذر فهو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالناظر فيه إلى العلم بصحة مخبره).
وعرفه الشيخ الطوسي في خطبة (الاستبصار) بقوله: (وما ليس بمتواتر على ضربين: فضرب منه يوجب العلم أيضاً، وهو كل خبر تقترن إليه قرينة توجب العلم).
فالخبر المقرون: هو الذي تصحبه القرينة المساعدة له على إفادته العلم بصدقه وصحة صدوره.
والقرائن ـ هنا ـ كثيرة، منها:
١ ـ ما ذكره الشيخ المفيد في (أصول الفقه ٤١) ـ بعد تعريفه له الذي مر ذكره في أعلاه ـ قال:
ـ وربما كان الدليل (يعني القرينة) حجة من عقل.
ـ وربما كان شاهدا من عرف.
ـ وربما كان إجماعا.
٢ ـ ما ذكره الشيخ الطوسي في خطبة (الاستبصار) ـ بعد تعريفه له المذكور في أعلاه ـ قال: (والقرائن أشياء كثيرة:
ـ منها أن تكون مطابقة لأدلة العقل.
ـ ومنها أن تكون مطابقة لظاهر القرآن.
ـ ومنها أن تكون مطابقة للسنة المقطوع بها.
ـ ومنها أن تكون مطابقة لما أجمع المسلمون عليه.
ـ ومنها أن تكون مطابقة لما أجمعت عليه الفرقة المحقة.
٣ ـ ما ذكره الحر العاملي في خاتمة (الوسائل) في (الفائدة الثامنة) التي عقدها لذلك حيث عنونها بـ (الفائدة الثامنة في تفصيل بعض القرائن التي تقترن بالخبر).
وبدأ فائدته هذه بنقل تعريف المحققين من العلماء للقرينة بأنها: (ما ينفك عن الخبر وله دخل في ثبوته).
ثم قسمها إلى ثلاث أقسام، هي:
أ ـ ما يدل على صدور الخبر عن المعصوم.
ب ـ ما يدل على صحة مضمون الخبر.
ج ـ ما يدل على ترجيح الخبر عن الخبر المعارض له.
ثم عددها إجمالاً فذكر ما ذكره الشيخ الطوسي، وزاد عليه، وأهم ما ذكره من إضافات:
أ ـ كون الراوي ثقة يؤمن منه الكذب عادة.
فإنه قد يحصل من هذا العلم بصدق الخبر وصحة صدوره.
ب ـ وجود الحديث في كتاب من كتب الأصول المجمع عليها، أو في كتاب أحد الثقات.
ج ـ وجود الحديث في أحد الكتب الأربعة.
د ـ وجود الحديث في كتاب لأحد أصحاب الإجماع.
هـ ـ تكراره في كتب متعددة معتمدة.
و ـ عدم وجود معارض له.
وهذه القرائن كلها قرائن علمية يرتبط بعضها بتصحيح مضمون الخبر، وهي مثل موافقة القرآن الكريم وموافقة السنة القطعية.
ويرتبط بعضها بتصحيح السند، مثل وجود الحديث في كتاب لأحد أصحاب الاجماع، وفي كتاب أحد الثقات.
ولهذا لا تخرج عن كونها نتائج اجتهادية يقول بها الفقيه وفق اجتهاده:
ومن هنا قد تفيد العلم عند بعض، وقد لا تفيده عند آخر لاختلاف الاجتهاد، والخلاف في نتائجه.
ولعله لهذا ذهب بعضهم إلى أن خبر الواحد مطلقا ـ أي سواء كان مقرونا أم غير مقرون ـ لا يفيد العلم.
قال العاملي في (معالم الدين ٣٤٢): (وخبر الواحد: هو ما لم يبلغ حد التواتر ـ سواء كثرت رواته أم قلت ـ وليس شأنه إفادة العلم بنفسه.
نعم قد يفيد بانضمام القرائن إليه.
وزعم قوم أنه لا يفيد العلم وإن انضمت إليه القرائن والأول أصح).
والمعروف والمشهور شهرة كبيرة أن الآحاد قد تقترن بما يفيد العلم بصدقها وصحة صدورها.
والمسألة ترتبط بواقع السيرة الاجتماعية للناس، وهي قاضية ـ وببداهة ـ بذلك.
يقول الشيخ السبحاني: (وقد كثر النقاش في إفادته اليقين بما لا يرجع إلى محصل، وكأن المناقشين بُعداءُ عن الأحوال الاجتماعية التي تطرأ علينا كل يوم، فكم من خبر تؤيده القرائن فيصبح خبرا ملموسا لا يشك فيه أحد)([26]).
مشروعية خبر الواحد المقرون
وما قلناه في مشروعية الرجوع إلى الخبر المتواتر لإفادته العلم بصدوره، واعتباره مصدرا شرعيا، نقوله هنا، وللسبب نفسه، وهو إفادة الخبر المقرون العلم أيضا، والعلم حجيته ذاتية ـ كما مر.
يقول الشيخ المفيد في (أصول الفقه ٤٠): (والحجة في الأخبار ما أوجبه العلم من جهة النظر فيها بصحة مخبرها ونفي الشك فيه والارتياب.
وكل خبر لا يوصل بالاعتبار إلى صحة مخبره فليس بحجة في الدين ولا يلزم به عمل على حال.
والأخبار التي يجب العلم بالنظر فيها على ضربين:
أحدهما: التواتر المستحيل وروده بالكذب من غير تواطئ على ذلك، أو ما يقوم مقامه في الاتفاق.
والثاني: خبر واحد يقترن إليه ما يقوم المتواتر في البرهان على صحة مخبره، وارتفاع الباطل منه والفساد).
ويقول الشيخ الطوسي في خطبة (الاستبصار) ـ بعد تعريفه له الذي تقدم نقله في أعلاه ـ: (وما يجري هذا المجرى يجب أيضا العمل به، وهو لاحق بالقسم الأول) يعني المتواتر.
وقال استاذنا الشيخ المظفر في (أصول 2/69): (لاشك في أن مثل هذا حجة).
وهذا لا بحث لنا فيه، لأنه مع حصول العلم تحصل الغاية القصوى، إذ ليس وراء العلم غاية في الحجية وإليه تنتهي حجية كل حجة.
٢ ـ خبر الواحد غير المقرون:
تعريفه
أخال أننا تبيّنا مفهوم خبر الواحد غير المقرون من تعريفنا لمفهوم الخبر المتواتر وخبر الواحد المقرون.
وهو ذلكم الخبر الذي لا يبلغ مستوى التواتر، ولم يقترن بما يساعده على إفادة العلم بصدوره.
وأقصى ما يفيده إذا توافرت في إسناده شروط الصحة هو الظن بصدوره عن المعصوم.
مشروعيته:
ومن هنا أثار علماء أصول الفقه مسألة حجيته ومشروعية العمل به، لأن الظن منهي شرعا عن العمل به، والركون إليه، إلا إذا قام الدليل على مشروعيته.
قال الشيخ الطوسي في (العدة 1/44): (من عمل بخبر الواحد فإنما يعمل به إذا دل دليل على وجوب العمل به، إما من الكتاب أو السنة أو الاجماع، فلا يكون قد عمل بغير علم)([27]).
وقد وقعت هذه المسألة موقع خلاف كبير، تشعبت أطرافه، وتوسع البحث فيه توسعاً كبيراً.
وأول ما يلتقينا من خلاف في المسألة هو: موقف العقل من التعبد به.
فذهب ابن قِبَة (محمد بن عبد الرحمن الرازي) إلى عدم جواز التعبد به عقلاً، أي أن العقل يمنع من التعبد به.
وذهب الآخرون من أصحابنا إلى جواز التعبد به.
قال الشريف المرتضى: (والعقل لا يمنع من العبادة بالقياس، والعمل بخبر الواحد.
ولو تعبد الله تعالى بذلك لساغ، ولدخل في باب الصحة لأن عبادته بذلك توجب العلم الذي لا بد أن يكون العمل تابعا له)([28]).
وبعد القول بجواز التعبد به عقلاً، وقع الخلاف في جواز التعبد به شرعاً.
فذهب الشيخ المفيد والسيد المرتضى وأبو المكارم ابن زهرة والقاضي ابن البراج والطبرسي وابن إدريس إلى القول بعدم حجيته وعدم جواز التعبد به شرعاً.
قال الشيخ المفيد في (أصول الفقه ٤١): (فمتى خلا خبر واحد من دلالة يقطع بها على صحة خبره فإنه ـ كما قدمناه ـ ليس بحجة ولا موجب علما ولا عملا على كل وجه).
وقال الشريف المرتضى: (لابد في الأحكام الشرعية من طريق يوصل إلى العلم… ولذلك أبطلنا في الشريعة العمل بأخبار الآحاد، لأنها لا توجب علما ولا عملاً، وأوجبنا أن يكون العمل تابعاً للعلم، لأن خبر الواحد إذا كان عدلاً فغاية ما يقتضيه الظن بصدقه، ومن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذباً)([29]).
وذهب الآخرون ـ وهم الأكثرية الغالبة ـ إلى جواز التعبد به شرعا لقيام الدليل بذلك.
وأهم ما استدلوا به:
١ ـ قوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) [الحجرات: 6].
بتقريب (أنها تعطي أن النبأ من شأنه أن يصدّق به عند الناس، ويؤخذ به، من جهة أن ذلك من سيرتهم، وإلا فلماذا نهي عن الأخذ بخبر الفاسق من جهة أنه فاسق، فأراد الله تعالى أن يلفت أنظار المؤمنين إلى أنه لا ينبغي أن يعتمدوا كل خبر من أي مصدر كان، بل إذا جاء به فاسق ينبغي أن لا يؤخذ به بلا ترو، وإنما يجب فيه أن يتثبتوا أن يصيبوا قوما بجهالة، أي فعل ما فيه سفه وعدم حكمة قد يضر بالقوم.
والسر في ذلك أن المتوقع من الفاسق ألا يصدق في خبره، فلا ينبغي أن يصدق ويعمل بخبره.
فتدل الآية بحسب المفهوم على أن خبر العادل يتوقع منه الصدق فلا يجب فيه الحذر والتثبت من إصابة قوم بجهالة.
ولازم ذلك أنه حجة)([30]).
٢ ـ رواية عبد العزيز بن المهتدي عن الإمام الرضا (عليه السلام)، قال: قلت: لا أكاد أصل إليك أسألك عن كل ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟
قال (عليه السلام): نعم)([31]).
قال الشيخ الأنصاري: (وظاهر هذه الرواية أن قبول قول الثقة كان أمراً مفروغاً عنه عند الراوي فسأل عن وثاقة يونس ليرتب عليه أخذ المعالم منه)([32]).
إلى غيره من أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر المعنوي في قبول خبر الثقة.
السيرة الاجتماعية
يقول استاذنا الشيخ المظفر في (أصول الفقه 2/91 ـ 92): (إنه من المعلوم ـ قطعاً الذي لا يعتريه الريب ـ استقرار بناء العقلاء طراً واتفاق سيرتهم العملية على اختلاف مشاربهم وأذواقهم، على الأخذ بخبر من يثقون بقوله ويطمئنون إلى صدقه ويأمنون كذبه، وعلى اعتمادهم في تبليغ مقاصدهم على الثقات.
والمسلمون بالخصوص كسائر الناس جرت سيرتهم العملية على مثل ذلك في استفادة الأحكام الشرعية من القديم إلى يوم الناس هذا، لأنهم متحدوا المسلك والطريقة مع سائر البشر، كما جرت سيرتهم بما هم عقلاء على ذلك في غير الأحكام الشرعية.
وإذا ثبتت سيرة العقلاء من الناس بما فيهم المسلمون على الأخذ بخبر الواحد الثقة، فإن الشارع المقدس متحد المسلك معهم، لأنه منهم، بل هو رئيسهم، فلا بد أن نعلم بأنه متخذ لهذه الطريقة العقلائية كسائر الناس ما دام أنه لم يثبت لنا أن له في تبليغ الأحكام طريقا خاصا مخترعا منه، غير طريق العقلاء، ولو كان له طريق خاص قد اخترعه غير مسلك العقلاء لأذاعه وبينه للناس، ولظهر واشتهر، ولما جرت سيرة المسلمين على طبق سيرة باقي البشر.
وهذا الدليل قطعي لا يداخله الشك، لأنه مركب من مقدمتين قطعيتين:
١ ـ ثبوت بناء العقلاء على الاعتماد على خبر الثقة والأخذ به.
٢ ـ كشف هذا البناء منهم عن موافقة الشارع لهم، واشتراكه معهم، لأنه متحد المسلك معهم.
قال شيخنا النائيني (قده) ـ كما في تقريرات تلميذه الكاظمي (قده) 3/69 ـ: (وأما طريقة العقلاء فهي عمدة أدلة الباب بحيث لو فرض أنه كان سبيل إلى المناقشة في بقية الأدلة فلا سبيل إلى المناقشة في الطريقة العقلائية القائمة على الاعتماد على خبر الثقة والاتكال عليه في محاوراتهم).
وقال الشيخ الخاقاني في (أنوار الوسائل 1/5 ـ 6): (وعلى كلٍ فقد قامت الأدلة من الأخبار المتواترة على حجية الخبر الموثوق بصدوره تعبدا أو إمضاء للسيرة المتعارفة المألوفة بين الناس في اعتبار خبر الواحد الموثوق بصدوره في كل عصر وجيل).
وقد ترتب على هذا الخلاف في حجية خبر الواحد غير المقرون من ناحية شرعية خلاف آخر يرتبط بروايات الآحاد الثقات المذكورة في كتب أصحابنا المعتبرة.
فذهب القائلون بعدم الحجية إلى أنها (أعني الروايات المشار إليها) هي من نوع الخبر المقرون فتفيد العلم.
ومن هنا جاز العمل بها عندهم، وعملوا بها كما يبين ـ بوضوح ـ من استدلالاتهم المختلفة بها في كتبهم وأبحاثهم.
وذهب القائلون بالحجية إلى صلاحيتها للاستدلال بها إذ توفرت على شرائط الصحة التي تفيد الظن بصدورها عن المعصوم.
وتفرع على هذا الخلاف الثاني خلاف ثالث، وهو أن عَدَّ القائلون بأن تلكم الروايات المشار إليها هي من نوع الأخبار المقرونة، الحديث المعتبر هو ما أفاد العلم.
وهذا يعني أن الحديث المعتبر عندهم هو الحديث المتواتر والآحاد المقرون فقط.
فقد يعبرون عنه بالصحيح أيضاً.
كما اعتَدُّوا الحديث الذي لا يفيد العلم بصدوره عن المعصوم ـ سواء أفاد الظن أم أقل منه ـ حديثا غير معتبر، وعبروا عنه بالضعيف أيضاً.
ويمكننا أن نلخص هذا بالجدول التالي:
الحديث
يفيد العلم لا يفيد العلم
(المعتبر = الصحيح) (غير المعتبر = الضعيف)
متواتر آحاد مقرون
أو نقول:
الخبر
معتبر غير معبر
متواتر آحاد مقرون
وقسم الآخرون القائلون بأن تلكم الروايات فيها ما يفيد العلم وفيها ما لا يفيده الحديث كالتالي:
الحديث
يفيد العلم لا يفيد العلم
متواتر آحاد مقرون يفيد الظن لا يفيد الظن
أو نقول:
الحديث
معتبر غير المعتبر
مفيد للعلم مفيد للظن
آحاد غير مقرون
متواتر آحاد مقرون
والشيخ الطوسي من أقدم من يمكننا استخلاص هذا التقسيم من بحثه للأخبار، وذلك في كتابه (عدة الأصول).
وهو (أعني الشيخ) من أقدم من جوز التعبد شرعا بخبر الواحد غير المقرون، قال في (العدة 1/290): (والذي أذهب إليه: أن خبر الواحد لا يوجب العلم وإن كان يجوز أن ترد العبادة بالعمل به عقلا.
وقد ورد جواز العمل به في الشرع، إلا أن ذلك موقوف على طريق مخصوص، وهو ما يرويه من كان من الطائفة المحقة، ويختص بروايته، ويكون على صفة يجوز معها قبول خبره، من العدالة وغيرها).
ويكون بهذا قد خالف أستاذيه المفيد والمرتضى، كما أنه استطاع في هدي ما ذكره من أدلة على رأيه هذا في كتابه (عدة الأصول) وبشكل مفصل ومركز ـ أن يتغلب رأيه على رأي أستاذيه، ويشتهر بين العلماء، وينتشر في الأوساط العلمية الامامية.
وفي القرن السابع الهجري عندما تركز مركز الحلة العلمي، وراح وبشكل جاد يسهم إسهاما فاعلاً في التأليف في مختلف حقول المعرفة الإسلامية التي تدرس في المراكز العلمية الإمامية، والتي يحتاج إليها الفقيه في ممارسته لعملية الاجتهاد، ومنها علم الرجال، ألف السيد جمال الدين أحمد بن طاووس الحلي كتابه (حل الاشكال في معرفة الرجال).
وهداه اطلاعه على أحوال الرجال من خلال تجربته العلمية في تأليفه الكتاب المذكور، إلى استخلاص واقع هذه الأحوال وتنويعها تنويعاً يلتقي وطبيعة تنويع الأسانيد وفق أحوال الرجال، ذلك أن في رجال الحديث:
أ ـ الإمامي العادل.
ب ـ الإمامي الممدوح.
ج ـ غير الإمامي لكنه موثق.
د ـ ضعيف الحال أو مجهوله.
ولأنه رأى أن أحوال رجال الأسانيد لا تخرج عن هذه:
١ ـ فقد يأتي سند كل رواته إماميون عدول.
٢ ـ وقد يأتي سند كل رواته إماميون، ولكن فيهم المُعْدِل وفيهم الممدوح.
٣ ـ وقد يأتي سند رواته من الاماميين المعدلين والممدوحين ومن غير الاماميين إلا أنهم موثقون.
٤ ـ وقد يضم السند من هو مجهول الحال أو مضعف.
فعمل ـ لهذا ـ على تصنيف الأسانيد إلى أربعة، وسماها: الصحيح، والحسن، والموثق، والضعيف.
وهذا التقسيم يساعد ـ من ناحية عملية ـ على سهولة ويسر تقويم رجال السند، ومن ثم تقييم السند.
ولعله إلى هذا هدف السيد ابن طاووس.
ولعله لهذا أيضاً أكده تلميذه العلامة الحلي.
وسار عليه كل من جاء بعدهما من علماء المدرسة الأصولية.
وفي الطرف الآخر بقي علماء الاخبارية على التقسيم الثنائي الذي تقدم عرضه.
واستمر الوضع العلمي على هذا حتى توقُّف الدراسات الاخبارية بسبب سيطرة الدراسات الأصولية على المراكز العلمية الامامية، والأبحاث العلمية التي تصدر منها، فتحول المذهب القائل بالتقسيم الثنائي القديم إلى قضية تاريخية تذكر في مجال الدرس التاريخي لتطور البحث في علمي الرجال والحديث.
تقسيمه:
إذا رجعنا إلى تاريخ التشريع الاسلامي لمعرفة متى وضع علم الحديث عند أهل السنة، ومتى وضع علم الحديث عند الشيعة ـ ويعرف هذا عادة بأول كتاب ألف في هذا العلم ـ سوف نرى أول كتاب ظهر لأهل السنة في فن مصطلح الحديث ـ كما يعبرون عنه ـ وهو كتاب (المحدث الفاضل بين الراوي والواعي) للقاضي أبي محمد حسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى سنة ٣٦٠هـ.
وذكرت ـ فيما تقدم ـ أن أقدم مؤلف إمامي في هذا العلم أشير إليه وهو كتاب (شرح أصول دراية الحديث) للسيد علي بن عبد الكريم بن عبد الحميد النجفي النيلي من علماء المائة الثامنة.
وهذا يعني أن أهل السنة كانوا أسبق تاريخيا في تدوين علم الحديث.
وسبب هذا أن أهل السنة يعتمدون ـ كما هو معلوم ـ على الحديث المروي عن طريق الصحابة.
ولأن الصحابة انتهى آخر أجيالهم بانتهاء القرن الأول الهجري، وانتهى من بعدهم التابعون وتابعو التابعين بانتهاء القرن الثالث الهجري.
وبانتهاء هؤلاء اختفت القرائن التي كانوا يعتمدون عليها في الوثوق بصحة الحديث، فعادوا أحوج ما يكونون إلى وضع قواعد وضوابط للتوثق من صحة الحديث، فاتجهوا إلى تحقق هذا في بدايات القرن الرابع الهجري.
ولأن استمرار اتصال الشيعة بالأئمة لم ينته إلا في أواخر القرن الرابع الهجري، فاعتمدوا حينها على مدونات الحديث التي كتبت في عهود الأئمة.
واستمرت هذه المدونات موجودة بما صاحبها من قرائن الوثوق حتى عصر المحقق الحلي المتوفى سنة ٦٧٦هـ، حيث اختفت باختفائها قرائن الوثوق فأصبحت الحاجة عند الشيعة ماسة لوضع علم الحديث.
ومن المعروف ـ تاريخيا ـ أن المتأخر يستفيد من تجارب المتقدم منهجيا وفنيا، وهذا ما لحظناه في كتاب (الدراية)، للشهيد الثاني، وهو أقدم كتاب في علم الحديث وصل إلينا، فقد تأثر من ناحية منهجية وفنية بمؤلفات علماء السنة في علم الحديث.
وهذا التأثير منه أدى إلى أن يذكر من أقسام الحديث ما لا مصاديق له في حديثنا أمثال بعض أقسام الضعيف.
ومع أنه أبقى مثل هذه إلا أنه من ناحية أخرى أجاد في إضافته ما هو موجود عندنا غير موجود عندهم كالموثق والمضمر وغيرهما.
وسار على خطته كل من جاء بعده.
فرأيت ـ لهذا ـ أن أقتصر على ما هو موجود في حديثنا ومكرر ذكره في كتب فقهنا الاستدلالية، وهو كما في الجدول التالي:
خبر الواحد
المسند المرسل
باعتبار ذكر اسم المروي عنه
المضمر (المقطوع) المصرح (الموصول
باعتباره عدة الرواة
المستفيض المشهور
باعتباره قيمة الرواة
الصحيح الحسن الموثق الضعيف
المقبول المردود
المسند
تعريفه
المسند: هو ما ذكر فيه جميع رواته.
أو قل: هو ما تمت فيه سلسلة رواته.
ونعطي له مثالاً ما نقله الشيخ ابن إدريس في كتابه (مستطرفات السرائر) ـ ص ٣٩ ـ عن كتاب أبان بن تغلب الكوفي: (قال أبان: حدثني القاسم بن عروة البغدادي عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في قتل الذر؟ قال: فقال (عليه السلام): اقتلهن، آذينك أو لم يؤذينك).
وأكثر ما في كتبنا، ولا سيما القديم منها هو من الأحاديث المسانيد.
المعلق
ومن الحديث المسند ما اصطلحوا عليه باسم (المعلق)، وعرفوه بأنه الذي حذف من مبدأ إسناده راو واحد أو أكثر.
كأكثر ما جاء في أسانيد الشيخ الصدوق في كتابه (من لا يحضره الفقيه)، وأسانيد الشيخ الطوسي في كتابيه (التهذيب) و (الاستبصار)، حيث كان كل واحد من المؤلفين المذكورين يحذف أول السند أو أوائله معتمدا على ما ذكره في مشيخته المدونة في آخر الكتاب حيث يصرح فيها بذكر المحذوف.
وكان هذا منهما لأجل الاختصار بعدم التكرار.
يقول الشيخ المامقاني ـ مشيراً إلى هذا ـ: (مثل أغلب روايات (الفقيه)) و (التهذيبين) حيث أسقطا (يعني الصدوق والطوسي) فيها (يعني الكتب الثلاثة المذكورة) جملة من أول إسناد الأخبار، وبين كل منهما في آخر كتابه من أسقطه بقوله: ما رويته عن فلان فقد رويته عن فلان عن فلان عنه)([33]).
وذلك لأن المحذوف من السند معلوم ومعروف بالرجوع إلى (المشيخة)، فيكون في قوة المذكور.
ومن هنا يدخل المعلق في المسند.
(مثاله):
ذكر الشيخ الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه ـ تعليقة الأعلمي 1/ ٧٢ رقم ٢١٦) الحديث التالي.
(وسأل عمار بن موسى الساباطي أبا عبد الله (عليه السلام) عن التيمم من الوضوء ومن الجنابة ومن الحيض للنساء سواء؟
فقال: (نعم).
وعندما نرجع إلى (المشيخة) ـ في آخر الجزء الرابع من كتاب (من لا يحضره الفقيه 4/315) ـ نقرأ في أول صفحة منها العبارات التالية :
)يقول محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي مصنف هذا الكتاب ـ رحمه الله تعالى ـ:
كل ما كان في هذا الكتاب عن عمار بن موسى الساباطي فقد رويته عن أبي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ـ رضي الله عنهما ـ عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال عن عمرو بن سعيد المدائني عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى الساباطي).
وبإعادة هذا الذي ذكره في المشيخة إلى أول الرواية المذكورة في أعلاه يكون السند هكذا:
(عن أبي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال عن عمرو بن سعيد المدائني عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى الساباطي عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)…).
تقسيمه
يقسم المسند لاختلاف أسس واعتبارات القسمة ثلاثة تقسيمات هي:
ـ التقسيم الأول:
يقسم باعتبار عدد رواته إلى قسمين: المستفيض والمشهور.
أ ـ المستفيض:
وقد اختلفوا في تحديد معناه على قولين:
ـ فذهب الأكثر إلى أنه الخبر الذي زادت رواته عن ثلاثة في كل طبقة، ولم يبلغ حد التواتر.
ـ وذهب البعض إلى أنه الخبر الذي زادت رواته عن اثنين في كل طبقة، ولم يبلغ حد التواتر.
ب ـ المشهور:
أيضاً اختلفوا في تحديد معناه على قولين:
ـ فذهب بعضهم إلى عدم الفرق بينه وبين المستفيض، فكل ما يصدق عليه أنه مستفيض يصدق عليه أنه مشهور.
ـ وذهب آخرون إلى أن الفرق بينه وبين المستفيض هو عدم اشتراط توافر العدد المذكور في كل طبقاته.
ومثّلوا لهذا بحديث (إنما الأعمال بالنيات) حيث انفرد بروايته في بدء طبقاته جماعة لم يبلغوا حد الاستفاضة، أي لم يشكلوا العدد المطلوب في الحديث المستفيض.
يقول الشهيد الثاني في (الدراية ١٦): (وقد يغاير بينهما ـ أي بين المستفيض والمشهور ـ بأن يجعل المستفيض ما اتصف بذلك في ابتدائه وانتهائه على السواء، والمشهور أعم من ذلك.
فحديث (إنما الأعمال بالنيات) مشهور غير مستفيض، لأن الشهرة، إنما طرأت له في وسطه).
مشروعيتهما
لأن المستفيض والمشهور لم يبلغا مستوى التواتر المفيد للعلم بصدقه، لا يقال بحجيتهما إلا إذا توافرت فيهما شروط الصحة التي ستذكر في الأقسام الأربعة المعروفة بـ (أصول الحديث).
ـ التقسيم الثاني:
ويقسم المسند باعتبار ذكر اسم المعصوم في سنده وعدم ذكره إلى قسمين: المصرح والمضمّر.
أ ـ المصرّح: هو الذي صرح فيه بذكر اسم المعصوم الذي روي الحديث عنه.
والكثرة الكاثرة من أحاديثنا هي من هذا النوع.
وسميته بـ (المصرّح) لأن الضمير يعني الكناية عن المحذوف، ومن هنا سماه نحاة الكوفة بـ (الكناية)، والذي يقابل الكناية هو التصريح.
ب ـ المضمر: وهو الذي يكنى فيه عن ذكر اسم المسؤول بذكر ضميره.
كأن يقول الراوي (سألته) أو (سمعته) أو (عنه) أو (قال) أو (يقول).
مثل ما روي في (الوسائل ج ٢ ب ٢٢ ـ النجاسات): (عن سماعة، قال: سألته عن الرجل به الجرح والقرح فلا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه؟
قال: يصلي ولا يغسل ثوبه كل يوم إلا مرة، فإنه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة).
وما روي في (الوسائل ج ٥ ب ١ ـ الخلل الواقع في الصلاة): (عن سماعة قال: قال: إذا سها الرجل في الركعتين الأولتين من الظهر والعصر فلم يدر واحدة صلى أم ثنتين فعليه أن يعيد الصلاة).
ويقول السيد الغريفي في (قواعد الحديث ٢١٥): (وهي (يعني المضمرات) مجموعة كبيرة من الأحاديث أثبتها مشايخنا الأقدمون في مجاميعهم).
ومن أشهرها: مضمرات سماعة بن مهران (وتبلغ ثلاثمائة وتسعين موردا)([34])، ومضمرات زرارة بن أعين (وتبلغ ثمانية وسبعين مورداً)([35])، ومضمرات محمد بن مسلم الثقفي، ومضمرات علي بن جعفر.
وتسمى المضمرة بـ (المقطوعة) أيضاً.
ويمكننا على هذا أن نسمي المصرحة بـ (الموصولة) أيضا، فنقول الحديث المضمر أو المقطوع، ويقابله الحديث المصرح أو الموصول.
عوامل الإضمار
علل العلماء وقوع الاضمار بعوامل أفادوها من تتبعهم لواقع الأحاديث المروية والمدونة في الجوامع الحديثية، وهي:
١ ـ التقية:
ذلك أن بعض الرواة كان لا يستطيع التصريح باسم الإمام لظروف سياسية قاسية كان يعيشها تحت سطوة القمع والإرهاب الأموي أو العباسي فيستعمل الكناية (الضمير).
وهو أمر معروف تاريخياً لا يحتاج إلى التدليل والتمثيل.
٢ ـ تقطيع الأخبار من الأصول:
وكان يحدث هذا في موضعين:
أ ـ الكتب:
وذلك أن تأتي مرويات المؤلف في كتابه كله عن إمام فيذكر اسمه في أول الكتاب، ثم يكتفي بذكر ضميره، اعتماداً على تصريحه بالاسم في أول الكتاب، اختصاراً ومراعاة لقواعد البلاغة الملزمة بالابتعاد عن التكرار الذي لا حاجة مهمة إليه.
ب ـ الحديث الطويل:
وذلك قد يروي الراوي حديثاً طويلاً يضم مجموعة كبيرة من الأسئلة وأجوبتها، فيذكر اسم الإمام في أول الحديث، ثم يقول: (وسألته عن كذا)، (فقال كذا)… وهكذا.
وحينما جمعت الجوامع الكبرى عمد مؤلفوها إلى تفريق الأحاديث التي في الكتاب أو الفقرات التي في الحديث الطويل على أبواب الفقه ومواضيعه، ولم يسمحوا لأنفسهم بأن يذكروا اسم الامام في موضع الضمير لئلا يعد هذا منهم تصرفا في الحديث غير جائز.
وأشير إلى هذا في (الوسائل) بما نصه: (إن كثيرا من قدماء رواة حديثنا ومصنفي كتبه كانوا يروون عن الأئمة (عليهم السلام) مشافهة، ويوردون ما يروونه في كتبهم جملة، وإن كانت الأحكام التي في الروايات مختلفة، فيقول (يعني الراوي المؤلف) في أول الكتاب: (سألت فلانا)، ويسمي الامام الذي يروي عنه، ثم يكتفي في الباقي بالضمير، فيقول: (وسألته) أو نحو هذا، إلى أن تنتهي الأخبار التي رواها عنه.
ولا ريب أن رعاية البلاغة تقتضي ذلك، فإن إعادة الاسم الظاهر في جميع تلك المواضع تنافيها في الغالب قطعاً.
ولما نقلت تلك الأخبار إلى كتاب آخر صار لها ما صار في إطلاق الاسم بعينه، فلم يبق للضمير مرجع).
وقال الشيخ المامقاني في (المقباس 1/334): (إن سبب الإضمار: إما التقية أو تقطيع الأخبار من الأصول… فإنهم كانوا يكتبون في صدر سؤالاتهم: (سألت فلانا عن كذا) و (سألته عن كذا… فقال كذا)… وهكذا.
ثم بعد تقطيعها وجمعها في الكتب المؤلفة صار مشتبهاً).
وفي حواشي (الروضة البهية ط. الحجرية 1/141) تعليق على قول الشهيد الثاني في حق مضمرة محمد بن مسلم: (والرواية مجهولة المسؤول) ونصه: (قوله والرواية مجهولة المسؤول هذا ليس طعنا في الرواية، لأن من عادة أصحاب الأئمة (عليهم السلام) أنهم كانوا يذكرون المسؤول في أول الرواية، ثم كانوا يقولون: (وسألته عن كذا) بايراد ضمير المسؤول، ولما جمع المحدثون الروايات، وجعلوها أبواباً، أوردوها على ما وجدوها في كتب القدماء فصارت مقطوعة).
٣ ـ إتكال الراوي على القرينة المصاحبة للحديث عند روايته له عن المعصوم التي اعتمد عليها في معرفة مرجع الضمير، ثم وبسبب الطوارئ للتراث اختفت القرينة.
أشار إلى هذا العامل السيد الغريفي في كتابه (قواعد الحديث ٢٢٢).
حجية المضمر
اختلف في حجية الحديث المضمر ومشروعيته الرجوع إليه واعتباره مصدرا، على ثلاثة أقوال:
١ ـ التفصيل بين ما إذا كان الراوي المضمر من أجلة الرواة الفقهاء فمضمره حجة، وبين غيره فلا يكون مضمره حجة.
وإليه ذهب الأكثر.
جاء في حاشية (الروضة البهية) الموسومة بـ (حديثة الروضة) والمدرجة ضمن حواشيها في طبعتها الحجرية 1/141 شرحاً لقول الماتن (مقطوعة محمد بن مسلم): (المقطوعة هي الرواية التي لم يعلم فيها أن المروي عنه المعصوم أم لا، مثل قوله: (وسألته)، ويقال لها المضمرة.
فإن كان الراوي فيها من الأجلة والأعيان، مثل زرارة، ومحمد بن مسلم، فالأظهر عند الأكثر حجيتها، لأن الظاهر أن مثلهما لا يسأل إلا من المعصوم، وإلا، فلا) أي وإن لم يكن الراوي من الأجلة والأعيان فلا يقال بحجية مقطوعته.
وممن قال بهذا القول الشيخ الخراساني، فقد جاء في كتابه (كفاية الأصول 2/400 ـ 401 تعليقة السيد الحكيم) تعقيباً على مضمرة زرارة التي استدل بها على حجية الاستصحاب والتي يقول فيها زرارة: (قلت له: الرجل ينام… إلخ)، (وهذه الرواية وإن كانت مضمرة إلا أن إضمارها لا يضر باعتبارها حيث كان مضمرها مثل زرارة، وهو ممن لا يكاد يستفتي من غير الإمام (عليه السلام)، لا سيما مع هذا الاهتمام)، (المستفاد من تكرير السؤال).
٢ ـ القول بالحجية مطلقاً، أي سواء كان الراوي لها من أجلة الرواة وفقهائهم أم من غيرهم من الثقات، شريطة أن تتوافر الرواية على متطلبات الصحة الأخرى.
وهو ظاهر كلام الشيخ صاحب المعالم الذي حكاه عنه الشيخ البحراني في (الحدائق 5/311 ـ 312) ـ بعد أن أختاره ـ قال في معرض الاستدلال على ما يعفى من الدم في الصلاة: (وثانيهما: حسنة محمد بن مسلم بطريق الشيخ المتقدم ذكره، ورواية إسماعيل الجعفي المتقدمتان.
وأجاب في (المختلف) عن الحسنة المذكورة بأن محمد بن مسلم لم يسنده إلى الإمام (عليه السلام)، قال: وعدالته وإن كانت تقتضي الاخبار عن الامام، إلا أن ما ذكرناه لا لبس فيه يعني حديث ابن أبي يعفور.
ولله در المحقق الشيخ حسن في (المعالم) حيث رد ذلك فقال: وأما جوابه عن الثاني فمنظور فيه، وذلك لأن الممارسة تنبه على أن المقتضي لنحو هذا الإضمار في الأخبار ارتباط بعضها ببعض في كتب روايتها عن الأئمة (عليهم السلام)، فكان يتفق وقوع أخبار متعددة في أحكام مختلفة مروية عن إمام واحد، ولا فصل بينها يوجب إعادة ذكر الإمام (عليه السلام) بالاسم الظاهر فيقتصرون على الإشارة إليه بالمضمر.
ثم إنه لما عرض لتلك الأخبار الاقتطاع والتحويل إلى كتاب آخر تطرق هذا اللبس.
ومنشأه غفلة المقتطع لها، وإلا فقد كان المناسب رعاية حال المتأخرين لأنهم لا عهد لهم بما في الأصول.
واستعمال ذلك الاجمال إنما ساغ لقرب البيان، وقد صار بعد الاقتطاع في أقصى غاية البعد، ولكن عند الممارسة والتأمل يظهر أنه لا يليق بمن له أدنى مسكة أن يحدث بحديث في حكم شرعي ويسنده إلى شخص مجهول بضمير ظاهر في الإشارة إلى معلوم، فكيف بأجلاء أصحاب الأئمة (عليهم السلام) كمحمد بن مسلم وزرارة وغيرهما.
ولقد تكثر في كلام المتأخرين رد الأخبار بمثل هذه الوجوه التي لا يقبلها ذو سليقة مستقيمة.
هذا وقد كان الأولى للعلامة (قده) في الجواب عن الاحتجاج بهذا الحديث بعد حكمه بصحة حديث ابن أبي يعفور، ورجوع كلامه في جوابه، إلى أن حديث ابن أبي يعفور أرجح في الاعتبار من خبر ابن مسلم، أن يجعل في وجه الرجحان كون ذلك من الصحيح وهذا من الحسن. انتهى).
٣ ـ القول بعدم الحجية مطلقاً (أي سواء كان الراوي المضمر من وجوه الرواة وفقهائهم كزرارة أو من غيرهم من الثقات، لاحتمال عود الضمير فيها إلى غير المعصوم (عليه السلام)، وهو يكفي في عدم الحجية.
نسب الشيخ حسن بن الشهيد الثاني هذا القول إلى جمع من الأصحاب.
واختاره الشهيدان حيث خدش الأول منهما في مضمر محمد بن مسلم: (سألته عن الرجل لا يدري صلى ركعتين أم أربعا؟ قال: يعيد الصلاة) بأنه مجهول المسؤول، وعقبه الثاني بقوله: (فيحتمل كونه غير امام).
كما اختاره الشيخ محمد حسن في (جواهره) حيث خدش في صحيح محمد بن إسماعيل بن بزيع: (سأله رجل عن رجل مات وترك أخوين… إلخ) بأنه مضمر في (الكافي) و(التهذيب) فلا يصلح للمعارضة).
التقسيم الثالث
ويقسم الخبر المسند باعتبار مستوى أحوال الرواة من حيث الوثاقة واللا وثاقة.
أو قل: يقسم على أساس تقييم السند من حيث الاعتبار واللا اعتبار، إلى أربعة أقسام، هي: الصحيح والحسن والموثق والضعيف.
١ ـ الصحيح
كلمة (صحيح) على وزن (فعيل)، وهذا الوزن ـ كما هو مقرر صرفيا ـ يستعمل بمعنى (فاعل)، ويستعمل بمعنى (مفعول).
وهنا يمكننا أن نستخدم كلمة (صحيح) بمعنى (فاعل) لتوفر الموصوف بها على شروط الصحة.
ويمكننا أن نستخدمها بمعنى (مفعول) لتصحيح العلماء موصوفها وفق قواعد الصحة.
ويقرّب المعنى الثاني استعمال كلمة (مصحح) على ألسنة الفقهاء في موضعه، فيقولون: (مصحح زرارة) بمعنى (صحيح زرارة).
وتذكّر هاتان الكلمتان باعتبار أنهما وصف لكلمة (حديث)، وتؤنثان فيقال: (صحيحة) و(مصححة) باعتبارأنهما وصف لكلمة (رواية).
وتجمع كلتا (صحيح) و (صحيحة) على (صحاح) ـ بكسر الصاد ـ.
والصحيح ـ لغة ـ الصادق، والمطابق للواقع، يقال: صح الخبر والأمر، بمعنى ثبت وطابق الواقع، فهو صحيح وصحاح ـ بفتح الصاد فيهما ـ.
ويقال كلام صحيح، بمعنى صادق، ومنه قول بعضهم، وقد مدح بعض الرؤساء فلم يجزه بشئ:
أعد مدحي عليّ وخذ سواه
فقد أتعبتني يا مستريحُ
ولا تعتب إذا أنشدت يوماً
سواه وقيل لي: هذا الصحيح
ولعله لهذا اختيرت كلمة (صحيح) مصطلحاً علمياً لهذا القسم الذي نحن بصدد تعريفه.
هذا في اللغة العربية.
وعلمياً عرف الشهيد الثاني وابنه صاحب المعالم الحديث الصحيح بأنه الحديث الذي (اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الضابط عن مثله في جميع الطبقات)([36]).
وهذا يعني أن الحديث الصحيح هو المسند الذي تتامت فيه سلسلة السند من آخر راو له حتى المعصوم الذي صدر منه الحديث، مع اشتراط أن يكون كل واحد من الرواة في جميع أجيال الرواية إماميا عادلا ضابطا في حفظه للحديث ونقله له.
٢ ـ الحَسَن:
عرّفه الشهيد الثاني في (الدراية ٢١) بقوله: (الحسن: هو ما اتصل سنده إلى المعصوم بإمامي ممدوح من غير نص على عدالته، مع تحقق ذلك في جميع مراتبه أو في بعضها مع كون الباقي من رجال الصحيح).
وربما كان لاشتراط أن يكون رواته أو بعضهم من الإماميين الممدوحين دخل في اختيار هذا الوصف مصطلحا للقسم المذكور.
لأن (الحسن في عرف العلماء يطلق على ثلاثة معان:
الأول: كون الشئ ملائما للطبع.
الثاني: كونه صفة كمال.
الثالث: كونه متعلق للمدح)([37])… وهو المقصود هنا.
ويؤنث باعتبار إرادة الرواية على (حسنة)، فيقال: (حسن محمد بن مسلم) و (حسنة محمد بن مسلم).
ويجمعان على (حِسان) ـ بكسر الحاء ـ.
٣ ـ الموثّق
عرّفه الشيخ العاملي في (المعالم ٣٦٧) فقال: (الموثق: وهو ما دخل في طريقه من ليس بإمامي، ولكنه منصوص على توثقه بين الأصحاب).
(ويسمى القوي أيضاً).
وقد يفرق بين الموثق والقوي، بأن يقتصر في إطلاق الموثق على ما ينطبق عليه التعريف المذكور في أعلاه، ويقتصر في إطلاق القوي على الحديث الذي يرويه الامامي الذي لم ينعت في كتب الرجال بمدح أو ذم.
يقول الشهيد الثاني في (الدراية 23 ـ 24): (وقد يطلق القوي على ما يروي الإمامي غير الممدوح ولا المذموم كنوح بن دراج وناجية بن عمارة الصيداوي وأحمد بن عبد الله بن جعفر الحميري وغيرهم، وهم كثيرون).
وعلى أساس من هذا تتخمس الأقسام فتكون كالتالي: الصحيح والحسن والقوي والموثق والضعيف.
لكن المشهور شهرة كبيرة جداً هو التربيع.
وسمي هذا القسم بالموثق من الوثوق بمعنى الائتمان حين أؤتمن هذا الراوي على روايته الحديث.
ومن هنا نص أصحابنا على أن يكون الراوي غير الامامي الموثق موثقا ومؤتمنا على روايته الحديث من قبل علمائنا لا في مذهبه.
وجمعه منحصر ـ في لغة الفقهاء ـ بالمؤنث حيث يقولون ـ دائماً ـ (الموثقات).
٤ ـ الضعيف
وعرفوه بأنه الذي لا تجتمع فيه شروط أحد الأقسام الثلاثة المتقدمة.
وذلك بأن يشتمل سنده على راو مضعف أو مجهول الحال.
ومؤنثه (ضعيفة)، ويجمعان على (ضعاف) ـ بكسر الضاد ـ.
وتسمى هذه الأقسام الأربعة (أصول الحديث) لان جميع الأقسام الأخرى ترجع إليها من حيث التقييم، إذ لا بد أن تكون واحدا من هذه الأقسام.
وبغية أن نتبين معاني هذه الأقسام أكثر، نقوم بتوضيح المفاهيم الركائز التي قامت عليها، وهي:
١ ـ التعديل.
٢ ـ التحسين.
٣ ـ التوثيق.
٤ ـ التضعيف.
التعديل
اختلفوا ـ هنا ـ في مفهوم العدالة على قولين:
١ ـ العدالة هي الاستقامة في السلوك بالاتيان بالواجبات الشرعية وترك المحرمات الشرعية.
أو كما يعرفها المشهور بـ (أنها عبارة عن ملكة نفسانية راسخة باعثة على ملازمة التقوى وترك ارتكاب الكبائر وعدم الاصرار على الصغائر، وترك ارتكاب منافيات المروءة التي يكشف ارتكابها عن قلة المبالاة بالدين بحيث لا يوثق منه التحرز عن الذنوب)([38]).
هذا هو التعريف الفقهي للعدالة والذي رتبت عليه الآثار الشرعية، أمثال قبول الشهادة وجواز التقليد.
وقد سُرّي مفعوله إلى هنا، فأريد من عدالة الراوي العدالة بالمعنى المذكور.
وإلى هذا ذهب جمهور علماء الحديث تبعا لعلماء الفقه.
٢ ـ العدالة هي الوثاقة في نقل الحديث:
وإليه ذهب الشيخ الطوسي، كمصطلح خاص أفاده من واقع تعامل العلماء في قبولهم الروايات أو رفضها، وتصديقهم الرواة أو تكذيبهم.
قال: (فأما من كان مخطئاً في بعض الأفعال أو فاسقا بأفعال الجوارح، وكان ثقة في روايته، متحرزاً فيها، فإن ذلك لا يوجب رد خبره، ويجوز العمل به، لأن العدالة المطلوبة في الرواية حاصلة فيه.
وإنما الفسق بأفعال الجوارح يمنع من قبول شهادته، وليس بمانع من قبول خبره، ولأجل ذلك قبلت الطائفة أخبار جماعة هذه صفتهم)([39]).
ونفى المحقق الحلي وجود هذا الواقع الذي أشار إليه الشيخ الطوسي، وأفاد منه المقصود بعدالة الراوي عند علماء الحديث قال: (المسألة الثانية: عدالة الراوي شرط في العمل بخبره، وقال الشيخ (ره) يكفي كونه ثقة متحرزا عن الكذب في الرواية، وإن كان فاسقا بجوارحه، وادعى عمل الطائفة على أخبار جماعة هذه صفتهم.
ونحن نمنع هذه الدعوى ونطالب بدليلها.
ولو سلمناها لاقتصرنا على المواضع التي عملت فيها بأخبار خاصة ولم يجز التعدي في العمل إلى غيرها.
ودعوى التحرز عن الكذب مع ظهور الفسق مستبعدة إذ الذي يظهر فسوقه لا يوثق بما يظهر من تحرجه عن الكذب)([40]).
وعلق الشيخ حسن العاملي على نقد المحقق الحلي لرأي الشيخ الطوسي بعد نقله له، فقال: (وهذا الكلام جيد، والقول باشتراط العدالة عندي هو الأقرب) ([41])… يعني العدالة بمعناها المشهور.
وناقش الشيخ السبحاني مناقشة المحقق الحلي ـ بعد إشارته إليها ـ بقوله) :والمناقشة في غير محلها، فإن إنكار عمل الطائفة بأخبار غير العدول لا ينطبق على الواقع، ويتضح ذلك لمن مارس الفقه.
وإنكاره من المحقق عجيب جداً)[42])، لأن المحقق خِرِّيت هذه الصناعة، والسابر لمختلف أعماقها وأغوارها، فمن الغريب العجيب أن يفوته وضوح هذا الأمر الجلي.
والذي يظهر لي أن مرجع الخلاف في هذه المسألة هو أن الشيخ الطوسي اعتمد الاستقراء (وهو ملاحظة تعامل الطائفة مع الرواة) دليلاً لما أبداه من رأي.
والاستقراء ـ هنا ـ واضح الدلالة.
وأن القوم اعتمدوا آية النبأ: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات: 6] حيث دلت بمنطوقها على وجوب التبين في قبول خبر الفاسق، وبمفهومها على عدم وجوب التثبت في قبول خبر العادل.
بتقريب أن المراد من الفسق ـ هنا ـ ما يقابل العدالة بمعناها عند الفقهاء.
ونحن إذا حاولنا أن نلتمس معنى الفاسق في الاستعمال القرآني، وبخاصة أن هذه الكلمة لم تستعمل وصفا للانسان في لغة العرب قبل نزول القرآن الكريم، فقد نقل الراغب الأصفهاني في (المفردات: مادة فسق) عن ابن الأعرابي اللغوي الثقة أنه قال: (لم يسمع الفاسق في وصف الانسان في كلام العرب، وإنما قالوا فسقت الرطبة عن قشرها).
وجاء في (معجم ألفاظ القرآن الكريم: مادة فسق): (من الحسي: فسقت الرطبة من قشرها، إذا خرجت.
وفسق فلان في الدنيا فسقا، اتسع فيها ولم يضيقها على نفسه.
وفسق فلان ماله، إذا أهلكه وأنفقه.
ومنه يمكن إخراج معنى المادة الذي أكسبه إياها الاسلام، فقد نقل أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية في شعر ولا كلام (نثر)، فاسق.
وجاء في الشرع بأن الفسق: الافحاش في الخروج عن طاعة الله.
وعدت الكلمة من الألفاظ الاسلامية التي نقلت عن موضعها إلى موضع آخر، بزيادات زيدت وشرائع شرعت وشرائط شرطت، وهو مثل من التطور اللغوي لدلالة الكلمات.
وبهذا المعنى الاسلامي للفسق استعمل في القرآن مقابلا للإيمان، كفراً {وما يكفر بها إلا الفاسقون} [البقرة: 99]، ونفاقاً {إن المنافقين هم الفاسقون} [التوبة: 67]، وضلالاً {فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون} [الحديد: 26]، وعلى أنواع من العصيان، وبهذا كان الفسق أعم من الكفر).
وهذا يعني أن الكلمة لم تستقر في الاستعمال القرآني على المعنى الشرعي المقابل لمعنى العدالة الذي استفيد من أمثال صحيح عبد الله بن أبي يعفور: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟
فقال (عليه السلام): أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان.
ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله تعالى عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك.
والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه)([43]).
وإنما استقر لفظ (الفاسق) مصطلحا خاصا يعني ما يقابل العادل بعد صدور أمثال صحيحة ابن أبي يعفور، واستفادة الفقهاء منها ما حددوه من معنى العدالة.
فلا نستطيع ـ على هذا ـ أن نحمل لفظ (الفاسق) في الآية الكريمة على المعنى المقابل للعادل.
وفي هديه لا بد من التماس دليل آخر غير الآية الكريمة، وليس هو إلا السيرة الاجتماعية (سيرة العقلاء)، وما يفاد منها في ضوء ملاحظة تعامل الناس حين تلقيهم الأخبار بعضهم عن بعض.
وعلى أساسه نقول: هل المشترط في قبول رواية الحديث هو:
ـ عدالة الراوي.
ـ وثاقة الراوي.
ـ الوثوق بصدور الخبر عن المعصوم.
ولأننا إنما نتعامل مع الخبر لأنه سنة أو حاكٍ عن السنة يكون المطلوب هو الوثوق بصدور الخبر عن المعصوم.
وعدالة الراوي وكذلك وثاقته تكون طريقا لحصول الوثوق بالصدور.
ويؤيد هذا أن خبر الواحد المقترن بما يفيد العلم بصدوره عن المعصوم لم يشترط في رواية أن يكون عادلا أو ثقة،… وما ذلك إلاّ لأن مثل هذا الشرط إنما هو مقدمة لحصول الوثوق بالصدور، فإذا حصل بالصدور بدونه لا نحتاج إليه لأن حصول الوثوق بالصدور هو المطلوب.
ومن هنا نقول: إن (السيرة كما تدل على حجية قول الثقة، كذلك تدل على حجية كل خبر حصل الوثوق بصدوره عن المعصوم، سواء أحرزت وثاقة الراوي أم لم تحرز، بل إحراز وثاقة الراوي مقدمة لحصول الوثوق بصدور الخبر)([44]).
وتعرف عدالة الراوي من ألفاظ التقييم المذكورة في الكتب الرجالية، والتي سنستعرضها بعد قليل.
التحسين
ويراد به ـ هنا ـ أن يفهم من ألفاظ المدح التي يذكرها الرجاليون في تقييم الراوي، بالإضافة إلى أنه إمامي المذهب، ثقة في حديثه.
وبه يلتقي (الحسن) و (الموثق)، ويختلفان في مذهب الراوي حيث اشترط في الحسن أن يكون رواته جميعاً إماميين، وفي الموثق ربما كان الرواة جميعاً غير إماميين، وربما كان بعضهم إمامياً والبعض الآخر غير إمامي.
وفي القسمين لابد من وثاقة الرواة إما عن طريق المدح أو عن طريق التوثيق.
التوثيق
يراد به أن يكون الراوي ثقة في حديثه، وأن يكون توثيقه من قبل علمائنا، لا في مذهبه.
التضعيف
ويراد به أن الراوي لم يبلغ مستوى العدالة، ولا مستوى الوثاقة، إما للجهل بحاله، أو للعلم به بأنه ليس بعادل ولا ثقة، ونص من قبل الرجاليين على هذا.
(ألفاظ التعديل والتوثيق):
هناك ألفاظ خاصة استعملها الرجاليون للدلالة على أن الراوي إمامي عادل أو غير إمامي إلا أنه ثقة، عرفت بينهم بألفاظ التعديل.
وعن طريقها نعرف قيمة الراوي عند إرادتنا تقييم رجال السند.
ذكر منها الشهيد الثاني في (الدراية ٧٥) الألفاظ التالية:
ـ عدل.
ـ ثقة.
ـ حجة.
ـ صحيح الحديث.
ويبدو أن تدوينه قام على أساس أن الألفاظ المذكورة وما يماثلها إذا ذكرت في كتاب رجالي توثقنا على قيمة الراوي من حيث العدالة.
وقد يلاحظ على هذا من ناحية منهجية أن بعض القيم المذكورة أمثال (عدل) و (حجة) لم يرد في فهرستي النجاشي والطوسي.
ويرجع ذلك إلى أنهما كانا يستعملان كلمة (ثقة) للدلالة على ما يعطي معنى عدل أو حجة، وبخاصة إذا تكررت، أو اقترنت بما يفيد هذا، وللدلالة على التوثيق فقط إذا ذكرت تقييما لغير الامامي، كأن يقال: (عامي ثقة) أو (واقفي ثقة) أو (فطحي ثقة)، وكذلك إذا ذكرت تقييما للامامي واقترنت بما يفيد التوثيق لا التعديل.
ومن هنا كان المطلوب منهجيا الرجوع إلى كتب الرجال الأصول، ودراسة ألفاظ التوثيق من خلال تطبيقاتها.
وبالرجوع إلى فهرست النجاشي وفهرست الطوسي استخرجت منهما القائمة التالية:
١ ـ أوثق الناس في الحديث وأثبتهم.
٢ ـ أوثق الناس في حديثه.
٣ ـ أوثق أهل زمانه عند أصحاب الحديث.
٤ ـ أمره في الثقة أشهر من أن يذكر.
٥ ـ ثقة، ثقة، لا يعدل به أحد في جلالته ودينه وورعه.
٦ ـ ثقة، ثقة، ثبت، وجه.
٧ ـ ثقة، جليل، واضح الحديث، حسن الطريقة.
٨ ـ ثقة، ثقة، عين، لا بأس به، ولا شك.
٩ ـ ثقة، ثقة، عين، سديد.
١٠ ـ ثقة، ثقة، عين، مسكون إليه.
١١ ـ ثقة، ثقة، عين.
١٢ ـ ثقة، ثقة، ثبت.
١٣ ـ ثقة، ثقة، صحيح.
١٤ ـ ثقة، ثقة، صحيح الحديث.
١٥ ـ ثقة، ثقة، في الحديث.
١٦ ـ ثقة، ثقة، معتمد على ما يرويه.
١٧ ـ ثقة، ثقة.
١٨ ـ ثقة في حديثه، مسكون إلى روايته، لا يعترض عليه بشئ من الغمز، حسن الطريقة.
١٩ ـ ثقة في حديثه، مسكون إلى روايته.
٢٠ ـ ثقة في الحديث، صحيح الرواية، ثبت، معتمد على ما يرويه.
٢١ ـ ثقة في الحديث، ثبت، معتمد.
٢٢ ـ ثقة، جيد الحديث، نقي الرواية، معتمد عليه.
٢٣ ـ ثقة في حديثه متقن لما يرويه.
٢٤ ـ ثقة في حديثه، مستقيم في دينه.
٢٥ ـ ثقة في حديثه، صدوق.
٢٦ ـ ثقة في حديثه، مأمون.
٢٧ ـ ثقة في حديثه، سالم الجنبة.
٢٨ ـ ثقة في حديثه.
٢٩ ـ ثقة في الحديث.
٣٠ ـ ثقة، سالم فيما يرويه.
٣١ ـ ثقة فيما يرويه.
٣٢ ـ ثقة في روايته.
٣٣ ـ ثقة معتمد عليه.
٣٤ ـ ثقة، وأصله معتمد عليه.
٣٥ ـ ثقة، عين، صحيح الحديث.
٣٦ ـ ثقة، عين، نقي الحديث.
٣٧ ـ ثقة، عين، واضح الرواية.
٣٨ ـ ثقة، عين في الحديث.
٣٩ ـ ثقة، عين، حسن الطريقة.
٤٠ ـ ثقة، عين صحيح الاعتقاد.
٤١ ـ ثقة، عين، صدوق.
٤٢ ـ ثقة، عين.
٤٣ ـ ثقة، صدوق.
٤٤ ـ ثقة، مشهور، صحيح الحديث.
٤٥ ـ ثقة، صحيح الحديث.
٤٦ ـ ثقة، صحيح السماع.
٤٧ ـ ثقة، صحيح الرواية، واضح الطريقة.
٤٨ ـ ثقة، مصدق، لا يطعن عليه.
٤٩ ـ ثقة، عظيم المنزلة في أصحابنا.
٥٠ ـ ثقة، جليل، عظيم القدر.
٥١ ـ ثقة، جليل، لا يطعن عليه بشئ.
٥٢ ـ ثقة، جليل.
٥٣ ـ ثقة، لا يطعن عليه بشئ.
٥٤ ـ ثقة، وجه.
٥٥ ـ ثقة، معول عليه.
٥٦ ـ ثقة، متقدم.
٥٧ ـ ثقة، حسن الطريقة.
٥٨ ـ ثقة، خير.
٥٩ ـ ثقة، مستقيم.
٦٠ ـ ثقة، سليم الجنبة.
٦١ ـ ثقة، سليم.
٦٢ ـ ثقة، صحيح المذهب.
٦٣ ـ ثقة، لا بأس به.
٦٤ ـ من ثقات أصحابنا.
٦٥ ـ موثوق به.
٦٦ ـ ثقة.
وعلى أساس ما مر من الاختلاف في مفهوم العدالة عند علماء الحديث، حيث لم يفرق الطوسي بينها وبين الوثاقة، وفرق الجمهور بينهما فخصصوا الوثاقة بالصدق بالقول، وعمموا العدالة إلى جميع سلوك الانسان الإرادي الاختيار، ولكنهم خصوها بالامامي، وعموا الوثاقة للامامي وغيره.
على أساس من هذه لا فرق في قيمة الراوي عند الشيخ الطوسي بين الامامي وغير الامامي إذا كان كل منهما موثقاً.
فكل هذه الألفاظ ـ على رأيه ـ تصلح لتوثيق أي منهما.
بينما هي (أعني الألفاظ) تنقسم عند الجمهور إلى ما يراد به التعديل، وما يراد به التوثيق.
فما رُكّز على الوثاقة في الحديث، فإنه يعني أن الراوي موثق، ولازمه أن تختص هذه الألفاظ بالتوثيق أي بالقسم الثالث، وهو الموثق.
وما كان منها عاما أي لم يركز فيه على الحديث بالذات فيعني أن الراوي عدل.
وهنا ينبغي أن يلاحظ أن ما دل منها على الوثاقة فقط في الراوي الامامي لا بد أن يدخل ـ على رأي الجمهور ـ في القسم الثاني، وإن ذكروا أن التحسين يعني المدح من غير نص على العدالة، لأن هذا ـ في واقعه ـ لا يعني عدم النص على الوثاقة، لأننا ذكرنا أنه لابد ـ وعلى أقل تقدير ـ من وثاقة الراوي في الروايات الحسان، سواء كانت الوثاقة مستفادة من التحسين (المدح) أو من التوثيق.
ألفاظ خاصة بالتعديل
وهناك ألفاظ خاصة بالتعديل لا ينعت بها إلا من هو إمامي عادل، وهي:
١ ـ جليل القدر عظيم المنزلة عند الأئمة.
٢ ـ جليل من أصحابنا عظيم القدر والمنزلة.
٣ ـ جليل من أصحابنا عظيم المنزلة.
٤ ـ جليل من أصحابنا عظيم القدر.
٥ ـ كبير القدر من خواص الامام.
٦ ـ له جلالة في الدنيا والدين.
٧ ـ من أجلاء الطائفة وفقهائها.
٨ ـ شيخ أصحابنا ومتقدمهم، له منزلة عظيمة.
٩ ـ من وجوه أصحابنا ومحدثيهم وفقهائهم.
١٠ ـ وجه في أصحابنا، متقدم، عظيم المنزلة.
١١ ـ متقدم، عظيم المنزلة.
١٢ ـ عظيم القدر، شريف المنزلة، صحيح العقيدة.
ألفاظ التحسين
أما ألفاظ المدح التي يفاد منها التحسين، فهي:
١ ـ من أجل أصحاب الحديث.
٢ ـ صحيح الحديث، سليم.
٣ ـ صحيح الحديث والمذهب.
٤ ـ صحيح الحديث.
٥ ـ نقي الحديث.
٦ ـ حسن العلم والمعرفة بالحديث.
٧ ـ من حفاظ الحديث.
٨ ـ عين، مسكون إلى روايته.
٩ ـ يسكن إلى روايته.
١٠ ـ سحن الحفظ، صحيح الرواية.
١١ ـ حافظ، حسن الحفظ.
١٢ ـ سليم الاعتقاد، صحيح الرواية.
١٣ ـ متدين، حسن الاعتقاد.
١٤ ـ صحيح المذهب، حسن الاعتقاد.
١٥ ـ إمامي، مستقيم الطريقة.
١٦ ـ مستقيم الطريق، صالح الأمر.
١٧ ـ مشهور الأمر.
١٨ ـ قريب الأمر في الحديث.
١٩ ـ دين، فاضل.
٢٠ ـ لا بأس به.
٢١ ـ وجه في أصحابنا.
٢٢ ـ رجل من أصحابنا.
٢٣ ـ شيخ من أصحابنا.
٢٤ ـ مشهور في أصحابنا.
٢٥ ـ خاص بحديثنا.
٢٦ ـ خاصة الامام.
٢٧ ـ خصيص الامام.
ألفاظ التضعيف
١ ـ كذاب.
٢ ـ كذاب، غال، لا خير فيه، ولا يعتد بروايته.
٣ ـ ضعيف.
٤ ـ ضعيف الحديث، مرتفع القول.
٥ ـ ضعيف جدا، وفي مذهبه ارتفاع.
٦ ـ ضعيف في الحديث، غير معتمد فيه.
٧ ـ ضعيف في حديثه.
٨ ـ ضعيف في حديثه، متهم في دينه.
٩ ـ ضعيف الحديث، فاسد المذهب، مجفو الرواية.
١٠ ـ ضعيف، فاسد الرواية.
١١ ـ ضعيف، مخلط فيما يسنده.
١٢ ـ ضعيف، فاسد المذهب.
١٣ ـ ضعيف، غال.
١٤ ـ ضعيف جدا.
١٥ ـ ضعيف جدا، لا يلتفت إليه.
١٦ ـ ضعيف جدا، فاسد المذهب.
١٧ ـ ضعيف جدا، فاسد الاعتقاد، لا يعتمد في شئ.
١٨ ـ ضعيف جدا، لا يعول عليه، ولا يلتفت إلى ما تفرد به.
١٩ ـ ذكره أصحابنا بالضعف.
٢٠ ـ ضعفه جماعة من أصحابنا.
٢١ ـ ضعفه أصحابنا.
٢٢ ـ غالي المذهب.
٢٣ ـ غال، فاسد المذهب.
٢٤ ـ غال، متهم في دينه.
٢٥ ـ غال، كذاب، فاسد المذهب والحديث.
٢٦ ـ فيه غلو وترفع.
٢٧ ـ رمي بالضعف والغلو.
٢٨ ـ رمي بالغلو، وغمز عليه، ضعيف جدا.
٢٩ ـ مضطرب.
٣٠ ـ مضطرب الأمر.
٣١ ـ مضطرب الحديث.
٣٢ ـ مضطرب الحديث والمذهب.
٣٣ ـ مضطرب الرواية، فاسد المذهب، لا يعبأ به.
٣٤ ـ يعرف وينكر.
٣٥ ـ يعرف وينكر، بين بين.
٣٦ ـ في حديثه بعض الشئ، يعرف وينكر.
٣٧ ـ لم يكن في الحديث بذلك، يعرف منه وينكر.
٣٨ ـ أمره ملبس، يعرف وينكر.
٣٩ ـ مختلط الأمر في الحديث، يعرف منه وينكر.
٤٠ ـ مخلط.
٤١ ـ مختلط الأمر.
٤٢ ـ مختلط الأمر في حديثه.
٤٣ ـ حديثه ليس بالنقي.
٤٤ ـ حديثه ليس بذاك النقي.
٤٥ ـ لم يكن في المذهب والحديث، وإلى الضعف ما هو.
٤٦ ـ فاسد المذهب والرواية.
٤٧ ـ ممن طعن عليه.
٤٨ ـ لم يكن بالمرضي.
٤٩ ـ لم يكن بذاك.
٥٠ ـ ليس بذاك.
٥١ ـ لا يلتفت إلى ما رواه.
٥٢ ـ يصنع الحديث.
هذه هي العبائر التي وقفت عليها في فهرستي النجاشي والطوسي، ولعدم وضوح بعضها نكون بحاجة إلى توضيحها لمعرفة ما يراد بها، وهي:
١ ـ الغلو:
الغلو مصطلح من مصطلحات العقيدة، أخذ من قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم( [المائدة: 77].
خوطب به أهل الكتاب لأن اليهود غلوا في السيد المسيح بحطهم إياه عن منزلته الدينية، ولأن النصارى غلوا فيه فرفعوه فوق منزلته الدينية.
يقول الزمخشري: (غلت اليهود في حط المسيح عن منزلته حيث جعلته مولوداً لغير رشدة([45])، وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلهاً)([46]).
وروى الطبرسي عن الحسن البصري (قال: إن النصارى غلت في المسيح، فقالت: هو ابن الله، وبعضهم قال: هو الله، وبعضهم قال: هو ثالث ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، واليهود غلت فيه حتى قالوا: ولد لغير رشدة، فالغلو لازم للفريقين)([47]).
ومنه يفهم أن الغلو قد يكون بحط الولي عن منزلته، وقد يكون برفعه فوق منزلته أي هو انحراف في الاعتقاد إلى طرف الإفراط أو إلى طرف التفريط.
وبوجود فرقة من الشيعة غلت في أهل البيت (عليهم السلام) فرفعتهم فوق منزلتهم فسموا بـ (الغلاة).
فعندما يقال: (فلان غالٍ) أو أمثال هذه العبارة يراد به أن الراوي من هذه الفرقة.
٢ ـ الارتفاع في القول أو المذهب:
يراد به أن الراوي يعتقد أو يقول ما يرتفع بصفات الامام إلى مستوى الغلو.
وسمي بالارتفاع لأن الغلو على قسمين: غلو بالحط وغلو بالرفع ـ كما تقدم.
٣ ـ الاختلاط:
يراد به كمصطلح حديثي: التساهل في رواية الحديث، فلا يحفظ الراوي الحديث مضبوطاً، ولا ينقله مثلما سمعه، كما أنه (لا يبالي عمن يروي، وممن يأخذ، ويجمع بين الغث والسمين والعاطل والثمين)([48]).
٤ ـ يعرف وينكر:
بالبناء للمفعول فيهما… ذكر في بيان المقصود من العبارة أكثر من معنى، قال الشيخ المامقاني في الفائدة الخامسة من مقدمة كتابه (تنقيح المقال): (إنه قد تكرر من أهل الرجال، سيما ابن الغضائري (ره) في حق جماعة من رجالنا قولهم: (يعرف حديثه وينكر) أو (يعرف تارة وينكر أخرى) وإنا وإن ذكرنا في (مقباس الهداية) ما ذكروه في المراد بالعبارة، إلا أنّا لكثرة وقوعه في كلمات أصحابنا أهمنا شرح الكلام فيه هنا أيضا، فنقول: قد صدر منهم في المراد بالعبارة (أقوال(:
أحدها: أن بعض أحاديثه معروف وبعضها منكر.
وأن المراد بالمنكر ما لا موافق له في مضمونه من الكتاب والسنة، وبالمعروف ما يوافق مضمونه بعض الأدلة.
ثانيها: أن بعض أحاديثه منكر مخالف للأدلة في مضمونه، وبعضها معروف له موافق فيها.
وهذا يقرب من سابقه.
ثالثها: أن المراد بالمنكر الأعاجيب على حد ما قاله الشيخ (ره) في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك([49])، ويقابله قوله (يعرف).
رابعها: أن المراد أنه يقبل تارة ولا يقبل أخرى.
خامسها: أن المراد به أنه يعرف معنى حديثه، وينكر بمعنى أنه مضطرب الألفاظ… وقد اختار هذا التفسير بعضهم حيث قال: إن الظاهر من قول ابن الغضائري: (يعرف وينكر) اضطراب الحديث.
سادسها: أن قوله (يعرف وينكر) تفسير لقوله (مختلط)، ومعنى اختلاف الحديث أنه لا يحفظه على وجهه.
٥ ـ الاختلاف في المذهب:
من الأسباب التي توجب التوقف عن الأخذ برواية الراوي الاختلاف في المذهب، إلا إذا نص على توثيقه من قبل علمائنا.
درجات القوة والضعف
تختلف مراتب أو درجات القوة في الأقسام الثلاثة: الصحيح والحسن والموثق.
وكذلك تختلف درجات الضعف في الحديث الضعيف.
يقول الشهيد الثاني في (الدارية 24 ـ 25): ودرجاته (يعني الضعيف) في الضعف متفاوتة بحسب بعده عن شروط الصحة، فكلما بعد بعض رجاله عنها كان أقوى في الضعف، وكذا ما كثر فيه الرواة المجروحون بالنسبة إلى ما قل فيه.
كما تتفاوت درجات الصحيح وأخويه والحسن والموثق بحسب تمكنه من أوصافها.
فما رواه الإمامي الثقة الفقيه الورع الضابط كابن أبي عمير أصح مما رواه من نقص في بعض الأوصاف منه.
وهكذا إلى أن ينتهي إلى أقل مراتبه.
وكذلك ما رواه الممدوح كثيراً كإبراهيم بن هاشم أحسن مما رواه من هو دونه في المدح.
وهكذا إلى أن يتحقق مسماه.
وكذا القول في الموثق، فإن ما كان في طريقه مثل علي بن فضال، وأبان بن عثمان، أقوى من غيره.
وهكذا.
ويستفاد من هذا في مجال التعارض بين الخبرين.
أقسام الضعيف
أشرنا من خلال الجدول البياني المتقدم إلى أن الحديث الضعيف ينقسم إلى: مقبول ومردود.
والآن حيث جاء دور دراستهما نقول: عرّفوا:
١ ـ المقبول: بأنه الحديث الضعيف الذي تلقاه الفقهاء بالقبول، وعملوا بمضمونه.
أي أن الفقهاء يعتمدونه دليلا في الاستنباط، ويفتون وفق مدلوله.
وقد يؤنث باعتبار الرواية فيقال: (مقبولة).
ومثاله:
مقبولة عمر بن حنظلة العجلي الكوفية، الواردة في النهي عن التقاضي عند القضاة الرسميين المنصوبين من قبل الحاكم العباسي، ولزوم الترافع إلى فقهاء الإمامية.
وممن رواها الحر العاملي في (الوسائل 18/75، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي) بإسناده عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة، قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟… إلخ).
وضعفُ هذه الرواية آتٍ من وجود (محمد بن عيسى) و (داود بن الحصين( في سندها.
ضعّفهما الشهيد الثاني في (الدراية ٤٤) قال: (وإنما وسموه (يعني حديث ابن حنظلة المذكور) بالمقبول لأن في طريقه محمد بن عيسى وداود بن الحصين، وهما ضعيفان).
يضاف إليه أن عمر بن حنظلة لم ينص الأصحاب فيه بجرح أو تعديل.
ولكن لأنها قبلت من قبل الفقهاء، وعملوا بمضمونها في موضوع القضاء من الفقه، وفي موضوع الترجيح بين الخبرين المتعارضين من أصول الفقه، سميت بالمقبولة، ودخلت ضمن الأحاديث المعتبرة.
يقول الشهيد الثاني: (ومع ما ترى في هذا الإسناد (يعني إسناد المقبول المذكور) قد قبل الأصحاب متنه، وعملوا بمضمونه، بل جعلوه عمدة التفقه، واستنبطوا منه شرائطه كلها، وسموه مقبولا، ومثله في تضاعيف أحاديث الفقه كثير)([50]).
٢ ـ المردود: وهو الحديث الضعيف الذي رده العلماء ومنعوا من الرجوع إليه والعمل به لعدم وجود ما يساعد على جبر ضعفه.
ومن أوضح وأظهر مصاديقه:
الحديث الموضوع
تعريفه
الحديث الموضوع: هو المكذوب، المختلق، المصنوع.
والتسمية مأخوذة من الوضع بمعنى الاختلاق، يقال: وضع الرجل الحديث: افتراه وكذبه واختلقه([51]).
والوثيقة العلمية التي رواها الكليني بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ والتي نقلنا نصها عند حديثنا عن نشأة الحديث ـ صريحة في أن وضع الحديث كان على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
ويبدو أنه شكّل آنذاك ظاهرة تشبه المشكلة، مما دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يكافحها وبكل قوة، وذلك لما قد ينجم عن الوضع مع خطر على العقيدة والتشريع والمجتمع.
فقد جاء فيها: (وقد كُذِبَ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على عهده حتى قام خطيبا فقال: (يا أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) ثم كذب عليه من بعده).
عوامل الوضع
يمكننا أن نلخص عوامل وضع الحديث بالتالي:
١ ـ العامل السياسي.
٢ ـ العامل الديني.
٣ ـ العامل المذهبي.
٤ ـ العامل الاعلامي.
٥ ـ العامل الاجتماعي.
٦ ـ العامل الاقتصادي.
٧ ـ العامل الشخصي.
١ ـ العامل السياسي
وتمثل هذا بشكل واضح في أعمال معاوية بن أبي سفيان التي قام بها من أجل توطيد أركان دولته… وكان منها اختلاق الحديث.
ذلك أن معاوية عندما أسلم يوم فتح مكة أسلم لا عن طواعية، وإنما هو الأمر الواقع الذي استسلم له آل أمية.
فليس أمامهم لاسترجاع سيادتهم الجاهلية إلا أن يسايروا هذا الواقع الجديد الذي سلبهم تلك السيادة الجاهلية ليحققوا هدفهم في استرجاعها عن طريق هذه المسايرة.
وكان أول نفوذ لهم إلى ذلك، أيام أبي بكر حينما ولى يزيد بن أبي سفيان أمرة أحد جيوش الفتوح، وهو الجيش الذي وجهه الخليفة لفتح دمشق.
ثم لما ولاّه عمر بن الخطاب ولاية دمشق، وولى أخاه معاوية ولاية ما والاها من بلاد الشام.
ولما مات يزيد بن أبي سفيان أضاف عمر ولاية دمشق إلى معاوية.
ولما ولي عثمان بن عفان ولى معاوية ولاية الشام كلها.
وبعد مقتل عثمان استقل معاوية بولايته، وخرج عن طاعة الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب، وشق عصا جماعة المسلمين، بما أحدثه من فتنة الحرب بين أهل العراق وأهل الشام.
ولما استتب له أمر السلطة بعد مقتل علي (عليه السلام) (تحولت الخلافة إلى ملك آل إلى صاحبه بقوة السيف والسياسة والمكايد)([52]).
ولأن معاوية كان يعلم أن لا أهلية شرعية له للخلافة لأنه من الطلقاء.
وقد أسمعه هذا غير واحد من الصحابة والتابعين بما يجسد رأيهم فيه، وموقفهم منه.
روى المسعودي في (مروج الذهب 3/40ـ41) قال: (حدّث منصور بن وحشي عن أبي الفياض عبد الله بن محمد الهاشمي عن الوليد بن البختري العبسي عن الحارث بن مسمار البهراني قال: حبس معاوية صعصعة بن صوحان العبدي وعبد الله بن الكواء اليشكري ورجالا من أصحاب علي مع رجال من قريش، فدخل عليهم معاوية يوما، فقال: نشدتكم بالله إلا ما قلتم حقا وصدقا، أي الخلفاء رأيتموني؟!… ثم تكلم صعصعة فقال: تكلمت يا ابن أبي سفيان فأبلغت، ولم تقصر عما أردت، وليس الأمر على ما ذكرت، أنّى يكون الخليفة مَن ملك الناس قهراً، ودانهم كبراً، واستولى بأسباب الباطل كذباً ومكراً!.
أما والله ما لك في يوم بدر مضرب ولا مرمى، وما كنت فيه إلا كما قال القائل: (لا حلي ولا سيري).
ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير ممن أجلب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
وإنما أنت طليق وابن طليق، أطلقكما رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأنى تصلح الخلافة لطليق؟!
فقال معاوية: لولا أني أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول:
قابلت جهلهم حلما ومغفرة
والعفو عن قدرة ضرب من الكرم
لقتلتكم).
وفي كتاب علي إلى معاوية الذي يدعوه فيه إلى بيعته بيان آخر في أن الطلقاء لا تحل لهم الخلافة، قال (عليه السلام): (أما بعد: فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنه بايعني القوم الذين بايعوا (أبا بكر) و (عمر) و (عثمان) على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك رضا، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة، ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، ويصليه جهنم وساءت مصيراً.
وإن (طلحة) و (الزبير) بايعاني، ثم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردهما، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق، وظهر أمر الله وهم كارهون.
فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب الأمور إلي فيك العافية، إلا أن تتعرض للبلاء، فإن تعرضت له قاتلتك، واستعنت الله عليك.
وقد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إلي أحملك واياهم على كتاب الله.
فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن.
ولعمري، لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان.
وأعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا تعرض فيهم الشورى.
وقد أرسلت إليك وإلى من قبلك (جرير بن عبد الله)، وهو من أهل الإيمان والهجرة، فبايع، ولا قوة إلا بالله)([53]).
وفي (مقال عبد الرحمن بن غنم الأشعري لأبي هريرة وأبي الدرداء عندما أرسلهما معاوية إلى علي: (أي مدخل لمعاوية في الشورى! وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة، وهو وأبوه من رؤوس الأحزاب، وكيف يستقر له الأمر بعد قول عمر: (هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أحل أحد، ثم في كذا وكذا، وليس فيها لطليق، ولا لولد طليق، ولا لمسلمة الفتح)([54]).
)وقال له شعبة بن غريض: إنك ميت الحق في الجاهلية، وميته الاسلام، أما في الجاهلية فقاتلت النبي والوحي حتى جعل الله كيدك المردود، وأما في الاسلام فمنعت ولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الخلافة، وما أنت وهي؟! وأنت طليق ابن طليق)([55]).
فما كان منه (أعني معاوية) إلا أن اتجه وجهة اختلاق الأحاديث التي تؤيد ملكه وحكمه، فاستقطب ذوي النفوس المريضة من المرتزقة، والآخرين الذين يريدون الكيد للاسلام والمسلمين، فوضعوا له الأحاديث في هذا.
ومن هذا الذي وضعوه: أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (سيليكم بعدي البر ببره، ويليكم الفاجر بفجوره، فاسمعوا وأطيعوا في كل ما وافق الحق، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم)([56]).
وظلال الصنعة على هذا الحديث واضحة، وهي أنه اختلق ليلغي عنصر العدالة المطلوب توافره من ناحية شرعية في الخليقة، وليلغي وجوب الوقوف بوجه الحاكم الجائر حتى يعود إلى الاستقامة وتعود إلى النظام عدالته الاجتماعية.
ومع هذا كان أمام معاوية وتحقيق هدفه من تحويل الخلافة إلى ملك عضوض تتناوب على عرشه رجال أمية عقبة صلدة، تلك هي إيمان المسلمين بأن الخلافة لعلي وآله، فانبرى وبكل ما أوتي من حول لتذليل هذه العقبة.
(روى المدائني في كتاب الأحداث، وقال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: (أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب، وأهل بيته).
وكان أشد البلاء حينئذ أهل الكوفة.
وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.
وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه، وأهل ولايته، والذين يروون فضائله، ومناقبه، فأدنوا مجالسهم، وقربوهم، وأكرموهم، واكتبوا إلي بكل ما يروي كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه، وعشيرته.
ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعث إليهم معاوية من الصلات، والكساء، والحباء، والقطايع، ويفيضه في العرب منهم والموالي.
فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة، إلا كتب اسمه وقربه وشفعه.
فلبثوا بذلك حيناً.
ثم كتب إلى عماله: أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر، وفي كل وجه، وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة، والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي، وأقر إلى عيني، وأدحض لحجة أبي تراب، وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان، وفضله.
فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها.
وجرى الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر.
وأُلقي إلى معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم، وغلمانهم، من ذلك الكثير الواسع، حتى رووه، وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم، ونساءهم، وخدمهم، وحشمهم.
فلبثوا بذلك إلى ما شاء الله.
فظهرت أحاديث كثيرة موضوعة، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة)([57]).
وقال ابن عرفة: (إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم) ([58]).
ومن هذا ما أشار إليه ابن أبي الحديد في كتابه (شرح نهج البلاغة 1/358 الطبعة المصرية القديمة) قال: وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي: أن معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه.
منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: عروة بن الزبير.
روى الزهري أن عروة بن الزبير حدثه، قال: حدثتني عائشة، قالت: ـ كنت عند رسول الله إذ أقبل العباس وعلي: يا عائشة إن هذين يموتان على غير ملتي، أو قال: ديني.
وروى عبد الرزاق عن معمر، قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في علي (عليه السلام)، فسألته عنهما يوما، فقال: ما تصنع بهما، وبحديثهما، الله أعلم بهما، إني لأتهمهما في بني هاشم.
قال (أبو جعفر): فأما الحديث الأول فقد ذكرناه، وأما الحديث الثاني فهو أن عروة زعم أن عائشة حدثته، قالت: كنت عند النبي (صلّى الله عليه وآله) إذ أقبل العباس وعلي، فقال: يا عائشة، إن سرك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا، فنظرت فإذا العباس وعلي بن أبي طالب.
وأما عمرو بن العاص فروى فيه الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مسندا متصلا بعمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين.
وأما أبو هريرة فروى عنه الحديث الذي معناه أن عليا (عليه السلام) خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأسخطه، فخطب على المنبر، وقال: لا والله، لا تجتمع ابنة ولي الله وابنة عدو الله أبي جهل، إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي، وليفعل ما يريد، أو كلاما هذا معناه.
والحديث مشهور من رواية الكرابيسي.
قلت: هذا الحديث أيضاً مخرج في صحيحي مسلم والبخاري عن المسور بن مخرمة الزهري، وقد ذكره المرتضى في كتابه المسمى (تنزيه الأنبياء والأئمة)، وذكر أنه رواية حسين الكاربيسي وأنه مشهور بالانحراف عن أهل البيت (عليه السلام)، وبعداوتهم والمناصبة لهم، فلا تقبل روايته.
ولشياع هذا الخبر وانتشاره ذكره مروان بن أبي حفصة في قصيدة يمدح بها الرشيد، ويذكر فيها ولد فاطمة (عليهم السلام)، وينحى عليهم، ويذمهم، وقد بالغ حين ذم عليا (عليه السلام) وناله منه) وأولها:
سلام على جمل وهيهات من جمل
ويا حبذا جمل وإن صرمت حبلي
يقول فيها:
وساء رسول الله إذ ساء بنته
بخطبته بنت اللعين أبي جهل
فذم رسول الله صهر أبيكم
على منبر بالنطق ذي الصادع الفصل
… قال أبو جعفر: وروى الأعمش، قال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة، جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مراراً، وقال: يا أهل العراق، أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله، وأحرق نفسي بالنار، والله لقد سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: إن لكل نبي حرما وان حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها.
فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه، وولاه إمارة المدينة.
قال أبو جعفر: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا، غير مرضي الرواية، ضربه عمر بالدرة، وقال: قد أكثرت من الرواية وأحرِ بك أن تكون كاذبا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
وروى سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم التيمي، قال: كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلا ما كان من ذكر جنة أو نار.
وروى أبو أسامة عن الأعمش قال: كان إبراهيم صحيح الحديث، فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه، فأتيته يوما بأحاديث من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، فقال: دعني من أبي هريرة، انهم كانوا يتركون كثيرا من حديثه.
وقد روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: ألا إن أكذب الناس، أو قال: أكذب الأحياء على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبو هريرة الدوسي.
وروى أبو يوسف، قال: قلت لأبي حنيفة: الخبر يجئ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يخالف قياسنا ما تصنع به؟، قال: إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي، فقلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر؟، فقال: ناهيك بهما، فقلت: علي وعثمان؟ قال: كذلك،…. فلما رآني أعد الصحابة، فقال: والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالاً، ثم عد منهم أبا هريرة وأنس بن مالك.
وروى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمر بن عبد الغفار: أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية وكان يجلس بالعشيات بباب كندة ويجلس الناس إليه، فجاء شاب من الكوفة فجلس إليه، فقال: يا أبا هريرة أنشدك الله أسمعت من سول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول لعلي بن أبي طالب: (اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه)، فقال: اللهم نعم، قال: فأشهد بالله لقد واليت عدوه وعاديت وليه، ثم قام عنه.
وليس لنا إلا أن نعلق هنا بأن فتح باب الوضع رسميا ـ كما رأينا ـ قد أساء للفكر والعقيدة والتشريع أيما إساءة، ولا يزال المفعول يلقى بجرانه على كواهل المسلمين، وبتبعاته على رقابهم، فلوث وشوه وأعاب.
٢ ـ العامل الديني
وأقصد بالعامل الديني ـ هنا ـ السبب الذي دفع أبناء الأديان الأخرى لوضع الأحاديث كيدا للإسلام وانتقاماً من المسلمين.
وأظهر مظاهر هذا ما عرف في المحدثين والفقهاء بـ (الإسرائيليات)، و (الغلو)… الإسرائيليات التي جاءتنا عن طريق اليهود في أحاديث موضوعة، و (الغلو) الذي وصل إلينا عن طريق النصارى في أحاديث موضوعة أيضاً.
فعندما انبثق نور الاسلام في الحجاز، وتركز في المدينة المنورة، واتخذ منها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عاصمة الدولة الاسلامية عمل المسلمون على إجلاء اليهود منها، فانتقلوا إلى الشام، وبعض منهم إلى العراق.
وكان في ذلك الوقت عدد غير قليل منهم في اليمن، فأراد هؤلاء اليمنيون أن يثأروا ليهود الحجاز، فأخذوا يفدون من اليمن إلى المدينة المنورة متظاهرين باعتناقهم الاسلام.
وكان من أبرز من وفد من يهود اليمن:
١ ـ كعب الأحبار:
وكان من أكابر علماء اليهود في اليمن، ويقال: إنه أسلم في زمن أبي بكر، وقدم المدينة في أيام عمر.
٢ ـ وهب بن منبه:
وكان من أكابر علماء اليهود بأساطير الأولين، ولا سيما الإسرائيليات.
نَفَذَ هؤلاء اليهود لتحقيق مآربهم عن طريق استغلال الخلافات الفكرية التي تقع بين المسلمين بدس وتسريب فكرهم الإسرائيلي مغلفا بأحاديث مختلقة.
وقد تمثلت هذه الإسرائيليات أكثر ما تمثلت في أحاديث التجسيم.
والتجسيم ـ كما هو معلوم ـ من الفكر اليهودي، ويتردد صداه في التوراة المحرفة بشكل جلي.
وانبثت هذه الأحاديث في حديث أهل السنة، ودخلت أقدس كتبهم في الحديث، وهي (الصحاح).
وإليك أمثلة منها:
جاء في كتاب (أبو هريرة) للشيخ محمود أبو رية ص ٢٤٤ تحت عنوان )أمثلة مما رواه أبو هريرة) ما يلي:
أخرج البخاري ومسلم عنه أنه قال: جاء ملك الموت إلى موسى، فقال له: أجب ربك، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ففقأ عيني، فرد الله إليه عينه، وقال: أرجع إلى عبدي فقل له: إن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما توارت بيدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة.
وقد أورد الثعالبي في كتابه (المضاف والمنسوب) هذا الحديث تحت عنوان (لطمة موسى)، وقال عنه إنه من أساطير الأولين، وان ملك الموت هذا أعور، حتى قيل فيه:
يا ملك الموت لقيت منكراً
لطمة موسى تركتك أعورا
وختم قوله بهذه العبارة: وأنا برئ من هذه الحكاية.
ومن العجيب أن يصف الثعالبي هذا الحديث بأنه من أساطير الأولين بعد أن رواه البخاري ومسلم، مما يدل على أن هذين الكتابين لم يكن لهما في القرون الأولى الاسلامية تلك القداسة التي جعلت لهما بعد ذلك، والثعالبي ـ كما هو معروف ـ قد مات في سنة ٤٢٩هـ.
(وأخرج البخاري ومسلم عنه: قال النبي (صلّى الله عليه وآله): تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطتهم، قال الله تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله، فتقول: قط قط، فهناك تمتلئ، ويزوي بعضها إلى بعض).
(وروى الشيخان عنه: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير، يقول: من يدعوني فأستجيب له).
(وأخرج الشيخان عنه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً، وزاد أحمد عن أبي هريرة: في سبعة أذرع عرضاً.
وهذا الحديث هو نفس الفقرة السابعة والعشرين من الإصحاح الأول من سفر التكوين (العهد القديم)، وإليك نصها: فخلق الله الانسان على صورة الله، على صورة الله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم).
ونحن إذا علمنا أن أبا هريرة كان من أبرز تلامذة كعب الأحبار أدركنا مصدر هذه الروايات.
قال أبو رية: (ما كاد أبو هريرة يرجع إلى المدينة معزولا عن ولايته بالبحرين حتى تلقفه الحبر الأكبر كعب الأحبار اليهودي، وأخذ يلقنه من إسرائيلياته، ويدس له من خرافاته.
وكان المسلمون يرجعون إليه فيما يجهلون، وبخاصة بعد أن قال لقيس بن خرشة هذه الأكذوبة: (ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزلت على موسى ما يكون عليه، وما يخرج منه).
ومن أجل ذلك هرع أبو هريرة إليه، ليأخذ منه، ويتتلمذ عليه، وسال سيل روايتهما، ولا سيما بعد أن خلا الجو لهما، بموت عمر واختفاء درته)([59]).
وقام بمثل هذا الدور في صفوف الشيعة من عرفوا بالغلاة، فاستغلوا تقديس الشيعة لأهل البيت (عليهم السلام)، فوضعوا أحاديث في رفعهم فوق منزلتهم.
ومن أشهر من قام ببث أحاديث الغلو بين الشيعة وفي كتب الحديث الشيعية:
١ ـ المغيرة بن سعيد، المعاصر للإمام الباقر (عليه السلام).
روى الكشي بإسناده عن محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس عن هشام بن الحكم: أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي، ثم يدفعها إلى أصحابه، فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكل ما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم)([60]).
٢ ـ محمد بن مقلاص الأسدي الكوفي الأجدع، المعروف بمحمد بن أبي زينب والمشهور بأبي الخطاب، تلميذ المغيرة بن سعيد.
(كان من أصحاب الصادق (عليه السلام)، مستقيما في أول أمره، وقال علي بن عقبة: كان أبو الخطاب قبل أن يفسد، يحمل المسائل لأصحابنا، ويجئ بجواباتها، كذا في باب فضل التجارة من (الكافي)، ثم ادعى القبائح، وما يستوجب الطرد واللعن، من دعوى النبوة وغيرها، وجمع معه بعض الأشقياء، فاطلع الناس على مقالاتهم، فقتلوه مع تابعيه.
والخطابية منسوبون إليه، عليه وعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وفي (إكمال الدين) في التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان ـ عجل الله فرجه ـ: أما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع فملعون، وأصحابه معلونون، فلا تجالس أهل مقالتهم، فإني برئ وآبائي (عليهم السلام) منهم برئاء)([61]).
وكان ما نشروه من غلو في أهل البيت (عليهم السلام) غلو ارتفاع، فنسبوا إليهم أنهم آلهة، ونسبوا إليهم أنهم أنبياء، ونسبوا إليهم أنهم يعلمون الغيب علما لدنيا (ذاتياً)، ونسبوا إليهم أنهم يعلمون بكل ما في الكون.
وقالوا: إن معرفة الامام تسقط التكليف الشرعي.
وهذه ـ كما تراها ـ لا تعدو أن تكون صدى من أصداء الفكر المسيحي الموجود في الأناجيل المحرفة.
وبخاصة إذا علمنا أن الذين نشروا هذه الأفكار أمثال المغيرة بن سعيد وتلميذه أبي الخطاب وأتباعهما هم من أهل الكوفة،… والكوفة ـ كما هو معروف تاريخيا ـ قامت على أنقاض الحيرة وحلت محلها حاضرة للعراق الغربي.
وفي الحيرة اجتمع على النصرانية قبائل شتى من العرب، وفي أطرافها كانت أديرة الرهبان السريان تنتشر هنا وهناك.
وكان المسلمون في الكوفة يلتقون هؤلاء، وربما تظاهر بعضهم بالاسلام للكيد والوقيعة.
وكما نشر اليهود أفكارهم في المدينة عن طريق سرد الحكايات ونقل الأساطير، فعل مثلهم النصارى في الكوفة، فنشروا أفكار الغلو، ودعموها بالأحاديث المصنوعة.
وقد وقف منهم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) موقف الطرد لهم والشجب لأفكارهم، ورفضها رفضاً باتاً، وتحريم الاعتقاد بها تحريما قاطعا.
ووقفوا من حديثهم موقف الرفض له، والتحذير من روايته، ومنعها منعاً باتاً.
يقول القاضي النعمان في كتابه (دعائم الاسلام 1/48ـ50): (فأما ذكرُ من ضل وهلك من أهل هذا الأمر (يعني الغلو) فكثير، يطول ويخرج عن حد هذا الكتاب، ولكن لا بد من ذكر نكت من ذلك).
فمن ذلك: ما روينا عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن قوما من أصحابه، وممن كان قد بايعه وتولاه ودان بإمامته، مرقوا عنه، ونكثوا عليه، وقسطوا فيه فقاتلهم أجمعين، فهزم الناكثين، وقتل المارقين، وجاهد القاسطين، وقتلهم، وتبرأوا منه، وبرئ منهم.
وإن قوماً غلوا فيه لما استدعاهم الشيطان بدواعيه، فقالوا: هو النبي، وإنما غلط جبرئيل فيه، وإليه كان أرسل فأتى محمدا (صلّى الله عليه وآله).
فيا لها من عقول ناقصة، وأنفس خاسرة، وآراء واهية، ولو أن أحدهم بعث رسولا بصاع من تمر إلى رجل، فأعطاه غيره، لما استجاز فعله، ولعوض المرسل إليه مكانه، أو استرده إليه ممن قبضه، فكيف يظنون مثل هذا الظن الفاسد برب العالمين، وبجبرئيل الروح الأمين، وهو ينزل أيام حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالوحي إليه، وبالقرآن الذي أنزل عليه، ثم يقولون هذا القول العظيم، ويفترون مثل هذا الافتراء المبين، بما سول لهم الشيطان، وزين لهم من البهتان والعدوان.
وزعم آخرون منهم أن عليا (عليه السلام) في السحاب، رقاعةً منهم وكذباً لا يخفى عن ذوي الألباب.
وأتاه (عليه السلام) قوم غلو فيه ممن قدمنا وصفهم واستزلال الشيطان إياهم، فقالوا: أنت إلهنا وخالقنا ورازقنا، ومنك مبدؤنا، وإليك معادنا، فتغير وجهه (عليه السلام)، وارفضّ عرقا، وارتعد كالسعفة، تعظيما لجلال الله ـ عز جلاله ـ، وخوفا منه، وثار مغضباً،) ونادى بمن حوله، وأمرهم بحفير فحفر، وقال: لأشبعنكم اليوم لحماً وشحماً، فلما علموا أنه قاتلهم، قالوا: لئن قتلتنا فأنت تحيينا، فاستتابهم، فأصروا على ما هم عليه، فأمر بضرب أعناقهم، وأضرم نارا في ذلك الحفير، فأحرقهم فيه.
وهذا من مشهور الأخبار عنه (عليه السلام).
وكان في أعصار الأئمة من ولده مثل ذلك، ما يطول الخبر بذكرهم، كالمغيرة بن سعيد ـ لعنه الله ـ، وكان من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) ودعاته، فاستزله الشيطان، فكفر وادعى النبوة، وزعم أنه يحيي الموتى، وزعم أن أبا جعفر (عليه السلام) إله، تعالى الله رب العالمين، وزعم أنه بعثه رسولا وتابعه على قوله كثير من أصحابه، سموا (المغيرية) باسمه.
وبلغ ذلك أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام)، ولم يكن له سلطان كما كان لعلي، فيقتلهم كما قتل علي (عليه السلام) الذين ألحدوا فيه، فلعن أبو جعفر المغيرة وأصحابه، وتبرأ منه ومن قوله ومن أصحابه، وكتب إلى جماعة أوليائه وشيعته، وأمرهم برفضهم والبراءة إلى الله منهم ولعنِهِ ولعنِهم، ففعلوا، فسماهم (المغيرية الرافضة) لرفضهم إياه، وقبولهم ما قال المغيرة لعنه الله.
وكانت بينه وبينهم وبين أصحابه مناظرة وخصومة واحتجاج، يطول ذكرها.
واستحل المغيرة وأصحابه المحارم كلها وأباحوها، وعطلوا الشرائع وتركوها، وانسلخوا من الاسلام جملة، وبانوا من جميع شيعة الحق كافة واتباع الأئمة، وأشهر أبو جعفر محمد بن علي (عليه السلام) لعنهم والبراءة منهم.
ثم كان أبو الخطاب في عصر جعفر بن محمد (عليه السلام) من أجل دعاته، فأصابه ما أصاب المغيرة، فكفر، وادعى أيضاً النبوة، وزعم أن جعفر بن محمد (عليه السلام) إله، تعالى الله عن قوله، واستحل المحارم كلها، ورخص فيها.
وكان أصحابه كلما ثقل عليهم أداء فريضة، أتوه وقالوا: يا أبا الخطاب، خفف علينا، فيأمرهم بتركها، حتى تركوا جميع الفرائض، واستحلوا جميع المحارم، وارتكبوا المحظورات، وأباح لهم أن يشهد بعضهم لبعض بالزور، وقال: من عرف الإمام فقد حل له كل شئ كان حرم عليه.
فبلغ أمره جعفر بن محمد (عليه السلام) فلم يقدر عليه بأكثر من أن لعنه وتبرأ منه، وجمع أصحابه فعرفهم ذلك، وكتب إلى البلدان بالبراءة منه واللعنة عليه.
وكان ذلك أكثر ما أمكنه فيه، وعظم ذلك على أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام)، واستفظعه واستهاله).
ومن الوثائق الروائية التي تعرف عن موقف الأئمة من هؤلاء الغلاة وغلوهم ما يلي:
ـ عن ابن مسكان، عمن حدثه من أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: لعن الله المغيرة بن سعيد إنه كان يكذب على أبي، فأذاقه حر الحديد، لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا، وإليه مآبنا ومعادنا، وبيده نواصينا.
ـ عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن: أن بعض أصحابنا سأله، وأنا حاضر، فقال له: يا أبا محمد، ما أشدّك في الحديث، وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على رد الأحاديث؟… فقال: حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد لعنه الله دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله، ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله)، فإنا إذا حدثنا قلنا: قال الله عز وجل، وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله)…).
ـ عن عبد الرحمن بن كثير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) يوما لأصحابه: لعن الله المغيرة بن سعيد، ولعن الله يهودية كان يختلف إليها يتعلم منها السحر والشعبذة والمخاريق.
إن المغيرة كذب على أبي، فسلبه الله الإيمان.
وإن قوماً كذبوا عليّ، ما لهم أذاقهم الله حر الحديد.
فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع، إن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله من حجة، ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون ومقبورون ومنشرون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون.
وَيْلهم، ما لهم، لعنهم الله، لقد آذوا الله، وآذوا رسوله (صلّى الله عليه وآله) في قبره، وأمير المؤمنين، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي ـ (عليهم السلام) ـ.
وها أنا ذا بين أظهركم، لحم رسول الله، وجلد رسول الله، أبيت على فراشي خائفا وجلا مرعوبا، يأمنون وأفزع، وينامون على فرشهم وأنا خائف ساهر وجل، وأتقلقل بين الجبال والبراري.
أبرأ إلى الله مما قال فيَّ، الأجدع البراد، عند بني أسد أبو الخطاب لعنه الله.
والله لو ابتلوا بنا وأمرناهم بذلك، لكان الواجب أن لا تقبلوه، فكيف وهم يروني خائفا وجلا؟!
أستعدي الله عليهم، وأتبرأ إلى الله منهم، أشهدكم أني امرؤ ولدني رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني، وإن عصيته، عذبني عذابا شديدا، وأشد عذابه)([62]).
ـ عن عنبسة بن مصعب: قال: قال لي أبو عبد الله: أي شئ سمعت من أبي الخطاب؟!
قال: سمعته يقول: إنك وضعت يدك على صدره، وقلت له: (عِه، ولا تنس)، وأنك تعلم الغيب، وأنك قلت له: هو عيبة علمنا، وموضع سرنا، أمين على أحيائنا وأمواتنا.
قال: لا والله ما مس شئ من جسدي جسده إلا يده.
وأما قوله: (إني قلت: أعلم الغيب)، فوالله الذي لا إله إلا هو، ما أعلم الغيب، ولا آجرني الله في أمواتي، ولا بارك لي في أحيائي، إن كنت قلت له.
قال: وقدامه جويرية سوداء تدرج، قال: لقد كان مني إلى أم هذه ـ أو إلى هذه ـ بخطة القلم فأتتني هذه، فلو كنت أعلم الغيب ما تأتيني،… ولقد قاسمت مع عبد الله بن الحسن حائطاً بيني وبينه، فأصابه السهل والشرب، وأصابني الجبل، فلو كنت أعلم الغيب لأصابني السهل والشرب وأصابه الجبل.
وأما قوله: (إني قلت: هو عيبة علمنا، وموضع سرنا، أمين على أحيائنا وأمواتنا)، فلا آجرني الله في أمواتي، ولا بارك لي في أحيائي، إن قلت شيئاً من هذا قط.
ـ عن عمران بن علي: قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لعن الله أبا الخطاب، ولعن من قتل معه، ولعن الله من بقي منهم، ولعن الله من دخل قلبه رحمة لهم.
ـ عن مصادف، قال: لما لبى القوم الذين لبوا بالكوفة([63])، دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فأخبرته بذلك، فخر ساجداً، ودق جؤجؤه بالأرض، وبكى، وأقبل يلوذ بإصبعه، ويقول: (بل عبد الله قن داخر)، مراراً كثيرة، ثم رفع رأسه ودموعه تسيل على لحيته.
فندمت على إخباري إياه، فقلت: جعلت فداك، وما عليك أنت من ذا؟!.
فقال: يا مصادف، إن عيسى (عليه السلام) لو سكت عما قالت النصارى فيه، لكان حقا على الله أن يصم سمعه، ويعمي بصره، ولو سكتُّ عما قال فيَّ أبو الخطاب، لكان حقاً على الله أن يصم سمعي ويعمي بصري.
ـ عن أبي بصير: قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا محمد أبرأ ممن يزعم أنَّا أرباب، قلت: برئ الله منه، فقال: أبرأ ممن زعم أنا أنبياء، قلت برئ الله منه.
ـ عن مرازم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): قل للغالية توبوا إلى الله، فإنكم فساق، كفار، مشركون.
ـ عن ابن أبي عمير عن ابن المغيرة: قال: كنت عند أبي الحسن (الكاظم) (عليه السلام) أنا ويحيى بن عبد الله بن الحسن، فقال يحيى: جعلت فداك إنهم يزعمون أنك تعلم الغيب.
فقال: سبحانه الله، ضع يدك على رأسي، فوالله ما بقيت في جسدي شعرة ولا في رأسي إلا قامت.
قال: ثم قال: لا والله ما هي إلا رواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
ـ عن أبي بصير: قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنهم يقولون.
قال: وما يقولون؟
قلت: يقولون تعلم قطر المطر، وعدد النجوم، وورق الشجر، ووزن ما في البحر، وعدد التراب.
فرفع يده إلى السماء، وقال: سبحان الله، سبحان الله، لا والله ما يعلم هذا إلا الله.
ـ عن الحسن الوشاء عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من قال بأننا أنبياء، فعليه لعنة الله، ومن شك في ذلك فعليه لعنة الله([64]).
ـ عن المفضل بن يزيد: قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام)، وذكر أصحاب أبي الخطاب والغلاة فقال لي: يا مفضل لا تقاعدوهم ولا تواكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا توارثوهم([65]).
ومما نفيده من هذه الوثائق النتائج التالية:
١ ـ إن هذه الأحاديث الموضوعات تقوم فيما تحتويه من أفكار، إما على تشبيه الخالق بالمخلوق كما في أحاديث التجسيم، وإما على تشبيه المخلوق بالخالق كما في أحاديث الغلو.
وهي من منعطفات الانحراف اليهودي حيث نزل اليهود بالخالق فشبهوه بالمخلوق، والانحراف النصراني حيث ارتفع النصارى بالمخلوق فشبهوه بالخالق.
٢ ـ إن اليهود أيضاً شاركوا في دس أفكار الغلو كما قد يستفاد هذا من رواية عبد الرحمن بن كثير التي كانت تشير إلى تردد المغيرة بن سعيد على إحدى اليهوديات.
ومن المعروف تاريخياً أن اليهود كانوا ينزلون شرقي الكوفة في المنازل والربوع التي بينها وبين بغداد.
وربما كان منهم من سكن الكوفة.
٣ ـ إن تسمية الغلاة بـ (الرافضة) كانت من قبل الإمام الباقر (عليه السلام) لأنهم رفضوا قوله (عليه السلام) واتبعوا أقوال المغيرة بن سعيد.
ويبدو أن النظمة الحاكمة التي كانت تخشى من معارضة الامامية لسياستهم الجائرة ومعاملتهم الظالمة استغلت هذا الاسم (الرافضة) لما يحمل من طياته من قيمة نقدية تساعد على التنفير والابتعاد عمن ينبذ به فسحبته على الامامية أيضا تشويها لسمعتهم، وتحريضا لبقية المسلمين على محاربتهم، بعد أن اختلقت سببا آخر للتسمية، وهو رفضهم لخلافة أبي بكر، أو رفضهم للخروج مع زيد بن علي لأنه لم يرفض خلافة أبي بكر ـ كما يزعمون.
ونحن لا نستغرب أن تقوم الأنظمة المهزوزة بمثل هذا، ولكن الغريب أن يتأثر بهم غير قليل من كتاب اخواننا أهل السنة فيعيدوا توقيع النغمة والضرب على الوتر والوتيرة، وهم يعلمون أن للبحث حرمة وحدودا تقتضيهم أن يكونوا موضوعيين ومنصفين، ولا يرسلوا القول على عواهنه، بتكفير الامامية وهدر دمائهم تجريما بعقيدة رفضها أئمتهم ورفضوها هم أيضا تبعا لأئمتهم… وفي الوقت نفسه يغضون البصر عن بدعة التجسيم الإسرائيلي التي تتكرر في خطب الجمع وحلقات الدرس، وعلى صفحات الكتب والدوريات، وكأنهم لم يدركوا أن العدل لا يقبل التجزئة.
٣ ـ العامل المذهبي
وأعني به السبب الذي دفع بعض أصحاب المذاهب الاسلامية للوضع تأييدا للمذهب، ودعما لأفكاره ورجالاته.
ومنه:
ـ ما روي عن ابن لهيعة: أنه سمع شيخا من الخوارج يقول بعد ما تاب: (إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرنا له حديثاً).
قال الحافظ ابن حجر: هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل، إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الاسلام، والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين، فمن بعدهم.
وهؤلاء إذا استحسنوا أمراً جعلوه حديثا وأشاعوه.
فربما سمع الرجل الشيء فحدث به، ولم يذكر من حدثه به تحسينا للظن، فيحمله عنه غيره.
ويجئ الذي يحتج بالمنقطعات فيحتج به، مع كون أصله ما ذكرت([66]).
ـ ما جاء في كتاب (علوم الحديث) للدكتور الصالح من أن أصحاب الأهواء دأبوا (في مختلف العصور على الافتراء على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، حتى قال عبد الله بن يزيد المقرئ: إن رجلاً من أهل البدع رجع عن بدعته، فجعل يقول: (انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه فإنا كنا إذا رأينا رأيا جعلنا له حديثاً).
ومن أصحاب الأهواء الفقهاء الذين يتصدون للدفاع عن مذاهبهم زوراً وبهتاناً فيشحنون كتبهم بالموضوعات، سواء اختلقوها بأنفسهم أم اختلقها الوضاعون خدمة لهم وتأييداً لهواهم.
وقد تبلغ الجرأة حد الخلط بين أقيستهم وبين أحاديث الرسول، فيضعون فيه عبارات أقيستهم التي وصلوا إليها باجتهادهم.
وغالباً ما يكون هؤلاء الفقهاء من مدرسة الرأي التي تعني بالقياس عناية خاصة.
قال أبو العباس القرطبي: استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلي إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ كذا؟ ـ.
ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها تشبه فتاوى الفقهاء، (ولأنهم لا يقيمون لها سنداً)([67]).
وروى العقيلي عن حماد بن زيد قال: (وضعت الزنادقة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أربعة عشر ألف حديث)([68]).
٤ ـ العامل الاعلامي
وأقصد منه أن يضع الواضع الحديث دعاية للدين، ومن باب الاحتساب والتقرب إلى الله تعالى.
قال ابن الصلاح في (مقدمته): (والواضعون للحديث أصناف، وأعظمهم ضررا قوم من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث احتسابا فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم، وركنوا إليهم)([69]).
وقال الشهيد الثاني في (الدراية): (والوضاعون أصناف، أعظمهم ضررا من انتسب إلى الزهد والصلاح بغير علم، وزعم أن وضعه يقربه إلى الله تعالى، فقبل الناس موضوعاتهم ثقة بظاهر حالهم).
وقد جرأ هذا الاختلاق المشين أن ذهب بعض الكرّامية (وهم فرقة من المجسمة) إلى جواز وضع الحديث في الترغيب والترهيب.
قال ابن الصلاح: (وفيما روينا عن الامام أبي بكر السمعاني: أن بعض الكرامية ذهب إلى جواز وضع الحديث في باب الترغيب والترهيب)([70]).
وكما أشير أن هذا اللون من الوضع اشتهر على أَلْسنة من ظاهره الزهد والصلاح.
قال الشيخ الأميني في (الغدير ٥/275): (قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث).
وعنه: لم نرَ أهل الخير في شئ أكذب منهم في الحديث.
وعنه: ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير والزهد.
وقال القرطبي في (التذكار ١٥٥): لا التفات لما وضعه الواضعون، واختلقه المختلقون، من الأحاديث الكاذبة، والاخبار الباطلة، في فضل سور القرآن، وغير ذلك من فضائل الأعمال.
وقد ارتكبها جماعة كثيرة، وضعوا الحديث حسبة كما زعموا، يدعون الناس إلى فضائل الأعمال.
كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد الله الجويباري، وغيرهم.
قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة؟!
فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة.
وقال (القرطبي) في ص ١٥٦: قد ذكر الحاكم وغيره من شيوخ المحدثين: أن رجلا من الزهاد انتدب في وضع أحاديث في فضل القرآن وسوره، فقيل له: لم فعلت هذا؟!
فقال: رأيت الناس زهدوا في القرآن فأحببت أن أرغبهم فيه.
فقيل (له): فإن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار).
فقال: أنا ما كذبتُ عليه، إنما كذبتُ له).
ورحم الله السيد الموسوي الهندي حيث يقول:
كم هاتف باسم الشريـ
ـعة قد شكت منه الشريعة
خدع الأنام بزهده
وأجاد في طرق الخديعة
أترى تجئ فجيعة
بأمض من هذي الفجيعة
وقال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان 5/288) ـ ترجمة محمد بن عكاشة الكرماني: (وذكره الحاكم في أقسام الضعفاء، فقال: ومنهم جماعة وضعوا ـ كما زعموا ـ يدعون الناس إلى فضائل الأعمال، مثل أبي عصمة، ومحمد بن عكاشة الكرماني.
ثم نقل عن سهل بن السري الحافظ أنه كان يقول: وضع أحمد الجويباري ومحمد بن تميم ومحمد بن عكاشة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أكثر من عشرة آلاف حديث).
وفي ترجمة أحمد بن عبد الله الجويباري ١٩٣/١: (قال ابن عدي: كان يضع الحديث لابن كرّام على ما يريده، فكان ابن كرام يخرجها في كتبه عنه.
فمن ذلك: حدثنا ابن كرام، ثنا أحمد عن أبي يحيى المعلم عن حميد عن أنس : يكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة يجدد الله سنتي على يده).
(قال ابن حبان: هو أبو علي الجويباري، دجال من الدجاجلة، روى عن الأئمة ألوف الأحاديث، ما حدثوا بشئ منها).
(وقال البيهقي: أما الجويباري فإني أعرفه حق المعرفة بوضع الأحاديث على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقد وضع عليه أكثر من ألف حديث).
٥ ـ العامل الاجتماعي
وأعني به ذلك السبب الرخيص المهين الذي كان يدفع تلكم الطبقة من وعاظ السلاطين إلى وضع الحديث للزلفى من حاكم أو أمير أو غيرهما بغية الحصول على مركز اجتماعي.
يقول الدكتور الصالح: (وأدهى من ذلك (يشير إلى العامل المذهبي) وأمر ما يضعه بعض علماء السوء في كل جيل تقربا إلى الطبقة الحاكمة، وكسبا للحظوة عندها.
كما صنع غياث بن إبراهيم النخعي الكوفي، فإنه دخل على أمير المؤمنين المهدي، وكان المهدي يحب الحمام ويلعب به، فإذا قدامه حمام، فقيل له: حدّث أمير المؤمنين.
فقال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان: أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح).
فأمر له المهدي ببدرة، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
ثم قال المهدي: (أنا حملته على ذلك، ثم أمر بذبح الحمام ورفض ما كان فيه)([71]).
وأنا ـ هنا لا أدري لماذا نعى الدكتور الصالح على غياث بن إبراهيم كذبه على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولم يعقبه بنعيه على المهدي إعطاءه المال له؟!
ألا يدل هذا على تشجيع الوضع والكذب؟!
وعلى مَن؟… على رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
وممن؟… من خليفة المسلمين الأمين على أموالهم وأقدارهم!!
ألا يعد هذا أفضح وأدهى وأمر.
ولا أقل من أنهما اشتركا في الجريمة!!
٦ ـ العامل الاقتصادي
رأينا فيما تقدمه أن العامل الاجتماعي قد يكون في الوقت نفسه عاملاً اقتصادياً، فكما يستفيد منه الواضع القرب من الموضوع له، يستفيد المال منه أيضاً.
وكما يرتبط العامل الاقتصادي أحيانا بالعامل الاجتماعي يرتبط أيضا وفي كثير من الأحيان بالعامل السياسي.
وتمثل هذا بوضوح فيما قام به معاوية بن أبي سفيان، فإنه لم يكتف بما قام به من أسباب الدعاية لتوطيد قواعد مملكته الأموية (بل أحدث القصص ليعزز به أسلحة الدعاية له، ولم يكن معروفا قبله، فسخَّرَ الألوف لذلك، وبثهم بين أرجاء البلاد، ليقصوا له، ما يشد له دولته، وما يحفظ به سلطانه، بله ما ينشرون من خرافات وأباطيل، مما جلب الفساد على عقول المسلمين، وأساء ظنون غيرهم فيما بني عليه الدين، كما ذكر ذلك الأستاذ الإمام)([72]).
وكانت هذه القصص تعتمد الإسرائيليات وأساطير الأمم الخالية وتتخللها الأحاديث المصنوعة.
وكان الذي يمونها بمحتوياتها أحبار وكهان اليهود الذين أظهروا الاسلام أمثال: كعب الأحبار ووهب بن منبه.
أما كيف كان يقوم القاص بدوره، فهذا ما أوضحه أحمد أمين في كتابه )فجر الاسلام) بقوله: (يجلس القاص في المسجد، وحوله الناس، فيذكرهم بالله، ويقص عليهم حكايات وأحاديث وقصصاً عن الأمم الأخرى وأساطير، ونحو ذلك… لا يعتمد فيها على الصدق بقدر ما يعتمد على الترغيب والترهيب.
قال الليث بن سعد: هما قصصان: قصص العامة وقصص الخاصة.
فأما قصص العامة فهو الذي إليه النفر من الناس، يعظهم ويذكرهم، فذلك مكروه لمن فعله ولمن استمعه.
وأما قصص الخاصة فهو الذي جعله معاوية، ولى رجلاً على القصص، فإذا سلّم من صلاة الصبح جلس وذكر الله ـ عز وجل ـ وحمده ومجده، وصلى على النبي (صلّى الله عليه وآله)، ودعا للخليفة ولأهل ولايته وحشمه وجنوده، ودعا على أهل حربه وعلى المشركين كافة)([73]).
٧ ـ العامل الشخصي
وهو أن يتظاهر غير العالم بمظهر العالم ويعزز ذلك باختلاقه الأحاديث وروايتها. وعبر عنه في كتب علم الحديث بـ (التعالم).
(روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي، قال: صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول الله: (من قال لا إله إلا الله، خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان…).
وأخذ في قصته نحوا من عشرين ورقة.
فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين، وجعل يحيى بن معين ينظر إلى احمد، فقال له: حدثته بهذا؟! فيقول: والله ما سمعت هذا إلا الساعة.
فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات، ثم قعد ينتظر بقيتها، قال له يحيى بن معين بيده: تعال، فجاء متوهما لنوال، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟!
فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.
فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله)!.
فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما تحققت هذا إلا الساعة، كأن ليس يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، وقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.
فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما).
كيفية وضع الحديث
تصدّى بعض من كتب في علم الحديث لبيان كيفية وضع الحديث، مفيدا ذلك من واقع الأحاديث الموضوعة.
وبيان هذه الكيفية كما يوضح قضية تاريخية، يساعد أيضا في إلقاء شئ من الضوء لمعرفة الحديث الموضوع.
وتتلخص في أن الوضع نوع من التصرف الشخصي.
وهذا التصرف قد يكون في المتن، وقد يكون في السند:
ـ في المتن:
ويكون بإحدى طريقتين هما:
أ ـ أن يضع الراوي متنا من عنده، وذلك بأن يؤلف ويصوغ من كلامه عبارات الحديث الذي يروم وضعه.
وذلك مثل الحديث المشتهر: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)([74]).
ب ـ أن يعمد الراوي إلى مأثورة من كلام أحد الحكماء أو العلماء أو غيرهما، وينسبه إلى المعصوم.
ومثلوا له بالحكمة المشهورة: (المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء)، التي هي من حكم الحارث بن كلدة الثقفي، ونسبها الراوي الواضع إلى النبي (صلّى الله عليه وآله).
والمذكور في كتاب (عيون الأنبار ١٦٥) ـ ترجمة الحارث بن كلدة ـ: (البطنة بيت الداء والحمية رأس الدواء).
فربما كان النص الأول مأخوذا منه، وربما كان رواية أخرى له.
ـ في السند:
ويكون بإحدى طريقتين أيضاً، هما:
أ ـ أن يختلق الراوي سندا لحديثه الموضوع، وذلك بأن يضع أسماء لرواة لا واقع لهم.
ب ـ أن يعمد الراوي إلى سند من الأسانيد، ويحمله متن حديثه.
إمارات الوضع
وهي العلامات التي تكشف عن أن الحديث موضوع: وتنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
١ ـ ما يرتبط بالراوي، وهي:
أ ـ أن يعترف الراوي نفسه، ويقر بوضعه الحديث.
نحو اعتراف أبي عصمة نوح بن أبي مريم وضعه على ابن عباس أحاديث في فضائل سور القرآن الكريم.
ونحو ما ذكره الحافظ العراقي في كتابه (التقييد والايضاح ١٣٤) في بيان سند الحديث الطويل المروي عن أبي بن كعب عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في فضل سور القرآن الكريم، قال: (روينا عن مؤمل (بن إسماعيل) أنه قال: حدثني شيخ بهذا الحديث، فقلت للشيخ من حدثك؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن، وهو حي، فصرت إليه، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بواسط، وهو حي، فصرت إليه، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه، فأخذ بيدي، فأدخلني بيتا، فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث، ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن).
ب ـ أن يشتهر الراوي في الأوساط العلمية بالوضع.
ج ـ أن ينص في كتب الرجال الأصول على أنه وضاع.
د ـ أن يوقف على قرينة خاصة تفيد أن الراوي وضاع.
٢ ـ ما يرتبط بالسند، وهي:
أ ـ أن يتألف السند من مجاهيل ووضاعين.
ب ـ أن يشتمل السند على وضاع.
ج ـ أن يشتمل السند على أسماء لا ذكر لها في كتب الرجال.
د ـ أن ينص من قبل الرجاليين على أن سلسلة السند هي سلسلة كذب.
٣ ـ ما يرتبط بالمتن، وهي:
أ ـ أن يخالف مضمون الحديث ظاهر القرآن الكريم، ولا يقبل التأويل بما يوافقه.
ب ـ أن يخالف مضمون الحديث ظاهر السنة القطعية، ولا يقبل التأويل بما يوافقها.
ج ـ أن يخالف مضمون الحديث بديهيات العقول.
نحو ما ذكره الدكتور الصالح في كتابه (علوم الحديث) من أنه (قيل لعبد الرحمن بن زيد: حدثك أبوك عن جدك أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال: إن سفينة نوح طافت بالبيت، وصلت خلف المقام ركعتين؟ قال: نعم).
هـ ـ أن يخالف مضمون الحديث حقائق العلم وسنن الحياة ونتائج التجارب الناجحة والمشاهدات الصادقة.
نحو ما جاء في كتاب (الهفت والأظلة)([75])، من أن الإمام المعصوم يولد من فخذ أمه، في حديث طويل يرويه المفضل بن عمر الجعفي([76]) عن الإمام الصادق (عليه السلام) نقتطف منه ما يلي:
)فقال المفضل: أخبرني يا مولاي عن ميلاد الأوصياء.
فقال الصادق(ع): أول العجب أن أمهات الأوصياء ذكور، لا إناث.
قلت: يا مولاي، سبحان الله، كيف ذلك؟!
قال الصادق (عليه السلام): إن الملائكة هم في صورة النساء…
فقال الصادق: إن الله أنشأ أبدان الأوصياء أفخاذا إلى الملائكة حتى يبلغوا المدى، هذا مع طهارة الملائكة، كما أخبرتك، فإذا أراد الله إظهار الإمام في الظاهر، تأديبا لهذا الخلق أرسل روحا من عنده، فيدخل في المولود الذي قد يتطهر من كل دنس، ولم يزاحمه رحم، ولكن تدخل الروح فيه تأديباً للناس، وظهوراً للحق).
و ـ أن يحتوي متن الحديث إسرائيليات تخالف العقيدة الإسلامية.
نحو ما روي في الصحيحين (البخاري ومسلم): (عن أنس (رض) عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: يلقى في النار، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الله قدمه، فتقول: قط، قط)… و(عن أبي هريرة، وأكثر ما يوقفه أبو سفيان، يقال لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الرب تبارك وتعالى قدمه عليها، فتقول: قط، قط)([77]).
ز ـ أن يحتوي متن الحديث فكرة من أفكار الغلو.
ح ـ أن يحتوي متن الحديث أسطورة من أساطير الأولين التي لا بينة على صحتها.
ط ـ أن يحتوي متن الحديث منقبة أو فضيلة لشخص أو جماعة أو بلد، هو دون مستوى هذه المنقبة أو الفضيلة.
ي ـ أن يحتوي متن الحديث الإشارة إلى معجزة أو كرامة في موقف لا يقتضيها ولا يتطلبها.
مبلغ الموضوعات
والذي يتوصل إليه من مراجعة كتب الحديث لأهل السنة، وكتب الحديث للامامية، أن شيوع الوضع وانتشاره عند أهل السنة كان أكثر بكثير من عند الإمامية.
فقد رجعت إلى كتاب (الفهرست) للشيخ الطوسي فلم أعثر فيه على من نص على أنه وضاع مع وجود عدد من الرواة نص على ضعفهم.
وفي كتاب (الفهرست) للنجاشي المعروف بـ (رجال النجاشي)، وقفت على أربعة أسماء نص على أنهم وضاعون، وهم:
١ ـ جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى بن سابور مولى أسماء بن خارجة بن حصين الفزاري الكوفي.
قال فيه (1/302ـ303): (كان ضعيفاً في الحديث).
قال أحمد بن الحسين (الضغائري): كان يضع الحديث وضعا، ويروي عن المجاهيل.
وسمعت من قال: كان أيضاً فاسد المذهب والرواية).
٢ ـ عبيد بن كثير بن محمد الكوفي.
قال فيه 2/43 ـ44): (طعن أصحابنا عليه، وذكر أنه يضع الحديث.
له كتاب يعرف بكتاب التخريج في بني الشيصبان، وأكثره موضوع مزخرف، والصحيح منه قليل).
٣ ـ عبد الرحمن بن كثير الهاشمي.
قال فيه (2/44): (كان ضعيفاً، غمز أصحابنا عليه، وقالوا، كان يضع الحديث.
وله… كتاب (الأظلة) كتاب فاسد مختلط).
٤ ـ محمد بن موسى الهمداني السمان.
قال فيه (2/227): (ضعفه القميون بالغلو، وكان ابن الوليد يقول: إنه كان يضع الحديث).
وربما كان هناك آخرون في هذا الفهرست لم أوفق للعثور عليهم، إلا أن الذي يمكن أن يخرج به الباحث أو المراجع أن الرقم لا يتجاوز الآحاد.
وإذا رجعنا إلى كتب الرجال المطولة المتأخرة أمثال (تنقيح المقال)، و (معجم رجال الحديث) لا أخال أن الرقم يتجاوز العشرات.
بينما نقرأ في كتاب (تاريخ الاسلام) للدكتور حسن إبراهيم حسن ١/ ٥١٦ قول مؤلفه: (وقد جمع البخاري ـ على ما نعلم ـ نحو ٧٢٧٥ حديثا، بما فيها الأحاديث المكررة، فإذا حذفنا المكرر منها أصبح عددها نحو أربعة آلاف.
وقد اختارها البخاري ـ على ما قيل ـ من ثلاثمائة ألف حديث.
ومن ذلك يتبين مبلغ ما وصل إليه التحريف في الحديث).
وإذا رجعنا إلى (قائمة الموضوعات والمقلوبات) من كتاب (الغدير) للشيخ الأميني 5/88، التي استخرج إحصائياتها من كتب الحديث السنية، يصعد الرقم إلى أكثر مما أشار إليه الدكتور حسن إبراهيم حسن، فقد بلغت القائمة مستفادة من موضوعات تسعة وثلاثين راوياً: (٤٠٨٦٨٤).
كما أحصى في 5/209ـ275) أكثر من ستمائة اسم لوضاعين من رواة أهل السنة.
وذكر في (297ـ330) مائة حديث كشواهد وأمثلة مما وضع في المناقب مكذوبة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
ويرجع هذا إلى العامل السياسي الذي فتح بابه معاوية بن أبي سفيان ـ كما تقدم ـ.
وكذلك إلى العاملين الاقتصادي والاجتماعي حيث كان الحكام يقربون ويشجعون ويعطون الوضاعين.
وقرأنا ـ فيما سبقه ـ شواهد وأمثلة منه.
بينما لم يكن في الجانب الامامي شئ من هذا، وإنما كان العامل المؤثر في وسطهم هو العامل الديني الذي دخل بتأثيره أحاديث الغلو إلى الحديث الإمامي.
ولا أستبعد أن يكون للدولتين الأموية والعباسية ضلع في ذلك بغية اتهام الشيعة بما يبرر مطاردتهم وتشريدهم وإبادتهم.
وخاصة إذا عرفنا كثرة وجود النصارى في بلاطات الحكام من أمويين وعباسيين، فقد يكون عن طريق هؤلاء، وبتآمر من الحكام نفذ الغلو، وتسرب من خلال المسارب الخفية.
ولكن موقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) منه حدَّ من تأثيره ومن وصول الحكام إلى غاياتهم، إلا في رقع ضيقة غير ذات بال.
ومما يؤسف عليه ويؤسى له أن لا نجد في اخواننا من علماء أهل السنة من قاوم أحاديث التجسيم التي تسربت إلى جوامعهم.
وكنا نود أن كان هذا، لأن جوامع الحديث عندنا نحن المسلمين هي أعز ما نملكه من ثروة دينية علمية بعد القرآن الكريم، حتى لا يكون فيها ما يشوه سمعتها، ويضر بعقيدة التوحيد.
المؤلفات في الموضوعات
ويسجل لعلماء الحديث من أهل السنة مأثرة علمية جليلة هي تأليفهم في الموضوعات، وأهمها:
١ ـ كتاب تذكرة الموضوعات، أبو الفضل محمد بن ظاهر المقدسي (ت ٥٠٧هـ).
٢ ـ كتاب الأباطيل، أبو عبد الله الحسن بن إبراهيم الهمداني الجوزقي الحافظ (ت ٥٤٣هـ).
٣ ـ كتاب الموضوعات، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت ٥٩٧هـ).
٤ ـ القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد، الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ).
٥ ـ كتاب الآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، الحافظ جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ).
٦ ـ كتاب تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، أبو الحسن علي بن محمد الكتاني (ت ٩٦٣هـ).
٧ ـ تذكرة الموضوعات، جمال الدين الفتني (ت ٩٨٦هـ).
٨ ـ الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضعة، أبو عبد الله محمد بن علي الشوكاني اليماني (ت ١٢٥٠هـ)([78]).
٩ ـ سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ناصر الدين الألباني المعاصر.
ويلاحظ: أن هذه الكتب ألفت بعد تدوين جوامع الحديث السنية من صحاح وغيرها.
ولهذا السبب لم تحاول أن تقتحم حصون الصحيحين لما لهما من تقديس في نفوس أهل السنة في هذه الأزمان المتأخرة.
ولو أنها ألفت قبل تأليف الجوامع لكان تأثيرها أقوى وفائدتها أكثر، إذ ربما حالت بين الإسرائيليات والجوامع.
ومن مؤلفات الامامية: كتاب الموضوعات في الآثار والأخبار للسيد هاشم معروف الحسني المعاصر.
حجية الأقسام
اعتاد علماء الحديث من أصحابنا أن يبحثوا حجية كل واحد من الأقسام الأربعة ويعطوا رأيهم فيها.
ولأن هذه الأقسام هي أصول الحديث ـ كما ذكرنا ـ تكون هي أظهر مصاديق خبر الواحد غير المقرون، وحجيتها تكون حجيته.
وكل ما يقتضيه المنهج من الباحث ـ هنا ـ أن يتحقق من مصداقية القسم بتوفر شروط خبر الواحد غير المقرون فيه، وبشمول دليل الحجية له.
وفي مبحث مشروعية خبر الواحد يذكر علماء أصول الفقه أكثر من دليل، والذي يرتبط بموضوعنا هو:
١ ـ القرآن الكريم من خلال آية النبأ حيث تدل بمنطوقها على التبين عند سماع خبر الفاسق، وبمفهومها على عدم التبين عند سماع خبر العادل.
٢ ـ السيرة الاجتماعية من خلال إقرار وإمضاء المشرع الاسلامي لها، وهي تفيد جواز الاعتماد على خبر الثقة، وجواز الاعتماد على الاطمئنان والوثوق بصدور الخبر من قائله.
ومسألتنا هذه، وهي حجية الأقسام، تتفرع على هذا:
فمن اعتمد الآية الكريمة دليله في حجية خبر الواحد اقتصر على العمل بالصحيح فقط،
واعتده هو المعتبر والحجة، لأنه المصداق الذي ينطبق عليه مفهوم خبر الواحد، لأخذ عنصر العدالة شرطا في الراوي.
ووسّع بعض من اعتمد الآية الكريمة دليله، في دائرة الحجية لتشمل القسم الثاني، وهو الحسن، على اعتبار أن وظيفة المدح أو التحسين هي استبعاد أن يكون الراوي غير عادل، فتتوفر فيه ـ في ضوء هذا ـ الشروط المطلوبة.
ومن اعتمد السيرة الاجتماعية دليله في الحجية والاكتفاء ـ حسبما تفيده ـ بوثاقة الراوي أو بالوثوق بصدور الرواية، وسّع في دائرة شمولها إلى الموثق.
وعلى رأي الشيخ الطوسي من أن العدالة في الراوي تختلف عنها في القاضي ومرجع التقليد والشاهد، لأنها تعني ـ هنا ـ الوثاقة وتكون الحجية شاملة للأقسام الثلاثة: الصحيح والحسن والموثق، سواء كان الدليل هو السيرة أو الآية.
والذي عليه أكثر علمائنا، وبخاصة متأخري المتأخرين والمعاصرين حجية الأقسام الثلاثة: الصحيح والحسن والموثق.
أما الضعيف المردود فالاجماع قائم على عدم اعتباره، وعلى انتفاء حجيته.
ولكن وقع الخلاف بينهم في حجية الضعيف المقبول، وهو المعبر عنه في لغة الفقه بـ (الضعيف المنجبر).
والجبر عند من يقول به يتحقق بأحد أمرين هما:
١ ـ الشهرة في الرواية.
وأوضحها الشهيد الثاني بقوله: (بأن يكثر تدوينها (يعني الرواية) وروايتها بلفظ واحد أو ألفاظ متغايرة متقاربة المعنى)([79]).
٢ ـ الشهرة في الفتوى:
والمراد بها أن يستند إليه الفقهاء في مجال الاستنباط، ويعتمدونه دليلا للافتاء، فيفتون وفق مضمونه.
شريطة أن يشتهر هذا في كتب الفقه الاستدلالية وعلى ألسنة الفقهاء في البحث والاستنباط.
قال الشهيد الثاني: (وأما الضعيف فذهب الأكثر إلى منع العمل به مطلقا، وأجازه آخرون مع اعتضاده بالشهرة رواية أو فتوى)([80]).
ويلاحظ ـ هنا ـ أن الذي يدور على ألسنة الفقهاء وفي حواراتهم العلمية الاقتصار على الشهرة في الفتوى، ويعبرون عن هذا بـ (العمل بمضمون الخبر).
ودليلهم على هذا: أنّ تحقق الشهرة بالعمل به يكشف عن قرينة دالة على صدوره عن المعصوم.
أو كما قال الشهيد الثاني: إن تحقق الشهرة بالعمل به يقوي الظن بصدق الراوي (وإن ضعف الطريق، فإن ضعف الطريق قد يثبت به الخبر مع اشتهار مضمونه)([81]).
وقد ذهب الأكثر إلى القول بجبر الشهرة، واعتبار الحديث الضعيف المجبور بها حجة يركن إليه في الفتوى وفق محتواه.
وهو ظاهر قول المحقق الحلي في (المعتبر)، ونصه: (ما قبله الأصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به، وما أعرض الأصحاب عنه أو شذ يجب اطراحه).
وصريح قول المحقق الهمداني في (مصباح الفقيه ـ الصلاة ١٢)، ونصه: (فلا يكاد توجد رواية يمكننا إثبات عدالة رواتها على سبيل التحقيق، لولا البناء على المسامحة في طريقها، والعمل بظنون غير ثابتة الحجية.
بل المدار على وثاقة الراوي أو الوثوق بصدور الرواية وإن كان بواسطة القرائن الخارجية، التي عمدتها كونها مدونة في الكتب الأربعة، أو مأخوذة من الأصول المعتبرة، مع اعتناء الأصحاب بها، وعدم إعراضهم عنها…
ولأجل ما تقدمت الإشارة إليه جرت سيرتي على ترك الفحص عن حال الرجال، والاكتفاء في توصيف الرواية بالصحة، كونها موصوفة بها في ألسنة مشايخنا المتقدمين الذين تفحصوا عن حالهم)([82]).
وكذلك هو صريح قول الشيخ الخاقاني في (أنوار الوسائل ١/٥ ) ونصه: (الملاك في صحة السند واعتباره ما أوجب الوثوق في الصدور، وإن كان بجبر العلماء في الخبر الضعيف).
وذهب آخرون إلى عدم حجية الحديث الضعيف المجبور من قبل الأصحاب بالعمل وفق مؤداه.
منهم الشهيد الثاني، قال في (الدراية 27 ـ 28): (إنّا نمنع من كون هذه الشهرة التي ادعوها مؤثرة في جبر الضعيف، فإن هذا إنما يتم لو كانت الشهرة متحققة قبل زمن الشيخ، والأمر ليس كذلك، فإن من قبله من العلماء كانوا بين مانع من خبر الواحد مطلقا، كالسيد المرتضى، والأكثر على ما نقله جماعة، وبين جامع للأحاديث من غير التفات إلى تصحيح ما يصح، ورد ما يرد، وكان البحث عن الفتوى مجردة لغير الفريقين قليلا جدا، كما لا يخفى على من اطلع على حالهم.
فالعمل بمضمون الخبر الضعيف قبل زمن الشيخ على وجه يجبر ضعفه ليس بمتحقق.
ولما عمل الشيخ بمضمونه في كتبه الفقهية جاء مَن بعده من العلماء واتبعه منهم عليها الأكثر تقليدا له، إلا من شذ منهم، ولم يكن فيهم من يسبر الأحاديث، وينقب عن الأدلة بنفسه سوى الشيخ المحقق ابن إدريس، وقد كان لا يجيز العمل بخبر الواحد مطلقاً.
فجاء المتأخرون بعد ذلك ووجدوا الشيخ ومن تبعه قد عملوا بمضمون ذلك الخبر الضعيف لأمر ما رواه في ذلك، لعل الله يعذرهم فيه، فحسبوا العمل به مشهورا، وجعلوا هذه الشهرة جابرة لضعفه.
ولو تأمل المنصف، وحرر المنقب لوجد مرجع ذلك كله إلى الشيخ.
ومثل هذه الشهرة لا تكفي في جبر الخبر الضعيف).
وناقشه الشيخ المامقاني في (المقباس 1/193ـ194) قال: (وأقول: أما ما ذكره من منع كون هذه الشهرة التي ادعوها مؤثرة في الخبر الضعيف، ففيه: إن هذا المنع مما لا وجه له، فإن من لاحظ كثرة القرائن للمقاربين لعهد الأئمة (عليهم السلام)، واختفاءها علينا، اطمأن من اشتهار العمل بالخبر الضعيف بصدوره من مصدر الحق.
والمنصف يجد أن الوثوق الحاصل من الشهرة ليس بأقل من الوثوق الحاصل من توثيق رجال السند.
وأما ما جعله سندا للمنع من عدم تحقق الشهرة في زمان الشيخ (ره) ففيه: على فرض التسليم، أنه لا حاجة إلى تحققها في زمانه، بل يكفي تحققها من فتواه وفتوى موافقيه، ضرورة أن المدار على الوثوق والاطمئنان، فإذا حصل من الشهرة الحاصلة بعد زمن الشيخ (ره) فما المانع من جعلها بمنزلة توثيق الشيخ (ره) ومن تأخر عنه).
ومنهم أستاذنا السيد الخوئي، وتابعه غير واحد من تلامذته، منهم الشيخ المحسني([83]).
وأخيراً: نستطيع أن نقول: إذا كان المعتمد والملاك هو وثاقة الراوي إن تحققت، أو الوثوق بصدور الرواية مطلقا، أي من غير التفات إلى وثاقة الراوي وعدمها، وهو ما عليه أكثر متأخري المتأخرين تأتي الشهرة جابرة إذا حققت للحديث الوثوق بصدوره.
وقد نترقى أكثر، ونقول: بأن فائدة التقسيم الرباعي المذكور ـ في ضوء هذا ـ تأتي في مجال الترجيح بين الخبرين المتعارضين في السند.
أما في مجال الرجوع إليها للاعتماد عليها في عملية الاستنباط واستفادة الحكم فلا نلمس أي فارق بينها.
والخلاف في جبر الضعيف ينسحب إلى كسر الصحيح المعرض عنه من قبل الأصحاب.
فمن قال بقبول الضعيف لجبره، يقول برفض الصحيح لإعراض الأصحاب عنه وتركهم العمل به.
والعكس بالعكس تماماً.
ـ قبول الضعيف المردود:
يتفق العلماء على عدم حجية الحديث الضعيف المردود، لعدم إفادته الظن بالصدور المعتبر شرعاً.
ورتبوا عليه عدم جواز الرجوع إليه في استفادة الأحكام الشرعية من حلال وحرام.
وبتعبير أدق: قالوا: لا يجوز اعتباره دليلا في الواجبات والمحرمات من الأحكام الشرعية.
واختلفوا في الرجوع إليه في السنن (المستحبات الشرعية) والمكروهات الشرعية.
بمعنى أننا لو رأينا حديثا ضعيفا يفيد من حيث الدلالة على ندب إلى اتيان فعل أو تركه، أي استحباب الاتيان به أو كراهة الاتيان به، للحصول على الثواب من الله تعالى… هل يجوز لنا اعتماده دليلاً على الاستحباب أو الكراهة، أو لا يجوز؟
في المسألة قولان:
١ ـ القول بالجواز: وعمدة ما استدل به لهذا القول، الروايات.
ذكر منها الحر العاملي في (الوسائل ـ الباب ١٨) من أبواب مقدمة العبادات تحت عنوان (استحباب الاتيان بكل عمل مشروع روي له ثواب عنهم ـ (عليهم السلام) ـ): تسعة أحاديث.
وهي من حيث العدد قد تتجاوز حد الاستفاضة إلى التواتر المعنوي… قال الشيخ الأنصاري في رسالته (في أدلة التسامح في السنن والمكروهات) في معرض ذكره أدلة القول بالجواز: (الثالث: الأخبار المستفيضة التي لا يبعد دعوى تواترها معنى).
وفي هذه الأخبار: الصحاح الصراح والحسان الوضاح، أمثال:
ـ صحيحة هشام بن سالم، رواها (الصدوق عن محمد بن يعقوب، بطرقه إلى الأئمة (عليهم السلام): أن من بلغه شئ من الخير فعمل به كان له من الثواب ما بلغه، وإن لم يكن الأمر كما نقل له)([84]).
ـ حسنة هشام بن سالم، رواها (محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: من سمع شيئا من الثواب على شئ، فصنعه، كان له أجره، وإن لم يكن على ما بلغه)([85]).
ـ ومن طريق أهل السنة: (ما رواه عبد الرحمن الحلواني مرفوعا إلى جابر بن عبد الله الأنصاري: قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): من بلغه عن الله فضيلة فأخذها وعمل بما فيها إيمانا بالله، ورجاء ثوابه، أعطاه الله تعالى ذلك، وإن لم يكن كذلك)([86]).
وعلى أساس من هذه المرويات: قالوا: يتسامح في أدلة السنن، فيؤخذ بمؤديات الأحاديث الضعاف التي لم تبلغ حد الوضع، في المستحبات والمكروهات فقط.
قال الشهيد الثاني في (الدراية ٢٩): (وجوّز الأكثر العمل به ـ أي بالخبر الضعيف ـ في نحو القصص والمواعظ وفضائل الأعمال، لا في نحو صفات الله المتعال، وأحكام الحلال والحرام.
وهو حسن حيث لا يبلغ الضعف حد الوضع والاختلاق، لما اشتهر بين العلماء المحققين من التساهل بأدلة السنن).
٢ ـ القول بعدم الجواز:
وملخص ما استدل به أصحاب هذا القول هو أن الاستحباب حكم شرعي كالوجوب، فكما نحتاج في إثبات الوجوب إلى دليل شرعي معتبر وحجة، نحتاج في إثبات الاستحباب إلى دلل شرعي معتبر وحجة (فلا وجه للفرق بينهما، والاكتفاء فيه بأخبار الضعفاء والمجاهيل.
وكذا الكراهة والحرمة لا فرق بينهما في ذلك.
وأجيب عنه:
بأن الحكم بالاستحباب فيما ضعف مستند ليس في الحقيقة بذلك الخبر الضعيف، بل بالروايات الواردة في هذا الباب)([87]).
قال الشيخ الطريحي في كتابه (جامع المقال ١٨) ـ بعد نقله لروايات الباب ـ ( إن العمل ـ في الحقيقة ـ بهذه الأخبار، لا بما تضمنه الخبر الضعيف).
اللهم، إلا أن يقال: لا بد من تحقق الشرعية أولا في ذلك العمل الذي دل عليه الخبر الضعيف، بطريق صحيح، ليترتب الثواب عليه بهذا الخبر وإن لم يكن صحيحا، جمعا بين هذه الأخبار وبين ما دل على اشتراط العدالة في الراوي.
فحينئذٍ لا يتم الاستدلال بها مطلقاً.
أما من لم يمنع من العمل بها، ولم يشترط العدالة في الراوي، ويجعل الاعتماد في الحكم على حصول الظن كيف ما اتفق، فلا إشكال عليه في ذلك كما لا يخفى).
المرسل
تعريفه
الإرسال ـ لغةً ـ الاطلاق… يقال: أرسل الطائر من يده إذا أطلقه ليطير، ويقال: أرسل الكلام: أطلقه من غير تقييد.
ومن هذا: تسمية العرب النثر الذي لم يقيد بالسجع بـ (النثر المرسل).
وسمي الحديث ـ هنا ـ بالمرسل لإطلاقه من قيد الإسناد.
والمرسل ـ علمياً ـ هو الذي لم تتم فيه سلسلة الرواة.
وذلك:
إما بسقوط جميع الرواة الوسائط بين راوي الحديث، والمعصوم الذي روي عنه الحديث.
وإما بسقوط بعض الرواة الوسائط.
وبشرط عدم معرفة اسم الراوي الذي لم يرد ذكره في السند، وذلك لأن المعروف المحذوف في قوة المذكور، فيكون الحديث معه من نوع المسند لا المرسل.
فما انتهجه الشيخان الصدوق والطوسي في (الفقه) و (التهذيبين) من حذف أسماء الرواة أو بعض أسماء الرواة من سلسلة كثير من الأسانيد، بغية الاختصار، واعتماداً على ما ذكراه في (المشيخة) في آخر كل كتاب من الكتب الثلاثة: (الفقيه) و (التهذيب) و (الاستبصار)، لا يعد من المرسل، وذلك لمعرفة رجال السند عن طريق المشيخة.
ومن أمثلة الحديث المرسل:
ـ ما حذف من سلسلته جميع الرواة الوسائط، نحو ما رواه القاضي النعمان المغربي، قال: (عن جعفر بن محمد (عليه السلام): أنه ذكر الطواف بين الصفا والمروة، فقال: يخرج من باب الصفا فيرقى على الصفا، وينزل منه، ويرقى المروة، ثم يرجع كذلك، سبع مرات، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة)([88]).
ـ ما حذف من سلسلته بعض الرواة الوسائط، نحو ما رواه الحر العاملي عن الشيخ الطوسي (محمد بن الحسن بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: الكر من الماء الذي لا ينجسه شئ ألف ومائتا رطل)([89]).
والمحذوف من سلسلة السند هو ما أشير إليه بقول ابن أبي عمير (عن بعض أصحابنا).
ومن هنا تسمى هذه الرواية بمرسل أو مرسلة ابن أبي عمير، لأنه هو الذي أرسلها من الإسناد بينه وبين الإمام.
مشروعيته
بحث الفقهاء والمحدثون مشروعية الحديث المرسل، واختلفوا فيها على أقوال:
١ ـ حجية مرسل الثقة:
بمعنى أنه إذا كان الراوي المرسل للحديث ثقة يقبل مرسله، ويعتد حجة يركن إليه.
نسب هذا القول إلى أبي جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي صاحب كتاب المحاسن، وإلى أبيه محمد بن خالد البرقي من أصحاب الإمامين الرضا والجواد (عليهم السلام).
واستدل له: بأن رواية الثقة توثيق لمن يروي عنهم، وذلك (لأنه لو روى عن غير العدل ولم يبين حاله، لكان ذلك غشا، وهو مناف للعدالة)([90]).
ونوقش: بأن هذا (إنما يتم لو انحصر أمر العدل في روايته عن العدل أو الموثوق بصدقه، وهو ممنوع)([91]).
٢ ـ عدم حجية المرسل مطلقا، أي سواء كان المرسل له ثقة أو غير ثقة، وسواء كان لا يرسل إلا عن ثقة أم لا.
ذهب إلى هذا العلامة الحلي في كتابه (تهذيب الأصول)([92]).
واستدل له بـ (أن شرط جواز قبول الرواية معرفة عدالة الراوي، ولم تثبت، لعدم دلالة رواية العدل عليه)([93])، لأنها أعم.
٣ ـ حجية المرسل إذا كان راويه معروفا بأنه لا يرسل إلا عن ثقة، كما ذكر هذا في حق محمد بن أبي عمير.
ذهب إلى هذا الميرزا القمي في (القوانين).
واستدل له بـ (أن الارسال ممن عرف بأنه لا يرسل إلا عن ثقة، كاشف عن اعتماده على صدق الواسطة والوثوق بخبره.
ولا ريب أن ذلك يفيد ظنا بصدق خبره، وهو لا يقصر عن الظن الحاصل بصدق خبر الفاسق بعد التثبت)([94]).
ولاحظ عليه الشيخ السبحاني بـ (أنه مبني علي مبناه (يعني صاحب القوانين) من حجية مطلق الظن، وهو خلاف التحقيق.
ثم الظن في المقيس عليه أي الظن بصدق الفاسق بعد التثبت ليس بحجة ما لم يبلغ درجة التبين والاطمئنان العرفي)([95]).
هذه هي أهم الأقوال في مسألة حجية المرسل، وتتربع إذا أضفنا إليها:
٤ ـ المرسل المقبول:
ذلك أن المرسل إذا كان غير حجة ـ على رأي من يرى ذلك ـ يهبط إلى مستوى الحديث الضعيف، ويدخل في قائمة الأحاديث الضعاف، ويأخذ أحكامها من حيث القبول والرد.
فإذا وجدنا مرسلا قد تلقاه العلماء بالقبول، وعملوا وفق مؤداه يكون بمستوى الضعيف المقبول.
ومرَّ بنا أن قبول العلماء للضعيف واستنادهم إليه في الفتوى قد يكون جابر الضعفه فيدخل في دائرة الاعتبار عند المشهور، وقد لا يكون جابراً لضعفه فيبقى على عدم اعتباره، كما هو رأي الآخرين.
فما قيل هناك في الضعيف المقبول، يقول هنا في المرسل المقبول…
فقد يعتبر القبول ـ هنا ـ جابراً لضعفه الآتي من ناحية الارسال فيكون حجة، وقد لا يعتبر فلا يكون حجة.
ـ المرفوع:
وقد يطلق في لغة محدثينا وفقهائنا على الحديث المرسل اسم (المرفوع)، لأن الراوي للحديث رفعه إلى المعصوم، أو إلى من رواه عن المعصوم، بإسقاط الرواة بينهما.
وقد يؤنث باعتبار أنه وصف للرواية فيقال: (مرفوعة).
مثاله:
مرفوعة زرارة التي رواها الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي في كتابه (غوالي اللآلي)، عن العلامة الحلي مرفوعة إلى زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)، فقلت له: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران والحديثان المعارضان فبأيهما آخذ؟… إلخ.
ـ الشاذ:
من أنواع خبر الواحد غير المقرون ما سمي بـ (الشاذ)، وقد ورد هذا الاسم في أحاديث رويت عن الأئمة (عليهم السلام)، أمثال:
ـ مقبولة عمر بن حنظلة: (ينظر إلى ما كان من روايتيهما عنا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك).
ـ ومرفوعة زرارة: (يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر).
والذي يبدو أن الكلمة استعملت بمعناها اللغوي، حيث تعني في اللغة العربية: الشئ المنفرد.
وعندما نقول: (منفرد) فإنما نعني أن هناك مجموعا أو جماعة انفرد هذا عنها وشذ.
قال ابن منظور: شذ يشذ شذوذاً: انفرد عن الجمهور وندر، فهو شاذ).
وروى ابن منظور عن ابن سيده قوله: (شذ الشئ يَشِذ ـ ويَشُذ ـ شذاً وشذوذاً: ندر عن جمهوره).
وروي أيضاً عن الليث أنه قال: (شذ الرجل إذا انفرد عن أصحابه، وكذلك كل شئ منفرد فهو شاذ).
وفي ضوء ما تقدم يمكننا أن نعرف الحديث الشاذ ـ اصطلاحا ـ بأنه الحديث النادر المقابل لآخر مشهور بين الجمهور.
مثاله:
(حديث حذيفة بن منصور عن معاذ بن كثير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الناس يقولون: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صام تسعة وعشرين أكثر مما صام ثلاثين.
فقال: كذبوا ما صام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منذ بعثه الله تعالى إلى أن قبضه أقل من ثلاثين يوماً، ولا نقص شهر رمضان منذ خلق الله السماوات من ثلاثين يوماً وليلة).
ذكره الشيخ الطوسي في كتاب (التهذيب 4/167 رقم ٤٧٧)، ثم علق عليه في ص ١٦٩ بقوله: (وهذا الخبر لا يصح العمل به من وجوه
أحدها: أن متن هذا الحديث لا يوجد في شئ من الأصول المصنفة، وإنما هو موجود في الشواذ من الأخبار.
ومنها: أن كتاب حذيفة بن منصور ـ رحمه الله ـ عري منه، والكتاب معروف مشهور).
أهلية الراوي للرواية
ـ أهمية الموضوع.
يُعَدّ هذ الموضوع من أهم موضوعات علم الحديث، لأن به، ومن خلال ما يذكر فيه من مؤهلات، يلزم توافرها في الراوي، يميز ويفرق بين الرواية المعتبرة والأخرى غير المعتبرة.
ولأن على أساس منه يقوم الرجاليون بمهمة التعديل والتجريح، والتوثيق والتفسيق، ليعرف في ضوء ما يذكرون من قيم للراوي مدى اعتبار السند وعدم اعتباره.
وليعرف أيضاً مستوى السند من حيث الصحة والحسن والوثاقة والضعف… وغيرها.
ويستفاد منه أيضاً في مجال الترجيح بين الأسانيد من خلال معرفة مستوى السند من حيث العلو والدنو والتوسط.
إلى غير هذه مما يعرف في مواضعه من بحوث الرجاليين والمحدثين.
مشروعيته
ويبدو مما ذكره الشهيد الثاني في (البداية ٦٢) تمهيدا لبحث الموضوع أن تساؤلا قد أثير حول البحث في الموضوع وجوازه من ناحية شرعية، لما في الجرح للراوي من كشف لمستور وإشاعة لسلوك مقبور.
وقد أجاب الشهيد الثاني أنه باستيفاء ووفاء، قال: (وجُوِّز ذلك البحث وإن اشتمل على القدح في المسلم المستور، واستلزم إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، صيانة للشريعة المطهرة من إدخال ما ليس منها فيها، ونفيا للخطأ والكذب عنها.
وقد روي أنه قيل لبعض العلماء: (أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة)، فقال: (لأن يكونوا خصمائي أحب إلي من أن يكون رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خصمي، يقول لي: لم لم تذب الكذب عن حديثي).
وروي أن بعضهم سمع من بعض العلماء شيئا من ذلك، فقال له: (يا شيخ لا يغتاب العلماء)، فقال له: (ويحك، هذا نصيحة، ليس هذا غيبة).
وهذا أمر واضح لا مرية فيه، بل هو من فروض الكفاية كأصل المعرفة بالحديث.
نعم، يجب على المتكلم في ذلك التثبت في نظره وجرحه لئلا يقدح في بريء غير مجروح بما ظنه جرحاً، فيجرح بريئا بسمة سوء يبقى عليه الدهر عارها… فقد أخطأ في ذلك غير واحد، فطعنوا في أكابر من الرواة، استنادا إلى طعن ورد فيهم، له محمل، أو لا يثبت عنهم بطريق صحيح.
فمن أراد الوقوف على حقيقة الحال فليطالع كتاب الكشي في الرجال.
وقد كفانا السلف الصالح من العلماء بهذا الشأن مؤنة الجرح والتعديل غالبا، في كتبهم التي صنفوها في الضعفاء، كابن الغضائري، أو فيهما معا (يعني الجرح والتعديل) كالنجاشي والشيخ أبي جعفر الطوسي والسيد جمال الدين أحمد بن طاووس والعلامة جمال الدين بن المطهر والشيخ تقي الدين بن داود وغيرهم.
ولكن ينبغي للماهر في هذه الصناعة، ومن وهبه الله تعالى أحسن بضاعة تدبر ما ذكروه، ومراعاة ما قرروه، فعله يظفر بكثير مما أهملوه، ويطلع على توجيه في المدح والقدح قد أغفلوه، كما أطلعنا عليه كثيراً، ونبهنا عليه في مواضع كثيرة وضعناها على كتب القوم، خصوصا مع تعارض الأخبار في الجرح والقدح، فإنه وقع لكثير من أكابر الرواة، وقد أودعه الكشي في كتابه من غير ترجيح، وتكلم من بعده في ذلك، واختلفوا في ترجيح أيهما على الآخر اختلافاً كثيراً، فلا ينبغي لمن قدر على البحث تقليدهم في ذلك، بل ينفق ما آتاه الله تعالى، فلكل مجتهد نصيب، فإن طريق الجمع ملتبس على كثير حسب اختلاف طرقه وأصوله في العمل بالأخبار الصحيحة والحسنة والموثقة، وطرحها، أو بعضها، فربما لم يكن في أحد الجانبين حديث صحيح، فلا يحتاج إلى البحث عن الجمع بينهما، بل يعمل بالصحيح خاصة، حيث يكون ذلك من أصول الباحث، وربما يكون بعضها صحيحاً ونقيضه حسناً أو موثقاً، ويكون من أصله العمل بالجميع، فيجمع بينهما بما لا يوافق أصل الباحث الآخر، ونحو ذلك.
وكثيراً ما يتفق لهم التعديل بما لا يصلح تعديلا، كما يعرفه من يطالع كتبهم سيما (خلاصة الأقوال) التي هي الخلاصة في علم الرجال).
تحديده
عنون بعض المؤلفين في علم الحديث هذا البحث بـ (من تقبل روايته ومن ترد)، وعنونه آخر بـ (صفات الراوي)، وثالث بـ (شروط الراوي).
والمراد بهذه العناوين وأمثالها بيان أهلية الراوي لتحمل الرواية وأدائها.
والأهلية ـ كما هو معلوم ـ صلاحية الإنسان للقيام بما أنيط به من مهمة أو عمل أو وظيفة.
وعليه تكون أهلية الراوي صلاحيته للقيام بحمل الرواية وأدائها بسبب توفر متطلبات القيام بهذه المهمة لديه.
مؤهلاته
وهي الصفات التي يلزم الانسان الاتصاف بها ليكون أهلا لتحمل الرواية وأدائها.
أو هي الشروط التي يجب توافرها في الانسان ليصلح أن يكون راويا يقوم بمهمة التحمل والأداء.
وهي:
1 ـ الإسلام:
بأن يكون الراوي مسلما حال أدائه للرواية لا حال تحمله.
قال الشهيد الثاني في (البداية ٦٤): (اتفق أئمة الحديث والأصول الفقهية على اشتراط إسلام الراوي حال روايته، وإن لم يكن مسلما حال تحمله).
وقال ابنه الشيخ حسن العاملي في (المعالم 352ـ353): (ولا ريب عندنا في اشتراطه لقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات: 6] وهو شامل للكفر وغيره.
ولئن قيل باختصاصه في العرف المتأخر بالمسلم، لدل بمفهوم الموافقة على عدم قبول خبر الكافر، كما هو الظاهر).
٢ ـ العقل:
بأن يكون الراوي غير مجنون.
وهو من القضايا البديهية المتفق عليها في تحقق الأهلية.
٣ ـ البلوغ:
بأن يكون الراوي قد بلغ سن التكليف الشرعي حال أدائه للرواية لا حال تحمله.
وهو مما تسالمت عليه كلمة علمائنا.
٤ ـ الايمان:
بأن يكون الراوي إمامياً.
قال الشيخ العاملي في (المعالم ٣٥٣): (واشتراطه هو المشهور بين الأصحاب).
وفي مقابله عند أصحابنا أيضا: تجويز رواية غير الامامي من الفرق الاسلامية الأخرى، سواء كان من أهل السنة أم من الشيعة، إذ كان موثقا عند علمائنا ـ كما مر في تعريف الحديث الموثق.
وهو مذهب الشيخ الطوسي، على تفصيل له في المسألة.
وخلاصته
أ ـ قبول رواية السني الموثق عندنا ـ لا في مذهبه ـ إذا روى عن أحد أئمتنا (عليهم السلام)، شريطة أن لا يوجد في رواياتنا ما يخالف روايته.
قال في (العدة 1/379ـ380): (فأما إذا كان مخالفاً في الاعتقاد لأصل المذهب، وروى مع ذلك عن الأئمة (عليهم السلام)، نظر فيما يرويه:
١ ـ فإن كان هناك من طرق الموثوق بهم ما يخالفه، وجب اطراح خبره.
٢ ـ وإن لم يكن هناك ما يوجب اطراح خبره، ويكون هناك ما يوافقه، وجب العمل به.
٣ ـ وإن لم يكن هناك من الفرقة المحقة خبر يوافق ذلك، ولا يخالفه، ولا يعرف لهم قول فيه، وجب أيضا العمل به، لما روي عن الصادق (عليه السلام)، أنه قال: (إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنا، فانظروا إلى ما رووه (يعني أهل السنة) عن علي (عليه السلام) فاعملوا به).
ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث، وغياث بن كلوب، ونوح بن دراج، والسكوني، وغيرهم من العامة عن أئمتنا (عليه السلام) فيما لم ينكروه، ولم يكن عندهم خلافه).
ب ـ قبول رواية الشيعي غير الامامي إذا كان موثقا عندنا ـ لا في مذهبه بشرط:
١ ـ أن لا يوجد في رواياتنا ما يخالف روايته.
٢ ـ أن تقترن روايته بما يساعد على قبولها.
٣ ـ أن يوجد ما يوافق روايته في رواياتنا.
قال ـ 380 ـ 381: (وأما إذا كان الراوي من فرق الشيعة، مثل: الفطحية، والواقفة، والناووسية، وغيرهم، نظر فيما يرويه:
١ ـ فإن كان هناك قرينة تعضده، أو خبر آخر من جهة الموثوقين بهم، وجب العمل به.
٢ ـ وإن كان هناك خبر آخر يخالفه من طريق الموثوقين، وجب اطراح ما اختصوا بروايته، والعمل بما رواه الثقة.
٣ ـ وإن كان ما رووه ليس هناك ما يخالفه، ولا يعرف من الطائفة العمل بخلافه، وجب العمل به أيضا، إذا كان متحرجا في روايته، موثوقا في أمانته، وإن كان مخطئا في أصل الاعتقاد.
فلأجل ما قلناه عملت الطائفة بأخبار الفطحية، مثل: عبد الله بن بكير، وغيره، وأخبار الواقفة مثل: سماعة بن مهران، وعلي بن أبي حمزة، وعثمان بن عيسى، ومن بعد هؤلاء بما رواه بنو فضال، وبنو سماعة، والطاطريون، وغيرهم، فيما لم يكن عندهم فيه خلافه).
ج ـ وقال في قبول أو رفض روايات الغلاة والمتهمين والمضعفين: (وأما ما ترويه الغلاة والمتهمون والمضعفون، وغير هؤلاء:
١ ـ فما يختص الغلاة بروايته.
أ ـ فإن كانوا ممن عرف لهم حال استقامة، وحال غلو، عمل بما رووه في حال الاستقامة، وترك ما رووه في حال تخليطهم.
ولأجل ذلك عملت الطائفة بما رواه أبو الخطاب محمد بن أبي زينب في حال استقامته، وتركوا ما رواه في حال تخليطه.
وكذلك القول في أحمد بن خلال العبرتائي، وابن أبي عذافر، وغير هؤلاء.
ب ـ فأما ما يرويه في حال تخليطه، فلا يجوز العمل به على كل حال.
وكذلك القول فيما يرويه المتهمون والمضعفون:
١ ـ فإن كان هناك ما يعضد روايتهم ويدل على صحتها، وجب العمل به.
٢ ـ وإن لم يكن هناك ما يشهد لروايتهم بالصحة، وجب التوقف في أخبارهم.
فلأجل ذلك توقف المشايخ عن أخبار كثيرة هذه صورتها، ولم يرووها، واستثنوها في فهارسهم من جملة ما يروونه من التصنيفات).
٥ ـ العدالة:
تقدم أن تحدثت عن العدالة، عن مفهومها والخلاف فيه، بما فيه الكفاية. وذلك عند حديثي عن التعديل.
فلنا ـ إذن ـ أن ننتقل إلى الحديث عن طرق معرفة العدالة والجرح.
طرق معرفة العدالة والجرح:
أي كيف نعرف أن هذا الراوي الذي نريد أن نعتمد روايته في الاستنباط والاستدلال متصف بالعدالة أو غير متصف بها.
ذكر العلماء لذلك ثلاث طرق، هي:
١ ـ الاستفاضة:
وهي: أن تشتهر عدالة الراوي أو جرحه في أوساط المعنيين بذلك من أهل الحديث وغيرهم من أهل العلم.
وبالاستفاضة أثبت العلماء عدالة (مشايخنا السالفين من عهد الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، وما بعده، إلى زماننا هذا… فلا يحتاج أحد من هؤلاء المشايخ إلى تنصيص على تزكية، ولا تنبيه على عدالة، لما اشتهر في كل عصر من ثقتهم وضبطهم وورعهم، زيادة على العدالة)([96]).
٢ ـ البينة:
وهي أن ينص عادلان على تزكية الراوي أو جرحه، بأن يقولا في حقه: ثقة: وأمثاله، أو يقولا: كذاب وأمثاله.
ويحتاج إلى البينة في معرفة عدالة وجرح الرواة الذين لم تشتهر عدالتهم أو جرحهم في الأوساط العلمية المعنية، وذلك بأن يرجع إلى الكتب الرجالية الأصول أمثال: كتب البغداديين: الكشي والنجاشي والطوسي، ومن بعدهم، كتب الحليين: ابن طاووس والعلامة وابن داود.
٣ ـ شهادة العدل الواحد:
وهي: أن يزكي أو يجرح الرواي عادل واحد.
ذهب إليه المشهور من أصحابنا، استناداً إلى الاكتفاء بالواحد في قبول الرواية، وتزكية الراوي هنا فرع قبول الرواية، فكما لا يعتبر العدد في الأصل ـ وهو قبول الرواية ـ لا يعتبر في الفرع ـ وهو تزكية أو جرح الراوي.
وذهب الآخرون إلى عدم الاكتفاء به، لأن التزكية والجرح شهادة، والشهادة لا بد فيها من التعدد.
ولقد أجاد الفاضل القمي (ره) حيث قال: إن التزكية من باب الظنون الاجتهادية لا الرواية والشهادة.
وأن المعيار (هنا) حصول الظن على أي نحو يكون.
كيف لا، والمزكون لم يلقوا أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، وإنما اعتمدوا على مثل ما رواه الكشي([97]).
وحصيلة ما تقدم، هي: أنه إذا أفاد تقييم الرجاليين القدامى المذكور في كتبهم الرجالية المعتمدة، وفي هدي ما يملكه الباحث من وسائل الاجتهاد، الظن بقيمة الراوي، اعتمد عليه واستند إليه، وقيم الرواية في هديه.
اجتماع الجرح والتعديل:
ويتفرع على مسألتنا السابقة مشكلة ما لو اجتمع في تعريف راو واحد قول يزكيه وآخر يطعن فيه.
وقد بحثها مؤلفو علم الحديث كعموميات تنطبق على الحوادث اليومية.
وهذا يصح لمن يريد أن يؤسس قواعد لدراسات وأبحاث مستقبلية يقيم على هديها من يلتقيه من الرواة الأحياء.
ونستفيد منه إذا أردنا معرفة قيمة راو معاصر لنا.
أما ونحن نتعامل مع رواة مروا في التاريخ، وليس أمامنا من تقييم لشخصياتهم، إلا ما ذكر في كتب الرجال، وهو لا يعدو أن يكون من نوع الأخبار المنقولة، والمستفادة مؤدياتها من قرائن اطلع عليها، أو دارسات قام بها معنيون بهذا الشأن عاشوا قبل زمن المؤلفين الرجاليين، ولم يصل إلى الرجاليين منهم إلا نتائجها.
فالحل ـ على هذا ـ هو أن نوضح كيفية التعامل مع القيم المذكورة في كتب الرجال.
ويتم هذا: بأن يقوم التعامل على أساس من معرفتنا لمنهج المؤلف، وطريقته العلمية في تقييم الرواة.
فمثلاً: لو قارنا بين فهرسي النجاشي والطوسي بقراءة كل منهما قراءة ناقدة، لرأينا النجاشي أكثر تدقيقاً وتحقيقاً.
وعلى أساس منه نقول: لو تعارض تقييم النجاشي وتقييم الطوسي يقدم تقييم النجاشي.
وهكذا لو تعارض تقييم الرجاليين البغداديين (الكشي والنجاشي والطوسي) وتقييم الرجاليين الحليين (ابن طاووس والعلامة وابن داود) يقدم تقييم البغداديين، لانهم أقاموا تقييماتهم على ما أفادوه من الرجاليين السابقين لجيلهم، وهو أقرب عهدا وألصق معرفة بسيرة وواقع الرواة.
وأخيراً:
المسألة ـ في واقعها ـ اجتهادية ـ تعتمد على منهج الباحث وطريقته، والقواعد الأساسية التي توصله إلى هذا.
٦ ـ الضبط:
ويراد به أن يكون الراوي حافظا لما يرويه (متيقظا غير مغفل إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابه، حافظا له من الغلط والتصحيف والتحريف إن حدث منه، عارفاً بما يختل به المعنى إن روى بالمعنى) ([98]) ـ في رأي من يجوزه ـ.
الرواية عند المرأة
وإلحاقاً بما تقدم قال الشهيد الثاني في (الدراية ٦٦): (ولا يشترط في الراوي الذكورة، لأصالة عدم اشتراطها، واطباق السلف والخلف على الرواية عن المرأة).
ومن هنا ترانا نقرأ في كتب الرجال والتراجم والتاريخ والفهارس أسماء عدد غير قليل من النساء الراويات والمحدثات وصاحبات الإجازات لهن ومنهن.
ومن هذه الأسماء:
ـ (من الصحابيات):
١ ـ أم المؤمنين خديجة بنت خويلد القرشية.
٢ ـ أم المؤمنين أم سلمة بنت أمية بن المغيرة المخزومية، روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ٣٧٨ حديثاً.
٣ ـ أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر التيمية، روي عنها ٢٢١٠ حديثاً.
٤ ـ أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية، روى لها البخاري ومسلم ٦٠ حديثاً.
٥ ـ أروى بنت أنيس، روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله).
٦ ـ أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين.
٧ ـ أسماء بنت عميس الخثعمية.
٨ ـ أم أيمن: بركة بنت ثعلبة الحبشية.
٩ ـ أم حذيفة بن اليمان، روى عنها ابنها حذيفة.
١٠ ـ أم الخطاب زوج عثمان بن مظعون، روى عنها ابنها خطاب.
١١ ـ أم سعد بنت سعد بن الربيع الأنصارية، روى عنها داود بن الحصين.
١٢ ـ أم سليم بنت ملحان، روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وروى عنها ابنها وابن عباس وغيرهما.
١٣ ـ أم سنبلة الأسلمية، روت عنها أم المؤمنين عائشة.
١٤ ـ أم عبد الله بن مسعود، روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وروى عنها ابنها عبد الله.
١٥ ـ أم فروة الانصارية، روى عنها ابن أخيها القاسم بن غنام.
١٦ ـ أم الفضل: لبابة بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن عبد المطلب، روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وروى عنها ابناها تمام وعبد الله.
١٧ ـ أم الكرام السلمية روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله).
١٨ ـ أم نصر المحاربية.
١٩ ـ أم هاني الأنصارية.
٢٠ ـ جمرة بنت النعمان العدوية.
٢١ ـ درة بنت أبي سلمة المخزومية.
٢٢ ـ سائبة مولاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، روت عنه، وروى عنها طارق بن عبد الرحمن.
٢٣ ـ سبيعة الأسلمية، روت عن النبي (صلّى الله عليه وآله).
٢٤ ـ ليلى زوج أبي ذر الغفاري، وت عنها امامة بنت الصلت.
٢٥ ـ نسيبة بنت كعب الأنصارية: أم عمارة.
ـ (من التابعيات):
١ ـ أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.
٢ ـ أم جميلة السعدية، روت عن أم المؤمنين عائشة.
٣ ـ أم حفص بنت عبيد بن عازب، روت عن عمها البراء بن عازب.
٤ ـ أم حميد بنت عبد الرحمن، روت عن أم المؤمنين عائشة.
٥ ـ أم عمرو بنت خوات بن جبير، روت عن أم المؤمنين عائشة.
٦ ـ أم عيسى بن عبد الرحمن، روت عن أم المؤمنين عائشة.
٧ ـ أم كلثوم الليثية، روت عن أم المؤمنين عائشة، وروى عنها عبد الله بن عبيد الليثي.
٨ ـ أم مسكين بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، روت عن أبي هريرة.
٩ ـ برزة أم الزبير بن عربي، روت عن أم المؤمنين عائشة.
١٠ ـ تبالة بنت يزيد، روت عن أم المؤمنين عائشة.
١١ ـ جمانة بنت المسيب بن نجية الفزاري، روت عن حذيفة بن اليمان.
١٢ ـ ذفرة بنت غالب الراسبية البصرية، روت عن أم المؤمنين عائشة.
١٣ ـ زبيبة بنت النعمان، روت عن أبي هريرة.
١٤ ـ زينب بنت كعب زوج أبي سعيد الخدري، وثقها ابن حبان.
١٥ ـ زينب بنت نبيط الأنصارية.
١٦ ـ سارة بنت عبد الله بن مسعود، روت عن أبيها.
١٧ ـ سكينة بنت قريش، روت عن أم المؤمنين عائشة، وروى عنها مسلم الجرمي.
١٨ ـ سلمى مولاة بكر بن وائل، روت عن أم المؤمنين أم سلمة وغيرها.
١٩ ـ سُمى الأنصارية، روت عن أم المؤمنين أم سلمة.
٢٠ ـ سيرين بنت عبد الله بن مسعود، روت عن أبيها.
٢١ ـ صفية بنت شيبة بن عثمان العبدية، وثقها ابن حبان.
٢٢ ـ كريمة بنت همام، روت عن أم المؤمنين عائشة، وروى عنها علي بن المبارك ويحيى بن أبي كثير.
٢٣ ـ مريم بنت أياس الأنصارية.
٢٤ ـ هند بنت الحارث، روت عن أم المؤمنين أم سلمة.
٢٥ ـ هند بنت شريك البصرية، روت عن أم المؤمنين عائشة.
ـ (من الإماميات):
١ ـ فاطمة الزهراء (عليها السلام)، روت عن أبيها.
٢ ـ زينب بنت علي بن أبي طالب (عليه السلام).
٣ ـ فاطمة بنت علي بن أبي طالب، روت عن أبيها.
٤ ـ فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب.
٥ ـ فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، روت عن أبيها، وأخيها زين العابدين (عليه السلام)، وروى عنها ابنها عبد الله بن الحسن المثنى.
٦ ـ فاطمة بنت علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، روت عن عمتها فاطمة بنت الحسين.
٧ ـ فاطمة بنت محمد الباقر.
٨ ـ فاطمة بنت جعفر الصادق.
٩ ـ فاطمة بن موسى الكاظم.
١٠ ـ فاطمة بنت علي الرضا، روت عن فاطمة بنت موسى الكاظم، عن فاطمة بنت جعفر الصادق عن فاطمة بنت محمد الباقر، عن فاطمة بنت علي زين العابدين، عن فاطمة بنت الحسين عن أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عن فاطمة الزهراء (عليها السلام).
١١ ـ أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب.
١٢ ـ آمنة بيكم بنت محمد تقي المجلسي.
١٣ ـ أسماء بنت عابس بن ربيعة الكوفية، روت عن أبيها، وروى عنها ابن ماجة.
١٤ ـ أم أبيها بنت عبد الله بن جعفر الطيار.
١٥ ـ أم الأسود بنت أعين، أخت زرارة، وهي أول امرأة تشيعت من آل أعين.
١٦ ـ أم الحسن فاطمة بنت محمد بن مكي الشهيد الأول، أجازها والدها الشهيد والسيد ابن معية.
١٧ ـ أم الحسن بن علي بن زياد الوشاء، روى عنها ابنها الحسن.
١٨ ـ أم سلمة والدة محمد بن المهاجر، روى عنها محمد بن أبي عمير عن الإمام الصادق (عليه السلام).
١٩ ـ أم فروة فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، أم الإمام الصادق (عليه السلام)، روت عن علي بن الحسين (عليه السلام).
٢٠ ـ أم موسى حبيبة مولاة أمير المؤمنين (عليه السلام)، روت عنه (عليه السلام).
٢١ ـ أم هاني الثقفية، روت عن الإمام الباقر (عليه السلام).
٢٢ ـ حبابة بنت جعفر الأسدية الوالبية أم الندى.
٢٣ ـ حكيمة بنت موسى الكاظم(ع).
٢٤ ـ حكيمة بنت محمد الجواد(ع).
٢٥ ـ حمادة أخت أبي عبيدة الحذاء، روت عن الإمام الصادق (ع) .
٢٦ ـ حميدة أم الإمام موسى الكاظم(ع).
٢٧ ـ خديجة بنت عمر بن علي بن الحسين(ع) ، روت عن عمها الإمام الباقر (عليه السلام).
٢٨ ـ الرباب زوج الإمام الحسين(ع).
٢٩ ـ سعيدة بنت أبي عمير، روت عن الإمام الصادق (عليه السلام).
٣٠ ـ سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب(ع).
٣١ ـ علية بنت علي بن الحسين زين العابدين(ع) ، لها كتاب.
٣٢ ـ فاطمة بنت السيد رضي الدين علي بن طاووس لها الإجازة من أبيها.
٣٣ ـ كلثوم بنت سليم، روت عن الإمام الرضا (عليه السلام)، وروى عنها محمد بن إسماعيل بن بزيع.
٣٤ ـ مارية العبدية.
٣٥ ـ منة بنت أبي عمير، روت عن الإمام الصادق (عليه السلام).
٣٦ ـ الهاشمية الأصبهانية بنت السيد محمد علي أمين التجار، الفقهية المجتهدة، لها أجازات الاجتهاد من الاعلام.
ـ (من غيرهن):
١ ـ آسية بنت جار الله الشيباني الطبري (٧٩٦هـ ـ ٨٣٥هـ)، أجاز لها الحافظ العراقي وغيره، وأخذ عنها السيوطي، وأجازت هي لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي.
٢ ـ آمنة بنت أبي الحرب، من مشيخة أبي طاهر الخطيب الأنباري.
٣ ـ آمنة بنت موسى بن أحمد (ت ٨٦٠هـ) أجازت للسخاوي المتقدم.
٤ ـ آمنة بنت نصر الله الكنانية (٧٧٠هـ ـ ٨٥٣هـ) قرأ عليها السخاوي، وأجاز لها جماعة.
٥ ـ أم أحمد المرسية (ت ٨٥٠هـ). أجازت للسخاوي.
٦ ـ أم البهاء فاطمة بنت الحافظ تقي الدين محمد الهاشمية، من مشايخ السيوطي.
٧ ـ أم الخير بنت يوسف، أخذ عنها السيوطي.
٨ ـ خديجة بنت إسماعيل بن عمر، أجازت للسيوطي.
٩ ـ درة بنت صالح (ت ٦٠٧هـ)، حدثت بالإجازة عن الأرموي.
١٠ ـ رقية بنت أحمد، لها إجازة من زينب الشعرية في سنة ٦٦٩هـ.
التصحيحات العامة
يلتقي القارئ المستقرئ لكتب الحديث وكتب الرجال وكتب الفقه الاستدلالي عبائر تنبئ أنها ضوابط أو قواعد حديثية أفيدت من واقع علمي الرجال والحديث، إلا أنها لم تدون في كتب الأقدمين بشكل بحوث، وإنما ذكرت على صورة نتائج لبحوت علمية، طويت صفحاتها فلم تصل إلينا.
وقد حاول علماؤنا المتأخرون، لا سيما المعاصرين منهم دراستها في ضوء مبادئ وأصول علمي الرجال والحديث، للخروج منها بنتائج مقرونة بأدلتها، ومستنداتها.
ورأيت ـ قبل البحث فيها ـ أن أعنونها بعنوان (التصحيحات العامة) لأنها ـ في حقيقتها ـ هي تصحيح لمجموعة من الأحاديث يضمها إطار خاص.
واخترت منها أهمها مفاداً، وأكثرها شمولية، وهي:
ـ تصحيح روايات أصحاب الاجماع.
ـ تصحيح مراسيل الثلاثة: ابن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي.
ـ تصحيح أحاديث الكتب الأربعة.
وسأتحدث عن كل واحد منها في حدود ما يتحمله هذا المختصر، مع التركيز والتوضيح قد الامكان.
تصحيح روايات أصحاب الإجماع
روى الشيخ أبو عمرو الكشي في كتابه المعنون بـ (رجال الكشي): أن علماءنا أجمعوا على تصحيح روايات ثمانية عشر راويا من أصحاب الأئمة (عليهم السلام).
تسميتهم:
ولأجل هذا الاجماع المومأ إليه سموا بـ (أصحاب الاجماع).
أسماؤهم:
وهم ثلاثة مجموعات، كل مجموعة ستة رجال، موزعين على صحبة أربعة من الأئمة، وكالتالي:
أ ـ من أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام):
١ ـ زرارة بن أعين الشيباني الكوفي.
٢ ـ معروف بن خربوذ المكي.
٣ ـ بريد بن معاوية العجلي.
٤ ـ الفضيل بن يسار البصري.
٥ ـ محمد بن مسلم الطائفي الكوفي.
٦ ـ أبو بصير عبد الله بن محمد الأسدي.
أو
ـ أبو بصير ليث بن البختري المرادي.
ب ـ من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام):
١ ـ جميل بن دراج النخعي.
٢ ـ عبد الله بن مسكان العنزي.
٣ ـ عبد الله بن بكير بن أعين الكوفي.
٤ ـ حماد بن عيسى الجهني.
٥ ـ حماد بن عثمان الناب.
٦ ـ أبان بن عثمان الأحمر البجلي.
ج ـ من أصحاب الإمامين الكاظم والرضا (عليه السلام):
١ ـ يونس بن عبد الرحمن.
٢ ـ صفوان بن يحيى البجلي بياع السابري.
٣ ـ محمد بن أبي عمير الأزدي البغدادي.
٤ ـ عبد الله بن المغيرة البجلي.
٥ ـ أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي الكوفي.
٦ ـ الحسن بن محبوب السراد الكوفي.
أو
ـ الحسن بن علي بن فضال.
أو
ـ فضالة بن أيوب الأزدي.
أو
ـ عثمان بن عيسى الرواسي.
نصوص عبائر الكشي:
١ ـ قال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام(: (وأجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر، وأبي عبد الله (عليه السلام)، وانقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقه الأولين ستة: زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي.
قالوا: وأفقه الستة زرارة.
وقال بعضهم: مكان أبي بصير الأسدي: أبو بصير المرادي، وهو ليث بن البختري)([99]).
٢ ـ قال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام):
(أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون، وأقروا لهم بالفقه من دون أولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم، ستة نفر: جميل بن دراج، وعبد الله بن مسكان، وعبد الله بن بكير، وحماد بن عيسى، وحماد بن عثمان، وأبان بن عثمان.
قالوا: وزعم أبو إسحاق الفقيه ـ يعني ثعلبة بن ميمون ـ أن أفقه هؤلاء جميل بن دراج، وهم أحداث([100]) أصحاب أبي عبد الله ـ ع ـ)([101]).
٣ ـ قال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن الرضا (عليه السلام):
)أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء، وتصديقهم، وأقروا لهم بالفقه والعلم، وهم ستة نفر أخر، دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)، منهم: يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى بياع السابري، ومحمد بن أبي عمير، وعبد الله بن المغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمد بن أبي نصر.
وقال بعضهم: مكان الحسن بن محبوب، الحسن بن علي بن فضال، وفضالة بن أيوب.
وقال بعضهم: مكان فضالة، عثمان بن عيسى.
وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى)([102]).
مفاد عبارات الكشي:
وقد اختلفوا في تقدير المعنى الذي يمكن أن يستفاد من هذه العبارات المذكورة، على ثلاثة أقوال هي:
١ ـ أنها تدل على توثيق أصحاب الاجماع وتصديقهم فيما يقولون من أخبار مثل: (حدثني فلان) أو (سمعت فلاناً)… إلخ.
٢ ـ أنها تدل على صحة ما يرويه أصحاب الاجماع عن الامام مسندا كان أو مرسلا، كانت الوسائط بين صاحب الاجماع والامام بمستوى العدالة أو الوثاقة أو لم تكن.
٣ ـ صحة ما يروى عنهم.
وبتوضيح أكثر:
١ ـ صاحب الإجماع.
٢ ـ من صاحب الإجماع ← الإمام.
٣ ـ من الراوي ← صاحب الإجماع ← الإمام.
فعلى القول الأول يخضع جميع رواة الحديث ما عدا صاحب الاجماع لمعايير تقييم الرواية، فقد ننتهي إلى أنها معتبرة فتقبل، وقد ننتهي إلى أنها غير معتبرة فلا تقبل.
وعلى القول الثاني تعد الرواية من صاحب الاجماع إلى الامام معتبرة، ولكنها من الراوي إلى صاحب الاجماع تخضع لمعايير التقييم، فقد تكون معتبرة فتقبل، وقد تكون غير معتبرة فلا تقبل.
وعلى القول الثالث فإن الرواية تعد معتبرة وتقبل، وتستثنى من الاخضاع لمعايير تقييم الرواية.
وإذا حاولنا أن نعيد استنطاق نصوص الكشي المرتبطة بالموضوع، منطلقين من أن مفادها واحد..وهي:
١ ـ قوله: (أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء).
٢ ـ قوله: (أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون).
٣ ـ قوله: (أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم).
سوف نرى أن النص الأول يدل على تصديقهم، وهو يشمل تصديقهم أنفسهم بمعنى توثيقهم، وتصديقهم لما يقولون وينقلون.
وهو يعطي مفاد القول الثاني، أي اعتداد الطريق منهم إلى الامام معتبرا، أسند أو أرسل، اشتمل على معدلين أو مضعفين.
ولرأينا النص الثاني والنص الثالث يفيدان ما افاده النص الأول.
ويمكن إيضاحه بالتالي:
وهو إذا كان الإسناد من الراوي إليهم معتبراً تعد الرواية معتبرة، لأنهم مصدقون لما يقولون من إسناد بينهم وبين الامام.
وهو مفاد القول الثاني أيضاً.
نوعية الإجماع:
واختلفوا في نوعية الاجماع الذي نقله وذكره الشيخ الكشي في نصوصه المتقدمة الذكر، على قولين:
١ ـ أنه الاجماع الشرعي المصطلح عليه في أصول الفقه، وهو الكاشف عن رأي المعصوم.
ذهب إلى هذا الحر العاملي، قال في (الوسائل 20/80ـ81): (فعلم من هذه الأحاديث الشريفة (يعني نصوص الكشي المتقدمة) دخول المعصوم بل المعصومين (عليهم السلام) في هذا الاجماع الشريف المنقول بخبر هذا الثقة الجليل وغيره.
وناهيك بهذا الاجماع الشريف الذي قد ثبت نقله وسنده، قرينة قطعية على ثبوت كل حديث رواه واحد من المذكورين مرسلاً أو مسنداً، عن ثقة أو ضعيف أو مجهول، لإطلاق النص والاجماع).
٢ ـ أنه بمعنى الاجتماع الذي يراد به التسالم والاتفاق على الشئ.
ذكره الميرزا النوري في (المستدرك 3/759) بقوله: (إن إجماع العصابة على صحة أحاديث الجماعة إجماع على اقتران أحاديثهم بما يوجب الحكم بصحتها).
ويؤيد القول الثاني وهو أن الاجماع ـ هنا ـ بمعني الاجتماع في الرأي لا الإجماع على الرأي الكاشف عن دخول المعصوم ضمن المجمعين، ما ورد في رواية الميرزا النوري في (المستدرك 3/757) من قوله (اجتمعت) في النص الأول مكان (أجمعت).
يضاف إليه أن الاجماع بمعناه الشرعي أو الاصطلاحي لم يبرز كدليل شرعي ومصدر من مصادر التشريع الاسلامي عند الإمامية إلا بعد الغيبة الصغرى، وبالتحديد في عهد الشيخ المفيد وتلامذته.
فلم تثلث المصادر ـ تاريخياً ـ إلا من قبل السيد المرتضى في (الذريعة) والشيخ الطوسي في (العدة).
والشيخ الكشي ناقل الاجماع ـ هنا ـ توفي سنة ٣٤٠هـ، ولازم هذا أن يكون الاجماع الذي نقله عن مشايخه كان في الغيبة الصغرى التي انتهت سنة ٣٢٩هـ.
وهذا يؤيد أنه لم يكن إجماعا شرعيا لوجود الامام، وعدم الحاجة إلى الاجماع الشرعي ليكشف عن رأي الامام.
الرأي الآخر:
وفي مقابل ما ذكرنا، ذهب آخرون إلى عدم جواز الأخذ بما ذكر من تصحيح ما يصح عن أصحاب الاجماع.
منهم: أستاذنا السيد الخوئي ـ قدس سره ـ في مقدمة كتابه (معجم رجال الحديث).
وفي هدي ما انتهينا إليه من أن الاجماع الذي نقله الشيخ الكشي لا يعني الاجماع الشرعي، وإنما هو بمعنى الاجتماع على الرأي الناشئ من وجود قرائن كانت تساعد على ذلك.
ولأنه منذ ابتداء الغيبة الكبرى حيث أخذت القرائن بالاختفاء لا يمكننا الأخذ بما أخذ به القدماء، وذلك لاطلاعهم على ما يصلح دليلاً عندهم، وعدم اطلاع المتأخرين عنهم على ذلك.
فالمسألة في حدود ما رأينا مسألة اجتهادية، لابد فيها من الاطلاع على الدليل ومعرفة مدى صلاحيته للاستدلال به والدلالة على المدعى.
تصحيح مراسيل الثلاثة
والثلاثة هم:
١ ـ محمد بن أبي عمير الأزدي البغدادي (ت ٢١٧هـ).
وصفه النجاشي بأنه جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند مخالفينا.
وقال القمي: (كان أوثق الناس عند الخاصة والعامة، وأنسكهم نسكا، وأورعهم، وأعبدهم، وأدرك أبا الحسن موسى والإمامين بعده (عليهم السلام).
وكان من أصحاب الاجماع، جليل القدر، عظيم الشأن، وأصحابنا يسكنون إلى مراسيله، لأنه لا يرسل إلا عن ثقة)([103]).
٢ ـ صفوان بن يحيى البجلي الكوفي (ت ٢١٠هـ).
قال النجاشي: ثقة، ثقة، عين، روى أبوه عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وروى هو عن الرضا (عليه السلام)، وكانت له عنده منزلة شريفة.
وقال الشيخ الطوسي: أوثق أهل زمانه عند أهل الحديث، وأعبدهم([104]).
وتقدم أن الكشي عده في أصحاب الاجماع.
٣ ـ أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي الكوفي (ت ٢٢١هـ).
قال الشيخ الطوسي: ثقة، لقي الرضا (عليه السلام)، وكان عظيم المنزلة عنده([105]).
ومر أن الشيخ الكشي عده في أصحاب الاجماع.
ويراد بـ (التصحيح) ـ هنا: أن هؤلاء الثلاثة إذا أرسلوا حديثا إلى الامام، يؤخذ به، ويعتد حديثا معتبرا، ولا يخضع لمعايير تقييم الحديث المرسل.
وأول من ذكر هذا هو الشيخ الطوسي في (العدة 1/386) في معرض كلامه عن ترجيح أحد الروايتين على الآخر، قال: (وإذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسلاً، نظر في حال المرسل، فإن كان ممن يعلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة موثوق به، فلا ترجيح لخبر غيره على خبره.
ولأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وغيرهم من الثقات، الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا ممن يوثق به، وبين ما أسنده غيرهم.
ولذلك عملوا بمرسلهم إذا انفرد عن رواية غيرهم).
ويستفاد من هذا النص:
١ ـ إن اعتداد المرسل معتبراً لا يقتصر على إرساله من قبل هؤلاء الثلاثة، وإنما يشمل كل ثقة علم أنه لا يرسل إلا عن ثقة.
٢ ـ إن العلماء استفادوا من كلمة (الطائفة) من عبارة (سوت الطائفة) دلالتها على الاجماع.
ومن هنا تكون مسألتنا هذه كسابقتها أعني مسألة روايات أصحاب الاجماع.
ومن المظنون قوياً أن الاجماع الذي أومأ إليه الشيخ الطوسي بقوله (سوت الطائفة) هو الاجماع الذي نقله الكشي، وخاصة أن هؤلاء الثلاثة هم من أصحاب ـ الإجماع ـ كما تقدم.
وأن ذكر هؤلاء الثلاثة بالخصوص في نص الشيخ الطوسي المذكور في أعلاه جاء من باب المثال، وذكر الشاهد.
ويؤيد هذا تعميمه الحكم لكل ثقة علم أنه لا يرسل إلا عن ثقة.
ويترتب على هذا أن المسألتين مسألة واحدة.
ومع القول بتعددهما فالاجماع الذي أشار إليه الشيخ الطوسي ليس هو الاجماع الشرعي التعبدي، وإنما هو اجتماع على الرأي، وذلك لما ذكرناه سالفاً من أن الإجماع الشرعي لم يبرز بشكل مصدر ودليل إلا في عهد الشيخ المفيد وتلامذته، والشيخ الطوسي يشير إلى أن الاجماع كان قبل هذا العهد.
وعليه تكون هذه المسألة ـ هي الأخرى ـ مسألة اجتهادية، يتوقف أمرها عند الباحث على معرفة الدليل ومعرفة مدى دلالته.
تماماً كما ذكرنا في المسألة السابقة.
تصحيح أحاديث الكتب الأربعة
الكتب الأربعة
١ ـ الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي (ت ٣٢٩هـ).
٢ ـ من لا يحضره الفقيه، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (ت ٣٨١هـ).
٣ ـ تهذيب الأحكام، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠هـ).
٤ ـ الاستبصار، أبو جعفر الطوسي أيضاً.
تحرير المسألة
يراد بالتصحيح ـ هنا ـ اعتداد جميع ما في الكتب الأربعة من أحاديث رويت عن أهل البيت (عليهم السلام) معتبرة ومقطوعاً بصدورها عن الأئمة.
والمسألة هذه وقعت موقع الخلاف بين علمائنا، وطال البحث فيها، وطال معه النقاش حولها.
ونقطة الخلاف ـ في واقعها ـ هي: هل أن تصريحات المشايخ الثلاثة هي شهادة منهم بصحة أحاديثهم وتوثيق رواتها، فيؤخذ بها بناء على قبول شهادة العدل الواحد في مثل هذا المقام، أو أنها اجتهاد منهم قائم على منهج خاص بهم، فلا يكون حجة في حق غيرهم.
(قال السيد في (المفاتيح): إن إخبار الكليني بصحة ما دوّنه في الكافي كما يمكن أن يكون باعتبار علمه بها، وقطعه بصدورها عن الأئمة (عليهم السلام)، فيجوز الاعتماد عليها ـ والحال هذه ـ كسائر أخبار العدول، كذلك يمكن أن يكون باعتبار اجتهاده، وظهورها عنده ولو بالدليل الظني، فلا يجوز إذن الاعتماد عليه، فإن ظن المجتهد لا يكون حجة على مثله، كما هو الظاهر من الأصحاب، بل ومن العقلاء وحيث لا ترجيح للاحتمال الأول وجب التوقف)([106]).
ومبدأ هذا، هو ما أثاره الميرزا محمد أمين الاسترآبادي الاخباري في كتابه الموسوم بـ (الفوائد المدنية)، قال في ص ١٨١: (الفصل التاسع في تصحيح أحاديث كتبنا، بوجوه تفطنت بها بتوفيق الله الملك العلام، ودلالة أهل الذكر (عليهم السلام)، وبجواز التمسك بها، لكونها متواترة النسبة إلى مؤلفيها).
وذكر اثني عشر وجهاً في الاستدلال على صحة أحاديث الكتب الأربعة.
أهمها وأقواها الوجوه التي ضمنها تصريحات المشايخ الثلاثة مؤلفي الكتب الأربعة في خطب كتبهم، باعتقادهم صحة ما فيها من أحاديث رووها عن الأئمة (عليهم السلام).
وتابعه على هذا جمع من علمائنا، وجلهم من الأخباريين، فالحر العاملي ـ مثلا ـ عقد الفائدة السادسة من خاتمة كتاب (الوسائل) لهذا، قال في ٢٠/ ٦١ 🙁 الفائدة السادسة في ذكر شهادة جمع كثير من علمائنا بصحة الكتب المذكورة وأمثالها، وتواترها، وثبوتها عن مؤلفيها، وثبوت أحاديثها عن أهل العصمة ـ (عليهم السلام)).
ثم ذكر ما قاله كل واحد من المشايخ الثلاثة من الاعتقاد بصحة ما رواه في الكتاب عن أهل البيت (عليهم السلام).
وواصل ـ بعد هذا ـ نقل أقوال العلماء الآخرين.
وفي (الفائدة التاسعة) ذكر اثنين وعشرين وجها للدلالة على قطعية صدور ما في الكتب الأربعة وأمثالها من كتب أصحابنا القدماء عن أهل البيت (عليهم السلام)، ومن ضمنها ما ذكره الميرزا الاسترآبادي.
وأيضاً أهمها وأقواها تصريحات المشايخ الثلاثة في خطب كتبهم باعتقادهم صحة ما فيها من مرويات عن أهل البيت (عليهم السلام).
وكان سبب هذه الإثارة هو تنويع الأخبار من قبل السيد ابن طاووس، والتأكيد عليه من قبل تلميذه العلامة الحلي، حيث ساعد هذا مساعدة فاعلة على فتح باب النقاش في المسألة، ودراستها دراسة موسعة، بسبب ما حدث من تطور لواقع الامامية بعد غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، واختفاء القرائن التي كانت تلقي الأضواء على الأحاديث في قبولها أو رفضها، وفقدان النسبة الكبيرة من الأصول الأربعمائة.
يقول الشيخ الطريحي: (وتعليله على ما ذكره بعض المتأخرين بأنه لما طالت الأزمنة بين من تأخر والصدر السالف، وآل الحال إلى اندراس بعض كتب الأصول المعتمدة، بتسلط حكام الجور والضلال، والخوف من إظهارها وانتساخها، وانضم إلى ذلك اجتماع ما وصل إليهم من كتب الأصول في الأصول المشهورة في هذا الزمان، فالتبست الأحاديث المأخوذة من الأصول المعتمدة بالمأخوذة من غير المعتمدة، واشتبهت المتكررة في الأصول بغير المتكررة، وخفي عليهم ـ قدس الله أرواحهم ـ كثير من تلك الأمور التي كانت سبب وثوق القدماء بكثير من الأحاديث، ولم يمكنهم الجري على أثرهم في تمييز ما يعتمد عليه عما لا يركن إليه، فاحتاجوا إلى قانون تتميز به الأحاديث المعتبرة عن غيرها، والموثوق بها عما سواها، فقرروا لنا ـ شكر الله سعيهم ـ ذلك الاصطلاح الجديد، وقربوا علينا البعيد، ووضعوا الأحاديث الواردة في كتبهم الاستدلالية، بما اقتضاه ذلك الاصطلاح من الصحة والحسن والتوثيق)([107]).
فلا بد ـ والحال هذه ـ ومن باب الاحتياط للدين، ولصيانة السنة الشريفة أن يدخلها ما ليس منها، من إعادة النظر في واقع المرويات.
وكان الميرزا الاسترآبادي ومن تابعه من الإخباريين لا يرون لهذا التطور في واقع الامامية أي تأثير مهم يدعو إلى إعادة النظر.
وعلينا من أجل أن نقف على جلية الأمر، وتلبية لمقتضيات البحث من ناحية منهجية أن نذكر مواضع الاستشهاد من مقدمات كتبهم، ثم نحاول استنطاقها لمعرفة مؤدياتها، أو ما يظهر منها على الأقل.
وهي:
١ ـ من خطبة الكافي:
(وقلتَ: إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف، يجمع من جميع فنون علم الدين، ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين، والعمل به، بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهما السلام).
هذا هو موضع الاستشهاد الذي استفيد منه تصريح الشيخ الكليني بأن ما في كتابه (الكافي) هو من (الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)).
وناقش استاذنا السيد الخوئي ـ قدس سره ـ هذه الاستفادة بقوله:
(وأما ما ذكر من شهادة محمد بن يعقوب بصحة جميع روايات كتابه وأنها من الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)، فيرده:
أولاً: إنّ السائل إنما سأل محمد بن يعقوب تأليف كتاب مشتمل على الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)، ولم يشترط عليه أن لا يذكر فيه غير الرواية الصحيحة، أو ما صح عن غير الصادقين (عليهم السلام)، ومحمد بن يعقوب قد أعطاه ما سأله، فكتب كتابا مشتملا على الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) في جميع فنون علم الدين، وإن اشتمل كتابه على غير الآثار الصحيحة عنهم (عليهم السلام)، أو الصحيحة عن غيرهم أيضاً استطراداً وتتميماً للفائدة، إذ لعل الناظر يستنبط صحة رواية لم تصح عند المؤلف، أو لم تثبت صحتها.
ويشهد على ما ذكرناه: أن محمد بن يعقوب روى كثيرا في الكافي عن غير المعصومين أيضا ولا بأس أن نذكر بعضها:
١ ـ ما رواه عن علي بن إبراهيم، عن بعض أصحابه، عن هشام بن الحكم، قال: (الأشياء لا تدرك إلا بأمرين([108]).
٢ ـ ما رواه بسنده عن أبي أيوب النحوي قال: (بعث إلي أبو جعفر المنصور في جوف الليل…)([109]) ورواه أيضاً عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن النضر بن سويد([110]).
٣ ـ ما رواه بسنده عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (لما كان اليوم الذي قبض فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) ارتج الموضع بالبكاء)([111]).
٤ ـ ما رواه بسنده عن إدريس بن عبد الله الأودي، قال: (لما قتل الحسين (عليه السلام)، أراد القوم أن يوطئوه الخيل)([112]).
٥ ـ ما رواه بسنده عن الفضيل، قال: (صنايع المعروف وحسن البشر يكسبان المحبة)([113]).
٦ ـ وما رواه بسنده عن ابن مسكان عن أبي حمزة، قال: (المؤمن خلط عمله بالحلم…)([114]).
٧ ـ ما رواه بسنده عن اليمان بن عبيد الله، قال: (رأيت يحيى ابن أم الطويل وقف بالكناسة….)([115]).
٨ ـ ما رواه بسنده عن إسحاق بن عمار، قال: (ليست التعزية إلا عند القبر…)([116]).
٩ ـ ما رواه بسنده عن يونس، قال: (كل زنى سفاح، وليس كل سفاح زنى…) وهو حديث طويل عقد محمد بن يعقوب له بابا مستقلاً([117]) وأيضاً روى بسنده عن يونس، قال: (العلة في وضع السهام على ستة لا أقل ولا أكثر) وأيضا قال: (إنما جعلت المواريث من ستة أسهم…)([118]) وقد جعل لهما أيضا محمد بن يعقوب باباً مستقلاً.
١٠ ـ ما رواه بسنده عن إبراهيم بن أبي البلاد، قال: (أخذني العباس بن موسى…)([119]).
١١ ـ ما رواه عن كتاب أبي نعيم الطحان، رواه عن شريك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، عن زيد بن ثابت أنه قال: (من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء)([120]).
١٢ ـ ما رواه بسنده عن إسماعيل بن جعفر، قال: (اختصم رجلان إلى داود (عليه السلام) في بقرة…)([121]).
وثانياً: لو سلّم أن محمد بن يعقوب شهد بصحة جميع روايات الكافي فهذه الشهادة غير مسموعة، فإنه إن أراد بذلك أن روايات كتابه في نفسها واجدة لشرائط الحجية ـ فهو مقطوع البطلان، لأن فيها مرسلات وفيها روايات في إسنادها مجاهيل، ومن اشتهر بالوضع والكذب، كأبي البختري وأمثاله. وإن أراد بذلك أن تلك الروايات وإن لم تكن في نفسها حجة، إلا أنه دلت القرائن الخارجية على صحتها ولزوم الاعتماد عليها، فهو أمر ممكن في نفسه، لكنه لا يسعنا تصديقه، وترتيب آثار الصحة على تلك الروايات غير الواجدة لشرائط الحجية، فإنها كثيرة جداً.
ومن البعيد جداً وجود امارة الصدق في جميع هذه الموارد، مضافا إلى أن إخبار محمد بن يعقوب بصحة جميع ما في كتابه حينئذ لا يكون شهادة، وإنما هو اجتهاد استنبطه مما اعتقد أنه قرينة على الصدق. ومن الممكن أن ما اعتقده قرينة على الصدق لو كان وصل إلينا لم يحصل لنا ظن بالصدق أيضا، فضلا عن اليقين.
وثالثاً: إنه يوجد في الكافي روايات شاذة لو لم ندع القطع بعدم صدورها من المعصوم (عليه السلام) فلا شك في الاطمئنان به. ومع ذلك كيف تصح دعوى القطع بصحة جميع روايات الكافي، وأنها صدرت من المعصومين عليهم السلام.
ومما يؤكد ما ذكرناه من أن جميع روايات الكافي ليست بصحيحة: أن الشيخ الصدوق ـ قدس سره ـ لم يكن يعتقد صحة جميع ما في الكافي وكذلك شيخه محمد بن الحسن بن الوليد على ما تقدم من أن الصدوق يتبع شيخه في التصحيح والتضعيف.
والمتحصل أنه لم تثبت صحة جميع روايات الكافي، بل لا شك في أن بعضها ضعيفة، بل إن بعضها يطمأن بعدم صدورها من المعصوم (عليه السلام). والله أعلم ببواطن الأمور)([122]).
على أننا لو واصلنا قراءة خطبة الكافي لرأينا فيها ما يدل على أن الشيخ الكليني لم يعتقد بصحة جميع ما في كتابه، وإنما كان يرجو أن يكون الأمر كما أراده السائل لتأليف الكتاب، وذلك بقوله: (وقد يسر الله ـ وله الحمد ـ تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت، فمهما كان فيه من تقصير، فلم تقصر نيتنا في إهداء النصيحة إذ كانت واجبة لاخواننا وأهل ملتنا).
ورجاؤه ـ هنا ـ ليس من باب التواضع، وإنما هو إيماء لواقع لم يخرج منه بيقين قاطع، وإنما بذل كل ما في وسعه من الطاقة لتحقيق ما سأله السائل، فرجا أن يكون قد وفق لذلك.
ولو كان جازماً بأنه قد حقق للسائل ما سأله، لصرح بذلك لأن الأمر هنا مما تترتب عليه آثار شرعية، ولكنه ـ رضوان الله عليه ـ لظنه، ـ ولا أقل من احتماله ـ بأن فيه ما لا يكون بمستوى المطلوب منه، كرواياته عن غير أهل البيت، والضعفاء والمجاهيل والوضاعين، وهو يعرف ذلك عين المعرفة لأنه من علماء الرجال، وممن ألف في الرجال، وبخاصة أن القرائن التي يمكن أن تكون قد اقترنت بشئ منها، وساعدت على قبولها من قبل المتقدمين على زمانه، لم تكن قد بقيت إلى زمانه.
يقول السيد الحسني: (إن قول الكليني: (وقد يسر لي الله تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت) ظاهر في أنه اعتمد على اجتهاداته ودراسته في انتقاء الأحاديث التي دونها في الكافي)([123]).
٢ ـ من خطبة الفقيه:
(ولم أقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به، وأحكم بصحته، وأعتقد فيه أنه حجة بيني وبين ربي ـ تقدس ذكره وتعالت قدرته ـ وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع).
ونصه هذا واضح وصريح في أنه يعتقد بصحة ما في كتابه، ويراه حجة بينه وبين الله تعالى.
وهو ظاهر في أنه اجتهاد منه، اعتمد فيه منهجه الخاص، الذي يحدده استاذنا السيد الخوئي في اتباعه لشيخه محمد بن الحسن بن الوليد القمي في التضعيف والتصحيح، وأنه لا ينظر هو إلى حال الراوي نفسه، وأنه ثقة أو غير ثقة، وذلك استناداً إلى قول الشيخ الصدوق نفسه في (الفقيه: باب صوم التطوع وثوابه) ونصه: (وأما خبر صلاة يوم غدير خم والثواب المذكور فيه لمن صامه، فإن شيخنا محمد بن الحسن كان لا يصححه ويقول: إنه من طريق محمد بن موسى الهمذاني، وكان غير ثقة، وكل ما لم يصححه ذلك الشيخ ـ قدس الله روحه ـ ولم يحكم بصحته من الأخبار فهو عندنا متروك، غير صحيح).
والاجتهاد غير الشهادة حيث تكون حجة على الغير، وهو لا يكون كذلك، يقول أستاذنا السيد الخوئي: (إن إخبار الشيخ الصدوق عن صحة رواية وحجيتها إخبار عن رأيه ونظره، وهذا لا يكون حجة في حق غيره).
٣ ـ من خطبة التهذيب:
(وأذكر مسألة، مسألة فاستدل عليها، إما من ظاهر القرآن، أو من صريحه، أو فحواه، أو دليله، أو معناه، وإما من السنة المقطوع بها، من الأخبار المتواترة، أو الأخبار التي تقترن إليها القرائن التي تدل على صحتها، وإما من إجماع المسلمين إن كان فيها، أو إجماع الفرقة المحقة، ثم أذكر بعد ذلك ما ورد من أحاديث أصحابنا المشهورة في ذلك، وأنظر فيما ورد بعد ذلك مما ينافيها ويضادها، وأبين الوجه فيها، إما بتأويل أجمع بينها وبينها، أو أذكر وجه الفساد فيها، إما من ضعف إسنادها، أو عمل العصابة بخلاف متضمنها، فإذا اتفق الخبران على وجه لا ترجيح لأحدهما على الآخر بينت أن العمل يجب أن يكون بما يوافق دلالة الأصل، وترك العمل بما يخالفه، وكذلك إن كان الحكم مما لا نص فيه على التعيين حملته على ما يقتضيه الأصل، ومهما تمكنت من تأويل بعض الأحاديث من غير أن أطعن في إسنادها فإني لا أتعداه، وأجتهد أن أروي في معنى ما أتأول الحديث عليه حديثا آخر يتضمن ذلك المعنى، إما من صريحه، أو فحواه، حتى أكون عاملا على الفتيا والتأويل بالأثر، وإن كان هذا مما لا يجب علينا لكنه مما يؤنس بالتمسك بالأحاديث، وأجري على عادتي هذه إلى آخر الكتاب، وأوضح إيضاحا لا يلتبس الوجه علي أحد ممن نظر فيه).
وهذا النص ـ على طوله ـ ليس فيه أي تصريح من مؤلفه بأن ما في كتابه كله صحيح، بل الظاهر منه أن في كتابه ما ليس بصحيح، كما في عبارته (أو أذكر وجه الفساد فيها إما من ضعف إسنادها أو عمل العصابة بخلاف متضمنها).
٤ ـ من خطبة الاستبصار:
كتاب الاستبصار هو تجريد من كتاب التهذيب، أي مستخلص منه، كما ذكر هذا المؤلف في مقدمته، بقوله: (وسألوني تجريد ذلك وصرف العناية إلى جمعه وتلخيصه).
ومنهج المؤلف فيه منهجه في كتاب التهذيب، كما نص على هذا بقوله: (وأجري في ذلك على عادتي في كتابي الكبير المذكور).
فكما لا يوجد في كتاب التهذيب ما يدل على اعتقاد المؤلف بصحة جميع ما فيه من أحاديث، لا يوجد هذا في كتاب الاستبصار أيضاً.
والنتيجة: هي أن ما في الكتب الأربعة لا يختلف عما في غيرها من كتب الحديث من لزوم إخضاعه لقواعد تقييم الراوي والرواية.
كيفية تحمل الحديث
التحمل والأداء
تردّد أمامنا ونحن نقرأ موضوع (أهلية الراوي للرواية) لفظا (التحمل) و (الأداء) كلفظين من ألفاظ لغة علم الحديث، وعرفنا هناك:
١ ـ أن التحمل يعني تلقي الراوي للحديث من الراوي الآخر الذي ألقاه إليه، ثم الحفظ له من قبل الراوي المتلقي، سواء كان ذلك الحفظ استظهارا وعن ظهر قلب، أو كتابة وتدويناً.
فالتحمل ـ إذن ـ يعني الحمل، ولكن علماء الحديث اختاروا لفظ التحمل مصطلحا، ولم يختاروا لفظ الحمل، لأن التحمل ـ لغة ـ حمل في مشقة، ومن غير شك أن حمل الحديث فيه شئ من المشقة لما فيه من وجوب الاحتياط له من أن يدخله أو يشوبه شئ ليس منه.
٢ ـ وأن الأداء يعني إلقاء الراوي للحديث لراو آخر يتلقاه منه.
النقل
من المعلوم بداهة أن الحديث يمثل السنة الشريفة التي هي ثاني مصدر من مصادر التشريع الاسلامي.
والتشريع الاسلامي هو لجميع المسلمين الحاضر منهم والآتي مستقبلا حتى نهاية هذه الحياة.
ولأجله لا بد من نقل الحديث من جيل لآخر.
ولكي يأتي النقل سليما وضع العلماء ضوابط لهذا تتمثل في أمور، هي:
ـ أهلية التحمل.
ـ أهلية الأداء.
ـ طرق النقل.
ولأنا أوضحنا أهلية الأداء في (أهلية الراوي للرواية) نقتصر ـ هنا ـ على بينان الأمرين الآخرين.
وفي ضوء ما تقدم، نستطيع أن نعرف نقل الحديث بإيصال الحديث من راو إلى آخر، بغية استمراره بإسناده مع أجيال المسلمين.
أهلية التحمل
ويراد بها الصفات أو الشروط التي يلزم توافرها في من يريد تحمل الحديث، وهي:
١ ـ العقل:
كما تقدم في شروط الراوي، أن اشتراط العقل في الراوي من الأمور البديهية، وذلك لأن تحمل الحديث مسؤولية، والمسؤولية لا تناط شرعا وقانونا إلا بعاقل لإدراكه لذلك.
٢ ـ التمييز:
ويراد به ـ كما يعرفه الشهيد الثاني ـ (أن يفرق (من يريد الرواية) بين الحديث الذي هو بصدد روايته، وغيره، إن سمعه من أصل مصحح)([124]).
واعتبر هذا الشرط في التحمل بالسماع، وما يماثله من طرق نقل الحديث.
٣ ـ الضبط:
تقدم تعريفه في شروط الراوي.
واعتبر شرطاً ـ هنا أيضا ـ في المميز إذا لم يسمع الحديث من أصل مصحح.
طرق نقل الحديث
التزم العلماء بهذه الطرق وألزموا بها بين الراوي والراوي، لا بين الراوي الأول والمعصوم، لأن الطريق الذي كان بينهما السماع.
وعدها بعضهم سبعة طرق، وآخر ثمانية طرق بإضافة الوصية، التي أدخلها الأول ضمن الاعلام، وهي:
١ ـ السماع:
يقال: سمع له، وإليه، وسمع لحديثه، وإلى حديثه، سمعا وسماعا، بمعنى: أصغى وأنصت.
فالسماع: هو الاصغاء لحديث المتحدث.
وبالمعنى نفسه استعمل مصطلحاً ـ هنا ـ مع إضافة: حفظ الحديث، استظهارا أو كتابة.
ويريدون به سماع التلميذ من الشيخ.
ويكون هذا على طريقتين، هما: الاملاء والتحديث.
أ ـ الاملاء:
وهو أن يملي الشيخ الحديث على التلميذ سواء أكان إملاؤه من حفظه أم من كتابه، والتلميذ يكتب عنه.
يقال: أملى الشيخ على التلميذ حديثه، بمعنى: قاله، له، فكتبه عنه.
ويقال: استملى التلميذ الحديث من شيخه، أي: سأله أن يمليه عليه.
ب ـ التحديث:
وهو أن يحدث الشيخ بالحديث، سواء أكان ذلك من حفظه أم من كتابه، والتلميذ يسمع منه.
٢ ـ القراءة:
وهي أن يقرأ التلميذ الحديث الذي يرويه الشيخ على الشيخ نفسه، أو أن يقرأه شخص آخر، والتلميذ يسمع.
ولا يفرّق بين أن تكون القراءة عن حفظ واستظهار التلميذ أو القارئ أو تكون من كتاب.
ويشترط فيها إقرار وإمضاء الشيخ بصحة ما قرئ عليه.
وتسمى هذه الطريقة بـ (العرض) أيضاً، لأن التلميذ يعرض الحديث على شيخه ليعرف منه مدى سلامة ضبطه له في السند والمتن.
٣ ـ المناولة:
وهي أن يناول (يعطي) الشيخ تلميذه أو الشخص الذي يريد أن يروي عنه، يناوله كتابه في الحديث.
وتنقسم إلى قسمين:
أ ـ المناولة المقرونة بالإجازة:
وهي أن الشيخ عندما يناول كتابه إلى تلميذه أو لمن يريد أن يرويه عنه، يصرح له ويشافهه بإجازته، وإذنه له بروايته، كأن يقول: (هذا سماعي أو روايتي فاروه عني) أو يقول: (أجزت لك روايته عني) وأمثالهما.
ب ـ المناولة المجردة عن الإجازة:
وهي أن الشيخ عندما يناول كتابه إلى التلميذ أو الراوي لا يشافهه بالإجازة، وإنما يقول له: (هذا سماعي) أو (هذه روايتي)، ويقتصر على هذا، ويكتفي به.
٤ ـ الكتابة:
وهي أن يكتب الشيخ حديثه بخطه، أو بخط آخر، مع وجود إمارة تدل على أمر الشيخ له بالكتابة.
ثم يرسل المكتوب إلى من يريد أن يرويه عنه.
وهي على قسمين أيضاً:
أ ـ الكتابة المقرونة بالإجازة:
وهي أن يكتب الشيخ إلى من يريد رواية الحديث المكتوب عنه ما يدل على إجازته له بروايته.
ب ـ الكتابة المجردة من الإجازة:
وهي التي لم تقترن كتابة، بما يفيد الإجازة بالرواية.
٥ ـ الإعلام:
وهو أن يعلم الشيخ الطالب أن هذا الكتاب أو الحديث روايته أو سماعه من فلان، مقتصرا عليه، من غير أن يقول: (اروه عني) أو (أذنت لك في روايته)، ونحوه)([125]).
٦ ـ الوصية:
وهي أن يوصي الراوي عند سفره أو موته لشخص بأن يروي عنه كتابه في الحديث، أو كتابا آخر من مروياته.
٧ ـ الوجادة:
جاء في (المعجم الوسيط: مادة وجد): (الوجادة ؛ في اصطلاح المحدثين : اسم لما أخذ من العلم من صحيفة، من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة).
ثم عقّب برمز (مو) الذي يشار به إلى أن الكلمة من المولّد اللغوي.
ويقول الشهيد الثاني: (ولّده العلماء بلفظ الوجادة لما أُخد من العلم من صحيفة، من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة، حيث وجدوا العرب قد فرقوا بين مصادر (وَجَدَ) للتمييز بين المعاني المختلفة)([126]).
وعدّد (المعجم الوسيط) تلك المعاني بالتالي:
ـ وَجَدَ فلان يجد وَجْداً: حزن.
ـ وَجَدَ عليه موجدة: غضب.
ـ وجد به وَجْداً: أحبه.
ـ وجد فلان وُجداً وجِدَةً: صار ذا مال.
ـ وجد مطلوبه وَجْداً ووُجْداً وجِدَة ووجوداً ووجداناً: أدركه، يقال: وجد الضالة.
ـ وجد الشئ كذا: علمه إياه، يقال: وجدت الحلم نافعا.
والوجادة: أن يجد الراوي كتابا أو حديثا مكتوبا لراو لم يسمعه منه، وليس لديه إجازة لروايته عنه، ولم يناوله راويه إياه (فيقول: (وجدت أو قرأت بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه: حدثنا فلان….) ويسوق باقي الإسناد والمتن، أو يقول: (وجدت بخط فلان عن فلان…. إلخ)…)([127]).
٨ ـ الإجازة:
يقال: أجاز الشيخ تلميذه، وأجاز له، بمعنى: أذن له في الرواية عنه.
ويقال: استجاز التلميذ شيخه، أي: طلب منه الإجازة.
فالإجازة: تجويز وإذن بالرواية.
وعرفها شيخنا الطهراني في (الذريعة 1/131) بـ (الكلام الصادر عن المجيز المشتمل على إنشائه الاذن في رواية الحديث عنه بعد اخباره إجمالا بمروياته).
وتنقسم الإجازة إلى قسمين:
أ ـ شفهية:
وهي أن يقول الشيخ المجيز لطالب الإجازة منه: (أجزتك رواية مسموعاتي ومروياتي) أو (أجزت لك أن تروي عني مسموعاتي ومروياتي).
ب ـ تحريرية:
وهي أن يكتب الشيخ المجيز لطالب الإجازة منه كتابا بذلك.
والاجازات التحريرية منها:
١ ـ الإجازة المختصرة:
وهي التي تقتصر على ما يفيد الاذن بالرواية فقط، كأن يكتب المجيز (أجزت فلانا أو لفلان أن يروي عني ما صحت لي روايته) وأمثال هذه.
٢ ـ الإجازة المتوسطة:
وهي التي يذكر فيها المجيز إسنادا كاملا عن أسانيده، تبركا وتيمنا بإيصال السلسلة بعرى أهل البيت (عليهم السلام).
٣ ـ الإجازة الكبيرة:
وهي التي يذكر فيها المجيز جميع مشايخه في الإجازة وأسانيدهم إلى المعصومين، مع الترجمة لكل واحد من الشيوخ، وفوائد أخرى اقتضاها المقام.
ومن الإجازات الكبيرة:
١ ـ إجازة العلامة الحلي لأبناء زهرة الحلبيين، ذكرها الشيخ المجلسي في (بحار الأنوار 107/6).
٢ ـ إجازة الشيخ العاملي صاحب المعالم للسيد نجم الدين الحسيني وولديه، ذكرت أيضا في (بحار الأنوار 109/3).
٣ ـ إجازة المحدث البحراني صاحب الحدائق المعنونة بـ (لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرتي العين) طبعت في الهند، وفي النجف بتحقيق السيد محمد صادق بحر العلوم.
٤ ـ إجازة السيد عبد الله الجزائري المعنونة بـ (الإجازة الكبيرة)، نشرت في قم بتحقيق محمد السماحي الحائري وإشراف الدكتور السيد محمود المرعشي وتقديم السيد المرعشي النجفي ـ قدس سره ـ.
٥ ـ إجازة السيد حسن الصدر الكاظمي الموسومة بـ (بغية الوعاة في طبقات مشايخ الإجازات).
ـ وغيرها.
وفائدة الإجازة كما يلخصها شيخنا الطهراني هي:
١ ـ اتصال أسانيد الكتب والروايات، وصيانتها عن القطع والارسال.
٢ ـ التيمن بالدخول في سلسلة حملة أحاديث آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، والتبرك بالانخراط في سلك العلماء الأعلام ورثة الأنبياء والخلفاء عنهم (عليهم السلام).
وكذلك يستفاد من مراجعة الإجازات المدونة، وبخاصة الكبيرة منها، في معرفة سير وتراجم الرواة والعلماء وأسماء الكتب والمكتبات ودور العلم، والمراكز العلمية، وبيئاتها، وعصورها… وإلى كثير من أمثال هذه.
الدكتور عبد الهادي الفضلي
أصيلا
ومعناها في البربرية المكان الجميل، وهي مدينة صغيرة على ساحل المحيط الأطلسي بين طنجة والعرائش. وينسب إليها كثير من العلماء، ويرجع تأسيسها إلى العصر القرطاجي، وقد اهتم الأدارسة ببنائها وجعلها مركزاً لدولتهم في شمال المغرب إلى جانب حجر النسر.
الإضراب الخمسيني في سوريا
هو إضراب شامل عمّ سوريا كلها واستمر اثنين وخمسين يوماً إذ بدأ في 18 كانون الثاني سنة 1936م وانتهى في 8 آذار.
انتهت الثورة السورية الكبرى سنة 1927 بعد أن دامت سنتين 1925ـ1927. وكان أنّ الفرنسيين استطاعوا إخمادها بقوة جيوشهم التي لم يكن باستطاعة الثوار السوريين، أن يستمروا في مقاومتها أكثر مما استمروا. وإنّ أهم عامل في خمود الثورة أنها لم تلقَ أي دعم من الخارج سوى بعض المال الذي كان يتبرع به السوريون المقيمون في الخارج وبعض العرب في بعض الأقطار العربية.
أما معونات السلاح فلم يصلها منها أي شيء، لأنّه لم يكن في ذلك الوقت في العالم العربي أية دولة مستقلة يمكن أن تمد الثورة بالسلاح أو على الأقل بذخائر البنادق منه، فكانت كل رصاصة تطلق لا يمكن تعويضها، ولا يستطاع الحصول على غيرها.
والذي أمدّ الثورة في أوّل عهدها برصاص البنادق هو ما غنمه الثوار في أوّل معركة كبرى يخوضونها مع الفرنسين من سلاح ورصاص ومدافع، وهي معركة (المزرعة) التعي قاد الجنرال ميشو فيها حملة على جبل الدروز، كان أقل تقدير لعدد جنودها هو سبعة آلاف جندي، والبعض يوصلها إلى العشرة آلاف. وكان نصيب هذه الحملة الهزيمة الساحقة واستيلاء الثواء على كل ما كانت تنقله أو يحمله جنودها من سلاح، مما زود الثوار بمقادير كبيرة منه. وكان لا بد لهذا الرصاص من أن ينفد مع استمرار المعارك، وقد كان الثوار يقتصدون في استعماله ما استطاعوا.
على عكس الثورة الجزائرة التي كان يحيط بها عدد من الدول العربية المستقلة، فكان يشترك معها في الحدود تونس والمغرب، وتقرب منها مصر والعراق وسوريا وإن بعدتا عنها، فإنّ الطائرات كانت تقرب كل بعيد.
وهكذا فإنّ السلاح العربي ومعه المال العربي أيضاً، قد أطال في صمود الثوار الجزائريين حتى اضطرت فرنسا للنزول على حكمهم في الحصول على استقلالهم.
انتهت الثورة السورية وسكت صوت بنادق الثوار، ولكن الذي لم ينتبه هو إصرار السوريين على طلب الاستقلال، والذي لم يسكت هو صوت مطالبتهم بهذا الاستقلال.
وقد اقتنع الفرنسيون بأنّه لا بدّ من حل للقضية السورية يريحهم ويسكت السوريين عنهم. وبعد أن كان ما أسماه الفرنسيون (المفوض السامي) ـ وهو ممثل الحكم الفرنسي وصاحب أعلى سلطة في سوريا ولبنان ـ بعد أن كان الفرنسيون يختارونه عسكرياً من كبار (جنرالاتهم) دلالة على صرامة حكمهم وشدته، عادوا فعينوا لهذا المنصب خلال اشتداد الثورة السورية، وبلوغها قمة تقدمها، وعينوا لأوّل مرة (مفوضاً سامياً) مدنيا هو (دي جوڤنيل) دلالة على نزوعهم إلى الحلول السلمية، وإشعاراً بنيتهم على التفاوض مع الثوار بشكل من الأشكال.
وجاء دي جوڤنيل إلى البلاد بطريق مصر، حيث كان يقيم فيها فريق من الوطنيين السوريين للاتصال بهم ومعاونته في مهمته، ومن هناك أعلن تصريحه: السلم لمن يريد السلم والحرب لمن يريد الحرب.
وظلّ يردد هذا الشعار بعد وصوله إلى بيروت، وهو يقصد بذلك أنّه مستعد للتفاوض والوصول عن طريقه إلى السلم وإنهاء الثورة صلحاً، وإلاّ فإنّه سيواصل الحرب لإخضاع الثورة.
فكان أوّل ما فعله إغراء للثوار السوريين هو أنّه أعلن عن تحويل لبنان إلى جمهورية بعد أن كان يحكمه حاكم فرنسي يعاونه مديرون عامون لبنانيون، ومستشارون فرنسيون لهم وحدهم القول الفصل في كل كبيرة وصغيرة.
مع إعلان الجمهورية أعلن عن تشكيل مجلس نيابي لها وتشكيل مجلس شيوخ ووضع دستور وإقامة وزارة برئيس وزراء ووزراء.
وبالفعل وضع الدستور بسرعة لأنّه أخذ من الدستور الفرنسي وانتخب رئيس الجمهورية، وقام مجلسا النواب والشيوخ وتألفت الوزارة. ولكن كان ذلك كله منطبقاً على ما قيل عن بعض البلاد:
علم ودستور ومجلس أمة
كل عن المعنى الصحيح محرف
لأنّ جميع هذه الأمور كانت مظاهر جوفاء تغطي وراءها حقيقة الحكم الفرنسي المباشر، إذ كانت في الدستور نصوص صريحة تجعل جميع القرارات خاضعة لموافقة الفرنسيين المنتشرين في كل دائرة.
وقد هزئ الثوار السوريون من تشكيل هذه الجمهورية، وبالطبع فإنّهم لم يروا فيها المثال الذي يريدونه لطموحاته الوطنية.
وزيادة في محاولة إغراء الثوار فقد عمد دي جوڤنيل إلى تأليف وزارة سورية برئاسة الداماد أحمد نامي أعلن عن تشكيلها في 4 أيار سنة 1926 وضم إليها ثلاثة وزراء من المنتمين إلى الحركة الوطنية هم فارس الخوري ولطفي الحفار وحسني البرازي. وكان فيما أعلنته الوزارة أنها ستشرف على إجراء مفاوضات لوضع دستور للبلاد وعقد معاهدة مع فرنسا تحل محل الانتداب وأنّها ستحقق الوحدة السورية.
وسافر دي جوڤنيل إلى باريس لإقناع حكومته بتحقيق ما اتفق عليه ولم يعد، فاستقال الوزراء الوطنيون الثلاثة في 12 حزيران سنة 1926. وفي اليوم الثاني لاستقالتهم اعتقلهم الفرنسيون ونفوهم إلى (الحسكة) أوّلاً، ثمّ إلى (أميون) في لبنان في أيلول سنة 1926 كما نفوا معهم فريقاً من الوطنيين من دمشق وحلب وظلّوا في المنفى حتى 18 شباط سنة 1928.
وكان أمر الثورة قد انتهى تحت وطأة الحملات الفرنسية العسكرية المتتابعة، وجاء مفوض سام فرنسي مدني جديد هو هنري بونسو، وظل في ذهن الفرنسيين أمل حل مشكلة سوريا بشكل من الاشكال، فأعلن المفوض الجديد عن الدعوة إلى انتخابات سورية لتشكيل جمعية تأسيسية لوضع دستور للبلاد، ولم يكن في سورية تشكيل حزبي وطني يقود الحركة الوطنية، إذ كان التشكيل الوحيد الذي أنشئ هو (حزب الشعب) الذي كان من أكبر العوامل في إشعال الثورة السورية ومدّها إلى خارج جبل الدروز. وكان الفرنسيون قد حلوا الحزب والتحق بعض زعمائه بالثوار وقبض الفرنسيون على البعض الآخر، ثم أطلقوهم في نهاية الثورة.
ولما أعلن (بونسو) الدعوة إلى انتخاب الجمعية التأسيسية، رأى الوطنيون وجوب وجود تشكيل حزبي وطني منظم يقود الاتجاه الوطني في معركة الانتخابات لضمان النجاح.
وهنا لا بد لنا من القول إنّ الخصام حتّى العداوة كان قد دب بين زعماء الثورة عند نهايتها، وانقسموا وهم خارج الوطن فريقين، وكان لكل فريق منهم أنصاره في الداخل، وكان العداء شديداً وصوت الشتائم متعالياً. فكان خوض المعركة الانتخابية في ظروف هذا التعادي عاملاً في عدم نجاح الوطنيين، وكفيلاً في إيصال أنصار الفرنسيين إلى الجمعية التأسيسية بأكثرية تحقق لهم مآربهم، فبذلت جهود لرأب الصدع الوطني في الداخل وجعل الوطنيين يخوضون المعركة صفاً واحداً، وكانت التسمية التي أطلقت في الداخل والخارج على أحد فريقي العداء (استقلاليون) نسبة إلى حزب الاستقلال، والتسمية التي أطلقت على الفريق الآخر (شعبيون) نسبة إلى حزب الشعب مما ليس هنا مكان تفصيله. وبعد أن نجحت مساعي المصالحة في الداخل بقي أن يُعلن عن إنشاء تكتل حزبي وطني موحد وأن يُطلق عليه اسم معين فاختير (الكتلة الوطنية) وكان الاختيار لبقاْ موفقاً، إذ استبعد إطلاق كلمة (حزب) على التكتل لأنّ في إطلاقه عليه معنى تخلي كل من الفريقين عن حزبه والدخول في حزب جديد، وهذا ما لم يكن يقبله أحد من الفريقين، في حين أن كلمة (الكتلة) لا تعني جماعة منفردة، بل تعني اجتماع أكثر من جماعة.
على أنّ الأيام أنست الجميع حزبيتهم السابقة وأصبحت (الكلتة الوطنية) هي الحزب الذي ينتمون إليه جميعاً وإن ظلّ للاستقلاليين منهم بعض ما يميزهم ويشير إلى تفرّدهم.
ولكن تحول (الكتلة) إلى حزب لم يعطها شيئاً من مظاهر الأحزاب التي لا بد منها، فلم يكن لها من ذلك إلا أنّ لها رئيساً. أما التشكيلات الحزبية المعروفة في أقطار الدنيا فلم يكن لها منها شيء، فهي حزب ولكن على الطريقة العشائرية، فلا نائب رئيس ولا أمين سر عام ولا لجنة مركزية ولا هيئة إدارية ولا انتماءات فردية. بل الأعجب من ذلك أنّها لم يكن لها مكتب تجتمع فيه، فكانت اجتماعاتها تعقد في بيوت المنتمين إليها.
وقد اتجهت الأنظار إلى من يمكن أن يكون رئيساً للجمعية، وكان في أذهان الناس اسمان هما الأبرز بين صفوف الكتلة الوطنية: أحدهما هائم الأتاسي والآخر إبراهيم هنانو.
ولم تكن للأوّل منهما زعامة شعبية متأصلة، بل كانت له ولأسرته وجاهة في مدينة حمص، كما أنّ شخصيته كانت شخصية بسيطة لا تتمتع بقوة الزعماء وما يتبع ذلك من فرض إرادتها على الأنصار والجماهير فرضاً طوعياً مبعثه سيطرتها وقوتها الشخصية.
ولكن كان لهاشم الأتاسي لون تاريخي جميل يدعو إلى احترامه وتكريمه، فقد كان ثاني رئيس لما أُطلق عليه اسم (المؤتمر السوري) الذي كان بمثابة برلمان لحكم فيصل الأول في سوريا الممتد من سنة 1918م إلى سنة 1920م وهو المؤتمر الذي أعلن برئاسة هاشم الأتاسي في 18 آذار سنة 1920م استقلال سوريا وملكية فيصل، ثمّ كان هاشم الأتاسي رئيساً للوزارة الثانية في ذلك الاستقلال القصير الأمد وهي الوزارة التي تلقت إنذار الجنرال غورو، ثمّ حدثت في عهدها موقعة ميسلون وانتهى عهد الاستقلال.
ومن هنا أحاطت بهاشم الأتاسي هالة من الاحترام زادها تألقاً أنّه ظلّ حتى انتخابه نائباً عن حمص في الجمعية التأسيسية نقي الصفحة الوطنية نظيف السمعة، ولئن كان قد تُنُوسي ما بين سنة 1920 سنة سقوط الاستقلال حتى سنة 1928 سنة انتخابات الجمعية التأسيسية، فقد تذكره الناس فجأة كل التذكر عند التفكير في اختيار رئيس للكتلة الوطنية، ثم للجمعية.
أمّا إبراهيم هنانو فقد كان زعيماً شعبياً نافذاً في الشعب قوي الشخصية صلب الإرادة، مع ماض ثوري باهر تقلد فيه السلاح لمقارعة الفرنسيين بعد زوال الاستقلال، وعندما اضطر للجوء إلى فلسطين، سلمه الإنكليز للفرنسيين الذين عقدوا لمحاكمته محكمة عسكرية في حلب باعتباره رئيس عصابة مسلحة عاثت فساداً في البلاد. وقف أمام المحكمة موقفاً صلباً عنيداً فلم يتنصل من حمل السلاح في وجه السلطات الفرنسية ولا تبرأ من أعماله الحزبية، ولا حاول التخفيف من فعل ما فعله على عادة من يحاكمون في المحاكم، ولكنه قال إنّه لم يكن رئيس عصابة مسلحة تعيث في البلاد كما يحاول أن يصوّره الادعاء العام، بل كان قائد مجموعة تقاتل في سبيل استقلال بلادها.
وصدف أنّ كان القضاة الفرنسيون على شيء كثير من النبل ـ على عكس الحكام الفرنسيين ـ فحكموا ببراءته، ولم يكن أحد يظن ذلك.
ومنذ ذلك اليوم تكوّنت لإبراهيم هنانو منزلة شعبية كبيرة كانت بداية زعامته الوطنية.
ولم يخلد هنانو إلى الاستراحة بعد براءته بل عاود الكفاح من جديد، فظل يقود الحركة الوطنية في حلب وشمال سورية بمعاونة سعد الله الجابري والدكتور عبد الرحمن الكيالي حتى كانت الجمعية التأسيسية.
وكان نواب الشمال لا يرون غيره رئيساً للجمعية، ولكن إبراهيم هنانو بما فطر عليه من وطنية شماء وتضحية متناهية في العطاء لم يبدِ أي رغبة برئاسة الجمعية وكان في طليعة المنادين بهاشم الأتاسي رئيساً. واختير الأتاسي بإجماع الوطنيين.
ومن هنا كانت بعد ذلك رئاسته للكتلة الوطنية، ففي خلال انعقاد جلسات الجمعية وانهماكها في وضع الدستور غاب اسم الكتلة وانشغل الناس بما هم فيه من انتظار نتائج أعمال الجمعية، ولما تمّ وضع الدستور فوجئ الفرنسيون بأنّ نصوصه نصوص دستور دولة مستقلة تمام الاستقلال لا دستور دولة زمان أمرها الحقيقي بيد الفرنسيين، لها مظاهر الدستور دون حقائقه، وظنوا أنّ ما جرى في بيروت يمكن أن يجري مثله في دمشق، لذلك اعترضوا على ست مواد فيه، إذا تبدلت عاد دستوراً كالدستور اللبناني: دستوراً لبنانياً في اسمه، ولكن فرنسياً في حقيقته، فليس هو دستور دولة لبنان، بل دستور الفرنسيين الذين يحكمون لبنان!…
فطال النقاش بينهم وبين المسيطرين على الجمعية التأسيسية، وعرفت الأزمة يومذاك باسم أزمة (المواد الست). واشتهرت كلمة (المواد الست) كل الاشتهار لكثرة ما كان يتردد ذكرها على صفحات الجرائد وعلى ألسنة الناس!…
ثم أوقف الفرنسيون جلسات الجمعية التأسيسية، ثم حلوها قبل أن تقر الدستور، وعاد الأمر قراع مع الفرنسيين، وهنا عاد اسم (الكتلة الوطنية) إلى الظهور من جديد وعادت اجتماعاتها تعقد من جديد، وما دام هاشم الأتاسي كان رئيساً للجمعية التأسيسية فهو الرئيس الطبيعي للاجتماعات، ثم هو بالتالي رئيس الكتلة الوطنية دون أن يجري انتخابه للرئاسة!…
ثم أصبح معروفاً أنّ هناك رئيساً للكتلة هو هاشم الأتاسي وزعيماً لها هو إبراهيم هنانو، وكان يُقْرن دائماً اسم هاشم الأتاسي بلقب الرئيس أو الرئيس الجليل، واسم إبراهيم هنانو بلقب الزعيم، ولكن دون أن يكون هناك أي تنافس بين الرجلين، أو أن تكون أية رغبة لإبراهيم هنانو بالتقدم على هاشم الأتاسي.
ثم توفي إبراهيم هنانو أواخر سنة 1935م وأعلن الإضراب الخمسيني وقام الحكم الوطني الأوّل، وهنا تنبه رجال الكتلة الوطنية إلى وجوب تنظيمها حزباً سياسياً ككل الأحزاب السياسية في العالم له رئيسه وأمينه العام ولجنته المركزية وهيئته الإدارية، كما له مقره الدائم الذي يجتمع فيه، ففعلوا ذلك، ولكن في الوقت الذي بدا فيه أن (الكتلة) متجهة إلى الانفراط والتشتت، وأنه سيكون منها أحزاب متشاكسة {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِم فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]. وهو ما تمّ بعد ذلك مما ليس هنا مكان تفصيله.
كان لا بد من هذه المقدمة الطويلة قبل الحديث عن الإضراب الخمسيني الذي كانت الكتلة الوطنية في صميمه قراعاً شعبياً أوّلاً، ثم مفاوضات مطولة في باريس ثانياً، وهو ما سنتحدث عنه فيما يلي من القول:
كانت شؤون الكهرباء في دمشق تعود إلى شركة أجنبية كانت قد نالت امتيازها في العهد العثماني فأنارت المدينة وأجرت فيها (الترامواي) وكانت تعرف باسم شركة (الجر والتنوير) والمقصود بالجر: هو (الترامواي)، وبحكم كونها شركة أجنبية والفرنسيون هم الحاكمون، كانت تتعسف في تعاملها مع الناس فترفع بين آونة وأخرى أثمان الكهرباء وأجور (الترامواي)، وكانت في واقعها مظهراً من مظاهر إذلال الشعب. فتقرر مقاطعة هذه الشركة بالامتناع عن ركوب الترامواي، والامتناع عن الاستنارة بالكهرباء والعودة إلى الاستنارة بالمصابيح البترولية أو بالشمع. وكذلك استعمال السيارات الكبيرة في التنقل. إلى أن تنزل الشركة على مطالب الشعب.
أمّا مقاطعة (الترامواي) فكانت ناجحة تماماً، وقد كنّا نشاهد (الترامواي) ذاهباً آيباً، وهو فارغ لا يقل سوى اثنين أو ثلاثة.
وسبب نجاح مقاطعة الترامواي أنّ من يستعمله يكون استعماله له مكشوفاً ظاهراً للناس فتنصب النقمة عليه، وإذا وجد من يتحمل النقمة الشعبية فلن يعدو ذلك أفراداً محدودين يكونون من الوقاحة بحيث لا يبالون غضب الشعب عليهم.
أمّا الكهرباء فإنّ الاستنارة بها تكون داخل البيوت المغلقة التي لا يطلع على أسرارها أحد، والذين اعتادوا على المصابيح الكهربائية ليس من السهل عليهم العودة إلى غيرها، لذلك فقد طال أمد المقاطعة دون أن تتحرك الشركة للاستجابة لمطالب الشعب.
وكان رجال الكتبة الوطنية قد اعتادوا بين الحين والحين أن يزوروا السيد محسن الأمين في منزله المتواضع البسيط جداً. وكانت زيارتهم هذه إما أن تكون فردية فيزوره كل واحد منهم منفرداً، أو زيارة جماعية تضم اثنين أو ثلاثة أو أكثر، وكثيراً ما كان يرافقهم في هذه الحالة بعض زعماء الأحياء وبعض الصحافيين.
وكان محور هذه الزيارات سواء كات فردية أو جماعية يدور على بحوث فكرية أو وطنية أو ثقافية أو اجتماعية يغتنم فيها الحاضرون وجودهم في مجلس السيد محسن الأمين ليطرحوا تساؤلات أو يناقشوا موضوعات يرون في مشاركة السيد محسن فيها وإدلائه بآرائه في مشاكلها وتفاصيلها فائدة كبرى يجب اغتنامها.
وأذكر مرة أنّ لطفي الحفار أحد أركان الكتلة الوطنية ورئيس الوزارة بعد ذلك ناقش أمر توريث البنات جميع تركة الميت إذا لم يترك أولاداً ذكوراً، فشرح له السيد محسن ذلك شرحاً مفصلاً، كان الحفار يتحدث عنه في كل مناسبة.
وكان الدكتور محسن البرازي يفضل دائماً أن يزور السيد محسن منفرداً لأنّه كان من بين السياسيين السوريين سياسياً عالماً كثير المطالعة، وكان يصرّ على أن يستقبله السيد محسن في (عليته) المربعة الصغيرة التي تحتوي على مكتبته ويجلس فيها على الأرض ويكتب فيها كتبه، فكان البرازي ينزع حذاءه قبل الصعود على الدرج الخشبي كما يفعل غيره لأنّ هذا الدرج القليل الدرجات معتبراً جزءاً من الغرفة، ثم يشارك السيد محسن في الجلوس متربعاً على السجادة المفروشة على الأرض، ثم يشرع في طرح أسئلته التي كانت تدور في معظمها على الشؤون الفقهية.
وعندما يكون نجيب الريس صاحب جريدة (القبس) بين الحاضرين فلا بد من مطارحات ومناقشات أدبية نقدية أو شعرية. وهكذا تتنوع مواضيع الزيارات بتنوع الحاضرين.
وخلال مقاطعة شركة الكهرباء زارت السيد محسن مجموعات مشتركة من أركان الكتلة الوطنية وزعماء الأحياء وبعض الصحافيين فيهم أديب الصفدي رئيس تحرير جريدة (الشعب). فكان موضوع أحاديث تلك الزيارة هو الموضوع العام الذي يشغل المدينة وهو مقاطعة الشركة الأجنبية. فأبدى السيد محسن نقمته على عدم نجاح مقاطعة الشركة، ثم حدّث الحاضرين عن الامتياز الذي منحه ناصر الدين شاه إيران لشركة إنكليزية باحتكار التنباك الإيراني والذي كانت شروطه مجحفة بحقوق الشعب الإيراني وكيف أن السيد محمد حسن الشيرازي أفتى بتحريم استعمال التنباك داعياً الشعب إلى الامتناع عن استعماله فاستجاب الشعب وقاطع التنباك مقاطعة شاملة مما أدّى إلى فشل الشركة وإلغاء الامتياز وإبطال الاحتكار.
وأفاض السيد محسن في هذا الحديث عن ذلك ودعا زعماء الأحياء الحاضرين لأن يتولوا تنظيم المقاطعة وحث الناس عليها.
ثم قال إنّ من العار علينا جميعاً أن تسودنا هذه الشركة الأجنبية وتذلنا، ثم أنهى الحديث بأن قال:
إنّني أدعو إلى اكثر من ذلك، أدعو إلى أن نتخذ من المقاطعة باباً إلى العصيان المدني على الفرنسيين فلا ينتهي هذا العصيان إلاّ بتحقيق مطالبنا الاستقلالية، وأن يكون هذا العصيان بأن تضرب البلاد السورية كلها إضراباً عاماً شاملاً وأن لا ننهي هذا الإضراب إلاّ بنزول فرنسا على حكمنا بتحقيق الاستقلال. وإنّني أقول لكم بأنّنا نحن في هذا الحي سنعلن الإضراب لا غداً لأنّ الغد سنجعل منه يوماً لإعداد هذا الإضراب، بل بعد غد وإنّنا سنستمر في هذا الإضراب، يومين متتابعين إذا رأينا المدينة قد استجابت للإضراب الجماعي تابعنا معها الإضرب، وإلاّ فإنّه يكون لنا عذرنا في إيقاف الإضراب لأنّ إضرابنا وحدنا لا يجدي شيئاً.
فلقيت هذه الفكرة تجاوباً حماسياً من جميع الحاضرين، وتحولت الزيارة إلى اجتماع تنظيمي للإضراب، وتذاكر زعماء الأحياء الحاضرون في كيفية تعميم الدعوة وقرروا الاتصال بغيرهم من رجال الأحياء لعقد اجتماع عام ليكون القرار إجماعياً، وانفضت الجلسة في منزل السيد محسن الأمين في ساعة متأخرة من الليل عن قرار ثوري خطير هو إعلان العصيان المدني. ثم أصبحت دمشق في اليوم الثاني من تلك الليلة مضربة كلها إضراباً عاماً لم يشذ عنه أحد، ثم توجهت رسل إلى المدن الأخرى تدعو لتعميم الإضراب فلم ينته الأسبوع إلاّ وسوريا كلها مضربة ليس فيها متجر كبير أو صغير فاتحاً أبوابه.
قلت إنّ أديب الصفدي رئيس تحرير جريدة الشعب كان من بين الحاضرين في تلك الليلة وفي الصباح كانت جريدة الشعب تصدر وفيها افتتاحية بقلم رئيس التحرير أديب الصفدي يصف فيها تلك الجلسة، ثم يختتم مقاله بأنّه لم يبح في هذا المقال بكل ما جرى، لأنّ بعض ما جرى لا يجوز البوح به، وإليك نص المقال الذي يصف في مفتتحه شخصية السيد محسن وشكله وجسمه وحديثه، ثم ينهيه باضطراره لكتمان بعض أسرار تلك الجلسة، قال أديب الصفدي:
مربوع القامة يميل إلى الطول، صحيح البنية، متناسق الأعضاء حتى يخيل إليك أنّ الله صاغه على ما يشاء.
وجه أسمر، بعينين سوداوين، يعلوهما حاجبان أبيض شعرهما، بلحية بيضاء مرسلة، وشاربين أبيضين فيهما بعض السواد النادر، ركبا على رأس متوسطة، تناقست أعضاء الوجه، فلا تحس فيها تنافراً، مهيب وقور، خلع الله عليه جلال العلم، وكرامة النسب، ووقار الشيخوخة، يعتمر بعمامة خضراء كبيرة، هي طراز السادة الأشراف، وكبار مجتهدي الشيعة.
هو بين مجتهدي الشيعة الفحول في العالم الإسلامي، في الرعيل الأوّل مكانة وزعامة، سما به إليهما علم واسع محيط، وعقل نير ونفس كبيرة، وأخلاق فاضلة.
كبير الشيعة ومجتهدهم الأعظم في البلاد الشامية غير منازع، وإمامهم في البلاد السورية اللبنانية غير مدافع. هذا هو السيد محسن الأمين.
جلست إليه مرتين جئته فيهما مسلماً مرحباً، إثر وفوده إلى دمشق وأصغيت إلى حديثه، فما والله تركت المجلس إلاّ وأنا معجب شديد الإعجاب لا بانسجام الحديث وطلاوته وحبكته ولا بما يزين ذلك من إدراك وفهم وألمعية، ولا بلغته الصحيحة المنتقاة الألفاظ، فسماحته قد بلغ من ذلك كله المكانة التي يغبط عليها، وإنما الروح السامية العالية التي تحبك بين مقاطع حديثه تحبك وتوفق بين معانيها وأغراضها والسمو الذي يتدفق في ألفاظه فيشعرك أنك في حضرة الرجل الذي أراده الله للهداية واختاره للزعامة، وزانه لذلك بما شاء من نفس فاضلة، وأخلاق سامية، وصفات عالية.
وأرادنا فريق من الإخوان على زيارة السيد محسن الأمين، مسلمين مرحبين فأجبنا الدعوة، ورحبنا بها، جد فرحين، ذلك أنا سنكون في حضرة رجال، نفيد من اجتماعهم فوق قيامنا بواجب الترحيب بسيد الشيعة وكبيرها.
وأخذنا طريقنا جماعة من رجال الكتلة الوطنية والشباب الوطني، وبعض زعماء الأحياء إلى أن بلغنا الدار التي نزل بها السيد الأمين، فاسقتبلنا رجاله، وقام السيد فرحب بنا من باب الغرفة إلى أن أخذنا مقاعدنا.
ودارت أحاديث المجاملات والترحيب وتفضل سماحته فقال موجهاً كلامه إلى رجال الكتلة الوطنية:
لا شك أنّا معجبون بما تبذلون من جهد موفق لخدمة البلاد مقدرون لمساعيكم وليس من شك في أن العمل الذي انقطعتم له عمل عظيم جليل، ومن يعود إلى حالة البلاد العامة من وجهاتها الأخلاقية والاجتماعية والوطنية يدرك أي عناء هذا الذي تنهضون تحت عبئه الكبير بأداء الرسالة التي وقفتم عملكم وجهدكم وتفكيركم من أجلها وفي سبيلها.
وتناول في كلامه أثر الحكم التركي، في أخلاق البلاد وطبائعها وفساد الإدارة التركية، وما رافقها من شؤون وشجون وغرسها عادات وتقاليد في أخلاق العرب السوريين تنافي الاخلاق العربية القويمة هذه التي لا نزال نشهد آثارها وبقاياها في أحوال العشائر البدوية كالكرم والشجاعة والإباء وعزة النفس، واستقلال الرأي التي تكاد تنعدم، وحلول صفات وسجايا ليست من الأخلاق العربية المذكورة في شيء كالجبن، والذل وصغار النفس، والتقليد الأعمى.
وعرض السيد الكريم، إلى أن ما تقوم به الكتلة الوطنية من مساع محمودة وأعمال مشكورة، ومضيها رغم كل ما تصادفه من عراقيل في السبيل الذي تطوعت له، واختيرت من أجله، فأشاد بذلك وأثنى عليه ثناء كبيراً.
وتكلم على التضامن الوطني، وأثره في تكوين مزاج الأمم ونفسياتها، وفعله في نهضتها، وبلوغها حقوقها وأورد الأمثلة والشواهد على ذلك، وروى لنا سماحته المثل التالي:
حصلت شركة إنكليزية أيام الشاه ناصر الدين على امتياز بحصر الدخان بشروط مجحفة، وشاع بين الجمهور، أنّ أحد كبار مجتهدي الشيعة الإيرانيين، تكلم عن وجوب الامتناع عن التدخين، وأنّ رجلاً من كبار المجرمين، سمع بفتوى المجتهد الإيراني الكبير وكان جالساً في مقهى عام ليدخن نرجيلة، فما وسعه إلا أن كسر النرجيلة وأقسم أن لا يشرب الدخان أبداً، وأنّ الشاه أمر أحد خدمه بإحضار نرجيلة فذهب ولم يعد، فكرر الطلب فلم يعد الخادم بها أيضاً، وأعاد الكرة بطلب النرجيلة، ولكن الخادم لم يستطع إحضارها وسأله الشاه عن أسباب تأخره عن الصدوع بأمره، فأخبره بأن سيدات البلاط كسرن سائر النراجيل، ولم تبقَ و احدة منها في القصر، وأنّ إجماع الإيرانيين على ترك التدخين اضطر الشركة الإنكليزية هي نفسها إلى إلغاء الامتياز.
وكان سماحة السيد الأمين، يحدثنا هذا الحديث فيفهمنا منه قيمة التضامن الوطني، وأنّ الأمة التي لا سلاح لها، ولا قوة تدافع بها عن نفسها ومصالحها باستطاعتها بمثل هذه الوسائل الوصول إلى أغراضها الوطنية.
وكان درساً قيماً جليلاً، ترك في نفوس السامعين أجمل الأثر وأبلغ العظة.
وامتد الحديث فتناول وجوهاً شتى كنا نحب أن يشاركنا قراؤنا في الاطلاع عليها، ولقد غالبنا نزعتنا الصحفية في الإفضاء للقراء بكل ما سمعنا، وشهدنا، ورأينا. وواجبنا الأدبي في أن نحفظ سر المجلس، الذي تشرّفنا بجلوسه، إلى أن نغلب الواجب الأدبي على الواجب الصحفي واكتفينا من الحديث بهذا الذي أجملناه في هذه السطور وإنا لنرجو أن لا نكون خرجنا فيما كتبنا عن أدب المجلس وأن نكون وفّقنا أيضاً إلى أداء واجبنا من قراء الشعب (انتهى).
قلت إنّ الإضراب عمّ سوريا كلها وأغلقت فيها المتاجر جميعها، وبالرغم من أنّ الدعوة كانت إلى العصيان المدني المتمثل بالإضراب بعيداً عن العنف، فقد كانت تقوم المظاهرات الصاخبة في شوارع المدن لا سيما في دمشق فتصطدم بالسلاح الفرنسي، واستمر الأمر على هذا المنوال خمسة وأربعين يوماً فشلت معها كل وسائل السلطة في كسر حدّة الإضراب. فاضطر الفرنسيون للتسليم بالأمر الواقع فاستدعوا إلى بيروت من يمثل الكتلة الوطنية للمفاوضة، فلما وصل هذا الاستدعاء إلى الكتلة بادر هاشم الأتاسي رئيس الكتلة إلى زيارة السيد محسن الأمين وإخباره بذلك وطلب رأيه، فقال السيد محسن الأمين: لست من المفاوضة في شيء ومطالب البلاد معروفة ففاوضوا على أساسها.
وفي 29 شباط سنة 1936م ذهب وفد سوري فاجتمع بالمفوض الفرنسي (دي مرتيل) وجرى الاتفاق على أساس اعتراف فرنسا باستقلال سوريا ووحدتها وعقد معاهدة مع فرنسا يقوم بالمفاوضة لأجلها وفد سوري يسافر إلى باريس.
وبذلك أعلن انتهاء الإضراب الخمسيني. وذهب وفد سوري إلى باريس وبعد مفاوضات طويلة انتهى الأمر إلى عقد معاهدة بين سوريا وفرنسا تلخص بنودها بإلغاء الانتداب واستقلال سوريا وقبولها في عصبة الأمم في غضون ثلاث سنوات على أن تستلم الحكومة السورية جميع المسؤوليات في غضون سنتين وتمارسها كاملة في السنة الثالثة وتسليم القوة السورية الموجودة إلى وزارة الدفاع السورية مع استلام جميع المطارات الموجودة على أن تنشئ الحكومة السورية لفرنسا قاعدتي طيران بدل القاعدتين الموجودتين الآن في المزة والنيرب وبحال انتهاء إنشائهما تنقل القوة الجوية الفرنسية إلى هاتين القاعدتين اللتين تختار مواقعهما بعيداً عن المدن وتسحب فرنسا قواتها البرية من سورية، ولكن تبقى مؤقتاً لمدة خمس سنين فقط في موقعين يتفق الطرفان على نقاطهما في بلاد العلويين وجبل الدروز. والمحالفة بين فرنسا وسوريا لمدة 25 سنة تتعهد بها فرنسا بالمدافعة عن سوريا ضد كل اعتداء خارجي بدون أن تقابلها سوريا بالمثل. وقواعد الطيران تبقى طول مدة المحالفة وتنتهي بانقضائها. إلى آخر ما ورد في المعاهدة، وقد جاءت هذه النتيجة بعد مفاوضات استمرت ستة أشهر.
وبعودة الوفد السوري إلى البلاد جرت الانتخابات فأسفرت عن نجاح شامل لمرشحي الكتلة الوطنية فاجتمع المجلس في 21 كانون الأوّل سنة 1931م فانتخب هاشم الأتاسي لرئاسة الجمهورية وتألفت وزارة من رجال الكتلة الوطنية. وصدق المجلس النيابي السوري على المعاهدة، وبقي تصديق البرلمان الفرنسي، فأخذ الفرنسيون يماطلون في عرض المعاهدة على برلمانهم. وكان قد جاء إلى سوريا مفوض سام جديد هو (غبرييل بيو). وفي الثالث عشر من شهر أيار سنة 1939 أصدر بياناً قال فيه إنّ فرنسا تريد الوصول إلى اتفاق نهائي على أساس مبادئ المعاهدة وأنّها تريد إيجاد نظام خاص للمحافظات وأنّ السلامة الخارجية تستدعي تنظيماً جديداً للتعاون العسكري بين فرنسا وسوريا.
وكان معنى هذا إبطال المعاهدة فبادر هاشم الأتاسي رئيس الجمهورية إلى الاستقالة في 7 تموز 1939م بعد أن كانت قد استقالت ثلاث وزارات سورية واحدة وراء الأخرى.
وبذلك انطوى هذا العهد وانطوت معه المعاهدة ونقض الفرنسيون عهودهم فألفوا ما أسموه مجلس المديرين وهو حكومة سورية مؤلفة من أربعة مديرين يرأسهم رئيس اعتبر ئيساً للحكومة وهو من أخلص صنائعهم.
ثم نشبت الحرب العالمية الثانية في أوّل أيلول سنة 1939م وكان من أمرها وأمر سوريا ما ليس هذا مكان الحديث عنه.
وقد كتب الأستاذ منح الصلح مقالاً في مجلة الديار البيروتية أشار فيه إلى دور السيد محسن الأمين في الإضراب الخمسيني، بعد أن ذكر عبد الحميد بن باديس وأثره في تحضير الجزائر للثورة. قال:
«… والنموذج الثاني بين رجال الدين الذي أكد على العلاقة الخلاقة بين العمل الوطني والإسلام وهو المجتهد الأكبر السيد محسن الأمين الذي كان في دمشق إمام العمل الوطني السوري ومرجع المذهب الشيعي الأعلى. فهو على الصعيد الديني لا يقل أثراً وسعة أفق عن محمد عبده. وعلى الصعيد الوطني كان رأس الوطنيين السوريين، وفي بيته أعلنت الحركة الوطنية في سوريا سنة 1936م الإضراب الشهير (انتهى).
وقد خطر لي أن أسأل منح الصلح عن مصدر اطلاعه على ما كتب وهو لم يدرك تلك الفترة، فقال لي إنّ قريبه عفيف الصلح الذي كان من أركان الكتلة الوطنية روى له ما جرى في الليلة التي مرّ الحديث عنها، وأنّه كان من شهودها بنفسه، إذ كان بين من زاروا السيد محسن تلك الليلة التاريخية وشاركوا في وضع المقررات، ثمّ في تنظيم الدعوة إلى الإضراب في اليوم الثاني، ثمّ واصلوا لقاء السيد محسن لاطلاعه على مجرى الإضراب والاستماع إلى آرائه وتوجيهاته.
ثمّ أراد منح أن يشرح لي تفصيل ما جرى، فقلت له: إنّ التفاصيل عندي لأنّني كنت ممّن شهد تلك الليلة الثورية التي كانت من ليالي السيد محسن الأمين الرائعة التي طالما توالت في دمشق مزيجاً من الفقه والشعر والنثر والمحاورة والمباسطة والثورة والتجديد.
محمد جميل البارودي
الأطلس (جبال)
هي السلسلة الجبلية العظمى التي تفصل المغرب إلى شطرين من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي وتنقسم إلى ثلاث سلاسل يطلق عليها الأطلس المتوسط والأطلس الكبير والأطلس الصغير ويتراوح ارتفاعها في بعض النقط بين 2000م و4000م.
وأشهر الجبال بها: طبقال 4165م ـ العياشي 3737 ـ سيروه 3304م ـ بويبلان 3190م ـ ميشليفن 3080م ـ ساغرو 3000م ـ أوكايمدن 2630م ـ تشكا 2270م.
وكان الأطلس الكبير يعرف في القديم بجبال درن أو بجبال المصامدة لأنّ سكانه من هذه القبيلة التي لعبت أدواراً حاسمة في تاريخ المغرب خلال العصور القديمة والحديثة على السواء والقبائل المتساكنة به أو حوله هي:
آيت يمور وتينمل وتكانة وحاحة ودمسيرة ودغوغة ورگراگة وكدميوة وكنفيسة وكلاوة وكندافة ومتوكة ومزوضة ومسفيوة وبنو ماجر وبنو ماغوس وغجدامة وغيغاية وفروكة وفطواكة وسكتانة وسكساوة وهزميرة وهرغة وهيلانة وهزرجة وهنتيفة وهنتاتة ووريكة ووزكيط.
الإعادة
1ـ الإعادة في اللغة: فعل الشيء مرة ثانية([128]).
وفي الاصطلاح: فعل الواجب في وقت الأداء ثانياً لخلل([129]) أو لعذر([130]) أو مطلقاً([131]).
وسيأتي توضيح الفرق بينها.
والمراد من الخلل هو الخلل السهوي. وإلاّ (أي: لو تعمد الخلل) فلا تسمى إعادة ولا أثر لما فعل أولاً([132]).
٢ – لقد حصل الاختلاف في القيد المذكور في التعريف نتيجة للاختلاف في مسوغات الإعادة، ويمكن حصر الآراء في ذلك في قولين رئيسين:
أولا: عدم صدق الإعادة إلاّ مع وجود خلل في الفعل الأول، ولذا قيد أصحاب هذا القول التعريف بالخلل، وقد انقسم هؤلاء على ثلاثة آراء.
الرأي الأول: التقييد بأن لا يكون الخلل مفسداً، وإلا فلا تصدق الإعادة، لأن الفعل الأول مع حصول الخلل المفسد كالمعدوم. وهذا قول الأحناف، ومثلوا له بترك الفاتحة في الصلاة([133]).
الرأي الثاني: التقييد بأن يكون الخلل مفسداً، وهذا قول البيضاوي ومن تبعه([134]).
الرأي الثالث: إطلاق الخلل، أي: عدم تقييده بالفساد أو عدمه، وهذا قول كثير من الأصوليين منهم الرازي([135]) وابن الحاجب([136]).
ثانياً: صدق الإعادة في حالة الخلل وغيره، وقد انقسم أصحاب هذا القول على اتجاهات ثلاثة:
الاتجاه الأول: يسوّغ الإعادة في دائرة أوسع من الخلل بما يعم طلب حصول الافضلية، كما لو صلى جماعة بعد أن صلاها منفردا، وهذا ما يطلق عليه: العذر([137]). وقد ذهب إلى هذا القول صاحب جمع الجوامع ومن تبعه([138]).
الاتجاه الثاني: يسوّغ الإعادة في دائرة أوسع من الخلل وطلب حصول الفضيلة، فيشمل مثل ما لو صلى جماعة ثانية تساوي الأولى([139]) بل ولو زادت الأولى بفضيلة([140]) وهذا ما عبروا عنه في التعريف بقولهم: «مطلقاً».
الاتجاه الثالث: يسوّغ الإعادة في دائرة أوسع من الخلل بما يشمل ما إذا تعلق بالفعل ثانيا أمر استحبابي وقد ذهب إلى هذا الرأي أكثر المتأخرين من الشيعة([141]).
والذي دعاهم لذلك هو ذهابهم إلى أنّه لا معنى للامتثال بعد الامتثال باعتبار أن الأمر يسقط بالامتثال الأول، فلا تعاد الصلاة في جماعة إلاّ لوجود أمر استحبابي تعلق بالإعادة.
وهم بهذا لا يرون الأفضلية لوحدها مسوغا للإعادة.
٣ – يوجد رأيان في تعيين النسبة بين الإعادة والأداء:
الأول: أن بينهما تباينا، وبالتالي يكون كل منهما قسيما للآخر([142]).
الثاني: أن بينهما عموم مطلق فتكون الإعادة قسما من الأداء([143]).
وقد حصل هذا الاختلاف في تعيين النسبة تبعاً للاختلاف في تعريف الأداء، من حيث أنّه هل يكون صدق اسم الأداء مشروطاً بأن لا يكون مسبوقا بفعل أم لا؟ فالذين اشترطوا عدم السبق ذهبوا إلى التباين والذين لم يشترطوه ذهبوا إلى العموم المطلق([144]) احمد المبلغي
الاعتبار (كتاب)
ـ1ـ
وصلتنا أخبار عن أسامة بن منقذ مما ذكره بعض المؤرخين العرب. ولكن معرفتنا الحقيقية به تأتي أوّلاً من كتابه الرائع المسمّى بكتاب «الاعتبار» وقد ألف أسامة ما لا يقل عن ثلاثة عشر كتاباً ذكرت أسماؤها حين تعرض لذكره المؤرخون العرب، إلاّ أنّه لم يصلنا منها جميعاً إلاّ كتابه الاعتبار. وقد قام الدكتور فيليب حَتِّي بمجهود رائع في نشر المخطوط الأصلي، إذ صحح أخطاءه النحوية، لأنّه يبدو أنّ مؤلفه أملاه ولم يكتبه بنفسه، كما أنّه بوّبه ككتاب وقسّمه إلى فقرات، وجعل للأبواب والفقرات عناوين، وكان المخطوط الأصلي خالياً من النقط والحركات وعلامات الوقف والعناوين. وقد كتب أسامة بن منقذ كتابه وأملاه بعد أن بلغ التسعين، وهو في دمشق. ويقول الدكتور فيليب حتّي إنّ كتاب «الاعتبار» هو أوّل سيرة ذاتية ـ فيما يعلم ـ في تاريخ الآداب العربية.
