لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد السادس والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
الأندلس
مضى الحديث عنها مفصلاً في مكانه، ويضاف الكلام الآتي إلى ما هنالك:
تشير التقديرات إلى أنّ 80 في المئة من زيت الزيتون الذي يستهلكه العالم العربي مصدره إسبانيا. ويعود الزيتون بجذوره إلى منطقة الشرق الأوسط التي عرفته قبل خمسة آلاف عام. ويصف الكاتب الروائي لورانس دوريل الزيتون بأنّه ليس له مثيل في الطبيعة، إذ أسهمت هذه الشجرة المباركة في ربط حضارات غابرة كان لها صداها حتّى وقتنا الحاضر.
وعلى رغم أنّ قدماء الإغريق والرومان كانوا على علم بخصائص هذه الثمرة الفريدة، وارتباط الزيتون الوثيق حالياً ببلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، إلاّ أنّ الحقيقة تفيد بأنّ منشأ شجرة الزيتون الأصلي هو منطقة الشرق الأوسط، وذلك قبل أكثر من خمسة آلاف عام.
وعلى رغم انتقال الزيتون في بادئ الأمر إلى إسبانيا عبر الفينيقيين، إلاّ أنّ هذه الشجرة لم تتأصّل هناك إلاّ في القرن الثامن الميلادي، مع وصول العرب إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. ففي العام 711 للميلاد انطلق طارق ابن زياد بجيوشه فاتحاً الأندلس مروراً بجبل طارق المتنازع عليه والذي عرف في ما بعد باسمه. ومنذ ذلك الوقت نشأت زراعة الزيتون في إسبانيا وتطوّرت إلى الشكل الذي نعرفه اليوم، إذ لا تزال بلاد الأندلس إلى يومنا الحاضر تحتل مركز الصدارة في العالم في إنتاج الزيتون.
ولم يكتف المقاتلون العرب بنقل الدين الإسلامي إلى تلك البلاد، بل نقلوا أيضاً حضارتهم المزدهرة آنذاك في علوم الطب والرياضيات والفلسفة والفلك وغيرها من العلوم الإنسانية. وعبر عشرة قرون تقريباً، تفاعلت الثقافة العربية مع الثقافات المحلية على رغم مغادرة آخر العرب إسبانيا سنة 1492م حيث تركوا إرثاً حضارياً لا يزال يعيش في وجدان إسبانيا المعاصرة.
وكثير ممّا يعتبر اليوم نتاجاً إسبانيا وما هو في الحقيقة إلاّ أمتداد لإرث عربي طويل يتجلّى في شتى الميادين كفن العمارة والشعر والموسيقى، بل وحتّى المزاج واللغة أيضاً. فالمسمّى الإسباني للزيت «إسيتا» مأخوذ من الكلمة العربية «الزيت» والتي تعني عصير الزيتون.
أمّا مدينة طليطلة، المعقل الرئيسي للعرب في شمال الأندلس على امتداد أربعمائة عام، فكانت ولا تزال تتكلم العربية والإسبانية في جو من التسامح، وحتّى بعد سقوطها سنة 1085 على يد ملك ليون وقشتالة
ألفونس السادس.
ولعلّ أبرز مثال على ذلك كان في القرن الثالث عشر حيث ازدهرت مدارس الترجمة وتضافرت جهود المسيحيين والمسلمين واليهود لترجمة المخطوطات العربية إلى اللغة اللاتينية. ومن بين تلك التحف المترجمة سلسلة من الشروحات كتبها ابن رشد المعروف باللاتينية «افيروس» عن الفيلسوف أرسطو بين عامي 1126ـ1198. فمن الإغريقية إلى العربية ومن ثمّ إلى اللاتينية توافد الطلاب من أوروبا لدراسة أرسطو وفلسفته. ولهذا فإنّ لابن رشد وزملائه الأثر المباشر في ازدهار الحضارة الأوروبية التي عرفت في ما بعد بعصر النهضة.
وتعتبر مدينة طليطلة رسمياً منطقة أثرية وطنية حيث رقمت مساجدها على نحو متقن وحيث لا يزال الصناع والحرفيون المهرة يبدعون في حرفهم. ولا تزال مشغولات طليطلة الذهبية ذائعة الصيت وكذلك صاغتها المهرة يمارسون إبداعاتهم في ميدان فن الزخرفة العربية. وما الزخرفة الدمشقية مثلاً إلاّ دليلاً حياً على هذا التفاعل بين فن العمارة الإسلامي والقوطي.
أمّا مدينتا قرطبة وإشبيلية، فإنّهما تحتضنان الكثير من المواقع العربية الشهيرة مثل مسجد قرطبة الكبير يعتبر هذا المسجد بحق تحفة فنية ومثالاً على فن العمارة الإسلامية. أمّا كنوز إشبيلية، فإنّها تضم إحدى المنارات الثلاث التاريخية التي بناها السلطان يعقوب (المنارتان الأخريان موجودتان في الرباط ومراكش).
ويحتل زيت الزيتون الإسباني اليوم مكانة مهمة في إعداد معظم الأطباق العربية وكان من أولى السلع التي وجدت لها طريقاً إلى أسواق المنطقة العربية قبل 1200 عام تقريباً([1]).
ولا يمكن أن تكتمل أطباق المقبلات الشهيرة في المائدة العربية من دون زيت الزيتون. ومن الصعب أن نجد طاهياً عربياً يستطيع الاستغناء عن زيت الزيتون لدى تحضيره مثلاً طبق «المجدرة» أو «المسخن». إلاّ أنّ زيت الزيتون لا يمثّل مادة غذائية فحسب، بل إنّ شجرته وغصونها أصبحت تمثّل رمزاً للسلام. فإكليل الغار والزيتون استخدمت تقليدياً كرمز للنصر والمجد. واعتبر الإغريق القدماء شجرة الزيتون رمزاً للنصر والشرف واستخدم ورقها للدلالة على النصر والحكمة والسلام ولا سيّما في أولى دورات الألعاب الأولمبية.
ويعود منشأ شجرة الزيتون إلى آسيا الصغرى، أو تلك المنطقة التي تقع بين البحر الأسود والبحر المتوسط وبحر إيجه، حيث كانت سورية أوّل من صدّر زيت الزيتون إلى إسبانيا واليونان.
وتتحدّث الأساطير الإغريقية القديمة أنّ «أثينا» آلهة الحكمة والفنون، فازت بحق تسمية مدينة أثينا باسمها عقب منافسة حامية مع إله البحر. وكانت المنافسة تنص على أنّ الإله الذي يستطيع أن يقدّم أثمن هدية إلى المواطنين يحق له تسمية المدينة باسمه، وقد قدّم إله البحر الملح، بينما قدّمت أثينا شجرة الزيتون واستحقّت الجائزة.
وعام 354 قبل الميلاد، اهتمّ الفيلسوف أرسطو بزراعة الزيتون وارتقى بها إلى حد اعتبر زراعة الزيتون وإنتاجه علماً قائماً بحد ذاته. أمّا الشاعر الإغريقي هوميروس فأطلق على زيت الزيتون اسم «السائل الذهبي». وعام 425 قبل الميلاد وصف الطبيب أبقراط الذي يعدّ أحد رموز الطب الحديث، زيت الزيتون على أنّه مادة علاجية عظيمة.
وتنتج إسبانيا، التي حباها الله بشمس وافرة وتربة خصبة ومناخ معتدل طوال العام، ثُلث الإنتاج العالمي من الزيت، إذ يبلغ معدل إنتاجها السنوي من هذه المادة الغذائية 800 ألف طن.
ويبلغ عدد أشجار الزيتون في إسبانيا 250 مليون شجرة تنتشر على مساحة مليوني هكتار من الأراضي الزراعية، وتشكّل هذه المساحة 25 في المئة من الأراضي المخصصة لزراعة الزيتون في العالم، إلاّ أنّ الأندلس العربية تعدّ المنتج الأكبر لزيت الزيتون في إسبانيا. وتواترت المعرفة والتراث المرتبطان بزراعة الزيتون من جبل إلى جبل حتّى أصبح الزيتون اليوم يشكّل أهم رموز الإرث الإسباني. ولعل الفضل في وصول هذا المزيج من الحضارات عبر زراعة الزيتون يعود إلى العرب المغاربة الذين اختصروا كلّ ذلك من خلال الأندلس التي أثرت على جميع أوجه الحضارة الإسبانية الحديثة، إلاّ أنّ ذلك السائل الذهبي الذي نعرفه اليوم بزيت الزيتون الإسباني، ما هو في الحقيقة إلاّ الإرث الأندلسي الحقيقي الذي تفتخر به إسبانيا اليوم.
البداء، والفلسفة التفاؤلية!
ثمة بُعد أساسي تنطوي عليه عقيدة البداء، يجعلها ـ حقاً ـ وكما تراءت للشيعة، أفضل ما يمكن التعبّد به، والمبدأ الذي يطيب لهم الإعلان عنه والاحتجاج به. ومع ذلك، ظلّت تمثّل عنصر إحراج للشيعة من قبل خصومهم، الذين غالباً ما كانت تعكس اتهاماتهم وتصريحاتهم ـ بهذا الخصوص ـ فهما سيِّئاً بالمضمون الغني، ذي الأبعاد الدينية والعرفانية للبداء. لم يكن ذلك يصدر عن ألدّ الخصوم، كالأشاعرة وأهل الحديث مثلاً، بل من قبل بعض المعتزلة الذين جاروا الفرق الأخرى في هذا التشنيع، إلى حدّ إكفار الشيعة، كما دلّت عليه رسالة ابن بحر الجاحظ «فضيلة المعتزلة»، حيث يتبين من خلالها، وأيضاً من خلال ردود أبي الحسين الخياط عن ابن الراوندي، أنّ فهماً ما سطحياً كان هو السائد بين خصومهم. نقرأ في كتاب الانتصار كلاماً للخياط كالتالي:
«وأمّا ملّة قول الرافضة، فهو أنّ الله عزّ وجلّ ذو قدّ وصورة وحدّ يتحرّك ويسكن ويدنو ويبعد ويخفّ ويثقل، وأنّ علمه محدث وأنّه كان غير عالم فعلم وأنّ جميعهم يقول بالبداء وهو أنّ الله يخبر أنّه يفعل الأمر ثمّ يبدو له فلا يفعله»([2]).
«كما أنّ القول بالجسم والبداء وحدوث العلم ضلال وكفر»([3]).
«وهو غير شبيه بخطأ الرافضة في قولها بالتشبيه وحدوث العلم وأنّ الله تعالى قد كان غير عالم فعلم وأنّه يبدو له البدوات…» ([4]).
هذا الفهم السائد، تمّ توظيفه بنوع من الانزياح، ضدّ النوايا الشيعية، مثلما وظّف مفهوم التقية، في دحض السلوك الشيعي «الماكر»، وليس كقيمة إجرائية ذات صلة بالأوضاع السياسية المعاشة. ينقل الشهرستاني كلاماً عن سليمان بن جرير، الذي إليه، تنسب فرقة السليمانية، يقول: «إنّ أئمة الرافضة قد وضعوا مقالتين لشيعتهم؛ لا يظهر أحد قط عليهم: إحداهما: القول بالبداء؛ فإذا أظهروا قولاً: أنّه سيكون لهم قوّة وشوكة وظهوراً… ثمّ لا يكون الأمر على ما أظهروه… قالوا: بدا الله تعالى في ذلك. والثاني: التقية؛ فكلّ ما أرادوا تكلموا به؛ فإذا قيل لهم في ذلك، إنّه ليس بحق؛ وظهر لهم البطلان قالوا: إنّما قلنا: تقية، وفعلناه: تقية»([5]). أمّا الشهرستاني، فهو يصنّف البداء إلى جانب القول بالتشبيه والتناسخ والرجعة. ولكنّها تندرج في دائرة البدعة: «وبدع الغلاة محصورة في أربع: التشبيه، والبداء، والرجعة والتناسخ»([6]).
هذا دون أن نغفل ما كانت تمثّله هذه العقيدة في مجالات التطاحن والتغالب الكلامي، الذي جرى بين مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية؛ فقد كان البداء يمثّل أبعاداً كثيرة، بعضها ذا صلة مباشرة بعقيدة العدل الإلهي؛ لما كان من مقتضى هذه العقيدة عدم إكراه الخالق عباده على قدر واحد… فقد شاع في الكثير من الأخبار، أنّ أحوال الإنسان تتغيّر بحسب ما يأتيه من أعمال، بما في ذلك أحواله التكوينية، كالحياة والموت، الصحة والسقم… الغنى والفقر… كما يتعلق من جهة ثانية بإرادة الخالق المطلقة والنافذة وتدبيره الدائم لأحوال الخلائق. فالشيعة يروون أحاديث لا تختلف عمّا ترويه المذاهب الأخرى، في تعزيزها لهذا الرأي… كقول الصادق([7]): «إنّ الدعاء يرد القضاء، وإنّ المؤمن ليذنب فيحرم بذنبه الرزق». وقول الإمام الرضا([8]): «يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيره الله ثلاثين سنة ويفعل الله ما يشاء» أو مثل قول الإمام الباقر([9]): «صلة الأرحام تزكي الأعمال، وتنمّي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسّر الحساب، وتنسئ في الأجل».
وغير بعيد عن هذا ما ترويه المدونات السنية، كالخبر الذي أورده الحاكم عن ثوبان، قال: قال رسول الله([10]): «لا يردّ القدر إلاّ الدعاء. ولا يزيد في العمر إلاّ البرّ. وإنّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» أو ما رواه السيوطي([11]). عن علي بن أبي طالب أنّه سأل رسول الله عن هذه الآية: «يمحو الله ما يشاء»، فقال: «لأقرن عينك بتفسيرها. ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف، يحول الشقاء سعادة ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء».
ولعل هنا ما يسند هذا الاعتقاد من نصوص القرآن الكريم نفسه، الذي جمع الكثير من الآيات الدالة من قريب أو بعيد، على تبدّل أحوال العبادة بالتغيير الذي يحدث في أفعالهم، فنقرأ على سبيل المثال قوله تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146)} [سورة الصافات، الآيات: 143ـ146].
وقوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [سورة الطلاق، الآيات: 2و3].
وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [سورة الأنفال: الآية: 53].
وقوله أيضاً: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)} [سورة الأنبياء، الآيتان: 83 و84].
وقوله تعالى أيضاً: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [سورة النحل، الآية: 112].
يقول السيد شبّر: «فنفوا (عليهم السلام) كلّ ذلك وأثبتوا أنّه تعالى (كلّ يوم هو في شأن) من إعدام شيء وإحداث آخر وإماتة شخص وإحياء آخر إلى غير ذلك، لأن لا يترك العباد التضرّع إلى الله ومسألته وطاعته والتقرّب إليه بما يصلح أمور دنياهم وعقباهم، وليرجوا عند التصدّق على الفقراء وصلة الأرحام وبر الوالدين والمعروف والإحسان ما وعدوا عليها من طول العمر وزيادة الرزق وغير ذلك»([12]).
أمّا من جهة أخرى، فيتعلق ـ البداء ـ بلطفه ورحمته، وسوف نتعرّف على هذه الصلة بين البداء واللطف في كلامنا عن الأثر التربوي للنبوءة، هذه الأخيرة، مع أنّها لا تمثّل آلة في التمكين للطاعة بحسب اصطلاح الحكماء، فإنّها تقرّب العبد من أسباب الطاعة وتبعده عن المعصية. أمّا من حيث علاقته بالرحمة، فها هنا ـ تحديداً يختلف الشيعة عن المعتزلة في اعتقادهم بجواز حق المولى عدم معاقبة المذنب والتجاوز عنه ورفع العقاب عن المسيء، حسب مشيئته المطلقة. وهو ما يجعلهم يخالفون المعتزلة في مسألة الوعيد ـ بالذات ـ وإن كانوا على وفاق معهم بخصوص مسألة «الوعد»! لعلنا نكتشف من خلال هذا الاهتمام الزائد بالبداء، الذي، وإن وُجد من التعاليم المتوفرة في مظان مختلف المذاهب، ما يدعمه ويجعله عقيدة مستساغة في الوجدان المسلم، فإنّه لم يشهد هذا الاهتمام الفائق الذي حظي به عند الشيعة إلى درجة تأصيله ضمن رؤيا نسقية، تندرج في صميم تعاليمهم. من ثمة، نقدر على القول، إنّ هناك حيثيات أخرى، كانت دعت الشيعة إلى هذا الإصرار الشديد، وهو ما رامه العلاّمة المجلسي، لمّا رأى في ذلك ردّاً على اليهود والنَظَّام من المعتزلة، اللذين تقاربت نظرتهما التفويضية الغالية والنافية لتدبير الخالق شؤون مخلوقاته. إنّنا ـ بالتالي ـ نلحظ في هذا الاتجاه، نوعاً من النزوع الأفلاطوني، الرائي أنّ الخالق أبدع الكون، ثمّ استقال! لقد ذهب اليهود إلى أنّ الله قد فرغ من تدبير الكون، وهو بعد أن خلقه أراد له ظهره. وهم بناء على ذلك، سلبوه الإرادة بعد أن أنهى قضاءه وقدره. وقد تعرّض القرآن لتلك العقيدة اليهودية، داحضاً إياها، وكاشفاً عن فسادها، انطلاقاً من قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا} [سورة المائدة، الآية: 64].
وربما كانت تسللت تلك العقيدة إلى المسلمين، أو لعلّ شيوعها يرجع إلى ذلك النشاط الفكري الذي نهض به بعض أعيان اليهود، فكان من الضروري، التصدّي لمثل هذه العقائد ذات المضمون الجبري، والمنافي لإرادة الخالق. وقد فسّر الإمام الصادق، هذه الآية بقوله([13]): «إنّ اليهود قالوا: قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص. فقال الله تعالى تكذيباً لقولهم: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64].
ولهذا السبب، رفض اليهود القول بالنسخ مطلقاً؛ و«قالوا فلا يكون بعده «شريعة» أصلاً، لأنّ النسخ في الأوامر «بداء» ولا يجوز البداء على الله تعالى»([14]).
وقد ذهب بعض المعتزلة، وخاصّة النظامية، إلى أنّ الخلق تمّ دفعة واحدة، ولا يعني ما يحدث فيها من تقدّم أنّها متفاوتة في الصدور، بل إنّ ذلك مجرد ترتبها في الأزمان. فهي في حقيقتها تظهر بعد كمونها وليست تصدر ابتداءً! وهو ما يعرف بنظرية الكمون والبروز، التي استعارها من الفلاسفة الطبيعيين. يقول الشهرستاني:
«من مذهبه [أي النظام] أنّ الله تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن: معادن، ونباتاً، وحيواناً، وإنساناً؛ ولم يتقدّم خلق آدم (عليه السلام) خلق أولاده؛ غير أنّ الله تعالى «أكمن» بعضها في بعض؛ فالتقدم والتأخّر إنّما يقع في ظهورها من مكامنها، دون حدوثها ووجودها. وإنّما أخذ هذه المقالة من أصحاب «الكمون» و«الظهور» من «الفلاسفة». وأكثر ميله ـ أبداً ـ إلى تقرير مذاهب الطبيعيين منهم دون الإلهيين»([15]).
ومع أنّنا نستبعد أن يكون النظام من القائلين بذلك على النحو الذي شاع بين مختلف الفرق المعادية والخصوم، فإنّنا نرى أنّها من العقائد والأفكار التي لقيت رواجاً وظهر لها حديث في دنيا المتكلمين([16]).
وعلى أساس البداء ـ وبصورة جذرية ـ يتعذّر القبول بنظرية الفيض، وإسناد الخلق والإيجاد للعقل الأوّل. فذلك من جهة ما، يؤدّي إلى مضمون الفكرة اليهودية القائلة بفراغ الخالق من تدبير الكون، مع أنّنا نميِّز بين النظريتين، من حيث إنّ الأولى، تعتبر الخلق من فعل الخالق، لكنّه تمّ على النحو الذي لا يجوز بعده أي نقصان أو زيادة في الخليقة، بينما أصحاب الفيض، عزوا ذلك إلى العقل الأوّل، تنزيهاً للخالق، ابتداءً! لكن من حيث النتيجة، تنتهي إلى نوع من الإنكار لعملية الخلق والتدبير المباشرين والدائمين!.
من هنا رأى الشيعة في البداء، غير ما رآه خصومهم؛ أنّه أفضل ما عبد به الخالق، وحسب قول الإمام الصادق([17]): «ما عظم الله بمثل البداء». وللأئمة الشيعة كلام كثير من هذا القبيل، يرقى بالبداء إلى قمة الاعتبار الديني، فقد جاء إلى أقوال الأئمة([18]): «لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر، ما فتروا عن الكلام فيه». وقولهم([19]): «ما بعث الله نبيّاً حتّى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار بالعبودية، وخلع الأنداد، وأنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء».
ونستطيع إدراك ذلك المغزى العميق من خلال النتائج المترتبة على هذا الاعتقاد؛ فالبداء في نهاية المطاف، يؤدّي إلى ترسيخ عدد من المفاهيم، بالغة الأهمية، مثل التوحيد والعدل والإرادة… كما نستطيع القول، إنّ البداء صلة ما ـ وثيقة ـ بفلسفة الأمل والانتظارية والتفاؤلية التي يطفح بها الفكر الشيعي عموماً. من هنا يسهل علينا إدراك الأسباب الحقيقية وراء تلك الثروة الهائلة من القيم التربوية والمعنوية التي يصطبغ بها العقل الشيعي، وذلك التراث الروحي الذي يتلخص في رصيد «دُعائي» يمثّل أروع تجربة مونولوجية وعرفانية في التراث الإسلامي. وهذا التضخم الحاصل في الطقس الدعائي عند الشيعة، راجع إلى هذا الموقف الاعتقادي، وإلى تلك الروح التفاؤلية والانتظارية، التي تتطلع في حالاتها العرفانية إلى استعطاف كلّ الأقدار الممكنة، التي تتيحها عقيدة البداء. لقد كانت «الصحيفة السجادية» ـ وهي كتاب جامع لكلّ الأدعية المأثورة عن الإمام الرابع: علي بن الحسين السجاد ـ وثيقة تعكس قيماً تربوية وروحية، كما تعكس أزمة مرحلة، وجيل كامل، على شتى المناحي، الاجتماعية والسياسية. لقد اختار هذا الإمام أسلوباً فريداً وفعّالاً، في عرض قضيته ـ وقضية آبائه ـ؛ أسلوب الاستعطاف وإثارة الوجدان الروحي، في المجتمع الأموي، حيث طغيان القيم المادية وتدهور الوازع الديني؛ فقد كانت هذه الصحيفة بحق «زبوراً» لكلّ الشيعة، وكان الإمام السجاد، قديس هذه المرحلة من المواجهة بين العلويين والكيان الأموي، قدّم دوراً مهماً، لعلّه كان رافداً معنوياً لسلسلة من الحركات العنيفة التي قامت على أساس ردّ الاعتبار لقضية الحسين وبنيه، خصوصاً حركة سليمان الخزاعي التي أطلقت على نفسها عنواناً يلائم الأجواء التي أوجدها الإمام السجاد، ألا وهي حركة «التوابين». فالدعاء الذي ظلّ أحد أهم الشعائر التعبدية لدى عموم المسلمين، كان قد شهد قمة تألّقه داخل الوجدان الشيعي؛ ليس ذلك فقط على الصعيد الفردي، بل أصبح يمثّل تجربة جماعية، كما تعكسها تلك الممارسة الشعائرية، التي عادة ما تحيى في المناسبات الخاصّة، حيث يفضلون ممارستها داخل أجواء جماعية حاشدة. إنّ دعاء كميل بن زياد، الذي اعتاد الشيعة قراءته كلّ ليلة جُمُعَة، يمثّل، بما يضفيه من أجواء خاصّة، مصحوبة ببكائية عجيبة، رافداً يضخّ على الوجدان الشيعي جوّاً من الروحانية الطافحة بشكل دائم. فلأنّ كان هذا يدل على شيء، فإنّما على أنّ الدعاء هو الشعيرة الوحيدة التي يتصل الفرد من خلالها بالخالق ـ المدبّر الحكيم ـ مستجدياً إرادته النافذة لتغيير أحواله، حينما يعجز عن ذلك بالتماس طريق السنن الكونية. الدعاء هو نوع من التجاوز للنظام الكوني أو التخفيف من وطأة قوانينه الصارمة، وأسلوب في التعلّق المباشر والملحاح بالمشيئة. من هنا شاع في الخبر، أنّ الدعاء يردّ القدر. على أنّ الدعاء رغبة لا تتقيّد بموضوع، فهو نوع من الاستجداء الميتافيزيقي الذي يتجه صوب تغيير الأحوال التكوينية، الخاضعة لناموس كوني عام… هكذا نفهم كيف جعل الأئمة الشيعة البداء أفضل العبادات، لاقترانه بهذه الممارسة التي تفنّنوا فيها إلى الحدّ الذي اعتبروا فيه من أهل الأسرار. يورد الكليني كلاماً آخر عن حمان بن سدير، عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر: أي العبادة أفضل؟ فقال: ما من شيء أفضل عند الله عزّ وجلّ من أن يُسأل ويطلب ممّا عنده، وما أحد أبغض إلى الله عزّ وجلّ ممّن يستكبر عن عبادته ولا يسأل ما عنده»([20]).
ويورد حديثاً آخر، يكشف عن حقيقة العلاقة الوثيقة بين الدعاء ومفهوم البداء، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال لي: يا ميسر ادع ولا تقل: إنّ الأمر قد فرغ منه، إنّ عند الله عزّ وجلّ منزلة لا تنال إلاّ بمسألة، ولو أنّ عبداً سدَّ فاه ولم يسأل لم يعط شيئاً، فسل تعط، يا ميسر، إنّه ليس من باب يقرع إلاّ يوشك أن يُفتح لصاحبه»([21]).
وفي رواية أخرى عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ادعُ ولا تقل قد فرُغ من الأمر، فإنّ الدعاء هو العبادة إنّ الله عزّ وجلّ يقول([22]): «إنّ الذين….
قال زرارة([23]): إنّما يعني لا يمنعك إيمانك بالقضاء والقدر أن تبالغ بالدعاء وتجتهد فيه…
أمّا بخصوص ردّ الدعاء للقضاء والقدر ونقضه لهما، فقد وردت أخبار عن أئمتهم تؤكّد على ذلك وهي على وفرتها، نذكر منها هذه العيّنات، كما أوردها الكليني، عن حماد بن عثمان قال: سمعته يقول: إنّ الدعاء يردّ القضاء ينقضه كما ينقض السلك وقد أُبرم إبراماً»([24]).
وعن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: «إنّ الدعاء يردّ ما قدّر وما لم يُقدّر، قلت وما قد قُدِّر عرفته فما لم يقدِّر؟ قال: حتّى لا يكون»([25]).
وعن أبي ولاّد قال: قال أبو الحسن موسى (عليه السلام): عليكم بالدعاء فإنّ الدعاء لله والطلب إلى الله يردُّ البلاء، وقد قدِّر وقضي ولم يبق إلاّ إمضاؤه، فإذا دعي الله عزّ وجلّ وسئل صُرف البلاء صرفة»([26]).
هكذا ومن الطبيعي أن تفقد هذه الممارسة خاصيتها عند المعتزلة، نظراً لتنافي فلسفة الدعاء مع صميم نظرتهم للإرادة، ومفهوم العلية الصارم وعقيدة التفويض، أي، بالتالي، منافاتها للبداء! هذا، دون إغفال الجوانب الفعّالة والإيجابية لهذه الممارسة الدّعائية التي تعكس مضموناً تربوياً ينطوي على نزعة روحانية كما يحمل في ثناياه، نزوعاً دنيوياً، حيوياً. لعلّنا هنا نستطيع القول، إنّ الأجواء التي عاشها المسلمون خلال الحكم الأموي، كان لها أيضاً دور فعّال في تقوية الاعتقاد، عند التيارات المعارضة، بكلّ ما من شأنه زحزحة عقيدة الجبر الأموية. فقد حاول المعتزلة في زمن مبكر، أن يقضوا على هذه العقيدة بواسطة القول بالتفويض والاختيار. وأيّاً كانت القيمة المعيارية لهذه العقيدة، فقد كانت تعكس جدلاً سياسياً انعكس بصورة، أكثر حدّة، على الصراعات الكلامية. إنّ عقيدة البداء، بالتالي، تقدّم مخرجاً جذريّاً لهذه الأزمة، ونسفاً حقيقياً لمفهوم الجبر. فلأن تمكّن الأمويون أن يوظفوا سلطانهم في تجنيد عدد هائل من الرواة، لاختلاق أخبار تعزّز الإيمان بعقيدة الجبر، بل، وأكثر من ذلك، تعتبر السلطان سيف الله الذي يبطش به، فإنّ البداء يمنح الإنسان مزيداً من الفرص لتغيير هذا القدر وتبديل أحوال المحيط بتعديل أحوال النفس. هكذا، ومن خلال البداء، يتجه التغيير من النفس إلى الواقع، ويصبح الإنسان في نهاية المطاف، مسؤولاً عمّا يجري عليه من أقدار، ومتمكناً من تغييرها، أو حسب التعبير القرآني: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [سورة الرعد، الآية: 11].
فالبداء إذن، ينطوي على مغزى اجتماعي وبراغماتي ـ أيضاً ـ يجعل منه ـ رغم كلّ التحفظات ـ فكرة ثورية، أكثر ممّا هي مجرد عقيدة تعبدية أو إشكالية كلامية! وقد ترتب على هذا الاعتقاد، إشكالية أخرى، تتعلق بالنبوءة والإخبار بالغيب، تلك الظاهرة التي تمثّل جانباً أساسياً وفعّالاً في الأديان عموماً والإسلام خصوصاً، وعلى الوجه الأخص عند الشيعة الذين تمثّل حالة الانتظارية ـ أيّاً كان مضمونها الروحي والعملي ـ عنصراً مهماً في عقيدتها، حيث اكتظت مظانها بكمٍّ هائل من الأخبار عن أحوال المستقبل وما سيواجهه العالم من حوادث ومتغيرات محتومة. لقد أرجع البعض، ذلك التأخّر في تحقّق بعض النبوءات، إلى مفهوم البداء. فهل البداء إذن ـ يعارض حقيقة النبوة؟ إنّ ذلك، بالتأكيد، لو صحّ، فمعناه تهافت في الخبر ونسبة الكذب إلى النبي أو الإمام ـ المعصومين في عقيدة الإمامية ـ؟! لكنّنا حينما نبحث في طبيعة البداء وحقيقة النبوءة ووظيفتها في التعاليم الدينية بشكل عام، يتبيّن أن ليس ثمة أي أثر لتناقض أو تضارب في المفاهيم. إنّ البداء ليس له أي علاقة بعلم الله الشامل ولا بإرادته النافذة وإنّما هو ما يعتقد به جميع الفرق الإسلامية من تغيير في الأقدار المشترطة، وليس ثمة غير خلاف لفظي متحكم في حقيقة ذلك الصراع. يقدّم الشيخ الطوسي شرحاً مسهباً في كتاب العدّة، يقول: «البداء حقيقة في اللغة هو الظهور، ولذلك يقال «بدا لنا سور المدينة» و«بدا لنا وجه الرأي». وقال الله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ} [القمر: 33]، {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} [الزمر: 48]. ويراد بذلك كلّه «ظهر». وقد يستعمل ذلك في العلم بالشيء بعد أن لم يكن حاصلاً وكذلك في الظن. وأمّا إذا أضيفت هذه اللفظة إلى الله تعالى فمنه ما يجوز إطلاقه عليه ومنه ما لا يجوز. فأمّا ما يجوز من ذلك فهو ما أفاد النسخ بعينه ويكون إطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسّع. وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين (عليهم السلام) من الأخبار المتضمنة لإضافة البداء إلى الله تعالى، دون ما لا يجوز عليه: من حصول العلم بعد أن لم يكن. ويكون وجه إطلاق ذلك على الله تعالى، التشبيه وهو أنّه إذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين ما لم يكن ظاهراً له ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلاً لهم أطلق على ذلك لفظ البداء»([27]).
أمّا الشيخ المفيد، فلا يرى في البداء الذي تعبدت به الشيعة أي خروج عن منطق المنقول، لذا فالخلاف لفظي ليس إلاّ… «أقول: في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله: من الإفقار بعد الإغناء والإمراض بعد الإعفاء والإماتة بعد الإحياء، وما يذهب إليه أهل العدل خاصّة من الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال، فأمّا إطلاق لفظ البداء فإنّما صرت إليه بالسمع الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله عزّ وجلّ، ولو لم يرد به سمع أعلم صحته ما استجزت إطلاقه كما أنّه لو لم يرد عليّ سمع بأنّ الله تعالى يغضب ويرضى ويحبّ ويعجب لما أطلقت ذلك عليه سبحانه، ولكنّه لما جاء السمع به صرت إليه على المعاني التي لا تأباها العقول، وليس بيني وبين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف، وإنّما خالف من خالفهم في اللفظ دون ما سواه، وقد أوضحت من علتي في إطلاقه بما يقصر معه الكلام، وهذا مذهب الشيعة بأسرها، وكلّ من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من الاسم دون المعنى ولا يرضاه»([28]).
وينقل السيد شبّر رأياً للداماد، يربط فيه بين البداء والنسخ حاصله أنّ البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع. فما في الأمر التشريعي والأحكام التكليفية نسخ فهو في الأمر التكويني والمكونات الزمانية بداء. فالنسخ كأنّه بداء تشريعي، والبداء كأنّه نسخ تكويني. وكما حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي وانقطاع استمراره لا رفعه وارتفاعه عن وعاء الواقع فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ إثبات الاستمرار التكويني وانتهاء اتصال الإفاضة ومرجعه إلى تحديد زمان الكون وتخصيص وقت الإفاضة لا أنّه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه وبطلانه في حد حصوله»([29]).
ولست أدري على أي وجه نسب السيد شبّر هذا الرأي إلى الداماد، وقد شاع الاستدلال به من قبل أعلام من المتكلمين الشيعة من قبل. بل إنّنا نجدها ـ مع الشهرستاني ـ تعود إلى المختارية؛ نسبة إلى المختار الثقفي، الذي كان يقول بالبداء: «فمن مذهب المختار: أنّه يجوز «البداء» على الله تعالى […] وكان لا يفرق بين النسخ، والبداء؛ قال: إذا جاز النسخ في الأحكام جاز البداء في الأخبار»([30]).
وقد استدل ابن الراوندي بذلك على اتهامات الجاحظ: «فأمّا البداء فإنّ حذّاق الشيعة يذهبون إلى ما يذهب إليه المعتزلة في النسخ، فالخلاف بينهم وبين هؤلاء في الاسم دون المسمى»([31]). من هنا، يمكننا اعتبار البداء تغييراً يلاحظ شروطاً تتعلق في عمومها بفعل المكلَّف. هكذا يفقد الوعد والوعيد كلّ قيمة ثابتة مع تغيّر أحوال المكلفين. وعليه، فإنّ النبوءة في التصوّر الإسلامي، ذات مضمون تربوي ـ قبل كلّ شيء ـ، تتغيّى إصلاح أحوال المكلف وتوجّهه إلى تبديل شروط سلوكه. يظهر ذلك جليّاً من خلال ما جاء في المنقول الديني. فقد وردت عدّة نماذج في الكتاب والسنة تخبر عن أحوال المستقبل أو توعد بمصير محتوم سيصيب القوم، غير أنّنا لا نجد تحقّقاً فعلياً لتلك النبوءات، حتّى أنّ القرآن يحدّثنا عن حالات، ويخبرنا أيضاً عن عدم تحقق ما أوعدوا به من مصائر محتومة. فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [سورة الأعراف، الآية 142].
من هنا يظهر المضمون التربوي من عدم تحقّق بعض النبوءات. لأنّ الهدف من هذه الأخيرة، لم يكن هو تحققها، بل هو المساهمة في تقريب المصير المحتم للسلوك البشري في كليشهات حيّة، تزيد من قيمتها التوجيهية، كما تفيد في تيسير الطاعة، ممّا يجعل من البداء، أيضاً، قيمة وثيقة الصلة باللطف! فالنبوءة في الإسلام وفي إطار عقيدة البداء الشيعية، لا تلتقي بالتصوّر الأوديبي، حيث يكون «تحقق» النبوءة، هدفاً، لآلهة عابثة وانتقامية، تتنكر وتعمل المستحيل لتحقيق رغبتها من خلال نبوءاتها ـ أو ما ترى فيه دليل سطوتها ـ مهما حاول الضحية، المستضعف أمام مكر التاريخ (بالمفهوم الهيغلي)، تفادي وقوعها، لأنّ الغرض، كما سبق وذكرنا، انتقامي، وليس تأديبي! وهو ما يخالف التصوّر الإسلامي للألوهة وموقف الشيعة من العدل.
وللنبوءة وظيفة تاريخية، تساهم في إحداث التغيير، وتتحوّل بذاتها إلى علّة لتبديل مجرى التاريخ. إنّها ذات مغزى تربوي، وليس مجرد إخبار. ونستطيع أن نفهم هذا المغزى العميق لمفهوم النبوءة في إطار عقيدة البداء بتقريب ما يسمّيه كارل بوبر بـ «الأثر الأوديبي» في بحث مسألة الاتجاه، ونقد النبوءة في المضمار الاجتماعي»([32]). النبوءة في الإسلام لها وظيفة القصة ذاتها، فهذه الأخيرة كانت تستعرض ضمن أحداث حيّة، يقدّمها القرآن على شكل تصوير شيق لمشاهد حيّة، يهدف من خلالها إلى اعتبار؛ فالعبرة، هي ـ إذن ـ عنصر أساسي في السرد القصصي في القرآن. العبرة بما تعنيه العبور، أي اجتياز أحداث القصة إلى مضمونها التربوي الذي تتيحه للمكلف. فتصبح القصة ذات مضمون عملي توجيهي براغماتي، بخلاف ما ورد في المجاميع المقدسة، الأخرى([33]). والنبوءة هي استعراض لأحداث ومشاهد مستقبلية. وهي حكاية عن واقع مستقبلي ينتظره الفرد أو المجتمع، مثلما أنّ القصة واقع ماضوي تجاوزه الفرد أو المجتمع. وهي مشاهد واقعية لأنّها معلولة لشروط ما، تاريخية واجتماعية وروحية. وهي حينما تستعرض، تقوم بدور القصة ذاتها في القرآن، أي دور العبرة، التي تتجه إلى عمل المكلَّف، وليس إلى مجرد الإخبار أو حتّى الإعجاز كما ذهب النّظام المعتزلي. بهذا تصبح عقيدة البداء ذات أثر إيجابي على أفعال المكلَّفين، أي أنّها تتركهم أمام مسؤولياتهم وتجعلهم معنيين بتغيير أحوالهم ومن ثمة، مصائرهم وأقدارهم. كما توجد تلك الصلة الحميمة بين المخلوق والخالق؛ صلة العدل الراشح بالرحمة واللطف. فبالبداء تتعزّز عقيدة التوحيد والعدل واللطف والعمل الصالح، وهي قوام العبادة الفاضلة. من هنا تيسر فهم مؤدّى كلام الأئمة: «ما عبد الله بشيء أفضل من البداء»! كما أنّ هذا الأخير، هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن في ضوئها الجمع بين القول بالاختيار والقول بالإرادة والتدبير الدائم للخالق. أي نتيجة طبيعية لمفهوم «لا جبر ولا تفويض» لذلك كان البداء هو الفسحة التي تتراءى فيها بوضوح تام، عقيدة الشيعة في الإرادات ونفي التفويض، والمغزى الحقيقي للوسطية ـ الأمر بين الأمرين.
إدريس هاني
البحر الأبيض المتوسط
مرّ الحديث عنه في مكانه. وكنت قد قمت برحلة صيف سنة 1949 إلى أوروبا عبرت فيها هذا البحر فوصفت ما شاهدت فيه وصفاً رأيت أن أضيفه إلى الحديث عنه، كما أنّ الرحلة أوحت لي بقصيدة عن هذا البحر ألحقتها بالوصف النثري:
أقبلنا في بيروت على الباخرة مساء وصعدنا مدارجها في زحام صاخب، ووقفنا نترقّب ساعة السير مرسلين الطرف إلى جموع المودعين، وقد أخذوا ينحدرون من الباخرة ويتجمعون على الأرصفة أنواعاً مختلفة من الناس، فيهم الباكي وفيهم الضاحك، يدفع كلاً منهم إلى البكاء أو إلى الضحك ما دفع مسافريهم إلى السفر، فهؤلاء المتحلقون هنا وهناك نساء ورجالاً وأطفالاً وقد انخرطوا جميعاً في بكاء ممض إنّما يودعون أعزاء ضاقت بهم سبل الحياة هنا في أرض الوطن، فنفروا مهاجرين إلى إفريقيا أو البرازيل أو غيرهما. وهؤلاء الباسمون إنّما يودعون أقرباء ضاقت بهم هم الآخرون سبل الحياة من أرض الوطن فنفروا إلى حيث يجدون الرحب بعد الضيق!.
ولكن شتان بين ضيق كلّ من الحياتين، فهؤلاء الآخرون إنّما ضاقت بهم سبل حياة الرفاه والنعيم في بلادهم لطول ما ألفوها فذهبوا يفتشون في الغرب عن رفاه جديد ونعيم جديد!
لا نهار ولا ليل!
مشت الباخرة الهوينا وبيروت تمتدّ على الساحل كمدرج ذي لونين أحمر وأبيض، وقد ارتفع فوقها الجبل بقراه وغاباته فكأنّها سلم جميل يرتفع إلى القمم الجميلة. ووقفنا على ممرات الباخرة نرسل آخر النظرات إلى الأرض الحبيبة، وأخذنا نبتعد عن الساحل قليلاً قليلاً والشمس إلى يميننا تجنح للمغيب، وقمم الجبل تتوهج بانعكاس أشعة الشمس على زجاجها الكثير، فيغدو الجبل براقاً لامعاً في كلّ صوب. ثمّ فصلنا عن بيروت فكنّا نقابل عاليه وسوق الغرب، هنا أرسلت بصري في تلك الساعة أحاول أن أستكشف موقع (كيفون)، وسواء أكانت هي التي بانت لي أم كان غيرها، فقد ظلّ طرفي عالقاً بها لا يحيد عنها([34]) ثمّ أخذت قمم الجبال تنخفض وتميل للانحدار حتّى كان أقصاها يبدو وكأنّه ملاصق للبحر. وكانت الشمس لا تني منحدرة ثمّ غابت فخبت في الجبال الوضاءة التي كانت إلى ما قبل قليل تشعّ في نور الشمس وغدت الجبال في دكنة قاتمة تتوجها الحمرة المشرقية بينما كان مغيب الشمس يتوهج أحمر وردياً، وكانت هذه الفترة بين المغيب والليل فترة بديعة حقاً، فلا نحن في نهار ولا نحن في ليل. ومثل هذه الفترة لا تحسها في المدن. وإنّما تحسها في مثل هذا الموقف حيث ينكشف الأفق ويتّسع الفضاء وتنبسط الدنيا.
أنوار الجبال ثمّ الظلام
كانت بيروت تبتعد عن عيوننا ولم يعد يبدو منها إلاّ حي المنارة، ثمّ أخذت «المنارة» ترسل ضوءها فيبدو ويختفي كأنّه الحباحب، ثمّ طلعت أوّل نجمة من وراء الجبال شاقة طريقها إلى السماء كأنّها حلم من أشهى الأحلام! كم من عيون عزيزة علينا تلتقي الساعة على هذا النجم المتألق، وحسبنا الآن أن تتلاقى عيوننا مع أعز العيون وأحبها! وكذلك ظهر أوّل ضوء من أضواء بيروت التي تبدو الآن كأشباح ضئيلة. ثمّ أخذت الأنوار تتابع في الجبال وأوّل ما بدت في عاليه، ثمّ كان الظلام الدامس يقترب والهواء يشتد، ونحن لا نزال على شرفات الباخرة.
وما هو غير قليل حتّى عمّت الأنوار سائر نواحي الجبل وأشرقت السفوح والأصواح والقمم. وكانت أجمل ما تبدو في عاليه حيث انتشرت صفحة طويلة من نور وامتدّت في خط مستقيم بعيد المدى. ولم تكن الأنوار تبدو وهاجة لأنّ الظلام لم يسدف بعد بل كانت تظهر ضئيلة. وما هو أن بلغت الساعة العشرين حتّى كنّا في سكون الدجى الرهيب تلتمع فوقنا نجوم السماء وتتألق وراءنا مصابيح الجبال ويطبق أمامنا ظلام دامس تشقه الباخرة مسرعة فتحيل سواد الماء إلى ابيضاض كالثلج. ورحنا لا نتطلع إلاّ إلى الوراء متزودين من النظر إلى هذه الأنوار الجبلية التي ستغيب بعد قليل فلا نعود نبصرها. وفي الساعة الواحدة والعشرين كانت الأنوار قد غابت وتوارى شعاعها وراء بُعدٍ لا تدركه العين. وظلننا ساهرين إلى قرب انتصاف الليل فأوينا إلى المضاجع حتّى الصباح الباكر.
بين البحر والصحراء
كنّا نستيقظ نشطين فلا نبصر إلاّ سماء وماء يتتابعان فأذكرتني هذه المشاهد بمشاهد الصحراء حين كنّا نسير بين دمشق وبغداد فلا نرى إلاّ منظراً واحداً لا يتبدل. وها نحن الآن نجتاز اليم كما اجتزنا الصحراء فلا يتبدل المنظر. وإذ كان هذا الطريق البحري يختلف عن ذاك الطريق الصحراوي بأنّه طريق لا سَموم فيه بل نسمات بليلة عذبة، فإنّ هذه النسمات إذا طالت واستمرّت، تبعث السأم وتورث الضجر، وهكذا كان حالنا فقد مللنا هذه الزرقة الجميلة التي كانت وكأنّها تنحدر من السماء فتغمر الأرض أو تطلع من الأرض فتغمر السماء. وشدّ ما كنّا نشتاق النزهة البحرية، وطالما هفت نفوسنا ونحن على شواطئ بيروت نبصر الزوارق البخارية منسابة في الماء تحمل المتنزهين، طالما هفت نفوسنا لأن نكون معهم في هذا السير الجميل، ولكنّنا الآن ونحن في حال هو أقرب إلى أن يكون نزهة بحرية من أن يكون سفراً بحرياً نمل لأنّه طال ولم ينته. وهكذا الإنسان أبداً في الحياة!.
وإذا كانت هذه الفترة غير الطويلة التي انقطع فيها البر عن عيوننا قد أضجرتنا فماذا نحن فاعلون غداً عندما يمر النهار ويمر الليل، ثمّ يمر نهار ويمر ليل ونحن لا نزال بين السماء والماء لا نبصر غيرهما!.
بور سعيد
مضت الساعات بطيئة حتّى كما في الزوال فإذا بتباشير البر تلوح لنا من بعيد، وإذا بنا نعلم أنّ بور سعيد أمامنا وأنّنا نمشي إليها حثيثاً. ثمّ أخذت تنجلي للعيون ونقبل عليها ونوغل في مرفئها فظهرت لنا جميلة تزين الأشجار شارعها الساحلي وتمتد العمائر منسقة لطيفة. وكان القسم الآخر من البلدة ينتشر إلى يسارنا بأسطحته القرميدية الحمراء وأشجاره الكثيرة الخضراء. والفكرة التي تنطبع في ذهن المسافر وهو يرى بور سعيد من ظهر الباخرة هي أنّها مدينة عامرة ومرفأ جميل.
في أوائل الليل تحرّكت الباخرة بعد طول سكون ومشت بين صفوف البواخر الكثيرة الراسية في المرفأ، فاجتزنا المدينة وقد أصبحت شعلة من نور يمتزج فيها الأحمر بالأبيض بالأزرق، وبدت شوارعها متلألئة، وظهرت فيها السيّارات جارية وبان المارة جائلين، فتوجّهت راكبة مصرية ببصرها إلى المدينة وهتفت: «الفاتحة للمشايخ اللي فيها» وراحت تقرأ الفاتحة مهداة إلى مشايخ بور سعيد.
إلى الإسكندرية
ظلّت المدينة ترافقنا خمس عشرة دقيقة ثمّ كنّا ننفصل عن آخر مصباح فيها، وراحت عيوننا تتطلّع إلى الوراء مستجلية أنوار بور سعيد ومتملية منها قبل أن يغمرها الظلام فلا نعود نبصر نوراً في هذه الأمواج التي لا تنتهي. وبعد نصف ساعة صارت أنوار المدينة تحاذينا بعد أن كانت وراءنا. وتجاوزت الساعة التاسعة ومصابيح بور سعيد لا تزال تشع وتخبو لتهدي السارين في ظلمات البحار.
البارحة ودعنا أنوار بيروت وصرنا بعدها إلى ظلامين: ظلام الليل وظلام الوجد. وها نحن الليلة نودع أنوار بور سعيد في رحلتنا، لنستقبل بعدها ظلاماً أي ظلام!.
وفي الصباح كنّا نقبل على الإسكندرية، ثمّ نبارحها عصر اليوم الثاني شاقين البحر في عرضه بعيدين عن الساحل العربية مستهدفين شواطئ اليونان التي بانت لنا في جزيرة كريت.
أمام السواحل الأوروبية
طلعت لنا في عرض البحر جزيرة كريت فما إن رآها المسافرون اليونانيون حتّى ازدحموا على الشرفات متطلعين إليها متحدثين عنها ببهجة بالغة وحبور ظاهر. ورحنا نحدق بجبالها فيعجبنا أنّ فيها شَبه من جبل عامل فهذه القمة المتفردة مثلاً تذكرك بقمة (شمع) ويذكرك غيرها بغيرها.
ثمّ انطوت كريت وعسعس الليل وتنفّس الصبح فإذا نحن نطالع في الأفق جبال اليونان وأشرقت الشمس من وراء الجبال ومتع الضحى ونحن نعبر بحر إيجه ونجتاز الأرخبيل اليوناني موغلين فيه، فتبدو السفوح من وراء غلالة الضباب الشفافة وتتلألأ القرى والمدن داكنة وبيضاء. وكانت مدين (بيره) مرفأ أثينا هدف السفينة وكنّا نمشي إليها حثيثاً فتبين من بعيد مبثوبة طولاً في حضن الجبل على الساحل. وما إن وضحت جزيرة (بيشي) ببلدانها المتدرجة من الساحل وصاعدة إلى القمم الشجيرة حتّى انفجرت أصوات لبنانية على الباخرة تصرخ من أعماق القلوب بأغانيها الجبلية، إنّهم لبنانيون مسافرون رأوا الجبال فذكروا لبنان وجباله وشطآنه وسفوحه فهاج بهم الحنين!.
ها هي البلدان تنجلي إلى شرق بيره وغربها، وها هو الدخان يتصاعد من مداخن مصانع بيره الشاهقة، وها نحن نقبل عليها ثمّ نهبط إليها لنرى أوّل بلد أوروبي. ولكن لولا بعض الفروق لما حسبنا أنّنا الآن في بلد أوروبي، فهذه السحن وهذه البنايات وكثير ممّا تراه يذكرك بالشرق. حتّى صابغو الأحذية وهم يغرونك بصبغ حذائك، وحتّى صبيان المتاجر الذين ينادونك إلى متاجرهم. فأن ترى المناظر الشرقية تواجهك في كلّ شيء: في الطنابر التي تنقل الحطب وفي بائع الكعك الذي يحمل بسطته على صدره وينادي على الكعك، وفي كلّ ما تلمحه عيناك…
وخرجنا من بيره والبحر ساج لا يتحرّك، وإذا كان قد أعجبنا أن لا يتحرّك فلا تتحرّك أحشاؤنا فإنّ إعجابنا كان أقوى بذاك المنظر البديع الذي انبسطت فيه صفحة البحر كأنّها باحة زرقاء. ولم أكن أحسب أنّ البحر يمكن أن يكون يوماً في مثل هذا السكون الذي لا تهتز فيه قطرة ولا تتماوج ذرة، ثمّ أخذت الجزر تتابع علينا وأخذنا نمر بها متطلعين إلى تلك الطبيعة العجيبة فهذه الجزر الجبلية الصلدة في هذا الخضم المضطرب، وهؤلاء السكان في جوار الحيتان مفصولين عن الإنسان، كلّ ذلك يثير في نفسك وأنت تشق البحر التفكير في عجائب الطبيعة وعجائب الإنسان وعجائب قدرة الخلاق.
كنّا في منتصف الليل عندما أخذت الباخرة تميد بعد سكون طويل ويظهر أنّها انحرفت إلى الغرب وسارت في مداخل بحر الأردياتيك حيث تصطخب هناك الأموار فأهمنا ذلك وتوقعنا ألماً ناصباً ودواراً صاخباً ولكنّها كانت غمرة وانجلت عن ليل ساكن ثمّ عن صباح وادع لم نبصر فيه إلاّ الزرقة المديدة تلفنا من فوقنا ومن أسفل منّا، حتّى دنا الليل فانقلبت الزرقة اسوداداً حالكاً رهيباً عودنا إياه هذا البحر الطويل فيما سلف لنا فيه من ليال غوابر، ولكن صحاباً لنا تعدّد جوازهم لهذا السبيل وخبروا منه ما لم نخبر قالوا لنا إنّ في هذا الليل جديداً سيفاجئنا من خلال هذه السدف الداجية وإنّنا إذا شئنا الاستمتاع بمشهد عذب فعلينا أن نسهر طويلاً أو أن ننام قليلاً ثمّ نصحو، وما كنت يوماً من رجال السهر الطويل فنمت حتّى أيقظتني حركات متتابعات، وأصوات متتاليات، فنهضت فإذا نحن في الثالثة بعد انتصاف الليل وإذا نحن نجري بين ضفتين من نور تتعاليان في العدوتين من السهول إلى السفوح إلى القمم، لقد كنّا نعبر مضيق مسينا الجميل فتلوح الجبال باسودادها وتلمح المصابيح بابيضاضها ونمشي نحن معجبين بالسواد إعجابنا بالبياض فنرسل أبصارنا لنرى أنّ كلّ شيء قد عاد يشع في سكون الليل العميق من وراء منعطفات الرواسي ومن ذرواتها ومن شطآنها.
ثمّ عند إشراق الشمس، أشرق علينا من الغرب في قلب البحر بركان سترامبولي والدخان ينبعث منه في أجواء السماء والنار تنسكب فيه إلى أكناف الأرض، وبدت في سفحه الشرقي قرية بيضاء جميلة تعيش راضية بما قسم الله لها من نار وراءها ودخان فوقها وماء أجاج تحتها وحولها.
ومضى النهار بطيئاً ثمّ انقضى الليل طويلاً، ثمّ أقبل الصبح من جديد وما كنّا نعلم ما يخبئه لنا من طرائف. ولولا ذلك المجهول الذي نتوقعه في كلّ ساعة وهذا الغيب الذي نرنو إليه في كلّ لحظة، ولولا أنّنا نمضي وفي يقيننا أنّ هذه الزرقة الطويلة ربّما انكشفت في كلّ حين عن شيء جميل، لمضينا مرهقين برتابة المشهد ووحدة المنظر، ولكن الأمل المهيمن على جوانحنا كان يهون عليها الملل فنظل في توقّع وانتظار. وهذا جديد نراه في هذا الصباح الجديد. فقد أطلّت علينا جزيرة كورسيكا بجبالها الشاهقة، ثمّ أخذت تنجلي لعيوننا وتنكشف مدنها وقراها البيضاء في السفوح والضفاف. وفي الوقت الذي كنّا نرى فيه كورسيكا واضحة كانت جزيرة ألبا تلوح لنا من بعيد وهكذا كنّا نمر بين مولد نابليون ومنفاه.
وعند الزوال أخذت أشباح الساحل الإيطالي تبين، وأخذنا نقترب منها فنحاذي بعضها ثمّ أخذت بالانجلاء وصار البناء الأبيض يبدو خلال اسوداد الجبال العالية ثمّ صارت المدن والقرى تتّضح للعيون مبثوثة في كلّ مكان. وإنّنا في كلّ ما مرَّ بنا من جبال كثيرة لم نر جبالاً أشبه بالجبال اللبنانية من مشاهد هذه الجبال، فهي بهذه البلدان المنتشرة على طول الساحل والتي تبدأ من الضفاف رحيبة ثمّ تأخذ بالانكماش والتدرّج إلى الأعلى خلال اسوداد الجبل تريك صورة لبنانية محضة.
إنّه ساحل حافل بالعمران يكاد يكون مدينة واحدة متصلة الحلقات، فأينما أرسلت البصر على طول الشوائ لا تبصر إلاّ بناء ومدناً وقرى ودساكر. وكنّا ندنو حثيثاً من جنوى وكانت تنكشف لنا على التدريج، ثمّ ظهرت لنا كلّ الظهور منتشرة طولاً على شاطئ بعيد المدى ومرتفعة عرضاً إلى أواسط الجبل. وعندما قربنا منها لم تملك نفسها إحدى اللبنانيات المسافرات أن صاحت معجبة: مثل بلادنا فيها جبال.
في جنوى
هبطنا جنوى ورحنا نضرب في شوارعها، فكانت ترتفع وتنخفض تبعاً لتدرّجها في الجبل. وعندما كان الترام يمضي بنا فيها كان يدخل في نفق ثمّ يخرج منه ليدخل في نفق آخر ثمّ يمشي صعداً صعداً، ثمّ يعود منحدراً هابطاً ونحن نبصر شواهق البناء ومن دونها الربوات الخضر الجميلة تتخللها الأودية النضيرة العامة. ولا أحسب أنّ مدينة تعدّ كمدينة جنوى في تكوينها الفريد فهي تقوم على هضاب وأودية وشعاب وثنايا تتداخل في كلّ ناحية وتتشعّب من كلّ صوب وتكسب المدينة بهجة ورونقاً.
ولا تذكر جنوى إلاَّ وتذكر معها مقبرتها. وإذا كان السائح في غير جنوى لا يقصد إلاّ منازل الأحياء وينأى عن مراقد الأموات، فهو في جنوى لا يقصد أوّل ما يقصد إلاّ الأموات وقبورهم، يقصدهم لا للاعتبار بالموت ورهبة الأجداث، بل للاعتبار بالحياة وأهل الحياة. ها هنا في مقبرة جنوى تتجلى روعة الفنون الإيطالية وبراعة الفنانين الإيطاليين. ها هنا في هذه التماثيل والأنصاب الممتدة في كلّ ناحية بعضها يمثّل الألم والنوم والحزن والرحمة والصراع بين الحياة والموت وصبر أيوب، وبعضها تماثيل لأصحاب القبور، فأنت أينما تلفت تبصر أواوين متتابعة ومداخل متوالية تطالعك بأدق ما وصل إليه الفن الناحت.
ليل الشاطئ اللازوردي
وعلى مشارق الصبح كانت الشواطئ الفرنسية قد بدت لنا تحت قرص الشمس الأحمر بربواتها الدهم وأشجارها الخضر، وعماراتها البيض، وجزرها الصخرية. ثمّ كنّا نقبل على مرسيليا فندخل في خليج صخري يتقوّس على طرفي الساحل ثمّ نوغل فيه صوب المدينة، فتبين لنا رؤوس أشجارها وأعالي داراتها وقمم قبابها. ووقف الناس على شرفات الباخرة يتطلعون إلى الأرض التي سينزلونها بعد قليل. وراحوا يعلقون شتى التعليقات، فقالت لبنانية تقارن بين الإقبال على مرسيليا وبين الإقبال على جنوى: «ما فيش بلد مفرفحة مثل اللي شفناها جنوى» فعبرت بذلك عمّا تركته جنوى في نفسها من أثر. ولعل أبلغ ما يقال عن جنوى ما قالته هذه المرأة بلهجتها القروية العريقة (مفرفحة).
القصيدة
ذكرتكم والهم في الليل مركب
ونفسي على جمر الأسى تتقلب
ومن دوننا بحر إذ ثار موجه
تخال الجبال الراسيات توثب
أأحبابنا نمشي على الهم بعدكم
ونألف أشجان الحياة ونصحب
وعهدكم ما لان في البُعد عهدنا
بلى إنّه في البُعد أمضى وأصلب
تطالعنا الذكرى على كلّ وجهة
فندنو وإن شط المزار ونقرب
رمتنا على هوج البحار مقادر
تصعّد ما شاءت بنا وتصوّب
إذا ما ظلام الليل أرخى سدوله
علينا وعمّ الكون في البحر غيهب
وزمجرت الأمواج غضبى ثوائراً
وماجت أواذي تضج وتصخب
وأقفرت الدنيا فلا السفح ناضر
ولا النهر رقراق ولا الروض معشب
ورحنا على الأمواج نطفو وتارة
نخال بأنا للحضيض سنرسب
ذكرتكم في وحشتي وتلفتت
لأرضكم عيناي تشكو وتعتب
أأحبابنا النائين لا كانت النوى
ولا كان يوم عنكم نتغرب
ذكرتكم والبحر بيني وبينكم
فكدت لذكراكم من الوجد أنحب
طلعنا بآثينا على الصبح نجتلي
محاسن ما أبقى الزمان المخرب
فلاحت على (الأكربل) منها مشاهد
يحار لها فكر اللبيب ويعجب
وذكرني الشام الحبيبة موقف
على قمة «الأكربل» عال وملعب
فحنَّ فؤادي المستهام وهزني
إلى أرض أحبابي خيال محبب
وعدنا إلى اللجات نسبح فوقها
حيارى بقفر ما لنا فيه مهرب
إذ ما مضى الصعب الممض رأيتنا
نحذر أن يأتي على الأثر أصعب
إذا ما تلفتنا على اليم لم نجد
سوى لجج يعيا بهن المجرب
فآناً تضيق النفس فيها وتارة
ألذ من الحلم النضير وأرحب
وطوراً تراها العين أشأم منظر
وطوراً تروق الناظرين وتعجب
ومالت إلى الغرب الغزالة ترتمي
على شفق كالنار أو هو أعجب
وشارت فبحرٌ باللجين مفضض
يشع وأفق بالنضار مذهب
وذابت على الأمواج فالماء جمرة
شرارتها نجم يندّ وكوكب
ذبيحة حدّ السيف فالكون واجم
لمأتمها والأفق منها مخضب
وصرنا على بحرين ماء وظلمة
يسير بنا فلكان وجد ومركب
توالى علينا الهم لا الماء ينقضي
ولا الصبر يأتينا ولا الليل يذهب
إذا ما انتهى يوم علينا تعاقبت
ليال وأيام تمضّ وتكرب
ومرّت على الليل البهيم «صقلية»
كما مرّ بالإشراق والزهو وموكب
تفيض على الشطين نوراً وبهجة
فتزهر ضفات وتلمح أهضب
فيا لك مرأى في «مسينا» كأنّه
على ظلمات البحر أهل ومرحب
تبسم ثغر الليل فيه وطالما
توالى على الإدلاج وهو مقطب
وطالعنا الصبح الأغر بجذوة
على فوهة البركان تلظى وتلهب
تسيل كما سالت من العين عبرة
يؤججها بالوجد قلب معذب
ثلاثة أيام تمر ولا نرى
سوى الماء يعوي في البحار وينعب
فأين الجبال الشم نأوي لظلّها
وأين الفرات العذب نسقي ونشرب
وأين سهول الغوطتين نضيرة
وأين على بغداد صبح ومغرب
رباع على قلبي ألذّ من الهوى
وأشهى من النعمى وأندى وأطيب
ألا أيّها البحر المديد تحية
يشيد بها قلبي وفاء ويطنب
صحبناك لا قالين عهداً تصرمت عليك لياليه يلذ ويعذب
أننسى على الآمواج صبحاً كأنّه وجوه الحسان البيض بل هو أعذب
وعصراً جلاه للنواظر مبدع أظل له أنى تلفب أعجب
وأسام ليل حين تسري ندية نهيم لمسراها وننشى ونطرب
الا أيها البحر المديد أذاكر صحاباً تغنّوا بالجمال وأعجبوا
تلااقوا كما مرت رؤى فمشرّق طوته الليالي هائماً ومغرّب
صحبناك حراً لا يهون ولا يني
على غمزات الدهر والحر يصحب
أعرابي يركب البحر المتوسط
من مدينة صور
تولّى الأسود بن بلال المحاربي وهو من رجال قبيلة في بادية (الشرَّبّة) ـ تولّى عملاً في قيادة الأسطول في مدينة (صور). فوفد عليه أعرابي من قبيلته طامعاً بعمل عنده فضمّه إلى القوى البحرية وعيَّن له راتباً وأغزاه البحر، فلم يكد الأعرابي يبتعد عن الشاطئ ويرى تتابع الأمواج وتصاعدها، ويشهد السفينة يتقاذفها البحر فتميل ذات اليمين وذات الشمال وتعلو وتهبط حتّى تملكه الرعب، وتذكر ما اعتاده من انبساط البادية وانفساحها، وسكونها وانقيادها، وتذكر الناقة الطيعة الهادئة التي يزجرها فتنزجر، وينيخها متى شاء ويقيمها متى أراد. تذكّر ذلك وقارنه بما هو فيه، فهاله الأمر وودّ النجاة ومن أين له النجاة، فكان أن أتحف الشعر العربي بقصيدة موجزة هي من أروع ما حفل به هذا الشعر من قصائد:
أقول وقد لاح السفين ملججاً
وقد بعدت بعد التقرّب صور
وقد عصفت ريح وللموج قاصف
وللبحر من تحت السفين هدير
ألا ليت أجري والعطاء صفا لهم
وحظي حطوط في الزمام وكور
فلله رأي قادني لسفينة
وأخضر موار السرار يمور
ترى متنه سهلاً إذا الريح أقلعت
وإن عصفت فالسهل منه وعور
فيا ابن بلال لضلال دعوتني
وما كان مثلي في الضلال يسير
لئن وقعت رجلاي في الأرض مرة
وحان لأصحاب السفين وكور
وسلّمت من موج كأنّ متونه
حراء بدت أركانه وثبير
ليعترضن اسمي لدى العرض خلفة
وذلك إن كان الإياب يسير
وقد كان في حول (الشربّة) مقعد
لذيذ وعيش بالحديث غزير
ألا ليت شعري هل أقولن لفتية
وقد حان من شمس النهار ذرور
دعوا العيس تدني (للشربّة) قافلاً
له بين أمواج البحار وكور
تاريخية الاجتهاد عند الشيعة
على الرغم من أنّ أئمة أهل البيت ظلّوا يمثّلون رافداً تربوياً وتعليمياً مهماً في العصور المبكرة من التاريخ العربي والإسلامي، إلاّ أنّ المعالم الكبرى لمذهبيتهم لم تظهر إلاّ في عهود متأخرة جدّاً، وتحديداً، إبّان العصر العباسي. ها هنا برز اسم الإمام السادس، جعفر الصادق، حيث اصطبغ المذهب الفقهي الشيعي بتراثه التعليمي وأخذ بعد ذلك اسم «المذهب الجعفري». في حين نجد مدرسة الرأي، قد بدأت حركتها الاجتهادية في عصور متقدمة، حتّى على عصر أبي حنيفة. وقد ظلّ الشيعة يعتبرون تعاليم جعفر ابن محمد الصادق، بمثابة «النصّ»، في حين اعتبروا غيرها من التعاليم، ضرباً من الاجتهاد، مقابل «النص». واستمرّ هذا الوضع إلى حدود القرن الرابع الهجري؛ وهو الفترة ذاتها التي شهدت منعطفين أساسيين على صعيد التأصيل الإسلامي للعلوم العربية. فقد تقرّر في هذه الفترة، إيقاف نهائي لحركة الاجتهاد من قبل التراث الرسمي، في حين بدأت فيه الإرهاصات الأولى لما سيسمى بـ «الاجتهاد» عند الشيعة ذلك أنّ هذا العصر، شهد غياب الإمام الشيعي الإثني عشر، ممّا يعني غياب حكم النص. وعليه تكون حركة الاجتهاد الشيعي قد بدأت مسارها على أنقاض سدّ باب الاجتهاد، في نطاق الإسلام السني. وعلى الرغم من تأخّر هذه الحركة التأصيلية عند الشيعة، إلاّ أنّ الاجتهاد بلغ عندهم قمة أوجه وتفاعله.
إذن، هناك صعوبة كبرى، تواجه الباحث في المسار الفكري، فضلاً عن مراحل تكامل النسق العقلاني عند الشيعة. ذلك أنّ التراث الآخر عموماً، مثلما هو التراث الرسمي، جاء ضمن سياق تاريخي تراكمي، تقاطعت عنده جملة من المؤثرات التي أثمرت تداخلاً عجيباً بين عدد من العلوم والمعارف. وقد يكون مهماً الحديث عن جوهر ثابت وراء هذا التطور المستدام، في صميم التجربة الفكرية الشيعية. هذا الجوهر الذي يتلخص فيما أسماه كوربان «فلسفة المعاد»؛ أو ما عبّر عنه، حسن حنفي «التفاؤلية الشيعية». إنّ فكرة الانتظار التي تكثفت بفعل هذا التراث المحتضن لأساليب شديدة الإيحاء، تكاد تنعكس، على جميع مجالات النظر الشيعي، ونوعاً ما في مجال الاجتهاد والتشريع، نلمح آثاراً لهذه التفاؤلية، التي أدّت إلى نتائج عميقة. إنّ تاريخ هذه التفاؤلية، برز بشكل واضح، بعد غياب آخر إمام إثني عشري. إذْ أدّى هذا الغياب المفاجئ إلى اقتحام مجال الاجتهاد والتأصيل ليس بدافع التأسيس لمراحل ما بعد النص، بل بدافع ملء فراغ الغيبة، وتوفير الحدّ الأنى من الأحكام الظنية للمكلفين، في انتظار عودة الحكم الواقعي مع نهاية زمن «الغيبة». وهذا الروح التفاؤلي، والعقل الانتظاري، نابعان من موقف كلامي، حول حقيقة الكفاءة النبوية والإمامية، والتي يطلق عليها «العصمة». فقد أراد الإمامية أن يرقوا بقضية التشريع إلى مستوى اليقين. من هنا كان الهمّ الأساسي عندهم يتعلق بكيفية تجنيب الشريعة الخطأ. وهو الأمر الذي يجعل لأصول الفقه وظيفة شبيهة بالمنطق، من حيث هو آلة في تجنيب الفكر الاجتهادي الخطأ. وإذا كان المنطق بشكل عام ضابط لعملية التفكير لئلا تقع بعيداً عن الصواب، فإنّ «علم الإمام» هو الضابطة الوحيدة لتجنيب الشريعة الخطأ؛ انطلاقاً من أنّ مجال الشريعة والعقل، متماهيان في المنظور الإمامي. فإذا كان مناط الصحة في القول العقلي هو هذه المبادئ المنطقية الشاملة، والثابتة والمحرزة… فإنّ مناط الصحة في القول الشرعي هو، قول المعصوم! إنّ فكرة المعصومية في هذا المجال تمثّل من جهة كون مجال التشريع، هو مجال متصل بجهة متعالية، إذْ ليس كلّ تنزيل حكمي يخضع لمنطق العقل. وكأنّنا هنا أمام ما يسمّيه كانط، بعجز العقل المجرد عن إدراك المتعالي. أمّا من جهة أخرى، فإنّ المعصومية هنا، لا تعني أكثر من كونها قدرة تشريعية أو تكوينية، تمكن المعصوم من إدراك الأحكام الواقعية وتشخيص موضوعاتها على درجة قصوى من اليقين.
إدريس هاني
تركيا
مرّ الحديث عنها في مكانه ونزيد على ما هنالك ما يلي:
كان الحكم العثماني في جميع عهوده حكماً ملكياً مطلقاً واستبدادياً. ويتمتع «السلطان بسلطات لا حدود لها، ولا تخضع تصرفاته للرقابة من أي مصدر كان، ومع أنّ نظام الحكم كان من ناحية نظرية مقيداً بأحكام الشريعة الإسلامية، إلاّ أنّ علماء الدين قلّما كانوا يتأخرون عن إيجاد الأحكام وإصدار الفتاوى التي تخدم مآرب السلاطين، وتضفي على أوامرهم وتصرفاتهم صفة الشرعية، كما يقول الأستاذ ساطع الحصري. فعندما استن سلاطين آل عثمان السنة الدموية المشهورة التي تقضي بقتل (جميع أخوة السلطان الجديد) يوم اعتلائه عرش السلطنة، استندوا فيها إلى فتوى تنص على جواز ذلك، بل تقول بوجوبه دفعاً لحدوث فتنة في المستقبل، كأن يخرج أحدهم على أخيه السلطان. ومن المعلوم أنّ عدد الأمراء الذين قتلوا عند جلوس أحد السلاطين بلغ الأربعين، كان بينهم الكهل، والشاب والصبي، والرضيع. كلّهم قتلوا في يوم واحد، ودفنوا حول قبر السلطان المتوفى، يوم جلوس خلفه على عرش السلطنة. وشيوخ الإسلام كانوا دائماً سعداء لاسترضاء السلطان بالفتاوى متى شاء.
«فعندما قرّر السلطان سليم الأوّل، محاربة الشاه إسماعيل الصفوي، وأمر بقتل جميع الشيعة الموجودين في البلاد العثمانية، استند إلى (فتوى) صادرة من رجال الدين، تعتبر هؤلاء مرتدين عن الإسلام»([35]).
إنّ هذه السلطة المطلقة التي مارسها سلاطين آل عثمان، تحت مظلة شيوخ الإسلام وفي غياب الأحكام الشرعية الصحيحة، جعلت تصرّفاتهم ذات طابع عسكري إقطاعي واستبدادي قلّ نظيره في عالمنا الإسلامي، وطبقها حكام الولايات والإيالات والسناجق، فصادروا الأموال والحريات، وأصدروا الأحكام بالإعدام وساقوا الناس إلى السجون وساحات القتال والسخرة بلا تحفظ، ومن دون اللجوء إلى إجراءات قضائية عادلة في كثير من الأحايين.
بداية الانحطاط
الإصلاحات الإدارية والدستورية
عاشت الدولة العثمانية فترة ازدهار منذ تأسيسها في القرن الثالث عشر حتّى أواخر القرن السادس عشر، وبلغت ذروة عزّها ومجدها في عهد السلطان سليمان القانوني. ثمّ دبّ الانحطاط والانحلال إلى جميع مرافقها، وبلغا ذروتيهما في أواخر القرن التاسع عشر بفعل عوامل كثيرة، منها الحكم المطلق الذي مارسه السلاطين والولاة وحياة الترف الخاصّة في القصور التي لا تشرف التاريخ ولا ترفع الاسلام، واضطهاد الأقليات القومية والدينية، وانحلال الضبط في ثكنات «الجيش الانكشاري» الذي أصبح أداة فاسدة وفوضى وتخريب وتناحر بعد أن كان أداة أمن واستقرار. فقد اختلّ الضبط العسكري في الثكنات العسكرية تماماً وانصرف معظم الجنود إلى الأعمال الحرّة، وفكّوا ارتباطاتهم بـ «الثكنات العسكرية» وأصبحوا لا يعرفون منها إلاّ الاسم، ولا يذهبون إليها إلاّ لتسلم «علوفاتهم» (مرتباتهم). وإذا ما تجمّعوا في يوم من الأيام فليس لهم من وراء ذلك سوى المطالبة بزيادة علوفاتهم و امتيازاتهم أو بطلب عزل وزير، أو تنصيب وزير، أو شنق جماعة من الوزراء، مندفعين في كلّ ذلك بتسويلات أرباب المنافع والأغراض وأبطال الدسائس والمؤامرات»([36])، وأدوات تعسف وطغيان بيد «الولاة» الطامعين في الاستقلال عن السلطات المركزية، وغير الراغبين في تطبيق الأوامر الصادرة إليهم من الباب العالي، بما في ذلك توقف بعضهم عن إرسال الإيرادات العامة إلى خزينة الدولة، أو تجاهل أوامر النقل أو العزل الصادرة بحقهم، أو الاتصال بالدول الأجنبية، وتوسيع سلطاتهم تعزيزاً لاستقلالهم الذاتي أو انفصالهم التدريجي عن الحكومة المركزية. هذه العوامل وغيرها هيّأت الظروف المؤاتية في الفترة الثانية من الحكم العثماني للمطالبة بالتجديد والإصلاح، وامتدّت بعض آثارها إلى بعض البلدان العربية.
لنقرأ ونتأمل فيما كتبه أحد المؤرخين الأوروبيين عن مغزى هذه الاصلاحات بالنسبة لتركيا وللرعايا المسيحيين في أوروبا والمشرق. كتب يقول:
بلغ سوء الحكم في الأقاليم المسيحية حدّاً لا يطاق، ولا يمكن، تصوّر استمراره إلى الأبد، ليصبح صفة من صفات الحكم في أوروبا الحديثة. فقد أعدّت لهذا الغرض ثلاثة بدائل ذات مفاهيم واسعة:
1 ـ إصلاح تركيا نفسها بنفسها من الداخل.
2 ـ إذابة تركيا في الإطار الأوروبي وفي كلّ من الإمبراطوريتين الروسية والنمساوية الهنغارية، بتجزئتها أو بغيرها، أو من دون تجزئة بحيث يتسنّى لبريطانية العظمى وفرنسا وإيطاليا الحصول على تعويض في القارة الآسيوية أو الإفريقية.
3 ـ تطوير الكيانات المسيحية وفقاً لأربعة أنواع وطنية مستقلة أو خمسة أنواع تضم الطوائف الإسلامية أو بدونها([37]). ويستطرد أنسر Ansor في كتابه (إنكلترا ـ من عام 1870م إلى 1914م) قائلاً: لقد تركت مخططات الدول الأوروبية أثرها العاجل في بعث الروح القومية التركية. فتأسّست أوّلاً وزارة للإصلاح، وفي 30 مارس 1876م أقصي السلطان عبد العزيز عن العرش، وبعد أسبوع واحد انتحر بمقص، وخلفه السلطان مراد الرابع الذي حكم البلاد ثلاثة أشهر فقط. وفي 31 آب أقصي هو الآخر عن العرش، وتوفي بعد فترة قصيرة، وقيل إنّ سبب الوفاة كانت انتحاراً. فجاءت وفاته في الاتجاه المناسب، وانتقل العرش إلى السلطان عبد الحميد الثاني الذي شاءت الأقدار أن يبقى على العرش ثلاثين سنة. وفي الثامن من تموز عقد قيصر روسيا إسكندر الثاني والإمبراطور فرانس جوزيف اجتماعاً رايخشتات Reichstadt حضره كبار الوزراء لتقسيم جلد الأسد التركي».
التنظيمات والانقلاب الدستوري
أدركت الدولة العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر تقريباً، والدول الغربية في أوج تقدّمها العلمي والصناعي والتشريعي والعسكري والإداري والتعليمي، أنّها بحاجة لتحديث مؤسساتها وتشريعاتها ونظامها السياسي، بالاستفادة من النظم والتشريعات الأوروبية، وارتفعت الأصوات تطالب بالإصلاح والتجديد في جميع الأوساط العثمانية رجالاً ونساء، واستمرّت المطالبة قرناً من الزمن تقريباً حتّى بدت طلائعها. وحيث إنّ الدولة العثمانية كانت «مؤسسة عسكرية»، فقد انصبّ اهتمامها على تحديث قطاعاتها العسكرية أوّلاً قبل تحديث مؤسساتها المالية والإدارية والقضائية. فقد كان الجيش العثماني عنوان الأمّة وأملها، ورمزاً لقوّتها وعظمتها في عهودها الأولى، فأصبح عنوان الفساد والفوضى في عهودها المتأخرة. وبدأت محاولات التحديث في عهد السلطان مصطفى الثالث (1757م ـ 1774م)، واستمرّت في عهد السلطان عبد الحميد الأوّل، وتوطّدت في عهد السلطان سليم الثالث (1789م ـ 1808م)، ولكنّها جوبهت بالرفض من «الجيش الانكشاري» المتمرد على السلطة والسلطان. فأعلن ثورته على «الباب العالي»، وخلع السلطان واغتاله، وطارد دعاة الإصلاح، وأحبط الحركة برمتها.
في عهد السلطان محمود الثاني (1808م ـ 1839م) جرت محاولة جديدة، وأعدّت خطة سرية لتصفية هذا الجيش تصفية «دموية» في جميع أرجاء الإمبراطورية العثمانية للتخلص من شروره نهائياً. ونفذت بدقة متناهية، فارتكبت مجزرة رهيبة ذهب ضحيتها آلاف الجنود والقادة بعد صدور «فتوى» شرعية من «شيخ الإسلام» باستئصالهم في ثكناتهم في يوم واحد، وفي واقعة اشتهرت باسم «الوقعة الخيرية» تيمّناً بالخير في استئصالهم. وفي الوقت نفسه تقرّر تصفية حكم المماليك.
إنهاء حكم المماليك في العراق
في أعقاب الإصلاحات الكبرى التي شرعت بتطبيقها الدولة العثمانية، قرّر الباب العالي إنهاء حكم المماليك. ففي العراق أسندت مقاليد الحكم إلى علي رضا باشا، وصدرت إليه الأوامر بالقضاء على المماليك قضاء نهائياً. فسافر إلى بغداد، واعتقل داود باشا وهو ابن ثمانين. وبعد قراءة مرسوم السلطان بإلغاء تشكيلات المماليك وامتيازاتهم أوعز إلى جماعة من الألبان بالهجوم عليهم وتقتيلهم. فتمّ له ما أراد. «واختفت من الميدان تلك الجموع المحلية التي حكمت بغداد مدّة تزيد على قرن قليلاً».
أمّا الإصلاحات الإدارية والدستورية فقد تمّت على مرحلتين:
المرحلة الأولى:
سمّيت بمرحلة «التنظيمات»، وهدفها إجراء إصلاحات إدارية شاملة، تبلورت بصدور مرسومين سلطانيين: «منشور الكلخانة» الصادر في 1839م، و«منشور التنظيمات الخيرية» الصادر في 1856([38]). ويعزى صدور هذين المنشورين إلى عاملين مهمين هما: قناعة رجال الدولة بأنّ الفرصة قد حانت لإصلاح مؤسسات الدولة باقتباس نظم أوروبية، ودور الدول الأوروبية في حثّ الدولة العثمانية على تحسين أحوال رعاياها المسيحيين.
المرحلة الثانية:
تناولت الإصلاحات الدستورية والإدارية، وسمّيت بمرحلة «المشروطية»، لأنّها «اشترطت» أن يكون نظام الحكم قائماً على «قانون أساسي» أو دستور للحدّ من الحكم الملكي المستبد المطلق، وقيام حياة دستورية وديموقراطية. وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876ـ1909م). أعلن «القانون الأساسي»، ثمّ توقّف تطبيقه، ولم ير النور ثانية إلاّ بانقلاب دستوري (انقلاب مشروطية) وقع سنة 1909م. ويلاحظ أنّ المطالبة بالإصلاحات الدستورية قد جاءت تقريباً في وقت واحد في كلّ من إيران وتركيا، وشهدت ذات التطوّرات والأزمات. وكان مدحت باشا، بطل الانقلاب و«أبو الدستور».
التفكير الفلسفي عند الشيعة
نؤكد على ذلك الاحتضان الذي لقيته الفلسفة من قبل التيار الشيعي بصفة عامة. دون أن ننسى أنّ الشيعة، ظلّوا ـ على الرغم من النبوغ الفلسفي لعدد من أبنائهم ـ المدرسة الشيعية الوحيدة التي لم تقطع صلتها بموروثها الشيعي. الشيء الذي جعلها حقّاً، رائدة فلسفة إسلامية، خالصة، يقول عنها «كوربان»، إنّها: «فلسفة النبوة»! فقد كان الفضل يرجع إلى فلاسفة الشيعة، في استكمال مشوار الفكر الفلسفي، الذي كان يمثّل مسيرة الفكر الإنساني، وهو يواجه أسئلة الكينونة منذ مئات السنين، ويعبر عن مختلف الأطوار التي قطعها المجتمع البشري، في سبيل إنماء رؤيته للعالم. نعم، قد كان للإسلام ككلّ الأديان السابقة فضل، في إنارة جزء مهم من تلك الرؤية وخلاصاً لجموعٍ من البشر ظلّوا ضحية لشيوع فكر سحري استبدّ بالفعل البشري لفترات طويلة. لكنّنا لا ننسى أنّ الفلسفة حينما نضعها في تاريخها ونحدّد جغرافيتها، نعثر على مغزاها النسبي، وتمظهراتها المختلفة، التي تعكس مستوى وعي المجتمع وطبيعة تكوينه الثقافي وروابطه الاجتماعية. فقد كانت الفلسفة تمثّل ـ حتّى مجيء العرب ـ أمّ العلوم. وذلك ما كان يعني أنّها شغلت مكان العلوم البحتة، التي كانت تشكّل مجالاً حيوياً لا يناقض الدين أو يزاحمه. إنّ الفلسفة كانت دائماً تعكس ذلك المستوى العلمي والمعرفي والاجتماعي، وليست عقيدة تقدّم تصوّراً جاهزاً عن العالم. لقد ظلّت وظيفتها منذ أقدم العصور، هي البحث في طبيعة الوجود بما هو موجود. فأيًّا كانت التلوينة التي طبعت تفكير الفلسفات، فإنّها كانت تقف على أرضية مادية، تجعلها مجرد تجلّي حقيقي لمستوى عصرها العلمي. فإذا ما حصل نوع من العجز أو «التأسطر» في تصوّر الفلاسفة في عصر من العصور، فإنّ ذلك راجع إلى درجة التطوّر المادي والمستوى العلمي ليس أكثر.
وإذا لم يكن من اليسير ـ كما يتوهم البعض ـ أن نعطي تفسيراً حقيقياً عن طبيعة الاختراق الفلسفي للفكر الإسلامي، فإنّنا نستطيع ـ على الأقل ـ أن نضع أصابعنا على ذلك النزيف الذي مهّد لذلك الاختراق. وأيضاً إظهار الوظيفة المعرفية والثقافية التي أدّتها الفلسفة في الفكر الإسلامي، كوريث للتفكير العلمي اليوناني، وقفزة على جمود المدارس الكلامية، المتأخرة، وكأساس لرؤية دينية متفتحة على شروط الكينونة، وصيرورة الزمن… أي إعطاء الوعي التاريخي حقّه في مجال التفكير الإسلامي. من هنا، ونظراً لأهمية هذا الحقل، مثّل الفلاسفة الشيعة، النخبة الطليعية في ذلك النشاط، الذي سيكون بمثابة همزة الوصل، في هذا المسار المعرفي الإنساني، والأساس الذي سيسهل على الفكر الأوروبي طريقةً إلى تقحيق نهضته الكبرى.
وعليه، لم تكن صلة الفلسفة الإسلامية بنظيرتها الإغريقية وامتداداتها الهيلينية والإسكندرانية صلة قطيعة وتضاد، أو شرح وتوصيل، بقدر ما كانت صلة استيعاب وتطوير… أي صلة حيوية إيجابية يطبعها النشاط والفاعلية والإبداع. من هنا نفهم إلى أي حدّ ساهم الفلاسفة المسلمون في إثراء الفلسفة، خصوصاً ما يتعلّق بجانبها الأنطلوجي، الذي شهد إضافات قيمة، لا نقول عنها إنّها تصحيحية أو تهذيبية فحسب، بل إنّها بمثابة انقلاب معرفي جذري، كان لهم الفضل في رسم مساره الذي يعتبر حلقة تاريخية لتطوير النظر الفلسفي المعاصر. وإذا ما لوحظ أنّ الفلاسفة المسلمين لم يبلغوا الدرجة التي ضمنت استقلالهم الكامل عن مدرستين إغريقيتين مشهورتين: المدرسة الإشراقية (الأفلاطونية) والمدرسة المشائية (الأرسطية)، فإنّ ذلك لم يكن سوى وصفاً تقليدياً يغلب عليه طابع التسامح والتساهل، خصوصاً وأنّ ما كان يشكل فيصلاً جوهرياً بين الفلسفتين ـ الإشراقية، والمشائية ـ حتّى القرن الحادي عشر الهجري لم يكن ظاهراً بالقدر الموضوعي الشافي، ظهوره بعد، هذا القرن، حيث مجيء الفيلسوف الإيراني صدر المتألهين الشيرازي هناك، فقط، حيث أصبح الفارق الجوهري بين الفلسفتين، فارقاً يتحدّد بالموقف الأنطلوجي الواضح من إشكاليتي الوجود والماهية، وحقيقة أصالة إحداهما. في حين كان الفارق ـ فيما قبل ـ اسمياً([39]) يتحدّد بالموقف الفلسفي لعموم الحكمة الأفلاطونية أو الأرسطية.
كيف ـ إذن ـ استطاع الفلاسفة الشيعة تطوير النظر الفلسفي لإشكالية الوجود، وكيف استطاعوا تدليل ذلك الاساس النظري الذي سيقيمون عليه ـ بعد ذلك ـ صرح الفلسفة برمته؟
إنّ تصديراً كهذا، يكفي، كتحريض على إظهار معالم المبنى الأنطلوجي والمعرفي، لفلاسفة الشيعة، والجديد الذي أتحفوا به حقل الفكر العربي والإسلامي، وما هي الآثار القيّمة بمنحهم لقب وارثي المشائية اليونانية ومؤسسي مرحلة التفكير الفلسفي العلمي، الذي يعتبر حلقة أساسية في سلسلة انتقال الفكر الإنساني من مرحلة التصوّر السحري للعالم، إلى طور التفكير الإيجابي، بما يعنيه ذلك من جعل العلم أساساً للنظر الفلسفي.
وسوف نعتمد هنا اختياراً منهجياً، يجعلنا نقفز على مرحلة كبيرة في تاريخ النشاط الثقافي الشيعي، أي تلك التي تبدأ من عصر الإمام جعفر الصادق وحاشيته التي يقف على رأسها هشام بن الحكم، وتنتهي بنصير الدين الطوسي، أحد أبرز شيوخ الفلسفة الشيعية البارعين. إنّنا يجب أن نركّز على مرحلة أخرى من تاريخ الاشتغال الفكري عند الشيعة؛ أعني مرحلة الازدهار والنشاط، التي تبدأ من نصير الدين الطوسي حتّى آخر متفلسف إيراني، أي ملا هادي السبزواري. والسبب في هذا الاختيار، راجع إلى عدّة اعتبارات؛ فمعالم الفلسفة الشيعية، وحتّى قبيل مجيء نصير الدين الطوسي، لم تكن قد انتظمت بعد، خارج إطار علم الكلام؛ الذي وجد فيه الشيعة مجالاً خصباً لبلورة عقولهم. وقد ظلّ موقفهم من الفلسفة محكوماً بنوع من التردّد والحذر. وبعد أن ضاق ميدان علم الكلام أمام طموح الشيعة، وأصبحت الفلسفة تمثّل ميداناً متقدّماً، في عصر أصبحت المعرفة تتطلّب أرضية أمتن من علم الكلام. هذه المرحلة تضمّ أسماء بارزة، استطاعت أن تقوم بتوليفة جامعة لمذاهب الإشراق والمشائية، ومذاهب المتكلمين. فعلى طول هذه المسافة، تبرز أسماء مهمّة، كنصير الدين الطوسي، والسهروردي، وحيدر آملي، وميرداماد، وملا صدرا الشيرازي، وملا هادي السبزواري. إلاّ أنّ ما يميز هذه التجربة الفلسفية الفارقة؛ والتي نضعها في سياق تاريخي، كان قد بدأ في اليونان وسار إلى الشرق، في جنديسابور والإسكندرية… وانتهى بإسهامات الفكر العربي والإسلامي. أجل، إنّ ما يميّز هذه التجربة الشيعية هو أسلوب الاستدماج المبدع، لنثارات الفكر الفلسفي المتشظي على عدد من الاتجاهات والموروثات، في قالب دقيق؛ يجعل من الفلسفة ذاتها وسيلة لتعقيل الشريعة، وخلق وفاق بين التيارات الفكرية المتنافرة والنزعات الفلسفية المختلفة، كطموح، لجعل المعرفة ممكنة. ولعلنا هنا نكون أمام محاولات متنوّعة في صميم هذه التجربة؛ إذْ، أغلب فلاسفة الشيعة التزموا العناصر الفعّالة في هذه الفلسفة لحلّ إشكالية المعرفة في أفق سيادة المنظور الديني؛ ومن هنا المزاوجة بين الجانبين. وقلّ أن تجد من الشيعة من اعتمد الحقائق الأنطلوجية والقيمية التي جاءت عبر الموروث الثقافي الآخر، بصورة شمولية؛ باستثناء البعض منهم فقط. إن الفيلسوف الشيعي، قبل كل شيء أو بعد كل شيء، هو فقيه ومتشرع؛ مهما بلغ مقدار تخصّصه الفلسفي. كما أنّ الفقيه، الشيعي هو فيلسوف رغماً عنه. لقد نجح الشيعة في أن يزاوجوا ـ فعلياً ـ بين الفلسفة والشريعة. هذا الزواج غدا أرضية مشتركة، حتّى في خبرة خصوم الفلسفة، من الشيعة أنفسهم. كما أنّ الفقه ظلّ عنصراً أساسياً حتّى لدى أولئك الذين غاصوا في الفلسفة إلى الأعماق. وهذا، إنّما يعني أنّ الشيعة كانوا الأقدر على تحقيق ذلك الحلم الكبير الذي راود رموز الفلسفة الإسلامية منذ الفارابي حتّى ابن رشد، ألا وهو التوفيق بين الفلسفة والشريعة. نعم، لقد بنى الفلاسفة الشيعة مذاهبهم الفلسفية على تراث من سبقوهم؛ فلا مجال للحديث عن قطيعة كاملة مع الماضي. فالتراث الفلسفي، هو إرث تاريخي خاضع لمفهوم تطوّري؛ يجسّد تجربة النظر البشري على مرّ العصور في تفكير العالم الموضوعي والوجود والحقيقة. فلا يتصوّر أن يقيم الشيعة صرحاً نظرانياً على غير الأسس السابقة. لقد أنهكوا بمزيد من التكرار ـ الذي لا يخلو من صنعة ـ هذا الموروث الأرسطي والأفلاطوني، غير أنّنا لا ننكر النضج الكبير، الذي أكسبوه هذه التجربة العلمية، بفضل شروحهم وتعاليمهم المكثفة ـ التي قد تصل حدّ الملل ـ وتلك الابتكارة المذهلة التي جعلت فلاسفة الشيعة، جديرين بأن يفخروا بريادتهم المستقلة؛ خصوصاً فيما يتعلق بالفتح المعرفي الذي تَوَّجَهُ ملا صدرا، أخيراً، بنظرية «الحركة الجوهرية».