ولكنّنا إذا استطعنا أن نستنتج أنّه دوّنه عام 1185م (بعد تسعين سنة من ميلاده) فإنّنا نجد أنّ هناك سيراً ذاتية أخرى كتبت قبل ذلك في تاريخ الأدب العربي، أهمها «المنقذ من الضلال» للغزالي، فقد ولد الغزالي عام 1059… وكتب في مقدمة كتابه أنّه قد أناف وقت كتابته على الخمسين، فيكون قد كتبه إذن بعد عام 1109 بقليل، أي قبل كتاب أسامة بحوالي خمسة وسبعين عاماً.
ولكن الجديد في كتاب الاعتبار هذا ظهور شخصية أسامة النبيلة بوضوح وقوّة، بينما يتضاءل الشعور بالشخصية في الترجمات الذاتية التي سبقت أو لحقت هذا الكتاب، والتي يدور فيها الكلام حول نشاط صاحبها في التحصيل وكسب المعارف والعلوم، ولا تبدو شخصية صاحب الترجمة إلاّ شاحبة اللون باهتة، وكشيء عرضي طارئ.
وقد نشأ أسامة على نهر العاصي، ثمّ صرف معظم شبابه في بلاط نور الدين بدمشق، وفي قصر الخليفة الفاطمي بالقاهرة وعاش سني كهولته في الموصل وفي حصن «كيفا» وعلى نهر دجلة كما زار بيت المقدس في فلسطين وحج إلى الحرمين وصاحب ملوك الإسلام وسالم الصليبيين وقت السلم. وقاتلهم وقت الحرب، كما قاتل غيرهم من العرب ثم دوّن كل خبراته في مذكرات شيقة رائعة يسودها التواضع الجم، فنصدق انتصاره حين يذكره لأنّه يذكر عدم انتصاره حين تقابله الهزيمة.
وصفه للمعارك
فكتاب الاعتبار يتضمن من ناحية موجز تاريخ البلاد العربية في القرن الثاني عشر، قرن الحملات الصليبية الأولى، لكنّه يمتاز عن غيره من الكتب التي أرّخت لهذه الحملات بدقة العرض وذكر التفاصيل التي قلّ أن توجد في غير هذا الكتاب، فهو يصف كيف تدور المعارك الحربية التي لا تستعمل فيها السيوف فانظر إليه يصف أوّل قتال حضره: «فلمّا صرنا على وادي «أبو الميمون» والنهّابة العرب متفرقون في الزرع خرج علينا من الإفرنج جمع كثير. وكان قد وصلنا تلك الليلة ستون فارساً وستون راجلاً فكشفونا عن الوادي. فاندفعنا بين أيديهم إلى أن وصلنا الناس الذين بالزرع ينهبونه. فضجوا ضجة عظيمة فهان عليّ الموت لهلاك ذلك العالم معي. فرجعت على فارس فطعنته في صدره فطار عن سرجه ميتاً. ثمّ استقبلت خيلهم المتتابعة فولّوا، وأنا غر من القتال ما حضرت قتالاً قبل ذلك اليوم وتحتي فرس مثل الطير، ألحق أعقابهم لأطعن فيهم».
وهكذا يبدا أسامة حياة الفروسية، والكتاب مليء بما هو أدق من مثل هذه العرض للمعارك حتّى أنّه يصف في إحدى المرّات وصفاً شائقاً استيلاء العرب على أحد حصون الفرنج، وهو يصف المعركة خطوة خطوة حتّى نستطيع أن نتخيلها كأنّما هي أمامنا في شريط سينمائي.
ولمّا كان أسامة فارساً فإنّه يعرف الخيل وأنواعها وعاداتها معرفة دقيقة: فمنها الصبور كالرجال ومنها الخوار فمن ذلك أنّه جرح تحت حصان في بلدة شيزر ثلاثة جراح وهو يقاتل عليه ولا يعلم أنّه قد جرح لأنّ الحصان ما أظهر ما يدل على ألمه بل إنّه استمرّ في القتال رغم أنّه طعن في خاصرته فخرجت مصارينه، وظلّ في المعركة حتّى انتهت، وبعدها مات.
ولم يكن أسامة فارساً فحسب بل وصائداً للوحوش والطيور. ففي صغره رأى حية على حائط الدار فتسلق إليها وأخذ يحزّ رأسها بسكينه الصغيرة، وهي تلتف على يده وأبوه يراه ولا ينهاه حتّى قطع رأسها وألقاها إلى الدار وهي ميتة.
وخرج يوماً مع أبيه وأخيه لقتال أسد على جسر نهر شيزر، فلمّا شاهد أسامة الأسد وقد ربض على حافة النهر حمل عليه فصاح أبوه: «لا تستقبله يا مجنون فيأخذك» ولكن أسامة طعنه طعنة ما تحرّك بعدها من مكانه ومات بموضعه. فما نهاه والده عن قتال غير ذلك اليوم.
وأسامة الصياد كأسامة الفارس. يعرف أنّ الأسود كالناس والخيل فيها الشجاع وفيها الجبان فقد رأى أسوداً لا تخاف وأخرى تهرب من خوف. يقول أسامة: قاتلت السباع في عدّة مواقف لا أحصيها وقتلت عدّة منها ما شاركني في قتلها أحد سوى ما شاركني فيه غيري حتّى خبرت منها وعرفت من قتالها ما لم يعرفه غيري. فمن ذلك أنّ الأسد مثل سواه من البهائم يخاف ابن آدم ويهرب منه وفيه غفلة وبله ما لم يجرح فحينئذ هو الاسد وذلك الوقت يخاف منه. وإذا خرج من غاب أو أجمة وحمل على الخيل لا بد له من الرجوع إلى الأجمة التي خرج منها ولو أنّ النيران في طريقه.
فأمّا النمور فقتالها أصعب من قتال الأسد بخفتها وبعد وثبتها وهي تدخل المغامرات والمحاجر كما تدخل الضباع، والأسد ما تكون إلاّ في الغابات والآجام.
ويشارك أسامة جيله في بعض خرافاتهم فيقول مثلاً: ومن خواص النمر أنّه إذا جرح الإنسان وبالت عليه فأرة مات ولا ترتد الفأرة عن جريح النمر حتّى أنّه له سرير يجلس عليه في المساء ويربط حوله الستائر خوفاً عليه من الفأر.
عادات الإفرنج وأخلاقهم
كان لاتصال أسامة بالإفرنج أثره. فقد عرفهم وخبرهم وهو يتحدث عنهم بروح الإنصاف والعدل نفسها التي تسود سيرته فيذكر ما لهم وما عليهم. مثال ذلك حين يتحدث عن طبّهم فيذكر قصة تدل على جهلهم بأمور الجراحة لكنّه ما يلبث أن يقول وشاهدت من طبّهم خلاف ذلك ثمّ يذكر قصتين أخريين يبيّن فيهما مهارتهم في صناعة الدواء.
ثمّ يتطرق للحديث عن عادات الإفرنج ويبدو أنّ تقاليدهم كانت منذ سبعة قرون كما هي الآن فأسامة يصفهم بأنّه «ليس عندهم غيرة بكون الرجل منهم يمشي هو وامرأته، يلقاه رجل آخر يأخذ المرأة ويعتزل بها ويتحدّث معها والزوج واقف ينتظر فراغهما من الحديث فإذا طولت عليه خلاها مع المتحدّث ومضى».
ويروي أسامة قصة عن رجل إفرنجي وجد آخر مع امرأته في الفراش فقال له: «أي شيء أدخلك عند امرأتي؟ فقال: كنت تعبان دخلت أستريح قال: كيف دخلت فراشي؟ قال: وجدت فراشاً مفروشاً نمت فيه. قال: والمرأة نائمة معك؟ قال: الفراش لها. كيف أقدر أن أمنعها من فراشها وقال: وحق ديني إن عدت فعلت كذا تخاصمت أنا وأنت!! ثمّ علّق أسامة على هذا بقوله فكان هذا نكيره ومبلغ غيرته.
ثمّ روى أسامة قصصاً أخرى أكثر طرافة وأكثر سخرية لا مجال هنا لذكرها حتّى يقول: انظروا إلى هذا الاختلاف العظيم، ما فيهم غيرة ولا نخوة وفيهم الشجاعة العظيمة وما تكون الشجاعة إلاّ في النخوة.
تأمّلاته بشأن طول العمر
ثمّ يسجّل تأمّلاته بشأن طول العمر فيقول: «فلمّا توقلت ذروة التسعين وأبلاني مرّ الأيام والسنين لصقت من الضعف بالأرض ودخل من الكبر بعضي في بعض حتّى انكسرت نفسي وتحسرت على أمسي».
ثمّ يعبّر عن خلاصة فلسفته بعد هذا العمر الطويل بقوله: لو صفت القلوب من كدر الذنوب وفوّضت إلى عالم الغيوب علمت أنّ ركوب أخطار الحروب لا ينقص مدّة الأجل المكتوب والعمر موقت مقدر لا يتقدّم أجله ولا يتأخّر فلا يظن ظان أنّ الموت يقدّمه ركوب الخطر ويؤخّره شدّة الحذر. ففي بقائي أوضح معتبر. فكم لقيت من الفرسان وقتلت من الأسود وضربت بالسيف وطعنت بالسهام وأنا من الأجل في حصن حصين إلى أن بلغت تمام التسعين فرأيت الصحة والبقاء كما قال (صلّى الله عليه وآله): «كفى بالصحة داء» فاعقبت النجاة من تلك الأهوال، ما هو أصعب من القتل والقتال. وكان الهلاك في كنف الجيش. أسهل من تكاليف العيش فأنا كما قلت:
مع الثمانين عاث الدهر في جلدي
وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي
إذا كتبت فخطي جد مضطرب
كخط مرتعش الكفين مرتعد
فأعجب لضعف يدي من حملها قلماً
من بعد حطم القنا في لبدة الأسد
وإن مشيت وفي كفي العصا ثقلت
رجلي كأنّي أخوض الوحل في الجلد
فقل لمن يتمنّى طول مدّته
هذي عواقب طول العمر والمدد
وفي مساء الاثنين 23 من رمضان عام 584هـ (15 سبتمبر عام 1188) وهي السنة التي استرجع فيها صلاح الدين بيت المقدس من يد الإفرنج توفي هذا البطل العربي في دمشق عن 96 سنة قمرية (93 سنة شمسية) ودفن في سفح قاسيون وقد درس قبره مع ما درس من الآثار في ذلك الجانب من الجبل وقامت على أنقاضها الدور الحديثة. ولكن المؤرخ الدمشقي الشهير ابن خلكان زار تربة أسامة بعيد وفاته حيث قال: «ودخلت تربته وهي على جانب نهر يزيد الشمالي وقرأت عنده شيئاً من القرآن وترحّمت عليه».
يوسف الشاروني
أسامة صاحب الاعتبار
وأسامة صاحب كتاب الاعتبار بطل كبير من أبطال الحروب الصليبية، وفارس كاتب مبرز في ميدان السيف وميدان القلم، مؤرخ لعصره يقل نظراؤه في الصدق والفطنة وحسن البيان، ويندر بين العصور عصر عرفناه بكتابة أبنائه كما عرفنا العصر الأخير من الصليبيين بكتابة هذا الفارس المجلي وهذا الكتاب المبين.
ذلك هو أسامة بن منقذ فارس المعقل المسمّى بعرف الديك ومن حق هذا المعقل أن يسمّى بلُبد الأسد([145]).
ودع فيه امرؤ القيس بلاد العرب وهو راحل إلى أرض الروم إذ يقول:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
وإنما أيقن بالفراق حين ودع «شيزر» معقل عرف الديك فقال وهو ينظر إليها في ظلمات العشية:
تقطع أسباب اللبانة والهوى
عشية جاوزنا حماة وشيزرا
وبعد ذلك طالما تقطعت لبانات وتصدعت حسرات وزفرات حول هذا المعقل المنيع.
والد أسامة
كان أبو أسامة فارساً أديباً شاعراً تقياً يخرج إلى الصيد ويستريح أثناء الطراد فيجلس في الطريق ليقرأ القرآن، وكان مع ثقل جسمه وكبر سنّه كما قال أسامة: «يركض نهاره ولا يتصيد إلاّ على حصان، ونحن معه أربعة أولاد نتعب ونكل، وهو لا يضعف ولا يكل ولا يتعب، وكان يطرد اليحامير في أرض حصن الجسرة، فصرع منها يوماً خمسة أو ستة على فرس له دهماء، وكنّا إذا وصلنا موضع الصيد ينزل عن الفرس ويجلس على صخرة ويقرأ القرآن ونحن نتصيد حوله…».
أم أسامة توزع السلاح
أَمَّا شجاعة أُمِّه فمن روائعها الكثيرة أنّها هي التي كان توزع السلاح على الرجال وأنّ القلعة حوصرت يوماً وأحاط بها العدو من جوانبها، فأخذت بنتها الكبيرة وأجلستها على شرفة في القلعة تطل على الوادي، وجاء إليها أسامة يطلب سلاحه فسألها عن أخته: أي شيء تعمل ها هنا؟
قالت يا بني: إذا رأيتهم قد وصلوا إلينا، دفعتها ورميتها إلى الوادي فأراها قد ماتت ولا أراها مأسورة.
رحيله عن الشام إلى مصر
تولّى أسامة إدارة شحنة دمشق ولكن اختلاف الجنس بينه وبين رئيسه معين الدين التركي جعل معين الدين لا يطمئن إليه فآثر عليه (الياروقي) من أبناء جلدته وأصفيائه المطلعين على دخائل عشيرته. وبادر أسامة بالرحيل قبل أن تلحقه كارثة من الكوارث التي تلاحق المغضوب عليهم بعد الرضى عنهم في بلاط ذوي السلطان، وانتجع الديار المصرية لعله يعوض فيها ما فاته من الحظوة عند أصحاب الشام، وفي ذلك يقول من قصيدة ميمية من غرر شعره ومن أجمل ما قيل في الشكوى والعتاب:
فليت شعري بم استوجبت هجرهم
ملوا فصدهم عن وصلي السأم
حفظت ما ضيعوا، أغضيت حين جنوا
وفيت إذ غدروا واصلت إذ صرموا
إلى أن يقول مخاطباً معين الدين:
بلغ أميري معين الدين مألكة
من نازح الدار لكن وده أمم
وقل له أنت خير الترك فضلك الـ
ـحياء والدين والإقدام والكرم
وأنت أعدل من يشكى إلهي ولي
قضية أنت فيها الخصم والحكم
وما ظننتك تنسى حق معرفتي
«إنّ المعارف في أهل النهى ذمم»
هلا أنفت حياء أو محافظة
من فعل ما أنكرته العرب والعجم
هبنا جنينا ذنوباً لا يكفرها
عذر فماذا جنى الأطفال والحرم
ألقيتهم في يد الإفرنج متبعاً
رضا عدى يسخط الرحمن فعلهم
ثم ختم هذا العتاب المر بأبيات ضمنها شطوراً من قصيدة المتنبي في عتابه لسيف الدولة يصل فيها على ديدنه ما انقطع ويرأب ما انصدع ويستبقي للغد بقية من أمل غير مطمع فقال:
لكن رأيك أدناهم وأبعدني
«فليت أنا بقدر الحب نقتسم»
وما سخطت بعادي إذ رضيت به
«فما لجرح إذا أرضاكم ألم»
ولست آسى على الترحال من بلد
«شهب البزاة سواء فيه والرخم»
تعلقت بحبال الشمس فيه يدي
ثم انثنت وهي صفر ملؤها ندم
«فاسلم فما عشت لي فالدهر طوع يدي
وكل ما نالني من بؤسه نعم»
وهذه طبقة من الشعر يرتضيها من تخصصوا للأدب وشغلوا به عن الحرب، فإذا كان هذا الشعر بعض أداة صاحبه في حياة شغلتها المعامع وملأتها مشكلات الحكم والسياسة فهذا هو الفضل الذي يؤتاه الأفذاذ من الرجال، وقد كان أسامة في زمانه واحداً قليل النظير بين هؤلاء الآحاد.
الفتننة تلاحقه في مصر
وفي مصر حلّ أسامة محل الحفاوة والكرامة من ساعة نزوله بأرضها إلى ساعة رحيله عنها. ويظهر من جملة سيرته فيها أنّه اعتصم بما طبع عليه من الحكمة والحذر وحاول جهده أن يبتعد عن مزالق الفتنة ودسائس الكيد والخصومة بين الخلفاء والمتطلعين إلى الخلافة، وبين الأمراء والقواد والمنافسين على مناصب الإمارة والقيادة، ولكنه على ما يظهر قد غلب على حكمته وحذره فاجتذبته الدسائس إليها على الرغم منه، أو خانه الحظ فانجذب إليها باختياره على غير عادته. واتهمته حاشية السلطان العادل بالتحريض على قتله. وأيّد التهمة أنّ الوزارة صارت إلى صديقه أبي الفضل عباس بن يحيى، وكان أسامة في صحبته قبل مقتل السلطان العادل بيوم أو بعض يوم. ثم قتل الخليفة الظافر بعد ذلك، فثارت على أسامة ثائرة أنصاره ودار القتال في الشوارع والبيوت بين الحزبين المتنافسين.
وقال أسامة في وصف هذه الوقعة إنّ «القتال بيننا وبينهم في الشوارع والأزقة، خيالتهم تقاتلنا في الطريق، ورجالتهم يرموننا بالنشاب والحجارة من على السطوحات، والنساء والصبيان يرموننا بالحجارة من الطاقات».
خروجه من مصر وتركه أهله فيها
ثم تعذر المقام في مصر على أسامة بعد هذه الوقعة فخرج منها إلى الشام صحبة الوزير العباسي وترك أسرته في جيرة ابن رزيك.
ولقد شاء القدر لفارس الحروب خروجه من مصر بعد أن بلغ الشيخوخة العالية فكان في طليعة المقاتلين حينما نشب القتال بين المسلمين والصليبيين. وقد قال المقدسي عن جهاده في حصار قلعة حارم «إنّه كان من الشجاعة في الغاية التي لا مزيد عليها».
ومن شعر أسامة قوله في شيخوخته:
لهفي لشرخ شبيبتي وزماني
وتروحي لفتوة وطعان
أيام لا أعطي الصبابة مقودي
أنفاً ولا يثني الغرام عناني
وإذا اللواحي في تقحمي الوغى
ـ لا في المدام ولا الهوى ـ تلحاني
وإذا الكماة على يقين أنّهم
يلقى الردى في الحرب من يلقاني
أعتدهم وهم الأسود فرائسي
فهم دريئة صارمي وسناني
والأسد تلقى مثلها مني إذا
لاقيتها بقوى يد وجنان
كم قد حطمت الرمح في لباتها
فتركتها صرعى على الأذقان
حتّى إذا السبعون قصر عثرها
خطوي وعاث الضعف في أركاني
أبلتني الأيام حتّى كل عن
ضرب المهند ساعدي وبناني
نعم، وكأنّما كان هذا الفارس الجالس إلى رقعة الشطرنج ينظر إلى رقعة الدنيا كلها فيتمثل مصارع الأقدار والأعمار، في مصارع تلك اللعب الصغار، فيقول بلسان الاعتبار وهو كاتب «الاعتبار»:
انظر إلى لاعب الشطرنج يجمعها
مغالياً ثم بعد الجمع يرميها
كالمرء يكدح للدنيا ويجمعها
حتّى إذا مات خلاها وما فيها
عاصر الحروب الصليبية
ولقد شاء القدر لفارس الحروب الصليبية وكاتبها أسامة أن يعاصرها من مطلعها إلى ختامها، فولد قبل نهاية القرن الحادي عشر (1095م) وما قبل نهاية القرن الثاني عشر (1188م). وألقى عن كاهله عبء الحياة والجهاد، وقد آذنت تلك الحروب أن تلفظ أنفاسها، وآذن الشرق الإسلامي أن يلقي عن كاهله أعباء جهادها([146]).
عباس العقاد
ديوان أسامة
لم يطبع حتّى الآن ديوانه وكان يعتبر مفقوداً إلى أن نشر عبد الملك السيد أنّه رآه عند عبد الرحمن صالح الراوي وأنّه يقع في حوالي 400 صفحة متوسطة الحجم على ورق أسمر صقيل لماع مخطوط بخط جميل للغاية وعناوينه مذهبة مزخرفة وقد كتب قبل نيف وستمائة سنة. وهو في مجلد واحد وهو مقسم إلى أبواب مختلفة من مديح وغزل وفروسية وحماسة وإخوانيات ووصف للحرب والتعازي والرثاء وغيرها من أبواب الشعر.
الاعتبار (كتاب)
ـ2ـ
لمسألة السيرة الذاتية، في السياق العربي الإسلامي، مكانة إشكالية. ذلك أنّ الثقافة العربية الكلاسيكية أنتجت تراثاً ضخماً من السير والتراجم، لكنّها لم تمنح للهواجس الذاتية للكتاب وغيرهم، إلاّ حيزاً ضئيلاً. و«ربما كان أقدم استعمال لكلمة «السيرة»، على يد محمد بن إسحاق في كتابه عن سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ولذلك تعدّ السيرة النبوية أوسع ما في التراجم الإسلامية، وأقدمها ظهوراً وأولاها باهتمام المؤرخين والكتّاب» (شرف، 92). ارتبط الفعل التأسيسي للسيرة، منذ البدء، بالمرجعية القدسية، وهي قضية تتجاوز الذات أو الآخر في تعيناتها، بقدر ما تحيل على حدث كلي تمحور حول نبي الإسلام.
غير أنّ هذا الفن في الكتابة اتخذ أبعاداً جديدة حين «ظهرت تراجم اخرى لطبقات من الرجال تتفق في لون واحد من العلم أو الفن والصناعة، كطبقات الصحابة، وطبقات المفسرين وطبقات الشعراء، وطبقات النحاة وغيرهم»، وازدهرت فنون «السيرة الغيرية» بشكل لافت، ولا تترك إرادة المعرفة العربية جنساً من أجنالس التراجم والسير إلا وتناولته، وبغزارة كبيرة، في حين أنّ الكتّاب «لم يفكروا في المذكرات واليوميات الشخصية إلاّ على حال من الندرة ولم يفكروا في التراجم الذاتية إلاّ على حال من القلة القليلة التي لا تتكفأ مع هذا الفيض الزاخر من التراجم والسير». تحدث العرب عن تجاربهم الذاتية بواسطة القصيدة، واستعرض البعض معاناته وكشف عن هواجسه، وعن ميولاته، وحبّه وشقائه من خلال الشعر، إذ مثل الأداة التي سمحت للسيرة الذاتية العربية من التعبير عن بعض تفاصيلها، «من وراء حجب الأوضاع وأعباء العرف والاصطلاح».
ليس معنى هذا أنّ تعبيرات السيرة الذاتية حكر على الشعراء، لأنّ تطوّر الواقعة الإسلامية، سيما على صعيد فنون القول والكتابة، مكّن هذا الجنس ـ أي السيرة الذاتية ـ من التكوّن بصيغ مختلفة بفضل كتابات العلماء والفلاسفة والمتصوفة ورجال السياسة. هكذا عمل الجاحظ على تقديم عناصر من حياته داخل مختلف نصوصه، بحيث يمكن للمرء أن يستخرج «من كتبه ورسائله أكثر الخيوط التي ألفت نسيج حياته من الوجهتين الثقافية والمعاشية». حصل نفس الأمر مع أبي حيان التوحيدي، وبعض المؤرخين والجغرافيين والرحالة والسفراء.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي، كيف يمكن الحديث عن الذات داخل مناخ ثقافي يعلي من شأن الجماعة ويعطي الأسبقية للكل على الجزء؟ هل تسعف كتابة السير الذاتية على استجلاء صور الآخر في تجسداته الواقعية أم أنّها ترزح تحت ضغط المسبقات والأحكام المتخيلة والقبلية؟
يقرّ أكثر الباحثين بأنّ أسامة بن منقذ قدم، بفضل كتابه «الاعتبار» نصاً يتخذ من الذات محوره، ومن الذاكرة الشخصية منطلقه، ومن الحكي أداته. وإذا كان هذا الإقرار ليس محل مساءلة وجدال، فإنّه، مع ذلك، يطرح قضايا من طبيعة نظرية شائكة، من قبيل العلاقة بين الذات والموضوع، بين الذاكرة والواقع، وبين نمط الحكي والكتابة.
ونظراً لأهمية هذه الاعتبارات فإنّنا نودّ الاقتراب من بعض دلالاتها قبل الدخول في استظهار صور الآخر كما صاغها حكي أسامة، وتناول تجلياتها في كتاب «الاعتبار».
تتضمن صيغة «السيرة ـ الذاتية» لفظتي «السيرة» و«الذات». تحيل الأولى على الطريقة والمسار والهيئة، في حين أنّ الذات تختزل هوية الحاكي، أو الكاتب بوصفها «أنا» واعية بذاتها.
تشير السيرة إلى ذلك المسار الحيوي الذي عاشه الفرد الحاكي أو الكاتب، في سياق من التسلسل المختزن للتنوّع الوجودي والحياتي. وهكذا تتحدّد بين المسار والأنا علاقة معقدة يتشابك فيها الكائن بالوجود الذي عاشه، بين الأنا ونمط حضورها في الواقع.
بل إنّ فعل الحكي أو الكتابة ـ وهما لا يعبران عن عملية واحدة على كل حال ـ يمكن أن يلتقي، في سياق الحكي أو الكتابة، مع إمكانية حياة جديدة. فالذات حين تقرر سرد سيرتها تواجه مسألة شروط إمكان إعادة اكتشاف للذات، لإعادة بناء ولإعادة تكوين. وهنا يطرح هذا التأليف الجديد للأنا سؤال التعبير. فالحكي، المستند إلى التذكر والتجربة الشخصية، قد يكون أقسى من العيش نفسه، حين فكر أسامة بن منقذ في «الاعتبار» كان قد تقدم به العمر، وخانته يده وأصبح عاجزاً عن الكتابة. ولم يكن أمامه سوى الالتجاء إلى السرد الشفوي و«إملاء» بعض تفاصيل حياته وذكرياته وتجاربه حيث تحول كل ذلك إلى نص منسوخ ومخطوط.
يطرح الانتقال من الشفوي إلى الكتابي قضية أخرى، لكن ما هو أساسي في العمليتين هو حالة القلق التي تنتاب السارد أو الكاتب حين يتطلع إلى تكسير المسافة بين الأنا الكاتبة والأنا المعيشة، بين الحياة وتمثلها. وهي مسافة يصعب تجاوزها لأنّها تورط الذات في أحكام وتقييمات وتسقط ما هو كائن على ما كان.
فالسيرة الذاتية تفرض على كاتبها أن يعترف، ويعترف لذاته بكل الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة حول مسار لم يكن يرغب فيه في بعض الأحيان. فكيف يمكن، إذن، طرد ذلك الشخص الذي كان بعيوبه وخصاله، بمغامراته وتجاوزاته؟ وفي الآن نفسه، ما هو الأسلوب الأنسب لاستحضار بعض مكونات حياته، واستجلاء حقائق معيش ما انفك يمضي ويحضر في الزمان الشخصي والاجتماعي؟
لا تلتقي الرغبة في البوح بما مضى، دائماً، مع هاجس الاعتراف بكل ما حصل، أي أنّ كتابة السيرة الذاتية يصعب إخضاعها لمنطق قراءة عقلانية صارمة، أو النظر إليها من زاوية اعتبارها تجهر بالحقيقة الصادقة والمحضة. إذ يتداخل فيها الواقع والرغبة، العقل والمخيلة، الإمكان والكبت… إلخ، توتر هائل يولد، دوماً، شعوراً ما بالنقص، حالات متجددة من النقص، على التذكر واستجماع المشاعر، على السرد والعثور على اللغة المطابقة… إلخ.
وإذا كانت السيرة الذاتية عبارة عن حكي استرجاعي نثري يتخذ شخص واقعي من وجوده الخاص موضوعاً له، حين يركز على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته بالتحديد، فإنّ هذا التعريف يطرح اعتبارات شكل اللغة والموضوع المطروق، ووضعية الكاتب ثم وقع السارد، أي أنّ هناك كتابات سير ـ ذاتية أو تحسب على هذا الجنس من الكتابة، لا تستجيب للمعايير التي يحدّدها هذا التعريف، أو لأحدها.
فالمذكرات أو السيرة الغيرية أو الرؤية الشخصية أو القصيدة الذاتية أو اليوميات الحميمية أو المحاولة الشخصية… إلخ قد تلبي بعض الشروط التي حددها التعريف، لكن السيرة ـ الذاتية، وحدها، هي التي توفر كل الشروط، ومنها أن يقدم نصها حالة من التماهي بين المؤلف، السارد والشخصية، تتمثل في استعمال الأنا المتكلم ذلك أنّ المؤلف ليس شخصاً عادياً، لأنّه ذات تكتب ـ أو تحكي ـ وتنشر كتابتها، أي تنقلها من الحيز الشخصي المحدد إلى المجال العام. فالمؤلف يتحدّد باعتباره شخصاً واقعياً، مسؤولاً اجتماعياً ومنتجاً لخطاب في الآن نفسه.
ومهما كانت أنماط «الميثاق السير ـ ذاتي» فإنّها في مجملها تظهر عناية خاصة بما يسميه فيليب لوجون بمسألة «التوقيع»، باعتبارها تجلياً لذاتية تتطلع إلى التجسد في نص محكي أو مكتوب، وإذا كانت الهوية، في هذا المجال، تتحدد في المؤلف والسارد والشخصية، فإنّ السارد والشخصية وجهان يحيلان على «داخل النص»، في حين أنّ المؤلف بوصفه مسؤولاً عن توقيعه، فإنّه، وبحكم «الميثاق الأوتوبيوغرافي» يحيل على ذات التلفظ.
يعمل النص السير ـ ذاتي على الرجوع بالمتلقي إلى زمن مضى. ويتخذ، بذلك، طابعاً «مرجعياً»، لأنّه يدعي تقديم معلومة حول «واقع» خارج عن النص، أي في وضعية يقبل فيها إخضاع ذاته إلى المراجعة. ولذلك فإنّ هدفه لا يتمثل في اتباع وجه الاحتمال بقدر ما تحرّكه الرغبة في المماثلة مع الحق. ليس فعل الواقع وإنّما صورته. أي أنّ كل النصوص المرجعية، ومن بينها أنماط الكتابة السير ـ ذاتية، تتضمن ما يسمّيه لوجون «ميثاقاً مرجعياً»، سواء كان ضمنياً أو صريحاً، لأنّ النص الأوتوبيوغرافي يحكي ما يعتبر صاحبه أنّه قادر، وحده، على تقديمه قياساً إلى نموذج ما. والنموذج، هنا، يحيله على الواقع الذي يسعى النص إلى التماثل معه.
هل يمكن القول بأنّ كتاب «الاعتبار» يكشف حياة صاحبه كما حكاها ونقلها، بوفاء، داخل ثنايا النص الذي يعرضه علينا؟ هل صحيح أنّ قوته المرجعية تسمح لنا باعتماده كوثيقة ترصد تفاصيل سيرة حياة، وتعكس أحداثاً تاريخية ترويها الذات الساردة؟
تتقاطع أنماط متعددة من الكتابة في «الاعتبار» السرد التاريخي والسيرة الذاتية، ومقاطع من سير الآخرين… إلخ، كما تتداخل اليوميات بالمذكرات أو الذكريات. يحكم التذكر متن «الاعتبار» من أوّله إلى آخره. وهو تذكر يأتي في أواخر حياة زاخرة بالتجارب واللقاءات والأسفار والمواجهات. ومن يكتب المذكرات لا بد من أن تفرض عليه ذاكرته عملية الانتقاء، حتّى ولو كان هدفه إلإعلام المتلقي بما كان شاهداً عليه من أحداث ووقائع. وهنا يواجه المرء مشكلة ليست بالهينة تتمثل في إمكانية التمييز بين ما يرجع إلى الذكرى وبين التخيل، بين النظر والواقع أمّا إذا كانت المذكرات تحيل على وقائع تاريخية حدثت فعلياً، فإنّ الرهان الذي يطرح، هنا، لا يتمثل في الأنا، بل في نظرة شخص التقى التاريخ في لحظة ما، وتشابك تاريخه الشخصي مع التاريخ التاريخي، أي التاريخ الكبير.
وفي هذه الحالة، سواء تعلق الأمر بسيرة ذاتية محضة أو بمذكرات، فإنّ «الميثاق الأوتوبيوغرافي»، بكل ما يفترضه من تعاقد معنوي بين المؤلف أو السارد، والمتلقي، يصير ميثاقاً للأصالة والصدق أكثر ممّا يستجيب لمعايير الحقيقة.
وحتّى لو احتوى كتاب «الاعتبار» معطيات تاريخية، بل وحسبته جمهرة كبيرة من المؤرخين أنّه يقدم مادة تصلح للكتابة التاريخية، فالواقع أنّ هذا النص هو «كتاب ذكريات استدعاها أسامة بعد حين من الدهر فرواها بتواريخها التي تثير الدهشة والإعجاب بدقتها وضبطها.
ثم إنّ أسامة لم يكن معنياً بكتابة تاريخية على طريقة المؤرخين الحولية ولم يقصد إلى ذلك وإنّما كان همّه منصبّاً على تسجيل ما مرّ به في حياته» (السامرائي في تقديمه لـ «الاعتبار»)، أي أنّ أسامة اتخذ من ذاته موضوعاً للمعرفة، وإطاراً لاستحضار وقائع كان فيها عنصراً مركزياً. وباستعراضه للتجارب التي عاشها مع الأصدقاء أو الخصوم والأعداء، مع المسلمين والإفرنج، وضع نفسه في محكمة الضمير الذي حركه لاستنكار ما مضى، ولإعادة التعرّف على الأحداث التي شاهدها أو كان شاهداً عليها أو شارك في صنعها.
فسرد فقرات كتاب «الاعتبار» يدخل، عند أسامة، في عملية رهان قاسية مع الذات، لأنّه التجأ إلى الرواية في وقت انهار فيه الجسد وعجزت فيه اليد عن الكتابة. وهو يقرّ بذلك بكثير من المرارة حين يقول: «فلما توقلت دورة التسعين وأبلاني مرّ الأيام والسنين صرت كجواد العلاف لا الجواد المتلاف ولصقت من الضعف بالأرض ودخل من الكبر بعضي في بعض. حتّى أنكرت نفسي وتحسّرت على أمسي» (الاعتبار).
تزامنت لحظة الحكي مع حالة من الوهن الجسدي، غير أنّ الذاكرة لم تفقد قوتها وحيويتها. وضعية شبه تراجيدية عاشها هذا الأمير الفارس الذي، وإن كان عميق الإيمان بالله وبالقدر، يأسف على الضعف الذي اكتسح جسده، ويتألم للعجز الذي شلّ أصابعه. فكيف، إذن، يمكن الاطمئنان إلى الطابع المرجعي لهذا النص في الوقت الذي رواه صاحبه وهو في حالة من «الانكسار» الوجداني؟ ألم يقع في إسقاطات ترفع من شأن ما مضى للتعويض عن العجز الحاضر؟
كيفما كانت أجوبتنا عن هذين السؤالين، فإنّ أسامة عمل على مواجهة الأنا المعيشة مع الأنا الحاضرة، وجعل ما كان مناسبة لإعادة التعرف، وأحياناً، لإعادة الفهم. لذلك جاء كتابه، أو روايته في «الاعتبار»، مبنية على تجارب سابقة ومغامرات سمحت للسارد باستحضار أفعاله وأفكاره وموقفه، وبإعادة صياغة أحكامه إزاء ذاته وإزاء الآخر. والذات في هذه الحالة تحيل أيضاً على متخيل اجتماعي يتقدم بوصفه واقعاً، لأنّه «يلتصق» به.
فقراءة المعيش، أو رواية بعض تفاصيله تفترض، دوماً، مراعاة أبعاد «خارجية» على النص الذي يعمل السارد بواسطته على إعادة التعرّف. ومهما كانت «فرادنية» الذات، فإنّها مورطة في إيقاع الجماعة، سيما وأنّ أسامة لا يتردد في تأطير تحركاته ضمن صيغ علائقية حتّى ولو أصرّ على استعمال ضمير المتكلم.
تداخل كبير بين الداخل والخارج، بين الذات والجماعة، وبين الماضي والحاضر. وكتاب «الاعتبار» بوصفه كتاباً مروياً، أي منسوخاً اعتماداً على سرد شفوي، بقدر ما يجعل من الماضي والتجربة الشخصية محور انشغالاته، يتخذ، في الآن نفسه، من الحاضر الزمن المعاصر للتلفظ والحكي، ويغدو الحاضر كأنّه حاضر تاريخي بكسر المسافة بين الأحداث وزمنيتها بسلوك أسامة خطاباً مباشراً حراً. يشعر القارئ كأنّ السارد ـ الذي يمثل الشخصية المركزية ـ يتحدث بصوت يمكننا سماعه، حتّى ولو أنّه تحول إلى نص مخطوط فلغة كتاب «الاعتبار» تختلف، بشكل كبير، عن لغة مؤلفات أسامة الأخرى، فهي «أقرب إلى لغة الكلام العامية الوسطى» (السامرائي). لا هي بلغة أدبية ولا بعامية، لكن الكتاب تضمن أخطاءً يرجح قاسم السمرائي أنّها ليست «من صنع أسامة نفسه… لعل أحد النساخ كان يملي من النسخة الأصل والآخر يكتب وكان المملي كثير الخطأ في القراءة والناسخ يكتب ما يسمع عنه» (السامرائي).
ما يهمنا، هنا، هو أنّ كتاب «الاعتبار» يمثل لحظة قوية في جرأة بعض الكتاب العرب على الجهر بذاتيتهم، وجعل الأنا، وإن تقدّمت بكيفية متشابكة مع الآخر، محور السرد و موضوع الحكي. ولأنّ أسامة لم يكن يهمّه الأسلوب والشكل والصيغ البلاغية في هذا الكتاب، فإنّ مضمون خطابه يمثّل الهاجس الأوّل والهدف الأساسي. وهو من أجل ذلك يكسر كل المسافات بين الماضي والحاضر، بين الأنا الفاعل والأنا السارد، بين الفرد والجماعة، وبين النحن والآخرين، ليقترح علينا نوعاً من اللقاء شبه الاحتفالي بين الأنا والناس والتاريخ.
إنّه يحكي عن تفاصيل حياته بقدر ما يتقدم كشاهد على المرحلة، بل وعلى المراحل المختلفة التي عاينها أسامة، نظراً للعمر الذي امتد به إلى ما ينيف على تسعين سنة، وواكب صراعاتها وحروبها وسياسييها ونخبها، مسلميها ونصاراها… إلخ. الأمر الذي جعل من كتاب «الاعتبار» نصاً يبوح بتفرد شخص نموذجي.
صور الافرنجي في كتاب الاعتبار
يتقدّم إلينا أسامة بن منقذ في «الاعتبار» بوصفه مسلماً، مؤمناً، متشبعاً بالقيم الكبرى للإسلام، وبأطره المعيارية الجوهرية في الوجود والسلوك والعلاقات. وعلى رغم نزوعه الإرادي البارز في الشجاعة والإقدام والحرب، قبل إقراره بالقدر وإذعانه لمنطق القضاء، يظهره، في بعض الأحيان، وكأنّه سجين موقف سلبي إزاء العالم. حتّى وإن أصرّ أسامة على الضمير المتكلم في روايته، فإنّ البُعد «الشخصاني» الواضح في تحركاته وعلاقاته يكشف عن إنسان ينتمي لمرجعية عقدية واجتماعية يتخذ منها أفقاً للنظر ومصدراً للفعل، فالله أوجد الخلق «أطواراً مختلفي الخلق والطبائع: الأبيض والأسود، والجميل والقبيح، والطويل والقصير، والقوي والضعيف، والشجاع والجبان بمقتضى حكمته وعموم قدرته» (الاعتبار). بل إنّ ما يحصل في الحياة غير مرتبط، بالضرورة، بإرادة الإنسان وحريته، أو بقرار ذاتي محض، لأنّ المسألة، في تصوّر أسامة، تتجاوز الشخص مهما كانت قدرته، وتتخطى إرادة القوة التي يمكن أن تصدر عن الجماعة. فالحياة والموت والانتصار والهزيمة «كل ذلك مقرون بما يجري به الأقدار والأقضية».
رجل انتزع لقب الفارس بسبب شجاعته وخوضه لحروب لا حصر لها ضد الأتراك والأعراب والإفرنج… إلخ، وعاش المراحل الأولى لاستنهاض فكرة الجهاد مع عماد الدين زنكي وابنه نور الدين، وعاصر التتويج الحاسم لهذه الفكرة مع طرد الصليبيين من القدس على يد صلاح الدين… إلخ. رجل من هذا الطراز والقدرة على الفعل في الحدث والزمن يستسلم في كتابه «الاعتبار» لنزعة غارقة في قدريتها، إذ «النصر في الحرب من الله تبارك وتعالى لا بترتيب وتدبير ولا بكثرة نفير ولا نصير».
للعامل التربوي، على ما يظهر، دور كبير في بناء الشخصية الإسلامية لأسامة. فهو سليل أسرة أمراء، عربية النسب ومسلمة، ولكنّه تأثّر أيّما تأثّر بأخلاقيات أبيه وورعه وشجاعته. يتحدث عن أبيه، باستمرار، بكثير من التقدير والاحترام. فهو النموذج والموجه والمرجع. يقول عنه إنّه كان «شغوفاً بالصيد لهجاً به وبجميع الجوارح، وما يستكثر ما يغرمه عليه لفرجته. فإنّه كان نزهته، فليس له شغل سوى الحرب وجهاد الإفرنج ونسخ كتاب الله عز وجل عند فراغه من أشغال أصحابه». الصيد والحرب والتزوّد المعرفي والصداقة مجالات كبرى استغرقت حياة والد أسامة. وفضلاً عن شغفه الخاص بالصيد «كان الوالد، رحمه الله، كثير المباشرة للحرب وفي بدنه جراح هائلة ومات على فراشه». وعلى رغم جراحه الكثيرة، كان له ميل لافت لنسخ القرآن. ويلاحظ أسامة أنّ أباه كان «يكتب خطاً مليحاً»، وكان «لا ينسخ سوى القرآن». وقبل وفاته كشف لعائلته «ختمات عدّة منها ختمة كبيرة كتبها بالذهب وكتب فيها علوم القرآن، قراءاته وغريبه وعربيته وناسخه ومنسوخه وتفسيره وسبب نزوله وفقهه، بالحبر والحمرة والزرقة »، وترجمة «بالتفسير الكبير»، وكتب ختمة أخرى بالذهب مجردة من التفسير، وباقي الختمات بالحبر مذهبة الأعشار والأخماس والآيات ورؤوس السور وروؤس الأجزاء.
لم تكن علاقة والد أسامة مع الصيد نفعية، لأنّ لعامل المتعة فيها دوراً محفزاً، كما إنّ إيمانه الديني لا يقتصر على احترام العبادات والمعاملات بقدر ما أعطاه بُعداً جمالياً من خلال النسخ أو التلاوة أمّا الحرب أو الجهاد فالمسألة عنده تدخل في نطاق الواجب الديني. قد يظهر أنّ الإشارة إلى شخصية أبيه غير ذات معنى، إلاّ أنّ إلحاح أسامة في كتابه «الاعتبار» على دور الأب وارتباطه العميق به يسمح لنا بالقول إنّ «العبر» التي يتحدث عنها في كتابه ويهدف تبليغها إلى الآخرين استمدّ كثيراً منها من مدرسة «الأب». لم يكن أباً عادياً، بل كان مرجعاً ومثالاً ونموذجاً في التربية والسلوك والواجب. وارتقت علاقتهما إلى درجة التمازج العميق إذ يقول أسامة في هذا السياق «وما رأيت الوالد، رحمه الله، نهاني عن قتال ولا ركوب خطر مع ما كان يرى فيَّ وأرى من إشفاقه وإيثاره لي».
هذا المناخ الأبوي الغالب على البيئة العامة التي تكون فيها أسامة ترك آثاراً عميقة على موقفه من العالم والحياة والأخلاق والعلاقات، فوعيه الإسلامي بالذات لعب الاب فيه دوراً حاسماً. كما انعكس ذلك، بقوّة، على موقفه من الآخر، ومن الإفرنجي بالتدقيق. استند وعي أسامة إلى نموذج معياري قوي يتمثل بعض تجلياته في النمط التصوري والسلوكي للأب. وأمّا مصدر كل ذلك فإنّما يعود إلى المرجعية القرآنية وأخلاقيات الصحابة. وفي حكمه على صدقية الناس في القتال، يعتبر أنّ من «الناس من يقاتل كما كان الصحابة، رضوان الله عليهم، يقاتلون للجنة لا لرغبة ولا لسمعة». ومن «الناس من يقاتل للوفاء»، فالفارق بين الرجال يظهر في الهمة والنخوة، وهي عبارة استمدّها من أبيه حيث قال له: «كل جيد من سائر الأجناس يظهر من الرديئ من جنسه ما يكون بقيمته، مثل حصان جيّد يسوى مئة دينار، خمس حصن رديئة تسوى مئة دينار، وكذلك أنواع الملبوس: إلاّ ابن آدم فإنّ ألف رجل أردياء لا يساوون رجلاً واحداً جيداً»، وينتهي مؤكداً: «وصدق رحمه الله».
حكمٌ كليٌ على الجنس البشري، تتمثل قيمة الذات الإنسانية في الهمة والنخوة والجودة، وصدقية الإنسان في المعدن المؤسس لشخصيته، في النوعية الخاصة التي يتفرد بها، وهو معيار ينطبق على جميع الأجناس. هذه النظرة الشمولية التي اقتبسها أسامة من أبيه ستوجه، إلى حد ما، تصوّره للآخر. فليس الدين هو أفق الرؤية الوحيد للحكم، لأنّ القيمة تتجاوز الانتماء العقائدي أو الثقافي أو العرقي، والجودة يمكن العثور عليها في كل الأديان والثقافات والأجناس.
وعلى رغم إقراره بالقضاء والقدر، ومن تقديره للأبعاد العاطفية في الحياة ولا سيما في ظروف الحرب والقتال، فهو مع ذلك، يمنح للعقل مكانة خاصة. ذلك أنّ «العقل هو الذي يحمل على الإقدام على السيوف والرماح والسهام أنفة من موقف الجبان وسوء الأحدوثة»، بل و«كل أمر لا يحضره العقل يظهر فيه الخطأ والزلل».
وأسامة حين يتعرض لهذه الاعتبارات ذات الطبيعة الفلسفية، فإنّه لا يقوم بذلك من موقع ادعاء التفلسف، أو الارتقاء بالنظرة إلى الأمور إلى مستوى فكري عالٍ. أسامة أديب وشاعر ومثقف ومتفقّه. وهو يتناول موضوعات فكرية لكن بأسلوب بسيط وكأنّه يعكس بعض الحكم العامة المتداولة أو نمطاً متوسطاً من الوعي. وبدل التعمق فيها نظرياً، فإنّه يفكر فيها بالمثال. والمثال له حضور طاغ في الإيقاع السردي لكتاب «الاعتبار». المهم، عند أسامة، هو أنّ «الإنسان أحوج إلى العقل من كل ما سواه، وهو محمود عند العاقل والجاهل».
لم يكن أسامة أميراً ينتمي لعائلة عريقة فحسب، أو فارساً اكتسب الشجاعة في الصيد والحرب فقط، وإنّما كان مسلماً يحمل نظرة كلية إلى الإنسان مهما كان اختلافه، ويحكمه توجّه عملي وواقعي للحياة وللفعل الإنساني. لهذا جاءت كتاباته، سواء شعراً أو نثراً، وكأنّها تصف الوقائع وترصد الأحداث وتقدّمها من خلال المثال. يتخلل ذلك أحكام ومواقف تعكس تصوّر أسامة لخلفيات وأبعاد الواقعة، إلاّ أنّ الطابع الحكائي له دور لافت.
لا يكف أسامة، في كتاب «الاعتبار»، عن تدبيج صيغة الشتم وآيات اللعنة للإفرنج، إذ نادراً ما تذكر لفظة إفرنج من دون إلصاق شتمية بها، من قبيل «الإفرنج خذلهم الله»، «الأفرنج لعنهم الله»… إلخ. لقاموس اللعنة حضور كثيف في الكتاب، ويأتي تصريفه في الجمل والفقرات التي تتعرض للإفرنج، وكأنّ توجيه الشتمية للآخر مسألة شبه بديهية. هو موجود ليلعن. هل للحرب والقتال دور في ذلك؟ بلا شك. غير أنّ اللعنة لا تنسحب من لغة أسامة حتّى وهو يتحدث عن مزاياهم وخصالهم الإيجابية وشجاعتهم.
ومعلوم أنّ كتاب «الاعتبار» لا يقتصر فيه أسامة على الحديث عن الإفرنج أو عن الحروب التي دارت معهم، بل إنّه يستعرض كل الحروب التي تمكن من المشاركة فيها أو كان شاهداً عليها، بين المسلمين أنفسهم داخل مساحة الشام التي تحوّلت إلى أمارات متفرقة يتنازع مصيرها أمراء وحكام لا يحركهم سوى التسلط والحكم والطموح الشخصي، وبين المذاهب الإسلامية، فضلاً عن الاختراق الصليبي الذي استوطن الأرض العربية وأسس ممالك وإمارات وعلى رأسها المملكة اللاتينية بالقدس، وبقي يتحرش بالأراضي العربية الأخرى طيلة قرنين. مساحة واسعة من الحروب والمعارك، سببها تناقضات الداخل واختراقات الخارج. مواجهات لا حصر لها كان أسامة شاهداً عليها، إذ يقول: «قد كان بين هذه الوقعات فترات شهدتُ فيها الحروب مع الكفار والمسلمين ما لا أحصيها».
يصعب فصل كتابات أسامة عن الظرفية السياسية والوجدانية العامة التي عمل كل من عماد الدين زنكي وابنه نور الدين على خلقها لإعادة بناء الذاتية الإسلامية، وإعادة الاعتبار لقيم الجهاد واسترداد ما انتزعه الصليبيون.
فكثير من قصائد أسامة يندرج ضمن تحفيز المسلمين على الجهاد، بل ومثّل عنصراً داعماً للعملية الدعائية العربية الإسلامية الواسعة لاستنهاض الطاقات المختلفة واستعادة الأراضي المقدسة، وأسامة لا يكتفي بالمساهمة في «التعبئة الأيديولوجية»، ضد الإفرنج، لأنّه يجمع الكلمة والفعل، وحين يتحدث عنهم فلأنّه يعرف بعض مظاهر حياتهم وخبرتهم في السلم والحرب. وهم، كما يقول «لعنهم الله، أكبر الناس احترازاً في الحرب»، بل إنّ فرسانهم يزرعون الخوف لدى المحاربين، شرسين في المعارك، معبئين ضد المسلمين إلى درجة ممارسة أبشع الأعمال وأكثرها همجية. ويؤكد أسامة ذلك حين يروي: «شاهدت من الطعنات العظيمة طعنة طعنها فارس من الإفرنج، خذلهم الله، فارساً من أجنادنا… قطع له ثلاثة أضلاع من جانبه اليسار وثلاثة أضلاع من جانبه الأيمن وضرب شفار الحربة مرفقه ففصله كما يفصل الجزار المفصل ومات لساعته».
لا ينكر أسامة عنف المسلمين مع الإفرنج، لكن شراسة هؤلاء لا تضاهى. ففي تصوّره هناك مسافة بين الشجاعة والهمجية، ويعتبر أنّ «الإفرنج، خذلهم الله، ما فيهم فضيلة من فضائل الناس سوى الشجاعة، ولا عندهم تقدمة ولا منزلة عالية إلاّ الفرسان، ولا عندهم ناس إلاّ الفرسان فهم أصحاب الرأي وهم أصحاب القضاء والحكم». يقرّ أسامة للفرسان بالشجاعة، وبدهائهم في الحرب، ولكنّها ليست الشجاعة المقرونة بالشهامة ونبل النفس. ذلك أنّ الإفرنجي حين يصادفه الانتصار لا يتورع عن التنكيل بالمسلم وممارسة أعمال همجية. فشجاعة الإفرنجي شجاعة متوحشة، ولذلك يقول: «سبحان الخالق البارئ إذا خبر الإنسان أمور الإفرنج سبح الله تعالى وقدسه، ورأى فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير، كما في البهائم فضيلة القوة والحمل».
لا يكتفي أسامة بإضفاء البهيمية على الإفرنج، بما في هذا الحكم القاسي من نفي للعقل عنهم، وأنّه يزيدهم صفات سلبية أخرى لا تقل انتقاصاً من شأنهم، وتتمثل في الخيانة والغدر. ومع أنّ أسامة في رواياته في كتاب «الاعتبار» يتناول هذه المواصفات بشيء من العقل البارد أحياناً، إلاّ أنّه يصوغ هذه الموضوعات شعرياً ببعض العنف.
لم تكن الحرب هي عنوان العلاقة الوحيد مع الإفرنج، فالمنطقة كانت تعرف تركيباً فسيفسائياً من الإمارات والممالك، من المسلمين (السنة والشيعة) والإفرنج. وكانت صفقات ومساومات ومعاهدات ومفاوضات تعقد بين هذه الإمارة أو تلك، وأحلاف تنظم بين إمارات إسلامية وأخرى إفرنجية ضد ممالك إسلامية أو إفرنجية. وبحكم الموقع المتميز الذي كانت تحتله إمارة «شيزر»، والمكانة الخاصة التي كانت تحتلها أسرة ابن منقذ، وبسبب التأثير البالغ الذي مارسه والد أسامة على شخصية ابنه، فإنّ والده وعمّه لعبا دور الوساطة في أكثر من صراع بين الأمراء والملوك، سواء من المسلمين أو الإفرنج. وكتاب «الاعتبار» يتعرض لأكثر من تدخل على هذا الصعيد. ولما كان الأمر كذلك، فإنّ أسامة بدوره لعب دور الوساطة لفض نزاعات كثيرة ولتسوية خلافات لا حصر لها، حتّى أصبح وسيطاً نافذاً بين المسلمين والإفرنج. ولعل عمليات الوساطة هي التي وفرت له بعض شروط التعرف على الإفرنج. وعلى رغم الأحكام السلبية التي يطلقها عليهم، فإنّ جدلية الصراع والتساكن فرضت عليه التعامل معهم. قام أسامة بعمليات وساطة كثيرة بهدف الصلح والتفاهم أو التحالف. ويقول: «كنت أتردد إلى ملك الإفرنج في الصلح بينه وبين جمال الدين محمد بن تاج الملوك رحمه الله ليد كانت للوالد، رحمه الله، على بغدوين الملك والد الملكة امرأة الملك ابن فلك». وتحول بعض العلاقات إلى صداقة، ولو أنّه مقتنع أشد الاقتناع بأنّهم «لعنهم الله، جنس ملعون لا يألفون لغير جنسهم». بل إنّه يعطي أدلة على استحالة تحقيق تمازج اجتماعي وثقافي بين الإفرنج والمسلمين بسبب الحاجز العقائدي، حتّى ولو تظاهروا بتبني الإسلام. ومن الأمثلة على ذلك أنّه «كان في أولئك الذين صاروا إلى دار والدي امرأة عجوز ومعها بنت لها امرأة شابة حسنة الخلقة وابن مشتد. فأسلم الابن وحسن إسلامه فيما يرى من صلاته وصومه. وتعلم الترخيم من مرخم كان يرخم دار والدي، فلما طال مقامه زوجه الوالد بامرأة من قوم صالحين وقام له بكل ما احتاجه لعرسه وبيته، فرزق منها ولدين وكبرا وصار لكل واحد منهما خمس ست سنين. والغلام راؤول أبوهما مسرور بهما، فأخذهما وأمهما وما في بيته وأصبح بافامية عند الإفرنج وتنصر هو وأولاده بعد الإسلام والصلاة والدين». وأسامة لم يكتف بسرد ما يعضد شكّه في استحالة اندماج ما بين المسلمين والإفرنج، وهو يأتي بمثال من المعيش العائلي، بل ينهي هذه القصة بدعوة تختزن شحنة انفعالية مثيرة حيث قال: «فالله تعالى يطهر الدنيا منهم».
وقد تبدو هذه الرغبة قاسية من فارس تميز بدرجة من التسامح والقدرة على التواصل مع الآخر. صحيح أنّ حكمه على الإفرنج فيه شيء من العنف، ابتداء من قاموس اللعنة ومروراً بشجاعتهم المتوحشة إلى عدم الاطمئنان إلى أخلاقياتهم الظاهرة، لكن الرغبة في تطهير الأرض منهم تعبر عن نزعة إقصائية دفينة قد تتعارض مع ما يصدر عن أسامة من سلوك مهادن إزاء الإفرنج.
وقد تبدو هذه الرغبة قاسية من فارس تميز بدرجة من التسامح والقدرة على التواصل مع الآخر. صحيح أنّ حكمه على الإفرنج فيه شيء من العنف، ابتداء من قاموس اللعنة ومروراً بشجاعتهم المتوحشة إلى عدم الاطمئنان إلى أخلاقياتهم الظاهرة، لكن الرغبة في تطهير الأرض منهم تعبر عن نزعة إقصائية دفينة قد تتعارض مع ما يصدر عن أسامة من سلوك مهادن إزاء الإفرنج.
والمفارقة أنّه مباشرة بعد القصة التي رواها للبرهنة على صعوبة الثقة في الإفرنج، يتعرض لعلاقة أخرى تسمح للمرء باستنتاج بُعد آخر في نسيج الروابط التي جمعته مع الإفرنج، ذلك أنّه «كان في معسكر الملك فلك بن فلك فارس محتشم إفرنجي قد وصل من بلادهم يحج ويعود، فأنس بي وصار ملازمي يدعوني «أخي» وبيننا المودة والمعاشرة. فلما عزم على التوجه في البحر إلى بلاه قال لي: يا أخي، أنا سائر إلى بلادي، وأريدك تنفذ معي ابنك ـ وكان ابني معي وهو ابن أربع عشرة سنة ـ إلى بلادي يبصر الفرسان ويتعلم العقل والفروسية، وإذا رجع كان مثل رجل عاقل. فطرق سمعي كلام ما يخرج من رأس عاقل، فإنذ ابني لو أسر ما بلغ به الأسر أكثر من رواحه إلى بلاد الإفرنج. فقلت: وحياتك هذا الذي كان في نفسي، لكن منعني من ذلك أن جدّته تحبّه وما تركته معي حتى استحلفتني أن أرده إليها. قال: وأمك تعيش؟ قلت: نعم. قال: لا تخالفها».
يتضمن هذا النص أكثر من مستوى في تحديد طبيعة العلاقة التي جمعت أسامة مع هذا «الإفرنجي المحتشم». فهو يخبر أنّ هذا الرجل جاء ليحج ويرجع إلى بلاده، أي أنّ وجوده، في كل الأحوال، وجود عابر، لكن ذلك لم يمنعهم من نسج روابط تميزت بـ «المودة والمعاشرة»، لدرجة أنّ الإفرنجي أصبح ينعته بـ «أخي». قد تكون لهذه اللفظة دلالة إنجيلية عادية، لكن أسامة أصرّ على استحضارها للتدليل على العلاقة «الأخوية» التي قامت بينهما. وحين عبّر ذلك الفارس عن رغبته في دعوة ابنه إلى بلاده لتعلم «الفروسية والعقل»، هنا انتفضت حمية أسامة واستنفرت فيه حصانته الثقافية خوفاً من زعزعة الأساس الثقافي الذي يؤسس هويته واختلافه في الوقت نفسه. فدعوة «الإفرنجي المحتشم» اتخذت طابع استفزاز لا يحتمل، لأنّه على رغم المودة التي جمعتهم، فهو لم يكن يتصور لحظة أنّ رغبة من هذا القبيل يمكن أن تصدر عن هذا الإفرنجي، لأنّ طبيعة العلاقة لا تسمح باستقبال هذه الدعوة، ولأنّ هذا الكلام، عند أسامة «لا يخرج من رأس عاقل». فهو يفضل أن يتعرض ولده للأسر وأن يحرم من حريته على أن يذهب إلى «بلاد الإفرنج». ومع أنّ الدعوة ولدت، في العمق، توتراً ثقافياً قوياً لدى أسامة، لدرجة أنّه نعت صاحبها بالخروج عن حدود العقلانية، فإنّه برّر رفضه بلباقة جعلت الآخر يطمئن لجوابه. فكيف يمكن تصوّر انتقال ابن أسامة إلى بلاد الإفرنج وهو مقتنع بأنّهم «جنس ملعون لا يألفون لغير جنسهم»؟
محمد نور الدين افاية
التعريف بأسامة بن منقذ([147])
بين الشام ومصر كانت حياة الشاعر الفارس أسامة بن منقذ. وهو واحد من فرسان بني منقذ المعدودين أصحاب قلعة شيزر ومن علمائهم وأدبائهم، وقد خلف أسامة ديواناً كبيراً في مجلدين، وعدداً من المصنفات الأدبية في فنون مختلفة.
وقد لمع اسم أسامة في زمن الحروب الصليبية، حيث تألقت شاعريته وعرفت فروسيتة وبطولته.
وفي أثناء غيابه عن بلدته شيزر أصابها زلزال قضى على جميع سكانها ولم يبق من آل منقذ إلاّ من قدّر له أن يكون بعيداً عنها، ويبكي أسامة أهله، وبلدته في قصيدة عامرة بالمشاعر الإنسانية والتوهج الشعري، والنفس الأسيانة، ويقول:
حمائم الأيك هيجتن أشجاناً
فليبك أصدقنا بثاً وأشجانا
ما وجد صادحة في كل شارقة
ترجع النوح في الأفنان ألحانا
كما و جدت على قومي تخوّفهم
ريب المنون ودهر طال ما خانا
إذا نهى الصبر دمعي عند ذكرهمو
قال الأسى: فض وجد سحاً وتهتانا
قالوا: تأسّ، وما قالوا بمن؟ وإذا
أفردت بالرزء ما انفك أسوانا
ما حدثتني بالسلوان بعدهمو
نفسي، ولا حان سلواني ولا آنا
وفاجأتهم من الأيام قارعة
سقتهمو بكؤوس الموت ذيفانا([148])
ماتوا جميعاً كرجع الطرف وانقرضوا
هل ما ترى تارك للعين إنسانا
لم يترك الدهر لي من بعد فقدهمو
قلباً أجشمه صبراً وسلوانا
فلو رأوني لقالوا: ما أسعدنا
وعاش للهم والأحزان أشقانا
لم يترك الموت منهم من يخبرني
عنهم، فيوضح ما لاقوه تبيانا
بادوا جميعاً، وما شادوا، فواعجبا
للخطب أهلك عمارا وعمانا
هذي قصورهمو صارت قبورهمو
كذاك كانوا بها من قبل سكانا
ويح الزلازل أفنت معشري، فإذا
ذكرتهم خلتني في القوم سكرانا
لم يحمهم حصنهم منها ولا رهبت
بأساً تناذره الأقران أزمانا
أتاهمو قدر لم ينجهم حذر
منه، وهل حذر منج لمن حانا
إن أقفرت «شيزر» منهم فهم جعلوا
منيع أسوارها بيضاً وخرصاناً([149])
همو حموها فلو شاهدتها وهمو
بها، لشاهدت آساداً وخفانا([150])
كانوا لمن خاف ظلماً أو سطا ملك
كهفاً، وللجارم المطلوب جيرانا
علوا بمجهدهمو سيف بن ذي يزن
كما علت شيزر في العز غمدانا([151])
تراهمو في الوغى أسداً ويوم ندى
غيثاً هتوناً، وفي الظلماء رهبانا
حاولت كتمان بثي بعد فقدهمو
فلم يطق قلبي المحزون كتمانا
كانوا سيوفي إذا نازلت حادثة
وجنتي([152]) حين ألقى الدهر عريانا
فكيف بالصبر لي عنهم وقد نظموا
دمعي لفقدهمو درا ومرجانا
وقال الكاتب المصري محمد مصطفى الماحي:
بنو منقذ ينتمون إلى أصل عربي كريم، يرجع إلى كنانة وينتهي إلى قحطان، وهم كما قال ابن خلكان: «أسرة مجيدة نشأ فيها رجال كبار كلهم فارس شجاع، وكلهم شاعر أديب، وكانوا ملوكاً في أطراف حلب».
وقال ياقوت في معجم الأدباء إنّ من بني منقذ جماعة أمراء شعراء كان أسامة أشعرهم وأشهرهم وقال العماد الأصفهاني إنّ أسامة كان كاسمه، في قوّة نثره ونظمه، يلوح من كلامه أمارة الإمارة، حلو المجالسة صالي المساجلة ندي الندي بماء الفكاهة.
أمّأ شيزر التي اشتهر بها بنو منقذ واشتهرت بهم، فهي على بُعد خمسة عشر ميلاً إلى الشمال من حماه، على ضفة نهر العاصي الغربية، فوق أكمة صخرية، وتعدّ من أقدم مدن سوريا، وردت في التاريخ منذ 1500 عام قبل الميلاد، وذكرها امرؤ القيس في شعره وفتحها العرب سنة 17 من الهجرة.
ولد أسامة بشيزر سنة 488 المقابلة لعام 1095، وهو العام الذي ألقى فيه البابا أوربانوس الثاني خطابه التاريخي المشهور الذي حرض فيه على أخذ بيت المقدس من المسلمين.
وتوفي أسامة بدمشق سنة 584 فعاش ستة وتسعين عاماً وبضعة أشهر بالحساب الهجري.
كان أسامة في الرابعة من عمره، حين استولى الصليبيون على بين المقدس، واستعيد قبل وفاة أسامة بعام واحد. فامتدّت حياة أسامة نحو قرن من الزمن تميز بأحداثه الجسام، وتمثلت فيه صورة صادقة من الفروسية العربية، ومن الصراع العنيف بين الغرب والشرق.
كانت أم أسامة تمتاز بالنخوة والشهامة، روى أسامة أنّها في إحدى الوقعات التي هوجمت فيها شيزر، فرقت السيوف للمدافعين عنها وجاءت إلى أخت له كبيرة السن فألبستها خفّها وإزارها وأجلستها على روشن في داره، يشرف على الوادي، وجلست بقربها حتّى إذا تغلب الأعداء دفعتها إلى الوادي فتراها قد ماتت، ولا تراها مأسورة، فشكرها أسامة وشكرتها أخته. ونصرهم الله وأبو أسامة كان كثير المباشرة للحرب وفي يديه جراح هائلة، وكان مغرماً بالصيد، يقضي نهاره في تلاوة القرآن والصيام، وليله في نسخ كتاب الله حتّى أتمّ نسخ ثلاث وأربعين ختمة.
وتولّى عم أسامة حكم شيزر حين تعفف أبوه عن الملك فشمل أسامة بعطفه ودربه على فنون الحرب.
ووهب الله أسامة قلباً جريئاً وشجاعة فائقة ونخوة عظيمة وكرماً بالغاً.
وصعد أسامة بسكين صغيرة على سلم إلى حية عظيمة، أخرجت رأسها وهي نائمة وبين وجهه وبينها دون الذراع، وجعل يحز رأسها، فخرجت والتفت على يده، إلى أن قطع رأسها وألقاها في الدار ميتة وأبوه ينظر إليه ولا ينهاه.
واشترك أسامة في الخامسة عشرة من عمره في صدّ غارة الإفرنج على شيزر وشهد كثيراً من الوقائع، وعاش حتّى شاهد مصرع الصليبيين ونصر المسلمين.
وزاول أسامة الصيد سبعين عاماً، وقاتل السباع في عدّة مواقف، وقتل عدّة منها ما شركه في قتلها أحد، عدا ما شاركه فيها غيره قال أسامة:
سأنفق مالي في اكتساب مكارم
أعيش بها بعد الممات مخلدا
وأسعى إلى الهيجاء لا أرهب الردى
ولا أتخشى عاملاً ومهندا
بكل فتى يلقى المنية باسماً
كأنّه له في الموت عيشاً مجددا
فإن نلت ما أرجو للمجد ثم لي
وإن مت خلفت الثناء المؤبدا
وخرج للصيد مع أبيه فقتل أسداً وحمله إلى البلد، فدخلت عليه جدّته ليلاً ولامته على المخاطرة بنفسه، وإثارة النفور منه في قلب عمّه؛ فقال لها إنّي أخاطر بنفسي لأتقرب إلى قلب عمّي، قالت له والله ما يقربك هذا وإنّه ليزيدك منه بُعداً، ويزيده منك وحشة ونفوراً.
ولقد صدقته النصح فإنّ عمه كان يرعاه وينشئه ليخلفه على ملك شيزر، حين لم يكن له ولد فلما ولد له ومات والد أسامة تنكر له عمّه، ثم أجلاه هو وإخوته عن شيزر وحكم ابن عمّه بعده فتنكر له كأبيه وبعث أسامة إليه قصيدة يعاتبه يقول فيها:
أطاع ما قاله الواشي وما هرفا
فعاد ينكر منّا كل ما عرفا
ملكته طائعاً قلباً تعسفه
وقلما يملك الأحرار من عسفا
لي منه ما ساءني من هجره وله
مني الرضا بقضاياه وإن جنفا
ألقاه بعد التصافي معرضاً حنقاً
وبعد إقباله بالود منحرفا
ويقول فيها:
صلوا فؤاداً إذا سكنت روعته
هفا ودمعاً إذا نهنهته وكفا
لكم هواي وإن جرتم وجوركم
مستحسن منكم لو لم يكن سرفا
لا تعجلوا بفراق سوف يدركنا
كفى بنا فرقة (ريب المنون) كفى
ولمّا خرج أسامة من شيزر سار إلى دمشق سنة 532 وظلّ بها إلى سنة 539 واتخذه الوزير معين الدين عوناً وناصحاً وأولاه ثقته وأشركه معه في سياسة الملك واستعان به في فك حصار جيوش عماد الدين زنكي لدمشق كما وفق أسامة بدهائه إلى استمالة رضوان وزير الخليفة الفاطمي وكان قد فرّ من القاهرة إلى جانب معين الدين. ثمّ ظهر منافس للوزير معين الدين فاضطرته السياسة إلى تقريب غير أسامة فشق على أسامة المقام بدمشق فانتقل إلى مصر وكتب إلى معين الدين يعاتبه ناحياً نحو المتنبي في عتابه لسيف الدولة فقال:
ولوا فلما رجونا عدلهم ظلموا
فليتهم حكموا فينا بما علموا
ما مرّ يوماً بفكري ما يريبهم
ولا سعت بي إلى ما ساءهم قدم
ولا أضعت لهم عهداً ولا اطلعت
على ودائعهم في صدري التهم
حفظت ما ضيعوا أغضيت حين جنوا
وفيت إذ غدروا واصلت إذ حرموا
محاسني منذ ملوني بأعينهم
قذى وذكري في آذانهم صمم
وبعد لو قيل لي ماذا تحب وما
تختار من زينة الدنيا لقلت هم
هم مجال الكرى من مقلتيّ ومن
قلبي محل المنى جاروا أو احترموا
تبدلوا بي ولا أبغي بهم بدلا
حسبي هم أنصفوا في الحكم أو ظلموا
عاش أسامة في مصر من سنة 539 إلى 549 مكرماً معززاً من الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله وأدرك بعده الخليفة الظافر واضطربت في ذلك العهد الأمور واشتد الخلاف بين الخلفاء والوزراء فعمّت الدسائس بلاط الخليفة حتّى قتل سنة 549 فاستنجدت أسرته بطلائع بن رزيك وإلى منية بن الخصيب فقدم لنجدتها فخرج الوزير عباس من مصر وألزم أسامة الخروج معه إلى دمشق ونسب إلى أسامة اشتراكه في هذه الاضطرابات.
وخرج الإفرنج عليهم فقتلوا الوزير ونجا أسامة وعبر وادي موسى حتّى وصل دمشق بعد أهوال ولما استقر به المقام كتب إلى الملك الصالح طلائع بن رزيك يسأله تسيير أهله في كتاب قال فيه:
اذكرهم الود إن صدوا وإن صدقوا
إن الكرام إذا استعطفتهم عطفوا
ولا ترد شافعاً إلاّ هواك لهم
كفاك ما اختبروا منه وما كشفوا
فارقتكم مكرهاً والقلب يخبرني
أن ليس لي عوض منكم ولا خلف
ولست أنكر ما يأتي الزمان به
كل الورى لرزايا دهرهم هدف
ولا أسفت لأمر فات مطلبه
لكن لفرقة من فارقته الأسف
فسير طلائع أهله إليه فنهبهم الإفرنج في الطريق وأذاقوهم العذاب وضاع كل ما حملوه من مصر ونكب أسامة من جميع ثروته وفي كتبه التي بلغت أربعة آلاف مجلد ولزمته الحسرة عليها وقال أسامة:
إلى الله أشكو فرقة رميت لها
جفوني وأذكت بالهموم ضميري
تمادت إلى أن لاذت النفس بالمنى
وطارت بها الأشواق كل مطير
فلما قضى الله اللقاء تعرضت
مساءة دهري في طريق سروري
آثر أسامة بعد أن تقدمت به السن وتوالت عليه النكبات أن يستجم في حصن كيفا وهي بلدة على دجلة شمال الموصل بإقليم ديار بكر وعكف مدّة إقامته بها على التأليف والدرس ووجد بمدينة أمّه القريبة من حصن كيفا من المكتبات الضخمة ما عوض عن كتبه. ثمّ عاد إلى دمشق سنة 570.
غير أنّ الدهر أبى إلاّ أن يعاند أسامة فقد أحسّ نبوة من صلاح الدين الأيوبي لعل سببها ما انتهى إليه من أنّه يرفد الشيعة ويصل فقراءهم ويظهر التقية.
الأعسميات
قصائد للشيخ عبد الحسين الأعسم في رثاء الحسين (عليه السلام).
الشيخ عبد الحسين الأعسم ولد في حدود سنة 1177هـ وتوفي سنة 1247هـ في النجف الأشرف.
كان فقيهاً أصولياً أديباً شاعراً مشهوراً له مراث في سيد الشهداء أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) منها قصائده التي على ترتيب حروف المعجم.
فمن ذلك قوله:
عرجا بي فهذه كربلاء
أبك فيها وقل مني البكاء
يا غريب الديار بنت عن الأو
طان تخدي عنها بك الانضاء
أين من كربلاء طيبة مثوا
ك ومثوى أهليك والبطحاء
أي كرب قاسيته وبلاء
عندها إذ جرى عليك القضاء
أي عذر بين الورى لعيون
قل منها على الحسين البكاء
ويح قوم جنت عليه واغرتـ
ـهم به الجاهلية الجهلاء
يا ابن بنت النبي غرتك بالكتـ
ـب علوج ضلت بها الآراء
أظهروا الود إذ دعوك فمذ وا
فيت وافتك منهم الشحناء
لم يجودوا عليك بالماء حتى
بخلت أرضهم به والسماء
بأبي طفلك الرضيع تلظى
عطشاً حين غيض عنك الماء
جئت مستسقياً به فسقته
منهم الحتف طعنة نجلاء
لهف نفسي على بناتك تستا
ق سبايا كما تساق الإماء
لهف نفسي على خليفتك السجـ
ـاد مسته بعدك الأسواء
لست أنساه في دمشق بحال
شمتت بازدرائها الأعداء
يا لها وقعة تجددها في
كل عام علي عاشوراء
تركتها مآتماً باقيات
أبد الدهر ما لهن انقضاء
ليس ينسى مولاي عبدك رزءاً
لك تنسى لعظمه الأرزاء
لك عندي ما عشت لاعج وجد
لم تبارحه عبرة حراء
ما استعرت البكا عليك أبي
الشماخ فيكم وأمي الخنساء
مستمر على رثائك لكن
ليس يشفي غليل قلبي الرثاء
أبشعري أفي رثاءك كلا
قصرت عن رثائك الشعراء
وقوله من قصيدة:
أما في هذه الدنيا نجيب
يساعدني على نوب تنوب
مصائب لا أنادي الصبر فيها
ولا ادعى إليه ولا أجيب
تناكر موقفي قومي كأني
غداة أصبت بينهم غريب
ألانت جانبي نكبات دهر
أشابتني وما حان المشيب
وقوله:
عز غيري فلست ممن يعزى
رب رزء عزاء باكيه عزا
كم تأوبتني بتقريع قلبي
عن مرام ترى به عنه عجزا
لم تجد فيه مطمعاً فاطو عنه
كلما أوجعته قرعاً وغمزا
ويح قلبي الشجي مما يعاني
من ملام الخلي نهسا وحزا
كم وددت الردى لراحة نفس
لم أزل من حياتها مشمئزا
أي عيش يهنا لمن بين جنبيه
لظى أزت الجوانح أزا
أضرمتها في القلب أرزاء أهل الـ
ـبيت إذ ليس مثلها قط أرزا
كم حقوق لآل أحمد بزت
بعدما ظن أنها لن تبزا
ونفوس تجرعت غصص الذل
وقد كان حقها أن تعزا
واختلتها أيدي الضغائن بالأسيـ
ـاف ضرباً وبالأسنة وخزا
واضيعت دماؤها بعدما أر
وت حضيضاً من كربلاء ونشزا
كم عرانين أرغمت لم تكن تر
غم إلاّ لله جل وعزا
ونحور عزت يعز على المخـ
ـتار بعد التئامها أن تحزا
وروؤس فوق القنا لولاة الأ
مر تدعى باسم الخوارج نبزا
بأبي أفتدي قتيلاً عليه
عزيت فاطم فلم تتعزا
واستذلت بقتله ملة الإسـ
ـلام من بعدما اكتست منه عزا
فليشق الإسلام ثوباً على من
كان كهفاً للمسلمين وحرزا
ويل قوم تخاذلوا عنه ما أشـ
ـنعها سبة عليهم وأخزى
كيف خانوا نبيهم في بنيه
أبهذا خير النبيين يجزى
لهف نفسي على الحسين فلا زا
ل فؤادي برزئه مستفزا
حسبوه يرضى بذل ويأبى
أن يعيش الأعز إلا أعزا
واستثاروا بقتل والده الكر
ار منهم عباد لات وعزى
فاستجارت منهم به بيضة الإسـ
ـلام إذ أوجست من الكفر وكزا
واعتلى طرفه بلامة حرب
لا ترى مثل طرزه العين طرزا
ودنا منهم وأوقرهم وعـ
ـظاً يسوم الرواسخ الشم هزا
فأصم الشقاء منهم قلوباً
حرزتها ضغائن الشرك حرزا
فانتضى عضبه وشد عليهم
شدة الليث في أضاميم معزى
كم أرتهم عيناه هائل فتك
وجدوا من نفوسهم عنه عجزا
لكن الخطب أحكمته المقاديـ
ـر ولن يقبل المقدر حجزا
يا لقوم لفادح جز من علـ
ـيا قريش نواصيا لن تجزا
واغتدت بعده أعزاء عدنا
ن أذلاء والأذلا أعزا
واستطالت إلى المغازي يدا من
طالما كان من مغازيه يعزى
وتسلت عنهم هاشم وانصا
عت معاني غزاتها الغلب معزى
أخذوا في ديارهم بعدما كا
نوا حماة الحمى حضوراً وغزى
يا ابن بنت النبي ما برحت أحـ
ـشاؤنا بادكار رزئك ترزى
لم تسكن غليلها عبرات
يحفز الثكل دمعها فيك حفزا
هجرت جزعاً عليك عزاها
ليس عن كل ميت يتعزى
أخلصتكم أشياعكم صفو ود
ذخرته لفاقة الحشر كنزا
لك عبد إذا شجته الخطايا
يتسلى بأنّه لك يعزى
حاشى للّه أنت تخيب أناس
تخذتكم مما تحاذر حرزا
وقوله:
سخوا للمعالي بالنفوس النفائس
كذا كل من يشري العلى لم يماكس
وفازوا بها في النشأتين نفائسا
كبت دونها أنفاس كل منافس
هي الرتبة القعساء جل مقامها
لدى الله أن ترقى لها كف لامس
بها ظفرت من ألزموا عزماتهم
حفاظ المعالي بابتذال النفائس
حدتهم إلى نصر ابن بنت نبيهم
حمية دين لم تشب بالدسائس
فهبوا إلى حرب تقاعس أسدها
تخالس طرفاً للردى غير ناعس
تهاوت عليهم خيلهم مشمعلة
كما استقبت للورد هيم الخوامس
وخاضعوا لظاها مستميتين لا ترى
عيونهم الفرسان غير فرائس
بأبيض مصقول الغرارين قاطع
واسمر مهزوز المعاطف مائس
وسابغة من نسج داود توجت
مغافرها بالبيض فوق القلانس
ضراغم غيل لم تهب رشق راجل
بنبل ولا ترتاع من طعن فارس
فللّه تلك الفتية ازدلفت لها
ثلاثون ألفاً بالضغون الفوارس
فأذكت عليهم نار حرب جلاهم
سناها جلاء الصبح دهم الحنادس
وحفت بمولاها تجدل دونه
أشاوس حرب أردفت بأشاوس
كفته عداه واغتدت مهجاتها
له جننا من نبلها المتكاوس
إلى أن فدته بالنفوس فلم يجد
مجيباً له غير العدو المخالس
بدا مخمداً ضوضاءهم بزئيره
عليهم فلم يسمع لهم صوت هامس
وأوقرهم وعظاً فلم يلف ملمسا
بهم فثنى عن وعظهم عطف آيس
ومبتهج في حومة الحرب حيث لا
يشاهد من أبطالها غير عابس
يشد على جيش الأعادي بصارم
أبى غمده إلاّ رقاب الفوارس
إلى أن جرى حتم القضا وترادفت
فوادح لم تخطر على بال حادس
مصائب لم نبرح لها عكفاً على
مواقف حزن اعولت ومجالس
فواظع زادتها الرواة فظاعة
وإن كان ما لم ينس معشار ما نسي
شجتنا فما ندري أتطوى ضلوعنا
على حرق من ذكرها أم مقابس
وخامس أصحاب الكسا ما خطت لهم
يد الفضل إلاّ جبرئيل بسادس
تمنت عداه خطمها لشهامة
له شحطت عنهم على ظهر شامس
ورامت لها الويلات إذعانه لها
فكيف تنال الشمس أيدي اللوامس
وهيهات أن يرضى الحسين بذلة
أبتها أصول زاكيات المغارس
فحلق عنها وامتطى صهوة الردى
يرى الذل أخزى وصمة في المعاطس
ويرسل من كوفان للشام رأسه
إلى فاجر في غمرة الكفر راكس
وتسبى إليه الفاطميات آلفا
تشفيه في تقريعها في المجالس
فلهفي على تلك الدماء فلم تزل
تلظى لها في القلب شعلة قابس
ولولا ترجي النفس طلعة ثائر
بها أنا من نصري له غير آيس
لما كنت أستبقي لها بعد رزئهم
حياة بها ضاقت علي منافسي
إلى أن يعز الله دين الهدى بمن
يجدد من آثاره كل دارس
ويخصب من ساحاته كل ممحل
ويورق من أغصانه كل يابس
يجب به عرق الضلال وتكتسي
به سروات الرشد أبهى الملابس
لوجهك يا ابن العسكري توجهت
هداياي يذكو عرفها في القراطس
فجد لي باستنشادها جدة الرضا
لدعبل باستنشاده لمدارس
وقوله:
هو الهوى مهما كتمته فشا
وكيف يخفى ما به الدمع وشى
شغفت حباً وتروم سلوة
هيهات أن يسلو مشغوف الحشا
تشكو تجني الهوى وهل ترى
من عاشق جرى هواه كيف شا
مستوحشاً بين أهاليك ومن
غيل لفقد من يحب استوحشا
روحي الفدا لنازح ما خطرت
بخاطري ذكراه إلا انتعشا
أرجو اقتراب وعده معللا
به فؤاداً لم يزل مشوشا
يا حبذا ساعة لقياه التي
لا يرتجي الدين سواها منعشا
قضيت عمري بين يوم نفضت
على ضحاه لوعتي دجى العشا
وليلة أسهرها كأنني
مساور خزر العيون الرقشا
أجهش فيها بالبكا لغدجرة
في الدين كل من وعاها أجهشا
خرط القتاد دون سلوها وإن
صرت بها لشوكة مفترشا
حتى نرى آخذ ثأرها سطا
من كل من أسسها مفتشا
لهفي ولا يشفي الجوى تلهفي
لمن بشاطي النهر ماتوا عطشا
لم أنس يوم جعجع العدا بهم
وأنزلوهم العراء الموحشا
تخاذلت عنه رعاياهم إلى
أن بلغت منه عداهم ما تشا
هنالك استل ابن حيدر الظبا
شهامة شب عليها مذ نشا
عاف الحياة والأبي الضيم لم
يطق بدار خيمة تعيشا
واختبر الناس ببذل نفسه
ولو يريد البطش فيهم بطشا
فهب للهيجا بجاش طامن
لم يكترث بالكون جاش أم جشا
شد على خميسهم كأنّه
ليث شرى شد على قطيع شا
تطاير النبل إليه لم يكد
يسلم عضو منه إلاّ خدشا
ومذ دنا حتم القضا أصماه من
قوس الشقا ذا شعب مريشا
فخر للأرض صريعاً لم يدع
حياً تعالى الله إلاّ اندهشا
ما أنسَ لا أنسَ ابن فاطم لقى
على الثرى الجيش عليه احتوشا
حتى قضى بالسيف عطشاناً ولم
يبرح ندى كفيه يروي العطشا
حنت عليه الفاطميات فكم
جيب لها شق ووجه خمشا
تجاوبت بالنوح لا تفتر عن
طول بكى أثر فيها العمشا
ويلي على من ثكلت رجالها
وكابدت ذاك المصاب المدهشا
تنظر منهم الرُؤُس أبدلن من
أجسامهم سمر الرماح الرعشا
وجثثا فوق الثرى ودت لها
تكون أحداق المعالي فرشا
أضحت مزاراً للوحوش بعدما
كان حماها يؤنس المستوحشا
يا آل بيت المصطفى حن لكم
مضنى بغير قربكم لن ينعشا
هام بكم فؤاده نشوان من
صفو هوى خامره حتى انتشا
لا أختشي ذنباً ولي فيكم رجا
أعظم ذنب معه لن يختشى
علت لكم نار القرى فرحبوا
بمن على نار قراكم عشا
فليس للجود محل غيركم
إن تقفوا يقف وإن تمشوا مشى
وقوله:
ما بال من أصفيته إخلاصي
غاليت فيه وجد في إرخاصي
أكذا وفا الأحباب يرجع خائباً
من وصلها الداني ويحظى القاصي
سيرد لي ما فات مني جاه من
لم تبق شمس ولاه ليل معاصي
من رد قرص الشمس جاه أبيه في
سغب نحيل الجود بالأقراص
وقضيت عمري في رثاه مؤملا
برثاه من شدد الذنوب خلاصي
أفدي قتيل الطف خير من اعتلى
أسراج خيل أو رحال قلاص
فزعت أمية إذ تطلع نحوهم
فزع الظباء بطلعة القناص
نصرته قوم أرخصوا أرواحهم
للدين والأرواح غير رخاص
فسموا بذلك رفعة كادوا بها
يطؤون هام النسر بالأخماص
وخطوا بأقصى كل مكرمة غدت
لهم أقاصيهن غير أقاصي
فلأي عذر ليت شعري تنتحي
من تدعيه بمنتهى الإخلاص
شقي ابن سعد واستبد بلعنة
شملت ذؤابتها أبا وقاص
نشبت بكلكله مخالبهم فلم
تمكنه منهم فرصة استخلاص
فحمى ذمار عياله بمهند
لم تحم منه سابغات دلاص
ويظل يفحص من ظماه طفلها
والهفتاه لطفلها الفحاص
جزت نواصيها العلى لمصيبة
لم تطف جذوتها بجز نواصي
حتى نرى ابن العسكري يقودها
شعثاً يطيع بهن كل معاصي
فلتخش صولته الأعادي ويلهم
أين المفر ولات حين مناص
وقوله:
إن يضق في اليوم بي رحب الفضا
فغداً يجري بما أهوى القضا
قرب الوعد الذي أرقبه
وانتهى التسويف فيه وانقضى
تتراءى لي سيوف طالما
أغمدت قد أوشكت أن تنتضى
أرتجيها طائر القلب متى
لمحت عيناي برقاً أومضا
ويح قلبي ما بقلبي كلما
نفض البرق رداه انتفضا
انقضت أيام عمري حسرة
غير مستوف بها لي غرضا
كم أقاسي بانتظاري لوعة
قلبت قلبي على جمر الغضا
ما صغت للعذل عنها أذني
صرح العاذل لي أم عرضا
ما يفيد العذل في مثلي وكم
عاذل أغرى وناه حرضا
لا أراني الله أسلو من له
موثقاً في عنقي لن ينقضا
سرنا الله بلقياه فكم
قد لقينا من نواه مضضا
طلت يا ليل النوى حتى متى
أترجى فجرك المعترضا
يا لقومي لتمادي غيبة
غادرتنا للرزايا غرضا
اورثتنا غللاً لم يشفها
غير صمصام الإله المنتضى
طالباً أوتار أهل البيت مِن
مَن أضاعوا فيهم ما افترضا
وقوله:
سليا بالحديث غير فؤادي
بم يسلو عن الورود الصادي
بين جنبي جذوة تتلظى
مهجتي فوق جمرها الوقاد
أين منها الخمود هيهات إلا
بلقا من لقاه أقصى مرادي
منية النفس إن نأى عن سواد العين
لم ينأ عن سويدا الفؤاد
لم يفز ناظري بلقياه حتى
في رقادي وأين مني رقادي
سهدتني صبابة غادرتني
مستهام الفؤاد في كل وادي
لم يجد مطمعاً بها العدل مهما
رام نقصانها طغت بازدياد
كيف أصغي لعاذل بعدما
أعطيت يمنى الغرام فضل قيادي
من لقلبي بان يفوز بمن يهواه
بعد التياعه بالبعاد
حبذا ساعة ألاقيه فيها
ما ألذ السلسال في قلب صادي
صاحبيَّ اشرحا بندبته صدري
أفتديه وطارفي وتلادي
خاتم الأوصيا لخاتم رسل الله
غوث الولي حتف المعادي
طال حمل النوى به فمتى يا
فرج الله ساعة الميلاد
أي يوم يشدو البشير بمن لم
يحل في غيره ترنم شادي
وتلاقي عيناي منه محيا
بين عينيه نور أحمد بادي
مصلتاً عضبه لإصلاح هذا الكون
بعد امتلائه بالفساد
غصبوكم حق الخلافة واغترو
بظل اغتصابها المتمادي
كم رزايا في كربلا كست
الإيمان أحزانها ثياب حداد
يوم ذل الإسلام وانتسفت
في أوجه المسلمين كثب رماد
وتبدت أمية تتقاضى
دينها من بني النبي الهادي
أدركت بالحسين ثارات بدر
وشفت منه سالف الأحقاد
عندما استفردته مستنجداً
بأساً كفاه من كثرة الأنجاد
خذلته قديمة الغدر حتّى أدركت
منه ما اشتهته الأعادي
طمعت فيه أن يسالم لكن دون
ضيم الأباة خرط القتاد
أتراه يعطي ابن آكلة الأكباد
كف المستسلم المنقاد
كيف يستسلم الحسين وينقاد
لضيم وهو الأبي القياد
ألخوف الردى وليس لديه
الموت إلا تهويمة عن سهاد
أم لحب الحياة بين من اختارت
عليه يزيد وابن زياد
حاشى لله أن يحوم على مرعى
أبته شهامة الأمجاد
فهناك اتكى على قائم السيف
ونادى فديته من منادي
أيها الصحب ليس للقوم قصد
غير قتلي فليغد من هو غادي
فأجادوا الجواب واخترطوا البيض
احتياجاً إلى جلاد الأعادي
وانثنوا للوغى غضاب أسود
عصفت في العدى بصرصر عاد
أوردوا البيض دونه من نجيع
الهام والسمر من دما الأكباد
حرسوه حتى احتسوا جرع الموت
ببيض الظبا وسمر الصعاد
حر قلبي عليه حين رآهم
كالأضاحي على الربى والوهاد
فبكى حسرة عليهم وناداهم
وأنى لهم بغوث المنادي
سمحوا بالنفوس في نصرة الدين
وأدوا في الله حق الجهاد
صرعتهم أيدي المنايا كراماً
والمنايا حبائل الآساد
فاغتدى السبط بعدهم غرضاً
للنبل واستكلبت عليه العوادي
فاستوى فوق ظهر مرتجز
الهادي وأرخى عنانه للطراد
مستطيلاً على خميس أعاديه
لديه الآلاف كالآحاد
يرهق الجيش وهو فرد ويروي
سيف من دماهم وهو صادي
يتلقى السهام طلق المحيا
كتلقيه أوجه الوفاد
مفرداً يصدم الجموع فتنصاع
عباديد كانتشار الجراد
كاد يفنيهم فلولا القضا لم
تحظ منه أمية بمراد
فانبرت نبلة إليه فأردته
صريعاً من فوق متن الجواد
ويح سهم أصمى فؤادك يا ابن
المصطفى ليت وقعه في فؤادي
يا لقومي لفادح فتت الأكباد
منا وفت في الأعضاد
ليس تطفي غليله أدمع العين
وإن فضن من خروق المزاد
أي نحر فرى وريديه شمر
أي رأس علاه فوق الصعاد
يتباهى بقتل من فرض الله
ولاه على جميع العباد
أيعلى على القنا رأس سبط
المصطفى نصب أعين الأشهاد
ويعرى على الثرى جسمه لا
بانتظار التجهيز والإلحاد
غسلته الدما وقلبه وطء
العوادي وكفنته البوادي
ويح خيل داست سنابكها
صدراً حوى ما حواه صدر الهادي
عقرت هل درت ما ارتكبت من
سبة سودت وجوه الجياد
بأبي سادة الورى أمناء الله
ضاقت بهم رحاب البلاد
وكراماً خصوا بما يكثر الحساد
أضحوا شماتة الحساد
ووجوهاً تجلو كروب البرايا
أصبحت مجمع الكروب الشداد
ونفوساً تخيرت قتلة العز
على العيش في اهتضام الأعادي
ونحوراً تطوقت بشفار البيض
خوف التطويق بالأقياد
ورؤوساً ركبن سمر العدا كي لا
يروها خواضع الأجياد
وأكفاً ودت تقطعها بالسيف
عن أن تغل بالأصفاد
وبنات لفاطم خفرات
هتكت بين أعين الأوغاد
يتجاوبن بالبكا ولَّه الأحشاء
بحَّ الأصوات غرثى صوادي
ورؤوس القتلى أمام السبايا
تتهادى على القنا المياد
ليت عيناً رنت لها بالتشفي
كحلت بالعمى وطول السهاد
بم تلقى النبي من اتخذت
ايام قتل ابنه من الأعياد
لك عندي ما عشت يا ابن
رسول اله حزن يفي بحق ودادي
ناظر بالدموع غير بخيل
وحشا بالسلو غير جواد
وقواف بهن أرثيك في نوحي
وإن لم يطفئن نار فؤادي
آل بيت النبي أنتم غياثي في
حياتي وعدتي لمعادي
ما تزودت للقيامة إلاّ
صفو ودي لكم وحسن اعتقادي
وقوله من قصيدة:
لاحت لعينك كربلاء فما الذي
ترجى له عبرات ناظرك القذي
ومنها:
ظميا بغير دموعها لا ترتوي
غرثى بغير عويلها لا تغتذي
ولرب نادبة أيا جداه قد
وقع الذي قد طال منه تعوذي
يا ابن الوصي وفاطم إن أجترح
ذنباً فحبك من ذنوبي منقذي
ما انفك عبدك عائذاً بولائكم
فكن المعاذ لعبدك المتعوذ
حسبي ولا يتكم فكم من هالك
لولا ولايته لكم لم ينقذ
وقوله من قصيدة:
لو كان سلوان قلبي عنك مقدوراً
ما كنت فيه بشرع الحب معذورا
ومنها:
تشفي بها غللاً تغلي مسيرة
إلى انتدابك منظوما ومنثورا
لا تشتهي النفس مسموعا سوى نبأ
عنها ولا تستلذ العين منظورا
ومنها:
فازت بنصرته للّه أسد شرى
كانت مخالبها البيض المباتيرا
ترتاح للحرب لا تدري بأنفسها
تلقى عدى أم تلاقي خردا حورا
للّه كم لهم من سطوة تركوا
بها ظهيرة ذاك اليوم ديجورا
وقوة حتى أبيدوا فاغتدى غرضا
للنبل من بعدما كانوا له سورا
هناك دمدم ثبت الجاش محتقرا
بشدة البأس هاتيك الجماهيرا
واستعظموه متى يهمز مطهمه
على كتائبهم فرت مذاعيرا
ينقض مختطفاً كبش الكتيبة من
ظهر الجواد اختطاف الباز عصفورا
يغشاهم فيخالون السما انطبقت
على الثرى أو غشت أطوادها القورا
لولا القضا كاد لا يبقي لآل أبي
سفيان في الارض ديارا ولا دورا
ومنها:
إن لم أحم برثائي حول قدركم
فلست أترك بالمعسور ميسورا
رجوت منكم وإن لم يرضكم عملي
عفواً يصافح وجه الذنب مغفورا
بكم وثقت فلن أخشى الذنوب إذا
غدت ولايتكم للذنب إكسيرا
عليكم صلوات الله دائمة ما دام
مجدكم في اللوح مسطورا
وقوله من قصيدة:
سفكت رجالهم دما فتيانهم
وبكت نساؤهم على فتياتها
أصبحت في الأعداء بين مروعة
هتكوا خباها بعد قتل حماتها
وسبية بين الخيام حيية
وضعت أناملها على وجناتها
ومنها:
وسقت أخاك السم سلماً بعدما
خذلته عند الحرب في وقفاتها
للّه جأشك ما أشد ثباته
في الحرب إذ أفردت في عرصاتها
للّه صحبك إذ وقوك بأنفس
بذلوا لنصرك في الوغى مهجاتها
طوبى لهم بلغوا التي حقت لهم
جنات عدن أسكنوا غرفاتها
يا رب ضاعف أجرهم وأبلغ بهم
أعلى المراتب رافعاً درجاتها
واغفر بحق دم الحسين لعبده
ولسامعي فقراته ورواتها
وله في رثائه:
نكثوا عهود ابن النبي وأحدثوا
لابن الدعي عهود من لا ينكث
بعثوا إليه كتباً فأتاهم
فتناكروه كأنهم لم يبعثوا
كم جرعوه بكربلاء مصائباً
شنعاء كل فم بهن يحدث
قدمت ودائم حزنها متجدد
فكأنّها في كل حين تحدث
أضحت لها الزهراء ثكلى وجهها
من شجوها بادي الكآبة أشعث
لهفي لمفترس الضياغم من الوغى
أضحى فريسة كل كلب يلهث
قصموا به ظهر العلاء ورضضوا
صدراً لعلم الغيب عنه تحدث
رفعوا له فوق العواسل طلعة
بضيائها للنيرين تثلث
بأبي كريمته الخضيبة بالدما
وعواصف الأرياح فيها تعبث
ومقيد يشكو العنا رقت له
أعداؤه من عظم ما يتغوث
ومخدرات ما أذيع حديثها
أضحت أحاديثاً لمن يتحدث
سبيت على عجف تعثر في السرى
يحدو بها مستعجل لا يلبث
تعساً لمن تسبى بنات نبيها
في أي عذر عنده تتشبث
الله أكبر يا لها من فجعة
في الدين عن أهل الفعيلة تورث
نقضوا مواثيق النبي وأحدثوا
من بعده في شرعه ما أحدثوا
قسماً بكم يا آل بيت محمد
ولتلك حلفة صادق لا يحنث
لمحضتكم ودي بلاعج لوعة
مكثت وسافح عبرة لا تمكث
إنّ البكاء على عظيم مصابكم
لشعار شيعتكم إلى أن يبعثوا
فازوا بأن علقت لهم بولائكم
أيد غدت بسواه لا تتشبث
وقوله من قصيدة:
سطوا فصدمت سطوتهم ببأس
خلجت به كماة الحرب خلجا
سقيتهم به أقداح حتف
بمنصلت يمج الحتف مجا
وكم هابتك منجدلا كماة
تقاعس عن لقائك حين تلجا
ومنها:
برغمي أن يشبوا نارهم في
خيام كن للمرتاع ملجا
وتقرع في دمشق يدا يزيد
بمحجنه ثنايا منكم فلجا
بنفسي والعزيز علي بدرا
له أمسى سنان الرمح برجا
تحف به رؤوس بني علي
تخال بعاكر الظلماء سرجا
بنفسي من قضوا لك ما عليهم
وأدوا فوق ما منهم يرجى
فدوك بأنفس وجدوا فناها
أحق من البقاء بها وأحجى
إليكم يا بني الزهرا التجائي
وما لي غيركم في الحشر ملجا
رجوت من الحسين نجاة عبد
له لم يتخذ إلاه منجى
بها لي ذمة منه أرجي
وفاه لي بها وهو المرجى
فجد مولاي لي بسلامتي من
خطاياكم ضللت بهن نهجا
ألج بها عليك فلا تخيب
رجا عبد على مولاه لجا
وقوله من قصيدة:
سقى جدثاً تحنو عليه صفائحه
غوادي الحيا مشمولة وروائحه
مررت به مستنشقاً طيبه الذي
تضوع من فياح طيبك فائحه
أقمت عليه شاكياً بتوجعي
تباريح حزن في الحشا لا تبارحه
بكيتهم في الطف حتى تبللت
مصارعه من أدمعي ومطارحه
تروي ثراها من دماكم فكيف لا
ترويه من منهل دمعي سوافحه
حقيق علينا أن ننوح بمأتم
بنات علي والبتول نوائحه
مصاب تذيب الصخر فجعة ذكره
فكيف بأهل البيت حلت فوادحه
فأضحوا أحاديثاً لباك وشامت
تماسي الورى تذكارها وتصابحه
مصائب خصتكم وعمت قلوبنا
بحزن على ما نالكم لا نبارحه
تداركتم بالأنفس الدين لم يقم
لواه بكم وإلا وأنتم ذبائحه
غداة تشفى الكفر منكم بموقف
أذلت رقاب المسلمين فضائحه
أقمتم ثلاثاً بالعراء وأردفت
عليكم برمضاء الهجير لوافحه
بنفسي أبي الضيم فرداً تزاحفت
دموع أعاديه عليه تكافحه
ومنها:
نواسيكم فيها بتشييد مأتم
يرن إلى يوم القيامة نائحه
عليكم صلاة الله ما دام فضلكم
على الناس أجلى من ضيا الشمس واضحه
وقوله من قصيدة:
مصارعهم في كربلا لا تهاونت
بسقياك أخلاف الغمام النواضخ
عشية ساموهم هواناً فنافرت
بهم شيم الصيد الأباة البواذخ
رأوا قتلهم في العز خيراً من البقا
أذلاء في أحشائها الهم راسخ
ومنها:
بنفسي غريب الدار لم يبق عنده
حميم يحامي عن حماه ولا أخ
أحاطت به الأعداء منفرداً ولا
ظهير له إلا نساء صوارخ
فدمدم ثبت الجاش دون خيامه
وماضيه من قاني دم الهام ناضخ
إلى أن هوى للأرض والتاح مهره
بفسطاطه واستقبلته الصوارخ
وجاشت عليهم العدا وتتابعت
رزايا بها كم سود الكتب ناسخ
علينا لها نصب المآتم دائباً
فلا دمعها يرقى ولا الوجد بائخ
فيا وقعة لم تبل إلا تجددت
وأحزانها بين الضلوع رواسخ
تولى يزيد عقدها بعدما بنت
دعائمها أسلافه والمشايخ
هي الفتنة العمياء أضرم نارها
على الدين في يوم «الفعيلة» نافخ
كستنا ثياب الحزن حتى ينضها
إمام ليافوخ الضلالة فاضخ
أغثنا به اللهم وانصر به الهدى
فما غيره للجور بالعدل ناسخ
أعلام القاصرين
في معرفة أصول الدين (كتاب)
تأليف الشيخ محمد تقي بن محمد علي ابن الشيخ حمزة الفشندي القزويني ولد سنة 1244 هجرية في قرية فشند وتوفي سنة 1330 من أعلام عصره وهذا الكتاب هو المجلد الخامس عشر من موسوعته المسماة بـ (ذخائر المحبين) في شرح ديوان أمير المؤمين (عليه السلام) يبحث في المقدمة عن الملائكة ثم في أصول الدين ثم في نبوة محمد بن عبدالله (عليه السلام) ويختم كلامه في الإمامة وقد فرغ من تأليفه في شهر جمادى الأولى سنة 1299 هجرية ونسخة الاصل بخط المؤلف من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور في قزوين ولم أجد ذكراً لهذا الكتاب في الفهارس وكما لم يقف عليه شيخنا الأستاذ الشيخ آغا بزرك الطهراني ولم يرد ذكره في الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
عبد الحسين الصالحي
الأغاني([153]*)
ـ1ـ
بعد أن استقر العرب في الدول التي نشروا فيها الإسلام، امتزجوا بأهل البلاد، وتبادلوا الثقافات والآداب، وظفروا من الأمم العريقة في الحضارة بنصيب كبير من زهرة الدنيا وزينتها، وبهجة الحياة ومتعتها، في المأكل والملبس، والمسكن والفراش، والزخارف والنقوش، والطرب والسماع، غير مقصرين في ثقافة، ولا عاجزين عن وصف ما نالوا وما أدركوا، في أساليب جميلة، وعبارات رشيقة وأبرز ما كان هذا كله في العصر العباسي الذي جنى ثمار الامتزاج والاختلاط بذوي الحضارات العريقة في كل اتجاه.
وللنغم الحلو قوة ساحرة تأخذ بالألباب، سواء أكان ذلك في بداوة أم في حضارة. وسواء أكان المغني من الإناث أم من الذكور. ويزيده روعة إذا اقترن بالجمال والشباب في مجالس تطيب أجواؤها وتتلألأ أضواؤها، وتهفو فيها النسمات عليلة، مضمخة بأريج الأزهار وعبيرها، ونفح العطور وذكائها.
ولكل جيل ألحانه، ولكل صقع أنغامه وطرائق إيقاعه على آلات اللهو والطرب، من ضرب على الأوتار، أو نقر بالدفوف، أو نفخ في المزامير. بين خفوت وارتفاع وامتداد وانقطاع. وهمس وجهر. وحدة ولين وآهات وأنين.
وقد وضعت لمجرى الأصابع على ثقوب الآلات وأوتارها قواعد يعرفها أهل الفن، سموها لحناً… وسموها صوتاً، وسموها «نغماً» وسجلناها على الورق في عهدنا الحاضر وسميناها باسمها الإفرنجي «نوتة موسيقية».
والغناء يكون في الشعر، لأنّ الشعر له أوزان منغمة، وقد تكون للشاعر حياة فيها أحداث. وقد تجري بسبب الشعر قصة، وربما وقع للمغني والمغنية ما يحكى ويروى، وربما حيكت حولهما أساطير ومأثورات، إلى غير ذلك من أقوال وأحاديث.
اختيار الأصوات
وللفراغ والرخاء الأثر الأوّل في البحث عن كل هذا، والعناية به وتتبعه، فليس عجيباً إذن من هارون الرشيد، وهو الذي يمثل عهده قمة الخيال والأحلام عند الشرق والغرب، أن يطلب من أعظم المغنين في عهده أن يختاروا له مائة صوت من بين الغناء كله.
ثمّ يجيء الخليفة العباسي الواثق بالله، وكانت له في الغناء صنعة، فيأمر أعظم المغنين في عهده إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن يختار له ما يرى أنّه أفضل ممّا كان اختير في عهد جدّه هارون.
أبو الفرج يؤلف فيها
ثمّ تمر الأعوام عشرات، ويجيء أبو الفرج الأصبهاني([154]) فيؤلف كتاباً يبلغ الغاية في الروعة، والنهاية في الإبداع.
وقل من لم يسمع بكتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني. بل ندر من لم يقرأ شيئاً من كتاب الأغاني، لأنّه حينئذ لا يكون له في الأدب الرفيع نصيب… وإنّ شهرة كتاب الأغاني من يوم أن ألف وحتّى يومنا ترددت في كل بلد عربي، وفي كثير من غير البلاد العربية، وسيظل اسمه متردداً ما دام على الأرض ناطق باللغة العربية، لا يخلو من قارئ له، أو ناقل عنه، أو سامع بعض ما جاء فيه.
ذلك أنّ صاحبه أبا الفرج أودعه من الأشعاء والأخبار، واللطائف والطرائف، ما لم يقع في كتاب مثله. صار غاية يسمو إليها كل مثقف، ويتطلع إليها كل أديب ومتأدب.
وما حمل أحد نفسه على قراءة بعض هذا الكتاب إلاّ شغف به حباً، وأكب عليه قراءة. وأوغل فيه استقصاء، ثمّ خرج من كل هذا بثروة واسعة في الثقافة واللغة والأسلوب الفني البليغ. أما القصص التي تتناثر في أثنائه، فتمتاز بحسن العرض، وجمال السبك، ودقة الملاحظة.
وكل أعلام الأدب ممن مضى ومن بقي وممن سيأتون يذكرون أو سيذكرون فضله عليهم في أساليبهم الممتازة وعباراتهم الرائقة.
كلام صاحب الأغاني عما فعل
ولندع صاحب الكتاب يعرض علينا بعض ما قاله عنه، مقدماً له، حاكياً عن نفسه وفعله.
«هذا كتاب ألّفه علي بن الحسين بن محمد القرشي، الكاتب المعروف بالأصبهاني وجمع فيه ما حضره وأمكنه جمعه، من الأغاني العربية قديمها وحديثها، ونسب كل ما ذكره منها إلى قائل شعره، وصانع لحنه، وطريقته من إيقاعه. ولم يستوعب كل ما غني به في هذا الكتاب، ولا أتى بجميعه، إذ كان قد أراد لذلك كتاباً مجرداً من الأخبار، ومحتوياً على جميع الغناء المتقدم والمتأخر، واعتمد في هذا الباب ـ على ما وجد لشاعره أو مغنيه، أو السبب الذي من أجله قيل الشعر، أو صنع اللحن ـ خبراً يستفاد ويحسن بذكره ذكر الصوت معه «على أقصر ما أمكنه، وأبعده من الحشو والتكثير بما تقل الفائدة فيه.
وأتى في كل فصل من ذلك بنتف تشاكله ولمع تليق به، وفقر إذا تأملها قارئها لم يزل متنقلاً بها من فائدة إلى مثلها، ومتصرفاً فيها بين جد وهزل، وآثار وأخبار، وسير وأشعار، متصلة بأيام العرب المشهورة وأخبارها المأثورة، وقصص الملوك في الجاهلية، والخلفاء في الإسلام، تجمل بالمتأدبين معرفتها، وتحتاج الأحادث إلى دراستها، ولا يرتفع من فوقهم من الكهول عن الاقتباس منها، إذ كانت منتخبة من غرر الأخبار، ومنتقاة من عيونها، ومأخوذة من مظانها، ومنقولة عن أهل الخبرة بها، فصدر كتابه هذا وبدأ فيه بذكر المائة الصوت المختارة لأمير المؤمنين الرشيد رحمه الله تعالى».
وبعد أن يذكر أنواع ما جاء به وما أضافه من الألحان يقول…
«وأتبع ذلك بأغاني الخلفاء وأولادهم، ثمّ سائر الغناء الذي عرف له قصة تستفاد وحديثاً يستحسن، إذ ليس لكل الأغاني خبر، ولا في كل ما له خبر فائدة، ولا لكل ما فيه بعض الفائدة رونق يروق الناظر ويلهي السامع».
كانت غايته الغناء وأصحابه
ولم يكن الهدف من تأليف الكتاب هو الشعراء، وإنّما الغاية من تأليفه ذكر الغناء والمغنين. والغناء يجري فيما قاله الشعراء، لهذا جاء ذكرهم تبعاً، لكن ما كتبه عنهم من أنساب وأخبار وطرائف، ومن نقد للشعر أو استحسان صيرهم بحيث يبدو للقارئ أنّهم هم المقصودون بالتأليف، مما جعل كتابه مرجعاً أدبياً وتاريخياً حافلاً، لا سيما أنّ طرائق الغناء المذكور استبهم بعض شرحها على طول الزمن، ووجدت بدلها أنواع وأشكال وفنون. وظلّت الأساليب الأدبية، والأوصاف الباهرة، والمعاني العميقة، والألفاظ الرشيقة، تتحدّى الزمن عذوبة وحلاوة، تقيم الألسنة وتيسر الصياغة البارعة لمن شاء.
وقد نبهنا إلى أنّه لم يصنفه أبواباً على طرائق الغناء، أو على طبقات المغنين في أزمانهم ومراتبهم، أو على ما غني به من شعر شاعر، وأنّه لم يستوف في الموضع كل ما قيل.
ثم بيَّن المانع من ذلك والباعث على ما فعل وأضاف إلى ذلك قوله:
«وكذلك تجري أخبار الشعراء فلو أتينا بما غني به في شعر شاعر منهم، ولم نجاوزه حتّى نفرغ منه، لجرى هذا المجرى. وكانت للنفس عنه نبوة، وللقلب منه ملة، وفي طباع البشر محبة الانتقال من شيء إلى شيء والاستراحة من معهود إلى مستجد وكل متنقل إليه أشهى إلى النفس من المنتقل عنه، والمنتظر أغلب على القلب من الموجود، وإذا كان هذا هكذا، فما رتبناه أحلى وأحسن، ليكون القارئ له بانتقاله من خبر إلى غيره، ومن قصة إلى سواها، ومن أخبار قديمة إلى محدثة، ومليك إلى سوقة، وجد إلى هزل، أنشط لقراءته، وأشهى لتصفح فنونه، لا سيما والذي ضمناه إياه أحسن جنسه. وصفو ما ألّف في بابه، ولباب ما جمع في معناه»…
طريقة الإسناد أساس في
طريقة الرسائل الجامعية
والحق أنّ الكتاب حافل بالأخبار والآثار التي لا تملها النفس. كل هذا يسوقه بطريقة السند إلى من كان أصلاً في النص المروي. أو الكتاب الذي نقل منه، فهو أمين فيما يسرد علينا.
والرسالات والأطروحات الحديثة التي تقدم في الجامعات لنيل الدرجات العلمية يحرص مؤلفوها على أن يذكروا في الهامش مراجعهم التي اعتمدوا عليها. وأخذوا منها ذاكرين بعد ذلك طبعتها و تاريخها ومؤلف الكتاب.
وما كان عمل الأقدمين الذين يسندون كل خبر أو حديث إلى قائله أو الكتاب المنقول عنه، إلاّ أساساً ودعائم، بنيت عليها نظم الرسائل والأطروحات الجامعية، لا فرق بين هذا وذاك، فكل من السابق واللاحق أمين في نقله، حريص على أن ينسب الفضل إلى ذويه، ويتبين مدى الجهد المبذول في البحث والاستقصاء وكثرة المراجع.
ويجد أكثر المتأدبين في عصرنا أنّ المشكلة التي يضيقون بها في مثل كتاب الأغاني هي كثرة الأسانيد «حدثنا فلان عن فلان…» وتعدد الرواية للخبر الواحد لاختلاف في ألفاظ أو لاختلاف أحد الرواة، وتلك كانت إحدى الميزات التي يعتز بها المؤلفون القدامى، ليوثقوا عملهم وليبرئوا أنفسهم مما قد يكون في الخبر من غرابة. والذين يعنون بالتمحيص والتدقيق يهمهم أن يعرفوا رواة الأخبار، بعد أن يعرفوا شيئاً من حياتهم، ومدى صدقهم وصلتهم بالأحداث، ومن هذا يستطيعون الحكم على النص ومدى الاستعداد لتقبله والرضا عنه.
والحق أنّ المشتغلين بالدراسات الأصلية، والباحثين وراء الخبر الصحيح، ينتفعون كل الانتفاع بذكر الرواة، لأنّ ذلك يرشدهم إلى المنبع الذي تسلسل عنه الخبر، وبعض الرواة له كتب طبعت في عهدنا أو ما تزال مخطوطة وتحتاج إلى تصحيح وتحقيق لسوء خطها، أو لنسيان حدث من ناسخها. فمثلاً لابن الكلبي كتاب في الأنساب ولابن سعد كتاب في التراجم يسمّى الطبقات ولابن سلام كتاب في طبقات الشعراء وللبلاذري كتاب اسمه أنساب الأشراف وكتاب اسمه فتوح البلدان وللزبير بن بكار كتاب في نسب قريش… وهكذا، وكل هؤلاء وغيرهم ممن لهم آثار، روى عنهم أبو الفرج الأصفهاني، أو نقل من كتبهم أو روى عمن روى عنهم.
ونستطيع بالرجوع إلى مؤلفاتهم أن نجد نصوصه التي ذكرها منطبقة على ما في كتبهم الخاصة بهم، وبهذا نتأكد من أن ما أثبته لم يكن أخباراً مفتعلة، ولا نصوصاً زائفة.
ولقد قال لي مرة أستاذنا الدكتور طه حسين إنّ أحب الأشياء إلى نفسه في مثل هذه الكتب تلك الأسانيد واختلاف رواياتها.
تراجمه وأشعاره
والتراجم التي في «الأغاني» تقرب من سبعمائة، لشعراء وشاعرات، ولمغنين ومغنيات، ولحروب وغزوات.
أما من نسب إليهم شعر فيه، سواء أترجم لهم أم لم يترجم فإنّهم لا يقلون عن ألف ومائتين.
والشعر الذي جاء فيه يتجاوز ثلاثين ألف بيت من الشعر، منه ما جاء مفرداً، أو مع بيت أو بيتين، ومنه ما جاء مقطوعات، ومنه ما جاء قصائد. ولا أقول هذا جزافاً. ذلك أنّي فهرست جميع الشعر الذي ورد في الأغاني كله. ذاكراً بحوره وأوزانه، كما فهرست جميع أسماء الشعراء الذين وردوا فيه، والصفحات والأجزاء التي جاء لهم فيها شعر كما فهرست الألحان المختارة التي بنى عليها أبو الفرج الأصفهاني كتابه. وللموضوعات التي جعل لها عناوين وترجم لها. وطبع هذا الفهرس في مجلدين، تجاوزت صفحاتهما ثمانمائة صفحة، نشرتهما دار الثقافة ببيروت. وكان في العزم إكمال الفهرست لجميع ما جاء في أجزاء الكتاب، حتّى يجدها المراجع دون عناء، من أحاديث وأمثال، وطرائف ولغة ونوادر… ولكن الناشر قصر فيما يحتاج إليه العمل، واكتفى بأن ينشر المجلدين المذكورين على زعم أنّهما يحويان كل الفهارس.
مطبوعاته
طبع كتاب الأغاني في مطبعة بولاق بالقاهرة في سنة 1285 هجرية 1868م في عشرين جزءاً. وكان الاعتماد في طبعه على نسخة خطية غير وافية ولا سليمة. زادها سوءاً أنّ الكلمات كانت من غير ضبط، والكلام بدون علامات الترقيم.
وجاء المستشرق رودلف برونو الأميركي الجنسية، والألماني الأصل (المولود 1858 والمتوفى 1917) فراجع التراجم الموجودة في العشرين جزءاً، وذلك على مخطوطات للأغاني وجدها في ألمانيا في مدينة ميونخ. ووجد بعض التراجم والأخبار لم تذكر في طبعة بولاق. فجمع ما وجده، ورتبه ترتيباً هجائياً، وطبعه في جزء واحد، سمّاه الجزء الواحد والعشرين، وما زال بعض الناس يحسبون أنّ هذا الجزء هو مجلد مستقل من أغاني أبي الفرج الأصفهاني، وأنّه كان مفقوداً فوجد، وأنّه كان آخر أجزائه، في حين أنّه أشتات متفرقة في عدّة مواضع من مخطوطات.
وجاء المستشرق الإيطالي جويدي (1844 ـ 1935) فعمل فهرساً لطبعة بولاق والجزء الواحد والعشرين، وطبع هذا الجزء باسم «جداول الأغاني» وهو في الحق كان نافعاً أشد النفع، على الرغم مما جاء فيه من خطأ وتوهم ونقص، تبعاً لنقص الأصل الذي اعتمد عليه.
وفي سنة 1323هـ ـ 1905م طبع كتاب الأغاني في مطبعة التقدم، نقلاً عن طبعة بولاق والجزء الواحد والعشرين. وألحق بهذه الطبعة فهارس مترجمة عن فهرس المستشرق الإيطالي جويدي واشتهرت باسم «طبعة الساسي» لأنّه ناشرها.
وفي سنة 1925 دفعت الأريحية أحد الكرام الأجلاء المقدرين للعلم والأدب، وهو المرحوم السيد علي راتب، بالقاهرة فوجَّه خطاباً إلى وزير المعارف إذ ذاك يعلن تبرعه لإعادة طبع الأغاني ليخرج الكتاب في عناية وإتقان. ولقي معروفه أحسن القبول. وبدأت دار الكتب في إصدار هذا الكتاب، محققاً بعناية، ومراجعاً على عدة مخطوطات، مع ضبط وشرح وفي أحسن إخراج، وبفهارس وافية في آخر كل جزء على حدة، حدث في بعضها نقص، لنقص في كفاية القائمين بها، أو عدم التدقيق في القراءة.
وكان في دار الكتب قسم يسمّى القسم الأدبي، كان يضم خيرة المشتغلين بالآداب، لكن هذا القسم ما زال يصاب بالضآلة والنقص. فأخذ كتاب الأغاني يضعف في إخراجه، ويتباعد زمن صدوره، حتّى طال عليه الأمد، وكان إلى سنة 1950 لم يصدر منه إلاّ أحد عشر جزءاً تقريباً تعادل حوالي عشرة أجزاء من طبعة بولاق، في مدّة بلغت خمساً وعشرين سنة. على الرغم مما تحويه الدار من المراجع والمخطوطات التي لا تحصى والتي لا تتيسر للمشتغلين بالتحقيق بتمامها.
وأيضاً على الرغم من أنّ كتاب الأغاني الذي كانت تطبعه يجد إقبالاً منقطع النظير، وطلبات من مختلف الجهات.
لكن ما أصابه القسم الأدبي بدار الكتب من تقصير وقصور، وما تنازعه من أفكار متضاربة، قضى عليه، وانتقل النشر من دار الكتب إلى اختصاص غيرها، وإن كانت الطباعة ما تزال تجري بمطابعها. وحتّى الآن صدر من الأغاني طبعة دار الكتب سبعة عشر جزءاً، وبقي ما لا يقل عن ثمانية إذا ساروا على تقسيمهم السابق.
وطبعات أخرى
وبطء إخراج الأغاني الشديد، وتباعد الزمن بين كل جزء والتالي له بمعدل جزء كل ثلاثة أعوام، جعل الناشرين تجارياً يغتنمونها فرصة، فيطبعونه معتمدين في الأجزاء الأولى على ما طبعته دار الكتب، ثم يتعثرون في باقيه. وهناك عدّة أشخاص في مخطوطات الأغاني خلت منها الطبعات السابقة، ولم يذكرها المستشرق رودلف برونو، مثل أبي حشيشة الطنبوري، والحسن بن وهب، ومسلم بن الوليد، وعنان جارية الناطفي. إلى كثير من الزيادات في التراجم ناقصة. ومن عمل على نشره دار الفكر، ودار مكتبة الحياة ببيروت، ثم دار الثقافة ببيروت أيضاً، وقد طلبت مني هذه الدار حوالي سنة 1958 تحقيق الأجزاء الباقية من الأغاني، والتي كانت بعد الرابع عشر من طبعة دار الكتب، فسبقت إلى تحقيق الخامس عشر والسادس عشر… حتّى وصلت إلى نهاية الكتاب، فبلغ ثلاثة وعشرين جزءاً، معتمداً في ذلك على مخطوطات مختلفة، وأضفت الزيادات الموجودة بها من تراجم وأخبار في الأقسام الباقية، ثمّ أضفت إلى ذلك كله الفهرس في جزأين وسبق الكلام عليهما، فصار الكتاب خمسة وعشرين جزءاً، على أنّ اهتمام الناشر بأن يكمل الكتاب جعله ينقل طباعته إلى بيروت، ولم يرسل التجارب النهائية إليّ لأعتمد طبعها، فجاء الجزء الواحد والعشرون من هذه الطبعة مختلاً كل الاختلال في تحريفه، وسقوط بعض كلماته، وجمله، مع تغيير في ضبطه مما يقع من جامعي الحروف، دون الاعتماد على الأصول المحققة التي سلمتها إلى الناشر. على أنّي لا أظلمه، فقد كان حريصاً على أن يكون إنتاجه سليماً، وكما بلغني أسند مهمة التصحيح في بيروت إلى أحد الذين ظنّ فيهم الثقة، والمطبعة ليست ملكاً للناشر، فكان هذا الذي أسند إليه التصحيح يوقع على التجربة دون قراءتها، مستحلاً أن يأخذ أجراً من الناشر دون عمل. بل مع إساءة بالغة إلى الأدب والأدباء ولقد أرسلت إلى صاحب دار الثقافة متبرئاً من هذا الجزء طالباً إليه أن يعيد طبعه صحيحاً. ولكنه كما قال لي في بعض المناسبات إنّه رجل تاجر.
سقت هذه تبياناً للقراء، حتى يعرفوا المطبوعات و ما فيها، ولكي يكون الكلام عن الأغاني وافياً.
ومن عهد قديم بدأ الاختصار لكتاب الأغاني، والتخير لرواية واحدة، من الروايات المتعددة للخبر الواحد، مع حذف رجال السند.
وأهم مختصر له هو ابن منظور صاحب لسان العرب، فقد حذف الأسانيد، ورتبه ترتيباً هجائياً، ولكن ليس بالدقة التي ترتب بها الأعلام في الحرف الواحد، والمهم عنده أنّه أورد أولاً كل ما بدأ بحرف الهمزة، مراعياً أنّ ما سبق أوّلاً في الكتاب يجيء أوّلاً، فمثلاً الأحوص يتقدم في الترتيب في مختصره على أبان اللاحقي، ذلك أنّ الأحوص أسبق في أجزاء الأغاني التي عملها أبو الفرج الأصفهاني. والمهم عند ابن منظور أنّ كلاًّ منهما يبدأ بحرف الهمزة. وهكذا يفعل فيما أوّله باء، وفيما أوّله تاء إلى آخر التراجم.
وسمّي هذا الكتاب «مختار الأغاني الكبير» طبع في القاهرة محققاً. والأصل في مكافآت المحققين قدّمه السيد حسن الشربتلي إلى أستاذنا الدكتور طه حسين بإذن مصرفي قدره عشرة آلاف جنيه مبيحاً له حرية التصرف فيه، فقدّمه أستاذنا الدكتور طه حسين إلى الجامعة العربية لتتولى دفع المكافآت لمن يسند إليهم تحقيق الكتب التي تستحق النشر بإشراف منه وتوجيه.
وطبع أيضاً طبعة أخرى محققاً على نفقة الأمير علي آل ثاني حاكم قطر السابق.
ومن المعاصرين لابن منظور أديب اسمه محمد بن سالم المعروف بابن واصل الحموي المتوفى سنة سبع وتسعين وستمائة، وقد اختصر أيضاً كتاب الأغاني، ولكنه جعله على النظام الذي سار عليه أبو الفرج الأصفهاني، بدون ترتيب على حروف الهجاء غير أنّه حذف بعض التراجم وكثيراً من النصوص.
وطبع هذا المختصر بالقاهرة، واسمه «تجريد الأغاني» بتحقيق أستاذنا الدكتور طه حسين والأستاذ إبراهيم الأبياري.
والمهم في «مختار الأغاني» لابن منظور و«تجريد الأغاني» لابن واصل الحموي أنّهما بأسلوب أبي الفرج نفسه دون تغيير ما عدا الاختصار الذي أجرياه فيه.
ومن الذين رتبوا الأغاني بعد طبعه في مطبعة بولاق الأستاذ محمد الخضري، وكانت طريقته سقيمة ومتعبة في الاختصار والترتيب، إذ رتب الشعراء على القبائل العربية التي تنتمي إليها نسباً أو ولاء. فإذا كنت تعرف قبيلة الشاعر ربما عثرت عليه بسهولة، وإلاّ فعليك أن تقلب جميع الأجزاء التي طبعت وهي على ما أذكر تسعة، هذا إلى أنّه لم يضبط شعره ولا أعلامه، وحذف منه ما رأى أنّه لا يليق، وهذا تصرّف غريب. ثمّ إنّه لم يذكر المغنين والمغنيات على أمل أن يفرد لهم أجزاء مستقلة، و سمّى كتابه «مهذب الأغاني» والحق يقال إنّ بعض الأدباء سخروا من الكتاب فسمّوه «مهزئ الأغاني».
نموذج ممّا روى
ونذكر للقارئ قصة ممّا ساقه في كتابه بأسلوب غاية في القوة والسلاسة([155]).
«أخبرني محمد بن يزيد عن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، عن سياط قال:
حدّثني يونس الكاتب قال:
كان معبد قد علم جارية من جواري الحجاز الغناء، ثمّ ملكها رجل من أهل الأهواز، فأعجب بها، وذهبت به كل مذهب، وغلبت عليه. ثمّ ماتت، وأخذت جواريه أكثر غنائهن عنها، فكان لمحبته إيّاها وأسفه عليها لا يزال يسأل عن أخبار معبد وأين مستقره، ويظهر التعصب له والميل إليه، والتقديم لغنائه على سائر أغاني أهل عصره، إلى أن عرف ذلك عنه، وبلغ معبداً خبره. فخرج من مكة حتّى أتى البصرة، فلمّا وردها صادف الرجل وقد خرج عنها في ذلك اليوم إلى الأهواز فاكترى سفينة. وجاء معبد يلتمس سفينة ينحدر فيها إلى الأهواز، فلم يجد غير سفينة الرجل، وليس يعرف أحد منهما صاحبه، فأمر الرجل الملاح أن يجلسه معه في مؤخرة السفينة ففعل، وانحدروا. فلما صاروا في فم نهر الأبلة تغدو وشربوا، وأمر جواريه فغنين، ومعبد ساكت، وهو في ثياب السفر، إلى أن غنت إحدى الجواري في شعر للنابغة (واللحن الغنائي فيه لمعبد). فلم تجد أداءه، فصاح بها معبد: يا جارية، إنّ غناءك هذا ليس بمستقيم، فقال له مولاها وقد غضب: وأنت ما يدريك بالغناء ما هو؟ ألا تمسك وتلزم شأنك؟ فأمسك. ثمّ غنت أصواتاً من غناء غيره وهو ساكت لا يتكلم حتّى غنت في شعر لعبد الرحمن بن أبي بكر، (واللحن فيه من صنعة معبد)، فأخلت ببعضه فقال لها معبد: يا جارية لقد أخللت بهذا الصوت إخلالاً شديداً. فغضب الرجل وقال له ويلك. ما أنت والغناء؟ ألا تكف عن هذا القول؟
فأمسك معبد عن الكلام. وغنت الجواري مدّة، ثمّ غنّت الجارية في شعر لكثير عزة (واللحن لمعبد) فلم تحسن الأداء. فقال لها معبد: يا هذه أما تقوين على أداء صوت واحد؟ فغضب الرجل وقال له: ما أراك تدع الفضول بوجه ولا حيلة، وأقسم بالله لئن عاودت لأخرجنك من السفينة. فأمسك معبد. حتّى إذا سكتت الجواري سكتة اندفع يغني الصوت الأوّل حتّى فرغ منه فصاحت الجواري: أحسنت والله يا رجل، فأعده. فقال: لا والله، ولا كرامة. ثم اندفع يغني الثاني فقلن لسيدهن: ويحك، هذا والله أحسن الناس غناء، فاسأله أن يعيده علينا ولو مرة واحدة، لعلنا نأخذه عنه. فإنّه إن فاتنا لم نجد مثله أبداً. فقال: قد سمعتن سوء ردّه عليكن، وأنا خائف مثله منه، وقد أسلفناه الإساءة، فاصبرن حتّى نداريه. ثمّ غنّى الصوت الثالث، فزلزل عليهن الأرض. فوثب الرجل فخرج إليه وقبّل رأسه وقال: يا سيدي أخطأنا عليك ولم نعرف موضعك (أي قدرك) فقال له: فهبك لم تعرف موضعي، قد كان ينبغي لك أن تتثبت ولا تسرع إليّ بسوء العشرة وجفاء القول. فقال له: لقد أخطأت وأنا أعتذر إليك مما جرى، وأسألك أن تنزل إليّ وتختلط بي، فقال: أما الآن فلا. فلم يزل يرفق به حتّى نزل إليه. فقال له الرجل: ممن أخذت هذا الغناء؟ قال: من بعض أهل الحجاز، فمن أين أخذه جواريك؟ فقال: أخذته من جارية كانت لي، ابتاعها رجل من أهل البصرة من مكة، وقد كانت أخذت عن أبي عباد معبد، وعني بتخريجها، فكانت تحل مني محل الروح من الجسد، ثمّ استأثر الله عز وجل بها. وبقي هؤلاء الجواري وهن من تعليمها، فأنا إلى الآن أتعصب لمعبد، وأفضله على المغنين جميعاً، وأفضل صنعته على كل صنعة. فقال له معبد: أو أنك لأنت هو، أفتعرفني؟ قال: لا، قال: فصك معبد بيده صلعته ـ أي ضرب بيده على رأسه الأصلع ـ ثم قال: فأنا والله معبد، وإليك قدمت من الحجاز، ووافيت البصرة ساعة نزلت السفينة لأقصدك بالأهواز. والله لا قصرت في جواريك هؤلاء، ولأجعلن لك لكل واحدة منهم خلفاً من الماضية.
فأكب الرجل والجواري على يديه ورجليه يقبلونها ويقولون: كتمتنا نفسك طول هذا حتّى جفوناك في المخاطبة، وأسأنا عشرتك، وأنت سيدنا ومن نتمنى على الله أن نلقاه».
ثمّ أكرمه وأتحفه وأهدى إليه وانحدر معه إلى الأهواز، فأقام عنده حتّى رضي حذق جواريه وما أخذته عنه، ثمّ ودعه وانصرف إلى الحجاز.
رموز، ومحاولات حلها
أما المصطلحات التي وضعها أبو الفرج ليبين طريقة المغني في تناول هذا الشعر، من أمثال قوله: «خفيف رمل بالبنصر» أو قوله: «ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر» أو قوله «خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى».
فإنّ محاولات جرت لرسمها على الطريقة الحديثة، وممن فعل ذلك «الدكتور الحفني». وله في ذلك بعض المؤلفات. كما حاول شرحها بعض الأوروبيين، ونجد في مجلة المجمع العلمي العراقي بحثاً مطولاً عنها. وهذا كله يعني أهل الفن الموسيقي والمغنين. أمّا الذي يعنينا قراء وكاتبين فهو ما يشتمل عليه من أخبار ومعلومات وأساليب ومعان.
الحق أنّ كتاب الأغاني فيه ثروة أدبية كبرى، لم تجتمع في غيره من الكتب. وهي كما قال عنها صاحبه: يجمل بالمتأديبين معرفتها، ويحتاج الأحداث إلى دراستها، ولا يرتفع من فوقهم من الكهول عن الاقتباس منها».
إنّه كتاب فيه مجال للدراسات عظيم، ومعين للبحث لا ينضب. وروضة تنعم في مغانيها النفوس.
عبد الستار أحمد فراج
تجريد الإغاني
تأليف ابن واصل الحموي
إلى جانب اهتمام الأقدمين بكتاب الأغاني وعناية فريق منهم باقتنائه، أخذ جماعة من الأدباء في العصور المتقدمة باختصار هذا الكتاب، منهم الوزير أبو القاسم الحسين بن عليّ بن حسين المعروف بابن المغربي المتوفى سنة 418هـ، والأمير عز الدين محمد بن عبدالله بن أحمد الحرّاني المسبّحي المتوفى سنة 420هـ، والكاتب الحلبي أبو القاسم عبدالله المعروف بابن باقيا المتوفى سنة 485هـ، والقاضي ابن واصل المتوفى سنة 697هـ، ثمّ ابن منظور جمال الدين محمد بن المكرّم صاحب لسان العرب المتوفى سنة 711هـ.
وقد قام الدكتور طه حسين والأستاذ إبراهيم الأبياري بتحقيق كتاب «تجريد الأغاني» الذي ألّفه القاضي جمال الدين أبو عبدالله محمد بن سلم بن نصر الله بن واصل الحموي، وجرّده من ذكر الأصوات وما احتوت عليه من أنواع النغم والإيقاعات مما لا فائدة من ذكره، كما جرّده من الأسانيد والمكررات والأخبار والأشعار المشتركة، وأضاف إليه فوائد أخرى تتعلق به، وشرح بعض المستغلق من ألفاظه.
ولم يُخفِ الدكتور طه حسين في الكلمة التي قدّم بها للكتاب ضيقه باختصار الكتب وعدم اطمئنانه له، ويرى في ذلك أزوراراً عمّا أراد المؤلفون، وانحرافاً عمّا رسموا لأنفسهم من طريق، وجحوداً لما احتملوا من سلوك هذه الطريق من ألوان المشقة والعناء. ثمّ قال:
«ولست أخفي على القرّاء أيضاً أنّي أقرأ كتاب الأغاني فأستمتع بأسانيده كما أستمتع بما يروى فيه من الشعر والأحاديث. ولكن لا بد مما ليس منه بد، فليس كل الناس قادراً على أن يفرغ للأغاني وأمثاله من كتب القدماء. ونحن بين اثنتين: إمّا أن نخلي بين الأدب العربي القديم وبين النسيان يلقي عليه أستاره الكثاف، ويقصر العلم به على الذين يفرغون له ويتخصصون فيه».
على أنّ من ميزات كتاب التجريد إلى جانب ما ذكره المؤلف أنّ في تضاعيف الكتاب نصوصاً وتراجم وأخباراً لم ترد في بعض أجزاء كتاب الأغاني مما يقطع بأنّ مؤلفه رجع إلى نسخة كاملة من كتاب الأغاني.
وميزة أخرى لهذا الكتاب هو أنّ الزيادات التي عثر عليها المستشرق رودلف برونو وأفرد لها جزءاً هو الجزء الحادي والعشرون واردة في «التجريد» في مواضعها الأصلية من الكتاب، وهي زيادات وردت في مخطوطات أخرى غير التي طبع عليها كتاب الأغاني.
أبو الفرج ومقاتل الطالبيين والأغاني
علي بن الحسين المعروف بأبي الفرج الأصفهاني بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبدالله بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
ولد سنة 284 في أصفهان وتوفي سنة 356هـ.
نشأ في بغداد بعد تركه أصفهان وأخذ العلم عن أعلامها، وكانت بغداد إذ ذاك قرارة العلم والعلماء ومثابة الأدب والأدباء ومهوى أفئدة الذين يرغبون في الالمام بالثقافة أو يودون التخصص في فروعها.
وقد أخذ أبو الفرج نفسه بالجد في طلب العلم وإفراغ باله فنبغ وتفوق، وكان له من توقد ذكائه وسرعة حفظه وشغفه بالمعرفة ما مكن له من ناحية التفوق وذلل له من شماس النبوغ وجعله ينهض بتأليف كتاب (الأغاني) العظيم ولما يبلغ الثلاثين من عمره، فإذا ما بلغها أو جاوزها بعام أو ببعض عام ألف كتابه الخالد (مقاتل الطالبيين).
وقد قدّر له أن يعرف شاباً من لداته يهيم بالمجد مثله، ويبتغي إليه الوسيلة بالقوة في العلم والأدب، وهو الحسن بن محمد المهلبي، وتظهرهما المعرفة على ما بينهما من التمازج النفسي، والالتقاء الكثير في الإرادات والاختيارات والشهوات، فتتوثق بينهما صداقة عقلية، ومؤاخاة روحية، ستظل قوية العرى، مستحصدة العلائق أبداً.
ويختلف الدهر، ويتبدل العسر باليسر، ويرق الزمان لفاقة المهلّبي، ويرثى لطول تحرقه، وينيله ما يرتجى، فيصير وزيراً لمعز الدولة البويهي. ويطيع الدهر بعد عصيانه لأبي الفرج فيصبح كاتباً لركن الدولة البويهي قريب المنزلة منه، عظيم المكانة لديه. ولعلّ من أسباب تلك الحظوة اتفاقهما في التشيع، فقد كان ركن الدولة يتعهد العلويين بالأموال الكثيرة والمنح الجزيلة.
وفي سنة 328هـ يستوزر ركن الدولة أبا الفضل بن العميد فيكون بينه وبين أبي الفرج ما يكون عادة من التحاسد والتباغض، والمصارعة النفسية، والاستباق إلى قلب ركن الدولة، ويستطيل ابن العميد على أبي الفرج ويتعاظم، ولا يلقاه بما ينبغي له من الإجلال والتعظيم أثناء دخوله وخروجه، فتثور نفسه، ويجيش صدره، ويخاطبه بقوله:
ما لك موفور فما باله
أكسبك التيه على المعدم
ولم إذا جئت نهضنا وإن
جئنا تطاولت ولم تتم
وإن خرجنا لم تقل مثل ما
نقول: قدّم طرفه قدّم
إن كنت ذا علم فمن ذا الذي
مثل الذي تعلم لم يعلم
ولست في الغارب من دولة
ونحن من دونك في المنسم
وقد ولينا وعزلنا كما
أنت فلم نصغر ولم تعظم
تكافأت أحوالنا كلها
فصل على الإنصاف أو فاصرم
ويظل أبو الفرج في ظلال الوزير المهلبي مدة وزارته لمعز الدولة، وهي مدة طويلة أربت على ثلاث عشرة سنة، يسامره وينادمه ويؤاكله، ويصبر الوزير على مساوئ أبي الفرج فقد كان قذر المطعم والمشرب والملبس، لا ينضو عنه ثوبه إلّا إذا أبلت جدته الأيام.
وتجري الأيام بينهما على خير ما تجري بين صديقين أو على خير ما تجري به بين سمير ظريف، ووزير حصيف يفيض بالكرم والإنعام.
ويؤتى الكرم ثماره فيسخر أبو الفرج أدبه في خدمة الوزير، ويترصد مواقع هواه فيضع فيها نثره وشعره، ويؤلف له «نسب المهالبة». و«مناجيب الخصيان» وينظم فيه الشعر كلما دعت المناسبة، فيهنئه إذا أبلّ من مرض أو ولد له ولد، ويمدحه في المواسم والأعياد، ويتظرف فيشكو إليه الفأر، ويصف الهر، ويستميحه البر:
رهنت ثيابي وحال القضا
ء دون القضاء وصد القدر
وهذا الشتاء كما قد ترى
عسوف عليّ قبيح الأثر
ينادي بصرّ من العاصفا
ت أو دمق مثل وخز الإبر
وسكان دارك ممن أعو
ل يلقين من برده كلّ شر
فهذي تحنّ وهذي تئنّ
وأدمع هاتيك تجري درر
إذا ما تململن تحت الظلام
تعللن منك بحسن النظر
ولاحظن ربعك كالممحليـ
ن شاموا البروق رجاء المطر
يؤملن عودي بما ينتظرن
كما يرتجى آيب من سفر
فأنعم بإنجاز ما قد وعدت
فما غيرك اليوم من ينتظر
وعش لي وبعدي فأنت الحيا
ة والسمع من جسدي والبصر
وهو إذا ما عرض لمدحه لا يجنح إلى المبالغة الممقوتة، ولا يتعمل الثناء الأجوف ولا يتصيد المكارم تصيداً، بل يقول ما يعرفه ويصفه بما فيه:
إذا ما علاى في الصدر للنهي والأمر
وبثهما في النفع منه وفي الضر
وأجرى ظبا أقلامه وتدفقت
بديهته كالمستمد من البحر
رأيت نظام الدر في نظم قوله
ومنثوره الرقراق في ذلك النثر
ويقتضب المعنى الكثير بلفظة
ويأتي بما تحوى الطوامير في سطر
أيا غرة الدهر أئتنف غرة الشهر
وقابل هلال الفطر من ليلة الفطر
بأيمن أقبال وأسعد طائر
وأفضل ما ترجوه في أفسح العمر
فليس في هذا المديح إسراف ولا إغراق في المبالغة: فقد كان الوزير المهلبي كما يقول الثعالبي: (غاية في الأدب والمحبة لأهله وكان يترسل مترسلاً مليحاً، ويقول الشعر قولاً لطيفاً يضرب بحسنه المثل يغذي الرّوح ويجلب الرّوح) وكان محدثاً حسن الحديث، بليغ العبارة رشيق اللفظ، وكان أكثر حديثه يدور حول مذاكرة الأدب ومقابسة العلوم، لكثرة من يغشى مجالسه من العلماء والأدباء والندماء كالصاحب بن عباد وأبي إسحاق الصابي والقاضي التنوخي، وابن سكّرة الهاشمي، وأبي القاسم الجهني، وأبي النجيب الجزري، وأبناء المنجم، وكان أبو الفرج يجول في هذه المجالس ويصول يقص ويروي وينقد وينذر وينثر من أدبه ويفيض من علمه فكان مجلس المهلبي من أسباب نباهة شأنه وشيوع ذكره، كما كان بر المهلبي من أسباب رفاهية عيشه وتفرغه للعلم والأدب، ولكنه مع ذلك لم يخل من هجوه وكان يعلم أنه يهجوه سراً فطلب إليه ذات ليلة أن يهجوه جهراً في قصة معروفة، وقد رأى أبو الفرج منه بعض ما يكره فظن أنه رمى به من حالق، بعد أن أنعم عليه الخالق، فقذفه بهذين البيتين:
أبعين مفتقر إليك رأيتني
بعد الغنى فرميت بي من حالق
لست الملوم أنا الملوم لأنّني
أملت للإحسان غير الخالق
يومىء أبو الفرج إلى ما كان من فقر الوزير أيام كان يشتهي اللحم ولا يقدر على ثمنه فيتمنى الموت ويقول من أبيات:
ألا موت يباع فأشتريه
فهذا العيش ما لا خير فيه
ولكن الهجاء لم يقطع الصديقين ويظل حبل إخائهما متصلاً حتى يقطعه موت المهلبي سنة 352هـ.
وقد كان أبو الفرج هجّاء يحذره الناس ويتقونه، وقد استوزر الخليفة الراضي أبا عبد الله البريدي وكانت داره ملاصقة لدار أبي الفرج فهجاه وأنّب الراضي بقصيدة تزيد على مائة بيت مطلعها:
يا سماء اسقطي ويا أرض ميدي
قد تولى الوزارة ابن البريدي
وانحدر مرة إلى البصرة فضاق بها وهجاها وأهلها وقال عنهم:
«إنهم كلاب يلبسون الفرا». وقد كان أبو الفرج ذا عناية ملحوظة بالحيوانات وتربيتها قال في وصف ديك له:
من حمرة في صفرة في خضرة
تخييلها يغني عن التحقيق
وكأن سالفتيه تبر سائل
وعلى المفارق منه تاج عقيق
وهذان البيتان من قصيدة له في رثاء هذا الديك يقول فيها في الرثاء:
أبكي إذا أبصرت ربعك موحشاً
بتحنن وتأسف وشهيق
ويزيدني جزعا لفقدك صادح
في منزل دان إليّ لصيق
قرع الفؤاد وقد زقا فكأنّه
نادى ببين أو نعيّ شقيق
فتأسفي أبدا عليك مواصل
بسواد ليل أو بياض شروق
وإذا أفاق ذوو المصائب سلوة
وتصبّروا أمسيت غير مفيق
ذلك رثاؤه لديك له فقد صوّره تصويراً واضحاً كاملاً بفضل عينه الشديدة الانتباه وفكره البعيد في العمق. وأبو الفرج الأصبهاني رزق من محاسن اللغة والفن الشيء الكثير حتى كدنا نرى الديك يزهى بمحاسن ألوانه، وكدنا نر خطراته وميساته ونسمع صياحه، إنّه يصيب اللفظ في مواضعه وينزله في منازله، وإلى هذا الوضوح في اللغة والغنى في الألفاظ المصوّرة نستطيع أن نضيف الصفات المحسوسة وخصب التشبيهات في الشعر: ومما جاء في قصيدته في رثاء الديك قوله:
لهفي عليك أبا النذير لو أنّه
دفع المنايا عنك لهف شفيق
وعلى شمائلك اللواتي ما سمت
حتّى ذوت من بعد حسن سموق
وتكاملت جمل الجمال بأسرها
متلألئاً ذا رونق وبريق
من حمرة في صفرة في خضرة
تخييلها يغني عن التحقيق
عرض يجل عن القياس وجوهر
لطفت معانيه عن التدقيق
وخطرت ملتحفاً ببرد حبرت
منه بديع الوشى كف أنيق
كالجلنار أو صفاء عقيقة
أو لمع نار أو وميض بروق
أو قهوة تختال في بلورة
بتألق الترويق والتصفيق
وكأن سالفتيك تبر سائل
وعلى المفارق منك تاج عقيق
وكأن مجرى الصوت منك إذا نبت
وجفت عن الأسماع بح حلوق
ناي دقيق ناعم قرنت به
نغم مؤلفة من الموسيقي
يزقو ويصفق بالجناح كمنتش
وصلت يداه النقر بالتصفيق
ويعيش ممتطياً لسبع دجائج
مثل المهارى أحدقت بفنيق
وهكذا فلم يعنَ أبو الفرج بمراقبة الناس وحدهم وتتبع آثارهم وأخبارهم وإنما عني بمراقبة الحيوان أيضاً ولا سيما الحيوان الذي كان يعيش في داره. فهو يصف هذا الحيوان وصفاً إذا جاء في عصرنا هذا مصور وقف عليه ما استطاع أن يعيد صورته بريشته وهذه براعة أبي الفرج في الدقة والتصوير.
وكان من عادة أبي الفرج أن يغشى سوق الوراقين ويجلس على دكاكينهم يقرأ ما يلحظ وينقد ما يسمع ويأخذ بأطراف الأحاديث التي يتجاذبها بينهم رواد السوق من العلماء والأدباء ثمّ يؤوب إلى منزله بعد أن يصطفي ما يرتئي من الكتب والمصادر التي يعتمد عليها في تأليف كتبه.
كما كان يجلس لتلاميذه ورواد أدبه يقرئهم من كتبه ما يريد أو يريدون على نحو ما كان يفعله أستاذه أبو جعفر الطبري، وفي طليعة تلك الكتب التي قرئت عليه من أوّلها إلى آخرها كتاب الأغاني الذي يقول عنه ابن خلدون:
«جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيّامهم ودولهم، وجعل مبناه على الغناء في مائة الصوت التي اختارها المغنون للرشيد فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه. ولعمري أنه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال- ولا يعدل به في ذلك كتاب فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها وأتى له بها».
مقاتل الطالبيين
ومن كتبه التي قرئت عليه كذلك «كتاب مقاتل الطالبيين» وهو كتاب مترجم فيه للشهداء من آل أبي طالب (عليهم السلام) منذ عصر الرسول (ص) إلى الوقت الذي شرع يؤلف فيه كتابه وهو جمادى الأولى سنة 313هـ سواء كان المترجم له قتيل حرب أو صريع السم في السلم، وسواء أكان مهلكه في السجن أو في مهربه أثناء تواريه من السلطان.
وقد رتّب مقاتلهم على السياق الزمني ولم يرتبها على حسب أقدارهم في الفضل ومنازلهم في المجد. واقتصر على من كان نقي السيرة قويم المذهب، وأعرض عن ذكر من عدل عن سنن آبائه وحاد عن مذاهب أسلافه وكان مصرعه في سبيل أطماعه وجزاء ما اجترحت يداه من عبث.
وقد صنّف أبو الفرج أخبارهم، ونظّم سيرهم، ووصف مقاتلهم، وجلّى قصصهم بأسلوبه الساحر، وبيانه الآسر وطريقته الفذة في حسن العرض، ومهارته الفائقة في سبك القصة، وحبك نسجها، وائتلاف أصباغها وألوانها، وتسلسل فكرتها، ووحدة ديباجتها، وتساوق نصاعتها، على اختلاف رواتها وتعدد روايتها وتباين طرقها، حتى لتبدو وكأنها بنات فكر واحد وهذا هو سر الصنعة في أدب أبي الفرج الأصفهاني.
ولئن كان أبو الفرج قد بلغ غاية التصوير والتعبير في كتاب الأغاني لأن موضوعه يلتئم ومزاجه الفني ويتفق ومسلكه في الحياة ويقع من عقله وفكره وذوقه وعاطفته موقع الرضا والقبول، فإنه لكذلك قد بلغ غاية التصوير والتعبير في (مقاتل الطالبيين) لأن موضوعه حبيب إلى نفسه، عظيم المكانة من قلبه.
وهذا الكتاب كنز من كنوز الأدب والتاريخ ترجم فيه أبو الفرج لنيف ومائتين من شهداء الطالبيين، فأحسن الترجمة وصوّر بطولتهم تصويراً أخاذاً يختلب الألباب، ويمتلك المشاعر وذكر فيه من خطبهم ورسائلهم وأشعارهم، ومحاوراتهم، وما قيل فيهم وبسببهم من روائع الشعر والنثر، ما لا تجده مجموعاً في كتاب سواه، إلّا أن يكون منقولا عنه، أو ملخصاً منه، وأوجز ما يقال في وصف مقاتل الطالبيين إنّه دائرة معارف لتاريخ الطالبيين وأدبهم في القرون الثلاثة الأولى.
الناقد
شارك أبو الفرج عصره في أكثر النواحي الأدبية، والمتتبع يدرك مدى هذه المشاركة فقد كان إماماً من أئمة النقد في الأدب شغف بتتبع الشعراء حتى يعرف مصادرهم كما شغف في الحياة بتتبع الخلفاء ليعرف أسرار حياتهم، وقد تعقب أبا العتاهية وأبا نواس وأبا تمام والبحتري، ولكنه كان يميل إلى الاعتدال في نقده ويكره الإسراف، أما رأيه في قضية القديم والجديد فهو رأي ظاهر فقد كان يجري مجرى الزمن ولا يجمد على حال، فهو يعلم أنّ لكل عصر أطواراً وأنّ الشعر ينبغي له أن يتبع هذه الأطوار، من ذلك رأيه في شعر ابن المعتز، فالأصبهاني في هذا النوع من النقد، صاحب مذهب فهو من المجددين الذين يرون لكل عصر أحوالاً خاصة في الذوق و الشعور ورأيه في ذلك رأي أكابر رجال الأدب واللغة أمثال ابن قتيبة وابن فارس.
معاصر له يصفه
وصفه معاصره القاضي التنوخي فقال: كان من الرواة المتسعين الذين شاهدناهم أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني فإنّه كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والحديث المسند والنسب ما لم أر قط من يحفظ مثله. وكان شديد الاختصار بهذه الأشياء ويحفظ دون ما يحفظ منه علوماً أخر منها اللغة والنحو والخرافات والسير والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئاً كثيراً مثل علم الجوارح والبيطرة ونتف من الطب والأتربة وغير ذلك.
مؤلفاته
1ـ الأغاني، وعندما ألفه حمله إلى سيف الدولة الحمداني فأعطاه ألف دينار، 2ـ مقاتل الطالبيين، 3ـ أخبار القيان، 4ـ أخبار الطفيليين، 5ـ أخبار جحظة البرمكي، 6ـ أيام العرب: ألف وسبعمائة يوم، 7ـ الإماء الشواعر، 8ـ أدب الغرباء، 9ـ أدب السماع، 10ـ الأخبار والنوادر، 11ـ الفرق والمعيار في الأوغاد والأحرار، 12ـ المماليك الشعراء، 13ـ الغلمان المغنين، 14ـ الحانات، 15ـ التعديل والانتصاف في أخبار القبائل وأنسابها،16ـ تفضيل ذي الحجة، 17ـ تحف الوسائد في أخبار الولائد، 18ـ الخمارين والخمارات، 19ـ دعوة التجار، 20ـ دعوة الأطباء، 21ـ الديارات، 22ـ رسالة في الأغاني، 23ـ مجرد الأغاني، 24ـ مجموع الأخبار والآثار، 25ـ مناجيب الخصيان، 26ـ كتاب النغم، 27ـ نسب المهالبة، 28ـ نسب بني عبد شمس، 29ـ نسب بني شيبان، 30ـ نسب بني كلاب، 31ـ نسب بني تغلب.
وقد عني بديوان أبي تمام فجمعه ورتبه على الأنواع، كما جمع ديوان أبي نواس وديوان البحتري ورتبه على الأنواع كذلك.
الأغاني
ـ2ـ
لا شك أن كتاب الأغاني يعدّ في الطبقة الأولى من تراثنا القديم، ولكن لهذا الكتاب ميزة جديدة غير هذه، أي غير كونه تراثاً فكرياً ثقافياً محضاً، ومن خلال هذه الميزة يستحق أن ينظر إليه على وجه جديد.
وميزة الأغاني هذه، هي أن مؤلفه أبا الفرج الأصبهاني، قد عني عناية ظاهرة في أن يسجل فيه الحياة العربية في عصره وفي العصور التي سبقته تسجيلا أمينا صادقا شاملا تجاوز به طبقة الخلفاء والملوك والوزراء، إلى فئات العلماء والشعراء والمثقفين، والمغنين والملحنين، والندماء، والى سائر فئات الشعب في مختلف أحوالهم ووقائع عيشهم وطرائق تفكيرهم وعاداتهم إلى كثير من علاقاتهم الاجتماعية بعضهم ببعض وعلاقات الحكام بهم.
ولكن هذه الميزة كانت تظل ناقصة، إذ كانت تكون غير ذات نفع، ولا قيمة تاريخية إنسانية، لو أن ابا الفرج الأصبهاني قد حابى طبقة من هذه الطبقات كلها على حساب التاريخ، أو لو أنه كان هو نفسه من الذين هانت عليهم كرامتهم العقلية فازدلف إلى الحكام بشئ من التملق والمراعاة والمداجاة، أو لو أنه كان من غير هذه الطبقة التي عاش حياتها طوال عمره، نعني طبقة المثقفين العاملين الذين يعتمدون حياة العمل في سبيل المعرفة وسيلتهم الوحيدة لتحصيل المعرفة، حتى ينشأ فيهم وجدان يأبى عليهم إلاّ الصدق والصراحة، والاّ التحرر من الهوى والطمع والرياء والدجل والمحاباة.
ذلك أن أبا الفرج على رغم انه ينتسب إلى الأمويين فهو من أحفاد مروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين قد ولد بأصبهان في أحضان الفقر، وانتقل منذ صغره إلى بغداد، وليس له من أسباب العيش الا أيسرها وأتفهها، فعكف في مدارسها ومعاهدها يطلب العلم من كل سبيل ويطرق له كل باب لا يختص فرعاً من المعرفة دون فرع.
وخرج الفتى الأصبهاني من شبابه وهو يجمع في واعيته فروعا شتى من ثقافات بغداد، فإذا هو عارف باللغة والنحو والفقه والفلسفة، وإذا هو على بصر في الشعر والأدب والأغاني، وإذا له إلمام جامع باخبار العرب واثارهم وأيامهم وانسابهم، وإذا هو يحيط بأطراف من علوم الاحياء والاجتماع وإذا له خبرة بعلوم البيطرة والتشريح والطب والنجوم.
وما عرف الناس في أبي الفرج وهو العالم الأديب النقاد المرموق انه تملق إلى الحكام الا صلة كانت به بالحسن المهلبي وزير معز الدولة البويهي، فإذا استثنينا هذه الصلة، نرى ان أبا الفرج كان منقطعاً إلى علمه وأدبه يعز شأنهما عن كل ابتذال وامتهان، ونرى رجال السلطان ورجال العلم والأدب جميعاً يجلون لذلك قدره ويهابون شأنه.
ثم نرى أبا الفرج رجلاً ليس يخنقه الوقار والتزمت، ولكن نرى فيه إلى وقار العلم ومهابة المعرفة، خفة روح وعذوبة طبع ونزوعا محببا إلى الفكاهة، والطرب والمرح وإرسال النادرة المستملحة الطيبة.
ومن هنا نعرف أنه رجل حفظ لنفسه كرامتها، وحفظ لعلمه وأدبه عزتهما وإلا لكان أولى بمثله يومئذ أن يختاره الخلفاء نديماً، بل لكان أولى أن يكون ذا منزلة وسلطان في دولة المنادمة وعلى موائد الملوك والخلفاء والوزراء، ولكنه ترفع عن كل ذلك إكراماً للعلم وإعزازا للأدب والفكر.
على مثل هذه البسطة في العلم والأدب، وعلى مثل هذا الشمول في ممارسة المعرفة وعلى مثل هذه النفس العزوفة عن الهوان والابتذال، عكف أبو الفرج خمسين سنة يؤلف كتاب (الأغاني).
ولقد مكنه علمه وأدبه ومكنه استقلاله الفكري وتحريره من كل ما يقيده بصلة مع الحكام ومكنه اطلاعه على شؤون الحياة العامة في أوساط الشعب كافة، لقد مكنه هذا ان يكتب الأغاني في استيعاب شامل وفي صراحة ليس معها محاباة ولا رياء ولا ملق.
بل لقد بلغ به استقلاله الفكري وتحرره من علاقات العيش بذوي السلطان على اختلاف في درجات السلطان وبلغ به التجرد العلمي من كل ما كان يعرف أهل عصره من العصبيات أنه كتب الأغاني بطريقة موضوعية ليس متأثراً فيها بشيء من الدوافع الذاتية فلم يستسلم لعصبية من العصبيات ولم يندفع مع خوف من خليفة أو ملك أو وزير، بل لم يحذر من تقاليد الناس ومواضعاتهم العرفية في الأخلاق الشائعة.
ومن هنا جاء هذا الكتاب العظيم يتحدث إلى الأجيال عن حياة ذلك العصر وما سبقه من عصور العربية حديثا شاملا حيا زاخراً بالحياة، فصور ثقافة العصر وصور أدبه وغناءه وألحانه ثم صور حياة الخلفاء والملوك والوزراء ورجال الدولة جميعاً كما كانوا يعيشون ويبذخون ويلهون ويمجنون واستعرض ألواناً من تاريخ الجاهلية وصدر الإسلام والعصر الأموي أدباً واجتماعاً وسياسة وصراعاً على الحياة وعلى الرأي وعلى الخلافة جميعاً.
وبعد فإن للأغاني ميزة أخرى تضاف إلى الميزات كلها، وهي أن أبا الفرج كتبه بلغة الأديب المنشئ المطبوع فإنما هو من حيث تعبيره فن أدبي بارع بجمال السرد وجمال العرض والأداء، وجمال اللغة وصفائها، فهو يمثل من هذه الناحية تطورا تاريخيا للنثر الفني في عصره، بل لقد كان وثبة هائلة في هذا التطور.
فقد جمع (الأغاني) مزايا الفن الإنشائي ومزايا الفن القصصي ومزايا النقد الأدبي البصير بكل جمالات الفن.
ولقد بنى أبو الفرج هذا الكتاب على دراسة مائة صوت من أصوات الغناء العربي كان قد اختار لها الرشيد ثلاثة من اعلام الغناء في عهده : إبراهيم الموصلي وإسماعيل بن جامع وفليح بن العوراء ثم اختاروا منها ثلاثة أصوات. وفي عهد الواثق اختار له إسحاق من هذه المائة ما ارتأى انه أفضل من غيره.
وقد جرى أبو الفرج في كتابه على البدء بصوت من هذه الأصوات فذكر الشعر ونوع اللحن ومن غناه ومن لحنه. ثم ترجم للمغني وللشاعر، واستطرد في خلال ذلك إلى صور من الحياة المتصلة بكل منهما وإلى ترجمات من أشخاص آخرين، وإلى نقد الشعر وذكر ما يعارضه. وما يماثله. وهكذا ينتقل المؤلف من صورة إلى صورة ومن لون إلى لون، يتخلل ذلك كله صنوف من العلم والمعرفة وشؤون من الحياة العامة.
ولا بد من القول أخيراً إن صاحب الأغاني كان أميناً للتاريخ كل الأمانة فلم يذكر حديثاً ولا حكاية ولا رواية ولا شعراً إلا اجتهد في إسناده إلى عدد من الرواة والأسانيد ولذلك يمكن القول انه من التجني على المؤلف ما كتب بعض مؤرخي الأدب المعاصرين من أنه لا يجوز الاعتماد على الأغاني من الناحية التاريخية الشاملة.
حسين مروة
علي بن الحسين أبو الفرج الأصفهاني
مؤلف الأغاني
إذا ذكرت العوامل التي هيأت للثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر للميلاد، ذكرت النهضة الفكرية التي عاشتها فرنسا في هذا القرن، وأشير بحروف عريضة إلى الدور الكبير الذي لعبه الموسوعيون (الانسيكلوبيديون)، من أمثال ديدرو Didrot ودالمبرت D’alembert وغيرهما، في فتح عيون الناس على نور المعرفة وتبصيرهم بواقعهم وبالتالي شحذ هممهم للوقوف في وجه جلاديهم.
الموسوعيون من العرب
وإذا كان على أوروبا أن تنتظر حتّى القرن الثامن عشر حتى تتعرف على ثمار الفكر الموسوعي، فإنّ عالمنا العربي كان يتنعم بنتاج هذا الفكر منذ أوائل القرن العاشر الميلادي حين نبغ الكثيرون من الموسوعيين العرب الذين لم تقتصر همتهم على ميدان واحد من ميادين المعرفة بل نقلوا أقلامهم بين مجالات متنوعة تنوع الطب والعلوم والفلسفة والتاريخ والأدب وعلوم البلدان والحيوان والنبات وغير ذلك. وكان الواحد منهم لا ينتهي من تذكرة في الطب حتّى يشرع في بحث فلسفي، ولا يجف مداد ما سوده من أوراق في التاريخ حتّى يملأ الصفحات الطوال في علم البلدان وهكذا.
أبو الفرج الأصبهاني موسوعي كبير
وأبو الفرج الأصبهاني، أو علي بن الحسين بن محمد الذي ينتهي نسبه إلى مروان بن محمد آخر من استخلف من بني أمية، علم من أعلام الموسوعة العرب يستحق منّا وقفة نطل منها على حياته ونتاجه الخصب المتعدد الآفاق.
متى ولد أبو الفرج، ومتى مات؟
أمّا متى ولد أبو الفرج فأمر اتفق عليه دارسو حياته من قدامى ومحدثين. إنّه العام 284 للهجرة. أمّا أين ولد ومتى توفي فأمر فيه أكثر من قول. فابن النديم مثلاً يمد في حياة أبي الفرج إلى ما بعد العام 360 للهجرة، في حين أنّ أبا نعيم يجعل وفاته في سنة 357هـ، وابن أبي الفوارس يحدد اليوم الرابع عشر من شهر ذي الحجة سنة 356هـ، لانتهاء حياة عالمنا الجليل. ونحن وإن كنّا لا نملك إلاّ المنطق والحجة غير المباشرة في تفضيل رواية على رواية من هذه الروايات الثلاث، فإنّا نميل إلى الأخذ برأي ابن النديم وتأخير وفاة الأصبهاني إلى ما بعد سنة 360هـ لأسباب أهمها أنّ ابن النديم كان معاصراً له، وبينهما صلات معرفة ولأنّ كليهما من سكان بغداد حيث توفي صاحبنا وعاش الشطر الأكبر من حياته، وهذا الرأي نخالف فيه الكثيرين من دارسي حياة أبي الفرج من المحدثين الذي مالوا إلى رواية ابن أبي الفوارس الذي كان من تلامذة الأصبهاني وروى عنه بعض السير والأخبار.
أين ولد أبو الفرج؟
وما قلناه عن اختلاف الرأي في تاريخ وفاة أبي الفرج يصح على المكان الذي ولد فيه، فأبو الفرج، في رأي بروكلمان، وهوارث، وصدر الدين، وماريا ناللينو، وأحمد أمين وغيرهم، من مواليد أصبهان التي ينسب إليها ويشتق منها اسمه. ولست أعلم مصدراً قديماً واحداً يشير إلى هذه الحقيقة من قريب أو بعيد، اللهم إلاّ إشارة لا تحتمل هذا المعنى ترد في يتيمة الدهر للثعالبي الذي يقول أثناء حديثه عن أبي الفرج إنّه «أصبهاني الأصل» وقد نقل ابن خلكان فيما بعد هذه الإشارة وأثبتها في وفيات الأعيان. وكلمة «الأصبهاني الأصل» لا تعني بالضرورة أنّه ولد في أصبهان، وأغلب الظن أنّ المقصود منها أنّه أصبهاني الأصول وأنّ أسرته قطنت أصبهان لأمد، وذلك لأنّ طبقة الثعالبي من المؤلفين كانت تستعمل هذه الكلمة ـ «الأصل» ـ بهذا المعنى، وحين تريد الإشارة إلى مكان ولادة المترجم له تقول: فلان… كوفي المولد، أو شامي المولد، وهكذا. وأبو الفرج نفسه من هؤلاء المؤلفين، فهو حين يترجم للمغنّي محمد الرف مثلاً يقول عنه إنّه «كوفي الأصل والمولد والمنشأ» ليدلنا على مكان ولادة المترجم له ونشأته. وقد يسأل سائل بحق: إذا لم يكن أبو الفرج أصبهاني المولد والمنشأ فمن أين جاءت النسبة «أصبهاني» إلى اسمه، وأين ولد فعلاً؟!
انتساب أبي الفرج
إلى بني ثوابة من جهة أمّه
نحن نعلم أنّ أسرة أبي الفرج لأبيه كانت تقطن مدينة سامراء حاضرة الخلافة ومقر دواوين الدولة، كما نعلم أنّ الكثيرين من أقربائه كانوا يعملون كُتّاباً في هذه الدواوين. وسامراء أيضاً مستقر آل ثوابة أسرة أبي الفرج لأمّه، إذ أنّا نقرأ في الأغاني أنّ جدّه لأمّه يحيى بن محمد بن ثوابة، كان يعمل كاتباً في ديوان الخليفة في هذه المدينة. وما دامت أسرة الأب وأسرة الأم تعيشان في سامراء زمن ولادة صاحبنا فلا تجني على الحقيقة إذن في قولنا مع الدكتور محمد أحمد خلف الله في كتابه «أبو الفرج الأصفهاني الراوية» أنّ سامراء هي مكان ولادته على أرجح الوجوه. وانتساب أبي الفرج إلى بني ثوابة من جهة أمّه يفسّر لنا ميله الشديد إلى الشيعة وحبّه المتناهي لآل علي (عليهم السلام) فبنوا ثوابة، كما يقول ياقوت الرومي، كانوا في الأصل نصارى وحين أسلموا انتموا إلى المذهب الشيعي. فتشيع الأصبهاني إذن أثر من آثار احتكاكه بأسرة أمّه، ولولا معرفتنا لهذه الحقيقة لظللنا حائرين مع ابن الأثير الذي يَعجب لأموي، كأبي الفرج، يتشيع ويظهر هذا الحب والاحترام لآل علي (عليهم السلام).
أبو الفرج بغدادي المنشأ
وإذا كنا قد تلمسنا طريقنا في متاهة من المعلومات حين تحدثنا عن الجزء الأوّل من حياة أبي الفرج الأصبهاني، فإنّ ما لدينا من معلومات عن حياة هذا المؤلف الجليل في شبابه وشيخوخته يجعل مهمتنا أقل عسراً حين نتحدث عن طالبَ علم ومؤلَّفاً وشخصيةً مرموقة من شخصيات عصره.
تتفق المصادر أنّ أبا الفرج بغدادي المنشأ والثقافة وأنّه تلقى العلم في المدينة الزاهرة على أيدي النخبة من الرجال العظام الذين كانت تزخر بهم بغداد حاضرة العلم والمعرفة في عالم القرون الوسطى، ورغم أنّنا لا نستطيع تحديد السنة التي أتى أبو الفرج فيها للسكنى في بغداد، إلاّ أنّنا نستطيع القول إنّه في سنة 300هـ كان يقيم مع أبيه في تلك المدينة وذلك لأنّه يحدّثنا في «أغانيه» عن لقائه في تلك السنة مع شخص قدم عليهم وعلى أبيه دارَ السلام حيث كانا يقيمان.
ومن بغداد يخرج أبو الفرج ليزور البصرة والكوفة وأنطاكية وغيرها سعياً وراء رواية يتلقفها من فم راوٍ أو خبر لم يَطرق مسامعه وهو في بغداد.
السنة التي أصبح فيها أبو الفرج مؤلفاً
وتجيء السنة 313 للهجرة فينتقل صاحبنا من صف طلاب العلم ليتربّع مكاناً مرموقاً بين صفوف المؤلفين. ففي هذه السنة ألّف أبو الفرج مؤلفه «مَقاتل الطالبيين» الذي أرَّخ فيه لمن قُتل من آل أبي طالب أو مات في موقعة أو سُجن مبتدئاً بجعفر بن أبي طالب ومنتهياً بالطالبيين الذين قضوا خلال حكم المقتدر.
وانتقال أبي الفرج إلى صف المؤلفين هيأ له فرصاً من الشهرة جعلته يحظى بعطف وحماية أشخاص من نوع الوزير المهلَّبي وزير معز الدولة الذي وجد مؤلفنا الشاب في كنفه الظل الوارف والملجأ الأمين. وقد أتيح للعلاقة بين صاحب «مقاتل الطالبيين» ووزير معز الدولة أن تنقلب إلى صداقة، وأن تدوم هذه الصداقة حتّى يفرق الموت بينهما.
وينصرف أبو الفرج إلى التأليف فيطرق العديد المتنائي من الأبواب، ويضيف إلى كنوز المكتبة العربية آفاقاً ما زلنا نَعبُّ من ينابيعها الثرَّة حتّى هذا اليوم.
اللهو والأقذاع والقذر في حياة أبي الفرج
ولكن حياة أبي الفرج لم تكن كلّها جدًّا وتأليفاً. فقد اجتذبت أضواء بغداد، وجلبة حاناتها، وشدو قَيْناتها، وفتنة غلمانها، جزءاً غير يسير من انتباه صاحبنا، فشَرِب وطَرِب وتمتع بشدو القيان وجمال الغلمان. وقد حفظت لنا كتب الأدب وتراجم الرجال الكثير من أخبار مُجونه مما لا نرى ضرورة للتفصيل فيه في مقام كهذا.
وما دمنا في صدد الحديث عن أبي الفرج الإنسان فلا بد لنا من أن نشير إلى ما تتحدث عنه الروايات من ضَراسة خلقه وحدة مزاجه وإبداعه في الهجاء من بين فنون الشعر المختلفة، وإقذاعه في مذمة إخوانه إذا بدت منهم أصغر الهفوات، أو تراءى له منهم ما قد يفسره بجفوة أو نبوة. هذا بالإضافة إلى الحديث المستفيض عن قذارة ثوبه وبدنه وكيف أنّ ثوبه لا يعرف غسلاً منذ أن يَترك دكان البائع حتّى يصير في زمرة الأسمال البالية. على أنّ قذارة الثوب والبدن وشراسة الطبع وبذاءة اللسان لم تحرم صاحبنا من نعمة الصداقة ولم تبعد عنه أنس الأخوان، فقد كان له في جليل مكانته العملية خير جواز مرور لأرفع الأوساط وأرفه المجالس.
عاش أبو الفرج حياة لم يعكر صفوها خوف من جوع أو قلة في المال، فقد كان بيته في بغداد بين درب سليمان ودرب دجلة بيتاً رافهاً يدل على غضارة العيش. ولا غرو فالأصبهاني عمل في ديوان ركن الدولة كاتباً، ونعم بأعطيات المهلبي وغيره من السادة ودرت عليه مؤلفاته مالاً ليس بالقليل.
وقبل أن يوافيه الأجل يصاب بالفالج ويخلط، ولكن المنية ما تلبث أن تضع حدًّا لآلامه.
أبو الفرج مؤلف متعدد الجوانب
هذه هي الخطوط العريضة للحياة الخصبة التي عاشها علم من أعلام الفكر والموسوعة في القرن الرابع للهجرة، وإذا كان لا بد لنا من وقفة أمام أحد جوانب هذه الحياة فلا أحرى بنا من أن نطل على الجانب الفكري فيها، إذ يكمن في هذا الجانب قصة من قصص الشموخ والعلاء جديرة بانحناءة إجلال وإكبار.
كانت ثقافة أبي الفرج ثقافة موسوعية متعددة الجوانب، وكان من بين الذين تلقى العلم عنهم أناس جالوا في أكثر من ميدان. وتظهر آثار هذه الثقافة المتسعة المتلونة كلون قوس قزح في القائمة الطويلة من المؤلفات التي دبجها يراعه. فلأبي الفرج حسب ما تقول المصادر المختلفة الكتب التالية:
كتاب الأغاني، كتاب مجرد الأغاني، كتاب مقاتل الطالبيين، كتاب تفضيل ذي الحجة، كتاب الأخبار والنوادر، كتاب أدب السماع، كتاب أخبار الطفيليين، كتاب أدب الغرباء، كتاب مجموع الآثار والأخبار، كتاب أشعار الإماء المماليك، كتاب الخمارين والخمارات، كتاب الديّارات، كتاب الفرق والمعيار في الأوغاد والأحرار، وهي رسالة عملها في هارون بن المنجم، كتاب القيان، كتاب دعوة النجار، كتاب أخبار جحظة البرمكي، كتاب الحانات، أيام العرب، كتاب التعديل والانتصاف في أخبار القبائل وأنسابها، كتاب جمهرة النسب، كتاب نسب بني عبد شمس، كتاب نسب بني شيبان، كتاب نسب المهالبة، كتاب نسب بني تغلب، كتاب الغلمان المغنين، وكتاب مناجيب الخصيان.
ولم يصلنا من هذه القائمة الطويلة الدسمة إلاّ كتاب الأغاني ومقاتل الطالبيين، وهما مطبوعان ومتداولان، وكتاب الديارات وهو على ما أعلم ما يزال مخطوطاً ينتظر يد المحقق والطابع.
الدكتور نبيه عاقل
أغمات
مدينة قديمة اندثرت ولم يبق منها إلاّ الاسم، وكانت أغمات عبارة عن مدينتين متقابلتين إحداهما تدعى أغمات أوريكة والأخرى أغمات هيلانة وبينهما نحو 8 أميال. كما كانت بالقرب منهما مدينة أخرى تدعى مدينة نفيس.
ولعبت أغمات دوراً مهماً في تاريخ المغرب قبل بناء مدينة مراكش وبعد بنائها. فكانت مدينة عامرة مزدهرة تقصدها القوافل التجارية القادمة من السودان كما كانت في نفس الوقت مركزاً من مراكز العلم والدين. ففي القرن الثاني وصلها المولى إدريس بن إدريس في غزوته لبلاد المصامدة سنة 197هـ وبعد وفاته اختص بها ابنه عبدالله فجعلها عاصمة الإقليم التابع لحكمه وإليها نزح عدد كبير من الأندلسيين في أوائل القرن الثالث بعد فرارهم من فتنة الربض بقرطبة في عهد الحكم الأموي.
وبعد انقراض الأدارسة أصبحت إمارة تابعة لحكم الزناتيين وتداولها أمراء مغراوة إلى أن فتحها المرابطون.
وقصدها العباد والزهاد من أنحاء إفريقيا والقيروان وكانت رباطاً كبيراً للنساك والمتصوفين.
واستقر بها زعماء المرابطين مدّة طويلة قبل بناء مراكش كما استقرّ بها يوسف بن تاشفين وتزوج بها.
وبعد بناء مراكش العاصمة خفتت حركتها التجارية. وإليها نفي المعتمد بن عباد أمير إشبيلية إلى أن توفي بها سنة 488هـ.
وقد بني له ضريح جديد سنة 1960 ووضعت رخامة في وسط البناية نقشت عليها الأبيات التي أوصى المعتمد بكتابتها على قبره.
ولم يبق من هذه المدينة الزاهرة اليوم سوى الأطلال البالية.
تقع على بُعد 40 كلم جنوب مراكش وسط قبيلة أوريكة.
افتتاح الدعوة وابتداء الدولة
يلاحظ أنّ هذا الكتاب من بين المصادر الأصلية التي بقيت تحتل من أعمال أبي حنيفة النعمان بن محمد بن حيون التميمي (ت363هـ ـ 974م) منزلة كبرى، إذ أنّ أهمية هذا المؤلف، تبدو في أكثر من ناحية، فهو رجل مخضرم، أي عاش لفترة طويلة سنياً، حيث كان له ارتباطات برجال السنة، وعلاقات جاهد للإبقاء عليها بعد انضمامه إلى الحركة الفاطمية وإلى خدمة الخلفاء الفاطميين في بلاد المغرب، وهو معاصر لما سجله من أحداث عن هؤلاء وأولئك، وبحكم ارتباطاته المختلفة كان مطلعاً على الآراء وعلى سير الوضع، وعلى الوثائق أيضاً ولم تكن أعماله الأدبية والتاريخية وفي ميدان العقائد تلقائية، وإنّما كان معظمها قد تمّ بوحي ومراقبة أشهر خلفاء الدور المغربي وأبي خلفاء الدور المصري وهو المعز لدين الله.
وبفضل التشيجع تمحضت جهود النعمان ـ كما أراد المعز لدين الله، لخدمة الدولة، وأنصارها، في ميدان القضاء والدعوة، وفي تنشيط حركة التأليف.
والنعمان بعد كل ما سبق هو عربي، ومن قبيلة تميم، عصبية الإمارة الأغلبية ومن ثم يصب أن يتهم بأنّه عنصري ضد العرب أو متحامل على الأغالبة، إذا ما صور أخبارهم، أو عرض جوانب من مساوئ أمرائهم، مثل إبراهيم بن أحمد، وأبي العباس عبدالله، وابنه زيادة الله، وأطنب في ذكر محاسن ومزايا أولياء الدولة الكتاميين.
ودليل موضوعيته فيما كتب عن أحداث الفترة، رغم تشيّعه وإخلاصه للدولة تأثّر المؤرخين المغاربة، السنيين بروايته، واعتمادهم على أهم كتبه، وهو افتتاح الدعوة وابتداء الدولة التي يعتبر قصة متكاملة عن الحركة الفاطمية منذ أن ابتدأت في المغرب، بفضل جهود الدعاة الأوائل الذين جاؤوا من مركز الدعوة في اليمن إلى أن تطورت إلى نظام خلافة عتيدة. وفي هذا الكتاب: إشارات عن تنظيمات الداعي في كتامة، وعن أحداث المنطقة، وردود الفعل المختلفة، لانتشار الحركة الفاطمية سواء كان مصدرها فروع حلف كتامة، المعارضين، أو الأمراء الأغالبة، وفيه أيضاً عرض يصور فن البطولة الكتامية، التي تجلت في الميدان الداخلي ـ في كتامة والزاب، كما تجلت في الميدان الخارجي في إفريقيا وأرض المغرب.
وعلى رواية النعمان ـ حول أحداث قبيلة كتامة وإفريقيا في هذه الفترة اعتمد كل من ابن الأثير، وابن خلدون والمقريزي والنويري ويبدو التأثير واضحاً في أكثر من موطن ويرقى حتّى إلى استخدام نفس العبارات التي جاءت في افتتاح الدعوة للنعمان، ومن ذلك أنّ الأخير مهد للحديث عن معركة الأربس([156]) الحاسمة بقوله «ولما دخل فصل الربيع وطاب الزمان جمع أبو عبدالله»، هذه العبارة نجدها بنصها في المقريزي، نقلها مباشرة عن النعمان، أو عن ابن الأثير، الذي يصرح المقريزي بالنقل عنه أو نقلها عن شيخه ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون، الذي تتفق روايته مع رواية النعمان في مواطن كثيرة، وبالجملة فتأثير النعمان لم يقتصر على هؤلاء فقط، بل يتجاوزهم إلى غيرهم من مؤرخي المغرب، والمشرق. «وكتاب افتتاح الدعوة» وثيقة هامة في ميدانها ولا يؤثر على جانب الموضوعية فيها أو ينقص من قيمتها، المذهب الخاص أو كون النعمان تحت تأثير وضغط معاصرته لأعظم الخلفاء الفاطميين في المغرب، الذي حرص النعمان ـ إرضاء له ـ على تسجيل، وجمع أقواله، وروايته عن أقوال الأئمة السابقين له، التي كانت تلقى في مجالس الدعوة الحكمية، في كتابه «المجالس والمسايرات والمواقف والتوقيعات» عن الإمام المعز لدين الله وعن آبائه.
ويعتبر هذا الكتاب أيضاً وثيقة هامة عن الدور المغربي للخلافة الفاطمية، فقد تضمن صورة صحيحة عن سياسة خلفاء هذا الدور، تجاه ثوار المغرب، سواء كانوا من كتامة أو من مكناسة، أو زناتة، وعن علاقاتهم المختلفة، بالأمويين في الأندلس، والروم وسكان أقريطش وعن نظرتهم للخلفاء العباسيين، ويتسع الكتاب لعرض شتى المشاكل التي عانى منها الخلفاء، وتسبب فيها أما أعداؤهم أو غلاة الإسماعيلية وجهلة الدعاة وأولياؤهم الكتاميون، كما يتسع لأدق المعلومات وأوفاها عن نظرة الخلفاء لهؤلاء وامتيازات كتامة في نظام الدولة، ومراحل قوتهم وضعفهم وحماسهم أو فتورهم، وجهاد الخلفاء ضد المنحرفين منهم أو من غيرهم، وتبرئهم ممّا ينسب إليهم بهتاناً كل هذه نجدها في ثنايا هذا الكتاب الهام، الذي يزيده اعتباراً وأهمية صبغته العلمية المتزنة، وبلاغته، وكونه صورة لكلام المعز ولكلام آبائه كما رواها عنهم، وسجلها النعمان بكل دقّة وأمانة.
وفي الرسالة المذهبة، وهي تنسب إلى النعمان ـ ما يفيد تبرؤ الأئمة ممّن يدّعي ألوهيتهم أو ينسب إليهم ما ليس لهم من خوارق وصفات، كما أنّ كتابه الهمّة في آداب أتباع الأئمة، يعتبر شرحاً مستفيضاً لأهم واجبات المريدين نحو الإمام المعصوم وهي الطاعة المطلقة.
الدكتور موسى لقبال
النعمان وبنوه
أسس أسرة النعمان رجل عرف أنّه من أشهر فقهاء المذهب الفاطمي ومن أكثرهم تأليفاً للكتب، وتعدّ مؤلفاته من الأسس التي تبعها من جاء بعده من علماء هذا المذهب، بل لا تزال بعض كتبه إلى اليوم من أهم الكتب وأقومها لدى طائفة البهرة الإسماعيلية، هذا الرجل هو القاضي أبو حنيفة النعمان بن أبي عبدالله محمد بن منصور بن حيون التميمي المغربي، ويعرف في تاريخ الدعوة الفاطمية باسم القاضي النعمان تمييزاً له عن سميه أبي حنيفة النعمان صاحب المذهب السني المعروف. اختلف الناس في تاريخ مولده فذهب بعضهم مثل الأستاذ جوثيل إلى أنّه ولد سنة 259 وتبعه الأستاذ ماسينيون في ذلك الرأي، ولكن الأستاذ آصف فيظي خالفهما وذهب إلى أنّه ولد في العشر الأخير من القرن الثالث وليس لدينا ما يرجح أحد الرأيين. بل نصرح بأنّه لم يصلنا شيء عن نشأته الأولى ولا عن آبائه وأسرته إلاّ ما رواه ابن خلكان: أنّ والده أبا عبدالله محمد قد عمر طويلاً، وأنّه كان يحكي أخباراً كثيرة نفيسة حفظها في كبره، وتوفي في رجب سنة 351 وصلّى عليه ولده أبو حنيفة النعمان ودفن بأحد أبواب القيروان فحياة الأسرة غامضة أشد الغموض ولم يحفظ التاريخ شيئاً عنها، ولا أدري من أين استقى الأستاذ جوثيل ما رواه من أنّ والد النعمان كان من رجال الأدب، إلاّ إذا كان قد فهم من نص ابن خلكان ذلك.
وليس لدينا شيء عن حياة النعمان قبل قيام الدولة الفاطمية سنة 296هـ وقبل اتصاله بعبيد الله المهدي الفاطمي مؤسس الدولة الفاطمية، إلاّ أنّه كان مالكي المذهب وتحول إلى المذهب الفاطمي، ولكن مؤرخي الشيعة الإثني عشرية قالوا إنّ النعمان كان مالكي المذهب ثمّ تحوّل إلى الشيعة الإثني عشرية ثمّ انتقل إلى الإسماعيلية الفاطمية ويذهب أبو المحاسن إلى أنّه كان حنفي المذهب قبل أن يعتنق المذهب الفاطمي. ولكن إذا أمعنا النظر في هذه الخلافات وجدنا أنّ الأرجح هو ما رواه ابن خلكان، فالمذهب المالكي هو المذهب الذي كان يسود شمال إفريقيا والأندلس، على أنّ المذهب الحنفي كان قليل الانتشار بين المسلمين في إفريقيا وفي مصر أيضاً، وأنّ خلاصة تلاميذ مالك كانوا مصريين، وعن مصر انتقل هذا المذهب المالكي إلى شمال إفريقيا والأندلس وساد هذه البلاد حتّى قل أن نجد فيها مذهباً آخر من مذاهب أهل السنة، فمن المرجح أنّ النعمان كان على مذهب أهل بلاده، أمّا ما يدّعيه الأستاذ آصف فيظي أنّ النعمان كان إسماعيلي المذهب منذ نعومة أظفاره وأنّه اتّخذ التقية والستر خوفاً على نفسه وعلى مذهبه فهو كلام يحتاج إلى ما يؤيده، وكذلك لم يتحدث أحد من المؤرخين الذين ذكروا النعمان عن إسماعيليته إلاّ بعد صلته بالمهدي سنة 313هـ أي بعد أن أظهر المهدي نفسه في المغرب وهزم الأغالبة واحتل ديارهم. دخل النعمان في خدمة المهدي واتصل به، ولا ندري نوع الخدمة التي كان يؤديها ولا الصلة التي اتصلها به، ولكن بعد وفاة المهدي اتصل النعمان بالقائم بأمر الله طوال مدّة حكمه. وفي أواخر أيام القائم ولي النعمان قضاء مدينة طرابلس الغرب، أمّا قبل ولايته قضاء طرابلس فلا نكاد نعرف عنه شيئاً. ولما بنى المنصور مدينة المنصورية كان النعمان أوّل من ولي قضاءها بل ولاه المنصور القضاء على سائر مدن إفريقيا.
وأصبح النعمان شديد الصلة بالإمام الفاطمي مقرباً منه، وظلّ قاضي قضاة هذه المدن ومن تحته قضاتها، إلى أن ولي المعز لدين الله الإمامة فاشتدّت صلة النعمان به حتّى أنّه كان يجالسه ويسايره وقل أن يفارقه بعد أن كان مستوحشاً منه عقب ولايته. ولكن المعز طلب إليه أن يكون في عهده كما كان في عهد أبيه المنصور بالله، ثمّ قربت الصلة بين المعز والنعمان حتّى أصبح النعمان جليسه ومسايره، ووضع النعمان كتابه المجالس والمسايرات جمع فيه كل ما رآه وما سمعه من إمامه المعز. ولمّا رحل المعز من إفريقيا إلى مصر سنة 362هـ اصطحب معه بني النعمان، وكان النعمان إذ ذاك قاضي الجيش، وكان من الطبيعي أن يقلد النعمان قضاء مصر، ولكن المعز بعد أن استقر بمصر ترك القضاء لأبي طاهر الذهلي محمد بن أحمد الذي كان على قضاء مصر منذ سنة 348هـ وطلب إلى أبي طاهر أن يحكم بفقه الفاطميين، فكان لا بد للقاضي من أن يسترشد في أحكامه بالقاضي النعمان، وما زال كذلك حتّى توفي النعمان سنة 363هـ.
ويقول ابن حجر: إنّ النعمان كان يسكن مصر أي الفسطاط ويغدو منها إلى القاهرة في كل يوم ويروي ابن خلكان عن المسبحي أنّ النعمان كان من أهل العلم والفقه والدين والنبل ما لا مزيد عليه، ونقل ابن خلكان عن ابن زولاق أنّ النعمان بن محمد القاضي كان في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانيه. وعالماً بوجوه الفقه وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر الفحل والمعرفة بأيام الناس مع عقل وإنصاف. وكل من تحدّث عن النعمان من المؤرخين يذكر فضله وعلمه و سعة ثقافته، فلا غرابة إذن أن نرى هذه الكتب الكثيرة التي ألّفها النعمان والتي أصبحت عمدة كل باحث في المذهب الفاطمي بل أصبحت الاصل الذي يستقي منه علماء المذهب: فلا أكاد أعرف عالماً من علماء الدعوة الفاطمية لم ينهج نهج النعمان في فقهه أو اختلف معه في رأي في المسائل الفقهية، وقد يكون ذلك لأنّ النعمان قال في كتابه المجالس والمسايرات: إنّ الإمام المعز لدين الله طلب إليه أن يلقي على الناس شيئاً من علم أهل البيت، فألّف النعمان كتبه، وكان يعرضها على المعز فصلاً فصلاً وباباً وباباً حتّى أتمّها، فهو يقول مثلاً:
أمرني المعز لدين الله بجمع شيء لخصه لي وجمعه وفتح لي معانيه وبسط لي جملته فابتدأت منه شيئاً ثمّ رفعته إليه، واعتذرت من الإِبطاء فيه لما أردته من إحكامه ورجوته من وقوع ما جمعته منه بموافقته فطالعته في مقداره، فوقع إلي: يا نعمان لا تبال كيف كان القدر مع إشباع في إيجاز، فكلما أوجزت في القول واستقصيت المعنى فهو أوفق وأحسن، والذي خشيت من أن يستبطأ في تأليفه فوالله لولا توفيق الله عز وجل إياك وعونه لك لما تعتقده من النية ومحض الولاية لما كنت تستطيع أن تأتي على باب منه في أيام كثيرة، ولكن النية يصحبها التوفيق.
وفي كتابه هذا كثير من النصوص التي تدل على أنّه كان يعرض كتبه على المعز قبل إذاعتها ونشرها بين الناس، كما أنّه كان يقرأ مجالس الحكمة التأويلية ومن هنا لقبه ابن زولاق بالداعي وليس لدينا من النصوص ما يثبت أنّ النعمان كان من الدعاة، وإن كان مؤرخو المذهب المحدثون مثل الداعي إدريس يحدثنا في كتابه عيون الأخبار أنّ النعمان كان في مكانة رفيعة جداً قريبة من الأئمة. وأنّه كان دعامة من دعائم الدعوة، ولكنّه لم يصرّح بأنّ النعمان ولي مرتبة داعي الدعاة، وأغالي إذا قلت: إنّ النعمان هو أوّل من دوّن فقه المذهب الفاطمي، فلا أكاد أعرف فقيهاً من فقهاء المذهب قبله كتب في هذا الفن، وبين يدي الآن كتاب المرشد إلى أدب الإسماعيلية وهو ثبت لأسماء المؤلفين والكتب الإسماعيلية، وأمامي فهرست ابن النديم، ومجموعة خطية قديمة لمؤلف مجهول جمع فيها أسماء الكتب التي ألّفت منذ أوائل الدعوة الإسماعيلية، فلم أعثر في هذه الكتب كلها على كتاب واحد في الفقه الإسماعيلي قبل القاضي النعمان بن محمد. فلا غرو أن يعرف المعز فضل هذا العالم وأن يرفعه إلى أعلى الدرجات، ولا سيما أنّ النعمان ذكر في كتبه أنّه اقتبس هذه العلوم عن الإمام ويحدثنا المؤيد في الدين في سيرته أنّ الوزير اليازوري قال له: إنّ النعمان بنى هذا الأمر وإنّ أحق الناس بمكانه أبناؤه فالنعمان إذن قد أدّى للدعوة الفاطمية هذا الفضل الذي عرفوه له، إذ لا يزال علماء الدعوة يعيشون على الفقه الذي وضعه لهم النعمان، وربما على التأويل الذي ذكره في كتبه.
لننظر الآن إلى هذه الكتب التي وضعها النعمان لأهل الدعوة، فيقول ابن خلكان: إنّ النعمان ألّف لأهل البيت من الكتب آلاف ألاوراق بأحسن تأليف وأملح سجع، وعمل في المناقب والمثالب كتاباً حسناً، وله ردود على المخالفين، له رد على أبي حنيفة وعلى مالك والشافعي وعلى ابن سريج، وكتاب اختلاف الفقهاء ينتصر فيه لأهل البيت، وله القصيدة الفقهية التي لقبها بالمنتخبة وسرد الأستاذ أيفانون مؤلفات القاضي النعمان فإذا نحو أربعة وأربعين كتاباً بعضها لايزال يحتفظ به أتباع المذهب وهم طائفة البهرة. ومنها كتب عثر على بعض أجزائها، ومنها ما فقد ولم يعرف إلاّ أسماؤه، ولا تعرف مكتبات أوروبا إلاّ ستة كتب من كتب النعمان وهي:
- جزء من كتاب شرح الأخبار بمكتبة برلين، وأحضرت دار الكتب المصرية صورة فوتوغرافية منه.
- كتاب دعائم الإسلام بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية بلندن، وفي دار الكتب المصرية صورة فوتوغرافية منه.
- تأويل دعائم الإسلام بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية بلندن، وفي مكتبة جامعة القاهرة صورة فوتوغرافية منه.
- أساس التأويل بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية بلندن.
- جزء من كتاب المجالس والمسايرات بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية بلندن، وفي مكتبة جامعة القاهرة.
- كتاب الهمة في اتباع الأئمة بمكتبة مكتب الهند بلندن، وعندي نسخة خطية منه.
ويحتفظ أصحاب الدعوة الآن في مكتباتهم الخاصة بالكتب الآتية:
(1) افتتاح الدعوة، وعندي نسخة خطية منه كما تحتفظ مكتبة جامعة القاهرة بصورة منه. (2) كتاب الإيضاح. (3) كتاب الينبوع. (4) مختصر الآثار. (5) كتاب الطهارة. (6) القصيدة المختارة. (7) القصيدة المنتخبة. (8) منهج الفرائض. (9) الرسالة ذات البيان في الرد على ابن قتيبة. (10) اختلاف أصول المذاهب. (11) كتاب التوحيد والإمامة. (12) مناقب بني هاشم. (13) تأويل الرؤيا. (14) مفاتيح النعمة.
أمّا كتبه التي لم يعثر عليها وعرفت أسماؤها فهي:
(1) مختصر الإيضاح. (2) كتاب الأخبار. (3) كتاب الاقتصار. (4) كتاب الاتفاق والافتراق. (5) كتاب المقتصر. (6) كتاب يوم وليلة. (7) كتاب كيفية الصلاة. (8) الرسالة المصرية في الرد على الشافعي. (9) كتاب في الرد على أحمد بن سريج البغدادي. (10) دامغ الموجز في الرد على العتكي. (11) نهج السبيل إلى معرفة علم التأويل. (12) حدود المعرفة في تفسير القرآن والتنبيه على التأويل. (13) كتاب إثبات الحقائق في معرفة توحيد الخالق. (14) كتاب في الإمامة في أربعة أجزاء. (15) كتاب التعاقب والانتقاد. (16) كتاب الدعاة. (17) كتاب الحلي والثياب. (18) كتاب الشروط. (19) أرجوزة ذات المتن وهي في سيرة الإمام المعز. (20) أرجوزة ذات المحن وهي في تاريخ ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد. (21) كتاب معالم المهدي. (22) كتاب منامات الأئمة. (23) كتاب التقريع والتعنيف.
هذه هي الكتب التي تركها النعمان بن محمد، ولعل أهم كتاب خالد له هو كتاب «دعائم الإسلام، في ذكر الحلال والحرام، والقضايا والأحكام» وهو الكتاب الذي أمر الظاهر بأن يحفظه الناس، وجعل لمن يحفظه مالاً جزيلاً، ويشتمل هذا الكتاب على جميع فقه الفاطميين. فدعائم الإسلام عندهم الولاية والطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد، وكل فريضة من هذه الفرائض لها أصولها وفروعها وآدابها فهو يتحدّث عن ذلك كلّه بشيء من الإطناب، ويروي عن كل فريضة ما ورد عنها في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية وما جاء عن الأئمة، ومن يقرأ هذا الكتاب ويقارن بين الفقه فيه وبين فقه مالك لا يكاد يجد اختلافاً إلاّ في بعض أمور لا تمس الدين في شيء، اللهم ما ورد في القسم الخاص بالولاية.
والفصل الخاص الذي في أوّل الكتاب تحدث فيه عن الإيمان وجعل الولاية شرطاً أساسياً للمؤمن، أمّا في سوى ذلك من أحكام فرائض الدين وسنته والمعاملات وغيرها فلا تختلف عن الأحكام الشرعية عند المالكية. وتظهر قيمة هذا الكتاب عند علماء المذهب ـ منذ عرف هذا الكتاب ـ إذا عرفنا أنّ عالمين من أكبر علمائهم ذكراه في كتبهما واعتمدا عليه ونوّها به، أمّا العالم الأوّل فهو أحمد حميد الدين بن عبدالله بن محمد الكرماني المتوفى سنة 412هـ فقد ذكر في مقدمة كتابه «راحة العقل» الكتب التي يجب أن تقرأ قبل قراءة راحة العقل، ومن هذه الكتب كتاب «دعائم الإسلام»، وأمّا العالم الثاني فهو المؤيد في الدين هبة الله بن موسى الشيرازي المتوفى سنة 470هـ فقد ذكر في السيرة المؤيدية «أنّه كان يعقد مجلساً خاصاً كل يوم خميس يقرأ فيه على السلطان أبي كاليجار البويهي فصول كتاب دعائم الإسلام، ويعتبر هذا الكتاب الآن من كتب الإسماعيلية على الرغم من أنّه في علم الظاهر، ويعدّ من كتبهم السرية التي لا يقر بها إلاّ علماء المذهب فقط.
وقد أتبعه القاضي النعمان بكتاب تأويل دعائم الإسلام واسمه الكامل: كتاب تربية المؤمنين بالتوقيف على حدود باطن علم الدين في تأويل دعائم الإسلام، وهو في ذكر التأويل الباطني للأحكام والفرائض التي وردت في كتاب دعائم الإسلام، وهو من أهم كتب التأويل عند الإسماعيلية، وعليه اعتمد الدعاة بعد النعمان، وقد توفي النعمان قبل أن يتم هذا الكتاب.
ومهما يكن من شيء فالقاضي النعمان يعدّ من أكبر علماء الدعوة وفقيهها الأعظم، وتوفي هذا الرجل بمصر سنة 363هـ.
كان هذا الفقيه رأس هذه الأسرة ومؤسسها، وجاء بعده أبناؤه وحفدته وعرفوا جميعاً بالعلم والفقه، وتولوا الدعوة والقضاء بعده.
أفريدي
اسم لقبيلة كبيرة تنتشر في النواحي الحدودية لباكستان وأفغانستان وجبال الهند وممر خيبر حتّى غرب وجنوب غربي بيشاور.
تنقسم هذه القبيلة إلى ثماني عشر عشيرة، أشهرها: عشائر (كوكي خيل) و(ملك دين خيل) و(كمبر خيل) و(كمرائي) و(زكاخيل) و(سياه) التي تعيش في ممر خيبر وتشتهر باسم (أفريدي خيبر).
يشتهر الأفريديون ببسالتهم، وقد صمدوا لفترات طويلة بوجه الجيوش الهندية والأفغانية والإنكليزية وحافظوا على استقلالهم، وعلى الرغم من اعتبارهم في الوقت الحاضر تابعين للدولة الباكستانية، إلاّ أنّهم في الواقع يعيشون في قلاعهم حياة مستقلة، ويتبعون تعليمات وأعرافاً عشائرية.
ينحدر الأفريديون ـ كسائر الباتهانيين ـ من أصول آرية ويتحدثون اللغة البشتوية، ويتبع بعضهم المذهب الشيعي والبعض الآخر المذهب السني.
إفريقيا
اسم أطلقه العرب الأقدمون في الأصل على القسم الشرقي من بلاد البربر، ولم يتفق جغرافيوهم على تحديدها. يذكر صاحب الاستبصار ـ وهو ما يقوله أبو عبيد عبدالله البكري الأندلسي ـ إنّ حدّ إفريقيا طولاً من برقة شرقاً إلى مدينة طنجة غرباً، وإنّ عرضها من البحر إلى الرمال التي هي حاجز بين بلاد إفريقيا وبلاد السودان. ولكن ياقوت في معجمه يحدد إفريقيا من طرابلس الغرب إلى بجاية. ويؤخذ من ابن صاحب الصلاة أنّ إفريقية تشتمل طرابلس ولكنّها لا تصل إلى منطقة الزاب. والظاهر أنّ كل تحديد لإفريقيا كان مرتبطاً بزمن معين ودولة معينة في سعتها وضيقها([157]).
أمّا اليوم فإنّ اصطلاح إفريقيا يطلق على قارة تبلغ مساحتها نحو 30 مليون كيلومتر مربع ويزيد عدد سكانها على 235 مليون نسمة أي نحو 8% من سكان العالم. ويفصلها عن أوروبا البحر المتوسط وعن آسيا المحيط الهندي والبحر الأحمر. تقترب كثيراً من أوروبا عند مضيق جبل طارق الذي يصل البحر المتوسط بالمحيط الأطلنطي. ومن آسيا عند مضيق باب المندب الذي يصل البحر الأحمر بالمحيط الهندي.
وتشمل الصحارى مساحة واسعة من أراضيها، فالصحراء الكبرى في الشمال، وصحراء (كلهاري) في الجنوب. وأهم أنهارها النيل الذي يصب في البحر المتوسط، والكونغو ويصب في المحيط الأطلنطي، والنيجر ويصب في خليج غينينا، والزمبيزي ولمبوبو، ويصبان في المحيط الهندي.
وهناك من الأنهار: مجردة في تونس وشليف وحلوية في الجزائر. وسبو وأم الربيع وتنسقت في المغرب.
وتتكون أفريقيا من هضبتين كبيرتين تحف بهما سهول ساحلية منخفضة، الهضبة الشمالية قليلة الارتفاع، يبلغ متوسط ارتفاعها 450 متراً وتمتد من المحيط الأطلنطي حتى البحر الأحمر، وتشمل الصحراء الكبرى وبلاد السودان، ويحف بها في الشمال جبال الأطلس وفي الجنوب مرتفعات فوتوجالون، وترتفع بعض أجزائها في الوسط مكونة جبالاً مثل تبستي وتاسيل، وبها منخفضات واسعة مثل: توات وتشاد والقطارة وواحات مصر الغربية والفيوم.
والهضبة الجنوبية أكثر ارتفاعاً إذ يبلغ متوسط ارتفاعها 800 متر، وتنتهي بحافات عالية تشرف على سهول ساحلية ضيقة، ومن مرتفعاتها دراكنزبرج وكينيا، وكليمانجارو ورونزوري، وهضبات الحبشة.
الفتح الإسلامي
عبرت الجيوش المسلمة الأولى الصحراء الغربية من مصر إلى داخل شمال إفريقية في عام 647 ميلادية أي بعد ست سنوات من فتحهم لمصر.
ويبدو أنّ الحملات الأولى كانت مكوّنة من الجماعات القبلية التي دعمتها وحدات عسكرية منظمة من الجيش المسلم وبعد أن ضعفت قوة مقاومة البيزنطيين أمام الفتح الإسلامي أخذوا يتوسعون في تنفيذ خططهم.
على أنّ حركة الفتوح الإسلامية في شمال إفريقية ترتبط عادة باسم عقبة بن نافع الذي كان قد عيّن قائداً للجيوش العربية في هذه المنطقة عام 663م، وقد استطاع عقبة أن يؤسس في عام 680م مدينة القيروان في تونس… المدينة التي ظلّت العاصمة الإدارية والعسكرية للانطلاق في شمال إفريقية خلال فترة الفتوحات.
فمن هذه المدينة تمكن المسلمون من فتح تونس، ثمّ مدّوا نفوذهم ناحية الغرب لشمالي إفريقية وقد استغرق ذلك وقتاً طويلاً ومجهوداً جباراً، لا لمقاومة البيزنطيين لهم، فقد كانوا قد انزاحوا من المسرح ولم تعد لهم قوة تخشاها القوة الإسلامية، ولكن هذه الصعوبات كانت تأتي من البربر سكان البلاد الأصليين([158]).
وبدأ العرب يتدفقون من الشرق في أعداد ضخمة هائلة.
بل وكانت كل ثورة يقوم بها البربر تؤدي دائماً إلى وجود المزيد من الإمدادات البشرية العربية، وكان هؤلاء القادمون الجدد إمّا من القبائل التي وفدت من الجزيرة العربية أو من الجيوش المرابطة في كل من مصر وسوريا والشرق.
وقد كان القادمون من هؤلاء يستقرون في القيروان وفي غيرها من المدن الأخرى التي أصبح العرب يمثلون فيها معظم السكان.
وكانت اللغة العربية لغة الحكومة والتجارة، وهذا ما أضفى عليها الأهمية والاحترام وقد كانت كذلك لغة الدين، ولغة القرآن، ومع انتشار الإسلام السريع في إفريقية انتشرت لغة كتابه وتعاليم هذا الدين.
على أنّ هناك عنصراً آخر بين هؤلاء الفاتحين لا يصح إغفاله هنا، وأعني به عنصر التجار. كان شمالي إفريقية خلال الفترة الأولى من الحكم الإسلامي، ولاية تابعة للإمبراطورية العربية في الشرق نستطيع أن نتعرف فيها على النماذج المعروفة للجنود والإداريين ورجال الدين والتجار، ولقد وفد العنصر الأخير وأعني به التجار من سوريا والعراق وفي بعض الأحيان كان يفد أيضاً من بلدان منطقة آسيا الوسطى، وكانت التجارة التي يشتغلون بها تشمل كثيراً من السلع المختلفة، وتتحدث بعض المصادر العربية الأولى في شيء من الإعجاب عن الغابات الواسعة لأشجار الزيتون التي كانت موجودة يومذاك في شمال إفريقية كما يتحدث بعضها الآخر عن الجياد الأصيلة والإبل القوية في هذه المنطقة.
وكان الذهب من أهم صادرات هذه البلاد إلى الشرق، فقد كان يأتي من غربي إفريقية وبالذات من المملكة التي كانت تقع عاصمتها يومذاك إلى الشمال من نهر النيجر. وكان التجار المسلمون الذين يفدون من بلاد ساحل البحر الأبيض المتوسط يسافرون عدّة شهور لكي يصلوا إلى المراكز التجارية الكبرى في الجنوب حيث يحضرون الذهب من هناك.
ونستطيع أن نقف على كل شيء من معرفة مدى ما كانت عليه التجارة من ضخامة في هذه المراكز مما ذكره الرحالة العربي الشهير ابن حوقل الذي زار أودغشت في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي، واندفع التجار المسلمون ناحية الجنوب إلى غربي إفريقية ولم تأتي الفترة الأولى من القرن الثامن الميلادي حتّى كان هؤلاء التجار يسافرون فعلاً بل ويستقرون كذلك ـ إمّا على أنهم عملاء وإمّا على أنّهم متسترون في مراكز الأسواق التجارية التي تقع جنوب الصحراء الكبرى، فكانت الدعوة الإسلامية تدخل إلى هذه المناطق في ركاب هؤلاء التجار العرب، إلاّ أنّنا لا نستطيع أن نغفل هنا التذكير أنّ البربر بعد أن دخلوا الإسلام كانوا أنشط في نشر الدعوة الدينية في هذه المناطق، وتركيز رسالة التوحيد.
وهذا ما يعني العلامة هوبيرديشان في كتابه: «الديانات في إفريقية السوداء» حيث يقول: «بأن جمهرة الدعاة كانوا من المغاربة» وهو يعني بذلك القبائل المغربية التي انطلقت مع الفاتحين المغاربة الذين تحركوا في جميع نقط القارة من الفتح الإدريسي إلى عصر الدولة العلوية.
أضواء على المسلمين في إفريقية
وحسب ما ذهب إليه هوبيرديشان فإنّه «لا يمكن أن نحدد بالضبط عدد المسلمين في أقطار إفريقية» لأنّ هذا العدد كان يزداد كل يوم لسببين:
دخول الوثنيين على شكل مجموعات كبيرة في الدين الإسلامي وإقبالهم على مبادئه وانسجامهم مع بساطتها.
توالد المسلمين السود بشكل يدهش المعنيين بالدراسات البشرية خصوصاً وأنّ وسائل الوقاية تنتشر فيما بينهم بسهولة…
وإذا اعتمدنا على الإحصاءات التقريبية التي ظهرت في بداية عام 1960 نجد أنّ عدد المسلمين في إفريقية هو كما يلي:
1ـ يبلغ عدد المسلمين في إفريقيا حوالي 117 مليون نسمة موزعين كالآتي:
أـ في إفريقيا البيضاء: 57 مليون نسمة.
ب ـ في إفريقيا السوداء: 60 مليون نسمة.
وإذا عرفنا أنّ عدد سكان إفريقية يبلغون 220 مليون نسمة نجد أنّ نسبة المسلمين تكون في المائة أكثر من نصف سكان القارة، وهم لا يكوّنون هذه الأكثرية بالعدد فقط، ولكن حتّى بالنسبة للتوزيع الطبيعي… سواء بالنسبة للمسيحية أو بالنسبة للديانات الأخرى الموجودة في إفريقية… ومن الجدير بالملاحظة أنّ سكان هذه الأقطار وقوتهم في الواقع لا تتمثل في هذا العدد الضخم دائماً، وإنّما في عصبيتهم وتكاتفهم، تلك العصبية التي تظهر على شكل تنظيمات قبلية.
وبذلك يكون هذا الموقف قوياً في أساسه، وعلى شكل طوائف صوفية… في تنظيماته دائماً…
وممّا لا شك فيه أنّ الاستعمار الذي كان يحتل إلى أمد قريب جل الدولة الإسلامية، قد عمل على إبعاد المسلمين عن الحياة السياسية وأهّل لذلك ـ بالطبع تحت عوامل شتى ـ عدداً من الأشخاص غير المسلمين.
ولعل السبب في نجاح هذه التجربة الاستعمارية المضادة هي أنّ المسلمين في إفريقية بصفة عامة وفي إفريقية الغربية بصفة خاصة ارتكز اهتمامهم ـ وهذا بالوراثة ـ بالتنظيمات الصوفية التي ترتكز على الدعوة الإسلامية، وخدمة التوحيد… أكثر من اهتمامهم بالتنظيمات السياسية والاجتماعية التي انصبّ عليها المستعمرون القدماء والجدد وحتى المذاهب الغازية التي تُسابق الاستعماريين في إفريقية قد ارتكزت على هذا المخطط.
وعلى الرغم من كل هذه العوامل وغيرها ـ كما يقول العلامة سينون ـ فقد استطاع المسلمون في إفريقية أن يحافظوا على عقيدتهم الروحية، بل ليس هذا فحسب وإنّما أخذ عدد المسلمين يتزايد بفضل ما تنطوي عليه تعاليم الإسلام من البساطة والمبادئ الإنسانية السامية. وهذا ما صرّح به رجال التبشير أنفسهم([159]) في حين يرى العلامة هوبيرديشان([160]) أنّ الإسلام كان له دور بعيد المدى يرتكز على أسس قويمة وهذا ما يجعلنا نلمس أثراً واضحاً في تشكيل حياة الناس الاجتماعية والفكرية وفي إحداث نوع من التطور الشامل الذي تجلت أبسط مظاهره في خلق إمبراطوريات قامت من غرب ووسط وشرق إفريقيا وأدّت دورها في طبع حياة الإفريقيين بالطابع الحضاري المزدهر بل وأتاحت لهم الفرص الكريمة للاتصال بالعالم الخارجي على قدم المساواة، ولولا أنّ أطل الاستعمار بوجهه الكريه في القرن الخامس عشر على إفريقية على أيدي البرتغاليين والصليبيين ثمّ بقية شعوب أوروبا بعد ذلك لكان للإسلام في إفريقية اليوم وضع غير الوضع الذي هو عليه الآن.
لقد كان للإسلام فضل كبير في توحيد كثير من القبائل، وفي إذابة كثير من الحدود العنصرية، وفي القضاء على عدد عديد من الخلافات التي عاشت دهوراً وأزماناً.
ومهما يكن فإنّ القبائل الإفريقية لا زالت تدخل كل يوم في الدين، وأنّ الإسلام يزحف بقوة نحو الجنوب، وقد أسلمت مثلاً قبيلة ـ ديولا ـ في السودان منذ سنوات قليلة وهي تضم أكثر من 200 ألف نسمة، أمّا قبائل ـ المحاروصا والبهل ـ في نيجيريا التي يبلغ عددها أكثر من عشرين مليون نسمة فقد أسلمت في القرن الماضي، أمّا قبائل ـ أيبو ـ فهي تدخل الآن في الإسلام تباعاً بعد أن كانت تخاصمه بالأمس القريب.
ويعمل الدعاة الباكستانيون على التبشير بالديانة الإسلامية في جنوب نيجيريا وغانا، بينما يبشر به مشايخ الطرق في المناطق الأخرى بصورة تنطلق معه كل يوم حركة جديدة.
ومن المهم أن نذكر بأنّ هذه الطرق هي الحركة الناجحة لتنظيم المجموعات المسلمة بكل بساطة.
ولكن ينبغي الانتباه إلى حركات الإصلاح الدينية وخاصة في غينية هذه الحركات التي تهدف إلى أن يكون الدين عملياً وتطويرياً وسلوكياً.
وتجد هذه الحركة خصومات متنوعة، والسبب في ذلك أنّها تنطلق تحت شعار وطني…
جدول تقريبي
وفيما يلي جدول تقريبي لنسبة المسلمين في بعض دول إفريقية اليوم باستثناء الدول العربية.
حاولنا بكثير من الدقة أن نستخرجها معتمدين على كثير من المراجع المهمة في الموضوع.
وهذه النسبة هي كما يلي([161]):
السينغال 30670000 95%
غامبيا 343010 84%
مالي 47475000 90%
غينية 3702000 95%
غانا 6700000 33%
لبيريا 1207000 31%
سيراليون 2439000 65%
فولتا العليا 5054017 55%
ساحل العاج 4010000 55%
الداهومي 2505000 60%
الحبشة 23457000 60%
الصومال 2660127 100%
التوجو 1724300 75%
نيجيريا 61450000 75%
النيجر 3546000 89%
التشاد 3410000 85%
إفريقيا الوسطى 1459000 60%
الكاميرون 5470000 29%
الغابون 540000 29%
كينيا 6450000 19,5%
تنجانيقا 12173000 61%
زنجبار 304000 59%
زين العابدين الكتاني
انتشار الإسلام في إفريقيا
يمكننا تقسيم دخول الإسلام في القارة الإفريقية إلى مراحل أربع، توغل الإسلام خلالها عبر ثلاثة طرق رئيسية، في ثلاث أو أربع مناطق كبرى، على يد ثلاث مجموعات من الدعاة هم: العرب، ثمّ البربر والنوبيون، وأخيراً الأفارقة السود. وسأحاول أن أفصّل دور كل فئة فيما يلي:
بدأت المرحلة العربية مع موجة الفتوحات الإسلامية التي اندفعت عبر الشمال الإفريقي بدءاً بمصر، حتّى ساحل المحيط الأطلسي. ويقدر من هاجر من العرب في بدء هذه المرحلة بنحو ربع مليون عربي، واختلط هؤلاء مع الوطنيين من القبط والبربر وغيرهم اختلاطاً كاملاً.
وفي بطء ويسر دام قروناً اعتنق سكان الشمال الإفريقي، عدا أقلية من القبط المسيحيين العقيدة الإسلامية، واتخذوا اللغة العربية لساناً لهم، وإن لم تكتب الغلبة للثقافة العربية في المغرب إلاّ بعد تغربة بني هلال، وبني سليم، وغيرهم في القرن الحادي عشر. وفي هذا الإقليم كتب النصر للمذهب المالكي، الذي نشر الثقافة الإسلامية في المغرب بطابعه الذي لا يخلو من شيء من التزمت، ومنه انتقل إلى أجزاء كبيرة من بلاد السودان. وقد صحب انتشار المذهب المالكي، وتغلغل الثقافة العربية الإسلامية بين السكان، ظهور جيل جديد من البربر، حملوا راية الإسلام والزعامة الإسلامية. وكان ذلك بداية عهد جديد للثقافة الإسلامية المغربية المتميزة عن ثقافة أهل المشرق.
وقد انتهى نفوذ المشرق العربي برحيل الفاطميين، وقيام حكومات من البربر، مثل الزيديين في تونس، والحماديين في الجزائر، والمرابطين في المغرب الأقصى. وفي مدارس القيروان، وفاس وأغمات، وسجلماسة، ازدهرت الدراسات الإسلامية، ومنها انتشرت عبر الصحراء، على يد العرب والبربر المستعمرين.
ونتيجة لتمثّل سكان شمال إفريقية للثقافة العربية والدين الإسلامي تمثلاً كاملاً، واقتباسهم للعديد من النظم الاجتماعية والمؤسسات السياسية السائدة في العالم العربي، صار ذلك الإقليم جزءاً لا يتجزأ من الأمة العربية، بل إنّ السواد الأعظم من العالم العربي يقطن في ذلك الإقليم. ولكن موقعه الجغرافي في القارة الإفريقية، جعل له ارتباطاً وثيقاً بالكيان الإفريقي، يؤثّر فيه ويتأثّر به. وحقيقة الأمر أنّ الصحراء الكبرى التي ربّما بدت وكأنّما قد ضربت نطاقاً حول ذلك الإقليم من الجنوب، فعزلته عن إفريقيا الصحراوية، أو بلاد السودان. لم تكن في يوم من الأيام حاجزاً مانعاً، بل ظلت حتى القرن التاسع عشر بمثابة المحيط الذي يربط بين ساحلين وظلّت سفن الصحراء تدعم الصلات التجارية القديمة، وتقوي من فعاليتها، بقيادة التجار المسلمين.
ومن مصر تدفقت الثقافة العربية الإسلامية في قوة وعنف، عبر أبواب النوبة، ومن المغرب خرج الطوارق يحملون نفس المؤثرات إلى بلاد السودان.
وفي الوقت الذي توغلت فيه الجيوش العربية في إفريقيا الشمالية، أخذت جماعات أخرى من العرب، تطرق الساحل الإفريقي الشرقي. وكانت هجرتهم هذه على ضآلتها امتداداً لصلة عربية عريقة بين الساحلين، وكان الجانب الشرقي للقارة الإفريية على صلة وثيقة بالأرض التي ترعرع فيها الإسلام. ورغم أنّ أوّل هجرة إسلامية كانت إلى الحبشة التي ربطها بجزيرة العرب كثير من وشائج الود، والعلائق الاقتصادية، إلاّ أنّ توغل الإسلام في الساحل الشرقي للقارة الإفريقية كان بطيئاً، وإن غلب عليه السلم.
وبانتشار نفوذ الإسلام كثرت أفواج الوافدين من العرب للساحل الإفريقي، لا للتجارة فحسب، بل للإقامة. ونتيجة لهذه الهجرة، انتظم الساحل الإفريقي عدد من المدن الإسلامية كانت تعنى بالتجارة أساساً. وتزاوجت هذه الفئات الوافدة بالوطنيين وامتزجت بهم، وعنهم أخذ الجيل الجديد الدين الإسلامي وبعض مظاهر الثقافة العربية.
وربما كان أوّل من هاجر إلى تلك المنطقة جماعة من الشيعة، وفدت في أواسط القرن الثامن، هروباً بمعتقداتها من بطش الأمويين.
وفي القرن العاشر قدمت جماعة أخرى من الإحساء([162]) إلى بلاد الصومال، وإلى هذه المجموعة يرجع الفضل في إنشاء مدينة مقديشو، ونجحت المجموعة الجديدة في دعم موقفها، بإنشاء عدد من المراكز الجديدة التجارية التي صارت على صلة وثيقة بجزيرة العرب.
وبعد بضعة عقود من الزمن، أبحرت مجموعة أخرى من الشيعة من مدينة شيراز (إيران). واستقر زعيمها في مدينة كاسو، بينما تفرّقت على الساحل.
وعلى عهد الشيرازيين ازدهرت مدينة كلوة، وتوطدت صلتها بزنجبار. واستطاع الشيرازيون أن يحتفظوا بمركز مستقل غير خاضع لأسلافهم المقيمين في منطقة مقديشو. وتتابعت هجرات العرب إلى الساحل الإفريقي. ممّا أدّى إلى نشأة عدد من المدن التجارية، مثل كلوة ومقديشو ومصوع، و(جزيرة دهلك) وممباسا وباضع وسواكن، وجميع هذه المدن انتشرت في أواسط القرن الثالث عشر، بين موزمبيق في الجنوب وعيذاب في الشمال.
ومع أنّ هذه المدن والجزر، خاصة الجنوبية منها، كانت زاهرة بالنشاط الإسلامي من حيث إقامة الشعائر الإسلامية، إلاّ أنّ نشر العقيدة الإسلامية لم يكن فيما يبدو من نشاطها الرئيسي، فكان جل اهتمامها موجهاً للتجارة وما يتبعها من منافسة في المقام الأوّل، وكانت نظرتها العامة تتجه نحو المحيط وما وراءه من أوجه النشاط التجاري. وقد أدّى النشاط التجاري العربي الإسلامي الذي تمركز في الساحل، وامتدّ منذ منتصف القرن الثاني عشر حتّى أواخر القرن الخامس عشر، أدّى إلى ازدهار ثقافة عربية إسلامية تعرف بالحضارة الشيرازية. ولكن مجيء البرتغاليين في آخر القرن الخامس عشر، وبسط نفوذهم على مواقع هامة من ذلك الساحل، واحتكارهم للتجارة الشرقية في المحيط الهندي، سلب المجموعات العربية أساس ازدهارها التجاري. وظلّ الحال هكذا نحو قرنين، تمكّن بعدها العرب من طرد البرتغاليين وبداية صفحة جديدة من السيطرة العربية.
ففي سنة 1563 ساعد إمام عمان حكام بمبا وزنجبار وأوتوندو في ثوراتهم ضد البرتغاليين. وفي عام 1689 سقطت ممباسا في يد العمانيين الذين عيّنوا نصر بن عبدالله المزروعي حاكماً عليها. وظلّت صلة العمانيين بالساحل الإفريقي اسمية وغير محدودة بسبب الصراع الأسري في عمان حتّى عهد الإمام سعيد بن سلطان (1806ـ1856) الذي تمكّن من توسيع دائرة النفوذ العماني التي شملت زنجبار حاضرة له في سنة 1840، وركز جهده على الممتلكات الإفريقية. وامتدّ نفوذ العمانيين شيئاً فشيئاً وتدريجياً، حتّى شمل كل المنطقة الواقعة بين «واد» الشيخ ورأس لقادو، وظلّوا يحكمونها حتّى آلت إلى الإدارة البريطانية في نحو سنة 1890م.
ومنذ اضمحلال النفوذ البرتغالي تجدّدت الهجرة العربية، ومع أنّ جماعات من هؤلاء وفدت من عمان وهم من الإباضية إلاّ أنّهم لم يحاولوا نشر مذهبهم في الموطن الجديد، بل كانت الغلبة للحضارمة الذين يدينون بالمذهب الشافعي([163])، والذين تدفقوا في أعداد كبيرة، وقد أدّى تمازج الأثر الحضرمي مع المؤثرات الإفريقية إلى ظهور ما يعرف بالثقافة السواحلية.
وقد أدّى التفات سعيد بن سلطان إلى الأراضي العمانية في إفريقيا دون سواها إلى بداية نقطة تحوّل هامة في تاريخ العرب في شرق إفريقيا، إذ ظلّ العرب والإسلام حبيسي الرقعة الساحلية، ولم يتوغلا إلى الداخل إلاّ في القرن التاسع عشر. وكان هدف العرب والسواحليين الأساسي هو الحصول على العاج وعلى الرقيق لنقل العاج من أواسط القارة إلى السواحل، ثمّ الاتجار فيه. فتوغل العرب عبر ثلاثة طرق رئيسية إلى تنجانيقا وما وراءها نحو الكونغو ونياسا، حيث شيّدوا عدداً من المحطات التجارية. كما أنشأ العرب على الساحل عدداً من المزارع الكبرى لزراعة القرنفل. فأدّى ذلك الانتعاش الاقتصادي إلى استتباب الأمن وزيادة فرص الاختلاط، فتسرب الإسلام بين قبائل الديقو والزرمو وقبائل دلتا الروفيجي، وكذلك بين بعض زعماء القبائل التي كانت تتعامل مع المسلمين تجارياً ـ مثل الياو النياموزي ـ وحتّى المجموعات التي لم تدن بالإسلام تأثّرت تأثراً كبيراً بالثقافة السواحلية.
وقد خطا الإسلام خطوات و اسعة منذ نحو عام 1880، وهي بداية الحكم الأوروبي، ربما نتيجة استتباب الأمن، وفتح أقاليم للتجارة فتهيأت فرصة جديدة للنفوذ الإسلامي، كما أنّ المستعمرين استخدموا المسلمين كأعوان لهم في إدارة الوظائف الدنيا، فسار الإسلام متابعاً للسكة الحديد وللطرق التجارية. ولكن الإسلام لم يخط بعيداً غرب الساحل الكيني، كما لم تتوغل طرق تجارية إلى ما وراء كينا، خوفاً من هجمات الماساي وغيرهم. وقد بلغ التجار المسلمون منطقة يوغندا منذ عام 1844 وحققوا بعض النجاح في بلاد الملك موتيسا Moutesa ولكن قدوم البعثات المسيحية في أواخر السبعينات أدّى إلى صراع طويل بين الدينين الوافدين، ومع أنّ المسلمين ازدادوا قوة بمجيء المصريين، وبعض الجنود السودانيين، إلاّ أنّ التنافس استمرّ سجالاً، غير أنّ كفة المسيحية رجحت في آخر الأمر.
ويمكننا أن نقول إنّه برغم قرب هذه الديار من جزيرة العرب، فإنّ قدم الإسلام لم ترسخ في المنطقة الداخلية، وظلّ الأثر الإسلامي حبيس الساحل ردحاً من الزمن.
وفي الشمال تسرّبت بواكير الدعوة الإسلامية إلى ساحل البحر الأحمر الغربي الذي تسكنه قبائل البجة (الحامية) وإلى بلاد النوبة منذ فجر الإسلام عن طريقين رئيسيين، أولهما: عبر البحر الأحمر، حيث أدّت الهجرات العربية، بقصد التجارة إلى انتعاش عدد من الموانئ، وإنشاء موانئ أخرى مثل مصوع (دهلك) وباضع وسواكن وعيذاب. وثانيها: من مصر عن طريق وادي النيل والصحراء الشرقية. وقد أسهم التجار المسلمون أثناء توغلهم في بلاد البجة وفي مملكتي النوبة وعلوة المسيحية بالدعوة إلى الإسلام، كما أسهم بالدعوة غيرهم من العرب الذين عملوا بالتنقيب عن الذهب والزمرد في الصحراء الشرقية، وفي نقل البضائع الهندية. إلاّ أنّ دور هاتين الفئتين كان محدوداً إذا ما قورن بدور القبائل العربية التي تدفقت منذ القرن التاسع عشر في هجرات سلمية، بحثاً عن المراعي الجيدة، وهروباً من ضغط الحكومات المركزية في مصر. وبلغت هذه الهجرات ذروتها عندما اشتركت بعض القبائل العربية في الحملات العسكرية المملوكية ضد مملكة النوبة في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر، وقد أضعفت هذه الهجمات السياج السياسي لتلك المملكة، وصارت الأسرة الحاكمة نوبية مستعربة تدين بالإسلام. فتدفق العرب دون رقيب. متابعين مسيرتهم عن طريق وادي النيل إلى أرض البطانة و«الجزيرة» ثمّ عبروا النيل إلى سهول كردفان. ودارفور، حيث التقوا بموجة عربية أخرى كانت قد تابعت شاطئ النيل الغربي، واستقرّ هؤلاء الوافدون في مناطق أواسط السودان الغنية بالمراعي، مسالمين حيناً ومحاربين حيناً آخر. ولمّا زاد عددهم وقويت شوكتهم، قضوا على مملكة علوة المسيحية في أواسط القرن الخامس عشر.
وخلال ستة القرون الماضية انفتح المهاجرون العرب على المجموعات الوطنية من بجة ونوبة وعنج وغيرهم من الشعوب السوداء. فاختلطوا بها وصاهروها، وصبغ العرب البلاد بلغتهم وثقافتهم، واعتنق المولدون دين الآباء، وتمثلوا النسب العربي. ومع أنّ الوطنيين قد أثروا في الوافدين كما تأثروا بهم، إلاّ أنّ سمات العروبة رغم سمرة الأجسام كانت أغلب على النتاج البشري الجديد. وبقيام مملكتي الفونج (1504ـ1821) والفور (1650ـ1874) الإسلاميتين يبدأ الميلاد الحقيقي لغلبة التيار الإسلامي في سودان وادي النيل.
وكان لهجرة عدد من العلماء ورجال الطرق الصوفية من مصر والحجاز والمغرب أثر كبير في تعميق مفاهيم العقيدة الإسلامية ونشرها بطريقة أشمل. وقد وجد المتصوفة، وجلّهم من أتباع الطريقة القادرية، قبولاً عند عامة السودانيين، وتشهد بذلك الأضرحة والقباب المنتشرة في شواطئ النيل، وتعكس روحه طبقات ود ضيف الله. وقد غلبت روح التصوف على الثقافة الإسلامية في سودان وادي النيل حتّى صارت سمة عليها.
وما إن توطدت أركان العقيدة الإسلامية في البلاد، حتّى قام كثير من المولدين من النوبة المستعمرين كالجعليين والركابية والدناقلة بنشر العقيدة في أطراف البلاد الجنوبية والغربية التي لم يبلغها نفوذ الإسلام بعد، كما جذبت مدارس العلوم في الجزيرة، وعند ملتقى النيلين، كثيراً من الطلبة التكرور ومن وادي ودار صليح.
ويدل هذا التطور على أنّ النشاط الإسلامي لم يكن وقفاً على العرب وحدهم، بل أسهم فيه فريق من أهل البلاد، بعد أن تشبعوا بروح الإسلام، وصاروا من دعاته. ولكن دور العرب كان كبيراً في المرحلة الأولى، فالهجرات العربية التي دخلت بلاد النوبة توغلت في السودان، حتّى عمّت معظم الجزء الشرقي منها، بل تابعت طلائعها زحفها جنوباً، حتّى بلغت أطراف الغابات الاستوائية عند خط عرض 11 درجة شمالاً في أوائل القرن التاسع عشر، ولعل هذا أبعد مدى وصلته الهجرة العربية الوافدة من الشمال الإفريقي.
وفي إقليم السافانا الواقع جنوب كردفان ودارفور أخذ البدو يعتمدون على البقر بدلاً من الإبل في ترحالهم، ممّا هيّأ لهم فرصة التجول في مناطق غزيرة الأمطار كثيرة الشجر لم يألفوا الحياة فيها من قبل، ولكن طبيعة المناخ الاستوائي الممطر لم يلائم عرب البقارة وماشيتهم، فوقف زحفهم هناك حتّى حين.
أمّا الأثر العربي الإسلامي في المنطقة الواقعة بين السودان والقرن الإفريقي، والتي كانت وثيقة الصلة بجزيرة العرب منذ فجر التاريخ وإليها هاجر المسلمون هروباً بدينهم، فلم يضرب بجذور عميقة حتّى القرن العاشر. وظلّ حبيس المنطقة الساحلية ردحاً من الزمن.
وقد انتشر الإسلام في بادئ الأمر في المدن الساحلية، التي يتردّد عليها العرب كثيراً بقصد التجارة خاصة تجارة الرقيق. وكان أرخبيل دهلك (وميناؤه مصوع) ومدينة زيلع أولى تلك المدن تأثراً بالإسلام والثقافة العربية. وقد كان للتجار العرب دور رئيسي في نشر العقيدة الإسلامية عبر الطرق التجارية المتفرعة من مصوع وزيلغ إلى الداخل، خاصة في السهول الساحلية بين بدو العفار (أو الدناكل) والسهو. وقد أدّى انتشار الإسلام إلى قيام عدد من الإمارات أسّستها أسر عربية، وقد عرفت هذه السلطنات بالطراز الإسلامي. ومن أشهرها:
1ـ أوفات، 2ـ عدل، 3ـ فتجار، 4ـ وجدية، 5ـ هوبت، 6ـ دوارو، 7ـ وهدية، 8ـ وبالى موره وهرر التي ظلّت معلماً باقياً للثقافة الإسلامية. وكانت أوفات أقوى هذه الإمارات. وقد أسّسها جماعة من بني مخزوم صاهروا الأسرة الحاكمة في أواخر القرن التاسع. واتّسعت رقعتها في ظل بني ولشع، وهم من أصل حبشي. وقد شهد عهدهم مولد حلف إسلامي بقيادة أوفات، ضمّ معظم الإمارات الإسلامية، واشتمل على جزء من جنوب شرقي الحبشة وشمال الصومال. وكانت دائرة نفوذ ذلك الحلف الإسلامي أكبر من مساحة مملكة الحبشة المسيحية نفسها، كما كانت سيطرته على التجارة الخارجية لذلك الإقليم كاملة. ولكن هذا التوسع الإسلامي قد أثار حفيظة مملكة الحبشة بقيادة الأسر السليمانية التي استطاعت أن تعيد للبلاد وحدتها، وأن تنشر العقيدة المسيحية بين الوثنيين في الهضبة الأثيوبية، وأخذت تحاول الفكاك من العزلة التي فرضتها عليها الإمارات الإسلامية وهي تحيط بها من الشمال والشرق والجنوب.
ومنذ أواسط القرن الرابع عشر وجدت الإمارات الإسلامية نفسها في حرب طاحنة مع الأسرة السليمانية، انتهت بتقلّص الحلف الإسلامي، والتزام حكام الإمارات الإسلامية بدفع الجزية للنجاشي عاهل مملكة الحبشة المسيحية. وظلّ النجاشي يدير دفة البلاد دون منازع حتّى ظهور الإمام أحمد القرن[القران أوالاشول] (1527ـ1542) الذي أعلن الجهاد ضد المملكة المسيحية. ولكن انتصاراته الباهرة أصيبت بنكسة بعد مقتله، ولم يبق للإسلام أثر دائم إلاّ في مدينة هرر والمناطق الساحلية وبين العفار والصوماليين.
وفي ذلك الوقت كان الأحباش على اتصال بالصليبية العالمية وعلى علم بما كان يدور في منطقة الشام، وكانت جهود الأوروبيين منصرفة إلى الوصول إلى مملكة القديس يوحنا لتحقيق نوع من التعاون لوقف الزحف الإسلامي. وفي سنة 1517 استولى البرتغاليون على مدينة زيلع واشتبكوا مع المجاهدين في سنة 1542.
ولكن هذا كلّه، لم يصرف المسلمين عن محاولة نشر الإسلام بالطرق السلمية، خاصة على يد التجار والعلماء، ونجحوا في نشره بين قبائل القالا التي انتشرت على الهضبة الحبشية.
وفي الشمال، من منطقة أرتيريا، دخل البدو من قبائل التقرى والحباب في الإسلام أفواجاً، نتيجة هجرات عربية، وقدوم بعض الدعاة من العلماء ورجال الطرق الصوفية. لكن توحيد المملكة على يد ثيودور ويوحنا ومنليك، وأتباع سياسة تبشيرية للعقيدة المسيحية، وضعت حدّاً لانتشار الإسلام بصورة جماعية.
ويتضح من هذا الموجز، أنّ العرب قد قاموا بدور رئيسي في نشر الإسلام بالطرق السلمية، بواسطة التجار والعلماء ورجال الطرق الصوفية. وقد نجح الإسلام، رغم معارضة الحكومة المسيحية في اكتساب أتباع كثيرين. وكانت أغلبية هؤلاء الأتباع من الوطنيين. وعلى هذه الفئة وقع عبء نشر العقيدة الإسلامية والمنافحة عنها ضد الضغوط الصليبية. وكان لصلة الحبشة الوثيقة بجزيرة العرب ومصر أثر في إثراء الحياة الثقافية في البلاد. فكان فقهاء اليمن والحجاز يكثرون من التردّد على تلك الديار، ممّا ساعد على غلبة السمة الفقهية على الثقافة الدينية. وفي هذه المنطقة الساحلية الممتدة من صعيد مصر حتّى بلاد الصومال كتب النصر للإسلام، وتمثله قبائل البجة والسهو والعفار والقالا والصومال تمثّلاً كاملاً، إلاّ أنّ الثقافة العربية رغم تبني هذه القبائل للنسب العربي لم تضرب بجذور عميقة كما هو الحال في أواسط سودان وادي النيل، وظلّت هذه القبائل محافظة على لغاتها وكثير من تقاليدها.
وفي غرب إفريقيا، ونعني بها في هذه الدراسة، في شيء من التجاوز، كل المنطقة الممتدة من غرب سودان وادي النيل حتّى المحيط الأطلسي، وهي تقع بين الصحراء الكبرى والغابات الاستوائية، وهي تمثل الجزأين الأوسط والغربي من المنطقة التي أطلق عليها الجغرافيون العرب «بلاد السودان». وكان الأثر الإسلامي الذي غلب على هذا الإقليم قد وفد من المغرب. ففي المنطقة الواقعة بين دارفور وبحيرة تشاد انتهت موجة الهجرات العربية القادمة من الشرق، بل إنّ دارفور ذاتها قد تعرّضت لبعض المؤثرات المغربية.
وقد حمل البربر المستعربون مشعل الإسلام والثقافة العربية إبان رحلاتهم التجارية عبر الطرق التي تربط بين الشمال الإفريقي وأواسط بلاد السودان وغربها منذ فجر التاريخ. واتخذوا من المدن التجارية المنبثة على أطراف ذلك الإقليم قواعد نشاطهم التجاري والتبشيري.
وكما هو الحال في سودان وادي النيل، كان التجار أو «الجلابة» يجمعون بين دور التاجر والعالم في بث العقيدة الإسلامية. ونتيجة لهذه الصلات السليمة، اتّسع نطاق التجارة، وزادت الهجرة، وكثر الاستيطان، فأدّى ذلك إلى الاختلاط بين الوافدين والسكان الأصليين، مما مهد لنشر تعاليم الإسلام بين الشعوب السوداء: كالولوف، والتكرور، والسوننكة، والديولة، والصنغي، والكانوري، والفلاتة، والماندنقو، والهوسا، وغير أولئك.
فلمّا سيطر المسلمون على بلاد المغرب استمر البربر يرعون العلائق الاقتصادية التي تربطهم ببلاد السودان، خاصة في تجارة الذهب والملح والرقيق. غير أنّ تجار البربر لم يكتفوا بتنظيم القوافل التجارية المتجهة لذلك الإقليم، بل أقاموا لهم أحياء خاصة بهم في مدن ذلك الإقليم، وأنشؤوا مدناً أخرى، مثل أودغشت لتخدم مصالحهم.
وتؤكد المصادر العربية أنّ الإسلام قد انتشر في أوائل القرن الحادي عشر بين سكان نهر السنغال، وكذلك في منطقة الساحل، كما تؤكد أنّ رحلات المسلمين التجارية قد بلغت دولة غانا نفسها. لم تكن الدعوة إلى الإسلام في المدن التجارية وقفاً على التجار فقط، بل إنّ هجرات قبائل البربر التي كانت تتوغل في موجات متعاقبة نحو الجنوب نتيجة بعض الأحداث السياسية في المغرب، كان لها شأن كبير في نشر الإسلام. فقد كانوا هم حلقة الاتصال بين المغرب الإسلامي وبلاد السودان الممتدة حتّى بحيرة تشاد فمن المغرب خرجت بعض قبائل البربر عبر الطريق الساحلي إلى السنغال بينما اندفعت مجموعات أخرى صوب الشرق، حتّى بلغت بلاد البرنو أو كانم.
ويبدو أنّ معظم المؤثرات الإسلامية كانت تنطلق من أقصى الغرب في اتجاه شرقي: من مصب السنغال أو لمنحنى النيجر أو من مراكز الإشعاع الإسلامي، مثل تنبكتو وجني وكنو.
وكان لجهد قبيلتي لمتونة وحدالة، خاصة بعد أن تمثلتا تعاليم المجاهد عبدالله بن ياسين، وتبنتا دعوة المرابطين للجهاد في أوّل القرن الحادي عشر كان لهما دول فعال في نشر الإسلام بين قبائل السودان القاطنة على ضفتي نهر السنغال، وفي المنطقة الواقعة بينه وبين النيجر. وكان لجهادهم في تلك المنطقة أثر في إضعاف مملكة غانا، والاستيلاء على جزء كبير منها، ممّا مهّد لانتشار الإسلام بين شعوبها.
وفي عهد المرابطين أنشئت مدينة تنبكتو التي أمّها التجار وتدفق إليها العلماء من المغرب وبلاد الأندلس ومصر، حتّى صارت حاضرة للعلوم الإسلامية والعربية في ذلك الإقليم. وقد أجمل السعدي وصفها بقوله: «ما دنستها عبادة الأوثان، ولا سجد على أديمها قط لغير الرحمن… مأوى العلماء العابدين، ومألف الأولياء والصالحين» (ص21). وكان لمدينة جني دور مماثل في نشر الثقافة الإسلامية.
ويمكن تقسيم تسرّب النفوذ الإسلامي إلى غرب إفريقيا إلى ثلاث مراحل: الأولى، يغلب عليها الاحتكاك السلمي، وكان تجار البربر دعامته، والمرحلة الثانية، تغلب عليها الحرب. وقد اقترنت بجهاد المرابطين الذين أعطوا للنفوذ الإسلامي سنداً سياسياً. والمرحلة الثالثة، وهي مرحلة تجمع بين السلم والحرب، وبين تعميق مفاهيم العقيدة الإسلامية والدعوة لها، وقد ارتبطت بانتقال الزعامة الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية إلى سكان البلاد الأصليين من الزنوج بعد أن تشبعوا بروح الإسلام. ولعل خير ما يمثل المرحلة الثالثة هو قيام عدد من الممالك الإسلامية السودانية، كمالي، وصنغي وإمارات الهوسا التي جمعت في نظمها السياسية بين أطر محلية وأنماط إسلامية.
وقد أنشأ مملكة مالي شعب ماندنقو الذي اعتنق ملوكه وكثير من أبنائه الإسلام إبان توسع المرابطين في أواخر القرن الحادي عشر. وامتدت رقعتها بين السنغال وتخوم بحيرة تشاد في الشرق، وشملت بلاد التكرور ومالي، وصوصو، وغانا، وكوكو. ومن أعظم ملوكها سنسي موسى (1307ـ1322) الذي خرج في رحلة مشهورة لحج بيت الله الحرام، واصطحب فيها نحو عشرة آلاف مرافق. وكانت تلك الرحلة استهلالاً لدعم الصلات الثقافية بين غرب إفريقيا وعلماء المشرق، الذين تدفقوا في أعداد كبيرة إلى تنبكتو، فازدهر النشاط الإسلامي، وواكب هذا كلّه ازدهار اقتصادي.
وما إن بلغت الدولة أوج عظمتها، حتّى بدت عليها أمارات الضعف، وأخذ الولوف والتكرور ودولة الكانم يتحرشون بها، وانتقلت الزعامة الإسلامية تدريجياً إلى إمارة صنغي، التابعة أصلاً لمملكة مالي. ولا يختلف تاريخ نشأتها عن تاريخ مالي: فقد تسرّب الإسلام إلى أبنائها أيام المرابطين. ويروى أنّ ملوكها كانوا في الأصل من البربر الذين تجري في عروقهم دماء زنجية. ومهما يكن أصل هؤلاء الملوك فإنّها إمارة سودانية، لم تقو على الصمود أمام سلطنة مالي. وقد ارتبط توسعها بالسلطان سنسي علي (1464ـ1492) وأسكى محمد الذي خلع عليه الشريف العباسي عند حجه لقب خليفة بلاد التكرور.
واتخذت الدولة الجديدة في توسعها العسكري مظهراً إسلامياً غلب عليه الجهاد. واتسعت رقعتها حتّى جاوزت حدود مملكة مالي، بل تسرّب نفوذها إلى شمالي نيجيريا، إذ هاجمت بعض إمارات الهوسا.
وقد سعت دولة صنغى لنشر الثقافة الإسلامية وتركيز الحضارة الإسلامية السودانية في المنطقة، في عهدها الذي استمر حتّى نهاية القرن السادس عشر.
ومع أنّ الإسلام قد ظل باقياً في ذلك الإقليم، إلاّ أنّه قد افتقد القيادة الرشيدة التي حظي بها في عهد مالي وصنغى.
ظلّت قبائل الهوسا أو إمارات الهوسا، بتعبير أدق، التي تحتل الجزء الشمالي ممّا يعرف بنيجيريا في وقتنا هذا، ظلّت على الوثنية حتّى القرن الرابع عشر فيما يروي ابن بطوطة. وكلمة الهوسا التي تطلق على الدلالة العرقية (وتعني الضفة الشمالية من نهر النيجر). وأشهر هذه الإمارات كنو وكاتسينا ودورا وزنفرا وقوبير ونقرا وزاريا. وبما أنّ هذه الإمارات السبع تقع في أواسط بلاد السودان، فالراجح أنّ الروافد الإسلامية قد انحدرت إليها من الشمال والشرق والغرب. فقد بلغتها بعض المؤثرات الإسلامية التي وفدت مع قبائل البربر إبان هجرتها صوب ديار الهوسا. ويؤكد تاريخ مدينة كنو أنّ فريقاً من فقهاء الماندنقو قد نشروا الإسلام بين الهوسا في أواسط القرن الرابع عشر، ويبدو أنّ بعض فقهاء المالكية من تنبكتو وجنى قد تقاطعوا على هذه الإمارات، كما وفدت إليها بعض المؤثرات الإسلامية من الشرق من سلطنة برنو في أواسط القرن الخامس عشر. ولعل امتداد نفوذ سلطنة صنغى على أطراف هذه المنطقة قد أحدث بعض هذا الأثر، ولكن رغم هذه الجهود فلم يكتمل انتشار الإسلام بين الهوسا، وظلّت الوثنية متفشية بين كثيرين منهم حتّى مطلع القرن التاسع عشر عند بدء موجة الجهاد الفلاتي.
وفي الإقليم الواقع شرق ديار الهوسا وغرب دارفور، والذي يشمل برنو وكانم وواداي، انتشر الإسلام في مبدأ الأمر نتيجة مؤثرات سلمية كالتجارة، وتدفق قبائل البربر من الشمال، والعرب من الشرق. ولكن كان للطرق التجارية الثلاث بين بدو الزغاوة، الذين كانوا يبسطون نفوذهم على الجزء الصحراوي من تلك المنطقة. وظلّ الزغاوة، فيما يروي البكري على الوثنية حتّى أواسط القرن الحادي عشر، ولكن بنهاية القرن الحادي عشر انتشر الإسلام بين ملوك كانم.
وقد اشتهر الكانميون بالصلات التجارية الواسعة، واهتموا بنشر الإسلام بالسلم والجهاد، خاصة بين القبائل الوثنية الواقعة إلى الجنوب من ديارهم.
وبنهاية القرن الرابع عشر، انتقل مركز الثقل السياسي إلى مملكة برنو التي تسرب الإسلام إليها، وظلّت برنو تسيطر على ذلك الإقليم حتّى أوائل القرن التاسع عشر. وإلى الجنوب من برنو نشأت إمارة باقرمي المسلمة في القرن السادس عشر. وإلى الشرق من سلطنة برنو ازدهرت دولة واداي، وفيها تعيش مجموعات من الزنوج، وعرب لشوا، وتحكمها أسرة مسلمة وفدت من سودان وادي النيل.
ولا تختلف هذه الممالك الإسلامية الشرقية عن ممالك غرب السودان كثيراً، إذ يغلب عليها جميعها مظاهر الحضارة الإسلامية السودانية. فالثقافة الإسلامية الغالبة مغربية السمات. والمذهب السائد هو مذهب الإمام مالك، وهو مذهب يميل في بعض جوانبه إلى التشدّد في الدين. وتظهر هذه الروح بين مواطني سلطنة مالي الذين وصفهم ابن بطوطة بقوله: «فهم أبعد الناس عن (الظلم)، والسلطان لا يسامح أبداً في أي شيء منه، وعدم تعرضهم لمال من يموت في بلادهم، ومواظبتهم على الصلوات، والتزامهم لها في الجماعات، حتّى إذا لم يبكر المرء بالذهاب إلى المسجد لم يجد موضعاً»… (ـ193). ولكن مع تزمّت المذهب المالكي بين المسلمين فإنّ الروح العامة يغلب عليها التسامح، إذ تجمع المجتمعات الجديدة أشتاتاً من الوثنيين ظلّوا يشاركون المسلمين الديار ردحاً من الزمن. فقد كان الدين الإسلامي هو دين الدولة، ودين التجار والفقهاء ولكنّه لم يبلغ من الانتشار والعمق ما بلغه في الشمال الإفريقي. ولذا ظلّ كثير من المعتقدات الوثنية دون رقيب حتّى بداية موجة الإصلاح والجهاد التي انتظمت القارة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.
ومن السمات المغربية الغالبة، أنّ الخط العربي الشائع يماثل القلم المغربي. كما كان أهل بلاد السودان يتشبهون بالمغاربة في زيّهم وفي فنهم المعماري. وتشارك الأسر السودانية الحاكمة غيرها من الأفارقة المسلمين بل تفوقهم في كثرة ظاهرة تمثل النسب العربي، فسلاطين مالي يرجعون بنسبهم إلى الحسن بن علي، وينتسب سلاطين كانم وبرنو إلى سيف بن ذي يزن الحميري، مثل ما فعل ملوك الفونج في سودان وادي النيل عندما ادعوا النسب الأموي.
قلت: إنّ الفتور قد بدأ يدب في المجتمعات الإسلامية، وأصاب الضعف كثيراً من التكوينات السياسية في غرب بلاد السودان وأواسطه منذ القرن السادس عشر، ولكن ما أن انتصف القرن الثامن عشر حتّى بدأت حركة بعث إسلامي جديد غلبت عليها روح إصلاح سلفية، تدعو إلى العودة بالإسلام إلى عهوده المشرقة، وتسعى لتكوين مجتمع إسلامي سليم، يهتدي بالقرآن الكريم والشريعة السمحاء، وتعمل على نشر العقيدة الإسلامية بين المجموعات الوثنية التي ما زالت تحيط ببعض المجتمعات الإسلامية. وقد تزعم حركة الإصلاح هذه جماعة من المجددين والمصلحين ممّن تأثّروا بحركات الإصلاح، كالوهابية والمهدية والسنوسية، التي انتظمت بعض أجزاء العالم الإسلامي وكان هؤلاء المصلحون من أبناء السودان عامة، ومن الفلاتة أو الفلاتي خاصة. وحالف هؤلاء المصلحون اتباع الطريقة القادرية التي أخذت في الانتشار منذ القرن الخامس عشر وكتب لها أن تنشر الإسلام بين الوثنيين، لتحقيق أهدافهم، كما اتخذوا الجهاد وسيلة لتوسيع دائرة نفوذ الإسلام، ممّا مهد لتمكين تعاليم الإسلام على أسس سليمة مثل ما حدث في شمال نيجيريا. وقد صادفت موجة الجهاد هذه بداية توغل الاستعمار الأوروبي، فاتخذ المواطنون الجهاد مظهراً لمقاومة ذلك الزحف، بل إنّ دعوات المهدية التي انبثقت في ذلك حين كانت في بعض مظاهرها رد فعل للتسلط الأوروبي.
ولما كانت حركات الجهاد هذه شديدة التشابه، وقد انتظمت معظم الإقليم، فسأكتفي بذكر بعض الأمثلة. وقد بدأت أولاها في أقصى الغرب، عند فوتا جالون، بغينية، إذ قاد الفقيه إبراهيم موسى الفلاتي الشهير بسوري (مات سنة 1751م) الجهاد ضد السكان الوطنيين من السوسو ـ جالكونه حتّى انتصر عليهم، ونجح في بسط تعاليم الإسلام وتأكيد سيادتها على سواها. وفي فوتا تورو في السنغال طرح سليمان بال (مات في 1776م) نفس التعاليم. وفي عام 1804م بدأت حركة مماثلة في (شمال نيجيريا) قوامها جماعة الفلاتة التي هاجرت إلى ذلك الإقليم، بقيادة الشيخ عثمان بن فودي، المجاهد والمجدد الملهم. وقد امتد نشاط جهاد الفلاتة إلى بعض الأقاليم الوثنية مثل بوربا والورين ونوبى Nupe وبوشى وكاتقوم وزاريا، حيث تسرب الإسلام. وامتد نشاط الفلاتة إلى برنو، لكن الزعيم محمد الأمين الكانمي استطاع بمساعدة عرب الشوا أن يوقف زحفهم. وبموت عثمان بن فودى بويع ابنه محمد بلو أميراً للمؤمنين.
وكان لنجاح عثمان بن فودى وأتباعه أثر كبير على سائر بلاد السودان الوسطى والغربية إذ سار على نهجه ثوار آخرون. ففي ماسينه، قاد الشيخ حمد بري ثورة مماثلة (1810ـ1818) أدّت إلى إنشاء حكومة إسلامية تقارب الصورة المثلى التي يصبو إليها المصلحون المسلمون. ولكن هذه الدولة سقطت أمام موجة أخرى من الجهاد قادها الحاج عمر بن سعيد، من مريدي الطريقة التيجانية، وقد استهل دعوته بجهاد قبائل البامبوا الوثنية حتّى سيطر على معظم إقليمي السنغال والنيجر، وانتهى أمر خلفائه بالتدخل الفرنسي عند نهاية القرن.
ولم يعتمد الفلاتة في نشر الإسلام على الحرب وحدها، إذ كان دورالحرب مفيداً في بسط نفوذ الإسلام السياسي، ولكن ما صاحب حملات الجهاد من حماس ديني ساعد على بث الدعوة الإسلامية بطرق سلمية بين الوثنيين. كما سعوا لتوسيع نطاق دائرته عن طريق التعليم، وكان مريدو الطريقة القادرية التي انتشرت في سائر الإقليم منذ بداية القرن الخامس عشر، خير حليف لهم في هذا المضمار. ولا غرابة في ذلك فقد كان الشيخ عثمان بن فودى وغيره من المصلحين من أجلة العلماء، وقد ألّف الأوّل نحواً من عشرين كتاباً جلّها باللغة العربية.
وفي سودان وادي النيل الذي تأثّر بحركات الإصلاح والجهاد التي اجتاحت العالم الإسلامي وجدت الدعوة المهدية أنّ الحكم التركي المصري (1821ـ1885م) قد وسع رقعة البلاد السياسية، حتّى شملت أجزاء كبيرة من أعالي النيل الأبيض، لم يبلغها الزحف الإسلامي بعد. وساعدت الإدارة التركية المصرية، على بسط النظام والأمن، في الغابات الاستوائية التي خضعت للاستعمار الأوروبي، فاستطاع التجار المسلمون والدعاة من أتباع الطرق الصوفية كالقادرية والختمية أن يتوغلوا في أجزاء لم يكن من المتيسر لهم من قبل بلوغها لصعوبة المواصلات. ولكن الثورة المهدية بتدخلها العسكري في إقليم أعالي النيل أوقفت التسرّب السلمي للإسلام على يد التجار والموظفين. ولما وقعت تلك البلاد تحت السيطرة البريطانية، سعى الاستعمار لوقف المؤثرات الإسلامية والعربية وقفاً تاماً، بينما سمح للمبشرين المسيحيين بالدعوة لدينهم بين الوطنيين، تمهيداً لفصل الإقليم النوبي عن شمال السودان.
وقد عاصرت المرحلة الأخيرة من انتشار الإسلام التوسّع الأوروبي الذي انتهى بسيطرته التامة على سائر القارة الإفريقية.
ففي البدء وقف المسلمون ينافحون في إباء وشمم عن التكوينات السياسية التي ظلّت منذ دخول الإسلام في تلك القارة بعيدة عن أي تسلّط خارجي، ولكنّها صرعت في آخر الأمر وصارت بنهاية القرن التاسع عشر تحت السيطرة الأوروبية.
ويبدو أنّ الظروف التي خلفتها الإدارات الاستعمارية ساعدت على خلق مناخ مناسب للتوسّع الإسلامي. ففي كنف الاستعمار الأوروبي، خطا الإسلام خطوات ثابتة في تعميق المفاهيم الإسلامية في المناطق التي سيطروا عليها في حملات الجهاد في نيجيريا وفي غرب إفريقيا، كما خطوا به خطوات عبر تلك الحدود في مناطق ربما لم يبلغها نفوذ الإسلام من قبل. ففي محاولة الاستعمار لتمكين قبضته من المستعمرات الجديدة، نجحت الإدارات الاستعمارية في توفير بعض الخدمات الأساسية، مثل فتح الطرق، وتحسين المواصلات، واستتباب الأمن، واستقرار الأحواأتستس
ل، ممّا أدّى إلى ازدهار التجارة، وقيام مدن جديدة، كما أنّ التسلّط الاستعماري أضعف التكوينات القبلية ممّا أضعف سياجها، وهيأها لقبول مؤثرات جديدة. وقد استفاد المسلمون من هذه الظروف فتوغل التجار، والدعاة، والموظفون، يدعون للعقيدة الإسلامية.
وبالرغم من أنّ الإداريين البريطانيين والفرنسيين كانوا يخشون من تمرّد المسلمين ضدهم، إلاّ أنّهم اضطروا للاستفادة منهم في الوظائف الإدارية الدنيا، لما لهم من خبرة وصلات مع الشعوب الوثنية التي كان المستعمرون يجهلون عاداتها ونظمها جهلاً تاماً. فقام المسلمون السود (والهنود في شرق إفريقيا) بدور الوسيط بين الفئتين، ممّا هيأ لهم فرصة الدعوة للإسلام.وكان لتفضيل الأوروبيين لهذه الفئات المتعلمة من المسلمين أثر كبيرعلى الوثنيين ممّا رغبهم في اعتناق الإسلام. كما أنّ الإسلام فوق ما يتمتع به من بساطة في تعاليمه، وما يضربه من مثل طيب في المساواة بين أبنائه، دون اعتبار لأصولهم العرقية، فضله كثير من الوطنيين على المسحيحية لعدم ارتباطه بالمؤسسات الاستعمارية. كما أنّ طول ارتباط الإسلام بالقارة الإفريقية واعتناق كثير من أبنائها له جعله معلماً هاماً من معالم التراث الإفريقي.
ومع أنّ الإسلام قد خطا خطوات واسعة سريعة، إلاّ أنّه ما زال في حالة انتشار في بعض البلدان، مثل غينية، ومالي، وسيراليون، ونيجيريا، والكميرون، وشرق إفريقيا. وقد دخل مسرح الدعوة للإسلام مؤخراً جماعات من مسلمي الهند والباكستان، وأهمها الأحمدية الذين اتخذوا من أسلوب الكنيسة في التبشير منهجاً لها، وجعلوا من شرق إفريقيا وغربها منطلقاً لنشاطاتهم، وقد لاقوا نجاحاً كبيراً وكانت الأحمدية أوّل من ترجم القرآن إلى اللغة السواحلية بقصد الاستفادة منه في التبشير. ويعتقد بعض الباحثين أنّ الإنكليز قد شجعوا دخولهم لإحداث الفرقة في «العمل» الإسلامي([164]).
ولكن الاستعمار وإن اضطر للتعايش مع الإسلام إلى حين، أو قُل التعامل مع بعض العناصر المسلمة لظروف قاهرة، فإنّ تاريخ أوروبا كان يفرض على المستعمرين ضرورة التعامل مع المبشرين المسيحيين، وتمهيد الطريق لتثبيت أقدامهم، ووضع العراقيل أمام التيار الإسلامي ونتيجة للتدخل الأوروبي تعثر انتشار الإسلام في كينيا ويوغندا والكنغو ومولاوي خاصة، وفي شرق إفريقيا عامة.
وفي غرب إفريقيا استطاع التيار الإسلامي أن يمضي قدماً في زحفه، وأن يقف في وجه التحدّي الأوروبي المسيحي رغم ما تتمتع به الكنيسة المسيحية من إمكانات متعددة، تدعمها قوّة أوروبا المعنوية ممثلة في خلفيتها الحضارية، وزحفها التكنولوجي، وتفوّقها الاقتصادي.
يتضح من هذا العرض الموجز حقيقتان هامتان أولاهما: أنّ الإسلام استطاع في مسيرته التاريخية التي بدأت منذ منتصف القرن السابع في القارة الإفريقية أن ينتشر في معظم النصف الشمالي من القارة بين أغلبية سكانه، كما نفذ من الساحل الشرقي لإفريقيا إلى يوغندا وكينيا وتنزانيا، وتسرّب مع بعض المهاجرين إلى الكنغو ومنطقة البحيرات، ووفد إلى إفريقيا الجنوبية مع بعض الهنود المسلمين، وما زال يكسب آفاقاً جديدة يوماً بعد يوم.
والحقيقة الثانية: أنّ الأسلوب السلمي كان الطابع الغالب على نشر الإسلام في إفريقيا، وقد أسهم البدو والتجار بدور رئيسي في هذا التحوّل السلمي للإسلام، فقد زخرت هذه الفترة بهجرات بشرية كبيرة، كان قوامها العرب والبربر والقالا وغيرهم من المسلمين. واختلطت هذه الجموع البدوية بمن وفد إليهم من السكان الأصليين، وعن طريق الاحتكاك والتزاوج تسرّبت العقيدة في يسر وبطء. كما أنّ التجار المسلمين سواء كانوا من العرب أو البربر أو النوبة أو الديولة أو الهوسا أو السوينكة، كثيراً ما كانوا يشتغلون بالعلم إلى جانب اشتغالهم بالتجارة. وكانوا في حركة دائمة، يحطون الرحال بين موضع وآخر، عبر الطرق التجارية التي كانت تخترق القارة الإفريقية، ويزاولون الدعوة للإسلام كما يزاولون أعمالهم التجارية، وكان أسلوبهم في الدعوة، ضرب المثل الحسن، وأخذ الناس بالتدرج، دون أن يقتلعوهم من مجتمعاتهم القبلية، أو جذورهم الاجتماعية التي ألفوها. وكان ذلك كلّه ممّا حبّب الناس في الإسلام.
ولعل خير وصف لأسلوب هؤلاء التجار ما كتبه العالم البريطاني توماس أرنولد في كتابه الدعوة إلى الإسلام: «وحيثما شقّ الإسلام طريقه، نجد هذا الداعي المسلم حاملاً الدليل لعقائد هذا الدين ـ فالتاجر سواء كان من العرب أم البول أم الماندنقو، يجمع بين نشر الدعوة وبيع سلعته، وإنّ مهنته وحدها لتصله صلة وثيقة مباشرة بأولئك الذين يريد أن يحولهم إلى الإسلام، وتنفي عنه كل ما يحتمل أن يتهم به من دوافع شريرة. وإذا ما حل مثل هذا الرجل قرية وثنية، فسرعان ما يلفت إليه الأنظار، بكثرة وضوئه، وانتظام أوقات الصلاة والعبادة، والتي يبدو فيها كما لو كان يخاطب كائناً خفياً. وإن ما يتحلى به من سمو عقلي وخلقي، ليفرض احترامه والثقة به على الوطنيين الوثنيين، كما يبدي لهم في نفس الوقت استعداده ورغبته في مدهم بمزاياه ومعارفه السامية. والحاج الذي عاد من مكة مليئاً بالحماسة، من أجل نشر العقيدة التي يقف عليها كل جهوده، متنقلاً من مكان لآخر يعيش على صدقات المؤمنين الذين يحملون الدليل على الحق بين جيرانهم الوثنيين» (ص393).
وينشئ بعض الدعاة، تجاراً كانوا أم علماء، المدارس أو رصيفاتها كالخلاوي والزوايا في الأماكن التي يترددون عليها، فيختلف عليها الأطفال المسلمون والوثنيون على حد سواء.
ولعل ما مهد إلى تقدّم الإسلام تقدّماً جوهرياً هو أنّ معظم الدعاة الذين كانوا من الإفريقيين، ذوي البشرة السمراء، أو السوداء، وأنّ شكلهم هذا جعلهم أكثر قبولاً لدى الوثنيين من أهلهم، كما أنّ انعدام أي تمييز عنصري عند المسلمين كان عاملاً مساعداً. ولعل هاتين الملاحظتين تفسران النجاح النسبي الذي يلاقيه الدعاة المسلمون إذا ما قورن بمجهودات المبشرين المسيحيين القادمين من أوروبا في إفريقيا السوداء.
ويرى بعض المرجفين أنّ الإسلام انتشر بحد السيف. وهذا قول مرفوض، نصيبه من الصحة قليل، ولا يعطي تفسيراً حقيقياً لما حدث. إذ أنّ حروب الجهاد ضد الوثنيين قد وسعت من دائرة النفوذ السياسي للإسلام. وقد مهّدت هذه الغلبة السياسية للمسلمين ليلقوا بثقلهم السياسي والاجتماعي نحو تحويل الوثنيين للإسلام. وهيأت هذه الغلبة أيضاً للدعاة المسلمين أن يتحركوا في حرية وأمان، وأن يدعوا لدينهم بالحسنى، دون ما إكراه أو قهر. إذن فالأمر على خلاف ما ذهب إليه هؤلاء المرجفون، فإنّ الإسلام قد خطا خطوات واسعة بعد أن حرمت السلطات الاستعمارية المسلمين من قوتهم العسكرية، وقد تهيأت له فرص النجاح في أقاليم لم يتقدم فيها كثيراً من قبل.
وقد لوحظ أنّ نجاح الإسلام كان كبيراً في المجتمعات ذات الحكومات المنظمة، كما هو الحال في شمال إفريقيا، وفي الدول التي كانت تدين بالمسيحية، كمصر وبلاد النوبة وعلوة، وبين سكان المدن والمراكز التجارية، أكثر من القرى والأرياف. ولاقى الإسلام نجاحاً طيباً في المجتمعات البدوية التي تفتقد التنظيم السياسي المتطور، وتنقصها الحكومات المنظمة، خاصة بين الشعوب «الحامية» التي تعيش في شمال إفريقيا وشرقها، كالبربر، والبجة، والقالا، والصومال. ولكن الإسلام قد أخفق في إحراز تقدّم ملموس بين القبائل الزنجية التي كانت تعيش في ظروف مماثلة في إفريقيا الاستوائية ـ كالزاندي، والأيبو، والقبائل النيلية، والنيلية الحامية ـ مثل الدنكا، والشلك، والباريا، والماساي، والناندي وغيرها. ولعل حداثة صلة المسلمين بهذه الأقاليم، وقلة من بلغها منهم، وبعدها عن مراكز الثقافة الإسلامية هي السبب في ذلك كلّه.
هذا ما كان من ماضي الإسلام في القارة الإفريقية، ماض مشرق، أثبتت فيه الثقافة الإسلامية متانة منبتها، وقوة فعاليتها، وحسن تكييفها مع الظروف الإفريقية تأثيراً وتأثّراً، حتّى صارت معلماً حضارياً هاماً. ولكن حاضر الإسلام في إفريقيا يواجه تحدّيات كبرى، أهمها: المحاولات الكنسية المتكررة لإيقاف الزحف الإسلامي وإضعاف فعاليته، وثانيهما: تأثير رياح التغيير التي أثارتها الحضارة الأوروبية على المجتمعات الإسلامية عامة وعلى البيئات الإفريقية خاصة.
لا جدال في أنّ اليهودية والمسيحية كالإسلام من الشرائع المنزلة من الحق عز وجل ولكن… العلائق التي تربط بين الدينين الأخيرين، وهما من الأديان الإنسانية الكبرى التي ينضوي تحت لوائها مئات الملايين من الأتباع، قد اتّسمت بالمنافسة الشديدة. وقد تمثّل هذا التنافس أو الصراع في الحملات المغرضة للنيل من الإسلام ونبيّه الكريم، وأدّت أحياناً إلى حرب سافرة كالحروب الصليبية التي بدأت بمحاولة السيطرة على بيت المقدس، وشملت قتل المسلمين ونبش قبورهم في الأندلس، وانتهت بالسيطرة الأوروبية المسيحية على أجزاء كبيرة من الوطن الإسلامي، كما شملت الاتصالات المتكررة بين أوروبا المسيحية وبلاد الحبشة المسيحية بقصد التحالف لوضع حد للتيار الإسلامي الزاحف بين الوثنيين الإفريقيين.
والصراع بين المسيحية والإسلام، أو قضية انتشار الأديان في إفريقيا، من أهم ما يشغل أتباع الدينين عامة والكنيسة بوجه خاص في وقتنا هذا. ولكن نادراً ما يظهر هذا الصراع فوق السطح، بل يظل مستتراً تحت شعارات وواجهات مختلفة، ليس من قصدي أن أستعرض كل مظاهر هذا الصراع، ولكن يكفي أن أقول: إنّ التبشير المسيحي كان في كثير من مظاهره مرتبطاً بالزحف الاستعماري الذي يريد التمكين لنفسه ثقافياً وعسكرياً واقتصادياً. إنّ الأوروبيين منذ دخولهم هذه القارة اعتبروا الإسلام ديناً دخيلاً على المجتمع الإفريقي، وأنّ واجبهم الأوّل هو تخليص الإفريقيين من هذا الخطر، وكسبهم إلى حظيرة المسيحية. ولهذا شنّوا حرباً ما زالت مستمرة ضد الإسلام واللغة العربية، وسعوا إلى عزل الإفريقيين عن مراكز الإشعاع الإسلامي كالأزهر والقيروان، حتّى يقطعوا الروافد الثقافية التي تربط بينهم. وكان سلاحهم الرئيسي لتحقيق هذا الهدف هو التبشير.
والتبشير عند المسيحيين على خلاف المسلمين، عملية منظمة، تخضع لتوجيهات الكنيسة الأم، وتتمتع بدعمها المادي. وقد اعتبر التبشير منذ القدم من أهم واجبات الكنيسة، وهناك رجال أكفاء مدربون خصيصاً لمثل هذا العمل، الذي يتطلب صبراً وجَلَداً ونكراناً للذات، ومعرفة دقيقة بلغة وطبائع الشعوب التي يرغبون في كسبها لدينهم. وينال هؤلاء المبشرون رواتب معلومة، ويخضعون لنظام كهنوتي دقيق.
أمّا في الإسلام، فهو جهد فردي تطوعي في الغالب، إذ لا توجد هيئة مركزية لترشيد مثل هذا العمل ودعمه روحياً ومادياً، سوى ما نجده عند بعض أتباع الطرق الصوفية، في صورة بدائية أو عند «الأحمدية» الذي تمثلوا كثيراً من أساليب الكنيسة في التبشير([165]).
وقد اهتم الأوروبيون بدراسة المجتمعات الإفريقية عامة، والإسلامية خاصة، بغية عزلها سياسياً وثقافياً، والسيطرة عليها فكرياً وروحياً، كما بيّنت في أوّل هذا الحديث، وقد بثّوا الباحثين من علماء التاريخ وعلم الاجتماع، وكان بعضهم ممّن يجيدون اللغة العربية وغيرها من اللغات الإفريقية، لمعرفة تاريخ الإسلام ودوره في الوطن الإفريقي. وفي عام 1952م عهدت فرقة الدومنيكين الكاثوليكية إلى بعض أفرادها التخصّص في الدراسات الإسلامية كما قام ج. س. ترمنغهام، القس البريطاني، وله معرفة تامة باللغة العربية، بدراسة الإسلام فطاف بجميع أنحاء القارة الإفريقية وكان حصاد ذلك نحواً من ستة كتب، أوّلها عن الإسلام في السودان، وثانيها وثالثها عن غرب إفريقيا، ورابعها عن الحبشة، وخامسها عن شرق إفريقيا، وسادسها عن أثر الإسلام على القارة الإفريقية. واستهل دراسته بكتاب عن النظرة المسيحية للإسلام، مبيناً فيه ما يجب عمله، وموضحاً ضرورة إقامة جسور من الحوار والتفاهم مع المسلمين قبل محاولة هديهم للمسيحية.
وقد ترجم الكتاب المقدس إلى كل اللغات المهمة في سائر العالم، بما فيها كل اللغات التي يتكلمها المسلمون. كما أعدّت مجموعة من الكتب لتلائم المزاج الإسلامي بلغات المسلمين الرئيسية وصارت معظم المدن الإسلامية الكبرى هدفاً لنشاط تبشيري تحت ستر حرية الأديان، عن طريق المدارس والمستشفيات والمطابع.
وفوق هذا كلّه، فإنّ عدداً كبيراً من أبناء المسلمين وبناتهم يتلقون تعليمهم في مدارس الإرساليات المنتشرة في طول البلاد الإسلامية وعرضها. ولعل خير مثال لذلك، ما حدث في سودان وادي النيل. وكما هو الحال في سائر البلاد الإفريقية، فقد دخل المبشّرون مع المستعمرين في وقت واحد. وهناك سعى الأسقف قوين للحصول على تصريح من الإدارة البريطانية في البلاد بالسماح له بتنصير أبناء المسلمين، استاء قوين استياءً شديداً جدًّا من هذا التصرف. وورد في مذكراته: «وبينما كنت مهموماً حزيناً في داري على أثر عدم التصريح لي بتنصير أبناء المسلمين… إذ جاءني رسول يدعوني على عجل لسراي الحاكم العام… فقال لي: لقد صرّح لك بافتتاح مدارس في الشمال… ورقص قلبي فرحاً، وأيقنت أنّ الله استجاب دعائي، وما الفرق بين عدم السماح لي بتنصير المسلمين والسماح بتعليم أطفالهم؟ وهل كنت أطمع في أكثر من التصريح لي بافتتاح مدارس تبشيرية؟ وهكذا بدأت العمل فوراً…» (المسلمون 308ـ309). وعلى يد هذا الأسقف تمّ فتح بضع مدارس تبشيرية في شمال السودان، كما قام بإنشاء عدد كبير من الإرساليات في جنوب السودان.
حدث هذا في بلد يمثل فيه المسلمون أغلبية السكان. أمّا في البلاد التي يكونون فيها أقلية، فليس أمام أبناء المسلمين من فرصة للتعليم فوق الأولى سوى مدارس الإرساليات، ومن يرغب في العناية الطبية فليس أمامه غير مستشفيات الإرساليات.
ونتيجة هذه الجهود المكثفة بين المسلمين وسواهم، تحت رعاية الحكومات الاستعمارية، كالبريطانية والفرنسية والبلجيكية والبرتغالية اكتسبت الكنيسة أتباعاً بين الوثنيين خاصة في المنطقة الواقعة «جنوب الصحراء». ولكن مع هذا النجاح فما زالت المجتمعات الإسلامية العريقة موصودة في طريقهم، وما فتئت الانتصارات التي يحققها المسلمون رغم قلة إمكاناتهم التبشيرية تقلق مضاجع الكنيسة. فإنّ بساطة التعاليم الإسلامية مجسدة في قول: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، وسهولة عرض فكرتها السامية في تدرج، تكفي لأنّ يعدّ الوثني نفسه من أتباع الدين الذي يساوي بين الجميع ويفتح أبواب الاخاء الكامل بين كافة أتباعه. فقد اقترنت المسيحية بين الإفريقيين بأنّها دين الرجل الأبيض، وأنّها وفدت في ركاب الاستعمار، كما أنّها لم تضرب بجذور عميقة، وما زالت تبدو وكأنّها كغرس من أجنبي، لم يتأصل بعد مثل ما تأقلم الإسلام في المجتمعات الإفريقية. ولذا تخشى الكنيسة أن يرتد أتباعهم إلى الأديان الإفريقية أو يعتنقوا الإسلام.
ويجب ألا يغيب عن بالنا أنّ الخلاف بين المسيحية والإسلام، وإن اتّخذ مظهراً عقائدياً، فهو خلاف حضاري في المقام الأوّل. فالمسلمون كما نوّهت من قبل يؤمنون برسالة السيد المسيح كما نزلت عليه، ويحترمون تعاليمه، كما أنّ البابوية وصحف الفاتيكان لا تنزل الإسلام منزلة العدو الأوّل، وربّما لا تتشّدد في مقاومته مثل ما تفعل نحو معتقدات وأفكار أخرى. وحقيقة الأمر، أنّ قوى التبشير العالمي ليست إلاّ امتداداً لسيطرة الغرب، وامتداداً لغلبة الحضارة الأوروبية فكرياً وتقنياً واقتصادياً. فقد نجحت أوروبا الغربية خلال القرنين الماضيين في أن تبسط نفوذها العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي على أجزاء كبيرة من المعمورة، نتيجة للمنجزات الفنية، والتطور الصناعي، وما تبعه من توسع اقتصادي، وتحسين المواصلات ونشر للفكر الأوروبي روحياً كان أم مادياً. وبمعنى آخر صارت حضارة الغرب هي الحضارة الطاغية في عالم اليوم، فسعت لفرض سلطانها على الأمم الأخرى بكل الوسائل، سلمية كانت أم عسكرية.
وقد تمّت هذه الغلبة لأوروبا المسيحية في وقت كان معظم المسلمين يغطون في سبات عميق بسبب الجهل والجمود، والتخلف. وانتقل زمام المبادرة منهم، نتيجة التسلط الأوروبي، إلى منافسيهم، فانتشرت الجمعيات التبشيرية وعمّت مؤسسات الحكم الأوروبية في البلاد، وسادت أنماط السلوك والتقاليد الأوروبية، وصارت السمة الغالبة للفكر الأوروبي، وغلب نظام التعليم المدني على التعليم الديني التقليدي، بل فضله كثيرون لأنّه يعطي فرصة أفضل لكسب العيش. وكانت استجابة المسلمين لهذه المؤثرات متفاوتة، فاستكان بعضهم وقاوم آخرون. فقد آثرت فئة الانكفاء على الماضي، وأعلنت الجهاد على التسلط الأجنبي وعلى البدع الأوروبية كالثورة المهدية، واختارت فئة ثانية أن تتمثل كل الحضارة الوافدة، وأن تذوب في طوفانها، كما فعل الأتراك بقيادة كمال أتاتورك، وارتضت الأغلبية أن تسلك مسلكاً وسطاً، محاولة اختيار ما يوائم واقعها للخروج من أطر الجمود والعوز، على أساس من العلم والمعرفة لمواجهة التحدّي الغربي.
ولا شك أنّ الانتصارات التي حققتها الحضارة الأوروبية قد جعلت كثيراً من المسلمين سواء كانوا في إفريقيا أم آسيا يفقدون الثقة في أنفسهم، وأصابهم ما يشبه خيبة الأمل في فعالية الإسلام ـ وهي جهد حضاري متطور ـ وطنّوا أنّه لم يعد يوائم روح العصر، وغير كفء للصمود أمام حملات التشكيك التي تبثها الدعاية الأوروبية.
وحتّى نخرج من هذه الأزمة النفسية، وهي أزمة ثقة في الكيان الحضاري الذي ننتمي إليه، لا بد من إعادة النظر في المتغيرات من موروثنا الحضاري. فالمسلمون ليسوا ضد الحضارة الأوروبية، فهي نتاج إنساني مشترك، بل الواجب أن نقتبس منها ما يوائم مقومات الثقافة الإسلامية.
ولكن التكالب على الحضارة الأوروبية، والانبهار بمنجزاتها، وتفضيل الناس للجوانب المادية فيها، أثر على الحضارة الإسلامية، فانفصلت تدريجياً عن جذورها الدينية، وبعدت الشقة بين الجانب الروحي والمدني في مجالات الحياة المختلفة.
وربما كانت الأزمة الحضارية التي يعيشها المسلمون، والشقة المتزايدة في حياتهم بين الواقع والمثال من أعظم التحديات التي تواجه المسلمين، ليس في المجتمعات الإسلامية فحسب بل في المناطق التي دانت له مؤخراً. ولذا وجب على المسلمين في العالم العربي والشرق الإسلامي، وهم بحمد الله أكثر تحرّراً من السيطرة الأجنبية، وأقدم سابقة في الإسلام، وأقوى مركزاً في ميزان القوى العالمية، أن يمدّوا يد المساعدة لإخوانهم المسلمين في القارة الإفريقية، حتّى يتخطوا هذه المحنة الممثلة في الضغوط التبشيرية وما يماثلها من تحديات.
ولا أريد أن أعدّد ما يجب أن نفعله، ولا أقترح برنامجاً، معيناً، ولكن يكفيني بعد هذا العرض السريع للجذور التاريخية لانتشار الإسلام في القارة الإفريقية، والذي نبهت فيه للصعاب التي تواجه الإنجاز العظيم، الذي غلب عليه الجهد الفردي والتطوعي في معظم الأحيان، أن أذكر ضرورة إجراء دراسات ميدانية لحال المسلمين في تلك البلا. كما يجب أن نتقصى احتياجاتهم، والتي تبدو لي أنّها شديدة الارتباط بإمدادهم بمعلمين أكفاء لتدريس مبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية، حتّى لا يقعوا فريسة الدعايات التبشيرية. كما يجب أن ندعم الجهود التي تبذلها بعض الأمم الإسلامية، وأن ننسق بين جهودها في هذا المجال، تحت لواء جهاز واحد. كما هي ضرورة أن نطوّر أسلوب عمل الدعاة المسلمين، بما يوائم روح العصر، إذ لم يعد هناك مجال للجهد الفردي، إذ أنّ التنافس المقنع بين قوى التبشير المختلفة، إسلامية كانت أم مسيحية يتطلب قدراً من الحصافة والتخطيط الواعي. وينبغي أن يسبق هذا كله لقاءات تخطيطية، وندوات علمية، لوضع الأسبقيات، ورسم أسلوب العمل، على أعلى المستويات الإسلامية.
وفي الختام أرجو أن نأخذ قضية انتشار الإسلام، ودعم موقفه في مواقعه الجديدة، في إطار نهضة شاملة للحضارة الإسلامية، نهضة تشمل التحرير من التسلط الأجنبي، والتخلص من الجهل والجمود، ونأخذ بأسباب العلوم الجديدة، واصلة لها بتوجيه ديني متطور، مراعية رفع مستوى المسلم الاجتماعي والاقتصادي حتّى يشعر بالعزة والكرامة، ويصبح سيد نفسه، وموجه مصيره، ليتابع مسيرة الإسلام التاريخية، بقلب ثابت وجنان خلاق.
الدكتور يوسف فضل
أثر الإسلام في إفريقيا
يمكننا تقسيم الإسلام في إفريقيا إلى ستة أقاليم ثقافية، يعتمد تحديدها على المظاهر الجغرافية والعرقية (الأثنولوجية) والثقافية، وكذلك على المظاهر التاريخية للاختراق الإسلامي إلى قلب القارة وآثاره. وهذه الأقاليم الستة هي: إفريقيا البحر المتوسط، السودان الغربي والسودان الأوسط والسودان الشرقي وشمال شرق الحبشة وشرق إفريقيا.
أوّلاً: إفريقيا البحر الأبيض المتوسط:
وهو أوّل إقليم دخله الإسلام، وذلك مع الفتوحات العربية الأولى. وقد أصبح الإسلام متأصّلاً فيه ومغروساً في كل مظهر من مظاهر حياته. ولكن توجد بعض الفروق المحلية بين مصر وأقطار المغرب ناجمة من التاريخ المختلف لكل بلد قبل الإسلام.
إنّ دور مصر في إدخال الإسلام لسائر إفريقيا محدود للغاية، نظراً لأنّها تؤلف عالماً قائماً بذاته، حول نهر النيل، فاتصالاتها كانت ـ إلى حد ما ـ مقصورة على أقطار البحر المتوسط فيما عدا بعض أجزاء من إفريقيا نخص بالذكر منها منطقة النوبة.
أمّا الوضع في المغرب العربي فهو مختلف، ذلك أنّ الصراع كان قائماً بين الصحارى والسهول، فالصحراء الكبرى لم تكن مانعاً كما كان الحال في مصر. وكان الصراع دائماً بين البدو (سكان الصحراء) وبين الحضر (سكان المدن في السهول). ولم يستفد البربر كثيراً من المراكز الواقعة على البحر المتوسط الأمامية، بالنسبة لهم، ولكنّهم تعربوا بعد الفتح العربي واعتنقوا الإسلام، وزادت حركة التعريب بعد هجرة بعض القبائل العربية في القرن الحادي عشر، مثل قبيلة بني هلال. وعلى الرغم من تعريب غرب الصحراء الكبرى المغربية إلاّ أنّ العرب لم يخترقوا وسط هذه الصحراء، حيث ظلّ الطوارق محتفظين بلغتهم وثقافتهم ومعتقداتهم، وفي هذه المنطقة يقلّ البربر فهم يسكنون الجبال (جبال أطلس)، ولكن الطوارق انتشروا جنوباً حتّى حدود أراضي نهر النيجر، وهم بخلاف الطوارق في الشمال فقد تكيفوا بحسب البيئة الطبيعية واصبحوا عاملاً هاماً في تاريخ غربي السودان ووسطه.
ولعل أهم مظهر من مظاهر هذا الاقليم الدينية هو انتشار الصوفية التي يعتبر «أحمد بن العريف» من أقدم رجالها، وهو من قبيلة صنهاجة البربرية، عاش في اسبانيا عام 1143م. وقد بلغت الصوفية أوج عظمتها وانتعاشها على يد « ابن عربي» وممثله في الشمال الإفريقي «ابن مدين» المتوفى عام 1197م. وقد زار أصحاب الطرق الصوفية إقليم الجبال حيث عاش كثيرون منهم مع عائلاتهم في زوايا.
ومنذ القرن الرابع عشر بدأت الصوفية في التخلّف ثم انتعشت فجأة وخطت إلى الأمام على شكل حركة شعبية مرغوبة. وقام زعماؤها مثل «الشدهيلي» بتعليم طرقها الخاصة التي لاقت رواجاً عند طبقة الطليعة الروحية. ولكن تطوّرت هذه التعاليم فيما بعد مكوّنة طوائف ليس هدفها إرشاد أعضائها إلى طرق الوسائل الصوفية وحدها ولكن ربطهم بصلة قوية مع سيد الطريقة أيضاً، ثمّ تطوّرت إلى تقديس الأسياد الروحيين، والنظر إليهم كأنّهم وسطاء مع عالمهم الروحي. وقد بدأ هذا النهج السيد الجزولي المتوفى سنة (1465ـ1466م). وعلى الرغم من أنّ تعاليم الصوفية الأخيرة هذه وما جاءت به من عادات وتقاليد لم تستطع أن تدخل قلوب عامة الناس، ولكن مناهج الأوامر والنواهي الدينية ناسبت أساليب الناس وأفكار حياتهم ومشاعرهم.
ومن خلال هذه الدوافع الجديدة استطاع الإسلام كسب سيطرة متكاملة على كافة الطبقات المتفرقة للمجتمع المغربي. هذا وإن فهم الإسلام ـ كتراث مغربي ـ أوجد نقطة انطلاق تاريخية، ورؤيا جديدة ونوعاً جديداً من المجتمع، فحلّت الأسماء العربية بدلاً من البربرية، سواء في الريف أبو البادية. كما شاع احترام الأضرحة والمقامات الإسلامية التي كانت تزار التماساً للبركة، وأصبحت موريتانيا أو شنقيط مركزاً هاماً لمثل هذا النشاط الروحي، وكذلك الساحل السوداني.
ثانياً: السودان الغربي
يعتبر الحاميون والزنوج أوّل الأقوام الراحلة (المتنقلة) التي تحترف الرعي في هذا الإقليم، بينما استقرّ غيرهم من الشعوب ليعملوا في الزراعة. وقد امتزجت الحضارة والزرّاع والرعاة فيما بعد. وقد كان لاختلاف حضارتهم وامتزاجها أثر هام على مظاهر التاريخ الإسلامي في إفريقيا. ولكن منذ القرن التاسع الميلادي زاد عدد بربر الصحراء وقويت شوكتهم. وعن طريقهم انتشر الإسلام ومؤثراته الحضارية، وذلك لأنّ الصحراء لم تكن ـ كما قلنا ـ عامل فصل يفصل الشمال الإفريقي عن الساحل الغاني، بل كانت الصحراء الكبرى طريقاً هاماً لتجارة الملح والذهب، وظلّت كذلك إلى ما بعد الفتح العربي الإسلامي للشمال الإفريقي. وبهذا وصلت المؤثرات العربية في القرن الحادي عشر إلى أعالي السنغال وإقليم الساحل الأطلسي. وقد عبرت القوافل هذه الصحراء إلى ساحل دولة غانا لتتبادل معها الملح وبضائع بلدان البحر الموسط كالذهب والرقيق. وقد خصّص الغانيون حياً خاصاً للتجار المسلمين، وفيه شيّدوا لهم مسجداً. وتأسّست مراكز إسلامية مثل «كوغا» kugua، ونتيجة لهذا ظهرت طبقة من الزعماء السودانيين الروحيين اشتغلت بالحفاظ على الإسلام وأحواله وشؤونه.
ويبدو أنّ ظهور دولة المرابطين في غرب الصحراء زاد من تأكيد انتشار الإسلام عند بربر الصحراء مثل «جودالا» Goddala و«المتونة» Lamtuna وعلى الرغم من أنّ هذا الأثر قد غيّر من المزيج السياسي للمغرب إلاّ أنّه لم يؤثر كثيراً على السواحل الغربية الإفريقية، فيما عدا فتح العاصمة غانا سنة 1076م وحطّم قوّة الدولة الغانية ومزقها إلى عناصر مختلفة، ولكن كان من نتائجها اعتناق جماعات «السوننكيين» Soninks الإسلام، الذي ساد أعالي السنغال في منطقة «التوكولر» Tokolor وساحل السوننكي، وأصبح المسلمون يشكلون طبقة التجار. وعن هؤلاء انتشر الإسلام في ساحل غانا وشماله.
أمّا الزنوج الناطقون بلغة «الفلفلدي» Fulfuled في أعالي السنغال والذين يطلق عليهم «التكرور» فقد اعتنقوا الإسلام فيما بعد وأصبحوا من المتعصبين له.
ولا ننسى في هذا المقام أثر انتشار البربر في أواخر عصر المرابطين على اعتناق كثير من الأفارقة للإسلام. وكذلك كان لدولة «مالي» دور كبير في هذا المجال. وقد كانت مالي دولة كبيرة يحكمها صن جاتا Sun jata (1250ـ1255م) الذي شملت فتوحاته الواسعة دولة غانا. وزادت شهرة مالي بعد أن واظب حكامها الملقبين «بالمنساس» Mansas على الحج وشجعوا التجارة، وحببوا العرب على زيارة بلادهم مثل ابن بطوطة الذي زار البلاد بين عامي 1352 و1353م.
ثالثاً: السودان الأوسط
ويشمل هذا الإقليم القسم السوداني الممتد من بلاد جماعات «السنغاي» Songhay، في منتصف النيجر عبر أراضي الحوصا أو الهوسا Hosa والبورنو Bornu و«كانم» Kanem وواداي Waday، إلى دارفور في جمهورية السودان.
ونجد أنّ تاريخ توغل الإسلام في هذا الإقليم وتأثيره مختلف تماماً عمّا هو في السودان الغربي، والسبب يعود إلى نظام الطرق التجارية، فقد كان التجار من الشمال الإفريقي ينشطون على ثلاثة محاور تعبر الصحراء إلى السودان الأوسط. ويروي اليعقوبي أن تجارة الرقيق كانت تجري عن الطريق الممتد من طرابلس عبر «زاويلا» Zawila إلى «كاوار» Kawar ومنها إلى المراكز التجارية الهامة التي كان يرسل إليها زعماء الزنوج والتجار عبيدهم ورقيقهم، والفارق بين غربي السودان ووسطه أنّ النقاط الرئيسية للتبادل التجاري كانت تقع على هذه الطرق في قلب الصحراء وليس على أطرافها أو حدودها، كما أنّ البدو هنا الذين يطلق عليهم «زغاوة» Zaghawa كانوا حماة للتجارة بحكم سيطرتهم على أقاليم «كاوار» Kawar وتبستي Tibesti وبسطوا نفوذهم على «كانم» وشمال شرق بحيرة «تشاد» وفي نهاية القرن الحادي عشر دخل ملكهم «هيوم» Hume الإسلام، وحذت باقي القبائل حذوه. وقد كانت هذه القبائل ـ التي كوّنت لها دولة فيما بعد ـ على علاقة طيبة بكل من تونس وطرابلس ومصر. ويمكننا القول إنّ الإسلام لم ينتشر في هذه المنطقة بواسطة التجار وإنّما عن طريق رجال الدين الذين جاؤوا من «كانم» والسودان الغربي.
رابعاً: السودان الشرقي أو النيلوتي
إنّ الموقع الجغرافي للسودان الشرقي قد جعل منه منطقة تفاعل بين الحاميين والزنوج وعرب إفريقيا. وكان الأساس البشري لهذا الإقليم هم الأقوام الحامية الشرقية أو «الكوشيين».
وفي أثناء الفتح العربي الإسلامي لمصر كان في جنوب أسوان دولتان نيلوتيتان تدينان بالمسيحية هما: ماكارا Maquarra وعاصمتها في دنقلة، وتمتد من حدود الشلال الأوّل حتّى التقاء النيل بفرعه في عطبرة، والدولة الثانية اسمها «علوة» Alwa وتمتد من حدود الدولة الأولى وتشمل النيل الأبيض والأزرق، وعاصمتها «سوبا» Soba قرب مدينة الخرطوم حالياً. وقد ظهر الإسلام لأوّل مرّة على يد الفاتحين الأوائل لمصر من العرب، ولكن حال دون تقدّمه جنوباً دولة ماكارا. ولكن والي مصر عبدالله بن سعد قاد حملة إلى جنوبي أسوان حتى النوبة، وحاصر دنقلة عام (651/652م). وكان من نتيجتها إبرام معاهدة تحالف وتبادل تجاري استمر عدّة قرون حتّى قيام دولة المماليك البحرية في مصر.
هذا وقد استوطن العرب بين جماعات النوبيين والبجة Beja واستغلوا مناجم الذهب في منطقة «العلاقي» Allagi، ولكن هذه القبائل فقدت عروبتها بعد أن امتصتها الجماعات النوبية والبجية. ومن هذه القبائل العربية «بنو كنز» التي أصبحت قوّة كبيرة في إقليم الحود، ولعبت دوراً كبيراً في الحوادث التي أدّت إلى سقوط دولة «ماكارا». هذا وقد نشط التجار المسلمون ووصلوا حتّى العاصمة «علوة» وكان لهم حي خاص بهم.
وعلى كل حال فقد تفككت دولة «ماكارا» بعد غزو ركن الدين بيبرس لها بين عامي (1260ـ1270م) فتشجعت القبائل العربية وهاجرت جنوباً إلى الأرضي النوبية.
أمّا «علوة» فقد عاشت بعد سقوط «ماكارا» ولكن تاريخ زوالها ظلّ غامضاً.
ويمكن القول بأنّ هذا الإقليم لم يسيطر عليه الإسلام تماماً إلاّ بعد قيام الأسر الدينية الوطنية التي نشرت تعاليم عبد القادر([166]) (القادرية). وكان معلمو القادرية الأوائل مهاجرين مثل غلام الله بن عبدي الذي استقر في دنقلة حوالي (1360ـ1380م) وعلم القرآن والفقه وأسس له أسرة دينية.
خامساً: إقليم شمال شرق الحبشة
في هذا الإقليم يظهر الكثير من التباين الجغرافي والبشري والثقافي واللغوي والديني. ولما كان ارتباطه المصيري قوي بالبحر الأحمر ووادي النيل فإنّ مؤثّراته السامية جاءت من الجزيرة العربية، فالمهاجرون الذين جاؤوا عن طريق البحر الأحمر كونوا مملكة «أكسوم» Axum في إقليم «تجري» (Tigar)، وفي القرن الرابع الميلادي أصبحت المسيحية عقيدة ملكية واعتنقها جميع الناس. ولكن قيام الإسلام في الشرق الأدنى ومصر فصم عرى ارتباطها بالعالم المسيحي الواسع، وظلّت الحبشة دولة مسيحية في محيط مسلم.
ونظراً لاتصال بلدان البحر الأحمر بجزيرة العرب ـ مهد الإسلام ـ فقد دخلت مدن هذا البحر وجزره وسواحله في الإسلام بعد ظهوره تقريباً «مثل جزر دهلك Dahlak التي خضعت للأمويين في سنة 715م. ومن هذه المدن والجزر والسواحل انتشر الإسلام في الأراضي المنخفضة السهلية المجاورة مثل «البجة» وأفار (الدناقل) Afar Danakil، وذلك بفضل الطرق الجيّدة التي تربط بلاد البجة بموانئ البحر الأحمر، مثل طريق عيذاب الذي كان يسلكه الحجاج عابرو الصحراء ومن زيلع كانت الطرق التجارية تسير نحو الداخل عن طريق «هرر» في الحبشة إلى إقليم المرتفعات. وكان التوسع الإسلامي مرتبطاً بالتجارة التي كانت في أوج نشاطها. وبناء عليه قامت دويلات إسلامية في هذا الإقليم منها «أفات» Ifat و«آدال» Adal و«مورا» Mora، و«هوبات» Hobat، و«جدايا» Jidaya، كما اعتنق الإسلام كثير من القبائل في جنوب نهر «هوامش» حيث نمت هرر كمدينة مسلمة. وكان الإسلام قوة كبيرة يقاوم توسع نفوذ الدولة الحبشية في الجنوب والجنوب الشرقي. وكان من أبرز الشخصيات الإسلامية «أحمد جران» الذي سيطر على الحبشة، ولكنّه قتل في عام 1542م فضعف نفوذ أتباعه.
أمّا في الشمال أي في الإقليم المعروف اليوم باسم «أريتيريا» ـ حيث تقطن قبائل البجة في السهول ـ فقد اعتنقت الإسلام جماعات كثيرة من مدة طويلة، ولكن بحلول القرن التاسع عشر أقبل كثير من القبائل المسيحية على الإسلام.
وبعد ذلك ضعفت شوكة المسلمين بعد النجاح الذي أحرزته الملكية في الحبشة، وما نجم عن ذلك من توحيد الدولة، وكان هذا إبان النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد كان لجهود الأباطرة الأحباش العظام ـ (1889ـ1913م) ـ أثر كبير في توحيد الحبشة وتوسيع حدودها بحيث ضمّت إليها الدويلات الإسلامية سابقة الذكر.
ومن حيث التأثير الإسلامي يمكننا أن نميز أربع مناطق نفوذ في هذا الإقليم هي:
1 ـ النطاق الساحلي الممتد على طول البحر الأحمر حيث نجد مزيجاً بشرياً من الحاميين والزنوج، ثقافتهم إسلامية، اختلطت فيهم الدماء العربية بحكم الهجرات التي وفدت من الجزيرة.
2 ـ أقاليم الهضبة الشمالية والوسطى، ويسودها الأحباش المسيحيون، ويحيط بهم أقوام مسلمون مثل الجبرتية (الأحباش المسلمون) وجماعات الجالا.
3 ـ السهولة الشرقية والجنوبية الشرقية وهضبة «هرر» حيث تعيش قبائل متنقلة مثل «أفار» Afar أو الدناقل والصوماليين وجميع هذه المنطقة إسلامية.
4 ـ الجنوب الغربي من الحبشة أو إقليم «جيبي» Gibe وفيه يكثر المسلمون ويقل الوثنيون.
سادساً: شرقي إفريقيا
وهو إقليم سهل الاختراق، فقد حضر التجار المسلمون إلى ساحل إفريقيا الشرقي منذ عهد بعيد مكملين للنشاط العربي قبل الإسلام. وقد قسم العرب الساحل الإفريقي الشرقي أربعة أقاليم هي: إقليم بربارا أو كوش وبلاد الزنج ومنها مدينة ممباسا وإقليم سوقالا بلاد الذهب وأراضي واق الواق الغربية في الجنوب.
ويقول الإدريسي (1154م) بأنّ الإسلام كسب مناطق ساحل بربارا ولم يكسب بلاد الزنج فيما عدا جزيرة زنجبار. وفي الشمال دخل الإسلام ساحل كوش حيث تقطن فيه أقوام رحل، فكسب الطبقة الحاكمة لدولة «سيداما» Sidama، وفي الوقت نفسه فإنّ السواحليين المسلمين كانوا يحترفون التجارة، وكانت نظرتهم تجاه المحيط، فلم يهتموا بنشر الإسلام بين الأفارقة، ولكنّهم كوّنوا مجتمعاً سواحلياً اختلطت بهم عناصر من البانتو. ولقد تأثّرت حضارة السواحليين بحضارة حضرموت الإسلامية. وظلّ السواحليون محتفظين بقوتهم ووحدتهم إلى أن جاء البرتغاليون في القرن الخامس عشر، وعملوا على تفككهم وتدهور تجارتهم، فقام النزاع بين جماعات الجالا في الشمال، وعصابات الزنوج الغزاة في الجنوب.
وبعد نحو 200 عام تدهور نفوذ البرتغاليين فطردهم عرب عمان الذين حافظوا على ارتباطهم بالساحل، وأقام بعضهم في جزيرة زنجبار وكانوا من الإباضية، ولكنّهم لم يحاولوا نشر مذهبهم، وعلى العكس من ذلك شهدت هذه الفترة وصول أفواج من مهاجري حضرموت، فبدؤا بكتابة السواحلية بحروف عربية. ولعل انتشار العناصر الإسلامية المتعددة في هذا الإقليم، وبقايا البانتو والشيرازيين واختلاطهم مع الحضارمة أدّى إلى ظهور مكونات الثقافة السواحلية الحالية ذات التوجيه والإلهام العربي، على عكس الحال في إسلام السودان الآتي من بربر المغرب.
وكان تأثير حكام عمان قليلاً على الساحل الإفريقي إلى أن قام «سعيد بن سلطان» المتوفى عام 1856م بنقل مركزه إلى مسقط وحوّل انتباهه إلى إفريقيا، وجعل زنجبار مركزاً لحكومته فيما بعد. وقد بدأ الاختراق العربي السواحلي للداخل في أوائل القرن التاسع عشر من أجل تبادل السلع المختلفة بالعاج، وتمّ التوصل إلى ما بعد تنجانيقا والكونغو ونياسا، وتأسّست مراكز تجارية مستقلة. وبعد فترة من الاستيطان الساحلي لم ينتشر الإسلام بين جماعات البانتو إلاّ بعد سنة 1880م، وذلك بعد أن استولى الألمان على هذه الأراضي وهي منطقة الشرق الإفريقي وتنجانيقا بوجه خاص.
وعلى كل حال، فإنّ انتشار الإسلام في الشرق الإفريقي يختلف عنه في النطاق السوداني، ذلك أن الإسلام لم يدخل إلى المجتمعات القائمة آنذاك بالتدريج، ولكن أنشأ في المرحلة الأولى مجتمعات إسلامية سواحلية، نمت بعد أن دخل الإسلام أقوام من البانتو، وفي المرحلة الثانية التي بدأت بانتشار الإسلام منذ سنة 1880م وكان هذا على شكل كبير، تمّ عن طريق التحوّل الفردي عن المعتقدات غير الإسلامية.
وممّا سبق نجد أنّ أثر الإسلام يقع في أربع مراحل تاريخية، سنعمل على إيجازها طالما أنّها تتمشى مع أربع مستويات أو أنماط إسلامية موجودة في إفريقيا المعاصرة.
تبدأ المرحلة الأولى بعد فتح العرب المسلمين الأوائل لسواحل البحر المتوسط من مصر حتّى ساحل الأطلسي بالمغرب.
أمّا المرحلة الثانية فبدأت بانتشار الإسلام عبر الصحراء الكبرى، ومن النيل إلى نطاق السودان بواسطة التجار ورجال الدين. وأسلم في هذه الفترة القبائل الرحل في الصحراء، وزنوج الساحل، وبعض سكان أنهار السنغال والنيجر والنيل.
وتبدأ المرحلة الثالثة من سنة 1750م، وتمتاز بظهور رجال دين يحملون آراءً وأفكاراً دينية جديدة تمتاز بالتعصب والتزمت وعدم التسامح، وكونوا دويلات في السودان الغربي قرب المحيط الأطلسي حتّى الحبشة شرقاً. والإسلام في هذه المرحلة انتقل من كونه هامشياً بالنسبة لحياة معتنقيه إلى صلب حياتهم الاجتماعية وجوهرها.
أمّا المرحلة الرابعة ففيها انتشر الإسلام بأعداد كبيرة، نتيجة الظروف المناسبة، بعد التوسّع الاستعماري الأوروبي لإفريقيا. وتتمثل هذه الظروف في شق الطرق وتوفير سبل الأمن.
ولعل أهم العوامل التي ساعدت أو عاقت انتشار الإسلام في إفريقيا تعود إلى ظروف مناخية وإلى طبيعة المجتمعات المتأثرة بالإسلام، كما يجب أن تؤخذ في الاعتبار العوامل الموضوعية والذاتية.
كما ينبغي أن لا ننسى العوامل التاريخية التي تشمل الروابط التجارية والهجرة والحركات القبلية والنزاعات السياسية ومسألة الاندماج الثقافي. ويعتبر دور البدو الرحل كبيراً في انتشار الإسلام، لا يوازيه أو يفوقه أهمية في هذا المجال إلاّ دور التجار المتنقلين.
أثر الإسلام في الحياة الاجتماعية
وعلى الرغم من أنّ الإسلام غيّر الأسس الدينية التي كان يقوم عليها الأساس الاجتماعي في إفريقيا إلاّ أنّه لم يسبب تغيّراً اجتماعياً جذرياً لدى الأقوام الإفريقية، أو لم يعمل على فصم عاداتها وتقاليدها قبل دخولها الإسلام. ففي المجتمعات الإفريقية التي اعتنقت الإسلام مبكراً نجد أنّ العادات الحالية عندها هي نتيجة عملية طويلة من التغيّر حدث قبل أن تتأثّر بالقوانين الإسلامية. وفي بعض المجتمعات لم تبدأ عملية التغيّر إلاّ قريباً جدّاً، وبناءً عليه نتبين أنماطاً متنوعة ومتطرفة من عادات وتقاليد المجتمعات المختلفة ممّا يجعل تعميمات هذه الأنماط الاجتماعية أمراً مستحيلاً، إذ أنّ لكل قبيلة ولكل أسرة وعائلة عادتها المميزة من غيرها.
ويبدو أنّ عملية التغيير الاجتماعي لإفريقيا الزنجية لم تتم على النحو الذي حدث في البلاد التي دخلها الإسلام في آسيا أو الشمال الإفريقي. ولعل سبب هذا يعود إلى أنّ الزنوج الأفارقة لم يختلطوا مع المجتمعات الإسلامية المتحضرة في الشمال الإفريقي لوجود الحافز الصحراوي ولهذا فإنّ التغيّر إلى نمط الحياة الإسلامية قد مرّ خلال سلسلة من الخطوات، وحينما تعرف الأفارقة على مظاهر القانون الإسلامي. ولكن بالنظر إلى جميع الشعوب الإفريقية تكاد ترى بوضوح أنّ المسلمين الأفارقة استطاعوا أن يكونوا لهم نمطاً خاصاً من الحياة. ولكن نكاد نلمس اختلافاً واضحاً بين توغل الحركات الدينية التي نقلت الوعي الديني المغربي في القرن السادس عشر إلى النطاق السوداني الغربي وبين السودان الشرقي، والفرق يمكن رؤيته بوضوح من التباين بين السودان النيلوتي حيث ارتبط الإسلام والتعريب بشكل متكامل، وتأثّر السكان فيه كثيراً بالدين الإسلامي كما شاع في الجزيرة العربية ومصر. ولكن سكان وسط السودان وغربه لم تتقبل القانون الإسلامي بالدرجة نفسها التي تقبلها بها أهل السودان الشرقي، نظراً لقرب العرب من شرقي السودان، وبعدهم وعدم تمكّنهم من دخول الوسط والغرب.
وبما أنّ التغيّرات الاجتماعية تستغرق مدّة أطول حتّى يتقبلها الناس على عكس الأمور الدينية التي يمكن اعتناقها بسرعة لما لها من صفة القداسة والاحترام، فإنّ النواهي والمحرمات المتعلقة بالطعام وطرق العادات وذبح الحيوانات ومزاولة الصلوات نجدها عند الأفارقة، ولكن الأمور الخاصة بالعلاقات العائلية والإرث لم تطبق إلاّ بعد مدّة طويلة. فمثلاً نجد الطوارق الذين يسكنون الصحراء وعددهم لا يزيد على 20000 نسمة ما زالوا رغم إسلامهم منذ نحو ألف عام لم يطبقوا أمثال هذه الجوانب الاجتماعية الإسلامية والتي تنظم علاقات الناس بعضهم ببعض. أمّا الأقوام الذين يعيشون في منطقة ثنية النيجر وعند الساحل ـ وعددهم نحو نصف مليون نسمة ـ فقد كان تأثّرهم أكثر. وبناءً عليه نجد أنّ زعماء الجماعات الصحراوية حاولت إحلال الدية بدلاً من الثأر من الأقارب، كما نجد العرف الخاص بتوريث الأرامل شائعاً بين جماعات «ديولا» Dyula وهم تجار في إفريقية الغربية، ولم ينجح الإسلام في تغيير عاداتهم وتقاليدهم تغييراً كبيراً.
والملاحظ أنّ البلاد التي اعتنقت الإسلام وهاجر إليها العرب أخذت من عادات العرب وتقاليدهم الإسلامية ـ كما حدث في المغرب العربي ومصر ـ أمّا البلاد التي أسلمت ولم يدخلها العرب فظلّت محتفظة بكثير من عاداتها وتقاليدها الشائعة قبل إسلامها.
ولو توفّر للإسلام عنصر الزمن لنجح في غرس مظاهره الاجتماعية في نفوس الأفارقة. ويمكننا ملاحظة هذا بشكل واضح من المدن. فمدن السودان الغربي والأوسط مثل تمبكتو Timbuktu، و«جني» Jennei، و«سكوتو» Sokoto و«ميدوجوري» Maidugur، كلّها مدن معالمها الإسلامية واضحة وظاهرة، لا تختلف كثيراً عن أم درمان في السودان، وفاس في المغرب، والقيروان في تونس. ولكن الازدواجية تبدو واضحة في المجتمع بمجرد أن يتحرّك المرء إلى خارج هذه المدن ويصل إلى قرى «السنغاي» Songhay، المجاورة، مثل: «بوزو» Bozo و«هوسا» Hausa أو «كانوري» Kanuri الزراعية، بعكس الحال في قرى السودان الشرقي المستعربة التي تختلف كثيراً عن أم درمان في عاداتها وتقاليدها الإسلامية العربية.
ويبدو أنّ أوّل تأثير للإسلام انصبّ على الأسرة التي غيّر الإسلام ـ من خلال تعاليمه ـ بعض مظاهرها الخاصة بالزواج والطلاق ورعاية الأطفال وكفالتهم، وكذلك العلاقات ـ المتبادلة بين الزوجين والمسؤوليات ونظام الزوجات الرقيقات وما يتعلق بأمور توريثهن. هذا وقد قلّل الإسلام من عدد أفراد الأسرة الإفريقية التي كان يصل عددها إلى ثمانين شخصاً فأصبحت مقصورة على الزوجين وأبنائهما. وجعل الإسلام لرب الأسرة مكانة مرموقة، وكلمة مسموعة.
وفيما يختص بالزواج من الأقارب ـ كانت كثير من الجماعات الإفريقية تحرم الزواج من نفس العشيرة أو البطن، فجاء الإسلام وغيّر هذه الأنماط، وأباح الزواج بين أبناء وبنات الأعمام والعمات والخالات.
وفي المجتمعات الإفريقية الزراعية ـ كان تأثير الإسلام ضئيلاً، فنظام الوقف لم يعمل به، ذلك لأنّ معظم المسلمين كانوا تجاراً بينما اشتغل الوثنيون بالزراعة. ومن الأمور التي يحمد عليها الإسلام أنّه نهى عن إظهار العورات، ونص على ستر الأجسام، وألزم الأفارقة الذين كان بعضهم عراة بارتداء الملابس، ولذلك يميز المسلمون عن سواهم في بعض المناطق الإفريقية بملابسهم الطويلة الفضفاضة. كما نهى الإسلام عن اختلاط النساء بالأغراب من الرجال، وأصبحت دور المسلمين تتميز عن سواها بأسوارها العالية.
أمّا من حيث اللغة فنجد أنّ الحاميين البيض أخذوا العربية، بينما ظلّ الزنوج على لغاتهم، واستخدموا فيما بعد الحروف اللاتينية مع إدخال كثير من الكلمات العربية فيها.
ومن حيث اتصال الأفارقة بالوطن العربي ـ كان هذا منعدماً في الماضي القريب، ذلك لأنّ المستعمرين الفرنسيين والبريطانيين وغيرهم كانوا غير راغبين عن هذا الاتصال، بل إنّهم كثيراً ما وقفوا ضده، وحالوا دون اتصال الأفارقة المسلمين بإخوانهم في الدين من العرب. ولكن بعد استقلال إفريقيا حدث نوع من الاتصال، وقام بعض رجال الحكم ورؤساء الدول الإفريقية المسلمة بأداء فريضة الحج، وتعرّفوا بإخوانهم في الدين. كما أنّ المؤتمرات الإفريقية أدّت إلى تقريب الأفارقة من العرب.
«ملخص عن سبنسر تريمنغهام»
العربية في إفريقيا
وتحدّث المستشرق الفرنسي الخبير بشؤون إفريقيا الأستاذ فانسان مونتاي عن إفريقيا السوداء والوضع الراهن فيها، قال:
ترجع علاقات إفريقيا السوداء بالعالم العربي إلى القرن الثامن على الأقل. فمن جهة الشرق، ذهب فاتحو مصر العرب حتّى الجنوب، ومن جهة الغرب، الذين ذهبوا حتّى المحيط الأطلنطي نزولوا خلال الصحراء إلى جنوب موريتانيا الحالية. ومن جهة أخرى، فإنّ الشاطئ الشرقي لإفريقيا كان مفتوحاً أمام تجار جنوب شبه الجزيرة العربية. وطبعاً كانت هذه العلاقات في البداية علاقات غزو، وعلاقات تجارية دائماً، وعلاقات تبشير ديني. ولا بد من القول إنّها كانت أيضاً علاقات ترى في إفريقيا مستودعاً للعبيد.
40 مليون زنجي مسلم
وأضاف المستشرق: كان العرب يميزون في إفريقيا السوداء طبقتين من الإفريقيين: إفريقيي الغرب حتّى التشاد، وسمّوهم «السودان» ومن هنا كلمة سودان ـ التي عرفت بها كل من مالي والسودان وإفرقيي الشاطئ الإفريقي الشرقي (الصوماليين مثلاً) وكانوا يسمّونهم الزنوج، وقد بدأ إسلامهم باكراً، ويظن أنّ بعض مسلمي السنغال أصبحوا مسلمين بعد القرن الثامن عشر. لكن أكثرية التحويل إلى الإسلام جرت في القرن التاسع عشر تحت تأثير غزاة كبار، كالحاج عمر في السنغال.
التعريب بعد الإسلام
وجواباً على سؤال قال الأستاذ مونتاي:
جرى هذا التحويل إلى الإسلام تعريباً ثقافياً تمّ بطرق مختلفة. إنّ الإفريقيين السود يتكلمون لغات زنجية إفريقية لاعلاقة لها بالعربية. وحيث جرى تأثير الإسلام ظهرت بصماته بطرق عديدة:
1 ـ الأبجدية العربية، وقد أتاحت تثبيت اللغات الإفريقية بكتابتها، وهكذا أصبحت لغة «السواحلي»، مثلاً، هي اللغة الرسمية في تانغانيكا، وأصبح لهذه اللغة أدب يمتد من القرن السادس عشر ومكتوب بلغة إفريقية وأحرف عربية… واليوم أيضاً في السنغال نرى «ألولف» و«الفلان» يكتبون لغتهم بأحرف عربية.
غزو مفردات
2 ـ ظهر التعريب في المفردات. فقد حملت العربية للزنوج مفردات غنية في حقول عديدة: كالحقل الديني والإداري والسياسي، إلخ. لكن هذه الكلمات العربية جرى تحريفها بحيث تأفرقت.
ونسبة هذه المفردات تبلغ 40 أو 50 بالمئة من مفردات بعض اللغات الإفريقية. ولا غرابة، ففي اللغة الفارسية الحالية ما لا يحصى من المفردات المتداولة بالعربية.
3 ـ وظهر التأثير العربي، كذلك في تركيب بعض الجمل وبعض العبارات الإفريقية الزنجية، التي ليست سوى قولبة لجمل عربية.
ترجمة القرآن
4 ـ من العوامل التي ساعدت على انتشار نفوذ اللغة العربية ترجمة القرآن إلى لغات زنجية إفريقية، كما إلى لغة السواحلي وألولف وسواهما. وأصبح بإمكان الإفريقي المقارنة بين الأصل والترجمة. وقد نقلت الترجمة كثيراً من الكلمات العربية بحرفيتها.
5 ـ لجميع هذه الأسباب نرى أنّ اللغات الكبرى في إفريقيا هي اللغات الإفريقية التي أسلمت وجرى تعريبها، مثلاً: اللغة الفلانية التي تمثل 7 ملايين فلاني منتشرين من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، الهاوسا التي يحكيها 10 ملايين خصوصاً في جمهورية نيجيريا، السواحلي التي يحكيها 30 مليون إفريقي أسود في إفريقيا الشرقية والكونغو وجزائر القمر والقسم الغربي من مدغشقر.
العربية لغة رسمية في السودان وحده
وجواباً عن سؤال قال المستشرق مونتاي إنّ العربية ليست لغة رسمية إلاّ في سودان النيل أو السودان الشرقي وعاصمته الخرطوم، وذلك لأسباب محض تاريخية. وأضاف: خارج السودان لا نجد اللغة العربية لغة رسمية ولا لغة قومية. لكنّها داخلة في برامج التعليم في المدارس القرآنية وإن تكن على مستوى منخفض من حيث الجودة (هناك 30 ألف مدرسة قرآنية في شمال نيجيريا، و60 ألف طفل يدرسون في هذه المدارس في السنغال).
حروف لاتينية محل العربية
وقال: ـ في جميع الدول الإفريقية الحديثة نرى التعليم علمانياً وذلك لأسباب واضحة هي وجود مسلمين ومسيحيين معتنقي الديانات الإفريقية التقليدية. ولكن التعليم الرسمي فرض أحياناً اللغة العربية مادة إجبارية كما في غينيا، إلاّ أنّها إجبارية كلغة أجنبية وفي الصفوف الابتدائية. كذلك في مالي. أمّا في السنغال فالعربية اختيارية، وهناك في الصفوف الابتدائية 4 آلاف ولد يتابعون دروسهم بهذه اللغة يومي الخميس والسبت. وهناك 800 طالب اختاروها كلغة أجنبية، و250 كهلاً يتابعون الدروس الإسلامية. وكانت النتيجة أن مارست العربية تأثيراً على مجموع الإفريقيين الذين احتكت بهم. ويظل هذا التأثير مهماً في المفردات، غير أنّ الحروف العربية بدأت تنقرض في الكتابة لتحل محلها الحروف اللاتينية، خصوصاً في المستعمرات الفرنسية السابقة حيث تعتمد الكتب والصحف والأحرف اللاتينية.
واستطرد الأستاذ مونتاي: ـ يبقى عند الكثير من الإفريقيين، حتّى غير المسلمين منهم، الرغبة أو الإرادة في تعلّم العربية كثقافة عالمية وكأي لغة أخرى فرنسية أو إنكليزية. يجب الاستنتاج، من هذا، أنّ هذا التعريب هو محض ثقافي وخال من أي عروبة.
«انتهى حديث الأستاذ مونتاي»
إفريقيا من رق الاستعمار
إلى الحرية والاستقلال
أصبح تطور إفريقيا السياسي حديث الناس في أقطار العالم. وهي التي ألف الناس أن ينظروا إليها من قبل بوصفها مجرد «مستعمرات»، لا حول لها ولا خطر، وقد حرمت كل حق في الحرية، والتصرف في شؤونها وفق ما تطلبه مصالحها ويرتضيه شعبها. ولكن موجة الاستقلال مشت إلى إفريقيا. وبات حكامها من أبنائها، وصارت حكوماتها ترسل السفارات والبعثات السياسية إلى مختلف العواصم وتشهد المؤتمرات الدولية، وتساهم فيما تتخذه من قرارات، وذلك على عدم المساواة التامة مع جميع الأعضاء على اختلاف أشكالهم وألوانهم.
ولعل أعب وأغرب مظاهر التطور الجديد ما نشاهده اليوم في تلك المجموعة من الدول المستقلة التي تدعى «الكومنولث» فالعهد ليس ببعيد حين كانت عضوية تلك المجموعة مقصورة على دول بعينها وهي: بريطانيا وكندا وأستراليا وزيلندة الجديدة، وإفريقيا الجنوبية (لا يدخل في ذلك السكان الأصليون). كانت هذه الدول «البيضاء» الناصعة البياض هي وحدها التي تؤلف الكومنولث ثم انتقلت الأمور إلى طور جديد، عجيب غاية العجب، إذ دخل تلك المجموعة، على قدم المساواة أعضاء سمر مثل الهند وسيلان وبرما، ثمّ دخلها أعضاء سود مثل غانا ونيجيريا وغيرهما! ولست أدري ماذا يحسّه رجل من قدماء الاستعماريين، أمثال جوزيف تشمبرلين لو أنّه رأى هذا المنظر، وقد اجتمع مجلس الكومنولث، واختلط فيه الأبيض بالأسود والأسمر لا شك أنّ هذا المنظر سيدهشه أشد الدهشة. بل إنّ حكومة إفريقيا الجنوبية نفسها ليست راضية عن هذه التطورات الجديدة. وربما دفعها ذلك بالتدرج إلى الانسحاب من الكومنولث! وقد كانت جديرة أن تنسحب منذ أعوام، لولا اعتبارات تتصل بالدفاع عن كيانها، وبعجزها بمفردها عن أن تدفع العدوان عن ثرواتها من الذهب والماس…
لا شك إذن أنّ طوراً جديداً بالغ الخطر قد طرأ على القارة «السوداء»… لكن هذا يجب ألا ينسينا أنّ القارة قد خاضت دون هذا الطور الجديد، بحراً من الدم والعرق والدموع…
منذ مائة عام كان الجزء الأكبر من هذه القارة مجهولاً، لا يعرف الناس من أمره سوى شائعات وأنباء مشوهة. كان أكثر القارة بمعزل عن العالم، لا صلة له بالعالم الخارجي، سوى الأقاليم الساحلية، بخاصة في غرب القارة وجنوبها… أمّا الجهات الداخلية فكان مسدولاً عليها ستار كثيف. وهذا الطور الجديد للقارة، لن نستطيع أن نفهمه تمام الفهم، إلاّ إذا نظرنا إلى الأطوار التي سبقته. وهي على كل حال ليست أطواراً عديدة، بل إنّ من الميسور أن نقسم تاريخ إفريقيا جنوب الصحراء إلى أربعة عهود: أوّلها: عهد العزلة التامة عن العالم، بحيث لم يكن يعلم أحد عنها إلاّ النزر اليسير. وقد انتهى هذا العهد في القرن الخامس عشر، حين بدأ العهد الثاني وهو عهد الكشف وارتياد الجهات الساحلية من القارة… ثمّ جاء العهد الثالث ولا بد لنا أن ننعته بالصفة التي غلبت عليه، وهي تجارة الرقيق… وقد استغرق هذا العهد معظم الفترة من القرن السادس عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر. وجاء بعد ذلك عهد الاستعمار.
ولا بد لنا لكي نصوّر التطور السياسي للقارة أن نلم بعض الإلمام بكل عهد من تلك العهود، ضاربين صفحاً عن القديم الأوّل، الذي لا نعرف عنه إلاّ القليل.
بدء الكشف عن القارة
في منتصف القرن الخامس عشر، بدأ الأوروبيون يلتفتون إلى قارة إفريقيا، ويحاولون كشف الستار عمّا خفي من أمرها وكانت دولة البرتغال هي أوّل دول أوروبا اقتحاماً لهذا الميدان. ساعدها على ذلك موقعها الجغرافي الذي يغري سكانها بالملاحة ويحببهم بالمغامرات البحرية.
انطلق أسطول برتغالي إذن في النصف الأوّل من القرن الخامس عشر متجهاً نحو الجنوب ملازماً شواطئ المحيط الأطلسي، وبعد أن تجاوز شواطئ مراكش بقليل، تبيّن له أنّ الأقاليم التي تليها من الجنوب ذات طبيعة صحراوية لا أثر فيها لتلك البساتين والزروع الناضرة والثروة الوافرة التي كانوا يتطلعون إليها. وعادت البعثة الأولى أدراجها دون أن تكشف عن شيء يستحق الذكر.
غير أنّ أولي الأمر في البرتغال لم ييأسوا وظلّوا يرسلون السفينة تلو السفينة، وفي كل مرة يحرزون بعض التقدّم، حتّى وصلوا في عام 1460م إلى جهات ذات زرع وعمران، وهي التي ندعوها اليوم «سيراليون» وذلك بعد محاولات دامت ثلاثين عاماً.
كان البرتغاليون لا يبغون إفريقيا من أجل إفريقيا، بقدر ما كانوا يودّون أن يتخذوا من سواحل هذه القارة وسيلة للوصول إلى الهند، وقد كانت بغيتهم أن يظفروا بتجارة الهند، وإن لم يروا بأساً في أن يظفروا ببعض الغنائم الإفريقية أيضاً. وقد أمكنهم أن يصلوا بعد زمن قليل إلى الرأس الذي سمّوه «رأس الرجاء الصالح»، وبعد أن داروا حوله وصلوا إلى الساحل الإفريقي المطل على المحيط الهندي… وهناك وجدوا رجلاً من الهنود اتخذوه دليلاً في اجتياز المحيط ووصلا إلى الساحل الغربي للهند، عند بلدة كاليكوت سنة 1498م.
هكذا كان البرتغال ـ وهم أمّة صغيرة ـ أوّل من اتصل بالقارة الإفريقية وسكانها.
ولكن هذه الجهات الإفريقية التي نزلها البرتغاليون وغيرهم في القرن الخامس عشر والسادس عشر لم تكن أقطاراً أو مستعمرات بالمعنى المعروف. بل مجرد نقط مبعثرة على الساحل، لا تتعمق في الداخل. ولم تلبث تلك النقط أن حصنت، وأقيمت بها القلاع والاستحكامات، ينزل بها ـ ويحتمي بها عند الحاجة ـ عدد من الجنود والملاحين والتجار. وها هنا كان يجري الاتصال بالأهالي من سكان القارة. ويتم تبادل السلع بين الفريقين. وكان أهل هذه السلع التي تؤخذ من إفريقيا: الذهب والعاج. وأمّا ما كان يأخذه الإفريقيون نظير ذلك فسلع أهمها الكحول، والروم، والجن، والأسلحة النارية والبارود. ولم يكن العبيد من السلع الداخلة في التبادل أوّل الأمر، ولكنّها لم تلبث في النصف الأوّل من القرن السادس عشر أن أصبحت هي أهم السلع جميعاً.
تجارة الرقيق
عند ذلك بدأت صفحة من أtظع الصفحات وأشنعها في تاريخ العالم كلّه، وتعرّضت القارة الإفريقية لطوفان من الشقاء قلّما عرف له نظير في جميع العهود، وارتكبت في تلك القرون موبقات قلّما يتصوّرها العقل.
كان البرتغاليون أوّل المشتغلين بتجارة الرقيق، وكان الاتجاه أوّل الأمر إلى الأسواق الأوروبية في إسبانيا والبرتغال. وكان الخطب هيناً لو أنّ السوق ظلّت مقصورة على تلك الجهات دون غيرها. غير أنّ إسبانيا لم تلبث أن عمدت إلى استخدام الرقيق في المزارع والمناجم في جزر الهند الغربية… وإذا بهذه الأسواق الجديدة تستوعب الآلاف بعد الآلاف، ولا تكاد رغباتها أن تنتهي. لذلك أخذت دول جديدة تتسابق في هذا الميدان، فدخلته هولندا وفرنسا والدانمارك وبريطانيا، ولم تلبث هذه الأخيرة أن احتلت المكان الأوّل، وبزّت الجميع في هذه التجارة الضخمة…
نابغ في تجارة الرقيق
كان أوّل من نبغ من الإنكليز في تجارة الرقيق يدعى سيرجون هوكنس Hawkins المعاصر للملكة اليزابيت الأولى. وقد كافأته الملكة على نشاطه بمنحه درعاً نقشت عليه صورة زنجي مصفد بالأغلال. فصار هذا شعاراً له ولأسرته. وكان هذا الرجل يقود سفينته لاختطاف العبيد ثم يبيعهم لأصحاب المزارع في المستعمرات الإسبانية. وقد اختارته الملكة بعد ذلك وزيراً.
هولندا تموّن أميركا بالرقيق
كانت المستعمرات الإسبانية أهمّ الأسواق أوّل الأمر لتصريف هذه السلعة البشرية. ولكن في عام 1620م تحرّكت سفينة هولندية من سواحل غرب إفريقيا وباعت حمولتها من الرقيق لأصحاب مزارع الدخان في ولاية فرجينيا، فكان ذلك بمثابة افتتاح لسوق جديدة تظللها الراية البريطانية وهذه لم تلبث أن صارت هي أعظم الأسواق استيعاباً للرقيق حتّى كان في فرجينيا وحدها في القرن الثامن عشر ما لا يقل عن 200000 من الرقيق.
تجارة رابحة تقسمتها الأمم
وكانت تجارة الرقيق في أيدي شركات رأسمالية، تؤلف بموافقة الحكومة والبرلمان، ويصدر بإنشائها قانون يخوّلها صراحة الحصول على الرقيق من إفريقيا وبيعه في الأسواق وبعد ذلك لا بدّ للشركات أن تسعى لدى حكومة إسبانيا أو غيرها حتّى تخوّلها الحق في توريد الرقيق للمستعمرات. وهذا الترخيص ينص فيه على عدد العبيد الذين يوردون سنوياً…
ولما في هذه التجارة من الربح الكبير كانت المنافسة شديدة بين الشركات وللمقارنة بين نصيب كل منها نذكر أنّ في عام 1790م مثلاً، كان نصيب البريطانيين 38000 رأس، والفرنسيين 20000 رأس، والبرتغال 10000، والهولنديين 4000، والدانمركيين 2000: والمجموع الكلي 74000 فاز الإنكليز منه بأكثر من النصف.
10 ملايين من الرقيق وصلوا أميركا
ومثلهم ماتوا قبل أن يصلوا
ولا يقل عدد الإفريقيين، رجالاً ونساء وأطفالاً، من الذين تصيدهم الأوروبيون ونقلوهم إلى بلاد أميركا عن عشرة ملايين موزعة بين أميركا الشمالية وجزر الهند الغربية وأميركا الوسطى وأميركا الجنوبية، وذلك في المدّة ما بين منتصف القرن السادس عشر ومنتصف القرن التاسع عشر. وفي أثناء اقتناص هذه الملايين هلك عدد آخر لا يقل عن عدد الذين نقلوا ووصلوا أحياء إلى الأسواق الأميركية.
فإنّ طريقة اقتناص الرقيق كانت تتسم بالوحشية والتناهي في القسوة، وكانت الوسيلة المفضلة هي أن تحرق القرى وقت السحر والناس نيام، ثمّ يخطف الناس وهم يحاولون النجاة من النيران. وبعد أن يجمعوا يساقون إلى الشواطئ. حيث أعدّت لهم مستودعات خاصة، يحبسون فيها حتّى تجيء السفن لنقلهم. وهذه المستودعات الخاصة كان يطلق عليها اسم «مصنع» Factory وقد كان في سواحل غرب إفريقيا نحو أربعين من هذه «المصانع» يودع فيها الناس بعد اختطافهم، ولا يعطون من الزاد إلاّ بمقدار ما يمسك الرمق، ثمّ يدمغ كل رجل أو امرأة أو طفل، ويوسم بوسم التاجر الذي اشتراه. ويجري هذا الوسم كما توسم الماشية بقطعة من الحديد الملتهب. ويظلون في محبسهم حتّى يحملوا في السفن. وكان لا بد للسفينة من أن تحمل أكبر عدد ممكن حتّى تقل نفقات النقل. ولذلك كانوا يرصّون رصًّا، الواحد لصق الآخر، كما يرصّ السردين. ومع قلة العناية الصحية والغذائية، كانت نسبة الهالكين لا تقل عن الثلاثين في المائة.
بعد استنكار تجارة الرقيق
ظلّت هذه الحال سائدة، إلى أن انقضت بضعة عشر عاماً من القرن التاسع عشر. ثمّ بدأت ترتفع أصوات في الدانمرك أوّلاً، ثمّ في إنكلترا، تستنكر تجارة الرقيق، وتنادي بأنّ هذا عمل وحشي. فأين كان هؤلاء المستنكرون في غضون ثلاثة قرون طويلة.
ومن الجائز أنّ أصوات الاستنكار كانت موجودة دائماً، ولو بصورة ملطفة، ولكنّها لم يسمح لها بأن تظهر إلاّ في أوائل القرن التاسع عشر. وربما كانت لظهورها في هذا الوقت بالذات أسباب، منها أنّ أسواق أميركا اكتظت بالرقيق، ولم تعد الحاجة شديدة إلى بضاعة جديدة تأتي من وراء المحيط، وفي التوالد والتكاثر الطبيعي ما يكفي لسد الحاجة. وهذا كان سيرتب عليه نقص الأسعار وقلّة الربح.
ومنها أنّ الجهات الإفريقية الغربية ـ الجهات التي أطلقوا عليها اسم ساحل العبيد ـ قد استنفذت مواردها من الرقيق. فأصبح مثلها كمثل المنجم الذي استخرج منه أكثر ما يحتوي من المعدن والباقي يكلف الحصول عليه جهداً كبيراً فيهجر المنجم بسبب ذلك.
ومنها أنّ معظم التجار قد أثروا ثراء فاحشاً، وظهرت في إنكلترا ثورة صناعية، تستهلك رأس المال المتراكم، فاتجه النشاط المالي وجهة جديدة.
ومهما يكن من شيء فقد أخذت إنكلترا تدعو بشدّة إلى حظر تجارة الرقيق، وتعلن هذا في المحافل الدولية، وعلى الرغم ممّا لقيته أحياناً من السخرية والتهكم والمعارضة فإنّ ساستها ثابروا على دعواهم واضطرت الدول إلى مجاراة الإنكليز وأمكن إبرام معاهدات واتفاقات دولية تستنكر الاتجار في الرقيق.
ومن الممكن أن نعتبر الأعوام من 1850 إلى 1870م بمثابة ختام تلك المرحلة الأليمة في تاريخ القارة الإفريقية، وبداية مرحلة جديدة.
من الرقيق إلى الاستعمار
وهنا تأخذ السياسة البريطانية شكلاً جديداً، وتتجه وجهة جديدة. ومن الطريف أن يكون هذا النشاط الجديد متولداً من حركة تحريم الرقيق. فقد رأت بريطانيا أن تمضي في مكافحة تجارة الرقيق بطريقة خاصة. ومن العجيب أنّ هذه الطريقة الخاصة أدّت إلى التوسع الاستعماري. فقد رأت بريطانيا أن ترسل أسطولها الضخم إلى سواحل إفريقيا لمراقبة التجارة المحرمة، من أجل القضاء عليها. وكان لا بد لهذا الأسطول العظيم من موانئ عديدة ومرافئ للتموين في جهات مختلفة ولذلك اضطرت بريطانيا إلى احتلال مساحات كبيرة على الشواطئ الغربية والجنوبية والشرقية، ورفعت عليها الراية البريطانية، وعلى أثر ذلك لم تجد فرنسا بداً من أن تحتل هي أيضاً مساحات أخرى من السواحل الإفريقية، ولم تلبث ألمانيا التي اتّحدت وتكوّنت في عام 1871م أن دخلت المضمار أيضاً.
العهد الاستعماري
وهكذا بدأت تلك الحركة التي أدّت في مدى ربع قرن من الزمان إلى استيلاء بريطانيا على ثلاثة ملايين ونصف مليون من الأميال المربعة يسكنها 46 مليوناً من الخلق. وفرنسا على 4 ملايين من الأميال المربعة يسكنها خمسون مليوناً. وألمانيا على مليون واحد من الأميال المربعة يسكنها 15 مليوناً من الناس.
لقد تمّ هذا التوسّع الاستعماري بسرعة هائلة. ففي عام 1875م كانت المساحات التي تسيطر عليها أوروبا في القارة الإفريقية لا تتجاوز 5000000 ميل مربع أكثرها على الجهات الساحلية. ثمّ ازدادت الرقعة الاستعمارية بسرعة حتّى بلغت ستة ملايين من الأميال المربعة في عام 1890م، وبلغت في عام 1914م قبيل الحرب العالمية الأولى أحد عشر مليوناً ونصف مليون من الأميال المربعة…
ومن المهم أن نذكر أنّ أكثر هذه المساحات العظيمة كان مجهولاً، إذ لم يكن يعرف أحد ما انطوى عليه باطن القارة… وفي عهد تجارة الرقيق لم تحاول دولة أن تستولي على إقليم واحد في الداخل، بل ظلّ سلطانها مقصوراً على بعض الجهات الساحلية… ولذلك لم يكن بد من أن نفرق بين عهد تجارة الرقيق وعهد الاستعمار.
ثمّ بدأت رحلات لكبار المستكشفين في منتصف القرن التاسع عشر. رجال مثل لفنجستون، وسبيك، وبرتون، وغرانت… استانلي…
كشف هؤلاء الرجال عن مساحات شاسعة، وأقطار مترامية الأطراف، عليها مظاهر الغنى والثراء، وسكانها برغم قوتهم وبأسهم لا ينتظر منهم أن يثبتوا طويلاً أمام المبتكرات الأوروبية الحديثة. هنالك أخذت دول «أوروبية» تتحفز وتتأهب، وكل منها ترقب الأخرى حتّى لا تسبقها.
أكبر استعماري من أصغر دولة
ثمّ بدأت الحركة الاستعمارية بداية لم يكن أحد يتصوّرها، فلقد كان المنتظر أن تصدر الضربة الأولى من يد استعمارية عريقة في الاستعمار متمرسة بحيله وألاعيبه، لها بعض الاتصال بالقارة الإفريقية، وبتجارة الرقيق أوّلاً، ثمّ بحضرها من وطنها ثانياً. أجل كان منطق الأمور يقضي بأن تكون بريطانيا أو على الأقل فرنسا، هي البادئة بحركة التكالب. ولو حدث ذلك ما دهش أحد. ولكن الذي حدث فعلاً كان يبعث الدهشة حتماً، فإنّ الدولة ـ بل الدويلة ـ التي دخلت الميدان بقوّة هي دولة بلجيكا، أو بالأحرى ملك بلجيكا ليوبلد الثاني! ذلك الرجل هو الذي رفع السدادة عن فم القمقم، وأطلق المارد الفظيع بمخالبه وأنيابه، وأنفاسه المشتعلة الملتهبة…
كان هذا الاستعماري الكبير يراقب حركة الكشف في القارة الإفريقية، ويتابع بوجه خاص تلك الكشوف الضخمة التي أماط عنها اللثام حوض الكونغو، ما بين عام 1874م و1877م. وعلى أثر عودة استانلي استقبله الملك في قصره في بروكسل، واتفق معه على إنشاء (لجنة لدراسة أعالي الكونغو) ثمّ تحوّلت اللجنة بعد قليل إلى شيء يسمّى «الاتحاد الدولي للكونغو» ولم يلبث المستكشف العظيم استانلي أنّ دخل في خدمة الاتحاد، وأرسل في عام 1879م في بعثة إلى الكونغو من أجل إنشاء «محطات» أو مواقع في داخل حوض الكونغو، وإبرام اتفاقات مع الزعماء الوطنيين، بالنيابة عن الاتحاد الدولي الذي يمثله، وأخذ استانلي فعلاً ينشئ المحطات، ويبرم الاتفاقات، حتّى تجمع لديه منها المئات، وكلّها باسم ذلك الاتحاد الدولي اسماً، والبلجيكي، بل الليوبلدي، دماً ولحماً.
انكلترا تتحدّى بلجيكا
ورأى كبار الاستعماريين في إنكلترا، وفي شبه ذهول كيف استغفلتهم بلجيكا ومليكها. فمد يده بقوة إلى الجائزة التي كانوا يحلمون بالظفر بها… ورأت إنكلترا أو رأى ساستها أنّ لا بد من عمل تحدّ به أطماع بلجيكا التي ليس لها في نظرهم أي حق في التطلع إلى امتلاك جزء صغير من القارة الإفريقية، فكيف وهي تهم بالاستيلاء على مساحة ضخمة تزيد على المليون ميل مربع، مليئة بالخيرات والغلات والمطاط.
مؤتمر لتنظيم الاستعمار
ومن الطريف أنّ فرنسا وبعض الدول الأخرى لم تر بأساً فيما عمله ليوبولد، ومالوا للأخذ بنصح بلجيكا حتّى لا يصيبها الغضب البريطاني بأذى. ورأى بسمارك أن يكون واسطة خير في توزيع الغنائم والأسلاب، وأنّ في المجال الإفريقي الكبير متّسعاً للجميع، على أن يتم كل شيء بالمداولة والاتفاق وأنس من الدول استعداداً لذلك، فأرسل الدعوة لعقد مؤتمر في برلين سنة 1884م فاجتمع في العاصمة الألمانية ممثلو 14 دولة أوروبية، وكذا الولايات المتحدة وتركيا… وقد اعترفوا أثناء المؤتمر بالاتحاد الدولي للكونغو، الذي أنشأه الملك ليوبلد، ونص الاتفاق النهائي الذي تمخض عنه المؤتمر على الأمور الآتية:
1 ـ حرية التجارة في حوض الكونغو.
2 ـ حظر الاتجار في الرقيق.
3 ـ الحياد التام لأراضي الكونغو.
4 ـ حرية الملاحة في نهر الكونغو.
5 ـ حرية الملاحة في نهر النيجر.
6 ـ القواعد التي يتم بمقتضاها احتلال سواحل القارة الإفريقية في المستقبل.
وعلى الرغم من أنّ هذه الأمور لها خطرها، فإنّ أهم منها بكثير ما دار بين المؤتمرين في برلين من المباحثات الجانبية والاتفاقات الثنائية، التي تمّ فيها تقسيم القارة إلى مناطق نفوذ، تطلق فيها حرية الاستيلاء على المستعمرات لكلّ دولة طبقاً لما يقتضيه الاتفاق بينها وبين من يجاورها من الدول الاستعمارية
لم يكن عقد هذه الاتفاقات بين الدول أمراً سهلاً، بل كان هناك تنافس، وكيد يكاد… ولكن كان التنازع ينتهي ـ ولو مؤقتاً ـ إلى شيء من الاتفاق، ويبقى ما في القلب في القلب.
بلجيكا تظفر بالكونغو
وهكذا ظفر الملك ليوبلد بمستعمرة الكونغو كلها، وأطلق عليها اسم «دولة الكونغو المستقلة»، ومعنى استقلالها أنّها خاضعة لسلطانه هو لا لسلطان بلجيكا، ثمّ أخذ يعيث فيها الفساد ويأتي فيها كل إثم ومنكر حتّى ضجّ العالم ممّا ارتكبه من المظالم من أجل جمع المال. فاضطر لأن يتخلى عن ملكه الإفريقي في عام 1908م لدولة بلجيكا، ومات ليوبلد، في العام التالي.
فرنسا وبريطانيا في ميدان
الاستعمار فرسا رهان
أمّا سائر القارة الإفريقية فقد ظفرت منها فرنسا وبريطانيا بالنصيب الأكبر… والمساحة التي احتلتها فرنسا أكبر نوعاً، ولكنّها تشتمل على الصحراء الكبرى، ولذلك لا بد لنا أن نعدّ الكفتين متعادلتين… وقد استأثرت فرنسا بأكثر الإقليم الغربي… ومع ذلك فإنّ بريطانيا ظفرت فيه أيضاً بنيجيريا وساحل الذهب، وسيراليون وغامبيا، واستطاعت بريطانيا أن تبعد فرنسا عن شرق إفريقيا، فيما عدا جزيرة مدغشقر، والصومال الفرنسي، وهو مساحلة ضئيلة على مضيق باب المندب. أمّا ألمانيا فقد ظفرت بمستعمرات في الشرق والغرب ولكنها آلت الى بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى. ووضعت «تحت الوصاية»! وكذلك إيطاليا ظفرت بليبيا والصومال وأريتيريا، وفقدتها جميعها بعد الحرب العالمية الثانية.
أمّا البرتغال فقد ترك لها أنغولا وموزمبيق، بعد أن اقتطعت بريطانيا من كل منهما أجزاء وأطرافاً. كما ترك لها بعض الجزر وجهات ساحلية محدودة. وبين البرتغال والإنكليز على كل حال تحالف قديم يبيح لإنكلترا أن تساهم في استغلال موارد المستعمرات التي ترفرف عليها راية البرتغال.
مستعمرات وحمايات
وهكذا قسمت القارة السوداء إلى مستعمرات، وتمّ إخضاعها لحكام غرباء. وبعض هذه المستعمرات يدعى فعلاً «مستعمرات» أو كما يسمّيها الإنكليز «مستعمرات التاج» وهذه هي التي تحكم بواسطة حاكم عام من قبل الدولة صاحبة السيادة، وبعضها يدّعي «حمايات» أو أقطاراً تحت الحماية، أي أنّ السلطة الوطنية لا تزال قائمة شكلاً، ولكنّها تحت حماية دولة أجنبية، تحميها من كل عدوان خارجي، وتتولّى تنظيم شؤونها الخارجية والداخلية، لكي يتسنى لها تنفيذ تلك الحماية على الوجه الأكمل.
واستوطنها الأوروبيون
ولكن لعل أكبر وجوه الاختلاف في الاستعمار الإفريقي هو مسألة هجرة الأوروبيين واستقرارهم في البلاد… إنّ أفريقيا بوجه عام تغلب عليها الحرارة، التي قلّما يطيقها الأوروبي المستعمر إلاّ لفترة محدودة من الزمان. ولكن هناك هضاب عالية في الجنوب والشرق، هواؤها في غاية الاعتدال وبها غابات وأحراج وحيوان للصيد، ولذلك كثر المستوطنون الأوربيون في إفريقيا الجنوبية وعددهم هناك نحو المليونين، في مقابل عشرة ملايين من الوطنيين… وهناك أيضاً نزلاء أوروبيون في نياسالند وروديسيا الشمالية والجنوبية وكينيا. ومع أنّ المستعمرين في كينيا كانوا لا يزيدون على مائة ألف، فإنّهم يملكون أحسن الأراضي، والمزارع الواسعة، ويسخر الوطنيون لخدمتهم على الرغم منهم.
أمّا غربي إفريقيا فقد أنقذه جوّه الحار من أن يكون به نزلاء مستوطنون، واضطر الاستعمار للاكتفاء بأن يكون له الحكم والإدارة، أمّا الاستغلال الاقتصادي، فلم يكن بدّ من أن يضطلع به الوطنيون القادرون وحدهم على العمل في تلك الأجواء. لذلك كانت للأهالي في نيجيريا وساحل الذهب مزارعهم. وأمكنهم أن يكتسبوا ثروة وينالوا حظّهم من العلم والمعرفة.
النهضة الحديثة
هكذا اختلفت أساليب الاستعمار وكان بعضها شراً من بعض… وقد كان هناك اختلاف أيضاً بين المستعمرات في مسألة تجنيد الأهالي. وقد دأب الفرنسيون منذ زمن غير قليل على أن يتخذوا من سكان المستعمرات جنوداً، يستخدمونهم في كل مكان، وكثيراً ما كانوا يرسلونهم خارج القارة الإفريقية.
ورأى الإنكليز أيضاً أثناء الحرب العالمية الثانية أن يستخدموا الجنود الإفريقيين في المجهود الحربي الذي دام عدّة سنين، مع أنّهم كانوا مترددين في هذا الأمر من قبل…
ومع أنّ شعوب إفريقيا كانت قد استنارت وعرفت حقوقها، وأخذت تسعى جاهدة لنيل حريتها واستقلالها، فإنّ الأزمات العالمية الضخمة تعمل على سرعة التطور، وتنتج فرصاً للتمرس بالشؤون السياسية، وإدراك ما على كل مواطن أن يعمله لوطنه. ورأى بعض الدول الاستعمارية أنّ هذه النهضة لا يمكن كبتها، وأنّ كلّ محاولة لإخماد الشعلة المقدسة مصيرها الفشل. فإنّ الشعوب لن ترضى بعد اليوم أن يكون زمامها بيد أحد سوى قادتها الوطنيين.
محمد عوض محمد
الإسلام واللغة العربية
في غربي إفريقيا
الإسلام واللغة العربية في غربي إفريقيا، إحدى صفحات الحضارة الإسلامية في تلك الأصقاع، وهذه الصفحة بعينها، هي صفحة الماضي المجيد في التاريخ القومي الإفريقي، في عصر ما قبل الاستعمار.
والمقصود بالتاريخ الإفريقي: تاريخ البلاد الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى بصفة عامة، وأمّا غربي إفريقيا فهو ذلك الشطر الغربي من الحزام السوداني أو بلاد السودان([167]) كما عناها جغرافيو العرب ومؤرخوهم. ويشمل المنطقة الواقعة بين بحيرة تشاد شرقاً والمحيط غرباً، وهي التي أطلق عليها كتّاب أوروبا في العصور الوسطى اسم نجرتيا نسبة إلى نهر النيجر، وأوّل من سمّى النيجر باسمه، المؤرخ الروماني القديم بلينيوس الكبير (879م) فقد سمّاه: «نيجريس» أي نيل الأجناس السوداء، ومساحة هذه المنطقة نحو 2,4 مليون ميل مربع.
لقد ظلّ التاريخ القديم لغربي إفريقيا غامضاً حتّى عهد قريب إلى أن كشفت البحوث الأثرية عن حضارات وطنية قديمة، دلّت على أنّ هذه البلاد لم تكن من البربرية أو الهمجية على النحو المتصوّر.
أثبتت هذه الكشوف أنّ حوض النيجر كان مركز نشاط ومدنية منذ أقدم العصور، ويقول بعض كتّاب الغرب: إنّ صناعة الحديد قديمة في غربي إفريقيا.
والثابت أنّ الأثر الشرقي عامة، بارز في حضارة غربي إفريقيا منذ القدم، على أنّ أحدث هذه الآثار وأبينها في مدينة غربي إفريقيا هي التي ترد إلى عصر الإسلام، حتّى أنّ العالم الأوروبي ظلّ يعتقد لبضعة قرون أنّ بلاد السودان عامة والصحراء في شمالها ليست سوى جزء من العالم الإسلامي.
وعن طريق الإسلام، دخل قدر كبير من المدنية والعلوم الإسلامية، بجانب مظاهر الحياة الشرقية الإسلامية. وبرز في رحاب الإسلام، عدد كبير من العلماء الإفريقيين السود الذين كتبوا باللغة العربية في شتى فنون المعرفة، ثمّ بالإسلام ظهر عدد من الإمبراطوريات الإفريقية في ذلك الجزء من القارة، أقامها الوطنيون الإفريقيون، وكان عمادها، زمن ازدهارها وقوتها الدين الإسلامي عقيدة، واللغة العربية أداتها في الإدارة والثقافة والتجارة.
وأقدم هذه الإمبراطوريات: غانا، ثمّ تلتها مالي، ومن بعدها صنغى، كما وجدت إمبراطورية التكاررة في العصور الوسطى، وبعثت مرّة أخرى في العصور الحديثة (القرن 19م) وكان لها دور كبير في كفاح الاستعمار الفرنسي، كما بعثت مالي أيضاً في نفس القرن، ممثلة في مملكة ساموري التوري جد أحمد سيكوتوري الرئيس الحالي لجمهورية غينيا (971م) كذلك قامت إمبراطورية الهوسا، وتمثّلت في عدد من دول الهوسا، مثل كانو وجوبر وكتسنا وكبي وغيرها، وهناك إمبراطورية البرنو التي قامت أوّلاً في كانم ثمّ إقليم بورنو، وهذه عاصرتها وورثتها إمبراطورية الفولانيين أو الفلاتا في العصور الحديثة.
ولعل في هذا العرض السريع، شرحاً وتفسيراً للعبارة الصحيحة التي أطلقها مؤرخ فرنسي حديث منصف هو جوي فقد قال: «إنّه بالإسلام، يبدأ العصر التاريخي لإفريقيا السوداء».
ومن هذا يتضح أنّ أهم السجلات والمصادر التي يرجع إليها في تاريخ غربي إفريقيا هي المصادر العربية سواء كتبها العرب من الجغرافيين والمؤرخين والرحالة والتجار أم كتبها الوطنيون الإفريقيون في غربي إفريقيا وهذه كثيرة لم تحصر بعد.
وينصب موضوعنا على هذه الدول أو الإمبراطوريات الإفريقية الإسلامية، التي قامت في غربي إفريقيا من ناحيتين:
أولاهما: تاريخ انتشار الدعوة الإسلامية وطبيعة هذا الانتشار ولما كان الإسلام أسبق إلى غربي إفريقيا من النصرانية رغم أنّ النصرانية ظهرت قبل الإسلام بما يقرب من ستة قرون؟ ثمّ أثر الإسلام في تلك البلاد.
ومبحث الشطر الثاني هو تاريخ انتشار اللغة العربية والعوامل التي ساعدت على انتشارها وبعض خصائص العربية في تلك البلاد ثم وقفة قصيرة بين اللاتينية والعربية.
عن الجانب الأوّل
هناك خمس مراحل انتشرت خلالها الدعوة الإسلامية في غربي إفريقيا:
الأولى: واستغرقت الأربعة القرون الأولى للهجرة تقريباً وتقابل من القرن 6م إلى القرن 11م.
خلال هذه الفترة المبكرة، وصل الإسلام إلى غربي إفريقيا عن طريق هجرات وحوادث متفرقة ومنظمة، ولم يكون المرابطون أوّل من أدخل الإسلام في تلك المناطق لأوّل مرّة في القرن 11م، بل إنّ حركتهم الحماسية أدّت إلى ازدياد عدد المسلمين فيها.
لم ينعزل قلب إفريقيا عن العالم الخارجي في أي فترة من فترات التاريخ منذ أقدم العصور، فهناك الصلات التجارية والثقافية القديمة، وهذه ازدادت بعد دخول الجمل إفريقيا حوالي القرن 6ق.م. ([168])، ثمّ كثرت الهجرة والصلات بعد ظهور الإسلام ولا سيما بعد الفتح العربي لمصر وشمال إفريقيا خلال القرن الأوّل الهجري والسابع الميلادي.
وليس من شك في أنّ الهجرة الإسلامية الأولى للحبشة عام 615م ـ السنة الخامسة من البعثة والثانية من الجهر بالدعوة ـ أي للطرف الشرقي من الحزام السوداني كان لها أثرها في التعريف بالإسلام في هذا الشطر في ذلك الوقت المبكر، وكان هذا الاتصال الإسلامي الجديد امتداداً للاتصال القديم بين جزيرة العرب وساحل إفريقيا وهو الاتصال الذي أدّى في نهاية الأمر وقبل القرن 11م إلى تأسيس إمارات إسلامية عربية داخل الوطن الحبشي. باسم «ممالك الطراز الإسلامي» لأنّها على جانب البحر كالطراز له([169]) وقد ظلّت قائمة حتّى القرن 16م.
ومن بين هذه الإمارات إمارة قامت في منطقة شوا الشرقية بالحبشة، يحتمل أنّها ترجع إلى حوالي نهاية القرن: (3هـ ـ 9م) (283هـ ـ 896م) ـ أي في زمن الخليفة المعتضد العباسي في (287 ـ 289هـ ـ 892 ـ 901م) بزعامة أسرة عربية تنسب إلى قبيلة مخزوم القرشية يقال: إنّ أسلاف هذه الأسرة هاجروا عبر البحر الأحمر على عهد خلافة عمر بن الخطاب (13ـ23هـ ـ 634ـ644م).
وبجانب هذه الإمارات تكون عدد من المشيخات الإسلامية العربية على طول ساحل إفريقيا الشرقي من عوان ومقديشو في الشمال إلى سوفالا في الجنوب، ويقول المسعودي (القرن 10م) إن سوفالا هي المركز الذي تنتهي إليه السفن العمانية ـ بضم العين ـ في بحر الزنج([170]).
تكوّنت هذه الممالك والمشيخات الإسلامية العربية في أوّل أمرها على الأقل، لا عن طريق الفتح الحربي وإنّما عن طريق التجارة والهجرة والامتزاج بالوطنيين والتسرّب التدريجي، وقد أسلم كثير من القبائل الوطنية في إفريقيا الشرقية، مثل قبائل الساهو والعفو ـ بفتح العين المهملة وتشديد الفاء المفتوحة بعدها راء مهملة ـ شرقي الحبشة، وامتدّ الإسلام إلى مناطق السيدامو وشوا الشرقية جنوبي الحبشة.
الخلاصة
إنّ طريق البحر الأحمر والحبشة من أهم الطرق وأولاها، التي دخل عنها الإسلام إلى شرقي الحزام السوداني، ومنه امتدّ إلى غربي هذا الحزام، أي إلى تشاد فبلاد الهوسا واليوروبا والأشانتي في غربي إفريقيا.
هناك طريق آخر وصلت عنه الدعوة الإسلامية إلى غربي إفريقيا، في هذه المرحلة المبكرة، هو طريق وادي النيل من مصر إلى النوبة فطرق القوافل الشرقية إلى حوض تشاد فبلاد الهوسا.
والطريق الثالث، من شمالي إفريقيا إلى حوض النيجر الأوسط والأعلى وحوض السنغال.
ومعنى هذا أنّ الإسلام وصل إلى غربي إفريقيا منذ وقت مبكر وهذا يفسّر قول القلقشندي، من أنّ أهل غانا أسلموا أوّل الفتح. وما أورده البكري من أنّ جيشاً وصل في صدر الإسلام لفتح بلاد السودان، وأنّ ذرية هذا الجيش استقرّت في غانا، وأنّ أربعة من جنود عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ ـ 720م) هاجروا إلى كانم واستقرّوا فيها.
وفي هذه الصلات التجارية الإسلامية الأولى والأحداث التاريخية خلال القرن 1هـ، ما يلقي الضوء على الرواية التي أوردها البكري وتواترت عند مؤرخي السودان ومؤرخي أوروبا، وهي أنّه وجد في مدينة غانا خلال القرن 1هـ السابع الميلادي، حي إسلامي به اثنا عشر مسجداً، بل وكان في الحي الوثني منها، حيث يقيم ملك غانا الوثني، مسجد يؤدي فيه المسلمون الوافدون على الملك شعائر دينهم.
ومن الجهود التي بذلت لنشر الدعوة الإسلامية في غربي إفريقيا أواخر هذه المرحلة الأولى، ما قامت به إمبراطورية أودغست([171]) في القرن (3هـ ـ 9م) حيث تحكم قبيلة لمتونة البربرية الصنهاجية، ورعاياها من قبائل السوننك الإفريقيين فقد عمل سادة لمتونة على نشر الإسلام بين قومهم من البربر وبين الزنوج المجاورين، حتّى أنّ ملك أودغست: تين يروتان بن وينسو بن نزار (ت 222هـ ـ 837م) كان قد أخضع فيما يقوله البكري، أزيد من عشرين ملكاً من ملوك السودان.
وفي نفس العام الذي توفي فيه هذا الملك اللمتوني، أسلم ملك غانا الوثني المعاصر وهو تلوتان بن تكلان (837م).
وفي مطلع القرن الحادي عشر الميلادي (حوالي عام 400هـ ـ 1009م) أسلم ملك صنغي، من أسرة الازواء وهو زاكاسي ونما في عاصمته جاو على النيجر، حي إسلامي على غرار الحي الذي نما في غانا.
هذه هي خلاصة المرحلة الأولى من مراحل نشر الدعوة الإسلامية في غربي إفريقيا.
ثمّ كانت المرحلة الثانية، على أيدي المرابطين أو الملثمين، خلال القرن (5هـ ـ 11م) والقطب الروحي لحركتهم هو عبدالله بن ياسين الجزولي (ت 541هـ ـ 1059م) فتح المرابطون غانا عام (469هـ ـ 1076م) وأنهوا الحكم الوثني فيها، إذ لم يضطرد إسلام جميع الحكام في بعض الدول الإفريقية، ومنذ ذلك الوقت، وهو أواخر القرن 11م، أصبحت غانا إسلامية، وبفضل حركتهم ازدادت حركة الاتصال التجاري والثقافي مع البلاد الإسلامية حتّى الأندلس شمالاً، والمرابطون هم الذين أنشؤوا مدينة تنبكتو على النيجر، وكانت من قبل قرية صغيرة.
وفي هذه المرحلة أيضاً، كان إسلام وارجابي بن رابيس ملك التكرور (ت 432هـ ـ 1040م) وجهوده في نشر الإسلام في بلاده حوض السنغال الأدنى.
المرحلة الثالثة
وجاءت المرحلة الثالثة في نشر الدعوة الإسلامية، على أيدي سادة مالي الإسلامية، بعد أن أسلم أوّل ملوكها «مانسا جورماندانا» من أسرة الكوناتيين السابقة على أسرة كيتا، حوالي منتصف القرن 11م وجورماندانا هو المعروف في الكتب العربية باسم برمندانة، و«مانسا» بمعنى ملك في لغة الماندنجو سادة مالي.
كان الإسلام قد انتشر في مالي قبل إسلام ملوكها، كما كان الشأن في غانا، ووجد في مالي دعاة وعلماء مسلمون، أسلم ملك مالي على أيدي أحدهم، على أثر وقوع قحط، ومضمون رواية البكري، أنّ هذا العالم كان يقرأ القرآن ويعلّم السنة، فشكا إليه الملك، ما دهمهم بسبب القحط. وحينئذ عرض الفقيه المسلم الإسلام عليه بقوله: أيّها الملك، لو آمنت بالله تعالى وأقررت بوحدانيته وبمحمد عليه الصلاة والسلام وأقررت برسالته واعتقدت شرائع الإسلام كلّها، لرجوت لك الفرج ممّا أنت فيه، وأن تعم الرحمة أهل بلدك. ولم يزل به حتّى أسلم وأخلص نيته وأقرأه ما تيسر من كتاب الله، وعلّمه من الفرائض والسنن ما لا يسع جهله، وأمهله الى ليلة الجمعة وطلب إليه أن يتطهر، ثمّ خرج به إلى الفلاة، واستسقى فأنزل الله الغيث، وحينئذ أمر الملك بكسر الأصنام، وصحّ إسلامه ومن جاء بعده.
تزعّم ملوك مالي بعد ذلك حركة الدعوة الإسلامية في البلاد المجاورة، ويقول القلقشندي: وملك مالي في جهاد دائم وغزو ملازم لمن جاوره من كفار السودان.
ويذكر عن أشهر سلاطين مالي كنكد موسى (ت 1337م) أنّه كان يبني مسجداً في كل مدينة تدركه صلاة الجمعة فيها. وعن منسا سليمان (ت 1360م) أنّه بنى المساجد والمنارات وأقام الجمع والجماعات والأذان وجلب إلى بلاده الفقهاء من مذهب الإمام مالك.
وإلى ملوك مالي وعلماء مالي الإفريقيين يرجع الفضل في نشر الإسلام في بلاد الهوسا.
ويدلنا حادث إسلام ملك جني (جنكي) حوالي القرن (6هـ ـ 12م) على ازدياد عدد المسلمين في بلاده، على النيجر، زيادة تدعو للدهشة، ففي الوقت الذي هداه الله فيه إلى الإسلام، أمر بحشر العلماء المسلمين في بلاده فاجتمع له فيما يقوله السعدي: نحو أربعة آلاف ومائتي عالم، وأسلم على أيديهم، قد يكون هذا الرقم غير دقيق، لكنّه يدل دلالة يقينية على كثرة المسلمين وعلى مدى الحماسة لنشر الإسلام، في مملكة جني بحيث تجمع مثل هذا العدد من العلماء أو ما يقرب منه([172]) حتّى ولو كان الربع.
المرحلة الرابعة
وأمّا المرحلة الرابعة، من مراحل الدعوة الإسلامية في غربي إفريقيا فكانت على أيدي سادة دولة صنغي الإسلامية، وهي التي خلفت مالي في الزعامة والسيادة السياسية على معظم بلاد غربي إفريقيا. وأعظم ملوكها هو أسكيا الحاج (ت 1529م) كان قد أخذ لقب إمام وأمير المؤمنين، وكان على صلة بالشيخ السيوطي([173]) في القاهرة. ولم يكتف سادة صنغي بنشر الدعوة الإسلامية، بل عملوا على تنقية العقيدة من البدع وحاربوا المتنبئين الذين ظهروا في منطقة فوتا جنوب السنغال.
وفي هذه المرحلة كذلك، قام مايات البرنو، بجهود مثمرة في نشر الدعوة، مع العلم بأنّ الإسلام قديم في كانم والبرنو، وأوّل داعية معروف هو محمد بن ماني (القرن 11م) الذي عاش 120 سنة وعاصر خمسة من مايات البرنو، قرأ معهم القرآن وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
ثمّ إنّ الماي عثمان بن زينب (ت 1300م) اشتهر بحماسته لنشر الإسلام بين القبائل الوثنية، وادّعى أنّه من نسل عثمان بن عفان، وفسّر بعض الكتّاب بأنّ «الهادي العثماني» الذي اشتهر بالدعوة الإسلامية في حوض تشاد، هو الماي عثمان هذا.
المرحلة الخامسة
ثمّ جاءت المرحلة الخامسة والأخيرة، على أيدي قبائل الفولانيين أو الفلاتا، زمن ازدهار إمبراطوريتهم في القرن 19م، مع العلم بأنّ إسلام الفولانيين يرجع إلى القرن 14م.
وزعيم حركة الجهاد والدعوة الإسلامية، شيخهم الصالح العالم ومؤسس دولتهم عثمان دان فودي (ت 1817م) ـ دان بمعنى ابن في لغة الهوسا ـ وقد اشتهر بلقب أمير المؤمنين Sarki musulmi شملت إمبراطوريته معظم غربي إفريقيا ولها قاعدتان: صكت «سكوتو» وكانو.
سار ابنه أمير المؤمنين السلطان محمد بلو ـ بتشديد اللام وضمّها ـ على نهجه، والمعروف عن محمد بلو أنّه كان قد منع الضابط المكتشف الإنكليزي كلابرتون عام 1822م من التقدّم نحو النيجر.
وخلال نفس القرن (19م) نهض التكاررة في إمبراطوريتهم، بدور كبير في الدعوة الإسلامية، ولا سيما زمن أعظم سلاطينهم الحاج عمر التكروري (ت 1864م) فازداد انتشار الإسلام في السنغال وفوتا جالون وغينيا.
وعلى أيدي التكاررة، أسلم الولوف (الجف) وللحاج عمر وابنه أمادو (أحمد) تاريخ حافل في كفاح الاستعمار الفرنسي.
ويضم إلى هذه المرحلة، جهاد ساموري التوري جدّ أحمد سيكوتوري رئيس جمهورية غينيا (1871م) في نشر الإسلام، فقد أخذ لقب إمام Alimami وله كفاح مشهور ضد الاستعمار الفرنسي، استغرق نحو 30 سنة حتّى 1900م.
والمذهب الغالب عند مسلمي غربي إفريقيا، هو مذهب الإمام مالك (ت 179هـ ـ 795م) ويوجد في كانم بعض الشافعية، وللكانميين مدرسة مالكية في فسطاط مصر هي المعروفة باسم «مدرسة ابن رشيق» نسبة للقاضي المصري ابن رشيق الكامني الذي تولّى بناءها والتدريس فيها أواخر عهد الدولة الأيوبية.
كذلك انتشرت الطرق الصوفية، وأشهرها وأقدمها الطريقة القادرية، على مذهب الإمام مالك، وهي أقدم الطرق الصوفية في إفريقيا وترجع إلى سيدي عبد القادر الجيلاني في العراق منذ القرن 11م من أشهر الأولياء، وأشهر أتباعها في إفريقيا المختار بن أحمد (ت 1811م) من أصل عربي من واحة توات ومركزها الرئيسي في فوتاجالون والسنغال، ومن أتباعها الأقوياء الفلانيون في ماسنه وبلاد الهوسا والولوف (الجلف) في السنغال، وعنها تفرّعت طريقة عرفت باسم المريدية أسّسها أمادون (أحمد) بامبا من الولوف، ولا تزال المريدية قائمة إلى اليوم.
كذلك هناك الطريقة التيجانية، نسبة إلى الفقيه الجزائري سيدي أحمد التيجاني (القرن 18م) وأقوى أتباعها في إفريقيا الحاج عمر التكروري (ت1865م) ولها فروع، وتمتاز بالعنف وشدّة الوطأة على الوثنية ومقاومة الطرق الصوفية الأخرى.
وهناك الطريقة السنوسية، وترجع إلى الفقيه الجزائري سيدي محمد بن علي السنوسي (1787ـ1859م) تعاليمها التوحيد المطلق، وجانبها السياسي عدم الاتصال بغير المسلمين ومقاومة كلّ ألوان النفوذ الأجنبية وأشهر أتباعها إلى اليوم في واداي وكانم، وكان الاستعمار الفرنسي قد قاومها.
أمّا المهدية، فقد وجد لها بعض الأتباع في منطقة تشاد وبلاد الهوسا، لكن الكثرة في شرقي تشاد وفي سودان وادي النيل.
طبيعة انتشار الإسلام في غربي إفريقيا
هذه هي خلاصة المراحل الخمس في نشر الدعوة الإسلامية في غربي إفريقيا، ولقد أجمع المؤرخون والرحالة في الشرق والغرب على أنّ السلم والإقناع كانا الطابع الأساسي لنشر دعوة الإسلام ممّا جعل الإفريقيين يقبلون عليه، فكان الداعي يعقب الفاتح، ليدخل الطمأنينة في النفوس وليقرب العقيدة في قلوب الناس، وفرق بين انتشار العقيدة الإسلامية وبين الفتوح الإسلامية.
واشترك في الدعوة الإسلامية العلماء والتجار من الأجانب والوطنيين والملوك والأمراء والحكام وقادة الفتوح من الوطنيين الإفريقيين. ويدل على سلمية الدعوة أنّ أقوى القبائل الإفريقية هي التي اعتنقتها أوّلاً، وقام ملوكها وحكامها بنشر الإسلام بين الوثنيين عن طريق العلماء والدعاة والرسائل.
وحتّى في زمن الاستعمار، حيث لم توجد قوّة سياسية وطنية قادرة، ازداد انتشار الإسلام في المناطق الساحلية المتطرفة في غربي إفريقيا، وهي بعينها المناطق التي تركز فيها نشاط البعثات التبشيرية. أكثر من ذلك كانت هذه المناطق بعيدة عن متناول الإمبراطوريات الإفريقية الإسلامية أمثال مالي وصنغي والبرنو والفولانيين.
وممّا ساعد على قبول الإسلام، ذلك الاندماج والمصاهرة([174]) اللذين تمّا بين المسلمين من التجار والدعاة من العرب والبربر، وبين الوطنيين الإفريقيين، وبهذه الطريقة الهادئة، دخل كثير من الأمراء ورؤساء القبائل في الإسلام، وتحمّسوا بدورهم لنشره، وشهد بذلك رجال الدين المسيحيون والمستعمرون الأوروبيون.
كذلك ساعد على تقبّل الإسلام، أنّه دين الفطرة، سهل التناول، لا لبس فيه ولا غموض ولا تعقيد، ثمّ إنّ فكرة التوحيد لم تكن غريبة على الوثنيين الإفريقيين لأنّه مهما تعدّدت آلهتهم كانوا يعتقدون بوجود إله أعظم خالق للكون.
بل لعل أبرز ما يميز طبيعة انتشار الإسلام في غربي إفريقيا، ويفسّر سرعة قبوله والتحمّس له، أنّه جاء إلى إفريقيا السوداء وأهلها سادة في بلادهم يتمتعون بحرياتهم واستقلالهم ويمارسون حياتهم وشؤونهم وحكوماتهم وفق تقاليد مجتمعهم، وظلّوا كذلك بعد دخول الإسلام وانتشاره، لم يأت جيش فاتح من قبل الدول الإسلامية الأم، بل جاء تجار ومهاجرون ودعاة وعلماء، واندمجوا وصاهروا ورعوا وعلّموا، ولم يدمروا نظمهم أو يحتقروا عاداتهم، كما لم يلجؤوا إلى الإغراء أو التنويف أو الرشوة، حتّى شعر الإفريقيون بالأخوة مع الدعاة المسلمين، بل نظروا إلى الإسلام على أنّه «دين السود» وإلى غيره مما يكافح دعاته بشتى الوسائل ببعثاته، ممّا جاء في أعقاب الاستعمار بعد حروب تدمير وإبادة، نظروا إليه على أنّه دين البيض الأوروبيين المستعمرين الحاكمين.
وفضلاً عن ذلك، فإنّ الدول الإسلامية الأصلية التي جاء بها الإسلام والعلوم الإسلامية، وما صحبها من نظم سياسية وتقاليد اجتماعية، حتّى في مظاهر الزي، لم يكن لهذه الدول أي جانب من جوانب السيطرة أو السيادة السياسية، أو أي نوع من أنواع الإشراف أو الحماية أو الوصاية، على تلك البلاد، لقد ترك الإسلام الوطنيين سادة في بلادهم.
أثر الإسلام
أمّا عن أثر الإسلام في تلك الجهات، فهو عميق، شأنه في جميع البلاد الإسلامية، وحسبنا شهادة أحد رجال الدين المسيحي وهو القمص ستانلي: لا يمكن أن ننسى أنّ الإسلام هو الديانة السامية الوحيدة التي أدّت إلى تطوّر وتقدّم القارة الإفريقية.
كما أنّ الجلبة والضوضاء التي كانت تقترن بالحفلات الوثنية الصاخبة قد اختفت، بحيث لم يعد هناك مدلول للعبارة التي اشتهرت عن إفريقيا الوثنية: «إذا غربت الشمس رقصت إفريقيا».
وبلغ من تمسك المسلمين بالقرآن الكريم في غربي إفريقيا، أن كان أهل مالي يجعلون لأولادهم القيود إذا قصر أحدهم في حفظ القرآن، ولا تفك قيوده إلاّ بعد أن يحفظ القرآن وقد شهد ابن بطوطة، أبناء قاضي مالي في قيودهم حين زاره في يوم عيد الفطر عام 1253م.
أخذ الإفريقي المسلم من القرآن جميع حاجياته، حتّى وسائل علاجه فهو يتحجب بالقرآن ويحمل بعض آياته في عنقه وذراعه، ومن الآيات التي يتحجب بها: سور النجاة (القلق والناس) وآيات الحفظ {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64] ومن تقاليدهم الاستجارة بالمسجد وبيت الخطيب، والتبرك بالحجاج عند عودتهم حتّى كان أسكيا صنغي يخرج في موكبه لاستقبال العائدين من حجاج بلاده، ويطلب الدعوات منهم ويقبّل أيديهم حتّى ولو كان بينهم عبيد.
اللغة العربية
أمّا اللغة العربية، فهي مرتبطة بالدعوة الإسلامية في غربي إفريقيا، كما في أي بقعة من بقاع العالم، فهي لغة القرآن والعلوم الإسلامية، وقد سارت جنباً إلى جنب مع الجهاد في سبيل نشر الدين وتوسيع رقعة البلاد الإسلامية. أي أنّ انتشار الإسلام كان يتضمن كذلك انتشار اللغة العربية.
وممّا ساعد على انتشار اللغة العربية، فضلاً عن الجانب الديني المرتبط بها، هجرة كثير من القبائل العربية واستقرارها في تلك البلاد واندماجها مع الوطنيين ويؤرخ لهذه الهجرات بما قبل عهد الإسلام بزمن طويل، وازدادت بظهور الإسلام، فهناك مثلاً مجموعة من القبائل العربية في حوض تشاد تعرف باسم «الشوا» وهي التسمية التي أطلقها البرنويون عليها، واشتهرت بالفروسية في جيش البرنو. وهذه الكلمة مشتقة من الشوى([175]) بمعنى شاء في صيغة الجمع والمفرد شاة، وتدل على رعاة الأغنام، قيل إنّها مأخوذة من الكلمة الحبشية (شا) وكلمة حبشة نفسها تسمية عربية.
ويقول ناختجال عن قبائل الكانوري، أشهر قبائل إمبراطورية البرنو، إنّ هذه التسمية مشتقة من الكلمة العربية «نور» ثمّ أضيف المقطع «كا» ليدل على التبعية، ومعناها حملة المشاعل، إشارة للدور الذي لعبوه في نشر الإسلام، والثقافة العربية، والمعروف أنّ قبائل الكانوري خليط من العرب والزنوج.
ومن مجموعات القبائل العربية ما احتفظ بالتسمية الأصلية مثل قبيلة جذام.
وتدعي قبائل البولالا، وهي من أقرباء الأسرة السيفية المالكة في برنو، أنّها نتيجة المصاهرات بين الشوا العرب وبين الزنوج.
ولا شك في أنّ عامل الهجرة والاندماج من أهم عوامل التعريب، كما كان الشأن في إسبانيا الإسلامية بل وفي كل موطن وطنه العرب.
عامل آخر ساعد على انتشار اللغة العربية، هو ادعاء أغلب الشعوب الإفريقية الانتساب إلى الأصول الشرقية العربية، فهذه قبائل البولالا التي تقول إنّها مولّدة عن المصاهرات بين الشوا العربية وبين الزنوج تدّعي كذلك أنّ لها أصولاً عربية بحتة ترجع إلى اليمن كذلك ادّعى ملوك مالي وصنغي والتكرور والبرنو والهوسا والفولانيين وغيرهم، أنّهم انحدروا أصلاً عن العرب، وأنّ أسلافهم الأوائل جاؤوا من الشرق، ومنهم من ادّعى النسب العلوي مثل ملوك مالي وتكرور… وهؤلاء مايات كانم والبرنو، يدعون أنّهم من نسل سيف بن ذي يزن الحميري، حتّى اشتهرت أسرتهم في التاريخ باسم الأسرة السيفية. وتقول قبائل الكانوري إنّ لهم أصولاً يمنية وتدعى قبائل الهوسا([176]*) وأنّ أسلافهم جاؤوا من مكة وهكذا.
ومهما يكن في هذه الادعاءات والمقولات، من بعض الجوانب الأسطورية، فإنّ النتيجة التاريخية المحققة لها، هي سرعة انتشار اللغة العربية، نتيجة الحرص والاعتزاز بكل ما هو شرقي عربي، والفخر بالانتساب إلى العروبة وإلى مصادرها.
ساعد على انتشار اللغة العربية كذلك، كثرة وجود الكتب العربية الإسلامية، وكان في تنبكتو سوق رائجة للكتب.
وهناك عناية الملوك والأمراء والحكام وحماستهم لنشر العلوم العربية الإسلامية، فيذكر مثلاً، عن مانسا سليمان في مالي أنّه استكثر من الفقهاء في بلاده من مذهب الإمام مالك، وأنّه اشترى نسخة من القاموس المحيط في تنبكتو بثمانين مثقالاً من الذهب وأهداها لبعض علمائه. ويذكر كذلك عن فقيه البلاط البرنوي العالم الإفريقي الكبير عبدالله ديلي بن بكر، أنّه قرأ مع أحد أبناء الماي سلما (ت 1221م) نحو 150 كتاباً في فروع العلوم العربية والإسلامية، واللهجة العربية السائدة في البرنو، هي اللهجة الحجازية ويحرص المتكلمون بها على أن لا تطغى عليها اللغات المحلية.
وهكذا وجدت اللغة العربية تربة خصبة في غربي إفريقيا، ولقد ظلّت كذلك حتّى عصر الاستعمار، فحين وصل الرحالة المكتشف الإنكليزي فرانسس مور عام 1731م إلى حوض نهر غامبيا، وجد معظم سكانه يتكلم العربية كما وجد القرآن شريعتهم، وممّا أثار دهشته أنّه وجد إلمام أهل غامبيا بالعربية، يفوق إلمام أهل أوروبا في العصور الوسطى باللاتينية مع العلم بأنّ اللغة اللاتينية في أوروبا الوسطية، كانت اللغة الدولية ولغة الدين والثقافة والقانون والتجارة.
وفشل الاستعمار الفرنسي والإنكليزي في القضاء على اللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية في غربي إفريقيا، وإن ضيّق الخناق عليها، وحاول عبثاً أن يحوّل أنظار الإفريقيين المسلمين عن فاس وتونس والقاهرة ومكة.
ويقول سير توماس أرنولد، المستشرق والمؤرخ الإنكليزي: لقد غدت اللغة العربية لغة تخاطب بين قبائل نصف القارة السوداء.
لكن هذا لا يعني أنّ اللغة العربية قد قضت على اللغات المحلية في غربي إفريقيا، بل كان الوطنيون يتكلمون العربية بجانب لغتهم أو لهجتهم المحلية، ويشبه هذا ما كان سائداً في الأندلس الإسلامية حيث كان المجتمع الأندلسي من عرب ومستعربين يتكلمون اللغتين العربية والرومانية أو اللاتينية الدارجة ويسمّيها العرب «لطينية» أهل الأندلس([177]) ويشبه كذلك ما كان سائداً عند ملوك الجرمان فهم يتكلمون فيما بينهم بلغاتهم الأصلية، الفرنجية أو القوطية أو الأنكلو سكسونية. لكن لغات العبادة والثقافة والأدب هي اللاتينية.
وكما تركت اللغة اللاتينية آثارها البارزة في اللغات القومية الأوروبية الحديثة، تركت اللغة العربية آثارها في اللغات المحلية في غربي إفريقيا، لقد كانت لغة الهوسا تكتب بالحروف العربية منذ وقت مبكر، لكنّها الآن تكتب بحروف لاتينية، وأمّا اللغة الفولانية فلا تزال تكتب بالحروف العربية إلى اليوم.
ومن حيث الألفاظ، هناك عشرات الألوف من الكلمات العربية المستعملة إلى اليوم في غربي إفريقيا: في الحياة الدينية والثقافية والاقتصادية في الحرب والسياسة ونُظُم الحكم والحياة الاجتماعية، حتّى في أسماء النباتات والمدن والحيوانات والأعلام.
فمثلاً في الحياة الدينية: الله = أنلا، عند الهوسا «ياللا» و«يالف» عند الولوف والصنغي والفولانيين والبامباره والديولا والصوصو والخاسونك، الصيام: أزومي عند الهوسا. الجنة: ديانا عند الولوف.
قرأ يقرأ: كارها أو كارا عند الماندنجو وكاراني عند الديولا.
وفي أسماء الأعلام: محمد: أمادو أو دودو. محمود: مامودا. الأمين: لامين. أبو بكر: بو كار. عائشة: ايساتو. فاطمة: فايتماتو. بنت: منت.
وفي أسماء المدن: أطلق كثير من أسماء المدن الإسلامية المشهورة على بعض مدن غربي إفريقيا، ففي السنغال نجد القيروان وتنطق كيروان، وفي غينيا نجد مصر وتنطق ماسير، والطائف وتنطق تايفا، وهكذا.
وهناك بعض الخصائص في الكتابة العربية ونطق الحروف في غربي إفريقيا… فالكتابة على طريقة المغاربة وأهل فاس بصفة خاصّة، وبعض حروفها يرسم على شكل زوايا، وتوضع نقطة الفاء تحت الحرف، وإذا وضعت النقطة فوق الحرف نطقت (ق).
أمّا نطق الحروف، فليست هناك قواعد ثابتة عند القبائل المختلفة، أو حتّى داخل القبيلة الواحدة، وكلّها أو أغلبها يختلف عن النطق العربي الصحيح.
فمثلاً: حرف (ق) أو (خ) ينطق مثل (ك) كما في القرآن: الكران والكرانو، عند المالنك، خليل: كاليلو، عند الديولا. وأحياناً ينطق حرف (ق) مثل (هـ) كما في كلمة قبة: هبارن، عند الهوسا، حرف (ش) ينطق مثل (س) عند الماندنجو في كلمة شريعة: ساريا، بينما ينطق كما هو عند الفولانيين كما في كلمة شيخ: شيهو، وهكذا.
هكذا كان انتشار اللغة العربية وأثرها وخصائصها في غربي إفريقيا ويقترن العهد الزاهر للغة العربية والعلوم العربية في تلك الجهات، بعهود الإمبراطوريات الإفريقية الإسلامية، فقد كانت اللغة العربية هي اللغة السائدة.
كما كانت لغة الهوسا من قبل واستخدمت العربية في جميع الأغراض وأوفت بها، ففي المكاتبات الدولية مثلاً، وجدت صيغ عربية في دواوين السلاطين المماليك في مصر لمخاطبة ملوك تلك البلاد، وهذه الصيغ عبارة عن افتتاحيات تصدر بها المكاتبات، فمثلاً افتتاحية المكاتبة لملك التكرور أو ملك مالي: «أدام الله نصر المقر العالي السلطان الكبير العالم المجاهد المؤيد الأوحد عز الإسلام شرف ملوك الانام، سيف الخلافة، ظهير الإمامة… فلان…».
ودلّت ردود ومراسلات ملوك غربي إفريقيا على تقدّم الاسلوب العربي فيها، فمثلاً جاء في رسالة الماي عثمان بن زينب (ت 1425م) إلى برقوق سلطان المماليك في مصر.
«من المتوكل على الله تعالى، الملك الأجل سيف الإسلام وربيع الأيتام، الملك المقدام، المستنصر بالله، الملك الغشمشم (من الجرأة والشجاعة)، إلى ملك المصر الجليل»…
ولقد شجع الملوك في غربي إفريقيا على تعلّم العربية وإجادتها، فضلاً عن العلوم الإسلامية، مثل السلطان گنگد([178]*) موسى سلطان مالي، وأسكيا داود (991هـ ـ 1582م) آخر سلاطين صنغي، فقد كان داود حافظاً للقرآن وله خزائن كتب ونساخ ينسخون له ويهادي العلماء من خزائنه.
لذلك ازدهرت المراكز العلمية الإسلامية في غربي إفريقيا، مثل تنبكتو زمن مالي وصنغي، وبها جامعة سنكري، وكذلك جني وولاية ونيمه وكومبي صالح وصكت وكانو وكاتسننا ودوي وزاغه وكابره، وكلها في حوض النيجر.
لم يكن عجيباً إذن أن يسهم الوطنيون الإفريقيون في التراث العربي وفي المكتبة العربية بالشيء الكثير.
لقد غطّى التراث العربي الذي كتبه وصنّفه العلماء والملوك الإفريقيون جميع فنون المعرفة من تاريخ وآداب إلى علوم لغوية وفقهية وحديث، ولو لم يتعرض هذا التراث لبعض الكوارث خلال حروب الاستعمار والكفاح الوطني، لكان لدينا اليوم منه أحمال ضخمة، ومع ذلك فما بقي ونجا منه يعدّ بالآلاف.
ومن ذلك مثلاً: ما كتبه محمد الكتسناوي (ت 1655م) واشتهر بين الهوسا باسم دان مارينا (ابن مارينا) (مزجرات الفتيان)، وهي قصيدة في بث الروح الديني في قلوب الشباب. وممّا كتبه الشيخ عثمان دان فودي (1817م) مؤسس إمبراطورية الفولانيين: (إحياء السنة وإخماد البدعة) ـ (ضياء الأمة في أدلة الأئمة الأربعة) ـ (بيان رجوع الشيخ السنوسي عن التشديد على التقليد في علم التوحيد) ـ (إرشاد أهل التفريط والإفراط إلى سواء الصراط) في علم أصول الدين إلخ.
ولشقيقه عبدالله المحدث، مؤلفات تربو على المائتين، حتّى لقب بنادرة الزمان وعلامة السودان، منها: ضياء الحكام فيما لهم وعليهم من الأحكام ـ مطية الزاد، إلى المعاد إلخ…
ومن مؤلفات السلطان أمير المؤمنين ابن بلو بن عثمان دان فودي: قدح الزناد في أمر هذا الجهاد، النصيحة الوضيئة في بيان أنّ حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة ـ عجالة الراكب في الطب الصائب…
وللحاج عمر التكروري (ت 1865م) ويسمّي نفسه قطب الأقطاب وخاتم الأولياء: منظومة في إصلاح ذات البين ـ المقاصد السنية ـ لكل موفق من الدعاة إلى الله من الراعي والرعية (في مهام الدعوة الإسلامية) ـ قصائد متنوعة، وكان شعره يتغنّى به من فوتا في سيراليون إلى كانو في بلاد الهوسا.
وغير هؤلاء كثيرون…
وفي التاريخ: ما كتبه الفغي محمود كعت: تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس وذكر وقائع التكرور وعظائم الأمور وتفريق أنساب العبيد من الأحرار (بدأ تأليفه 925هـ ـ 1519م) وما كتبه الإمام أحمد بن فرتوا مؤرخ بلاط البرنو زمن إدريس الوما (ت 1583م) وعبد الرحمن السعدي (من أسرة أرستقراطية سودانية) (ت بعد 1655م) وله (تاريخ السودان) ولأمير المؤمنين محمد بلو (إنفاق الميسور في فتح بلاد التكرور) وهكذا.
ولا يزال الكثير من هذا التراب العربي الإسلامي مخطوطاً، بحاجة إلى إحصاء ونشر علمي سليم على أيدي العلماء العرب والأفارقة المسلمين، لأنّه ليس من المقبول أن ينشط لإحياء تراثنا العربي من هم من غير العرب أو من غير المسلمين، لكنّا لا نغمط جهود من تجشموا العنت أو يتجشمونه في سبيل نشر العلم من الغربيين الذين بحثوا ونقلوا وعثروا على مخطوطات عربية كثيرة ونشروها أو ترجموها وليس معنى هذا تناسي أو إغفال تلك الجهود الجبارة التي تبذل حالياً ومنذ مدة طويلة في جميع البلاد العربية لإحياء تراثنا على النحو العلمي السليم. ومن الأوروبيين الذين ساهموا في كشف التراث العربي الإسلامي في غربي إفريقيا الرحالة الألماني الدكتور بارث Barth (رحلة 1849ـ1855م) وكان في خدمة الحكومة الإنكليزية، ومن الفرنسيين: مونتي ودولافوس وبنوا وهوداس (نشروا وترجموا الفتاش والسعدي ومخطوطات أخرى). ومن الإنكليز: سير وتشموند بالمر Balmer حاكم نيجيريا، فقد كان من بين أعماله العلمية: ترجمة 62 مخطوطة عربية في كتابه Sudanese memoirs (لاجوس 1928م) والأستاذ هوتينج C.E.Whiting الأستاذ بمدرسة العلوم العربية في كانو، فقد نشر كتاب «إنفاق الميسور» في لندن عام 1951م([179]). وغير هؤلاء كثيرون.
من هذا العرض، يتضح أن اللغة العربية قد نهضت في إفريقيا بالدور الذي نهضت به اللغة اللاتينية في أوروبا الوسطية، إذ كانت اللاتينية لغة الدين والثقافة والإدارة والتجارة ولم تكن هناك عراقيل تحول دون انتقال الطلاب أو الأساتذة بين مدارس وجامعات أوروبا الناشئة في ذلك الوقت.
أمّا وجه التفوق الذي ظفرت به العربية على قرينتها اللاتينية، فينحصر في أنّ العربية، في الجانب الأوروبي: قد أثرت على اللغات القومية الأوروبية الحديثة، وهي التي طغت من قبل على اللاتينية نفسها وانتصرت عليها. وفي الجانب الإفريقي: اكتسبت العربية صفة القداسة في غربي إفريقيا، لأنّها لغة القرآن ولغة العبادة، ومن الأدلة التاريخية على هذه الصفة، تلك الرسالة التي نشرها Gowther أسقف النيجر الإنكليزي عام 1870م بصدد الإذن الذي ظفر به من أحد ملوك المسلمين في منطقة النيجر، للسماح بقيام بعثة تبشيرية نصرانية بالعمل في بلاده، ذكر هذا الأسقف أنّ الإذن الملكي، بعد أن سجل بالإنكليزية تناوله السلطان وسلمه لأحد علمائه لترجمته إلى العربية.
وأمّا اللاتينية، فلم تكتسب مكانتها التاريخية المرموقة، إلاّ لأنّها لغة الحضارة الرومانية، وأمّا لغة النصرانية، والمقصود بها لغة الأناجيل الأصلية، فلم تكن اللاتينية وحدها، فقد كتبت بالعبرية واللاتينية والإغريقية، ثمّ ترجمت إلى اللغة الإغريقية، بحيث أضحت هذه النسخة الإغريقية ممثلة للأصل، ثمّ ترجمت هذه النسخة الإغريقية إلى اللاتينية في القرن (4م) وهي التي اشتهرت باسم Vulgate([180]*) وفي نفس القرن ظهرت ترجمة قوطية للإنجيل.
الخلاصة: أنّ صفة القداسة التي اكتسبتها اللغة العربية في غربي إفريقيا، لم تتوافر للغة اللاتينية، فالعقيدة النصرانية تمارس بأكثر من لغة، كما يقرأ الإنجيل بأكثر من لغة، من بينها العربية، وأمّا القرآن فلا يتلى إلاّ بالعربية، وإن فسر بغير العربية وقد سمح أئمة المسلمين في العصر الحديث بترجمة معانيه فقط.
ومن ناحية أخرى: أنّ اللغة اللاتينية برمتها، سرعان ما ذبلت وفقدت مكانتها بل وجودها أو كيانها أمام ظهور اللغات القومية الحديثة في أوروبا منذ القرن (13م) فقد حلّت هذه اللغات محل اللاتينية تدريجياً في جميع الأغراض التي كانت تؤدّيها اللاتينية.
وحسبنا اليوم، أنّ اللغة اللاتينية، أصبحت في عداد اللغات الميتة، وهذا ما لم يحدث للعربية.
الدكتور إبراهيم علي طرخان
مملكة غانا وحضارتها
ليس في حوزة المؤرخين أيّة وثائق مكتوبة عن أولية هذه المملكة. وقد زودنا الرحالة والمؤلفون العرب منذ القرن العاشر، بمعلومات هامة عن تلك المملكة. ففي كتب ابن حوقل والبكري([181]) وابن خلدون إشارات هامة تثبت للبحث العلمي لأنّها بنت المشاهدة الشخصية. أمّا المؤرخان الإفريقيان السعدي وكاتي فإنّهما يحدّدان القرن الرابع الميلادي كبدء لظهور هذه المملكة.
امتدّت غانا([182]) الدولة الأولى في تاريخ إفريقيا الغربية، بين وادي النيجر الأدنى شرقاً والمحيط الأطلسي غرباً وبين وادي السوس والصحراء الموريتانية شمالاً ومنابع النيجر والضفة اليمنى لنهر السنغال جنوباً فيما كان يسمّى بلغة البلاد «واكادو» Wagadou أو فيما يسمّى اليوم «جمهورية مالي» و«جمهورية السنغال». وتدل الروايات التي اعتمد عليها المؤرخون العرب والإفريقيون على أنّ أربعة وأربعين ملكاً تولّوا حكم البلاد حتّى عام (880م) وبعد ذلك تربعت على عرش البلاد سلالة جديدة وفي زمنها دخل الإسلام إلى المملكة لأوّل مرّة في القرنين التاسع والعاشر، عن طريق التجارة أوّلاً ثمّ عن طريق الفتوح وبواسطة الملوك. على أنّ هذه الرقعة العظيمة التي سيطرت عليها مملكة غانا، لم تكن تابعة لسلطة مركزية، وإنّما كانت هناك إمارات صغيرة تابعة للعاصمة كومبي: غاؤ في الشرق ومملكة مالي في الجنوب والممالك البربرية في الصحراء الموريتانية. وإن اتّساع رقعة هذه المملكة، التي بلغت الأوج بين القرنين التاسع والحادي عشر، ووجود عدد من القبائل الكثيرة تعيش في تنازع قبلي دائم، كان سبباً في تفتيت وحدة هذه المملكة الكبيرة، فلم تستطع الصمود أمام الهجمات التي قام بها المرابطون بقصد نشر الإسلام: فقد استطاع الإسلام أن يؤلف بين القبائل البربرية القاطنة في شمال غانا فتمكّنت تلك القبائل من أن تتخطف أطرافها الشمالية فاستولت على مدينة أودغست([183]) إلاّ أنّ غانا قد استفادت من الخلافات القبلية التي استعر أوراها بين البربر فاستعادت بعض الأراضي واستردّت نشاطها في مواجهة هذه القبائل المسلحة. وعندئذ شعرت القبائل بضرورة الوحدة تحت زعامة دينية قوية تقف في وجه القوة الوثنية وتستطيع نشر الإسلام في إفريقيا. وبعد نزاع مرير تولّت قبيلة (جدالة) القيادة وعاد يحيى بن إبراهيم صاحب أودغست من الحج مصطحباً معه عبدالله بن ياسين ليقوم بتفقيه القبيلة، وكان هذا شعلة من الحماس لنشر الإسلام والجهاد في سبيله، ولم يلاق ابن ياسين في أوّل أمره كبير نجاح نظراً للنزاع القبلي الذي آذى جهوده، فانسحب مع بعض أتباعه إلى الجنوب، وأقام في جزيرة على مصب نهر السنغال سمّاها الرباط، أرسل منها أعوانه للقيام بالدعوة إلى الإسلام. وقد عاش في الرباط حياة الزهد والورع. فالتف الناس حوله بعد أن ذاعت شهرته واتخذ لنفسه ولأتباعه لقب المرابطين (أي القاطنين في الرباط أو العاملين بمبادئه) وقد عمل المرابطون على صيانة الإسلام ونشره وتفقيه الناس أصول الدين، وما أن اكتملت قوّة المرابطين واطمأن عبدالله بن ياسين إلى تأييد أنصاره حتّى هاجم مملكة غانا عام 1056م واستعاد أودغست وأعلن الجهاد ضد الوثنية وانضمت القبائل الإفريقية التي أسلمت على يديه إلى جيوشه، ولما قتل في إحدى المعارك عام 1057م انفرد أحد أنصاره بالزحف نحو الشمال وبهم استطاع يوسف بن تاشفين تأسيس دولة المرابطين في المغرب فيما بعد بينما قام تلامذته بمحاصرة كومبي عاصمة غانا عام 1076م وفتحوها عنوة وأسلم قسم كبير من سكانها كما أسلم ملكها تانكامنين.
إلاّ أنّ الخلافات القبلية عادت إلى صفوف المرابطين فانتهزت غانا الفرصة وطردتهم من العاصمة عام 1078م إلاّ أنّ تأثير الإسلام قد تغلغل في حياتها.
التأثير العربي الإسلامي في غانا
ويقصد بذلك الأثر الذي تركه الإسلام في هذه الدولة الإفريقية وينبغي أن نشير إلى أنّ التأثّرات الإسلامية لم تكن عامة بل كانت ظاهرة خاصة بالعاصمة وببعض المدن الأخرى، ذلك لأنّ الإسلام قد أتى إلى تلك البقعة عندما كانت غانا تلفظ أنفاسها الأخيرة.
ومن الملاحظ أنّ التغلغل الإسلامي في غانا كان في أكثر أحواله سلمياً، وقد بدأ حين قدم التجار المسلمون إلى كومبي فبنوا لسكناهم مدينة خاصة على الطراز المعماري في المغرب فلم يلبث الملك والأشراف أن استقدموا المهندسين المعماريين العرب من فاس ليقوموا ببناء القصور، وقد امتنع المسلمون عن التدخل في عبادة الإفريقيين فمارس المسلمون عبادتهم بحرية تامة، وبنوا من أجل ذلك المساجد، وأنشؤوا المدارس التي تعلّم القرآن والعربية. وقد أقبل المؤمنون الإفريقيون على هذه المدارس بشغف كبير، ممّا جعل اللغة العربية لغة الثقافة الوحيدة في البلاد بالإضافة إلى أنّها كانت اللغة التجارية المستعملة في التبادل التجاري والمكاتبات.
وقد اعترف الغانيون للعرب المسلمين بالتفوق الثقافي، لهذا طلب من المسلمين أن يشاركوا في إدارة البلاد بخبراتهم الواسعة، ويحدّثنا البكري عن أنّ كثيراً من وزراء الملك كانوا من المسلمين وكان التراجمة منهم، وكان وزير الخزانة من المسلمين وقد أدخل هذا نظام الضرائب العينية على البضائع المصدرة والمستوردة نظراً لعدم وجود النقد المسكوك.
وقد تولّى المسلمون في غانا تنظيم أمور المالية لخبرتهم بها، وللثقة الكبيرة التي كان الملك الوثني يشعر بها نحوهم. ولما أسلم الملك أخذوا بالتقاليد الإسلامية التي فرضت على الحاكم أن يتجول في شوارع المدينة ليشرف بنفسه على سير الأمور في مملكته، وليتلقى الشكاوى من المواطنين.
وكان من تأثير الإسلام في هذه المملكة أن أوقف التناحر القبلي بين السكان والقبائل التي دانت به. وقد أطل الإفريقيون بواسطة الحضارة العربية الإسلامية على عالم الثقافة والنور فلم تلبث القبائل التي اتخذت الإسلام ديناً، أن حملت لواء نشره بحماس عجيب. وبعد مضي قرنين من ذلك انتشر الإسلام في أودية النيجر والسنغال العليا. وهناك ظهرت مملكة كان الإسلام عنصراً هاماً في تكوّنها، بل إنّه كان الأساس الذي قامت عليه ألا وهي مملكة مالي أو الماندينغ.
مملكة مالي([184])
كانت مملكة مالي تشغل الدول التالية في الوقت الحاضر: جمهورية مالي في الوسط وموريتانيا الجنوبية في الشمال والسنغال وغينيا في الغرب وأراضي ساحل العاج الشمالية والفولتا في الجنوب. وجمهورية النيجر في الشرق.
إنّ المعلومات المتعلقة بالنشأة الأولى لهذه المملكة تغلفها الأساطير وقد اعتمد المؤرخون على التقاليد الشعبية المتداولة Traditions في بعض القرى المحيطة بمدينة كانغابا Kangaba على نهر النيجر (جنوب باماكو عاصمة جمهورية مالي الحالية) أو القرى الواقعة جنوب مدينة «سيغيري» Siguiri (على نهر النيجر جنوب غرب باماكو) في شمال شرق غينيا.
وإنّ نظرة بسيطة في هذه الروايات أو التقاليد تبين لنا أنّ الضعف قد تسرب إليها بعد عمر يزيد على ثمانية قرون. فقد تناقلتها الأ[يال طوال هذه المدّة ولعب بها خيار الرواة وتحكمّت أهواؤهم.
وتنسب هذه الروايات ملوك مالي إلى بلال مؤذن الرسول (صلّى الله عليه وآله) وتورد في شجرة العائلة المالكة ثمانية عشر اسماً من ملوكهم بعضها عربي. وتنتهي هذه الأسماء عند «مغان كون فاتا» Konfatta والدسوندياتا، المؤسس الحقيقي لمملكة مالي. ونفهم من هذه الروايات أيضاً أنّ الإسلام قد رافق مالي منذ نشأتها. فقد ذكر البكري أنّ أوّل ملك اعتنق الإسلام في مالي كان يسمّى المسلماني([185]) ويسمّيه ابن خلدون «باراماندانا» وتتلخص قصة إسلامه بأنّ البلاد قد تعرّضت لجفاف شديد، عام (1050م)، ضاق به أهلها. ولما سئل أحد التجار العرب المسلمين عن الحل المناسب اقترح على الملك أن يعتنق الإسلام ويقيم صلاة الاستسقاء لكي يرسل الله الأمطار… ويضيف المقريزي أنّ هذا الملك قد أصبح ورعاً، سن للملوك بعده تقليد زيارة البيت الحرام كل عام غير أنّ الروايات قد أغفلت بعد هذا الملك ذكر خلفائه إلى أن أتى عهد سوندياتا([186]).
وقد ذكر ابن بطوطة مالي في رحلته إليها عام 1353م كما أشار إليها ليون الإفريقي الذي زارها في أوائل القرن السادس عشر. أمّا ابن خلدون فإنّه يستقي معلوماته عن تاريخ البلاد من الشيخ عثمان مفتي كومبي الذي زار القاهرة عام 1394م في طريقه إلى الحج، ومن أبي عبدالله محمد السجلماسي الذي كان يعمل عام 1374م قاضياً بمدينة غاؤ (جنوب شرق تومبكتو على النيجر) وينقل ابن فضل الله العمري تاريخ البلاد عن عثمان الدقلي الذي مرّ ذكره ثمّ تجد بعد ذلك إشارات عن مالي عند الإدريسي([187]). وأنّ هناك أبحاثاً مستفيضة عن مالي في تاريخ السودان لعبد الرحمن السعدي([188])، وفي التاريخ الفتاش لمحمود كابي وهناك روايات إفريقية مخطوطة بالعربية محفوظة في دكار ترجم «دولافاس» بعضها إلى الفرنسية في مجلة الدراسات الإفريقية.
ظهور المملكة
بعد أن استولى المرابطون على غانا في عام 1087م مرّت إفريقيا الغربية باضطرابات قبلية، أدّت إلى حروب طويلة بين الدويلات الصغيرة التي ورثت مملكة غانا، على أنّ الإسلام قد تدافعت موجاته بعد ذلك التاريخ، وساعد على نشوء بعض الدول مثل مملكة مالي بعد أن اعتنق ملوكها الدين الجديد وعملوا بمبادئه على توحيد إفريقيا الغربية.
إزاء تقدّم الإسلام لم تجد الوثنية بدّاً من المقاومة والتكتل، وقد تبلور ذلك في مملكة الصوصو الوثنية إلى الجنوب من غانا. ودام رد الفعل هذا ما يزيد على قرن (1087ـ1235م).
ومنذ أوائل القرن الخامس عشر أخذ نجم مالي بالأفول أمام القوّة المتزايدة لمملكة غاؤ التي نشأت شرقي مالي على النيجر الأيمن.
مملكة السونراي في غاؤ
كانت قبائل السونراي أو السونغوي Sonari Songhoi تعيش على امتداد وادي النيجر الأوسط، إلى الشمال من الداهومي. وكانت تشكل عشيرتين كبيرتين متعاديتين([189]) وقد اضطرت إلى ترك إحداهما في نحو عام 890م مواطنها الأصلية باتجاه الشمال وتمركزت حول محطة القوافل (غاؤ). ويقول السعدي([190]) إنّ قسماً كبيراً من هذه القبيلة قد استجاب لدعوة الإسلام التي بشّر بها دعاة قادمون من طرابلس الغرب. ولم يلبث هؤلاء الدعاة المثقفون أن أصبحوا حكاماً لهذه القبيلة الكبيرة. وبذلك تأسّست إمارة صغيرة حول غاؤ في مطلع القرن الحادي عشر. وقد تطوّرت المدينة وأصبحت عاصمة للسونراي بعد قرنين ونافست مالي بفضل موقعها التجاري العظيم، فقد كانت في منتصف المسافة بين السودان الشرقي (سودان الخرطوم) وتشاد وبين السودان الغربي والأوسط (إفريقيا الغربية) وكانت أيضاً نقطة الاتصال بالجزائر شمالاً وبطرابلس في الشمال الشرقي.
وتقول الروايات إنّ الدعاة المسلمين اندمجوا بعد مدّة في العناصر الزنجية عندما ساد الإسلام بين جميع القبائل، والملك الخامس من السلالة الحاكمة أوّل من اعتنق الإسلام. وقد ظلّ الملوك في أوّل أمرهم يخضعون اسمياً إلى ملك غانا حتّى القرن الثاني عشر ثمّ إلى مالي في القرن الثالث عشر والرابع عشر، ولما غاب نجم مالي منذ مطلع القرن الخامس عشر أعلنت مملكة غاؤ استقلالها بين تهديد قبائل الموسي الوثنية في الجنوب وغزوات الطوارق في الشمال والشرق.
في ذلك القرن قدمت إلى موريتانيا موجة عربية إسلامية تتمثل في قبائل بني حسان التي جاءت من مراكش، وقد وصلت إلى السنغال وساهمت في نشر الإسلام بين القبائل الوثنية، على أنّ بعض القبائل الوثنية استعصت على الدين الجديد، وهاجمت المسلمين هجوماً عنيفاً، بينما بدأ الأوروبيون على سواحل إفريقيا الغربية منذ مطلع القرن الثامن عشر بإقامة مراكز لهم كانت نقاط انطلاق للاستعار.
إنّ هذا الوضع الجديد قد دعا كثيراً من الزعماء المسلمين إلى الاتحاد لصدّ العدوان الجديد، وللقضاء على الوثنية. وقد آتت نتائج هذا الاتحاد أكلها في مطلع القرن التاسع عشر، إلاّ أنّ عوامل أخرى صنعها الاستعمار قد قضت على الوحدة المأمولة التي كان يسعى إليها كلّ من الحاج عمر، وساموري توري وغيرهما.
الممالك الإسلامية في نيجيريا
وتشاد والهاوسا في نيجيريا
سجل القرن الرابع عشر ظهور عدد من الإمارات الإفريقية في الأنحاء الجنوبية من إفريقيا الغربية كانت تقوم على التجمّع القبلي أو الديني: الإسلامي والوثني. وقد دخلت هذه الإمارات في منازعات مريرة لأنّها لم تكن ذات حواجز طبيعية تقيها الغزوات. وكان العامل الديني يجمع الإمارات في مملكة واحدة كما حدث لإمارات الهاوسا Haoussa في نيجيريا الشمالية.
والهاوسا قبيلة كبيرة كانت تعيش فيما نسمّيه الآن نيجيريا الشمالية والقسم الجنوبي من جمهورية النيجر، أتاها الإسلام خلال القرن الحادي عشر وما بعده عن طريقين: الأوّل شرقي عن طريق تشاد والثاني غربي عن طريق الممالك الإسلامية والتجار من غرب إفريقيا.
لعبت الهاوسا الإسلامية دوراً هاماً في تاريخ نيجيريا فألفت عدّة إمارات حول بعض المدن بين الحوض الأدنى للنيجر وبحيرة تشاد. وأشهر هذه الإمارات التي وحّد الإسلام بينها من الغرب إلى الشرق كبي Kebbi وسوكوتو Sokoto وكاتسينا Katsina وكانو Kano في الوسط ثم زاريا في الشرق([191]). وكانت شعوب الهاوسا([192]) على شيء من الرقي في الزراعة والصناعة ولما تغلغل الإسلام في المنطقة استطاعت بعض الأسر الإسلامية أن تحكم مدينة كانو بزعامة محمد رومفه عام 1352م([193]) ثمّ ضمّوا إليهم مدينة كبي عام 1550م التي كانت على علاقات وثيقة مع السلطان محمد صاحب غاؤ وكانت حليفة له في حروبه ضد سلطان أغادس في صحراء النيجر.
وبعد أن توحّد أمر المسلمين في الشمال شنوا حرب الجهاد باتجاه الجنوب الوثني.
وكانت ثروة المملكة مطمعاً للدول المجاورة في تشاد وللسونراي في غاؤ، ولما سقطت غاؤ عام 1591م تمتعت الهاوسا بالهدوء والاستقلال إلاّ أنّ المسلمين في تشاد كانوا يقتطعون أقساماً من أراضي الهاوسا الشرقية وقد ضاع كثير من المصادر المحلية التي ألفت بالعربية في تاريخ الهاوسا خلال تلك الحروب.
وفي بداية القرن التاسع عشر وصلت إلى نيجيريا موجة إسلامية إفريقية قادمة من غرب إفريقيا تمثّلت في الهجرة الجماعية لقبائل البوهل Pehuel([194]) ويسمّيهم بعض المؤرخين بالفولا أو الفولاني أو التوكولور، ولما عظم أمرهم وكثر عددهم سيطروا على البلاد بشجاعتهم وحماستهم للدين وللدعوة إليه.
الدعوة إلى الإسلام في نيجيريا
ودور عثمان دان فوديو
قام زعيم البوهل «عثمان دان فوديو» عام 1801م بالدعوة للجهاد ولقطع دابر الرقيق. وقاد عاد من الحج متحمساً لفكرة توحيد المسلمين والوقوف في وجه الاستعمار وتحصن بمدينة سوكوتو ولقب نفسه أمير المؤمنين، وفي الوقت نفسه، ضمّ إلى ملكه حتّى عام 1808م أربع عشرة إمارة من الهاوسا. ثمّ قصد الجنوب الوثني([195]) فأسّس هناك مراكز إسلامية في أيللورين ولوقوغا وساراكي ترك فيها عدداً من الدعاة، كما وجّه بعض أتباعه إلى الكاميرون الشمالي وقد استطاع هؤلاء أن يشكلوا هناك مملكة آداماوا الإسلامية عام 1826م، ثمّ كلف عثمان أخاه عبدالله باسترداد بعض الأراضي من مملكة تشاد([196]).
قسم عثمان مملكته إلى ولايات جعل عليها أقرباءه وأتباعه، ولما مات عام 1843م خلفه ولده محمد بللو، وكان هذا عالماً أديباً قرض الشعر بالعربية وألف بها([197]). وكانت سوكوتو في عهده مركزاً إسلامياً ثقافياً وفد إليها كثير من العلماء. وكان يتبع في نظام الحكم نصوص القرآن والشريعة، فعمّ العدل وساد الأمن([198])، غير أنّ عهده الطويل لم يسلم من المشاكل الداخلية التي ظهرت في التنازع على السلطة. وقد تدهورت الدولة بعد موته عام 1855م وثار سكان البلاد على حلفائه لأنّهم كانوا غرباء في البلاد، وقد استمرّت الاضطرابات في الشمال طيلة نصف قرن بينما كان المستعمرون الإنكليز يتوغلون في البلاد من الجنوب، ثمّ ألحقت نيجيريا بالتاج عام 1890م.
الإسلام في تشاد
مملكة كانم Kanem وبورنو Bornou
سكنت المنطقة المحيطة ببحيرة تشاد عناصر زنجية اختلطت على مر العصور بالطوارق والعرب والشعوب القادمة من غرب إفريقيا([199]). وقد وصل الاسلام إلى تلك البقاع في القرن الحادي عشر عن طريق السودان العربي وعن طريق فزان بليبيا، ثمّ تأثّرت البلاد بموجة قبائل البوهل. وقد انحسرت الوثنية نتيجة لذلك في الجزء الجنوب الشرقي من البلاد.
كان مجيء الإسلام حافزاً على توحيد القبائل تحت سيادة مملكة الكانم ببورنو حول بحيرة تشاد. وقد تربعت على عرش البلاد أسرة إسلامية في القرن الثاني عشر، ووصلت حدود هذه المملكة في القرن التالي إلى الصحراء الليبية شمالاً وإلى كانو غرباً وإلى «واداي» Ouadio شرقاً وإلى «الباغيرمي» Baguirmi جنوباً. وقد اشتهر من ملوكها إدريس الأوّل (1353ـ1376م) وفي نهاية القرن الرابع عشر دب الانحطاط في أمور المملكة وانفصلت المناطق الجنوبية وعرفت باسم مملكة البورنو.
وقد قدر للبورنو أن تلاقي شيئاً من النشاط عندما استورد إدريس الثالث (1571ـ1603م) الأسلحة عن طريق طرابلس([200])، فأعاد للبلاد أراضيها المسلوبة وهيبتها. غير أن خلفاءه الضعفاء لم يتمكنوا من الاحتفاظ بسيادتهم فاستقلت الواداي (شرق تشاد وغرب السودان) عام 1635م بينما نشأت في الجنوب الشرقي من البحيرة مملكة الباغيرمي Baguirmi.
ولم يستطع السلطان علي بن عمر، في آخر القرن السابع عشر، أن يقف أمام هجمات قبائل البوهل فترك البلاد، وعندئذ قام شيخ من أصل عربي من فزان، يدعى محمد الأمين الكانمي، بتوحيد الجهود لتخليص البلاد من الغزاة وحثّ الناس على التمسك بأهداب الدين وصيانة الأخلاق واستطاع أن يعيد السلطة للملك الهارب.
وبعد وفاته عام 1835م سادت الفوضى في البلاد زمن السلطان إبراهيم 1846م وما بعده. وفي نهاية القرن التاسع عشر خضعت البلاد للسلطان رباح القادم من بحر الغزال بسودان الخرطوم، وكان هذا يقود جيوش المجاهدين ضد الاستعمار الإنكليزي والفرنسي، وبعد مقتله على يد الفرنسيين عام 1900م احتل الإنكليز الجزء الجنوبي الغربي من تشاد بينما ابتلعت فرنسا بقية أجزاء المنطقة([201]).
وقد وقف الباحثون([202]) على بعض المعلومات المبعثرة عن الحضارة الإسلامية الإفريقية في تلك الأصقاع، كان تأثير العرب واضحاً من ذلك الاتصال الدائم مع السودان العربي وليبيا، وكانت العاصمة (كوكا) جنوب غرب تشاد (في نيجيريا حالياً)، مركزاً لجالية عربية كبيرة من التجار والعلماء.
وتقع جمهورية تشاد بين درجتي العرض (8ْـ22ْ) شمالاً وخطي طول (14ْـ24ْ) شرقاً وتبلغ مساحتها 1224000 متر مربع. وأغلبية السكان من المسلمين على المذهب المالكي، وغالبيتهم تعيش في الشمال وينتشرون حول بحيرة تشاد. أمّا أهل الجنوب فمعظمهم وثنيون وتحول عدد منهم من الوثنية إلى المسيحية. والمسيحيون في تشاد هم بين كاثوليك وبروتستانت.
وليس لتشاد مرفأ على البحر، وهي تقع في جنوب ليبيا وغرب السودان وغرب النيجر وشمال شرقي جمهورية إفريقيا الوسطى والكاميرون ونيجيريا.
والنظام في تشاد جمهوري رئاسي.
الكاميرون
تقع جمهورية الكاميرون الاتحادية في الدرجة الثانية والثالثة عشرة من العرض الشمالي، و(45ْ) و(16ْ)، و(15ْ) من الطول الشرقي وعلى مساحة أربع درجات من خط الاستواء وتشبه الكاميرون الكمثرى في شكلها، أو بمثلث الزوايا ينتهي أعلاها في بحيرة تشاد بعرض (250) كيلومتراً، وأسفلها على شاطئ البحر الأطلنتكي بعرض (1500) كيلومتر.
يحدّها جنوباً الخليج الغيني وجنوباً غربياً جمهورية نيجيريا الاتحادية، وشمالاً غربياً جمهورية تشاد، وشمالاً شرقياً إفريقيا الوسطى، وشرقاً جمهوريتا الكونغو وغابون، وشرقاً جنوباً الغينية الاستوائية.
ومساحتها (474900) كيلومتراً مربعاً، وللكاميرون الشرقية (432000) كيلومتراً مربعاً، وللكاميرون الغربية (429000) كيلومتراً مربعاً.
وعاصمتها الإدارية ياوندي، وتقع على علو (750) متراً من البحر أمّا عاصمتها التجارية فهي دوالا، وتقع على الضفة الشمالية من نهر (وري) (Wouri).
توجد أكثر من أربعين لغة محلية في الكاميرون، واللغات الرئيسية من بينها هي: الفلان، وهي أكثر انتشاراً في الجمهورية وهي منتشرة أيضاً في كثير من بلاد إفريقيا وخاصة في جمهوريات: نيجيريا، ومالي، وسنغال، وغينيا، والموريتانية (ويقال إنّ القبائل الفلانية متفرعة من العرب) والهوسا، والعربية والبنتو، والباملكي، أمّا اللغة الرسمية فهي الفرنسية والإنكليزية معاً.
أطلق هذا الاسم على الكاميرون الملاح البرتغالي فرناندو أوب Fernando-op وذلك في (1472م) حينما وصل إلى ضفة دوالا Douala في نهر وري Wouri ووجد سكانها من الأقزام، فسمّاها: نهر كمروس Rio de Cameroes اي نهر الأقزام.
كانت الكاميرون مستعمرة الألمان من عام (1884م) إلى عام (1914م) وبعد الحرب العالمية الكبرى انقسمت إلى قسمين، فجعل القسم الشرقي منها تحت وصاية فرنسا، وقسمها الغربي تحت حماية الإنكليز.
وفي نهار أوّل يوم من يناير عام (1910م) استقلت جمهورية الكاميرون (وهي القسم الشرقي).
وفي أوّل أكتوبر عام (1961م) انضم القسم الغربي بموجب الحاصل من الأصوات نتيجة الانتخاب العام الذي أجرته الأمم المتحدة في اليوم الحادي عشر من فبراير عام (1961م) وبه صارت الكاميرون جمهورية اتحادية.
والمسلمون في الكاميرون يشكلون ستين بالمائة من مجموع سكانها البالغ ستة ملايين نسمة بالإحصاءات التي أجريت سنة (1970م).
وكلهم يتعبدون على مذهب الإمام مالك.
دخل الإسلام في شمال الكاميرون في القرن الحادي عشر الميلادي بواسطة القوافل والتجار العرب المسلمين الذين وفدوا إليها من السودان العربي عبر جمهورية تشاد. وفي عام (1801م) وجّه الشيخ عثمان بن فوديو الداعية الإسلامي جيشاً إلى شمال الكاميرون لغزو الوثنيين الذين يحيطون بالقبيلة الفلانية المسلمة واستطاع رجاله تشكيل مملكة (آداماوا) الإسلامية في عام (1826م).
وللمسلمين جمعية وحيدة في الجمهورية مركزها في ياوندي العامصة، تسمّى: (الجمعية الإسلامية الكاميرونية).
والمسيحية منتشرة في الجنوب بين الوثنيين من قبائل البنتو والباملكي وغيرهم.
الحياة الفكرية
مرّ بنا في الفصول السابقة أنّ الإسلام قد وجد طريقه إلى غرب إفريقيا منذ القرن العاشر، وأنّه قد ساهم في التطوّر السياسي لغانا ومالي وغاؤ. وقد أجمع المؤرخون على أنّ السلم والإقناع كانا الطابع العام لانتشار هذا الدين، لذلك أقبل عليه الإفريقيون إقبالاً شديداً، فلم يشهر المسلمون الأوائل السيف إلاّ في الحالات الدفاعية التي خلقها تكتل الوثنية، وكان الداعية الإسلامي يعقب الفاتح في هذه الحالة، ليدخل الطمأنينة إلى النفوس وليقرب إليها الإسلام وقد شهد الرحالة الأوروبيون([203]) على انتشار الدعوة بالطرق السلمية وقيام الداعي بأعمال إنسانية، تنطوي على الرفق في معاملة الإفريقيين، ممّا ساعد على تقدّم الإسلام بسرعة كبيرة. على أنّ هناك بعض العوامل التي ساهمت في ذلك نلخصها فيما يلي:
1 ـ أنّ قدوم عدد كبير من التجار والفقهاء والدعاة المسلمين قد بعث نشاطاً عظيماً، فقد أدّى هؤلاء واجبهم في نشر دينهم والتفوا حول الملوك والأمراء وحبّبوا إليهم الدين الجديد. وقام الفقهاء بمهمة شرح الأحكام، وقد كان في حاشية السلطان موسى والسلطان سليمان عدد منهم ولهذا نفسّر إيمان بعض الملوك في غانا ومالي بالإسلام قبل أن يعتنقه سواد الشعب.
2 ـ ولمّا قلّد الشعب حكّامه في اعتناق الدين الجديد، شهدت البلاد حماساً عجيباً، فقد قاد بعض الملوك حملات من الجهاد المقدس ضد الوثنية قام بها السلطان موسى صاحب مالي والسلطان محمد الحاج صاحب غاؤ.
وقد حاول عثمان دان فوديو والحاج عمر وولده أحمد خلال القرن التاسع عشر أن يوحدّوا البلاد في ظل الإسلام ليجابهوا الاستعمار الأوروبي. وقد احتاج الدعاة للملوك ليكونوا سنداً لهم، بينما كان الملوك يتعطشون إلى تأييد هؤلاء الفقهاء الدعاة في سبيل تثبيت سلطتهم وإعطائهم الصفة الشرعية ويحتاجون أيضاً إلى ثقافتهم وخبراتهم.
3 ـ وقد وجد الباحثون أنّ للإسلام صلة وثيقة بنفسية الإفريقي، ذلك أنّ تقارباً عظيماً قد ربط بين العقلية الإفريقية والتقاليد الإسلامية، إذ شعر الإفريقي المسلم منذ الوهلة الأولى، بالأخوة الحقيقية بينه وبين الداعية. وقد قال في ذلك أحد المؤرخين الأوروبيين([204]) على لسان أحد الشهود: إنّنا نجد الدعاة المسلمين ينفذون إلى قلوب الإفريقيين الوثنيين، ويحوّلونهم إلى الإسلام. وكان من أثر تصرّفات الداعية السلمية أن أصبح الزنوج ينظرون إلى الإسلام على أنّه دين السود وإلى غيره على أنّه دين الأوروبيين الفاتحين، وكان الإسلام يدعوه إلى الثقة بالنفس قائلاً له: «إنّ بلوغك أسمى الدرجات إنّما يتوقف عليك». ويشعر الإفريقي على الدوام بأنّ الإسلام لم يقطعه عن ماضيه أو عن مجتمعه، في حين أنّ غيره كان يجد نفسه حائراً ضائعاً، فلا هو قريب من مجتمعه، ولم يرض الأوروبيون له أن ينتسب إلى الحضارة الأوروبية.
4 ـ أمّا العامل الرابع في انتشار الإسلام فإنّه يعود إلى القيم المتداعية التي ظهرت في بقايا الوثنية، لأنّ المستوى الثقافي والأخلاقي والعقلي للمسلم كان يمثل الذروة بالنسبة لسوية الوثنية المنحطة، فلم تصمد الوثنية أمام الإسلام، فانتصر عليها انتصاراً ساحقاً في كثير من الأماكن، ومن ثم فقد كان الوثنيون ينظرون إلى المسلمين على أنّهم قدوة تحتذى([205]).
وقد تجسّدت أفكار الإسلام بشكل جلي واضح في مملكة غاؤ، فقد كان الملوك في غاؤ يجمعون العلماء والشيوخ إبان الخطوب، ويتداولون معهم في شؤون المملكة وفي الأخطار التي تتعرض لها ثم يتخذ المجتمعون قراراً في التدابير الواجب اتخاذها. وكانت سلطة العلماء زمن السلطان محمد الحاج غير محدودة وآمن الناس بقدسية رجال الدين وبأعمالهم. وقد تطور الأمر في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلى أن يصل بعض رجال الدين نسبهم بالأسرة الهاشمية([206])، وقد لقبوا بالشرفاء. ومنذ أن وطئت أقدام المستعمرين أرض إفريقيا، أصبح الإسلام عاملاً موجهاً ومسايراً للروح الوطنية، يتضح ذلك من النضال المميت الذي قام به السلطان رباح في تشاد ومحمد الأمين وأحمد الشيخ في السنغال والحاج عمر وولده أحمد في السودان الفرنسي (سابقاً) وساموري توري في غينيا([207]).
ساحل العاج
على الشاطئ الغربي لإفريقيا المطل على المحيط الأطلنطي توجد جمهورية ساحل العاج والتي يدعونها في إفريقيا بالفرنسية (كوت ديفوار) أي ساحل أو شاطئ العاج كما نعرفها في العالم العربي.
كيف دخل الإسلام؟
يقول كثير من الرواة إنّ الإسلام دخل في ساحل العاج عن طريق المجاهد الإسلامي الكبير السيد ساموري توري الذي عرف بفضله وعلمه في خدمة الدعوة الإسلامية ـ والسيد ساموري توري هو جد أحمد سيكوتوري الرئيس لجمهورية غينيا المجاورة لساحل العاج (1971). هذا ويتعبد المسلمون وفق الشريعة الإسلامية على مذهب الإمام مالك كما هو الغالب على غرب إفريقيا كلها([208]). ولقد كان لموقع ساحل العاج بجوار دولتين إسلاميتين كبيرتين هما غينيا ومالي كان له أثر كبير في تدعيم قوة المسلمين فكرياً وثقافياً إلى حد ما. كما كان لهجرة أفراد بعض القبائل المسلمة من هاتين الدولتين إلى ساحل العاج، والإقامة بها، وتكوين فروع لها لا تلبث طويلاً حتّى تنشر دينها وثقافتها في كل مكان تحل به، أثر في انتشار الإسلام.
ومن أشهر القبائل المهاجرة إلى ساحل العاج من غينيا قبيلة ونجرا ولها قوة وسطوة وعادات حسنة.
نزول الاستعمار
والبعثات التبشيرية
أوّل من نزل من البيض الأوروبيين في هذه الأرض رجل اسمه «هولندي» على أحد شواطئ بلدة آرسيني وكان قد حضر على سفينة ومعه أتباعه المسلحون بأسلحة حديثة تفوق تلك الأسلحة البدائية بدرجة كبيرة حيث لا يوجد في تلك البلاد آنذاك سوى السهام والعصي الخشبية. ولقد سجل التاريخ بسطور من نور تلك المقاومة الرائعة التي أبداها الوطنيون الإفريقيون لمنع هولندي وأتباعه من النزول في هذه البلاد، واشتبكوا معه في قتال عنيف ومرير كان النصر فيه للأسلحة الحديثة التي لا يعرفها الوطنيون، ودخل هولندي البلدة على جثث وأشلاء القتلى التي امتلأت بها الطرقات والميادين حتّى كاد أن يفنى جميع الوطنيين الذين يقاومونه في كل مكان يلقونه، بالرغم من أنّهم عزل من السلاح. وبعد هذه المرحلة من النزول بدأ في المرحلة الثانية، وهي اكتساب الصفة القانونية والشرعية لاحتلال هذه الأراضي، واستغل في ذلك بعض الفقراء والجهلاء مهدداً مرّة ومعذباً مرّة أخرى، ثمّ يلوح لهم أحياناً بالوعود والأماني، حتّى أجبرهم على التوقيع على عقود لبيع أراضيهم له، وإلى رفاقه حتّى استولى على جميع الأراضي، وأصبح المواطنون الأصليون خدماً وعبيداً له يستغلهم في العمل والأرض كما يشاء.
نزول الفرنسيين
ولكن هذا الأمر لم يدم طويلاً، فبعد انقضاء عدة سنوات وصل إلى بعض الشواطئ جماعة من الفرنسيين، كان يتزعمهم رجل اسمه بنجيير ومعه تريش ولبلين، وأخذوا يتجولون في هذه البلاد بحثاً عن الحياة، حتّى عثروا على هولندي وأتباعه في بلدة آرسيني. ويبدو أنّ الفرنسيين كانوا أكثر عدداً وعدّة، ذلك أنّ هولندي وأتباعه غادروا البلاد فوراً، بمجرد أن طلب منهم الفرنسيون ذلك، وهكذا دانت هذه الأراضي للفرنسيين وحدهم، واحتلوها وانتشروا فيها، وأخذوا يقومون ببعض الخطوات العمرانية، فأسّسوا أوّل مدينة لهم وسمّهوها «بنجيير فيل» على اسم زعيمهم ثم مدينة «تريشفيل»، ثم «غراندباسم» فدابوا، فمدينة آرسيني أوّل مدينة نزل بها الرجل الأبيض.
الثقافة العربية
تعتبر الثقافة العربية محدودة جداً أو شبه معدومة حيث لا يوجد إلاّ بعض المدارس الصغيرة التي تدار بالطرق البدائية القديمة وعددها لا يتجاوز أصابع اليد. والدولة لا تعترف بها وينفق عليها بعض الخيرين من المسلمين وكذلك آباء التلاميذ ممّا يدفعونه كل شهر ولقد استطاع بعض تلاميذ هذه المدارس أن يسافر للقاهرة ويلتحق بالأزهر الشريف بجانب إخوانه المسلمين هناك.
السكان
يبلغ سكان جمهورية ساحل العاج حسب الإحصاء الذي قامت به هيئة الأمم في عام 1964م: (3375000) ثلاثة ملايين وثلاثمائة وخمسة وسبعين ألف نسمة. فقبائل ماندي، ودولا، وسينوفا، التي تسكن المنطقة الشمالية من جمهورية ساحل العاج هي قبائل مسلمة.
أمّا قبيلتا أجنى وأشانتي، والقبائل الأخرى التي تقطن وسط جنوبي جمهورية ساحل العاج فهي في طور بدائي همجي لا تدين بأي دين. ومن التدقيق في أقوال الذين كتبوا عن هذه الجمهورية يمكننا أن نستخلص ما يلي: يشكل المسلمون 55 بالمائة من السكان والمسيحيون 10 بالمائة والسكان البدائيون 35 بالمائة. ومع أنّ لهجات السكان تبلغ ستين لهجة فإنّ اللهجات الأكثر شيوعاً هي لغة الماندي، والأجنى أما لغة الدولة الرسمية فهي الفرنسية.
تاريخ هذه الجمهورية
معلوماتنا عن تاريخ هذه الجمهورية القديم ضئيل جداً. وجل ما نعرفه هو أنّ القسم الشمالي منها كان تحت النفوذ الإسلامي منذ القرون الأولى للهجرة فقد كانت مدينة بنتوكي تقع على طريق القوافل من مدينة (تومبكتو) في جمهورية مالي إلى مدينة (سوكوتو) الإسلامية في نيجيريا.
وفي خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد كان القسم الشمالي من جمهورية ساحل العاج واقعاً تحت سيطرة دولة مالي الإسلامية. وفي القرن الثامن عشر للميلاد، كانت هذه المنطقة جزءاً من مملكة (إبراهيم سمبيجو الغيني).
الاستعمار في جمهورية ساحل العاج
بدأ البرتغاليون غزو الأراضي الساحلية الواقعة على خليج غينيا في القرن الخامس عشر وأعقبهم الفرنسيون. ولما كانت القبائل التي تقطن على ساحل خليج غينيا تتعاطى تجارة العاج، فقد أطلق الأوروبيون على هذا الساحل (ساحل العاج) وفي القرن الثامن عشر للميلاد نزحت قبيلتا أجنى، وأشانتي، من الشرق، واستوطنتا الأجزاء الجنوبية من ساحل العاج وأسستا مملكتهما هنالك.
ومنذ استهلالة هذا القرن (الثامن عشر) بدأت الإرساليات التبشيرية المسيحية نشاطها على هذا الساحل وفي عام 1842م وقعت فرنسا اتفاقية مع ملك (أجنى) دخلت بموجبها منطقة «بسام الكبيرة» تحت الحماية الفرنسية. وكان القسم الشمالي من ساحل العاج جزءاً من مملكة (موسى) التي اعتنق ملكها الإسلام، في منتصف القرن التاسع عشر وتسمّى بـ (أبي بكر) ولم يدخل تحت النير الإفرنسي إلاّ في عام 1898م عندما هزم الفرنسيون القائد المسلم المشهور في غربي إفريقيا (إمام المامي ساموري الغيني).
ثمّ أصبح ساحل العاج مستعمرة إفرنسية ثمّ انتخب أوّل مجلس له في 1947م. وفي عام 1957م منح استقلالاً ذاتياً، وتشكلت أوّل حكومة بموجبه، وفي شهر ديسمبر من عام 1958م أعلنت جمهورية ساحل العاج وفي 20 سبتمبر 1960م أصبحت جمهورية ساحل العاج عضواً في هيئة الأمم المتحدة. وفي 31 أكتوبر 1960م وضع دستور جديد لهذه الجمهورية أعلنت فيه حرية الأديان وأنّ الدولة بموجبه ليست لها صبغة دينية.
الحبشة
أخذ الإسلام ينتشر في المناطق الشرقية للحبشة ولكن ببطء ثمّ أخذ يشق طريقه إلى داخل البلاد بواسطة المسلمين من الأحباش الذين أسلموا على أيدي العرب.
ويقول أرنولد Arnold إنّ أربعة وأربعين عربياً من حضرموت وفدوا إلى الحبشة وقاموا بالدعوة الإسلامية في بلاد الصومال وإنّ أحدهم ويدعى الشيخ إبراهيم أبو زرباي سار إلى مدينة هرر سنة 1430 ميلادية ودعا الناس إلى الإسلام فأسلم على يديه خلق كثير.
وازداد عدد المسلمين فكوّنوا جبهة وزحفوا على هرر سنة 1521 ميلادية بقيادة أبي بكر بن محمد سلطان عدول واستولوا عليها ونشروا الإسلام فيها.
ونهض أحمد بن إبراهيم من أبناء مدينة هرر وغزا الجلا وسائر القبائل التي تجاور مدينة هرر. ومنها زحف إلى عند فاكسوم ولقد حالفه النصر في جميع غزواته وانضم تحت لوائه عدد كبير من زعماء الأحباش واعتنقوا الإسلام. وقد قتل في ميدان الحرب عام 950هـ.
وتمكّنت طائفة من التجار المسلمين من أهالي تكرور بالسودان من الانتشار في شتى بقاع الحبشة وهؤلاء ساعدوا إلى حد ما في نشر الإسلام.
وليس من شك أنّ اشتغال المسيحيين في الحبشة بالخلافات المذهبية ساعد الإسلام على التوسع والانتشار في الأراضي الحبشية.
ولمّا قام محمد أحمد المهدي بحركته وغزا كردفان ودارفور وبحر الغزال وسنار الخرطوم أرسل أحد أتباعه ويدعى محمد جبريل إلى الحبشة لنشر الإسلام ولقد نجح في دعوته إذ أسلم على يديه خلق كثير منهم شقيقة الملك يوحنس وقد تزوجت أحد الأمراء المسلمين الأمر الذي أغضب الملك فأخذ يضطهد المسلمين ويذيقهم ضروباً من الأذى حتّى اضطر كثير منهم للهجرة إلى السودان. «كما ورد في مجلة رابطة العالم الإسلامي».
هكذا بدأ الإسلام يخطو في الحبشة خطوات واسعة نحو الأمام ثم انكمش وتقلص في عهد الملك يوحنس وفي عهد خلفه منليك واستمرت تلك الاضطهادات زمناً طويلاً حتّى عام 1913م حين قام بالأمر الملك ليج اياسو فناصر الإسلام بكل قوّته وزعم أنّه من سلالة الرسول (ص) وليس من سلالة سليمان، وتزوج من النساء المسلمات وانتظم في سلك المسلمين وتزيّى بزيّهم وتقلّد السيف العربي وكتب على العلم بالحروف الحبشية (لا إله إلاّ الله محمد رسول الله) «كما ورد كذلك في المجلة المتقدم ذكرها».
وفي أواخر عهد هذا الملك ظهرت فكرة إيجاد رابطة بين الأحباش والعرب وكانت فكرة هذا التقرّب أقوى وأبرز وضوحاً بين أهالي الصومال منها بين سائر القبائل الحبشية. فالصوماليون يقولون إنّهم من سلالة عقيل بن أبي طالب كما تقول القبائل البشارية إنّها من سلالة عربية ولقد أخذ كثير من الأحباش يقبلون على دراسة اللغة العربية وهم يعتبرونها لغة مقدسة.
ومن المؤسف أنّ كثيراً من مسلمي الجلاء والساهو والبجة وغيرهم من الكوشيين وغير الكوشيين لا يفهمون الإسلام على حقيقته وليس من شك أنّ ذلك يرجع إلى قلّة المدارس الدينية وعدم وجود دعاة مثقفين يعلمون الناس حقائق الإسلام. وهناك عادات قديمة سيئة عاشوا عليها فترة من الزمن لذلك كان من الصعب أن يقتلعها الإسلام من نفوسهم.
وللطرق الصوفية في الحبشة مكانة خاصة في نفوس المسلمين، منها:
1 ـ الطريقة القادرية: نسبة إلى عبد القادر الجيلاني ـ وهي أكثر الطرق انتشاراً وأتباعها يقومون بمهنة التعليم ولا يميلون إلى احتراف الزراعة والصناعة.
2 ـ الأحمدية وهم أتباع أحمد بن إدريس المتوفى في عسير في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر.
3 ـ الصالحية وهم فرع من الأحمدية أنشأها محمد صالح. وقد استطاع أتباع هذه الطريقة تحت زعامة محمد بن عبدالله حسان أن يكوّنوا نفوذاً واسع النطاق وأن يوحدوا القبائل تحت لواء الإسلام.
على أنّ هناك طائفة مثقفة من مسلمي الحبشة تلقوا العلم في الأزهر وفي الحجاز. كما أنّ هناك طائفة من علماء الحبشة المسلمين ظهرت آثارهم في العالم الإسلامي بعيداً عن وطنهم. وعلى رأس هؤلاء الأعلام: الجبرتي المؤرخ، ارتحل جدّه السابع الشيخ عبد الرحمن من بلاده في أوائل القرن العاشر واستقرّ في مصر بعد أن أقام ردحاً من الزمن في مكة والمدينة.
ومنهم الشيخ إسماعيل بن سودكين الجبرتي ومنهم الفقيه الأصولي فخر الدين أبو عمر وعثمان بن علي بن محجن الزيلعي وغير هؤلاء ممّن ورد ذكرهم في كتب التاريخ.
ويرى بعضهم أنّ عدد المسلمين في الحبشة لا يقل عن ستين في المائة، وهو دون شك لا يقل عن خمسين. وفي الحبشة بعض الشيعة لا سيما في هرر.
الكونغو
ممّا لا جدال فيه أنّ الإسلام دخل الكونغو منذ زمن موغل في القدم فقد عرف العرب كل المنطقة بكل مجاهلها وأدغالها، ولولا شذرات ترد عرضا
في تقارير الرحالة والمكتشفين ومذكراتهم لظلّ أمر هذه المناطق والأثر الإسلامي فيها مجهولاً لمن يريد أن يكتب للتاريخ أو يفهم حقيقة التاريخ.
ومن هؤلاء الرحالة البلجيكي (فريتزفان در ليندن) فقد استوفى في كتيب رحلته الحديث عن الكونغو وتناول في بعض لفتاته ذكر العرب فقال في الصفحة 261 في بحث عن تداول المسكوكات… إنّ أكثر الأهالي المستعربين يعفون النقود وإنّ التجار العرب من الكاسنقو وأكبر التجار الذين لهم علاقات مع زنجبار يؤثرون الذهب لا سيما الليرة الاسترلينية لأنّ علاقاتهم متصلة مع عرب أوغندا،… والمستعمرات الألمانية في شرقي إفريقيا ثمّ استطرد قائلاً: إنّ العنصر العربي لا يزال عظيماً في جهات كاسنقو القديمة ثمّ ذكر مدينة نيانقواء Niangwa فنقل عن السويدي (غليروب) قوله في سنة 1886م إنّ نيانقواء هي مقر العرب الأصلي وهي مقسومة إلى قسمين يفصل بينهما واد عميق تكثر فيه مزارع الأرز ـ فإذا بلغ ارتفاع نهر الكونغو معظمه طغت المياه على هذا الوادي ـ وقد زادت هذه المدينة من عهد استانلي ازدياداً عظيماً بفضل الحركة العربية النشطة ـ فأهلها اليوم يبلغون نحو عشرة آلاف نسمة وهؤلاء هم المستقرون فيها ـ وترى على جانبي الوادي أفخر المزارع والمغارس وجميع الأشجار المثمرة المجلوبة من إفريقيا الشرقية كذلك أدخل العرب فيها المواشي والحمير الفارهة للركوب.
وممّا يذكر أيضاً أنّ حاكم مدينة (نيانقواء) كان زعيماً عربياً في الصميم وقد أبقته الحكومة البلجيكية أميناً لها وحظي بمقابلة الملك في قصر (بروكسل ببلجيكا).
وفي صفحة 290 ذكر قرية أخرى مستعربة مدحها بنظافتها وبيّن الفرق العظيم بينها وبين القرى الآخرى التي يسكنها غير المستعربين وشاهد فيها سوقاً مهمة تقام كل يوم من الصبح إلى الظهر في ساحة القرية، ووصف الدكاكين فيها ـ معروضة أمامها أصناف البضائع ـ وحوانيت الخياطين. وباعة الخزف وغير ذلك، وقال إنّ المستعربين رحبوا بهم ترحيباً ودعوهم إلى منازلهم، فعرجوا على معلم (كتاب) أمامه جماعة من الصبيان يعلمهم القرآن الكريم.
وذكر أنّ سكان هذه القرية عددهم ألفا رجل. وقال إنّه سأل (المسيو دومو لمستر) المندوب العام في الكونغو عن عدد المستعربين في الولايات الشرقية من الكونغو: فقال له لا أقدر أن أجزم بشيء ولكنّي أظنّ أنّهم نحو مائتي ألف، فقال له ألا تراهم خطراً دائماً على المستعمرة؟!
فأجابه كلا!! لأنّهم متفرقون، ولأنّنا نحن نملك القوّة اللازمة لقمع كلّ ثورة، ثمّ قال له: طالما اتّهم هؤلاء العرب والمستعربون تهماً باطلة فلا أنكر أنّه يجب علينا مراقبتهم وإجبارهم على طاعة القوانين، ولكن ممّا لا أنكره أيضاً أنّهم عنصر جيّد في البلاد ـ لأنّهم قوامون على الزراعة، مدنيون بطبعهم، وعندهم ميل إلى الجنس الأبيض، ونحن في كل سنة نشتري منهم في جهات (ستانليفيل) و(بونتيارفيل) و(لوكاندو) و(كيرندو)… ومناطق حوض النيل مقداراً مهماً من الأرز!
وهكذا فقد انتشر الإسلام في المناطق الاستوائية من لدن عدّة قرون خلت وقد دخل إلى كل مدينة وقرية إلى كلّ الأدغال والأحراش من عدّة جهات نوضحها كما يلي:
1 ـ عن طريق المد الفكري الذي صحب الهجرة العربية الأولى إلى إفريقيا الشرقية وكان ذلك جد قديم بل قبل أن تكون هناك دولة عربية في زنجبار ودار السلام.
2 ـ عن طريق المحيط الهندي الذي استغله التجار العرب والشيرازيون الإيرانيون وكانت زنجبار ودار السلام محط الرحال ومنطلق الدعاة للدين الإسلامي وتأسيس المراكز التجارية بالذات بعد توطيد الحكم العربي الإسلامي في البلدتين.
3 ـ عن طريق الشواطئ الغربية ـ المحيط الأطلسي ـ حيث امتدّ إليها الإسلام بواسطة المرابطين الذين توغلوا في الأوساط من إفريقيا فأخذوا يبشرون بالدين ويتاجرون.
4 ـ عن طريق تشاد إبان ازدهار مملكتها الإسلامية ثمّ عن طريق الحركة المهدية التي امتدّت إليها من السودان وقد أثرت كل هذه الجهات تأثيراً فعالاً في كل شيء.
ومما تجدر الإشارة إليه أنّ معارك إسلامية ضارية قامت في طول وعرض المناطق الاستوائية والغربية في القرن التاسع عشر، وذلك عندما قامت الحركات التحررية التي قاومت العدو المستعمر وقد نشط لها كل مسلمي الكونغو وأحراره، وقد قام بها ثلاثة من الرجال.
أوّلهم الزبير باشا في حوض النيل الأعلى من سنة 1856مـ1875م ورابح بن فضل ـ في حوض تشاد من سنة 1877مـ1900م والحاج عمر تال الذي كوّن جيشاً من مسلمي (غابون) من بلاد الكونغو وظلّ يحارب الوثنيين وينشر دعوة الإسلام حتّى توفي سنة 1865م وكان الفضل في التمهيد لكل هذه الحركات يرجع إلى حامد محمود الزنجباري ـ الرجل العربي الذي أنشأ عدّة مراكز إسلامية في الكونغو… وأسّس أوّل دولة إسلامية فيها وجعل ينشئ على ضفاف النيل مراكز ومخازن للتجارة أهمها ـ ريبا ـ ونيانقوا ـ وكازنقو ـ وأنشأ لكل هذه القرى والمدن مزارع منظمة رتّب لها العمال وحكم هذه المنطقة ما يقرب من خمسة وعشرين عاماً ـ وإلى هذا المجاهد يرجع الفضل في تمكين الرحالة المكتشفين من أداء مهماتهم بل كانت له اليد الطولى في تمكين ستانلي ـ من كشوفه العديدة ـ وعثوره على ليفنجستمين المفقود.
وعلى غرار هذه الوثبات ازداد المستعمر يقظة واستشاط غضباً وقضى على كل شيء جملة وتفصيلاً ومن ذلك التاريخ بدأ يقاوم بشدّة كلّ حركة من شأنها الدعوة إلى الإسلام أو تثبيت دعائمه ونشطت حركة التبشير ومنع رجال الدعوة من القيام بأي نشاط. وفرضت رقابة شديدة على الدعاة الوافدين من الأقطار الإفريقية الأخرى ورغم كل هذا فقد احتفظ المسلمون بكيانهم وعقيدتهم غير أنّ الحرمان كان نصيبهم في كل شيء فلم يلتحق بالمدارس الحكومية من أبنائهم إلاّ النزر القليل ـ وبدأت فرنسا في الغرب (برازافيل) تكثر من الإرساليات وتعبئ من البعثات إلى فرنسا للدراسة كما قامت بلجيكا في الشرق والوسط من ليوبولدفيل وكاتنجا، بمثل ذلك واستمرّت الحالة سنين طوالاً حتّى فقد المسلم كيانه ونسي عقيدته الصحيحة ـ ورغم كلّ ما لقيه من المثبطات لم يفقد الإسلام أبداً تدفُّقَ الوثنيين إلى حظيرته حتّى أصبحت نسبة المسلمين في برازافيل الغرب 15 في المائة وفي الشرق والوسط 35 في المائة وجاءت آخر إحصاءات لمسلمي الكونغو عام 1965م حسب ما ورد في النشرة الحادية عشرة من الدراسات التي تقوم عليها المنظمة الإسلامية في جامعة (بارك ـ بنسلفانيا) بالولايات المتحدة 5370000 مسلم وقد شارك كلّ مسلم بنفسه ونفيسه في كلّ الثورات الوطنية التي قاومت المستعمر. وعلى الرغم من كل هذا، فإنّ الحكم بعد الاستقلال وفي كلّ صورة قد حاول إبعاد المسلمين وفصلهم عن المشاركة في الحكم، إنّ الاستعمار في كلّ أرجاء القارة قد بذل جهداً عظيماً في عزل المسلمين عن مقاعد الحكم، فتنجنيقا مثلاً نالت استقلالها على أعتاب حزب (تانو) وكانت الأغلبية الساحقة من المسلمين ممثلة في هذا الحزب كما كانت به مجموعة من الشخصيات المسلمة المثقفة بالثقافة العالية والجديرة بالقيادة، ولكن المستعمر نفسه مع أعوانه وخلفائه أبوا إلاّ أن تكون القيادة لغير المسلمين فقط، وهكذا كانت الحال في زنجبار، وأريتيريا، وأثيوبيا، وساحل العاج، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وتوجو، وتشاد، وزامبيا، والكاميرون، والسنغال، وسيراليون.
التوغو
توغو Togo أو توغولاندا Togoland جمهورية تقع على الساحل الغربي لإفريقية الغربية بين جمهوريات غانا غرباً، والداهومي شرقاً والفولتا العليا شمالاً، والمحيط الأطلسي جنوباً. وكانت توغو سابقاً مستعمرة ألمانية، وبعد الحرب العالمية الأولى قسمت إلى منطقتين، وضعت أحداهما تحت الحماية الإنكليزية، وهي الصغرى التي انضمّت فيما بعد إلى جمهورية غانا، ومساحتها مائة وثلاثون ألف وواحد وأربعون ميلاً مربعاً. والأخرى تحت الوصاية الفرنسية ومساحتها ستة وخمسون ألف كيلومتراً مربعاً. وهي المعروفة اليوم بجمهورية التوغو.
لقد انتشر الإسلام في جمهورية توغو في حوالي القرن السابع عشر الميلادي على يد التجار المسلمين من السودان الفرنسي (جمهورية مالي)، ومن شمال اتحاد نيجيريا (بلاد هوسا) أيضاً، ممّن وفدوا إليها واستقرّوا بها ولا زال أحفادهم حتّى اليوم متمتعين برئاسة الشؤون الدينية كالإمامة في المساجد، والخطابة في الجوامع، وعقود الأنكحة وغيرها.
والإسلام هو دين أغلبية سكان شمال توغو. وأمّا الجنوب فالمسيحية هي المنتشرة فيه، ومع ذلك فإنّ الإسلام قد تغلغل إلى حد ما في الجنوب.
وأمّا (الفتشيمة) أي الوثنية فقد تضاءلت، ولا توجد إلاّ في بعض الرساتيق والبوادي.
يبلغ عدد المسلمين في هذه الجمهورية ثلث مجموع عدد سكانها.
وينقسم المسلمون في الجمهورية إلى قسمين: القسم الأوّل ـ مؤلف من أبناء البلاد الأصليين، وهم سكان الشمال، والقسم الثاني من الغرباء والمولودين في جمهورية توغو الذين قدم آباؤهم من البلاد المجاورة.
والتعليم العربي الإسلامي كان مقتصراً على تلقين أولاد المسلمين القراءة والكتابة للقرآن الكريم وشيء من علوم التفسير والحديث والنحو والفقه الإسلامي لإقامة شعائر الدين على مذهب الإمام مالك.
وفي يوم 27 من شهر آب عام 1963م أسّست أوّل جمعية إسلامية وحيدة تحت اسم (اتحاد مسلمي توغو) ثمّ مدّت يدها إلى الجمهوريات المجاورة، فأسّس مسلمو الداهومي جمعية إسلامية في يوم 27 آب عام 1966م تحت اسم (الاتحاد الإسلامي الداهومي).
تومبكتو
في أقصى الجنوب عند حدود صحراء إفريقيا الواسعة بالقرب من نهر النيجر.
كانت تومبكتو مكاناً لالتقاء القوارب النهرية بقوافل الجمال كما كانت مركزاً كبيراً لتبادل السلع والمنتجات بين شمال إفريقيا وبين البلاد الغنية الواقعة جنوبي وغربي النيجر.
وتاريخ تومبكتو يتصل بتاريخ قبيلة من الزنوج أصلها من وادي النيل. فقد كانوا يقطنون السودان الشرقي ولما جاء الطوارق([209])، وهم البربر القادمون من شمال إفريقيا، وكان ذلك في القرن الحادي عشر، اعتنقت هذه القبيلة عن آخرها الإسلام.
ولم يكتف الطوارق بجعل تومبكتو مركزاً تجارياً ناجحاً بل نجحوا في جعله مركزاً من مراكز العلم كذلك. وإلى «كاهياسني علي» يرجع الفضل في هذه الشهرة الواسعة، فهو الذي أسّس «مدرسة سنكور»، وهو الذي جعل عليها «أحمد بابا». ولم يكن أحمد بابا هذا رجلاً من رجال التعليم فقط بل كان كاتباً ومؤلفاً. له كتب كثيرة في الفقه. وكتابه عن «تاريخ السودان» لا يزال إلى اليوم مرجعاً يعتمد عليه في البحث عن تاريخ صحراء إفريقيا في تلك الأيام.
وقد بقيت دولة الطوارق، وعاصمتها تومبكتو، حوالي مائة سنة إلى عام 1590م، وفي ذاك الوقت استنجد الحاج حسونة خليفة أحمد بابا، بمولاي حسن المنصور المراكشي طالباً منه العمل على الإبقاء على الأثر التاريخي الذي أقامه سلفه. وسرعان ما استجاب المنصور إلى هذا الرجاء، فبعث بالمدرسين والمعلمين والمهندسين والبناة وكل أصحاب الحرف والمهن ليعيدوا إلى تومبكتو مجدها الغارب وليجعلوا منها من جديد مركزاً للحضارة الإسلامية والثقافة في قلب إفريقيا.
وعادت تومبكتو مكاناً لاجتماع كلّ من يأتي إليها من التجار من جنوب السودان ومن النوبة. وأنشئت فيها مدرستان فرعيتان، إحداهما «باب القبة» والثانية «دار الخطوط». كان من نتيجة ذلك أن أصبحت تومبكتو موطناً لطباعة الكتب وتجارة الورق، الأمر الذي كان له أثره وخطره في نشر الإسلام بين كثير من قبائل هذه المناطق.
وممّا يروى أنّ رئيساً من رؤساء هذه القبائل أعلن إسلامه وتعهّد بأن يذهب لمكة لتأدية فريضة الحج، على أن يبني عند كلّ استراحة على طول الطريق من تومبكتو إلى القاهرة مسجداً. وقد صدق هذا الرجل في وعده.
وممّا يروى كذلك أنّ ابن بطوطة، الرحالة والمؤرخ المشهور، زار تومبكتو ليتعرّف على أحوالها ويتعرّف على أهلها.
وكان يدرّس في جامعة تومبكتو هذه القرآن الكريم والحديث وعلم الكلام والفقه والمنطق والطب والجراحة والهندسة والآداب. ولتومبكتو الفضل في نشر العلوم والمعارف في مختلف مدارس السودان والنوبة ودارفور ودنقلة ونيجيريا وسنجمبيا.
ولمّا تغيّر العصر الأوروبي وأصبحت الحضارة حضارة البخار والغاز والكهرباء قدم الفرنسيون، وهم أقرب أهل أوروبا إلى شمال إفريقيا، هذه الأرجاء. وما أن جاء عام 1813م حتّى رأينا الحكم الفرنسي يطغى على حكم العرب والزنوج في هذه البقاع. وسرعان ما عمد الفرنسيون إلى تحويل تومبكتو من جامعة كبيرة للعلوم والفنون إلى مجرد مستعمرة.
ولم ينقض وقت طويل حتّى قدم البريطانيون فأسّسوا لهم مستعمرة أخرى في نيجيريا، وتبعهم الألمان والبرتغاليون الذين أسّسوا لهم مستعمرات في غربي إفريقيا.
مقارنة بين الإسلام في شرق
القارة الإفريقية وغربها([210])
حمل التجار الإسلام إلى الساحل الشرقي من القارة الإفريقية حيث امتدّت جذوره هناك. وقد تقدّم المهاجرون نحو وادي النيل بحثاً عن موارد الرزق وأصهروا إلى الزنوج من أهل البلاد، وبذلك أصبح الإسلام العمل الثقافي البارز في شمال السودان.
أمّا في غربي إفريقيا فقد أخذ الإسلام ينتشر تدريجياً عبر الأقاليم الصحراوية الجنوبية حتّى بلغ ساحل إفريقيا الغربي عن طريق التجارة.
وقد انتشر الإسلام من ساحل البحر الأبيض المتوسط في شمال إفريقيا نحو الصحراء الكبرى، وفي إقليم المراعي والشجيرات القصيرة جنوب الصحراء، وتطرق في بعض الجهات إلى ساحل المحيط الأطلسي وساحل غينيا على أنّ بعض القبائل المشتغلة بالزراعة هناك قد قاومت الإسلام ـ كما يقول كارينتر ـ هناك وفضلت المسيحية في ذلك الوقت.
أمّا في الشرق، فإنّ شعب الأزندي وشعوب جنوبي السودان قد رحبت بالمسيحية.
وفي غربي إفريقيا وجد الفرنسيون والبريطانيون، إمارات إسلامية رضي أصحابها بالحماية الغربية التي ضمنت احتفاظهم بالحكم الذاتي. وفي سنة 1881م أخذ محمد أحمد المهدي في السودان يدعو إلى إقامة عالم جديد، فأعلن الثورة على نظام الحكم السوداني، واستطاع أن يسيطر على شرقي السودان كلّه في سنة 1883م.
وقد أرسلت الحكومة البريطانية التي كانت تسيطر على مصر في ذلك الوقت الجنرال غوردون لإقامة حكم جديد في السودان، على أنّ الخرطوم لم تلبث أن حوصرت وقتل هذا القائد البريطاني في يناير سنة 1885م وبدأ المهدي ينظم إماراته، ولكنّه مات في شهر يونيه من تلك السنة. ولم يستطع عبدالله التعايشي خليفة المهدي أن يوحّد صفوف أنصاره فلجأ إلى وسائل العنف، وعادت بريطانيا إلى احتلال السودان بين سنتي 1896 و1898م وأقيم نظام الحكم الثنائي الذي كان لبريطانيا فيه أوفر نصيب، وكان للروابط السياسية والدينية بين مصر والسودان أثر كبير في دعم الثقافة الإسلامية في السودان. لكن المهدية كانت لا تزال حتّى ذلك اليوم عاملاً مهماً في هذه البلاد، فقد حاولت هذه الحركة أن تمدّ نفوذها حتّى شمالي نيجيريا، وكسبت في غربي إفريقيا أنصاراً عن طريق دعوة الحجاج أثناء مرورهم بالسودان إلى الدخول في دعوتها.
وفي شرقي إفريقيا جاء الإسلام بظاهرة جديدة، هي أنّه جلب معه عدداً كبيراً من مسلمي جنوب آسيا وكلّهم أو أغلبهم من الهند والباكستان.
ولا زالت هذه الجالية الآسيوية التي يتكوّن أكثرها من طبقة التجار تؤلف عنصراً جنسياً وثقافياً مستقلاً غير أنّهم أخذوا في السنين الأخيرة يؤثرون في الشعوب الإفريقية في النواحي السياسية أكثر من تأثيرهم في النواحي الدينية.
وتختلف جهود الدعاة المسلمين الإفريقيين في كلّ مكان من حيث النجاح الضئيل والتوفيق الشامل. ومن هؤلاء الدعاة الفقهاء والمعلمون، ومنهم المشتغلون بالتجارة وبخاصة بين شعوب الهوسا في شمال نيجيريا، ومن الغريب أن نجد أنّ الإسلام في غربي إفريقيا ينتشر على الأخص حول الطرق الرئيسية التي تخترق البلاد.
وهناك مظاهر أخرى لتباين الأوضاع في شرقي إفريقيا وغربها: فالمؤثرات الإسلامية في الشرق تتركز حول الهجرات في زنجبار ومدن كينيا الساحلية وتنجانيقا، كما تتركز في التأثيرات الهندية في أنحاء متفرقة من أوغندا، وفي شعب السواحلية وفي اللغة السواحلية التي تمثل اختلاط المهاجرين العرب بدماء البنتو الحاليين ولغاتهم. وعلى العكس من ذلك نرى في غربي إفريقيا أنّ شعوبها مهما كان أصلها فهم مستوطنون لهذه الجهات مثل الفلاني والهوسا وغيرها. وهم روح التأثيرات الإسلامية. على حين نجد المهاجرين من شمال إفريقيا وسوريا ولبنان والهند يقومون الآن بدور ثانوي.
والإسلام في شرقي إفريقيا جاء أصلاً من بلاد العرب على أيدي دعاة هم على الأغلب من الشيعة العلويي النسب. وتتمثل فيه الآن على نطاق محدود المذاهب الإسلامية السنية، كمذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة، وفيه مذهب الشيعة من جعفرية وإسماعيلية وزيدية، وفيه الإباضية من الخوارج وفيه الأحمدية، وإن كان المذهب الشافعي قد فشا إلى حد بعيد بين السكان الأصليين، وهم يتطلعون إلى الشرقين الأدنى والأوسط باعتبارهما مركزين للإمامة الروحية.
أمّا الإسلام في الغرب فإنّه على العكس قد تسرّب من المغرب الأقصى في عهد الأدارسة والمرابطين ومن بلاد المغرب بصفة عامة، وعلى يد القادرية والتيجانية. وهم نادراً ما يتطلعون إلى خارج حدود بلادهم التماساً للزعامة الروحية، لأنّ كلاًّ من سلطان سكتو والسيهو في برنو يعتبران أئمة المجتمع الإسلامي… وهم في الأقاليم الأخرى من غربي إفريقيا يتطلعون إلى مراكز التعليم في المستعمرات الفرنسية ـ سابقاً ـ أكثر من تطلعهم إلى مراكزها في الشرق الأدنى، ويندر التحدّث بالعربية بينهم، وإن كان بعض المفردات العربية قد تسرب إلى لغات غربي إفريقيا.
وبرغم هذا نجد تشابهاً ملحوظاً بين تطبيق المذهبين الشافعي والمالكي في محاكم كينيا وفي ساحل الذهب (غانا) ويتمثّل هذا التشابه في معالجة المشاكل الناجمة عن انتحال الوثنيين الإسلام. «انتهى».
جنوب إفريقيا
في القرن الخامس عشر والسادس عشر وجّه البرتغاليون والإسبانيون والهولنديون أنظارهم إلى الشرق الأقصى. وكان الاقتصاد والتجارة الهدف الرئيسي عندما خرج فاسكو دو گاما من وطنه ونجح في اكتشاف الطريق إلى الهند والشرق الأقصى عبر رأس الرجاء الصالح.
واستيقظ الهولنديون والإسبانيون ونجح الهولنديون في اكتساح البرتغاليين، واتخذوا من رأس الرجاء الصالح محطة لأسفارهم إلى الهند وغيرها من بلدان الشرق الأقصى.
ويتوقف نجاح التجارة على قوّة تحميها ووجود الأيدي العاملة الرخيصة، وقد نجح الهولنديون في تطبيق هذه النظرية، وجاؤوا بأربعين عاملاً من مسلمي جاوا وسومطرا والملايو إلى رأس الرجاء الصالح. وكان ذلك أوّل حدث لدخول المسلمين في أقصى بقعة من جنوب قارة إفريقيا.
وكان هؤلاء المسلمون مثقفون ولهم اطلاع واسع وانتهزوا هذه الفرصة لنشر الإسلام وتزواجوا بنساء رأس الرجاء الصالح وأسلمن كما تبنّوا أولاد ساداتهم الذين يطلق عليهم ـ الملونين ـ وأنصاف المنبوذين ـ وكان هؤلاء الأطفال منكوبين. ولمّا تبناهم المسلمون، درسوا الإسلام وأسلموا على أيدي هؤلاء الدعاة. ويبلغ عدد المسلمين اليوم في رأس الرجاء الصالح وحدها أكثر من مائة ألف مسلم نتيجة لهذا المجهود وجيء أيضاً بهنود وكان بينهم مسلمون إلى ناتال، وجعلوا منها بلداً زراعياً. ويوجد اليوم في ناتال نصف مليون مسلم.
وظلّ المسلمون في إفريقيا النوبية على روابط طيبة بالعرب والأتراك والهنود والباكستانيين. وأبرز معالم هذه الروابط تمكّنهم من الاحتفاظ بالروح الديني، والاتصال القوي بالقضايا الإسلامية. بخلاف زنوج أميركا الذين انقطعوا عن أصلهم ولم يكن لهم صلات بالعالم العربي.
وقد تمكّن المسلمون في إفريقيا الجنوبية من بناء المساجد والمدارس والمعاهد العلمية والجمعيات الدينية وأصبحوا يرسلون أبناءهم إلى الخارج لتلقي التعليم الديني بصفة مستمرة.
وفي إفريقيا الجنوبية أربعة مقاطعات وهي ناتال وولاية أوينج الحرة ورأس الرجاء الصالح وترانسفال. ويوجد فيها هيئات منظمة للعلماء، وجمعيات إسلامية ما عدا ولاية أوينج الحرة حيث لا يسمح لأحد غير البيض بالسكن والعمل التجاري.
وفي ناتال جمعية لعلماء المسلمين. وفي ترانسفال جمعية إسلامية وفي رأس الرجاء الصالح مجلس قضائي إسلامي.
ونشطت حركة الشباب الإسلامي في الترانسفال في السنوات العشر الأخيرة وتعمل هذه الجمعيات صامتة بلا جلبة ولا ضوضاء. لكنّها تعمل جاهدة وأبرز أعمالها ترجمة معاني القرآن الكريم إلى عدّة لغات إفريقية وقد طبعت ووزّعت الآلاف من الكتب الإسلامية حول سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وعن الصيام والحج.
وقد تمّ ترجمة معاني القرآن بلغة “إفريقان“ وهي اللغة الرسمية في إفريقيا الجنوبية ويتخاطب البيض غالباً بهذه اللغة ولغة زولو وهي اللغة الثقافية الواسعة الانتشار في إفريقيا. وراجع هذه الترجمة علماء ولغويون وأدباء من المسلمين. ولكنّها لم تطبع لأسباب كبيرة. «انتهى».
البرتغاليون([211]*)
قام البرتغاليون، خلال ما يقرب من نصف قرن، برحلات استكشافية لإيجاد طرق بحرية تسمح لهم بالتخلّص من الوسيط، (أو العدوّ)، التركي والوصول إلى الهند ـ إلى حريرها وبهاراتها ومعادنها التي هي مفاتيح السوق الأوروبية ـ دون مقاومة تُذكر ولكن هذه الجهود لم تُؤتِ ثمارها، إلاّ في عهد دوم جواو (Dom Joâo) (1481ـ1495م)([212]).
لم يكن لأحد أن يتنبّأ وقتذاك بأنّ هذه الحملات الاستكشافية المكرّسة مبدئياً لفتح طرق تجارية سوف تعطي إشارة عصر جديد، عصر الاستغلال الاستعماري للشرق.
وفي تموز (يوليو) 1497 غادر فاسكو دو گاما لشبونة، ودار لأوّل مرّة حول رأس الرجاء الصالح، ثمّ عاود الصعود ببطء، من مرفأ إلى آخر.
وعندما وصل إلى الهند، أمر رجاله بشراء كل ما يستطيعون شراءه، من أصناف البهارات، بأسعار مضاعفة، رغم دهشة التجّار الهنود والعرب. ولدى عودة دو گاما إلى لشبونة، باع سلعه تلك بما يفوق سعرها الأوّلي بستين ضعفاً وغطّى بذلك ستّة أضعاف نفقات الحملة. وعندما انتشر، في المدينة، خبر ربح بلغ 3000 بالمائة، راح كلّ هاوٍ يجرّب المغامرة الشرقية نفسها([213]).
وحمل هذا النجاح الملك مانويل الأوّل (Manuel 1er) على إضافة لقب «سيّد غزو الملاحة وتجارة الهند وأثيوبيا وبلاد العرب وفارس» إلى ألقابه، وبارك البابا هذا اللقب.
من المؤكّد أنّ الهدف الأوّل كان ذا طابع تجاري. إلاّ أنّه تلوّن بلون «صليبي» لا يمكن إنكاره لدى فاسكو دو گاما وألفونسو دو ألبوكرك (Alfonso de Abluquerque)، وقادتهما العسكريين. ويبدو، بشهادة مؤرخ برتغالي من القرن الثامن عشر، هو جواو دو باروس (Joâo de Barros)، أنّ نشاطهم في هذه المنطقة من العالم كان من أكثر الأنشطة تهديماً:
«لقد خصّ الله البرتغال بنعمة أنّ كتب لهم أن يغزوا الكفّار ـ وخاصّة العرب منهم ـ الذين غادروا بلادهم الواقعة في الشرق، ووفدوا إلى بلادنا في الغرب. ويبدو أنّ الله تغاضى عن إنزال العرب الويلات بإسبانيا وتدمير أراضيها وإتلافها، عقاباً لها على خطاياها. ثمّ قضت إرادته أن يمارس البرتغاليون حقّهم الطبيعي هذا، بعد انقضاء قرون عديدة وبالطريقة ذاتها، بحدّ السيف ليس فقط في الجزيرة العربية الجدباء، حيث دمّروا مدنها وأحرقوا منازلها وسبوا نساءها وأطفالها، واستولوا على الثروات وملكوا على مدنها، ولكن في بلاد الفرس أيضاً»([214]).
لا تحتاج هذه الأقوال إلى تعليق، وإذا أضفنا إليها الأرباح التجارية التي بلغت 3000% من بضائع الشرق، فلن يصعب علينا أن نتخيّل الحمّى التي انقضّ بها البرتغاليون على المدن الهندية والإفريقية والعُمانية، وكذلك على هرمز والبحرين فيما بعد.
وبالفعل، فإنّ المنظور الاستراتيجي لبناء الإمبراطورية البرتغالية لم يتّضح جيّداً إلاّ بعد زيارة دو ألبوكرك للهند عام 1502ـ1503. وقد ظهرت، إذ ذاك، خطّة من ثلاث نقاط: أوّلاً، احتلال عدن لتأمين باب المندب وإغلاق الملاحة في البحر الأحمر. ثانياً، احتلال هرمز والمرافئ العُمانية، قلهات وقريات ومسقط وخروفكان وجلفار والسيطرة على التجارة في الخليج. ثالثاً، احتلال منطقتي ديو (Diu) وغوا، وبسط السيطرة على كلّ مناطق الهند.
وفي عام 1502 مضى فاسكو دو گاما، ثانية، إلى الهند على رأس أسطول صغير من خمس سفن. ولم يلبث الطابع العدائي لهذه الحملة أن كشف عن حقيقته. فقد بدأ فاسكو دو گاما في إغراق كلّ مركب صادفه في طريقه. وسرعان ما تحوّل المحيط الهندي الآمن، حتّى ذلك الحين، إلى منطقة صراعات وقرصنة. ويدوّن ويلسون بأنّه في عام 1505، سمّي دوم فرانشيسكو دو ألميدا (Dom Francisco de Almeida) حاكماً عاماً ونائباً للملك دوم مانويل (Dom Mamuel)، ملك البرتغال، في الهند.
في عام 1508 وصل أسطول برتغالي آخر بقيادة البحّار الشهير ألفونسو دو ألبوكرك إلى جزيرة سقطرة اليمنية، القريبة من مدخل الخليج. وكان البرتغاليون يعتقدون، بناء على أسطورة يتناقلونها، أنّ المسيح مرّ بهذا المكان في طريقه إلى الهند. وربّما كان هذا هو السبب الذي دفع البحّارة البرتغاليين إلى أن يجعلوا منها نقطة انطلاق حملاتهم إلى الهند والخليج. ومن هذه النقطة، اتّخذ ألبوكرك ترتيباته لتنفيذ المرحلة الثانية من الخطّة الاستعمارية في منطقة الخليج.
في 10 آب (أغسطس) 1508، انطلق الهجوم، وفي أقلّ من عشرة أيام، أحرقت أربع مدن عُمانيّة ونهبت ثمّ احتلّت، وهذه المدن هي: قلهات، قريات، مسقط، خورفكان([215]). ولم يتردّد الغزاة في اتباع أبشع الأساليب، إذ نكّلت القوات البرتغالية تنكيلاً وحشياً بالمهزومين. فقد جدعت أنوف الأسرى وقطعت آذانهم، تعبيراً عن الفرح بالانتصار ولكن أيضاً لردع كلّ محاولة مقاومة. وخلال الشهر نفسه، تابع دو ألبوكرك حملته على هرمز. وعلى الرغم من وسائله المحدودة نسبياً فلقد تمكّن على أثر الهلع الذي انتشر في المنطقة من تصفية مقاومة 40 سفينة عُمانية وتوقيع أوّل اتفاق مع الحاكم سيف الدين المسمّى ملكاً على هرمز. وبموجب هذا الاتفاق، أعلن إعفاء البضائع من الرسوم الجمركية، وتعهد الملك بدفع جزية سنوية للبرتغاليين وليس للفرس.
بعد ذلك، تابع دو ألبوكرك البرنامج الاستعماري البرتغالي في أمكنة أخرى. ففي عام 1514 قاد حملة على عدن وحاول، عبثاً، احتلال منطقة المصوّع وإغلاق البحر الأحمر في وجه السفن المصرية([216]). ولو أمكن لملك البرتغال، كما يقول ويلسون، السيطرة على عدن كما سيطر على هرمز ومالاقة (Malaga)، لكان لُقِّب سيّد العالم كلّه على غرار الإسكندر الكبير لدى عبوره الجانجز. وفي حملة ثانية، عام 1515 أخضع الأميرال البرتغالي كلّ منطقة الخليج، بل اندفع إلى أبعد من ذلك: فقد سقطت مومباسا ومالندي وبعض الجزر تحت سلطته.
وعلى وجه الإجمال، وبعد بضع سنوات من معركة غير متكافئة لعب فيها تأثير المباغتة والإرهاب دوراً رئيسياً، أصبح البرتغاليون سادة منطقة شاسعة، من السواحل الشرقية لإفريقيا إلى السواحل الغربية للهند. وكانت عُمان ومضيق هرمز تتحكّمان، في مركز هذا الجهاز، بكلّ تجارتها في الخليج.
واعتباراً من عام 1542 وعلى أثر عجز حاكم هرمز عن دفع الجزية المفروضة، قرّر البرتغاليون تعيين مراقبين لجمع الرسوم الجمركية. وبهذا الإجراء القمعي، أصبحوا السادة الفعليين لهرمز.
بقي عليهم أن يلتفّوا على القوّة الفارسية، وهنا أيضاً خدم السياق مصالحهم بصورة مدهشة: فقد كان الشاه إسماعيل (1499ـ1542)، الذي جعل من تبريز في شمال بلاده عاصمة له، يهتمّ بهذه المنطقة أكثر من اهتمامه بالجنوب. وفضلاً عن ذلك، حاول صدّ العثمانيين الذين سحقوا جيشه في معركة چالدران عام 1514 واحتلوا عاصمته تبريز([217]).
واضطر الشاه الذي هدّده الاندفاع العثماني في منطقة لها منزلة خاصّة في قلبه لأن يتراجع في الخليج أمام البرتغاليين.
لنسمع ما يقوله المؤرّخ البرتغالي جواو دو باروس:
«غزا البرتغاليون الفرس، وهم شعب ذاع صيته نظراً لقدم بلاده وأسلحتها وحضارتها. وقد دفع الفرس ثمن إهانتهم لإسبانيا لأنّهم اعتنقوا ديانة أولئك العرب المتخلّفين»([218]).
كان في إمكان الأتراك، نظراً لمكانتهم الدينية في العالم الإسلامي، كسب شاه الفرس والإمبراطور المغولي في الهند والتحالف معهم وطرد الأوروبيين من المحيط الهندي لسنوات طويلة. ولكن سليمان الكبير أخفق في استيعاب الأهميّة الحيوية لتعبئة كلّ القوى في سبيل بلوغ هذا الهدف.
لم تلبث شعوب المنطقة، بعد انقضاء زمن المفاجأة والوجوم، أن استعادت أنفاسها، وسرعان ما كان على البرتغاليين أن يواجهوا حركات تمرّد عام 1519 و1521. ثمّ اندلعت ثورة عامّة في 30 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1522. ولم يتوصّل البرتغاليون إلى خنقها إلاّ باستدعاء تعزيزات جاءت خصيصاً من الهند.
العرب في سواحل إفريقيا الشرقية
إلى مجيء البرتغاليين([219])
لعلّ صلات العرب الأولى بسواحل شرق إفريقيا ترجع إلى عصور طواها النسيان، فالمؤرخون وعلماء الآثار يعتقدون، بناء على الدليل والخبر، أنّ تلك السواحل كانت منذ عصور متطاولة في القدم ميدان التجارة والمغامرة عند سكان جنوب جزيرة العرب.
وبحثنا هذا مقصور، على الأخصّ، على سواحل ما يطلق عليه في العادة إفريقيا الشرقية باستثناء ساحل البحر الأحمر.
صلة العرب بالبحر الأحمر
وبالحبشة قديمة معروفة
أمّا سواحل إفريقيا على البحر الأحمر وخليج عدن فصلة العرب بها واضحة مشهورة. ويكفي أن نذكر أنّ جماعة من أهل جنوب جزيرة العرب رحلوا إلى الحبشة عن طريق البحر الأحمر، قروناً قبل الميلاد، وأقاموا فيها دولة، وتركوا فيها آثارهم ونقوشهم ومعابدهم، وما تزال تلك الآثار مرئية حتّى اليوم. بل إنّ اسم الحبشة اسم أطلقه العرب على دولتهم في تلك البلاد، ومن لغة أولئك العرب أخذت الحبشية الفصحى التي لمّا تزل لغة العبادة والدين حتّى اليوم. وقد تطوّرت من هذه اللغة الحبشية القديمة لغات ما تزال حيّة يتكلم بها في الحبشة، أهمها التيجري والتجرينا في أريتيريا، والأمحرية في أواسط بلاد الحبشة، وهي لغة الحبشة الرسمية اليوم، ولكن شابتها شوائب من لغات القبائل «الحامية» الذين هم سكان الحبشة الأصليون.
سواحل إفريقيا الشرقية
في القرن الأوّل الميلادي
وأقدم خبر مدوّن عن صلات العرب بسواحل إفريقيا الشرقية نجده مفصلاً في «المذكرات البحرية» المسّماة «بريبلوس البحر الأرتري» وهو كتاب يصف الملاحة والتجارة في البحر الأحمر والمحيط الهندي والصين، ألّفه في منتصف القرن الأوّل الميلادي باليونانية تاجر لا يعرف اسمه.
الساحل الأوساني
هذا الكتاب سمّي ساحل إفريقيا الشرقية، جنوب الصومال الحالية، «الساحل الأوساني»، والعلماء متفقون على أنّ هذه التسمية تشير إلى أوسان، وكانت مملكة من ممالك جنوب الجزيرة العربية قبل الميلاد بقرون، في ما يعرف اليوم بدثينة وبعض إمارات العوالق في محافظات عدن الغربية اليوم.
الساحل الأوساني يحكمه
الشيخ المعافري
ثمّ يقول الكاتب بعد ذلك: «ويحكم هذا الساحل «الكبير» أو (الشيخ) المعافري بمقتضى حق يجعل الساحل تحت سلطان الدولة التي صار لها الغلبة في بلاد العرب». والمقصود بالمعافري هنا: المعافري نسبة إلى المعافر، بلد أو قبيلة سمّي البلد باسمها في جنوب اليمن.
مملكة سبأ
أمّا «الدولة التي صار لها الغلبة في بلاد العرب»، فهي مملكة سبأ، التي قضت على دول معين وقتبان وأوسان، وورثت، على ما يبدو، أملاك بعضها على ساحل إفريقيا الشرقية. والكاتب نفسه ينص على ذكر سبأ حين الكلام على سوقطرة فيقول إنّها كانت خاضعة لملك حضرموت مثلما كان «ساحل أزانيا»، أي ساحل الزنوج، وهو عينه ساحل أوسان، «خاضعاً لكبير المعافر وملكة كريب آل ملك سبأ».
أهل موزع في ساحل أوسان
ثمّ يقول الكاتب: «ويتولى الأمر فيه ـ أي ساحل أوسان ـ أهل موزا، وهم يرسلون إليه سفناً كبيرة فيها ربابنة ووكلاء من العرب لهم معرفة بأهل البلاد ويتزوجون منهم، وهم على معرفة جيّدة بالساحل كلّه ويفهمون لسانهم». وموزا هذه محرفة عن «موزع»، وهي ثغر على ساحل اليمن قريباً من المندب بحذاء بلد المعافر.
الهمداني يذكر موزع
وممّا يجدر ذكره هنا أن الهمداني صاحب «صفة جزيرة العرب»، الذي عاش في صدر القرن الرابع الهجري، يقول عند الكلام على أهل موزع وغيرها من القرى المجاورة: «ويحملون التجارة إلى بلاد الحبش ولهم في السنة سفرة، فينضم إليهم كثير من الناس». وبين زمن الكاتب اليوناني وبين الهمداني تسعة قرون كاملة.
سواحل إفريقيا الشرقية
في الإسلام
وليس هناك ما يمنع أن يكون سلطان العرب على تلك السواحل امتدّ إلى ظهور الإسلام. ونحن نعلم أنّ الحبشة غزت اليمن مرّتين مرّة في القرن الرابع الميلادي استمرّت حوالي أربعين عاماً، ومرّة أخرى في القرن السادس الميلادي استمرّت حوالي خمسين عاماً، ونحن نعلم أنّ الحبشة مدّت سلطانها على بعض سواحل الصومال، ولكن ينبغي أن ندرك أنّ المؤرخين العرب حين يتكلمون عن الحبشة لا يعنون بالضرورة مملكة الحبشة النصرانية بل كثيراً ما يعنون ممالك وإمارات إسلامية في تلك المنطقة سلطانها قائم في تلك البلاد. وعلى كلٍّ، فظاهر أنّ سلطان العرب وتجارتهم لم ينقطعا من سواحل الزنج، وإن جاز أنّ سلطانهم ربّما ضعف في فترات مختلفة، ويعلّق بعض الباحثين في تاريخ إفريقيا والتجارة في المحيط الهندي فيقول: إنّ العرب كانوا أمّة فتوح وسلطان في المحيط الهندي قبل الإسلام قروناً طويلة، وإنّ الإسلام يسّر لهم، لأوّل مرّة، أن يصبحوا أهل فتوح وسلطان في ما يلي بلادهم من ناحية الشمال، وهي ناحية قل أن ظهر للعرب فيها قبل الإسلام سلطان ملموس وراء حدودهم ذاتها.
رحلة الخوارج إلى بلاد الزنج
وأقدم الأخبار التي ترجع إلى زمن الإسلام تقول إنّ جماعة من أزد عمان من الخوارج رحلوا إلى بلاد الزنج بعد أن غلبهم على أمرهم الحجاج بن يوسف وعماله. ولكن من الجلّي أنّ بدء سلطان العرب في تلك المنطقة لا يعود إلى هؤلاء الخوارج من أهل عمان، ولا بدّ أنّهم فرّوا إلى بلاد لم يكونوا فيها غرباء تمام الغربة، وإن جعلتهم في مأمن من سلطان الحجاج والأمويين. ويبدو أنّهم أقاموا لأنفسهم سلطاناً في تلك النواحي، فنحن نجد الهمداني يذكر أنّ الشراة، وهم الخوارج، احتلوا سوقطرة، ممّا قد يدل على أنّهم حاولوا أن يسيطروا على مراكز الملاحة والقوّة البحرية في طريق الزنج.
أسماء المدن التي عمرّها
العرب في الإسلام
وفي الفترة الإسلامية تبدأ تظهر أسماء المدن والبلدان التي كان يعمرها العرب أو يرتادونها للتجارة. وهي تمتد من مقديشو، عاصمة الصومال، اليوم، شمالاً إلى سفالة على خط عرض عشرين جنوب خط الاستواء، في إفريقيا الشرقية البرتغالية اليوم، وتشمل الجزر التي بحذاء الساحل، ولا سيّما جزيرتي زنجبار وبمبا وجزر القمر التي ربّما دخل فيها، في اصطلاح العرب جزيرة مدغشقر. من أهم هذه المدن مقديشو وبراوة ولامو وماليندي وممباسا وبمبا وزنجبار وكلوة وموزمبيق وسفالة. وكانت سفالة في زمن المسعودي صاحب مروج الذهب أقصى ما يصله مراكب أهل عمان وأهل سيراف على بحر الزنج.
لماذا لم يذهب العرب
وراء سفالة جنوباً
ولعلّ السبب في أنّ العرب لم يذهبوا وراء سفالة جنوباً هو أنّ رياح الموسم لا تهب جنوب رأس كورينتس عند مدار الجدي، بل تهب عواصف لا ضباط لأوقاتها، وتصبح التيارات أقوى ويبرد المناخ. ولا يعرف أيضاً إن كان العرب تغلغلوا في داخل إفريقيا. فبينما تكثر على الساحل الآثار الدالّة عليهم، من مبان ونقود وفخار، لم يثبت حتّى الآن وجود آثار عربية في داخل إفريقيا ترجع إلى ما قبل العصور الحديثة. ولكن التجارات كانت ترد إليهم من الداخل فيشترونها ثمّ يرسلونها بالمراكب إلى عدن وغيرها من ثغور بلاد العرب والدول الإسلامية والهند. وكانت صادرات تلك البلاد العاج والذهب والنارجيل أو جوز الهند والرقيق. وقد كثر الرقيق من الزنج في البلاد الإسلامية، ولا سيّما في العراق والأهواز، كثرة ظهر أثرها في ثورة الزنج في البصرة في منتصف القرن الثالث الهجري، القرن التاسع الميلادي.
وكانت مقديشو وكلوة أشهر مدن الساحل إلى القرن الخامس عشر الميلادي، ولعل ذلك يرجع أيضاً إلى كونهما مراحل للسفر في البحر. فابن المجاور الدمشقي يقول في النصف الأوّل من القرن السابع الهجري: «من عدن إلى مقديشو موسم، ومن مقديشو إلى كلوة موسم ثان، ومن كلوة إلى القمر موسم ثالث».
ابن بطوطة في سواحل
إفريقية الشرقية
وقد زار ابن بطوطة مقديشو والسواحل إلى كلوة وابن بطوطة يعدّ مقديشو آخر بلاد البربرة ـ أي الصومال ـ وهذا صحيح، ولا يعدّها مع سواحل الزنج. وقد أعجب ابن بطوطة بمقديشو إعجاباً عظيماً، ووصفها ووصف مقامه فيها وصفاً مطولاً. فقد لقي فيها من إكرام السلطان والقاضي ما كان معدّاً لأمثاله من العلماء والفقهاء فسرّ به سروراً عظيماً. ويظهر من كلام ابن بطوطة أنّ دولة مقديشو كانت غاية في حسن الترتيب وأنّ البلد كان غنياً بالتجارات. وكان لسلطانها أو شيخها كما كان يسمّى هيبة عظيمة. ويقوله ابن بطوطة إنّه رآه أوّل مرّة بعد صلاة الجمعة، وكان مضى على ابن بطوطة في مقديشو أربعة أيام. ويقول ابن بطوطة: «فلمّا خرج الشيخ من باب المقصورة سلمت عليه مع القاضي فرحّب وتكلّم بلسانهم مع القاضي ثمّ قال باللسان العربي قدمت خير مقدم وشرفت بلادنا وآنستنا».
ويصف ابن بطوطة مجلس الشيخ وصفاً مطوّلاً ممتعاً. ثمّ يرحل عن مقديشو فيقول: «ثمّ ركبت البحر من مدينة مقديشو متوجّهاً إلى بلاد السواحل قاصداً مدينة كلوة من بلاد الزنوج فوصلنا إلى جزيرة منبسي. وهي جزيرة كبيرة بينها وبين أرض السواحل مسيرة يومين في البحر ولا بر لها، وأشجارها الموز والليمون والأترج… وأكثر طعامهم الموز والسمك، وهم شافعية المذهب أهل دين وعفاف وصلاح، ومساجدهم من الخشب محكمة الإتقان». ويتبادر إلى الذهن أنّ منبسي هنا هي ممباسة اليوم ولكن قد تكون بمبا، الجزيرة الشمالية في سلطنة زنجبار اليوم لأنّ «جزيرة» ممباسا لا تبعد عن السواحل مسيرة يومين في البحر.
وواصل ابن بطوطة رحلته وكلامه بقوله: «وبتنا بهذه الجزيرة ليلة وركبنا البحر إلى مدينة كلوة… وهي مدينة عظيمة ساحلية أكثر أهلها الزنوج المستحكمو السواد… وذكر لي بعض التجّار أنّ مدينة سفالة على مسيرة نصف شهر من مدينة كلوة… ومدينة كلوة من أحسن المدن وأتقنها عمارة وكلّها بالخشب… والأمطار بها كثير وهم أهل جهاد لأنّهم في بر واحد متّصل مع كفار الزنوج. والغالب عليهم الدين والصلاح. وهم شافعية المذهب». ويذكر ابن بطوطة سلطانها فيمدحه بالجهاد والغزو إلى أرض الزنوج «يغير عليهم ويأخذ الغنائم فيخرج خمسها ويصرفه في مصارفه المعينة في كتاب الله تعالى».
إمبراطورية الزنج
ولا يعرف أنّ مدن هذه السواحل اتّحدت يوماً في دولة واحدة، فهي بقيت دويلات مستقلة بينها نوع من التعاون لأنّها دار إسلام. ولذا، فالكلام عن شيء اسمه «إمبراطورية الزنج» دعوى ضعيفة الأساس، وهي قائمة في الدرجة الأولى على كتاب اسمه «سيرة الكلاوية» يؤرخ لأهل كلوة، وفيه يسرد الكاتب قصة مؤدّاها: أنّ أميراً من شيراز كانت أمّه حبشية فنازعه إخوته الملك فخرج من شيراز في أبنائه الستة في سبع سفن فكانوا يقفون على موضع في الساحل فتتخلف سفينة فيها واحد من أبنائه يبني له مدينة إلى أن نزل أبناؤه الستة وبقي هو في سفينة فنزل في كلوة وبناها. وممّا لا شك فيه أنّ كثيراً من المسلمين الذين ارتادوا السواحل بعد الإسلام كانوا من الفرس، ولا سيّما أهل سيراف ومن الهنود.
العربية لم تستطع أن تكون
لغة أهل هذا الساحل الإفريقي
ولم تغلب العربية على ألسنة أهل الساحل، وإن كانت لغة العبادة والمعاملات والكتابة عامة ولكن نشأت في السواحل لغة جديدة خليط من ألفاظ عربية لا عداد لها ولسان مأخوذ من اللغات البنتوية، وهذا اللسان يسمّى اليوم اللغة السواحلية، واسمه، كما هو ظاهر، نسبة إلى السواحل. وقد انتشر هذا اللسان في داخل إفريقيا. خصوصاً في القرن التاسع عشر حين توسّع العرب براً حتّى أقاموا مراكز تجارتهم ووطدوا قوّتهم الحربية وسلطانهم في أواسط إفريقيا، في تنجانيقا وأعالي الكونغو وكاتانجا وروديسيا. بل لعل أصول اللغة السواحلية نشرت في الداخل قبل ذلك، فقد كان العرب في العصور الوسطى يرسلون القوافل إلى داخل البلاد تبيع وتشتري وتنقل خيرات الداخل إلى السواحل، ومن ثمّ ترسلها إلى الخارج بحراً. وكان أهم ما تأتي به القوافل: العاج والذهب. ولعلّ من الأسباب في عدم انتشار العربية بين أهل السواحل بل وفي غلبة اللسان السواحلي على العرب أنفسهم أحياناً، انّ العرب في السواحل لم يكونوا أهل معرفة وثقافة واشتغال بالعلم، ولم ينشئوا المدارس ولم يشتهر من بينهم علماء، كما كان الحال في سائر أقطار العرب والإسلام في ذلك الحين. وقد يستثنى من ذلك مقديشو، فقد عرف منها علماء ومحدّثون وكان بها دار للطلبة، ومع ذلك فقد كان قاضيها حين زارها ابن بطوطة مصري الأصل.
ولم يدخل العرب في داخل إفريقيا في ذلك الحين للاستقرار، بل كان مقرّهم على السواحل حيث عاشوا تجاراً يصدّرون ويستوردون. ولم يتعدّوا في الزراعة ما يكفي حاجتهم المحلية للطعام، ومع ذلك فقد أدخلوا إلى تلك السواحل النارنج، أي البرتقال، وأدخلوا فواكه أخرى وتوسّعوا في زراعة النخل وحبوب الطعام.
ظهور البرتغاليين أوّل مرّة
عند تلك السواحل
وبينما هذه البنادر وأهلها سادرون في معيشتهم الرتيبة منذ قرون طوال، يعيشون في يسر ورخاء ودعة، من كسب تجاراتهم، وكد رجال قوافلهم في الداخل ورجال مراكبهم في البحر، خرج عليهم من الجنوب، من وراء البلاد التي لا عمارة بعدها ـ كما كانوا يظنون ـ مراكب تحمل قوماً لم تكن تلك السواحل عرفتهم من قبل، كان القوم برتغاليين، وكان أمير أسطولهم «فاسكو دو گاما»، أوّل من دخل المحيط الهندي عن طريق رأس الرجاء الصالح. وكانت أوّل وقفة لهم عند موزمبيق. واستقبله شيخ موزمبيق ورجاله أوّل الأمر بالمودّة والإكرام. وقد بهر ترف موزمبيق وأهلها البرتغاليين. كان الشيخ ورفقته يرفلون في ثياب الديباج والحرير الموشى بالذهب، عمائمهم حرير وذهب وسيوفهم وخناجرهم في أغماد من فضة خالصة. ووصف أحد البرتغاليين أهل موزمبيق بأنّ «فيهم الأبيض والأسمر والأسود، لأنّهم كانوا أبناء أمهات من الكافرين من أهل البلاد وتجار عرب بيض تجاراتهم في جميع الأقطار الهندية منذ زمن بعيد حتّى صارت وطناً لهم». ويقصد بالأقطار الهندية ما حول المحيط الهندي. أمّا قوله «الكافرين» فيقصد به الزنوج أهل البلاد الداخلية، كما كان العرب يسمّونهم، ولكن لا شك أنّ نساء المسلمين كنّ مسلمات.
البرتغاليون وصفوا ما وجدوا في هذه السواحل من ثروة وعمار
وقد أكثر البرتغاليون في كتاباتهم وأخبارهم من الثناء على روعة مدن السواحل وثروتها كما رأوهما قبل أن يدمروا معظمهما. فيصف أحدهم مدينة كلوة فيقول: هي ذات بيوت حسنة مبنية بالحجر والجص. كثيرة الشبابيك على مثال شبابيكنا، شوارعها منتظمة حسنة وسطوح بيوتها مستوية. والأبواب من خشب منحوت مزخرف وصناعتها متقنة محكمة. وحولها أنهار وبساتين وجنات تجري فيها قنوات ماء عذب. وفي هذه المدينة ذهب وافر، إذ ما من مركب يأتي من سفالة أو يمر إليها إلاّ ويقف في هذه المدينة. «وما من مدينة نزلوا بها أو مروا عليها إلاّ بهرتهم فتحدّثوا عنها وعن ترف أهلها حديث المندهش. حتّى مقديشو التي لم يقفوا عندها، لاحظوا من مراكبهم في البحر أنّها مدينة كبيرة بيوتها طبقات كثيرة وفي وسطها قصور باذخة وحولها أربعة أبراج».
كان شعار البرتغاليين في هذه الرحلات العصبية الدينية والسعي وراء التجارة بالقوّة، ولمّا أدرك شيخ موزمبيق ورجاله أنّ القادمين يبطنون هذه النوايا أظهروا لهم الجفاء، فركب دو گاما ورجاله البحر مسرعين. ووصلت الأخبار إلى كلوة وممباسا قبل وصول دو گاما إليهما فلقي فيهما جفاء. ولكن مالندي كانت على عداء لممباسا دفعها أن تتودّد إلى القادمين وتعقد معهم عهداً. ويقول مؤرخ مشهور: ومن الجلي أنّ مالندي إنّما فعلت ذلك نكاية بممباسا لا خوفاً من البرتغاليين إذ لم يكن ليخطر ببال أحد من عرب السواحل، وهم سادة تلك البقاع منذ زمن سحيق، أنّ هذه السفن الثلاث من أوروبا، رغم حسن تسليحها، كانت تنذر بخطر على مياههم التي تمتعوا فيها دوماً بالثروة والقوّة. ولكن سرعان ما تفتحت عيون العرب على الحقيقة.
الصراع بين العرب والبرتغاليين
في إفريقيا الشرقية
كان البرتغاليون قد أخرجوا العرب من بلادهم في غرب «الأندلس» منذ منتصف القرن الثالث عشر للميلاد، وشغلوا بعدها وقتاً بحروبهم مع مملكة ليون، إحدى مملكتي إسبانيا إذ ذاك.
وفي مطلع القرن الخامس عشر بدؤوا يتجهون إلى البحر. إذ إنّ سبيل التوسّع في البر كان مسدوداً بسبب إحاطة إسبانيا بالبرتغال من سائر الجهات.
وكان البرتغاليون قد أنشأوا أسطولاً تجارياً يتاجر مع ساحل أوروبا الغربية ولكنّهم ابتدأوا في القرن الخامس عشر، تحت قيادة الأمير هنري الملاح، يبحرون حذاء ساحل إفريقيا على المحيط الأطلنطي تدفعهم رغبة أن يصلوا إلى مملكة «القسيس يوحنا» وهو الاسم الغريب الذي كانوا يطلقونه على مملكة نصرانية في شرق إفريقيا لا يعرفون حقيقتها، إلى أن تبيّن لهم فيما بعد أنّها مملكة الحبشة.
وصول البرتغاليين إلى رأس الرجاء الصالح
كانوا يظنون أنّهم أبحروا جنوباً، بحذاء ساحل المغرب، وصلوا إلى نهر عريض، هو نهر السنغال في الحقيقة، يتصل مع نهر النيل، فيمكنهم من الوصول بمراكبهم إلى تلك المملكة الغامضة فيتحدّون معها ويطبقون منها على المسلمين من الشرق. ومضوا يزحفون على سواحل إفريقيا الغربية على مهل، من بقعة إلى التي تليها، ثمّ يعودون أدراجهم إلى بلادهم محمّلين بغنائم وبضائع تدر عليهم ربحاً كثيراً. وأغراهم الربح بزيادة المخاطرة حتّى بلغ بهم سعيهم إلى رأس الرجاء الصالح، أقصى نقطة جنوبية في إفريقيا، عام 1486م، بقيادة البحار دياز Dias.
ووصولُ البرتغاليين إلى رأس الرجاء الصالح اكتشافٌ لا يقل أهمية عن اكتشاف كولومبس أميركا عام 1492م لحساب إسبانيا. فكلا الاكتشافين كان بعيد الأثر في تطوّر الاستعمار الغربي وتطوّر التاريخ الحديث. ولكن اكتشاف دياز عام 1486م يزيد أهمية بالنسبة للعرب عن عام 1492م، عام كشف أميركا، وعام سقوط غرناطة بالأندلس كذلك. فسقوط غرناطة كان أمراً يكاد يكون محتوماً، فقد كانت آخر ما بقي من تركة تفتّت وضاع حافظها من زمن. أمّا اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح فكان أكبر ضربة على العرب في الشرق، بعد أن تضعضع مركز العرب في الغرب فقد كان قدوم البرتغاليين إلى المحيط الهندي فادح الأثر على العرب والبحر الأحمر وشمال المحيط الهندي. بل إنّه هو الذي سهل القضاء على دولة المماليك في مصر حين عجزت عن حماية مياه المحيط الهندي، ويسر للعثمانيين احتلال مصر، إن لم يكن حفزهم على ذلك.
جاسوس برتغالي يتجوّل في الشرق
وفي عام 1487م طاف رسول برتغالي بالشرق يتجسّس، فزار مصر وعدن، ثمّ ذهب إلى قاليقوط وگجوا في الهند ثمّ إلى هرمز على المضيق بين خليج عمان وخليج البصرة ثمّ إلى سواحل إفريقيا الشرقية حتّى سفالة جنوباً ثمّ عاد إلى القاهرة حيث أرسل تقريره إلى ملك البرتغال عن تجارة المحيط الهندي. وقد حلّ هذا الرسول أيضاً لغز «مملكة القسيس يوحنا، فقد عرف أنّها الحبشة، ولم تعد تلك المملكة النصرانية تستأثر بالاهتمام الذي كان لها في نفوس الغربيين حين كانت لا تزال غامضة مجهولة».
فاسكو دو گاما يصل إلى الهند
ولمّا علم البرتغاليون بما في سواحل المحيط الهندي من تجارات غنية رابحة بدأوا يعدّون الأساطيل للسفر إلى الهند عن طريق رأس الرجاء الصالح. وفي عام 1497م أبحر فاسكو دو گاما في ثلاث سفن في رحلة استطلاعية. وبعد أن طاف برأس الرجاء الصالح وصل موزمبيق ووقف عندها. وأكرمه شيخ موزمبيق أوّل الأمر ثمّ شكّ في أمره فأبدى له الجفاء فأسرع إلى مراكبه هارباً إلى الشمال. ووصلت الأخبار قبله إلى كلوة وممباسا فلقي فيها جفاء، ولكن مالندي رحبت به نكاية بممباسا لعداوة بينهما ـ كما مرّ ـ، ووصل فاسكو دو گاما إلى قاليقوط في الهند بإرشاد ملاحين من أهل مالندي، وعاد إلى البرتغال من نفس الطريق فوصلها عام 1499م.
فاسكو دو گاما يعود إلى الشرق بأسطول
وبعودة دو گاما بدأ البرتغاليون يرسلون الأساطيل التي كانوا أعدّوها. فعاد دو گاما عام 1502م ولمّا وصل كلوة أكره سلطان البلد على الإقرار بسيادة ملك البرتغال عليه ودفع جزية سنوية وإلاّ أحرق البلدة. وتلت ذلك زنجبار. وفي عام 1505م خرج من البرتغال أسطول عداده 20 سفينة عليها 1500 محارب فاحتلوا سفالة، مدينة الذهب، ثمّ احتلوا كلوة، بعد أن هرب منها سلطانها لأنّه لم يكن دفع الجزية الموعودة. ثمّ احتلوا ممباسا ولكن بعد أن قاتل عنها أهلها قتالاً شديداً وخسروا خسائر جسيمة، ولمّا احتلها البرتغاليون نهبوها ثمّ أحرقوها عن آخرها، وتركوا قسماً من غنائمهم وراءهم إذ لم يكن لهم طاقة بحمل كلّ ما نهبوا. فلمّا رجع أهل ممباسا إليها من فرارهم وجدوها، كما قال شيخنا في كتاب إلى شيخ مالندي يحذّره: «ليس فيها حي، لا رجل ولا امرأة، ولا صغير ولا كبير، ولا طفل ولو رضيع. وكل من عجز عن الهرب قتل أو مات حرقاً» ولكن بغضاء أهل مالندي للممباسيين أعمتهم فمالوا مع البرتغاليين، وكافأ البرتغاليون أصدقاءهم الوحيدين على تلك السواحل بأن جعلوا لأهل مالندي نصيباً من غنائمهم في ممباسا.
البرتغاليون يواصلون استعمارهم وتخريبهم شمالاً
وفي عام 1506م جاءت حملة جديدة من أربع عشرة سفينة وذهبت شمالاً إلى لامو فخضعت لهم وأدّت الجزية. أمّا أوجا فقد رفضت موالاة البرتغاليين وقال أهلها إنّهم لا يقرّون ولاء لغير مصر والخليفة العباسي، فاقتحمها البرتغاليون ونهبوها وأباحوها ثمّ أحرقوها. وقاومتهم براوة كذلك، واستعدت بستة آلاف محارب من قبائل الصومال الأشداء قاوموا مقاومة عنيفة وأوقعوا بالبرتغاليين الخسائر ولكنّهم عجزوا آخر الأمر عن حمايتها. فلمّا ظفر بها البرتغاليون نهبوها وأحرقوها وتركوها كما تركوا ممباسا.
البرتغاليون عند مقديشو
ثمّ ساروا إلى مقديشو فاستعدّ لهم أهلها بالرجال والسلاح، ولمّا وصلهم رسول البرتغاليين، وكان أحد أهل السواحل، اخترطوه بسيوفهم جزاء خيانته. فرحل البرتغاليون عن مقديشو دون أن يمسّوها وساروا إلى جزيرة سوقطرة فاحتلوها بعد قتال عنيف، وأقاموا فيها قاعدة لعملياتهم الحربية البحرية في خليج عدن والبحر الأحمر.
البرتغاليون عند مسقط وعدن
وفي هذه الأثناء هاجموا مسقط واحتلوا هرمز ودمّروا عام 1509م أسطولاً إسلامياً كبيراً بقيادة أسطول المماليك في مصر عند ديو على خليج بمباي في الهند. وساروا بعدها إلى عدن ولكنّهم عجزوا عن احتلالها. ولكنّهم استطاعوا في عشر سنوات أن يحتلوا السواحل الإفريقية إلاّ مقديشو وجزر القمر ومدغشقر، وهكذا ضاع من العرب في بضع سنوات سلطانهم القديم على سواحل المحيط الهندي ومياهه الشرقية.
سلطان البرتغاليين
في شمال الساحل الإفريقي
وينقسم سلطان البرتغاليين على السواحل قسمين، ففي الجزء الجنوبي، في سفالة وموزمبيق وكلوة، أقاموا حكماً مباشراً تدعمه حصون وحاميات وأساطيل مسلحة مستعدة. وانتهى الأمر بأن ضعف كيان العرب في هذا الجزء فرحل قسم كبير منهم ومن الهنود الذين كانوا يحتمون بهم إلى مدغشقر أو إلى مدن الشمال، وبلغ الحال سوءاً في كلوة حدّ أنّها كادت تهجر وتنطمس آثارها لكثرة ما ضيق البرتغاليون على تجارة أهلها. أمّا موزمبيق وسفالة فلم يبق للعرب فيهما بعد زمن أثر يذكر، وما زالتا حتّى اليوم قسماً في إفريقيا الشرقية البرتغالية.
سلطان البرتغاليين
في جنوب الساحل الإفريقي
أمّا في موانئ الشمال، فلم يتعدّ سلطانهم وجود جماعات من المستعمرين والتجار البرتغاليين بدون حاميات وحصون، ولكن كان البرتغاليون يزورونها بأساطيلهم ويجمعون الجزية من السلاطين والشيوخ. وقد استطاعت موانئ الشمال لذلك أن تعيد بناء حياتها وتجارتها إلى حد ما وإن كانت فقدت التجارة مع الخارج لأنّ البرتغاليين احتكروها كلّها. وفقدت هذه الموانئ أو المدن الصلة المستمرّة ببلاد العرب أمّها الأولى التي كانت تمدّها على الدوام بدماء جديدة قويّة.
البرتغاليون لم يفلحوا في التوغل في قلب إفريقيا
ولم يعرف أنّ البرتغاليين استطاعوا أن يبلغوا من سواحل إفريقيا الشرقية أو داخلها مكاناً لم يكن العرب بلغوه ومهدوا السبيل إليه، فكانوا كالثعلب يشبع من فريسة الأسد. ولم يزيدوا على العرب إلاّ في محاولة نشر دينهم في بعض الداخل على يد مبشرين، ولكن رغم محاولات رجال من المبشرين صادقي العزيمة مؤمنين برسالتهم لم ينجحوا في شيء من ذلك.
ولم يفهم البرتغاليون كيف كان العرب يتاجرون ويخاطرون في تلك البقاع، وتوهموا أنّ ما عليهم إلاّ أن يقعدوا على السواحل ويملؤوا مخازنهم ووكالاتهم من السلع الهندية التي يحتاجها زنوج الداخل وإنّ أولئك الإفريقيين سيأتون إليهم بخيرات بلادهم إلى مقرهم حاملين إليهم الذهب والعاج. ولكن الأمر لم يكن كذلك ولما قام بعض العرب بالهجرة إلى الداخل هرباً من البرتغاليين وبدأوا يجمعون الذهب والعاج ويرسلونهما إلى السواحل تحرّك في البرتغاليين المطع فجرّدوا حملة عليهم انتهت بفناء رجالها، ولكن بعد أن حموا الجالية العربية وقريتها، ولم يظفروا إلاّ بتعطيل التجارة من جديد.
ممباسا تحاول التخلص من البرتغاليين
ولم تبدر من العرب في القسم الشمالي من السواحل مقاومة تذكر للبرتغاليين مدّة الثمانين سنة الأولى إلاّ في ممباسا، فقد نسي أهلها نكبتهم عام 1505م بعد أن أعادوا بناء المدينة وعاودهم جأشهم وأنفتهم فخلعوا طاعة البرتغاليين. فأرسل البرتغاليون عام 1528م يؤازرهم بعض مدن الساحل وجزره، ولا سيّما مالندي، فخاف شيخ ممباسا ورضي بدفع الجزية. ولكنّها جزية لم تدفع آخر الأمر فأعاد البرتغاليون حرق المدينة حرقاً تاماً كاملاً. ولكن ما إن رحل البرتغاليون حتّى شمّر أهلها عن سواعدهم وأعادوا بناءها.
العرب يستعيدون سلطانهم بسواعدهم
ورغم أنّ ممباسا لم تقف للبرتغاليين بعدها نصف قرن تقريباً إلاّ أنّ أهل الساحل الشمالي جميعه، ما عدا مالندي، لم ينسوا سابق سلطانهم وسيادتهم فلم يوطدوا للبرتغاليين بينهم سلطاناً إلاّ خوفاً ورهبة وما إن أحسّ العرب بضعف البرتغاليين، ورأوا أساطيل الأمم الأخرى تدخل المحيط الهندي متحدية البرتغاليين، حتّى أدركوا أنّ ساعة خلاصهم قد دنت. ومع ذلك فإنّ طرد البرتغاليين من سواحل إفريقيا الشرقية تمّ بسواعد العرب أنفسهم، لم يساعدهم فيه أحد من الإنكليز أو الهولنديين أو الفرنسيين الذين طردوا البرتغاليين من الهند وما حولها من الجزر الغنية.
ولكن البرتغاليين أرسلوا حملة من جوا في الهند قاعدة سلطانهم البحري، ففرّ معظم أهل الموانئ عنها ولم يظفر البرتغاليون إلاّ بفازا حيث قتلوا شيخها ومئات من السكان نساء وأطفالاً ورجالاً وأحرقوا البلدة و المراكب في الميناء ودمّروا الزرع. وفي سنة 1588م، قامت ثورة. ولكن شاء سوء الحظ أن تكون قبيلة زنجية من الداخل قد وصلت بر ممباسا، ووجدوا أنّ حصونها منيعة فقعدوا على البر بآلافهم يتحيّنون الفرصة. ثمّ جاء البرتغاليون فوجد أهل ممباسا أنفسهم في حصار من البر والبحر. اعتصم أهل ممباسا، فتحالف البرتغاليون مع أولئك المتوحشين ونقلوهم إلى الجزيرة، فكان ما تلا ذلك أبشع مأساة عرفها تاريخ ممباسا. فقد تعقّبهم الزنوج المتوحشون بحرابهم، وأكلوا معظمهم فمن لم يقض عليه الزنوج رمى بنفسه في البحر ليهلك أو يلتقطه البرتغاليون ويسترقوه، ويعتذر مؤرخ برتغالي مشهور عن فعلة البرتغاليين تلك فيقول إنّ الرأفة بالعدو لم تكن أمراً متعارفاً في تلك الأيام.
ضم البرتغاليون ممباسا إلى مالندي
فكان في ذلك سقوطهم
وقرّر البرتغاليون أن يقيموا في ممباسا مركزاً حربياً بحرياً إدارياً، فبنوا عام 1563م قلعة على البحر جبارة وجعلوا فيها حامية برتغالية وجعلوا لها السلطة على السواحل من براوة، في الصومال اليوم، إلى رأس دلجادو، موضع حدود تنجنيقا الجنوبية اليوم. وحاولوا أن يجعلوا ممباسا مثل موزمبيق مستعمرة يسكنها مستوطنون من البرتغال وأن ينشروا بين أهلها النصرانية. ولكن هذا العمل كان تعظيماً لشأن ممباسا على حساب مالندي، صديقة البرتغاليين الوفية، فكافأ البرتغاليون شيخ مالندي، حسن بن أحمد، بأن جعلوه سلطان ممباسا أيضاً وأزلوا شيخ ممباسا الذي توارث السلطة فيها آباؤه. ولكن «وتقدرون فتضحك الأقدار»، فقد كان ضمّ ممباسا إلى سلطان مالندي بذرة سقوط البرتغاليين في القسم الشمالي من الساحل.
البرتغاليون يقتلون حاكم البلدين العربي
ثمّ يتخذون من ولده صنيعة، وينصرونه
فقد اختصم القواد البرتغاليون في مالندي وممباسا، وحار بينهم حسن بن أحمد، سلطان البلدين، وتعدّوا جميعاً عليه. فلمّا طلب منه القائد البرتغالي في جوا أنّ يأتي ليشرح حقيقة الحال خاف وهرب إلى الداخل حيث قتله أهل بلده وراء الساحل برشوة من البرتغاليين. ثمّ ندم البرتغاليون على ما فعلوا فجعلوا ابنه سلطاناً. كان ابنه يوسف في السابعة من عمره، فأقاموا وصياً من أهله مكانه ونقلوا يوسف إلى جوا حيث نشؤوه على النصرانية وسمّوه دوم خيرونيمو شنكوليا. وفي عام 1630م عادوا به إلى ممباسا بعد خمس عشرة سنة من الغياب، ونصبوه سلطاناً.
ولد الحاكم يخلع عن نفسه رداء
الزيف، وينتصر لأهله
ما إن أقام يوسف بين قومه وعشيرته من العرب حتّى ذاب عنه رداء الزيف الذي ألقاه عليه البرتغاليون فقد رآهم يحتقرون قومه، وهو منهم وزاده كرهاً للبرتغاليين معرفته بهم وبلغتهم. فعاد يوسف إلى الإسلام وإن لم يعلنه، وفي يوم عيد عام في العام التالي لعودته، وبينما الناس في بهجة الاحتفال، ردّ تحية القائد البرتغالي بأن أغمد فيه خنجره، وسرعان ما أعلم رجاله السيف في البرتغاليين وما هي إلا فترة قصيرة حتى لم يبق من البرتغاليين في ممباسا حياً إلاّ أربعة قسوس ورجل واحد فرَّ إلى مدينة قريبة. ثمّ أقام حدّ الردّة على من خرج من دين الإسلام إلاّ أن يكون عاد إليه.
وأرسل يوسف الرسل إلى عرب السواحل أن يثوروا، ولكن الظروف في تلك الموانئ لم تكن مؤاتية وأرسل البرتغاليون حملة على ممباسا فاعتصم يوسف ورجاله فلم يظفروا بهم. ثمّ عاد البرتغاليون بحملة أخرى، ويبدو أنّ يوسف ورجاله وجدوا أنّ لا طاقة لهم بالحصار ففرّ يوسف من ممباسا وقضى بضع سنوات يناوش البرتغاليين على السواحل ويحرّض الناس على الثورة ويواتيه النجاح أحياناً، ولكنّه مات شاباً في جدة عام 1637م. وطبعاً أعاد البرتغاليون سلطانهم على ممباسا وفتكوا بأهلها فتكاً ذريعاً.
سلطان البرتغاليين يتضعضع
في المحيط الهندي
وفي تلك الأثناء كان مركز البرتغاليين يتضعضع في المحيط الهندي. فقد حلّ الإنكليز مكانهم في الهند والهولنديون في سيلان، وقوّى هذان الطرفان الأوربيان مركزيهما على حساب البرتغاليين. ولكن يهمّنا ما فعله العمانيون في هذه الفترة. ففي عام 1650م طرد الإمام سلطان بن يوسف البرتغاليين من مسقط وبر جزيرة العرب، وما إن بلغ خبر انتصار العمانيين إلى السواحل حتّى اتّقدت النفوس وحاشت العزائم. وسرعان ما أرسلت ممباسا إلى سلطان بن سيف تستنجده أن يستنقذ إخوانه في السواحل. ولمّا كانت قوّة سلطان بن سيف في ذلك الحين لم تكن تكفي لاسترداد ممباسا بقلعتها الحصينة فقد هبط بأسطوله على باتي وزنجبار ومحا البرتغاليين منهما.
وفي عام 1660م عاد سلطان بن سيف بأسطول أقوى فاحتل فازا وممباسا، ولكنّه لم يقدر على القلعة. ومضى الأسطول العماني جنوباً حتّى بلغ موزمبيق عام 1669م، وكاد أن يحتلها. ولكن العمانيين لم يستطيعوا أن يقيموا حاميات في تلك الموانئ، فما أن رحلوا عن الساحل حتّى أوقع البرتغاليون بالموانئ التي ظفروا بها عقاباً فاق كل ما سبق، ممّا يعلّله المؤرخون بأنّه كان شعوراً من البرتغاليين بقرب أجل سلطانهم في تلك البقاع.
وكان العمانيون خلال ذلك ينازلونهم في مواضع أخرى، فقد أغاروا على ديو، قرب خليج بمباي عام 1670م، واستباحوها، وفعلوا مثل ذلك في باسين، شمال مدينة بمباي، وكانت كلتاهما مستعمرة برتغالية. وقرب نهاية القرن السابع عشر دنت ساعة نصر العمانيين نهائياً في السواحل. ففي عام 1696م، أرسل سيف بن سلطان، وكان خلف أباه سلطان بن سيف، أسطولاً من سبع سفن حربية وعشرة مراكب فيها 3000 محارب إلى ممباسا لاحتلالها. فاحتمى البرتغاليون ومن لاذ بهم في القلعة حتّى اكتظّت بما يزيد عن 2500 شخص. وأرسل البرتغاليون أسطولين لنجدتها فلم ينجحا، وحين وصل الأسطول الثالث وجد علم العمانيين الأحمر يرفرف عليها، فقد سقطت قبل يومين، بعد حصار دام ثلاثة وثلاثين شهراً. وسقطت دون قتال يذكر، ولم يرق العرب في سبيلها دماً يذكر، وإن كان المحاصرون هلكوا مرضاً وجوعاً.
بين البرتغاليين والعمانيين
وكان فشل البرتغاليين في استنقاذ مركز قوّتهم البحرية وسلطانهم السياسي في الشقة الشمالية من الساحل أمارة واضحة على أفول شمسهم، ورغم أنّهم أرسلوا حملات من جوا ولشبونة بين عام 1699م و1710م، إلاّ أنّهم لم ينجحوا. وفي عام 1728م تحيّنوا فرصة نزاع بين ممباسا وزنجبار وانشغال عمان نفسها بنزاع داخلي فأعادوا احتلال ممباسا وسيطرتهم على الشقة الشمالية، ولكن العمانيين عادوا فطردوهم بعد عامين.
وبذا تبيّن أنّ العمانيين إذا اتّحدت كلمتهم أقوى من البرتغاليين في شرق إفريقيا، وقد بلغت قوّة أسطولهم في السواحل وشمال المحيط الهندي في مطلع القرن الثامن عشر مبلغاً أرهب الأوروبيين جميعاً، بما فيهم الإنكليز والهولنديون، فكانوا يتجنبون المرور بالعمانيين في عرض البحر. ولمّا استقرّ الأمر في عمان عام 1740م لأحمد بن سعيد، رأس الأسرة الحاكمة في مسقط وزنجبار حتّى الثورة الأخيرة، بعد أن وحّد عمان فقد البرتغاليون الأمل في استرداد الشقة الشمالية من السواحل.
العرب لم ينازعوا البرتغاليين
في جنوب السواحل
ولكن العرب لم ينازعوهم في جنوب السواحل، وتركوا لهم موزامبيق وسفالة وكلّ ما هو جنوب رأس دلجادو. ولعل السبب في ذلك أنّ أثر العرب والإسلام كان قد انقطع مع تلك الديار التي عمرت بالعرب قبل مجيء البرتغاليين دهوراً طوالاً.
محمود الغول
العرب في «بلد السواحل» الإفريقية
(بلد الزنج) اسم معروف لدى قرّاء العربية، يتكرّر في التواريخ ليبرز جزءاً من ساحل إفريقية الشرقي، يمتدّ قرابة ألف وخمسمائة كيلو متر جنوب مقديشو وأوّل من أطلق هذه التسمية على هذا الجزء من الساحل هو (المسعودي) عندما زاره في القرن العاشر الميلادي فرآه مجزأ بين عدد كبير من الدويلات البحرية المستقلة، لكلّ منها حاكمها وكيانها الاقتصادي المستقل. هذه المنطقة اليوم ملك لثلاث دول هي الصومال، وكينيا وتنزانيا، فيها عدد من المدن الكبيرة منها عاصمتان (مقديشو ودار السلام) وميناء دولي (ممباسا) ومجموعة أخرى من المدن، كلّها تعكس بطابعها ومعالمها الحضارية تأثيراً عربياً وإسلامياً واضحين. والمنطقة، وإن كانت فقدت الاسم الذي أطلقه عليها (المسعودي)، لم تزل تعرف باسم (بلد السواحل). ذلك الاسم البسيط الذي سمّاها به (ابن بطوطة) عندما زارها في عام 1331م. وبالاسم نفسه كذلك يعرف سكان المنطقة ولغتهم وحضارتهم.
المصادر
إنّ تاريخ أولى الموجات السكنية التي استوطنت ساحل إفريقيا الشرقي لم يزل غامضاً، والمعلومات المحدودة المتوفرة عنها تعتمد على ثلاثة أنواع من المصادر الأولية هي: أوّلاً ما كتبه الجغرافيون العرب والبرتغاليون، وثانياً، ما تبقّى من الأحاديث الشفهية التي يتناقلها الناس من سكان المنطقة ومصدر ثالث هو التواريخ الرسمية التي دوّنها مؤرخو بلاطات الدويلات الساحلية الرسميون، كلّ في حينه، لكن المؤسف أنّ مثل هذه النسخ الفريدة ضاعت أو تلفت قبل وصولها إلينا، ولو أنّ عدداً منها تمّ تدوينه ثانية في بداية القرن الحالي، نقلاً عن ألسنة الرواة من سكان المنطقة. وهذه الأخيرة تشير إلى كون من سكن (بلد السواحل) كانوا من العرب الذين يرجع تاريخ وصول أولى موجاتهم إلى ما قبل الإسلام.
ومن بعضها نستدل على أنّهم أسلموا في فترة خلافة عمر، ومن أخرى يتبيّن لنا أنّ هجرة العرب وصلت ذروتها في عهد خلافة عبد الملك بن مروان. وقسم آخر يخبرنا بأنّ البدايات السكنية المتواضعة تطوّرت بسرعة إلى مدن تجارية جمعت أخيراً من القوّة والثقة بالنفس ما دفعها إلى تحدّي الخلفاء الذين تلوا عبد الملك. وهذا ما دفع بالمنصور أن يجنّد ضدّها جيشاً أرسله حملة تأديبية في عام 766م. وفي المصادر كذلك إشارات متكررة إلى هجرة عدد كبير من العمانيين وهذا يؤكده ما جاء في (حوادث عمان) من قصة الأخوين سليمان وسعيد اللذين فرّا إلى الساحل من حكم الأمويين في عام 692م وأقاما حكم النبهانيين واتّخذا من جزيرة «بانة» مقرّاً لحكمهما…
إنّ الصورة التي ترتسم من دراسة هذه المصادر هي صورة مجتمع متحضّر، منذ القرون الأولى للهجرة، عربي الجنس، مسلم الدين، يعتمد على التجارة والملاحة، ويعكس في هيكله الإداري وطراز عمارة مدنه إدارة المدنية الإسلامية العربية وعماراتها. لكنّها صورة تنقصها التفاصيل وتشوبها المبالغات التي كثيراً ما يتّسم بها هذا النوع من التواريخ التي تدّعي القدم ادعاء بسبب دوافع سياسية. والصورة تتعارض في أهم جوانبها مع المصادر المدونة من الكتّاب العرب الذين يتفقون على أنّ الإسلام بقي دين الأقلية حتّى القرن الثالث عشرولم يصبح ديناً شاملاً إلاّ بعد هذا التاريخ.
(فابن حوقل) المتوفى عام 977م يضع حدود الإسلام الجنوبية عند اليمن، وهذا ما يؤكّده كلّ من المسعودي والإدريسي (1154م) اللذان يتحدّثان عن عبادة الأصنام في أرجاء إفريقية الشرقية.
إنّ أوّل شهادة عيان بعد إسلام المنطقة تأتينا من (ابن بطوطة) الذي يتغنّى بإسلامها ويتمسّك حكّامها التقاة بأصول الدين. وبعد هذا التاريخ إشارات عديدة تؤكد هذه الحقيقة، أهمّها ما جاء في كتاب (أبو المحاسن): «المنهل الصافي بعد الوافي» من وصف لمقابلة جرت في مكة عام 1441م بين (المقريزي) وقاضي مدينة (لامو) الساحلية حين وجود الأخير هناك لأداء فريضة الحج… ويؤكّد إسلام الساحل في هذه الفترة مجموعة من الأدلة التنقيبية وأوضحها تاريخ (كزمكازي) في زنجبار هذا نصّه:
«أمر ببنائه الشيخ السيد أبي عمران الحسن بن محمد في اليوم الأوّل من شهر ذي القعدة لعام 500هـ».
وبالرغم من التحريات الكثيرة التي قام ويقوم بها علماء الآثار في المنطقة، لم يظهر حتّى الآن أثر للتمدّن يرجع تاريخه إلى ما قبل القرن التاسع الميلادي. وهذه الحقيقة ركّزت لدى علماء الآثار الاعتقاد بكون الساحل، بل جميع إفريقيا الشرقية والوسطى، لم تكن تعرف التمدّن قبل الإسلام. إنّ الإسلام كان هو الوسط الذي جلب التمدّن الحقيقي إلى المنطقة.
حملة تشويه
لكن هذه الحقيقة تجابه مقاومة ممّن يتعمّدون تشويه الحقائق بدوافع متنوّعة. وهذا التشويه يجري بصور عديدة. أوّلها تضخيم حجم تجارة العبيد التي شارك العرب فيها، ومحاولة خلق الانطباع بأنّ مجالات نشاطات العرب في هذه التجارة عبر القرون كانت تساوي أو تزيد على ما كان الأوروبيون مسؤولين عنه وراء الأطلسي في غرب إفريقية فهؤلاء المؤرخون يتحمّلون وزراً كبيراً لتشويههم الحقائق وهم إنّما فعلوا ما فعلوا للدفاع عن أسلافهم، وهم لهذا يحسّون براحة نفسية في ادعائهم أنّ عبئاً مشابهاً يقع على أكتاف آخرين في الضفة المقابلة، بالرغم من الحقائق التي استجدّت تثبت بأنّ مقارنة من هذا النوع هي أشبه بمقارنة المحيط بالجدول. فالأولى كانت من الضخامة بحيث صار لها تأثير واضح على كثافة السكان وتوزيعهم في المنطقة. وعدد الزنوج في الأمريكتين دليل على ما نقول. والتشويه الثاني يخصّ هيكل التجارة. فالفكرة التي أفلح هؤلاء المؤرخون في تثبيتها مبنية على قصص خيالية عن قوافل كان يرسلها العرب من الساحل إلى الغابات الاستوائية لاقتناص الأفارقة واختلاسهم خفية خلال ممرّات خفية إلى قوارب التصدير. ومن له أي علم مهما كان سطحياً بجغرافية المنطقة يقدر خرافة هذه الأقاويل.
حقيقة تجارة العبيد
وعلى كلّ حال، نرى نتائج الدراسات الحديثة التي يقوم بها جيل جديد من المؤرخين في جامعات (نيروبي) و(دار السلام) و(مكريري) تثبت أنّ القبائل الإفريقية هي نفسها التي كانت تستعبد أفراد القبائل المعادية بعد غزوها وسبي أفرادها ومن ثمّ نقلهم، لكي يتمّ بيعهم على الساحل لغرض ترحيلهم إلى أسواق الخليج العربي. ويبدو أنّ نتائجها كذلك أنّ تجارة العبيد من شرق إفريقيا، على ضآلة حجمها، لم تخل من اشتراك الأوروبيين المباشر فيها. فالمخطوطات التي عثر عليها مؤخراً في مكتبة البحرية الفرنسية تصف بالتفصيل النشاط المسعور الذي قام به البرتغاليون والهولنديون والفرنسيون في هذا المضمار.
دور العرب الإيجابي
إنّ قصة تجارة العرب بالعبيد أصبحت قصة مشهورة كتب عنها الكثير، وترسبت حوله المبالغات والأكاذيب التي تهدف إلى طمس دور العرب وتشويه أثرهم، وإظهارهم بمظهر المستعمر المستغل والحقيقة هي أنّ المجتمع الإفريقي يدين للعرب بما يملكه من فن وأدب وكتابة وتكنولوجية بحرية وما شابه هذا من جوانب إيجابية اتّخذ الغرب آزاءها موقف المتجاهل. فالفكرة التي كان يعمل دعاتهم على ترسيخها هي كون الحضارة السواحلية دخيلة على القارة لا تمت لتقاليدها بصلة ـ هي وليدة حضارة عربية إسلامية معادية جلبتها إلى الساحل أغراض نفعية ومطامع ذاتية كالتجارة بالعبيد والعاج. فهي لذلك خالية من أي محتوى إنساني لأنّها لا تزيد عن كونها نقلاً مشوّهاً عن أصل غريب.
الغاية من حملات التلفيق
لقد نجحت حملات التلفيق هذه إلى حد كبير، وكثير من هذه الأكاذيب لا يزال عالقاً بالأذهان. والواقع الذي تكشّف بعدئذ هو أنّ هذه الحملات لم تكن سوى تمهيد لترسيخ النفوذ الغربي في المنطقة. وما تلا ذلك يمكن وصفه بكونه سياسة مزدوجة ـ شقّها الأوّل كان يهدف إلى بث التفرقة والكراهية بين الأفارقة والعرب، رغم كون العرب هؤلاء استوطنوا الساحل منذ مئات السنين، فقدوا بنتيجتها لغتهم الأصلية، وتزاوجوا من أهل البلاد وتبنّوا لغتهم. وشقّها الثاني كان يدعو إلى تشجيع الأوروبيين للهجرة والاستيطان لاستغلال أراضيها الخصبة الفسيحة بعد سلبها من سكانها الأصليين وتحديدها كمناطق بيضاء لا يحق للسود دخولها.
رد الفعل ضدها
إنّ هذا الاتجاه يمرّ الآن بأيامه الأخيرة. وهو حتّى حين كان في أوجه ـ لم يخل عن معارضين، أشهرهم جيمس كوكمان، كبير علماء الآثار المختصين وناظر متحف ممباسا حالياً. اشتهر بما قام به في عام 1948م من حفريات في مدينة (جدي)، تلك المدينة المسورة التي تغطي مساحة عشرين هكتاراً تقريباً والتي تكشف عن هندسة وتخطيط يجمعان بين التأثير العربي والأصالة المحلية. ولقد دفعته معارضته الشديدة لمخالفيه إلى تسمية المدينة باسم (مدينة جدي العربي)، وإلى نشر وصف لها في دليل يحمل العنوان نفسه. ونحن نعلم أنّ (جيمس كوكمان) يعرف قبل غيره مدى مرارة الطعم الذي تتركه هذه التسمية في بعض الأفواه ويعرف كذلك أنّ اسماً كهذا لمدينة إفريقية تبعد آلاف الكيلومترات عن أقرب بلد عربي لا بد أن يفسّر بالسذاجة إلى حد ما عند الأوساط العلمية. لكنّنا في الوقت ذاته نقدّر أنّ الظروف أحياناً تدفع الإنسان ـ ولو كان عالماً مثل (كوكمان) إلى اتخاذ أسلوب التشديد، أو المبالغة اضطراراً.
نشوء المدن الساحلية
أصبح الساحل، بحكم موقعه الجغرافي واحتوائه على المواد النادرة كالعاج والتوابل ملتقى للقوافل التجارية من مختلف أرجاء المحيط الهندي وكانت تصل على متن سفن شراعية، وكانت تتحكّم الرياح الموسمية بوقت واتجاه سفرها.
فهذه كانت تترك الخليج الفارسي والهند وأندونيسيا والصين، متّجهة نحو الساحل، محمّلة بالفرفوري والأدوات الحديدية والأثاث والأكواز وغيرها عند بدء الرياح الشمالية في النصف الأوّل من السنة، ثمّ كانت تمكث هناك، انتظاراً لبدء الرياح الموسمية الجنوبية في نهاية السنة، حين كانت تبدأ رحلة الرجوع، محمّلة بالعاج والتوابل وغيرها. وبسبب هذا التفاوت الزمني بين الرياح الموسمية نشأ على الساحل عدد من القرى لإيواء البحارة كانت تعقد فيها الأسواق لاستبدال البضاعة عند وجود السفن، وتهجر عند ذهابهم. تطوّرت بعدئذ هذه القرى إلى مراكز سكنية دائمة، استوطنها مهاجرون من أنحاء المحيط تزاوجوا بينهم ومع السكان الأصليين.
تاريخ الاستيطان العربي
ويبدو أنّ ما يدورعلى ألسنة الناس من كون أوّل سكان المنطقة الذين سيطروا على أسواقها، وعن طريقهم كانت تتمّ الصفقات التجارية كانوا عرباً هو القول الصحيح. ونحن نعلم أنّ هجرة بالاتجاه المقابل جرت أيضاً، اختياراً، أو في قوارب تجار الرقيق. نستدل على هذا من ثورة الزنج في البصرة في نهاية القرن التاسع الميلادي، أو ممّا جرى قبل هذا التاريخ بقرن من استخدام أبي العباس السفاح للزنوج في جيشه الذي هجم به على مدينة الموصل.