غير أنّنا سرعان ما نفاجأ بموقف شيعي آخر، يستدعي منّا وقفة خاصّة؛ وهو موقف خصوم الفلسفة، تلك الظاهرة التي لا يخلو منها مذهب من المذاهب الدينية والفكرية. لقد ظلّ العداء للفلسفة تعبيراً عن حالة سلفية رافضة لكلّ جديد، وموقفاً غامضاً من الموروث الإيديولوجي، وتمسّكاً بالعناصر الأساسية للمذهب على وجهها الظاهر ممّا يفقد القدرة على استيعاب متطلبات التجديد والتطوّر. من هنا، يجب أن نميّز بين موقفين يبدوان على درجة من التشابه، في حين تختلف منازعهما ومقاصدهما. الأوّل يتعلّق بالموقف الشيعي المعادي للفلسفة، والآخر، هو عموم الموقف السلفي منها، والذي بلغ قمته مع «تهافت الفلاسفة» لأبي حامد الغزالي، ممثلاً بذلك وجهة النظر السنية والأشعرية على وجه الخصوص. هناك ـ بلا شك ـ فارق حقيقي بين الموقفين. الأوّل يمثّله أهل الحديث والفقهاء يتزعمهم كلّ من أبي حامد الغزالي وابن تيمية وابن الجوزي وابن خلدون… والموقف الشيعي يمثّله فريق من الأخبارية([40]) على وجه الخصوص. إنّ التراث الأخباري ـ نفسه ـ ينطوي على روح تأمّلي كبير، يمثّل ذخيرة نظرية لا تقلّ عمقاً وباطنية عن النظر العرفاني والفلسفي. من هنا نفهم جيداً، لماذا اعتبر هنري كوربان، العلاّمة المجلسي ـ وهو من أنشط الأخبارية ـ فيلسوفاً رغماً عنه! إنّ الذين حاربوا الفلسفة من الشيعة، لم يتنكروا للعقل الذي ناصرته الفلسفة. لعل هناك اشتباه ما ـ معرفي ـ وقع فيه هؤلاء الخصوم، حيث وضعوا جملة من المحاذير حول الفلسفة، لكي لا تكون بديلاً عقدياً، يغني عن تعاليم الوحي، فضلاً عمّا كان يروّجه الفلاسفة من أفكار تناقض في ظاهرها ـ وربّما أيضاً في حقيقتها ـ مفهوم التوحيد ومصير النفس الإنسانية. والحقيقة كما كان يفهمها المتفلسف الشيعي هي غير ما يتصوّره خصومه. ذلك أنّ الفلسفة، على الرغم ممّا اخترقها من عناصر إيديولوجية، ظلّت حاجة ابستمولوجية نقيضة لما تطمح إليه الإيديولوجيا. فلأن كانت الإيديولوجيا ـ بطبيعتها ـ تنزع للجواب، وتهدف إلى إنزال نظام فكري جاهز؛ وبالتالي، تعادي منطق السؤال، وتغيّب الوعي النقيض؛ فإنّ الفلسفة، هي موقف متسائل من المعالم؛ إنّها في جوهرها سؤال الكينونة. لذا فالفيلسوف يكره الجاهز، كما أنّ النظر الفلسفي الحقيقي هو ذلك الذي يبدأ بسؤال وينتهي بآخر. فالذين خاصموا الفلسفة، هم تحديداً أولئك الذين خاصموا المنطق ذاته. لأنّ هذا الأخير ـ في صورته العقلانية ـ كان قد حلّ محلّ ما كانوا يأملونه أمراً مفارقاً؛ أي منطقاً إسلامياً، يستقي مقوماته من عناصر مفارقة، وليس من الوحي ذاته بما هو خطاب إلهي مصاغ في لغة بشرية. إنّهم لم يلتفتوا إلى أنّ المنطق هو قوانين الفكر البشري مجرّدة عن موضوعاته، كان ولا يزال مقصده الرئيسي، صيانة الفكر من الأخطاء. فالمنطق هو بالتالي، مشروع لم ينجز. والقرآن، بما أنّه لغة صيغت على وفق المنطق الإنساني، أي أنّه ظلّ يبني حقائقه على المفاهيم والبداهات الساكنة في أعماق هذا الكائن، تنطوي على ذات المنطق الإنساني([41])؛ وإن ظلّت موضوعاته تحمل حقائق معجزة أحياناً. وهذا لا ينفي أنّ الفلاسفة ظلّوا غير منزهين عن الشوائب الإيديولوجية النابعة من ثقافات البيئة التي وجدوا فيها. فقد بقيت الإيديولوجيا، بمعناها التزييفي، الفكري، غدة سرطانية في الجسد الفلسفي طالما أعاقت استمراريته على طريق النظر الموضوعي، وأدخلته في متاهات شديدة الخطورة! فقد شهدنا كيف أنّ العداء للفلسفة مع أبي حامد الغزالي، اكتسى طابعاً مماحكاتياً. حيث ظهر هذا الأخير من خلال مجمل انشغاله المعرفي، شيئاً آخر، عن أن يكون حقاً عالماً أشعرياً. إنّه ـ بالأحرى ـ أحد الممثلين القلائل للأسلوب السوفسطائي في حقل التفكير العربي والإسلامي. إنّ أبا حامد الغزالي، وخلافاً لما اعتدنا سماعه، لم يدخل الفلسفة ليخرج منها. وإنّما دخلها بقوّة ليربض في حقولها ويخاتل داخل عالمها، مستفيداً من آلياتها في دحض مزاعمها ومخاصمة أصحابها. نعم، لقد أصاب الغزالي في بعض نقوضه التي مسّت كثيراً من الجوانب الإيديولوجية في الفلسفة، لكنّه لم يكن أكثر من معاند في نفيه السببية التي ظلّت العنصر الأكثر أهمية في ذلك الفتح العقلاني العربي والإسلامي. وهذه السببية التي تمثّل عنصراً أساسياً، في المذهب السينوي، كان ابن خلدون، وهو الفقيه المالكي الذي شنّ حرباً لا هوادة فيها على الفلسفة، من الآخذين بها كمحور أساسي في التعليل التاريخي والاجتماعي. لقد كانت أفكار أبي حامد الغزالي ـ رغم تنكّره للفلسفة ـ مصدراً مهماً لأقوى الاتجاهات الفلسفية والعرفانية في العالم الإسلامي. وكأنَّ السوفسطائي الإيراني، وهو يتنكّر داخل اللبوس الأشعري، يستعين بمخاصمة الفلسفة، على اطراح اتجاه ما فيها، وإقحام اتجاه آخر بديل، في إطار صوفي عرفاني. وهو ما يجعلنا ـ ولو في هذه الحدود الضيّقة من المعالجة ـ نميّز بينه ونظرائه المتحاملين على الفلاسفة، أمثال علاء الدين الطوسي، والخواجه زاده، وابن تيمية، وابن خلدون… فهؤلاء لم تكن مقاصدهم على غرار أبي حامد الغزالي([42])، كما أنّه لا غبار على خروجهم عن هذا الفن.
أمّا من الناحية الأخرى، فإنّ الإخبارية من الشيعة، ومن خلال النصوص التي تعرّضوا فيها لمقالات الفلاسفة، تبيّن أنّ ثمّة فكرة أساسية ظلّت مثار جدلهم، وعليها تفرّعت باقي مستمساكتهم؛ أعني مسألة التوحيد وما أثير حولها من إشكالات، بلغت قمة تعقدها مع نظرية وحدة الوجود. كما أنّ هناك جانباً آخر ظلّ عنصراً أساسياً في إذكاء تلك الخصومة، وهو ما يتعلق بالموقف من الشريعة. ولم يكن موقف خصوم الفلسفة الشيعية، موقفاً جذرياً من النظر الفلسفي، إلاّ من حيث كونه ظلّ مأوى للوافد الأجنبي من الثقافات والأفكار اليونانية والفارسية القديمة. لقد حاربوا ـ إذن ـ موقفاً إيديولوجياً داخل الفلسفة، وليس جوهرها من حيث هي موقف متسائل من العالم، أو من حيث هي أمّ العلوم الحاضنة للطبيعيات والرياضيات والطب، وما شابهها من العلوم البحتة. إنّ السؤال الرئيسي في هذه الهجمة التي أطلقها الخصوم، تكمن من مدى طبيعة التصوّر الذي انطلقوا منه في موقفهم من الفلسفة؛ التي اعتبروها بديلاً يهدف إلى إنزال تفسير بديل عن أجوبة الوحي، الأمر الذي لم يكن من وظيفة الفلسفة. غير أنّ هناك من أقام خصومته للفلسفة على أساس أنّها إن كانت هي ـ حقاً ـ موقفاً متسائلاً من الوجود، فأي أهمية بقيت لها بعد مجيء الوحي، ما دام أنّ هذا الأخير قد قدّم ما فيه الكفاية من الأجوبة على حيرة العقل الإنساني حول ما يعتريه من تساؤلات مقلقة. فهل وظيفة الفلسفة تنتهي عند ظهور الوحي؟ هل التساؤل يفقد أهميته مع اكتمال الدين؟
هكذا يكون موقف الشيعي الإخباري من الفلسفة، هو دحض لمزاعم الفلاسفة، وكشف عن عجز الكيان الفلسفي، عن حلّ ذلك القلق المعرفي الذي ران على العقل البشري. من هنا، تبلور شكل جديد لهذه الخصومة؛ يتعلق ببناء كيان فلسفي جديد، يستقي مفاهيمه من صميم الحقيقة النبوية ومصادر الوحي؛ الضمانة الوحيدة لفلسفة جديرة بنسبها الإسلامي! لقد ظلّ موقف هؤلاء الخصوم ـ من الشيعة ـ منصبّاً، بشكل كبير، على المتصوفة، مركزين على مقالاتهم في الحلول والاتحاد، ورفض الشريعة والابتعاد عن الولاء التشريعي للأئمة. ولم تظهر ـ فيما نعلم ـ محاولة لنقد شامل وجذري للفلسفة، عند الشيعة على غرار «تهافت الفلاسفة». ربّما ذكر آغا بزرك الطهراني كتاباً منسوباً لنصير الدين الطوسي يحمل عنوان «تهافت الفلاسفة» غير أنّه تبيّن بعد ذلك، أنّ نصير الدين الطوسي لم يكن له كتاب من ذاك القبيل. ربّما يرجع اشتباه الطهراني إلى ذلك الخلط بين اسمين متقاربين، هما نصير الدين الطوسي ـ الفيلسوف الشيعي ـ وعلاء الدين الطوسي ـ العالم السني ـ. وكتاب «تهافت الفلاسفة» الذي يحمل عنوان «الذخيرة»، منسوب إلى الثاني وليس إلى الأوّل. إنّ موقف الطوسي واضح من الفلسفة؛ فقد هذّب الكثير من مطالبها، وأقحمها بإتقان، في صميم المعقول الشيعي. أمّا خصوم الفلسفة، الشيعيون، فإنّهم اكتفوا بكلام عام، ظهر ضمن سياقات مختلفة، ظلّ التركيز فيها على المتصوفة بشكل عام. فقد نجد مثالاً حيّاً لتلك الخصومة فيما يورده السيد نعمة الله الجزائري (متوفى 1112هـ)؛ حيث حمل على الفلاسفة في مواقع شتّى، ناعتاً مذاهبهم بالفساد وواصفاً رموزهم بالضلال، إذْ يقول:
«اعلم وفقك الله أنّ الفلاسفة وجمعاً كثيراً من علماء الإسلام قد مهدوا أصلاً فاسداً ولفقوا له دلائل أوهن من بيت العنكبوت، وبنوا عليه فروعاً كثيراً لا تكاد تحصى وذلك أنّهم نظروا إلى أنّ الله تقدّس وتعالى واحد حقيقي من جميع الجهات، ليس للتركيب فيه مدخل بوجه من الوجوه، لا خارجاً ولا عقلاً […] ولعمرك إنّ هذه الطائفة أشر من المجوس، فإنّ المجوس أثبتوا له سبحانه شريكاً يفعل الشرّ سمّوه أهرمن وهو بلغتهم الشيطان، وفاعل الخير هو يزدان، وهو بلسانهم الواجب تعالى، فقد أثبتوا له كلّ أفعال الخير […] العلم الذي توهمته عقولكم [أي الحكماء] وحصلته أوهامكم وزعمتم أنّه علم ولم يذكر في شيء من الكتب السماوية، وما سمعنا أيضاً عن اليهولى والصورة ولا الجزء الذي لا يتجزأ في شيء من الأخبار وأنّ هذا أقل فساداً ممّا تقدّم إذا عرفت هذا»([43]).
نلاحظ هنا، خصومة يقدحها موقف معين من الفلسفة، باعتبارها تمثّل حقائق خارج إطار الشريعة. لذا يعتبر السيد نعمة الله الجزائري، وعلى طريقة «الأخبارية» ـ دائماً ـ أنّ عدم ورود أسماء، نظير الهيولى والصورة والجزء دليل على فسادها. وهو التصوّر الذي استهجنه فقهاء الشيعة أنفسهم في مجال التأصيل والاجتهاد. لقد كانت للسيد نعمة الله، جولات كثيرة، ناقش فيها الفلاسفة، ودحض مقالاتهم بالأسلوب نفسه الذي يجعل من الفلسفة مأوى للأوهام. وعلى الرغم من ذلك، لم يكن السيد نعمة الله، من النقاد الجذريين للنظر الفلسفي؛ فقد أشاد بعلم الكلام الذي رفضه خصوم الفلسفة من السلفيين، ولا يتردّد أن يعيد أصل جميع العلوم العقلية إلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). هنا يبرز ذلك الفرق الكبير بين السلفي الناقم على الفلسفة، وبين الإخباري المخاصم لها. فقد نجد ابن تيمية ـ وعلى سبيل المثال ـ يتعرّض بالقدر نفسه من الحدّة إلى علم الكلام، موضحاً ذلك بقوله: «وأمّا الأولون فلم يوجد لهم مذهب تام مبتدع، بمنزلة مبتدعة المتكلمين من المسلمين، مثل أبي الهذيل وهشام بن الحكم ونحوهما، ممّن وضع مذهباً في أبواب أصول الدين، فاتبعه على ذلك طائفة»([44]).
يقابل هذا النص الواضح في الموقف الجذري من النظر الفلسفي، نص آخر للسيد نعمة الله الجزائري يقول فيه([45]):
«إنّنا نفحص عن أحوال العلوم وأعظمها علم الأصول [يعني علم الكلام الذي ميدانه أصول الدين] وقد جاء في خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) من أسرار التوحيد والعدل والنبوة والقضاء والقدر وأحوال المعاد، ما لم يأت من كلام سائر الصحابة، وأيضاً فجميع فرق المتكلمين ينتهي آخر نسبتهم في هذا العالم إليه…».
من هنا نستطيع القول، بأنّ خصوم الفلسفة من الشيعة، يتميزون بنوع من التردّد؛ إذْ كثيراً ما استندوا إلى أرضيتها في احتياجاتهم ومحاوراتهم. فالسيد نعمة الله هنا كنموذج حقيقي لخصم تقليدي للفلسفة، يمثّل بذلك اتجاه الأخبارية الناقمين على كلّ فكر لا يجد موطنه أو منطلقه في توضيحات الأئمة، إنّما ظلّ ـ رغم ما يمكن نعته به من عدم إتقانه لهذه الصنعة ـ متفلسفاً، وذلك من خلال مقاربةٍ لظاهرة ما أسماه «كوربان» بفلسفة النبوة لدى الشيعة؛ تلك التي تفترض ضرورة وجود الإنسان المصطفى والمطهر، وجعل الفكرة، مجرد ـ لا نقول استذكاراً على أساس المنظور الأفلاطوني ـ كشف وظهور للحقيقة المستورة. إنّ قصة المعرفة، ليست قلقاً يتجه نحو الجديد؛ بل هي سير نحو استرجاع الحقيقة الغائبة. فهذا الغائب إنّما يوجد على نحو كامل. والنصوص ضمانة اليقين في ظرف الغيبة؛ الشيء الذي يجعل الأخباري على مفترق الطريق، ليس مع أصحابه النزّاعين إلى الفلسفة، الآخذين بالطرق الظنية، فحسب، بل مع جمهور السلفية القائلين بحجية السماع، كطريق وحيد لإحراز المعرفة والنظر القويم. إنّنا نجد السيد نعمة الله الجزائري، في الوقت الذي يخطّئ فيه الفلاسفة لإيرادهم مفاهيم غير واردة في منطوق الوحي، مثل الهيولى والصورة والجزء… ها هو يتترس ـ أحياناً ـ حتّى النخاع، بآليات الجدل الفلسفي، وهو يحمل على كاهله عبء الردّ على شبهة الفيلسوف اليهودي، ابن كمونة، مستخدماً مفاهيم الفلاسفة في دحضها([46]). وهذا التداخل النظري بين كلّ من الفلاسفة والأخبارية الإماميين، نكشفه من خلال ما سبق وإن أثرناه بخصوص إشكالية الجبر الفلسفي ومفهوم الشقاوة الذاتية، كما تعرض لذلك أحد الفقهاء المتفلسفين من الشيعة، الآخوند ملا الخراساني. حيث إنّنا نجد موقفه الذي عبّر عنه بـ «هنا انكسر القلم»([47])، التزاماً بالتصوّر الأخباري ذاته لمسألة السعادة أو الشقاوة المنعقدتين في عالم الذرّ، كما يوردها السيد نعمة الله الجزائري([48]). كما لا يُخفي هذا الأخير احترامه الكبير للشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي، وهو من أبرز الفلاسفة والمتكلمين الشيعة. حيث يُثني عليه في معرض شرحه لكتاب الأحساسي «عوالي اللئالي». إذْ يظهر جلياً ما أثبتناه سابقاً، بأنّ موقف السيد نعمة الله، لم يكن جذرياً من الفلسفة. خصوصاً وأنّه هنا يدافع بقوّة عن رجالات الفلسفة من الشيعة؛ أولئك الذين حققوا مطالبها. مع أنّ المطلع على كتاب «المجلي» للشيخ الأحسائي، لا يتردّد في تصنيفه كأحد أبرز أتباع محيي الدين بن عربي. وهذا النص كافٍ لإيضاح ما رُمناه في تحليلنا السابق، حيث يقول:
«… وأمّا اطّلاعه وكمال معرفته بعلم الفلاسفة وحكمتها، وعلم التصوّف وحقيقته. فغير قادح في جلالة شأنه [أي الشيخ الأحسائي] فإنّ أكثر علمائنا، من القدماء والمتأخرين قد حققوا هذين العلمين ونحوهما، من الرياضة والنجوم والمنطق وهذا غني عن البيان. وتحقيقهم لتلك العلوم ونحوها وأصولها، والاعتقاد بها، والاطلاع على مذاهب أهلها […] وكذلك الشيخ كمال الدين ميثم البحراني عطر الله ضريحه، فإنّه في تحقيق حكمة الفلاسفة ونحوها، أجلّ شأناً من أفلاطون وأرسطو ونحوهما من أساطين الحكماء، ومن طالع شرحه الكبير على كتاب نهج البلاغة علم صحة هذا المقال. وأمّا ما ذكر فيه من التأويلات التي لا ينطبق ظاهرها على لسان الشريعة، فإنّما هي في ظاهر المقال، أو عند التحقيق حكاية لأقوال الحكماء والصوفية ومن قال بمقالاتهم وليس هو قولاً له في تلك التأويلات البعيدة»([49]).
بل إنّ السيد نعمة الله الجزائري، يفاجئنا على نحو مدهش، حينما يغيّر لهجته في هذا المقام، مسترسلاً في دفاعه عن الشيخ الأحسائي قائلاً: «وأمّا استحسانه لبعض أشعار الصوفية، مثل جملة من أشعار المثنوي ومحيي الدين بن عربي ونحوهما، فإنّما هو تحسين الكلام، والحكمة ضالة المؤمن، وفي الحديث: إنّ إبليس لمّا ركب مع نبي الله نوح (عليه السلام) في السفينة، ألقى إليه جملة من النصائح والمواعظ، فأمر الله نوح (عليه السلام)، بقبولها و العمل بها، وقال أجريتها على لسانه»([50]).
وعليه، فإنّ موقفاً كهذا، ليس جديداً، بل إنّه يمثّل وجهة النظر الأخبارية التقليدية. هؤلاء وإن كانوا لم يوفقوا دائماً في نقوضهم العنيفة للفلاسفة والأصوليين من أبناء مذهبهم. إنّ موقف الأخباري الشيعي من العقل، ظلّ موقفاً عقلانياً، من حيث اعتقاده بالإدراك العقلي للحسن والقبح، الذي عارضه المحدّث السلفي، لاغياً بذلك حجية العقل. أبو بتعبير آخر، نلاحظ أنّ موقف الأخباري من العقل، يشوبه قلق اليقين، إذْ ليس ثمة في التصوّر الأخباري من ضمانة ذاتية للعقل من الوقوع في الظنون، تلك التي «لا تغني عن الحق شيئاً». هكذا لا يتردّد الأخباري في القبول بمثل محاورات هشام بن الحكم، وهو من أبرز متكلمي الشيعة، مع أنّ طريقته لا تكاد تختلف، من الناحية البرهانية والفنية، عن طرق الفلاسفة والمتكلمين ـ ربّما لهذا السبب ظلّ رمزاً للزندقة والضلال عند جمهور السلفيين ـ. وهذا لأنّ هشام بن الحكم كان معاصراً للإمام جعفر الصادق وأحد أنشط تلامذته. إنّ لهذه الظاهرة مغزى كبيراً؛ هو أنّ الإمام هنا، بمعصوميته، يمثّل ضمانة معرفية لكلّ محاولات هشام بن الحكم. فالمشكلة في حدّ ذاتها لا علاقة لها بمنهج مساوق للبدعة، بالمفهوم السلفوي للعبارة، بل إنّها تكمن عند الإخباري في غياب هذه الضمانة ـ الحصانة. أي أنّها إشكالية يقين بالدرجة الأولى. هذا فضلاً عن أنّ الأخباري الشيعي، ينطوي على تراث نقلي ضخم، يحتوي على مضامين عقلانية مدهشة، تجعله بالرغم من منزعه للسماع، صاحب رصيد من المعقول لا يقل أهمية عن أضرابه المخالفين. ثمة ـ لا شك ـ فارق كبير بين أن نلزم أنفسنا بأخبار بسيطة، كما ينقلها المحدّث السلفي، وهي لا تتجاوز، من حيث أسلوبها القرن الهجري الأوّل([51])، وبين تلك الأخبار التي تضمّنت خطب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) التي ظلّت مصدراً أساسياً للفكر المعتزلي وعموم التيار العقلاني العربي والإسلامي، كما تضمّنت احتجاجات ومحاولات مختلف الأئمة تجاه المتكلمين والفلاسفة وأيضاً الزنادقة والدهريين. إنّه ـ وكما أوضحنا سابقاً ـ موقف من اليقين العقلي، وليس من العقل ذاته، لهذا السبب تحديداً هناك من اعتبر الأخبارية من ممثلي الاتجاه الحسّي داخل المدرسة الشيعية.
في مقابل هذا الموقف المحافظ، نجد فهماً آخر يتمثله أنصار الفلسفة والاجتهاد من الشيعة. لقد أدرك هذا الاتجاه حقيقة تلك المحاذير التي نصبت حول الفلسفة بدافع لخوف من أن يؤدّي الاشتغال بها إلى إهمال الشريعة أو السقوط في مقالات التصوّف الفلسفي، كما نلاحظ ذلك بوضوح في نقوض الأردبيلي أو المرعشي النجفي مثلاً. هذا التصوّف الفلسفي الذي سبق وأن عارضه الأئمة الشيعة من حيث نزوعه إلى القول في العزلة السلبية عن الحياة الاجتماعية، ووقوعه في بعض الاعتقادات الفاسدة التي يقوم أغلبها على أساس التخييل والوهم. غير أنّ فلاسفة الشيعة، وأنصارهم من المجتهدين والفقهاء، ينطلقون من منطلق آخر في انتمائهم لهذا الحقل المعرفي. فهم يعتبرونه حقلاً خصباً للمعقول، قابلاً لمزيد من التفكُّر، ومفتوحاً لجميع الاحتمالات. ووظيفتها لا تتجاوز أنّها ـ أي الفلسفة ـ تسهل طرائق النظر وتحدّد مقدمات المعرفة، والبرهان على الألوهة ذاتها. من هنا نبعت ضرورة التوفيق بين الفلسفة والشريعة، لأنّ عنصراً أساسياً ظلّ يحرّك هذا الطموح، الذي وجد لدى الفلاسفة المسلمين، حيث بلغ قمة إلحاحه مع قصة حي ابن يقظان والمشروع الرشدي في الربط بين الحكمة والشريعة. بل، إنّنا نجد مثالاً حيّاً عن هذه الظاهرة التوفيقية لدى ملا صدرا الذي كرّس جزءاً كبيراً من انشغالاته العلمية، لشرح أهم مدونة إخبارية عند الشيعة؛ وهي «الكافي» للشيخ الكليني. فقد ظلّ هذا الطموح هاجساً لدى جميع الفلاسفة المسلمين، بمن فيهم الأكثر معاداة للفقهاء؛ حيث نجد مثالاً آخر، ترتسم فيه حاجة الفلسفة إلى الدين بأجلى صورة لها في كيمياء السعادة لمحيي الدين بن عربي، حينما عالج هذه الحاجة من خلال تشخيص قصصي لرحلة معراجية بين رجل متدين وفيلسوف. إذن، يبقى الإشكال يتمحور حول سؤال رئيسي: ما معنى الفلسفة؟ والجواب على هذا السؤال هو ما سيحدّد موقف الخصوم والمؤيدين كليهما([52]).
وسوف نحاول، التعرّض بصورة موجزة، إلى معالم الفلسفة الشيعية، فيما يتعلق بمباحث الوجود ونظرية المعرفة، من خلال اسم بارز، يمثّل رمزاً لاتجاهين مختلفين، وإن ظلّ هناك عناصر متداخلة بينهما… هو الفيلسوف الشيرازي المعروف بصدر المتألهين. ولا شك أنّ ثمّة أسباباً موضوعية جعلتنا نركّز على هذه الشخصية.
أوّلاً: لأنّ غاية هذا البحث، لا تنوي الإلمام بجميع متفلسفة الشيعة، وإنّما التعرّض فقط إلى نموذج عام، يفيدنا في بلورة موقف من طبيعة المنزع العقلاني للإمامية.
ثانياً: لأنّ هذه الشخصية، هي الأبرز، لا على صعيد الفلسفة الشيعية فحسب، بل لها مكانتها على صعيد الفكر العربي، والإنساني، أيضاً.
ثالثاً: لأنّ السابقون له من فلاسفة الشيعة لم يبلغوا درجة الشمول والتوسّع كما مثلها هو. فصدر المتألهين، وعلى الرغم من أنّه ظلّ مديناً ـ فيمن هو مدين لهم ـ للخواجه الطوسي، رغم أنّه تمكّن من أن يبتعد أكثر في حقل التفكير الفلسفي، وطرقَ من الموضوعات ما لم يطرقه الخواجه، بل أتى بأشياء لم تكن محط نظر آنذاك، وعليه، فإنّنا نستطيع القبض على فلسفة الخواجة، وبمزيد من الدقة، في ذلك التراث الفلسفي الذي خلفه ملا صدرا، فهو يمثّل قمة النضج لهذه الفلسفة، كما أنّ اللاحقين عليه، لم يكونوا سوى موسعين، وشراحاً ـ ربما بارعين ـ لفلسفته. أمّا السهروردي، فهو إنّ ظلّ أحد الذين أفاد منهم ملا صدرا، بقي واحداً من أبرز الفلاسفة ونقادها في تاريخ الفكر الإنساني.
إدريس هاني
الجزائر
مرّ الحديث عنها في مكانه ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
ما من بلد عربي يعاني مثل الجزائر من المسألة الثقافية بسبب انعكاساتها على الهوية وانزلاقها أخيراً نحو المطالبة بالاستقلال الذاتي لبعض المناطق من البلاد. فما هي الركائز الأساسية التي تتأسّس عليها الثقافة الجزائرية؟ وهل صحيح أنّه لا توجد في الجزائر ثقافة واحدة، بل ثقافات عدّة؟ من دون الدخول في الجزئيات والتفاصيل، يمكن القول إنّ ثقافة المجتمع الجزائري تقوم على أسس ثلاثة، هي الأمازيغية، أي البربرية، واللغة العربية والإسلام.
ما وصَلنا من الأساس الأمازيغي في مجال الأدب، لا سيما الشعري منه، لا يذهب إلى أبعد من القرن السادس عشر ميلادي. لهذا نجده متأثراً بالروح الإسلامية كما تبلورت في ذلك العهد، في المجتمع الجزائري، وبالتالي هو غير متميز عن التراث الناطق بالعربية، الذي يشترك معه في الخصائص العامّة كالنزعة الصوفية وتمجيد الأولياء. ما نلاحظ اشتراكهما في سماء أخرى كارتباط الشعر بالغناء وفي وجود الشعراء الجوالين والسير الهلالية باللغتين… غير أنّ هذا الاشتراك في الخصائص العامّة، على رغم الاختلاف في اللغة، ينطبق بالدرجة الأولى على الثقافة التقليدية، أمّا اليوم فإنّ الأمازيغية تتجه نحو التشكّل كثقافة مستقلة عن العربية، مثلما يدل على ذلك اختيار الكتابة بالأحرف اللاتينية، علماّ أنّ لغة الكتابة المشتركة بين الجزائريين قبل العهد الكولونيالي كانت العربية. كما أنّ أوّل تدوين للشعر الأمازيغي كان بالأحراف العربية، وذلك في مؤلف يحمل عنوان «المرسل»، كما يعترف مولود معمري بذلك في كتابه «الشعر القبائلي». فضلاً عن كون أوّل كتابة للأمازيغية كانت بالأحرف العربية من طرف المهدي بن تومرت حين نقل القرآن إلى البربرية. ومع دخول الثقافة الجزائرية الناطقة بالأمازيغية عهد الكتابة، متخلية عن طابعها الشفوي المميز لها تاريخياً، بدأت تلج مجالات ثقافية حديثة كالرواية والسينما والمسرح. فماذا سيكون تأثيرها على الثقافة الجزائرية، ومن خلالها على مسألة الهوية، خصوصاً أن البربرية تحوّلت إلى لغة وطنية بعد مصادقة البرلمان على قانون بهذا الشأن، لكن مع بقاء مطلب الترقية إلى لغة رسمية للبلاد عالقاً؟ وهل ستفك رباطها اللغوي والإيديولوجي والعاطفي باللغة الفرنسية؟
ويمثّل الإسلام المرجع العقائدي المشترك للثقافة الجزائرية التقليدية، أي العربية منها والبربرية، سواء في الحكاية الشعبية بمختلف أنواعها، أو في مجالس الشعر، المكتوب منه والشفوي. فهذه المرجعية هي نفسها، مثلاً، عند الشاعرين الأمازيغيين الشيخ محند أومحند ومصطفى أوقاسي، أو عند الشاعرين الشعبيين الناطقين بالعربية ابن مسيب وابن قنون. كما نجد في الفضاءين مجالات أدبية تحيل مباشرة إلى أغراض ذات صبغة دينية، مثل النوع المسمّى و«الذكر» في المجال الأمازيغي أو في نوع «المغازي» و«المديح» في المجال الناطق بالعربية. على رغم هذا لا يمكن نعت الثقافة الجزائرية بالإسلامية في مجملها. فالثقافة الجزائرية، على غرار غيرها من الثقافات في العالم، عرفت، مثلاً، شعر الغزل وفن الرقص، ولكن لا يمكن أن ننسبها إلى الإسلام. صحيح أنّه على صعيد التراث الشعبي المتصل بـ «الطرقية» نجد توظيفاً للرقص في الممارسات الصوفية. لكن إذا كان ذلك يضفي عليها نوعاً من الدلالة الدينية، فإنّه لا يجعل منها بالضرورة «رقصاً إسلامياً». وباعتبار أنّ الإسلام يمثّل أحد أسس الثقافة الجزائرية، فإنّ ذلك يجعلها تشبه ثقافات البلدان الإسلامية الأخرى من حيث ارتكاز ثقافتها التقليدية على علوم الدين من تفسير وفقه وعلم الكلام وتصوّف، وكذلك من حيث إنّها لم تعرف الرسم والنحت والمسرح إلاّ حديثاً. وعلى رغم أنّ الجزائر لا تزال إلى اليوم تنتج ثقافة يمكن وصفها بالإسلامية في بعض جوانبها، مثل المنمنات والزخرفة والخط والشعر، فإنّ ارتباطها بالدين أقل بكثير ممّا كانت عليه في الماضي. فالاتصال بثقافات العصر أدّى إلى توسيع مجالها إلى ميادين أخرى كانت على الدوام، وبهذا القدر أو ذاك، خارج نطاق نفوذ الدين، مثل الرواية والمسرح والأوبرات والكوريغرافيا والسينما والفنون التشكيلية. غير أنّه يمكن القول إنّ العامل الديني ما زال يمارس دوره هنا كذلك، لكن كعامل رقابة ذاتية وليس كعامل إلهام. ويبدو أنّ عودة الإسلام ثقافياً مرتبط بعودته سياسياً كما دلّ على ذلك انتشار الكتاب الديني في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، أي أيام صعود الإسلام السياسي.
ويرتبط الأساس العربي للثقافة الجزائرية بالفتح الإسلامي، لأنّ كون اللغة العربية لغة القرآن أمر جلب لها تقدير سكان البلاد ممّا وفّر لها مكانة مميزة في مختلف مجالات الفكر والمعرفة والإبداع. أمّا التراث الشعبي، بما في ذلك الشفوي منه المعبر عنه بواسطة اللهجات العربية، فهو مرتبط بمجيء العنصر العربي من خلال زحف بني هلال في القرن الخامس الهجري (11م). فقد كان لهذا الاجتياح أثره من الناحية الديموغرافية وتبعاً لذلك من الناحية الثقافية. غير أنّ الاستعمار الفرنسي، وكان استعماراً استيطانياً، أضعف الأساس العربي للثقافة الجزائرية، لا سيما في شقّه اللغوي. فقد انتهى الأمر بالجزائريين إلى أن ينتجوا في ميادين عدّة ثقافة مكتوبة بالفرنسية. ولذلك كفت العربية عن أن تكون لغة الكتابة الوحيدة، وأصبح المثقفون الجزائريون يفتقرون إلى لغة مشتركة بينهم. وبلغ تقهقر العربية في العهد الكولونيالي حداً جعل منها قانون سنة 1926 لغة أجنبية. وهو الأمر الذي يبرز الدور الذي قامت به جمعية العلماء المسلمين كحركة مقاومة ثقافية. وكان من نتائج ثورة أوّل تشرين الثاني (نوفمبر) 1954 عودة العربية بعد الاستقلال كلغة وطنية ورسمية. بيد أنّ اللغة الفرنسية، وعلى نطاق واسع، استمرّت في إنتاج ثقافة جزائرية غير عربية اللسان. وربّما هذا ما يفسّر كون الثقافة الجزائرية لم تعد اليوم تنتج التواصل والتآلف داخل المجتمع، ذلك أنّ النزاعات اللغوية لا تختلف في حدّتها وفي تأثيراتها النفسية والاجتماعية والإيديولوجية والسياسية عمّا قد تحدّثه النزاعات الدينية أحياناً. وربما يمكن الحديث عن نوع من «صدام الحضارات» في الجزائر، ترجع جذوره إلى المسألة اللغوية.
إبراهيم سعدي
الجزيرة
مرّ الحديث عنها في مكانه ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
إنّ تعبير الجزيرة ـ الذي ينطبق على الفترة الحمدانية ـ لم يكن مقصوراً على العراق الأعلى الواقع بين دجلة والفرات([53])، أو الإقليم الذي أطلق عليه الغربيون الاسم اليوناني Mesopotamia أي بلاد ما بين النهرين، والذي عرفه الجغرافيون القدامى([54]) على أنّها الأرض التي بين دجلة والفرات وتشتمل على ديار ربيعة وديار مضر، بل أنّه يمتد ليشمل مناطق أوسع تقع ما بين جبال أرمينية وكردستان شمالاً وشرقاً حتّى الخط الوهمي الذي يصل بين عانات وحديثة وتكريت على دجلة جنوباً. ذلك أنّ هذه الأقاليم الشاسعة والموزّعة اليوم ما بين العراق وسورية وتركية شهدت نشاط الحمدانيين وكان لهم فيها من وقت إلى آخر سيادة كلية أو جزئية. وفي هذا الصدد يقول الجغرافيان العربيان الكبيران الإصطخري وابن حوقل([55]): إنّ مدناً وقرى على شرقي دجلة وغربي الفرات تنسب إلى إقليم الجزيرة «وهي خارجة منها وبائنة عنها»([56]).
إنّ إقليم الجزيرة بمعناه الجغرافي التاريخي الواسع الذي نريده هنا والذي يقع ما بين جبال أرمينية وكردستان شمالاً وشرقاً وعانات وتكريت جنوباً، يمكن أن يعتبر من ناحية التضاريس هضبة ذات أراضٍ متموجة مرتفعة عن مستوى دجلة والفرات وروافدهما. غير أنّ هذه الهضبة لا تخلو من بعض المرتفعات الجبلية في الشمال والشرق حيث تزيد كمية المطر التي تساعد على الزراعة واستقرار المجتمعات البشرية. أمّا المنطقة الواقعة في غربي دجلة وشرقيها ومنطقة تلال حمرين فتغلب عليها صفة البادية لقلة مياهها. لقد قامت مراكز الحياة المتمدنة المستقرة في الأغلب حول ضفاف الأنهار حيث قامت المدن ونشطت الزراعة والتجارة. وهذه المنطقة ـ وخاصّة كلّما توغلنا شمالاً ـ تتميز بأنّها منطقة حصينة بما يتخلّلها من جبال وتلال، لذلك كانت ميداناً مستمراً لمعارك وحروب. وقد صعب على مهاجميها أن يقتحموها دون بذل تضحيات جسيمة. كما أنّ كثيراً من مدنها التي شيّدت في أعلى التلال أو بين المرتفعات تمتعت بقلاع وحصون ـ وفق أسلوب العصور الوسطى ـ ممّا جعلها منيعة في وجه أعدائها. بل إنّ أسماء كثير من المدن والمواضع التأريخية ـ والتي ما زال بعضها يحتفظ بنفس الاسم ـ كانت تقرن بكلمة حصن أو تل: مثال ذلك حصن كيفا، تل فافان، تل خوم، حصن عرقة، الحصن اليماني، قلعة الحدث، حصن زياد، حصن منبج، حصن منصور وغيرها كثيرة.
إنّ إقليم الجزيرة الذي سمّي بهذا الاسم «لأنّها تقطع الفرات ودجلة»([57])، يحوي في الحقيقة كلّ الخصائص الجغرافية، ففيه جبال عالية وهضاب وسهول خصيبة وبوادٍ قليلة المياه واضحة الجفاف. ولعل أهم ما في هذا الإقليم من الجبال جبل سنجار بين الخابور ودجلة (ويبلغ ارتفاعه 4800 قدماً) وجبل إبراهيم (1753 قدماً) وجبل مكحول (1600) قدماً، وهذه الجبال الثلاثة تقع غربي دجلة، أمّا في شرقيه ـ بينه وبين الزاب الكبير ـ فنجد جبل باعشيقة (2177 قدماً) وجبل مقلوب (3483 قدماً) وهناك جبال منفردة أخرى بين الزابين الكبير والصغير (أو الأعلى والأسفل) وبين هذا الأخير والحدود العراقية الإيرانية الحالية.
أطلق الجغرافيون العرب القدامى ـ اسم الجزيرة على أرض ما بين النهرين Mesopotamia أي العراق الأعلى اليوم باعتبار أنّ دجلة والفرات يحصران هذه الأرض بينهما. غير أنّ المقدسي([58]) أطلق على الجزيرة اسماً غريباً هو (أقور) فانفرد بهذه التسمية عن غيره، على حين اتفق مع غيره من الجغرافيين في سائر أوصاف الإقليم ويعتقد لسترانج([59]) أنّ هذه التسمية ربّما كانت تطلق في القديم على سهل شمال ما بين النهرين، أي الإقليم الواقع بين دجلة والفرات([60]).
لقد قسّم الجغرافيون العرب إقليم الجزيرة إلى ثلاث كور حسب بطون القبائل العربية التي أقامت فيه إبان الحكم الساساني قبل الإسلام، وهي: ديار ربيعة، وديار مضر، وديار بكر([61]). غير أنّ ابن حوقل والإصطخري أدمجا ديار بكر بديار ربيعة([62]). ولا نريد هنا أن نتعرّض لتفاصيل هجرة هذه القبائل وأسبابها، إلاّ أنّنا نودّ أن نشير إلى أنّ هذه القبائل كانت كلّها عدنانية، وقد انساحت في الأرض القريبة والبعيدة عن منازلها الأصلية في تهامة فأقامت بطون منها في أرض الجزيرة في فترات زمنية متقاربة أو متباعدة. فسمّيت هذه المناطق باسمها.
ولكي نتعرّف على حدود الجزيرة ومناطقها الثلاث، يجب أن نشير إلى أنّ حدود هذه المناطق كانت تتفق وتوزيع المياه، فكان دجلة يروي ديار بكر من منبعه حتّى الانحناء الكبير الذي يكوّنه النهر أسفل تل فافان، مع الأرض التي في شمالها والتي تخترقها عدّة روافد تتصل بضفة دجلة اليسرى غربي تل فافان([63]). وتقع ديار مضر إلى الجنوب الغربي وتشمل جميع الأراضي السهلة التي يرويها نهر البليخ رافد الفرات الآتي من حران من عين الذهبانة (حسب ما يقول ابن خرداذبه والدهمانة حسب ما ورد في ابن رستة). على حين تقع ديار ربيعة شرقي ديار مضر، وكانت تشمل منطقة الخابور الكبير الآتي من رأس العين (والذي يستمد مياهه من الهرماس ويصب في الفرات عند قرقيسيا) والأراضي الواقعة على ضفتي دجلة من تل فافان حتّى تكريت، وهي أراضٍ سهلة كان يرويها الزابان والخابور الصغير([64]).
إنّ كلاً من دجلة والفرات ينبعان من الشمال الشرقي وتتصل روافدهما بهما من الجهة اليسرى. وينبع الفرات من الجبال الواقعة بين بحيرة وان في جبال أرمينية وبين البحر الأسود عند خط العرض 40 شمالاً، أو بتعبير القدامى([65]) «من بلاد الروم». والواقع أنّ نهر الفرات ـ على عكس دجلة ـ يتمتع بأهم روافده قبل دخوله الحدود العراقية وأهمها رافدا البليخ والخابور. ويبدو المسعودي([66]) أكثر دقة حيث يجعل مبدأ الفرات من جبال أرمينية «على نحو يوم من قاليقلا. شمال أرضروم» والمسعودي كان على حق إذ أنّ هذا هو منبع الفرات الأصلي والذي يدعي اليوم باسم (قره صو) ([67]).
أمّا دجلة فينبع من جبال شهرزور فوق آمد على حدود بلاد أرمينية، ويمرّ بجبال السلسلة ثمّ بمدن آمد وميافارقين في ديار بكر قبل أن يصل إلى الموصل في ديار ربيعة حيث يتصل به رافداه الزاب الكبير والزاب الصغير، ثمّ يتّجه إلى تكريت غربي ديار بني شيبان حتّى يصل إلى بغداد([68]). ومخرج الزابين من جبال أرمينية ويصبان في دجلة، الكبير بالحديثة والصغير بالسن([69]). ويقول المسعودي([70]) إنّ دجلة تخرج من بلاد آمد من ديار بكر من أعين بلاد خلاط من أرمينية، ويصب إليها نهر سريط وسائر ما يخرج من بلاد أرزن([71]) وميافارقين وغير ذلك من الأنهار كنهر الخابور الذي يأتي من بلاد أرمينية ويصب في دجلة في منطقة باسورين وقردى وبازبدي([72]). وهذه الديار ـ كما يقول ـ هي ديار بني حمدان. ثمّ يمر دجلة بمدينة الموصل ويصب فيه نهر الزاب وهو من بلاد أرمينية (ويعني المسعودي الزاب الأكبر أو الأعلى الذي ينبع من الجبال الواقعة بين بحيرة وان وبحيرة أورمية ويلتقي بدجلة عند منتصف الطريق بين الموصل وشرقاط). ويستطرد المسعودي فيقول إنّ زاباً آخر يصب في دجلة يأتي من بلاد أرمينية وآذربيجان ثمّ ينتهي إلى تكريت (وهو يعني الزاب الأسفل أو الصغير الذي يصب في دجلة في نقطة تبعد 36 كيلومتراً جنوبي الشرقاط).
إنّ هدفنا الحقيقي من هذه المقدمات الجغرافية إنّما هو تحديد مواقع المدن والأماكن ذات العلاقة بتاريخ الحمدانيين. وسوف أتبع أسلوباً يسهل على القارئ تحقيق هذا الهدف، وهو تصنيفها إلى ثلاث مجموعات تتبع كلّ مجموعة إحدى المناطق الثلاث للجزيرة وفق التقسيمات الكلاسيكية التي أوردها الجغرافيون العرب القدامى، مكتفين بالمعلومات الأساسية ومعرضين على التفاصيل الكثيرة التي ازدحمت بها المراجع القديمة والحديثة.
1 ـ ديار بكر: هي أصغر مناطق الجزيرة الثلاثة وأقصاها إلى الشمال، ويمكن تعريفها على أنّها الأراضي الواقعة إلى شمال مجرى دجلة الأعلى، وعاصمتها آمد ومن مدنها الهامّة ميافارقين (بفتح الميم وتشديد الياء) وأرزن (بفتح الألف وفتح الزاي) وحصن كيفا وتل فافان.
تمتعت مدينة (آمد) وهي أمدا Amida عند الرومان بسمعة تاريخية مدوية، أمّا اليوم فهي بالضبط مدينة ديار بكر في تركية. ويقول المقدسي([73]) إنّ آمد كانت بلداً خصيباً على ضفة دجلة الغربية بنيت بحجارة سود صلبة وكذلك أساسات الدور»([74]). وكان موضع آمد حصيناً فقد شيّدت على جبل غربي دجلة وأحيطت بسور «من حجارة سود يدعى ميموناً» نادرة وغالية الثمن حتّى أنّ ابن حوقل([75]) يقدّر ثمن الحجارة الواحدة منها بخمسين ديناراً حسب الأسعار السائدة في العراق حيث استخدمت لصنع الأرحاء. وامتازت هذه المدينة علاوة على حصانتها ـ كأغلب المدن التي سيأتي ذكرها ـ بكثرة أشجارها وزروعها وكثرة طواحينها التي كانت تدور بمياه العيوب([76]) ويرثي ابن حوقل([77]) هذه المدينة([78]) الزاهرة التي آلت فيما بعد إلى الروم بقوله «وكان لها ضياع ورساتيق وقصور ومزارع برسمها هلكت لضعفهم ـ أي المسلمين ـ واقتدار الروم عليهم وقلة المغيث الناصر». وتمتع سور آمد بخمسة أبواب سمّيت بحسب اتجاهها الجغرافي وهي باب الماء وباب الجبل وباب الروم وباب التل، أمّا الباب الخامس فيبدو أنّه كان سرياً يحتاجون إليه وقت الحروب مع الروم، وهو باب صغير سمّي بباب أنس([79]). لقد تمتعت آمد بوضع اقتصادي حسن للغاية ساعد على ازدهارها (إبان الفترة موضوع البحث)، لذلك كانت ميدان صراع بين القوى المتطاحنة. لقد كان دجلة يحيطها من جوانب ثلاث، وكانت فيها أرحاء وطواحين كثيرة، ووصف الجغرافيون والسواح أسواقها بأنّها كانت عامرة([80]).
وتعتبر (ميافارقين) التي سمّاها اليونان مدينة الشهداء Martyropolis لأنّها حوت عظام شهداء النصارى([81]) من أهم مدن ديار بكر وأوسعها شهرة أيام الحمدانيين. وبالرغم من قلّة بساتينها، توفّرت فيها بعض عيون المياه([82])، وقد أحيطت المدينة بخندق لزيادة حصانتها([83]). ولعل أوفى معلومات يستطيع الباحث أن يحصل عليها عن تاريخ هذه المدينة هو الكتاب الذي خلفه الفارقي([84]) والذي يمدنا بفكرة ناصعة الوضوح عن مجد هذه المدينة وأهميتها التاريخية قبل الحمدانيين وفي أيامهم وفي العصور التي تلتهم. ومن فيض المعلومات التاريخية التي يكدسها الفارقي نستنتج أن ميافارقين كانت مدينة ذات سور عظيم عني بعمارته جميع القادة والأمراء الذين أتيح لهم حكم هذه المدينة. ويبدو كذلك أنّ لهذا السور الجليل أبواباً عدّة منها الباب الوسطاني وباب قلوفح وباب الربض وباب باقوسي. وكان بين هذه الأبواب أبراج للدفاع([85]) ويبدو من قراءة تاريخ الفارقي أنّ مدينة ميافارقين كانت ذات عيون تجري منها قنوات وذات قصور وعمائر وبساتين جميلة([86]). كانت ميافارقين من أعرق المدن في ديار بكر فقد وجدت فيها مبانٍ من أيام الملك ثيود سيوس وكنائس ترجع إلى عهد المسيح. وكان فيها إلى جانب المسيحيين جالية يهودية لها محلة معروفة وزقاق سمّي باسم زقاق اليهود([87]).
وإلى الشرق من ميافارقين بقليل مدينة أرزن على نهر سريط، وقد اشتهرت بقلعتها الضخمة الحصينة التي أصبحت مجرد أطلال أيام ياقوت([88]). وقد تعرّضت ميافارقين وأرزن القريبة منها إلى غارات الروم المستمرة في القرن الرابع «فأخووا قراها وضياعها وعضدوا أشجارها وزروعها إلى أن جعلت كالخاوية على عروشها([89]). إلاّ أنّ رواية ناصر خسرو الذي زار أرزن في سنة 438هـ (1046م) تناقض رواية ابن حوقل فهو يصف هذه المدينة على أنّها كانت عامرة، فيها أسواق وتحف بها بساتين يانعة كثيرة المياه. كما أنّ المستوفي الذي زارها في القرن الثامن الهجري يصفها على أنّها كانت في أيامه بلداً عامراً، وهذا يناقض رواية ياقوت السالفة الذكر([90]).
وكان حصن كيفا الذي دعاه الروم Kiphas يقع كما يقول المقدسي([91]) على دجلة مباشرة، وكذلك جعله المعلق على مخطوطة ابن حوقل([92]) (الذي عاش في القرن السادس الهجري) على ضفة دجلة الغربية، في حين حدّد لسترانج([93]) موقعه على ضفة الفرات الجنوبية وهذه هفوة. ومهما يكن فقد كان حصن كيفا (ويسمّيها ابن الفقيه رأس كيفا) ([94]) على أيام المقدسي بلداً له قلعة حصينة ويحوي كنائس كثيرة([95]). ويصف المعلق على مخطوطة ابن حوقل([96]) هذا البلد في القرن السادس بقوله «وأمّا حصن كيفا فهي قلعة حصينة منيعة ذات شعب متفرقة بين الجبال… وفيها شعاب وأودية لا يقدر عليها، وبين يديها على الدجلة قنطرة عالية حسنة البناء… وتحتها ربض عامر فيه الأسواق والحمامات كالفنادق والمساكن الحسنة «وبناؤهم بالحجر والجص ولها رساتيق كثيرة وضياع عامرة…».
ونجد على ضفة دجلة اليسرى شرقي حصن كيفا (وعلى بُعد خمسين ميلاً) تل فافان وعلى مقربة منه مدينة بهذا الاسم كانت تحيط بها البساتين. وقد وصفها المقدسي في القرن الرابع بأنّها رخيصة الأسعار وذات أسواق مغطاة وبيوتها من الطين([97]). وكانت على ضفاف نهر الرزم شمال تل فافان مدينة سعرت أو سعرد أو أسعرت، وكانت تعدّ من أعمال أرمينية على الأغلب([98]). وثمّة بلدتان صغيرتان ذكرهما المقدسي([99]) عند هذا الموضع دون أن يمدّنا بوصف لها هما الفار وحاذية.
2 ـ ديار مضر: تمتدّ منطقة ديار مضر بمحاذاة ضفتي الفرات، وتعتبر الرقة قصبتها. أمّا حدودها الجغرافية فإنّها تقع جنوب غربي ديار بكر وتحاذي الفرات من سميساط حيث يترك النهر سلاسل الجبال منحدراً نحو عانة، تضاف إلى ذلك سهول نهر البليخ([100]) رافد الفرات الذي يأتي من حران. وأهم مدن ديار مضر التي تعنينا الرقة والرافقة وحران والرها وحصن مسلمة وقرقيسياء والرحبة والدالية ورصافة الشام وهيت وتكريت وعانة (أو عانات).
وصف المقدسي([101]) مدينة الرقة على ضفة الفرات الشرقية بأنّها كانت كثيرة القرى والبساتين حسنة الأسواق «ولها جامع عجيب وحمامات طيبة، وقد ظللت أسواقها». وهذا كما يرى القارئ وصف ينطبق على أكثر المدن الشرقية يومذاك. وفي سنة 155هـ بنى الخليفة العباسي المنصور مدينة الرافقة على مقربة من الرقة فاندمجت المدينتان تقريباً حتّى قال ابن حوقل([102]). إنّ الرقة والرافقة مدينتان كالمتلاصقتين «وكل واحدة بائنة من الأخرى بأذرع كثيرة». وفي القرن الرابع كانت المدينتان في وضع اقتصادي جيد وأسعار المواد الغذائية فيهما رخيصة بسبب وفرة الحاصلات([103]). ثمّ وسع هارون الرشيد الرافقة وبنى بها قصر السلام، فخربت الرقة وقامت عمارات جديدة شغلت الفراغ المجاور، وبذلك حلّت الرافقة محل الرقة وأخذت اسمها، أمّا اليوم فنرى في ذلك الموضع بحيرة ضحلة([104]). وفي أسفل الرقة يتصل نهر بليخ ـ رافد الفرات ـ بالفرات الأصلي ماراً بمدينة حران Carrhae التي كانت موطن الصابئة وبها معابدهم وسدنتهم والتل الذي جعلوا عليه مصلى يعظمونه ويقدسونه([105]). واشتهرت بقلعتها الحجرية وجامعها، وكانت بها قناة تروي أراضيها([106]). ويصف ابن حوقل حران بقوله([107]): «وكان لها غير رستاق عظيم وكورة جليلة فافتتح الروم أكثرها وأناخت بنو نمير وبنو عقيل بعقوتها وبقصبتها، فلم تبق لها باقية ولا في رساتيقها ناغية ولا راغبة» وينسب البلاذري([108]) لحران عدّة قرى منها تل عفراء، تل مذانا، وأرض المصلى، ومرج عبد الواحد الذي كان حمى للمسلمين.
وكانت الرها Edessa من المدن ذات الشهرة العظيمة أيام الحمدانيين، وسنرى كم دار حولها صراع بينهم وبين الروم بسبب مكانتها الدينية عند النصارى. فقد ازدهرت الرها بآثارها المسيحية بحيث كان فيها وحولها أكثر من ثلاثمائة دير وصومعة للرهبان، كما كانت فيها أعظم كنيسة في بلاد المسلمين حتّى عدت من عجائب الدنيا أو على الأقل من عجائب الجزيرة حسب تعبير ابن الفقيه([109]). ويقول ابن حوقل([110]) إنّ أغلب أهل الرها كانوا من النصارى «وبها زيادة على ثلاثة مائة بيعة ودير وصوامع فيها رهبانهم ولهم فيها بيعة ليس للنصرانية أعظم ولا أبدع صنعة منها… وكان بها منديل عيسى ابن مريم»([111]). لقد ظلّت الرها تعرف بهذا الاسم حتّى القرن الخامس عشر، فإنّها سمّيت باسم (أورفا) الذي ربما كان تحريفاً للفظة (الرها) ([112]).
وتقع بين حران والرقة (باجروان)([113]) وعلى مقربة منها (حصن مسلمة) الذي ينسب إلى مسلمة بن عبد الملك الأموي الذي اهتمّ بتزويد هذا الحصن الحربي بالمياه من نهر بليخ القريب الذي يروي البساتين القريبة([114]).
وبانحدار الفرات جنوباً، وعلى مقربة من التقائه برافده البليخ، توجد عدّة مدن تنتشر على ضفتي النهر تعتبر ضمن منطقة ديار مضر وتدعى بناحية الفرات أو أعمال الفرات أو قريات الفرات، ولعل أهم هذه المدن الرحبة على ضفة الفرات اليمنى. وهذه هي رحبة الشام أو رحبة مالك بن طوق بن عتاب التغلبي وهو مؤسسها الذي عاش في عصر المأمون([115])، وكانت على حد قول المقدسي([116]): أعظم مدينة في نواحي الفرات، واشتهرت بكثرة أشجارها ومياهها([117]). وعلى بُعد ستة فراسخ من الرحبة وعلى ضفة الفرات اليسرى عند مصب الخابور كانت تقع مدينة قرقيسيا (كركسيوم Circesium) التي اشتهرت ببساتينها وأشجارها وزروعها([118]). أمّا الرحبة والدالية فتقعان قرب نهر يُقال له نهر سعيد كان يخرج من يمين الفرات فوق قرقيسيا ويعود فيصب فيه فوق الدالية التي عرفت بدورها بدالية مالك بن طوق. وكانت الدالية مدينة صغيرة تقع على مرتفع يسير الارتفاع على الضفة الغربية من الفرات([119]). وبين الرحبة والرقة بنى هشام بن عبد الملك مدينة سمّيت برصافة هشام أو رصافة الشام تمييزاً لها عن رصافة بغداد وغيرها. وما زالت آثار هذه الرصافة باقية في البادية على أربعة فراسخ جنوب الرقة([120]). ويقول البلاذري([121]): إنّ هشام أحدث هذه المدينة وكان ينزل قبلها الزيتونة.
ومن مدن ديار مضر التي لا يمكن أغفالها هيت غربي الفرات وقد اشتهرت بخصبها وعمرانها، وكان فيها حصن «وهي أعمر المدن المتقدم ذكرها»([122]). وقامت قبالة هيت مدينة تكريت على ضفة دجلة الغربية على مقربة من فوهة نهر دجيل الذي يتّصل بدجلة أسفل هذه المدينة وكان فيها عدد كبير من النصارى([123]). وتتوسط بين بغداد والموصل ولها قلعة حصينة تطل على دجلة([124]) ولم يكن في إقليم الجزيرة أسفل من قرقيسيا مدينة ذات شأن غير عانة (عانات) وهي أناتو Anatho القديمة التي كانت في أيام الإصطخري مدينة صغيرة في وسط الفرات يطوف بها خليج منه([125]). ويبدو أنّ عانة أو (عانات) تمتعت في أيام ياقوت ـ شأنها شأن أكثر مدن الجزيرة – بقلعة حصينة مشرفة على الفرات([126]).
3ـ ديار ربيعة: تقع ديار ربيعة شرقي ديار مضر، وتشمل الأراضي الواقعة في شرقي الخابور الكبير (رافد الفرات) والأراضي الواقعة في شرقي نهر هرماس (فرع الخابور الكبير) الذي يجري في وادي الثرثار بالإضافة إلى الأراضي الممتدة على ضفتي دجلة بانحداره من تل فافان إلى تكريت، أي الأراضي الواقعة في غرب دجلة حتّى نصيبين والتي في شرقه، وهي السهول التي يرويها الزابان الأعلى والأسفل ونهر الخابور الصغير (أو خابور الحسنية وهو رافد دجلة) ([127]).
إنّ أهم المدن التي كانت ذات علاقة بتأريخ الحمدانيين في ديار ربيعة ـ بعد الموصل وهي قصبتها ـ رأس العين وماردين ودنيسر وكفرتوتا ونصيبين وأذرمة وبرقعيد وسنجار وجزيرة ابن عمر والحسنية وبلد والموصل والحديثة (حديثة الموصل) وأربيل بالإضافة إلى عديد من الحصون والقلاع والمواقع العسكرية التي انتشرت في هذه المناطق والتي سيرد ذكرها في خلال السرد التاريخي.
تقع منابع الخابور الكبير شمال رأس العين في المناطق الجبلية المسمّاة قره داغ Qaradja Dagh ويأتي فرعاه الرئيسان من طور عابدين. وأحد فروع الخابور نهر سابا([128]). (ويسمّى اليوم جرجيب) ويأتي من تلك موزن (يسمّى اليوم فيرانشهر). ويستقبل الخابور الكبير في يساره مياه نهر ماردين الآتي من رأس العين ويصب فيه أسفل من ذلك نهر الهرماس الآتي من نصيبين. على أنّ أكثر مياه الهرماس كانت تنساب من سكير العباس (وكان على مبعدة يسيرة فوق ملتقى الهرماس بالخابور) إلى وادي الثرثار، فتتجمع من ذلك في الخابور مياه ثلاثة أنهار كبيرة، هذا بالإضافة إلى ما ينصب فيه من مياه الجداول. ثمّ ينحدر الخابور جنوباً إلى قرقيسيا على الفرات (وهي من مدن ديار مضر). وقبل أن يصل الخابور إلى هذه المدينة يمر بمدينتي عربان وماكسين وهما في أراضي الخابور من أعمال ديار ربيعة.
كانت رأس العين أو رأس عين Resaina) الرومانية) تقع على بُعد خمسين كيلومتراً أسفل تل موزن على نهر خابوراس وقرب منابع نهر الخابور الكبير([129]).
وهي مدينة تردّد اسمها كثيراً في المراجع الجغرافية والتاريخية العربية، باعتبارها إحدى المدن الواقعة على طريق الرقة ـ الموصل (عن طريق نصيبين)، واشتهرت كذلك بكثرة عيونها حتّى قيل إنّها بلغت أكثر من ثلاثمائة عين([130]) كانت تسقي بساتينها وحقولها الممتدة والتي كانت تبدو كأنّها بستان واحد متصل، ووصف ابن حوقل([131]) هذه المدينة بقوله «كانت رأس العين مدينة ذات سور من حجارة نبيل، وكان داخل السور لهم من المزارع الطواحين والبساتين ما كان يقوتهم، وفيها من العيون ما ليس ببلد من بلدان الإسلام، وهي أكثر من ثلاثمائة عين ماء جارية كلّها صافية يبين ما تحت مياهها في قعورها على أراضيها… وتجتمع هذه المياه حتّى تصير نهراً واحداً ويجري على وجه الأرض فيعرف بالخابور، ويقع إلى نواحي قرقيسيا، ويكاد وصف الإصطخري([132]) لرأس العين أن يكون صورة مطابقة لما ذكره ابن حوقل.
وفي منتصف الطريق بين رأس العين ونصيبين قامت قلعة ماردين الصخرية الشهيرة في تاريخ الحمدانيين. وكان تقع على قمة جبل بنفس الاسم عند الموضع الذي يتّسع فيه الخابور بما ينضاف إليه من مياه الجداول الآتية من طور عابدين، كانت مدينة ماردين تقع على ارتفاع 1190 متراً. وتتكوّن من قلعة صخرية ومدينة تقع إلى الجنوب في سفح الجبل، واعتبرت ماردين من أهم مدن الجزيرة في تاريخ بني حمدان وكانت معقلاً لأمرائهم في القرن الرابع وسمّيت بـ (الياز الأشهب)([133]). وفي القرن السادس بنيت ضاحية لماردين في جهتها الجنوبية قامت فيها الأسواق والخانات والمدارس. وقد وصفها ابن بطوطة([134]) بأنّها كانت مدينة جميلة غنية بالحاصلات الزراعية، وعرفت يومئذ بالقلعة الشهباء واشتهرت بالحجر الزجاجي([135])، ووصف الإصطخري([136]) جبل ماردين فقال «إنّ ارتفاعه من الأرض إلى ذروته نحو فرسخين (أكثر من عشرة كيلومترات) وبه قلعة منيعة لا يستطاع فتحها عنوة… وهو جبل به جواهر الزجاج». وكانت ماردين من المواقع الهامة عسكرياً، لذلك عمد جميع حكام إقليم الجزيرة إلى وضعها تحت سطوتهم باعتبارها مركزاً دفاعياً حصيناً. فهي تسيطر على المناطق الواقعة على دجلة والفرات وتكون ممراً هاماً للشمال وطريقاً إلى الموصل عبر نصيبين وإلى آمد مدينة ديار بكر الهامة وإلى رأس العين التي أسلفنا وصفها. لقد كانت ماردين فوق ذلك من الديار التي عاش فيها آل حمدان وهي من مواطنهم ذات الشهرة بالإضافة إلى برقعيد وميافارقين ونصيبين والموصل. والحق أنّ المعلق المجهول على مخطوطة ابن حوقل([137]) أوجز أهمية ماردين في عبارة واحدة فهو يقول «وماردين حصن حصين منيع لا يرام ولا يقدر عليه، مبني على قلة جبل شاهق في الهواء وهو مشرف على تلك الجبال شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً لا يدانيه قلة جبل البتة، وفيه من الذخائر والعدّة والأسلحة ما لا يمكن حصره، ومن تحته في ناحية الجنوب ربض عامر منغَصٌّ بالسكان ضيق الأسواق، وليس بين أيديه حائل يمنعهم من النظر إلى برية رأس العين والخابور وسنجار…».
وكانت مدينة دنيسر أو «سوق دنيسر» تقع تحت ماردين في الصحراء على بُعد أربعة فراسخ. وهذه المدينة كانت في الأصل قرية صغيرة يجتمع الناس في فضائلها كلّ يوم أحد([138]) للبيع والشراء، فلم تلبث بسبب هذه التجارة النشطة أن توسّعت وتحوّلت إلى مدينة عامرة ذات حانات وفنادق وحمامات وأسواق، تأتيها البضاعة من سائر البلدان واستقرّ فيها الناس من كلّ فج عميق. فكثر بها الارتفاع والضمانات»([139]).
وكانت كفرتوثا حصناً قديماً فاتخذها ولد أبي رمثة منزلاً فمدنوها وحصنوها([140]) وتقع إلى الجنوب الغربي من ماردين في منبسط من الأرض حباه الله بأنواع الشجر والزروع([141]). ويصف ابن حوقل([142]) كفرتوثا بأنّها تقع بين مدينتي دارا ورأس العين: «مدينة جميلة سهلية، وكان حظها من كلّ خير جزيلاً… وكانت في مستواة من الأرض ولها شجر وثمر ومزدرع وضياع. أمّا دارا فكانت تقع إلى جنوبي شرقي ماردين على المجرى الأعلى لفرع من فروع نهر عويج الذي يتصل بنهر هرماس. وتبعد دارا سبعة فراسخ (أكثر من 40 كيلومتراً) عن كفرتوثا وخمسة فراسخ (أكثر من 28 كيلومتراً) عن نصيبين، واشتهرت دارا بكثرة محصولاتها الزراعية وعيونها وأبنيتها ذات الحجارة السود… ووصفها ابن حوقل([143]) بأنّها «كثيرة الغلات والخيرات والخصب في جميع وجوه الخصب من المآكل والمشارب وما تحويه كالمجان». وأنّها كانت ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للروم في القرن الرابع الهجري.
ومن المدن الرئيسة ذات الشهرة الذائعة في العصور الوسطى نصيبين (Nisibis الرومانية) التي ما زالت من مدن الجزيرة الهامة (في تركية الحديثة). وتقع نصيبين في أعالي نهر الهرماس([144]) وتجد من وصف الجغرافي والرحالة ابن حوقل([145]) أنّها كانت من أعظم مدن الجزيرة وأكثرها خصباً وغزارة في المياه ووفرة في المحاصيل الزراعية، وتقع في سهل منبسط، تأتيها المياه من جبل بالوسا([146]) فتستقي بساتينها ومزارعها وتزيّن البرك في دورها وقصورها. ويقول المقدسي([147]) عن نصيبين إنّها كانت «أنزه وأصغر… من الموصل، كثيرة الفواكه بها حمامات حسنة وقصور منيعة عليها حصن من حجر وكلس». واشتهرت نصيبين في القرن الرابع بمراعيها الواسعة وغلاتها العظيمة وبحقولها وبساتينها ومتنزهاتها الجميلة، وكثرة كنائسها وصوامعها ودياراتها. وكانت على عهد ابن جبير في القرن السادس الهجري مدينة جميلة محاطة بالبساتين، وافرة المياه كثيرة الشجر، وتمتاز بنهر يحيط بها ويتسرب إليها من عين تنبع من جبل قريب([148]). وظلّت هذه المدينة عامرة حتّى عصر ابن بطوطة (القرن الثامن الهجري) ([149]).
كانت نصيبين أعظم المدن الواقعة على الطريق الغربي الذي يذهب إلى الموصل. وكان غالبية سكان هذه المدينة من بني تغلب، واشتهرت في العصور الوسطى بكونها مركزاً ثقافياً هاماً من مراكز النساطرة، بالإضافة إلى كونها مركزاً هاماً للمسيحية حيث حفلت بالكنائس والأديرة التي اشتهر منها دير الزعفران (أو دير عمرو) الذي كان يقع في جبل شرقي نصيبين([150]).
وهناك بضعة مواقع يذكرها الجغرافيون العرب بين منطقة الخابور وطريق قرقيسيا ـ سنجار وهي من الشمال إلى الجنوب: عرابان وماكسين وسكير العباس. تقع عرابان وماكسين في أراضي الخابور الذي يمر بهما قبل أن يمر بقرقيسيا (في ديار مضر) واشتهرت هاتان المدينتان بوفرة إنتاجهما من القطن الذي كان يزرع على جانبي الخابور([151]). وعلى مئة ميل تقريباً جنوب نصيبين يقع السد المعروف بسكير العباس الذي يصبّ في دجلة والذي يقع فوق ملتقى الهرماس بالخابور حيث كانت تنساب منه أكثر مياه الخابور الكبير إلى وادي الثرثار. وعلى سكير العباس هذا كانت تقوم في القرن الرابع الهجري مدينة كبيرة بهذا الاسم يقول عنها ابن حوقل([152]) إنّها» (مدينة لطيفة فيها غلات وبها رجال». أمّا الإصطخري([153]) فيجعل سكير العباس مجرد قريبة في منتصف الطريق بين عرابان وماكسين اللتين يقول عنهما إنّهما كانتا من مدن الخابور، على حين اعتبر المقدسي (عربان) قصبة ناحية الخابور([154]). ويذكر الجغرافيون العرب([155]) بضع مدن صغيرة أخرى في هذه المنطقة مثل طلبان الجحشية وتنينير والعبيدية، في حين يذكر الإصطخري([156]) أسماء قرى أخرى مثل المطرية والسخيمية. كذلك يذكر ابن الفقيه([157]) عند حديثه على كور الخابور الصور والغدير وماكسين والشمسانية والسكير وعربان وطابان وتنينير العليا وتنينير السفلى وشاعا وجميعها على الخابور.
إنّ المنطقة بين نصيبين ودجلة من جهة وبين طور عابدين (أو طور عبدين) وسلسلة جبل سنجار من جهة ثانية تدعى باعربايا واسمها القديم بيث عربايا (أي بلاد العرب Arabia) كما سمّاها المؤرخون الكلاسيكيون وبخاصّة الرومان الذين ذكروا أنّها كانت ذات أهمية تجارية فائقة وأنّ العرب استقرّوا فيها منذ أمد طويل. ويبدو أنّ السهل الذي يقع في المنطقة التي يتصل فيها بنهر هرماس جداول ونهيرات عديدة جنوبي نصيبين، كان في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كثيف السكان وافر الزراعة تنتثر فيه مواضع عديدة على طول الطريق من نصيبين إلى الموصل وصفها الجغرافيون العرب القدامى والباحثون الغربيون المعاصرون([158]). ومن هذه المواضع الهامّة مدينة أذرمة التي تقع في منتصف المسافة بين نصيبين وبرقعيد وهي من كويرة تعرف ببين النهرين. وقد وصفها أحمد بن الطيب السرخسي الذي مرّ بها يوم كان في خدمة الخليفة المعتضد (279ـ289هـ) فقال إنّه كان بها قصر حسن ونهر يشقها وعليه في وسط المدينة قنطرة معقودة بالصخر والجص، وعليها سوران أحدهما دون الآخر ومن خار السور خندق يحيط بالمدينة([159]). ووصفها المقدسي([160]) في القرن الرابع بأنّها: مدينة صغيرة في البرية، شربهم من آبار وبنيانهم قباب. ويقول ابن حوقل([161]) إنّ أذرمة تبعد عن برقعيد ستة فراسخ «وكانت مدينة صالحة كثيرة الغلات». وقال عنها البلاذري([162]) بأنّها كانت قرية قديمة فأخذها الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبي من صاحبها وبنى بها قصراً وحصنها.
وتعتبر برقعيد مدينة تجارية ذات أهمية على طريق نصيبين تمر بها القوافل وتجري فيها عمليات البيع والشراء. وفي القرن الثالث الهجري كانت مدينة عامرة ذات سور له ثلاث أبواب([163])، ويحدّد ياقوت([164]) موقع برقعيد «في طرف بفضاء الموصل من جهة نصيبين مقابل باشزي»، واعتبرها السرخسي من أعمال الموصل من كورة البقعاء. ويبدو أنّها كانت مدينة كبيرة بل أكبر من أذرمة([165])، بحيث كان في سوقها مائتا حانوت. وهذا الوصف ينطبق على برقعيد في سنة 30هـ، حيث كانت ممر القوافل من الموصل إلى نصيبين. أمّا في أيام ياقوت (في القرن السابع) فقد أصبحت خراباً وقرية صغيرة حقيرة([166]) يضرب المثل بأهلها في اللصوصية بحيث قيل «لص برقعيدي»([167])، وكانت القوافل إذا نزلت بها لقيت من أهلها الأمرين، حتّى اضطر التجار بسبب ذلك إلى تغيير طريقهم فجعلوا طريق قوافلهم على باشزي التي ازدهرت واحتلت مكان برقعيد. وهكذا نجد أنّ ياقوت وكذلك ابن حوقل([168]) يعزوان سبب اضمحلال هذه المدينة إلى لصوصية أهلها وهو تعليل غير علمي كما هو واضح، ذلك أنّ نشوء المدن وزوالها إنّما ارتبطا بعوامل جغرافية وتاريخية معروفة كتحوّل طرق التجارة ومجاري الأنهار أو الحروب المبيدة والكوارث الطبيعية المدمرة.
وكانت سنجار ـ التي تبعد عن بلد بتسعة فراسخ ـ تقع في مفازة ذات نخل كثير، وهي مدينة مسورة في القرن الرابع مشهورة بحذق أساكفتها ويرويها نهر عذيبي([169]). بالإضافة إلى عيونها الكثيرة([170])، وكان موقع سنجار حصيناً فهي تقع في وسط البرية وفي سفح جبل خصب، يحيطها سور حجري يصدّ عنها هجمات المغيرين([171])، ويقول ياقوت([172]) إنّ سنجار كانت تقع في «لحف جبل عال ويُقال إنّها سمّيت باسم بانيها». وكان على مقربة من سنجار ـ من ناحية الشمال والغرب ـ وادي من أودية ديار ربيعة كثير الخصب استقرّت فيه بعض بطون القبائل العربية([173]).
ومن مدن ديار ربيعة ذات الشأن جزيرة ابن عمر نسبة إلى الحسن بن عمر التغلبي، ولعل تسميتها بالجزيرة كانت بسبب إحاطة دجلة بها من ثلاث جهات([174]). وقد وصفها الإصطخري([175]) بأنّها كانت مدينة صغيرة على غربي دجلة لها أشجار ومياه. أمّا ابن حوقل([176]) فقد أفاض في وصفها فقال: إنّ بينها وبين الموصل ثلاثين فرسخاً، وكانت على أيامه مدينة ذات تجارة، وهي «فرضة لأرمينية وبلاد الروم ونواحي ميافارقين وأرزن، وتصل منها إلى الموصل المراكب مشحونة بالتجارة… وهي أحسن تل الناحية عمارة وأرجاها سلامة لوفور أهلها وكثرة خصبها». ويستطرد ابن حوقل قائلاً: إنّ الجزيرة متصلة بمدن ثمانين وباسورين وفيشابور «وجميعها في الجبل الذي منه جبل الجودي متصل بآمد من جهة الثغور وأعالي البلد بأعمال مرعش واللكام وبأسافلها». وجبل الجودي الذي يقع شرقي جزيرة ابن عمر هو الذي تحدّده النصوص القرآنية([177]) كموضع استقرّت عليه سفينة نوح. أمّا قريبة الثمانين فسمّيت بهذا الاسم نسبة إلى ما قيل من أنّ ثمانين من رجال نوح بنوا قرية هناك سمّيت ثمانين بعددهم([178]).
وتقع الحسنية على نهر خابور الحسنية الذي يصبّ في دجلة شمال مدينة فيشابور، والذي ينبع من الجبال القريبة من العمادية. وما زالت بقايا الحسنية قرب قرية حسن آغا. ولعلها ـ كما يقول لسترانج ـ([179]). تمثّل البلدة القديمة، أو لعلها زاخو، خاصّة وأنّ هناك قرية باسم حسنة تقوم اليوم بإزاء زاخو في الجانب الآخر من الخابور قرب معلثايا.
وفي المنطقة الجبلية على ضفة دجلة اليسرى (بين الخابور والزاب الكبير) تقع منطقة باهدرا التي تحدث عنها المسعودي لدى تتّبعه لمجرى نهر دجلة فقال([180])، إنّها تقع على مقربة من قردى وبازبدى. أمّا ابن حوقل([181]). فيجعل حدود باهدرا من المغيثة حتّى الخابور ومن معلتايا حتّى فيشابور (فيروز سابور). والمغيئة كانت كما يقول المقدسي([182])، إحدى مدن كورة جزيرة ابن عمر الهامة.
ويرد ذكر باقردى وبازبدى سوية في المراجع العربية، غير أنّهما كورتان منفصلتان تقعان في منطقة جبل الجودي ويفصل بينهما نهر دوشا. ويقول ياقوت([183]): إنّ بازبدى قرية سمّيت كورتها بها وهي في غربي دجلة، وباقردى كورة أخرى في شرقيه. وقد سبق أن أشرنا إلى رأي ابن حوقل([184])، في أنّ قردى (أي باقردى) هي جزيرى ابن عمر وجبل باسورين إلى حدود باعيناثا، وأنّ حدود بازبدى من ضيعة المقبلة والأحمدي وباعوسا والبيضاء إلى حدود جزيرة ابن عمر. وإذا رجعنا إلى أقوال ياقوت وابن خرداذبه وقدامة([185]). (بالإضافة إلى ابن حوقل) نجد أنّ مركز قردى كان باسورين التي احتلت مكان قردى القديمة وطمست شهرتها، على حين اندمجت بازبدى في جزيرة ابن عمر. ومهما يكن فقد ظلّت لهاتين الكورتين شهرة عطرة في أدبيات ذلك العصر([186]).
كان جبل الجودى (ارتفاعه 2460م) ذا أهمية في تاريخ هذه الفترة بالإضافة إلى أهميته الدينية حيث حدّده القرآن الكريم كموضع رست فيه سفينة النبي نوح بعد الطوفان([187]). وأنّ ثمانين من أهل هذه السفينة أشادوا قرية هناك سمّيت (ثمانين) ([188]). وفي شرقي جبل الجودي كانت تقع قرية النهروان التي اعتبرت من أملاك بني حمدان وضياعهم([189]).
ويقع جبل التنين (تنين داغ) شرقي جبل الجودي يفصل بينهما (قزل صو) فرع الخابور. وهنا تقوم (عبة التنين) التي يمكن اعتبارها الحد الفاصل بين أرض زوزان الأرمنية، وإقليم الجزيرة الإسلامي، وسكان هذه المنطقة خليط من الأرمن والأكراد. ويعتبر الجغرافيون العرب زوزان كورة بين جبال أرمينية وأذربيجان وديار بكر والموصل «وأهلها أرمن وفيها طوائف من الأكراد([190])…».
وحين نترك أرض الزوزان متجهين جنوباً ندخل في الأراضي الإسلامية التي يكون الأكراد أغلب سكانها. إنّ هذه المنطقة الحصينة المليئة بالحصون والقلاع الحربية لعبت دوراً كبيراً أيام الحمدانيين وكانت موضع صراع بين القوى المختلفة التي كانت تهدف إلى السيطرة عليها، ومن ثمّ تداولتها ـ وقلاعها ـ أيدي الأقوياء المرة تلو المرة. ولعلّ من أشهر القلاع التي امتلكها الحمدانيون في هذه المنطقة وكانت لها شهرة ذائعة قلعة (أردمشت) قرب جزيرة ابن عمر في شرقي دجلة على جبل الجودي، والتي تقع في أسفلها قلعة الزعفران أو (دير الزعفران) التي سمّيت بقلعة كواشي أيضاً، ويقول ياقوت في هذا الصدد([191]) إنّ قلعة أردمشت قلعة حصينة قرب جزيرة ابن عمر في شرقي دجلة على جبل الجودي، وتحتها دير الزعفران وهي قلعة أيضاً، وهي التي عرفت فيما بعد بقلعة كواشي «وهي من أعمال الموصل». ويبدو أنّ قلعة أردمشت عرفت بأسماء أخرى كذلك فقد سمّيت باسم الصوارة كما عرفت باسم قلعة السلامة([192]). ومهما يكن فقد اقترنت هذه القلعة اقتراناً وطيداً بتاريخ الحمدانيين، ففيها اعتقل أولاد ناصر الدولة أباهم. أمّا قلعة دير الزعفران فقد حدّد البلدانيون القدامى([193]) موضعها على أنّها قرب جزيرة ابن عمر تحت قلعة أردمشت «وهو في جبل والقلعة مطلة عليه». ودير الزعفران (الذي سمّي كذلك لأنّه اشتهر بزراعة الزعفران)([194]) أيضاً بقربه على الجبل المحاذي لنصيبين». وعدا هاتين القلعتين وقلعة مادرين (التي سبق أن أشرنا إليها) امتلك الحمدانيون قلاعاً أخرى اقترنت بتاريخهم مثل حصن الشعباني وبرقي([195]) وغيرها.
وقبل أن أنتقل إلى الحديث عن الموصل، أودّ أن أتحدّث عن أحد المواضع الهامّة في ديار ربيعة ـ وهي إربل ـ خضوعاً منّي لضرورات البحث، مع علمي بأنّ بحثها يجب أن ياتي بعد الحديث عن الموصل إذا أخذنا بنظر الاعتبار التسلسل الجغرافي.
إنّ إربل (أربيل اليوم) هي أربيلا القديمة التي ترقى إلى أيام الأشوريين والتي سمّوها بمدينة الآلهة الأربعة (أربا ـ إيللو)([196])، وتقع بين الزابين وتتميز بقلعتها الحصينة التي شيّدت على قمة تل ترابي. وتحدّث ابن خرداذبه([197]) عن إربل باعتبارها أحد الطساسيج الخمسة التي كوّنت كورة حلوان (أو شاذفيروز)، وكذلك فعل قدامة بن جعفر([198]). ويقول عنها ياقوت([199]): إنّها قلعة حصينة ومدينة كبيرة في فضاء من الأرض واسع بسيط، ولقلعتها خندق عميق… وهي على تل عال من التراب عظيم… وفي هذه القلعة أسواق ومنازل للرعية… وهي بين الزابين وتعدّ من أعمال الموصل…». إنّ إربل من مواطن الأكراد القديمة بحيث قال ياقوت([200]) «إنّ أكثر أهلها أكراد قد استعربوا، وجميع رساتيقها وفلاحيها وما ينضاف إليها أكراد، وينضم إلى ولايتها عدّة قلاع، وشربهم من آبار عذبة». وفي العصور العباسية المتأخرة اعتبرت إربل من أعمال الموصل. وقد اشتهرت منذ القديم بأهميتها التجارية باعتبارها ملتقى طرق القوافل([201]).
لقد أطلق الجغرافيون العرب على المنطقة التي كانت إربل قصبتها اسم (أرض حزة). والواقع أنّ حزة هي المنطقة التي كانت تشمل إمارة حدياب الواقعة بين الزابين والتي امتدّت إلى آشور (شرقاط) وإلى نصيبين وكانت قاعدتها أربيل([202]). ويتحدّث ابن حوقل([203]) عن (أرض حزة) ويعتبرها من رساتيق الموصل «بينه وبين أعمال المرج الزاب الكبير».
الموصل وأعمالها
تقع الموصل ـ قصبة ديار ربيعة ـ على الضفة الغربية (اليمنى) لدجلة، الذي يجري إلى شرقيها في شبه قوس من الشمال إلى الجنوب. وتقع المدينة على أرض تعلو قليلاً عن مستوى سطح البحر، مقابل نينوى أو نونوى([204]) عاصمة الآشوريين التي ما زالت خرائبها تبدو على الضفة الشرقية للنهر. ولم تكن الموصل قبل الفتح العربي الإسلامي ذات شأن، إنّما كانت مجرد حصن صغير يقوم على تل قليعات مقابل نينوى ليصدّ عنها غارات المغيرين من الغرب. وبعد سقوط نينوى في سنة 612 ق.م. لجأ إليها بعض الناجين. وفي القرن الرابع قبل الميلاد أورد زنفون في رحلة العشرة آلاف ذكرها باسم Muspile وحدّد موضعها في الجانب الشرقي لدجلة([205]). لقد تحوّلت نينوى إلى مدينة من مدن إمارة حدياب (التي سمّاها العرب حزة) ([206])، وهي إحدى الإمارات الكلدانية الآرامية التي خضعت تارة للفرثيين وطوراً للرومان إبان القرن الثاني للميلاد([207]). ولمّا استولى الفرس على هذه البلاد وحوّلوها إلى ميدان لحروبهم مع الرومان نقلوا إليها جماعات من العرب والفرس مكّنوهم من الاستقرار هناك وأطلقوا على المنطقة اسم نو أردشير أو بوذ أردشير([208]).
والحق أنّ الأقوال تختلف حول تأسيس مدينة الموصل، فيقول هونيجمان([209]) إنّه في الوقت الذي بدأت فيه المسيحية تقتحم تلك الأصقاع في بداية القرن الثاني الميلادي، كانت الموصل قد أخذت تحتل مكان نينوى. وقد أسّس الراهب يشوعياب حوالي سنة 570م على الضفة الغربية لدجلة قبالة نينوى ديراً ما زال يدعى بدير مار اشعيا، بنى حوله كسرى الثاني عدّة أبنية. وربّما كانت هذه المستوطنة هي الحصن الذي ذكرته التواريخ السريانية التي نشرها جويدي باسم Hesna Ebhraya وهو التعبير الذي ترجمه هيرز فيلد إلى «الحصن على الضفة المقابلة».
وقد أورد القس سليمان صائغ هذا النص من كتاب خطي([210]) «إنّ يشوعياب القسري الذي كان معاصراً لكسرى أنوشروان… رجع إلى بلدته نينوى. وكان في الناحية الغربية من دجلة الواقعة قبالة نينوى جنينة رائقة لم يكن حولها إلاّ قليل من البيوت والعمران، فاختار يشوعياب هذا الموقع وبنى فيه ديراً وهكيلاً كبيراً ثمّ انضوى إليه الرهبان يتعلّمون منه… وكانت نينوى يومئذ عامرة وأهلها يدينون بالنصرانية فشرع الناس يتقاطرون إلى ذلك الدير… ولمّا ملك كسرى أبرويز ابن هرمزد بنى حول تلك الجنينة دوراً كثيرة وأتى بخلق من بلاده وأعطاهم تلك الدور مجاناً ليسكنوا فيها ويزيدوا في عمرانها وبنيانها حتّى أصبحت مدينة صغيرة أو قصبة كانت تدعى الحصن العبوري، ولمّا استولى عليها العرب بعد الإسلام زادوا في توسيعها على ما أقامه كسرى الثاني وسمّوها الموصل».
لقد وردت إشارات كثيرة في المراجع العربية إلى أنّ الفرس هم الذين أسّسوا الموصل (نو أردشير أو بوذ أردشير). ويقول ياقوت([211]). وابن الفقيه([212]) بهذا الصدد: إنّ الموصل أنشئت على عهد راوند بن مابيو راسف الأزدهاق، وإنّها كانت تسمّى آنذاك نو اردشير. وورد كذلك في كتاب خطي سرياني انّه قام في فارس وميدية ملك يدعى أطوران امتدّت مملكته حتّى شملت نهر دجلة فبنى على ضفته الغربية عاصمة سمّاها باسمه. ويرجع القس سليمان صائغ([213]) الذي نقل عن هذه المخطوطة أنّ أطوران قد يكون هو أرطبان الثالث ملك الفرثيين.
غير أنّ هذه الروايات التي تنسب تأسيس الموصل إلى أقوام أجنبية يفندها القس سليمان صائغ فيقول([214]) أمّا مدينة الموصل فلم يؤسسها الرومانيون ولا اليونان ولا الفرس الفرثيون أو الساسانيون بل هي مدينة عربية بحتة شيّدها العرب. لكنّه يستدرك فيقول إن العرب إنّما شيّدوها ليس في فراغ كما فعلوا في البصرة أو الكوفة إنّما على مدينة صغيرة كانت قائمة هي (حسنا ـ عبرايا) أي القلعة على الضفة الأخرى قبالة نينوى.
وكما تختلف الأقوال في تأسيس الموصل، فهي تختلف كذلك في سبب تسميتها. فقيل سمّيت الموصل لأنّها وصلت بين الجزيرة والعراق أو بين العراق والشام، وقيل لأنّها وصلت بين دجلة والفرات، أو لأنّها وصلت بلد وسنجار والحديثة، وقيل: إنّ الملك الذي أحدثها كان يسمّى الموصل([215]). وما دمنا لا نجد في التاريخ ملكاً بهذا الاسم فإنّ هذا القول مردود ولا يقوم على سند تاريخي. ويبدو واضحاً أنّ لفظة الموصل جاءت من فعل «وصل» لتدل على الموضع الذي يصل مكاناً بآخر، فهي إذن لفظة عربية استعملت في أواخر القرن الثامن الميلادي من جانب المؤرخين العرب، أمّا قبل ذلك فكانت تدعى «الحصن العبوري». ويعتقد لسترانج أنّ الموصل إنّما هي نقطة الوصل([216])، في حين يرى هونيجمان([217]) إنّما سمّيت بهذا الاسم لأنّ عدداً من فروع دجلة تتّحد عن موقع الموصل لتكون مجرى واحداً. أمّا المقدسي فيقول([218]) إنّ الموصل كانت تسمّى (خولان) فلمّا وصل العرب بها عمارتهم ومصّروها سمّيت الموصل، ونحن لا ندري أصل لفظة خولان كما أنّ تفسير لفظة الموصل يبدو مغرقاً في الاجتهاد وإن كان طريقاً.