إنّ أقدم إشارة تاريخية تدلل على وجود العرب قبل الإسلام في بلد السواحل تصلنا على هيئة دليل تجاري للملاحة، كتبه بحار إفريقي من سكنة الإسكندرية في القرن الثاني للميلاد تحت عنوان (دليل أريتريا)، جاء فيه أنّ الأسواق التجارية تدار من قبل عرب، يعلنون الولاء لمملكة (حمير) في جنوب شبه الجزيرة العربية.
تطوّر المدن الساحلية
وهكذا نشأت المدن الساحلية مثل (ممباسا) و(مالندي) وغيرهما عن بدايات متواضعة، تطوّرت بعدئذ إلى ممالك مستقلة، لكلّ منها ميناؤها وأسطولها التجاري، يجمع بينها عامل اللغة السواحلية المشتركة والتاريخ الواحد ويفرّقها عن بعضها التزاحم على الأسواق والتنافس من أجل السيطرة على خطوط المواصلات البحرية المحدودة. وفي أحيان كثيرة كان هذا التنافس يؤدّي إلى حروب أزهقت الكثير من الأرواح ودمّرت العديد من المدن مثل مدينتي(تقوى) و(كتاو) جنوب جزيرة (ماندا). وعدد آخر من المدن هجرها أهلها بعد اضمحلال التجارة التقليدية، أي عندما حلّت البواخر الكبيرة والموانئ الدولية العميقة المياه بدل السفن الشراعية والمراسي البدائية. وقسم أخير تمكّن بطرق مختلفة من التكيّف لمجابهة الظروف الجديدة والمحافظة على كيانه. فمنها ما ساعدها موقعها الجغرافي على التطوّر إلى موانئ صالحة للملاحة الحديثة مثل (ممباسا) و(دار السلام) و(مقديشو) ومنها ما تمكّن أن يحول وظيفته من ميناء تجاري يعتمد على حركة الرياح الموسمية إلى مدن تعتمد على السياحة كـ (مالندي) و(تامو) أو على ثروات حيوانية مثل صيد الأسماك في (براوة) أو على الزراعة مثل التبلغ في (باته) أو على ثروات طبيعية أخرى كالأخشاب في مدينة (لامو).
لامو
لقد اخترنا المدينة الأخيرة نموذجاً لدراسة نوعية ومدى التأثير العربي على شكل ومحتوى المدن السواحلية.
تقع مدينة لامو على خط 52 جنوبي خط الاستواء على الجانب الشرقي من الجزيرة التي تحمل الاسم نفسه وهذا الموقع يوفّر للمدينة كلّ ما كانت تحتاج إليه لأداء وظيفتها كدويلة تجارية تمتدّ مواصلاتها عبر البحر بواسطة السفن الشراعية.
فهي نظراً لانفصالها عن جسم القارة تأمن خطر هجوم القبائل التي سبّبت دمار المدن الساحلية أكثر من مرّة فيما قبل. وهي كذلك بعيدة من خطر أمواج المحيط الفتاكة، بسبب من الحماية التي توفّرها لها الجزيرة المقابلة (ماندا). هذان العاملان، إضافة إلى ذلك عمق القناة البحرية التي يطل عليها ميناء المدينة، تشترك في حماية المدينة من الهجرة التي أصابت كثيراً من المدن المعاصرة لها. وهذه هي النكسة التي تعرّضت لها التجارة البحرية القديمة نتيجة تأسيس خط حديد (ممباسا) الذي أثّر على اقتصاد مدينة (لامو) تأثيراً سيئاً.
طابع المدينة
(لامو) عربية الطابع، شوارعها ضيقة، بيوتها عالية الجدران ليس لها نوافذ خارجية، يدخلها الضوء عن طريق صحون داخلية. يسكن المدينة سبعة آلاف نسمة ثلثاهم من أصل عربي، معظمهم من (عمان) و(حضرموت) وهم ما يزالون يحتفظون بأسماء عوائلهم العربية مثل (العلوي) و(الخطيب) و(الجهاضمي) وهكذا.
جميعهم مسلمون، ومعظمهم يدينون بالمذهب الشافعي، وفي المدينة شيعة وإباضية. جميعهم حريصون على تنفيذ فروض الدين. يؤدّون الصلاة المفروضة جميعها. ففي المدينة على صغرها، أربعة وعشرون مسجداً، أي بمعدل مسجد واحد لكلّ مائة ذكر بالغ، وهذه دون شك نسبة نادرة مقارنة بالمدن الإسلامية الأخرى. جميع المساجد في حالة صالحة للاستعمال وتستعمل فعلاً. في عدد منها مدارس ملحقة بها، يأتي إليها أطفال المدينة طلباً للعلم، يتعلّمون فيها القراءة والكتابة العربية والسواحيلة وأصول الدين والتاريخ الإسلامي والنحو والأخلاق. التدريس مجاني والمعلمون الذين يتبرّعون بوقتهم لهذه المهمة يتبؤون مكانة محترمة من باقي السكان الذين كثيراً ما يعبّرون عن هذا الاحترام بتقبيل أيديهم عند مقابلتهم. في هذه المدارس يتعلّم الأطفال كذلك المهن الحرفية، كحياكة الحصران وصنع الأطباق، ويرجع ريع بيعها للمدرسة.
كلية دينية
في (لامو) كلية دينية إسلامية يتوافد إليها التلاميذ من جميع أرجاء ساحل إفريقيا الشرقي، ومن بعض الدول الآسيوية كذلك لدراسة المواضيع اللغوية والدينية والفلسفية التي تتراوح مدّتها بين سنتين وخمس سنوات.
مؤسّس الكلية (الحبيب صالح جمال الليل). جاء إلى لامو في عام (1928م) من جزائر القمر، وصار له أثر كبير على الحياة الدينية في المدينة «فهو الذي أدخل الموسيقى إلى المساجد لتصاحب الموالد والمدائح النبوية التي لا تزال تقام في ثلاث أمسيات من كلّ أسبوع وتستعمل خلالها الدفوف والطبلات. ولقد لاقى هذا في البداية معارضة شديدة من قبل أهل البلد الأصليين، لكن إقبال أطفال المدينة، وعوام الناس عليها، والدور الذي لعبته في تشويق الدين الإسلامي للوثنيين الأفارقة خفّف من وطأة المعارضة وسارع في إزالتها. يتفاهم الناس باللغة السواحلية، التي تعود بقواعدها إلى عائلة لغات (البانتو) الإفريقية، ولو أنّ أكثر من ثلث مفرداتها من أصل عربي. واللغة غنية بالشعر الذي ينظّم على البحور العربية والذي يوجد منه تراث كبير يتغنّى به الناس لأنّه يعكس أمجادهم الماضية.
دور النساء
يلعب النساء دوراً مهماً في المجتمع السواحلي. فالواقع الاجتماعي الذي يفرض عليهن العزلة داخل البيت يشجعهن على حفظ الشعر ونظمه. وتاريخ المنطقة يشهد لعدد من الشاعرات السواحليات بنماذج خالدة من الشعر الرائع، مترجمة للغات عديدة، ويشهد كذلك لعدد من ملكات الدويلات الساحلية بأمثلة نادرة من ضروب الشجاعة. كملكة (كمبو) التي رمت بنفسها في البحر، وشقّت طريقها سباحة بين الكواسج والتماسيح إلى الأدغال في الجزيرة المقابلة عندما علمت بمجيء الأسطول التركي تحت قيادة (ميرال بي) عام 1528م. أو كحاكمة (تقوى) التي اختارت الموت بين أمواج البحر القاسية احتجاجاً على الخيانة التي اكتشفتها بين بعض بلاطها. والنساء هنا ـ كعادة النساء العربيات ـ يلبسن العباءة في الشارع، والعباءة دخلت المدينة في مطلع القرن الحالي تحل محل الخيمة المتحرّكة التي كانت الإماء يرفعن أوتادها، وكانت تسير السيدة داخلها.
الكيان الاجتماعي
(لامو) نشأت مجتمعاً طبقياً يتألف من طبقتين، الأولى صغيرة من السادة العرب تمثّل الأرستقراطية التجارية والثانية كبيرة من العبيد والأفارقة تمثّل المزارعين والخدم. جميعهم مسلمون، يسوي بينهم الإسلام وتجمع بينهم أماكن العبادة المشتركة. كانت موارد العيش سهلة المنال والأرض خصبة، والبحر غنياً بالأسماك، والميناء مزدحماً بالسفن. كانت الأيام أمينة فسارت الحياة سهلة رغيدة… العبيد يفلحون الأرض لقاء حصة مضمونة والماهر منهم يجمع من المال ما تسمح به قدرته هو أيضاً على امتلاك العبيد… والسادة قلّما تضطرهم الظروف للعمل غير متابعة الوارد وإدارة الملك. كانوا يقضون وقتهم بين فترات الصلاة في التحدّث على دكّات منازلهم، وبين أصابعهم مسبحات من الأحجار الكريمة المستوردة من الشرق الأقصى، ويشربون القهوة التي تقدّم مع الحلوى، وكان العبيد يتفنّنون في صنعها، و(لامو) لا تزال مشهورة بالجيّد من كليهما. وفي أوقات الأصيل كان أشراف البلدة عند (البرازة) على ساحل البحر يتحدّثون فيما بينهم، ويستشيرون رئيسهم المنتخب عن أمور الساعة والمستقبل، و(البرازة) على ساحل البحر يتحدّثون فيما بينهم، ويستشيرون رئيسهم المنتخب عن أمور الساعة والمستقبل، و(البرازة) كانت منتدى سياسياً يعقد على مقاعد خشبية معدّة لهذا الغرض وهذه العادة ما تزال قائمة. ففي مساء كلّ يوم يجتمع اشراف البلدة على برازة (لامو) ليتجاذبوا أطراف الحديث، كما كان يفعل أسلافهم منذ العصور الوسطى. ولا يحق لغير سكان المدينة الأصليين من الغرباء أو الزوار حضورها.
فالمدينة كانت لا تزال مقسومة جزأين يفصل بينهما خط وهمي معروف الأبعاد. يسكن شمال الخط السكان الأصليون من سلالة الأسر اللامية. ويطلق عليهم اسم (الفوجوهو) أو أصحاب الجاه في بيوتهم الحجرية ذات الطابقين، وفي جنوبي الخط الغرباء والزوار والمستضعفون من القوم في بيوتهم المتواضعة.
ولهذا التقسيم تأثير ملموس على عمارة المدينة وتخطيطها. فالمسجد الجامع يقع في القسم الشمالي بينما يزخر القسم الجنوبي بالأحياء الشعبية ذات المقاهي والمطاعم الصاخبة التي يتحاشاها سلالة (الفوجوهو) حتّى يومنا هذا، بمثل الحذر الذي يتحاشى به سكان القطاع الجنوبي الجلوس على مقاعد (البرازة). وفي أيام سيادة المدينة كان حق التصويت مقصوراً على سكان القسم الشمالي يمارسونه كلّ أربع سنوات لاختيار رئيس يحكم طبقاً لتعاليم القرآن والعرف، يساعده في ذلك مجلس شورى منتخب بالصورة نفسها. ولا شكّ في أنّ حالة كهذه كان لا بدّ لها من أن تترك بذور فرقة ونفور بسبب من تعالي فريق على آخر، الأمر الذي يولد الأحقاد، لولا أنّ القسم الجنوبي هو الآخر كان يحتفظ بمزية كانت قصراً عليه، فسكانه كانوا ولا يزالون بيدهم مقاليد إدارة الأمور الدينية، وأداء المراسيم الشرعية.
الحياة الفكرية والفنية
أدّت سهولة العيش وبساطة الحياة إلى انتعاش الإنتاج الفني والفكري. لذلك تحتل المدينة مكان الصدارة بين المدن السياحية، يزورها كلّ موسم عدد كبير من جميع أنحاء العالم، تدفعهم الرغبة لمشاهدة بيوتهم العربية الطراز، وآثارها الفنية الأخرى. ولعل أشهر هذه الآثار هي الأبواب الخشبية المنقوشة، والمجوهرات الفضية، والأدوات النحاسية، التي ما تزال تصنع حتّى يومنا هذا… جميعها يعكس تأثيراً عربياً في طريقة الصنع ونوع النقش. ومن الغريب أنّ الظروف التي خلقت هذه الحركة الفتية النشطة دفعت في الوقت ذاته رعاة الفن هؤلاء إلى احتقار العمل اليدوي، فمن الطرائف التي ما يزال الناس يتندّرون بذكرها أنّ أثرياء البلد كانوا يبعثون حللهم عبر المحيط إلى حضرموت لغسلها وكيّها.
خلاصة
الحضارة السواحلية جزء من سلسلة الحضارات الإسلامية التي ترعرعت على سواحل المحيط الهندي. جميعها مدينةٌ للعرب مباشرة في بدء نشوئها وتطوّرها وفي معظم معالم حضارتهم المادية كالعمارة والخط والنقوش وغيرها… دراستها ما تزال في المهد لكن الاستمرار عليها سيكشف حقائق هامة بالنسبة للتاريخ الإسلامي عموماً.
عصام عيسى غيدان
وصف إفريقيا
للحسن الوزان (ليون الإفريقي)
كتاب «وصف إفريقيا» الذي كتبه الحسن الوزان بالإيطالية العام 1526 بعد أن صار معروفاً باسم ليون الإفريقي، هو الذي صنع أسطورة هذا الرجل. وإذا كان الكتاب ـ الذي صدر عن دار الغرب الإسلامي بتحقيق من د. محمد حجي ود. محمد الأخضر ـ هو في الأصل كتاباً في الجغرافيا، فإنّ المعلومات التي يتضمنها هي حصيلة رحلات المؤلف إلى وسط المغرب والأطلس والحجاز والبلاد التونسية والبلاد التركية وعاصمة الدولة العثمانية وصولاً إلى إيطاليا حيث خدم البابا ليون العاشر وألّف له هذا الكتاب.
والحسن الوزان عالم وديبلوماسي كلّف بسفارات من قبل سلطان فاس في فترة اضطرابات وانقسامات في المغرب. وهو ألّف العديد من الكتب. ومن المرجح أنّ «وصف إفريقيا» جزء من كتاب كان ألّفه بالعربية بعنوان «الجغرافيا العامة». وله أيضاً مختصر تاريخ الإسلام وكتاب في الفقه المالكي وآخر في قواعد اللغة العربية.
وقصة الحسن الوزان أو ليون الإفريقي باتت معروفة، بسبب تجربته الفريدة في الانتقال من بلاد الإسلام في المغرب إلى أوروبا وخدمته لأحد باباوات روما. كذلك فإنّ «وصف إفريقيا» الذي يعكس جوانب من سيرة هذا الرجل أصبح معروفاً لكن الكتاب شقّ طريقاً طويلة قبل أن ينتقل من الإيطالية إلى العربية مجدّداً.
ويذكر المحققان اللذان ترجما الكتاب إلى العربية: أنّ الكتاب نشر للمرّة الأولى في إيطاليا العام 1550 بمدينة البندقية. وترجم إلى اللاتينية بعد سنوات قليلة ونشر في بلجيكا العام 1556، وفي زوريخ العام 1559 وفي لايدن العام 1632، ونشر بالهولندية العام 1665 في أمستردام، وبالإنكليزية العام 1600 في لندن، وبالألمانية العام 1805 في هيربورن، ونشر مرّات عدّة بالفرسية الأعوام 1556 و1564 و1830 و1896 و1949 و1956، قبل أن ينتقل أخيراً إلى العربية نقلاً عن الفرنسية.
وشهرة الكتاب لا تقوم على كونه موسوعة في الجغرافيا الإفريقية، بل تعود بشكل خاص إلى هذا اللقاء بين الشرق والغرب، بين المسيحية والإسلام، الذي جسّده مؤلف الكتاب في كتابه وفي شخصه وفي تجربته. والحقيقة أنّ الحسن الوزان، الذي أمضى ما يقرب من عشر سنوات في تجربته الأوروبية قبل أن يعود إلى تونس العام 1528 (توفي فيها العام 1552)، قد عاش في فترة مهمة من التاريخ العالمي، وقُدّر له أن يشهد بنفسه أخطر اللحظات في الانقلابات التي شهدها عالم البحر المتوسط. فقد كان طفلاً عندما غادر غرناطة وغادرها الإسلام معه أيضاً. وكان في مصر العام 1517 عندما انهارت دولة المماليك وقضى عليها العثمانيون. وزار اسطنبول التي كانت عاصمة الدولة العثمانية. وحين سقط في الأسر وأهدي إلى البابا ليون العاشر، أكرمه هذا الأخير نظراً إلى ما يملكه من معرفة وعلم. ويمكن القول بأنّ الحسن الوزان عاش في أوروبا في لحظة من لحظاتها الإنسانية، وأمكنه أن يتصل بعلمائها ويتعلّم لغاتها ويتعرّف إلى شعوبها.
ويذكر المستشرق أغناطيوس كراتشكوفسكي عن الحسن الوزان ما يلي: «كان إلمامه الجيّد باللغة الإسبانية التي كانت أشبه ما تكون بلغته القومية ما عاونه سريعاً في التعرّف على بيئته الجديدة وإجادة الإيطالية واللاتينية بصورة مرضية. ومنذ العام 930هـ/1524م نجده يؤلّف معجماً عربياً ـ عبرياً ـ لاتينياً من أجل طبيب يهودي، لا تزال مخطوطته محفوظة بالاسكوريال. وفي العاشر من آذار (مارس) العام 1526 أتمّ الترجمة الإيطالية لكتابه الذي وضعه أصلاً باللغة العربية أي كتاب «وصف إفريقيا». وفي العام 1527 ألّف باللاتينية كتاباً جامعاً في سير ثلاثين من مشاهير العرب في الفلسفة والطب، نشر العام 1664، وكان أوّل سفر من نوعه يقدّم معلومات ذات أهمية بالنسبة إلى أوروبا في تاريخ تطوّر العلوم عند العرب». قسّم المؤلف كتابه إلى تسعة أقسام: جعل القسم الأوّل للحديث عن اسم إفريقيا وأقسامها الأربعة وممالكها وسكانها ولغاتها وأحوال العرب فيها وأصنافهم. أمّا أقسام إفريقيا فمملكة مراكش ومملكة فاس ومملكة تلمسان ومملكة بجاية وتونس. ويخصّص القسم السادس لنوميديا أو بلاد الجريد. والسابع لبلاد السودان والثامن لمصر. والقسم التاسع والأخير يتحدّث عن الأنهار والحيوانات والنباتات الإفريقية.
ونلاحظ منذ بداية الكتاب أنّ المؤلف: (الوزان الإفريقي) يقارن الأسماء اللاتينية بالعربية فيقول مثلاً: القسم الثاني يسمّيه اللاتينيون نوميديا ويدعوه العرب بلاد الجريد حيث ينبت النخيل… ويقول أيضاً: القسم الثالث المعروف بليبيا عند اللاتينيين لا يطلق عليه بالعربية سوى اسم الصحراء أي القفر.
ويلاحظ كراتشكوفسكي في كتابه «الأدب الجغرافي العربي» أمرين متعلقين بكتاب «وصف إفريقيا»، الأوّل هو أنّ طابع الكتاب يختلف عن طابع الكتب الجغرافية التقليدية المعروفة باسم المسالك، ويقول بهذا الخصوص، «إنّه قد كتب من أجل الأوروبيين… ولعل معرفة المؤلف بعدد من اللغات مكّنته من الاطلاع على مؤلفات العالم الكلاسيكي ومؤلفات العصور الوسطى الأوروبية، وربّما عاونه في ذلك علماء النزعة الإنسانية من بين الإيطاليين». والأمر الثاني هو إشارته إلى بعض المؤلفين الأوروبيين، فيذكر في مطلع القسم التاسع أنّه سيتكلم «عمّا يوجد من المعادن والنبات في إفريقيا باستثناء ما أورده بلينوس الذي كان بحق رجلاً ممتازاً»… إلخ.
وعلى هذا النحو نستطيع أن نقدّر خصوصية الكتاب في عصره وإذا اعتبرناه كتاباً في الجغرافيا، فإنّه يهتم بالجغرافيا الطبيعية والسياسية والعمرانية على السواء. إلاّ أنّنا نستطيع أن نقول أيضاً إنّ الكتاب هو ايضاً في تاريخ المنطقة، لأنّه يتحدّث عن أحوالها السياسية وملوكها، فحين يتحدّث عن مصر مثلاً فإنّه يتحدّث عن سلطانها وموظفيه وكلّ أقسام الإدارة قبل أن ينتقل للحديث عن مناطقها.
ولعل الأقسام الأشد إمتاعاً في الكتاب تلك التي يتحدّث فيها عن المناطق التي عاش فيها وأحبّها، خصوصاً مدينة فاس التي يخصّص لها العديد من الصفحات ضمن فصل خاص: «المدينة العظمى عاصمة موريتانيا كلّها»، فيتحدّث عن أصل بُناتها وموقعها ونوعية أبنيتها ومساجدها ومدارسها وحماماتها وبيمارستاناتها وأسواقها وأزقتها، قبل أن يتحدّث عن نوع الحياة الاجتماعية في فاس.
والذي يلفت انتباهنا في الكتاب نزعته «الأنتربولوجية، ففي القسم الأوّل، عندما يتحدّث عن سكان إفريقيا، نجده يرجع سكانها العرب إلى أصولهم العشائرية فيقول: «ينتمي العرب الذين دخلوا إفريقيا إلى ثلاث قبائل: حكيم وهلال ومعقل. وتنقسم حكيم إلى ثلاثة فروع كبرى: أثبج وسمّيت وسعيد. وتتفرّع أثبج إلى ثلاثة فروع صغرى: دلاج والمنتفق وصبيح. كما تتفرّع كلّ قبيلة من هذه القبائل إلى عدّة بطون». ثمّ يعود ليتحدّث عن توزّع العرب بحسب مناطقهم. ويتحدّث عن عاداتهم وطرق معاشهم.
والواقع أنّ نزعته الأنتربولوجية تتجلّى خصوصاً عندما يتحدّث عن عادات كلّ بلد أو مملكة من البلدان التي يتحدّث عنها، ومن ذلك مثلاً حديثه عن عادات سكان القاهرة وأرباضها ولباسهم وممارساتهم. أو عندما يتحدّث عن نمط عيش سكان مراكش ولباسهم. ولعل أطول قسم يتعرّض فيه إلى العادات عندما يتحدّث عن فاس، وقد مررنا بما ذكره عن أقسامها وعمرانها، ونذكر الآن ما أورده حول عادات أهلها من طريقة اللباس إلى عادات الطعام والزواج، إلى أعياد أهلها وطرق لعبهم ومدارس أطفالهم… وفي أحد المقاطع يقول:
«سأحدثكم عن العرّافين الكثيرين، وهم أصناف ثلاثة: يتألف الصنف الأوّل من الذين يتعاطون خط الرمل، فيرسمون عليه أشكالاً ويؤدّي لهم من كل رسم بحسب الموارد المتوفّرة للشخص ووفقاً للعادة. ويضمّ الصنف الثاني العرّافين الذين يجعلون الماء في قدر لمّاع ويرمون فيه قطرة زيت فيصير شفافاً، ويزعم العرّافون أنّهم يرون فيه كما يرون في المرآة ويشتمل الصنف الثالث من العرّافين على نساء يوهمن العامّة أنّهن يرتبطن بصداقة مع شياطين من أنواع مختلفة إلخ. وهناك صنف آخر من العرّافين يدعون المعزمين، أي السحرة، يعتبرون قادرين تماماً على إنقاذ من اعتراهم مس من الشيطان… وهناك أيضاً صنف آخر من الناس يعمل وفق قاعدة تدعى الزايرجة أي مخاطبة الأرواح، لا يربطون عملياتهم بنصوص، بل يعتبرونها جزءاً من العلوم الطبيعية».
ونختم بما ختم به الحسن الوزان كتابه: «والحاصل أنّ ذلك ما شاهدته ـ أنا يوحنا ليون ـ ممّا هو جميل وجدير بالذكر في كلّ إفريقيا التي جبتها من جهة إلى أخرى… ثمّ رتّبت هذه المذكرات بقدر استطاعتي، وألّفت منها في الأخير كتاباً عندما كنت بروما في العام الميلادي 1526 في العاشر من مارس».
وهنا ينتهي كتاب يوحنا ليون الأندلسي المولد، المغربي النشأة.
الصحراء الإفريقية الكبرى
كانت المناطق الصحراوية تمثّل على كتب الأطلس في القرن الماضي بمساحات بيضاء يكتب عليها «الصحراء الكبرى». وكانت كلمة «صحراء» في قواميس اللغات الأوروبية، قبل فترة الاحتلال والاكتشافات تعني «اراضي جرداء غير مأهولة».
وكان الانطباع السائد لدى الأوروبيين أنّه لا يمتدّ بين الشريط الساحلي لإفريقيا البيضاء والبراري الشاسعة لإفريقيا السوداء في الجنوب سوى فضاء هائل من الرمال حيث لا يتجلّى الحضور البشري إلاّ من خلال بعض القوافل التي تجوب هذا الامتداد والتي تنتقل عبر مسالك قليلة تتوزّع على طولها بعض الآبار. ولا يكون هذا التنقّل إلاّ في أشهر معدودة من السنة.
لكن هذه الانطباعات البعيدة عن الحقيقة الجغرافية والتاريخية سرعان ما تغيّرت، حين بدأت جحافل العلماء والمكتشفين تغزو منطقة الصحراء الكبرى لإفريقيا إلى جانب الجيوش العسكرية التي كانت تشق طرقها انطلاقاً من الشمال باتجاه أعماق الجنوب أو تتوسّع من سواحل غرب إفريقيا شرقاً باتجاه الوسط، وقد انضاف إلى هذين المدّين العسكري والاستكشافي مدّ ثالث قاد حملات تنصيرية ليدعم بذلك المساعي الحثيثة التي بذلتها الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية لترسيخ وجودها، بكل صوره، في هذه الأرض المجهولة، حيث يبدو اختراقها مغامرة لا تخلو من مخاطر.
وقد أكدت الاكتشافات التي قام بها الجغرافيون والأنتروبولوجيون وعلماء الأديان الأوروبيون أنّ منطقة الصحراء الكبرى كانت مأهولة منذ عصور بعيدة.
وقد عرفت وجوداً بشرياً مكثفاً وحضارات متعاقبة وراقية لا تزال شواهد عنها ماثلة إلى اليوم، كما دلّت عليها نتائج الحفريات التي توصّلت إليها البعثات الأوروبية في بدايات القرن العشرين ومنتصفه.
وأفضت هذه الاكتشافات إلى مراجعة الكثير من الآراء والتصوّرات، حيث كتب العالم ت. مونود يقول إنّ الصحراء «ليست بالضرورة أراضي مهجورة» وهو ما يعني أنّها كانت معمورة بما يؤهلها لاحتضان نشاطات بشرية تتمخض عن قيام شكل ما من الحضارات.
وهناك حياة نباتية وحيوانية في الصحراء باستثناء بعض المناطق كتنزروفت والعروق الكبرى وبعض الأماكن في أقصى الشرق كصحراء ليبيا، وهذا يؤكد وجود حياة بشرية قوية، من دون شك، تتمثّل في سكان الواحات وقبائل البدو الرحل الذين يتوزّعون في خمس مجموعات تتدرّج من الغرب إلى الشرق هي: الموريتانيون والرقيبات والشعابنة والطوارق والتيدة.
ويعتقد أنّ هذه المجموعات، وهي من الجنس الأسود، هي الشعوب القديمة التي عمّرت هذه المناطق واستقرّت بها بعد هجرات متلاحقة من شرق القارة تمّت في عصور سابقة. وقد حدث في التاريخ المعاصر زحف من سكان الشمال البيض باتجاه مناطق الجنوب لدوافع تجارية ودينية، فتأسّست نتيجة لذلك، حواضر جديدة.
ويمثّل انتشار البربرية والعربية بين سكان الطوارق الموزعين بين الجزائر وليبيا ومالي والنيجر أحد مظاهر هذا الزحف، وهو ما أدّى أيضاً إلى تراجع المعتقدات الشعبية المحلية التي ظلّت تشكّل الأساس الديني لهذه الشعوب وانتشار الإسلام واللسان العربي في أغلب هذه المناطق، ليتواصل هذا الزحف باتجاه الجنوب وإفريقيا الغربية والوسطى. ويمنح الجزء الأكبر من الصحراء الكبرى اليوم انطباعاً بأنّها تمثّل في تركيبتها البشرية والثقافية امتداداً للشمال نحو الجنوب.
ولكن هل كانت هذه هي حال الصحراء قديماً؟ لقد أثبتت الدراسات أنّ الصحراء كانت في عصور ما قبل التاريخ أراضي خصبة وغنية بالمياه سمحت بوجود ثدييات ضخمة وبقيام حياة إنسانية في ما بعد، كما تُبيّن ذلك الآثار الهائلة التي تمّ العثور عليها والتي تمتدّ من عصر الحجارة إلى العصر الحديث وحتّى ما قبل التاريخ.
ولا تتوافر لدى العلماء اليوم المعطيات الكافية لتحديد المدّة الزمنية التي استغرقتها هذه الحياة. ويخشى أن لا تكون الوثائق المحصل عليها في هذا الشأن كافية لتقديم إجابات دقيقة ومقنعة، بالنظر إلى شساعة المناطق التي امتدّت عليها حضارة إنسان الصحراء وصعوبة البحث فيها والناجمة بالخصوص عن الظروف الطبيعية القاسية للمنطقة. غير أنّه، في ما يتعلّق بالعصر الحديث والذي يليه يمكن الاستعانة ببعض الآثار العمرانية والفنية.
فمنطقة الصحراء، التي أصبح التحرّك فيها مقتصراً على الطوارق اليوم، تعجّ صخورها بالنقوش والرسومات التي تؤكّد أقدمها على وجود سكان كانت حياتهم تقوم على الصيد وكانوا يعيشون على قطعان الحيوانات البريّة، بينما كانت حياة المتأخرين منهم، والتي تعود إلى عصر التاريخ، أكثر تطوّراً خلال الحقب المعروفة بحقبة الثور ثمّ الحصان فحقبة الجمل، وبعض هذه الرسومات يمثّل بشراً. ويقول الباحث لوت الذي عاين رسومات بمنطقة الطاسيلي بالجنوب الجزائري، إنّ بعضها، وهي التي تعود إلى العصر الحديث، تظهر رجالاً برؤوس مستديرة غاية في الغرابة. لكنّه لا يمكن تحديد جنسها أو عرقها. وقد انضافت إليها لاحقاً عناصر ذات خصوصيات متوسطية وأخرى قريبة الشبه بالزنوج.
وتقع منطقة الطاسيلي بالجزء الشمالي من الصحراء الكبرى على بُعد 500 كلم فقط من حوض غدامس النفطي بالجزائر، وغير بعيد من مدينة تمنراست. وهو ما يعني أنّ زنوج الجنوب يكونون قد زحفوا أيضاً باتجاه الشمال وتوغّلوا في أعماق الصحراء بمساحات هائلة في تلك الحقب. وفي زمن متأخّر، وتحديداً في عصر الثور، عوض أولئك الرجال الصيّادون برجال الدين الذين اتّخذوا الملامح نفسها التي نجد عليها سكان النيل الأعلى.
لكن هذه القراءات تظل هشّة، ولا تعدو أن تكون مجرد تخمينات. ذلك أنّ رسّامي عصور ما قبل التاريخ، إذا استطاعوا إنجاز رسومات جيّدة ودقيقة للحيوانات التي تحيط بعالمهم، فما كان أصعب عليهم أن ينجزوا ملامح واضحة للوجوه البشرية. فتحت أي طائل كان أولئك الرسامون؟ ولا يوجد، تقريباً، سوى عنصر وحيد يمكن الباحث الأنتروبولوجي اعتماده إذا أراد معرفة هوية السكان الأصليين القدامى للصحراء، وهو دراسة البقايا العظمية.
والأبحاث في هذا الميدان قليلة. إذ لم تسجل سوى بعض الاكتشافات المعزولة كتلك التي شملت الهيكل المعروف بأسلار الذي يعود إلى الفترة الماطرة المتأخرة جدّاً، وهي لا تعتمد إلاّ على بعض الأجزاء التي لا تفضي إلى نتائج وخلاصات نهائية بخصوص هوية الإنسان الذي سكن المنطقة، ولذلك فإنّ المسألة يجب أن تكون أبعد من أن تتوقف عند اكتشاف بعض الهياكل العظمية، إذ المطلوب الاستناد كذلك إلى مقدار هائل من المعلومات والوثائق التي ينبغي البحث عنها. ولعل المحاولات التي قامت بها الباحثة الفرنسية «شاملا» والمركّزة على أبحاث معمّقة في بقايا زنوج إفريقيا الغربية والوسطى وعلى أعمالها الخاصّة بالشعوب القديمة في السودان وشمال إفريقيا، تعدّ الأكثر أهمية وجرأة، وتأسيساً لأعمال لاحقة تبتغي الحصول على المزيد من الإجابات عن الأسئلة المعلّقة والمحيّرة.
لكن هذا العمل لم يخلُ من صعوبات: فقد كانت البقايا في وضع سيء للغاية، كثير منها مهشّم. فالجماجم مكسورة وغير مكتملة. وكان ينبغي القيام بأعمال إضافية وبذل المزيد من الجهد والصبر لترميم أجزائها وإعادتها إلى صورتها الأولى، أو على الأقل إلى أقرب صورة مشابهة لحالتها الأصلية، وكذلك شأن بقية العظام. وقد تمكّنت الباحثة «شاملا» فعلاً من تجاوز هذه العقبات وأعادت تركيب الهيكل بتجميع دقيق وشاق لأجزائه. مستفيدة من معارفها الواسعة في الأنتروبولوجيا والمورفولوجيا وحسّها الحاد عند التحليل، وهو ما ساعدها على استخراج أجزاء ثبطت دراستها عزيمة العديد من العلماء قبلها.
وقد أمكن على ضوء الدراسة التي قدّمتها في كتابها عن «شعوب الصحراء»، العلم بوجود عناصر زنجية مهمة ضمن سكان الصحراء في العصور الحديثة ومن ثمّ تواجد مختلط لإنسان البراري الإفريقية الممتدة شمال خط الاستواء والإنسان ذي البنية القوية الذي عاش في النيل الأعلى.
لكن أهم ما انتهت إليه الدراسة أنّ التركيبة العرقية للشعوب التي سكنت الصحراء في عصور ما قبل التاريخ تبدو مختلفة عن تلك التي كانت تحتل المناطق الشرقية. غير أنّه لا ينبغي إنكار سيطرة الجنس ذي البنية القوية الذي يحمل خصوصيات مورفولوجية يميّزها ضخامة الجمجمة وضيق الأنف وطول الساعدين والساقين، وهي ميزات قريبة من تلك التي نقف عليها إلى اليوم عند إنسان تلك المنطقة.
أمّا أصل الجنس الصحراوي غير الزنجي، أو الأبيض تحديداً، والذي يعود تواجده بالمنطقة إلى الفترة نفسها، فالمرجح أنّ أصوله من المناطق الشرقية للشمال الإفريقي، ويستبعد أن يكون قد أهَلَ المنطقة حديثاً، غير أنّ المتوافر من المعلومات حالياً يرجح ذلك التواجد إلى بدايات توسّع الفتوحات الإسلامية باتجاه الجنوب، والهجرات التي تمّت انطلاقاً من شمال إفريقيا نحو واحات الجنوب التي تطبع اليوم بطابع المناطق الصحراوية.
خليفة قرطي
التشيّع في إفريقيا الشرقية
يرى السيّد سعيد اختر الرضوي في بحث له نشر باللغة الإنكليزية أنّ التشيّع وصل إلى إفريقيا الشرقية في القرن الأوّل الهجري عندما فشا الظلم وسفك الدماء في البلاد الإسلامية على يد الحجاج بن يوسف فاضطر فريق من الشيعة إلى الهجرة البعيدة فكان من الأماكن التي وصلوا إليها إفريقيا الشرقية. ويذكر أنّ زعيمين أحدهما يسمّى سليمان والآخر سعيد كانا هما طلائع هذه الهجرة ولكن التفاصيل عنهما وعن رحلتهما مجهولة.
ويستند السيّد سعيد فيما يستند إلى ما اء في كتاب (المتكلمون بالسواحلية من أهل زنجبار وساحل إفريقيا الشرقي) الذي ينص على أنّ هذين الزعيمين جاءا مصحوبين بأتباعهما في السنة السابعة والسبعين من الهجرة 695م ويقول المستر «برنس» Prins مؤلف الكتاب المذكور: «ومن الممكن أنّ هجرات مماثلة حدثت ولكنّنا لم نسمع عنها».
ويقول أيضاً: «وهكذا نجد اعتقاداً في جزيرة كيوايو، بأنّ الإسلام دخل إلى تلك الديار على يد رجل يسمّى حمزة أو رجل يسمّى جعفر»… ويقول أيضاً: «إنّه يظنّ أنّ الأوّل هو ابن عبد الملك بن مروان والثاني أخو عبد الملك». ولكن المؤلف برنس يعود فيرد على هذا الظن قائلاً: «ولكن ذلك يشير إلى تقليد شيعي بقدر ما يوحي هذان الاسمان».
ويضيف السيّد سعيد اختر إلى ذلك قائلاً: «لم يكن لعبد الملك ابن يسمّى حمزة ولا أخ يسمّى جعفر، ويمكن أن يكون صاحباً هذين الاسمين من الشيعة اللاجئين إلى تلك البلاد».
ويتأكد وصول الشيعة إلى إفريقيا الشرقية في وقت مبكر وتأثيره التأثير العميق في الحياة الإفريقية بما ورد في الملحمة السواحلية «النظم في أحوال الحسين بن علي (عليه السلام)» التي نشرها سنة 1960م الأديب الإفريقي (بورو) مع تعليقات وترجمة «ألن».
وهذه الملحمة كتبها في القرن التاسع عشر حمد عبدالله البحري ـ ويظهر أنّها إعادة لكتاب سابق ـ وتحتوي هذه الملحمة على ألف ومائتي وتسع مقطوعات شعرية.
ويشير بعد ذلك (برنس) إلى تأثير وصول الشيرازيين الأقدمين إلى السواحل الإفريقية الشرقية وكيف انطبع الشعب بالطابع الشيعي حتّى الآن فهو يقول: «أثر هؤلاء لا يزال ظاهراً في قالب من المودة العميقة لأهل البيت التي تعدّ من ميراث المسلمين الإفريقيين».
ويضيف إلى ذلك: أنّ هؤلاء الإفريقيين يضيفون إلى أسماء سلالات الرسول كلمة شريف التي انقلبت في اللغة السواحلية إلى كلمة (شريفو) كما أنّهم يكرمون الصالحين من أموات هؤلاء الأشراف. ويقول: «وعلى طول الشواطئ تقوم مزارات هؤلاء الأشراف الصالحين وفي (لامو) أهم مركز للزيارة حيث يؤمّها في أسبوع الزيارة عشرات الألوف كلّ عام. وتعتبر زيارة الشريف صالح بن عبدالله العيدروس في لامو أفخم الزيارات وأهمها».
ويقول السيّد سعيد اختر: «وهذه الدرجة من الإكرام الكبير لأهل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) لا يوجد لها مثيل في بلد من البلاد الأخرى. إلى أن يقول: وإنّني أعرف كثيراً من الشيخ في لامو وزنجبار ممّن يصرّحون باعتقادات تعتبر في البلاد الأخرى من اعتقادات الشيعة».
وهذا كلّه ولا شكّ من أثر الهجرات الشيعية القديمة التي حملت الإسلام إلى إفريقيا، ثمّ تبدّل الزمن وتوالى على تلك السواحل الإفريقية أنواع شتّى من الدول والحكّام فلم يبق التشيّع فيها مذهباً سائداً ولكنّه ظلّ مؤثّراً في الحياة العقلية.
ويقول محمود شاكر في كتابه (تنزانيا) الصفحة 13: لقي الشيعة أنواعاً من الاضطهاد وأصنافاً من العذاب، فمنهم من قتل ومنهم من قضى نحبه في غياهب السجن، ومنهم من فرّ من وجه العباسيين فمن هؤلاء الذين فرّوا، جماعة في أواخر القرن التاسع الميلادي متجهين نحو شرق إفريقيا، وتوزّعوا هناك جنوب مقديشو، وكانوا يدعون للإسلام ـ حسب مذهبهم ـ فانتشرت الدعوة على يدهم.
وذهبت جماعة أخرى من شيراز يعود إليهم الفضل في نقل المذهب الشيعي (يقصد نقل الإسلام على المذهب الشيعي) إلى تلك الأصقاع. وتروي الأخبار أنّ من أشهرهم رجلاً يدعى الحسن بن علي ذهب إلى شرق إفريقيا لأسباب وظروف غامضة مع أبنائه الستّة في القرن العاشر الميلادي حوالي العام 975م فتفرّقت بهم السفن قبل الوصول، فنزل أحدهم في مدينة ممباسا، ورست مراكب الآخر في جزيرة بمبا، بينما وصل الثالث إلى جزيرة جوهانا إحدى جزائر القمر، أمّا الأب فقد نزل مع بعض أبنائه الآخرين في مدينة كيلو. واستطاع الأب أن يؤسّس بعد نزوله بمدّة من الوقت حكومة امتدّت حتّى شملت المناطق التي يقوم فيها أبناؤه.
الشيعة اليوم في إفريقيا الشرقية
يوجد الشيعة في كلّ من تنزانيا، وكينيا وأوغاندا والصومال وموزامبيق. كما يوجدون في جزيرة مدغشقر وكلّ من جزيرتي موريتش وريئونيون الواقعتين في جنوب المحيط الهندي. ويوجدون في الكونغو.
يعيش الشيعة في إفريقيا الشرقية حياة اجتماعية مثالية يصحّ أن تكون قدوة لكلّ مجتمع يريد أن تكون حياته حياة الخير والحق. فهم في معظمهم من أصل غير إفريقي هاجر أجدادهم من شبه القارة الهندية منذ أكثر من مائة وعشرين سنة فاستقرّوا في هذه المناطق في كينيا وأوغندا وتنكانيكا وزنجبار والكونغو ومدغشقر([220]) وتخلّوا بحكم حياتهم الجديدة عن وطنهم نهائياً وصاروا جيلاً بعد جيل من أبناء البلاد يحملون جنسياتها ويتكلمون لغتها ويحيون حياتها، ولكنّهم لم يتخلّوا عن حقائقهم بل حافظوا عليها محافظة لا مثيل لها.
إنّ أجدادهم القدامى هم من الهندوس في الأصل ثمّ اعتنقوا الإسلام، وكلّ من كان هندوسياً واعتنق الإسلام يطلق عليه في الاصطلاح الهندي لقب (الخوجا) فهم كلّهم من الخوجا، وكلّهم يتكلمون اللغة الكجراتية، فهي لغتهم الأساسية وقد أوجدت فيهم هذه الروابط التحاماً فريداً فتمسّكوا بالتشيّع تمسّكاً كاملاً وحافظوا على عقائدهم الإسلامية محافظة تامّة وأخذوا على أنفسهم تربية أولادهم على ما ربّاهم عليه آباؤهم فظلّوا على ما كانوا عليه منذ اعتنقوا الإسلام قبل أكثر من مائتي سنة من أصلب الناس عقيدة وأثبتهم إيماناً وأشدّهم إقبالاً على الخير.
وهجرة المهاجري الأوّلين كانت مع نسائهم، أمّا غير المتزوجين، فمن أراد الزواج كان لا بدّ من أن يستقدم هندية من جنسه وبذلك حافظوا على أصالتهم، فظلّوا محتفظين بلغتهم وعقائدهم.
والطفل منهم من أجل الاحتفاظ بحقيقته مع مجاراة الحياة الإفريقية لا بدّ له من أن يتعلّم أربع لغات معاً: اللغة الأم (الكجراتية) واللغة المحلية (السواحلية) ولغة الكثرة من مسلمي شبه القاهرة الهندية الباكستانية (الأُردوية)، ثمّ اللغة الإنكليزية، اللغة الرسمية ولغة الحياة اليومية. وقد ثبتوا على هذا ونفذوه.
ثمّ أنّ همّ الواحد منهم هو كيف يحفظ في أولاده دينهم الإسلامي وعقيدتهم الشيعية، وأنّ هذا الهمّ هو همّه الأوّل والآخر. وأنّ لا شأن من شؤون الحياة يصرفه عنه.
ولقد شهدتهم في أورشا وتانكا وممباسا ومساجدهم عامرة بالشبان قبل الشيوخ، ورأيت أطفالهم ينكبون على القرآن يحفظونه ويرتلونه، ورأيت فتيانهم شعلاً من الإيمان.
ولقد كان من حسن حظيّ أن قضيت أياماً من شهر شعبان وشهر رمضان سنة 1385هـ ـ 1966م بينهم في مدينة ممباسا، فرأيتهم يقبلون كلّ يوم قبل الغروب على الحسينية المجاورة للمسجد والتي لا يفصلها عنه إلاّ ممر طويل، فيجلسون هناك حول موائد طويلة مفروشة على الأرض وقد أحضر كلّ واحد شيئاً قليلاً من الطعام يبسطه على المائدة المفروشة، ويكون أشخاص معينون قد أعدّوا الشاي لجميع الحاضرين. فما أن يعلن المؤذن حلول الغروب حتّى يفطر الجميع معاً وكأنّهم أسرة واحدة في بيت واحد، ثمّ ينتقلون إلى المسجد حيث يؤدّون صلاة المغرب والعشاء جماعة، ثمّ ينصرفون إلى منازلهم لتناول العشاء، ثمّ يقبلون من جديد إلى المسجد فيقرؤون الأدعية المأثورة المعروفة، ويبقون هكذا ساعات في تهجّد ودعاء. ثمّ ينتقلون إلى الحسينية حيث يستمعون إلى الخطباء والواعظين الذين ينهون خطبهم ومواعظهم بذكر استشهاد الحسين (عليه السلام). وهنا تكون الساعة قد بلغت الحادية عشرة فيبدؤون بالانصراف إلى بيوتهم.
وفي خلال ذلك يكون أكثر من ثلاثين شخصاً بين طفل ومراهق وشاب جالسين على الأرض في جانب من السهل يتعلّمون تجويد القرآن وترتيله، وقد استمعت إليهم يرتلون القرآن أحسن ترتيل، لولا عدم استطاعتهم لفظ بعض الحروف لفظاً صحيحاً كالعين والحاء.
جمعياتهم
كان لهم جمعيات منتشرة في كلّ مكان ولكن منذ عام 1945م دخلت هذه الجمعيات في طور جديد، إذ أنّها ارتبطت كلّها بنظام واحد يشرف على تطبيقه مجلس أعلى منتخب. ففي كلّ عام تعقد هذه الجمعيات أو (الجماعات) ـ كما يسمّونها هم ـ تعقد مؤتمراً عاماً في مكان يعيّنه مجلس الاتحاد الأعلى فترسل كلّ جماعة مندوباً واحداً عن كلّ مائة نفس فيلتقي هؤلاء المندوبون في المكان المعين بشكل مؤتمر عام فيتدارسون شؤونهم الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية ويتخذون المقررات التي تلتزم بتطبيقها جميع الجماعات كلّ واحدة في منطقتها. وممّا يقوم به مجلس الاتحاد الأعلى أنّه يستدعي الفقهاء من الهند والباكستان ويتعاقد معهم لمدّة أقلّها سنتان وأكثرها ثلاث سنوات قابلة للتجديد ويدفع لكلّ واحد منهم راتباً يتراوح بين ثلاثين وأربعين ليرة إسترلينية إذا كان بدون عائلة، كما يقدّم له المسكن والطعام، والذين يتناولون رواتب أكثر من غيرهم هم الذين يحسنون أكثر من لغة كأن يحسن أحدهم اللغة الإنكليزية واللغة الكجراتية.
ويقوم هؤلاء الفقهاء بواجباتهم الدينية من صلاة جماعة ووعظ وإرشاد وتعليم والمجلس الأعلى هو الذي يحدّد لهؤلاء الفقهاء أماكنهم، كما أنّه يشترط على الواحد أن لا يقيم أكثر من سنة واحدة في مكان واحد ينقل بعدها إلى مكان آخر. ويعطى الفقيه إجازة شهر عن كلّ سنة يستطيع أن يذهب خلالها حيث يشاء. وعند التعاقد مع الفقيه تدفع له نفقات سفره من بلده إلى إفريقيا، وعند انتهاء مدّة العقد تدفع له نفقات عودته.
وكان الحاج إبراهيم ديوجي هو صاحب فكرة استدعاء الفقهاء والتنظيم الذي وضع لهم، كما أنّه عمل على تأسيس شركات تجارية بعد أن كان عملهم التجاري إفرادياً.
كما كان عبد الحسين نور محمد هو صاحب فكرة تأسيس الجماعات وإنشاء الاتحاد العام وذلك سنة 1945م وقد انتخب رئيساً لأوّل اتحاد وظلّ ينتخب اثنتي عشرة سنة.
وفي كلّ سنة يعقد اجتماع عام للجماعات توفد فيه كلّ جماعة مندوباً واحداً عن كلّ مائة شخص وينظر هذا الاجتماع في شؤون الشيعة العامة ـ كما تقدم ـ وفي كلّ ثلاث سنوات يعقد مؤتمر عام ترسل فيه كلّ جماعة ثمانية مندوبين مهما كان عدد المنتمين إليها. وهذا المؤتمر ينتخب مجلساً جديداً للاتحاد العام مؤلفاً من الرئيس ونائبه والسكرتير وأمين الصندوق. ولهذا المؤتمر وحده حق تغيير ما يرى تغييره من مواد دستور الاتحاد العام.
عدد الجماعات
توزّع الجماعات المرتبطة بالاتحاد العام كما يلي:
في إفريقيا الشرقية خمس وخمسون جماعة.
في جزيرة مدغشقر: إحدى عشرة جماعة.
في كل من جزيرة موريتش وجزيرة ريثونيون جماعة واحدة([221]).
في الصومال: جماعتان.
في موزامبيق: جماعة واحدة.
من أعمال المجلس
وممّا يشرف عليه مجلس الاتحاد الأعلى أمر إثبات رؤية هلال رمضان وشوال حيث يظلّ على اتصال تلفوني مستمر طوال الليل مع جميع الفقهاء في كلّ أماكنهم، فإذا كان قد ثبت عند واحد منهم أو أكثر من واحد اتّصل المجلس بكلّ الجماعات وأخبرها بذلك. هذا حين يغم أمر الهلال فلا يرى في كلّ مكان. كما حدث حينما كنت في ممباسا، حيث ظلّ الفقيه مع رئيس المجلس وهيئة المجلس ساهرين في مكتب المجلس حتّى الساعة الثالثة صباحاً حيث وصلتهم أخبار من دار السلام وليندي عن ثبوت الهلال لدى كلّ من فقيهيها فاتّصلوا بجميع البلاد وأعلنوا لها أنّ العيد غداً فأصبحت جميع البلاد معيدة وكثيراً ما يعتمد المسلمون من غير الشيعة على الشيعة في هذا الأمر.
وقد تولّى المجلس إرسال عدد من الطلاب إلى النجف وقم وكراتشي ولكهنو. كما أرسل بعض الطلاب الإفريقيين السود.
وممّا يذكر أنّ الشيعة في إفريقيا الشرقية يحتفلون كلّ عام بيوم 8 شوال وهو ذكرى تهديم قبور أئمة البقيع في الحجاز من قبل الوهابيين.
ومن المنشآت الشيعية في إفريقيا الشرقية: (منازل المسافرين) وهي منازل بعضها موقوف وبعضها مملوك وبعضها مستأجر وموجودة في كلّ من: تانكا وممباسا وزنجبار وأروشا وموشي ودار السلام، وتديرها الجماعة في كلّ من هذه المدن وينزل فيها المسافرون فيبيتون ويأكلون لقاء مال قليل. كما تقام فيها حفلات الزواج.
ويقول السيد مصطفى إمام زاده فيما كتبه:
من مشاهير الشيعة تجب الإشارة إلى الملا عبد الحسين المرعشي الشوشتري المتوفى عام 1320هـ وقد شاءت العناية الإلهية أن تسخر هذا العالم لنشر التشيّع في إفريقيا الشرقية وفي إحدى السنين تأخّر الموسم وتلفت الحاصلات وقد تضرّعت جميع الطوائف إلى الله كلّ على طريقته الخاصّة طلباً للمطر، ولم تؤد صلوات جميع الطوائف إلى نتيجة فطلب العاهل إلى الملا الشيعي أن يصلي على طريقته في المصلّى فذهب الرجل وصلّى صلاة الاستسقاء طبقاً للتعاليم الشيعية ولم يكد ينتهي من صلاته حتّى هبّت العاصفة وحملت معها الأمطار الكريمة التي طال انتظارها. وقد سبّب ذلك أنّ عدداً كبيراً بمن فيهم العاهل اعتنقوا المذهب الشيعي وكان ما أراده الله.
وتجب الإشارة أيضاً إلى (كلب علي) الضابط في المدفعية ووزير الحربية ولولا النفوذ السياسي لهذا الضابط النبيل الممتاز الذي كان يتمتع بثقة أثرياء الشيعة وثقة السلطان لما كان من الممكن أن يكون هناك للشيعة مساجد في زنجبار ولم نكن لنجهر من أعالي المآذن بنداء حي على خير العمل. هذا بالإضافة إلى أنّنا مدينون إلى الجنرال (كلب علي) بإنشاء المقبرة الجميلة التي يرقد فيها إلى جانب هذا الدفين الجليل عدد من العلماء الأعلام والوجهاء الذين يتكوّن معظمهم من أصل فارسي.
وإليكم ما نقش على قبر منشئ المقبرة: وفاة السعيد المرحوم المبرور المأسوف عليه السيّد محمد من سلالة أفشار أورميا([222]) وفاته يوم الأربعاء 20 ربيع الأوّل سنة 1327هـ وقد كان نقش خاتمه:
«كلب أهل الكهف السبعة قد أنقذ من نار جهنم وكيف لا أنقذ وأنا كلب علي».
والجنرال «كلب علي» هو الذي نقل إلى زنجبار المدافع القديمة التي نالت إعجاب الجميع وقد انتزعت هذه المدافع عام 1621م من البرتغاليين في عهد الشاه عباس الأوّل شاه إيران وقد نقشت على فوهة أحد هذه المدافع باللغة الفارسية العبارة الآتية:
(في حكم منقذ العالم وإمبراطور الكون الشاه عباس الصفوي خادم الأمّة وحاكم فارس ولارستان وكوه خيلويا والخادم الأمين لسيّد الكون في سنة 1030هـ بعد غزوة لأرخبيل البحرين وقلعة (أورمز) قد انتزع هذه المدافع).
ولا ننسى كذلك اسم المرحوم علي ناتو الذي أدّى خدمات كبيرة لدولة زنجبار خلال الفترة الواقعة بين 1914ـ1918م وقد قال له السلطان ذات يوم اختر أنت بنفسك الجائزة التي تريدها مقابل خدماتك فأجابه على الفور:
كل ما أريده أن يكون اليوم الحادي والعشرون من الشهر التاسع القمري واليوم العاشر من الشهر الأوّل يومي عطلة رسمية. فوافق السلطان على ذلك. ومنذ ذلك اليوم تعطل الدوائر الرسمية كلّ سنة في ذكرى مقتل الشهيد علي (عليه السلام) ومقتل الشهيد الحسين (عليه السلام). (انتهى ما أورده السيد مصطفى إمام زاده).
الشيعة البهرة
هذا الذي تحدّثنا عنه يشمل الشيعة الجعفرية وحدهم، وعدا هؤلاء هناك الشيعة (البهرة) وهم موجودون في كلّ مناطق إفريقيا الشرقية. ويمثّل الداعي المطلق المقيم في بومباي (عامل) يقيم في ممباسا ولهم مؤسساتهم وجمعياتهم وكنّا قد طلبنا من (عامل ممباسا) بأن يكلف من يكتب لنا تفصيل أحوالهم ولكنّه لم يفعل([223]).
الاحتفال بمولد الحسين (عليه السلام) في ممباسا
ومن الاحتفالات التي شهدتها في ممباسا الاحتفال بذكرى مولد الحسين (عليه السلام) ليلة الخامس من شعبان وتبدأ الاحتفالات قبلها بيومين ولكنّها احتفالات محدودة. أمّا الاحتفال العام فقد أُقيم في المسجد ليلاً حيث كان المسجد مزداناً بالأنوار وغير الأنوار من أنواع الزينة. ثمّ أخذ الناس يقبلون على المسجد شيوخاً وشباناً وأطفالاً وقد ارتدوا أحسن ملابسهم، حتّى ملؤوا المسجد بجموعهم. وقد بدأ الاحتفال بعد صلاة العشاء بأن خطب إمام المسجد باللغة الأردوية متحدّثاً عن الحسين وأهل البيت (عليهم السلام) ذاكراً بعض الأحداث التاريخية والمواعظ.
وبعد أن أنهى الخطيب كلمته التي استمرّت أكثر من ساعة، وقف رجل آخر وأخذ يتلو شعراً بالأردوية من كتاب بيده بإنشاد جميل، ووقف الحاضرون كلّهم يشاطرونه إنشاد بعض المقاطع ثمّ جلسوا، وكانوا بين آونة وأخرى يردّدون معه وهم جلوس مقاطع فيها التسليم على النبي (صلّى الله عليه وآله) وعلي والزهراء والحسنين (عليهما السلام) بإنشاد جميل عذب رقيق.
وبعد الانتهاء من الإنشاد وقف الجميع متابعين مع القارئ زيارة النبي والأئمة. ثمّ قدّم الشاي لجميع الحاضرين. ثمّ أعلن أحد منظّمي الاحتفال أنّه سيحتفل في الليلة القادمة بذكرى مولد العباس بن علي وفي الليلة التي بعدها بمولد الإمام زين العابدين علي بن الحسين وفي اليوم الثاني أقيمت مأدبة غداء عامّة في المسجد حيث تناول الجميع طعام الغداء جلوساً على الأرض في صفوف منتظمة وكأنّهم عائلة واحدة.
مولد العباس
وفي الليلة التالية ازدحم المسجد بالناس شيوخاً وشباناً وأطفالاً كالليلة السابقة وكان على نفس الزينة بالأنوار وغير الأنوار. وابتدأت الحفلة كما ابتدأت ليلة الحسين (عليه السلام) بأن صعد الخطيب على المنبر وتكلّم بالأردوية ما يزيد على 45 دقيقة. ثمّ نزل ووقف مكانه أحد الحضور وقد حمل كتاباً بيده وبدأ يرتل منه مطلع قصيدة عربية شهيرة، وهي القصيدة التي تبدأ بهذا البيت:
بآل محمد عرف الصواب
وفي أبياتهم نزل الكتاب
فهبّ الجميع وقوفاً، وما إنّ أنهى المنشد إنشاده للمطلع حتّى أنشده الجميع وقوفاً إنشاداً جميلاً عذباً. ثمّ جلسوا واستمرّ المنشد يكمل إنشاد بقية أبيات القصيدة وكان كلّما انتهى من بيت يجيبه الجميع بصوت واحد منشدين المطلع. وهكذا حتّى أنهى القصيدة كلّها. فكان ذلك من ألطف ما شهدت في حياتي من حفلات.
وبعد الانتهاء من القصيدة العربية، أنشد المنشد نفسه شعراً بالأردوية كان يردّد معه الحاضرون بعض مقاطعه، ثمّ وقف الجميع وتابعوا تلاوة الزيارة، ثمّ جلسوا فوزّعت عليهم أكواب الشاي. وأعلن المعلن عن موعد احتفال الغد بمولد الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام). وفي ظهر اليوم الثاني تناول الجميع طعام الغداء في المسجد كما جرى ظهر الأمس، وكأنّهم أسرة واحدة.
وهذا المسجد الذي تقام فيه هذه الاحتفالات مخصّص شطر منه لحضور النساء ويفصل بين الشطرين جدار يتجاوز علوّه منتصف جدران المسجد بحيث يصل الصوت للنساء واضحاً جلياً، وكان عدد النساء الحاضرات كبيراً إذ رأينا جموعهن الخارجة من المسجد تملأ الطريق. ولا أدري إن كانت النساء تشارك بالإنشاد أم لا، لأنّنا لا يمكن أن نسمع أصواتهن من مكاننا.
ميلاد زين العابدين
في الليلة الثالثة كان المسجد كالليلتين السابقتين من حيث الزينة والاجتماع، إلاّ أنّه يلاحظ أنّ عدد الحاضرين كان أقل من الليلتين السابقتين. وبدأ الاحتفال كما بدأ من قبل بأن ألقى إمام المسجد خطاباً ثمّ وقف أحد الحضور وبدأ ينشد قصيدة عربية مطلعها: (سلام على عترة المصطفى) فوقف الجميع يردّدون المطلع بينما كان هو يكمل القصيدة العربية، وعند كلّ بيت ينشد الحاضرون جميعاً المطلع. وبعد إنشاد بيتين أو ثلاثة جلسوا واستمرّوا بترديد المطلع جلوساً. وعند انتهاء القصيدة العربية أنشدوا جميعاً قصيدة أردوية ثمّ وقفوا يتابعون قراءة الزيارة. ثمّ تناولوا الشاي. وخصّص عصر اليوم الثاني لاحتفال الأطفال بهذه الذكرى، وكان مكان الاحتفال حديقة المقبرة الواسعة الواقعة في مكان مستقل عن القبور وأظن أنّ تخصيص هذه الحديقة بهذا الاحتفال لاتساعها ووجود مقاعد حجرية كبيرة وكثيرة تتّسع لأكبر عدد من الحاضرين.
وفي الموعد المعين حضر جمهور كبير من الأطفال كما حضر بعض الكبار وجلس الجميع على المقاعد الحجرية في الفضاء تحت الشجر العالي وأقيمت حفلة مصغرة عن حفلة الليل واختلفت عنها بأنّ أحداً لم يخطب، بل اقتصر الأمر على الإنشاد القليل ثمّ تليت الزيارة، وبعدها وزّع الشاي والحلويات والمناديل على الأطفال الذين كانوا بملابسهم الزاهية وكانوا ممتلئين بِشْراً وسروراً.
مسجدان في ممباسا
وممّا يذكر أنّ في ممباسا مسجدين كبيرين مع أنّ عدد الشيعة فيها لا يحتاج إلى مسجدين. وقد عرفت أنّ السبب في ذلك أنّه حدث في إحدى السنين اختلاف بين الشيعة أدّى إلى أن يختصّ أحد الفريقين بالمسجد وأن يبني الفريق الآخر مسجداً خاصّاً به. ثمّ زالت عوامل الاختلاف، ولئلا يتعطل أحد المسجدين اتفقوا على أن يقيموا صلاة الظهرين في المسجد القديم والعشاءين في المسجد الجديد.
البلدان التي يتوزع فيها الشيعة في إفريقيا الشرقية
تنزانيا
زنجبار، ويتي وتشاكي تشاكي، دار السلام، تانكا Tanga بينكاني Pangani، موشي، آروشا، سنجيدا، دودوما، تابورا، موانزا، بكوبا، أجيجي، ليندي، كلوة، متاما، منكويو Mingoyo، نوالا، تندورو، مساسي، ككوما kigoma، سونكيا Songea، خروموا، مالمباكا، مكنداني، هيمو.
كينيا
ممباسا، لامو، نيروبي.
الصومال
مقديشو، ميركا.
أوغندا
كمبالا Kampala، جنجا، فورت بورتل، ممبالي، سوروتي، كبيرامايدو، هواما، أروا، مسندي، نكورا Nagora، مدغشقر (مالاغاسي)، مورتيش، رئيونيون، موزامبيق.
إفريقيا الشمالية
إذا أخذنا بالاصطلاح الإسلامي القديم فإنّ إفريقيا عندهم لا تتجاوز معظم إفريقيا الشمالية اليوم ـ كما تقدّم ـ والعرب سمّوا أوّل ما سمّوا الشمال الإفريقي باسم جزيرة المغرب لأنّ البحر يكتنفها من ثلاث جهات بينما رمال الصحراء تكتنفها من الجهة الرابعة، وقد يطلقون عليها اسم المغرب فقط([224]) وهو يقسم عندهم إلى:
1 ـ المغرب الأوسط وهو ما يعرف اليوم بالجزائر.
2 ـ المغرب الأدنى وهو ما يعرف اليوم بتونس.
وإفريقيا الشمالية أو المغرب تقع بين الخط 28 و37 من خطوط العرض الشمالية. وبين الدرة 13 غرباً والدرجة 10 شرقاً من خطوط الطول. وتفصل الصحراء المترامية الأطراف شمال إفريقيا عن بقية القارة الإفريقية، ولعل هذا الحاجز الطبيعي القاسي هو الذي أكسب الشمال خصائص ميزته عن بقية الأقطار الإفريقية.
الطبيعة في إفريقيا الشمالية
وتخترق بلاد المغرب من أقصاه إلى أقصاه سلسلة جبلية عظيمة يعتبرها الجغرافيون جزءاً من جبال «الألب» الأوروبية وتبتدئ تلك الجبال من ساحل البحر المتوسط الشرقي وتنتهي بالساحل الأطلنطي.
وهي من المغرب إلى المشرق:
أوّلاً: جبال الريف الشمالي الواقعة بالمغرب الأقصى، وتشتمل من جهة على الأطلس الساحلي البالغ ارتفاعه 330 متر في جبال جرجرة (الجزائر)، وعلى جبال (بيتكة) في الأندلس، من جهة أخرى.
ثانياً: الأطلس التلي، وهو عبارة عن سلسلة جبلية أخرى عظيمة تتجه من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي، والظاهر أنّ الأطلس التلي يتّصل بجبال الأطلس المتوسط الذي يعتبره علماء الجيولوجيا بمثابة خزانة تذخر فيه كمية عظيمة من الماء عند ذوبان الثلوج، وفيه يقع جبل بوابلال المشهور البالغ ارتفاعه 3000 متر، أمّا جبال الأطلس التلي فلا يزيد ارتفاعها بالمغرب الأوسط عن 1975 متراً، ثمّ إنّها تنتهي بجبال خمير في تونس، وهي جبال متوسطة الارتفاع.
ثالثاً: الأطلس الصحراوي، ويبتدئ أيضاً بالمغرب الأقصى حيث يحمل اسم الأطلس الكبير، الشامخ بأنفه إلى السماء، وفيه جبل العياشي الذي يتراوح بين 3000 و4000 من الأمتار، وهناك أيضاً الأطلس الصغير وفيه جبل سروا البركان القديم (3000م) ويمتد الأطلس الصحراوي إلى تونس وفيها يعرف ذلك القسم منه بجبال زغوان، وتحتوي هذه السلسلة بالمغرب الأوسط على قطع جبلية هامة منها جبال القصور وجبال أولاد نايل وجبال أوريس التي يتجاوز ارتفاعها 2300 من الأمتار، وأغلب هذه الجبال تكسوها الغابات وتكللها الثلوج.
هذا وفي بلاد المغرب نجود واسعة ترعى فيها الماشية وتقع غالباً بين جبال الأطلس والسهول الأطلنطية أو بين الأطلس التلي والأطلس الصحراوي، ويوجد البعض الآخر منها حول المدن التي اشتهرت بتربية الغنم والإبل كمدينتي برجم وفجيح الواقعتين بالمغرب الأقصى.
وهناك سهول فيحاء نجد عدداً منها على ساحلي المحيط والبحر المتوسط أشهرها سهل شاوية ودكالة عبدة بالمغرب الأقصى، أمّا السهول الواقعة على الساحل الجزائري فهي لا تكاد تذكر لضيقها وقلة عددها في آن واحد، والسبب في ذلك يرجع إلى وقوع جبال الأطلس الساحلي قريبة جدّاً من الشاطئ البحري، على أنّه إذا كانت تلك السهول تمتاز بقلّة العدد وعدم الأهمية بحيث لا يمكن استخدامها للزراعة بصورة واسعة النطاق، فمن المعلوم أنّ ورائها سلسلة أخرى من السهول تعرف بسهول ماكنة ووهران ومجرى وادي شلف وكلّها في الجزائر وسهل مجرّدة بتونس، وهذه السهول هي في الجملة أعظم أهمية بالنسبة للأولى من الناحية التاريخية، إذ استخدمها الفاتحون، منذ قديم الزمان، للتوغّل في داخل البلاد وبسط نفوذهم على أطرافها. هذا وهناك سهول أخرى واسعة الأرجاء حول مدينتي فاس ومكناس يستعملها أهلها للزراعة وإنتاج أنواع الخضر والفواكه.
وتختلف نواحي البلاد المغربية من حيث الأمطار باختلاف طقسها وبعدها من البحار، فهناك نواح غزيرة المياه، كثيرة الأودية والآبار كالنواحي الشمالية من تونس، وهناك قسم جاف مثل الجهات الواقعة من وراء الأطلس المتوسط أو المشرفة منها على رمال الصحراء، ليس فيها توازن في الحرارة وليس يوجد فيها من الماء ما يشفي الغليل إذا نحن استثنينا وادي ملوية الكبير ووادي شلف ونهر مجرّدة. والسبب في ذلك أنّ جبال الأطلس المتوسط تقع سدّاً منيعاً في غرب البلاد، فلا تجد السحب المتصاعدة من المحيط قادرة على اجتياز قممه العالية، فتتحوّل إلى مياه منهمرة تنصب بغزارة ليتسرّب بعضها إلى جوف الجبل ويسيل البعض الآخر على سفحه.
وهذه الأودية والأنهار في بلاد المغرب تقسم إلى ثلاثة أقسام: غربية وشمالية وجنوبية. فأمّا الغربية منها فلها أهمية خاصّة وسبب ذلك أنّ منابعها تبعد كثيراً عن مصباتها. وهذا ما جعل بعضها صالحاً في الجملة للملاحة كوادي سبوا ولتوليد الكهرباء كوادي أم الربيع بالمغرب الأقصى.
الأنهار الشمالية قصيرة بصفة عامة لقرب منابعها من الشاطئ، وأعظم هذه الأنهار وادي ملوية (480كلم). وقد تكثر مياهه في إبان الربيع عند ذوبان الثلوج، ومنها أيضاً نهر الشلف الجزائري وكجردة التي ينصب ماؤها في الخليج التونسي.
أمّا الأنهار الجنوبية فهي قليلة الفائدة، تتجه إلى الصحراء فتغيب تحت رمالها الذهبية المترامية الأطراف أو تنصب في بحيرات منبثة هنا وهناك داخل البلاد كبحيرة الجريد الواقعة في جنوب تونس…
ثم إنّ الكلام على توزيع المياه بالمغرب يحدو بنا إلى التحدّث عن إمكانية الأراضي المغربية من حيث الإنتاج، والذي يجب إثباته، قبل كلّ شيء، هو أنّ هذه الأراضي زراعية بالطبع، كانت منذ قديم الزمان تنتج الحبوب والفواكه والخضر والأزهار، ومعلوم أن روما كانت تعتمد عليها في تموين سكانها وإمدادهم بالمواد الغذائية اللازمة، وهذه الأرض كانت ولا تزال صالحة لتربية المواشي والدواب المسخرة للركوب أو المستعملة في الفلاحة، أضف إلى هذا أنّ البلاد غنية بالمواد الأولية كالصوف والجلد والمواد المعدنية مثل الفوسفات (المغرب الأقصى وتونس) والنفط والنحاس والذهب والفضة والرصاص والفحم الحجري.
ومن حيث السكنى ونظام المعيشة نستطيع القول بأنّ سكان المغرب ينقسمون، بطبيعة الحال، إلى بدويين ومدنيين، وإن كان عدد أهل البادية يفوق بكثير عدد أهل المدن، أمّا القاطنون في البوادي فيشتغلون بزراعة الأرض وتربية المواشي.
أشهر المدن
ومدن المغرب عديدة أهمها: من الوجهة التاريخية بالمغرب الأقصى فاس، عاصمة العلم والعرفان التي أسّست سنة 192هـ. فقصدها عدد وافر من أهالي الأندلس والقيروان، ولم تزل تعظم وتتّسع منذ ذلك الحين. أمّا السر في ذلك النمو العجيب فيرجع من غير شك إلى موقع مدينة فاس في مفرق الطرق المؤدية، من جهة، إلى طنجة وساحل الأطلنطيك والجنوب المراكشي ومن جهة أخرى، إلى تلمسان والقيروان على طريق ممر تازة، ثمّ نذكر بالمغرب الأقصى مراكش الحمراء ـ مهد الدولة المرابطة ـ وسبتة وطنجة وقد لعبت كلّ منهما دوراً خطيراً في عهد الوندال وأيام الدولة الإسلامية الزاهرة.
أمّا مدن المغرب الأوسط فنذكر من بينها تلمسان والجزائر العاصمتين الرومانيتين الشهيرتين وقرطاجنة في المغرب الأدنى، ذات التاريخ المجيد، ثمّ القيروان عاصمة الإسلام الأولى بهذه الديار، وقد أسست على يد عقبة بن نافع الفهري الذي اتخذها مقراً لقيادته العسكرية.
أمّا مدن المغرب الحديثة أو الشبيهة بالحديثة فهي من الغرب إلى الشرق: الرباط العاصمة الإدارية للمغرب الأقصى والدار البيضاء، العاصمة التجارية الكبرى ثمّ وهران، الميناء التجاري الجزائري المشهور، فمدينة قسنطينة ذات المناظر الطبيعية الرائعة والماضي المجيد، ثمّ تونس.
وقد كانت معظم هذه المدن القديمة تعيش، في الماضي السحيق بمعزل عن بقية البلاد، ولم تكن تشارك ـ على الأصلح ـ في حياتها المادية إلاّ مشاركة ضئيلة، والسبب في ذلك يرجع، على حد تعبير المؤرخين أنفسهم، إلى تعذّر أسباب المواصلة في الزمان القديم، فالمغرب الأقصى، مثلاً، وإن كان من شأنه أن يلعب دوراً مهماً في تاريخ الأمم المتمدنة القديمة نظراً لحسن موقعه بالنسبة للبلاد الأوروبية ويشارك بنوع خاص في الحياة الاقتصادية المغربية ـ ظلّ منعزلاً عن تلك الحياة، بعيداً عنها، والعلة في هذه الظاهرة الاقتصادية الغربية وجود المغرب الأقصى محصوراً بين جبال الأطلس والصحراء والأندلس، بحيث مكّن أن نقول في حقّه إنّه فصل جغرافياً عن بقية المغرب من جهة وعن أوروبا من جهة أخرى، فأدّت به هذه الحالة الجغرافية الخاصّة إلى العزلة والانكماش.
وقد لعبت جبال الأطلس بنوع خاص دوراً مهماً في حياة المغرب سواء من الناحية الاقتصادية أم من الناحية السياسية حتّى أنّ الرومان ـ رغم مهاراتهم ـ لم يتمكنوا من ربط العلاقات ربطاً متواصلاً بين منطقتي طنجة وتلمسان، وذلك راجع كلّه إلى وقوع جبال الأطلس سدّاً منيعاً في وسط البلاد. وهكذا ستلعب تلك الجبال، مرة أخرى، دورها المعتاد ـ على انسحاب الفاطميين من المغرب ـ فتحول، أي جبال الأطلس نفسها، دون رغبة بني هلال الرامية إلى اقتحام المغرب الأقصى والاستيلاء عليه.
أمّا اليوم فقد قضي على الحواجز الطبيعية، وكثرت الطرق في البلاد مخترقة إياها من الشرق إلى الغرب، وبالعكس، وتعدّدت السكك الحديد العريضة وانتشر الأمن في جميع أنحاء هذه البلاد.
السكان
يخبرنا علماء الجغرافيا والجيولوجيا أنّ شكل البلاد المغربية في أيامنا هذه مخالف عمّا كانت عليه في الزمن القديم، بمعنى أنّها كانت متّصلة بإسبانيا من الناحية الشمالية، فلا وجود لمضيق جبل طارق وكان البحر المحيط ـ على حد تعبير المؤرخين المذكورين ـ ممتداً إلى ناحية تازة بل إلى مصب نهر ملوية ويعلّلون هذه الأقوال بأنّهم عثروا في تلك النواحي على بقايا حيوانات لا تعيش إلاّ في البحر.
والواقع أنّه ليس لدينا في الوقت الحاضر معلومات تاريخية مفصّلة عن أحوال البلاد في العصور القديمة، بل نستطيع أن نقول إنّ معلوماتنا عن الشمال الإفريقي في الزمن الذي قبل التاريخ ضئيلة لا تسمن ولا تغني من جوع، وذلك لعدم تدوين أخبار السلف. على أنّ طائفة من الباحثين عثروا أثناء تجوّلاتهم الاستطلاعية العلمية في هذه البلاد على بعض الأدوات الحجرية والصخور المنقوشة التي تبرهن بكيفية ثابتة على أنّ أهل العصر الحجري ـ أي سكان المغرب الأوّلين ـ كانوا يتمتعون بحضارة بسيطة.
أمّا فيما يرجع لحقيقة سكان المغرب الأوّلين فقد أجمع المؤرخون على بكرة أبيهم أنّ العنصر الأوّل الذي استوطن هذه البلاد يتألّف من البربر، وفي أصل هذه الكلمة يقول عبد الرحمن بن خلدون: إنّ العرب لمّا وفدوا على هذه البلاد وسمعوا لهجة أهله الغريبة صاحوا قائلين: ما هذه البربرة، يريدون الرطانة، فسمّوا بالبربر، ويعتقد ألم البارتيني أنّها مأخوذة من كلمة «بارباري» اللاتينية التي كان الرومان يطلقونها على كافة الشعوب القديمة باستثناء اليونان والرومان.
وكيفما كان الأمر فقد اجتهد المؤرخون في إثبات وطن البربر الأصلي غير أنّ آراءهم في هذا الباب ظلّت متباينة: فمن قائل إنّهم جاؤوا من أوروبا ومن زاعم أنّهم قدموا من الصحراء والبلاد العربية ومن جملتهم عبد الرحمن بن خلدون الذي يقول: إنّ هؤلاء البربر قدموا من جنوب جزيرة العرب وإنّ جدّهم الأوّل يدعى «مازيغ»([225]). وهي نتيجة مقبولة رجحها علماء كثيرون بحجة أنّ الشبه موجود بين الساميين وبرابرة إفريقيا الشمالية لا فيما يتعلّق بالبنية فحسب بل فيما يخصّ اللغة أيضاً. في حين أنّه لا سبيل إلى إثبات الشبه المذكور بين البربر من جهة وإحدى الأمم الأوروبية من جهة أخرى. وإذن فلا بدّ من أن يكون البربر قد أتوا إلى المغرب من آسيا، فانتشروا في هذه البلاد واستوطنوها إلى أن أغار عليها العرب، فتخلّوا إذ ذاك عن طباعهم ووثنيتهم وتدينوا بدين الفاتحين وتطبّعوا بطباعهم.
هذا وينقسم البربر من حيث الخلقة إلى صنفين مختلفين: فالنوع الأوّل معروف بلونه الأسمر وشعره الأسود ورأسه المستدير، وهو بارز الخدّين، أنفه قصير وجبهته مقوّسة. وهذه الصفات توجد في أهالي إسبانيا وإيطاليا وجنوب فرنسا الغربية.
أمّا النوع الثاني الذي ينتسب إليه بالأخص سكان الريف بالمغرب الأقصى وأهالي جبال جرجرة بالغرب الأوسط (الجزاير) فهو أشقر الشعر، أزرق العينين، مستطيل الرأس رقيق الأنف والشفتين، مسطّح الجبهة. وهو أقدم العنصرين في هذه البلاد ـ على حد قول المؤرخين ـ إلاّ أنّه قليل العدد بالنسبة للنوع الأوّل الذي هو منتشر في كافة أنحاء الشمال الإفريقي.
وللبربر شيم عالية منها حبّهم للوطن والحرية المطلقة التي شبّوا عليها منذ نعومة أظفارهم، ومن أجل ذلك تراهم يسعون بكلّ ما لديهم من وسائل وراء المحافظة على كيان القبيلة وضمان استقلالها. والبربري ـ فضلاً عن ذلك ـ شجاع بالطبع، يحبّ الخوض في ساحات القتال كما أنّه معروف بالتعصّب لقبيلته وأهله.
والبربري ـ فوق ما ذكر ـ شديد المحافظة على عوائده الموروثة وأخلاقه ولغته وأوضح دليل على ما نزعم أنّ الرومان ـ وإن كانوا قد استعمروا هذه البلاد مدّة من الدهر لا تقل عن خمسة قرون ـ لم يتمكنوا من القضاء على عوائد أهلها ولا على لغتهم التي لم تتغيّر ولم تتبدّل مهما طرأ عليها من الحوادث… ثمّ إنّ البربري نشيط، لا يعرف للكسل معنى، يتعاطى الزراعة ويشتغل بتربية المواشي وفي كلتا الحالتين يعيش عيشة بسيطة إذ يكتفي بقليل من القوت ولا يرتدي إلا ملابس الصوف أو الوبر. مسكنه بيت من الطين والحجر أو خيمة نسجت من الصوف وشعر النياق. وتارة أخرى هو عبارة عن كوخ بسيط جداً يتّخذه من القصب وأغصان الشجر الممزوجة بالوحل.
على أنّ هناك طائفة من البربر تعيش على ساحل البحر أو بالقرب منه قد اختلطوا منذ أقدم العصور بالأجانب الذين كانوا يجوبون البحار، فأخذوا عنهم أشياء من الحضارة القديمة ـ نظراً لذلك الاختلاط والاحتكاك ـ وتفنّنوا ببعض الشيء في بناء المنازل وصنع الملابس ومنهم من كان يتعاطى التجارة والصناعة نوعاً ما، ولكن الغريب أنّهم لم يبرهنوا على مقدرة خاصّة في شؤون الملاحة ولا سيّما منهم أولئك الذين كانوا يعيشون على ساحل الأطلنطيك.
أضف إلى هذا أنّ البربر لا يميلون لحياة العزل والانفراد، بل يعيشون جماعات أو قبائل ـ شأن العرب في الجاهلية ـ وتمتاز كلّ قبيلة باتحاد أفرادها وتعصّبهم بعضهم لبعض.
أمّا مصالح القبيلة فيوكلونها إلى رئيس يشترطون فيه عدّة مزايا كالشجاعة والقوّة، والكرم والحلم، وغيرها من الخصال الحميدة التي تجعله أهلاً لذلك المنصب وتمكّنه من الدفاع عن مصالح القبيلة الحيوية.
يحسن بنا الآن في نهاية هذا البحث أن نتساءل عمّا إذا كان للبربر آداب تستحق الدرس والاهتمام كسائر الآداب العربية والأجنبية أو بعبارة أخرى، هل يوجد بين البربر علماء وفلاسفة وكتّاب وأدباء يمثلون اللغة البربرية؟
فنقول إنّ المتتبّع للحياة الأدبية والاجتماعية عند البربر لا يسعه إلاّ أن يعترف بعدم وجود آداب بربرية بالمعنى الصحيح، ذلك لأنّ اللهجات البربرية على اختلافها سواء منها الشلحة أو الزناتية أو المزابية أو الزناقية وغيرها لا يتّسع صدرها لقبول الأفكار العالية ولا يستطيع المتكلمون بها التعبير عن الحقائق العلمية الدقيقة. نعم اهتمّ البربر نوعاً ما بالأدب الديني، فكتبوا فيه ما شاء لهم أن يكتبوا، ومن جملة مصنّفاتهم في هذا الباب كتاب «حميم المفتري» وترجمة للقرآن الكريم باللهجة البربرية من وضع المهدي بن تومرت. لكن للبربر ولعاً خاصّاً بفن الملاحم وهي كثيرة الشبه بتلك المقطوعات الأدبية التي كتبت في فرنسا أثناء القرون الوسطى والتي تعرف في الأدب الإفرنسي «بأغاني الوقائع».
ومن الملاحم البربرية الشهيرة قصيدة بالشلحة للصابي وهي ملحمة كتبها الصابي بالحروف العربية يحدّثنا فيها كيف أنّ بعض الشبان قدّر له أن ينزل إلى الجحيم كي يبحث عن أبويه فيخلصهما من عذاب جهنم.
وهناك أنواع أخرى من الأدب البربري أعظم شهرة من التي سبقت الإشارة إليها كالحكايات والألغاز والأمثال على ألسنة الحيوان، وقد توارثتها القبائل البربرية خلفاً عن سلف وأعارتها أهمية كبرى، غير أنّ الحكايات قليلة بالنسبة للحكايات والفكاهات العربية، ذلك لأنّ اللغة البربرية صلبة، ليست من الرقة والحلاوة بحيث تسمح لصاحبها بتنميق الحكايات وزخرفتها… ومهما نسينا فلا ننسى تلك الأغاني البربرية المنتشرة في البلاد الإفريقية جميعها، فهي من المقطوعات الغنائية الحلوة التي لا تكلف فيها ولا تصنع، تنبعث من أعماق الفؤاد معبّرة عمّا يختلج في صدر المرأة والرجل على السواء من عواطف مختلفة رقيقة في كثير من الأحيان.
أمّا الفنون الجميلة فللبربري وللبربرية بنوع خاص حظ وافر منها، فهي تبدي مواهب فنية حقيقية في تزويق الزرابي والملابس التي تحيكها بنفسها والأواني الطينية التي تصنعها بيديها، ممّا يدلك على نشاطها المتزايد وذوقها السليم.
وهي، من جهة أخرى، شديدة الاعتناء بخلقتها، حريصة على تجميلها حتّى أنّك لتراها تتحمّل آلام الوشم وتصبر على حمل الجواهر الثقيلة في سبيل ذلك، غير شاكية ولا متبرمة.
على أنّ هذا الوشم لم يكن المراد به ـ أوّل الأمر ـ التجمّل والتزيّن في حدّ ذاتهما وإنّما كانت القبيلة تتّخذه كالعلامة تتميّز به عن سائر القبائل الأخرى، حتّى أصبح لكلّ قبيلة وشمها الخاص. ومعلوم لدينا أنّ البربر أثناء غزواتهم الظافرة لم يكونوا ليكتفوا بالفوز والانتصار على العدو، وإنّما كانوا ينتهزون الفرصة للاستيلاء على كلّ ما كان يقع تحت أيديهم من أسلحة ومتاع ونساء… ويروى بهذا الصدد أنّ أفراد القبيلة المغلوبة تمكّنوا غير مرّة ـ بفضل ذلك الوشم ـ من استرداد نسائهم اللواتي وقعن، سابقاً، في قبضة العدو، كلّما ساعدهم الحظ وبرقت لهم بارقة الانتصار.
هذا ولسنا نختتم هذا الفصل دون أن نقول كلمة عن أشهر القبائل البربرية، وهي تنقسم إلى ثلاث: مصمودة وصنهاجة وزناتة وهناك من يقول: «بل قبائلهم الرئيسية اثنتان: قبيلة زناتة المسمّاة أيضاً بالبطر، وهم أهل بادية وقبيلة صنهاجة، وصنهاجة هؤلاء كانوا يعيشون في المدن والقرى ويسمّونهم بالبرانس. وإلى هاتين القبيلتين تنتمي سائر القبائل الصغيرة الاخرى ومنها قومية وقالبة ومكناسة وجزولة وغمارة وغيرها.
أمّا زناتة فعاصمتهم تلمسان، ولهم أيضاً مدينة تاهرت، وأمّا أشير وبجابة وقلعة بني حماد فهي من عواصم الصنهاجيين الذائعة الصيت. يضاف إلى هذا أنّ قبيلتي صنهاجة وزناتة مشهورتان جدّاً في هذه البلاد، أوّلاً، بسبب الكراهة الطبيعية التي كانت تكنّها كلّ منهما للأخرى، ثانياً، من أجل الدور السياسي الذي لعبته كلّ من القبيلتين المذكورتين أثناء الحروب الطاحنة التي اشتعلت نيرانها في القرن العاشر الميلادي بين الفاطميين، من جهة، والمروانيين، من جهة أخرى.
الإسلام في إفريقيا الشمالية
الأدارسة([226]) الشيعة هم الذين عمّموا الإسلام في شمال إفريقيا ونشروه بين البربر، ولقد كان فساد الحكم في العهد الأموي ثمّ في العهد العباسي وتسلّط الولاة بالظلم على الشعوب حائلاً دون انتشار الإسلام حتّى جاء الأدارسة يحملون إلى الشمال الإفريقي الإسلام الصحيح فأقبل البربرعلى الإسلام على أيديهم حتّى عمّ بلادهم كلّها فكانوا من بعد حماته لا في ديارهم وحدها بل في الأندلس أيضاً.
ولقد ظلّ المغرب كلّه، الأقصى([227]) منه والأوسط([228]) والأدنى([229]) في ثورات دائمة لا يقرّ له قرار، وكان أحراره يفتشون عن متنفّس لهم، فكثيراً ما كانوا يؤيّدون دعوة الخوارج ويثورون على الحكام، وللدلالة على فساد الحكم الأموي وسوء المعاملة التي كان الأمويون يعاملون بها الرعايا ومنهم قبائل البربر فيبعدونهم بذلك عن الإسلام ويدفعونهم للثورات نقصّ بعض ما رواه المؤرخون ممّا كان مظهر الحكم يومذاك، فمن هذا أنّ يزيد بن أبي مسلم دينار (مولى الحجاج الثقفي) جعله الحجاج كاتبه وصاحب شرطته. وفي عهد يزيد بن عبد الملك ولاه يزيد على بلاد المغرب، فسار هناك بسيرة الحجاج، ومن أفعاله أنّ الحجاج كان قد وضع الجزية على رقاب الذين أسلموا من أهل السواد وأمر بردّهم إلى قراهم ورساتيقهم على الحالة التي كانوا عليها قبل الإسلام.
وأراد يزيد بن أبي مسلم أن يفعل عين ما فعله الحجاج ويطبق ذلك على البربر. فاستفظع البربر هذا الأمر ولم يصبروا عليه فتآمروا فيه وأجمعوا على قتله فقتلوه([230]).
وفي عهد هشام بن عبد الملك، كان عمر بن عبيدالله المرادي والياً على طنجة والمغرب الأقصى، فأساء السيرة في البربر وأراد أن يخمس من أسلم منهم وزعم أنّه الفيء فنفرت قلوب البربر وأحسّوا أنّهم طعمة للعرب([231]). وقد كان الولاة بعامة يرهقون البربر بما يطالبونهم به من المطالب الظالمة، فمن ذلك مثلاً أنّه كانت تشوّقهم الجلود العسلية الملونة، فكانوا يتغالون في جمع ذلك حتّى كان القطيع من الغنم يهلك ذبحاً لا لشيء إلاّ لاتخاذ الجلود العسلية من سخالة ولا يوجد فهيا مع ذلك إلاّ الواحد وما قرب منه(3) ويقول صاحب الاستقصا «فكثر عيثهم بذلك في أموال البربر فأجمعوا الانتقاض».
والجلود العسلية هي مثال ممّا كانوا يطلبونه، فقد كانوا يفتنون بطلب أنواع طرف المغرب بمثل هذه الأساليب([232]).
ويقول المالكي صاحب كتاب (رياض النفوس) إنّ وفداً مغربياً من بضعة وعشرين رجلاً بقيادة ميسرة توجّه إلى الشام لمقابلة هشام بن عبد الملك والشكوى إليه ممّا ينزل بهم من البلاء فرفض هشام استقبالهم فدخلوا على الأبرش يشتكون قائلين: «إنّ قائد الجيش الأموي يغزو بنا وبجنده، ومتى غنمنا نفل جنده (أي أعطاهم الغنائم) دوننا، بدعوى أنّ حرماننا أخلص لجهادنا». ثمّ سألوا الأبرش: «هل هذا الموقف له سند من كتاب الله أو سنّة رسوله، أو أنّه مجرد رأي صار إليه الحكّام؟!».
قال المالكي في روايته: إنّه لمّا طال بهم الانتظار ونفدت نفقتهم دون أن يحظوا بمقابلة هشام كتبوا أسماءهم ودفعوها إلى أحد وزرائه قائلين: «إذا سأل عنّا فأخبروه». ثمّ رجعوا إلى إفريقيا وقاموا بثورة أدّت إلى حركة انفصالية ناجحة.
فلمّا وصل إدريس الأكبر وقامت دولة الأدارسة عرف البربر أنّ الإسلام الصحيح ليس هو الذي كان يمثّله أولئك الحكّام الطغاة وأنّه ليس إلاّ عدلاً وتسامحاً ورحمة فأقبلوا يدخلون فيه أفواجاً على أيدي الأدارسة.
وقد خلقت هذه القبائل البربرية دولة الأدارسة بعد ذلك في مراكش وما يليها من بلاد الأندلس وأسّست غير دولة من دول البربر كدولة الموحدين وبني مرين والمرابطين ولكنّها لم تعش كما عاشت دولة الأدارسة. وبعض هذه الدولة البربرية مواقف مشهورة في الدفاع عن بيضة الإسلام في الأندلس والنكاية بمن هاجمها من طغاة الفرنجة مثل ملوك أرغان وقشتالة في غرب الأندلس. وقد توارثت هذه القبائل إلى اليوم ولاء أهل البيت والإخلاص لهم، وما أكثر بيوت العلويين على اختلاف بطونهم في المغرب وما زالوا يتمتعون بحرمة وافرة([233]).
الخوارج
في صدر هذه الانتفاضات والثورات في شمال إفريقيا، نستطيع أن نسجّل بادئ ذي بدء ثورة الخوارج الصفرية والإباطية التي كان منطلقها سنة 122هـ والذي تزعم قيادتها وأثار شرارتها ـ فيما يحكيه التاريخ ـ ميسرة المضغري ثمّ واصل حركتها خليفته من بعده خالد بن حميد الزناتي الذي تغلّب على خالد بن حبيب الفهري بموقعة الأشراف قرب طنجة سنة 123هـ كما هزم فيما بعد بقدورة على مقربة من تاهرت بالجزائر القائد كلثوم بن عياض.
وقد امتدّ نفوذ هذه الانتفاضة إلى سائر أصقاع المغرب الكبير من طرابلس إلى تونس فالجزائر فالمغرب، وامتدّت شمالاً ما بين طنجة وسبو وجنوباً من قابس إلى سجلماسة ففجيع.
وتوطدت هذه الحركة حين أسّس الخوارج بزعامة بني رستم دولة لهم بسجلماسة للتخلص من جور عمال الخلافة الأموية وعسفهم، حسب رواية المالكي صاحب كتاب (رياض النفوس) الذي أورد قصة توجّه ميسرة في بضعة وعشرين رجلاً من أصحابه ـ كما مرّ ـ إلى الشام لمقابلة هشام الذي رفض استقبالهم، ثمّ كان من أمرهم ما كان ويُقال إنّ قطب دائرة حركتهم الانتفاضية تلك كان في البداية أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري.
والملاحظ أنّ هؤلاء الخوارج الصفرية «أقاموا دويلات لهم في المغرب الأقصى».
في طنجة بزعامة ميسرة وخلفائه من بعده كما قلنا.
وفي تامسنا أحواز فضالة والبيضاء، بقيادة صالح بن طريف.
وفي مكناسة بإمرة عيسى بن مزيد الأسود من موالي العرب. وهذه تفرّقت إلى صفرية جرسيف الواقعة بين تازة ووجدة، وصفرية سجلماسة بتافيلالت بالصحراء التي تأسّست قواعد مملكتها العظيمة، مملكة (مدرار) سنة 140هـ. أقول كما أقاموا تلك الدويلات في المغرب أقاموا دولة أخرى إباضية بالمغرب الأوسط الجزائر، وهي الدولة الرسمية التي قامت بتاهرت (عراق المغرب) كما كانت تدعى نظراً لاختلاف من آوتهم من طوائف دينية ما بين الخوارج والمعتزلة والشيعة والسنّة أيضاً.
وقد دامت دويلة تاهرت هذه حوالي القرن والنصف من الزمان وكان سقوطها على يد الفاطميين.
ولتتم الوحدة استطاع الخوارج هؤلاء في سنة 160هـ أن يهزموا جيوش المنصور العباسي، وأن يبايعوا عبد الرحمن الرستمي الذي كان رشحه لمثل هذه المهمة أبو الخطاب حين همّ بمقاتلة جيوش المسودة التي كانت بقيادة محمد بن الأشعب الخزاعي…
ثمّ لإعطاء وجوده الخارجي أبعاداً أوسع، أصهر عبد الرحمن هذا إلى المنتصر أمير سجلماسة بأنّ زوجه ابنته أروى التي ـ فيما قيل ـ استطاعت أن تكون ذات شأن كبير لفائدة مصالح الدولة الصفرية السجلماسية.
وقد سار ابنه عبد الوهاب في هذه الخطة فتزوّج بنت شيخ قبيلة (لواتة) الباقية آثارها حتّى الساعة قرب صفرو، وهي ما تزال تحمل نفس الاسم. ونعود إلى تفصيل هذا الإجمال بما يلي:
بعد الذي عاناه الخوارج في المشرق وجهوا أنظارهم إلى المغرب لبُعده عن مراكز السلطة الأساسية، وجاءه دعاتهم في أوائل القرن الثاني ونزلوا في ليبيا ثمّ توجّهوا إلى المغرب وكانت لهم في ليبيا حركات وأحداث وتسلّط وسفك دماء على عادتهم وتقدّموا بعد ذلك فاستباحوا القيروان وهتكوا فيها الأعراض وسبوا النساء المسلمات وأهانوا المساجد وربطوا فيها الدواب([234]).
وظلّ تسلّط الخوارج قائماً في المغربين الأوسط والأقصى وقام لهم حكم تمثّل بالرستميين الإباضية وبالزناتيين الصفرية. وما كاد القرن الثاني الهجري ينتصف حتّى كان الخوارج الإباضيون قد استطاعوا نشر مذهبهم في أغلب المغرب الأدنى والمغرب الأوسط ساعدهم على ذلك فساد الحكم الأموي أوّلاً ثمّ العباسي ثانياً، وما كان يبهظ به هذا الحكم كاهل الشعب من المظالم والمغارم. وصارت الإباضية منتشرة في معظم ليبيا وجنوب تونس إلى شمال قفصة وأغلب المغرب الأوسط من شرق مدينة مليانة إلى غرب وهران وكان يقابلها الصفرية وهي الفرقة الثانية من الخوارج التي تمركزت في مناطق أخرى، فقام قتال بين الفرقتين انتهى بانتصار الإباضيين بقيادة أبي الخطاب واحتلالهم للقيروان وإلحاقها مع غيرها من المناطق التونسية بدولته في ليبيا ثمّ أرسل عماله إلى المغرب الأوسط وجنوب الزاب، وهكذا قضى على الصفرية وامتدّت دولة أبي الخطاب الإباضية من خليج سرت شرقاً إلى غرب وهران غرباً ولكن المنصور العباسي جهّز عليه جيشاً كثيفاً انتهى بمقتل أبي الخطاب وهزيمة جنده والقضاء على دولته، وذلك في أواخر صفر سنة 144هـ.
وكان قيام هذه الدولة قد بدأ سنة 140هـ. فيكون عمرها أربع سنين. لكن قامت لهم بعد ذلك دولة أخرى هي الدولة الرستمية بزعامة عبد الرحمن بن رستم([235]) أحد ولاة أبي الخطاب وقواده، كانت أكبر دولهم وأطولها مدّة إذ دامت من سنة (144ـ296هـ / 761ـ909م) وكانت عاصمتها مدينة تاهرت في المغرب الأوسط (الجزائر) واشتملت على أغلب عمالة الجزائر وأغلب عمالة وهران وعلى جبال أوراس وشمالها إلى جنوب بغاية وعلى نصف تونس الجنوبي من شمال قفصة وجنوب صفاقس إلى الصحراء وعلى ليبيا من خليج سرت إلى قابس غرباً ما عدا مدينة طرابلس والبحر اللذين كانا يتبعان الدولة الأغلبية. ومن البحر إلى الصحراء الكبرى. ويحدّد بعض المؤرخين([236]) الدولة الرستمية بهذه الحدود: شمالاً تلول منداس إلى قرب غيليزان، ويذهب الخط جنوباً من هناك إلى فرندة وينعطف شرقي جبل عمور، ومن هناك إلى ميزاب وإلى وارجلة، وينبعث الخط من الناحية الشرقية إلى تسيسل والسرسو، ويذهب صعداً إلى ثنية الأحد وإلى قصر البخاري مشرقاً وأعالي وادي شلف، ويذهب جنوباً شرقي الأغواط إلى تقرت ووادي ريغ، ثمّ يقول: وبالجملة فإنّ هذه الدولة استولت على جميع التراب الجزائري الحاضر ما عدا ناحية الزاب شرقاً وتلمسان غرباً.
ومع أنّ الخوارج يقولون بأنّ من رأيهم أنّ الإمامة شورى بين المسلمين، نراهم وقد استتبت لهم أمور دولتهم يحصرون الإمامة في عبد الرحمن بن رستم وعائلته واحداً بعد واحد، وهكذا تبيّن أنّهم بعيدون عن تطبيق ما يدعون إليه من نظريات.
وانتهت الدولة الرستمية الإباضية بقيام الدولة الفاطمية التي ضمّت إليها دويلات المغرب كلّها ودخلت جيوشها عاصمة الإباضيين تاهرت بقيادة أبي عبدالله الشيعي في شوال سنة (296هـ ـ 909م). وكان من أهم عوامل سقوط هذه الدولة أن رابطتها بالشعب كانت واهية ممّا ختم حياتها بالفتن الداخلية. ولمّا تقدّم أبو عبدالله الشيعي وقتل آخر حكّام الرستميين اليقظان محمد كان ذلك «بإيعاز ومؤامرة من وجوه الرعية» على حد تعبير صاحب كتاب تاريخ الجزائر العام بل إنّ «دوسرا» بنت اليقظان نفسه شاركت في حملة أبي عبدالله الشيعي للقضاء على الدولة وقتل اليقظان أبيها.
وبعد سقوط الدولة الرستمية هاجر بعض الإباضية إلى الجنوب الغربي وإلى الجنوب. وهاجر آخرون مع إمامهم يعقوب إلى نواحي وادي مينة فأسّسوا مدينة الكريمة ودخلوا مدينة بني وجلان «وارقلة» وهناك على بُعد 14 كيلومتراً جنوباً أخذوا في تأسيس عاصمتهم «سدراته» المعروفة عند البربر بأسدراتن التي خربت بعد ذلك وطمرتها الرمال.
ثمّ جلوا عن وارقلة إلى جبال بني مصاب فسكنوا أوّل الأمر في الخيام ثمّ أسّسوا المدن والقرى ومنهم من توجّه بعد الجلاء عن تاهرت وسدراته إلى ليبيا وتونس فهم فيها إلى اليوم([237]).
ومدينة تاهرت خربت على مرّ الأيام فهي اليوم أطلال وآثار وموقها على بُعد ستة أميال في الجنوب الغربي لمدينة تيارت في غرب الجزائر. ولا يزال يعيش اليوم في الجزائر بقايا من الخوارج وجمهورهم بنو مزاب وقاعدتهم غرداية جنوب الجزائر ولها خمس مدن منها بني أيزكن ومليكا والعطف وهذه كلها من المدن التي أسّسوها بعد جلائهم عن وارقلة. وكلّهم هناك من البربر ويبلغ عدد نفوسهم ستين ألف نسمة على ما روى لي بعض من عاش هناك.
مواطن الخوارج الإباضيين
ووصف (أميليو طامبيا) منطقة الخوارج الإباضيين في جنوب الجزائر بما يلي:
جميع أولئك الذين اهتموا حتّى الآن بهذه المدن المدهشة المثيرة المنتشرة في منطقة المزاب في الجنوب الجزائري الأوسط كانوا يتساءلون لماذا اختيرت مثل هذه المواقع القاحلة الجرداء لإنشائها. ومع ذلك فإنّ تاريخ جماعة الإباضيين يحدّثنا مطولاً عن الأسباب التي حدت بأبنائها إلى هذا الاختيار، ذلك أنّ تلك الجماعة لم تتمكن من مقاومة تحطيم دولتهم في (التل) وعاصمتها تاهرت إلاّ باللجوء إلى الصحراء. ومنذ ذلك الزمن لم يعد هناك مجال للعودة إلى منطقة صعبة الدفاع حتّى بعد أن تعرض مركزهم الأوّل في الصحراء إلى نقص في المجال الحيوي لتنمية وسائل معيشته.
وهكذا اختير وادي المزاب لإنشاء مدن محصّنة كانت الجماعة بحاجة إليها. فكان أن نجحت في العيش في منطقة تعتبر من أقحل مناطق العالم، ممّا يعتبر معجزة تستحق الإعجاب وتضفي سحراً على هذه المدن الجميلة.
وفي الحقيقة تمتدّ هذه المنطقة فوق تلة مسطحة واسعة تعتبر مساحتها الصفراء قاحلة جرداء، ولكن هذه المنطقة نحتت وحفرت بواسطة المياه الطبيعية بحيث باتت تستحق اسمها «الشبكة» التي عرفت به منذ زمن بعيد. وبالفعل فإنّ المنحدرات المجمعة في سلسلات غير منتظمة والتي تتقاطع مع التلة المسطحة تشبه عقود الشبكة.
وكان لا بدّ من تصميم وإرادة بشرية فوق العادة لإحياء هذه المنطقة القاحلة وجعل الواحات التي أنشئت فيها ممتعة وجديرة باستقبال الناس كما هي الآن…
لماذا ومتى أنشئت مدن الزاب؟
ليس هناك من ريب بأنّها نشأت نتيجة إرادة الإباضيين القوية ـ الذين كانوا بفضل تنظيمهم الديني ـ بناة الصحراء الحقيقيين. ويبدو أنّ الموقع كان محتلاً من قبلهم عندما كانت إمارة تاهرت في عزّها وعظمتها. لأنّه عثر على وثيقة مخطوطة تشير إلى اتفاق خاص بتنظيم الملكية العقارية في جزء من وادي المزاب وضعت سنة 824 ميلادية.
ومهما يكن فإنّ أقدم المدن وهي «العطف» بنيت سنة 1011م ثمّ مدينة «بونورة» سنة 1048م ثمّ تبعتها مليكة، بينما أنشئت الأسس الأولى لمدينة غرداية سنة 1053م. أمّا «بني أيزكن» فقد سبق تأسيسها غرداية. وهكذا فإنّ تعمير الوادي أصبح كاملاً.
أمّا كيف أمكن لهذه الحضارة المعمارية أن تتفتح في الصحراء؟ ما من شك في أنّ مدينة تاهرت كانت النموذج الأوّل للمدن التي أنشئت على غرارها: سدراته ومجموعة مدن المزاب. وشيئاً فشيئاً غدا هذا النوع من التنظيم المدني جزءاً من التقليد الاجتماعي، وأصبح إنشاء المدينة هناك قراراً مدروساً ومخططاً ومنفذاً بعناية… بل نابعاً من الرغبة في الدفاع عن النفس والحماية.
تنظيم المدينة
إنّ شكل مدن المزاب وبصورة خاصّة مدينة غرداية العاصمة الاتحادية للإباضيين مثير للدهشة بحيث يبعث على العديد من التفسيرات لأنّ التفنّن (الفانتزية) يحلّ أحياناً على ما يبدو. ويستنتج من ذلك أنّ غرداية مؤلفة من طرق دائرية تدور حول نقطة وسط مرتفعة تنطلق منها جميع ممرّات البلدة وتخدم جميع الأحياء وتقوم في هذه النقطة المتوسطة عمارة المسجد التي تستخدم في آن واحد مركزاً إدارياً وحصناً منيعاً للحماية المعنوية والمادية للمدينة التي تعيش في ظلّه.
فالمسجد هو دائماً في قلب كلّ منها. لا بل في موقع مشرف على ما حولها. وهكذا كانت الحلقة التي تدير شؤون الإباضيين تختار دوماً مرتفعاً ما فتبني فوق قمته المسجد ومن ثمّ تتجمّع حوله البيوت والشوارع بصورة دائرية، والمسجد كان في آن واحد كما قلنا معدّاً لحماية المدينة ومركزاً للحاكم أو للشيخ ومستودعاً للسلاح وحصناً منيعاً وقلعة منيفة.
ومن هذه الناحية تختلف مدن المزاب عن المدن الإسلامية التقليدية بأنّ المسجد فيها يحتل وحده قلب المدينة ممّا جعل أسواقها تبتعد عنه إلى أطرافها، بذلك يكون المركز الروحي للحياة الاجتماعية قد أدّى إلى ابتعاد المركز الاقتصادي للمدينة.
الأسواق
في غرداية تقع أسواقها على أطراف المدينة وحتّى عندما كانت غرداية أصغر منها اليوم كانت السوق تقع على أطراف المدينة القديمة. ولمّا توسّعت انتقلت أسواقها إلى أسوارها الحالية وهي محاطة بدكاكين ذات قناطر تشرف عليها المئذنة المتوسطة وشلالات البيوت المكعبة التي تهبط شيئاً فشيئاً. ومع أنّ هذه الدور أنشئت سنة 1886م فقط فإنّها تعطي انطباعاً بأنّها تؤلف جزءاً من منظر المدينة منذ أقدم العصور كلّ ذلك للدلالة على قوّة وفضائل تقاليد عريقة لم تتبدل وما زالت محترمة إلى اليوم رغم تبدّل العصور وتطوّرات الأزمان.
وتعتبر ساحة السوق المركز السياسي للمدينة ويستخدم أحد بيوتها منذ أمد طويل بيتاً للضيافة حيث يستقبل التجار على حسابهم زوّار المدينة، وفي الوقت نفسه هو بيت الاجتماعات العامّة.
وهكذا أصبحت السوق المركز الانطلاقي للحياة الاقتصادية للمدينة حيث تحيط بها دكاكين تجار المنتجات العادية المنتشرين في جميع أنحائها وكذلك تتجمّع فيه دكاكين الحرفيين والصناعات الشعبية التقليدية. وهكذا فإنّ غرداية تتمتع بجميع ميزات المدينة النشيطة والمنظمة في آن واحد.
المساجد
وتختلف مساجد الإباضيين عن المساجد الإسلامية بأنّه لا توجد فيها المنابر باعتبار أنّ سقوط دولة تاهرت سنة 296 هجرية قد قضى على إمامهم، ومنذ ذلك الحين لم ينتخبوا إماماً غيره ولذلك لم تبق عندهم حاجة لخطبة الجمعة التي يجب أن يلقيها الإمام على المنبر.
أمّا مآذانهم فهي ذات شكل هرمي، وهو طراز منتشر في المناطق الإسلامية الصحراوية والإفريقية السوداء وهناك تفسيرات عديدة بشأنه، ويلاحظ أنّ جوامع السودان أيضاً ليست لها منابر وهذه المآذن هي على جانب كبير من الارتفاع بحيث يمكن من تحتها مشاهدة الجهات الأربع للمنطقة، وكانت تستخدم كمركز للاستطلاع والاستكشاف حتّى لا تفاجأ المدينة بغزوة غير منتظرة من الصحراء، وهي ذات متانة صلبة لا غبار عليها وهي تدخل ضمن نطاق التقاليد البربرية القديمة.
وتتميز مدن المزاب أيضاً بأسوار وحصون محاطة بها على طريقة مدن العصور الوسطى وذلك لحمايتها من الغزاة والدفاع عنها بسهولة.
الواحات
وهناك واحات النخيل المحيطة بها، ومع ندرة المياه في المنطقة ورغم عمق الآبار الموجودة فيها فإنّ حياة هذه الواحات كانت تتوقف على ما يحمله وادي المزاب من سيول في الشتاء يقوم الأهلون بجمع مياهها ونقلها، أو البحث عنها في الطبقة المائية التي تجري تحت أراضي الوادي ولا بدّ من حفر آبار عميقة للوصول إليها وقد دلّ أوّل بحث عن مكامن المياه عن وجود طبقة مائية في مدينة مليكة على عمق 71 متراً وهي بعلو 37 متراً تقريباً. وهكذا كان لا بدّ من عناد وتصميم وطاقات أهالي المزاب لكي يستمّروا طوال قرون عديدة في استخراج المياه من أعماق الأرض لكي يجعلوا غاباتهم النخيلية تعيش، وقد استخدمت في ذلك طرق بدائية قديمة لرفع قرب الماء بصورة آلية بواسطة الجمال أو الدواب (طريقة الناعورة) وفي النصف الثاني من القرن الماضي جرى بناء بعض السدود العملية في وادي المزاب للاحتفاظ ببقايا المياه التي تحملها السيول النادرة في المنطقة وتحويلها إلى سواقٍ تساعد على إنعاش بعض الزراعات الملائمة للمناخ الحار، وبالفعل فقد نجح السكان في إحياء عدد من الواحات تعتبر دليلاً على روح المغامرة البشرية في ظروف طبيعية قاسية.
بساتين من الفواكه
أجل نجح أهالي المزاب في تحويل منطقتهم إلى «شبكة» من الواحات الخضراء اليانعة حيث تلقى الزراعة فيها عناية أشد من أي مكان آخر. وبالفعل فإنّ بساتين المزاب هي أكثر عناية وأكثر غنى، وهي ليست بساتين للاستغلال، بل حدائق للاستجمام، لأنّ الأهلين يحبّونها، وإذا بنى أحدهم بيتاً فيها فإنّه يقضي فيه ثمانية أشهر من أشهر السنة حيث ترى خلال أعمدة النخيل السامقة أشجاراً أخرى من التين والرمان، والمشمش، والدراق التي تشكل تحت غابة النخيل غابة أخرى ظليلة ذات أوراق خضراء تبعث على الإنعاش والطراوة، كما توجد هناك أشجار من الكرمة ذات الأغصان الممتدة التي تتعلق بجذوع النخيل ممّا يجعل أشعة الشمس الحادّة تتغلغل بصعوبة من خلال هذه المجموعة من الأغصان والأوراق المتراكمة فوق بعضها البعض. «انتهى».
عدد الخوارج
ويبدو أنّه لم يبق اليوم من فرق الخوارج إلاّ فرقة الإباضية. وقد أحصاهم صاحب كتاب (تاريخ الجزائر العام) (وهو منهم) كما يلي، جامعاً بين من هم داخل إفريقيا الشمالية وغيرها:
في الجزائر: 40 ألفاً.
في جرية([238]*): 20 ألفاً.
في جبل نفوسة بطرابلس الغرب: ثمانية وأربعون ألفاً.
في عُمان: 597600.
أي إنّ عدد نفوسهم جميعاً يبلغ زهاء 705600.
أمّا المستشرق الفرنسي ماسينيون فقد قدّرهم بزهاء مليون نسمة.
ومن الطبيعي أن نقول إنّ هذا العدد قد ازداد بعد ذلك.
التشيّع في إفريقيا الشمالية
التشيّع كفكرة ومذهب دخل إفريقيا الشمالية كما دخل الأندلس وأخذت به جماعات كثيرة ولكن لم ينتشر ويتركز ويصبح دولة إلاّ عندما دخل إدريس بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى المغرب والتفّت حوله القبائل الإفريقية، ثمّ زاد التشيّع انتشاراً وتوسّعاً بقيام الدولة الفاطمية سنة 296هـ ولمّا انتقلت العاصمة الفاطمية إلى مصر أخذت السيطرة المركزية على المغرب تضعف تدريجياً حتّى كانت السنة 435هـ وسيطر المعز بن باديس الصنهاجي فأزال الخطبة الفاطمية وخطب للقائم العباسي ويصف ياقوت الحموي في معجم البلدان هذه الأحداث بما يلي: «دخلها ـ أي إفريقية الشمالية ـ أبو عبدالله الشيعي في ولاية زيادة الله آخر ملوك بني الأغلب سنة 296هـ بعدما ملكوها 112 سنة ثمّ انتقلت الدولة إلى بني عبيد الله العلوية فوليها منهم المهدي والقائم والمنصور والمعز حتّى ملك المعز مصر وانتقل إليها سنة 362هـ واستمرّت الخطبة للفاطميين بإفريقيا إلى سنة 435هـ فأزال خطبتهم المعز بن باديس الصنهاجي وخطب للقائم العباسي وكاشف الخليفة الفاطمي المستنصر الذي بمصر بخلع الطاعة وقتل من كان بإفريقيا من شيعتهم.
ولم يكن هذا آخر عهد الفاطميين في المغرب، بل إنّ الخطبة عادت لهم بعد انقضاء عهد المعز بن باديس وعهد ولده تميم حيث تولّى يحيى بن تميم بن المعز فعاد إلى طاعة الفاطميين.
وقال ابن الأثير: «في سنة 407هـ قتلت الشيعة بجميع بلاد إفريقيا([239]) وذلك أنّ المعز بن باديس ركب ومشى في القيروان فاجتاز بجماعة فسأل عنهم فقيل هؤلاء رافضة فترضى عن الشيخين فانصرفت العامّة من فورها إلى درب المقلى من القيروان وهو مكان يجتمع به الشيعة فقتلوا منهم وكان ذلك شهوة العسكر وأتباعهم طمعاً في النهب وانبسطت أيدي العامّة في الشيعة وأغراهم عامل القيروان وحرضهم، وسبب ذلك أنّه كان قد أصلح أمور البلد فبلغه أنّ المعز بن باديس يريد عزله فأراد إفساد البلد فقتل من الشيعة خلق كثير وأحرقوا بالنار ونهبت ديارهم وقتلوا في جميع إفريقيا. واجتمع جماعة منهم إلى قصر المنصور قرب القيروان فتحصّنوا به فحصرهم العامة وضيّقوا عليهم فاشتدّ عليهم الجوع فأقبلوا يخرجون والناس يقتلونهم حتّى قتلوا عن آخرهم، ولجأ من كان منهم بالمهدية إلى الجامع فقتلوا كلّهم، وأكثر الشعراء ذكر هذه الحادثة فمن فرح مسرور ومن باك حزين».
وعبارة ابن الأثير تدل على أنّ الأمر لم يقتصر على هذه الحادثة وحدها فهو يقول: «قتلت الشيعة بجميع بلاد إفريقيا». وقد ذكر التيجاني في رحلته التي كانت (706ـ708هـ) ما يؤيّد ذلك إذ قال وهو يتحدّث عن طرابلس الغرب: «لمّا كانت في إفريقيا الوقعة المعروفة بوقعة المشارقة سنة سبع وأربعمائة قتل فيها الشيعة وأتباعهم، وعلى يد الفقيه أبي الحسن كان قتل من قتل بطرابلس منهم».
وقد ترك حكم الأدارسة أثره الشيعي القوي في المغرب الأقصى وفي غيره فالكثير من الناس هناك شيعة بعواطفهم وتعلّقهم بأهل البيت (عليهم السلام) وإن كانوا مالكيي المذهب.
وعدا هذا فقد قامت دولة الموحدين في المغرب على أسس شيعية وتفكير شيعي واتجاهات شيعية. فهي في الواقع الدولة الشيعية الثالثة التي تقوم في إفريقيا. وما وصلنا من شعر شعراء تلك الدولة يرينا إلى أي مدى كان تشيّعهم عريقاً أصيلاً([240]). فأبو العباس الجراوي([241]) شاعر الدولة الموحدية يقول في مدح عبد المؤمن مثلاً:
أكرم بهن قبائل إقلالها
في الحرب يغنيه عن الإكثار
وانظر إذا اصطفت كتائبها إلى
ما تحمد الكتاب في الأسطار
لو أنّها نصرت (عليّاً) لم ترد
خيل ابن حرب ساحة الأنبار
هم أظهروه مع النبي وواجب
أن يتبعوا الإظهار بالإظهار
ملئت به الدنيا صفاء بعدما
ملئت من الأقذاء والأكدار
ومن قصائد الجراوي ملحمة شعرية في رثاء الحسين (عليه السلام) لا تقل في عاطفتها وانفعالها عن أي شعر شيعي آخر. وقد شاء أن يتفنّن فيها ولكنّه تفنّن شوهها، وذلك حين ربط بين أجزائها بأعجاز معلقة امرئ القيس. فهو يقول مثلاً:
ألا يا رسول الله صدري توهجا
لمصرع سبط بالدماء تضرجا
فعطلت جيد اليأس من حلية الرجا
فتعساً لأقوام يريدون لي نجا
يقولون لا تهلك أسى وتجمل
ويقول:
أقول الحزن في الحسين تأكدا
تملك فؤادي متهماً فيه منجدا
ولو غير هذا الرزء راح أو اغتدى
لناديته قبل الوصول مرددا
عقرت بعيري يا امرأَ القيس فانزل
ويقول:
وركب إذا جاراهم البرق يعثر
تذكرت فيهم كربلا فتحيروا
وغيدار لا تدري الأسى كيف يخطر
بثثت لها ما كنت بالظن أضمر
فألهيتها عن ذي تمائم محول
ويقول:
أيا فاسقاً قاد الغرور شكائمه
فأورد في صدر الحسين صوارمه
تهيأ ليوم الحشر تجرع علاقمه
فما لك منجى من خصومة فاطمه
وما إن أرى عنه العماية تنجلي
وإذا كان تشيّع الموحدين بارزاً واضحاً، في الكثير من آثارهم وأفكارهم فإنّ هناك لمحات شيعية في دول إفريقيا أخرى لم يصلنا ـ مع الأسف إلاّ بصيص ضئيل من توهجها، ولكنّه مع ذلك يدل على الشيء الكثير كهذا الذي وصلنا عن الدولة الحفصية والدولة السعدية في تونس.
يقول محمد بن تاويت من مقال له في مجلة دعوة الحق، متحدّثاً عن الموحدين ونهاية دولتهم:
«… ولكن النشاط الفكري تحوّل إلى تونس مرّة أخرى وتجدّدت الدولة بالحفصيين منها. ولا نستبعد أن يكون ابن الأبّار كتب لهم درر السمط([242])، وهي آخر ومضة للتشيّع في هذه الدولة. إلى أن كانت دولة السعديين، فعاد المنصور إلى هذه النغمة في أشعار بلاطه التي تردّدت في مولديات القشتالي وعبد الواحد بن أحمد وأبي الحسن الشياظمي… وقد جازى المنصور سعيد الماغوس بالآلاف على شرحه لدرر السمط…».
ويقول أحمد بن أبي الضياف صاحب كتاب (اتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان) المولود سنة (1219هـ ـ 1804م) والمتوفى سنة 1291هـ في كتابه المذكور:
«,اهل إفريقيا يدينون بحبّ علي وآله (عليهم السلام) يستوي في ذلك عالمهم وجاهلهم، جبلة في طباعهم حتّى أنّ نسوانهم عند طلق الولادة ينادون: (يا محمد، يا علي) وكان الإمام الشاذلي رضي الله عنه يقول لأصحابه: إذا اشتدّ عليكم كرب فقولوا: (يا محمد يا علي) «انتهى».
الأفشاريون
يتعلق هذا الاسم بإحدى السلالات التي حكمت إيران في الفترة التي أعقبت سقوط السلالة الصفوية بيد الأفغان واستمرّت حتّى ظهور السلالة القاجارية، أي ما بين عام 1148 وعام 1210هـ.
وهذا الاسم مشتق من قبيلة أفشار قرخلو (أو قرقلو) التي هجّرها الشاه إسماعيل الأوّل من آذربيجان إلى خراسان للتصدّي لحملات الأزبك هناك. ومؤسّس الدولة الأفشارية هو نادرقلي (1100ـ1160هـ) المولود في عائلة مغمورة معدمة.
كان نادرقلي في الفترة التي يحكم الأفغان خلالها إيران يشتغل في خدمة بعض الخوانين المحليين في خراسان، ثمّ لبّى دعوة الشاه طهماسب له في عام 1139هـ فالتحق بخدمته ولقب نفسه بـ (طهماسب قلي).
توجّه نادرقلي إلى مركز إيران بعد أن أحكم سيطرته على خراسان، وبدأ يلحق الهزائم المتلاحقة بجيوش الأفغان حتّى طهر نواحي إيران الشرقية والوسطى من وجود القوات الأجنبية.
وبعد أن فرغ من طرد الأفغان، باشر من فوره بخطوات عملية في سبيل إخراج العثمانيين والروس من الأراضي الايرانية الغربية والشمالية التي استولوا عليها بعد دخول الأفغان إلى إيران، وبعد أن حقّق كلّ هذه الفتوحات الكبرى، بعث بكتبه إلى جميع أنحاء البلاد، لدعوة الحكّام والأمراء والعلماء والسادات والأعيان لعقد اجتماع عام في (دشت مغان)، وأعلن أمام الحاضرين الذين بلغ عددهم المائة ألف شخص انقراض السلالة الصفوية وتتويج نفسه ملكاً لإيران على الرغم من تظاهره بادئ الأمر بعدم رغبته بالتصدّي للأمر.
وبعد أن وصل نادر إلى عرش إيران سار إلى خراسان مرّة أخرى وانطلق منها للاستيلاء على قندهار ثمّ توجّه إلى الهند ففتحها لفترة قصيرة، واحتلّ دلهي، عاصمة السلاطين المغول في الهند عام (1151هـ) وغنم من الهند غنائم كبرى ثمّ عاد إلى إيران، فلم يلبث إلاّ قليلاً حتّى عاد العداء بينه وبين العثمانيين من جديد.
أحدث نادر بفرضه الضرائب الثقيلة على الناس وشنّه الحملات المتتالية موجة من السخط والاستياء بين الإيرانيين، فانشغل منذ ذلك الحين بإخماد الانتفاضات والاضطرابات الداخلية وخصوصاً انتفاضات القرويين، إلى أن انتهى به الأمر إلى القتل في سفره نحو قوجان للقضاء على الاضطرابات التي أحدثها الأكرا في أطراف هذه المدينة، وكانت وفاته في الحقيقة نهاية للسلالة التي بدأها بنفسه.
وبعد وفاة نادر شاه، جلس ابن أخيه علي قلي ميرزا على العرش في مشهد ملقباً بلقب عادل شاه، ولم يستمرّ هذا طويلاً في تولّيه العرش حتّى نشبت الحرب بينه وبين أخيه إبراهيم خان فهزمه الأخير وأمر بسمل عينيه في عام(1161هـ)، ولم يمض وقت طويل حتّى بادر مؤيدو شاهرخ، حفيد نادر شاه إلى سمل عيني إبراهيم خان في قم وتنصيب شاهرخ ملكاً في مشهد دون معارض. إلاّ أنّ شاهرخ هذا سملت عيناه بعد حين على يد شخص يدعى محمد كان يشغل آنذاك سدانة الروضة الشريفة في مشهد.
استمرّت السلالة الأفشارية العليلة في الحكم في خراسان حتّى عام 1210هـ حيث دخل محمد خان القاجاري مشهد وأطاح بحكومة شاهرخ وبذلك انتهت فترة حكم هذه السلالة.
وخلال فترة حكم فتح علي القاجاري، أخذ نادر ميرزا نجل شاهرخ يشن حملاته على خراسان ونجح في بعضها في الاستيلاء على مشهد ثمّ انتهى به الأمر إلى اعتقاله عام 1218هـ ثمّ قتله.
أفغانستان([243])
تقع أفغانستان في جنوب غربي آسيا الوسطى، وتحدّها من الغرب إيران، ومن الشمال الاتحاد السوڤييتي (سابقاً) ومن أقصى الشمال الشرقي الصين «سنكيانغ» ومن الشرق وجنوب الشرق والجنوب باكستان وتبلغ مساحتها بعد وضع الحدود الأخيرة بينها وبين الاتحاد السوڤييتي 65 ألف كيلومتر مربع. ويناهز عدد سكانها الخمسة عشر مليون نسمة والقسم الأكبر من أفغانستان منطقة جبلية وهي من أقل المناطق الآسيوية التي جابها المكتشفون، ووقفوا على مجاهلها حتّى اليوم. وتتخللها سلاسل جبلية عظيمة تتجه فيها إلى مختلف الاتجاهات.
وتعدّ سلسلة جبال (الهندوكوش) من جبال العالم المرتفعة، وتأتي في الدرجة الرابعة من حيث الارتفاع. وأعلى قمة فيها هي قمة تيرشمير (7750 متراً) كما وهناك عدّة جبال أخرى يصل ارتفاعها إلى سبعة آلاف متر. وترجع طبقات هذه المنطقة، إلى العهد الجيولوجي الثلاثي، وتبدأ جبال أفغانستان في الارتفاع في جنوب الغرب والغرب، من أربعة آلاف متر إلى خمسة آلاف فستة إلى سبعة آلاف متر وقد حوّلت قمم «الهمالايا» و«الكاراكورم» المرتفعة اهتمام العلماء عن جبال هندوكوش، فظلّت هذه الأصقاع مجهولة لا يعرف عنها الشيء الكثير. ويقل وجود الأشجار والغابات في جبال هندوكوش بسبب استخدامها في الوقود منذ أزمان طويلة، وتلاشت واستحالت سفوحها إلى أراضي جرداء اللهم ما عدا بعض المراعي التي تطرقها السائمة. ويلتقي فيها بين الحين والآخر بأشجار الفستق أو العرعر. أمّا الأراضي الزراعية في أفغانستان فلا تزيد مساحتها عن ثلاثة في المائة، من مجموع مساحة البلاد ويجري ري نصف الأراضي الزراعية بالطرق الصناعية. ويستحصل على ماء الري من مساقط المياه الجبلية الصغيرة التي تساق في أقنية صغيرة إلى الحقول والمزارع ولا تعرف مياه الينابيع والنواعير في أعمال الري في أفغانستان. وترتفع مزارع القمح والحبوب حتّى إلى ثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر، أمّا في الأماكن التي يكثر فيها تساقط الأمطار فترتفع فيها هذه المناطق الزراعية إلى ما يزيد عن 3500 متر. وتغرس أشجار الفاكهة والأشجار الأخرى التي تستقي بالماء إلى جانب زراعة الحبوب كالحور والتوت وأشجار الزيتون.
أفغانستان في التاريخ
ظلّت أفغانستان خلال التاريخ مقسّمة بين جيرانها، فقد كانت تخضع لنفوذ إيران في العهود الإخمينية والسلوقية والفرثية والساسانية والسلجوقية والإيلخانية المغولية والصفوية، كما خضعت لنادر شاه. وكانت تحت نفوذ آسيا الوسطى في عهد الكاشنية والسامانية والمغلية والتيمورية وفي عهد الأزابكة كما بسطت الهند نفوذها عليها في عهود ملوك مورية وكوبتا والمغول.
ويمكن القول إنّها لم تحمل اسم أفغانستان إلاّ منذ أواسط القرن الثامن عشر. وكانت المقاطعات المختلفة تحمل من قبل أسماء مختلفة، ولم تشكل وحدة سياسية. ولم ينجح الأفغان في تأسيس كيان مستقل موحّد لهم إلاّ في القرن الثامن عشر. على أنّ استقلالها الكامل كان بعد نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1919م بعدما تولّى الملك أمان الله خان حين أبلغ الحكومة البريطانية طلبه بإلغاء معاهدة راول بندي المعقودة بين حكومة الهند وجدّه الأمير عبد الرحمن خان سنة 1883م والتي كان قد تنازل بموجبها عن سيادة أفغانستان الخارجية للإنكليز الذين ظلّوا يمارسونها باسم حكومته مقابل هبة سنوية قدرها 1,850,000 روبية.
وتمّ الإلغاء واعترف بالاستقلال الكامل لأفغانستان كما سيأتي تفصيله.
الطاشكيون
يعيش في أفغانستان نحو ثلاثة ملايين من الطاشكيين، وهم ينحدرون من الشعب الإيراني ويتكلمون الفارسية وينتسبون لأقدم الشعوب الآرية الموجودة هناك. ويعيشون من الفلاحة في الوديان النهرية والسهول حيث يمكن استخدام الري الصناعي أو يعيشون من المتاجرة في المدن. أمّا في الجنوب والغرب فإنّهم يشتغلون في أعمال الفلاحة بالأجرة أو يستأجرون الأراضي لزراعتها، أو يعملون عند زعماء القبائل الأفغانية، من أصحاب المزارع. أمّا في القسم الشمالي من «سهل كابل» في اتجاه باداخستان وعبر نهر جيحون فإنّ الطاشكيين يمارسون أعمال الفلاحة باستقلال تام، وقد اشتهر عنهم تعشقهم للحرية ولهم قوانينهم وعاداتهم وتقاليدهم الخاصّة ويشتدّ شبههم بقبائل «الباتان» التي تسكن مناطق الحدود الأفغانية. وقد كان «باجي سقا» الذي اغتصب الملك من الملك أمان الله لبضعة أشهر بعد عودته من أوروبا في عام 1929م من زعماء العصابات الطاشكية من كوهيستان.
ويكوّن الأفغانيون الذين يتكلمون اللغة الفارسية الطبقة السياسية المهيمنة في البلاد ويمثلون نحو نصف سكان أفغانستان. وقد كانوا يقطنون أصلاً، المنطقة التي تقع على جانبي سلسلة جبال سليمان ثمّ أخذوا يتقدّمون منذ القرون الوسطى إلى المناطق المجاورة، إلى أن أصبحت أفغانستان، الرقعة التي ينشرون فيها نفوذهم بوضعها الحالي. وأغلب المزارع الأفغانية أشبه شيء بالحصون التي تحيط بها الجدران المرتفعة وتعلوها الأبراج التي يمكن منها إطلاق النار. ويعود سبب ذلك، إلى قيام النزاعات الكثيرة في الماضي بين الأسر والقبائل الأفغانية المختلفة ولا يزال الثأر للدم منتشراً في أفغانستان حتّى اليوم. أمّا البيوت هناك، فإنّها مبنية من الطين أو الطوب، وأمّا الأسقف فهي مسطحة تغطّيها جذوع وأغصان أشجار الحور. وكثيراً ما تغرس أشجار الحور والتوت، بجانب المساكن وأقنية المياه. وتقوم المساكن الريفية أمام مزارع القمح والأراضي التي يجري فوقها درسه مباشرة. ويدرس القمح بالنورج، وتزرع علاوة على القمح والشعير، الحبوب القرنية ويزرع الأرز والذرة في الأماكن المنخفضة. وتضم أفنية المساكن جنينات تغرس فيها أشجار الفاكهة وعلى الأخص المشمش والرمان وأحياناً العنب والجوز واللوز.
القوافل الأفغانية السيّارة
تنتشر القوافل الأفغانية المكوّنة من القبائل الرحل، في مختلف أرجاء أفغانستان وتتاجر بالسلع التي تنقلها معها من مكان إلى آخر. وتصعد الجبال والمرتفعات بما تحمله حتّى إلى ألفين وألفين وخمسمائة متر مع جمالها. وتكون القبائل الرحل فيها، حوالي مليوني نسمة. وتقصد القوافل السيّارة الأفغانية الجميلة، المراعي المرتفعة الواقعة في قلب البلاد إلى المناطق الصحراوية الواقعة في الجنوب والغرب في فصل الشتاء وتمارس الأعمال الزراعية في منطقة «جبل آباد» وتتقدّم من هناك عبر الحدود إلى باكستان حتّى إلى وادي نهر الهندوس. وتقوم باجتياز المضائق عبر حدود أفغانستان وباكستان مرّتين في العام على هذه الصورة. ومن جملة المضائق التي تعبرها بين البلدين مضيق «خيبر» حيث تعبر بجمالها وماشيتها في كلا الاتجاهين. وتتكوّن ثروة القوافل الأفغانية في الدرجة الأولى من قطعان الغنم وتستخدم الجمال والحمير في نقل الأرزاق التي تحملها، ولا تعرف هذه القوافل تربية الخيل بعكس القبائل التركمانية التي تعيش في شمال أفغانستان. وتقوم هذه القوافل أثناء ترحالها، في فصلي الصيف والخريف بالمتاجرة، فتحمل معها الأرزاق من تركستان وأواسط أفغانستان إلى أسواق كابل وأسواق المدن الأفغانية الأخرى فتبيع فيها صوف الأغنام والأقطان وجلود غنم الكراكول الشهيرة، والسجاد والثمار المجففة والملح ثمّ تعود محمّلة بما تحتاج إليه من السلع الأخرى، كالمنسوجات والسكر والشاي. ويجري القسم الأكبر من تجارة القوافل الأفغانية دون علم الحكومة أو مراقبتها. ولهذا فإنّ حكومتي باكستان وأفغانستان لا تنظران إلى متاجرة هذه القوافل بعين الارتياح. وتجري المساعي الحثيثة في أفغانستان لاستيطان القبائل الرحل والحد من تبديل مكانها، وحملها على اتخاذ مكان سكن ثابت لها، وراحت تقوم بأعمال الري الكبيرة في جنوب البلاد لأجل تحقيق هذه الخطة. ويتم إلى جانب متاجرة القبائل بين المدن الأفغانية نقل السلع بواسطة السيّارات أيضاً. أمّا السكك الحديد فإنّها لا تعرف في أفغانستان حتّى اليوم. أمّا شبكة طرق السيّارات فيها والجسور الخاصّة التي نصبت لها فوق الأنهار فهي صغيرة جدّاً. وينقطع الكثير من الطرق خلال فصل الشتاء بسبب هطول الثلوج وفي فصل الربيع أثناء الذوبان وحدوث الفيضانات. وكثيراً ما يعثر في أفغانستان على مناطق واسعة الأرجاء تقابل مساحاتها مساحات مقاطعات بكاملها لا تحتوي على طريق واحد صالح للعبور. ويوجد في أفغانستان، طريق سيّارات هام يمتدّ من كابل إلى قندهار عابراً هضبة «غزنة» وهو من أكبر طرق الاتصال في أفغانستان… وهضبة غزنة… قاحلة جرداء ولا تكاد تصل المياه المتساقطة من الجبال إليها حتّى تغيض في الأرض.
كابل عاصمة البلاد
وتقع على ارتفاع 1800 متر فوق سطح البحر، وتحيط بها القلاع، التي تقوم فوق المرتفعات حتّى إلى ارتفاع أربعة آلاف متر. ويمر فيها «نهر كابل» ويصب في الهندوس. ويعثر في ضواحيها، على الكثير من آثار العصور التاريخية الماضية. فقد سبق للإسكندر الكبير أنّ أنشأ مدينة كبيرة في سهل كابل، وعاش في هذه المنطقة حكّام وأمراء الإغريق والهونيين والهنود. وتطل من أعالي المرتفعات في تلك المنطقة تماثيل بوذية ضخمة، ماثلة للعيان حتّى اليوم. ويعود تاريخ القسم الأكبر من سور المدينة الكبير إلى عصور ما قبل الإسلام. وقد أغار جنكيزخان خلال الحروب التي خاضعها على المدينة ودمّرها أشد تدمير ولم يعد لها شأن يذكر بعد ذلك. واجتاحها القائد التركماني بابرشاه في عام 1525م في طريقه إلى الهند عندما أراد تأسيس «مملكة المغول» فيها، وقد دفن في كابل ولا يزال قبره فيها حتّى اليوم. وظلّت كابل، لا تحتل سوى مرتبة ثانوية في «مملكة المغول» مدّة طويلة من الزمن، وكانت عبارة عن قاعدة عسكرية عند حدود مملكة المغول الخارجية ضد هندوكوش. ولم تكن كابل في عصور أفغانستان الحديثة عاصمة البلاد، بل كانت مدينة «قندهار»([244]) هي العاصمة، ثمّ تمّ تحويل كابل إلى عاصمة في عام 1771م. ولا يزال يوجد في المدينة اليوم قبر الأمير تيمور شاه الذي شيّد له مسجد خاص به وهي تعج بالحواري والأزقة الضيقة الكثيرة الالتفافات وفيها بقايا قلعة «بالاحصار» التي دمّرت خلال الحرب التي قامت بين الأفغانيين والإنكليز (1839ـ1842 و1878ـ1880م). ولم يتم تشييد طرق عصرية مستوية فيها، إلاّ خلال السنين الأخيرة، فصار يشاهد فيها بين العمارات بعض المباني ذات الأدوار المتعددة، والمباني الحكومية، والمكاتب والمحلات التجارية. كما شيّدت في المدينة دار للسينما. والمدينة مهدّدة بخطر الزلازل ولهذا فقد صار يتخذ حذر خاص عند تشييد المباني فيها، لكي لا تكون عرضة لخطر السقوط أثناء حصول الزلازل.
وتجف مياه «نهر كابل» حوالي فصل الصيف، إذ تروى بها الحقول والبساتين المحيطة بالمدينة، قبل وصولها إليها. وتقوم المباني العصرية المكوّنة من دورين، على كلا ضفتي النهر. ويكثر في أسواق كابل عرض السجاد الأفغاني الشهير ويرد القسم الأكبر منه من المناطق الأفغانية الشمالية والشمالية الغربية. وأكثر من يصنعون السجاد هم النساء. ويأخذ السجاد الأفغاني طريقه من كابل إلى البلدان الشرقية والعالم الغربي.
باميان
تقع باميان على ارتفاع نحو 2500 متر، فوق سطح البحر، وتعتبر من أهم المناطق التي تحتوي آثار حضارات ما قبل الفتح الإسلامي. فقد كان يمر هنا في عهد ازدهار البوذية في الهند، طريق هام من «بشاور» مجتازاً كابل ومضائق جبال هندوكوش إلى «بلخ» ومنها إلى قلب آسيا. وكان يقع على هذا الطريق، دير بوذي هام، ازدهر من القرن الثاني حتّى السابع، قبل فتح الجيوش الإسلامية. ولا يزال يعثر على مئات صوامع الكهنة البوذيين المنقورة في الصخور تحمل جدرانها الصور الثمينة والنقوش البارزة الرائعة. ومن آثار البوذيين الفنية التي بقيت هناك، منذ تلك الأيام البعيدة حتّى الآن، تمثال ضخم لبوذا يبلغ ارتفاعه 53 متراً وقد نقر في الصخور ولم يصب سوى ببعض الأضرار الطفيفة بعد محاولة الأمراء المسلمين تحطيمه([245])، ويشرف هذا التمثال العظيم على وادي باميان. ويتبيّن منه تأثير الفن الإغريقي، كما يشير إلى قيام اتصال بين تعاليم البوذية وحضارة الإغريق في الأزمان الماضية عندما كان الإغريق موجودين في تلك المناطق. وقد كانت باميان تحتل مركزاً هاماً إبان العصور الإسلامية الأولى، وكانت نقطة تجارية معتبرة، تقوم على الطريق الممتد من التركستان إلى الهند، قبل أن يغير المغول عليها ويدمروها، أمّا اليوم ففقدت باميان شأنها، ولا يسكنها سوى عدد قليل من الناس الذي يعيشون من زراعة الحقول التي تروى رياً صناعياً.
مدينة مزار شريف
يقع في هذه المدينة مسجد «مزار شريف» الذي ينسب إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) ويزوره الزائرون([246]) وتحتوي المدينة على الكثير من المباني التاريخية الفخمة، وهي لا تقل بروعتها عن المباني العظيمة التي أقامها تيمورلنك وأتباعه التيموريون في تركستان الشرقية وخراسان. وتقع مزار شريف على الطريق القديم المعروف باسم «طريق الحرير» الذي يمتدّ من الصين مخترقاً قلب آسيا عبر هضبة بامير ويتجه نحو مناطق البحر الأبيض المتوسط الشرقية ويتفرّع في طريقه ويؤدّي من جانب آخر إلى الهند عبر ممر خيبر. وقد ارتفعت أهمية مدينة بلخ التي تبعد عنها نحو 30 كيلومتراً، عن أهمية مدينة مزار شريف إلى أن عادت فارتفعت أهمية هذه في عهد التيموريين وأصبحت قاعدة لأمراء الأتابكة. وصارت هذه المدينة من ضمن مدن أفغانستان اعتباراً من القرن التاسع عشر، وقد كانت أسواقها ملتقى البضائع الواردة من الهند والصين وإيران وتركيا، في الأزمان الغابرة، أمّا اليوم فلا تصلها سوى البضائع المحلية وتصلها من الشمال جلود أغنام الكراكول الشهيرة (نحو مليونين إلى ثلاثة ملايين جلد في العام) ومحاصيل القطن الذي يزرع ويجنى في أطراف جبال أفغانستان الشمالية، ولا تزال هذه المزارع تتّسع حتّى اليوم.
لعبة «البوسكاشي»
تعدّ اللعبة التي يطلق عليه الأفغانيون اسم «البوسكاشي» اللعبة القومية التي حملها معهم فرسان التركمان والأتابكة والقرقزيين من المناطق الشرقية، وانتشرت أوّلاً في شمال أفغانستان. وقد اشتهر الأتابكة والتركمان والقرقزيين بتربية الجياد منذ زممن طويل وتعتبر الجياد التركمانية، من الجياد الممتازة. ويستقدم الأفغانيون أفضل جيادهم، من المناطق الأفغانية الشمالية. وتؤدّى هذه اللعبة على أشكال مختلفة، فيقوم فريقان من الفرسان، يتكوّن كلّ منهم من خمسين فارساً فأكثر. ويحاول أحد الفريقين من ظهور الجياد حمل جثة غنمة ميتة إلى هدف معين، ويقوم الفريق الآخر بالتصدّي له ومنعه من ذلك أو اختطاف الجثة منه. وقد انتشرت هذه اللعبة في أفغانستان، لدرجة أصبحت قومية، وصارت كلّ قرية من قراها تملك فريقاً يمارسها. وتشبه اللعبة لعبة البولو المنتشرة غربي منطقة الهيمالايا وغربي التيبت. وتقام المباريات الكبرى والاحتفالات العظيمة لها في الأقاليم الأفغانية. وقد اشتهر عن القبائل التركمانية التي تسكن مناطق أفغانستان الشرقية، بأنّها كانت تعيش من أعمال السلب والنهب وتجارة الرقيق في الأزمان الماضية. أمّا اليوم فقد أصبحت تسكن في أماكن ثابتة وتمارس زراعة القطن، وتحول التركمان إلى رعاة أو راحوا يربون أغنام الكراكول، وهم يصنعون أيضاً السجاد. وتقع نقطة ثقل اقتصاديات أفغانستان اليوم في المناطق الشمالية.
استثمار مرافق البلاد
تعتبر أفغانستان غنية بثرواتها المعدنية الأرضية وبإمكانها رفع محاصيلها الزراعية بصورة ملحوظة إذا ما استخدمت الطرق العصرية، ووسائل الاقتصاد العلمي. وبالرغم من كلّ ذلك فإنّها لم تستطع خلال العشرين عاماً الأخيرة، سوى القيام بقسط ضئيل من أعمال النهوض بصناعتها وبنائها. ولذلك أسباب عديدة أهمها أنّها لم تكن حتّى الآن في وضع يمكنها من استثمار الطاقة المتوفرة في مياهها والفحم والنفط الموجودين في قلب تربتها. وعلاوة على ذلك، فإنّها بحاجة إلى مساعدات تكنيكية ومالية من الخارج. ولمّا كانت أفغانستان تقوم على الهضاب والمرتفعات، فإنّ استثمار الطاقة المائية فيها، لتوليد الكهرباء وتصنيع البلاد تعتبر ذات أهمية خاصة. وقد قام عدد من الشركات الألمانية بتشييد سد كبير ومحطة لتوليد الطاقة الكهربائية في منطقة ساروبي الواقعة خلف كابل وعلى نهر كابل في واد عميق، يسقط فيه الماء من مرتفع كبير وسوف يتم هناك توليد الطاقة الكهربائية لتزويد العاصمة الأفغانية بها، ومصنع كبير للمنسوجات. وقد قام الأفغانيون بتشييد سدود ضخمة، تقع في جنوب البلاد لكي يستفيدوا منها في زراعة آلاف الهكتارات من الأراضي البور، وريّها في المستقبل.
بلاد الصحراء الشاسعة
والجبال الشاهقة والأودية الخضر
عبر أراضيها… وبين وديانها… وفوق جبالها وصحاريها… مرّ الإسكندر الأكبر بجيوشه مكتسحاً أمامه إمبراطورية فارس القديمة في القرن الرابع قبل الميلاد، وعندما دالت دولة الإسكندر توالى على حكمها اليونان والأتراك والصينيون والعرب والمغول ثمّ سقطت بين براثن الاستعمار البريطاني في القرن الثامن عشر.
وأخيراً حصلت على استقلالها في أوائل القرن العشرين.
وكانت تعتبر مفترق طرق لكلّ الغزاة أو بناة الإمبراطوريات وذلك بالنسبة لموقعها الجغرافي في جنوب غرب آسيا… فعلى حدودها يقع الاتحاد السوڤييتي (سابقاً) في الشمال، وباكستان في الشرق، والجنوب، والصين الشعبية في الشمال الشرقي وإيران في الغرب.
20 لغة
يعيش على هذه الأرض 15 مليون نسمة يعود أصلهم إلى فئات ثلاث: الأفغان ويمثلون 60 بالمئة من عدد السكان، التاجيك ويبلغ عددهم 31 بالمئة، والأوزبك الذين لا يزيدون عن 5 بالمئة، أمّا باقي السكان ونسبتهم 4 بالمئة فهم من أصول مختلفة.
ويتحدّث الأفغانيون عدا الفارسية 20 لغة مختلفة أهمها اللغة البشتوية وهي مع الفارسية اللغتان الرسميتان للبلاد وتليهما اللغة الأوزبكية المنتشرة في شمال أفغانستان ويتكلم بها نحو ثلاثة ملايين ولكنّها غير رسمية وتنتشر لغة البشتو في كلّ من المقاطعات الآتية: قندهار، بختيا، ننكررهار، لغمان، سراة، هلمند، غزنة. وتنتشر الفارسية في هذه المقاطعات: بدخشان، بغلان، شمالي كابول، هراة. أمّا في العاصمة كابول نفسها فيتكلمون الفارسية وفي أرباضها يتكلمون البشتو وسيأتي مزيد من الحديث عن لغة البشتو.
وأمّا بقية اللغات فهي لغات قبلية إقليمية غير منتشرة.
وهناك خلاف جزئي بين فارسية إيران وفارسية أفغانستان من ذلك أنّ بعض الألفاظ الفارسية القديمة لا تزال مستعملة في أفغانستان في حين أنّها لم تعد مستعملة في إيران.
طبيعة ساحرة
وأفغانستان تتميز بطبيعة ساحرة فسلسلة جبال الهندوكوش تقسم البلاد من الشرق إلى الغرب… ويتراوح ارتفاعها من 20 ألف قدم إلى أقل من ألفي قدم… وعلى سفوح هذه الجبال تنمو الغابات الخضراء بينما توجد الثلوج البيضاء على قممها التي تناطح السحاب. أمّا الوديان التي تتمتع بتربة خصبة فلا تزيد مساحتها عن 32 ألف ميل مربع، بينما تمتدّ الصحارى إلى مساحات شاسعة ولا يفصل بين الوديان والصحارى والجبال إلاّ مسافات بسيطة… في كلّ إقليم من أقاليم افغانستان التي تبلغ 29 إقليماً توجد مناطق صحراوية ومناطق جبلية ووديان زراعية.
والجو لا يتأثّر بخطوط الطول والعرض تأثّره بارتفاع الأرض… فدرجة الحرارة قد تصل إلى 46ْ مئوية أثناء فصل الصيف في سهول الشمال بينما لا تزيد عن 28ْ مئوية في مرتفعات الشمال. وفي كابل العاصمة تصل درجة الحرارة في الصيف إلى 38ْ مئوية وتنخفض في الشتاء إلى 23ْ مئوية تحت الصفر.
القديم والحديث
وأفغانستان ما تزال تجمع بين القديم والحديث في عاداتها وتقاليدها وتحاول أن تمزج بينهما بقدر الإمكان ويتجلّى هذا واضحاً في كابل وهي عاصمة أفغانستان. فهذه المدينة تنقسم إلى قسمين أحدهما كابل الحديثة والآخر كابل القديمة. ويفصل بينهما نهر «كابل» الذي يتلوى بين شوارع المدينة على شكل حرف (اس) اللاتيني. وفي المدينة الحديثة تجد السيّارات وطرق المواصلات والعمارات التي أقيمت على أحدث طراز… بينما تجد الجمال تمرح على ضفاف النهر من ناحية كابل القديمة… وهي جمال القوافل… التي تأتي إلى العاصمة محمّلة بالفاكهة وبالمحاصيل الزراعية عبر سلسلة الجبال والصحارى والوديان.
مدينة تعيش في الظل!
وكابل العاصمة تتميّز بظاهرة غريبة قلّما تميّزت بها مدينة أخرى في العالم… فهي تقع بين هضبتين كبيرتين واحدة تحدّها من الشرق والأخرى تحدّها من الغرب وهذا يجعل المدينة تعيش في ظل دائم اللهم إلاّ ساعة الظهيرة وحين ترتفع الشمس إلى كبد السماء.
وكما تتميز العاصمة بهذه الظاهرة الغريبة… تنفرد أفغانستان بين البلاد المحيطة بها بأنّها دولة بلا شواطئ… فهي محصورة بين البلدان المجاورة لها. وليس لها منفذ واحد إلى شاطئ البحر. وهي أيضاً دولة من القلائل في العالم التي ليس بها نظام السكك الحديد ـ كما تقدّم ـ فهي تعتمد في مواصلاتها على سيّارات نقل الركاب والبضائع… وفي الآونة الأخيرة أصبحت تعتمد على شركة طيران داخلية تسير طائراتها بين أقاليم أفغانستان المختلفة… ولعل هذا يعود إلى طبيعة البلاد وإلى الجبال التي تمتدّ من الشرق إلى الغرب.
وتعتمد اقتصاديات أفغانستان على إنتاج السجاد الشهير وعلى تصدير صوف الأغنام وجلودها إلى روسيا نظير الحصول على البترول والآلات، وهي في حالة اكتفاء ذاتي بالنسبة للمحاصيل الزراعية والمواد الغذائية. ولكن صعوبة المواصلات هي العقبة الرئيسية في البلاد ولذلك قامت الحكومة الأفغانية بإنشاء طرق حديثة معبدة وأنفاق في الجبال ولكن ما يزال الطريق طويلاً أمامها في هذا المضمار حتّى تحقّق ما تريد.
والشعب الأفغاني شعب يعشق الأمانة ويعتز بالشرف وفي نفس الوقت يتمسّك بالحرية الفردية إلى أبعد الحدود. فهو ما يزال متأثّراً بالحياة القبلية التي كانت تسود بلاده حتّى عهد قريب جدّاً.
أقسامها الإدارية
وتضم هذه البلاد تسعاً وعشرين ولاية أو محافظة.
وقد لحق هذه المحافظات الكثير من التغيّرات كما تغيّرت أسماء بعضها. فبلخ كانت أهم المدن في خراسان بعد العاصمة مرو، كما كانت ملتقى القوافل بين الشرق والغرب، غير أنّها فقدت الكثير من أهميتها منذ كشف طريق رأس الرجاء الصالح. وقندهار أصبحت المحافظة الثانية بعد كابل بفضل مطارها الفخم ومصانع الفاكهة فيها، ومحافظتا فراه وجحانسور هما الجزء الذي ظلّ في أفغانستان من سجستان القديمة (أو سيستان كما يسمّيها الفرس)، والجزء الباقي منها في إيران. ومحافظة بلخ كانت تسمّى إلى عهد قريب (مزار شريف). ومحافظة فرياب كانت تسمّى ميمنة، وتخار تالقان، وجوزجان شبرغان، وتنجرهار مشرقي، وبكتيا جنوبي.
فيها جزء من خراسان
وقد أطلق على هذه البلاد اسم أفغانستان منذ سنة 1747م في عهد أحمد شاه، غير أنّه من الخطأ أن نذهب إلى ما ذهب إليه بعض المؤرخين من أنّ أفغانستان الحالية هي نفس خراسان القديمة، فممّا لا شك فيه أنّ خراسان مقسّمة الآن بين أفغانستان وإيران وروسيا، فمرو العاصمة وسرخس، هما الآن في روسيا، ونيسابور وطوس، التي بنيت على أنقاضها مدينة مشهد هما في إيران، فضلاً عن أنّ محافظات تنجرهار وبكتيا وغزنة وكابل وقندهار لم تكن ضمن خراسان بحال من الأحوال. أمّا سجستان فقد عدّها بعض المؤرخين إحدى مدن خراسان، والبعض اعتبرها قائمة بذاتها.
ومع أنّ الجغرافيين يختلفون في تحديد خراسان إلاّ أنّي أرجّح ما ذكره ياقوت الحموي في معجمه وكان قد تنقّل في هذه البلاد هرباً من غارة المغول في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) قال: «أوّل حدودها ممّا يلي العراق أزاذوار قصبة جويين وبيهق، وآخر حدودها ممّا يلي الهند طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان وليس ذلك منها، وإنّما هو أطراف حدودها وتشمل على أمهات من البلاد منها نيسابور وهراة ومرو، وهي كانت قصبتها، وبلخ وطالقان ونسا وأبيورد وسرخس وما يتخلل ذلك من المدن التي دون نهر جيحون».
الپشتو
وفي أفغانستان لغات كثيرة كما قلنا، منها لغة الپشتو ويبدو أنّ لغة الپشتو تنتمي إلى مجموعة اللغات الآرية، وأنّ بينها وبين لغة الأوستا أو الابستاق (الكتاب الديني لزرادشت) وجه شبه، وهي كالفارسية ـ غير معربة ـ، وقواعدها تختلف بعض الاختلاف عن قواعد الفارسية الحديثة أو الإسلامية وخاصّة في حالة الإضافة، وترسم بالحروف العربية منذ القرن الثالث الهجري، غير أنّ حروفها تختلف عن الحروف الفارسية والعربية برسم دوائر صغيرة تتصل ببعض الحروف من أسفل وتؤثر في نطقها، وهي كالفارسية ـ متأثرة باللغة العربية عن طريق الفارسية.
غير أنّ أدبها القديم قد طمسه الزمن بسبب الغارات المتكررة على أفغانستان، وإن كانت أسماء مراجعه لا تزال محفوظة في بعض الكتب.
ومعنى پشتو أو بختو الپشتية أو البختية، فالواو المضموم ما قبلها تقوم مقام ياء النسب في اللغة العربية وپشت أو بخت أو بكت هي بلخ فمعنى الپشتو البلخي أو البلخية لأنّه لا فرق في الصفات بين المذكر والمؤنث باللغات الآرية. أمّا لماذا نسبت هذه اللغة إلى بلخ مع أنّها منتشرة في جميع أنحاء أفغانستان أو پشتونستان (البلاد المحيطة بأفغانستان من الشرق والجنوب) فيذكر بعض علماء هذه اللغة أنّ بلخ كانت قديماً الموطن الأصلي لها. وفي التاريخ الموغل في القدم ضاقت بلخ بسكانها فالتمسوا مكاناً دافئاً خصيباً، فلم يجدوا خيراً من شرق أفغانستان إلى نهر السند فكانوا يقضون الشتاء في موطنهم الجديد حتّى إذا اعتدل الجو في الشمال عادوا إلى وطنهم الأصلي، ومن هنا انتشرت اللغة الپشتية في طول البلاد الأفغانية كما انتشرت في الأماكن المحيطة بها شرقاً، وجنوباً، على أنّ هناك روايات أخرى في سبب هذه التسمية.
ومعنى پشتون من يتكلم اللغة الپشتية، وستان أرض أو مكان أو بلاد، فمعنى پشتونستان بلاد من يتكلمون اللغة الپشتية. وهي البلاد التي كانت موضع نزاع بين أفغانستان وباكستان.
الحدود بين باكستان وأفغانستان
كان ظهور أفغانستان على خارطة العالم لأوّل مرّة كدولة قائمة بذاتها في منتصف القرن الثامن عشر ـ على عهد أحمد شاه ـ وقد كانت إنكلترا وروسيا تتوغلان في زحفهما قدماً في القارة الآسوية، إحداهما تتقدّم نحو أواسط آسيا من الجنوب «الهند» والأخرى من الشمال. ولو لم يقف الزحف لتقابلت جيوش الدولتين وجهاً لوجه.
وأدركت الدولتان هذا فوافقتا على أن تقفا بمنأى إحداهما عن الأخرى حرصاً على مصالحهما فاتخذتا من أفغانستان «حائلاً» يحول بينهما ويمنع تصادمهما. وكان على أفغانستان أن تحد حدودها وتعين رقعتها، إذ لم تك لها ثمة حدود معلومة حتّى الربع الأخير من القرن التاسع عشر وحينئذ أصرّت حكومة الهند البريطانية على وجوب مبادرة روسيا لتخطيط حدّ بينها وبين أفغانستان ليكون حدّاً شمالياً لأفغانستان بحيث لا تتخطاه فتتقدّم دونه، بينما أصرّت روسيا على وجوب تعيين الحدود الجنوبية لأفغانستان بحيث لا تتخطّاه بريطانيا فتتقدّم دونه وهكذا رضي الروس أن يحترموا حدود أفغانستان الشمالية، تلك الحدود التي تجري مع نهرجيحون (آموداريا) من منابعه على جبال بامير إلى نقطة تعرف باسم «خامياب» ثمّ نحو الجنوب الغربي إلى الحدود الإيرانية وذلك لكي تقع ضمن أفغانستان كلّ من بلخ واندخوى وميمنة وهراة، كان هذا في سنة 1873م أمّا الحدود الجنوبية فقد حدّدت نهائياً بعد عشرين سنة.
ومن هنا يتّضح سبب من الأسباب التي دعت إلى تحديد الحدود الجنوبية لأفغانستان، فلقد كانت روسيا تطالب بذلك وتلحّ. بيد أنّ هناك أسباباً أخرى أبعد أثراً وأقوى مفعولاً.
كانت العلاقات بين الأمير عبد الرحمن (1880ـ1901م) والحكومة الهندية متوترة متأزمة نظراً للأسباب الآتية:
كان الأمير يعامل «الوكيل البريطاني» كما لو كان سجيناً، فمنعه من الاختلاط بالناس بالمرة.
وكان يبدي في بياناته ومنشوراته بين أفراد رعيته عداء لكلّ من روسيا وبريطانيا، وكان يقسو ويغلظ في معاملته مع من ساند الإنكليز من رعاياه في الماضي بأي وجه من الوجوه… ثمّ إنّه أصرّ على التمسّك بالمناطق المعروفة باسم «شكنان» و«روشان» والتي تقع شمال نهر جيحون، ممّا أثار حفائظ الروس على البريطانيين، لأنّ الروس كانوا يعزون ذلك إليهم نظراً لأنّ بريطانيا كانت تسيطر على شؤون أفغانستان الخارجية.
وكانت حكومة الهند ترى دوماً أنّ الأقسام المعروفة باسم جترال وباجور وصوات لا تؤلف قسماً من مملكة أفغانستان، فأنذرته كما أنذرت من قبله دوست محمد وشير علي ألا يتدخل في أمر هذه الأقسام ومع ذلك فقد احتلّ الأمير منطقة أسمر بودي كونار وأبى أن يجلو عنها بالرغم من جميع الاعتراضات والاحتجاجات وهكذا اقترب من عاصمة جترال وكان منها قاب قوسين أو أدنى فعرضها إلى خطر جسيم متحدياً دعوى الحكومة الهندية بملكية هذه الأراضي.
وشاب تصرفات الأمير في علاقته مع قبائل الإفريدي جنوب جترال ظلم فادح مع أنّه أفضى فيما كتبه سنة 1883م بأنّ «بلاد قبائل الإفريدي تقع ضمن المنطقة البريطانية» فإنّه سعى سعياً حثيثاً لخطب ود رجال الدين ورؤساء القبائل هناك، وكان هذا الحال من الخطورة بمكان لأنّ جنداً من قبائل الإفريدي كانوا يتولّون حراسة ممر خيبر ولأنّ عدداً من رجال هذه القبائل كانوا ينخرطون في سلك الجيش الهندي.
وفي جنوب هذه المنطقة كان الجيش البريطاني قد أخلى منطقة كرم سنة 1880م وحصل الطوريون على وعد بالاستقلال. ولمّا كان الأمير يدرك تمام الإدراك ما لهذا الوادي من أهمية عسكرية استراتيجية فقد بادر إلى مضايقتهم والتنكيل بهم. إذ أغار عليهم واحتلّ الأقسام الشمالية من واديهم واضطرّ الإنكليز إلى أن ينفذوا قوّة منهم لإعادة الأمن إلى نصابه هناك.
ويقع في الطريق الموصل بين كابل وقندهار ووزيرستان ممران مهمان هما «توجي» و«كومل» وكانت تسلكهما القبائل الرحل من الأفغان أثناء هجرتها السنوية إلى السهول أو منها إلى الجبال، وهنا حاول صنائع الأمير أن يستولوا على ممر «كومل» فاضطر الإنكليز إلى أن يرسلوا جندهم لإعادة الوضع إلى ما كان عليه.
وممّا ينبغي أن يُقال إنّه وإن كانت هناك اتفاقات ومعاملات تلزم الأمير ألا يبسط نفوذه أو يوسّع ملكه دون حدود معلومة، فإنّ هذه الحدود لم تحدّد تحديداً دقيقاً واضحاً بالنظر لهذا كلّه كان لا بدّ من تحديد الحدود بين الهند وأفغانستان تحديداً دقيقاً واضحاً، وكان الأمير يجيب على الاحتجاجات البريطانية بقوله: أين الحد الفاصل بين أفغانستان والهند؟
وطلب من الحكومة الهندية أن ترسل بعثة إلى كابل لتسوية هذه المشكلة فوافقت الحكومة الهندية وأوفدت السير مورتير ديوراند، سكرتير وزارة الخارجية حينئذ على رأس بعثة إلى كابل فقوبلت البعثة بترحيب بالغ واحتفل باستقبالها في كابل احتفالاً ملكياً رائعاً يوم 2 أكتوبر سنة 1893م، وأطلقت المدافع 21 طلقة تحية للضيوف كما عزفت جوقة موسيقية أفغانية السلام الملكي البريطاني ونفخت الأبواق ودقّت الطبول في جميع أرجاء أفغانستان.
حاول ديوراند خلال المرحلة الأولى من المفاوضات أن يقنع الأمير بالتخلي عن دعواه بصدد «شكنان» و«روشان» شمال نهر جيحون وكان يظن استحالة ذلك ولكن الأمير وافق فوراً، إذ حاول أن يمكر بأن يتهاون في هذا الأمر حتّى يكون في وضع يستطيع معه أن يساوم في مسألة الحدود بينه وبين الهند. وهذا ما حدث بالفعل غير أنّ ديوراند قد أثبت حسن بلائه في المفاوضات فسويت المشكلة تسوية نالت رضاء الطرفين وهكذا وقعت المعاهدة وحدّد خط ديوراند المشهور. ووفقاً لهذه المعاهدة قبل الأمير ألا يتدخل بأي وجه من الوجوه في أمر جترال وباجور وصوات وذلك في مقابل احتفاظه بمنطقة أسمر ووادي كونار حتّى منطقة جنك. ثمّ تخلّت الحكومة البريطانية عن منطقة «برمل» بوزيرستان إلى الأمير بينما تخلّى هذا عن دعواه في بقية وزيرستان حتّى منطقة داور كما تخلّى أيضاً عن جكاي وكف عن اعتراضاته في بقاء المعسكر البريطاني في جمن. وأخيراً تعهّدت الحكومة البريطانية أن تزيد مخصصاته السنوية من 1200,000 روبية إلى 1800,000 روبية تقديراً لما أبداه من صداقة وود.
ووفقاً لتسوية ديوراند اعترفت الحكومتان بأنّ جميع القبائل التي تقطن شرق الحدود تعود «لمنطقة النفوذ» البريطاني وترتب على ذلك أن تكون المناطق القبلية ضمن الممتلكات البريطانية وأن يكون رجال القبائل من رعايا بريطانيا.
وبعد التوقيع على الوثائق الخاصّة بالمعاهدة عقد الأمير مجلساً ملكياً (دربار) يوم 13 نوفمبر سنة 1893م حضره إثنان من أكبر أنجاله وأربعمائة شخص من الأعيان وكبار الموظفين المدنيين والعسكريين. وقد وصف ديوراند الاحتفال فقال: وألقى الأمير خطاباً بليغاً جدّاً بدأ بقوله إنّ الثقة تجلب الثقة وإنّه لما استأمنني على سلامته وسلامة بعثته فقد حميته من كلّ سوء ثمّ طلب إلى شعبه أن يكونوا لنا أصدقاء مخلصين وأن يجعلوا من أولادهم أصدقاء مخلصين لنا أيضاً. وقال إنّنا لم نعمل إلاّ ما فيه الخير لهم فلم نرد ببلادهم سوءاً، وكان خطابه يقاطع بصيحات: موافق. موافق فكان في هذه المناسبة خطيباً عظيماً. وقال الأمير نفسه في مذكراته: وقبل المقابلة ألقيت خطاباً افتتحت به الاجتماع فأوجزت جميع الأمور التي تمّ التفاهم عليها والبنود التي تمّ التوقيع عليها وذلك لكي يطلع عليها شعبي وجميع الحاضرين ثمّ دعوت الله لإحلال الصلات الودية التي تقوم الآن بين حكومتينا ولتوثيق هذه الصلات أكثر من ذي قبل.
وإنّني أشير هنا إلى مثل واحد للدلالة على مبلغ اهتمام شعبي بصداقة الشعب البريطاني ومدى حبّه وحبّ رجال حكومتي لهم. وغادرت البعثة كابل في 14 نوفمبر بعد أن استمتعت بزيارتها استمتاعاً عظيماً وانتهى سوء التفاهم والنزاع الذي كان يقوم حول هذه الحدود.
شرعية الحدود
لقد ذكرنا سابقاً أنّ بعثة السير مورتيمر ديوراند التي قصدت كابل في أكتوبر سن 1893م إنّما تألّفت بناء على التماس الأمير عبد الرحمن خان نفسه لكي تخط الحدود بين الهند وأفغانستان وبعد إجراء المباحثات والمفاوضات تمّ التوقيع على الاتفاقية في 12 نوفمبر سنة 1893م ونورد فيما يلي أول فقرتين من فقراتها:
1 ـ تكون الحدود الشرقية والجنوبية لمملكة صاحب السمو من واخان إلى حدود إيران بموجب الخط المبين في الخريطة الملحقة بهذه الاتفاقية.
2 ـ لن تتدخل الحكومة الهندية في أي وقت من الأوقات في الأراضي التي تقع وراء هذا الخط من ناحية أفغانستان ولن يتدخل صاحب السمو الأمير في الأراضي الواقعة وراء هذا الخط من ناحية الهند.
وفي سنة 1905م عقد الأمير حبيب الله خان (ابن الأمير عبد الرحمن خان) معاهدة مع حكومة الهند البريطانية أيد فيها ما يلي:
يوافق بهذا صاحب الجلالة المذكور على أنّه فيما يختص بالمبادئ والتفصيلات المتعلقة بالاتفاقات التي عقدها صاحب السمو المرحوم والدي وعمل بموجبها مع الحكومة البريطانية السامية… عملت وأعمل وسأعمل بموجب نفس الاتفاقات والمعاهدات ولن أخرقها في أي معاملة من المعاملات.
ولمّا ولي الحكم الأمير أمان الله خان وقع معاهدة أخرى سنة 1919م أقرّ فيها الحدود القائمة بين الهند وأفغانستان على الوجه الآتي:
توافق الحكومة الأفغانية على الحدود الهندية ـ الأفغانية التي وافق عليها الأمير الراحل.
وفي سنة 1921م عقدت معاهدة بين الحكومة البريطانية والحكومة الأفغانية أقرّت فيها الحكومتان الحدود الهندية الإفغانية كما قبلتها الحكومة الأفغانية في معاهدة سنة 1919م وفيما يلي نبذة من المادة الثانية من تلك المعاهدة:
يقبل الطرفان الساميان المتعاقدان الحدود الهندية الأفغانية كما قبلتها الحكومة الأفغانية وفقاً للمادة الخامسة من معاهدة آب 1919م. ويقول السير كير فريزر تيتلور في كتابه «أفغانستان» وذلك عند الإشارة إلى احتجاجات الملك أمان الله خان ضد «سياسة التقدّم» التي كانت تتبعها الحكومة البريطانية «ولما لم تجد هذه الاحتجاجات فتيلاً رأى أن يتولى الأمر بنفسه في لندن سنة 1928م وهناك أجابه وزير الدولة السير أوستن تشمبرلن ببيان قاطع قائلاً إنّه لن يبحث أمر السياسة البريطانية إزاء رجال القبائل إلاّ على أساس أنّ الحدود هي الحدود وأنّ تلك القبائل التي تسمّى مستقلة إنّما هي ضمن حدودنا وأنّها من رعايا الملك الإمبراطور».
وفي سنة 1930م وبعد أن اعتلى عرش أفغانستان الملك نادر شاه تبودلت الرسائل الآتية بين الحكومة البريطانية والحكومة الأفغانية وعاد الطرفان فأكدا معاهدة سنة 1921م:
وزارة الخارجية رقم 2823/56/97
6 مايو 1930م.
يا صاحب السمو لقد اتفقنا على أنّ من المرغوب فيه نظراً لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد نادر شاه عرش أفغانستان مؤخراً أن نؤكد شرعية المعاهدة التي عقدت في كابل في 22 نوفمبر سنة 1921م مع الرسائل الأربع المرفقة بها والمعاهدة التجارية المعقودة بتاريخ 5 يونيو سنة 1923م.
2 ـ ووفقاً لهذا يشرّفني أن أسجل أنّنا على وفاق في أنّ هذه المعاهدات لازالت سارية بكلّ مفعولها وأثرها.
3 ـ من المفهوم أنّ استمرار التسهيلات فيما يختصّ بالتفصيلات ممّا كان الأخذ بها ضرورياً وسمح أحد الفريقين في معاهدة سنة 1921م بممارستها في عهد الملك السابق أمان الله خان ستكون موضوعاً لترتيبات ودية في حالة ما إذا كانت هذه الترتيبات ضرورية.
يشرفني… إلخ
توقيع أرثر هندرسن
إلى حضرة صاحب السمو الجنرال شاه والي خان… إلخ المفوضية الأفغانية ـ لندن.
6 مايو سنة 1930م، رقم 3480/1930م و2970/56/97.
سيدي تلقيت مذكرتكم رقم 2823/56/97 المؤرخة في مايو 1930م التي جاء فيها أنّنا وافقنا على أنّ من المرغوب فيه ـ نظراً لاعتلاء ـ صاحب الجلالة الملك نادر شاه عرش أفغانستان مؤخراً أن نؤكد شرعية المعاهدة التي عقدت في كابل 22 نوفمبر 1921م مع الرسائل الأربع المرفقة بها والمعاهدة التجارية المعقودة بتاريخ 5 يونيو سنة 1923م.
2 ـ أتشرّف أن أسجّل أيضاً أنّنا على وفاق بأنّ هاتين المعاهدتين لا زالتا ساريتين بكلّ مفعولهما وأثرهما.
3 ـ من المفهوم أنّ استمرار التسهيلات فيما يختص بالتفصيلات ممّا كان الأخذ بها ضرورياً وسمح أحد الفريقين في معاهدة سنة 1921م بممارستها في عهد الملك السابق أمان الله خان ستكون موضوعاً لترتيبات وديّة في حالة ما إذا كانت هذه الترتيبات ضرورية.
يشرفني… إلخ
توقيع شاه والي إلى صاحب الشرف… أرثر هندرسن ـ لندن.
الخلاف على الحدود
وجاء وقت بعد قيام باكستان قام فيه خلاف شديد بين أفغانستان وباكستان رفضت فيه أفغانستان إقرر خط الحدود هذا واعتبرته مفروضاً عليها ممّا أدّى إلى عداء بين البلدين. ثمّ سوي الأمر وانتهى الخلاف. ثمّ تحرّكت الخلافات بعد قيام الحكم الجمهوري.
أفغانستان من حال إلى حال
جاء وقت كانت فيه أفغانستان جزءاً من إيران فقد حكمها الصفويون من سنة 912 هجرية إلى سنة 1135هـ حيث عاد الأفغانيون فانتصروا على الإيرانيين ودخلوا عاصمتهم أصفهان إلى أن أخرجهم منها «نادر شاه» ثمّ استولى على بلادهم سنة 1150هـ وبعد وفاة نادر شاه سنة 1160هـ استعادها أحمد خان الدراني من الإيرانيين وأقام نفسه أميراً عليها إلى أن توفي سنة 1187هـ، وخلفه ابنه تيمور ثمّ توفي سنة 1246هـ وخلفه ابنه تريمون شاه فخلعه الأفغانيون لممالأته الإنكليز وأجلسوا مكانه أخاه محمود خان ثمّ توفي سنة 1247هـ وانتهت الدولة الدرانية. فاستولى عليها (دست محمد خان) وجرت حرب بينه وبين الإنكليز انتهت بانكساره وأسره وإقامة الشاه (جوهاه) مكانه ثمّ قتل وأعيد دست محمد خان بعد إطلاقه من الأسر فاستولى على قندهار وبلخ والقسم الجنوبي من البلاد سنة 1282هـ وكانت هراة لا تزال بيد الإيرانيين وحاكمها يار محمد خان. ثمّ مات يار محمد فحرّك الإنكليز دست محمد لمحاربة الإيرانيين فحاربهم محمد وبمساعدة الإنكليز استولى على هراة ثمّ توفي دست محمد وخلفه ابنه (شير علي خان). ثمّ جمع شير علي عساكره واستولى على البلاد ثمّ توفي سنة 1295هـ فملك بعده (يعقوب خان) وكان لمن يملك البلاد لقب أمير أفغانستان. وعيّن الإنكليز ليعقوب خان راتباً سنوياً يدفعونه له. وفي سنة 1297هـ أخذه الإنكليز إلى الهند وأقاموا مكانه ولده عبد الرحمن خان ولمّا توفي أقيم مكانه ولده حبيب الله خان ثمّ قتل وأقيم مكانه أخوه (أمان الله خان) ملكاً على الأفغان وكان كأخيه حبيب الله محبوباً من الشعب ولكن بعد رحلته إلى أوروبا وعودته منها أراد أن يغيّر الكثير من التقليد الأفغاني فقامت ثورة انتهت بخلعه وخروجه من البلاد كما سيأتي.
من تاريخ أفغانستان المعاصر([247])
لقد ظلّت أفغانستان تجد نفسها منذ أكثر من قرن في مركز حربي وسياسي يكاد يحرم عليها الحياة الهادئة. فقد كانت تقع بين الهند البريطانية من الشرق، وبين التركستان الروسية من الشمال، وتكون بذلك ملتقى الجذب بين سياستين استعماريتين قويتين تتنازعان السيادة والنفوذ في أواسط آسيا، وتلتقيان دائماً في ذلك الاقليم الجبلي الوعر، الذي يحد نفوذهما ويفصل بين أراضيهما، اعني أفغانستان. والشعب الافغاني لا يتجاوز أربعة ملايين جلهم من القبائل الجبلية، ولكنه شعب قوي بخلاله الطبيعية ونزعته العسكرية يعتصم دائماً بهضابه الوعرة، ويحرص على استقلاله أيما حرص. وإذا كان تجاذب السياستين البريطانية والروسية يعرض أفغانستان بين آن وآخر إلى تيار النفوذ الأجنبي، فان أفغانستان من جهة أخرى تتخذ من هذا التجاذب أداة لتدعيم استقلالها، وتجعل منه دائماً وسيلة لاقامة التوازن بين السياستين المتنافستين. بيد أن السياسة البريطانية التي تقدر أهمية أفغانستان في حماية حدود الهند الشمالية الغربية من الغزو الروسي، تحرص دائماً على أن تكون راجحة النفوذ والكلمة، ولا تترد في تأييد هذا التفوق في السهر على مصائر أفغانستان بالقوة القاهرة. وأفغانستان تعرف أنها لا تستطيع أن تتخلص من هذا النفوذ دون أن تعرض استقلالها للخطر؛ وقد أنست هذا الخطر في تاريخها الحديث غير مرة إذ غزتها الجيوش الانجليزية في سنة 1838، ثم في سنة 1878م، وعرض استقلالها للضياع في المرتين.
ونستطيع أن نرجع من مرحلة التاريخ الأفغاني المعاصر إلى أواخر القرن الماضي، أو إلى عهد الأمير عبد الرحمن خان الذي تولى العرش عقب تطورات الحرب الأفغانية الإنكليزية الثانية، سنة 1884؛ فقد استطاع هذا الأمير القوي لأول مرة أن يحطم سلطة القبائل الاقطاعية، وان يخضعها لصولة العرش، واستطاع أن ينشئ لأفغانستان جيشاً نظامياً حسناً، وان ينظم الضرائب والموارد العامة؛ وتمتعت أفغانستان في عهده بعد طويل من السكينة والاستقرار في ظل ادارة قومية صارمة. ثم توفى عبد الرحمن سنة 1901 وخلفه على العرش ولده حبيب الله خان. واستطاعت السياسة البريطانية في تلك الفترة ان توطد نفوذها في أفغانستان؛ وكان حبيب الله برغم حرصه على استقلال أفغانستان الداخلي، يصانع السياسة البريطانية ويتقي اثارتها ما استطاع؛ وفي عهده بلغ النفوذ البريطاني ذروته في توجيه سياسة أفغانستان الخارجية، ولا سيما في علائقها مع روسيا القيصرية، وتضاءل النفوذ الروسي إلى أعظم حد ولما نشبت الحرب الكبرى حافظ حبيب الله على صداقته مع بريطانيا العظمى، وقاوم كل مسعى بذلته ألمانيا لتحريض أفغانستان على نقض هذه الصداقة، ثم تُوفي قتيلاً في أوائل سنة 1919، فخلفه اخوه نصر الله؛ ولكن ثورة نشبت بقيادة أمان الله ثالث اولاد حبيب الله انتهت بعزله. وتبوأ أمان الله العرش في ربيع هذا العام. وهنا كان تطور حاسم في تيار النفوذ الخارجي؛ وانتهزت روسيا السوفيتيه، هذه الفرصة لتسترد نفوذها الذاهب، فعاونت أمان الله على انتزاع العرش من عمه، واستعملت كل وسيلة لمقاومة النفوذ الإنكليزي والقضاء عليه؛ وذهب أمان الله في خصومته للإنكليز الى حد أنه دفع بجنده إلى اجتياز الحدود الهندية، ولكن الإنكليز ردّوها في الحال وعبروا الحدود الافغانية إلى وأرغموا أمان الله على عقد الصلح، ولكن بشرط أن تعترف إنكلترا باستقلال أفغانستان (أغسطس (آب) سنة 1919).
وكانت روسيا من وراء أمان الله تؤيده وتوجه خططه؛ وكانت إنكلترا من جانبها تقدر هذا العامل الجديد في تطور حوادث أفغانستان، وتتحاشى الاصطدام بروسيا السوفيتية، وتعمل لاتقاء دسائسها ما استطاعت، وأفغانستان من جانبها تجني ثمرة هذا النضال بين الدولتين الخصيمتين. بيد أن السياسة البريطانية لم تعدم وسيلة للاتفاق مع أمان الله؛ ففي سنة 1921م عقدت في كابول معاهدة إنكليزية افغانية جديدة، تعترف إنكلترا فيها باستقلال أفغانستان الخارجي والداخلي؛ وتعترف أفغانستان فيها بالحدود الهندية الافغانية القائمة؛ وتنص على تبادل التمثيل السياسي والقنصلي؛ وتخول لأفغانستان الحق في ان تستورد من إنكلترا ما يلزمها من الاسلحة والذخائر معفاة من الرسوم. وفي سنة 1923م عقدت بين الدولتين معاهدة تجارية. ومع أن العلائق بين إنكلترا وأفغانستان لبثت عادية ودية، فان النفوذ الإنكليزي لم يعد إلى سابق تمكنه واستئثاره، واستمر النفوذ الروسي متفوقاً في أفغانستان مدى حين.
وقضت أفغانستان فترة من الاستقرار والسكينة، توطدت فيها شؤونها الداخلية وعلاقتها الخارجية. وفي سنة 1927م قرر الملك أمان الله أن يقوم مع زوجته الملكة ثريا برحلة رسمية في بعض الدول الاوربية؛ فغادرا أفغانستان في شتاء هذا العام، ثم سافرا إلى أوروبا وزارا ايطاليا وفرنسا وإنكلترا وألمانيا، وتسابقت الدول في الاحتفاء بهما وإغداق الهدايا عليهما، كما تسابقت في التقرب إلى أمان الله ومحاولة الحصول منه على بعض المزايا السياسية والتجارية، ولكن أمان الله لم يتورط في التعاقد واكتفى ببذل الوعود. ثم غادر ألمانيا إلى روسيا، واستقبله حلفاؤه البلاشفة أعظم استقبال، وعقدت أثناء مقامه بموسكو معاهدة افغانية روسية تجارية جديدة. وأبدى أمان الله أثناء رحلته اهتماماً عظيماً بمظاهر الحضارة الغربية، ولم يخف أثناء تجواله نيته في الاقتباس منها لبلاده بأعظم قدر، والعمل على تجديد أفغانستان ودفعها إلى طريق الحضارة الغربية باسرع ما يستطاع، ولم تخف زوجته الملكة ثريا نيتها في العمل على تعليم المرأة الافغانية وتحريرها، وكان لهما في ذلك تصريحات رنانة. واستمرت الصحف الاوربية مدى حين تفيض في رحلة الملك الشرقي وفي اخباره وأعماله وأقواله، وفي برنامجه الاصلاحي، وفي أحوال أفغانستان وشؤونها وأهميتها الحربية والسياسية. بيد أنه لوحظ منذ قصد أمان الله إلى موسكو فتور الصحافة الغربية في الحديث عنه، ولوحظ بنوع خاص أن الصحف البريطانية أخذت تحمل على سياسته، وتنتقد زيارته لموسكو وتورطه في محالفة البلاشقة. ولم يكن حديث الصحف البريطانية عبثاً، وإنما كان دلالة لاتجاه جديد في السياسة البريطانية كما سنرى.
عاد أمان الله إلى أفغانستان بعد أن زار تركيا وفارس، وعقد مع كل منهما معاهدة صداقة، وتأثر ايما تأثر بما رأى في تركيا من مظاهر التجديد الاوربي. ولم يضع وقتا في تنفيذ برنامجه الاصلاحي وكان برنامجاً شاملاً تناول نظام الحكم، كما تناول كل نواحي الحياة القومية. فاما في نظام الحكم فقد ألغى أمان مجلس الحكم القديم الذي يضم زعماء الدين ومشايخ القبائل بمجلس تمثيلي يؤلف بالانتخاب، وأدخل نظام الوزارة الحديث، والغي سلطات الاشراف وزعماء الدين، وفرض الضرائب العامة المنظمة والخدمة العسكرية الاجبارية على كل أفغاني. وكان أمان الله في الناحية الاجتماعية أشد جرأة واندفاعاً وقد خيل له أنه يستطيع بقوة التشريع العاجل أن يخلق من أفغانستان العصور الوسطى، أمة جديدة تتمتع بمظاهر التمدن الحديث. وكانت زوجة الملكة ثريا، وهي امرأة سورية لاتفهم روح الشعب الذي رفعت إلى عرشه، تدفعه في ذلك الطريق بعنف فاصدر طائفة من القوانين الاجتماعية الجديدة ترمي إلى تحرير المرأة وسفورها، والغاء تعدد الزوجات، ورفع سن الزواج، والزام الافغانيين بلبس القبعة والثياب الاوروبية على نحو ما فعل مصطفى كمال بالترك، وأرسل إلى أوروبا بعوثاً من الشباب والفتيات ليتعلموا في معاهدها. وكان الشعب الافغاني يشهد هذا الانقلاب في دهشة وروعة ولا يكاد يصدق أنه المقصود بهذه الاجراءات، وفي أفغانستان أمة قديمة تغلب فيها البداوة، ولم تخرج بعد من غمرة القرون الوسطى، وللتقاليد الدينية والاجتماية فيها ايما هيبة ورسوخ، فوقعت هذه السياسة الجريئة في الشعب الافغاني وقع الصاعقة، وثار سخطه لهذا الاجتراء على تقاليد القرون، وقابل زعماء الدين والقبائل تلك المحاولة لسحق سلطانهم القديم بمنتهي الانكار والمقاومة، ولم تمض أشهر قلائل حتى سرى ضرام الثورة إلى ذلك الشعب المضطرم المتأهب أبداً للثورة وتحطيم أية سلطة مطلقة تحاول ارغامه على ما لا يرضى.
نشبت الثورة بسرعة. ولا ريب أن تطرف الملك أمان الله في تطبيق برنامجه الاصلاحي كان عاملاً هاماً في نشوبها بين القبائل الاقطاعية القوية التي أدركت خطر السياسة الجديدة على نفوذها واستقلالها المحلى، ولكنه لم يكن كل شيء، فقد نشبت الثورة بادئ ذي بدئ في الولايات الشرقية المجاورة للسند، ولا سيما منطقة جلال أباد، وهي منطقة يسود فيها النفوذ البريطاني، ثم امتدت بسرعة مدهشة برغم ما بذله أمان الله لحصرها واخمادها. وقد كانت السياسة البريطانية تأخذ دائماً على أمان الله تأثره بنفوذ السوفييت ومحالفته إياهم، وترى في زيارته لموسكو وتقوية صلاته بالسوفييت تحدياً لا تحمد عواقبه. وكان للسياسة البريطاينة دائماً أثرها في تطورات أفغانستان الحاسمة، والمرجح انها لم تكن بعيدة عن ذلك الانفجار الذي فوجئ به أمان الله وكان خطراً على عرشه وشخصه. وقد استطاع أمان الله أن يهزم الثوار بادئ بدء، واعتقد مدى لحظة أنه سيد الموقف، ولكن الحوادث تفاقمت بسرعة وامتدت الثورة إلى الجيش، وزحف الثوار على العاصمة الأفغانية، فبعث الملك بزوجه وأسرته إلى قندهار، وفر الأجانب من كابول على متن طيارات بريطانية أرسلت من الهند، وحاول أمان الله عبثاً أن يهدئ الثورة بالغاء القوانين الجديدة التي أصدرها، فلما رأى أنه فقد كل أمل في الاحتفاظ بعرشه وسلطانه، نزل عن العرش لأخيه الأكبر عناية الله، وفر الى قندهار لاحقاً بزوجه، ولكن الملك الجديد ألقى نفسه في مأزق صعب، ولم يجرؤ على مواجهة الحوادث، فغادر بدوره ذلك العرش الخطر وفر ناجياً بنفسه، ودخل الزعيم الثائر باتشه سقا كابول ظافراً، وتربع على العرش باسم حبيب الله. (أوائل سنة 1929م).
ولما رأى أمان الله تطور الحوادث على هذا النحو عاد فاسترد تنازله. وجمع فلوله وحاول السير إلى كابول، ووقعت بينه وبين خصومه معارك عديدة انتهت بهزيمته، فانسحب من الميدان أخيراً وفر مع زوجه وأسرته في مايو (أيار) سنة 1929م عن طريق الهند، ثم جاز إلى أوروبا منفياً طريداً، واستقر بروما، يرقب مجرى الحوادث في أفغانستان.
ولكن الملك الجديد باتشه سقا أو حبيب الله لم يستطع أن يبسط سلطانه على غير كابول وضواحيها، ولبثت أفغانستان تضطرم بالحرب الأهلية وزعماء القبائل القوية يتطلع كلّ منهم إلى الملك. عندئذ ظهر في ميدان الحوادث رجل لم يكن له في بدء الفتنة من الأمر شيء، وكان يقيم منذ حين بعيداً عن وطنه في معزل عن الحوادث. ذلك الرجل هو الجنرال نادر خان. وكان من قبل وزيراً للحربية وقائداً عاماً للجيش في حكومة الملك أمان الله ولكنّه لمّا رأى اندفاع أمان الله في سياسته، استقال من منصبه وعيّن سفيراً لأفغانستان في باريس وأبعد بتلك الوسيلة عن طريق أمان الله، فلمّا نشبت الثورة وتفاقم خطر الحرب الأهلية عاد إلى أفغانستان ليحاول إخماد الفتنة وإنقاذ أفغانستان من عواقب ذلك النزاع الخطر، ولكنّه ألفى الموقف مستحيلاً فاعتزم أن يخوض المعركة وأن يحاول سحق ذلك الزعيم المتغلب الذي أثار هذا الضرام، وجعل من أفغانستان مسرحاً للجريمة والفوضى فحشد أنصاره وفاوض زعماء القبائل القوية. ومن المعقول أيضاً أن تكون السياسة الإنكليزية قد أدّت مهمتها التاريخية في هذا النزاع، وأمدت نادر خان بالمعاونة المطلوبة لأنّها رأت فيه زعيماً مستنيراً متزناً، ولأنّها تحرص دائماً أن يستتب الأمر في أفغانستان لأمير يؤثِر التعاون مع بريطانيا العظمى. وعلى أي حال فقد استطاع نادر خان أن يشق طريقه وأن يهزم قوات المتغلب والثوار في عدّة معارك ثمّ زحف أخيراً على كابول ودخلها في أكتوبر (تشرين الأوّل) سنة 1929م وقبض على حبيب الله وأمر به فأعدم رمياً بالرصاص وقبض على زمام السلطة في كابول. بيد أنّه لم يكن سيّد الموقف بعد، لأنّ الثورة لبثت تضطرم في مختلف الأنحاء. وكان نادر خان من معارضي سياسة التجديد الأوروبي التي كان لها شأن في إضرام الثورة، فأعلن مرّة أخرى أنّه سيعمل على احترام أحكام الشريعة الإسلامية وتقاليد البلاد وحمايتها من كلّ انتهاك وعبث، وأخذت الثورة تهدأ شيئاً فشيئاً، ونادر خان يصرّح أنّه لا يبغي العرش وأنّه يتركه للرجل الذي تختاره أفغانستان، على أنّه لم يك ثمّة شك في نتيجة هذا التطور فقد انتهى نادر خان بارتقاء العرش بعد ذلك بأيام قلائل (15 أكتوبر) على يد جمعية وطنية من الزعماء نادت به ملكاً وأيّدته معظم العناصر القوية في البلاد.
وقد ولد السردار محمد نادر خان في سنة 1883م من والدين ينتمي كلاهما إلى أصل ملكي. وظهر منذ فتوته بالبراعة الحربية وتولّى منذ سنة 1919م قيادة حزب الاستقلال الأفغاني في صف الملك أمان الله، ولبث مدى أعوام شخصية بارزة في حياة أفغانستان العامّة، ولكنّه أبى التعاون مع أمان الله مذ رأى تطرّفه واندفاعه. وتولّى نادر خان الحكم في غمار من الصعاب، ولكنّه أبدى منتهى الاعتدال والكفاية، والحزم، وألغى جميع الإجراءات المتطرفة التي اتّخذها أمان الله، وردّ أحكام الشريعة كما كانت، ونظم علائق أفغانستان مع الدول، وكانت بريطانيا العظمى أوّل الدول التي اعترفت بحكومته، واهتمّ نادر خان بإصلاح الجيش وتقويته، ولبث يعمل في مثابرة وجلد حتّى عادت السكينة إلى البلاد واستقرّ الأمر في نصابه نوعاً ما. ولكن بعض القبائل القوية ولا سيّما قبيلة الشنواري لبثت محتفظة بموقفها من الاستقلال عن كلّ سلطة. ولم تمض أشهر قلائل حتّى عادت الثورة والقلائل العنيفة تهدّد سلام البلاد وأمنها. فعاد نادر خان إلى الكفاح، وكانت تعترضه صعاب فادحة مالية وغيرها. واستمرّت الثورة تخمد وتضطرم في أفغانستان مدى الأربعة الأعوام التي حكمها نادر خان بيد أنّها كانت ثورات محلية، ولم تتخذ ذلك العنف الذي تتحوّل معه مصائر أفغانستان إلى وجهة جديدة، وكان نادر خان دائماً رجل الموقف، وبذل نادر خان جهوداً صادقة لإصلاح نظم الحكم والإدارة، وجرى في الحكم على نظام الوزارة الحديث، وأنشأ مجلساً تمثيلياً (برلماناً) يقوم بمهمة التشريع بإشرافه، ولزم جانب الاعتدال في سياسة الإصلاح، ورد المرأة الأفغانية إلى حجابها ومنزلها ولم يحاول أن يغيّر بالعنف شيئاً من تقاليد البلاد الدينية أو الاجتماعية وسار بأفغانستان في طريق التقدّم والتوطد رغم القلاقل التي كانت تعترض سبيله من آن لآخر، وعادت السياسة البريطانية فوثقت علائقها مع أفغانستان، وقامت السفارة البريطانية في كابول مرّة أخرى، وطبقت المعاهدة المعقودة بين البلدين منذ سنة 1921م، وبالجملة فقد بدأت أفغانستان على يد هذا الأمير القوي الحازم مرحلة من الاستقرار والتقدّم كان مقدّراً أن تطول وأن تثمر خير النتائج لو لم يذهب نادر خان فجأة ضحية الاغتيال السياسي سنة 1933م.
وقد كان للحادث دوي عميق، وكان مدبّرو الجريمة يؤمِّلون على ما يظهر أن يُحدث موت نادر شاه اضطراباً وقلاقل ينتهزها خصوم الملك القتيل لإضرام الثورة، وكانت بوادر الثورة تبدو في الجنوب منذ حين، ولكن السردار محمود وزير الحربية وأصغر إخوة الملك القتيل أبدى منتهى الحزم والسرعة في تلافي هذا الأثر، فلم تمض ساعة واحدة على مقتل نادر شاه حتّى كان قد استدعى الوزراء والقادة والزعماء إلى القصر، ونادى في الحال بظاهر شاه ابن نادر شاه الوحيد ملكاً على أفغانستان مكان أبيه، وحيّاه الزعماء والقادة بلقب الجلالة.
وفي السنوات الأربعين التي أمضاها في السلطة واجه مشكلات اقتصادية ضخمة وتزايدت في عهده المطالبة بإقامة حكم أكثر ديموقراطية.
وفي العام 1964م أعلن في البلاد دستور جديد تضمّن اعتبار النظام ملكياً دستورياً وإقامة مجلسين، لكن عدد الأعضاء المعينين كان يطغى دائماً على المنتخبين، ولم تقم في البلاد حياة سياسية فعلية. واتهمت المعارضة الملك بالابتعاد عن شؤون الحكم وقضاء فترات طويلة في الخارج وتسليم السلطة الفعلية إلى زعماء إقطاعيين من المقربين إليه.
أفغانستان جمهورية
وفي 17 تموز سنة 1973م أصبحت أفغانستان جمهورية، بعدما أطاح انقلاب بالملك محمد ظاهر شاه وأعلن زعيم الانقلاب محمد داود خان وهو رئيس وزراء سابق ومن أقرباء الملك ـ أعلن نفسه رئيساً للجمهورية.
وفي 27 نيسان سنة 1978م قام انقلاب عسكري يساري بقيادة الجنرال عبد القادر فأطاح بمحمد داود وألّف مجلساً عسكرياً ثورياً سيطر على الوضع بعد معارك دامية قتل فيها محمد داود خان وأخوه وأولاده. وكان أوّل المعترفين بالواقع الجديد الاتحاد السوڤياتي.
وفي سنة 1979م قامت ثورة إسلامية مسلحة لمقاومة الحكم اليساري، وتتابعت المعارك الدامية بين الثوار والحكومة، فأرسل الاتحاد السوڤييتي جيوشه إلى أفغانستان لمناصرة الحكم اليساري، فلم تستطع حسم الأمر لمصلحة هذا الحكم، واضطرت للانسحاقب من أفغانستان، على أن السوڤييت ظلّوا يمدّون اليساريين بالأسلحة الثقيلة والمعدات. وفي المقابل كان الأميركان يمدّون الثوار حتّى انتهى الأمر بفشل الحكم اليساري بعد معارك طاحنة، ودخل الثوار العاصمة كابل، ولكن الأمر لم ينته فقد قامت بين جماعاتهم المتعددة الميول والمطامع حرب أهلية ثمّ انتهى الأمر إلى التصالح وقيام حكم إسلامي.
ولم يلبث أصحاب هذا الحكم أن انقسموا وراحوا يتحاربون فيما بينهم إلى أن انتهى الأمر إلى قيام من تسمّوا باسم (طالبان). وهي حركة رجعية ظلامية متعصبة تعصباً أعمى، قامت بمذابح أهلية فيمن هم على غير مذهبها، فاستشهد على يديها آلاف الشيعة، وعانى الشيعة في حكمها أقسى أنواع الاضطهاد والظلم والترويع والتشريد والقتل.
فقد استطاعت الاستيلاء على كابل والسيطرة على أكثر من ثلثي البلاد. وظلّ فريق صامداً لها فيما بقي من بلاد.
واقع طالبان
وقد صدر كتاب ساهم في تدوينه عدد من المفكرين، تحدّث عن واقع طالبان، وتحدّث عن الكتاب كاتب فقال:
بعيداً عن صخب «الحرب على الإرهاب»، الدائرة رحاها الآن في أفغانستان، يأتي هذا الكتاب ليذكرنا بأنّ المسألة الأفغانية هي في المقام الأوّل، وفي عهد «طالبان» حصراً، مسألة ثقافية.
وهذا بشرط أن نأخذ الثقافة بالمعنى الواسع للكلمة باعتبارها نمط حياة ونمط تفكير ورؤية ناظمة للكون والوجود معاً.
ومن هذا المنظور، فإنّ هذا الكتاب الجماعي، الذي شارك في تحريره إثنا عشر باحثاً دولياً في شتّى قطاعات الثقافة، يمثّل صرخة احتجاج على «الجريمة ضد الثقافة» التي ما فتئ يجسّدها المشروع الطالباني منذ استيلاء الحركة على كابول في أيلول (سبتمبر) 1996.
فالمشروع الطالباني هو في جوهره مشروع لـ «ثقافة مضادة للثقافة»، مشروع لاستئصال الثقافة، ولتدمير أدواتها ورموزها، ولاجتثاثها من الجذور وللرجوع بها إلى نقطة الصفر المطلقة.
فالمشروع الطالباني لا يقرّ بأي مشروعية للفن والرسم والموسيقى وللشعر وللتراث ولذاكرة الأجيال، وهو نموذج مكتمل ومتطرف للنزعة التي طالما كانت مميزة لحركات التعصّب الديني في العصر البيزنطي والقروسطي، والتي بلغت أوجهاً في أفغانستان الطالبانية ابتداء بحرق الأفلام وأشرطة الفيديو في الساحات العامة وحظر البث التلفزيوني، ومروراً بمحو صور الأشخاص وحرق المخطوطات المصوّرة في متحف كابول، وانتهاء بتدمير تماثيل بوذا العملاقة في جبال باميان.
والواقع أن المبادرة إلى إصدار هذا الكتاب الجماعي إنّما جاءت من المنظمة المكلفة الدفاع عن شؤون الثقافة والتراث الإنساني المشترك في العالم: اليونسكو.
فأولى مقالات الكتاب تحمل توقيع كويشيرو ماتسورا، المدير العام لليونسكو، الذي افتتحها بالقول: «إنّ جريمة ضد الثقافة قد اقترفت. فـ «طالبان»، بتدميرهم تماثيل بوذا العملاقة التي ما فتئت ساهرة منذ ألف وخمسمائة عام على وادي باميان، قد اقترفوا الجرم الذي لا يغتفر ولا يعوض. فقد اغتالوا جزءاً من الذاكرة الأفغانية، وأبادوا شهادة ثمينة وخارقة للمألوف على التواصل ما بين الحضارات، وهدموا تراثاً ينتمي إلى البشرية قاطبة».
أوليفييه ويبر، المكلف من قبل اليونسكو تنظيم ندوة الدفاع عن «تراثات أفغانستان وآسيا الوسطى»، اعتبر المشروع السياسي والثقافي الطالباني مشروعاً ظلامياً غير مسبوق في التاريخ.
فـ «طالبان» هم دعاة «للعزلة الثقافية التامة» وطلاب «لطهارة عدمية مطلقة» وأعداء ألداء للمرأة بما هي كذلك، وبالتالي لما تمثّله من قيم جمالية، وأنصار لأسوأ أشكال الاستبداد: الديكتاتورية على العقول وعلى النفوس، وجنود/ رهبان بالمعنى القروسطي للكلمة، أو هولاكيون جدد يحرقن الأخضر واليابس ليقيموا «حكم الملات» Mollarchie، وليمارسوا الشكل الأكثر تطرّفاً من حرق الصور، بما في ذلك حرق الصورة الحضارية للإسلام نفسه.
الجامعي الأفغاني المنفي لطيف بدرام يلجأ هو الآخر إلى الرمز الهولاكي ليقول: إنّه كما أنّ المغولي هولاكو خان دمّر مكتبة قلعة ألموت الإسماعيلية الكبرى، كذلك فإنّ زعيم «طالبان» الملا عمر، أمر بإضرام النار في الخمسة والخمسين ألف من مجلدات ومخطوطات مكتبة الحكيم ناصر خسرو.
أمّا كريستيان فهارت، الاختصاصي بشؤون آسيا في قسم التراث الثقافي باليونسكو، فيقدّم أوفى عرض وأكثر تفصيل للجريمة ضد الثقافة التي اقترفها «طالبان» بتدميرهم تماثيل باميان. وهو يبدأ عرضه بإيراد النص الحرفي للمرسوم الذي أصدرته حكومة «طالبان» في مدينة قندهار في 26 شباط (فبراير) 2001 بصدد تدمير جميع التماثيل، الموجودة في أفغانستان، أيّاً تكن قيمتها الفنية والتاريخية، بهدف إلغاء «عبادة الأوثان».
وقد جاء في النص: «على أساس مشورات الرؤساء الدينيين لإمارة أفغانستان الإسلامية، وعلى أساس فتاوى العلماء وقواعد المحكمة العليا لإمارة أفغانستان الإسلامية، يتعيّن تدمير جميع التماثيل والأضرحة غير الإسلامية الموجودة في مختلف مناطق إمارة أفغانستان الإسلامية. فهذه التماثيل كانت ولا تزال أماكن حج للكفار الذين لا يفتؤون يوقرون ويبجلون أماكن العبادة هذه. فلا إله إلاّ الله العلي القدير. أمّا سائر الآلهة فليس لها من مصير إلاّ الإبادة.
ولهذا فإنّ الرئيس الأعلى لإمارة أفغانستان الإسلامية قد أصدر أوامره إلى جميع المسؤولين في وزارة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وكذلك في وزارة الإعلام والثقافة، بهدم التماثيل كافة.
وكما رسمت المحكمة العليا لإمارة أفغانستان الإسلامية وهيئة العلماء، فإنّ التماثيل كافة ينبغي أن تدمر، كيلا يبقى في متاح أحد بعد اليوم أن يعبدها ويبجلها».
وعلى أثر صدور هذا المرسوم وجّهت منظمة اليونسكو نداء أوّل إلى قادة «طالبان» تسألهم فيه الحفاظ على التراث الثقافي الأفغاني. ونشر هذا النداء على سعة في الصحافة الباكستانية، كما في الصحافة الدولية. وفي 28 شباط أوصل المديرالعام لليونسكو رسالة شخصية إلى زعيم «طالبان» الملا عمر، عن طريق سفير «طالبان» في إسلام أباد، يناشده فيها التدخل لوقف عملية التدمير.
وبعد إصدار ثلاثة بيانات صحافية إضافية في الأسابيع التالية نظم مدير اليونسكو سلسلة من المباحثات مع سفراء مختلف الدول الإسلامية، لا سيما تلك التي تعترف بنظام «طالبان». وفي غضون شهر آذار (مارس) قام بيار لافرانس، الممثل الخاص للمدير العام لليونسكو، بسلسلة من الزيارات لإسلام آباد وقندهار وكابول حيث التقى وزير الخارجية ووزير الثقافة في حكومة «طالبان» ثمّ توجّه إلى الإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية ليناشد حكومات هذه البلدان تصعيد ضغطها على نظام «طالبان».
وبناء على طلب اليونسكو أصدر عدد من علماء الإسلام في مصر والعراق وباكستان فتاوى ضد مرسوم «طالبان» بالهدم. وبناء أيضاً على تدخّل المدير العام لليونسكو لدى منظمة المؤتمر الإسلامي توجّه وفد من رؤساء إحدى عشرة دولة مسلمة إلى قندهار بهدف إقناع الملا عمر بعدم اتخاذ القرآن والدين الإسلامي حجة لتدمير تلك التماثيل. لكن جميع هذه التدخلات السياسية والدينية لم تجد فتيلاً. وبقيت زعامة «طالبان» مصرّة على التمسّك بمرسومها التدميري، على رغم المعارضة التي أبداها العديد من المثقفين الأفغانيين المنفيين أو اللائذين بالمناطق غير الواقعة تحت حكم «طالبان». ويشير كريستيان فهارت إلى واقعة لها دلالتها، فقوات «طالبان» الموجودة في وادي باميان امتنعت لنحو أسبوعين عن تنفيذ أمر الملا عمر، ممّا استوجب مجيء وزير «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» شخصياً إلى باميان في 8 آذار ليتولّى مع رجاله نسف التماثيل بالديناميت والمدفعية في اليوم التالي.
يبقى أن نقول إنّ تماثيل باميان هي الأكبر من نوعها في العالم. فهي مقدودة في الصخر على ارتفاع 55 متراً لأكبرها، و38 متراً لأصغرها. وهي رمز للقاء الشرق والغرب ولحوار الحضارات. فنحتها يعود إلى القرن السادس أو السابع للميلاد، وقد نفذه رهبان بوذيون كانوا استقرّوا في مِغَر جبال باميان على ارتفاع 2700 متر، وكان فنّهم مزيجاًمن الثقافتين اليونانية والبوذية اللتين عرفتا طوراً مديداً من التفاعل على أثر فتوحات الإسكندر المقدوني التي أوصلته إلى قلب آسيا الوسطى، وتحديداً إلى مملكة بكتريان (بلخ حاليا) في شمال أفغانستان. وقد عكس فن أولئك الرهبان البوذيين تأثّراً واضحاً بفن مدرسة الإسكندرية الهلنستية التي كان فنانوها أوّل من نحت تماثيل لبوذا مع إعطائه ملامح أبولونية.
الهجوم الأميركي على أفغانستان
في 11 أيلول سنة 2001 هوجمت واشنطن ونيويورك بطائرتين مخطوفتين هجوماً أذهل أميركا.
ووصف كاتب ما جرى على الشكل التالي:
صباح الثلثاء 11 أيلول (سبتمبر) 2001، بعد الثامنة صباحاً، كانت السماء صافية فوق الساحل الشرقي الأميركي. لم يكن هناك ما يدل إلى شيء غير عادي في المطارات. استقلّ طائرة «أميركان إرلاينز» الرحلة الرقم 11 خمسة هم ـ كما حدّدتهم أجهزة التحقيق الأميركية ـ المصري محمد عطا والسعوديون وليد الشهري، وائل الشهري، عبد العزيز العمري، وسطّام السُقامي. اقتحم الخمسة الذين يُزعم أنّهم من «الخلايا النائمة» لـ «القاعدة» قمرة القيادة في الطائرة بعد قليل من إقلاعها من مطار بوسطن (شرق) في رحلة مقرّرة إلى لوس أنجلوس (كاليفورنيا)، وحوّل واحد منهم مسارها باتجاه نيويورك، تحديداً باتجاه البرج الشمالي لمركز التجارة العالمية الشاهق وضربته… وبدأ الموظفون في هذا البرج بإخلائه، في حين وصل مئات من رجال الإطفاء والدفاع المدني لمحاولة إنقاذ المصابين من البرج المحترق.
مركز التجارة العالمي قبل ضربه مركز التجارة العالمي بعد ضربه
كانت عملية الإخلاء بدأت للتو، عندما اقتربت طائرة أخرى تابعة لشركة «يونايتد إرلاينز» (الرحلة 175) من البرج الجنوبي لمركز التجارة (بعد نحو 18 دقيقة). كان المشهد مُرعباً: ظلّت الطائرة تسير على خط مستقيم حتّى ضربت البرج في وسطه واخترقته من جهة وخرج حُطامها من الجهة الثانية. كان خمسة آخرون من عناصر «الخلايا النائمة» المزعومة لـ «القاعدة» خطفوا الطائرة قبل لحظات وحوّلوا مسارها أيضاً إلى نيويورك. والخمسة، كما أفاد الـ «أف. بي. آي.»، هم: أحمد الغامدي، مروان الشحي، فايز أحمد، محمد الشهري، حمزة الغامدي (والأسماء، هنا أيضاً، ليست في الضرورة صحيحة، ولا حتّى الجنسيات التي أكدت أجهزة التحقيق الأميركية أنّها سعودية وإماراتية).
ما حصل في نيويورك كان وعلى وشك أن يتكرّر في أنحاء أخرى في الولايات المتحدة. إذ خطفت خلية أخرى قيل إنّها من «القاعدة» طائرة لـ «اميركان إرلاينز» (الرحلة 77) وطارت بها إلى العاصمة واشنطن لتضرب مقر وزارة الدفاع (البنتاغون). وعناصر الخلية هم (بحسب «أف. بي. آي.»): خالد المحضار، نواف الحازمي، هاني جنجور، سالم الحازمي، ماجد مُقيد.
طائرة رابعة لـ «يونايتد إرلاينز» (الرحلة 93) كانت في طريقها، كما يبدو، نحو هدف رابع. لكن ركابها الذين عرف بعضهم ـ من خلال اتصالات هاتفية أجروها خلال الرحلة ـ بما حصل للطائرات الثلاث الأخرى، رفضوا الاستسلام لخاطفيهم. حاولوا المقاومة واشتبكوا معهم ـ كما تقول الرواية الأميركية ـ ممّا أدّى إلى سقوط الطائرة في غابة في ولاية بنسلفانيا، الأمر الذي يقول المحققون الأميركون إنّه حال دون بلوغها الهدف وهو مقرّ المنتجع الرئاسي في كامب ديفيد. والخاطفون كانوا أربعة هم: سعيد الغامدي، أحمد النعمي، أحمد الحزناوني (سعوديون)، زياد الجرّاح (لبناني). وهنا أيضاً الأسماء والجنسيات حدّدتها أجهزة التحقيق الأميركية.
لم تكن ضربات نيويورك وواشنطن، على الأرجح، الجزء الوحيد من خطة تفجيرات ذلك اليوم الرهيب الذي «أمطرت فيه السماء طائرات مخطوفة»، وهزّ أميركا والعالم، وأدّى إلى إعلان الرئيس جورج بوش «الحرب على الإرهاب». إذ يُقال إنّ طائرتين أخريين كانتا على وشك التعرّض للخطف أيضاً، لولا صدور قرار بوقف كلّ الملاحة الجوية فوق الولايات المتحدة.
وشكّل 11 أيلول 2001 كارثة لكبرياء أميركا أصابتها في الصميم. فهناك العدد الهائل للضحايا الذي يُقدّر بأكثر من سبعة آلاف. وهُناك أيضاً تدمير برجي مركز التجارة الشاهقين فوق نهر الهدسون، وعلى مسافة قصيرة من تمثال الحرية. الأخطر من ذلك كلّه ما ظهر من عجز كلّي للولايات المتحدة حتّى عن الدفاع عن وزارة دفاعها «البنتاغون»، على أبواب العاصمة واشنطن وعلى مسافة قصيرة من البيت الأبيض.
كان السؤال الكبير بعد 11 أيلول الأسود كيف سيردّ «النسر» الأميركي الجريح؟ وأين يبدأ التحالف الجديد «الحرب على الإرهاب» الدولي؟
يقع مركز التجارة العالمي في مدينة منهاتن في ولاية نيويورك الأميركية وكان البرجان التوأمان (الشمالي والجنوبي) لمركز التجارة العالمي يعتبران ثاني أطول ناطحة سحاب في العالم بعد برج شيكاغو حيث بلغ ارتفاع كلّ منهما 411 متراً، ويمكن للمشاهد أن يتمتع بمنظر رائع لمدينة نيويورك عند قمة البنانية حيث يمكن الرؤية على مدى 45 ميلاً في كلّ الاتجاهات.
كان المركز مؤلفاً من سبع بنايات من ضمنها البرجان التوأمان اللذان يتألف كلّ منهما من 110 طوابق، وماريوت هوتيل من 22 طابقاً، وبناية بلازا الجنوبية من 9 طوابق، وبناية بلازا الشمالية من 9 طوابق، وبناية Customs House وأخيراً بناية خاصّة بالمكاتب تعرف بالبناية رقم 7 وتضمّ 47 طابقاً، بالإضافة إلى سبعة طوابق تحت الأرض تضمّ مركزاً للتسوّق، وكراجاً للسيّارات، ونفقين للقطارات.
تقدّر كلفة بناء مركز التجارة العالمي الكلية بـ 1,25 بليون دولاراً أميركياً، وقد كان قادراً على استيعاب 50,000 نسمة من العاملين و90,000 نسمة من الزائرين والسياح.
في صباح يوم الثلاثاء المصادف 11 أيلول/ سبتمبر 2001 الساعة 8:45 صباحاً بتوقيت نيويورك اصطدمت طائرة البوينغ 767 التابعة لشركة الخطوط الجوية الأميركية بالبرج الشمالي لمركز التجارة العاملي وكان على متنها 92 راكباً، وفي الساعة 9:03 صباحاً اصطدمت طائرة أخرى من نوع بوينغ 757 تابعة للخطوط الجوية المتحدة بالبرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي وكان على متنها 65 راكباً، وقد انهار البرج الشمالي في الساعة 10:30 صباحاً. أمّا البرج الجنوبي فقد انهار في الساعة 9:50 صباحاً أي بعد حوالي 47 دقيقة من الاصطدام. إنّ ما حدث من اهتزاز للمنطقة أدّى إلى انهيار المبنى رقم 7 الذي يحتوي على 47 طابقاً في الساعة 5:25 بعد ظهر اليوم نفسه. هناك بنايتان معرضتان للانهيار في أيّة لحظة، وقد أعلنت المنطقة المدمرة Ground Zero، حيث لا يمكن البناء عليها أو استعمالها لأي غرض في الوقت الحاضر.
قدرت سرعة الطائرة المصطدمة الأولى بحوالي 345 ميلاً بالساعة وكانت مجهزة بـ 80,000 لتراً من البنزين، أمّا سرعة الطائرة الثانية فقدرت بحوالي 300 ميلاً بالساعة وكانت مجهزة بـ 91,000 لتراًمن البنزين. الانفجار حطّم الأعمدة الخارجية وقسم من الأعضاء الأفقية للمبنى وعدد من الطوابق، ما أحدث فجوة بين الطوابق أدّت إلى زعزعة استقرار الهيكل الفولاذي Instability، كما أنّ ارتفاع درجة الحرارة إلى أكثر من 800مْ نتيجة لاحتراق البنزين كانت كافية لانصهار الحديد، فدرجة الحرارة العالية والثقل المسلط من هبوط الطوابق العليا وطريقة تصميم المبنى أدّت إلى انهيار الطوابق بالتوالي.
غطّت مدينة منهاتن سحابة خانقة من الدخان المنبعث من ركام مركز التجارة العالمي. وهو دخان ظلّ يحرق الخدود ويؤثّر على الرئات منذ أن انهار برجا المركز التجاري العالمي. يحتوي الدخان المؤلم مخاوف بشأن وجود ألياف الاسبستوس ومزيج خطير من الكيماويات السامة نتجت عن احتراق وقود الطائرتين وغيره من المواد المحترقة. وقال كثير من الخبراء إنّه من السابق لأوانه معرفة نوع الغازات التي تولّدت عن احتراق وقود الطائرات، والمواد العازلة والصناعية في واحد من أكثر المجمعات ازدحاماً بالنظم الالكترونية والكومبيوترية في العالم.
وصار المشاة وأصحاب الحوانيت في قرية غرينتش وبارك أفنيو يضعون الأقنعة القطنية.
وقد لوحد وجود خيوط من الغبار والرماد من الحطام تحت الأنوار الكاشفة المسلطة على الموقع. كما لوحظ وجود دخان أسود ينبعث باستمرار من ركام المباني، ما يعرقل أعمال الإنقاذ، ويتصاعد الدخان ليشكل ستارة كثيفة فوق جبل من النفايات، يغطي السماء.
وقال خبير الصحة البيئية بول ليوي، في جامعة رتجرز «لا أعتقد أنّ اختبارات أولية ستكشف لنا ما ترسب في مناطق الجوار، وفي رئات الناس الذين يستنشقون هذا الدخان».
كما حذّر الخبراء في جامعات كاليفورنيا وسان دييغو، ونيويورك، ومعهد ماساتشوسيتس التقني، أنّه لا يوجد طريق قصير وسهل لتقييم الخلطة المتفردة للكيماويات التي يمكن أن تحتوي على مكوّنات سامة. وبالقدر نفسه يصعب قياس الآثار الصحية على المدى البعيد.
وقالت خبيرة كيمياء الغلاف الجوي، كيمبرلي براثر من سان دييغو، هناك مزيج غريب: وقود الطائرات والغبار من الأبنية والإسمنت، والالكترونيات المحروقة، والأسلاك والأنابيب المحترقة. هذا يجب أن يشعرك بالقلق.
وقال فيليب لاندريغان في كلية طب ماونت سايناي في نيويورك، إنّ أكبر المخاطر يتعلق بسلامة عمال الإنقاذ. أولئك الذين تعرّضوا للفح النيران الأولى أو وطئوا مواقع ساخنة من الحطام، معرّضين للجروح الحرارية التي يمكن أن تسبّب الاحمرار والالتهابات والقروح، وتعطل التنفس وتضعف مقاومة الناس لآثار الدخان والغبار في الهواء.
وأضاف لاندريغان بقول إنّ «عمال البناء والإطفاء وعناصر الشرطة تعرّضوا لكميات هائلة من الغبار والاسبستوس، هذا لن ينتهي غداً، بل سيستمر لأسابيع وشهور».
وفي تطوّر آخر ذكر عمدة مدينة نيويورك رودولف جولياني أنّ أكثر من 10 آلاف طن من الأنقاض أزيلت من موقع مبنى مركز التجارة العالمي وأفادت شركات التأمين الأميركية خصوصاً في نيويورك أنّ حجم الأموال التي ستقوم بدفعها نتيجة الكارثة كبيرة للغاية وقد تصل إلى 25 بليون دولار ويقدّر عدد الضحايا بأكثر من 7000 نسمة، بالإضافة إلى الخسائر الناجمة من احتمال تدهور اقتصادي من إغلاق بعض الشركات مكاتبها وتسريح آلاف العاملين في قطاعات مختلفة وبخاصة الاستثمار والطيران على المدى البعيد.
وفي الوقت نفسه كانت طائرة ثالثة تخترق مبنى (البنتاغون) في واشنطن فتحدث فيه ما أحدثته الطائرتان في مبنى التجارة العالمي.
اتهمت أميركا بتدبير هذا العمل([248]) (أسامة بن لادن) الذي كانت تتهمه من قبل بتدبير نسف سفارتها في كينيا وتنزانيا سنة 1998م وإصابة مدمرتها (كول) في مرفأ عدن.
وكان ابن لادن هذا السعودي الجنسية قد أغضب الحكّام السعوديين بمعاداته لأميركا فجرّدوه من جنسيته فاستقرّ في أفغانستان التي تحكمها (طالبان). فطلب الأميركيون من حكومة طالبان تسليمه لهم فرفضت هذا الطلب.
وفي اليوم السابع من تشرين الأوّل سنة 2001 بدأت أميركا الحرب على أفغانستان، فوجّهت طيرانها الحربي لقصف مواقع طالبان فتوالى القصف على كابل وقندهار والمزار الشريف وغيرها من المدن، وظلّت الحرب الأميركية حرباً تكتفي فيها الطائرات الأميركية بقصف ما تعتقده قواعد حيوية لطالبان.
على أنّه كانت في البر قوى أفغانية معارضة لطالبان كانت تتمسك بمساحة من الأرض الأفغانية مدافعة عنها بما تملك من قوى، فجاءها الغزو الأميركي الجوي بالفرج فراح يدكّ الخطوط العسكرية لطالبان، فزحفت القوى الأفغانية البرية المعارضة فاحتلّت مدينة (المزار الشريف) طاردة قوى طالبان منها في العاشر من شهر تشرين الثاني سنة 2001.
ثمّ توالت هزائم طالبان وتوالى سقوط المناطق والمدن بأيدي معارضيها، وفي اليوم الثاني عشر من تشرين الثاني كانت الأوضاع قد جرت على الشكل التالي:
سيطرت قوات «تحالف الشمال» الأفغاني المعارض على تسع ولايات، في أقل من 48 ساعة، وتقدّمت إلى أبواب العاصمة كابول، بعد سلسلة انسحابات سريعة نفذتها حركة «طالبان» في ظل قصف أميركي شديد استهدف بشكل خاص معقلها في قندهار جنوب البلاد.
وجاءت تلك التطورات، بعد إحكام التحالف سيطرته على مدينة المزار الشريف عاصمة الشمال التي كان قد احتلها. وأفيد أنّ عشرات من مقاتلي «طالبان» وأنصارهم المتطوعين الباكستانيين والعرب، قتلوا أو أسروا، فيما انشق عدد آخر عن الحركة وانضم إلى المعارضة.
وتركّزت الاشتباكات بين الجانبين، في ولاية تخار شمال شرقي البلاد حيث بدا أنّ فلول «طالبان» فشلت في التصدّي للتحالف.
وأعلن وزير الخارجية في حكومة التحالف عبدالله عبدالله أنّ «طالبان» خسرت القسم الأساسي من قواتها خلال القتال في الشمال. وقال ـ في مؤتمر صحافي عقده في جبل سراج (شمال كابول) ـ إنّ «حجم هزيمتهم (طالبان) يبرز ليس عبر خسارتهم السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي فحسب بل أيضاً القسم الرئيسي من قواتهم».
وفي غضون ذلك، تقدّمت قوات التحالف غرباً عبر ولايتي فارياب وبادغيث إلى حدود ولاية هراة المحاذية للحدود مع إيران، إذ يتوقع أن تستجمع قواها مع انضمام قوات الحاكم السابق للولاية إسماعيل خان إليها، تمهيداً لنقل خط الجبهة إلى الحدود مع ولاية فرح البشتونية في الجنوب الشرقي.
وفي وسط البلاد، تقدّم التحالف عبر ولايات سامنغان وساري بول وبغلان ليصل إلى المداخل الشمالية الغربية لكابول، مستعيداً بذلك ولاية باميان المعقل السابق لحزب الوحدة الشيعي.
وبدا أنّ «طالبان» فشلت في التصدّي للتحالف في ولاية تخار غرب بغلان حيث دارت معارك أسفرت عن فقدانها السيطرة على مدينة طالقان عاصمة الولاية، بعدما كان التحالف نجح في بسط سيطرته على تقاطع طرق رئيس في بولي خمري عاصمة بغلان، ما فتح أمامه الطريق للتقدّم جنوباً في اتجاه ممر سالانغ المؤدّي إلى العاصمة.
وأعادت قوات التحالف التجمّع في محيط قاعدة باغرام على بُعد بضعة كيلمترات شمال كابول حيث كانت مواقع «طالبان» عرضة لغارات عنيفة من قاذفات «بي 52» الأميركية الثقيلة وتوقع خبراء عسكريون أن تصبح الطريق إلى كابول سالكة أمام التحالف بحلول الظلام، وذلك في انتظار «قرار سياسي» للدخول إليها.
وأفيد أنّ 200 متطوّع باكستاني قتلوا في مزار الشريف بعد دخول قوات التحالف المدينة. وأعلن الحاج محقق أحد قادة المعارضة الشيعية للصحافة الإيرانية أن «معارك جرت في منطقة تسمّى مكتب السلطان راضي دخلها أخيراً 1200 باكستاني لم يتمكنوا من الفرار منها مع طالبان وقتل 200 منهم».
وأضاف محقق الذي كان وزيراً للداخلية في حكومة برهان الدين رباني ورئيساً للمجلس السياسي لحزب الوحدة: «وجهنا لدى دخولنا مزار الشريف تحذيرات «للباكستانيين» لكي يسلموا أنفسهم فطلبوا منّا إرسال ممثلين لكنّهم أطلقوا النار عليهم وقتلوا ستّة منهم». وقال: «لم تحدث في الواقع اشتباكات عنيفة للسيطرة على المدينة. والآن حرر شمال أفغانستان كلّه فيما عدا «ولايتي» قندوز وبغلان»، علماً أن بغلان تابعة منذ زمن بعيد لقادة موالين للتحالف الشمالي، فيما تقدّم التحالف في اتجاه قندوز حيث حاصر 15 ألف عنصر من قوات «طالبان».
وأوضح محقق أنّ جنود التحالف سيخرجون من المزار الشريف بعد تطهيرها وسيعهد بالأمن إلى مجموعة من 3000 شخص من مختلف مجموعات المجاهدين. وأكد أنّ «طالبان» لم تعد تملك القدرة على شن هجوم مضاد، «لكنّهم إذا فعلوا فإنّنا لهم بالمرصاد». وأكد أنّ قوات تحالف الشمال صادرت في مزار الشريف «قذائف هاون وقذائف مضادة للطائرات وكاتيوشا».
معارك تخار
وسبقت سيطرة التحالف على طالقان عاصمة تخار (شمال شرقي) معارك بينه وبين مقاتلي «طالبان». وسمع إطلاق نار غزير بالرشاشات ومدافع الهاون قرب قرية أصفان دشت على مسافة 10كلم جنوب غربي خط الجبهة في شاراتاي حيث تمكّن تحالف الشمال من الاستيلاء على موقعين للحركة يقعان على تلال تبعد بضع مئات الأمتار من مواقع المعارضة.
وأوضح القائد محمد نوروز: «بعدما تقدّمنا كيلومتراً على الجبهة، اضطررنا إلى التراجع مجدداً بسبب نقص في العديد والعتاد. لكنّنا استأنفنا الهجوم ما إن وصلت تعزيزات». وقتل 15 إلى 30 مسلحاً من «طالبان» في معارك السبت وفق أرقام متناقضة صدرت عن تحالف الشمال الذي اعترف بمقتل ستة رجال في صفوفه.
وبسقوط تخار، أصبح في إمكان التحالف استقدام أسلحة وعتاد من مستودعاته في طاجيكستان المجاورة إلى وادي بنجشير المعقل التاريخي للقائد الراحل أحمد شاه مسعود.
وبادغيث
وتكرّر الأمر نفسه، في بادغيث غرباً، حيث أعلنت قوات التحالف الاستيلاء على قلعة نو عاصمة الولاية التي تفتح السيطرة عليها الطريق إلى مدينة هراة.
وقال الناطق باسم الجنرال إسماعيل خان أحد قادة تحالف الشمال في تصريح نقلته وكالة الأنباء الإسلامية إنّ «سكان هراة بدؤوا يثورون ومن المفترض أن تسقط المدينة».
وأوضح الناطق محامي الله أفضلي أنّ قوات المعارضة استولت على قلعة نو من دون تلقى مقاومة. وأشار إلى اعتقال حاكم الولاية وأربعين مسلحاً من «طالبان». لكن إسماعيل خان أكد لاحقاً اعتقال 300 من مقاتلي «طالبان» وقتل 15 آخرين بعد قتال استمرّ أربع ساعات في ضواحي قلعة نو.
وفي ساعة مبكرة من اليوم الثالث عشر من تشرين الثاني سقطت كابل بعد خمسة أعوام من سيطرة حركة «طالبان» عليها. وشهدت المدينة حوادث سرقة ونهب شملت الصيارفة ومستودعات الأمم المتحدة قام بها طالبان المنسحبون، ودخل مئات من المقاتلين ورجال الشرطة التابعين للتحالف إلى العاصمة عبر الطريق القديمة المقبلة من الشمال على متن شاحنات وسيّارات عسكرية أو سيراً على الأقدام، لاحقين بالطلائع التي ناهز عددها الـ 60 شخصاً الذين دخلوا إلى المدينة فجراً بسيّارات جيب.
ونقل التلفزيون الإيراني مظاهر فرح وبهجة بين سكان العاصمة، خصوصاً لدى وصول قائد قوات التحالف الجنرال محمد قاسم فهيم برفقة وزير الخارجية في حكومة التحالف عبدالله عبدالله.
وفي وقت كانت العناصر الأولى للقوات المعارضة المسلحة برشاشات كلاشينكوف وقاذفات قنابل تدخل المدينة بسيّارات من جهة الشمال، كان عناصر «طالبان» يفرّون منها من جهة الجنوب. وأشارت الإذاعة الإيرانية إلى «إطلاق نار متقطع» في المدينة وتحدّثت عن «صفوف طويلة من سيّارات طالبان» تغادر.
وتدفق المئات من سكان العاصمة على المواقع الأمامية التي تبعد نحو كيلومترين من المدينة للترحيب بالمقاتلين. وشوهدت على الطريق المؤدّي إلى هذه المواقع دبابات «طالبان» وقطع من المدفعية المحترقة من جرّاء القصف الأميركي.
وقال يونس قانوني وزير الداخلية في التحالف: «نحن هنا الآن لضمان أمن المدينة والحؤول دون تعرّض المجرمين للمواطنين». وأوضح أنّ «طالبان أخلت كلّ المناطق المحيطة بالعاصمة وربّما أيضاً ولايتي لوغار (جنوب العاصمة) وميدان شار (عاصمة ولاية وردك في غرب كابول). وتولّى سكان المنطقة السيطرة على الولايتين».
وأفاد مراسل لوكالة «فرانس برس» أنّ عمامات سوداً ترمز إلى حركة «طالبان» علقت على شرفة مقر قيادة الشرطة في العاصمة الأفغانية حيث ردّدت الحشود «الموت للإرهابيين» وهي تطلق النار عليها.
وراح محمد أجمل وهو أحد السكان في شمال كابول يهتف وقد بدت عليه علامات الفرح «طالبان انسحبوا، طالبان انسحبوا». وقال آخر متحدّثاً عن قوات التحالف التي دخلت كابول من الشمال: «لقد وصلوا». وأشار مراسل «فرانس برس» إلى أنّ مجموعات من السكان تجمّعت على امتداد الشوارع لاستقبال قوات التحالف وهي تهتف مع المقاتلين الذين كانوا على متن سيّارات الجيب «الله أكبر». ولم يشاهد أي من جنود «طالبان» في شوارع كابول باستثناء مجموعة من الأسرى كان يواكبها مقاتلون من المعارضة.
وأكد سجين سابق يدعى عصمة الله أنّه أفرج عن 360 معتقلاً من مقر قيادة الشرطة في كابول. وقال: «حين وصلت المعارضة هذا الصباح أطلقت سراح جميع الناس».
وبث التلفزيون الإيراني نقلاً عن مراسله في كابول أنّ «مقاتلي تحالف الشمال استولوا على مقر الرئاسة وأهم المباني العامة، لا سيما مقر وكالة بختار» للأنباء. مضيفاً أنّ «قوات التحالف يضمنون اعتباراً من (أمس الثلاثاء) أمن السفارات الأجنبية».
ونشر تحالف الشمال قواته في أرغندي (10 كلم إلى شمال المدينة) وفي سانجي نويشتا (5 كلم إلى الجنوب) وفي بولي شرقي (10 كلم إلى الشرق)، على ما ذكرت وكالة الأنباء الإسلامية. وأضافت الوكالة: «ليس هناك أي مقاومة والوضع هادئ. كما أنّه ليست هناك إشارة تدل على تحرّك من جانب طالبان».
وسرق المنسحبون ملايين الدولات من سوق الصرف الرئيسة في كابول، فيما كانوا يغادرون المدينة ومقاتلو تحالف الشمال يدخلون إليها.
وقال حجي أمين خوستي المسؤول عن سوق الصرف: «كل رأسمالنا، حتّى الكومبيوترات والسجاد وأباريق الشاي ذهبت. إنّها جريمة ضد بلادنا، ضد الأفغان وضد الإسلام».
وفي نيودلهي، أعلنت مفوضة الأمم المتحدة العليا لحقوق الإنسان ماري روبنسون أنّ مخازن المساعدات الإنسانية نهبت في كابول. وقالت للصحافيين أثناء زيارتها لنيودلهي: «سبق ووردت معلومات حول نهب المساعدات الإنسانية ونخشى أن تزداد الحال سوءاً. وفي ذلك مأساة شاملة للسكان المدنيين». وكانت الأمم المتحدة أعلنت أن مستودعاتها ومخازن الأغذية التابعة لها نهبت على أيدي عناصر «طالبان» في الأسابيع الأخيرة.
تحرير التلفزيون
هل تتخيل عالماً بلا تلفزيون؟
«طالبان» حقّقت هذا الخيال الفظيع. حرمت الشعب الأفغاني من أهم وسيلة إعلام في هذا العصر، وأوقفت مشاهد الحياة اليومية للبشر، وغيّبت الأحداث والمعلومات والتطورات العلمية والطبية، وأغلقت الباب دون وصول الصور ووجهات النظر والآراء الأخرى… وأغرقت الأفغان في عزلة سوداء كقطع الليل، وصادرت حق المعرفة، ومارست الجهل والتجهيل، وحرّمت التلفزيون وحطمت شاشته.
عاد التلفزيون الأفغاني إلى الحياة، وعاد مقدمو البرامج إلى العمل بعد انقطاع فرضته حركة «طالبان» استمرّ خمس سنوات. أخرج الناس أجهزة التلفزيون من المخابئ ونفضوا عنها الغبار، ووضعوه على المناضد، وتحسّسوها، واستعادوا ذكرياتهم معها، وتناقلوا الخبر، وتساءلوا عن النبأ وهم بين مصدق ومكذب: هل عاد التلفزيون إلى الحياة بالفعل… وتنفّسوا الصعداء.
يا الله ما أفظع «طالبان». يا الله ما أقسى هذه الحركة التي جهلت فوق جهل الجاهلين، وأعادتنا قروناً إلى الوراء، وجاءت بدعوى وقف الحرب وإشاعة الأمن ونشر الدين القويم، وتوحيد البلاد، وإذا بها تنفر الناس من الدين، وتشوّه صورة الإسلام، وتوقف حرية الحوار وسماع الأخبار، وتمارس القمع، وتحجب النور وتتحالف مع الظلم والظلام والبؤس، وتحارب الحضارة والمدنية، وتغيب الوعي وتحرم الإعلام والخيال والإبداع والتطلع إلى المستقبل، وتهين المرأة، وتنتهك حقوق الإنسان، وتحيل حياة الشعب الأفغاني إلى جحيم.
لا شك في أنّ الحرب على الجهل والتخلف أولى من الحرب على الإرهاب، واستئناف التلفزيون الأفغاني بثّه وفكّ أسره من سجن «طلبة الجهل والتخلّف» خبر بحجم طردهم من كابول، وواحد من أهم إنجازات هذه الحرب. ولكن بأسف، لم يأخذ هذه الإنجاز حقّه من الإبراز والضوء، على رغم كونه انتصاراً على الإرهاب والتطرّف والغلو، وإشارة إلى فداحة الظلم الذي كانت «طالبان» تمارسه ضد الإنسان الأفغاني وضد الحرية.
حين يعود جواسيس أميركا إلى القرون الوسطى
ترسانة غريبة تستخدم
الأقمار الاصطناعية والخيول والحمير
تتداخل العصور إلى حد السريالية في حرب أفغانستان. ففي الوقت الذي يختبر فيه الأميركيون آخر ما توصلوا إليه في تكنولوجيا الآلة الحربية، تبرز ترسانة لوجستية لا بديل عنها، تستخدم الخيول، وأحياناً الحمير في المواصلات.
تابع العالم أخبار جواسيس أميركيين يحملون آخر ما توصل إليه العلم من أجهزة الاتصال، وهم يصلون إلى أفغانستان التي تشهد أولى حروب القرن الواحد والعشرين يمتطون ظهور الدواب وكأنّهم خرجوا من بطن التاريخ في القرون الوسطى. واعترف وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد بأنّ الأميركيين استخدموا مزيجاً غريباً من وسائل الاتصال والمواصلات، يراوح بين الأقمار الاصطناعية والدواب، من خيل وحمير، لعبور مضائق الهندوكوش قبل موسم الثلوج. وتقدِّم الجبهات حول قندهار وقندوز وكابول مرآة أخرى للتاريخ، فالمتاريس والخنادق والمدن المحصنة وراء جدران الطين، تذكّر بالحرب العالمية الأولى وما قبلها.
إلى الصورة يمكن أن تضاف أيضاً مساومات تجار السجاد وبائعي الدواء على الطريقة الأفغانية، من شدّ الأيدي وكلمة الشرف وكلّ قيم الماضي السحيق، مع الآلة الحاسبة… ثمّ الكلفة الباهظة لوسيلة النقل البدائية التي تعبر بالصحافيين الأجانب المناطق الجبلية، وهي عادة حمار وفي أحسن الحالات حصان! أمّا الكلفة فتعادل ثمن سيّارة ومعدلها نحو ألفي دولار. احتاج الصحافيون وسيلة النقل هذه منذ بداية تشرين الثاني (نوفمبر)، إذ تقطع الثلوج لستة شهور كاملة طريق الهندوكوش، بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا. وقام العديد من كبار المراسلين بهذه الرحلة بين مدينة خواجا بهاء الدين، مقر قيادة «تحالف الشمال» القريب من الحدود الطاجيكية ووادي بانشير في شمال كابول، على متن طائرات هليكوتبر مستأجرة. أمّا المراسلون الأقل شأناً فكان عليهم أن يقوموا برحلة تستغرق أربعة أيام، وهم يتسللون بين المواقع التابعة لـ «طالبان» وتلك التابعة لعدوهم «تحالف الشمال». وإذا كانت الرحلة طويلة جدّاً للجميع، فإنّ الأحاديث خلالها قصيرة ومجتزأة، مع الإدلاء بلغتهم الدارية وهي نوع من الفارسية المحكية. واضطر المراسلون أن يسلكوا الطريق ذاتها التي سلكها البريطانيون في الحرب البريطانية ـ الأفغانية الأولى التي أعلنتها الإمبراطورية العظمى السابقة على الأمير دوست محمد عام 1838.
ويروي التاريخ أنّ البريطانيين أرادوا لحملتهم عبر هذه المناطق، تأمين بعض الرفاهية لضباط الحملة، فكانت الكلاب جزءاً من الحملة، لا للحراسة، بل لاستخدامها في صيد الثعالب بين وقت وآخر. حتّى أنّ أحد الجنرالات كان يملك ستين من هذه الكلاب المدربة. وتظلّ طريق الحروب هي ذاتها في القرن التاسع عشر والقرن الواحد والعشرين لهؤلاء الأجانب الذين خاضوا غمار القتال في أراض شديدة القسوة، في مواجهة بشر لا يقلون قسوة عن الطبيعة.
توالي الأحداث
توالت أحداث الحرب وتوالى استسلام قوات طالبان واحتلّت عاصمتهم (قندهار)، فأدّى ذلك إلى أن تعقد الفصائل الأفغانية في مدينة (بون) الألمانية مؤتمراً تقرّر فيه تأليف حكومة مؤقتة تتولّى التمهيد لانتخابات عامة تمهيداً لاستقرار حكومي.
وقد توارى ابن لادن وزعيم طالبان محمد عمر مع أنصار لهما في الجبال حيث يتعقبها الطيران الأميركي والقوى الأفغانية. وحتّى هذا اليوم الذي نكتب فيه هذا الكلام 4 آذار 2002 لم يبد لهما أثر.
من الأدب الحديث في أفغانستان
ونترك الحديث بعد هذا للأستاذ كامل المهندس:
قبل أن أعرض للشعر الفارسي الحديث في أفغانستان، يجدر بي أن أذكر كلمة عن اسم هذه البلاد قديماً وحديثاً، وأنّ أقدم نبذة عن الأساليب التي لوّنت الشعر الفارسي في جميع عصوره، ومدى تأثيرها في الشعر الفارسي الحديث في أفغانستان.
اسم أفغانستان
اسمها القديم (آريانا). وفي العصر الإسلامي احتلّت كلمة (خراسان) مكان (آريانا) القديمة وقد ترجم كتاب هذا العصر ـ أمثال أبي الفداء، وابن خرداذبه وخواندمير ـ (خراسان) بالمشرق أو مطلع الشمس، واستعملوها في مكان (أفغانستان) القديمة.
كما أطلق شعراء هذا العصر وكتابه على ملوك (أفغانستان) القديمة ـ أي أمراء الدولة الطاهرية، والصفارية، والسامانية ملوك (خراسان).
وكتاب الفرس وشعراؤهم ـ البيهقي، والعروضي والسمرقندي، والعنصري، والبلخي، والغضائري وأمثالهم ـ يذكرون هذا الاسم أيضاً.
حدث في القرنين الثاني عشر والثالث عشر للهجرة أن ظهرت كلمة (أفغانستان) مطلقة على مساحة أصغر من (آريانا) أو (خراسان)، وإن كانت قد شملت أجزاء لم تكن ضمن (خراسان) قديماً.
وشغل اسم (أفغانستان) تدريجاً مكان (خراسان).
وأخيراً أصبح الاسم القومي والرسمي للبلاد التي تحدّ شمالاً بما كان يسمّى الاتحاد السوڤياتي، وجنوباً وشرقاً بباكستان، وغرباً بإيران.
الأساليب التي لوّنت الشعر
الفارسي في أفغانستان
الشعر الفارسي بصفة عامة لا يمكن أن يخرج من تأثير أربعة اساليب، يتداخل بعضها أحياناً في بعض. ويراد بالأسلوب مجموع الألفاظ والتراكيب وأنواعها من ناحية قواعد اللغة، وما تعنيه كلّ كلمة، وأنواع التخيّل، وطرق التعبير عنها، وحالات الشاعر الروحية التي انعكست فيها آثار بيئته ونوع معيشته. إذ كلّ من هذه الأمور يحدّد لون الشعر، ويضفي عليه رونقاً خاصّاً:
أ ـ الأسلوب الخراساني أو التركستاني: ويبدأ من منتصف القرن الرابع، إلى منتصف القرن السادس للهجرة.
ب ـ الأسلوب العراقي: ويبدأ من منتصف القرن الخامس، إلى أواخر القرن التاسع للهجرة.
ج ـ الأسلوب الهندي: ويبدأ من القرن العاشر الهجري، إلى اليوم.
والأسلوب الساماني أقدم أقسام الأسلوب الخراساني. ويمتاز بما يأتي:
1 ـ خلوّه من الألفاظ العربية، مع استثناء المصطلحات الدينية والإدارية والسياسية، التي ليست لها نظائر في اللغة الفارسية وذلك كألفاظ الحج، والجهاد، والمحتسب، وأمثالها، فقد استعملت هذه الكلمات في النظم والنثر.
على أنّه قد وجِدَت في الاسلوب الساماني ألفاظ عربية لها نظائر فارسية، واستعمل المصطلح الفارسي بجانب نظيره العربي، مثال ذلك. «نماز: الصلاة، روزة: الصوم».
2 ـ كما أنّ الأسلوب الساماني ينفرد بعدم فنية القافية، وبجريانها على نمط واحد، فإنّ القوافي تختم فيه عادة بالألف والنون أو ما يماثل ذلك من الحروف. ويمتاز كذلك بالمبالغة في الوصف والمدح.
فمن المبالغة في وصف الخمر مثلاً. قول الرودكي:
«إنّ تأثيرها يصل إلى أعالي المخ قبل أن تذاق، وإنّها لو سقطت منها قطرة في نهر النيل لظلّ التمساح ثملاً من رائحتها مائة عام، وإنّ غزال السهل لو شرب قطرة منها لصار أسداً عربيداً لا يكترث بالفهد».
3 ـ وأغلب ما نظّمه السامانيون، كان في صورة «المقطعات» أو القطع الشعرية القصيرة. وتختلف القطعة عن القصيدة، في أنّ الأولى تتكوّن من بيتين على الأقل، وأنّ مطلعها لا يشترط فيه التصريح (اتحاد شطري مطلع القصيدة في القافية) وتتفقان في أنّ أبياتهما لا تتجاوز عادة سبعين ومائة.
والأسلوب الغزنوي قسم آخر من أقسام الأسلوب الخراساني.
ويمتاز كذلك بما يأتي:
التجديد والقوّة، واتجاه الشعراء إلى المدح أكثر من اتجاههم إلى أي غرض آخر.
كما يمتاز بظهور القصائد الطوال، وزيادة الاهتمام بنظم الملاحم والأساطير الوطنية. (وأطول ملحمة هي الشاهنامه التي نظمها الفردوسي)، وظهور المناظرات الشعرية، التي لم تكن مألوفة في الشعر الفارسي من قبل.
وفي هذا العصر ولع الشعراء بالدقة في وصف الفاكهة وغيرها، وظهر نوع جديد من الشعر يسمّى «الملمعات». والملمع نوع من القصيدة، ينظم فيه الشاعر بيتاً بالفارسية يليه بيت بالعربية أو العكس، مع مراعاة أن تكون معاني الأبيات مرتبطة بعضها ببعض بحيث تكون القصيدة وحدة متماسكة الأجزاء.
وفي هذا الأسلوب، زادت العناية باستعمال الألفاظ والمصطلحات العربية في الشعر، ولذا اعتبر الأسلوب الغزنوي نقطة التحوّل من الأسلوب الخراساني إلى الأسلوب العراقي.
وممّا يمتاز به الأسلوب الخراساني بصفة عامة، قلّة الالتجاء إلى المجاز، وعدم العناية باستعمال المحسنات اللفظية والمعنوية، وسذاجة المعاني وبساطة الألفاظ، والإقلال من الغزل، وعدم الاتجاه إلى المعاني العلمية، غير أنّ الشاعر في الأسلوب الغزنوي، قد يمسّ الحقائق العلمية عفواً ومن غير قصد.
الأسلوب العراقي
ويبدأ من أواسط القرن الخامس (عصر السلاجقة) حتّى أواخر القرن التاسع للهجرة.
وفي هذا الأسلوب وضح النضج والقوّة في الشعر الفارسي، وذهبت بساطة الأسلوب الخراساني وسلاسته، وشقّت الألفاظ العربية طريقها إلى أشعار الشعراء بصورة أكبر. والاستعارات والتشبيهات والكنايات التي كانت في الأسلوب الخراساني طبيعية ومحسوسة وغاية في البساطة، أصبحت عقلية وأكثر غموضاً وتعقيداً.
ولمّا كان اتجاه الشعراء إلى نظم القصيدة أقل في هذا الدور أعطوا عناية خاصّة لإنشاد الغزل:
«والغزل في العادة أقصر من القصيدة وأطول من القطعة، ويتفق مع القصيدة في أنّه يبدأ ببيت مقفى المصراعين، ويختلف عن كلّ من القصيدة والقطعة في أنّه لا يكون وحدة شعرية متصلة الأفكار» والصناعة الشعرية التي كانت قليلة ومحدودة في الأسلوب الخراساني زادت في هذا وبدت أكثر تكلفاً، وبخاصّة الصناعة اللفظية التي كلف بها الشعراء.
وفي هذا العصر أكثر الشعراء من أستعمال الشعر «الملمع»، كما ظهر الشعر الأخلاقي والديني، ونظمت القصائد في ذم الدنيا ووصف الآخرة، واتّسعت فنون الشعر، ونظم التركيب بند (مجموعات من الأبيات متّحدة البحر مختلفة القافية، يؤتى فيها بعد كلّ مجموعة ببيت للربط بين معاني المجموعات، ولكن هذا البيت لا يتكرر) الذي لم يكن معروفاً في الآداب الفارسية، ونظمت الرباعيات بشكل أزيد وأوضح (والرباعي يتكوّن من أربعة مصاريع، فيها يتّحد الأوّل والثاني والرابع في الروي، وليس من الضروري أن يتّحد الثالث مع هذه الثلاثة. ولا بدّ أن يكون من بحر الهزج (مفاعيلن ثمان مرّات). وكلّ رباعي وحدة شعرية مستقلة، وبخاصّة رباعيات المتصوّف العارف بالله: أبي سعيد أبي الخير، ورباعيات الفيلسوف الحكيم: عمر الخيام.
ومن المميزات البارزة لهذا العصر تخصّص الشاعر في فن واحد من فنون الشعر وتفوّقه فيه، وذلك كتخصّص سعدي وحافظ في الغزل، والنظامي وجلال الدين الرومي في المثنوي (مجموعات أبيات متّحدة البحر مختلفة القافية، كلّ بيت منها مقفى المصراعين).
كما أنّ من أخصّ صفات هذا العصر، سيطرة التصوّف على الأدب الفارسي. وكان قد بدأ ظهوره في القرن الخامس. واتّسع في القرن السادس وبلغ أوج قوّته في القرن السابع للهجرة.
وممّا يمتاز به هذا العصر أيضاً التعمّق في استعمال المعاني العلمية وإلحاق مادة التاريخ بالشعر، وكان هذا نادراً في العصر الخراساني، وكان تاريخ الأحداث والأعمار في الشعر الخراساني بالأعداد، فأصبح في الشعر العراقي بالحروف.
الأسلوب الهندي
وقبل أن أعرض لمميزات هذا الأسلوب لا بدّ أن أذكر كلمة عن نشأته. ولمؤرخي الأدب في هذا رأيان:
أوّلهما أنّ أوّل من أسّس مدرسة هذا الأسلوب هو «بابافغاني» الشيرازي وأنّه سافر إلى (هراة) عاصمة (خراسان) في زمن السلطان حسين واتصل هناك بإمام الشعراء وقتئذ (عبد الرحمن الجامي). ولمّا أصبحت هراة ميداناً للنزاع بين الشيبانيين والصفويين اتّجه شعراء خراسان نحو الهند حيث الأمن والطمأنينة والعطايا الوفيرة وحيث الملوك الذين كانوا يتذوقون الشعر ويقدرون الشعراء تمام التقدير، فابتكر الشعراء المعاني الجديدة والموضوعات التي لم يسبقوا إليها والأخيلة الطريفة.
والرأي الثاني أنّ هذا الأسلوب أقدم من عهد الجامي، وأنّه ظهر في شعر أمير خسرو الدهلوي وحافظ الشيرازي، لذلك لا يعتبر أسلوباً جديداً وإنّما هو أحد التطوّرات التي لحقت الأسلوب العراقي.
ومهما يكن أصل هذا الأسلوب، فإنّ كثرة شعراء العصر الحديث في أفغانستان ولعوا بالأسلوب الهندي واتخذوا شعر «أبي المعاني بيدل» ـ شاعر الهند الذائع الصيت ـ مثالاً يحتذونه وينسجون على منواله ويمتاز هذا الأسلوب بابتكار المعاني والموضوعات الجديدة، والمبالغة في استعمال الدقة الفكرية في ربط أجزائها بعضها ببعض إلى حد فقد معه الشعر السلاسة والانطلاق ومالت معانيه إلى الاستغلاق والالتواء، حتّى استحال الشعر أحياناً لغزاً، وعزّ على القارئ كشف معمياته.
مثال ذلك ما قاله أحد شعراء هذا الأسلوب في وصف الشمعة:
شمع رابر سرنمي دائم هواي روى كيست
بوي كل مي ايد از دوربر بروانه أم
ومعنى البيت: «إنّي لا أدري في حب وجه من تحترق الشمعة. إنّها تحترق لأنّ رائحة الوردة تأتي من حول جناح فراشتي».
ويقصد الشاعر بهذا أنّ الشمعة تحترق لأنّ رائحة الوردة التي تنبعث إليها من جناح فراشته تبثّها لوعته وحرقة فؤاده.
قارن هذا الغموض بوضوح «منوجهري» (من شعراء العصر الغزنوي) في وصفه للشمعة حين يقول:
كرنه كوكب جرابيدا نكردي جزبشب
ورنة عاشق جراكريي همي برخويشتن
ومعناه: إذا لم تكوني كوكباً فلم لا تظهرين إلاّ ليلاً؟
وإذا لم تكوني عاشقاً فلم تبكين على نفسك؟
فشعراء هذا الأسلوب كثيراً ما كانوا يعمدون في ابتكار المعاني الممعنة في الخيال، ويستخدمون الاستعارات والتشبيهات البعيدة عن الحقيقة، غير أنّ أسلوبهم لم يخل أحياناً من اللطيف الطريف.
وممّا يلاحظ على شعرائه بصفة خاصّة التعفّف، وعلو الهمّة، ومعنى هذا أنّهم لم ينشدوا الشعر طلباً للجدوى والعطاء بل إنّهم كانوا يضعون أنفسهم أحياناً في مركز أعلى من حقيقتهم.
وممّا يمتاز به هذا الأسلوب أيضاً اختيار الألفاظ الجيّدة الطريفة وصوغها في أسلوب متين رصين. وكان النظامي الكنجوي إمام أهل الأدب الفارسي في هذا الميدان.
كما يمتاز بكثرة استعمال ما يسمّونه «مدعا» ويراد به أن يدّعي الشاعر في مصراع ادعاء، ويقيم دليلاً شعرياً على إثباته في المصراع الثاني، وعلى قدر قوّة الدليل يكون الادعاء أثبت وأصح. وقد استعملت هذه الصنعة في أسلوب المتقدمين غير أنّ الاسلوب الهندي بلغ فيها القمة.
وما أشبه هذا بالتشبيه الضمني عندنا الذي يكون الغرض منه بيان أنّ المشبه ممكن، كما في قول أبي الطيب المتنبي:
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلام
فقد ادعى الشاعر في المصراع الأوّل أنّ من يتعوّد الذل يسهل عليه أن تذل نفسه، وأراد في المصراع الثاني أن يبرهن على ذلك، فشبّه حال من تعوّد الذل بالميت، وكما أنّ الميت لا يؤلمه الجرح كذلك من اعتاد الذل لا يؤثّر فيه إذلال نفسه.
أحدث هذا الأسلوب انقلاباً كبيراً في عالم الآداب الفارسية، وبعث نوعاً من الفكر الجديد والخيال الطريف في ميدان الأدب والشعر، وترك تأثيراً كاملاً في شعراء خراسان وما وراء النهر الذين سحروا بروعته، فنسجوا على منواله. لهذا ظلّ شعراء كثيرون في أفغانستان ينظِمون على هذا الأسلوب من القرن العاشر الهجري إلى اليوم.
وقد حدث على أثر تدهور الشعر في إيران، أنّ فكّرت طائفة من شعراء أصفهان ونواحيها في عهدالصفويين ـ وبخاصّة في القرن الثاني عشر الهجري ـ في أن تعيد للشعر أسلوبه القديم، وتزيل ما لحقه من انحطاط وابتذال، وتكوّنت منها فرقة تروّج لهذه الفكرة، وتبذل الجهد في إحياء أسلوب الأساتذة من السلف مرّة أخرى، فحذت في إنشاد الغزل حذو شعراء الأسلوب العراقي وبخاصّة (سعدي وحافظ). وفي القصيدة حذو الشعراء السامانيين والمحموديين (نسبة إلى السلطان محمود الغزنوي 366ـ421هـ) من أمثال الرودكي والفرخي والعنصري وغيرهم.
لكن في أفغانستان لم يعر الشعراء هذه الفكرة أقل اهتمام، بعد أن اتّجهوا إلى الأسلوب الهندي، وبخاصّة بعد أن نسجوا على منوال (بيدل) والتزموا مدرسته. بهذا ـ إذا استثنينا عدداً من الشعراء ـ لا نجد في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر للهجرة سوى عدد قليل من الشعراء في أفغانستان اعتنقوا فكرة الرجوع بالشعر إلى أسلوب القدامى.
ومن جملة الشعراء الذين نظموا الشعر على الأسلوب الخراساني والعراقي (أديب البشاوري، وشرر الكابلي) اللذان أنشدا القصائد الغراء على الأسلوب الخراساني، وجعلا مصباحه المظلم في أفغانستان نصف مضيء.
وهناك شاعران آخران في هراة هما: (مشواني، وسيدمير) نظما قصائد رائعة على أسلوب المتقدمين، فسيدمير حذا حذو (الخاقاني الشيرواني) بالذات وأحيا اسمه مرّة أخرى، وجدّد ذكرى الأساتذة القدامى في الأذهان.
أمّا الشاعر الذي بلغ القمة في الغزليات العذبة الممتازة، وبعث الأسلوب العراقي من جديد، وحذا حذو حافظ الشيرازي في لغته وأسلوبه فهو (ميرزا محمد نبي خان دبير) المعروف «بواصل الكابلي». أراد «واصل» أن ينسج على منوال الأسلوب العراقي فلم ير هادياً في بلوغه هذه الغاية خيراً من حافظ، إذ هو يقول في بيتين معناهما:
لا يملك أحد معنى من هذا النوع سوى حافظ إقليم الكلام.
ومهما أكثر قلمي من تحطيم أقلام الأساتذة فإنّ قلم حافظ لا يزال يخدش أقلامي.
ولكن هذه الفكرة ذهبت بذهاب «واصل» ولم يحذ شعراء أفغانستان حذوه بل ظلّوا متمسكين بالأسلوب الهندي. غير أنّنا نجد في الوقت الحاضر عدداً من الشعراء والكتّاب يقلّدون أساتذة السلف في النظم والنثر ويبرزون آثاراً تذكّرنا بأشعار الفرخي والعنصري ونثر البيهقي والعروضي.
من شعراء القرن الرابع عشر
الهجري في أفغانستان
واصل الكابلي
هو ميرزا محمد نبي خان ابن ميرزا محمد خان الملقب «بدبير الملك» (كاتب الملك)، والمشهور «بواصل».
ولد في كابل في حدود سنة 1244هـ، وتلقّى تعليمه الأوّلي فيها، ولمّا كبر انتظم في سلك المنشئين. ثمّ عيّن معاوناً لزميله في الدراسة (ميرزا محمد محسن خان) الذي كان قد عيّن سفيراً لأفغانستان في روسيا، وظلّ في هذا المنصب حتّى نهاية زمن (أمير شير عليخان) 1296هـ. ثمّ عاد إلى كابل في عهد (الأمير عبد الرحمن خان)، فاختاره كاتباً له، واستمرّ في هذا المنصب حتّى نهاية حياته في شهر شوال سنة 1309هـ.
وكانت لـ “واصل” مقدرة فائقة في الشعر: فقد أنشد الغزل والقصيدة والقطعة والرباعي والترجيع بند (مجموعات من الأبيات متحدة البحر مختلفة القافية، يؤتى بعد المجموعة الأولى ببيت يتكرّر بعد كلّ مجموعة للربط بين المجموعات) وأمثالها بمهارة بالغة.
وأسلوبه في الشعر هو الأسلوب العراقي، وأستاذه فيه حافظ الشيرازي.
وله ديوان شعر، كما أنّ له كتاباً في النثر يصوّر فيه يوميات حياة «أعلى حضرت أمير شير عليخان».
ومن غزلياته ما ترجمته: «اقبل أيّها الساقي، فإنّ الزهر قد زان العرش الملكي بحسن الكمالات الصوفية».
وغرّد البلبل على عرش «باربد([249]) وبدأ ينشد الغزليات الفهلوية([250]).
هات الخمر في لون نار موسى([251])، لأنّ نفس عيسى([252]) ممثلاً في رائحة البنفسج قد بعث الحياة في كلّ مكان. قلب البستان ينافس صدر طور سينا من شدّة (ما ازدهرت فيه الأزهار) وأشعلت النار التي تحكي نار موسى نسيم الربيع ـ بسبب النار التي اشتعلت في كلّ زهرة ـ أراق على الأرض ما في وجه النقش المانوي([253]) من ماء».
«من الظلم أيّها الشاب أن تنزوي من منزلك في مثل هذا الموسم الذي أينعت فيه زهرة «اللاله»([254]) بالصحراء. مر بطرف الحديقة فإنّ الطيور الصادقة التغريد تقطع بسرور طريق المقامات الروحية.
احتس الليلة المدام على صوت القطاة([255]) فإنّك لا تسمع مع تنفّس الصبح نغماً من عندليب هذا البستان.
أيّها الناشئ الغر لم تثور إلى هذا الحد، وأنت عمّا قريب تغادر هذا الروض؟
ما جزاء الإحسان إلاّ الإحسان، وما جزاء سيئة إلاّ سيئة مثلها، وكلّ ما زرعته بالأمس تحصده اليوم. شيوخ مدينتنا كلّهم أصحاب كبر وغرور، فإياك يا بني أن تنقاد لظاهر هؤلاء القوم.
الشكر لله على أنّ ثوب إمامنا البالي الملطخ بالخمر ليس من أموال الوقف مثل عمامة المولوي»([256]).
خليل الله خليلي
أمّا الشاعر المعاصر الذي يتغنّى بشعره في أفغانستان وإيران، والذي سار غزله وقصائده في البلاد مسير الشمس فهو «خليل الله خليلي» الذي ينتهي نسبه إلى عظماء أفغانستان.
تلقّى خليل الله تربيته الأدبية في وطنه، وكان أبوه يلقب في بلاط أفغانستان بـ «مستوفي الممالك».
وقد شغل خليل الله عدّة مناصب في الدولة منها: «رئيس مستقل مطبوعات» وهذه الإدارة تشبه «وزارة الثقافة والإرشاد» عندنا.
«كاتب الملك ومستشاره في شؤون النشر والمطبوعات».
وقوّة الحافظة، وحسن البيان في نظم الشعر من أخص ما يمتاز به خليل الله. وقد كانت قوّة حافظته سبباً في غزارة ما يحفظه ويرويه من الاشعار حتّى أنّه ليذكرنا بالأصمعي والأديب النيسابوري في رواية الشعر.
وله من التحقيقات الأدبية ما يضعه في الصف الأوّل من نقاد الأدب الفارسي. وكتاب «آثار هراة» و«شرح حال سنائي» من أجل آثاره.
كامل المهندس
التشيّع في أفغانستان
الغالب على الأفغانيين المذهب السني على مذهب أبي حنيفة، ولكن التشيّع انتشر في أفغانستان في عهد الصفويين، وعيّنوا فيها علماء ومدرسين ومشايخ إسلام في أهم مدنها مثل هراة وكابل وقندهار وغيرها. وكان الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي والد الشيخ البهائي معيناً شيخاً للإسلام في هراة.
والآن لا تخلو بلد من أفغانستان من الشيعة. ومن الشيعة هناك القبائل المعروفون باسم هزارة وهم يتعاطون الزراعة وقبائل قزلباش هم شيعة كذلك. وستأتي الفاصيل في الآتي من القول.
ويشغل موطن هزارة مساحة واسعة من هضاب أفغانستان الوسطى جنوب سلاسل هندوكوش ما بين مدينتي كابل وهراة، وهم يحترفون الرعي في المقام الأوّل ولا ينتجون من الغلات الزراعية إلاّ بالقدر الذي يسدّ حاجتهم منها وهم يتصفون بالأمانة والشجاعة وطيب القلب. وقد امتاز شبانهم في صفوف الجيش بالشجاعة والوطنية الصادقة.
وتقوم هزارة بالاتجار بغنمهم في أسواق كابل وغيرها من المدن الأفغانية وفي الشتاء عندما تكسو الثلوج مراعيهم يقوم بعضهم بغزل القطن والصوف ونسجهما على أنوال يديوية وتطريز الثياب ونقش الجلود بينما يذهب بعضهم للعمل في المدن.
وكان الأمير يعقوب وولده عبد الرحمن متعصبين على الشيعة لا سيما الثاني فقد قتل عدداً كثيراً من قبائل البربر، إلاّ أنّ ولده حبيب الله كان متساهلاً مع الشيعة وغير متعصب عليهم وكذلك كان أخوه أمان الله.
ويوجد في النجف دائماً طلاب أفغانيون يدرسون هناك ولكن عددهم قليل بالنسبة لعدد الشيعة الأفغانيين.
مناطق الشيعة في أفغانستان
يشكّل الشيعة الثلث من سكان أفغانستان وكذلك فهم يشكلون الثلث من سكان العاصمة كابول ويسكنون فيها الأحياء الآتية: شنداول وجمال مينا ومراد خاني ومرابد آبد وقلعتشه وقلعة شاده وإفشار نانكجي وإفشار تبه وقلعة فتوح وزنده بانان وقلعة علي مردان. أمّا في ضواحي كابول فيسكنون في لوكر.
وهذه الأحياء مملوءة بهم وفيها أكبر مساجدهم وحسينياتهم كما أنّهم موجودون في كثير من الأحياء بأعداد متفاوتة. وأكبر أحيائهم حي شنداول وحي جمال مينا وحي مرادخاني وكذلك هم موجودون في المدن الآتية:
هراة: ويؤلف الشيعة الأكثرية من سكانها وفي التقسيمات الإدارية الأخيرة قسمت مدينة هراة إلى سبعة نواحٍ، منها ناحية واحدة سنية سمّيت الناحية الأولى وكان اسمها القديم قطبي تشاق وبقية النواحي شيعية. ويسكن الشيعة في هراة في الأحياء الآتية: خاجه عبدالله المعري وبرج خاكستر وشوره خانه وكلاب وقلبتشه وكارته وسربل وفيروز آباد وجهاد باغ تركمان وباباجي وشاهزاده قاسم وباعشته ميتر.
غزنة: يؤلف الشيعة الأكثرية من سكانها ويسكنون في القسم القديم منها في حي طقشة وفي القسم الجديد في كلّ من: جادة ظاهر شاهي وكلاه سبزواري ومندوي وسره كاريزي خاجه أحمد.
أمّا في ضواحي غزنة فالضواحي الآتية كلّها شيعية: منطقة خاجه عمري المشتملة على ثلاثين قرية بينها قريتان هما علي آباد ونه برجه جميع أهلها سادة حسينيون ومنطقة جاغاتو ومنطقة قره باغ ومنطقة ناورد ومنطقة سرآب ومنطقة جاغوري ومنطقة مالستان ومنطقة آلوه داني.
كمّا أنّ الشيعة يسكنون في ضواحي غزنة، في كلّ من: بكاول وكلّ أهلها سادة موسويون وقلعة نووسره ريك وقره باغجي ونوغي ومونكر ولاشمك وجلوكير وأحمد أوقياق وبريكه وده خداداد وزركر.
قندهار: الشيعة فيها أقلية.
مدينة مزار شريف ونواحيها: يؤلف الشيعة فيها أكثرية.
مقاطعة بهسود: كلّ أهلها شيعة.
مقاطعة ده رنكي: كلّ أهلها شيعة.
بلدة باميان ونواحيها: أكثر أهلها شيعة.
بلدة ياكولنك: كلّ أهلها شيعة.
مقاطعة شهرستان: كلّ أهلها شيعة.
بلدة كندي: كلّ أهلها شيعة.
مدارسهم الدينية
لهم الكثير من المدارس الدينية منها اثنتان في كابول واحدة في حي وزير آباد بنيت لها بناية حديثة ويشرف عليها اليوم الشيخ محمد أمين. والأخرى في حي جمال مينا يشرف عليها السيد محمد سرور واعظ وعدّة مدارس في مزار شريف وثلاثة في بهسود وواحدة في ياكولنك، وفي غير هذه الأماكن أيضاً. ومعظم هذه المدارس تصل في تدريسها إلى كتاب الكفاية ومن هذه المدارس يذهب الطلاب إلى النجف الأشرف كما يوجد منهم اليوم أفراد في معاهد قم وطهران ومشهد الرضا.
نصف الأطباء من الشيعة
ويوجد فيهم أعداد كثيرة من المثقفين ثقافة حديثة، ويكثر فيهم الأطباء. وسبب ذلك أنّ رئيس الوزراء محمد هاشم عم الملك ظاهر أراد أن يحول بين الشيعة وبين الوصول إلى وظائف الدولة من عسكرية وإدارية وقضائية وخارجية فكان يصدّهم عن دخول الكلية الحربية وكلية الحقوق، ولكنّه لم ينتبه إلى أنّهم موجودون في المدارس الثانوية. لذلك كان خريجوهم لا يرون أمامهم إلاّ كلية الطب. ممّ لم يفطن له رئيس الوزراء إلاّ بعد فوات الأوان.
مزاراتهم
من أشهر مزاراتهم: مزار شريف المقام على اسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). ومزار يحيى بن زيد شهيد الجوزجان وتسمّى الآن سربل. وغير ذلك من المزارات.
جمال الدين الأفغاني بالعمامة النجفية صورة أخرى لجمال الدين خلال إقامته في إيران
بعد تخرجه من النجف وقبل انتقاله إلى مصر
وضعهم الاقتصادي
أكثر اشتغالهم في كابول بالتجارة وفي غيرها أكثر ما يعملون بالزراعة([257]).
جمال الدين الأفغاني
ومن أشهر من نسب إلى أفغانستان جمال الدين الأفغاني مع أنّه ليس بأفغاني، بل هو إيراني. وقد تعمد هو نفسه أن ينسب إلى أفغانستان تعمية لأصله ولئلا يدل على مذهبه لأنّ مصلحة الدعوة الإصلاحية التي كان يدعو إليها تقتضي ذلك. فهو من بلدة أسد آباد الإيرانية التي تقع قرب مدينة همذان. قال السيد صالح الشهرستاني فيما كتبه في مجلة العرفان: لا يزال يوجد في أسد آباد من أفراد قبيلة وأولاد وأعمام وعمّات وإخوان وأخوات السيّد جمال الدين ما ينوف على الخمسين نسمة بين ذكر وأنثى، ومنهم أحد أحفاد أخي السيد جمال الدين وهو السيد محمود ابن السيد كمال ابن السيد مسيح المتوفى عام 1300هـ أخي السيد جمال الدين ابن السيد صفدر. وهو مدرس مدرسة القرية عام 1351هـ. ولا تزال الغرفة التي ولد فيها السيد جمال الدين في دار والده الواقعة في محلة (سيدان) أي السادات على حالها حتّى اليوم. وتعرف أسدآباد عند أهل القرى المجاورة بقرية السيد جمال الدين.
وقال السيد صالح: إنّ السيّد محمود المذكور أهداه نسخة من كتاب فارسي فيه تاريخ حياة السيد جمال الدين منذ ولاته حتّى وفاته بقلم ابن أخت السيد جمال الدين الميرزا لطف الله الأسد آبادي وأمه هي السيدة طيبة بيكم بنت صفدار أخت جمال الدين وهو صاحب المذكرات عن خاله المذكور بالفارسية المطبوع في برلين.
وقال السيّد محسن الأمين في الجزء السادس عشر من أعيان الشيعة في ترجمة جمال الدين: أمّا نسبته إلى الأفغان واشتهاره بالأفغاني فمن المشهورات التي لا أصل لها ـ ورب مشهور لا أصل له ـ وسبب اشتهاره بذلك أنّه نسب نفسه إلى الأفغان في مصر وخلافها لا إلى إيران تعمية للأمر ولولا ذلك لما سمّي بحكيم الإسلام وفيلسوف الشرق، ولا كانت له هذه الشهرة الواسعة، ولا أنزله الصدر الاعظم علي باشا في استنبول منزلة الكرامة ولا أقبل عليه بما لم يسبق لمثله ولا عظمه الوزراء والأمراء ولا عين عضواً في مجلس المعارف ولا أجرت له حكومة مصر ألف قرش مشاهرة، ولا عكف عليه الطلبة للتدريس في مصر ولا تمكن الشيخ محمد عبده أن يصاحبه ويأخذ عنه ويتخذه مرشداً وصديقاً حميماً إلى غير ذلك. ومع هذا فقد انتدب بعض المصريين ـ ممّن عرفا أصله ـ لذمّه في كتاب مطبوع سمّاه بكلب العجم([258]).
ومن هنا يلزم أن لا يعتمد على المشهورات دينية كانت أو عادية… إلى آخر ما قال في أعيان الشيعة.
وقال في الأعيان أيضاً: ولا ندري هل كان الشيخ محمد عبده يعرف حقيقة حاله ويخفيه لخوفه ممّا خاف منه جمال الدين بصحبته له وأخذه عنه أو كان يجهلها؟…
وفي كتاب حاضر العالم الإسلامي تأليف (لوتروت ستودارد) وتعريب عجاج نهويهض: (أنّ السيّد جمال الدين ولد في أسد آباد بالقرب من همذان في بلاد فارس وهو أفغاني الأرومة لا فارسي).
يقول في أعيان الشيعة عن هذا القول: فتراه قد نطق بالصواب من كونه ولد في بلاد إيران في أسد آباد بالقرب من همذان. وجمع بين ذلك وبين كونه أفغانياً كم يدل عليه لقبه بأنّ أصل آبائه من أفغانستان. والذي دعاه إلى ذلك اعتقاده أنّ هذا اللقب صحيح.
وقال الدكتور عثمان أمين في مقال له في مجلة العربي وهو يتحدّث عن جمال الدين وعن علاقة الشيخ محمد عبده به: … فلا بدعَ إذن أن نرى محمد عبده، الذي كان يناصر في كتاب «العقيدة المحمدية» آراء السنيين والأشاعرة ـ وهم يمثلون حزب المحافظين في الإسلام ـ لا يتردّد الآن في التحوّل عن تلك الطريق، وإذا به في كتاب «الحاشية على شرح العقائد العضدية» ينقلب مناصراً، المعتزلة والعقليين وجميع النظار من الأحرار والمتسامحين.
هذا ما قاله الدكتور عثمان في مقاله عن جمال الدين. ولكن الحقيقة أن تحول الشيخ محمد عبده إنّما كان تحوّلاً عن آراء السنيين الأشاعرة إلى آراء الشيعة، وهي الآراء التي وافقهم فيها المعتزلة، وهي نفس آراء جمال الدين وآراء مذهبه التي لقنها لتلميذه الشيخ محمد عبده.
وفي عصر جمال الدين كان ميرزا حسين خليل المرجع في النجف وكان من زملاء جمال الدين في الدراسة ويروي محمد جابر في الجزء الثاني من المجلد 29 الصفحة 159 من مجلة العرفان، أنّ الشيخ عبد الحسين صادق حدّثه أنّ جمال الدين كتب من استنبول إلى صديقه ميرزا حسين خليل ملتمساً أن يكتب إليه بما تحتاجه النجف من إصلاح ليعرضه على السلطان عبد الحميد، وأنّ ميرزا حسين خليل عقد مجلساً من كبار العلماء وطلبوا عدّة مطالب. وأنّ الشيخ عبد الحسين نفسه تولّى كتابة الجواب.
وقد كان السيد جمال الدين حكيماً في أنّه لم يعلن إيرانيته أو بالأحرى تشيّعه في عصر تسوده العصبيات المذهبية. فما دام يرى نفسه داعية إصلاح، فقد كان عليه أن لا يعطي خصوم الإصلاح منافذ يدخلون منها إلى عقول العامة فيثيرونها عليه.
اللغة في أفغانستان
وهنا نترك الكلام للدكتور نجيب مايل الهروي:
1 ـ مدخل:
أعتقد أنّه أقل ممّا قيل ـ أي أقل من مئتي سنة ـ بعد ظهور الدين الإسلامي المبين في جزيرة العرب، وانتشاره في منطقة المتحدثين بالفارسية، فإنّ اللغة الفارسية استمرّت على طابعها الجديد بعد مرورها بمرحلتيها التاريخيتين: المرحلة القديمة (الفارسية القديمة) والمرحلة المتوسطة (اللغة البهلوية) بوضع لائق، ومحكم. فعدا رواية عماد الدين أبي المظفر الأسفراييني المعروف بلقب «شاهفور»، والتي أشارت إلى الترجمة الفارسية للقرآن المجيد التي جرت بإذن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) واهتمام سلمان الفارسي، وذلك لإدراك المفاهيم القرآنية عن طريق ترجمة القرآن المجيد.
وعلينا في هذا الموضوع أنّ نرجع إلى النسخة القرآنية المترجمة رقم (54) والمحفوظة في مكتبة العتبة الرضوية المقدسة (بمشهد)، وإلى غيرها من النسخ القديمة المترجمة. وتبدو هذه الترجمة، من ناحية خصائصها الصوتية واللفظية والصرفية النادرة، أنّ كثيراً من ميزاتها ـ تتفاوت بينها وبين الأصول النحوية وفروعها للعهود التالية، كنصوص المائتين الرابعة والخامسة. ونحن إن قسنا بين موازين تحوّلات النظام اللغوي والأشكال الصوتية واللفظية والصرفية للغة الفارسية، وبين المجموعة الثلاثية للغة القرآن المترجم، وبحثنا في هذه المقايسة اتضح لنا أنّ هذه الترجمة أقدم كثيراً من الآثار المكتوبة المعروفة على أنّها أقدم أثر مدوّن.
ربما تخطر هذه الملاحظة على ذهن القارئ، وهي: لو أنّ الرواية المبنية على أنّ ترجمة القرآن هي لسلمان الفارسي، وأنّ الترجمات القرآنية المحفوظة تحت الرقم (54) في المكتبة المركزية للعتبة المقدسة جرت قبل السنوات (350ـ366هـ) فكيف نعتبر كلام المترجمين لتفسير الطبري على أنّه أوّل ترجمة للقرآن ولتفسير الطبري إلى الفارسية؟
ولا بدّ من القول إنّ ترجمة تفسير الطبري جرت بأمر رسمي وسياسي. ونحن نعلم أنّ تفسير محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ)، وعنوانه «جامع البيان في تأويل القرآن» كان معاصراً لأبي صالح منصور بن نوح الساماني (350ـ366هـ) ذي الصلات الوثيقة بمركز الخلافة ببغداد. فبعد أن صدرت الإجازة وفتوى علماء الفقه والكلام بالترجمة انكبًّ المترجمون على ترجمتهم، وذلك في الوقت الذي لم يكن في المنطقة الفارسية معيار «Standard» من جهة، ومن جهة أخرى كان هناك اختلاف حول أشكال اللغة الفارسية في كلّ قسم من المنطقة التي وجد فيها متكلمون بهذه اللغة، ولا سيما في المنطقة اللغوية. وهي الأشكال التي كان علماء الجغرافية يدعونها باللهجات الفارسية. فالمقدسي يكتب كتابه باللهجة الهروية. ويكرر أخلافه ـ حتّى المرحلة المعاصرة ـ طريقته في هذا التعبير من غير أن يهتموا بالموازين العلمية واللغوية. كما أنّ النصوص المكتوبة لأتباع المقدسي مثل عبد الرحمن الجامي وغيره من المحققين الفرس يذكرون أنّ اللغة المعاصرة التي دُوّنت بها هذه الآثار كانت باللهجة الهروية. ويذكرون أنّ اختلافات بسيطة لا تتعدّى بعض الألفاظ والاصول الصوتية هي التي وجدت مع اللغة الفارسية الأصل «المعيار» التي اعتُبرت فيما بعد، بحيث إنّنا نعدُّ مثل هذه الاختلافات المحدودة في «نوعية اللغة» وليس في «اللهجة اللغوية».
تذكرة مرور باسم جمال الدين الأفغاني تذكرة إيرانية أخرى باسم جمال الدين الأفعاني
من قنصلية إيران في مصر تثب إيرانيته من قنصلية إيران في مدينة فيينا تثبت إيرانيته
ومن ناحية أخرى، فإنّ عدم وجود الوسائل الرابطة بين الناطقين باللغة الفارسية في القرون الأولى الهجرية، وعدم الاطلاع على الأعمال الثقافية المنجزة في المناطق المختلفة يمكن أن يكون دليلاً على عدم اعتبار ترجمة تفسير الطبري، التي جرت في بلاط السامانيين ـ ذات العلاقة والارتباط بمركز الخلافة، وترجمة القرآن المجيد بحاجة إلى الإذن والإجازة ـ أوّل عمل وترجمة إلى اللغة الفارسية. ولهذا، وبناء على مراعاة الروايات العديدة التي ذكرناها، فإنّنا نستطيع أن نعدَّ تشكُّل هوية اللغة الفارسية في مرحلتها الجديدة بدأ منذ العشرات الأولى من انتشار الإسلام في منطقة الناطقين باللغة الفارسية.
وعلى هذا، فإنّ اللغة الفارسية ترسّخت بالهوية الثقافية بعد الإسلام منذ العشرات الأولى التي انتشر فيها الإسلام في أراضي الناطقين باللغة الفارسية وتنوّرت بنور توحيده. وعمَّ التأليف التاريخي والأدبي، إضافة إلى الأعمال التفسيرية، أرجاء المناطق التي يتكلم فيها الناس بالفارسية. وقد تمّ في غزنين وما وراء النهر وهراة وخوارزم وفارس وآسيا الوسطى ودهلي أفضل التحقيقات والدراسات حول العلوم الإسلامية باللغة الفارسية، واعتبرت هذه المناطق من المراكز السياسية والعلمية. وهي التي أهدت العالم الإسلامي ـ في المجالات الأدبية والكلامية والعرفانية، عن طريق المتحدثين بالفارسية ـ أوسع الآثار العلمية وأكثرها دقة.
السيد جمال الدين بعمامته النجفية قبل الذهاب إلى مصر وهو الثالث إلى يمين القارئ في صف الجالسين
السيد جمال الدين بعمامته النجفية
قبل الذهاب إلى مصر
2 ـ الفارسية، هي اللغة الثانية في العالم الإسلامي
ألفُ سنة ونيِّف مضت والأسلاف من عشاق الثقافة الإسلامية يدأبون على أعمالهم الثقافية في المراكز العلمية مثل: بلخ، بخارى، غزنين، خراسان، فارس، خوارزم وقد أهدوا دنيا الإسلام والعالم مئات المؤلفات والتصانيف والترجمات، في مجالات علوم القرآن، والحديث النبوي، والتاريخ، والجغرافية، والأخلاق، والسياسة، وقواعد إدارة البلاد، و… ممّا جعل اللغة الفارسية ـ في الثقافة الفارسية ترصف إلى جنب اللغة العربية، وتتمتع بالاعتبار والرونق الخاص والخصائص التي تتمتع بها اللغة العربية. ويمكن اعتبارها ـ بناء على هذا ـ تاليةً للغة العربية، بل لعلها تحتل مقاماً متعادلاً معها في مجال معرفة الثقافة الإسلامية. حتّى انّنا نستطيع أن نتجرّأ ونقول إنّنا في العصر الحاضر لا نستطيع استعراض الثقافة الإسلامية بكلّ جمالها ما لم نُولِ أهمية كبرى للغتين العربية والفارسية معاً في مجال التأليف والتحقيق وتحلية صورة الثقافة الإسلامية.
ومن حسن الحظ، فإنّ هذه الملاحظة (الاهتمام باللغة العربية) بين الناطقين باللغة الفارسية كانت محط اهتمام منذ القديم. وبمقتضى عوامل عدّة، وبناءً على الارتباط المحكم بين اللغتين الفارسية والعربية وثقافتيهما فقد برزت أدق القضايا العلمية والثقافية، وبسط العلماء أعمق العقد الفكرية، كالدقائق الإلهية، وقضايا النبوة، والولاية، والكلام، والأصول، والفقه، والمنطق… وبمعنى آخر العلوم الدقيقة وغير الدقيقة.
وعلى الرغم ممّا قام به الفرس فإنّ العرب عبر التاريخ كانوا يجهلون أهمية اللغة الفارسية وثقافتها، إلاّ في بعض الأمور الخاصّة، وبعيدين عن دورهما الأصيل. وهذا الجهل لم يكن مقصوراً على العلماء القدماء فحسب، بل إنّ ذلك منتشر في العصر الحاضر، فلا نراهم يتتبعون المنشورات الثقافية الفارسية ولا الدراسات التي راجت في العالم. وأذكر هنا، مثالاً على عدم اهتمامهم، واحداً من المعاصرين العرب الذين عرفوا بالتحقيق والدراسات الدقيقة. ذلك هو الدكتور عبد الرحمن بدوي، فقد أهمل الدراسات البكر والجديدة المنتشرة بين الناطقين باللغة الفارسية، في حين أنّه أمضى حيناً من الزمان يعمل في بعض المراكز العلمية ويشتغل بالتدريس في طهران. وكان في كثير من كتاباته، ولا سيما في ما له علاقة بالعرفان والتصوف الإسلامي، يقع في بعض الإشكالات العلمية، التي ينجم بعضها من استنباطاته للمفهومات المخفيّة وراء صناعة اللغة الفارسية وتركيب اللفظة إذ أنّنا نراه يعكس مؤدّاها، في حين أنّنا نعلم أنّ التصوّف والعرفان الإسلامي لا تتمُّ معرفتهما من غير عناية تامة باللغة الفارسية وثقافتها. ومن تلك الأخطاء التي وقع بها هذا الباحث، حينما أراد تصحيح رسالة «النور من كلمات أبي طيفور» ـ والتي كانت تتضمن بعض الأشعار الفارسية ـ وشرح بعض مفاهيمها اللغوية، من ذلك هذا البيت:
«مراد نيست، كان جون نمكين نشود
بغمكنان شود، وغم فراز گيرد وام»
والتي يجب أن تكون هكذا:
«مرا دِليست كه آن جونكه غمگين نشود»
«بغمگنان شود وغم فراز گيرد وام».
ولمّا كان يصعب عليه القراءة ويجهل الفارسية فإنّه ترجم البيت هكذا: «لا يبلغ المتمنى، لأنّه إذا كان المنجِّم خالياً صار لأصحاب الهموم وصاحب الهم الكبير يستردّ دينه».
وطنّ في مكان آخر هذه العبارة المشهورة «آن دل دلين به، نه دل كلين» شعراً، وترجمها هكذا: «القلب القلبي خير من القلب الكلي ـ يقصد أنّ القلب المتعلق بشخص معين خير من المتعلق بالجميع».
ومع هذا، فإنّنا نأتي على أصل المطلب، الذي هو أهمية اللغة الفارسية في التمدّن الإسلامي. فمن المحقق أنّ الأساس الأصلي لوظيفة اللغة ما تمنحه من مفاهيم متجردة وذهنية. وفي الوقت الذي نضجت فيه أصول الدين الإسلامي وفروعه باللغة الفارسية، وتشكلت فيه دقائق الثقافة الإسلامية عن طريق هذه اللغة ووساطة أعلامها، فقد كانت اللغة موضع بحث وتقدير إذ غدت أحد أسباب انتشار الإسلام وشرح أحكامه في البقاع التي تُعتبر نائية عن تجمّع العرب. وهكذا فإنّ الدين الإسلامي ومفاهيمه الإلهية والإنسانية انتشرت في شبه القارة الهندية، وامتدّت حتّى أقصى نقاط آسيا كدولة الصين عن طريق اللغة الفارسية. كما أنّ كثيراً من المفاهيم القرآنية والحديثية، والكلامية، والفقهية، و… راجت في شبه قارة الهند عن طريق اللغة الفارسية حتّى أنّ جميع السلاسل الحاكمة في الهند كالغزنويين والغلاميين والخلجيين والتغليقيين واللوديين اعتمدوا اللغة الفارسية أساساً في دينهم وإرادتهم وثقافتهم.
ونتج عن ذلك اشتغال عدد من العلماء منذ المراحل الأولى في التأليف باللغة الفارسية، أمثال السيد محمد إسماعيل البخاري، والشاه حسين الزنجاني، وعلي هجويري في مجالات التفسير والحديث والفقه والعرفان الإسلامي، وكلّهم من شبه القارة الهندية. وقد غدت اللغة الفارسية بعد ذلك بعدّة قرون اللغة الدينية والعلمية لمسلمي الهندي، وبرز فيها أشهر الأدباء في مجالات العلوم الإسلامية.
وهناك كذلك ـ في المائتين العاشرة والحادية عشرة ـ امتدّ مذهب الدولة الوطني الصفوي، فترسّخت المراكز العلمية والثقافية الرسمية وغير الرسمية. وبالإضافة إلى مسلمي الهند فإنّ كثيراً من العلماء والمفكرين الإيرانيين انكبُّوا هناك على التأليف والتبويب والتصنيف وترجمة الآثار العظيمة في مجالات الثقافة الإسلامية وعلومها، وذلك باللغة الفارسية واللغة العربية. ولم تكن مجهوداتهم محددة لأجل المجتمع الإسلامي، إنّما كانت توأماً خالصاً يتطلع إلى وضع لبنة في مسيرة الثقافة البشرية للعالم.
ولكن، بعد مرور ألف سنة ونيف، نهد بعضهم إلى كنز العلوم الإسلامية ـ المكتوب باللغتين العربية والفارسية ـ يسعون في تفريقه، ويعملون على استحداث دويلات حديثة، وإدارات غير متماسكة ولا مؤهلة ـ ولا سيما في المناطق التي يتوافر فيها الناطقون بالفارسية ـ مفتعلين بعض الصفات للغة الفارسية، ويُتبعونها بعصبيات قومية ووطنية ومذهبية و… ويعمِّقون الفواصل بينها. ومن ذلك الوقت واللغة الفارسية تفقد قدرتها وتوليدها وإحكامها. ويعمدون إلى تفتيت الهوية الثقافية العريقة، وتضييع الناطقين باللغة الفارسية في حدودهم السياسية المصطنعة، وإبراز اللغة الفارسية بهوية أسطورية في شبه القارة. ومن بين الناطقين بالفارسية يقاسي مسلمو روسيا الضيق السياسي الخاص، وتمتزج في أفغانستان العصبيات، وتثقابل بالأقوال المضادَّة لقبائل البشتو. ولمّا كانت السياسة تحكم قبضتها على مساعي علماء اللغة فإنّنا في هذا البحث ننبِّه القارئ إلى مقام اللغة الفارسية في أفغانستان.
3 ـ روح في جسدين
حينما تكون المباحث العلمية والتحقيقية معروضة على بساط البحث لا مكان ولا قيمة للعصبية. ونحن لا نشك بهذا الأصل الذي يجعل الشعبين منفصلين بحدود أقل من مائتي سنة، ويسميهما: الإيراني والأفغاني. وقبل أن يكونا روحاً في قالبين كانا روحاً طائراً في قالب واحد، لكن غنى شبه القارة الاقتصادي والثقافي وأوضاع المنطقة الجغرافية، وجشع الاستعمار الإنكليزي كان سبباً لأولئك الأجانب الكبار ممتصِّي البلاد كي يسموا المنطقة في قاموس جغرافية العالم بأفغانستان، لتكون سداً منيعاً ضد روسيا السوڤييتية، كي يقفلوا كنز شبه القارة الهندية بمفتاح غير مستوٍ لا يستطيع الرقباء فتحه.
وهكذا تأسّست دولة ذات عراقة تاريخية وثقافية ضمّت أقواماً وقبائل مثل أقوام: التاجيك، والهزاركان، والجورايما، والكهاي تاجيك، واللوريين، والأكراد، والبختياريين، والبلوجيين، والأوزبكيين، والتركمان، والهنود، والعرب، واليهود منذ القرن الثامن عشر، باسم غير جامع، ومستحدث تُجمع خصائص قومية في قوم متطرفين، أي أنّهم ينسبون إلى مجموعة هم من الافغان (=أو كان=أوه كن)، وسمّوها «أفغانستان»، والتي لا تستطيع مطلقاً، ولن تستطيع، أن تحصر هوية تلك البقعة المميزة ولا تراثها العلمي والثقافي ضمن عدّة حروف، وتسمّى بها باسم ذي مدلول معين.
ومع أنّ اسم أفغانستان مستحدث فإنّ القوم «الأفغان» بشكل (بشتون) و(أفغان) قديم وعريق.
4 ـ تعدّد اللغات في أفغانستان
قلنا إنّ في أفغانستان قبائل وأقواماً عديدين مثل: التاجيك، والهزاركان، والبشتو، والجورايما، والكهاي تاجيك، واللور، والكرد، والبختياريين، والبلوج، والأوزبك، والتركمان، والهنود، والعرب، و… ولأغلب هذه القبائل والطوائف لغات أو لهجات خاصّة. ولو أنّنا ألقينا نظرة على منطقة پامير الجبلية، وأمعنّا الرأي لدى علماء اللغات باللهجات وأنواع اللغات، سنجد أنّ في منطقة محدودة هنا عدداً متداولاً ومستخدماً من اللغات واللهجات مثل: السُّجني ـ Sujni، الوَخي ـ Waxi، المنجي ـ Munji، الاشكاشمي- Ishkashmi، السنكليجي – Sanglici،اليازغُلامي ـ Wazghulami، الزَّباكي ـ Zebaki، السَّريكُلي ـ Sarikoli، الشُّغني ـ Shyhgni، أُرموري ـ Ormuri.
وعدا ما ذكرنا في أفغانستان فإنّ كل لهجة ولغة ذات أنواع متعددة فلغة الپشتو ذات نوعين: شرقي وغربي. واللغة الفارسية ـ كذلك ـ المتداولة في أفغانستان ثلاث لهجات بارزة هي: الكابلي، والخراساني، والبامياني، (=الهزاري). واللهجة الباميانية ظلّت تعدُّ نوعين آخرين عريقين، مصونين من أي تغيير أو تحويل يطرأ على أساسيهما. في حين أنّ اللهجتين: الكابلية والخراسانية لم تتقبلا أي تبديل طبيعي وغير طبيعي، أو سياسي في أفغانستان.
لهذا التعدد اللغوي في أفغانستان عوامل عديدة، من أهمها: العامل الطبيعي، والعامل البيئي. وكما هو معلوم فإنّ أفغانستان دولة جبلية، وذات سلسلة من الجبال الشاهقة الشامخة، ممّا جعل بعض القبائل والأقوام تحصر ضمن حدود أشبه بالحدود السياسية في مواضع متفرقة ومحدودة. وعدم تساوي تلك المناطق جعل الناس لا يعيشون في بيئة طبيعية. كما لم تفكر الحكومات الأفغانية منذ عدّة عقود من السنين بأن تزيل هذه الموانع الطبيعية. وقد سبب وجود هذه الفاصلات المكانية بين أفراد القوم الواحد اختلافاً في اللغة الواحدة وانشطاراً لها.
والعامل الآخر الذي كان سبباً في عدم وجود لغة أصيلة في أفغانستان، وفي خلق عدّة لغات في هذه الدولة، انعدام الوسائل والإمكانات الكفيلة بربط أطراف الدولة بعضها ببعض. ولم يكن هذا الأمر سبباً في عدم إيجاد لغة رسمية وأساس مقبول يضمن وجود لغة رسمية في أفغانستان، ويحفظ لهجاتها بشكل مقبول، ويضمن للمجتمع طريقاً أكثر دقة في وجود لغة خاصّة به وحسب، بل إنّه عمل على الانقسامات الداخلية من حيث الاقتصاد والثقافة، وغير المتكافئة بالنظر إلى الثقافة والاقتصاد الخارجيين.
كما أنّ هذه الدولة منقسمة إلى ثلاث مناطق سياسية من الداخل، فإنّها منغلقة على نفسها من الخارج بحيث إنّ أهدافها الثقافية والاقتصادية محررة من الأطراف الثلاثة السياسية: إيران، وروسيا السوڤييتية، وباكستان (أو أنّه من الأفضل القول: شبه القارة الهندية وباكستان). وهي كذلك غير مرتبطة مع الجوار بعلاقات اقتصادية وثقافية، وهذا في حدِّ ذاته أمر بديهي وطبيعي، بل إن هذا موجود ظاهراً وذلك بعد ظهور أفغانستان بالنسبة إلى الدول الثلاث حيث ارتبطت بالحضارة الإيرانية الحديثة مع حدودها السياسية الحالية والاقتصادية النفطية، ومع روسية السوڤييتية ببثِّ بعض الأفكار الإلحادية، ومع باكستان بسياستها الناشئة واقتصادياتها الحديثة النشأة، وقبولها لثقافات متنوعة.
ومن العوامل المؤثرة حول تعدّد اللغات في أفغانستان، لا بدّ لنا من التعرّض إلى كيفية حياة الناس ومدى علاقات بعضهم ببعض، وكيفية التحام المدينة بالقرية. فمع أنّ الاستعمار الإنكليزي الناقص والأبتر أطال مدّة احتلاله للبلاد، ومع أنّ عدداً غفيراً من السوّاح كانوا يتوافدون على أفغانستان ويسعدون بزياراتهم، ومع أنّ قدوم الغربيين أوجد مظاهر الهدوء والاستقرار مع المدنية الغربية، وشاعت تلك المظاهر في أفغانستان، فكيف لا تتأثر حياة السكان بكلّ هذا؟ فهم لم يعترهم أي أثر في جذور عاداتهم وآدابهم وعلاقاتهم في ما بينهم. كما لم يتأثروا تأثُّر الدول الأخرى. ولهذا فإنّ الناس مع إحساسهم بنسائم المدنية الغربية أو برياحهم إلاّ أنّها لم تُبعدهم عن سُنتهم ومعتقداتهم القديمة. ومن البديهي أنّ مثل هذه الارتباطات كانت مدداً في الإبقاء على التعدّد اللغوي.
ومن العوامل المؤثرة الأخرى في تعميق الفجوة بين اللغات في أفغانستان إشهار لهجة الپشتو على أنّها اللغة الرسمية، والتي يُظن خطأً أنّ هذه اللغة تمثّل المجتمع الأفغاني. وإنّ هذه القضية ـ والتي هي ربط الشعب الأفغاني بلغة الپشتو ـ لم يضع هوية الثقافة الفارسية في ذلك الوطن في وضع مقلق فقط بل إنّه أتبع ضرباته الاقتصاد وتقصير لغة الپشتو كذلك. ومع هذا كلّه فإنّ اللغات التي تأخذ مقامها اليوم من وجهة نظر السياسي وعالم اللغات في أفغانستان والتي تعتني بها المراكز العلمية العالمية، لغتان هما الفارسية والپشتو، واللتان نوليهما دراستنا فيما يلي.
5 ـ لهجة الپشتو وشخصية الأفغانيين
ورد فيما سبق أنّ پشتو (Pashto) أو پختو (Paxto) إحدى اللهجات القديمة للغات الهندية الإيرانية. وهي ـ بناء على أسس علم اللغات وموازينه ـ ذات قرابة وثيقة مع اللغة الأفستائية من جهة، وقرابة مع اللغة السنسكريتية من جهة أخرى. ولقد ظلّت هذه اللغة المذكورة من ناحية الصناعة والصوتيات بعيدة عن التغيرات والتحولات التي طرأت على اللغات واللهجات الهندية الإيرانية الأخرى. وبالنتيجة فإنّ كثيراً من التعقيدات الصوتية والأشكال القديمة أثبتت عجزها في كثير من قضاياها الصوتية حالما تقبَّلت الخط العربي بعد ظهور دين الإسلام.
واللهجة التي نحن بصددها، هي نفسها مفاهيم حياة القوم، فقد كانوا يعرفون باسم پشتون في أطراف سلسلة جبال سليمان. وقد اختاروا الآن كذلك مواطن سكنهم في كثير من مناطق أفغانستان وأشرطة حدود إيران وباكستان وفي أفغانستان فإنّ اسم «أفغان» يطغى على الأمور السياسية الإدارية للدولة بعد ظهورها أكان ذلك بشكل مستقيم أو بشكل غير مستقيم. ومن الميزات الأساسية لهؤلاء القوم ميلهم الشديد إلى الفلسفة العملية، وعزوفهم عن الفلسفة النظرية والحركات الفكرية المؤدية إلى الخلق والإبداع، ولا سيما كلّ مظاهر الحياة وإيجادها، من ذلك المسائل اللغوية والثقافية.
ومن البديهي أنّ الپشتونيين ما داموا يعيشون في مناطق جبال سليمان المحدودة ويرغبون في هذا العيش فإنّهم يظلّون متمتعين بالمدنية المناسبة لهذه المنطقة. ومن المسلَّم به أنّ أطراف اللغة ـ ولا سيما ألفاظها ـ تجد فسحة وانتشاراً، لأنّ أهل اللغة يحتاجون كثيراً ـ ويعرفون ـ إلى الروحاني والجسماني، وأبعاد أجناس العوالم الإلهية والمادية، ويمدّون سماط عيشهم بالأغذية الروحانية والجسمانية، ويعتادون التأمُّل للوصول إلى مظاهر عيشهم. وجليٌّ أنّ مثل هذه الرؤية في الحياة البدوية وذات الرغبات الإحساسية والحاجات البسيطة لأبناء آدم لا توفر أيَّ بُعد. وفي النتيجة تبقى اللغة كذلك بكلّ أبعادها وخصائصها، ولا تتطور، لأنّ لون الماء لون الإناء.
ولكن الپشتونيين بعد ظهور الإسلام بزمن رحلوا عن حدود جبل سليمان، وبلغوا مناطق أوسع أفقاً، فتقابلوا مع مدنية المسلمين الناطقين بالفارسية. وعلى أثر تلاقي مدنيتهم المرتبطة بالصيد والمطابقة لأصول الحياة البسيطة والعشيرية تماماً بمدنية الناطقين للغة الفارسية نتج عن ذلك لغات ذات خصائص نادرة بناء على الدراسات اللغوية وأهمية اللغة الفارسية وعملها التاريخي. وبرغم أهميتها في مجال أبحاث علم اللغة في أفغانستان، فإنّ علماء اللغة الروس والأوروبيين وعلماء لغة المنطقة لم يهتموا بها ولم يوجَّهوا إليها.
وإحدى النتائج المهمة النادرة إغناء لغة الپشتو، لأنّ اللغة الفارسية من الوجهة اللفظية ذات قيمة بالنسبة إلى لغة الپشتو، لأنّ مدنية الپشتونيين ـ كما ذكرنا ـ بسيطة وبدائية وتتّصف بالصيد والعشيرة. وهي لذلك مضطرة إلى العيش بعيداً عن مظاهر المدنية ومفاهيمها، وعن أصول سكان المدن وموازينهم. وبقدوم الپشتونيين إلى المدن ومساكنتهم للناطقين بالفارسية، وجدت بينهم مفاهيم جديدة ومظاهر حديثة في حياتهم اليومية والعملية والملامح التي تستطيع أن توضح تلك المفاهيم ـ مع الاعتناء بالوضع الأصلي للغة ـ إنّما هي في الألفاظ التي لم تكن موجودة في لهجتهم. ومن هذا المنطلق أقبلوا على الألفاظ الفارسية. وقد استقبلوا كثيراً من الألفاظ الفارسية مع تغييرات طفيفة في المجالات الصوتية بخاصة. وإنّ نظرة واحدة إلى هذا النوع من الألفاظ الدخيلة على لهجة الپشتو تُظهر بكلّ وضوح دقة تأثّر اللغة الپشتونية بالحياة الثابتة والمدنية والعلاقة بالزراعة والتجارة والصناعة ولاحظوا نماذج لهذه الألفاظ: آباد (معمور). أنبار (مخزن). أنبر (ملقط). بادام (لوز). بام (سطح). پل (جسر). ترب (مكر). توت. جارو (مكنسة). جامه (لباس). جار مغز (جوز). جراغ (مصباح). دانه (حبّة). خانه (منزل). ديوانل (= ديوار: جدار). ساوزي (= سبزي: أخضر). كاريز (قناة). گندم (قمح). ميوه (فاكهة)…
وعدا الألفاظ الفارسية في لهجة الپشتو هناك ألفاظ عربية دخيلة متصلة بمظاهر الدين والعقيدة ونظام الإدارة وتحتل قسماً كبيراً مهماً في مجموعة ألفاظ الپشتو. كما أنّ كثيراً من المظاهر الصوتية وأصوات اللغة الفارسية دخلت لهجة الپشتو عن طريق اللغة الفارسية.
ومن الفوائد التي جذبت الپشتونيين من أثر معاشرتهم للناطقين بالفارسية، وكانت أكثر أهمية من النتائج السابقة هي أنّهم اشتغلوا بتعلّم اللغة الفارسية لكثرة اختلاطهم بالناطقين باللغة الفارسية وتأقلمهم مع حياتهم الاجتماعية، لأنّهم اكتشفوا أنّ جميع علاقاتهم والأمور المتصلة بالزراعة، والتجارة، والحياة المدنية، وتقبلهم لذلك كلّه تهيئه لهم صور اللغة الفارسية وأشكالها. وعدم توفرها في تلك اللغة، فإنّ راية حياتهم لا تُنشر بهذه المدنية، ولا يتحقق مجالهم العلمي. وحاجتهم هذه أجبرتهم على تعلّم اللغة المذكورة فقادهم هذا إلى معرفة الثقافة الفارسية الغنية العجيبة.
ويُستحسن هنا أن نتحدّث عن كيفية تعلّم الپشتونيين للغة الفارسية. ولا بدّ من القول إنّ لتعلّم لغة ثانية على مدى العصور طريقتين. يُتبع في الطريقة الأولى تعلّم اللغة الثانية عن طريق القواعد المدوَّنة حيث يقوم المعلم بتدريسها بالصوت، واللفظ، والنحو. وفي هذا فإنّ المعلم مع أنّه متمكن من جميع الميزات النحوية للغة الثانية، ومع أنّه متعمّق في كثير من دقائق اللغة الثانية ومحيط بها من كثرة تمرّنه وممارسته لها، فإنّه ـ بناء على قول ابن خلدون ـ لا يستطيع أن يحيط بالخصائص الجمالية والذوقية لهذه اللغة الثانية. وعلى هذا فإنّ تعلّم اللغة الثانية لا ينسجم تماماً مع تعلّم القواعد الصرفية والنحوية تماماً.
والطريقة الثانية هي أن يتعلمها المرء من البيئة والمحيط، لأنّ الفلسفة والمنطق تنسجان اللغة الثانية، بجميع خصائصها المختارة، بذهنه وخاطره. فهي لا تكتفي بأنّ تجعله يتعلّمها لاحتياجاته اليومية، بل إنّها تغدو مسائل ممزوجة باستمرار وتصبح سلوكاً اجتماعياً، وتثيره للتفكير باللغة الثانية. والمتعلم في هذه الحال لا يتمكن من قواعد الصرف والنحو للغة الثانية وحسب بل تقوده إلى إدراك جمال اللغة الثانية، وذوقياتها، وثمرة معانيها اللغوية، وآثارها الموروثة وتأثيرها الصوتي، إضافة إلى عملها النفسي ولطائفها المعنوية. وإنّ طريقة تعلّم اللغة على هذه الطريقة هي الطريقة الشائعة بين علماء الاجتماع الإسلاميين كابن خلدون، ولكن حين انتظم علم اللغات في المغرب، وانتشر بين الناطقين باللغة الفارسية دعيت ـ هذه الطريقة ـ باسم: «التسرب اللغوي»، بمعنى أنّه تسرّب من محيط لغة الأم، وتسلّط على اللغة الثانية من أثر الامتزاج والتعلّم، ويجري هذا التسرّب كثيراً في الحدود السياسية للدولة ذات عدد من اللغات، أو يكون من لغة لدولة غريبة.
والخلاصة، حين لمس الپشتونيون رغبتهم الشديدة في التمدن، ومدى احتياجاتهم الاقتصادية والثقافية وتصاعد الحاجات اليومية المتنوعة أقبلوا على تعلّم اللغة الفارسية بعمق وسرَّبوا إلى لغة الپشتو ما يمكن تسريبه من الفارسية، ولو لم يتلاعب السياسيون ويبدِّلوا من روابط المجتمعات الإسلامية لما خسر علماء اللغة، ولما وُجد في أفغانستان قضية اللغتين المنتشرة بين الشعب المسلم، ولعمَّت اللغة والثقافة الفارسيتان بكل خصائصهما الإسلامية الدولة بأجمعها.
أمّا لهجة الپشتو من وجهة النظر التاريخية وعمل كتابتها فنعدُّ عملنا ناقصاً ما لن نولها عنايتنا. فكما ذكرنا في الأسطر السابقة فإنّ الپشتونيين قوم أقوياء وجسورون ومتمسكون بتقاليد عشائرهم، ومعتنون في مجال الفلسفة العملية، من غير أن يولوا مجالات الفلسفة الذهنية أي اهتمام. ولهذا فإنّهم مهتمون بالعمل قبل التفكير، ونادراً ما يتابعون ما يعتمل في تفكيرهم قبل أن يكونوا منشغلين بمعايشة الناطقين بالفارسية والاختلاط بهم. ولذا لم يتعالوا في ثقافتهم الذهنية بما اهتموا له بعد ذلك من الثقافة العلمية الخاصة، في حين أنّ ثقافتهم الشعبية (= الفولكلور) زاخرة بالذوقيات والوجدانيات وهي بشكل عام تعجُّ بالجمال الطبيعي والبشري. وهذا ما جعل ثقافتهم بلا شك كثيرة الأهمية والبروز في نظر دراسات علم لغة الپشتو، ومن وجهة تحقيق آداب هذا الشعب واستقبالاته الشعبية.
وعلى أي حال، فإنّ لوحة الثقافة الإسلامية في المنطقة التي نحن بصدد بحثها مشتركة، وتثبت أنّ البشتونيين كانوا يعايشون الناطقين للغة الفارسية. ويقال إنّهم بعد أن تمكنوا من التسريب اللغوي تعرَّفوا إلى الخط العربي ـ الفارسي. وبعد أن تفاعل هذا الخط مع فلسفتهم الذهنية عمدوا إلى الآثار المكتوبة باللسانين العربي والفارسي ودرسوها. حتّى إذا أزف القرن التاسع الهجري انتهجت اللهجة المذكورة منهج الكتابة. وأوّل سند مكتوب وصل إلينا باللغة البشتوية ما كتبه الشيخ الملّي في باب قبائل «يوسف زائي». وانتشرت الكتابة والتأليف بهذه اللغة بعد ذلك، ولا سيما ما كان من أتباع «پير روشن» وغيرهم. ويعد «خير البيان» نتا مهم لبايزيد الأنصاري الذي يدعى «پيرروشن» (1525ـ1585م)، ويتضمن هذا الكتاب أسس التعاليم الروشنيَّة.
وفي القرنين العاشر والحادي عشر ازداد الاهتمام بالكتابة والفلسفة الذهنية بلغة الپشتو، فظهر عدد من الشعراء الأتباع من أمثال «خوشحال خان ختك» (1613ـ1688م)، ونظموا قصائد في الغزل، ومزيجاً تبعا بأناشيد سعدي وحافظ والجامي، وأضافوا على اللغة المذكورة غنىً في الفلسفة الذهنية والصور المكتوبة.
لكن هذه المسيرة لم يحالفها حظ الدوام والحياة الطبيعية بدلائل عدّة، وأدلّ برهان على ذلك ندرة النصوص المتبقية إلى اليوم، لأنّ تعظيم اللغات في أفغانستان امتزج بالمفهوم المجرد للغة، فكان أوّل أثر لها غير مقبول ومريض أثقل لهجة پشتو. وممّا يدعو إلى العجب أنّ ولادة هذه الآراء لم تكن معروفة بين الناس، بل إنّ مبدأ هذه الفكرة الجائرة انطلق من بلاطات الأمراء. ويقال إنّ الفكرة كانت من تفنيدات البرنامج الإنكليزي. وقد تهيأت ظروف هذه الموضوعات الأولى في عهد الأمير عبد الرحمن خان؛ فقد ألّف «قاموس ألفاظ پشتو». وفي عهد الأمير حبيب الله خان، روايةً عن محمود طرزي في «سراج الأخبار الأمانية» دخلت لغة پشتو مجموعة من الأمور العسكرية وتعليماتها. لأنّه يظن أنّ صلابة هذه اللغة ومهابتها تبرز في القضايا العسكرية أكثر ممّا تبرز في اللغة الفارسية. وأمر «أمان الله خان» أن يدعى رسمياً «تولواك»؛ وهي كلمة مركبة من «تول: تمام» و«واك: اختيار»، فصار معناها: صاحب الاختيار المطلق.
وحين وصل ميراث الأمراء الپشتونيين المذكورين إلى مرحلة الشاه، برزت فكرة الشخصية الوطنية والاستقلال في أفغانستان مرتبطة بلغة الپشتو. وكان أن غدت هذه اللغة رسمية للبلاد إلى جانب اللغة الفارسية. وبسطت مكانتها في النظام الإداري والتربوي، مع رعاية أكثر في الاقتصاد والامتيازات الاجتماعية والسياسية. واضطر المجتمع ذو اللغة الواحدة في أفغانستان إلى أثنينيَّة اللغة مقدِّراً للمفهوم المعاكس والتقابل اللغوي الظالم.
ولا بدّ لنا من الإشارة هنا إلى أنّ وجود لغتين أو أكثر ضمن مجتمع سياسي واحد لا يكفي أن يكون فقط مقبولاً، بل إنّ هذه المسألة ذات حسنات وميزات مقبولة كذلك شريطة ألاَّ تمتزج فكرة اللغتين أو أكثر في مجتمع واحد بالمفاهيم المتصلة بالسياسة، والعصبيات القومية والدينية والاقتصادية، وبشكل عام لا ترتبط بتحقير لغة أو تعظيمها بشكل عدائي للغة الأخرى أو لأهلها. وإذا لم يُنظر إلى تلك المفاهيم المغرضة في المجتمع السياسي الواحد، فإنّ أهل اللغات يستطيعون أن يفكروا بأشكال مختلفة، ويمنحوا تفكيرهم صفة من التنويع الثقافي يؤهل مجتمعهم لتربيته. ولكن لما كانت أمثال هذه المفاهيم المفككة ارتبطت بالمنظورات اللغوية، فإنّ النتيجة الحسنة التي أشرنا إليها ستنقلب عكسياً. وهذا ما يجري في أفغانستان؛ فعوضاً عن تنمية الفكر العلمي من إجراء اللغتين نجد أنّ نظرة التعصب وغير العلمية طغت على اللغتين الفارسية والپشتوية.
فلقد شغل الپشتونيون بأمراضهم القديمة ولا سيما في اللغة، ولم يوافقوا مطلقاً على النقد ولا على النظرات العلمية اللغوية لعلماء اللغة الوطنيين والأجانب على السواء. ولم يعبؤوا بكلّ ما له علاقة باللغة الفارسية من أجل «شخصية الشعب الأفغاني»، وفضَّلوا الألفاظ الپشتوية على الفارسية في الأمور السياسية، والإدارية، والتربوية. وفي مقابل ذلك أظهر الناطقون بالفارسية تعصّبهم مضطرين، وعوضاً عن أن يشاركوا في المجالات العلمية اللغوية، ويهتموا بقيمة الثقافة الفارسية الإسلامية وعلو شأنها، ويحلّوا مسألة العداء اللغوي والانشقاق بين لغتي المجتمع نراهم ينشغلون بطعن لغة الپشتو وثقافتها وبعجزها. وعوضاً عن دراسة المباحث العلمية ولا سيما بسط العقدة اللغوية يهاجمون ويسخرون.
وقد اشتدّ هذا التصادم اللغوي كثيراً هناك، وبدأ بمطالبتهم بالمناصفة بين الپشتوية والفارسية في جميع شؤون الحياة شكلاً ومعنىً، فنجم عن ذلك استعدادات كبيرة للعبث في المراكز التعليمية، ونكبوا الاقتصاد العاجز عملاً وأساساً. وفي النتيجة لم يستطع الناطق بالفارسية أن ينمِّي لغته وثقافته على قدرتها وتوليدها، كما حرم الناطق بلغة الپشتو من النفع الذي يجنيه من اللغة والثقافة الفارسيتين.
ولم يمضِ حين حتّى برز بعض الدارسين للغة الپشتو يعملون لصالح لغة الپشتو، ولم ينجم عن عملهم سوى التقصير والزيادة في التضاد اللغوي. ومن متقدمي هذه المجموعة أشخاص مثل: أُلفت، وخادم، والعالم الروحي المبارك عبد الحي حبيبي. فقد ادعوا أنّ أوّل نص مدوّن بلغة الپشتو يرجع إلى أوائل القرن السابع الهجري وعنوانه «تذكرة الأولياء» لسليمان ماكو (ت 612هـ)، ولم يبقَ منه إلاّ أوراق، وهم وحدهم الذين شاهدوها. وكتاب آخر عنوانه «يته خزانه: الخزائن المغطاة» هم ألّفوه ونسبوه إلى محمد هوتك، والمؤرخ بـ هـ 1142. وقد ادعوا في هذا الكتاب أنّ أوّل أثر أدبي مكتوب بلغة الپشتو في العهد الإسلامي كان ترجيع بَنْد فصيحاً جارياً، قد أُنشد سنة 139هـ.
ومع أنّ هذا السند منتحل من قبل عالم لغة پشتو ـ أعني «مور كونستيرنه» فإنّه يظل موضع شك ورد. ولقد طُلب منهم الاطلاع على أصل النسخة لدراستها عن طريق معرفة المخطوطات من الوجهة العلمية. إلاّ أنّ النسخة «الخزانة المغطاة» ظلّت كما هي مغطاة. وظلّت مسألة اللغتين في أفغانستان مع بعض المفهومات غير اللغوية كالشخصية الوطنية، والمذهبية، والأصل شغلهم الشاغل نجم عنها انهيار اقتصادي وثقافي واجتماعي. وكان من نتائج ذلك الآلام والأوجاع القاصمة للوضع الراهن ليس على لغة الپشتو وحسب بل على الفارسية أيضاً. فعبر ألف ونيِّف من السنين قدَّمت بلخ وهراة وغزنين أعلى النتاج العلمي والفكري غدت الآن عاجزة ومشلولة، ممّا نشرحه فيما يلي:
6 ـ اللغة الفارسية في أفغانستان
قلنا إنّ اللغة الفارسية المتداولة اليوم في المناطق السياسية الثلاث: إيران، أفغانستان، تاجيكستان قد أثمرت في الماضي مراكزها العلمية والثقافية، والتي هي: بلخ، غزنين، هراة، فارس،… وأبرزت معالمها الإسلامية بالأسماء الفارسية، والفارسية الدرية، والدرية. وحينما تحدّدت مساحة اللغة الفارسية بشكلها ووضعها الحاضر أطلق عليها علماء اللغة ـ ولا سيما علماء روسيا ـ اسماً على كلّ لغة، بحيث أسموا فارسية إيران «اللغة الفارسية»، والفارسية الرائجة في إيران «اللغة الدرِيَّة»، والفارسية المتداولة في تاجيكستان «اللغة التاجيكية». هذا الاختلاف في المعاني ـ والذي تبعه اختلاف في الأقوام ـ تدرَّج شيئاً فشيئاً بين علماء اللغة ومقنِّني الدول السياسية الثلاث الناطقة بالفارسية. وحتّى أنّ بعضهم انساق إلى تنمية أهداف غير لغوية في هذا الميدان الفاصل. ومن هؤلاء «نكهت سعيدي» المدرّس في كلية آداب كابل في «قواعد اللغة الدرية المعاصرة» الذي ينقل من رسالة السيدة كيسيلووه ـ عالمة اللغات في مجمع الاستشراق الأكاديمي للعلوم الروسية: «إنّ السيد حبيب أعطاني نسخة من كتابكم القواعدي الدري لأطلع عليها. فأحسست بأنّ بعض المحققين حتّى الآن ينكرون وجود لغة أدبية مستقلة في أفغانستان، ومن جملتهم السيد حميدي (عبد الحبيب) والذي هو من أبناء وطنكم إذ يقولون: إنّ لسان حديثنا لهجة كابلية، والتي هي تختلف في الحقيقة عن اللهجة الطهرانية. في حين أنّ لغتنا الأدبية هي اللغة الفارسية الإيرانية المعاصرة نفسها. ولقد ناضلت من أجل هذه الفكرة منذ عام 1958م، وتحدّثت (وكتبت) عن خير لغتكم. واطَّلعت مؤخراً على نظريتكم حول وجود ثلاث لهجات مستقلة للغة الفارسية في البلاد المجاورة. ولا يمكنك أن تتصوّر مدى سعادتي لهذه النظرية.
ويعتد إي. إم. آرانسكي ـ عالم اللغة الروسي ـ أنّ لهجات اللغة الفارسية الثلاث والتي هي: الإيرانية، والأفغانية، والتاجيكية، إنّما هي لهجتان هما: الفارسية والتاجيكية، بحيث أنّ الفارسية متداولة في إيران، والتاجيكية معروفة في أفغانستان وتاجيكستان. وإنّ الفارسية والتاجيكية كانتا لغة واحدة عبر قرون مديدة استمرّت على المراحل المتأخرة ـ القرون الوسطى ـ وتشعبت اللغة الواحدة إلى لغتين في القرون الأخيرة فقط بسبب الأوضاع التاريخية لآسيا الوسطى وإيران، ونتج عن هذا التشعُّب هذا التفاوت البارز بين اللغتين الفارسية والتاجيكية.
وحتّى ندرك هذا «التفاوت» الذي عناه كلّ من السيدة كيسيلووه والسيد آرانسكي وغيرهما من علماء اللغات الشرقية والمحلية. وهل هذا التفاوت موجود في النوع الأدبي للغة الفارسية المتدولة في المناطق السياسية الثلاث التي فيها اللغة الفارسية، لا بدّ لنا من أن نطلع على ما اصطلحوا عليه لغةً.
بناء على التعريف اللغوي الذي ذكره «فردينان دو سوسور»، أنّ اللغة مجموعة تخصُّ الإنسان الناطق، وتتألف من ثلاث مجموعات أصغر نذكرها فيما يلي:
الأولى: المجموعة الصوتية للغة. وقد تشكلت هذه المجموعة من عدد من الأصوات البارزة والمعينة، والتي تُبرز الكتابة بعضاً منها، ويُلاحظ عدد آخر منها حين المحادثة. ومع أنّ هذه المجموعة المذكورة يعتريها التغيير والتحويل بمرور الزمان، فإنّ التغييرات اللغوية ضمن دائرة هذه المجموعة ليست سريعة ولا صريحة.
الثانية: المجموعة الصرفية أو القواعدية للغة، والتي يمكن أن ندعوها كذلك بنسج اللغة. وتتشكل «الأفعال» ضمن وجود هذه المجموعة، وضمن الروابط النحوية الأخرى. ويمكننا أن نلحظ في هذه المجموعة تركيبات متفاوتة وغير متناسقة دوماً على أنّنا نلقى كذلك تركيبات عميقة ومنسقة. ولهذه المجموعة تراكُب، خاص، بحيث إنّنا لا نحسُّ بالتغييرات اللغوية في هذه المجموعة.
الثالثة: المجموعة اللغوية: جميع الكلمات في هذه المجموعة عبارة عن لغة واحدة بما في ذلك المفردات والمركبات. وهذه المجموعة في كلّ لغة ذات ارتباط كمي وكيفي ونوعي في الثقافة والاقتصاد والسياسة والمعاملات والعلاقات البشرية. والقاموس اللغوي لكلّ لغة يزيد أو ينقص غنى وثروة فكرية ومادية، وبشكل عام بمدى تمدّن المتحدثين بتلك اللغة. ويمكن القول إنّ ألفاظ كلّ لغة كالمرآة تُظهر عمق تمدّن المتحدثين بها. وتتقبل هذه المجموعة تغييراً كبيراً، وتغيّراتها كذلك ملموسة ومحسوسة.
ومن المحقَّق أنّ اللغة الفارسية، مثلها مثل أي لغة أخرى، ذات نوعين من حيث استخدامها والعمل بها: نوع أدبي (= كتابي) ونوع محادثة.
لهجة محادثة اللغة الفارسية في الدول الثلاث ذات اختلاف طفيف بلا شك أوجدته الروابط الاجتماعية والعقدية والاقتصادية، وعلاقاتها السياسية والثقافية مع الأمم والدول المختلفة. ويتجلّى هذا الاختلاف في مجموعة الأصوات والتقلبات ولا سيما من ناحية المفردات. وإن نحن ضربنا الصفح عن الاستخدامات الخاطئة في القواعد النحوية والصرفية التي تبرز أحياناً في هذه المناطق الثلاث الفارسية اللسان، فإنّنا لا نجد اختلافاً أساسياً.
في حين أنّ الاختلاف في النوع الأدبي لفارسية أفغانستان وإيران وتاجيكستان، فلا نجده في أساسيات اللغة، وتتمثل في المجموعة الصوتية والمجموعة الصرفية. وإن حصل أن برزت بعض الاختلافات في هاتين المجموعتين ناشئة مثلاً في أفغانستان ما زالت بعض الاستخدامات الصرفية القديمة متداولة. وهي ممّا يُرى كثيراً في النصوص القديمة ـ في حين أنّ استخدامها في إيران أو تاجيكستان ندر بسبب طارئات الأحوال المدنية. إن حصل مثل هذا فإنّ هذه الصور الصرفية لا تكون مجهولة في المنطقتين الأخريين. في حين تبرز الاختلافات في المجموعة اللفظية للأنواع الأدبية الفارسية في المناطق السياسية الثلاث التي نحن بصددها، لأنّ المفردات ـ كما أشرنا سابقاً ـ مرآة معبِّرة عن ثقافة أهل تلك اللغة وعن حضارتهم. والحق أنّ هذا الاختلاف بين الأنواع الأدبية الفارسية في أفغانستان وإيران ـ بصرف النظر عن بعض المفردات المستحدثة والمصطلحات الحديثة في إيران، وعن بعض المفردات القديمة المتداولة في أفغانستان ـ أقل من الاختلاف بين الأنواع الأدبية الفارسية في إيران وتاجيكستان. وسببه عدم استخدام اللغة الأولى بشكل فعّال ورسمي، وسبب آخر، كتابتهم بالخط اللاتيني على الشكل الروسي، وهذا بحدِّ ذاته سبب وجيه للإكثار من المفردات الروسية في لغتهم، ولبروز اختلاف أكبر بين اللهجة الأدبية الفارسية في تاجيكستان واللهجات الأدبية الفارسية في إيران وأفغانستان.
ومع وجود هذه التبدُّلات في الأنواع الفارسية في المناطق السياسية الثلاث فإنّ النص المكتوب والمطبوع يُظهر إمكانية فهمه وقراءته في المناطق الثلاث لدى الناطقين باللغة الفارسية، لأنّ وضع اللغة الفارسية ـ أي الدلائل الصرفية والصوتية ـ غير متفرقة، وهي ذات شكل موحَّد في تلك المناطق. إلاّ أنّ السياسيين وعلماء اللغة من ذوي الاتجاهات السياسية ـ بحكم نظراتهم وتحقيقاتهم الناقصة في ميادين المجموعة اللغوية ـ نظروا إلى هذه الاختلافات الصوتية في نوع المحادثة في المناطق الثلاث، أو إلى أقل اختلاف صوتي ملموس لدى الناطقين بالفارسية وأسموا فارسية أفغانستان «الدرية»، وفي إيران «الفارسية» وفي تاجيكستان «التاجيكية». فهم يعتقدون أنّ اختلاف الخلق يقع من الأسماء. وعندما يفصلون الاسماء فإنّ المبادئ والفروع والتبدلات تبتعد عن الأصول وتتحقق أهدافهم، وكذلك جرى بعد تثبيت الأسماء الثلاثة، وهكذا فإنّ المفاهيم الدينية، والوطنية، والقومية، والاقتصادية، والسياسة، وكثيراً من المسائل الاخرى ممّا ليس له علاقة باللغة ذاتها تولَّدت ونَمَت بفعل تتابع هذه الأسماء. وغدا ـ عدا أهل الكتاب والقلم ـ أغلب المتحدثين بالفارسية في المناطق السياسية الثلاث غرباء عن بعضهم بعضاً، وخفَّت الأعمال والمشاركات الوجدانية فيما بينهم، وازدادت حدَّة العصبيات والمعارضات…
ولعل من أهم المسائل التي نجمت بسبب «اختلاف الأسماء» حول اللغة الواحدة بين الناطقين بالفارسية، ولا سيما أهل إيران وأفغانستان، وشغلت أذهانهم رَدحاً من الزمان، واختصت بها بعض الكتابات مسألة «منّا وليس منكم». وما زلتُ أسمع هذه المسألة من أساتذة الكلية الأدبية الأفغانية والإيرانية. وممّا لا شك فيه أنّ جميع مسلمي العالم، بما في ذلك الناطقين باللغة العربية، يعترفون بمآثر اللغة الفارسية في شتى المراحل الإسلامية، ويُقرّون «الميراث الحلال» من جميع الناطقين بالفارسية بقضية الدائن والمدين، بمن في ذلك من لم تكن الفارسية لغتهم الأصلية، ويعترفون بأنهم سعوا ـ ويسعون ـ للغة الفارسية وثقافتها في سبيل الله. وإنّ اختلاف الاسماء حول اللغة الفارسية ونمو العصبيات القومية من وراء هذه الأسماء المذكورة غدا سبباً في حصر رجال الفلسفة الإسلاميين ضمن الحدود والرسوم الضيقة، وهم كانوا يعملون بتجرّد وتحرّر بدافع من موهبتهم الإبداعية واستعدادهم المطلق ومساعيهم اللامحدودة، وأوجدوا سعادة لهذا العالم بآرائهم وعقائدهم، إلاّ أنّهم حصروهم وضيّقوا عليهم، من غير أن يستفيد سكان تلك المنطقة من أزهى الأفكار وأعظم الآراء الثقافية. وكان قصد هؤلاء المفكرين سعادة أبناء آدم، من غير أن يعمدوا إلى الاستفادة المطلقة من السعادة التي يرغب فيها هؤلاء الرجال الممتازون.
إلاّ أنّهم ـ ومن غير أن يهتموا بهذه الأعمال ـ ادعوا أنّ «فلاناً» من الحكماء الذكي المتألِّه المتفتح منّا، وأنّ «فلاناً» من منطقتنا، وعلينا أن نقول إنّ أبا الريحان من أفغانستان، وسعدي من إيران، والسيد جمال من إيران وليس من أفغانستان، أو من أفغانستان وليس من إيران، والملاحظة التي يجب ان يدركها ذوو المقام أنّ عليهم رفض كل التضييقات والتعصبات والأنانيات التي تزيل روح الإنسانية وتُنسيها.
هذه القصة الزاخرة بالغصَّة، برغم اشتراكها في الدين، والقواعد، واللغة، والثقافة، والآداب، والعادات، والآلام المشتركة علينا أن نطرح «اختلاف الأسماء» في المؤتمرات والمجتمعات والكتابات التحقيقية والعلمية، ونُتبعها بالعصبيات التي لا تتصل باللغة ولا بالثقافة. وأليس من الأفضل لنا عوضاَ عن أن نتعصب لابن سينا تعصباً أعمى وقاتلاً، أن نتّحد ونتعاضد ونسعى إلى الشفاء بدوائه؟ وأن نصع دواء من “شفائه” نعالج به أذهاننا المريضة، وننير به أرواحنا القاتمة من غير أن نختصم؟ وأن نصنع من “شفائه” شفاء أفضل من أن نتفرق ونبدي عجزنا، حيث تتألم روح هذا الذكي المتأله؟
فلندع قصة «اختلاف الأسماء» الجارحة ونتجه نحو نقاط أخرى حول كمية اللغة الفارسية وكيفيتها. والنقطة الأولى التي تعني اللغة الفارسية في الدولة المذكورة هي في التنوّع اللغوي ـ للغة الفارسية ـ ففي كلّ منطقة أفغانية للغة الفارسية فيها لهجة خاصّة، ولكثير منها جذور تاريخية أيضاً لكن أهم هذه اللهجات الفارسية وأبرزها الفارسية الهروية، الفارسية الكابلية، الفارسية الهزارية، وليست متداولة في العرف، والحي، والسوق، والأطراف، والنواحي، بل هي معروفة في مراكز التعليم للمنطقة أيضاً.
وتعدّ الفارسية الهزارية أقدم هذه اللهجات وأثبتها للأصول والخصائص للغة الفارسية. بحيث إنّها كانت منتشرة في لهجات اللغة الفارسية للقرنين الرابع والخامس، كالفعل المركب عوضاً عن البسيط، والحروف، والقيود، وأداة التنبيه القديمة، واستخدامات ملحقات الأفعال القديمة، وتكرار الأفعال، والضمائر القديمة وإبدالها المهم… وإنّ دراسة هذه اللهجة الفارسية الأفغانية، قبل أن تكون غريبة ومهجورة، لا بدّ لنا من أن ندرك أنّ الدراسات التاريخية للغة الفارسية. وحل معضلات النصوص القديمة من الأمور الضرورية والفورية لعصرنا الحاضر.
أمّا الفارسية الهروية، فمثلها مثل اللهجات الفارسية المتداولة في خراسان. فمع وجود هذا الاختلاف في خصائصها وسماتها القديمة، تظل اللهجة الخراسانية متداولة في الدائرة الإيرانية السياسية. وبسبب ما تتحلّى به اللهجة الفارسية الطهرانية من وضع رسمي فإنّ كثيراً من خصائصها المتأخرة زالت من الوجود بحكم مركزيتها ومعيارها وعوامل أخر.
واللهجة الفارسية الثالثة البارزة في أفغانستان هي الكابلية. وهذه اللهجة الفارسية عرفت واشتهرت لأنّها واقعة في المركز، ومعتبرة لهجة رسمية. ولما كانت حدودها الإقليمية ضيقة بين الأفغانيين فإنّنا لا يمكننا اعتبارها لهجة رسمية ومعيارية على نطاق الدولة جغرافياً. وفي اللهجة الفارسية الكابلية، مع أنّها ذات خصائص عريقة متأصلة وثابتة فإنّها تقبّلت تغييرات كثيرة بالنسبة إلى غيرها من اللهجات الفارسية المعروفة في أفغانستان بسبب اضطرارها إلى التغييرات والتبديلات، ممّا جعلها أبعد كثيراً من غيرها عن أصالتها اللغوية، واستقبالها للألفاظ الأردوية، والپشتوية، والفرنسية، والإنكليزية.
وكما ذكرنا فإنّ اللهجات الفارسية الثلاث في أفغانستان منقسمة نظرياً بحسب المناطق والجغرافية. ولكنّها في الواقع، ومن منظار آخر، تنقسم إلى نوعين: اللغة الرسمية، واللغة غير الرسمية.
والمراد من اللهجة غير الرسمية الأشكال والهيئات التي راجت بين السكان ـ ولا سيما سكان القرى، وضواحي المدن. هذه اللهجة الفارسية في أفغانستان لم تُعدّ أساسية لأنّ ألفاظها رسمية، وأكثرها مستحدث ومحمّل على اللغة الفارسية الرسمية أو دخيل عليها، كما أنّه لم تعدّ غريبة لمحافظتها على عناصرها الأصلية، ومتانتها ونضجها، وكثرة الألفاظ القديمة الفارسية فيها. ودراسة هذه اللهجة الأفغانية ضرورية جداً بلا شك للإمعان في النصوص القديمة، وإغناء المجموعة اللفظية للغة الفارسية بعامّة، والفارسية الأفغانية بخاصّة.
وبالإضافة إلى اللهجة المذكورة؛ اللهجة الرسمية في أفغانستان ـ والتي تشمل اللغة الإدارية وقسماً من كلام العامة والصحف والتعليم ـ فإنّها لهجة مفككة، ضعيفة، زاخرة بالمولد والدخيل، وذات تصريفات نحوية من الفارسية الهندية، وهي تتسلّط على اللهجة غير الرسمية من منظار العون الرسمي. وبلا شك، لو أنّ الترابط الاجتماعي الأفغاني اتّخذ شكلاً رسمياً مقبولاً، ولو أنّ الدول التي تألفت في السنوات الثلاثين الأخيرة أنس فيها شعبها بترابطه فإنّ صعوبة اللغة الفارسية وقيمتها تبدوان واضحتين في اللهجة غير الرسمية.
والخلاصة، فإنّ اللهجة الفارسية الرسمية في أفغانستان ذات ميزات متولدة إمّا حُمِّلت تحميلاً، وإمّا انّها تصرَّفت بها من أثر العجز الاقتصادي ـ الذي يتبعه ضعف اللغة والثقافة. ومن أبرز الميزات المتولدة في اللهجة المذكورة ـ والتي تعدّ أساس الضربات في جسدها ـ احتمال الضغط عليها من لغة الپشتو ـ ويرجع تاريخ تحميل ألفاظ من الپشتو منذ خمسين سنة ونيف حتّى يومنا هذا؛ من أيام حكومة الأمير حبيب الله خان. ولعل المراحل الأولى اكتفت فيها لغة الپشتو بتحميل اللهجة المذكورة مجموعة من المفردات، وأغلبها في النطاق العسكري. مثل محمود طرزي في «سراج الأخبار» الذي يثبت دخول هذا النوع من الألفاظ، فهو يكتب دليلاً على ذلك ويقول إنّه «في عهد الأمير حبيب الله خان دخلت ألفاظ پشتوية كثيرة في مجال الجيش وتعليماته، لأنّ صلابة هذه اللغة ومهابتها مناسبة جداً لهذا الغرض، إذ منحت القواعد العسكرية شأناً وشوكة. فلو ظلّت شعارات القواعد العسكرية باللغة الفارسية بدت ضعيفة وطولانية جداً وغير موزونة». وشيئاً فشيئاً زخرت اللهجة الفارسية في جيش أفغانستان بأسماء وألقاب وصفات وألفاظ وكلّها من لغة الپشتو، بحيث إنّنا لو حاولنا كتابة قصة في هذا الزمان باللهجة الرسمية الفارسية، ويكون شخوصها وحوادثها في الجيش الإفغاني، لبدت عناصر تلك القصة ـ بلا شك ـ عدا الروابط وبعض تصريفات اللغة الأساسية پشتوية خالصة.
وازداد أمر تحميل المفردات الپشتوية في الأمور العسكرية وفي جميع الشؤون للهجة الفارسية الرسمية وتوسّع انتشارها منذ سنة 1335هـ حتّى اليوم. ولقد حلَّت ألفاظ كثيرة مستحدثة وأحياناً مجهولة الأصل محلّ ما يعادلها من الكلمات الفارسية المتداولة، مثل الكلمات :آقا (سيد) ـ خانم (سيدة) ـ دوشيزة (آنسة) ـ مجلس سنا (مجلس الأعيان) ـ محكمة عالي (المحكمة العليا) ـ دانشگاه (جامعة) ـ دانشكده (كلية) ـ دبير ستان (ثانوية) ـ استعيض عنها بالكلمات: شاغلي ـ ميرمن ـ پيغله ـ لوي جرگة ـ ستره محكمة ـ پوهنتون ، پوهنحئي ـ شونحئي ـ التي ملؤوا بها اللغة.
وعدا الكلمات المذكورة، تُرى عشرات المفردات في اللهجة الرسمية، وهي ألفاظ دخيلة من: الأردوية ـ الفرنسية ـ الإنكليزية. ولقد تسرَّبت بسبب الروابط السياسية، والاقتصادية، والثقافية، مع اللهجة المذكورة. وقد يكون بعض هذه الالفاظ متسرباً من القبيلة، مما لا تبدو أصوله التاريخية القديمة لدى الناطقين بالفارسية، ولم تترسخ هيئتها اللغوية كذلك بما يعادلها، في حين أنّها واردة في اللهجة المذكورة منسولة من اللغات الآنفة الذكر. في حين أنّها لا تتَّسم فقط في اللغة الفارسية بالمفاهيم والمعاني بشكل يربطها بالتاريخ والثقافة بل تتحلّى بصور وأشكال لغوية تامة التوازن والرصانة. إلاّ أنّ عادات الأذهان الكسولة والأذواق المريضة والآراء المتعصبة حرمت هذه الأشكال المشهورة من الاستعمال.
وفيما يلي نموذج واحد، وهو كلمة «ليسيه» الفرنسية التي استخدمت عوضاً عن «دبيرستان: ثانوية». ولقد كنتُ مقيماً سنة 1354هـ في كابل لمدّة عدّة أشهر، فكتبتُ مقالة حول «أفكار پيرهري» ونشرتها في مجلة «أدب» التي تنشرها كلية آداب جامعة كابل. واستخدمت في المقال كلمة «دبيرستان» مكان «ليسيه» نقلاً عن «نفحات الأنس» لجامي. وحينما انتشر المقال أثنى عليَّ عدد غفير من أهل القلم. وتدل مثل هذه المصادفة على حساسية الناطقين باللغة الفارسية نحو لفظة دخيلة في لغتهم وثقافتهم، ولا سيما في مفاهيمهم الثقافية القديمة وتاريخهم العريق. ولم تكن حساسيتهم في غير محلها، لأنّنا إن أمعنّا النظر في مجموع المفردات الدخيلة من اللغات: الپشتوية، الأردوية، الإنكليزية، الفرنسية، وكذلك لو دققنا في التركيبات السريعة التي دخلت عن طريق تساهل القدماء وسوء نظرهم في مجالات قواعد اللغة الفارسية من العربية والتركية ومن اللغات الأجنبية مؤخراً رأينا أنّ الركن المتين للغة الفارسية قد فقد متانته وموسيقاه من كثرة استخدام المفردات الدخيلة من اللغات المذكورة.
هذه هي النقطة المتصلة ببحث علم جمال اللغة الفارسية، فإن لم تلق العناية لدى الناطقين باللغة الفارسية فستتهيأ أسباب من صناعة الزمان، قد لا تكون قريبة لكنّها ستجعل الثقافة القديمة غريبة، ولن يُعلم قدر الكلام الدري، وسيغدو فهم الثقافة الفارسية ثقيلاً لأنّ:
«شخصاً كان على علم بشعر حافظ الجذاب».
«لأنّه يدرك لطف طبع الحديث الدريّ».
الدكتور نجيب مايل الهروي
التشيّع في أفغانستان
مضى الحديث عن مناطق الشيعة في أفغانستان وننشر بحثاً عن التشيّع في أفغانستان مكتوباً بقلم الشيخ حسين علي يزداني:
الإحصاءات الدقيقة عن نفوس أفغانستان لم تجر لحدّ الآن، غير أنّه برعاية منظّمة الأمم المتحدة أُجريت إحصاءات في عام (1978م) حيث أعلنت أنّ سكّان أفغانستان يبلغون الـ (21) مليون نسمة، وأمّلت في أن يبلغ عدد السكّان في عام (1985م) إلى الـ (25) مليوناً.
أمّا الشيعة فيشكّلون نسبة (30%) من سكّان أفغانستان، والمناطق التي يسكنون فيها هي المناطق المركزية لأفغانستان ومساحتها نحو (80) ألف كيلومتر مربع والتي يُطلق عليها اسم (هزارة جات)([259])، حيث إنّ كلّ ساكنيها هم شيعة.
التشيّع في هزارة جات
(الغور القديمة)
يرى البعض أنّ انتشار المذهب الشيعي في (هزارة جات) يرجع إلى ظهور الدولة الصفوية وأنّها هي السبب الرئيسي لانتشاره هناك، وأمّا التأريخ فيرفض ذلك جملة وتفصيلاً، حيث لم نجد فيه دليلاً أو شاهداً على ذلك، بل إنّ الشواهد والأدلة تدل على حقيقة ثابتة وهي أنّ ساكني بلاد الغور (هزارة جات) كانوا شيعة قبل ظهور الدولة الصفوية.
يقول علي أكبر تشيد في كتابه: (هدية إسماعيل ـ الفصل الثاني ـ طبعة طهران) حول التشيّع في بلاد الغور: إنّ مركز مسلمي الغور كان أوّل تمركز للشيعة، إنّهم أسلموا بين سنوات (35ـ40) للهجرة، وإنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) في خلافته نصب (جعدة بن هُبيرة المخزومي) الذي كان ابن أخت الإمام نصبه والياً على خراسان، ولمعاملة جعدة الحسنة مع الناس أصبح أهل الغور من الموالين والمُحبين للإمام علي (عليه السلام)، كما وأنّ أُمراء الغور لمسوا تلك المعاملة الإنسانية من والي الإمام على خراسان فأعلنوا طاعتهم للإمام (عليه السلام)، وبناء على اقترح جعدة، أمر الإمام (عليه السلام) بإبقاء بلاد الغور تحت تصرّف أُمراء عائلة (شنسب) الذين كانوا يحكمونها من قبل ومن أجل تفويض الحكم إليهم كتب الإمام (عليه السلام) كتاباً حول ذلك، واحتفظت تلك العائلة بكتاب الإمام بمثابة وسام افتخار وشرف لها من قبله (عليه السلام)، وكان ينتقل الكتاب من سلف إلى خلف بين أيدي تلك العائلة على مدى القرون.
وبعد استشهاد الإمام علي (عليه السلام) وفي عهد معاوية ومن بعده من حُكّام بني أُمية كان المسلمون مُرغمين على سبّ ولعن الإمام علي (عليه السلام) على المنابر، وكانت تلك البدعة الأموية أصبحت سارية المفعول يُعمل بها في أكثر مساجد العالم الإسلامي آنذاك، ولكن (شعب هزارة) في بلاد الغور رفضوا أمر معاوية في لعن الإمام (عليه السلام). (انتهى كلام تشيّد).
ويقول القاضي منهاج السراج الجوزجاني الأفغاني:
أغلب الظن أنّ الأمير (شنسب) أمير الغور أسلم في زمن خلافة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحصل منه عهداً للولاية واستبقاه في رئاسة (الغور)، وكان فيما بعد الشرط الأساسي الإمارة بين أحفاد (شنسب) هو الحصول على ذلك العهد المبارك من سلفهم، فإذا حصل الخلف على ذلك العهد فهو بمثابة تأييد جدارته على إدارة البلاد، هكذا كانوا يجلسون على كرسي الإمارة واحداً بعد آخر دون أيّة معارضة من قبل الآخرين وكان أُولئك من المُوالين والمُحبين لعلي وأهل بيت الرسول (عليهم السلام) وكانوا راسخين في عقيدتهم لا تهزّها العواصف([260]).
ونظم فخر الدين مبارك شاه، قصيدة في أُمراء الغور من عائلة (شنسب) يتحدّث فيها بإسهاب عن محبّة وولاء أهل الغور لأهل بيت الرسول (عليهم السلام)، ثمّ يضيف: «كفى فخراً وشرفاً لأهل الغور أنّهم لم يستسلموا لأمر معاوية بسب ولعن الإمام علي (عليه السلام) وأولاده الطاهرين ورفضوا ذلك)، وفيما يلي جزء من تلك القصيدة:
به إسلام در هيج منبر نماند
كه بروى خطيبي همى خطبه
نخواند
كه بر آل ياسين به لفظ قبيح
نكردند لعنت به وجهي
صريح
ديار بلندش از آن يود مصون
كه از دست آن ناكسان بود
بيرون
ازاين جنس هرگز در آن كس
نگفت نه در أشكار ونه اندر نهفت
نرفت اندر آن لعنت خاندان
از أين بر همه عالمش فخر
دان([261]).
ومعناها: أنّه لم يبق في العالم الإسلامي منبر لم يخطب من أعلاه خطيب إلاّ وتفوّه على آل ياسين بلفظ قبيح، ولعن صريح، سوى ديار الشموخ (الغور) كانت منّاعة للاعنين إذ كانت خارجة عن أيدي اللئام ولم يتفوّه فيها من ذلك القبيل أحد، لا في العلن ولا في الخفاء أبداً.
وبما أنّ فيها لم يُلعن الآل مطلقاً، كفى ذلك فخراً لها على العالم وشرفاً.
دخول أهل الغور في الإسلام منذ أيامه الأوائل، وولاؤهم الشديد ومحبتهم لأهل بيت النبوّة وعدم سبّهم للإمام علي (عليه السلام) رغم أوامر بني أُميّة الشديدة بذلك، كلّها حقائق ثابتة وردت في كثير من كتب التأريخ، حتّى أنّ القصص العامية والشعبية على ألسن العجائز من الرجال والنساء يتردّد باعتزاز في هزارة جات إلى اليوم: (بأنّنا أسلمنا فقط برسالة الإمام علي (عليه السلام) ومن أجل ذلك فقد دعا لنا، وكذلك نحن تحملنا مصائب عديدة من أجل المحبة والولاء لأهل البيت (عليهم السلام) حيث نباهي بها، ومن هنا يصدق القول المعروف البلاء للولاء).
وأهل الغور برفضهم لأوامر معاوية القاضية بالسب واللعن للإمام علي (عليه السلام) دفعوا ضريبة ولائهم له (عليه السلام) لأنّهم اتُّهموا بعد ذلك بالارتداد، ثمّ أوخذوا مؤاخذة شديدة.
فقد ذكر ابن الأثير أنّ معاوية أرسل إلى الغور جيشاً بقيادة حكم بن عمر لأنّهم ارتدوا.
وتدلّ القرائن التأريخية أنّ الغوريين لم يرتدّوا عن الدين، بل إنّهم اتهموا بذلك حين رفضوا أوامر معاوية بلعن علي (عليه السلام).
ومن هنا نرى أنّ مساهمتهم في ثورة أبي مسلم الخراساني كانت مساهمة فعّالة، فإنّه جهزوا خمسة آلاف رجل مسلم تحت قيادة الأمير فولاد الغوري والتحقوا به لنصرته، على أمل أن تنتقل الخلافة من بني أُمية إلى آل الرسول (عليهم السلام)([262]).
وتوالت العهود بين مد وجزر حتّى انقضاء عهد السربداريين الذين حكموا سبزوار وقسماً واسعاً من خراسان أكثر من خمسين سنة أي من سنة ( 737ـ788هـ).
وبعد زوال ملكهم صعب الأمر على السادة من الشيعة في سبزوار، لذلك ارتحلت عدّة عائلات منهم في عهد شاه رخ من سبزوار والتجؤوا إلى (هزارة جات) فاستقبلهم الهزاريون الشيعة أحسن استقبال ووهبوهم العقارات والأراضي الزراعية.
كما أنّ (مير السيد علي بخ سوز) وأتباعه استوطنوا (باميان) و(شاه قباد)، وبعضهم اتخذوا من وادي (سنكلاخ) وطناً لهم. واستقرّ إخوة (شاه سيد بابا) في شرق هزارة جات على حدود (جلريز) و(تكانه) وكان سكانها من (هزارة). واستوطن (السيد يحيى شاه قلندر) وأخوه بين الهزاريين في منطقة (وردك) التي كانت منطقة شيعية آنذاك.
هذه خلاصة من المعلومات التي يرويها المعمرون في (هزارة جات)، ويقول الشيخ حسن القندهاري إنّ سيداً آخر من سادة سبزوار اسمه (بابا حسن أبدال) أتى إلى الجنوب الغربي لهزارة جات قرب منطقة (قندهار) وسكن هناك، وكذلك (السيد حسن زنجيرپا) ابن أُخت (بابا ولي) و(مسعود شاه بيگلر بيگي) و(شاه مقصود) و(السيد شير قلندر ابن السيد حسن زنجيرپا)، هؤلاء كلّهم كانوا من السادة المتصوفين أولاد السيد (شير قلندر) في قندهار كلّهم من الشيعة([263])، والسيد (شير قلندر ابن السيد حسن زنجيرپا) كان من سبزوار واسمه الأصلي (السيد محمد) وكان رجلاً صوفياً ذا نفوذ واسع في ساكني قندهار ومناطق (هزارة جات) حتّى أنّهم أصبحوا من مريديه، وكانوا يتبرعون له بالأموال ويبعثون إليه بهداياهم.
يروى أنّ السيد (شير) عبر منطقة (زمين داور) وسكن في موضع يقال له (ساربان قلعه) وكان فيها حتّى سنة (933هـ) على قيد الحياة ودفن في محل يقال له (اشكلجه) على بُعد كيلو مترين من غرب (قندهار)، ويقصده الزائرون من أطراف قندهار وزمين داور حاملين معهم الهدايا والتبرعات لأبناء ذلك السيد، ويذبحون الذبائح حول مقبرته ويطعمون المساكين هناك وكذلك ساكنو هزارة جات أكثرهم من مريديه([264]).
وفي سنة (1016هـ) سار (معتمد خان بخشى) بأمر من (جهانگير ملك الهند) إلى (خواجه تابوت) في منطقة (باميان) وكتب عن مشاهداته: أن في باميان شاهدت جمعاً كثيراً من السادة الذين أصلهم من سبزوار بإيران، أتوا إلى باميان واستوطنوا بين (الهزارة) ([265]).
إنّ هؤلاء السادة فضلاً عن ترويجهم للتشيّع فإنّهم كانوا يُروّجون الطريقة الصوفية على مسلك شيخ الطريقة شاه نعمة الله ولي أيضاً، وفي مدّة من الزمن أصبح أكثر أفراد هزارة مريدين لهم، والسيد (شاه برهنه) كنظيره (مير سيد علي بخسوز) امتدّ نفوذه في باميان، وأصبح أكثر أهالي باميان من مريديه، وقبره إلى الآن مزار لأهالي المنطقة، وسيد آخر هو (مير سيد مراد ولي) الذي قبره إلى الآن يزار في منطقة (بلخاب)، وإليه يرفع نسب الشهيد إسماعيل البلخي.
ولا تزال آثار التصوّف التي روّجها السادة بادية في هزارة جات، ومن مخلفاتها الدارجة: مراسم السيّد والمريد وشدّ الأحزمة للأطفال على يد المرشد ومباركته لهم، فإنّ تلك العادات ما برحت حيّة حتّى في يومنا هذا فالمسنون والعجائز والمعمرون عموماً في هزارة جات كانوا مريدين لأحد السادة، ففي رأس كلّ سنة كانوا يُقدّمون شيئاً من المال بقدر وسعهم إلى السيّد وإذا مات فيرجع المريد إلى أولاد المراد.
والعامل الرئيسي الذي جذب السادة الشيعة من سبزوار إلى هزارة جات هو العامل المذهبي، فهم بعد هجرتهم من موطنهم الأصلي واستقرارهم في هزارة جات تصدّوا للأُمور المذهبية فأخذوا بترويج التشيّع وترسيخ دعائمه هناك.
وفي عهد (شاه رخ ميرزا بن تيمورلنك وقد اتخذ مدينة هراة عاصمة له ودام حكمه اثنين وأربعين عاماً من 1405 إلى 1447م)، كان الجو العام لصالح التشيّع في مناطق أفغانستان، حيث إنّ الخواجه (إسحاق الختلاني) من رجال البلاط كان مُريداً للسيّد علي الهمذاني وكان يُروّج للمذهب الشيعي، و(شاه رخ) نفسه كان شيعياً فلذلك كان يروّج للتشيّع([266])، ويُقال إنّ زوجته (گوهر شاد آغه) التي أسّست مسجد (گوهر شاد) في (مشهد) والمسجد (الجامع) في هراة كانت شيعية أيضاً([267]).
وكما ذكرنا آنفاً أنّ الشيعة كانوا موجودين في أفغانستان قبل الصفوية، حتّى أنّهم في أفغانستان كانوا أكثر عدداً من نظرائهم في إيران آنذاك.
وممّا تجدر الإشارة إليه ما ذكره عبد الحسين خاتون آبادي ممّا يتعلق بهذا الموضوع: في عام (1082هـ) كنتُ في المشهد المقدس (في خراسان) وأتى رسولان من أهالي الأراضي الجبلية في أطراف (بدخشان) ومعهما هدية ورسالة من شيعة ذلك البلد موجهة إلى عامل المشهد يطلبون فيها عالماً مذهبياً ليعلمهم ويعلم أبناءهم الطريقة الإمامية، فأرسل العامل الرسالة إلى العاصمة أصفهان إلى حضرة الملك لينظر في أمرهما، ولكن لم يوجد في البلاط شخص لائق وجريء ليقوم بتلك المهمة العظيمة، وفي النهاية رجع السفيران إلى بلادهما (أفغانستان) بعد أشهر من التيه والحيرة بدون عالم ديني([268]).
وفي عهد تسلّط الإمبراطورية الگوركانية الهندية على أفغانستان فإنّ الشيعة هناك وبالخصوص في هزارة جات، تمتعوا بالحرية المذهبية حتّى أنّهم في ذلك العهد كانوا يرسلون المبلغين إلى بعض نقاط الهند من أجل الدعوة والعمل على نشر التشيّع، كما أنّ (آخوند درويزه) الذي عاش في القرن العاشر الهجري وكان من العلماء المتعصبين غير الشيعة يذكر أنّ أحد علماء هزارة ذهب من أجل دعوة الناس إلى التشيّع في نواحي (تيرا) بمنطقة (مندر) ثمّ يقول:
(… فمن جملتهم الرافضي ملا عبدالله الذي أتى في هذه الايام من جانب الهزارة واختار منطقة (مندر) مكاناً له حيث أعلن فيها مذهب الرفض، ويدّعي أنّه ابن أُخت (الملاّ عبد الرحيم مانكراوي)، وأنّه حينما كان في كشمير كان يقوم بالتبليغ والترويج لمذهبه، وبما أنّ أهالي (مندر) هم من الجهال والضالين، فاتبعوه في مذهبه واشتهروا بذلك (أي بالتشيّع)([269]).
وفي هذا المطقع من التأريخ كان لشيعة أفغانستان الاقتدار والوضعية الاقتصادية المطلوبة وقد كتب الشهيد القاضي نور الله حول شيعة هزارة جات في سنة (1010هـ) بشكل ملخص:
إنّ نفوس هزارة كابل كثيرة ويسكنون بين كابل وغزنة وقندهار أكثريتهم شيعة أهل البيت الأطهار (عليهم السلام)، ومن رؤسائهم في هذا العهد (ميرزا شادمان) الذي يفرح به المؤمنون ويحزن من كرّاته الأجانب وعويلهم صاعد منها([270]).
حينما تسلّط أُمراء قبيلة (سدو زايى ومحمد زايى) على أفغانستان ابتلي الشيعة بأفجع المصائب، ففي عهدهم بلغت العصبيات الجاهلية المذهبية العمياء ذروتها وشنّوا على الشيعة حملات الإبادة الجماعية وفي عهدهم قلَّ عدد الشيعة، فالأمير عبد الرحمن أهلك أكثر من ثلث سكان مناطق الشيعة بما فعله من تقتيل لهم أينما وجدهم، يكفي أن تعلم أنّه في بداية حكمه كان يُقدر سُكان)(بهسود) بـ (20) ألف عائلة، أمّا في أعوام (1309ـ1312هـ) أي في غضون (3) سنوات فتراجع عددهم إلى الـ (6400) عائلة، ممّا يعني أنّه قام بإبادة (13600) عائلة شيعية فقط من منطقة (بهسود)، هذا مع العلم أنّ أهالي بهسود لم يُلاقوا إلاّ القليل قياساً بإخوانهم الشيعة في سائر مناطق هزارة، فشيعة (أجرستان) و(داية بولاد) والقسم الأعظم من (أرزكان) و(زمين داور) أُبيدوا كلياً.
وخلاصة القول إنّ أُمراء قبيلة (سدو زايى ومحمد زايى) قتلوا بشكل جماعي ثلثي سكان (هزارة جات) ورجعت البقية الباقية من الشيعة القهقهرى.
وفيما يتعلق بمسائل العلم والثقافة يقول المؤرخ الأفغاني غلام محمد غبار: (ومن منطقة يكه ولنگ) اعتقلت الحكومة مائة ألف عائلة من عائلات الروحانيين الشيعة، واستطاعت ألف عائلة روحانية أن تلوذ بالفرار (من أفغانستان) وقتل ألفان ومائة روحاني وعالم شيعي([271])، وهدمت الحسينيات والتكايا الشيعية من أساسها، فحسينية (ميرايلخاني) في منطقة (يكه ولنگ) التي كانت فريدة في نوعها هدمت من الأساس، وكان عدد الحسينيات في مدينة هراة (50) حسينية عامرة([272])، كان يقام فيها مراسم العزاء الحسيني هدمها الأمير عبد الرحمن وعلاوة على تلك المصائب والفجائع فإنّ الكتب والتراث الثقافي والمخطوطات الشيعية كلّها أُحرقت بأوامر الامير عبد الرحمن.
كتابة التاريخ في أفغانستان
بدأت حركة كتابة التاريخ في أفغانستان ممنذ عهد الشهيد الملا فيض محمد الكاتب. وقد وجّه الأمير أمان الله خان الدعوة إلى عدد من علماء الآثار الغربيين للسفر إلى أفغانستان للتنقيب عن الآثار التاريخية في خرائب هذا البلد. وبعد ذلك وفي عهد عائلة نادر (آل يحيى) استمرّت التنقيبات. وفي سنة 1930م تأسّست جمعية أدباء كابل بأمر من نادر خان وبعد ذلك تأسّست جمعية أدباء قندهار وجلال آباد وغيرها. وبعد مرور ثلاث أو أربع سنوات تأسّست جمعية تاريخ أفغانستان وجمعية بشتوه [بشتوتولنه] وكان أهم أعمال هذه الجمعيات تأليف وطبع الكتب التاريخية. وقد تمّ خلال أكثر من أربعين عاماً طبع وتوزيع ونشر ما يقارب 209 مجلدات من الكتب التاريخية الصغيرة والكبيرة باللغات الفارسية والبشتو والأردو والإنكليزية والعربية وغيرها من اللغات. ولما كان أكثر هذه الكتب كتب وطبع بأمر من النظام الحاكم فإنّه يمكن للقارئ أن يعرف محتوياتها. وكان المؤرخون والمؤلفون البلاطيون يقبضون الرواتب العالية ولكن الذي كانوا يكتبونه ما هو إلاّ تزييف للحقائق. ومن جملة ما تمّ تأليفه كتاب الكنز الخفي (بته خزانة)، وتذكرة الأولياء وغيرها من الكتب بقلم عبد الحي حبيبي ومؤرخين آخرين. وكانوا ينسبون هذه الكتب إلى مؤلفين وهميين في القرون الماضية وممّا جاء في هذه الكتب تاريخ حياة شخصيات تاريخية وشعراء وشاعرات ومؤلفين وعلماء ورجال من قوم بشتون كلّهم شخصيات وهمية لا وجود لها. وقد استند المؤرخون اللاحقون على محتويات هذه الكتب المزيفة. وبهذا فإنّ الكثير من التلاعب والتزييف حصل في تاريخ أفغانستان. حتّى أنّ المؤرخين الأجانب الذين كانوا يجهلون هذه الحقائق استندوا على هذه الكتب المزيفة، إلاّ أنّ القليل من المحققين كانوا على علم بحقيقة هذه الأمور. ولمّا كان بعض العلماء الغربيين الباحثين في لغة البشتو قد شككوا بتأليفات حبيبي وأصحابه، فقد طلبوا منه النسخ الأصلية من هذه الكتب ليختبروا الورق والحبر. إلاّ أنّ حبيبي رفض بشدّة عرض النسخ الأصلية، حيث كان يعلم أنّه لو أبرز النسخ الأصلية فسيظهر زيفها.
وعلى هذا الأساس، فإنّ الكتب التي تمّ تأليفها في عهد آل يحيى قد أعطت الدور الرئيسي إلى الأقوام الحاكمة وقل ما جاء ذكر الأقليات القومية والدينية. وعلى سبيل المثال: فمن الكتب التي صدرت كتاب «موسوعة آريانا» [آريانا دائرة المعارف] في ستة مجلدات ضخمة حسب حروف الهجاء. وقد أشارت الموسوعة بالتفصيل إلى الأقوام الآرية كما أنّ فيها معلومات عن رجال مجهولين في أوروبا وأميركا وكذلك معلومات عن الأنهار والجبال والمدن الأوروبية. ولكن الكتاب لا يشير أبداً إلى سكان هزارة الكادحين وهم من الأقوام البطلة الشجاعة التي أسّست أفغانستان. وذلك لأنّهم من الشيعة.
وقرأت في كثير من الموسوعات العالمية، معلومات عن هؤلاء الناس تحت عنوان كلمة «هزارة».
عدم اهتمام الشيعة بتاريخهم
من المؤسف أن نرى الشيعة قد تجاهلوا كتابة تاريخ أفغانستان فنال تاريخهم أذى جسيم. إنّ تجاهلنا لكتابة التاريخ قد جعل مؤرخي السلاطين والبلاطات ينسبون بطولات ونضالات الشعب الأفغاني ضد الاستعمار إلى الأقوام غير الشيعية وخاصّة أقوام محمد زايى. وكانوا يشيرون إلى «هزارة» بأنّهم من الأقوام التي لا تاريخ لها ولا نسب. إنّ هؤلاء المؤرخين يحكمون من جانب واحد وكتبوا ما أرادوا أن يكتبوا. ولم يظهر مؤرخ واحد خلال هذه المدّة ينتقد كتاباتهم وتأليفاتهم ويكشف الحقائق.
دور الشيعة في الانتفاضات
المعادية للاستعمار
إنّ الشيعي بسبب طبيعته الثورية لا يمكنه أن يصمت أمام الظلم والعدوان. ولهذا السبب فإنّ الشيعة في أفغانستان كانوا يناضلون جنباً إلى جنب مع شعوب هذا البلد لمقاومة العدوان الخارجي وكانوا السبّاقين في بعض الأحوال. وقد حدث أنّه في الحرب الأولى بين أفغانستان والإنكليز جاء من علماء الشيعة «الملا عبدالله» ابن الملاّ نجم من قندهار إلى كابل وأخذ يحدث الأهلين في المساجد والتكايا ويدعوهم إلى الجهاد ضد الإنكليز، كما كان يدعو الشيعة والسنّة إلى الاتحاد والأخوة. وبعد طرد القوات الإنكليزية ومجيء الأمير دوست محمد إلى السلطة قضى على الأحرار بأسباب مختلفة لأنّه كان عميل الإنكليز. ومن بين الذين هربوا من أفغانستان كان الملاّ عبدالله الذي سافر إلى مدينة (مشهد) في إيران وتوفي فيها شريداً. وللملاّ عبدالله هذا مؤلفات كثيرة لم تطبع حتّى الآن. ولم يأت ذكر تاريخ حياة هذا العالم الشيعي المناضل في أي من كتب التاريخ في أفغانستان. وبإمكاننا أن نجد تاريخ حياة هذا المناضل وتاريخ نضاله في الكتب التي ألفها إخواننا الإيرانيون.
وكان للشيعة دور فعّال أيضاً في الحرب الثانية بين أفغانستان والإنكليز. وكان يتزعم القوات الشيعية في الجبهة الشرقية (كابل) رجال أمثال مير غلام قادر أوبياني وبرويز شاه خان بغماني من سادات بغمان الشيعة، وكذلك نجل مير عباس لالا. وقد حاربوا الإنكليز بشجاعة ورجولة كما جاهد الشيعة ببطولة في الجبهة الغربية (ميوند وقندهار). وكان مؤرخو البلاط قد اعتبروا القائد أيوب خان أنّه هو الذي فتح ميوند، إلاّ أنّ الفاتحين الحقيقيين لهذا الجهاد المقدس هم رجال مجهولون من الطبقة الضعيفة المضطهدة في المجتمع. إنّ الملاّ محمد علي آخوند زاده، العالم الديني المناضل الشيعي هو الذي دعا أهالي مدينة هراة إلى الجهاد بالخطب التي كان يلقيها عليهم.
إنّ البطولات التي قام بها الكرنيل شير محمد خان هزارة وغيره من المجاهدين في صحارى «ميوند» اللاهبة أسفرت عن مقتل اثني عشر ألفاً من أفراد القوات الإنكليزية وحقق الشعب الأفغاني انتصاراً كبيراً. وفي حرب قندهار عندما اقتربت القوات الإنكليزية الموفدة من كابل إلى مدينة قندهار، فتحت نيران مدفعيتها على قوات المجاهدين كما أنّ القوات الإنكليزية المحاصرة داخل المدينة فتحت نيران أسلحتها على مواقع المسلمين. واندلعت نيران الحرب بشدّة واستمرّت بعنف واستشهد الكثير من المسلمين في هذه الحرب. وكان القائد أيوب خان قائد قوات المجاهدين قد تبادل الرسائل سراً مع الإنكليز حول السلطة الملكية في أفغانستان وخان الشعب، ولكنّه هرب في هذا اليوم مع عدد كبير. وفي مثل هذا اليوم العسير حيث القنابل والرصاص ينهالان على أهالي المدينة من السماء والأرض، وقف الكرنيل شير محمد خان هزارة مع مائة من أفراده ببسالة ورجولة بوجه المعتدين. إنّ مقاومة وصمود هؤلاء كان السبب في إنقاذ الكثير من المجاهدين الذين كانوا قد تورطوا في المهلكة حين الفرار. وقد تمكن الكرنيل شير محمد خان أن يصد ببسالة فوجاً من القوات الإنكليزية لمدّة ثماني ساعات. وقد هلك في هذه المعركة إثنان من خيوله برصاص العدو ولكنّه استمرّ في المقاومة وإنّ أغلبية المجاهدين المائة الذين كانوا تحت إمرته قد استشهدوا([273]).
وفي حرب الاستقلال أي الحرب الثالثة بين أفغانستان والإنكليز التي وقعت في سنة 1919م والتي انتهت بحصول أفغانستان على استقلالها، كان الشيعة كالمرتين السابقتين هم الذين أبدوا الشجاعة والبسالة في سبيل استقلال أفغانستان. وقد أمر الملك أمان الله بنقش أسماء عدد من الشيعة من أبطال هزارة الذين أبدوا بطولات عظيمة في هذه الحرب على لوح كبير من الحجر في منار دهزنگ في كابل.
وكان أبناء الشيعة من بهسود وباميان ودايزنگي يحاربون القوات البريطانية في الجبهتين الجنوبية والشرقية بينما كان أبناء الشيعة من غزني وجفتو وناوور وجاغوري ومالستان ودايكندي وقندهار يحاربون القوات البريطانية في جبهة قندهار. وكان يقود هؤلاء كل من السيد نور محمد شاه قزلباشي ومحمد الله خان هزارة وعبادي خان هزارة وشير أحمد خان توري وعبدالله خان قياق وأبو القاسم خان رساله دار وغيرهم([274]).
دور الشيعة في الثورة على الشيوعية
لمّا كان الشيعة في أفغانستان قد عانوا الكثير من التعذيب في الأنظمة السابقة وخاصّة في عهد الأمير عبد الرحمن. فإنّ النظام الماركسي في كابل لم يكن يتصوّر أنّ ينتفض أبناء الشيعة بل كان يعتقد أنّهم يؤيدون ما يسمّى ببرامجه الإصلاحية برحابة صدر. ولكن خلافاً لما كان يعتقد النظام فإنّ الشيعة بانتفاضتهم الشاملة قد ضعضعوا موقف الحكومة في نظام تره كي. وكان للشيعة دور بارز وكبير ومصيري في الجهاد الكبير خلال الأعوام العشرة الأخيرة.
وبالرغم من أنّ أوّل مواجهة مسلحة ضد قوات النظام الماركسي قد بدأت من نورستان، ولكن يجب اعتبار انتفاضة أبناء الشيعة الدامية في «درة صوف» بداية انتفاضة الشعب الأفغاني. لقد انتفض أبناء الشيعة في درة صوف، وحرروا مدنها، وقد دخل النظام الماركسي المعركة بقساوة لا توصف وانقطعت الطرق المؤدية إلى درة صوف من جميع أنحاء أفغانستان لمدّة عشر أيام. وقد استمرت أعنف المعارك بين الأهالي والقوات الحكومية خلال هذه المدة وارتكبت القوات الحكومية مجزرة رهيبة بحق الشيعة ودمّرت بيوتهم ونهبت أموالهم، كما استشهد الكثير من الأطفال والشيوخ ومن النساء والرجال. واضطر الأهالي إلى مغادرة منازلهم واللجوء إلى الكهوف والمغارات والجبال بين الثلوج والبرد القارس. وقد هلك عدد منهم من الجوع والبرد، ورغم كلّ هذا فإنّ الأهالي ظلّوا صامدين وقد استمرّوا في الحرب وصمدوا للقوات الحكومية والروسية التي أغارت عليهم عدّة مرّات.
كما انتفض أبناء الشيعة في بلخمرى ودهنه غورى وجنگ أغلي وقتلوا عدداً كبيراً من أفراد القوات الحكومية، ولكنّهم واجهوا أعنف الغارات الجوية والبرية الحكومية واشتعلت النيران في بيوتهم حتّى أنّ نظام تره كي أرسل ستة عشر ألفاً من المسلمين الإيلجاريين لمحاربتهم ودارت بينهما حرب دامية استشهد فيها عدد كبير من الشيعة طوال هذه المعركة كما أنّ القوات الروسية شنّت غارات على أبناء الشيعة إلاّ أنّهم قاوموا بشدّة، وأنزلوا ضربات مهلكة بالقوات الروسية.
لقد انتفض الشيعة والسنّة جنباً إلى جنب في الانتفاضة الكبيرة الدامية التي وقعت في هراة وصنعوا ملحمة كبيرة قدموا فيها في سبيل الله عدّة آلاف من الشهداء.
كانت (هزارة جات) قطعة من النار والدم، لقد انتفض أهالي هزارة الأبطال في كلّ مكان وتمكّنوا في أقل من شهرين أن يفرجوا عن أكثر من ثلاثين من أبناء ولسوال وعلاقة دار، وأنّ المعارك بينهم وبين القوات الحكومية كانت مستمرة في كلّ مكان حيث أنزلوا ضربات قاصمة بهذه القوات، كما استشهد الآلاف من الأهالي في هذه المعارك. وعلى سبيل المثال، فإنّ أربعمائة من أهالي هزارة الأبطال استهشدوا في منطقة باميان خلال السيطرة على مركز ولاية باميان. ورغم كلّ هذا فقد استمر الأهالي في المقاومة فتمكنوا من تحرير مركز ولاية باميان ثلاث مرات عندما كانت تستعيده القوات الحكومية والروسية كلّ مرّة. ثمّ تمكنوا من تحريره للمرّة الرابعة وظلّوا يسيطرون عليه.
إنّ انتفاضة أهالي هزارة جات قد أربكت نظام تره كي بشدّة ومن خوفه بدأ بسرعة بتجميع الإيلجاريين، ومن جانب آخر تظاهر النظام بتمسّكه بالإسلام. وأتذكر جيداً أنّ أهالي العاصمة كابل كان يقول بعضهم للبعض الآخر بلهف وشوق: إنّ بندقيات أبناء هزارة قد جعلت تره كي وأعضاء حكومته يلفظون كلمة التوحيد. إنّ أبناء بشتون كانوا يقولون إنّ أوغان هو الشقيق الأكبر لهزارة وإنّ هزارة هو الشقيق الأصغر، إلاّ أنّ انتفاضة أبناء هزارة أثبتت أنّ هزارة هو الشقيق الأكبر.
فيما يلي أسماء المناطق التي حررها أبناء هزارة:
دايكندى، بلخاب، انتفاضة أهالي سنگجارك، فتحت شهرستان، ناوور، يكاولنگ، بالستان، مناطق بنجاب وورس ولعل وسرجنكل، بهسود علاقة دارى دايميراد، جاغوري، دره فولاد في إبميان، علاقة دارى شيمبول، انتفاضة وادي تركمن، علاقة دارى شيخ علي فتح علاقة دارى جلريز، تكانة لولنج بعد معركة استمرّت شهرين، ولسوالي جفتو. جفتو.
وبهذا، فإنّ مركز أفغانستان (هزارة جات) بمساحة تقدّر بأكثر من 80 ألف كيلومتراً مربعاً تحرّرت في السنة الأولى من الثورة وما زالت محررة حتّى الآن.
وإضافة إلى تحرير المناطق المذكورة، فإنّ الشيعة كان لهم الدور الفعّال الأساسي في تحرير المناطق المجاورة الداخلة ضمن مناطق أبناء السنّة. حيث كان لأبناء الشيعة من بهسود ودايمير داد وسر جشمه الدور الرئيسي في تحرير (نرخ ميدان) و(بند خواجه ميدان). ومركز ولاية ميدان تحرر من قبل الشيعة والسنّة بصورة مشتركة. كما أنّ تحرير بعض المناطق في ولاية غور بما في ذلك بسابند غور ومناطق أبناء السنّة في ولاية أرزگان تمّ بالتعان بين الشيعة والسنّة، وأنّ أبناء الشيعة حرّروا مؤخراً مناطق قره باغ غزني.
لقد شنّ الشيعة عدّة هجمات على القوات الماركسية والروسية المستقرة في غزني وأنزلوا بها ضربات قاصمة. وتمّ تحرير عدّة مناطق في ولاية تركستان الأفغانية بالتعاون بين الشيعة والسنّة. إنّ المجاهدين في جهار كنت وضواحيها أنزلوا ضربات كبيرة بالقوات الروسية. وكان الشيعة إلى جانب السنّة في تحرير منطقة سياه كرد. وأتذكّر جيّداً أنّ وفوداً من المناطق السنيّة في وادي غوربند، وحتّى من بنجشير جاءت إلى وادي تركمن وطلبت الإرشاد من الجمعية الإسلامية في وادي تركمن. وفي تلك السنة تمّ إرسال خمسة وثمانين من المجاهدين التركمان إلى وادي سيدان وتايخان غوربند لمساعدة إخوانهم أبناء السنّة. وبقوا هناك عدّة أشهر. إنّ الوحدة والإخلاص بين أبناء الشيعة والسنّة في الأعوام الأولى من الثورة لم يسبق لهما مثيل في تاريخ أفغانستان. لقد تمكّن المجاهدون الشيعة في تركمن وشيخ علي وقول خويش أن يحتلوا القاعدة المهمة في جهارده في غوربند والتي تقع في منطقة الإخوة أبناء السنّة. ولقد لعبت مجموعة توحيد التركمن التي كنت أقودها دوراً هاماً في هذا الفتح. وبعد الاستيلاء على جهارده غنمنا جميع المواد الغذائية والألبسة التي كانت هناك وأهديناها إلى الأهالي كما أهدينا إليهم كمية من الأسلحة التي غنمناها([275]).
لقد شنّت قوات نظام كابل الماركسي وقوات الاحتلال الروسية عدّة هجمات على (هزارة جات) لاحتلال هذه المنطقة الجبلية إلاّ أنّها اضطرت للانسحاب في كلّ مرّة تاركة خلفها خسائر وأضراراً جسيمة. ولو أنّ (هزارة جات) قلب أفغانستان النابض وقعت بأيدي الروس فإنّ أيّة قوّة لم يكن باستطاعتها إخراج الروس من البلاد وفي عهد حفيظ الله أمين هاجمت قوّة قوامها ثمانية عشر ألف مقاتل من القوات الحكومية تدعمها المئات من المدافع والدبابات والمدرعات والآليات العسكرية والقوّة الجوية، هاجمت وادي تركمن وشيخ علي. واحتلّت شيخ علي بكاملها، كما احتلت نصف وادي تركمن، وقتلت ونهبت ودّمرت كلّ شيء. وقد لجأ الأهالي في ذلك الخريف البارد إلى الجبال والوديان. وإنّ المجاهدين كانوا يدافعون عن المنطقة بكامل قوّتهم. وكنت مع مجموعة التوحيد قد نصبنا الكمائن على طريق القوات الحكومية في ذلك البرد القارس وأنزلنا بها ضربات قاتلة. إنّ صمود ومقاومة أبطالنا، وبعد قتال استمرّ عدّة أيام أجبر القوات الحكومية على الهزيمة والانسحاب نحو مدينة كابل. وكانت خسائر الأهالي في الأرواح كبيرة جداً وإنّ أكثر من اثني عشر من الأطفال هلكوا في ذلك البرد الشديد في جبال سرهلمند.
وفي الربيع وبعد أن ذابت الثلوج، هاجمت القوات الروسية الجديدة منطقة (هزارة جات) من كلّ جانب تدعمها المئات من الدبابات والمعدات الحربية كما هاجموا تركمن وشيخ علي وباميان عن طريق غوربند وبهسود عن طريق ميدان جلريز وهاجموا جغتو وجاغوري ومالستان عن طريق غزني وهاجموا المناطق الغربية لهزارة جات عن طريق قندهار وهراة وغور. وقاموا بالقتل والنهب والتدمير. وبدأت القوّة الجوية الروسية بقصف هزارة جات. وتمّ محاصرة الأهالي من كلّ جانب. وبدأت المعارك في مختلف مناطق هزارة جات بقوّة وعنف. وكان الروس يهدفون إلى احتلال قلب أفغانستان. ولكن مقاومة الأهالي جعلت القوات الروسية تذوق طعم الهزيمة المرّة، وانسحبت إلى كابل وغزني وقندهار وهراة. وبعد ذلك تعرّضت المناطق التي يعيش فيها الشيعة في قرى غزني وبهسود وبقية مناطق هزارة جات مراراً لهجمات الروس القاسية، إلاّ أنّ الهزيمة كانت نصيب تلك القوات في النهاية. وكانت بهسود وسرجشمه ودايميرداد تتعرّض في الليل للقصف الجوي. إنّ السوق في سرجشمه ودره آبدله دمّرت مراراً نتيجة هجمات الروس عليهما وإنّ الأضرار بلغت ملايين الدولارات، إلاّ أنّ الأهالي أعادوا بناء المناطق. وفي الأعوام الأولى من الثورة كان حطام الدبابات والمدرعات والهليكوبترات الروسية منتشراً في وادي غوربند من جهارده إلى شيخ علي ووادي أوني بهسود وبقية المناطق الاستراتيجية. وكان الأهالي يأخذون حطام هذه التجهيزات العسكرية ويصنعون منها الأدوات الزراعية وأشياء أخرى. إنّ الأهالي دفعوا ثمناً باهظاً لتحرير (هزارة جات) كما كانت الخسائر في الأرواح كثيرة. خاصّة فتح مركز باميان وأطراف غزني، وصمود أهالي قياق غزني، وفتح لومان جاغوري وغير ذلك حيث لكلّ منها حكاية طويلة. وإنّ ما نذكره هنا ما هو إلاّ فهرست للحوادث.
وقع الكثير من الشهداء في المعارك التي وقعت من كوتل أونى إلى مركز بهسود. إنّ الماركسيين كانوا يقتلون أو يعتقلون جميع الذين كانوا على طريقهم عندما كانوا يسيطرون على إحدى المناطق ولا يفرقون بين المجاهدين والأهالي العاديين. فمثلاً عندما انتفض أهالي مركز بهسود فإنّ القوات الحكومية اعتقلت خلال انسحابها ثمانين من أهالي قرية وادي آبدله (آبدره) وأخذتهم معها إلى كابل. ولا نعرف عن مصيرهم شيئاً حتّى يومنا هذا، ونحن على ثقة بأنّهم جميعهم قد استهشدوا ولم يكن هؤلاء المعتقلون المساكين قد شاركوا في انتفاضة أهالي مركز بهسود وأنّهم أبرياء حقاً، وقد أعدمت القوات الحكومية بين سبعين إلى ثمانين من أهالي قرية دهن نرو الواقعة بين تركمن وفرنجل، رمياً بالرصاص. في حين أنّ أهالي القرية لم يشاركوا في الانتفاضة وكانوا أبرياء. وأنّ نساء القرية حملوا جثث الضحايا بعد ذلك ودفنوها في منطقة خاصّة حاصروها بالجدران. وعندما انتفض أهالي مركز بهسود كانت الثلوج قد غطّت المنطقة بكاملها، وإنّ القوات الحكومية هاجمت القرى ممّا اضطر الأهالي أن يأخذوا النساء والأطفال إلى الجبال. ولمّا كان الجو بارداً جدّاً فإنّ الأهالي وضعوا ما كانوا يملكونه من الأبسطة والسجاد على الثلوج وأقاموا عليها الخيام لإيواء الأطفال. لقد فُقد الكثير من الأهالي من أبناء الشيعة. فمثلاً أعدّت الجمعية الإسلامية في وادي تركمن قائمة بأسماء التركمان الذين اعتقلهم نظام تره كي وكان عدد المعتقلين قد بلغ سبعمائة شخص. ولما كان عدد المعتقلين في وادي تركمن وهي منطقة صغيرة قد بلغ هذا العدد فإنّ الله يعلم كم هو عدد المعتقلين في مختلف مناطق (هزارة جات).
إنّ أهم قضية كانت أمام النظام الماركسي خلال العشرة أعوام الماضية هي قضية المحافظة على العاصمة. لأنّ الحكومة كانت تخشى أن تتّسع رقعة نضال الأهالي في العاصمة كابل. ولهذا السبب كانت القوات الحكومية تقوم بين فترة وأخرى بتفتيش المنازل في العاصمة وأنّها كانت تعتقل كلّ من كانت تشك في أمره. وفي مثل هذا الجو الخانق استمرّ أبناء الشيعة في نضالهم. ففي الانتفاضة الدامية التي وقعت في حي جنداول كان ضحايا أبناء الشيعة حوالي سبعة آلاف معتقل أغلبيتهم من العمال من حمال وإسكافي وما إلى ذلك، لم يعرف عن مصيرهم شيء حتّى يومنا هذا. وفي انتفاضة (بالاحصار) في كابل كان أبناء الشيعة والسنّة يجاهدون جنباً إلى جنب. وكان الأمر كذلك في انتفاضة الجيوش في ريشخور وقرغه حيث كان الجنود الشيعة والسنّة وكذلك الموظفون من السنّة والشيعة يجاهدون جنباً إلى جنب. وكان للجنود الشيعة الدور الرئيسي في انتفاضة باميان وفرقة هراة وأسمار وغيرها. وفي الملحمة الكبرى التي وقعت في كابل والتي قليلاً ما نشاهد مثلها من الملاحم في التاريخ فإنّ أبناء الشيعة لعبوا دوراً فعالاً فيها. وإنّ عمليات أبناء الشيعة الفدائيين في العاصمة كانت لها أهمية خاصّة. إنّ المجاهدين البهسود شنّوا عدّة هجمات على بغمان وأنزلوا ضربات قاصمة بالقوات الروسية المستقرة في المنطقة. وإنّ فتح سهل برجي والعشرات الأخرى من العمليات الفدائية في مختلف مناطق كابل قام بها المجاهدون الشيعة.
لقد قام الشيعة في مدن: غزني وقندهار وهراة ومزار شريف وبفلان وبلخمري ومدن أخرى بعمليات فدائية كثيرة وصنعوا الملاحم. وكان الأمر كذلك في المناطق التي لا يعيش فيها أبناء الشيعة حيث كان عدد قليل من هؤلاء الشيعة يشاركون إخوانهم أبناء السنّة في عملياتهم الفدائية، علماً بأنّ الأحزاب الشيعية لها قواعد عسكرية في مختلف مناطق هراة وغور وبادغيس وقندهار ومختلف مناطق تركستان.
والمهم في عمليات أبناء الشيعة الأفغان هو أنّهم لا يدينون إلى أي بلد أجنبي في نضالهم حيث إنّ المساعدات الأجنبية التي كانت قد أرسلت في الأعوام الأخيرة باسم المجاهدين الأفغان من الولايات المتحدة وكندا والدول الأوروبية واليابان والصين وأستراليا والدول العربية كانت ترسل إلى مكاتب الأحزاب المستقرة في بيشاور. بينما نعلم أنّ الشيعة في أفغانستان عامّة والشيعة الهزاريين خاصّة هم من الناحية الاقتصادية أفقر الناس في المجتمع الأفغاني. إنّ المصابين الجرحى من أبناء هزارة يموتون بسبب عدم توفّر الإمكانيات الصحية لهم. وإنّ المجاهدين الشيعة لا يصلهم حتّى خبز الشعير الكافي، ورغم كلّ هذا فإنّهم ظلّوا مستمرين في النضال.
المؤسف حقاً أنّ الشيعة لا يتمكنون من إرسال نداء دماء شهدائهم إلى العالم، لقد صنعوا ملاحم كبيرة وكثيرة ولكن لم تلتقط لهم صور أو افلام عن هذا الكفاح وعن هذه الملاحم لعرضها على العالم أو لنشرها في الصحف والمجلات. فمثلاً فتح جهارده غوربند كان عظيماً جدًّا وكذلك حرب فرنجل الدامي وفتح لولنج وانتفاضة الجيش المسلم في باميان، والفتوحات الأخرى والمعارك الدامية، كلّ هذه الفتوحات لم ينشر عنها شيء في الصحف والمجلات. وإذا جاء ذكر عنها وعن تلك الملاحم كان ناقصاً أو بعد مرور عدّة أشهر. وكذلك الحال بالنسبة لتاريخ حياة الشهداء والأبطال الشيعة حيث إمّا أنّه لم ينشر عنهم شيء في الصحف والمجلات وإمّا أن يكون ما نشر ناقصاً ومختصراً. حتّى أنّه ليست لدينا إحصائيات عن شهدائنا. وطبعاً إنّ مثل هذا الأمر متعذر حالياً. وقد حاولت يوماً أن أعد قائمة بأسماء الشهداء من علماء الدين وطلاب العلوم الدينية من الشيعة وقد تمّ إعداد قائمة بأسماء مائتين من هؤلاء في هزارة ولكن العدد الحقيقي لهؤلاء كان أكثر من هذا العدد ولذلك صرفت النظر عن هذا الأمر ولكنّي أحتفظ بقائمة أسماء هؤلاء الشهداء. ولعلّي أنشرها فيما بعد إن شاء الله.
ومن جانب آخر يجب أن نعترف أنّنا نواجه مشاكل اقتصادية كثيرة فإنّ أيدنا مغلولة لعدم توفّر الإمكانيات الاقتصادية. لقد تعرّفت على عدّة من الشباب الشيعي كانت لهم الرغبة الكبيرة لإعداد أفلام عن ساحات القتال ولكن هذه العملية كانت بحاجة إلى المال والإمكانيات اللازمة ولمّا لم تكن الإمكانيات متوفرة فقد تركنا الأمر جانباً. إنّ بعض الطلاب سجلوا بعض وقائع الانتفاضة الشعبية. فمثلاً أحد طلاب العلوم الدينية ويدعى ضيائي سجل حادث انتفاضة دره صوف الدامية وإنّ طالباً آخر سجل حادث انتفاضة أهالي شهرستان. ولكن لمّا كانوا لا يملكون نفقات طباعتها فإنّ كتاباتهما بقيت غير مطبوعة.
أسباب عدم تقدّم الشيعة في أفغانستان
يمكن تلخيص أسباب تأخّر الشيعة وعدم تقدّمهم لأمرين:
الأوّل: التمييز العنصري واللغوي والديني من قبل الأنظمة الحاكمة.
الثاني: حياتهم القروية وابتعادهم عن مراكز الحضارة.
إنّ الحياة في وسط أفغانستان التي تبلغ مساحتها عشرات الآلاف من الكيلومترات المربعة هي حياة قروية. وإنّ هذه الحياة القروية لا شك تؤثّر في تأخّرهم الثقافي بصورة مباشرة والمعروف في جميع أنحاء العالم أنّ القرويين لا يتساوون مع سكان المدن من الناحية الثقافية وأنّ السبب الذي كان يوصي به الأئمة الطاهرين بالعيش في المدن هو لهذا الأمر حيث إنّ الحياة في المدن قد تؤدّي بطبيعة الحال إلى المزيد من الوعي واليقظة والعلم وارتفاع مستوى ثقافة الشعب. إنّ التجارب أثبتت هذه الحقيقة ايضاً حيث إنّ الاسر التي اضطرت إلى الهجرة إلى كابل قبل أربعين أو خمسين عاماً نتيجة العسر والفقر أنّ جيلها الجديد قد حقق نمواً كبيراً من الناحية الثقافية. ولحسن الحظ، فإنّ قابلية الشعب الأفغاني في التعلّم وفي الصناعة والأعمال الفنية، كبيرة جدّاً، فإن توفّرت لهم الإمكانيات الدراسية وإمكانيات التعليم فإنّهم سيحققون نمواً وتقدّماً كبيراً وسريعاً وأمّا بالنسبة للتمييز الذي تمارسه الأنظمة الحاكمة، فإنّه يجب القول إنّه لو كانت مثل هذه الضغوط الاقتصادية والسياسية والجغرافية قد فرضت خلال مائتين وخمسين عاماً على أي من الشعوب لما كانت الحضارة والثقافية قد بقيت عند تلك الشعوب، بل لما كانت تلك الشعوب نفسها باقية. وإنّه من المدهش أن نرى مدى صمود ومقاومة الشيعة في أفغانستان حيث حافظوا وما زالوا يحافظون على كيانهم ووجودهم. كان الشيعة عامة والهزاريين خاصة قد منعوا من دخول الكليات العسكرية وكلية السياسة والاقتصاد. وكان هاشم خان خته شقيق نادر الذي ظلّ رئيساً للوزراء طيلة سبع عشر سنة كان هو فيها في الحقيقة الحاكم المطلق في أفغانستان قد أصدر قراراً حكومياً تحت رقم 875 إلى وزارة المعارف آنذاك يمنع فيه قبول أبناء الشيعة في المعاهد العالية في كابل وخاصّة في المعاهد العسكرية. ولا يحق لهم دخول مثل هذه المراكز التعليمية. أمّا عبد الحي حبيبي الذي كان ذا عصبية خاصّة للشيعة وكان يدافع عنهم في كلّ مكان ويقف ضد مثل هذه التمييزات المذهبية فقد كتب قائلاً: لا توجد حتّى خمس مدارس ابتدائية في مناطق (هزارة جات) لثلاثة ملايين نسمة من أبناء هزارة.
حالة الشيعة الاقتصادية
نُشرت في الصحف الإيرانية قبل عامين بعض الإحصاءات حول الحالة الاقتصادية في دول العالم وأشار المقال إلى أنّ الدراسات التي قامت بها منظمة الأمم المتحدة أكدت أنّ أكثر من نصف دول العالم تعتبر من الدول الفقيرة. ومن بين هذه الدول عشرون دولة فقيرة للغاية، إثنتان منها من أميركا اللاتنية وتسعة منها في إفريقيا وتسعة منها في آسيا. وأنّ أفغانستان وبنغلادش يتصدران قائمة هذه الدول وأنّهما فقيرتان كلّ الفقر. وأمّا في داخل أفغانستان فإنّ الشيعة وخاصّة السكان القرويين في (هزارة جات) هم أكثر طبقات أبناء أفغانستان فقراً. إنّ هذا الفقر هو أوّلاً بسبب طبيعة الأرض التي يعيشون عليها حيث إنّ الأرض باردة وجافة وصعبة وقاسية في هذه المنطقة. وثانياً بسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة التي كانت تمارسها الأنظمة الحاكمة. فمثلاً كان يوجد في أفغانستان من الأثرياء من كان بإمكانهم منافسة أثرياء الدول المتقدمة، وكانت هناك بعض الأعمال ذات الأرباح الطائلة كالشركات التجارية الكبرى وكانت هذه الشركات في الغالب تحت إشراف العائلة المالكة، وكان الرئيس عتيق الله خان عديل الملك ظاهر شاه يملك وحده ما يقارب عشرة آلاف فدان من أحسن الأراضي الزراعية في: بلخمري وقندوز وبفلان وخان آباد وقندهار ومناطق أخرى. وكانت خمسمائة عائلة من الفلاحين في بلخمري تعمل لحسابه في حين أنّ ثلث العوائل في (هزارة جات) لا تملك بيوتاً تعيش فيها ولا تملك من الأراضي الزراعية شيئاً لتزرع فيها.
وممّا يذكر في حياة الشيعة في أفغانستان أنّ السائحين الذي كانوا قد زاروا (هزارة جات) كتبوا في مذكراتهم بإعجاب ودهشة واستحسان أنّه بالرغم من حالة هؤلاء السكان الاجتماعية والحياة القاسية التي يعيشونها فإنّه لا يوجد بين أبناء (هزارة جات) سائل ولا مسكين يستعطي، إنّ الفرد الهزاري إذا مات جوعاً لا يمد يد الشكوى والسؤال نحو الآخرين. إنّ هؤلاء السكان يدبّرون حياتهم بالقناعة والعمل المتواصل.
وإنّي أعتقد أنّ أبناء هزارة قد اكتسبوا هذه الصفة الجيّدة وهذه الخصلة الممتازة من أقوال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حيث يقول: «شيعتنا لا يسأل الناس ولو مات جوعاً».
عدد الشيعة
والمناطق التي يعيشون فيها
لا توجد إحصائيات دقيقة يعتمد عليها عن عدد سكان أفغانستان. وإنّ الإحصاءات تقرّر عدد نفوس أفغانستان من 18 إلى 27 مليون نسمة وتشير الإحصاءات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة في عام 1977م أنّ عدد سكان أفغانستان يبلغ 20,340,000 نسمة. وكان عدد سكان أفغانستان حسب ما جاء في كتاب العالم الصادر في عام 1985م، 25 مليون نسمة. والآن وبعد مضي ثلاثة أعوام على ذلك التاريخ فإنّ عدد سكان أفغانستان يزيد عن 25 مليون نسمة، ولمّا لم تكن هناك إحصاءات صحيحة عن عدد سكان أفغانستان فإنّه لا يمكن إعطاء إحصاء دقيق عن عدد السكان الشيعة هناك. ويقول عبد العظيم وليان إنّ ثمانين بالمائة من سكان أفغانستان هم من أبناء السنّة وثمانية عشر بالمائة من أبناء الشيعة وإثنان بالمائة من الإسماعيليين.
وإنّي أعتقد أنّ عدد الشيعة في أفغانستان لا يقل عن خمسة وعشرين بالمائة. وأمّا المناطق التي يعيش فيها أبناء الشيعة. فيمكن القول إنّهم ينتشرون في أغلبية مناطق أفغانستان ويعيشون فيها. إنّ خمسين بالمائة من سكان العاصمة كابل وخمسين بالمائة من سكان مدينة هراة هم من الشيعة. كما يعيش عدد كبير من الشيعة إلى جانب إخوانهم أبناء السنّة في كلّ من: غزني ومزار شريف وسربل وبلخمري وكرشك وقندهار وگرديز وبقية القرى والأرياف، وأمّا في القرى فإنّ منطقة (هزارة جات) الجبلية وتبلغ مساحتها أكثر من 80 ألف كيلومتراً مربعاً فإنّ سكانها جميعهم من الشيعة. حيث لا يقل عدد سكان هذه المنطقة عن ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف نسمة.
وتقع (هزارة جات) في وسط أفغانستان. مناخها بارد وأرضها قليلة المحاصيل فيها جبال شاهقة ووديان ضيقة عميقة، وهي تشتمل على المناطق التالية:
سرچشمه ـ بهسود ـ الحصة الأولى والثانية ـ دايميرداد ـ جرغى ، بورجكى ـ باتور ـ خوات ـ درة تركمن (وادي تركمن) ـ دره سرخ (الوادي الأحمر) ـ دره يارسا (وادي يارسا) ـ شيخعلي ـ شيمبول ـ شيبر ـ قول ليج ـ خول ـ دره سيدان (وادي سيدان) ـ كالو ـ سيغان ـ كهمرد ـ مركز باميان ـ دره بولادي (الوادي الفولاذي) ـ شهيدان ـ يكاولنگ ـ لعل ـ سرجنگل ـ آق زرات ـ كرمان ـ پنجاب ـ ورس ـ تخت ـ پسابندغور ـ شهرستان ـ داپكندي ـ كيجران ـ باغران ـ ناوه ميش ـ كيساب ـ گزاب ـ قره باغ ـ جاغوري ـ مالستان ـ ناور ـ جغتو ـ خواجه ميري وغيرها.
وكانت (هزارة جات) واسعة جدّاً في قديم الزمان وكانت تشتمل على قندهار ونواحيها وجميع ولاية غزني وولاية زابل وكابل إلى حدود جلال آباد. ومن الغرب كانت تشتمل على جميع أراضي داور ـ إلاّ أنّه خلال قرنين أو ثلاثة قرون تقلّصت مساحتها وتمّ تهجير أهاليها إلى مركز هذه المنطقة الجبلية.
وفي ولاية تركستان الأفغانية فإنّ المناطق التالية تعتبر من المناطق التي يعيش فيها أبناء الشيعة وهي:
بلخاب ـ أسمى ميدان ـ كاشان ـ سوليج ـ پلخمري ـ جنگ أغلي ـ دهنه غوري ـ پيش بند ـ تست بند ـ دره صوف (وادي الصوف) ـ جيمتال ـ شولگراه ـ جيل وآنجورك ـ جهار كنت ـ دولت آباد ـ دالان ـ سنجارك ـ جهارباغ ـ وبعض مناطق سرپل وغيرها.
سلسلة الأمراء الأرغونية الشيعة
حكمت السلسلة الأرغونية في (هزارة جات) في أفغانستان من سنة 884 إلى سنة 964 هجرية أي ما يقارب الثمانين عاماً بسياسة وحكمة وشعبية خاصّة. وكان أبناء الشيعة وأبناء السنّة يعيشون بهدوء وأمن واستقرار ـ وكانت عاصمة الأرغونية في أرض داور، غرب (هزارة جات). وكانت سلطتهم تشتمل على جميع مناطق هزارة جات وكابل وغزني وقلات ومقر وكرديز وقندهار وفراه. ومن الجنوب كانت تشتمل على السند وملتان.
وقد توسّعت وانتشرت الشيعة في عهدهم في أفغانستان والسند وملتان وكانوا يتمتعون بقوّة عسكرية واقتصادية وثقافية وفي نفس الوقت كان الأخوة من أبناء السنّة يعيشون في رفاهية واستقرار.
وكان الحكام الأرغونية ثلاثة: الأمير ذو النون أرغون وهو مؤسس هذه السلالة وحكم البلاد من سنة 884 إلى 912هـ أي لمدّة سبعة وعشرين عاماً. وقتل في هذه السنة في الدفاع عن مدينة هراة في حربه مع محمد خان الشيباني (ملك الأزبك القاهر). وقد وقعت هراة آنذاك بيد الأزبك. وجاء بعده ابنه شجاع بيگ وقد وسّع سلطته إلى السند وملتان ـ كان رجل علم وثقافة وفن، وكان ذا خبرة في التفسير والعقائد والفقه والمنطق والكلام وبعض العلوم الإسلامية الأخرى. وكتب شروحاً على بعض الكتب العلمية للعلماء السابقين وله مؤلفات أيضاً. توفي سنة 929هـ بعد حكم دام سبعة عشر عاماً خلفه في الملك ابنه ميرزا شاه حسن بيگ. وكان هذا الملك كوالده مهتماً بالعلوم وكان ينظم الشعر باللغة الفارسية. توفي في سنة 964هـ بعد حكم استمرّ خمسة وثلاثين عاماً. ولمّا لم يكن له ولد يخلفه في الملك فقد انتقلت السلطة بعده إلى قبيلة ترخانيان هزارة. ولكن أباطرة مغول الهند قضوا على هذه القبيلة بعد أعوام قليلة.
أصعب أدوار تاريخ الشيعة في أفغانستان
ازدادت الضغوط والاضطهادات على الشيعة في أفغانستان منذ سنة 1130 هجرية. وإنّ أبناء الشيعة أخذوا يفقدون أراضيهم وخاصّة في عهد الأمير دوست محمد خان وعبد الرحمن والأمير حبيب الله. كانت أصعب الأدوار بالنسبة للشيعة في أفغانستان وبالأخص في عهد الأمير عبد الرحمن فإنّهم كانوا يعذبون أبناء الشيعة لحجج واهية وأسباب تافهة. وكانوا يقتلونهم ويستولون على أموالهم ويصادرونها. وقد ارتكب الأمير عبد الرحمن الذي كانوا قد لقبوه بالأمير الذي يصنع المنائر من الجماجم أو كانوا يسمّونه بقاتل الرافضين. ارتكب مجزرة بحق أبناء الشيعة لا سيما في سكان هزارة. ويقدر مجموع الشيعة الذين قتلوا في عهد هذا الأمير من سنة 1297 إلى 1319 هجرية بما يزيد على مليون نسمة([276]).
وكان عبد الرحمن قد جهز قوّة عظيمة مؤلفة من العساكر الحكوميين ومن قوات الإيلجارية والمتطوعين السنّة المعتصبين للقضاء على أبناء الشيعة في هزارة. وكان مجموع عدد القوات الحكومية يزيد عن 120 ألفاً مزودين بالأسلحة الإنكليزية. وكان رجال الدين الجهلاء ووعاظ السلاطين قد كفروا أبناء الشيعة، وأباحوا قتلهم ونهبهم وسرقة أموالهم واعتبروها واجباً شرعياً. وقد استمرّت الحرب في (هزارة جات) ثلاث سنوات وستة أشهر. وقد قام أبناء هزارة بالدفاع عن أنفسهم وأراضيهم وأبلوا بلاءً حسناً. وقد دمّرت القوات الحكومية مناطق واسعة هي: داية وبولاد واجرستان وجوره وقسماً كبيراً من أرزگان وقضت على سكانها. وأعطت أراضيهم إلى قبائل الپشتون. أمّا بقية مناطق هزارة فقد دمرت طوال الحرب وأنّ القوات الحكومية نهبت أسلحتهم وأموالهم وكتبهم الدينية وأشياء أخرى.
وفي أرزگان وحجها تمّ تدمير 1300 حصن لأبناء هزارة تدميراً كاملاً([277]). وقد قُتل من يكاولنگ ألفين ومائة من العلماء الروحيين وعائلاتهم كما أسرت القوات الحكومية مائة عائلة للعلماء الروحيين([278]).
إنّ أقل عدد من الضحايا كان من أهالي بهسود حيث كانوا قد استسلموا للحكومة منذ البداية ورغم ذلك فقد بقيت من مجموع عشرين ألف عائلة بهسودية 6400 عائلة. أي أنّ الحكومة كانت قد قتلت خلال الفترة من 1309 إلى 1312هـ أكثر من 13600 عائلة. وأمّا العوائل الباقية فإنّ أكثر من نصف أعضائها كانوا قد قتلوا.
وكانت قوات عبد الرحمن قد دمرت جميع القرى والأرياف والقلاع والمزارع والأشجار والبساتين ونهبت أموال الأهالي أو أحرقتها. كما أنّ هذه القوات كانت قد قتلت الأطفال الرضع والشيوخ من الرجال والنساء بقساوة.
وكانوا يصنعون المنائر من جماجم القتلى.
وقد دمّر الكثير من المساجد والحسينيات، وواحدة منها هي حسينية ميرايلخاني في يكاولنگ كانت من روائع الفن المعماري. شيّدت على يد الفنانين من إيران وهزارة. وفي مدينة هراة دمرت الحكومة أكثر من 50 حسينية أو حولتها إلى جهة أخرى. وأضرموا النيران في الكتب الدينية حيث إنّ العساكر الحكومية وبتلقين من علماء السنّة كانوا يعتبرون كتب الشيعة من كتب الضلال وبهذا فقد قضوا على الثقافة الشيعية قضاء كاملاً. وكان رجال الدين السنّة يصلون في مساجد الشيعة، وكانوا عدّة أعوام يخطبون على المنابر مهاجمين أبناء الشيعة ولكن الأمر العجيب والمدهش هو أنّ واحداً من أبناء الشيعة لم يترك مذهبه.
وخلال الحرب، لمّا كان الرجال من أبناء هزارة يقتلون في الحرب كانت نساؤهم إمّا أن ينتحرن وإمّا أن يقاومن العدو حتّى يقتلن. حتّى لا يستسلمن للعدو.
وذات مرّة لمّا استشهد جميع رجال إحدى القرى، لجأت النساء إلى أحد الجبال الشاهقة، فلاحقتهم القوات الحكومية. ولمّا رأت النساء أنّهم سيقعن في أيدي القوات الحكومية ألقين بأنفسهم من فوق صخرة عظيمة، وتهشّمت أجسامهن. وكان عدد هؤلاء النساء اللاتي ألقين بأنفسهن من أعلى الجبل سبعاً وأربعين امرأة([279]).
قلّ قتل أبناء الشيعة في هزارة منذ سنة 1313هـ ورغم ذلك فلم يكن هناك أي ضمان لحياتهم وأموالهم.
وكانت حالة الأسرى مؤلمة ومحزنة جدّاً. فقد مات عشرات الآلاف من النساء والرجال من أبناء هزارة في سجون كابل وقندهار وغزني الرهيبة تحت التعذيب أو الجوع أو تفشي الأمراض السارية كالكوليرا في السجن. وكن رجال السجن يطلبون من النساء السجينات غزل الصوف وحياكة البسط لهم. وفي اليوم الذي مات فيه الأمير عبد الرحمن كان عدد النساء السجينات في سجن كابل وحدها ثمانية آلاف امرأة من هزارة.
وجاء بعد عبد الرحمن ابنه الأمير حبيب الله وقد خفّت في عهده مذابح الشيعة ولكن تعذيبهم واضطهادهم كان مستمراً. ولم يكن الشيعة يأمنون على حياتهم وأموالهم. وكانوا مضطرين للتظاهر بغير مذهبهم ويدفعون الرواتب إلى رجال الدين من السنّة.
وبعد ثمانية عشر عاماً من الحكم المشحون بالضغط والكبت، قُتل حبيب الله في عام 1337 هجرية وجاء بعده إلى الحكم ابنه أمان الله، وكان مغرماً بالحضارة الأوروبية، وكان يريد أن يمنح الحرية للشعب تقليداً للأوروبيين، ولم تكن عنده العصبية الدينية ولكن كانت عنده العصبية العنصرية. فحصل الشيعة في عهده على الحرية إلى حدٍ ما وكان هو يرغب في الاعتراف بالمذهب الشيعي في أفغانتسان إلاّ أنّ علماء الدين من السنّة المتعصبين احتجّوا على ذلك بشدّة. وخوفاً من هؤلاء العلماء فقد اضطر أن يسحب كلامه([280]).
وفي سنة 1347 هجرية وبعد حكم استمرّ عشر سنوات عُزل أمان الله عن السلطة من قبل المدعو، بجه سقو بعد الثورة التي قامت عليه.
كان بجه سقو من أهالي تاجك ورجلاً أميًّا إلاّ أنّه كان شجاعاً، لا يعرف السياسة ولا إدارة البلاد. وكان قد أحاط به مجموعة من الخوانين وعلماء الدين من أبناء السنّة المتعصبين ولذلك تجهّم للشيعة فأرسل جيشاً كبيراً بقيادة أخيه السردار حميد الله لإبادة أهالي هزارة الذين كانوا ما زالوا يؤيدون أمان الله.
فاضطر أهالي هزارة للدفاع وحاربوا القوات الحكومية ببسالة وبطولة تامة مدّة تسعة أشهر وقد هزمت القوات الحكومية عدّة مرّات أمام أهالي هزارة. وكان سعيد أحمد بجه شاه نور هو الذي يقود أهالي هزارة آنذاك. وكان هذا الرجل من أبطال عصره وتمكّن من إلحاق هزائم كبيرة بقوات بجه سقو. حتّى أنّه كاد أن يحتل العاصمة كابل. ولكن وفي الوقت الذي كانت قوات بجه سقو في حرب مع أبناء هزارة الشيعة وكانت العاصمة كابل خالية من القوات الدفاعية، انتهز نادر خان من أبناء الملوك السابقين الفرصة واحتل العاصمة كابل، وانهزم بجه سقو، فأعلن نادر نفسه ملكاً وطلب البيعة من الأهالي.
استمرّت حكومة بجه سقو ما يقارب التسعة أشهر. وقد أبرز بجه سقو خلال هذه المدّة عداءه للشيعة. وإضافةً إلى إرسال قواته إلى (هزارة جات) فقد استشهد على يده عدد من الرجال الشيعة بينهم العالم الكبير الملا فيض محمد الكاتب وأحمد علي خان ميراوخور من كبار رجال الشيعة.
وكان نادر خان من قبيلة محمد زايي (پشتون) وكان فاشياً وعنصرياً. فقد صرف هو وإخوته وأفراد عائلته ثروات أفغانستان في سبيل جعل البلاد پشتونية.
ولم يكن يؤمن بالدين، ولكنّه كان حريصاً أن لا يعرف الناس أنّه لا إيمان له. وخطط نادر خان برامج جهنمية للقضاء على الشيعة في مركز البلاد ونفّذ بعض هذه المخططات. ففي البداية نزع السلاح عن أهالي هزارة جات ثمّ اعتقل كبار القادة وكبار رجال هزارة جات وعلمائهم وألقى بهم في السجن كما سمّم بعضهم. لقد بدأت أيام قاسية على أبناء الشيعة. إنّ مخطط دهن كته باوي الذي سنذكره فيما بعد هو من صنيعه.
ولمّا شاهد أحد الطلبة الجامعيين من أبناء هزارة ويدعى عبد الخالق اضطهاد وظلم نادر خان عزم على اغتياله. وبالفعل أطلق خمس رصاصات من بندقيته على نادر فأصابت رأسه ووجهه وفمه وصدره. واعتقلوا القاتل مع أبيه وعمّه وجميع أعضاء عائلته وبعد ممارسة التعذيب عليهم عدّة أيام قتلوهم جميعاً. بينما كان جميع أعضاء عائلته أبرياء ولم يكونوا على علم بعزم عبد الخالق.
وبعد نادر شاه، اعتلى ابنه ظاهر شاه العرش، إلاّ أنّ السلطة الحقيقية كانت في أيدي أعمامه. وبعد هذا التاريخ كان أبناء الشيعة في هزارة يتلقون مختلف أنواع التعذيب لذرائع واهية. وكان لا يحق لأبناء الشيعة خاصّة أبناء هزارة دخول المعاهد العليا. وتابع إخوة نادر خان جميع مخططات أخيهم الفاشية. فاعتقلوا الكثير من رجال الشيعة وألقوا بهم في السجن أو أعطوهم السم فقتلوهم.
وكانوا يأخذون نوعاً خاصاً من الضرائب من أهالي هزارة كانت تسمّى (دهن كته باوي) ولا توجد مثل هذه الضريبة في أي بلد وفي أيّة نقطة في العالم. وكان بقية أبناء الشعب الأفغاني معفوون من دفع مثل هذه الضرائب. وكان هذا القانون خاصاً بأهالي هزارة. و(دهن كته باوي) هو أنّهم كانوا يحصون عدد الحيوانات لدى كلّ عائلة وأنّ تلك العائلة كانت مضطرة إلى إعطاء الحكومة كمية من السمن الحيواني حسب عدد الحيوانات التي تمتلكها. وكانت الحكومة تأخذ من كلّ عائلة في السنة ثلاثة كيلوغرامات من السمن عن كلّ حيوان (الغنم، الماعز، الدجاج، الكلب) كما كانت تأخذ ست كيلوغرامات من السمن عن كل بقرة أو حمار وإثني عشر كيلوغراماً من السمن عن كلّ حصان. وبصورة عامّة فإنّ كلّ عائلة من أبناء هزارة كانت تعطي للحكومة ما يقارب الثلاثين أو الأربعين كيلوغراماً من السمن في كلّ سنة. وكانت هناك بعض العوائل التي تعطي إلى الحكومة سنوياً حوالي مائة كيلوغراماً من السمن أو أكثر.
وعندما كانت الحكومة تجبي الضرائب، لا تُفرّق بين الحيوان الذكر أو الأنثى وكان جميع أهالي هزارة مرغمين على إعطاء السمن إلى الحكومة. وأمّا العوائل التي لم تكن لديها أيّة حيوانات فكانت هي أيضاً مرغمة على دفع هذه الضريبة. وكانت ضرائب الأراضي الزراعية منفصلة عن تلك الضريبة وكانوا يدفعونها إمّا نقداً أو يعطون القمح والحبوب الأخرى. ولم يكن الهدف من جباية هذه الضرائب زيادة عائدات الحكومة وعائدات الخزنة بل كان الهدف جعل أبناء الشيعة ضعفاء من الناحية الغذائية ليصابوا بمختلف الأمراض ويقل عددهم. ومن جانب آخر ليضطر أبناء الشيعة لبيع أراضيهم الزراعية إلى الأفغان الرُّحل (البشتون الرحل) ليتمكن هؤلاء من الاستيلاء على مركز أفغانستان بالتدريج.
فخلال عشرة أعوام من جباية (دهن كته باوي) من أبناء الشيعة أخذ الكثير من العائلات الشيعية يفقدون أراضيهم الزراعية ويصابون بالفقر والمسكنة كما مات الكثير منهم لإصابتهم بالأمراض المتفشية.
كان الأهالي قد ضاقوا ذرعاً وكان من المنتظر أن تحصل انتفاضة شعبية في أي وقت إلى أن انتفض أهالي مدينة شهرستان (مركز ولاية هزار جات) بقيادة شاب شجاع يدعى إبراهيم بيگ بجه گوسوار وذلك في شتاء سنة 1367 هجرية وفجروا مركز الحاكمية وقتلوا جمعاً كثيراً من رجال الحكومة وخاصّة جباة الضرائب. وقد جاء الأهالي من كلّ صوب من القرى والأرياف للالتحاق بأهالي مدينة شهرستان. فاستولى خوف شديد على الحكومة إذ أنّها كانت تعلم أنّه بانتهاء فصل الشتاء فإنّ جميع سكان هزارة جات سيلتحقون بهذه الانتفاضة، لذلك عجلت بإخمادها بالتعاون مع عدد من رجال الدين والخوانين المحافظين واستسلمت لمطاليب الثوار، وأعفت الأهلي من دفع ضريبة (دهن كته باوي).
دور الشيعة في نشر الثقافة في أفغانستان
بالرغ من الأنظمة الحاكمة في أفغانستان لم تكن تعطي الفرصة لأبناء الشيعة في مجال الدراسة والتحقيق والعلم فإنّ أبناء الشيعة كان لهم دور هام في نشر العلم والثقافة في أفغانستان. فقد دخلت العلوم الحديثة إلى أفغانستان في عهد الأمير حبيب الله وانتشرت في عهد أمان الله. إنّ أوّل مدرسة أنشئت في أفغانستان حسب الأساليب الحديثة كانت مدرسة حبيبة أو (ليسيه حبيبية) وذلك في العاصمة كابل. ومن الذين ساهموا في نشر العلوم الحديثة الملا فيض محمد الكاتب الهزاري. حيث ألّف الكتب الدراسية للمدارس الحديثة وكان مدرساً لفترة من الزمن في مدرسة (ليسيه حبيبية). كما كان للملا فيض محمد دور أساسي في وضع الدستور في البلاد وذلك بمساعدة عدد من علماء الدين من أبناء السنّة في عهد أمان الله خان. ولم يكن قبل ذلك أي قانون في أفغانستان. ويمكن اعتبار الشهيد العلامة البلخي أوّل من وضع حجر الأساس للأدب الثوري في أفغانستان حيث نظم الكثير من الشعر وهو في السجن.
وكان للشيعة الدور الهام في تأليف تاريخ أفغانستان. ويمكن اعتبار الشهيد الملا فيض محمد الكاتب من أكبر المؤرخين في أفغانستان في العصر الحاضر. كما ألّف علي أحمد كهزار المؤرخ وعالم الآثار كتباً عن تاريخ أفغنستان كما توجد كتب ومقالات تاريخية كثيرة من تأليف رضا مايل هروي. والشهيد إسماعيل مبلغ ولكن المؤسف هو أنّه لم يكن للمؤرخين الشعية الحق في تأليف الكتب عن تاريخ وحياة الشيعة في أفغانستان. غير أنّ الملا فيض محمد الكاتب تمكّن وبمهارة خاصّة من ذكر بعض المظالم التي لحقت بأبناء الشيعة في بعض مؤلفاته. وكان قد ألّف سرّاً كتاباً أسماه (فيض من الفيوضات) شرح فيه بصورة مفصلة المظالم التي لحقت بأبناء الشيعة.
وقد برز بين أبناء الشيعة عدد كبير من الشعراء. كما كان للعلماء الشيعة الدور الخاص في نشر الصحف والمجلات. حيث كان سرور جويا رئيساً لتحرير صحيفة (أنسِ) الواسعة الانتشار فترة من الزمن كما ترأس محمد حسين هدى فترة أخرى تحرير هذه الصحيفة. وكان علي أصغر بشير مديراً مسؤولاً عن صحيفة (ترجمان) التي كانت تصدر في مدينة هراة. وكان صفر علي أمني مديراً مسؤولاً عن صحيفة بلدية هراة فترة من الزمن إلى أن اعتقلوه وأمضى 12 عاماً في السجن.
وكان السيد علي أكبر الشهرستاني يشرف مدّة من الزمن على مجلة الآداب التي كانت تصدر عن كلية الآداب في العاصمة كابل.
وكان المرحوم (دگروا عبد الرؤوف التركماني) يتعاون في البداية مع غلام بني خاطر في إصدار صحيفة نداء اليوم (بيام امروز). ثمّ أسّس صحيفة نداء الضمير (بيام وجدان) وأصدرها بصورة مستقلة. وكانت الصحيفة الوحيدة التي تنشر عقائد أبناء الشيعة في هزارة وتدافع عنهم.وكان الشهيد الملا فيض محمد الكاتب يتعاون مع محمود الطرزي في إصدار صحيفة (سراج الأخبار) الأفغانية وهي إحدى الصحف القديمة في أفغانستان([281]).
العلماء وكبار رجال الشيعة
نكتفي في هذا الفصل بذكر عدد قليل من رجال الشيعة:
1 ـ أكبر شخصية علمية من أبناء الشيعة في أفغانستان في القرن الأخير هو الشهيد الملا فيض محمد الكاتب الهزاري، وهو كالشمس المضيئة في سماء العلم والمعرفة في أفغانستان. وقد قضى خمسين سنة من عمره الشريف في التحقيق والتأليف والتدريس. وكان شخصية بارزة في مختلف فروع العلم والمعرفة. كالأدب العربي والمنطق والأصول والفقه والتفسير والكلام والتاريخ والجغرافيا والقانون والهيئة والحساب. ترك آثاراً مخطوطة كثيرة طُبع البعض منها ولكن الأغلب منها ما زالت مخطوطة. وفيما يلي أهم مؤلفاته:
1 ـ فيض من الفيوضات في مجلدين حول التاريخ والكشف عن جرائم الأنظمة الحاكمة في أفغانستان.
2 ـ سراج التواريخ في أربعة مجلدات ضخمة في التاريخ.
3 ـ تحفة الحبيب في أربعة مجلدات ضخمة، أيضاً في التاريخ.
4 ـ تاريخ الحكماء المتقدمين من آدم إلى عيسى.
5 ـ تذكرة الانقلاب.
6 ـ تاريخ عصر الأمانية.
7 ـ الأنساب في طوائف الأفاغنة وعددها.
8 ـ تحفة الإخوان.
9 ـ فيض الأمان، في الجغرافيا.
10 ـ أمان الإنشاء في الأدب الفارسي.
11 ـ سياسية إدارة البلاد، في علم الاجتماع والقضايا السياسية والإدارة.
12 ـ أسباب الإصابة بالأمراض النفسية، في الأخلاق.
13 ـ شرح أصول الدين لمولانا محمد علي الرشتي، في العقيدة.
14 ـ فقرات شرعية، في الفقه.
15 ـ مقالات مختلفة، علمية وأخلاقية وإسلامية واجتماعية في مختلف مجلات البلاد بما في ذلك مجلة سراج الأخبار ومجلة العرفان.
ويقول حفيده فدا محمد، إنّ هذا الفقيه المناضل قد ألّف كتاباً كبيراً في الفقه تناول فيه المسائل الفقهية حسب عقيدة فقهاء مذاهب السنّة الأربعة، ثمّ قارن تلك المسائل حسب عقيدة فقهاء الشيعة وشرح دلائلها. وكتابه هذا يشبه كتاب (الخلاف) للشيخ الطوسي أو كتاب (الفقه على المذاهب الخمسة). وكان الشهيد الملا فيض محمد الكاتب من جملة دعاة الدستور في أفغانستان ولهذا السبب فقد قضى فترة من حياته في سجن الأمير حبيب الله.
وقد أصرّ كثيراً على الاعتراف بالمذهب الشيعي في أفغانستان. وفي سنة 1348 هجرية طلب من لويه جرگه بغمان من الحكومة ونواب المجلس أن يكون المذهب الشيعي مذهباً رسمياً كما الحال بالنسبة للمذهب السني. وكان دليله الاعتراف رسمياً بالمذهب الشيعي لصالح أبناء السنّة والشيعة ويكون لصالح البلاد أيضاً، إلاّ أنّ رجال الدين من أبناء السنّة المتعصبين احتجّوا عليه بشدّة في ذلك الاجتماع حتّى أنّهم هجموا عليه ممّا دفع بالسلطات الحكومية لأن تنقذه من تلك المعركة فألقته في السجن بصورة مؤقتة ثمّ أرسلوه إلى هزارة جات، إلى أن يخمد غضب رجال الدين من غير الشيعة.
وقد قام عملاء بجه سقو باعتقال الملا محمد فيض الكاتب بتهمة تحريضه لأهالي هزارة ضد الحكومة السقوية ومارسوا معه التعذيب العنيف وانهالوا عليه بالضرب. فمرض نتيجة هذا الأمر ثمّ توفي بعد عدّة أشهر أي في سنة 1350 هجرية متأثّراً بجروحه وآلامه.
2 ـ سرور جويا ـ كان من أبناء الشيعة في مدينة كابل ـ وكان من رجال الثورة ومن المناضلين المجاهدين. قضى 22 سنة من حياته في سجن ظاهر خان بتهمة مطالبته بالحرية. وقد توفي في السجن، كان أديباً شاعراً.
3 ـ براتعلى تاج: العلاّمة والاقتصادي الكبير، نشر له حوالي 290 مقالاً في موسوعة آريانا. وله مؤلفات كثيرة في مواضيع مختلفة، كلّها مخطوطة.
كان من الأحرار وقضى في السجن ما يقارب الخمسة أعوام. وفي عهد داود خان الصدر الأعظم مات مسموماً بأمر من داود خان. ولد براتعلى تاج في قرى هزارة جات وأكمل دراسته في تركيا.
4 ـ الشهيد إسماعيل مبلغ: الفيلسوف والخطيب والمدرس ورجل السياسة والكاتب. له مؤلفات كثيرة ما زالت مخطوطة. نُشر له حوالي 83 مقالاً علمياً وفلسفياً في موسوعة آريانا. كما ونُشر له العشرات من المقالات العلمية والفلسفية والتاريخية في مجلة (آريانا) ومجلة (العرفان) ومجلة (الأدب) ومجلة (وندون) والصحف والمجلات الأخرى التي تصدر في كابل. وله مؤلفات كثيرة طبعت، منها: (الجامي وابن العربي) و(الفلسفة في عقيدة جامي) و(الدين ليس بالأفيون). وله مؤلف كبير تحت عنوان (الإسلام دين الثورة) في الرد على الماركسية، وهو ما زال مخطوطاً.
كما وأنّ نظام كابل الماركسي صادر الكثير من مؤلفاته المخطوطة. كان أستاذاً في جامعة كابل فترة من الزمن وكان يدرس كتاب نهج البلاغة والمطول والكتب الدراسية الأخرى في الحوزة العلمية الشيعية في كابل. كان بارعاً في الفلسفة والتاريخ والكلام.
انتخب نائباً في مجلس الشورى الوطني في الدورة النيابية الثانية عشرة. ولد في قول خويش في بهسود وقد اعتقله النظام الماركسي الحاكم في كابل هو وأخوه واستشهدا في سجن الروس في كابل.
5 ـ المدرس الأفغاني: العلاّمة محمد علي المدرس الأفغاني وُلد في جاغوري ودرس في مسقط رأسه ثمّ توجّه إلى مدينة مشهد المقدسة والنجف الأشرف وبعد مدّة قصيرة أصبح أستاذاً ومارس التدريس في الحوزات العلمية في مشهد والنجف الاشرف وقم ما يقارب الخمسين عاماً. فتخرج عليه عدد كثير من الطلاب من أفغانستان وإيران والهند وباكستان وبنغلادش وتنزانيا والعراق ولبنان والكويت وتركيا. وكثيرون من هؤلاء الطلاب هم اليوم من كبار علماء الدين في بلدانهم. كان المدرس، يدرس من جامع المقدمات إلى كفاية الأصول. وكان محضره مزدحماً بالطلاب. أبعده النظام العراقي من النجف الأشرف وأقام في الحوزة العلمية في مدينة قم. توفي في سنة 1406 هجرية عن عمر يناهز الثمانين عاماً ودفن في مدينة قم.
وفيما يلي بعض مؤلفاته:
1 ـ مكررات المدرس في شرح السيوطي في أربعة مجلدات.
2 ـ الكلام المفيد للمدرس والمستفيد، في شرح الصمدية.
3 ـ المدرس الأفضل في شرح المطول في سبعة مجلدات.
4 ـ رفع الغاشية عن غوامض الحاشية، في المنطق.
5 ـ جامع المقدمات في مجلدين.
6 ـ إعراب سورة الفاتحة.
7 ـ الشواهد المنتخبة لكتاب السيوطي.
وهذه المؤلفات كلّها مطبوعة.
6 ـ الشيخ موسى بامياني: ولد في (جوكار) إحدى القرى التابعة لباميان. وبعد أن درس في مسقط رأسه توجّه إلى النجف الأشرف فكان هناك طالباً ومدرساً. له مؤلف في 15 مجلداً في شرح المطول، أسماه (المفصل في شرح المطول) ثمّ طبع تسعة مجلدات منه.
توفي في النجف الأشرف في سنة 1389 هجرية عن عمر يناهز الأربعين عاماً.
7 ـ السيد محمد سرور الواعظ البهسودي: ولد في إحدى قرى بهسود، ودرس في مسقط رأسه ثمّ توجّه إلى النجف الأشرف لمواصلة دراسته. ثمّ عاد إلى أفغانستان وأسّس مدرسة في كابل كان يتولى التدريس فيها. دخل السجن دون أي ذنب في الفترة من سنة 1340 إلى 1343 هجرية وهو أوّل من درّس الخارج في الفقه والأصول في أفغانستان. طبعت له عدّة كتب منها: (منهاج الأصول في مجلدين) و(ذكريات السجن) و(سيف الإسلام). اعتقله النظام الماركسي الحاكم في كابل في سنة 1399هـ ثمّ استشهد في السجن.
8 ـ الشيخ قربان وحيدي جاغوري: كان من كبار علماء الشيعة في أفغانستان. تخرّج على يده الكثير من الطلاب وأسّس بعض المدارس في جاغوري وبفلان. درّس المقدمات إلى كفاية الأصول وكان يحل مشاكل الناس، شجاعاً، مجاهداً ومناضلاً. وفي سنة 1372هـ اقتحمت مجموعة من قبائل أفغان كوجي (البشتون) بتحريض من الحكومة، سوق جاغوري وقتلت ثلاثة من الشيعة الأبرياء وبدأت بنهب وسرقة أموال الناس في المتاجر والحوانيت وغيرها فأسرع هذا العالم الشجاع بمساعدة شريف خان بايليت([282]) إلى مساعدة الأهالي والدفاع عن حريم الشيعة، فهلك في هذه المعركة أربعة عشر من المهاجمين، وتمّ اعتقال الشيخ وحيدي وشريف خان بايليت وعدد كبير من الأهالي وأبعدوا عن المنطقة. استمر الشيخ وحيدي وهو في السجن في الإرشاد والتبليغ وكسب بهذا شعبية كبيرة. وقد دعا الشيخ وحيدي الأهالي إلى الانتفاضة ضد نظام كابل الماركسي ثمّ توجّه إلى إيران للتشاور مع كبار علماء الدين. ولمّا كان في مدينة قم تلقّى نبأ احتلال القوات الروسية لبلاده أفغانستان فمات من الهم.
9 ـ الشيخ ميرزا حسين دره صوفي: في سنة 1349 هجرية قام بتأسيس مدرسة في منطقة دره صوف. ثمّ بدأ بتدريس الطلاب. وكان يدرّس المقدمات حتّى الرسائل والمكاسب. كما كان يستمع إلى شكاوى الناس ويحلّ مشاكلهم. وكان وكيلاً عن مراجع التقليد في النجف الأشرف للوقوف أمام ظلم نظام ظاهر شاه. ألقي في السجن عدّة أعوام. وبعد خروجه من السجن لبّى نداء ربّه مسموماً من قبل الكوجيين وبتحريض وإرشاد من العملاء الحكوميين.
10 ـ الشهيد السيد علي أصغر شعاع: كان في الأصل من سادات سنگلاخ (في شرق بهسود) ونشأ وترعرع في مدينة كابل. له مؤلفات كثيرة. وصدر العدد الأوّل من موسوعة آريانا تحت إشرافه. بذل مساعي كبيرة لكشف جرائم الحكومة ولهذا السبب اعتقل وسجن في سنة 1376هـ. واستشهد في السجن مسموماً من قبل الحكومة في سنة 1377 هجرية.
11 ـ الشهيد البلخي: الثائر والمفكر الكبير السيد إسماعيل البلخي، بزغ كالشمس في سماء أفغانستان.
ولد في سنة 1347 هجرية في إحدى قرى بلخاب. درس في مسقط رأسه ثمّ توجّه إلى النجف الأشرف في العراق ومشهد في إيران ثمّ عاد إلى وطنه. وخطط في سنة 1369هـ لإطاحة نظام ظاهر شاه وساعده في ذلك عدد من كبار القوم وكانوا يعتزمون إقامة حكومة إسلامية في أفغانستان، إلاّ أنّ مخططهم كُشف وقبل يوم واحد من تنفيذ العملية أي في يوم عيد النوروز سنة 1370هـ اعتقل البلخي وأصحابه وسجنوا وقضى في السجن 15 عاماً.
نظم وهو في السجن أكثر من 70 ألف بيت من الشعر. مرض في عام 1378 هجرية واستشهد مسموماً في مستشفى علي آباد في مدينة كابل على أيدي الحكومة.
12 ـ إبراهيم بيگ المعروف بـ (بجه گاسوار): كان إبراهيم بيگ بجه گاوسوار من كبار خوانين هزارة. ثار ضد ظلم الحكم في شتاء سنة 1366 هجرية وهو في الرابعة والعشرين من العمر. التحق به جميع أهالي شهرستان إحدى مناطق هزارة جات. ففجروا مقر الحاكم وقتلوا عدداً كبيراً من عملاء الحكومة وغنموا الأموال الحكومية. فاستولى خوف عظيم على السلطات الحكومية حيث كانت تخشى أن يلتحق جميع أبناء منطقة هزارة جات بأبناء شهرستان في انتفاضتهم بعد انتهاء فصل الشتاء. ولذلك التجأت الحكومة إلى علماء الدين المحافظين في هزارة وانتهت انتفاضة أبناء شهرستان بسلام. ووافقت الحكومة مضطرة على جميع مطاليب الثوار، وألغت ضريبة (دهن كته پاوي) إلى الأبد. ذاع صيت إبراهيم بيگ وشعبيته في جميع أرجاء البلاد وكان في سنة 1369 هجرية قد تعاون مع العلاّمة البلخي في التخطيط للإطاحة بنظام ظاهر شاه، إلاّ أنّ خطتهم كشفت واعتقل المتآمرون ولولا انتفاضة إبراهيم بيگ بجه گاوسوار لكان سكان هزارة ما زالوا يدفعون ضريبة (دهن كته پاوي).
13 ـ صفر علي أمني: كان أحد الكتّاب الشيعة. مناضلاً حراً. له مؤلفات ومقالات كثيرة. بعضها مطبوع وبعضها مخطوط. شغل فترة من الزمن منصب رئاسة تحرير مجلة بلدية هراة. كان في الأصل من هزارة جات ولكن قضى أكثر أيام حياته في مدينة هراة. عاش في سجن ظاهر خان أكثر من 13 عاماً. كان شاعراً مجيداً.
14 ـ الشهيد السيد عبد الحميد ناصر: كان مدرساً في مدرسة العرفان بمدينة كابل. وكان خطيباً ورجل دين ناجحاً. ولد في بهسود واعتقل في عام 1399 هجرية وسجن ثمّ استشهد.
15 ـ السيد بحر العلوم المزاري من كبار علماء مزار شريف استشهد في سنة 1399 هجرية على أيدي النظام الماركسي في أفغانستان.
16 ـ الشيخ سلطان المزاري: من المدرسين وعلماء الدين الكبار وأصحاب الصيت في مزار شريف.
استشهد هو أيضاً في سنة 1399 هجرية على أيدي النظام الماركسي الأفغاني.
17 ـ السيد محمد حسين مصباح: من سادات سنگلاخ، خطيب قادر، عالم مناضل، استشهد في سنة 1399 هجرية على أيدي نظام كابل الماركسي.
18 ـ الشيخ محمد أمين أفشار: من كبار العلماء والمدرسين في مدينة كابل، تخرّج على يده الكثير من الطلاب.
كان يرشد الأهالي بوعظه وتعليماته. استشهد في سنة 1399هـ على أيدي الماركسيين.
19 ـ الملا خداداد: كان الملا خداداد دلسوران دايكندي من العلماء المناضلين الثائرين. ثار في سنة 1364هـ ضد الحكومة آنذاك وقتل عدداً من جلاوزتها ثمّ هرب هو وإثنا عشر رجلاً من أنصاره إلى الجبال واستمروا في حرب العصابات مدّة ثلاث سنين ضد الحكومة وخوانين أفغان كوجي. وقتلوا أحد طواغيت كوجي. ولكن أكثر أنصار الملا خداداد استهشدوا بالتدريج إلى أن استشهد هو أيضاً في سنة 1367هـ واعتقلت الحكومة زوجته وأطفاله وجميع أفراد عائلته وألقت بهم في السجن. كما استشهد ابنه (بخشو) في صراع مع الحكومة.
كان خداداد تقياً ورعاً بطلاً شجاعاً. وقد رثي بكثير من الشعر باللهجة المحلية.
20 ـ دگروال عبد الروف التركمني. (العقيد).
ولد في وادي تركمن في غرب ولاية بروان ودخل الجيش في شبابه وأبدى شجاعة وكفاءة كبيرة في الجيش ولكن لمّا كان شيعياً لم تتجاوز رتبته العسكرية عن رتبة عقيد. ولمّا شعر بذلك استقال من الجيش وأخذ يكتب مؤلفاته في آلام الشعب. كان في البداية يتعاون مع غلام بني خاطر في صحيفة (نداء اليوم). ثمّ أصدر صحيفة مستقلة وهي (نداء الضمير). وكانت النشرة الوحيدة التي تعكس آلام السكان الشيعة في أفغانتسان. كان شاعراً، نظم الشعر بالفارسية وبلهجة هزارة. له مؤلفات كثيرة، منها كتاب باسم (ورقة من السياسة). يشرح فيه جانباً من دسائس عمال الحكومة. اعتقل العقيد عبد الرؤوف التركماني في سنة 1400 هجرية من قبل نظام كابل والروس وسجن واستشهد في السجن.
21 ـ الشيخ ضامن علي واحدي: ولد في سنة 1370 هجرية في قول خويش في بهسود في عائلة فقيرة. ودرس في مسقط رأسه، وكان عظيم الاستعداد ثورياً ولما كان في المدرسة رأى أنّ المدرسين الحكوميين يستلمون الرشاوى من الأهالي ويعطون الدرجات لأبنائهم فقرّر وبعض رفاقه من التلاميذ الوقوف بوجه المدرسين الذين يستلمون الرشاوى فضربوا المدرسين ضرباً شديداً فتصاعد الأمر وتدخلت الحكومة وحُرم واحدي إلى الأبد من الاستمرار في الدراسة في المدارس الحكومية. فمارس الزراعة عدّة سنوات ولكن رغبته في تعلّم العلوم الدينية دفعته إلى السفر إلى كابل ليستفيد من محضر علماء الدين فيها. ثمّ سافر إلى الحوزة العلمية في مدينة قم وتقدّم سريعاً بفضل كفاءته واستعداده. وبعد سنتين سافر إلى سوريا ولبنان وتعرّف هناك على الدكتور جمران وتعلّم استخدام المتفجرات والقضايا العسكرية ولذلك يعتبر من أوائل الفدائيين الشيعة الأفغان. أسّس واحدي مع عدد من رفاقه في كابل منظمة (النصر) الشيعية ولعب دوراً فعالاً في توزيع البيانات الثورية. وبالنهاية اعتقله السافاك الإيراني وسجنه ومارس معه أشد أنواع التعذيب. وفي نهاية سنة 1398 هجرية قام بتدريب جماعة من التلاميذ والجامعيين الأفغان على الفنون العسكرية وأرسلهم إلى أفغانستان.
كتب الشهيد واحدي مقالات كثيرة في الصحف. وكان قد ألّف كتاباً حول قضايا التنظيمات ما زال مخطوطاً. لقد كان نجماً ساطعاً أفل بسرعة.
كان يتزعّم في الفترة من 1399 إلى 1400هـ مجموعة فدائية في كابل وأخيراً اعتقل مع عدد من رفاقه في معركة عنيفة مع القوات الروسية في وسط مدينة كابل، وحكم عليه بالإعدام بعد تعذيب طويل ونشر النظام الماركسي في كابل خبر إعدامه ونقلته إذاعة موسكو أيضاً.
كان واحدي حقاً بطلاً شجاعاً. استشهد في عنفوان شبابه. وإنّي أعتقد أنّ استشهاده كان ضربة مؤلمة لسكان البلاد ويمكن اعتباره مؤسساً لحرب العصابات بين أبناء الشيعة في أفغانستان حيث إنّه هو أوّل من كان يدرب المجموعات الشيعية على الفنون العسكرية ويوفدهم إلى أفغانستان.
22 ـ الحاج محمد إبراهيم البلهوان هو أحد الرياضيين البارزين في أفغانستان. وكان بطلاً وحيداً في المصارعة في أفغانستان وكان يحتل المركز الرابع في آسيا. حصل على ميداليات كثيرة في إيران والعراق واليابان والهند والاتحاد السوڤياتي وإيطاليا والأرجنتين. ورفع اسم أفغانستان في العالم في المصارعة وحقّق شعبية كبيرة في المجتمع الأفغاني.
وبعد إحالته على التقاعد بدأ بتربية الشباب الشيعي على فنون الرياضة وكان الناس يتهافتون لمشاهدة مصارعاته وكلّما كان يحقق انتصاراً كانت تزداد معنويات الشيعة. ذهب إلى وادي تركمن بعد أن سيطر الماركسيون على أفغانستان وكان يدعو الناس إلى الانتفاضة ضد حكومة كابل. ولعب دوراً هاماً في احتلال حاكمية لونج وحرب العصابات ضد الحكومة. وناضل أعواماً كثيرة في الجهاد ضد القوات الروسية.
كان البطل إبراهيم رجلاً متواضعاً، ومجاهداً شجاعاً وكان مخلصاً للأئمة الأطهار ولا يخفى أنّ أبناء الشيعة في أفغانستان حققوا بطولات كبيرة في المصارعة. نذكر على سبيل المثال البطل رامي البهسودي والبطل يعقوب گدي والبطل نجف. اغتيل البطل رامي في كمين نصبه له بعض عملاء الحكومة في عهد أمان الله خان. كما اغتيل البطل يعقوب في كمين نصبه له بعض عملاء الحكومة في عهد ظاهر شاه.
23 ـ سعيد أحمد خان المعروف بـ (بجه شاهنور): كان في سنة 1349 هجرية يحافظ على المناطق الشيعية أمام اعتداءات قوات (بجه سقو) وأنزل بكفاءته العسكرية ضربات قاتلة بالقوات الحكومية المعتدية في بهسود وكوتل أونى وتكانه وجلريز. وذاع صيته. وفي سنة 1351هـ اعتقله نظام نادر خان مع عدد من القادة الشيعة وسجنوا. وقضى حوالي 18 سنة في السجن وكان أخوه غلام حيدر خان معتقلاً أيضاً.
24 ـ فرقة مشر غلام بني بيگ جبه شاخ: كان من مشاهير هزارة جات وأنزل في سنة 1349 هجرية ضربات مميتة بالقوات الحكومية المعتدية. اعتقله النظام النادري فيما بعد وألقى به في السجن وتمّ الإفراج عنه بعد سجن استمرّ ثمانية عشر عاماً إلى أن توفي مسموماً في المنفى.
25 ـ الجنرال مير أحمد شاه من سادات لوگر الشيعة، له خدمات ممتازة في جيش أفغانستان وكان ذائع الصيت بين العسكريين. اعتقل في عهد الرئيس داود خان بتهمة محاولته الانقلاب، وسجن واستشهد في السجن في عهد نظام كارمل الماركسي.
26 ـ الشيخ إسحاق فياض: ولد الشيخ إسحاق فياض في جاغوري ودرس في النجف الأشرف على أيدي علماء بارزين. وهو من كبار علماء الدين في أفغانستان.
27 ـ الأستاذ عزيز الله شفق من علماء الدين البارزين والمجاهدين في أفغانستان ناضل أعواماً كثيرة. وكان ذائع الصيت وله شعبية كبيرة. وهو من قادة الجهاد في أفغانستان.
28 ـ الشيخ آصف محسن قندهاري: من علماء أفغانستان الشيعة البارزين وهو زعيم الحركة الإسلامية.
حسين علي يزداني
الإقبال
الإقبال بصالح الأعمال، ويقال الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يعمل ميقاتاً واحداً في السنة: للسيد رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد الطاوس الحسيني الداودي الحلي المعروف بالسيد ابن طاوس المولود في سنة 589 والمتوفى سنة 664 هجرية من أعاظم محدّثي الشيعة.
والكتاب من أجزاء موسوعته الكبيرة في الدعاء الذي سمّاه بالتتمات والمهمات في عشرة مجلدات ليكون تتمة لكتاب (مصباح المتهجد) تأليف جدّه لأمّه شيخ الطائفة الشيخ أبي جعفر محمد الطوسي المتوفى سنة 460هـ وجعل لكل مجلد اسماً خاصاً، وكتاب الإقبال هو المجلد الثامن والتاسع من موسوعته الدُعائية المذكورة ويقع في مجلدين ويجمع أعمال أحد عشر شهراً. وله مجلد خاص في أعمال وأدعية شهر رمضان المبارك سمّاه (مضمار السبق). وهذه الثلاثة المجلدات طبعت باسم (الإقبال) في سنة 1312 هجرية بخط علي أكبر الطالقاني طبعة حجرية. وفي سنة 1314 هجرية طبعت أيضاً طبعة حجرية ثانية بخط محمد بن محمد قلي براغوشي التبريزي. والطبعة الثالثة طبعت بطريقة (الافست) عن الطبعة الحجرية الأولى وهي من منشورات دار الكتب الإسلامية في طهران. ألّف السيد ابن طاوس هذا الكتاب وله ستون سنة من العمر كما صرّح به في آخر عمل شعبان وفرغ منه في سنة 650 هجرية ثمّ ألحق به في آخر شهر المحرم فصلاً سنة 656هـ وذكر في ذلك الفصل انقراض دولة بني العباس في تلك السنة وجعل السلطان إياه نقيب العلويين والعلماء فيها. ثمّ ألحق به فصلاً في الثالث عشرمن ربيع الأوّل سنة 662هـ حين تفطن فيه لانطباق حديث الملاحم على نفسه. وقال في كتابه كشف المحجة الذي ألّفه لولده السيّد محمد سنة 649هـ والذي ذكر فيه كتب الأدعية ما يلي: (… وهيأ الله جل جلاله عندي عدّة مجلدات في الدعوات أكثر من ستين مجلداً فالله الله في حفظها والحفظ من أدعيتها فإنّها من الذخائر التي يتنافس العارفون في حياطتها وما أعرف عند أحد مثل كثرتها وفائدتها…) ويقول شيخنا الأستاذ الإمام الرازي في الذريعة: (… وذكر في كتابه اليقين الذي هو من أواخر تصانيفه أنّه بلغت عدّة كتب الأدعية عنده إلى سبعين كتاباً فظهر أنّ جميع ما أورده السيّد من الأدعية والأعمال في عشرة مجلدات كتابه التتمات كلّها منقول من تلك الكتب الكثيرة التي لم تتهيأ لأحد قبله ولا بعده، وليس فيها منشآت السيد إلا في عدّة مواضع صرّح فيها بأنّه لم يجد في كتب الأدعية دعاء خاصاً به فأنشأ دعاء من نفسه، وأكثر تلك الكتب كانت عنده معتمدة مصححة مروية مؤرخة ذكر خصوصياتها والبعض الذي وجده ولم يكن له طريق معتبر إليه اكتفى فيه بعموم الحديث فيمن بلغه ثواب على عمل، كما صرّح به في مواضع من كتبه، وبالجملة للسيّد رضي الدين علي بن طاوس بتأليفه أجزاء كتاب التتمات وجمعها من تلك الكتب حق عظيم على جميع الشيعة وكلّ من ألّف بعده كتاباً في الدعاء فهو عيال عليه مغترف في حياضه متناول من موائده ويحق علينا تقدير علمه)([283]).
وهذه الكتب من أجلّ كتب الأدعية، جمعها المؤلف من الكتب النادرة الوجود في عصره، كما كانت مصدراً مهماً للدعاء ونقل عنها أكثر علمائنا الذين ألّفوا في الدعاء حتّى اليوم. كما أضاف إليه وترجمه إلى الفارسية ولخّصه بعض علمائنا الأعلام منهم السيّد المير عبد الباقي ابن السيّد المير محمد حسين ابن المير محمد صالح الخاتون آبادي كبير المتوفى سنة 1207 هجرية الذي ألّف في مستدركات كتاب الإقبال وأضاف عليه زيارة العتبات المقدسة وغيرها وسمّاه (إكمال الأعمال في استكمال الإقبال)، ومنهم الشيخ عبد النبي ابن الحاج علي الكاظمي المولود سنة 1198 هجرية والمتوفى بـ”جويا” من قرى جبل عامل في 5 ذي القعدة سنة 1256هـ فقد لخّص كتاب الإقبال وسمّاه (أختصار الإقبال) ونسخة الأصل بخط المؤلف عند السيّد محسن الحكيم الطباطبائي النجفي المولود في سنة 1306هـ والمتوفى سنة 1390هـ في النجف الأشرف، ومنهم الشيخ محمد صالح البرغاني الحائري المتوفى سنة 1271 هجرية قام بتلخيص وترجمة كتاب الإقبال إلى الفارسية ثمّ استدرك عليه في بعض الموارد وأضاف عليه إضافات هامة ونسخة الأصل بخط المؤلف في مكتبة كاتب هذه السطور في كربلاء.
وقد قام بترجمة كتاب (الإقبال) إلى الفارسية بعض علمائنا في العصر الصفوي ومن تلك الترجمات الفارسية ما لم يذكر اسم مترجمه قال في الذريعة:
1- (ترجمة الإقبال لبعض الأصحاب رأيت نسخة منه عند السيّد محمد ابن السيّد سلطان علي المرعشي التستري النجفي وأُخرى في مكتبة المرحوم المولى محمد علي الخوانساري)([284]).
2 ـ ترجمة للمولى محمد تقي ابن المولى مقصود علي المجلسي المتوفى سنة 1070 هجرية كما ذكره الميرزا كمال صهر المؤلف في البياض الكمالي.
3 ـ قام بترجمته أحد العلماء المعاصرين للشاه عباس الصفوي وتمّت الترجمة بعد وفاة الشاه ولم يذكر المترجم اسمه حيث صرّح في مقدمته أنّه ترجمه إلى الفارسية بأمر من أغابيگم بنت الشاه عباس الصفوي وشرع من أعمال شهر المحرم وانتهى إلى شهر شعبان ومنه نسخة نفيسة مزينة سطورها في كلّ من الصفحة الأولى والثانية بخطوط من ماء الذهب تحت كلّ سطر، كما أنّ الصفحة الأولى مفتتح أعلاها بما يشبه التاج الذهبي المزدان برسوم زرقاء وحمراء.
أمّا بقية صفحات الكتاب فكلّ واحدة منها مؤطرة بإطار رقيق من ماء الذهب. وهو من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور في قزوين ومنه نسخة ثانية مؤرخة 1089 هجرية من مخطوطات المكتبة المرعشية العامة في قم([285]) كما أنّ هناك ترجمات أُخرى إلى الفارسية يطول بنا ذكرها.
عبد الحسين الصالحي
الاقتصاد الإسلامي
نعرض هنا ملامح من التخطيط لموارد الدولة كما أرادها الإسلام، ويمكننا هنا أن نقسّم الموارد المالية للدولة الإسلامية إلى أقسام خمسة:
1 ـ الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق الضرائب.
2 ـ الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق العقارات.
3 ـ الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق قيامها بنشاطات اقتصادية.
4 ـ الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق القرض.
5 ـ الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق ولايتها العامة على المواطنين.
وأهم الضرائب المالية في الإسلام: الزكاة، والخمس، والجزية، والضرائب المالية الأُخرى التي تفرضها الدولة على المسلمين، فيما إذا اقتضت ذلك الضرورة الاجتماعية([286]).
الهدف من تشريع الضريبة في الإسلام
والمهم في تشريع الضرائب المالية في الإسلام أن الغرض منها ليس فقط تهيئة المال الكافي لتسيير المرافق الاجتماعية وتغطية نفقات الدولة الإسلامية، وإن كان ذلك جزءً كبيراً من الغرض في التشريع الضريبي على كل حال. . بل المهم من تشريع الضرائب المالية امتصاص الثروات الفائضة عن دخول الطبقات الغنية وإعادتها إلى الطبقات الفقيرة أو إلى المرافق الاجتماعية التي تنشأ لصالح الفقراء.
وتؤدي هذه العملية إلى توزيع الثروة في البلاد بصورة عادلة وتحقيق العدالة الاجتماعية في التوزيع، كما تحول دون حصول التضخم المالي في المجتمع.
وإلى هذا الأصل التشريعي تشير الآية الكريمة: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم، وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}([287]).
فالتشريع الضريبي، إذن، يؤدي دوراً مزدوجاً في حياة الأمة، فهو من جانب يؤدي إلى توفير المال الكافي لحاجات الفئات الفقيرة في المجتمع وإدارة المرافق الاجتماعية، ومن جانب آخر يهدف إلى القضاء على التورّم المالي في طبقات أُخرى من المجتمع.
أقسام الضرائب المالية
تنقسم الضرائب في الإسلام إلى قسمين رئيسيين:
1 ـ الضرائب المالية المحددة من حيث الكمية والمتعلق والوقت، وهي التي حدد الشارع كميتها ومتعلقها وزمان تعلقها.
2 ـ الضرائب المالية غير المحددة من حيث الكمية والمتعلق والوقت، وهي التي لم يحددها الشارع، وإنما ترك أمرها إلى نظر الحاكم فيما تقتضيه الظروف الاجتماعية والاقتصادية الطارئة.
والضرائب المالية المحددة تنقسم بدورها إلى قسمين هما:
أ ـ الضرائب المالية التي تتعلق بالثروات بغضّ النظر عن أصحابها.
ب ـ الضرائب المالية التي تتعلق برؤوس الأشخاص، بغضّ النظر عما يملكون من ثروة.
وعليه، فإن الضرائب المالية في الإسلام تنقسم إلى ثلاثة أقسام بالتفصيل كالآتي:
1 ـ الضرائب المالية المحددة التي تتعلق بالثروات.
وهذا النوع من الضرائب يشكّل الجانب الأكبر والأهم من الضرائب المالية في الإسلام.
ومما يلفت النظر أن الثروات التي يتعلق بها هذا النوع من الضريبة المالية هي من الثروات التي لا تنقطع حاجة الإنسان اليها وإلى تداولها، وطبيعي إن استمرارية تداول هذه الثروات بين أيدي الناس تضمن استمرارية تحصيل هذه الضرائب في المجتمع الإسلامي.
ويجد القارئ ـ فيما يلي ـ عرضاً موجزاً لأهم الثروات التي تتعلق بها الضرائب المالية في الإسلام:
أ ـ الثروة النقدية: وهي تتكون من الذهب والفضة المسكوكين بسكة المعاملة، وتجب عليهما الزكاة بشرط النصاب ومرور حول كامل على تملكها.
ب ـ الثروة الحيوانية: وتتكون من الإبل والبقر والغنم، وتجب فيها الزكاة بعد بلوغها النصاب ومرور حول كامل، لو كانت سائمة وغير عاملة، أما المعلوفة والعاملة ـ ولو في بعض الحول ـ فلا يجب فيها شيء.
ج ـ الثروة النباتية: وتتكون من الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وتجب فيها الزكاة بعد بلوغ النصاب، لو تمت في ملك مالكها.
د ـ الثروة المعدنية: والمعادن على ثلاثة أقسام: منها ما يقبل الانطباع، كالذهب والفضة والنحاس والحديد، ومنها ما لا يقبل الانطباع، كالياقوت والزبرجد وغيرهما من الأحجار الكريمة، ومنها المايع، كالنفط والزئبق. . . ويجب فيها الخمس.
هـ ـ الثروة البحرية: وهي كل ما يستخرج من البحار بالغوص، ويجب فيها الخمس.
و ـ الثروة الحربية: وهي كل ما يستولي عليه في الحرب ، من أموال ثابتة وصالحة للنقل، كالأسلحة والنقود وغير ذلك، ويجب فيها الخمس هذا في غير الأراضي، أما في الأراضي فالمفتوحة العامرة منها تبقى موقوفة لمصالح الناس على استمرار العصور، دون أن يحق لأحد تملكها، وغير العامرة منها ملك للإمام الممثل لجهاز الحكم.
ز ـ الثروة التجارية: وهي كل ما يفضل للتاجر عن مؤونة عياله سنة كاملة من أرباح التجارة، ويتعلق بها الخمس، ويميل بعض الفقهاء إلى اعتبار الزكاة فيها.
ح ـ الثروة الصناعية: وهي كل ما يفضل لذوي الصناعات من أرباح الصناعة بعد وضع المؤونة ومرور سنة كاملة، ويتعلق بها الخمس.
ط ـ الثروة الزراعية: وهي كل ما يفضل للزارع عن مؤونة عياله سنة كاملة من أرباح الزراعة، ويتعلق بها الخمس.
ي ـ الثروة المدخرة: وهو المال المدخر في الأرض الذي يعثر عليه المسلم في دار الحرب أو في الوطن الإسلامي، من غير أن يعرف مالكه الشرعي، ويتعلق بها الخمس.
ك ـ ضريبة الأموال المختلطة: المال المختلط يفرز منه المال الحرام، ويرد إلى أصحابه الشرعيين إذا عرف قدره، ويفرز منه الخمس لحساب الدولة إذا لم يعرف قدره وصاحبه.
ذلك كله في الضرائب التي تتعلق بالثروات والأموال.
2 ـ الضرائب المالية التي تتعلق بالرؤوس بغضّ النظر عن نوع الثروة وكمية الثروة التي يملكها أولئك:
وأهم هذه الضرائب هي:
أ ـ زكاة الفطرة: وتجب بحلول شهر شوّال على كل مكلف بالغ متمكن عن نفسه وعمن يعيله، وهي صاع من القوت الذي يتناوله عادة من الحنطة والشعير والأرز والتمر أو غير ذلك.
ب ـ ضريبة الفداء: وهي ضريبة مالية، تضرب على الأسرى المحاربين ليطلق سراحهم بعد انتهاء فترة الحرب.
ج ـ ضريبة الجزية: وهي ضريبة مالية يقررها الإمام حسب ما يراه من المصلحة على الرؤوس أو الأراضي على الذميين المسالمين، الذين يعيشون في الوطن الإسلامي أو في الأقطار المحمية من قبل الدولة الإسلامية. . عوضاً عما تقوم به الدولة الإسلامية في هذه الأقطار من الخدمات العامة.
د ـ الأضحية التي تجب على كل حاجّ في منى من مكة وقد تتعدد الأضحية حسب ما يرتكبه الحاج من مخالفات في وقت الحج والاحرام.
ذلك كله فيما يخصّ الضرائب المالية المحددة وشبه المحددة.
3- الضرائب المالية غير المحددة: وقد تطرأ على الحياة الاجتماعية أوضاع طارئة غير عادية، أو تحدث ثغرات مالية كبيِرة، تتطلب نفقات كثيرة لا تغطيها الموارد المالية التي شرعت للحالات الاعتيادية، كما يحدث ذلك في أوقات الحرب. . . ففي مثل هذه الأحوال تلتجئ الدولة الإسلامية إلى فرض ضرائب مالية جديدة في حدود حاجة البلاد وإمكانيات الأُمة.
ونجد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة إشارات واضحة إلى تشريع هذا النوع من الضرائب:
قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الخيلِ تُرهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ}([288]).
وقال تعالى: {. . . وَجاهِدوُا بِأَموالِكُمْ وَأَنفُسِكُم. . . }([289]).
قال تعالى: {وَكرِهُوا أَنْ يُجاهِدوُا بِأموالِهِمْ وَأنفْسِهِمُ. . . } ([290]).
والآية الأُولى صريحة في الأمر بإعداد العدة الحربية الكافية، والآيتان الأخيرتان قرنتا الجهاد بالنفس بالجهاد بالمال، ولما كان الجهاد بالنفس لا حدّ له في الشريعة الإسلامية، كان الجهاد بالمال بحكمه لا يحده شيء غير الحاجة.
كل ذلك فيما إذا اقتضت الضرورة الحربية ذلك.
وهناك حقوق خاصة للفقراء والضعفاء والمساكين والمحرومين غير الزكاة والخمس، يقررها التشريع لصالح هؤلاء في حالات الضرورة المعاشية، ويندب إليه في غير حالات الضرورة.
وفي الحديث عن الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ: «ولكن الله ـ عزّ وجلّ ـ فرض في أموال الأغنياء حقوقاً غير الزكاة، فقال: {وَالَّذينَ في أموالهِم حقٌ معلوُمٌ، للسائِلِ وَالمحروَمُ}. فالحق المعلوم غير الزكاة، وهو شيء يفرضه الرجلَ على نفسه في ماله، يجب عليه أن يفرضه على قدر طاقته وسعة ماله، فيؤدي الذي فرض على نفسه»([291]).
وعن سماعة قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام، قلت: قوم عندهم فضول وبإخوانهم حاجة شديدة، وليس تسعهم الزكاة، أيسعهم أن يشبعوا ويجوع إخوانهم، فإن الزمان شديد؟».
فقال عليه السلام: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحرمه؛ فيحق على المسلمين الاجتهاد فيه، والتواصل والتعاون والمواساة لأهل الحاجة، والعطف منكم. . . تكونون على ما أمر الله فيهم: رحماء بينكم، متراحمين»([292]).
وأخرج مسلم من طريق أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «من كان له فضل من ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له»([293]).
ونعني به الدخل الذي يرد الدولة عن طريق وارداتها العقارية، والعقارات التي تملكها الدولة أو تملك التصرف فيها، هي: الأراضي الزراعية المحياة المفتوحة، والأراضي الموات، والغابات، والأجمات، والمعادن، ورؤوس الجبال، والبحار، وبطون الأودية، وسواحل البحار.
ويرد الدولة عن طرق هذه العقارات وارد مالي كبير، تسدد به كثيراً من نفقاتها، وتغطي به على كثير من مصارفها.
ملكية العقارات العامة
العقارات العامة التي يملك الحاكم أمر التصرف فيها، ولا يجوز حيازتها وتملكها بصورة فردية ومن قبل الأفراد. . . على أقسام من حيث الملكية.
فقد تكون الأُمة بجميع فئاتها، حكاماً ورعايا، وبصفتها الجمعيّة، هي المالكة، وقد تكون هذه العقارات ملكاً للهيئة الحاكمة التي تمثل مجموعة الأُمة في الحكم.
وبناءاً على تسمية الأمة بمجموعة فئاتها حكاماً ورعاياً (بالدولة)([294])، وتسمية الهيئة التي تمثل هذه المجموعة في الحكم بـ (الحكومة) يمكن تصنيف ملكية العقارات العامة التي تشرف عليها السلطة الحاكمة في المجتمع الإسلامي إلى قسمين رئيسيين.
1 ـ ملكية الدولة: وهي تشتمل على العقارات التي تملكها مجموعة الأُمة حكاماً ورعايا وتعتبر هذه العقارات وقفاً على المسلمين جميعاً، يجوز لهم الإنتفاع بها واستثمارها بإشراف من الحاكم الإسلامي في قبال بدل مالي خاص تحدده الحكومة، ولا يجوز تملك رقبة هذه العقارات ولا بيعها ولا شراؤها، ولا تخص جيلاً خاصاً من المسلمين، وإنما تعمهم جميعاً على امتداد العصور والأجيال، ومن أهم هذه العقارات أراضي الفتح الإسلامي فيما إذا كان الفتح بإذن الإمام الحاكم.
وطبيعي إن أمر الإشراف في هذه العقارات يكون للحاكم الإسلامي بصفته حاكماً على المسلمين وممثلاً عن مجموعة الأُمة ووالياً عليهم. ويعود ربح هذه الأراضي ووارداتها التي تستلمها السلطة من المنتفعين بها إلى بيت المال الذي يصرف على حاجات المسلمين والمرافق الاجتماعية.
2 ـ ملكية الحكومة: وهي تشتمل على مجموعة العقارات التي تملكها السلطة الحاكمة أو الحاكم الشرعي بصفته حاكماً على المسلمين. وتعرف هذه العقارات عادة في الفقه الإسلامي ب (الأنفال)، وتشتمل على امهات الثروات العقارية والطبيعية.
ومن الواضح أن اعتبار هذه الثروات الطبيعية والعقارات من ملك السلطة الحاكمة يؤدي إلى تحديد الملكية الفردية وانعدام الملكيات الفردية الواسعة التي تنجم عن السيطرة غير المحدودة على المصادر الطبيعية للانتاج.
2 ـ عقارات الدولة
وفيما يلي نعرض على القارئ أهم العقارات العائدة إلى الدولة سواءً منها ما تملك السلطة رقبتها أم تملك أمر الإشراف عليها.
1 ـ الأراضي: تعتبر الأراضي من أهم موارد الدولة الإسلامية.
وليس الغرض من استيلاء الدولة على الأراضي تغطية نفقاتها عن طريق الريع الذي تدره هذه الأراضي على الدولة وحسب. . . بل الغرض من ذلك ـ قبل ذلك كله ـ المنع من حدوث أي توسع في ملكية الأراضي يؤدي إلى «الاقطاع» وثمّ توزيع هذه الأراضي بين الفلاحين والمنتفعين توزيعاً عادلاً، يتماشى مع حاجاتهم الخاصة وإمكانياتهم على الإحياء.
والأراضي التي تملكها الدولة الإسلامية، أو تملك الإشراف عليها هي كما يلي:
أ ـ الأراضي التي استولى عليها المسلمون من بلاد الكفار من دون قتال، سواءً كانت أراضي محياة أو ممات، وهي من الأنفال([295]).
ب ـ أراضي الفتح الإسلامي العامرة: وهي ملك للمسلمين يشرف عليها الإمام، ويؤجرها أو يستثمرها، ويصرف حاصلها على المسلمين. وهي لا تخص جيلاً دون جيل، وإنما هي للأجيال جميعا (([296]).
ج ـ أراضي الفتح الإسلامي (البائرة): وهي ملك للإمام الممثل لجهاز الحكم يجعل عليها من يعمرها، أو يودعها من يعمرها؛ ويصرف مواردها (طسقها) على المرافق العامة.
د ـ أراضي دار الإسلام (البائرة): الأراضي الموات ملك للإمام، يصرف مواردها في شؤون الأمة والحكومة، سواءً كانت مملوكة وباد أهلها، أم كانت غير مملوكة من أول الأمر كالمفاوز والصحاري النائية. فإذا أحياها أحد بإذن الإمام، جاز له أن يتصرف فيها إزاء خراج يدفعه للدولة عن الأرض، وإن كانت الأرض لغيره قبل ذلك؛ لقوله ـ عليه السلام ـ: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له»([297]). وقد قال الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: «إن الأرض لله، يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين». (الى ان يقول): فمن أحيا أرضاً ميتة من المسلمين فليعمرها، وليؤد خراجها إلى الإمام»([298]).
هـ ـ الأراضي الموقوفة، التي يتولى شأنها الإمام: ويكثر مثل هذه الأراضي في بلاد المسلمين. وقد حث الشارع الإسلامي المسلمين على الوقوف وإخراج الأرض عن حيِّز الملكية الخاصة، واعتبارها وقفاً على المسلمين، واعتبر ذلك صدقة جارية لأصحابها ويتولى الإمام شؤونها فيما إذا لم يعّين الواقف عليها أحداً.
فالتشريع الإسلامي في الأراضي يذهب، بصورة مبدئية، إلى تجريد القطاع الخاص من ملكية الأرض تقريباً، وتمليك الأرض للقطاع العام والدولة.
وبذلك فالدولة([299]) تملك الكثرة الغالبة من الأراضي الموات والأراضي المحياة بصورة طبيعية، فتوزع هذه الأراضي بين المستثمرين والمنتفعين بصورة عادلة، وبشكل لا يؤدي إلى ظهور الملكيات الواسعة.
كما تسحب ملكية أصحاب الأرض عند إهمال إحيائها، وتدفع الأرض إلى غيرهم ممن يعملون في إحيائها.
فالتشريع الإسلامي إذن يحقق في هذا المجال مطلبين رئيسيين:
فهو من ناحية يحد من توسع الملكيات الأرضية، إذ أن الأراضي في حال الموات، ملك للحكومة ويتم توزيعها على الفلاحين والمنتفعين بإشراف من السلطة.
ومن ناحية أُخرى فإن حق السلطة في سحب ملكية أصحاب الأراضي الذين أهملوا إحياء أراضيهم وإعادة الأراضي إلى من يمارس إحياءها يضمن استمرار عملية الإحياء والإعمار في الأراضي.
هذا بالإضافة إلى ما تدر هذه الأراضي من وارد مالي كبير على بيت المال.
2 ـ سواحل البحار: وهي ملك الإمام (من الأنفال)، كما ذكره المحقق في «الشرائع»([300])
وهي ذات أهمية كبرى في التجارة والصيد البحري والحروب والرحلات البحرية وغير ذلك.
3 ـ الغابات والأحراش: تعتبر الغابات من أهم موارد الثروة الطبيعية في البلاد، فهي تزود البلاد بثروة غذائية وطبّية وخشبية، بالإضافة إلى ما لها من تأثير كبير في تلطيف الجو.
ويعرض هذا المورد الطبيعي للخطر عندما يسمح فيها بالاستغلال الفردي.
ولذلك فالدول الحديثة تعني عناية كبيرة بالمحافظة على هذه الثروة الطبيعية وتوسيع رقعتها، وتمنع عن استغلالها بصورة فردية، وتنسق عمليات الاستغلال بصورة لا تؤدي إلى ضياع هذه الثروة الطبيعية، وتحاول في نفس الوقت أن تجعل من هذه الثروة الطبيعية مورداً مالياً لنفسها.
وقد اعتبر الفقه الإسلامي الغابات والأحراش من الثروات التي تمتلكها الحكومة، ولا يحق للفرد استغلالها، إلاّ بإذن الحاكم الشرعي، وضمن الشروط التي يحددها الحاكم.
4 ـ رؤوس الجبال والأودية: وهي نقاط غنية بالثروات الأرضية. ويملكها الإمام، كما يقرره الفقهاء.
5 ـ صفايا الملوك واقطاعاتهم: وهي الأراضي الزراعية والاقطاعات الكبيرة التي كان يملكها الملوك قبل أن يحكم الإسلام البلاد. وهذه الاقطاعات ـ في الغالب ـ قطع ثرية من الأرض، اغتصبها الملوك من الرعايا، فيعيد الإمام صرف ريعها على الرعايا المسلمين والمسالمين مرة أُخرى عن طريق بيت المال.
6- المعادن والمناجم: وهي على أقسام ثلاثة:
فلزات تقبل الصهر كالذهب والفضة والرصاص والنحاس والحديد.
ومايعة وشبه مايعة كالنفط والزئبق.
وجامدة لا تقبل الصهر كالأحجار الكريمة والفحم الحجري.
وهذه المعادن تمد الصناعة بالمواد الأولية (الخام)، ولذلك فاستيلاء الدولة على المناجم يؤدي إلى إشراف الدولة على سير الانتاج الصناعي، بصورة عامة، والتمكن من تكييفها بالشكل الذي يحقق العدالة الاجتماعية.
والإمام (رئيس الدولة) في المجتمع الإسلامي يملك كافة المناجم والمعادن وهذا ما ذهب إليه علماء الإمامية كـ «الكليني» وشيخه «القمي» في تفسيره، و«المفيد» و«الشيخ» و«القاضي»، واختاره في «الكفاية» و«الذخيرة» و«كشف الغطاء».
ويشهد له حديث الصادق ـ عليه السلام ـ عن الأنفال، حيث عدّ المعادن منها([301])، وقوله ـ عليه السلام ـ في جواب من قال ما الأنفال؟ (منها المعادن والآجام) ([302]).
والدولة إما أن تقوم بنفسها باستخراج المناجم، وإما أن تعهد أمرها إلى الشركات الخاصة بهذا الأمر، لقاء أجر تدفعه.
7 ـ الأنهار والبحار (المياه): وقد عدّهما (ابو الصلاح) وصاحب (المقنعة) من الأنفال التي يملكها الإمام، ويؤيده بعض الأحاديث الصحيحة([303]).
وللبحار أهمية كبيرة من الناحية التجارية والحربية والأسفار والصيد.
ولا تقل أهمية الأنهار عن البحار، فهي تزود الأراضي المجاورة لها والبلدان القريبة والبعيدة منها بالماء، كما يمكن استغلالها لتوليد الطاقة الكهربائية.
وبذلك فهي تدرّ أموالاً كبيرة على الدولة، كما أن الدولة باعتبار استيلائها على الأنهار تتمكن من تأميم مشاريع الماء والكهرباء.
3 ـ مشاريع الإنتاج والزراعة الحكومية
تزداد حاجة الناس إلى المرافق العامة والتكافل الاجتماعي كلما تقدمت حياة الإنسان، ولا تفي الضرائب المالية التي تتقاضاها الحكومة من الأمة إلاّ بجزء يسير من نفقات الدولة في تشييد هذه المرافق.
وفي الحالات العامة يقصر الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق الضرائب والعقارات عن تسديد نفقاتها، فتضطر الحكومة إلى البحث عن موارد مالية جديدة لتغطية نفقاتها المالية.
وتتجه اليوم الدول الرأسمالية والاشتراكية، بشكل سواء، إلى القيام بإنشاء مشاريع تجارية وصناعية وزراعية، وممارسة الإنتاج والتجارة بصورة واسعة، وتهيئة موارد مالية جديدة، لتغطية نفقاتها المالية.
وتتم هذه المهمة في الدول الاشتراكية على حساب القطاع الخاص في الصناعة والزراعة، بينما تتم هذه المهمة في الدول الرأسمالية بشكل أخف من ذلك.
وقد قام فعلاً كثير من الدول الرأسمالية بإنشاء مشاريع حكومية للماء والكهرباء ومصالح للمبايعات والسفر والبرق والبريد وغير ذلك من الشؤون الاجتماعية وحاجات الإنسان.
والدولة الإسلامية في حياة صاحب الرسالة ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وفي عهد الخلفاء الأوائل لم تكن ـ بحكم الظروف الاقتصادية والمالية في ذلك الوقت ـ بحاجة إلى المزيد من الدخل المادي، ولم تضق مواردها المالية عن نفقاتها. . وفي الوقت نفسه لم تغلق على نفسها أبواب هذا المورد المشروع عندما تلجئها الظروف المادية إلى البحث عن موارد مالية جديدة.
ويعتبر إنشاء المشاريع الحكومية للتجارة والانتاج من أهم هذه الوسائل التي تدر على الحكومة دخلاً مادياً كبيراً، يغطي كثيراً من نفقاتها.
ولا يفقد الباحث في النظام المالي للدولة الإسلامية، في حدود ما تعرضنا له في هذا الحديث، ملامح عامة لهذه المسألة.
في المجال الزراعي: رأينا فيما تقدم من هذا الحديث أن الدولة تستولي على الأراضي المحياة والموات المفتوحة عنوة ـ بصفة الإشراف ـ وتملك الأراضي التي انجلى عنها أهلها، والأراضي الموات والمحياة بصورة طبيعية، ورأينا كذلك أن من غير الجائز أن يتصرف أحد في هذه الأرضي من دون إذن الإمام.
وفي مثل هذه الوضعية التشريعية لا يتيسر لأحد ـ مهما بلغت إمكاناته ـ أن يملك من الأراضي الزراعية أكثر من حاجته الخاصة، وبشكل يؤدي إلى الإضرار بالآخرين، أو أن يقتطع قطعاً كبيرة من الأرض بصورة تؤدي إلى (الإقطاع).
والدولة وحدها هي التي تملك الإمكانات النقدية والأرضية الواسعة التي تمكنها من إحياء قطع كبيرة من الأراضي لحسابها، والقيام بممارسة النشاط الزراعي بصورة واسعة، تتجاوز حدود طاقة الفرد، وإحداث مزارع وحقول نموذجية وكبيرة، تخضع للتطورات الزراعية الجديدة.
في مجال التصنيع: وفي المجال التصنيعي تستولي الدولة بموجب تملكها للأنفال على كميات كبيرة من المواد الخام، من معدنية ونباتية، بصورة مباشرة وغير مباشرة.
فهي تملك المعادن والغابات والأحراش ورؤوس الجبال والأراضي العامرة طبيعياً، وغير ذلك من مصادر الثروة الطبيعية.
وكثيراً ما تقوم الدول بإنشاء مشاريع زراعية وثقافية وصحية وعسكرية كبيرة. كإنشاء السدود والجسور والبنايات، وإحداث الطرق والشوارع المبلطة، والمدن والقرى النموذجية.
وإنشاء هذه المشاريع يتطلب رصيداً مالياً كبيراً يخرج عن عهدة الحكومة، ولا تفي الضرائب والموارد التي ترد الحكومة عن طريق العقارات وغيرها بتمويلها.
في مثل هذه الأحوال، لا تفقد الدولة الإسلامية مبررات شرعية لتمويل هذه المشاريع عن طريق عقد قروض طويلة الأجل، تدفعها الحكومة بشكل أقساط يمتد اداؤها إلى الأجيال اللاحقة.
وقد ترجع الدولة في عقد قروض طويلة الأجل إلى أفراد الأُمة مباشرة، وقد ترجع إلى البنوك الأجنبية، كما قد ترجع إلى الدول الأُخرى.
ولا يجوز للدولة ـ من جهة شرعية ـ أن تدفع إزاء هذه القروض أرباحاً نقدية وغير نقدية، إلاّ إذا كانت تضطر إلى ذلك لحاجة ضرورية. فتصطنع في ذلك بعض المبررات الشرعية التي يذكرها الفقهاء في باب «الربا» من الفقه.
وهنا يبدو للباحث الفقيه اعتراضان على هذا النحو من القروض، نحاول أن نجيب عليهما بصورة سريعة.
فقد يثار التساؤل عن جواز تحميل خزانة الدولة تبعات أداء هذه القروض، ولا سيما إذا كانت خزانة الدولة قاصرة على أداء نفقات هذه المشاريع.
وقد يتساءل ثانياً عن مشروعية تحميل الأجيال التالية تبعات أداء هذه القروض التي عقدتها الأجيال السابقة ولم تشترك هي في شأن من شؤونها.
ويظهر الجواب عن التساؤل الأول إذا علمنا أن النظام المالي للمجتمع الإسلامي قرر سهماً خاصاً من سهام الزكاة لأداء ديون الغارمين، إذا كانت هذه الديون لأغراض مشروعة.
والدولة الإسلامية ـ كشخصية حقوقية يمثلها الحاكم الأعلى ـ تتمتع بكافة الحقوق الشرعية التي يتمتع بها سائر الأشخاص في الدولة؛ ولذلك فمن حقها أن تستغل هذا الحق الشرعي لأداء ديونها بشكل أقساط، وحسب إمكانيات الخزينة.
وفيما يخص التساؤل الثاني: ينبغي أن نشير إلى أن الاستفادة من هذه المشاريع لا تخص الجيل الحاضر؛ بل يتاح للأجيال القابلة أن تستفيد من هذه المشاريع بصورة أوسع.
وأكثر من ذلك، نجد أن هذه القروض قد تستخدم لتوسيع مشاريع الانتاج الصناعي والزراعي وإنتاج المكائن والأدوات الثقيلة.
والجيل الحاضر لا يستطيع أن يستفيد من هذه المشاريع في توسعة نشاطها الانتاجي وواردها المالي كما تستفيد منها الأجيال اللاحقة.
فمن وجهة شرعية، نجد أن هذه القروض تقع لصالح الأجيال اللاحقة أكثر من أن تقع لصالح الجيل الحاضر.
والدولة ـ كشخصية معنوية ـ لا تفنى بموت شخص الإمام أو الرئيس. ولذلك، فليس هناك ما يمنع من تحمل الدولة لأعباء هذه القروض في الأجيال اللاحقة، بعد صحة وقوع العقد. نظراً لاستمرارية شخصية الدولة، ووجود المصلحة المبررة؛ ونظراً لاستغلال الأجيال المقبلة لهذه المشاريع.
وبهذه الصورة، نجد أن الدولة الإسلامية تستطيع أن توفر لنفسها مورداً مالياً للقيام بأعمال عمرانية وفلاحية وتصنيعية عن طريق عقد القروض الطويلة الأجل.
1 ـ الفيء: وهو ما يرجع إلى المسلمين مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وما يتركه المقاتلون غير المسلمين للمسلمين من غير أن يقاتل عليه المسلمون. ويشمل الأموال المنقولة ـ كالنقود والأثاث ـ وغير المنقولة ـ كالعقارات.
ويملكها رئيس الدولة الإسلامية ليصرفها في شؤون الدولة العامة والمصالح الاجتماعية.
2 ـ إرث من لا وارث له: بما أن الإمامة هي الولاية الشرعية على المسلمين. يعتبر الإمام وارثاً لمن لا وارث له من أقارب وموالٍ. والذي يموت عن غير وارث من الأقارب والموالي، تضبط أمواله فوراً لتنقل إلى خزينة الدولة.
وبعد … .
ذلك إجمال من تفصيل عن موارد الدولة المالية في المجتمع الإسلامي.
ولا بد أن الباحث قد لمس بنفسه ـ خلال هذا البحث ـ ملامح العدالة الاجتماعية في تخطيط هذه الموارد، وتوزيع الضرائب منها بصورة خاصة على طبقات الأُمة بشكل عادل، كما لاحظ مرونة الموارد المالية للدولة الإسلامية وسعتها، بشكل لا تضيق من مواكبة تطور نفقات الدولة وحاجاتها.
وهذه من أهم خصائص التخطيط المالي في الفقه الإسلامي.
تمهيد: بعد أن استعرضنا الملامح العامة لموارد الدولة الإسلامية بصورة موجزة. . . يأتي دور البحث عن النفقات العامة للدولة.
والنفقات العامة ـ عادة ـ هي التي تحدد موارد الدولة من حيث السعة والضيق.
وقد رأينا ـ فيما تقدم من هذا الحديث ـ أن الموارد المالية للدولة الإسلامية تتصف بصلاحية واسعة لتغطية النفقات العامة للدولة مهما توسعت هذه النفقات وازدادت.
تعريف النفقات: ونعني ـ عادة ـ من هذه الكلمة: صرف مبالغ مالية لتقديم خدمات عامة لأفراد الأمة وتسيير المرافق العامة في البلاد وإعاشة الفقراء.
ومما ينبغي ملاحظته أن التشريع الإسلامي يلاحظ في (الانفاق) أموراً ثلاثة:
1 ـ أن الحكومة لا تستنفذ الخدمات العامة عن أفراد الأمة لمصلحتها من غير أجر، وبدون تقديم جزاء عادل. . بعكس كثير من الحكومات التي كانت تسبق الإسلام أو التي لحقت الإسلام.
فقد كانت أساليب العنف والسخرة شائعة في كثير من الحكومات القائمة قبل الإسلام في استنفاذ الخدمات المختلفة من الناس.
وليس غريباً عنا أساليب السخرة التي كانت رائجة لدى الحكومات القيصرية في تشغيل العمال بسحب العربات الثقيلة والقيام بالأعمال الشاقة من غير أجر أو جزاء. . . اللهم إلاّ مما يقوّم أجسامهم من الخبز والماء. وجاء الإسلام بأصل تشريعي هام يقضي باحترام عمل المؤمن واحترام شخصيته.
فلا تجوز أعمال السخرة وتسخير الفرد لمصلحة الحكومة أو الأُمة، ولا يجوز استخدام فرد في عمل ما لم يرتفع عنصر الإجبار عن العمل أولاً، ويدفع للعامل جزاء عمله ثانياً بشكل عادل.
فقد جاء قوم من بعض الأقاليم إلى الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ليقولوا له: إن في بلادهم نهراً قد طمرت الأيام مجراه فعفاه، وإن في حفره من جديد خيراً لهم. . ورجوه بعد ذلك أن يأمر عامله على اقليمهم بأن يسخرهم في احتفار النهر.
فما كان من علي ـ عليه السلام ـ إلاّ أن قبل فكرة احتفار النهر. . غير أنه أبى عليهم ما أرادوه من السخرة فكتب إلى عامله ـ واسمه قرضة بن كعب ـ يقول:
«أما بعد: فإن قوماً من أهل عملك أتوني فذكروا أن لهم نهراً قد عفا ودرس، وانهم إن حفروه عمرت بلادهم وقووا على كل خراجهم، وزاد فيء المسلمين قبلهم. وسألوني الكتاب اليك لتأخذهم بعمله وتجمعهم لحفره والإنفاق عليه. ولست أرى أن اجبر أحداً على عمل يكرهه. . . فادعهم إليك فإن كان الأمر في النهر على ما وصفوا، فمن أحب أن يعمل فمره بالعمل. والنهر لمن عمل دون من كرهه ولئن يعمروا ويقووا أحب إليَّ من أن يضعفوا. والسلام».
فالعامل في حقل الخدمات الاجتماعية في الدولة الإسلامية يعمل بملء حريته واختياره، ولا يحق لأحد مهما كانت مكانته أن يرغم أحداً على ممارسة الخدمات الاجتماعية.
وفي نفس الوقت تقدم السلطة إلى العامل جزاءاً عادلاً عن عمله، ولا يجوز منع حقه عنه([304]).
2 ـ يجب على الحكومة ـ بصفتها صاحبة السلطة الشرعية ـ أو الإمام بصفته رئيساً للحكومة ـ القيام بهذه النفقات. وتهيئة الميزانية الكافية لها وذلك بعد البحث ودراسة ملابسات الحياة الاجتماعية، وحدود ميزانية الدولة واستشارة ذوي الخبرة في الموضوع. فالسلطة الحاكمة تعتبر مسؤولة عن وفاء كل الحاجات الاجتماعية، وإدارة مرافق الدولة، في حدود إمكاناتها وقدراتها، وهذه المسؤولية هي المسؤولية التي يعبر عنها عادة في الفقه بـ (الحسبة).
3 ـ توزيع هذه الخدمات بصورة عادلة على أبناء الأمة، من غير لحاظ جانب شخصي أو نفوذ اجتماعي.
وقد رأينا أن الحكومة الإسلامية كانت تفرض الضرائب المالية على الأفراد في حدود إمكانياتهم المالية بصورة عادلة، من غير ملاحظة أية جهة شخصية.
وهذه التسوية في فرض الضرائب تقتضي التسوية في توزيع الخدمات وتقديم النفقات للفئات الاجتماعية.
وأي تمييز في توزيع هذه الخدمات على أبناء الأُمة يعتبر خروجاً عن حدود التشريع.
عرض لنفقات الدولة
وفيما يلي نحاول أن نستعرض وجوه النفقات في الفقه الإسلامي، بالشكل الذي يعرضه القرآن الكريم. وقد نظم الفقه الإسلامي وجوه النفقة التي يجب على السلطة القيام بها بشكل يفي بكل الحاجات الاجتماعية والعسكرية والاقتصادية والعمرانية، وما يتجدد من حاجة في البلاد.
ولكي نستعرض هذه النفقات بشكلها التشريعي نحاول أن ندرس هذا الجانب من البحث في ضوء آيتين من القرآن الكريم، هما آيتا الزكاة والخمس.
آية الزكاة
قال الله ـ تعالى ـ: {إنَّماَ الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمسَاكِينَ، وَالْعامِلينَ عَليْها، وَالْمُؤلَّفةِ قُلُوبُهُم، وَفيِ الرِّقابِ، وَالْغارِمِينَ، وَفيِ سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ}([305]). ويلمح الباحث من سياق الآية الكريمة نحوين من المصارف يختص الأول منهما بتملك هذه النفقات. ويختص الثاني بصرفها عليه.
ويشعر بذلك موضع «اللام»و «في»في الآية الكريمة.
فقد أضافت الآية الكريمة الصدقات إلى الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم بـ «اللام» مما يشعر بأنهم أشخاص حقيقيون يملكون هذه الصدقات.
وأضافت «الصدقات» إلى «الرقاب» و«الغارمين» و«سبيل الله» و«ابن السبيل» بكلمة «في» أو بالعطف عليها مما يشعر بأنها مرافق عامة وجهات اجتماعية تختص بهذه المصارف وليست أشخاصاً تملك ذلك.
فالنفقات المالية للدولة الإسلامية على نحوين:
1 ـ نفقات عامة تبذل على أشخاص حقيقيين يملكونها (التمليك).
2 ـ نفقات عامة تصرف على جهات ومرافق اجتماعية تختص بها من دون أن تملكها (الصرف والاختصاص).
وعلى ضوء من هذا النهج نحاول أن نستعرض آية الزكاة بالبحث الفقهي. . ونتناول هذه المصارف واحداً بعد آخر.
أ ـ النفقات الشخصية: وهي النفقات التي تبذل لأشخاص من الفئات التالية:
1 ـ الفقراء.
2 ـ المساكين.
3 ـ العاملون عليها.
4 ـ المؤلفة قلوبهم.
1، 2 ـ الفقراء والمساكين والظاهر أنّ المسكين أشد فقراً من الفقير، بحيث يضطر للسؤال.
والفقير هو المحتاج المتعفف، الذي لا يملك قوت سنته، ولم يبلغ به الحال حد الاستجداء([306]).
والفقراء والمساكين ـ في حدود هذا المعنى ـ يملكون سهماً من سهام الزكاة، يصرفونه على شؤونهم الخاصة والعامة مما يحتاجون إليه.
أقسام الفقر: والفقر على ثلاثة أقسام:
فقد ينشأ الفقر عن عجز الشخص عن الاكتساب، لآفة في جسمه أو لعاهة تلازمه.
وقد يكون الشخص قادراً على الاكتساب، ولا يحمل أي مرض يقعده عن العمل. ولكن اشتغاله بالخدمات العامة يمنعه عن الاكتساب، فلا يملك قوت سنته.
وقد يكون الشخص سليماً قوياً فارغاً من أي نشاط عملي أو فكري، مهملاً، عاطلاً…
ولكل من هذه الأقسام الثلاثة حكم خاص في التشريع الإسلامي:
أ ـ المرض والشيخوخة: فإن كان الفقر ناشئاً عن عجزه عن العمل لعاهة جسمية أو مرض عصبي أو شيخوخة، فلا شك في شمول الآية له.
وقد خصصت الشريعة الإسلامية لهم سهماً من الزكاة، ليحفظ لهذه الطبقة من المسلمين كرامتها، ويكف وجوههم وأيديهم عن ذل الاستعطاء.
كما قررت الشريعة أن تصرف الدولة من بيت المال راتباً على الفقراء العاجزين عن العمل بمرض أو شيخوخة.
فقد ورَد عن محمد بن أبي حمزة عن رجل بلغ به علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ. قال: مرَّ شيخ مكفوف كبير يسأل. فقال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: ما هذا؟ قالوا يا أمير المؤمنين نصراني. فقال أمير المؤمنين: استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه. انفقوا عليه من بيت المال.
وهذا الحق الذي يفرضه الإسلام للفقراء والمعوزين من المرض والشيوخ يشبهه ـ إلى حد ما ـ (حق التقاعد) في الأنظمة الحديثة.
ب ـ القائمون بالخدمات العامة: وقد يكون الفقر ناشئاً عن الإشتغال بالخدمات الاجتماعية العامة، كالتعليم، والتبشير، والدعوة، والطباعة، وحفظ الأمن الداخلي وحفظ الثغور، والجهاد، والإدارة. . وما شابه ذلك.
وهؤلاء ـ في الغالب ـ أُناس يصلحون للإكتساب والعمل، وليس بهم شيء من الكسل أو الإهمال. . ولكن اشتغالهم بالخدمات الاجتماعية لا يفسح لهم مجالاً للعمل والاكتساب؛ فيدخلون في عداد الفقراء الذين لا يملكون قوت سنتهم.
ولا بد أن نشير إلى أن الآية الكريمة لا تقصد بالفقراء السائلين باليد أو المقعدين والعاجزين والمرضى فحسب… وإنما تشمل كل من يقصر ماله على تمويله سنة كاملة (واحدة). سواء كان الفقر ناشئاً عن عجز أو عاهة في الجسم أو كان ناتجاً عن اشتغال الإنسان بالخدمات الإجتماعية الواجبة بحيث تستوعب وقته، ولا تسمح له بالوقت الكافي لينصرف إلى بعض أسباب الرزق.
والإنسان في هذه الحالة يحق له أيضاً أن يسترزق من بيت المال بصورة محترمة تليق بمكانته، ويأخذ من بيت المال ما يكفيه ويغنيه، ليس على سبيل الاجرة والجزاء، وإنما على سبيل الحاجة والاستحقاق.
وقد يدل وضعه على بعض اليسر والسعة والرفاهية، كما لو كان يملك مركباً مناسباً له وخادماً وبيتاً للسكنى. ومع ذلك فلا يمنع ذلك من أن يأخذ حاجته وحاجة عياله من بيت المال.
قال السيد الطباطبائي اليزدي: «ودار السكن والخادم وفرس الركوب المحتاج إليها بحسب حاله، ولو لعزه وشرفه، لا يمنع من إعطاء الزكاة وأخذها»([307]).
ولا يقتصر فيما يدفع لهم على قدر الحاجة والكفاف، وإنما يبذل لهم من مال الزكاة ما يلائم مكانتهم الاجتماعية وما يغنيهم.
فقد سئل أبو جعفر ـ عليه السلام ـ: «كم يعطى الرجل من الزكاة؟ فقال: اعطه من الزكاة حتى تغنيه»([308]).
وقال رجل لأبي عبد الله الصادق ـ عليه السلام ـ: «أعطي الرجل من الزكاة مائة درهم؟ قال: نعم. قال: مائتين؟ قال: نعم. قال: خمسمائة؟ قال: نعم. . حتى تغنيه»([309]).
وكذلك يظهر للباحث من خلال الكتاب والسنة أنه ليس في تقبل هذه الطائفة للزكاة ما يشعر بالهوان، وإنما هو حق طبيعي لهم، يتقاضونه من الدولة كما يتقاضون أي حق آخر لهم.
ويدخل رجال الثقافة والفقهاء، والعلماء، والأطباء، ورجال الشرطة والإدارة، والجند. . في عداد هؤلاء وتيسر لهم الدولة حياتهم المادية، ليتفرغوا لما يُقدِّمون للمجتمع من خدمات عامة، وإن كانوا يقدرون على الاكتساب.
قال الفقيه اليزدي في «العروة الوثقى»:
«لو اشتغل القادر على الكسب بطلب العلم المانع عنه، يجوز له أخذ الزكاة إذا كان مما يجب تعلمه عيناً أو كفاية، وكذا إذا كان مما يستحب تعلمه»([310]).
وعن مؤلف «جواهر الكلام» عن «نهاية الأحكام» و«السنن» و«التحرير» وغيرها:
«لو كان التكسب يمنع من التفقه في الدين، جاز أخذها؛ لأنه مأمور به إذا كان من أهله… وجاز الإنشغال بالتعليم والتعلم عن الاكتساب»([311]) وكذلك شأن القضاة والحكام، والجند والشرطة، وأطباء المستشفيات العامة، والسعاة ـ كما تصرح به الآية الكريمة ـ من الذين يقومون بالخدمات الاجتماعية داخل الإدارة الحكومية وخارجها ـ.
ج ـ الفقراء العاطلون: وهؤلاء هم طائفة من الناس يؤثرون حياة الذل والراحة ـ إذا كان فيها شيء من الراحة ـ على أن يخوضوا ميادين الحياة، ويعتمدون على ما يدره عليهم عطف الناس، وإن كان ضئيلاً مقروناً بالذل.
ويقف التشريع الإسلامي موقفاً حاسماً من هؤلاء، ولا يجوز تقديم أي مساعدة مالية من بيت المال لهؤلاء، مهما بلغ الأمر.
قال الفقيه الشيخ محمد حسن (صاحب الجواهر):
«فمن يقدر على اكتساب ما يموّن نفسه وعياله على وجه يليق بحاله، لا تحل الزكاة له؛ لأنه كالغني. وكذا ذو الصنعة اللائقة بحاله التي تقوم بذلك، كالتجارة والحياكة ونحوهما، بلا خلاف معتد به»([312]).
3 ـ العاملون عليها: وهم السعاة الجباة الذين يقومون بجمع الضرائب المالية وجبايتها، والولاية عليها، وتنظيم شؤونها وتسجيل حساباتها.
4 ـ المؤلفة قلوبهم: وهم غير مسلمين يستمالون للجهاد مع المسلمين، أو مسلمون ضعفاء الإيمان يستمالون إلى حفظ الثغور والأمن في الوطن الإسلامي.
وذلك فيما يخص الأشخاص الذين تبذل لهم الدولة النفقات التي تنهض بأمرهم.
ب ـ الجهات والمرافق العامة «وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله».
قلنا ـ فيما تقدم من هذا الحديث ـ أن موقع «وفي»في الجزء الثاني من الآية الكريمة يشعر بأنه من الإنفاق على جهة عامة أو مصلحة إجتماعية، وليس من الإنفاق على شخص خاص أو تمليك لفرد من الأفراد.
ومن ذلك يستظهر الباحث أمرين: الأول: أن مصرف الزكاة في الآية الكريمة لا يقتصر على الأشخاص، بل يشمل الجهات العامة والمرافق الاجتماعية التي تخدم المصلحة العامة من الجهات المذكورة في الآية الكريمة، كما تشمل الأشخاص المعوزين والعاملين والمؤلفة قلوبهم.
وقد رأينا ـ فيما تقدم ـ ان الإنفاق قد يتم عن طريق التمليك لفرد من الأفراد، كما قد يتم عن طريق الانفاق على مشروع خيري أو مصلحة اجتماعية تخدم الأُمة من الجهات المتقدمة في الآية الكريمة.
والآية الكريمة تحوي على كلتا الصورتين من الإنفاق: الإنفاق على الأشخاص والإنفاق على الجهات والخدمات العامة والمرافق الاجتماعية. وهي ظاهرة في هذين القسمين من الأموال.
الثاني: أن الإنتفاع من المرافق والخدمات العامة التي يصرف عليها من بيت المال ومن الزكاة لا يتوقف على فقر المنتفع وحاجته وإنما هي مرافق عامة لكل المنتفعين، لا تخص فئة خاصة منهم، مسلمين كانوا أم غير مسلمين، فقراء كانوا أم أغنياء، وذلك كالمال الذي يصرف من بيت المال في إقامة الجسور والسدود ومشاريع الريّ والمدارس والمستشفيات العامة وغير ذلك من المرافق والمؤسسات الاجتماعية.
ومن هنا قال الفقيه كاشف الغطاء: «لا يعتبر في المدفوع إليه، الإسلام والإيمان، والعدالة، ولا الفقر ولا غير ذلك»([313]).
فإذن تخصص جملة من هذه السهام لرفع مستوى الحياة عامة وليست لخدمة طبقة خاصة، وجزء منها فقط يخصص لمصلحة الفقراء والمعوزين كأشخاص وجماعات. وفيما يلي نشرح واحداً من هذه المصارف كشاهد على ما نقول:
في سبيل الله: «سبيل الله» جهة من مصارف الزكاة، ولا يعنى به شخص خاص. ومعنى «سبيل الله»الطريق الذي يؤدي إلى رضى الله ـ تعالى ـ وهو يشمل كافة المرافق الاجتماعية الخيرية. وإضافة «السبيل» إلى «الله» تفيد هذا المعنى.
وليس في هذه الكلمة ما يدل على حصر مدلولها بالجهاد والغزو فقط وما يلزمهما من شؤون وعدة.
ولذلك، فقد توسع الفقهاء رحمهم الله في تفسير هذه الكلمة.
قال الفقيه الشيخ محمد حسن (صاحب الجواهر): «… فلا ريب في أن الأقوى عموم (سبيل الله) لكل قربة فيدخل حينئذ جميع المصارف ويزيد عليها. وإنما يفارقها في النية. ضرورة شموله لجميع القرب، من بناء الخانات وتعمير روضة أو مدرسة أو مسجد، أو دعاء ونحوها، أو تزويج عزَّاب أو غيرها، أو تسبيل نخل أو شجر أو ماء أو مأكول أو شيء من آلات العبادة، أو إحجاج أحد، أو إعانته على زيارة، أو في قراءة أو في تعزية، أو تكرمة علماء أو صلحاء أو نجباء، أو إعطاء أهل الظلم والشر ليخلص الناس من ظلمهم ومن شرهم، أو إعطاء من يدفع الظلم عن الناس ويخلص الناس من شرهم، أو بناء ما يتحصن به المؤمنون عنهم وشراء الأسلحة لدفاعهم، أو إعانة المباشرين لمصالح المسلمين، من تجهيز الأموات أو خدمة المساجد والأوقاف العامة. . أو غير ذلك.
ومن هنا قال الأُستاذ في «كشفه»: إنه لا يعتبر في المدفوع إليه الإسلام والإيمان، ولا عدالة، ولا فقر، ولا غير ذلك؛ للصدق»([314]).
وأُحب أن الفت النظر إلى مدلول الفقرة الأخيرة التي نقلها الشيخ مؤلف «جواهر الكلام»عن «كاشف الغطاء»فيما يخص الفئات التي تستفيد من هذا المورد المالي.
فإن هذا السهم من سهام الزكاة لما كان يخص المرافق الحياتية العامة، فلا يمكن تخصيصه بالمسلمين أو المؤمنين أو العدول منهم خاصة؛ نظراً إلى أن المرافق المدنية موضوعة للخدمات الاجتماعية العامة وليست تخص فئة بذاتها.
آية الخمس
ولنعقب مصرف الزكاة في القرآن الكريم بآية من القرآن الكريم في مصرف الخمس:
{وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ، وَللِرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبى وَالْيتامى وَالمَساكينِ وَابْنِ السَّبِيلِ…} ([315]).
والظاهر من الآية الكريمة،: أن خُمس الغنائم والمكاسب يقسم على ستة سهام:
(1) سهم منه لله. (2) وسهم للرسول. (3) وسهم لولاة الأمر بعد الرسول «ذوي القربى». (4) وسهم لليتامى من بني هاشم. (5) وسهم للمساكين منهم. (6) وسهم لأبناء السبيل منهم.
والثلاثة الأُول من السهام الستة يعود إلى ولي الأمر ـ وهو سهم الله والرسول وذوي القربى ـ وليس لعامة المسلمين، وإنما هو من أموال الدولة الخاصة، ينفقها ولي الأمر على المصالح والمرافق الاجتماعية وحاجات الحكومة الخاصة، بالشكل الذي يرتئيه الحاكم الشرعي الأعلى للدولة الإسلامية.
وهذا وارد مالي كبير للدولة الإسلامية، يساوي عشر الوارد الصافي العام لمجموع الأُمة، تصرفه الدولة على المرافق الاجتماعية في الدولة.
ومما يدل على أن النصف الأول من السهام الستة ملك لجهة خاصة، وهي الحكومة الإسلامية وليس ملكاً لشخص ولي الأمر هو أن الإمام القائم بالأمر يرث سهم الله وسهم الرسول.
وواضح أن ملكية السهم الأول لله ـ سبحانه وتعالى ـ ليس من قبيل الملكية الاعتبارية القائمة بين الناس، فله ـ سبحانه وتعالى ـ ملك السماوات والأرض، وليس بحاجة إلى مثل هذه الاعتبارات والإضافات، وإنما المقصود من إضافة السهم إليه تعالى هو ملكية الجهة التي يريد الله ـ تعالى ـ تخصيص هذا المال لها، وهي جهة الولاية والحكومة الشرعية.
وكذلك سهم النبي صلى الله عليه وآله فلم يعهد من النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يصرف هذا المال في حاجاته وحاجات أهله، وإنما كان يصرفه في حاجات الجند والقضاء والإدارة وشؤون المجتمع والدولة.
والمعني من إرث الإمام الحاكم لسهم الله ورسوله هو نهوض الإمام بعد النبي بشؤون الولاية والحكومة خلافة عن الله ورسوله وليس الغرض هو الوراثة النسبية والسببية.
محمد مهدي الآصفي
الاقتصاد في الإسلام
وأصل التنمية الشاملة
الحديث عن الاقتصاد في الإسلام لا بدّ وأن ينطلق من مقولة أساسية وهي أنّ القرآن والسنَّة لم ينصا على «نظرية» أو «نظام» اقتصادي معين… وإنّما نصا على عدد من الأصول أو المبادئ الاقتصادية، التي لا شك في كونها صالحة لكلّ زمان ومكان، وغير قابلة للتغيير أو التبديل.
ومن ثمّ فإنّه، بناء على هذه الأصول أو المبادئ الاقتصادية، يمكن أن نجتهد، فنستخلص منها، على المستوى النظري أو الفكري «نظرية أو نظريات اقتصادية معينة… ونستخلص منها، على المستوى العملي أو التطبيقي، «نظاماً أو نظماً» اقتصادية معينة.
وهذه «النظم» وتلك «النظريات» اجتهادية، وهي ـ بالتالي ـ متعدّدة وتختلف باختلاف الزمان والمكان، ولا تعتبر «إسلامية» إلاّ بقدر تعبيرها عن الأصول أو المبادئ الاقتصادية التي وردت بنصوص القرآن والسنّة ولا تتجاوزهما.
ولا شك أنّه بناء على هذه المقولة، تترتب قاعدتان: الأولى، هي ضرورة التمييز وأهمية التفرقة بين «الأصول الاقتصادية» في الإسلام، والتي وردت بنصوص القرآن والسنّة، والتي يمكن التعبير عنها باصطلاح «المذهب»، وبين «الاجتهاد في اعمال هذه الأصول وكيفية تطبيقها»، وهو ما يمكن التعبير عنه على المستوى النظري أو الفكري باصطلاح «نظرية»، وعلى المستوى العملي أو التطبيقي باصطلاح «نظام».
أمّا القاعدة الأخرى، فهي أنّه من المنطقي في أي حديث عن «الاقتصاد في الإسلام»، أن يبدأ بـ «محاولة معرفة» ما هي الأصول «أو المبادئ» الاقتصادية في الإسلام، أو ما هو «المذهب الاقتصادي» في الإسلام… وذلك قبل الاندفاع في اتجاه «محاولة الاجتهاد» في تبيان ما هي «النظرية» الاقتصادية أو «النظام» الاقتصادي في الإسلام.
وبكلمة… لا بدّ أن يبدأ الحديث عن «الاقتصاد في الإسلام» بمعرفة ما هو «الثابت» قبل أن يسترسل في طرح ما هو «المتغير».
في هذا السياق، يمكننا الحديث عن أصل من أهم الأصول التي جاء بها الإسلام في هذا المجال… ونقصد به أصل «التنمية الشاملة» (الاقتصادية والاجتماعية) كعملية ديناميكية متتابعة تستهدف القضاء على التخلّف الاقتصادي والاجتماعي، وصولاً إلى تقدّم المجتمع «الإسلامي».
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة ـ بداية ـ إلى أنّ التنمية في الإسلام، إنّما تعتمد على بُعدين أساسيين:
البُعد الأول: وهو البُعد الاجتماعي، أي ذلك البُعد المتمثل في «التصور الإسلامي للمسألة الاجتماعية»، وهي المسألة التي تتقاطع عندها دوائر ثلاث: الإنسان والمجتمع، العمل والإنفاق، الحلال والحرام…
أمّا البُعد الثاني، فهو البُعد الاقتصادي، أي ذلك البُعد المتمثل في «التصوّر الإسلامي للمشكلة الاقتصادية»، وهي المشكلة التي تتقاطع عندها، أيضاً، دوائر ثلاث، الموارد والإنتاج، الحاجة والإشباع، التوزيع والتوازن.
ومن المنطقي، والحال هذه، أن نبدأ بـ «محاولة معرفة» التصوّر الإسلامي للمسألة الاجتماعية، أو بالأحرى «البُعد الاجتماعي للتنمية». يقول «البُعد الاجتماعي» للتنمية في الإسلام، على أساس إرساء الدوائر الثلاث للمسألة الاجتماعية على ثلاث قواعد: تنبع من نظرة الإسلام العامة إلى الإنسان والمجتمع والكون… هذه القواعد الثلاث هي قاعدة تعمير الأرض، وقاعدة قيمة العمل، وقاعدة الثواب والعقاب.
أمّا عن القاعدة الأولى، قاعدة تعمير الأرض، فهي القاعدة التي يرتكز عليها الهدف من التنمية، وما إذا كان الهدف يقتصر على مجرد تحقيق إشباع الحاجات المادية للإنسان والمجتمع، أم أنّ ذلك مرحلة لهدف أسمى وهو تعمير الأرض.
يشير إلى ذلك، ويؤكده أنّ لفظ «العمارة» (أو التعمير) يحمل في حقيقته مضمون التنمية والهدف منها، وذلك ما في قوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]… في هذه الآية الكريمة طلب للعمارة في قوله تعالى: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ} وهو طلب مطلق من الله عز وجل، ومن ثمّ يكون على سبيل «الوجوب».
بيد أنّ الملاحظة التي نودّ أن نشير إليها، في هذا المجال، أنّ لفظ «العمارة» أشمل وأعمّ من لفظ «التنمية» من حيث إنّ «العمارة» تشمل «التنمية» ببعديها الاجتماعي والاقتصادي، فـ «عمارة الأرض» (أو تعمير الأرض) تعني نهوض مختلف مجالات الحياة الإنسانية، ولهذا فإنّ لفظ «التنمية الاقتصادية» ـ السائد في الحديث عن التنمية ـ إذا أخذناه بمعناه الحرفي، يكون قاصراً، لأنّ التنمية لا تتحقق إلاّ في مجتمع، ومن ثمّ تكون موارد المجتمع، مادية وبشرية، وغايات هذا المجتمع ومستوى ثقافة أفراده ودرجة «ولائهم» عناصر مهمة في تحديد مدى نجاح عملية «التنمية» الاقتصادية، التي هي اجتماعية في الوقت نفسه.
ملاحظة أخرى نودّ أن نشير إليها في هذا المجال، أيضاً، وهي أنّ تعمير الأرض كقاعدة اجتماعية ينبني عليها الهدف من عملية التنمية لا يمكن فصلها عن مضمون استخلاف الله سبحانه وتعالى للإنسان، وجعله خليفة له على الأرض، وذلك كما في قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً…} [البقرة: 30].
وبناء على ذلك، فإنّ التنمية كعملية هدفها تعمير الأرض إنّما تلتقي مع القصد من أنّ الله عزّ وجل قد سخّر لهذا الخليفة (الإنسان) ما في السموات والأرض ليستفيد منها وينعم بخيراتها ويسبح بحمده، كما في قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13]… ومن ثمّ، يتمكّن «الإنسان/ الخليفة» وعن طريق هذا التسخير، من تحقيق القصد من الاستخلاف وأداء مهمته في تعمير الأرض. وترتيباً على ذلك، تعتبر التنمية عملية واجبة إسلامياً على الفرد والدولة والمجتمع. وفي هذا يقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15]… ويقول تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]… ففي هذه الآيات يأمرنا الله عز وجل بالمشي في مناكب الأرض، والانتشار فيها، والابتغاء من فضل الله، ومعنى هذا هو ممارسة مختلف العمليات الإنتاجية، والخدمية… أي ممارسة «التنمية» كعملية تستهدف «تعمير الأرض».
وأمّا القاعدة الثانية، قاعدة «قيمة العمل»، فهي القاعدة التي تتكامل مع قاعدة «تعمير الأرض» فإذا كان الإسلام اعتبر أنّ تعمير الأرض، كهدف لعملية التنمية التي يقوم بها الإنسان هو أساس خلقه ووجوده، بل ومناط تكليفه، فإنّ هذا لا يعني سوى أنّ الله لم يخلق الإنسان في هذه الدنيا عبثاً، أو لمجرد أن يأكل ويشرب، وإنّما خلقه لرسالة يؤدّيها، وهي أن يكون خليفة الله على أرضه: يدرس ويعمل، وينتج ويعمر، عابداً الله شاكراً فضله، ليقابله في نهاية المطاف بعمله وكدحه، وذلك كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ} [الانشقاق: 6] بل لقد جعل الإسلام صدق الكدح أو بطلانه هو سبيل سعادة المرء أو شقائه في الدنيا والآخرة بقوله: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء: 72].
ولقد بلغ حرص الإسلام على العمل وتعمير الأرض أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قال: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة ـ شتلة ـ فاستطاع ألا تقوم حتّى يغرسها، فليغرسها، فله بذلك أجر» كما قال عليه الصلاة والسلام: «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو بهيمة، إلاّ كان له صدقة».
ويروى عن جماعة من الصحابة أنّهم اعتكفوا في بيوتهم وانصرفوا إلى العبادة، عند نزول قول الله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 3] وقالوا قد كفانا، فأرسل إليهم النبي (صلّى الله عليه وآله) قائلاً: «إنّ من فعل ذلك، لم يستجب له، عليكم بالطلب».
هذا وإن كان يؤكد مدى حرص الإسلام على «العمل»، فإنّه في الوقت نفسه، يشير إلى القيمة التي أعطاها الإسلام لـ «العمل»… إذ أنّ الإسلام ولا شك، قد ارتفع بالعمل إلى مرتبة «العبادة» فهو لم يكتف بالحثّ على العمل بقوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]، وقوله (صلّى الله عليه وآله): «اعملوا فكلّ ميسر لما خلق له»… بل اعتبر أنّ العمل في ذاته عبادة، وأنّ الفرد قريب من الله ومثاب على عمله الصالح في الدنيا والآخرة، بقوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} [سبأ: 13]. وواضح من هذه الآية الكريمة مدى الربط بين الشكر والعمل وبالتالي فإنّ الحمد والشكر لا يعبّر عنهما في الإسلام بالقول والامتنان، بل أساساً بالعمل والإخلاص فيه.
وإذا كان الإسلام لا يعرف الفصل بين ما هو مادي وما هو روحي، ولا يفرق بين ما هو دنيوي وما هو أخروي، من حيث أنّ كلّ نشاط مادي أو دنيوي يباشره الإنسان هو في نظر الإسلام عمل روحي أو أخروي، فإنّه بناء على ذلك، وفي إطار التكامل بين قاعدة «تعمير الأرض» وقاعدة «قيمة العمل» يمكن فهم مضمون العبادة في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] على أنّها العمل الصالح وهذا يشير إلى أنّ الإيمان في الإسلام ليس إيماناً مجرداً، ولكنّه إيمان محدّد بالعبادة مرتبط بالعمل الصالح.
ولقد سوّى الإسلام بين المجاهدين في سبيل الدعوة الإسلامية وبين الساعين في سبيل الرزق، وذلك كما في قوله تعالى: {… وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزيل: 20].
أكثر من ذلك اعتبر الإسلام السعي إلى الرزق وخدمة المجتمع وتنميته أفضل ضروب العبادة. فقد أراد أحد الصحابة الخلوة والاعتكاف لذكر الله، فقال له الرسول (صلّى الله عليه وآله): «لا تفعل، فإنّ مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته ستين عاماً».
وإذا كان سبيل الله هو ـ في الأساس ـ تعمير الأرض، وإذا كان مقام أحدكم في سبيل الله هو عمله في هذا السبيل، فإنّنا يمكن أن نخلص إلى أن العمل في الإسلام هو فريضة وعبادة، بل هو من أفضل ضروب العبادة، وأنّ المسلمين مقرّبون إلى الله سبحانه وتعالى، بقدر اقترابهم من تعمير الأرض وأخذهم بأسباب التنمية في مختلف صورها.
وأمّا القاعدة الثالثة، قاعدة «الثواب والعقاب»، وهي القاعدة التي يرتكز عليها وجوب إتقان العمل وتحسين الإنتاج كمّاً وكيفاً، ذلك لأنّ هذا الإتقان يعتبره الإسلام أمانة ومسؤولية وقربة كما في قوله تعالى: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93]، وقوله تعالى: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30]، وقول الرسول (صلّى الله عليه وآله): «إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه».
والإتقان في اللغة يعني الإحكام للأشياء، أي حسن الأداء والسيطرة على الشيء، وقد وردت مادة الإتقان في قوله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88]، ولهذا فإنّ الإتقان أي الإجادة والإحكام مطلوب، بل واجب في كلّ شيء يباشره الإنسان، ولا يقتصر على مواطن معينة فقط.
وترتيباً على ذلك، فإنّ وجوب إتقان العمل، من حيث إنّه يرتكز على قاعدة «الثواب والعقاب»، إنّما يأتي في إطار دعوة الإسلام إلى مراقبة الله والخوف منه في كلّ شأن من شؤون الحياة… فالعمل الصالح والقول الطيب يرفعه الله إليه، كما في قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، بل إنّ الله عزّ وجل يحذّر من مخالفة ذلك، لأنّ المخالف لن يفلت من مراقبة الله وعقابه، ولهذا يقول تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
ولأنّ العمل هو العنصر الفعّال في طريق الكسب التي أباحها الإسلام، وهو الدعامة الأساسية للتنمية كعملية تستهدف تعمير الأرض، فقد أوضح الإسلام أنّه على قدر عمل المسلم واتّساع دائرة نشاطه، يكون نفعه ويكون جزاؤه، يقول الله سبحانه وتعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]، ويقول تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} [الزلزلة: 6ـ8].
هذه الآيات الكريمة تشير بجلاء إلى قاعدة «الثواب والعقاب» التي ينظم الإسلام من خلالها النشاطات الإنسانية جميعاً، بل إنّ الإسلام، وبناء على هذا التوضيح الاختياري بين عمل الخير وعمل الشر، يأمر بممارسة النشاطات النافعة ويصفها بأنّها حلال، وينهى عن تلك التي توصف بأنّها حرام.
هذا يعني أنّ الإسلام ينظر إلى العمل الصالح، النافع، كواجب لا يكمل الواجب الديني إلاّ به… وعلى هذا الأساس، فإذا كان العمل هو الذي يمنح الإنسان قيمته في الحياة، وإذا كان هو سبيل تقدّم الأمم وتعمير الأرض، فإنّ العمل يأخذ في الإسلام جانباً اجتماعياً مضافاً ومكملاً لجانبه الشخصي، إذ تتعلق مصالح الناس بالعمل، إيجابياً بناء على حاجة المجتمع إلى هذا العمل، من جهة، وسلبياً بناء على تضرّر المجتمع من الأعمال السيئة من جهة أخرى. ولذا يكون من المنطقي أن تقاس الأعمال في أهميتها وضرورة مراقبتها والتدخل في شأنها بـ «مقياس» حاجة المجتمع لها ومدى نفعها له.
وهكذا… يبدو التكامل الرائع في نظرة الإسلام إلى «البُعدالاجتماعي» للتنمية، وذلك من خلال التكامل بين القواعد الثلاث: قاعدة تعمير الأرض، وقاعدة قيمة العمل، وقاعدة الثواب والعقاب… هذه القواعد التي ترتكز عليها، في الإسلام، الدوائر الثلاث للمسألة الاجتماعية: الإنسان والمجتمع، العمل والإنفاق، الحلال والحرام.
حسين معلوم
إقريطش([316])
جزيرة معظم سطحها جبلي، تقع في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، مقابل بلاد اليونان شمالاً، والحدود الليبية المصرية الآن جنوباً، وهي من أهم الجزر هناك لقربها من إفريقيا وآسيا وأوروبا وهي من أهم مراكز الحفريات الحديثة عند الباحثين في تاريخ علم الإنسان وتاريخ الحضارات القديمة وتاريخ اللغات، وقد كانت لها حضارة عريقة بلغت ذروتها في القرن 16ق.م. ثمّ بادت فجأت، وكانت ذات صلات قوية بكل الحضارات القديمة القريبة منها في القارات الثلاث، ومن مزاياها بين مراكز الحضارة أنّها جزيرة صغيرة تنعزل عن جيرانها تارة، وتتّصل بهم تارة أخرى.
ومن المعروف تاريخياً الآن، أكثر من ذي قبل، أنّ سواحل الشام في تلك الحقبة كانت مواطن أمم خرجت من جزيرة العرب، ثمّ أسّست في تلك السواحل حضارات سامية كالكنعانيين والفونيين (الفينيقيين) وأهل «أوبكاريت» Ugarit ومنهم جماعات انطلقت بسفنها من تلك السواحل تجوب البحر المتوسط، وتتاجر مع أهل جزره وسواحله، بل تقيم مستعمرات تجارية هناك، وتنشر مع التجارة نفوذها وحضارتها. وكان لكريت حظّها الوافي من تلك الحضارات ونقلها إلى اليونان، وتعدّ حضارة كريت من أقدم حضارات العالم القديم، وأكثرها صلة بها، منذ أربعة آلاف سنة. وكان ممّن سكنها أيضاً قديماً اليونان (الدوريون) ثمّ استعمرها الروم (الغربيون) سنة (68/69ق.م.) حتّى انتزعها منهم المسلمون سنة (826م/210هـ) بعد معارك متطاولة في ظروف مختلفة.
وعاد الروم إلى استرجاعها سنة (961م/349هـ) بجيش عدّته 72,000 مقاتل، منهم 5,000 فارس، فحاصروها نحو سنة، حتّى فتحوها بالقتال والتجويع، ثمّ خرّبوا الحصون وألقوا حجارتها في الميناء لسد باب الجزيرة في وجوه غزاة المسلمين، ثمّ استولت عليها البندقية سنة 1204م، ثمّ ملكها الأتراك المسلمون سنة 1669م فبقيت في حكمهم، وخلال ذلك حكمها المصريون في أيام محمد علي باشا، حتّى إذا كانت سنة 1896م ثار أهلها بتحريض اليونان وتشجيع الدول الأوروبية التي احتلت قواتها كريت، وأجلت القوات التركية عنها سنة 1898م، وصارت لها حكومة مركزية، ثمّ أعلنت كريت اتحادها مع اليونان سنة 1908م، واتحدت معها فعلاً 1913م وكانت أيام حكم الأتراك منفى لمن يغضب عليهم الحكام.
وفي هذا البحث دراسة عن علاقة المعز لدين الله الخليفة الفاطمي بها وهو مكتوب بقلمي الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه أحمد شرف.
وكانت جزيرة إقريطش (كريت) في قبضة العباسيين، ولقربها من مصر كان يشرف عليها والي هذه البلاد. وقد استوطنها منذ أوائل القرن الثالث إلى منتصف القرن الرابع الهجري، جماعة من مهاجري الأندلس، يعرفون بأهل الربض، وكان هؤلاء الربضيون قد ثاروا على الحكم بن هشام الأموي حوالي سنة 204هـ، وحاصروه في قصره بقرطبة؛ ولكنّه انتصر عليهم في واقعة «الربض» المشهورة، وقتل منهم عدداً كبيرا، وأجلى البقية الباقية منهم عن الأندلس، فقصد بعضهم مدينة فاس بالمغرب الأقصى، وقصد بعض آخر مدينة الإسكندرية.
ويظهر أنّ هذا الفريق كان يميل إلى إثارة الشغب، فأثاروا الرعب في قلوب أهالي الإسكندرية، في عهد ولاية عبدالله بن طاهر (211-213هـ)، واعتصموا بهذه المدينة، وطردوا أهلها منها، وولوا عليهم واحداً منهم يعرف بأبي حفص عمر بن شعيب البلوطي. ولكن والي مصر استطاع أن يهزمهم، ويجليهم عن الإسكندرية، ويمثل معهم الدور الذي قام به الحكم الأموي من قبل، فطردهم عن مصر، وطاردهم إلى جزيرة إقريطش، فعمروها، وتولّى أمرهم جميعاً هذا الثائر الخطير أبو حفص عمر بن شعيب.
وظلّ الربضيون بجزيرة إفريطش زهاء قرن ونصف قرن، في أمن ودعة، حتّى طمع الروم في بلاد الدولة العباسية، وبدؤوا في منتصف القرن الرابع الهجري يوجّهون ضرباتهم المتتالية إليها من كلّ ناحية، فهاجموا شمالي العراق، وشمالي الشام. ولم يكتفوا بذلك، بل هاجموا جزيرة إقريطش في أواخر حكم الدولة الإخشيدية؛ فطلب الربضيون النجدة من خلفاء بغداد، ومن سيف الدولة الحمداني الذي اشتهر بحروبه مع الروم، ومن ولاة مصر فلم يسعفهم هؤلاء ولا أولئك، فولوا وجوههم شطر المنصورية، يطلبون النجدة من المعز لدين الله، فهمَّ بمساعدتهم، وبعث إليهم أساطيله، واتّصل بالإخشيديين في مصر وحثّهم على إنجادهم، كما اتّصل في الوقت نفسه بالروم وحذرهم مغبة التعرّض لهؤلاء الربضيين.
ويدل اتصال المعز بالربضيين على مهارته السياسية، لأنّه عوّل على أن يلقي الرعب في قلوب الروم، ويبيّن لهم أنّه يستطيع أن يقف في وجههم، ويقضي على جيوشهم إذا حاولوا أخذ إقريطش.
وكان المعز لدين الله قد أحلّ الهزيمة بإمبراطور الروم، وبحلفائه الأمويين في الأندلس، وعقد معه هدنة أمدها خمس سنين. وقد هاله أن يغير الروم على جزيرة إقريطش، بقيادة الدمستق([317])، ويهدّدوا بهجومهم هذا جناح المعز الأيمن من جهة، ويحولوا بذلك بينه وبين فتح مصر والقضاء على العباسيين من جهة أخرى. لذلك عمل الخليفة الفاطمي على نقض هذه الهدنة، والوقوف في وجه مطامع الروم، وما كاد أهالي جزيرة إقريطش يرسلون إلى المعز «مركباً فيه رجل من قبلهم مع وجه من وجوههم… يستغيثون به، ويسألونه استنقاذهم وإعانتهم»، حتّى أمر المعز بالأخذ في الأهبة والعدّة، ليكون نفوذ الأساطيل إليهم في أوّل زمان الإمكان واقتفى المعز أثر الرسول (صلّى الله عليه وآله) حين نبذ عهد المشركين من العرب إذ خانوه، فنزل قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ}([318]) [الأنفال: 58].
أرسل المعز رسالتين تعدّان من خير الوثائق في تاريخ العلاقة بين المعز والإخشيديين، ثمّ بينه وبين الروم. كما أسهب القول مع رسول الإقريطيشيين، فأوضح لنا بهذا كلّه سداد رأيه ومهارته السياسية. كما تدلّنا محادثته مع رسول الربضيين على أهمية جزيرة إقريطش للمعز نفسه. وعلى أنّ أهلها كانوا على علم تام برغبة المعز في فتح مصر. فقد أوضح الرسول للخليفة الفاطمي أهمية هذه الجزيرة من الناحية الاستراتيجية، وبيّن له أنّ من يستولي عليها يستطيع أن يستولي على مصر والقسطنطينية، وأنّه يجد من مرافئها ملاذاً لأساطيله، ومن معادنها خير معين لتقدّم صناعته. وهكذا جعل الرسول «يذكر له قدر البلد وموضعه من بلد الروم ومن مصر، وأنّه فرصة لهما، وأنّ الله تعالى إن أقدره على دفع المشركين عنه وملكه إياه، كان سبب فتح القسطنطينية والمشرق عليه إن شاء الله. وعدد ما فيه من الآلات والمعادن، وما يتهيأ به من إنشاء الأساطيل وقربه من القسطنطينية ومصر([319]).
والحق أنّ ردّ المعز على رسول الربضيين ليدل على ما كان يجيش في نفسه من آمال لفتح هذه الجزيرة وصدّ الروم عنها. ولذلك نراه يلوم الرسول وأهل إقريطش، لأنّهم لم يتصلوا به قبل أن يستفحل خطر الروم، ويظهر له أن سيقوم بهذه المساعدة، لأنّه كرجل من سلالة محمد (صلّى الله عليه وآله)، يجب عليه أن ينظر إلى جميع المسلمين على أنّهم رعاياه. ويدل ردّه على الرسول على أنّه جادّ في إعداد العدّة لصدّ الروم. وقد أبقى المعز الرسول ليكون في صحبة الأسطول الفاطمي، وأرسل إلى أهل إقريطش يخبرهم «بما عزم عليه من إغاثتهم ونصرتهم في أوّل وقت الإمكان من الزمان»([320]).
وأمّا اتّصال المعز بالإخشيديين في عهد وصاية كافور على «صاحب مصر»، كما أطلق عليه المعز. فإنّ مسلمي هذه الجزيرة كانوا قد اتصلوا به قبل أن يتصلوا بالمعز، لأنّهم كانوا «من أهل دعوته، تجمعهم دعوة آل العباس». أضف إلى ذلك أنّ جزيرة إقريطش كانت مستودعاً هاماً لتموين مصر في ذلك الحين، حتّى كانت سفن أهل هذه الجزيرة «ومراكبهم بخيرات بلدهم وأطعمتها تمير أهل مصر وهداياهم تصل إلى عمالها». ومع ذلك عجز هؤلاء الإخشيديون أن يمدوا يد المعونة لأتباعهم ورعاياهم من المسلمين في إقريطش، ولكنّهم أرسلوا في الوقت نفسه إلى المعز سرّاً، عن طريق بعض كبار الشخصيات المصرية، يستحثّونه لنجدة الربضيين، وتظاهر الإخشيديون بالاستعداد للعمل على طرد الروم، فأنزلوا بعض سفنهم إلى البحر الأبيض.
وقد عمل المعز لدين الله على الاستعانة بالسفن المصرية، واستحثّ الإخشيديين على الإسراع لنجدة المسلمين في إقريطش، فذكر لهم أنّه قد عقد العزم على صد الروم عن الجزيرة، وتعهّد بأن يتعاون كلّ من الأسطولين المصري والفاطمي على طرد العدو، وأن توزّع الغنائم والأسلاب بين هؤلاء وأولئك بالعدل، وإنّما فعل المعز ذلك ليقضي على مقاومة الروم قبل أن يستفحل خطرهم. وفي ذلك يقول المعز لكافور، الذي آلت إليه الوصاية على أولاد الإخشيد:
«لا تخش على مراكبك منّا، فلك علينا عهد الله وميثاقه أنّا لا نكون معهم إلاّ بسبيل خير، وأنّا نحلّهم محلّ رجالنا، ونجعل أيديهم مع أيدينا، ونشركهم فيما أفاء الله علينا، ونقيمهم في ذلك وغيرهم مقام رجالنا، ومراكبك مقام أساطيلنا حتّى يفتح لنا إن شاء الله، ثمّ ينصرفوا إليك»([321]).
وقد وضع المعز خطة العمل المشترك مع الإخشيديين، وهي تقضي بأن يرسلوا رجالهم وسفنهم إلى إحدى الموانئ الفاطمية في برقة القريبة من إقريطش، وأن يكون ذلك في شهر ربيع الآخر من سنة 350هـ، ثمّ يؤكد للإخشيديين أنّه قد عقد العزم على مهاجمة الروم. سواء اشتركوا معه في ذلك الهجوم أو تقاعسوا عن معونة أهل هذه الجزيرة. وهكذا اتخذ المعز لدين الله من موانئ برقة مراكز أساسية لمهاجمة الروم في إقريطش، كما اتخذ الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، تلك الموانئ لطرد الألمان منها.
«فإقريطش وغيرها من جميع الأرض لنا. بما خولنا الله منها، وأقامنا له فيها.
وأمّا موقف المعز العدائي من الروم، فنقف عليه من رسالته التي أرسل بها إلى إمبراطور القسطنطينية، يهدّده فيها بنقض الهدنة التي بينهما، ويحتج عليه لهجومه على المسلمين في إقريطش.
أطاعنا منه من أطاعنا، وعصانا من عصى، وليس بطاعتهم يجب أن نملك، ولا بعصيانهم يحق علينا أن نترك»([322]).
وهذا القول لا يترك مجالاً للشك في أنّ المعز لدين الله قد أعلن للروم أنّه لن يترك لهم شيئاً من هذه البلاد، لأنّ الاعتداء على أي جزء منها ينطوي على التحدّي للفاطميين أنفسهم.
ولم يقف المعز في إثارة مخاوف الروم عند ذلك الحد، فقد كشف لإمبراطورهم عن ضرورة تنحّيه عن إقريطش التي هاجمها قائدهم «الدمستق»، وإلاّ قطعت الهدنة، وحلّت محلها الحروب.
وهكذا تتضح سياسة المعز نحو إقريطش ومن بها من المسلمين، فلم يقر للروم بالعبث بها، والحق أن تدخل المعز في شؤون هذه الجزيرة لون من المظاهرات السياسية التي استغلها لإظهار قوّته للروم.
لذلك لا نعجب إذا رأينا المعز لدين الله يتردّد إلى أهل إقريطش وإلى كافور الإخشيدي، وقد حفظ لنا التاريخ بعض الرسائل الودية التي أرسلها الفاطميون إلى الاخشيديين يستميلونهم إليهم. فقد حاول الخليفة القائم بأمر الله الفاطمي (322ـ334هـ) أن يستميل إليه محمد بن طغج الإخشيدي. ولم يكن خلفاؤه أقل منه في ذلك، فقد كان المعز خاصّة دائم الاتصال بكافور الإخشيدي الذي آلت إليه السلطة بعد وفاة محمد بن طغج الإخشيدي، حتّى أصبح كافور شديد الميل إلى العلويين، وبذلك عمل المعز على عدم إثارة الشكوك في نفس كافور حتّى يضمن انقياده له، واطمئنانه إليه.
ولم تمدّنا المراجع التاريخية بشيء عمّا كان للجهود التي بذلها المعز لمساعدة المسلمين في إقريطش من أثر. فهل انضم أسطول مصر إلى أسطوله؟ أو تمّ إخراج الروم من هذه الجزيرة؟ هذا ما لم تذكره المراجع.
الأقطاب الفقهية على مذهب الإمامية
تأليف: الشيخ محمد بن علي بن إبرهيم الهجري الأحسائي، المعروف بابن أبي جمهور الأحسائي، من أعلام القرن التاسع الهجري.
كتاب مرتّب في 46 قطباً في بيان قواعد الأحكام الفقهية نظيراً لكتاب «قواعد الأحكام» للشهيد الأوّل، إلاّ أنّ هذا الكتاب أوجز منه، جمع فيه مؤلفه الفروع ومآخذها ودلائلها بأُسلوب لطيف ومتين، وقد تمّ تحقيقه وفق ثلاث نسخ مخطوطة اثنتين منها من محفوظات مكتبة السيّد المرعشي العامّة في قم، والثالثة من محفوظات مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد.
أگْرَه (آكرا أو أكبرآباد)
وأكثر مَنْ يطلق عليها اسم آگرا: الهندوس، وأكثر من يطلق عليها اسم أكبر آباد: المسلمون. إحدى أكبر المدن التي يقطنها الشيعة في الهند، وتقع على ضفاف نهر جفنا المتفرّع عن نهر گنك.
نقل السلطان إسكندر لودي الأفغاني عاصمته إلى آگره في عام 918هـ بعد أن أصاب زلزال مدينة دلهي، ومنذ ذلك الحين دخلت هذه المدينة أبواب التاريخ الإسلامي. وكان هذا السلطان أوّل حاكم مسلم يشيد فيها مسجداً وقصراً ويحوّلها إلى مدينة إسلامية.
وكان لمؤسّس الإمبراطورية الگورگانية في الهند ظهير الدين بابر (937م) دور كبير في إعمار آگره.
وكانت آگره لفترة من الزمن عاصمة لأكبر شاه وابنه جهانگير وحفيده شاه جهان. وقد أمر أكبر شاه ببناء عدّة مساجد وقصور فيها إضافة إلى القلعة الحمراء، وغيّر اسمها إلى أكبر آباد. ولكن جهانگير لم يمكث طويلاً، وأمّا شاه جهان فعاش فيها طويلاً حتّى أكمل بناء القلعة والمسجد الجامع في دلهي.
شيّد جهان شاه في آگره مقبرة لزوجته الشيعية أرجمند بانو التي سمّيت فيما بعد باسم ممتاز محل أو تا محل وهي بإجماع الفنانين أجمل مقابر العالم وأثمنها قاطبة.
سيطر الهندوس على آگره في عام 1770م وألحقوا بها أضراراً جسيمة، ثمّ فتحها الجيش البريطاني في أكتوبر عام 1803م.
قال أهالي آگره قتالاً شديداً ضمن حركة المطالبة باستقلال الهند في عام 1857م، إلاّ أنّ الجيش البريطاني استولى على المدينة في العاشر من تشرين الأوّل وعامل الثوار بكلّ وحشية.
اشتهرت آگره في الأوساط العالمية بآيات الإعمار التي تحتويها، والتي كان أغلبها حصيلة جهود الفنانين والمعماريين الإيرانيين، وأشهر هذه الآثار: المسجد الجامع ومسجد مرواريد وتاج محل ومقبرة أكبر ومقبرة اعتماد الدولة الطهراني والإمام بارات والروضات الشيعية ومزارات العلماء الشيعة. وتوجد في هذه المدينة مقبرة القاضي نور الله الشوشتري الذي استشهد بأمر من جهانگير، وهذه المقبرة الواقعة في محلة (ديال باغ) هي مزار وحسينية ومحل لأداء مراسم التعزية وإقامة احتفالات الهنود الشيعة ومدفن لعلمائهم ورجالهم وتعتبر محلة گنج في آگره إحدى محلات الشيعة الرئيسية في هذه المدينة، وجميع سكانها من الشيعة وخاصّة السادة ويبلغ عدد سكان آگره حوالي 2,300,000 نسمة.
ومن أكبر آباد خرج أعاظم شعراء اللغة الأردوية، كما كانوا في الوقت نفسه شعراء الشيعة الذين حفلت آثارهم بالمدائح العلوية والمراثي الحسينية، ويأتي في الطليعة منهم: أسد الله غالب، ومير محمد تقي مير، ونظير أكبر آبادي.
وخلال أعمال تقسيم الهند تعرّض المسلمون في أكبرآباد لمذابح واعتداءات فكثرت هجرتهم سنيين وشيعيين إلى الباكستان.