فتح المسلمون الموصل أيام الفتوحات الكبرى في عهد عمر بن الخطاب. ففي سنة 13هـ/ 634م أرسل أبو بكر خالد بن الوليد إلى العراق ثمّ أنجده بعياض بن غنم، وفي سنة 16هـ/637م كتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص أن ينتدب عبدالله بن المعتم إلى تكريت لحرب الإنطاق ـ قائد الروم ـ الذي سار إلى تلك المنطقة في جيش كثيف كان يضم بعض القبائل العربية كأياد وتغلب والنمر «الشهارجة»([219]) (أي النصارى). غير أنّ هذه القبائل انضمّت إلى الجيش الإسلامي حين رجحت كفته ودخلت في الإسلام فهزم الإنطاق وكثر القتلى في جيشه([220]). وأرسل عبدالله ربعي بن الأفكل إلى الحصنين نينوى والموصل، اللذين سمّيا بالحصنين الشرقي والغربي فصالحه أهلهما([221]). وفي سنة 20هـ/640م ولى عمر عتبة بن فرقد السلمي الموصل فاستولى على نينوى عنوة وعبر دجلة فصالحه أهل حصن الموصل ودفعوا الجزية ثمّ استولى على حصون الأكراد ومعاقلهم، كما فتح المرج والقرى المنتثرة فيه([222]) ثمّ عزل الخليفة عمر عتبة عن الموصل وولاها هرثمة بن عرفجة البارقي الذي أكمل الفتح وأنزل بها العرب وأنشأ أوّل مسجد جامع فيها، لذلك نستطيع اعتباره أوّل من اختط الموصل كمصر إسلامي([223]).
وبجانب الموصل استطاع عتبة بن فرقد أن يفتتح أعمالها وقراها وهي بانهذرا (أو بيت نوهدرا وهي قضاء زاخو ودهوك)، والمرج (وهو العقر والزيبار) وباعذرا (أو بيت عذرا) وحبتون([224]) وداسان([225]) وقردى وبازبدى([226]).
أمّا أعمال الموصل فقد استخدمنا تعبيراً مرناً للدلالة عليها، لأنّها ـ من الناحية الجغرافية والإدارية ـ اختلفت باختلاف العصور وباختلاف مفاهيم الجغرافيين القدامى يقول ابن حوقل([227]): للموصل نواح عريضة ورساتيق عظيمة وكور كثيرة غزيرة الأهل والقرى… مثل رستاق المرج وفيه مدينة تعرف بسوق الأحد». ثمّ يحدّد ابن حوقل نواحي الموصل ورساتيقها فيذكر في النواحي نينوى والمرج وحزة وباعربايا التي تصاقب بازبدى وتمتد من باعيناثا إلى نهرسريا. وذكر الحديثة (حديثة الموصل) باعتبارها تابعة مالياً وإدارياً إلى الموصل لأنّ أموالها تجبى بالموصل التي تبعد عنها تسعة فراسخ([228]). ويذكر بلد التي تبعد عن الموصل سبعة فراسخ فحسب.
ويقول قدامة([229]) تحت عنوان الموصل وأعمالها إنّها تشمل شهرزور والصامغان ودراباذ «التي كانت من أعمال الموصل ثمّ أفردت عنها». ويذكر من أعمال الموصل في الجانب الغربي من دجلة كورة الجزيرة وكورة نينوى وكورة المرج وإقليم بعذرى (وترد باعذرا)([230]) وفي الجانب الشرقي يذكر الحديثة وحزة وبهدرا والمغلة وحبتون والحناية والسا والديبور وداسن([231]). ومن جهة أخرى يجعل قدامة قردى وبازبدى (أوبزبدى) ـ حيث جبل الجودي ـ وجزيرة ابن عمر وباسورين خارجة عن أعمال الموصل وليست ضمنها من الناحية الإدارية. ويعدّد ياقوت أعمال الموصل فيذكر: باعذرا وباعربايا وباعشيقا وبافخاري (من أعمال نينوى وبافكى (من أرض نينوى) وبامردني وبادشنابا وتل خوسا([232]). أمّا ابن الفقيه فيذكر من أعمال الموصل المرج وأرض بانهدرا ودسن (جبل داسن) وهو من معاقل الأكراد، والحديثة والطيرهان وتكريت وباجرمق ومرج جهينة ونينوى وباجلى وباعذرا وبانقلي وحزة وبانعاس والمغلة ورامين والحناية وباجرمى وبابغيش والداسن وكفر عزى. وفي العصور العباسية اعتبرت إربل (أربيل) من المناطق الملحقة بالموصل.
لقد اشتهرت من أعمال الموصل برطلى وكرمليس الواقعتان على بُعد بضعة أميال شرقيها، كما اشتهرت باعشيقا التي تقع إلى شمالها بمسافة قليلة والتي تعتبر هي وبرطلى من أعمال نينوى، وكانت كرمليس التي تقع قليلاً إلى الجنوب قرية كبيرة كالمدينة ذات سوق عامر. وعلى ضفة دجلة الغربية على مقربة من هذه المواضع مرجهينة أو مرج جهينة على طريق الموصل الذاهب إلى بغداد([233]). وجدير بالذكر أنّ نينوى اشتهرت في التاريخ الإسلامي بتل توبة الذي يقوم عليه قبر النبي يونس والذي ما يزال حتّى الآن مزاراً مقدساً لدى المسلمين. وقد أشار ناصر الدولة الحمداني (وقيل ابنته جميلة) دور استراحة للزائرين والمجاورين تحت الجامع الذي يسمّى باسم النبي يونس، وإلى جواره شجرة اليقطين التي تنسب إليه([234]).
ترعرعت الموصل على عهد الأمويين فأقام بها حكامهم وبنوا قصوراً كثيرة درست آثارها كما فعل هشام بن عبد الملك الذي بنى بها قصراً في موضع قطائع بني وائل([235])، والحر بن يوسف الذي تولاها من قبل هشام سنة 105هـ وبنى بها قصر المنقوشة بين سوق القنابين وسوق الحشيش، وسمّيت بالمنقوشة لأنّها نقشت بالساج والقشاقش واتخذت دار إمارة([236]). ومن آثار الحُر نهر المكشوف الذي شقّ وسط المدينة سنة 107 ولم يفرغ الأمويون من حفر هذا النهر إلاّ في سنة 121 وكلف خزينتهم «ثمانية ألف ألف ألف درهم وجعل عليه ثمانية عشر حجراً تطحن»([237]).
وفي عهد مروان بن محمد ألحقت الموصل بالأمصار وأفرد لها ديواناً وبنى له فيها قصراً وأقام سورها وأشاد جسرها على دجلة([238]). وضمّت الموصل في القرن الثاني كثيراً من الأسواق أشهرها سوق الأربعاء وسوق الحشيش وسوق القنابين وسوق الدواب وسوق الداخل وسوق البزازين وسوق السراجين([239]). وهو التقسيم التقليدي للأسواق الإسلامية حسب الأصناف والمهن.
وفي العهد العباسي ازدهرت الموصل بعد أن هدأت الفتن واستأصل العباسيون نفوذ الأمويين وأنصارهم هناك. ففي عهد المنصور قام واليها إسماعيل ابن علي بإصلاحات عمرانية هامة فقد كانت أسواق الموصل ملاصقة للمسجد الجامع فنقلها إلى المقبرة وأبعد هذه إلى الصحراء وبنى المسجد المعروف بأبي حاضر. ووسع المهدي الجامع، فقد كانت هناك حوانيت وسوق للبزازين وأخرى للسراجين ومطابخ للعامّة فأمر الخليفة بهدم كلّ ذلك وأدخله في الجامع. ويقول الأزدي إنّه قرأ حجراً عثر عليه في باب الجامع يفيد أنّ هذه الإصلاحات تمّت على يد عامل الموصل موسى بن مصعب سنة 167هـ([240]).
حين دخلت الموصل تحت حكم الحمدانيين كانت مدينة عامرة زاهرة حوت كوراً وأعمالاً كثيرة منها تكريت وسنجار والطبرهان والسن والحديثة ومرج جهينة والمحلبية ونينوى وبارطلى وباهذرا وباعذرا وداقوقا([241]) والكوخ وخانجار وشهرزور حتّى امتدّت إلى حدود آذربيجان. وهذه الكور الأربع الأخيرة تحمل أسماء آرامية ويبدو أنّها كانت من مواطن النصارى الآراميين هناك. وقد نالت الموصل أهميتها من موقعها الحربي والتجاري الممتاز فهي المنفذ الرئيسي إلى العراق وخراسان وأذربيجان([242]). وقد ازدهرت أيّما ازدهار أيام الحمدانيين وكثر بها الزرع من نخيل وشجر([243]) كما امتازت بأسواقها وفنادقها التي اتخذها التجار مثابة لهم([244]). وأشاد ابن جبير([245]) بأبراجها وبيوتها وقلعتها وسورها وكثرة مساجدها وحماماتها وخاناتها وأسواقها ومدارسها ومشاهدها المقدسة. ولمّا زارها ابن بطوطة([246]) في القرن الثامن وجدها مدينة حصينة عامرة كما كانت أيام ابن جبير.
السكان
كان سكان الجزيرة أيام الحمدانيين ـ شأن سكان سواد العراق ـ خليطاً من العرب القاطنين فيها قبل الفتح والفاتحين، ومن جماعات بشرية أخرى غير عربية وغير مسلمة من أهل البلاد الأصليين. وإذا شئنا أن نحدّد عناصر سكان الجزيرة فيمكن القول إنّهم تكوّنوا من العرب والأكراد والآراميين بالإضافة إلى الأرمن الذين سكنوا في أرمينية في المنطقة الواقعة إلى شمال دجلة والفرات.
1 ـ العرب:
كان العرب أغلب سكان الجزيرة وكانوا القوة الرئيسة المحرّكة للأحداث السياسية. ولعل خير دليل على نفوذ العرب هناك أنّهم استطاعوا إقامة دويلات مستقلة عملياً وإن كانت تعترف ـ من الناحية النظرية ـ بسلطة الخليفة العباسي، أهمها الدولة الحمدانية التي أقامتها قبيلة تغلب الربعية، والدولة العقيلية([247]) التي أقامها بنو عقيل المضربون (386ـ489هـ) بعد زوال النفوذ الحمداني من الجزيرة. ومن الواضح أنّ قيام هاتين الدولتين على أيدي العرب العدنانيين إنّما يقف دليلاً ليس على نفوذ العرب وقوّتهم فحسب، بل وعلى ضخامة أعدادهم التي أتاحت لهم تكوين جيوش قوية (من العرب وغير العرب) سيطرت على تلك الأصقاع الوعرة وحمت الحدود ودفعت خطر الروم وجابهت الحركات المحلية العديدة، وبخاصّة حركات الأكراد ذوي القوّة والبأس والقدرة على خوض الحروب الجبلية، وكذلك حركات القبائل العربية المعادية لهم.
كان عرب الجزيرة مزيجاً من قبائل مضر وربيعة العدنانيين ومجموعات قبلية أخرى ـ عدنانية وقحطانية ـ استقرّت هناك نتيجة هجرات متتابعة في فترات زمنية مختلفة قبل الإسلام بعدّة قرون([248]). لقد أطلقت المراجع الفارسية على منطقة نصيبين وما حولها اسم (عربستان) أي بلاد العرب، على حين أطلق سترابو اسم بلاد العرب على منطقة الجزيرة الواقعة جنوبي المنطقة الكردية والتي تمتد حتّى الصحراء. ويبدو أنّ سمعة هؤلاء العرب التجارية كانت عالية بدليل أنّهم احتكروا تسيير القوافل من سورية إلى العراق تحت حماية أمراء منهم من ذوي السطوة والبأس فرضوا نفوذهم وهيبتهم على طول الطريق المحاذي لدجلة([249]).
ويبدو من تتبع تاريخ إمارة الحضر Hatra (حطرا أو حطارا) التي ما زالت آثارها شاخصة في منخفض من بادية جزيرة العراق على مقربة من الضفة الغربية لوادي الثرثار بين تكريت والموصل، أنّ العرب عاشوا هناك منذ سقوط دولة الآشوريين في سنة 612 قبل الميلاد وأنّهم أقاموا سلالة حاكمة. إنّ وجود آلهة عربية عبدت في الحضر أيام الآشوريين إلى جانب الآلهة الآشورية أتى بها العرب من جزيرتهم كاللات وشمش يقف دليلاً على وجود العرب في المنطقة قبل الميلاد بقرون. لقد حكمت في الحضر سلالة عربية مدّة ثلاثة قرون وكان أوّل حكامها أميراً عربياً اسمه سطروق ورد ذكره في كتابة اكتشفت هناك نصت على أنّ أباه يدعى نصر وأنّ لقبه (ملك العرب) ([250])، ويبدو أنّ حكام هذه الإمارة كانوا من قبيلة قضاعة([251])، ثمّ أعقبتها في أيام الغرثيين إمارة آرامية حكمت تحت حماية الرومان خلال القرنين الثاني والثالث للميلاد تلقب أمراؤها بلقب (فيلارك) الروماني وتدل أسماؤهم على أنّهم من العرب([252]). وإذا رجعنا إلى المراجع العربية نجد ذكر الحضر وحكامها العرب يرد في أكثر من مرجع ثقة، على الرغم من أنّ أخبارها تختلط بالأسطورة. يقول يقوت([253]): «إنّ بني قضاعة لما افترقوا سارت قبيلة منهم ـ ولعل المقصود هنا بنو ضجعم ـ إلى أرض الجزيرة وعليهم ملك يُقال له الضيزن بن جلهمة أحد الأحلاف فنزلوا مدينة الحضر». ويقول الطبري([254]): إنّ الضيزن كان يلقب بالساطرون وهو من الجرامقة، وأنّ العرب تسمّيه الضيزنه من أهل باجرمى. ثمّ يروي الطبري عن هشام بن الكلبي أنّ الضيزن من العرب من قضاعة([255]) وأنّه ملك أرض الجزيرة وامتدّ نفوذه إلى الشام. وظلّ الضيزن على عرشه حتّى نشب عداء بينه وبين سابور بن أردشير ملك الساسانيين أسفر عن مقتل الضيزن وسقوط إمارة الحضر العربية بيد الساسانيين وتشتت قضاعة. وبني حلوان ممّن كانوا في الحضر([256]). والمهم في النص الذي أورده الكبري وجود رأيين متعارضين يجعل أحدهما الضيزن من الجرامقة أي الآراميين وأنّه من باجرمى أي بيت كرماي([257])، ويجعل ثانيهما الضيزن من عرب قضاعة. وإذا شئنا أن نناقش هذين الرأيين على ضوء المعلومات التاريخية المتوفرة بين أيدينا نجد أنّ الطبري خلط بين أصل الضيزن وهو من قضاعة العرب وبين لقبه الذي أضفاه عليه الآراميون فسمّوه، بالساطرون، ومن هنا يكون ابن خلدون أكثر دقة حين قال([258]) إنّ الضيزن كان معروفاً عند الجرامقة بالساطرون. ولا يهمنا إثبات نسب الضيزن بقدر ما يهمّنا تأكيد حقيقة أساسية هي وجود قبائل قضاعة وبني حلوان مع الضيزن في الحضر يوم حاصرها سابور الأوّل (241ـ272م). ومن جهة أخرى فلعل المؤرخين ـ وفيهم الطبري ـ قد خلطوا بين بني الأجرام العرب القضاعيين الذين هاجروا إلى الحضر إبان النصف الأوّل من القرن الثالث وبين الجرامقة وهم من الآراميين. وقد ذكر المؤرخون العرب «بني عبيد بن الأجرام» وقبائل قضاعة مع الضيزن أثناء صراعه مع الفرس([259]).
غير أنّ أضخم هجرة عربية إلى الجزيرة العراقية هي تلك التي حدثت في القرن السابع الميلادي، على أثر الحروب والوقائع الطاحنة المريرة بين المجموعات القبلية العدنانية في شمالي جزيرة العرب ذاتها وهي الوقائع التي تدعى بأيام العرب. وتفصيل الأمر أنّ ربيعة العدنانية ـ وأكبر قبائلها بكر وتغلب ـ بعد أن خرجت على سلطة اليمن في أواخر القرن الخامس الميلادي وخلعت طاعتها، وبدا أنّها أصبحت زعيمة قائدة لقبائل معد من قضاعة ومضر وأياد ونزار بدأت بينها وبين حلفائها من القبائل الأخرى، وبين بطونها هي نفسها وقائع وحروب أدّت إلى كثير من المآسي([260]). أمّا الذي يهمّنا هنا فهو ما أعقب ذلك من هجرات قبلية ضخمة إلى الجزيرة هي التي أعطتها تكوينها البشري النهائي وأسماء مناطقها الجغرافية([261]). فالحروب التي جرت بين بكر وتغلب (من قبائل ربيعة). وأهمها حرب البسوس([262]) ـ والوقائع التي جرت بين شيبان وتغلب (من ربيعة)، والتي جرت بين قبائل ربيعة ومضر، وبين قبائل مضر ذاتها ـ وبخاصّة حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان ـ كلّ ذلك أدّى إلى هجرات متتالية إلى الأراضي المجاورة ومنها الجزيرة ـ أي بلاد ما بين النهرين ـ بسبب البحث عن أرض جديدة وعيش أكثر رخاء، ومن ثمّ فإنّ السبب الأساسي في قدوم هذه الموجات البشرية العربية إلى الأراضي الخصبة المجاورة، إنّما كان زيادة السكان في شبه الجزيرة العربية ـ مع شحة مواردها ورزقها ـ وهذه هي الدوافع التي دفعت بالكتل البشرية الزائدة إلى الهجرة بحثاً عن أرض جديدة تضمن لهم البقاء.
وإذا أردنا أن نتتبع هجرة هذه القبائل العدنانية فإنّنا نجد أنّها تحرّكت أوّل الأمر من مواضعها في شبه الجزيرة العربية على النحو التالي: نجد أنّ ثلاثة بطون من ربيعة تترك مواضعها في تهامة والحجاز ونجد وهي تغلب بن وائل ونمير بن قاسط وشيبان بن بكر بن وائل أخ تغلب (أي أنّهم من البكريين). واستقرّ هؤلاء جيمعاً على حدود مملكة اللخميين في الحيرة، حيث جرت وقائع الفتح الإسلامي أوّل ما جرت، على حين استوطنت جماعات منهم بين الكوفة والبصرة. ونجد أنّ تهامة تضيق عن أنمار([263]). بعد حرب بينها وبين مضر تنزح عن مواطنها، ثمّ نزحت إياد([264]). بعد حرب مع ربيعة ومضر فنزل بعضهم تكريت وبعضهم الجزيرة وأرض الموصل([265])، حيث سبقهم أقرباءهم من بكر بن وائل وغيرهم. ولم يبق من بني معد في تهامة من القبائل الكبرى إلاّ ربيعة ومضر فنزحت ربيعة بسبب وقائع بين قبائلها([266]). فتفرّقت في ظواهر نجد والحجاز والبحرين وهجر وبلاد اليمن. وبعد حرب حاسمة بين بكر وتغلب هزمت هذه الأخيرة التي طالما كانت متزعمة على قبائل ربيعة وبيدها لواؤها، فتفرّقت في الأصقاع فانحازت النمر وغفيلة إلى أطراف الجزيرة وعانات وما دونها إلى بلاد بكر بن وائل وما خلفها من بلاد قضاعة([267]). على حين انتشرت بكر بن وائل في مناطق كثيرة واستقرّت بعض بطونها في الجزيرة. وبعد خروج ربيعة ظلّت مضر وحدها في منازلها بتهامة حتّى كثرت أعدادها وضاقت بهم مساكنهم فخرجوا يبحثون عن أرض جديدة والقتال في أثناء ذلك يزداد حدّة بين قبائلها وبطونها. والذي يهمّنا أنّ بعض قبائل مضراستقرّت في الجزيرة العراقية ومنها نمير وعقيل وقشير وتميم وعمرو بن مالك وسليم وغيرهم([268]).
ولدى تتبع أخبار الفتوح الإسلامية في العراق نسمع عن بني شيبان بن بكر بن وائل الذين قادهم المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس بعد أن دخلوا الإسلام([269])، على حين كانت جماعة أخرى من بكر بن وائل في البصرة أيام الفتح في عهد أبي بكر([270]). ويذكر البلاذري([271])، كذلك الأزد (اليمانية)، وبني شيبان وطيئ (اليمانية) والعدسيين (من كلب) في الحيرة. ونجد في الفترة نفسها قوماً من كلب وبكر بن وائل وطوائف من قضاعة فوق الأنبار([272]). وخلال وقائع الفتح الأولى نجد بني تغلب تعيش قرب عين التمر على ماء سمّي باسمها، حيث أرسل القائد خالد بن الوليد سرية طرقتهم ليلاً([273]). والطريف في الأمر هنا أنّ أسيراً من بني تغلب دلّ المسلمين على حي لربيعة دهمه المسلمون([274]). ونستدل من بيت من الشعر أورده البلاذري([275])، أنّه كانت لبكر وقضاعة أحياء بالسوق الذي فوق الأنبار» غير بعيد عن مساكن بني تغلب.
صبحنا بالكتائب حي بكر
وحياً من قضاعة غير ميل
كما أنّنا نجد مجموعات مضرية وبصورة خاصّة من القيسيين عند الفرات على حدود بادية الشام.
لقد تمّ فتح الجزيرة العراقية في عهد الخليفة عمر ابن الخطاب على يد القائد عياض بن غنم الذي فتح الرقة وحران والرها ونصيبين وأرزن وسنجار وميافارقين وقرقيسيا وقرى الفرات ومدائنها وطور عابدين وكفرتوثا وماردين ودارا وقردى وبازبدى في سنة 19 هجرية. «وقد افتتح عياض الجزيرة ومدائنها صلحاً وأرضها عنوة»([276]). والذي يهمنا هو الحالة البشرية عند فتح الجزيرة على أيدي المسلمين. أنّنا نجد عن طريق البلاذري([277]) أنّ أهل الرها كانوا من النصارى على وجه العموم، وكان حول الرقة العرب وفي داخلها جالية كبيرة من النصارى. أمّا حران فكانت مدينة الصابئين منذ القدم وقد صولحوا عند الفتح بما صولح عليه نصارى الرها. أمّا سنجار فيقول البلاذري([278]) إنّها كانت في أيدي الروم ثمّ إنّ كسرى أبرويز نقل إليها مجموعة من الفرس ساهمت في فتحها على عهده وأقامت هناك وتناسلت، وحين فتحها عياض أسكن بها جماعة من العرب.
وشهدت الجزيرة هجرة عربية أخرى واسعة بعد توطد الدولة العربية الإسلامية حيث انتقل إلى الموصل أقوام من الأزد وطيئ وكنده وعبد القيس([279])، ثمّ مجموعات ضخمة من القبائل العربية هنا وهناك في أنحاء الجزيرة والشام. وفي أيام ولاية مروان بن محمد الموصل (102هـ ـ 720م) زادت هجرة القبائل العربية إلى هذه المدينة وما حولها فاستقرّ بها الأزد وشيبان وسلو وخزرج والأميون وغيرهم([280]).
نستطيع القول إنّ الجزيرة تمتعت أيام الحمدانيين بغالبية من السكان العرب تأتي في مقدمته تغلب. وقد هاجرت تغلب من بلاد العرب واستقرّت بعد تجوال طويل في أرض الجزيرة، على حين استقرّ فرع آخر منها في الشام([281]). ويقال إنّ عمرو بن هند هو الذي قدم ببني تغلب من جزيرة العرب وأمر أن يضرب رواقه فيما بين الحيرة والفرات([282]). وظلّت تغلب تقوم بدور كبير في تاريخ الجزيرة، حتّى أتيح لبني حمدان ـ وهم بيت من بيوتها ـ أن ينشئوا دولتهم هناك خلال القرن الرابع الهجري. والحق أنّ تغلب كانت تسكن في ديار ربيعة وتنتشر بعض بطونها في منطقة الخابور، على حين كانت نصيبين دار آل حمدان كما يقول الهمداني([283]).
ومن القبائل ذات الشأن في تاريخ الجزيرة بنو شيبان، الذين ساهموا في الأحداث السياسية بصورة فعّالة في أواخر القرن الثالث وحالفوا العباسيين ضد الخوارج تارة، وظهر فيهم خوارج ذوو بأس تارة أخرى. ويقول ابن حوقل([284]): إنّ بني شيبان اتخذوا من المنطقة التي تقع بين الزابين مصايف لهم في الشتاء، خاصّة وأنّ هذه المنطقة اشتهرت بمراعيها الصالحة الكثيرة وضياعها العامرة واستوطن بنو شيبان كذلك في البوازيج التي تبعد أربعة فراسخ عن مدينة السن (على الزاب الأسفل). أمّا الهمداني([285]) فقد وسع دائرة سكنى بني شيبان فجعلها تمتدّ من أوّل ديار بكر ـ أي من جبل طور عابدين ـ حتّى حدود ولاية خراسان «لا يشاركهم في سكناها إلاّ الأكراد».
لقد وزّع الهمداني([286]) القبائل العربية في إقليم الجزيرة إبان القرن الرابع على هذا النحو: الرافقة على الفرات يسكنها أخلاط من مضر وحران للصابئة وحولها يقيم بنو تميم ومن يخالطها من بني سليم، وهؤلاء (أي بنو سليم) أقاموا كذلك في الرها التي اشتهرت ـ كما أسلفنا ـ بأنّها موطن نصراني عريق. أمّا منطقة الخابور فكانت لبني عقيل أعلاه لبني مالك وبني حبيب وبطون تغلب الباقين» أي أنّ قبيلة تغلب شغلت الجزأين الأوسط والأدنى على حين شغلت الجزء الأعلى منه بنو عقيل وأمّا مدينة رأس العين ـ وهي آخر ديار مضر ـ فكانت مساكن للنمر بن قاسط. وأقامت جشم في كفرتوثا في ديار ربيعة، على حين كانت نصيبين «دار آل حمدان بن حمدون موالي تغلب»([287]). وكان جبل سنجار لشراة بني تغلب وهم بنو زهير وبنو عمرو، وبرقعيد ديار بني عبد من تغلب. وفي المنطقة الممتدة من برقعيد حتّى بلد عاش الشراة وغيرهم حتّى الموصل. أمّا عن الموصل فيقول الهمداني([288]) إنّ أكثر أهلها مذجح «وهي من ربيعة» وهذا خطأ فالواقع أنّ مدجح (أو مذجح) من القبائل القحطانية اليمانية ويستطرد الهمداني قائلاً([289]): إن جبل الجودي إلى يسار الموصل كانت فيه مساكن لربيعة، وخلفه يعيش الأكراد وخلف الأكراد يقيم الارمن. وإلى يمين الموصل باتجاه بغداد تقع الحديثة (أي حديثة الموصل) وجبل بارما (حمرين) ثمّ السن والبوازيج وهي بلاد الشراة من ربيعة. وكان بنو شيبان ـ كما أسلفنا ـ في جبل طور عابدين يحيون جنباً إلى جنب مع الأكراد.
وإذا رجعنا إلى ابن حوقل([290]) الذي كتب مؤلفه في القرن الرابع الهجري أي في عصر بني حمدان نجده يحدّد مواضع القبائل في الجزيرة على هذا النحو: كانت الموصل تحتوي على أحياء كثيرة لقبائل ربيعة ومضر واليمن، وبيت لذوي اليسار من بني فهد وبني عمران من وجوه الأزد وأشراف اليمن وبني شخاج وبني أود وبني زبيد وبني الجارود وبني أبيخداش والصداميين والعمريين وبني هشام وغيرهم. وكانت كفر عزى ـ وهي في أرض حزة من رساتيق الموصل ـ مثابة للأعراب الرحل يمتارون منها وينزل في نواحيها الأكراد([291]).
أمّا براري الجزيرة فكانت مراعٍ لقبائل ربيعة ومضرية «أهل خيل وغنم وإبل»([292]). يبدو أنّهم كانوا مزيجاً من البدو والحضر وكانت لهم صلات وطيدة مع بطون من قيس عيلان مثل بني قشير ونمير وكلاب([293]). الذين لم يلبثوا أن أزاحوهم عن أكثر ديارهم فملكوا حران وجسر منبج والخابور والخانوقة وعرابان وقرقيسيا والرحبة([294]). وقد اسلفنا القول إنّ منطقة ما بين الزابين اتخذ منها بنو شيبان مصائف لهم على حين اتخذها الأكراد الهذبانية مشاتي لهم([295]). وفي المنطقة التي تقع قرب سنجار بين شماليها وغربيها نجد وادي الحيال من أودية ديار ربيعة الشهيرة بخصبها، وقد عاش فيه بنو قشير ونمير وعقيل وكلاب. أمّا برقعيد فقد سكنها بنو حبيب وهم قوم من تغلب يمتون بصلة القرابة إلى بني حمدان([296]).
لقد كوّن العرب كما أسلفنا غالبية سكان الموصل، فقد كان الفاتحون من تغلب وأياد والنمر، ثمّ نزحت إليها بعد الفتح الخزرج والأزد وتميم وتغلب وشيبان وسليمى. وازدادت هجرة القبائل إلى تلك المدينة وتعاظمت منذ خلافة عثمان فجاءت الأزد وطيئ وعبد القيس وكندة وغيرها على نحو أصبحت معه الموصل ذات أغلبية عربية «أهلها عرب ولهم بها خطط وأكر هم ناقلة البصرة والكوفة»([297]). وفي أواخر العصر الأموي زادت هجرة القبائل إلى هذه المدينة واستقرّ بها الأزد وسلول والخزرج والأمويون وغيرهم. وهكذا نجد أنّ سكان الموصل العرب كانوا مزيجاً من القبائل العدنانية والقحطانية. وجدير بالذكر أنّ هذه القبائل ـ بالإضافة إلى تلك التي استقرّت في الموصل قبل الفتح ـ إنّما جاءت على شكل هجرات متتالية، فوصلت المجموعة الأولى في سنة 16هـ (637م) مكوّنة جيش الفتح، ثمّ وصل الخزرج في سنة 20هـ وتلاهم الأزد الذين سكنوا قرب الجامع الأموي([298])، وتميم التي تركت لهجتها في لغة أهل الموصل([299]). ثمّ بطون أخرى جديدة من تغلب التي سكنت قرب باب العراق في محلة التغالبة([300]). وشيبان الذين استقروا في الربض الأعلى. والحق أنّ هذه الهجرات كانت قد جاءت إلى الموصل من مناطق الجزيرة الأخرى أو من المناطق الأخرى غير البعيدة([301]).
وقد زودنا أبو زكريا الأزدي([302])، بمعلومات قيّمة للغاية عن خطط الموصل في القرن الثاني الهجري وعدد قبائلها وبيوتها بعد أن استقرّ تكوينها البشري أيام العباسيين: فنجد سليمى ـ أو سليمة ـ ومنازلهم بابا سنجار حيث مسجدهم وخططهم([303]). وسليمة هو ابن مالك بن فهم وله ـ أي سليمة ـ من الولد ـ كما قيل ـ خمسة عشر ولداً منهم كلاب وغنم ومحاسن([304]). ومحاسن بن مالك بن فهم كان من ولده بنو جابر ومنهم بنو عمران الموصليون. ويبدو أن جابر بن جبلة هو أوّل من أقام في الموصل من سليمة وكان له في السكة الكبيرة ـ على حد قول الأزدي ـ([305]) مسجد وزقاق باسمه.
وإذا رجعنا إلى الأزدي نجد أنّ عديداً من القبائل والبطون العربية استقرّت في الموصل، في الوقت الذي وضع فيه مؤلفه إبان القرن الرابع الهجري. فهناك بنو وائل (بن الشخاج الأزدي) الذين كانت لهم قطائع في الربض الأسفل من المدينة. ووائل بن الشخاج الأزدي هذا من أنصار العباسيين الأوّل فأقطعوه القطيعة التي سمّيت باسمه في الموصل([306]). ومن هؤلاء السلميين نسمع عن جماع بن أحمد السليمي صاحب سكة جماع بالموصل والذي كان له موالٍ هم بنو أبي السرداج. وبالموصل من سليمة كذلك بنو الحشاش من ولد عبد بن سليمة الذين أقاموا في السكة الكبيرة كذلك. وعاش في الموصل من أخوة سليمة معن بن مالك الذين شاركوا بني سليمة مساكنهم في باب سنجار([307]) ويبدو أنّ نفوذ آل معن بن مالك امتدّ من الموصل حتّى بلغ وادي الثرثار ـ بين سنجار وتكريت ـ فكانت لهم هناك خطط وضياع منها تل خوسا التي تقع قرب الزاب بين إربل (أربيل) والموصل([308]).
ومن سليمة في الموصل آل الرواد الذين دفعت بهم مطامحهم إلى آذربيجان حتّى استولوا على كورة من كورها. ومن إخوتهم كذلك فراهيد بن مالك الذين قدموا الموصل وعاش بها منهم رهط، وعمرو بن مالك الذي يقول عنهم الأزدي([309]) إنّهم عاشوا في الموصل ثمّ انقرضوا. ونحن لا نملك في تفسير سبب هذا الانقراض إلاّ القول بأنّهم أبيدوا في المعارك والحروب التي ملأت تاريخ تلك الحقبة، أو أنهم كانوا جماعة صغيرة رحلت عن الموصل لسبب من الأسباب أو اندمجت في عصبية أقوى منها وأقدر على الدفاع عن نفسها وتأمين أسباب بقائها، ونجد من ولد مالك بن فهم وولد عدي بن عمرو بن مالك بني ثوبان، الذين قدموا من البصرة فنزلوا حول الموصل في ثرثار وسفطا وبحواثا والعروبة من إقليم الديبور([310]). ومن بني مالك ابن فهم في الموصل العقا بن الحارث بن مالك بن فهم الذين سكنوا في قرى الزاب، وإخوتهم الأشاقر، والحمام من ولد مالك بن فهم الذين قدموا إليها من عمان، في حين أقامت جماعة منهم في البصرة، وكانت لهم في الموصل ضيعة تعرف بالحميمة([311]).
وهكذا يمكن إيجاز التكوين البشري للموصل العربية على هذا النحو: كانت أولى القبائل التي وصلت إلى الموصل عند الفتح الإسلامي واستقرّت فيها تغلب وأياد والنمر (من القبائل العدنانية) ثمّ وصلتها الأزد وطيئ وكندة (من القبائل القحطانية أو اليمانية) وعبد القيس (من القبائل العدنانية). وفي العهد الأموي زادت هجرة القبائل فجاء المزيد من الأزد وبني شيبان وسلول والخزرج (من الأزد) ([312])، فضلاً عن بني تميم ذوي التأثير الواضح في تاريخ الجزيرة.
غير أنّ تغلب ذات الصولة والجولة في أحداث الجاهلية في شبه جزيرة العرب ظلّت تلعب دورها في تاريخ الجزيرة والموصل وتؤثّر تأثيرها العميق في أحداث العصر حتّى أتيح لها أن تقيم دولة الحمدانيين. لم تقتصر سكنى تغلب على الموصل بل إنّ بطونها وفروعها انتشرت في أصقاع الجزيرة، فنجدها في نصيبين وبرقعيد وفي المناطق المحيطة بالموصل وفي كثير من مدن الجزيرة.
ومن الجدير بالذكر أنّ هذه القبائل التي نقلت مساكنها من موطنها الأصلي في شبه الجزيرة العربية إلى أرض الجزيرة العراقية، نقلت معها كلّ تراثها من تقاليد وعادات وثقافة وظلّت هذه التقاليد الموروثة تلعب دورها في المجتمع الجديد، بحيث نجد العصبية القبلية تظلّ تصاحب القبائل وتؤجّج نيران الثأر فيها كلّما دعاها داع إلى الاحتكاك. ففي عام 198هـ كانت وقعة معروفة بين اليمانية والنزارية (أي بين عرب الشمال وعرب الجنوب)، فضلاً عن أنّ بعض الولاة كانوا يتعصبون لهؤلاء دون أولئك والعكس يصح([313]).
2 ـ الأكراد:
كانت الجزيرة موطن الأكراد منذ القدم، وقد كوّنوا عنصراً بشرياً هاماً من عناصر سكانها. اشتهروا بقوّة أبدانهم وشدّة بأسهم وقدرتهم الحربية التي اكتسبوها من طبيعة بلادهم الجبلية الوعرة. وتقع بلاد الأكراد أو «كور دوئين» بين منابع الزاب الكبير ودجلة. وفي العهود الإسلامية كانت هذه البلاد تعني أقاليم متفرقة تنتشر في الجزيرة وحلوان والجبال وأرمينية وبلاد الروم([314]). وقد استقرّ في هذه الأقاليم منذ عصور سحيقة أقوام جاءت من جبال زاجروس اعتبرهم مينورسكي([315]) من الإيرانيين القدماء. ثمّ نزحت إليها أقوام هندو أوروبية تغلبت عليها فأصبح سكانها جميعهم من الآريين([316]). وكان الأكراد قبل ظهور الإسلام يدينون بالعقيدة الزرادشتية التي ظهرت في فارس وميديا، فلمّا ظهر الإسلام وانتشر في تلك الأصقاع بتأثير الفتح اعتنقه الأكراد وأخلصوا له واندمجوا في المجتمع الإسلامي الكبير الذي ضمّ عديداً من الأجناس والأقوام. وقد قام الأكراد بدور فعّال في جميع الثورات والأحداث الكبرى التي شهدتها تلك المنطقة وبخاصّة في القرون الخمسة الأولى بعد الهجرة([317]).
تذكر المراجع العربية أسماء القبائل الكردية ذات الأهمية في أحداث العصر الحمداني ومنهم الأكراد الهذبانية والحميدية واللارية الذين كانوا يعيشون في منطقة الموصل وما حولها حيث كانت لهم في المدينة أحياء وفي خارجها مناجع للرعي([318]). ويذكر ابن حوقل([319]) أيضاً أنّ الأكراد كانوا ينزلون في نواحي كفر عزى ـ في أرض حزة من أعمال الموصل. وكانت المناطق الواقعة بين الزابين تتميز بمراعيها الكثيرة وضياعها العامرة وقد اتخذها الأكراد الهذبانية مشاتي لهم في فصل الشتاء([320]). ويذكر الهمداني([321]) أنّ الأكراد سكنوا خلف جبل الجودي الذي يقع إلى يسار الموصل، وامتدّت بلادهم إلى حدود أرمينية.
د. فيصل السامر
الجزيرة
مرّ الحديث عنها مفصلاً في مكانه، ونذكرها هنا كما عرفها الأقدمون:
«وأمّا الجزيرة التي بين دجلة والفرات، وتشتمل على ديار ربيعة ومُضَر، فمخرج الفرات من داخل بلد الروم على ما سلكته من مَلَطْيَة على يومين، ويجري بينها وبين المدينة المعروفة بِسُمَيْساط، وكانت للمسلمين، ويمرّ عليها وعلى جسر منبج وبالِسَ إلى الرّقّة وقَرْقيسيا والرَّحْبة وهيت والأَنْبار، وينقطع حدّ الفرات ممّا يلي الجزيرة، ثمّ يعود حدّ الجزيرة في سمت الشمال إلى تكْريت، وهي مدينة على دجلة، حتّى ينتهي عليها مصعداً إلى السِنّ ممّا يلي الجزيرة، وإلى الحَديثَة والمَوْصِل. ويصعد دجلة إلى جزيرة ابن عمر، ثمّ يتجاوز إلى آمد، فينقطع حينئذٍ حدّ الجزيرة، وتصعد دجلة على أقلّ من يومين في حدّ أرمينية، ثمّ يعود الحدّ مغرّباً إلى سُمَيْساط، ثمّ ينتهي إلى مخرج ماء الفرات في حدّ الإسلام من حيث ابتداؤه، ومخرج دجلة، وإن كان في بلد الروم، فطالما كان في يد الإسلام، وعلى يسار دجلة وغربيّ الفرات مدن وقرى تُنسب إلى الجزيرة، وهي خارجة منها وبائنة عنها.
وأمّا حدودها ومسافاتها، فمن مخرج الفرات في حدّ مَلَطْية إلى سُمَيْساط يومان، ومن سُميساط إلى جسر منبج أربعة أيّام، ومن الجسر إلى بالِس أربعة أيّام، ومن بالِس إلى الرَّقّة يومان، ومن الرَّقّة إلى الأَنْبار عشرون يوماً، ومن الأنبار إلى تَكْريت يومان في نفس البرّيّة، ومن تكريت إلى الموصل ستة أيّام، ومن الموصل إلى آمد أربعة عشر يوماً، ومن آمد إلى سُمَيْساط ثلاثة أيّام، ومن سُمَيْساط إلى مَلَطْية ثلاثة أيّام، ومن الموصل إلى (بَلَد) مرحلة، ومن بَلَد إلى نِصيبين خمس مراحل، ومن نِصيبين إلى رأس عين ثلاثة مراحل، ومن رأس عين إلى الرَّقَّة أربعة أيّام، ومن رأس عين إلى حَرّان ثلاثة أيّام، ومن حرّان إلى جسر منبج يومان، ومن حرّان إلى الرُّها يوم، ومن الرُّها إلى سُمَيْساط يوم، ومن حرّان إلى الرَّقَة ثلاثة أيّام.
ومدينة (آمد) على جبل من غربي دجلة مطلّ عليها نحو مائة قامة، وعليها سور أسود من حجارة الأرحية، ويُسمّى ذلك السور ميموناً من شدّة سواده، وذلك أنّه من حجارة أرحية الجزيرة، وليس لهذه الحجارة على وجه الأرض نظير، ومنها ما يساوي الخمسين ديناراً وأقلّ وأكثر بالعراق.
وآمد كثيرة الشجر، ولها مُزْدَرَع بداخل سورها، ومياه وطواحين على عيون تنبع منها؛ وكان لها ضياع ورساتيق وقصور ومزارع برسمها، هلكت لضعفهم، واقتدار الروم عليهم، وقلَّة المغيث الناصر.
وأجل مدينة لديار مُضَر الرَّقّة، وفي غربيّ الفرات بين الرَّقَّة وبالس أرض صفّين، وبها قبر عمّار بن ياسر (رض) وأكثر أصحاب أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
ومدينة (حرّان) تليها في الكبر، وهي مدينة الصابئين، وبها سدنتهم، ولهم بها تلّ عليه مصلّى الصابئين يعظّمونه وينسبونه إلى إبراهيم، وهي من بين تلك المدن قليلة الماء والشجر، وكانت زروعها مباخس، وكان لها غير رستاق عظيم وكورة جليلة، فافتتح الروم أكثرها، وأناخت بنو نُمير وبنو عُقيل بِعَقْوتِها وبقعتها، فلم تبق بها باقية، ولا في رساتيقها ثاغية ولا راغية. وهي مدينة في بقعة يحفّ بها جبل مسيرة يومين في مثلها مستواة.
ومدينة (الرُّها) في شمال هذه البقعة، وكانت وسطه من المدن، والغالب على أهلها النّصارى، وبها زيادة على ثلاثمائة بيعة ودير وصوامع، فيها رهبانهم، ولهم فيها بيعة ليس للنصرانيّة أعظم ولا أبدع صنعةً منها، ولها مياه وبساتين وزروع كثيرة نزهة، وهي أصغر من (كَفَرْثُوثا)، وكان بها منديل لعيسى ابن مريم (عليه السلام)، فخرج ملك الروم في بعض خرجاته ونزل بهم وحاصرهم وطالبهم به، فسلّموه إليه على هدنة وافقوه على مدّتها.
و(جِسر مَنْبِج) و(سُمَيْساط) مدينتان نزهتان فيهما مياه وبساتين ومباخس وأشجار، وهما عن قرب من الفرات في حال اختلال ورزوح حال».
جيش أسامة
كاد الأمر أن يُحسَمَ إلى الأبد في إجراءين عبقريّين، لو تمّا:
إجراء عملي، وآخر نظري… كان كلّ مهما كفيلاً بقطع طرق النزاع، وتفويت الفرصة أمام أيّ منازع…
فحين أوشك أن يجيب داعي ربّه، جهّز النبيّ جيشاً كبيراً جمع فيه جلّ المهاجرين والأنصار، وفيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة([322])، وأمَّر عليهم الشاب الأمير أسامة ابن زيد، ابن السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، وأمره أن يسير بجيشه صوب فلسطين([323])، وأن يعجّل المسير، وكلّما ثقل عليه المرض ودنا أجله قال: «أنفذوا ببعثة أسامة» يكرّرها([324])! ويغلظ القول في المتباطئين عنها([325])!
إنّه تمهيد عمليّ لا شكّ فيه لخلافة عليّ الذي أبقاه إلى جنبه، وتهيئة المدينة لمبايعته بعد خلوّها من المنافسين الذين كانوا يحولون ليس دون المبايعة لعليّ، بل حتّى دون ما يُحتّمها من أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله)!.
فلم تنفذ بعثة أسامة، رغم مرور نحو شهر ونصف على الأمر بإنفاذها عاجلاً([326])!، ورغم تكرّر أمر النبيّ بإنفاذها!!
واعتذروا لتأخّرهم: بمرض النبيّ، وبأنّهم لا يريدون أن يغيبوا عنه ساعة وفاته([327])، ولا يريدون أن يسألوا عنه الركبان.
لكنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان يريد ذلك!! كان يريد ذلك بوضوح، وإلاّ لماذا هذا التأكيد على إنفاذ البعثة أيّام اشتداد مرضه بالخصوص؟!.
لقد كان يؤكّد ذلك في أثقل ساعات مرضه، وحين يصعب عليه الكلام كان يؤكّده بالإشارة([328])!.
.إنّه أوضح شيء باختلاف الإرادتين، إرادته في أن يذهبوا وألاّ يشهدوا ساعة وفاته، وإرادتهم أن يتأخّروا حتى يشهدوها!
واليوم فينا كثرة كاثرة هي أشدّ ما تكون تحمّساً لهذه الارادة الأخيرة وتجعلها عذراً لا شيء أقوى منه على تخلّفهم وعدم استجابتهم لأمر النبي(ص)!
وبين ذلك الجمع الكبير لم نجد من كان يثيره هذا التباطؤ إزاء التأكيد المستمر من قبل النبي، لم نجد من صرخ فيهم وعاب عليه تباطؤهم وحثّهم على تلبية أمر النبي الذي هو اعلم بما يصلحهم، وأحرص عليهم من انفسهم!
أما إجراؤه النظري الاخير؛ فكان قبيل وفاته وحين كان يشتدّ عليه المرض حيناً بعد حين، وعلى الأرجح أنّه كان قبل وفاته بنحو أربعة أيام، وتحديداً كان يوم الخميس، ذاك الذي بكاه حبر الأمّة ابن عبّاس بكاءً عجباً، فصوّر رواة حديثه بكاءه كما صوّروا حديثه: يتوجّع ابن عبّاس ويقول: يوم الخميس، وما يوم الخميس!! ثمّ يبكي حتى يبلّ دمعه الحصى.. قيل له: يا ابن عبّاس، وما يوم الخميس؟
فقال وكأنّه يترقب هذا السؤال: إشتدّ برسول الله(ص) وجعه، فقال: « إئتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي».
فقال عمر: إنّ رسول الله قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله!!
فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول الله(ص) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(*).
فحالوا إذن دون ذلك أيضاً..
إنّ مبدءاً يفصل بين كتاب الله وبين رسول الله(ص)، لم يكن يعرفه الإسلام من قبل، ولا عرفه من بعد! فإذا كان « حسبنا كتاب الله » فكتاب الله يقول:{مَّن يُطِعِ الرسولَ فقد أطاعَ الله} [سورة النساء،الآية:80].
ويقول: { ومآ ءَاتَاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}[سورة الحشر،الآية:7].
ويقول: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللهُ ورسولهُ أمراً أنْ يكونَ لهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمْرِهِم}[سورة الأحزاب، الآية:36].
ويقول: {ياأيها الذين ءَامنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله}[سورة الحجرات: الآية:1].
ويقول: {يا ايها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ أن تَحبَطَ أعمالُكُم وأنتم لا تشعرون}[سورة الحجرات، الآية:2].
لكن هذا النزاع الذي اجتمع فيه: تقديمٌ بين يَدَي الرسول، ورفع الأصوات فوق صوته، وردّ أمره، وعصيانه، ثمّ نسبته الى الهجر والهذيان، هذا أيضاً لم يعدم العذر والتبرير، فما صنع عمر ذلك إلاّ حرصاً على الإسلام(**)!!
فهل أوشك النبي ان يفرّط في الإسلام أو يدّمره، فهبّ عمر لإستنقاذه؟!
أي عذر هذا؟!
نتّهم النبي مرّة بعد مرّة، لأجل أن نعتذر لصحابي!!
لكنّ الذي سمّوه «حرصاً على الإسلام». هو الذي سمّاه حبر الأمّة« الرزيّة كل الرزيّة» !!
لقد أدرك عمر بحدسه الثاقب وحذره الشديد ما كان النبيّ يوشك أن يمليه على الصحابة وقد أمرهم أن يكتبوه، فلا يُغيَّر ولا يُنسى، فحال دون ذلك بكلّ ما يستطيع «وخالف حتّى رَفَضها»([329]).
لقد وضع عمر بذلك أوّل دعامة سوف ينهض عليها المسار الجديد، مهّد لها ذلك التباطؤ الشديد في إنفاذ بعثة أسامة، ثمّ عمّا قريب سيجني لها هذا التباطؤ ثمارها…
تفرّقوا عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وجاء يوم الاثنين ولم يزل الجيش لم يغادر المدينة، فدعا النبيّ أسامة وحثّه على المسير فخرج وخرج من معه إلى عسكرهم يترقّبون، فأتاهم النبأ بوفاة الرسول، فأقبل أسامة ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة([330]). هذا خبر منسجم مع ما سبقه وما يتلوه من أحداث…
لكنّ خبراً آخر يقول: إنّ أبا بكر وعمر لم يخرجا مع أسامة ذلك اليوم، أمّا عمر فهو في المدينة وقد بلغته وفاة الرسول قبل أبي بكر فأقبل يكذّب الخبر ويصيح في الناس: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله توفي، وأنّ رسول الله ما مات ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى فغاب عن قومه أربعين ليلة!.
وأمّا أبو بكر فكان في بيته بالسُنح، ولمّا بلغه خبر الوفاة جاء فوجد عمر في مقالته تلك([331]).
وأي الخبرين صحّ فما كان ليتمّ لو تمّت بعثة أسامة!.
وهكذا استقرّت الدعامتان اللتان نهض عليهما المسار الجديد إلى السقيفة، ليتّخذ من هناك صورته النهائية، وسط خلاف استمرّ على الواقع ستّة أشهر، ليكون فيما بعد نواةً لخلافات متجدّدة.
وكان للخلاف وجوه متعدّدة ومسالك مختلفة، كان كثير منها ظاهرة صحّية وحيويّة لا بدّ من ظهورها. أمّا الذين يفزعهم ذكر ذلك الخلاف أو الإشارة إليه فإنّما يذهبون مذهباً سطحياً، ناهيك عن كونه متهافتاً مناقضاً للوقائع الثابتة.
ويتجلّى عمق هذا الاختلاف في التباعد الكبير بين تصوّر عمر وبين تصوّر ابن عباس للواقع الجديد. إذ رأى فيه عمر أنّه المصلحة التي من أجلها حال دون كتابة وصيّة النبي (صلّى الله عليه وآله)، فيما صوّره ابن عبّاس بأنّه «الرزيّة، كلّ الرزيّة»!.
ومن كلمة ابن عبّاس المتّفق عليها نرى أنّه ليس ثمّة أرضيّة لما ذهب إليه ابن تيميّة من أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) حين كفّ عن كتابه ذلك الكتاب إنّما كان لعلمه بأنّ الله سيجمعهم على ما عزم عليه!.
وصدرُ مقولة ابن تيمية أصدق من ذيلها: «إنّ النبيّ لمّا رأى الشكّ قد وقع، علمَ أنّ الكتاب لا يرفع الشكّ، فلم يبق فيه فائدة! وعلم أنّ الله سيجمعهم على ما عزم عليه»([332])!.
إذن قد وقع الشكّ بين الصحابة… وفي حياة الرسول… وبين يديه… وإزاء أمره الأخير ووصيّته الكبرى التي رسمت مسار الإسلام من بعده!.
وإذا وقع الشكّ وقع الاختلاف… فهم بين شاكّ يقول: «غلب عليه الوجع، حسبنا كتاب الله» وبين آخر يقول: «قرّبوا يكتب لكم رسول الله ما لا تضلّوا بعده أبداً»…
ثمّ تفرّقوا على ذلك الاختلاف.
وغداً يغمض النبيّ عينيه مفارقاً الدنيا وأهلها، لينطلق الفريق الذي غلب عليه الشكّ، ينطلق وحده إلى السقيفة، لينتخب وحده الخليفة!.
ومرّة أخرى: حين وقع الشكّ، واختلفوا بين يدي الرسول، وإزاء أمره الواجب السمع والطاعة؛ فليس كلّ الصحابة إذن كانوا دائماً مصداق قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [سورة الحشر: 8]! ولا كلّ المهاجرين كانوا كذلك، فالذي نطق بشكّه لأوّل مرّة، ورفع نداء الشكّ حتّى نهاية المطاف، كان رجلاً من المهاجرين!!.
وبهذه البساطة تنهار الدعامة الكبرى، إن لم تكن الوحيدة، التي يستند إليها أصحابنا في حماية اختيار الصحابة.
والمهاجر الكبير الذي رفع نداء الشكّ لأوّل مرّة، وأثار الشك في آخرين من حوله، هو الذي شكّ مرّة أخرى، بعد ثلاثة أو أربعة أيّام، شكّ بوفاة الرسول، ونادى بشكّه بأعلى صوت ايضاً، إلاّ أنّه زاد هذه المرّة تهديداً بالقتل لمن خالفه في ما يرى! ثمّ بعد ساعة لا غير، من ذلك النهار، سيتولّى لوحده اختيار خليفة رسول الله!.
لقد ساعده على إنجاز ذلك مبكّراً الفرصة التي هيّأها له الأنصار وهم لا يشعرون، وبسرعة مذهلة لم يخطّط لمثلها، حين اجتمع أكابرهم فوراً وفي أجواء الذهول التي خلّفها زلزال عنيف أصاب قلوب أهل المدينة فجأةً بوفاة الرسول، خاتم النبيّين، اجتمعوا يسوقهم إلى سقيفة بني ساعدة قلق ساورهم على مستقبل الأنصار في دولة تتزعمّها قريش بعد النبيّ، وكادت كلمتهم تجتمع على سعد بن عبادة، سيّد الخزرج…
وحين فزع عمر وأبو بكر وأبو عبيدة لهذا النبأ، ولمّا يتمّ بعد ولم ينفضّ أصحابه، لم يكن ذلك الفزع سوى المحفّز الأهم نحو المبادرة الآتية في أوانها… ونفذ الثلاثة في تجمّع الأنصار أتمّ نفوذ وأتقنه، فأصغى الجميع لكلماتهم، ودار جدل يسير لم يجد فيه المهاجرون كبير مشقّة في عرض ما يريدون: «فهم أوّل من عَبَدَ الله في الأرض، وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقّ الناس بهذا الأمر بعده، ولا ينازعهم ذلك إلاّ ظالم… وأنتم يا معشر الأنصار لا يُنكر فضلكم في الدين، ولا سابقتكم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله… فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء»([333]).
«هيهات! لا يجتمع سيفان في غمد واحد، إنّه والله لا ترضى العرب أن تؤمّركم ونبيّها من غيركم، ولكنّ العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها مَن كانت النبوّة فيهم، وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجّة الظاهرة والسلطان المبين… مَن ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته، إلاّ مُدلٍ بباطل، أو متجانفٍ لإثم أو متورّط في هَلَكة»([334])؟!.
لم يجدوا كثير عناء إلاّ حيال تهديد الحُباب بن المنذر الذي جعل السيف جوابه الوحيد على من يقف أمام رغبة الأنصار: «يا معشر الأنصار، املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه… فإن أبوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد… فأنتم والله أحقّ بهذا الأمر منهم، فإنّه بأسيافكم دان لهذا الدين مَن دان… أنا جُذَيلُها المحكّك، وعُذَيقُها المُرَجَّب… أمّا والله لئن شئتم لنعدينّها جَذَعة([335])! والله لا يردّ عليَّ أحد ما أقول إلاّ حطّمت أنفه بالسيف»!.
لا يذكر أحد هنا لأبي بكر كلاماً، أمّا عمر فقد برّر سكوته بأنّه كان بينه وبين الحباب منازعة أيام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقد نهاه النبيّ أن ينازع الحُباب!! فأقسم حينها أن لا يكلّمه كلمة تسوؤه أبداً([336]). لكنّ الطبري ينقل أنّ عمر قد ردّ على الحُباب قائلاً: إذن يقتلك الله!.
فأجابه الحُباب: بل إيّأك يقتل([337])!.
وانقطع الجدل، عند نهاية كانت كفيلة أن تُعيد المهاجرين بلا شيء، لولا أنّ تدارك أبو عبيدة الأمر بكلمة هادئة حكيمة خاطب بها الأنصار عامّة، فطوت ذاك الوعيد والتهديد، وانسلّت لها الأيدي خجِلَةً عن مقابض السيوف، قال أبو عبيدة: «يا معشر الأنصار، أنتم أوّل من نصر وآوى، فلا تكونوا أوّل من يبدّل ويغيّر»!.
لحظات من الصمت أحدثتها هذه الكلمة، فكان أوّل من اغتنمها بشير بن سعد، السيّد الخزرجي، اغتنمها لصالح المهاجرين هذه المرّة، إمّا حسداً لسعد بن عبادة كما قال الحباب بن المنذر في حينها، وارتضاها ابن قتيبة، أو معرفةً بحقّ قريش الذين هم «قومه وأحقّ به وأولى، ولا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً، فاتّقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم» كما قال هو.
فاغتنم المهاجرون الثلاثة ذلك ولم ينتظروا موافقة الأنصار أو ردّهم، فطفقوا يقدّم بعضهم بعضً، فظهر أنّهم لم يروا أنّ واحداًمنهم بعينه يجب تقديمه بلا منازع لنصٍّ ورد فيه، أو مزيّة رشّحته فعلاً فرفعته فوق غيره…
قال أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيُّهما شئتم فبايعوا([338])…
وقال عمر: يا أبا عبيدة، ابسط يدك أُبايعك، فأنت أمين هذه الأمّة([339])…
قال أبو بكر: يا عمر، ابسط يدك نبايع لك. فقال عمر: أنت أفضل منّي.
قال أبو بكر: أنت أقوى منّي! قال عمر: قوّتي لك مع فضلك([340])…
فبويع أبو بكر، بايعه عمر وأبو عبيدة، وبشير بن سعد الخزرجي، ثمّ أقبل الأوس يبايعون لمّا رأوا من أصحابهم الخزرج ما رأوا.
عندئذٍ ظهرت أهم معالم المسار الجديد
المَعْلَم الأوَّل:
خلافة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) تتمّ بالبيعة ولو على مثل هذه الطريقة، التي وصفها عمر فيما بعد بأنّها «فلتة، وقى الله شرّها، ومن عاد لمثلها فاقتلوه».
واعتذر عنها بمباغتة السقيفة: «وإنّا والله ما وجدنا أمراً هو أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يُحدثوا بعدنا بيعة، فإمّا أن نتابعهم على ما لا نرضى، أو نخالفهم فيكون فساد»([341])!.
المَعْلَم الثاني:
أبو بكر، على رأس المسار الجديد، أوّل خليفة للرسول… وغداً في المسجد النبويّ الشريف، حيث ستكون بيعة على نطاق أوسع، سيشير إلى أشياء هي من أهمّ ما سيميّز المسار الجديد عمّا كان في عهد النبي (صلّى الله عليه وآله)، فيقول في أوّل خطبة له: «أمّا بعد، فإنّي وليت هذا الأمر وأنا له كاره، ووالله لوددت أنّ بعضكم كفانيه…
ألا وإنّكم إنّ كلّفتموني أنّ أعمل فيكم بمثل عمل النبيّ عليه الصلاة والسلام لم أقم به…
كان النبيّ (ص) عبداً أكرمه الله بالوحي وعصمه به، ألا وإنّما أنا بشر، ولست بخير من أحدكم، فراعوني، فإذا رأيتموني استقمتُ فاتّبعوني، وإذا رأيتموني زغت فقوّموني…
واعملوا أنّ لي شيطاناً يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم»([342]).
المَعْلَم الثالث:
إنّ كلّ ذلك كان، وما زال بنو هاشم وطائفة من المهاجرين والأنصار لم يفارقوا جثمان النبيّ المسجّى، ولم يشاركوا في شيء ممّا وقع!.
بل قبل لحظات كان عليّ يردّ على عمّه العباس حين عرض عليه البيعة، قائلاً: «وهل يطمع فيها أحد غيرنا»([343])؟!.
فلمّا فجأهم نبأ السقيفة، أنكره عليّ ولم يصدّق ما سمع، وأنكره آخرون معه، فقالوا: ما كان المسلمون يحدّثون حدثاً نغيب عنه، ونحن أولى بمحمّد!.
لكنّ العبّاس قال: فعلوها وربّ الكعبة([344])!.
وبعد أن وارَوا جثمان النبيّ الطاهر في اليوم التالي، انحاز بنو هاشم جميعاً ومعهم طائفة من المهاجرين، فيهم: طلحة والزبير وعمّار وأبو ذر وسلمان والمقداد، وطائفة من الأنصار، فيهم: أبو أيّوب الأنصاري وحذيفة بن اليمان وأُبيّ بن كعب والبراء بن عازب وأبو الهيثم بن التيّهان وعبادة بن الصامت، وانحاز إليهم من وجوه بني أميّة خالد بن سعيد بن العاص([345]). وكان خالد بن سعيد أقدم بني أميّة إسلاماً، أسلم قبل عثمان ابن عفّان، وهاجر إلى الحبشة وقدم منها مع جعفر بن أبي طالب يوم خيبر([346]).
انحاز هؤلاء في بيت علي وفاطمة، إذ أَبَوْا أن يبايعوا إلاّ لعليّ… وكان الزبير يقول: لا أغمد سيفاً حتّى يبايع لعليّ.
ليس هذا بالأمر الذي يستهان به: بنو هاشم، ومعهم طائفة من وجهاء المهاجرين والأنصار وأهل السابقة والجهاد والصلاح… وفي بيت محلّه في أوسط بيوت النبيّ، وبابه شارعة على المسجد النبويّ حيث تقام الجماعة والجمعة ويجتمع الصحابة…
فكيف سيعالج هذا الأمر؛ أبالرجوع إلى المشاورة والحوار، واتّباع الحجّة والبرهان، أم بماذا؟
كلّ الذي حفظه التاريخ الصحيح ـ بعيداً عن تحليل المتأخّرين وآرائهم ـ كان وفق لغةٍ أخرى لا تُصغي إلى الحجّة والبرهان.
ولقد بعث إليهم عمر في جماعة، فناداهم، فأبوا أن يخرجوا… فدعا بالحطب، وقال: والذي نفس عمر بيده، لتخرجنّ أو لأُحرِّقنّها على من فيها([347])!.
قيل: يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة! قال: وإن([348])!.
ابن أبي شيبة، واحد من أهمّ شيوخ البخاري ومسلم ينقل أنّ ذلك كان تهديداً من عمر أنذر به فاطمة (عليها السلام) إن اجتمع أحد في بيتها، وليس حبّه لفاطمة وأبيها بمانعه من أين يُحْرِقَ عليهم بيتها([349])!!.
لكنّ الرجال قد اقتحموا البيت على أيّ حال… وقد ثبت عن أبي بكر قوله حين حضرته الوفاة: «وددتُ أنّي لم أكشف عن بيت فاطمة، وتركته ولو أغلق على حرب»([350]).
إذن عهد جديد طرأ على أهل هذا البيت:
هذا البيت كان يقرع كلّ فجر، برفقٍ وحنان، بِيَدِ نبيّ الرحمة، فَيُصبح أهلُه على نبرات الرحمة: «الصلاة، الصلاة، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»([351]).
لكنّه أمسى عشيّة دفن جثمان النبي (صلّى الله عليه وآله) على غير ذلك… على غضبٍ وهيجان، وتهديدٍ ووعيد، وعيدٍ بحريق، حريقٍ يلتهم البيت ومن فيه، وإن كان فيه فاطمةُ بضعةُ الرسول وسيدة نساء أهل الجنة، والحسنان ريحانتاه! وسيّدا شباب أهل الجنّة، وكفيلهم أخو رسول الله! هؤلاء هم الذين باهَلَ النبيّ بهم وفود النصار، وقال: «اللهمّ هؤلاء أهلي»([352])! هم الذين أدار عليهم كساءه فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي…» ([353])!.
هنا تبرز جليّةً صورة «انقلاب» طارئ ربّما كان أكثر عنفاً ممّا عرفته العصور الأخيرة في بعض «الثورات البيضاء»!.
هكذا ظهر الأمر في ساعاته الأولى، وهكذا عاد إلى الظهور في أيّام شتّى من التاريخ…
فليس من جموح العاطفة أن نراه «انقلاباً»! ولا من فرط الخيال أن نراه «مساراً جديداً» وليس عهداً جديداً وحسب…
ذلك لأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) طالما قال لهؤلاء المحصورين المهدّدين بالحريق: «أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم»([354])! لكن البيعة الجديدة استُهِلّت بحرب عليهم وعلى مَن سالمهم!.
ومَن سالمهم: طائفة من المؤمنين ما زالت تمتزج ضمائرهم بنداءات النبيّ منذ حجّة الوداع، والعهد قريب جدّاً قريب: «ألاّ أيّها الناس، إنّما أنا بشر، يوشك أن ادعَى فأُجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين ـ ما أن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي ـ كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض».
«من كنت مولاه، فعليّ مولاه…».
«عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»([355]).
لكنّ هذا، وأكثر منه، لا محلّ له الآن وكلّ شيء يَنصب كلّ قوّة في تثبيت العهد الجديد… ولم تختفِ ملامح هذا الموقف بدخول المعتصمين في البيعة وتعاملهم مع العهد الجديد بكلّ صدق وإخلاص، بل ما زال «إقصاء أهل البيت» عن منافذ الوصول إلى الحكم مبدءاً ثابتاً في مبادئ المسار الجديد، مورس بإتقان على مدى خلافة أبي بكر وعمر وعثمان.
ذلك هو ثالث معالم المسار الجديد…
وعمر دائماً كان أكثر صراحة في التعبير قولاً عن هذا المبدأ المجسّد عملاً: «كرهتْ قريش أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة»([356]).
ولم يولَّ أحدٌ من بني هاشم على ولاية، ولو صغيرة ونائية، طيلة عهود الخلفاء الثلاثة…
وعمر أيضاً هو الأكثر صراحة في التعبير عن هذا المبدأ، فيوم هلك والي حمص خطر بباله أن يستعمل عليها عبدالله بن عبّاس، فذكر له ذلك، لكنّه قال له في الأثناء: في نفسي منك شيء لم أره منك، إنّي خشيت أن يأتي عليَّ الذي هو آتٍ وأنت في عملك، فتقول: هلمّ إلينا… ([357])!.
في العهود اللاحقة:
ذاك كان ذريعة لرجال العهود اللاحقة في المضيّ قدماً بهذا المبدأ، فحورب عليّ حروباً نكراء لم يتورّع رجال من كبار الصحابة عن افتتاحها في معركة الجمل، ليكون الباب أوسع أمام معاوية، الذي صار يتذرّع صراحةً بما كان من إقصاء عليّ عن الخلافة أوّلاً في رسالة خاطب بها عليّاً (عليه السلام) ([358])، ثمّ أعاد ذكر مثل ذلك في خطابه للحسن([359])، لينتقل بعد ذلك في إقصاء أهل البيت، لا عن منافذ الحكم، بل عن الحياة الدنيا؛ فبتدبير من معاوية قُتل الحسن سبط رسول الله بالسم([360])، وبسيوف يزيد بن معاوية قُتل الحسين سبط رسول الله وسبعة عشر من بني هاشم، ليهون بعد ذلك قتل من بعدهم من أبنائهم ومحبّيهم، حتّى صار ذلك (سنّة) لدى خلفاء بني أميّة وبني العبّاس لم (يعطّلها) إلاّ نفر قليل منهم([361]).
وحتّى التهديد بالتحريق صار سنّة!.
كان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبدالله في حصر بني هاشم في الشِّعب، وجمعِهِ الحطب ليُحرِقهم، ويقول: إنّما أراد بذلك ألا تنتشر الكلمة، ولا يختلف المسلمون، وأن يدخلوا في الطاعة، فتكون الكلمة واحدة، كما فعل عمر بن الخطّاب ببني هاشم لمّا تأخّروا عن بيعة أبي بكر، فإنّه أحضر الحطب ليُحْرِقَ عليه الدار([362]).
مع بني أميّة:
الأمر مع بني أمّية مختلف جدّاً…
فرغم منع أبي سفيان وبنيه نصيب المؤلّفة قلوبهم بأمر عمر، ورغم قوله: الحمدلله الذي أذلّ أبا سفيان في بطحاء مكّة([363])… ورغم ثورة أبي سفيان على خلافة أبي بكر، وقوله لعليّ: لئن شئت لأملأنّها عليهم خيلاً ورجالاً([364]). ورغم مقولة عمر في بني أميّة وهو يحدّث المغيرة بن شعبة: يا معغيرة، هل أبصرتَ بهذه عينك العوراء منذ أصيبت؟ أما والله ليُعْوِرَنْ بنو أميّة الإسلام كما اعوِرتْ عينك هذه، ثمّ لَيُعْمِينّ حتّى لا يدري أين يذهب ولا أين يجيء([365])!.
ورغم عدائهم العتيق لصاحب الرسالة ولرسالته… رغم ذلك كلّه كان لهم الحظّ الأوفر.
فأوّل لواء عقده أبو بكر كان ليزيد بن أبي سفيان، وجعل له دمشق! وذلك بعد حروب الردّة.
وقصّة هذا اللواء ناطقة بشيء… كان أبو بكر قد عقد هذا اللواء أوّلاً لخالد بن سعيد بن العاص الأموي، ثمّ عزله قبل أن يسير، ذلك أنّ خالداً لم يبايغ لأبي بكر شهرين، وحرّض بني عبد مناف، ومال إلى عليّ والداعين إليه، فحملها عليه عمر، فلمّا أمَّرَه أبو بكر جاءه عمر فقال: أتؤمِّرَه وقد صنع ما صنع وقال ما قال؟! فلم يزل به حتّى عزله وولّى يزيد بن أبي سفيان([366])!.
هذه القصّة التي أوردها ابن سعد والطبري من طريقين مختلفين، أعرض عنها ابن كثير إلى رواية سيف ابن عمر، وهو أعرف بحال سيف! ذلك لأنّ الأخيرة ألصق بالرأي (السلفي) في الصحابة، دون الأولى([367])!.
ولم يقف أحد منهم على رواية الزبير بن بكّار، وهو البكري الشهير ببغضه عليّاً وبني هاشم، ومع ذلك فهو يقول: إنّ خالد بن سعيد لم يبايع لأبي بكر إلاّ بعد سنة كاملة، ثمّ مرّ به أبو بكر وخالد جالس على بابه، فناداه: يا أبا بكر، هل لك في البيعة؟ قال: نعم. قال: فادنُ! فدنا منه فبايعه خالد وهو قاعد على بابه([368])!.
وفيما كان أبو سفيان ما زال يلجّ في استنكار الخلافة، إذ دخل على قوم وهو يقول: ما لنا ولأبي فَصيل([369])! إنّما هي بنو عبد مناف!.
قيل له: إنّه قد ولّى ابنك… قال: وصَلتْهُ رَحِم!.
ـ ثمّ كان لواء عمرو بن العاص على فلسطين… وذلك بعد أن سار شرحبيل ابن حسنة على جنده، وأبو عبيدة على جنده إلى الشام أيضاً كالمدد ليزيد([370]).
ـ ثمّ أرسل معاوية بن أبي سفيان مدداً لأخيه يزيد([371]).
ولمّا مات يزيد بن أبي سفيان في عهد عمر استخلف مكانه أخاه معاوية، فأمضى له عمر ذلك واستقرّ معاوية على ولاية دمشق([372]). واستقرّ عمرو بن العاص على مصر، وعتبة بن أبي سفيان على كنانة([373]).
واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط على ربيعة بالجزيرة([374])… والوليد هذا هو الذي ذمّه القرآن الكريم وسمّاه فاسقاً في موضعين([375])! وربّما كان الأخيران على الصدقات دون الإمارة.
ـ فلمّا كان عهد عثمان بسط بنو أميّة أيديهم على الأمصار… فزاد في الولاة: عبدالله بن عامر ـ ابن خال عثمان بن عفّان ـ، والوليد بن عقبة، وعبدالله بن سعد ابن أبي سرح ـ وهو الذي أسلم قبل الفتح ثمّ ارتدّ فأباح النبيّ دمه يوم الفتح ولو وجد متعلّقاً بأستار الكعبة ـ وسعيد بن العاص.
أمّا مروان ـ الذي كان طريداً مع أبيه، أخرجهما النبيّ من المدينة وما زالا طريدين مدّة أبي بكر وعمر ـ فقد صار بعد ذلك بمنزلة الوزير لعثمان.
وإذا كان هؤلاء الولاة يخشون عمر ومحاسبته وشدّته، فقد أمنوا بعده وحازوا كلّ ما يشتهون من أموال المسلمين بحقّ وبغير حقّ… وحتّى أنّ عتبة بن أبي سفيان كان قد أخذ منه عمر مالاً ووضعه في بيت المال، فلمّا جاء عثمان قال لأبي سفيان: إن طلبتَ ما أخذ عمر من عُتبة رددته عليه([376])!.
فكانت في هذا العهد صورة أكثر وضوحاً لمسار جديد يستولي فيه على شؤون السياسة والمال رجال من بني أميّة طالما حاربوا الإسلام وأهله، وكادوا له، وقلّما خالط الإيمان والتقوى قلوبهم، ولم يمنعهم استياء الناس وشكاواهم عن المضيّ في استهتارهم بالحقوق والقيم، حتّى كان ذلك السبب المباشر في ثورة الناس على الخليفة، ومصرعه.
عذر الخلافة في إقصاء عليّ وبني هاشم
جملة من الأعذار فيها دلالة واضحة على يقين الأصحاب بحقّ عليّ بالخلافة، بأهليّته لها، وإرادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذلك، لكن لهذه الأعذار أو بعضها صرفوها عنه.
1 ـ كراهة قريش:
لقد تقدّم غير مرّة: التصريح بكراهة قريش أن تجتمع النبوّة والخلافة في بيت، فيمضي هذا البيت في علوٍّ لا يحتمله كبرياء قريش.
لكنّها الكبرياء التي مقتها الإسلام، وكان ينبغي لها أن تذوب في تعاليمه…
ثمّ ليس ثمّة أبلغ من ردّ ابن عبّاس لهذه الحجّة بقوله: «لو أنّ قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزَّ وجلَّ لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود… وأنّ الله عزَّ وجلَّ وصف قوماً بالكراهية، فقال: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}([377]).
وما كان لعلي وأهل بيته أن يتعالوا على الناس وقلوبهم من قلب رسول الله، وهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً([378])»!.
غير أنّ عدم ارتياحهم لشموخ بني هاشم كان أعمق من أن تزحزحه حجّة، وكلّ خيار صعب هو دون هذا، وحتّى وضع بني أميّة على منافذ الحكم، وإلقاء مفاتحه بأيديهم، مع اليقين الذي أقسم عليه عمر؛ أنّهم لَيُعْوِرُنَّ الإسلام، ثمّ ليُعْمِينّه حتّى لا يدري أين يذهب وأين يجيء! حتّى هذا الخيار الذي بدا في أوّل أمره تأليفاً لقلب أبي سفيان، هو أهون بكثير من أن ينظروا إلى شموخ بني هاشم وقد اجتمعت فيهم النبوّة والخلافة! وإن كان في هذا الاجتماع الضمان الأكيد لحفظ مسار الإسلام مستقيماً كما أراد له الله ورسوله!
وكلّ محذور على الإسلام من بني أميّة لم يمنع عمر أن يقول لسعيد بن العاص الأموي: سيلي الأمر بعدي من يصل رحمك([379]).
2 ـ إنّ العرب لا تستقيم لعليّ([380]):
ترى هل استقامت لغيره وهي بين مرتدّ عن الدين بالكليّة، وبين متمرّد على الخليفة البديل، ترجَمَ تمرّده بالامتناع عن إعطائه أموال الزكاة والصدقات، فقالوا: نأخذها عن أغنيائنا ونعطيها لفقرائنا… وقالوا:
فإن قام بالدين المحوّق قائم
أطعنا، وقلنا الدين دين محمّد([381])
ومنهم من كان يقول: لا والله، لا نبايع أبا فصيل أبداً([382])!.
واعتزلت الأنصار أبا بكر، فغضبت قريش لذلك، وكثر بينهم الكلام حتّى انتصر بنو هاشم للأنصار، وأفرد لهم أبو بكر رايةً أعطاها ثابت بن قيس، فسكن الأمر([383])!.
وما كان الأنصار ليعتزلوا عليّاً، وقد قال أكثرهم: لا نبايع إلاّ عليّاً([384])!.
ولا كانت قبائل العرب لتتمرّد على عليّ وهي لا تعرف في أعرافها أحداً أولى منه بخلافة محمّد (صلّى الله عليه وآله)…
ألم نقرأ عند الآلوسي وغيره في تبرير ردّ أبي بكر وإنفاذ عليّ بسورة براءة، وقوله (صلّى الله عليه وآله: «لا يبلّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي» أنّ ذلك جارٍ على عادة العرب أن لا يتولّى تقرير العهد ونقضه إلاّ رجل من الأقارب لتنقطع الحجّة بالكليّة([385])!.
هذا والآلوسي ينقل نصّ النبيّ هكذا: «لا يبلّغ عنّي غيري أو رجل منّي، سواء كان بوحي أو لا»! فكيف إذن سوّغنا هنا أن ترتضي للعرب رجلاً ليس منه، ولا تستقيم لعليّ الذي هو منه كما تعرفه العرب، وكما نصّ عليه النبيّ مراراً؟!.
وحتّى أبي قحافة، والد أبي بكر، يندهش لنبأ استخلاف ابنه وفي الناس بنو عبد مناف([386])!.
والحق إنّ الذي لا يستقيم له ليس العرب أو قريش، بل هذا النفر من المهاجرين لا غير، ولو استقام له هؤلاء وآزروه كما أزروا أبا بكر أو أدنى من ذلك بكثير، لما استقامت العرب لأحد كما تستقيم له، وحتّى بني أميّة الذين جاء زعيمهم أبو سفيان يبايعه ويحرّضه ويعده بنصرته برجاله «لأن شئت لأملأنّها عليهم خيلاً ورجالاً»! كما جاء خيرهم وأقدمهم إسلاماً خالد بن سعيد بن العاص رافضاً بيعة أبي بكر محرّضاً بني هاشم مناصراً لهم، وتربّص حتّى يَئِسَ فبايغ لأبي بكر!.
أمّا طلحة والزبير فقد كانا آنذاك من أقوى أنصاره، والزبير هو القائل: لا أغمد سيفاً حتى يبايع لعلي([387])!.
فمن الذي لا يستقيم لعليّ؟ إنّها لو تمّت له البيعة لما ظهر شيء من العنف والإكراه الذي ظهر في البيعة لأبي بكر، ولحفظت كثير من الدماء التي قد سفكت تحت عنوان (حروب الردّة) وما كان كثير منها إلاّ حروب بيعةّ اللّهمّ إلاّ المرتدين حقّاً: مسيلمة وسجاح والأسود العنسي وأصحابهم وأضرابهم.
يقول الخضري: «لا مراء في أنّ كون الخليفة من آل بيت النبوّة أحبّ إلى قلوب الجمهور من الأمم الإسلامية، وهم لهم أطوع، لأنّ المؤثّر الديني يكون مستحكماً، ولذلك صادفت الدعوة إلى أهل البيت نجاحاً عظيماً في صدر المئة الثانية من الهجرة»([388]).
3 ـ صغر سنّه:
وليس ثمّة أبلغ من جواب ابن عبّاس، حين اعتذر عمر بهذا العذر، فقال: ما أظنّهم منعهم عنه، إلاّ أنّه استصغره قومه. فقال ابن عبّاس: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ براءة من صاحبك([389])!.
ثمّة رواية تلقي بالتبعة على المغيرة بن شعبة، تقول: مرّ المغيرة بن شعبة بأبي بكر وعمر وهما جالسان على باب النبيّ حين قُبض، فقال: ما يُقعدكما؟
قالا: ننتظر هذا الرجل يخرج فنبايعه ـ يعنيان عليّاً ـ فقال: أتريدون أن تنظروا حَبَل الحَبَلة من أهل هذا البيت([390])! وسّعوها في قريش تتّسع! فقاما إلى سقيفة بني ساعدة([391]).
فإنّ صحّ هذا الخبر، فهو عذر فطنوا إليه هنالك، بعد أن كانوا لا يرون إلاّ عليّاً، كالبديهة المسلّمة لديهم! وأيّاً كان، فهو العذر الذي كمن له ابن عبّاس.
4 ـ الله لم يرد ذلك:
«أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الأمر له، فكان ماذا إذا لم يُرد الله تعالى ذلك!.
إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أراد أمراً، وأراد الله غيره، فنفذ مراد الله تعالى ولم ينفذ مراد رسوله، أوَكلّما أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان؟! إنّه أراد إسلام عمّه ولم يُرده الله، فلم يُسلم»([392])!.
عذرٌ فتح الباب أمام (القَدَر)! (فالقضاء والقدر) هو الذي أتى بالخليفة، لا نصّ، ولا شورى، ولا حادثة السقيفة!.
الله أراد ذلك فكان، ولا أحد مسؤول، وإن كان بخلاف ما أراد النبيّ!!.
فهذا العذر ماضٍ إذن في تبرير أيّ مخالفة لأمر النبي (صلّى الله عليه وآله)… فالرماة الذين أمرهم النبيّ ألا يبرحوا أماكنهم، غير مسؤولين عند تركهم ذلك الموضع حتّى صار ثغرةً خلف جيش المسلمين نفذت منه خيول المشركين فكان ما كان من كارثة قلبت ميزان المعركة، ليسوا مسؤولين، وليس ثمّة تقصير وإن أراد منهم النبيّ أمراً فخالفوه «فكان ماذا إذا لم يُرد الله تعالى ذلك»؟!.
وليس ثمّة تقصير في عدم إنفاذ بعثة أسامة، وإن كان النبيّ يُشدّد الأمر بتعجيل إنفاذها ساعة بعد ساعة، فماذا إذا كان الله لم يرد ذلك؟!.
لكن متى علموا أنّ هذا مراد الله، أقبلَ وقوعه، أم بعد وقوعه؟!.
أم كان النبيّ يصدر عن رأي ورغبة شخصيّة، فلا يُنفّذ الصحابة أمره إلاّ بوحي مباشرةً إليهم يُعلمهم بمراد الله؟!.
إن صحّ هذا القول عن عمر أو لم يصحّ، فقد صار فيما بعد شعاراً للأمويّين روّجوا لأجله مذهب الجبرية.
المَعْلَم الرابع من معالم المسار الجديد
«حسبنا كتاب الله»
ظهرت هذه المقولة لأوّل مرّة قبيل وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، على لسان عمر أيضاً، حين أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أن يحضروا لوحاً ودواةً ليكتبوا عنه ما لا يضلّوا بعده، فهتف عمر: «غَلَبه الوجع ـ أو إنّه ليهجر ـ حسبنا كتاب الله»! لكن هل تعني هذه المقولة الضرب على السنّة النبويّة بالكلّية؟.
لا؛ لأنّ عمر نفسه لم يستطع، ولا يستطيع أن يستغني عن السنّة في شيء من عباداته، ولا في قضاته.
لقد ثبت عن عمر حقّاً، لا خلاف فيه، أنّه منع من تدوين السنّة، ومنع الصحابة من التحدّث إلى الناس بأحاديث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لرأي رآه([393])، كما منع من ذلك أبو بكر قبله([394]).
لكن حتّى في قرارات المنع تلك كانت تُستثنى (السنن) أي الأحكام: «أقِلّوا الرواية عن رسول الله، إلاّ فيما يُعمَل به»([395]).
وحين نرى أبا بكر يشدّد في النهي عن الحديث وعن الفُتيا بالأحاديث حتّى يقول: «فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه»([396]).
نراه في أوّل مشكلة تواجهه في خلافته ـ مشكلة فدك ـ يلجأ إلى الحديث، فيقول: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة». وحين يحتجّ عليه خصمه ـ السيّدة الزهراء (عليها السلام) التي لم تسمع بهذا الحديث هي وأهل بيتها على الأقلّ ـ حين تحتجّ عليه بالقرآن الكريم، وأنّ هذا الحديث مخالف لظواهر القرآن في ميراث الأنبياء، لم يلتفت إلى حجّتها([397]).
ونراه في آخر أيّام حياته، وهو يذكر أشياء ندم عليها، فيذكر ندمه أنّه لم يسأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن ميراث الجدّ والجدّة([398]).
وبين اليومين كان له رجوع إلى السنن كثير، وبحث عمّن معه حديث من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مسألة نزلت به، وإن كان تحريقه كتاباً جمع فيه خمسمائة حديث([399]) يصادر كثيراً ممّا يمكن أن يُقال في تلمّس موقف إيجابي من السنّة، أمّا الممنوع قطعاً فهو تناقل الصحابة لأحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والتحدّث بها والرجوع إليها حتّى في الفُتيا، وهذا هو الصريح في قرار أبي بكر المذكور «فلا تُحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن يسألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه».
وهذا هو الممنوع قطعاً في عهد عمر الذي أظهر تشدّداً في تنفيذه، تجاوز مراقبة المنع من التحديث والتدوين إلى حبس أيّ صحابي لم يطمئنّ من التزامه بهذا القرار، وحبسه إيّاهم كان بمنعهم من الخروج من المدينة، ليظلّوا تحت الرقابة([400])…
هذه سمة هامّة ميّزت هذا العهد بموقف جديد من السنّة النبويّة المطهّرة، والتي حثّ النبيّ كثيراً على حفظها وتبليغها، بل وتدوينها أيضاً، ولهذا الأمر كلام آخر يأتي في بحث لاحق…
أمّا ما يناسب هذا الموضع، فالاستنتاج الموضوعي المستفاد من هذا الموقف الجديد، وهو: إذا كان من الصعب البرهان على أنّ الهدف من هذا الموقف هو إلغاء السنّة المحمدية بالكامل، فمن اليسير أن نرى أنّ مقولة «حسبنا كتاب الله» التي عزّزها هذا الموقف إنّما كانت لأجل إلغاء الركن الثاني من أركان الاعتصام والهداية والمرجعية في حديث «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وأهل بيتي» وهذا ما تحصّل في الواقع بيقين لا نزاع فيه، وقفنا على جملة من مصاديقه آنفاً.
بديل:
ذلك الواقع هو الذي مهّد لظهور نصٍّ يقول: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وسنّتي» الذي أريد له أن يكون بديلاً عن الأوّل، وإن لم يكن في الحقّ كذلك… فلا نصّه يفيد نسخ الأوّل، ولا إسناده يرقى إلى إسناد الأوّل…
فهذا حديث لم يرو في شيء من الكتب المعتمدة سوى موطّأ مالك، مُرسَلاً، وحين وصل ابن عبد البرّ إسناده وجده مبتلى بوضّاع افترى نسخةً مكذوبة يرويها عن أبيه عن جدّه، وليس لها أصل([401])!.
وأمّا رواية ابن هشام لهذا الحديث، فعلّتها في عكرمة الخارجي، الذي اشتهر بكذبه على ابن عبّاس خاصّة([402]). وحين أورده الطبري بإسناد آخر، كان عليلاً أيضاً برجلين متّهمين معاً بالكذب([403])!.
وقد أخطأ بعض المتحمّسين([404]) فنسب هذا الحديث إلى الإمام أحمد والترمذي، ولم يخرجه أحمد، فيما أخرج الحديث الأوّل «كتاب الله وعترتي أهل بيتي» من ستّة طرق… ولا رواه الترمذي الذي روى الحديث الأوّل وحده([405])!.
فنحن لا نقطع بأنّ النصّ الثاني لم يصدر من النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، لكنّه لا يكون بأي حال بديلاً عن الأوّل وناسخاً له، وقد رأى بعض علماء أهل السنّة أنّ الجمع بينهما من الواضحات، فالحاصل منهما «أنّ الحثّ قد وقع على التمسّك بالكتاب والسنّة وبالعلماء بهما من أهل البيت»([406]).
وليس بغريب أن ينسب ابن حجر في قوله هذا إلى التشيّع، فهو عين اليقين وإن رأى فيه الناسبون قدحاً، لأنّ الشيعة وحدهم الذين تمسّكوا في الحديث الأوّل وأصرّوا على تطبيقه في الواقع، دون أن يجدوا حرجاً في قبول الحديث الثاني، فأهل البيت (عليهم السلام) هم أهمّ مَن جمع السنّة ووعاها، وطالما رجع إليهم فيها علماء الصحابة والتابعين، وإنّ أحداً من الناس سوف لا يفهم من حديث «كتاب الله وعترتي» أنّ أهل البيت سيأتون بأمر جديد غير سنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، بل هو نصّ صريح بأنّهم (عليهم السلم) هم الحافظون للسنّة والملازمون للكتاب، لا يفارقونه في حكم ولا في فهم «وإنّهما لن يفترقا حتّى يراد عليَّ الحوض»… مع ما فيه من تصريح بلزوم الرجوع إليهم في كلّ ما يتّصل بالهداية ويُخشى فيه من الضلال… وما في هذا من إشارة غير خافية بضرورة الرجوع إليهم في الحكم والسياسة وإدارة شؤون المسلمين على منهاج لا تُخشى عواقبه «ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي».
إذن ليس في النصّ الجديد ما يكون بديلاً عن النصّ الأوّل الثابت، لكن لمّا كان الواقع الجديد هو الذي قد حلّ بديلاً، أريد لهذا النصّ أن يعزّر ذلك الواقع…
ولكن الحقّ أنّه لم يسعفه بشيء إلاّ في مخيّلة من أراد أن يرضي نفسه بمثل هذا التعليل… فلا الحديث كان ناسخاً للأوّل معطلاً لحكمه، ولا صحبة السنّة المطهّرة في العهد الجديد كانت على أحسن ما يرام([407]).
أوّل فرقة:
هكذا نشأت أوّل فرقة في الإسلام، وهكذا أرست قواعدها…
وهكذا كان ابتداء نشوء الفرق في الإسلام، وكلّ ما قيل في خلاف ذلك فهو خطأ نشأ من تبرير الواقع الجديد والنظر إليه وكأنّه الامتداد الطبيعي والسليم لعهد الرسول.
فيما ظلّ المسار الأصيل متمثّلاً بعترة الرسول وفقههم الذي لا يفترق مع كتاب الله في شيء «ولن يفترقا حتّى يردّا عليَّ الحوض» ففقههم إذن هو فقه كتاب الله وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله)، فما قال قائلهم قطّ «حسبنا كتاب الله»! بل قالوا: إنّ ما عندنا هو «تعلّم من ذي علم» و«حديثنا حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله)» ([408]).
والذي كان ينبغي أن تصنعه الأمّة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) هو ما تركته واعتذرت عنه بتلك الأعذار السالفة، كان عليها أن تبايع عليّاً (عليه السلام)، بلا تنازع، الأمر الذي سوف لا يلجئها بعد إلى الاعتذار، إذ أصابت الحقّ، ووافقت أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وإرادته.
الأمر الذي كان يرتقبه عليّ بيقين، وينتظره جمهور المهاجرين والأنصار، وتسكن إليه أحياء الإسلام النائية، فلا تتردّد في أداء بيعة، ولا أداء زكاة.
النافذة المفتوحة على آل الرسول:
حين استقرّ الأمر بالخلافة، وأعطى عليّ وبنو هاشم بيعتهم، بعد ستّة أشهر من الجفاء، كان ينبغي أن تختفي آثار الماضي القريب يما يعود على الخلافة بالقوّة، وعلى الأُمّة بالصلاح والرشاد واجتماع الكلمة.
وهذا بالذات ما ذكره عليّ (عليه السلام) في تبرير بيعته لأبي بكر: «… فأمسكتُ يدي، حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (صلّى الله عليه وآله)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم…»([409]).
وذكره أيضاً في تبرير بيعته لعثمان: «لقد علمتم أنّي أحقّ الناس بها من غيري، ووالله لأُسْلِمَنَّ ما سَلِمَتْ أمور المسلمين ولم يكن فيها جَور إلاّ عليَّ خاصّة، التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفة وزبرجة»([410]).
فلم تعد تلك «الثورة الصغيرة» التي فجّرها الحسن السبط، وهو آنذاك في الثامنة من العمر، حين رأى أبا بكر يرقى منبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المرّة بعد المرّة، فيناديه بكلّ ما يمتلكه ابن الثامنة من صوت: «انزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك»! لم تعد تشكّل في نظر أبي بكر تهديداً يمسّ أمن الخلافة، بل لم تكن عنده مدعاة لاتّهام علي بها بعدما أمِن جانبه([411]).
وحين يكون الأمر دون اجتماع النبوّة والخلافة في آل النبي، لم يتردّد أبو بكر في إظهار بعض ما يعرفه لهذا البيت من منزلة، فيقول مرّةً: «ارقبوا محمّداً في أهل بيته»([412]).
ويكشف مرّة عن أسفه الكبير عمّا بدر منه أوّل الأمر من اقتحام هذا البيت لإكراه أهله وخاصّة أنصارهم على البيعة، فيقول: «وددت أنّي لم أكشف عن بيت فاطمة ولو أغلق على حرب»([413]).