الأكراد
ـ1ـ
يقطن الشعب الكردي المناطق الواقعة غربي إيران والجزأين الأعلى والأوسط من شرقي العراق وشماله، والجزء الشرقي والجنوبي من سوريا، إضافة إلى بعض الجيوب المتفرقة فيما كان يسمّى بالاتحاد السوڤييتي وشرقي إيران وأفغانستان وبلوجستان وغربي تركيا وأواسطها. والساكنون في هذه الجيوب إمّا نفوا إليها بالإكراه، أو هاجروا إلها مضطرين نتيجة لغزوات تاريخية أو لضرورات العيش.
وقد كان لهذا الشعب قبل الإسلام دوله وحكوماته التي كانت تبسط سيطرتها على أراضي البلاد المجاورة أو تصبح خاضعة لغيرها حسب الظروف. وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب أصبحت كردستان بأسرها جزءاً من أراضي الخلافة الإسلامية. وعندما ضعفت الخلافة ونشأت دول ملوك الطوائف تكون مثلها في كردستان أيضاً. ومنذ ذلك الحين لم تشهد كردستان وحدة إدارية، فقد كان يحكمها ملوك الطوائف المستقلون والتابعون للدول الأخرى إلى أن تكوّنت الدولتان العثمانية فالصفوية، آنئذ وبعد حروب سجال بين الأمراء الكرد وتلكما الدولتين وبين الدولتين نفسيهما ترسخت الحالة في كردستان على أساس التقسيم بين إيران والإمبراطورية العثمانية. وظلّت الحالة على هذا المنوال إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى حيث تعمّقت التجزئة وأصبحت كردستان أقساماً أربعة داخلة في الإطار الجغرافي الحالي لدول العراق وإيران وتركيا وسوريا.
وترجع اللغة الكردية بلهجاتها الأربع إلى اللغة الميدية التي تعود بدورها إلى اللغة الآرية القديمة المعروفة باللغة الأنزانية والتي كانت منشأ جميع اللغات المادية والهندية والفارسية العيلامية. أمّا اللهجات الكردية الأربع المتداولة فهي الآن الكرمانجية ـ الشمالية والجنوبية. والكورانية واللرية والكلهرية. وهناك شعب متفرقة أيضاً داخل كلّ واحدة من هذه اللهجات.
ومن الثابت تاريخياً أنّ الأكراد لم يكن لهم خط خاص. فعندما اكتشف الخط المسماري كان الأكراد والفرس يستعملونه سوية. ويقول أحمد بن أبي بكر بن أبي وحشية النبطي الكلداني في كتابه «شوق المستهام، في معرفة رموز الأقلام» إنّه في حوالي القرن العاشر قبل الميلاد اخترع شخص يدعى «ماسي سورات» حروفاً حسب المخارج الأبجدية ودوّن بها أفكاره، ثمّ أخذ الأكراد يستعملونها لأغراضهم الكتابية. وهذه الحروف تشبه الحروف الأوستائية التي اخترعت في القرن السادس قبل الميلاد. وقد ظلّت حروف «ماسي سورات» مستعملة بين الأكراد إلى ظهور الإسلام في كردستان. وكان الأكراد يستعملون فضلاً عن تلك الحروف، الحروف اليونانية والآرامية السريانية كما يستدل على ذلك بالرقوق التي عثر عليها أحد الصيادين الأكراد في واحد من كهوف جبل «هوران» قبل حوالي خمسين سنة. وبعد ظهور الإسلام وانتشاره في كردستان، أخذ الأكراد يدوّنون ما يريدون بالحروف العربية وباللغتين الفارسية والعربية، وزالت كتابة المواضيع الكردية حتّى بالحروف العربية طيلة قرون عديدة.
وما من مصدر بعد الإسلام يثبت أن الأكراد دوّنوا أي أثر بلغتهم القومية لحين ظهور الشاعر المتصوف بابا طاهر الهمذاني الذي عاش في سنوات القرن العاشر الميلادي والذي نظم رباعياته الوجدانية الرائعة باللهجة اللورية. كما نظّم الشاعر والحكيم الإيراني سعدي الشيرازي أبياتاً باللهجة اللورية أيضاً. وهكذا فإنّ التدوين بالكردية بدأ ينبعث شيئاً فشيئاً وبلغ حدّاً كبيراً منذ القرن السابع عشر. وهو الآن في طريقه إلى السيادة في جميع أنحاء كردستان بالرغم من جملة عراقيل تقف في طريقه.
إنّ المدونات بالكردية القديمة، وكلّها شعر، دوّنت بمختلف اللهجات الكردية. فأشعار «بابا طاهر العريان الهمذاني» منظومة بلهجة اللور، وأشعار «فقي طيران» و«ملاي جزيري» و«أحمد خني» و«علي حريري» منظومة باللهجة الكرمانجية الشمالية، وأشعار «خاناي قبادي» و«صيدي هورامي» و«بيساراني» و«مولوي» وكثيرين غيرهم منظومة باللهجة الهورامية «الكورانية»، وأشعار «سالم» و«محوي» و«كردي» و«نالي» وآخرين منظومة باللهجة الكرمانجية الجنوبية. وهكذا يبدو أنّه يوجد أدب مدوّن بمختلف اللهجات الكردية.
في بداية نشوء الحركة القومية الكردية كانت الصحف والمنشورات السياسية تدوّن باللهجة الكرمانجية الشمالية، حيث إنّ طلائع تلك الحركة بدت في المناطق الكردية التابعة الآن إلى تركيا. وعندما سحق الكماليون الحركات الكردية أصبحت كردستان العراق أكثر المناطق الكردية تمتعاً بالحرية. فقد تكوّنت فيها حكومة الشيخ محمود الحفيد. وفيما بعد روعيت فيها المشاعر القومية. ولذلك نشطت الحركة الثقافية في كردستان العراق وفي لواء السليمانية بالذات. وظهرت مجموعة من الجرائد والمجلات وطبع عدد من الدواوين الشعرية والكتب الأخرى. وهكذا انتقل مركز الثقافة الكردية إلى اللهجة الكرمانجية الجنوبية التي يتحدّث بها، ضمن من يتحدّثون بها، أبناء منطقة السليمانية. وكان ظهور جمهورية كردستان الديموقراطرية في منطقة «مهاباد» التي تتحدّث باللهجة ذاتها، عاملاً مساعداً في ذلك. أمّا البقية الباقية من النشاط الثقافي باللهجة الكرمانجية الشمالية فقد استقرّت في سوريا والاتحاد السوڤياتي، وهي في الأخير في انتعاش مستمر.
وفي السنوات الأخيرة ظهر خلاف فكري حاد حول أي من اللهجتين تعتبر اللهجة الكردية الفصحى ـ إن صحّ التعبير ـ حتّى تتّخذ لغة للكتابة. وكان هذا الموضوع مادة بحث طويل في مؤتمري المعلمين الأكراد الأوّل والثاني في «شقلاوة» في عامي 1959 و1960م وكتب عصمت شريف وانلي رسالة بعنوان «مسألة توحيد اللغة الكردية» دعا فيها إلى اعتبار الكرمانجية الشمالية هي الأصل والفصحى. ورد عليه صالح هزار برسالة أخرى انتصر فيها للكرمانجية الجنوبية. أمّا في المجال العلمي فلا تزال كفة الكرمنجية الجنوبية هي الراجحة حتّى الآن.
الأكراد الشيعة
وبين أكراد العراق فريق من الشيعة موجودون في مندلي وزرباطية وبدرة وجصان، وأكراد هذه المناطق كلّهم من الشيعة، أمّا أكراد خانقين ففيهم الشيعة وفيهم غير الشيعة.
كما يوجد الأكراد الشيعة في محافظة الكوت ومحافظة العمارة. على أنّ ممّا يذكر أنّ الزعيم الكردي العراقي الشيخ محمود الثائر الشهير كان يحرص على حضور مآتم الحسين (عليه السلام) في العشرة الأولى من المحرم، وقد رأيته بنفسي في الكاظمية جالساً بين جمهور الناس بكلّ بساطة على مقاعد في الشارع بادي الحزن والتأثّر.
وقد قيل في تعليل ذلك إنّه حسيني النسب، وإنّ شأنه في ذلك شأن أمثاله من الإيرانيين والباكستانيين والهنود والسودانيين وأبناء البربر الذين طوحت بأجدادهم القدامى صروف الزمان حتّى حطّوا في الأرض التي حطّوا فيها فصبغتهم بصبغتها وأكسبتهم قوميتها، ولكن ظلّوا مخلصين لأنسابهم النبوية وعارفين بأصولهم الفاطمية.
ينتمي الشيخ محمود إلى الأكراد (البرزنجية). ويقول عباس العزاوي في الجزء الثاني من كتاب عشائر العراق (ص227) وهو يذكر (البرزنجية) ـ والشيخ محمود ـ يقول: إنّ الآلوسي قد قطع في تفسيره بصحة نسبهم (الحسيني)، وأنّ شجرتهم معروفة.
وفي أكراد إيران كثرة من الشيعة وهم موجودون في المناطق الآتية: كرمنشاه ومنطقتها، وفي إيلام ومنطقتها، وبشت كوه ومنطقتها، ومدن كردستان وما إليها.
وفي أكراد إيلام كثير من السادة الحسينيين، ومنهم عشيرة كبيرة، كما يوجد الحسينيون في غير إيلام أيضاً.
وممّن وصلوا إلى سدّة الملك من الأكراد الإيرانيين: كريم خان الزندي الذي استمرّ ملكه ثلاثين سنة وثمانية أشهر وثلاثة أيام. ثمّ خلفه في الملك أربعة ملوك زنديون هم: زكي خان وصادق خان وجعفر خان ولطف علي خان، وبه انتهى حكم الأسرة الزندية وقام حكم الأسرة القاجارية.
ومن الأكراد الشيعة أكراد منطقة خراسان وأهم مدنهم هي: قوجان، ودرگز، وأسفرايين، وبجنورد، وشيروان. وجميع سكان هذه المدن من الأكراد الشيعة ما عدا جماعات قليلة من الأتراك، والأقلية غير الشيعية موجودة في درگز وبجنورد على الأغلب.
وأقرب هذه المدن إلى الحدود الروسية هي مدينة (درگز)، ومن النواحي التي تتبع درگز (لطف آباد) وهي تبعد عن الحدود حوالي نصف كيلومتر.
وتمر سكك الحديد الروسية على مقربة من المخافر الإيرانية بحيث يستطيع الدركي الإيراني تسجيل أرقامها.
وتختلف لغة أكراد خراسان عن لغة أكراد كردستان، وقد قال لي حسن علي زيدان الطالب في الجامعة الرضوية الإسلامية عندما لقيته في مدينة (مشهد) في الثامن عشر من صفر سنة (1411هـ ـ أيلول 1990م) وهو من أبناء هذه المنطقة: إنّه لا يمكن لكلّ فريق من أكراد المنطقتين أن يفهم من لغة الآخر أكثر من عشرين في المائة من الكلمات. وهذه المنطقة أغلبها جبلي.
ومن جهة ثانية، فإنّ أكراد أذربيجان وگرجستان وتركمانستان هم من الشيعة.
وهناك مجموعة من الأكراد الذين يسكنون في مناطق ما وراء القفقاس هم من العلويين. ويسمّون أنفسهم (أهل الحق).
ومن القبائل الكردية التي تتكوّن من الشيعة والسنّة معاً: قبائل (كلهر) ويقول عنها عباس العزاوي في كتابه عشائر العراق ما يلي: هذه القبائل يقال لها (كلهور)، و(كلور) وهي متفرقة في أنحاء عديدة من محافظات السليمانية وكركوك، وديالى في العراق، ومجاورة في الأصل لقضاء مندلي ومواطنها الأصلية هناك في (الإيوان) وما جاوره… وتقع على الحدود، تقيم في إيران ممّا يجاور العراق.
وفي (الشرفنامه) أنّ قبائلهم يقال لها (گوران). وأمّا الأمراء فيدعون أنّهم يتصلون بنسب كودرز بن كيو في أيام الكيانيين وهو الذي سمّاه المؤرخون (بخت نصر)، بقي الحكم بيد أولاده مدّة وهذه الإمارة تقسم إلى ثلاث شعب: (1) حكام پلنكان و(2) أمراء درتنك (حلوان) و(3) أمراء ماهي دشت.
وهذه القبائل في الحاضر متولدة من أخوين:
1 ـ منصور. ومنه حصل فرع «منصوري).
2 ـ شهباز ومنه تشعّب فرع «شهبازي».
1 ـ قبيلة منصوري:
وهذه توطنت (الإيوان) المجاور لمندلي (بندنيجين) وهي طوائف عديدة:
- بان سيري. ومن هؤلاء من يعيش بصورة مبعثرة.
- كاوسوار: وبين فروع قره أولوس من تسمّى بهذا الاسم.
- جولَكْ.
- هَلشي.
- نَرْكسي: تسكن في أنحاء كرمانشاه (إيران)، ومنهم من يعيش مع السنجاوية.
- پَهلُوخور.
- سرتنگي.
- زرنَهْ بي.
- كوتُكتي.
- كلهرها: ومن هؤلاء من يقيم في جرداول. والأغلب في الإيوان.
- كلوه سوند في آسمان آباد من الإيوان.
- سليم: تقيم في هرسم. ومن هؤلاء في أطراف خانقين وبينكدره، وآخرون في كرند وزهاو.
2 ـ قبيلة شهبازي: وهذه في أطراف كرمانشاه وهم:
- مربُلْ.
- كاوبندي.
- سياه بيدي.
- شياني.
- بداغ بكي.
- شله.
- كبنك شري.
- نوري.
- جيفا كبودي.
- ولَوُ.
- حزكان.
- دولت شوني.
وهؤلاء تابعون ماهي دشت.
- بياتي.
- باقر آبادي.
وهؤلاء تابعون زوبري من كرمانشاه.
- جولَكْ.
- باسكلي.
- خالدي.
وهؤلاء تبع كواور في شرقي جبل قلاّجه.
- منيشي في كفرآور.
- شهرك في ديره.
- كيلاني في كيلان.
- جله يي في جله.
- كمره يي. في مواطن متفرقة.
- شاهيني: في مواطن متفرقة.
- شوهان: منهم في العراق وهم كثيرون، منتشرون في مختلف مواطنه.
- قلعة شاهيني.
- مله سري: في روان، رحالة.
- كله پا: في روان، رحالة.
- قوجمي: في روان، رحالة أيضاً.
- سياسيا: في روان، رحالة أيضاً.
- كله جوبي: في روان، رحالة أيضاً.
- ده رويكه: تسكن القرى.
- بدره يي: تسكن القرى.
- هارون آبادي: تسكن القرى.
- برف آبادي: تسكن القرى.
- كوركه بي: تسكن القرى.
وهذه العشائر من القبائل الكردية الأصلية، وهي تابعة لكرمانشاه، انتشر الكثير منها في أنحاء عديدة من العراق. وطوائف منصوري منها ممتدة على الحدود، ويبدؤون من حيث انتهى الفيلية وتقيم (كلهر) في الإيوان المجاور (ده بالا) من أراضي الفيلية وتتصل بقضاء مندلي ولا يخلون من زعازع وفتن على الحدود خصوصاً أيام قلة المياه، ويتعرّضون لنهر (سومار)، وهذه الفرقة أكثر تعرّضاً وغالب المنازعات متأتية منها، فتشغل العراق وإيران معاً.
ومنذ نحو أكثر من مائتين وثلاثين سنة كان الإيوان خالياً، وإنّ قبائل منصوري جاؤوا من إيران إلى هنا، تابعوا أميراً يسمّى (منصور خان)، وفي أيام كريم خان زند كان أميرهم علي خان وهو والد شير خان وكانت له أخت يقال لها (شاه پسند) جميلة فزوجها إلى كريم خان. ومن ثمّ وجه هذا إمارة ذلك المكان إليه، ثمّ خلفه ابنه شيرخان.
وأمّا قبيلة شهبازي فإنّها تابعة لحكومة كرمانشاه، قسم في الإيوان وذهاب، وقسم على الحدود، وآخرون في أنحاء كرمانشاه في الحدود. يتجولون صيفاً وشتاء في أنحاء سرميل، وبندنيجين وذهاب في صحارى (كواور)، (كفراور)، و(كيلان)، و(ديره)، و(قلعة شاهين) وغيرها من المواطن والصحارى القريبة منها، يصيفون ويشتون فيها وذلك أنّ طوائف (خالدي)، وكله پا) من قبائل شهباز، يقيمون في الصحراء بين شوراب وهو نهر صغير في الحد الشمالي من صحراء (سومار)، وبين (كلال دام) وهو نهر صغير معروف أيضاً يقيمون في يساره، وكذا طوائف أخرى تقيم فيه، وتؤدّي البيتية (الكودة) إلى قضاء مندلي، رأساً واحداً عن كلّ قطيع من الغنم ربيعاً وفي الشتاء عن كلّ قطيع مبلغاً من المال.
وفي أحوالهم كلّها لا يخلون من تعرّض بالمارة من نهب وسلب… وإنّ هذه الرسوم تؤخذ من الشهبازيين والسنجابيين على السواء، كما هو معتاد أخذها منهم دائماً. وفي الغالب كانوا لا يؤدّون للدولة العثمانية رسوماً من حين أن استولت إيران على لواء ذهاب.
وعلى كل حال هذه القبائل لا تفترق عن سائر الأكراد، توطنوا هذه الأماكن من أمد بعيد، لا في الوقت الذي بينه صاحب سياحتنامه وحدود، وإنّما كانت سكناهم من أزمان متباعدة إلاّ أنّهم لم يكن لهم ذكر إلاّ أيام كريم خان زند، فالطوائف ظهرت قوّتها في عهود انحلال إيران واضطراب أمور العراق، والملحوظ أنّهم سكنوا الإيوان في عهد المغول وربمّا كانو سكانه الأصليين.
وهؤلاء لا يختلفون عن البدو في الغزو… إلاّ أنّهم لم تتفش بينهم الأمية وإنّما يقرؤون بفخر وحماسة (فرهاد وشيرين)، و(رستم زال وبهرام گور) وأمثال ذلك من القصص… يتسلّون بها أيام راحتهم.
قص ذلك صاحب السياحة بسبب أنّهم كانوا على الحدود بين إيران والعراق، في أنحاء مندلي فعلمنا هذا كلّه منه، والكتب الإيرانية أيضاً تتعرّض لإمارة هؤلاء، وتتكلم عليها بسعة في مختلف الآثار. إلاّ أنّ القبائل التي ذكرناها هي قرى ائتلفت فكوّنت مجموعة نالت هذا الاسم إمّا تبعاً للمكان الذي أقامت فيه مدّة، أو إلى الرئيس الذي حكمها في وقت واشتهر اسمه، ولكن الرئاسة قسّمت بالوجه المشروح، ولا تمثّل أصل قبائلهم، ولا تشير إلى اسم الفرع الذي التحق بالأمير. فكانوا قد توزعوها من قديم الزمان ولا يشترط أن يكونوا أجداد هذا القبائل، وإنّما هم رؤساؤها وحكامها أو المتحكمون بها، بل جاء في الشرفنامه أنّها كانت تابعة للدولة العثمانية، وأنّ الأمير منصور قتل أخاه شهباز في سنة 1002هـ، وأنّ الضريبة التي كانت تأخذها الدولة العثمانية منها في كلّ سنة أربعون ألف رأس من الغنم فلا شك أنّها قديمة السكنى في مواطنها([323]).
وإنّ أصل تكون الرئاسة قد تعين، فاستولى هؤلاء على قبائل كلهر.
ومن هم فروع هذه القبيلة (الداودة) وقد سبق ذكرها. ومن كلهور فروع عديدة توطنت العراق، وماعت بين أفرادها، فلا تعرف لها مجموعة كبيرة وإن كان لا يزال بعض الأكراد يحفظون أنّهم من هذه القبيلة. وحالة الأفراد ممّا لا يقام له وزن والمطلوب بيان المجموعات والتعريف بها في مختلف عصورها المعروفة.
ونعلم يقيناً أنّ (الإيوان) كان يحوي قديماً قبائل تركمانية، ورئاستها كانت لابن برجم ولهم الإمارة على هذه القبائل والمنازعات بين المغول والتركمان دفعتهم إلى نواح أخرى أو مالوا إلى المدن والقرى بل الملحوظ أنّ إمارة آلبرجم كانت إمارة على الكرد. ولا يبعد أن يكون معهم ترك وهذا هو الذي أرجّحه فلمّا ذهبت هذه الإمارة ظهرت إمارة حلّت محلها على قبائل كلهر وآخر من وليهم منصوري وشهبازي. بل إنّنا لم نستطع أن نعيّن إمارتهم بعد سليمان شاه الإيواني.
ومن الضروري أن نتحرّى النصوص الموضحة لما كان خلال المدّة بين قَتَلة سليمان شاه وظهور إمارة منصور وحدوثهم في هذه الأنحاء وسكناهم هذه المقاطعات لم يكن كما بيَّن صاحب سياحتنامه حدود بل أقدم بكثير.
وكلّ ما نقوله هنا إنّ المسعودي، وابن الأثير، والسمعاني والبدليسي قد عرفونا ببعض القبائل القديمة، ومن بينها (قبيلة كلهر) أو كلهور، فهي قديمة إلاّ أنّ سكناها في هذه الأنحاء القريبة من مندلي تدعو للالتفات، فهي محل نظر. ويفسر بأنّهم مجاورون فتجاوزوا.
وكان صاحب نزهة الجليس قد مرّ بهم من العراق مجتازاً إلى تلك الأنحاء، وصل إلى بلاد الروز (بلد روز المعروفة قديماً براز الروز)، ثمّ رحل منها إلى بندر علي وكلّ هذه كانت من أنحاء بغداد، ثمّ جاء إلى قرية سومار، ويسكنها أكراد كلهور وهي أوّل حد إيران يسكنها الأكراد ثمّ رحل إلى قرية جمنسورت ويسكنها كلهور أيضاً قال: «أقمنا بها بإعزاز وإكرام ثلاثة أيام في بيت حاكم الأكراد الأمير محمد علي خان، وفي كلّ يوم يخرج بنا بين تلك المياه والزهور والآكام والربى لصيد الأرانب والظبي… وأسلوب هؤلاء الأكراد كالعرب البواد، تراهم في كلّ جبل وواد، متفرقين كالجراد (إلى أن قال) ثمّ رحلن من جمنسورت فأتينا قرية كيلانك. ثمّ رحلنا فأتينا إلى قرية تسمّى جشمة قنبر. ورحلنا، فأتينا (هارون آباد)، وهي قرية لطيفة. ورجعنا فأتينا إلى ماهي دشت وكلّ هذه القرى عامرة. ورحلنا فأتينا مدينة كرمان شاه. انتهى»([324]) كلّها ـ ما عدا كرمان شاه ـ من قرى كلهور…
ومن أهم مواطنهم (الإيوان)، وهذا يقع في شمال (ده بالا) وشمالها الغربي وأنّ مياهه تروي قضاء مندلي، وتدخل حدود العراق، وتقرير الحدود لا يختلف في بيانه عن سياحتنامه حدود. وهذه المياه أي مياه سومار وما يتصل بها وهو كنكر كانت تأتي من الأراضي بين الإيوان، وده بالا من مانشت الجبل المعروف من أقصى نقطة منه، وهو من سلسلة شيره زول، فتسقي مندلي وما يتصل به كقرية (دوشيخ)، و(قزانية)… فإذا قطع حرمت مندلي وقراها من المياه، وتهدّدت حياة بساتينهم الأمر الذي يؤدّي إلى توتر العلاقات دائماً، ولا سبب لذلك سوى هذه القبيلة… ممّا أدّى إلى النزاع على هذه الأراضي، وتجديد فتنها في كلّ سنة.
هذا مع العلم بأن زراع هذه الأنحاء من كلهور أيضاً، ولكن هذا لا يمنع من إيجاد النزاع. وقد يضطر أحياناً أن يؤدّي أرباب المزارع العقر لأمراء كلهور بلا وجه حق… سواء كانوا منهم، أو من قبيلة قره أولوس ممّن يزرع تلك الأراضي. وأمراؤهم آنئذ شيرخان، وألفت خان…
وقد وجد فرمان لدى متصرف ذهاب مؤرخ في سنة 1120هـ يعين مقدار ما يؤدّيه أمراء قره أولوس، واللك، وكلهور… ممّا يعين وجودهم في التاريخ المذكور في تلك المواطن([325])… وكلّ ما علمناه أنّ الإيوان كان بيد أمراء التركمان أيام الخلافة العباسية هم آل برجم وقد قضى هولاكو على أميرهم سليمان شاه بن برجم الإيواني، وأنّنا نقطع في صحة النسبة إلى هذا الإيوان، وأنّ المومأ إليه كان من التركمان الإيوانية أمراء تلك الأنحاء، وقد اضطربت النصوص في تحقيقها، فظهر الصواب بصورة لا تقبل الارتياب.
وبعد ذلك همل ذكر قبائل كلهو وإمارتهم، ولم يتعين لنا أمراؤهم إلاّ في الشرفنامه وهم متأخرون. ولا يعرف ما جرى خلال المدّة بين سليمان شاه وبين الأمراء منصور وشهباز.
وهؤلاء كلّهم شيعة في إيران، وسنة في العراق.
دعبل الخزاعي والأكراد
ومن الطرائف التي تذكر في هذا الموضوع ما جرى للشاعر الشهير دعبل الخزاعي مع الأكراد، وقد قصّه دعبل نفسه:
وذلك أنّ دعبل بعد أن نظّم قصيدته الكبرى في أهل البيت، وهي القصيدة التي مطلعها:
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
ثمّ أنشدها للإمام علي الرضا (عليه السلام) في مدينة مرو، وطلب من الرضا أن يهب له شيئاً من ثيابه يتبرّك به، فلبّى الرضا (عليه السلام) طلبه، وعاد دعبل إلى العراق فمما جرى له ما تحدّث به دعبل بهذا النص:
وكرّرت راجعاً إلى العراق فلمّا صرت ببعض الطريق خرج علينا أكراد يعرفون بالشاذنجان فسلبوني وسلبوا القافلة، وكان ذلك في يوم مطير فاعتزلت في قميص خلق قد بقي عليّ، وكبر أسفي على الثوب والمنشفة التي وهبها لي الرضا (عليه السلام) وجعلت أحدث نفسي أنّي أسألهم إيّاها. ففيما أنا في غمرة الفكرة إذ مرّ بي أحد الأكراد فوقف بالقرب منّي فلمّا رأى نهاب القافلة أنشد:
أرى فيئهم في غيرهم متقسماً
وأيديهم من فيئهم صفرات
ثمّ بكى وتوجّع لأهل البيت (عليهم السلام)،واستمر في إنشاد القصيدة وهو يبكي. فلمّا رأيت ذلك عجبت من لص كردي يتشيّع وطمعت في القميص والمنشفة، فدنوت منه فقلت: يا سيدي لمن هذا الشعر؟ فقال ما أنت وذاك ويلك. قلت: لي فيه سبب أخبرك به. قال: هذه القصيدة صاحبها أشهر من أن يُجهل. قلت: فمن هو؟ قال: دعبل شاعر آل محمد جزاه الله خيراً.
قلت: فأنا والله دعبل وهذه قصيدتي. فقال: أتدري ما تقول؟ّ قلت: الأمر أشهر من ذلك، سل من أحببت من أهل القافلة يخبرك بصحة قولي. قال: إذن والله لا يذهب لأحد من القافلة خلال فما فوقه، والحمد لله الذي أقدرني على قضاء حقّك يا شاعر آل محمد.
ثمّ نادى في الناس من أخذ شيئاً فليردّه على صاحبه، فردّ عليّ وعلى الناس جميع أموالهم حتّى لم يضع منّا لأحد عقال.
أقول: الذي يخيل إليّ أنّ هؤلاء الأكراد لم يكونوا قطاع طرق بالمعنى المفهوم من هذه الكلمة، بل كانوا ثواراً على الحكم القائم يومذاك.
وفي ما كان يسمّى بالاتحاد «الاتحاد السوڤييتي» مجموعات من الأكراد يسكن بعضها في مناطق ما وراء القفقاس وهم علويو الاعتقاد ممّن يسمّون أنفسهم: أهل الحق. ويسكن البعض الآخر في آذربيجان وگرجستان وتركمانستان، وهؤلاء يعتنقون المذهب الشيعي، وكذلك من يسكنون في أرمينيا.
الثورات الكردية
استقلّت شعوب الأرض وحكمت نفسها بنفسها، ولا يزال الشعب الكردي الباسل محكوماً من غيره، مقسّماً بين عدّة دول.
وقد قام الأكراد بعدّة ثورات استقلالية قوبلت كلّها بالقمع الشديد، ولا يزالون يتحرّكون حتّى اليوم بالرغم ممّا نالهم. ومن أفظع ما أصابهم هو الإبادة الجماعية التي سلّطها عليهم نظام البعث العراقي في هذه الايام، حيث استعمل ما أجمعت على تحريم استعماله جميع الأمم، وهو ما سمّوه الأسلحة الكيمياوية. ففي مدينة (حلبجة) الكردية قُذقوا بهذا السلاح فلم ينج منه ناج، وكذلك في غيرها من المدن والقرى.
ومن أبسط القواعد الإنسانية أن يكون لهذا الشعب وحدته وكيانه واستقلاله، وعندما يكون له ذلك، فمن الممكن أن يرتبط بإرادته بمن يشاء من الدول بنوع من أنواع الاتحادات التي تحفظ له وجوده كاملاً ضمن دولة الاتحاد.
ومن الإنصاف ـ إذا لم تتم الوحدة الكردية ـ أن يقوم هذا النظام الاتحادي مع كلّ دولة توجد فيها كثرة كردية.
الثقافة الكردية
عندما أسلم الكرد أخلصوا لدينهم الجديد غاية الإخلاص ودافعوا عنه بجرأة وبسالة. رغم أنّهم قاموا بعدد من الثورات ضد حكومة الخلافة العباسية. وقد نبغ بين الأكراد علماء فطاحل في مختلف العلوم والفنون أضافوا تراثاً رائعاً إلى العلم والفن الإسلاميين، وساهموا مع علماء الأمم الإسلامية الأخرى في بناء صرح الحضارة الإسلامية، فهي حصيلة الجهود المشتركة لجميع الشعوب التي اعتنقت الإسلام ديناً.
الكتابة الكردية
قلنا إنّه بعد سيادة الإسلام على كردستان أخذ الأكراد يكتبون بالحروف العربية. وقد ظلّ الأمر على هذا المنوال ولا يزال ـ إذا استثنينا تركيا التي تخلّت منذ الحركة الكمالية عن الحروف العربية ـ إلاّ أنّه بالنظر للفرق الواضح بين الحركات والأصوات الكردية والاشكال التقليدية للحروف العربية وعدم استيعاب الأخيرة لتلك الحركات والأصوات، فقد توصّل كثرة من المثقفين الأكراد إلى أنّ الحروف العربية لا تفي بحاجة اللغة الكردية. وكما فعل الأتراك في أواخر أيام الدولة العثمانية، فإنّ الأكراد أيضاً أجروا تعديلات كثيرة على طريقة الكتابة العربية لتكون وافية باللغة الكردية، إلاّ أنّ ذلك أيضاً لم يحل المشكلة جذرياً، فظهرت الدعوة إلى استعمال الحروف اللاتينية مع إجراء تغييرات بسيطة عليها لتكون ملائمة تماماً. وقد ألفت كتب عديدة لتعليم الكتابة الكردية بهذه الحروف، ونشرت في الدعوة إليها مقالات عديدة في الصحف والمجلات الكردية. وساعد على انتشار هذه الدعوة استعمال اللاتينية في تركيا والروسية في جمهوريات الاتحاد السوڤياتي الإسلامية عوضاً عن الحروف العربية. ويرى دعاة استعمال اللاتينية رأيهم سليماً ومنطقياً بالنظر للبون الشاسع بين الحركات والأصوات الكردية والحروف العربية كما أسلفنا، ولأنّ أكراد تركيا والاتحاد السوڤياتي يستعملون الحروف اللاتينية والروسية، وأكراد لواء الموصل والأكراد الفيليبين في العراق يكتبون باللغة العربية، وأكراد إيران يكتبون باللغة الفارسية.
والأقلية التي تستعمل الحروف العربية للكتابة باللغة الكردية في ألوية كركوك وأربيل والسليمانية ودياله ـ إلى حد ما ـ ونسبة هؤلاء تكاد لا تذكر بين مجموع الشعب الكردي، فضلاً عن أنّ الأميّة ما تزال ضاربة أطنابها في معظم أرجاء كردستان، وأنّ التراث الكردي المدوّن بالحروف العربية ليس من الكثرة بحيث يخشى عليه من الضياع من حيث صعوبة إعادة طبعه كما هو شأن التراث العربي. ويستخلص دعاة اللاتينية ممّا سبق أنّه ما دمنا نريد إقرار حروف معينة يستعملها الأكراد في مختلف ديارهم، فلتكن اللاتينية بالنظر للأسباب المؤاتية التي شرحناها آنفاً. وعلى كل حال فإنّ الظروف الراهنة خففت كثيراً من الحدّة التي بلغتها المشكلة.
الأدب الكردي
يتشعّب الأدب الكردي، كآداب الأمم الأخرى، حسب مراحل حياة الشعب الكردي. فقد مضى عصر كان الأدب الكردي فيه لا يشمل أكثر من الأغاني والملاحم وأشعار في الغرام والمديح والنصح وما شابه ذلك. وتطوّر الزمن فدخلته القصة والرواية والمسرحية، وأصبح لهذه الأنواع الجديدة شأن كبير. وفقد بعض أنواع الشعر التقليدي مكانته لأنواع جديدة ظهرت في الميدان. وكما تغيّرت الأصناف والأشكال تغيّر المحتوى أيضاً، فبعدما كان الغرض من الشعر وصف الطبيعة والتغنّي بالجمال أو الدعوة إلى ترك الدنيا والتخلّق بالأخلاق الفاضلة المتعارف عليها، أو مدح شخص ورثاء آخر، أصبح هدف الشعر الجديد والقصة والرواية والمسرحية إيقاظ الهمم وإحياء الشعور الوطني والدعوة إلى مكافحة الاستعمار والاستغلال والنضال في سبيل السلم والعدل الاجتماعي وما شاكل. إنّنا نحاول هنا أن نأتي على أصناف الأدب الكردي وأشكال كلّ صنف ونلقي ضوءاً عليها لإعطاء صورة عامة لما كان عليه الأدب الكردي وما هو عليه الآن. ولنبدأ بالشعر بالنظر لكونه أقدم أنواع الأدب الكردي بل والآداب الأخرى أيضاً.
الشعر الكردي([326])
يكاد قول الشعر يكون سمة عامّة للكرد، فقلّما تجد كردياً لا يقول شعراً مهماً بلغ من البساطة. فقد منحت الطبيعة للكرد بلاداً جميلة شامخة الجبال، سامقة الأشجار، فياضة الأنهار، خضراء المراتع، عذبة المياه، وافرة الثمار، لطيفة المناخ، ممّا يفتح قريحة الشعر وينمّي الخيال. لقد كانت كردستان دوماً بلاد الحب العذري الوفي وأرض البطولة والدفاع عن الأمجاد وموطن الشهامة والخصال الحميدة التي يتغنّى بها الرائح والغادي. لقد خلفت لنا الملاحم الشعرية القديمة والأغاني الشعبية قصصاً عن معارك ضارية دارت رحاها على ثرى كردستان بوجه الغزاة الأتراك والعجم وصمود المدافعين عن قلعة «دمدم» وبسالة فرسان «مريوان» الإثني عشر ومعارك عبد الرحمن باشا الباباني والأمير محمد الرواندوزي. وحفظت لنا الأبيات الغرامية حكايات عن حب «خسرو وشيرين» ومأساة «فرهاد» وغرام «مم وزين» و«سيامند وخجه زر» وغير ذلك ممّا لا تزال الألسن تتداولها بين الفلاحين الأكراد وظلّت الكثرة الكاثرة منها غير مدونة ممّا يهدّد بضياعها، كما ضاعت نظائر لها كثيرة من قبل.
ينقسم الشعر الكردي من حيث الشكل إلى قسمين: قسم منه منظوم على أشكال خاصّة بالكردية، أي ليس على طريقة الشعر العربي الذي تضمّه أبواب العروض المعروفة. والقسم الآخر منظوم حسب أبواب العروض العربي. ومن الواضح أنّ هذا القسم دخيل على الأدب الكردي جاء بعد انتشار الثقافة الإسلامية في كردستان وعلى أثر انبعاث التدوين باللغة الكردية. أمّا القسم الأوّل الأصيل فهو موجود منذ القديم وصياغته بسيطة ممّا يجعل قول الشعر سهلاً بالنسبة للكردي كما سبق أنّ ذكرنا. وينقسم القسم القومي الأصيل إلى نوعين نوع منظوم تتّحد نهاية مصرعيه ويتوحّد عدد إيقاعاته الموسيقية وله أبواب متعددة. وهذا أيضاً يتفرّع إلى «بيت» وهو شعر غنائي تنظم به الملاحم و«كوراني» وهي وحدات شعرية مستقلة ولكلّ(وحدة) شعر منها أو (وحدتين) شعرين معنى كامل قليل في شؤون الحب. وأكثر ما قيل من هذا النوع قد دخل في عداد الفولكلور ولم يعد صاحبه معروفاً. أمّا النوع الثاني فيتفرّع أيضاً إلى فرعين الملاحم البطولية والملاحم الغرامية. ولكلّ عدّة مجموعات من كلّ من الفرعين لحن خاص يغنّى به.
أمّا الشعر العروضي فهو المنظوم حسب مختلف أبواب العروض، وقد شاع استعماله بصورة عامة منذ أواخر عهد الأمراء البابانيين واستعمل لأغراض الدعوة إلى الله وإلى الزهد والمديح وغيرها. ثمّ إلى اليقظة الاجتماعية والنهوض الثوري والمواضيع الجديدة الأخرى.
وقد شاعت مؤخراً مدرسة الشعر الحديث الذي لا يتقيد بالقواعد العروضية التقليدية، ولكنّه يلتقي في الأساس مع النمط القومي الأصيل. وقد أحرز فيه البعض نجاحاً باهراً، وكان منشؤه تقليد المجددين من الشعراء الأتراك. وفي طليعة أولئك الذين طوّروا تكنيك الشعر الكردي المرحومون «بيره ميرد» و«نوري الشيخ صالح» و«عبدالله كوران». وقد بلغ الأخير في إبداعه مستوى جعله في أنظار النقاد خالق الشعر الكردي الحديث. ولو أُتيح لشعره أن يترجم إلى لغات العالم الحيّة لاصبح في عداد مشاهير الشعراء. ومن أبرز من نظموا الشعر على الطريقة القومية الأصيلة «أحمدي خاني» المتوفى في عام 1953م وصاحب ملحمة «مم وزين» الخالدة التي نقلت إلى العربية والفرنسية والروسية والأرمنية.
و«خاناي قبادي» الذي نظم في عام 1154 هجرية مأساة «خسرو وشيرين» في أكثر من خمسة آلاف وخمسمائة بيت و«صيدي هورامي» في القرن السادس عشر و«مصطفى بيساراني» في القرن السابع عشر و«عبد الرحيم مولوي» في القرن التاسع عشر. والثلاثة الأخيرون أصحاب أشعار وجدانية رائعة. كما أنّ من أبرز من نظموا على الطريقة العروضية «كردي» و«سالم» و«محوي» و«حاجي قادر كويي» و«نالي» والشيخ رضا الطالباني» وكثيرين غيرهم. وقد عاش أولئك في سنوات القرن التاسع عشر، وقد طبعت دواوين كثير من هؤلاء وغيرهم. وقد تبوأ العرش الفني لهؤلاء فيما بعد شعراء من أمثال «بيخود» و«زيور» ويرثهما الآن «رمزي معروف» و«أحمد هردي» رغم إقلال الأخير من الشعر.
ويعتبر الحاج قادر الكويي أوّل من حول اتجاه الشعر الكردي من خط سيره الكلاسيكي عملياً، فقد انتقد في شعره بصورة لاذعة قول الشعر في مدح العيون السود والعذار الطويل والقامة الرفيعة والقد الأهيف، أو في الثناء على فلان والترحّم على غيره، وطالب بتسخير الشعر الكردي لخدمة الشعب، وقارن بين أولئك الذين يبنون برج «إيڤل» في باريس ويمخرون عباب البحار والذين يصرفون حياتهم عندنا في شرح أصول الطهارة والمضمضة والاستنشاق، واعتبر من المخزي أن يكون الهدف من حياة المتعلمين عندنا الإسهاب في ذكر كيفية التطهر من البول. ودعا إلى الاكتفاء الذاتي وإلى التسلّح لمجابهة الأخطار والاتعاظ بمجريات التاريخ، وحذر من الانخداع بأقوال الحكّام الأتراك والفرس، وأعاد إلى الذاكرة أمجاد شعبه وبطولاته، ونادى بالتعلّم للرجال والنساء على السواء، كما هاجم بعنف رجال الطرق الصوفية المتزمتين، وتأسف لزوال المدارس العلمية التي كانت تعمّ أرجاء كردستان. وخلاصة القول إنّ الحاج قادر الكويي هو رائد الأدب الكردي الحديث وباعث النهضة الفكرية في كردستان، فلم تتحمّله الرجعية في وطنه فسافر إلى استانبول وهناك التقى بالأمراء البدرخانيين الذين كانوا يعملون لإحياء مجد وطنهم، وتوفي هناك. صحيح أنّ الشاعر «أحمد خاني» تمنّى في شعره أن يرى للأكراد ملكاً متوّجاً كما هو شأن الروم والفرس، وأنّه عاتب في مقدمة «مم وزين» العلماء الأكراد لعدم كتابتهم بلغتهم القومية، وإن «خاناي قبادي» قال في مقدمة «خسرو وشيرين» إنّه نظم تلك المأساة ليطلع عليها أبناء كردستان جميعاً بلغتهم الأم وأثنى فيها على اللغة الكردية، إلاّ أنّ أثر هذين الشاعرين لم يتعد نطاقهما الخاص، كما لم يكونا يواصلان الدعوة لهذه الفكرة المختلجة في نفسيهما. أمّا الحاج قادر فقد كرّس نفسه للكفاح بكلّ ما أوتي من قوّة من أجل ما كان يؤمن به، فجعله ذلك نبراساً للأدباء الأكراد إلى أبد الآبدين.
ومنذ بداية القرن العشرين أخذ الاتجاه الجديد يبرز في الشعر الكردي بصورة واسعة ويفرض نفسه. وقد ساهم الشعر في هذا القرن مساهمة فعّالة في مختلف الأوجه النضالية في حياة الشعب الكردي، فأصبح الطابع الكفاحي سمة بارزة لشعرنا الحديث، ولم يعد الرأي العام يهتم كثيراً بالشعر المجرد عن معاني النضال والسائر على طريقة القدماء. فقد برز شعراء قوميون وآخرون تقدميون، وظهر شعراء يقولون الشعر في المجال الفلاحي للمطالبة بالأرض وفضح الإقطاع. إنّ شعراءنا اليوم على العموم إذ يتغنون بأمجاد شعبهم ويشيدون بها، يربطون مشاكله بمشاكل الشعوب وبالجهة العالمية ضد الاستعمار والاستغلال. لقد عبر الشعر الكردي عن مآسي كوريا والجزائر وجميلتها والكونغو ولومومباها وتغنّى بانتصارات الاتحاد السوڤياتي والصين والڤيتنام وكوبا ودافع عن مختلف قضايا الشعوب وفضح دسائس الإمبرياليين وتجار الحرب الأنكلو ـ أمريكان.
وفي مضمار الشعر الكفاحي يحتل مكانة بارزة كلّ من المرحومين «دلدار» و«بيكس» و«بيره ميرد» و«كوران» والأحياء «ديلان» و«ع.ح.ب.» و«دلزار» و«هزار» و«كامران» وغيرهم. وكان المرحوم «قانع» أحسن الشعراء الشعبيين الأكراد قاطبة، وقد ذاعت دواوينه المطبوعة بين الفلاحين الأكراد وكان لشعره أثر كبير في توعية جماهير الريف سياسياً واجتماعياً. ويتبوأ الآن مكان الصدارة في الشعر الشعبي الكردي الشاعر «عبد الرحمن هزار». وفي مقدمة شعرائنا الشباب الذين يتمتعون بمقدرة شعرية جيدة الشعراء «شيركو بيكس» و«جمال شارباريزي» و«عثمان شارباريزي» و«هوكر كوران» الذين يرتجى لهم مستقبل شعري مشرق.
القصة الكردية
ليست القصة جديدة بكلّ معنى الكلمة في الأدب الكردي. فقد عرف هذا الأدب منذ الأجيال العريقة في القدم القصص الأسطورية التي تقصّها العجائز على الأولاد في الشتاء على ضوء النيران الملتهبة في المواقد البيتية مقروناً بتناول الزبيب ولباب الجوز والفستق برهة من الليل الطويل. وهذه القصص لها شعبيتها في أرجاء كردستان، ويصغي الأولاد بكلّ انتباه للعجائب التي تحكيها الجدّة العجوز عن العفريت الأبيض ورستم زال وعملاق مازندران والجنية الساكنة تحت حجر الرحى وغيرها… وهي كلّها ذات فحوى أخلاقي يندّد بالرذيلة ويشيد بالشهامة والوفاء والمساعدة في وقت الشدّة وما شابه… كما أنّ هناك أقاصيص قصيرة ذات مغزى سياسي أو اجتماعي وهي إذا ما دوّنت تكاد الواحدة منها لا تتجاوز عدّة أسطر. ثمّ إنّ كثرة من القصص الكردية نظمت شعراً وذلك للحماس الذي يخلقه الشعر في نفوس الشباب ولسهولة حفظ الشعر ولأنّ التدوين الكردي القديم كان محصوراً في تدوين الشعر. وهذا النوع يتحدّث إمّا عن الحروب والغزوات أو عن مواضيع الحب والغرام.
وبمرور الزمن وتسرّب معالم الحياة الجديدة إلى كردستان اطلع المثقفون الأكراد على نوع جديد من الأدب ألا وهو القصة والرواية. فكان لا بد من أن تترك هذه المعرفة أثرها… وهكذا نشأت القصة الكردية بمفهومها الحديث. وحسب علمنا فإنّ أوّل قصة كردية من هذا النوع هي قصة «رأيت في الحلم» التي كتبها المرحوم جميل صائب عام 1925م ونشرها تباعاً في جريدتي (زين ـ الحياة) و(زيانه وه ـ الانبعاث). وقد نجح الكاتب في قصته ذات المغزى السياسي وتعتبر كاملة من حيث سبكها وصياغتها وشروطها الفنية. وكتب المرحوم محمد علي كوردي قصة طويلة ونشرها تباعاً في مجلة «دياري ى كوردستان ـ هدية كردستان». وفي عام 1933م نشر المرحوم «بيره ميرد» قصة «فرسان مريوان الإثنا عشر» وهي مأثرة كانت الأفواه تتداولها وموضوعها بطولة اثني عشر فارساً من فرسان البابانيين توجهوا إلى منطقة «مريوان» لصدّ عدوان الجيش الإيراني وانتصروا عليه. وكتبت في هذه الفترة قصص أخرى لم يكتب لها الطبع والنشر لحد الآن، منها قصة «حلم» لزيرو و«على قمة أڤرست» لفائق زيور. كما نشرت مقاطع أدبية ذات طابع قصصي على صفحات الجرائد.
وفي عام 1949م بدأت مجلة «كلاويز» الشهيرة بالصدور واستمرّت تصدر إلى أن عطلت في عام 1950م فكانت تاج المجلات الكردية على الإطلاق لتنوّع مواضيعها وكون كتّابها من مختلف الآراء ورحابة صدرها واتصالها الوثيق بالثقافة التقدمية. وقد نشرت «كلاويز» مجموعة من القصص الناجحة وعلى صفحاتها برز قاصون مجيدون من أمثال شاكر فتاح وإبراهيم أحمد وعلاء الدين السجادي وغيرهم. وفي هذه الفترة بالذات ظهرت ثلاث قصص للمرحوم الأستاذ محمود أحمد بعنوان «زهرة» و«الإنسان في ظل الإقطاع» و«جنة مفقودة» كما نشر شاكر فتاح «قوس قزح» وهي مجموعة قصص اجتماعية. وخلال الخمسينيات ظهرت وجوه جديدة في القصة الكردية أمثال محرم محمد أمين وجمال بابان وحسين عارف ومحمد مم ومصطفى صالح كريم وميديا وآخرين. وقد نشر بعض من هؤلاء كتباً قصصية، وبعضهم الآخر لم يتسن له أن ينشر إلاّ على صفحات المجلات الكردية. كما عني نجم الدين الملا بنشر قصص للأطفال على صفحات جريدة «زين».
وفي السنوات التي أعقبت ثورة تموز برز كلّ من المرحوم معروف البرزنجي وحسن القزلجي قاصين من الطراز الممتاز. وبالرغم من أنّهما لم يتسن لهما أن ينشرا نتاجهما في كتب، فقد تلقف القرّاء قصصهما التي نشراها على صفحات المجلات الكردية بشغف. وقد امتازا بأصالتهما اللغوية واستيعابهما الشروط الفنية للقصة.
ومن جهة أخرى صدرت في عام 1961م قصة طويلة بعنوان «بيشمه ركه ـ الفدائي» للدكتور رحيم القاضي وهو كردي من إيران يسكن الآن آذربيجان السوڤياتية. وقد تأثّر في قصته بالقاصين السوڤيات ويجمع فيها بين الحب والنضال الوطني والطبقي، وتدور أحداث القصة في الفترة التي سبقت ورافقت تأسيس جمهورية كردستان الديموقراطية في مهاباد بإيران. وقد نشرت هذه القصة في العراق واستقبلها الرأي العام الكردي بالاستحسان، فنفدت نسخها في الاسواق خلال مدّة وجيزة.
هذا، وقد صدرت خلال أعوام (1957 ـ1961م) صحف ومجلات كردية ساهمت مساهمة مشكورة في نشر القصص على الأخص وفي تطوير الأدب الكردي بوجه عام.
المسرحية الكردية
وبدرجة أقل من القصة دخلت المسرحية أيضاً الأدب الكردي الحديث. وهنا نوع من الأساس للمسرحية في أدبنا. ففي مواسم الحصاد والعمل في المزارع وبساتين الكروم ورعي الأغنام مثلاً يتبادل الفتيان والفتيات أغانٍ هي عبارة عن محاورات غرامية بين الفتى وفتاته. وقد نشرت في السنوات الأخيرة عدّة مسرحيات منها «الظالم المجرم» لفؤاد عزت و«معذرة» لكمال رؤوف و«المرأة والتعويذة» لكامل زيرو و«عروس يبنى بها» لعبد الرزاق محمد و«عروس في الخيمة السوداء» لأبي بكرهه وري و«ثورة الفن» لفتاح كريم و«زيرين» لأمين ميرزا كريم. وهناك مسرحيات شعرية لكوران وهزار وعبد الرزاق محمد وكامران وزكي هفاري وآخرين.
الترجمة عن الآداب العالمية
أمّا في مضمار الترجمة عن الآداب العالمية، فإضافة إلى القصص والمسرحيات القصيرة المترجمة والمنشورة على صفحات الجرائد والمجلات، ترجم كوران مختارات من القصة القصيرة ونشرها في كتاب، وترجم بيره ميرد «عازف الكمان» عن الألمانية، وترجم مال نبز «العاصفة» لشكسبير و«المعطف» لكوكول، وأبو بكرهه وري ترجم «صلاح الدين ومكائد الحشاشين» لجرجي زيدان، وترجم محرم محمد أمين فصولاً من «ذكريات من بيت الموتى» لدستويفسكي، وترجم محمد علي كوردي «قصة زاديج» لفولتير، وترجم أحمد عزيز علي «شيترا» و«سفينة الأحلام» لطاغور. وترجم آخرون غير ذلك. كما ترجمت اثنتان من مسرحيات يوسف العاني ومسرحيات لموليير وجان بول سارتر وغيرهما. ومعظم هذه التراجم من العربية وليست من لغة المؤلفين الأصلية. وينبغي أن لا يفوت على الأذهان أنّ هناك قصصاً مؤلفة ومترجمة كثيرة لم يكتب لها أن ترى النور بالنظر لفقر أصحابها وعدم وجود دار نشر في كردستان كما سنأتي على ذلك فيما بعد.
الفولكلور الكردي
لا نعني هنا بالفولكلور مفهومه الواسع الذي يشمل المأثورات الشعبية، فغرضنا الحكم والأمثال والقصص والشعر الشعبي. إنّ الأدب الكردي غني بهذا النوع من الأدب، وقد نشرت في مختلف أرجاء كردستان كتب عن هذا الموضوع. ففي إيران نشر الدكتور محمد مكري «الأشعار والأنغام الكردية»، وفي سوريا نشر جميل كفه «حكم وأمثال كردية»، وفي الاتحاد السوڤياتي نشرت كتب عديدة، وفي العراق نشر إسماعيل حقي شاويس أساطير شعبية وعدداً من الألغاز والأحاجي في كتاب خاص، ونظم بيره ميرد قسماً من الحكم الشعبية في رباعيات وكانت تنشر تباعاً على صفحات جريدة «زين» إلى أن عطلت في شباط 1963م. كما نشر بيره ميرد أيضاً مجموعة من القصص الشعبية في كتاب بعنوان «للضحك والتسلية»، ونشر معروف جياووك «ألف مقولة وحكمة» والشيخ محمد الخال «أقوال القدماء»، وجمع كاتب هذه السطور حوالي ألفي مثل شعبي وشرح موارد قسم منها حسب المعلومات المتوفرة، كما ذكر مجال استعمالها. وقد وصفها حسب موقع كلّ مثل من الحياة الاجتماعية عند الاستعمال. ويمكن اعتبار هذه المجموعة دراسة للأمثال الكردية حسب مراحل تطوّر المجتمع الكردي. كما نشرت نقابة المعلمين في أربيل في عام 1961م كتاباً بعنوان «نظرة من باب الفولكلور الكردي». ونشر محمد توفيق وردي عدّة مجاميع للملاحم الفولكلورية والأساطير الشعبية. ونشر علاء الدين السجادي ثلاثة أجزاء من كتابه «عقد اللؤلؤ» ويضم مجموعة كبيرة من النكات والمستظرفات والأقوال المأثورة التي تتداولها الأفواه في مختلف الأوساط الشعبية. وفي عام 1965م أصدر نوري علي أمين كتاباً يضم عدّة أقاصيص فولكلورية أسماه «ذات الجدائل الذهبية والسن اللؤلؤية». وفي هذا العام أصدر صالح رشدي المحامي «قصص وأساطير من الأدب الكردي» باللغة العربية.
الدراسات التاريخية
والنقدية الأدبية واللغوية
وبالنظر لعدم توفّر المصادر المطلوبة وصعوبة الحصول عليها، وعدم اطلاع جمهرة كبيرة من المثقفين الأكراد على لغة شعبهم وأدبه، فإنّ الدراسات التاريخية والنقدية في الأدب الكردي لم تحظ حتّى الآن بالعناية الكافية. غير أنّ الباب لم يعد غير مطروق. فقد نشر المرحوم رفيق حلمي كتابه القيم «الشعر والأدبيات الكردية» في مجلدين خلال عشرين عاماً، ونشر الأستاذان عبد المجيد لطفي وعبد السلام حلمي كتابهما «نظرات في الأدب الكردي»، ونشر الأستاذ علاء الدين السجادي كتابه الضخم «تاريخ الأدب الكردي». ومحاضرات المرحوم عبدالله كوران التي ألقاها على طلبة الفرع الكردي بكلية الآداب بجامعة بغداد حول تاريخ وتطور الأدب الكردي ونقده ذات قيمة كبرى إذا تسنّى لها أن تطبع وتنشر. ونشر عبد الرزاق محمد جملة مقالات تحليلية لبعض القصص والمجاميع الشعرية التي نشرت في أعوام (1958ـ1962م)، ولأدب بعض الشعراء الأكراد. ولكاتب هذه السطور دراسة مطبوعة عن أفكار الشاعر الحاج قادر الكويي من خلال أشعاره. ولكريم شارزا «تاريخ شعراء كويسنجق». ونشر محمد سعيد ناكام دراسة قصيرة عن الشعر الكردي الحديث. ونشر معروف خزندار فصلاً من أطروحته التي قدمها إلى جامعة لينينغراد في الاتحاد السوڤياتي لنيل الدكتوراه في الأدب الكردي وعنوانها «الوزن والقافية في الشعر الكردي». كما نشر الدكتور عز الدين مصطفى رسول ترجمة عربية لأطروحته إلى جامعة باكو عن «الواقعية في الأدب الكردي»، كما نالت الدكتورة نسرين فخري شهادتها من جامعة باكو أيضاً على أطروحتها عن «الفعل في اللغة الكردية». وكتب كامل حسن البصير بحثاً بعنوان «كامران شاعر من كردستان». ونشر حسين عارف مؤلفاً أسماه «كامران والشعر الحديث». وهناك مؤلفات أخرى غير منشورة. وألّف نوري علي أمين عدّة كتب عن قواعد اللغة الكردية والإملاء الكردي. أمّا عن النتاج الأجنبي فقد سمعنا أنّ دراسات عديدة صدرت مؤخراً عن اللغة والأدب الكرديين فيما كان يسمى بالاتحاد السوڤياتي. وفي الأعوام الأخيرة وضعت أستاذة سوڤياتية كتاباً يعتبر الدليل إلى المصادر التي تتحدّث عن مختلف الشؤون الكردية من كتب ومجلات وصحف. وفي الآونة الأخيرة صدر باللغة الإنكليزية كتاب يقع في مجلدين موضوعه اللهجات الكردية. كما أنّ هناك مؤلفات عديدة أخرى لم يتسن لي أن أحصل على معلومات كافية بشأنها.
فن المقالة
ولم يتخلف فن المقالة عن دخول الحلبة. فمع نشوء الصحافة الكردية أخذت المقالات تشق طريقها إلى صفحات الجرائد والمجلات، وتعدد كتّاب المقالات السياسية والاجتماعية وغيرها. وقد برز في هذا المضمار كتاب عديدون عرف بعضهم بأسلوبه التهكمي وآخرون بشعبية التعابير وجماعة ثالثة بسلاسة الأسلوب واقترابه من ذهنية الجماهير. غير أنّ ما يعانيه معظم الكتّاب في هذا المضمار هو تقليد اللغات الأجنبية ومصطلحاتها وعدم استيعاب لغة الشعب بدقة، فالبعض متأثّر بالتعبير الفارسي وغيرهم بالتعبير العربي وغير ذلك. ولذلك فإنّهم بحاجة إلى مزيد من الصلة بالجمهور ليتمكنوا من إعادة صياغة أساليبهم المنبثقة من لغات غير لغتهم لتكون منسجمة وخصائص اللغة الكردية وليفهمها ويتذوقها الناس بدون كبير عناء ومشقة.
وبعد أن استعرضنا حالة الأنواع الأدبية في الأدب الكردي، نودّ أن نبيّن أنّ محور بحثنا هذا في الأساس هو كردستان العراقية بالنظر للأوضاع التي لا تمكننا من الاطلاع على الوضع الثقافي في أجزاء كردستان الأخرى.
المخطوطات الكردية
بالرغم من أنّ المحن والكوارث التي تعرّضت لها كردستان عبر تاريخها الطويل، أدّت إلى ضياع القسم الكبير من تراثها الحضاري، فلا تزال زوايا المساجد ومكتبات رجال الدين ووجهاء القوم تحتوي على قسم كبير من التراث القديم، وجلّه شعر كما أسلفنا. كما أنّ مكتبات أوروبا الكبرى تحتوي على جملة من المخطوطات الكردية القيّمة. وقد نشر الدكتور معروف خزندار عندما كان طالباً في القسم الكردي من معهد الاستشراق لدى أكاديمية العلوم السوڤياتية بجامعة لينينغراد، نشر مقالاً في مجلة «هيوا» الكردية المعطلة عن زيارته إلى المكتبة الإمبراطورية في برلين ضمنه أسماء وأرقام حوالي 25 مخطوطة أدبية وتاريخية كردية وفارسية عن الكرد. كما كتب أنّه علم أنّ في مكتبات لندن وباريس ولينينغراد وموسكو وغيرها عدداً كبيراً آخر من المخطوطات الكردية. ولا ريب أنّ نشر هذه المخطوطات يتوقف في الظرف الراهن على الجهود الفردية التي قد يبذلها هذا أو ذاك بالنظر لعدم وجود مؤسسة أو جهة تتعهد بذلك.
حركة النشر في كردستان
إذا استثنينا الاتحاد السوڤياتي حيث توجد جميع الإمكانيات الضرورية لنشر أي مؤلف بأيّة لغة، وحيث نشرت وتنشر دوماً جملة من المؤلفات الكردية، فإنّ العراق ـ في السابق لا اليوم ـ كان أحسن الأمكنة التي تهيأت فيها الفرص، على ضيقها، للنشر الكردي. فمثلاً في تركيا لم يصدر منذ أن تسلم الكماليون مقاليد الحكم أي مطبوع كردي ـ عدا مجلة أدبية كردية ـ تركية صدرت في عام 1963م، وسرعان ما عطلت ـ على ما نعلم. أمّا إيران فقد نشر فيها دواوين شعرية خلال السنوات الأخيرة. وفي سوريا سبق أن صدرت عدّة مجلات كردية ونشرت عدّة كتب.
أمّا العراق فكان فيه، إلاّ فيما ندر، نشاط فكري كردي قليل او كثير حسب الظروف والأحوال. وبلغ الذروة في عامي 1957 و1958م ولكنّه بدأ يتضاءل من جديد وينقص في كلّ سنة عن سابقتها حتّى نزل إلى الصفر. ونادراً ما يوجد مؤلف كردي حصل على ما صرفه على طبع مؤلفه.
الكتاب الكردي
هذا، وفي الختام نودّ أن نعرض إحصائيات عن الكتاب الكردي زيادة في الاطلاع، وهي مستقاة من الكتاب الذي ألّفه مصطفى نريمان، ونشره في أواسط عام 1960م بعنوان «المكتبة الكردية».
- طبع حتّى نهاية عام 1959م في مختلف أنحاء كردستان وخارجها ـ البلاد التي تدخل كردستان ضمنها ـ حوالي 410 كتب كردية، عدا الكتب المدرسية ـ في العراق ـ.
- 60 بالمائة من المطبوعات الكردية تعتبر في حكم الكراريس لأنّ 40 بالمائة منها لا يتجاوز عدد صفحاتها 50 صفحة. وهناك فقط 15 بالمائة من مجموع المطبوعات الكردية تتجاوز صفحاتها المائتين.
- ضيق ذات اليد في المجتمع الكردي له أثر كبير في صغر حجم الكتاب الكردي، حيث روعي أن تكون الأسعار منخفضة قدر الإمكان تسهيلاً للمؤلف والمشتري.
- أوّل مطبعة تأسّست في كردستان كانت مطبعة «زاري كرمانجي ـ اللسان الكرمنجي ـ» وقد أنشئت في رواندوز، وتلتها مطبعة البلدية في السليمانية.
- أوّل كتاب كردي طبع كان ديوان أشعار مولانا خالد النقشبندي بالكردية والفارسية، وقد طبع في استانبول عام 1844 ميلادية.
- 50 بالمائة من المطبوعات الكردية شعر.
- 35 بالمائة من المطبوعات الكردية أدب ودين، و12 بالمائة منها تاريخ، و9 بالمائة منها لغة. والبقية في مواضيع أخرى.
- تفتقر المكتبة الكردية إلى الدراسات الأدبية والتاريخية والنقدية والكتب العلمية وكتب الأطفال. وحركة الترجمة ضعيفة.
- طبعة ملحمة «مم وزين» ست مرّات: في استانبول عام 1917م وفي السليمانية عام 1934م وفي يريفان وحلب وأربيل ودمشق. كما طبعت قصة المولد النبوي ست مرّات أيضاً.
عدد من المؤلفين الأكراد حاولوا مراراً نشر سلسلة كتب، غير أنّ السلسلة سرعان ما كانت تنقطع كلّ مرّة.
وممّا يجدر ذكره أنّ تحسّناً لم يطرأ على الموقف خلال السنوات التي أعقبت صدور كتاب الأستاذ نريمان، بل إنّ حركة النشر الكردي كانت تعود خلال هذه المدّة القهقرى، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق. فخلال الفترة التي أعقبت شباط 1963 وحتّى عام 1964م لم يصدر أي كتاب كردي أو مجلة أو جريدة كردية على الإطلاق. وفي عام 1964م أُعيد طبع كتاب قديم كما أسلفنا القول. ومنذ عام 1965م أخذت الحياة تعود إلى حركة النشر الكردية من جديد بصدور كتب شعرية وقصصة صغيرة.
أوّل جريدة باللغة الكردية([327]*)
في 21 نيسان (أبريل) 1898 صدر في القاهرة العدد الأوّل من جريدة «كردستان» باللغة الكردية على يد رئيس تحريرها ومالكها مقداد بدرخان. كانت عائلة بدرخان من الأمراء الأكراد الذين حكموا إمارة بوتان (جزيرة ابن عمر) ردحاً طويلاً من الزمن. وكان الجد الكبير للعائلة بدرخان باشا استقل بإمارته في بوتان ووقف في وجه السلطنة العثمانية ووسّع دائرة حكمه إلى حدود الموصل وأورمية وضرب النقود باسمه. ومن جراء ذلك عمد الجيش العثماني إلى تجريد حملة عسكرية كبيرة على الإمارة الكردية العاصية وقضت عليها وأخضعتها للسلطنة ونفت العائلة البدرخانية إلى خارج كردستان، وقد استقر عدد كبير من البدرخانيين في سورية ولبنان ومصر.
ينتمي مقداد بدرخان، إذاً، إلى فروع العائلة التي نزحت إلى القاهرة واستقرّت فيها. وفي القاهرة سعى البدرخانيون إلى جمع الأكراد حولهم ودفعهم إلى التمسّك بروحهم القومية والتشبّث بالمطالب الكردية القاضية في حصول الأكراد على حكم ذاتي داخل الإمبراطورية العثمانية. ورأى مقداد بدرخان أنّ تأسيس جريدة باللغة الكردية تخاطب المثقفين والقرّاء والأكراد سوف يمثل خطوة أولى ومهمة في درب تشكيل وعي قومي موحد. سعى إلى أن تكون جريدته مستقلة وعامة لا تفرّق بين جماعات الأكراد وتنظيماتهم المختلفة. وكانت الجريدة توزّع على الأكراد في المهجر وكذلك ترسل إلى كردستان عبر سورية. كما أنّها استقطبت اهتمام الأوروبيين المستشرقين المتتبعين للغة الكردية وآدابها.
كان الهاجس الأوّل لصاحب الجريدة يقوم في تثقيف الأكراد وتنويرهم وربطهم بأفكار الحرية والاستقلال القومي واطلاعهم على تطوّر العلوم والفنون في العالم وإلقاء الأضواء على الأحداث العالمية والكشوفات العلمية فضلاً عن محاولة شرح مبادئ الدين الإسلامي القائمة على المساواة والتسامح والحرية وتنبذ الظلم والاستعباد والإكراه. ولهذا فقد كان المحرر يدعم كلّ فكرة يوردها في الجريدة بآية قرآنية. وكان بدرخان يرى أنّ خلاص الأكراد لا يكون إلاّ بأيديهم ومن خلال تفهّم السلطنة لذلك وبعيداً عن تدخل القوى الأوروبية والبعثات التبشرية.
كان العلم والتنوير غايتين أساسيتين في نظر مقداد بدرخان، وقد كتب في ملحق العدد الأوّل باللغة الفرنسية ما يلي: «أصدر هذه الجريدة وقد وضعت نصب عيني هدف ترسيخ الاهتمام والحب في نفوس أبناء قومي إزاء التعليم، وكذلك لأمنح الشعب فرصة التعرّف على حضارة العصر وتقدّمه وكذلك على أدبه. إنّني وأنا في مصر أريد أن أرى الأمن والنظام مستتبين في كردستان، ولا أبغي من صدور هذه الجريدة، ولو من بعيد، سوى خدمة شعبي وسعادته ورفع المستوى الثقافي لبني قومي».
لم تكن الجريدة كبيرة الحجم، فقد كان عدد صفحاتها أربعاً. وكان يصدر منها ألف نسخة وقد طبعت الأعداد الثلاثة الأولى في مطابع الهلال. ثمّ بعد ذلك بدأت تصدر الجريدة مذيلة بهذه العبارة: تصدر في مصر وتطبع في مطبعة جريدة «كردستان»، لقيت الجريدة صدى كبيراً واهتماماً واسعاً لدى جمهرة الأكراد.وانشغل بها كثيراً المثقفون الأكراد وكذلك المنفيون في لبنان ومصر. وكانت ترد إلى الجريدة رسائل كثيرة تعبر عن فرحة أصحابها بصدور الجريدة وسرورهم لمحتواها وتقديرهم لرئيس تحريرها، فقد كتب أحد الأكراد القاطنين في دمشق في رسالة نشرت في العدد الثالث ما يلي: «لقد اشتريت الجريدة وجمعت الأكراد حولي كي نقرأها سويةً، وحين علموا أنّها تدعى «كردستان» وأنّ أميرهم يقوم على إصدارها، لم تسعهم الدنيا من الغبطة والفرح، فرفعوها فوق رؤوسهم تقديراً. وإذ فهموا فحواها وهزتهم كلمات محتواها فقد وعدوا بعضهم بعضاً بالتعاون والتعاضد وتعليم أطفالهم مهناً فنية».
وكان القرّاء يطلبون من المحرر التعمّق أكثر في شؤون الأكراد في الإمبراطورية العثمانية والتركيز على الظروف الصعبة والأوضاع القاسية التي يعيشها الأكراد، ولفت الأنظار إلى المعاملة اللاإنسانية التي يلقاها السكان المحرومون الأكراد في أماكنهم القصية والنائية.
ومع هذا فقد دأب مقداد بدرخان على انتهاج خط سياسي معتدل مع السلطنة واستنكف عن الهجوم عليها والنيل منها والتجريح بها. وهو سعى إلى التقرّب من السلطان ومحاولة إثارة انتباهه إلى حال الأكراد عسى أن يلتفت إليهم ويكترث بهم ويلبي مطامحهم دونما حاجة إلى إثارة القلاقل وبث الضغينة والكره ونشر التفرقة والفوضى. ورغم تعرّض الجريدة إلى الملاحقة ونيل الموزعين لاعدادها في كردستان صنوف التنكيل والضرب على أيدي الموظفين العثمانيين ورجال الشرطة فقد أصرّ مقداد بدرخان على اعتبار ذلك ضرباً من ضروب فساد البيروقراطية العثمانية وحاشية السلطان دون أن يكون للسلطان يد في ذلك. وقد كتب رسالة مفتوحة إلى السلطان ذكر فيها إخلاصه وثقته في تعاطف السلطان مع الشعب الكردي.
أصدر مقداد بدرخان الخمسة أعداد الأولى من «كردستان» في القاهرة، ثمّ خلفه في إدارة شؤون الجريدة أخوه عبد الرحمن بدرخان فانتقل بها من القاهرة إلى جنيڤ. وكان عبد الرحمن، قبل نزوحه إلى أوروبا، مديراً في وزارة الثقافة باسطنبول. وقد اتخذ موقفاً أكثر صلابة من السلطان والتحق بالجماعات المعارضة له ولا سيما من أنصار «تركيا الفتاة»، حيث انضم عبد الرحمن إلى الجناح اللامركزي فيها.
وكان عبد الرحمن يحظى بشهرة كبيرة في صفوف المستشرقين الأوروبيين وقدم لها مساعدات كبيرة في ما يخصّ شؤون الأكراد واللغة الكردية.
ورأى عبد الرحمن أنّ سبب تخلّف الأكراد وجهلهم إنما يرجع إلى اضطهاد السلطنة العثمانية لهم وجباية الأموال منهم من دون الاهتمام بحالهم والسعي لتطوير أوضاعهم. وقد كتب في العدد السابع من المجلة افتتاحية دعا فيها الأكراد إلى الاستيقاظ والانصراف إلى العلم والمعرفة: «إذا كانت السلطات المحلية ستعرقل جهودكم لفتح المدارس فاكتبوا للسلطان عن ذلك، وإذا لم يسعفكم ذلك فاكتبوا لي وسوف أحيط السلطان علماً، وإذا لم يدر السلطان لكم آذاناً صاغية فأشهروا سيوفكم. ولا بدّ لكم، من أجل الوصول إلى غاياتكم، من الوحدة فإن لم تتّحدوا لن تنالوا شيئاً». ثمّ بدأت الجريدة شيئاً فشيئاً توجّه سهامها إلى السلطان نفسه من دون الدعوة إلى إسقاط السلطنة نفسها. وشرع عبد الرحمن بدرخان يدعو في افتتاحياته ضرورة رحيل السلطان عبد الحميد وقيام «سلطان عادل مؤمن جديد يكون تقياً ورعاً لخلفاء الإسلام الأوائل». وتعرّضت الجريدة إلى السياسة الداخلية للإمبراطورية العثمانية وكشفت عن أحوال الناس وانتقدت النظام الإداري الفاسد والجهاز البيروقراطي البطيء وسلّطت الأضواء على حالات الاختلاس والرشوة وشراء الذمم في أجهزة الدولة العثمانية. ورأت الجريدة أنّ السلطان لا يعنى سوى بالسجون والجندرمة والمحاكم من دون اهتمام بالمصانع والمزارع والثقافة والعمران.
ودأبت جريدة «كردستان» على الدعوة إلى الأفكار القومية الكردية ولكن مقرونة بالدعوة إلى الحفاظ على الإمبراطورية وعدم تجزئة أراضيها. وهي طرحت مسألة الحياة الدستورية ورأت فيها منقذاً للناس وتخليصاً لهم من التعسّف والمظالم.
وكرّست الجريدة صفحات طويلة وفي أعداد كثيرة للدفاع عن الأرض ورفع الصوت ضد تعرّضهم للتنكيل والقتل على يد جهات متعصبة في الدولة. وكتبت افتتاحية العدد الرابع عشر أنّه في الوقت الذي «تفتتح المدارس في كلّ مكان من المعالم وتنهمك الشعوب في العمل والإبداع وتنشغل بوسائل التطور فإنّ السلطان لا يفعل سوى تحريض الأكراد على الأرمن. إنّه يسعى لإبقائنا في متاهات التخلّف إلى الأبد وزرع الكراهية في نفوسنا تجاه الأرمن».
ولم تقتصر الجريدة على المواضيع السياسية والقومية ولم تكتف بالدعاية والتحريض والبحث السياسي، بل خصّصت مكاناً واسعاً للآداب الكردية. وقد نشرت، منذ العدد الثاني، ملحمة «مم وزين» الكردية التي استحوذت على اهتمام القرّاء الأكراد وغير الأكراد وكذلك المستشرقين الأوروبيين، واستقطبت الجريدة الأقلام الأدبية وألقت الضوء على الشعراء الأكراد الكلاسيكيين مثل حمد خاني وملاي جزيري. كما أنّها نشرت مقتطفات كبيرة من الكتاب التاريخي الكردي «شرف نامه».
استمرّ صدور الجريدة حتّى شباط (فبراير) 1902 وصدر منها واحد وثلاثون عدداً، وقد تعدل مكان صدورها أكثر من مرّة بعد انتقالها من القاهرة، فصدرت في كلّ من جنيڤ ولندن وفولكستوف، ومن جديد جنيڤ فالقاهرة.
وتوجد مجموعة أعداد المجلة مجلدة في مكتبة هامبورغ في ألمانيا.
لقد وضع مقداد مدحت بدرخان باشا الحجر الأساس الأوّل في الصحافة الكردية وكانت جريدة «كردستان» ذلك الحجر.
نزار أغري
كردي شيعي شاعر باللغة العربية
هو أبو عبد الله الحسين بن داود البشنوي.
توفي سنة 370 هجرية.
والبشنوي بالباء الموحدة المكسورة والشين المعجمة الساكنة والنون المفتوحة والواو نسبة إلى الطائفة الكردية المعروفة بالبشنوية أصحاب قلعة الفنك بنواحي ديار بكر.
كان من أمراء الأكراد البشنوية أصحاب قلعة الفنك بنواحي ديار بكر وكان شاعراً مجيداً مكثراً وأورد ابن شهراشوب في المناقب مقتطعات كثيرة من شعره في أهل البيت وأورد له غيره أيضاً وذكره ابن شهراشوب في معالم العلماء في شعراء أهل البيت المجاهرين ولا بد أن يكون له أشعار كثيرة في جميع مناحي الشعر لكنّه لم يصل إلينا شيء منها في غير أهل البيت سوى الأبيات الثلاثة الآتية التي ذكرها ابن الأثير.
قال ابن الأثير في حوادث سنة 380 إنّ أبا طاهر إبراهيم وأبا عبدالله الحسين ابني ناصر الدولة ابن حمدان لما ملكا بلاد الموصل طمع فيها باذ الكردي وجمع الأكراد فأكثر وممّن أطاعه الأكراد البشنوية أصحاب قلعة فنك فقتل باذ وكان أبو علي بن مروان ابن أخت باذ فملك بعده جميع ما كان لخاله من البلاد وذلك ابتداء دولة بني مروان الذين ملكوا بعد البشنوية ففي ذلك يقول الحسين البشنوي الشاعر لبني مروان يعقد عليهم بنجدتهم خاله باذ من قصيدة:
البشنوية أنصار لدولتكم
وليس في ذا خفا في العجم والعرب
أنصار باذ بأرجيش وشيعته
بظاهر الموصل الحدباء في العطب
بباجلايا جلونا عنه غمته
ونحن في الروع جلاؤون للكرب
وما ذكره ابن شهراشوب في المناقب من شعره:
يا صارف النص جهلاً عن أبي حسن
باب المدينة عن ذي الجهل مقفول
وقوله:
مدينة العلم ما عن بابها عوض
لطالب العلم إذ ذو العلم مسؤول
وقوله:
وكيف تحرقني نار الجحيم إذا
كان القسيم لها مولاي ذا الحسب
وقوله:
ولست أبالي بأي البلاد
قضى الله نحبي إذا ما قضاه
ولا أين خط إذا مضجعي
ولا من جفاه ولا من قلاه
إذا كنت أشهد أن لا إله
سوى الله والحق فيما قضاه
وأنّ محمّد المصطفى
نبي وأنّ علياً أخاه
وفاطمة الطهر بنت الرسول
رسول هدانا إلى ما هداه
وابناهما فهما سادتي
فطوبى لعبد هما سيداه
وقوله:
التالي التنزيل غضا هكذا
قال النبي الطهر ذو الإرسال
وقوله:
يوم الغدير لذي الولاية عيد
ولدى النواصب فضله مجحود
وقوله:
لقد شهدوا عيد الغدير وأسمعوا
مقال رسول الله من غير كتمان
ألست بكم أولى من الناس كلّهم
فقالوا بلى يا أفضل الإنس والجان
فقام خطيباً بين أعواد منبر
ونادى بأعلى الصوت جهراً بإعلان
وشال بعضديه وقال وقد صغى
إلى القول أقصى القوم بالحفل والداني
علي أخي لا فرق بيني وبينه
كهارون من موسى الكليم بن عمران
ووارث علمي والخليفة في غد
على أمتي بعدي إذ رثّ جثماني
فيا رب من والى علياً فواله
وعاد معاديه ولا تنصر الشاني
وقوله:
يا ناصبي بكل جهدك فاجهد
إنّي علقت بحب آل محمد
الطيبين الطاهرين ذوي الهدى
طابوا وطاب وليهم في المولد
واليتهم وبرئت من أعدائهم
فاقلل ملامك لا أبا لك أو زد
فهم أمان كالنجوم وأنّهم
سفن النجاة من الحديث المسند
وقوله:
أأترك مشهور الحديث وصدقه
غداة بخم قام أحمد خطابا
ألست بكم أولى ومثلي وليكم
علي فوالوه وقد قلت واجبا
أتيتك ربي بالهدى متمسكاً
باثني عشر بعد النبي مراتبا
أأبغي عن البيت المطهر أهله
بيوت قريش للدنانير طالبا
وقوله:
سليل أئمة سلكوا كراما
على منهاج جدّهم الرسول
إذا ما مشكل أعيا علينا
أتونا بالبيان وبالدليل
وأورد له محمد بن علي بن حسن الجباعي في مجموعته قوله:
حبي لآل المصطفى فرض
وجزاء من عادهم بغض
فعلائق الإيمان أوثقها
الحب في الرحمن والبغض
إن كان هذا الرفض عندكم
فيما ترون فديني الرفض
قدمتموا قوماً برأيكم
ولهاشم الإبرام والنقض
يا أمّة ضلّت ببدعتها
أتكون فوق سمائها الأرض
الأكراد
ـ2ـ
الأكراد بصفتهم أمّة وقضية لها خصائصها وهويتها، مجهولون حتّى لدى أقرب الناس إليهم، دِيناً، أو هَمّاً، أو موطناً. ولكي لا نضيع في متاهات الألفاظ وعمومياتها نحاول هنا توضيح الأكراد تأريخاً وجذوراً، ثمّ معرفة جغرافية المنطقة الكردية المعروفة اليوم باسم (كردستان). كمدخل يخوّلنا الحديث عن الأكراد ـ أكراد العراق خاصّة ـ كأقليّة في العراق اسْتُغِلَّ وضعها وحرمانها من قِبَل العثمانيين مرّة، والروس مرّة أُخرى، وبريطانيا وأميركا مرّة ثالثة ورابعة، فأُخضِعَت (كردستان) المنطقة وأبناؤها، لمحاولات التوظيف من قبل تلكم الجهات، فيما لم يجنِ الأكراد بعد محاولات التوظيف تلك إلاّ مزيداً من التخلّف والحرمان والاضطراب، إن على صعيد الفرد الكردي، أو على صعيد المنطقة التي اقترنت باسمه وبهويته، وبالتالي صار يُنظر إليهم وكأنّهم عنصر اضطراب لا يساعد على الاستقرار السياسي لجيرانهم.
منشأ الأكراد وتاريخهم
يكاد يتّفق أكثر الباحثين الذين تناولوا موضوع تاريخ الأكراد وجذورهم، على أنّ ذلك التاريخ يحيطه الغموض في أكثر جوانبه، وترتب على ذلك افتقار معظم مكتبات العالم إلى تواريخ واضحة نهائية عن الأكراد.
ووسط ذلك الغموض، نحاول أن نفتح نافذة ـ ولو كانت ضيّقة ـ علّها تنير وتضيء… فنحاول أوّلاً عرض بعض ما جاء من أقوال متضاربة عن أصل الأكراد:
1 ـ يقول د. هـ. فلورانس في كتابه الأجناس:
«… ومن الصعب الرجوع إلى قبائل الأكراد، ولكن تذكر المخطوطات القديمة، أنّ هناك شعباً يُدعى (غوتو Guto) أو (غوتي Guty). وأصبح بعد ذلك (كرتي Gyrtti) أو (كوتو Guto)، وذلك قبل ألفي سنة من الميلاد، ويمكن الرجوع بأصل بعض القبائل إلى القرن السادس، وكانت حينها لا تختلف عن حياة الأكراد اليوم»([328]). وشعب (كوتو Guto) «هم الأقوام الذين عاشوا في مملكة (كويتام Gutium) الواقعة على الضفة الشرقية من نهر دجلة بين الزاب الصغير ونهر ديالى»([329]).
2 ـ هناك من يرى أنّ أصل الأكراد يعود إلى ما قبل سنة (400 أربعمائة)، قبل الميلاد، إذ تحدّث المؤرخ الإغريقي «كزينوفون» «عن شعب يقطن منطقة كردستان ويدعى (الكردوخيين)، ثمّ قيل إنّ الكردوخيين هم أجداد الأكراد»([330]). بينما يرى آخرون أنّ أجداد الأكراد (الكردوخ) إنّما عاشوا في كردستان منذ (2700) ألفين وسبعمائة سنة([331]).
3 ـ إنّ الأكراد إنّما يعودون بأصلهم إلى (الكرتيين Kyrtii) «وهم قوم كانوا يعيشون أصلاً في المنطقة الجبلية في غربي بحيرة (وان WAN)، وقد تطوّرت كلمة (كورتو Qurtu) أو (كاردو Kardu) أوّلاً، ثمّ تطوّرت إلى كلمة (كرت Kurt)، وهي كلمة أصلية وليست صفة لهذا الشعب، كما هو كلمة (كرد) الفارسية التي تعني الشجاع»([332]).
4 ـ إنّ الأكراد من أصل عربي، وهذا الرأي يذهب إليه بعض المؤرخين العرب كالمسعودي، وكذلك بعض الأكراد، «ويرجعون أصلهم إلى ربيعة بن نزار بن معد، أو إلى مضر بن نزار بن معاد، وهي قبيلة كانت تقطن ديار ربيعة (الموصل)، أو ديار مضر (الرقّة). ويزعم هؤلاء المؤرخون أنّ الأكراد كانوا قد انفصلوا عن قبيلتهم لخلاف حدث فيما بينهم فهاجروا إلى الجبال، واختلطوا بعناصر أُخرى فنسوا لغتهم»([333]).
5 ـ «إنّ الأكراد من الآريين، وإنّ هؤلاء الآريين قدموا إلى هذه الجبال في عهد ما قبل التاريخ، واندمج سكانها الأصليون فيهم بفعل الزمان والحضارة»([334]).
6 ـ إنّ الأكراد يعودون بأصولهم إلى أحد الأقوام الهندية ـ الإيرانية ـ وهو ما ذهب إليه المؤرخ (سيدني سميث Sidny Smith)([335]). «ويستند سميث Smith» في قوله هذا إلى أنّ النقوش الآشورية التي يرجع تاريخها إلى ما قبل (650) ستمائة وخمسين سنة قبل الميلاد، لا تذكر شيئاً عن الأكراد»([336]).
هذا مجمل ما قيل عن أصل الأكراد، ومثل هذا التضارب في أصل الأكراد، يكشف عن غموض حقيقي يكتنف أصل تلك الأمّة. ومثل ذلك التضارب يضع الباحث إزاء موقف حذر في اعتماد هذا الرأي أو ذاك. بيد أنّنا ـ والموضوعيّة هنا تقتضينا العودة لأصحاب القضية ـ نحاول قراءة ما كتبه الأكراد أنفسهم.
يقول الكاتب الكردي السوري صلاح بدر الدين:
«إنّ الأكراد ينحدرون من السلالة الهندو ـ أوروبية، وهم شعب قديم كتب عنه لأوّل مرّة المؤرّخ كزينفون عام (400) أربعمائة قبل الميلاد في مؤلَّفه الشهير «أناباس»، وقد سمّاه في حينه «الكردوخي». ويروي التاريخ بأنّ الأكراد هم أحفاد «الميديين» الذين قاموا بغزو مدينة نينوى عام 612 ستمائة واثني عشر (قبل الميلاد). وقد عرف الأكراد باسمهم هذا، وموطنهم باسم «كردستان» منذ القرن السابع الميلادي»([337]).
ويتضح ما في كلام بدر الدين من اضطراب، فقد نقل رأيين، دون أن يجزم بأحدهما، فيعتمده ويؤيده.
أمّا الكاتب الكردي الآخر، جلادت بدر خان أحمد أبرز مؤسسي (جمعية خويبون الكردية الوطنية)، فقد نشر كتاباً جاء فيه على ذكر تاريخ الأكراد، بعد أن ذيّل كتابه باسم مستعار، وهو د. بله ج. شيركَوه، فيقول: «كانت المعلومات التاريخية التي ذكرها المؤرخ اليوناني (كزينفون) في كتابه عن تقهقر العشرة آلاف يوناني سنة 401 أربعمائة وواحد ـ قبل الميلاد ـ من بلاد العجم إلى الشمال متضافرة على أنّ الكرد من أحفاد (الكاردوكيين) الذين اعترضوا سبيلهم وقاوموهم أشدّ مقاومة، واستمرّ هذا القول سائداً إلى ما قبل نصف قرن، غير أن تقدّم المباحث التاريخية والحفريات في السنين الأخيرة قد أظهر أقوالاً أخرى عن منشأ الأكراد وأثبت أنّهم أقدم من اليونانيين بزمن طويل. فمن ذلك أنّه في فجر التاريخ كان يسكن الجبال المشرفة على سورية أمّة تُدعى (Gutu) وجوتو معناها المُحارب، إذ تُرجمت إلى اللغة الآشورية بـ (Gardou) وقد استعمل «إسترابون» هذا التعبير نفسه لتوضيح اسم «كارداك» الوارد في خريطته التي عملها سنة 60 ستين قبل الميلاد، وكان هؤلاء (الجوتو) على جانب عظيم من المدنيّة، إذ وجدوا لهم مجالاً كبيراً لنشر حضارتهم بين الأمم المعاصرة لهم كالعيلاميين والحثيين والبابليين بالخط المسماري»([338]).
وبعد هذا يُثبت هذا الكاتب أنّ «مباحث عِلْمَي الأنثروبولوجيا والأثنولوجيا أثبتت بالأدلة العلمية القاطعة: أنّ الكرد من الآريين، وأنّ هؤلاء الآريين قدموا إلى هذه الجبال في عهد ما قبل التاريخ، واندمج سكانها الأصليون فيهم بفعل الزمان والحضارة التي أحدثوها بها»([339]).
ويبدو أنّ القول بعودة الأكراد إلى أصول آريّة هو ما يقرّه الكثير من المؤرخين([340])، كما ويميل معظم الباحثين إلى تصديق أنّ كلمة (كرد) قد تطوّرت من اللفظ الآشوري لكلمة (كوتو Guto) على النحو الذي وصفه به الآشوريّون في سجلاتهم، حيث ذكروا المناطق الحالية لكردستان([341]).
كردستان جغرافياً
تتألّف كردستان من منطقة سهلية وجبلية، تتقاسمها تركيا وإيران والعراق مع مستعمرات في القوقاس ومنحدرات جبل آرارات في أرمينيا السوڤيتية، هذا ما يقوله د. هـ. فلورانس عن كردستان في كتابه: الأجناس([342]).
وتُقَدَّر مساحة (كردستان) من حيث طولها بحوالي 900 تسعمائة كيلومتر تقريباً. ويتراوح عرضها بين (100ـ200) كيلومتر، وهو قُطر جبلي يقع بين الدرجة 24ْ و39ْ عرضاً وبين الدرجة 37ْـ46ْ طولاً([343]). وبهذا فإنّ مساحة كردستان تُقَدَّر في حدود «500 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ طولها من الشمال إلى الجنوب (1000) كيلومتر([344]).
وعن كردستان العراق نقول:
في التقسيم الإداري للعراق، يُطلق على منطقة كردستان العراق: المنطقة الشمالية «والتي تشمل محافظات: الموصل، والسليمانية، وأربيل، وكركوك، وانضمّت في عام (1389هـ ـ 1969م) محافظة (دهوك) إلى المنطقة»([345])، بعد أن كانت (دهوك) قضاءً تابعاً لمحافظة الموصل.
وضمن التقسيم الإداري للعراق هناك ـ بالإضافة للمنطقة الشمالية ـ منطقة الجنوب التي تشمل محافظات: العمارة (ميسان) والبصرة والناصرية (ذي قار)، ومنطقة الوسط التي تشمل بغداد، وكربلاء والنجف وغيرها.
وإذا ما عرفنا أنّ «مساحة العراق الإقليمية تبلغ (924) ألف كم2»([346])، فإنّ مساحة المنطقة الكردية تشكّل نسبة (11,5) بالمائة من مجموع مساحة العراق العامّة([347]).
تحدّ منطقة كردستان ـ العراق شمالاً وشرقاً إيران، وشمالاً تركيا، وغرباً سوريا «وهي من أغنى المناطق العراقية من حيث وجود النفط، والثروة الزراعية، والمعدنية، والمياه الجوفية والأنهار»([348]).
الأكراد
ـ3ـ
يعتبر الشعب الكردي من أقدم الشعوب التي سكنت الشرق الأوسط، فمنذ آلاف السنين يعيش الكرد في سهول بلادهم وجبالها، التي تقع في ملتقى الحضارات القديمة، والتي أصبحت بفضل ثرواتها الغزيرة وموقعها الاستراتيجي، مركزاً للنزاعات والغزوات المتواصلة ومصدراً لمطامح الإمبراطوريات التي ظهرت خلال الفترات التاريخية المتعاقبة.
ونتيجة الظروف الموضوعية التي مرّت على كردستان وطبيعتها الجغرافية، بالإضافة إلى سيادة الحياة الرعوية والزراعية البدائية المعتمدة على منابع المياه الصغيرة، تكوّنت تجمّعات قبلية، وإمارات منعزلة، لعبت دوراً ملموساً في تكريس التجزئة التي مكّنت الأعداء من استغلال الوضع لصالحهم، الأمر الذي جلب الويلات والكوارث وجعل من كردستان ساحات قتل دموية بين الجهات الغازية. وأبرز مثال على ما ذكرنا، كان الصراع المتواصل بين الصفويين (الإيرانيين) والعثمانيين (الأتراك) للسيطرة على كردستان، الذي وصل ذروته عام 1514م في معركة (جالديران)، التي تمّ على أثرها تقسيم كردستان للمرّة الأولى بين الدولتين المذكورتين. ورغم تعقيد تلك الظروف الذاتية والموضوعية المذكورة، فإنّ جماهير الكرد كافحت من أجل الحفاظ على وجودها والدفاع عن كردستان. فالتاريخ القديم والحديث للشعب الكردي حافل بالعديد من الانتفاضات والحركات القومية والدينية، والتي قدم فيها مئات الألوف من أبناء الشعب حياتهم في سبيلها.
وفي سياق تلك الثورات والانتفاضات والحركات الاحتجاجية، شرعت العناصر الأساسية التي تتكوّن منها التجمّعات الموجودة في كردستان، بالانصهار في بوتقة واحدة من جرّاء النمو التدريجي للعلاقات الداخلية وتوسّع التجارة والإنتاج الزراعي. وتحت تأثيرات الارتباط بالسوق الدولية، وبروز حركات التحرّر والاستقلال في المنطقة، ظهرت القومية الكردية بشكله الجديد، كظاهرة اجتماعية ـ تاريخية في الربع الأخيرة من القرن الماضي.
ربّما كان مناسباً، أن يتم التطرّق ولو بشكل سريع للماضي القريب لجهاد الشعب الكردي ووقوفه ضد حملات الإبادة والقهر والتشريد لأكثر من قرن ونيف على يد العثمانيين والكماليين والحكومات القاجارية والبهلوية وروسيا القيصرية والستالينية والقوات البريطانية والفرنسية والحكومات العراقية المتعاقبة وآخرها نظام صدام.
وأبرز الثورات والانتفاضات والأحداث المهمة هي:
ثورة الشيخ عبيدالله النهري القومية التحررية 1880م. أوّل ثورة كردية ضد حاكم القاجار وحملت مطالب قومية محددة. ونادى الشيخ النهري في مؤتمر قومي موسّع، بتوحيد كافة مناطق كردستان. وكان الشيخ يتمتع بنفوذ ديني ودنيوي كبيرين بين الأكراد، سحقت الثورة بعنف ونفي الشيخ إلى مكة مع أسرته حيث وافاه الأجل في تشرين الأول (أكتوبر) 1888م.
ثورة بدرخان ـ (1842ـ1843م). طالبت الثورة بتحرير كردستان من الدولتين العثمانية (التركية) والقاجارية (الإيرانية) وتشكيل دولة مستقلة في المناطق الكردية. ولعب رجال الدين المسلمين دوراً مهماً في تلك الثورة.
ثورة هكاري وبوتان ـ (1853ـ1856م) ـ بقيادة القائد يزدان شير الذي حرّر منطقتي هكاري وبوتان. تمّ قمع تلك الثورة بمساعدة القوات الروسية (القيصرية) التي هيمنت على المنطقة في تلك الحقبة من الزمن.
انتفاضة ديرسيم ـ (1877ـ1878م) ـ قاد الانتفاضة عدد من رجال الدين المسلمين الذين شعروا بالظلم والقهر، الواقع على الشعب الكردي.
حركة بدليس ـ (1912م) ـ بقيادة الشيخ سليم والشيخ شهاب الدين النقشبندي. وكانت جمعية (هيفي ـ الأمل) التي تأسّست عام 1910م في اسطنبول من الكرد المتنورين والضباط، بمثابة الجهة الموجهة لتلك الحركة الثورية، التي قمعت بقسوة بالغة بعد فترة قصيرة. ويذكر أنّه كان للكرد أيضاً دورهم في إحداث الثورة الدستورية الإيرانية (1905ـ1911م). فإنّ الجماهير الكردية وقفت في أكثريتها الساحقة إلى جانب الثورة التي استهدفت النظام القاجاري المستبد، وتمّ تأسيس عدد من «لجان الثورة» في المدن الكردية كرمنشاه، مهاباد، سنندرج، سقز، بوكان وغيرها. وبعد إخماد حركة بدليس، أعدم الثائر الشيخ عبد السلام البارزاني ورفاقه وعدد كبير من أبناء كردستان الذين ساهموا بحماس في الحركة تلك.
ولعبت الصحف والمجلات (يوم الكرد)، (هتافا كرد ـ شمس الكرد) (زين ـ الحياة) والجمعيات (جمعية أزادي كردستان ـ جمعية تحرير كردستان) و(جمعية جهانداني ـ جمعية معرفة العالم) دوراً فاعلاً في دعم الحركة والدفاع عن الحقوق القومية الكردية وتبني شعارات الحكم الذاتي والاستقلال. وكانت تلك الصحف والمجلات والجمعيات الاجتماعية ـ السياسية، تدار من قبل الأكراد المتعلمين الذين أنهوا دراساتهم في معاهد وجامعات باريس والقاهرة واسطنبول وحلب وجنيڤ وبطرسبورغ.
ثورة عام 1917م. وبينما كانت الحرب العالمية الولى تطحن المنطقة، انتفض الكرد في مدن ديار بكر، خربوط، الموصل، بوتان، ماردين، السليمانية للمطالبة بتوحيد مناطقهم تحت إدارة كردية من أهالي المنطقة وإبعاد شبح الإبادة الجماعية والجوع من مناطقهم والتصدّي لمعاهدة (سايكس ـ بيكو 1916م) التي عقدت سراً بين البريطانيين والفرنسيين والروس القياصرة، واتفقوا فيها على تقسيم مناطق الكرد من دون استشارتهم.
ثورة السليمانية (1918ـ1919م) وتأسيس حكومة كردستان في مدينة السليمانية بقيادة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي. قمعت الثورة وحكومتها من قبل القوات البريطانية الموجودة في المنطقة، واحتلت مدينة السليمانية عاصمة الدولة والمدن الأخرى. وبعدها تمّ تشكيل الوفد الكردي الذي سافر إلى باريس ليمثّل الأكراد في صوغ معاهدة (سيفر) التي أقرّت بالحقوق القومية للأكراد ضمن بنود 62، 63 و64 من المعاهدة.
ثورة الشيخ سعيد بيران (1920ـ1925). قادت «جمعية استقلال كردستان» الثورة واستقطبت المتعلمين من كافة أجزاء كردستان إلى صفوفها.
ثورة سمكو شكاك (1921ـ1924م): شملت منطقة واسعة من غربي بحيرة أرومية ومهاباد وسقز وبانه وشرق السليمانية وغرب أربيل وشمزينان.
أخمدت الثورة بعد أن شنّ رضا شاه حملة عسكرية واسعة على كردستان، قتل فيها الألوف من الكرد.
ثورة الشيخ محمود الحفيد (1922ـ1924م) بعد رجوع الشيخ محمود من منفاه، قاد ثورة جديدة في كردستان العراق، للمطالبة بالحرية والعدالة، وذلك بعد أن تأسّست (جمعية كردستان) وصدور صحيفة «نداء كردستان» باللغات الكردية والعربية والتركية والفارسية. أعلن الشيخ عن تشكيل الحكومة يوم 1/1/1923م وكانت السليمانية عاصمة لها وانتخب الوزراء وسن الدستور وعين الحكام والموظفين والشرطة المحلية. وجاء الإعلان بعد انتصار القوات الكردية على القوات البريطانية في معركة 5/9/1922م المعروفة.
لم تمض فترة طويلة، حتّى شنّ البريطانيون حملة واسعة النطاق على كردستان والسليمانية بالذات، فتمّ لهم إخماد الثورة وأعدم وأبعد وسجن المئات من القادة الكرد وحلّت الدولة الكردية وألحقت المنطقة بالدولة العراقية الحديثة التكوين آنذاك.
انتفاضة جبال آرارات (1927ـ1930م) ـ بقيادة الجنرال إحسان نوري باشا، وسمّيت بانتفاضة (آكري داغ) أيضاً. وكان حزب (خويبون ـ الاستقلال) بمثابة التنظيم السياسي للانتفاضة، وقد قمعت بعنف من قبل قوات أتاتورك وقتل الألوف من أبناء المنطقة بتهمة مساندتهم للانتفاضة ونفي مئات الألوف منهم إلى مناطق خارج كردستان.
انتفاضة البارزانيين (1932م) بقيادة الشيخ أحمد البارزاني ضد الإنكليز في العراق.
انتفاضة درسيم (1937م) بقيادة سيد رضا: قمعت تلك الثورة كمثيلاتها، وتمّ عقد معاهدة عسكرية باسم معاهدة (سعد آباد) بين تركيا وإيران والعراق وأفغانستان للقضاء على أيّة حركة شعبية تقوم في إحدى الدول الأربع التي وقعت على المعاهدة تلك.
انتفاضة بارزان (1943ـ1945م): اندلعت الثورة في كردستان العراق بقيادة مصطفى البارزاني. وساهم حزب (هيوار ـ الأمل) بكلّ ثقله في تلك الثورة إضافة إلى عدد من كبار الضباط الأكراد والمثقفين.
جمهورية كردستان في مهاباد الإيرانية (1946ـ1947م) فتح انتهاء الحرب العالمية الثانية، آفاقاً جديدة أمام النضال التحرري حين كانت كردستان تحت منطقة نفوذ الاتحاد السوڤياتي. فبعد تأسيس الحزب الديموقراطي الكردستاني في 16 آب (أغسطس) 1945م بدئ العمل من أجل التفاوض مع شاه إيران في طهران من أجل نيل الحقوق القومية الكردية المهضومة وذلك ضمن صيغة الحكم الذاتي الموسع. بالنظر لتعنّت الشاه من تلبية مطالب الكرد، تمّ الإعلان في مدينة مهاباد يوم 22 كانون الثاني (يناير) 1946م عن تأسيس (جمهورية كردستان الديموقراطية ذات الحكم الذاتي) عرفت باسم (جمهورية مهاباد)، وعيّن القاضي محمد رئيساً للجمهورية، وشارك الكرد من كافة أجزاء كردستان في عملية بناء وتطوير الجمهورية الفتية. سرعان ما تحالف الشاه مع ستالين لضرب الجمهورية وسحقها، وإعدام قادتها صبيحة يوم 30 آذار (مارس) 1947م وسط مدينة مهاباد.
ثورة كردستان العراق (1961ـ1975م): وهي أكبر ثورة في تاريخ الشعب الكردي المعاصر من حيث السعة والقدرة القتالية والسياسية والتنظيم الاجتماعي والسياسي. وسمّيت بثورة أيلول (سبتمبر)، نظراً لاندلاعها في 11 أيلول 1961م وقد رفعت شعار (الديموقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان) وحقّقت مكاسب كثيرة وفي مقدمتها اتفاقية 11 آذار (مارس) 1970 التي أقرّت الحكم الذاتي ضمن الجمهورية العراقية ولم تطبق بسبب سياسة وممارسات نظام صدام حسين.
انتكست الثورة بعد تفاهم صدام مع شاه إيران في الجزائر يوم 6 آذار 1975م على حلّ الخلاف على الأرض والمياه مقابل وقف الدعم للثورة الكردية، وهو أمر أدّى إلى انهيارها.
وأخيراً الثورة الكردية التي اندلعت في كردستان العراق في آب (أغسطس) 1976م.
عادل مراد
الأكراد
ـ4ـ
القوانين التركية التي تلاحق الجماعات الكردية المسلحة والأزياء واللغة والشواهد الثقافية الكردية، هي نفسها «القوانين الاستثنائية» التي صدرت قبل ما يزيد على 70 سنة حين أغلقت حديثاً صحيفتان محليتان (دنكي آزاد) و(أوزغور أولكه) بموجبها، وهي نفسها تحوّلت إلى «مرجع» للأزمة السياسية التركية الناشئة عن الحيرة في صوغ موقف واقعي من الملف الكردي.
صدرت «القوانين الاستثنائية» خلال ظروف تداخلت فيها الحرب الأهلية مع الحرب العالمية الأولى، على خلفيات تداخل المصالح واضطراب المبادئ والعلاقات والتحالفات، واشتعال العواطف القومية وخيارات القوّة… إلخ. فما هي تلك الخلفيات من زاوية الصراع التركي ـ الكردي؟ وكيف تكوّنت صورة الحاضر في شريط واسع من الأراضي التركية الجنوبية؟ وماذا عن أكراد ذلك الجزء من العالم؟
تاريخ الصراع التركي ـ الكردي هو تاريخ وعود تركية بإنصاف الأكراد في غمرة الحرب وتخل عن تلك الوعود عند إحلال السلام، وهو تاريخ اعتدال كردي في المطالب وقت الحرب وتخل عن الاعتدال وقت السلام. وعلى هامش التاريخ المديد، ومن مفارقاته، كان الأتراك، يغيرون على جبهة المعتدلين الأكراد إذ تقع في مرماهم، فيحطمون معاقلهم وأطروحاتهم ونفوذهم، ويغير الأكراد على صفوف المعتدلين الأتراك فيدكّوا حصونهم ومنابرهم ومحاولاتهم التوفيقية، لتخلو الساحة للمتصلبين من الجانبين في غياب المحاورين والحلول الوسط ومحاولات تطييب الخواطر أو محاولات التقرّب من مفاتيح الحل لمشكلة ما زالت تعالج بالاحتكام للسلاح والقوّة.
وفي هذه اللوحة من المفارقات، كانت الحياة وضعت أكراد تركيا في خيار الترقّب بما يعنيه من تعويل على المستقبل، والتقليل من شأن علامات الماضي، وعذرهم أنّ قدماءهم تركوا لهم حكمة صالحة لمثل هذا الخيار، تقول: قيل لأحدهم من قتل والدك راكبون أم راجلون؟ أجاب: لقد قتل والدي.
ينقل المؤرخون القدامى عن اللوائح السومرية تأكيدها أنّ الأكراد من أقدم المجتمعات الأرستقراطية في العالم، وأوردوا عن «هيرودوتس» قوله إنّهم شعب محب للقتال ويتحدّر عن سلالة (كورديوني) التي تمتد إلى 400 سنة قبل الميلاد، إذ ينتسبون عرقياً إلى الآريين الذين يتحدّثون اللغة الهندو ـ أوروبية.
استوطن الأكراد في منطقة تحدّها من الجنوب أرض بلاد الرافدين وامتداد منطقة الموصل التابعة للدولة السومرية ومن الشمال مناطق يرفان وأرضروم حتّى الإسكندرون، واتخذ الشماليون منهم جزيرة ابن عمر (جنوب تركيا) وطناً أقاموا عليه حضارة وسوقاً وشرفة للصلة القومية بالأطراف الكردية الأخرى. وطبقاً لكتب التاريخ الكردية فإنّ مصطلح «كردستان» أطلق للمرّة الأولى من قبل السلاطين السلاجقة «سنقر» على أحد مقاطعات مملكته في القرن الثاني عشر الميلادي. وإنّ أوّل مؤرخ ذكر كلمة كردستان كان القزويني في مؤلفه «نزهة القلوب». وجاء في «روح المعاني» للآلوسي أنّ من بين أصحاب النبي محمد (صلّى الله عليه وآله صحابي كردي جليل كان يدعى (كابان).
حتّى القرن السابع عشر كانت كردستان تحتفظ بشخصية سياسية معنوية موحدة، غير أنّها قسّمت للمرّة الأولى في عهد السلطان العثماني مراد الرابع في اتفاق له مع شاه الإمبراطورية الفارسية عباس الثاني حين وقعا في العام 1639م اتفاقاً بتوزيع كردستان بين تركيا وبلاد فارس، وبقيت على هذه الحال حتّى عام 1918. وجاءت اتفاقية فرانكلين ـ بولوف الفرنسية ـ التركية عام 1921 حين قضت بفصل القبائل الكردية وأجلي قسم منها إلى داخل الحدود السورية. واعتبرت حركة التمرّد التي قادها الأمير الكردي بدرخان حاكم بوتان بمثابة رد على تفتيت كردستان حين نجح في إقامة كونفيديرالية مستقلة عام 1830م ودامت حوالي 15 عاماً قبل أن يهاجمها الأتراك ويقومون بنفي الأمير الحاكم، وفرض إدارة تركية على المنطقة أدّت إلى اضطرام المشاعر الكردية الانفصالية وولادة حركة سياسية منظمة باسم «لجنة خويبون» بقيادة حفيد بدرخان: جلادت خان.
عشية التحضير للحرب العالمية الأولى، ومع التفكّك المضطرد للإمبراطورية العثمانية، كانت حركات العصيان السياسي الكردية تتخذ طابع الدعوة للاستقلال. حتّى أنّ «حزب الحرية والائتلاف» التركي عقد اتفاقاً مع «جمعية انبعاث كردستان» حول منح الحكم الذاتي لكردستان «في إطار الإمبراطورية العثمانية». واعتبر الكثير من المشايخ ورجال السياسة والعسكريين الأكراد أنّ الاتفاق، إذا لم يكن من دون فائدة سياسية، فإنّه يعترف للأكراد بحق إقامة كيان لهم بكفالة الاعتراف بوجودهم كقومية، غير أنّ الغالبية من الشبيبة الكردية اعتبرت الاتفاق لا يستجيب للحد الأدنى لطموحات القومية الكردية.
وإذ دخلت بريطانيا، في سنوات الحرب الأولى، كدولة مؤثرة في اتجاهات الوضع في المنطقة، فإنّها مدّت خيوطاً من الصلة مع الجماعات الأثنية والطائفية المنضوية تحت خيمة الإمبراطورية العثمانية، وكان الأكراد من بين أبرز تلك الجماعات، وتولّى المفوض السامي البريطاني في اسطنبول بنفسه محاورة الأكراد واستقراء مطالبهم. ففي برقية له إلى ممثل الديبلوماسية البريطانية في بغداد مؤرخة في 18/4/1919 يؤكد أنّ الزعيم الكردي سيد عبد القادر «عرض عليّ باسم اللجنة الكردية هنا مسألة استقلال الأكراد وتحريرهم من النير التركي». وفي برقية أخرى موجّهة إلى وزارة الخارجية البريطانية في 3/5/1919 يؤكد المندوب السامي «إنّهم يريدون دولة حرة. إنّهم يريدون التخلص من الأتراك».
ومن جنبه، حاول سياسي كردي، كان يعمل في السفارة التركية في بطرسبرغ في روسيا، عقد اتفاق مع الروس عام 1916 يقضي بتعاون الأكراد مع قواتهم الزاحفة على بتليس وأرضروم مقابل تقديم الدعم الروسي والمساعدة في تحقيق الاستقلال الكردي.
وحصل التعاون ولم تتحقق الوعود، فيما كان الأتراك أنفسهم قد وعدوا أكراداً بتأمين استقلال كردستان «بعد النصر» في محاولة لتشجيعهم على القتال ضد جيوش الدول الغربية الزاحفة.
وقبل أن تتوقف الحرب كان الملف الكردي مطروحاً بقوّة على جدول البحث، ففي مؤتمر فرساي، مثلاً، كان رئيس الوفد التركي شريف باشا (من مواليد السليمانية) فاجأ المتفاوضين بالتخلي عن هويته التركية ليعلن أنّه يمثّل الأكراد الذين يطمحون للاستقلال عن تركيا. وتفاوض، فعلاً، مع وزير خارجية إيران حول فكرة إعلان استقلال كردستان تحت الحماية الإيرانية، وقدم مذكرتين إلى «مؤتمر الصلح» بالمطالب الكردية في آذار (مارس) 1919 مرفقتين بخريطة كردستان. كما أجرى شريف باشا الكثير من اللقاءات، من بينها مع ممثلي الأرمن الذين كانوا هم ايضاً يسعون إلى الانفصال عن تركيا، وأصدر الجانبان بيانات مشتركة تدعو إلى طرد الأجانب من كلّ من كردستان وأرمينيا، ما أثار حفيظة كما أتاتورك الذي أمر في حزيران (يونيو) 1919 القوات التركية بشن هجوم عسكري واسع النطاق لإخضاع الأكراد.
وحين بدأت مفاوضات الصّلح بين الحلفاء عام 1920 في باريس انتدب الأكراد الجنرال شريف باشا ابن سعيد باشا باعتباره ممثلاً لهم، في حين شكّلت لجنة دولية بقرار من المتفاوضين لدراسة إمكان منح كردستان حكماً ذاتياً أولياً على طريق إقامة دولة كردستان خلال سنة واحدة. وتكلّلت الاتصالات بإعلان حق الأكراد، مبدئياً، بالاستقلال وفق «معاهدة سيفر» التي توصل لها الحلفاء في آب (أغسطس) 1920 فيما كان الصراع بين بقايا أنصار السلطان العثماني والحركة الكمالية على أشدّه.
وجاء في المادة 62 من المعاهدة إلزام لجنة مكوّنة من ثلاثة أعضاء يعينون من قبل الحكومات البريطانية والفرنسية والإيطالية، «مشروعاً للحكم الذاتي المحلي للمساحات التي تقطنها غالبية كردية واقعة بين شرق الفرات وجنوب الحدود الجنوبية لأرمينيا، كما ستقرر، وشمال حدود تركيا مع سورية وما بين النهرين (ميتسوبوتاميا). وفي حال عدم حصول الإجماع في الرأي حول المسألة تحول القضية إلى الحكومات الثلاث».
وجاء في المادة 63 من المعاهدة «توافق الحكومة التركية على قبول وتنفيذ مقررات اللجنتين المذكورتين في المادة 62 خلال ثلاثة أشهر من إيصالها لتلك الحكومة»، فيما أوردت المادة 64 استدراكاً متطوراً: «إذا قررت الشعوب الكردية في المناطق المحددة في المادة 62 خلال سنة من بدء تنفيذ المعاهدة الحالية أن تبيّن لمجلس عصبة الأمم أنّ أكثرية سكان هذه المناطق تريد الاستقلال عن تركيا، وإذا قرّر المجلس أنّ هذا الشعب قادر على هذا الاستقلال ويوصي بمنحهم إياه توافق تركيا على تنفيذ التوصية وتتخلى عن جميع الحقوق في هذه المقاطعات، إنّ النصوص التفصيلية لهذا التخلي ستكون موضوعاً لاتفاقية منفصلة عن الدول الحليفة الرئيسية وتركيا». عندما يحدث هذا التخلي «لن تعارض الدول الحليفة الرئيسية انضمام الأكراد القاطنين في ذلك القسم من كردستان ضمن ولاية الموصل إلى هذه الدولة الكردية المستقلة».
غير أنّ «معاهدة سيفر» بقيت حبراً على ورق مع العاصفة الكمالية التي هبّت على الحكم السلطاني في تركيا وانهياره، الأمر الذي طرح على الحلفاء ضرورة تدقيق المعاهدة عبر الحوار مع الكماليين، وهم في ذروة الزهو بالانتصار. وهكذا فتح الباب إلى معاهدة جديدة، شاء الأكراد أن يكونوا ضحيتها الأولى.
ففي تموز (يوليو) 1923 تمخضت مفاوضات معقدة ومضنية وزاخرة بالتداخلات والصفقات عن معاهدة جديدة وقعت في لوزان، حين حلّت، حقوقياً، محل «معاهدة سيفر» وأسقطت أيّة إشارة لحقوق الشعب الكردي في تقرير مصيره، باستثناء تضمينات عمومية مثل حق التحدّث باللغة القومية «والمرافعة بها أمام المحاكم التركية وإصدار الجرائد والمجلات والكتب بها وإنشاء أندية كردية علمية اجتماعية وتهذيبية، وفي التجوال داخل تركيا وخارجها بكلّ حرية» كما جاء في الفصل الثالث من المعاهدة.
وإذا أغفلت معاهدة لوزان حقوق الأكراد القومية، فإنّها تجاهلت حقيقة أنّهم يشكلون نسبة 9 في المئة من السكان الأتراك، آنذاك، وأنّهم القومية الثانية داخل النسيج السكاني التاريخي للدولة التركية الجديدة. فطبقاً لإحصاء عام 1927، كانت نفوس الأتراك 11 مليوناً و777,815 نسمة (بنسبة 86 في المئة) والأكراد مليون و184,446 نسمة (بنسبة 9 في المئة) والعرب 134 ألف نسمة و273 نسمة (بنسبة 1 في المئة). وجاء في نتائج الإحصاء أنّ الأكراد يشكّلون حوالي 35 في المئة من سكان مناطق الأناضول الشرقية ويشكّلون 77 في المئة في ولاية وان و75 في المئة من ولايتي بتليس (مورن) وسيرت و69 في المئة من ماردين و53 في المئة في العزيز. ويجب الأخذ في الاعتبار أنّ هذا الإحصاء جاء بعد فشل الانتفاضة الكردية الكبرى في عام 1925 التي اضطرت الكثير من القبائل والجماعات والعوائل الكردية إلى الهجرة إلى مناطق كردستان الأخرى.
سوء ظن
يمكن اعتبار سوء ظن الأكراد بالوعود التركية من جملة المراكمات التاريخية التي تمتد إلى عمر الشراكة في الجغرافيا، غير أنّ البيان الصادر عن «مؤتمر أرضروم» الذي عقدته الحركة الكمالية في تموز (يوليو) 1919 تحول إلى كابوس في ذاكرة الأكراد، إذ تعيد إنتاجه بمزيد من الفزع والمرارة كلّما لوّح وريثو الكمالية بوعود جديدة.
عقد المؤتمر مسبوقاً بطائفة من التلميحات المنسوبة إلى أتاتورك باستعداده لتسوية الأزمة مع مناطق الأكراد المتمردة، غير أنّه، بدلاً من ذلك، صاغ سياسة إخضاع الأعراق بالقوّة بأكثر المفردات تزمّتاً، وقرّر «أنّ ولاية أرضروم وسيواس وديار بكر غير قابلة للتقسيم أو التجزئة عن الإمبراطورية العثمانية بأيّة ذريعة كانت».
كما أنّ المؤتمر الذي عقدته الحركة الكمالية بعد شهرين في «سيواس» لم يخرج عن قرارات «مؤتمر أرضروم» مثلما لم تخل الفترة بين المؤتمرين ـ كما هي العادة ـ من وعود وتلميحات للتسوية. بل إنّ المؤتمر الأخير أمعن في التنكّر لوعود المساواة والحكم الذاتي واحترام الخصائص العرقية والقومية للأكراد و«كان معبأ بالروح الشوفينية المتجاهلة لحقوق الأقليات القومية، وبشكل خاص الأكراد».
غير أنّ قرارات المؤتمرين الكماليين يمكن أن تبقى في موضع الأخذ والرد، أو عرضة لإعادة النظر، تبعاً لردود الفعل ومستحقات الأحداث لولا أن أخذ الكماليون أكثر ما في تلك القرارات من تصلّب إزاء القوميات ـ وخصوصاً إزاء الأكراد ـ ليضعوه في أساس «الميثاق القومي» الذي أقرّه البرلمان في كانون الثاني (يناير) 1920، وجاء في البند الأوّل منه «أنّ أجزاء الإمبراطورية العثمانية، الواقعة على طرفي الخط المثبّت في صلح مردوس والمأهولة على الأغلب بالأتراك والمسلمين المرتبطين بالأواصر الدينية والثقافية والمتطلعين لهدف واحد: تشكل وحدة تامة غير قابلة للتجزئة بأيّة ذريعة واقعية كانت، أم حقوقية».
ويمثل صدور الميثاق وحملة الترويج له الذروة الجديدة في النزعة القومية التركية، وبمثابة الفتيل الذي ألهب المشاعر الكردية حين اندلعت حركات استعادة الحقوق بمقاسات جديدة تجاوزت حدود النشاط السياسي إلى طائفة من أعمال العصيان والصدام المسلح، وساعدت عوامل إضافية الأكراد على الانتفاضة وهي:
- الدعم الذي قدّمته بريطانيا لبعض القيادات الكردية، في محاولة لإضعاف الحركة الكمالية التي تطرح فكرة المجابهة مع المصالح الغربية، وإقامة تركيا قوية في المنطقة.
انحياز فئة من القيادات الكردية التقليدية، موضع نقمة شعبية، إلى جانب الأتراك، والتحالف مع الكماليين، الأمر الذي أبعدهم من التأثير في الوسط الكردي من جهة وضاعف من التفاف السكان الأكراد حول الانتفاضة من جهة أخرى.
- اندلاع حركات مقاومة في أجزاء أخرى من كردستان، خصوصاً في شمال العراق ما ألهب المشاعر القومية الكردية ونقل مركز الثقل إلى الأجزاء التركية التي كانت موضع مناقشات على المستوى الدولي.
وفي النسيج المتداخل للمؤسسة العسكرية التركية تحرّك ضابط كردي لامع، على نحو سري، للدعاية إلى فكرة استقلال كردستان تركيا. وكان خالد بك من بين الكثير من الأكراد الذين لمعوا في الجيش العثماني وحازوا على نفوذ واسع فيه، وأفادته سمعته العسكرية في نيل احترام وثقة زعماء العشائر في مناطق فارتو وكارلوفا ومالازغيرت وبولانيك وغيرها للعمل على إعلان الانتفاضة ضد «الميثاق القومي» وقرارات مؤتمري أرضروم وسيواس، ونقل القضية الكردية إلى عصبة الأمم عبر مذكرات عديدة باسم الفعاليات السياسية والقبلية والاجتماعية الكردية إلى عواصم الدول المعنية، ثمّ بدأت التحضيرات للانتفاضة بالدعوة إلى تسليح القبائل الكردية وإلزام المواطنين الأكراد بارتداء زيّهم القومي وتعلّم القراءة والكتابة بلغتهم والتوجّه إلى المؤلفات القومية لكتّاب مثل جبرانلي والجزيري وخاني.
وفيما بلغ الغليان الشعبي ذروته بعث زعماء الأكراد برقية إلى «مجلس الأمّة العالي» جاء فيها «تقضي معاهدة سيفر إنشاء كردستان مستقلة مشتملة على ولايات ديار بكر والعزيز ووان وبتليس، وعليه يجب تأسيسها، وإلاّ سنكون مضطرين إلى انتزاع هذا الحق بقوّة السلاح». غير أنّ أتاتورك الذي شعر بخطر العاصفة الكردية سرعان ما غيَّر لهجته ضمن خطة تستهدف اختراق الصف الكردي، ونجح في استدراج الزعماء الأكراد إلى الموافقة على التفاوض حول «المطالب الكردية الملحة» التي أشار لها بيان رسمي نسب إلى الزعيم التركي قوله: «إنّ مطالب كردستان ستلبى بشكل عام».
وحين وصل الزعماء الأكراد إلى أنقرة، نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) 1920، أمر أتاتورك باعتقالهم (مجو آغا ودياب آغا) وأجبرهم على إصدار بيانات بوجوب الصلح مع الحكومة المركزية وإنهاء المظاهر المسلحة، غير أنّ ذلك لم يحل دون اندفاع أعمال العصيان الكردي. وفي آذار (مارس) عام 1920 قامت جماعة كردية مسلحة بالسيطرة على نقطة حراسة تركية في بلدة «يازي حاجي» وتحرير معتقلين، ثمّ قام ثوار في منطقة أومرانية بإعدام قائد الجيش التركي (خالص)، ورفع علم كردستان فوق المباني.
ومرّة أخرى احتكمت الحكومة التركية إلى المناورة. ومرّة أخرى برز في صفوف الأكراد من يدعو إلى تصديق الوعود الجديدة (شفيق حيدر بك) ومن يدعو ـ بالمقابل ـ إلى خوض المجابهة حتّى نهايتها (محمود بك وعلي كمالي). ومرّة أخرى تلحق الهزيمة بالجماعات الكردية المسلحة تحت ضغط عدم تكافؤ القوى، وتخلي الدول الغربية كذلك روسيا السوڤياتية عن دعم الأكراد، وتواطؤ حكومات دول الجوار مع أنقرة.
كانت الحركة الكمالية آنذاك في نقطة الوثوب إلى اسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية المترنحة، ومالت جميع التطورات في صالحها بعد أن استقطبت مشاعر المرارة الطاغية لدى الأتراك جراء الهزيمة المذلة أمام الحلفاء. وكان الحلفاء بدورهم في حيرة من أمرهم إزاء هذا التنوّع المعقّد من الأعراق والقوميات (الأرمن، الأكراد، اليونانيون، البلغار، إلخ) ويتردّدون في ترجمة «وعود الحرية» وشعارات التحرّر التي حملوها، بمختلف التفسيرات لشعوب المنطقة عشية الإعداد للهجوم على الأسلاب العثمانية.
استقوى الكماليون لا شك بقرارات مؤتمر لوزان الذي وضع حقوق الأكراد جانباً وتركهم إلى مصير مجهول بمواجهة الكراهية القومية التركية المتتابعة، وبدل أن يستدل الكماليون بحكمة الرابطة الإسلامية مع الأكراد راحوا يوظفون الطابع العلماني لتركيا الجديدة في الحملة ضد الأكراد، ممّا أضفى على المقاومة الكردية منذ العام 1924 الطابع الديني، بشقيه: ضد الأتراك ودولتهم العلمانية من جهة وضد الغرب والروس المتواطئين مع الأتراك من جهة ثانية. وتصدر العالم الإسلامي الكردي المعروف الشيخ سعيد النقشبندي حملة الإعداد لثورة كردية ذات نزعة ودعوات وشعارات إسلامية تعبوية وأهداف قومية بعيدة المدى، وليس من دون مغزى أن يعلن الشيخ النقشبندي في أوّل بياناته «ما دام الأتراك الكماليون قد تخلوا عن رابطة الإسلام التي كانت تربط الكرد بهم فإنّه يتوجب على الكرد الآن ضمان مستقبلهم بأنفسهم». وهكذا انتشرت حركة العصيان من مناطق كنج وموش وأرغانه ودسيم وديار بكر وماردين وأورفه وسيورك ووان وكيلي وشملت أقاليم أرضروم وهكاري ابتداء من شباط (فبراير) 1925. وليس من دون مغزى، أيضاً، أن تحظى الانتفاضة الكردية بعطف الفئات الإسلامية التركية المتذمرة من التحول إلى الدولة العلمانية، خلافاً للفئات القومية المندفعة إلى بناء تركيا قوية وجديدة، بمن فيها الفئات الليبرالية والديموقراطية بقيادة عصمت إينونو الذي كلفه مصطفى كمال بتشكيل حكومة مهمتها «مواجهة الرجعية». وهي الصفة التي كان الإعلام التركي يضفيها على الحركة الكردية.
ومن جانبهم كان الثوار الأكراد لا يخفون انزعاجهم إزاء النظام الجمهوري الجديد، ولاحظ السفير البريطاني في تركيا آنذاك في رسالة له إلى لندن: «إنّ السبب الرئيسي للانتفاضة هو ديني وقومي ومعاد للنظام الجمهوري». وأورد فيها أنّ ابن السلطان العثماني المخلوع عبد الحميد الشاب سليم أفندي الذي كان يقيم في بيروت «نودي به كملك لكردستان المستقبل».
ألحقت الهزيمة بالانتفاضة الكردية، وكانت فرص نجاحها ضئيلة بسبب عدم تكافؤ القوى، وغياب الدعم الخارجي ولاسباب أخرى تتعلق بضعف «هيئة أركان» الانتفاضة والاعتماد على الإهابة والتحريض بديلاً عن التنظيم والتخطيط، غير أنّ ثمن الهزيمة كان مرتفعاً بالنسبة لمستقبل الأكراد في تركيا، ليس في بركة الدم التي غرقت بها مناطقهم بل في القوانين الجديدة التي أصدرتها السلطات الأتاتوركية بهدف تذويبهم ومصادرة آخر الحقوق الشكلية التي يتمتعون بها، مثل القانون رقم 1097 الصادر في حزيران (يونيو) 1927 من مجلس الأمّة ويقضي بتهجير قبائل كردية من الولايات الشرقية إلى الولايات الغربية «لما اقترفت يداها من جرائم» وقرار وزارة الداخلية في العام نفسه بتصنيف المقاطعات الكردية كمناطق شبه عسكرية ووضعها تحت إمرة «مفتش عام» بصلاحيات عسكرية استثنائية، والتشريعات اللاحقة بمصادرة أراضي الأكراد وتوزيعها على قبائل رحل تركية. وأعلن رئيس الوزراء عصمت إينونو أنّ على قبائل كردية دفع فدية للحكومة. ولم تثن الحكومة التركية عن هذا النهج لا الانتفاضات وحركات العصيان الواسعة التي اندلعت في ما بعد ولا مساومات وتراجع الكثير من المشايخ والشخصيات والرموز الكردية عن خيار المقاومة لصالح التعاون مع الحكومة المركزية والمشاركة في نشاطها وهيئاتها المختلفة أملاً في إنهاء العمل بالقوانين الاستثنائية.
وفي 12 تموز 1930 نشرت «وكالة أنباء الأناضول» بياناً يؤكد «انتهت العمليات العسكرية ضد العصاة، وأبيد المتمردون. إنّ حركة العصيان ذات الطبيعة الرجعية الواضحة أخمدت نهائياً» فيما أعلن رئيس الوزراء بعد أيام من خبر الوكالة وهو يفتتح الخط الحديد في منطقة كردية «أنّ للأمّة التركية وحدها حق المطالبة بحقوق الجنسية في هذه البلاد. لا حق في هذا لأيّة عناصر أخرى».
وفي عام 1934 صدر قانون الترحيل الرقم 2510 الذي نقل عمليات الصهر القومي إلى ذرى جديدة وثبتها كسياسة عامة للحكومة، وجاء في البند العاشر (فقرة أ) «إنّ القانون لا يعترف بشرعية العشائر». والبند الحادي عشر (فقرة أ) يحظر على كلّ من لا يتخذ التركية لغته الأم تشييد قرى أو حياء جديدة أو الانتساب إلى منظمات الحرفيين والعمال». وفي غمرة الاندفاع لترجمة سياسة «تلقيح الحضارة بالقوّة» منعت السلطات التركية استخدام كلمة «كرد» كدالة للقومية الكردية، أمّا ارتداء الزي القومي والأغاني الشعبية والنوادي الثقافية أو الاجتماعية الكردية فقد منعت منعاً باتاً بكفالة تعليمات مركزية صارمة.
ومنذ هذا الوقت اتخذت حركات المعارضة الكردية طابع العنف والسرية، ونفذت في شعاراتها من داخل معاناة الأكراد المعيشية بمواجهة حملات الجباية القسرية والضرائب ومصادرة الأرض والتمييز الاجتماعي وانعدام حقوق العمل وفرصه. ووجد أوّل هذه التنظيمات ظهيراً له في الاتحاد السوڤياتي الذي شجع هذه التنظيمات القومية ـ اليسارية في نطاق الصراع الدولي والتحضيرات للحرب العالمية الثانية، حين قام الألمان بدعم السياسة التركية المركزية بتصفية الشوائب القومية (القوميات الصغرى).
وخلال العقدين الرابع والخامس من القرن الجاري انتقل مركز الحركة القومية الكردية بين العراق وإيران حين اندلعت عام 1943 انتفاضة البارزانيين في كردستان العراق، وأقيمت في إيران حكومة مهاباد غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولم ينحسر المد القومي الكردي في هذين الجزأين مع هزيمة انتفاضة البارزانيين أو انهيار الحكومة الكردية الإقليمية في غرب إيران. غير أنّ عرض الشأن الكردي اتخذ هنا أشكالاً متنوعة، ولم يقتصر على حمل السلاح، فيما اتخذ في الجزء التركي طابع العنف المسلح كدالة لانعدام أرضية الحوار السياسي.
وإذ يبدو، في النفق الطويل، ضوء رفيع إلى طاولة للحوار بين الأكراد والحكومة التركية المركزية فإنّ مصير القوانين الاستثنائية الأتاتوركية التي تدار بها مناطق الأكراد يطرح نفسه بين الأولويات، ونأمل أن لا يكون صحيحاً الخبر الذي نشر حول محاكمة المغني إبراهيم تاتسليشيتش لأنّه غنّى بالكردية في السويد، وليس صحيحاً، أيضاً، خبر محاكمة موظفين أتراك بتهمة تورطهم في تسجيل اللغة الكردية من بين لغات السكان الذين كانوا يقومون بأخذ بياناتهم خلال عمليات الإحصاء الرسمية.
عبد المنعم الأعسم
جمهورية مهاباد
أعلن قاضي محمد رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران ـ رسمياً ـ ولادة جمهورية كردستان يوم ٢٢/١/١٩٤٦ أثناء اجتماع حضره، في ساحة جوار جرا (القناديل الأربعة) بمدينة مهاباد، مندوبون يمثلون معظم المناطق الكردية في إيران والعراق وتركيا وسورية بينهم قادة بارزون وعسكريون ومثقفون وعدد من رجال الدين ورؤساء العشائر، إضافة إلى حشد كبير من أهالي المدينة. وتضمنت الكلمة القصيرة التي ألقاها رئيس الجمهورية التأكيد على أن الأكراد شعب مستقل، يعيش في وطنه كردستان، ويتمتع في ذلك شأن باقي شعوب الأرض بحقه في تقرير المصير، وان الأكراد قد استيقظوا من سباتهم ولديهم الآن أصدقاء أقوياء. ثم شكر في ختام كلمته اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردستاني،واستعرض وتطرق إلى برنامجه السياسي، وأشاد بالاتحاد السوفيتي على مساندته المادية والمعنوية للشعب الكردي، وهنأ الشعب الأذربيجاني على استقلاله، ودعاه إلى التعاون المتبادل لصيانة مكاسب وحقوق الشعبين.
ولدت جمهورية كردستان بظل ظروف داخلية ودولية مواتية: فقد رافق احتلال الحلفاء لإيران في صيف ١٩٤١ انهيار النظام السياسي القائم، وانتعاش الحريات الديمقراطية في البلاد، وتعاظم قوة الأحزاب السياسية الإيرانية ولاسيما حزب تودة إلى جانب نمو الأحزاب والمنظمات الأخرى، ومنها ظهور منظمات قومية جديدة مثل جمعية (كومه له زياني كورد) أي جمعية “الاحياء الكردي”. كما تميز الوضع الدولي آنذاك بتنامي الحركات الديمقراطية المعادية للفاشية والنازية والمطالبة باستقلال الشعوب وحقها في تقرير المصير وإحرازها لانتصارات باهرة في جميع أنحاء العالم. كما كانت الظروف المحلية في مدينة مهاباد بوجه خاص، وفي بقية أنحاء كردستان الشرقية مهيأة لإحراز نصر عظيم للشعب الكردي في هذه المنطقة المحررة من النفوذ الشاهنشاهي والمحتلة من قبل القوات السوفيتية منذ ٢٥/٨/١٩٤١ حيث أزال أهالي مهاباد والقرى المجاورة جميع مؤسسات السلطة الشاهنشاهية وعهدوا بالسلطة إلى قادتهم المحليين.
وفي صيف ١٩٤٢ أسّست مجموعة من أبناء الطبقة الوسطى من أهالي مهاباد بمساعدة من بعض المثقفين الأكراد من أهالي السليمانية، جمعية الاحياء الكردي، وحددوا أهدافها بتحرير الأمة الكردية، واصدروا مجلة نيشتمان ـ الوطن ـ للتعبير عن أفكارهم. وكانت هذه الجمعية في الواقع أول منظمة كردية قوية تخلو قيادتها من الإقطاعيين ومن رؤساء العشائر، كما أنها كانت أول منظمة قومية تستطيع ترسيخ دعوتها القومية لتحرير الأكراد. ومن هذه المنظمة بالذات، نشأ الحزب الديمقراطي الكردستاني في ١٦/٨/١٩٤٥ واستلم السلطة في جمهورية مهاباد يوم ٢٢/١/١٩٤٦ محددا لنفسه إنجاز ثلاث مهام أساسية ربط من خلالها تحرير الأمة الكردية بآلية مستحدثة لم يكن الفكر السياسي الكردي الناشئ لتوه قادرا على إدراك مخاطرها، كما لم يكن قادة الحزب أنفسهم قادرين على إدراك المخاطر قريبة المدى على كيان الجمهورية والمخاطر بعيدة المدى على مستقبل الحركة القومية الكردية لمثل هذا الربط الأممي للمسألة الكردية.
ومن الممكن تلخيص تلك المهام الثلاث التي اخذ الحزب الديمقراطي الكردستاني ومن ثم الجمهورية الكردية على عاتقهما إنجازها بجملتين هما: ربط كفاح الشعب الكردي بكفاح الشعوب الإيرانية، وتنظيم الجماهير الكردية تحت راية الحزب وحول برنامج سياسي واضح المعالم.
وقد حدد بيان الحزب الديمقراطي الكردستاني الصادر آنذاك هذا البرنامج بثمانية بنود، تلخص البنود 1 و 5 و 6 جوهر برنامج الحزب وسياسته القومية.
وحقق الشعب الكردي خلال العمر القصير للعهد الجمهوري الأول في تاريخه إنجازات عديدة لكن أهمها على الإطلاق: الحرية في إدارة شؤونه وممارسة لغته وإحياء ثقافته وتكوين شخصيته القومية والبدء بعملية تغير اجتماعي واقتصادي وثقافي عميقة الجذور، والتحرر من الخوف ومن بطش السلطات الإيرانية وظلمها وفساد نظامها الإداري.
وإذا كان الفرح الذي غمر كردستان برمتها آنذاك لم يشهد له تاريخ الأكراد، كما لم تشهد الأجيال اللاحقة له مثيلاً حتى الآن، فقد تحول الإحباط في النفوس جراء السقوط المأساوي للجمهورية، ولم تكمل العام الأول من عمرها، إلى جرح ظل ينزف في قلوب الأكراد جيلاً بعد جيل، وأصبح علم كردستان الذي ظل خفاقاً في مهاباد فوق مقر الحكومة الكردية وعلى سطوح المنازل وواجهات المحلات مستمسكاً جرمياً يخفى عن عيون السلطات ليس في إيران فحسب بل وفي العراق وتركيا وسورية خوفا من العقاب الصارم، وتودعه الأمهات في متاع المسافرين من أبنائهن كي لا ينسوا وطنهم في الغربة، وأصبح نشيد جمهورية كردستان “الأمة الكردية باقية – الأمة الكردية حية لا تموت”. نشيداً سرياً لا يذاع إلا في الخفاء.
سقطت جمهورية كردستان في ١٧/١٢/١٩٤٦ بأيدي قوات الحكومة المركزية دون مقاومة تذكر، رغم أن تعداد الجيش الذي دخل مهاباد لم يزد عن (٦٠٠) جندي ترافقهم مدرعتان ومعهم مدفعين فقط، ناهيك عن ارتباك المهاجمين وعدم كفاية عتادهم ومؤونتهم من الطعام والوقود وتعذر تقدمهم بسبب الثلوج والأمطار التي قطعت الطرق المؤدية إلى قلب العاصمة مهاباد.
وهكذا أسدل الستار على أول جمهورية كردية باعتقال رئيسها ثم إعدامه شنقاً مع عدد من أبرز قادة الجمهورية في ساحة القناديل الأربعة فجر يوم ٣٠/٣/١٩٤٧، كما أعدم قادة آخرون وسجن بعضهم وهرب معظمهم، وأزيلت من مهاباد جميع معالم الجمهورية ومؤسساتها.
أما أسباب سقوط جمهورية مهاباد على هذا النحو المأساوي، فعديدة ومتشابكة؛ ولم تدرس هذه الواقعة التاريخية بعمق سياسي استراتيجي حتى الآن، وإنما أهملت كمجد تليد وحلم ربما يتكرر ذات يوم. ولأضع ذات السؤال بصيغة ديناميكية على النحو التالي: هل كان بالإمكان أن تستمر جمهورية كردستان وتتطور؟!
إن الإجابة على هذا السؤال تضفي على هذه التجربة الفريدة في تاريخ الشعب الكردي طابعا تحليليا، وتحدد ـ دون شك ـ معالم الدروس التي كان يتوجب الاهتداء بمنطوياتها في الكثير من المواقف التي تعرضت لها القضية الكردية خلال العقود التالية ابتداء من الخمسينات وحتى اليوم.
ومن الممكن تلخيص الأخطار التي كانت تحيط بالجمهورية الكردية في إطار فئتين مترابطتين ومتكاملتين من العوامل: الموضوعية والذاتية. وتشمل الأولى مجمل الظروف الخارجية المحلية والإقليمية والدولية بما في ذلك طبيعة نظام الحكم في إيران ومدى سلامة نهج الحركة الديمقراطية الإيرانية والموقف الإقليمي من مسألة التحرر القومي وأخيرا مصالح الدول الكبرى التي كانت تحتل إيران آنذاك وهي بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وتشمل الثانية طبيعة النظام السياسي الذي أقامته الجمهورية الكردية وعلاقتها بجمهورية أذربيجان الديمقراطية المجاورة لها ومدى سلامة خطتها للدفاع عن نفسها وصيانة مكاسبها.
كانت قيادة الجمهورية تدرك دون شك حجم هذه الأخطار. وبإمكاننا الاستدلال من دراسة هذه الفترة من تاريخ الحركة الوطنية الكردية على أن قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني وجدت من جهة في استراتيجية التحالف مع القوى الديمقراطية في إيران أي مع حزب توده والفرقة الديمقراطية الأذربيجانية وحزب إيران والحزب الاشتراكي وحزب جنكل في إطار جبهة وطنية موسعة خير ضمان لبقاء الجمهورية الكردية وصيانتها.كما عمدت من جهة أخرى إلى تعزيز القوات الكردية المدافعة عن الجمهورية بقيادة الملا مصطفى البارزاني، والعمـل على سـد الثغرات الخطيـرة في مستويات تدريبهـا وتسليحها وتثقيفها بالولاء للجمهورية وليس للرؤساء العشائريين. ولم يكن عدد هذه القوات يزيد إلا قليلا عن (١٢٧٥٠) مقاتلاً منهم (٢٠٠٠) من المقاتلين البارزانيين.
وسعت قيادة الجمهورية إلى تمتين علاقتها مع حكومة جمهورية أذربيجان الشعبية واحتاطت لما قد ينجم من مشكلات بين الجمهوريتين في المستقبل، بإبرام معاهدة صداقة وتعاون وقعها في تبريز قاضي محمد وجعفر بيشوري يوم ٢٧/٢/١٩٤٦. وقد نصت المعاهدة من بين أمور أخرى، على احترام حقوق الأقليات الكردية في أذربيجان والأذربيجانيين في كردستان، وعلى أن يكون التفاوض مع السلطة المركزية في طهران بموافقة الحكومتين مسبقاً.
وهكذا يمكننا أن نستنتج بوضوح عناصر الاستراتيجية التي حددتها الحكومة الكردية لصيانة الجمهورية وهي: الجبهة الوطنية الموسعة، وتدعيم قواتها المسلحة، وإبرام معاهدة الصداقة والتعاون مع حكومة جمهورية أذربيجان ذات الحكم الذاتي المجاورة. ومن المؤكد أنها وجدت في السياسة السوفيتية المدافعة بحماس عن حقوق الشعوب في حق تقرير مصيرها وصيانة مكاسبها الديمقراطية إطاراً شاملاً لدعم كيانها. فهل كانت استراتيجية الدفاع عن الجمهورية هذه سليمة وكافية؟
لعل من نافلة القول أن نجيب بكلا. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. ولكن النظرة المعمقة لبرنامج الحزب الحاكم تكشف لنا عن الأسباب الأساسية للانهيار المأساوي للجمهورية الفتية.
أ ـ السياسة القومية:
اختارت قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني صيغة الحكم الذاتي لتحديد نمط ارتباط جمهورية كردستان بالحكومة المركزية في طهران، ووجدت في هذه الصيغة خير تعبير عن حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، كما وجدت في قيام نظام ديمقراطي في إيران خير ضمان لاستمرار تطبيق هذا الحكم الذاتي، أي أنها اختارت عمليا حكما ديمقراطيا في إيران يتمتع بظله الأكراد بحكم ذاتي . ولولا ضعف النظام الشاهنشاهي آنذاك وقوة الجبهة الوطنية الإيرانية ولاسيما حزب توده الإيراني، واستعدادها لاستلام السلطة بين لحظة وأخرى لأمكننا القول بان قادة الحزب قد وضعوا العربة أمام الحصان بتأسيس جمهورية مهاباد، أي أنهم ارتكبوا خطأً تاريخياً لا يغتفر، وكان الأجدر بهم أن يقفزوا سوياً مع الأحزاب السياسية الإيرانية إلى السلطة في طهران قبل أن يقفزوا إلى السلطة وحدهم في مهاباد.
وقد برهن تطور الأحداث اعتبارا من صيف ١٩٤٦ على أن هذه السياسة القومية لم تكن تستند إلى ضمانات فعلية بجميع المقاييس النظرية والعملية.
ففي الفترة ما بين ٢/٨/١٩٤٦ وهو اليوم الذي يؤرخ مشاركة حزب توده في السلطة بثلاثة وزراء وبين ١٧/١٢/١٩٤٦ ـ وهو نفس اليوم الذي يؤرخ فيه مداهمة السلطات الإيرانية لمقرات الحزب المذكور وهروب قادته إلى خارج البلاد، وانهيار الحركة الوطنية الإيرانية واستسلام أنصارها دون مقاومة ـ ظهر أن الجبهة الوطنية الإيرانية لم تكن تملك آنذاك أي برنامج عملي ليس للوصول إلى السلطة فحسب وإنما حتى للدفاع عن نفسها ناهيك عن قدرتها على الحركة للدفاع عن جمهورية كردستان أو أذربيجان الشعبية.
ولم تكن صيغة الحكم الذاتي لجمهورية كردية من المنتظر ازدهارها ونموها بظل دولة إيرانية ديمقراطية معادية لمصالح المستعمرين البريطانيين والأمريكيين وحليفة للاتحاد السوفيتي منسجمة مع مصالح التركيبة الطبقية لقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني والجمهورية. فقد كان نصف أعضاء قيادة الحزب ولجنته المركزية من الإقطاعيين وكبار المالكين، كما كانت قيادة معظم فصائل المدافعين عن الجمهورية تحت إمرة رؤساء العشائر. وكان هؤلاء يدركون إدراكا تاما مدى خطورة جمهورية كردستان الديمقراطية على مصالحهم المادية ونفوذهم السياسي والاجتماعي لذلك لم يتأخروا هم وغيرهم عن التخلي عن الجمهورية ومكاسبها حين حان وقت الدفاع عنها، بل انهم كانوا يقاومون أي اتجاه نحو الاهتمام بمصالح غالبية سكان كردستان من الفلاحين المعدمين حتى خلال العمر القصير لجمهورية كردستان.
ومن ذلك نستند إلى أن صيغة الحكم الذاتي هذه لم تكن بالضرورة موجهة لرعاية مصالح الأكراد من الفلاحين والرعاة والعمال الموسميين والنساء والعاطلين وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أخرى هي أن الحكم الذاتي المحلي صيغة تتعارض مع طبيعة نظم الحكم السائدة في البلدان المتخلفة (النامية) ومع السلوك الاستبدادي لقادة تلك البلدان، وإنما هي (أي الحكم الذاتي) صيغة مستعارة ولا تصلح للتطبيق إلا في مجتمع متقدم ولنظام حكم راسخ يستند في ممارسة وظائفه على مستوى الدولة والقيادة على مؤسسات ديمقراطية تضمن حرية التعبير وحقوق الإنسان وتداول السلطة ونزاهة الانتخابات والحريات العامة، يمكننا أن نستنتج ما يلي: لقد استعارت قيادة الحزب مفهوم الحكم الذاتي من جارتها جمهورية أذربيجان الديمقراطية الشعبية ولا يمكن استثناء دور السوفييت في إملاء هذه الصيغة على قيادة الحزب والجمهورية الكردية.
ب ـ السياسة الاقتصادية:
كان النفوذ القانوني لسلطة جمهورية كردستان يقتصر على ثلث مساحة كردستان ـ إيران (ماعدا لورستان) أي زهاء (٤١٠٠٠) كيلو متر مربع. وكان النظام الاقتصادي السائد نظاما إقطاعيا من الطراز الكلاسيكي، حيث يتملك ١% من السكان نسبة ٥٦% من الأراضي الزراعية، وتعود ملكية ٤٠% منها إلى أقل من ٢ في الألف من الإقطاعيين. أما نسبة المعدمين في الريف فقد تجاوزت نسبة ٦٠% من الفلاحين في حين لم تزد نسبة صغار المزارعين ومتوسطيهم (ممن يمتلكون أقل من هكتار واحد) عن نسبة ٢٣% من مجموع سكان القرى.
وقد حدد برنامج الحزب الديمقراطي الكردستاني المعالم الرئيسية للسياسة الاقتصادية التي اتبعتها جمهورية كردستان في إطار فقرتيه ٥ و ٧. فقد حددت الفقرة ٧ السياسة الاقتصادية العامة بأن: يعمل الحزب ويناضل من أجل تقدم الزراعة والتجارة وتطوير الثقافة والصحة وتحسين الحياة الاقتصادية والمعنوية للشعب الكردي بالاستفادة من الثروات الطبيعية والمعادن في كردستان، في حين حددت الفقرة 5 كما ذكرنا أعلاه تحقيق اتفاق على أساس قانون عام، بين الفلاحين والمالكين، وان يضمن (أي الاتفاق) مستقبل الطرفين. كما وضعت الجمهورية خريطة تحدد مساحة الملكيات الزراعية، وأنشأت إدارة لمعالجة قضايا الزراعة والمشكلات العقارية وشركة تتولى مراقبة التجارة الخارجية.
ويعزى تعاون الحزب الديموقراطي الكردستاني مع الإقطاعيين إلى نشوء نوع من المصالح المتبادلة بين الطرفين. فمن جهة أنعش الحزب، بمبادرته إلى إقامة جمهورية كردية في مهاباد، مشاعر الاعتزاز بالانتماء القومي لدى جميع الفئات الاجتماعية الكردية في كردستان برمتها، وهي ظاهرة اجتماعية تعكس تراكم الشعور بالظلم والاستياء من الحكام الأجانب، وترتبط ارتباطا وثيقا بالتركيب النفسي للشعب الكردي، وخصائصه القومية ونزعته الاستقلالية وبذلك غذت مبادرة الحزب طموحات الإقطاعيين ورؤساء العشائر ورجال الدين ونزعتهم القومية الكردية واندفعوا لتأييدها بحماس بالغ. ومن جهة أخرى، لم يكن الحزب الديمقراطي الكردستاني الناشئ حديثاً قادراً على الأخذ بزمام المبادرة، ولم يكن يمتلك الوسائل المادية الضرورية لإسنادها ودعمها وتحقيق أهدافها دون الاعتماد على المصدر الوحيد لتعبئة المال والسلاح والرجال أي على فئة الإقطاعيين ورؤساء العشائر.
لكن تعاون هذه الفئة لم يكن دون شروط أو ضمانات، بل إن هذه الضمانات تأكدت بوجود ممثليهم في اللجنة المركزية للحزب وفي مجلس وزراء الجمهورية بنسبة تزيد عن النصف، وبعدم إقدام الجمهورية على توزيع الأراضي على الفلاحين وتقويض النظام الإقطاعي، وبمطالبة الحزب بحكم ذاتي ضمن إطار الدولة الإيرانية أي المطالبة بهدف لا يشكل في واقع الأمر خرقا للنظام الإيراني الذي يقر بمبدأ مجالس المناطق والولايات في القانون الأساسي. وتشكل هذه النقطة الأخيرة خط الرجعة للإقطاعيين بالنسبة لعلاقتهم بالسلطة المركزية في طهران ناهيك عن ارتباط معظمهم بنظام الشاه في طهران في وقت كانوا يحتلون فيه مراكز عالية في جمهورية كردستان.
من هذا نستنتج خطأ الفكرة التي اعتنقها السياسيون الأكراد ممن يقولون بعدم وجود طبقة اجتماعية معادية لنضال الشعب الكردي التحرري، إذ أنهم لا يميزون بين شعور الاعتزاز بالانتماء القومي ـ وهي ظاهرة اجتماعية وتاريخية وسمة إنسانية طبيعية لدى جميع الأكراد شأن غيرهم من القوميات ـ وبين المصالح الطبقية الحقيقية التي تحدد الولاء السياسي، بالضرورة للحكومات المركزية والدول الاستعمارية إذا كان البديل المطروح دولة كردية تستهدف سياستها القضاء على امتيازات الإقطاعيين ونفوذهم السياسي والاجتماعي.
جـ ـ السياسة الخارجية والدولية:
اتفق الحلفاء (روزفلت وستالين وتشرشل) أثناء الحرب العالمية الثانية في مؤتمر طهران (تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٤٣) على إجلاء قواتهم من إيران بعد انتهاء الحرب بستة أشهر. وقد انتهت الحرب في أوروبا يوم ٨/٥/١٩٤٥ باستسلام ألمانيا وفي آسيا باستسلام اليابان يوم ٢/٩/١٩٤٥ . وطبقا لبنود الاتفاق، فقد انسحبت القوات الأمريكية من جنوب إيران يوم ١/١٢/١٩٤٥ وانسحب الجيش البريطاني من الوسط والجنوب في ١/٢/١٩٤٦، ولم تنسحب القوات الروسية من شمال إيران.
وفي ١٦/٣/١٩٤٦ قدمت الحكومة الإيرانية شكوى إلى مجلس الأمن تطالب فيها بانسحاب الجيش الأحمر من إيران. وفي نهاية الشهر نفسه سافر قوام السلطنة رئيس وزراء إيران آنذاك إلى موسكو ونجح في إبرام اتفاقية مع الاتحاد السوفيتي نصت على: (أ) أن يغادر الجيش الأحمر الأراضي الإيرانية خلال شهر ونصف من موعد إبرام الاتفاقية في ٢٤/٣/١٩٤٦ (ب) تأسيس شركـة للنفط مختلطة إيرانية ـ سوفيتيـة بموجب اتفاقيـة أمدها ٥٠ عاما واستخراج النفط من شمال إيران على أن تكون حصة إيران خلال منتصف المدة ٤٩% وحصة الاتحاد السوفيتي ٥١%، ثم يتساويان في الحصص في النصف الثاني من مدة الاتفاقية، ويعقبها شراء إيران لحصة الاتحاد السوفييتي. وجرى ربط تنفيذ الاتفاقية المذكورة بموافقة البرلمان الإيراني الذي سينتخب خلال ستة أشهر بعد موعد انسحاب الجيش الأحمر. ومن المؤكد أن قوام السلطنة نجح في إقناع القادة السوفيت باتجاهاته التقدمية ورغبته في إقامة نظام ديمقراطي في إيران وتقليص نفوذ الشاه وإطلاق الحريات العامة وتأييده لحقوق القوميات في الحكم الذاتي ولربما معاداته للإمبريالية والاستعمار أيضاً؟!!! وذلك على نسق ما كان قد فعل قبل ذلك حيث أقنع الأحزاب السياسية الإيرانية اليسارية ولاسيما حزب توده باتجاهاته الديمقراطية ومعاداته للاستعمار والدكتاتورية وسعيه لإقامة نظام ديمقراطي في إيران. وعزز هذا الإقناع في بداية تموز/يوليو ١٩٤٦ بتأسيس حزب سياسي (الحزب الديمقراطي الإيراني) وجعله حليفاً للجبهة الوطنية وأحزابها اليسارية، وباشراك حزب توده في السلطة ممثلاً بثلاثة وزراء مهمين (الصناعة والصحة والثقافة) في مطلع آب/أغسطس من نفس العام وبتعيين سفير له في موسكو موالي للاتحاد السوفياتي.
وبذلك يكـون رئيس وزراء الحكومـة المركزيـة في طهران قـوام السلطنة قد أوجد (١) المبرر القوى لانسحاب القوات السوفيتية من إيران، واقتصد للدولة السوفيتية نفقات احتلال الجيش الأحمر لشمال إيران،وتكاليف دفاعه المحتمل عن الجمهوريتين اللتين أنشئتا بمساعدته وبدعم منه. (٢) ربط الحركة الوطنية الإيرانية بعجلته، وسحب البساط من تحت قدميها وأعاقها عن الحركة. (٣) خدع قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني وحجب عنها الرؤيا السليمة للأحداث واستقرائها بطريقة واقعية بما في ذلك تحركات الجيش الإيراني نحو احتلال الجمهورية.
ولعل النجاح الأساسي الذي أحرزه قوام السلطنة على كل من الاتحاد السوفييتي والحركة الوطنية الإيرانية وقيادتي الجمهوريتين الأذربيجانية الشعبية والكردية يتمثل في ربط الوفاء بوعوده (الديموقراطية) بإجراء انتخابات للبرلمان الإيراني وربط حرية الانتخابات ونزاهتها بعودة قوات الجيش الإيراني إلى احتلال المواقع التي سبق وان طرد منها في شمال إيران.
وعلى الرغم من الإجراءات التي تكشف بوضوح النوايا الحقيقية لقوام السلطنة ـ ومنها على سبيل المثال لا الحصر: مساهمته شخصيا في تموز/يوليو ١٩٤٦ في إثارة القبائل الإيرانية بالتعاون مع شركة النفط البريطانية في محافظتي خوزستان وفارس على المنظمات الديمقراطية ونقابات العمال ومهاجمتهم مقرات حزب توده والمطالبة بإخراج الوزراء التودويين من الحكومة، وعدم تصديق حكومته على الاتفاق المبرم مع رئيس جمهورية أذربيجان ذات الحكم الذاتي للاعتراف بوجودها ولتوسيع نطاقها الجغرافي، والسماح بتغلغل النفوذ الأمريكي في شؤون إيران وتدعيم النفوذ البريطاني القوي أصلاً ـ إلا أن قادة الأحزاب السياسية الإيرانية ومنها قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني ظلوا يثقون بقوام السلطنة إلى نهايـة المطاف علما بأن الاذري والكـردي البسيط كانا يعلمان أن قوام السلطنة لا يفعل شيئا إلا بموافقة الشاه وموافقة الأمريكان والإنجليز.
ولا غرابة البتة في أن تساعد الحكومتان الأمريكية والإنجليزية الحكومة الإيرانية الرجعية بقوة، وتعملان بحزم على إنقاذ نظام الشاه الموالي لهما، بالقضاء على الحركة الوطنية التحررية الإيرانية المعادية للشاه وللإمبريالية ومنع نظامه من التفكك حماية لمصالحهما الاقتصادية والنفطية والاستراتيجية، وتعملان على إسقاط جمهورية كردستان للحيلولة دون انتعاش الحركة التحررية الكردية في العراق وتركيا، بما يعرض مصالحها للخطر في ثلاثة بلدان غنية بالموارد الطبيعية تدور في فلك سياستيهما الاستعمارية، إضافة إلى قربها من الاتحاد السوفيتي الذي تحول إلى العدو الأول للإمبريالية العالمية غداة القضاء على ألمانيا النازية ودول المحور.
د ـ عوامل أخرى:
وثمة عاملان إضافيان لابد من التطرق إليهما ساهما في التعجيل بإسقاط جمهورية كردستان هما: تلكؤ قادة الجمهورية في توسيع رقعة الجمهورية وتعذر توسيع نطاق الثورة الكردية لتشمل أجزاء كردستان الأخرى.
طرح موضوع توسيع رقعة جمهورية كردستان منذ ربيع ١٩٤٦، فقد كانت قيادة الجمهورية تتلمس مدى خطورة وجود قوات إيرانية في مدن سقز وسردشت الواقعة على طول الحدود الجنوبية للجمهورية. كما كانت تدرك أهمية تحريرها لبقية المناطق الكردية في إيران. وعلى الرغم من حشدها في جبهة سقز ـ بأنه نحو ١٣ ألف مقاتل كردي من بينهم (٢٠٠٠) من البارزانيين المدربين تدريبا جيدا مقابل نحو ١١ ألف جندي إيراني محاصرين عمليا ومقطوعين عن خطوط تموينهم واشتباك هذه القوات في معركتين الحق البارزانيون في المعركة الأولى هزيمة نكراء بالجيش الإيراني أثارت المشاعر القومية لدى الأكراد ورصت صفوفهم، كما أثارت حنق رئاسة الأركان الإيرانية في طهران وثبطت عزيمة الجيش، وآلت إلى إرسال اللواء رزم آرا قائداً جديداً لمنطقة سقز، واضطرار القوات الكردية إلى التراجع في المعركة الثانية إلا أنها لم تفقد معنوياتها العالية واستعدادها لإعادة الكرة والتوجه لتحرير مدينة سنه، لكن قيادة الجمهورية اتخذت تحت تأثير القنصل السوفياتي في أرومية، وتوقيع الحكومة الإيرانية على اتفاقية تأسيس شركة النفط الإيرانية ـ السوفياتية المشتركة (بانتظار موافقة البرلمان الجديد) وتوقيع اتفاقية مظفر فيروز ـ بيشوري للاعتراف بجمهورية أذربيجان (التي أهملت فيما بعد)، قراراً بالتوقف عن الهجوم على الجيش الإيراني أي ترك فكرة تحرير بقية مناطق كردستان. وكان هذا القرار هو الشق الأول من السياسة العسكرية الانتحارية لجمهورية كردستان.
عقدت الأمة الكردية برمتها آمالها في التحرر والانعتاق على جمهورية كردستان في مهاباد، وشخصت في قيامها اللبنة الأولى في صرح مستقبلها ومكانتها بين الأمم والشعوب المتحررة. فقد تدفق على الجمهورية الفتية أكراد العراق بمقاتليهم ومثقفيهم وشاركوا بحماس في بناء مؤسساتها وجاءها ممثلو أكراد تركيا وسورية وزارها أكراد المهجر قادمين من مختلف بقاع العالم، واحتضنت الجمهورية جميع هؤلاء بكل صدق وحرارة إلا أن جمهورية كردستان كانت وحيدة وصغيرة ومحاطة بأعداء أقوياء، من الداخل ومن الخارج، وبأصدقاء ضعفاء وبحركة كردية كانت في حالة جزر وانكماش اثر فشل ثورة البارزاني في العراق عام ١٩٤٥ وتصفيتها بفضل تدخل سلاح الجو البريطاني في المعارك إلى جانب قوات الجيش العراقي. ولم يكن الشعب الكردي في تركيا قد أعاد تكوين تنظيمه واستعداده للثورة بعد. وهذا هو الشق الثاني الذي قـتل الجمهورية الكردية وهي في المهد.
زهير عبد الملك
يهود كردستان
يشعر يهود كردستان في إسرائيل بكرديتهم. ويصرّ يهود كردستان على أنّهم هاجروا إلى إسرائيل بدوافع صهيونية وليس فراراً من اضطهاد قومي أو ديني. ومقارنة بيهود بغداد، مثلاً، تأثّر يهود كردستان بتقاليد محيطهم الكردي المعزول بجغرافيته الجبلية، ما جعلهم يتمسكون بالقيم الكردية دون العربية أو التركية.
قبل تأسيس الدولة اليهودية في 1948 كان في إسرائيل نحو 20 ألف يهودي كردي. وبين 1950 و1951 هاجر إليها نحو 40 ألف يهودي آخرين من كردستان إيران والعراق. ويقدر عدد يهود كردستان في إسرائيل حالياً بنحو 100 ألف، غالبيتهم من كردستان العراق، منهم 35 ألفاً في القدس وخمسة آلاف في طبرية وسبعة آلاف في حيفا ونحو 20 ألفاً في مستوطنات، والبقية في أنحاء مختلفة من إسرائيل.
ومنذ بداية القرن العشرين هاجر عدد من يهود كردستان إلى فلسطين لكن غالبيتهم هاجرت في الأربعينات ومطلع الخمسينات. وبين 1970 و1973 ساعد الأكراد نحو ثلاثة آلاف يهودي كانوا ظلّوا في بغداد على الفرار عبر كردستان إلى إيران، ومنها سافروا إلى إسرائيل. وليس سراً أنّ إسرائيل قدمت، دعماً مادياً، وعسكرياً للحركة الكردية في العراق منذ 1963 حتّى 1974. واللغة الأصلية للجيل الأوّل من يهود كردستان في إسرائيل هي الآرامية التي تشبه العبرية المعاصرة وتسمّى أحياناً، خطأ، في إسرائيل بـ «الكردي». ولغتهم الثانية هي الكردية التي تغلب عليها اللهجة الكرمانجية تليها التركية والفارسية ثمّ العربية. لكن العبرية تعتبر حالياً اللغة الأولى لغالبية الأكراد الإسرائيليين.
لقد وصل يهود كردستان إلى هذه المنطقة في عهد المعبد الأوّل. ويعتقد بعضهم أنّهم أحفاد القبائل العشر من اليهود الذين سباهم الآشوريون بعدما دمروا مملكة إسرائيل في 720ق.م.، وانضم إليهم يهود السبي البابلي بعد ذلك بـ 150 عاماً.
ومنذ مطلع القرن الثامن عشر تعزّزت الصلات في فلسطين، وفي 1812 هاجرت جماعة من يهود كردستان إلى فلسطين وأقامت في القدس. لكن الهجرة الرئيسية تمّت في عامي 1950 و1951 بعد تأسيس الدولة اليهودية خلال ما عرف بحملتي «عزرا» و«نيجيميا». ولم يبق حالياً سوى عدد ضئيل من اليهود في كردستان إيران وتركيا وسوريا.
نماذج من الشعر الكردي المعاصر
لم يكن بإمكاننا في هذا العرض أن نشير إلى نماذج من أشعار كلّ الشعراء الأكراد المعاصرين، لذا نقدّم هنا بعض النصوص من القصائد الكردية المترجمة إلى العربية.
لكنه ستكونين لي
ذلك النهر المطهر
النهر الذي تفتخر به الأرض
وذلك النهر الذي
يركع عند ضفافه الإنسان
تلك الليالي
حيث كان المذياع الأحمر الوحيد
لدار ـ الجد الأكبر ـ العامرة والقرية كلّها
يرسم ألف بسمة دافئة
على شفاه الفلاحين المتيبسة
ويوقد في قلوبهم ألف أمل وأمنية جديدة
وتلك الليالي
حيث كان قلبي قد أنس حبّ الارض
في الفترة الأخيرة من عام 1970 فما فوق ظهر إلى الوجود كثير من الآراء والتعابير الجديدة في الساحة الأدبية، وبرزت في مسيرة الشعر الكردي مجموعة من الشعراء أرادوا أن يعبروا بنفس طويل وتعابير أوسع في سبيل إيجاد العلاقة بين الإنسان الكردي وأرضه، ولو دققنا في أعمارهم نراهم شواهد حيّة على تلك المأساة التي ألقت على أرضهم الخراب والدمار في الخمسينات والستينات من هذا العصر. لذا نرى كثيراً من الحوادث طبع في أفكارهم عندما كانوا أطفالاً، وبعد أن شبّوا عن الطوق كبرت معهم تلك المأساة وأصبحت مادة حيّة لبناء قصائدهم، وبمعنى آخر أنّهم ملتزمون بمسألة كبيرة هي مسألة الأرض والتعبير الصادق عنها، وأنّهم لم يخافوا ذلك الالتزام عندما كان أعداء الشعر الواقعي يقولون: من يلتزم يخسر الإبداع، وبعكس ذلك دفع الالتزام بالشاعر الكردي الى ان يجسد اواصر ارتباطه بالارض ويبدع في هذا المجال وعلينا ان نفرق بين الالتزام والإلزام، وأن نوضح دائماً أنّه ليس ثمة تعارض بين حرية الأديب والتزامه الحر وأنّ حرية الأديب جزء من حرية الوطن والمواطن، وأنّ الالتزام ليس مخيفاً إلى الدرجة التي يصوّرها بها أعداء الالتزام إلى درجة الاتهام بالتبعية والكتابة بموجب القرارات الإدارية. إنّ اختيار الشاعر الكردي المعاصر الالتزام بإدارته كان قراراً مبدئياً، فهو يعتبر التزامه بأرضه عملاً مقدساً ونبيلاً ولأجل هذا كان ينشد الشعر بكلّ حرية ولأنّه يحسّ بأنّ بقاءه مرتبط ببقاء أرضه وهذا شيء حتمي وطبيعي لأنّ الأرض هي الأم الحنون ولن تكف أبداً عن عطاءاتها من أجل سعادة البشرية، لنسمع الشاعر لطيف هلمت في قصيدته هذه:
ماذا تستطيع العواصف الهوجاء أن تفعل
فإنّها إن هدمت المنازل
فإنّ الارض ستبقى.
كلّ الظواهر الطبيعية في الارض تحوم حولها، وما يعمله الإنسان في تطوّر مستمر مع الأرض والمثال على ذلك هو الشاعر رمضان عيسى الذي جعل من حادثة هدم إحدى القلاع التاريخية على أرضه موضوعاً لشعره:
مثلما القلعة ـ دمدم ـ
تنتفض اليوم
من تحت أنقاض الغدر
بعدما جرى لها ما جرى
عندما جرى من النبع الوفي دم
ولم تكف الصلوات
لقطرة من المطر
فهلك خلقها و ـ دمدم ـ هدمت
مثلما تنتفض
حسب رأيي أنّ المثل العليا المشرقة في الشعر الكردي المعاصر هي التعبير عن معاني الإنسانية بأوسع شكل لها وتوظيفها توظيفاً مناسباً، ولا شك في أنّ الشعراء عبروا عن أحلام وآمال الشعب دون غموض وإبهام وطرحوا موضوع الأواصر الإنسانية والمظاهر الوطنية الميمونة، وعبروا عن تلك المظاهر الطبيعية حيث الجبال والأنهار والغابات والمناخ البارد وحالة سقوط الثلوج وهطول الأمطار بغزارة ومشاهد العواصف والرعد والفيضانات والجبال العالية المكسوة ببياض الثلج الكثيف ودخلت أسماء هذه الظواهر والحالات بأوجه متعددة في نتاجاتهم الشعرية، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على الصدق الشعري ورمز الخير والتقدّم، من جهة أخرى تفتح أسماء تلك الظواهر باب التعرّف على السمات الشعبية والمحيط والبيئة للقارئ الأجنبي، يعبر الشاعر ـ صلاح شوان عن هذه الظاهرة:
عواصف، عواصف، عواصف
وهذي حمامات قمر كردستان الوحيد
تنثر ريش أجنحتها البيضاء كالثلج
فوق صقيع الأرض
وفوق صدر الأرض ونهدها
ويقف الشاعر الشاب عباس صالح عبدالله بين لوحتين فنيتين فيجعلهما معادلة متوازنة، حيث المسألة الإنسانية لديه ظاهرة من الظواهر الطبيعية.
آه، كم أتحسر على ذلك الزمن
وبعكس هذا الزمن الذي فيه
أجد نفسي مخنوقاً داخل جراح ثقيلة
مثل أي كائن، يئن تحت كومة جليد
حين تنهدم
الشاعر يريد أن يجعل من كلّ بلاده عروساً شقراء جميلة، لا شك أنّ لون الثلج رمز للحب الطاهر والمقدس من جهة، والبناء والتقدّم من جهة أخرى فيقول:
أختنق إذا لم أكتب
كيف يمكن أن تعطي أرض أحزاني وبلادك
ذرات وكتلاً ناعمة من الثلج
لتعل منها عروساً
ولنستمع إلى شاعر آخر هو صلاح محمد لنعرف ماذا يهمس في أذننا؟ وكيف يصوّر رؤياه الشعرية؟
قلبي كشجرة خريف من الغربة
نائية تحت الغيث
عن آلهة أمسياتي تعيش وحيدة
كم أخشى أن يصبح قلبي هذا تابوتاً
يحتضن رأسي
بعد أن تحدّثنا عن انعكاس ظاهرتي الثلوج والأشجار على أرض كردستان في لوحات هؤلاء الشعراء نتحدّث عن الجبال والأنهر، حيث إنّ الإنسان الكردي عند ولادته يفتح عينيه أمام جبال شاهقة وأنهر جميلة. فعندما تحدّث الشاعر عن الجبال لا يستبعد أن يتحدّث عن حبيبته، والشاعر هدايت عبدالله حيران يتحدّث عن (هلكورد) أحد الجبال العالية في كردستان بمقدار ما يتحدّث عن حبيبته وهنا تتمازج الحالة الإنسانية للشاعر مع ظاهرة حبّه وإعجابه بالجبل:
أيام خلت كنت أحبك
شامخة شموخ هلكورد
كالسليمانية كنت لا تعرفين السكوت
عظيمة أكثر من الآمال
حنونة ومنشرحة أكثر من الترانيم
والعنصر الآخر الذي يكمل طبيعة بلاد كردستان هي الأنهر حيث الحركة والتقدّم اللانهائي للنهر أصبحتا رمزاً حياً لدى الشاعر ومن جهة أخرى غدا جريان النهر رمزاً للنقاوة والطهارة. فالنهر يعكس استمرارية الحياة والتجديد فيصف الشاعر النهر وما حوله من الطبيعة الجميلة، ويصوّر تلك الأسماك الملونة التي تعكس أشعة الشمس ألوانها الزاهية، ولدينا نماذج كثيرة من الشعر الكردي المعاصر تتعمّق في هذا الموضوع حيث يتحسّر الشاعر مرّات عديدة مع جريان النهر ويشبه ذلك الجريان بانقضاء سنوات العمر أو الرحيل بعيداً مع النهر قبل أن تذهب زهرة ربيع حياته مع الهم والمشاكل والآلام.
والشاعر برهان هزار يصف تلك اللحظات من اللقاء مع الحبيبة على ضفة النهر سيروان:
كنت أوقد أصابعي الملتهبة شموعاً
لكي تنير طريقاً مدلهماً
لأنّنا غداً، غداً.
سنلتقي في موعد
على شاطئ نهر سيروان
علينا أن نبيّن هنا بأنّ نهر سيروان الذي يمر قرب مدينة السليمانية ويقطع سهل شهرزور الفسيح، هذا النهر دخل الشعر الكردي من أوسع أبوابه. إنّ هذه الظواهر التي تقدم ذكرها وجدت مكانها في الشعر الكردي المعاصر وأصبحت تعبر عن رموز الحركة والحرية والجمال والطهارة والضياع والإيجاد.
لهذا نجد الشاعر عثمان شيدا يهب كلّ ما لديه من الحب والعمر للنهر المقدس حيث إنّ السماء أيضاً بكت لتوجّه النهر ورحيله نحو اللانهاية ذلك ما تعلنه لنا فحوى إحدى قصائده:
الأمواج تتداخل مع بعضها
وتسلك طريق رحلتها الأبدية
تغادر الأموار راحلة حتّى الموت
تمطر دموعاً
وختاماً يجب القول بأنّ كلّ العناصر الطبيعية من النهر والبساتين والجبال والثلوج والأشجار تشكل المثل العليا لدى شعرائنا المعاصرين ولن تنقطع تلك الأواصر المتينة بين الشاعر وأرضه وتنصهر في بوتقة واحدة. إنّ القدرة الإبداية للشاعر من جهة وعطاءات الأرض من جهة أخرى تكوّنان معادلة ثابتة في الحياة وتعطيان نتيجة حتمية لإبراز لوحة الحياة الجميلة بكلّ معانيها الإنسانية.
نوميد ناشانا
الأكراد الفيلية الشعية([349]*)
الكرد الفيليون هم جزء من الأمة الكردية وتاريخهم السياسي والاجتماعي يجب أن لا يبقى منفصلاً عن تاريخ الكرد العام لكن ذلك لا يمنع من دراسة تاريخية منفصلة.
وأنا ما تطرقت إلى شيء عن هذا الجزء من كردستان بقصد دراسة منهجية وإنّما وقفت في الاطلاع وفي تسجيل ما لدي عنهم من بين مصادر عديدة عبرت عليّ. ورأيت فيها ما غفل عنه المؤرخون والكتّاب الذين سبقوني وربّما كان ذلك لصعوبة حصولهم على مثل هذه المراجع. ولا أنسى هنا أن أشيد بتلك الفصول القيمة الرائعة حول كرد لورستان التي تجدها عند المؤرخ الكبير «محمد أمين زكي» مثلاً في كتابه «تاريخ الكرد وكردستان» ومقالات الاستاذ «علي سيدو الكوراني». وفي الكرد الفيليين اليوم عدد كبير من ذوي الثقافة ومن الباحثين الذين يسهل عليهم ولوج هذا الباب لجمع ما يمكن جمعه من تاريخ إقليمهم وأحواله الاجتماعية فيما غبر من الأيام.
كان اهتمامي أوّل الأمر قد انصبّ على تتبّع مصدر صفة «الفيليين» التي عرف به الكرد اللر في العرق. والحيرة فيها التي ما زالت مستولية عليهم لا سيّما في محاولة ردّها إلى جذر لغوي في لهجتهم الخاصّة. هذا ما سأتصدّى له بعد أن أعرض للقارئ بعض ما توصلت إليه من شذرات في خفايا الوقائع التاريخية.
اعتبار بعض المؤرخين (اللر) قومية لا علاقة لها بالكرد هو تجن على الحقائق التاريخية. قال ياقوت الحموي (1179ـ1229م) صاحب معجم البلدان وهو من أوثق المصادر الجغرافية التاريخية، في التعريف باللر ما نصّه:
«اللر بالضم وتشديد الراء وهو جيل من الأكراد في جبال بين أصبهان وخوزستان وتلك النواحي تعرف بهم فيقال بلاد اللر، ويقال لرستان. ويقال اللر أيضاً».
ويجري هذا على قياس قولنا الكرد الصورانيون، الكرد البادينيون، الكرد الكورانيون، الكرد البوطانيون، إلخ.
وهذا ما تجده عند الجغرافي الاصطخري المتوفى 957 ميلادية في كتابه «صور الأقاليم والمسالك والممالك».
ويتحدّث المؤرخ (رشيد الدين فضل الله الهمذاني) الذي عاش في زمن الأليخان المغولي (غازان) في كتابه (مكاتبات أصولي) عن «الأتابك الكردي» أفراسياب الأوّل حاكم لرستان الكبرى في الفترة (1288ـ1296م) ويصف قيامه بزيارة الايلخان المذكور. وكان قد أعلن الثورة على سلفه أرغون قبلها. وكيف استقبل بحفاوة وإكرام، وكيف أنّ (غازان خان) عمد إلى قتله أثناء عودته إلى مقر حكمه، على يد قائده (هرقدق).
وفي كتابه «نزهة القلوب» للمؤرخ والجغرافي الشهير (حمد الله المستوفي القزويني) الذي أنجز تأليفه في العام (1339مـ740هـ)، تجد الكثير عن إمارتي لرستان الكبرى والصغرى. وممّا يقوله: إنّ مواطن اللر الكرد تنقسم إدارياً إلى لرستان الكبرى وهي المنطقة الجبلية وما يليها من السهوب شرقاً (ضمن الحدود الإيرانية اليوم) ولرستان الصغرى (وأكثرها يقع ضمن الحدود العراقية الحالية غرباً).
ويثبت المستوفي مبلغ الخراج الذي كان يجبى منهما خلال الفترة المنحصرة بين (1335ـ1340م) بمليون دينار ايلخاني سنوياً، يدفع منه تسعون ألفاً فقط للديوان (أي الخزينة المركزية) والباقي يستقل بتصرف الأتابك (أي حاكم الإقليم).
أمّا «عبدالله المازندراني» مؤلف كتاب (رسالتي فلكية) في العام 1364 فيذكر أنّ أتابكة لرستان كانوا يعينون أوّلاً من قبل الحكام الايلخانيين (أحفاد هولاكو) وعندما انتاب سلطة هؤلاء الضعف استقل الأتابكة بإقليمهم.
ويثبت فضلاً عن هذا قوائم بالضرائب التي كانت تحصل من هذين الإقليمين وهي تقل كثيراً عن المبالغ التي وردت في قوائم المستوفي.
وممّا أغفله المؤرخون أو ذكره بعضهم ذكراً عابراً دون تفصيل أنّ العراق وقع تحت حكم الأكراد الفيليين «اللر» مدّة ست سنوات وأنّ أميرهم «ذو الفقار أحمد سلطان ماوصللو» حاصر بغداد بجيشه وفتحها واتخذها عاصمة له وأوجد خلال ذلك حاميات عسكرية كردية في سائر المدن العراقية التي دانت له بالطاعة، من شمال سامراء حتّى البصرة. وإليك هذا التفصيل على إيجازه كما ورد في كتاب (البدر الطالع ج1: ص270) ونقله الأستاذ عباس العزاوي في كتابه (العراق بين احتلالين ج2: ص360):
«في السنة 930 للهجرة الموافق للسنة 1523 ميلادية، هاجم بغداد، الأمير ذو الفقار رئيس قبيلة (موصوللو) من عشيرة كلهور الكردية وكان أمير لرستان، وضمّها إليه.
وبعد أن وطد أمره في بغداد استولى على معظم المدن العراقية. وخوفاً من الدولة الصفوية كاتب السلطان (سليمان القانوني) واحتمى به. لكن الشاه طهماسب الأوّل الصفوي هاجم العراق ودخل بغداد في العام 936 الهجري الموافق للعام 1529 ميلادي وجرت معركة كتب النصر فيها للفرس على الأكراد، وقتل الأمير ذو الفقار، وأخضع الشاه طهماسب العراق لسلطته ثمّ رجع إلى مقر ملكه بعد أن عيّن على العراق (بكلو محمد خان) وفوّض إليه إدارة شؤونه».
في الواقع أنّ السلطان سليمان القانوني رحب باقتراح الأمير ذو الفقار مبدئياً، على أن كتب التاريخ العام بمصادرها الإيرانية والغربية تجمع على أنّ موافقة السلطان العثماني وترحيبه، لم يتعديا حدود الكلام والوعود، فقد كانت جيوشه منشغلة في حروب أوروبا وبخاصّة حصار (ڤيينا) ومواجهة الحلف العسكري الغربي.
وفي اعتقادي أنّ هذا الاحتلال الكردي للعراق كان واحداً من أسباب استقرار الكرد في العاصمة العراقية وسائر الحواضر الأخرى. وأعود الآن إلى أصل كلمة الفيلية والفيلي:
إنّ أقدم ما وقفت عليه من ذكر صريح للتعبير مقروناً بكلمة (كرد) أو بكلمة (لر) في كتب التاريخ المدونة والمطبوعة. يعود إلى ما يقارب ثلاثة قرون مضت. وإليك بعض الأمثلة:
تتحدّث الحوليات التاريخية الإيرانية عن ثورة (اللر الفيليين والبختيارية) في زمن فتح علي شاه. وهذا هو النص:
«… مع أنّ مدينة كرمنشاه بقيت هادئة، فإنّ سائر البلاد كلّها حتّى همذان وشوشتر كانت تغلي غلياناً. وعندما حول اللر الفيليون والبختياريون أن يغنموا أكثر ما يمكن اغتنامه من الفراغ الذي خلفته فترة خلو العرش الفارسي».
ورد هذا النص في كتاب جمس فريزر James Frazer المطبوع في لندن سنة 1744م بعنوان (تاريخ نادر شاه) الملقب سابقاً بطهماس قلي خان The History of Nadir Shah Formerly Called Thamas Kuli Khan، نقلاً عن ميرزا أبو الحسن غفاري كاشاني. وهو مخطوط في المكتبة البريطانية بعنوان «كلستان مراد».
وفي كتاب السير جون مالكولم John Malcolm الموسوم «تاريخ فارس من أقدم الأزمان حتّى الوقت الحاضر» The History of Persia from the Most Early Period to the Present Time المطبوع في لندن في العام 1815م. نجد هذه العبارة وهي بالأصل تتحدّث عن قومية (كريم خان زند):
«هو أيضاً من الكرد اللر. وهي قبيلة من الرعاة كانت تقضي فترة الشتاء في سهول همذان. ومركزها قريتا (بري مكازان) المجاورتان لبلدة (ملاير). والزنديون والمجموعات الأخرى القبلية التي تتكلم اللغة الكردية وتتسمّى بـ (الزند) وجدت هناك في الأيام الأخيرة على أنّ مجموعة كثيرة من الدلائل تشير إلى أنّهم ينتمون إلى واحدة من القبائل الكردية الشمالية أو من اللك الذين نزحوا أصلاً من كردستان. وهم على أيّة حال غير فيليي خرم آباد».
وفي كتاب أحمد كسروي الموسوم «تاريخ بانصد سال خوزستان» المطبوع في طهران 1313 هجري، نجد هذه العبارة:”
«في العام 1165 هجري الموافق 1751م امتنعت مدينة شيراز على كريم خان، بعد أن واجه هزيمته على يد فتح علي خان وأرغم على التراجع وقضى بقية شتائه في جبال اللر، بضيافة وحماية الكرد الفيليين في خرم آباد».
وجاء في كتاب (فراسنامه ي. نصيري ج1: ص214ـ215) المطبوع في طهران عام 1313 هجري لمؤلفه حاجي ميرزا حسن حسيني فساتي ما نصه حول ثورة اللر الفيليين بقيادة زكي خان على حكم كريم خان زند:
«وبعد أن استتب الأمر لكريم خان زند وأخضع القبائل البختيارية وصالحهم وانضم إلى جيشه منهم ثلاثة آلاف، توجّه نحو جيرانهم الكرد الفيليين في الشمال فأوقع فيهم مقتلة، وفي شتاء 1179ـ1180هـ الموافق 1764ـ1765م) وجّه ضربته إلى عاصمتهم خرم آباد ونهب ممتلكات إسماعيل خان وأرغمه على الهروب إلى سهول العراق، فأجاره «بنو لام» وبسطوا عليه حمايتهم، ولم ينزل كريم خان عقاباً بالفيليين الكرد أكثر من هذا واقتصر على عزل إسماعيل خان رئيسهم الأعلى، ونصب محله أخاه الذي كان أطوع له. وفي الوقت الذي أخلدت قبائل البختياري إلى السكينة طوال حكم كريم خان، فإنّ محاولاته لإخضاع اللر الفيليين لم يحالفها النجاح. إذ ما لبث إسماعيل خان أن كرَّ راجعاً ليمارس سلطته ونفوذه ودام حكمه طوال حياة كريم خان».
ويحدّد كتاب تاريخ كمبردج لإيران في مجلده السابع (ص512) منطقة الكرد الفيليين (يذكر الاسم بالنص) بهذا الشكل:
«وبين أواسط تخوم زاكروس الشُم وسهول عربستان الحارقة، نجد أوسع انتشار مركز لقبائل رحل قد يصل تعداده المليون. فالبخيتاري اللر يجاورون (كوه جيلويه) ويتمتع رئيسهم بسلطة ومركز مساوٍ لما يتمتع به الولاة الكبار الأربعة في إيران. وفي خرم آباد يحكم والي لرستان الأصلية على الفيليين وعلى مجموعات متفرقة من اللر».
هذه النماذج من المقتبسات التاريخية التي يظهر فيها اسم الفيلي والفيلية الكردية، تمييزاً بالصفة وبشكل واضح كما هي العادة في نسبة الكردي إلى عشيرته بالاسم الذي تعرف به.
ومن النادر أن لا يثير اسم شعب أو قبيلة أو طائفة من الناس أو موقع جغرافي ـ حيرة المؤرخ عندما يحاول ردّه إلى أصل أو تعليل سبب اتخاذه أو من أين اشتق. وأنا عادة لا أضيّع وقتاً في تحرّي الأصول أو العثور على تعليل معقول من مثل هذه الأمور، إلاّ أنّي وجدت بين إخواني وأبنائي من الكرد الفيليين اهتماماً كبيراً في معرفة أصل النسبة وكثيراً ما لوحقت وشوقت من قبلهم.
كان دليلي إلى أنّ الكلمة ليست كردية وهي أنّ الكرد الفيليين وغير الفيليين يعجزون عن ردّها إلى جذر لغوي في لهجتهم بشكل مقنع ومعقول. وكلّ التعاليل التي ترد عن ألسنة المهتمين بالأمر لا تخلو من ثغرات ولا تعصم من مؤاخذة وأنا لا أرى محاولتي هنا غير واحدة من تلك المحاولات ربّما أصابت الحقيقة وربّما أخطأتها.
رجحت أن تكون تسمية عربية ـ عراقية، ينبغي التحرّي عنها في المعاجم العربية والكلام العربي المتداول لسبب ثلاثية أحرفها ولأنّها بتشكيلها (ضم الفاء أو كسرها مع سكون الياء) تبدو الكلمة مصدرية للجذر الثلاثي العربي. ومع أنّ الجزء الأكبر من إقليم لرستان يقع اليوم داخل الحدود الإيرانية إلاّ أنّ صلة قاطنيها الكرد كانت بما يبدو أوثق بالعرب من صلتهم الاجتماعية بالفرس.
حاضرتهم التاريخية خرم آباد مجاورة لإقليم خوزستان (عربستان). إنّ للمادة (فال ويفيل ويفوله وفياله) الواردة في معاجم اللغة العربية، معنيين: فهي (الضعف، والخطأ في الرأي) حيناً و(الزيادة والقدرة) حيناً، فيقال هذا الرجل (فيلي) ـ أي (معمّر) أو أنّ عمره زائد. ويقال لرجل (فيل) أو (فائل الرأي). وعلى هذا ربما ألصقت هذه الصفات بهم من قبل جيرانهم.
هناك تخريج آخر تحفظه الذاكرة للكاتب (نوري ثابت) ذكر فيها أنّ الأصل في إطلاقها كان (الكرد الفلاوية) ثمّ صحفت إلى فويلي وأنّها مأخوذة من كلمة (فلاة) أو (فلوات) العربية أي الأرض المنبسطة أو البطحاء القليلة الكلأ والماء. ومعلوم أنّ الكرد الفيلية العراقيين كان محل سكناهم الأصلي في الجهة الغربية للجبال وفي أرض سهلة وهي عند مؤرخي المغول لرستان الصغرى كما تقدّم ذكره.
وكلّ هذا رجم بالغيب وتخريج، وليس لديه سند تاريخي. وكلّ ما استطعت إثباته للقارئ هو أنّ الاسم تاريخي فعلاً وليس حديثاً. وعلى أبناء هذه الشريحة الهامة من الأمّة الكردية أن ينشطوا في هذا المجال كما نشط غيرهم. فالمراجع التي أخذت منها معلوماتي الضئيلة هذه لا يصعب الوصول إليها، حتّى الكتب الفارسية لها ترجمات بالالمانية والإنكليزية والفرنسية».
التاريخ السياسي للأكراد الفيلية
في غرب إيران وعلى امتداد سلسلة جبال زاكروس وفي سهل سوزيان (شوش حالياً) الذي هو امتداد طبيعي لسهول منطقة ما بين النهرين تجمعت قبائل وتكاثرت على أطراف نهر سيمرة (النهر الكبير) الذي تصب فية جداول كثيرة وبدورها تصب في شط العرب.
فخصوبة الارض ووفرة المياه كانت شرطاً أساسياً للتحضّر والتمدّن فمن قبل (4 ـ 6 آلاف سنة ق. م) أصبحت هذه الأرض الخصبة مهداً للتمدن ومركزاً للعمران فكانت الحضارة العيلامية التي ظلت لقرون عديدة مركزاً للعلوم والفنون مقدمة خدمة كبيرة للبشرية، وما الآثار الباقية والكشوفات المتكررة في مدينة شوش عاصمة العيلاميين ويار سوماس (مسجد سليمان حالياً) وغيرها إلاّ دليلاً تاريخياً شامخاً على مر الدهور.
فمدينة شوش كانت واحدة من المدن الرئيسية في العالم ونقطة وصل سهلة بين بلاد مابين النهرين وآسيا الصغرى، واقصى نقاط العالم المتمدن في ذلك الوقت، فمع الهند كانت الروابط التجارية والثقافية على احسن وجه وكذلك مع جاراتها المتحضرة كالدولة السومرية والاكدية وغيرها.
كانت حدود الإمبراطورية العيلامية في بعض مراحل أوجها وعظمتها كانت كما يلي: من المشرق قسم من بارس، ومن طرف الشمال من همدان إلى بابل، ومن الغرب نهر دجلة، ومن الجنوب خليج بارس إلى بوشهر، وهذا يعني أنها كانت تتكوّن من (خوزستان، لورستان، بشتكوه، بختياري) والذي في مناطق الكورد الفيلية عدا منطقة خوزستان. واختلف المؤرخون في نسب العيلاميين فمنهم من يرجعهم إلى أولاد (عيلام ابن سام ابن نوح) ومنهم من يقول إنّهم (لا هندو أوروبيون ولا ساميون ولكن من القفقازيين أو الخزريين ونزحوا إلى هذة المناطق قبل آلاف السنين). وقد ذكروا بعض صفاتهم «فهم ذوي أجسام قوية وقامة طويلة ومقاتلين أشداء معروفين بالشجاعة ومن أقوى العشائر قاطبة، مطيعين بشكل كلي للحاكم الذي يحكمهم سواء كان رئيس عشيرة او مالك».
ويمكن تقسيم تاريخ العيلاميين إلى ثلاث دورات: أوّلاً، دورة قبل التاريخ من (8 الآف سنة ق.م. إلى سنة 2225 ق.م.) ولهذه الدورة ارتباط بتاريخ السومريين والأكديين وختمت بانقراض الدولة السومرية والأكدية للأبد على يد العيلاميين، وقد ذكرت فتوحاتهم الجديدة في التوراة في مبحث خاص في الباب الرابع من سفر بيدايش الآيات (1، 5، 9، 17) وذكر اسم ملك إيلام (كدر عمر).
ثانياً، الدورة التي عاصرت الآشوريين من سنة (745 ق.م. إلى سنة 645 ق.م.) وتحكم بعدها سلسلة الاخمينيين وهم نفسهم البارسيون الفرس، وبعد اتحاد هذه الدولة مع الدولة الميدية الكردية تتكون دولة (إيران) ويحكمها كورش الكبير حتى يسقطه إسكندر المقدوني عام 331 ق.م. ويطلق عليها اسم سلوقية، بعدها يجتاحها شابور ملك الفرس في عهد الساسانيين والذي كان آخر ملوكها كسرى الذي أسقطت إمبراطوريته بيد المسلمين بين عام 636م إلى 640م حيث أصبحت جزءاً من الإمبراطورية الإسلامية زمن الخليفة عمر بن الخطاب.
وبعد مجيء الإسلام أصبحت المنطقة الكردية الفيلية ضمن الإمبراطورية الإسلامية وسميت بالجبال، وكانت مدينة ميمرة وشيروان جزءاً من حكومة بغداد، ومدينة دره شهر ضمن ولاية البصرة في زمن الخليفة العباسي السفاح.
وكان تواجد الأكراد الفيلية في نواحي عراق العجم وعراق العرب، وكانوا غالباً أصحاب خراج بغداد، وكانت سهول المنطقة مراتع لمواشيهم صيفاً وشتاءاً وكانوا من العناصر الفعالة آنذاك ولهم الأثر الجميل في الإدارة. وقد حكمت المنطقة الكردية الفيلية عدّة حكومات:
1 ـ حكومة تابكان، لورستان، سنة (545هـ ـ 1145م) ودامت ثلاثة قرون وأبادها تيمورلنك المغولي.
2 ـ دولة آل خورشيد في لور كوجك سنة (580هـ ـ 1185م) إلى سنة (695هـ المصادف 1295م).
3 ـ دولة أتابك لور كجك سنة (621هـ ـ 1224م) إلى سنة (693هـ ـ 1294م).
في زمن المغول أبدل اسم لورستان بـ(لوربزرك) (ولوركچك). وفي زمن الدولة الصفوية أصبحت لوربزرك تطلق على منطقة بختياري وكهكيلوية.
عهد الدولة الصفوية والعثمانية:
زمن الدولة الصفوية، في فترة حكم الشاه عباس الصفوي أبدل لقب أتابك وجعل كلمة والي محلها، وأول والي حكم المنطقة هو حسين خان وكان مقره خرم آباد، وقد حكم الأمير ذو الفقار في فترة أخرى أطراف لورستان وهو من عشيرة الكلهور الفيلية وقد أرسل من قبل شاه عباس الصفوي لفتح بغداد فحاصرها لثلاث أشهر حتى سقطت بيده عام 1622م فأصبحت تحت حكمه ولفترة 6 سنوات إلى حين إسقاط حكمه من قبل الشاه عباس الصفوي بعد استقلاله عنه ومخالفته لأوامره([350]). جرجيس فتح الله
الأكراد الفيلية الشيعة
ـ2ـ
قال الدكتور عزيز الحاج:
كان والدي من الأقلية الكردية الفيلية (أو الفولية)، ذات المذهب الشيعي، أي بخلاف الأكثرية السنية من أكراد المنطقة. وكنّا بين عوائل كردية فيلية معدودة في محلات الكرخ، إذ أنّ أغلب الفيلية كانوا يسكنون جنب الرصافة لا سيما في حارات ومحلات باب الشيخ والصدرية والتسابيل وغيرها. أمّا مذهبياً فإنّ الأغلبية من سكان محلات الشواكه وباب السيف وعلاوي الحلة المجاورة والشيخ بشار كانت من الشيعة. فكانت تشهد في شهر عاشوراء مراسيم (السباية)، أي العزاء على الحسين في الحارات، بلبس الأسود واللطم على الصدور وضرب الظهر بسلاسل الحديد وتمثيل مذبحة كربلاء (واقعة الطف)، حيث مقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) وأفراد عائلته. وكان «الممثلون» يركبون الخيول المسرجة والسيوف، ويستخدم بعض الرجال تلك المناسبة للزهو أمام النساء اللواتي كن يشرفن على المنظر من الشناشيل وسطوح البيوت. وكانت تقام في دارنا وباستمرار «قراية» النسوان أي مأتم نسائي للحسين (عليه السلام)، إذ يتجمّع حشد من نساء المحلة القريبات وصديقات العائلة من حول (الملاّية)، أي منشدة القصائد البكائية الملحنة تلحيناً حزيناً ومعها اثنتان من المساعدات. وتستمرّ «القراية» زهاء الساعة أو أكثر وتنتهي بشرب الشاي مع كعك خاص بالمناسبة.
كان أبي ينتمي إلى عشيرة القيتول من الأكراد الفيلية، أمّا أمّي فتنتمي إلى عشيرة «خميس» الفيلية، وقد ولد أبواي في بغداد وكذلك جدّتي من أمّي. وكانت عشائر الفيلية تنقسم إلى ما بين مستقر في العراق منذ مئات السنين، لا سيّما في مناطق الوسط والجنوب (الكوت، العمارة، الناصرية) فضلاً عن بغداد حيث النسبة الأكبر منهم، وما بين عوائل وعشائر تسكن وتزرع وترعى في منطقة جبال (پشتكوه) الحدودية داخل إيران، وهي الجبال التي تمتد سهولها إلى داخل الأراضي العراقية من نواحي محافظتي العمارة والكوت.
وكان عدد غير قليل من شباب الفيلية ورجالهم الأقوياء المستقرين في الجبال الإيرانية يعبرون الحدود من قرب (زرباطية) ليأتوا إلى بغداد ويشتغلوا بالعتالة (حمّالين) وأشغال أخرى، ثمّ يعودون بعد أشهر إلى عوائلهم مع دخل مريح.
وكانت المراكب تحمل في دجلة الأحمال الضخمة جدّاً فيحملها الحمالون الأكراد من ظهر الباخرة أو الجنيبة لينزلوا منها على خشبة طويلة (دوسة) تصل الأرض ومن هناك يصعدون حوالي العشرين درجة إلى الرصيف، فإمّا أن تؤخذ البضاعة فوراً إلى التاجر المستورد أو تودع في المخازن. وكان أبي يتقاضى أجور استخدام الحمالين وصيانة البضائع وحراستها حتّى يأتي وكلاء الشركات والتجار ـ ويسمّون «وكلاء إخراج» ـ بتصريحات حكومية رسمية لتسلم البضاعة مقابل رسوم تدفع لكلّ من الحكومة وأبي. وكان هذا العمل يستدعي أيضاً عدداً من الكتبة لضبط وتقييد البضائع والحسابات ولتسجيل الصادر والوارد، وكان يقوم بذلك ما لا يقل عن ستة من الكتبة يدفع أبي مرتباتهم الشهرية، وأذكر منهم المحامي قاسم حمودي الذي أصبح من رموز التيار القومي في العراق (حزب الاستقلال) وصاحب جريدة معروفة، وهو أب كلّ من الشخصية البعثية المعروفة سعد قاسم حمودي وشقيقه جعفر.
وكان في الرصيف أيضاً، خط حديدي قصير، عليه رافعة تسمّى «سلنك» تستخدم لرفع الصناديق الضخمة والكتل الحديدية، وما لا يمكن حمله من الدوبة إلى الرصيف. وقد يتعاون حمالان أو أكثر لنقل بعض الصناديق أو أعمدة الحديد إلى المخازن الخارجية أو الداخلية أو لوضعها على ظهر شاحنة، تنتظر. وكان الحمالون الفيليون في بغداد عدا قوتهم الأسطورية أمناء غالباً، ولذلك كانت ثقة التجار وأصحاب المخازن (الخانات) بهم كبيرة للعمل والحراسة.
لكن القسم الأكبر من الأكراد الفيلية في بغداد كانوا أصحاب حوانيت للبيع، والعديد منهم كانوا من كبار التجار. ومع تأسيس الكليات، لا سيما الحقوق (القانون) ظهر من بينهم القضاة والمحامون ومن بينهم ابن عمي محمود شكر، كما برز الموظفون، والمعلمون، والمثقفون من شعراء وكتّاب، والموسيقيون والملحنون والمغنون. وعلى الصعيد السلبي كان عدد من الفيلية من بين أشهر فتوات (أشقيائية) بغداد العشرينات والثلاثينات، وفي مقدمتهم «أبو جاسم لر» الشهير جدّاً. وقد قتل بعد سنوات من تركه تلك الهواية السيئة. وانتشر الفيلية على مدى قرون وقرون، في سهول العراق الشرقية ومدنه الجنوبية، لا سيما في علي الغربي، والكوت، وزرباطية، وبدرة، ومندلي، وخانقين، والناصرية، وقلعة سكر وغيرها، وكانوا جميعاً تقريباً أصحاب دكاكين أو مخازن أو تجار حبوب ومواشٍ ويلبسون الملابس العربية الأصيلة حتّى لا يكاد أحد يميز بينهم في الزي واللغة عن أي من أبناء العشائر العربية.
وممّن برزوا من بين الأكراد الفيلية علماء وأدباء مشهورون أمثال الدكتور مصطفى جواد وعبد المجيد لطفي، والشاعر زاهد محمد، وموسيقيون نوابغ منهم سلمان شكر (ابن عمي) ونصير شمة، وملحنون ومغنون منهم رضا علي، وحسن خيوكة، وأطباء أشهرهم جعفر محمد كريم، (شقيق حبيب محمد كريم)، من مؤسسي الحزب الديموقراطي الكردستاني، الذي اضطر تحت مطاردة الشرطة العراقية للهجرة سرّاً إلى إيران، وفي الحياة السياسية برز حبيب كريم، الذي شغل منصب سكرتير عام الحزب الديموقراطي الكردستاني في الستينات والسبعينات. ومن المربين برز سلمان رستم ومهدي ساخان، وشهاب أحمد وآخرون. ومن أبطال الرياضة البدنية داود سلمان ورحمن سردار وحسن دارا وكاظم رضا ونور الله رضا وشمّة جمعة ونعمان مراد وعبد الرزاق باوي وسعيد حسين وأنور مراد وزكي غلام، وكانوا بارزين في كرة السلة والكرة الطائرة، وغيرها. وقد حصل عبد الرزاق باوي، مثلاً، على ثلاث ميداليات ذهبية في ألعاب الساحة والميدان في أولمبياد المدارس. وفي أولمبياد مدارس بغداد عام 1954 حصل عبد جان علي على ميدالية ذهبية في ركض 400م، وحصل إبراهيم علي على الميدالية الذهبية في رمي الثقل.
أمّا أثرياء الفيلية وتجارها في بغداد فقد تجمعوا مع عدد من مثقفيها في أواخر الحرب العالمية الثانية لتأسيس «المدرسة الفيلية» التي بدأت ابتدائية وتطوّرت إلى ثانوية، ثمّ تأسّس لها فرع مسائي عام 1946. كما تأسّست «الجمعية الفيلية» في العام نفسه، ومن بين المؤسسين والممولين الحاج أحمد، ونوخاس مراد، والحاج علي حيدر (والدي)، وهادي باقر وشكر محمود، وحميد الملا علي، وآخرون. وقد نجحت المدرسة الفيلية نجاحاً باهراً، وتطوّعت شخصياً في سنتها الدراسية (1946ـ1947) للتدريس في مسائيتها مجاناً مع زميلي المسلم السني ممدوح الآلوسي (من تكريت) وعبد الأحد المالح (مسيحي من شمال العراق)، وكنّا جميعاً في الصف المنتهي في كلية دار المعلمين العالية، ومن اليساريين.
إنّ تأسيس المدرسة والجمعية الفيليتين، كان بحد ذاته تعبيراً حاسماً عن انتماء الفيلية للعراق، وعن رفض تهمة الانتماء «التبعي» الإيراني. فإذا كان عدد من أبناء الفيلية قد درسوا في المدارس الإيرانية المتواجدة في بغداد والكاظمية، فإنّ المدرسة الفيلية جذبت الجميع، وأكدت على عراقية الانتماء، لا سيما ولم تكن تدرس إلاّ باللغة العربية والمناهج الدراسية العراقية وحدها. وقد ترعرع آلاف الصبية والشباب الفيلية وهم لا يقرؤون بل لا يتكملون إلاّ بالعربية في بيوتهم مع آبائهم. وإذا كان حزب البعث قد نص في نظامه الداخلي على أنّ العروبة تعني أوّلاً من ينطقون بالعربية فإنّه لمن الغريب أن يعتبر الأكراد الفيلية «فرساً» مع أنّ لغة أغلب شبابهم هي العربية. لكن الصحيح جدّاً أنّ ذلك لم يلغ شعور كلّ الفيلية بالانتماء إلى قومية كردية متميزة بلغتها، وتقاليدها وتاريخها. أمّا اتهامهم بالتفرّس فكان «ذروة» التشويه، والتحريف المتعمدين.
لقد لعب الأكراد الفيلية دوراً مهماً في الحياة الاقتصادية والتجارية للعراق ولا سيما بغداد. وكذلك دورهم في الحياة السياسية للعراق، وكانت مناطق الفيلية في بغداد بين أهم مراكز تحشد المظاهرات الوطنية الكبرى ضد السيطرة البريطانية ومن أجل الاستقلال والديموقراطية في العراق، أي أنّهم ناضلوا مع بقية الشعب العراقي وقدموا التضحيات، وبذلوا الدم في سبيل أهداف وطنية عامة، ولم يتقدموا يوماً ما بأي مطلب أقلّوي خاص ما عدا السماح لهم بفتح جمعياتهم ونواديهم ومدارسهم، وإلغاء التمييز العنصري عنهم الذي كان يمارس من خلال ما يسمّى بقانون الجنسية المعتمد في أواخر سنة 1924.
وقانون الجنسية العراقي هذا هو من أغرب قوانين الجنسية في العالم وأكثرها شذوذاً، فقد وضعه أقطاب الحكم الوطني عند تأسيسه بإشراف الإنكليز، وكان يقسم المواطنين إلى قسمين: من لهم أوراق تثبت «عثمانيتهم» ومن هم خلاف ذلك فيحسبون على إيران ويعتبرون من فئة «التبعية» الإيرانية. فحتّى إذا حصل عراقي منهم على شهادة تجنس فكان يكتب بالخط الأحمر على الشهادة: «تبعية» أي أنّ أصله إيراني، وهذه كانت حالتي أنا عندما استجيب لطلبي فاعتبرت عراقياً أصلياً، بعد أن تمّ الاعتراف رسمياً بأنّ أبي كان من مواليد بغداد.
وقد تعرّض شاعر العرب الأوّل في هذا العصر محمد مهدي الجواهري إلى حملة تنكيل وتشهير لأنّه لم يكن يحمل ورقة تثبت انتماءه «العثماني» وحاربه أمثال ساطع الحصري عندما أريد تعيينه مدرس ثانوية. لكن الملك فيصل الأوّل تحدّى الموجة العنصرية فاختار الجواهري ضمن موظفي البلاط الملكي بالذات.
يقول الجوهري في الجزء الأوّل من مذكراته (الصادر عام 1988) في إشارته إلى وقائع اضطهاده التعسفي في العشرينات:
«طفت بكلّ البلدان العربية وسألت في بلدان عديدة أخرى عمّا إذا كان يوجد في أي مجتمع نظير لمثل هذه الفضيحة، أن يكون أهل البلد بعد انحسار الاحتلال الأجنبي، أجانب في التبعية إذا لم يثبت تمتعهم بجنسية الأجنبي المحتل (أي العثماني) فلم أجده. ولا أعتقد أنّ هناك من يقدر أن يرد عليّ ويورد مثالاً لذلك في كلّ ما وجدته قبل، وهذا وأنا في عز شبابي في النجف، وتوسّعت فيه بعد ذلك. إن من يولد «بمجرد الولادة» في أميركا فهو على حق من أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية، وأكرر هذه الكلمة ـ رئاسة الجمهورية. أمّا وأنا في براغ وما أزال حتّى يومي هذا، فإنّ من تضعه أمّه في طائرة تحلق في سماء براغ وتحط فيها، فهو بحكم دستورها چيكوسلوفاكي لمجرد ولادته في سمائها، وليس على ترابها فحسب».
وقد تعرّض الأكراد الفيلية إلى تمييز فاضح خلال العهد الملكي كلّه وبعده. واستبشروا خيراً بثورة 14 يوليو/ تموز 1958، فتشكل بعد الثورة بشهور وفد من الأكراد الفيلية المنتمين لكلّ من الحزب الديموقراطي الكردستاني (البرزاني)، والحزب الشيوعي، وذهبنا لمقابلة عبد الكريم قاسم وعرضنا مشكلة أقليتنا وطالبنا باعتبارنا عراقيين أقحاحاً ومنح الجميع شهادات جنسية عراقية أصلية، فوعد خيراً. ولكن التمييز تفاقم وتصاعد بعد سقوط قاسم في عهد عبد السلام عارف. وانتهى إلى موجة واسعة من عمليات التهجير الوحشية المخالفة لحقوق الإنسان وللدستور العراقي الموقت نفسه، وذلك في السبعينات وبداية الثمانينات (في عهد سلطة حزب البعث الحالية)، فقد اعتبروا أكثر الفيلية «فرساً» و«طابوراً خامساً» لإيران. لقد جرى تهجير عشرات الآلاف من الأكراد الفيلية في بغداد وخارجها، وسيقوا بأساليب همجية وبدون إنذار إلى خارج الحدود، ونهبت كلّ ممتلكاتهم. وأمّا المتزوجات من الفيليات من عرب أو الفيلية المتزوجون من نساء عربيات، فقد صدر قانون خاص يشجع الزوجات والأزواج العرب على الطلاق مقابل مكافآت وامتيازات مغرية.
لقد كان هذا نصيب أقلية قومية عراقية بذلت الكثير من أجل العراق وازدهاره. أمّا المحسوبون على «العثمانية» فهم وحدهم العراقيون الأصلاء. ويا للعجب!
وبالعودة إلى التاريخ، فإنّ الأكراد الفيلية كانوا عماد الإمبراطورية العيلامية قبل أكثر من 2000 سنة قبل الميلاد، وكانت مدينة (شوش) الحدودية التاريخية العريقة عاصمتهم.
وفي العهد الإسلامي، بعد مجيء الإسلام، أصبحت المنطقة الكردية الفيلية ضمن الإمبراطورية الإسلامية وسمّيت بالجبال، وكانت مدينتا ميمرة وشيروان جزءاً من حكومة بغداد، ومدينة (دره شهر) ضمن ولاية البصرة في زمن الخليفة العباسي السفّاح. وكانت سهول المنطقة من جهات علي الغربي (ميسان) وبني سعد وأجزاء من محافظة الكوت الحدودية مراتع لمواشيهم صيفاً وشتاء. وحكمت المنطقة الكردية الفيلية في لورستان وأجزاء من الجانب الآخر من الحدود عدّة حكومات منها حكومة تايكان، لورستان، سنة 1145 ودامت ثلاثة قرون، ودولة آل خورشيد في «لوركوجك» بين 1185 و1295. وفي زمن المغو أبدل اسم لورستان، الموطن الأصلي للفيلية، بلوربزرك (أي لور الكبيرة) ولوركچك (أي لور الصغيرة) وتضم أساساً پشتكوه. وفي عهد الدولة الصفوية كان للمنطقة الفيلية (لورستان) من إيران حكم ذاتي فرضه الأكراد، ومن أمرائه الأمير ذو الفقار وهو من عشيرة الكلهور الفيلية، وقد أرسله الشاه عباس الصفوي لفتح بغداد فسقطت بيده عام 1622، وأصبحت تحت حكمه لمدّة 6 سنوات حتّى أسقطه الشاه عباس بعد إعلان ذي الفقار استقلاله عن حكام الفرس ومخالفة أوامر الشاه. وخلال تلك السنوات من حكم الفيلية لبغداد اتّسع نطاق الهجرة من لورستان الإيرانية إلى وسط العراق وجنوبه فاستوطنت أجيال كبيرة العدد من الفيلية في العراق واندمجت بالسكان الأصليين كما مرّ آنفاً.
واستردّت منطقة پشتكوه من لورستان سيادتها الذاتية في أواخر العهد القاجاري في إيران وكان آخر أمرائها حسين قلي خان الذي قامت القوات الإيرانية في عهد رضا پهلوي باعتقاله، وقتله في السجن وسحق سيادة المنطقة، كما جرى الشيء نفسه مع أمير المحمرة العربي الشيخ خزعل في منطقة خوزستان. وقد لجأ الابن الأكبر لحسين قلي خان المدعو أشرف خان إلى العراق، وسكن في قضاء علي الغربي قرب جبال پشتكوه وخصّصت له الحكومة العراقية راتباً شهرياً. كما تزوجت شقيقة له من نقيب أشراف مندلي وشقيقة أخرى من السيد بحر العلوم عضو مجلس التمييز الشرعي. وطالب أشرف خان بملكية مقاطعة «البكساية» بين الشيخ سعد وعلي الغربي إذ كانت، كما قال، ملكاً لأبيه ولكن الإدارة العراقية لم تستجب لطلبه. وبالمناسبة فإنّ والي پشتكوه حسين قلي (أو قولي) خان كان من بين من تردّدت أسماؤهم مع الأمير فيصل لحكم العراق عام 1921، وهو كردي لا فارسي، وإنّ اسم قلي اسم كردي.
ما بين 1971 و1982 جرى تهجير أكثر من ثلاثمائة ألف كردي فيلي من العراق، ومات من مات من المهجَّرين على الحدود، لا سيما بين كبار السن، ومنهم خالتي، شقيقة أمي، ونهبت ممتلكات الجميع بعد أن قضوا في العراق ـ وطنهم ـ أجيالاً وخلفوا فيه الأولاد والأحفاد. كما حجزت الحكومة ما لا يقل عن ستة آلاف من شباب الفيلية في السجون والمعتقلات ولا يزالون محجوزين حتّى اليوم (سنة 1998) دون ذنب وبلا تهمة رسمية، بعد أن جرى تهجير آبائهم وأخواتهم وأمهاتهم.
وجرى في الوقت نفسه تهجير آلاف من العرب العراقيين الأقحاح من جنوب العراق ووسطه بحجة «التبعية» وبينهم الكثيرون من أبناء العشائر العربية. ولكن «الذنب» الوحيد الذي اقترفوه هو انتماؤهم الشيعي.
د. عزيز الحاج
الإبادة الجماعية في كردستان العراق
في عهد صدام حسين
الإبادة الجماعية أو إبادة العنصر (Genocide) مصطلح ابتدعه رافايل لامكين للتعبير عن التدمير المتعمد للعنصر، كلياً أو جزئياً، بدوافع التعصب العنصري أو الديني أو الاستعماري. وفي 1948 تبنّت الأمم المتحدة التعريف التالي للإبادة الجماعية: «هي محاولة القضاء محلياً او جزئياً، على جماعات قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية، بسبب هويتها هذه».
وأصبحت الإبادة الجماعية (أو إبادة العنصر) جريمة دولية يعاقب عليها القانون الدولي بموجب معاهدة الأمم المتحدة بالموافقة على «ميثاق عقوبة جريمة إبادة العنصر» التي تمّ التوقيع عليها في كانون الأوّل (ديسمبر) 1948، ودخلت حيز التطبيق في 1951، وقد وقّعها العراق عام 1959، أي بعد عام على تحوّله إلى النظام الجمهوري.
وتشمل «الإبادة الجماعية ـ الجينوسايد) قتل أفراد جماعة أثنية معينة، وتشريدهم والاستيلاء على ممتلكاتهم والاعتداء عليهم جسدياً ومعنوياً، وإجبارهم على اتباع طريقة معيشة تؤدي إلى انقراضهم كلياً أو جزئياً، وفرض تدابير تمنع توالدهم وتكاثرهم واستمرار جنسهم، وخطف أطفالهم بشكل جماعي لإذابة شخصيتهم الأثنية.
ولو أخذنا بالمقاييس أعلاه، لوجدناها تنطبق تماماً على كلّ من كردستان العراق في الشمال ومنطقة الأهوار في الجنوب. فالمنطقتان تعرضتا لعلميات إبادة النوع والزرع وتغيير الطابع الجغرافي والديموغرافي فيهما. ففي الأهوار عمدت السلطات العراقية إلى القضاء على مقومات المعيشة والحياة الطبيعية هناك، عبر تجفيف الأهوار والمستنقعات. والقضاء، بالتالي، على الثورتين السمكية والحيوانية فيها، وهما مصدر الغذاء الرئيسي لسكان المنطقة. كذلك تمّ حرق الغطاء النباتي للمنطقة، والمتمثل بالقصب الذي هو مأوى عشرات أنواع الطيور الي يعتمد عليها السكان كمصدر آخر للغذاء. وهكذا لم يترك النظام العراقي من خيار أمام هؤلاء المنكوبين سوى ترك مناطق سكناهم الأزلية والتوجّه، هائمين على وجوههم، إلى المدن والقصبات القريبة، تدفعهم في ذلك غريزة البقاء.
أمّا بالنسبة لعمليات القتل والإعدام هناك فهي قائمة على قدم وساق. ولا أجد أبلغ من شهادة مراسل صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية، الذي ذكر أنّ جلاوزة النظام العراقي أسروا ثائراً أهوارياً، ولإشاعة الرعب بين سكان المنطقة لجؤوا إلى ربطه إلى سيخ حديد وشيّه حيّاً على النار!
وفي كردستان العراق تبدو الصورة أجلى وأوضح حيث وضع النظام العراقي الصدّامي خطة عسكرية منهجية لإفراغ الريف الكردي من جميع سكانه، مدنيين ومقاتلين على حد سواء، في محاولة منه للقضاء على جذور ومقومات المجتمع الكردي.
ومن هذا المنطلق أعطى صدام حسين صلاحيات واسعة غير محدودة لابن عمّه ووزير دفاعه علي حسن المجيد للشروع في تنفيذ خطة الإبادة الجماعية للنوع والزرع في كردستان العراق، والتي انطلقت أولى حملاتها في 1987 تحت اسم «الأنفال» التي تعني الغنائم أو الأسلاب.
كانت مدّة كلّ حملة من حملات «الأنفال» ستة أشهر. وكعملية تمهيدية لها، باشرت الحكومة العراقية بتنفيذ خطة واسعة لإفراغ آلاف القرى والقصبات الكردية الحدودية (على حدود كلّ من تركيا وإيران)، وبعمق 18ـ30 كلم من سكانها. وانطلقت أولى حملات التهجير عام 1976، وبلغ عدد القرى المهجرة حتّى 1979 ألفي قرية. ثمّ تلتها حملة أخرى في 1985 حين تمّ تهجير سكان 360 قرية وإبعادهم إلى صحارى محافظة الرمادي. وكرّت سبحة التهجير حتّى بلغت أوجها في عام الأنفالات (1987)، حيث تمّ تدمير أربعة آلاف وخمسمائة قرية وقصبة كردية وآشورية من ضمنها تسعة أقضية وخمس عشرة ناحية، أي أربع وعشرون مدينة صغيرة، تدميراً كاملاً بالقصف الجوي والمدفعي والنسف بالديناميت وردم ينابيع المياه بالإسمنت المسلح، وقطع مئات آلاف أشجار الفاكهة المتنوعة والغزيرة، وإيقاد النيران في بقايا أطلال القرى والمزارع والبساتين والغابات والأحراش الكثيفة ومجمل الغطاء النباتي للمنطقة، وذلك ضمن ما سمّي بسياسة الأرض المحروقة، أي حرق الأرض والحرث والحيوان، والقضاء بالتالي على كلّ مظهر من مظاهر الحياة النباتية أو الحيوانية في المنطقة. وكخطوة أخيرة في هذا المجال، كان يتم رش المزارع والبساتين، بواسطة الطائرات السمتية، بالمواد الكيماوية الحارقة للحؤول دون إنباتها ثانية.
أمّا سكان هذه القرى والقصبات المهجرة، فقد أُعدم منهم من أُعدم ونفي بعضهم إلى صحارى وسط العراق وجنوبه، وحشر البقية في مجمعات سكنية قسرية، بنتها الحكومة في أطراف المدن الكردية وأطلقت عليها تسمية «مدن النصر» أو «القرى العصرية» أو «القرى النموذجية» والتي لم تكن في حقيقتها أكثر من معسكرات اعتقال ليس إلاّ. وبلغ عدد المهجرين من سكان هذه القرى والبلدان، في المراحل الأولى، أكثر من سبعمائة وخمسين ألف شخص.
ويقول الصحافي الأميركي جوناثان راندل في كتابه «أمّة في شقاق ـ دروب كردستان كما سلكتها» إنّه في برقية أرسلتها السفارة الأميركية في بغداد إلى حكومتها في واشنطن بتاريخ 19 نيسان (ابريل) 1988 تمّ تقدير عدد الكرد الذين أُرغموا على الانتقال إلى «مدن النصر» بحوالي مليون ونصف المليون شخص، وأظهرت الصور التي التقطتها الأقمار الاصطناعية الأميركية أثناء مرورها فوق الأراضي العراقية حجم الدمار والخراب الحاصلين في الريف الكردي.
وأطلقت بعض الجهات الإعلامية الغربية على هذه العمليات تسمية «الإبادة الجماعية الثقافية»، انطلاقاً من كونها تعني، ضمن ما تعنيه، اقتلع الحياة الريفية التي تشكل عصب المجتمع الكردي.
وفي خطوة تصعيدية لاحقة لعمليات «الإبادة الجماعية» هذه شرعت الحكومة العراقية في استخدام السلاح الكيماوي الفتاك، والمحرّم دولياً، حيث استخدمته ولأوّل مرّة في 15ـ16/4/1987 في مناطق شيخ وسان وباليسان (محافظة أربيل) وشمل ذلك العديد من القرى والمرتفعات. وفي هذه العملية أبيد سكان قرية شي، وسان بالكامل، رجالاً ونساء وأطفالاً، وحتّى الحيوانات الداجنة والبرية أبيدت أيضاً.
وتوالى استخدام السلاح الكيماوي على نحو تدريجي، ولكن ممنهج وشديد الفعالية. وضمن هذا السياق العملياتي تمّ في 23 شباط (فبراير) 1988 قصف مقر قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني (بقيادة جلال طالباني) في وادي (جافتي) بالسلاح الكيماوي. ثمّ توّجت عمليات «الإبادة الجماعية» هذه بمجزرة حلبجة الرهيبة، التي هزّت الأوساط الإعلامية والسياسية العالمية، وتناقلتها وسائل الإعلام كافة في العالم. فقد تمّ قصف هذه المدينة الكردية يوم 16 آذار (مارس) 1988 بغازي الخردل والسارين، وقصفت في اليومين التاليين أيضاً، ممّا أسفر عن سقوط أكثر من عشرة آلاف قتيل ومشوّه (حسب الإحصاءات الأولية للحركة الكردية، بينما بلغت إحصائيات الأمم المتحدة أكثر من ذلك بكثير).
قمين بالإشارة أنّ النظام العراقي قد وثّق جرائمه هذه بمستندات تحريرية وأشرطة تسجيل (كاسيت) وفيديو، ظانّاً أنّها ستبقى في حوزته دوماً ولن تطولها الأيادي أبداً. ففي خلال انتفاضة آذار (مارس) 1991 استولى المنتفضون الكرد على ثمانية عشر طناً من وثائق المخابرات العراقية، التي كانت تتضمن كميات هائلة من المعلومات والأدلة العيانية المباشرة على استخدام السلاح الكيماوي، سواء في حلبجة أو لاحقاً في بهدينان ومناطق أخرى من كردستان.
وفي 25 آب (أغسطس) وحتّى 9 أيلول (سبتمبر) 1988 شنّ النظام العراقي آخر حملاته الكيماوية على الكرد، وختم عمليات «الأنفال» بالإجهاز على البقية الباقية من الريف الكردي في الأعماق وضواحي المدن، وبدأ سلسلة من عمليات الإعدام الجماعي الكيفي والاعتقال العشوائي لأكبر قدر ممكن من الناس، رجالاً ونساء وشيوخاً وأطفالاً، في محاولة مستميتة لتغيير الطابع الديموغرافي للمنطقة! وقتل في هذه العمليات آلاف الأشخاص، ولم تكد تسلم عائلة كردية واحدة من عمليات التصفية الجسدية هذه، واعتبر أكثر من 182,000 شخصاً في عداد المفقودين.
وأنا شخصياً فقدت في هذه العمليات 17 شخصاً من أبناء عائلتي، حيث اعتقل هؤلاء في يوم 28/8/1988 وأعدم 9 منهم رمياً بالرصاص على مدى أكثر من نصف ساعة حتّى تقطعت أوصالهم ثمّ أحرقت جثثهم حتّى تفحمت، بعدها أهيل عليهم التراب بالبلدوزرات. أمّا الثمانية الآخرون فاقتيدوا إلى صحارى الوسط والجنوب ودفنوا هناك مع عشرات الآلاف غيرهم في مقابر جماعية، بعد تجريب السلاح البيولوجي عليهم. ونجا واحد فقط من أبناء عمومتي من هذه المذبحة، وخرج منها بأعجوبة بالغة وهو مثخن بالجراح، ليروي لي في ما بعد تفاصيل المذبحة المروعة لحظة بلحظة، وكيف شاهد بأم عينه سبعة عشر من أبناء عمومته وأقاربه يمزقهم الرصاص إرباً إرباً وتفوح منهم رائحة الشواء.
ومن المفارقات المضحكة والمبكية في آن، أنّ علي حسن المجيد (أو علي كيماوي كما يسمّيه الكرد) قد انتفض ممتعضاً من الوفد الكردي المفاوض، في ربيع 1991، حين سئل عن مصير الـ 182 ألف مفقود من أبناء كردستان، وقال مزمجراً «ما هذه المبالغة؟ من أين أتيتم بهذا الرقم؟ فالرقم الحقيقي لم يتجاوز حدود المئة ألف شخص»!.
صلاح برواري
الإكليل
من أعظم الكتب العربية القديمة، ألّفه الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني المتوفى سنة 334 (946) وكان من كبار علماء اليمن والكتّاب في أنساب حِمْير وأيام ملوكها، وهو في الحقيقة عنوان لعشرة أجزاء في الكلام على ماضي اليمن من جميع الوجوه مفصلة كالآتي:
الأوّل: مختصر من المبتدأ وأصول الأنساب.
الثّاني: في نسب ولد الهَمَيْسَع بن حِمْير.
الثّالث: في فضائل قحطان.
الرّابع: في السّيرة القديمة إلى عهد أسعد تبع أبي كَرِب.
الخامس: في السّيرة الوسطى، من أوّل أيام أسعد تبع إلى ذي نُواس.
السّادس: في السّيرة الأخيرة، إلى ظهور الإسلام.
السّابع: في التّنبيه على الأخبار الباطلة والحكايات المستحيلة.
الثّامن: في ذكرى ملوك حمير ومحافدها ومدنها ودفائنها. وما حفظ من شعر علقمة بن ذي جدن.
التّاسع: في أمثال حِمْير وحِكَمِها واللّسان الحِمْيريّ وحروف المسند.
العاشر: في معارك هَمْدان وأنسابها وعيون أخبارها .
والمطبوع من هذه الأجزاء أربعة فقط هي الأوّل والثاني والثامن والعاشر وتعتبر الأجزاء الأخرى بحكم المفقودة. على أنّ نسخة كاملة من الإكليل بأجزاءه العشرة كانت موجودة في مكتبة إمام اليمن والله أعلم أين انتهى أمرها بعد اضطرابات اليمن وحروبه الأخيرة وهناك كتاب «الإكليل في استنباط التنزيل» في التفسير لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911 (1505). وكتاب (الإكليل في الحديث) للنيسابوري المتوفى سنة 405 (1014).
وعندما يطلق اسم (الإكليل) فإنّما يراد به الكتاب الأوّل.
و(الإكليل) اصطلاح فلكي عربي يطلق على ثلاثة كواكب على رأس العقرب كالإكليل.
حسن بن أحمد الهمذاني صاحب كتاب الإكليل
كن الهمداني مؤرخاً شاعراً نسابة فيلسوفاً نحوياً محدّثاً رحالة، وهو إلى ذلك سياسي، وما بين أيدينا من آثاره شعراً ونثراً يعرب عن علم جم، ومعارف واسعة، وتبحّر في الرواية، وبصيرة في الدراية، وما ضاع منها أو ما يزال مفقوداً ـ وهو الكثير بينها ديوان شعره في ستة مجلدات يخوّل لنا القول بأنّها لو وصلت إلينا ـ أو لو اكتشفناها ـ لازدادت معارف الناس عن اليمن وتاريخها وأدبها؛ وازدَدْنا إجلالاً لذلك العلم الشامخ الذي أطلق عليه الأوائل والأواخر بجدارة لا تمارى «لسان اليمن».
وقد ذاع صيت الهمداني وانتشر ذكره في أنحاء العالم الإسلامي أيام حياته وبعد وفاته؛ لأنّه كان ذا نشاط جاد؛ يواصل ويراسل علماء وأدباء الحجاز والشام والعراق، وكان كثير الأسفار والتجوال، وكان بمزاجه العلميّ، وذوقه الأدبي، وحسّه الشاعري يسجّل كلّ ما يراه أو يقرؤه أو يسمعه ولذلك ظهرت كتبه وكأنّه يؤلفها للمسلمين في كلّ زمان ومكان، وليس لأبناء قومه من اليمنيين فقط؛ وإن كان قد وهب قلبه، وحسّه، وعلمه لوطنه وقومه إلى حدّ يراه بعض النقّاد والمؤرخين من القدامى والمحدثين أنّه قد أفضى به إلى التعصّب الأعمى، والعنصريّة المشينة!
نشأته ومذهبه
يكاد المحققون من المؤرخين أن يجمعوا على أنّه قد ولد في أوائل عام (280هـ) (894م) وهي من الفترات الرهيبة في تاريخ اليمن والجزيرة العربيّة حين بدأ الحكم العباسي يتضعضع، وتشعّبتِ الملل والنحل، وإنَّها لَصُدْفة عجيبة لا يُغْفلها «الفلكيّون» القدامى ـ وقد كان الهمداني منهم ـ أن تكون ولادته في نفس السنة التي خرج فيها الإمام الهادي يحيى بن الحسين خرجته الأولى إلى اليمن؛ ثمّ انقلب راجعاً إلى الحجاز واكتسحت الفتن اليمن، وغادرها وَالي صنعاء من قبل العبّاسيين؛ وظلّت نهباً بين «القرامطة» و«الدعام» و«بني يعفر» وغيرهم حتّى عاد الهادي من جديد وكتب إليه صاحب صنعاء «أبو العتاهية» ليستقدمه، ودخلها سنة (288هـ). و«الهمداني» يشاهد كلّ ذلك بعقله الواعي، وشبابه المتحفز وفطرته السليمة. وتهيّئ منه الأقدار شخصاً سيلعب دوراً كبيراً في أحداث فترته وتاريخها ويتحمّل من بؤسها ونعيمها، وخيرها وشرّها، ما لا يتحمّله إلاّ المحظوظون من نوابغ البشر.
وقد ثابر الشاب الهمداني في «صنعاء» على دراسة العلم وكسب المعارف، لم يشغله عن ذلك شاغل، وكان ذا لاقطةٍ حافظة، وذاكرة واعية، سجّلت معظم ما شاهده أو سمعه من أحداث صباه؛ ومنها كارثة القحط التي حلّت باليمن سنة: (290هـ) (903م) وهو لا يزال في العاشرة فقد ذكرها في الكتاب العاشر من «الإكليل» فقال وهو يتحدّث عن أنساب آل أبي حبش: «فنوا جميعاً في حَطْمة التسعين ومائتين باليمن وذلك أن ما لهم فني، ورقّت وجوههم من المسألة فاعتفدوا، وأوصدوا عليهم وعلى أهاليهم وعيالهم أبوابهم فماتوا رحمهم الله، فلم يبق منهم أحد سوى طفلة درجت من خلل بين حجَرَيْن فأخذها بعض بني الأزهر بن عبد الرحمن فرشّحت عندهم وزوجت فيهم، وسوى رجل كان نازحاً عنهم» ص200ـ201: 10 ـ تحقيق الخطيب، وقال يحيى بن الحسين في «غاية الأماني» ص190: «وفي هذه السنة (290هـ) اشتد القحط في اليمن حتّى أكل النّاس بعضهم بعضاً ومات خلق كثير وخربت عدّة قرى «ثمّ ذكر حادثة اعتفاد آل أبي حبش [أو جيش] وأسندها إلى «الهمداني» ونحن نعلم أنّ الإكليل من آخر تأليف لسان اليمن بعد عام (331هـ) فهو قد ألّفه بعد الحادثة بأكثر من أربعين عاماً ولولا أنّه قد سجّلها لما علمها ولا أشار إليها أحد من المؤرخين. فيما عدا مؤلف سيرة الهادي.
وتوفي الهادي عام (298هـ) والهمداني في عنفوان شبابه يزحف إلى العشرين ولا شك لدي أنّه قد حضر مجالسه وأخذ عنه وعرف طبيعة الصراع بينه وبين بقيّة المشائخ والسلاطين وميّز بين الخير والشر، والحق والباطل، وفي أيامه سنة (306هـ) ذهب إلى مكة المكرمة للحجّ وجاور فيها مدّة وكتب صدراً من الحديث والفقه وتعرّف على الكثير من علماء الحجاز والشام والعراق ولمّا عاد إلى «صعدة» ظلّ يكاتبهم… ويراسلهم وذكر القفطي وغيره أنّه قد رحل إلى «بغداد» و«الكوفة» [وهذا بعيد]، وأنّه قد اختلف مراراً بين «صعدة» و«مكة» وقد اختار «صعدة» له سكناً وظلّ فيها كما يقول عشرين حولاً لأنّ حكامها أمثال «الهادي» و«المرتضى» و«الناصر» كانوا أقرب إلى روحه وطبيعته اليمنية المستقلّة، وإلى مذهبه من «القرامطة» و«آل زياد» أتباع بني «العباس» بل ومن آل يُعْفِر الذين كانوا كما قال الأستاذ حمد الجاسر «يميلون مع هؤلاء آونة ومع أولئك أخرى، وينضمون إلى غير الفئتين في بعض الأحيان»؟ [مقدمة صفة جزيرة العرب] والهمداني الفيلسوف لا يستطيع أن يطمئن إلى أمثال هؤلاء، ولذلك استقرّ في «صعدة»ولا شك أنّ علاقة ودّ كانت تربط بينه وبين الناصر وقد أشار في كتبه إلى مدائح الشاعر ابن الحدوبة فيه وفي أبيه الهادي
وذكر أشعار غيره ولو أنّ كتب الهمداني قد وصلت إلينا دون تحريف، أو لو ظفرنا بديوان شعره كاملاً لوجدنا فيها الكثير ممّا يجحد التخرّصات والاختلاقات ويقرّ الحقائق التي تتلاءم وتنسجم مع أخلاق الهمداني الأصيلة وطبيعة مثله في مثل تلك الفترة المضطربة التي نتحدّث عن آدابها ورجالها.
ولا بدّ من القول: إنّ خيراً كثيراً قد حجب عنّا عمداً، وإنّ كثيراً من المؤرخين قد أعماهم التعصّب، أو التحيبّز لفئةٍ ما، أو مذهب ما، ولذلك فعلى من يريد أن يدرس تاريخ اليمن وآدابها أن لا يقتصر على كتب فئة من الفئات، أو مؤرّخي دولةٍ من الدول، بل عليه أن يتحرّى ويتتبع آثار كل فئةٍ من كتب مؤرخيها وأدبائها، وأنّه لمن دواعي الأسف أن نذكر أنّ أغلبيّة مؤرخينا ـ قدامى ومحدثين ـ هم من المتعصبين والمتحيزين، ومعظمهم تأثّروا بما يحيط بهم، وتضجّ به مجتمعاتهم من تعصّبات مذهبيّة، أو دعوات سلالية، وقلَّ أن تجد فيهم من يستطيع أن يتحرر من قيود بيئته، أو ينصف غير أبناء طائفته؛ ويتفاوتون؛ بين مغرق يتعسّف، وخائف يتعثّر، وعالم يتجاهل، وجاهل يتعالم، وقد يبلغ بالبعض التطاول إلى التكفير والتفسيق؛ وبآخرين الانسياق وراء الخرافات والسخافات، وبقومٍ الهبوط إلى مهاوي التضليل والدجل ويستوي في ذلك المحدّثون والأقدمون.
العمود الفقري لحياة الهمداني
لقد امترست الآراء والألسن، واختلفت وتضاربت وتجادلت بالكلام عن «الهمداني» ثناءً ومدحاً، وتجريحاً وقدحاً؛ شأنها في كلّ زمان ومكان مع الأفذاذ، وقد ترجمه من القدامى صاعد الأندلسي، والقفطي. ويحيى بن الحسين. واهتم به وبكتبه المستشرقون، وأثنى عليه ناقداً محب الدين الخطيب وحمد الجاسر ومجده وقدسه محمد بن علي الأكوع، وتحدّثت عنه أوّلاً في كتابي «قصّة الأدب في اليمن» وثانياً في كتابي «دامغة الدوامغ» ثمّ ثالثاً في كتابي «جناية الأكوع على ذخائر الهمداني» وفيه زيّفت بعض ما ينسب إليه من قِبَل من لم يعرفوا قدره، وفنّدت من يزعم أنّه كان منحرفاً عن آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وأنّه كان من أصحاب الهادي وأولاده «المرتضى» و«الناصر» وأن تشيّعه لم يتأثّر بعصبيته لقومه «قحطان» ضد «العدنانيين»، ولا بسوء التفاهم الذي حديث بينه وبين الناصر في أواخر أيامه بصعدة بسعاية ووشاية خصومه القوميّين والسياسيين.
على أنّ جلّ ما قيل عن الهمداني قبل اكتشاف بعض مقالات كتابه «سرائر الحكمة» كان لا يخلو من العاطفة والهوى، والتأثّر بما قاله محبّوه أو خصومه، ولا سيما في معرفة مولده ونشأته الاولى وقضيّة سجنه، أمّا بعد العثور على «سرائر الحكمة» فإنّ حياة المهداني لم تعد محاطة بالغموض لأنّه قد تحدث بنفسه عن نفسه، وسجّل كتاب سيره بأسلوب روائي بديع نستطيع ممّا جاء فيه… أن نستجلي صورة الهمداني ونحدّد معالمها فيما يلي:
1 ـ ولد بصنعاء في يوم الأربعاء 19/صفر سنة (280هـ) وهو العام الذي خرج فيه الهادي يحيى بن الحسين إلى اليمن للمرّة الأولى.
2 ـ حدثت به علّة ليست بشديدة وهو في الخامسة من عمره، ولم يكد يبلغ السابعة إلاّ وهو يحدّث نفسه بالأسفار.
3 ـ كان أبوه رحّالة دخل الكوفة والبصرة وبغداد وعمان ومصر وكان لأسرته بصرٌ بالإبل منذ كانوا في «مشرق اليمن» ولما انتقلوا إلى صنعاء اشتغلوا بالجمالة والتجارة ونَقل الحاج بين جنوب الجزيرة وشمالها.
4 ـ انتقل من «صنعاء» وهو في الخامسة عشرة؛ أي عام (295هـ) إلى صعدة قبل وفاة الإمام الهادي ببضع سنوات وفي صعدة شارك أهله في عملهم وهو نقل الحجيج والتجّار ما بين صعدة ومكة. وفي صعدة بلغ سن الرشد وجنح إلى متع الحياة وطيّباتها وشغف بمخالطة الناس ومجالسة الغرباء خاصّة واكتسب من ذلك معارف وتجارب.
5 ـ بعد عشر أعوام من استقراره في صعدة أي حوالي سنة (305هـ) وهو في الخامسة والعشرين وقد أمِر أمرُهُ، وكثر أصدقاؤه وحاسدوه وأشقاه الكد، وأضناه الترحال واكتسب حدّة الطباع، وحبّ الجدل والنقاش فنال من مخالطة المنافسين ومعارضة الخلطاء وعداواتهم ما زيّن له «السفر الكبير» فارتحل إلى مكة طالباً للعلم ومجاوراً للبيت الحرام… ونعلم أنّه أثناء رحلته هذه قد أصابه مرض شديد أشرف به على الموت ولكنّه واصل الرحلة حتّى وصل «مكة».
6 ـ جاور في مكة حوالي سبع سنوات أي إلى عام (311هـ)؛ وفي مكة تفتّحت له آفاق المعرفة، واتّسعت بسطته في العلم، وعرف الكثير من علماء الحجاز والعراق والشام ومصر والأندلس وتلقّى العلم عن بعضهم وأخذ شيئاً من علم الأخبار والمنطق والحديث والفقه واقتنى بعض كتب السيرة ودواوين الشعر، ورغم أنّه فقد في مكة رفاهية «صعدة» ولذاتها، وتعرّض لأذى حرّها وهجيرها، كما يقول في المقالة العاشرة عن نفسه إلاّ أنّ فترة إقامته بها كانت من أخصب سني التحصيل العلمي والنضوج الثقافي.
7 ـ في عام (311هـ) أو العام الذي يليه رجع الى اليمن ونزل صعدة وهي يومئذ قاعدة الإمام الناصر بن الهادي الذي كان أثناء غياب الهمداني في مكة ـ قد قضى على سطوة القرامطة، واجتث شوكتهم في وقعة «نُغَاش»، وأصبحت «صعدة» أكبر مراكز العلم والأدب في اليمن، وتكتظّ بالأفذاذ من العلماء والشعراء والفقهاء، كما أنّها أصبحت أهم المحطّات التجارية، وأكبر مراكزها ما بين مختلف الجهات اليمنيّة، بل وطريق قوافل الحجّاج والتجّار من جنوب الجزيرة إلى شمالها، وقد رحبت صعدة بالهمداني من جديد، و«عمَرَ بها داراً، وامتلك عقاراً»، وطاب له العيش والمقام بها وراق، وساهم في إحياء الحركة العلمية والثقافية، وشارك في الأمور السياسية والتجارية، وكان له حظ لدى الناصر، ومكانة بين العلماء والشعراء، ووجاهة لدى زعماء القبائل، وأخذ عن العلماء وأخذوا عنه، وأرفدهم بما تعلّمه وهو بمكة، وبما أورده معه من كتب تاريخيّة وفقهية ولغويّة ودواوين شعر، وارتفع قدره وعرض جاهه، وكانت «صنعاء» وما صاقبها تحت حكم أسعد بن يعفر و«زبيد» يحكمها «ابن زياد»، وهناك عدد من المشائخ والسلاطين يحكمون قبائلهم بتقاليد عشائريّة، وأسلوب جاهليّ يُوالون هذا تارةً وذلك أخرى، والجميع يتصارعون على حطام الحكم والسلطة، ومدنهم وقراهم تتعرّض للفتن والنَهْب والدمار، بينما كانت «صعدة» عندما عاد الهمداني تتمتّع بشيء من الرخاء والاستقرار السياسي وتزدهر بنشاط ثقافيّ حيّ، وحاكمها إمام مبرّز في علوم المعقول والمنقول. ولذلك كلّه اطمأن الهمداني إلى الاستقرار بها كما هاجر إليها أستاذه أبونصر الحنبصي فراراً من «القرامطة» و«الحواليين». وهناك قرءا معاً «سجل بن أبان» وأخذ عن شيخه الطاعن في السن ما أخذ في علم الأنساب([351]).
8 ـ ما بين عام (311هـ) وسنة (315هـ) وبعد أن شبّ أولاد الإمام الناصر، وبرز إلى الساحة مجموعة من الوزراء والقوّاد والمشائخ بدأت تنجم قرون الصراع والخلاف بين المتطلّعين إلى «وراثة السلطة» إذا ما انتقل «الإمام الناصر» إلى جوار ربّه، كما أنّ الخلافات القديمة بين قبائل منطقة صعدة والتي كانت سبباً من أسباب ذهاب وفود تلك القبائل إلى «الرسّ» وتنصيب الهادي إماماً لهم سنة (284هـ) بدأت أيضاً تُثَار من جديد؛ ونشأت معارك كلامية نشب بسببها صراع بياني مرير بين شعراء التعصّبات العرقية، والدعوات الجاهلية والتفاخر بين «القحطانية» التي ينتسب إليها عرب جنوب الجزيرة، و«العدنانية» التي يعتزي إليها عرب شمالها؛ إلى جدل كلامي وفقهي بين أصحاب المذاهب والنِحل. وشبت المعارك اللسانية بالحجج و«الدوامغ الشعرية». وما كان للهمداني أن يسكت أو يظلّ محايداً؛ وأنّى له ذلك وهو يعتبر نفسه بل ويعتبره الآخرون «لسان اليمن»! وليس ذلك فحسب بل وقد نالت ألسنةُ الشعراء من قومه، وربما أنّ بعض حاسديه ومنافسيه قد نالوا منه شخصياً ونبزوه بألقاب «الجمّال» و«الحائك» و«ابن الدمينة»!؟
فما كان منه إلاّ أن نضا شبا اليراع، وجرّد سيف لسانه الصقيل وخاض المعركة البيانية شعراً ونثراً وكال لهم الصّاع صاعين، ولعلّ بعض شعراء «اليرسميّين» و«الهشميين» و«العَدَوَيّين» و«التميميّين» قد لفقوا ضدّه ما أوغر قلب «الإمام الناصر» الذي كان قد أرهقته الحرب مع «القرامطة» و«اليعافرة» والموالي والمشائخ، وغيرهم، وضاق ذرعاً بالجدل البيزنطي السخيف بين الشعراء حول من هم الأكرم أَعَرب «قحطان» أو عربُ «عدنان»؟ وكان يخشى على «اليمن» من التمزّق والضياع، والفتنُ والأطماعُ تتربّصُ بها الدوائر؛ وربّما أنّه قد خشي أيضاً أن يكون بين هؤلاء الشعراء المتفاخرين «بقحطان» و«عدنان» و«مذحج» و«جُرهم» من غرضُه الفتنة والمكر، وهدفه تمزيق العرب والمسلمين ولذلك فقد انفعل «الناصر» وأمر بوقف تلك المفاخرات والمشاحنات العرقية والعصبية، التي تجانف روح الدين الحنيف، بل وأمر بسجن بعض الشعراء ومنهم «الهمداني» في يوم الثلاثاء 11/ رجب سنة (315هـ) ولكنّه سرعان ما أفرج عنه، ولم يمكث في السجن غير عشرة أيام؛ وربما أنّ الناصر قد توعّده، لو عاد إلى إثارة المعارك اللسانية بين «قحطان» و«عدنان» وربّما أنّه قد تخوّف على مستقبله وليس من شراسة خصومه السياسيين ومنافسيه من الأدباء والعلماء بل وممّا قد تتعرّض له صعدة بعد موت «الناصر»، وهو يرى الأطماع، والأهواء والخلافات والتعصّبات تتربّض. بل وتعمل لمصير مرعب مجهول. ولذلك قرّر النزوح إلى «صنعاء» مسقط رأسه وكان يحكمها ـ والياً من قبل السلطان أسعد بن أبي يعفر ـ ابنُ أخيه أبو الفتوح الخطاب اليُعْفِري، وظنّ الهمداني أنّه سينعم عند «آل يعفر» الحواليّين، الحميريين بالجاه والحماية لأنّهم من قحطان والهمداني لسانها، وما لجأ من صعدة إليهم إلاّ بعد الملاحاة العنيفة، وتحت وعيد الناصر بالعقاب إذا ما عاد إلى إثارة تلك المشاحنات السلالية، والمفاخرات التي ضمّنها قصيدته «الدامغة» ولكنّه ما أن وصل صنعاء حتّى اشتغل خلال العامين (316 و317هـ) بشرح قصيدته الدامغة في كتاب حافل بشتى فضائل قحطان. غير هياب ولا وجل لأنّه في حمى سلطانٍ حميريّ قحطاني.
9 ـ لكن سرعان ما خاب أمل الهمداني في آل يُعْفِر الحواليين وكان معهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، إذ كان يظن أنّه بنجاته من «صعدة» حيث الشعراء والعلماء والفقهاء الذين يتعصّبون لِعدنان والتحاقه بصنعاء حيث الحاكم فيها «تبعيّ» «قحطاني» سيبعده عن أيّ احتمال لمكروهٍ يحلّ به، أو شر يراد له؛ غير أنّ الذي حدث كان عكس ما ظن وتصوّر؛ فقد أمر السلطان أسعد بن أبي يُعفر ابنَ أخيه أميرَه على صنعاء في يوم الاثنين 24/شوال سنة (319هـ) بإلقاء القبض على الهمداني وتكبيله بالقيود والزجّ به في أعماق سجن رهيب، وقد وصف الهمداني سجنه في المقالة العاشرة من «سرائر الحكمة» فقال: إنّ السلطان غضب عليه في صنعاء في التاريخ المذكور آنفاً وإنّه «كثرت المطالبة من الأشراف وذوي النجدة، بالحسنى وبالشدّة، لإخراجه من السجن فكان أن سمح له في ابتناء مسكن يتّسع فيه، وفسح له في زيارة الإخوان، وقضاء الحوائج وذلك بعد مضي سبعة أشهر وأربعة أيّام ـ أي أنّه ظلّ تلك الفترة في سجن انفرادي» ـ قال: «ثمّ أطلق من القيد الخفيف بعد أربعة وعشرين يوماً ونقل من السجن العظيم إلى ما هو في عداد المنزل» ثمّ بدا للسلطان «الحوالي» ما بدا فعاد إلى التشديد عليه والتنكيل به، قال الهمداني: «ثمّ تبدّلت به الحال الرضيّة إلى حال ضيق؛ فنقل من بلد إلى بلد وطيف به مصفّداً إلى مواضع غُرْبة؛ فلقي من ذلك الأمرّين، وكان ذلك بعد ستة عشر شهراً وثمانية عشر يوماً من مدخله السجن، ثمّ أدخل عليه بعض الراحة بعد سبعة عشر شهراً وثمانية عشر يوماً، واحترك في الطلب فيه العظماء من الناس فنفذت فيه الشفاعة وأذن بإطلاقه وأخرج»، «ثمّ ردّ إلى السجن ثانيةً، ثمّ أطلق من «الموضع» وبُعث به مغرّباً مع حفظَة أينما وصلوا من قرية سجنوه فقام على ذلك ثمانية أيام، ثمّ فلَت من النهج الذي قُصِدَ له به، وملك نفسه [كأنّه يعني أنّه تمكّن من الفرار من الحفظة الذي يطوفون به مكبلاً في مملكة الحوالي] وذلك بعد ستمائة و22 يوماً تكون شهوراً تامة ـ 21 شهراً و19 يوماً» قال: «ثمّ كان وقوعه في مأمنه وخلوده للراحة بعد فَلْتَةِ شهرين ويومين»، أمضاها في تشرّد وتخفّي وخوف.
وإشارةُ الهمداني إلى فراره من السجن تفسّر بعض الروايات القائلة بأنّ سلطان «زبيد» قد ساعده على الخلاص من ذلك السجن والتنكيل!. وبمتابعة قيودات الهمداني التاريخية نعرف أنّه قد فلت من سجن «اليعافرة» في أواخر شعبان سنة (321هـ، 934م) ولكنّه ظلّ هارباً خائفاً يترقّب حتّى شهر ذي القعدة عام (321هـ) ولجأ إلى مأمنه في «ريدة» جوار سيّد «حاشد» يومَها أبو جعفر أحمد بن الضحّاك. ولا تفسير يُعقل لماذا لم يهبط على السلطان ابن زياد في «زبيد» إذا كان حقاً قد ساعده على الفرار من سجن اليعفري إلاّ إذا كان قد أدرك أنّ «آل زياد» على وشك الاضمحلال والاستسلام لمواليهم من الأحباش وهو ما لا تطيقه نفسيّة «الهمداني».
شهادة «قصيدة الجار»
تلك هي فقرات عمود حياة «الهمداني» وسيرته منذ طفولته وحتّى بلغ قمّة هرم الحياة، وجاوز الأربعين، وخلد إلى كتابة «الإكليل» في أسفاره العشرة ومؤلفه الذي لم يصل إلينا كاملاً أيضاً «صفة جزيرة العرب»، وفي جوار ابن الضحاك «برَيْدَة».
وبهذا نعرف أنّ الهمداني قد سجن مرّتين الأولى في «صعدة» ولم يمكث فيه غير عشرة أيّام، والسجن الرهيب الثاني مع التنكيل كان في «صنعاء» على يد السلطان أسعد بن أبي يُعْفِر، وتتلاشى التخرّصات والدعاوى التي تريد أن تلقي تبعة ما قاساه وعاناه في ذلك السجن على الإمام الناصر بن الهادي([352]).
وأمّا ما ورد في الجزء الأوّل من «الإكليل» ممّا يوحي أنّ الهمداني نفسه قد ذكر أنّ «أسعد بن أبي يعفر» قد ذكر أنّه إنّما سجنه بأمر «الناصر» فلا شك عندي أنّ تلك العبارات لم يزبرها قلم الهمداني؛ وأنّها من كلام مختصر الإكليل محمد بن نشوان([353]) الذي أقرّ أنّه قد تصرّف في الكتاب، وحذف وغيّر وبدّل لأسباب فصلتها في كتابي «جناية الأكوع على ذخائر الهمداني» وقلت «إنّ تشدّد الحواليّين في تعذيبه كما ذكر في المقالة العاشرة من «سرائر الحكمة» لا يمكن أن يقوم به إلاّ ذو حقد شخصي نحو عدوٍ لدود: ولا يمكن أن يكون ذلك مجاملةً لعدوٍ قديم ـ وهو الناصر ـ الذي زعموا أنّه أصبح صديقاً»!! «وفي نفس الوقت قد يجوز أنّ «أمراء آل يعفر» الذين تولّوا حبس الهمداني وتعذيبه قد حاولوا بعد إطلاق سراحه، أو على الأصح فراره من سجنهم أن يقولوا له إنّهم إنّما عملوا ما عملوا عن أمر الناصر، أو بإشارته دساً وكيداً! وزعم «الحوالي» ما زعم تنصّلاً وتبريراً!
على أنّ كلّ ذلك من باب الافتراضات والجدل، وإلاّ فقد بيّن الهمداني نفسه أنّ سجنه كان على يد السلطان اليعفري في كتابه سرائر الحكمة، بل وسجل ذلك شعراً في قصيدته الطويلة التي سمّاها «الجار» وأثبتها المحقق «الأكوع» في مقدمة الجزء الأوّل من الإكليل وأوّلها:
خليليَّ إنّي مخبرٌ فتخَبّرا
بذلةِ كهرانٍ، وحيرة حميرا،
إلى أن يقول بعد ذكر ما قاساه من ويلات وما نزل على أهله و«بُنَيَّاتِه» من كرب وبلاء، ومذكّراً لقحطان مناضلته عنهم وعن أمجادهم:
كأن لم تقولوا يوم ناضلتُ دونكم
لئن ثأرتْ «عدنان» منك لنثأرا
أ «مسْلم» لا تُلْحِقْ «مَعَداً» ملامةً،
فإنّي أراهم من قبيلي أعْذَرا
وكأنّه يفنّد العذر السخيف الذي زعمه «اليُعفري» بأنّ «الناصر» قد طلب منه حبسه! ويشير أيضاً إلى قصيدته «الدامغة» التي تعصب فيها لقحطان وهاجم «الأمويين» و«العباسيين» بما كانوا يصنعونه بآل الرسول (صلّى الله عليه وآله)؛ ثمّ وجّه اللوم والعتاب إلى السلطان بن أبي يُعفِر فقال:
فليس بمنجيهم من الخِزي موتهم
إذ كان حرّ الشعر فيهم معمّرا
ويسقط ضِعْفيْ ذاك في حيّ حميرٍ
وسيدها المنظور فيها «بن يُعْفِر»
أنختُ بهِ خوفَ العداة وغدْرهم
فألفيتُه فيهم على الأمن أغدَرا!
فملكهم منّي مناط قلادتي
وأسلمني فيهم بأذني، فَيُعذَرا!
ولكنّه غضى على الذل عينَه
وفرّط في حق الجوار، وقصّرا!
وأصلح بي ما كان من قبل بينَه
وبين «قريش» الأكرمين تَغَيَّرا!
وقد ذلّ من جارى بذمة جاره
وأسلمه فيما يخاف، فأخفرا!
وهو يعني بقريش هنا «العباسيين» وأتباعهم في اليمن وقد كان لهم «اليُعْفريّون» عمّالاً على صنعاء قبل أن ينقلب عليهم السّلطان أسعد ويتحالف مع علي بن الفضل كما هو مذكور في كتب التاريخ.
وقصيدة الجار حوالي مائة بيت وهي من الشعر القصصي البديع ولكنّها كما نشره الأكوع ـ مفعمة بالأخطاء، وتحريفات النسّاخ ولم يبذل المحقق أيّ جُهْدٍ في تصحيحها.
أهم أسباب حبس الهمداني
ويحق لأيّ منّا أن يتساءل: لماذا تُرَى ذلك السخط الوحشيّ الذي استبدّ بقلوب أمراء «آل يُعفِر» على «لسان اليمن» الهمداني؟ وماذا كان بين السلطان أسعد وبين أبي محمد من تِراث؟ وما هي الدوافع التي جعلته يعامله بذلك التنكيل الشديد، والقسوة التي لا ترحم ولا تلين؟
إلى أن يقول الكاتب:
نظرة إلى ما ورد في «الدامغة» من تشيّع وولاء لأمير المؤمنين «علي» بني أبي طالب (عليه السلام)، وتفنيده لما عمله «الأمويون» و«العباسيون» بأولاده وبنيه، ووصفه لعليّ بالوصيّ، ونبزه لمن حاربوه وناصبوه العداء «بالناكثين» و«المارقين» و«الخوارج»؛ لأنّ ذلك أو بعضه يكفي لإيغار قلوب «آل يعفر» عليه؛ إذ أنّهم كانوا مع «الأمويّين بني زياد» و«العباسيين» وكان على صاحبنا الهمداني أن يقدّر ذلك قبل أن يهاجر من «صعدة» إلى «صنعاء» وترك قاعدة «الناصر» العلوي، إلى حمى «جوار» السلطان «الحِوالي»، وإن كان قد أشار إلى ذلك في قصيدته «الجار» إذ قال:
وأصْلح بي ما كانَ من قبلُ بينَه
وبين قريش الأكرمين تغيّرا
ولكنّه لم يفطن لذلك إلاّ بعد المأساة، وسبق السيف للعذل.
يقول الهمداني في قصيدته الدامغة:
وكان «المصطفى» بأبي وأمّي
بأفخر مفخرٍ للآدمينا
ولم يكُ في «مَعَدّ» له نظيرٌ
ولا «قحطان»، غير مجمجمينا
وآويناهُ إذ أخرجتموه
وكنّا فيه منكمْ ثائرينا
وأسلمتم بحدّ سيوف قومي
على جدع المعاطس صاغرينا
وكنتم حين أرمس في ثراه
له في «الأهل» بئس الخالفينا
غدرتم بابنه فقتلتموه،
وفتياناً من «المتهشّمينا»
وأعليتم بجثته سناناً
إلى الآفاق ما إن ترعوونا
وأشخصتم كرائمه اعتداءً
على الأقتاب غير مساترينا
وها أنتم إلى ذا اليوم عمَّا
يسوء المصطفى ما تقلعونا
وقد أراد بهذه الأبيات وأمثالها أن يستثني الرسول (صلّى الله وعليه وآله) وأهل بيته الكرام ممّا سيقولُه، أو قد قاله في «قريش» وهو يفاخر بقومه، وبفضلهم عليهم، وأنّ يسْتَلّ المصطفى وآله من بينهم، كما أنّه في الشر قد فصل ما قاساه «الطالبيّون» على يد القرشيين من «أمويين» و«عباسيين» حتّى يومه الذي ألّف فيه الدامغة في مطلع القرن الرابع الهجري وبأسلوب لا يقوله إلاّ «الشيعة» المخلصون.
وليس ذلك فحسب، بل أنّه يعود فيجعل من مؤازرة «اليمنيين» لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) شعارَ فخرٍ، ويستعمل عبارات «الشيعة» التي يطلقونها على من خرج على عليّ أيام «الجمل» و«صفّين» و«النهروان» فيقول:
ووازرنا «أبا حسن» عليّاً
على «المرّاق» بعد «الناكثينا»
وسار إلى «العراق» بنا فسِرْنا
كمثل السيل نحطم ما لقينا
علينا اللامُ؛ ليس يبين منا
بها غير العيون لناظرينا!
فأرخصنا الجماجم يوم ذاكم
وما كنّا لهنّ مثمنينا!
وأجحفْنَا «بضبّة» يوم صُلنا
فصاروا من أقلّ «الخندفينا»
وطايرنا الأكفّ على خطامٍ
فما شبّهتها إلاّ القلينا!
وينتقل من واقعة «الجمل» إلى معارك «صفّين» فيقول:
وعبأنا الخيولَ إلى «ابن هندٍ»
نطالبُ نفسه، أو أن يدينا
وظلنا نفتل الزندَيْن حتّى
أطارا ضرمةً للمضرمينا…
ونادينا «معاوية» اقتربنا
بجمعك إنّنا لك موفدونا
وامت دونه جمرات قومي
ومن دون «الوصيّ» محافظينا
* * *
ويوم «النهروان» فأيّ يوم
فلَلْنا فيه ناب «المارقينا»
وقوّمنا «أميّة» فاستقامت
وكانوا قبلها متأودّينا…!
وقلنا «الهاشمون» أحقّ منكم
ونحن لهم عليكم ما يلونا
فقام بنصرهم منا «جُديعٌ»
وكان لحزبهم حصناً حصينا
إلى آخر ما قال ممّا يبرز شخصيّة الهمداني في إطارها الصحيح ويثبت أنّه كما قلنا في «الجناية» رغم اعتزازه باليمن وقوميته «القحطانية» كان من الذين يعتزّون بمحبة عليّ وبنيه (عليهم السلام)، وإنّه قد سلك في مناقضته لنونيّة «الكميت، العدناني الشيعي» مسلك «دعبل» «القحطاني» الشيعي، والسيد «الحميري» «القحطاني» الشيعي، من قبل «الهمداني» ومسلك من جاء بعده من شعراء قحطان أمثال «الأسلمي» و«ابن العليف» و«الهَبَل» والمئات غيرهم. وهذا الإطار لشخصية «الهمداني» سينصفه وينفض عن اسمه غبار الدعاوى التي ظلّ يراكمها عليه من لم يعرفوا تاريخ ذلك العلاّمة النحرير والأديب الفذّ، ولا تعمّقوا في دراسة أشعاره وأخباره، ولا فهموا طبيعة عصره وبيئته سواء ممّن نقده قادحاً، أو بالغ وأغرق في تمجيده مادحاً. أو انفعل بتحريفات محمد بن نشوان.
جواره لابن الضحّاك في ريدة
قلنا: إنّ الوشايات قد أفسدت بين «الهمداني» و«الناصر» وإنّ ذلك ومع ضيقه بمنافسة الحاسدين من العلماء والفقهاء والأدباء بصعدة، إلى تخوّفه ممّا عسى أن يحدث بعد وفاة الناصر، قد دفعه إلى النزوح إلى «صنعاء» ومجاورة «الحِواليين»؛ وأنّه قد كان كالمستجير من الرمضاء بالنار للأسباب التي ذكرناها ولأخرى لم نطّلع عليها بعد؛ ولقد مات الناصر بعد ذلك واختلف أولاده على السلطة، وعادت الفتن كما كانت هائجة مائجة بين قبائل «صعدة»، وبدأ ملك بني زياد يتلاشى في زبيد ويمتلك الأمر جواريهم ومواليهم من «الأحباش» وكان قد صنع أسعد بن أبي يعفر وذووه بالهمداني ما وصفه نفسه في «سرائر الحكمة» وهنا لم يجد ظلاً وارفاً يلجأ إليه غير ابن الضحّاك أحمد بن محمد الذي كانت «ريدة» مركز سلطنته القبلية، وقد انتزع «صنعاء» من أيدي الحواليين، وهو الذي لجأ إليه العالم الزيدي الكبير أحمد بن موسى الطبري بعد وفاة «الناصر»، وقال عنه: إنّه بين سلاطين وزعماء عصره كان كالأسد بين الذئاب والثعالب والنعاج؛ ولعل الكثير من نبغاء وأفذاذ ذلك العهد والذين لم يستسيغوا تصلّب «ورثة النظرية الهدوية» واختلافاتهم وصراعاتهم وظنونهم بأنّ الأمر تركة يتقسمونها بمجرّد النسب، ولا اطمأنوا إلى موالي «بني زياد»، ولا إلى مكر «الحواليين» وتفاهة وارتزاق المشائخ الآخرين قد لجؤوا أيضاً إلى ظلّ «ابن الضحّاك» مع «الطبري» و«الهمداني» وربما شيخه «أبي نصر الحنبصي». والطبريون منهم عادوا إلى طبرستان ولقد خَلَدَ لسان اليمن إلى التأليف والكتابة في «ريدة» حيث ألف «الإكليل» و«صفة جزيرة العرب» والكثير من الاشعار حتّى توفي بها سنة (334هـ) (946م) وقيل بل عاش إلى ما بعد سنة (344هـ) (956م) وانظر مقدمة حمد الجاسر لكتاب «صفة جزيرة العرب» والذي اطمئن إليه أنّه توفي حوالي (340هـ).
إبراز صورته الحقيقية
وعلى كلّ فقد اضطربت الأقوال والتخمينات في تحديد سنة وفاته وسواء كانت عام (334هـ) أو بعد عام (340هـ) أو في وقت بينَ بَين؛ فذلك ليس من أهدافنا تحقيقه الآن لأنّنا لن نستطيع أن نقطع برأي جازم بل نرجّح أنّه والسلطان أحمد قد توفيا عام (340هـ) قبل أن يضعف سلطان آل الضحّاك وهدفنا الآن هو إبراز صورة «الهمداني» في إطارها الحقيقي، وأن ننفض عنها غبار القادحين والمادحين المغالين، وتشنّجات دعاوى المتعصّبين، من كلّ الفئات. عرفنا أنّه قد ولد بصنعاء ولكنّه هاجر شاباً إلى «صعدة» وعاش في كنف «الإمام الهادي»، ثمّ كان من أصحاب «المرتضى» و«الناصر» حتّى هاجر إلى «مكة» لطلب العلم وحين عاد بعد بضع سنوات لم يقصد «صنعاء» ولا «زبيد» بل فضّل البقاء في «صعدة» مقام الناصر وأنّ العيش قد طاب له وراق حينذاك «وعمر داراً وامتلك عقاراً» ونظم قصيدته التي ردّ بها على نونية الكميت وسمّاها «الدامغة»، والتي أغضبت عليه شعراء «عدنان» فهجوه وهجاهم، فاختلقوا وشايات أوغروا بها عليه قلب الناصر؛ لأنّ الدامغة نفسها لا يمكن أن تكون هي التي أوغَرَتْ عليه قلب الناصر، وغيّرت ما بينهما من ودّ وتقدير، لأنّها وإن كانت تعبّر عن تعصّبه الشديد للقحطانية ضد العدنانية إلاّ أنّها تنمُّ بل تصرخ بصوت جهير بتشيّعه وإخلاصه في محبة آل الرسول (عليهم السلام)، وقد أوردنا أبياتاً منها آنفاً، ولا نستطيع أن نتصوّر «الناصر» وهو «ابن الهادي»، ومن نسل الحسن بن علي (عليه السلام) غير راض عن موقف الهمداني هذا، وأن لا يسعده أنّ الهمداني لسان اليمن قد أثبت «الوصاية» للإمام علي (عليه السلام)، وذكّر مشنّعاً بأعمال «الأمويين» وخلفاء بني العباس الذين كانوا لا يزالون يحكمون من «بغداد» معظم العالم الإسلامي، ويعدّد ما صنعوه بالطالبيّين؛ بل ويفاخر بأنّ اليمن وقفت مع «الإمام علي (عليه السلام)» في حروب «الجمل» و«صفين» و«النهروان» وينبز الخارجين عليه بالناكثين والمارقين، لا نستطيع أن نتصوّر ذلك، ومجرّد افتراضه لا ينسجم مع منطق ولا ذوق ولا تفكير سليم! وإذا كان قد ورد شيءٌ يوحي بذلك في الجزء الأوّل أو الثاني من الإكليل فهو من وضع محمد بن نشوان الذي اختصر الإكليل وحذف منه ما يهوى وزاد ما يريد.
إعادة النظر في كتبه
إنّ كتب «الهمداني» أو الموجود منها تفتقر إلى عناية جديدة وإعادة نظر، وتحقيق علمي، وضبط دقيق، وتجريدها من الهوامش والحواشي والفضول الذي أسرف بها من قام بطبعها، وبدلاً عن كلّ ذلك توضع لها الفهارس، ويترجم للمجهولين من رجالها وتُخرج إخراجاً جديداً يليق بما فيها من علم كثير وأدب جم.