غير أنّ خلافة أبي بكر التي انقضى ثُلثها الأوّل ولمّا يبايعه عليّ وبنو هاشم، حتّى إذا بايعه كان أبو بكر يدرك أنّ هذه البيعة لم تكن رجوعاً من عليّ عن رأيه في الخلافة، ولم يكن أبو بكر بالذي ينسى ما تركه في قلوب الهاشميّين من أثر استدعى أن يكتموا عليه نبأ وفاة الزهراء (عليها السلام) بوصيّة منها، فلم يشهد الصلاة عليها ودفنها غير عليّ ونفر من خاصّة أصحابه، الأمر الذي جدّد في قلب أبي بكر أثراً، كما جدّد فيه يقيناً أنّه لم يعد مَرْضيّاً عند أهل هذا البيت…
لمّا كان كلّ ذلك، لم نشهد من أبي بكر انفتاحاً على أهل البيت كالذي نشهده لاحقاً في عهد عمر…
بل لم نشهد من عليّ أيضاً شيئاً من ذلك، لم نشهده راجع أبا بكر في شيء من فتاويه وأقضيته كالذي عرف منه مع عمر وعثمان.
والقصّة التي يُذكر فيها رجوع أبي بكر إلى عليّ في قضيّة، هي صريحة أيضاً بأنّه لم يكن رجوعاً مباشراً منه، بل بعد أن استشار جماعة من الصحابة، فلمّا لم يكن عندهم فيها شيء أشاروا عليه أن يسأل عليّاً، فاستدعاه لذلك، فكشف عنها كربها([414]).
لكن أهم من هذه ما ذكره اليعقوبي في مشاورة عليّ في حرب الروم: «أراد أبو بكر أن يغزو الروم، فشاور جماعة من أصحاب رسول الله، فقدّموا وأخّروا، فاستشار عليّ بن أبي طالب فأشار أن يفعل، فقال: إن فعلت ظفرت. فقال: بشّرت بخير. فقام في الناس خطيباً وأمرهم أن يتجهّزوا إلى الروم»([415]).
ولعلّ هذين الحديثين أشهر مصاديق ما نقله ابن سعد من أنّ أبا بكر كان إذا نزل به أمر يريد يه مشاورة أهل الرأي، دعا رجالاً من المهاجرين والأنصار: عمر وعثمان وعليّ وعبد الرحمن، ومعاذ وأبيّ وزيد بن ثابت، وكلّ هؤلاء كان يفتي في خلافة أبي بكر([416]).
وهذا لا يعني أنّه كان يجمع هؤلاء السبعة جميعاً عند كلّ أمر، بل غالباً ما كان يكتفي ببعضهم، ولو واحد، فإن لم يكن عليّ أقلّهم حظّاً من هذه المشورة، فالذي لا شكّ فيه أنّ أكثرهم حظّاً فيها: عمر، ثمّ زيد، ثمّ معاذ، ثمّ أبيّ… والذي لا نعرفه أيضاً، لا نعرف أنّ أبا بكر استشار عليّاً في شيء ثمّ ترك قوله إلى قول غيره.
والحال في عهد عمر كان أكثر انفراجاً:
ـ فربّما كان عمر قادراً على أن يصوّر نفسه وكأنّه كان يجري في ظلّ أبي بكر، فما بدر منه تجاه أهل البيت فَتَبِعَتُهُ تقع بالدرجة الأولى على أبي بكر، لا عليه.
ـ وطالما حرص على صحبة عبدالله بن عبّاس، ابن عمّ عليّ (عليه السلام)، وهو الصحابي الشاب الذي كان يتفتّق ذكاءً ونباهةً، كثير التذكير بحقّ قومه وعليّ خاصّة كلّما سنحت لذلك فرصة، بذكاء وبحزم ليس فيه مساومة.
ـ وطالما أنسَ عمر بابن عبّاس، فأباح له بما تنطوي عليه سريرته من معرفة بحقّ أهل البيت، وسيدهم عليّ خاصّة:
فقوله مرّة لابن عبّاس: «ما أرى صاحبك إلاّ مظلوماً» معرفة بحقّ عليّ، وليس هذا كالجحد بالحقّ…
فلمّا فجأه ابن عبّاس بردّه المحرج: «فاردد إليه ظلامته» أخذ يلتمس لذلك عذراً، فقال: «ما أظنّهم منعهم عنه، إلاّ أنّه استصغره قومه» فهو مع اعتذاره، يلقي بتبعة ذلك على جماعة «ما أظنّهم منعهم…».
فلمّا ألقاه ابن عبّاس بما هو أشدّ إحراجاً بقوله: «والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك» أعرض عنه وتركه([417])… وفي هذا أيضاً إقرار بحقّ لا مفرّ منه، وبينه وبين المكابرة واللجاجة بون شاسع!.
ونحو هذا كثير مضى ذكره، كلّه ينطوي على إقرار مصحوب باعتذار دائماً، ولا بأس عليه بشيء من هذا حين يأمن المنازعة الجادّة على الخلافة.
ـ وحين أنشده ابن عبّاس أبياتاً لزهير بن أبي سلمى يمدح قوماً من غطفان:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍ
قومٌ بأوّلهم أو مجدهم قعدوا
قومٌ أبوهم سنان حين تنسُبُهم
طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
إنسٌ إذا أمِنوا، جنٌّ إذا فزِعوا
مُرزَّؤون بهاليلٌ إذا حشدوا
مُحَسَّدون على ما كانَ من نِعمٍ
لا ينزعُ الله منهم ما لهُ حسدوا
قال عمر: والله لقد أحسن، وما أرى هذا المدح يصلح إلاّ لهذا البيت من هاشم، لفضل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقرابتهم منه. ثمّ شرع منبسطاً يقرّر معرفته بحقّهم في الصدارة، ويعتذر عن (القوم) في تأخيرهم.
ـ وتقرّب إلى أهل البيت (عليهم السلام) أكثر حين أصرّ على التزويج من أمّ كلثوم بنت الإمام عليّ وبنت فاطمة الزهراء، طمعاً أن يربطه بهم نسب، وهو يكرّر في ذلك ما سمعه من النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من قوله الشريف «كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة، إلاّ سببي ونسبي»([418]).
ـ وقد كان صريحاً بتفضيل أبناء عليّ وفاطمة (عليهم السلام) على أبنائه وعلى نفسه أيضاً، بقوله للحسين يفضّله على ابنه عبدالله بن عمر: «وأنت عندي مثله؟ وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم؟»([419]).
ـ ولمّا كتب ديوان العطاء وأشار عليه بعضهم أن يبدأ بذكر نفسه، قال: لا، ولكن أبدأ برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثمّ الأقرب فالأقرب. فبدأ ببني هاشم وبني المطّلب([420]).
ـ وحين قسم الناس على طبقات في العطاء وجعل أعلاهم البدريّين، ألحق بالبدريّين أربعة لم يشهدوا بدراً، وهم: الحسن، والحسين، وأبو ذر، وسلمان([421]).
ـ وهو القائل في عليّ (عليه السلام): «والله لولا سيفه لما قام عمود الإسلام… وهو بعدُ أقضى الأمّة، وذو سابقتها، وذو شرفها». فلمّأ جبهه أحدهم بالقول المحرج: «فما منعكم عنه؟!» التمس لذلك ما رآه عذراً، ولم يجحد حقّه([422]).
هذا رأيناه من عمر أيام خلافته، ولم يُظهر عمر شيئاً من هذا القبيل أيّام أبي بكر!
ـ وظهر من عمر ما لم يظهر من أبي بكر قبله ولا من عثمان بعده، إذ استعمل رجلين من أخصّ أصحاب عليّ والداعين إلى إمامته جهرةً: عمار، وسلمان… عمار على الكوفة، وسلمان على المدائن. ولا يخلو هذا من رغبة في الاقتراب إلى عليّ (عليه السلام) وتقريبه إليه، رغبة لم يكن يكتمها، رغم أنّه كان شاعراً على الدوام أنّ عليّاً لم ينس حقّه الأوّل، ولا نسي استئثارهم به.
ـ في هذه الفترة ظهر من عليّ (عليه السلام) في الفُتيا والقضاء والحديث والتفسير ما لم يظهر مثله في العهد السابق… فلم يقف عمر عند استفتاء عليّ واستشارته في أمور السياسة والحرب والقضاء، بل كان أحياناً يأمر أصحاب المسائل بالرجوع إليه، ففي مصنّف عبد الرزاق أنّ رجلاً سأل عمر عن بيض النعام يصيبه المُحرم، فقال له عمر: أرأيت عليّاً؟ اسأله، فإنّا أُمرنا أن نشاوره([423]).
ومثل هذا كثير، يمكن أن يُقال إنّه شكّل ظاهرة في سياسة عمر، رأى فيها البعض سبباً وحيداً في اغتيال عمر، بتدبير من بني أمية وتواطؤ المغيرة وكعب الأحبار، إذ ظنّوا أنّه سوف ينقل الخلافة إلى عليّ (عليه السلام) ([424])! خصوصاً وقد ازداد طمعهم فيها إثر أبعاد عليّ عنها مرّتين، واستقرار رجالهم في أمصار مهمّة وكبيرة كالشام ومصر، ولما سبق من أبي بكر في تقديم عثمان، وفي ترشيحه للخلافة أيضاً بقوله: «لو تركتُ عمر لما عَدَوْتُك»([425]).
لكن إن لم يكن فزع بني أميّة لهذه الظاهرة بمستبعد، فإسناد عمر الخلافة إلى عليّ هو المستبعد وفق الظروف التي حافظ عليها عمر حتّى وفاته، مع اعتذاره المستمرّ عن توليته رغم أنّه الأحقّ و«الأولى إن وليهم أن يحملهم على المحجّة البيضاء والصراط المستقيم» كما وصفه عمر.
ومسألة أخرى لم يحسمها عمر مع بني هاشم كما ينبغي، وهي حقّهم في الخُمس، سئل ابن عبّاس عن سهم ذوي القربى، فقال: «هو لنا، لقربى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قسمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لنا، وقد كان عمر عرض علينا شيئاً رأيناه دون حقّنا فأبينا أن نقبله»([426]).
وقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد أعطاه لبني هاشم وبني المطّلب دون غيرهم من قريش، وقد سأله جبير بن مطعم وعثمان بن عفّان لِمَ لم يعطهم شيئاً مع قرابتهم كما أعطى بني المطّلب؟
فقال (صلّى الله عليه وآله): «إنّهم لم يفارقوني في جاهلية ولا في إسلام، إنّما بنو هاشم وبنو المطّلب شيء واحد» وشبَّك بين أصابعه([427]).
وتحويل سهم بني هاشم في الخمس كان قد وقع في مطلع خلافة أبي بكر واستمرّ في عهد عمر، إذ جعلوا سهم الرسول وسهم ذوي القرى في الخيل وعدّة الحرب([428]).
في عهد عثمان:
حين توفي عمر على خطّة الشورى السداسية، أدرك عليّ مبكّراً أنّها تجري لغير صالحه، كما أدرك أنّه يودّع عهد الانفراج النسبي ليُقبل على عهد تشوبه فتن يصعب الإمساك بعقالها، من هنا جاء ثناؤه على عهد عمر([429]) في قوله: «لله بلاد فلان، فلقد قوّم الأوَد، وداوَى العمَد، وأقام السنّة، وخلَّف الفتنة… ذهب نقيّ الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها، وسبق شرّها… أدّى إلى الله طاعته، واتّقاه بحقّه… رحل وتركهم في طرق متشعّبة، لا يهتدي بها الضالّ، ولا يستيقن المهتدي»!.
ومن عبارته الأخيرة تظهر دواعي المقارنة بين عهدين، ويظهر أيضاً أنّه ليس ثمّة تناقض بين هذا الثناء، وبين ما ذكره من قدح في بعض سياسة عمر في خطبته الشقشقيّة، ويظهر أيضاً أنّه لا تناقض بين هذا، وبين ما كان عليه عليّ (عليه السلام) من خلاف مع عمر في كثير من الفتاوى وفي السياسة المالية والإدارية أيضاً.
أمّا أهم أوجه المقارنة التي تجعل عهد عمر حرياً بهذا الذكر، فمنها:
ـ اجتهاد عمر في مشاورة علماء الصحابة، وعلى رأسهم عليّ وابن عبّاس وزيد بن ثابت، في القضايا، والنوازل… فيما أحاط بعثمان طائفة من بني أميّة لم يكن مع أحدهم كثير دين وورع، ولا سابقة، ولا علم يُعتمد، ولا معرفة بسنّة، بل غلبت عليهم روح الأثَرة والتسلّط وجمع الأموال بغير حقّ.
ـ ومنها: شدّة عمر على الولاء والأمراء، ومحاسبته الدقيقة لهم كلّ عام، محاسبة لم تقف دون التعزير بالضرب الموجع مع أدنى مبرّر؛ كما صنع بأبي هريرة وبعامل له على مصر، أمّا إقامة الحدّ إذا وجب؛ كما صنع مع قدامة بن مظعون، أو العزل؛ كما صنع مع النعمان بن عدي بن نضلة، أو مصادرة الأموال أو مشاطرتها([430])… فيما كان ولاة عثمان مطلوقي الأيدي؛ فلا دين وازع، ولا سلطان رادع.
وحقيقة المقارنة هذه شاخصة في أذهان الناس، حتّى المتحمّسين منهم في الدفاع عن عثمان؛ فالأستاذ محمد قطب يقول: «إذا وصلنا إلى عهد عثمان فستقابلنا أوّل فتنة حقيقية في تاريخ الإسلام، إذا أسقطنا من حسابنا فتنة الردّة… فقد وقعت في عهد عثمان (رض) هفوات في سياسة الحكم، ولكن ضمير عثمان يجب أن يظلّ فوق مستوى الشبهات، فما كان الأمر في نفسه استهتاراً بمصالح المسلمين، ولا تفريطاً في واجبات الإسلام… إنّما كان فرط السماحة في نفسه، وفرط الثقة في قوم من قرابته أساؤوا استخدام هذه الثقة وحادوا بها عن خط الالتزام الصارم الذي ألزم أبو بكر وعمر نفسيهما به من قبل، وألزما به من يولّونهما من الولاة… إنّ الهفوات التي حدثت بكلّ حسن النيّة في عهد عثمان (رض) تبدو لنا جسيمة لأنّها تجيء في الفترة المثالية للتطبيق بعد حكم الشيخين، وإلاّ فإنّ أضعاف هذه الهفوات قد ارتُكِبت في ما بعد، ومع ذلك فنحن أنفسنا الذين نَسْتَهول ما حدث في عهد عثمان نمرّ بها في سهولة، لا تثير في نفوسنا الكثير».
فهذه الكلمة الأخيرة حقّ أبلج، لكنّها لا تبرّر ما حصل، فنحن حين نستهوِل ما حصل فمعنا كلّ الحقّ في ذلك، لكنّنا نحن الذين نقع في التناقض حين نمرّ على أمثال تلك الأخطاء في تاريخنا الماضي وواقعنا المعاصر، فلا تؤثّر في نفوسنا، بل ربّما نُسِرُّ ونجاهر بالولاء لأصحابها في الوقت الذي نُدين عليها أولئك!.
وليس هذا تناقض فحسب، بل هو نفاق، نفاق جليّ، غير خفيّ، لأصحاب العناوين، سواء كانت عناوين سياسية أو دينية أو طبقيّة أو غيرها، منتَحَلَة كانت أم واقعيّة… نفاق لأنّها ليست فقط لا تؤثّر في نفوسنا، ولسنا فقط نغضّ الطرف عنها ونصفح، بل لأنّنا أصبحنا ندافع عنها بكلّ حماس؛ مرّةً بالتكذيب بها ونحن نعلم أنّها واقعة، ومرّة بتبريرها بألوان التبرير والتي سيبقى أبشعها على الإطلاق تبرير يضفي عليها صفة الشرعية! وهذا ونحن نعنّف، وبحماس أيضاً، على مثلها حين حصلت في ذلك العصر!.
صحيح أنّ حصول هذا المدى من الانحراف في عصر الصحابة ولَمْ يمضِ عن وفاة النبيّ عشرون عاماً بعد، له وقعه الخاص، لكنّ البُعد عن عصر النبيّ لم يكن بحال مبرّراً لظهور الانحراف، ولا مُهوّناً من خطورته، إذ هو تَعَدٍّ على حقوق الله وحقوق الأمّة، كما وصفه الأستاذ نفسه حين قال: «إنّ تقويم هذه الهفوات، ومحاولة ردّ الأمر إلى نصابه، كان مطلوباً من الأمّة المسلمة دون شكّ، وقد كان عليّ بن أبي طالب وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم يحاولونه، ولو قصّروا فيه لكانوا مقصّرين في حقّ من حقوق الله، وحقّ من حقوقه الأمّة»([431]).
الاضطرابات
وبداية النهاية
هذه هي النافذة التي أطلّ منها عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) على الحياة الاجتماعية والسياسية في هذا العهد.
لقد أقحم عليّ نفسه إقحاماً لتلافي ما يمكنه تلافيه، فردّ فتاوى، وصحّح أحكاماً، ووقف على إمضاء حدود كادت أن تُعطّل، وربّما باشر إجراءها بنفسه([432]).
وصحابة آخرون وقفوا صراحةً من أجل التصحيح، فكان لهم أثرهم بلا شكّ في عرقلة عجلة الانحراف، أو تأخيرها على الأقلّ، لكن لمّا لم تكن لهم مثل منزلة الإمام عليّ الاجتماعية فقد نالهم من الأذى ما كان سبباً حتّى في وفاة بعضهم:
ـ أبو ذرّ الغفاري، خامس الإسلام([433])، الأصدق لهجةً، استنكر بحزم تقديم كعب الأحبار على كبار الصحابة من أهل الفضل والعلم والسابقة، فلم يحتمل الخليفة ذلك منه، وأمره أن يغيّب وجهه عنه، فترك المدينة إلى الشام، وهناك استنكر بحزمه المألوف وصرامته في الحقّ ما رآه من استئثار أمير الشام، وشيوع تجارة الخمرة برعاية الأمير، فضاق به أمير الشام ورأى أنّ بقاءه فيها سوف يُفسد عليه حكمه ويثير عليه شعباً مسلماً سوف يتنبّه حتماً إلى مصداقية دعوى هذا الصحابي المخلص، خصوصاً.
ـ وقد سبقه في الشام صحابي آخر نادى بنداء أبي ذرّ ذاته، وهو العَقَبي([434]) البدري، عبادة بن الصامت! كان ذلك منه في عهد عمر أوّلاً، ثمّ تكرّر ثانية في هذا العهد([435]).
ـ وعبدالله بن مسعود، المهاجر البدري الشهير، وقف بحزم أمام النهب الأموي، وكان أميناً على بيت المال في الكوفة، فامتنع عن وضع بيت المال بأيديهم ليأخذوا منه ما يشاؤون، وتحمّل لأجل ذلك كثيراً حتّى ضربه الأموّيون وجرّوا برجليه وضربوا به الأرض حتّى كُسر له ضلعان، فبقي طريح فراشه حتّى توفّي، وقد أوصى عمّار بن ياسر أن يتولّى الصلاة عليه ودَفْنَه ولا يخبر به الخليفة([436])!.
ـ وعمّار بن ياسر، المهاجر القديم، الذي لا يفارق الحقّ مهما اختلف الناس، كان حليفاً لإخوانه المتقدّمين في مسيرة الإصلاح الواعية والرشيدة، حتّى انتهى أمره إلى أن يُضرب، بحكم من مروان، حتّى فُتق بطنه وغشي عليه([437])!.
ـ وجندب بن كعب الأزدي، الذي نهض بوجه والي الكوفة الوليد بن عقبة لشربه الخمر وتقريبه السَّحَرة، حتّى سلّ سيفه وضرب عنق الساحر في مجلس الوليد، فأراد الوليد قتله، فقام رجال في المجلس فاعترضوه، وقالوا: تقتل صاحب رسول الله بعلج ساحر؟! فسجنه، فعلم السجّان أنّ الوليد ينوي قتله في السجن، فأتاه وفتح له السجن، وقال له: انجُ بنفسك.
فقال: تُقتَل بي! قال: ليس ذلك بكثير في مرضاة الله والدفع عن وليّ من أولياء الله!.
فلمّا أصبح الوليد دعا بجندب فلم يجده، فقتل السجّان وصلبه بالكناسة([438])!.
ـ ونهض أهل الكوفة على واليها الآخر سعيد بن العاص الأموي، الذي كان يرى أنّ العراق بستان لقريش، والناس أجَراءهم فيها! فذهب خيارهم إلى الخليفة وشكوه إليه، فلم يعزله الخليفة، فعزلوه هم وارتضوا عليهم أبا موسى الأشعري فأقرّه عثمان، وكان في طليعة هؤلاء المصلحين: مالك الأشتر، وثابت بن قيس الأنصاري، وكُميل بن زياد، وزيد بن صوحان، وصعصعة بن صوحان، والحارث الأعور، وجندب بن زهير وآخرون([439]).
إذن هناك حركة إصلاح واعية يقودها الطليعة من الصحابة عليهم التحيّة والرضوان…
فلا يمدّ خصوم الإسلام ـ من مستشرقين وغيرهم ـ آنافهم إلى هذه الثغرة، فإذا كان ثمّة انحراف ظاهر، فسببه رجال حاربوا الإسلام بكلّ ما يملكون حتّى غلبهم ودخل عليهم مكّة، فلم يجدوا منه مفرّاً، ووجدوا ديناً سمحاً لا يعاقب على ما سلف، ولا يفتّش عن السرائر وما تُخفي الصدور… ثمّ وقف بوجههم خيار الصحابة الذين عاشوا حول النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وعاصروا الإسلام في أيّامه الأولى، وخاضوا حروبه كلّها، فهم أحرى أن تقصدهم الأنظار، خصوصاً حين كانوا بنهضتهم الإصلاحية الواعية روّاداً لمسار الإسلام الأصيل.
وهناك دعوات أخرى واجهت هذا الانحراف الظاهر، لكنّها جنحت إلى التطرّف فخرجت عن كونها إصلاحية، لكنّها على أيّ حال كانت حركة رافضة لما يجري، ومنها:
ـ نداءات السيّدة عائشة، وهي تقول: اقتلوا نعثلاً، فقد كفر([440])!!.
ـ مكاتبات طلحة إلى أهل البصرة يحرّضهم على النهوض لقتل عثمان([441])!.
ـ تحريض عمرو بن العاص الكثير والشنيع منذ أن عزله عثمان عن مصر، فكان يقول: والله إنّي كنت لألقى الراعي فأحرّضه على عثمان([442]).
ـ قول عبد الرحمن بن عوف لعثمان: لمَ فررتَ يوم أحد، وتخلّفت عن بدر، وخالفتَ سنّة عمر([443])؟!.
فإذا كان في كلمة عبد الرحمن الأخيرة «وخالفتَ سنّة عمر» ما يصلح أن يكون بحقّ تذكيراً لأجل الإصلاح، فالذي في أوّل كلامه تجريح في غير محلّه، بل قد يؤخذ على عبد الرحمن نفسه، فعلى يده كان اختيار عثمان للخلافة، فإذا كان يرى فيهما قدحاً فليذكرهما آنذاك، أمّا الآن فقد تعدّى أوانهما.
أمّا موقف السيّدة عائشة وطلحة وعمرو، فهو موقف متطرف بلا شكّ، وسوف يتّخذون لأنفسهم بعد مقتله موقفاً نقيضاً، وهو الآخر في غاية التطرّف!.
الميزان
بقي الميزان الذي لا يجور في يد عليّ (عليه السلام)، في موقفه وكلماته…
إنّه الرجل الذي ما غضب إلاّ للحقّ، ولا أخرجه غضبه قطّ عن الحقّ، ولا نَدرتْ منه كلمة تُلجئه إلى الاعتذار، أو تُظهر الأيّام قصورها… بل ما اتّخذ موقفاً ولا قال كلمةً إلاّ صارت ميزاناً توزن به المواقف والكلمات، وفرقاناً يفصل بين الحقّ والباطل، والصواب والخطأ، ويتمثّل فيه الاعتدال، بين الإفراط والتفريط، بين المهادنة على حساب الحقّ، وبين العدوان ومجاوزة الحقّ.
وعليّ، هو الرجل الذي كان يرى منذ البداية أنّه أحقّ من عثمان بمجلسه، وأولى به منه، وقد عرفنا كيف بايع له يوم بايع وهو يقول «لأسلمنَّ ما سَلِمَت أمور المسلمين، ولم يكن جور إلاّ عليَّ خاصّة» ولم يكن أحد غيره يقول مثل هذا، وإذا قد تأخّر بعضهم عن أبي بكر، فإنّ أحداً لم يتأخّر عن عثمان!.
ومع كلّ ذلك فلم يجد عثمان ناصحاً في أيّام شدّته ومحنته، غير عليّ، ولا وجد عاذراً غيره، لا من أصحاب الشورى، ولا من خاصّته، ولا من غيرهم…
فهؤلاء صاروا ثلاث طوائف: طائفة تفتنه وتجرّ الشرّ إليه، وطائفة تؤلِّب عليه الجماهير الغاضبة، وطائفة نكصت عنه وخذلته.
أمّا عليّ (عليه السلام) فقد كان يرى أنّ لهذه الجماهير الغاضبة حقّاً ينبغي أن تعود به، فهي لم تغضب عبثاً، ولا بلغ بها غضبها هذا الحدّ حتّى بلغ تجاهل الولاة والمقرّبين من الخليفة لحقوق الله وحقوق الناس مبلغه… كما كان يرى أنّ للخليفة حرمة ينبغي أن تُصان، وكان يعلم من أخبار هذه الأمة أنّه سوف يُقتل فيها خليفة، يفتح قتلُه على المسلمين باب القتل وبحور الدماء…
فحين اجتمع إليه الناس وذكروا عنده ما نقموه على عثمان، نهض إليه فكلّمه كلاماً طويلاً رأينا أن ننقله بطوله، لما فيه من غِنى عن كلّ التفاصيل، ولما يعطيه من صورة تامّة عن تلك الأحداث إلى ذلك الوقت، بما فيها موقفه الحكيم المتّزن، إذ قال له:
«إنّ الناس ورائي وقد استسفروني([444]) بينك وبينهم… ووالله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلّك على أمرٍ لا تعرفه، إنّك تعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنُخبرك عنه، ولا خَلَونا بشيء فنبلّغكَهُ، وقد رأيتَ كما رأينا، وسمعتَ كما سمعنا، وصحبت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كما صحبنا…
وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطّاب بأولى بعملِ الحقّ منك… وأنت أقربُ إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)([445]) وشيجة رحمٍ منهما، وقد نِلتَ مِن صهره ما لم ينالا…
فالله الله في نفسك، فإنّك والله ما تُبصَّرُ من عمي، ولا تُعلِّمُ مِن جهلٍ، وإنّ الطرق لواضحة، وإنّ أعلام الدين لقائمة…
فاعلم أنّ أفضل عباد الله عند الله إمامٌ عادلٌ، هُديَ وهَدَى، فأقام سنّةً معلومة، وأمات بدعةً مجهولة… وإنّ السنن لَنَيِّرةٌ لها أعلام، وإنّ البدَعَ لظاهرةٌ لها أعلام. وإنّ شرّ الناس عند الله إمامٌ جائرٌ، ضَلَّ وضُلَّ به، فأماتَ سنّةً مأخوذةً وأحيا بدعةً متروكة، وإنّي سمعتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيُلقى في نار جهنّم فيدور فيها كما تدور الرحى، ثمّ يَرْتَبِط في قعرها»…
وإنّي أنشُدك الله ألا تكون إمام هذه الأمّة المقتول! فإنّه كان يُقال: «يُقتل في هذه الأمّة إمام يَفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويَلْبِس أمورها عليها، ويبثُّ فيها الفِتنَ، فلا يُبصرون الحقّ من الباطل، يموجون فيها موجاً، ويمرجون فيها مَرجاً([446])… فلا تكونَنَّ لمروان سيِّقةً يسوقك حيث شاء بعد جلال السنّ وتقضّي العمر»!.
فقال له عثمان: «كلّم الناس في أن يؤجّلوني حتّى أخرج إليهم من مظالمهم».
فقال (عليه السلام): «ما كان في المدينة فلا أجَلَ فيه، وما غابَ فأجلُه وصولٌ أمرك إليه»([447]).
فطلب عثمان من عليّ (عليه السلام) أن يخرج إليهم ويكلّمهم ليرجعوا على أن يفي لهم بما طلبوا، فكلّمهم عليّ، فرجع المصريّون إلى مصر، ولكن تأخَّرَ عثمان عن تنفيذ ما وعدهم به، وكان الذي صرفه عن ذلك مروان بن الحكم، إذ قال لعثمان: تكلّم واعلِم الناس أنّ أهل مصر قد رجعوا، وأنّ ما بلغهم عن إمامهم كان باطلاً، قبل أن يجيء الناس إليك من أمصارهم ويأتيك ما لا تستطيع دفعه! ففعل عثمان ذلك([448])!.
فثارت الفتنة من جديد، ورجع المصريون إلى حصار عثمان، فذهب إلى عليّ (عليه السلام) فدخل عليه بيته فقال له: «يا ابن عمّ، إنّ قرابتي قريبة، ولي عليك حقّ عظيم، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم، وهم مُصَبِّحيَّ، ولك عند الناس قدر وهم يسمعون منك، وأُحبّ أن تركب إليهم فتردّهم عنّي».
فقال عليّ: «على أيّ شيء أردّهم عنك؟».
قال: «على أن أصير إلى ما أشرتَ إليه ورأيته لي».
فقال عليّ: «إنّي قد كلّمتك مرّة بعد أخرى، فكلّ ذلك نخرج ونقول: ثمّ ترجع عنه، وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبدالله بن سعد، فإنّك أطعتهم وعصيتني».
قال عثمان: «فأنا أعصيهم وأطيعك».
فأمر الناس فركب معه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلاً، فأتى المصريّين فكلّمهم، فذكر لهم ما وعد به عثمان من إرضائهم([449]).
فلمّا رجع عليّ من عندهم قال لعثمان: تكلّم كلاماً يسمعه الناس منك، ويشهدون عليك، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة، فإنّ البلاد قد تمخّضت عليك، فلا آمن أن يجيء ركب آخرين من الكوفة، فتقول: يا عليّ اركب إليهم، ولا أقدر أن أركب إليهم ولا أسمعُ عذراً، ويقدم ركب من البصرة، فتقول: يا علي اركب إليهم، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك واستخففتُ بحقّك.
فخرج عثمان فخطب الناس، فقال بعد الحمد والثناء: أمّا بعد أيّها الناس، فوالله ما عابَ من عاب منكم شيئاً أجهله، وما جئت شيئاً إلاّ وأنا أعرفه، ولكنّي فتنتني نفسي وكذبتني وضلّ عنّي رشدي، ولقد سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «من زلّ فليتب، ومن أخطأ فليتب، ولا يتماد في الهلكة، إنّ من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق» فأنا أوّل من اتّعظ، أستغفر الله ممّا فعلت وأتوب إليه، فمثلي نزع وتاب، فإذا نزلتُ فليأتني أشرافكم فليُروني رأيهم، فوالله لئن ردّني الحقّ عبداً لأستنَّ بسنّة العبد، ولأذلّنَّ ذلّ العبد، ولأكوننّ كالمرقوق، إن مُلِكَ صبر، وإن عُتِق شكر، وما عند الله مذهب إلاّ إليه.
فلا يعجزنّ عنكم خياركم أن يدنوا إليَّ، لئن أبت يميني لتُتابعنّي شمالي([450]).
فوالله لأعطينّكم الرضا، ولأَنحِيَنَّ مروان وذويه ولا أحتجب عنكم([451]).
فَرَقَّ الناس له، وبكوا، وبكى هو أيضاً.
وكان الناس قبل هذا قد اصطلحوا مع عثمان حين بعث إليهم عليّاً في واحدة من المرّات، فأقبل معه وجوههم، فاصطلحوا على خمس:
1 ـ أنّ المنفيّ يُقلَب ـ أي يعاد إلى بلده.
2 ـ المحروم يُعطى.
3 ـ يوفّر الفيء.
4 ـ يُعدَل في القَسم.
5 ـ يُستعمل ذوو الأمانة والقوّة([452]).
فلمّا نزل عثمان من خطبته قصد بيته فوجد مروان ونفراً من بني أميّة، فأراد مروان أن يتكلّم، فنهرته نائلة زوجة عثمان، وكانت امرأة صالحة تحثّ عثمان على الإصلاح وتحذّره من مروان وصحبه، فتنازعا الكلام، حتّى تكلّم مروان فعاب على عثمان إقراره بالخطأ وما أعطاهم من الوعد بالتغيير والإصلاح… فركن عثمان إلى كلامه وقال له: اخرج إلى الناس فكلّمهم، فإنّي أستحيي أن أكلّمهم!.
فخرج مروان إلى الباب! والناس مثل الجبال، فقال لهم: ما شأنكم قد اجتمعتم كأنّكم جئتم لنهب! شاهت الوجوه! جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا! اخرجوا عنّا… ارجعوا إلى منازلكم فإنّا والله ما نحن مغلوبون على ما في أيدينا([453]).
هذه هي كلّ الحقيقة التي آمن بها مروان وصحبه! إنّه الملك في أيديهم، وليس لأحد أن يقف دون أمانيهم ودون ما يشتهون!.
هذا المبدأ الذي ظهر منذ الآن سوف يكون في المستقبل القريب أسّ الدولة الأموية اللاحقة!.
فلمّا بلغ علياً هذا الكلام، قال: أي عباد الله، يا للمسلمين! إنّي إن قعدت في بيتي قال لي: تركتني وقرباتي وحقّي، وإنّي إن تكلّمتُ فجاء ما يريد، يلعب به مروان…
وقام مغضباً حتّى دخل على عثمان فقال له: أما رضيت من مروان ولا رضي منكم إلاّ بتحريفك عن دينك وعن عقلك… ,الله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه، وأيمُ الله إنّي لأراه يوردك ولا يُصدِرك! وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك، وغُلبت على رأيك([454])!.
هكذا يتحرّق قلب هذا الناصح الكبير وهو يرى ضعف الخليفة، واستهتار مروان وصحبه (بالملك!) حتّى فتحوا على هذه الأمّة أبواب فتن عظيمة، جرّت وراءها فتناً لا تنتهي، نعيش آثارها ونتائجها حتّى اليوم!.
وندم عثمان، وأنَّبته زوجته الصالحة نائلة ودعته إلى إرضاء عليّ فإنّ في ذلك صالحه وصلاح الأمّة، فبعث إلى عليّ يستصلحه، فقال علي: أخبرته أنّي غير عائد…
واشتدّ الأمر على عثمان، إذ حصروه في بيته، ومنعوا عنه الماء…
فأرسل عليٌّ ولديه الحسن والحسين، يحملان سيفيهما، فوقفا عند باب عثمان يمنعان الناس عنه، فهما سبطا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولهما في قلوب الناس هيبة وجلال ومنزلة لا يقتحهما أحد في ذلك العهد…
أمّا الماء فالذي منعه عنه: طلحة، ومن حوله جماعة!.
فأدرك عليّ أنّه لا أحد لهذا الأمر غيره، فتناسى كلّ معنى من مخالفة عثمان لرأيه التي جرّت إلى هذه الحال، وقصد طلحة، فقال له: يا طلحة، ما هذا الأمر الذي وقعت فيه؟!.
قال: يا أبا الحسن، بعد ما مسَّ الحزام الطيبين([455])!.
فتركه عليّ وقصد بيت المال، فقال: افتحوه. فلم يجدوا المفاتيح، فكسر الباب وأعطى الناس، فانصرفوا من عند طلحة حتّى بقي وحده!.
وسُرَّ بذلك عثمان، وقد دخلت عليه الروايا بالماء…
وجاء طلحة فدخل على عثمان، وقال له: يا أمير المؤمنين، أردتُ أمراً، فحال الله بيني وبينه!.
فقال عثمان: والله ما جئت تائباً، ولكن جئت مغلوباً! الله حسيبك يا طلحة([456])!.
لكنّ الأمر كان أكثر تعقيداً من هذا…
فالمصريّون الذي كلّمهم عليّ ومحمّد بن مسلمة ورجعوا، كانوا قد رجعوا ظافرين، إذ اشترطوا على عثمان أن يعزل عبدالله بن سعد ويولّي عليهم محمّد بن أبي بكر، فأعطاهم ذلك فرجعوا ومعهم محمّد بن أبي بكر، فبينما هم في بعض الطريق رأوا راكباً أمره مريب، فأخذوه وفتّشوه، فإذا هو غلام عثمان يحمل كتاباً بختم عثمان إلى عبدالله بن سعد أن يفعل بهم ويفعل! وكان مروان هو الذي زوّر هذا الكتاب([457])!.
فرجعوا من هناك وشدّدوا الحصار على عثمان، وخيّروه بين ثلاث: أن يخلع عمّاله الذين شكتهم الناس، أو أن يخلع نفسه، أو يقتلوه!.
فلمّا كان عاجزاً عن الخيار الأوّل، امتنع عن الخيار الثاني بقوله: «ما كنت لأخلع سربالاً سَرْبَلَنِيه الله عزّ وجلّ»! وأسلم نفسه للخيار الأخير، ومنع مَن حوله من أن يقاتلوا دونه([458])!.
وقد كان على بابه الحسن والحسين وقنبر مولى عليّ وطائفة فيهم عبدالله بن الزبير ومحمّد بن طلحة، وكان معهم عبدالله بن العبّاس، فبعثه عثمان قبل أيّام أميراً على الحاجّ ذلك الموسم، فلم يقتحم الناس الباب، ولكن تسوّروا الجدران فقتلوه في بيته… قتلوه قِتلة تنمّ عن نقمة توغّرت بها صدورهم، فطعنوه مراراً والمصحف في يديه!.
قال عليّ (عليه السلام): «أنا جامع لكم أمره: استأثر فأساء الأثَرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع»([459]).
كان ذلك في 18/ ذي الحجّة/ 35 للهجرة، بعد أكثر من 82 سنة من العمر، وبعد 12 سنة من الخلافة، و25 سنة (ربع قرن) من وفاة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)([460]).
صائب عبد الحميد
الحاصباني
يقع نهر الحاصباني قرب سفوح جبل الشيخ الغربية في جنوب شرق لبنان قريباً من الحدود السورية، ويمتد حتّى نبع الوزاني على مسافة أربعة كلم من الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية، وتحيط به مجار مائية بمجملها غير دائمة، وتأتي الأمطار ابتداء من شهر تشرين الثاني، لتملأ الوديان أثناء المطر. ثمّ تتركها جافة بقية السنة. وبهذا المكان وهذه الظروف المناخية يبدأ جريان نهر الأردن حيث الحاصباني يشكّل بدايته وأحد روافده الأساسية، ولا يأخذ نهر الأردن اسمه هذا سوى بعد خروجه من بحيرة الحولة في فلسطين.
تبلغ مساحة حوض الحاصباني 525 كيلومتراً مربعاً. وينبع على بُعد ثلاثة كيلومترات إلى الغرب من بلدة حاصبيا، ويمر على بُعد 4 كلم فقط من مجرى نهر الليطاني الأوسط بطول 25 كلم حتّى خراج قرية الماري اللبنانية ثمّ يتابع طريقه على مسافة 4 كيلومترات جنوباً، ويلتقي نهري بانياس والدان.
والحاصباني هو أحد أطول روافد الأردن الشمالية، ويبلغ طوله حتّى بحيرة الحولة 70 كيلومتراً، ويتلقى بعد 5 كيلومترات من البلدة أحد روافده المهمّة من وادي شبعا في منطقة وادي الخان، وقبل 3 كيلومترات من الحدود الجنوبية يتلقى مياه نبع الوزاني ثمّ يشكل الحدود بين لبنان وسوريا على كيلومترات عدّة.
يبلغ التصريف السنوي لنهر الحاصباني 151 مليون متر مكعب منها 40 مليوناً في فترة الشحائح، أي أنّ معدل تصريف النهر يبلغ حوالى 4,8 متراً مكعباً بالثانية.
أمّا معدّل ما يسيل في مجرى النهر في اتجاه فلسطين فهو 138 مليون م3 (107 في الغزارة، و31 في الشحائح). ولجهة المياه الجوفية التي تذهب في اتجاه الحولة والدّان في فلسطين يبلغ التسرّب الجوفي ما بين 115 و150 مليون متر مكعب في السنة. وبذلك، يصبح مجموع المياه التي تذهب إلى فلسطين في سنة مطرية متوسطة حوالي 253 مليون م3.
لا يستعمل لبنان حالياً سوى 7 ملايين متر مكعب في السنة من مصادر الحوض لري حوالي 675 هكتاراً، وتقدّر المساحات المروية بالجاذبية بحوالي 600 هكتار.
تغذي مصلحة مياه شمسين بلدات قضاء راشيا الوادي وقراه، وتغذي مصلحة مياه جبل عامل قرى قضاء مرجعيون وبلداته ويتم تأمين مياه الشفة لحوالي 40 ألف مقيم حالياً لتصبح الكميات الموزعة حوالي 4 آلاف متر مكعب يومياً بما فيه الأهدار، أي ما يقارب 1,5 مليون متر مكعب في السنة أي أنّ الاستعمالات الإجمالية الحالية لا تتعدّى 8,5 ملايين متر مكعب سنوياً.
الحاصباني وحوض نهر الأردن
والمشاريع الدولية
يقع نهر الأردن في وسط الشرق الأوسط، ويبلغ طوله من روافده 360 كلم، ويمر في أربعة دول هي سوريا ولبنان والأردن وفلسطين. وتنبع روافد نهر الأردن من سوريا (نهر بانياس)، ولبنان (نهرا الحاصباني والوزاني)، والأردن (نهر اليرموك وهو أحد أهم روافد نهر الأردن)، والدّان في فلسطين. ويغذي النهر بحيرة طبريا قبل أن يصب في البحر الميت. ويبلغ تصريف نهر الأردن في سنة متوسطة ملياراً و880 مليون متر مكعب أي 56 متراً مكعباً في الثانية (Hydro Module).
ويتكوّن نهر الأردن من عدد من الروافد المهمة تنبع من الدول المجاورة لفلسطين وهي:
1 ـ نهر الحاصباني، داخل الأراضي اللبنانية مسافة 21 كلم، تصبّ فيه مياه نبع الوزاني، معدل تصريفه السنوي نحو 150 مليون متر مكعب.
2 ـ نهر بانياس ينبع من سفوح جبل الشيخ في الأراضي المحتلة قريباً من الأراضي اللبنانية، تصريفه السنوي نحو 258 مليون متر مكعب.
3 ـ نهر الدّان، وهو رافد غزير المياه ينبع في الأراضي المحتلة قريباً من الاراضي اللبنانية، تصريفه السنوي نحو 258 مليون متر مكعب.
4 ـ نهر اليرموك، الرافد الرئيسي لنهر الأردن، ينبع من الأراضي السورية قرب القنيطرة، معدل تصريفه نحو 450 مليون متر مكعب.
ومع انضمام انهر الزرقاء في الأردن وبعض الروافد الصغيرة يدخل البحر الميت بطاقة مليار و317 مليون متر مكعب. أمّا كمية المياه بشكل عام فهي في شكل وسطي: مليار و920 مليون متر مكعب، منها مليار و488 مليون متر مكعب، أي 77 في المائة من الدول العربية، 432 مليون متر مكعب فقط من داخل فلسطين المحتلة.
المشاريع الدولية
لحوض نهر الأردن والحاصباني
في 2 أيلول 1953 بدأت الحكومة الإسرائيلية في منطقة الحولة، المنزوعة السلاح آنذاك، بناء مشروع قناة تحويل ومعمل كهرمائي على نهر الأردن. وطلبت الولايات المتحدة، المموّل الرئيسي للمشاريع الإسرائيلية آنذاك، من إسرائيل التوقّف الفوري عن تنفيذ هذا المشروع، وهدّد الرئيس دوايت أيزنهاور بوقف المساعدات المالية لإسرائيل، وكانت هذه المسألة أوّل اختلاف جدّي بين الدولتين الحليفتين أي الولايات المتحدة وإسرائيل.
وسارعت إدارة الرئيس إيزنهاور إلى إرسال مبعوث لها هو إريك جونستون الذي تمكّن من وضع مشروع لاقتسام مياه الأردن بين دول المنطقة في محاولة لإيجاد حل للأزمة التي أوجدتها إسرائيل بتنفيذها المشروع. واقترح المشروع الأميركي استثمارات مشتركة لمياه الأردن. وتمّ تحديد حصة كلّ دولة من دول المنطقة من المياه.
واستقبلت دول المنطقة المشروع الأميركي دون حماسة. إسرائيل كانت قد تعهّدت أمام الأمم المتحدة بالتوقّف عن تنفيذ مشروعها وأبدت ملاحظات وتحفظات عديدة عن المشروع، وكانت تأمل بالأخص في إدخال مياه الليطاني ضمن مشروع جونستون. أمّا الدول العربية فقد اعتبرت أنّ هذا التوزيع لا يعكس الواقع ولا يؤمن الحقوق العربية من المياه، كما أنّ القبول بمشروع جونستون هو بمثابة اعتراف ضمني بوجود إسرائيل، وهذا ما كانت ترفضه الدول العربية التي اعتبرت أيضاً أنّ المشروع هو بمثابة دعم لإسرائيل وتسهيل لتنفيذ مشاريعها الهادفة إلى استقبال المزيد من المهاجرين.
وفي الجولة الأخيرة في تشرين الأوّل 1955، أنهى جونستون مفاوضاته المكوكية ووضع أمام الحكومات الأربع: الأردن وسوريا ولبنان وإسرائيل مشروعه النهائي حول الاستخدام العربي ـ الإسرائيلي للمياه، واقترح تحويل بحيرة طبريا إلى خزان أساسي لمياه نهري الأردن واليرموك، وكانت حصة إسرائيل 394 مليون وترك لسوريا 132 مليوناً من مجموع إيراد مياه الأردن، و35 مليوناً للبنان.
ومن بنود هذا المشروع:
أ ـ التخزين.
ب ـ التوزيع.
ج ـ تقسيم المياه.
اقترح المشروع توزيع موارد النهر (مليار و213 مليون م(3) بين سوريا والأردن وإسرائيل ولبنان، كما يأتي:
ـ الأردن: 56,2 % أي 720 مليون م3.
- الباقي من نهر اليرموك (تقديرياً 377 مليون متر مكعب) بعد توزيع 25 مليون متر مكعب على إسرائيل، و90 مليون متر مكعب على سوريا.
- 243 مليون متر مكعب من مياه الأودية والآبار.
- 100 مليون متر مكعب يتم سحبها من بحيرة طبريا.
ـ سوريا: 10,4 أي 134 مليون م3، وهي 44 مليون م3 بالإضافة إلى 90 مليون م3 من اليرموك.
- 90 مليون متر مكعب من أعالي اليرموك.
- 20 مليون متر مكعب في رافد بانياس.
- 24 مليون متر مكعب من أعالي الأردن.
ـ إسرائيل: 30,7% أي أكثر من 394 مليون م3.
- 25 مليون متر مكعب من اليرموك.
- 369 مليون متر مكعب بعد التوزيع على سوريا والأردن، من إجمالي تصريف نهر الأردن.
ـ لبنان 2,7% أي 35 مليون متر مكعب من الحاصباني.
وبقي المشروع مرفوضاً على الرغم من أنّ الأردن وإسرائيل يعملان عملياً ضمن خطوطه العريضة. فقد نفذت إسرائيل ضمن الكميات المحددة لها القناة الوطنية National Water Carrier كما نفذت المملكة الأردنية قناة الغور أو قناة الملك عبدالله التي تمتدّ على طول 120 كلم في محاذاة نهر الأردن، وتابعت إسرائيل أعمال تحويل النهر بين بحيرة الحولة وبحيرة طبريا، في حين بدأ الأردن بناء شبكات الري من نهر اليرموك، وفي أواسط الستينات أنهت إسرائيل مشروع «القناة الوطنية» وبدأت جر المياه من بحيرة طبريا في اتجاه صحراء النقب.
في 7 آذار 1923 تمّت المصادقة على تثبيت الحدود بين لبنان الكبير وسوريا من جهة، وفلسطين من جهة أخرى، من دون الإشارة إلى نهر الليطاني، وعام 1934 صادقت عصبة الأمم على هذا الاتفاق فأصبح مكرّساً وفقاً للقانون الدولية.
وتعود بداية الاستغلال الصهيوني للمياه اللبنانية (الحاصباني) إلى عام 1967 حين استطاعت إسرائيل التوغل شمالاً والسيطرة على منابع نهر الأردن واحتلال شريط بسيط من الجنوب اللبناني في ما بين 1967 و1982. فقد استعملت إسرائيل مياه الحاصباني والوزاني بكاملهما، متذرّعة بأنّها تستخدمها لري قرى الشريط الحدودي وبأنّ هذا النهر دولي باعتباره رافداً من روافد الأردن. وبعد سيطرتها على المنطقة في أواخر السبعينات، منعت إسرائيل المزارعين من فتح آبار جديدة من دون إذن يصدر عنها، وسيطرت على مجموعة من مياه الآبار الارتوازية في مرج الخوخ قرب إبل السقي.
المشاريع اللبنانية لنهر الحاصباني
وحاجات المياه في حوضه والميزان المائي
إنّ المخطط التوجيهي الوحيد المتوافر يعود إلى عام 1954 بعد وضعه من بعثة «النقطة الرابعة» الأميركية، وهو مخصّص لري الأراضي الزراعية والاستخدام المنزلي كما يأتي:
ـ مشاريع الري: 4250 هكتاراً أي 38 مليون متر مكعب في السنة.
ـ مياه الشفة: 140000 نسمة 28000 متر مكعب يومياً أي حوالي 10 ملايين متر مكعب في السنة منها 6 ملايين متر مكعب في السنة في فترة الجفاف.
وعليه تبلغ الحاجات في فصل الشحائح 44 مليون متر مكعب وإجمالي الحاجات السنوية 48 مليون م3 ولحظ مشروع جونستون 35 مليون متر مكعب للبنان فقط من مياه نهر الحاصباني، دون التطرق إلى المياه الجوفية التي حاولت إسرائيل منع المواطنين من استخدامها.
إنّ تحديد حصة لبنان من مياهه، في القسم الذي يجري داخل أراضيه، يعود بشكل أساسي إلى الاستعمالات التاريخية القديمة والتي استمرّت إلى ما قبل الاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإلى تكلفة الفرصة البديلة من جهة أخرى. وضرورة استعمال المياه داخل الحوض من جهة ثالثة.
إنّ حاجات منطقة حوض الحاصباني لري مساحات تراوح بين 3500 و4500 هكتار تفوق 35 مليون متر مكعب كما حدّدها مشروع جونستون، كما أنّ الحاجات المنزلية والصناعية ستفوق 15 مليون متر مكعب في السنوات القليلة المقبلة.
إنّ حاجات الري يجب أن تلحظ:
ـ مشروع ري منطقة الحاصباني بمساحة 3,500 هكتار وتبلغ حاجاته 35 مليون متر مكعب في السنة تلزمه بكاملها في فصل الجفاف.
ـ مشاريع ري متفرقة في الحوض وري موسمي وحدائق بمساحة 600 هكتار وتبلغ حاجاتها 6 ملايين متر مكعب في السنة تلزمه بغالبيتها في فصل الجفاف.
بالإضافة إلى:
ـ مياه شفة وحاجات منزلية وخدمات لعدد سكان يبلغ 140,000 نسمة، يلزمها 28000 متر مكعب يومياً، أي حوالي 10 ملايين متر مكعب في السنة وذلك في السنوات القليلة المقبلة، منها 6 ملايين متر مكعب في فترة الجفاف.
لذلك فإنّه من الواضح أنّ حصة لبنان يجب ألا تقل عن 55 مليون متر مكعب، بالإضافة إلى المياه الجوفية في المنطقة.
إنّ معدل ما يسيل في مجرى النهر في اتجاه فلسطين هو:
مياه سطحية: 138,2 مليون متر مكعب (107,4 في فترة الغزارة و30,8م3 في فترة الشحائح).
مياه جوفية وينابيع: 115 مليون م3 (في اتجاه الحولة والدّان في فلسطين).
إنّ مجموع المياه التي تذهب إلى فلسطين في سنة مطرية متوسطة يبلغ حوالي 255 مليون م3، عوض 195 مليون م3، أي بزايدة 60 مليون م3 سنوياً عن مشروع جونستون.
الحاوي
في رجال الشيعة الإمامية
لابن أبي طي الحلبي
هذا الكتاب واحد من الآثار القيّمة لابن أبي طيّ، ضمّنه ذكر وتراجم كبار أعلام الشيعة، وهو مفقود الآن.
وكان لدى كلّ من الذهبي وابن حجر نسخة من هذا الكتاب، وقد ذكرا بعض فصوله في كتاباتهما بعناوين مختلفة، مثل: «رجال الشيعة»، «تاريخ الإمامية»، و«طبقات الإماميّة» وأمثال ذلك.
وقد وردت في ترجمة ابن أبي طيّ عناوين مثل: أسماء رواة الشيعة ومصنّفيها([461])، والحاوي في رجال الإمامية([462])، وتاريخ العلماء([463])، والاحتمال القويّ أنّ هذه العناوين كلّها هي لكتاب واحد.
كما توجد في مكتبة الأوقاف العامّة في الموصل نسخة مخطوطة لرسالة بعنوان: بيان طبقات العلماء مستلّة من كتاب الطريقة المحمّدية، ذكر مفهرس المكتبة أنّها ليحيى بن حميدة الحلبي([464]).
والحموي ـ المتوفّى في حلب، والذي كان قد اجتمع بابن أبي طيّ ـ عنوان الكتاب باسم الحاوي في رجال الإماميّة، على ما نقل عنه ابن حجر.
في حين أنّ صاحب الوفيات ذكر عنوان أسماء رواة الشيعة ومصنّيها ضمن قائمة آثار ابن أبي طيّ المطوّلة التي أثبتها، نقلاً عن ياقوت.
والذهبي أيضاً أورد الكتاب بعناوين عديدة، وقد كتب عنه ـ ضمن ترجمة ابن أبي طيّ ـ: وهو مسودّة في عدّة مجلّدات، نقلت منه كثيراً.
والظاهر أنّ الاسم الذي أورده ياقوت أدقّ من العناوين الأخرى.
وأكثر الموارد التي ذكرناها هنا، هي الموارد المنقولة صراحة من كتاب ابن أبي طيّ أو من شخصه، كما نقلنا موارد أخرى لم يصرّح الذهبي أو ابن حجر بنقلها عن ابن أبي طيّ، ذكرناها اعتماداً على الظنّ القويّ؛ المبني على أساس ذكر تراجم بعض الأشخاص الذين عاشوا في أواخر القرن الخامس أو السادس الهجري، ولا يمكن أن يرد لهم ذكر في كتاب الشيخ الطوسي أو كتاب النجاشي، مع إمكان أن يكون في تاريخ بغداد لابن النجّار…
كما أنّ بعض الموارد تتعلّق بأشخاص هم من مواطني مدينة حلب؛ فلا بُدّ أن يكون ـ بناءً على الظنّ القويّ ـ مصدر ترجمتهم هو كتاب ابن أبي طيّ هذا.
والظاهر ـ بدايةً ـ أنّ ابن حجر والصَفَدي قد رويا بعض المعلومات من كتاب تاريخ الشيعة، نقلاً عن تاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء للذهبي…
وبخصوص الصفدي ـ الذي كان من تلامذة الذهبي ـ، لا بُدّ من القول بوجود احتمال بأنّ أصل هذا الكتاب كان في متناول يده، ولكن بما أنّه لم يذكر مصادره في أغلب الموارد، فلا يمكن إبداء وجهة النظر في التراجم التي أوردها في كتابه منقولة عن ابن أبي طيّ؛ هل أوردها الذهبي أم لا؟!.
مع ذلك، فمن تشابه عباراته ـ في ما وجد من موارد ـ مع العبارات التي نقلها الذهبي عن كتاب ابن أبي طيّ، يمكن الاستنتاج والقطع بأنّ النّص المذكور في الوافي قد نقل من كتاب تاريخ الشيعة.
وأمّا بخصوص ابن حجر، فلا بُدّ من القول بأنّه كان يملك أصل الكتاب؛ فهو يذكر تراجم منقولة عن كتاب ابن أبي طيّ، لم يذكرها الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام…
إضافة إلى ذلك، فهو ينقل في كتاب الإصابة عن هذا الكتاب بعنوان تاريخ الشيعة الإماميّة؛ إذ كتب في ترجمة «سَعْنة»: لكن وجدت بخطّ ابن أبي طيّ في «رجال الشيعة الإماميّة»([465]).
كما ورد هذا التعبير في لسان الميزان أيضاً، في ذيل ترجمة السيّد الحميري «إسماعيل بن محمد»، وفي موارد أخرى، سنعرضها في ما بعد.
في الحقيقة، لا مناص من القول بأنّ ابن حجر كان يملك أغلب مصادر كتب الرجال الشيعية، وقد استفاد منها في لسان الميزان؛ إذ نقل في موارد عديدة عن كتاب رجال علي بن الحكم([466])، الذي لم نجد له أثراً حتّى اليوم.
كما ذكر موارد كثيرة من تاريخ الريّ لمنتجب الدين ـ الذي جمعناه في مقالة أخرى([467]).
وكذلك نقل تراجم عديدة عن كتب كانت في حوزته، مثل: الفهرست للشيخ الطوسي، رجال الكشّي، رجال ابن عقدة([468])، رجال النجاشي، رجال علي بن فضّال([469])، والفهرست لابن شهرآشوب([470]).
القيمة التاريخية لكتاب «طبقات الإماميّة» في تاريخ التشيّع:
من الجوانب المفيدة لهذا الكتاب المفقود، دوره المهم في التعرّف على تاريخ الشيعة، وبالخصوص في بلاد الشام؛ فالمعلومات الفريدة الرائعة التي خلّفها المؤلّف في هذا السفر القيّم عن التراجم والأحوال، يمكن أن تكشف لنا عن مدى انتشار التشيّع في حلب وطرابلس ونواحي الشام الأخرى.
وما ذكره الحسن بن زهرة، من بيان للدور البارز الذي كان لهذا الفقيه الشيعي الكبير في دولة المماليك، والتقدير الذي كان يحظى به بين الناس ومنزلته في المجتمع؛ دليل وشاهد على نفوذ الشيعة في هذه المناطق، والمنزلة العلمية والاجتماعية والدينية لكثير من رجال الشيعة، خصوصاً بني زهرة.
هذا الأمر لم يقتصر على تشيّع أهل حلب فحسب، بل إنّ المعلومات التي قدّمها بشأن الحسين بن روح النوبختي، والشيخ المفيد، وكذلك ابن شهرآشوب المازندراني، تعدّ فريدة وممتازة جدّاً وليس لها نظير…
أمّا المؤلف فهو يحيى بن حميد بن ظافر الطائي الحلبي (575ـ630هـ) ([471]).
أحد كبار المؤرّخين الشيعة البارزين من أهل مدينة حلب، كتب وصنّف ـ إضافة إلى التاريخ ـ في مجالات العلم والمعرفة الأخرى.
لكن آثار هذه الشخصية الشيعية الكبيرة قد اندثرت؛ بسبب سيطرة الحكّام النوريين والأيوبيين والمماليك على بلاد الشام، وحصارهم للشيعة والتشيّع.
والقائمة الطويلة لمصنّفاته تشير إلى اشتمال كلّ واحد منها على عدّة مجلّدات، كما نقل عنه من أتى بعده من المؤرّخين الشاميين في كتبهم؛ وهذا دليل على مرتبته العلمية الرفيعة.
والواقع إنّ هذا العالِم كان استمراراً لحركة القافلة الكبيرة لعلماء الشيعة الذين تعهّدوا قيادة الشيعة الذين كانوا يشكّلون غالبية سكّان مدينة حلب ـ منذ أواخر القرن الثالث وحتّى القرنين السادس والسابع الهجري في هذه المدينة الكبيرة.
ولعلّ النقطة البديعة التي يمكن أن تبيّن مكانته كعالم شيعي كبير وشعبي في هذه المدينة، هي ما ذكره ابن شدّاد، المتوفّى سنة 684هـ ـ: من بين مساجد حلب، يوجد مسجد باسم مسجد منتجب الدين يحيى ابن أبي طيّ، الشهير بابن النجّار([472]).
إنّ انتماء هذا العالِم إلى التشيّع ظاهر للعيان بكلّ وضوح؛ فقد نشأ وتربّى على يد عالم شيعي بارز، هو ابن شهرآشوب المازندراني، الذي كان زوجاً لابنة عمّته، كما أنّ بعض مصنّفاته ترتبط ـ بشكل ما ـ بالثقافة الشيعيّة، مثل:
- المجالس الأربعين في مناقب الأئمة الطاهرين (عليهم السلام).
- شرح نهج البلاغة «في ستّة مجلّدات».
- أخبار شعراء الشيعة.
- تضوّع اللطائم في شرح خطبة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
- ذخر البشر في معركة الأئمة الإثني عشر (عليهم السلام).
ولعلّ أبرز من كتب عن أحوال ابن أبي طيّ في المصادر الحديثة هو كلود كاهن؛ إذ كتب المدخل إلى حياة ابن أبي طيّ في دائرة المعارفة الإسلامية «النسخة المصحّحة الثانية» التي هي مختصرة جدّاً([473])…
وكتب السيّد فكرت ـ بالفارسية ـ تاريخ حياته المفصّلة في دائرة المعارف الإسلامية الكبرى (2/7ـ676).
ولعل أنسب وأشمل تعريف بحياة وشخصيّة ابن أبي طيّ، هو عرض ما ورد عنه في النصوص القديمة…
كتابات القدماء عن ابن أبي طيّ وكتبه
أقدم من كتب عن حياة ابن أبي طيّ، ياقوت الحموي، المتوفّى سنة 626هـ في حلب، وأوردها عنه في معجم الأدباء، إلاّ أنّها ساقطة من طبعات الكتاب الموجودة؛ إذ كان قد التقاه في حلب سنة 619هـ، وأخذ تاريخ حياته منه مباشرة، وقد حكم الحموي ـ المتّهم بأنّه ناصبي([474]) ـ بقسوة على ابن أبي طيّ.
هذا، وقد نقل ابن حجر في لسان الميزان([475]) ترجمة ابن أبي طيّ عن ياقوت الحموي، والكتبي نقل ـ بدقّة عن ياقوت أيضاً ـ في فوات الوفيات([476]) القسم الثاني من ترجمة ابن أبي طيّ، الخاصّ بمصنّفاته، أمّا القسم الأوّل الذي يشمل شؤون حياته الشخصية فقد فات الكتبي أن ينقله، ورغم ذلك ـ لحسن الحظ ـ حُفظ هذا القسم في مكان آخر.
وهو ما نقله الشهيد الأوّل في بعض فوائده؛ إذ نقل عين ما أورده الحموي، عن ابن أبي طيّ، ما أخبره به عن طفولته وشؤونه الشخصية([477]).
ووقع هذا النصّ بيد عبدالله أفندي، فنقله في رياض العلماء، مشتبهاً بأنّ الشهيد الأوّل قد نقله عن معجم البلدان، بينما هو منقول عن معجم الأدباء…
فما ذكره الحموي ـ بموجب نقل الشهيد الأوّل ـ هو التالي:
يحيى بن أبي طيّ أحمد بن طائي الحلبي: أحد من يتأدّب ويتفقّه([478]) على مذهب الإماميّة وأصولهم، وله تصانيف في أنواع العلوم…
أمّا القسم الآخر الذي كتبه الحموي عن أحوال ابن أبي طيّ وذكر فيه مصنّفاته وأورده ابن شاكر الكتبي (توفي 764هـ) في فوات الوفيات فهو:
يحيى بن حميد بن ظافر بن النجّار بن علي بن عبدالله الحلبي، المعروف بابن أبي طيّ: أحد من تعاطى الأدب والفقه على مذهب الإماميّة وأصولهم، وصنّف في أنواع من العلوم…
قال ياقوت: وقد جعل التصنيف حانوته، ومنه مكسبه وقوّته، وأكثر تصانيفه قطع فيها الطريق، وأخاف السبيل، يأخذ كتاباً قد أتعب العلماء فيه خواطرهم فيقدّم فيه، أو يؤخّر، أو يزيد، أو ينقص قليلاً، أو يختصر، ويخلق له اسماً غريباً وينتحله انتحالاً.
وقد طوّل ياقوت ترجمته في معجم الأدباء.
ومولده بحلب سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وتوفي حدود الثلاثين والستّمائة، وذكر عنه ياقوت أنّ والده كان لا يعيش له ولد وأنّه لما رزقه حملته جارية وصعدت به السطح ليلة الميلاد وكانت شديدة البرد، فأخذه اضطرام وإفحام، وابيضّت عيناه جميعاً، ولازمه الرمد إلى أن احتلم، فتجلّت ممّا كان فيها من البياض، وكان والده نجّاراً مقدّماً على كلّ نجّار بحلب.
وقرأ يحيى القرآن على والده، واشتغل بفقه الإماميّة على رشيد الدين المازندراني، ومن تصانيفه:
1 ـ كتاب البستان في مجلس الغلمان(أو محاسن الغلمان).
2 ـ كتاب معادن الذهب في تاريخ حلب.
3 ـ كتاب ملح البرهان في تفسير القرآن.
4 ـ كتاب قبسة العجلان في تفسير القرآن.
5 ـ كتاب البيان في أسباب نزول القرآن.
6 ـ كتاب غريب القرآن.
7 ـ تفسير الفاتحة.
8 ـ المجالس الأربعين في مناقب الأئمّة الطاهرين.
9 ـ كتاب خلاصة الخلاص في آداب الخواص ـ عشر مجلدات ـ.
10 ـ كتاب حوادث الزمان على حروف المعجم ـ خمس مجلّدات ـ.
11 ـ كتاب تاريخ العلماء ـ مجلّد ـ.
12 ـ شفاء الغليل في ذمّ الصاحب والخليل ـ مجلّد ـ.
13 ـ شرح نهج البلاغة ـ ست مجلّدات ـ.
14 ـ تحفة الطائفة الفقهائية في شرح كلماتهم اللغوية.
15 ـ التنبيهات في تعبير المنامات.
16 ـ التنبيهات على صنع النبات.
17 ـ الكشف والتبيين في محاسن التضمين.
18 ـ العروس في أدب السائس والمسوس.
19 ـ مودعة السفيه وموزعة النبيه، في المأخذ على راجح الحلّي وسرقاته.
20 ـ التحقيق في أوصاف الرقيق.
21 ـ الروضات البهيات في محاسن القينات.
22 ـ اللباب في أسماء الأحباب.
23 ـ نسيم الأرواح في ما جاء في التفّاح.
24 ـ الإيجاز في الألغاز.
25 ـ أخبار شعراء الشيعة([479]).
26 ـ الاقتصاد في الفرق بين الظاء والضاد.
27 ـ كتاب الأضداد.
28 ـ النكت الشاردة والنادرة والفائدة.
29 ـ المنتخب في شرح لاميّة العرب.
30 ـ تضوّع اللطائم، في شرح خطبة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
31 ـ شرح كلام أمّ سلمة لعائشة رضي الله عنها.
32 ـ نهج البيان في عمل شهر رمضان.
33 ـ المشكاة في عويص مسائل النحاة.
34 ـ إفراد قراءة أبي عمرو بن العلاء.
35 ـ مختصر في اللغة.
36 ـ إفراد مسائل.
37 ـ الجمع بين زوائد الصحاح وزوائد المجمل.
38 ـ ذخر البشر في معرفة القضاء والقدر.
39 ـ كتاب في حكم كلام الأئمّة الإثني عشر.
40 ـ الحاوي في المعمول عليه من الفتاوي.
41 ـ سرّ السرائر.
42 ـ فقه أحكام النساء، في الفقه.
43 ـ ذخر البشر في معرفة الأئمّة الإثني عشر.
44 ـ مجموع مسائل فقه وأصول.
45 ـ شرح غريب ألفاظ المقامات.
46 ـ شرح الحماسة.
47 ـ أخلاق الصوفية.
48 ـ عقود الجواهر في سيرة الملك الظاهر([480]).
49 ـ كنز الموحّدين في سيرة صلاح الدين.
50 ـ ذيل التاريخ الكبير الذي سمّاه معادن الذهب.
51 ـ سلك النظام في تاريخ الشام ـ أربع مجلّدات.
52 ـ مختار تاريخ المغرب.
53 ـ كتاب تاريخ مصر.
54 ـ تهذيب الاستيعاب لابن عبد البرّ.
55 ـ سيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه ـ ثلاث مجلّدات.
56 ـ اشتقاق أسماء البلدان.
57 ـ نكت دُرّة الخواص.
58 ـ أسماء رواة الشيعة ومصنّفيها.
59 ـ سيرة ملوك حلب.
60 ـ كتاب التصحيف والأحاجي.
ومن شعره رحمه الله:
يا أبا جعفر تجاف قليلاً
كم تسامى بمفخرٍ منحوسِ
أنت من معشر كرام ولكن
أنت فيهم قوائم الطاووسِ
وقال في مديح آل البيت رضي الله عنهم:
أنا في إسار غدائر ونواظر
من كلّ أبيضَ ذي قوامٍ ناضرِ
ريّان من مرح الصِبا فكأنّما
رويتْ معاطفه بغيثٍ باكرِ
خمريُّ ريقٍ لؤلؤيُّ لواحظٍ
مسكيُّ صدغٍ صارميُّ محاجرِ
لله ليلتنا بكاظمة وقد
سمحت به الأيّام بعد تهاجرِ
وقد اضطجعنا والنجوم كأنّه
من وجهه نادٍ بنورٍ باهرِ
والشعريان كأنّما أحداقها
من وجهه نادٍ بنورٍ باهرِ
والشعريان كأنّما أحداقها
أحداق عاذل حبّه التكاسرِ
وسهيلٌ الوقّاد يخفق دائباً
خفقان أحشائي عليه وخاطري
والليل يرفل في فضول غلائلٍ
رقّت كشَوْقي أو كمدعي القاطرِ
والريح ينشر عَرفها بنسيمها
نشرى مديحَ أخي النبيّ الطاهرِ
خير الأنام ومن يذلّ مهابةً
من بأسه قلب الهزبر الخادرِ
صنو النبيّ وصهره ووزيره
وظهيره في كلّ يوم تشاجرِ([481])
ويمكن القول إنّ كمال الدين أبو الفضل عبد الرزاق بن أحمد، المعروف بابن الفوطي، المتوفّى سنة 732هـ، هو من نقل بعد ياقوت الحموي ـ تاريخياً ـ نصاً أدبياً قصيراً ويتيماً عن ابن أبي طيّ نفسه، وهو:
المنتجب نجيب الدين أبو زكريا يحيى بن أبي طيّ حميد بن ظافر الحلبي المؤرّخ…
قال: كان الإسكندر أحنف، وأبو شروان أعور، ويزدجرد أعرج، وجذيمة الوضّاح أبرص، وعبد الملك ابن مروان أبخر، ويزيد بن عبد الملك أفقم، وهشام أحول، ومروان الحمار أشقر، وأبو طالب أعرج، وأبو جهل أحمل، وكذلك أبو لهب وزياد([482]).
كتب ابن الفوطي أيضاً في ترجمة موفّق الدين أبو العبّاس أحمد بن محمّد البغدادي:
ذكره نجيب الدين يحيى بن أبي طيّ حميد بن ظاهر الحلبي النجّار في مشيخته، وقال: ورد علينا حلب، وكان حافظاً عالماً بالحديث، له تصانيف منها كتاب سمّاه النبذة في مناقب أهل البيت (عليهم السلام)…
قال: وسمعنا عليه أجزاء من كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني([483]).
وكتب أيضاً في ترجمة عفيف الدين أبو جعفر منصور بن أحمد الحمصي الأديب:
قرأت في البستان في محاسن ( مجلس) الغلمان للشيخ منتجب الدين يحيى بن طيّ الحلبي؛ قال: أنشدنا العفيف منصور بن الطبيب الحمصي لنفسه:
غرست قضيباً في كثيبٍ من الرمل
فأثمر بدراً في دجى الشعر الجثل
وجرّدت نصلاً جفنه جفن مقلة
مواقعها في مهجتي موقع النصل([484])
كما نقل ابن الفوطي أيضاً عدّة أسطر من كتاب ابن أبي طيّ «معادن الذهب في تاريخ حلب» ستذكر لاحقاً.
شمس الدين الذهبي، المتوفّى سنة 748هـ، الذي نقل كثيراً من تاريخ الشيعة لابن أبي طيّ، قال في كتابه تاريخ الإسلام ـ عند ذكر المتوفّين بعد سنة 620هـ (قال):
يحيى بن أبي طيّ النجّار بن ظافر بن علي بن عبدالله بن أبي الحسن ابن الأمير محمّد بن الحسن الغسّاني، الحلبي، الشيعي، الرافضي: مصنّف تاريخ الشيعة، وهو مسودّة في عدّة مجلّدات، نقلت منه كثيراً، مات في آخر الكهولة، ينظر في التاريخ العديمي([485])، إن كان له ذكر([486]).
ابن حجر العسقلاني (773ـ852هـ) الذي استفاد كثيراً من كتاب تاريخ الشيعة أو طبقات الإماميّة، كتب أيضاً في ترجمة ابن أبي طيّ عدّة أمور، نقل بعضها عن كتاب ياقوت، قال:
يحيى بن أبي طيّ بن ظافر بن علي بن الحسين بن علي بن محمّد بن الحسن بن صالح بن علي بن سعيد ابن أبي الخير الطائي، أبو الفضل البخاري الحلبي: ولد بها سنة خمس وسبعين، وقرأ القرآن، ثمّ جرّد رواية أبي عمرو وأكثر رواية نافع، وتعاطى صنعة النجارة مع والده وكان مقدّماً فيها…
ثمّ نظم الشعر، ومدح الظاهر ابن السلطان صلاح الدين واستقرّ في شعرائه، وأخذ في غضون ذلك الفقه عن أبي جعفر محمّد بن علي بن شهرآسوب المازندراني([487])، وكان بارعاً في الفقه على مذهب الإماميّة، وله مشاركة في الأصول والقراءات، وله تصانيف ـ تقدّم ذلك في ترجمته ـ؛ وأخذ عن غيره، ثمّ ترك صناعته ولزم تعليم الأطفال في سنة سبع وتسعين إلى ما بعد الستّمائة، وتشاغل بالتصنيف فاتّخذ رزقه منه.
قال ياقوت: كان يدّعي العلم بالأدب والفقه والأصول على مذهب الإماميّة، وجعل التأليف حانوته، ومنه قوته ومكسبه، ولكنّه كان يقطع الطريق على تصانيف الناس، فيأخذ الكتاب الذي أتعب جامِعُه خاطرَه فيه فينسخه كما هو، إلاّ أنّه يقدّم فيه ويؤخّر، ويزيد وينقص، ويخترع له اسماً غريباً، ويكتبه كتابةً فائقةً لمن يشبه عليه، ورزق من ذلك حظاً.
وذكر ـ أي ياقوت ـ من تصانيفه: معادن الذهب في تاريخ حلب كبير، وشرح نهج([488]) البلاغة في ستّ مجلّدات، وفضائل الأئمة في أربع مجلّدات، وخلاصة الخلاص في آداب الخواص في عشر مجلّدات، والحاوي في رجال الإمامية، وسلك النظام في أخبار الشام، إلى غير ذلك.
قلت: ووقفت على تصانيفه، وهو كثير الأوهام والسقط والتصحيف، وكان سبب ذلك ما ذكره ياقوت من أخذه من الصحف.
قال ياقوت: لقيته سنة تسع عشرة بحلب.
قلت: وتأخّرت وفاته بعد ذلك([489]).
جدير بالذكر أنّ ما كتبه ياقوت بحقّ ابن أبي طيّ، عندما ذكر أنّه جعل التأليف حانوته، ومنه قوته ومكسبه، أو أنّ تصانيفه مأخوذة من غيره، لا يجب أخذه بنظر الاعتبار؛ لأنّ ما وصلنا ممّا كتبه وصنّفه خير دليل على نقض هذا الكلام، مع أنّ التسليم ـ فرضاً ـ بصحّة كلام ياقوت إلى حدٍّ ما، لا ينقص من قيمة أعمال ابن أبي طيّ…
إضافة إلى ذلك، فإنّ ياقوت، المعروف بأنّه ناصبي، وهو ما كان السبب في تشرّده في الأقطار ـ كما ذكر آقا بزرك الطهراني([490]) ـ لا يتوقّع منه أن يكون حكمه بشأن عالم شيعي بارزٍ كبير أفضل من هذا.
وكتب محمد راغب الطباخ الحلبي في ترجمة ابن أبي طيّ:
يحيى بن حميدة الشهير بابن أبي طيّ: آية الله الكبرى في العلوم والفنون، والشعر والتاريخ، ومعرفة أخبار الصحابة والعرب، وغير ذلك…
ومن آثاره البديعة: أخبار شعراء الشيعة، مرتّب على الحروف الهجائية([491])، وكتاب تهذيب الاستيعاب في معرفة الأصحاب للقرطبي، وتاريخ مصر ومختار تاريخ المغرب، وكتاب حوادث الزمان في خمس مجلّدات ورتّبه على الحروف الهجائية، وكتاب سلك النظام في تاريخ الشام في أربع مجلّدات، وكتاب طبقات العلماء وعقود الجواهر في سيرة الملك الظاهر بيبرس التركي، وكتاب معادن الذهب في تاريخ حلب وهو كتاب كبير وقد ذيّله، وكتاب كنز الموحدين في سيرة صلاح الدين، وكتاب ذخر البشر في مناقب الأئمة الإثني عشر([492])، وكتاب الآل والعذب الزلال، وبيان المعالم، وغير ذلك ممّا يطول شرحه. وكانت وفاته سنة ستّمائة وثلاثين. انتهى. (نهر الذهب).
وذكر له في الكشف من المؤلفات عند ذكره مناقب الأئمة الإثني عشر: «الذخائر العقبى»، وذكر أيضاً له كتاباً في السير في ثلاث مجلّدات.
وفي تذكرة العلاّمة الشنقيطي اللغوي ـ الذي ذكر فيها المختار من نفائس المخطوطات الباقية في الأندلس «الإسكوريال» ـ: الكتاب السادس والخمسون المنتخب في شرح لامية العرب: صنّفه يحيى بن أبي طيّ بن حميدة بن ظافر بن علي الحلبي الغسّاني، وهو شرحٌ لا نظير له حقيقة، يشفي العليل ويروي الغليل، يحتاج إلى نسخه وطبعه؛ لأنّه جمع من الفوائد ما لا يكاد يوجد في غيره. انتهى([493]).
وكتب الدكتور مصطفى جواد أيضاً في ترجمة ابن أبي طيّ عدّة مواضيع، كان بعضها جديداً، ولم يتّضح المصدر الذي نقل عنه:
كان أبوه نجّاراً شيعياً، وكذلك كان جدّه، واشتغل هو بصنعة النجارة مع أبيه برهة من الزمان، ثمّ تركها وحفظ القرآن الكريم وتعلّم الكتابة.
ومال إلى طلب العلم والأدب، ولقى العلماء وجالس الفضلاء، فقرأ فقه الإماميّة على أبي جعفر محمد بن علي بن شهرآشوب، وقرأ علم الخلاف على أبي الثناء محمود بن طارق الحلبي الفقيه الحنفي.
ثمّ انتقل إلى تعليم الصبيان وإقراء القرآن إلى سنة 597، ثمّ اختصّ بتعليم ابن لأحد من الوزراء إلى سنة 600هـ، ثمّ ترفّع عن التعليم وأنف منه ولزم داره، وطلب مشايخ الأدب فقرأ عليهم ودرس.
ثمّ أقبل على نظم الشعر ومدح الملك الظاهر الغازي ابن صلاح الدين الأيوبي، وارتفعت منزلته عنده وولاّه نقابة الفتيان في سنة 609هـ. فكان نقيب حضرته في الفتوة.
ثمّ أحبّ التصنيف، فصنّف كتباً في تاريخ وتفسير القرآن الكريم والآداب والفقه والأصول كثيرة، منها «التاريخ الكبير» المسمّى معادن الذهب في تاريخ حلب، جمع فيه أخبار الملوك والعلماء، وأخبار الشام، التي لا توجد مجموعة في كتاب قديم أو حديث في عصره؛ وابتدأ به من أوّل الفتوح إلى سنة 589، وواصل فيه الدول وأخبارها القديمة في الإسلام والحديثة، وهو كتاب نافع مفيد ـ كما ذكر بعض المؤرخين ـ.
وألّف كتاب… وكتاب الحاوي في رجال الشيعة وعلمائهم وفقهائهم وشعرائهم وأئمتهم المصنّفين في مذاهبهم، وهو مرتّب على حروف الهجاء.
وعابه بعض معاصريه([494])، والفاضل لا يسلم من ألسِنة معاصريه، وتوفي بحلب سنة 627هـ([495]).
«شرح لامية العرب»
وبعض شيوخ ابن أبي طيّ
وقد تمّ الحصول على معلومات جديدة عن حياة ابن أبي طيّ؛ اعتماداً على نسخة مصوّرة من كتابه المنتخب ـ المنتجب ـ في شرح لامية العرب([496])، الذي طبع مؤخراً بالتصوير على نسخة مخطوطة بخطّه، ومكتوبة سنة 618هـ.
أوّلاً: إنّه يبيّن بوضوح القوّة والقدرة العلمية لابن أبي طيّ، خصوصاً في مجال الأدب العربي؛ وهو ما يعدّ ـ نوعاً ما ـ تكذيباً لأقوال ياقوت الحموي، الذي حكم بشكل متعصّب في ما يتعلّق بآثار ابن أبي طيّ.
ثانياً: إنّ المؤلِّف في مقدمة هذا الشرح يعرّف بعض شيوخه، خصوصاً علاقته بابن شهرآشوب المازندراني، وبيانه لمعلومة جديدة عنه لم تكن معروفة سابقاً.
كذلك ذكر ابن أبي طيّ كتاباً لأبيه بعنوان: مختار فضائل أهل البيت (عليهم السلام).
ونحن ننقل نصوصاً ممّا ورد في مقدمة هذا الشرح:
«حدّثني بالقصيدة الشيخ الأجل الأوحد موفق الدين يعيش بن علي الخطيب الحلبي، قراءةً عليه بداره بحلب بباب الجامع الشمالي بدرب الخواتيمي، في سنة إحدى وستمائة…
ورواها لي بهذا الإسناد أيضاً الشيخ الأجل الأوحد أحمد بن علي بن الحسن بن زنبور الحلّي إجازةً ـ وكتب لي بالرواية من الموصل في سنة إحدى وستمائة ـ عنه، عن الخطيب الطوسي، عن الخطيب التبريزي، عن أبي العلاء أحمد بن سليمان المقرئ…
وقرأتها على الشيخ الأجلّ الاوحد رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني تلقيفاً، في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وحدّثني بها…
وبهذا الحديث قال: قدمتُ في سنة سبع وأربعين وخمسمائة من مازندران طالباً للحجّ بغدادَ، وكانت إذ ذاك آهلة بالعلماء، فحضرت مجلس الوزير عون الدين أبي منصور بن هبيرة في يوم الاثنين، وكان يجلس لسماع الحديث، فعرض ذكر قصيدة الشنفرى، فقال ناس: إنّها ليست شعر الشنفرى الأزدي، وإنّما شعر خلف الأحمر أستاذ الأصعمي، وكذلك أبيات ابن أخت تأبّط شراً التي أوّلها:
إنّ بالشعب الذي دون سلع
………………………………
قالوا: وكان خلف شاعراً مجيداً يعمل الشعر الجيّد، فإذا أنشده اتّهم فيه، فكان ينظم أبياتاً ويعزوها إلى القدماء.
قال: فقال ابن هبيرة: هذا كِذْب ومحال…
ثمّ قال: إنّها عندي في أوّل ديوانه، ثمّ أمر بإحضار ديوان الشنفرى فأحضر، فإذا هو بخطّ عبد السلام البصري، وهو يقول في أوّل الديوان: قرأتُ شعر الشنفرى على الشيخ الأجلّ أبي الحسن علي بن عيسى ابن علي الرمّاني، بمنزله بالجانب الشرقي بباب الميدان في درب أبي المحجن يوم الأربعاء خامس محرّم سنة خمس وستّين وثلاثمائة…
قال المؤلف [ابن أبي طيّ]: وأخبرني بها الرشيد [يعني ابن شهرآشوب] أيضاً، وحفظتها من لفظة في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وكان بصيراً بها جداً وبغيرها من أشعار العرب، وقد ذكرت جميع طرقه الأدبيّة والفقهيّة والأحاديثية في كتاب من لقيته من الرجال العلماء عن أبيه، عن جدّه شهرآشوب، عن نبهان، عن جدّه أبي الحسن هلال بن المحسّن، عن أبي الحسن علي بن عيسى الرمّاني…
وأخبرني بها هو أيضاً ـ أعني محمّد بن علي بن شهرآشوب المازندراني الملقب بالرشيد ـ وذكر لي أنّه سمعها على السيّد المنتهى بن كيايلي، عن أبي الحسن علي بن محمّد الكاتب، عن ابن دريد، عن أبي حاتم، عن الأصمعي؛ وقال الرشيد: بهذا الإسناد أروي جميع كتب ابن دريد إجازةً.
وحدّثني بالقصيدة وخبر مولد الشنفرى وخبر مقتله يونس بن سعيد بن حسن الموصلي الشاعر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، قال: حدّثني محمّد بن مكرم بن سعيد المصري، عن هبة الله بن رجاء، عن الحارث بن إسحاق، عن عمارة صاحب كتاب اللصوص…
قال المؤلّف [ابن أبي طيّ]: وحدّثني الرشيد بشعر الشنفرى من طرق المفضّل الضبيّ: عن الشريف أبي جعفر محمّد بن إسحاق الأصفهاني، عن إسماعيل بن هبة الله، عن سعيد بن نصر الأصبهاني ـ شيخ دار الحديث بأصبهان ـ، عن أبي القاسم اللغوي، عن أبي الحسن علي بن هارون بن نصر القرميسيني، عن أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش البغدادي، عن أبي جعفر محمد بن الليث الأصبهاني، عن أبي عكرمة الضبّي، عن المفضل الضبّي.
قال المؤلّف [ابن أبي طيّ]: ونحن نذكر اختلاف الرواة في خبر مولد الشنفرى ومقتله إن شاء الله تعالى…
حدّثني أبي رحمه الله قراءةً عليه في كتاب مختار فضائل أهل البيت (عليهم السلام) تأليفه، قال: حدّثني أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمّد بن الخضر الجواليقي بداره ببغداد، في شعبان سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وكنت أقرأ عليه ديوان أبي الطيّب المتنبّي…».
وقد أورد ابن أبي طيّ ما ذكرناه، إضافة إلى معلومات أُخرى تخصّ ترجمة الشنفرى في الصفحات الأُولى من الكتاب، إلى الورقة رقم 12، ثمّ بدأ بعدها ـ من الورق رقم 13ـ بشرح «لاميّة العرب».
مصير كتاب «معادن الذهب»
وكتب المؤلّف الأُخرى
سبق أن ذكرنا أنّ أغلب المعاصرين ـ تقريباً ـ متّفقين على أنّ آثار ابن أبي طيّ في عداد المفقود من التراث، وأنّ الأثر الوحيد الباقي منها هو كتاب شرح لاميّة العرب، المحفوظ في مكتبة الإسكوريال في إسبانيا([497]).
ويعدّ كتاب معادن الذهب في تاريخ حلب، الذي اشتمل على تاريخ هذه المدينة لزمن امتدّ من الفتح الإسلامي لها حتّى سنة 594هـ؛ واحداً من آثاره المهمّة([498]).
ذكر الصفدي كتاب معادن الذهب في مقدّمة كتاب الوافي بالوفيات، عند إحصائه المصادر التاريخيّة المهمّة([499]).
ونقل ابن الفوطي (ت732هـ) موضوعاً منه في ذيل ترجمة «عمدة الحضرة عدّة الدولة أبو تغلب هبة الله بن ناصر الدولة» صاحب ديار بكر([500]).
وأيضاً في ترجمة كمال الدين أبو محمّد جعفر بن عبد السلام بن يحيى الحلبي المطرب([501]).
وفي ترجمة مبارك الدولة أبو نصر الفتح بن عبدالله الحَلَبي الأمير بحلب([502]).
ونقل ابن شدّاد مواضيع منه أيضاً، تتعلّق بمشهد الدكّة، ومشهد رأس الإمام الحسين (عليه السلام).
ونقل أيضاً موضوعاً من كتاب آخر له، هو عقود الجواهر في سيرة الملك الظاهر([503]).
والمعلومة التي نقلها عن كريم الدولة مسؤول الجباية بمدينة حلب، بخصوص واردات هذه المدينة والقائمة التفصيلية الدقيقة لها، والتي لها أهمّيتها القصوى في تاريخ علم الاقتصاد، هي معلومة ذات قيمة كبيرة.
ونقل أيضاً في موردين آخرين ـ على أقلّ تقدير ـ بالإشارة إلى كتاب ابن أبي طيّ فقط، قاصداً أحد كتابيه: معادن الذهب أو عقود الجواهر([504]).
ذكر ابن العديم الحلبي في ذيل ترجمة سالم بن مؤمن المصري، أنّ بعض أشعاره شاهدها في مجموعة بخطّ يحيى بن ظافر النجّار الحلبي، الذي كتب بأنّ الشاعر قد دخل حلب في عهد صلاح الدين([505])؛ ومن الواضح أنّ هذه المجموعة لم يعرف أيّ كتب منها كانت من كتب ابن أبي طيّ.
موارد كتاب «السيرة الصلاحية»
في «كتاب الروضتين»
لابن أبي طيّ كتاب بعنوان كنز الموحّدين في تاريخ صلاح الدين، وقد نقل أبو شامة([506]) في كتاب الروضتين في أخبار الدولتين «النورية والصلاحية» بعض فصوله([507])، وعبّر عنه بـ: «السيرة الصلاحية» في موردين، وفي غيرهما اكتفى باسم ابن أبي طيّ فقط.
رسول جعفريان
الحمدانيون
مرّ الحديث عنهم في مكانه، ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
التجارة وطرق المواصلات
كان الشرق في العصور الوسطى المركز الرئيس للتجارة الأوروبية، فقد استوردت أوروبا القطن وقصب السكر من سوريا وآسية الصغرى والحرير والتوابل من الشرق الأقصى. وبعد انقسام الإمبراطورية الرومانية، أصبحت الدولة البيزنطية وارثة تجارة الشرق، وظلّت تقوم بدور الوسيط بين أوروبا وبلدان الشرق([508]). وممّا هو جدير بالذكر أنّ العرب اشتغلوا بالتجارة منذ القدم، فقد اشتهرت مكة قبل الإسلام بتجارتها النشيطة مع اليمن والشام، وأقيمت الأسواق في أيام معينة في مختلف أنحاء بلاد العرب وبخاصّة في الحجاز([509]). وبعد أن هدأت حركة الفتوحات واتّصل العرب بالعناصر الأجنبية نشطت التجارة في العالم الإسلامي، وذلك بسبب توسّع الدولة وتشجيع الخلفاء والأغنياء وحاجة القصور إلى أدوات الزينة ووسائل الترف وبناء الأساطيل وتقدّم العلوم الجغرافية التي وجهت أذهان التجار إلى بلدان وأقاليم جديدة، وكذلك لسرعة انتقال العرب ونظام الحج الذي هيأ فرصة لالتقاء القوافل من مختلف الأنحاء. وحين انتشرت الرفاهية بين المسلمين بدأت تظهر الحاجة لتبادل المنتجات مع الدول الأجنبية.
ارتبطت مدن إقليم الجزيرة ببعضها وبالخارج بطرق برية داخلية وخارجية كثيرة نذكر أهمها فيما يلي:
1 ـ طريق البريد الذي يصل بغداد بالجزيرة محاذياً ضفة دجلة الشرقية فيدخل الجزيرة في تكريت ويظل يحاذي ضفة النهر اليسرى حتّى الموصل ماراً بالمدن والقرى الآتية:
بغداد ـ البردان ـ عكبرا ـ باحمشا ـ القادسية ـ الكرخ ـ جبلتا ـ السودقانية ـ بارما ـ السن ـ الحديثة ـ طهمان ـ الموصل ـ بلد ـ باعيناثا ـ برقعيد ـ أذرمة ـ تل فراشة ـ نصيبين. ومن نصيبين يتفرّع طريقان يذهب أحدهما وهو الأيمن إلى الشمال مارّاً بهذه المواضع: دارا ـ كفرتوثا ـ قصر بني نازع ـ آمد ـ ميافارقين ـ أرزن. ثمّ يتفرّع هذا الطريق بدوره فيذهب فرع من آمد إلى الرقة ـ شمشاط ـ تل جوفر جرنان ـ بامقدار ـ جلاب ـ الرها ـ حران ـ تل محرا ـ باجروان ـ الرقة. والآخر من نصيبين إلى الرقة ـ دارا ـ كفرتوثا ـ العرادة ـ راس عين ـ الجارود ـ حصن مسلمة ـ باجروان ـ الرقة([510]) ـ أمّا الفرع الأيسر لطريق البريد الرئيس فيمر بهذه المواضع: بلد ـ قرقيسيا ـ سنجار([511]).