هذا ومن أراد أن يعرف ما لم نفصّله، أو نتحدّث عنه، ممّا يتعلّق بأسرة الهمداني، وحياته في مكة ومن لقي فيها من العلماء ومن أخذ عنه من المشائخ، والهمداني الجغرافي، والنّسابة والأثري، واللغوي، وأسماء مؤلفاته فليراجع مقدمة الأستاذ حمد الجاسر لكتاب «صفة جزيرة العرب»، ومقدمة محب الدين الخطيب للكتاب العاشر من «الإكليل» وبكل إخلاص، ولوجه العلم أحذّر من الاعتماد على معظم تعليقات وهوامش محمد بن علي الأكوع التي أثقل بها ما تولّى نشره من أجزاء الإكليل وكتاب «شرح الدامغة» فإنّه ممّن يلقون الكلام على عواهنه، ويدفعهم التعصّب إلى الإغراق، ولا ننكر حبَّه للهمداني لكي يكفّر به سيئات تنكيل جدّه «الحوالي» بلسان اليمن، والحبّ يعمي ويصمّ ومن الحبّ ما قتل!
مختارات من شعر الهمداني
للهمداني ديوان شعر في ستة أجزاء، نقل ذلك السيوطي عن المؤرخ الخزرجي، وقال القفطي: «ولما دخل الحسين بن خالويه الهمداني النحوي إلى اليمن توفي ابن خالويه سنة (370هـ)، وأقام بها في ذمار جمع ديوان شعره وعربه وأعربه وهذا الديوان بهذا الشرح وهذا الإعراب موجود عند أهل اليمن وهم به بخلاء». ولو وجد ديوان الهمداني سواء ما ذكره «الخزرجي» أو بشرح وإعراب «ابن خالويه» لعرفنا عن حياة ذلك العلم الشامخ ما حاول «الغلاة» أو «المتحاملون»، و«العنصريون» أو «المتعصبون» طمسه وتحريفه من مؤلفات الهمداني والأحداث التي مارسها وما ساهم به في حركات عصره.
وقد أوردنا أبياتاً من قصيدته «الدامغة» التي هي في مخطوطتنا ستمائة و سبعة وأربعون بيتاً والتي مطلعها:
ألا يا دار لولا تنطقينا
فإنا سائلوكِ؛ فخبّرينا
وقد سجل المؤرّخ علي بن الحسن الخزرجي في كتابه «طراز أعلام الزمن في طبقات أعيان الزمن» نقلاً عن المؤرخ الشاعر محمد بن الحسن الكلاعي [ت404هـ] أبياتاً ممّا دار بين الهمداني وشعراء صعدة من ملاحاة ومشاجرة.
قال: وكان بها ـ أي بصعدة ـ عدّة من الشعراء المنتسبين إلى عدنان منهم أبو العسّاف الحسين بن علي بن الحسن بن القاسم الرسي، وأبو أيوب بن أبي أسد السلمي، وأيوب بن محمد بن محمد اليرسمي، وكان ينسب إلى الفرس فبلغ الحسن بن أحمد الهمداني أثناء إقامته في صعدة أنّ هؤلاء يتعصبون على قبائل اليمن ويتناولون أعراضهم بالأذى فقال لأبي العسّاف:
أبا العساف غرّكم فضل قومي
وإنّك من رؤوس الهاشمينا
وإنك لا تخاف ولا تجاري
ولا تلقي بما قدّمت هونا…
إليك، إليك عرضك عن شداتي
لكي لا أطبع الحسب المصونا
وأقسم إن رملتُ إليك بيتا
لتغتمزن قناتك، أو تلينا
أمّا الشاعر «السلمي» فقد أرسل إليه الهمداني أبياتاً منها:
ألا أصْحُوا بني عدنان من سكراتكم
وإلا علمتم مَنّ أجنَّ وأسكرا
بني أختنا لا تقطعوا ثدْي أمّكم
فشر ثديّ القوم ما كان أبترا
ومن مختار شعره قوله في «اليمن»:
أرض تخيّرها سام وأوطنها
وأسّ غمدان فيها بعدما احتفرا
أمّ العيون فلا عين تقدّمها
ولا علا حجر من قبلها حجرا…
لا القيظ يكمل فيها فصل ساعته
ولا الشتاء يمسّيها إذا قصرا!
وقال في «صنعاء» وقصرها «غمدان»:
ما زال سام يرود الأرض مطّلبا
للطيب خير بقاع الأرض يبنيها
حتّى تبوّأ «غمدانا» وشيّدها
عشرين سقفاً يناغي النجم عاليها
فإن تكن جنة الفردوس عالية
فوق السماء فغمدان يحاذيها
وإن تكن فوق وجه الارض قد خُلِقَتْ
فذاك بالقرب منها أو يُصاليها
وله في رثاء سلم بن صعصعة:
لئن قرع الناعي قلوباً فصدّعا
وغار عيوناً بالبكاء وأدمعا
دعاة دعا من رأس «تلفم» ناعيا:
إلا رحم الرحمن سلم بن صعصعا!
وجاوبه من رأس «ناعط» هاتفٌ
فرنّ له الطودان صوتاً ورجّعا
وله:
عمرتم بمهدي على الأمن سرقةً
وبيّتم همدان، وابن حزام
ثلاثة أبطالٍ تريك وجوههم
إذ أسفرتْ ما تحتة كلّ ظلام!
وله يمدح المسلم بن عباد بن عبدالله الخولاني الأكيلي:
إلى امرئ نصبت قحطان رايتها
بالكف منه ورأس العزّ منكوس
فقام فيها مقاماً لا يقوم به
عمرو بن هند، ولا هند وقابوسُ
مكلّم بخماشات الحروب له،
كأنّه زلمٌ بالعجم مضروس
مبرّأ ليس فيه للعيوب إذا
ما عيبَ عيْبٌ، ولا في العرض تدنيس
ينمي به فوق «خولان» ويرفعه
عليهم حسبٌ في الدهر قدموس
وكلّ ساع إذا يسعى لهمته
فقد يساعده في سعيه البوس
ولم يزل في «أكيل» من أبوته
نافى المذلّة عن خولان عتريس
حجرٌ، وحجر، وعمرو، كلّهم رأسوا
حيّي قضاعة ما في القوم مرموس
تلقاك منهم وجوه إن نزلت بهم
مثل الأهلّة ما فيهن تعبيسُ
|
سجيّة لا يزال العسر بنبتها
والطبع قبل اكتساب العقل مأسوس
يوصي أكابرهم منهم أصاغرهم
بسورة المجد، أنّ المجد محروس
حماهُمُ، وحماه عند دعوته
من «مُغْرق» صنوه والفتية الشوس
وكلّ تلعاء تعلو كف ملجمها
ومخطف، خطوه دفقٌ وتكديس
مشرّف الهاد يرتاح النديّ له
فبالأكف له مسحٌ وتحسيس
وله يستغيث من السجن بزيد بن أبي العباس:
يا زيد زيد الخير يا ابن محمدٍ
ما كنت لاسمك إذ عرفت بناسي
بل كنت أوّل من هتفت به إلى
إحياء نفسي ساعة الإبلاس
فابدر إلى نقذ الغريق فإنّه
ألا تحث يعوم عوم الغاسي
وليلحقني منك بُعْدَة مالكٍ
في جاره المزنيّ، أو جساس
واطلب بطايلتي طلاب مهلهلٍ
|
وزهير عبس ثأره في شاس
وقال من مرثية طويلة في زيد هذا:
لا رَمَتْ يعربٌ بسهم شديد
بعد زيد أخي الفعال الحميد
خير «خولان» بل «قضاعة» بل «حمير»|
بل «قَحطْنَ» الشريف بن «هود»
فانعياه بكلّ ملك عظيم
يرحم الله خَير ميتٍ ومودي
عقمت بعد هلكه رحم
الأرض فليست لمثله بولودِ
من أقوال العلماء فيه
يقول «ابن فهد» في الدرّ الكمين:
«لم يولد في اليمن مثله علماً وفهماً ولساناً وشعراً، ورواية وذكراً، وإحاطةً بعلوم العرب من النحو واللغة والغريب والشعر والأيام والأنساب والسير والأخبار، والمناقب والمثالب، مع علوم العجم من النجوم والمساحة والهندسة والاستنباطات الفلسفية والأحكام الفلكية».
وقال القفطي في «أنباه الرواة»:
«الأديب النحوي الطبيب المنجّم الإخباري اللغوي؛ نادرة زمانه، وفاضل أوانه، الكبير القدر، الرفيع الذكر، صاحب الكتب الجليلة، والمؤلفات الجميلة؛ لو قال قائل: إنّه لم يخرج اليمن مثله لم يزلْ؛ لأنّ المنجّم من أهلها لا خطر له في الطب، والطبيب لا يَدَ لَهُ في الفقه، والفقيه لا يَدَ لَهُ في علم العربية، وأيام العرب وأنسابها وأشعارها وهو قد جمع هذه الأنواع».
وقال صاعد الأندلسي في كتاب «طبقات الأمم» عن العرب: «وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله منه شيئاً، ولا هيّأ طباعهم للعناية به، ولا أعلم أحداً من صميم العرب شهر به إلاّ أبا يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، وأبا محمد الحسن بن أحمد الهمداني».
الهمداني وخط المسند
هل كان يعرف الكتابة الحميرية، وخط المسند؟
أمّا القدماء فلا يشكّون في ذلك «وله ـ كما قال الأستاذ حمد الجاسر ـ أهميةٌ عظيمة عند علماء اللغات والمنقّبين عن الآثار القديمة لذكره في كتبه الكتابات العتيقة بالخط المسند الحميري، ونقوش الأحجار كما يفعل علماء اوروبا الباحثون عن الآثار القديمة». «وقراءة النصوص التي أوردها في «الإكليل» تدل على معرفته التامة». [مقدمة صفة جزيرة العرب].
وقد كان يقرأ الخط المسند قراءةَ عربيّة فصيحة ولا تربكه المصطلحات من علامات التعريف والتنكير والتأنيث والتذكير والإفراد و الجمع وهي حروف يلصقونها بالكلمات فيظن من لا خبرة له ولا معرفة بقواعد خط المسند أنّ تلك العلامات تُنْطَق، أو أنّ حذف بعض الحروف من بعض الكلمات يستلزم عدم نطقها؛ فيذهب بهم الجهل والوهم إلى أنّ لغة اليمن قديماً لم تكن عربيّة فصيحة، وأنّها تختلف اختلافاً كبيراً عن لغة شمال الجزيرة ونجد والحجاز وذلك ما وقع فيه بعض «المستشرفين» وجرّ الدكتور طه حسين إلى القول بأنّ اللغة التي كان اليمنيون قبل الإسلام يتكلمون بها لم تكن العربية؛ وقد ناقشت هذا الموضوع بإسهاب في كتابي «قصة الأدب في اليمن»، وأثبت بما لا يقبل الشك أنّ لغة اليمنيين كانت هي العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وأنّ رَسْم الخط الذي يسمّونه «المسند» هو الذي يسبّب الإرباك لمن لا يدري تلك القواعد وأنّهم كانوا يكتبون ما لا ينطقون من حروف، ويحذفون ما لا يهملون النطق به، كما نقرأ نحن «ألم» ألف لام ميم، ونكتب «الرحمن» وننطقها الرحمان؛ ونحو ذلك وقد نبّه الهمداني نفسه إلى ذلك في أكثر من مكان من كتابه «الإكليل».
ويقول أغناطوس كراتشوفسكي، في كتابه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي»: «وممّا يدعو إلى الدهشة حقاً أنّ الهمداني استطاع فك رموز الكتابة العربية القديمة في جنوب الجزيرة» وللدكتور جواد علي رأي في الموضوع.
يقول الدكتور جواد علي (ص:91):
لقد بذل الهمداني مجهوداً يقدّر في تأليف كتبه وفي اختيار موضوعاته، وسلك في بحوثه سبيلاً حسناً بذهابه بنفسه إلى الأماكن الآثارية وبوصفه لها في كتبه، فأعطانا بذلك صوراً لكثير من العاديات التي ذهب أثرها واختفى رسمها، بل طمست حتّى أسماء بعضها. وبمحاولته قراءة المسند وترجمته إلى عربيتنا، للوقوف على معناها ومضمونها. يكون قد استحق التقدير والثناء، لأنّ عمله هذا يدل على إدراكه لأهمية الكتابات في استنباط التواريخ. على أنّنا يجب أن نذكر أيضاً أنّ الهمداني، لم يكن أوّل من عمد إلى هذه الطريقة، طريقة قراءة الكتابات لاستنباط التواريخ منها، فقد سبقه غيره في هذه القراءات، وكانوا مثله يبغون الوقوف على ما جاء فيها، ومعرفة تواريخها. وقد أشار (الهمداني) نفسه إليهم وذكرهم بأسمائهم، مثل (أحمد بن الأغر الشهابي من كندة) و(محمد بن أحمد الأوساني) و(مسلمة بن يوسف بن مسلمة الخيواني) وغيرهم. فهم مثله يستحقون الثناء والتقدير أيضاً، وهم بطريقتهم هذه في جمع مادة التاريخ يكونون على شاكلة الآثاريين المحدثين في إدراك أهمية دراسات الآثار والكتابات بالنسبة إلى اكتشاف تواريخ العاديات، وهم بطريقتهم هذه يكونون قد فاقوا غيرهم من المؤرخين العرب في الأمكنة الأخرى بهذه الطريقة، فقلما نجد مؤرخين في الأماكن الأخرى لجؤوا إلى دراسة الآثار ودراسة الكتابات ووصف الأمكنة الآثارية لاستنباط التواريخ منها كما يفعل الآثاريون في الزمن الحاضر.
وبعد أن أورد ثناء الهمداني على شيخه وأستاذه «أبي نصر الحنبصي»، وذكر أنّ الأسماء اليمانية القديمة كانت ثقلت على ألسنة الناس في أيامه وقبلها وأنّ في ذلك دلالة على حدوث تغيّر في عقلية أهل اليمن بعد الميلاد وعلى حصول تقارب بين لهجتهم وبقية لهجات العرب في الشمال قال (ص:96) عن أبي نصر هذا:
أمّا علمه بالمساند ومدى وقوفه عليها، فأنا أعتقد أنّ علمه بها لا يختلف عن علم غيره من أهل اليمن: وقوف على الحروف، وتمكن من قراءة الكلمات، وإحاطة عامة بالمسند. أمّا فهم النصوص واستنباط معانيها بوجه صحيح دقيق، فأرى أنّه لم يكن ذا قدرة في ذلك، وهو عندي في هذا الباب مثل غيره من قرّاء الخط الحميري. ودليل على ذلك أنّ القراءات المنسوبة إليهم هي قراءات لا يمكن أن تكون قراءات لنصوص جاهلية، وإن تضمّنت بعض أسماء يمانية قديمة، لسبب بسيط، هو أنّ أساليبها ومعانيها و نسقها لا تتفق أبداً مع الأساليب والمعاني المألوفة في الكتابات الجاهلية، فقراءات أبي نصر وأمثاله قراءات بعيدة جداً عن النصوص المعهودة، هي قراءات إسلامية فيها زهد وتصوّف وتوحيد وحض على الابتعاد عن الدنيا. أمّا نصوص المسند التي عثر عليها حتى الآن هي نصوص وثنية لا تعرف هذه المعاني، وأسلوبها في الكتابة لا يتفق مع ذلك الأسلوب. وهي في أمور أخرى شخصية أو حكومية لا صلة لها بمثل هذه الآراء والمعتقدات.
ثمّ قال (ص:97ـ98):
ولكنّني لا أريد هنا أن أكتفي بتقديم التقدير إلى الهمداني وإلى الباقين من علماء اليمن الذين سبقوه أو جاؤوا من بعده والثناء على طريقتهم المذكورة، بل لا بد لي من التحدّث عن درجة علم هؤلاء العلماء بالمسند، وبقراءة الكتابات وبعلمهم بمعانيها، أي علمهم بقواعد وأصول اللهجات التي كتبت بها مثل اللهجة المعينية أو السبئية أو القتبانية أو الحضرمية وغيرها من بقية اللهجات، وذلك ليكون كلامنا كلاماً علمياً صادراً عن درس ونقد وفهم بعلم أولئك العلماء بتاريخ اليمن القديم.
ولن يكون مثل هذا الحكم ممكناً إلاّ بالرجوع إلى مؤلفات (الهمداني) وغيره من علماء اليمن لدراستها دراسة نقد عميقة. ومقابلة ما ورد فيها من قراءات للنصوص مع قراءات العلماء المحدثين المتخصصين بالعربيات الجنوبية لتلك النصوص إن كانت أصولها أو صورها موجودة محفوظة، وعندئذ يمكن الحكم حكماً علمياً سليماً على مقدار علم أولئك العلماء بلغات اليمن القديمة وبتاريخها المندرس. ولكنّنا ويا للأسف لا نملك كلّ أجزاء كتاب (الإكليل) ولا كلّ مؤلفات الهمداني أو غيره من علماء اليمن، فالجزء السابع من الإكليل مثلاً وهو جزء خصّص بأمثال حمير وبحكمها باللسان الحميري وبحروف المسند، هو جزء ما زال مختفياً، فلم نر وجهه، وهو كما يظهر من وصف حتوياته مهم بالنسبة إلينا، وقد يكون دليلاً ومرشداً لنا في إصدار حكم على علم الهمداني بلغة حمير. ولكن ماذا نصنع ونفعل، وقد حرمنا رؤية هذا الجزء، وليس في مقدورنا نشره وبعثه، فهل نسكت ونجلس انتظاراً للمستقبل، على أن يُبعث إلى عالم الوجود؟
هذا، وقد طبع الجزء الثامن من الإكليل وكذلك الجزء العاشر منه، فاستفاد منهما المولعون بتاريخ اليمن القديم وبتاريخ بقية أجزاء العربية الجنوبية، وطبع الجزء الأوّل من هذا الكتاب حديثاً برواية (محمد بن نشوان بن سعيد الحميري)، وقد ذكر أنّه اختصر شيئاً في مواضع الاختلاف وفي النسب ممّا ليس له شأن في نظره دون أن يؤثّر على الكتاب.
وطبع الجزء الثاني من الإكليل أيضاً، أخرجه ناشر الجزء الأوّل: «محمد بن علي الأكوع الحوالي» من عهد غير بعيد، وليس لنا الآن إلاّ أن نرجو نشر الأجزاء الباقية من هذا الكتاب، ليكون في وسعنا الحكم على ما جاء فيه من أخبار عن أهل اليمن الجاهليين.
إنّ أقصى ما نستطيع في الزمن الحاضر فعله وعمله لتكوين رأي تقريبي تخميني من علم الهمداني وعلم بقية علماء اليمن بلهجات أهل اليمن القديمة وبتاريخهم القديم، هو أن نرجع إلى المتيسر المطبوع من مؤلفاتهم، لدراسته دراسة نقد علمية عميقة، لاستخراج هذا الرأي منها. وهو وإن كان أقل من الضائع بكثير، ولكن ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه، والموجود خير من المعدوم، وفي استطاعته تقديم هذا الرأي التخميني التقريبي.
فلنبحث إذن في هذا المطبوع لنرى ما جاء فيه.
أما بخصوص الخط المسند، فقد ذكر «الهمداني» أنّ جماعة من العلماء في أيّامه كانت تقرأ المسند، غير أنّ أولئك العلماء كانوا يختلفون فيما بينهم في القراءة، وكان سبب ذلك ـ على رأيه ـ اختلاف صور الحروف، (لأنّه ربّما كان للحرف أربع صور وخمس، ويكون الذي يقرأ لا يعرف إلاّ صورة واحدة)، وقد عرف (الهمداني) أنّ كتّاب المسند كانوا يفصلون بين كلّ كلمة وكلمة في السطر بخط قائم، وذكر أنّهم كانوا يقرؤون كلّ سطر بخط. غير أنّه لم يذكر عدد الحروف. وصرّح أنّهم «كانوا يطرحون الألف إذا كانت بوسط الحرف، مثل ألف همدان وألف رئام، فيكتبون رئم وهمدن، ويثبتون ضمة آخر الحروف وواو عليهمو». وهي ملاحظات تدل على إحاطة عامة بالمسند، سوى ما ذكره من أنّه ربمّا كان للحرف أربع صور وخمس، ويظهر أنّه وغيره قد توصلوا إلى هذا الرأي من اختلاف أيدي الكتّاب في رسم الحروف ونقرها على الحجر، كالذي يحدث عندنا من تباين الخطوط باختلاف خطوط كتبته، فأدّى تباين الخط هذا إلى اختلافهم في القراءة، وإلى ذهابهم إلى هذا الرأي، أو أنّهم اختلفوا فيها من جرّاء تشابه بعض الحروف مثل حرف الهاء والحاء، فإنّ هذين الحرفين متشابهان في الشكل، فكلاهما على هيئة كأس يرتكز على رجل، والفرق بينهما، هو في وجود خط عمودي في وسط الكأس هو امتداد لرجل الكأس، وذلك في حرف (الحاء)، أمّا الهاء، فلا يوجد فيه هذا الخط الذي يقسم باطن الكأس إلى نصفين. ويشبه حرف (الخاء) حرف (الهاء) في رسم رأس الكأس، ولكنّه يختلف عنه في القاعدة، إذ يرتكز هذا الرأس على قاعدة ليست خطاً مستقيماً، بل على قاعدة تشبه كرسي الجلوس ذي الظهر. ومثل التشابه بين حرفي الصاد والسين، فكلاهما على هيئة كأس وضعت وضعاً مقلوباً، بحيث صارت القاعدة التي ترتكز الكأس عليها إلى أعلى. أمّا الرأس، وهو باطن الكأس، فقد وضع في اتجاه الأرض. ولكن قاعدة (الصاد) هي على هيئة رقم خمسة في عربيتنا، أي على هيئة دائرة أو كرة بينما قاعدة حرف السين هي خط مستقيم، أمّا باطن كأس حرف (الصاد)، ففيه خط يقسمه إلى قسمين وذلك في الغالب، وقد يهمل هذا الخط المقسم، أمّا حرف السين، فلا يوجد فيه هذا الخط.
ثمّ قال:
وممّا يؤسف عليه كثيراً أنّنا لا نملك النسخ الأصلية التي كتبها أولئك العلماء بخط أيديهم، حتّى نرى رسمهم لحروف المسند. فإنّ الصور المرسومة في المخطوطات الموجودة وفي النسخ المطبوعة، ليست من خط المؤلفين، بل من خط النساخ، فلا أستبعد وقوع المسخ في صور حروف المسند في أثناء النقل، ولا سيما إذا تعدّدت أيدي النساخ بنسخ أحدهم عن ناسخ آخر وهكذا، فليس للنساخ علم بالمسند، ولذا لا أستبعد وقوعهم في الخطأ. ومن هنا فإنّ من غير الممكن إصدار رأي في مقدار إتقان الهمداني وبقية العلماء لرسم حروف الخط المسند.
وقد أشار «الدكتور كرنكو» إلى هذه الحقيقة، إذ ذكر أنّ صور الحروف الحميرية في «الإكليل» تختلف باختلاف النسخ اختلافاً كبيراً، فقد صوّر كلّ ناسخ تلك الحروف على رغبته وعلى قدرته على محاكاة النقوش، ومن هنا تباينت وتعدّدت، فأضاعت علينا الصور الأصلية التي رسمها الهمداني لتلك الحروف.
وتابع كلامه قائلاً:
وخلاصة ما توصلت إليه من دراستي الإجمالية للأجزاء المطبوعة من مؤلفات «الهمداني» أنّ الهمداني، وإن كان يحسن قراءة حروف المسند، ويعرف القواعد المتعلقة بالخط الحميري، إلاّ أنّه لم يكن ملمّاً بألسنة المسند. ولم يتمكن من ترجمة النصوص التي نقلها ترجمة صحيحة، ولم يعرف على ما يتبين منها كذلك ما كان قد ورد فيها وما قصد منها، فجعل (تالياً)، وهو اسم إله من آلهة اليمن المشهورة، ومعبود قبيلة (همدان) الرئيس، اسم رجل من رجال الأسرة المالكة لهمدان. وجعل (رياما)، وهو اسم مكان من الأمكنة المشهورة، وكان به معبد معروف للإله (تالب)، ابناً من أبناء (نهفان)، ومن أبناء (تالب). ولم يبخل الهمداني عليه، فوهب له أماً قال لها: (ترعة بنت بازل بن شرحبيل بن سار بن أبي شرح يحضب بن الصوار).
ويظهر على كلّ حال أنّ قرّاء المسند (وقد قلت إنّهم يحسنون في أيام الهمداني قراءة حروف المسند) لم يكونوا على اطلاع بقواعد الحميرية، ولا باللسان الحميري، أو الألسنة العربية الجنوبية الأخرى. خذ مثلاً على ذلك: (بن) وهي حروف جر عند العرب الجنوبيين، وتعني (من) و(عن) بلغتنا قد أوقعتهم هذه الكلمة في مشكلات خطيرة. فقد تصوّر القوم عند قراءتهم لها، أنّها تعني أبداً (ابناً) على نحو ما يفهم من هذه الكلمة في لغتنا. وفسّروها بهذا التفسير. ففسروا (ابن بتع) أو (بن همدان) وما شابه ذلك (ابن بتع) أو (ابن همدان)، والمقصود من الجملتين هو (من بتع) و(من همدان)، وبذلك تغيّر المعنى تماماً، ومن هنا وقع القوم ـ على ما أعتقد ـ في أغلاط حين حسبوا أسماء القبائل وأسماء الأماكن الواردة قبل (بن) وبعده، أسماء أشخاص وأعيان، وأدخلوها في مشجرات الأنساب. فاقتصار علمهم على الأبجدية وجهلهم باللغة، أوقعهم في مشكلات كثيرة، وسبب ظهور هذا الخلط.
وجاء الهمداني بنصوص أخر ذكر أنّها كانت مكتوبة بالحميرية، مثل النص الذي زعم أنّ مسلمة بن يوسف بن مسلمة الخيواني قرأه على حجر في مسجد خيوان، وهذا نصه: (شرح ما، وأخوه ما، وبنوه ما، قيول شهران بنو هجر، هم معتة بدار القلعة). وأمثال ذلك من النصوص. ولا أعتقد أنّك ستقول: إنّ هذا نص حميري، ولا يسع امرءاً له إلمام بالحميرية أن يوافق على وجود مثل هذه العائلة عائلة ما، أو يسلم بأنّ هذه قراءة صحيحة لنص حميري. بل لا بدّ من وجود أخطاء في القراءة وفي التفسير. ولا أريد أن أتجاوز على رجل مشى إلى ربه، فلعله كان يحسن قراءة بعض الحروف والكلمات، ويتصوّر أنّه أحسن قراءة النص كلّه وفهمه، فجاء بهذه العبارة، وعلى كلّ، إنّ كلّ الذي جاء في النصوص التي وقفت عليها في كتب الهمداني لا يمكن أن يعطي غير هذا الانطباع، ولعلنا سنغيّر رأينا في المستقبل إذا تهيأت لنا نصوص من شأنها أن تغيّره.
ثمّ يقول ناقداً:
ويأتي (الهمداني) أحياناً بأبيات شعر زاعماً أنّها من المسند. ففي أثناء كلامه مثلاً على قصر (شحرار) قال: وفي بعض مساند هذا البنيان بحرف المسند:
شحرار قصر العلا المنيف
أسسه تبع ينوف
يسكنه القيل ذي معاهر
تخر قدّامه الأنوف
أمّا نحن، فلم نعثر حتّى اليوم على أيّة كتابة بالمسند، ورد فيها شعر، لا بيت واحد ولا أكثر من بيت. وأمّا متن البيتين المذكورين، فليس حميرياً ولا سبئياً ولا معينياً وليس هو بأيّة لهجة يمانية أخرى قديمة، وإنّما هو بعربيتنا هذه، أي بالعربية التي نزل بها القرآن الكريم، نظمه من نظمه من المحدثين بهذه اللغة البعيدة عن لغات أهل اليمن.
أمّا الباب الذي عقده في الجزء الثامن بعنوان: (باب القبوريات)، فقد استمدّ مادته من روايات وأخبار (هشام بن محمد بن السائب الكلبي)، و(ابن لهيعة) و(موهبة بن الدعام) من همدان و(أبي نصر) و(وهب بن منبه) و(كعب الأحبار) و(عبدالله بن سلام). وقد أورد فيه نصوصاً زعم أنّها ترجمات لنصوص المسند، عثر عليها في القبور عند الأجداث. وأورد بعضها شعراً، زعم أنّه ممّا وجد في تلك القبور، كالذي ذكره عند حديثه عن قبر (مرشد بن شدّاد)، وعن قبرين جاهليين عثر عليها بـ (الجند) وقد نص على أنّ الشعر المذكور كان مكتوباً بالمسند وقد دوّنه. وهو وكلّ الأشعار الأخرى ومنها المراثي منظوم بعربية القرآن. وأمّا النثر، فإنّه بهذه العربية أيضاً، وهو في الزهد والموعظة والندم والحثّ على ترك الدنيا، فكأنّ أصحاب القبور، من الوعاظ المتصوفين الزهاد، ماتوا ليعظوا الأحياء من خلال القبور، ولم يكونوا من الجاهليين من عبدة الأصنام والأوثان.
وهو قسم بارد سخيف، يدل على ضعف أحلام رواته، وعلى ضعف ملكة النقد عند (الهمداني) وعلى نزوله إلى مستوى القصاص والسمّار والأخباريين الذين يروون أخباراً ويثبتونها وإن كانت مخالفة للعقل. إذ أنّه لا يختلف عنهم هنا بأي شيء كان.
ومجمل رأيي في (الهمداني) أنّه قد أفادنا ولا شك بوصفه للعاديات التي رآها بنصّه على ذكر أسمائها، وأفادنا أيضاً في إيراده ألفاظاً يمانية كانت مستعملة في أيامه استعمال الجاهليين لها: وقد وردت في نصوص المسند، فترجمها علماء العربيات الجنوبية ترجمة غير صحيحة، فمن الممكن تصحيحها الآن على ضوء استعمالها في مؤلفات الهمداني وفي مؤلفات غيره من علماء اليمن. أمّا من حيث علمه بتاريخ اليمن القديم، فإنّه وإنْ عرف بعض الأسماء إلاّ أنّه خلط فيها في الغالب، فجعل اسم الرجل الواحد اسمين، وصيّر الأماكن آباء وأجداداً، وجعل أسماء القبائل أسماء رجال، ثمّ هو لا يختلف عن غيره في جهله بتاريخ اليمن القديم، فملأ الفراغ بإيراده الأساطير والخرافات والمبالغات. وأمّا علمه بالمسند فقد ذكرت أنّه ربما قرأ الكلمات، ولكنّه لم يكن يفقه المعاني، ولم يكن ملمّاً بقواعد اللهجات اليمانية القديمة، وقد حاولت العثور على ترجمة واحدة تشير إلى أنّها ترجمة صحيحة لنص من نصوص المسند، فلم أتمكن من ذلك ويا للأسف.
ويختتم حديثه عن الهمداني قائلاً:
«وعلم (الهمداني) بجغرافية اليمن والعربية الجنوبية، يفوق كثيراً علمه بتاريخ هذه الأرض القديم، فقد خبر أكثرها بنفسه وسافر فيها، فاكتسب علمه بالتجربة. أمّا علمه بجغرافية الأقسام الشمالية من جزيرة العرب، فإنّه دون هذا العلم».
وهذا قبل أن يطّلع على ملاحظات الأستاذ محمد عبد القادر بامطرف عن معارف الهمداني الجغرافية ويعرف أنّها بنيَتْ على السماع، واستندت إلى ما يدور على ألسنة الناس وليس إلى المشاهدة والعيان، ولم يخبر أكثرها بنفسه، ولا سافر فيها فاكتسب علمه بالتجربة.
أمّا أنا فلا يسعني إلاّ أن أتذكّر ما سبق أن قلته قبل ربع قرن في كتابي قصة الأدب في اليمن وأنا أتحدّث عن الهمداني:
«ولكنّه على كلّ أحواله؛ منصفاً كان أو متحيّزاً، مخلصاً أم مغرضاً كان يمثّل العبقرية والكمال، أحبّ بلده وقومه، وتعمّق في دراسة تاريخ وطنه وأهله، وورث علومهم وآدابهم وأعطى من نفسه كثيراً باحثاً متجوّلاً، وكاتباً ساهراً، ومجادلاً صائلاً، ومناوياً وثائراً، ولا تزال كتبه مصدراً كريماً للباحثين والعلماء، وينبوعاً ثرّاً يستقي منه روّاد المعرفة والمؤرخون والنقّاد».
وكان بحقّ وجدارة «لسان اليمن».
أحمد الشامي
الله آباد
تقع مدينة الله آباد الغنية بتقاليدها الدينية والوطنية وحاضرة عهد تيرث أو عهد براياغ أقدس الأماكن المقدسة لدى ملايين الهندوس ـ تقع في بقعة رائعة الجمال عند ملتقى نهري الكنج وجمنا حيث تقبع هناك منذ بزوغ فجر الحضارة. وتقول إحدى الأساطير الشعبية إنّ هنالك نهراً ثالثاً هو نهر سارا سواتي، ينضم إلى هذين النهرين عند مجرى تحت الأرض. وقد ألهمت هذه الأسطورة الشيخ إمام بوكس «الناسك» الشاعر البارز بلغة الأردو إلى الحد الذي شبه به «الله آباد» بمقاطعة البنجاب «أرض الأنهر المقدسة».
حيث يقول:
«إنّ الأنهر الثلاثة وعيناي
تجعل الله آباد والبنجاب صنوين»
وقد تكون مدينة الله آباد التي كانت تعرف قديماً باسم براياغ Parayag هي أقدم مزار على الأرض حج إليه الناس بصورة متواصلة منذ القدم حتّى الزمن الحاضر. ويعتقد أنّه في موقع «الله آباد» هذه قام «الإله براهما» أحد الآلهة الذين يشكلون الثالوث الإلهي في الديانة الهندوسية بطقوس «الياجنا» لينقي الأجواء بعد أن خلق الكون. ومن هنا جاءت التسمية القديمة للمدينة براياغ أي «موقع التنقية». وقد كانت الله آباد في عهد الملاحم مركزاً عظيماً للمعرفة والتعليم، حيث كان مقر الشري([354]) بهارادواجا أحد أعظم سبعة حكماء في الهند القديمة. ويعدّ المقر الديني الذي أسّسه فيها ورعاه وهو ما يدعى في الهند (الأشرم)([355]) أضخم جامعة في ذلك الزمن حيث تلقى فيه ما يزيد على 10,000 تلميذ العلم والسكن والإقامة مجاناً. وممّا زاد في رفعة مجد هذه المدينة المقدسة زيارة كلّ من الشري رام تشاندراجي والشري بهاراتجي لها.
وتقديراً لأهمية هذه المدينة قصدها غوتاما بودا لإلقاء مواعظه ونشر تعاليمه الدينية، وبعد ذلك بحوالي 300 سنة وقع اختيار الملك الهندي ذي التاريخ الحافل أشوكاً عليها لينشئ فيها الإسطبات وهي الأبراج البوذية التي على هيئة هرم أو قبة وليعقد فيها مجامع العلماء.
إنّ الله آباد هي درة مسبحة المدن المقدسة اللؤلؤية في الهند. وقد جاء في البورانا وهي القصص الهندية الأسطورية أنّه عندما وضعت جميع الأماكن المقدسة في كفة ميزان ووضعت براياغ في الكفة الأخرى رجحت كفة براياغ على الكفة الأخرى. وتصف بورانا ماتسايا مجد عهد تيرث وعظمته في الأبيات الشعرية التالية:
«يتألف في مجده ملك جميع المعابد المقدسة
وتقوم وصيفتان نبيلتا المحتد وهما الكنج وجمنا
ابنتا الناسك جاهنو
وابنتا الشمس
تلوحان بإزارهما الأبيض والأزرق وشجرة الآثاب([356]) المقدسة التي لا تفنى.
هي كالمظلة الملكية اللازوردية اللون
فوق رأس براياغ موئل عهد تيرث».
إنّ الأدب الهندي يطفح بالأحاديث عن مآثر وأهمية هذه المدينة، كم تنوّه بمهرجان الاستحمام العظيم الذي يقام هنا كلّ عام خلال شهر ماغ. وكلّ اثنتي عشرة سنة يتحوّل مهرجان الاستحمام السنوي هذا إلى «كمب» أي الإبريق التام حيث يحتفل به احتفالاً يفوق الوصف، وفي مناسبة كهذه تتابع للزائر فرصة إمتاع ناظريه بعرض رائع من الأزياء والألوان، وأن يسمع مئات اللغات واللهجات التي يتحدّث بها الناس من شتى أنحاء الهند.
ومن أبرز مظاهر مهرجان «كمب» هذا مجموعات الرهبان والنساك المتنقلين والذين يدعون «أخراس» ويعتقد بأنّ «شنكر أشاريا» قد أسّس وحدات «الأخراس» هذه ليقوموا بنشر تعاليم «الفيدا»([357]) ومثلها وفلسفتها في الحياة بين الجماهير.
وهناك وصف حي لمناظر «السنغام»([358]) في كتاب «ريغ فيدا» وفي كتاب «رامايانا» وكتاب مهابهرتا وكذلك في كتابات كاليداس العالم والشاعر الكبير باللغة السنسكريتية وكذلك في كتابات الرحالة الصيني الشهير «هيوين تساينغ».
وأيضاً لم يقصر شعراء اللغة الأردوية في إغداق المدائح على براياغ المقدسة. ومن هذه القصائد الجميلة التي تطري بإفراط عظمة ومجد هذه المدينة القصيدة التي ألّفها المرحوم مولانا السيد علي تقي صفي الشاعر المحبوب باللغة الأردوية. وقد ألقاها بنفسه في الجلسة السنوية «لمؤتمر الشيعة لعموم الهند» الذي عقد في مدينة الله آباد في عام 1915م، حيث قال:
«إيه مدينة الله آباد يا ملعب نهري الكنج وجمنا، إنّ تربتك المقدسة هي مجمع الجداول الثلاثة. ويتعلّم الناس منك دروس الإخاء الإنساني ووحدة الأواصر.
وإنّ التقاء الأنهر فيك هو رمز للوفاق الإنساني.
ويطفح كأسك بعواطف الإخلاص والمودة كما أنّ حانات شربك هي ملجأ العليل والمنهك».
وقد حج لزيارة براياغ ـ يستهوي أفئدتهم ما لها من حرمة وقدسية ـ حكماء الهند الخالدين من أمثال: الشري دادهيتشي، والشري هريش تشاندرا، والشري فاشيشتا والشري فيشواميترا، والشري شنكر أتشاريا، والشري تشيتانيا ديف وغيرهم كثيرون.
وعندما ينجلي ضباب الماضي الغابر، ويتألق ضياء التاريخ يتبدّى للعيان هار شفاردهانا المحسن وهو يجري المحاورات الدينية مع رؤساء الديانات والشيع، ويوزع بسخاء ثروته على الحشد الهائل من الناس المجتمع عند ملتقى النهرين العظيمين. وقد ترك الرحالة الصيني الأشهر هيوين تسيانغ وصفاً حياً لحفلات البر والإحسان الرائعة المسمّاة دان ياجنا التي كان يقيمها الملك حرشا في براياغ وذلك في عام 664 بعد الميلاد.
وقد عادت المدينة للتألق والازدهار مرّة أخرى في عهد الإمبراطور أكبر الذي زار براياغ في عام 1574 ميلادية إدراكاً لأهميتها الاستراتيجية وقدسيتها الدينية، وقرّر أن يبني قلعة عند ملتقى النهرين، وجعل من المدينة عاصمة إقليمية وأطلق عليها اسم «الله آباس» ومعناه «مقام الله»، ولكن هذا الاسم حور فيما بعد إلى «الله آباد». ويسترعي الانتباه أنّ كلا هذين الاسمين الجديدين حافظا على ما تتّسم به من قدسية.
أمّا ابن الإمبراطور أكبر جهنكير الذي تولّى حكم الله آباد من سنة 1599 إلى 1605م، فقد أنشأ فيها حديقة جميلة تعرف باسم «خسروباغ» أي بستان خسرو.
لقد ارتبطت مدينة «الله آباد» دائماً ارتباطاً وثيقاً بنضال الهند من أجل الاستقلال. وقد تخضّبت تربة براياغ المقدسة مراراً بدماء الشهداء. ففي هذه البقاع واجه الوطنيون العزل من السلاح في عام 1857م تحت قيادة المولوي لياقت علي والقاضي السيّد محسن علي القوات البريطانية الضخمة بقيادة الجنرال نيل. وقد ضحّى ما يزيد على 5000 من مواطني الله آباد ومن بينهم الكثير من الأطفال بحياتهم حفاظاً على شرف أرض الوطن. وقد انتزعت شجاعة هؤلاء المواطنين ورباطة الجأش التي تحلوا بها في القتال وفي مواجهتهم أعواد المشانق بالقبل إعجاب السلطات البريطانية العسكرية والمدنية. وقد وصف ادوارد تومبسون في كتابه «الوجه الآخر للميدالية» وصفاً مؤثراً رباطة جأش خمسين من الفتيان الشجعان وهم يعتلون منصة المشنقة هاتفين من أجل حرية بلادهم إلى أن أطبقت حبال المشانق على رقابهم الغضة. وإنّ قراءة الوصف المؤثّر لهذه التضحية المتفانية التي أقدمت عليها هذه العصبة من الشهداء الصغار المجهولين، والتي تشكل في واقع الأمر صفحة مؤثّرة من تاريخ البلاد الحافل تستدر الدموع من عيون حتّى أقل القرّاء عاطفة.
وقد أفلح المولوي لياقت علي أحد القائدين الوطنيين اللذين تزعما هذه المواجهة مع البريطانيين في النجاة إلى كنبور حيث انضم إلى «نانا صاحب»، أمّا القائد الوطني الآخر القاضي السيد محسن علي وعمره 26 سنة فقد جرح في المعركة جرحاً خطيراً واعتقل بفعل وشاية أحد الخونة وأعدم بقسوة في العشرين من حزيران (يونيو) عام 1857م، أمّا أملاكه التي كانت قيمتها تساوي بضع مئات من آلاف الروبيات فصودرت وأُعطيت للمرتدين المتعاونين مع البريطانيين.
وقد استمرّ سكان هذه المدينة المقدسة يلعبون دوراً رئيسياً في الحركة الوطنية، مقتفين خطى أجدادهم وآبائهم الشجعان، إلى أن بزغ فجر الاستقلال.
وقد ظلّت مدينة آباد الله طيلة قرون طويلة مركزاً للفنون والآداب. وقد وردت في تاريخ براياغ القديم إشارة إلى أعمال «أشاريا سوامي راماناند» الأدبية ملف الكتب المعروفة «أناند بهاشي» و«شريمد بغوات غيتابهاشي» و«الشري راماشاران بادهات» وغيرها. وأشهر شعراء براياغ القدماء «سانت كافي بابا ملوك داسجي» ابن القرية التاريخية «كارا» في مقاطعة الله آباد. وما زالت ترانيمه الروحية «اهجن» العذبة يترنم بإنشادها ليس النساك المتبتلون فحسب بل والناس العاديون أيضاً. وخلال الحكم البريطاني ازدادت أهمية المدينة وأصبحت مقراً للحكومة الإقليمية، وأصبح فيها محكمة عليا وجامعة، ولعبت دوراً بارزاً في حركات النهوض الاجتماعي، والثقافي والسياسي في البلاد.
وتحتل الله آباد المقام الأوّل بين مدن الهند في مساهمتها في تطوّر الأدب الهندي المعاصر. وقد أثّرت مجلة «ساراسواتي» التي كانت تصدر في «الله آباد» تأثيراً كبيراً في الحياة الأدبية الهندية، وذلك عندما كان يتولّى رئاسة تحريرها مهابير برشاد دويدي. ويحتل السيد أكبر حسين المعروف باسم «أكبر الله آبادي» والذي قدم أسلوباً جديداً خلاباً في الشعر بلغة الأردو المقام الأوّل بين شعراء اللغة الأردوية. وقد ألّف أشعاراً بسيطة ولكنّها ساخرة. وفي الزمن الحاضر اكتسبت مدينة «الله آباد» أهمية عظيمة كمركز من مراكز الشعر الهندي، إذ ينتمي إلى هذه المدينة الشعراء البارزون باللغة الهندية «نيرالا» و«سوميترا نندن بانت»، و«بتشن»، و«مهاديوي ورما» و«رام كمار ورما»، و«بادما كانت مالويه» الذين أغنوا الأدب الهندي إغناء عظيماً.
وعلاوة على كون مدينة «الله آباد» موئل الأدب الهندي، فإنّها لعبت دوراً لا يقل أهمية في تطوّر الأدب بلغة الأردو. فإلى جانب الشاعر الكبير «أكبر الله آبادي» هناك الأدباء «نوح» ناروي والسيد علي عباد «نيسان»، والسيد تحمل حسين «محبوب»، و«رغوابائي سهاي فراق» الذين حفروا أسماءهم في سجل تاريخ الأدب الأردوي.
وكذلك ساهمت المدينة مساهمة فعالة في حقل الصحافة الإنكليزية، فقد تأسّست فيها كلّ من «المودرن ريفيو» و«توينتيث سنشوري» و«بيونير» كذلك ما زالت تصدر فيها جريدتان يوميتان باللغة الإنكليزية هما «ليدر» و«نورثيرن أنديا باتريكا»، وجريدتان باللغة الهندية «بهارت» و«براياغ باتريكا» وجريدة بلغة الأردو هي «قايد» وعدد من المطبوعات الدورية باللغتين الهندية والأردوية.
أمّا في الحقل السياسي، فقد أنتجت مدينة الله آباد وطنيين بارزين من أمثال: موتي لال نهرو، وبيشمر ناتسه، وأجود هيار برشاد، والسير تيج بهادر سبرو، ومدن موهن مالويه، والدكتور كيلاش نات كتجو، والمحامي مولوي سيد حيدر مهدي، ومولانا محمد رشيد فخري والخان آغا علي خان، وبابو برشوتم داس تندن، ورئيسا الوزراء الشري جواهر لال نهرو، والشري لال بهادر شاستري. وهنالك شخصيات وطنية أخرى لامعة مثل: سندر لال، والسيدة فيجي لكشمي باندت، وموالانا السيد محمد شهيد فخري، والدكتور هريدايا ناث كنزرو، والشري كبشو دوك مالويه، والسيد أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند وتمتاز مدينة الله آباد أيضاً بأنّها مسقط رأس رؤساء وزارات البلاد الثلاثة الأول. ويهرع إلى مدينة الله آباد هذه ملايين الهندوس صغاراً وكباراً، معافين وعليلين، أغنياء وفقراء، متعلمين وأميين، فهم يتوافدون إلى مقر عهد تيرث «التي ترمز إلى روح الهند الخالد مثلما هي رمز متوقد لبقائنا وبعثنا القومي». وهم يتحملون كلّ مشاق السفر في سبيل الوصول إليها، فيتدفقون إليها بالطائرات وبالسكة الحديد، بالسيارات والحافلات، بالمراكب وبالعربات التي تجرّها الثيران، وممتطين الخيول أو سيراً على الأقدام وذلك من أجل أن يستحموا في مياه مجمع النهرين المقدسة. وهكذا كان سيل لا ينقطع من الحجاج يتدفقون على هذه المدينة المقدسة، منذ الأزمان الغابرة، من شتى أرجاء الهند وأنحائها ومن خارج الهند، مؤمنين بأنّ مياه أنهر الكنج وجمنا وساراسفاتي المقدسة ترفع الخفيض الجناح إلى قمة الأبدية الأرجوانية.
فكلّ هندوسي مؤمن يطمح إلى زيارة مدينة الله آباد ولو مرّة واحدة على الأقل خلال حياته. وتتحقق أمنية العمر لهذا المؤمن عندما يغوص بجسده في مياه هذه الأنهر المقدسة التي يعتقد أنّها ما زالت تحتفظ بالرحيق الذي انسكب من «الكمب»… أي الإبريق المقدس أثناء القتال الذي نشب بين الآلهة والشياطين بشأن ملكيتها ووضع اليد عليها. كذلك إنّ حلم الهندوسي المؤمن (الأثير) إلى فؤاده هو أن يوقن بأنّ رماد رفاته سيمزج بمياه السنغام المقدس أي ملتقى النهرين الكنج وجمنا. وحري بالذكر هنا أنّه قد جرى في براياغ (الله آباد) هذه في عام 1948م حفل مزج رماد رفات المهاتما غاندي وغيره من الزعماء الوطنيين.
وتعود نشأة طقوس «الكمب» (بضم الكاف) أي الإبريق هذه إلى زمن سحيق، إذ تروي إحدى أساطير البورانا أنّه بينما كانت الآلهة والشياطين تخوض في المحيط بحثاً عن الرحيق عثرت على «كمب» أي إبريق يحتوي على إكسير الخلود، وقد حاولت الآلهة أن تأخذه وتهرب به ولكن الشياطين عدت وراءها تلاحقها طيلة إثني عشر نهاراً وإثنتي عشرة ليلة بصورة مستمرة. وفي أثناء العراك ومحاولة تخاطف هذا الإبريق في نهاية هذه الملاحقة انكسر الإبريق هذا وانسكبت محتوياته في أربعة مواقع هي:
هردور، وعجين، وناسك، وبراياغ. وهكذا أصبح يجري الاحتفال بهذا الإبريق في واحد من هذه المواقع مرّة كلّ ثلاث سنوات، وفي السنة الثانية عشرة يحتفل بحشد الحجاج العظيم في براياغ وهذا الاحتفال يدعى «الكمب التام» أي الإبريق التام.
وتوجد لاحتفال الإبريق التام هذا أهمية للكمية أيضاً، فهو يجري في براياغ عندما يكون «بريهاسباتي» في «ميش راشي» وعندما يكون القمر والشمس في «مكار». في شهر «ماغ» من كلّ سنة يحل القمر والشمس في «مكار»، ولكن «بريهاسباتي» يدور دورة كاملة مرّة كلّ إثنتي عشرة سنة. ويحتفل بالإبريق التام هذا في مناسبة هذا التوافق الخاص، ويجذب هذا الاحتفال أضخم جمهور من الحجاج.
ويشار إلى أهمية الرقم 12 في احتفال الإبريق التام بواسطة خمسة أعضاء من الجسم التي تجلب «غيان» أي الإدراك والمعرفة. وهذه الأعضاء الخمسة الخاصّة بالسمع والشم والحسّ والذوق والبصر، والأعضاء الخمسة الخاصّة بالفعل وهي أعضاء اللمس والكلام والمشي والتمتع والعزم، والعضو الحادي عشر هو العقل والثاني عشر هو الفطنة.
ويعتقد أنّ الإنسان باستخدامه هذه الأعضاء الإثني عشر استخداماً سليماً يحوز على المعرفة الأساسية للنجاح في الحياة في الدنيا وفي الآخرة كما يحقق الخلاص من دورة الولادة والموت، فالخلاص إنّما يعني الوجود الخالد المبارك بعد الموت.
ولدورة الإثنتي عشرة سنة أهمية ثقافية أيضاً. ففي الأزمنة القديمة كان الطالب يحتاج إلى الدراسة مدّة إثنتي عشرة سنة ليصبح «باندت» أو «شاستري» إلى عالماً حكيماً، وكذلك لقد استغرق وضع كتاب «بانيني» وهو أعظم كتاب في قواعد اللغة في العالم مدّة إثنتي عشرة سنة.
وتوجد في مدينة «الله آباد» التي هي بمثابة مزيج غريب من مظاهر العصور القديمة والوسطى والحديثة معالم وأمكنة كثيرة تستحوذ على الاهتمام مثل المتنزهات، والحدائق، والبنايات، والنصب، والقاعات الكبيرة، والأبراج، والجسور، والمؤسسات التعليمية وأيضاً المعالم التي لها قيمة تاريخية عظيمة. ودرة العدد الكبير من المعابد المقدسة في مدينة الله آباد هو معبد «بتال بيوري» القائم في قلعة أكبر العظمى. ويحتوي هذا المعبد ذو الماضي التليد والقائم تحت مستوى سطح الأرض على رسومات للآلهة والآلهات، وممّا يدل على مقدار أهميته وتقادمه في الزمن زيارة الشري رام تشاندراجي له.
وتقع في فناء هذا المعبد بقايا «شجرة تين البنغال (البنيان) التي لا تموت» التي كانت ضخمة جداً في الماضي، وهي تحظى بمرتبة عظمى من القدسية عند الهندوس. ويؤمن الهندوس أنّ هذه الشجرة قائمة هنا منذ بدء الخليقة وأنّها ستبقى موجودة إلى الأبد. وبصفة هذه الشجرة من أقدم وأقدس معالم البلاد فهي تمثل روح الهند، وترمز إلى حضارتها التليدة وإلى تصميمها على الوقوف بثبات في خلال جميع فترات الأزمات والشدائد. ويحضر الحجاج إليها معهم الهدايا والعطايا ويصبون على جذع هذه الشجرة شيئاً من مياه نهر الكنج.
ما من حاج إلى «الله آباد» يغادرها دون أن يزور المعبد الذي سمّي نسبة إلى الحكيم العظيم «بهارادواجا». وكان مقرّه الديني قائماً على الضفة العالية المطلة على مجمع النهرين، ولكنّه ما لبث أن أنتقل إلى موقعه الراهن. وفي مقر بهارادواجا هذا أقام الشري «رام تشاندراجي» في طريقه إلى تشيتراكوت.
وتشتمل قصة «رامايانا ولميكي» على وصف مؤثر لمقابلة جرت بين راما وبين الحكيم برادواجا. ومن الصدف المدهشة أنّ جامعة الله آباد الحالية وكلياتها ومرافق نوم الطلاب فيها تقوم في جوار المكان الذي كان المعلم العظيم يعقد فيه حلقاته التعليمية الصادقة في روحها ومضمونها…
وقد بنى الإمبراطور «أكبر» قلعته التاريخية عند مجمع النهرين في العام 1583م. وقد اشتمل هذا الصرح الرائع الذي كلف 320,224 62 روبيه (أي ما يعادل نحو ستين مليون دولار في هذه الأيام) على إثنتي عشرة حديقة ومتنزه تسرّ الناظرين، كما اشتمل على قصور كثيرة جميلة منها قصر الأربعين عموداً الخلاب، وقد زيّن بالحجارة المنقوشة وبالرسوم الجدرانية الجميلة. وقد وصف «أبو الفضل»، الكاتب والسياسي البارز، ببراعة الساحر صورة خلابة للجمال المعماري الذي امتازت به هذه القلعة في كتابه الشهير «أكبر نامه»، غير أنّ السلطات البريطانية، وهي تحاول أن تجعل من القلعة التاريخية حصناً عسكرياً عصرياً، دمّرت الكثير من الأعمال الفنية فيها. وتدل الصومعة الرائعة التي تدعى «قصر زنانه»، وهي آخر ما تبقى من مجد هذه القلعة الغابرة، على روعة وسحر فنون العهد المغولي في الهند.
وممّا يسترعي انتباه السواح عند زيارتهم لهذه القلعة عمود الملك «أشوكا» الذي ما زال قائماً داخل أسوار هذه القلعة القديمة. وتسجل النصوص المنقوشة على العمود مراسيم الملك أشوكا الستة، وسجل انتصارات الإمبراطور سمودراغوتبا وزيارة بيريال وزير الملك أكبر المشهور بفطنته وفكاهته، واعتلاء الملك جهنكير العرش وينتصب «عمود أشوكا» هذا في موضعه صامتاً منذ قرون يشهد التغييرات التي طرأت على هذه المدينة القديمة عبر تاريخها الطويل الحافل.
أمّا حديقة خسرو والتي تعرف باسم «خسروباغ» وهي الحديقة الساحرة بجمالها فقد أنشأها في «الله آباد» الإمبراطور جهنكير في عام 1601م لتكون منتجعاً له للراحة والاستجمام، ولكنّها أصبحت مقر إقامة ابنه العاثر الحظ خسرو ثمّ ما لبثت أن أصبحت مثواه الأخيرة بعد وفاته. وتمتاز الحجرات الداخلية لضريح هذا الأمير المغولي خسرو وضريح أمّه بأنّها مزينة بسخاء بالرسوم واللوحات الجدرانية والعبارات المنقوشة بخط جميل ومعظمها مواعظ أخلاقية مقتبسة من أشهر الشعراء الفارسيين. أمّا في الزاوية الشرقية من الضريح فتوجد أحواض تنقية الماء وخزانات ترسيب الماء، كما يقوم في ناحية منها صهريج ماء ضخم تابع لمصلحة المياه في البلدية.
أمّا «متنزه الفريد» الذي يعدّ حديقة عامة في مدينة «الله آباد» وأشدها إمتاعاً فتشتمل على أحواض زهور جذابة كثيرة وعلى أشجار تزيينية خلابة كما يوجد فيها متنزه دائري جميل يشتمل على منصة للفرقة الموسيقية. وتوجد في فناء هذه الحديقة الجميلة المكتبة العامة والمتحف ومعهد أبحاث الشري «غانغا ناتجها» ومشاتل للزهور والأغراس وبيت زراعة زجاجي. أمّا المكتبة فقد أنشئت في عام 1878 ميلادية، وهي نموذج رائع من نماذج فن المعمار القوطي. أمّا متحف الله آباد فهو حافل بالمعروضات التي تهمّ كلاًّ من طالب التاريخ والإنسان العادي، كما يحتوي هذا المتحف على كثير من الهدايا القيّمة التي تلقاها البنديت جواهر لال نهرو من بلدان العالم الأخرى. وبالتجول في ردهات هذا المتحف يطلع المرء على تراث هذه المدينة الفريد وعلى تراث ضواحيها الغنية بالمعالم الأثرية ويكوّن بالتالي فكرة عن حياة أهلها الأقدمين الذين لفّهم النسيان منذ زمن طويل.
وقد تأسّست جامعة الله آباد في عام 1887م، وهي تتمتع بشهرة في ميدان التعليم. وتشكل أبنيتها منظراً مهيباً مرموقاً في المدينة، لا سيما قاعة الاحتفالات وكلية الحقوق وكلية موير المركزية ذات القبة الكبيرة والبرج الشاهق الارتفاع.
ومن المنشآت العصرية التي تحفل بها مدينة الله آباد وتستحق مشاهدة زائر هذه المدينة مبنى محكمة الله آباد العليا وهو صرح أبيض لامع، والمبنى المهيب لكاتدرائية جميع القديسين، ومبنى «أناند بهاوان» الساحر ومعناه «مربع الفرح» وكان مقر الشري جواهر لال نهرو في الله آباد، وقاعة مايو، ومحطة سكة الحديد الحديثة، والمعهد الزراعي المجهز جيّداً، الجسور العظيمة على كلّ من نهري الكنج وجمنا.
وعلاوة على ما تزخر به مدينة الله آباد ذاتها من معالم تاريخية توجد في مناطق معينة من مقاطعة الله آباد ثروة من المعالم الأثرية التي ترجع إلى العصور القديمة والوسطى من تاريخ الهند. فهنالك مواقع وأمكنة كثيرة بجوار المدينة ترتبط بالأساطير والتاريخ.
فيوجد على الضفة الشرقية من نهر الكنج قبالة قلعة الملك أكبر موقع يدعى جوسي أو براتيشتانبور كما تدعى في المخطوطات القديمة التي تعود إلى فترة ما قبل التاريخ. فجوسي هذه كانت عاصمة مملكة مزدهرة حكمتها الأسرة القمرية (3000ـ2500ق.م.). وظلّت في ازدهار إلى حين فترة غوبتا، ولكنّها ما لبثت أن انحطت بعد ذلك. وقد كشفت التنقيبات الأثرية في جوسي عن تماثيل فنية صغيرة من التراكوتا (الطين النضيح) ترجح إلى فترة غوبتا([359])، كما كشفت عن تمثال في غاية الإتقان الفني للإله «فيشنو» وهو أحد الثالوث الإلهي في الديانة الهندوسية، كما وجدت كذلك لوحة نحاسية محفورة فيها نقوش. ويشتمل موقع مدينة جوسي القديمة، علاوة على عدد كبير من المواقع والآبار القديمة المقدسة لدى الهندوس، على ضريح أحد أولياء المسلمين وهو الشيخ محمد تقي، وقد كان يتردد عليه الإمبراطور المغولي فاروق سير. وقد حيكت العديد من الأساطير والخرافات المدهشة حول هذه المدينة الخربة، كما يرمز إليها بهذه العبارة الشعبية الشائعة:
«مدينة تسودها الفوضى وحاكم مرتبك في حيرة من أمره، وجميع الحاجيات بغض النظر عن صنفها وجودتها تباع بسعر واحد هو بيزتان لكل متفرج».
وتوجد على بُعد 65 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من مدينة الله آباد خرائب مدينة «كوسمبي» وهي مدينة ذات ماض تليد. وقد ورد ذكرها في أساطير البورانا ولكن باسم مختلف هو مهابوري، كما يرد ذكرها كثيراً في «الرمايانا» وفي «المهبهاراتا». ويُقال إنّ الشري رامشاندراجي الذي يعدّه الهندوس تجسيداً للإله قد زارها، كما أنّ الإخوة «باندافا»([360]) قد أمضوا معظم مدّة نفيهم التي دامت 13 سنة في جوار هذه المدينة.
وقد زار بوذا هذه المدينة مرتين على أقل تقدير، وقد تمتعت خلال الفترة البوذية بازدهار عظيم. وتظهر البقايا الآرية التي استخرجت من خرائب مدينة كوسمبي إتقان الصناعة بصورة فائقة، كما تكشف قطع العملة النحاسية التي عثر عليها هنا أسماء حكامها الذين لم يكونوا معروفين من قبل.
وعلى مسافة 22 ميلاً إلى الشمال من مدينة الله آباد تقع آثار مدينة لاكتشغير حيث يُقال إنّ الإخوة كورافا([361]) بنوا قصراً من مواد شديدة الالتهاب ضمن مجهوداتهم ومحاولاتهم العقيمة لحرق الإخوة باندافا أحياء. وقد وجدت في هذا الموقع القديم بعض التعاويذ والرقى التي يعتقد أنّها نحتت في فترة ما بعد عهد غوبتا وفي العصور الوسطى.
وتوجد على الضفة الجنوبية لنهر الكنج على بُعد نحو 93 كيلومتراً إلى الشمال الغربي من مدينة الله آباد مدينة «كارا» وهي إحدى تسعة مواقع كان يقصدها الحجاج في الهند القديمة. وتحتوي مدينة كارا هذه على الكثير من المعابد القديمة والبنايات التي تعود إلى العصور الوسطى وأضرحة للأولياء المسلمين.
ونظراً لأهمية موقع كارا من الناحية الاستراتيجية أصبحت هذه المدينة خلال العهد الإسلامي عاصمة إقليمية حتّى عام 1559م عندما نقل الإمبراطور أكبر مقر الحكومة الإقليمية إلى مدينة الله آباد. وفي مدينة كارا هذه قَتَل السلطان علاء الدين خلجي بصورة غادرة عمّه السلطان جلال الدين.
ومن الأماكن الأخرى المقدسة أو التاريخية الهامة التي توجد في مقاطعة الله آباد، والتي يحتاج إعطاؤها حقّها من الوصف إلى مجلد كامل، المواقع التالية: سوجاوان وسذرواريل، وقلعة غرذوه، وسنغرور، وجلالبور، وبربهاس، وبيهتا.
ومعظم المكتشفات الأثرية التي عثر عليها في هذه المواقع موجودة في متحف الله آباد. لقد قال أحدهم بحق إنّ «مدينة الله آباد من الناحية الحضارية قد سمت بأفضل تقاليدنا، ومن الناحية الثقافية كانت موئلاً رصيناً للعلم والهداية، ومن الناحية الروحية تشيع فيها بصيرة وحكمة تجعلان الإنسان يحب أخاه الإنسان، أمّا من الناحية السياسية، فلهذه الأسباب عينها كانت مدينة الله آباد هي طليعة وقائدة نضالنا من أجل الاستقلال». أمّا الآن، فإنّ مدينة الله آباد أصبحت تقف على عتبة العصر الصناعي. فهي بحكم موقعها في وسط مناطق الهند الشمالية ومرتبطة بجميع مدن ونواحي البلاد الهامة بشبكة من الطرق وخطوط السكة الحديد تتوفر فيها كلّ المقومات المطلوب توفرها لإقامة صناعة ناجحة. ورغم أنّ مدينة الله آباد قد أهملت من هذه الناحية لفترة طويلة، فإنّها تسير الآن بقفزات كبيرة لتصبح مركزاً من مراكز الصناعة في البلاد.
ويعود الفضل في إدخال مدينة الله آباد في العصر الصناعي إلى السيد مصطفى رشيد شرواني، وهو صناعي نشيط يتمتع بنظرة ثاقبة في الأمور الصناعية، وهو ينحدر من أسرة معروفة برجالها الوطنيين البارزين. وقد أنشأ في عام 1958م، ودون التمتع بأيّة حماية جمركية وأيّة معونة من الحكومة وفي وجه منافسة قوية من منتوجات هونغ كونغ وغيرها من المصانع الراسخة القدم، «صناعات غيب للمصابيح» لصناعة المصابيح الكهربائية التي تعمل بالبطارية الجافة. وخلال فترة وجيزة نما هذا المصنع وأصبح مركزاً صناعياً زاهراً، ولم تحقق منتوجاته نجاحاً في السوق المحلية فحسب بل غزت أسواقاً أجنبية كثيرة لا سيما في الشرق الأوسط، وهذه الشركة ذاتها الآن أقدمت على إقامة مشروع آخر طموح لإنتاج البطاريات الجافة.
وقد كان إنشاء «صناعات غيب للمصابيح المحدودة» بداية نمو صناعي سريع شهدته مدينة الله آباد، فقد أقيم فيها الآن عدد من المشروعات الصناعية الثقيلة والمتوسطة، وهي إمّا باشرت الإنتاج أو أنّها على وشك ذلك، ومن هذه: شركة إطارات يونيفرسال، وشركة أعمال تريفيني الهندسية، وشركة الكهرباء العامة وشركة تريفيني للإنشاءات.
ولقد اتّسعت المدينة مؤخراً وزاد عدد سكانها زيادة ملموسة فأصبحوا يزيدون على 750 ألف نسمة.
ولقد كانت مدينة الله آباد عاصمة ولاية «أوتر براديش» منذ عام 1858م إلى عام 1930م. وما زالت تقوم فيها كثير من المكاتب الهامة التابعة لحكومة الولاية أو للحكومة المركزية، وإذا كانت مدينة الله آباد لم تعد العاصمة، بل حلّت محلها في ذلك مدينة «لكناو» فإنّ مدينة الله آباد ما زالت تعدّ العاصمة «القانونية» لأكبر ولاية من ولايات الهند.
الملامح البارزة لمقاطعة الله آباد
مدينة الله آباد ـ السكان: ثلاثة أرباع المليون. المساحة 81 كيلومتراً مربعاً.
مقاطعة الله آباد ـ السكان: مليونان ونصف. المساحة: 4600 كيلومتر مربع.
الارتفاع ـ 322 قدماً فوق سطح البحر.
المناخ ـ استوائي.
الحاصلات الزراعية: القمح، الحمص، الشعير، الأرز، الذرة، قصب السكر، البطيخ، المانغا، الجوافة (وهذه لها شهرة فائقة)، وأصناف كثيرة من الخضراوات.
الشيعة في الله آباد
في الفترة السابقة للاستقلال وتقسيم شبه القارة الهندية إلى الهند والباكستان في 15 آب (أغسطس) من عام 1947م، كان يوجد في مقاطعة الله آباد عدد كبير من السكان المسلمين الشيعة الذين كان لهم دور كبير في الحياة العامة. ورغم هجرة القسم الأعظم من هؤلاء المسلمين الشيعة إلى باكستان لتعرّضهم لضائقة اقتصادية نجمت عن تقليص حجم الملكيات الزراعية وصعوبة حصولهم على وظائف سواء في الدوائر الحكومية أو في الشركات والهيئات الخاصة، فإنّه ما زال هناك نو 40,000 من هؤلاء المسلمين الشيعة يقطنون في مدينة الله آباد ذاتها وفي المدن والقرى المجاورة لها مثل: كراري، ومنجن بور، وكارا، ودرانكر، ودندوبور، ومصطفى آباد، وتشيل، وكورالي، وسيويت، وأسروه كالان، وبسونه، وبهول بور إلخ…
وممّا يدعو للأسف أنّ المجموعة الإسلامية الشيعية هذه التي كانت في الماضي ميسورة الحال وتتمتع بنفوذ عظيم في مقاطعة الله آباد قد أخذت أوضاعها تتدهور في شتى النواحي. وهذا التراجع والتدهور في الأوضاع قد نتج عن الأسباب التي ألمحنا إليها سابقاً، والفشل في مجاراة الظروف والأحوال المتغيرة والجمود الذي شجع عليه التوجيه الخاطئ، بتأثير من بعض رجال الدين الجامدين في تفكيرهم، هذه الأسباب كلّها هي المسؤولة بصورة أساسية عن تدهور أوضاع الشيعة الاقتصادية في هذه المقاطعة كما في أنحاء أخرى من الهند.
ويعتمد الشيعة في معيشتهم بصورة أساسية على الزراعة وتجارة المفرق.
ومن أبرز رجالات الشيعة في منطقة الله آباد يمكننا أن نذكر كلاًّ من:
النواب([362]) إرادة علي خان:
أوّل حاكم من الشيعة عيّن في أواخر العهد المغولي. وقد سمّيت باسمه تكريماً له إحدى محطات السكة الحديد وقرية «إرادة غانج».
والقاضي السيد محسن علي: وهو من أعظم الشخصيات الوطنية المعروفة بين الشيعة. وقد اشترك في حرب الاستقلال الهندية الأولى (1857ـ1858م). وقد قاتل هو وأصدقاؤه وأتباعه القوات البريطانية المجهزة تجهيزاً حربياً ثقيلاً والتي هاجمت مدينة الله آباد. وقد جرح خلال القتال جرحاً بالغاً، ثمّ تمّ اعتقاله بفعل وشاية أحد الخونة، وأقدم قائد الجيش البريطاني الظافر على إعدامه بقسوة وهو في ريعان الشباب (26 سنة). كذلك صادر البريطانيون ممتلكاته.
وقد اعتاد الشهيد القاضي السيد محسن علي أن يعقد المجالس على نطاق واسع لتمجيد وإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام). واعترافاً ببطولة السيد محسن وتمجيداً لاستشهاده أُقيم قرب مقر عائلته مسجد يعرف باسم «مسجد القاضي»، كما أطلق اسمه على المحلة المعروفة باسم «قاضي غانج».
السيد سلامة علي: وكذلك يذكر الشيهد سلامة علي الذي كان من الشخصيات الوطنية، وكان قاضياً مساعداً. وقد أعدمه البريطانيون لاشتراكه كذلك في حرب الاستقلال.
ومن الشهداء في تلك الحرب: غلام حيدر الذي استشهد وصودرت ممتلكاته وهناك العديد من الزعماء السياسيين والفقهاء المجتهدين والأساتذة الجامعيين والكتّاب والشعراء والمؤلفين والمفكرين من الشيعة الذين أنجبتهم مدينة الله آباد سواء ممّن طوتهم يد الموت أو لا يزالون أحياء فنذكر منهم:
السيد أكبر علي:
أكبر محام شيعي بارز في عصره.
النواب عرب علي خان:
ملاّك واسع النفوذ؛ وقد بنى داراً للاحتفال بذكرى عاشوراء (عاشورا خانه) في مدينة الله آباد، حيث ما زالت إلى الآن تعقد فيها الاحتفالات خلال شهر المحرم وفي المناسبات الأخرى.
النواب مظفر حسين خان:
وزير مملكة «أَوَدْ» الشيعية في مدينة لكناو وقد ساهم في إنشاء «عزا داري»([363]) (لمآتم) الإمام الحسين (عليه السلام) في مدينة الله آباد.
النواب حسين جان خان: المعروف باسم حُسُّو ميان:
ملاك واسع النفوذ، وقد كان من اشّد المتحمسين والعاملين بتفان لإنشاء (عزا داري) الامام الحسين(ع) في هذه المدينة.
القاضي السيد نصير الدين حسين:
هو نجل القاضي السيد محسن علي، وقد ولد بعد استشهاد والده. وقد كان من أكبر أبناء مدينة الله آباد احتراماً. وهو من المبدعين في ترتيل المراثي الحسينية. وقد خاطر بحياته وهو يقود أوّل موكب «ذو الجناح»([364]) في وجه معارضة شديدة من خصوم العزا داري. وقد عمل على تأمين الأعمال لعدد من أبناء الطائفة الشيعية الذين سدّت أمامهم سبل العمل.
النواب أحمد جان خان:
مؤمن متفان بالإمام الحسين. وقد نذر حياته لقضية «العزاداري» في مراحلها الأولى.
السيد عبد علي:
محام قدير ومواطن بارز من مواطني الله آباد وهو مرجع ثقة في القانون المدني.
السيد رضيّ الدين حسن:
محام بارز ومرجع ثقة في القانون المدني.
السيد حيدر مهدي:
من زعماء المؤتمر الوطني الهندي. ورئيس مجلس إدارة صندوق التحسين (مجلس الإنماء). وهو من أشجع المدافعين عن قضية الشيعة وأصرحهم في مواقفه.
السيد آل حسن:
أبرز المحامين في مجلس الإيرادات الإقليمي. وهو مرجع ثقة فيما يتعلق بقانون الإيرادات، وهو أيضاً زعيم سياسي.
آغا علي خان:
هو شاعر، وكان نائب رئيس مؤتمر الشيعة لعموم الهند، وهو زعيم سياسي ومن رجال البر والإحسان، وكان يتولى رعاية العديد من الجمعيات والهيئات والمنظمات الدينية والاجتماعية والرياضية، كما كان رئيس لجنة الاستقبال لمؤتمر الشيعة لعموم الهند الذي عقد في الله آباد في عام 1929 وفي عام 1950.
السيد آغا حيدر:
أوّل من يتولّى منصب مدّعي عام المقاطعة من الشيعة. وقد كان رئيس لجنة الاستقبال لمؤتمر الشيعة لعموم الهند الذي عقد في الله آباد في عام 1915.
مولانا السيد أمجد حسين:
هو من الفقهاء المجتهدين متبحّر في شؤون الشرع والفقه.
الدكتور السيد جعفر حسين:
هو مفكّر وعالم بارز في الرياضيات، وكاتب بعدّة لغات.
الدكتور السيد محمد مصطفى:
(طبيب) لمداواة أمراض سقوط الشعر، محبوب جدّاً وشديد الاحترام. ومعروف عنه شدّة ورعه وتقواه، وهو يتولّى رعاية عدد من الهيئات الدينية والاجتماعية.
السيد أبو طالب النقوي:
امتاز بسجل أكاديمي لامع، وكان موظفاً في حكومة الهند ثمّ هاجر إلى باكستان حيث تولّى المنصب المرموق: المفوض السامي لمدينة كراتشي التي كانت يومئذ عاصمة الدولة الناشئة. وقد عمل على مساعدة آلاف الشيعة المهاجرين من الهند إلى الباكستان.
السيد زاهد حسين:
هو نائب قاضي المقاطعة، وباني أكثر إمام بارة([365]) يتردّد عليها الناس في مدينة الله آباد.
الملا السيد محمد قاسم:
هو مرجع ثقة في فلسفة الفقه الشيعي وفي التاريخ وطبيب يمارس الطب اليوناني.
السيد مرتضى حسين:
خطيب لامع وطبيب يمارس الطب اليوناني.
السيد علي عُبّاد (نيسان):
شاعر موهوب، وقد ترك أثراً عميقاً في الشعر باللغة الأردوية.
السيد تحمل حسين [محبوب]:
شاعر موهوب كان دائماً يتحاشى الأضواء.
السيد حسين حيدر:
من أمناء كلية (يدغري حسيني) أي كلية تخليد الحسين، والرئيس المؤسس لكلية رفيع أحمد قدوائي التخليدية للبنات.
النواب أصغر حسين خان:
هو عالم وكاتب، ومن المساهمين في إنشاء عزاداري.
الكابتن محمد ضمين علي:
رئيس دائرة اللغة الأردوية في جامعة الله آباد.
السيد ظهور الحسنين:
من مؤسسي كلية تخليد الحسين كما كان نائب رئيسها سابقاً.
علي مهدي خان:
أستاذ في دائرة الفلسفة في جامعة الله آباد، وكان رئيس «كلية يدغري حسيني» أي كلية «تخليد الحسين» في الله آباد، وهو فيلسوف ومفكّر، ويجيد عدداً من اللغات، وهو مؤسس أكاديميات الفلسفة الإسلامية في الجامعات الهندية.
ومؤلف كتابيّ: «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، و«عناصر الفلسفة الإسلامية».
السيد خورشيد حسين:
رئيس سابق «لكلية يدغري حسيني»، ومدير مسجد القاضي، وترجع الحالة الممتازة والتنظيمات الجيدة في هذا المسجد إلى جهده الدؤوب المخلص، كما أنّه عضو نشيط في جميع منظمات وهيئات الشيعة الاجتماعية والدينية.
غلام حيدر:
وطني متفان قدم حياته فداء لقضية حرية بلاده في عام 1857 وصودرت جميع ممتلكاته.
فيما يلي أسماء بعض المشاهير الأحياء من رجالات الشيعة البارزين([366]):
السيد كلب عباس:
خطيب قدير ومحام بارز وهو الأمين العام «لمؤتمر الشيعة لعموم الهند» والرئيس الحالي لكلية «يدغري حسيني» وعضو في مجلس أوقاف الشيعة المركزي، وعضو في لجنة الإدارة لكلية جامعة الشيعة في مدينة لكناو، وعضو في مجلس أمناء الجامعة الإسلامية في عليگر.
وهو نجم لامع بين القادة الوطنيين في الهند، ويدعى تحبّباً باسم «فخر قومي».
الدكتور السيد إعجاز حسين:
رئيس دائرة لغة الأردو. أسهم مساهمة قيمة في الأدب الأردوي بكتاباته وخطاباته.
البروفيسور السيد احتشام حسين:
هو رئيس دائرة الأدب الأردوي، وهو خطيب قدير وناقد ومرجع ثقة في الأدب الأردوي حيث ساهم بإغنائه بكتاباته.
زاهد حسين خان:
هو مرجع ثقة في شؤون التاريخ الإسلامي وعلوم الفقه وفلسفة التشريع، وهو خطيب ومحاور قدير، ويمتلك معرفة واسعة بديانات الهند المعاصرة.
السيد صابر حسين النقوي:
هو مدير «كلية يدغري حسيني» وأحد الأعضاء المؤسسين لها، ورئيس جمعية «أنجمن تحفظ قبرستان»، أي جمعية رعاية المقابر، ويشترك في نشاطات العديد من الهيئات والمنظمات الاجتماعية والتربوية، وهو مستشار بلدي وزعيم محلي للحزب الحاكم في الهند حزب المؤتمر الوطني لعموم الهند.
رضي الدين حيدر:
رئيس هيئة مؤسسي كلية «يدغري حسيني» والأمين العام لمؤتمر الشيعة الإقليمي في ولاية «أوتر براديش»، وعضو مجلس أوقاف الشيعة المركزي، ومنظّم احتفالات ذكرى مرور 1300 عام على استشهاد الإمام الحسين في مدينة الله آباد في العام 1942، وعضو هيئة إدارة جمعية «أنجمن وظيفة سادات ومؤمنين». أي «جمعية المنح الدراسية لأبناء السادات والمؤمنين»، كما أنّه أحد مؤسسي مكتبة الأمجدية [نسبة إلى الولي الشيعي المشهور السيد أمجد حسين]. وهو خطيب وكاتب، يشارك بنشاط في أعمال العديد من المنظمات الدينية والاجتماعية.
العميد السيد أنور حسن الرضوي:
ضابط كبير في الجيش الهندي، وهو قائد مقاطعة في القيادة المركزية للهند، وهو الآن نائب الرئيس لكلية جامعة الشيعة ورئيس كلية كنتونمنت (المعسكر) في لكناو.
الدكتور السيد رفيق حسين: (دكتوراه في الآداب):
مدرّس في دائرة لغة الأردو في جامعة الله آباد ورئيس لجنة الجامعة الدائمة، ومؤلف العديد من الكتب.
السيد مسيح الزمان:
أستاذ ورئيس دائرة اللغتين الأردوية والفارسية في جامعة بنارس الهندوسية، والأمين المؤسس للجمعية الهندية ـ الإيرانية، وهو يشارك بنشاطات المنظمات والهيئات الأدبية والثقافية، وهو مؤلف العديد من الكتب الأدبية.
الدكتور السيد محمد عقيل: [دكتوراه في الآداب]:
أستاذ مساعد في دائرة اللغة الأردوية في جامعة الله آباد، وهو مؤلف العديد من الكتب الأدبية.
الميجور السيد منظور حسن الكاظمي:
وهو رئيس سابق لكلية «يدغري حسيني»، وقد هاجر إلى الباكستان.
السيد محمد تقي:
خطيب وكاتب، وهو نائب رئيس كلية «يدغري حسيني»، ويشارك بنشاطات العديد من الجمعيات والمنظمات التربوية والاجتماعية، وهو الزعيم المحلي لحزب المؤتمر الوطني الهندي الحاكم.
السيد أسد علي:
من العلماء المجتهدين، وهو خطيب وكاتب، يرأس دائرة الدراسات الشرقية والفقهية في كلية «يدغري حسيني».
السيد ذيشان حيدر:
من العلماء المجتهدين، وهو خطيب وكاتب. وقد ترجم من العربية إلى الأردوية عدداً من الكتب الدينية والتاريخية، وهو مؤلف عدد من الكتب الدينية.
السيد علي عابد:
من العلماء المجتهدين ويعمل واعظاً في بلدان إفريقيا الشرقية.
السيد عباس حسيني:
كاتب، وهو صاحب ورئيس تحرير«مطبوعات نكهت» التي هي من أحب سلاسل المطبوعات الدورية الأدبية إلى القراء وأوسعها انتشاراً. وهو نائب رئيس سابق لكلية «يدغري حسيني»، ومنظم واحد من أضخم وأفخم مواكب العزا داري في الهند، وهو من رجال البر والإحسان، ويقوم برعاية عدد من المنظمات والهيئات الدينية والاجتماعية.
السيد مجاور حسين الرضوي:
كاتب رواية وعالم لامع باللغة الأدبية، وهو عضو لجنة إدارة كلية «يدغري حسيني».
محمد مصطفى خان:
منظّم قدير بارع وهو الأمين المساعد لكلية «يدغري حسيني».
السيد محمد حيدر:
نائب رئيس مجلس المقاطعة، وأحد مؤسسي كلية كَرَاري ومكتبة كراري.
السيد مُحِبُّ الحسن «سمر»:
شاعر نابه، وهو نائب المدير لكلية «يدغري حسيني»، وهو أيضاً أمين مؤتمر الشيعة الإقليمي.
السيد زوّار عباس:
شاعر بارز، وهو أحد مؤسسي كلية كراري.
السيد علي جواد:
محرر مجلة «النقشب» الأدبية باللغة الأردوية، وهو من المراجع الثقة في الأدب الأردوي، ومؤلف العديد من الكتب الدينية.
السيد منظور حسين الموسوي:
هو رئيس كلية الدراسات العليا بجامعة دلهي وأستاذ فيها، كما أنّه رئيس جمعية «أنجمن وظيفة سادات ومؤمنين» أي «جمعية المنح الدراسية لأبناء السادات والمؤمنين».
وهي منظمة لعموم الهند تقوم بمساعدة الطلاب الشيعة المتفوقين والمعوزين.
مبارك حسين خان المعروف باسم مبارك مزدور:
هو وطني ثوري، وتعرض للسجن مدداً طويلة من أجل قضية حرية الهند السياسية. وكان في فترة ما قبل استقلال الهند مرتبطاً بحزب المؤتمر الوطني لعموم الهند. وهو الآن من المدافعين المتحمسين عن القضية الإسلامية، وهو من المتبنين بإخلاص لقضية الإمام الحسين (عليه السلام).
الميجر محمد ظفر الحسن:
هو الضابط القائد لكتيبة الفيلق الوطني لطلبة الكلية الحربية، وقد كان سابقاً رئيساً لدائرة الفلسفة في كلية الدراسات العليا في جامعة شبلي في أعظم گره.
السيد ضمير قاسم:
رئيس لجنة إدارة «مسجد القاضي صاحب»، كما أنّه رئيس الجمعية الدينية المسمّاة أنجمن «أمجدية هاشمية»، أي «الجمعية الأمجدية الهاشمية».
السيد محمد مهدي:
محام وخطيب، وهو الأمين العام لفرع الله آباد للحزب الاشتراكي الهندي([367]).
ضمير حسين الكاظمي
ألبانيا
ألبانيا دولة من دول البلقان وهي عبارة عن شريط جبلي ضيق لا تزيد مساحته عن 11,100 ميل مربع يقع على ساحل البحر الأدرياتيكي، وهي تجاور كلاًّ من يوغوسلافيا واليونان ويبلغ تعداد سكانها أكثر من ثلاثة ملايين، و65 بالمائة من هؤلاء السكان من المسلمين بينما باقي السكان ولا تزيد نسبتهم عن 35 بالمائة من المسيحيين الأرثوذكس والكاثوليك.
وتاريخ ألبانيا حافل بالحروب فقد اجتاحتها الجيوش المتحاربة منذ قديم الأزل وقبل الميلاد… وقد دخل الإسلام إلى ألبانيا على أيدي الأتراك الذين احتلوها في عام 1478م.
الألبانيُّون أو الأرناؤوط
ونترك الكلام هنا للدكتور محمد موفاكو:
ليست اللغة العربية هي الوحيدة التي تطلق على هذه الأمّة تسميتين مختلفتين هما الأرناؤوط والألبانيون. ففي اللغات الأوروبية أيضاً، ولا سيما في لغات البلدان المجاورة، نجد عدّة تسميات هي: «أرفانيت» في اليونانية، و«أرناوط» في التركية والبلغارية، و«أرباناس» في اليوغسلافية و«ألبانيون» في اللغات الغربية بالإضافة إلى «شتشيبتار» في اللغة الألبانية. وهكذا يتضح أنّ الصيغتين المستعملتين عند العرب قد وردتا في اللغات الأخرى، مع أنّ البعض قد حاول أن يجد لهما تفسيراً عربياً على أساس العلاقات العربية ـ الألبانية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ آراء الأوروبيين كانت مختلفة حول أصل التسميات التي أطلقت على الألبانيين كاختلافهم في أصل الألبانيين أنفسهم([368]). ولكن في المدّة الأخيرة أصبحت نتائج البحوث المختلفة تؤكد أكثر فأكثر صحة النظرية الأولى التي تقول بانحدار الألبانيين من الأليريين، أي من السكان القدماء للبلقان([369]). ممّا ساعد على حلّ بعض الإشكالات المتعلقة بأصول التسميات التي تطلق على الألبانيين.
وهكذا أصبح من المعروف الآن أنّ أقدم ذكر للألبانيين قد ورد لدى الجغرافي الإسكندراني بطليموس في القرن الثاني للميلاد. ففي الجزء الثالث من كتابه، في القسم المتعلق بـ «الموقع الذي تحتله مكدونيا»، يذكر بطليموس أنّه «في أراضي الألبانيين Albanoi تقع مدينتهم البانوبوليس Albanopolis» ويحدّد مكان هذه المدينة في الخط الذي يقطع الآن قلب ألبانيا الحالية، وبالتحديد ما بين مدينة ديبرا Dibra في الشرق ومدينة دورس Durrës في الغرب([370]). إلاّ أنّ البعض بقي يشكك في حقيقة ما ذكره بطليموس وفي قيمته، إلى أن اكتشفت في المدّة الأخيرة الآثار التي تعود أيضاً إلى القرن الثاني للميلاد، والتي تحدّد وجود هذه المدينة كما سمّاها بطليموس([371]). لقد أشار بطليموس إلى الألبانيين على أنّهم إحدى العشائر الأليرية، التي كان عددها حينئذ يقترب من عشرين. ولكن مع الزمن تغلب الجزء على الكل، وأصبح هذا الاسم (الألبانيون) يقصد به التشكّل الجنسي الجديد الذي أخذ يتبلور في مناطقه خلال القرون الوسطى.
ففي القرن الحادي عشر وخلال عدّة سنوات (1072ـ1079م) يتردّد ذكر الألبانيين عدّة مرّات لدى الكاتبين البيزنطيين ميخائيل آتالياتي، وآنا ـ كومنينا: مرّتين بالصيغة التي ذكرها بطليموس أي Alban-oi ومرّة باسم أربانيتا Arbanita([372]). ويلاحظ هنا أنّه من ذلك الوقت سيصبح الجذر المشترك لكلّ التسميات اللاحقة: «الب» alb أو «أرب» arb أي بقلب اللام إلى راء. وليس من المصادفة أن تتردّد كثيراً التسميات المتعلقة بالألبانيين في المصادر الأوروبية منذ ذلك الحين، إذ أنّ ذلك يرتبط بزخم الأحداث التي تطوّرت في المناطق الألبانية حتّى وصول العثمانيين، أي حتّى القرن الرابع عشر.
وهكذا نجد أنّ اللاتينية قد أخذت في بادئ الأمر (1166م) بجذر «أرب» لتصوغ تسمية أربان والأربانيين Arbaneses. وفي الوقت نفسه (القرن 12) اعتمدت السلافية الجنوبية (الصربية) جذر «أرب» لتأخذ منه صيغة «أربانس» Arbanas إلاّ أنّ اللاتينية تحوّلت منذ القرن الثالث عشر إلى الجذر الآخر لتشتق منه صيغة ألباني وألبانيين، تلك التي شاعت لاحقاً في كلّ اللغات الأوروبية الغربية. ويبدو أنّ طغيان جذر «أب» قد جاء نتيجة للإيحاء الذي كانت تتركه الكلمة اللاتينية «ألبوس» albus (أبيض)([373]).
وفي الوقت نفسه، الذي اتّسم ببروز الأمراء الألبانيين المحليين الطامحين إلى المشاركة في الحكم أو في التفرّد به عن بيزنطة، كان الألبانيون قد أخذوا لأنفسهم جذر «أرب»، وشاعت منذ ذلك الحين عدّة صيغ كانوا يطلقونها على أنفسهم: أربر «arbere»، أربن «arbënë»، أربرش «arbëreshë» وعلى بلادهم آربريا arbëria أو آربنيا Arbënia([374]).
وهكذا في الوقت (القرن 14) الذي تعدّدت فيه التسميات، بدأ الاحتكاك بين الألبانيين والعثمانيين الذي انتهى بعد قرن من الزمن إلى سيطرة العثمانيين على المناطق الألبانية. وقد مال العثمانيون حينئذ إلى الصيغة اليونانية الحديثة «أرفانيت» Arvanitai، التي كانت قد تطوّرت من «أربانيت».
ونتيجة للإبدال بين حرفي n,v، وتحول i إلى u بسبب قوانين التناغم للغة التركية أصبح العثمانيون يطلقون على الألبانيين اسم Arnavud، الذي كان يكتب بالعثمانية «أرنود». وكان العثمانيون قد كوّنوا وحدة إدارية جديدة في المناطق التي سيطروا عليها وسمّوها «سنجق أرفانيد» أو «سنجق أرنود»([375]). وكما يبدو فإن الصيغة العثمانية بقيت تصاحب في البداية الصيغة اليونانية «أرفانيت» إلى أن بقيت وحدها في الاستعمال. ولكن فيما بعد، مع التغيرات الإدارية في المناطق الألبانية، أخذ العثمانيون يستعملون صيغة جديدة «أرنود لك» للدلالة بشكل عام على المناطق التي يعيش بها الألبانيون، وبغض النظر عن التقسيمات الإدارية المتعاقبة([376]).
وخلال العصر العثماني أخذ الألبانيون يميلون إلى صيغة جديدة يطلقونها على أنفسهم: شتشيبتار Chqiptarë، أو شكيبتار Shkiptarë، وهي الصيغة التي حافظوا عليها إلى اليوم. وكان جذر هذه التسمية الحديثة «شتسيب» shqip (الكلام بوضوح، بفصاحة) قد استعمل في أوّل كتاب ألباني مطبوع (1555) ثمّ توسّع معناها ليشمل اللغة الألبانية عامة. Shqipe shqija. وفي تطوّر لاحق أُضيفت اللاحقة «تار» tar لتعني المتكلم بالألبانية أو الألباني shqiptar. ولقد وردت هذه التسمية لأوّل مرّة في وثائق «المجلس الألباني» (1703)([377])، إلاّ أنّها أخذت تنتشر تدريجياً حتّى أصبحت خلال القرن 19 التسمية الوحيدة التي يطلقها الألبانيون على أنفسهم([378]). وقد ترافق هذا مع تشكّل وانتشار الصيغة الجديدة التي تحدّد الوطن القومي للألبانيين: «شتشيبريا» Shqipëria أو «شتشيبنيا» Shqypnia([379]).
ومن المعروف أنّ العصر العثماني كان قد جمع العرب والألبانيين، بالإضافة إلى غيرهم من الشعوب، في دولة واحدة لعدّة قرون (ق16ـ20). ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يميل العرب في البداية إلى الصيغة العثمانية. «أرنود»، التي أصبحت تكتب لاحقاً بأشكال مختلفة؛ «أرنوود، أرناود، أرناؤوط». وعلى هذا الأساس أيضاً أخذ العرب بالصيغة العثمانية لتسمية المناطق الألبانية أرناود لك: بلاد الأرنود، أو بلاط الأرناؤوط. وفي وقت لاحق، في النصف الثاني للقرن التاسع عشر، أخذت الصيغة الأخرى، ألبانيا والألبانيون، تستعمل في اللغة العربية، وبالتحديد في اللغة الحديثة التي بدأت تظهر في الصحف والمجلات. وفي هذا الإطار تجدر الإشارة مثلاً إلى دور مجلة «الجنان» اللبنانية، التي عززت هذه الصيغة الجديدة بعد أن نشرت على حلقات كتاب باشكوفاسا «ألبانيا والألبانيون» خلال 1882م([380]).
هذا، وقد بقيت الصيغة الأولى (الأرناؤوط) هي الأكثر شيوعاً في العربية حتّى نهاية العصر العثماني. وكان ممّا ساعد على شيوع هذه التسمية تعميمها كلقب على كلّ المهاجرين الألبانيين الذين استقرّوا في المشرق، ولا سيما في مصر والشام خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين([381]). إلاّ أنّ الصيغة الثانية (الألبانيون) شقت طريقها بسرعة في السنوات الأخيرة للعصر العثماني، ولا سيما بعد أن أعلن الاستقلال الألباني (1912م)، وبعد أن استقرّ كيان ألبانيا دولةً منذ 1920م.
ومع أنّ الصيغتين، الأولى والثانية، قد دخلتا إلى العربية من بقية اللغات التركية من ناحية، والفرنسية والإنكليزية من ناحية أخرى، فإنّ بعضهم أراد أن يجد تفسيراً عربياً للصيغة الأولى (الأرناؤوط) بالاستناد إلى التداخل الذي حصل بين العرب والألبانيين. وبعبارة أخرى لقد كان الأصل العربي للتسمية يفترض بدوره الأصل العربي للألبانيين. وهكذا فقد راجت في الجانب العربي خلال نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الآراء عن الأصل المشترك للعرب والألبانيين، وكان ممّن روّجوا لهذه الآراء المؤرخ أحمد بن زيني دحلان، الذي يعرّف الألبانيين بأنّهم «من عرب الشام من بني غسان ارتحلوا من الشام بعدما أتى الله بالإسلام»([382]).
وبالاستناد إلى ذلك أصبح من الممكن القول إنّ كلمة «أرناؤوط» تعود في أصلها إلى عبارة «عار أن نعود»، التي تفوّه بها العرب ـ الألبانيون بعد أن استقروا في وطنهم الجديد([383]).
ولقد كنّا بَيَّنَا في بحث لنا الوضع في الجانب الآخر (الألباني)، الذي يتميّز بوفرة الروايات المتعلقة بالأصل العربي للألبانيين وأهميتها. وبهذه المناسبة كنّا قد توصلنا إلى أنّ الشريعة الإسلامية في هذه الروايات نشأت في عصر متأخر، وبالتحديد فوق شريحة مسيحية أقدم، بينما يمكن تتبع الأصل إلى الأسطورة المتعلقة بالأصل المشترك بين الفينيقيين والأليريين، أي بين أجداد السوريين وأجداد الألبانيين([384]).
الدكتور محمد موفاكو
وألبانيا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي يشكل المسلمون غالبية سكانها (حوالي 70 بالمائة)، فالألبان الشعب الأوروبي الوحيد الذي اعتنق الإسلام بغالبيته، ويجدر بالذكر أن ألبانيا بلد لا يجمع سوى نصف الألبان فقط، بينما يعيش النصف الآخر في الدول المجاورة (يوغسلافيا ومقدونيا واليونان). وفي الواقع فإنّ ألبانيا تتميّز على المستوى الأوروبي بكونها بلد صغير، فمساحتها (280748)، وعدد سكانها ثلاثة ملايين، بطبيعة أرضها الجبلية (70 بالمائة جبال ومرتفعات)، وبتنوّع ثرواتها (معادن وبترول).
ويعدّ الألبان أنفسهم أحفاد الأليريين، الذين كانوا ينتشرون على امتداد الساحل الشرقي للبحر الأدرياتيكي والذين خضعوا للحكم الروماني سنة 168ق.م. بعد أن خاضوا معارك عدّة ضد الجيوش الرومانية، ومع انقسام الإمبراطورية والكنيسة أصبح خط الانقسام الروماني ـ البيزنطي، والكاثوليكي ـ الأرثوذكسي يمر في شمال ألبانيا حتّى نهاية القرن الرابع عشر (1385م) حين وصلت إلى أراضيها لأوّل مرّة القوات العثمانية، وفتحت الطريق لوصول الدين الجديد ـ الإسلام. وبسبب الموقع الاستراتيجي لألبانيا، كأقرب معبر في البحر الأدرياتيكي للطرف الآخر من أوروبا (الغربية)، فقد بقيت الدولة العثمانية حوالي قرن من الزمن (حتّى 1479) تحارب على عدّة جبهات لأجل ضمّ ألبانيا.
وهكذا يمكن القول إنّ انتشار الإسلام بدأ في ألبانيا منذ نهاية القرن الخامس عشر، حيث أخذ ينتشر في المدن أوّلاً ثمّ في الريف، وفي نهاية القرن السادس عشر أصبح المسلمون يشكلون غالبية في عدد من المدن مثل شكودرا Shkodra في الشمال والباسان Elbasan في الوسط وكورتشا Korga في الجنوب، واحتاج الأمر إلى قرن آخر لتصبح غالبية سكان ألبانيا من المسلمين، وينظر عدد من المؤرخين إلى الاعتناق التدريجي للإسلام، الذي امتدّ أكثر من قرنين، على أنّه دليل على عدم فرض الدين بفرمان سلطاني على السكان، وما يؤكد هذا، أن نسبة لا بأس بها من السكان الألبان (حوالي 30 بالمائة) بقيت مسيحية (كاثوليكية في الشمال وأرثوذكسية في الجنوب).
كان لانتشار الإسلام بهذا الشكل نتائج مهمة وبعيدة المدى بالنسبة لألبانيا والألبان. ففي المجال الاقتصادي ازدهرت الحرف والتجارة في المدن ونهضت مدن جديدة (الباسان، كورتشال، تيرانا، كافيا، بتشين) وبدأت المدن تأخذ طابعاً شرقياً. ومن ناحية أخرى انتشرت في البلاد الثقافة الإسلامية، وساهم الألبان كغيرهم من شعوب المنطقة في هذه الثقافة الجديدة كشعراء وكتاب وفقهاء يكتبون في اللغات الكلاسيكية (العربية والتركية والفارسية)، كما أصبحت اللغة الألبانية تكتب بالحروف العربية.
ومن الناحية السياسية، شارك الألبان بعدد كبير من الوزراء والصدور العظام في إدارة الدولة العثمانية، كما أنّهم احتكوا واختلطوا مع الشعوب الأخرى ضمن هذه الدولة كالعرب والأكراد والشركس وغيرهم.
وبقيت ألبانيا تحت الحكم العثماني أكثر من خمسة قرون، وبالتحديد حتّى عام 1912، حين استقلت في رقعة ضيقة، واستقرّت أخيراً ضمن حدودها الحالية منذ عام 1920 بعاصمتها الجديدة تيرانا. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ تيرانا كانت مجرد قرية متواضعة حتّى مطلع القرن السابع عشر حين شيّد فيها أحد أبناء المنطقة (سليمان باشا بارجيني) نواة عمرانية تتألف من جامع وحمام وسوق. ومع هذه النواة نمت تيرانا كقصبة جديدة بملامح شرقية تماماً، خصوصاً بعد أن بنى فيها أحد أبنائها (الحاج أدهم بك) جامعه المعروف الذي لا يزال ينتصب في وسطها.
وتزامن استقلال الدولة الألبانية واستقرارها في حدودها الجديدة مع إلغاء السلطنة والخلافة في تركيا (1922ـ1924)، ولذلك بادر المسلمون في ألبانيا إلى تنظيم أنفسهم في وقت مبكر. حيث أصبحت لهم هيئة مستقلة تنظّم وضعهم، وترعى شؤونهم، وتمثّلهم أمام الجهات المختلفة سواء في ألبانيا أو في العالم. بعد عام 1945 وبعد تولّي الحزب الشيوعي للسلطة دخلت ألبانيا في منعطف جديد، حيث تمّ التضييق بشكل تدريجي على حريات المسلمين إلى سنة 1967م، حين أصدرت مرسوماً يمنع أي نشاط ديني في البلاد، فأغلقت بهذه المناسبة كلّ الجوامع. وخلال ما سمّي بـ «الثورة الثقافية» على النمط الصيني، تمّ تهديم بعض الجوامع وتحويل بعضها الآخر إلى صالات رياضية أو مستودعات، بينما تمّ الاحتفاظ بجامع أدهم بك في العاصمة نيرانا كأثر تاريخي. وكما حدث في الصين فقد سجن حينئذٍ بعض علماء الدين وأُجبر البعض الآخر على العمل في «قطاعات الإنتاج» وحرم الجميع من أيّة صلات مع الخارج. وهكذا خلال 25 سنة، توفي الكبار ونسي الصغار، تقريباً، ما كان موجوداً في ألبانيا خلال عدّة قرون.
ولكن بعد «الثورة الديموقراطية» (1991) بادر بعض الأفراد القلائل من جيل الكبار كالشيخ صبري كوتشي، الذي قضى 25 سنة متواصلة في السجن إلى إعادة تأسيس «الهيئة الإسلامية» وفتح الجوامع وإرسال الطلاب إلى البلاد العربية.
ترجمة القرآن إلى الألبانية
في مطلع القرن العشرين (1912) انتهى الحكم العثماني في البلقان بعد وجود طويل استمر نحو خمسة قرون، وظهرت في المنطقة الدول القومية الجديدة. ولكن على المسلمين في البلقان أن يتكيّفوا بعد أن أصبحوا خارج «الدولة الأم» (الدولة العثمانية) مع الظروف الجديدة، حين حاولت الدول البلقانية أن تكرّس ثقافتها القومية الخاصّة، وفي هذا الإطار شهدت ألبانيا، في اعتبارها الدولة الوحيدة التي تضم غالبية مسلمة، محاولات متواصلة في العشرينات للتوفيق بين الثقافة الدينية الموروثة والثقافة القومية المطلوبة. وظهر عدد من رجال الدين المتنورين (علي كورتشا، إبراهيم داليو وغيرهما) فأخذوا يترجمون المصادر الأساسية للإسلام إلى اللغة الألبانية الحديثة (بالحروف اللاتينية)، وينشرون بعض المؤلفات في اللغة القومية المشتركة (مع المسيحيين) حتّى يكون الإسلام في متناول الجميع.
وفي هذا الإطار، قام العالم علي كورتشا في مطلع العشرينات بإنجاز أوّل ترجمة تفسيرية لمعاني القرآن الكريم، وأخذ ينشر نماذج منها في المجلة التي أصدرها آنذاك «الصوت السامي»، التي حاول أن يوفق فيها بين التراث الإسلامي للألبان وبين النزعة القومية الجديدة. وخلال العشرينات جرت محاولتان لترجمة معاني القرآن الكريم (1921 و1929) إلاّ أنّ هذا النشاط سينتقل بعد الحرب العالمية الثانية من ألبانيا إلى كوسوفو المجاورة نتيجة التضييق على الدين في ألبانيا خلال حكم أنور خوجا (1945ـ1984). وهكذا شهدت بريشتينا إنجاز ترجمات عدّة لمعاني القرآن الكريم كترجمة فتحي مهدي صدرت في 1985، وترجمة حسن ناهي صدرت في 1988، وترجمة شريف أحمدي (1988).
التشيّع في ألبانيا
والكثير من السكان فيها يعتنقون الطريق البكتاشية، كما أن فيهم شيعة جعفرية (إمامية). والأدب الشيعي يشكل جزءاً مهماً من الادب الالباني بما فيه من مراث ومدائح لآل البيت ومن ذلك ملحمة شعرية للشاعر نعيم بك(1846-1900م) في مقتل الحسين «عليه السلام» سمّاها كربلاء تعتبر من روائع الأدب الألباني، ونعيم بك هذا هو شقيق المؤلف الألباني الكبير شمس الدين سامي بك (1850ـ1904) الذي اشتهر بمؤلفاته العلمية.
والأيام العشرة الأولى من شهر محرم في ذكرى شهداء كربلاء لها تقاليدها الخاصّة في أوساط الألبانيين البكتاشيين. ففي خلال هذه الأيام العشرة لا يشربون الماء، كمعايشة للعطش الذي حلّ بأبطال كربلاء. كما يتخلّى الألبانيون عن الفخفخة في هذه الأيام ويذهبون للتكية لاستذكار أيام كربلاء، حيث يردّدون في الطريق: يا إمام! يا إمام!
ولكن في هذه الأيام العشرة لا يسترجع فيه ذكرى كربلاء فقط، بل الحوادث والتضحيات الأخرى لبعض الأنبياء والأئمة أيضاً، وقد جرت العادة على تقسيم هذه الأيام العشرة، بحيث تترك كلّ ليلة لذكرى خاصّة:
1 ـ في الليلة الأولى تسترجع فيها معاناة بعض الأنبياء كآدم ونوح وإبراهيم ويوسف وموسى وأخيراً المسيح (عليهم السلام).
2 ـ في الليلة الثانية تسترجع ذكرى النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) وما عاناه مع قومه.
3 ـ الليلة الثالثة تخصص لذكرى الإمام عليّ (عليه السلام) الذي سقط شهيداً في سبيل العدالة.
4 ـ في الليلة الرابعة تفتح سيرة الإمام الحسن (عليه السلام)، الذي توفي مسموماً بتدبير مؤامرة.
5 ـ الليلة الخامسة تترك لسيرة الإمام الحسين (عليه السلام).
6 ـ في الليلة السادسة تسترجع فيها ذكرى هجرة الإمام الحسين (عليه السلام) من المدينة إلى مكة.
7 ـ الليلة السابعة تخصّص لذكرى مسلم بن عقيل، الذي ذهب مبعوثاً للحسين (عليه السلام) إلى الكوفة، حيث استشهد هناك.
8 ـ في الليلة الثامنة تسترجع فيها ذكرى انطلاقة الحسين (عليه السلام) باتجاه الكوفة.
9 ـ الليلة التاسعة تخصّص لذكرى وصول الإمام الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء.
10 ـ الليلة العاشرة تترك أخيراً لذكرى موقعة كربلاء.
ومع انتهاء المأتم يحضر ويقدم في التكية طبق من الحلوى يسمّى عاشوراء Hashureja الذي يحضر سنوياً في هذه المناسبة([385]). وتحضر هذه الحلوى عادة باحتفال ديني، حيث تنشد فيه المرثيات Merthije للإمام الحسين. وبعد انتهاء هذا الاحتفال، الذي يتلوه دعاء ديني في جو مطبق من الحداد، يقبل المشاركون على أكل حلوى عاشوراء. وفي هذه الليالي العشر، يتمّ استرجاع الذكرى بالأحاديث التي تستند إلى الروايات التاريخية حول هذه الموقعة، مع بعض الخيال الذي يناسب الحال، كما تنشد فيه القصائد التي تتناول فيه الموقعة. ومن الواضح أنّه لهذه الحاجة قد وضعت في القرن التاسع عشر ملحمة «الحديقة» لداليب فراشري Dalip Frasheri وترجمت في الوقت نفسه تقريباً «مختارات نامه» من قبل شاهين فراشري Shahin Frasheri فقد كانت تنشد منهما القصائد في المناسبات الخاصّة في التكايا، ومن ذلك مناسبة كربلاء. وقد سمع هذه القصائد من هاتين الملحمتين، الشاعر نعيم فراشري Naim Frasheri في طفولته، حيث كان يعرفهما جيداً. وممّا لا شك فيه أنّ هذا قد دفع نعيم إلى التفكير في تأليف ملحمة أكثر أصالة للألبانيين في هذه المناسبات. وفعلاً عكف الشاعر ما بين سنوات 1892ـ1895 على كتابة ملحمة «كربلاء» شعراً، التي صدرت أخيراً سنة 1898 في عشرة آلاف بيت من الشعر. وتعتبر هذه الملحمة من أفضل الإبداعات، لا في شعر نعيم فحسب، بل في الأدب البكتاشي بشكل عام. وقد قسم نعيم ملحمته هذه إلى خمسة وعشرين فصلاً مرقمة دون عناوين، بحيث يتناول كلّ فصل حادثة أو أكثر.
وفيما كتبه (سوسهيم) في دائرة المعارف الإسلامية في بحث (أرناؤوط) قال: «وطابع المذهب الشيعي ظاهر كلّ الظهور في الطريقة البكتاشية الألبانية. فهم لا يقسمون بالقرآن، ويعتبرون الجنة والنار من بدع رجال الدين، ولا يصومون إلاّ ثلاثة أيام من رمضان، وكذلك يصومون الأيام التسعة الأولى من المحرم…» إلى آخر ما قال.
ومن المؤسف إغراق هؤلاء الكتّاب الذين تصدّوا لإصدار الموسوعات التي تقتضي العلم الغزير والاطلاع الواسع والتدقيق العميق ـ من المؤسف إغراقهم في مثل هذا الجهل والافتئات على الحقيقة.
فمن يقرأ كلامه يعتقد أنّ ما ذكره هو طابع المذهب الشيعي الظاهر على الطريقة البكتاشية، ويكفي هذا لوضع (سوسهيم) في صف أجهل الجهلاء في العقائد الإسلامية، إذ لا ذرة من الحقيقة في هذا الكلام المؤسف.
وإذا كنّا نأسف لأنّ يتردّى محررو دائرة المعارف الإسلامية في هذا وأمثاله ـ وقد ذكرنا شيئاً منه في بحث الإثنا عشرية ـ، فإنّ أسفنا ليتضاعف على ما فعله إخواننا الذين ترجموا دائرة المعارف هذه إلى العربية، فقد عمدوا إلى تصحيح ما ورد فيها من الأضاليل عن غير الشيعة، وهو هين بالنسبة إلى ما ورد فيها عن الشيعة. ولكنّهم لم يكلفوا أنفسهم أن يستوضحوا الشيعة عمّا ورد عنهم، أو يعهدوا لأحد منهم بمراجعة هذه المواضيع والوصول إلى الحقيقة فيها.
الطبيعة
وألبانيا تتألف من سلاسل جبلية تمتد من الشمال والشمال الغربي إلى الجنوب والجنوب الشرقي تتخللها اودية طويلة. وتنحرف الجبال في الشمال فتمتد من الغرب والجنوب الغربي إلى الشرق والشمال الشرقي وفيها أعلى قمم البانيا التي يطلق عليها اسم (جبال الالب الالبانية الشمالية). وأعلى قمة هي في جبل (ليوباتين) في سلسلة جبال شار التي يبلغ ارتفاعها 2510 أمتار.
وفي إحدى القمم في جبل طومور (2413 متراً) يوجد مقام ينسب للعباس بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقدسه السكان هناك.
وعدا الجبال فان السهول الخصبة تمتد على طول شاطىء بحر الأدرياتيك، وقد تفصل الجبال القليلة الارتفاع السهول عن البحر. وإذا كانت أكثر السهول خصبة فإن سلاسل الجبال حجرية لا تنبت أي زرع وهي مكللة بالثلوج بضعة أشهر في السنة.
اللغة
اللغة الألبانية لغة آرية وهي تقسم إلى لهجتين: لهجة الشمال ولهجة الجنوب. ويعتبر نهر أشقومي حدّاً فاصلاً بين اللهجتين، على أنّه يمكن القول بأنّ هناك لهجة ثالثة هي صلة الوصل بين اللهجتين، وتنتشر في منطقة برات جنوبي أشقومي وتكثر في اللغة الألبانية المفردات التركية لا سيما في الشمال. أما في الجنوب فقد تأثرت باللغة اليونانية إلى جانب تأثرها بالتركية.
الإنتاج
تنتج ألبانيا الأرز والرمان والحمضيات والعنب والتين والزيتون في منطقة تشامليك في الإقليم الجنوبي الغربي. وفي مناطق أخرى تنتج الذرة.
وتعيش فيها القطعان الكثيرة للغنم والماعز.
السكان
العنصر الرئيسي في ألبانيا هو العنصر الأرناؤوطي، على أن فيها الترك والأفلاق والبلغار واليونان والعرب والغجر…
من تاريخها الحديث
ألبانيا هي الدولة المسلمة الوحيدة في أوروبا، لأنّ تركيا لم تبق بعد من الوجهة الجغرافية دولة أوروبية، وكانت هذه الدولة الصغيرة تجد نفسها، مذ حصلت على استقلالها قبيل الحرب الكبرى الأولى بسبب ظروفها الجغرافية، هدفاً لأطماع ومنافسات دولية قوية لا تستطيع خلاصاً منها، وترى نفسها مرغمة بحكم ضعفها وعزلتها على التماس العون والحماية من أولئك الذين يتطلعون إلى افتراسها.
كانت ألبانيا قبل الحرب العالمية الأولى ولاية تركية. ولكن هذه الأمة الصغيرة كانت تناضل في سبيل استقلالها منذ بداية القرن التاسع عشر، وقد استطاعت فعلاً أن تحصل على نوع من الاستقلال في عهد زعيمها علي باشا اليانيني في أوائل هذا القرن، فلمّا انهار سلطان هذا الزعيم الذي تملأ حياته وسيرته المروعة كثيراً من صحف القصص الغربي، انهارت جهود ألبانيا في الاستقلال، وعادت تركيا فمكنت منها سيادتها. ولما نشبت الحرب بين تركيا والدول البلقانية في سنة 1912، كان من نتائجها استقلال ألبانيا، قضت به معاهدة لندن التي عقدت بين الدول في مايو سنة 1913، واتفقت الدول على اختيار حاكم للدولة الجديدة المستقلة، ووقع اختيارها على البرنس دي فيد الألماني. وفي أوائل سنة 1914 قدم البرنس دي فيد إلى ألبانيا بعد أن زار حكومات الدول الأوروبية المختلفة، فاستقبله وفد من الزعماء الألبانيين وعلى رأسهم عميدهم أسعد باشا الذي أعلن استقلال ألبانيا قبل أن تقرره معاهدة لندن، وطلب إليه باسم الشعب الألباني أن يقبل عرش ألبانيا، فلبّى البرنس الدعوة ولقب «بامبرت» ألبانيا وهو تصغير للقب الإمبراطور، وتولّى أسعد باشا في الحكومة الجديدة وزارتي الداخلية والحربية، ولكن الخلاف لم يلبث أن دب بينه وبين البرنس، واضطربت شؤون ألبانيا، وتفاقمت الصعاب حول الملك الجديد، وأضرم أسعد باشا نار الثورة فأرغم البرنس على مغادرة ألبانيا، لأشهر قلائل من مقدمه، وقبض أسعد باشا على رئاسة الحكومة الجديدة (أكتوبر سنة 1914)، واختارت ألبانيا ملكاً جديداً هو الأمير برهان الدين ابن السلطان عبد الحميد. ولكن البلاد لبثت تتخبط في غمار الاضطراب والفوضى، وكانت الحرب الكبرى قد اضطرمت قبل ذلك بقليل، وأخذت دول الحلفاء تتطلع إلى ألبانيا كمركز حربي هام، وتخشى أن تغدو قاعدة لحركات ألمانيا والنمسا في المشرق، وفي ديسمبر سنة 1914 بعثت إيطاليا ـ بإيعاز الحلفاء ـ حملة عسكرية إلى ثغر فالونا الألباني فاحتلته، وعلى أثر ذلك وقعت بين الدول مفاوضات سرية بشأن ألبانيا ووعد الحلفاء بأن يتركوا ألبانيا غنماً لإيطاليا مقابل دخولها في الحرب معهم ووعدت النمسا من جانبها إيطاليا بأن تؤيد احتلالها لثغر فالونا وتطلق يدها في ألبانيا إذا هي لزمت الحياد. ولكنّها لما رأت تردّد إيطاليا دفعت جيوشها إلى الجنوب، وفي أواخر سنة 1915 غزت الجنود النمساوية الألمانية ألبانيا واستولت على أشقورده، ووصلت إلى ظاهر تيرانا عاصمة ألبانيا، وغزت الجيوش البلغارية شرق ألبانيا، فاضطربت حكومة أسعد باشا الموالية للحلفاء وسقطت، واضطرت إيطاليا إلى إخلاء ثغر دورازو ولكنّها احتفظت بثغر فالونا. ولبث الألمان والنمساويون يحتلون شمال ألبانيا وشرقها لتأمين مواصلاتهم مع تركيا والميادين الشرقية حتّى نهاية الحرب الكبرى. ولمّا انتصر الحلفاء كان من المقرر أوّلاً أن يعطى القسم الجنوبي من ألبانيا لليونان ووافقت إيطاليا على ذلك بشرط أن تعترف اليونان بحمايتها على باقي ألبانيا مع التنازل عن سلخة شمالية لصربيا. ولكن هذا التقسيم لم يتم، وعادت إيطاليا إلى المطالبة بتنفيذ الوعد الذي قطع لها بالاستيلاء على ألبانيا. وفي مؤتمر سان ريمو 1920 الذي عقد للنظر في مسألة الانتدابات منح الانتداب على ألبانيا لإيطاليا، وأخذت إيطاليا تعمل لاحتلال ألبانيا وبسط سيادتها، ومع أنّ ألبانيا غدت عضواً في عصبة الأمم، فإنّ إيطاليا استطاعت في أواخر سنة 1921 أن تحمل بريطانيا العظمى وفرنسا واليابان على إصدار تصريح تعترف فيه «بأنّ انتهاك الحدود الألبانية أو استقلال ألبانيا يمكن أن يعتبر خطراً على سلامة ألبانيا من الوجهة العسكرية».
على أنّ ألبانيا لم تستكن لهذه المحاولات الاستعمارية. والشعب الألباني شعب باسل رغم قلة عدده. يقدس حرياته واستقلاله، ولهذا، عادت ألبانيا فاضطرمت بحركة وطنية أخرى وتدخلت السياسة اليوغسلافية خصيمة السياسة الإيطالية لتأييد هذه الحركة التي قادها أحمد زوغو ولم يمض عامان أو ثلاثة حتّى استطاع أحمد زوغو بمعاونة يوغوسلافيا أن ينشئ في ألبانيا جمهورية مستقلة، وأن ينتخب رئيساً لهذه الجمهورية (فبراير سنة 1925). ورأى زوغو أنّه لا يستطيع المحافظة على سلامة الدولة الجديدة في بلد وعر قوي المراس قليل الموارد دون معاونة أجنبية، ولما رأت السياسة الإيطالية أنّ يوغسلافيا تنافسها في ألبانيا، تقرّبت من أحمد زوغو، وآثر زوغو بعد أن حقق الخطوة الأولى في برنامجه أن يتفاهم مع حكومة روما وانتهى هذا التفاهم بعقد ميثاق تيرانا (نوفمبر سنة 1926) وهو ميثاق تأييد متبادل وتعاون ودّي، تستطيع الحكومة الإيطالية أن تتدخل بمقتضاه في شؤون ألبانيا، وتتعهد أن تحافظ على الحالة القائمة فيها في حدود المعاهدات المعقودة وميثاق عصبة الأمم. وفي العام التالي عقدت ألبانيا مع إيطاليا معاهدة دفاعية لمدّة عشرين سنة، تتعهد فيها كلّ منهما بأن تضع تحت تصرّف حليفتها كلّ مواردها العسكرية والمالية وغيرها متّى طلبت إليها هذا العون لدرء الخطر عنها.
واستطاع أحمد زوغو أن يهدئ الحالة في ألبانيا وأن يقبض على ناصية الأمور رغم هذه الاتفاقات التي تقضي على استقلال ألبانيا وتجعلها شبه مستعمرة إيطالية. واستغلت إيطاليا هذه الفرص لتوطيد نفوذها، وعقدت لألبانيا بواسطة عصبة الأمم قرضاً قدره خمسون مليون فرنك ذهباً، وقامت بإنشاء البنك الألباني الوطني، ووظفت أموال إيطالية كثيرة في المرافق الألبانية ومكّنت السياسة الفاشستية نفوذها من ألبانيا. واعتمد أحمد زوغو على هذا النفوذ في تأييد مركزه وسلطانه، وفي سبتمبر سنة 1928 أعلن نفسه ملكاً على ألبانيا باسم الملك زوغو الأوّل، واستطاع أن يوطد مركزه وأن يقضي على كلّ معارضة، ولكنّه شعر في نفس الوقت أن توغل النفوذ الإيطالي في ألبانيا، يثير الشعور الوطني، وقد ينقلب هذا الشعور ضده، ورأى من جهة أخرى أنّه ليس في كبير حاجة إلى معاونة إيطاليا بعد، فلم يقبل أن يجدد ميثاق تيرانا الذي انتهى أجله سنة 1931، وبقيت معاهدة سنة 1927 هي أساس العلائق بين إيطاليا وألبانيا، ولكنّه اضطر أن يعقد اتفاقاً مالياً في صيف عام 1931، تتعهد إيطاليا بمقتضاه أن تقدّم لألبانيا بشروط معينة قرضاً قدره مائة مليون فرنك ذهباً بلا فائدة، وتؤدي منها إليها كلّ عام عشرة ملايين.
واهتمام السياسة الإيطالية بألبانيا وتمكين نفوذها منها يرجع إلى عوامل جغرافية وعسكرية خطيرة، فألبانيا تقع في مواجهة إيطاليا الجنوبية على الضفة اليمنى من بحر الأدرياتيك وليس بين ثغر باري الإيطالي وبين ثغر دورازو الألباني أكثر من بضع ساعات، ولا يفصل برنديزي وفالونا أكثر من مائة كيلومتر، ثمّ أنّ شواطئ ألبانيا تصلح بطبيعتها قواعد ومرافئ حصينة للأسطول الإيطالي على حين أنّ الشواطئ الإيطالية المواجهة ليست لها هذه الخاصّة. وكان لألبانيا وقت السلم جيش نظامي يبلغ تسعة آلاف. ويمكن وقت الحرب أن يغدو مائة ألف، وهو مدرب على الأساليب الإيطالية بحيث يغدو وقت الحرب بالنسبة لإيطاليا عوناً لا يستهان به. ومن جهة أخرى فإنّ وقوع ألبانيا في جنوب يوغوسلافيا خصيمة إيطاليا ومنافستها القوية يجعلها إذا نشبت حرب بين الدولتين قنطرة سهلة للوصول إلى إيطاليا وتهديد شواطئها وثغورها الجنوبية بسرعة، وإيطاليا تحسب لهذا الخطر حسابه، خصوصاً بعد تحسن العلائق بين ألبانيا ويوغسلافيا.
ولقد رأت إيطاليا أنّها لم تحقق كلّ ما أرادت من تدخلها في الشؤون الألبانية وقرّرت أن تقطع الإعانة المالية السنوية عن الملك زوغو حتّى تجاب إلى مطالبها في السيطرة على التجارة الألبانية، وافتتاح المدارس الإيطالية المغلقة، وتعيين متساشرين إيطاليين في الإدارات الألبانية، وتعيين ضباط إيطاليين لتدريب الجيش الألباني وغيرها، وهذه مطالب لم يقبلها أحمد زوغو وحكومته. وقد أحدث قطع الإعانة المالية ارتباكاً خطيراً في الحكومة الألبانية، واضطربت المرافق والمشاريع العامة، ونضبت موارد القصر والإدارات الحكومية، وساد روح من القلق والتذمر حول الملك زوغو وحكومته، وتحرّكت المعارضة لتحاول فرصتها.
وكانت تلك الدولة الصغيرة تجد نفسها في مركز محزن، فهي لا تستطيع أن تعيش مستقلة بنفسها، ولا تستطيع رغم بسالتها أن تذود عن هذا الاستقلال الذي تجاهد في سبيله، وهي مطمح أنظار دولتين قويتين خصيمتين، وليس في مقدورها أن تفلت من نتائج هذا التجاذب السياسي الذي تتعرّض له بموقعها الجغرافي وظروفها العسكرية، وإذاً فلا بد لها أن تختار الخضوع لأحد النفوذين النفوذ الإيطالي، أو النفوذ اليوغوسلافي، وقد استظل أحمد زوغو بنفوذ يوغوسلافيا حتّى تمكّن من إنشاء ألبانيا الجديدة ومن التربع على عرشها، ثمّ استظل بعد ذلك بالنفوذ الإيطالي ليوطد دولته الجديدة.
ولكن إيطاليا بزعامة موسوليني قامت سنة 1939 بغارة على ألبانيا فاحتلتها جيوشها وهرب أحمد زوغو إلى مصر، ثمّ في العام 1943 احتلتها الجيوش الألمانية بعد أن استسلمت إيطاليا للحلفاء. ولم يدم الاحتلال الألماني سوى عام واحد انسحبت بعده الجيوش الألمانية بعد انتصار الحلفاء واستطاع الحزب الشيوعي أن يستولي على الحكم وتولّى الجنرال أنور هوكسا رئاسة الجمهورية.
وفي عام 1954 طلبت ألبانيا اعتراف حكومة الولايات المتحدة بحكومتها الجديدة وأرسلت أميركا بعثة دبلوماسية إلى تيرانا عاصمة ألبانيا لإجراء ترتيبات الاعتراف ولكن الحكومة الألبانية رفضت أحد شروط أميركا وهو ذلك الشرط الخاص باعترافها بامتداد صلاحية المعاهدات المعقودة بين البلدين منذ قبل الحرب. وانسحبت البعثة الأميركية من ألبانيا في عام 1946.
وعندما طلبت ألبانيا الانضمام إلى هيئة الأمم المتحدة في عام 1946 صوّتت كلّ من بريطانيا وأميركا ومعهما الدول المؤيدة لهما ضد ألبانيا… وتعطل انضمام هذه الدولة الأوروبية الصغيرة إلى هيئة الأمم المتحدة حتّى عام 1955. وفي نفس العام انضمّت ألبانيا إلى حلف وارسو… ولكن علاقاتها ساءت مع روسيا بعد تولّي خروشوف الحكم وفي عام 1961 قطعت روسيا علاقاتها مع ألبانيا التي اتجهت إلى اعتناق المذهب الصيني الشيوعي والستالينية المنشودة.
وقد انسحبت ألبانيا من حلف وارسو رسمياً في عام 1968 وعقدت معاهدة جديدة في عام 1970 مع الصين تحصل ألبانيا بموجبها على مساعدات اقتصادية وعسكرية صينية.
ثمّ خرجت على الصين واختلفت معها.
وبعد الانهيار الشيوعي سنة 1991 أصاب فيما أصاب ألبانيا، والحديث التالي عنها كتب بعد ذلك الانهيار وهو بقلم محمد خليفة:
العزلة المستمرة
ترجع أصول الشعب الألباني إلى العرق الأليري، وهو أقدم الأعراق التي استوطنت البلقان وأعرقها.
لقد حافظ الأليريون على وجودهم في ألبانيا، في حين ذابوا في أرجاء البلقان الأخرى تقريباً، بفضل الطبيعة الجبلية المنيعة لهذا البلد الصغير أوّلاً، وطاقة سكانه على تحمّل العزلة الطويلة، وشظف العيش في الجبال النائية، ثانياً؛ حتّى أنّ تاريخ الألبانيين، تاريخ ممتد من العزلة والقوة والشجاعة المقترنة بالأنفة والإباء في مواجهة قوى عاتية جبارة واضطهاد مستمر وقاس منذ مئات السنين. فسكان ألبانيا تعرّضوا إلى نوعين من الاخطار والمعاناة، وصمدوا أمامهما.
فمن ناحية أولى صمدوا في مواجهة التنافس الحضاري عليهم وعلى بلادهم من جانب جميع الدول والممالك والإمبراطوريات التي ظهرت في المنطقة: الصربية، البلغارية، وبشكل خاص الإمبراطورية البيزنطية في الشرق، والإمبراطورية الرومانية في الغرب. ودفعت ألبانيا ثمناً فادحاً لموقعها الجغرافي الصعب الذي يضعها في الوسط تماماً، بين مركزي الإمبراطوريتين في أقرب وأضيق نقطة تماس بينهما. فألبانيا لا تبعد سوى أميال معدودة عن اليونان، وأميال أخرى معدودة عن إيطاليا. الخصمان اللدودان لقرون طويلة، حاول كلّ منهما خلالها بسط سيطرته العسكرية أو نشر نفوذه الديني في ألبانيا وعلى الألبانيين فالإمبراطورية الأولى عاصمة الكاثوليكية والثانية وارثة الثقافة وحاملة الميراث الأرثوذوكسي ورسالته.
ومن ناحية ثانية، صمدوا في مواجهة الهجرات الجماعية والموجات البشرية المتتالية التي تعاقبت على البلقان، وخصوصاً الموجة الكبرى للسلافيين في القرن السادس الميلادي والتي استطاعت السيطرة على المنطقة وإضفاء لونها العرقي عليها وتذويب آثار الأعراق السابقة.
فحين داهم السلافيون المنطقة، لجأ الأليريون الألبانيون إلى رؤوس الجبال الشاهقة، يعتصمون بها.
وحين اشتد الصراع البيزنطي، أو الروماني على ألبانيا وقويت المحاولات لنشر الأرثوذكسية أو الكاثوليكية احتمى الألبانيون أكثر فأكثر بالجبال وانعزلوا فيها واعتزلوا «العالم الخارجي»، كفوا أنفسهم واكتفوا بالقليل الذي يمكن أن تجود به الجبال العارية، الشحيحة أصلاً.
في ظل هذا النمط من الحياة والظروف، عاش الألبانيون حياة بدائية جداً، عمادها الرعي لقرون عديدة لم يتسن لهم مجاراة التطور الذي عمّ المنطقة من حولهم، بل لم يتسن لهم إقامة حياة اجتماعية بأي معنى، وأي شكل. فلم يبدعوا ولم ينتجوا ولم يستقروا، كان الخوف والمطاردة والإحساس الدائم بالاستهداف قد أربك علاقاتهم ونشاطاتهم ونفوسهم وشل قدراتهم، فظلّوا حتّى القرن الرابع عشر لا يفقهون من أمور الاجتماع والسياسة والثقافة شيئاً يذكر. ولم يقيموا أي تجربة أو نموذج للإدارة أو الحكم أو الإنتاج ولم يبلوروا تقاليد أو ثقافة.
إلاّ أنّ هذه العزلة الطويلة، وما ولدته من مشاعر الخوف صهرت الألبانيين وقربتهم من بعضهم البعض حتّى أصبحوا كتلة واحدة متماسكة، متضامنة، متلاحمة، إلى درجة أنّ الهجرة والتشتّت والتمزق التي تعرّضوا لها في أزمان لاحقة (في الأمس القريب) لم تؤد إلى إضعاف وحدتهم أو أواصرهم، بل أبرزت درجة عالية جداً من الترابط المنظم فيما بينهم يمتد على رقعة العالم الواسع بأسره.
أضحى الألبانيون استثناءً وحيداً في البلقان. ففي اللحظة التي بدأ العثمانيون يجتاحون البلقان كان كلّ شعب من شعوب المنطقة قد كون قوميته وبنى دولة لحقبة من الزمن، طوّرت ورسخت هذه القومية وتوسّعت وامتدّت وانتصرت وازدهرت، وحين انهارت كلّ تجربة من هذه التجارب خلفت في ضمائر وعقول مواطنيها عناصر إلهام دائمة، وشعلات روحية لا تنطفئ فضلاً عن أنّها أوجدت ثقافات وتقاليد سياسية واجتماعية وعسكرية.
الألبانيون وحدهم ظلّوا خارج هذه السيرورة بل ظلّوا أقرب إلى الفطرة بلا دين، ولا ثقافة ولا اجتماع، باستثناء فئات قليلة جدّاً منهم خعضت لسيطرة البيزنطيين واليونانيين في الجنوب واندمجت في المستوطنين القادمين مع هؤلاء واعتنقت مثلهم الأرثوذوكسية والثقافة الإغريقية، أو فئات من الشمال خضعت لسيطرة الرومانيين واندمجت في المجتمعات التي أقاموها بعد الغزو واعتنقت مثلهم الكاثوليكية وامتزجت في الثقافة الرومانية (الإيطالية).
بين مطرقة البيزنطيين وسندان اللاتين
عندما بدأت خيول العثمانيين في اجتياح البلقان في النصف الثاني من القرن الرابع عشر كانت ألبانيا من الناحية السياسية تتبع الدولة البيزنطية، ونتيجة للحرب الأهلية التي وقعت في هذه الدولة فقد لحق ألبانيا شيء كثير من نارها وآثارها، فدبّت الفوضى والحروب والفتن الأهلية، وأدّت لاضطراب الأوضاع أكثر ممّا كانت عليه في السابق.
في عام 1389 توغل جيش عثماني يقوده السلطان مراد الأوّل في أعماق البلقان، حتّى وصل إلى منطقة قوصوه (أو إقليم كوسوفو) المعروف والذي يقع في يوغوسلافيا حالياً ولكنّه تاريخياً جزء من الدولة الألبانية، وسكانه حتّى اليوم ألبانيون. وفي هذه المنطقة وقعت إحدى أكبر المعارك بين العثمانيين والصرب بقيادة ملكهم الشهير لازار. وسجل العثمانيون نصراً كبيراً مبكراً أوقع الرعب في قلوب الأوروبيين، رغم أنّ السلطان مراد قتل في آخر المعركة على يد جندي صربي انتحاري استخدم الخديعة. وفي عام 1392 عبر جيش عثماني آخر بقيادة السلطان الشاب بايزيد بن مراد نهر الدانوب وأخذ يكمل فتوحات أبيه ويوسعها. وفي العام التالي استطاع أن يفرض الولاء على ألبانيا من دون غزو ولا قتال، ودانت هي له وقبلت بدفع الجزية. واستمر الحال على هذا المنوال أكثر من 60 سنة كانت ألبانيا تتمرد بعض الأحيان ثمّ تعود للاستسلام بعد استخدام القوّة ضدّها.
بعد فتح القسطنطينية، تفرّغ العثمانيون للبلقان، فوصلوا إلى إقليم المورة غرب اليونان، قريباً من إيطاليا، عام 1460 وأخذوا يتجهون شمالاً نحو ألبانيا لإخراج الرومان نهائياً من المنطقة واستكمال السيطرة العثمانية على جميع أنحائها الجغرافية ووقفت الجيوش عند الحدود الطبيعية للبلقان من الغرب، أي على شواطئ الأدرياتيكي. وكان يحكم ألبانيا آنذاك أشهر ملوكها في التاريخ، إسكندر بك. ولكي يبعده العثمانيون عن الرومان، وقعوا معه معاهدة صلح تخلّوا له بموجبها عن حكم ألبانيا وإقليم أبيروس (جنوب ألبانيا حالياً) سنة 1461. إلاّ أنّ هذا الملك عرف بالمكر والدهاء، وكان شديد الكراهية للعثمانيين، ميالاً للبنادقة والجنوبيين (والإيطاليين عموماً) الذين كانوا يبسطون نفوذهم وسيادتهم الفعلية على بعض مناطق من ألبانيا.
وفي عام 1477 وصل السلطان العثماني الشهير محمد الثاني (الفاتح) على رأس جيش لطرد بقايا الإيطاليين من غربي البلقان، فتخلوا له طواعية عن مدينة «كرويا» وهي عاصمة ألبانيا، ثمّ طلب منهم أشقودره (اسمها حالياً سكدور) فرفضوا وبعد حصارها وسلسلة من المعارك تنازلوا عنها عام 1479، وهكذا أصبحت ألبانيا بأسرها تحت الهيمنة العثمانية المباشرة.
ويذكر أنّ العثمانيين كانوا وصلوا في عام 1470 إلى شواطئ وأراضي إيطاليا نفسها واحتلوا أجزاء منها، أشهرها مدينة أوترانت، وبقوا فيها نحو 100 سنة ولم يكوّنوا فيها مجتمعاً إسلامياً أو أثراً مستمراً. أمّا في ألبانيا، فقد كانت المفاجأة أنّ غالبية سكانها دخلوا الإسلام، حتّى لم يمض قرن واحد إلاّ وكانت ألبانيا بأسرها تقريباً مسلمة، وربّما كان سبب ذلك أنّ الألبانيين عرفوا للمرّة الأولى في حياتهم الاستقرار (النسبي) وعرفوا شيئاً من الازدهار والتحسّن في أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وربّما كان ردُّ فعلٍ تاريخياً على الضغوط ومحاولات الإكراه التي اتبعها الإيطاليون والبيزنطيون ضدّهم لقرون طويلة، وتأثّراً بنظام العدالة والإدارة الذي أقامه العثمانيون بداية عهودهم، وكان أكثر تطوّراً وشأناً من الأنظمة السابقة عليه.
منذ بدايات القرن السادس عشر أصبح مواطنو ألبانيا مواطنين عثمانيين، نتيجة التحوّل الديني، وتبع ذلك أن أصبحت بلادهم «ولاية عثمانية» أي جرى ضمّها للسلطنة العثمانية ضمّاً كاملاً، إذ كان النظام آنذاك يقسم منطقة «الروميللي» أي البلقان إلى ولايات عثمانية أو إمارات أو دويلات تتمتع بالحكم الذاتي، أو الاستقلال الكبير وتدفع الجزية فقط، وتدير جميع شؤونها الداخلية الدينية والسياسية والاقتصادية بنفسها دون تدخّل من مركز السلطة العثمانية.
ونظراً لمّا عرف عن الألبان من شدّة وقوّة وشجاعة، فقد اعتمدت عليهم العسكرية العثمانية اعتماداً كبيراً بعد أن أصبحوا مواطنين مسلمين، تحق لهم مناصب الدولة العليا. وهكذا اشتهر الألبان بانخراطهم في سلاح الفرسان الذي كان يطلق عليه اسم «السباهيون». وشكّلوا عماد الجيش العثماني النظامي، وربّما كان هذا الدور للألبانيين هو سبب توزّعهم وانتشارهم في البلدان العثمانية الآسيوية والأوروبية، فقد كانوا مخلصين، وانضباطيين ومقاتلين شرسين في الحروب، وقد عرفوا في البلاد العربية باسم «الأرناؤوط» وبقاياهم مميزة حتّى الآن.
واعتمدت الدولة العثمانية على الألبان اعتماداً كبيراً في الدفاع عن حدودها الغربية، في البلقان، في مواجهة الدولة الأوروبية التي لم تتوقف محاولاتها يوماً واحداً لمقاتلة العثمانيين، واسترجاع الأراضي البلقانية منهم، ودحرهم إلى الوراء، وإنقاذ أوروبا من خطرهم الزاحف مع جيوشهم التي وصلت مراراً إلى قلب أوروبا وكادت أن تقتلع عاصمة الإمبراطورية النمسوية ـ المجرية، إحدى أكبر إمبراطوريات أوروبا وأقواها عهد ذاك، مرّات عدّة خلال القرن السادس عشر.
تقسيم ألبانيا
بقيت ألبانيا ولاية عثمانية وجزءاً من السلطنة حتّى الساعات الأخيرة، ففي القرن الثامن عشر بدأت ممتلكات العثمانيين في البلقان تسقط من أيديهم واحدة بعد أخرى كما هو معروف نتيجة للثورات القومية التي نشبت بين الشعوب، والحروب التي شنتها الدول الأوروبية ولا سيما روسيا والمجر.
وحين فرضت روسيا على أسطنبول توقيع معاهدة سان استيفانو عام 1878، سلخت هذه أغلب الممتلكات العثمانية في البلقان باستثناء، أجزاء من ألبانيا وسالونيك (شمال اليونان) والبوسنة والهرسك. وفي هذه الاتفاقية، حدث للمرّة الأولى اقتطاع جزء من ألبانيا وضمّه للدولة الصربية، وهو تحديداً إقليم كوسوفو، وليس بكامله كما هو الأمر حالياً.
في نهاية القرن الماضي تبلورت «قومية ألبانية» للمرّة الأولى شأنها شأن باقي الشعوب البلقانية التي تأثّرت بإشعاعات الأفكار «القومية» التي ظهرت في الدول الأوروبية وكانت وراء إنشاء الدول القومية المعروفة راهناً، فرنسا، إيطاليا، ألمانيا،… إلخ. وغذت الدول الأوروبية هذه الأفكار ودعمت انتشارها في البلقان في سياق محاولات تقويض السلطنة العثمانية المتهاوية.
وبتأثير من الموجات القومية، شهدت ألبانيا في العقدين الأخيرين من القرن الماضي حرباً أهلية، بين الغالبية المسلمة التي صمّمت على البقاء داخل الدولة العثمانية من جانب وأقلية شمالية تعود إلى قبائل التجيين الألبانية والتي نادت بالاستقلال عن المركزية العثمانية.
وعندما رضخت اسطنبول للروس وقبلت في معاهدة سان استيفانو ثمّ في معاهدة برلين بالتنازل عن أجزاء من الأراضي الألبانية، ثار جميع الألبانيين على الدولة العثمانية، وحدث أوّل صراع حاد بين الطرفين. وأظهرت هذه الحادثة، وغيرها في تلك الفترة المميزة، تأصل الفكرة القومية وعمق جذورها بين الألبانيين. فتشكلت فوراً روابط وحركات ألبانية تنادي بوحدة الأمة الألبانية والدفاع عن حقوقها التاريخية، ورغم أنّ السلطة المركزية (العثمانية) أخمدت هذه الحركة ومطالبها وقمعتها بالقوة استمرّت بأشكال أخرى وما زالت هذه الحركة متأججة حتّى يومنا هذا، نتيجة الشرذمة والتجزئة التي انتهى إليها الألبانيون شعباً وأرضاً.
1 ـ صربيا اقتطعت جزءاً كبيراً من كوسوفو.
2 ـ الجبل الأسود اقتطعت جزءاً آخر.
3 ـ بسبب الهجرة والحروب الأهلية، هاجر عدد كبير إلى الخارج. ففي إيطاليا وحدها كان يوجد 200 ألف ألباني في عام 1900م.
4 ـ نتيجة اعتماد الدولة العثمانية سابقاً على الألبان في المهمات العسكرية والوظائف الإدارية في البلقان فقد انتشروا هنا وهناك، ونتيجة ترابطهم القوي الذي عرفوا فيه، فإنّهم لم يندمجوا ولم يذوبوا حتّى في المجتمعات الإسلامية المماثلة لهم، وبقوا يشكلون جماعات صغيرة مميزة، وخصوصاً في مقدونيا، وبلغاريا، والمجر، والبوسنة، وسلوفينيا.
في مطلع القرن العشرين بدأ الألبانيون يظهرون المزيد من المقاومة لارتباطهم بالسلطنة، نتيجة التحوّلات المهمة التي حدثت وخصوصاً بروز القومية التركية (الطورانية) وظهور التعصّب التركي العرقي الجارف واضمحلال الفكرة العثمانية كرابطة بين لاشعوب الإسلامية ووقوع انقلابات عسكرية أوصلت الحركات القومية إلى السلطة في اسطنبول.
ثار الألبانيون على السلطة عام 1909، واستمرّت ثورتهم حتّى العام 1912 حين اشتعلت الحرب البلقانية الأهلية على نطاق واسع. وفي هذا العام وسعت اسطنبول من استقلالهم الذاتي. ومع ذلك، فإنّ معاهدة الصلح التي وقعت عام 1913 بين دول البلقان، أنهت أي وجود للأتراك في المنطقة باستثناء ألبانيا.
وتجدّدت الحرب البلقانية ثمّ اشتعلت الحرب العالمية الأولى من البلقان، وتصارعت الدول الأوروبية على اقتسام البلقان أساساً، وفي عام 1915 احتل الإيطاليون ألبانيا.
حين انتهت الحرب الكونية الأولى، تقوّضت إمبراطوريتان كان لهما التأثير والنفوذ الأوّل في البلقان، الإمبراطورية العثمانية، وإمبراطورية النمسا والمجر. وقامت الدول المنتصرة بعقد مؤتمر السلم في باريس عام 1919 ورسم حدود الدول والكيانات في البلقان، وأوجدت دولاً لم تكن موجودة، ومزقّت دولاً وشعوباً كانت موحدة. فظهرت المملكة الصربية ـ الكرواتية ـ السلوفينية (أي يوغوسلافيا) وقد ركبت تركيباً غير منسجم لا عرقياً ولا حضارياً ولا ثقافياً، من فضلات من الأراضي والدول والأقليات الصغيرة التي زادت عن حاصل القسمة الإمبريالية بين المنتصرين، واستهدفت مكافأة الصرب بشكل رئيسي على الدور المهم الذي قاموا به ضد الأتراك وكان الصربيون يحلمون بإحياء مملكتهم التاريخية التي نشأت وتوسّعت في عهد الملك دوشان في القرن الرابع عشر. وهكذا ضمّ إقليم كوسوفو الألباني إلى صربيا، لأنّ هذه اعتبرت الحرب التي جرت على أرضه ضد العثمانيين عام 1389هـ، دليلاً على تبعيته لها دون اعتبار لإرادة السكان الذين يشكل الالبان منهم 99 في المائة وهم جميعهم مسلمون.
ونشأت في ألبانيا للمرّة الأولى مملكة مستقلة عن الأراضي التي تقوم عليها الآن، ثمّ احتلت من جانب القوات الفاشية الإيطالية بداية الحرب الكونية الثانية ثمّ دخلتها القوات النازية الألمانية أيضاً. وفي نهاية الحرب وهزيمة الفاشية والنازية تحرّرت ألبانيا ولكنّها وقعت فوراً في دائرة النفوذ اليوغوسلافي ـ السوڤياتي ـ الشيوعي وبقيت على هذا الوضع حتّى الآن.
وخلال هذه الفترة تحوّلت من «الدولة المسلمة الوحيدة في أوروبا» إلى الدولة الملحدة بالكامل في العالم. فقد حارب النظام الأديان بصفة عامة، والإسلام بصفة خاصة حرباً شعواء لا هوادة فيها حقاً، إذ دمرت المساجد أو حوّلت إلى متاحف أو مخازن ومتاجر. وحلّت جميع المؤسسات الدينية وصفيت أملاكها وأوقافها، وحظرت العبادات والشعائر حظراً تاماً. وعوقب المخالفون بعقوبات صارمة وشديدة لا مثيل لها في أي قوانين أخرى أو واقع آخر في أي مكان من العالم لا ماضياً ولا حاضراً.
ويلاحظ الباحثون أنّ النظام الشيوعي (عهد أنور خوجا) طمس بشكل خاص الحقبة العثمانية، طمساً كاملاً، في حين أنّها أعظم عهود الشعب الألباني، وفيها تكوّنت قوميته وثقافته وشخصيته الحالية. وعمل النظام ـ الذي كان يرأسه ديكتاتور مستبد مطلق ترجع أصوله الدينية إلى اليهودية، وكان أجداده أسلموا في وقت متأخر وظلّت تقاليدهم يهودية، حتّى أنّ والد أنور خوجا كان يعمل مرابياً حتّى فترة الأربعينات ـ على إحياء العهود القديمة السابقة على الحقبة العثمانية رغم أنّها بادت تماماً ولا أثر لها في الواقع القائم، واعتبر إسكندر بيك الملك الذي استمدّ شهرته العالمية في القرن الخامس عشر من مقاومته العنيفة للمدّ الإسلامي والعثماني آنذاك، الرمز الأسطوري الوحيد في تاريخ ألبانيا والرمز الثاني إلى جانب أنور خوجا نفسه.
وحين انعزلت ألبانيا وتقوقعت داخل عالمها الشيوعي الخاص وتحت سيف الاستبداد المسلط لمدّة زادت عن ربع قرن، لم تأبه الدول الأوروبية والغربية كثيراً بهذه الدولة التي تقع في وسط أوروبا. ولم تنزعج لعزلتها ولم تحزن على حقوق الإنسان فيها. والتحليل الوحيد لهذا الموقف أنّ أوروبا كانت تعتبر ألبانيا في النهاية مجتمعاً إسلامياً في وسطها، وثقافة مختلفة ومغايرة لثقافتها، تذكرها بالعثمانيين والمسلمين، ولذلك فاستمرار عزلتها يريح أوروبا أكثر ممّا يزعجها، ولو أنّها انفتحت فلا بد أن تكون موقعاً إسلامياً في قلب أوروبا. ولا شك أنّ عدم اكتراث أوروبا بعزلة ألبانيا طوال العقود الثلاثة السابقة، ما كان يمكن تصوّره لو كانت هذه الشقيقة مسيحية.
دور خاص في أوروبا
من المتوقع بعد سقوط النظام الشيوعي في ألبانيا مؤخراً أو بعد زواله نهائياً أن تلعب دوراً مؤثراً ومهماً في البلقان، وأوروبا. وأوّل ملمح من ملامح هذا الدور محاولة ألبانيا إعادة توحيد الأمة الألبانية، واستعادة أراضيها المجزأة ولا سيما إقليم كوسوفو الذي يقطنه حالياً مليونان من الألبان المسلمين، وهو أمر لو تحقّق أو سعت ألبانيا لتحقيقه بالوسائل السلمية أو غير السلمية سيفجر حتماً صراعات عنيفة في المنطقة يصعب التكهّن الآن بمداها ونتائجها. فلا توجد دولة واحدة في البلقان توافق على وحدة الأمة الألبانية لأنّ من شأن هذا أن يجعلها قوّة كبرى ومؤثّرة ثقافياً وسياسياً ودينياً! ومن المتوقع ضمن مستقبل ألبانيا أن يعود إليها مئات الألوف من مواطينها الذين هاجروا ونزحوا وانتشروا في أقاصي الأرض غرباً وشرقاً خلال مائة سنة الأخيرة بسبب الاضطهاد وعدم الاستقرار الذي مرّوا به. وهناك الآن نحو مليون ألباني على الأقل بين أميركا وكندا وأوروبا.
والملاحظة المهمة هنا أنّ الألبانيين انتصروا وتفوّقوا على ظروفهم الصعبة بطريقة فريدة. فهم رغم التشتّت والتبعثر والهجرات، أقاموا فيما بينهم روابط تنظيمية متينة وتكاد تكون لا مثيل لها. وهناك جباية مالية ومؤسسات ثقافية وروابط قومية وتبادل للمعلومات والخبرات بين جميع الألبانيين حيثما وجدوا مع المركز الرئيسي لهم، وهو في السنوات الماضية كان في كوسوفو (يوغوسلافيا) لا في ألبانيا، حيث لعب هذا الإقليم دور القاعدة القومية البديلة في ظل غياب ألبانيا وتعطل دورها بسبب النظام الشيوعي.
لقد نجح الألبانيون في المحافظة على وحدة قومية عالية بينهم عوضتهم عن التجزئة والتفتت والعزلة التي فرضت على ألبانيا الأم.
ومن المتوقع أن تنتهي مستقبلاً وتدريجياً كلّ هذه الظروف وإذا ما استطاع الألبانيون المحافظة على ديناميكيتهم السابقة وتحويلها إلى ديناميكية لبناء الدولة الألبانية الموحدة وحلّ مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية فإنّ مستقبلاً مهماً ودوراً قوياً ينتظرها.
محمد خليفة
أوّل رئيس غير شيوعي
وفي التاسع من شهر نيسان سنة 1992 تمّ انتخاب أوّل رئيس جمهورية غير شيوعي هو سالي بيريشا إذ انتخبه البرلمان رئيساً بالأغلبية. وقد خلف آخر رئيس شيوعي هو رامز عليا، بعد أكثر من خمسين سنة من الحكم الشيوعي. وكان رامز عليا قد استقال من منصبه في الثالث من نيسان بعد فوز الحزب الديموقراطي في الانتخابات النيابية وهزيمة الحزب الشيوعي منها.
وقد برز بيريشا زعيماً لأوّل حزب الباني معارض بعد الاحتجاجات المعادية للحكومة التي قادها الطلاب في كانون الأوّل 1990 وتزعّم المعارضة ووجهها إلى أن انتصر الحزب الديموقراطي في الانتخابات النيابية التي أجريت في 22 آذار.
العرب والألبان
مع بداية العصر البرونزي بدأ البلقان يعمر ويزدهر. واسم البلقان مأخوذ من اللغة التركية ومعناه «سلسلة الجبال». وقد أقام هناك الألبانيون الحاليون، والرأي السائد الآن في أوساط العلماء يسلم بانحدار الألبانيين من الإليريين القدماء «Illyrians». وبرز هؤلاء الإليريون في البلقان في فترة مبكرة جداً من العصر البرونزي، ومع مرور الزمن أصبحت لتقاليدهم علامة حضارية بارزة في البلقان.
وتجدر الإشارة إلى وجود تفسير قديم يربط بين الفينيقيين وهؤلاء الإليريين، ذكره الدكتور محمد موفاكو في كتابه «الثقافة العربية في الأبجدية الألبانية» (العدد 68 من سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت)، ويقوم على أساس أنّ الإليريين استمدّوا اسمهم من إليريوس «Illyrios» ابن قدموس الفينيقي. ففي الميثولوجيا اليونانية أسطورة معروفة تقول: «إنّ قدموس بن أجنور ملك فينيقيا ذهب بأمر أبيه للبحث عن أخته أوروبا التي اختطفها زيوس، وبعد أن جال قدموس في مناطق كثيرة عجز عن العثور على أخته، فصعبت عليه العودة إلى وطنه وقد انتهى به التطواف إلى هذه المناطق حيث أسّس مدينة كانت تسكن فيها بعض العشائر وبعد استقراره تزوّج قدموس من هارمونيا التي ولدت له ابناً سمّاه إليريوس».
وتنتهي هذه الأسطورة إلى القول إنّ الإليريين أخذوا اسمهم من إليريوس منذ ذلك الحين. وبعض العلماء يعتقد بأنّ الفلسطينيين الذين سافروا إلى بلاد كنعان وسمّوها باسمهم، كانوا من الإليريين، وتؤكد ذلك ملاحظة الملامح المميزة لهذين الشعبين وهي شديدة التشابه.
وهناك رأي يقول إنّ أميراً عربياً بعد أن اختلف مع حاكم البلد، هاجر مع قبيلته إلى مدينة «شكودرا» في شمال ألبانيا الحالية واستقرّ هناك، ومن هذه القبيلة تكاثر الألبانيون.
ومن هذا القبيل أيضاً ما ذكره الدكتور حسين مجيب المصري في كتابه «صلات بين العرب والفرس والترك» حيث يقول إنّ الألبانيين يتحدرون من أمير كان في بلاد العرب. ولكن هذه الآراء تفتقد الأساس الواقعي. إذ لا يوجد حتّى الآن ما يثبتها غير أنّها تشير على كلّ حال إلى مدى التداخل في الصلات التي ربطت بين العرب والألبانيين، فإنّها نشأت بين أجداد العرب والألبانيين الحاليين.
ونجد المؤرخ أحمد بن زيني دحلان يذكر في كتابه «الفتوحات الإسلامية بعد مضي الفتوحات النبوية» عن الألبانيين أنّهم «من عرب الشام من بني غسان ارتحلوا من الشام بعدما أتى الله بالإسلام».
ولكن التاريخ يتكلم بلغة أخرى، ولعل دافع هؤلاء المؤلفين حتّى يقولوا عن الألبانيين إنّهم من أصول شامية هو أنّ صلات وثيقة واسعة النطاق نشأت بين الألبانيين والعرب وقد تداخلت هذه الصلات إلى درجة كبيرة حتّى أدّت إلى تشكّل قناعات حول الأصل المشترك للعرب والألبانيين. فالواقعة تفتقد إلى المصادر لإثبات هذه الآراء، ومن الواقعية أيضاً التفكير بأنّه لا يمكن أن ينشأ شعب كامل بعد الفتوحات. ومن الثابت في التاريخ أنّ الإسلام في ألبانيا جاء عن طريق الأتراك والتجار وبدأ الشعب الألباني يدخل فيه تدريجاً في تلك المرحلة المتأخرة من تاريخه، فكيف يسلم شعب مرّة أخرى إذا كان قد جاء من بلد مسلم؟
أصبحت للإليريين مع الزمن تقاليد حضارية، ومع نهاية القرن الخامس قبل الميلاد وصلت هذه التقاليد إلى ذروتها مع بروز الدولة الإليرية التي امتدّت على طول الساحل الشرقي للبحر الأدرياتيكي. وقد تمتعت هذه الدولة بنفوذ عسكري وسياسي كبير في المنطقة، إلاّ أنّ هذا اصطدم مع طموحات روما التوسعية ما أدّى إلى حروب طويلة بين الطرفين توجّت بالحرب الإليرية ـ الرومانية الأولى سنة 229 قبل الميلاد وتلك التي تجدّدت سنة 219 قبل الميلاد.
وفي الحرب الثانية بين الدولة الإليرية وإمبراطورية روما تمكّنت هذه الأخيرة من الانتصار على الجيوش الإليرية وأسر آخر ملوك الإليريين سنة 168ق.م. ومع هذه الهزيمة فقد الإليريون دولتهم واستقلالهم السياسي ودخلوا منذ ذلك الحين في إطار الإمبراطورية الرومانية التي شملت المناطق العربية (شمال جزيرة العرب) والأراضي الألبانية الحالية، فحدث تداخل كبير بين شعوب هذه المناطق، خصوصاً عن طريق الجنود، إذ قام هؤلاء بدور الجسر الكبير الذي كانت تنتقل عبره التأثيرات من شعب إلى آخر. ومن هذ الجانب نجد أن التأثيرات كانت تنتقل بشكل واضح من الجنوب إلى الشمال وبالتحديد من مصر والشام إلى المناطق الإليرية.
هذه هي الصلات الأولية بين الإليريين والعرب، وقد نجد في كتب التاريخ القديم ما يدل بوضوح على انتشار الجنود الإليريين في الجنوب، من سورية حتّى الجزائر، كما نجد في آثار بعض الكتّاب السوريين والفلسطينيين عدداً من الإشارات القيّمة إلى الإليريين، ما يدل على معرفة هؤلاء بالإليريين في ذلك الوقت. ومن جانب آخر، كان حضور الجنود السوريين والمصريين دائماً في المناطق الإليرية، وقد ترك هؤلاء تأثيرات واضحة في تلك المناطق، خصوصاً ما يتعلّق بالدين.
حمل هؤلاء الجنود إلى هذه المناطق آلهتهم المحلية التي كانوا يعبدونها في الشرق ليتابعوا عباداتهم خلال إقامتهم في المناطق الإليرية، والديانات القادمة من الشرق إلى أرض إليريا كثيرة ولكن أكثرها انتشاراً كان عبادة «ميثراس» من فارس وعبادة «إيزيس» من مصر. فميثراس هو الإله الذكر الخالد الذي هزم الموت إلى الأبد أوجده «أهورامزُدا» خالق الحياة وشملت دائرة هذه الديانة الرجال فقط. أمّا عبادة إيزيس فقد لقيت من التكريم والانتشار أكثر ممّا لقيت الديانات الأخرى. وعرفت جميع شعوب البحر المتوسط كيف مات زوج إيزيس وكيف قام بعدئذ من بين الموتى، وما انطوت عليه قصة الآلهة الحزينة من الحنو والرأفة. وشملت دائرة إيزيس الرجال والنساء بعكس الميثراسية التي لم ترحب بالنساء (رؤية سقوط الإمبراطورية الرومانية د. محمود محمد الحويري).
وتحت مظاهر تأثير التداخل بين هؤلاء الجنود والإليريين، اعتنق الأخيرون هذه الأديان وتحوّلت الآلهة السورية والمصرية إلى آلهة إليرية أيضاً.
وفي إطار الإمبراطورية الرومانية انتقل الدين المسيحي من الشرق إلى المناطق الإليرية حيث انتشر بسرعة شديدة، ولذلك صار الإليريون يذهبون إلى فلسطين وسورية للتنسك أو لزيارة الأماكن المقدسة.
ونظم الإليريون مقاومة شعبية ضد الإمبراطورية الرومانية وحصلوا على الاستقلال السياسي إلى حد ما، وكان هناك ملك اسمه الملك أربر، ويُقال إنّه بعد وفاته سمّى الإليريون وطنهم «أربريا» وصاروا هم «أربريون» ذلك تمجيداً للجهد الذي بذله هذا الملك من أجل استقلال الدولة الإليرية عن الإمبراطورية الرومانية.
والدولة الإربرية التي خلفت الدولة الإليرية حاولت أن تكون مستقلة ولكن الإمبراطورية الرومانية حاربتها بجيوش كبيرة وأخضعتها، وفقد الإربريون استقلالهم السياسي كما فقده الإليريون من قبل.
ومع ظهور الإسلام وقيام الدولة العربية الإسلامية التي امتدّت من أواسط آسيا إلى شمال الأندلس، تقدّم العرب باتجاه المناطق الأربرية الألبانية الحالية.
واقترب العرب المسلمون في النصف الأوّل للقرن التاسع من مدخل البحر الأدرياتيكي بعدما نجحوا في فتح كريت وصقلية. وكان هذا المدخل يتيح لهم الوصول إلى عمق أوروبا.
وتمكّنت جيوش العرب المسلمين من فتح جنوب إيطاليا وأسّسوا إمارة عربية حول مدينة «باري» على الساحل الغربي للأدرياتيكي.
وتمكّن الإسلام تماماً من التغلغل في البلقان عبر بوابته الشرقية وذلك على أيدي العثمانيين الذين فتحوا البلقان في النصف الثاني للقرن الرابع عشر. ومع هذا الانتشار العثماني تعرّف الألبانيون على الدولة الإسلامية وأخذوا في اعتناق الإسلام إلى أن شمل غالبيتهم.
إطلال مسجد قديم في ألبانيا
وربط \دين الإسلام الإربريين بشكل غير مباشر بالعرب وثقافتهم على رغم أنّ الدولة السياسية لم تكن عربية. ففي حضن دولة واحدة عاش العرب والإربريون معاً، وسمّى الإربريون بلادهم «شكبيريا» وهي تعرف في العالم باسم ألبانيا، وهذا الاسم يعني «بلاد النسور».
وعرف في التاريخ أنّ العثمانيين عندما أرادوا اقتحام البلقان عانوا كثيراً في البداية من مقاومة الألبانيين لهم، ووجدوا في الألبانيين الذين خلقوا للسلاح والكفاح ما يبحثون عنه لتحقيق طموحاتهم الكبيرة في توسيع إمبراطوريتهم. ومن هنا نفهم سر اهتمام العثمانيين بنشر الإسلام في صفوف الألبانيين، خصوصاً لكي تتحوّل طاقتهم القتالية الكبيرة في اتجاه توسيع دائرة الإسلام في أوروبا. وكان معظم الجيوش العثمانية من الألبانيين، وحدثت في هذه المرحلة هجرات كثيرة جداً أشهرها هجرة محمد علي وأولاده إلى مصر. وعلى رغم أنّها كانت حركة مضادة للدولة العثمانية فإنّها كانت من ناحية أخرى جسراً ربط أصول كثير من المصريين الحاليين بأجداد ألبانيين.
وكذلك سنان باشا الذي يرتبط اسمه بكثير من المنشآت العمرانية القديمة في سورية والجزيرة العربية ومصر، وقد كلفه السلطان في سنة 1573 بقيادة القوات العثمانية لطرد الإسبان من تونس.
ومع انضمام الألبانيين إلى الدولة العثمانية، تزوّد الجيش العثماني بدم حيوي جديد ساعده في التوجّه شمالاً في اتجاه النمسا وجنوباً في اتجاه البلاد العربية. وخلال فترة قصيرة تحوّل الإلبانيون إلى عنصر معروف ببأسه في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط وأصبح لهم خلال هذه الفترة حضور واسع في الإدارة العثمانية سواء كجنود أو كقادة وولاة وحتّى في منصب الصدر الأعظم.
ومع توسّع الدولة العثمانية في البلاد العربية انتشر هذا الحضور الواسعف في البلاد العربية أيضاً ما أدّى بدوره إلى دخول الصلات العربية ـ الألبانية في أهم طور لها. وكان هذا الحضور في القرون الأولى يقوم على وجود الجنود والعسكريين والإداريين والولاة لفترة طويلة أو قصيرة، وأحياناً يكون دائماً بالإضافة إل وجود الطلاب وأتباع الطرق الصوفية والمشايخ والقضاة.
كان لهؤلاء الألبانيين الذين استقروا في المجتمع العربي عموماً دور بارز في الحياة المحلية في البلاد التي أقاموا فيها، خصوصاً في الشام ومصر وليبيا والجزائر.
لقد استقرّ في البلاد العربية آلاف من الجنود الألبانيين، كما استقرّ أيضاً عشرات الولاة الألبانيين الذين دخلوا التاريخ العربي بشكل أو بآخر. والأسماء الألبانية الشهيرة والشاهدة على العلاقات في تلك الفترة ما زالت حيّة حتّى الآن، منها مثلاً: «شكيب» وهي عائلة كبيرة في الشام، واسم «شكيب» اسم ألباني يعني النسر «Shqip»، واسم البلاد الألبانية شكيبريا يعني «بلاد النسور». وهناك أيضاً اسم فلان «الأرناؤوط» و«الأرناؤوطي»، ومنه عائلات مصرية اشتهرت في عهد حكم أسرة محمد علي وما زال نسلها يعيش في مصر حتّى اليوم. ومعنى اللفظ الألباني باللغة التركية أطلقه الترك على الألبانيين رمزاً على شدّتهم في القتال([386]).
كان لانتشار الإسلام في صفوف الألبانيين إذاً تأثير حاسم وكبير في ما يتعلق بتأكيد وتعميق الصلات بين العرب والألبانيين. والألبانيون اليوم هم الأمة الوحيدة التي تعتنق الإسلام بغالبيتها في قارة أوروبا، ويحمل كثير من أفرادها أسماء عربية.
رولاند أكرم
ألبرز
سلاسل جبال ملتصق بعضها ببعض في شمال إيران تمتد على طول أكثر من ألف كيلومتر من غربي ساحل بحر مازندران إلى شمال غربي خراسان.
القسم الأوّل من هذه الجبال (90 كيلومتراً) على امتداد الخط الشمالي الجنوبي. والقسم الثاني (380 كيلومتراً) على امتداد خط الشمال الغربي والجنوبي الغربي. والقسم الثالث (470 كيلومتراً) على امتداد الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي.
والقسم الأوّل الذي يطلق عليه اسم جبل (تالش) يقع في جوار جبال القفقاس، ويبدأ من غرب لنكران ويمتدّ على غربي ساحل بحر مازندران تقريباً. وفي غرب استار يبعد عن الساحل من 16 كيلومتراً إلى 20 كيلومتراً فقط.
يتغيّر خط امتداد سلسلة جبال ألبرز العام من غرب مدينة (رشت)، ومن ثمّ يبدأ القسم الثاني، أي من منطقة (جيلان) إلى (دماوند) حيث أعلى قمة فيه 5671 متراً.
وفي جنوبي مدينة رشت يقطع هذه السلسلة النهر الأبيض حيث يصب في بحر مازندران. ويبدأ انقسام السلسلة إلى ثلاثة خطوط متوازية، وفي أكثر المواضع يربط هذه الخطوط بعضها ببعض الخطوط الفرعية المتشعبة منها. ويبلغ ارتفاع أكثر قمم هذه السلسلة من 3350 إلى 3967 متراً.
والقسم الثالث من ألبرز يمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي إلى قرب (بجنورد) من مقاطعة خراسان. ومن ثمّ يتّصل بجبال (الاداغ). وكثيراً ما يتجاوز ارتفاع القمم في هذه السلسلة 3050 متراً.
وتشكّل سفوح جبال ألبرز الشمالية والأراضي المنخفضة فيها وممر مازندران: منطقة جيلان من مازندران وجرجان، وتغطي هذه المنطقة غابات كثيفة وتجري فيها عشرات الأنهار، مثل تشالوس والأهواز وبابل وتجن وغيرها.
والقسم الأكثر من الغابات البكر بجيلان ومازندران، استؤصلت لاستعمال أشجارها للفحم أو جعلها مزارع للأرز. وأكثر ما كان هذا في الأراضي المسطحة. ولقد زال القسم الأعظم من الغابات قبل قرن.
إنّ الأرضي التي تقع بين سفوح الجبال والبحر يتراوح عرضها من ثلاث كيلومترات إلى أربعين كيلومتراً، وأعرضها يقع قرب مدينة رشت في ضواحي مدن آمل وساري وبابل.
وتغطي الثلوج ققم ألبرز في أكثر أيام السنة، وبعضها تغطيها طوال السنة.
وسفوح ألبرز الشمالية غنية جداً بالمياه لذا تكثر في وديانها ومنعطفاتها القرى العامرة التي تكتنفها المزارع الخصبة والبساتين المشتملة على شتّى الفواكه. كما أنّ جبال ألبرز بعامّة تحتوي على ثروات معدنية وافرة لا سيّما من الفحم والرصاص والحديد.
ألمانيا
- تقع ألمانيا وسط أوروبا، ويحدّها من الشمال: الدانمارك وبحرا البلطيق والشمال، من الشرق: بولونيا، تشيكيا والنمسا، ومن الجنوب: النمسا وسويسرا، ومن الغرب: هولندا، بلجيكا، لوكسمبورغ وفرنسا.
- تبلغ مساحتها 358 ألف كلم2، وعدد سكانها (80,1) مليون نسمة طبقاً لإحصاءات 1991.
- في 3 تشرين الأوّل سنة 1990، أعاد الألمان توحيد شطري ألمانيا الشرقي (الاشتراكي) والغربي (الرأسمالي) بعد أن قسّمها الحلفاء إثر هزيمة النازيين في الحرب العالمية الثانية، وعادت كما وحّدها بسمارك سنة 1871م، كما عادت برلين عاصمة لها منذ حزيران 1991، بعد أن كانت بون عاصمة ألمانيا الغربية وبرلين الشرقية عاصمة ألمانيا الشرقية.
- تعتبر ألمانيا اليوم ثالث قوّة اقتصادية في العالم (بعد الولايات المتحدة الأميركية واليابان) والقوّة الأولى في أوروبا، وذلك على الرغم من المشاكل الاقتصادية التي تتخبط فيها اليوم نتيجة الوحدة، ممّا أدّى إلى ارتفاع نسب البطالة والتضخّم، وانخفاض مستوى المعيشة، وازدياد الحركات العنصرية.
وألمانيا هي أوّل دولة صناعية في أوروبا عامة، وتتميز بميزانها التجاري الرابح دائماً، نتيجة تفوّق صادراتها على وارداتها، وتعتبر ثاني مصدّر في العالم بعد الولايات المتحدة، إذ تصدّر 13% من صادرات العالم، وأبرز صادراتها هي الصناعات المعدنية (الثالثة في العالم في صناعة السيّارت) والكهربائية والكيمياوية والألبسة والمنسوجات. وأبرز وارداتها: البترول والمعادن، والمواد النسيجية بالإضافة إلى الواردات الزراعية.
محطات تاريخية
يعيد الغربيون الاحتكاك الأوّل للألمان بالإسلام والمسلمين إلى القصص المشهورة حول بعثات هارون الرشيد وهداياه لإمبراطور ألمانيا شارلمان (أهدى له ساعة مائية غاية في الدقة، وفيلاً عجيباً!!)، وتنقل كتب التاريخ العربية الحديثة ذلك عن المصادر الغربية، بينما لا توجد مصادر تاريخية إسلامية موثقة حوله… ويربط الغربيون هذه القضية بأنّ أمويي الأندلس سعوا عام 777م للتحالف مع شارلمان… فسارع هارون الرشيد لتطويق هذا التحالف بالتفاهم معه!.
تدريس القرآن الكريم واللغة العربية في أحد المساجد الألمانية
وبغض النظر عن الاحتكام العسكري في فترة الحروب الصليبية التي شارك فيها الألمان بفعالية، ثمّ لدى وصول المسلمين في العهد العثماني إلى أبواب «فيينا» عاصمة النمسا، فيبدو أنّ أوّل تواجد للمسلمين في ألمانيا يعود إلى مطلع القرن الثامن عشر في عهد الدولة البروسية، إذ قامت بين بروسيا والدولة العثمانية في عهد السلطان محمد الثاني (1730ـ1754م) علاقات دبلوماسية، واستعان البروسيون بالمدربين المسلمين على الفروسية، حتّى بلغ تعداد هؤلاء في الجيش البروسي حوالي الألف فارس في نهاية القرن الثامن عشر من التتار والألبانيين والبوسنيين. وتروي المصادر أنّ أوّل مصلّى سمح بإقامته في ألمانيا كان لبعض المسلمين العثمانيين في عهد ملك بروسيا «فريدريك فيلاهلم» سنة 1831م، وفي سنة 1915م بنى القيصر مسجداً للأسرى المسلمين في الحرب العالمية الأولى، وذلك في معسكر ونسدورف قرب برلين، وكانت مئذنته ترتفع 23 متراً، وقد أزيل هذا المسجد سنة 1924 لضعف بنائه.
وكانت الموجة الأولى لانتشار أعداد كبيرة من المسلمين داخل ألمانيا قد تكوّنت من هجرة كثير من المسلمين في بداية القرن العشرين، من الذين فرّوا من آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية بعد انتشار الشيوعية في تلك البلدان، فوجدوا في ألمانيا الملاذ والمأوى. وقد بلغ عدد الأتراك والسلافيين المسلمين في برلين وحدها في مطلع عام 1940م حوالي ثمانية آلاف، التحق عدد كبير منهم بالجيش الألماني في عهد هتلر وقضي على الكثيرين منهم في الحرب.
ونتيجة للحرب العالمية الثانية بدأت الهجرة الإسلامية الثانية من دول روسيا وبلغاريا ورومانيا وبولندا، وأقام الوافدون في مدن ميونيخ وهامبورغ، وأنشؤوا جمعيات إسلامية ومسجدين في كلتا المدينتين، وبدأت الجالية الإسلامية تنهض حينذاك بعد انهيار وتفكّك.
ولكن الهجرة الأوسع للرعايا المسلمين إلى ألمانيا تمثّلت أوّلاً بتدفّق مئات الألوف من العمال المسلمين الأتراك إليها، وذلك منذ بداية الخمسينات من هذا القرن، بغية العمل في مصانعها التي أعيد تعميرها بعدما تهدّمت في الحرب العالمية الثانية، وازدادت موجات هذه الهجرة التركية في الستينات، ووصلت الذروة في أوائل السبعينات.
جانب من مدينة فرانكفورت الألمانية
ومع تواصل توافد العمّال الأتراك وعائلاتهم، وانتشارهم في المناطق الألمانية، فإنّ عدد أفراد الجالية التركية المسلمة في هذه البلاد قد قارب رقم المليوني نسمة أو تجاوزه بكثير حسب العديد من التقارير، وبذلك يمثل الأتراك حالياً ما نسبته أكثر من 80% من مجموع المسلمين في ألمانيا، يأتي بعدهم البوسنيون (حوالي 400 ألف) ثمّ العرب (خاصّة من بلدان شمال إفريقيا ولبنان)، ثمّ الإيرانيون والأفغان والأندونسيون، بحيث أنّ عدد أفراد الجاليات الإسلامية في ألمانيا أصبح يتجاوز رقم الثلاثة ملايين إلى أربعة ملايين نسمة حسب اختلاف التقديرات، ولعدم إمكانية تحديد عدد المهاجرين الداخلين بشكل غير قانوني.
الانتشار
وينتشر المسلمون في مختلف ولايات ومدن ألمانيا، إلاّ أنّ تجمعاتهم الكبرى توجد في ولايات ليدرسكن، هامبورغ، ستافلن، هسن، رينانيا، روتنبرغ، بافاريا، برلين الغربية.
ويتجاوز عدد المسلمين المقيمين في بعض الولايات النصف مليون شخص (وستفاليا)، وفي بعض الولايات يصل عددهم إلى أكثر من ربع مليون مسلم (روتنبرغ، دورتموند، بافاريا) وفي بعضها يقيم عشرات الآلاف منهم في أحياء وتجمعات خاصّة بهم.
منظر من برلين.. عاصمة ألمانيا الموحدة
وبما أنّ معظم المسلمين في ألمانيا من الأتراك لذلك فإنّ المذهب السنّي الحنفي هو الأكثر انتشاراً، ثمّ هناك الأتراك من الشافعية، وبالإضافة إليهم يوجد أيضاً أكثر من 200 ألف مسلم شيعي، أكثرهم من الإيرانيين، كما تضمّ الجالية التركية أكثر من 600 ألف تركي علوي، ولهؤلاء جميعاً مؤسساتهم ومساجدهم ومراكزهم الثقافية والاجتماعية الخاصّة بهم، والتي يحرصون على إقامتها في أماكن تواجدهم.
تختلط المشاعر والنوايا والتوجهات والممارسات تجاه الإسلام والمسلمين في ألمانيا، سواء من قبل السلطات العليا أو سلطات المقاطعات، أو الجهات الدينية والسياسية والشعبية… وتتراوح النظرة إليهم بين القبول المتحفظ الذي يضمن حق التعبير المقبول عن الهوية، وبين سياسة الاحتواء والتذويب، وبين نظرة العداء وإبداء السخط.
والمجتمع الألماني بطبعه مجتمع منغلق على ذاته، إلاّ أنّه وبحكم التجارب يرفض (بتفاوت) العنصرية والعصبيات الدينية والمذهبية، وهو في هذا يتمايز بعض الشيء عن بعض الشعوب الأوروبية الأخرى.
وإذا كان الإسلام يشكل ثاني ديانة في ألمانيا بعد ديانة الأغلبية المسيحية (البروتستانت 47% والكاثوليك 44,6%) ورغم أنّ الدستور الألماني يكفل حرية الأديان والعبادة لكلّ مواطن على الأرض الألمانية بصرف النظر عن ديانته، ورغم أنّ المسلمين في المانيا يسمعون باستمرار كلاماً طيباً من المسؤولين الألمان حول نظرتهم للإسلام والمسلمين وضرورة التقاء وتعاون الحضارتين الإسلامية والمسيحية، رغم كلّ ذلك لا تظهر أيّة رغبة حقيقية بالاعتراف بالإسلام كديانة رسمية، بحيث يتاح للمسلمين الألمان الحق العام الذي يتمتع به أتباع الديانات الأخرى الذين نالوا هذا الاعتراف، رغم أنّهم يقلّون بكثير عن المسلمين. فاليهود البالغ عددهم 50 ألفاً فقط، والمسيحيون الأرثوذكس وحتّى شهود يهوه والبهائيون والقاديانيون، كلّهم حصلوا على هذا الاعتراف والرعاية القانونية من الدولة. وفقدان هذا الاعتراف من شأنه أن يحرم المسلمين من حقوق كثيرة، ويرتّب عليهم مشاكل مع الإدارات الرسمية والجهات الكنسية وحتّى الشعبية، ويبقي الجمعيات والمؤسسات والمراكز الإسلامية تحت رحمة نظام وقانون الجمعيات الأجنبية، والتي يمكن حلّها في كلّ لحظة، وفي هذا يقول البعض من الكتّاب الألمان إنّ الإسلام ما زال يعتبر في ألمانيا مسألة تتعلق بالسياسة الخارجية والعلاقات مع تركيا. ولا يستبعد في هذا الشأن الضغوطات التي تمارسها الكنيسة للحيلولة دون هذا الاعتراف، رغم أنّ بعض رجال الدين المسيحيين الالماني يبدون مرونة تجاه المسلمين على الصعيد الواقعي، ذلك أنّ هاجسهم الأوّل هو الإلحاد الذي يسود نسبة 25% من سكان ألمانيا، بينما لا يشكّل المسلمون سوى 3%.
المركز الإسلامي التركي في هامبورغ
وفي غياب هذا الوضع القانوني يلاحظ عموماً ـ بالرغم من بعض التعقيدات ـ أنّ السلطات الألمانية خاصّة في بعض الولايات تتعامل بمرونة وتسامح مع المؤسسات التعليمية والثقافية الإسلامية القائمة هناك، خلافاً لفئة قليلة نسبياً من دعاة النازية الحديثة والتعصّب القومي. ففي هذا المجال أتاحت حكومة دوسلدورق المجال لاعتماد حصص التعليم الديني في المدارس الرسمية لمن يرغب من الطلبة المسلمين حيث يقوم مدرسون أتراك بهذه المهمة في المرحلة الابتدائية على أن تستكمل في المرحلتين التكميلية والثانوية فيما بعد.
كما قرّرت ولاية نوردراين وستفالين التي تحوي أكبر نسبة من المسلمين والتلامذة المسلمين (12% من تلامذة المدارس الرسمية في الولاية) إدخال مادة الدين في المناهج التعليمية منذ سنتين استجابة لنداء مطران روتنبرغ الذي دعا فيه الولايات الألمانية إلى إدخال مادة الدين الإسلامي في المناهج، آملاً في إعداد تلامذة مسلمين بعيدين عن التطرّف والأصولية المتنامية في ألمانيا! كما صرّح بذلك المطران والمسؤولون في الولاية المذكورة، لذلك اشترطوا أن يكون معلمو مادة التربية الدينية خاضعين لانتقاء وإشراف الجهات الرسمية التركية العلمانية المولجة بهذا الأمر، وهذ ما تمّ بالفعل. في حين أنّ ولايات أخرى ترفض التعليم الديني في مدارسها بحجة عدم المساعدة على تنامي الأصولية الإسلامية التي يخوّف بها الإعلام الموجّه صهيونياً فئات الشعب الألماني!
وقد ازدادت في ألمانيا في السنوات الأخيرة الدعايات والبرامج الإعلامية المسيئة للإسلام، والتي تدعو إلى القلق والخوف من الأنشطة الإسلامية.
ويمكن القول إنّ المسلمين في ألمانيا لا يجدون عنتاً كبيراً في بعض ممارساتهم الدينية والاجتماعية، كما هو الحال في فرنسا مثلاً، رغم أنّها تعترف رسمياً بالإسلام كدين رسمي، فموضوع الحجاب على سبيل المثال غير معقد، فلم تطرد تلميذة من المدارس بسببه، ولكن وزارة الثقافة والتربية الألمانية أعلنت بأنّها لن تسمح للمعلمات المسلمات بارتداء الحجاب في المدارس الألمانية، لأنّ ذلك يخيف التلامذة حسب وصفها وزعمها! والدولة تسمح بإعطاء هوية شخصية أو جواز سفر بالحجاب إذا قدّمت المرأة المسلمة ما يثبت إسلامها، كما أنّ الدولة تعترف بأحكام الطلاق الصادرة من دول إسلامية.
المركز الإسلامي في هامبورغ، مسجد الإمام علي (ع)
في موازاة ذلك يواصل تيار النازية الحديثة في ألمانيا صعوده الواضح، موجهاً سهامه إلى المسلمين عامة والعمّال الأتراك خاصّة، متهماً إياهم بانتزاع فرص العمل وأسباب الرزق من أيدي سكان البلاد الأصليين، وشهدت ألمانيا في هذا السياق حوادث مأساوية غامضة، كانت ضحيتها أسر تركية عديدة مات أفرادها حرقاً على أيدي عصابات ترفع شعارات (النقاء العرقي) وتدعو إلى طرد الملايين من العمّال الأجانب وخاصّة الأتراك.
مساجد ومؤسسات ومراكز إسلامية
تبرز حيوية أبناء الجالية الإسلامية الكبيرة في ألمانيا، من خلال سعي الغيورين فيها لأجل المحافظة على الهوية الإسلامية، وحماية الأجيال المسلمة الناشئة من تأثيرات المجتمع الغربي المادية والإباحية، كما في المحافظة على الروابط الاجتماعية، والعمل من أجل تعزيز مكانة أبناء الجالية الاقتصادية والثقافية، ولإحداث تأثيرات إعلامية وسياسية تخدم مصالح المسلمين المشتركة وقضاياهم العامة.
والمظهر البارز للصحوة الإسلامية والعودة إلى أحضان الدين بين أبناء الجالية المسلمة في ألمانيا يتجلّى من خلال إقامة حوالي ألفي مكان للعبادة والتجمّع للمسلمين في أنحاء ألمانيا، منها المصلّى الصغير الذي هو عبارة عن غرفة أو أكثر والمسجد الكبير المقام أو المبني حسب الأصول والهندسة الإسلامية. وهناك حوالي ثلاثين مسجداً في ألمانيا من هذا النوع الأخير. هذا بالإضافة إلى عشرات المراكز الثقافية والاجتماعية والتربوية والإعلامية. وفي المدينة الواحدة قد يجد المرء العشرات من هذه المساجد والمصليات والمراكز المنتشرة في الأحياء، مثلاً في منطقة كولونيا هناك مئة مركز، وفي برلين 40 مركزاً وفي دورتموند 30 مركزاً وهكذا… وهذه المراكز والمؤسسات يتبع كلّ منها منظمات وجمعيات إسلامية لها حضورها وتواجدها على مستوى مناطق ومدن ألمانيا كلّها. وبما أنّ معظم المسلمين في ألمانيا هم من الأتراك، فإنّ جمعية «الاتحاد الإسلامي التركي لهيئة الشؤون الإسلامية» -DITIB- الموجّهة من قبل الحكومة التركية العلمانية في أنقرة، هي التي تشرف على أكثر هذه المساجد والمراكز، وتعيّن أئمتها ومسؤوليها.
وتدّعي أنّها تسيّر أكثر من 700 مسجد ومصلّى ومركز ومؤسسة، وهي تقوم بنشاطاتها بالتنسيق والتفاهم مع السلطات الألمانية. في مقابل ذلك فإنّ «الجمعية المستقلة للرؤية الحديثة نحو العالم» (ANGT)، والتي يطلق عليها الاتجاه الوطني ـ تأسّست سنة 1975، وهي قريبة الصلة من حزب الرفاه الإسلامي التركي ـ تقول بأنّها تشرف على نحو 600 من هذه الجمعيات والمصليات والمراكز. والمقر الرئيسي لهذه الجمعية هو المركز الإسلامي في كولونيا.
إضافة إلى هاتين المنظمتين الكبيرتين، هناك الحركة الإسلامية لأكراد تركيا، وتملك العديد من المصليات والمراكز، وهناك أتباع حركة العالم التركي الشيخ قبلان، ولديهم مساجد ومراكز خاصّة بهم ايضاً. وبالطبع هناك مساجد ومراكز إسلامية خاصّة بالاقليات العربية التي تدعمها أحياناً الحكومات والجهات العربية.
وبالإضافة إلى المنظمات والرابطات الإسلامية الكبيرة، هناك حوالي 20 رابطة وجمعية ينشط كلّ منها بشكل مستقل أو بالتعاون مع الآخرين، ومنها: «رابطة المراكز الثقافية الإسلامية»، «اتحاد الجمعيات الثقافية الإسلامية»، «اتحاد العمّال المسلمين في أوروبا»، «اتحاد الطلبة المسلمين في أوروبا»، «بيت الإسلام»، «الجماعة الإسلامية في ألمانيا»، «الجماعة الإسلامية في برلين»، «اتحاد الطلبة المسلمين في ألمانيا»، «مركز الدراسات الثقافية في ألمانيا» (الحركة الإسلامية).
وفيما يلي نسلط بعض الضوء على أهم المراكز والمساجد ويأتي في طليعتها المراكز الإسلامية في هامبورغ وآخن وميونيخ.
المركز الإسلامي في هامبورغ
تقع هامبورغ شمالي ألمانيا على شاطئ بحر الشمال، وهي من أهم الموانئ ومن أكبر المدن الألمانية، ويوجد فيها جالية إسلامية كبيرة من مختلف جنسيات البلاد الإسلامية، وقد أسّس أبناء الجالية في هذه المدينة وضواحيها العديد من الجمعيات والمراكز والمؤسسات الإسلامية التي ترعى شؤون المسلمين فيها، ويأتي في طليعة المراكز الإسلامية الناشطة في هذه المدينة «المركز الإسلامي في هامبورغ» وهو من أقدم المراكز الإسلامية في أوروبا حيث تمّ افتتاحه سنة 1964م، وقد ذكر لنا الشيخ محمد باقر الأنصاري المشرف الحالي على المركز، أنّ بداية التفكير بإنشاء هذا المركز كانت عام 1953 حيث طلب عدد من المسلمين المقيمين في هامبورغ من المرجع الديني الأعلى للمسلمين الشيعة في إيران، السيد البروجردي، تأسيس مسجدد للإيرانيين وللمسلمين بشكل عام، فوافق وخصّص مبلغاً كافياً لبناء المسجد، الذي تحوّل في عهد رعاية الشهيد الدكتور بهشتي له إلى مركز إسلامي هام، وذلك بعد إضافة أبنية أخرى ملاصقة للمسجد، وتوسيع دائرة اهتماماته، وقد تابع بعده الدكتور السيد محمد خاتمي الرئيس الحالي للجمهورية الإسلامية الإيرانية عندما تولّى أمر الإشراف عليه، أعمال التجديد فيه وتوسيع نشاطاته. وها هو اليوم قد أصبح من أهم المراكز الإسلامية في أوروبا من حيث حركته في إقامة الشعائر الدينية وإحياء المناسبات الإسلامية، ورعاية المسلمين دينياً واجتماعياً وثقافياً، وخاصّة الناشئة، ومن حيث دوره في التقريب بين المذاهب الإسلامية، وتوطيد العلاقات مع أتباع الأديان السماوية، وخاصّة المسيحية منها.
وفي جولة على أقسام المركز يلفت نظرنا أوّلاً كما يشدّ انتباه كلّ مشاهد، جمال التصميم والهندسة الإسلامية الرائعة الخاصّة بالمسجد المسمّى بمسجد الإمام علي (عليه السلام). والجزء الأساسي للمسجد الذي يتسع لمئات المصلين، عبارة عن بناء دائري تعلوه قبّة كبيرة يبلغ قطرها 13,5م، وقد كُسيت القبّة بغلاف خارجي من النحاس المطلي باللون الأخضر، ممّا يضفي على المسجد روعة وجمالاً خاصّين.
أمّا الجدران الداخلية فمكسوة جميعها بنقوش وكتابة من الكاشي الأزرق تتضمن آيات قرآنية كريمة بخط النسخ الجميل مع ترجمتها باللغة الألمانية، وأكثر ما يبرز جمال هذه النقوش والكتابة في المحراب البديع الصنع، وقد استغرق تحضير وإعداد زخرفة الكاشي فترة أربع سنوات، وذلك في مدينة مشهد في إيران، لتنقل وتركّب في غضون أربعة أشهر. وعلى جانبي القبّة ترتفع منارتان مميزتان بعلو 18 متراً، وقد تمّت كسوتهما بقطع السيراميك ذات اللون البني. وهذا المسجد تؤدّى فيه الصلوات والعبادات وتقام فيه حلقات تدريس العلوم والأخلاق الإسلامية.
وإلى جانب المسجد، يقوم بناء مؤلف من ثلاثة طوابق يتضمن قاعة للمحاضرات والندوات مجهّزة بأجهزة الترجمة المباشرة، وتنعقد فيها المجالس والملتقيات على مدار السنة، ويشارك فيها مسلمون من شتى الأعراق والأجناس. ويضمّ هذا المبنى أيضاً مكتبة كبيرة تحتوي مصادر ومراجع مهمة في اللغات العربية والفارسية والألمانية والإنكليزية، كما يضمّ قسم الضيافة، وفيه مطبخ مجهّز لإعداد الولائم العامة في المناسبات، ولمن يرغب من أصحاب النذور ممّا يوثق عرى المحبة والأخوة بين المؤمنين، وذلك كلّه بالإضافة إلى غرف الإدارة حيث تجري مراسم عقود الزواج وإجراء الطلاق، كما يضمّ المبنى غرف الاستقبال وتدريس التربية الإسلامية للأطفال والفتيان (خاصّة)، حيث تعقد العائلات الألمانية المسلمة التي اهتدت عن طريق المركز، جلسات أسبوعية لأطفالها لقراءة القرآن الكريم والتعرّف على أسس العقيدة الإسلامية.
ويصدر المركز نشره اسمها «الفجر»، ومعها ملحق للأطفال يسمّى «سلام كيندر» باللغة الألمانية، كما يعمل المركز ما وسعه على طبع ونشر الكتب الإسلامية المترجمة إلى اللغة الالمانية والبوسنية… ويستقبل المركز مئات الزوار الألمان سنوياً ممّن يرغبون في الاطلاع على فن عمارته ونقوشه أو يودّون معرفة شيء عن الإسلام، خاصّة من مجموعات تلامذة المدارس الألمانية.
المركز الإسلامي في آخن (مسجد بلال)
آخن مدينة تاريخية تقع وسط طبيعة خلابة على الحدود الألمانية مع بلجيكا وهولندا، وكما لهذه المدينة شهرة علمية واسعة نظراً لجامعتها المتقدمة ومعاهدها العالية المتعددة، فلها شهرة صناعية أيضاً حيث تقوم فيها صناعات دقيقة مثل معامل الأدوية والعطور والزجاج والنسيج والكمبيوتر والأغذية، وقد استقطبت هذه الصناعة أعداداً كبيرة من العمّال المسلمين منذ أواخر الخمسينات، كما استقطبت جامعة آخن أعداداً مهمة من الطلاب المسلمين أيضاً. وكان من الطبيعي أن تنصبّ إرادة نسبة مؤثّرة من هؤلاء المهاجرين المسلمين على إيجاد مسجد ومركز إسلامي يلبّي حاجاتهم الروحية والثقافية والاجتماعية، ونظراً للسمعة الطيبة للطلبة المسلمين الجامعيين وتفوقهم الدراسي، فلم تمانع إدارة جامعة آخن في منح جمعية الطلبة المسلمين قطعة أرض تابعة للجامعة ليقوم عليها فيما بعد مسجد بلال وملحقاته… ففي قلب جامعة آخن يقوم إذاً مسجد بلال، وكلّ من يزور الحي الجامعي تطالعه مئذنة المسجد الشامخة والمزينة بكلمات (الله أكبر) المنقوشة حولها.
غرفة المكتبة في المركز الإسلامي، هامبورغ
لقد ولدت فكرة إنشاء هذا المسجد سنة 1958م، وتمّ وضع الحجر الأساس في أجواء إيمانية احتفالية حضرها ضيوف مسلمون من أنحاء أوروبا وموفدون عن جامعة آخن، وقد افتتح المسجد سنة 1967م، وكان يتألف من بناء ذي مظهر إسلامي أنيق، يتضمن قاعة للصلاة للرجال وأخرى للنساء، وقاعة للمحاضرات، وقد أضيف إليه قاعة أخرى سنة 1979 وغرف إدارية ومكتبة بالإضافة إلى أماكن الضيوف وغرف تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية، ولدى المركز مشروع للتوسعة يتضمن إنشاء دار للحضانة ومدرسة وقاعات للمحاضرات والندوات ومساكن للشباب والعائلات المسلمة.
وهذا المركز الذي يشرف عليه السيد عصام العطار السوري الجنسية، يقوم بأعمال ومهام واسعة ومتعددة من أجل توثيق عرى الجالية الإسلامية في ألمانيا وربطها بإسلامها وتراثها الحضاري، كما يقوم بتعريف غير المسلمين بواقع الإسلام وحقيقته، فبالإضافة إلى صلوات الجمعة والجماعة تقام فيه حلقات لإعطاء دروس اللغة العربية والثقافة الإسلامية وتفسير القرآن والعلوم الحديثية والفقه الإسلامي وغير ذلك من العلوم الإسلامية لمختلف المستويات والأعمار للذكور والإناث، كما يولي المركز عناية خاصّة بالأطفال والفتيان فيوفر لهم إلى جانب الثقافة والتربية الإسلامية برامج ترفيهية وفنية إسلامية هادفة. ويُعدّ المركز أيضاً الدراسات والبحوث الإسلامية بالتعاون مع أصحاب الفكر، ويعمل من أجل مدّ يد العون للمسلمين الألمان ورعايتهم، وقد عمل على نقل كثير من الكتب والدراسات الإسلامية إلى اللغة الألمانية. وإلى جانب هذه المهام يقوم المركز بإجراء عقود الزواج الشرعية، ويشرف على تجهيز الموتى ودفنهم، ويشرف على الذباحة لدى شركات تصدير اللحوم إلى البلدان الإسلامية.
المركز الإسلامي في مدينة ميونيخ
تقع مدينة ميونيخ ذات المركز الصناعي والاقتصادي والعلمي المهم جنوبي ألمانيا، ويبلغ عدد المسلمين فيها أكثر من أربعين ألف شخص، جلّهم يعمل في مصانعها ومرافقها الأخرى. وتلبية لحاجاتهم الدينية والتربوية والاجتماعية أقام المسلمون فيها عدداً من المساجد والمراكز، أبرزها المركز الإسلامي الذي يقع في وسط المدينة، ويقصده الكثيرون حتّى من أنحاء ألمانيا وأوروبا عامّة نظراً لنشاطه الإسلامي الواسع، وقد افتتحت «الجماعة الإسلامية» هذا المركز منذ 24 عاماً أي سنة 1973، وهو يقوم على أرض مساحتها 3000م2، ويحتوي ثلاثة طوابق تتضمن قاعة صلاة للرجال وأخرى للنساء، ومكتبة إسلامية وغرف الإدارة والتدريس إلى جانب بيت للضيافة، كما يضمّ المركز روضة للأطفال ومدرسة، وهي أوّل مدرسة إسلامية في ألمانيا تعترف الحكومة الألمانية بشهادتها، ممّا سمح لتلامذتها بمتابعة الدروس في الثانويات الألمانية، وتستقطب هذه المدرسة تلامذة من خارج ميونيخ وقد عمد المركز إلى إيوائهم في مسكن مناسب، وقد أنشأ المسلمون المشرفون على المركز الإسلامي إثني عشر مركزاً إسلامياً آخر.
المئذنة, ومصلون في مسجد آخن
وحول نشاطات المركز يذكر مديره فيقول: بالإضافة إلى المدرسة الإسلامية والمدرسة القرآنية التي تستقبل الأبناء الذين تخطّوا المرحلة الابتدائية يومي السبت والأحد من كلّ أسبوع ليتعلّموا فيها اللغة العربية والتربية الإسلمية، فإنّ للمركز مجالات أخرى في التبليغ حيث يقدّم المحاضرات والندوات الأسبوعية والشهرية التي يشهدها إخوة من أنحاء ألمانيا مع تأمين المبيت لهم لتكامل التعارف. وتترجم المحاضرات فورياً إلى الإنكليزية، الألمانية، التركية والعربية. كما يقوم المركز بزيارة تجمّعات المسلمين طلاباً وعمالاً وموظفين لتقديم المشورة لهم، كما استقبل المركز خلال السنوات الماضية آلاف المواطنين الألمان الذين اهتدوا بحمد الله إلى الإسلام وجرى تعليمهم أصول الإسلام ومعارفه. وإلى جانب الخدمات الاجتماعية والإنسانية كأمور الزواج وغسل ودفن الموتى، فإنّ المركز يصدر مجلة «الإسلام» باللغة الألمانية كما ترجم وطبع عشرات الكتب الإسلامية باللغة الألمانية.
المركز الإسلامي بمدينة فرانكفورت
تعدّ فرانكفورت من أكبر وأهم مدن ألمانيا، هي العاصمة التجارية والمالية الأولى فيها، وبها جامعة «غوته» العريقة، كما أنّ بها أكبر أرض للمعارض الصناعية والزراعية الدولية، لذلك كانت مصدر جذب لجالية إسلامية كبيرة تبلغ زهاء 100 ألف مسلم من العمّال والطلاب والتجار وأصحاب الاختصاصات، وبعد معاناة استمرّت عدّة سنوات ـ كان يعمد خلالها أبناء الجالية إلى استئجار أماكن غير مناسبة وبشروط قاسية لإقامة الشعائر الإسلامية ـ قامت الجماعة الإسلامية في ألمانيا بشراء مقر جديد للمركز الإسلامي بفرانكفورت، وذلك بعقد مرابحة مع البنك الإسلامي في الدانمارك، الذي قدّم مبلغ 1,3 مليون مارك ألماني يجري تسديده خلال ثلاث سنوات، والبناء مقام على أرض مساحتها 2938م2، والمساحة المبنية فيها تبلغ 2260م2، ويحتوي المركز بعد التعديلات والإضافات على مدرسة من عدّة فصول وصالة للرياضة البدنية ومصلّى للرجال يتّسع لـ 400 شخص وقاعة صلاة للنساء وقاعة محاضرات وقاعة استقبال وصالة طعام ومتجر لبيع المأكولات واللحوم، كما يتضّمن غرف الإدارة ومقر الاتحاد الإسلامي للطلاب.
أحد المراكز الإسلامية في ألمانيا
كما يوجد في فرانكفورت أيضاً معهد إسلامي لا مثيل له في العالم، وهو معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، الذي يدرّس العلوم الإسلامية الرفيعة، وقد أسّسه سنة 1928م العلامة التركي فؤاد سيزكين، الخبير الشهير في مجال الكتب والتراث الإسلامي، وقد أصبح هذا المعهد فيما بعد جزءاً من جامعة فرانكفورت، وقد أسهمت الدول العربية الخليجية في تكاليف إنشائه وهي تؤمن أيضاً ميزانيته السنوية.
مركز رابطة المسلمين في برلين
قاعة مسجد الإمام علي (ع)
تعتبر رابطة المسلمين في برلين من أوائل الجمعيات الإسلامية المرخصة التي أسّسها المسلمون العرب في مدينة برلين ـ التي عادت العاصمة الموحدة لألمانيا منذ 20 حزيران 1991 بعد توحيد شطري ألمانيا ـ وهي رابطة ذات صلة بتوجهات إحدى الجمعيات الإسلامية اللبنانية، وقد أقيم المركز سنة 1978 على أرض مساحتها بحدود 400م2، ويتضمن مصلّى يتّسع لأكثر من 500 شخص وقاعة داخلية وغرفة للنساء وأخرى للإدارة، بالإضافة إلى مكتبة كبيرة ومطبخ، ويشرف على إدارة المركز مجلس إدارة يتبع أعضاؤه لعدّة جنسيات عربية، وبالإضافة إلى إقامة الشعائر وإحياء المناسبات الإسلامية، يجري في المركز تدريس العلوم الإسلامية وإعطاء دروس في اللغة العربية وإقامة الندوات واللقاءات الأسبوعية والشهرية، لمختلف جنسيات أبناء الجالية الإسلامية.
أكاديمية الملك فهد في بون
تتميّز هذه الأكاديمية (المدرسة) بفخامة بنائها وبطرازها، المعماري الشرقي المتآلف مع نمط العمارة الأوروبية، بما تضمّه من مسجد يتّسع لنحو 700 شخص وتعلوه مئذنة متوسطة الطول، عليها قبّة ذهبية مزينة بالفسيفساء الأزرق، وهذه المدرسة التي افتتحت سنة 1995 أقيمت بتبرّع من الملك السعودي على ضفاف الراين في بون العاصمة الألمانية الغربية السابقة، وهي تتكوّن من ثلاثة طوابق تضمّ فصولاً دراسية لنحو 700 طالب وطالبة، يتلقّون فيها العلم حتّى المرحلة الثانوية، وهي تتبع مناهج التعليم السائدة في العربية السعودية، إضافة إلى تعليم اللغة الألمانية، إذ أنّها مخصّصة لتعليم أبناء الجالية العربية، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الأكاديمية تقيم دورات لتعليم اللغة العربية للراغبين من الألمان، وتنظّم معارض ومحاضرات للتعريف بالعرب والمسلمين.
مسجد السلطان سليم في مانهايم
إنّه المسجد الحديث الذي افتتح منذ أقل من سنتين في مدينة مانهايم الصناعية الواقعة في جنوبي غربي ألمانيا، وقد أتمّت بناءه وتجهيزه الجالية الإسلامية في المدينة البالغة حوالي عشرين ألف نسمة، بإشراف الاتحاد الإسلامي التركي، متجاوزة معارضة سكان حي «يونغ بوش» الذي أقيم فيه، بعدما تجاوبت سلطات المدينة وسمحت بإقامته، فارتفع المسجد شامخاً بهندسته الإسلامية الجميلة على الطراز التركي، وبمنارته التي ترتفع 32 متراً، وهو يعدّ أكبر مساجد ألمانيا من حيث السعة، إذ يتّسع لـ 2500 مصل. والمسجد ذو بناء دائري فيه جناحان يضمّان شققاً سكنية وثلاث قاعات للاجتماعات وغرفاً للإدارة، وتعلو رواق المسجد الذي تبلغ مساحته 1500م2 قبّة زيّنت بزخارف خطّية رائعة، ومنذ شهررمضان سنة 1416هـ بدأ المسجد يستقبل أبناء الجالية والزوار الألمان الذين خصّصت لهم ثلاثة أيام في الأسبوع للراغبين بالاطلاع على معالمه والتعرّف على الدين الإسلامي، وإقامة حوارات دينية تهدف إلى التفاهم ونبذ التعصّب.
المجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا
كان إنشاء هذا المجلس الحديث العهد ضرورة حتمتها الحقوق المهدورة للجالية الإسلامية في ألمانيا، والتي لا يمكن الحصول عليها بدون وحدة الكلمة وتضافر الجهود.
وعن نشأة هذا المجلس وأهدافه يتحدّث رئيسه الدكتور نديم عطا الله إلياس السعودي الأصل فيقول: «كانت البداية عام 1986 حيث اجتمع ممثلو أكبر المنظمات الإسلامية في حلقة من أجل نيل حق الذباحة والتذكية وفق القواعد الشرعية، ثمّ تطوّر نشاط الحلقة إلى أن تحوّلت إلى مجلس أعلى للمسلمين، يضمّ في عضويته اليوم ممثلي سبع عشرة منظمة كبرى، بما فيها كبريات الروابط التركية والمراكز الإسلامية المهمة… ويهدف المجلس منطلقاً من احترامه لنظام ألمانيا وقوانينها إلى تمثيل الجالية الإسلامية أمام الجهات الرسمية والشعبية، والمطالبة بحقوقهم ورعاية مصالحهم، كما يهدف إلى التعريف بقضايا المسلمين وتوعية الرأي العام بمواقفهم…». ويضيف الدكتور عطا الله: «إنّ هناك لجان عمل متخصّصة يشارك فيها مندوبون من المنظمات الأعضاء، منها لجنة الأهلة ولجنة التعليم الإسلامي التي تفاوض الدولة من أجل إدخال مادة التعليم الديني الإسلامي في المدارس النظامية، وكذلك لجنة رياض الأطفال التي تفاوض الدولة لإنشاء رياض أطفال إسلامية على غرار ما تتمتّع به الطوائف الأخرى، ثمّ لجنة لاسترداد حق التذكية والذباحة الشرعية عن طريق القضاء، وأخيراً اللجنة الإعلامية…
وفي السنة الماضي استقبل رئيس جمهورية ألمانيا، رومان هرتزوك ممثلي المجلس الأعلى، واستمع إلى طلباتهم وفي طليعتها منح المسلمين وضعية قانونية تعطيهم شرعية الاعتراف بهم كمجموعة دينية أسوة بباقي المجموعات الدينية، وما يترتب على هذا الاعتراف من حقوق في التعليم الديني وإنشاء المساجد والمدارس والمساعدات التي تقدّمها الدولة وسواها.
المسلمون الألمان
منذ أمد بعيد وجد الإسلام صدى طيباً وإعجاباً شديداً لدى الكثير من المفكرين والأدباء والرحّالة الألمان، ويأتي في طليعة هؤلاء شاعر ألمانيا ومفكّرها الكبير «جوته» (1749ـ1832) الذي دافع بحرارة عن الإسلام، وكتب بإعجاب كبير عن القرآن الكريم وعقيدة الإسلام، ونظم أجمل القصائد بالنبي (صلّى الله عليه وآله)، التي ضمّنها ديوانه «الديوان الشرقي» والذي ذكر في مقدمته قوله: «إنّني لا أكره أن يُقال عنّي مسلم» بل نقل عنه أنّه كان يحتفل بخشوع بذكرى تنزّل القرآن على النبي (صلّى الله عليه وآله) وأنّه كان يمجّد الذكريات الإسلامية.
ويذكر أنّ القس «مارتن لوثر» الذي ثار على الكنيسة الكاثوليكية كان قد درس القرآن الكريم وتأثّر به.
وممّا يدلّ على اهتمام الألمان بالشؤون الإسلامية عامة، وجود عدد كبير من المراكز والمعاهد العلمية التي تهتم بالدراسات الإسلامية، بالتخصص في فرع من فروع العلوم الإسلامية وتاريخ الحضارة الإسلامية. ولا توجد جامعة كبرى إلاّ وفيها مركز أو معهد للدراسات الإسلامية، وعددها أكثر من خمس وعشرين جامعة، أهمها: هامبورغ، ميونيخ، برلين، بون، كولن، فرانكفورت، ليبزيخ… إلخ. كما يتركّز اهتمام هذه الجامعات باللغات العربية والفارسية والتركية.
وقد عرف الألمان الإسلام بشكل مباشر منذ قرون عدّة، بعد ترجمة معاني القرآن إلى الألمانية، وفي هذا يقول المسلم الألماني المشهور السفير «مراد ويلفرد هوفمان»: «اتّضحت رغبة الألمان بالإسلام وإقبالهم على اعتناقه من خلال ترجمات القرآن الكريم، فقد تمّت أوّل ترجمة له عام 1616م، ووصل عددها إلى 22 ترجمة». كما أنّ المستشرقين الألمان أكثروا من البحث في الإسلام، وصنّفوا المؤلفات الكثيرة عنه، وإن كان كثير من أعمالهم لا يخلو من التجنّي والتشويه، إلاّ أنّ بعضهم لم يجانب الإنصاف والنزاهة، فشهد للحق وبيّن حقيقة الإسلام الناصعة لبني قومه.
ويجدر بن في هذا المجال أن نشير باحترام إلى واحدة من أبرز المستشرقين المعاصرين، السيدة «آن ماري شميل» صاحبة المؤلفات العديدة عن الإسلام والمسلمين، التي تجيد اللغة العربية منذ الصغر، والتي كان لها دور كبير في تعريف الشعب الألماني والأوروبيين عامة بحقيقة الدين الإسلامي.
وهي من دعاة الحوار البنّاء بين الإسلام والغرب، وقد نالت تقديراً لجهودها أرفع الأوسمة من مصر وباكستان، كما حصلت عام 1995 على جائزة السلام من اتحاد الناشرين الألمان، وهي جائزة لها أهمية كبيرة في ألمانيا، وقد تمّ منحها إياها رغم المعارضة الواسعة ممّن يضمرون العداء التقليدي للإسلام في ألمانيا وأوروبا.
غير أنّ إقبال الألمان على الإسلام ظهر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، مع وصول أعداد كبيرة من المسلمين وانتشارهم في الأراضي الألمانية، وإقامتهم المساجد والمراكز الثقافية والتبليغية، وترجمتهم الكتب الإسلامية إلى الألمانية واللغات الأوروبية الأخرى، ممّا أسهم في تعريف الإسلام لشرائح واسعة من المجتمع الألماني. وإذا كان لعامل الزواج من النساء الألمانيات دور واضح في إدخال أعداد كبيرة منهن في الإسلام، فإنّ اطلاع المثقفين المباشر على الأفكار والنصوص الإسلامية واقتناعهم بها كان السبب الأبرز في هداية أعداد متزايدة منهم.
وتختلف المصادر المتعددة في تقدير عدد المسلمين من أصل ألماني، حيث تتراوح التقديرات ما بين 50 ألفاً إلى 100 ألف مسلم، وتتحدّث المصادر الرسمية الألمانية عن رقم الـ 50 ألفاً، ممّن أعلنوا في دوائر النفوس عن تحوّلهم إلى الإسلام، وعن رقم الـ 100 ألف الذي يجمعهم مع الذين حصلوا على الجنسية الألمانية من المسلمين أصلاً. ولكن رقم الـ 50 ألفاً ـ الآنف الذكر ـ يرتفع بالتأكيد إذا ما علمنا حقاً أنّ هناك الكثير من المسلمين الألمان، لا يرون ضرورة التصريح عن إسلامهم في الدوائر الرسمية، ولكنّهم يمارسون التزامهم الديني كغيرهم من المسلمين.
والمسلمون الألمان وإن كانوا لم يقيموا مساجد ومراكز إسلامية خاصّة بهم حتّى الآن، حيث يقصدون مراكز ومساجد الجاليات الإسلامية أو يشاركون بها، إلاّ أنّهم أنشؤوا بعض الروابط والجمعيات المختلفة، ومنها: «رابطة المسلمين الألمان في هامبورغ» وكان يرأسها عبدالله بوريك، وهو اليوم يعمل قنصلاً عاماً لبلاده في البحرين، و«جمعية الإسلام والحداثة» وهي تحظى بدعم الحكومة الألمانية، و«الجمعية الإسلامية النصرانية» وهي تنادي بالتعايش بين أهل الديانتين. وهناك عدد من المسلمين الألمان يمتلكون مواقع مميزة في الدولة الألمانية، ومن هؤلاء الدكتور مراد هوفمان الذي يشغل منصب سفير ألمانيا في دولة المغرب، والذي كان محط اهتمام وسائل الإعلام والسياسيين في ألمانيا خلال السنتين الماضيتين بعدما ظهر في مقابلة تلفزيونية وهو يصلي في دار السفارة الالمانية بالرباط، وقد تحدّث خلالها عن مبادئ الإسلام، ممّا أثار حفيظة رجال السياسة والإعلاميين المناهضين للإسلام واعتبروا أنّ في إشهار السفير إسلامه أمراً يتناقض مع توجهات الدولة الألمانية، ولذلك حثوا الخارجية الألمانية على طرده من منصبه، لكن الخارجية الذي سبّب لها السفير الإحراج لم تتخذ بحقّه أي إجراء لأنّها لم تجد في تصرّفاته أي مخالفة. وكان السفير مراد قد أشهر إسلامه منذ سنة 1985، وأصدر كتابه الأوّل «يوميات مسلم ألماني» الذي بيّن فيه كيفية اعتناقه الإسلام، ونعت فيه المجتمع الأوروبي بمجتمع الكحول والنيكوتين ولحم الخنزير والجنس الحيواني والإجهاض والاستهتار والفساد. ثمّ أصدر كتابه الثاني منذ سنتين وهو «الإسلام هو البديل» أكد فيه: «أنّ فكرة النهوض والتجديد في الإسلام سوف تنطلق من أوروبا في القرن الواحد والعشرين، وأنّ ألمانيا هي على طريق دولة الله الإسلامية».
ومن وجوه المسلمين الألمان عبد الهادي هوفمان، وقد كان الناطق الرسمي للحزب الديموقراطي المسيحي في المانيا قبل أن يشهر إسلامه، ومنهم أيوب كولا في «كولان» وأحمد فونيور نائب رئيس المركز الإسلامي في ميونيخ ومحمد أمان قضم، وهو مدرس جامعي… وغيرهم كثيرون.
والمسلمون الألمان المتمسكون بدينهم ينظرون بحسرة وتساؤل إلى التصرفات المخالفة للإسلام والمسيئة له التي تصدر عن كثير من أفراد الجالية الإسلامية في ألمانيا، أو تلك التي تحدث في البلاد الإسلامية، وقد عبّر عن ذلك الإحباط أحد وجوه المسلمين الألمان في برلين محمد هرتسوغ بقوله: «تعرّفت على الإسلام بجهدي الذاتي، ولو أنّني عرفت المسلمين بواقعهم المؤسف قبل أن أعرف الإسلام لا أظنّني سأجد الحماس للإسلام». وقال: إنّه «يشعر أنّه يعيش في ألمانيا كمسلم أفضل من بعض الدول الإسلامية، وأنّنا لو استطعنا تطبيق الإسلام بصورته الحقيقية لقطعنا شوطاً كبيراً في مجال الدعوة الإسلامية، والتأثير على الآخرين». وحول دور الجالية الإسلامية في ألمانيا يقول عبدالله بوريك: «إنّ على المسلمين أن يمثلوا أنفسهم كمسلمين وليس كمجموعات عرقية، وأن يسعوا لتعليم الإسلام باعتباره ديناً عالمياً موجهاً إلى الناس جميعاً، وليس ديناً خاصّاً بدول العالم الثالث».
وهناك جماعات كبيرة من المسلمين استوطنت ألمانيا معظمهم من المسلمين الروس الذين لجؤوا إلى ألمانيا الاتحادية بعد عام 1945 ويبلغ عددهم حوالي خمسة آلاف أكثرهم من تركمانستان والقرم وآذربيجان والقوقاز ومن منطقة الفولغا الوسطى وبعضهم من يوغوسلافيا. وهؤلاء اللاجئون بعضهم من أسرى الحرب وبعضهم يعملون في المصانع وبعضهم كانوا قد انضموا إلى الألمان خلال الحرب العالمية الثانية. ويمكن القول إنّ هؤلاء جميعاً قد اندمجوا نهائياً في المجتمع الألماني بالعمل أو الزواج من ألمانيات. وتتولّى أمورهم الدينية (جمعية إسلام) في ميونيخ. ومعظم هؤلاء اللاجئين يقطنون جنوبي ألمانيا.
وأوّل مسجد أقيم في ألمانيا هو مسجد (شوتيزنجن) والمعروف أنّ هذا المسجد بني قبل حوالي قرن ونصف القرن ويُقال إنّ الذي بناه أمير ألماني كان قد تزوج من فتاة تركية واعتنق الإسلام وإكراماً من الأمير لزوجته ألحق بقصره مسجداً فخماً. وهناك رواية أخرى لا تنسب بناء المسجد لهذا السبب بل لسبب آخر هو مجرد المتعة الفنية التي كانت تستهوي الأمير فبنى ما بناه على الطراز الشرقي.
ولعل أطرف مسجد في ألمانيا ـ ولعله الوحيد من نوعه في العالم. ذلك المسجد المتحرك الذي يجري على عَجَلٍ وقد أنشأته هيئة السكك الحديدية الألمانية للعمال الأتراك المسلمين الذين يعملون في مدّ القضبان وإصلاحها، فهو دليل بالغ على تمسّك العمال الأتراك بشعائر دينهم ويتكوّن هذا المسجد من عربتين من عربات الركاب نزعت منها المقاعد، وغطيت أرضيتهما بالأبسطة، وأصبحتا بمثابة مسجد مثبت في القطار الذي يضم عربات الإصلاح والعمال والمواد، وحيثما انتقل العمال الأتراك إلى مكان جديد لمد قضبان جديدة أو إصلاح قضبان قديمة انتقل المسجد معهم، ولما كان من الصعب تحديد محراب ثابت يتجه نحو القبلة دائماً في هذا المسجد الكثير التنقل، فإنّ العمال الأتراك يعتمدون كلما انتقلوا إلى مكان جديد على البوصلة في تحديد اتجاه القبلة.
ألموت
لا نعيد هنا ما ذكرناه في بحث (الإسماعيليين) عن انشقاق حسن الصباح عن الدولة الفاطمية وإنكاره تولي أحمد المستعلي الخلافة بعد أبيه المستنصر، وإصراره على تولي (نزار) الابن الأكبر للمستنصر.
لا نعيد ذلك بل نحيل القارئ على بحث (الإسماعيليون) في مكانه. وكلّ ما نقوله هنا إنّه بعد خروج حسن الصباح من مصر، أو إخراجه منها، قصد الشام عائداً إلى بلاده فمر بحلب وبغداد وخوزستان. وفي شهر ذي الحجة من سنة (473هـ ـ تموز 1081م) وصل إلى أصفهان.
ولم يقر هائداً، بل تولّى أمر نشر الدعوة الإسماعيلية النزارية، ففي خلال تسع سنوات تنقل في إيران بين كرمان ويزد وخوزستان، واستقرّ ثلاث سنوات في دامغان حاملاً المذهب الإسماعيلي النزاري داعياً إليه.
وكان السلاجقة مسيطرين على المناطق المركزية والغربية من إيران ومن الطبيعي أن يكونوا مقاومين لدعوة حسن الصباح، فسافر إلى سواحل بحر الخزر والمرتفعات الشمالية من إيران لا سيّما إقليم الديلم الذي كان ملجأ لأحفاد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكانت قد قامت فيه دولة للشيعة الزيدية بعيداً عن سلطة السلاجقة، وكان للمذهب الإسماعيلي هناك دعاته.
لقد أدرك حسن الصباح أنّه بعد سيطرة الجماليين على الخلافة الفاطمية في مصر، لا يمكن الاعتماد على المصريين في مكافحة السلاجقة، وأنّه لا بدّ له من أجل النهوض بالدعوة الإسماعيلية من التخطيط لقيام كيان إسماعيلي مستقل في إيران، واتجه تفكيره أوّل ما تجه إلى اختيار مكان يكون قاعدة الانطلاق. وحوالي سنة (480هـ ـ 1087/1088م) كان قد عرف أنّ حسن الصباح قد اختار قلعة (ألموت) مقراً تنبعث منه دعوته إلى كلّ مكان. فأرسل من قاعدته الموقتة في دامغان ثمّ من شهريار كوه مازندران دعاة من أمثال إسماعيل القزويني ومحمد جمال الرازي وكيا أبو القاسم اللاريجاني إلى ضواحي ألموت لدعوة الناس هناك إلى المذهب الإسماعيلي النزاري.
وقبل ذلك كان قد اختار داعياً قديراً في الديلم ليشرف على الدعوة فيها وفي غيرها من المناطق الإيرانية، ولم يكن نشاط حسن الصباح خافياً على الوزير السلجوقي (نظام الملك) فقرّر القضاء على الدعوة الإسماعيلية بالقضاء على رجلها، فعهد إلى حاكم الري (أبو مسلم) باعتقال حسن الصباح. ويبدو أنّه كان لحسن الصباح منذ ذلك الوقت عيونه المبثوثة في كلّ مكان، ولمّا عرف بنوايا نظام الملك توارى عن الأنظار([387]).
وكان قد خطّط تخطيطاً محكماً للاستيلاء على ألموت، فتوجّه إلى (ديلمان) متخفياً، وقضى أياماً في قزوين.
وكانت (ألموت) في سلطة مهدي العلوي الحسيني التابع لملك شاه السلجوقي، وكان بعض أتباع مهدي هذا قد أخذوا سراً بالمذهب الإسماعيلي، وبينهم حسين القائني. كما جمع حسن الصباح من عدّة مناطق إسماعيليين آخرين حول ألموت. وتقدّم هو نفسه إلى (أشكور)، ثمّ إلى (انجرود) القريبة من ألموت، وفي مساء 6 رجب سنة (483هـ ـ 1090م) دخل ألموت باسم (دهخدا)، وبعد حين أدرك مهدي العلوي حقيقة حسن الصباح، ولكن بعد فوات الأوان، إذ كانت أغلبية قوات ألموت وعدد من سكان ضواحيها قد أخذوا بالمذهب الإسماعيلي فلم يكن بإمكان مهدي المقاومة، فتركه حسن الصباح ليمضي في حال سبيله، بعد أن زوّده بحوالة مالية بمبلغ ثلاثة آلاف دينار يقبضه من الرئيس مؤيد الدين مظفر بن أحمد المستوفي حاكم (گرده گوه) ثمناً للقلعة. وكان مظفر هذا قد دخل سراً في المذهب الإسماعيلي، لذلك دهش مهدي حين دفع له مظفر المبلغ كاملاً.
وهذا يدلنا على إحكام حسن الصباح لدعوته بحيث تغلغلت في كلّ مكان.
كانت السيطرة على قلعة ألموت إيذاناً بقيام الدولة الإسماعيلية النزارية، وبداية مرحلة جديدة من نشاط الإسماعيليين النزاريين الذين كانت نشاطاتهم من قبل سرية، فأصبحت اليوم علنية ترعاها قوّة الدولة التي بدأ الصراع بينها وبين السلاجقة.
تقوم قلعة ألموت على قمة عالية من سلسلة جبال (هودگان) المتفرّعة من سلاسل جبال (ألبرز) المركزية، وهي تطل على واد خصب تحصرها الجبال من جميع الأطراف، ومنذ سيطر عليها حسن الصباح أخذ بترميمها وتجديدها وإصلاح مخازن المياه فيها وتوسيع شبكة الري في أرضها وزرع القمح وغرس الأشجار الكثيرة.
ثمّ انصرف إلى إيفاد الدعاة إلى شتى المناطق والاستيلاء على القلاع أو بناء الجديد منها، أمّا الدعوة فكانت مسالمة وأمّا الاستيلاء على القلاع فكان لا بدّ فيه من القتال.
على أنّ الأمير السلجوقي (بورنتاش) أخذ المبادرة في الهجوم على سفوح ألموت وقام بمذابح في الإسماعيليين وحاصر القلعة التي كانت تشكو قلة المؤن، فلمّا ضاق الأمر على المحصورين همّوا بمغادرة القلعة ولكن الحسن ثبتهم وادّعى بوصول رسالة إليه من المستنصر فثبتوا وجرت عدّة محاولات سلجوقية للاستيلاء على ألموت فشلت كلّها، منها ما جرى سنة (501هـ ـ 1107/1108م) أو 502 حين تقدّمت حملة بقيادة الوزير ضياء الملك أحمد بن نظام الملك إلى رودبار، فقامت معارك طاحنة بين السلاجقة والنزاريين ودمرت مناطق كثيرة إلاّ أنّ الجيش السلجوقي فشل في تحقيق الغرض الرئيسي من الحملة وهو الاستيلاء على ألموت، واضطر للانسحاب من رودبار.
وفي سنة (503هـ ـ 1109م) عُهد إلى (أنوشتكين شيرگير) حاكم منطقة ساوه باحتلال ألموت فأدرك أنّ الهجوم المباشر على ألموت لا ينجح فقرّر إضعاف النزاريين وإتعابهم، فحاصر (لمبسر) والقلاع الأخرى ثماني سنوات، وكان يشعل النار في حقول القمح وكلّ المحاصيل الزراعية في رودبار، ثمّ شنَّ حرب العصابات حتّى ضاق الأمر على النزاريين ولكنّهم صمدوا وقاوموا. وفي شهر ذي الحجة سنة (511هـ ـ نيسان 1118م) وبينما (شيرگير) يحسب أنّه على أبواب الاستيلاء على ألموت، وصل نبأ وفاة السلطان محمد تپر، فانسحبت القوات السلجوقية من رودبار، ولمّا حاول شيرگير الثبات فترة قصيرة رفضت ذلك، فاضطر شيرگير إلى فك الحصار عن ألموت. واستولى النزاريون على المؤن والمعدات العسكرية التي خلفها السلاجقة. وفي خلال ذلك كان الإسماعيليون يظفرون في أماكن أخرى فسيطروا على (سنمكوه) بالقرب من مدينة (أبهر) في المنطقة الجبلية غربي قزوين.
وفي سنة (484هـ ـ 1091/1092م) أوفد الحسن أحد دعاته الأقوياء الأكفياء حسين القائني الذي كان له دور فعال في السيطرة على ألموت أرسله إلى مسقط رأسه (قوهستان) وهي منطقة برية جافة في جنوب خراسان، وهي ستكون القاعدة الرئيسية الثانية للدعوة الإسماعيلية النزارية في إيران.
ولقد نجحت الدعوة في قهستان وديلمان لوجود جذور شيعية سابقة فيهما، ولأنّ الأوضاع في شرق إيران أكثر ملائمة فالناس في قهستان كانوا يشكون مرّ الشكوى من الحكم السلجوقي الظالم، فانتشرت الإسماعيلية فيها لا انتماء سرياً أو فتحاً للقلاع، بل اتخذ الحال شكل انفجار عام شمل المنطقة.
وهكذا نجحت الدعوة في قهستان وسيطر الإسماعيليون النزاريون على مدن رئيسية منها طبس وقائن وزوزن في قهستان الشرقية واستقلوا في الحكم فيها عن السلاجقة، كما نجحوا في ذلك في رودبار.
وهال ملك شاه السلجوقي ما تمّ للإسماعيليين النزاريين، ورأى أنّ الحكام المحليين عاجزين عن صدّ الزحف الإسماعيلي، فقرّر في بداية سنة (485هـ ـ 1092م) إرسال قوات تقف في وجه قوّة الإسماعيليين المتنامية وتقضي عليها قبل توسعها. ولا يبعد أن يكون قراره هذا صادراً بناء على تعليمات من الوزير السلجوقي نظام الملك الذي أحسّ هو نفسه بالخطر الإسماعيلي، فأرسل ملك شاه قواته لقتال الإسماعيليين في رودبار وقهستان. وكانت قوات رودبار بقيادة الأمير ارسلان تاش فوصل إلى ألموت في جمادى الثانية سنة (485هـ) وحاصرها ولم يكن لدى حسن الصباح في ألموت سوى سبعين رجلاً.
وكانت المؤمن قليلة، فأرسل حسن الصباح إلى أحد دعاته في قزوين (دهدار أبو علي الأردستاني) مستنجداً به([388]) فلبّاه وأمدّه بثلاث مئة مقاتل وبمؤن كثيرة كما تجمع إسماعيليو رودبار، فعاد الإسماعيليون من الانحصار إلى الهجوم، فانقضّوا ليلاً على قوات إرسلان تاش في آخر شعبان سنة (485هـ ـ 1092م) واضطروها إلى الانسحاب.
وهكذا حقّق الإسماعيليون النزاريون أوّل انتصار كبير لهم. وفي الحين الذي كان السلاجقة يخططون للقيام بهجمات جديدة على ألموت، كان الحسن الصباح قد خطط لحرب من نوع آخر فاجأ بها السلاجقة، إذ أعدّ فدائييه لاغتيال القيادات السلجوقية الكبرى، فلم يلبث الوزير السلجوقي المقتدر أبو علي حسن بن علي الطوسي نظام الملك أعدى أعداء الحسن الصباح ودعوته وأكبرهم أنّ خرَّ قتيلاً بيد الفدائي الإسماعيلي (أبو طاهر الأرّاني) بينما كان يرافق ملك شاه إلى بغداد وذلك في 12 رمضان سنة (485هـ تشرين الأوّل سنة 1092م).
ولم يلبث ملك شاه نفسه أن توفي بعد أيام قليلة في شوال سنة (485هـ تشرين الثاني 1092م). وهكذا تلاشت مخططات السلاجقة معاودة الهجوم على ألموت.
ولمّا بلغ خبر وفاة السلطان السلجوقي إلى القوات السلجوقية بقيادة (قزل سارق) في قهستان وكانت قد أخفقت في اقتحام قلعة (دَرَه) تبدّدت.
وبوفاة ملك شاه انغمست المملكة السلجوقية في مشاكلها واضطراباتها الداخلية التي استمرّت أكثر من عشر سنوات. وقام التنافس بين أبناء ملك شاه الذين كان كلّ واحد منهم مستقلاً بحكم منطقة خاصّة به. وكان أهم هؤلاء (بركيارق) الابن الأكبر لملك شاه، وكان منافساه الرئيسيان عمّه (تُتُش) الذي يحكم الشام وشقيقه (محمد تپر). ولم يتورع بركيارق في حربه مع شقيقه عن الاستنجاد بالإسماعيليين، ويُقال إنّه بلغ عدد المقاتلين معه من الإسماعيليين في إحدى معارك حربه مع أخيه سنة (493هـ ـ 1100م) خمسة آلاف مقاتل. على أنّه عاد في أواخر عهده إلى إيذاء الإسماعيليين وتعذيبهم…
وقد استغل الإسماعيليون الصراع السلجوقي فتمدّدوا في البلاد وسيطروا على قلاع وحصون كثيرة في الديلم وعلى مدن وقلاع في قهستان، وقلاع في مناطق أخرى صعبة المنال. وتوسّعوا من القسم الغربي إلى القسم الشرقي من البلاد، وإلى شمال سلسلة جبال ألبرز، واستولوا على قلعة (منصور كوه) في شمال دامغان وقلعة (استوناوند) في ناحية دماوند.
كما تمّت لهم السيطرة على قلعة (گرد كوه) في ولاية قومس، التي ستصبح من أهم قلاعهم، وهي مبنية على صخرة عالية على مسافة 15 كلم شمال غربي دامغان ذات موقع منيع في سلسلة جبال ألبرز على الطريق الرئيسي الذي يوصل غرب إيران بخراسان.
ثمّ أخذوا بالاهتمام بمنطقة جديدة في جبال (زاغروس) لا سيما المنطقة الحدودية بين مقاطعة خوزستان وفارس جنوب غربي إيران. وفي غير الجبال انتشرت الدعوة في مملكة السلاجقة في القرى والمدن وحققوا انتصاراً كبيراً في كرمان.
بل لقد وصلوا إلى (تكريت) على نهر دجلة شمالي بغداد وظلّوا يحكمونها إثني عشر عاماً([389]). وفي سنة (486هـ ـ 1092م) استولوا على (انجرود)، وفي السنة نفسها هزموا قوّة مؤلفة من 10000 مقاتل بقيادة أبي محمد الزعفراني من فقهاء الري الأحناف البارزين، ثمّ سحقوا في رودبار بعد ان شنوّا هجوماً عليهم بقيادة الأمير نوشتكين السلجوقي.
وأمام هذه الانتصارات المتلاحقة أخذ الحكام المحليون بالاستسلام تدريجياً إلى الحسن الصباح، وبذلك تمهد أمامه الطريق للاستيلاء على قلعة (لمبسر) التي كانت أكبر القلاع التي تملكها الإسماعيليون، وصارت من أقوى حصونهم. وهي بموقعها الجغرافي في غرب ألموت على وادي شاهرود تحمي ألموت وكانت عاملاً في تعاظم قوّتهم.
وقد عيّن حسن الصباح (كيا بزرك أميد) حاكماً على (لمبسر) التي كانت ثاني أكبر قلاع الإسماعيليين في الديلم. وقد بقي حاكماً عليها طيلة عشرين سنة إلى أن استدعاه حسن الصباح إلى ألموت ليكون خليفة له.
وفي سنة (487هـ ـ 1094م) بينما الإسماعيلية تتقدّم في إيران وتنجح توفي الخليفة الفاطمي المستنصر، فحدث الانشقاق وانقطعت كلّ رابطة للإسماعيليين النزاريين في إيران بالحكم في القاهرة، وقامت لهم دولتهم المستقلة، وقاعدتها قلعة ألموت.
وأصبح الحسن الصباح الذي كان رئيساً للدعوة الإسماعيلية داخل الدولة السلجوقية ـ أصبح رئيساً للدولة النزارية المستقلة التي صارت بديلاً للدعوة الفاطمية داخل المملكة السلجوقية، وظلّ نشاطها محصوراً داخل السلطة السلجوقية. وبقيت المناطق الشرقية البعيدة في العالم الإسماعيلي لا سيما غزنة وما وراء النهر تتبع دعاة مستقلين أمثال ناصر خسرو في زمن المستنصر وظلّوا لمدّة طويلة بعيدين عن دائرة السلطة النزارية في ألموت.
أمّا في سوريا فاستمرّت المنافسة مدّة طويلة بين الجناحين: المستعلوي والنزاري، إلاّ أنّ الدعوة النزارية لم تلبث أن تغلبت لا سيّما في حلب والجزيرة والمدن الواقعة شمال سوريا. وحتّى اغتيال الخليفة المستعلوي (الآمر) كان إسماعيليو سوريا قد أخذوا بالدعوة النزارية وأفل نجم المستعلويين فيها، هؤلاء الذين قد انقسموا إلى (طيبيين) نسبة إلى الطيب، و(حافظيين) نسبة إلى الحافظ في تفاصيل ليس هنا مكان التحدّث عنها.
ولن نسترسل في تاريخ الإسماعيليين بعامّة والنزاريين منهم بخاصّة لأنّ ذلك ليس من موضوعنا هنا.
وكلّ ما نقوله إنّه قامت حروب طاحنة بين السلاجقة والنزاريين واستمرّ النزاريون في الصراع طيلة ثلاثين سنة، وهدّدوا في وقت من الأوقات أصفهان عاصمة السلاجقة كما تلقوا ضربات قاضية ومذابح عامّة. وفي النهاية هُزموا في ثوراتهم على السلاجقة ودمر الكثير من قلاعهم ولكنّهم ظلّوا محافظين على تماسكهم من شرق إيران حتّى الشام بالرغم من المصائب والمذابح التي مُنِيوا بها.
أمّا عن الحسن الصباح فنقول: إنّ حياته اعتباراً من السنة (511هـ ـ 1118م) قد سارت في هدوء واستقرار وتعزيز الدولة النزارية، ولم ينس أن يتطلع إلى تعزيز الدعوة النزارية في مصر، والانتقام ممّن يراهم خصومها، ومن ذلك اغتيال (الآمر)، واغتيال الأفضل بن بدر الجمّالي الذي كان العامل الفعلي في صرف الخلافة عن نزار، والمعتبر العدو الأوّل للنزاريين.
وتقول المصادر التي يعتمد عليها المؤرخون الإيرانيون إنّ ثلاثة من الفدائيين من حلب هم الذين قاموا باغتيال الأفضل. ولمّا وصل نبأ الاغتيال إلى ألموت أمر الحسن الصباح بإقامة احتفالات الابتهاج مدّة أسبوع.
على أنّ النشاط النزاري في مصر لم يستمر طويلاً.
مرض الحسن الصباح في بداية شهر ربيع الثاني سنة (518هـ ـ أيار سنة 1124م)، ولمّا أحسّ بدنوّ أجله استدعى (كيابزرك أميد) وهو من أقاربه استدعاه من (لمبسر) وجعله خليفته على الدولة النزارية، وجعل معه ثلاثة مساعدين هم: أبو علي الأردستاني، وحسن آدم قصراني، وكيابا جعفر.
وتوفي حسن الصباح في آخر شهر ربيع الثاني سنة (518هـ ـ 1124م). وقد عاش حياته الطويلة في ألموت لم يغادرها أبداً، عاشها حياة زهد خالص. وظلّ قبره في ألموت مزاراً للنزاريين حتّى دمره المغول فيما دمروا.
ظلّت قلعة ألموت حصن الإسماعيليين الحصين منذ حسن الصباح حتّى هجوم المغول بقيادة هولاكو، كما نفصله فيما يلي:
منكوقا آن
(648ـ655هـ / 1250ـ1257م)
عهد منكوقا آن المغولي هو من أخطر العهود في تاريخنا، ففيه تقرّر غزو البلاد الإسلامية وتمّ هذا الغزو على يد أخي منكوقا آن، هولاكو حفيد جنگيز.
وبالرغم ممّا يبدو من أنّ هذا الغزو كان تصميماً مغولياً بحتاً، وأنّ تنفيذه كان ينتظر الساعة المناسبة فقد حرضت عليه وقوّت عزيمة المغول فيه رغبة أخرى في قهر العالم الإسلامي وتمزيقه، هي رغبة أوروبا التي كانت لا تزال متشبثة بالحروب الصليبية.
فإنّ لويس التاسع المعروف ملك فرنسا ظلّ يحلم بالانتصار على المسلمين وتحقيق أمانيه في استصفاء بلادهم، وعلى ذلك فقد رأى في المغول الوثنيين حلفاء له فيما يصبو إلى تحقيقه، لا سيما وهناك ما اشتهر عن بعض زوجاتهم المسيحيات وما لهن من الأثر عليهم. فأرسل إلى منكوقا آن سنة (650ـ1252م) بعثة برئاسة الراهب «غليوم روبرك Guillame robruk» سارت من عكا إلى القسطنطينية ومنها إلى شبه جزيرة القرم، ثمّ مدينة «سراي» ثمّ عبرت منافذ الأورال ونهر إيلي إلى أن وصلت إلى قراقورم حيث قابل غليوم منكوقا آن.
ويبدو أنّ الهدف كان إنشاء تحالف مسيحي مغولي يتقدّم فيه المغول من الشرق والصليبيون من الغرب لحصر العالم الإسلامي وتحطيمه.
ولقد قوبلت البعثة بترحيب في البلاط المغولي وعادت تحمل رسالة جوابية إلى لويس التاسع([390]).
ولم تقتصر هذه الدعوة على مسيحيي أوروبا فإنّ مسيحيي غرب آسيا حاولوا هم الآخرون التقرّب إلى المغول والعمل على اجتذابهم إلى صفوفهم حتّى يستطيعوا بمعاونتهم أن يستخلصوا بلاد الشام من أيدي المسلمين.
هذا الأمل هو الذي حفز «هيتوم Hethoum» ملك كليكيا الأرمني إلى الإسراع إلى قراقورم في السنة نفسها التي عاد فيها رسول لويس التاسع إلى أوروبا وألح على منكوقا آن للقيام بحملة مشتركة على المسلمين.
على أنّ الواقع يدل على أنّ نية منكوقا آن لم تكن تهدف إلى التحالف مع الصليبيين بل كان ينوي الحلول محلهم في السواحل الشامية وأنّ ترحيبه برسلهم والتظاهر بالموافقة على دعوتهم كان يقصد بها تطمينهم وبعث الثقة في نفوسهم إلى الوقت المناسب.
التفكير في التخلص من الإسماعيليّين
استطاع الإسماعيليون أن ينجوا من غزو جنگيز وأن تظل قلاعهم سليمة ويظلوا هم فيها سالمين، وهذا ما أثار حنق المغول عليهم. فقد أعلنوا بكلّ وضوح في بدء زحفهم أنّ هدفهم استئصال الإسماعيليين ولقوا بين المسلمين من يحرضهم على ذلك ويمهد لهم السبيل.
والمسلمون نختستسصل ألماني،
بعص المسلمين الذين كان الخطر المغولي لا يزال جاثماً على أبوابهم بكل جبروته وقوته بعد غزو جنگيز خان، لم يروا في وثنية المغول إلحاداً، وإنما رأوا هذا الإلحاد في عقيدة الاسماعيليين،لذلك أطلقوا عليهم اسم “الملاحدة” وأصبحت قلاعهم تعرف باسم قلاع “الملاحدة” وأصبح همّ المسلمين لا العمل على وضع الخطط للمستقبل القريب والبعيد، والاعتبار من الماضي بالتفكير في تنظيم القوى الإسلامية وجمع صفوفها لتكون سداً منيعاً في وجه غزو مغولي جديد متوقع في كل ساعة. لم يصبح همهم هذا، بل كان همهم كيف نتخلص من «الملاحدة»، وكيف نقضي على الإسماعيليين وحكومتهم. إن التخلص من تلك الدعوة وأصحابها شئ يخص من يريدون التخلص منها ومنهم، ولكن على أن يتم ذلك بالقوى الذاتية، لا سيما المعنوية منها من إقناع ودليل وحجة، لا باستدعاء الأجنبي الوثني الطامع بالبلاد الإسلامية، والذي هو في الوقت نفسه أشد إلحادا من كل ملحد، وأفضع فتكا من كل فاتك.
كان (منكوقا آن) حفيد جنگيز هو الذي انتهت إليه خلافة جنگيز، وكان هو الحاكم الذي تسير بإشارته جيوش المغول في كل مكان. وكان له عدة إخوة يقودون جيوشه ويحكمون باسمه أحدهم «هولاكو».
وعلى منكوقا آن هذا كان يتردد قاضي قضاة المسلمين شمس الدين القزويني، وكان هم هذا القاضي أن يثير حفيظة الإمبراطور المغولي على النزاريين ويحرضه على اقتحام بلادهم، فلم يترك وسيلة من الوسائل إلا استغلها لإنجاح مقصده.
يقول رشيد الدين الهمذاني في كتابه جامع التواريخ في الصفحة 233، من المجلد الثاني ـ الجزء الأول: «في ذلك الوقت كان قاضي القضاة المرحوم شمس الدين القزويني موجوداً في بلاط الخان. وذات يوم ظهر للخان مرتدياً الزرد وأخبره أنه يلبسه تحت ثيابه خشية الملاحدة، كما سرد له طرفا من اعتداءاتهم وغاراتهم. وكان الخان يتوسم في أخيه هولاكو مخايل الملك، ويرى في عزائمه مراسم الفتح والغزو. وكان قد تفكر فرأى أن بعض ممالك العالم قد دخل فعلاً في حوزة جنگيز خان وبعضها لم يستخلص بعد».
ويقول الجوزجاني: (انظر طبقات ناصري، الصفحة 413 ـ 414) إن شمس الدين هذا كان على اتصال بالمغول، وكان إماماً وعالماً كبيراً، ذهب مرة إلى منكو خان وطلب منه أن يضع حداً لشر الملاحدة ويخلص الناس من فسادهم.
ويقول الجوزجاني أيضاً: إن كلمات هذا القاضي كان لها أثر عميق في نفس منكو خان إذ نسب إليه الضعف والعجز لأنه لم يستطع أن يستأصل شأفة هذه الطائفة التي تدين بدين يخالف ديانات المسيحيين والمسلمين والمغول، وما ذلك إلا لأنهم استطاعوا أن يغروا منكو خان بالمال، بينما هم يتحينون فرصة ضعف دولته، فيخرجون من الجبال والقلاع ليقضوا على البقية الباقية من المسلمين ويعفوا آثارهم.
هذا بعض ما حفظه المؤرخون من تحريض قاضي قضاة المسلمين (الإمام العالم الكبير) على حد تعبير الجوزجاني. أما ما لم يحفظوه فلا شك أنه شئ كثير، كما أنّه من غير شك لم يكن الوحيد الذي كان يقوم بهذه المهمة «المقدسة» مهمة تحريض المغول على الإسماعيليين، والصدفة وحدها جعلت اسمه يذكر وبعض أقواله تسجل.
وتدل أقواله وتصرفاته على أنه كان داهية دهماء يعرف كيف يصل إلى قلب محدثه وعقله وكيف يستحوذ على عواطفه وشعوره. ثم انظر كيف استطاع أن يثير في نفس حفيد جنگيز خان ذكريات عدم توفق جده بالاستيلاء على قلاع النزاريين، حتى أدى الأمر أن يروي لنا المؤرخ الموقف على هذا الشكل: «فرأى ـ منكو خان ـ أن بعض ممالك العالم قد دخل فعلاً في حوزة جنگيز خان وبعضها لم يستخلص بعد». ومن البديهي أن قلاع الإسماعيليين كانت مما لم يستخلص بعد.
وتعقيباً على تحريض القاضي يقول صاحب جامع التواريخ: «فاستقر رأي منكو خان على أن يعهد بكل طرف من المملكة إلى واحد من إخوته ليخضعها لإرادته».
هذه هي قصة من قصص بداية الغزو المغولي للبلاد الإسلامية على يد هولاكو الذي انتهى إلى ما انتهى من الوصول إلى بغداد وما جرى فيها من الفظائع والأهوال.
لقد كان بعض المسلمين محرضين على هذا الغزو، وكان بطل التحريض «قاضي القضاة الإمام العالم الكبير».
ويفجعك فيما يفجعك أن القاضي الإمام المحرض قد جعل من أبرز جرائم الإسماعيليين أنهم لا يدينون بالوثنية دين المغول، كما تراه في أقواله المتقدمة. فلو دانوا بها لما كان عليهم من بأس عند قاضي المسلمين وإمامهم العالم الكبير.
واستطاع هذا القاضي الإمام أن ينجح في مسعاه، فقضى المغول على دولة الإسماعيليين، ولكنهم قضوا في الوقت نفسه على خلافة بغداد وأزالوا دولة العباسيين. وليتنا نعرف رأي القاضي المحرض بالنهاية التي وصل إليها العالم الإسلامي نتيجة تحريضه وخيانته. صحيح أن المغول كانوا يعدون العدة لغزو العالم الإسلامي سواء حرضهم القاضي أم لم يحرضهم، ولكن الصحيح أيضاً أن «قاضي القضاة» كان من المحرضين المتحمسين لهذا الغزو وأنه أعطاهم المبرر ورفع لهم الشعار وكان من أخلص الأعوان.
ومضى هولاكو بجيشه الجرار معلناً أنه إنما يمضي للتغلب على الإسماعيليين، ولما وصل إلى (كش) أقام مدة شهر، ثم أرسل عدة رسل إلى الملوك والسلاطين في إيران تشتمل على هذه العبارات: «بناء على أمر القا آن قد عزمنا على تحطيم قلاع الملاحدة وإزعاج تلك الطائفة. فإذا أسرعتم وساهمتم في تلك الحملة بالجيوش والآلات فسوف تبقى لكم ولايتكم وجيوشكم ومساكنكم وستحمد لكم مواقفكم. أما إذا تهاونتم في امتثال الأوامر وأهملتم فإنا حين نفرغ بقوة الله من أمر الملاحدة فإننا لا نقبل عذركم ونتوجه إليكم فيجري على ولايتكم ومساكنكم ما يكون قد جرى»([391]).
وهكذا نرى أنّ شعار الحملة المغولية كان تحطيم قلاع الإسماعيليين الذين استعار هولاكو من المسلمين لقبهم فسماهم هو الآخر «ملاحدة». وأحسب أنّ القارئ يشاركني العجب من الزمن الذي جعل وثنياً مثل هولاكو يسمّي الإسماعيليين ملاحدة. ولم يكن عبثاً إصرار هولاكو على أن يعلن بأنّ شعار حملته هو القضاء على الإسماعيليين وتحطيم قلاعهم وإزعاج تلك الطائفة، فلولا أنّه يوقن بأنّ هذا الشعار يلقى صدى طيباً، وأنّه إعلان لتلبية ما دُعي إليه وحُرّض عليه، لما أكثر من ترداد هذا الشعار والتصريح به في كلّ مناسبة.
وأحسب أنّ القارئ يشاركني العجب أيضاً من الزمن الذي أرانا وثنياً يتبجح بين المسلمين بأنّه سيقضي على الإسماعيليين الذين لم يتمكن جدّه من القضاء عليهم، يتبجح بذلك ممتناً به على المسلمين الذين دعاه إمامهم وقاضي قضاتهم وألحّ في دعوته ليبيد جماعة لو لم يكن لهم من الصفات إلاّ أنّهم مواطنون شركاء في الأرض التي يعيش عليها المسلمون لكان ذلك كافياً للغضب لهم والذود عنهم، وكان مانعاً لمواطنيهم من أن يحرضوا عليهم الأجنبي الوثني.
زحف هولاكو
النصوص التي أوردها رشيد الدين فضل الله الهمذاني في كتابه جامع التواريخ، كذلك ما ورد في طبقات ناصري([392]) تدل على أنّ شمس الدين القزويني محرّض المغول كان موجوداً في بلاط منكوقا آن عندما جرى تقسيم المهمات العسكرية بين أخوة منكوقا آن وإرسال كلّ واحد منهم إلى جهة من الجهات لفتحها. فعهد هولاكو بفتح «غرب إيران والشام ومصر وبلاد الروم والأرمن» كما يقول الهمذاني.
وقبل مسير الحملة أرسل منكوقا آن خبراء الطرق ليكشفوا على الطريق الذي ستسلكه حملة هولاكو من قراقورم حتّى شاطئ جيحون وليقيموا الجسور على الأنهار والمجاري. وحدّد لكلّ جندي مائة مَنْ من الدقيق وقربة من النبيذ. وحدّد لهولاكو مهمته بهذه الوصية: «حافظ على تقاليد جنگيز وقوانينه في الكليات والجزئيات، وخصّ كلّ من يطيع أوامرك ويجتنب نواهيك في الرقعة الممتدة من جيحون حتى أقاصي بلاد مصر، بلطفك وبأنواع عطفك وأنعامك. أمّا من يعصيك فأغرقه في الذلة والمهانة مع نسائه وأبنائه وأقاربه وكلّ ما يتعلّق به. وابدأ بإقليم قهستان فخرب القلاع والحصون. فإذا فرغت من هذه المهمة فتوجّه إلى العراق وأزل من طريقك اللور والأكراد الذين يقطعون الطرق على سالكيها. وإذا بادر خليفة بغداد بتقديم فروض الطاعة فلا تتعرّض له مطلقاً، أمّا إذا تكبّر وعصى فألحقه بالآخرين من الهالكين. كذلك ينبغي أن تجعل رائدك في جميع الأمور العقل الحكيم والرأي السديد وأن تكون في جميع الأحوال يقظاً عاقلاً وأن تخفّف على الرعية التكاليف والمؤن وأن ترفه عنهم. وأمّا الولايات الخربة فعليك أن تعيد تعميرها في الحال. وثق أنّك بقوّة الله العظيم سوف تفتح ممالك الأعداء حتّى يصير لك فيها مصايف ومشاتي عديدة. وشاور دوقوز خاتون في القضايا والشؤون»([393]).
في هذه الوصية تحديد لمهمة هولاكو فهي تحدّد له المنطقة التي عليه أن يجتاحها بجحافله، وهي تمتد من نهر جيحون حتى أقاصي مصر. وسترى أنّ هولاكو نجح في المهمة فاجتاح جميع البلاد المحددة ولكنّه وقف دون مصر.
وكان تنفيذه للوصية تنفيذاً حرفياً إذ أغرق في الذلة والمهانة فضلاً عن المنية كلّ من اجتاز بهم. وزاد فلم يقتصر في التخريب على القلاع والحصون، بل شمل جميع العمران. أمّا الذي لم ينفذه من الوصية فهو تخفيف التكاليف والمؤن على الرعية والترفيه عنهم، هذا إذا كان مفهوم الرعية هو الشعوب التي ستحكم من المغول. أمّا إذا كان مفهومها هو المغول أنفسهم فقد فعل ولا شك.
وفي شهر ذي الحجة سنة (650هـ ـ 1252م) قصد هولاكو معسكره يتهيأ ويستعد وينظم أموره. وبعد سنة كاملة أي في شهر ذي الحجة سنة 651 كان قد أتمّ تدارك حاجاته فمشى زاحفاً بجيوشه الجرارة.
وقبل أن يسير كان قد عهد إلى حكام الولايات التي سيجتاز بها بأن يعدّوا المأكل والمشرب للجنود وأن يمهدوا من الطرق ما يحتاج للتمهيد وأن يعدوا السفن لعبور الأنهار. وكان كلما اجتاز بولاية ينضم إليه ما أعدته من جنودها. وقد صحب معه زوجتيه «دوقوز خاتون» و«أولجاي خاتون». وفي صيف سنة 651 كان يعسكر في تركستان وما وراء النهر. وفي شهر شعبان من سنة (653هـ ـ 1255م) كان ينزل على مراعي سمرقند فأمضى هناك ما يقرب من أربعين يوماً منصرفاً للشراب. ثمّ رحل حتّى نزل عند حدود « كِش» فأقام فيها مدّة شهر. ومن هناك أرسل إلى الملوك والحكام الرسائل التي نشرنا نصها من قبل([394]).
ففي هذه الرسائل أو بالأحرى هذا المنشور الموجّه إلى الحكام لا يوضح هولاكو حقيقة مهمته التي حدّدتها وصية منكوقا آن من أنّ عليه أن يفتح البلاد من جيحون إلى أقاصي مصر، بل يحصر مهمته في «تحطيم قلاع الملاحدة وإزعاج تلك الطائفة». أي أنّه يعلن أنّه إنّما ينفذ ما طلب إليه إمام المسلمين وقاضي قضاتهم شمس الدين القزويني تنفيذه وإن على هؤلاء الحكام المسلمين أن يسارعوا إلى معونته ونصره.
فها نحن نصبح في صميم المأساة: طاغية وثني يعكف في طريقه شهراً على الشراب، يريد أن يخلص «المؤمنين» من «الملحدين» تنفيذاً لرغبة أولئك المؤمنين!…
تخليص الناس من «الإلحاد» هو ما يهدف إليه هولاكو. وعلينا أن لا نعجب من ذلك ما دام «المؤمن» شمس الدين القزويني قد رفع له الشعار!.
ويصف رشيد الدين فضل الله الهمذاني في (جامع التواريخ) التسارع إلى تلبية النداء (الجهادي) فيقول: «أقبل من بلاد الروم السلطانان عز الدين وركن الدين. ومن فارس سعد بن الأتابك مظفر الدين. ومن العراق وخراسان وآذربيجان وأران وشروان وجورجيا الملوك والصدور والأعيان». من جيحون إلى أقاصي مصر!. وها هو هولاكو على ضفة جيحون ليخطو الخطوة العملية الأولى في طريق رحلته الطويل، فأمر بتوقّف حركة النقل في النهر الكبير ونصب عليه جسراً عبرت عليه قواته في غرة ذي الحجة سنة (653هـ ـ 1255م). وفي اليوم التالي كان ينزل في مرعى «شبورقان» من توابع بلخ ففاجأته هناك الأمطار والثلوج واستمرّت سبعة أيام فهلك الكثير من دوابه برداً. فقرّر تمضية الشتاء هناك عاكفاً على اللهو والطرب والاستمتاع.
مقدمة هولاكو
قبل أن يعبر هولاكو نهر جيحون متوجهاً إلى البلاد الإسلامية سبقته مقدمة لجيوشه مهدت له الطريق وعملت أوّل ما عملت على حصرا قلاع الإسماعيليين. ففي شهر جمادى الآخرة سنة 650 تقدّم «كيتوبوقا» بهذه المقدمة تاركاً بلاط منكوقا آن. وفي أوائل شهر المحرم سنة 651 عبر نهر جيحون فهاجم أوّل ما هاجم ولاية قهستان فسيطر على بعض أجزائها ثمّ تقدّم لحصار قلعة «گرده كوه» في ربيع الأوّل من السنة نفسها واكتفى بأن أحكم حصارها بخندق حفره حولها وأحاط الخندق بسور كما أحاط جيشه بخندق آخر وسور آخر، ثمّ ترك عندها قطعة من الجيش ومضى إلى قلعة «مهرين» وحاصرها. وتقدّم إلى مدينة (شاه) فكانت فيها أولى المذابح ورجع عنها في الوقت الذي كان قائد آخر من قواده يتغلغل في البلاد محدثاً مذبحة استمرّت ثمانية عشر يوماً.
وفي التاسع من شوال سنة 651 كان المحاصرون في كرده كوه يقومون بغارة ليلية على المغول مستهدفة قائدهم «بوري» فتنجح في القضاء عليه وعلى مائة جندي من جنوده محاصريهم. فرأى كيتوبوقا في ذلك تحدّياً ضخماً قابله بهجوم ساحق على ولاية قهستان استولى فيه على «تون» و«ترشيز» وأباح القتل والعسف والأسر. ولم تلبث قلعة مهرين أن سقطت ثمّ تبعتها قلعة «كمالي».
هولاكو يتولى بنفسه
ثمّ أرسل هولاكو رسالة إلى ناصر الدين المحتشم في قلعة «سرتخت». ويبدو جلياً من النص الذي أورده الهمذاني في جامع التواريخ([395]) أنّ بعض المسلمين كانوا قد بدأوا يتعاونون مع هولاكو ويسيرون في ركابه وينفذون أوامره، فإنّ الذي حمل رسالة هولاكو إلى ناصر الدين المحتشم هو الملك شمس الدين كُرت.
كانت الرسالة تدعو المحتشم للدخول في الطاعة، وكان المحتشم قد شاخ وضعف ورأى تساقط القلاع من قبل بيد المغول فآثر إجابة الطلب ومضى مع الملك شمس الدين حاملاً معه الهدايا والتحف معلناً بذلك استسلامه الشخصي لهولاكو في حين أبقى على القلعة ولم يسلمها. فاعترض هولاكو على ذلك. ولكن ناصر الدين ردّ قائلاً: «أنّ لهم ملكاً يدعى خور شاه يأتمرون بأمره».
وأراد هولاكو أن يضرب مثلاً حسناً لمن يستسلمون ولا يقاومون وأن يشجع على التسليم فأنعم على المحتشم وعيّنه حاكماً على مدينة «تون».
وهنا يبدو الغموض في النصوص التاريخية التي تذكر احتلال تون احتلالاً ثانياً على يد هولاكو بعد أن ذكرت احتلالها أوّلاً على يد كيتوبوقا. والذي يستنتج من ذلك أنّ تون ربّما عادت فخرجت على المغول قبل وصول هولاكو ثمّ عادوا فاحتلوها بعد وصوله.
وقد تابع هولاكو خط زحفه حتّى بلغ حدود «زاوه»([396]) و«خواف»([397]) ومن هناك وجّه قواده لاكتساح الولايات الإسماعيلية فلقوا مقاومة عند حدود قهستان تغلبوا عليها في خلال أسبوع فانتهت بأسر المقاومين. ثمّ تقدّموا إلى «تون» ونصبوا عليها المجانيق ثمّ استولوا عليها و قتلوا جميع سكانها مستثنين أرباب الحرف، ثمّ عادوا إلى معسكر هولاكو يعلنون ظفرهم.
بعد هذه التمهيدات للاحتلال اتجه هولاكو بفيالقه نحو مدينة طوس، وتجاوزها موغلاً في السير باتجاه القلاع الإسماعيلية، وفي الطريق أرسل إلى ركن الدين خور شاه كبير الإسماعيليين وفداً مؤلفاً من مغولي هو «بكتيمورجي» ومسلمين هما ظهير الدين سبلار البيتكجي وشاه أمير. فأدّى الوفد الرسالة وعاد ملتقياً بهولاكو وقد وصل إلى نواحي القلاع وشرع بهجماته عليها.
وبالرغم من أنّ النصوص التاريخية لا تعرب عن مضمون الرسالة فلا شك أنّها كانت دعوة إلى التسليم وأنّ خور شاه لم يجب إلى ذلك بدليل أنّ هولاكو حين تقدّم إلى خراسان وبسطام في العاشر من شعبان سنة 654هـ أرسل وفداً مغولياً آخر إلى خور شاه يحمل رسالة أخرى، وأمر رجلي الوفد بتخويف خور شاه وتهديده ووعيده.
التسليم
واستشار ركن الدين خور شاه من عنده من الرجال فأشاروا بعدم جدوى المقاومة ومالوا إلى التسليم. فرأى أن يرسل أخاه الأصغر شاهنشاه وأصيل الدين الزوزني على رأس جماعة من أعيان مملكته إلى هولاكو دليلاً على التسليم فأكرمهم هولاكو ولكن عاد فأرسل وفداً آخر فيه صدر الدين وظهير الدين وتوكل بها دوربخشي ومازوق برسالة إلى خور شاه تطلب إليه أن يخرب القلاع، إذا كان حقاً قد قبل التسليم ويأتي بنفسه إلى هولاكو.
فهدم خورشاه أقساماً من بعض القلاع كقلعة مامون دز ولمبسر وألموت نفسها فحطم الأبراج ورمى الأبواب وأخذ يعمل في تخريب أسوارها وحصونها.
أما بشأن قدومه بنفسه إلى هولاكو فطلب إمهاله سنة ليغادر القلعة ويقبل إلى هولاكو، فلم يرق ذلك لهولاكو فتوجّه من بسطام متقدّماً نحو القلاع وأمر أن تجتمع الجيوش كلّها وسار في قلبها، ثمّ أرسل رسلاً إلى خور شاه يقولون: «إذا أتى بنفسه لاستقبالنا فإنّنا سنعفو عنه رغم جرائمه العديدة» وظل هولاكو على تقدّمه حتّى تجاوز مدينة «فيروز كوه» وهناك التقى برسله عائدين بتعهد بتخريب القلاع وراجين أن يرضى ببقاء خور شاه عاماً واحداً في القلاع، على أن يستثنى من التخريب قلعتا ألموت ولمبسر لما فيهما من الذكريات الإسماعيلية باعتبارهما قاعدتي الحكم الإسماعيلي، وعزز خور شاه تسليمه هذا بأن كتب إلى حكام كرده كوه وقهستان بأن يتوجهوا إلى هولاكو.
ولكن هولاكو ظلّ مصراً على التسليم العام الكامل وحضور خور شاه بنفسه معلناً هذا التسليم، وظلّ مستمراً بزحفه، فتجاوز ولاية (لارودماوند) إلى (فِرَان) ثمّ حاصر قلعة (شاه دز) الواقعة في طريقه فسلمت في يومين. ثمّ عاد يرسل الرسل إلى خور شاه ليحرّضوه على التسليم. فمشى خور شاه في تسليمه هذه المرة خطوة أوسع حيث أرسل ابنه مع 200 من الجنود ورضي بأن يخرب القلاع جميعها دون استثناء.
فتوقف هولاكو في مدينة «عباس آباد الري» منتظراً تنفيذ الوعود. وفي السابع عشر من شهر رمضان سنة 654 بدأ خور شاه تطبيق ما وعد بتطبيقه فأرسل ابنه الذي كان لا يتجاوز الثامنة من عمره مع جمع من الأعيان والكبراء، فأعاد هولاكو الصبي معززاً لصغر سنّه، ورضي بأن يرسل خور شاه أخاه الآخر إذا كان لا يستطيع الحضور. فامتثل ركن الدين لهذا الأمر وأرسل أخاه شروان شاه وأصيل الدين الزوزني مع ثلثمائة من كبار رجال الدولة فالتقوا بهولاكو في ضواحي الري.
ثمّ أعاد شروان شاه إلى أخيه مصراً على تخريب القلاع وأمر بأن تتجمّع جيوشه المنتشرة وتلتقي في معسكر واحد فلم يشعر الإسماعيليون إلاّ وقد أحيط بهم وأصبحوا مطوقين من كلّ الأطراف. فأرسل خور شاه قائلاً: ما دمنا قد خضعنا ونحن نشتغل بتخريب القلاع فعلام أقبلتم علينا.
ثمّ أحاطت الجيوش بقلعة ميمون دز ولكن عجز المغول عنها لمناعتها، فهمّ هولاكو بالرحيل لمداهمة الشتاء له ثمّ العودة في العام المقبل ولكن مستشاريه وبينهم سيف الدين البيتكجي أصرّوا على البقاء والاستمرار في حصار القلعة. فأرسل رسالة جديدة إلى خور شاه تجمع بين الترغيب والترهيب فاستشار خور شاه رجال دولته ثمّ أرسل وفداً من كبار رجاله على اختلاف مناصبهم لمقابلة هولاكو ودراسة الأوضاع والعودة بالرأي الأخير، فاستقبل المغول الوفد ثمّ أنزلوهم في أماكن متفرقة كلّ رجل بمفرده، ثمّ استجوبوهم واحداً واحداً. ولا شك أنّ هذا التصرف كان يراد به شيئين: أوّلاً استطلاع حقيقة الحال في القلعة وبقية القلاع، ثمّ التهويل على الموفدين، لذلك عاد رجال الوفد إلى خور شاه مقتنعين بوجوب التسليم. وبعد أيام نزل خور شاه من القلعة ومعه نصير الدين الطوسي وأصيل الدين الزوزني، والوزير مؤيد الدين، وأبناء رئيس الدولة وهم أطباء، فكان نزوله توديعاً نهائياً للأرض التي ظلّت مقراً لأسرته وحصناً منيعاً لها طيلة قرنين.
وكان استقبال هولاكو لخور شاه استقبالاً حسناً، إذ كان لا يزال محتاجاً إليه ثمّ أوفد معه من يتسلّم القلاع والحصون في قهستان ورودبار وقومس وكانت تبلغ المائة فاستسلمت جميعها فيما عدا قلعتي گرده كوه ولمبسر.
وكانت القلاع تضم الكثير من الخزائن والذخائر والنفائس والآلات ممّا كان الإسماعيليون يجمعونه ويحتفظون به طيلة قرنين فتسلم المغول ذلك كلّه ثمّ خربوا القلاع تخريباً تاماً.
وفي لمبسر امتنعت الأسرة الحاكمة ـ إذا صحّ التعبير ـ من أقرباء ركن الدين خور شاه وفريق من أتباعه ورفضوا التسليم وظلّوا في المقاومة طيلة سنة، ولم يزعزعهم سوى حلول وباء فيهم أهلك الكثيرين منهم ممّا حمل الباقين على الإذعان وهكذا استسلمت لمبسر.
أمّا كرده كوه فقد رفضت التسليم رفضاً قاطعاً وظلّ الإسماعيليون معتصمين بها ويقاومون مستبسلين عشرين سنة فيما يبدو.
ولمّا تمّ الأمر لهولاكو في تلك القلاع تقدّم نحو القلعة الكبرى «ألموت» مستصحباً معه ركن الدين خور شاه، فلمّا بلغها هولاكو أوفد ركن الدين إلى القلعة ليحمل من فيها على التسليم ولكن قائد القلعة رفض ذلك وصمّم على المقاومة وظلّ يرد هجمات المغول بضعة أيام. فرأى هولاكو أن يؤمن من بها على حياتهم ويدعوهم من جديد إلى التسليم فنجح هذه المرّة ونزل القائد مستسلماً فدخل المغول القلعة واعملوا فيها النهب والسلب. وكان فيما قضوا عليه في القلعة، المكتبة الكبرى التي تعب الإسماعيليون في جمع نفائسها: وقد استطاع الصاحب علاء الدين الجويني أن ينقذ بعض ما فيها([398]).
مقتل ركن الدين خور شاه
وترك هولاكو عند لمبسر من يحاصرها وتقدّم في اتجاه قزوين حيث نزل في 27 ذي الحجة سنة 654 على بُعد سبعة فراسخ منها. ولم يكتف هولاكو من خور شاه بتسليم قلاع إيران، بل طلب إليه أن يرسل من قبله وفداً مع وفد مغولي إلى إسماعيليي بلاد الشام يدعوهم إلى عدم المقاومة حين تصل جيوش المغول إليهم.
وهكذا ظلّ المغول على إعزاز خور شاه والإنعام عليه ما داموا محتاجين إليه فلمّا انقضت حاجتهم أرسله هولاكو إلى بلاط أخيه منكوقا آن في قراقورم، وقبل أن يصل أرسل منكوقا آن من قتله في الطريق بين أبهر وقزوين كما قتل معه أسرته كلّها رجالاً وأطفالاً.
وهناك من يرى أنّهم أوصلوه إلى منكوقا آن، وهناك قتل. وكان هولاكو قد احتفظ بكلّ من نصير الدين الطوسي وأبناء رئيس الدولة وموفق الدولة أمّا الأوّل ففضلاً عن كونه فيلسوفاً كان فلكياً عالماً بالنجوم، وكان هولاكو مغرماً بهذا النوع من العلم. وأمّا الآخرون فقد كانوا أطباء وكان بحاجة ماسة إلى الأطباء لذلك احتفظ بالجميع في معسكره ونجوا بذلك من القتل ثمّ ألزمهم صحبته فصحبوه في مراحله كلّها.
ألموت بعد هولاكو
ويقول الدكتور فرهاد دفتري في كتابه (تاريخ الإسماعيليين وعقائدهم): يبدو أن نزاريي رودبار بعد فترة زمنية قصيرة تمكّنوا من أن يتّحدوا تحت نوع من القيادة المركزية. وفي خلال فترة زمنية تقل عن عشرين عاماً من سقوط ألموت شكّلوا قوّة عسكرية كانت نشطة لفترة من الزمن.
وقد حاول نزاريو شمال إيران عدّة مرّات استعادة ألموت والقلاع المهمة الأخرى في رودبار لأنّ هذه القلاع لم تكن قد دمرت نهائياً، كما أشار الجويني والمؤرخون الإيرانيون في عصر الإيلخانيين.
والحقيقة أنّ المغول أنفسهم جدّدوا بناء ألموت ولمبسر لأنفسهم. وفي سنة (674هـ ـ 1275ـ1276م) أي بعد سبع سنوات من سقوط قلعة (گرده كوه) كان نزاريو رودبار قد بلغوا من القوّة إلى حد أنّهم تضامنوا مع أحد أخلاف الخوارزمميين واستعادوا ألموت لمدّة سنة واحدة إلى أن طردوا منها بقوات أرسلها آباقا (663ـ680هـ) (1265ـ1282م) ابن هولاكو.
وتوفي شمس الدين محمد حوالي سنة (710هـ ـ 1310/1311م) في آذربيجان بعد إمامة استمرّت حوالي خمسين سنة، وفي خلال إمامته الطويلة تمكّنت النزارية الإيرانية لا سيما في رودبار من إعادة تنظيمها بحيث استعادت ألموت مرّة أخرى لفترة مؤقتة.
ويقول دفتري وهو يتحدّث عن وقائع تيمورلنك:
في هذه الأحوال ظهر في الديلم زعيم نزاري باسم (الرب محمد) الذي يمكن أن نعتبر أنّه نفس محمد علي شاه بن مؤمن شاه المتوفى سنة (807هـ ـ 1404م) إمام النزاريين المحمد شاهيين.
إلى أن يقول:
في سنة (776هـ/1374ـ1375م) هرم كيا ملك والقوات التي كان قد جمعها في ديلمان أمام قوات السيد علي بقيادة السيد مهدي كيا شقيق السيد علي. هرب كيا ملك بنفسه إلى ألموت…
ويتابع بعد ذلك قائلاً:
نتيجة ذلك ذهب الرب محمد إلى ألموت أيضاً والتحق بكيا ملك…
ثمّ يقول:
وعد إذا ساعده زعيم النزاريين في استعادة أشكور ثانية، بأنّه سيمنحه قلعة ألموت…
ويقول:
جمع النزاريين في ألموت ولمبسر وتوجّه بصحبة كيا ملك إلى أشكور…
ويقول:
استقرّ كيا ملك حاكماً على أشكور ثانية وسلّم ألموت وضواحيها إلى الرب محمد ويظل يتكرر ذكر ألموت في كتاب الدفتري مقروناً بالأحداث إلى أن يصل إلى عهد الشاه عباس الصفوي، فيقول:
بعد استقرار الحكومة الصفوية في شمال إيران فقد النزاريون أهميتهم في الديلم، واستمرّت جماعات صغيرة من النزاريين بحياتها في منطقة بحر الخزر في العصر الصفوي. وكانت الحكومة الصفوية قد استفادت من قلعة ألموت سجناً حكومياً لحبس أفراد الأسرة الطاغين والمتمردين.
ويقول الدكتور حسن قلي ستة في مقاله عن قزوين المنشور في (دائرة المعارف): ثمّ آلت قلعة ألموت بعد انقراض المغول إلى حكام مازندران وگيلان حتّى جاءت الدولة الصفوية واتخذت من قزوين عاصمة لها وأصبحت هذه القلعة حينئذ سجناً للمجرمين والمذنبين. وبعد أن انتقلت العاصمة إلى أصفهان تركت هذه القلعة حتّى آلت إلى الخراب بالتدريج.
نصير الدين الطوسي بعد سقوط ألموت
ذكرنا فيما تقدّم من القول استيلاء هولاكو على (ألموت) وأسره من أسر وقتله الأسرى واستبقائه منهم للأطباء ولنصير الدين الطوسي لحاجته إليهم، وسنرى هنا استغلال الطوسي لهذه الحاجة في خدمة الإسلام، وما أدّاه في هذا السبيل من جهود أنقذت الإسلام والمسلمين.
جمع نصير الدين الطوسي إلى العلم الواسع العقل الكبير، فَتُرِيكَ سيرته رجلاً من أفذاذ الرجال لا يمر مثله كلّ يوم. وتشاء الأقدار أن تعده لمهمة لا ينهض لها إلاّ من اجتمعت له مثل صفاته: علم وعقل وتدبير وبُعد نظر، فكان رجل الساعة في العالم الإسلامي، هذا العالم الذي كان مثخناً بالجراح.
كانت مهمة الطوسي من أشق المهمات، وكانت أزمته النفسية من أوجع ما يصاب به الرجال، فإنّه وهو العالم الكبير ذو الشهرة المدوية بين المسلمين، يرى نفسه فجأة في قبضة عدو المسلمين، ويرى هذا العدو مصرّاً على أن يبقيه في جانبه ويسيره في ركابه. وإلى أين يمشي هذا الركاب؟ إنّه يمشي لغزو الإسلام في دياره والقضاء عليه في معاقله، فهل من محنة تعدل هذه المحنة؟
إنّ أقل تفكير في التمرّد على رغبة القائد المغولي سيكون جزاؤه حد السيف… وإنّني لأتخيل الطوسي متأمّلاً طويل التأمّل، مطرقاً كثير الإطراق، لقد كان يعز عليه أن يذهب دمه رخيصاً وأن يكون ذلك بإرادته هو نفسه، فلو أنّ سيفاً من سيوف المغول الجانية أودى به فيمن أودى بهم في رحاب نيسابور وسهول إيران لكان استراح. أمّا الآن فلن يستسلم للقدر الطاغي وسيثور على حكم الزمن الغاشم.
كان الطوسي ذا فكر منظم يعرف كيف يخطط ويدبّر. وهو في ذلك آية من الآيات، وقد أدرك أن النصر العسكري على المغول ليس ممكناً أبداً، فقد انحل نظام العالم الإسلامي انحلالاً تاماً لم يعد معه أمل في تجميع قوّة تهاجم المغول وتخرجهم من دياره، وكانت البلاد المحتلة أضعف من أن تفكّر في ثورة ناجحة. على أنّ الغرب الإسلامي كان لا يزال سليماً، وكانت مصر هي القوّة الوحيدة التي تتجه إليها الأنظار، وقد استطاعت مصر أن تذيق المغول مرارة الهزيمة وأن تردّهم عنها، ولكنّها لم تكن مستطيعة أكثر من ذلك، فمهاجمة المغول فيما احتلوه من بلاد بعيدة وإخراجهم من تلك البلاد كان فوق طاقة مصر.
وفكّر نصير الدين طويلاً فأيقن أنّه إذا تمّ للمغول النصر الفكري، بعد النصر العسكري، كان في ذلك القضاء على الإسلام، وها هو يرى بأم عينه الكتب تباد والعلماء يقتلون، فماذا يبقى بعد ذلك؟
لقد استغل حاجة هولاكو إليه، وحرصه على أن يكون في معسكره فلكي عالم بالنجوم، فعزم على كسب ثقته واحترامه فكان له ما أراد، وصار له من ذلك سبيل لإنقاذ أكبر عدد من الكتب وتجميعها، كما استطاع أن ينجي من القتل الكثيرين ممّا كانوا سيقتلون.
ولما استتب الأمر لهولاكو خطا نصير الدين خطوته الأولى، وكانت هذه المرة خطوة جبارة، فقد أقنع هولاكو بأن يعهد إليه بالإشراف على الأوقاف الإسلامية والتصرف بمواردها بما يراه، فوافق هولاكو، وتطلّع نصير الدين فرأى أن المسلمين كانوا قد وصلوا من الانحلال الفكري إلى حد أصبح العلم عندهم قشوراً لا لباب فيها، وأنهم حصروا العلم في الفقه والحديث وحدهما، وحُرِموا ما عداهما من سائر صنوف المعرفة التي حث عليها الدين العظيم، وانصرفوا عن العلوم العملية انصرافاً تاماً. فأعلن افتتاح مدارس لكل من: الفقه، والحديث، والطب، والفلسفة، وأنّه سيتولى الإنفاق على طلاب هذه المدارس، ولكنّه سيعمل لكلّ واحد من دارسي الفلسفة ثلاثة دراهم يومياً، ولكلّ واحد من دارسي الطب درهمين ولكلّ واحد من دارس الفقه درهماً، ولكلّ واحد من دارسي الحديث نصف درهم، فأقبل الناس على معاهد الفلسفة والطب، بعدما كانت من قبل تدرس سراً.
أحرز نصير الدين النصر الأول في معارك الإسلام، فالعلم لن ينقطع بعد اليوم، ولن يجمد المسلمون عن طلبه، ثم انصرف يخطط للمعركة الكبرى الكاسحة، فإذا كان إنشاء المدارس المتفرقة لن يلفت نظر هولاكو إليها، ولن يدرك أهميتها، فإن إنشاء الجامعة الكبرى وحشد العلماء فيها وحشو الكتب في خزانتها، سيكون حتماً منبّهاً لهولاكو، فكيف العمل؟
هنا تبدو براعة الطوسي، فهولاكو استبقاه لغاية معينة، فراح يقنع هولاكو بأنه من أجل استمراره في عمله والاستفاده من مواهبه لابد من إنشاء مرصد كبير، فوافق هولاكو على إنشاء المرصد الكبير، وفوض إلى نصير الدين المباشرة بالعمل.
لقد كانت هذه الموافقة الحلم الأكبر الذي حققته الأيام لنصير الدين، وبات بعدها مستريحاً للمستقبل لا يشغله شيء إلاّ الإعداد الدقيق والتخطيط السليم الموصل إلى الغاية القصوى([399]).
ضخّم نصير الدين أمر المرصد لهولاكو وأقنعه أنه وحده أعجز من أن يرفع حجراً فوق حجر في ذاك البناء الشامخ، وأنه لابد له من مساعدين أكفاء يستند إليهم في مهمته الصعبة، وأنه لا مناص من أجل ذلك من أن يجمع عدداً من الناس المختارين، سواء في البلاد المحتلة أو في خارجها، فوافق هولاكو على ذلك([400]).
وهنا هبّ نصير الدين إلى اختيار رسول حكيم هو فخر الدين لقمان بن عبدالله المراغي، وعهد إليه بالتطواف في البلاد الإسلامية، وتأمين العلماء النازحين ودعوتهم للعودة إلى بلادهم، ثم دعوة كل مَن يراه متفوقاً في علمه وعقله من غير النازحين.
مضى العمل منظّماً دقيقاً وانصرف العلماء بإشراف الطوسي منفذين مخطَّطاً مدروساً، فلم يمض وقت كبير حتى كانت المكتبات تغص بالكتب، وأضحت مكتبة مراغة بالذات تضم مجموعة قلّ أن اجتمع مثلها في مكتبة أخرى، وغدت المدارس تقام في كل مكان، وعادت الثقافة الإسلامية حية سوية، والنفوس مشبعة بالأمل والقلوب مليئة بالرجاء، وأخذ الدعاة ينطلقون في كل صوب والهداة ينتشرون عند كل وجهة…([401]).
ثم يموت هولاكو ولكن الإسلام الذي أراد له هولاكو الموت، يظلّ صحيح البنية، متوهّج الفكر، ثم يموت ابن هولاكو وخليفته (ابقا خان) والإسلام لا يزال بقيادة الطوسي صامداً، يقاتل ويقاوم ويدعو ويهدي.
ويأتي بعد ابقا خان، ابن هولاكو الآخر «تكودار» فإذا بالإسلام ينفذ إلى قلبه وعقله، وإذا به يعلن إسلامه، وتُسْلم الدولة كلها بعد ذلك في عهد غازان.
وكان الطوسي قد مات سنة (672هـ ـ1274م). مات قرير العين وهو يرى طلائع الظفر مقتحمة الدنيا بموكبها الرائع، وبشائر النصر هازجة بأرفع صوت وأعلى نبرة. مات الطوسي مودعاً الأمر إلى تلميذه وأقرب المقربين إليه «قطب الدين أبو الثناء محمود بن مسعود الشيرازي»، فنهض بالعبء على ما أراده نصير الدين. فلم يجد «تكودار» الذي أصبح اسمه «أحمد تكودار» خيراً من الشيرازي خليفة للطوسي ليكون رسوله إلى العالم الإسلامي.
ويقول العالم الأزهري الشيخ عبدالمتعال الصعيدي: «لم يمت نصير الدين إلاّ بعد أن جدد ما بلي في دولة التتار من العلوم الإسلامية، وأحيا ما مات من آمال المسلمين بها».
إلى أن يقول: «… إن الانتصار على التتار لم يكن في الحقيقة بردِّهم عن الشام في موقعة «عين جالوت» وإنما كان بفتح قلوبهم إلى الإسلام وهدايتهم له».
وهذا ما حققه نصير الدين الطوسي.
هكذا استطاع نصير الدين الطوسي أن يهزم بالعقل والعلم الدولةَ الطاغية الباغية، وأن تنجح خططه في التمهيد لتحويل المغول من وثنيين إلى مسلمين([402]).
الطوسي يحمي كتب بغداد
لا نريد هنا التحدّث بالتفصيل عمّا جرى في فتح بغداد، بل أنّنا نريد معرفة مصير كتب بغداد وما جرى لها على أيدي الغزاة([403]).
فمن أقدم الإشارات إلى ذلك ما ورد في الكتاب المنسوب ـ اشتباهاً وغلطاً إلى ابن الساعي ـ المتوفى سنة 674هـ قوله: «ويقال إنّهم (المغول) بنوا اصطبلات الخيول وطولات المعالف بكتب العلماء عوضاً عن اللبن». ثمّ ما ورد عن ابن خلدون المتوفى سنة 808 من أنّ المغول استولوا على قصور الخلفاء وذخائرها «وعلى ما لا يبلغه الوصف ولا يحصره الضبط والعدّ، وألقيت كتب العلم التي كانت بخزائنهم في دجلة وكانت شيئاً لا يعبر عنه». كما يذكر القلقشندي المتوفى سنة 821 عن خزائن كتب الخلفاء ببغداد عند الغزو المغولي بأنّها «ذهبت فيما ذهب وذهبت معالمها وأعفيت آثارها». ويذكر ابن تغري بردي المتوفى سنة 874 عن كتب بغداد بأنّها أحرقت. كما يقول إنّ المغول «بنوا بها جسراً من الطين والماء عوضاً عن الآجر». ويقول: «وقيل غير ذلك». وهناك نص طريف لمؤرخ مكي توفي سنة 988 أو 991هـ جعل فيه بغداد على الفرات وقال: «ورموا كتب بغداد في الفرات وكانت لكثرتها جسراً يمرون عليها ركباناً ومشاة وتغيّر لون الماء بمداد الكتابة إلى السواد».
هذه أهم النصوص التي تدين المغول الذين غزوا بغداد سنة 656 بإتلاف الكتب وخزائنها. وسأناقشها بعد أن أشير بإيجاز إلى المصادر التي سكتت عن مصير الكتب عند حادثة سقوط بغداد. وقد يفيد السكوت عدم حصول أي حادث للكتب.
فمن أهم المصادر التي سكتت عن هذه المسألة ما دوَّنه رشيد الدين فضل الله الهمذاني المتوفى سنة 718 والذي يعتبر بحق مؤرخ المغول الأوّل، فقد سكت في تاريخه عن مصير الكتب، ولكنّه ذكر القتل العام والنهب والإحراق والاستيلاء على قصور الخلفاء. كما نلاحظ السكوت أيضاً عند اليونيني المتوفى سنة 726 وأبي الفداء المتوفى سنة 732 والذهبي المتوفى سنة 748 وغيرهم من المتأخرين كابن العماد الحنبلي المتوفى سنة 1089هـ.
أمّا المصادر التي أنارت الطريق للكشف عن المسألة، ففي مقدمتها معجم ابن الفوكي المرسوم بتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب. حيث يذكر لنا هذا المؤرخ البغدادي المعاصر للحوادث التي نحن بصددها في ترجمة عز الدين بن أبي الحديد ما نصّه: «ولمّا أخذت بغداد كان (ابن أبي الحديد) ممّن خلص من القتل في دار الوزير مؤيد الدين مع أخيه موفق الدين، وحضر بين يدي المولى السعيد خواجة نصير الدين الطوسي وفوّض إليه أمر خزائن الكتب ببغداد مع أخيه موفق الدين والشيخ تاج الدين علي بن أنجب. ولم تطل أيامه فتوفي رحمه الله في جمادى الآخرى من سنة ست وخمسين وستمائة». وفي الحوادث الجامعة في سنة 656: «كان أهل الحلة والكوفة والمسيب يجلبون إلى بغداد الأطعمة فانتفع الناس بذلك وكانوا يبتاعون بأثمانها الكتب النفيسة…»([404])، وفيه أيضاً أنّ علي شهاب الدين بن عبدالله عيّن صدراً في الوقوف وقد عمّر جامع الخليفة الذي أحرق أثناء الحادثة ثمّ فتح المدارس والربط وأثبت الفقهاء والصوفية وصرف لهم رواتبهم لما سلمت مفاتيح دار الخليفة إلى مجد الدين محمد بن الأثير وجعل أمره إليه». وفيه كذلك في حوادث سنة 662 خبر قدوم نصير الدين الطوسي إلى بغداد لتفقد الأحوال والنظر في الأوقاف والأجناد والممالك وزيارته لواسط والبصرة وجمعه الكثير من كتب العراق لأجل الرصد. وأكد ذلك ابن شاكر الكتبي الذي يذكر تأسيس الطوسي لرصد مهم بمراغة فيه خزانة كتب مهمة ملأها من كتب بغداد وغيرها من المدن «حتّى تجمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد». وذكر ابن كثير ذلك أيضاً وقال: «نقل إليه ـ يعني الرصد ـ شيئاً كثيراً من كتب الأوقاف التي كانت ببغداد». وهناك إشارة عند ابن الفوطي إلى سوق الكتب ببغداد سنة 722 كما أنّ المدرسة المستنصرية قد نجت أثناء حادثة سقوط بغداد «إذ كانت على وضعها حين وصفها ابن بطوطة سنة 727 مطنباً في تصوير عظمتها. وقد ذكرها حمدالله المستوفي بعد زمن ابن بطوطة باثنتي عشرة سنة فقال: «إنّ بناءها من أجل المباني الباقية في بغداد يومئذ». ولدى القلقشندي عن أوقاف بغداد ما يفيدنا في فهم مدى أثر المغول في نظم بغداد بعد سقوطها حيث يقول: «وأوقافها جارية في مجاريها لم تعترضها أيدي العدوان في دولة هولاكو ولا فيما بعدها، بل كلّ وقف مستمرّ بيد متوليه ومن له الولاية عليه، وإنّما نقصت من سوء ولاة أمورها لا من سواها»([405]).
والآن بعد ما أوردنا من نصوص، لنا أن نناقش الموضوع فنقول: إنّ أهم المصادر الأولية في موضوعنا هذا هي كتاب رشيد الدين فضل الله الهمذاني ومعجم ابن الفوطي والحوادث الجامعة. فالمصدران الأولان لم يذكرا شيئاً عن الكتب بوجه الخصوص، وإنّما أشارا إلى النهب والقتل الذين صاحبا الحادثة بوجه عام. في حين أنّ المصدر الثالث وهو معجم ابن الفوطي ذكر إناطة أمر خزائن كتب بغداد بعد سقوطها بابن أبي الحديد وأخيه موفق الدين وابن الساعي، وذلك بأمر من نصير الدين الطوسي.
وهذا النص يشعرنا ببقاء خزائن كتب بغداد على حالها، وأنّها كانت بتصرّف نصير الدين الطوسي الذي أمر بتعيين ثلاثة من كبار أدباء ومؤرّخي العصر للإشراف عليها وإدارتها. كما أنّ هذا النص ـ في الوقت نفسه ـ يدلنا على مدى التلاعب والتزوير في الكتاب المنسوب لابن الساعي الذي سبق لنا أن نقلنا ما ورد فيه عن مصير كتب بغداد حيث بدأ خبره بالتشكيك بلفظ: (يقال) ـ بأنّ المغول بنوا اسطبلات الخيول وطولات المعالف بكتب العلماء. في حين أنّ ابن الساعي وهو المؤرخ الكبير المعروف كان ببغداد وقت الحادثة وهو ممّن نجا منها، فلماذا يشك في الأمر ولا يجزم فيه وهو شاهد عيان. هذا إلى جانب كونه أحد الثلاثة الذين أناط بهم نصير الدين الطوسي مسؤولية خزائن كتب بغداد بعد سقوطها. ولعل هذا الخبر عن كتب بغداد في هذا الكتاب كخبر الآخرين عن إسلام هولاكو قبل موته بطريقة عجيبة وبمعجزة للرفاعيين. وإخباره عن أبي سعيد آخر سلاطين الايلخانيين الذي كانت وفاة ابن الساعي قبل ولادته بأكثر من ثلث قرن من الزمان.
ثمّ إذا لاحظنا ما ذكره صاحب الحوادث الجامعة أيضاً وابن شاكر الكتبي وابن كثير والمقريزي عن نقل الطوسي للكثير الكثير من كتب بغداد والعراق إلى المرصد الذي أسّسه بمراغة، نشعر أيضاً بانتقال قسم كبير من كتب بغداد إلى خزانة المرصد المذكور. وبملاحظتنا لما نقله القلقشندي عن أوقاف بغداد بعد سقوطها نستشعر بأنّ قسماً من كتبها ـ وهو جزء من الأوقاف ـ لم تعترضه أيدي المغول. وفي بقاء المدرسة المستنصرية على حالها وسلامتها من أذى الغزو، مع علمنا بأنّها كانت تضم خزانة كتب عظيمة فريدة لأمر يجلب الانتباه حقاً، ويفيد ببقاء خزانتها على ما كانت عليه قبل الغزو([406]).
يتحدّثون عن الطوسي
لقيت دعوة الطوسي استجابة كبرى لا من العلماء النازحين من مناطق الاحتلال المغولي فقط، بل من غيرهم أيضاً، من العلماء العرب وغير العرب الذي لبّوا الدعوة فدخلوا إلى مراغة حيث اجتمع هناك علماء من دمشق ومن الموصل ومن قزوين ومن تفليس ومن المغرب ومن سائر البلاد الإسلامية. ويحسن هنا أن نذكر ما كتبه العالم الدمشقي مؤيد الدين العرضي في مقدمة رسالته التي أنشأها في شرح آلات مرصد مراغة وأدواته والتي توجد منها نسخة خطية في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد. والعرضي هذا أحد العلمءا العرب الذين لبّوا دعوة رسول الطوسي فترك دمشق ومضى إلى مراغة عاملاً تحت لواء الطوسي في الميدان العلمي الواسع. وإليك ما كتبه في مقدمة رسالته: «… وذلك كلّه بإشارة مولانا المعظم والإمام الأعظم العالم الفاضل المحقق الكامل قدوة العلماء وسيد الحكماء أفضل علماء المسلمين بل المتقدمين، وهو من جمع الله سبحانه فيه ما تفرق في كافة أهل زماننا من الفضائل والمناقب الحميدة وحسن السيرة وغزارة الحلم وجزالة الرأي وجودة البديهة والإحاطة بسائر العلوم، فجمع العلماء إليه وضم شملهم بوافر عطائه وكان بهم أرأف من الوالد على ولده، فكنّا في ظلّه آمنين وبرؤيته فرحين كما قيل:
نميل على جوانبه كأنّا
نميل إذا نميل على أبينا
ونغضبه لنخبر حالتيه
فنلقى منهما كرماً ولينا
وهو المولى نصير الملة والدين محمد بن محمد الطوسي أدام الله أيامه ولقد كنت:
واستكبر الأيام قبل لقائه
فلما التقينا صغر الخبر الخبر
فللّه أيام جمعتنا بخدمته وأبهجتنا بفوائده وإن كانت قد أبعدتنا عن الأوطان والعشيرة والولدان، فإنّ في وجوده عوضاً عن غيره ومن وجده فما فاته شيء ومن فاته فقد عدم كلّ شيء فلا أخلانا الله فيه وأمتعنا بطول بقائه (انتهى).
وقال قاضي القضاة نظام الدين الأصفهاني يمدح نصير الدين الطوسي ويصف مرصد مراغة:
صفا شرب عيشي في صوى في مراغة
فظلت كما شاء المنى أتفرج
بها الرصد العالي النصيري مقصدي
إلى الفلك الأعلى به أتدرج
فللّه بانيه وطرق أبانها
إلى كشف أسرار الغوامض تنهج
أرى عصب التنجيم أحسن هيئة
به يستوي ما في التقاويم عوجوا
دقائق علم لا يجدن ثوانيا
حوى درجاً منه إلى الغيب يدرج
تسامي الهضاب الشم تتلع جيدها
عساها بما يبنى عليها تتوج
فغالت لعمري الحظ أرض مراغة
فمن كلّ إقليم عليها يعرج
فإن عيروا بابن المراغة شاعراً
فمدح على وجه الهجاء يخرج
بناء لعمري مثل بانيه معجز
تقربه الألحاظ والنفس تبهج
سيبلغ أسباب السماء بصرحه
يناغي كعاب الزهر منها تبرج
أقول وقد شاد البناء بذكره
وشيد قصراً لم يشده متوج
على الزهر أرصاد طلائع فكره
إلى الرصد المعهود من أين يحوج
ترصدت لقياه هناك وقربه
فكان منى من دونها الباب مرتج
ورمت سعود الجد في جنباته
فساعدني سعد بودي ملهج
وجدت سمه فألا علي مباركاً
مقدمة منها الميامن تنتج
إلى السدة العليا شمر ناهضاً
لتقبيله منه البنان يهيج
فكلفته عرض الدعاء وخدمتي
وحملته ما في الصحائف يدرج
ورمت على حال وقوف وقوفه
فهمي أن أنهي إليه يفرج
وأصدرت عن تبريز ما أنا كاتب
وصحبي ذموا العيس والخيل أسرجوا
لقصد جناب الصاحب الأعظم ارتمت
طلائع أسفار لما ناب تزعج
تكفل دفع الجور عنهم وإنّه
مواعيج صدق صبحها يتبلج
ولولا عوادي الخطب جئت ملبياً
دواعي أشواق لظاها تأجج
وجاء في ترجمة الطوسي في موسوعة (أعيان الشيعة):
… ويبدو أنّ همّ الطوسي انصرف أوّل ما انصرف إلى إنقاذ حياة أكبر عدد من العلماء وحفظ أعظم عدد من الكتب، إذ أنّه من الواضح أنّ الغزاة القادمين لا يمكن مقاومتهم بالقوّة العسكرية، وكان لا يصح التسليم وترك الوثنية تحل محل الإسلام، فإذا عجز المسلمون اليوم عن مقابلة السيف بالسيف فإنّهم لن يعجزوا عن مقابلة آثاره بالعلم والثقافة والدعوة الحسنة. فأدّت النتيجة إلى أن ينقلب الأمر ويعود المغول بعد ذلك مسلمين منافحين عن الإسلام.
بين جنگيز وهولاكو
جنگيز وهولاكو من طينة واحكدة: طينة الطغيان والظلم وسفك الدماء وتخريب العمران. وكلّ منهما هاجم الوطن الإسلامي وانتصر عليه. وقد كان مصير البلدان الإسلامية التي افتتحها هولاكو، في أوّل مرّة، مصير المدن التي افتتحها جدَّه جنگيز.
ففي عهد جنگيز انطلق جنده في بخارى يقتلون وينهبون ويهدمون ويهتكون الأعراض، ثم أشعلوا فيها النيران. وكذلك فعلوا في سمرقند وغير سمرقند في كلّ ما فتحوه من بلاد.
مضى جنگيز في ما مضى به من إحالة الشر في نفسه لأنّه كان يمضي بلا كابح يلوي عنانه ويروِّض جماحه ويثني من انطلاقه…
وكذلك فعل هولاكو في جميع المدن التي اجتازها وصولاً إلى مدينة «تون» التي خرَّبها وقتل جميع أهلها عدا النساء الشابات، على ما يذكر الجويني، مضافاً إليهن أصحاب المهن على ما يذكر الهمذاني. وبعد «تون» كان الوصول إلى قلاع الإسماعيليين وإلى ألموت بالذات، فكانت مذبحة «خور شاه».
من دون الدخول في التفاصيل ننقل هنا عبارة المؤرّخ محمد المدرسي التي قال فيها: «فضلاً عن مقام الطوسي العلمي استطاع بتأثيره على مزاج هولاكو أن يستحوذ تدريجياً على عقله وأن يروّض شارب الدماء…».
هذا القول من خير ما قيل عن علاقة نصير الدين الطوسي بهولاكو. وبعد تخريب «تون» وقتل أهلها، وبعد مذبحة «خور شاه»، وبعد استحواذ الطوسي على هولاكو توقف التخريب وتوقفت المذابح. وذلك لأنّه صار لهولاكو كابح عن الإيغال في التخريب والقتل، يتمثّل بشخص نصير الدين الطوسي.
كان من فضل هذا العالم الكبير على العالم الإسلامي، باضطراره لمصاحبة هولاكو، إن لم يكن مصير قزوين وهمذان والدينور وكرمنشاه وحلوان وأسد آباد والبصرة وتستر وكلّ مدن خوزستان ثمّ بغداد، وبعد ذلك ديار بكر ومدن الجزيرة وحماه وحمص والمعرة ثمّ دمشق، مصير بخارى وسمرقند، وكلّ ما كان في طريق جنگيز الطويل من مدن: حرقاً واستباحة.
ولا مصير المدن التي فتحها هولاكو حتّى قلاع الإسماعيليين وأسر نصير الدين فيها، مصيرها في الفجائع والنكبات والإحراق والقتل والنهب.
لقد أجبر هولاكو بجبروته نصير الدين الطوسي على السير في ركابه قصداً لاستغلال علمه، ولكن الطوسي عرف بعلمه وعقله وتدبيره كيف يستغل هولاكو، فانهزم الطغيان أمام الإيمان والعلم والعقل الكبير المدبّر.
يوجز الزركلي، في كتابه «الأعلام»، وصف الطوسي قائلاً: «فيلسوف كان رأساً في العلوم العقلية، علاّمة بالإرصاد والمجسطي والرياضيات. علت منزلته عند هولاكو فكان يطيعه في ما يشير عليه».
ولم يكن مستطيعاً ان يحول بين هولاكو وبين الفتح، ولكنه استطاع بإخلاصه وايمانه وقوّة شخصيته أن يحول بين هولاكو وبين السَّير على طريقة جنگيز في شرور هذا الفتح.
لم تتعرَّض أي مدينة إسلامية للإحراق والتخريب والهتك والقتل في الزحف المغولي الهولاكي منذ التقاء نصير الدين الطوسي بهولاكو، عدا مدينة الموصل التي لم يعرض لها المغول بشيء أوّل الأمر إلى أن عادت فثارت عليهم فنالها ما نالها من الأذى، وعدا حلب في بلاد الشام، ما يحتاج إلى توسُّع ليس هذا مكانه.
يقول الدكتور جعفر خصباك: «هولاكو لم يجر على سنّة جدّه جنگيز خان بتخريب أكثر أو كلّ المدن التي تقع في طريق زحفه وقتل سكّانها. ويبدو أنّ الصورة التي رسمها المؤرخون لفاتح بغداد المغولي إنّما هي انعكاس للأعمال التي قام بها جدّه في ما وراء خراسان…».,
ونقول: إنّ سيرة هولاكو ـ كما ذكرنا من قبل ـ كانت سيرة جدّه حتّى وصوله إلى قلاع الإسماعيليين واصطحابه نصير الدين الطوسي. والدكتور خصباك كان يتحدّث عن العراق فقط، وهو في كتابه لم يتجاوز العراق، لذلك لم يتحدّث عن العسف في غير العراق، ومن هناك كان حديثه سليماً.
في قزوين مع الأستاذ الصالحي
ثمّ يقول: «… ومن هذا كلّه يبدو أنّ عبارات التخريب التي أوردها المؤرخون عمّا جرى للمدينة (بغداد) مبالغ فيها، لأنّ المعالم الرئيسية للمدينة كقصور الخليفة والمدارس والأسواق وغالب المحلات بقيت من دون أن يصيبها غير تخريب محدود أمكن إصلاحه في وقت قصير…».
ونقول: كان من الطبيعي أن يحدث بعض التخريب في اليوم الأوّل من فتح بغداد، فإنّ تلك الجموع الهائجة من المغول التي اقتحمت بغداد كان من العسير في الساعات الأولى، الحوؤل بينها وبين انطلاقها الجامح فحدث ما حدث. ولكن أمكن إيقافها بسرعة من التمادي في الجموح، بفضل التدخل الحازم لنصير الدين الطوسي.
وأكثر من ذلك، فقد حمل الطوسي هولاكو على إعادة تعمير ما تخرب «بنفقة الدولة». جاء في «الحوادث الجامعة» وفي «جامع التواريخ»، وهذان الكتابان معاصران مشاهدان: «أنّ هولاكو أمر بإصلاح ما خرب من المدينة (بغداد) وترميم أسواقها وإعادة أعمال أهلها إلى ما كانت عليه سابقاً…»([407]).
وصاحب «مراصد الاطلاع» الذي كتب كتابه بعد فتح بغداد يتحدَّث عن محلات بغداد العامرة. هذا فضلاً عن دار الخلافة ودار الدويدار الكبير وجامع الخليفة الذي احترق وأعيد إصلاحه، والمدرسة النظامية وسوقها والمدرسة المستنصرية ومدرسة الأصحاب ومدارس وربط أخرى.
إلى ألموت
عزمت على زيارة ألموت استطلاعاً لحقائقها فقصدتها مع الأستاذ عبد الحسين الصالحي وحسن آغا مير بهاء في السادس من نيسان سنة 1989، وكان قد زارها المستشرق الروسي (إيڤانوڤ) المتخصص بالدراسات الإسماعيلية. ثمّ زرت بعد ذلك بسنتين المنطقة التي كانت دياراً للإسماعيليين: بكرنا متّجهين إلى قلعة ألموت حيث خرجنا في الساعة الثامنة، وانضم إلينا المهندس نصرة الله كاظمي الذي كانت سيّارته اللاند روفر الضخمة التي يسوقها بنفسه وسيلة انتقالنا إلى ألموت، لأنّ طريق ألموت لا يمكن أن تسلكه إلاّ مثل هذه السيّارات القوية. وهو طريق ترابي معبد منذ عشرين سنة تقريباً عبر الجبال الصلدة العالية، ومع ذلك لا يصل إلى ألموت بل ينتهي قبلها بمسافة بعيدة، ويبقى أمام السيّارة طريق عسير مشقوق بشكل بدائي.
بعد خروجنا من قزوين انعطفنا في طريق ألموت متجهين إلى الشمال عبر سهول واسعة خضراء بمزروعاتها المختلفة وكنّا ندنو من جبال ألبرز الممتدة شرقاً وغرباً إلى ما لا نهاية له، العالي منها مكلّل بالثلوج. وكنّا نمرّ ببعض البساتين المنتشرة هنا وهناك. وأخذت الجبال تتّضح لنا تدريجياً، ثمّ مررنا بقرية (كورانه) الصغيرة، ثمّ بقرية أخرى يخفق في وسطها علم إيراني وبقرية ثالثة فيها بعض البساتين المزهرة.
وهنا أضحت الجبال أمامنا واضحة جلية، ولمّا وصلنا قرية (رشتفون) وأشرقت لأبصارنا أزهار بساتينها كنّا قد دنونا من سفوح الجبال، وهنا انتهى الطريق (المسفلت) وبدأنا في طريق ترابي طويل، ولم نلبث أن صرنا في واد بين جبلين، ثمّ أخذنا بارتقاء الجبال التي كانت أشجارها مزهرة على يميننا وعلى شمالنا، وكان نهر صغير ينساب بينها.
صعود… صعود…، صعود مستمر في قلب الجبال الشاهقة، ومررنا بقرية (يزدجرد)، ومن العجيب أن يكون مصير اسم (يزدجرد) آخر الأكاسرة هو إطلاقه على هذه القرية البسيطة!.
وانتهت الزروع، وأوغلنا صُعُداً في صميم الجبال حتّى دنونا من القمم المكسوة بالثلوج ثمّ رحنا في صميمها مصعدين…
جبال إلى يميننا، وجبال إلى يسارنا، وجبال أمامنا، وقطعان من الخراف ترعى في الجبال!.
أبداً نحن في صعود عنيف مستهدفين الذروات العليا بين بقايا الثلوج، وبلغنا الذروات نمشي بينها غير مصعدين كأنّنا في سهل مديد، ولم نلبث أن عدنا إلى الصعود، وفوجئنا بمقهى على الطريق بين الأشجار.
صعود في صعود خلال القمم حتّى بلغنا أعلاها بين الثلوج، فاستبدلنا الانحدار بالصعود سائرين بين القمم، وأمام أبصارنا سلسلة طويلة، عريضة، عالية، شامخة من الجبال المغطّاة بالثلوج.
حسن الأمين بين قمم (خارود) الصخرية
وبعد مرورنا بقرية (خنجر بلاق) الواقعة إلى يسارنا في حضن الجبل، صار الانحدار بين الثلوج شديداً، ثمّ بدت إلى يسارنا عن بُعد قرية (مرك).
إنّ السلسلة الجبلية العظيمة المقابلة لنا والتي نهبط نحوها هي معاقل حسن الصباح التي نحاول الوصول إليها.
هنا فلاح يحرث على البقر وبعض الشجر، ثمّ فلاحان آخران يحرثان، ونحن في انحدار متواصل كنّا انتهينا فيه من الثلوج، حيث عنف الانحدار واشتدّ، فبدا اخضرار الأعشاب حولنا كما بدا بعض الشجر وبعض الأرض المزروعة، ثمّ ظهر في الأودية كثير من الشجر، وبدت قرية (قسطين لار) إلى يميننا في المنحدر بأشجار بساتينها المزهرة. ثمّ كان إلى يميننا أودية هائلة، وتابعنا الانحدار المتواصل، فشاهدنا قطعاناً من الغنم والماعز في مراعيها، ورأينا فلاحاً على حماره صاعداً في طريق الجبل كما رأينا أرضاً محروثة.
أمّا إلى الوراء فعندما تلفتنا إلى ما كنّا فيه ممّا ننحدر عنه الآن، فقد رأينا أنّ ما خلفناه وراءنا موغلين في الانحدار، كان جبالاً هائلة رهيبة!.
ثمّ بدت أمامنا في السفوح البعيدة بعض القرى. كلّ ذلك ونحن ننحدر هابطين وقد أحاط بنا بساط أخضر.
إنّ الذي أمامنا والذي وراءنا: جبال ووديان وشعاب وتلال وثنايا من أعجب وأروع ما خلق الله في الطبيعة.
هذه قرية (سياه دشت) تبدو في حضن الوادي الذي صرنا على حافته، وتقوم على ضفة نهر (شاهرود) الذي عبرناه على جسر حديدي واصلين إلى القرية.
نحن الآن في قلب الوادي الذي هو سهل واسع بين السلسلتين الرهيبتين، لقد هبطنا من السلسلة الأولى وأخذنا نصعد في السلسلة المقابلة.
وإذا كنت أقول: سلسلتان، فلا يعني أنّهما سلسلتان وحيدتان.
إنّ الجبال هنا سلاسل وراء سلاسل… وراء سلاسل… إلى ما لا يمكن أن تعيه وتدركه.
بدأنا الصعود في أرض جرداء، وتلفَّتنا إلى الوراء فرأينا ما جعلنا نكاد لا نصدق أنّنا كنّا هناك في تلك الجبال الثلجية المرعبة، وأنّنا هبطنا منه لنواجه ما هو أشدّ إرعاباً!…
كان الصعود أوّل الأمر غير شاق مضينا فيه بين اخضرار من حولنا، ثمّ عدنا إلى الانحدار الطويل البعيد الغور حتّى صرنا في واد ضيق يجري فيه نهر (أوان) الذي هو من روافد نهر شاهرود، وعبرناه على جسر لنعود إلى الصعود من جديد، وأوغلنا في الصعود أي إيغال، ورأينا قطعاناً من الغنم، ثمّ مررنا بقرية (بيكين) مجتازين وسطها ببيوتها الطينية.
ولسكان هذه القرية وسكان أربع قرى أخرى غير بعيدة عنها، وأربع قرى أخرى بعيدة في (رودبار) حديث لا بد من إيجازه هنا، وهذه القرى هي: وسته، ويوج دُرجاك، وتلو، وأسب مرد، وسوخته كش، وكش آباد، ورتايان، وزنا سوج، وهلارود، وصبوجين، وديكين، وابيترك.
إنّ لسكان هذه القرى عقيدة دينية سرية لا يظهرونها لأحد، ويكتمونها كلّ الكتمان، فقال بعض الناس عنهم إنّهم زرادشتيون، وقال آخرون إنّهم إسماعيليون نزاريون، ولكن كلا القولين لا يصح، فالزرادشتيون موجودون علناً في إيران لا يخفون عقيدتهم. وكذلك النزاريون.
حسن الأمين والأستاذ الصالحي ووراءهما بحيرة أوان وبعض القرى وهو منظر من أروع ما تقع عليه العين
وقد حاول أحد الباحثين إعداد دراسة جامعية عنهم فاتصل بهم فلم يحظ منهم بطائل.
وحدّثني رفيقنا الأستاذ عبد الحسين الصالحي أنّه صادق واحداً منهم وأوجد له عملاً يعتاش منه، فلمّا سأله عن حقيقة عقيدتهم لاذ بالصمت المطبق، ولمّا كرّر عليه السؤال بعد ذلك ترك عمله الذي أصبح مورد رزقه وانقطع عن الأستاذ الصالحي، وصار إذا رآه حيّاه مبتعداً بإشارة من يده متجنباً لقاءه.
ويطلقون عليهم في إيران اسم (كلّه بُز).
وقد عرفنا بعد ذلك من عقيدتهم أنّ الطلاق عندهم ممنوع، وإذا حدث أنّ طلّق أحدهم زوجته فإنّ أحداً منهم لا يتزوجها، وإذا مات الزوج لا تتزوج زوجته بعده، وأنّهم يصومون في السنة ثلاثة أيام. وهم يحرمون أكل لحم الحيوان الحامل، ويحرمون أكل رأس الماعز، وربّما لذلك ولما يأتي كان اسمهم (كلّه بُز)، فإنّ معنى كلمة (كلّه) الرأس، ومعنى كلمة (بُز) الماعز.
وهم يحرمون أكل الجبن، ولا يزوجون أحداً من غيرهم، ولا يتزوجون من غيرهم.
ولديهم جلسة سرية سنوية تعقد في أوّل ليلة في فصل الشتاء هي أطول ليلة وأقصر نهار. وعندما يجتمعون في هذه الجلسة يضعون حرساً حول مكان الاجتماع لئلا يدخله غريب عنهم، ويطبخون رأس عنزة ويتناولون منه بعد بركة الشيخ ويقرؤون بعد ذلك دعاء. ويسمّون هذه الليلة (شب يلدا) أي ليلة يلدا.
وهذا ما انكشف من أسرارهم، ولكن من الأكيد أنّ عندهم أسراراً لم يكشفها أحد بعد.
على أنّ من الغريب ما حدّثنا به السيد ناصر القوامي، وهو من أفاضل العلماء ومخالط لجماعة كلّه بُز أنّهم في مظاهرهم لا يختلفون عن المسلمين في شيء، فلهم مساجدهم ويصومون ويصلون ويفعلون كلّ ما يأمر به الإسلام، حتّى أنّ واحداً منهم جُند في الحرب العراقية الإيرانية الأخيرة، فكتب وصية قبل ذهابه إلى الحرب وجعل السيد ناصر وصياً، وكان ممّا أوصى به مبلغاً من المال ينفق ـ إذا قتل في الحرب ـ على بناء مسجد، فنفذ الوصي الوصية وقبض المال وبنى المسجد.
وأوغلنا في الصعود… صعود… صعود… منتحين القمم العالية، ومررنا بقرية من بضعة بيوت اسمها (مياني خاني). وكانت القمم التي نقصدها تبدو أمامنا قمماً هائلة، وكنّا في الوقت نفسه نمشي بين القمم قاصدين القمم الأعلى.
ووصلنا قرية (مُعلّم كلايه) التي ترتبط بها أربع قرى أخرى هي أكبرها، وتبدو على القرية مظاهر حضارية عكس القرية السابقة (بيكين) التي هي قرية بدائية.
ومن القرى التي ترتبط بقرية (معلم كلايه) قرية (شمس كلايه) التي تقع في سفح قلعة من قلاع الإسماعيليين النزاريين، هي عبارة عن كهف كبير يتداخل في كهوف أخرى متّصلة به. ويسمّونها هناك قلعة (شمس كلايه) ولا ندري هل أنّ القلعة أخذت اسمها من القرية أم أنّ الأمر بالعكس.
وقد وصفها لنا بما قلنا أحد الأشخاص القلائل الذين استطاعوا الوصول إليها، لأنّ الوصول إليها يكاد يكون مستحيلاً. وقيل لنا إنّ المعروف هناك أنّ الإسماعيليين كانوا يصعدون إليها بسلالم من الحبال يدلي من بداخلها إلى من يريدون الوصول إليها منهم.
كنّا طوال سيرنا نسير في طريق من أعجب الطرق، فما نكاد نخترق سلسلة من الجبال حتّى ننتهي إلى سلسلة أخرى، فنهبط ثمّ نصعد، ثمّ نهبط ثمّ نصعد… وهكذا.
كنّا نسير تارة بين تلال هي في الحقيقة قمم الجبال، وتارة في جبال، وتارة في وديان هي في الحقيقة ثنايا الجبال.
إنّنا الآن نهبط ونهبط وحولنا زروع وأمامنا الجبال التي هي أشد هولاً من كلّ هائل مررنا به.
لقد عرف الحسن الصباح كيف يختار معاقله. فأي جيوش تستطيع سلوك هذه المسالك؟!
كانت قلعة (شمس كلايه) أشبه بمخفر أمامي استطلاعي يراقب من يحاول التقدّم، ومن الذي يستطيع التقدّم من هنا؟!
نحن الآن نهبط، ونمعن في الهبوط حتّى صرنا في قلب الوادي، ووصلنا قرية (شهرك).
هذا الوادي هو لزراعة (الرز) لكثرة مياهه، عبرنا فيه على جسر رافد من روافد نهر شاهرود، ثمّ على رافد آخر قريب منه. وانطلقنا في قلب الوادي حتّى اجتزنا بقرية (دوزدك سر) على جسر لرافد ثالث للنهر الكبير، ثمّ بقرية (محمد آباد) المتصّلة بالقرية الأولى. ولا نزال نسير في الوادي الروي البعيد المدى، وهذا جسر رابع على رافد رابع، وهذه قرية (شترخان) نمرّ بها إلى رافد خامس ولكنّه صغير لم يقم عليه جسر فعبرناه وسط المياه.
وهنا كان قد انتهى الطريق المعبّد، فوجب علينا أن نسير في طرق يصعب فيها السير ويشق، فواصلنا السير مارّين على جداول متتابعة، هي الأخرى روافد صغيرة لنهر شاهرود الكبير.
ثم بدأ الصعود الجبار في جبال من أعجب ما في الدنيا من جبال، وكانت لا تخلو من حقول مزروعة وأشجا رمبثوثة، وإذا بنا نعود إلى الانحدار العنيف عابرين على جدول، عدنا بعده إلى الصعود العنيف حتّى قرية (كازرخان).
أمام قاعدة القلعة مع الأستاذ الصالحي
ولندرة ما يمر بهذه القرية من سيّارات كان وصول سيّارتنا إليها عاملاً على تجمهر أطفالها مستطلعين متعجبين، بل عاملاً على تجمهر بعض الرجال أيضاً.
وهذه القرية (كازرخان) تقع على مقربة من سفح قلعة (ألموت)، وتواجهها القلعة على القمة القريبة، ويفصل بينهما واد على شكل خندق كبير، والقرية محاطة بالأشجار من كلّ جانب.
وكان وصولنا إلى القرية في منتصف الساعة الثانية عشرة، أي أنّنا قضينا في الطريق ما بين مدينة قزوين وبين قرية كازرخان في سفح قلعة ألموت ثلاث ساعات ونصف الساعة.
وبدت القلعة حيالنا على قمة صخرية كبرى تمتد وراءها الجبال الصخرية. وكان على السيّارة أن تقف هنا فلا تتعدّى ما بعد القرية إلاّ مسافة لا تتجاوز مئات الأمتار، إذ لا سبيل للسيّارة إلى تجاوز ما وراء ذلك.
وتقدّمنا نحن قليلاً إلى ما هو أقرب إلى مواقع القلعة حتّى صرنا في سفح صخرتها الضخمة على قيد أمتار من القاعدة.
وبدا موقع القلعة فوق الصخرة الهائلة، محاطاً بالجبال شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وهي في قمة جبل تكتنفه الوديان الفاصلة بينها وبين الجبال.
ويجري جدول صغير منحدراً في سفوح صخرة القلعة، وتُرى قطعان من الضأن ترعى في سفوحها المنبتة.
لقد أوصلتنا السيّارة إلى سفح قلعة ألموت عابرة ما عبرت من جبال شامخة وأودية سحيقة، وحطت بنا على السفح المنشود، وها نحن غير بعيدين عن القلعة التاريخية العظيمة. ولكن هذا الذي يبدو لأعيننا غير بعيد، كان في الحقيقة بعيداً كل البُعد، بل إنّ بُعده هذا الذي هو غير بعيد ـ يحول بيننا وبين الوصول إليه؟!
ماذا؟ أأتكلم بالألغاز؟! لا ألغاز ولكنّها حقيقة واضحة، تبدو وكأنّها من صميم الألغاز!
بيني وبين الوصول إلى صميم القلعة مسافة تعدّ بمئات الأمتار، ولكن هذه الأمتار ممعنة في الصعود.
إنّها قريبة بالرغم من إمعانها هذا!!
ولكن إذا كانت المسافة المكانية بيني وبين القلعة تعدّ بمئات الأمتار، فإنّ المسافة الزمنية بيني وبينها هي إحدى وثمانون سنة.
إحدى وثمانون سنة من العمر هي التي تفصل الآن بيني وبين القلعة!. فكيف لي وأنا أحمل هذه السنين الثقال بأن أصعد الجبل على قدميّ إلى قلعة حسن الصباح؟!
لقد كان لحسن الصباح فدائيوه الذين طالما قذف بهم إلى اغتيال من ناوؤوه وعادوه، وفكرت وأنا في سفح قلعته في ذلك!. واستعرضت في ذهني مواقفي منه، وهل هي ممّا يسلكني في صف من يستحقون أن ينالهم فدائيوه بالشر؟ وما يدريني أن لا تكون قلعته بموقعها الشامخ معدّة إعداداً محكماً لاغتيال من يغضب عليهم حسن الصباح وهو في قبره، فتقتلهم وهم يحاولون الصعود إليها؟!
استعرضت مواقفي من حسن الصباح، فرأيت أنّني قد أحسنت الدفاع عمّا نسب إليه وإلى جماعته من بعده من تهم باطلة لا أصل لها…
لم يكن هناك مجال للتردّد لأنّ خوف الصعود مشياً على الأقدام قد أزاله إحضار (حمارة) من القرية أعدّها الرفاق لي، فامتطيتها ومضت صاعدة بي وأنا لا أكاد أتماسك على ظهرها لما في الطريق من مزالق، وصبرت على ذلك حتّى بلغنا مكاناً لا تستطيع حتّى (الحمارة) سلوك طريقه، فكان لا بد من النزول والتوقّف.
ونزلت متطلعاً إلى موقع القلعة، فإذا لا يزال بيننا وبينها مراقي طويلة. هيهات أن يتاح لي اجتيازها على قدميّ، فقرّرت الاكتفاء بما وصلنا إليه، بعد أن عرفت الكثير ممّا يجب معرفته. ولكن تشجيع الرفاق، والتفكير بخيبة عدم الوصول إلى القلعة بعد أن صرت على وشك الوصول إليها. كان دافعاً على المغامرة فمشيت وئيداً، ومضيت أمشي قليلاً وأجلس كثيراً حتّى بلغنا القمة المنشودة.
لم يبق من القلعة بعدما أمر هولاكو بتخريبها، إلاّ بقايا جدران وأكوام من الأحجار، أو أحجار متناثرة، وأطلال غرف، وبقايا صهاريج ماء، وغرف منحوتة في الصخر كانت على ما يبدو صهاريج مائية.
حسن الأمين مع الأستاذ الصالحي وصهره في سفح الصخرة التي تقوم عليها قلعة ألموت
إلى الشرق من القلعة واد صخري سحيق، وإلى الغرب واد مثله وكذلك إلى الشمال والجنوب ولكنّها أودية غير صخرية، وهي أودية يتعذر على جيش مهاجم للقلعة أن يجتازها سليماً.
ووراء هذه الأودية ما لا يدرك الطرف مداه من جبال وأودية، ونقول جبال وأودية لأنّ لا كلمات أخرى تحل محلها، وإلاّ فهي فوق أن تحمل اسم الجبل أو الوادي، إذا كان مفهوم ذلك ما يمكن أن يتخيّله الإنسان ممّا سبق أنّ رآه من الجبال والوديان.
وإذا تجاوزت التفكير بالماضي والاعتبار به، واكتفيت بالنظر إلى ما هو أمام عينيك، فإنّ تلك الجبال والوديان والقمم والثنايا والشعاب من أروع ما يمكن أن تقع عليه العين.
ولا يفوتنا أن نقول بأنّ ارتفاع الصخرة التي تقوم عليها القلعة هو 150 متراً. وارتفاعها عن سطح البحر هو 1950 متراً، وأنّ طول القلعة حوالي 120 متراً، وعرضها بين 10 أمتار إلى 35 متراً.
أين الجنة؟
ومن أوّل ما يتبادر إلى الذهن وأنت في القلعة البحث عن المكان الذي زعم الزاعمون أنّ الحسن الصباح أقام فيه جنته التي كان يغري بها فدائييه لاقتحام الأهوال. وقد تطلعت إلى كلّ مكان باحثاً عن البقعة التي تصلح لأن تقام فيها الجنة، فلم أجد تلك البقعة، لا في الأودية الصخرية ولا في السفوح المهاوي، ولا في القمم الثلجية.
على أنّني وجدت أنّ ما يعشب من تلك الأرضين يمكن أن يدل على أنّ ما قاله القائلون من أنّ أصل كلمة (الحشاشين) التي لحقت بالإسماعيليين النزاريين، هو (الحشائشيون)، أي الذين يجمعون الحشائش الطبية ويصدرونها لغيرهم ـ إنّ ذلك يمكن أن يدل على أنّ هذا القول سليم، لإخصاب تلك الأرض بالحشائش، وتنوّع تلك الحشائش.
أين هذا السكون المهيمن على هذه الخرائب الباقية من قلعة ألموت من ذاك الضجيج الذي كان يلف القلعة من كلّ جانب؟
لقد خلت ألموت من عُمّارها، وباد أولئك الذين ملؤوا الدنيا من حولهم صخباً وثوراناً، ولم يبق منهم ما يدل عليهم، ولولا أنّ سطور التاريخ وحدها هي التي تشير إليهم، لما كان في هذا المكان ما يشير إلى أنّهم حلّوه أقوياء أشداء مرعبين.
وإذا كان الشريف الرضي قد قال حين مرّ على اطلال (الحيرة):
باق بها حظ العيون وإنما
لا حظ فيها اليوم للآذان
فإنّه لا حظ لعيون من يمر على أطلال (ألموت)، إذا كان المقصود أطلال ما خلف الماضون، ولكن حظ العيون للمتطلع من قمّة ألموت هو حظ كبير، إذا كان المقصود بذلك ما أضفى الله من الروعة والجلال على ما حولها ممّا تعالى أو انحدر أو انبسط.
على أنّك مهما انفعلت بالطبيعة ومشاهدها لا تستطيع إلاّ أن تردّد قول الشاعر الآخر:
مرابع إن تلمم بها بعد عزّها
رأيت دبيب الموت من كلّ جانب
وأمر قرية (كازرخان) وريثة ألموت أمر يدعو إلى التأمل، وإذا كانت القرية لم تقم على القمة، بل على السفح لأنّ الكازرخانيين حين قرّروا الإقامة هنا لم يكن في ذهنهم عدو يهاجمهم فيمتنعون منه بالقمة، ولا هم فكروا باستعداء الناس، لذلك آثروا النزول هنا على الماء الجاري في سفحهم المعشب.
وأنا لا أعرف شيئاً عن ماضي الكازرخانيين، وعن تاريخ حلولهم في هذه القرية، فلربما كانوا ممّن سلم من مذابح المغول في القلعة، فهم من سلالة النزاريين الذين نجوا بأنفسهم، ثمّ آثروا الإقامة غير بعيد عن مقامهم الأوّل.
لم تتسنّ لي محادثتهم واستطلاع شؤونهم لأنّنا كنّا معجلين في العودة ولقد كانوا كراماً فأعدّوا لنا غداء سخياً تناولناه بعد الإياب من القلعة، كما أنّه كان منهم صاحب (الحمارة) التي استأجرناها لصعود الجبل.
على أنّ الأكيد أنّ عقيدتهم ليست العقيدة الإسماعيلية النزارية، بل هم شيعة جعفريون. وهم منعزلون بعض الانعزال عن العالم وقلّما تصل سيّارة إلى قريتهم لوعورة الطريق الذي لا يمكن أن تقطعه إلاّ سيّارات من نوع قوي غير عادي. لذلك رأينا تجمهر الأطفال عند سماعهم أزيز السيّارة، بل تجمهر بعض الرجال، لأنّ وصول السيّارة لقريتهم حدث يُرى ويُعجب!…
ولقد تأمّلت في وجوه من لقيناه منهم لعليّ أرى فيها ما يدل على أصل فدائي جبّار، نستنتج منه على أنّهم من سلالات نزارية مفادية!.
فربما كان هذا الشيخ المضياف الماثل أمامي حفيداً لذلك الفدائي الذي غرس المدية تهديداً قرب سرير الملك السلجوقي سنجر، في اللحظات التي كان سنجر يغط فيها بنومه!.
ولربما كان هذا الشاب المعوان المنهمك حيالي برصّ صحاف الطعام سبطاً لذلك الفدائي الآخر الذي جرّد خنجره على الفقيه الرازي، فارتدع الفقيه عن شتم النزاريين في مجلسه إلى الأبد!.
وربّما كان هؤلاء الغادون الرائحون من هنا وهناك متحدرين من تلك الأصلاب التي طالما أرعب أصحابها من أرعبوا!.
ولكن الوجوه (الكازرخانية) لم توح إلاّ بالدعة، ولم أجد في قسماتها إلاّ الأمن والسلام.
إلى ديار الإسماعيلية النزارية
السابع من حزيران سنة 1991 كنّا نخرج من مدينة قزوين في سيّارة جيب ضخمة عابرين السهول الفيح بين حقول القمح الممتدة إلى كلّ مكان، وكانت تواجهنا من بعيد سلاسل جبال (ألبرز)، وبدا لنا في قمة من قممها نصب عال يطل في مدى واسع على ما أمامه من سهول مترامية الأطراف.
حسن الأمين في ظل قلعة ألموت
هذا النصب هو بعض ما أعدّه الإسماعيليون النزاريون لمواجهة الأخطار، فهو عين راصدة لا تفوتها تحرّكات المقبلين في الأرض المكشوفة، فإذا لمحت ما يريب أوقدت ناراً أو أرسلت دخاناً أو أطارت حماماً، إشارة إلى الخطر الداهم، فتكون النار أو الدخان أو الحمام إنذاراً يحتاط معه المحتاطون.
وكان هذا النصب أوّل ما نبصر من مظاهر الحياة العسكرية للنزاريين، وأوّل ما يطالعنا على أبواب ديارهم التي نمشي إليها حثيثاً. وهو إن دل على شيء فإنّما على شدّة الحذر الذي كانوا يمارسونه في جبالهم التي لا تشبهها جبال.
ولم نلبث أن مررنا بنهر (باراجين) الجاري إلى يميننا. ثمّ عبرناه على جسر جعل النهر إلى يسارنا، ورأينا الدسكرة التي تقوم على ضفّتيه ومواقع المطاحن الكبرى التي كانت تدور بماء السد المشاد على النهر، ثمّ زالت مع ما زال من القديم بحلول الجديد المتطور محله.
وبعد مرور ثلاثين دقيقة على خروجنا من قزوين انتهى طريق الإسفلت، وتشعّب الطريق فمشينا في الشعبة الترابية، فكنّا في تخوم (جبال الديلم)، وعلى أبواب مداخلها.
ولهذه الجبال ذكر موغل في التاريخ ليس هنا مكان الحديث عنه، ولكن طروق جبال الديلم لا يمكن أن يمر دون أن يعيد الفكر إلى العصور التي كانت فيها هذه الجبال مسرحاً لأحداث لا تزال أصديتها تتجاوب في مسامع الزمن. فأنا الآن أسمع قول الشاعر القديم:
قد يعلم الديلم إذ نحارب
حين أتى في جيشه ابن عازب
بأن ظن المشركين كاذب
فكم قطعنا في دجى الغياهب
من جبل وعر ومن سباسب
وإذا كان هذا الشاعر أنشد ما أنشد محارباً، وعبر هذه الجبال مقاتلاً، فإنّنا نردّد شعره مسالمين، ونعبر الجبال مؤاخين متحالفين. وإذا كان يعلن بأنّ ظنّ المشركين فيها كاذب، فإنّنا نعلن أنّ فيها اليوم: المؤمنين الذين لا تكذب ظنونهم. على أنّنا مثله: كم نقطع (من جبل وعر ومن سباسب)، ولكن لا في دجى الغياهب، بل في وضح النهار وتألق الشمس ومتوع الضحى.
ومضينا في الجبال التي تكاثفت حولنا شاقين لها في واد طويل مررنا فيه على جدول ينحدر من الأعالي بين الصخور، وتقوم الأشجار على ضفته، ومن فوقها الحقول الخضراء الضيقة المستطيلة.
ورحنا نوغل في الوادي في قلب جبال الديلم، والنهر والشجر إلى يمننا في قلب الوادي، ثمّ انقطع كلّ ذلك وعادت السفوح الصخرية، ثمّ عادت شجرية، ونحن بين الجبال.
ولاح إلى يسارنا كوخ متفرّد في ذلك البر، وحياله على الضفة الثانية من الطريق غابة أشجار، ثمّ لاح لنا كوخان آخران. وكان من الغريب وجود هذه الأكواخ في هذه الأمكنة، ولكن بعد أن عرفنا أنّ هذا الطريق الترابي الذي نسير فيه لا يعود تاريخ شقّه إلى أكثر من ثلاث سنوات، استنتجنا أنّ هذه الأكواخ ربّما كانت محطات للمسافرين على ظهور الدواب يفيئون إليها من عناء السفر.
نحن نسير الآن صعوداً فوصلنا قرية (زدشك) بحقولها الخضراء، وبدت القرية إلى يسارنا ببيوتها الطينية محاطة بالأشجار الممتدة إلى خارجها، ما يدل على ماء غزير هنا يروي البساتين.
وواصلنا السير صعوداً في صميم الجبال الخضراء، ومنذ سلكنا هذا الطريق كانت سيّارتنا هي الوحيدة فيه، إذ لم نصادف أيّة سيّارة صاعدة أو هابطة، إلى أن رأينا الآن شاحنة تهبط نزولاً…
وبعد اجتيازنا بحيرة (دريابك) صادفنا حافلتين تتجهان نحونا واحدة بعد أخرى.
ومضينا مصعدين صعوداً غير عنيف بين خضرة الجبال حولنا وأمامنا، ثمّ بدت لنا السلسلة الجبلية الضخمة التي نتجه إليها، والتي هي قلب الوطن (الصبّاحي)، وإذا كنّا الآن نمشي في هذا الوطن ونعبر فيه الجبال المتكاثفة: قمماً عالية وأغواراً هاوية، فليس كلّ ذلك إلاّ خطاً دفاعياً أوّل ـ على التعبير العسكري الحديث ـ يصدّ من تسوّل له نفسه التقدّم إلى القلب.
ولم يلبث الجبل أن صار إلى يسارنا، والوادي السحيق إلى يميننا، وكانت بعض القرى الشجراء تتناثر في الوادي.
وبعد السيّارات الثلاث أقفر الطريق إقفاراً كاملاً، وبقينا وحدنا في هذا الطريق الطويل غير العريض.
ثمّ تشعّبت الجبال والأودية إلى يمننا وتداخل بعضها في بعض، وأخذنا بالانحدار بعد التصعيد المستمر، وفجأة أبصرنا (منحلاً) كبيراً في وسط البرية الواسعة المقفرة، وأحسن مربو النحل اختيار المكان المعشب المزهر لاجتناء العسل، ولكن أين هم أصحاب هذا (المنحل) المنتشر على مساحة واسعة؟ إنّنا لم نحس إنساناً في طول هذا الطريق الطويل وفي عرض هذه الدنيا العريضة التي نجتازها!.
وأوغلنا في انحدار متواصل ففوجئنا بشاحنة ثمّ بأخرى في اتجاهنا. واشتدّ الانحدار اشتداداً سيوصلنا إلى الوادي العظيم الفاصل بين السلسلتين العظيمتين: السلسلة التي ننحدر منها والسلسلة التي نمشي إليها. وتنوّعت أمامنا مناظر الطبيعة الأخّاذة التي تشْده بأفانين جمالها. كلّ ذلك في طريق مقفر وأرض خالية حتّى لتحسب أن لا بشر هنا.
وإذا كان الشاعر العربي القديم قال:
عوى الذئب فاستأسنت بالذئب إذا عوى
وصوّت إنسان فكدت أطير
فإنّنا كنّا نتمنّى لو يعوي الذئب أو يصوت الإنسان فنستأنس بالاثنين ولا نحسّ بوحشة الكون الخالي من الإنسان والحيوان.
وأبواق السيّارات التي طالما دوّت في آذاننا كريهة الدوي كنّا نتمنّى لو تدوي هنا فتكون حبيبة الدوي سائغة الزعيق.
ننحدر وننحدر راكضين في مملكة حسن الصباح إلى الوادي الخصيب الرحب. وإذا كان عزّنا حتّى الآن عواء الذئاب وتصويت البشر، وإذا كنّا افتقدنا الإنسان والحيوان فيما نمشي فيه من جبال وأودية، فإنّ قطيعاً كبيراً من الغنم فاجأنا بظهوره منكباً على الأرض المعشبة يوسعها قضماً، وراعياً يقف إلى جانب الطريق متكئاً على عصاه التي لم يكن في حاجة لأن يهشّ بها على القطيع الساكن الوادع!.
واشتدّ انحدارنا من الجبال الهائلة، فلاحت إلى يميننا قرية (فلار) في قلب الأودية والجبال، وفوقها غابة مكتظة، ومررنا ببيوت متطرفة من القرية، بيوت طينية بدائية ضاوية!.
المنحل العامر بخلياته المتراصفة صفوفاً نظيمة، بصناديقها الفنية المصوغة على أحدث ما تصاغ به صناديق خلايا النحل في أرقى البلاد.
المنحل الذي فاجأنا ظهوره في البرية المقفرة، هو نقيض هذه القرية مظهراً ومخبراً!.
ومضينا منحدرين فطلعت لنا سيّارة جيب عسكرية، كانت وحيدة في الطريق البعيد المدى.
ثمّ لاحت كتل الجبال المقابلة واضحة، وبدت في الوادي قرية (رازميان) التي سنعود إلى ذكرها، ولاحت فوقها قلعة (لمبسر) إحدى أشهر قلاع الإسماعيليين النزاريين، وهي التي ننوي الوصول إليها فيما ننوي الوصول إليه من القلاع والديار.
هنا حيال رازميان المغمورة بالزروع والبساتين، والمطلة عليها من فوق الشواهق قلعة (لمبسر) تبدو حقيقة مملكة حسن الصباح.
لم تكن الحياة في هذه المملكة جافة خشنة كما قد تبدو من وصف معاقلها والحديث عن مواقعها، ولم تكن عسكرية العيش فدائية التحرّك، عيشاً لا تعدوه وتحرّكاً لا يميزها غيره.
هناك على القلعة الشامخة فوق الجبل قلعة (لمبسر) بوحشتها وانقطاعها، هناك تتحرّك عقول العسكريين وتدبر مؤامرات الفدائيين.
وهنا في الوادي البهيج في (رازميان) تنطلق الحياة مرحة في ظلال الشجر وانبساط العشب وتدفق الماء.
هنا تتحرّك أيدي المزارعين وأقدام الفلاحين وأفكار الشاعرين والكاتبين.
فمن القمم ومن السهول، من الصخور الصلدة والغصون الغضة، من غلظة الجبل ورقّة الوادي، من تمازج ذلك كلّه وتفاعله كانت تتألف مملكة حسن الصباح وخلفائه، فكان لها ما كان من الدوي الصاخب في مطاوي التاريخ.
طال انحدارنا بين المرائي الطبيعية الجميلة، الجبلي منها والودياني، فقد تجلّى لنا الآن الوادي الخصيب الروي، ووضح بكلّ معالمه الرحبة المنطلقة في كلّ مكان بحسنها الريان.
ورحنا ننحدر في طريق مقفر من كلّ إنسان، هذا الإقفار المتوالي الذي نشهده هنا في هذه الأرض المخصاب على هذا الطريق المفترع للجبال والآكام والوهاد.
هذا الإقفار العجيب أعاد إلى ذهني وحشة الشعراء القدامى وهم يجوبون البوادي على ظهور الإبل، وحشتهم من توحّدهم في سيرهم الطويل، فألهمهم ذلك شعراً جميلاً، رحت أكد ذاكرتي لستعفني بشيء ممّا استظهره منه متمثلاً به هنا في هذه السبل القفراء، فكان أوّل ما عنَّ على الذهن من ذلك قصيدة جاء في أوّلها:
وصلنا السرى بالسير نقطعها قفرا
مهامه لا تهدى إليها القطا إثرا
على يعملات كالقسي تفاوضت
أحاديث من تهوى فطاب لها المسرى
على أنّنا نحن لم نكن نواصل (السرى)، بل (السير) فقط، ولم نكن في مهامه بل في مساكن ومزارع ومغارس وينابيع، ومع ذلك فقد كنّا كذاك الشاعر نقطعها (قفرا).
وشتان بين (يعملات كالقسي) كانت تقلّه ورفاقه، وبين (سيّارة الجيب) التي كانت تقلّنا، وإذا استطاعت شاعريته أن تجد تشبيهاً جميلاً (ليعملاته)، فقد عجزت أنا عن أن أجد مشبهاً به لهذه (الجيب) الضخمة القوية!.
وما كان أرقّه وأعذبه وهو يتحدّث عن الهوى وأصحاب الهوى، وأنّ المسرى في المهامه المقفرة، على مشقاته، كان يطيب بمجرد تذكر من يهوى، والتحدّث إليه، تفاوضاً بينه وبين الحبيب الماثل في خاطره!.
أيّها البعيدون هناك في بيروت وبغداد ودمشق وشقرا، إنّنا كنّا كهذا الشاعر نستطيب المسرى المجهد حين نتذكركم!.
ورحنا ننحدر وننحدر، والشعر البدوي ملء الذهن، فإذا (المشبّه به) الذي عجزت عن إيجاده لأضيفه إلى (الجيب) المنحدرة التي تحتوينا، إذا بذاك الشعر يمدّني به، وإذا بي لا أجد لإحدى معجزات الحضارة إلاّ مشبهاً به مستمداً من صميم شعر البداوة، إنّ هذه (الجيب) المنحدرة بنا بقوّة كانت كما قال امرؤ القيس: (كجلمود صخرٍ حطّه السيل من علِ)!.
وبينا نحن ننحدر في طريق مقفر من كلّ إنسان، إذا بدراجة نارية تفاجئنا صاعدة بدويها المعهود.
ومرّت بطيئة السير، تصدّها العقاب عن الانطلاق، وتلاقينا معها، تصدّنا الوهاد عن الانطلاق. كنّا هابطين مبطئين، وكانت صاعدة مبطئة، فكنّا كلانا في هذا الطريق الترابي المثير للغبار، وبما عبرنا به، وما نعبر من بيوت طينية في القرى الضاوية.
كنّا جميعاً صورة للحياة في هذه الأرض: حضارة متثاقلة الخطى، يلفّها العجاج ويعيقها المهبط والمصعد!.
ولاحت في الوادي قرية (بهرام آباد)، واجتازتنا حافلة صاعدة من حيث نهبط، ثمّ سيّارة صاعدة، ثمّ سيّارة (ستيشن) محمّلة بالحطب صاعدة.
وبدا أنّنا على مشارف تبدل الحياة هنا، وأنّ الحركة بدأت تمور مورانها الطبيعي إن لم يكن كاملاً فهي على كلّ حال حركة كنّا نفتقد مثلها من قبل.
وبدت قرى الوادي متناثرة بخضرتها اليانعة، خضرة أشجار وزروع. ودنونا من الوادي وظهرت (بهرام آباد) واضحة أمامنا، ثمّ صرنا في قلب الوادي إلى جانب بهرام آباد التي بدت قرية بدائية ببيوت طينية هامدة.
نحن الآن بين حقول (الرز) المنتشرة في هذا الوادي الخصيب، وكان زارعوه يخوضون الماء لغرسه. فهذا الوادي هو من أكبر منابت (الرز)، ثمّ عبرنا جسراً على نهر (شاهرود) الذي يمدّ هذه الأرض بالحياة من مائه الدافق فيها، ومضينا نشاهد منظرين: منظر الرز مزروعاً ومنظر القمح محصوداً. وكانت الحمير تنقل حصيد القمح من حقوله إلى حيث يفصل بين القش والحب.
وأوغلنا في جانب الوادي سائرين على أطراف قاعدة الجبل حيث بدت لنا غابة خضراء كثيفة الأشجار الشامخة المتسلسلة إلى أبعد من البعيد.
وإذا كانت الحقيقة في حياة مملكة حسن الصباح تجلّت حيال (رازميان)، حقيقة الحياة التي يرفدها العزم الصارم في قمة الجبل والزند الحازم في غور الوادي، فها هي هنا أكثر تجلياً في هذا السهل المنبسط وادياً بين السلسلتين الهائلتين، حيث حصيد القمح وغريس الرز وتكاثف الغابة وهدير النهر. وحيث الجبل المتمادي علواً تدبر فيه الأمور وتحبك حبائل الخير والشرور.
حسن الأمين مع السيد ناصر القوامي
والأستاذ عبد الحسين الصالحي في تلاتر
ومضينا صعداً نمر بينابيع مياه وغابات أشجار، ولمّا أوغلنا في الصعود صرنا في جبال جرداء عجيبة، فهي طوراً صفراء وطوراً بيضاء وطوراً سمراء، ثمّ أطلّت قرية (برود) محوطة بالبساتين في قلب الوادي الذي عدنا إلى السير فيه، فإذا بدراجتين ناريتين خارجتين من القرية. ثمّ دخلنا القرية عابرين إليها على جسر نهر. وسرنا في الشجر المتكاثف، فأبصرنا في مداخل القرية حمارتين داخلتين إليها.
دراجتان خارجتان، وحمارتان داخلتان! أحدث الحديث وأقدم القديم.
على أنّ القدم والحداثة هما أقل من القليل ظهوراً في هذا المشهد بين وسيلتي النقل: الدراجة والحمارة.
إنّ القدم والحداثة يبدوان في هذا الموقع وسيظلان يبدوان في كلّ ما سنجوزه من مواقع ـ إنّهما يبدوان بمظهرهما المذهل، متمثلاً بهذه الفجوة الواسعة بين المكان والزمان.
إنّ المكان لا يزال على ما خلفه الإسماعيليون النزاريون منذ أكثر من سبعمائة سنة: بيوت طينية واطئة شاحبة، في قرية بدائية متضائلة خابية.
والزمان هو العقد الأخير من القرن العشرين!.
خرجنا من القرية مصعدين في جبال هي بلونها غير الجبال التي عرفناها فيما وراء (رازميان)، فإذا تنوّعت ألوان الجبال هناك من ابيضاض إلى اصفرار إلى اسمرار، فإنّها هنا بيضاء تتخللها الصخور السوداء. وفجأة أشرفنا على غابات بعيدة، ولم تلبث الصخور هنا أن عادت بيضاء ابيضاض الجبال.
ابيضاض واسمرار واصفرار نعلّل أنفسنا بها هنا في هذه الدروب الموحشة.
تراب أبيض وحجر أسود وصعيد أصفر ومدر أسمر. هذا ما يشغلنا هنا، وهذا ما نحدّق فيه في هذه الرواسي الخشنة.
أمّا الرفاق في بيروت فإنّ ما يشغلهم فيها هو ما يشغلنا هنا من احمرار وابيضاض واسمرار واسوداد، فكلّنا بشر تزدهيهم الألوان ويستهويهم تموجها.
نحن هنا يشغلنا اسمرار الجماد وابيضاضه واسوداده واحمراره، نتحرّك إليه وهو ساكن، ونشرف عليه وهو هامد.
أمّا هم فإنّ ما يشغلهم هو الابيضاض والاسمرار في الوجوه والقدود والاحمرار في الوجنات والنهود، تتحرّك إليهم وهو ركود، وتشرف عليهم وهم قعود.
ويَشدَهنا السواد المتكاثف تحت التلة الناصعة، ويشدّهم السواد المترادف تحت الجبين الأغر. ويبهرنا التماع الصخرات البيض تنفتح عنها الذروتان. ويبهرهم ائتلاف الثنايا اللؤلؤية تنفرج عنها الشفتان.
وتشدّنا الخرائب في الفقر المهجور، وتشدّهم العمائر في الربع الغاني المعمور. وغلظتنا تسمّي من الألوان: (الصفرة)، ورقتهم تسميه: (الشقرة)، فإذا نحن حدّقنا في الجبل الأصفر، أطالوا هم التحديق في الشعر الأشقر.
يا لها من قسمة عجيبة بيننا وبينهم، اخترناها نحن لأنفسنا بأنفسنا. أنحن الأغبياء أم هم؟ من يدري، وهل يدري المجنون أنّه مجنون!.
تعدّد ظهور الغابات البعيدة، ولا تزال الجبال بيضاء ناصعة البياض. فهذه قرية في الوادي إلى يسارنا هي قرية (آكوجان) محاطة بالبساتين. والبساتين في كلّ ما مررنا به، وما سنمر به هي بساتين (البندق).
ثمّ رأينا مجموعة من الخيل إلى يسارنا وما أدري ما هو عمل الخيل هنا، ثمّ عبرنا إلى قرية (آكوجان) بين الشجر الغضيض، وآكوجان مثل غيرها من القرى البدائية التي مررنا بها، ولكن تتميّز بأنّ بعض بيوتها ذو طابقين اثنين.
ومضينا عنها متجهين إلى قرية (تلاتر) التي ستكون مقرّنا في ليلنا المقبل، داخلين إليها بين بساتين البندق بشجرها المتكاثف.
وإذا كنّا لم نر فيما تقدّم ذكره من القرى سوى مظاهرها الخارجية، فإنّ رؤيتنا لأزقة (تلاتر) أكدت لنا أنّ هذه القرى لا تزال على ما تركها الإسماعيليون النزاريون.
ولكن شيئاً فريداً كان في هذه القرية، شيئاً جعلها تقفز في بعض حياتها من تلك القرون البعيدة إلى أواخر هذا القرن.
فإنّ ابناً باراً من أبنائها هو السيد ناصر القوامي لم ينسها وهو يتقدّم في مناصب الدين والدنيا فأنشأ فيها مستوصفاً يكاد يكون مستشفى مجانياً بمداواته وأدويته.
وتلاتر ذات الخمسمائة النفس من السكان، من أبنائها في الجامعة اليوم خمسة عشر طالباً.
وفي الضحى كنّا نقصد بالسيّارة في طريق وعر يرج الأجساد رجاً منطقة (خارود)، التي تبعد عن (تلاتر) أكثر من خمسة كيلومترات لم تستطع السيارة اجتيازها كلّها، فمشينا صعوداً في الجبل، صعوداً كنّا ندوس فيه أحياناً في قلب الماء الجاري، وأخيراً توقفنا مرهقين وجلسنا عند الينابيع الغزيرة بين الخرير والظلال والنسيم.
حسن الأمين في ظلال قمم (خارود) الصخرية
وبرغم روعة ما نحن فيه، كان ذلك فرعاً من أصل هو مكان تفجر الماء من بين الصخور في قلب الجبل، على خطوات منّا فمشينا إليه مجهدين، ووصلناه متعبين، وأخذنا نكرع من مائه العذب الزلال البارد.
إذا كان حسن الصباح قائداً حازماً وثائراً شديد المراس، فلا شك أنّه كان إلى ذلك شاعري الطبع. فهو حين اختار لمستقره تلك الجبال التي لا تطولها أيدي الجيوش مهما امتدّت واستطالت، فإنّه لم يختر ذلك اعتباطاً، ولم ينزله مصادفة، بل جمع عامداً شدّة الصخر في القمة الجافة الغليظة، إلى رقة الصخر في الينبوع الدافق الفوّار.
ولو صحّ ما زعمه الزاعمون من اصطناع الصباح لجنّة يغري بها أتباعه، لما كان في حاجة إلى اصطناع الجنان، وعنده مثل (خارود) الجنة الطبيعية الرائعة. وكم لخارود من نظائر في ديار الصباح.
وفجأة انطلق من بين الجالسين قريباً منّا صوت رقيق عذب، ولكنّه في الوقت نفسه هدّار، انطلق من فوق صخرة شمّاء ينشد شعراً فارسياً إنشاداً استفزّه له ما في هذا الذي فيه من روض وجبل وواد وينبوع، اجتمعت فكان منها أعذب ما تحلم به العين من مرائي الوجود، وكان يعوزها التعبير الصوتي، فانطلق ينشد الشعر إنشاداً هو قطعة من هذا الجمال الأخّاذ…
ولكنّه لم ينشده غزلياً كما قد يفعل من تستفزّهم مثل هذه الطبيعة الوهّاجة، ولم يردّده منبعثاً عن شوق لحبيبٍ غائب وتلهّفاً على لقاء مرغوب.
لم أكن أفهم ما يقول، ولكنّني كنت أفهم كلمة واحدة من كلّ ما كان يرتل هذا المرتل الغريد، هذه الكلمة أفهمتني كلّ ما كان يجب أن أفهمه من مضمون هذا الشعر، كنت أفهم كلمة (علي)!.
فلم أملك الدمع أن يفيض من عيني وأنا هنا في هذا المنتأى البعيد، وفوق هذه الرواسي الشامخة، وعلى هذه المشارف الباذخة أسمع اسم علي تتجاوب به السباسب والأنجاد، وتتنادى به الذرى والوهاد.
تلاتر ثمّ خارود هما منتهى مجال المملكة (الصباحية النزارية)، إذ أنّنا بوصولنا إليهما نكون بلغنا الحدود الشمالية الغربية لتلك المملكة، وما بعد خارود وجبالها تبدأ حدود لديار أخرى تعرف اليوم باسم (أشْكَوَرْ).
حسن الأمين مع الرفااق في القمم الصخرية في خارود
على الينابيع الفوّارة في قلب القمة العالية وفوق الوادي الغضيض الشجير هنا في خارود نغيب في مطاوي الزمن البعيد متنقلين من عام إلى عام ومن قرن إلى قرن، ومن رجال إلى رجال، ومن قوم إلى قوم.
هنا نستعرض ذلك كلّه فنستمد من المكان الحاضر ما استمددنا من الزمان الغابر معرفة واطلاعاً.
يا حسن يا صباح: أنا الآن في ديارك، في الأرض التي هي منازلك، أنا ضيفك هنا في هذه المرابع مرابعك، ولئن غبت عنها، فلا تزال مطبوعة بطابعك، حاملة اسمك.
لا أقول لك ودعاً، بل أقول: إلى اللقاء، فمثلك يظل يلتقي به المؤرخ حيث اتّجه.
إلى اللقاء القريب على هذه الصفحات نفسها، وفي هذا المرتحل ذاته.
وأنت يا تلاتر، وأنت يا خارود اللتين سنبتعد عنكما بُعداً لا نحسب أن لنا بعده دنواً، حسبي أن أقول لكلّ منكما ولكلّ من صحبنا فيكما:
تذكرنيك الريح مرّت عليلة
على الروض مطلولاً وقد وضح الفجر
وما بعدت دار ولا شطَّ منزل
إذا نحن أدنتنا الأمانيُّ والذكر
إنّ ما كانت تتألف منه مملكة حسن الصباح وخلفائه يقسم اليوم بحسب التنظيم الإيراني الحديث إلى قسمين إداريين يسمّى أحدهما: رودبار شهرستان، والثاني رودبار ألموت، ويتألف كلا القسمين من 216 قرية، منها 106 قرى في رودبار ألموت، و110 قرى في رودبار شهرستان.
ويبلغ عدد نفوس أكبر قرية في المجموع وهي قرية هير 3000 نفس، وعدد نفوس أصغر قرية، وهي قرية روح آباد 150 نفساً.
ولم يبق من كلّ سكان المنطقة أي إسماعيلي نزاري بل ذاب جميع النزاريين في المحيط الإيراني الواسع. وإن كانت لا تزال منهم بقية قليلة جداً في مناطق أخرى من إيران.
وممّا يدل على إحكام حسن الصباح أمره هو اختياره لهذه المنطقة بالذات لتكون مقراً لدولته، فهي منطقة خصبة، غنية بمحاصيلها الزراعية المنوعة، ما تستطيع معه أن تكتفي اكتفاءً ذاتياً في حالة حصارها وقطع المؤونات عنها، مهما طال هذا الحصار، وساعدها على ذلك غزارة المياه فيها، مياه الأنهار والعيون والينابيع.
وقد رأينا بأعيننا كيف أنّ الأرض تنبت موسمين في العام الواحد، كنّا نشاهد أكوام القمح المحصود تنقل من الحقل وقت تدار إليه المياه لزرعه بالرز.
وهي تنتج جميع أنواع الحبوب، ومن أهم ما تنتجه: العدس والفاصوليا واللوبيا والحمص، تنتجها بكثرة للتصدير إلى خارج المنطقة. أمّا القمح فمنتوجها منه أقل من غيره. هذا فضلاً عن الرز وهي من أكبر مناطق زراعته.
أمّا الأشجار المثمرة فغابات كثيفة فيها، وهي مكوّنة من شجر الجوز وشجر البندق.
ويكفي في إخصاب شجر الجوز وشجر البندق أنّ ثلاث قرى فيها، هي قرية تلاتر التي تقدّم ذكرها، وقريتان في جوارها، أنتجت في موسم واحد مليوناً ومائتي طن من البندق. وأنّ شجرة جوز واحدة في تلاتر أعطت في موسم واحد ما ثمنه ستون ألف تومان.
نذكر هذا للتدليل على أنّ حسن الصباح أحسن اختيار المكان الذي قرّر أن يقيم أمره فيه: قلاع منيعة على قمم جبال لا تنال، ومياه غزيرة تروي حقولاً وبساتين تظل خضراء منتجة طوال العام.
قمنا صباحاً لنعود من (تلاتر) في نفس الطريق الذي جئنا منه إليها. وبعد وصولنا إلى بلدة (بهرام آباد) انشعب الطريق شعبتين، فتركنا الشعبة الموصلة إلى قزوين، واتجهنا نحو الشرق سائرين في قلب الوادي العريض، ونهر شاهرود يجري إلى يميننا معاكساً لنا في السير، ووراءه حقول الرز ثمّ السلسلة الجبلية الشاهقة، وكنّا نسير خلال حقول الرز وهي على جانبينا، ونرى أكوام القمح المحصود لا تزال مكدسة بينما يغرس الرز في الارض الحصيد نفسها.
ووصلنا بلدة (رازميان) التي تقع في الوادي على أصل الجبل بين السلسلتين الجبليتين الهائلتين وفوقها على القمة الشاهقة قلعة (لمبسر). والبلدة مقر مديرية الناحية، وهي مغمورة بالزروع والأشجار، وهي ككل ما مررنا به من قرى لا تزال بدائية، ولكنّها آخذة بالتحوّل إلى الحضارة، ومن مظاهر ذلك وجود الهاتف فيها، ووجود أعمدة الكهرباء المعدّة للتركيز وإيصال الكهرباء إليها بعد أيام.
لا بد أن تتحسّن أحوال رازميان بعد وصول الكهرباء إليها، هذه الكهرباء التي كانت تنصب أعمدتها ونحن هناك ليصل نورها بعد أيام.
وقصّ علينا أحد من لقيناهم من أبناء البلدة قصة بعثة بريطانية مؤلفة من خمسة أشخاص بينهم امرأة هي شقيقة زوجة أحدهم، جاؤوا رازميان سنة 1977م. بقصد الصعود إلى القلعة، فنصبوا خيمة لهم في القرية واصطحبوا دليلاً كان هو الذي يقص علينا قصتهم، فقال إنّه سار برفقتهم حتّى بلغوا القلعة مشياً على الأقدام، وهناك أخذوا ينقبون ويدرسون، ولما همّوا بالعودة رأى أحدهم بقايا قناة تصل إلى القلعة، فأهمّه أن يرى مصدر الماء الذي كانت تنقله القناة إلى القلعة فطلب إلى رفاقه أن يصحبوه في السير مع مجرى القناة فرفضوا إلاّ شقيقة زوجته فقد مشت معه، وعادوا هم مع الدليل إلى خيمتهم في رازميان. ولم تلبث شقيقة الزوجة أن عادت ناعية الرجل الذي زلت به قدمه خلال السير فهوى من الجبل إلى القعر.
الأستاذ الصالحي داخل قلعة رازميان
أمّا نحن فقد أقلتنا السيّارة في الطريق المشقوق حديثاً في الجبل والموصل في نهايته إلى قرية (هير)، وهو ما شق إثر الزلزال الأخير المدمر للوصول إلى مناطق الزلزال، فخرجنا من القرية الخضراء، نمشي صعوداً في جبال من أعجب ما خلق الله من جبال بوديانها وتلالها وهوّاتها وسلاسلها وتشعّبها وتداخلها بعضها في بعض، وكانت كلّها جرداء إلاّ من بعض النباتات البرية.
ولم نلبث أن وصلنا إلى أقرب مكان من القلعة حيث يستمر الطريق واصلاً هير، فنزلنا وتأملنا القلعة في القمة الشاهقة، وقدرنا المسافة بيننا وبينها بأكثر من اثنين من الكيلومترات يمتدان صعوداً من حيث نحن، وصولاً إليها.
وكان قطع هذه المسافة صعوداً في الجبل مشياً على القدمين فوق طاقتي فصممت على البقاء وانطلق الرفاق صاعدين، وكان بينهم الأستاذ عبد الحسين الصالحي، فكلفته أن ينوب عني في تدوين ما يشاهده في القلعة، وعن وصفه لها أكتب أنا ما أكتب عمّا هي عليه اليوم.
إنّها قلعة ضخمة لا تزال عامرة على عكس قلعة ألموت. وهي محاطة بسور حجري عال. وكان الطريق إليها في الجبل لا يتجاوز عرضه عشرة سنتيمترات إلى عشرين في أعرض حالاته، وشاهدنا قبل الوصول إلى القلعة مجرى قناة قدرنا عرضه بثلاثين سنتيمتراً محفوراً في الصخر لجلب الماء إلى داخل القلعة، متجهاً من الشمال إلى الجنوب فسرنا معه قليلاً، ثمّ عدنا، ويبدو أنّه هو المجرى الذي سقط في سبيل الكشف عن أصله الرجل الإنكليزي.
ويحيط بالقلعة الضخمة واد عميق، قدّرنا أنّ عمقه يبلغ في ناحية 600 متر وأخرى 1200 متر. وعندما وصلنا إلى القلعة شاهدنا أسطوانتين من الحجر هما ركنا باب القلعة الذي قدرنا عرضه بمترين ونصف المتر، وهو يقع في الشمال الغربي من القلعة. ثمّ وقفنا باتجاه الشمال فرأينا نهراً يجري باتجاه القلعة في واد عميق بين جبلين شاهقين ـ يجري من الشمال إلى الجنوب اسمه نهر نينه رود ـ. وعندما يصل إلى قاعدة الجبل الذي تقوم عليه القلعة ينشطر إلى شطرين يتجه أحدهما إلى غرب القلعة اسمه طه در والآخر إلى شرقها وهو أكبر الشطرين يحتفظ باسم (نينه رود) ويعود النهران فيلتقيان عند جنوب القلعة، وهكذا تحاط بالماء. وقدرنا عمق الوادي الذي يجري فيه النهر قبل انشطاره بألف متر.
وتقوم في وسط القلعة إثنتا عشرة غرفة منها ثلاث غرف لا تزال عامرة، وسقوفها على عقود حجرية، وهي مشادة بالحجر. وبداخل القلعة بانخفاض عشرة أمتار تقريباً قطعة أرض واسعة مستطيلة يظهر أنّها كانت بستاناً داخل القلعة، وفي الضلع الجنوبي الشرقي من هذا البستان اسطبل كبير للحيوانات لم يبق منه إلاّ الجدران، وفي جنوب البستان يقع الباب الجنوبي للقلعة.
ويحيط بجوانب القلعة خمسة أبراج لا تزال سالمة في جنوب القلعة وغربها وشرقها، وتطل القلعة من الجنوب على قرية رازميان.
وفي القلعة إثنا عشر مخزناً للمياه منقورة في الصخر لا يزال بادياً من عمقها ما يقارب الستة أمتار وبقية العمق مملوء بالتراب، وهي مستطيلة الشكل بحيث يبلغ الطول سبعة أمتار والعرض أربعة، ورأينا في بعضها ماء، يظهر أنّه ماء نابع.
وفي الجانب الغربي والجانب الجنوبي من القلعة بئران عميقان ربما كانا نفقين سريين للخروج من القلعة والدخول إليها.
وفي زاوية الضلع الشمالي الشرقي حمام يتشكل من ثلاث غرف متصلة ببعضها من الشرق إلى الغرب، وخلف هذه الغرف غرفة رابعة يبلغ طولها طول الغرف الثلاث معاً، وفي شرق الغرف الثلاث غرفة كبيرة مهدومة السقف في حين أنّ الغرف الأربع لا تزال مسقوفة.
وبعد الحمام إلى الجانب الشرقي من القلعة جنوب الحمام 48 غرفة متدرجة من الأسفل إلى الأعلى، بحيث يكون سطح كلّ غرفة باحة للغرفة التي فوقها، بحيث تشكّل كلّ اثنتي عشرة غرفة مدرجاً مستقلاً، وتطل هذه الغرف على نهر (نينه رود) في أكثر مكان منه انخفاضاً بحيث يقدر ارتفاعها عن الوادي الذي يجري فيه النهر بحوالي 2000 متر.
كما رأينا مخزناً منحوتاً من الصخر بطول ما يقارب ثمانية أمتار وعرض ثلاثة مغطاة جدرانه بطبقة كلسية ناعمة بخلاف مخازن المياه العارية من ذلك، وقيل لنا إنّ هذا المخزن ربّما كان مخزناً للعسل. وهناك مخزن كبير متّسع جداً وهو مهدوم السقف كان مستودعاً للحبوب. ورأينا في داخل القلعة كثيراً من أشجار الرمان والتوت، كما رأينا أرومات لشجر الجوز.
وتحاط القلعة بالوديان عدا الجانب الشمالي الذي يتصل بجبال (زرده جال) وجبال (كرماجال).
الإمارات العربية المتحدة
تقع دولة الإمارات العربية المتحدة بين خطي عرض 22 و26,5 شمالاً، وبين خطي الطول 51 و56,5 شرقاً. ويحدّها شمالاً وشمالاً بغرب الخليج أمّا غرباً فيحدّها دولة قطر والمملكة العربية السعودية. ويقع إلى شرقها الخليج ودولة عمان، وتكون دولة عمان وما سمّي المملكة العربية السعودية حدّها الجنوبي. وتتكوّن الدولة من سبع إمارات تقع ست منها على الخليج ممتدة مسافة نحو 700 كيلومتر وهي: أبو ظبي ودُبَي والشارقة وعَجْمان وأمّ القيوَيْن ورأس الخيمة. وتوغلها في الداخل متفاوت إلاّ أنّه يصل في نهاية حدود الدولة في المنطقة الشرقية إلى خليج عُمان، الذي تقع إمارة الفُجَيرة على ساحله في امتداد نحو تسعين كيلومتراً. والفجيرة هي الإمارة السابعة.
وتبلغ مساحة دولة الإمارات العربية المتحدة نحو 90,000 كيلومتر مربع (وقد ذكر أنّ مساحتها نحو 125,000 كيلومتر مربع) وتشغل إمارة أبو ظبي ما يقرب من ثمانية أعشار المساحة هذه، إذ تمتد سواحلها نحو 400 كيلومتر من حدود قطر إلى حدود دُبَي، وتتوغل داخلاً بحيث تصل، في بعض الحالات، ما يقرب من 250 كيلومتراً، في محاضر ليوا وواحات المنطقة الشرقية في العين والبُرَيْمي. أمّا الإمارات الباقية فمساحتها صغيرة وأكبرها دُبي (نحو 4000 كم2) وأصغرها عجمان (نحو 600 كم2).
ولنسارع إلى القول بأنّ موقع دولة الإمارات العربية المتحدة له قيمة استراتيجية كبيرة بالنسبة لخليج عمان والخليج الفارسي؛ فالبلاد تكون جزءاً من الجناح الشرقي الطبيعي الذي يحمي المنطقة ويدعم استقرارها.
ويمكن تبين مناطق خمس طبيعية ينقسم إليها سطح الدولة وهي بدءاً من الشرق وانتهاء بالغرب: (1) شريط ساحلي هو سهل رملي، تربته مالحة، حديثة العهد جيولولجياً، إذ أنّها نتيجة انحسار المياه عنها. وفي مقابل هذا السهل الساحلي توجد مئات من الجزر، يتبع أكثرها أبو ظبي. (2) المنطقة الصحراوية الرملية، التي تشغل قرابة ثلثي مساحة الدولة. وقد تنتشر في أزاء منها حشائش وأنْجم. وهذا يصدق على بُعد لا يتجاوز مائتي كيلومتر عن الساحل. ثم تتلاشى هذه المنطقة الصحراوية في الربع الخالي. (3) ثمة منطقة سهول حصبائية محدودة في مساحتها تمتد بين المنطقة الصحراوية المذكورة والمرتفعات الشرقية. (4) توجد في الشرق منطقة مرتفعات عالية لعل أكثرها في إمارة رأس الخيمة. (5) وأخيراً ثمة منطقة سهول خصبة تحتضنها المرتفعات وساحل البحر على خليج عمان، وهذه تقع في الفجيرة.
يتأثر مناخ دولة الإمارات العربية المتحدة، بشكل عام، بأمور ثلاثة: أوّلها أنّها تقع في المنطقة الجافة التي تمتد عبر الصحراء الكبرى في إفريقية وصحارى آسيا في إيران والهند. وهذا يجعل حرارتها شديدة. إذ أنّ متوسط الحرارة في الدولة هو أربعون درجة (س) لشهر تموز (يوليو) أمّا في أبو ظبي والشارقة فتصل الخمسين درجة (س) في فصل الصيف. ويمكن القول إجمالاً بأنّ فصل الحر يمتدّ من أيار (مايو) إلى تشرين الأوّل (أكتوبر)، وفصل الحرارة المعتدلة يشغل بقية شهور السنّة. والعامل الثاني الذي يؤثّر في مناخ الدولة هو الرياح التي تهب عليها والتي يتغيّر اتجاهها مع الفصول. والاضطرابات أو التغيّرات المناخية التي يتعرّض لها شبه الجزيرة العربية يُحدِثُ أعاصير رعدية في دولة الإمارات العربية المتحدة. أمّا العامل الثالث الذي يؤثر في مناخ الدولة فهو أنّ المناطق الساحلية تهب عليها رياح خفيفة من البحر فتحمل الى هذه الأجزاء الساحلية رطوبة كبيرة في نسبتها المئوية. فأبو ظبي تصل فيها درجة الرطوبة حد الإشباع (99%)، وهي ليست الوحيدة، إلاّ أنّ المناطق الداخلية لا تتأثر بذلك. وأمطار الدولة قليلة. ولا يزيد متوسط سقوطها عن 65 ملمتراً في السنة. وهذه الأمطار القليلة تسقط بين شهري تشرين الثاني (نوفمبر) ونيسان (ابريل). وجدير بالذكر أنّ المرتفعات الشرقية يغزر مطرها نسبياً، لأنّها تقدر على اقتناص ما في الأجواء العليا من رطوبة. وهذا ما يجعل رأس الخيمة بلداً فيه زراعة نشيطة، بحيث إنّها تزوّد جيرانها بالكثير من الغلات الزراعية.
قدّر عدد سكان دولة الإمارات العربية المتحدة في سنة 1977 بنحو 656,000 نسمة. ولكن تقدير سنة 1980 هو نحو 700,000، يقيم نحو ثلثيهم في أبو ظبي ودبي، ويتوزع الباقي على سائر الإمارات. ففي الشارقة نحو تسعين ألفاً وفي رأس الخيمة ما يقارب ستين ألف نسمة. أمّا الفجيرية وعجمان وأم القَيْوَيْن فأعداد سكانها قليلة([408]).
والوطنيون من سكان الدولة هم الأصل، وهم يعودون إلى قبائل معروفة أسماؤها وبطونها وأفخاذها وعشائرها، وإن كان يصعب إعطاء أرقامها بالدقة المطلوبة. أمّا المقيمون من غير الوطنيين فمنهم كثيرون جداً من رعايا الدول العربية الذين جذبتهم الأعمال الكثيرة إلى الدولة. لكن هناك أجانب من الإيرانيين والبلوش (البلوخستانيين) والهنود والباكستانيين الذين استقرّ الكثيرون منهم نهائياً في البلاد. يضاف إلى هذا كلّه الأجانب الغربيون الذين يعملون في مختلف القطاعات الخاصة والعامة، مع عناية أكبر بالأولى.
أمّا السكان الوطنيون فإنّهم ينتمون، على نحو ما يعرّف العرب أنفسهم، إلى أصول يمنية قحطانية (جنوبية) ونزارية عدنانية (شمالية). والقبائل الرئيسة في منطقة الصحراء الغربية هي بنو ياس والمناصير، ولكلّ فروعها المتعدّدة. أمّا في الساحل الشمالي فتوجد جماعات من قبائل النعيم، والخواطر (في رأس الخيمة بخاصّة). وتوجد قبائل النعيم والظواهر والعوامر في منطقة البُرَيْمي. والمناطق الجبلية المجاورة للساحل هي مساكن قبائل الشرقيين والطنيج والمزاريعو المطاريش والشحيين. على أنّه يصعب ذكر جميع القبائل وفروعها في عجالة كهذه.
إلاّ أنّه في أواخر عهد اليعاربة في المنطقة استقرّت الزعامة في المنطقة في اثنين هما محمد بن ناصر الغافري (نزاري) وخلف بن مبارك الهناوي (يمني). وقد توزّع ولاء القبائل العربية، أثناء الحروب الأهلية، بين هذين الزعيمين، بقطع النظر عن أصولها. وقام ثمة حلفان: حلف الغافريين وحلف الهناويين. على أنّ هذا الأمر آخذ في الزوال بسبب ما طرأ ويطرأ على المنطقة من تبدّل وتطوّر وتغيّر.
قبضة تاريخ
يبدو من الدراسات الأثرية والتاريخية أنّ الخليج الفارسي كان طريقاً تجارياً رئيساً بين أرض سومر ومدنها (جنوب العراق) وبحر العرب ومن ثمّ المحيط الهندي والبحر الأحمر، منذ أقدم الأزمنة التاريخية. فالقيود التي عثر عليها والتي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، تدلنا على علاقات تجارية وثيقة، وعلى وجود سفن كانت تحمل الأخشاب والنحاس وغيرهما من السلع إلى المدن السومرية التي كانت تحتاج هذه في تطوير صناعاتها. وكانت السفن الأولى صغيرة، بطبيعة الحال. فلم تكن تجرؤ على خوض غمار المياه العميقة، بل كانت تحاذي السواحل في تنقلها. ومعنى هذا أنّها كانت بحاجة إلى أماكن تمتار منها، وتتزوّد بالماء وتتقي العواصف والزوابع، وهي بهذه المناسبة كثيرة في الخليج. ومن هنا، على ما ظهر من الكشوف الأثرية على قلتها([409])، جاءت أهمية أم النار (في أبو ظبي) ورأس الخيمة. وتشير الآجرات السومرية القديمة إلى أنّ سومر كانت تستورد «عين السمك»، والمقصود بذلك اللؤلؤ. وقد كانت توجد في المنطقة الممتدة من طرف شبه جزيرة قطر إلى الشارقة أماكن بالغة الجودة للغوص (على اللؤلؤ) فمعنى هذا أنّ ساحل دولة الإمارات العربية المتحدة كان يسهم في تصدير اللؤلؤ إلى أغنياء سومر وسراتها. وقد استمرّت هذه التجارة، مثل الاتجار في المواد السابق ذكرها والحجارة للبناء إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد. وهنا نأتي على فترة تمتد نحواً من عشرة قرون، نجد فيها أنّ التجارة الخليجية مع العراق قد ضعفت، كما أنّها كادت أن تتوقف تماماً مع حوض السند بعد ذلك بنحو قرنين أو يزيد. ولعل السبب في ذلك يعود، بالنسبة إلى العراق، إلى تصدّع إمبراطورية بابل القديمة (إمبراطورية حمورابي) في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، واتجاه الدول التي خلفتها في شمال العراق إلى آسيا الصغرى وبلاد الشام للحصول على المعان (النحاس من آسيا الصغرى وقبرص) والأخشاب (بلاد الشام). أمّا بالنسبة إلى حوض السند فالأمر يرجع إلى أنّ الحضارة السندية قضي عليها في القرن السادس عشر قبل الميلاد.
وعادت التجارة الخليجية إلى الكثير من نشاطها أيام الآشوريين والكلدانيين (البابليين المحدثين) والفرس القدامى (من حوالي 750ـ330ق.م.) الذين كان يقابلهم قيام دول هندية قد اكتشفت اهتمام أرض الرافدين والبلاد الواقعة غربها بطيوبها وأفاويهها وتوابلها، كما أدركت أهمية الكثير من صناعات المنطقة المناظرة لها ـ ثياباً وخمراً وزيتاً وحلياً وما إلى ذلك.
وجاء الإسكندر إلى الشرق، وافتتح واحتل وقضى على الإمبراطورية الفارسية ووصل أواسط آسيا وحوض السند (334ـ326ق.م.). ولما اعتزم العودة جهّز أسطولاً (326ق.م.) ضخماً وعهد بقيادته إلى نياركوس الذي سار به حتّى شمال الخليج (325). وبعد عودته إلى بابل جهّز الإسكندر ثلاثة أساطيل معتدلة لاكتشاف الساحل الغربي (العربي) من الخليج. ويبدو أنّ آخر واحد من هذه الأساطيل وصل إلى مكان قريب من رأس مُسَنْدَم (إن لم يكن قد بلغه بالذات). وإذا كانت غاية الإسكندر التعرّف إلى سواحل الخليج الغربية، فإنّ الأسطول الثالث، ولا شك، عرَّج على موانئ أبو ظبي (ودبي) ورأس الخيمة. ولعل ما ورد عند الجغرافيين الكلاسيكيين من اليونان والرومان إلى القرن الأوّل قبل الميلاد مستمد في غالبيته ممّا نقله الرواة عن أساطيل الإسكندر هذه.
ومع أنّ البحر الأحمر كانت له حظوة عند البطالمة المصريين، والرومان فيما بعد، فإنّ الدول التي قامت في العراق وإيران معاصرة لهؤلاء وأولئك (وهم السلوقيون والفرثيون والساسانيون) كانت حريصة على تقوية تجارة الخليج وتنميتها. ومن هنا يمكن القول بأنّ دور تجار عمان ودول الإمارات العربية المتحدة كان دوماً كثيراً في هذا التبادل التجاري: الهندي ـ العراقي ـ الشامي.
ونحن عندما نحاول التعرّف إلى السكان الذين كانوا يقطنون السواحل والمنطقة الواقعة خلفها نجد أنّهم كانوا عرباً منذ أقدم الأزمنة، شأنهم في ذلك شأن بقية سكان الجزيرة العربية، إلاّ أنّنا نعرف أنّه منذ القرن الثاني للميلاد أخذت موجات من عرب اليمن تتجه نحو تلك المنطقة. وكان الأزد العنصر الرئيس في الهجرات الأولى. وهؤلاء الأزد هم الذين حرّروا المنطقة من الأغراب الذين كانوا قد أقاموا لأنفسهم فيها سلطة مؤقتة.
اعتناق الإسلام
وكان الحدث الهام في تاريخ تلك المنطقة عربياً وإسلامياً هو اعتناق هؤلاء القوم الإسلام في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومع أنّ بعض العشائر اشترك في الردّة، فإنّ الإسلام عاد إليهم، وعندئذٍ أصبحت المنطقة نقطة انطلاق لحملات عسكرية بحرية نحو فارس وغيرها فيما بعد. وممّا يجدر ذكره أنّ قيام الدولة الإسلامية جعل طريق الخليج وطريق البحر الأحمر متممَيْن أحدهما للآخر، بدل أن يكونا طريقين متنافسين.
وفي الفترة التي سيطرت فيها سيراف ثمّ قيس ثمّ هرمز (القرن العاشر إلى القرن الخامس عشر للميلاد) كان لموانئ المنطقة أهمية تجارية. وقد أصبح لهرمز، منذ حوالي سنة 1100م، حكام عرب يتولون شؤونها، وهم الذين سيطروا على جهتي الخليج حتّى البصرة، واحتكروا تجارته. وقد اجتمع في ميناء هرمز أحياناً نحو ثلاثمائة سفينة كبيرة. وقد كان العمانيون، وفيهم أهل الساحل المقصود به بدولة الإمارات، بحارة الخليج، وصنّاع سفنه، وسادة الطريق الهندي الخليجي.
البرتغاليون
وكان مجيء البرتغاليين في مطلع القرن السادس عشر إيذاناً بتغيّرات وتبدّلات كثيرة. وكان اهتمام البرتغاليين الأوّل منصبّاً على اكتشاف طريق جديد إلى الهند يمكن لهم الاتجار بالبهارات والتوابل والأفاويه وحتّى الطيوب رأساً، وكسر طوق احتكار المدن الإيطالية لهذه التجارة. (كانت المدن الإيطالية تتاجر عن طريق القسطنطينية ومصر، فلمّا احتل العثمانيون القسطنطينية تركزت التجارة في مصر). ومن الطبيعي أن يحاول البرتغاليون احتكار هذه التجارة بالنسبة إلى غرب أوروبا وشمالها متى نجحوا في الوصول إلى الهند.
ولمّا وصل البرتغاليون إلى مناطق عمان والخليج وركزوا أعلامهم في الهند، فإنّهم عمدوا إلى احتلال المدن الخليجية والعمانية لتكون محطات لهم. فاستولوا على مسقط وعمان وهرمز (1506) ونريد أن نشير إلى خور فكّان (الفجيرة) التي احتلها البرتغاليون، بعد أن دمروها كما دمروا غيرها (1506). وقد كانت خور فكّان، على رواية البوكيرك القائد البرتغالي، مكاناً كبيراً جداً، ومدينة ذات بيوت جيدة كانت منازل لتجار أغنياء من الهند وغيرها. وكانت المدينة تحوي اصطبلات واسعة لإيواء الخيول التي كانت تصدر منها إلى الهند. وكان ثمة صيد بحري كثير تقوم به السفن الخاصّة به.
والمكان الآخر الذي نعرف عنه شيئاً يستحق العناية هو رأس الخيمة (وكانت يومها تعرف باسم جلفر). ويبدو أنّ بحارة رأس الخيمة لم يكونوا ماهرين في الملاحة فحسب، ولكن نبغ منهم من كتب في علم الملاحة وفنون البحر مثل أحمد بن ماجد الملاح. (وهناك أيضاً سليمان المهري لكن هذا كان، على ما يبدو، من مهرة).
التزاحم الأوروبي
وكان قدوم البرتغاليين إيذاناً بدخول الدول الغربية ميدان التنافس فيما بينها للتمكّن من الإفادة من مناطق جنوب شرق آسيا تجارياً، ومن ثمّ التنافس على المراكز التجارية في الخليج باعتبارها محطات لهذه التجارة البعيدة المدى. وقد استمرّت هذه المنافسة منذ حوالي 1500 إلى أواخر القرن الثاني عشر، وكان المسهمون فيها، وعلى نحو من التوالي الزمني تقريباً، البرتغاليين ثمّ الإنكليز والهولنديين والفرنسيين. وقد تمكّن البرتغاليون من الهيمنة على الخليج لنحو قرن من الزمان. لكن بريطانيا وهولندا أخذتا بالاهتمام بتجارة الشرق، ومن ثمّ بالخليج في أواخر القرن السادس عشر. وأسّست شركة الهند الشرقية التجارية (الإنكليزية) سنة 1600 وشركة الهند الشرقية التجارية (الهولندية) بعد ذلك بسنوات، وذلك في سبيل تنظيم أعمال الغزو والاحتلال والاتجار والمساومات مع أصحاب الأمر. ويبدو أنّ الوضع البرتغالي ضعف في الخليج مع مطلع القرن السابع عشر، إذ استخلصت خور فكّان منهم نهائياً (1623)، كما ضعفوا ولو مؤقتاً في رأس الخيمة ودبا وكلبا. وكان للهولنديين المكان الأوّل في الخليج منذ العقد الثالث من القرن السابع عشر إلى أواسط القرن الثامن حيث أخذت بريطانيا، عن طريق شركة الهند التجارية، في زحزحة الهولنديين أوّلاً ثمّ إخراجهم من الخليج أخيراً. إلاّ أنّ الفرنسيين زاحموا البريطانيين في الخليج لبعض الوقت في أواسط القرن الثامن عشر.
وحري بالذكر أنّ الخليج الفارسي وخليج عمان وبحر العرب كانت مسرحاً لأعمال قرصنة على نطاق ضخم في العقود الأخيرة من القرن السابع عشر والعقود الأولى من القرن الذي يليه وقد اشترك فيها القرصان الأوروبيون (وبينهم عشرة إنكليز جاؤوا الخليج سنة 1700) وأسهم فيها العرب ـ عرب عمان والقواسم، الذين كانوا يستقرون في الشارقة ورأس الخيمة.
كان القواسم، حوالي سنة 1800، قد أقاموا لأنفسهم مركزاً ممتازاً في الخليج. إذ أنّه بالإضافة إلى استقرارهم في رأس الخيمة والشارقة، فقد كانت لهم مراكز على الساحل الفارسي. وكان ذلك يسهل لهم الاستئثار بحصة كبيرة من تجارة الخليج، ولم يكن لهم اهتمام خاص «بالقرصنة». لكن يبدو أنّ محاولة نابليون، لما وصل إلى مصر واحتلها (1798)، في الاتصال بزعماء الخليج وبعض أمراء الهند لقطع طريق الهند على بريطانيا، أثارت اهتمام هذه الدولة في محاولة لفرض سلطانها على منطقة الخليج. ولمّا تدخل البريطانيون في الحرب بين عمان والقواسم، ورفضوا أن يدفعوا لهؤلاء ضرائب على سفنهم التي تمر في ملك القواسم، أخذ هؤلاء عندها بالقيام بمهاجمة السفن الهندية البريطانية. وازدادت أعمالهم بحيث شعرت بريطانيا بضرورة الحفاظ على مصالحها الاستغلالية التجارية الاستعمارية. لذلك وجهت حملة كبيرة (بعد فشل حملات سابقة) في أواخر سنة 1819. وقد تمكّنت الحملة بين 8 كانون الأوّل (ديسمبر) 1819 و17 كانون الثاني (يناير) 1820 من احتلال رأس الخمية وأم القيوين وعجمان وفشت والشارقة ودبي. وبذلك تمّت لبريطانيا السيطرة على طريق الخليج.
ليس من اليسير أن نروي قصة بريطانيا في الخليج خلال ما تبقى من القرن التاسع عشر. لكن لا بد من الإشارة إلى ثلاث معاهدات فرضتها على إمارات الخليج ومشيخاته وهي: (1) «معاهدة السلم العام» (1820) وخلاصتها أنّه لا يجوز لأي من الإمارات أو المشيخات أن تهاجم أيّاً من السفن البريطانية. (2) «اتفاقية الهدنة الدائمة» (1853) وتنص على أنّه لا يجوز لسفن أي من الإمارات أو المشيخات أن تهاجم سفن أي من الإمارات والمشيخات الأخرى. (3) «الاتفاقيات المانعة» (1892) وكانت تقضي بتعهّد زعماء المنطقة بعدم التعامل مع أي دولة إلاّ عن طريق بريطانيا ـ فلا يسمح بإقامة أي وكالة أجنبية أو منح امتياز إلاّ باستشارة الحكومة البريطانية.
وهكذا فقد قُيِّدت مشيخات الساحل العماني (كما أطلق على الإمارات التي كوّنت فيما بعد دولة الإمارات العربية المتحدة) في كلّ تصرفاتها (كما قيدت إمارات الخليج جمعاء) بإرادة بريطانية. ومهما قيل في التطوير الذي أدخلته بريطانيا في مشيخات الساحل العماني (أو مشيخات الساحل المتصالح) كان المقصود منه قبل كلّ شيء الحفاظ على مصلحة بريطانيا.
نحو قيام دولة الإمارات العربية المتحدة
كانت ثمة اتجاهات نحو تعاون وثيق بين حكام إمارات الساحل العماني بدأ في تكوين مجلس حكام الإمارات المتصالحة (بدأت الفكرة سنة 1932، وطبقت بالفعل، وكان المجلس يعقد اجتماعات دورية) وذلك بسبب التيارات السياسية التي أخذت تصل إلى تلك المنطقة. كما أنشئ صندوق لتطوير الإمارات (سنة 1965 بشكل خاص) وكانت الجامعة العربية حاولت إنشاء صندوق لتنمية إمارات الخليج لكن بريطانيا وقفت في سبيله. واهتمت الكويت والسعودية بمشروعات تنمية خاصّة بكلّ منهما في إمارات الساحل، ثمّ أخذت أبو ظبي بالقيام بمشروعات تنمية في تلك الجهات.
لكن الخطوة الأساسية في سبيل قيام دولة الإمارات جاءت على أيدي أصحاب القضية أنفسهم. ففي سنة 1968 أعلنت الحكومة البريطانية عزمها على تصفية وجودها العسكري في منطقة الخليج في موعد أقصاه نهاية سنة 1971. وعندها أخذ حكام الإمارات باتخاذ الخطوات العملية لتحقيق وحدة تمكّنهم من الدفاع عن مصالح منطقتهم متحدين. ويمكن إجمال هذه الخطوات فيما يلي:
(1) عقد اجتماع في السميح بين حاكمي أبو ظبي ودبي، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في 18 شباط (فبراير) 1968، تمّ فيه إعلان اتحاد يضم البلدين. وقد قرّر الحاكمان أن يدعوا حكّام الإمارات المتصالحة وحاكمي قطر والبحرين للتشاور حول القضايا التي تهم البلاد بأجمعها.
(2) استجاب الحكام للدعوة واجتمعوا في 27 شباط (فبراير) من سنة 1968. حضر الاجتماع حكام ساحل عمان العربية السبع ـ أبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة ـ كما حضره حاكما قطر والبحرين. في هذا الاجتماع أعْلِنَ قيام «اتحاد الإمارات العربية». وفي دورة عقدت سنة 1969 (21ـ25 تشرين الأوّل ـ أكتوبر) انتخب الشيخ زايد بن سلطان رئيساً للاتحاد (لمدّة عامين) والشيخ راشد بن سعيد نائباً للرئيس للمدّة نفسها.
(3) قامت وجهات نظر متباينة فيما يتعلق بالاتحاد التساعي. وقد قرّرت البحرين وقطر إعلان استقلال منفرد لكلّ منهما. (أعلنت البحرين استقلالها في 14 آب (أغسطس) 1971، كما أعلنت قطر استقلالها في أوّل شهر أيلول (سبتمبر) 1971).
(4) اجتمع حكّام إمارات ساحل عمان السبع في دبي في 18 تموز (يوليو) 1971 وقرّروا، وذلك استجابة لرغبات الشعوب العربية في إماراتهم، أن يقيموا دولة اتحادية يطلق عليها اسم «دولة الإمارات العربية المتحدة» بحيث تكون نواة لاتحاد أوسع فيما بعد. وصدر عن المجتمعين دستور مؤقت لتنظيم أمور هذه الدولة. ولكن رأس الخيمة لم تعلن انضمامها يومئذٍ، لذلك اقتصر الاتحاد على ست إمارات هي: أبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة.
(5) عقد حكّام الإمارات الست (المذكورة في 4) اجتماعاً في 2 كانون الأول (ديسمبر) 1971، أعلنوا فيه سريان الدستور المؤقت و«قيام دولة الإمارات العربية المتحدة» باعتبارها «دولة مستقلة ذات سيادة وجزءاً من الوطن العربي الكبير، تستهدف الحفاظ على استقلالها وسيادتها، وعلى أمنها واستقرارها، ودفع كلّ عدوان على كيانها أو كيان الإمارات الأعضاء فيها، وحماية حقوق وحريات شعبها، وتحقيق التعاون الوثيق فيما بين إماراتها لصالحها المشترك من أجل هذه الأغراض ومن أجل ازدهارها وتقدّمها في كافة المجالات، وتوفير الحياة الأفضل لجميع المواطنين، ونصرة القضايا والمصالح العربية والإسلامية، وتوثيق أواصر الصداقة والتعاون مع جميع الدول والشعوب، على أساس مبادئ ميثاق الجامعة العربية وميثاق الأمم المتحدة والأخلاق الدولية المثلى».
وتقرّر في اليوم نفسه انتخاب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيساً للدولة لمدّة خمس سنوات، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائباً للرئيس للمدّة ذاتها.
(6) أعلنت رأس الخيمة في 10 شباط (فبراير) 1972 رغبتها في الانضمام إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وموافقتها على دستورها المؤقت. ووافق المجلس الأعلى للاتحاد بالإجماع على انضمام إمارة رأس الخيمة إلى الدولة في التاريخ ذاته.
وبذلك تكاملت «دولة الإمارات العربية المتحدة» على ما هي عليه من الإمارات السبع (السابقة) وهي: أبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة ورأس الخيمة.
وقد وقعت دولة الإمارات العربية المتحدة معاهدة صداقة مع بريطانيا في كانون الأوّل (ديسمبر) 1971، وانضمّت إلى جامعة الدول العربية (العضو الثامن عشر) والأمم المتحدة (العضو 132)، كما أصبحت عضواً في أوبيك (منظمة الدول المصدرة للبترول) وأوابيك (منظمة الدولة العربية المصدرة للبترول). كما أصبح عضواً في الوكالات المتفرعة عن الأمم المتحدة.
والتنظيم السياسي لدولة الإمارات العربية المتحدة تتكوّن هيكليته من الرئيس ونائب الرئيس والمجلس الأعلى للاتحاد واعضاؤه هم حكام الإمارات السبع، ويتمتع فيه حاكما أبو ظبي ودبي بحق النقض، والوزارة الاتحادية، والمجلس الوطني الاتحادي (التشريعي)، وقد تمّ تنظيمه في سنة 1972. ولكلّ إمارة فيه ممثلان يعينهما الحاكم، ومدّة العضوية سنتان. وترك للإمارات الأعضاء السيادة على أراضيها في جميع الشؤون التي لا يختص الاتحاد بها. والحكومة الاتحادية تمارس العلاقات الخارجية وشؤون الدفاع. وتتكوّن القوات المسلحة في الدولة من 26,100 ضابط وجندي (23,500 للجيش و1,800 للطيران و800 للأسطول).
مصادر الثروة (قبل النفط)
كان الغوص على اللؤلؤ إحدى الصناعات الكبرى التي اعتمدت عليها مشيخات ساحل عمان. وصيد اللؤلؤ قديم جداً، ونوعية اللؤلؤ الخليجي جيدة، بحيث كانت دوماً مطمح أنظار تجاره. وفي الثلاثينات من القرن الماضي كانت نحو ألفي سفينة، مختلفة الأحجمام، تشترك في الغوص على اللؤلؤ. وكانت هذه تأتي من البحرين والساحل الإيراني وساحل عمان. إلاّ أنّ نحو 350 منها كانت تخص غواصي الشارقة ورأس الخيمة، ومثل ذلك العدد تقريباً كان يأتي من أبي ظبي. وكان نحو 22,000 رجل يعملون في الغوص على اللؤلؤ في مطلع القرن الحالي، بحيث كانت قرى الساحل ومدنه تبدو خالية في موسم الغوص، الذي كان يمتد من أيار (مايو) إلى أيلول (سبتمبر). وقد قدّر عدد سفن الغوص في مطلع القرن الحالي بما يزيد عن ألف من أبو ظبي ودبي والشارقة (مع رأس الخيمة)، بالإضافة إلى أربعين سفينة كانت تخص عجمان وسبعين كانت لأهل أم القيوين. وقد قدر ثمن اللؤلؤ المصدر من الساحل العماني وحده في سنة 1896ـ1897 بنحو ثلاثة أرباع مليون جنيه استرليني. وكان حكام المشيخات يشجعون هذه الصناعة لأنّهم كانوا يتقاضون جعلاً معيناً من كلّ سفينة بحسب حجمها. وقد دخل خزانة أبو ظبي نحو 20,000 جنيه استرليني (سنة 1909) من هذا المصدر. ولم يكن يسمح إلاّ لسكان البلاد المحيطة بالخليج العربي أن يغوصوا على اللؤلؤ.
إلاّ أنّ هذه الصناعة تأثّرت كثيراً بدخول اللؤلؤ الياباني السوق العالمية في ثلاثينات القرن الحالي. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية غرق الغواصون عن العمل في هذه الصناعة، بحيث إنّ عدد السفن التي كانت تمارسها، والتي كانت تخرج من الساحل العماني، كان ضئيلاً جداً.
وكانت التجارة مصدراً هاماً للثروة، ذلك بأنّ تجار الساحل العماني كانوا، في القرن السابق ومطلع القرن الحالي، كما كانوا عبر التاريخ ينقلون السلع والمتاجر بين البصرة والبحرين (التمر والخيول) والموانئ الإيرانية (التبغ والسجاد والسكر والسمن) وبومباي (الأرز والمعادن والأقمشة) واليمن (البن) وزنجبار (الرقيق) وكان للحكام 10% عن جميع السلع التي تدخل الموانئ، ومثل ذلك على التمر.
وترتب على اتساع نطاق تجارة الساحل والحاجة إلى عدد كبير من السفن أن كانت صناعة بناء السفن صناعة هامة في دبي. وكانت السفن في تنقلها تفيد من الرياح الموسمية. فترحل إلى ممباسّا وزنجبار ودار السلام شتاء محملة بالتمر والأقمشة، وتعود في الصيف محملة بالتوابل والأفاويه. وكانت بعض السفن تحمل من ساحل عمان السمك المجفف إلى مناطق بعيدة. ذلك بأنّ السمك متوفر بكميات كبيرة في الخليج. وكانت خور فكّان (في الفجيرة) المركز الرئيس للتجارة في خليج عمان، كما كانت دبي المركز المقابل له على الخليج العربي. وهذه كانت توصف بأنّها ميناء التجار الوحيد هناك.
وكانت تقوم في الساحل العماني زراعة لا يستهان بها، إذا تذكرنا أنّ أكثر البلاد هي صحراء. وأكبر محصول زراعي في المنطقة هو التمر. وتزرع كميات ضئيلة من القمح والشعير. ويبدو أنّ العناية بزراعة الحبوب كانت أهم من قبل. (لعلّ القمح كان يزرع في أم النار الواقعة على مقربة من أبو ظبي المدينة). وينقل المسعودي أنّه بسبب كثرة التعامل التجاري بين موانئ الساحل، مثل خورفكّان ودبي، والهند فقد نقل البرتقال الهندي مع التجار، وزرع هناك قبل أن يحمل إلى حوض البحر المتوسط.
ومع أنّ الكميات الزراعية المنتجة في الساحل العماني، سابقاً واليوم، محدودة فإنّ التنويع موجود. وثمة منطقتان زراعيتان رئيستان في الساحل: إحداهما في المنطقة الشرقية، والثانية في رأس الخيمة في الشمال. وهناك تزرع أنواع الخضار التي تنمو في حوض البحر المتوسط.
ما دمنا في سبيل التحدّث عن الزراعة فلنشر إلى الأفلاج، وهي وسيلة الري المألوفة هناك منذ القرن الثالث للميلاد على الأقل. والأفلاج (ومفردها فلج) هي قنوات مائية تحت الأرض (شبيهة بما يعرف في إيران باسم قنات). والأصل فيها هو أن يعين مصدر مائي تحت الأرض، بحيث يكون مكان النبع أعلى من البستان الذي سيرويه، وعندها تحفر قناة تحت الأرض إلى أن تظهر المياه على سطح الأرض بحيث يمكن تحويلها للري. وقد يبلغ طول الفلج هذا بضعة كيلومترات. ولا شك أنّ أحد الفوائد من اللجوء إلى هذا النظام للري هي عدم تعريض الماء للجو الجاف والحار، إذ يتبخر عندها جزء كبير منه.
وهناك مادة الأكسيد الأحمر التي كانت تستخرج من جزيرة أبو موسى وغيرها منذ أزمنة قديمة جداً، وتستعمل في صنع الأصبغة والدهانات.
النفط في دولة الإمارات
شهدت العشرينات والثلاثينات من القرن الحالي نشاطاً متزايداً في البحث عن النفط في مناطق الخليج العربي، وكان أن وصل هذا النشاط إلى ساحل عمان في أواخر الثلاثينات، فمنحت بعض الشركات الأجنبية امتيازات للبحث عن النفط واستخراجه في رأس الخيمة (1938) وأبو ظبي وعجمان (1939). على أنّ رحى الحرب العالمية الثانية لم تلبث أن دارت، وتوقف النشاط النفطي في المنطقة. وقد أُعيد النظر في بعض الامتيازات من حيث شروطها وأوقاتها، كما منحت امتيازات جديدة. وكانت أبو ظبي في مقدمة مشيخات ساحل عمان من حيث تصدير النفط إلى الأسواق العالمية في سنتي 1962 و1963 (في الأولى كان من مقر البحر ومركزه جزيرة داس، وفي الثانية من البر). وقد ارتفع إنتاج النفط في أبو ظبي من 2,5 مليون طن (1963) إلى 23,6 مليون طن (1968) أمّا في سنة 1976 فقد كان منتوج النفط في أبو ظبي نحو 70,000,000 طن. وبالإضافة إلى النفط فإنّ أبو ظبي بلد غني بالغاز الطبيعي، واحتياطه في ذلك البلد يعدّ بين أغنى مخزون للغاز في العالم.
وقد عثر على النفط بكميات تجارية في دبي سنة 1966، وأنتج بعد ذلك بثلاث سنوات، ووصل ذلك 12,6 مليون طن سنة 1975. وليس احتياطي النفط في دبي كبيراً، وقد يتوقف الإنتاج بين سنتي 1985 و1990. ومع أنّ شركات النفط قد أمّمت عملياتها، فإنّها لا تزال تقوم بعملية استخراج النفط وتسويقه. والشارقة بدأ إنتاج النفط فيها سنة 1974، لكن الكميات لا تزال قليلة. ورأس الخيمة تنتظر ظهور النفط بكميات تجارية. وأم القيوين والفجيرة وعجمان لم تحصل بعد على ما يشفي الغليل من النفط.
وحري بالذكر أنّ إمارات ساحل عمان دخلت حلبة السباق النفطي في وقت كانت فيه سياسة زيادة حصة البلد المنتج للنفط بالنسبة لما كان عليه قبلاً، وهو أربع شلنات للطن الواحد. إلاّ أنّ الأرباح اليوم هي في الغالب مناصفة بين البلد المنتج والشركة المستثمرة. وقد انتهجت اليابان سياسة أساسها 60% للبلد المنتج، و40% للشركة صاحبة الامتياز. وقد اتبعت هذه الطريقة في أبو ظبي منذ سنة 1974. وقد يكون من الضروري أن نشير هنا إلى أنّ البلد المنتج لا يحصل دائماً على هذه النسبة من الأرباح، إذ أنّ الشركة تدخل في الحسابات أرقاماً متنوعة ونفقات مختلفة تخفض النسبة المخصصة للبلد.
وممّا يجب أن يذكر هنا أنّ أبو ظبي انضمّت إلى منظمة الأقطار المنتجة للبترول (أوبك) سنة 1967 وكانت هذه قد أنشئت سنة 1960. ودولة الإمارات العربية المتحدة هي اليوم عضو في تلك المنظمة. وبذلك تسنى لدولة الإمارات أن يكون لها شأن كبير في قضايا النفط العالمية.
دولة الإمارات اليوم
تكاد دولة الإمارت العربية المتحدة تعتمد على النفط في وارداتها. وأبو ظبي تعتبر بين أغنى دول العالم على أساس الدخل للفرد الواحد. وتليها في الإمارات دبي. وقد أدّى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الواردات بالنسبة إلى أبو ظبي ودبي، وبالتالي إلى دولة الإمارات. وقد بلغت واردات النفط لعام 1976 قرابة 7.000 مليون دولار.
والمركز التجاري الرئيسي بالنسبة إلى دولة الإمارات هو دبي، وهو كذلك الميناء الأوّل. وقامت دبي ببناء حوض جاف لناقلات النفط الضخمة. وثمة مركزان قد اتخذا شكل المركز الصناعي الأوّل وهما: رُبَيْس في أبو ظبي وجبل علي في دبي. وثمة ميناء عميق انتهى العمل فيه في جبل علي. كما أنّ دبي أتمّت إنشاء مصنع للألمينيوم في عام 1981.
كانت وارات أبو ظبي من النفظ 750 مليون دولار (1973) فارتفع إلى 4,500 مليون دولار (1974). وقد خصّص في سنتي 1977ـ1979 نحو 8,700 مليون دولار للتنمية، و80% من هذا المبلغ يصرف على الإسكان والمواصلات والصناعة. ولأبو ظبي مصفاتان (واحدة جديدة) ومصانع للبتروكيمائيات ومواسير البلاستيك وتحلية ماء البحر ومصانع للحديد والفولاذ.
وقد كان احتياطي أبو ظبي في 1974 يعادل 2.000 مليون دولار، فارتفع إلى 3.000 مليون دولار في السنة التالية. وقد قُدِّر الوفر لسنة 1977 بما قيمته 4.500 مليون دولار.
ولدبي تاريخ عريق في التجارة، فقد استقطبت التجارة الخليجية في جزئه الجنوبي قديماً، وجذبت إليها التجار حديثاً. وذلك بسبب نشاط أهلها وخبرتهم في شؤون البحر ومعاملة البضائع والتجار والتيسير الجمركي والحماية اللتين يحصل عليهما التجار من حكام دبي.
وميناء راشد الذي كان فيه أربعة أحواض للسفن في سنة 1974 أُضيف إليه 15 حوضاً في السبعينات المتوسطة، وأصبح في مطلع الثمانينات اثنان وعشرون حوضاً.
أمّا الحوض الجاف وصناعة الألمينيوم في دبي فقد أشرنا إليهما قبلاً. والشارقة قام فيها مصنع لمواسير البلاستيك وآخر للدهانات.
وفي رأس الخيمة إنتاج زراعي لا يستهان به. والإمارة كانت دوماً تنتج الثمار والخضار. إلاّ أنّ المزرعة التجريبية التي أُنشئت هناك في الستينات، والاهتمام الخاص الذي تبذله الدولة لتحسين الأصناف وزيادتها ومساعدة الزراع فنياً ومالياً، جعل من الأرض الزراعية القليلة منتجة لكميات كبيرة مما تحتاجه البلاد. والارض الزراعية القليلة بعضها في المرتفعات، وعندها تصبح أودية أو سهولاً صغيرة جداً، تنحصر بين المرتفعات، وترتوي من المطر الذي يسقط (وهو قليل) والذي يمهد له السكان كي يتجمع في آبار تحفظه لحين الحاجة. أمّا في الجزء الساحلي السهلي فالأرض يتيسر لها ري صالح نسبياً، من الآبار الأرتوازية ومن الأفلاج التي تنقل الماء من طبقات الأرض العليا إلى الأماكن المنخفضة. ومع ذلك فإن رأس الخيمة فيها مصنع للإسمنت كان ينتج 700 طن يومياً، لكن إنشاءاته مكّنته من إنتاج 4500 طن يومياً.
ومن الأمور التي تعنى بها الدولة، كما عني بها الحكام كلّ في إمارته، وكما عنيت بها إدارات المساعدات التي قدمت للساحل العماني (قبل إنشاء دولة الإمارات) المواصلات. فالطرق الآن تصل بين عواصم الإمارات والدواخل، كما تقوم طرق تصل الدولة ـ خاصة في قسمها الجنوبي ـ بالجيران. وفي داخل المدن طرق جيدة جداً. كما أنّ البلاد كلّها فيها ثلاثة مطارات دولية كبرى. وجدير بالذكر أنّ اتفاقات بين حكام بعض الإمارات وبعض شركات الطيران قد وقعت في الثلاثينات (مثلاً الشارقة 1932، ودبي 1937) كانت نقطة الانطلاق في هذه المشاريع. إلاّ أنّ الأمر ازداد نشاطاً بعد الحرب العالمية الثانية ثمّ طفر طفرة كبيرة في الستينات والسبعينات. أمّا الموانئ فقد ذكرنا أنّ أهمها وأكبرها دبي وأبو ظبي، هذا إلى جانب موانئ أصغر نسبياً في الشارقة ورأس الخيمة والفجيرة (خورفكّان).
وقد بلغت واردات دولة الإمارات العربية المتحدة 13,150 مليون درهم (ودرهم الإمارات يساوي في السوق العالمية نحو ربع دولار)، كما بلغت الصادرات 33,770 مليون درهم. والصادرات تشمل الزيوت الحيوانية والنباتية والمشروبات والتبغ والكيميائيات والحيوانات. إلاّ أنّ أكبر سلعتين تستوردهما دولة الإمارات هما: المصنوعات والماكينات والآلات والأدوات، ووسائل النقل والمواصلات فهذه تكاد تغطي نحو ثلاثة أرباع الواردات. وهذا طبيعي في بلد مجتمعه استهلاكي غني، ولا يُصنع فيه شيء من الحاجات اللازمة للسكان.
أمّا الدول الرئيسية التي تتعامل دولة الإمارات العربية المتحدة معها تجارياً ـ للتصدير والاستيراد ـ فهي بريطانيا والولايات المتحدة واليابان وألمانيا الاتحادية والهند وما يسمّى المملكة العربية السعودية.
وليس من شك في أنّ تطوّر التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة يعدّ في مقدمة مظاهر التقدّم هناك. فإذا نحن أخذنا السنوات الأربع بين 1975 و1978 وجدنا أنّ عدد المدارس ارتفع من 167 مدرسة إلى 350 مدرسة، وأنّ عدد الطلاب الذي كان حوالي 53,000 أصبح نحو 95,000، كما أنّ المعلمين الذين كان عددهم نحو 4,000 وصل نحو 8,000. وحري بالذكر أنّ هناك مدارس فنية وتقنية وزراعية. كما أنّ جامعة أُنشئت في العين (أبو ظبي) سنة 1977 وكان يومها عدد طلابها 320 طالباً يدرسهم 105 من الأساتذة. ولسنا بحاجة إلى القول بأنّ هناك عدداً كبيراً من الطلاب الجامعيين يتلقون علومهم في الخارج.
وهذه المدارس هي التي ستهيئ لدولة الإمارات حاجتها من الموظفين والتجار والتقنيين والمعلمين ومهرة الصناع والعاملين في الحقول الاجتماعية من أبناء البلاد. وقد كان الكثيرون من هؤلاء، إلى يومنا هذا، من الذين يفدون إلى البلاد من الخارج للقيام بالكثير من هذه الأعمال.
العنصر البشري
ذكرنا من قبل أنّ عدد السكان في دولة الإمارات هو نحو 700,000 (تقديراً لعام 1980). على أنّ هناك من قدّر هذا العدد لفترة قريبة زمنياً بنحو 877,000. وسواء صحّ التقدير الأوّل أم الثاني، فالمهم هو أنّ ربع السكان فقط هم من مواطني دولة الإمارات، أمّا الباقون فهم ممّن جاء البلاد للعمل فيها. ومن ثمّ فقد لا يكون من اليسير التحدّث عن مجتمع دولة الإمارات، بالشكل الذي يمكن أن يتحدّث الواحد عن مجتمع متجانس. فالوافدون على البلاد يأتون من أقطار مختلفة ومتباعدة، وخلفياتهم الاجتماعية والحضارية متنوعة. فهناك الباكستانيون والهنود والإيرانيون (ومؤخراً الكوريون). ومع أنّنا لا نملك أعدادهم الدقيقة، فهم كثرة، ويقومون بالأعمال اليدوية، ويصعب عليهم ـ حتّى لو أرادوا ـ أن يتفاهموا مع السكان الأصليين بسبب اختلاف اللغة. يضاف إلى ذلك أنّ الغالبية منهم تأتي لتعمل مدّة محدودة، فتجمع بعض الثروة وتعود إلى بلادها. وهناك العمانيون، وكثيرون منهم يقومون بالأعمال ذاتها، إلاّ أنّهم عرب ولغتهم عربية، ولذلك فإنّ الاتصال بينهم وبين السكان الأصليين أيسر. والغالبية من هؤلاء قد تبقى في دولة الإمارات إذا سمح لها بذلك. ويأتي بعد ذلك، لا ترتيباً ولا عدداً، العرب المشارقة القادمون من سوريا ولبنان وفلسطين والأردن ومصر. ولعلّ هؤلاء يكونون، في الدرجة الأولى، فئة أصحاب المهن الحرة (كالتعهدات والبناء والمصارف والتجارة) والموظفين في دوائر الحكومة ومنشآتها ـ الإدارية والصحية والتعليمية والمصرفية والبترولية. وصناعة النفط يعمل فيها عدد لا يستهان به من الأجانب، إلاّ أنّ هذه الصناعة، التي تزوّد الدولة بالمصدر الرئيس والأوّل من الواردات، يعمل فيها عدد قليل. ذلك بأنّها تعتمد على التكنولوجيا أكثر من أي صناعة أخرى في البلاد.
وهؤلاء الوافدون إلى الدولة يقيمون في المدن ـ حيث تطلبهم أعمالهم واختصاصاتهم، سواء في ذلك العرب وغيرهم. والمناطق النائية، على أنّها أصبحت في متناول الجميع بسبب الطرق الجيدة ووسائل النقل الحديثة، يقيم فيها أبناء البلاد. ومن الطبيعي إذن أن تكون ثمة فروق كبيرة بين المجتمعات الريفية والصحراوية من جهة وبين مجتمعات المدن. صحيح أنّ الكهرباء وصلت إلى كثير من البلدان الصغيرة، ولكن المدينة الكبيرة تظل لها خصائصها وصفاتها وطابعها.
فالمجتمعات التقليدية لا تزال تحافظ على عاداتها في أفراحها وأعيادها وأتراحها وولائمها. فهي تعقد حلقات الرقص (للرجال وحدهم طبعاً) للاحتفال بعيد أو طهور أو ختم للقرآن الكريم. ولا تزال السفن التي تجتاز الخليج في مسافاته القريبة يسمع غناء ملاحيها كما كان يسمع عبر العصور. وفي إمارة رأس الخيمة، في المرتفعات، قد تكون المستوطنة مكونة من أفراد عائلة واحدة (كبيرة طبعاً). ولعلّ من أجمل العادات التي يحافظ عليها القوم في دولة الإمارات البيزرة. فالصقر وتدريبه والمحافظة عليه واصطحابه في صيد الحبارى أمور يقبل عليها الحكام والأغنياء والشيوخ، ويعنون بها عنايتهم بأعز ما لديهم. كما أنّ سباق الخيل يعتنى به. لكن الذي لا يعرفه سكان الأماكن الواقعة على شواطئ البحر المتوسط مثلاً، هو أنّ هناك سباقاً للجمال. والقوم في دولة الإمارات يولون هذا النوع من السباق ما يولونه لسباق الخيول، من حيث الاهتمام والمشاهدة والحماسة.
إلى جانب هذه العادات العربية الأصيلة التي يعتز بها مواطنو الدولة الأصليون، تقوم عادات حملها كلّ قوم من بلدهم. وبعض هذه العادات فيها خير كثير، وبعض سكان البلاد يقبلون عليها بطبيعة الحال بسبب الاتصال اليومي المباشر مع الوافدين، وبخاصة في المدن ـ في العمل والسوق والمطعم والمقهى.
وأخيراً
دولة الإمارات العربية المتحدة لا تزال في أوائل عمرها. ونحن إذا تأملنا ما تمّ في هذه المدة القصيرة، تدهشنا الخطوات الجادة والهامة التي تمّت. إذ أنّنا عندما نمعن النظر فيما كانت عليه الحال، نجد أن مشيخات أو إمارات ساحل عمان كما كان يجب أن تسمى، أو إمارات «الساحل المهادن» أو «الساحل المتصالح»، كما كانت تسميها الوثائق الرسمية البريطانية، كانت المشاحنات بينها قوية، والخصومات عنيفة. وقد يستغرب المتمعن في الأمر لماذا كان يحدث مثل هذا في بلد أو منطقة كان لها من عناصر الوحدة ومقوماتها الكثير. فهي منطقة جغرافية متناسقة، تغلب السهول والهضاب على سطحها، وليس ثمة جبال مرتفعة تعترضها، أو خلجان كبيرة تخترقها. فالاتصال بين أجزائها متيسر دوماً. وموقعها جعل منها، على مرّ العصور، منطقة تجارية منفتحة على العالم الذي يربطها به الخليج الفارسي وخليج عمان وما وراء ذلك من المحيط الهندي وتفرعاته. وسكان المنطقة، مهما اختلفت أهواؤهم ولهجاتهم، هم عرب أصلاً، ولغتهم العربية. يضاف إلى ذلك أنّ السكان مسلمون. وإذن فالبيئة الطبيعية والجماعة البشرية والروابط الروحية قائمة بين أجزاء هذه الإمارات.
على أنّنا يجب أن نذكر أنّه إلى جانب هذه المقومات والعناصر الموحدة، كان هناك ثلاثة عوامل تدعو إلى الفرقة والتأخر. فالعصبية القبلية والتنازع الأسري كانا قويين. والفقر كان يؤخر المنطقة. لكن الذي كان أكبر أثراً وأبعد مدى في التفرقة والإبقاء على الفقر هو الاستعمار البريطاني الذي جثم على صدر هذه المنطقة ـ كما جثم على صدر أقطار الخليج جميعها ـ قرناً ونصف القرن، والذي كان يعنى بمصلحته فقط. ومن ثمّ فإنّه لم يول الأمور الداخلية أي اهتمام. بل إنّه، على العكس من ذلك، شجّع الفرقة والنزاع والتنافس، إذ أنّه رأى في هذه التفرقة توطيداً لوجوده.
ولكن الاستعمار اضطر إلى الانحسار، وتدفق النفط فأغنى المنطقة. وعندها رُئِيَ أنّ في الاتحاد مصلحة الجميع وقوّة لهذه الإمارات، فأجمعت أمرها على ذلك. وقيام الاتحاد بحد ذاته (2 كانون الأول ـ ديسمبر ـ 1971) كان عملاً جباراً اقتضى الجهد الكبير والسير الحثيث. وعندها بدأ العمل الداخلي في سبيل تطوير البلاد وتنميتها على نحو ما مرّ بنا.
صحيح أنّ الدولة لا تزال تسير على دستور مؤقت، لكن ذلك لم يمنع القائمين على الأمر من اتخاذ إجراءات تتجه نحو تقوية الحكومة المركزية كي تتم الوحدة في المستقبل. وفي مقدمة هذه الإنجازات الكبيرة إنشاء المصرف الاتحادي (1975). وفي سنتي 1976 و1977 أُعيد النظر في أُمور عامة هامة، وجُعلت شؤون كثيرة تحت سلطة الاتحاد بعد أن كانت بعض عناصرها تختص بها السلطات المحلية للإمارات. فالقوات المسلحة وُحِّدت، وأنشئ حرس لحماية حدود الدولة البرية والبحرية، ووحدت أجهزة الأمن الداخلي، وأصبح الإشراف على الأجهزة الإعلامية تابعاً للدولة الاتحادية.
والمجلس الوطني الاتحادي، المكوّن من أربعين عضواً، لا تزال صفته استشارية أكثر منها تشريعية، لكنّه آخذ بالاهتمام بالأمور الاتحادية. وهو مجلس، كما ذكرنا، يعين حكام الإمارات أعضاءه (أبو ظبي 8، دبي 8، الشارقة 6، رأس الخيمة 6، عجمان 4، الفجيرة 4، أم القيوين 4).
ودولة الإمارات العربية المتحدة تيسر لها، إلى الآن، القيام بتنظيم البنى التحتية، أو أكثرها على الأقل. ومع أنّ أكثر القائمين بهذه الشؤون هم من الوافدين، فإنّ ذلك لن يضير البلاد، ولا بد من مرور بعض الوقت حتّى تتمكّن الدولة من تدريب أبناء البلاد على ذلك. على أنّ الأهم هو الانتقال الآن، ولو على أيدي الوافدين، إلى تنظيم البنى الأوسع والأكبر ـ في الصناعة على اختلاف أنواعها، وفي الإدارة على تشعبها.
ولا بد للدولة من إنشاء مشاريع وصناعات تعوض، في المستقبل، عن النفط. ومع أنّ احتياطي البلاد (32,500 مليون برميل)، وهذا، إذا استمر الإنتاج على ما هو عليه الآن، يكفي البلاد نيفاً وخمسين سنة.
د. نقولا زيادة
الشيعة في دولة الإمارات
للشيعة في دولة الإمارات العربية المتحدة وجود بارز لا سيما في دبي وأبو ظبي، وهم ركن كبير في كيانها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ولهم مساجدهم وحسينياتهم وتجمعاتهم التذكارية.
الأمالي
كان العلماء ولا يزالون وسيظلون يلقون على الطالب ما علموه أو حفظوه، شارحين ومفصلين. مع استطراد أحياناً، أو مع اقتصاد على ما يتناولونه من دروس.
والفرق بين المحاضر في المدارس والجامعات اليوم، وبين المتصدين للتدريس في القديم، هو أنّ القدامى كانوا يملون على طلابهم ـ أفراداً أو جماعات ـ دروسهم بلغة فصيحة سليمة، وفي بطء ليتيحوا لهم فرصة الكتابة لما يلقونه عليهم كاملاً. إذ لم يكن في تلك العهود القديمة مطابع يحصل بسببها على نسخ من الكتاب الذي ألفه الأستاذ، أوسع ممّا حاضر به أو أقلّ شمولاً، وإذن فليس معهم ما يقابلون عليه ساعة الإلقاء والتدريس، أو يرجعون إليه بعد الاستماع، للاستذكار، أمّا اليوم فالمطابع أراحت الطلاب من الكتابة أو أكثر ما فيها من عناء، والأستاذ يتحدّث وطلابه يصغون ليتابعوا حديثه الذي لا يمكن أن يدوّنه أحد منهم كاملاً إلاّ إذا عرف طريقة الاختزال، وهؤلاء قلّة لا نظفر بهم إلاّ في المؤتمرات، أو مجالس الأمّة، أو المجامع. وكثيراً ما انحدر أسلوب التدريس فصار أقرب إلى العامية، حتّى في دروس الأدب وما يتصل به فليس هناك إذن ما يغري الطلاب بالتسجيل. ما دام في الوسع الحصول على الكتب هبة من الجامعات، أو شراء بنقود المتعلمين وليسوا هم بأقدر من الأساتذة في الصياغة الفصحى.
ولئن تشعّبت الدراسات في عصورنا الحديثة، فلقد كان في القديم تشعّب على قدر ما لديهم من فنون، أغلبها ديني أو أدبي أو لغوي.
وأماكن الدراسة الآن محدّدة المعالم والبقاع، ولها نظم وشروط في الأعمار والأجناس والتحصيل، أمّا أماكن الدراسة من قبل فكانت مباحة لكلّ قاصد وراغب، طالما كان له ميل إلى ذلك المعروض. قد يكون هذا في المساجد، وقد يكون في مجالس عامة أو خاصة، وقد تكون لدى الحاكمين وذوي الجاه واليسار، ولكن لا يصل إليها في حال الحاكمين والوجهاء والموسرين إلاّ الصفوة المختارة. وأخيراً يجيز الأستاذ من يرتضي علمه، ويثق بكفايته فيصير من حقّه أن يتحدّث ويروي متّى أنس في نفسه القدرة على الإلقاء والبيان.
الأمالي وأمل وأملى
والذي يلقى على الطلاب ليكتبوه هو «إملاء» أو هو «إملال» تقول: أملى عليهم الأستاذ قصيدة يمليها إملاء ولك أن تقول أمل عليهم يمل إملالاً. وهذه كلمة «أمللت أملّ إملالاً» لغة الحجازيين وبني أسد، وبها جاء في القرآن في سورة البقرة الآية 282 {فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}.
وكلمة «أملى يملي إملاء» هي لغة بني تميم وقيس، وبها أيضاً جاء في القرآن في سورة الفرقان الآية الخامسة {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}.
والتلميذ يستملي أستاذه، تعني بذلك أنّه يسأله أن يملي عليه، ومن هذا قالوا للذي يطلب إملاء الحديث من شيخ إنّه «المستملي».
والأمالي كما يقول صاحب «كشف الظنون» جمع الإملاء، وفسّرها بقوله «وهو أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله سبحانه وتعالى عليه من العلم، ويكتبه التلامذة، فيصير كتاباً، ويسمّونه الإملاء والأمالي. وعلماء الشافعية يسمّون مثله التعليق».
ويبدو أنّ الإملاء وجمعه الأمالي مثل الإعراب في النحو وجمعه أعاريب وأعاريب أيضاً جمع أعراب التي هي قد تكون جمع أعرابي. وإملاء «مصدر» لكنّه لمّا صار اسماً جاز جمعه، ومثله إحساس وأحاسيس، وعلى وزنه إعصار وأعاصير.
على أنّ أفاعيل تكون جمعاً لمثل أفعول، كأسطول وأساطيل، وإفعيل مثل إبريق وأبارقة، وإزميل وأزاميل. وأكثر ما تأتي أفاعيل جمعاً لأفعولة مثل أسطورة وأساطير وأرجوزة وأراجيز وأنشودة وأناشيد وأثفية وأثافي، وأغنية وأغاني وأحجية وأحاجي. ولك أن تخفف مثل الأغاني والأحاجي والأثافي والأمالي فتقول الأغاني والأحاجي.
وقد أورد الأستاذ الحبيب عبدالله بن أحمد العلوي الحسيني الحضرمي مصحح دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد في مقدمته لكتاب أمالي اليزيدي أن ّ «أمالي» جمع «أملية» ولكن «أملية» لم أجدها في اللسان والصحاح وتاج العروس ولا في أساس البلاغة، ولم يذكرها صاحب كشف الظنون عند حديثه عن الأمالي فلعلها قياس على أثفية وأغنية. إلاّ أنّ كلمة إملال التي على وزن إملاء جاء لها معنى آخر هو الإبرام والإضجار، تقول رجل ذو أماليل، أي مبرم، وهو جمع أملال وأملولة، كما قال الزمخشري في الأساس، أو هو جمع إملال وإملالة وأملولة كما جاء في تاج العروس، فلعل الأمالي هي جمع إملاءة، ومثل إملاءة وأماليل إطنابة وأطانيب.
كتب الأمالي
وكتب الأمالي التي أوردها «حاجي خليفة» صاحب «كشف الظنون» نذكر منها:
أمالي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحنفي المتوفى 183 هجرية وهي في الفقه.
أمالي ابن دريد في العربية «لغة».
أمالي ابن الشجري المتوفى سنة 572 هجري أملاه في أربعة وثمانين مجلساً وختمه بمجلس قصره على أبيات من شعر المتنبي تكلم عليها وذكر ما قاله الشراح فيها وزاد من عنده.
أمالي ابن حجر المتوفى سنة 852 هجرية وأكثرها حديث.
أمالي الزجاجي في النحو.
أمالي ابن الحاجب أبي عمرو عثمان بن عمر النحوي المتوفى سنة 682 هجرية وهي تفسير بعض الآيات وفوائد شتى عن النحو.
وهذا ولما كان ما يملى يكون في مجالس متعددة قيل له «مجالس». ولما كان أكثره نوادر في اللغة والشعر قيل له نوادر.
وممّا هو مطبوع ويتداوله الناس الآن:
أمالي اليزيدي، أمالي القالي، أمالي الزجاجي، أمالي ابن الشجري، أمالي الشريف المرتضى، المسمّاة «غرر الفوائد ودرر القلائد»، وهناك مجلس ثعلب. والنوادر لأبي زيد ولأبي مسحل… وغيرهما. لكن المتعارف عليه الآن عند أطلاق كلمة «الأمالي» هو ما ألفه القالي.
أمّا إذا أردت الأمالي الخاصّة بغيره فإنّك تذكرها بالإضافة إلى صاحبها، من ذلك «أمالي ابن الحاجب» وأمالي ابن الشجري… ومثل ذلك في المتعارف عليه «الحماسة»، فإذا ذكرت مطلقة أريد بها حماسة أبي تمام، أمّا غيرها فيذكر بالإضافة إلى صاحبه، مثل حماسة البحتري، وحماسة الخالديين وحماسة ابن الشجري. أو تذكر موصوفة مثل الحماسة البصرية.
تختلف الأمالي باختلاف المملين.
ونحن نلحظ أن ما يملى يختلف باختلاف العالم المملي، وتبعاً لميله وما برع فيه. ويغلب في الأمالي أن يبدأ الأستاذ الدرس بآية من القرآن، أو بحديث، أو بالمأثور من الشعر أو النثر، ثمّ يتلو ذلك شرح ما أملى، متناولاً اختلاف الإعراب إنّ كان نحوياً، ويستطرد في الأمثلة والشواهد، أو متناولاً ما في ذلك من لغة إن كان لغوياً، فيشرح الألفاظ وما يتصرف منها ومعانيها، محتجاً لذلك بالمأثور عن الرب وأقوال الأئمة السابقين، ويحاول أن يأتي بالطريف الظريف، ومن كان محفوظه الأدبي وافراً كان ما يأتي به ويورده أمتع وأجمل ممّن كان همّه غريب اللغة أو اختلاف الإعراب. ولا يخلو ما يأتي به الأديب من فائدة لغوية يسوقها، أو إبداء رأي في توجيه إعرابي، ولكنّه يأتي بذلك على فوت وندرة، كما تأتي التوابل بين الشهي من الطعام، فلا تغلب ولا تطغى ولا تخلو الأمالي من مأثور الخطب، ولطيف الحكم والأمثال، وجزل التعابير. ويتخلل كلّ هذا قصار الحكايات والأقاصيص وبعض الفكاهات.
وفي الأزمان السابقة، حين لم تكن مطابع، ولا توجد آلات الكتابة ومتطلباتها إلاّ بمشقة، أنعم الله على أولئك السابقين بصفاء الأذهان، وقوّة الحافظة وقلّة المشاغل والتوجّه إلى العلم رغبة في العلم وعملاً بما نصحوا به من أنّ العلم يرفع دوراً لا عماد لها، وأنّهم إن كانوا سوقة فبالعلم يسودون، وإن كانوا سادة فبالعلم يتجملون ويفوقون، فعكفوا عليه يحفظونه، فارتقوا بين الناس، وجالسوا ذوي الجاه والسلطان. وصانوا لنا ـ خلفاً عن سلف ـ كلّ ما نفع وأفاد، أثبتوه أو أثبته تلاميذهم في بطون الكتب. فبقي منه بعض يقاوم البلى والحدثان.
جهد القالي([410]) في أماليه
يقول القالي في مقدمة كتابه الأمالي مبيناً جهده في التحصيل:
«فإنّي لما رأيت العلم أنفس بضاعة أيقنت أنّ طلبه أفضل تجارة، فاغتربت للرواية، ولزمت العلماء للدراية، ثمّ أعملت نفسي في جمعه، وشغلت ذهني بحفظه، حتّى حويت خطيره، وأحرزت رفيعه، ورويت جليله، وعرفت دقيقه، وعقلت شارده…».
ثمّ يقول مبيناً أماكن إملائه، وأنّه لم يستعن بالكتب يقرؤها ساعة الإملاء، ذلك أنّه وعى كلّ ما ألقاه على تلاميذه وحفظه:
«فأمللت هذا الكتاب من حفظي في الأخمسة بقرطبة، وفي المسجد الجامع بالزهراء المباركة».
أمّا الزهراء فقد كانت مدينة صغيرة قرب قرطبة بالأندلس، اختطها عبد الرحمن الناصر من خلفاء بني أمية هناك، وذلك في سنة (325هـ ـ 936م) وعملها متنزهاً له، ومسافة ما بين الزهراء وقرطبة ستة أميال وخمسة أسداس ميل، كما يقول ياقوت في معجم البلدان.
وأمّا الأخمسة بقرطبة فلم أجد لها تفسيراً صريحاً، لا في لسان العرب ولا في تاج العروس ولا في معجم البلدان ولا في معجم ما استعجم ولا في تقويم البلدان ولا في أساس البلاغة، على أنّ اللغة فيها الأخمسة جمع خميس. والخميس هو أحد أيام الأسبوع، ومن معانيه أيضاً الجماعة، تقول: ما أدري أي خميس الناس هو، أي جماعتهم. والخميس الجيش. لأنّه على خمسة أقسام أو لأنّه تخمس فيه الغنائم.
فهل يا ترى يريد أنّه أملاه على الجماعات، أو لعل الخميس ـ وجمعه أخمسة ـ اصطلاح لأهل قرطبة على المكان الذي تلقى فيه الدروس. ذلك أنّ قوله «في المسجد الجامع بالزهراء» مقابلاً لقوله «في الأخمسة بقرطبة» يوحي أنّ الأخمسة تشبه المدارس أو المساجد. لكن الأستاذ محمد عبد الجواد الأصمعي في مقدمته للأمالي، فهم الأخمسة على أنّها جمع يوم الخميس ولهذا أقحم على كلام القالي ـ حين اقتبس منه ـ لفظة «أيام» فجعلها «في أيام الأخمسة» وهذا ولا شك دون دليل ولا برهان، فنحن غالباً لا نقول قرأت هذا أو عملته في السبت أو في الأحد، وإنّما نقول قرأته أو عملته يوم السبت أو يوم الأحد أو في يوم السبت… وكما قلت إنّ مقابلة الأخمسة بالمسجد الجامع توحي أنّها اصطلاح على مكان.
مزايا الأمالي وميول القالي
والقالي يبيّن لنا ما في الأمالي من مزايا فيقول: «أودعته فنوناً من الأخبار، وضروباً من الأشعار، وأنواعاً من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أنّي لم أذكر فيه باباً من اللغة إلاّ أشبعته، ولا ضرباً من الشعر إلاّ اخترته، ولا فناً من الخبر إلاّ انتحلته، ولا نوعاً من المعاني والمثل إلاّ استجدته.
وإملاء الكتب من الذاكرة إذا تعدّد يجعل بينهما بعض الاختلاف في الألفاظ، وبعض الزيادة أو النقص: ولهذا لا نستغرب أن نجد كتاباً مخطوطاً لمؤلف برواية عالم عنه، فيه اختلاف عن مخطوط آخر لهذا الكتاب، لاختلاف الراوي، فمثلاً «التهذيب» للأزهري برواية جنادة، يختلف اختلافاً كثيراً عن التهذيب للأزهري نفسه برواية غير جنادة عنه، ومثل ذلك يُقال في «أشعار الهذليين»، وهذا أشبه بتعدّد الطبعات للكتب الحديثة التي يتناولها مؤلفوها وهم أحياء بالتعديل والتنقيح.
والقالي ميال إلى اللغة، وله فيها كتاب مؤلف ضاع أغلبه وبقي بعضه وطبع، لهذا كانت عنايته في الأمالي تنصب على اللغة، لكن عنايته برواية المطولات من القصائد الرائعة كانت كبيرة، فأنت تظفر في الأمالي بكثير من القصائد النادرة الجميلة التي كان حفظها من أهم ما أقام ألسنة الخطباء، وأجرى أقلام الأدباء، وحبّب في مجالسة الرواة، وجذب الطلاب إلى الاستماع للاستمتاع([411]).
عبد الستار فراج
الأمالي عند الشيعة
هناك طرق عدة لتحمل الحديث ونقله عن الشيخ. وطريقة السماع من الشيخ من بين الطرق المذكورة. وينقسم السماع إلى إملاء وتحديث من غير إملاء، وسواء كان من حفظ الشيخ أو من كتابه. ويعدّ هذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير. وما كتب الأمالي التي نحن بصدد البحث عنها إلاّ مجموعة من أحاديث الشيوخ التي أملوها على طلبتهم.
ويعرّف الشيخ آغا بزرك كتب الأمالي بقوله: «الأمالي عنوان لبعض كتب الحديث ـ غالباً ـ وهو الكتاب الذي أدرجت فيه الأحاديث المسموعة من إملاء الشيخ عن ظهر قلبه أو كتابه، والغالب عليه ترتيبه على مجالس السماع، ولذا يطلق عليه (المجالس) أو (عرض المجالس) أيضاً وهو نظير (الأصل) في قوّة الاعتبار وقلة احتمال السهو والغلط والنسيان ولا سيما إذا كان إملاء الشيخ عن كتابه المصحح أو عن ظهر القلب مع الوثوق والاطمئنان بكونه حافظاً متقناً، والفرق أنّ مراتب الاعتبار في أفراد (الأصول) تتفاوت حسب أوصاف مؤلفيها وفي (الأمالي) تتفاوت بفضائل ممليها.
أمالي الصدوق القمي
وقد ألّف شيوخ الشيعة طائفة من كتب الأمالي. وكان الشيخ محمد بن علي المعروف بالصدوق القمي من بين أولئك الشيوخ. وقسم كتابه الموسوم بـ «الأمالي» إلى مجالس أو جلسات تدريسية يلقي في كلّ واحدة منها مقداراً معيناً من المادة. وقد حدّد القمي تواريخ معينة لمجالسه المذكورة فالمجلس الأوّل كان يوم الجمعة لإثنتي عشرة ليلة بقين من رجب سنة 367هـ والمجلس الثاني الثلاثاء لسبع بقين من رجب من السنة نفسها. والثالث يوم الجمعة لخمس بقين من رجب، والرابع يوم الثلاثاء سلخ رجب، والخامس يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان. وهكذا يستمرّ القمي بذكر مجالسه مرتبطة بيوم الأسبوع ويوم الشهر والسنة ويذكر القمي مكان المجلس أي الدرس أحياناً. فكان المجلس السابع والتسعون ـ مثلاً ـ قد جرى يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة 368هـ في مشهد الرضا (عليه السلام) ويمكن أن تستنتج من دراسة كتاب القمي المذكور ما يأتي:
أولاً: أنّ القمي قصد بمجالسه الجلسات التدريسية وليس الأمكنة، وذلك لأنّه ربط انعقاد المجلس بيوم الأسبوع والشهر والسنة.
ثانياً: يظهر أنّ القمي كان يلقي دروسه في يوم الثلاثاء والجمعة من كلّ أسبوع لأنّ تاريخ مجلس الأوّل كان يوم الجمعة الثامن عشر من رجب والثاني يوم الثلاثاء في الثاني والعشرين منه، والثالث الجمعة لخمس بقين منه، والرابع الثلاثاء في نهايته.
ثالثاً: أنهى القمي مجالسه في اليوم التاسع عشر من شعبان من السنة التالية ويعني ذلك أنّه قد أكمل جلساته التدريسية في سنة كاملة.
رابعاً: يظهر أنّ نوعاً من التنظيم الدراسي العالي اتبع في دروس القمي لبدايتها ونهايتها في سنة كاملة، ولارتباطها بأيام وتواريخ معينة من كلّ أسبوع.
أمالي المفيد
وللشيخ المفيد (ت413هـ) كتاب أمالي. ويحتوي أمالي المفيد اثنين وأربعين مجلساً تحتوي على مائتي مطلب نفيس في شتى البحوث مع إسنادها الموثوق بصدورها عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وآل بيته (عليهم السلام) وقد أملى المفيد المجلس الأوّل بمدينة السلام يوم السبت مستهل شهر رمضان (ص9). والثاني يوم الأربعاء لخمس خلون منه (ص15). والثالث السبت لثمانٍ خلون منه. والمجلس الرابع يوم السبت رمضان سنة ثمانٍ وأربعمائة وهو أوّل مجلس أملي في هذا الشهر (ص131).
ولو عقدنا مقارنة بين «أمالي» الصدوق القمي الذي أشرنا إليه قبل قليل وبين أمالي المفيد لرأينا أنّ الصدوق قام بإلقاء دروسه أو جلسات تدريسه مقرونة بأيام معينة من كلّ أسبوع، كما أنّ الفواصل بين مجلس وآخر ثابتة يضاف إلى ذلك أنّ الصدوق أنهى مجالسه بسنة كاملة. أمّا الشيخ المفيد فإنّ الفواصل بين مجالسه لم تكن ثابتة. فكانت الفاصلة بين المجلس الأوّل والثاني أربعة أيام، وبين الثاني والثالث ثلاثة أيام، وبين الثالث والرابع سبعة أيام، وبين الرابع والخامس يومين فقط. يضاف إلى ذلك أنّ المفيد لم يتقيد بأيام معينة من كلّ أسبوع لإلقاء مجالسه كما فعل الصدوق. وثمة فارق آخر بين الصدوق والمفيد هو أنّ الصدوق أنهى مجالسه بسنة كاملة دون انقطاع، بينما المفيد استمر بمجالسه سنوات عديدة. فالمجلس الأوّل كان في سنة أربع وأربعمائة والمجلس العاشر كان يوم الأربعاء سنة سبع وأربعمائة والمجلس العشرون سنة ثمان وأربعمائة.
ويظهر ممّا سبق أنّ الصفة التعليمية كانت أكثر وضوحاً في «أمالي» الشيخ الصدوق القمي منها في «أمالي» الشيخ المفيد.
أمالي المرتضى
وللشريف المرتضى (ت436) كتاب «أمالي» عرف بـ «غرر الفوائد ودرر القلائد» ويتكوّن أمالي المرتضى من مجموعة من المجالس أو الجلسات التدريسية، وتناول في كلّ مجلس من المجالس المذكورة شرح موضوع أو أكثر من المواضيع. ففي المجلس الأوّل مثلاً، تناول المرتضى تأويل آية من القرآن الكريم وذكر الوجوه المختلفة لتأويل تلك الآية (1:1-5) وبعد أن شرح المرتضى تأويل الآية التي جعلها موضعاً لمجلسه، انتقل إلى مناقشة خبر ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) (5:1 ) وقد استعرض المرتضى آراء عدد من الكتّاب حول محتويات الخبر المذكور. كان من بينهم أبو عبيد القاسم بن سلام، وعبدالله بن مسلم بن قتيبة. وبعد أن نسب الخطأ إلى الكاتبين المذكورين ذكر رأيه الخاص في الموضوع (6:1) .
ثمّ أثار المرتضى في المجلس نفسه مسألة لها علاقة بموضوع الآية والحديث الذي سبق له مناقشته وبعد استعراض آراء عدد من الكتّاب خلص إلى نتيجة (10:1).
وانتقل المرتضى في مجلس آخر من أماليه إلى تأويل آية أخرى (ص11) ثمّ أورد في فصل خاص آراء عدد من الكتاب في آية أخرى (13:1). وانتقل المرتضى في المجلس نفسه إلى تأويل خبر نقله أبو عبيد بن سلام في كتابه «غيب الحديث» عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) (17:1). ثمّ عرض في فصل جديد معلومات عن شاعر على مذهب أهل العدل، فأورد شيئاً من ترجمته وآرائه وأنهى المرتضى مجلسه بإثارة مسألة كلامية فعالجها و أوضح رأي الشيعة فيها (1: 22-24).
وهكذا يستمر المرتضى بإيراد مجالسه أو جلساته التدريسية تباعاً حتّى تبلغ ثمانين مجلساً.
ولو عقدنا مقارنة بين أمالي الشيخ الصدوق الذي سبق ذكره وأمالي الشريف المرتضى لظهر لنا ما يأتي:
أولاً: أنّ المرتضى لم يحدّد أزمنة معينة لإلقاء مجالسه كما فعل الشيخ الصدوق، فهو لم يقرنها بيوم الأسبوع والشهر والسنة في حين أنّ الصدوق تقيد بذكر كلّ ما سبق، وبدأ أماليه في رجب سنة 367هـ وأنهاها بعد مرور سنة من ذلك التاريخ. وليست لدينا معلومات عن المدّة التي استغرقها إلقاء مجلس الشريف المرتضى، وعن بدايتها ونهايتها سوى إشارة عابرة وردت في آخر مجلس من أماليه تقول «هذا آخر مجلس أملاه سيدنا أدام الله علوه. ثمّ تشاغل بأمور الحج».
ثانياً: أنّ أمالي الصدوق رتب على مجالس السماع بينما لم يراع الترتيب المذكور في أمالي الشريف المرتضى، يضاف إلى ذلك أنّ بعض مجالس الصدوق وردت مقرونة بالأمكنة التي ألقيت فيها بينما لم تراع تلك الظاهرة في مجالس الشريف المرتضى.
ثالثاً: أمّا من حيث المحتويات فهناك فارق بين أمالي المرتضى من جهة وبين كتابي الأمالي للصدوق والمفيد معاً. لقد اقتصر الشيخان الصدوق والمفيد على ذكر الأحاديث، غالباً، في أماليهما لذا كان تعريف كتب الأمالي الذي أوردناه في صدر هذا البحث أكثر انطباقاً على كتابيهما، بينما الشريف المرتضى يعالج في أماليه قضايا عدّة أهمها تأويل عدد من آيات القرآن الكريم.
رابعاً: أمّا من حيث الأسلوب وطريقة معالجة المواضيع التي تعرض لها كتب الأمالي الذين سبق ذكرهم فثمة فارق بين الصدوق والمفيد من جهة وبين الشريف المرتضى من جهة أخرى. فالمرتضى كان يورد آراء عدد من الكتّاب الذين بحثوا في القضية التي جعلها مدار بحثه ثمّ يفند بعضها، ويثبت رأيه الخاص في تلك القضية. في حين أنّ الصدوق والمفيد كانا يوردان الأحاديث التي تؤيد القضية المراد بحثها دون إيراد آراء أو مناقشة الكتّاب الآخرين الذين سبق لهم بحث القضية موضوع البحث.
أمالي الطوسي
ويعدّ كتاب «الأمالي» للشيخ الطوسي المعروف بشيخ الطائفة من كتب الأمالي المشهورة عند الشيعة. وقسم الطوسي كتابه المذكور إلى أجزاء أو جلسات تدريسية أملاها كلّها بمشهد أمير المؤمنين (عليهم السلام) (ص2). بدأ المجلس الأوّل في شهر ربيع الأوّل من سنة 455هـ (ص20ـ38) والثالث في شعبان سنة 455هـ (38ـ58). وأملى الطوسي المجلس الرابع في المكان نفسه ولكنّه لم يقرنه بذكر الشهر والسنة كعادته (ص58ـ75). أمّا المجلس الخامس فأملاه في 26 رمضان سنة 447هـ (75ـ93) وهكذا يستمر الطوسي في ذكر الأمكنة والأزمنة التي أملى فيها كتابه المذكور.
وعند رجوع القارئ إلى المقارنة التي عقدتها في صدر البحث بين أمالي الصدوق وأمالي المفيد يجد أنّ طريقة الشيخ الطوسي في إلقاء مجالسه وتعيين أوقاتها كانت أقرب إلى طريقة المفيد منها إلى طريقة الشيخ الصدوق القمي. ويمكن أن نعلل ذلك بأنّ الشيخ الطوسي كان معاصراً للمفيد ومتصلاً به اتصالاً وثيقاً وكان يحضر دروسه وربما كانت الأمالي من بينها، فلا عجب من تأثّر الطوسي بطريقة شيخه المفيد والسير على هديه.
الدكتور عبدالله الفياض
وعدا هذا فهناك أمالي أبي بكر الصولي محمد بن يحيى بن العباس المسمّى (الغرر) وأمالي ابن الشجري هبة الله بن علي.
أمالي المشتاقين (كتاب)
تأليف الشيخ محمد تقي ابن محمد علي ابن الشيخ حمزة ابن الشيخ محمد علي ابن الشيخ محمد جعفر ابن الشيخ محمد كاظم الفشندي القزويني. ولد سنة 1233 هجرية في قرية فشند وتوفي سنة 1330 هجرية وهو من كبار المحدثين، حكيم متكلم أديب شاعر وهذا الكتاب هو المجلد الثالث من موسوعته الكبيرة المسماة بـ (ذخائر المحبين) في شرح ديوان أمير المؤمنين (عليه السلام).
يبحث هذا المجلس في ترجمة الإمام جعفر الصادق (عليه السلم) والأئمة من ذريته حتّى الإمام محمد بن أبي الحسن المهدي (عليه السلام).
وقد فرغ من تأليفه سنة 1330 هجرية، وتوجد منه نسخة بخط المؤلف من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور في قزوين ولم أجد ذكراً لهذا الكتاب في الفهارس كما لم يقف عليه شيخنا الأستاذ الشيخ أقابزرك الطهراني ولم يرد ذكره في الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
عبد الحسين الصالحي
- () يأتي في حرف الحاء بحث مستقل عن (الحديث) وهو مع هذا البحث يتم أحدهما الآخر. ↑
- () مقباس الهداية 1/40ـ41. ↑
- () الوافي: باب اختلاف الحديث والحكم 1/62ـ63. ↑
- () بحار الأنوار ط4: 2/189. ↑
- () أصول الحديث وأحكامه ص10. ↑
- () معالم المدرستين للعسكري ٢ / ٤٢ نقلاً عن سنن الدارمي ١ /١٢٥ باب من رخص في الكتابة من المقدمة، وسنن أبي داود 2/126 باب كتابة العلم، ومسند أحمد٢/ ١٦٢ و ٢٠٧ و ٢١٦، ومستدرك الحاكم ١ / ١٠٥- ١٠٦وجامع بيان العلم وفضله ١/٨٥ ط ٢. ↑
- () يشير إلى ما رواه مسلم في جامعه أنه (صلّى الله عليه وآله) قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه).علق عليه الشيخ مناع القطان في كتابه (التشريع والفقه في الاسلام ٩٤، بقوله: (وهذا الحديث هو الذي صح عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في النهي عن كتابة السنة… واختلفوا في المراد بهذا الوارد في النهي.
فقيل: هو في حق من يوثق في حفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب… وتُحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث (اكتبوا لأبي شاة)…
وقيل: إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة.
وقيل: إنما نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة.
وحين نزل أكثر الوحي، وحفظه الكثير، وأمن اختلاطه بسواه، أذن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لبعض صحابته إذنا خاصا في كتابة الحديث، ليساعدهم ذلك على زيادة الضبط إن خيف نسيانهم، ولم يوثق بحفظهم.
ولعله خصّ بهذا الاذن من كان أشد ضبطاً وحفظاً.
وبهذا يلتقي ما قيل من تعارض بين النصوص الواردة في النهي عن كتابة الحديث والاذن في ذلك.
وقد اتفقت الكلمة بعد الصدر الأول على جواز كتابة الحديث).
وقال ابن الصلاح في مقدمته (انظر: التقييد والايضاح ٢٠٣): (وروينا عن أبي سعيد الخدري أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن ومن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه) أخرجه مسلم.
وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعله علي وابنه الحسن وأنس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص في جمع آخرين من الصحابة والتابعين ـ رضي الله عنهم أجمعين.
ومن صحيح حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الدال على جواز ذلك حديث أبي شاة اليمني في التماسه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يكتب له شيئا سمعه من خطبته عام فتح مكة، وقوله (صلّى الله عليه وآله): (اكتبوا لأبي شاة). ↑
- () تاريخ الفقه الإسلامي للأشقر ٧٢ نقلاً عن تنوير الحوالك ١/ ٤. ↑
- () مجلة الفكر الجديد، العدد الثالث: علوم الحديث للغرباوي نقلاً عن كنز العمال ١٠ /٢٩٤٧٦. ↑
- () تاريخ الفقه الإسلامي للأشقر ٩٦. ↑
- () م. ن. ↑
- () تاريخ الفقه الإسلامي للأشقر ٩٧. ↑
- () الوافي 1/63. ↑
- () الذريعة 2/306ـ307. ↑
- () الذريعة 2/14. ↑
- () الذريعة 4/352ـ353. ↑
- () الذريعة 3/16. ↑
- () المعجم الوسيط: مادة: وتر. ↑
- () محيط المحيط: مادة: وتر. ↑
- () أصول الحديث وأحكامه 23 ـ 24. ↑
- () الدراية 13. ↑
- () مقياس الهداية 1/114. ↑
- () مبادئ الوصول 202. ↑
- () مقياس الهداية 1/105. ↑
- () المقباس 1/106. ↑
- () أصول الحديث وأحكامه ٣٥. ↑
- () أصول الفقه للمظفر 2/69. ↑
- () م.س 70. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.س 74. ↑
- () الوسائل: صفات القاضي. ↑
- () أصول الفقه للمظفر 2/83. ↑
- () المقياس 1/215. ↑
- () معجم رجال الحديث 8/294. ↑
- () م.س 7/247. ↑
- () الدراية 19 والمعالم 367. ↑
- () محيط المحيط: مادة: حسن. ↑
- () مقباس الهداية 2/32ـ33. ↑
- () العدة 1/382. ↑
- () المعارج 149. ↑
- () المعالم 353. ↑
- () أصول الحديث وأحكامه 118. ↑
- () الوسائل باب ٤١: الشهادات، حديث ١. ↑
- () أصول الحديث وأحكامه 53. ↑
- () الرشدة ضد الزنية. ↑
- () الكشاف 1/584. ↑
- () مجمع البيان مج1، ج5، ص300. ↑
- () مقباس الهداية 2/303. ↑
- () قال الشيخ في رجاله ص458: «روى في مولد القائم (عليه السلام) أعاجيب». ↑
- () الدراية 44. ↑
- () المعجم الوسيط: مادة وضع. ↑
- () تاريخ الاسلام، حسن إبراهيم حسن 1/447. ↑
- () م.س 394 عن الأغاني 3/25. ↑
- () الأدب السياسي في النزاع بين علي ومعاوية ٧٥ نقلاً عن وقعة صفين ٢٩. ↑
- () أحاديث أم المؤمنين عائشة ٣٩٢ عن أسد الغابة 4/387 والطبقات 3/248. ↑
- () تاريخ الاسلام، حسن إبراهيم حسن 1/447. ↑
- () أحاديث أم المؤمنين عائشة 395-396 عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3/15ـ16. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.س 89ـ90. ↑
- () تنقيح المقال 3/236. ↑
- () م.س 189. ↑
- () معجم رجال الحديث 18/275ـ277. ↑
- () أي قالوا: ـ عند تلبيتهم للحج ـ لبيك جعفر. ↑
- () معجم رجال الحديث 14/248ـ254. ↑
- () تنقيح المقال 3/190. ↑
- () أبو هريرة، لابي رية 118. ↑
- () علوم الحديث 267. ↑
- () الدراية 58. ↑
- () التقييد والإيضاح 131. ↑
- () م.س 132. ↑
- () علوم الحديث 268. ↑
- () أبو هريرة لأبي رية 203. ↑
- () م.س 304. ↑
- () يراجع: الشيخ الألباني (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) ج ١ ص ٧٨ رقم ٥٨. ↑
- () الهفت والأظلة: من الكتب المقدسة عند الطائفة المفضلية، وهم من فرق الغلاة الخطابية، أتباع المفضل بن عمر الجعفي الصيرفي والكتاب منسوب إليه، يرويه ـ كما يدعون ـ عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). نشر بتحقيق عارف تامر سنة ١٩٦٠م، وفي سنة ١٩٦٤ بتحقيق مصطفى غالب، بعنوان )الهفت الشريف). ↑
- () قال فيه ابن الغضائري: (ضعيف، متهافت، مرتفع القول، خطابي). وقال النجاشي: (فاسد المذهب، مضطرب الرواية، لا يعبأ به، وقيل: إنه كان خطابيا، وقد ذكرت له مصنفات لا يعول عليها) ـ انظر: ترجمته في (تنقيح المقال).لم أقف فيما بين يدي من كتب رجالية على نسبة كتاب (الهفت) إليه. وإذا صحت نسبته إليه فمن غير شك يصح فيه ما قاله ابن الغضائري. على أن الكتاب المذكور لا ارتياب في أنه مكذوب على الإمام الصادق وموضوع لنشر الغلو، فلا يجوز الاعتقاد بمحتوياته ولا الاعتماد عليه أو الركون إليه. ↑
- () تأملات في الصحيحين ٢٠٢. ↑
- () يراجع: كتابة البحث العلمي ومصادر الدراسات الاسلامية، للدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان، نشر دار الشروق بجدة، سنة ١٤٠٠هـ ـ ١٩٨٠ م ط ١ ص 260 ـ 262. ↑
- () الدراية 27. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.ن. ↑
- () قواعد الحديث 110. ↑
- () انظر: فوائد رجالية، هامش ص ١١٠. ↑
- () عدد الداعي 12. ↑
- () م.س 13. ↑
- () م.ن. ↑
- () عدة الداعي ١٣ (الهامش) نقلا عن: المرآة. ↑
- () دعائم الإسلام 1/316. ↑
- () الوسائل: الباب 11 من أبواب الماء المطلق. ↑
- () أصول الحديث وأحكامه ٩٦. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.ن. ↑
- () المقياس 1/347. ↑
- () أصول الحديث وأحكامه ٩٦. ↑
- () م.س 96ـ97. ↑
- () البداية 69. ↑
- () المقياس 2/173. ↑
- () البداية 56ـ66. ↑
- () الوسائل 20/79: الفائدة السابعة. ↑
- () هكذا هي في (الوسائل)، وأخالها جمع حِدْث ـ بكسر الحاء المهملة وسكون الدال المهملة ـ وهو الكثير الحديث، الحسن البيان له (انظر: المعجم الوسيط). ↑
- () م.س 80. ↑
- () م.ن. ↑
- () الكنى والألقاب 1/199ـ200. ↑
- () معجم رجال الحديث 9/124. ↑
- () م.س 2/231. ↑
- () دراسات في الحديث والمحدثين 135ـ136. ↑
- () جامع المقال 36ـ37. ↑
- () الكافي: الجزء 1، الكتاب 2، باب مولد الحسين بن علي (عليه السلام) 115، الحديث 8. ↑
- () الكافي: الجزء ٢، الكتاب ١، باب حسن البشر، الحديث ٥. ↑
- () الكافي: الجزء ٢، باب الحلم ٥٥، الحديث ٢. ↑
- () الكافي: الجزء ٢، الكتاب ١، باب مجالسة أهل المعاصي ١٦٣، الحديث ١٦. ↑
- () الكافي: الجزء ٣، الكتاب ٣، باب التعزية وما يجب على صاحب المصيبة ٧٠، الحديث ٣. ↑
- () الكافي: الجزء ٥، الكتاب ٣، باب تفسير ما يحل من النكاح وما يحرم ١٩١، الحديث ١. ↑
- () الكافي: الجزء ٧، الكتاب ٢، باب العلة في أن السهام لا تكون أكثر من ستة ١١، الحديث ١،2. ↑
- () الكافي: الجزء ٦، الكتاب ٦، باب الأشنان والسعد ١٣٤، الحديث ٥. ↑
- () الكافي: الجزء ٧، الكتاب ٢، باب بيان الفرائض في الكتاب ٢. ↑
- () الكافي: الجزء ٧، الكتاب ٦، باب النوادر ١٩، الحديث ٢١. ↑
- () الكافي: الجزء 1، الكتاب 3، باب إبطال الرؤية 9، الحديث 12. ↑
- () الكافي: الجزء 1، الكتاب 4، باب الإشارة والنص على أبي الحسن موسى (عليه السلام)، 70، الحديث 13. ↑
- () الكافي: الجزء 1، الكتاب 4، باب الإشارة والنص على أبي الحسن موسى (عليه السلام)، 70، الحديث 14. ↑
- () الكافي: الجزء 1، الكتاب 4، باب مولد أمير المؤمنين (عليه السلام) 112، الحديث 4. ↑
- () معجم رجال الحديث 1/89ـ92. ↑
- () دراسات في الحديث والمحدثين ط ٢ ص ١٣٨. ↑
- () الدراية 82. ↑
- () الدراية 82. ↑
- () الدراية 106. ↑
- () الدراية 107. ↑
- () لسان العرب ٣/٣١٥ (مادة عود). ↑
- () فواتح الرحموت ١/٨٥، شرح البدخشي ١/٨٥، مفاتيح الأصول/٢٩٧، المحصول ١/٢٧. منتهى السؤل والأمل/٣٤. ↑
- () حاشية البناني ١/١١٨، منتهى السؤل والأمل: ٣٤. ↑
- () سلم الوصول للعبجي: ١٠. الكوكب المنير: ١١٥. ↑
- () سلم الوصول، للعبجي: ١١، حاشية البناني ١/١١٨. ↑
- () فواتح الرحموت ١/٨٥، نهاية السؤل ١/١١٠ ـ ١١١. ↑
- () نهاية السؤل: ١/١١١. ↑
- () حاشية البناني ١/١١٨، المحصول ١/٢٧. ↑
- () شرح القاضي: ٨٥، حاشية البناني ١/١١٨. ↑
- () حاشية البناني ١/١١٨، شرح القاضي: ٨٥. ↑
- () نهاية السؤال ١/١١١. ↑
- () حاشية البناني ١/١١٩. ↑
- () سلم الوصول، للعبجي: ١٠. ↑
- () مناهج الوصول ١/٣٠٧، بحوث في علم الأصول ٢/١٢٩، محاضرات في أصول الفقه ٢/٢٢٧. ↑
- () حاشية البناني ١/١١٩ تيسير التحرير ١/١٩٩، اشارات الأصول/١٣٠. ↑
- () شرح الجلال ١/١١٨، شرح القاضي: ٨٤. ↑
- () انظر: مفاتيح الأصول: ٢٩٧. ↑
- () ولد أسامة في شيزر سنة 488هـ المقابلة لسنة 1095 وهو العام الذي ألقى فيه البابا أوربانوس الثاني خطابه التاريخي المشهور الذي حرض فيه على أخذ بيت المقدس من المسلمين. وتوفي أسامة سنة 584 بعدما دعاه صلاح الدين إليها من مصر. ↑
- () تأتي زيادة في التعريف بأسامة في مقال قادم. ↑
- () مضافاً إلى ما تقدّم من التعريف به. ↑
- () الذيفان: السم القاتل. ↑
- () البيض: السيوف، الخرصان: الدروع والرماح. ↑
- () الخفان: مكان السباع. ↑
- () غمدان: قصر باليمن. ↑
- () الجنة: الوقاية والغطاء. ↑
- (* ) كتب الباحث المصري جورج صاوا بحثاً رأى فيه أنّ كتاب «الأغاني» هو أضخم موسوعة في تاريخ الموسقى العربية، وهو في منهجه وربطه الأنغام بالمؤثرات الاجتماعية، سبق منهج علماء الغرب في «الأنتوميوزيكولوجي»، أو ما يعرف بموسيقى الشعوب والأنثروبولوجيا بنحو ألف سنة.وفي بحثه «مذهب أبي الفرج في تجنيس الأغاني»، يرى الباحث المغربي عبد العزيز بن عبد الجليل، أنّ من العجب أن تسكت كتب المؤرخين الأقدمين عن الجانب الموسيقي في كتاب «الأغاني». ويثبت الباحث من خلال الدلائل العلمية أنّه يوفّر من خلال الأخبار والأشعار التي يرويها، فرصة لمعرفة واقع الحياة الفنية في البلادالعربية بالفترة من الجاهلية حتى منتصف القرن الرابع للهجرة. وهو سجل لتاريخ الموسيقى العربية، يحكي نشأتها الأولى، ويتعقب خطوات تطورها في حواضر الحجاز والشام والعراق. ↑
- () الأصفهاني ويقال أيضاً الأصبهاني، ذلك أنّ بلده تنطق بالفاء والباء. ↑
- () لم أذكر الشعر الذي غنى به تجنباً للإطالة. ↑
- () قرية توجد بجوار الكاف شمال مدينة تونس. ↑
- () التازي. ↑
- () لا شك أن سوء تصرفات الولاة والقواد هي التي كانت تحول بين البربر والإقبال على الإسلام حتّى أنّ الذين أسلموا منهم ظلّوا في ثورات دائمة على الحكام، إلى أن جاء إدريس بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) واتصل بالبربر فأصبحوا على يديه وعلى أيدي خلفائه من بعده من أحسن الناس إسلاماً وأكثرهم تحمّساً له. ↑
- () كتاب «شعوب إفريقيا الإسلامية» للدكتور حسن محمود. ↑
- () صاحب كتاب «الديانات في إفريقيا السوداء». ↑
- () الإحصائية مأخوذة من إحصائيات الأمم المتحدة باستثناء كينيا والغابون وزنجبار وغانا. وسيرى القارئ إحصاءات أخرى فيما يأتي تختلف عن هذا ومعظمها تقريبي ويمكن مقابلة الجميع واستخلاص الحقيقة من مجموع ذلك وهناك رأي يقول إنّ عدد المسلمين في كينيا يبلغ ثلاثة ملايين وإنّهم يشكلون نسبة ثلاثين بالمائة. وهذا الرأي قالت به جريدة أخبار العالم الإسلامي. والمناطق التي يوجد فيها المسلمون بكينيا هي: مدينة (موميس) من الإقليم الغربي ومدينة (كسومو) من إقليم (نيانازا). وفي مدينتي (ناكورو) و(الدرت) في إقليم (رفت فالي) وفي مدينة (نيري) و(فوتهول). ↑
- () تقع فيما يسمّى اليوم بالمملكة العربية السعودية وسكانها من الشيعة «ح». ↑
- () بل هم في الكثير منهم من الشيعة ومن الأشراف العلويي النسب «ح». ↑
- () الأحمدية بعيدة في حقيقتها عن الإسلام وإن ادّعت العكس «ح». ↑
- () لا يمكن اعتبار (الأحمدية) من المسلمين وإن ادعوا ذلك «ح». ↑
- () هو الشيخ الصوفي عبد القادر الجيلاني، وطريقته الصوفية منتشرة في كثير من البلاد الإسلامية بين الهند والمغرب، وقد عاش في بغداد ودفن فيها وله هناك مقام معظم، حاشد دائماً بالوفود الإسلامية من كل هذه البلدان. ↑
- () تكاد بلاد السودان التي عنوها، تنطبق على غربي إفريقية، لأنّهم ميزوا بين أصحاب البشرة السوداء في إفريقيا فقالوا عن سكان بلاد السودان بأنّهم (ليسوا بنوبة ولا بزنج ولا بحبشة ولا من البجة، إلاّ أنّهم أشد سواداً من الجميع وأصفى) الإصطخري (القرن 10م) ـ ياقوت (13م) ـ أبو الفداء (14م). ↑
- () يُقال إنّ الجمل دخل إفريقيا لأوّل مرّة في القرن (6ق.م.) على أيدي الفرس، واستخدم الإسكندر المقدوني الجمل في حملته على سيوه (القرن 4ق.م.) واستولى يوليوس قيصر على 46 جملاً من منطقة غربي سيوه، وكثر بعد ذلك. ↑
- () وجدت سبع ممالك: أوفات، بالي، هدية، دارة، دوران، أرابيني، شرخة. وهناك إمارات إسلامية صغيرة مثل مورا، هوبات، جيدايا. ↑
- () المشيخات الساحلية، عددها 14 مشيخة: عوان، مقديشو، براوا، سيو، بيت، لامو، مالندي، كليفي، ممبسا، زنزبار، مافيا، كلوه، موزمبيق، سوفالا. ↑
- () أودغست: بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الدال المهملة وفتح الغين أيضاً بعدها سين ساكنة فتاء ساكنة ـ وأطلال أودغست اليوم جنوبي جمهوريات موريتانيا الإسلامية العربية. ↑
- () طلب الملك بعد إسلامه، من العلماء أن يدعوا بثلاث دعوات «لعاصمته جني: كل من هرب إليها من وطنه ضيقاً وعسراً، أن يبجلها الله له سعة ويسراً، حتّى ينسى وطنه، وأن يعمرها الله بغير أهلها، وأن يسلب الصبر من وارديها من التجار حتّى يملوا فيبيعون ما معهم بناقص الثمن، فيربحون فيها، فقرؤوا الفاتحة على هذه الدعوات. ↑
- () كان للسيوطي (جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر) (ت 911هـ 1505م) مكانة رفيعة في غربي إفريقيا، وكان صديقاً لاسكيا الحاج ولساركن كاتسنا إبراهيم ماجي من أسرة كومايو، وقد ألّف السيوطي في «رسالة الملوك» إلى الساركن هذا وإلى سلطان أغاديس، ودرس فترة في كتسنا من بلاد الهوسا وعاد إلى القاهرة حوالي عام (876هـ ـ 1471م). ↑
- () درج المسلمون في جميع فتوحهم وهجراتهم من لدن ظهور الإسلام على الاندماج والمصاهرة مع أهل البلاد التي دخلوها حتّى في الأندلس. ↑
- () الشوى (كغنى) بمعنى شاء والمفرد شاة «أو هو اسم جمع للشاة أصلها شاهة بدليل قولهم شياه وشويهة (لسان العرب، ج17، ص3) تاج العروس (10، ص204)، ويبدو لنا أنّ الأقرب في تحليل صيغة (شوي) على وزن غني وغبي وآبي هو أنّها صيغة نسبة مختصرة من (شاوي)… فالشاوي هو بائع الشياه كما هو معروف في اللغة. ↑
- (*) سمعنا من بعض علمائهم ومثقفيهم أنّ أصل كلمة (هوسا): (حفص) العربية. ↑
- () كان لهذا الازدواج اللغوي أثره في ابتكار الأندلسيين لنوع جديد من الأدب الغنائي هو مزيج من العربية والدارجة. ↑
- (*) گنگد… هنا بالجيم المصرية. ↑
- () وقد علمت مؤخراً أنّ وزارة الأوقاف في مصر وضعته ضمن خطتها في نشر التراث العربي أو نشرته. ↑
- (*) قام بالترجمة القديس جيروم (ت 420م) بأمر البابا داماسوس (1). وفي حركة إحياء الدراسات القديمة في عصر النهضة اتضح للعلماء أنّ النصوص الإغريقية التي اعتبرت أصيلة تخالف الترجمة اللاتينية Vulgate إذ وجدوا في الترجمة اللاتينية تحريفاً. ↑
- () البكري هو عبدالله البكري (1030ـ1094م) جغرافي أندلسي توفي في قرطبة. تجول في السنغال، وزار كومبي عاصمة غانا وله: المسالك والممالك، طبع دوسلان جزءاً منه عام 1857م باسم المغرب في ذكر إفريقيا والمغرب، أمّا ابن حوقل فهو رحالة عربي معروف من القرن العاشر. زار الصحراء الموريتانية. ↑
- () إنّ كلمة «غانا» كانت تعني باللغة المحلية الساراكوله، القيادة العسكرية ثمّ تحوّل الاسم إلى العاصمة، مركز القيادة، ثمّ أطلق على المملكة. انظر المؤرخ الغيني جبريل نيان في كتابه: مملكة غانا. وقد أطلق سكان ساحل الذهب المستعمرة الإنكليزية السابقة على بلادهم اسم جمهورية غانا تيمّناً بعودة المجد الإفريقي القديم. ↑
- () تقع خرائب هذه المدينة في جمهورية موريتانيا. ↑
- () مملكة مالي: جبريل نيان. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () مجلة Notes Africaines عدد 82 لعام 1959م. ↑
- () مجلة Notes Africaines عدد آذار 1959م وكذلك العدد 83 من مجلة العدد 83 لعام 1959م Revue d’Afrique Magazine. ↑
- () عبد الرحمن السعدي بن عبدالله بن عمران «1595ـ1656م» مولود في تومبكتو، درس على والده وعلى علماء تومبكتو. كان عالماً مؤلفاً وإماماً لمسجد جنة ولمسجد سانكور في تومبكتو. عمل في خدمة دولة «السونراي» في «غاؤ» وتوفي بها. له: تاريخ السودان مطبوع ومترجم إلى الفرنسية. ↑
- () تاريخ إفريقيا الغربية الفرنسية لباري وجونه. ↑
- () تقع غاؤ الآن على عطفة نهر النيجر في جمهورية مالي. ↑
- () تاريخ إفريقيا: باري وجونه. ↑
- () تاريخ إفريقيا لأندريه جوليان «بالفرنسية». ↑
- () مجلة المجلد، العدد 47 لعام 1960م، مقال بقلم الدكتور عبد الرحمن زكي. ↑
- () كانت قبائل البوهل تسكن في الفوتاتورو في السنغال، وكانوا يشكلون في القرن الرابع عشر والخامس عشر حاجزاً وثنياً ضد تقدّم الإسلام، ولكنّهم لما اعتنقوا الدين الجديد في القرن السابع عشر غدوا متحمسين لنشره حاملين لواء الدعوة إليه. وقد قاموا بحركة اجتماعية دينية وسياسية وثقافية هدفها نشر الإسلام والقضاء على الرقيق وتوحيد البلاد في ظل خلافة إسلامية ثمّ العمل على نشر الثقافة العربية الإسلامية. وقد توجهوا من أجل ذلك إلى نيجيريا في الشرق وإلى الفوتادجالون في الجنوب «جمهورية غينيا» وقد أنشأ البوهل في عام 1720م في الفوتا تسع إمارات إسلامية تديرها النخبة المثقفة التي أضحت إقطاعية محاربة يحكم كلاًّ منها إمام منتخب لمدّة سنتين دورياً بين عائلتي سوري Sory وألفا Alfa. وقد ساد مثل هذا النظام في موطنهم الأصلي، في السنغال، حيث قضوا على الوثنية هناك عام 1776م. كما تمكن البوهل أن يؤسسوا مملكة بين النيجر والسنغال. عرفت باسم مملكة ماسينا Macina في أواخر القرن الثامن عشر وقد اشتهر من ملوكها «حمد باري» الذي سيطر على تومبكتو وجني وبنى عاصمة جديدة عرفت باسم «حمد الله» وقد استمر أمر هذه المملكة حتّى ضمّها السلطان أحمد ابن الحاج عمر إلى مملكته عام 1862م. أمّا عثمان دان فوديو، زعيم البوهل في نيجيريا، فقد ولد بالسغال، ولا تزال أسرته تحتفظ بالإمارة على سوكوتو في نيجيريا الشمالية، من هذه الأسرة الحاج أحمد بللو رئيس وزراء نيجيريا الشمالية السابق. ↑
- () مجلة المجلة: العدد47 لعام 1960م مقال عن جمهورية نيجيريا بقلم الدكتور عبد الرحمن زكي. ↑
- () يقول توماس آرنولد: إنّ عثمان دان فوديو قد حاول أن يطبق المبادئ الوهابية التي تلقنها في الحج في سياسته الإسلامية الدعوة إلى الإسلام الفصل المتعلق بإفريقيا الغربية. ↑
- () تاريخ إفريقيا الغربية وتاريخ كاتال وإمبراطورية غاؤ للمؤلفين: Boulnois et Hama باريس عام 1954م. ↑
- () المجلة العدد 47. ↑
- () تاريخ كانال والمصدر السابق. ↑
- () يذكر الدكتور عبد الرحمن زكي أنّ الإمام «أحمد بن قرتوه» قد ألّف بالعربية في عهد إدريس الثالث كتابين عن تاريخ البورنو طبعا عام 1930م في كانو بنيجيريا. المجلة العدد 47. ↑
- () السلطان رباح أحمد قواد الزبير باشا حاكم بحر الغزال، ولما استدعى الخديوي هذا الحاكم بناء على طلب الإنكليز، تولّى القائد رباح مهمة مكافحة الإنكليز القادمين من السودان وأوغندا ومحاربة الفرنسيين القادمين من الكونغو الفرنسي وتشاد، وقد أنزل بالفرنسين خسائر كبيرة قبل أن يستشهد في إحدى المعارك. ↑
- () تاريخ إفريقيا: لأندريه جوليان. ↑
- () أنتا ديوب: إفريقيا قبل الاستعمار وتوماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام «ترجمة النحراوي وعابدين». ↑
- () الدعوة إلى الإسلام: توماس أرنولد. ↑
- () لا تزال بعض المجتمعات الوثنية تعيش بين المسلمين في غينيا ومالي والسنغال وهي تستجيب شيئاً فشيئاً لدعوة الإسلام. ↑
- () وهم يرفعون أنسابهم إلى إدريس بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). ↑
- () كتاب إفريقيا الغربية في ظل الإسلام هو أفضل مرجع لهذه الدراسات وعليه اعتمدنا في كثير من الحقائق. ↑
- () يرى رواة آخرون أنّ الإسلام في ساحل العاج أقدم من ذلك كما سنرى فيما بعد. ↑
- () الطوارق مجموعات قبلية يُعرفون بـ «الرجال الزرق» بسبب بشرتهم. يُطلقون على أنفسهم اسم «أيموغار» ويعيشون في تجمّعات تحمل أسماء مختلفة كالآهاغار، (في منطقة الهوغار جنوب الصحراء الجزائرية)، أو الأدرار، (في المالي)، إلخ… وهم ينتشرون عبر حدود خمس دول هي: النيجر، مالي، الجزائر، بوركينا فاسو وليبيا. عددهم الإجمالي يُقدّر بحوالي مليون نسمة بينهم 600 ألف في النيجر وحدها، وحوالي 350 ألفاً في مالي، و50 ألفاً في ليبيا.أما في الجزائر فقد وصل عددهم إلى حدّ أقصى بلغ حوالي 50 ألف نسمة، وذلك بسبب أفواج اللاجئين الذين تدفّقوا على الجزائر من الدول المجاورة بسبب موجات الجفاف الحادّة التي ضربتهم في الاعوام الماضية وخاصّة في أعوام 1963 و1972والأخيرة في أيلول/ سبتمبر من عام 1984. ويتجمّعون في ولايتي أدرار، (معسكر ـ برج باجي مختار)، وفي ولاية تامنراست، (معسكرتين ـ زواطين ومعسكران ـ قزّام).
ابتداءً من 9 نيسان/ أبريل 1986 بدأت السلطات الجزائرية بترحيل دفعات منهم بسبب ما قيل عن دور بعض جماعاتهم في القيام بعمليات تهريب واسعة عبر الحدود مع الدول المجاورة. ↑
- () من هنا مكتوب بقلم أبي بكر هاشم علوي، ما عدا بحث جنوب إفريقيا فهو بحث مستقل. ↑
- (*) تأتي دراسات أخرى عن البرتغاليين. ↑
- () Wolpert (Stanley), A New History of India, Second Edition, Oxford University Press, New York, 1982, p. 136. ↑
- () Wolpert (S.), op. cit., p. 136. ↑
- () Barros (Joâo de), Da Asia, Lisboa, Regia Officinal Typografica, 1781 (Rémpr. Paris, pp. 1-2). ↑
- () Barrous (J.de), op. cit., pp. 3-5. ↑
- () Bondarevsky (G.), Hegemonists and Imperialists in the Persian Gulf, Moscow, Novosti Press Agency Publishing Home, 1981, p. 37. ↑
- () Al-Sabah (S.A.), op. cit., p. 22. ↑
- () Barros (J. de), op. cit., p.2. ↑
- () من هنا مكتوب بقلم محمود الغول. ويأتي بحث آخر عن العرب في «بلد السواحل» في تفاصيل أخرى. ↑
- () كانت هجرتهم من «كجرات» ومن «زكتش» المتجاورتين «ولكل من هاتين المقاطعتين لغة خاصّة بها ولكن اللغتين متقاربتان وتكتبان بحروف واحدة غير الحروف العربية». ↑
- () تقع هاتان الجزيرتان في جنوب المحيط الهندي. ↑
- () أفشار قبيلة من الأتراك بعضهم يسكن في بوادي أذربيجان في ناحية قلعة دمدم المعروفة. ↑
- () راجع بحث الإسماعيليون. ↑
- () وهذا الاسم هو الذي سنعتمده في الأبحاث التالية. ↑
- () وبزعم النسابين أنّ البربر ينحدرون من قيس عيلان. ومن ذلك قول شاعر الموحدين:ويغزو بلاد الروم جيش عرمرم
تخيّر من قيس وأبناء يعرب
وفي ذلك ينشد علماء البربر لعبيدة بن قيس العقيلي:
أبونا أبوهم قيس عيلان في الذرى
له حرمة تشفي غليل المحارب
وقيس قوام الدين في كلّ بلدة
وخير معد عند حفظ المناسب
وقيس لها المجد الذي يقتدى به
وقيس لها سيف حديد المضارب
ولكن المحققين من المؤرخين يعتبرون هذه النسبة (منكراً من القول) على حد تعبير ابن خلدون (راجع: بحث: البربر). ↑
- () راجع بحث الأدارسة. ↑
- () ما يعرف اليوم بدولة المغرب. ↑
- () الجزائر. ↑
- () تونس. ↑
- () الطبري. ↑
- () و 7 ) الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. ↑
- () يقول صاحب تاريخ المغرب الكبير: بلغ السبي الذي أخذه موسى بن نصير من المغرب عدداً مهولاً لا يخطر ببال ولا يمر بخاطر. إنّ حرص موسى على أن يبلغ أرفع الدرجات عند الوليد بن عبد الملك ويرضى عنه فيبقيه في ولايته، هو الذي جعله يرتكب ما ارتكب ويحشر كلّ ذلك العدد المهول من سبايا البربر ليتحف به الوليد وحاشيته الذين ينتظرون من موسى أن يشبع كلّ أطماعهم في سبي المغرب وفي كنوزه.ويقول أيضاً: لقد عرف موسى بن نصير في الوليد الرغبة في صبايا المغرب وطرفه فاستكثر من السبي ليرضي مليكه.
ويقول أيضاً: كان همس بيت المال من سبي المغرب ستين ألف فتى وفتاة، وبذلك يكون ما سباه موسى من أبناء المغرب وبناته ثلاث مئة ألف.
ويقول أيضاً عن حسان بن النعمان والي عبد الملك بن مروان في المغرب إنّه لمّا ارتحل إلى المشرق أهدى عبدالله بن مروان والي مصر مئتي جارية من بنات ملوك الفرنج والبربر، فلم يقنعه ذلك. ↑
- () الشبيبي في ابن الفوطي. ↑
- () تاريخ المغرب الكبير الجزء الثاني ومؤلفه خارجي إباضي. ↑
- () هو فارسي النسب ويقول بعض المؤرخين إنّه عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن سابور بن بابك ذي الأكتاف ملك الفرس وإنّ الذي أسلم هو جدّه الأوّل بهرام بن سابور. ↑
- () تاريخ الجزائر العام. ↑
- () ممّا يذكر ما كتبه عبدالله التيجاني في رحلته التي كانت بين (706ـ708هـ) وطبعت سنة (1378هـ ـ 1958م) وهو يتحدّث عن خروجه من مدينة قابس ووصوله إلى قرية الزارات. قال: ومن هذه القرية كان الابتداء بسلوك منازل البربر المستمسكين بمذهب الخوارج وهذا المذهب هو الغالب على جميع البقاع التي بين قابس وطرابلس وخصوصاً أهل الساحل منهم، فهم بهذا المذهب المذموم يتقرّبون ببيع من يمر بهم من المسلمين للروم فتجد الناس لأجل ذلك يتحامون الانفراد في قراهم ويتجنبون إيواءهم وقراهم وهم من بقايا الشرذمة الضالة التي قام بها أبو يزيد مخلد بن كيداد في إفريقيا فإنّه لما أظفر الله به وأراح منه البلاد والعباد تفرّقت أتباعه في الأقطار فسكنت هذه الشرذمة بهذه المواضع وسكنت طائفة أخرى بجبال بجاية وقسنطينة وما ولاها إلى بونة ومالت طائفة أخرى إلى بلاد الجريد فاستوطنت نفطة ونغراوة وما والاها من البلاد. ↑
- (*) جرية: جزيرة تونسية في خليج قابس تبلغ مساحتها 514 كيلومتراً مربعاً، ونفوسها 65000 نسمة. قال ابن خلدون عنها: أهلها من البربر من كتامة… وكانوا قديماً على رأي الخوارج، وبقي فيها فريقان منهم: الوهبية والنكارة. ↑
- () المقصود بإفريقيا هنا: تونس. ↑
- () مؤسّس هذه الدولة هو محمد بن تومرت الهرغي، نسبة إلى قبيلة هرغة، قبيلة في أقصى المغرب تنسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). ويُقال إنّها نزلت بذلك المكان عند الفتح الإسلامي.وقد أورد ابن خلكان في وفيات الأعيان نسب ابن تومرت المتصل بالحسن (عليه السلام). وفي عهد عبد المؤمن بن علي توحّدت إفريقيا الشمالية كلّها، حيث قضى على سلطة النومنديين في تونس واستخلصها منهم سنة (555هـ ـ 1160م) وأخضع أمراء الطوائف المستبدّين وأصبح ملكه ينبسط من أقصى ليبيا إلى المحيط الأطلنطي فالأندلس. «راجع: الموحدون». ↑
- () هو أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجراوي الزناتي. ولد في العقد الثالث من القرن السادس وتوفي سنة 609هـ. ↑
- () هو كتاب في رثاء الحسين (عليه السلام). ↑
- () تبلغ مساحة أفغانستان 300,000 ميل مربع ومعظم أراضيها جبلية ما عدا أودية هراة وبلخ ومزار شريف وفراه وسيستان وقندهار ويبلغ مساحة مجموع هذه الأودية ربع مساحة أفغانستان. وتغطي المساحة الباقية منها سلسلة جبال هندوكش بما يبلغ ثلثي مساحة البلد وهي تمتدّ من شرق أفغانستان من المنطقة المشهورة بـ (پامير) حتّى الحدود الغربية منها (هراة). وآخر الحدود الغربية لهذه السلسلة تعرف بمنطقة (بادغيس) وهي منطقة زراعية غنية جميلة وفيها الغابات والمزارع والوديان الخلابة وكانت من أجمل المنتجعات في بلاد فارس القديمة وآسيا الوسطى، وفي غابات هذه المنطقة ينبت شجر الفستق. أمّا جبال هندوكوش فإنّ فيها مناطق جميلة خلاّبة تسحر اللب منها منطقة (طخارستان) القديمة التي تسمّى الآن بـ (تطعن) ومنها مدينتا طالقان واندرآب وهما لا زالتا عامرتين ومنها منطقة جبلية تسمّى بـ (غور) وتقع غرب كابل وتمتدّ إلى حدود شرق هراة وهي منطقة غنيّة بالمحاصيل الزراعية وتعيش فيها طائفة الـ (هزارة) وهي طائفة من أصول مغولية وتتكلم الفارسية وتتمذهب بالمذهب الشيعي وهم معروفون في إيران وأفغانستان بـ (البربر) ومن الطبيعي أنّ هذه الطائفة جاءت مع الحملة المغولية وسكنت المنطقة ولكن لا نعرف منذ متّى تكلّموا الفارسية أو صاروا شيعة. وقبل قرن من الزمن قام أحد حكّام أفغانستان عبد الرحمن خان بمذبحة عظيمة في هذه الطائفة وهرب منهم كثيرون وسكنوا شرق خراسان في منطقة جام وتايباد. ومن البربر طائفة سنة تسكن شرق خراسان وهم أحناف.كما تعيش في أفغانستان في منطقتي باميان وكتل جماعة تدين بالإسماعيلية ومقرّهم في قرية تسمّى بـ (كيان) وإمامهم آغاخان، كما تعيش من هؤلاء جماعة في منطقة غوربند وكذلك في بدخشان حيث تضم أكثر عدد منهم، والظاهر أنّهم من أحفاد من صاروا إسماعيلية على يد ناصر خسرو حيث يوجد قبره في بدخشان. وعاصمة ولاية بدخشان مدينة كانت حتّى عام 1102 تسمّى بـ (جوزگون) ثمّ تبدّل اسمها إلى مدينة (فيض آباد). كما توجد في باميان ودربند جماعة من العلويين. أمّا الجناح الشرقي لهذه السلسلة من الجبال فتنتهي بالحدود الباكستانية وهواؤها معتدل وتنمو فيها الفواكه والحمضيات. وأمّا منطقة (كافرستان) التي تسمّى اليوم بـ (نورستان) فتقع جنوب پامير. وفي شمالها تقع مدينة جلال آباد ولقمان، وقد أجبرهم الأمير عبد الرحمن خان على قبول الإسلام بعد أن كانوا وثنيين يعبدون الأصنام الخشبية وكلمة (كافر) ليس المقصود منها الذي يعبد الصنم بل إنّهم ينتسبون إلى قوم اسمه (كتور) و(كتير) ثمّ حرّفت إلى كلمة (كاپر) أوّلاً ثمّ إلى (كافر) وكانت هذه المنطقة مقسّمة بين الهند وأفغانستان وفي عام 1896م ألحقت بأفغانستان. وأهالي هذه المنطقة من أنقى الأعراق الآرية وهم جميلو الوجوه بيض الألوان ذو قامات رشيقة طويلة وتجاور منطقتهم ناحية چيترال وهي منطقة پاكستانية. أمّا العاصمة كابل فإنّها تحصرها جبال هندوكوش والمدينة تقع في واد بين الجبال ويحيط مدخل المدينة من الطرف الجنوبي سور ضخم من آثار الماضين ويضم شمال المدينة وجنوبها منتزهات جميلة وقصور تاريخية بناها الحكام والملوك الأقدمون، ففي شمال كابل تقع منطقة پغمان وهي منطقة اصطياف حيث ينتقل إليها أهالي كابل في الصيف وفيها قصور الأمراء وبساتينهم. ومن شرق المدينة تبدأ سلسلة أخرى من جبال هندوكوش ويمر بجانبها نهر كابل ثمّ يأتي بعده وادي (پنج شير) الشهير. وخلاصة القول إنّ أفغانستان بلد مليء بالمياه والأراضي الزراعية الخصبة التي تنتج المحاصيل والفواكه وأنواع الورود ولذا تسمّى أفغانستان بـ (بلد الفواكه والورود) وأكثر أنواع الفواكه في أفغانستان هو العنب فهناك عشرات الأنواع منه حيث يتوافر وجوده طيلة خمسة أشهر. ↑
- () كتب الشيخ مهذّب الدين أحمد بن عبد الرضا البصري العالم الشيعي مؤلفات كثيرة في الكلام والأصول والرجال والحديث والفقه. وألّف كتاب «عمدة الاعتماد في كيفية الاجتهاد» في سنة 1080هـ في كابل وألّف «التحفة النجفية» في قندهار. وأشار في مقدمة كتاب «عمدة الاعتماد» أنّه كتب هذا الكتاب بطلب من بعض أهالي كابل. ↑
- () دمر على أيدي طالبان أوائل العام 2001. ↑
- () إنّ زوار مزار شريف لا يقتصرون على سكان البلاد بل أنّ زواراً من ما وراء النهر وباكستان والهند يتوجّهون نحو هذه البقعة. وقد أشار إليها الشاعر الإيراني جامي قبل حوالى ستة قرون في قصيدة غراء.كما أنشد أبو المعاني عبد القادر بيدل بعض الأبيات يمدحها بها. وهناك مزارات أخرى كمزار سخى في كابل. مزار يحيى بن زيد في سرپل. مزار الإمام صاحب في قُندُز. مزار السيد جعفر المجرد في أوپيان (هوفيان) بروان. مزار السيد ناصر العلوي (ناصر خسرو) في يمگان بدخشان وأماكن أخرى.
إنّ المزارات القائمة باسم عبدالله بن جعفر الطيار وقاسم بن جعفر الصادق (عليه السلام) وعبد الواحب الحسني الشهيد في هراة لها عمارات فخمة تاريخية. ↑
- () ليس بين أيدينا من ذكر للأفغان كعنصر مستقل في كتب الأقدمين قبل (تاريخ يميني) للعتبي الذي ذكر أن سبكتكين جند الأفغان في جيشه، كما ذكر أنّ محمود الغزنوي في غزوه لطخارستان قاد جيشاً مؤلفاً من الهنود والخليج والأفغان والغزنويين، وكذلك ذكر في موضع آخر أنّ محموداً غزا الأفغان وأخضعهم. وأحداث محمود الغزنوي مع الأفغان وقعت العام (411هـ / 1020ـ1021م) والعام (414هـ / 1023ـ1024م).أما العتبي صاحب هذا التاريخ فقد كان بمثابة (سكرتير) لمحمود الغزنوي فهو العليم بدقائق أموره.
وعدا العتبي فإنّ مؤرخين اثنين آخرين كانا من أوائل من ذكر (الأفغان)، هما البيروني المتقارب عصره مع عصر العتبي، والبيهقي المتأخر عنه قليلاً. وقد قال البيروني في ذكرهم: (إنّ الجبال الغربية للهند تسكنها قبائل الأفغان المختلفة التي تمتد حتّى جوار وادي السند). ↑
- () عد التضعضع المعنوي الذي أصاب أميركا، فقد ألقى هذا الاعتداء المزدوج على مركز التجارة العالمية بعبء مالي يفوق التصوّر على عاتق نيويورك، يراوح بين 90 و105 بلايين دولار ويتوزّع على السنتين المقبلتين حسب تقديرات رسمية أوّلية.وفي حين سرت أرقام تقريبية منذ بضعة أيام في المدينة المدماة، نشر مكتب المحقق المالي ألن هيفيسي الخميس الماضي أوّل دراسة تفصيلية للكلفة الإجمالية المترتبة عن أضخم هجوم إرهابي في تاريخ الولايات المتحدة. وقال إنّ تدمير البرجين التوأمين وأشغال إزالة الركام والترميم وفقدان الوظائف ومختلف الأرباح الفائتة، يرفع الفاتورة إلى 90 بليون دولار كحد أدنى و105 بلايين دولار كحد أقصى تتوزّع على السنتين المقبلتين.
وجاء في تقرير هيفيسي الذي يشغل أيضاً منصب رئيس الخزانة في المدينة: «لا يمكننا أن نقدّر بالدورا الخسائر التي تكبّدها النيويوركيون من جرّاء هذه الهجمات الخبيثة (…) لكن إن أردنا الحصول على الموارد الضرورية لإعادة البناء، سيتحتم علينا أن نحاول تقدير كلفة الهجوم على اقتصادنا».
وأشار التقرير إلى أنّ التدمير المباشر للمباني والمعدات يمكن أن يقدّر بـ 34 بليون دولار في حين تقارب الأضرار الناجمة عن هذا التدمير مثل توقّف الأجور وبدلات الإيجار 60 بليون دولار.
وقدّرت دوائر المحقق المالي كلفة إعادة البناء بأقل من سبعة بلايين دولار بقليل، في حين لم يصدر حتّى الآن قرار بإعادة البناء ولم يعرف بعد المبنى الذي سيتم تشييده في موقع البرجين التوأمين.
وتقدّر كلفة ترميم أو إعادة بناء المباني المتضرّرة في جوار البرجين بـ 12 بليون دولار، وكلفة إصلاح خطوط المترو بعد انهيار عدد من الأنفاق بثلاثة بلايين وكلفة إصلاح خطوط الهاتف وشبكات الكومبيوتر ببليوني دولار.
وسبق وأنفق بليون دولار لأشغال إزالة الأنقاض ومن المتوقع إنفاق ستة بلايين خلال الأشهر التسعة أو الـ 12 المقبلة.
وسترتفع الكلفة الإجمالية لساعات العمل الإضافية لرجال الشرطة والإطفاء الذين ما زالوا يعملون على إزالة الركام إلى 3,6 بليون دولار، يوازيها المبلغ نفسه للمعدات التي سيستخدمونها ولإعادة بناء الطرقات العامة.
وتمثّل الجزء الأصعب من هذه الحسابات في تقدير خسائر «رأس المال البشري» أي الكلفة المترتبة عن مقتل 7000 شخص. وتمّ التوصل إلى رقم تقديري بعد تحديد عدد سنوات العمل التي كانت متبقية لهم والتي كانوا سيجنون خلالها معدل 100 ألف دولار سنوياً. وقدّر المبلغ الإجمالي بـ 11 بليون دولار. ↑
- () اسم لسلسلة من الأسر الملكية. ↑
- () أي التي باللغة البهلوية أو الفهلوية، وهي اللغة التي سادت في عهد الدولة الساسانية في العصر المتوسط بين العصر القديم والعصر الإسلامي في إيران. ↑
- () يشير بذلك إلى قوله تعالى: {فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله أنس من جانب الطّور ناراً} الآية. ↑
- () يشير إلى قوله عزّ وجل يخاطب عيسى (عليه السلام): {وإذا تخلق من الطين كهيئة الطّير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني}. ↑
- () نسبة إلى «ماني» النقاش الفارسي الشهير. ↑
- () هي الـ (التيليب)، وهي على شكل كأس ولونها أحمر، وأحياناً يكون أسفلها أحمر يضرب إلى السواد، وتزدان بها صحارى أفغانستان. ↑
- () بالفارسية «فاختة»، وهي في بعض المعاجم الحمامة المطوقة، وفي البعض القطاة. ↑
- () أكبر لقب ديني بين العلماء في أفغانستان. ↑
- () يأتي حديث آخر عن التشيّع في أفغانستان. ↑
- () كان هناك من أدرك حقيقة جمال الدين فاستغل ذلك للطعن فيه. وفي ذلك يقول الدكتور عثمان أمين في مقاله عن جمال الدين بمجلة العربي إنّ وريقات نشرت في القاهرة بعنوان: «تحذير الأمم من كلب العجم». وكذلك فإنّ أبو الهدى الصيادي كتب إلى صاحب مجلة المنار يصف جمال الدين بـ (المتأفغن) يقول فيما يقول عنه: «لقد ثبت في دوائر الدولة رسمياً أنّه مازندراني من أجلاف الشيعة»… ↑
- () هزارة جات، هو في الأصل مكان، ثمّ أصبح علماً على مسكن هزارة، وهم من الشيعة وقد قطنوها منذ قديم الأيام، ويعتقد أنّ كلمة «هزارة» محرفة من «هزالة» وأنّها اسم لعاصمة دولة: «أراكوزيا» القديمة.يقول المؤرخ الأفغاني الشهير عبد الحي حبيبي حول كلمة «هزالة» هزارة: شعب عريق في أفغانستان وهم موجودون فيها من قديم الأيام حتّى أنّهم واجهوا جيش الإسكندر المقدومي وقاوموه مقاومة عنيفة، إنّ كلمة «هزارة» مأخوذة من «هزالة» كما ضبطها بطليموس أو مأخوذة من كلمة «هوسالة» كما ضبطها هوانگ تسانگ. (مجلة: آريانا ـ العدد الخامس ـ لسنة 1341هـ ش ـ مقالة المؤرخ عبد الحي حبيبي). ويقول الأمير عبد الرحمن الذي حكم على أفغانستان من 1880م إلى 1901م في كتاب منسوب إليه يسمّى: تاج التواريخ يقول هو: إنّ الهزارة أكبر قبيلة في أفغانستان وقلب البلاد بأيديهم ويحتلون معظم أراضيها وهم سكان أفغانستان الأصليون القدماء وأشجع الناس وأنشطهم في الحروب ولم يستطع أحد من السلاطين إخضاعهم كالإسكندر المقدوني ونادر شاه إفشار وغيرهما. ↑
- () طبقات ناصري (ج1، ص29 و324) تأليف الجوزجاني الأفغاني. ↑
- () انظر كتاب روضات الجنات في أوصاف مدينة هراة (ص355 و556)، وكذلك لغت نامه دهخداذيل (غرر) و(غوريان). ↑
- () كتاب: طبقات ناصري (ج1، ص324). ↑
- () كتاب: گلزار قندهار/ طبع نجف/ تأليف شيخ حسن قندهاري. ↑
- () تأريخ سند معصومي (ص33ـ146). ↑
- () إقبالنا مه جهانگيري / طبع كلكته/ (25ـ27)، تأليف معتمد خان بخشى. ↑
- () مجلةك معارض إسلامي ـ نشرة منظمة الأوقاف الإيرانية ـ العدد (6) ـ تيرماه/ 1347هـ ش). ↑
- () منتخب التواريخ تأليف ملا هاشم الخراساني. ↑
- () وقائع السنين والأعوام (ص532). ↑
- () تذكرة الأبرار والأشراف (ص202) طبع الهند. ↑
- () مجالس المؤمنين (ج1، ص152). ↑
- () كتاب أفغانستان در ميسر تأريخ (ص469). ↑
- () بحر الفوائد قسمت عين الوقائع تأليف يوسف رياضي هروي. ↑
- () سراج التواريخ، ج2، الصفحة 367، تأليف فيض محمد كاتب الهزارة. ↑
- () أفغانستان في التاريخ، الصفحة 761. ↑
- () كانت مكافأة الظلاميين البرابرة (طالبان) الذين أعمى التعصّب عقولهم وقلوبهم وبصائرهم، كانت مكافأتهم للشيعة على جهادهم ومفاداتهم وتضحياتهم في مقاومة الماركسية أن أقاموا فيهم المذابح في باميان ومزار شريف وكابل، وكلّ مكان وصلوا إليه في أفغانستان. ↑
- () تلخيص من كتاب (تاريخ هزارة) الصفحة 230 إلى 238. ↑
- () المختص المنقول في تاريخ هزارة ـ تأليف الملا محمد أفضل أكارز كانئ ـ طبع سنة 1330 هـ ق. ↑
- () أفغانستان في التاريخ ـ تأليف غلام محمد ـ القسم الخاص بـ هزارة جات. ↑
- () بحر الفوائد. قسم عين الوقائع. ↑
- () لويه جركه بغمان ـ تأليف برهان الدين كشككي. ↑
- () تيمور شاه الدراني، ص5، تأليف عزيز الدين وكيلي فوفلزائي ـ طبع كابل. ↑
- () شريف خان بايليت من أهالي جاغوري وأحد الطيارين في أفغانستان. كان يعمل ضد النظام. سجن 12 عاماً وألّف كتاباً في السجن أسماه نمر السجن. كان شاعراً أيضاً. ↑
- () آقا بزرك الطهراني: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج2، ص265، بيروت، دار الأضواء. ↑
- (2) آقا بزرك الطهراني الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج4، ص80، بيروت، دار الأضواء ↑
- () انظر فهرست نسخة ثاني خطي كتاب خانه مرعشي ج2 ص121-122 . ↑
- () قد تتم جباية وتوزيع الضرائب المالية بمباشرة واشراف الحاكم الشرعي الأعلى عند وجود الحاكم الشرعي، كما قد يقوم المسلمون أنفسهم بتوزيع الحقوق المالية المفروضة عليهم على المستحقين مباشرة، مع احراز الاستحقاق، حال عدم وجود حكومة شرعية والنتيجة سواء. فالمهم توزيع هذا الفائض المالي على فئات الفقراء وعلى المرافق الاجتماعية، مهما يكن شكل ذلك. ↑
- () سورة الحشر، الآية: 7. ↑
- () سورة الأنفال، الآية: 60. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 41. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 81. ↑
- () وسائل الشيعة: 6/270. ↑
- () وسائل الشيعة 2: 6/57. ↑
- () سنن البيهقي: 4/182. ↑
- () تطلق الدولة على مجموعة من العناصر من أهمها العنصر البشري، وهو مجموعة من الناس الذين يسكنون قطراً من الأرض. وقد تطلق (الدولة) على هذه المجموعة البشرية فحسب في قبال )الحكومة) التي تطلق على الهيئة الحاكمة فحسب من المجتمع، وهذه التسمية جديدة اقتبسناها من «ح هارولد لاسكي» في كتابه «الحرية» وإن كان واقع هذا التقسيم قديماً في التشريع الإسلامي. ↑
- () راجع «مستمسك العروة الوثقى» 9/520. ↑
- () راجع «رياض المسائل» كتاب الجهاد. وتذكرة الفقهاء: كتاب الجهاد. ↑
- () وسائل الشيعة: إحياء الموات. ↑
- () وسائل الشيعة ـ ط1 ـ: 3/326. نعود فنؤكد بأنّنا نقصد من الدولة الإسلامية التي تتسلم زمام السلطة بصورة مشروعة. ↑
- () راجع «شرائع الإسلام»: الأنفال. ↑
- () راجع مستمسك العروة الوثقى: 9/524، 525 ط 2. ↑
- () راجع مستمسك العروة الوثقى 9/524 ـ 525 ط 2. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () نفس المصدر 9/525. ↑
- () وفيما لو كان العمل ضرورياً يدخل في حقل الواجبات الكفائية. ولا يكون الجزاء بعنوان الاجرة، وإنما يسترزق من بيت المال. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 60. ↑
- () راجع تفسير التبيان: 5/283. وتفسير الطبري: 10/159. ↑
- () العروة الوثقى: كتاب الزكاة. ↑
- () جواهر الكلام: كتاب الزكاة. ↑
- () جواهر الكلام: كتاب الزكاة. ↑
- () العروة الوثقى: كتاب الزكاة. ↑
- () جواهر الكلام: كتاب الزكاة: 77. ↑
- () جواهر الكلام: كتاب الزكاة: 77. ↑
- () جواهر الكلام: كتاب الزكاة: 91. ↑
- () جواهر الكلام: كتاب الزكاة: 91. ↑
- () سورة الأنفال: 41. ↑
- () وتسمّى كريت وقد أصاب اسمها تحريفات كثيرة، فسمّيت أيضاً: أكريت وجريت Girit، وجريد (ولهذا ينسب إليها فيقال بالتركية «الجريدلي»). ↑
- () يقول النعمان (ج2، ص412) هو أقرب القواد إلى إمبراطور الروم وأخصّهم به. ويقول فورنيل Fournel: La Conquête de L’Afrique par les Arabes, p.332 إنّ الروم حاصروا هذه الجزيرة بقيادة نقفور فوكاس، الذي حاصر حاضرتها «كاندي» أكثر من سبعة أشهر، ثمّ فتح الجزيرة كلّها. ↑
- () النعمان: المجالس والمسايرات، ج2، ص412. ↑
- () المصدر فنسه، ج2، ص421. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص423. ↑
- () النعمان: المجلس والمسايرات، ج2، ص414. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص416. ↑
- () الشرفنامه ص413. ↑
- () نزهة الجليس، ج1، ص132. ↑
- () تقرير الحدود، ص37 وما قبلها. ↑
- () رد إسماعيل علي الدوسكي على بعض من تحدّث عن اللغة الكردية قائلاً:«إنّ الكاتب لم يراع الاهتمام الكامل بالانقسام اللغوي الصحيح علاوة على أخطاء كتابية في بعض المصطلحات عند ترجمته للمصادر المعتمدة لمادته. زعم الكاتب أنّ الأكراد لا يتكلمون لغة واحدة، والحق أنّ اللغة الكردية هي لغة موحّدة، ولغة مستقلة قائمة بذاتها لها قواعدها ومفرداتها ولها تطوّراتها الخاصّة بها أيضاً. ويتكلم الشعب الكردي في كلّ أجزاء كردستان لغة واحدة والاختلاف كامن في اللهجات فقط. أمّا اللهجات الكردية التي ذكرها الكاتب (الكرمانسية ـ الصورانية ـ الظاظية ولهجات جنوب ايران)، لم يوفق في اختيار المصطلحات الصحيحة، والأصل هو: الكرمانجية والسورانية والزازائية. إضافة إلى عدم تنبهه إلى التقسيم اللغوي الأصوب. فاللغة الكردية تتكوّن من لهجات رئيسية على النحو الآتي:
1 ـ الكرمانجية الشمالية: يتكلم بها معظم الشعب الكردي وتنتشر بين أكراد تركيا، ما عدا منطقة ديرسم إذ تسود اللهجة الزازائية، وبين أكراد سورية والاتحاد السوڤياتي السابق وإقليم باديان في كردستان العراق والإقليم الممتد غربي بحيرة (أورمية) من مدينة (شنو) حتّى أقصى الشمال في كردستان إيران.
2 ـ الكرمانجية الجنوبية (السورانية): هي اللهجة الثانية من حيث الانتشار بين الأكراد. ويتكلم بها معظم أكراد العراق في أربيل والسليمانية وكركوك وخانقين، ما عدا إقليم بادينان في مدينة دهوك وعقرة وضواحيها حيث الكرمانجية الشمالية وإقليم (هاورامان) إذ تسود اللهجة الهاورامية وإقليم جنوبي (مندلي) حيث الأكراد الفيليين. أمّا أكراد إيران فليس صحيحاً كما رأى الكاتب بأنّهم يتكلمون السورانية سوى بعض المناطق منها منطقة (مهاباد).
3 ـ اللهجة اللورية: تتكوّن من الفيلية واللك والبختيارية وتعتبر من حيث انتشارها اللهجة الكردية الثالثة، ويتكلم بها الأكراد الفيليون في العراق الذين يقطنون في مناطق اللهجة السورانية.
4 ـ هناك لهجات كردية فرعية كالزازائية والهاورامية والكورانية. يتكلم الزازائية أكراد ديرسم في تركيا مهد الثورة الكردية التركية ويتكلم الهاورامية أكراد منطقة هاورامان في العراق، ويتكلم الكورانية أكراد كوران في العراق أيضاً. والأكراد جميعهم يفهمون بعضهم بعضاً على رغم اختلاف اللهجات، غير أنّ الصعوبة تكمن في فهم اللهجات الفرعية المذكورة خصوصاً (الهاورامية). أمّا الأبجدية الكردية فرأى الكاتب أنّ تركيا وحدها تكتب باللهجة اللاتينية ونسي أنّ أكراد سورية أيضاً يكتبون باللاتينية، فضلاً عن الأبجدية الروسية التي يستعملها أكراد دول الاتحاد السوڤياتي السابق ومنها روسيا. ↑
- (*) ممّا يذكر أنّ الطلاب وبعض السياسيين الأكراد في استنبول أصدروا في شهر حزيران سنة 1913 مجلة شهرية لم يصدر منها سوى أربعة أعداد. إذ أوقفت صدورها السلطات التركية. ↑
- () حيدر: الأكراد، من هم وإلى أين؟ ص10. ↑
- () خصباك: الأكراد، دراسةجغرافية أثنوغرافية، ص503. ↑
- () حيدر: الأكراد من هم وإلى أين؟ ص12. ↑
- () الدرّة: القضية الكردية، ص19. ↑
- () خصباك: الأكراد، دراسة جغرافية أثنوغرافية، ص504. ↑
- () المصدر نفسه، ص506. ↑
- () شيركوه: القضية الكردية: ماضي الكرد وحاضرهم، ص12. ↑
- () الغمراوي: قضية الأكراد في شمال العراق، ص28. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () بدر الدين: الأكراد شعباً وقضية، ص32. ↑
- () شيركوه: القضية الكردية، ماضي الكرد وحاضرهم، ص11ـ12. ↑
- () المصدر نفسه، ص14.مينورسكي: الأكراد ملاحظات وانطباعات، ص33. (والنص للأوّل). ↑
- () خصباك: الأكراد، دراسة جغرافية أثنوغرافية، ص510. ↑
- () الدرّة: القضية الكردية، ص20. ↑
- () حيدر: الأكراد، من هم والى أين؟ ص10. ↑
- () شيركوه: م.س، ص19. ↑
- () بدر الدين: الأكراد شعباً وقضية، ص33. ↑
- () أشيريان: الحركة الوطنية الديموقراطية في كردستان العراق (1961ـ1968م)، ص15. ↑
- () الدُّرَّة: القضية الكردية، ص229. ↑
- () المرجع نفسه، ويبدو أنّ الباحث الكردي (أشيريان) قد وقع في سهو حين اعتبر المساحة تقدّر بـ 22,3% حيث إنّ مساحة كردستان التي ذكرها (97,7) ألف كم2، لا تشكل تلك النسبة. انظر: أشيريان م.س، ص15. ↑
- () بدر الدين: الأكراد شعباً وقضية، ص72. ↑
- (* ) تباينت الآراء في أصل كلمة «فيلية» أو «فولية». وقد ورد ذكر «الفيلية» في مراجع تاريخية كثيرة منها كتاب John Malcolm المعنون: «The History of Persia from the Most Early Period to the Present Time» (تاريخ فارس من أقدم الأزمان حتّى الوقت الحاضر) المطبوع عام 1815، وكتاب (فراسنامه ي نصيري المطبوع في طهران عام 1313 هجري (1895م)، لمؤلفه حاجي ميرزا حسن حسيني، وفي كتاب تاريخ كمبردج لإيران في مجلده السابع وحيث يرد:«وفي خرم آباد يحكم والي لرستان الأصلية على الفيليين وعلى مجموعات متفرقة من اللر».
ويرى الباحث العراقي جرجيس فتح الله أنّ التسمية عربية ـ عراقية، وبعضهم يرجعها إلى كلمة «فلاة» أي الأرض المنبسطة. لكن هذه مجرد اجتهادات وتخمينات قابلة للنقد والتجريح. وإنّ مسألة أصل التسمية (فيلي وفيلية) مفتوحة لدراسات وتمحيصات جديدة. وهذا واجب المثقفين الفيليين قبل سواهم. ↑
- () انعقدت في لندن يوم 23 ابريل/نيسان 2000 ندوة واسعة وهامة تضامناً مع آلاف الفيليين الذين اختطفوا في 7 ابريل/نيسان 1980 صبية وشباباً من عوائلهم وحجزوا في معتقلات سرية إلى الآن، ولا يعرف مصير أكثرهم، ولعل بينهم من شملتهم حملات الإعدامات الجماعية «تنظيف السجون!».لقد اختطف هؤلاء الضحايا بعد تشريد وتهجير آبائهم وأمهاتهم وأخواتهم ونهب ممتلكاتهم، ووضعهم بكلّ وحشية على الحدود، حيث تفجرت الألغام بالمئات منهم.
وقد ألقى الشاعر زاهد محمد ثلاث قصائد متميزة في الاجتماع الذي حضره أفراد الجالية الفيلية في لندن والعشرات من الشخصيات السياسية العراقية البارزة أمثال محمود عثمان وفؤاد معصوم وحبيب محمد كريم وعبد الرزاق الصافي، وغيرهم.
وأرسل عزيز الحاج كلمة إلى الندوة تأمل معالجة تقصير كبير ساهم هو فيه فيما يخص الشأن الفيلي عامة، وقضية المحتجزين خاصّة، ودعت الكلمة إلى الاتجاه لكتابة تاريخ الفيلية وتسجيل فولكلورهم، وترجمة شخصياتهم عبر التاريخ، وإبراز دورهم في النضال الوطني لشعب العراق وفي صفوف الحركة التحررية الكردية.
وأصدر الاتحاد الوطني الكردستاني بياناً هاماً «بمناسبة الذكرى العشرين لتسفير (300) ألف كردي فيلي عراقي خارج الوطن» وورد في البيان:
«مرّت اليوم، 7 ابريل/نيسان 2000 الذكرى العشرون لأوسع وأبشع حملة تسفيرات لا إنسانية طاولت مئات الآلاف من الكرد الفيليين العراقيين، وهم الشريحة الكردية العراقية التي تركت بصماتها على مختلف أشكال ومواقع النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي العراقي منذ مئات السنين، وقبل تأسيس الدولة العراقية في العشرينات من القرن الماضي».
وفي 7 ابريل/ نيسان 1980 (عشية الحرب مع إيران) غدرت السلطات بمئة وخمسين تاجراً كردياً فيلياً، اقتيدوا من صالة اجتماعات غرفة تجارة بغداد إلى الحدود العراقية الإيرانية بعد مصادرة هوياتهم وأوراق الطابو العثمانية وجميع الوثائق والمستمسكات التي تثبت عراقيتهم. وفي الوقت نفسه شنت الأجهزة القمعية أوسع حملاتها في بغداد والبصرة والكوت والحي والعمارة وعلي الشرقي وعلي الغربي والمسيب وبدره ومندلي وزرباطية والصويرة وعشرات من المدن العراقية الأخرى حيث اختطفت العوائل الفيلية بعد مصادرة أموالها وممتلكاتها وشوهدت عشرات المئات من النسوة والفتيات محشورات في الشاحنات والأقفاص السيارة بثياب النوم وحافيات الأقدام والرجال والأولاد بالبيجامات، ودفعوا دفعاً إلى داخل الحدود الإيرانية عند بلدة (سومار) وغيرها عبر مسالك جبلية وعرة ووديان ومنحدرات لتفجير الألغام الإيرانية. وكانت قمة المأساة، انتزاع الشبان ما بين 15 و25 سنة وحجزهم في سجون ومعتقلات سرية ولا يزال مصير 7 آلاف منهم مجهولاً، فيما جرى إعدام 200 منهم. وشملت حملات الاعتقال والتسفيرات حتّى الذين كانوا يعملون في بعض الأقطار العربية حيث اعتقلوا ونقلوا إلى العراق بتنسيق مع أجهزة المخابرات في تلك الدول.
وينتهي بيان «الاتحاد الوطني الكردستاني» بالتأكيد على أنّه آن الأوان لكي تكون مظالم الكرد الفيليين جزءاً من ملفات منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وكلّ الجهات المعنية بحق المواطنة والعمل والامتلاك.
«فليكن عام 2000 الحل الفيصل لقضية الكرد الفيليين ـ العراقيين باعتبارها من قضايا الإنسان العادلة، وليعمل العراقيون جميعاً، والأخوة العرب والأصدقاء في العالم على إقامة الندوات والمسيرات والمهرجانات لتقحيق هذه المهمة الوطنية والإنسانية». ↑
- () ثمّ أدرك المرتضى وكذلك أخاه الناصر. ↑
- () لا يبلغ ما يقوله الكاتب حد اليقين «ح». ↑
- () إذا كان الشك عند الكاتب قد زال، فهو لم يستطع أن يزيله عند غيره، والأمر ـ كما قدمنا ـ لم يبلغ حد اليقين، بل لا يزال الشك شكا «ح». ↑
- () الشري هو لقب احترام يخاطب به الهندي ويقابل لقب السيد بالعربية. ↑
- () الأشرم: أي المعتزل الخاص بحكيم أو فيلسوف هندي. ↑
- () شجرة الأثاب أو شجرة البنيان هو شجر ضخم من أشجار جزر الهند الشرقية ويدعى أيضاً تبن البنغال. ↑
- () الفيدا Veday هي كتب الهندوس الدينية الأربعة. ↑
- () السنغام هو ملتقى النهرين الكنج وجمنا حيث يسيران معاً وجنباً إلى جنب ولكن بلونين مميزين فلا يختلطان. ↑
- () فترة غوبتا Gupta Period فترة من فترات التاريخ الهندي القديم. ↑
- () الإخوة باندافا Pandavas هم أشقاء خمسة، أبطال معركة مهبهارات أول معركة كبرى جرت على الأرض الهندية. ↑
- () الإخوة كورافا هم كناية عن مائة من الأشقاء كانوا على عداوة شديدة مع أبناء عمومتهم الإخوة باندافا. ↑
- () النواب nawab: هو لقب في الهند يقابل الوالي في التاريخ الإسلامي ثمّ أصبح لقب يطلق على الحكام الإقليميين المستقلين. ↑
- () عزا داري: مكان الاحتفالات التي تقام لذكرى استشهاد الحسين (عليه السلام). ↑
- () ذو الجناح اسم يطلق على الجواد الذي كان يمتطيه الحسين (عليه السلام) يوم استشهاده. وفي الاحتفالات السنوية بذكرى الحسين (عليه السلام)، يتقدّم الموكب جواد يرمز إلى جواد الحسين (عليه السلام) ويدعى الموكب: موكب ذي الجناح. ↑
- () إمام بارة: هي ما تعنيه (الحسينية) في البلاد الأخرى، وهو المكان الذي تقام فيه الاحتفالات بذكرى الحسين (عليه السلام) وغيرها من الاحتفالات الدينية. ↑
- () كان ذلك عندما أرسل لنا الكاتب مقاله و لا شك أنّ أكثرهم قد انتقل إلى رحمة الله. ↑
- () هذا ما كتبه لنا كاتب هذا البحث. وقد أبى أن يذكر نفسه، ولكنّنا استقصينا عنه المعلومات الآتية:هو كاتب باللغات الإنكليزية والأردوية والهندية، ومؤلف كتاب (مدن الهند المدهشة) وكتاب «حول العالم». وهو يكتب مقالات لعدد من الجرائد والمجلات التي تنشر باللغات الإنكليزية والأردوية والهندية. وهو الأمين العام لكلّ من:
- مكتبة الأمجدية.
- المركز الثقافي الأفرو ـ آسيوي.
- اتحاد شاهي الرياضي.
وهو عضو مؤسس في لجنة إدارة كلية «يدغري حسيني». كما أنّه عضو مؤسس في لجنة إدارة كلية رفيع أحمد قدوائي التخليدية للبنات. وهو أيضاً أمين الدعاية والإعلام لمؤتمر الشيعة الإقليمي، وهو عامل نشيط في الحقل الاجتماعي والديني يمتاز بالإخلاص والتفاني. وهو نصير مقدام لقضية عزا داري الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو أيضاً أمين مكتب الإعلام لمؤتمر الشيعة لعموم الهند الذي عقد هنا في العام 1950. ↑
- () كان العالم ثونمان Thunmann خلال القرن 18 أوّل من أطلق النظرية الأولى حول استمرارية الألبانيين في مناطقهم الحالية، وبالتحديد حول انحدار الألبانيين من الأليريين الذين كانوا يسكنون هذه المناطق في العصر القديم. وقد أيّد هذه النظرية لاحقاً عدد كبير من العلماء البارزين كـ ميير Meyer، وبدرسن Pedersen، ويوكل Jokl، وهامب Hamp إلخ. وفي نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 ظهرت نظرية أخرى تقول بانتقال الألبانيين من قلب البلقان، من مكان ما يتوسط التراقيين والرومانيين، إلى المناطق الحالية التي يسكنونها، على امتداد البحر الأدرياتيكي، وذلك بالاستناد إلى نوع من التقارب بين الألبانية والتراقية القديمة والرومانية الحالية. ↑
- () مع أنّ يوغسلافيا السابقة، حيث يعيش اليوم نصف الألبانيين تقريباً، بقيت هي الساحة الكبيرة التي تتعارض فيها النظرية الأولى والثانية حول أصل الألبانيين، فإنّ الطبعة الجديدة من «موسوعة يوغسلافيا» قد حسمت الأمر بالقول إنّ «الأبحاث اللغوية والأثنولوجية والأركيولوجية وغيرها قد أصبحت تقود نحو الأصل الأليري للغة الألبانية»:Albanci, Enciklopedija Jugoslavije, II izdanje, Zagreb 1984, s. 1. ↑
- () كتاب «الجغرافيا» كما ورد في:ILirët dhe Lliria te Autorët Antikë, Prishtinë 1979, f. 268. ↑
- () B. Dragojevic-Josifvoska, Ziva Antika XXI-2, Skopje 1971, s. 513-522. ↑
- () تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الكاتبة أنا كومنينا تستعمل أيضاً تسمية «أربانون» Arbanun للدلالة على وطن الألبانيين وتعيّن بشكل تقريبي حدود هذا الوطن ما بين مدينة دورس Dureës ونهر درين Drin، أي على وجه التقريب في المجال الذي حدّده بطليموس لعشيرة الألبانيين الأليرية:Historia e Popullit Shqiptrë I, Prshtinë 1969, f. 159. ↑
- () إنّ هذا الإيحاء يبدو قائماً حتّى القرن 18. وهكذا نجد مثلاً أنّ كنية البابا الألباني الأصل كلمنت الحادي عشر «ألبانو» Albano تترجم حرفياً إلى «الأبيض»:Rexhep, Ismaili, Emri I Shqiptarëve, Jala, Prishtinë 15.X. 1985, f.3. ↑
- () مع ترسخ هذه التسميات، وخاصة مع بروز «إمارة آربريا» في نهاية القرن 12 وخلال القرن 13، أصبح اسم الألبانيين يتردّد كثيراً في المصادر الأوروبية المختلفة، نظراً لتمحور الكثير من الأحداث في مناطقهم. ↑
- () حول هذا السنجق وأهميته انظر:H. Inalcik, Hicri 835 tarihli suret-i defter-i Sancak-i Arnavud, Ankara 1954. ↑
- () أصبح الألبانيون فيما بعد يتوزعون على أربع ولايات عثمانية في البلقان: ولاية شكودرا، وولاية كوسوفا، وولاية مناستير، وولاية بانينا، ممّا كان يغذي مشاعر السخط ويدفع الحركة القومية للمطالبة بتوحيد هذه الولايات الأربع في ولاية واحدة (أرناود لك) تتمتع بحكم ذاتي. للتوسع حول هذا، انظر:15 أنتوني سوريال عبد السيد، الرابطة القومية الألبانية (1878ـ1881)، القاهرة 1986. ↑
- () Rexhep Ismaili, Gjuba e Kuvendit të Arbrit, Prishtinë 1986. ↑
- () لقد تركت هذه التسمية انطباعاً خاصاً لدى الشاعر الإنكليزي جورج بايرون. فخلال تجواله في غرب البلقان كان يحرص على أن يسأل السكان عن قوميتهم، فكان لا يسمع إلاّ «مسلم» أو «مسيحي»، بينما كان لا يسمع في المناطق الألبانية إلاّ «شتشيبتار»: No-li, Vepra 2, Tiranë 1987, F. 78. ↑
- () وبعبارة أخرى أنّ هذا ينفي الرأي الذي شاع فترة من الزمن عن ارتباط هذه التسمية Shqiponë (النسر) وبالتالي اعتبار «شتشيبريا» بلاد النسور. ↑
- () تجدر الإشارة هنا إلى أنّ المؤلف كان متصرف جبل لبنان في تلك المدة (1883ـ1892)، وكان كتابه هذا قد صدر أولاً بالفرنسية في باريس سنة 1879. ↑
- () حول هذه الهجرة إلى المشرق هناك تفصيلات في اللغة العربية: د. محمد موفاكو، الألبانيون في سوريا ودورهم في الحياة السورية، المؤتمر الدولي الثاني لتاريخ بلاد الشام، ج1، دمشق، 1978. ↑
- () أحمد بن زيني دحلان، الفتوحات الإسلامية بعد مضي الفتوحات النبوية، ج2، القاهرة د.ت، ص130. ↑
- () لقد كان المؤرخ العزاوي ممّن ذكروا ورفضوا هذه الرواية جملة وتفصيلاً: عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين، ج4، بغداد 1949، ص48ـ49. ويمكن أن نضيف هنا أنّ ترويج هذه الرواية في بداية القرن 20 كان له هدف سياسي، ألا و هو دعم تطلعات الملك فؤاد لمركز الخليفة بعد إلغاء الخلافة في تركيا الكمالية سنة 1924. ↑
- () Dr. Muhamed Mufaku, Prania Shqiptarëve në Botën Arabe’ Gjatë Shek. XVIII-XIX dhe në Fillim të Shek. XX, Diser. i Doktorates, F. Filozofik, Prishtinë 1986. ↑
- () لا بد أن نضيف أنّ هذا الطبق من الحلوى لم يعد يقتصر على هذه المناسبة بل أصبح يقدم في البيوت الألبانية في بقية أيام السنة. كما أنّه لم يعد يقتصر على البكتاشيين بل أصبح يقدم أيضاً لدى السنيين من الألبانيين. ↑
- () يُقال إنّ الاسم محرّف عن اللفظ العربي «عار أن نعود» فتحوّلت العين إلى همزة والهمزة والثانية سقطت والعين الثانية كذلك، وليس في اللغة التركية دال بل تاء فأصبحت الكلمة «أرنؤوت» ثمّ نطقها المصريون أرنؤوط. ↑
- () ممّا يذكر أنّ (أبو مسلم) هذا اغتيل بعد ذلك سنة (488هـ ـ 1095م) بيد فدائي إسماعيلي. ↑
- () كان هذا الداعي من أنشط الدعاة وهو الذي عمل على نشر الإسماعيلية في الطالقان والري وغيرهما. ↑
- () ظلّت تكريت في حكم الإسماعيليين حتّى تولّى السلطة في إيران السلطان محمد تپر السلجوقي أخو بركيارق الذي عمل على إيقاف المد الإسماعيلي النزاري. وفي سنة (500هـ ـ 1106م) أرسل جيشاً إلى مدينة تكريت، ورغم أنّ القوات السلجوقية حاصرت المدينة عدّة أشهر فإنّها فشلت في الاستيلاء عليها. ولكن (كيقباد) حاكم تكريت النزاري خشي أن يعاود السلاجقة الحصار بقوى أقوى فتقع تكريت في أيديهم فسلمها إلى الملك العربي الشيعي سيف الدولة صدقة المزيدي (479ـ501هـ / 1086ـ1108م) أمير الدولة المزيدية التي كانت عاصمتها مدينة الحلة في العراق. ↑
- () الدولة الخوارزمية والمغول لحافظ حمدي ـ ص248. ↑
- () جامع التواريخ. ↑
- () ص413ـ414. ↑
- () جامع التواريخ. ↑
- () جامع التواريخ. ↑
- () ص 246. ↑
- () كورة بخراسان. ↑
- () مدينة بخراسان. ↑
- () شهد علاء الدين الجويني مع هولاكو فتح قلاع الإسماعيلية وعني بوصف ما جرى هناك وصفاً تاريخياً ممتعاً في كتابه الذي ألفه بالفارسية وسمّاه «جهان كشا» قائلاً: كنت أعرف بأنّ هناك خزانة كتب ثمينة طبقت شهرتها الآفاق وقلت يحسن انتهاز الفرصة للاطلاع على هذه الخزانة فوافق هولاكو فوراً وزرت الخزانة وانتقيت أنفس ما فيها من المصاحف والكتب وأخرجتها كما «يخرج الحي من الميت» وحملت محتوياتها من آلات الرصد كذات الكرسي وذات الحلق إلى أنواع من الأسطرلابات التامة والمنصفة وذات الشعاع. وأمّا الكتب المجردة في عقائد الإسماعيلية ودعوتهم فذهبت طعمة للنيران.ثمّ أشار إلى ما اشتملت عليه الخزانة من الذهب وهي مقادير لا تحصى. هذا ومن النفائس التي ظفر بها علاء الدين الجويني في الخزانة كتاب في تاريخ الجيل والديلم ألف باسم فخر الدولة البويهي واستفاد الجويني منه، ونقل نبذة عنه في تاريخ تلك الأصقاع «الشبيبي». ↑
- () يقول المستشرق روندلسن: «ثمّ اقترح الطوسي في مراغة على هولاكو: أنّ القائد المنتصر يجب أن لا يقنع بالتخريب فقط، فأدرك المغولي المغزى وخوله بناء مرصد عظيم على تل شمالي مراغة، وتمّ هذا العمل في 12 سنة. وجمع خلال ذلك الزيج الذي أتمّه بعد وفاة هولاكو وهو الزيج الإيلخاني. وقد أظهر خطأ أربعين دقيقة في موضع الشمس في أوّل السنة على حساب الأزياج السابقة، وجمع مكتبة عظيمة ضمّ إليها ما نهب من الكتب في بغداد». ↑
- () أوّل مرصد هو مرصد (أبرخسن) في اليونان أنشئ قبل الميلاد، وبعده بحوالي ثلاثة قرون أنشئ مرصد بطليموس في الإسكندرية. أمّا في الإسلام فإنّ أوّل مرصد أنشئ كان مرصد الخليفة المأمون في بغداد. وفي أواخر القرن الثالث أنشئ مرصد محمد جابر البستاني في الشام، وأنشئ في مصر المرصد الحاكمي وأنشئ في بغداد مرصد آخر. ↑
- () قال ابن الفوطي في كتابه (مجمع الآداب): اتفق الحكماء الخمسة على رصد مراغة في أيام السلطان الأعظم هولاكو سنة 657 ورئيسهم نصير الدين الطوسي، وهم فخر الدين الخلاطي وفخر الدين محمد بن عبد الملك المراغي ومؤيد الدين العرضي ونجم الدين القزويني، وهؤلاء هم الذين اختارهم نصير الدين وأنفذ السلطان في طلبهم. ↑
- () يقول الدكتور عبد العظيم أنيس المعاصر: إنّ نصير الدين الطوسي كان واحداً من أعظم من أنجبتهم الحضارة العربية. ↑
- () أشرنا بعض الإشارة إلى هذا الموضوع فيما تقدّم. وهنا تفصيل لذلك الإجمال. ↑
- () قال الدكتور عبد المجيد أبو الفتح بدوي في كتابه: (التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي) ص324:رشيد الدين الهمذاني يذكر أنّه أثناء حصار بغداد قدم على هولاكو وفد من مدينة الحلة والتمسوا أن يعين لهم شحنة فأرسل في أثرهم بعض جنده ليختبروا صدقهم ويقفوا على مدى إخلاصهم فأحسنوا استقبالهم وأقاموا الأفراح ابتهاجاً بهم (جمع التواريخ) (ج1، م2، ث 295ـ296).
ويناقش الدكتور عبد المجيد هذا القول قائلاً:
إنّ ما ذكره رشيد الدين لا ينهض دليلاً على خيانة القوم بقدر ما يعكس لنا مشاعر الخوف التي سيطرت على عامة الناس: سنّيهم وشيعيهم على حد سواء.
إنّ الخيانة ـ في ظنّي ـ لا تتحقق إلاّ إذا وجدت القيادة الواعية المخلصة التي تجند الجميع في جهد منظم لدرء خطر يتهددهم. أمّا في حالة الضياع وانعدام القيادة وترك الناس يواجهون مصيرهم فإنّ مقاييس الأمانة والخيانة تصبح مقاييس حساسة يجب أن تستعمل بدقة وحذر بالغين في الحكم على الناس الذين من حقهم في هذه الحالة أن يجتهدوا لدرء الخطر عن أنفسهم. ولقد كانت بغداد تعيش حالة الضياع هذه وهي تواجه أشرس عدو عرفته البشرية في تاريخها الطويل. ↑
- () إنّ نجاة المدرسة المستنصرية وسلامة الأوقاف كان بمساعي الطوسي الذي استطاع إقناع هولاكو بأنّ يعهد إليه بأمور الأوقاف، كما أشرنا من قبل. ↑
- () الدكتور مفيد آل ياسين. ↑
- () الحوادث الجامعة ص333، وجامع التواريخ، ج2، قسم1، ص595. ↑
- () ارتفع عدد سكان دولة الإمارات في نهاية عام 1993 إلى 2,083 مليون نسمة، ويبلغ عدد الذكور منهم 1,250 مليون نسمة والإناث 833 ألف نسمة.وذكرت وزارة التخطيط في بيان إحصائي أصدرته أمس عن تقديرات السكان في الإمارات أنّ عدد السكان ارتفع بمقدار 72 ألف نسمة عن عام 1992 و234 ألف نسمة عن عام 1991.
وبلغ عدد سكان إمارة أبو ظبي عام 1993 نحو 871,1 ألف نسمة منهم 537,8 ألف نسمة من الذكور، 333,3 ألف نسمة من الإناث.
كما بلغ عدد سكان إمارة دبي 548,3 ألف نسمة منهم 337,7 األف نسمة من الذكور و210,5 ألف نسمة من الإناث. وبلغ عدد سكان إمارة الشارقة 342 ألف نسمة منهم 196,7 ألف نسمة من الذكور و145,3 ألف نسمة من الإناث، وبلغ عدد سكان إمارة رأس الخيمة 141,1 ألف نسمة منهم 78,2 ألف نسمة من الذكور و63,9 ألف نسمة من الإناث.
كما بلغ عدد سكان إمارة عجمان 82,2 ألف نسمة وإمارة الفجيرة 68 ألف نسمة وإمارة أم القيوين 29,5 ألف نسمة. ↑
- () أعلنت بعثة أثرية بريطانية أنّها عثرت في إحدى جزر الإمارات على آثار موقع مأهول يعود إلى سبعة آلاف عام على الأقل.وقالت البعثة في بيان إنّ «الفريق تعرّف في جزيرة دلما على آثار أقدم موقع مأهول يتم اكتشافه في الإمارات».
وأضاف البيان أنّ البعثة الأثرية عثرت أيضاً على آثار مدينة إسلامية في جزيرة بني ياس. وكان أعضاء البعثة البريطانية بدؤوا أعمالهم عام 1992 بطلب من رئيس دولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وتقع جزيرتا دلما وبني ياس على بُعد حوالي 200 كيلومتر مقابل شواطئ أبو ظبي. وإضافة إلى المشاريع الزراعية في الجزيرتين، تأسّست محمية طبيعية تضم أكثر من 35 ألف حيوان وطائر في بني ياس. ↑
- () هو إسماعيل بن القاسم. ولد في مَنازِ جرد من منطقة ديار بكر سنة 288 «901» فنشأ فيها ورحل منها إلى العراق لطلب العلم. «والقالي» نسبة إلى قالي قَلا من أعمال أرمينية بين طرابزون ومنازجرد. ونقل ياقوت عن سبب انتسابه إليها لا إلى منازجرد أنّ أبا علي قال: «لما دخلت بغداد انتسبت إلى قالي قلا رجاء أن انتفع بذلك لأنّها ثغر من ثغور المسلمين لا يزال بها المرابطون».انتقل سنة 303 «915» إلى الموصل فسمع فيها الحديث ثمّ سار إلى بغداد سنة 305 وكانت عامرة بالعلماء فأخذ عنهم النحو والعربية والأدب والحديث ومال بطبعه إلى اللغة وعلوم الأدب فاتقن ذلك حتّى قال فيه الضبّي في «بغية المتلمس»: «كان إماماً في علم اللغة متقدّماً فيها متقناً لها فاستفاد الناس منه وعولّوا عليه».
أقام في بغداد 25 سنة اشتهر فيها أمره، ولكن لم يكن يرى أنّه قد نال في بغداد كلّ ما ينبغي، لذلك انتقل إلى الأندلس في عهد عبد الرحمن الناصر، وقيل إنّه كان مدعواً منه فدخل قرطبة سنة 330 «942م» فاحتفل به الناصر وأكرم مثواه وعهد إليه بتعليم ولي عهده «الحكم». واستوطن أبو علي قرطبة حتّى وفاته سنة 356 «967م».
وكما عني به عبد الرحمن الناصر عني به كذلك بعده خليفته الحكم. وانصرف في قرطبة إلى التأليف والإفادة وعكف عليه العلماء والأدباء يأخذون عنه ويرجعون إليه وعرف بينهم بالبغدادي لقدومه من بغداد وقد ترك الكثير من المؤلفات وأشهرها كتاب «الأمالي» المعروف بأمالي أبي علي القالي. قال ابن حزم يقارن بينه وبين كتاب «الكامل» للمبرد: «لئن كان كتاب أبي العباس أكثر نحواً وخبراً فإن كتاب أبي علي أكثر لغة وشعراً». وقال القالي نفسه عن كتابه: «أودعته فنوناً من الأخبار وضروباً من الأشعار وأنواعاً من الأمثال وغرائب من اللغات». وقد طبع في جزأين وأضيف إليهما جزء ثالث باسم «ذيل الأمالي والنوادر للقالي». ومن كتبه التي وصلت إلينا كتاب «الأمثال» وقسم من كتاب «البارع» في اللغة. وله غير ذلك ممّا لم يصل إلينا. ↑
- () صدرت عن مركز تحقيق التراث التابع لدار الكتب والوثائق القومية المصرية طبعة ثانية من كتاب «التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه» لأبي عبدالله بن عبد العزيز البكري، تضمنت فهارس بأسماء الأعلام والقبائل والأماكن وقوافي الأبيات وغير ذلك، قام بوضعها وترتيبها محمد عبد الجواد الأصمعي، وكانت دار الكتب المصرية طبعت هذا الكتاب ونشرته للمرّة الأولى في 1926، وصدرته بمقدمة كتبها الأب أنطون صالحاتي اليسوعي.ويشير الأب أنطون في تلك المقدمة إلى أنّ كتاب «التنبيه» هو إصلاح ما أتاه أبو علي القالي من الأغلاط والأوهام في كتاب «الأمالي»، معتبراً أنّ ذلك لا يحط من علوم مرتبة أبي علي ولا يضع من سعة علمه وحفظه للآداب العربية. ويضيف أنّه لا يعرف من كتاب «التنبيه» للبكري إلاّ هذه النسخة التي كتبت سنة 1263م (على أنّ مؤلفها توفي سنة 1094م) كما يتضح في السطر الأخير من كتاب: «آخر كتاب التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه». ويوضح أنّ النسخة الخطية لكتاب «التنبيه» كانت مملوكة لـ «جناب الأديب جرجس بك صفا»، وانتقلت بالبيع إلى «سعادة العالم الأديب أحمد باشا تيمور» الذي سمح بنشرها «في مطبعتنا رغبة في خدم العلم وإفادة الأدباء». ↑