2 ـ وهناك طريق يصل بين الرقة والثغور يكمل الطريق السابق ويمر بعين الرومية (عين زربة) تل عبدا ـ سروج ـ المزينة ـ سميساط ـ حصن منصور ـ ملطية ـ كمخ ـ زبطرة ـ الحدث ـ مرعش([512]).
3 ـ وتتصل الموصل بنصيبين بطريق يمر بهذه المواضع: الموصل ـ بلد ـ باعيناثا ـ برقعيد ـ إذرمة ـ تل فراشة ـ نصيبين([513]).
4 ـ ونجد على الفرات طريق البريد الذي يحاذي الضفة اليمنى أو الغربية من هذا النهر ويصل إلى آلوس فعانة ثمّ يتفرّع إلى فرعين يذهب أولهما إلى الرقة محاذياً الفرات، ويخترق ثانيهما وهو الأيسر الصحراء إلى الرقة أيضاً ماراً برصافة هشام ثمّ إلى سروج وسميساط([514]).
5 ـ وهناك أيضاً طريق هام يصل مدن الجزيرة بمدن الشام ويبدأ من سر من رأى ويمر بهذه المدن: بالس ـ الحديثة ـ الموصل ـ بلد ـ نصيبين ـ رأس عين ـ الرقة ـ منبج ـ حلب ـ قنسرين ـ حماه ـ حمص ـ جوسية ـ بعلبك ـ دمشق([515]).
6 ـ طريق الفرات: بلد ـ تل أعفر ـ سنجار ـ عين الجبال ـ سكير العباس ـ الفدين ـ ماكسين ـ قرقيسيا([516]).
من هذا يتضح أنّ الطرق كانت كثيرة وعامرة، وكانت تصل بغداد بمدن الجزيرة من جهة، ومدن الجزيرة ببعضها من جهة ثانية، وإقليم الجزيرة بالشام وببلاد الروم وأرمينية من جهة أخرى. وبين أيدينا نص قيم يقف دليلاً واضحاً على العناية الفائقة التي بذلها الحمدانيون بالتعاون مع السلطة المركزية في بغداد من أجل صيانة الطرق وتسهيل مرور التجارة وحماية الأمن الذي كان ضرورة أساسية لازدهار التجارة. فقد اشترط الخليفة المطيع على أبي تغلب بن ناصر الدولة في عهد له أصدره في سنة 366/976م «أن يوكل بالطرقات من الخيل والرجال من يتقصاها ليلاً ونهاراً، ويستقر بها سهلاً وجبلاً، ويسير في برها وبحرها، ويقلد عليهم أهل النجدة والبسالة، وذوي الشهامة والجزالة. ويوعز إلى من يوليه بأن يتبعوا مظان أهل الريب فيشردوهم عنها… وأن يسيروا مع السابلة ويصحبوا من يسلك الطرق من المارة ويحموا النفوس والأموال، ويحوطوا الذراري والتجارات، ويقفوا على من تخلف ويسيروا بمسير من ضعف، حتّى لا يلحق أحداً من المجتازين مؤونة ولا يحملوه ثقلاً ولا كلفة، لتؤمن السبل وتحمي المسالك وتدر للرعية المتاجر وتستقيم لها أسباب العيش، وتكون الطرق مضبوطة والآمال محوطة»([517]).
ولمّا كان من مصلحة الحمدانيين استتباب الأمن في ربوع مملكتهم فإنّهم جعلوا في الطرق والمسالك الوعرة خيالة ومشاة لحفظ الأمن والقضاء على العابثين، وولوا الأحداث وهي أعمال الشرطة لأشخاص يجب أن تتوافر فيهم صفات العقل والعفة والشدّة ليراقبوا الأحوال العامة ويتعقبوا الجناة الذين يحملون إلى السجون وتقام عليهم الحدود([518]).
امتازت الموصل بموقع جغرافي على جانب كبير من الأهمية، فهي تطل على دجلة وكانت محط الركبان ومنها يقصد إلى جميع البلدان، فهي «باب العراق ومفتاح خراسان ومنها يقصد إلى أذربيجان». لذلك أصبحت من المدن التجارية الممتازة في العصور الوسطى، وأشبه بهمزة الوصل بين الدولتين الإسلامية والبيزنطية. وكانت الموصل في القرن الرابع الهجري ذات تجارة رائجة فامتازت بأسواقها الواسعة الكثيرة بحيث كان لكلّ صنف من أصناف البضاعة سوقان أو ثلاثة أو أربعة خاصّة بها. وكلّ سوق منها ينتظم مائة حانوت أو أكثر([519])، ومن هذه الأسواق سوق الطعام والأساكفة والغنم. وكان يقام في كلّ يوم أربعاء سوق عرف «بسوق الأربعاء» وذلك في الساحة الفسيحة بداخل القلعة حيث يفد الفلاحون من القرى والبلدان المجاورة([520]). ويذكر الأزدي([521]) من أسواق الموصل الأربعاء والحشيش والسقائين القنابين والدواب والبزازين والسراجين، ممّا يدل على أنّ هناك سوقاً لكلّ صنف من أصناف البضاعة. وكانت هذه المدينة تصدّر إلى الخارج منتجاتها الزرعية والحيوانية والصناعية من القمح والعسل والفحم والجبن والفواكه واللحوم المملحة والسمك والحديد والسكاكين والسهام والسلاسل([522]). وما زال أهلها إلى اليوم يقومون بتربية الأغنام وتصديرها إلى البلدان المجاورة، كما كانت هذه المدينة تموّن بغداد بالدقيق والسكر والعسل والسمن والجبن ونعال الخيل([523])، وكانت الفنادق التي خصّصت لإقامة التجار كثيرة بالموصل بحيث كان «على كلّ ركن فندق»([524]).
وكانت الرقة ـ قصبة ديار مضر ـ مشهورة بأسواقها المظللة الجميلة التي تزخر بالسلع، وقد استمدّت أهميتها من موقعها بين العراق والشام([525])، كما اشتهرت سنجار بتصدير الفواكه المجففة وقصب السكر. على حين أنتجت نصيبين القمح والشعير والأرز والجوز([526]) وصدرت الرقة زيت الزيتون والصابون وقصب الأقلام كما صدرت آمد الحجارة الأرحية الناردة بحيث كان يساوي الحجر الواحد خمسين ديناراً أو أكثر([527]). كما صدرت ثياب الصوف والكتاب «الرومية على عمل الصقلي». وصدرت بلد اللبأ في القدور عن طريق النهر بحيث بيع القدر الذي يزن خمسة أمنان بخمسة دوانيق. واشتهرت حران بتصدير العسل والموازين والأنسجة القطنية. وجزيرة ابن عمر بالجوز والزبدة والخيول([528]).
أدّت المعاملات التجارية إلى قيام محيط تجاري راق في بلاد الحمدانيين وقد أفاد الأمراء من العشور والضرائب المختلفة التي فرضوها على التجار، فنشأت الأسواق والخانات لسكنى التجار وخزن بضائعهم، ومدّت الطرق البرية التي عين فيها شرطة خيالة ورجّالة لحماية القوافل. وقام الصيارفة ـ وهم الذين مثلوا المصارف في ذلك العصر ـ بمهمة الإيداع والصيرفة والتحويل. وترتب على ذلك أن يصدر الحمدانيون عملة خاصّة بدولتهم ما دامت السكة مظهراً من مظاهر السيادة والاستقلال، وعاملاً هاماً في قيام التجارة والتبادل.
والسكة ـ حسب المفهوم الإسلامي ـ النظر في النقود المتعامل بها بين الناس وحفظها من الغش أو النقص، وختمها بخاتم السلطان الحديدي الذي يحمل صوراً أو كلمات مقلوبة تضرب على الدينار أو الدراهم فتخرج مستقيمة بعد أن يضبط عيار القطعة النقدية ويسبك معدنها([529]).
أصدر ناصر الدولة نقوداً خاصّة به منذ سنة 330هـ فهناك بضعة قطع محفوظة في دار الكتب المصرية بالقاهرة تشير إلى أنّ الحمدانيين بدأوا بسك نقودهم منذ هذه السنة. وأقدم قطعة نقدية حمدانية ضربت في نصيبين سنة 330هـ([530]). ولمّا تولى ناصر الدولة إمرة الأمراء سنة 331 ضرب نقوداً في «مدينة السلام» تحمل اسمه واسم أخيه سيف الدولة منها قطعتان في دار الكتب المصرية([531]). وفي سنة 332 أي حين رجع ناصر الدولة إلى الموصل بعد أن أخفق في حكم بغداد ضرب نقوداً منها قطعتان في المكتبة المذكورة تحمل إحداهما تاريخ سنة 332 والأخرى سنة 334([532]).
وأخيراً، فإنّ الأمراء عمدوا إلى ضرب نقود خاصّة للصلات وأخرى يصدرونها في المناسبات كما فعل سيف الدولة حين زوج ابنه من ابنة أخيه ناصر الدولة([533]).
ويذكر كودرنجتون أنّ الحمدانيين ضربوا كثيراً من النقود في الجزيرة والرحبة والموصل([534]). لقد ضاع كثير من هذه القطع النقدية، غير أنّ بعضها ما زال محفوظاً في دور الآثار([535]).
وثمّة إشارات متفرّقة في الكتب على أنّ ناصر الدولة وسيف الدولة ضربا دنانير ذات أوزان مختلفة، منها دنانير في كلّ دينار ثلاثون ديناراً، وعشرة دنانير في كلّ منها عشرة ضربت سنة 354 وقد كتب عليها:
الوجه:
لا إله إلاّ الله محمد رسول الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فاطمة الزهراء الحسن الحسين جبرايل عليهم السلام.
الظهر:
أمير المؤمنين المطيع لله الأميران الفاضلان ناصر الدولة وسيف الدولة الأمير أبو تغلب وأبو المكارم([536]).
والظاهرة البارزة في نقود الحمدانيين أنّها كانت كثيرة سريعة التغيير ولعلهم كانوا يهدفون من وراء ذلك إلى القضاء على تلاعب الصرافين بعيار النقود كما أنّ نقودهم تغيّرت بتغيير الأحوال السياسية.
الصناعة
ممّا ساعد على ارتقاء الصناعة وازدهارها في العصر الحمداني تشجيع الأمراء والأغنياء واهتمامهم بكلّ ما له علاقة بالترف من جهة كالثياب والسجاد والعطور والزجاج والصياغات، وبما له علاقة بعمارة القصور والمساجد والمشاهد والحصون وصناعة الأسلحة من جهة أخرى.
وقد اختصّت كلّ مدينة بصناعة محلية برع فيها أهلها واشتهروا. لقد اشتهرت الموصل بالموسلين الذي ذاعت شهرته عالياً خلال العصور الوسطى وحظي بالتقدير في أسواق الشرق والغرب([537]).
وممّا هو جدير بالذكر أنّ الفضل في نشر زراعة القطن في الجزيرة يعود إلى الحمدانيين ممّا شجع صناعة الأقمشة القطنية([538]).
لقد حفلت مدن الجزيرة بالمطاحن والأرحاء الضخمة في تكريت والحديثة وعكبرا والبردان، فضلاً عن الأرحاء الشهيرة بالموصل. وكانت طواحين كلّ بلد لها فصل تدور فيه، وهو المدّة التي تحمل فيها الحنطة في السفن إلى العراق. وكانت مطاحن الموصل تسمّى العربات أو العروب وهي مصنوعة من الخشب والحديد الذي لا يمازجه شيء من الحجر والجص، وتقوم في وسط الماء بسلاسل حديد، كلّ عربة فيها حجران، يطحن كلّ حجر منها خمسين وقراً في كلّ يوم([539]). وقد خلف لنا الشاعر السري الرفاء وصفاً جميلاً «للعربات» يدل على كثرتها في مدينة الموصل([540]). كذلك ذكر ابن حوقل([541]) أنّ الموصل وبلد والحديثة وتكريت وعكبرا والبردان حوت كثيراً من العروب التي أقيمت في وسط النهر لتزود مناطق العراق المختلفة بالدقيق.
واشتهرت مدينة حران في الجزيرة بصنع الآلات الهندسية، فصنعت فيها الإسطرلابات وغيرها من الآلات الرياضية الدقيقة. وممّا هو جدير بالذكر أنّ هذه الصناعة نشأت متأثّرة بالدين، لأنّ حران كانت مركز الصابئة الذين عبدوا الكواكب فاهتموا برصد حركاتها ومعرفة بروجها. وكذلك اشتهرت تلك المدينة بموازينها الدقيقة حتّى غدت مضرب الأمثال([542]).
على أنّ أعظم صناعة قامت في الموصل هي صناعة الموسلين الذي عرف في أوروبا بهذا الاسم ونسبوه إلى هذه المدينة. وهو نسيج قطني خفيف يدعى الشاش، وبرع أهل هذه المدينة بصناعة المسوح وهو نسيج مخطط تصنع منه الملابس أو الأبسطة كما صنع أهل هذه المدينة الخز أيضاً، في حين اشتهرت آمد بالوشي والمناديل والطيلسانات([543]).
وقد زودنا المقدسي([544]) بمعلومات قيّمة عن أبرز المنتجات الصناعية التي اختصّت بها مدن الجزيرة، وهي:
1 ـ الموصل: اشتهرت في صنع النمكسود (وهو اللحم المجفّف) والعسل والجبن والمن وهو نوع من الحلواء وبرع أهلها في صناعات الحديد كالأسطال والسكاكين والنشاب والسلاسل. هذا بالإضافة إلى استخراجهم القير من العيون المعدنية لاستعماله في البناء والفحم للوقود.
2 ـ نصيبين: اشتهرت بصناعة الموازين والمحابر والفواكه المقدّدة.
3 ـ الرقة: وكانت تنتج الصابون والزيت وأقلام الكتابة.
4 ـ حران: اشتهرت بصناعة الموازين الدقيقة والإسطرلابات، فضلاً عن صناعات القطن والسكر والعسل.
5 ـ معلثايا: امتازت بصناعة القنب والنمكسود وإنتاج الفحم.
6 ـ آمد: برع أهل هذه المدينة في صنع ثياب الصوف والكتاب الرومية.
الحياة الثقافية والاجتماعية
1 ـ العمارة. 2 ـ الأديرة. 3 ـ الثقافة. 4 ـ المجتمع.
1 ـ العمارة
كانت أغلب مدن الجزيرة ـ وهي البلاد التي دخلت في حكم الحمدانيين ـ مراكز هامة كما رأينا وذات تراث حضاري ورثته من المدنيات الأجنبية التي سادت هناك قبل الفتح الإسلامي. ومن ثمّ فقد حفلت هذه المدن بالعمائر والأبنية والأسواق والفنادق والحمامات، خاصّة وقد كان كثير منها مدناً تجارية تقع على طرق المواصلات التي تربط مدن الجزيرة بعضها بالبعض الآخر من جهة، أو تربط الجزيرة بالخارج من جهة أخرى.
حين اتّخذ الحمدانيون الموصل حاضرة لهم بنوا فيها كثيراً من القصور المنيفة المشرفة التي وصفها السري الرفاء وهو من شعراء هذا العصر بقوله:
قصور حلقت في الجو حتّى
لقصرت الكواكب عن مداها
مشرفة كأن بنات نعش
تناجيها إذا خفقت شفاها([545])
ومن أجمل قصور الحمدانيين بالموصل القصر الذي بناه أبو تغلب بن ناصر الدولة على ضفة دجلة، وتحيط به الحدائق والبساتين التي تخترقها السواقي والغدران، وعليها الدواليب التي استعملت للري، وقد زرعت في هذه الحدائق أشجار النخيل والكروم، وتوسطتها برك ملئت بالمياه التي تشفّ عمّا تحتها وتسبح فيها أسراب الإوز والبط، والفوارات التي تبعث المياه عالية من أفواهها. ويبدو من شعر السري الرفاء الذي زودنا بوصف جميل مسهب لهذا القصر([546])، أنّه كان شامخاً مرتفعاً في أجواز الفضاء، واسعاً ذا أجنحة متعددة، حوى من الزخرفة وجمال النقش فنوناً وألوناً وفيما يلي بعض الأبيات من قصيدة الرفاء السالفة الذكر:
أنشأته منزلاً في قلب دجلة لا
تحتاج جنته الغدران والقلبا
وبركة ليس يخفي موج لجتها
من القذى ما طفا فيها وما رسبا
يبيت أعلاه بالجوزراء منتطقاً
ويغتدي برداء الغيم محتجبا
حصباؤه لؤلؤ نثر وتربته
مسك ذيك فلو لم تحمه انتهبا
وكل ناحية منه زبرجدة
أجرى اللجين عليها جدولاً سربا
ولمّا كان الحمدانيون قد اتخذوا الموصل حاضرة لهم، ومنها حكموا مناطق الجزيرة الأخرى، فإنّهم اهتموا ببناء دار الإمارة، وهي المقر الرسمي للأمراء، ويعتقد الأستاذ سعيد ديورجي([547]) أنّ الحمدانيين سكنوا على ضفة دجلة الغربية قرب (قره سراي) اليوم، خاصّة وأنّهم اهتموا بعمارة هذه الناحية من الموصل فبنوا لهم مسجداً في الدير الأعلى، كما بنوا مشهداً لعمرو بن الحمق الخزاعي هناك. ويبدو أنّ العقيليين الذين حلّوا محلهم في حكم الموصل سكنوا قصورهم ـ أي قصور الحمدانيين ـ التي كانت تقع على دجلة. وفي أحداث النزاع بين الحمدانيين والعقيليين من جهة والبويهيين من جهة ثانية يشير ابن الأثير (في حوادث 363) إلى أنّ بختيار نزل بالدير الأعلى، في حين نزل أبو تغلب بالحصباء تحت الموصل وبينهما عرض البلد([548]). ويستنتج الأستاذ سعيد الديوجي من ذلك([549]) أنّ موقع الدير الأعلى كان قرب قلعة الموصل (شماليها) وهي التي تسمّى الآن (باش طابية)، أمّا الحصباء فلم تزل تعرف بشط الحصباء أو شط العرب وهي على ضفة دجلة. ونحن لا ندري متى شيّدت هذه القلعة، لكن هناك ما يشير إلى وجودها في منتصف القرن الخامس الهجري([550])، ولعلها كانت موجودة أيام الحمدانيين واستخدمت من قبلهم.
وفي عصر كان للدين والتقوى فيه شأن أي شأن، عمد الأمراء والخاصّة إلى تشييد المساجد والمشاهد والمراقد الخاصّة بالأولياء وذوي الفضل. ونستطيع أن نستنتج بأنّ الحمدانيين الشيعة عنوا أكبر عناية بإحياء ذكر الأئمة العلويين وآل البيت عموماً. ولا بد أنّ المراقد والمشاهد الكثيرة التي حفلت بها الموصل في ذلك العصر يرجع بعضها على الأقل إلى هذه الفترة التي حكم فيها الحمدانيون في الجزيرة. فهناك مرقد نسب للعباس بن علي (عليه السلام) كتب على جدرانه «هذا قبر العباس بن علي… عمّره الحاج كاظم في سنة خمس وأربعمائة»([551]). فإذا صحّ هذا التاريخ فإنّه يرقى إلى عصر الحمدانيين. وهناك ضريح لزيد بن علي وآخر لعون بن الحسن وثالث لإبراهيم ابن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)… ومشاهد أخرى كثيرة كرمقد بنات الحسن وعلي الهادي وغيرها. وواضح أنّ هذه ليست أضرحة أو مراقد حقيقية دفن فيها هؤلاء الأئمة والأولياء، بل هي مشاهد للتبرّك تتصل أشد الاتصال بالتراث الديني الشعبي وجاء بناؤها في عديد من المدن الإسلامية نتيجة تعلّق الناس بهؤلاء الأئمة. وهناك إلى جانب دير الأعلى مشهد عمرو بن الحمق الخزاعي الصحابي الذي بقي على حبّه للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وحين طلبه معاوية فرّ إلى الموصل. وحمل رأسه إلى معاوية ودفنت جثته في هذه المدينة. وقد بنى على قبره سعيد بن حمدان مشهداً في سنة 336هـ.
بنى الحمدانيون في الموصل مساجد عدّة أهمها المسجد الذي شيّدته الأميرة جميلة بنت ناصر الدولة، وكان على تل توبة شرقي الموصل، تحيط به دور للمجاورين. وقد أوقفت جميلة على هذا البناء كثيراً من الأوقاف([552]). وفي تل توبة بناء عظيم هو رباط يشتمل على بيوت كثيرة ومقاصر ومطاهر وسقايات([553]) ثمّ تحوّل البناء إلى جامع النبي يونس الذي ما زال قائماً في الموصل إلى الآن. كما بنى ناصر الدولة قبة على مشهد علي بن أبي طالب (عليه السلام).
2 ـ الأديرة
وإذا أردنا أن نقدّم صورة صحيحة صادقة لهذا العصر وجب علينا أن نتحدّث عن الأديرة التي كوّنت في الجزيرة ـ وبخاصّة في الموصل وما حولها ـ مظهراً بارزاً من مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية، بالإضافة إلى كونها مراكز دينية للمسيحية ونموذجاً للعمائر التي قامت في هذا الإقليم قبل أن يفتحه المسلمون.
اشتهرت الموصل ونواحيها بكثرة الأديرة، لأنّها مدينة سكنها النصارى مدّة طويلة، وما زالت حتّى اليوم تزخر بآثار المسيحية فهناك آثار لدير الخنافس على هضبة قريبة من قرية شرقي هذه المدينة وكذلك آثار دير برعيتا. ومن أشهر الأديرة «دير الكلب» بالقرب من معلثايا بين الموصل وبلد في سفح جبل ينحدر الماء عليه ووصفه الخالدي بأنّ له «خاصية في برء عضة الكلب، وله عيد في وقت من السنة، يخرج إليه خلق من النصارى نساء ورجال للإقامة عندهم»([554]). وكان بالقرب من معلثايا أيضاً «دير الزعفران» ويقع عند سفح جبل تطل عليه قلعة أردمشت الحمدانية([555]). غير أنّ الشابشتي([556]) يقول إنّ هذا الدير يقع على الجانب الشرقي من نصيبين على قمة جبل يشرف على المدينة وهو كثير العيون والقلايات وحوله الشجر والكروم ويقع على جانبه ديرا مر واوجي ومر يوحنا. وامتاز دير العذارى عند تكريت بموقعه الجميل على دجلة، وبحسن عذاراه ورهبانه، وكثرة حاناته ومتنزهاته، وقد وصف الخالدي أعياده وحاناته وقال فيه الصنوبري شعراً([557]). ومن الأديرة الشهيرة في الأدب العربي دير الشياطين غربي دجلة من أعمال بلد ويقع بين جبلين ويمتاز بجمال طبيعته وكثرة أشجاره ورياضه([558]). وكان يقوم بقرب الموصل «دير باقوقا» وهو ذو رهبان كثيرين تحيط به المزارع والبساتين([559]).
وكان «الدير الأعلى» الذي ورد ذكره في أخبار الحمدانيين يطل على دجلة في الموصل حيث تقوم طواحين الماء «العروب» ويشتهر بعذوبة هوائه وبعيونه الكبريتية وهو كبير عامر يزخر بآثار المسيحية كالأناجيل والأيقونات وفيه كثير من قلايات الرهبان وله سلم منقور في الجبل يؤدّي إلى دجلة. ويروى أنّ المأمون مرّ به في عيد الشعانين «فزيّن الدير بأحسن الزينة وخرج رهبانه وقسسه إلى المذبح وحولهم فتيانهم بأيديهم المجامر قد تقلدوا الصلبان وتوشحوا بالمناديل المنقوشة. وإلى جانب الدير الأعلى يقوم مشهد عمرو بن الحمق الخزاعي من أصحاب علي(ع) لذلك اهتمّ به الحمدانيون وأقاموا إلى جانبه مسجداً يتصل بالقبر([560]). أمّا دير مار مخايل فيقع على بُعد ميل واحد من هذه المدينة مطلاً على النهر وتكثر فيه الكروم والأشجار وله عيد يقام قبل الشعانين بأسبوع. وهناك «دير متى» بالجانب الشرقي من الموصل على جبل شامخ يعرف بنفس الاسم، وهو يشرف على نينوى ويمتاز بأنّ بيوته منقورة في الصخر. واشتهر دير يونس بن متى هذا بأنّ أرضه كانت تكسوها الشقائق والنوار وله في أيام الربيع جمال طبيعي خلاب، وقد قصده الأهالي للاستشفاء والاغتسال بعينه المعدنية([561]). وعلى مقربة منه «دير الخنافس» وهو دير صغير يطل على ضياع نينوى([562]). غير أنّ أشهر أديرة الموصل في أخبار الحمدانيين «دير باعربا» بينها وبين حديثة على ضفة دجلة الغربية، وقد نزله سيف الدولة مرّة وضرب مضربه على الشاطئ، وتغدّى ونام، فلمّا كان وقت العصر دخل الدير، وصعد إلى سطحه فشهد منظراً خلاباً، وكان بصحبته من الندمان أبو إسحاق اليسري والشيظمي الذي نظم أبياتاً غناها سقارة وهي:
شرفاً يا دير عرباء ومجدا
بهما تعنى مدى الدهر وتعمر
إذ على سطحك سيف الدولة القـ
ـرم الذي فات الورى عزاً ومفخر([563])
وهناك أديرة أخرى كدير الخوات بعكبرا وقد اشتهر بليلة الماشوش وهو عيد يكون في يوم الأحد الأوّل من الصوم فيجتمع فيه المسلمون والنصارى، فيتعبّد هؤلاء ويتنزّه أولئك([564]).
وثمّة أديرة أخرى اشتهرت كدور للضيافة كدير الأسكون ودير باريشا في الموصل ودير مريحنا ودير الذندورد، ودير القيارة على شاطئ دجلة الغربي وهو اليوم حمام العليل على مسافة أربع ساعات من الموصل، وكان يسمّى دير مارزنيا([565])، ويعتبر حتّى اليوم من أماكن الاستشفاء الهامّة في العراق ويقصده العامّة من جميع الأنحاء للاستشفاء في عيونه المعدنية. وقد ضمّت هذه الديارات جميعاً كنائس عظيمة واسعة فيها الكتب الدينية النفيسة والمؤلفات القيّمة كما كانت أنموذجاً جميلاً لفن العمارة. وقد امتدح كشاجم ما امتاز به الرهبان من خفة الروح وسعة الاطلاع فقال([566]):
قد عدلوا ثقل أبدان بمعرفة
منهم لخفة أبدان وأرواح
ورشحوا غرر الآداب فلسفة
وحكمة بعلوم ذات أوضاح
في طب بقراط لحن الموصلي وفي
نحو المبرد أشعار الطرماح
وكان الأمراء يقصدون هذه الأديرة لما تمتاز به من فن العمارة وجمال الأبنية والنزه وحسن الطبيعة([567]). كما كان يقصدها أبناء الطبقة المترفة والشعراء والأدباء الذين لقوا في رحابها كلّ ترحاب ووجدوا فيما حولها مصدراً للإلهام.
3 ـ الثقافة
تميّز القرن الرابع الهجري بنمو الحركة الثقافية وانتشارها، فإنّ تفتت وحدة الدولة وقيام الدويلات المستقلة أدّيا إلى ظهور عدّة بيئات ثقافية بسبب تنافس الأمراء في جذب الأدباء والمفكرين إليهم كوسيلة من وسائل الدعاية والمباهات من جهة وولوعاً بالثقافة ذاتها من جانب بعض الأمراء من جهة أخرى. وفي هذا العصر نضج الفكر الإسلامي بما جدّ فيه من ثقافات نقلت إلى العربية. وقد تعدّدت مراكز الثقافة في الدولة الإسلامية، ففي أصبهان غدا الصاحب بن عباد وزير بني بويه راعياً للأدب ورجاله، وغدت بخارى حيث أقام السامانيون بلاطهم مثابة الأدباء والعلماء. ومن الناحية الثانية كان الحمدانيون في الموصل وحلب والإخشيديون ثمّ الفاطميون في مصر خير رعاة وحماة للعلم والأدب.
لقد كان الحمدانيون في مقدمة المهتمين بالثقافة في هذا العصر، ولا غرابة فقد كان بينهم هم أنفسهم شعراء وأدباء ينظمون الشعر ويتذوقونه. وإذا استثنينا سيف الدولة الذي يقف في المقدمة في هذا المديان، نجد أمراء حمدانيين كثراً حفظت لهم كتب التاريخ والأدب ذكراً عطراً في روضة الشعر والأدب. صحيح أنّ ناصر الدولة وأولاده وأحفاده شغلوا أنفسهم بالحروب والمنازعات الداخلية والخارجية بالدرجة الأولى، فلم يتح لهم الوقت والجهد لإشادة نهضة فكرية ثقافية كما سنرى في حلب على عهد سيف الدولة، وصحيح أنّ الأمراء الحمدانيين في الموصل والجزيرة كانوا أقرب إلى البساطة فلم يقيموا بلاطاً فخماً ولم يحيطوا أنفسهم بحاشيةٍ أدبية كبيرة، غير أنّا ـ مع ذلك ـ نجد بينهم شعراء وأدباء. فقد كان أبو زهير مهلهل بن نصر بن حمدان وأبو العشائر (الذي قصده المتنبي قبل أن يتصل بسيف الدولة) وأبو وائل تغلب بن داود بن حمدان وأبو المطاع شعراء.
وكان أبو تغلب بن ناصر الدولة أديباً شاعراً ومحباً للثقافة، فقد وجدت له أبيات شعرية منقوشة على حائط قصر العباس بن عمرو بين سنجار ونصيبين بخطّه([568]). وذكر له الثعالبي([569]) أيضاً مقطوعة منها قوله في الغزل:
لا والذي جعل الموا
لي في الهوى خدم العبيد
وأصار في أيدي الظبا
ء قياد أعناق الأسود
وأقام ألوية المنية
بين أمنية الصدود
ما الورد أحسن منظراً
من حسن توريد الخدود
كان أبو المطاع ذو القرنين ابن ناصر الدولة شاعراً ظريفاً حسن السبك جميل المقاصد ـ على حد قول ابن خلكان([570]) ومن شعره قوله:
إنّي لأحسد «لا» في أسطر الصحف
إذا رأيت اعتناق اللام للألف
وما أظنهما طال اعتناقهما
إلا لما لقيا من شدّة الشغف
وقوله:
أفدي الذي زرعته بالسيف مشتملا
ولحظ عينيه أمضى من مضاربه
فما خلعت نجادي في العناق له
حتّى لبست نجاداً من ذوائبه
فكان أسعدنا في نيل بغيته
من كان في الحب أشقانا بصاحبه
وقوله:
لما التقينا معاذ الليل يسترنا
من جنحه ظلم في طيها نعم
بتنا أعف مبيت باته بشر
ولا مراقب إلاّ الطرف والكرم
فلا مشى من وشى عند العدو بنا
ولا سعت بالذي يسعى بنا قدم([571])
وإذا رجعنا إلى الثعالبي الذي أسهب في تأريخ الحياة الأدبية في عصر الحمدانيين نجده يضم إلى الشعراء من أمراء بني حمدان كذلك، حمدان والحسين ابني ناصر الدولة، وقد أورد لهما مقطوعات جيدة من الشعر تدل على البراعة.
وبرز من شعراء هذا العصر أبو الحسن السري بن أحمد بن السري الكندي الرفاء الموصلي الشاعر المشهور. وكان في صباه يرفو ويطرز في دكان بالموصل وينظم الشعر حتّى برع فيه. وقد ترك السري ديوان شعر جيّد، وله كتاب «المحب والمحبوب، والمشموم والمشروب» وكتاب «الديرة»([572]). ومن شعره اللطيف في وصف مهنته قوله:
وكانت الإبرة فيما مضى
صائنة وجهي وأشعاري
فأصبح الرزق بها ضيقاً
كأنّه من ثقبها جاري([573])
ولا بدّ أن نشير إلى شاعر ظريف برز من الحضيض كذلك وارتقى إلى مصاف الشعراء المشهورين وهو أبو بكر بن أحمد بن حمدان الخباز البلدي (نسبة إلى بلد قرب الموصل). وقد حفظ الخباز البلدي القرآن الكريم وضمّن أشعاره كثيراً من الآيات، وبخاصّة في إظهار تشيّعه الذي يدلل عليه شعره. وكان هذا الشاعر ملازماً للأديرة القريبة من الموصل وبخاصّة دير الشياطين ببلد غربي دجلة([574]).
وفي الميدان الثقافي اللغوي برز أبو الفتح عثمان ابن جني الموصلي النحوي، ويصفه ابن خلكان([575]) بأنّه «كان إماماً في علم العربية، قرأ الأدب على الشيخ أبي علي الفارسي… وقعد للإقراء بالموصل». وابن جني كان مملوكاً رومياً لسليمان بن فهد الأزدي، لكن أصله لم يحل دون ظهوره وبروزه إلى القمة أسوة بكثيرين غيره من العبيد الذين أتيحت لهم فرص التعلّم. وقد شرح ابن جني ديوان المتنبي وخلف عدّة مصنّفات في النحو منها كتاب «الخصائص» و«سر الصناعة» و«المنصف» و«التلقين في النحو» و«التعاقب» و«الكافي في شرح القوافي» و«المذكر والمؤنث» و«المقصور والممدود» و«التمام في شرح شعر الهذليين» وغيرها كثير عدّدها ابن خلكان([576]). لقد ولد ابن جني بالموصل قبل سنة 300 أي في عصر الحمدانيين وتوفي ببغداد في سنة 392هـ([577]). وذكر الثعالبي([578]) عبيد الله بن أحمد البلدي باعتباره أحد النحاة في الموصل.
وكان أبو الحسن علي بن محمد الشمشاطي الأرمني الأصل معلماً لأبي تغلب ابن ناصر الدولة وأخيه ثمّ أصبح نديمهما. وبالإضافة إلى مصنفاته الأدبية مثل «النزه والابتهاج» و«الديارات» و«أخبار أبي تمام»([579]) فإنّه كان شاعراً مجيداً وواسع الرواية ترك لنا بضع مقطوعات عذبة في وصف البنفسج والجلنار والتغني بالطبيعة([580]) وكان التشيع يغلب على الشمشاطي([581]) شأن كثيرين ممّن عاشوا في بلاط الحمدانيين.
وإنّه وإن كانت الموصل أقل ازدهاراً من حلب في ميدان الثقافة ألا أنّها أنجبت في عصر الحمدانيين أدباء وعلماء مشهورين. فنجد السري الرفاء الذي تغنّى بجمال هذه المدينة وترك لنا صوراً اجتماعية رائعة وصف فيها الحلاقين والأطباء والسفن وصيادي السمك والحمامات فضلاً عن وصفه مشاهد الطبيعة وأزهارها وأشجارها وغدرانها والسحب والثلج والمطر، كما أفتن في وصف مجالس الشرب واللهو والخمر بالإضافة إلى شعره في المديح والتهنئة والهجاء والغزل والإخوانيات والرثاء([582]). وكذلك برز الخالديان الأخوان الموصليان أبو بكر وأبو عثمان محمد وسعيد ابنا هاشم من قرية الخالدية بالموصل([583]) وكانا شاعرين أديبين حافظين([584]). وقد جمع أبو عثمان شعره وشعر أخيه، كما تركا تصانيف منها «كتاب حماسة شعر المحدثين» و«أخبار أبي تمام ومحاسن شعره» و«أخبار الموصل» وغيرها([585]). وفي الموصل نجد بالإضافة إلى الذين أسلفنا الإشارة إليهم الببغاء والتلعفري. ويجدر بنا أن نذكر أنّ الموصل كانت عاصمة الحمدانيين الأولى وفي ربوعها تفتحت أزاهير الثقافة. ولعل من خير الأمثلة على اهتمام الحمدانيين في الموصل بالإنتاج الفكري أنّ أبا تغلب اقتنى نسخة من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني بعشرة آلاف درهم وعكف على دراسته، فأعجب بما حواه من طرائف الأدب حتّى أمر أن تنسخ له نسخة أخرى وتجلد ويكتب عليها اسمه([586]). وعبر عن نفاسة هذا الكتاب بقوله: «لقد ظلم ورّاقه المسكين وإنّه ليساوي عندي عشرة آلاف دينار، ولو فقد لما قدرت عليه الملوك إلاّ بالرغائب. وهو قول ينطوي على تقدير فائق لقيمة هذا المؤلف الذي ما زال يعتبر كنزاً لا يقدر بثمن من ميدان التراث العربي».
ويبدو لي أن عصر أبي تغلب شهد نوعاً من الاستقرار والهدوء النسبيين إذا قيس بعصر أبيه ناصر الدولة الحافل بالصراع الذي لا هوادة فيه. ويبدو كذلك أنّ الأدباء والشعراء أخذوا يتطلعون إلى بلاطه ـ وبخاصة بعد وفاة عمّه سيف الدولة ـ بحيث كتب الشاعر عبد الواحد الببغاء إليه رسالة يذكر فيها رغبته في أن يعيش في ظلّه وينقطع إليه([587]). ولعل من الطريف أن نقتبس هنا بعض فقرات هذه الرسالة التي يستطيع القارئ أن يلمس منها اهتمام أبي تغلب بالأدب من جهة، ومحتوى الأدب النثري الذي ساد يومذاك من جهة أخرى يقول الببغاء مخاطباً أبا تغلب:
«… ومن أبرز لسيدنا صفحة رجائه ووفق للانقطاع إلى سعة نعمائه، فقد استظهر لما بقي من عمره، وحكم لنفسه بالفوز على دهره»:
فما يقدح الفقر في حاله
ولا يطمح الدهر في قصده
وكيف وقد صار ضيف الغما
م وهو قريب على بعده؟
ومن علقت بأبي تغلب
يداه احتذى البدر من سعده
همام قضى الله من عرشه
له بالإمارة في مهده
فطود السيادة في دسته
وشمس الرياسة في برده
وقد استجاب أبو تغلب لهذا الرجاء، فأرسل إلى الشاعر المستجير به جواباً رقيقاً يرحب به في الموصل دون أن يغفل دفع تكاليف السفر وما يحتاج إليه الشاعر من نفقات أخرى «تزيح علته»([588]). وقد لقي أبو تغلب بذلك أجزل الشكر وأوفر الثناء وأسخى المديح من الببغاء حين استلم هذا ما أعانه على السفر إلى الموصل. فاستمع الى ما قاله في أبي تغلب:
تحقق الدهر أنّ الملك منذ نشأ
له أبو تغلب اسم غير مشترك
واستخلف الفلك الدوار همته
فلو ونى أغنت الدنيا عن الفلك
«موفر الحسنات، مأمون الهفوات، متناصر الصفات، ربعي النفاسة، حمداني السياسة، ناصري الرياسة، عطاردي الذكاء، موفق الآراء، شمسي التأثير، فلكي التقدير، قمري التصوير، للصدق كلامه، وللعدل أحكامه، وللوفاء ذمامه، وللحسام غناؤه، وللقدر مضاؤه وللسحاب عطاؤه:
إذا دعته ملوك الأرض سيدها
طراً دعته المعالي سيد العرب
وقد احتضن أبو تغلب حقاً هذا الشاعر الناثر الذي ظلّ ينتقل بين الموصل يمدح أبا تغلب وينال عطاءه وبين بغداد دار السلام حيث الطموح والشهرة. وقد نال الببغاء فعلاً ما يرتجي في الموصل وبغداد معاً واستطاع أن يتعرّف في العاصمة على الأوساط الأدبية العالية بحيث زار أبا إسحاق الصابي كاتب الرسائل الفذ في سجنه([589]) وعقد معه صداقة حميمة ظلّت قائمة عن طريق المراسلات الأدبية التي كانت سمة من سمات الحياة الثقافية في ذلك العصر.
ولم تكن مرابع الحمدانيين في الموصل وما حولها تخلو من حفلات الغناء والموسيقى شأنهم في ذلك شأن الأمراء والخاصّة. فقد أحيا «سقارة العواد» مجلس غناء لأمراء بني حمدان في دير باعربا قرب الموصل([590]).
4 – المجتمع
غير أنّ أمراء بني حمدان وجهوا اهتماماً خاصاً للشؤون الدينية ولأعمال البر والإحسان. فقد اهتموا ببناء المساجد والمشاهد وأضرحة الأولياء وصرفوا عليها مبالغ طائلة. فقد بنت جميلة بنت ناصر الدولة على تل توبة بنينوى مسجداً ودوراً للمجاورين «أوقفت عليها أوقافاً جليلة»([591])، كما شيّد سعيد بن حمدان في سنة 336 مشهداً على ضريح الصحابي عمرو بن الحمق الخزاعي الذي اشتهر بحبّه لآل علي وقتل أيام معاوية فدفنت جثته في الموصل إلى جانب الدير الأعلى([592]).
روى نصر بن مزاحم في كتاب صفين أنّ عمرو بن الحمق قال لعلي (عليه السلام) وهو يتجهّز إلى صفين حين سمعه هو وحجر بن عدي يظهران البراءة واللعن من أهل الشام فأمرهما بالكف فقالا ألسنا محقين قال بلى ولكن كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين ولكن لو وصفتم مساوئ أفعالهم لكان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم اللهم احقن دماءنا و دماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالهم كان هذا أحب إليّ وخيراً لكم، فقالا يا أمير المؤمنين نقبل عظتك ونتأدب بأدبك. وقال عمرو بن الحمق: إنّي والله يا أمير المؤمنين ما أحببتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك ولا إرادة مال تؤتينيه ولا التماس سلطان يرفع ذكري به ولكن أحببتك لخصال خمس إنّك ابن عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأوّل من آمن به وزوج سيدة نساء الأمة فاطمة بنت محمد (صلّى الله عليه وآله) وأبو الذرّية التي بقيت فينا من رسول الله(ص) وأعظم رجل من المهاجرين سهماً في الجهاد فلو أنّي كلفت نقل الجبال الرواسي ونزح البحور الطوامي حتّى يأتي علي يومي في أمر أقوي به وليك وأوهن به عدوك ما رأيت أنّي قد أدّيت فيه كل الذي يحق علي من حقك، فقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): اللهم نوِّر قلبه بالتقوى وأهده إلى صراط مستقيم ليت أنّ في جندي مائة مثلك. فقال حجر: إذاً والله يا أمير المؤمنين صلح جندك وقلّ فيهم من يغشك «اهـ» وأمرّه أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم صفين على خزاعة. وقال عمرو بن الحمق يوم صفين:
تقول عرسي لما أن رأت أرقي
ماذا يهيجك من أصحاب صفينا
ألست في عصبة يهدي الإله بهم
أهل الكتاب ولا بغيا يريدونا
فقلت إنّي على ما كان من رشد
أخشى عاقب أمر سوف يأتينا
إدالة القوم في أمر يراد بنا
فاقني حياء وكفي ما تقولينا
وقال معاوية يوماً لعمرو بن العاص: ائت ببني أبيك فقاتل بهم فإنّه إن يكن عند أحد خير فعندهم فأتى جماعة أهل اليمن فقال أنتم اليوم الناس وغداً لكم الشأن هذا يوم له ما بعده من الأمر احملوا معي على هذا الجمع قالوا نعم فحملوا وحمل عمرو وهو يقول:
أكرم بجمع طيب يماني
جدوا تكونوا أوليا عثمان
خليــــــــــــــــــــفة اللـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه عـــــــــــــــــــــــــــــــلى تبيــــــــــــــــــــــــــــــان
فحمل عليهم عمرو بن الحمق وهو يقول:
بؤساً لجند ضائع يماني
مستوسنين كأنساق الضان
تهوي إلى راعٍ لها وسنان
أقحمها عمرو إلى الهوان
يا ليت كفي عدمت بناني
وأنكم بالشحر من عان
ولما رفعت المصاحف يوم صفين قال عمرو بن الحمق: يا أمير المؤمنين إنّا والله ما اخترناك ولا نصرناك عصبية على الباطل ولا أحببناك إلاّ لله عزّ وجل ولا طلبنا إلاّ الحق ولو دعانا غيرك إلى ما دعوت إليه فكان فيه اللجاج وطالبت فيه النجوى وقد بلغ الحق مقطعه وليس لنا معك رأي «اهـ».
ولمّا قتل علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعث معاوية في طلب أنصاره فكان فيمن طلب عمرو بن الحمق الخزاعي فراغ منه فأرسل إلى امرأته آمنة بنت الشريد فحبسها في سجن دمشق سنتين ثمّ إنّ عبد الرحمن بن الحكم ظفر بعمرو ابن الحمق في بعض الجزيرة فقتله وبعث برأسه إلى معاوية، فكان أوّل رأس حمل في الإسلام وأهدي من بلد إلى بلد، فلمّا أتى معاوية الرسول بالرأس بعث به إلى آمنة في السجن وقال للحارس: احفظ ما تتكلم به حتّى تؤدّيه إليّ واطرح الرأس في حجرها فعل هذا فارتاعت له ساعة ثمّ وضعت يدها على رأسها وقالت واحزناه لصغرة في دار هوان وضيق من ضيمة سلطان نفيتموه عنّي طويلاً وأهديتموه إليّ قتيلاً فأهلاً وسهلاً بمن كنت له غير قالية وأنا له اليوم غير ناسية. ارجع به أيّها الرسول إلى معاوية فقل ولا تطوه دونه: أيتم الله ولدك وأوحش منك أهلك ولا غفر لك ذنبك. فرجع الرسول إلى معاوية فأخبره بما قالت فأرسل إليها فأتته وعنده نفر فيهم أياس بن حسل أخو مالك بن حسل وكان في شدقيه نتوء عن فيه لعظم كان في لسانه وثقل إذا تكلم. فقال لها معاوية: أأنت يا عدوة الله صاحبة الكلام الذي بلغني. قالت: نعم غير نازعة عنه ولا معتذرة منه ولا منكرة له فلعمري لقد اجتهدت في الدعاء إن نفع الاجتهاد وإن الحق لمن وراء العباد ولما بلغت شيئاً من جزائك وإنّ الله بالنقمة من ورائك فأعرض عنها معاوية فقال أياس اقتل هذه يا أمير المؤمنين فوالله ما كان زوجها أحق بالقتل منها فالتفتت إليه فلمّا رأته ناتئ الشدقين ثقل اللسان قالت تباً لك ويلك بين لحييك كجثمان الضفدع ثمّ أنت تدعوه إلى قتلي كما قتل زوجي بأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين فضحك معاوية ثمّ قال اخرجي ثمّ لا أسمع بك في شيء من الشام قالت وأبي لأخرجن ثمّ لا تسمع بي في شيء من الشام فما الشام لي بحبيب ولا أعرج فيها على حميم وما هي لي بوطن ولا أحنّ فيها إلى سكن…
وبعد قتل عمرو كتب الحسين بن علي إلى معاوية: أولست القاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله العبد الصالح بعدما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً نزل إليك من رأس جبل ثمّ قتله جرأة على ربّك واستخفافاً بذلك العهد.
وقد أطنب المؤرخون في وصف حج جميلة بنت ناصر الدولة حتّى ضرب به المثل. ويقول الثعالبي في هذا الصدد([593]): «يضربون المثل في زماننا هذا (القرن الخامس) بعام جميلة وهي الموصلية بنت ناصر الدولة… أخت أبي تغلب، فإنّها حجّت في سنة ست وستين وثلثمائة، وأبانت من المروءة، وفرّقت من الأموال وأظهرت من المحاسن ونثرت من المكارم، ما لا يوصف بعضه عن زبيدة غيرها ممّن حجّت من بنات الخلفاء والملوك. وأخبرني الثقات أنّها سقت جميع أهل الموسم السويق بالسكر الطبرزد والثلج. وكانت استصحبت البقول المزروعة في مراكن الخزف على الجمال وأعدّت خمسمائة راحلة للمنقطعين من رجالة الحج، ونثرت على الكعبة عشرة آلاف دينار، ولم تستصبح فيها إلاّ بشموع العنبر، وأعتقت ثلثمائة عبد ومائتي جارية، وأغنت الفقراء والمجاورين بالصلات الجزيلة، فصارت حجتها تاريخاً مذكوراً وصارت مثلاً مشهوراً.
وليست لدينا معلومات ذات غناء عن حياة العامّة، لكنّنا نستطيع أن نستنتج من الإشارات العابرة، وأقوال الشعراء والكتّاب. وقد صوّر لنا السري الرفاء وهو عامل بسيط قضى صباه في أسواق الموصل يرفو ويطرز، حياة السوق والمهن البسيطة، التي نقف منها على لمحات من حياة الشعب الحمداني. ويبدو أنّ السري خالط صيادي السمك الفقراء فوصف سفنهم وشباكهم، كما وصف الحلاقين وأشاد ببراعة «المزين عبد الكريم»([594]) والأطباء المتواضعين الذين يتجولون في السوق بحثاً عن المرضى([595]) وهو- كشاعر فقير في بدء حياته ـ عبّر عن آلام العامة والديون المتراكمة عليهم، ولم ينس أن يصوّر مسرات العامة والطبقة الوسطى في الموصل، فترك لنا صوراً حيّة عن ليالي الأنس والحانات والصيد والحمامات التي كانت تتخذ مثابة للهو والشرب والقصف([596]).
وقد وصل لنا السري الرفاء حالة أبناء مهنته وهم الرفاؤون في الموصل، فقال:([597]) «إنّ الرزق ضيق كأنّه يجري من ثقب الإبرة».
د. فيصل السامر
حرية التملك في الإسلام
يبيح الإسلام للإنسان حرية التملك، وحرية التصرّف فيما يملك، سواء بالنسبة إلى تملّك وسائل الإنتاج أم غيرها.
ولا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال غيره إلاّ بإذنه.
وهذه أحكام شبه ضرورية في الإسلام، يعرفها كلّ من عرف أحكامه، ووقف على دقائقها؛ فلا يحتاج أن نلتمس النصوص من الكتاب أو السنّة لإثباتها من أمثال (الناس مسلطون على أموالهم)، (ولا يحل مال امرئ إلاّ بطيبة نفسه) ونظائرهما ممّا انتشر في كتب الفقه.
وبالطبع إنّ نظاماً يبيح حرية التملك من جهة، وحرية التصرّف للمالك من جهة أخرى، سوف يفضي حتماً ومع الزمن إلى النظام الرأسمالي بمفارقاته التي تنتهي غالباً على تركّز الثروة بيد فئة قليلة، يعود إليها أمر التحكّم بالرأي العام وبمراكز القرار، بالإضافة إلى تسلّطها على الأسواق تتحكّم بها ـ ضمن عوامل معينة ـ كيف تشاء.
فالنظام الرأسمالي نتيجة لتركّز الثروة بيد هذه الفئة، نظام ينتهي إلى تسلّط فئة بيدها رأس المال، على أمّة بأجمعها، تتحكّم باقتصادها وقرارها، ومن ورائها السلطة وأدوات الضغط تحميها، إضافة إلى الإعلام بقنواته المتعددة والمتكثرة وقد أشار إلى ذلك علماء الاقتصاد وبخاصّة الاشتراكيون منهم كماركس، وأنجلز، ونظائرهم.
وإذا صحّ هذا ـ وهو صحيح في أغلب خطوطه ـ فإنّ النتيجة الحتمية لهذا النظام أن يعود المجموع مرهوناً بالقرار لأفراد معينين.
ولذلك فقد تنادى المصلحون من علماء الاقتصاد إلى وضع حدود لهذه المفارقات اختلفت باختلاف وجهات نظرهم.
فالاشتراكيون على اختلاف مدارسهم، دعوا إلى نزع وسائل الإنتاج من يد الأفراد وتأميمها، وغالى بعضهم فدعى إلى نزع الملكية الخاصّة بجميع ضروبها.
بينما قامت الدول الرأسمالية بمعالجة غير جذرية في أكثر خطوطها، كوضع الضرائب، وتحديد ساعات العمل، ووضع حد أدنى للأجور، وفتح صناديق للتأمين الاجتماعي، والدعوة للضمان الجماعي، ونظائر ذلك من الإصلاحات الجانبية غالباً.
أمّا الإسلام فقد قام بمعالجات جذرية لهذه المشكلة، ندركها تماماً إذا عرفنا كيف تنشأ الثروة، وتتجمع بيد فئة قليلة؟ نعود إلى علماء الاقتصاد لنأخذ رأيهم في هذا الموضوع.
والظاهر أنّ كلماتهم على كثرتها وتنوّعها تعود في مناشئها إلى عاملين رئيسيين:
أولهما: فائض القيمة من جهة، وريع الأرض من جهة أخرى، وهما اللذان تبناهما المبدأ الماركسي، وبنى عليهما مذهبه الاقتصادي المعروف.
ثانيهما: نظرية العرض والطلب، وهي النظرية التي تبناها جمهور الاقتصايين([598]) واعتبروها مصدر القيمة لا العمل، كما جاء في النظرية السابقة([599]).
وهناك مناشئ أخرى للثروة أهمها:
1 ـ الربا.
2 ـ الاحتكار.
3 ـ المقامرة.
4 ـ التلاعب بالأسواق، وغيرها.
وربما عاد بعضها إلى أحد هذين العاملين.
والظاهر أنّ واحداً من هذه المناشئ لا يصلح لتعليل الظاهرة ككل، بل لا بد من اشتراكها جميعها إذا أردنا أن نكون شموليين في تعليلها، فماذا يراد بفائض القيمة وريع الأرض أوّلاً؟ وماذا يراد بنظرية العرض والطلب ثانياً؟ وما هو موقف الإسلام من مفارقاتهما ثالثاً؟
فائض القيمة:
إنّنا لا نفهم جيّداً فائض القيمة إلاّ إذا رجعنا إلى أصحاب النظرية في فهم القيمة ثمّ فهم فائضها.
يتساءل علماء الاقتصاد عن القيمة من أين تنبع؟ وما الذي يحدّد ثمن سلعة وما ويفرقها عن غيرها من السلع؟ وكيف يكون التبادل بين السلع؟ وعلى أي أساس؟
ويجيبون على هذا التساؤل، وتختلف كلماتهم فآدم سميث كان يرى أنّ القيمة تؤلفها عوامل ثلاثة: العمل، الأرض، رأس المال([600]).
وكان ريكاردو يرى أنّ العمل وحده هو الذي يحدّد القيمة فهو «يقصي الأرض؛ لأنّ الريع لا يخلق القيمة بل العكس، فالقيمة هي التي تخلق الريع؛ فالقمح لا يباع غالباً لأنّ الأرض لا تعطي ريعاً بل إنّ الأرض تعطي ريعاً لأنّ القمح يباع غالباً فالريع نتيجة للقيمة وليس سبباً لها»([601]).
ويقول: «أمّا بشأن رأس المال فما هو إلاّ عمل ولذلك فليس من الضروري أن يجعل منه عاملاً متميزاً، وكلّ ما ينبغي هو أن لا يقصر مفهوم العمل على العمل المستخدم رأساً في الإنتاج، بل يمد فيشمل أيضاً العمل المبذول للأدوات، والآلات، والمباني التي تستخدم في الإنتاج.
فرأس المال ـ فيما يقول الدكتور محمد عزيز المحدّث عنه ـ في نظره هو عمل مخزون.
ومن الواضح أنّ هذه الفكرة تعني أنّ رأس المال عند استخدامه في الإنتاج يخرج منه العمل المتجمع فيه»([602]).
ويأتي بعد ذلك معظم العلماء الاشتراكيين أمثال برودون ورود بروتس فيحتضنون هذه النظرية مع إدخال بعض الإصلاحات عليها، كلاً من زاويته الخاصّة، يقول أنجلز: «إنّ الاشتراكية الحاضرة تأثّرت وانطلقت عن الاقتصاد السياسي البرجوازي؛ ولذلك فهي تتعلق وتتأثّر بنظرية القيمة لريكاردو، فالافتراضان اللذان قام بهما ريكادرو سنة 1817م في كتابه (المبادئ) يمكن اختصارهما كما يأتي:
1 ـ إنّ قيمة أي سلعة تتوقف على كمية العمل المطلوب لإنتاجها.
2 ـ إنّ نتاج ومجموع العمل الجماعي يقسم بين الطبقات الثلاث، طبقة الملاكين الذين يمثلون الريع، وطبعة الرأسماليين الذين يمثّلون الربح، وطبقة العمال الذين يمثّلون الأجور»([603]).
ثمّ يتبناها كارل ماركس ويشرحها، ثمّ يبني عليها نظريته في فائض القيمة؛ التي فضحت التناقضات الرأسمالية.
ويفرّق ماركس بين نوعين من القيمة، القيمة الاستعمالية، والقيمة الاستبدالية، ويعتبر أنّ المنفعة هي الشيء الوحيد الجدير بالاعتبار في حالة القيمة الاستعمالية، ولكن المنفعة ـ فيما يرى ـ لا تصلح أن تفسّر القيمة التبادلية؛ لأنّ العملية التبادلية لا بد أن تنطوي على عنصر مشترك بين السلعتين اللتين يجري بينهما التبادل، وهذا العنصر لا يمكن أن يكون هو المنفعة؛ لأنّ درجتها تختلف في كلّ سلعة، وهذا الاختلاف هو السر في القيام بعملية التبادل؛ فلا بدّ أن يكون العنصر المشترك هو مقدار ما تتضمّنه السلعة من العمل و«إذاً فقيمة كلّ سلعة عبارة عن مقدار العمل المتبلور الذي تحتويه»([604]).
وقد تعرّضت نظرية ريكاردو هذه لنقود عدّة وجّهت إليها من قبل علماء اقتصاديين معروفين فباستيا في الوقت الذي رحب بهذه النظرية لأنّها لاءمت فكرة العدالة فيما يرتئيه، إلاّ أنّه وجدها لا تجيب على هذا التساؤل: «لماذا كانت اللؤلؤة التي يعثر عليها الإنسان صدفة قرب البحر ذات قيمة تعادل قيمة اللؤلؤة المستخرجة بالعمل الشاق من قاع البحار»([605]).
والغواص الواحد ينزل إلى قاع البحر فيخرج اللؤلؤة والصدفة في آن واحد ولا يباعان بثمن واحد مع وحدة العمل المصروف فيهما.
وصانع واحد يصنع كأسين متشابهين من الذهب والحديد فيباع الذهب أضعاف قيمة الحديد([606]).
وكتاب واحد يقرّر للمدارس، فتباع نسخته بثمن معين، ثمّ يلغى فلا يباع بنفس القيمة، ونوع القماش يسود استعماله في فترة لاعتبار خاص فيباع بسعر، ثمّ يبطل ذلك الاعتبار فلا يباع بعُشر قيمته، والعنب يعصر فيباع الكأس منه بعشرين فلساً فإذا خمّر وعتّق بيع بأضعاف ذلك… وعشرات من أمثال ذلك ممّا وجّه إلى النظرية، ممّا اضطر ماركس أن يؤكد على إقصاء «منتوجات العمل الفني ومنتوجات النشاط الفردي الصرف، ذات القيمة الثمينة؛ فإنّ ندرة هذه المصنوعات تحدّد قيمتها الاستثنائية، ويحدّد هذه القيمة أيضاً تقدير ذاتي نسبي يأتي بها مشتريها نفسه، أي دوافع المشتري النفسانية، فنحن نستطيع بالنسبة لهذه الأشياء الفنية وحدها أن نجد أساس للقيمة النفسية الفردية»([607]).
ثمّ يعود الكاتب فيدافع عن نظرية الكأس الذهبية الفنية الصنع ليدخلها ضمن نظرية ماركس في القيمة «لقد بيّن ماركس كيف أنّ قيمة المعادن الثمينة العام أساس لجميع القيم التجارية، لماذا؟ لأنّ لها نفسها قيمة، وهي لا تتمتع بهذه القيمة؛ لأنّها جميلة أو نادرة، بل لأنّها نتيجة عمل اجتماعي مشترك، وأنّ استخراج غرام واحد من الذهب وسبكه ونقله… إلخ يمثّل عملاً اجتماعياً مشتركاً يربو على قيمة العمل الذي يتطلبه غرام واحد من الحديد مثلاً»([608]).
وإلى أي مدى يصدق هذا التقييم، وإذا صدق بالنسبة للذهب، والحديد فهل يصدق بالنسبة إلى الفيروزج مثلاً؟ وقيمة الجيّدة منه تعادل بالمئات قيمة الرديئة، والعمل الجماعي في سبيلهما واحد، وكذا في اللؤلؤة والصدفة وأمثالهما من الأحجار الكريمة، على أنّ دفع إشكال الكأس الذهبية ـ لو تمّ ـ فهو لا يدفع بقية الإشكالات التي وجّهت عليها.
وقد حاول هو وبعض تلامذته التصدّي لقسم منها، والإجابة عليها، ولكنّه في الحقيقة لم تكن إجابة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وإنّما هو أخذٌ بها، وتعديل للنظرية على ضوئها.
خذوا مثلاً ما كتبه العالم السوفيتي ليونتيف في دفع بعضها يقول: «إذا كانت قيمة السلعة بعينها مقدار العمل المبذول في إنتاجها فقد يتراءى أنّه كلّما زادت خمولة العامل أو قلّت مهارته زادت قيمة السلعة.
لنفرض وجود حذّاءين يشتغلان جنباً إلى جنب، وأحدهما سريع كفء يصنع زوجاً من الأحذية في اليوم الواحد، وثانيهما كسول سكّير يتم عمل الزوج في أسبوع، فهل معنى هذا أنّ ما يعمله الثاني أكبر قيمة ممّا يصنعه الأوّل؟»([609]).
ويجيب على هذا الإشكال بقوله: «حين نقول: إنّ قيمة سلعة يحدّدها مبلغ العمل المتجسم أو المتبلور فيها فإنّنا نقصد كمية العمل الضرورية لإنتاجها في حالة معينة من المجتمع، وفي ظلّ متوسط ظروف إنتاج اجتماعية معلومة، وبقدر متوسط معلوم من النشاط الاجتماعي، وبقدر متوسط من مهارة العمل المستخدم.
ففي إنكلترا حينما أخذ النول التجاري ينافس اليدوي أصبح نصف وقت العمل السابق لازماً لتحويل مقدار معلوم من الغزل إلى ياردة من القطن أو القماش، والغزّال المسكين الذي يستخدم النول اليدوي يشتغل سبعة عشر أو ثمانية عشر ساعة يومياً بدلاً من تسع أو عشر كما كان يفعل من قبل، وبرغم هذا فما أنتجه عمل عشرين ساعة لا يمثّل إلاّ عشر ساعات عمل اجتماعي، أو عشر ساعات من العمل اللازم اجتماعياً لتحويل مقدار معين من الغزل إلى نسيج، فالذي أنتجه في عشرين ساعة لم تكن له إذاً قيمة أكبر ممّا كان ينتجه في عشر ساعات»([610]).
وهذا كما ترون اعتراف بالإشكال وتعديل للنظرية على ضوئه؛ فالعمل لم يعد بواقعه الخارجي مقيماً للأشياء، وإنّما عاد بكميته الضرورية المنتجة، ولم تعد الكمية المنتجة على إطلاقها مقيمة، وإنّما اعتبر فيها لحاظ حالة معينة من المجتمع، وفي ظل متوسط ظروف اجتماعية معلومة، وبقدر متوسط معلوم من النشاط الاجتماعي، وبقدر متوسط من مهارة العمل المستخدم.
وهكذا فقد أضيفت سلسلة من القيود على إطلاق النظرية، وأضيف تعديل آخر أبدل فيه العمل بقوّة العمل.
وقد حدّثوا عن إنجلز أنّه أعجب بهذا التعديل عليها وعبّر عن إعجابه بقوله: «إنّ ماركس أتى بمعجزته العبقرية حين استبدل قوّة العمل بالعمل، وجعل قيمة السلعة منوطة بتوليد القدرة على العمل، لا بإجراء العمل الواقع بمختلف الصناعات»([611]).
وأظنّ أنّ المسألة عقدت بهذا التعديل، فمقياس العمل ـ وهو من الأمور الخارجية ـ أيسر إدراكاً في التقييم من قوّة العمل، وأكثر بُعداً عن التخمين والتخرصات التي يقع بها المقيمون عادة.
وقوّة العمل تختلف باختلاف من يوفّر الراحة النفسية، وعوامل الانشراح، والإقبال على العمل؛ فالعمال الراضون عن حيواتهم أقوى على العمل من غيرهم ممّن لا يهوى عمله، ويرى نفسه مقسوراً عليه نتيجة لظروف داخلية أو خارجية.
والمعمل الذي يجهّز نفسه ببعض المسرّيات عن العمال أكثر إنتاجاً من المعمل الذي لا يعد ذلك، فكيف تقيّم السلعة إذاً؟ وعلى أي قوّة عمل ترتكز؟ مع أنّها تختلف باختلاف الزمان والمكان وشخصية العامل ونفسيته… إلى ما هناك من النقوض.
وما يُقال عن قوّة العمل يُقال عن الساعة الاجتماعية، التي تختلف باختلاف العادات والتقاليد في الأزمنة والبيئات المختلفة للمجتمعات المختلفة، بل تختلف باختلاف السلع نفسها في الزمان والمكان الموحدين، فهل الساعة الاجتماعية للعمل البسيط تساوي الساعة الاجتماعية للعمل الحاذق؟
هنا تجيب مدرسة ماركس فتدخل تقييداً جديداً على النظرية يقول ليونتيف: «ويجب التمييز بين العمل البسيط والعمل الحاذق، لنضرب مثلاً من البنّاء وصانع الساعات، فلا يمكن المساواة بين ساعة من عمل كلّ منهما ولماذ؟ لأنّ تعلّم حرفة البناء لا يقتضي وقتاً طويلاً في التدريب والإعداد، فهو عمل بسيط يسهل تعلّمه، ويستطيع أي شخص أن يكون بناءً أو قل عاملاً عادياً، أمّا صانع الساعات أو الكيمياوي فمسألة أخرى، إذ تلزمك ثلاث سنوات عادة لتعلم هذه المهمنة، فإذا كان من يريد أن يكون في المستقبل صانعاً للساعات يقرّر قضاء وقت طويل في تعلّم الصنعة؛ فلأنّه يتوقع أن ينال جزاءه فيما بعد، وكيف بأن يحصل مقابل الساعة التي أنفق في صنعها عشرين ساعة على سلع ينتجها العمل البسيط، أو غير الحاذق في ثلاثين ساعة مثلاً، ففي مثل هذه الحالة تكون ساعة من العمل الحاذق أو المعقّد ـ كما يطلق عليه ـ تعادل في السوق ساعة ونصف ساعة من العمل البسيط»([612]).
فالساعة الاجتماعية إذاً لصانع السيّارات تختلف عن الساعة الاجتماعية لعامل البناء، وعلى هذا المقياس تختلف الساعات الاجتماعية بين أرباب الأعمال البسيطة باختلاف الزمن الذي يقتضيها للتعلّم، كما تختلف بين أرباب الأعمال الحاذقة تبعاً لذلك.
ومعنى ذلك أنّ لا وحدة تنتظم ساعات العمل لتكون مقياساً يُلجأ إليه، فأرباب الساعات أنفسهم يختلفون بمقدار ما يقضون من الأزمنة في تعلّمها، تبعاً لقابلياتهم الخاصّة، وحالاتهم النفسية، ومقدار تخصّصهم، ثمّ مقدار حذقهم لما يدرسون، وكذلك بالنسبة لعامل البناء.
وإذاً، فإنّ علينا أن نحدّد الساعات الاجتماعية بين أرباب كلّ مهنة، أو عمل، تبعاً لتقارب قابلياتهم الخاصّة، ومقدار ما صرفوه في تعلّمها من الزمان؛ بأن نصنّفهم إلى فئات متقاربة، لكلّ فئة ساعة اجتماعية، وقوّة عمل خاصّة، ولا نكتفي بأخذ معدل لها للتفاوت الكبير بينها، ولما في ذلك من الظلم للحاذقين منهم، وإلاّ لكان علينا أن نأخذ معدلاً للساعات الاجتماعية بين عمال البناء، وعمال الساعات، لا نفرّق بينهما بما فرق به ليونتيف؛ فإنّ النسبة بين الحاذقين من عمال الساعات وغير الحاذقين وهي أكبر بكثير من النسبة بين الحاذقين من عمال البناء وغير الحاذقين من عمال الساعات.
يبقى علينا أن نسأل عن المقيّم للعمل وفق الساعة الاجتماعية من هو؟ أهو أنا وأنت وأمثالنا ممّن يقع تبادل السلع بينهم، أم السلطات الحكومية، أم أرباب الأعمال أنفسهم؟
أمّا السلطات فلم يقع ـ في حدود علمي ـ منها ذلك، وأمّا أرباب الأعمال أنفسهم فلم يقدّر لفئة منهم أن حدّدت على بضائعها ساعات عملها الاجتماعية، ولم تشر إلى طاقة عمالها بقليل وكثير.
يبقى البائع والمشتري وهما من عامة هذا الشعب، وخبرتهم في ذلك معدومة، فهل يصحّ أن ننسب إليهم هذا التقييم؟ وبوسعك أن ترجع إلى نفسك وتسألها يوم بادلت سلعة بسلعة هل تساءلت عن الساعة الاجتماعية وعن قوّة العمل والعمل الضروري في السلعتين قبل أن تقدم على المبادلة بينهما؟!.
وإذا صحّ هذا في السلع التي تنتج موضعياً، فهل يصح ذلك في السلع المستوردة التي يجهل مقدار ما فيها من عمل؟
وأظن أنّ هذه الوظائف لو أعطيت إلى أناس اختصاصيين لأعجزهم الوصول إلى نتيجة ترضي ضمائرهم في تحديد ذلك كلّه.
على أنّ هذه النظرية لا تصدق كلياً أي لا يتم التبادل على وفق ما فيها من قوّة عمل ضروري محدّد بالساعات الاجتماعية، إلاّ إذا كان هناك توازن بين العرض والطلب، وهو لا يكون إلاّ نادراً، كما اعترف أصحاب النظرية أنفسهم.
يقول ليونتيف: «رأينا أنّ قيمة السلعة يحدّدها مقدار العمل اللازم اجتماعياً، والمبذول في إنتاجها، فهل معنى هذا أنّه في ظل نظام إنتاج السلع يمكن دائماً تبادل كلّ سلعة بقيمتها الكاملة؟ بالطبع الجواب بالنفي إذ لكي يتحقق هذا لا بد لكل سلعة يتم إنتاجها أن تجد مشترياً لها في الحال، أي من الضروري أن يتوازن العرض والطلب دائماً فهل ممكن أن يحدث هذا حقيقة؟ ليس في نظام إنتاج السلع أي جهاز يعين للمنتج الفردي أي السلع ينتجها، ولا مقاديرها، وطالما كان الشطر الأعظم من الإنتاج يراد به الاستعمال العاجل، ولا يتسرّب إلى السوق سوى نصيب ضئيل من الفائض؛ فإنّ الدور الذي يلعبه السوق لا يكون عظيماً جدّاً، ولكن باتساع نطاق إنتاج السلع تزداد أهمية السوق أكثر فأكثر.
وكلّ منتج سلعة يعمل متحملاً الخطر بنفسه، فهو لا يعرف إن كان عليها طلب إلاّ بعد إنتاجها وعرضها في السوق، وثمن السلعة هو التعبير النقدي عن قيمتها، ولكن الثمن ينقلب دائماً حسب أحوال السوق؛ فيحدث نضال حول ثمن السلعة في السوق، بين البائع والمشتري، والذي يعين الثمن الذي تباع به السلعة هو المنافسة بين البائعين من جهة، وبين المشترين من جهة أخرى، وعلى ذلك فثمن السلعة لا يطابق قيمتها دائماً، فهو أحياناً أعلى، وأحياناً أقل من قيمتها، ومع ذلك تظلّ القيمة المركز أو المحور الذي يدور حوله الزمن.
فإذا كان النتائج من السلعة أكثر من الطلب عليها؛ فإنّ العرض يفوق الطلب وبذا يهبط ثمن السلعة دون قيمتها، ومعنى هذا أنّ المنتج لسلعة ما لن يحصل على جزاءٍ مقابل ما بذل من عمل ويكون خيراً له لو توافر على إنتاج سلعة أخرى يكثر عليها الطلب، بذلك يقل إنتاج السلعة الأولى ولكن تصبح إذ ذاك العلاقة بين العرض والطلب أكثر فائدة لها، وبعد لحظة قد يعلو ثمنها ثانيةً إلى مستوى قيمتها أو أعلى من ذلك.
بهذه الطريقة وحدها أي بواسطة هذه التقلبات المستمرة يتحقق قانون القيمة؛ فالسلع لا تباع بقيمتها إلاّ إذا تساوى العرض والطلب وهو أمر نادر الوقوع.
إنّ نظرية القيمة تفترض ويجب أن تفترض وجود عرض وطلب متساويين، ولكنّها لا تدعي أنّ مثل هذه المساواة ملحوظة أو يمكن أن تكون ملحوظة في المجتمع الرأسمالي»([613]).
وإذا صحّ هذا فالنظرية لم تعدّ ذات جدوى في المجتمعات الرأسمالية، وهي التي خلقت النظرية لكشف متناقضاتها؛ لأنّ المبادلة فيها ليس على أساس ما في السلع من القيمة، بل على أساس العرض والطلب.
والمفارقات التي سجلت على الرأسماليين لا تتم ـ كم سيأتي ـ إلاّ إذا كانت المبادلة وفق نظرية فائض القيمة والعمل الإضافي، وهي لا تتحقق إلاّ إذا بولدت السلعة على قدر ما فيها من عمل.
كما أنّها لا تكون ذات جدوى في المجتمعات الاشتراكية، التي تؤمن بالأسواق الحرة؛ لذلك تعطي العامل بقدر عمله ليتصرّف فيه كما يشاء.
ومع حرية الأسواق فنظرية العرض والطلب هي التي تتدخّل في تقييم أثمان السلع كالمجتمعات الرأسمالية، وحتّى في المجتمعات الشيوعية لا تجدي؛ لأنّها تعطي للعامل مقدار حاجته زادت هذه الحاجة عن مقدار عمله أو نقصت، فالعمل ليس هو مقياس التقييم في ذلك المجتمع ليجازى صاحبه بما يستحق من ثمن.
وإذاً فما جدوى هذه النظرية التي لا يمكن أن يركن إليها أو تجدي في مجتمع من المجتمعات!.
وإذا كانت القيمة ليست هي العمل كما تريد أن تفترضه هذه النظرية للمفارقات التي سجلت عليها والتي ألجأت صاحبها أن يقول في كتابه (رأس المال): «إنّ نظريته في القيمة كان الغرض منها أن يشرح القيمة الكلية فقط وأن يثبت فقط أنّ قيمة جميع السلع مجتمعة يجب أن تكون مساوية لوقت العمل الكلي، أمّا أسعار السلع الفردية فإنّها ترتفع أو تنخفض بتأثير نظام الائتمان والمنافسة وغير ذلك»([614]).
على أنّ القيمة الكلية لمجموع السلع لا تكون مساوية دائماً لوقت العمل الكلي، ما دامت مفرداتها خاضعة للمنافسة والعرض والطلب، ولنفترض ظروفاً غير طبيعية ـ كقسم من ظروف الحرب التي لا يتوازن فيها العرض والطلب ـ عرضت فيها بعض الحاجيات بأضعاف أثمانها، وعرضت الأخرى بأثمانها الطبيعية، فإذا أردنا أن نجمع أثمانها من جهة ومجموعة ساعات العمل من جهة أخرى، زادت الأثمان على الساعات بأضعاف مضاعفة.
قلت: وإذا كانت القيمة ليست هي العمل فماذا يجب أن تكون؟
يجيب بعض علماء الاقتصاد المحدّثين بأنّها المنفعة، وقالوا ذلك في معرض الرد على النظرية السابقة نظرية القيمة بالقول: «إنّ نقض هذا المنطق ليس بالعسير، فمنفعة السلعة لدى الإنسان وإن كانت تتوقف على صفات السلعة المادية واللازم توافرها حتّى تشبع حاجة الإنسان، إلاّ أنّ الشعور بالحاجة وأهمية السلع المستمدة من ذلك الشعور هي إحساسات من نوع واحد، وقابلية للمقارنة، ففي استطاعتك أن تقارن حاجتك ببرتقالة كحاجتك لرغيف العيش، ومن ثمّ تستطيع مقارنة منفعة البرتقالة لذلك بمنفعة رغيف العيش، ومن المستطاع أن تقدر ما إذا كانت المنفعتان متساويتين، أو أنّ إحداهما أكبر من الأخرى، وذلك مع ما هنالك من فرق بين صفات البرتقالة، وصفات رغيف العيش، من حيث التكوين والطعم والمظهر والحجم… إلخ، ورغم ما يمكن أن يكون هنالك من تعادل أو تباين لكمية العمل اللازمة لإنتاج كلّ منهما، بل إنّ الصفة الأعم في الطيبات الاقتصادية هي منفعتها، لا ما تحتوي عليه من عمل؛ إذ كثير من السلع الاقتصادية النادرة لم تكن نتيجة لعمل أو بذل مجهود، ولكنّها تشترك مع بقية السلع الاقتصادية في خاصيّة المنفعة»([615]).
فالمنفعة هي التي تحدّد القيمة، لا العامل عن صاحب هذا الرأي، وهو على إطلاقه لا يقل عن سابقه في مفارقاته.
فهو لا يحدّد السر في ارتفاع قيمة السلع النادرة كالأحجار الكريمة، والصور الفنية ونظائرها، مع أنّ منفعتها لا تكاد تقارن بالحاجات الضرورية كالكساء، والطعام، وأشباههما.
مع مضاعفة أثمانها بالعشرات أو المئات إذا قيست بهذه الحاجات، بل هي نفسها لا تحدّد لماذا تتفاوت أسعار الحاجات الضرورية بين بلد وبلد، وسوق وسوق، مع أنّ منفعتها واحدة، فهي تغفل إغفالاً تاماً نظرية العرض والطلب وتحكمها في ارتفاع القيم وانخفاضها تبعاً لقانونها الصارم.
وتبنّت الماركسية الحديثة بعد ما وجهت إلى نظرية القيمة ـ العمل، تلكم المؤاخذات وأمثالها حتّى من أتباع المذهب الماركسي أمثال إبرين شتاين (نظرية المنفعة النهائية) أو (التوازن الاقتصادي) ([616]).
كما تبنّى غيرهم نظريات أخرى أمثال نظرية (الكثرة واللزوم) و(متوسط الطلب) و(القيمة بالإضافة الهامشية)([617]).
وهي لا تخلو من أمثال تلكم المؤاخذات، وليس فيها واحدة تسلم منها جميعاً فلا تستحق أن يطال فيها الكلام.
تبقى نظرية العرض والطلب، وهي التي آمن بصلاحها للتقييم العالِم الاقتصادي ستوارت مل([618])، ودرجت على ألسن الكثير من علماء الاقتصاد، فهي على أهميتها لا تكشف عن سر القيمة وإن حدّدت كميتها ارتفاعاً وانخفاضاً، تبعاً لقانونها الذي يتحكم بواقع الأسواق.
أمّا لماذا كان لهذا الشيء قيمة، ولم يكن لذلك، مع أنّ الكمية المعروضة واحدة، والطلب واحد؟ فهذا ما لم تعرض له، ولم تفسره، فهي في الحقيقة تشير إلى النتائج ولا تكشف عن الأسباب.
ومن الحق ونحن في غمرة من آراء علماء الاقتصاد، أن نعرض إلى شيء من آراء فقهاء المسلمين وتجاربهم في ذلك.
ففي شرائط العوضين يشترط الفقهاء في صحة المعاملة أن تكون المبادلة بين مال ومال، وفي تحديد مالية الشيء، ويريدون بها القيمة وقد تختلف كلماتهم وإن مال أكثرها إلى تحديدها بالمنفعة.
ففي مفتاح الكرامة للسيّد محمد جواد العاملي أنّها تحدّد بالمنفعة: «فإنّ ما لا منفعة فيه لا يعد مالاً»([619])، أي ليست له قيمة.
وفي المكاسب للشيخ مرتضى الأنصاري أنّها المنفعة التي يعتد بها العقلاء يقول: «يشترك في كلّ منهما ـ أي العوضين ـ كونه متمولاً؛ لأنّ البيع لغةً مبادلة مال بمال.
وقد احترزوا بهذا الشرط عمّا لا ينتفع به منفعة مقصودة»([620]).
وعلى هذا النسق جرى غير واحد من العلماء.
والمؤاخذات السابقة على المنفعة واردة هنا فلا موجب لإعادتها.
وفي نهج الفقاهة للسيّد محسن الحكيم: «المالية اعتبار عقلائي ناشئ عن كون الشيء موضوعاً لغرض موجب لحدوث رغبة الناس فيه على نحو يتنافسون فيه ويتسابقون إليه…» ([621]).
وهذا الرأي ربّما يكون أسد الآراء وأشملها وأبعدها عن المؤاخذات، وإن كان في اعتباره (المالية) من الأمور الاعتيادية الموقوفة على اعتبار العقلاء ما يوجب الوقفة في إطلاقه.
فالأمور المالية النادرة ذات المنفعة الضرورية أموال، وإن أجمع العقلاء على عدم اعتبارها مالاً.
ولنعد إلى هذا التعريف ونلقي عليه بعض الأضواء.
إنّ هذا التعريف يعتبر المالية ناشئة من كون الشيء:
أولاً: موضوعاً لغرض.
ثانياً: موجب لحدوث رغبة الناس فيه على نحو يتنافسون فيه، ويتسابقون إليه، فكون الشيء موضوعاً لغرض لا يستوجب ماليته وحده، فما أكثر الأشياء التي تحقق غرضاً، ولكنّها ليست أموالاً، فالماء في النهر للواقف عليه يحقق له أعظم الأغراض، ولكنّه لا يُقال له مالاً، وإذا أحدث له رغبة في شربه لكونه ضماناً مثلاً فهو كذلك؛ لأنّ ذلك لا يبعث على التنافس والتسابق عليه، فمالية الشيء ناشئة من وجود جهة تتوفّر فيها ثلاثة أمور:
1 ـ كونها محققة لغرض ما.
2 ـ كونها باعثة على الرغبة.
3 ـ كونها موجبة للتنافس والتسابق عليها.
وهذه الجهة قد تكون عملاً، وقد تكون منفعةً تشبع حاجة أساسية أو ذوقية، وقد تكون مزيجاً منهما، كما في الأمور الفنية المصنوعة، وربما لا يكون لها واقعية، وإنّما يخلقها الاعتبار المحض، كما في الأوراق المالية، وأوراق اليانصيب.
وفي حدود هذه النظرية تلتقي جميع تلكم الأفكار، فالعمل المرغوب فيه على نحو يتنافس عليه العقلاء له قيمة بهذا التعريف، والمنفعة ـ وإن لم يكن مصدرها العمل ـ الباعثة على الرغبة التي يتنافس عليها العقلاء لها قيمة أيضاً، وللجهات الفنية الخالقة للرغبة لدى بعض الأذواق قيمة، والأمور الاعتبارية كذلك، وتحديد القيمة في السلعة مداره الرغبة، وشأنية التنافس والمسابقة، وهي تختلف باختلاف العرض والطلب، وغير العرض والطلب، من موجبات إحداث الرغبة كاستعمال أساليب الإغراء بإحداث تحسينات على السلعة، وفنٍ في عرضها والتسويق إليها، كما تختلف باختلاف الزمان والمكان.
والحق أنّ هذه النظرية أشمل النظريات وأعمقها وأبعدها عن المؤاخذات، وميزتها أنّها جمعت أنواع القيم وأسبابها الخفية، ولم تتجاهل واحدةً منها.
فالمنفعة والعمل، والاعتبار، والعرض والطلب، والكثرة واللزوم، وغيرها كلّ ذلك قد وعته هذه النظرية وحسبت له حسابه، ولم تغفل فتقتصر نفسها على واحدة منها، كما صنعته بقية النظريات.
وإذا صحّ هذا العرض لمختلف الآراء في القيمة عدنا إلى فائض القيمة ـ وهي التي اعتبرها الماركسيون مع ريع الأرض السر في نشأة الثروات وتكدسها ـ لنرى على ضوئها علاج الإسلام لهذه المشكلة.
وفائض القيمة، أو العمل الإضافي، أو العمل الغير المدفوع، وهي أسماء لمسمّى واحد، ولا تتم إلاّ إذا أخذنا من بين الآراء السابقة في القيمة نظرية ريكاردو، واتباع مدرسته، من أنّها هي العمل أو هي قوّة العمل، وفي استدراكات بعض الماركسيين أن العمل هو خالق القيمة، وأنّ قوّة العمل هي السلعة التي يعاوض عليها الرأسماليون([622]).
والذي يراه ماركس ـ بعد أن تبيّن له أنّ العمل هو خلق القيمة لا غير ـ أنّ رأس المال عقيم لا ينتج إلاّ مقدار ما يستهلكه أثناء استخدامه في العمل، ورأس المال عنده على قسمين:
1 ـ رأس المال المتغيّر فهو الذي تشترى به قوّة العمل من العمال، وبالطبع إنّ قوّة العمل لا تخلق إلاّ بتهيئة وتوفير حاجاتها الأولية من أكل ولبس ومكان سكن، وأمثالها ممّا تكوّن حياة العامل، وضمان استمراره على العمل موقوفاً عليها يقول ليونتيف: «وفي ظلّ اقتصاد السلع تباع كلّ سلعة بقيمتها فماذا يبيع العامل؟ إنّه يبيع قوّة العمل اللازمة لصاحب رأس المال كي يدير مشروعه، ولكنّا نعلم أنّ لكلّ سلعة قيمتها، وأنّ هذه القيمة بعينها وقت العمل اللازم لإنتاج هذه السلعة، فما هي قيمة هذه السلعة التي يبيعها العامل أي قوّة العمل؟
من الواضح تماماً أنّ الشخص يستطيع مزاولة العمل إذا كان قادراً على الإبقاء على وجوده بالمأكل، والملبس، والمسكن ومن المفهوم أنّ الآدمي لا يستطيع أداء العمل إلاّ إذا أشبع مطالبه، أو على أي حال مطالبه الأولية، فإذا جاع العامل أو لم يجد ملبساً صار غير صالح للعمل، وفقد ما به من قوّة العمل.
من هنا يصح القول بأنّ إنتاج قوّة العمل ينحصر في إشباع أوّل وأبسط حاجيات العمل»([623]).
ثمّ يقول: «ولكنّا نعلم كذلك أنّ تلك الأشياء التي تشبع حاجيات الإنسان من غذاء وكساء ومأوى إن هي إلاّ سلع في ظل الرأسمالية، ولا يمكن الحصول عليها مجاناً؛ إذ يبذل في إنتاجها مقدار محدود من العمل وهذا يعين قيمتها، وعلى هذا تكون قيمة تلك السلعة المدعاة قوّة العمل مساوية لقمية تلك السلعة التي يجب أن يستهلكها العامل لكي يحافظ على حياته، وحياة أسرته، ولكي يدخر ما له من قوّة عمل، وأن يضمن قوّة عمل في المستقبل للرأسماليين»([624]).
ويقول ماركس: «إنّ قيمة قوّة العمل تعينها قيمة ضروريات الحياة التي يتطلبها العامل المتوسط عادة»([625]).
فرأس المال المتغير إذاً هو ما يبذل في شراء قوّة العمل من العمال، وهو المنتج لفائض القيمة في رأي ماركس كما يأتي.
2 ـ رأس المال الثابت أو الدائم ويراد به «مباني المصنع والآلات والمادة الأولية والوقود»([626]).
وهذه لا تنتج بناءً على رأيه، إلاّ مقدار ما يعادل قيمتها فقط، أي مقدار ما استوعبت من ساعات العمل عند إنتاجها، وحالها حال بقية السلع التي تحدّد قيامها بساعات العمل المصروفة في إنتاجها، ويستوفي صاحب رأس المال إنتاجها مع الزمن، فالمباني تبقى عادةً إلى خمسين عاماً تستوفي أثمانها في ضمن هذه المدّة، وآلات العمل التي تبقى عشر سنوات تستوفي في ضمن عشر سنوات، والمواد الخام والوقود يستوفيان حين استهلاكهما وهكذا.
لذلك، فإنّ من مصلحة صاحب رأس المال أن يستخدم فقط رأس المال المتغيّر، ويخفض نسبة رأس المال الثابت إلى أدنى حد ممكن؛ لأنّ ازدياد استخدام الآلات يميل بمعدل الربح إلى الهبوط، وهذا الأخير يفسّره ماركس على طريقته الجدلية: «أنّ الربح هو النسبة بين القيمة الفائضة ورأس المال الكلي الذي يستثمر في المشروع؛ فإذا زادت نسبة القسم الثابت عن المتوسط الاجتماعي فإنّ رأس المال الكلي يظل ما يقل عن متوسط معدل الربح، بعكس الحال إذا كانت النسبة الأكبر لرأس المال المتغيّر»([627]).
وهذا القول صحيح جدّاً إذا جمّدنا رأس المال الثابت عن الإنتاج، وعزوناه فقط إلى رأس المال المتغيّر؛ إذ كلّ ما يبذل في سبيله من مال يبقى مجمداً لا ينتج إلاّ بمقدار قيمته، بينما لو بذل هذا المال لشراء قوّة العمل؛ لأنتج مزيداً من فائض القيمة، أو العمل غير المدفوع الذي يذهب إلى جيب صاحب رأس المال من دون مقابل.
ولكن الذي يستوقف النظر حقاً أنّ يعزل رأس المال الثابت عن الإنتاج، فيُقال مثلاً إنّ مطبعة أتوماتيكية حديثة لا تحتاج إلى أكثر من عاملين كي تنتج ثمانية ملازم، أنّ هذه الثمانية هي من إنتاج هذين العاملين فقط، والمطبعة لم تنتج شيئاً إلاّ مقدار ما استهلكته، بينما يشتغل أكثر من عشرة عمال في مطبعة أخرى غير أتوماتيكية، ولا ينتجون هذه الملازم الثمانية؛ فقيام المطبعة مقام ثمانية عمال لا يحسب له حساب في الربح، والإنسان الآلي الذي يقوم اليوم مقام الإنسان العامل في المعامل المنتجة للقنابل الهيدروجينية لا حساب له مع معمله الضخم في الإنتاج، والإنتاج كلّه لهؤلاء الفنيين المحدودين الذي يحرّكون هذا الإنسان الآلي.
وما أدري كيف غفلوا عن هذه النظرية أولئك الراسماليون الجشعون وعهدنا بهم أن لا يتركوا مناسبة أو فكرة ثَمَّ إلاّ وحاولوا الاستفادة منها في تركيز ثرواتهم ومضاعفتها، ولماذا يعمل الإنتاج الحديث دائماً «على زيادة رأس المال الثابت الذي يستخدمه، بحيث أصبحت هذه الظاهرة من أوضح ظاهرات الإنتاج الحديث، وكيف نعلّل كذلك اختلاف معدلات الربح في الصناعات المختلفة تبعاً لمقادير رأس المال المختلفة التي تستخدم في هذه الصناعات»([628]).
ولعل الهرب من هذا الواقع هو الذي ألجأ بعض الماركسيين إلى أن يوسعوا في الساعة إلى الساعة الاجتماعية؛ ليفرّقوا على أساسها بين عاملين يشتغل أحدهما في معمل، والآخر بيده، فينتج عامل المعمل ضعف إنتاج العامل اليدوي في الساعة الواحدة؛ ممّا اضطرهم أن يعتبروا قيمة الساعة الواحدة للعامل اليدوي تساوي قيمة نصف ساعة لعامل المعمل([629])، مع أنّ طاقة العمل واحدة في الطرفين، فهم بدلاً من أن ينسبوا هذا الفارق ـ وهو طبيعي ـ إلى إنتاج رأس المال الثابت نسبوه إلى العامل، وأطاحوا من زميله المسكين نصف جهوده، مع أنّ ذلك خارج عن نطاق قدرته وإرادته.
وعلى أي حال، فإنّ السلعة التي ينتجها الرأسمالي لا بدّ أن يبادل بها سلعة أخرى، وعندما يقع التبادل لا بدّ أن يقع بين سلعتين متحدتين في قيمتيهما أي في مقدار ما بذل فيهما من ساعات العمل، فالسلعة التي صرف فيها عشر ساعات ـ ولتكن قماشاً ـ عندما تبادل بكرسي مثلاً فإنّها تبادل بكرسي صرف فيه عشر ساعات من العمل أيضاً، ويقوم النقد مقام أحد السلعتين، وهذه العشر ساعات يبذل منها الرأسمالي في شراء قوّة العمل ثلاث ساعات مثلاً، وهي كافية لإيجاد طاقة العمل في العامل، وساعتين برأس المال الثابت، وخمس ساعات تذهب إلى جيبه، وهي عمل لم يُدفع بإزائه أجر؛ فإذا فرضنا أنّ لديه مائة عامل يشتغلون في مصنعه، فإنّ العمل الغير مدفوع أو فائض القيمة يكون خمسمائة ساعة في اليوم، ومن هذا الطريق تتضخم الثروة لديه، ويقوى تدريجياً على محاربة منافسيه من البرجوازيين الصغار، والمتوسطين حتّى يقضي عليهم، وتتركز وتتجمّع الثروات كلّها بيده ويد فئات قليلة من أمثاله.
وللرأسمالية طريقان في زيادة أرباحها من العمل الإضافي أو غير المدفوع.
أوّلهما: أن يقلّل من كلفة قوّة العمل لتوفير الحاجات الأولية التي يحتاج إليها العامل لشؤونه المعاشية، وتقليل أثمانها من طريق الجمعيات التعاونية وأمثالها، وتبعاً لذلك لا بدّ أن لا يمنع العامل من بيع قوّة عمله بثمن أوطأ؛ لأنّ حاجته الأولية لتكوين قوّة العمل أصبحت تسدّ وتتوفّر بثمن أقل، ومعنى ذلك أنّه بدل من أن يدفع له صاحب رأس المال ثلاث ساعات من عمله يومياً يدفع له ساعتين، وتضاف ساعة إلى عمله غير المدفوع إلى الساعات التي ربحها عادةً.
ثانيهما: أنّ يمدّ في ساعات العمل من ثمان مثلاً إلى عشر، أو إحدى عشرة ساعة، وتضاف إليها ساعات جديدة دون أن يدفع مقابلها شيء، فيصبح العمل الإضافي لديه مثلاً سبع ساعات بدلاً من خمس وهكذا.
ونظرية فائض القيمة لا تثمر ثمرتها التي يريدها لها الماركسيون إلاّ إذا توفّرت لها مقدمات ثلاث وكلّها غير متوفرة:
1 ـ أن يكون العمل هو منبع القيمة لا غير، أمّا إذا كان منبع القيمة غير العمل، أو العمل وغيره، أو العمل أو غيره، كما استنتجناه في البحث السابق؛ فإنّ النظرية تنهار على نفسها لأنّها تنتج إثراء الرأسمالي على حساب استغلال العمال بأخذ العمل الإضافي دون مقابل.
2 ـ أن يكون رأس المال الثابت غير منتج إلاّ بمقدار ما يستهلك منه، أمّا إذا اعتبرناه منتجاً ـ كما قرأنا سابقاً ـ في مقابل عمل العمال فإنّ العمل الإضافي ربما يكون هو أو أكثره في مقابل إنتاج رأس المال الثابت، وإذن فلا استغلال، ولا عمل غير مدفوع إلاّ في فروض قليلة.
3 ـ أن تكون المبادلة دائماً على أساس التماثل في ساعات العمل، وهي ما لا تتم إلاّ نادراً، باعتراف أصحاب النظرية أنفسهم ـ كما سبق أن ذكرنا ذلك ـ والغالب في التبادل إنّما يكون على وفق التنافس، ونظرية العرض والطلب.
ومعنى ذلك أنّ القيمة تخلق غالباً خارج نطاق العمل، وإذاً فما يربحه الرأسمالي يربحه نتيجة عوامل خارجية، قد لا تكون له يد في صنع بعضها، كتهيئة بواعث الاحتكار مثلاً، وليس ربحه دائماً نتيجة العمل الإضافي، كما تريده له النظرية، ولهذا السبب فإنّ بعض الرأسماليين ربّما يبيع السلعة بأقل من ثمن كلفتها التي يدفعها في شراء قوّة العمل، فضلاً عن مواد إنتاجها، وبهذا يفسّر إفلاس قسم من الشركات الرأسمالية، وبعض الرأسماليين، والتجار، في كثير من البلدان الرأسمالية.
وإذا بطلت نظريات فائض القيمة بطلت نتائجها حتماً من تركّز رأس المال بيد فئات قليلة، وهذا ما يفسّر انتشار الطبقات البرجوازية المتوسطة، وازديادها في الدول الرأسمالية «والواقع أنّ الإحصاءات بهذا الشأن خاصّة لا تؤيد النظرية الماركسية، بل تلحظها، صحيح أنّا نجد أفراد من الأثرياء ارتفعوا في الثراء أعلى من أي وقت مضى، ولكنّا نجد أيضاً عدداً من الأثرياء أكبر من أي وقت مضى، ففي كلّ قطر نجد أرباب رؤوس الأموال في تزايد مستمر، وهذا التزايد ليس مقتصراً على أرباب رؤوس الأموال الكبيرة فحسب بل على المتوسطة والصغيرة ايضاً، والشركات السهامية التي حاول المذهب الماركسي أن يتخذها آية لتأييد قضية قد عملت بالعكس على تفريق الملكية بين عدد غير محدود من الرؤوس، ومن هذا يتبين أن تجمع المشروعات وتجمع الملكية أمران في غاية التخالف»([630]).
العلاج الإسلامي
أمّا الإسلام فقد قام بمعالجات جذرية لهذه المشكلة، فقد استهدف من تشريعاته إيجاد توازن اقتصادي في مجتمعه، تتوفّر فيه الحرية من جانب، والعنصر الخلقي من جانب آخر.
وقد رسمت خطوطه بدقّة متناهية، ولو قدّر لها أن تطبّق؛ لأبعدت نتيجتها التفاوت الكبير بين سلالم المجتمع الواحد.
فليس في الإسلام ـ كما في الدول الرأسمالية ـ قمّة وسفح، وإنّما فيه تلول يقرب بعضها من بعض، ولا يشمخ بعضها على بعض، كما أنّه لا يوجد فيه سفح تتساوى أبعاده، رغم كلّ ما تفاوت بينها من مقومات الحياة، والخصوبة، والإثمار، كما هو الشأن في دعاوى بعض المذاهب الاشتراكية (الشيوعية).
فهو في الوقت الذي يحتفظ به بملكات الإبداع ومقوماته الطبيعية، ويفسح المجالات أمامها لإتيان آخر ما تملكه من طاقات مبدعة، يضع أمام تضخم خلاياها ما يحدّ من ذلك النمو غير الطبيعي، ويعيده إلى الطبيعة والاعتدال.
وما أشبه المجتمع الواحد في الإسلام بجسم الإنسان، أو أي كائن حي تشترك في إعداده وتكوينه عدّة خلايا حيّة، فهو في سلامة ما دامت خلاياه سليمة، تؤدّي وظائفها على اختلافها باعتدال، أمّا إذا نما بعضها نمواً غير طبيعي على حساب بقية الخلايا مثلما نشاهد في الأمراض السرطانية ـ مثلاً ـ فإنّ الكائن سوف يتلاشى حتماً.
وهذه الخلايا المختلفة في وظائفها وقواها اختلافاً كبيراً لو قدّر لها أن تعمل على الحدّ من قوى بعضها، وشلّ إمكانياتها فإنّها سوف تضمر، ويسري الضمور إلى بقية الخلايا، وينتهي الكائن الحي بانتهائها أخيراً.
فإذا صحّ هذا المثل عدنا إلى مجتمعنا الإسلامي ـ وما وضع له المشرع من مخططات تحتفظ له بمعالم الطبيعة والاعتدال ـ لنلقي عليه بعض الأضواء.
وأوّل ما يلفتنا من ذلك تشريعه لحرية التملك بمختلف وسائله المشروعة، سواء تعلّقت بوسائل الإنتاج أم غيرها؛ لأنّ ملكات الإبداع لا تنطلق عادة إلاّ في الأجواء الحرّة، ولكنّه بنفس الوقت حسب للمفارقات الناتجة عن ذلك حسابها الخاص، وأهمها نمو بعض الأشخاص في الأجواء الحرّة نمواً سرطانياً على حساب بقية خلايا المجتمع، ممّا يؤدّي به لو استمرّ إلى الفناء الحتمي.
فوضع مخططاً لذلك يمنع بطريق غير مباشر هذا النمو غير الطبيعي وكان له إلى ذلك طريقان:
أوّلاً:
- طريق وقائي
فقد شرع الإسلام نظاماً اقتصادياً يمنع الاستئثار ليقضي على تكدّس الأموال بيد فئة معينة يثرون على حساب العامّة.
وقد سدّ على الأغنياء روافد الثروة من غير محلها، فلا إقطاع من أموال الشعب لفئة معينة، ولا تلاعب بالأسواق من طريق الاحتكار، والتطفيف، والاستغلال والغش، ولا مراباة، ولا رشوة على حكم.
وهو حين سدّ هذه الروافد وأمثالها على الأمة لم يعمد إلى وضع تشريع يشلّ ملكة الإبداع فيهم، بل تركهم أحراراً في اختيار نوع العمل، وزمانه، ومكانه.
كما ترك لهم الحرية في أن يمتلكوا ما يشاؤون دون تفرقة في تملّك وسائل الإنتاج أو غيرها.
فهو بسدّه لمنابع الثروة غير المشروعة، ومكافأة الفرص للجميع، أوجد توازناً اقتصادياً يقوم على أساس التقارب في طبقات مجتمعه، وفي الحديث «لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا، فإن تساووا هلكوا».
وكأنّه يريد: أنّهم لا يزالون بخير ما داموا يتسابقون إلى التماس الفضل من المال وغيره.
فهو يرى أنّ المساواة المطلقة بينهم ممّا تشلّ ملكة الإبداع فيهم، وتثير أحقاد بعضهم على بعض.
فهذا العامل الماهر، والصناعي المتقن، عندما لا يجد لمهارته، وكثرة عمله حساباً في عرف شعبه، ويرى ثمار عمله تذهب إلى جيوب الكسالى من أقرانه في العمل فإنّه حتماً سوف يحقد على مستغلي جهده أوّلاً، وعلى النظام الذي شرع ذلك ثانياً، وعلى حارس النظام ثالثاً.
فهو إمّا يتبلد تبعاً لأقرانه فلا يخلص بعمله، أو يتأجّج حقداً ينهي به إلى الثورة على ذلك النظام، وعلى كلا الحالين فإنّ المجتمع مع الزمن سينهار على نفسه.
والحقيقة التي لاحظها الإسلام أنّ التفاوت الذي يستند إلى الكفاءة الذاتية إذا لم يكن كبيراً فإنّه سوف يكون أداة خير للأمّة وضمان بقاء لها.
لذلك وضع تلك الحواجز دون تضخم الثروات غير المشروعة من جهة والتي لا يتوفر فيها العنصر الأخلاقي، فحرم الربا والاحتكار والتلاعب بالأسواق، والتطفيف، والرشوة، والغش، وأمثالها، وكافأ الفرص للجميع من جهة ثانية.
وهكذا اقتحم في تشريعاته مختلف مجالات الحياة.
- فلسفة التحريم
أمّا فلسفة هذا التحريم وموقعها من الاقتصاد الإسلامي، فإنّ الأحكام الشرعية غير المعلّلة لا نملك إلاّ التسليم بها والعمل على وفقها، دون الحاجة إلى التماس عللها، ما دمنا نؤمن أنّ خالقنا العظيم لا يصدر في تشريعاته إلاّ عن مصلحة تعود على المكلفين أنفسهم؛ لأنّه الغني عن تصرفات وأفعال عباده، والمنزّه عن العبث والاحتياج إليها.
وأخال أنّ تجلية حكمة هذا التشريع في حدود ما يبدو لي منها لا نبلغها بسهولة، إذا لم نعد إلى دراسة طبيعة الاقتصاد الإسلامي، والتماس موقع هذا التشريع من مخططه، وهي لا تفهم إلاّ إذا درست ككلّ متفاعل الأجزاء مترابط الحلقات.
والذي يبدو لي أنّ فلسفة تشريع تحريم الربا مثلاً ـ وهو من أهم مكونات التضخم السرطاني للأموال بما فيه من انعدام العنصر الأخلاقي ـ أمر لا يلتئم بحال مع طبيعة ما لمسناه من واقع الاقتصاد الإسلامي، بل لا يمكن أن يلتئم مع أي نظام متكامل يرعى في مخططاته مصالح الأفراد والمجتمعات.
ولإيضاح هذه الجوانب وتقريبها نقول: لا شك أنّ المعاملات الربوية من اسباب تضخم الأموال تضخماً سرطانياً، وإدراك ذلك لا يحتاج إلى أكثر من إجراء أيّة عملية حسابية ليتضح الأمر فيه بداهة أنّ الأرباح فيها لا يطرؤها النقص بحال من الأحوال، بل هي دائماً في نمو وازدياد.
أمّا عدم اعتمادنا العنصر الأخلاقي فلأنّ الفرد المقترض لا يقصد عادة إلى ارتكاب هذا النوع من المعاملات إلاّ مع شدّة حاجته إليها، وليس من الخلق أن يستغل صاحب المال حاجة أخيه ليثري على حسابها.
وتتجلّى لا أخلاقية هذا النوع من العمل عندما يشعر المدين بعجزه عند تسديد الدين في وقته؛ فيؤجل ذلك الدين إلى مدّة أخرى، وتتضاعف الفائدة تبعاً لذلك، ولربما بلغت عشرات الأضعاف لماله المقترض بمرور الزمن، ويستمر معه المرابي إلى مدى يشعر عنده أن لا فائدة بعد ذلك من الاستمرار لضمور خلايا ضحيته، وتضخم دَينِه فيستأسد إذ ذاك، وتبرز مختلف الجوانب اللاإنسانية فيه؛ فيضع مخالبه في رقبة مدينه ليجرّده من جميع ما يملك.
ولك أن تقدّر بعد ذلك ما يجرّه هذا النوع من التعامل من تفكيك روابط المجتمع الواحد، وإشاعة الفوضى الخلقية بين أفراده، من طريق التباغض، والتحاسد، والحقد الذي يصبّه الضحايا وأسرهم على قاتليهم عادة، ومن ثمّ على المجتمع الذي تكفل أنظمته هذا النوع من التعامل، وعلى الحكومات التي تحميها بقوانينها ونظمها.
وقد يُقال إنّ هذا النوع من الربا إنّما لا يتوفّر فيه العنصر الأخلاقي إذا كانت حاجة المدين إلى المال منصب على النواحي الاستهلاكية فقط، أمّا إذا أريد المال للكسب المشروع، وللتعامل في الشؤون التجارية وغيرها، فإي مانع خلقي من مشاركة المدين بالفائدة ما دام الربح لا يتكوّن إلاّ من جهة العامل ورأس المال في الظروف الطبيعية، فهو في الحقيقة لا يأخذ إلاّ ما يربحه رأس المال، وربّما قامت فلسفة تشريع الدولة للمعاملات الربوية في مصارفها على هذا الأساس.
وهذا إشكال يكاد يكون صحيحاً لو كان لرأس المال استقلال في الربح، وهو مضمون ومحدد على كلّ حال، أمّا إذا كان رأس المال لا استقلال له عن عمل العامل، والظروف المحيطة به إنّما يكون ـ لو وجد ـ وليداً لتضامنهما، وتفاعلهما، وتأثير بعضهما في البعض، مع توفّر ظروف ملائمة، فليس من الحق أن يقتطع المرابي لنفسه نسبة معينة يأخذها على كلّ حال، ويحرم الطرف الآخر من ثمرات جهوده، وبخاصّة إذا تذكرنا الخسارة التي تلحق العامل ورأس المال في كثير من الأحيان.
نعم إذا قمنا بإجراء عملية موازنة بين الربح والخسارة، وعمدنا إلى كلّ من العامل ورأس المال فحملناه نصيبه منها، لم يعد على مثل هذه المعاملة أيّما غبار.
وهذا نفسه ما دعا إليه الإسلام حين شرع (المضاربة) وحثّ عليها لتشغيل الأيدي العاملة.
ولكن البنوك والمصارف لا تؤمن بذلك، فهي لا تحسب للعامل أو المدين حسابه الخاص، بل تريدها ـ كأي مرابٍ آخر ـ أرباحاً خالصة لا تطرقها الخسارة، وربّما عمدت في سبيل تحصيلها إلى هدم أسر بأكملها، بتجريدها عمّا تملكه من مقومات الحياة من الدور، والعقارات، وأثاث البيوت، وبلغة العيش وهكذا.
وربّما قيل: ولكن المصارف والبنوك ـ هي اليوم من أهم المنابع للحركات الاقتصادية والعمرانية في البلاد، وبسدّها سد لكثير من المنابع الحيوية، وليس من السهولة إلغاؤها، مع شيوعها في الأمم المتحضرة في أوروبا وغيرها، وإليها يعزى نشاط الأسواق التجارية على اختلافها، فهل نحن أبصر من هذه الأمم في مقومات الحضارة، وأصول الاقتصاد؛ حتّى نعمد إلى إلغائها؟
وهذا في الحقيقة هو سر بلائنا، لأنّنا لم نعد نملك أمام الغرب أيّة شخصية ذات استقلال في تفكيرها ـ بحكم استعمار الغرب لنا طيلة هذه الأعوام، وتخديره لجميع إمكانياتنا العقلية، حتّى أنّنا لم نعد نحسن التفكير إلاّ في حدود ما يوحيه لنا من أفكار ـ وإلاّ فما لنا لا نفكر لأنفسنا، فنعرض عن هذه المصارف المرابية ـ وهي مجافية لطبيعة نظمنا الإسلامية من جهة، ولأضرارها الاجتماعية الكبيرة التي أشرنا إليها من جهة أخرى ـ بالعمل على إيجاد مصارف للقرض بدون فائدة، تقوم مقامها، وتتحمّل الحكومة ما يطرأ عليها من نفقات.
والمفروض في الحكومة أنّها القيّمة على مصالح الشعب، والمسؤولة عن دفع كلّ ما يطرأ عليه من مفارقات.
وبذلك تسدّ على الجشعين والمرابين وسائل الرزق غير المشروعة، وتوفّر للطبقات الضعيفة والمتوسطة من العمال وأصحاب رؤوس الأموال طرقاً للعمل جديدة تنعش بها الأسواق التجارية، ولا أقل من دخول هذه المصارف إلى الأسواق على طريقة ما شرعه الإسلام من المضاربة والقراض فتشاطر المضاربين أرباحهم، وخسائرهم حسب وظيفتها، ودورها في إيجاد الربح والخسارة.
وإذا كان ولا بدّ من التأثّر بالغرب فلماذا لا نتأثّر بمن ألغى هذا النوع من المصارف؟! ونزيد عليها بما شرعه الإسلام وحثّ عليه من القرض بدون فائدة، احتفاظاً بتأكيد الروابط الاجتماعية، وإشاعة المودة بين الناس.
وقد تتساءل فتقول: وإذا لم يوجد المقرض مجاناً للناس فماذا نصنع بذوي الحاجات الآنية؟
والجواب: أنّ الإسلام إذا طُبّق لا يبقى بضمانه الاجتماعي الذي شرعه، وبنظمه في التكافل الاجتماعي، بالإضافة إلى مجموع انظمته الاقتصادية مجالاً لحاجة أمثال هؤلاء، بل هو ملزم بسدّها على كلّ حال.
والخلاصة أنّ تحريم الربا ـ في عقيدتي ـ إنّما كان لمجافاته للعناصر الأخلاقية التي افترضها الإسلام، وبنى عليها أساس نظمه الاقتصادية.
ولكونه من موجبات التضخم المالي على حساب الآخرين.
ولما يوجبه من تفكيك الروابط الاجتماعية، وإشاعة الحقد بين أفرادها.
ولعل هناك أسراراً أعمق سيكشف عنها العلم بعد حين.
وما يُقال عن فلسفة تحريم الربا يُقال عن فلسفة تحريم الاحتكار والتطفيف والرشوة وغيرها فإنّها جميعاً تلتقي غالباً معها في أغلب خطوطها.
ثانياً:
- طريق علاجي:
فقد شرّع الإسلام هذا الطريق متكفلاً بشؤون العلاج فيما لو كان هناك نمو من الطرق الطبيعية، من شأنه أن يؤثّر على الآخرين؛ حيث وضع ضرائب وأحكاماً توجب تفتيت ما تضخم من الثروات، وإرجاعها إلى الاعتدال منها ضرائب:
1 ـ الخمس.
2 ـ الزكاة.
3 ـ الخراج.
4 ـ ضريبة الكنز.
5 ـ الوصية.
6 ـ الميراث.
ونظائرها ممّا هو معروض في كتب الفقه.
والحقيقة أنّ دراسة هذا النظام المتكامل لا تؤتي ثمارها إذا لم يدرس الفقه بجميع كتبه وأبوابه، ففي كلّ باب منها حجر يساعد على تكوين ذلك البناء.
- تطبيقات علاجية إسلامية:
وبعد هذا العرض، لا بدّ لنا من الوقوف على بعض تجارب الإسلام العملية، وعلاجه لهذه المفارقات علاجاً يحقق العدالة الاجتماعية.
ولنا من تجارب الإمام علي (عليه السلام) في هذه المجالات شواهد حيّة نلمسها من خلال حكمه إبان خلافته.
والمراد بالعدالة هنا: هو دفع الظلم أو رفعه عن كاهل الأفراد والجماعات.
والظلم الجماعي له عدة معطيات لعل أهمها معطيان:
أولهما: يرجع إلى الامتيازات الطبقية التي تحدثها عادات اجتماعية متأصلة أو أنظمة خاصة.
ثانيهما: يرجع إلى شيوع الفقر لقلة في الإنتاج، وسوء في التوزيع، مع بقاء الوضع من قبل السلطة على حاله، وعدم تدخلها في إصلاحه.
ولفهم هذين المعطيين وموقف الإمام منهما يحسن أن نعود إلى العصر الذي سبق عهد خلافة الإمام وننحدر برواسبه إليه، لتتجلى لنا قيمة إصلاحاته الجذرية لواقع مجتمعه.
لا شك أنكم تعلمون أن الإسلام جاء والمجتمع الجاهلي يعجّ بطبقية واسعة ذات امتيازات اجتماعية معروفة، كما يعج بعوامل انتشار الفقر بين اكثر الطبقات.
فكان أول ما عمله أن عمد إلى ذلك التفاوت فقلص من ظلاله بما شرّع لهم من نظم، وما وضع عليهم من ضرائب، ثم عمد إلى امتيازاته فألغاها، وقام بعد ذلك باتخاذ إجراءات سلبية وإيجابية لها أهميتها في الحد من انتشار الفقر، ثم في التخفيف من حدة الشعور به.
وفي عهد الخليفة الثاني نشأت في الإسلام طبقية، ولكن من لون جديد، وأساس هذه الطبقية هو القرب، والسابقة، والصحبة، وقد أعطيت امتيازات بعضها مادية وبعضها معنوية، ومن امتيازاتها المادية أنها شرّعت مبدأ التفاوت في العطاء، فمن اثني عشر ألف درهم وهي حصة أعلى طبقاتها([631])، إلى مائتي درهم وهي حصة أدنى الطبقات([632]).
وكان من نتائجها أن تكدس المال لدى فئة خاصّة، سمعنا عن بعضها أنّه كان يكسر الذهب بالفؤوس، بينهما كانت العامّة تئن تحت وطأة من الفقر والفاقة.
وفي عهد الخليفة الثالث كفلت تلكم الامتيازات وأضيف إليها طبقة أخرى لها امتيازاتها، وأساسها القرب من ولاة الحكم، وقد رأينا أنّ هذه الطبقة لا تخضع في امتيازاتها لحساب.
ولما جاء الإمام إلى الحكم وجد نفسه مسؤولاً عن اتخاذ إجراءات حازمة للقضاء على هذا الظلم الجماعي بجميع صوره، والعودة بهم إلى التشريعات الإسلامية الأولية.
فكانت أولى خطواته أن عمد إلى هذه الامتيازات الطبقية الجديدة على الإسلام فألغاها.
وهنا يجب أن نؤكد أن الإمام لم يلغ الطبقية بمفهومها الاجتماعي، كما لم يلغها الإسلام من قبل، وان قلّل من تفاوتها، وقد سبق أن قلنا إن الإمام اعترف بحق الملكية للفرد، وبحق الحرية في العمل، وما دامت حرية التملك والعمل قائمتين فالطبقية حتماً موجودة، ولكن الطبقية المعتدلة ليست هي أساس الظلم، وإنما الأساس في إعطائها امتيازات في الدولة أو في البيئة الاجتماعية قد يكون من أيسر معطياته هو الشعور بالدونية لدى اكثر الطبقات.
وقد كان الإمام صريحاً في إلغائها حين خطب أولى خطبه التي أعلن فيها منهاجه في الحكم ومما قال: «أيها الناس ألا لا يقولن رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا، فاتخذوا العقار، وفجّروا الأنهار، وركبوا الخيل الفارهة، واتخذوا الوصائف المرققة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً، اذ ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا.
ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله، يرى أن الفضل له على سواه لصحبته، فان الفضل النيّر غداً عند الله، وثوابه وأجره على الله، فانتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، ولا فضل فيه لأحد على أحد»([633]).
وما دام المال مال الله، والعباد عبيده، وحاجاتهم الأولية لا تكاد تختلف، فما الذي يميز بعضهم عن بعض؟ أمّا الصحبة والسبق في الجهاد فهي من أعمال التقوى، وليس لعمل التقوى جزاء مادي في نظر الإسلام، وإنّما الجزاء غداً عند الله.
وفي كلام آخر له وقد طلب إليه أن يرعى عواطف ذوي الامتيازات ليأمن غائلتهم ويضمن إخلاصهم له: «أتأمرونني أن اطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟! والله لا أطور به ـ لا أقاربه ـ ما سمر سمير ـ مدى الدهر ـ وما أمّ ـ قصد ـ نجم في السماء نجماً! لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله!! ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة…»([634]).
وهذا الامتياز لم يكتف الإمام بإلغائه، بل تعدى إلى كل ما لها من امتيازات سابقة فشجبها، وأوقف مختلف الطبقات أمام النظم الإسلامية على صعيد واحد.
وما أروع ما ورد عنه وقد قال له بعضهم: «نحن أعزّة قوم» وكأنّهم يريدون أن يذكّروه بما كان لهم من امتياز: «الذليل عندي عزيز حتّى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتّى آخذ الحق منه…» ([635]).
ومن كلماته «وايم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه، ولأقودن الظالم بخزامته، حتّى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً»([636])
وفي سبيل تحقيق هذا الجانب من عدالته الاجتماعية ما كان يأمر به عماله من المساواة بين رعاياهم، وحرمان خواصهم، وأقربائهم، من كل حق يمس هذه المساواة، فهو يكتب لأحدهم: «أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إن لا تفعل تظلم!! ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده… وليس شيء ادعى إلى تغير نعمة الله، وتعجيل نقمته، من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد…»([637]).
وبالطبع كان لهذه الامتيازات الطبقية رواسب نفسية في أعماق العامة تبغض لهم هذه الطبقات، كما تنفرهم من الحكام لحمايتهم لها.
فمن أجل علاج هذا الجانب النفسي، وتأكيد الروابط بين الرعية وحكامهم، أمر ولاته بالتحبب إليهم، والرأفة بهم، ومن ذلك قوله: «… وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه…»([638]).
فهو ـ كما ترون ـ يوصيه بالتجاوز عنهم، والاغتفار لزللهم؛ لأنهم يؤخذون على الخطأ أخذاً.
ويراد بالخطأ والزلل هنا: الخطأ الذي لا يستوجب حداً من حدود الله، أو حكماً شرعياً خاصاً؛ لما ستعرف عن الإمام من تشدده في إقامة الحدود، وعدم التسامح عنها بحال.
والإمام في هذا الموضع لا يخص بتوصية المسلمين من رعاياه، بل يتجاوز إلى بقية المواطنين من غير المسلمين «إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».
ثمّ يقول في تتمة ذلك الكلام: «وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمّها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية… إلى أن يقول بعد التنديد بالخاصّة: … والعدة للأعداء، العامّة من الأمّة، فليكن صِغوك ـ ميلك ـ لهم، وميلك معهم…»([639]).
وفي ختام هذا الحديث يجيء بليغ قوله لبعض عماله: «وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة…»([640]).
أما شيوع الفقر وهو المعطى الثاني لانتشار الظلم فقد كان له إلى كفاحه عدة طرق ربما تمشت مع احدث النظم الاقتصادية في هذا العصر.
أولها: توفير العمل بتهيئة وسائله ومن ذلك ما جاء في دستوره الخالد: «وليكن نظرك في عمارة الأرض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لان ذلك لا يُدرك إلا بالعمارة…»([641]).
ويقول: «ومن طلب الخراج بغير عمارة، أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلاّ قليلاً… وإنّما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها…»([642]).
فإذا شاركت الدولة في أعمار الأرض فقد توفر العمل للعاملين حتماً، وبتوفره توفّر الخراج، والناس كلهم عيال عليه كما ورد عنه في هذا العهد.
ثانيها: كفاح البطالة بالحث على العمل ـ بعد توفير وسائله ـ وما اكثر ما ورد عن الإمام في ذلك ومن بليغ أوصافه للعاملين: «قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل»([643]).
ثالثها: توزيع الثروة توزيعاً عادلاً، سواء بين العمال وأصحاب العمل، أم بين العمال أنفسهم.
ومن بليغ وصاياه في ذلك: «ثمّ اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى، ولا تضُمَّنَّ بلاء امرئ إلى غيره، ولا تقَصرّنَّ به دون غاية بلائه، ولا يَدْعونّك شرف امرئ إلى أن تُعْظِمَ من بلائه ما كان صغيراً، ولا ضعة امرئ إلى أن تَستَصغِرَ من بلائه ما كان عظيماً…»([644]).
فهو يأمر بإعطاء العامل كلّ ما يستحق، ويوصي بأن:
«لا يقصر به دون غاية بلائه».
كما يوصي أن لا تدخل في حساب العمل والعمال تلكم الامتيازات الطبقية، فيستصغر عمل امرئ لضعة نسبه، ويستعظم عمل آخرين لرفعتهم، فالأجر على قدر العمل، وصاحبه هو مالك الأجر لا غير.
رابعها: الضرب على التلاعب بالأسواق من قبل المستغلين والمطفّفين، ومحتكري قوت الشعب، مما يوجب أن تثري طبقة على حساب بقية الطبقات؛ وبخاصة الضعيفة منها.
ومن أوامره في ذلك لعماله قوله لبعضهم:
«واعلم ـ مع ذلك ـ أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً، وشحاً قبيحاً، واحتكاراً للمنافع، وتحكماً في البيعات، وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة. فامنع من الاحتكار فإن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منع منه…»([645]).
ومن رأيه أن تدخل السلطة شخصاً ثالثاً لتحديد الأسعار، والحد من التلاعب فيها، وذلك قوله في تتمة كلامه السابق: «وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع. فمن قارف حُكرة ـ الاحتكار ـ بعد نهيك إياه فنكّل به، وعاقبه في غير إسراف…»([646]).
خامسها: تجريد أصحاب الملكيات غير المشروعة من ملكياتهم، وأعادتها إلى أهلها الشرعيين، ومن ذلك ما جاء في أول خطبة له:
«أيها الناس إنما أنا رجل منكم لي ما لكم وعليَّ ما عليكم، ألا إن كل قطيعة اقطعها عثمان، وكل مال أعطاه عثمان من مال الله فهو مردود في بيت الله، ولو وجدته قد تُزوج به النساء، ومُلِّك به الإماء لرددته فان في العدل سعة فمن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق»([647]).
وكأنه سلام الله عليه كان ينظر إلى هؤلاء ونظائرهم حين أرسل قولته الخالدة: «فما جاع فقير إلا بما متّع به غني»([648]).
وقولته: «ما رأيت نعمة موفورة إلا والى جانبها حق مضيّع».
سادسها: منع عماله وموظفيه من الإثراء غير المشروع سواء بابتزازهم لأموال الدولة، أم ارتشائهم على حساب بعض الحقوق، وما أعسر محاسبته لعماله في ذلك.
وما أخال أنّ أحداً من هؤلاء سلم من التعرّض لمحاسبته، والتمتع بجزائه من تشجيع على إخلاص، أو تقريع على تقصير، أو إقصاء مع خيانة، وفي نهجه الخالد ما يشير بكثرة إلى أمثال هذه الشؤون.
سابعها: رفع الضرائب عن كواهل الطبقة الضعيفة، ممن لا تملك ضرورة ما تحتاج إليه من زاد أو كساء، أو أداة عمل، ومن ذلك ما جاء في كتابه السابق: «ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعتملون عليها…»([649]).
وبالطبع إن هذه الإجراءات ونظائرها لا تستأصل الفقر من أساسه وإنما تعمل على تقليصه، فهناك من لا يقوى لمرض أو شيخوخة أو صغر، ولا ينهض عمله بسد حاجته لكثرة في عياله، وربما كان فيهم من يقوى على العمل ولا يتوفر لديه مجاله.
ولمثل هؤلاء شرع الإسلام مبدأ الضمان الجماعي، وكفل لهم ذلك في أيام حكمه، ففي عهده لمالك الاشتر:
«… الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين، وأهل البؤس والزّمنى ـ أرباب العاهات المزمنة ـ فان في هذه الطبقة قانعا أو معترا ـ سائلا ومتعرضا للعطاء بلا سؤال ـ واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسما من بيت مالك، وقسما من غلات صوافي الإسلام.. ثم يقول: وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه…»([650]).
وقد لاحظ الإمام أن أكثر هؤلاء لا يمكن أن يصلوا إلى الولاة بحوائجهم، لما يتركه الفقر في نفوسهم من ضعف، فأمر في تشكيل لجنة لتتبعهم، ورفع أمرهم إلى المعنيين بالأمر.
وقد جاء في كتابه السابق: «وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممّن تقتحمه العيون ـ تزدريه ـ وتَحْقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثمّ اعمل فيهم بالإعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه، فإنّ هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم…»([651]).
وأضاف الإمام ـ فيما يحدث المؤرخون ـ فوضع بيتاً سمّاه (بيت القصص)[652]) يلقي فيه الناس رقاعهم لتحمل حاجاتهم إلى الإمام.
وهذا الضمان لا يتناول ـ بحكم الإسلام ـ من يتوفر لديه العمل ويقوى عليه، ثم لا يعمل حباً بالبطالة، فان أمثال هؤلاء يعتبرهم الإسلام أغنياء، ويحرمهم من هذا الضمان.
والغني في عرفه من كان يملك قوت سنته أما بالفعل أو القوة، وهؤلاء يملكونها بالقوة لقدرتهم على العمل وتوفره لديهم.
وهذا هو السر في قصر الإمام هذا الضمان على الأصناف التي عدها في كلامه، وليس فيها ما يشمل نظائر أولئك من الأغنياء.
ووجود الفئات العاجزة عن العمل، وشعورهم به، لا بد وان يحدث في أعماقهم عقدا نفسية يحتاج مثلها إلى علاج.
وكان للإمام عدة طرق في علاجها نذكر منها طريقين مهمين:
1ـ تهوينه من شأن الفقر واعتباره ظاهرة طبيعية لا تنقص من وزن صاحبها، وربما رفعت قدره في أخراه.
وكان يضرب لهم الأمثال بعظماء من البشر كأنبياء الله موسى وعيسى ومحمد (صلّى الله عليه وآله) كانوا كلّهم من الفقراء، فلو كان الفقر سبة لما اتّصف به أنبياء الله.
وقد كان لهذا الكلام ونظائره أثره الكبير في نفوسهم نظراً لتحكّم القيم الروحية في مجتمعهم وعظم الإمام صاحب أغنى رصيد روحي في نفوسهم، وعلى هذا ينزل جملة ما ورد في كلامه من الثناء على الفقر والفاقة ثمّ بهذا يجمع بينه وبين ما ورد في كلماته الأخر من ذم الفقر والحثّ على الابتعاد عنه بالعمل مهما كلف الحال.
2ـ مشاركة إمامهم الوجدانية لهم، بمواساتهم في خشونة العيش، والتشبه بهم في لباسه، ومأكله، وما إلى ذلك من لوازم الفقر، وربما كان أعظم أثرا من سابقه قال (عليه السلام): «ولو شئت لاهتديت الطريق، إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز. ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ـ ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع ـ أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى أو أكون كما قال القائل:
وحسبــك داءً أن تبيت ببطنةٍ
وحولك أكبادٌ تحن إلــى القِدْ
أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش!! فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة، همها علفها…»([653]).
وأي فقير يرى هذه المشاركة من إمامه فلا تزول عن أعماقه رواسب ما تركه الفقر فيها من آثار، وهكذا عمّ في عدالته الاجتماعية جملة رعاياه.
محمد تقي الحكيم
الحِسْكة
الحِسْكة: بكسر الحاء وسكون السين كما ينطق بها أهل اللسان الدارج، ويقلبون الكاف جيماً فارسياً «حِسْجّة» وليس لها استعمال في اللغة العربية الفصحى، وهي عبارة عن أراضٍ واسعة تقع في وسط الفرات الأوسط تبتدي من غرب الديوانية وتمتدّ إلى قضاء السماوة شرقاً، وإلى قضاء عِفَكْ شمالاً، وأشهر عشائرها جليّحة وسائر عشائر عِفَكْ، قامت بها بعض البلدان وأخذت بنصيب وافر من العمران، وأشهر أنهارها المتفرعة من الفرات: «شَط (خَنْجَرْ) وشَط (الفوار)، وهما اليوم من الأنهار الداثرة، و(الحِسْكَةُ) من الأسماء الحادثة في القرن الحادي عشر الهجري، وأهلها أَهلِ فهم ومعرفة يُقال في المثل: فلان حِسچاوي أي يفهم ويعرف ويدرك الأمور لنباهته.
وكانت (الحِسْكَةُ) مأوى قبيلة الخزاعل ثمّ أخذت بالزوال من جرّاء حروب الخزاعل مع العثمانيين المحتلين الذين هدموا جملة من بيوتها ثمّ زالت، وفي قربها مدينة (الديوانية) القديمة التي كانت على ضفة الفرات اليمنى الواقعة غربي الجانب الصغير مركز محافظة الديوانية الحالية، و(لملوم) قرية من توابعها كانت على الضفة اليسرى بين (الديوانية) ومدينة (الرُّميثةَ) أخذت حظها من العمارة، وقضى على سكان الحِسْكَةُ الطاعون في القرن العاشر والحادي عشر الهجري، ولم يبق من آثارها سوى الأطلال الدائرة، وهاجر الباقون من أهلها، فأنشؤوا مدينة الشنافية، وهي اليوم ناحية عامرة تابعة إدارياً إلى قضاء الشامية.
حيدر آباد ـ الدكن
تعتبر مدينة حيدر آباد ـ الدكن من أهم حواضر الهند الحالية، وقد اقترن اسمها بكلمة «الدكن» تمييزاً لها عن مدينة حيدر آباد ـ السند. وهذه الأخيرة من مدن الباكستان وتقع في ولاية السند. أسّسها البلوش في حوالي القرن الثامن عشر الميلادي أي بعد تأسيس حيدر آباد ـ الدكن بنحو قرنين من الزمان.
أمّا كلمة «الدكن» فمشتقة من الكلمة السنسيكريتية (دكشنه) ومعناه الجنوب. والدكن في إطلاقها على الهند تدلُّ من حيث الاشتقاق على القسم الجنوبي بأسْرِه. وكان يحكم هذه البلاد قديماً مملكة تُعرف باسم موريا الهند الشمالية، وبعد اضمحلال سلطانها حكمتها أُسر محلية عدّة.
وظهر المسلمون أوّل ما ظهروا في الدكن عام 1249م عندما أغار علاء الدين الخلجي على بعض قبائل الدكن وأجبرها على دفع الجزية، ثمّ اتّسعت الفتوحات الإسلامية على عهد محمد بن تغلق. ومنذ عام 748هـ (1347م) إلى عام 932هـ (1525م) حُكمت الدكن بواسطة السلاطين البهمنيين. وكان أوّلهم علاء الدين حسن كانكو بهمن شاه ظفر خان.
المملكة القطب شاهية
هي مملكة شيعية تأسّست هذه المملكة على أنقاض المملكة البهمنية. ومؤسسها هو السلطان قلي ابن الأمير أويس قلي قطب الملك أحد أمراء التركمان الذين حكموا العراق وقد هاجر إلى الهند، وأسّس مملكة واسعة الأرجاء باسم (القطب شاهية) استمرّت منذ سنة 890هـ حتّى سنة 1099هـ أي ما يزيد على القرنين توالى على العرش خلالهما هؤلاء السلاطين:
1 ـ سلطان قلي قطب الملك: مؤسس المملكة، حكم بين (918هـ ـ 950هـ) إلى 2/9/1543م.
2 ـ جمشيد: حكم من 2/9/1543م الى22/1/1550م.
3 ـ سبحان: حكم من 22/1/1550م إلى 27/7/1550م.
4 ـ إبراهيم: حكم من 27/7/1550م إلى 5/5/1580م.
5 ـ محمد قلي: حكم من 5/5/1580م إلى 11/1/1612م.
6 ـ سلطان محمد: حكم من 11/1/1612م إلى 30/1/1626م.
7 ـ عبدالله: حكم من 1/2/1626م إلى 21/4/1672م.
8 ـ أبو الحسن تانا شاه: حكم من 21/4/1672م إلى 17/9/1687م.
تأسيس حيدر آباد وتسميتها
اشتهرت مدينة كلبركة Gulbarga عاصمة للمملكة البهمنية لثمانين سنة تقريباً، ثمّ اتخذوا بعدها (بدر) Bidar عاصمة لهم، ولما أقام القطب شاهيون مملكتهم اتخذوا من كولكنده عاصمة لهم. وعلى عهد الملك محمد قلي قطب شاه (972ـ1021هـ) أسّست مدينة حيدر آباد، وكان هذا الملك من المولعين بالفن والعمارة الإسلامية حتّى أنّه أنفق الأموال الطائلة على تخطيط حيدر آباد وتزيينها وتشييد الجامعات والمساجد والحدائق والقصور والمارستانات، فجعلها حاضرة رائعة وعاصمة للمملكة منذ سنة 1000هـ (1591م).
أمّا تسميتها بهذا الاسم فجاءت تيمّناً بالإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام) إذ كان المؤسّس من الشيعة المخصلين، وكلمة حيدر من أسماء الإمام علي المختصة به، وقد أطلقته عليه أمّه فاطمة بنت أسد.
تقع حيدر آباد على ارتفاع 536 متراً عن سطح البحر، يحدّها شمالاً برار والولاية المركزية وغرباً مهاراشترا وجنوباً وشرقاً تامل نادو. ومساحتها 82698 ميلاً مربعاً، وقد شُيّدت على ضفتي نهر موسى على بُعد 533 ميلاً عن مدينة مدراس. وتعتبر اليوم من أكبر مدن الهند وعاصمة لولاية أندرا برديش ومن أهم مراكز البحث والدراسة والصناعة في الهند.
وتتميز المدينة بمظهر فريد ببحيراتها وصخورها البركانية، وتعتبر بحيرة «حسين ساكَر» التي تفصل حيدر آباد عن إقليم سكندر آباد أعجوبة هندسية ملفتة للنظر حيث تملؤها المياه طوال العام على الرغم من عدم وجود نهر يصبُّ فيها، وعلى ضفافها العريضة الجميلة تحلو النزهات مساء وينشط فيها محبو الرياضة صباحاً، وقد نصبت هناك تماثيل تذكارية لأعلام من حيدر آباد، وتشرب المدينة من مياه بحيرتي «حمايات» و«عثمان» الواقعتين في الضواحي القريبة، وممّا يلفت الانتباه في تلك المناطق الصخور البركانية المنتصبة في السهول وهي على وضعها السرمدي منذ اللحظة التي ولدت فيها ولفظتها تلك الأرض المعطاء. وقد أحسن السكان المحليون الإفادة من عطاء الطبيعة فبنوا بيوتهم حول تلك الصخور ذات المظهر المتميز وأقاموا الأكواخ بينها فبدت وكأنّها تتمة طبيعية لذلك المنظر المهيب. وفي مرتفعات بانجارا ساعدت الصخور على تطوير أشكال معمارية جديدة في بناء البيوت التي انتشرت حول الصخور لتشكل معها منظراً آسراً أخاذاً.
وكأي مدينة عريقة تضمّ حيدر آبادر في جانبها المعاصر العديد من المعاهد ومراكز البحث والدراسة، حيث تتبوأ، كما في العراقة والتاريخ والجغرافيا، طلبة البحث العلمي والأكاديمي. ففيها المعهد المركزي لتعليم اللغات الأجنبية وجامعة حيدر آباد والجامعة العثمانية ومركز الدراسات الأميركي ومركز الدراسات الآسيوية وكلية الموظفين الإداريين. وعلى مشارفها أقيم المعهد الدولي لأبحاث المناطق الاستوائية شبه الجافة. كما تضمّ كلية الشرطة ومعهد تدريب الطيارين المدنيين. وفي الجانب الصناعي تضمّ مختبر وزارة الدفاع للأبحاث والتطوير ومركز «هاريكوتا» للاتصالات بالأقمار الصناعية ومجمع «بهارات» للصناعات الإلكترونية الثقيلة ومجمع «هندوستان» لإنتاج الآلات الصناعية.
وفي حيدر آباد اليوم معالم حضارية تشهد على عراقة هذه العاصمة التاريخية، فبالإضافة إلى المساجد الضخمة والعمارات العتيقة والقصور الفارهة التي خلفها ملوك وأمراء حيدر آباد هناك أيضاً الكنوز الرائعة التي تركوها في خزائنهم، وجرى بعد ذلك وضعها داخل العديد من المتاحف التي تعتبر من أهم المتاحف العالمية، ومن بينها مُتحف «سالارجنك» الذي يحوي على مقتنيات نواب سالارجنك الثلاثة ويعتقد بأنّها أبدع وأروع مختارات شخصية في العالم، وتحتوي صالات المتحف الست والثلاثون على كنوز آسرة ساحرة.
ومن ذلك مجموعة من التماثيل التي تشتمل على ريبيكا المحجبة، وميفيستوفلز ومرغريتا. والمنمنمات، ونقوش الأرابيسك، والمخطوطات العربية النفيسة، ومختارات لا تقدر بثمن من الزمدر والزبرجد والعاج والبرونز والأسلحة المرصّعة بالجواهر ومن بينها سيوف مرصّعة بالألماس تعود إلى عائلة نواب الحاكمة.
ويعدُّ مبنى چهارمنار (المنارات الأربع) من أشهر المعالم العمرانية في حيدر آباد. بناه الملك محمد قلي قطب شاه ليكون جامعة عربية إسلامية، وهو مرتفع البناء جدّاً يحتوي على أربع مآذن ولهذا عُرف باسم جار منار Charminar. وجار بالهندية تعني «أربعة». ويقع في وسط المدينة. ويوازي في شهرته تاج محل المشهور في أكَرا. وفي أعلاه مسجد عجيب العمارة. جميل الهيئة، مزين بالكتابات العربية، بديع الزخارف، آية في الفن والإبداع، وقد صرف مؤسسه عليه سبعة لكوك أي ما يوازي سبعمائة ألف روبية هندية في وقته. وأرّخ بعض الشعراء عام الانتهاء من عمارته بقول «يا حافظ» الموافق لسنة 1000هـ (1591م).
چهار منار في حيدر آباد
ومن المعالم الأخرى المهمّة في المدينة «مسجد مكة» وهو من أبرز وأوسع المساجد في عموم الهند. وهناك باد شاهي عاشور خانه أي الحسينية الملكية وقد أسّست سنة 1003هـ (1594م).
المسجد الجامع
وعبر نهر كريشنا. في نكارجونا سكر، وفي ظلال أطول سدّ في العالم تقوم حفريات أثرية لمدينة مفقودة يعود تاريخها للقرن الثالث. وقد ذُكرت وارنكال التي تبعد عن حيدر آباد مسافة 175 كلم في مذكرات ماركو بولو، واشتهرت بموقعها السياحي لوجود النصب التذكاري ذي الألف عمود المشيد سنة 1163م. وتبعد يشاكبتنام ـ أو ويزاك كما يطلق عليها ـ عن حيدر آباد مسافة 638 كلم وهي ميناء بحري هام على الساحل الشرقي، كما أنّها أيضاً منتجع بحري شعبي.
ومن الآثار التاريخية الأخرى: نيني باغ، رنكَين محل، دار محل، محمدي محل، جندن محل، حسيني محل، جعفري محل، جار كمان، كلزار حوض جامع مسجد، موتي مسجد، دار الشفاء وهو من الأمكنة القديمة في المدينة وفيها بيوت الأسر العريقة من العلماء وعدد من المراقد أو المشاهد المقدسة لعامّة الشعب، ومن ذلك المزار المسمّى (سرطوقه شريف) ويحتوي على السلسلة التي يُقال إنّه قُيّد فيها الإمام زين العابدين (عليه السلام) في واقعة كربلاء. وعلى مسافة قريبة من هذه المحلة مقبرة شهيرة جُلب إليها التراب من مدينة كربلاء وفيها مشاهد عدد من الأولياء أشهرهم الولي المعروف (شاه چراغ).
وتقع إلى الغرب من حيدر آباد قلعة كولكنده وهي قلعة ضخمة جدّاً كانت مقراً لسلاطين القطب شاهية، وتمتاز بأبنية عسكرية محصنة، وهي أشبه بمدائن صغيرة متكاملة في رقعة واحدة فيها القصور والدور والدوائر الرسمية والمساجد والحسينيات والآبار والمزارع وكلّ ما كان يرتبط بحياة الناس من مظاهر القوّة ومقارعة الأعداء. وكان يسكنها الكثير من علماء العرب والفرس الذين استقدمهم الملوك القطب شاهية. وقد صمّم لها أحد أولئك العلماء نظاماً سماعياً فريداً من نوعه حيث أن القرع اليدوي على البوابة يمكن أن يسمع صداه مكرراً داخل جدران القلعة. وخارج بوابات القلعة يوجد طريق رملي يقود إلى مقابر الملوك القطب شاهية.
وقامت المملكة الآصفية بعد فترة من انقراض المملكة القطب شاهية، وقد أسّسها النواب مير قمر الدين خان بهادر آصف جاه الأوّل الذي توفي سنة 1161هـ (1748م) واستمرّت أسرته في الحكم في العاصمة حيدر آباد حتّى آخر سلاطينها النواب مير عثمان خان بهادر آصف جاه السابع الذي استمرّ في الحكم حتّى سنة 1948م بعد تقسيم شبه القارة الهندية. وكان المير عثمان من أغنى أغنياء العالم في عصره. وكانت إحدى زوجاته الأميرة درشهوار كريمة الخليفة العثماني عبد المجيد وكان جيشه خليطاً من الترك والفرس والأحباش والعرب بالإضافة إلى الهنود، لكن الغلبة فيه للعرب إذ كانوا يؤلفون الأفواج الأوّل والثاني والثالث وفوج قلعة كولكنده وميسرام وغيرها، إضافة إلى جيش عربي بلغ نحو إثني عشر ألف جندي من البدو.
وحتّى الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، كان الناظر إلى هؤلاء العرب في حيدر آباد وهم منتشرون في أسواقها يخيّل إليه أنّه في إحدى البوادي العربية يزيّن كلّ واحد منهم الخنجر العربي. والعرب على العموم كانوا أمناء الدولة على جميع خزائنها في جميع ولاياتها ومنهم الحرس السلطاني وحراس الأمراء وحراس النوابين والراجوات الهنود التابعين للسلطنة الآصفية، والأمناء على صرف خاص مبارك وحراس أمراء الباي كاه أي الباب العالي ويبلغ عددهم نحو 52000 ولهم امتياز خاص في مسائل القضاء والعدالة مثل أنّه لا تنطبق عليهم قاعدة عدم سماع الدعوى بعد مرور ثلاثة أعوام عليها. أمّا اليوم فإنّ جميع العرب قد «تهندوا» وأصبحت الأجيال الجديدة لا تعرف من العربية إلاّ النزر القليل. وقد أهدى إلينا أحدهم مجلة بعنوان «العرب» لكنّها مكتوبة باللغة الهندية المحلية المعروفة باسم «التلكَو».
وكثير من السواح يقصدون المدينة للاطلاع على خزائن الكتب النفيسة فيها التي تحتوي على آلاف الكتب العربية المخطوطة. ومن بين أهم المكتبات: مكتبة متحف سالارجنك الوطني Museum and Library National Salar Jung وهي تابعة لوزارة التعليم والثقافة في دلهي. ومكتبة حكومة الولاية للمخطوطات الشرقية (الآصفية سابقاً) A. P. Government Oriental Manuscripts and Searches Library Institute ومكتبة الجامعة العثمانيةLibrary Osmania University ومكتبة الجامعة النظاميةNizamia University Library والمكتبة السعيدية Saidia Library.
ولعل المجوهرات أكثر الموضوعات فتنة عبر التاريخ كلّه، فهي مرتبطة بالحضارة منذ أقدم العصور، وحديث الناس عنها أبداً متجدّد لأنّها الرمز الأبدي للسلطان والمال معاً. وممّا أنعمه الله على الهند أنّها كانت أوّل مكان اكتُشف فيه الألماس. وكان الهنود أوّل من فطن إلى إمكان صقل الألماس باستخدام مسحوق الألماس نفسه. ولعل منجم حيدر آباد من أقدم المناجم الألماسية بل أشهرها في العالم وذلك لتميّزه بالجوهرة الفريدة في عالم الالماس المعروفة باسم «كوه نور» المستخرجة من «كوه نور» أي جبل النور. والذي كان ضمن ممتلكات المملكة القطب شاهية بحيدر آباد ومن موارد زهوها وغناها. ثمّ تنقلت تلك الألماسة من خزانة لأخرى حيث كان جميع ملوك الدنيا يحلمون بامتلاكها. وتمّ صفلها أيام الإمبراطور المغولي أورنك زيب فقلّ وزنها إلى 279 قيراطاً. ثمّ تداولتها الأيدي إلى أن انتقلت إلى الملك أحمد شاه الإبدالي ثمّ خليفته الملك تيمور فالملك شجاع فملك السيخ رانجيت سنك. وفي 3 حزيران (يونيو) 1850 صادرها الإنكليز مع غيرها من الجواهر الهندية الثمينة، ثمّ عرضت للجمهور في معرض حاشد بإنكلترا سنة 1852 وفي نفس السنة قُدمت هذه الجوهرة هدية للملكة فكتوريا التي كانت ترتديها على اعتبار أنّها من ضمن ممتلكاتها الشخصية وعلى هذا الأساس توارثتها أسرتها… وهكذا استقرّ مطاف جوهرة حيدر آباد في تاج ملكة بريطانيا.
لكن حيدر آباد لم تخل من جواهر أخرى من كافة الأحجار الكريمة.
محمد سعيد الطريحي
(راجع: القطب شاهية)
الخلافة
الذي يعرفه علماء الاجتماع ومتكلّمو المسلمين أنّ وجود النظام ضرورة لازمة لحفظ الاجتماع، وعَدَمَه يعني الفوضى التامّة.
وقد عبّر ابن خلدون عن هذا النظام بأنّه: «قوانين سياسيّة مفروضة يُسلّمها الكافّة وينقادون إلى أحكامها، فإذا خَلَت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتبّ أمرها ولم يتمّ استيلاؤها {… سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ…} [الأحزاب: 38]([654]).
ورأى ابن حزم أنّ ذلك معلوم بضرورة العقل وبديهته، وأنّ قيام الدين ممتنع غير ممكن إلاّ بالإسناد إلى واحد ـ (إمام) (خليفة) ـ يكون على رأس هذا النظام([655]).
فما هو موقف الإسلام من هذه الضرورة؟
إنّها لمن دواعي الاستغراب أن تكون الضرورة وسنّة الله في خلقه هي مفترق الطرق بين المسلمين!.
هل تفاعل الإسلام ـ كدين ومنهج للحياة ـ مع هذه الضرورة، سنّة الله في خلقه؟
الإسلام الذي تشعّبت أحكامه وتشريعاته حتّى استوعبت الجزئيّات الصغيرة في حياة الإنسان، هل نتوقّع أنّه أهمل أوّل الضرورات وأهمّها؛ ضرورة حفظ المجتمع وحفظ الدين وإقامة حدوده وأحكامه؟
إنّ فريقاً كبيراً منّا يقول: نعم، أهمل الإسلام ذلك.
عندئذٍ أوقف هذا الفريق نفسه أمام الحاجة الملحّة إلى مَلء هذا الفراغ الكبير في النظام الإسلامي.
فالإسلام الذي أخذ على عاتقه تنظيم حياة بني الإنسان كافّة إلى يوم القيامة سيأتي بفراغ كبير حين لا يقدّم جواباً محدّداً لأوّل أسئلة الحياة والمجتمع والشريعة([656]).
وأمام هذه الحاجة الملحّة قالوا: نعم، إنّ الإسلام قد ترك هذا الأمر للأمّة، تختار لنفسها ما تراه الأصلح لحفظ نظامها وحفظ الشريعة، فعندئذٍ لا يعدّ هذا إهمالاً.
وهنا يتصدّر سؤال جديد، يقول: ما هي الضوابط اللازم توفّرها لضمان شرعية ما تختاره الأمّة؟
فمن البديهي أنّ (نظام الحكم) موضوع مشترك بين الإسلام وغيره من الأنظمة، سماوية كانت أو أرضية، إنّما الذي يميّزه عن غيره هو هذه النسبة الملحقة به (إسلامي). فكونه إسلامي يعني بالضرورة أن يكون محدّداً بمبادئ الإسلام وأحكامه، فمن هنا فقط يستمدّ إسلاميّته، لا من هوية الشخص الحاكم.
أمام هذا السؤال برز أفق جديد، حين أسند الأمر هنا بالكامل إلى الواقع التاريخي للأمّة في عصر الصحابة، ورغم أنّ الكلام هنا سيدور على نفسه، إذ يصبح اختيار بعض الأمّة هو الدليل على شرعيّة ما اختاروه، رغم ذلك فهو قول لا مناص منه!
وبهذا أصبح الواقع التاريخي للأمّة ـ كما سيتّضح قريباً ـ جزءاً من الدين، ومصدراً من مصادر العقيدة.
وأصبح الواقع الذي يسود في الأمّة، والقرار النافذ الذي يتّخذه الخليفة، جزءاً من الشريعة يجب أن ننظر إليه كما ننظر إلى السنّة النبويّة.
وهذا المبدأ هو الذي شكّل السبب المباشر ـ ولو ظاهراً ـ في إقصاء عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) عن الخلافة يوم الشورى، إذ عرض عليه عبد الرحمن بن عوف البيعة على كتاب الله وسنّة رسوله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر، فلمّا أظهر عليّ (عليه السلام) اعتقاده بالالتزام بكتاب الله وسنّة رسوله وحسب، وبأنّه غير ملزم باتّباع سيرة الشيخين لأنّها ليست من مصادر الشريعة، عندئذٍ رأى ذلك الفريق أنّ هذا الاعتقاد يعدّ مبرّراً كافياً في إقصاء صاحبه عن الخلافة وإسنادها إلى رجل آخر يتعهّد بالتزام ذلك الشرط مصدراً ثالثاً مع الكتاب والسنّة([657]).
إذن دخلت سياسة الأمر الواقع في التقسيم العملي لمصادر التشريع، وبالخصوص في مجال النظام السياسي الإسلامي، كما في المثال السابق، وكما في الأعمّ الأغلب من تفاصيل هذا النظام كما سنرى…
فحين جُعل اختيار الإمام ـ رأس النظام السياسي وفاتحة مساره المُقبل ـ منوطاً بالأمّة، فلا بدّ من مزيد بيانٍ وتحديد، فما معنى أنّ الأمر منوط بالأمّة؟
هل يعني أن تجتمع الأمّة بكامل أفرادها على رجل واحد في وقت واحد لتتمّ له البيعة فتصحّ خلافته؟
ـ ذهب إلى هذا بعض المعتزلة ـ كأبي بكر الأصمّ والهشامية ـ ولكن لم يوافقهم عليه أحد لأنّه أمر لم يتحقّق قطّ، ولا يمكن تحقّقه في الواقع بحال من الأحوال، فهو تكليف ما لا يطاق.
لذا، خفّف آخرون من شدّة ذلك، فقالوا: إنّ المراد بالأمّة هنا فضلاؤها من كلّ بلد ومدينة، لا سائر أفرادها.
ـ لكنّ هذا الرأي هو الآخر لم يحظ بالقبول لأنّه لم يكن له في الواقع مصداق، بل رأى البعض فساد هذا الرأي لأنّه لا بدّ من ضياع أمور المسلمين قبل أن يُجمع جزء من مئة جزء من فضلاء أهل البلاد الإسلامية المتعدّدة الأطراف([658]).
وإلى هنا لم يكن لهذه الآراء دليل من الشرع ولا من الواقع.
ـ أمّا الجمهور فذهب إلى أنّ الإمامة تنعقد باختيار أهل الحلّ والعقد فقط، لا جميع الأمّة ولا جميع فضلائها.
مَن هم أهل الحلّ والعقد؟
سؤال كبير يواجه النظرية الأخيرة، تتفرّع منه أسئلة أخرى.
فمن هم أهل الحلّ والعقد؟
ما هي مواصفاتهم؟ ومَن الذي يتولّى اختيارهم؟ وكيف يتمّ اختيارهم؟ وكم يكون عددهم؟ وما هي حدود صلاحياتهم؟ وما هو الأسلوب الذي سيعتمدونه في انتخاب الخليفة؟
ليس هناك نصّ من الشرع ولا شيء من السيرة النبويّة يمكن الرجوع إليه في الإجابة على شيء من هذه الأسئلة، من هنا تعدّدت الإجابات وتناقضت، ومع ذلك فإنّ أيّاً منها لم يقدم حلاً شافياً لتلك الأسئلة…
ـ فبعضهم قال: لا تنعقد الإمامة إلاّ بجمهور أهل الحلّ والعقد من كلّ بلد، ليكون الرضا بهم عامّاً، والتسليم لإمامته إجماعاً.
ـ وردّه الآخرون، فقالوا: هذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها، ولم يُنتَظر قدوم غائب عنها.
ومن هؤلاء من قال: أقلّ ما تنعقد به الإمامة خمسة من أهل الحلّ والعقد يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة، واستدلّوا لذلك بأمرين:
الأوّل: أنّ بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثمّ تابعهم الناس فيها. والخمسة هم: عمر بن الخطّاب، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسالم مولى أبي حذيفة، وأسيد بن خُضير، وبشير بن سعد.
والثاني: أنّ عمر بن الخطّاب جعل الشورى في ستّة ليُعقد لأحدهم برضا الخمسة.
ومنهم من قال: بل تنعقد بثلاثة، يتولاها أحدهم برضا الاثنين، ليكونوا حاكماً وشاهدين، كما يصحّ عقد النكاح بوليّ وشاهدين.
ومنهم من قال: بل تنعقد بواحد، لأنّ العبّاس قال لعليّ (عليه السلام): امدُد يدك أبايعك، فيقول الناس: عمّ رسول الله بايع ابن عمّه. فلا يختلف عليك اثنان. ولأنّه حكم، وحكم واحد نافذ([659]).
والاضطراب واضح في هذه الإجابات، ومصدره رجوعها إلى الأمر الواقع في وجوهه المختلفة، وإلى أقيسة غير صحيحة لاختلاف الموضوع بين عقد الخلافة وعقد النكاح أو حكم الواحد.
ـ وقد كشف ابن حزم عن فساد هذه الآراء في أثناء عرضه لها، وقال: كلّ قول في الدين عريّ عن دليل من القرآن أو من سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو من إجماع الأمّة المتيقّن فهو باطل بيقين، قال تعالى: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}([660]) فصحّ أنّ مَن لا برهان له على صحّة قوله فليس صادقاً فيه([661]).
ثمّ قال: فإذا قد بطلت هذه الأقوال كلّها فالواجب النظر في ذلك على ما أوجبه الله تعالى في القرآن والسنّة وإجماع المسلمين، كما افترض علينا عزّ وجلّ إذ يقول: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ}([662]).
ولكن ابن حزم حين أبطل هذه الآراء كلّها لأنّها كانت عريّة عن الدليل الشرعي، لم يُفلح في إيجاد البديل المتماسك كما سنرى ذلك في محلّه من هذا الفصل.
وجوه تعيين الخليفة
هذه المسألة الكبرى في نظام الدين والدنيا كيف تجد لها حلاً حين يغفلها التشريع بمصدريه الرئيسين ـ القرآن والسنّة ـ ويفوّض أمرها إلى الأمّة؟
فهل هناك قاعدة ثابتة تستند إليها الأمّة في تعيين الخليفة؟
وما مدى شرعية هذه القاعدة؟
الحقّ أنّنا لم نقف من خلال هذه النظرية على قاعدة واحدة محدّدة المعالم اعتمدتها الأمّة في اختيار الإمام لتكتسب شرعيّتها من الإجماع، وإنّما وجدنا أساليب مختلفة لا يترجّح أحدهما على الآخر بدليل شرعي.
عندئذٍ وجدنا أنفسنا مضطرّين إلى قبول تلك الأساليب كلّها، لا لكونها مؤيّدة بدليل من الشرع، بل لأنّها قد حصلت في الفترة المتقدّمة من تاريخ الأمّة، أي في عهد الصحابة، مع أنّها كانت عريّة عن دليل الإجماع أيضاً…
فقالوا: هناك ثلاثة وجوه لتعيين الخليفة:
الوجه الأوّل: اختيار أهل الحل والعقد، ويطلق عليه (نظام الشورى) أيضاً.
لكنّ نظام الشورى هذا لم يتّخذ شكلاً واحداً عند الصحابة، لذا فقد فصّلوا فيه تبعاً لذلك الاختلاف، فقالوا الشورى على شكلين:
الأوّل: نظام الشورى ابتداءً، كما حدث في بيعة أبي بكر وعليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
والثاني: نظام الشورى بين عدد يعيّنهم الخليفة السابق، كما صنع عمر .
الوجه الثاني: العهد.
وهو أن ينصّ الخليفة قبل موته على مَن يخلفه. وقد اتّخذ هذا العهد أشكالاً ثلاثة:
الأوّل: أن يعهد الخليفة الى واحد، كما صنع أبو بكر في عهده الى عمر.
الثاني: أن يعهد الى جماعة يكون الخليفة واحداً منهم، كما صنع عمر في عهده الى ستة نفر ينتخبون الخليفة القادم من بينهم.
الثالث: أن يعهد الى اثنين فأكثر ويرتّب الخلافة فيهم بأنّ يقول: الخليفة من بعدي فلان، فإذا مات فالخليفة من بعده فلان، وفي هذا النظام تنتقل الخلافة بعده على الترتيب الذي رتّبه، كما عهد سليمان بن عبدالملك الى عمر بن عبدالعزيز بعده، ثمّ الى يزيد بن عبدالملك، وكذلك رتّبها هارون في ثلاثة من بنيه: الأمين، ثمّ المأمون، ثمّ المؤتمن([663]).
الوجه الثالث: القهر والاستيلاء أو الغَلَبة بالسيف([664]).
قال الإمام أحمد: «ومن غلبهم بالسيف حتّى صار خليفة وسمّي أمير المؤمنين فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، برّاً كان أو فاجراً».
وعند وجود إمام مستقرّ ثمّ يخرج عليه آخر طلباً للملك، فقد قال الإمام أحمد: «الإمامة لمن غلب» واحتجّ لذلك بأنّ ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن الحرّة، وقال: «نحن مع من غلب»([665]).
والأمر مطّرد، فلو ثبتت الإمامة لواحد بالقهر والاستيلاء، فيجيء آخر ويقهره ويستولي على الأمر ينعزل الأوّل ويصير الإمام هو الثاني([666]).
وظاهر جدّاً أنّ هذه النظرية إنّما هي نظرية تبرير، لا نظرية تشريع.
إنّها نظرية تبرير الواقع واضفاء الشرعية عليه والدافع الوحيد الى هذا التبرير هو اعفاء الصحابة من تهمة العمل في هذا الأمر الخطير بدون دليل من الشرع، واعفاؤهم ممّا ترتب على ذلك من نتائج.
ولأجل ذلك ظهر في هذه النظرية من التكلّف والتعسّف ما لا يخفى، ومن ذلك:
1 ـ أنّ أيّاً من هذه الوجوه الثلاثة لا يستند الى دليل شرعي البتة، ولم يعرفه حتى فقهاء الصحابة قبل ظهوره على الواقع . ومن هنا طعن ابن حزم هذه الوجوه كلّها كما تقدّم.
2 ـ إنّ مبدأ الشورى المذكور في الوجه الأوّل والمأخوذ من بيعة أبي بكر، لم يكن قد تحقّق في البيعة، وليس لأحد أن يدّعي ذلك بعد أن وصفها عمر ـ في خطبته التي رواها البخاري وغيره وأصحاب السير ـ بأنها كانت فلتة، عن غير مشورة!.
ولم يكن هذا قول عمر وحده، بل كان يقيناً في أذهان الصحابة وعلى ألسنتهم، لذا قال بعضهم: لئن مات عمر لأبايعنّ لفلان، فما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة.
فلمّا بلغ عمر ذلك لم ينكره بل أكّده، فقال: «لا يغترَّنَّ امرؤ أن يقول إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألا إنّها قد كانت كذلك، ولكن وقى الله شرّها»([667])!.
وشتّان بين الشورى والفلتة!.
والغريب أنّ عمر قد نهى عن تكرار مثل تلك البيعة، وحذّر من العودة لمثلها تحذيراً شديداً خشية أن يكون عاقبتها القتل، فقال: «فمن بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرّة أن يقتلا».
إنّه يقول: «من عاد لمثلها فاقتلوه»([668])!!.
وفي هذا وحده دليل كافٍ على إلغاء صفة الشرعيّة عن تلك البيعة، فإنّما هي بيعة ساقتهم إليها الأحداث، فلا يصحّ العودة لمثلها بحال.
وهكذا رآها أبو عليّ الجُبّائي والقاضي عبد الجبّار، فقالا: إنّ الفلتة ليست هي الزلّة والخطيئة، وإنّما تعني البغتة من غير رويّة أو مشاورة، ويقصد عمر بقوله: «من عاد إلى مثله فاقتلوه» أنّ من عادَ إلى الطريقة التي تمّت بها البيعة لأبي بكر من غير مشاورة أو عذر ولا ضرورة، ثمّ طلب من المسلمين البيعة، فينبغي قتله([669]).
هذا ما كان يعرفه الصحابة وكثير غيرهم عن تلك البيعة إذن…
أمّا عامّة المتأخّرين فكأنّهم قد عزّ عليهم أن ينظروا إليها بتلك النظرة، فأضفوا عليها صبغة الشورى ليجعلوا منها ـ في ثوبها الجديد ـ الوجه الشرعي الأوّل في اختيار الخليفة.
ولم يكتف بعضهم بهذا القدر حتّى أضفى عليها صبغة الإجماع ابتداءً، كما فعل ابن تيمية([670])!.
غير أنّها دعوى لا يؤيّدها شيء من النقل الصحيح، بل حتّى غير الصحيح، فليس في شيء من أخبار تلك البيعة ما يُشير إلى ذلك الإجماع من قريب أو بعيد.
والذي دعا ابن تيمية إلى هذا هو عقيدته في شرط صحّة البيعة، إذ كان يرى وفقاً للمذهب الحنبلي أنّه يُشترط لصحّة البيعة اجتماع جمهور أهل الحلّ والعقد في بلد الخليفة([671]).
لكنّ الآخرين ردّوا هذا الشرط تصحيحاً لبيعة أبي بكر خاصّة، فقالوا: هذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر، فقد تمّت بعقد رجل واحد ورضا أربعة، ولم يُنتظر فيها حضور من لم يحضرها([672]).
وهذا الكلام الاخير هو الموافق لما صحّ عن عمر في خطبته المتقدّمة، والموافق لسائر ما ورد من النقل في أخبار السقيفة.
3 ـ الخوف من وقوع الفتنة كان العذر المنتخب في تبرير أوّل بيعة لأوّل خليفة حين تمّت عن غير مشورة، ولم يُنتظر فيها حضور الكثير من كبار المهاجرين والأنصار ممّن ينبغي أن يكون في طليعة أهل الحل والعقد.
فالعذر في التعجّل هو خوف الاختلاف والفتنة، وهذا ظاهر أيضاً في نصّ خطبة عمر.
لكنّ الغريب أنّ (الفتنة) قد عادت لتصبح طريقاً شرعياً من طرق تعيين الخليفة!.
ففي الوجه الثالث حيث يرون القهر والاستيلاء والتغلّب بالسيف طريقاً الى الخلافة، والمتغلب دائماً هو الخليفة الشرعي الواجب الطاعة! وما يزال الطريق مفتوحاً أمام كل طامح!.
وهل الفتنة شيء غير هذا؟
ثمّ كيف يقول بهذا من يعتمد بمبدأ الشورى، واختيار أهل الحلّ والعقد؟!
إنّ المضيّ على طريقة تبرير الأمر الواقع هو الذي أدّى إلى ظهور هذا التناقض وأمثاله.
4 ـ هل يستدعي قبول الأمر الواقع كلّ هذا القدر من التنظير والتبرير؟
أليس من الأولى أن تكون هناك نظرية ثابتة محدّدة المعالم تُبنى باعتماد نصوص الشريعة ومفاهيم الإسلام وروح الإسلام، ثمّ بعد ذلك توزن عليها عقود الخلافة التي تمّت بالفعل، فكلّ عقد وافق هذه النظرية وانسجم معها فهو عقد شرعي صحيح، يكون عنده الخليفة الذي تمّت له البيعة إماماً وأميراً للمؤمنين وخليفة من خلفاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بحقّ، وكلّ عقد لم يوافق تلك النظرية فهو عقد غير صحيح؟
وعندئذٍ يكون قبول الأمر الواقع المخالف للشروط الصحيحة حالة من حالات الضرورة ما دامت الأمّة عاجزة عن إصلاحه.
وهذا القول هو الذي تؤيّده السنّة، إذ أطلقت على هذا النوع من الحكم اسم «الملك العضوض» أي الذي فيه عسف وظلم، فكأنّهم يُعَضّون فيه عضّاً!.
وروي أيضاً «مُلوك عُضوض» وهي صيغة جمع، مفردها: مَلكٌ عِضّ، وهو الخبيث الشرس([673]).
فكيف يجتمع هذا مع الخلافة الشرعية؟
إمامة المفضول
هل تعدّ الأفضلية شرطاً في الإمامة؟
قالوا: نعم، ثمّ قالوا: لا. وفي كلا القولين غاب الدليل الشرعي.
والأمر الوحيد الذي قَلَبَ الموقف من اشتراط الأفضلية هنا: هو القبول بشرعيّة التغلّب بالسيف طريقاً إلى الخلافة، بعد أن كان طريقها الشورى والعهد!.
فحين كان لازماً تبرير خلافة معاوية بن أبي سفيان وتقديمه على سائر الصحابة، كان لزاماً أن يلُغى القول باشتراط الأفضليّة في الإمامة!.
هذا فيما كان الرأي أنّ الإمامة لا تكون إلاّ للأفضل([674])، حتّى اشتدّ النزاع وطال في تفضيل بعض الصحابة على بعض تثبيتاً لهذا المبدأ، وحتّى ظهرت العقيدة بأنّ الخلفاء الراشدين هم أفضل الأمّة، وأنّ ترتيبهم في الفضل موافق لترتيبهم في الخلافة، فأفضل الأمّة: أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ([675]).
وشدّد بعضهم في التزام هذه القاعدة حتّى قال: مَن فضّل عليّاً على عثمان فقد أزرى على المهاجرين والأنصار([676]). ليصوّر في ذلك أنّ المهاجرين والأنصار لم يقدّموا عثمان في الخلافة إلاّ لاعتقادهم أنّه أفضل من عليّ (عليه السلام).
لكن لمّا أريد تبرير قبول خلافة معاوية ومَن بعده، كان لا بدّ من ظهور قولٍ آخر:
ـ قال الجويني إمام الحرمين: والذي صار إليه معظم أهل السنّة أنّه يتعيّين للإمامة أفضل أهل العصر، إلاّ أن يكون في نصبه هَرْجٌ وهيجان فتن، فيجوز نصب المفضول إذ ذاك.
وقال: مسألة امتناع إمامة المفضول ليست بقطعيّة.
ثمّ علّل ذلك بأنّ الشرع لا يمنع منه، كيف ولو تقدّم المفضول في إمامة الصلاة لصحّت الصلاة وإن تُرِكَ الأولى([677])؟
ـ وبرّر الرازي ذلك بأنّ دخول الفاضل تحت إمامة المفضول ممّا يُسهّل على من هو أنقص فضلاً من الأمير الدخول تحت طاعته، ففي إمامة المفضول رياضة للفاضل وكسر ما فيه من نخوة([678])!.
ـ ودافع ابن حزم عن إمامة المفضول من عدّة وجوه:
الأوّل: أنّه لا يمكن معرفة الأفضل إلاّ بالظنّ، والظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً.
الثاني: أنّ قريشاً قد كثرت وطبّقت الأرض من أقصى الشرق إلى الغرب، ولا سبيل إلى معرفة الأفضل من قوم هذا مبلغ عددهم.
والثالث: إجماع الأمّة على بطلان شرط الأفضلية في الإمامة، فإنّ جميع الصحابة ممّن أدرك ذلك العصر أجمعوا على صحّة إمامة الحسن أو معاوية، وقد كان في الناس أفضل منهما، كسعد بن أبي وقّاص وسعيد بن زيد وابن عمر، فلو كان ما قاله الباقّلاني ـ في وجوب إمامة الأفضل ـ حقّاً، لكانت إمامة الحسن ومعاوية باطلة([679]).
ملاحظات
ألا يظهر أنّ الموضوعيّة قد غابت بالكامل عن هذه النظريّة؟
انظر في الملاحظات التالية:
1 ـ إنّ الخوف من وقوع الهرج وهيجان الفتن الذي كان مبرّراً لقبول خلافة معاوية وفي الناس مَن هو أفضل منه، هذا العذر نفسه قد جرى على لسان عمر بن الخطّاب في تقديم أبي بكر على عليّ (عليه السلام)!.
قال عمر في حديث له مع ابن عبّاس يذكر فيه أمر الخلافة وحقّ عليّ (عليه السلام) فيها، قال: لقد كان في رسول الله من أمره ذروٌ من قول([680])… ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطةً على الإسلام! وربّ هذه البنية لا تجتمع قريش عليه أبداً([681])!.
ومرّة أخرى قال عمر لابن عبّاس (رض): أتدري ما منع الناس منكم؟
قال: لا.
قال عمر: لكنّي أدري، كرهت قريش أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة فتجخفوا جخفاً([682])، فنظرت قريش لنفسها فاختارت([683]).
ـ وفي ثالثة قال: ما أظنّهم منعهم عنه إلاّ أنّه استصغره قومه([684]).
ـ وفي رابعة قال فيه: والله لولا سيفه لما قام عمود الإسلام، وهو بعد أقضى الأمّة، وذو سابقتها، وذو شرفها.
فقيل له: فما منعكم عنه يا أمير المؤمنين؟
قال: حداثة السنّ، وحبّه بني عبد المطّلب([685]).
ـ وفي خامسة قال: استصغرناه، وخشينا ألا تجتمع عليه العرب وقريش لما قد وَتَرَها([686]).
ـ وفي سادسة: في خطبته التاريخيّة في وصف قصّة السقيفة، إذ قال في ختامها: «فارتفعت الأصوات، وكثر اللغط، فلمّا أشفقت الاختلاف قلت لأبي بكر: ابسط يدك أُبايعك، فبسط يده، فبايعته وبايعه المهاجرون وبايعه الأنصار… خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يُحدِثوا بعدنا بيعة، فإمّا أن نتابعهم على ما لا نرضى، أو نخالفهم فيكون فساد([687])!.
إذن لماذا لا يقال إنّ تقديم أبي بكر كان لهذه الأعذار أو بعضها، وليس على أساس التفضيل؟
إنّ الإغضاء عن كلّ هذه النصوص، وعن غيرها ممّا ثبت عن كثير من الصحابة في تفضيلهم عليّاً (عليه السلام) على غيره أمرٌ لا يقرّه البحث الموضوعي.
2 ـ أغرب من ذلك أنّهم استدلّوا على جواز إمامة المفضول بجواز إمامته في الصلاة، فكما تصحّ إمامة المفضول في الصلاة تصحّ إمامته على الأُمّة.
هذا مع أنّ الإمامة في الصلاة كانت هي الدليل الأوّل على تفضيل أبي بكر وعلى إمامته، فحين قلنا بتفضيل أبي بكر وأحقيّته في الخلافة، قلنا: إنّ أوّل الأدلّة على ذلك تقدّمه في الصلاة!.
فلماذا لا يُقال إنّه قُدّم في الصلاة لجواز تقديم المفضول على الفاضل؟
إنّه تناقض ظاهر…
3 ـ إنّ طريقة انتخاب أبي بكر كانت صريحةٌ تماماً بغياب مبدأ التفضيل، وكلمة عمر المتّفق على صحّتها: «إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتةً، ولكن وقى الله شرّها» من أهم الأدلّة على ذلك.
فلا يستطيع أحد أن يدّعي إذن أنّ الصحابة قد أجمعوا على أنّ الإمام لا يكون إلاّ الأفضل، ثمّ أجمعوا على تفضيل أبي بكر فبايعوه على هذه الأساس!.
إنّ أيّ دعوى من هذا القبيل تنهار أمام كلمة عمر المتقدّمة، كما تنهار أمام تفاصيل أحداث السقيفة والبيعة.
4 ـ قول أبي بكر في أوّل خطبةٍ له: «وليتكم ولستُ بخيركم» إنّما كان ـ كما رأى الباقلاني ـ لكي يدلّهم على جواز إمامة المفضول عند عارض يمنع من نصب الفاضل([688]).
إذن لماذا لا نذهب إلى أنّ المفضول هنا هو أبو بكر، مع تصريحه بذلك، ثمّ نجتهد في تبرير العارض الذي منع من نصب الفاضل؟!.
نتيجة
ألا يظهر من هذه الملاحظات أمران مهمّان:
الأول: أنّ هذه النظرية قد تقلّبت مع تقلّب الأحداث متابعةً للأمر الواقع، وأنّها لم تستند على دليل شرعي ثابت لتكتسب منه الثبات؟
والثاني: أنّ هذه العقيدة في ترتيب الخلفاء في الفضل بحسب ترتيبهم في الخلافة إنّما هي عقيدة ظهرت متأخّرة عن عهد الخلفاء من أجل تثبيت طرق البيعة وإضفاء الشرعية عليها؟
وإلى مثل هذا خلص الدكتور أحمد محمود صبحي، حيث قال: الواقع أنّ متكلّمي أهل السنّة وفقهائهم لم يسلّموا بجواز إمامة المفضول مستندين إلى أصل من أصول الدين، ولكنّهم جوّزوا ذلك إمّا تبريراً لسلطان الخلفاء ولخلع الصفة الشرعية على خلافتهم، وإمّا على سبيل معارضة آراء خصومهم من الشيعة([689]).
والأمران معاً ـ تبرير الواقع، ومعارضة الخصوم ـ كانا أصلاً في ولادة مبدأ جديد رافق هذه النظرية، ألا وهو مبدأ «إعذار السَلَف».
إعذار السَلَف
لا شكّ أنّه مبدى حسن وجذّاب، فمن الجميل المستحسن أن نذكر سَلَفنا المتقدّم بكلّ خير، ونعرف لهم حقوقهم، ونذبّ عنه ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً.
لكنّ الحقّ أنّ الناظر إلى هذا المبدأ بتجرّد لا يراه إلاّ مبدءاً متهافتاً قد صيغ أصلاً لتبرير الواقع ومعارضة الخصوم!! فمثلاً: حين كان ينبغي لهذا المبدأ أن يتّسع للسلف الصالح قاطبةً، نراه قد توجّه توجّهاً منحازاً إلى الفئة المتنفّذة وصاحبة القرار السياسي، فلا يتردّد أصحاب هذا المبدأ في صبّ اللوم على رجال من كبار الصحابة حين أظهروا خلافاً، أو أبدوا رأياً معارضاً للخلافة في بعض عهودها، دون أن يراعى فيهم مبدأ «إعذار السَلَف»…
فيقع اللوم على المقداد وعمّار حين تكلّما في أمر الخلافة بحجّة أنّهما ليسا من قريش فلا يحقّ لهما التدخّل في اختيار الخليفة، فهذا الأمر من حقّ قريش وحدها…
ولكن حين تدخّل فيه سالم مولى أبي حذيفة أصبح سالم معدوداً في أهل الحلّ والعقد الذين تنعقد بهم البيعة… هذا ولم يكن سالم قرشياً، بل لم يكن عربياً أيضاًّ!.
والسرّ في هذا التناقض أنّ سالماً كان أحد الخمسة الذين انعقدت بهم البيعة لأبي بكر، بينما كان المقداد وعمّار يدعوان إلى حقّ عليّ (عليه السلام) في الخلافة.
ولمّا نجمت الخلافات أيّام عثمان كان ينصبّ اللوم على عبدالله بن مسعود وأبي ذرّ وعمّار وعبادة بن الصامت ومحمّد بن أبي حذيفة وعمرو بن الحَمِق الخزاعي (رضي الله عنهم) دون خصومهم، فلم يُنظر فيهم إلى مبدأ «إعذار السلف»!.
لكنّ هذا المجرى لم يمض مطّرداً، بل توقّف عن دورته هذه مرّةً، وفي مرحلة واحدة من مراحل الخلافة… فلم يكن الصحابة الذين أظهروا خلافاً على عليّ (عليه السلام) أيام خلافته محلّ لوم وتعنيف، بل ولا محلّ عتاب… ففي هذا العهد وحده فتح مبدأ إعذار السَلَف بابه على مصراعيها، فخصوم عليّ (عليه السلام) كانوا دائماً مجتهدين مأجورين على خلافهم ذاك حين أخطؤوا في الاجتهاد، وكلّ ما ثبت عنهم من الخلاف فلا بدّ أن «يُستنبط له تأويلاً، فما تعذّر عليك تأويله، فقل: لعلّ له تأويلاً وعذراً لم أطّلع عليه»([690])!.
وهكذا مع من قاتل عليّاً (عليه السلام) من الصحابة جميعاً…
فمعاوية ومن معه مخطئون، مجتهدون، مأجورون أجراً واحداً([691])، حتّى وإن تواتر الحديث: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»! وحتّى مع أبي الغادية قاتل عمّار، رغم أنّه قد صحّ الحديث في عمّار: «قاتِلُه وسالِبُه في النار»([692])!.
يقول ابن حزم: «فأبو الغادية متأوّل مجتهد مخطئ فيه، باغٍ عليه، مأجور أجراً واحداً»([693])!!.
لكنّ الأمر مع خصوم عثمان مختلف تماماً… يقول ابن حزم: «وليس هذا كقتلة عثمان (رض)، لأنّه لا مجال للاجتهاد في قتله»([694])!!.
وجاوز بعضهم الحدّ فعكس اتّجاه دوران هذا المبدأ «إعذار السَلَف» في عهد عليّ (عليه السلام) بمقدار مئة وثمانين درجة عن اتّجاهه في العهود السابقة، فصار اللوم يقع هنا على الخليفة الحاكم، لا على مخالفيه.
فابن تيميّة يرى أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يكن على شيء، لأنّه إنّما كان يقاتل على الملك، ولأجل أن يطاع هو، ولم يكن يقاتل لله([695])!.
حتّى إذا انقضى عهد عليّ (عليه السلام) عاد مبدأ إعذار السَلَف يستأنف دورته الأولى، فكلّ من أظهر خلافاً على الخلفاء فهو صاحب فتنة! فلا الحُسين السبط كان معذوراً، ولا مئات المهاجرين والأنصار من أهل المدينة المنوّرة كانوا معذورين في خلافهم ليزيد([696])!.
هذا هو مبدأ إعذار السَلَف، يظهر مرّة، ويختفي مرّة، ويتنقّل من موقع إلى موقع، دفاعاً عن الواقع التاريخي النافذ، لا دفاعاً عن السَلَف.
وهكذا يبدو بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ هذه النظريات إنّما استمدّت أصولها وتفاصيلها من الواقع التاريخي للنظام السياسي الذي ظهر بعد وفاة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وحتّى بدايات العهد الأمويّ.
لقد أقصي التشريع الإسلامي هنا عن رسم مسار الإسلام بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فيما أسند هذا الأمر كلياً إلى الواقع التاريخي. فهل كان التشريع الإسلامي مفتقراً للمبادئ التي تساهم في تحديد مسار الإسلام؟
دور التشريع في رسم النظام السياسي
رأى ابن خلددون أنّ الدليل على وجوب نصب الإمام هو إجماع الصحابة والتابعين، ذلك «لأنّ أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كلّ عصر بعد ذلك، ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار، واستقرّ ذلك إجماعاً دالاً على وجوب نصب الإمام»([697]).
فالأمر إذن من إبداع المسلمين، وصياغتهم حين وجدوا أنفسهم أمام الأمر الواقع بعد غياب الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ولا شيء من الكتاب والسنّة.
لكنّ هذا الرأي يواجه سؤالاً شديد الإحراج: فهل يصحّ لهذه الشريعة أن تغفل أولى ضرورات النظام وحفظ المجتمع، ثمّ تكون هي شريعة الإنسان إلى يوم الدين؟
لقد أظهر الغزالي بعبارة واضحة ردّه على الرأي المتقدّم الذي أسند الموضوع إلى الإجماع، فقال: لسنا نكتفي بما فيه من إجماع الأمّة، بل ننبّه على مستند الإجماع، ونقول: نظام أمر الدين مقصود لصاحب الشرع قطعاً، وهذه مقدّمة قطعيّة لا يُتصوّر النزاع فيها، ونضيف إليها مقدّمة أخرى: وهو أنّه لا يحصل نظام الدين إلاّ بإمام مطاع. فيحصل من المقدّمتين صحّة الدعوى، وهو وجوب نصب الإمام([698]). إستناداً إلى مقصد صاحب الشريعة، وليس إلى الإجماع.
وهنا يبدو السؤال أكثر وضوحاً، فإذا كان نظام أمر الدين مقصود صاحب الشريعة قطعاً، وهذا النظام لا يحصل إلاّ بإمام مطاع، فكيف نظنّ بصاحب الشريعة أن يترك مقصوده عرضةً للضياع؟
ورأى آخرون أنّ هذا الإجماع على وجوب نصب الإمام لم يكن مؤيّداً بمقصد صاحب الشريعة وحسب، بل بنصوص من القرآن والسنّة أيضاً، فقالوا: الإمامة واجبة سمعاً، لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ}([699]) وطاعة أُولي الأمر تقتضي وجوب نصبهم وإمامتهم، فأُولي الأمر هم الأئمّة المتأمّرون([700]). وزاد ابن حزم على ذكر الآية الشريفة فقال: مع أحاديث كثيرة في طاعة الأئمّة، وإيجاب الإمامة أيضاً([701]).
إذن حين أسند وجوب نصب الإمام إلى الشريعة([702])، فهل هناك ما نلتمس منه أنّ الشريعة قد تقدّمت خطوةً أخرى لأجل التفصيل في هذا الوجوب، كتعيين شرائط الإمامة وفي مَن تكون، أم تركت ذلك للأمّة تختار لنفسها؟
إنّ النظرية التي نعيش معها تقول بأنّ الأمر متروك للأمّة… وهنا وقع اضطراب كبير عند البحث عن الدليل الشرعي في تفويض هذا الأمر إلى الأمّة، وعند محاولة إثبات شرعيّة الأسلوب الذي سوف تسلكه الأمّة في الاختيار.
لقد رأوا في قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}([703]) أفضل دليل شرعي يدعم هذه النظرية، ومن هنا قالوا: إنّ أوّل وجوه انتخاب الخليفة هو الشورى.
لكن ستأتي الصدمة لأوّل وهلة حين نرى أنّ مبدأ الشورى هذا لم يطرق أذهان الصحابة آنذاك… فانتخاب أوّل الخلفاء كان بمعزل عن هذا المبدأ تماماً، فإنّما كان «فلتةً» كما وصفه عمر، وهو الذي ابتدأه وقاد الناس إليه!.
ثمّ كان انتخاب ثاني الخلفاء بمعزلٍ أيضاً عن هذا المبدأ!.
نعم، ظهر هذا المبدأ لأوّل مرّة على لسان عمر في خطبته الشهيرة التي ذكر فيها السقيفة وبيعة أبي بكر فحذّر من العودة إلى مثلها، فقال: «فمن بايع رجلاً من غير مشورةٍ من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه، تغرَّة أن يُقتلا»([704]). لكنّه حين أدركته الوفاة أصبح يبحث عن رجل يرتضيه فيعهد إليه بالخلافة بنصّ قاطع بعيداً عن الشورى !.
فقال: لو كان أبو عبيدة حيّاً لوليّته([705]). ثمّ قال: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لولّيته([706]). ثمّ قال: لو كان معاذ بن جبل حيّاً لولّيته([707]).
إذن لم يكن عمر يرى أنّ الأصل في هذا الأمر هو الشورى، وإن كان قد قال بالشورى في خطبته الأخيرة إلاّ أنّه لم يعمل بهما إلاّ اضطراراً حين لم يجد من يعهد إليه. لقد أوضح عن عقيدته التامّة في هذا الأمر حين قال قبيل نهاية المطاف: «لو كان سالم حيّاً ما جعلتها شورى»([708])!!.
والراجح أنّ الذي دعا عمر إلى تقديم نظرية الشورى هو قطع الطريق على عليّ (عليه السلام)! ذلك ما كشف عنه حديث الزهري في هذه الخطبة ذاتها ونقله العسقلاني وغيره وصحّح فيه أنّ الرجل الذي ردّ عليه عمر في خطبته هذه هو الزبير، وإنّما كان الزبير قد قال: «لو قد مات عمر لبايعنا عليّاً»([709])! ولعلّ تفاصيل الشورى ونتائجها الآتي ذكرها ستؤكد أنّ هذا هو السرّ في ولادة نظرية الشورى في هذا الوقت بالذات.
ثمّ كانت الشورى… وأيّ شورى !.
إنّها شورى محاطة بشرائط عجيبة لا مجال للمناقشة فيها ! وجملتها:
1 ـ إنّها شورى بين ستّة نفر، وحسب، يعيّنهم الخليفة وحده دون الأمّة.
2 ـ أن يكون الخليفة المنتخب واحداً من هؤلاء الستّة، لا من غيرهم.
3 ـ إذا اتّفق أكثر الستّة على رجل وعارض الباقون، ضُربت أعناقهم.
4 ـ إذا اتّفق اثنان على رجل، واثنان على آخر، رجّحت الكفّة التي فيها عبد الرحمن بن عوف ـ أحد الستّة ـ وإنْ لم يُسَلّم الباقون ضُربت أعناقهم.
5 ـ ألاّ تزيد مدّة التشاور على ثلاثة أيّام، وإلاّ ضُربت أعناق الستّة أهل الشورى بأجمعهم.
6 ـ يتولّى صهيب الرومي مراقبة ذلك في خمسين رجلاً من حَمَلَة السيوف، على رأسهم أبو طلحة الأنصاري([710]).
فالحقّ أنّ هذا النظام لم يترك الأمر إلى الأمّة لتنظر وتعمل بمبدأ الشورى، بل هو نظام حدّده الخليفة، ومنحه سمة الأمر النافذ الذي لامحيد عنه، ولاتغيير فيه، ولايمكن لصورة كهذه أن تُسمّى شورى بين المسلمين، ولابين أهل الحلّ والعقد.
ولقد كان فريق من كبار الصحابة يقدّر نتائج تلك الشورى قبل انعقادها، ويعلم أنّها ستنتهي إلى ما انتهت إليه… لقد استشفّوا ذلك من تلك القيود التي أحيطت بتلك الشورى! أدرك ذلك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) والعبّاس (عليه السلام)…
ـ فأشار العبّاس على عليّ أن لا يدخل في هذه الشورى([711]).
ـ وقال عليّ لجماعة من بني هاشم: عُدِلَت عنّا! قالوا له: وما علمك؟
قال: «قَرَنَ بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلاً، ورجلان رجلاً، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف… فسعد لا يخالف ابن عمّه([712])، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني»([713])!.
لقد كانت تلك الظروف إذن كفيلة بتعطيل أوّل شورى في تاريخ الاِسلام عن محتواها، فطعنت إذن في تلك القاعدة الأساسيّة المفترضة «قاعدة الشورى».
والحقّ أنّ هذه القاعدة معطّلة من قبل… فلم يكن أبو بكر مؤمناً بمبدأ الشورى قاعدةً للنظام السياسي وأصلاً في انتخاب الخليفة، ولا مارس ذلك بنفسه، بل غلّق دونها الأبواب حين سلب الأمّة حقّ الاختيار وممارسة الشورى إذ نصّ على عمر خليفةً له، ولم يُصغ إلى ما سمعه من اعتراضات بعض كبار الصحابة على هذا الاختيار.
علماً أنّ هؤلاء الصحابة المعترضين لم يعترضوا على طريقة اختيار الخليفة التي مارسها أبو بكر (رض)، ولا قالوا: إنّ الأمر ينبغي أن يكون شورى بين الأمّة، ولا احتجّ أحدهم بقوله تعال: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}، وإنّما كان اعتراضهم على اختياره عمر بالذات، فقالوا له: استخلفت على الناس عمر، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، فكيف به إذا خلا بهم؟! وأنت لاقٍ ربّك فسائلك عن رعيّتك (1) ([714]).
فإذا تجاوزنا خلافة أبي بكر وقلنا ما قاله عمر فيها: «إنّها فلتة وقى الله شرّها» فماذا يقال في خلافة عمر؟
لو كان الخليفتان يعتقدان بأنّ مبدأ الشورى هو الأصل في انتخاب الخليفة لما حصل من ذلك شيء، ولدعوا الصحابة للتشاور في الأمر تشاوراً حرّاً، لكنّ الذي حصل من نصّ أبي بكر على عمر، وقبول عمر بذلك، ثمّ تمنّيه في عهده أن لو كان أبو عبيدة، أو سالم، أو معاذ حيّاً، كلّ ذلك ليدلّ بوضوح على عدم اعتقادهما بصلاحية الشورى لحلّ هذا الأمر، في ذلك الزمان على الأقلّ.
بل كان عمر صريحاً كلّ الصراحة في تقديم النصّ على الشورى، ذلك حين قال: «لو كان سالمٌ حيّاً لَما جعلتها شورى»([715])!!.
إنّ عهداً كهذا ليلغي رأي الأمّة بالكامل، وحتّى الجماعة التي يُطلق عليها (أهل الحلّ والعقد)!.
ـ قالوا: إذا عَهِدَ الخليفة إلى آخر بالخلافة بعده، فهل يُشترط في ذلك رضى الأمّة؟
فأجابوا: إنّ بيعته منعقدة، وإنَّ رضى الأمّة بها غير معتبر، ودليل ذلك: أنّ بيعة الصدّيق لعمر لم تتوقّف على رضى بقيّة الصحابة([716])!.
لم يكن إذن لقاعدة الشورى أثر في تعيين الخليفة.
نعم، كان للشورى أثر في ما هو دون ذلك، فربّما لجأ الخليفة إلى الشورى في بعض ما ينتابه من أمور طارئة لا يملك لها حلاً عاجلاً أو تاماً، أمّا أن تكون الشورى على رأس النظام السياسي اتّفق المسلمون على اعتمادها في تعيين الخليفة، فهذا ما لم يتحقّق في عهود الخلافة الأولى ولا بعدها، إلاّ ما كان بعد مقتل عثمان إذ حصل شبه الإجماع لدى أهل المدينة المنوّرة بالبيعة لعليّ (عليه السلام)، ولكن حتّى هذا لم يأخذ أوّل الأمر شكل الشورى، ثمّ هو لم يدم آخر الأمر غير ليالٍ حتّى خرج عليه كبار الداعين إليه؛ طلحة والزبير.
لعلّ هذه الملاحظات هي التي دفعت ابن حزم إلى تأخير مبدأ الشورى وتقديم النصّ والتعيين الصريح مِن قِبَل الخليفة السابق، فقال: «وجدنا عقد الاِمامة يصحّ بوجوه، أوّلها وأصحّها وأفضلها: أن يعهد الاِمام الميّت إلى إنسان يختاره إماماً بعد موته»([717])!.
إبرام ونقض
لقد أدركنا جيّداً هبوط مبدأ الشورى في الواقع عن المرتبة التي احتلّها في النظريّة، فتنازلنا عنه تنازلاً صريحاً ـ بعد إقراره ـ حين ذهبنا إلى تصحيح واعتماد كلّ ماحدث على السّاحة رغم منافاته الصريحة لمبدأ الشورى.
ولم نكتف بهذا، بل ذهبنا إلى تبرير تلك الوجوه المتناقضة بلا استثناء، وبدون الرجوع إلى أيّ دليل من الشرع، ودليلنا الوحيد كان دائماً: (فعل الصحابة) رغم أنّنا نعلم علم اليقين أنّ الصحابة لم يجتمعوا على رأي واحد من تلك الآراء والوجوه.
كما أنّنا نعلم علم اليقين أيضاً أنّ خلاف المخالفين منهم وإنكار المنكرين كان ينهار أمام الحكم الغالب.
ورغم ذلك فقد عمدنا إلى القرار الغالب والنافذ في الواقع، فمنحناه صبغة الاِجماع، بحجّة أنّه لم يكن لينفذ في عهدهم إلاّ بإجماعهم عليه، أو إقرارهم إيّاه.
وبهذا تنكّرنا لحقيقة أنّ القرار النافذ كان يبتلع كلَّ ما صادفه من أصوات المخالفين والمنكرين، ولا يلقي لها بالاً، وهذا هو الغالب على كلّ مايتّصل بالخلافة والمواقف السياسية الكبرى…
فماذا أغنى اعتراض بني هاشم ومَن معهم مِن المهاجرين والأنصار على نتائج السقيفة؟
وما أغنى إنكار الصحابة على أبي بكر يوم استخلف عمر؟
وما أغنى إنكار الصحابة سياسة عثمان في قضايا كثيرة كتقديمه بني أُميّة على خيار الصحابة مع ما كان عليه أُولئك من حرص على الدنيا وبُعدٍ عن الدِين؟
ثمّ لم يشتدّ هذا الاِنكار ويعلو صداه حتّى تغلّب على شؤون الأمّة والخليفة غلمانُ بني أُميّة ممّن اتفق الكل على أنّه لم يكن معهم من الدين والورع لا كثير ولا قليل، كمروان بن الحكم وعبد الله بن سعد بن أبي سرح والوليد بن عقبة، وعمرو بن العاص، ومعاوية.
ومع هذا فلم يكن إنكارهم عندنا حجّة، بل كانوا به ملومين!.
فمتى إذن كان إنكار الصحابة حجّة، ليكون سكوتهم إقراراً؟!.
فإذا كانت الخطوة الأولى في التراجع عن مبدأ الشورى هي القبول بتسليم الأمر إلى الخليفة القائم ليستخلف بعده من يشاء، فإنّ الخطوة الثانية كانت خطوة مُرّةً حقّاً…
فلمّا تجنّب الخلفاء مبدأ الشورى ومبدأ النصّ والاستخلاف معاً، واختاروا مبدأ القهر والاستيلاء والتغلّب بالسيف، قبلنا به واحداً من طرق الخلافة!.
فكم بين الشورى، والتغلّب بالسيف؟
إنّ إقرار مبدأ التغلّب بالسيف لَيُعدّ أكبر انتكاسة لمبدأ الشورى!.
وإذا كانت الشورى مستمدّة من القرآن، فمن أين استمدّت قاعدة التغلّب بالسيف؟
وثَمَّ سؤال أشدّ إحراجاً من هذا:
فإذا كانت الشورى هي القاعدة الشرعية المستمدّة من القرآن، فماذا عن عهود الخلافة التي لم تتمّ وفق هذه القاعدة؟
وحين لم يتوفّر الجواب الذي ينقذ هذه النظرية من هذا المأزق الكبير، رأينا أنّ المهرب الوحيد هو أن نبرِّر جميع صور الخلافة التي تحقّقت في الواقع: فمرّةً بعقد رجل واحد ومتابعة أربعة، ومرّة بنصّ من الخليفة السابق، ومرّة في ستّة يجتمعون لانتخاب أحدهم، ومرّة بالقهر والاستيلاء، حتّى أدّى هذا المبدأ الأخير إلى أن تصبح الخلافة وراثة بحتة لا أثر للدِين فيها.
يقول الشيخ محمّد رشيد رضا: بنو أميّة هم الذين زحزحوا بناء السلطة الإسلامية عن أساس الشورى، إذ كوّنوا لأنفسهم عصبية بالشام هدموا بها سلطة أولي الأمر بالحيلة والقوّة([718]).
لكنّ هذه الطريقة لم تسقط الشورى وحدها إن كان ثمَّة شورى، بل أسقطت معها أهمّ شروط الاِمامة الواجبة لصحّة عقدها، والتي منها:
1 ـ العدالة: إذ قالوا أوّلاً في بناء نظرية الخلافة: لاتنعقد إمامة الفاسق؛ لأنّ المراد من الاِمام مراعاة النظر للمسلمين، والفاسق لم ينظر لنفسه في أمر دينه، فكيف ينظر في مصلحة غيره([719])؟
وقالوا: إنّ هذا الفسق يمنع من انعقاد الاِمامة، ومن استدامتها، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها([720]).
2 ـ الاجتهاد: إذ عدّوا في شروط الاِمام؛ أن يكون من أفضلهم في العلم والدين، والمراد بالعلم هو العلم المؤدّي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، فلا تنعقد إمامة غير العالم بذلك، لأنّه محتاج لأنْ يصرّف الأمور على النهج القويم ويُجريها على الصراط المستقيم، ولأنْ يعلم الحدود ويستوفي الحقوق ويفصل الخصومات بين الناس، وإذا لم يكن عالماً مجتهداً لم يقدر على ذلك([721]).
لكن سرعان ما انهار هذان الشرطان حين تغلّب على الخلافة رجال لم يكن فيهم شيء منها، لا العدالة، ولا العلم المؤدّي إلى الاجتهاد…
قال الفرّاء: قد روي عن الامام أحمد ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل، فقال: «ومن غلبهم بالسيف حتّى صار خليفةً وسمّي أمير المؤمنين، فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً عليه، برّاً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين»([722]).
وقال القلقشندي: إن لم يكن الخليفة المتغلّب بالقهر والاستيلاء جامعاً لشرائط الخلافة، بأن كان فاسقاً أو جاهلاً، فوجهان لأصحابنا الشافعية، أصحّهما: انعقاد إمامته أيضاً([723]).
إنّ أوّل ما في هذا الكلام هو نقض ما اتّفقوا عليه من تعريف الإمامة في الإسلام بأنّها «رئاسة عامّة في أمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة ـ أو خلافة ـ عن النبي (صلّى الله عليه وآله)»([724]) فكيف تكون حكومة الجائر الفاسق الجاهل خلافة نبوّة؟!.
إنّ مثل هذا الرأي الذي ينقض شرائط الخلافة بعد أن نقض أساسها، لابُدّ له من تبرير مقبول. والتبرير الذي قدّمته هذه النظرية هنا هو: «الاضطرار»… لأنّا لو قلنا: لا تنعقد إمامته، لزم ذلك بطلان أحكامه كلّها المالية والمدنيّة، فيتعيّن على الخليفة الذي يأتي بعده وفق الشروط الشرعية أن يقيم الحدود ثانياً، ويستوفي الزكاة والجزية ثانياً، وهكذا([725]). والضرورة أيضاً تقتضي صحّة خلافته: لحفظ نظام الشريعة، وتنفيذ أحكامها([726])، ولأنّه لا بُدّ للمسلمين من حاكم([727]).
إذن قبولها على هذه الصورة يستدعي السعي الدائم لإزاحتها وإرجاع الأمر إلى صيغته الشرعية.
هذا ما ذهب إليه الشيخ محمّد رشيد رضا وقد استعرض هذه الآراء، فقال: معنى هذا أنّ سلطة التغلّب كأكل الميتة ولحم الخنزير عند الضرورة، تنفذ بالقهر، وتكون أدنى من الفوضى.
ومقتضاه أنّه يجب السعي دائماً لاِزالتها عند الاِمكان، ولايجوز أن توطّن الأنفس على دوامها، ولا أن تجعل كالكرة بين المتغلّبين يتقاذفونها، ويتلقّفونها كما فعلت الأمم التي كانت مظلومة وراضية بالظلم([728]).
لكنَّ الواقع كان على العكس من ذلك، فقد حرّموا دائماً الخروج على السلطان الجائر والفاسق، وعدّوا أيّ محاولة من هذا القبيل من الفتن التي نهى عنها الدين وحرّم الدخول فيها…
يقول الزرقاني: أمّا أهل السُنّة فقالوا: الاختيار أن يكون الامام فاضلاً عادلاً محسناً. فإن لم يكن فالصبر على طاعة الجائر أوْلى من الخروج عليه، لِما فيه من استبدال الخوف بالأمن، وإهراق الدماء، وشنّ الغارات، والفساد، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه([729]).
كما ثبت عن الامام أحمد بن حنبل أنّه قال بلزوم «الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه من عدلٍ أو جور، ولايُخرَج على الأمراء بالسيف وإنْ جاروا»([730]).
استعرض الشيخ أبو زهرة هذين القولين، ثمّ قال: وهذا هو المنقول عن أئمّة أهل السُنّة؛ مالك، والشافعي، وأحمد([731]).
فهل ينسجم هذا الاعتقاد مع أحكام الاضطرار والاِكراه؟!
لقد طعن الشيخ محمّد رشيد رضا هذه العقيدة في الصميم حين قال بوضوح وبكل يقين: إنّ توسيد الأمّة الإسلامية أمرها إلى غير أهله لا يمكن أن يكون باختيارها وهي عالمة بحقوقها قادرة على جعلها حيث جعلها كتاب الله تعالى، وإنّما يسلبها المتغلّبون هذا الحق بجهلها وتعصبيّتهم التي يعلو نفوذها نفوذ أولي الأمر حتّى لا يجرؤ أحد منهم على أمر ولا نهي، أو يعرّض نفسه للسجن أو النفي أو القتل…
هذا ما كان، وهذا هو سبب سقوط تلك الممالك الواسعة وذهاب تلك الدولة العظيمة.
وقد عُني الملوك المستبدّون بجذب العلماء إليهم بسلاسل الذهب والفضّة والرُتَب والمناصب، وكان غيرهم أشدّ انجذاباً، ووضع هؤلاء العلماء الرسميّون قاعدة لأمرائهم ولأنفسهم هدموا بها القواعد التي قام بها أمرُ الدِين والدنيا في الاِسلام، وهي: أنّه يجوز أن يكون أولياء الأمور فاقدين للشروط الشرعية التي دلّ على وجوبها واشتراطها الكتاب والسُنّة، وإنْ صرّح بها أئمّة الاُصول والفقه، فقالوا: يجوز، إذا فُقِدَ الحائزون لتلك الشروط.
مثال ذلك: إنّه يشترط فيهم العلم المعبَّر عنه بالاجتهاد، وقد صرّح هؤلاء بجواز تقليد الجاهل، وعدّوه من الضرورة، وأطلق الكثيرون هذا القول، وجرى عليه العمل. وذلك من توسيد الأمر إلى غير أهله الذي يقرّب خطوات ساعة هلاك الأمة، ومن علاماتها: ذهاب الأمانة، وظهور الخيانة… ولا خيانة أشدّ من توسيد الأمر إلى الجاهلين…
روى مسلم وأبو داوود حديث ابن عبّاس: «من استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أنّ فيهم أوْلى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسُنّة نبيّه، فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين»([732]).
وطعنها أيضاً في قوله: ما أفسد على هذه الأمّة أمرها وأضاع عليها ملكها إلاّ جعل طاعة هؤلاء الجبّارين الباغين واجبة شرعاً على الاِطلاق، وجعل التغلّب أمراً شرعيّاً كمبايعة أهل الحلّ والعقد للاِمام الحقّ، وجعل عهد كلّ متغلّب باغٍ إلى ولده أو غيره من عصبته حقّاً شرعياً وأصلاً مرعياً لذاته([733])!.
وهذه حقيقة تاريخية، وليست دعوى مجازفٍ أو متهاون.
صوَر ثلاثة
صور نقف عندهما يسيراً بعد هذا الشوط المضني، لنواصل بعدها المشوار.
الصورة الأولى: لماذا أسقط مذهب أبي حنيفة؟
حين نقل أبو زهرة كلمات بعض الأئمة في وجوب إطاعة الخليفة الفاسق والجاهل والجائر، قال: هذا هو المنقول عن أئمّة أهل السنّة؛ مالك، والشافعي، وأحمد([734]).
فأسقط ذكر أبي حنيفة، وهكذا فعل سائر المتكلّمين في هذه المسألة، وكأنّ أبا حنيفة ليس من أئمّة أهل السنّة!.
وعلّة ذلك أنّ أبا حنيفة كان على خلاف هذه العقيدة، فهو لا يرى صحّة الخلافة للمتغلّب الفاقد للشرائط، بل كان يُسمّيهم «اللصوص»!.
وكان يحرّم إطاعتهم حتّى في المعروف، فكان يقول: «لو أرادوا بناء مسجد، وأرادوني على عدّ آجره، لما فعلت»!.
وكان يرى وجوب الثورة عليهم، فناصر ثورة زيد الشهيد بكلّ ما يستطيع، حتّى أصدر فيه فتواه الشهيرة: «لقد ضاهى خروجه خروج رسول الله في بدر». وبعد استشهاد زيد ونهوض محمّد ذي النفس الزكية بايعه أبو حنيفة وناصره سرّاً وعلانيّةً، وبقي على بيعته حتّى مات في سجن المنصور([735]).
لأجل هذا أسقطت رؤية أبي حنيفة بالكامل عن نظرية أهل السنّة، وكأنّ هذه النظرية قد قامت على أساس قبول إمامة الفاسق والجائر والجاهل، وكلّ قول لا ينسجم مع هذا فلا يُحسب على أهل السنّة، ولا يعدّ قائله في أئمّة أهل السنّة الذين يُرجَع إليهم في مثل هذه المسائل!.
الصورة الثانية: مذهب عظماء السَلَف
لم يكن هذا شأن أبي حنيفة وحده، بل هو شأن عظماء السلف أيضاً، فلا يُذكر لهم اسم، ولا يُشرَك لهم قول في هذه النظرية…
فلا ذكر للسبط الشهيد الاِمام الحسين بن عليّ وثورته([736])… ولا لمئات المهاجرين والأنصار وبقيّة الصحابة في مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ونهضتهم على يزيد بن معاوية([737])… ولا عبد الله بن الزبير…ولا الإمام الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين (عليهما السلام)… ولا الصحابي سليمان بن صُرَد الخزاعي ومن معه أصحاب ثورة التوّابين… ولا القُرّاء في الكوفة وثورتهم !
كلّ أُولئك أُسقطوا من هذه النظرية، فأُخرجوا عن دائرة أهل السُنّة!.
لقد بالغ بعض كبار المتكلّمين باسم أهل السُنّة في النَيْل من أُولئك العظماء الأشراف، ووجوه القوم وكبارهم، ولعلّ من أشهرهم ابن تيميّة الذي ذهلته العصبية حتّى تمرّد على جميع الضوابط الدينية والقيم الخُلقية، فوصف نهضة سيّد شباب أهل الجنّة سبط الرسول وريحانته بأنّها فساد كبير، ولا يرضى بها الله ورسوله! وكذا وصف نهضة بقيّة المهاجرين والأنصار في المدينة المنوّرة، ثمّ بالغ في إعذار يزيد في التصدّي لهم وقتلهم جميعاً لأجل حفظ ملكه؛ ولم ينكر على يزيد إلاّ أنّه أباح المدينة ثلاثة أيام([738])!.
وقال في هذا الأمر أيضاً: ممّا يتعلّق بهذا الباب أن يُعلَم أنّ الرجل العظيم في العلم والدِين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة، أهل البيت وغيرهم، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقروناً بالظنّ ونوع من الهوى الخفيّ، فيحصل بسبب ذلك ما لاينبغي اتّباعه فيه وإنْ كان من أولياء الله المتّقين، ومثل هذا إذا وقع صار فتنة([739])!.
تُرى لماذا كان ابن تيميّة أعلم بمداخل الفتنة وأبعد عن الهوى الخفيّ من أُولئك العظماء من الصحابة وأهل البيت؟ هل لأنّه رضي إمامةَ الفاجر والجاهل، ورفضَها أُولئك؟
هكذا تُلقي هذه النظرية بنفسها في مأزقٍ حرج حين تُعرِض عن ذلك الأثر الضخم من آثار عظماء السَلَف وأئمّتهم.
الصورة الثانية: الخارج المأجور
ما زال إظهار الخلاف للحاكم محرَّماً، والخروج عليه فتنةً وفساداً كبيراً، مازال هذا الحكم ثابتاً لا يتزحزح…
إذن لماذا أصبح الخارج على الاِمام، مرّةً واحدة فقط في تاريخ الاِمامة، مأجوراً؟!.
حين كان الاِمام هو عليٌّ بن أبي طالب، أخصّ الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأكثرهم علماً وجهاداً وأوْلاهم بالعدل، عندئذٍ فقط حقَّ للناس أن يخرجوا على الاِمام.
وسوف لا يكون خروجهم ـ هذه المرّة ـ فتنة وفساداً، بل هو اجتهاد، وهم مأجورون عليه، مثابون لأجله وإن أخطأوا!!.
إنّها صورٌ لو عُرِضت أيّاً منها على تلك النظرية لوجدت فتقاً لا يُرتَق إلاّ بتكلّفٍ ظاهر، والتواءٍ سافر.
ولنعد الآن إلى دعائم هذه النظرية.
ضرورة النصّ بين الخليفة والنبيّ
لا نزاع بينهم في ثبوت حقّ الخليفة في النصّ على مَن يخلفه، ولاشك في نفاذ هذا النصّ؛ لأنّ الاِمام أحقّ بالخلافة، فكان اختياره فيها أمضى، ولا يتوقّف ذلك على رضى أهل الحلّ والعقد([740]).
وإنّما صار ذلك للخليفة خوفاً من وقوع الفتنة واضطراب الأمّة([741]).
فمن أجل ذلك كان بعض الصحابة يراجع عمر ويسأله أن ينصّ على من يخلفه([742]).
هذا كلّه حقّ، ولكن أليس النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أوْلى بالتفكير في ذلك، وبرعاية هذه المصلحة؟
إنّه الرحمة المهداة، بلا شكّ… أليس من تمام الرحمة وجمالها أن يُجنّب أُمّته المحذور من الاختلاف بعده؟
لقد أحبّ أُمّته وحرص عليها {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}([743]).
وأيضاً: فقد كان (صلّى الله عليه وآله) يعلم أنّنا سوف لا ننتظر بعده نبيّاً يُعيد نظمَ أمرنا!.
لقد بصر ابن حزم بذلك، فحاول أن يتداركه، فقال: وجدنا عقد الاِمامة يصحّ بوجوه: أوّلها وأصحّها وأفضلها أن يعهد الاِمام الميّت إلى إنسان يختاره إماماً بعد موته، سواء جعل ذلك في صحّته أو عند موته، كما فعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأبي بكر، وكما فعل أبو بكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز.
قال: وهذا هو الوجه الذي نختاره، ونكره غيره، لِما في هذا الوجه من اتّصال الاِمامة، وانتظام أمر الاِسلام وأهله، ورفع ما يتخوّف من الاختلاف والشغب ممّا يُتوَقّع في غيره من بقاء الأمّة فوضى، ومن انتشار الأمر وحدوث الأطماع([744]).
لقد لحظ ابن حزم أكثر من ثغرة في تلك النظرية، فأظهر مهارةً في محاولة رتقها، بأنْ جمع بين الضرورات الدينية والعقلية والاجتماعية وبين الأمر الواقع، ليخرج بصيغة أكثر تماسكاً…
ـ فتَرْكُ الأمّة دون تعيين وليّ الأمر الذي يخلف زعيمها يعني بقاء الأمّة فوضى، وتشتّت أمرها، وظهور الأطماع في الخلافة لا محالة… وهذا ممّا ينبغي أن يدركه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فيبادر إلى تلافيه، ولو في مرضه الذي توفّي فيه.
ـ وتعيين الخليفة بهذه الطريقة سيضمن اتّصال الاِمامة، وانتظام أمر الاِسلام.
ـ وإذا كان أبو بكر قد أدرك ذلك فنصَّ على مَن يخلفه، وأدركه أيضاً عمر، وأدركه سليمان بن عبد الملك، فكيف نظنّ بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قد أغفل ذلك؟
إنّها إثارات جادّة دفعته إلى حلٍّ وحيد يمكنه أن ينقذ هذه النظرية، كما ينقذ الأمر الواقع بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وتمثّل هذا الحلّ عنده بنصّ النبيّ على أبي بكر بالخلافة.
إذن فلا النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد ترك هذا الأمر للأمّة، أو تركها فوضى، ولا كانت بيعة أبي بكر فلتة.
إنّها أُطروحة متينة، كفيلة بقطع النزاع، لو تمّت…
ولكنّها ـ للأسف ـ لم تكن سوى مجازفة، فمن البديهي عندئذٍ أن تكون عاجزةً عن تحقيق الأمل المنشود منها! فلا هي تداركت تلك النظرية وعالجت ثغراتها، ولا هي أنقذت الأمر الواقع!.
وذلك لسبب بسيط، وهو أنّ النصّ على أبي بكر لم يثبت، بل لم يدّعِ وجوده أحد، بل تسالمت الأمّة على عدمه. فمن أراد أن يثبت مثل هذا النصّ على أبي بكر بالخصوص، فعليه أن ينفي حادثة السقيفة جملةً وتفصيلاً.
عليه أن يكذّب بكلّ ماثبت نقله في الصحاح من كلام أبي بكر وعمر وعليٍّ والعبّاس والزبير في الخلافة…
عليه أن يهدم بعد ذلك كلّ ماقامت عليه نظرية أهل السُنّة في الاِمامة، فلم تُبْنَ هذه النظرية أوّلاً إلاّ على أصل واحد، وهو البيعة لأبي بكر بتلك الطريقة التي تمّت في السقيفة وبعدها !!فمن تلك الواقعة أوّلاً جاءت نظرية الشورى بين أهل الحلّ والعقد.
عليه أن ينفي ما تحقّق عندهم من «الإجماع على أنّ النصّ منتفٍ في حقّ أبي بكر»([745])!.
لقد ساق الغزالي كلاماً موافقاً لهذا الإجماع قوّض فيه ما بنى عليه ابن حزم قوله…
قال الغزالي متسائلاً: فهلا قلتُم إنّ التنصيص واجب من النبيّ والخليفة، كي يقطع ذلك دابر الاختلاف؟
ثمّ أجاب قائلاً: قلنا إنّه لو كان واجباً لنصّ عليه الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ولم ينصّ هو، ولم ينصّ عمر أيضاً([746])!.
وحين يواصل ابن حزم عرضَ نظريّته تراه يلغي بالكامل مبدأ الشورى واختيار أهل الحلّ والعقد، ويسند أمر اختيار الخليفة إلى النصّ!.
ولم يكن هذا الطرح منسجماً مع هذه المدرسة ومبادئها، وإنّما هو محاولة لسدّ ثغراتها، ومقابلة للاِلحاح الذي تُقدّمه النظرية الاُخرى القائمة على أساس النصّ، ولقطع دابر النزاع، كما ذكر هو، وكما أشار الغزالي في تساؤله.
إنّه كان مقتنعاً بضرورة النصّ، ولكنّه أراد نصّاً منسجماً مع الأمر الواقع، وإنْ لم يسعفه الدليل!!.
لم يختف النصّ إلى الأبد في هذه النظرية، والشورى هنا ليست مطلقة العنان، فليس لأهل الحلّ والعقد أن ينتخبوا من شاءوا بلا قيد. إنّ هناك حدّاً تلتزمه الشورى، وهذا الحدّ إنّما رسمه النصّ الثابت.
قالوا: إنّ من شرط الاِمامة: النَسَب القرشي، فلا تنعقد الاِمامة بدونه… وعلّلوا ذلك بالنصّ الثابت فيه، فقد ثبت عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: «الأئمّة من قريش».
وقال: «قدّموا قريشاً ولا تتقدّموها». وليس مع هذا النصّ المسلَّم شبهةٌ لمنازع، ولا قول لمخالف([747]).
واشترطوا لهذا القرشي أن يكون قرشيّاً من الصميم، من بني النضر بن كنانة، تصديقاً للنصّ([748]).
وقال الامام أحمد: «لا يكون من غير قريش خليفة»([749]).
واستدلّوا على تواتر هذا النصّ بتراجع الأنصار وتسليمهم الخلافة للمهاجرين القرشيّين حين احتجّوا عليهم بهذا النصّ في السقيفة([750]).
وقال ابن خلدون: بقي الجمهور على القول باشتراطها ـ أي القرشية ـ وصحّة الخلافة للقرشيّ ولو كان عاجزاً عن القيام بأُمور المسلمين([751]).
وهكذا ثبت النصّ الشرعي، وثبت تواتره، وثبت الاِجماع عليه.
وحين تراجع بعضهم عن الالتزام بهذا النصّ ـ كأبي بكر الباقلاّني ـ فسّر ابن خلدون سرّ تراجعه، وردّ عليه، فقال: لمّا ضعف أمر قريش، وتلاشت عصبيّتهم بما نالهم من الترف والنعيم، وبما أنفقتهم الدولة في سائر أقطار الأرض، عجزوا بذلك عن أمر الخلافة وتغلّبت عليهم الأعاجم، فاشتبه ذلك على كثير من المحقّقين حتّى ذهبوا إلى نفي اشتراط القرشية، وعوّلوا على ظواهر في ذلك مثل قوله (صلّى الله عليه وآله): «اسمعوا وأطيعوا وإنْ وليَ عليكم عبدٌ حبشي»([752]).
قال: وهذا لا تقوم به حجّة في ذلك، لأنّه خرج مخرج التمثيل، للمبالغة في إيجاب السمع والطاعة([753]).
وثبت النصّ واستقرّ، ولا غرابة، فهو نصّ صحيح، بل متواتر.
وهو فوق ذاك ينطوي على فائدة أُخرى، فهو النصّ الذي يعزّز أركان هذه النظرية، إذ يضفي الشرعية على الخلافة في كافة عهودها، ابتداءً من أوّل عهود الخلافة ! وانتهاءً بآخر خلفاء بني العبّاس، فهذا كلّ مايتّسع له لفظ القرشيّة هنا.
لمّا تغلّب معاوية بالسيف بلغه أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص يُحدِّث أنّه سيكون ملك من قحطان، فهبّ معاوية غضباً فجمع الناس وخطبهم قائلاً: أمّا بعد، فإنّه بلغني أنّ رجالاً منكم يحدّثون أحاديث ليست في كتاب الله ولاتؤثر عن رسول الله، أُولئك جهّالكم ! فإيّاكم والأمانيّ التي تضلّ أهلها، فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «إنّ هذا الأمر في قريش، لايعاديهم أحد إلاّ كبّه الله في النار على وجهه([754]).
عرف المهاجرون القرشيّون الثلاثة ـ أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ـ هذا النصّ فاحتجّوا به على الأنصار في السقيفة، فأذعن الأنصار، وعاد القرشيّون بالخلافة، أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ مالت عن أبي عبيدة، لا لعدم كفاءته وهو القرشيّ المهاجر، بل لأنّه قد توفّي في خلافة عمر، فلمّا حضرت عمر الوفاة تأسّف عليه، وقال: «لو كان أبو عبيدة حيّاً لولّيتهُ»([755]). والأمر ماضٍ مع النصّ.
ولكن حين لم يكن أبو عبيدة حيّاً كاد ذلك المبدأ ـ النصّ ـ أن ينهار، وكاد ذلك النصّ المتواتر أن يُنسى، كلّ ذلك على يد الرجل الذي كان من أوّل المحتجّين به على الأنصار، عمر بن الخطاب!.
إنّه لمّا لم يجد أبا عبيدة حيّاً، قال: «لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لولّيتُه»([756]).
ولمّا لم يكن سالم حيّاً، قال: «لو كان معاذ بن جبل حيّاً لولّيتُه»([757]).
فهل كان سالم قرشياً؟ أم كان معاذ كذلك؟
أمّا سالم: فأصله من إصْطَخْر، من بلاد فارس، وكان مولىً لأبي حذيفة([758]).
وأمّا معاذ: فهو رجل من الأنصار!.
هذا في وقت تزدحم فيه المدينة بشيوخ المهاجرين القرشيّين، وفيهم مَن هو أفضل من هذين الرجلين بالإجماع.
ورغم أنّ ابن خلدون قد دافع عن النظرية القائمة على هذا النصّ «الأئمّة من قريش» وردّ قول عمر هذا بأنّه قول صحابي واحد، ومذهب الصحابي ليس بحجّة([759])، إلاّ أنّ هذا لا يقطع دابر الأسئلة التي يثيرها هذا الموقف…
فلو قُدّر لأحد الرجلين أن يكون حيّاً لتولّى الخلافة، ولعطّل النصّ الذي كان يوم السقيفة حجّةً في انتزاع الخلافة من غير القرشيّ!.
وممّا يدعم هذا الفرض أنّ أحداً من الصحابة لم يردّ على عمر، ويذكّره بأنّ الإمامة في قريش دون سواهم، بذلك النصّ الذي أجمعوا عليه من قبل، وبشرط السقيفة أيضاً!!.
ـ فإمّا أن يكون سكوتهم إقراراً بعدم اشتراط القرشيّة، وهذا مخالف للنصّ الذي أجمعوا عليه من قبل!.
ـ أو أنّهم سكتوا هيبةً للخليفة، وهذا لا ينبغي أن يكون مع وجود النصّ!.
ـ أو أنّهم سكتوا حين لم يجدوا هناك حاجةً للتسرّع في بحث الموضوع ما دام الرجلان قد ماتا، وما دام الخليفة لم يبثّ بالأمر بعد، ثمّ رأوا أنّ الحاجة إلى ذلك قد انتفت حين أسند الأمر إلى ستّة كلّهم من قريش، وهذا أحسن الأعذار لو يتمّ.
وأيّاً كان، فإنّ هذه الوجوه جميعاً تثير الشكوك حول قيمة الاحتجاج بسكوت الصحابة على أنّه دائماً يمثّل الإجماع الإقراري!.
أمّا حين يتوجّه السؤال إلى عقيدة عمر نفسه في هذه النظرية فإنّه يحتاج إلى توجيه آخر، وقد حاول ذلك ابن خلدون، فقال: إنّ مولى القوم منهم، وعصبيّة الولاء حاصلة لسالم مولى أبي حذيفة في قريش، وهي الفائدة في اشتراط النسب! ولمّا استعظم عمر أمر الخلافة ورأى شروطها كأنّها مفقودة في ظنّه عدل إلى سالم لتوفّر شروط الخلافة عنده فيه حتّى من النسب المفيد للعصبية، ولم يبق إلاّ صراحة النسب، فرآه غير محتاج إليه، إذ الفائدة في النسب إنّما هي العصبية، وهي حاصلة من الولاء، فكان ذلك حرصاً من عمر (رض) على النظر للمسلمين([760]).
ولا يعدو هذا الكلام أن يكون اجتهاداً في مقابلة النصّ، أمّا تأويل النَسَب بالعصبية فهو من صياغة ابن خلدون، ومن خصوصيّات نظريته في السياسة، وليس من الضروري أن يكون هو المراد من النصّ على قريش، فثمّة أحاديث صحيحة ميّزت قريشاً بمنزلة ليست لغيرها، كحديث: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة…» الحديث([761]).
وذهب آخرون إلى تبرير آخر، فاحتجّوا بالحديث: «مولى القوم منهم، ومن أنفسهم، وابن أخت القوم منهم» فاعتمدوا نصّاً جديداً في توسيع النصّ الأوّل، بدلاً من اللجوء إلى التأويل والاجتهاد في مقابلة النصّ.
لكنّ هذا أيضاً لم يقع موقع الرضا لدى الجمهور، إذ هو مخالف للإجماع… قال ابن حزم: إنّ الإجماع قد تيقّن وصحّ على أنّ حكم الحليف والمولى وابن الأخت كحكم من ليس له حليف ولا مولى ولا ابن أخت. فإذا صحّ البرهان بأن لا تكون ـ الخلافة ـ إلاّ في قريش، لا في من ليس قرشياً، صحّ بالإجماع أنّ حليف قريش ومولاهم وابن أختهم كحكم من ليس قرشيّاً([762]).
هذا كلّه عن سالم مولى أبي حذيفة، ولكن ليس ثمّ هناك جواب عن اختيار معاذ، وهو من الأنصار الّذين أغار عليهم القرشيّون الثلاثة في السقيفة، وفيهم عمر، واحتجّوا عليهم بأنّ الأئمّة من قريش، وهيهات أن ترضى العرب بغير قريش! هذا الكلام قاله عمر في خطابه للأنصار في السقيفة، ثمّ واصل خطابه قائلاً: «ولنا بذلك الحجّة الظاهرة، مَن نازعنا سلطانَ محمّد ونحن أولياؤه وعشيرتُه، إلاّ مُدْلٍ بباطلٍ، أو متجانفٍ لاِثم، أو متورّط في هَلَكة؟!»([763]).
إنّ تعدّد هذه المواقف المختلفة أضفى كثيراً من الغموض على عقيدة عمر في الخلافة، ممّا يزيد في إرباك نظرية الخلافة والاِمامة إذا ما أرادت أن تُساير جميع المواقف، من هنا اضطرّوا إلى الضرب على اختلافات عمر حفاظاً على صورة أكثر تماسكاً لهذه النظرية، كلّ ذلك لأجل تثبيت هذا المبدأ القائم على النصّ الشرعي: «الأئمّة من قريش».
واضح إذن كيف تمّ الانتصار للنصّ على الرأي المخالف.
وواضح أيضاً كيف كان قد تمّ الانتصار لمبدأ النصّ على مبدأ الشورى، وذلك حين رأى الخليفة ضرورة النصّ على من يخلفه.
فدخل النصّ إذن في قمّة النظام السياسي، رغم أنّه يلغي قاعدة الشورى بالكامل.
ومرّة أخرى، تمشّياً مع النصّ النبوي الشريف «الأئمّة من قريش» ينهزم مبدأ الشورى أمام السيف! فمن تغلّب على الأمّة وانتزع الخلافة بالسيف وكان قرشياً، صحّت خلافته، لأنّها لا تخرج عن النصّ المتقدّم.
بل أمام هذا النصّ قد انهارت جميع الشروط الواجب توفّرها في الخليفة، كالاجتهاد والعدل والتقوى، فإذا كان الخليفة قرشياً صحّت خلافته وإنّ كان ظالماً جاهلاً فاسقاً، بل عاجزاً عن أمر الخلافة!.
هذه هي حقيقة موقع النصّ، أمّا النظريّة فما زالت تتنكّر له، وتتبنّى مبدأ الشورى ابتداءً في المرتبة الأولى، ولكن ينبغي لهذه الشورى ألا تخرج عن دائرة هذا النصّ، فلا تنتخب إلاّ قرشياً من الصميم.
أمّا ابن حزم فقد تبنّى مبدأ النصّ أوّلاً، ثمّ ادّعى نصّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على أبي بكر (رض)، قطعاً للنزاع، لكنّه لم يفلح حين خالف حقيقةً معلومة بالإجماع وبشواهد التاريخ.
إذاً، ثبت لدينا نصّ صريح صحيح وفاعل في هذه النظرية، وهو الحديث الشريف «الأئمّة من قريش» وقد أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن والسير بألفاظ مختلفة وهذا هو محصّلها.
1 ـ إنّ قراءةً سريعة في تاريخنا السياسي والاجتماعي توقفنا على حقيقة أنّ النصّ المتقدّم «الأئمّة من قريش» بمفرده لايحقق للاِمامة الأمل المنشود منها في حراسة الدين والمجتمع.
وأوّل من لمس هذه الحقيقة هم الصحابة أنفسهم منذ انتهاء عصر الخلفاء الأربعة، ثمّ أصبحت الحقيقة أكثر وضوحاً لدى من أدرك ثاني ملوك بني أُميّة ـ يزيد بن معاوية ـ ومَن بعده.
ففي صحيح البخاري: لمّا كان النزاع دائراً بين مروان بن الحكم وهو بالشام، وعبد الله بن الزبير وهو بمكّة، انطلق جماعة إلى الصحابي أبي برزة الأسلمي فقالوا له: يا أبا برزة، ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فقال: إنّي أحتسب عند الله أنّي أصبحتُ ساخطاً على أحياء قريش، إنّ ذاك الذي بالشام والله إنْ يقاتل إلاّ على الدنيا، وإنّ الذي بمكّة والله إنْ يقاتل إلاّ على الدنيا!! ([764]).
2 ـ وأهمّ من هذا أنّه ثمّة نصوص صحيحة توجب تضييق دائرة النصّ المتقدّم، لقد حذّر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من الاغترار بالنسب القرشي وحسب، وأنذر بأنّ ذلك سيؤدّي إلى هلاك الأمّة وتشتّت أمرها!.
ففي صحيح البخاري عنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: «هَلَكَةُ أُمّتي على يَدَي غلمةٍ من قريش»([765]).
كيف إذن سيتمّ التوفيق بين النصّين: «الأئمّة من قريش» و «هَلَكة أُمّتي على يدي غلمة من قريش»؟
أليس لقائل أن يقول: ما هو ذنب الأمّة؟ إنّها التزمت نصّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) «الأئمّة من قريش» فقادها هذا النصّ إلى هذا المصير حين ذُبح خيار الأمّة بسيوف قريش أنفسهم!.
أليس النصّ هو المسؤول؟
حاشا لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يضع أُمّته على حافة هاوية، وهو الذي كان قد استنقذها من الهاوية.
إنّهم أرادوا أن يحفظوا الرسول بحفظ جميع الصحابة وإضفاء الشرعية حتّى على المواقف المتناقضة تجاه القضيّة الواحدة، فوقعوا في مافرّوا منه!.
بل وقعوا في ماهو أكبر منه حين صار النصّ النبويّ هو المسؤول عمّا آل إليه أمر الأمّة من فتن، ثمّ هَلَكة!.
إنّ العقيدة التي تؤكّد على تبرئة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وتصفه دائماً بالعصمة والكمال وأداء الأمانة، ينبغي لها أن لا تنزلق في هذا المنزلق الخطير.
إنّه ينبغي لها وفق هذه العقيدة في الدفاع عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أوّلاً، وممّا بين أيديها من السنّة الصحيحة ثانياً، ومن شواهد الواقع ثالثاً، ينبغي لها أن تلتزم بأنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) لا يمكن أن يكتفي بهذا القدر من النصّ، فيقول: «الأئمّة من قريش» ويقف عند هذا القدر، ثمّ يقول مرّة أخرى: «هَلَكة أمّتي على يَدي غلمة من قريش»!.
فهؤلاء الغلمة إنّما يكون هلاك الأمّة على أيديهم عندما يملكون أمر الأمّة، لكنّ الأمّة إنْ رضيت بهم فإنّما كان اتّباعاً للنصّ الأوّل «الأئمّة من قريش» فهل يكون هذا إلاّ إغراء؟!.
حاشا لرسول الله أن يكون ذلك منه، وإنّما هو من علامات التهافت في هذه النظرية التي أغضت عن كلّ ماورد في السُنّة ممّا يفيد تخصيص ماورد في حقّ قريش.
ورد في السُنّة نوعان من التخصيص في أمر قريش؛ تخصيص سلب، وتخصيص إيجاب.
1 ـ تخصيص السلب: ثمّة نصوص صريحة تستثني قوماً من قريش، فتبعدهم عن دائرة التكريم، ناهيك عن التقديم: قال ابن حجر الهيتمي: في الحديث المرويّ بسندٍ حَسَن أنّه (صلّى الله عليه وآله) قال: «شرّ قبائل العرب: بنو أُميّة وبنو حنيفة وثقيف».
قال: وفي الحديث الصحيح ـ قال الحاكم: على شرط الشيخين ـ عن أبي برزة أنّه قال: كان أبغض الأحياء ـ أو الناس ـ إلى رسول الله بنو أُميّة([766]).
والذي ورد في ذمّ آل الحَكَم ـ أبو مروان ـ خاصّة كثير ومشهور.
فهل يصحّ أن تُسند الاِمامة إلى شرّ قبائل العرب، وأبغض الناس إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟!
ومن دقائق النصّ الأوّل إقرانه بني أُميّة ببني حنيفة، وبنو حنيفة هم قوم مسيلمة الكذّاب، وقوم نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر من أئمّة المارقين!!.
فإذا أصبح هؤلاء هم الحكّام في الواقع فعلينا أن نشهد أنّ هذا الواقع منحرف عن النصّ، بدلاً من أن نسعى لتبريره وإخضاعه للنصّ.
2 ـ تخصيص الاِيجاب: الحديث الذي ميّز قريشاً بالاصطفاء على سائر القبائل لم يقف عند دائرة قريش الكبرى، بل خصّ منها طائفةً بعينها، فقال (صلّى الله عليه وآله): «إنّ الله اصطفى كنانة من وُلد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»([767]).
وهذا تقديم لبني هاشم على سائر قريش:
ساق ابن تيميّة هذا الحديث الصحيح، وأضاف قائلاً: (وفي السنن أنّه شكا إليه العبّاسُ أنّ بعض قريش يحقّرونَهم! فقال (صلّى الله عليه وآله): «والذي نفسي بيده لايدخلون الجنّة حتّى يحبّوكم لله ولقرابتي» وإذا كانوا أفضل الخلائق، فلا ريب أنّ أعمالهم أفضل الأعمال… ففاضلهم أفضل من كلّ فاضل من سائر قبائل قريش والعرب، بل وبني إسرائيل وغيرهم) ([768]).
وليس المقام مقام تفضيل وحسب، بل إنّ قريشاً لا يصحّ لها إيمان مالم تحبّ بني هاشم حُبّين: لله، ولقرابة الرسول!.
فهل يصحّ أن تكون قريش كلّها سواء في حقّ التقدّم والاِمامة، وفيها بنو هاشم الّذين رفعهم النصّ إلى أعلى منزلة، وفيها بنو أُميّة الّذين خفضهم النصّ إلى أردى الرتب؟!
إذا كان الواقع قد آل إلى هذه الحال، فعلينا أن نشهد أنّه واقع منحرف عن النصّ، لا أن نسعى إلى تبريره.
ممّا تقدّم يبدو بكّل وضوح أنّنا هنا قد أخفقنا في تحقيق نظرية منسجمة متماسكة في موضوع الاِمامة، وأنّ السبب الحقيقي لهذا الاِخفاق هو متابعة الأمر الواقع والسعي لتبريره وجعله مصدراً رئيساً في وصف النظام السياسي.
إنّ تناقضات الأمر الواقع في أدواره المتعدّدة قد ظهرت جميعها في هذه النظرية، ممّا أفقدها قيمتها كنظرية إسلامية في معالجة واحدة من قضايا الإسلام الكبرى…
ـ فالقول بالنصّ الشرعي لم يقف عند جوهر النصّ، ولا التزم شروطه وحدوده.
ـ والقول بالشورى تقهقر أمام نصّ الخليفة السابق، وصلاحيات الشورى، والقهر والاستيلاء، والتغلّب بالسيف.
ـ أمّا نظام أهل الحلّ والعقد فهو أشدّ غموضاً…
فمرّة يكون أهل الحلّ والعقد رجلاً واحداً نصب نفسه فتابعه اثنان كما في عقد الزواج، أو تابعه أربعة، أو يكونوا ستّة يعيّنهم الخليفة السابق دون الأمّة، بل «تطوّر» الأمر عن هذا كثيراً، حتّى «إنّ فيلسوفاً مدقّقاً كابن خلدون وقد جعل حاشية الخليفة وبطانته وأقاربه ـ بصرف النظر عن مدى علمهم واجتهادهم وتقواهم ـ هم أهل الحلّ والعقد الذين عارضوا الخليفة المأمون أن ينقل الخلافة إلى عليّ الرضا من بعده»([769])!.
والحقيقة التي نرجو أن لا تصدم أحداً أنّ هذا قد ظهر من قبل، في النصف الثاني من خلافة عثمان حيث برز على رأس أصحاب الرأي والمشورة رجال من قرابته ـ بني أميّة ـ خاصّة، لم يكونوا من أولي الفضل والاجتهاد والسابقة في الدين، مع كثرة من اجتمعت فيهم هذه الخصال في ذلك الوقت!.
وكان أهل الحلّ والعقد هؤلاء هم: عبدالله بن عامر، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح([770])، وسعيد بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم!.
نقل الطبري من طريقين: أنّ عثمان أرسل إلى معاوية وعبدالله بن سعد بن أبي سرح وسعيد بن العاص وعمرو بن العاص وعبدالله بن عامر، فجمعهم ليشاورهم في أمره، فقال لهم: إنّ لكلّ امرئٍ وزراء ونصحاء، وإنّكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي… وقد صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا إليَّ أن أعزل عمّالي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون، فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليّ.
فلمّا أشاروا عليه عمل بما رآه من مجموع مشوراتهم؛ فردّهم على أعمالهم، وأمرهم بالتضييق على من قِبَلهم، وأمرهم بتجمير الناس في البعوث([771])، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه([772]).
هذه الوجوه المتناقضة كلّها من المستحيل أن تجتمع في نظرية واحدة، فتكون نظرية منسجمة وذات تصوّر واضح ومحدّد ومفهوم.
هذا كلّه، وبقدر ما يثيره من شكوك حول صلاحية هذه النظرية، فإنّه يرجّح الرأي الآخر الذي يذهب إلى اعتماد النصّ الشرعي في تعيين خليفة الرسول.
إلى هذه النتيجة أيضاً خلص الدكتور أحمد محمود صبحي وهو يدرس نظرية الاِمامة، إذ قال: «أمّا من الناحية الفكرية فلم يقدّم أهل السُنّة نظرية متماسكة في السياسة تُحدّد مفاهيم البيعة والشورى وأهل الحلّ والعقد، فضلاً عن هوّة ساحقة تفصل بين النظر والتطبيق، أو بين ماهو شرعي وبين ما يجري في الواقع.
لقد ظهرت نظريات أهل السُنّة في السياسة في عصر متأخّر بعد أن استقرّ قيام الدولة الاِسلامية على الغَلَبة.. كما جاء أكثرها لمجرّد الردّ على الشيعة.. والتمس بعضها استنباط حكم شرعي من أُسلوب تولّي الخلفاء الثلاثة الأوائل.
وإنّ الهوّة الساحقة بين تشريع الفقهاء وبين واقع الخلفاء، فضلاً عن تهافت كثير من هذه الآراء وإخفاقها في استنباط قاعدة شرعية، هو ما مكّن للرأي المعارض ـ القول بالنصّ ـ ممثّلاً في حزب الشيعة»([773]).
صائب عبد الحميد
روضة الأنس ونزهة النفس
كتاب لصالح أبي البقاء الرندي
يعدّ كتاب الرندي الذي سمّاه روضة الأنس ونزهة النفس في كتب الثقافة العامّة التي شاع التأليف فيها؛ والتي كان مثالها البارز كتاب ابن قتيبة: عيون الأخبار. ويقول الرندي في مقدمة كتابه إنّه ألّفه كتاباً في الأدب جامعاً لعيون الفنون والآداب والأخبار والفرائد والفوائد، وأنّه انتقى «من الكتب دررها ومن أصناف الأدب غررها». ويكون (الأدب) الذي قصد إليه هو الأدب بمعناه الواسع الشامل الذي عرفه ابن خلدون بأنّه الأخذ من كلّ علم بطرف.
وجعل كتابه في عشرين باباً تتوزعها الموضوعات التالية: الباب الأوّل في العالم ومعالمه. والثاني: في الأرض والبلاد. والثالث: في بدء البشر. والرابع: في النبي (صلّى الله عليه وآله). والخامس في الخلفاء وأهل البيت. والسادس: في الدولة الأموية. والسابع: في الدولة العباسية. والثامن: في أهل الردّة والخوارج. والتاسع: في جمل من الفتوح. والعاشر: في لمع من… ([774]) والحادي عشر: في الحرب. والثاني عشر: في الملك والرياسة. والثالث عشر: في العلم. والرابع عشر: في الشعر. والخامس عشر: في المال. والسادس عشر: في النساء والبنين. والسابع عشر: في الناس والزمن. والتاسع عشر: في الحكايات. والباب الموفى عشرين: في الحكم والمواعظ.
وهو في هذه الفصول ـ في الأغلب الأعم ـ ناقل ومصنّف ومرتّب، بيد أنّ له فضل العبارة الأنيقة والكلمة الرشيقة قال: «وقد ضممت في كلّ جزءٍ منها الشيء إلى ما يماثله، وألحقت به ما يشاكله. ولجأت إلى فكري في كثير من الفصول القصار واللفظ المختار. إذ كان القصد في ذلك الإجادة لا الرواية، والإفادة لا الحكاية»([775]).
والموجود من الكتاب هو الجزء الأوّل، وينقطع في أثناء الباب التاسع «في جمل من الفتوح». وقد رفع الرندي كتابه إلى الأمير النصري محمد بن محمد وطرزه باسمه، احتفاء وتقديراً «فإنّه ـ أيّده الله ـ زان الملك بالذات الفاضلة والصفات الكاملة والنصبة الإمارية والنسبة الأنصارية، فمن همم تساوي المجد وتجاوز الجوزاء وشيم شيم بها الدهر، وينتسب لها الزهر، إلى جود تروى به الآمال ويسترق بمثله الأحرار». ولا يخفى المغزى من الوصف بالكرم والجود في خطبة الكتاب.
مصادر الكتاب مختلفة متعدّدة، عرفنا منها عرضاً، وفي أثناء القسم الباقي من الكتاب: كتاب ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، وكتاب المسعودي مروج الذهب ومغازي الواقدي. وهو نصّ على النقل من ابن إسحاق (في السيرة) وعن (صاحب التيجان) وصاحب المجسطي، وصاحب الزهر (زهر الآداب). ولا شك في أنّ مصادره كثيرة وإن لم تتضح لنا جميعاً.
وكتاب الرندي من كتب الثقافة العامة التي يستفاد منها في الأغراض التعليمية وما يشبه ذلك. وليست في الكتاب جدة أو إبداع يلفت النظر. ولكن الأديب الشاعر كان يخرج عن موضوعه ليقدّم قطعاً وقصائد من شعره تلوّن الكتاب وتقدّم لنا ذخراً طيباً لشاعر غاب عنّا ديوانه.
قال الرندي في كتابه روضة الأنس، في أثناء أحد استطراداته «وقد رثي الحسين قديماً وحديثاً. وممّن بكاه فأحزن ورثاه فأجاد وأحسن أبو بحر صفوان بن إدريس الأندلسي رحمه الله([776]). ومن عجيب ما حكي عنه أنّه دخل مراكش في أيام المنصور بن عبد المؤمن ـ رحمه الله ـ وهو صفر اليدين منقطع الحيلة: لا كيف ولا أين. لا يملك فتيلاً، ولا يجد للقاء السلطان سبيلاً. فعكف على رثاء الحسين (عليه السلام) يبكي مصابه، ويذكي به أوصابه. فنَبُه المنصور في الليل عليه، وأمر بالإِحسان إليه بعناية نبوية جبرت فؤاده، وأقامت منآده. فاستحضره المنصور ـ رحمه الله ـ وكشف له عن غيبه، وأمكنه من سيبه. وبالغ في بلوغ أربه، وأنفذ له ما أمر به. وفي ذلك يقول مرج كحل([777]) من قصيدة له:
ونبئت عن صفوان نيل كرامةٍ
حباهُ بها الرحمن والخلفاءُ
وللَّهِ في صفوان أيَّة آيةٍ
تكشف عنها للعظام غطاء
فما ضاع منه في الحسين انتصارهُ
ولا خاب عند الله فيه جزاءُ
وحسينياته (عليه السلام) كثيرة مشهورة نذكر منها ما يليق بهذا الكتاب بحول الله عزّ وجلّ فمن ذلك قوله:
أندبُ الطفّ وسبط المصطفى
بمراثٍ هي أسرَى مِنْ: قفا
لا ترُم ضوء هدًى من بعدِهِ
فسراجُ الهدي بالطفّ انطفا…
وممّا أحسن فيه الإنشاء وأجاد ما شاء المخمَّسة التي نظم أقسامها على حروف المعجم، وذيل مراكزها بأعجاز من قصيدة امرئ القيس التي أوّلها (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) منها:
ديار الهدى بالخيف والجمرات
إلى ملتقى جمع إلى عرفاتِ
مجاري سيول الغيم والعبرات
معارف هدي أصبحت نكرات
لما نسجتها من جنوبٍ وشمال
قال صاحب الكتاب: وقد ألمعتُ بطريقة صفوان ـ رحمه الله ـ في رثائه (عليه السلام) بجملة حذوتُ فيها حذوه فبلغت شأوه بما هو في المعنى أغرب وإلى الحال أنسب. وذلك أنّي صنعت مخمّسة على حروف المعجم مذيلةً بأعجازٍ من قصيدة زهير؛ فيها:
أبيتُ فلا يساعدُني عزاء
إذا ذكر الحسينُ وكربلاءُ
فخلّ الوجد يفعل ما يشاء
لمثل اليوم يدّخرُ البكاء!
عفا من آل فاطمة الجواءُ
بعينكَ يا رسول الله ما بي
دموعي في انهمال وانسكابِ
وقلبي في انتهابٍ والتهاب
على دارٍ مكرمة الجناب
عفتها الريحُ بعدك والسماءُ
بكيتُ منازل الصّبر السؤاة
بمكة والمدينة والفُرات
معالم للعُلا والمكرمات
عفت آثارُها وكذاك يأتي
على آثار منْ ذهب العفاءُ!
الزيدية
مرّ الكلام عنهم في مكانه ونضيف هنا إلى ما هنالك ما يلي:
إنّ الحركات العلمية ظهرت في اليمن بفضل الإمامين الهادي وجدّه القاسم، وبما أنّ الزيدية لا يلتزمون التقليد للهادي بل كلَّ من تمكّن من الاجتهاد، وعمل بالدليل. ظهر بعض الخلافات بينهم، كما ظهر من بعضهم الميل إلى المعتزلة في غير مسألة الإمامة وحصل من بعضهم إنكار ذلك لكن العقائد الأصلية الهامّة لا يظهر بينهم فيها خلاف.
ومن أصول عقائد الزيدية التي منها التوحيد، والعدل والنبوات وصيانة القرآن من التحريف، والإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت والشفاعة التي هي زيادة خير إلى خير، لا إنقاذ أحد من النار والإمامة التنصيصية إلى السبط الشهيد، ثمّ جاء دور الدعوة والخروج وتحقّق بزيد الثائر ومن سار على دربه…
وأهم كتبهم: كتب الهادي والقاسم.
منها: كتاب الأحكام، والمنتخب والمجموعة الفاخرة التي تجمع عدّة رسائل للهادي، ومن محاسن الكتب وأنفعها كتب القاسم بن إبراهيم وهي كتب صغار بعضها في مجموع القاسم.
ومن مراجع الزيدية (في الفقه) شرح التجريد للإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني المدفون بلنجا([778])، ومن مراجعهم في علم الكلام، حقائق المعرفة للإمام أحمد بن سليمان وهو من أئمة الزيدية.
ومنها: كتاب الأساس للإمام القاسم بن محمد وهو من أئمة الزيدية. وقد طبع الكتاب.
ومن مراجع الزيدية في الأخير في الفقه شرح الأزهار وحواشيه.
ومن مراجعهم في الحديث ما تضمنه شرح التجريد (للهاروني).
وكتاب أمالي أحمد بن عيسى ومجموع زيد بن علي، وأمالي أبي طالب المسمّى بـ «تيسير المطالب»، وأمالي المرشد بالله وكتاب الاعتصام للإمام القاسم بن محمد.
ومن مراجعهم في التاريخ: «بلوغ الأماني» للسيد يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد، ومن كتبهم في أسانيد الكتب بلوغ الأماني في إسناد كتب من آل من أُنزلت عليه المثاني.
ومن كتبهم في الردّ على المخالفين: الشافي للإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة وهو كتاب عظيم مطبوع، وفرائد اللئالي في الردّ على المقبلي للمنصور بالله محمد بن عبدالله الوزير هو مجلد ضخم.
ومن مراجعهم في أصول الفقه: كتاب بداية العقول شرح غاية السؤال تأليف الحسين ابن الإمام القاسم بن محمد وهو مطبوع، وشرح الكافل.
ومن مراجعهم في التفسير: كتاب المصابيح، تفسير الشرقي وهو كبير غير مطبوع، ولهم مؤلفات في التفسير يتعسر تحصيلها فيميل الطلاب لقراءة الكشاف.
طبقات رجال المذهب الزيدي
للمذهب الزيدي أعلام منقسة إلى الطبقات التالية:
1 ـ طبقة المؤسّسين.
2 ـ طبقة المخرجين.
3 ـ طبقة المحصلين.
4 ـ طبقة المذاكرين.
الطبقة الاولى – طبقة المؤسسين: وتساوي هذه الطبقة إمام المذهب في نظر المذاهب الأخرى، ومن هذه الطبقة:
1 ـ الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) مات شهيداً سنة 122هـ.
2 ـ الإمام القاسم بن إبراهيم مات سنة 242هـ.
3 ـ حفيده الإمام الهادي إلى الحقّ يحيى بن الحسين بن القاسم ابن إبراهيم وهو المؤسّس للمذهب في اليمن مات سنة 298هـ.
4 ـ الإمام الناصر الأطروش الحسن بن علي بن علي بن عمر الأشرف ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وهو المؤسس للمذهب الزيدي في خراسان مات سنة 304هـ.
الطبقة الثانية – طبقة المخرجين للمذهب: وهم الذين استخرجوا من كلام الأئمة أو احتجاجاتهم بواسطة القياس أو المفهوم، أحكاماً لا تتعارض مع الكتاب والسنّة لا جملة ولا تفصيلاً، ومن رجال هذه الطبقة:
1 ـ العلاّمة محمد بن منصور المرادي مات سنة 200هـ ونيف وتسعين.
2 ـ العلاّمة أبو العباس أحمد بن إبراهيم مات سنة 353هـ.
3 ـ العلاّمة الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين بن هارون الحسني مات سنة 416هـ.
4 ـ العلاّمة الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني مات سنة 423هـ.
5 ـ العلاّمة علي بن بلال الآملي مولى الإمامين المؤيد بالله وأبي طالب.
6 ـ العلاّمة أحمد بن محمد الأزرقي الهدوي.
والطبقة الثالثة – طبقة المحصلين: وهم الذين اهتمّوا بتحصيل أقوال الأئمة وما استخرج منها ونقلوها إلى تلامذتهم بطريق الرواية أو المناولة لمؤلفاتهم، ومن رجال هذه الطبقة:
1 ـ القاضي زيد بن محمد الكلاوي الجيلي الملقب بحافظ أقوال العترة وهو من أتباع المؤيد بالله.
2 ـ السيد علي بن العباس بن إبراهيم راوي إجماعات أهل البيت، مات سنة 340هـ تقريباً.
3 ـ القاضي الحسين بن محمد بن أبي طاهر الرصاص، مات سنة 584هـ.
4 ـ الإمام الحسين بن بدر الدين، مات سنة 662هـ.
5 ـ زيد بن علي بن الحسن بن علي البيهقي، مات في تهامة في عهد الإمام أحمد بن سليمان وهو في طريقه إلى مكة المكرمة.
6 ـ القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام البهلولي، مات سنة 573هـ.
7 ـ الإمام عبدالله بن حمزة، مات سنة 614هـ.
والطبقة الرابعة – طبقة المذاكرين: وهم الذين راجعوا أقوال من تقدّمهم وبلغتهم بالرواية وفحصوها سنداً ومتناً وعرضوها على أصول المذهب وقواعده المستمدة من صرائح الكتاب والسنّة ثمّ أقرّوا ما توافق معها واعتبروه هو المذهب، وما لم يوافقها لم يعتبروه مذهباً للفرقة الزيدية، وكان في نظرهم رأياً خاصاً بصاحبه غير معاب عليه لاعتبار أنّ كلّ مجتهد في الفروع مصيب. ومن رجال هذه الطبقة:
1 ـ القاضي محمد بن سليمان بن أبي الرجال الصعدي، مات سنة 730هـ.
2 ـ القاضي عبدالله بن زيد العنسي، مات سنة 667هـ.
3 ـ القاضي يحيى بن حسن البحيبح، وقد عاصر الإمام يحيى بن حمزة.
4 ـ الإمام يحيى بن حمزة، مات سنة 749هـ.
5 ـ الإمام عز الدين بن الحسن المؤيدي، مات سنة 900هـ.
6 ـ القاضي محمد بن يحيى حنش، مات سنة 717هـ.
7 ـ القاضي يوسف بن أحمد بن عثمان الثلاثي، مات سنة 832هـ.
8 ـ الإمام أحمد بن يحيى بن المرتضى، مات شهيداً بالطاعون سنة 840هـ.
ومعجم رجال طبقات المذهب الزيدي من العلماء المجتهدين. ولذلك فلا يصدق عليهم القول بأنّهم في مستوى طبقة مجتهدي المذهب لأنّ هذه الطبقة لا تظهر دائماً إلاّ بين رجال المذاهب التي لا توجب الاجتهاد على المتمكن منه وليس كذلك المذهب الزيدي.
وبالتجوز يمكن أن يوجد في طبقات المذهب من هو في درجة المجتهد المنتسب. أمّا الأكثر فهم في درجة المجتهد المطلق. وقد ظهر من هؤلاء بعد طبقة المذاكرين الكثير ومنهم: الإمام يحيى شرف الدين مات سنة 965هـ والإمام القاسم بن محمد مات سنة 1029هـ والإمام محمد بن إسماعيل الأمير مات سنة 1182هـ. والإمام عبد القادر بن أحمد عبد القادر بن الناصر شرف الدين مات سنة 1207هـ وغيرهم.
وكانت كلّ المؤلفات الزيدية لا تقتصر على ذكر القول المختار لديها، وإنّما تجمع كلّ الأقوال المشهورة للأئمة والعلماء: أي أنّها مؤلفات وموسوعات لما تؤلف فيه. لذلك فالقول المختار للمذهب إنّما كان يؤخذ من أفواه المشائخ ويتناقل بالرواية، حتّى جاء القاضي حسن بن أحمد الشبيبي _(مات سنة 1169هـ) فوضع كلمة (مذهب) في كتابه شرح الأزهار على القول المختار للمذهب تمييزاً له عن سائر أقوال الأئمة والعلماء الزاخر بها كتاب شرح الأزهار المعروف واستحسن هذه العلامة سائر العلماء في عصره. ولمكانته في العلم والتقوى تلقّفها عنه الطلاب، وصارت نسخته من أهم المراجع في ذلك عند الطلاب. كما ذكره المؤلف المؤرخ السيد محمد زبارة في ملحق البدر الطالع ص 68([779]).
السطوح
السطوح: مصطلح عرفي يطلق في الحوزات العلمية الشيعية على المرحلة الدراسية الثانية من الدراسة الحوزوية التي تأتي بعد مرحلة دراسة المقدمات.
وسمّيت بالسطوع لأنّ الدراسة فيها إذا قورنت بدراسة المرحلة التي تليها وهي مرحلة البحث الخارج تكون سطحية بالنسبة إليها لعدم اعتمادها منهجياً على بيان الدليل أو التوسّع والتعمّق في دراسته وبحثه.
وتشمل دراسة بعض الكتب المقرّرة في الفقه وأصول الفقه. لمزيد الاطلاع يرجع إلى كتاب: (دليل النجف الأشرف).
السماوة
مدينة عراقية تكوّنت بعد سنة 900هـ/ 1494م، وكانت قلعة حكومية تقع في الجهة اليمنى من الفرات، ذُكرت لأوّل مرّة على أنّها لواء سنة 941هـ/ 1534م، حيث إنّ السلطان سليمان القانوني بعد دخوله بغداد في هذه السنة أمر بتقسيم إيالة بغداد إلى ثمانية عشر لواء كان أحدها لواء السماوة.
خرج من السماوة في هذا العصر الفقيه الشاعر الشيخ حميد السماوي الذي تفوّق في الفقه والشعر. ويعتبر في طليعة شعراء العرب. وقد كان في إيثاره الفقه على الشعر أثر في عدم اشتهاره شاعراً، وإلاّ فما من شاعر في العراق كان يفوقه شاعريه. وهكذا فقد عاش إمام مدينة السماوة لا شاعر العراق.
الشام (بلاد)
مرّ الحديث عنها في مكانه، وإنّنا نضيف إلى ما هنالك ما يلي:
غارة تيمورلنك على بلاد الشام
الدولة المملوكية الثانية بدأت في مصر سنة 784هـ/1382م بالسلطان الظاهر (برقوق) وهي التي تقدّم في عهدها تيمورلنك إلى بلاد الشام.
وفي الوقت الذي كان فيه أمر برقوق قد انتظم، واستقرّت له الأمور في مصر ومعها بلاد الشام، كان ظهور تيمورلنك.
ووردت الأخبار إلى مصر بأنّ تيمورلنك أخذ تبريز وشيراز، وركب برقوق إلى الشام، وجاءه في حلب قاصد من عند (ابن عثمان)، ومعه مطالعات مضمونها أن يكون هو (ابن عثمان) والظاهر برقوق يداً واحدة على دفع تيمورلنك، فأجابه الظاهر إلى ذلك، ورد له الجواب بما يطيب به خاطره، ثمّ حضر إليه قاصد طقتمش خان، صاحب بسطام، وعلى يده مطالعات تتضمّن ما قاله (ابن عثمان) فأجابه الظاهر إلى طلبه». وكان تيمورلنك قد كتب إلى الظاهر برقوق يطلب إليه تسهيل الحركة التجارية وإقامة علاقة بين البلدين، لكن سلطان المماليك استخفّ بتيمورلنك وَرَدَّ عليه بقتل رسله([780]) وقد دارت بينهما المراسلات التالية:
الرسالة الأولى منقولة من كتاب «ظفر نامه» تأليف المؤرخ الفارسي شرف الدين علي يزدي (ج1: ص642ـ643) وهي باللغة الفارسية من تيمورلنك إلى السلطان برقوق وتاريخها سنة 795هـ. ويبدو أنّها أوّل خطاب بعثه إلى السلطان برقوق يدعوه فيه إلى مراعاة حسن الجوار، وإقامة العلاقات الطيبة لتأمين طرق المواصلات والتجارة.
والثانية منقولة من المؤرخ المصري أحمد بن علي المقريزي: «السلوك لمعرفة دول الملوك» (صورة شمسية بدار الكتب المصرية رقم 464، ج4، ص237ـ238) وهي من تيمورلنك إلى السلطان برقوق ويرجع تاريخها إلى 796هـ وهي تختلف عن الأولى من حيث اللهجة والتطويل اللفظي، وتحتوي على تهديد بالحرب من تيمورلنك إلى السلطان برقوق إذا هو لم يعلن طاعته له.
أمّا الثالثة فهي جواب السلطان برقوق على الكتاب الثاني من تيمورلنك وهي منقولة كذلك عن أحمد بن علي المقريزي: «السلوك لمعرفة دول الملوك» (صورة شمسية بدار الكتب المصرية، ج3، ص237 ـ ص238) وتاريخها سنة 796هـ، وفي هذا الجواب حرص السلطان برقوق على الظهور بعدم الاكتراث لتهديدات تيمورلنك.
والرابعة باللغة الفارسية من تيمورلنك إلى السلطان فرج بن برقوق وتاريخها 803هـ، وهي منقولة من كتاب «ظفر نامه» تأليف شرف الدين علي يزدي (ج4، ص267)، واشتملت على تهديد من تيمورلنك إلى السلطان فرج إذا هو لم يطلق أسيراً تترياً كبيراً من أسرة تيمورلنك، هو القائد أطلمش الذي وقع في يد السلطان برقوق سنة 795هـ.
وتشتمل الخامسة على تهديد ثاني من تيمورلنك للسلطان فرج، ومطالبته بإعلان الطاعة، والدعاء له في خطبة الجمعة بالقاهرة. وهي مكتوبة الفارسية، ومنقولة كذلك من كتاب «ظفر نامه» تأليف شرف الدين علي يزدي (ج2، ص315ـ 316) وتاريخها سنة 803هـ وهي خطاب جاف مختصر، ويبدو أن تيمورلنك أمر بكتابتها، وهو في الطريق إلى دمشق.
وتشتمل السادسة على جواب السلطان فرج على هذا الكتاب التيموري الجاف وهي منقولة من كتاب «ظفر نامه» (ج2 ـ ص317) وتاريخها سنة 803هـ، ويتضح منها استعداد السلطان فرج لإعلان الطاعة ليتمورلنك بشرط قيام تيمورلنك من جانبه بالاعتذار عمّا قام به من هجوم على دمشق.
والسابعة رسالة ثانية باللغة الفارسية من السلطان فرج إلى تيمورلنك، وهي منقولة من كتاب «ظفر نامه» (ج2، ص327)، وتاريخها سنة 803هـ ويبدو أنّ السلطان فرج أمر بكتابتها وهو في داخل دمشق وتيمورلنك محيط بأسوارها، وفيها يؤكد السلطان فرج وعده السابق ويطلب وقف القتال.
والثامنة منقولة من مخطوط، «كتاب روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء» (مكتبة جامعة القاهرة رقم 978، ج6، ص246)، وهو من تأليف محمد بن خواندشاه ميرخواند، وهي بالفارسية كذلك، وتاريخها سنة 805هـ؛ وهي خطاب من تيمورلنك إلى السلطان فرج بعد انتصار تيمورلنك على السلطان بايزيد العثماني في واقعة أنقرة، وفيها طلب تيمورلنك من السلطان فرج سك نقود مصر والشام باسمه والدعاء له في خطبة الجمعة.
(1)
كتاب من تيمورلنك إلى السلطان برقوق سنة 795 هجرية (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج1، ص642ـ643).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«لما كان بيت جنكيزخان في حروب من أسلافكم السلاطين الذين ظلموا شعب الشام، وأنّ هذه الحروب أنهت بسلام اختلاف الرسل، عاد الأمن والتعاون بين الدولتين؛ غير أنّه منذ وفاة الإيلخان العظيم السعيد أبو سعيد بهادر لم يحكم في بلاد فارس حاكم من نسل جنكيزخان الذي نظم أمور الناس، ولكن على العكس قام حكام في كلّ الإمارات في هذه الإمبراطورية الكبيرة مكان ملوكها، وسببوا متاعب لا نهاية لها لشعوب هذه الإمبراطورية. أمّا وقد اختارنا الإله الواحد بفضل من عنده لإصلاح ما فسد، وأدان لسيفنا المظفر كلّ بلاد فارس والعراق العربي الذي تتاخم حدوده حدود بلادكم، فإنّ المحبّة التي ندين بها لشعبنا تتطلب بحكم الجوار أن نتبادل الكتب، وأن يأتي الرسل، ويعودوا في يسر بين بلدينا، وأن ينتقل تجار البلدين في أمن حتّى تنتعش البلاد، ويكثر السكان، ويعيشوا في سلام. ولهذا السبب أرسلنا رسولنا إليكم ضارعين إلى الله أن يكلأكم بعنايته إن سلكتم حسب هذا. والسلام على من اتبع الهدى والحمد لله رب العالمين».
(2)
كتاب تيمورلنك (الكتاب الثاني) إلى السلطان برقوق في سنة 796هـ. (المقريزي، أحمد بن علي: السلوك صور شمسية، ج3، ص237، 238).
[قل اللهم مالك الملك] ([781]) {اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}([782]). اعلموا أنَّا جند الله مخلوقون من سخطه، ومسلطون على من حلَّ عليه غضبه، لا نرق لشاك([783])، ولا نرحم عبرة باك([784])، قد نزع الله الرحمة من قلوبنا فالويل لمن لم يكن من حزبنا ومن جهتنا. قد خربنا البلاد وأيتمنا الأولاد، وأظهرنا في الأرض الفساد، وذلت لنا أعزتها، وملكنا بالشوكة أزمتها، فإن خُيّل ذلك على السامع وأشكل وقال إن فيه عليه مشكل([785]) فقل له:
{إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً}([786])، وذلك بكثرة عددنا وشدة بأسنا، فخيلونا سوابق ورماحنا خوارق وأسنتنا بوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال، وجيوشنا كعدد الرمال، ونحن أبطال وأقيال، وملكنا لايرام، وجارنا لا يضام، وعزنا أبداً لسؤددٍ مقام، فمن سالمنا سلم، ومن رام حربنا ندم، ومن تكلم فينا بما لا يعلم جُهل، وأنتم فإن أطعتم أمرنا وقبلتم شرطنا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن خالفتم وعلى بغيكم تماديتم، فلا تلوموا([787]) إلا أنفسكم، فالحصون منا مع تشديدها لا تمنع، والمدائن بشدتها لقتالنا لا ترد ولا تنفع، ودعائكم علينا لا يستجاب فينا ولا يسمع، فكيف يسمع الله دعائكم، وقد أكلتم الحرام، وظلمتم جميع الأنام، وأخذتم أموال الأيتام، وقبلتم الرشوة من الحكام، وأعددتم لكم النار وبئس المصير: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}([788])، فلما فعلتم ذلك أوردتم أنفسكم موارد المهالك، وقد قتلتم العلماء وعصيتم رب الأرض والسماء، وأرقتم دم الأشراف، وهذا والله هو البغي والإسراف، فأنتم بذلك في النار خالدون، وفي غدٍ ينادى عليكم: {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ}([789])، فأبشروا بالمذلة والهوان، يا أهل البغي والعدوان، وقد غلب عندكم أننا كفرة، وثبت عندنا أنكم والله الكفرة الفجرة، وقد سلَّطنا عليكم الإله، له أمور مقدرة وأحكام محررة، فعزيزكم عندنا ذليل وكثيركم لدينا قليل، لأننا ملكنا الأرض شرقاً وغرباً، وأخذنا منكم كل سفينة غصباً، وقد أوضحنا لكم الخطاب، فأسرعوا برد الجواب، قبل أن ينكشف الغطاء، وتضرم الحرب نارها، وتضع أوزارها وتصير كل عين عليكم باكية، وينادي منادي الفراق: {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ}([790])، ويسمعكم صارخ الفناء بعد أن يهزكم هزاً، {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا}([791]). وقد أنصفناكم إذ راسلناكم فلا تقتلوا المرسلين كما فعلتم بالأولين، فتخالفوا كعادتكم سنن الماضين وتعصوا رب العالمين، {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}([792])، وقد أوضحنا لكم الكلام فأرسلوا برد الجواب والسلام».
(3)
جواب السلطان برقوق على هذا الكتاب وتاريخه سنة 796هـ:
(المقريزي، أحمد بن علي: السلوك، صور شمسية، ج3، ص238).
بسم الله الرحمن الرحيم
{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وتعز مَنْ تَشَاءُ وتذل مَنْ تَشَاءُ }([793])، حصل الوقوف على ألفاظكم الكفرية ونزعاتكم الشيطانية، وكتابكم يخبرنا عن الحضرة الجنابية وسيرة الكفرة الملائكية وأنكم مخلوقون من سخط الله، ومسلطون على من حل عليه غضب الله وأنكم لا ترقون لشاكٍ ولا ترحمون عبرة باكٍ، وقد نزع الله الرحمة من قلوبكم فذلك أكبر عيوبكم، وهذه من صفات الشياطين لا من صفات السلاطين، وتكفيكم هذه الشهادة الكافية، وبما أوقفتم به أنفسكم ناهية، {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)}([794])، ففي كل كتاب لُعنتم، على لسان كل مرسل نعتم، وبكل قبيحٍ وصفتم، وعندنا خبركم من حين خرجتم، أنكم كفرة، ألا لعنة الله على الكافرين، من تمسَّك بالأصول فلا يبالي بالفروع. نحن المؤمنون حقاً، لا يدخل علينا عيب، ولا يضرنا ريب، القرآن علينا نزل، وهو سبحانه بنا رحيم لم يزل، فتحققنا نزوله، وعلمنا ببركة تأويله، فالنار لكم خلقت، ولجلودكم أضرمت، {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ}([795])، ومن أعجب العجب تهديد الرتوت([796]) بالتوت([797])، والسباع بالضباع، والكماة بالكراع نحن خيولنا برقية وسهامنا عربية، وسيوفنا يمانية، وليوثنا مضرية، وأكفنا شديدة المضارب، وصفتنا مذكورة في المشارق والمغارب، إن قتلناكم فنعم البضاعة وإن قتل منا أحد فبينه وبين الجنة ساعة ،
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}([798]). وأما قولكم : قلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، فالقصَّاب لا يبالي بكثرة الغنم وكثير الحطب يفنيه القليل من الضرم، {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}([799]). الفرار الفرار من الرزايا، وطول البلايا، واعلموا أن هجوم المنية عندنا غاية الأمنية، إن عشنا عشنا سعداء، وإن قُتلنا قُتلنا شهداء، {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}([800]). أَبَعد أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين تطلبون منا طاعة، لا سمع لكم ولا طاعة وطلبتم أن نوضح لكم أمرنا قبل أن ينكشف الغطاء، ففي نظمه تركيك، وفي سلكه تلبيك، لو كشف الغطاء لبان القصد بعد بيان، أكفرٌ بعد إيمان، أم اتخذتم إلهاً ثان، وطلبتم من معلوم رأيكم أن نتَّبع ربكم، {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا}([801])، قل لكاتبك الذي وضع رسالته ووصف مقالته، وصل كتابك كضرب رباب أو كطنين ذباب، {كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ}([802])، إن شاء الله تعالى [لقد خلطتم في الأمر في الذي أرسلتم]([803])، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}([804]) والسلام».
(4)
كتاب تيمورلنك إلى السلطان فرج كتبه من ملطية في شهر المحرم سنة 803هـ (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص276).
ترجمة الكتاب إلى الفارسية:
«لقد بدرت من والدك حركات مستهجنة من جملتها قتله رسلنا دون سبب، وحبسه أطلمش الذي كان من رجال بلاطنا وعدم إرجاعه. ولما أسلم والدك وديعة الحياة فإنّ سؤاله وجزاءه قد أوكل إلى الباري يوم القيامة. وينبغي عليك أنت أن ترحم نفسك وأهل مملكتك، وأن تعيد أطلمش إلينا حتى تنجي أهل مصر والشام من انتقام جيشنا الذي يتحرق إلى الثأر. وإذا سلكت غير هذا الطريق بدافع من وسوسة شيطان اللجاج وعناد الخلاف، فإنّ جميع تلك الديار والبلاد سوف تصير خراباً بمجرد مرور عساكرنا المنصورة وعبورها فيها. وسيكون وزر ووبال دماء المسلمين وأموالهم في عنقك».
(5)
كتاب تيمورلنك إلى السلطان فرج في جمادى الأولى سنة 803هـ حين تقدّم تيمورلنك لحصار دمشق (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص315ـ 316).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«لقد علمت آثار حزمنا وعزمنا في الأمور، وعلو همتنا في تحصيل المطالب، وإتمام المقاصد والمآرب، وإنّ العقلاء ليعلمون أن تشبث الرجال بالأمور هو نزع من الغيرة والحمية، سواء كان الرجال ملوكاً أو من أفراد الشعب. وإنّ الهدف الأصلي للملوك، من قيادة الجيوش وفتح الممالك مع كلّ هذا الرعب والخطر هو رعاية الناموس في الحال وبقاء الذكر الجميل في المآل، وليس هو مجرد جمع المال وتكثير المنال.
إنّ أهمّ الأعمال في الدنيا رعاية الناموس وإبقاء الذكر الطيب، وإلاّ فإنّ المرء يكفيه نصف رغيف من الخبز.
وقد طلبت أطلمش مرّات، ولكنكم لم ترسلوه وتعللتم بعلل واهية لتأخير إرساله، حتّى ثارت فينا النخوة لنسير إلى بلادكم، وننزل أنواع الخراب والدمار بالناس والأموال في دياركم.
«إذا نطق الصخر، فسيجيب بأنّ شجرة الخطأ لا تعطي ثمراً».
وبرغم هذا كلّه فإنّك إذا أرسلت أطلمش، وزينت السكة والخطبة باسمنا وألقابنا، وطويت بساط النزاع بيننا، ورحمت نفسك وأهل ديارك، لانتهى كلّ شيء، وإلاّ فإنّ جيشنا الجرار المتعطش إلى احتساء الدماء سوف يعصف بالمخالفين، ويقهر المعاندين، ويستولي على الديار ويقتلع الرسم المعهود ويبلغ غاية المقصود.
«هناك طريقان طريق المداراة وطريق اللجاج».
«الأوّل يؤدّي إلى الأمن والثاني يؤدّي إلى الحرب».
«وقد أظهرت لك العقل فانتصح».
«واختر طريقاً من الطريقين».
(6)
جواب السلطان فرج على كتاب تيمورلنك السابق وتاريخه جمادى الأولى سنة 803هـ (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص317).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«نحن عبيد في مقام الطاعة والانقياد. وسنرسل أطلمش في خلال خمسة أيام. فإذا تجاوز السلطان الأعظم عن جرائمنا فإنّنا لن نهمل أو نقصر في أداء وظائفنا وإطاعة الأوامر، وإظهار الخضوع وسنفعل كلّ ما في مكنتنا ومقدورنا لإرضاء خاطركم الشريف ومشاعركم السلطانية».
(7)
كتاب من السلطان فرج إلى تيمورلنك كتبه من دمشق وقت حصار تيمورلنك لها وتاريخه جمادى الأولى 803هـ (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص327).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«إنّ ما حدث أمس كان من فعل بعض الغوغاء دون رغبة منّا، إذ أنّ جمعاً من الجهال والأوباش قد تجرّؤوا عن جهل للهجوم فلقوا جزاءهم. ونحن باقون على العهد الذي عرضناه، فإذا أوقف الجيش القتال اليوم، فإنّنا سوف ننفذ غداً كلّ ما تأمرون به، ونقوم بتقديم العذر عن التقصيرات السابقة حسب المقدور».
(8)
كتاب من تيمورلنك بعد واقعة أنقرة إلى السلطان فرج وتاريخه 805هـ (مير خواند: روضة الصفا، ج6، ص246).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«أصبح ملك جميع بلاد الروم بنصرة الله، وعناية السلطان تحت حكم أتباعنا فينبغي أن تزين سكة بلاد الشام ومصر وخطبتها باسمنا ولقبنا العظيم، وأن تطلقوا سراح أطلمش في الحال، وترسلوه إلى بلاطنا الذي هو ملجأ للعالم، وإذا تغافلتم في هذا الأمر أدنى تغافل فتيقنوا أنّ راياتنا المظفرة ستتجه بعد عودتها من بلاد الروم إلى مصر وترفرف على ربوعها. وقد قلت كلّ ما في نفسي وأنت تعرف ما بعد ذلك. وقد أعذر من أنذر» ا.هـ.
تعليق لنا
ونقول تعليقاً على الاستهانة من تيمورلنك بالإقرار بأنّهم لا يرقّون لشاك ولا يرحمون عبرة باك، وأنّهم قد نزع الله الرحمة في قلوبهم، وبأنّهم خربوا البلاد ويتّموا الأولاد وأظهروا في الأرض الفساد. والتباهي بهذا، نقول: يدلك هذا على الحال التي وصل إليها حكام المسلمين، والصحيح أن نقول الحال التي استمرّ عليها أولئك الحكام منذ العام الهجري 41 حتّى العام 796 وما بعده، أي منذ صدور الأوامر إلى بسر بن أرطأة وسفيان بن عوف بالقتل العام والنهب العام في الأنبار والحجاز واليمن، واستمرار ذلك حتّى عهد تيمورلنك. والفرق بين من سبق تيمور منذ العام 41هـ حتّى العام 796 أنّ هذا لم ينافق كما نافق من سبقه ولم يدّع ما ليس فيه، بل كان صريحاً واضحاً معلناً حقيقة نفسه!.
صحيح أنّ هذا الذي يعلنه تيمور إنّما يراد به التهديد والوعيد، ولكن الصحيح أنّ التباهي به شيء فظيع، والذي يتفق فيه الطغاة منذ العام 41هـ حتّى العام 796 وما بعده أنّهم جميعهم يقولون إنّهم جند الله.
ثمّ إنّا نفهم من مجرى الأحداث ـ كما قلنا من قبل ـ أنّ تيمور لم يكن البادئ بالشر، ولنا أن نقول: إنّه لم يكن في ذهنه غزو بلاد الشام لولا قتل برقوق لرسله، وأنّ المسؤول عن ذلك الغزو وما جرَّه على بلاد الشام من الويلات هو الظاهر برقوق بخروجه على أبسط قواعد الأعراف الإنسانية العالمية، من أنّ الرسل لا تقتل.
رجوع تيمور
وقد كان الظاهر برقوق قد استعدّ للقاء تيمور، فعن تاريخ ابن أياس أنّه في سنة 789هـ/ 1387م، حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير طغاي، وكان قد توجّه إلى بلاد الشرق لمعرفة أخبار تيمورلنك، فأخبر السلطان أنّ جاليش (أعلام) تيمور قد وصل إلى الرها وكسر قرا محمد أمير التركمان، وأنّ بوادر عسكره قد وصلت إلى ملطية، فأمر السلطان بعقد مجلس بالقصر الكبير، وطلب القضاة الأربعة والخليفة وشيخ الإسلام عمر البلقيني وأعيان المشايخ المفتين والأمراء، فتكلم السلطان في أخذ مال الأوقاف، فلم يوافق شيخ الإسلام ولا القضاة الأربعة على ذلك، فشكا السلطان خلو الخزائن، فوقع جدال عظيم ودافعوا السلطان وأغلظوا له، ثمّ اتفقوا على أن يؤخذ من الأوقاف أجرة الأماكن وخراج الأراضي سنة كاملة، ورسم السلطان لمحتسب القاهرة أن يتولى جبي الأموال من الناس، ورسم بأخذ زكاة الأموال من التجار، وندب إلى ذلك القاضي الحنفي. وفي رجب سنة 789هـ/ 1387م، خرجت التجريدة من القاهرة في تحمّل زائد واستمرّت من الصبح إلى قريب الظهر. واشتدّ الأمر على الناس، وجبيت الأموال منهم غصباً بالعصا في يوم واحد ثمّ جاءت الأخبار برجوع تيمور إلى بلاده وأنّ ولده قتل فسكن الناس ورسم السلطان بردّ ما أخذ منهم.
وفي هذا النص الذي أخذناه بكامله عدّة أمور تلفت النظر:
1 ـ إنّ الخليفة يدعى كسائر الناس إلى المؤتمر الذي عقده برقوق، ثمّ لا يكون له رأي في كلّ ما يجري، فقد لزم الصمت وترك الآخرين يتجادلون ويقرّرون.
2 ـ وجود منصب ديني كبير يسمّى من يتقلَّده «شيخ الإسلام». وعلى هذا فليس الأتراك العثمانيون هم الذين أوجدوا هذا المنصب في عهدهم، بل سبقهم إليه المماليك. وإذا كنّا قد عرفنا صلاحيّة شيخ الإسلام العثماني فإنّنا نجهل صلاحية شيخ الإسلام المملوكي.
3 ـ استقلال رأي شيخ الإسلام وآراء القضاة الأربعة وشجاعتهم في الوقوف بوجه السلطان، ومنعه من الاستيلاء على الوقف، في حين أنّ الخليفة لم يبد ولم يعد في هذا الأمر وسلم به.
ولم يكتفِ شيخ الإسلام والقضاة الأربعة بمعارضة السلطان بل دافعوه وأغلظوا له، بنص ابن أياس.
4 ـ غربة الشعب عن هذا كلّه، فالناس يرون أنّه تُطلب منهم الأموال لتغذية حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بل إنّ السلطان أوقعهم فيها بطغيانه حين قتل رسل تيمورلنك، وكانوا في غنى عن ذلك لهذا تمرَّدوا على دفع الأموال، ولم تُجْبَ منهم إلاّ بالعصا.
أمّا رجوع تيمور عن قصد برقوق بعد أن كان متوجهاً إليه، فقد ذكر ابن عربشاه سببه كما يلي: في 7 ذي القعدة سنة 796هـ/ 1393م، رحل تيمور واستصحب معه الملك الظاهر صاحب ماردين وحبسه في مدينة (سلطانية) وحبس معه من أمرائه الأمير ركن الدين وعز الدين السليماني واستنبوغا وضياء الدين وضيق عليه ومنعه من مكاتبة أهله بحيث بقي سنة لا يُعرف له خبر. ثمّ وفدت الملكة الكبرى إلى سلطانية وخففت عنه، وأذنت له بمراسلة أهله ونصحته بالدخول في طاعة تيمور. قال: وكان سبب خروج تيمور أنّه بلغه أنّ فيروز شاه سلطان الهند قد توفي وليس له ولد، وأحوال بلاد الهند مضطربة، فرأى أن توجّهه إلى بلاد الهند والاستيلاء عليها أولى من مجيئه إلى الديار المصرية فكرَّ راجعاً إلى بلاد الهند واستولى عليها. ولمّا بلغ برقوق رجوع تيمور إلى بلاده رجع هو إلى مصر اهـ.
على أنّ رجوع تيمور في قصد بلاد الشام كان رجعاً موقَّتاً، فهو لا يمكن أن ينسى الإهانة التي لحقته بقتل برقوق لرسله وما وجهه إليه من شتائم في رسالته.
إنّه في الأصل لم يكن ينوي غزو بلاد الشام التي كانت تابعة لحكم برقوق في مصر، بل على العكس من ذلك، تودّد إليه في أوّل الأمر وراسله مراسلة تحمل طابع التآلف ما رأينا في ما تقدّم من القول.
استقرار تيمور
عندما قصد تيمور بغداد هرب السلطان أحمد من أويس، المتغلّب عليها، إلى الشام؛ وذلك في شهر شوال من سنة 795هـ. ووصلها تيمور في 21 منه، ثمّ خرج منها قاصداً ديار بكر وآذربيجان وتساقطت بعد ذلك عدّة مدن في يده.
وسار أحمد بن أويس إلى الرحبة فحلب، فلمّا بلغ الظاهر برقوق ـ وهو في مصر ـ خبره أرسل إليه الإقامات ووجّه إليه من يستقبله من الأمراء، وذلك كرهاً بتيمور.
ووصل إلى برقوق رسول السلطان بايزيد العثماني حاملاً له هدايا عظيمة، وأخبره بأمر تيمور وحذّره من الغفلة في أمره. فأوغز برقوق إلى والي القاهرة بالنداء للعكسر بالعرض في الميدان، وتكرّرت المناداة ثلاثة أيام بأن لا يتأخّر عن العرض كبير ولا صغير([805]).
وكان تيمور قد استولى على ديار بكر والرها، وأرسل إلى القاضي برهان الدين أحمد، حاكم سيواس وقيصرية وتوقات، أن يخطب باسم محمد خان بن (سيور غاتمش خان) واسم تيمور ويضرب السكة باسمه، فلم يجبه القاضي بشيء، بل قتل بعض رسله وقطع رؤوسهم وعلّقها في أعناق من بقي منهم وشهرهم وأرسل قسماً منهم إلى الظاهر برقوق وقسماً إلى السلطان بايزيد العثماني، فأرسل إليه بايزيد يشكره على ذلك.
فلمّا بلغ تيمور ما جرى على رسله غضب غضباً شديداً.
ثمّ وصل أحمد بن أويس إلى مصر في ربيع الأوّل سنة 786هـ مستصرخاً الظاهر برقوق، فنادى برقوق في عسكره بالتجهيز إلى الشام([806]) واستخلف على القاهرة النائب سودون، وارتحل على تعبئة، ومعه أحمد بن أويس، ودخل دمشق آخر جمادى الأولى، وكان قد أوعز إلى جلبان نائب حلب بالخروج إلى الفرات واستنفار العرب والتركمان للإقامة هناك رصداً للعدو، فلمّا وصل دمشق وفد عليه جلبان ثمّ رجع، وبعث برقوق العساكر مدداً له.
وكان تيمور قد شغل بحصار ماردين فأقام عليها شهراً وملكها، وامتنعت عليه قلعتها فارتحل إلى ناحية بلاد الروم (الأناضول) ومَرَّ بقلاع الأكراد فأغارت عساكره عليها واكتسحت نواحيها. وبرقوق لهذا العهد ـ وهو شعبان سنة 796هـ/ 1393م ـ مقيم في دمشق. ويقول ابن إياس: إنّ برقوق وصل إلى دمشق مع القان أحمد بن أويس يوم الاثنين 12 ربيع الآخر فنزل بالقصر الأبلق الذي في الميدان، ثمّ توجّه إلى حلب، فحضر إليه قصاد من السلطان بايزيد بن عثمان بأن يكون هو (بايزيد) وبرقوق يداً واحدة على دفع تيمور. ثمّ حضر إليه قاصد طقتمس خان صاحب بسطام بمثل ذلك فأجابهما بالقبول، وبلغه وهو بحلب أنّ جاليش عسكر تيمور قد وصل البيرة.
نظرة في هذه الأحداث
نرى، في ما سبق عرضه، أنّه إذا كان تيمور قد فعل ما فعل من القتل في بلاد الشام، فإنّ القاضي برهان الدين أحمد، حاكم سيواس، قد سبقه إلى ذلك وجرّأه عليه وأوجد له المسوّغ.
فهذا القاضي الحاكم الذي يستحلّ قتل الرسل، ثمّ يعلق رؤوس مَن قتلهم في أعناق من لم يقتلهم ويشهرهم ويرسل بعضهم بهذه الحالة إلى برقوق، وبعضهم إلى السلطان العثماني، هو نظير ليتمور في ارتكاب الفظائع، ومتفوق عليه في سفك الدماء، ومشجِّع له على المجازر، وقد أوجد له الأعذار في هذا.
والسلطان العثماني والسلطان المملوكي، اللذان سَرَّهما هذا العمل وأرضاهما، هما شريكان في تشجيع المجازر البشرية الجماعية!.
فعلينا ألا نصم تيمور وحده، بل أن نصم هذين الحاكمين ـ والحاكم الآخر الذي سيأتي ذكره ـ اللذين هلّلا للمجزرة وأن نوجّه الوصمة الكبرى إلى القاضي الحاكم برهان الدين بأشدّ ممّا نوجّهها إلى تيمور، لأنّ تيمور، في ما فعل، منتقم لرسله القتلى وغير مبتدئ بالقتل.
ولم يكن القاضي برهان الدين وحده هو الذي قتل رسل تيمور بل إنّ «برقوق»، هو الآخر فعل الأمر نفسه ـ كما تقدّم ـ وكذلك فعله دمرداش نائب حلب (واليها)، ما أثار غضب تيمور ونقمته وجعله يصمّم على غزو بلاد الشام.
ولم يخجل هذا الذي لقَّب نفسه باللقب الديني: برهان الدين، وهو يحمل هذا اللقب، من أن يدنس الدين الذي جعل من نفسه برهانه بسفك دماء الأبرياء وتعليق رؤوس القتلى على صدور الأحياء والطواف بهم من بلد إلى بلد.
عوامل أخرى
وهناك عوامل أخرى حفزت تيمور على غزو بلاد الشام، ومنها ما أشار إليه ابن حجر فيما حكي أنّه ذكر في حوادث سنة 798هـ. أنّ «اطلمش»، قريب تيمور، قبض عليه قرا يوسف التركماني، صاحب تبريز وأرسله إلى الظاهر برقوق فاعتقله. وقال في حوادث سنة 799هـ: «وصلت كتب من تيمور فعوقت رسله بالشام وأرسلت الكتب التي معهم إلى القاهرة ومضمونها التحريض على إرسال قريبه أطلمش الذي أسره قرايوس. فأمر السلطان برقوق أن يكتب أطلمش إلى قريبه كتاباً يعرفه فيه ما هو عليه من الخير والإحسان بالديار المصرية. وأرسل برقوق ذلك مع جوابه، ومضمون الجواب: إذا أطلقت من عندك من جهتي أطلقت من عندي من جهتك والسلام».
هذا رأي «ابن حجر»، ولكن يظهر، من غير ابن حجر، أنّ تيمور كان غاضباً على أطلمش وأنّه طلبه ليعاقبه. ويروي صاحب كتاب «عجائب المقدور» قصة قتل رسل تيمور مع روايته قصة «أطلمش»، كما يروي ذلك صاحب «البدر الطالع» قائلاً:
أرسل تيمور، وهو في «عينتاب»، رسولاً إلى النواب في حلب طلب فيه منهم أن يطيعوا أمره ويكفّوا عن القتال وأن يخطبوا باسم محمود خان وباسمه وأن يرسلوا إليه «أطلمش»، زوج بنت أخت تيمور الذي أسره التركمان وأرسلوه إلى مصر، فلم يُجَب إلى شيء ممّا طلبه وقتل سودون نائب دمشق الذي كان يومئذ موجوداً في حلب، مع بقية نواب البلاد الشامية، رسول تيمور قبل أن يسمع كلامه وضرب رأسه على رؤوس الأشهاد.
وعن ابن حجر أنّ الكتاب كان إلى نائب حلب وأنّه قال فيه: «إنّا وصلنا في العام الماضي إلى البلاد الحلبية لأخذ القصاص ممّن قتل رسلنا بالرحبة ثمّ بلغنا موته (يعني الظاهر بقرقوق)، وبلغنا أمر الهند وما هم عليه من الفساد فتوجهنا إليهم فأظفرنا الله تعالى بهم ثمّ رجعنا إلى «الكرج» فأظفرنا الله بهم، ثمّ بلَغَنا قلّة أدب هذا الصبي ابن عثمان فأردنا عرك أذنه ـ وكان عمر بايزيد يومئذ فوق الثلاثين ودون الأربعين ـ فشغلنا بسيواس وغيرها من بلاد ما بلغكم، ونحن نرسل الكتب إلى مصر فلا يعود جوابها، فنعلمهم أن يرسلوا قريباً أطلمش، فإن لم يفعلوا فدماء المسلمين في أعناقهم والسلام».
فأمر نائب حلب بضرب أعناق رسل تيمور. فلمّا علم تيمور أنّ رسله قُتِلت زحف من عينتاب على حلب، ثمّ بعد ذلك إلى دمشق، فجرى فيها ما جرى من أهوال الحريق والقتل والنهب…
وأقام في دمشق ثمانين يوماً، ثمّ غادرها عائداً إلى بلاده. وبذلك يتأكد أن غرضه كان الانتقام لقتل رسله لا فتح البلاد وحكمها.
ونحن نعتبر أنّ المسؤول الحقيقي عن محنة بلاد الشام لا تيمور وحده، بل إنّ المسؤولية تقع أوّلاً على القاضي برهان الدين أحمد والظاهر برقوق وسودون نائب دمشق ودمرداش نائب حلب، هؤلاء الذين قتلوا رسله فأثاروه للانتقام لقتل رسله. وقد كان من قبل متودّداً لأولئك القتلة طالباً إقامة علاقات تجارية بين بلاده وبلادهم، كما مرّ.
ومن اللافت للنظر أنّ ابن الشحنة يروي ما يلي: إنّه وجد منقوشاً على رخامة بالجامع النووي بحماه ما خلاصته: «سبب نقش هذا أنّ الله تعالى يسَّر لنا فتح البلاد والممالك حتّى انتهينا إلى بغداد، فأرسلنا قصادنا الى ملك مصر بأنواع التحف والهدايا، وكان قصدنا أن تتأكد الصداقة بيننا فقتل قصادنا من غير موجب، ثمّ قبض التراكمة على أناس من جهتنا وأرسلوهم إلى سلطان مصر برقوق فسجنهم وضيَّق عليهم فلزم من هذا أنّا توجهنا لاستخلاص متعلقينا من أيدي مخالفينا واتفق لذلك نزولنا بحماه في العشرين من ربيع الآخر سنة 803 (1400)». (انتهى).
ونرى أنّ تيمورلنك الذي لم يكن لديه من وسائل الإعلام في ذلك الوقت ما يجعله يظهر عذره للرأي العام في غزو بلاد الشام، ويسوِّغ فعل ما فعل سوى رخامة في مسجد تقصده الجماهير في كلّ يوم جمعة، فتقرأ وتطلع وتذيع بين الناس ما قرأت وطالعت.
وقد أبان، في بيانه هذا، أنّه قصد أوّل الأمر مصادقة برقوق والتحبّب إليه، فأرسل رسله حاملين أنفس الهدايا مُعربين عن عواطف الصداقة ومشاعر المحبة، ولكن برقوق قابل ذلك بقتل الرسل الذين تحرم قتلهم جميع شرائع العالم وأعرافه.
ثمّ إنّ برقوق رفض إطلاق أقرباء تيمورلنك الذين قبض عليهم التركمان وأرسلوهم إليه، بل ضيَّق عليهم وسجنهم.
ثمّ يعلن تيمورلنك، في ختام بلاغه، أنّه إنّما قدم إلى بلاد الشام لتخليص أقربائه. ولكن لماذا اختار حماه لتكون المكان الذي ينقش على جدار مسجده الجامع بلاغه هذا؟ الذي يلوح لنا أنّ هذا الاختيار إنّما كان لأنّ مدينة حماه يتوسّط موقعها بلاد الشام، وهو موقع تتقاطع فيه طرق الذاهبين إلى جميع جهات بلاد الشام.
عودة تيمورلنك إلى بلاد الشام
لم يقدر ليتمور أن يلقى غريمه برقوق في ميدان القتال، فبينما كان تيمور في الهند توفي الملك الظاهر برقوق، وذلك في 15 شوال سنة 801هـ (1398م) وأقيم مكانه ولده فرج وعمره عشر سنين ولقب بالملك الناصر.
وبعد أن استتب الأمر لتيمور في الهند غادرها سنة 802هـ مخلفاً فيها نائباً عنه، بعد أن أقام فيها نحواً من سنتين، فعبر نهر جيحون إلى خراسان واجتازها إلى آذربيجان واصلاً إلى مدينة تفليس مستولياً على بلاد الكرج (جورجيا).
وفي 8 رجب سنة 802هـ كان في بغداد ومنها اتجه إلى بلاد الشام فاتحاً ما في طريقه من بلاد حتّى كان في عينتاب التي حاصرها ثلاثاً وعشرين ليلة ثمّ أخذها، ومنها أرسل إلى النواب في حلب كتاباً طلب فيه أن يطيعوا أمره ويكفّوا عن القتال وأن يخطبوا باسم محمود خان وباسمه وأن يرسلوا (أطلمش) الذي أسره التركمان وأرسلوه إلى مصر.
فأمر نائب حلب([807]) بضرب أعناق رسل تيمور. وعمد إلى تحصين سور حلب بالمدافع، والمكاحل والمقاتلة.
فلمّا بلغ هؤلاء النواب وصول تيمور إلى عينتاب عقدوا فيما بينهم مؤتمراً عسكرياً لتقرير خطة الدفاع عن حلب. فرأى بعضهم تحصين المدينة وأن يكونوا على الأسوار، فردّ آخرون بأنّ هذا من إمارة العجز، والرأي أن نكون حول البلد فإنّه أفسح للمجال. فقال نائب طرابلس ـ وكان ذا رأي سديد ـ: إنّ عدد العدو كثير، ولكنّه أعمى لأنّه غريب عن البلاد والرأي أن نحصن المدينة ونكون خارجها في جانب واحد ونحفر حولنا خندقاً ونكتب إلى الأعراب والأكراد والتركمان فيتسلطوا على العدو بالقتل والنهب، فإن أقام ففي شر مقام، وإن رجع فهو ما نريد. فقال دمرداش: الرأي أن نناجزه ولا نطاوله، وإن لم نناجزه أنس منّا الوهن. وأخذ يحرّضهم على ذلك، وممّا قاله: إنّا إذا كسرناهم فهو المرام وكفينا عسكر مصر المؤونة، وإن كسرونا نكون قد بذلنا المجهود.
ولم يزل يحسّن لهم هذا الرأي الفاسد حتّى أجمعوا عليه لأنّه كان صاحب البلد. على أنّ هناك من يرى أنّه كان موافقاً لتيمور، وأنّه أتى بهذا الرأي الفاسد تسهيلاً للأمر على تيمور.
إنّ المؤتمر العسكري الذي عقده النواب كان يمثّل الجيوش الشامية فقط، وهنا نفتقد الجيش المصري وممثليه، فتيمور كان يقصد أوّل ما يقصد الانتقام من قاتل رسله الأوّل: الظاهر برقوق صاحب مصر الذي يتبعه نواب البلاد الشامية، والشام ليست المقصد الأساس لتيمور، بل هي طريقه إلى مصر. وإذا كان الظاهر برقوق قد مات فقد بقي ابنه وأصحابه. وهذا يعرفه المصريون، فلماذا لم يكن جيشهم مشتركاً في الدفاع عن حلب التي هي باب الشام الذي يلجون منه للانتقام؟!.
ليس لنا هنا أن نحكم بشيء وبيننا وبين تلك الأحداث ما بيننا من الأزمان، على أنّ الجيش المصري حضر بعد ذلك للدفاع عن دمشق.
في حلب
قام جيش الدفاع بتحصين حلب وإيصاد أبوابها. ووكلوا بكلّ محلة أهلها وفتحوا البابين المقابلين للجهة التي نزل فيها تيمور: باب النصر وباب القناة.
وفي يوم وصول تيمور وهو يوم الخميس 9 ربيع الأوّل سنة 803 برز من عسكره ألفا رجل، فبرز إليهم من العساكر الشامية ثلاثمئة فاستطاعوا هزيمة الألفين. وفي اليوم الثاني برز من العسكر التيموري نحو خمسة آلاف فتقدّمت إليهم طائفة من العسكر الشامي، فاقتتلوا حتّى المساء ثمّ افترقوا.
وفي يوم السبت 11 ربيع الأوّل ركب تيمور في عساكره وكان قد عبأها تحت جنح الليل، وأمامه الفيلة التي قيل إنّ عددها كان ثمانمئة وثلاثين فيلاً.
وكان دمرداش على ميمنة العساكر الشامية، فانهزم بالميمنة، فعند ذلك عمّت الهزيمة. ومن هنا اتّهم دمرداش بالمخامرة.
ويصف أحد المؤرخين ما جرى قائلاً: وفرّ الباقون وجعلوا يلقون بأنفسهم من الاسوار والخنادق والتتار في إثرهم يقتلونهم ويأسرونهم، فقصدوا المدينة من الأبواب المفتوحة وازدحموا عندها والسيوف تأخذهم حتى سدّت الأبواب بالقتلى ولم يتمكّن الكثيرون من الدخول. وصعد النواب إلى القلعة وتحصّنوا فيها.
وهكذا حرمت المدينة العربية الباسلة من دفاع مشرف، ودخل تيمور حلباً بالسيف، واستمرّ القتل والأسر والإحراق إلى يوم الثلاثاء.
أمّا أولئك القواد أصحاب هذا الهوان فكلّ ما فعلوه أن نزلوا وفي أعناقهم مناديل، وتوجّهوا إلى تيمور يطلبون الأمان.
وهنا يختلف المؤرخون في مصيرهم: فابن أياس يقول: إنّ تيمور خلع عليهم أقبية مخمل أحمر وألبسهم تيجاناً مذهبة وقال له: أنتم صرتم نوابي.
أمّا ابن عرب شاه فيقول إنّه قبض على سودون ونواب طرابلس وصفد وغزة وقيدهم، وخلع على دمرداش فقط مكافأة له على مخامرته. ولكن ما حدث بعد ذلك لدمرداش ينفي ذلك.
ثمّ أرسل معهم جماعة من أمرائه يتسلمون القلعة.
حوار تيمور مع العلماء
وفي يوم الأربعاء صعد إلى القلعة وجلس في أبوابها، وطلب العلماء والقضاة فجاؤوا إليه فأذن لهم بالجلوس، ومنهم: ابن الشحنة صاحب تاريخ روض المناظر والقاضي شرف الدين موسى الأنصاري الشافعي والقاضي علم الدين القفصي المالكي.
وكان يصحبه من العلماء عبد الجبار بن نعمان الدين الحنفي فقال له: قل لهم إنّي سائلكم عن مسألة سألت عنها علماء سمرقند وبخارى وهرات وسائر البلاد التي افتتحتها ولم يحسنوا الجواب فلا تكونوا مثلهم، ولا يجاوبني إلاّ أعلمكم، وليعرف ما يتكلم. فإنّي خالطت العلماء ولي بهم اختصاص وإلفة، ولي في طلب العلم طلب قديم.
قال ابن الشحنة: فأشاروا إليّ، فقال لي عبد الجبار: سلطاننا يقول: إنّه بالأمس قتل منّا ومنكم، فمن الشهيد؟ قتيلنا أم قتيلكم؟
فقلت: هذا سؤال سئل عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأجاب عنه، وأنا مجيب بما أجاب به.
فقال عبد الجبار ـ يسخر من كلامي ـ: كيف سئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكيف أجاب؟!.
فقلت: جاء أعرابي إليه فقال يا رسول الله إنّ الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليعرف مكانه، فأيّنا في سبيل الله؟
فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. ومن قاتل منّا ومنكم لإعلاء كلمة الله فهو الشهيد.
فاستحسن تيمور هذا الجواب. وقال عبد الجبار: ما أحسن ما قلت… وتكرّرت الأسئلة منه والأجوبة منّا، فطمع كلّ من الفقهاء الحاضرين وجعل يبادر إلى الجواب ويظنّ أنّه في المدرسة، والقاضي شرف الدين ينهاهم ويقول لهم بالله اسكتوا ليجاوب هذا الرجل فإنّه يعرف ما يقول: وكان آخر ما سأل عنه ما تقولون في علي ومعاوية ويزيد؟ قال ابن الشحنة: فأسر إليّ القاضي شرف الدين أن أعرف كيف تجاوبه فإنّه شيعي، فأسرع ابن القفصي فقال: إنّ علياً اجتهد فأصاب فله أجران وإنّ معاوية اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، فغضب لذلك غضباً شديداً وقال: علي على الحق ومعاوية ظالم ويزيد فاسق وأنتم حلبيون تبع لأهل دمشق وهم يزيديون قتلوا الحسين فأخذت في ملاطفته.
وفي البدر الطالع: كان آخر ما سألهم عنه ما تقولون في معاوية ويزيد هل يجوز لعنهما؟ فقال شرف الدين الأنصاري الشافعي إنّ معاوية لا يجوز لعنه لأنّه صحابي فقال تيمور ما حدّ الصحابي فقال شرف الدين أنّه كلّ من رأى النبي (صلّى الله عليه وآله)، فقال تيمور: فاليهود والنصارى رأوه فقال إنّ ذلك بشرط أن يكون الرائي مسلماً، وقال شرف الدين أيضاً أنّه رأى في حاشية على بعض الكتب أنّه يجوز لعن يزيد، فتغيظ لذلك. قال صاحب البدر الطالع: ولا عتب عليه إذا تغيظ فالتعويل في مثل هذا الموقف العظيم في ذلك الأمر ـ الذي ممّا زالت المراجعة به بين أهل العلم في قديم الزمان وحديثه ـ على حاشية وجدها على بعض الكتب ممّا يوجب الغيظ، سواء كان محقاً أو مبطلاً (انتهى). قال ابن الشحنة: ثمّ طلبني ورفيقي القاضي شرف الدين وأعاد السؤال عن علي ومعاوية فقلت له لا شك أنّ الحق كان مع علي وليس معاوية من الخلفاء فإنّه صحّ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة وقد تمّت بعلي. فقال تيمور: قل علي على الحق ومعاوية ظالم، قلت: قال صاحب الهداية يجوز تقلّد القضاء من ولاة الجور فإنّ كثيراً من الصحابة والتابعين تقلدوا القضاء من معاوية وكان الحق مع علي في نوبته، فانسر لذلك وانفتح باب المؤانسة. وقال تيمور: إنّني رجل نصف آدمي وقد أخذت بلاد كذا وكذا وعدد ممالك العجم والعراق والهند وسائر بلاد التتر، فقلت اجعل شكر هذه النعمة عفوك عن هذه الأمّة ولا تقتل أحداً.
فقال: والله إنّي لم أقتل أحداً قصداً، وإنّما أنتم قتلتم أنفسكم في الأبواب والله لا أقتل منكم أحداً وأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم.
قال ابن الشحنة: وسألني تيمور عن عمري فقلت: مولدي سنة 749 وقد بلغت الآن 54 سنة وقال للقاضي شرف الدين: كم عمرك؟ قال أنا أكبر منه بسن.
قال تيمور: أنتم في عمر أولادي، أنا عمري 75 سنة.
هذه عجائب الدهر!. هذا الفاتح الذي استحلّ أن ينتقم لقتل رسله بتلك المذابح، لا يشغله التفكير بما سال على يديه من دماء، بل يشغله التساؤل عن مصير أولئك الضحايا، أهم شهداء يدخلون الجنة؟ أم أنّ قاتليهم هم الشهداء الذين يدخلونها!!.
هذا الذي لم يهتم بمصير الناس في الدنيا، يهتم بمصيرهم في الآخرة!…
وهذا الذي لا يرى أنّ المجازر والإحراق والنهب ممّا يغضب الله، يرى أنّ ترك الصلاة هو وحده الذي يغضب الله!.
يتمم ابن الشحنة كلامه السابق قائلاً:
وحضرت صلاة المغرب وأقيمت الصلاة وأمّنا عبد الجبار، وصلّى تيمور إلى جانبي قائماً يركع ويسجد، ثمّ تفرّقنا. ويقول ابن الشحنة: وأوصى بي وبالقاضي شرف الدين.
التوجّه إلى دمشق
وأقام تيمور بحلب إلى آخر ربيع الأوّل سنة 803، وفي أوّل يوم ربيع الآخر برز إلى ظاهر البلد للتوجّه إلى دمشق. وفي اليوم الثاني أرسل بطلب علماء البلد.
يقول ابن الشحنة: فرحنا إليه، فقيل لنا: إنّه يريد أن يستفتيكم في قتل نائب دمشق الذي قتل رسوله، فقلت: هذه رؤوس المسلمين تقطع وتحضر إليه بغير استفتاء!.
وفي الثالث من ربيع الأوّل سار متوجهاً إلى دمشق، وحمل خبر هذا التوجّه إليها كلّ من استنبوغا الدوادار، والفتح المدعو بعبد القصار، فخوّفا أهل دمشق وحذراهم ونصحاهم بالفرار من دمشق. فاضطرب الناس وتشتّت آراؤهم، فبعضهم قَبِل النصيحة وهرب إلى القدس أو مصر، وبعض اتهمهما وأراد قتلهما، وبعضهم بقي في البلد واستعدّ للقتال.
والتهمة التي وجّهت للرجلين هي ـ فيما يبدو ـ أنّهما إنّما قدما دمشق للتخذيل وإضعاف المعنويات وبث الانهزامية النفسية. وسنرى بعد هذا ما جرى في دمشق.
وبينما الناس في هذا إذ بلغهم أنّ ملك مصر الناصر فرج خرج من مصر بالعساكر لقتال تيمور. ولمّا كان الناصر لا يزال صغير السن فقد صحبه كافله وأتابكه (باش بيك). فكان لهذا الخبر أثره في تطمين الناس، فعاد كثير ممّن كانوا قد خرجوا.
ومضى تيمور حتّى بلغ حماه، وتابع سيره حتّى حمص، وفي الطريق مرض نائب الشام الذي معه ومات، وهبّ نائب طرابلس فغضب وقتل الموكلين بحفظه. أمّا دمرداش المتهم بالمخامرة والذي كان مع غيره من النواب فقد هرب هو الآخر. وبقي في أسره علاء الدين الطنبعا نائب صفد وزين الدين نائب غزة وغيرهما. واستولى في طريقه على بعلبك ومضى عنها حتّى أشرف على دمشق من جهة قبة اليسار. وكان الجيش المصري قد وصل إلى قبة يلبغا عاشر ربيع الآخر سنة 803هـ (1400م) ثمّ دخل دمشق ونزل في دورها.
أمّا الجيش التيموري فتقدّم حتّى نزل غربي دمشق وحدد أحد المؤرخين مواقعه فقال: غربي دمشق من داريا والخولة. ونقل مؤرخ آخر هذا القول وعلق عليه قائلاً: «الذي في النسخة بالخاء المعجمة، ولا يوجد ما يسمّى الخولة، فالظاهر أنّ صوابه الحولة بالمهملة، وهو اسم لناحيتين أحدهما بين حمص وطرابلس والأخرى بين بانياس وصور. ثمّ يقول: على أنّ وصول عساكر تيمور إلى حولة بانياس أو حولة حمص مستبعد فإنّها على كثرتها ينبغي أن تنزل فيما يقرب من دمشق وما يجاورها والله أعلم.
الدفاع عن دمشق
يقول ابن تغري بردي: لمّا قدم الخبر على أهل دمشق بأخذ حلب نودي في الناس بالرحيل من ظاهرها إلى داخل المدينة والاستعداد لقتال العدو، فأخذوا في ذلك، فقدم عليهم المنهزمون من حماه فعظم خوف أهلها وهمّوا بالجلاء فمنعوا من ذلك، ونودي من سافر نهب فعاد إليها من كان خرج منها.
وحصنت دمشق ونصبت المكاحل على أسوار المدينة واستعدوا للقتال.
ثمّ نزل تيمور بعساكره على قطنا فملأت عساكره الأرض كثرة. وهنا أراد استطلاع أحوال الدفاع فأرسل من يستكشف له حقيقة الحال، فعادوا إليه مخبرين بأنّ الناس متهيئين للقتال.
وبعض المؤرخين يتوسّع في تحديد المنطقة التي انتشر فيها الجيش التيموري فيجعلها هكذا: نزل عند سفح جبل الثلج (جبل الشيخ) أي غربي دمشق وفي قطنا وإقليم البلان إلى ميسلون.
أمّا الجيش المصري فقد حفر الخنادق وحصن القلعة، وبعد أن كانت جنوده داخل دمشق صدرت إليه الأوامر بالخروج إلى ظاهر البلد، منضمة إليه عساكر دمشق، وبذلك بدأت المناوشة بين الجيشين. ويقول ابن تغري بردي: وصفت العساكر السلطانية فبرز إليهم التيمورية وصدموهم صدمة هائلة، فعاد الأمر بين كرّ وفرّ، فكانت وقعة انكسرت فيها ميسرة السلطان، وانهزم العسكر الغزاوي وغيرهم إلى ناحية حوران. وحمل تيمور بنفسه حملة عظيمة شديدة فدفعته ميمنة السلطان حتّى اعادوه إلى موقعه.
وأمام هذا الدفاع الصامد مال تيمور إلى إنهاء الأمر سلماً وحصر مطالبه بإرسال أطلمش إليه في مقابل إطلاق من عنده من الأمراء المحتجزين في واقعة حلب.
وبدا أنّ دمشق قد حققت الفوز بصد تيمور عنها. وهنا فوجئ الناس بانسحاب السلطان المصري بعساكره وعوده إلى مصر، إذ اغتنم دخول الليل فمضى إلى وادي التيم في طريق العودة. فلم يشعر الناس إلاّ والنار تلتهب في مخيم العسكر السلطاني، وبدا أنّهم أحرقوا ما لا يستطيعون حمله خوفاً من أن يغنمه التيموريون.
وكانت الصدمة قوية على المدافعين، ولكنّها لم تزعزع عزائمهم وصمّموا على الدفاع وحماية شرف المدينة العربية الخالدة. وكان قد اجتمع فيها جموع كثيرة تدفّقت إليها من المدن المحتلة ابتداء من حلب فحماه فحمص وأهل القرى الذين مضوا على دمشق جافلين من تيمور، فانضمّ كلّ ذلك إلى العسكر الدمشقي. فأغلقوا أبواب المدينة وركبوا الأسوار ونادوا بالصمود والثبات.
وبانسحاب الجيش المصري رجع تيمور عن الحل السلمي وزحف بعساكره على دمشق فقاتل الدمشقيون من أعلى السور أشدّ قتال وردّوهم عن السور والخندق وأسروا منهم جماعة ممّن اقتحم باب دمشق وأخذوا من خيولهم عدّة كبيرة وقتلوا منهم نحو الألف وأدخلوا رؤوسهم إلى المدينة.
ويقول ابن أياس إنّه كان بين أهل دمشق وعسكر تيمور في أوّل يوم واقعة عظيمة فقتل من عسكر تيمور نحو ألفي إنسان.
وأمام هذا الصمود أدرك تيمور أنّه كان مخطئاً في تقديره أنّ انسحاب العسكر المصري قد أوهن عزائم الدمشقيين لذلك عاد إلى المساومة الصلحية، فأرسل يطلب من الدمشقيين أن يرسلوا إليه رجلاً من عقلائهم يمشي بينه وبينهم في الصلح، فاختاروا القاضي تقي الدين إبراهيم بن مفلح الحنبلي الذي وُصف بأنّه كان طلق اللسان بالتركية والفارسية، فأرخوه من أعلى السور ومعه خمسة من أعيان دمشق.
يقول المؤرخ بأنّه غاب عند تيمور ساعة ثمّ رجع فأخبر بأنّ تيمور تلطف معه في القول، وقال له: هذه بلد فيها الأنبياء وقد أعتقتها لهم!…
ونحن نسأل تيمور من وراء التاريخ: إذا كانت دمشق بلد الأنبياء وأنّه يعتقها لهم، فلماذا روّعها هذا الترويع ولماذا أراد بها هذا الشر؟ وهل إنّه كان يجهل ذلك من قبل، ولم يعرفه إلاّ حين برقت في وجهه السيوف الدمشقية، وصدمته العزائم الشامية؟
ويتابع المؤرخ قائلاً عن رسول الدمشقيين إلى تيمور: وشرح من محاسن تيمور شيئاً كثيراً وجعل يخذل أهل الشام عن قتاله ويرغبهم في طاعته اهـ.
ونحن لا ندري هل كان ذلك القاضي الرسول ضعيف النفس خائر الهمة فهالته قوى تيمور وأثرت في نفسه وهمّته فتخاذل؟ أمّ أنّ تيمور قد اشتراه بنوع من أنواع الشراء بأن دفع له مالاً أو وعده بمنصب فوقف هذا الموقف الانهزامي؟
ثمّ إنّ المؤرخ لا يحدّثنا عن رأي الأعيان الخمسة الذي صحبوا القاضي إلى تيمور، بل لقد اختفى ذكرهم… لقد نجح القاضي بمهمته التخذيلية، ويكفي في نجاحه أنّ الدمشقيين بعد أن كانوا صفاً واحداً يقف كالبنيان المرصوص في وجه تيمور، صاروا فرقتين: فرقة ترى ما رآه القاضي ابن مفلح وفرقة ترى الدفاع عن دمشق ومقاتلة تيمور. على أنّ الأكثرية كانت في الفرقة الثانية: فرقة الصمود والدفاع. ولكن الانشقاق وقع فأضعف القوّة الواحدة.
واستطاع الانهزاميون بالرغم من أنّهم الأقلية ـ استطاعوا أن يتجهوا إلى باب النصر محاولين فتحه، فتصدّى لهم نائب القلعة وقال: إن فعلتم ذلك أحرقتُ البلد. ولكن نائب القلعة لمّا رأى عين الغلب ـ كما عبّر المؤرخ ـ سلّم لهم القلعة بعد تسعة وعشرين يوماً.
على أنّ الغموض يكتنف هذا التعبير فلا يبدو لنا الموقف على حقيقته… ما المقصود بباب النصر؟ هل هو باب من أبواب المدينة أرادوا فتحه؛ ليدخل منه التيموريون؟ أم هو باب من أبواب القلعة؟ ثمّ كيف انقضت هذه الأيام التسعة والعشرون، هل انقضت في جدال ونقاش، أمّ في تقاتل وتصادم؟ هذا ما لا يبيّن في عبارة المؤرخ.
والمؤرخ الذي عنيناه فيما تقدّم من القول هو ابن الشحنة.
وأمامنا مؤرخ آخر هو ابن عرب شاه الذي كان واضحاً في عبارته التي سجّل فيها أحداث الساعات الأخيرة دون أن يتّضح لنا ما كان قبلها ممّا تحدّث عنه ابن الشحنة.
قال ابن عرب شاه: وتقدّم تيمور إلى المدينة.
إذاً إنّ تيمور قد اعتقد استسلامها فتقدّم إليها مستسهلاً دخولها.
ويتم ابن عرب شاه كلامه قائلاً: فامتنع أهلها عن تسليمها فبقوا على ذلك يومين.
وهنا لا ندري كيف مرّ ذانك اليومان؟ هل مرّا في نقاش وجدال وتفاوض، أم مرّا في قتال وتحارب؟ ثمّ يقول ابن عرب شاه: ثمّ خرج أعيانها الى تيمور طالبين الأمان، وهم قاضي القضاة إبراهيم بن مفلح، ـ وهو الرسول الأوّل إلى تيمور ـ وقاضي القضاة محمود بن العز الحنفي وولده شهاب الدين وقاضي القضاة محمد الحنبلي النابلسي والقاضي محمد بن أبي الطيب كاتب السر والقاضي أحمد الوزير والقاضي شهاب الدين الحياني الشافعي والقاضي إبراهيم بن لقوشه الحنفي نائب الحاكم. أمّا قاضي القضاة الشافعي فقد كان هرب مع السلطان.
وقبل أن نتمم السير في موضوعنا فإنّنا نقول إنّه تبيّن لنا من تركيبة هذا الوفد أنّ هناك نوعين من القضاة يتميّز أحدهما عن الآخر، فأحدهما يقرن اسمه بلقب قاضي القضاة، والثاني بلقب القاضي. وإذا كان المفروض أن يكون قاضي القضاة واحداً، فقد تعدّد هنا من يحملون هذا اللقب. ويبدو أنّه كان لكلّ مذهب من المذاهب الأربعة قاضي قضاة.
وصدف أنّ ابن خلدون كان في دمشق فانضمّ إلى الوفد المفاوض، وكان سبب وجوده في دمشق أنّه جاءها من مصر مع الجيش السلطاني، ويبدو أنّه فاته الالتحاق بالجيش المنسحب فبقي في دمشق وحين دخلوا على تيمور وقفوا إلى أن أذن لهم بالجلوس وهش لهم، فقدّم له ابن خلدون هدية فيها علب حلوى مصرية فتحها تيمور وأطعم منها رجاله ولم يذقها وأهداه سجادة صلاة فوضعها إلى جانبه وأهداه مصحفاً فقبّله ووضعه إلى جانبه.
ولمّا رأى شكل ابن خلدون بعمامة خفيفة وبرنس قال هذا الرجل ليس من هنا. وجيء بالطعام فكوموا تلالاً من اللحم السليق فبعضهم لم يأكل وبعضهم أكل، وتيمور يلحظهم، وكان من الآكلين ابن خلدون.
ثمّ أخذ ابن خلدون يتزلف لتيمور، فنادى بصوت عال: يا مولانا الأمير الحمدلله لقد شرفت بحضوري الملوك وأحييت بتواريخي مآثرهم ورأيت من ملوك العرب وغيرهم فلاناً وفلاناً ولكن لله المنّة قد طال عمري حتّى رأيت من هو الملك على الحقيقة، فإن كان طعام الملوك يؤكل لدفع الجوع فطعام مولانا الأمير يؤكل لذلك ولنيل الفخر والشرف.
هكذا خاطب ابن خلدون فاتح بلاد الشام ومذلّها!.
فأعجب تيمور كلامه وأقبل بكلّه عليه وسأله عن ملوك العرب وأخبارهم فذكر من ذلك الشيء الكثير.
وعن ابن الزملكاني تلميذ ابن خلدون: أنّ ابن خلدون قال: لمّا اجتمعت بتيمور في دمشق قال لي: أين بلدك؟ قلت: بالمغرب الجواني. قال: وما معنى الجواني في وصف المغرب؟ قلت: معناه الداخلي، أي الأبعد، لأنّ المغرب كلّه على ساحل البحر الشامي من جنوبه، فالأقرب إلى هنا برقة وإفريقيا، والمغرب الأوسط تلمسان وبلاد زناتة، والأقصى فاس ومراكش، وهو معنى الجواني. فقال لي: وأين مكان طنجة من ملك المغرب؟ فقلت في الزاوية من البحر المحيط والخليج المسمّى بالزقاق ومنها التعدية إلى الأندلس لقرب مسافته لأنّ هناك نحو العشرين ميلاً. فقال وسجلماسة؟ فقلت في الحد ما بين الأرياف والرمال من جهة الجنوب. فقال: لا يقنعني هذا وأحبّ أن تكتب لي بلاد المغرب كلّها أقاصيها وأدانيها وجبالها وأنهارها وقراها وأمصارها. فقلت يحصل ذلك بسعادتك. فكتبت له بعد انصرافي من المجلس ما طلب، أقمت في كسر البيت فكتبته في أيام قليلة وأوعبت الغرض في مختصر وجيز يكون في إثنتي عشرة كراسة ودفعته إليه فأخذه من يدي وأمر بترجمته الى اللسان المغولي.
هذا ما كان من أمر ابن خلدون. وأمّا ما كان من أمر وفد القضاة فإنّ تيمور خلع عليهم وردّهم مكرمين وأعطاهم الأمان لهم ولذويهم بشرط أن يدفعوا له أموال السلطان وأمرائه وقد فعلوا ذلك.
هذا ما رواه ابن عرب شاه. وإنّنا نلاحظ من هذا النص أنّ الأمان قد أعطي لرجال الوفد ولذويهم. ومعنى ذلك أنّ رجال الوفد لم يضمنوا للمدينة شيئاً، وكلّ ما ضمنوه هو لهم ولذويهم، وإنّهم آثروا مصالحهم الشخصية على مصالح المدينة التي أوفدتهم للمفاوضة باسمها، وأنّ تيمور سيدخل دمشق غير مقيد بشيء من الشروط. وهذا في حقيقته خيانة للمدينة التي ائتمنت هؤلاء على كرامتها وحرمتها وأموالها ودمائها، فلم يكونوا أهلاً لهذا الائتمان.
نعم، لقد ورد في أمان تيمور للوفد شيء يتجاوز أفراد الوفد إلى شؤون المدينة عامة، ولكن لم يكن هذا التجاوز لمصلحة دمشق، بل لمصلحة خزينة تيمور. وذلك أنّه شرط عليهم لقاء ما أعطاهم من أمان أن يؤدّوا له أموال السلطان التي بقيت في دمشق وأموال أمراء السلطان.
ويقول ابن عرب شاه إنّهم فعلوا ذلك، دون أن يبيّن الطريقة التي توصلوا بها إلى حيازة هذه الأموال ثمّ تسليمها إلى تيمور.
وحدث أنّه بينما كان القضاة في مجلس تيمور، أن جيء بالقاضي صدر الدين المناوي أسيراً، ويصفه ابن عرب شاه قائلاً: «وإذا هو بعمامة كالبرج واردان كالخرج».
وكان هذا القاضي قد تخلّى عن مدينته التي كان أحد قضاتها وآثر تركها لمصيرها والفرار مع سلطان مصر، ويبدو أنّه قد تباطأ في اللحاق بالمنسحبين، فأدركه جنود تيمور في ميسلون وقبضوا عليه وأحضروه إلى تيمور الذي كان مشغولاً بالمفاوضة مع زملاء هذا القاضي الموفدين من دمشق.
يقول ابن عرب شاه: فتخطى الرقاب وجلس في صدر المجلس!.
ونقول نحن: إنّه لحسن أن يحاول الإنسان بأن يكون له صدر المجلس وأن يرى نفسه أهلاً لذلك. ولكن الذي يفرّ من مواجهة أخطار مدينته مؤثراً السلامة على تحمّل أعباء دفع المعاناة عنها يجب أن يخجل من نفسه فلا يفكر بتخطي الرقاب والوصول إلى صدر المجلس، وليست صدور المجالس لمثل هؤلاء المتخاذلين الفرارين الجبناء الأنذال، الذين يعيشون في كلّ عصر ويسترون رذائلهم بعمائم كالأبراج واردان كالأخراج.
وفي الوقت الذي كان تيمور يكرّم الموفدين زملاء هذا القاضي ويحترمهم، كان يستشيط غضباً من هذا القاضي ويأمر بسحبه، ونعم ما فعل…
تيمور في دمشق
استسلمت دمشق ولكن القلعة لم تستسلم واستعدّ نائبها (أزدار) للحصار، فلم يهتم بها تيمور أوّل الأمر وانصرف همّه إلى تحصيل الأموال.
ولمّا كان الوفد الذي فاوض على التسليم لم يضمن لدمشق شيئاً فقد كان الأمر متروكاً لتيمور، فلم يبد منه أي شر، فقد نادى بالأمان وأن لا يبغي أحد على أحد. وعندما خرج بعض جنوده على هذه الأوامر وأغاروا على بعض الناس وبلغ ذلك تيمور أمر بصلب الجنود المعتدين فصلبوا في الحريرين برأس سوق البزوريين . ففرح الناس بذلك واطمأنوا، وانصرفوا إلى جمع ما فرض على المدينة من مال فوزّعوه على الحارات. وجاء يوم الجمعة فصلّى تيمور في الجامع الأموي وكان الخطيب قاضي القضاة الحنفي.
وكان ما فرضه من المال على دمشق مليون دينار ذهبي. ويقول المؤرخ: ففُرض على الناس فقاموا به من غير مشقة لكثرة أموالهم.
ثمّ سُلّمت أموال المصريين (الذين فرّوا) وسلاحهم وكراعهم، كما سُلّمت أموال الدمشقيين الذين جلوا عن البلد.
ثمّ ألزمهم بجمع السلاح وإخراجه إليه ففعلوا.
وعند ذلك انصرف إلى إحكام الحصار على القلعة، ومع أنّه لم يكن فيها إلاّ نفر يسير فقد اعياه أمرها ولكنّها عادت فسلمت بالأمان بعد حصار ثلاثة وأربعين يوماً.
وكما قلنا من قبل فإنّ وفد القضاة الذي فاوض على التسليم جعل همّه رعاية أمور أفراده ولم يحرص على مصلحة المدينة، فدخلها تيمور متروكاً أمرها إليه.
وبعد أن رأيناه رحيماً بالمدينة إلى الحد الذي أمر فيه بصلب الجنود الذين اعتدوا على الناس، وكلّ ما فعله أنّه فرض أموالاً لا يعسر على الناس جمعها فجمعوها، إذا بالمدينة تحترق. والذين تابعوا سيرة تيمورلنك ووصوله إلى دمشق، كان يثير استغرابهم احتراق دمشق بعد تلك المعاملة التي عاملها بها.
ولكن الوثيقة التي نشرها الأستاذ جهاد الزين في جريدة (النهار) تكشف حقيقة تاريخية كانت مطموسة، وهي أنّ تيمورلنك لم يأمر بإحراق دمشق.
والوثيقة هي ما دوّنه ابن خلدون عن لقائه لتيمورلنك وما أعقب ذلك من أحداث، حيث يقول ابن خلدون:
«وخرّب القلعة وطمس معالمها، وصادر أهل البلد على قناطر من الأموال استولى عليها بعد أن أخذ جميع ما خلّفه صاحب مصر هنالك، من الأموال، والظهر، والخيام، ثمّ أطلق يدي النهابة على بيوت أهل المدينة، فاستوعبوا أناسها، وأمتعتها، وأضرموا النار فيما بقي من سقط الأقمشة، فاتصلت النار بحيطان الدور المدعمة بالخشب، فلم تزل تتوقّد إلى أن اتصلت بالجامع الأعظم، وارتفعت إلى سقفه: فسال رصاصه، وتهدّمت سُقفه وحوائطه، وكان أمراً بلغ مبلغه في الشّناعة والقبح، وتصاريف الأمور بيد الله يفعل في خلقه ما يريد، ويحكم في ملكه ما يشاء».
وهكذا تبيّن أنّ احتراق المدينة كانت بسبب إحراق نفايات المنهوبات، فامتدّت النار إلى الخشب المدعمة به الدور، ومنه إلى الدور.
ودور دمشق تبنى من الخشب الذي تُملأ فجواته بالطين ممّا يجعل سريان النار فيها سريعاً.
وإذا كان هوان دمشق يُمض النفس، وإذا كان تخلي من تخلّى عنها يبعث المقت. فإنّ دمشق الحقيقية قد تمثّلت بأولئك الأبطال المذاويد الذين لم يضعفهم انسحاب من انسحب ولم يكسر شممهم تخذيل من خذّل فركبوا الأسوار يصدّون العدو عن دمشق ويحمون حماها. وإنّ الألفي قتيل الذي أردوهم من العدو على أبواب دمشق هم الشاهد على أنّ الفاتح لم يدخل دمشق إلاّ مثخناً مدمّى…
فإلى تلك القلّة من الحماة التي حفظت شرف دمشق تحية الأجيال جيلاً بعد جيل…
السلطان الفار
والسلطان فرج بن برقوق سلطان مماليك مصر الذي ترك دمشق لقدرها بعد أن كان قد جاء لإنجادها، والذي كان أبوه برقوق سبب نكبتها بقتله رسل تيمور، ثمّ لمّا جاء تيمور فرّ هو عنها بجيشه وأمرائه. فإنّه بعد أن صار في مصر وعاش في بحبوحته واستقرّ في متارفه عاد يبعث من مصر إلى تيمور بكتاب يقول فيه ما مضمونه:
لا تظن أنّنا هربنا منك وخفناك ولكن بعض مماليكنا خرج علينا وأراد مثلك الفساد وهلاك العباد والبلاد، والعاقل إذا أصابه مرضان داوى الأخطر منهما. إنّك أهون الخطبين وأحقر الرجلين، فثنينا العزم إلى تأديب ذلك الرجل ثمّ نكرّ عليك كرة الأسد الغضبان ونضيق عليك وعلى عسكرك المسالك وندعكم بين أسر وهالك فتطلبون الخلاص ولات ساعة مناص…
إلى غير ذلك من أمثال هذه الترهات التي هي كالملح على الجروح وكحركة المذبوح ـ كما يقول في كتاب عجائب المقدور ـ.
يقول بيسق حامل كتاب فرج بن برقوق إلى تيمور: فلمّا أعطيته الكتاب وقرئ عليه قال لي: ما اسمك؟
قلت: بيسق.
قال: وما معنى بيسق؟
قلت: لا أدري.
قال: إذا كنت لا تعرف معنى اسمك فكيف تصلح أن تكون رسولاً؟ ولولا أن عادة الملوك ألا يهيجوا الرسل بأذى لصنعت معك ما أنت أهله، مع أنّه لا لوم عليك بل على من أرسلك. بل لا لوم عليه أيضاً لأنّ ذلك مبلغ علمه وفهمه.
ثمّ قال: اذهب وانظر القلعة فذهبت فوجدتها قد دكّت دكاً، ثمّ رجعت، فقال لي: إنّ مرسلك أقل من أن أراسله. ولكن قل له: إنّي واصل إليك، فليشمر ذيله للفرار.
ثمّ أمر بي فأخرجت فذهبت إلى مصر.
وقبل أن نختم هذا الفصل لا بد لنا من ذكر أمرين هما جزء من دخول تيمور إلى دمشق:
فقد ذكر المؤرخون أنّه أمر بجمع العبيد الزنوج فاعتنى بشأنهم، ولا بدّ أنّ لهذا الأمر من دلالة في سيرة تيمور، وأنّه يقتضي له التوسّع في دراسة سيرته ممّا هو غير متيسر لنا الآن، ولعلنا نعود إليه في مناسبة أخرى. والشيء الثاني هو أنّه بنى في مقابر الباب الصغير قبّتين متلاصقتين على تربة زوجات النبي (صلّى الله عليه وآله).
الفاتح الذي استحلّ أن يقتل من قتل من أتباع النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولم يرع للنبي حرمة في سفك دمائهم، أهمّه بناء القباب على قبور زوجات النبي!.
رحيل تيمور
رحل تيمور عن دمشق ثالث شعبان سنة 803 بعد أن أقام فيها ثمانين يوماً. وكان قد جمع قبل رحيله أهل الصنائع من النساجين والخياطين والحجارين والأقباعية والبياطرة والخنيمية والنقاشين والقواسين والبازدارية وفرقهم على رؤساء الجند ليوصلوهم إلى عاصمته سمرقند.
وكان علماء القدس قد خشوا سطوة تيمور فانتدبوا الشيخ محمد فولاذ بن عبدالله وجهّزوه بمفاتيح الصخرة وأرسلوه إلى تيمور. فلمّا كان في الطريق بلغه رحيل تيمور فرجع.
ولمّا كان من العوامل التي حملت تيمور على غزو الشام هي احتفاظ المماليك بقريبه (أطلمش)، فقد كان لا بدّ له بعد ما حققه من انتصارات أن يطالب به. ويقول في (خطط الشام) إنّ تيمور أرسل إلى صاحب مصر سودون نقيب قلعة دمشق يعتذر له ممّا جرى ويطلب قريبه الذي كان أسر في أيام الظاهر برقوق وأنّه إذا أطلقه يطلق ما عنده من الأسرى، فأطلقه السلطان وكساه وأحسن إليه.
ويتمم خطط الشام: فلمّا وصلوا إلى تيمور أكرمهم وقبّل مراسيم السلطان وبكى واعتذر ممّا وقع منه وقال: هذا كان مقدّراً!.
الشام (بلاد)
مرّ الحديث عنها في مجلد سابق وننشر هنا هذه الكلمة لما لها من تعلّق بها:
إذا كان الشيخ طه الولي لا يرى مانعاً ـ وحال العرب والمسلمين اليوم هي حال الذل والهوان، وأمام جبروت الصهاينة ـ إذا كان لا يرى مانعاً من أن يمعن ويسترسل في البغضاء والافتراء فحري بنا نحن المفترى على تاريخهم، أن لا نرى مانعاً من أن نرد الحجر من حيث جاء، ولكن لا ببغضاء ولا بافتراء، بل بأقصى الحب لكلّ عربي ولكلّ مسلم، وبكلّ الحقيقة… الحقيقة الناصعة.
يحرص الشيخ طه دائماً على أن يقرن توقيعه في الصحف بلقب الشيخ، كما فعل في مقاله المنشور في إحدى الصحف اليومية، يحرص على ذلك برغم أنّه تبرّأ من هذا اللقب في لباسه وفي مسلكه وفي حياته.
يقول (الشيخ) طه الولي فيما يقول: «… فعندما انتهت المعارك في الساحل اللبناني لصالح الصليبيين، كان التراب اللبناني في غالبه لأصحابه الشرعيين المسلمين وتحت وطأة هذا الواقع الجديد اضطر هؤلاء للنزوح عن أراضيهم التي حلّ محلهم فيها المستوطنون الفرنج» ثمّ يقول:
«وجدير بالذكر أنّ النازحين كانوا من أهل السنّة والجماعة. وأمّا الذين كانوا من الشيعة مثل الإمامية والدروز و الإسماعيلية فإنّهم بقوا في مواطنهم حيث صانعوا الصليبيين».
وما دام (الشيخ) طه الولي يستشهد في كلامه بعد ذلك بابن جبير فإنّنا لن نرد عليه نحن إلاّ بأقوال ابن جبير نفسه، يقول ابن جبير في كتاب رحلته (طبعة صادر سنة 1968) في الصفحة 252 عن سكان صور (الشيعة) عند محاصرة الصليبيين لها:
«إنّها أخذت منهم بعد محاصرة طويلة وبعد استيلاء المسغبة عليهم. ذكر لنا أنّهم انتهوا منها لحال نعوذ بالله منها، وأنّهم حملتهم الأنفة على أن همّوا بركوب خطة عصمهم الله منها، وذلك أنّهم عزموا على أن يجمعوا أهليهم وأبناءهم في المسجد الجامع ويحملوا السيف عليهم غيرة من تملّك النصارى (الإفرانج) لهم ثمّ يخرجوا إلى عدوهم بعزمة نافذة ويصدموهم صدمة صادقة حتّى يموتوا على دم واحد ويقضي الله قضاءه فمنعهم من ذلك فقهاؤهم والمتورعون منهم وأجمعوا على دفع البلد والخروج بسلام، فكان ذلك وتفرّقوا في بلاد المسلمين» فما قول (الشيخ) طه الولي في هذا القول؟ وما رأيه في هؤلاء الشيعة الذين يزعم أنّهم بقوا في مواطنهم حيث صانعوا الصليبيين؟
.ثم ما قوله في سكان مدينته طرابلس الشيعية يومذاك التي دافع عنها الشيعة الابطال عشر سنوات، ولما ضعفت قواهم وتكاثر عليهم الصليبيون رفضوا الاستسلام وظلوا يقاتلون دفاعاً عن شرف طرابلس بلدة (الشيخ) طه حتى تشتتوا بين شهيد وأسير وشريد في آفاق الأرض. فكان جزاء تاريخهم البطولي من (الشيخ) الطرابلسي الافتراء عليهم والزعم بأنهم بقوا في موطنهم حيث صانعوا الصليبيين.
يقول (الشيخ) طه فيما يقول:
«ومن أجل تعميق الهوة النفسية بين الشيعة داخل الأرض المحتلة وبين السنّة خارجها، فإنّ الصليبيين كانوا يبذلون الإحسان في معاملتهم للشيعة الذين ساكنوهم ويمعنون بالإساءة إلى السنّة الذين ناؤوهم».
ثمّ يستشهد بأقوال ابن جبير عن معاملة الصليبيين لفلاحي قرى جبل عامل وينقل قوله الآتي:
«وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منتظمة سكانها كلّها مسلمون».
ويحرص (الشيخ) طه هنا أن يضع إلى جانب كلمة مسلمون، كلمة شيعة ويجعلها بين قوسين (شيعة).
ثمّ يكمل نقل كلام ابن جبير:
«وهم مع الأفرنج على حالة ترفيه، نعوذ بالله من الفتنة، وذلك أنّهم يؤدّون لهم نصف الغلة عند أوان ضمّها وجزية على كلّ رأس دينار وخمسة قراريط ولا يعترضونهم في غير ذلك، ولهم على ثمر الشجر ضريبة خفيفة يؤدّونها أيضاً. ومساكنهم بأيديهم، وجميع أحوالهم متروكة لهم. وكلّ ما بأيدي الإفرنج من إطلاق بساحل الشام على هذا السبيل».
وهنا يعبث الشيخ طه بكلام ابن جبير فيحذف منه ويزيد عليه ليتمم تزوير الحقائق.
أمّا نص عبارة ابن جبير فإنّه بعد أن وصف كيفية تعامل الإفرنج من سكان القرى التي مرّ بها قال: «وكلّ ما بأيدي الإفرنج من المدن بساحل الشام على هذه السبيل، رساتيقها كلّها للمسلمين وهي القرى والضياع» فحذف الشيخ طه ما بعد كلمة (الشام) كلّه، وتجاوز قول ابن جبير وتحول من شيخ عريق في العصبية إلى (جغرافي) ولكن غير عريق في الجغرافيا، أو بالأحرى غير عريق في التمويه الجغرافي.
إنه لم يترك ابن جبير يسترسل في الحديث، بل أضاف إلى كلامه كلاماً من عنده جعله بين عارضتين مفسّراً به كلمة «ساحل الشام»، فقال عن هذا الساحل إنّه (لبنان اليوم)!.
قال ذلك ليتهم النصارى والشيعية بالتعاون مع الصليبيين!.
ونحن نقول للشيخ الطرابلسي: من تظن أنّك تخاطب بهذا القول؟
أتظن أنّك تخاطب جهلاء وأغبياء.
إنّ الذين تخاطبهم درسوا التاريخ ودرسوا الجغرافيا وهم على قدر كاف من الذكاء. وهم يعرفون أنّ بلاد الشام في عصر ابن جبير وما قبل عصر ابن جبير وما بعد عصر ابن جبير ليست هي (لبنان اليوم) بل هي البلاد الممتدة من الفرات إلى مصر، وتحدّها من الشرق: البادية من أيلة إلى الفرات، ومن الغرب: البحر المتوسط. أمّا غربها البري فيمتد من طرسوس غرب أذنة إلى رفح بين مصر والشام. وتحدّها من الشمال: حدّ يمتدّ من بالس مع الفرات إلى قلعة نجم ثمّ إلى البيرة إلى قلعة الروم إلى سميساط إلى حصن منصورة إلى بهنس إلى مرعش إلى بلاد سيس إلى طرسوس. أمّا الحدّ الجنوبي: فيمتدّ من رفح إلى تيه بني إسرائيل إلى ما بين الشوبك وأيلة إلى البلقاء فأين هذا المدى الواسع من تلك الرقعة الضيقة التي أردت أن تحصر بها بلاد الشام؟
ومرّت بنا في حياتنا شتى الأساليب التي استعملها من استعملها لقلب الحقائق وقلب الحسنات إلى سيئات، ومع ذلك فإنّنا لم نجد أحداً وصلت به الجرأة لأن يستغبي الناس هذا الاستغباء ويستجهلهم هذا الاستجهال، فيحاول تحويل الجغرافيا من حال إلى حال، فيخترع حدوداً لا أصل لها، ويطمس أقطاراً ملأ ذكرها صحف التاريخ! ولكي نوضح حقيقة بلاد الشام ننقل هنا أقوالاً لابن شداد ذكرها في كتابه (الأعلاق الخطيرة في أمراء الشام والجزيرة).
قال ابن شداد (ص177ـ178) وهو يتحدّث عن المدن التي أعادها صلاح الدين الأيوبي للصليبيين بعد أن عقد الصلح معهم. قال عن حيفا:
«لم تزل في أيدي الفرنج إلى أن فتحها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة ثلاث وثمانين وخمسماية، فلم تزل في يده إلى أن نزل عنها للفرنج فيما نزل عنه لهم في المهادنة التي وقعت بينه وبينهم ثمّ لم تزل في أيديهم».
وكذلك قال عن يافا وغيرها من المدن التي سلمها صلاح الدين إلى الصليبيين.
وما دام ابن شداد يتحدّث عن (الشام والجزيرة) فقط، فلا نظن أنّ (الشيخ) طه يجرؤ هنا فيزعم أنّ حيفا ويافا واللد والرملة هي من بلاد الجزيرة لا من بلاد الشام.
ومن الجرأة على الحق أن يبذل (الشيخ الولي) ويغيّر في كلمات ابن جبير.
فابن جبير يقول في عبارته المتقدمة طبق النسخة التي بأيدينا من كتاب رحلته: «وكل ما بأيدي الإفرنج من المدن بساحل الشام على هذا السبيل».
أمّا (الشيخ) فيذكرها هكذا: «وكل ما بأيدي الإفرنج من إطلاق».
وسبب التغيير واضح وهو نابع من النية التي تريد تضييق رقعة بلاد الشام بعدم ذكر كلمة (المدن).
إنّ بلاد الشام يا شيخ طه هي التي ذكرنا لك حدودها، وليست هي لبنان اليوم. وسواحلها التي عناها ابن جبير تمتد ممّا هو أبعد من (غزة) حتّى بيروت. وأرياف مدن سواحلها كلّها كانت على ذاك السبيل الذي شرحه ابن جبير. وسكان هذه الأرياف ليسوا في معظمهم لا من النصارى ولا من الشيعة.
ولو كنت ممن يتوخّى الحقائق لذكرت ما كتبه أسامة بن منقذ عن سكان سواحل فلسطين نفسها ما لا يخرج في مضمونه عمّا ذكره ابن جبير.
أمّا الحقيقة في هذا فلا صلة لها بشيء ممّا ذكره الشيخ الطرابلسي:
عندما دعا البابا أوربان الثاني في مؤتمر كليرمونت إلى الحرب الصليبية كانت جماهير الملبّين لدعوته من الفلاحين أقنان الأرض ومستعبدي الإقطاع فيها، وكانوا يشكّلون القطاع الأهم من سكان الريف الأوروبي. وكان عدد عبيد الأرض كبيراً في جنوب فرنسا وإسبانيا. وفي بقية مناطق فرنسا وفي الإلزاس واللورين كانت الأغلبية من الفلاحين أقناناً دون أن تكون لهم حقوق تجاه سادتهم الإقطاعيين. وفي ظل تلك الظروف نجد أنّ الكثيرين ممّن ولدوا في الشطر الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي وقعوا في أغلال القنانة.
كان كلّ أمر من أمور الحياة اليومية للأقنان مربوطاً إلى الأرض لا يمكنه الرحيل عنها، كما لا يستطيع أن يستبدل سادته إلاّ بارتكاب جريمة أو المغامرة بالهروب أو شراء حريته بالمال، إذ قبل سيده بيعها.
وهكذا كان الفلاحون فريسة الخوف الدائم والاضطراب المستمر والافتقار للأمن. كانت أيامهم تمضي كئيبة في انتظار مستقبل لا يجيء([808])…
هذا المستقبل الذي يئسوا من مجيئه طيلة حياتهم الماضية فوجئوا به يتراءى لهم براقاً في دعوة البابا أوربان الثاني للرحيل إلى الشرق الذي طالما سمعوا أنّه يفيض لبناً وعسلاً، لذلك كانت تلبيتهم لدعوة البابا تلبية جماهيرية عارمة لم يكن البابا يحسب لها حساباً، بل إنّها لم ترضه لتوقعه ما يخشاه منها.
ولمّا وصلت الحملات الصليبية إلى بلاد الشام كان لا بدّ لها من القوت، وكان القوت محصوراً باستنبات الأرض، ولم يكن أكفياء لهذا الاستنبات إلاّ الفلاحون القادمون مع الحملة. ولكن الفلاحين الذين فرّوا من الأرض واستنباتها في بلادهم لم يكونوا ليرجعوا إلى الجحيم الذي فروا منه، وعاودتهم ذكريات حياة القنانة والاستعباد فنفروا من الرجوع إلى الأرض.
ووجد قادتهم الحل في أن يبقوا الفلاحين المسلمين في أرضهم وأن يقاسموهم نتاجها على الصورة التي ذكرها ابن جبير.
وبرغم ما في هذا التقاسم من جور على الفلاحين، فإنّهم رأوه خيراً من التشرّد والنزوح فاستقرّوا في أرضهم كما رآهم ابن جبير وتحدّث عنهم.
كان هذا حال جميع أرياف المدن الساحلية التي احتلها الصليبيون في بلاد الشام من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، لا حال الأرياف الشيعية وحدها وذلك بنص عبارة ابن جبير التي لا تحتمل تأويلاً ولا استغباء ولا استجهالاً.
وكما قلت فيما تقدّم فإنّ أسامة بن منقذ نص هو الآخر على أنّ هذا الحال كان حال أرياف عكا وما إليها من ربوع فلسطين.
ويختم الشيخ طه الولي كلامه بقوله: «وزيادة على ما ذكره ابن جبير نقول إنّه لم يجر في عهد الصليبيين استبعاد المسلمين ـ الشيعة ـ من شغل الوظائف الحكومية الصغيرة، إذ كانوا يستخدمون مع النصارى الوطنيين، موظفين في الديوان (الجمرك) وفي جباية الضرائب».
ونقول له: إذا كان النصارى الوطنيون، والمسلمون الشيعة لم يستبعدوا من شغل الوظائف الحكومية الصغيرة، ـ وهذا غير صحيح ـ فإنّ المسلمين غير الشيعة لم يستبعدهم الصليبيون من شغل الوظائف الحكومية الكبيرة.
فابن جبير نفسه يتمم أقواله السابقة في كتاب رحلته قائلاً:
«فنزلنا يوم الاثنين المذكور بضيعة من ضياع عكة، على مقدار فرسخ، ورئيسها الناظر فيها من المسلمين مقدم من جهة الإفرنج على من فيها من عمارها من المسلمين».
وإنّنا لنهنئ الشيخ طه الولي بهذه الوظيفة الكبيرة التي اختار لها الصليبيون مسلماً من غير الشيعة، ونسأله رأيه في هؤلاء المسلمين غير الشيعة الذين رآهم ابن جبير في قرى عكة باقين في موطنهم مصانعين للصليبيين، على حد تعبير الشيخ طه.
نحن لا نريد أن ندخل في تفاصيل مع الشيخ الذي لا يشغله ما يحلّ اليوم بالعرب والمسلمين من بلاء وهوان، بل يشغله الافتراء على من هم أخلص الناس عروبة وإسلاماً.
نعم نحن لا نريد أن ندخل في تفاصيل معه، ولكنّنا نذكره مجرد تذكير بمن سلموا القدس إلى الصليبيين مرّتين، ومن سلموا إليهم ما يعرف اليوم في لبنان بمنطقة الجنوب سلموا ذلك كله إلى الصليبيين ليعينهم الصليبيون على أقربائهم.
ونقول له: إنّ هؤلاء لم يكونوا من المسلمين الشيعة بل كانوا من المسلمين غير الشيعة. ونذكره كذلك بمن قاتلوا المسلمين مع المغول في معركة عين جالوت الحاسمة ولم يكونوا من هؤلاء، بل من المسلمين غير الشيعة ونتمثّل في الختام ببيت لأحد الشعراء القدماء:
جاء شقيق عارضاً رمحه
أن بني عمّك فيهم رماح
وبيتين لشاعر آخر:
ولولا أن يقال هجا نميرا
ولم نسمع لشاعرهم جواباً
رغبنا عن هجاء بني كليب
وكيفَ يشاتِمُ الناسُ الكِلابا
الطف
ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق، قال الأصمعي: وإنما سمي طفّاً لأنه دان من الريف، ومن قولهم: خذ ما طفّ لك واستطف، أي ما دنا وأمكن.
وقال أبو سعيد: سمّي الطف لأنه مشرف على العراق، من أطف على الشئ، بمعنى أطل. والطف: طف الفرات أي الشاطئ. والطف: أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل الحسين (عليه السلام)، وهي أرض بادية قريبة من الريف.
وقال الأقيشر الأسدي من قصيدة:
إني يذكرني هنداً وجارتها
بالطف صوت حمامات على نِيق
بنات ماء معاً بيض جآجئها
حمر مناقرها صفر الحماليق
أيدي السقاة بهن الدهر معملة
كأنما لونها رجع المخاريق
أفني قلادي وما جمّعت من نشب
قرع القواقيز أفواه الأباريق([809])
وممّا رثي به الحسين (عليه السلام) ومن قتل معه بالطف قول أبي دهبل الجمحي:
مررت على أبيات آل محمد،
فلم أر أمثالها يوم حُلّتِ
فلا يُبْعد الله الديارَ وأهلَها،
وإن أَصبَحَتْ منهم برغمي تخلّتِ
ألا إنّ قَتْلَى الطفّ من آل هاشم
أذلّتْ رقابَ المسلمين فذلّتِ
وكانوا غياثاً ثمّ أضحَوْا رزيّةً،
ألا عَظُمَتْ تلك الرزايا وجلّتِ!
وجا فارس الأشقَين بعدُ برأسه
وقد نَهِلَتْ منه الرماحُ وعلّتِ
وقال أيضاً:
تَبيتُ سَكارَى من أميّة نُوّماً
وبالطفّ قَتْلى ما يَنامُ حميمُها
وما أفسدَ الإسلامَ إلا عصابةٌ
تأمّر نَوْكاها فدامَ نعيمُها
فصارت قناة الدين في كفّ ظالم،
إذا اعْوَجَّ منها جانب لا يقيمُها
العادل شاهية
مرّ الحديث عنها في مكانه ونزيد هنا على ما هنالك ما يلي:
تعاقب على الحكم بعد يوسف عادل شاه كلّ من:
إسماعيل بن يوسف 916ـ941هـ (1510ـ1534م).
ملّو بن إسماعيل 941ـ941هـ (1534ـ1535م).
إبراهيم الأوّل ابن إسماعيل 941ـ965هـ (1535ـ1557م).
علي الأوّل ابن إبراهيم 965ـ987هـ (1557ـ1579م).
إبراهيم الثاني بن طهماسب بن إبراهيم 987ـ1035هـ (1579ـ1626م).
محمد بن إبراهيم 1035ـ1066هـ (1626ـ1656م).
علي الثاني ابن محمد 1066ـ1083هـ (1656ـ1672م).
سكندر بن علي 1083ـ1097هـ (1672ـ1686م).
عبد القيس (قبيلة) ([810])
مرّ الحديث عنهم مفصلاً في المجلد الخامس عشر. ونذكر هنا بعض التفاصيل التي لم تذكر هناك.
النسبة إلى عبد القيس
النسبة إلى قبيلة عبد القيس هي على ثلاثة أوجه الأوّل عبدي على النسبة للأولى والثاني قيسي على النسبة للثانية، والثالث عبقسي على النسبة إليهما جميعاً. وذكر السمعاني أنّ العبقسي هي الأشهر وذلك راجع إلى انفراد هذه النسبة بعبد القيس، فإذا ما قيل «عبقسي» فيفهم أنّ الشخص المشار إليه ينتمي إلى عبد القيس، وإذا قيل «عبدي» أو «قيسي» فإنّ الأمر يحتاج إلى تريّث وتحقّق من الشخص المشار إليه، فهناك مثلاً عبدالله بن دارم من تميم النسبة إليه «عبدي»، وهذا التشابه أوقع علماء النسب في إشكالات فوقع لبس حول بعض الشخصيات المنتسبة إلى «العبدي» كالمنذر بن ساوى العبدي، فهذه النسبة جعلت بعض علماء النسب يرجعونه إلى عبدالله بن دارم من تميم والبعض الآخر أرجعوه إلى عبد القيس. كذلك الحال بالنسبة إلى «قيسي» فبالإضافة إلى كونها نسبة إلى عبد القيس فإنّها أيضاً نسبة إلى جماعة اسمهم قيس، منهم قيس بن ثعلبة ابن عكابة بن صعب بن بكر بن وائل، وقيس عيلان بن مضر بن نزار. وفي بعض الأحيان يُقال لهم «عبد» بدون ياء فتدل على أنّها نسبة إلى عبد القيس كما قال الشاعر:
صُحْ بالعَشيرةِ مِنْ عَبْدٍ وصِفْ وأعِدْ
بدَارِهمْ واستَغِثْ أسداً بها نُجبا([811])
هجرتهم من تهامة إلى البحرين
تذكر المصادر التاريخية أنّ قبيلة عبد القيس كان موطنها الأصلي في تهامة، وعبد القيس تنتمي إلى ربيعة، وربيعة كانت تسكن في بلاد نجد وتهامة مع كندة، فكانوا يغزون ويصيبون الغنائم ويصلون إلى أطراف الشام وحدود اليمن.
وكانت ربيعة تعيش حياة هادئة مستقرة، تعمّ جميع أفرادها إلى أن نشب صراع بين بني عبد القيس، وبين بني النمر بن قاسط، وكان سبب ذلك الصراع أنّ أفراداً من بني عامر بن الحارث بن أنمار بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، قاموا بقتل عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط، وهو سيد ربيعة وصاحب مكانة في قومه، فثارت ثائرة أولاد قاسط فقالوا لعبد القيس إمّا أن تعطونا الديّة أو ناجزناكم، فمشت السفراء بينهم، فاصطلحوا على أن تتحمّل عبد القيس دية الرئيس وهي عشر ديات، مقسّمة على عبد القيس فبني عامر يدفعون خمسمائة بعير لأنّهم هم المتسببون في القتل وعلى بقية عبد القيس خمسمائة. وأعطوهم رهناً بالدية، خمسة نفر من بني عامر وأربعة من أبناء عبد القيس فيهم امرأة من بني غنم بن وديعة بن لكيز، فأدّت بنو عامر الخمسمائة وافتكوا رهنهم، أمّا سائر ولد عبد القيس فقد تراخوا في افتكاك رهنهم، فعدت عليهم النمر بن قاسط فقتلتهم وخلوا سبيل المرأة، فغضب بنو عبد القيس لهذا الفعل فقالوا لهم: «اعتديتم يا قومنا أخذتم الأموال وقتلتم الأنفس».
ونسب بعد ذلك صراع شديد بينهم وكانت هذه أوّل حرب وقعت بين بني ربيعة، فاقتتلوا قتالاً شديداً وكان الفناء والهلاك في النمر بن قاسط وخرجت الرياسة عنهم فصارت في بني يشكر.
ثمّ تفرّقت ربيعة بعد تلك الحرب فارتحلوا وتفرّقوا، فاختار بنو عبد القيس البحرين فتوجهوا إليها واستقروا بها. وذكر ابن الكلبي أنّ الذي ساقهم إلى البحرين هو عمرو بن الجعيد بن صبرة.
وإذا ما أردنا أن نناقش الأسباب التي أدّت إلى تلك الهجرة فإنّه يجب علينا ألا نغفل العامل الاقتصادي، فصحيح أنّ الحروب التي حدثت كانت سبباً من الأسباب كما أشار إلى ذلك البكري، ولكنّه علّق الهجرة على الحروب ولم يذكر أسباباً أخرى، مع أنّه ذكر أنّ عبد القيس كانت منتصرة فكيف تترك أراضيها وتتجه إلى أراضٍ أخرى. وإذا ما تأملنا في هجرة عبد القيس من تهامة إلى البحرين. فإنّنا نلاحظ أنّها كانت منظمة ومكثفة وقوية، ولم تكن العكس بدليل أنّهم لمّا قدموا إلى البحرين أجلوا إياد عنها وشدّوا خيولهم بكرانيف النخل فقالت إياد أترضون أن توثق عبد القيس خيلها بنخلكم؟ فقال قائل: عرف النخل أهله، فذهبت مثلاً، وهذه كناية عن القوّة. ومن هذا نستطيع ان نقول إنّ الحرب ليست عاملاً كافياً ومقنعاً لهجرتهم وتركهم موطنهم الأصلي. وأعتقد بأنّ الميداني أصاب حينما قال: إنّ عبد القيس هاجرت في طلب الأراضي الواسعة والمياه الوفيرة، كذلك نستطيع أن نضيف ونقول إنّه ربّما كان للقحط وقلّة المرعى دور كبير في هجرة عبد القيس من أراضيها القديمة الى أراضيها الجديدة.
أمّا بالنسبة لتاريخ هجرة عبد القيس من تهامة إلى البحرين فإنّ المصادر التي بحوزتنا لم تحدّد زمن الهجرة، ولكن نستطيع أن نستنتج التاريخ التقريبي لتلك الهجرة، وذلك من خلال أقدم إشارة وردت إلينا وتحدّثت عن تاريخ عبد القيس في البحرين، والتي ذكرها الطبري وغيره من المؤرخين حينما تحدّثوا عن هجوم بعض القبائل العربية ومن ضمنها عبد القيس على المناطق الفارسية، وذلك حينما كان سابور الثاني صغيراً، وهجومه أيضاً المضاد على القبائل العربية ووصوله إلى البحرين حينما بلغ أشدّه محاولاً استرداد ما استولى عليه العرب وأيضاً تأديبهم لكي لا يعودوا لمثل تلك الهجمات. ونحن نعرف أنّ سابور الثاني «ذو الأكتاف» حكم بين سنة 309 وسنة 379م، وهذا يعني أنّ وجود عبد القيس في البحرين كان قبل هذا التاريخ ولذلك لا نستطيع أن نحدّد بدقة متى كان مجيئهم إلى البحرين.
هذا وبدون شك فإنّ هجرة القبيلة من تهامة إلى البحرين، تركت آثاراً سلبية وأخرى إيجابية، سواء على مستوى القبيلة أو على مستوى الأفراد، فمن النتائج السلبية لتلك الهجرة أنّها ساعدت على انفصال عبد القيس عن ربيعة بعدما كانت جزءاً لا يتجزأ منها، وقد أثر هذا الانفصال على هيبة القبيلة وقوّتها ومكانتها، وكان عليهم أن يبنوا مجدهم من جديد، ويثبتوا وجودهم. كذلك فإنّ ترك الوطن الأصلي ساعد على تشتّت القبيلة بعدما كانت مجتمعة في مكان واحد، فنلاحظ أنّهم لمّا قدموا إلى البحرين تفرّقوا فيها ولم يقطنوا في مكان واحد لأنّ المدن صغيرة وكانت عامرة بسكانها الأصليين، ومن الآثار السلبية لتلك الهجرة أنّ القبيلة اضطرت إلى خوض حروب جديدة ـ بهدف إثبات الوجود الذي ذكرناه آنفاً ـ ضد سكان البحرين الأصليين، وهذه الحروب بطبيعة الحال كلفتها الكثير حيث فقدت القبيلة أعداداً كبيرة من رجالها، ثمناً لبقائها في البحرين. أمّا بالنسبة للآثار الإيجابية لتلك الهجرة، فإنّ القبيلة استفادت منها في المرحلة المستقبلية من تاريخها، حيث وجدت القبيلة الاستقرار والرخاء المعيشي، بسبب وفرة المياه وخصوبة الأراضي الزراعية بالإضافة إلى إشراف كثير من مدن البحرين على البحر، الذي يعدّ مصدراً هاماً لنشاطات اقتصادية متنوعة. ومن الآثار الإيجابية أنّ القبيلة اندمجت مع بقية سكان البحرين وساهمت في الحياة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، فذاع صيت القبيلة واشتهر كثير من أفرادها بالعلم والأدب وأصبحت لها السيادة والزعامة في البحرين، كما سيتبين ذلك خلال الفصول القادمة.
مواطنهم الجديدة
في البحرين وعمان
كانت تهامة هي الموطن الأصلي لبني عبد القيس، ثمّ هاجروا بعدها إلى شرق الجزيرة العربية، وتفرّقوا فيها، واستوطنوا مدنها، فأصبحت لهم مواطن جديدة تقاسموها فيما بينهم، وهنا سوف نذكر تلك المواطن التي استوطنوها وكيف تمّ تقسيمها بين بطون القبيلة وأفخاذها.
ذكرت المصادر أنّ جذيمة بن عوف بن بكر بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس سكنت الخط وما حولها وأمّا شن بن أفصى بن عبد القيس فسكنت طرف الخط إلى العراق. وسكنت نكرة بن ليكز بن أفصى بن عبد القيس وسط القطيف وما حوله، وقيل إنّ نكرة نزلت الشفار والظهران إلى الرمل وما بين هجر إلى قطر وبينونة. أمّا عامر بن الحارث بن أنمار بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، وبنو الديل بن عمرو، ومحارب بن عمرو، وعجل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى، فإنّهم سكنوا الجوف والعيون والأحساء حذاء طرف الدهناء.
وسكن بنو زاكية بن وابلة بن دهن بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس جوف عمان، وكذلك عمرو بن وديعة بن لكيز، والوقة، وعوف بن الديل وعائش بن الديل بن عمرو بن وديعة، وعمرو بن نكرة ابن لكيز بن أفصى. فكلّ هؤلاء سكنوا جوف عمان وصاروا شركاء للأزد في بلادهم، بالإضافة إلى جمع قليل من بني عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم وبني مالك بن سعد. وهناك مدن أخرى ارتبطت بعبد القيس منذ نزوحهم من تهامة إلى البحرين وحتّى ظهور الإسلام مثل: أوال، جواثا، حوارين، الرجراجة، الرمانتان، الصادر، صلاصل، عينين، المشقر، العقير، الزارة، القليعة، السهلة، جبلة، الجبيلة، سيهات، الجار، هذا بالإضافة إلى مدن وقرى أخرى يصعب حصرها.
حياتهم السياسية
بدأت قبيلة عبد القيس حياة سياسية جديدة منذ أن هاجرت إلى مواطنها الجديدة في شرق الجزيرة العربية، وقد كشفت لنا المصادر جزءاً يسيراً من تلك الحياة السياسية التي عاشتها القبيلة في المنطقة، وسوف نستعرض هنا بعضاً من تلك الجوانب السياسية التي تتمثّل في علاقة القبيلة بالقبائل والممالك المجاورة لها، وطبيعة تلك العلاقة، الأمر الذي سوف يمكننا من معرفة مدى التغيير السياسي الذي طرأ على القبيلة بعد ظهور الإسلام.
كان لقبيلة عبد القيس علاقات سياسية بالقبائل المجاورة، ومجمل الشواهد التي أمكن حصرها تدل على أنّ العلاقة كانت ذات طابع حربي وعدائي، وإن كانت هناك بعض الشواهد تشير إلى تحالفات بين عبد القيس وبعض القبائل الأخرى، وعلى أيّة حال فإنّ قبيلة عبد القيس كان لها علاقة مع تميم، والأزد، وبكر بن وائل، وعبس، وقيس. أمّا بالنسبة لعلاقتهم بتميم، فتذكر المصادر أنّه كان بين عبد القيس وتميم يوم يعرف بيوم عينين، وسببه أنّ بني منقر بن عبيدالله بن الحارث خرجوا ممتارين فتعرض لهم بنو عبد القيس، فاستعانوا ببني مجاشع فحموهم حتّى استنقذوهم.
وفي ذلك قال البعيث:
ونحن مَنَعْنَا يومَ عينينِ منقراً
ولم نَنْبُ في يومَيْ جَدُودٍ عن الأسل
وقد أغار قيس بن عاصم المنقري، ببني سعد على عبد القيس في البحرين، وأصابوا منهم ما أرادوا، وحاول بنو عبد القيس صدّ هذه الغارة، لكنّهم لم يستطيعوا. أمّا علاقتهم بالأزد فكانت جيّدة، ويذكر البلاذري أنّ الأزد وقفوا مع بني عبد القيس ضد إياد، فأجلوا إياد من البحرين، وسكنت عبد القيس في محلاتها، وممّا زاد علاقة عبد القيس بالأزد أنّهم سكنوا متجاورين منذ قدوم عبد القيس إلى البحرين وحتّى ظهور الإسلام، وخاصّة في عمان التي كانت أصلاً تحت سيطرة الأزد.
أمّا بالنسبة لبكر بن وائل فقد كانت علاقاتهم بعبد القيس علاقة عدائية على الرغم من أن كلتا القبيلتين ترجعان إلى ربيعة، فهم أبناء عمومة، وتفيد المصادر بأنّ حروباً وقعت بين عبد القيس وبكر بن وائل، وقد سجل لنا المفضل النكري، في قصيدته المنصفة، الحرب التي وقعت بين عبد القيس ولجيم([812]) والتي انتهت بانتصار عبد القيس على لجيم، يقول المفضل:
فأبْقَيْنَا ولَوْ شئْنا ترَكْنا
لُجَيْماً لا تَقُودُ ولا تَسُوقُ
وأنْعَمْنَا وأبأسْنَا عَلَيهمْ
لَنَا في كلِّ أبياتٍ طَلِيقُ
وممّا زاد العداء بين عبد القيس وبكر بن وائل أنّ أحد أفراد عبد القيس من الحواثر نفذ أمر عمرو بن هند، وقام بقتل طرفة بن العبد، وهذا الفعل أثار حفيظة بني بكر بن وائل، إلاّ أنّ الحواثر دفعوا دية طرفة بن العبد لأخيه معبد فاستتب الأمر بينهم. وقد سجل المتلمس هذه الحادثة في قصيدته التي هجا بها عمرو بن هند، بعد فراره إلى الشام، وذكر دفع تلك الدية لمبعد فقال:
لَنْ يَرْحَضَ السَّوءاتِ عَنْ أحسابِكُمْ
نَعَمُ الحَوائرِ إذ تُساقُ لمعبدِ
وهناك إشارة تدل على العلاقة الطيبة التي كانت بينهم، على الرغم من الحروب التي دارت بينهم، وقد حتمتها صلة القرابة، فتذكر المصادر أنّ الجارود بن المعلى وهو سيّد من سادات عبد القيس، خرج إلى أخواله من بكر بن وائل حينما فشا في إبله نوع من الداء، فانتشر ذلك الداء في إبل أخواله فأهلكها، وفي ذلك يقول الشاعر:
جَرَّدْنَاهُمُ بالسيفِ من كل جانبٍ
كما جردَ الجارودُ بكرَ بنَ وائلِ
كذلك تحدّثت المصادر عن علاقة عبد القيس بإياد، فذكرت كيف أنّ بني عبد القيس لما هاجروا من تهامة إلى البحرين، دخلوا في حروب مع سكان البحرين ومن ضمنهم بنو إياد فتمكّن العبديون من إجلاء إياد عن البحرين فرحلوا إلى العراق، وتبعتهم شن بن أفصى، ثمّ عطفت عليهم إياد فكاد القوم يتفانون، وفشى القتل في قبائل شن، فتراجعت إلى مواطنها وانتهت بذلك المعركة. وكانت إياد يُقال لها الطبق لشدّتهم ونجدة كانت فيهم، وقد سجل أحد الشعراء هذه المعركة فقال:
لَقِيتُ شَنٌّ إِياداً بالقَنَا
طَبقاً وافَقَ شَنٌّ طَبَقَه
كذلك كانت هناك علاقة بين عبد القيس وبني عبس، حيث حاول بنو عبس أن يهجموا على عبد القيس في القطيف، لكن العبديين تمكّنوا من صدّ هذا الهجوم.
أيضاً اشتبكت قبيلة عبد القيس بقبيلة قيس بن عيلان، وتمكّن القيسيون من هزيمة العبديين في يوم مرداء هجر، وقد تحدّث شاعرهم عامر بن الطفيل عن هذا النصر وسجله في إحدى قصائده.
من هذا كلّه، يتّضح لنا أنّ عبد القيس في فترة ما قبل الإسلام، كانت تعيش حياة مليئة بالحروب، والغارات مع القبائل العربية الأخرى فأحياناً تكون هي الغازية، وأحياناً أخرى تكون هي المستهدفة، وقد يتخلل تلك الحروب فترات هادئة تتحسن فيها العلاقات ثمّ لا تلبث أن تعود تلك الحروب مرّة أخرى.
علاقة عبد القيس بالدول المجاورة
هناك دولتان مجاورتان لعبد القيس، الأولى هي دولة الساسانيين في فارس، والثانية دولة المناذرة في الحيرة، وكانت الثانية خاضعة للأولى على شيء من الاستقلال. ونظراً لقرب موقع هاتين الدولتين من البحرين موطن عبد القيس فإنّه من الطبيعي أن تنشأ علاقات سياسية بين عبد القيس وتلك الدولتين، وقد تحدّثت المصادر عن تلك العلاقة وطبيعتها. فبالنسبة لعلاقة عبد القيس بالمناذرة فهي في مجملها أتتنا عن طريق كتب الشعر، إذ أنّ بعض شعراء عبد القيس تحدّثوا عن علاقتهم بالملوك المناذرة، وكذلك بعض الشعراء الآخرين. فأوّل إشارة عن تلك العلاقة أتتنا عن طريق المتلمس الضبعي الذي أنشأ قصيدة يحرض فيها قومه على عصيان عمرو بن هند، وأن لا يكونوا كعبد القيس الذين غزاهم عمرو بن هند ولم يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم، وقد ذكر هذه الحادثة شاعر من عبد القيس هو المثقب العبدي في قصيدة له يمدح بها عمرو بن هند. ويذكر تلك الوقعة وأثرها على قومه فقال:
كُلَّ يَوْمٍ كَانَ عَنَّا جَللاً
غَيْر يَوْم الحِنْو في جَنْبَي قَطَرْ
ضَرَبَتْ دَوْسَرُ فينا ضَرْبةً
أثْبتَتْ أوْتَادَ مُلْكٍ مُسْتَقِر
ويبدو أنّ الممزق كان من ضمن الأسرى الذين احتجزهم جيش دوسر، وهو ابن أخت المثقب العبدي وقد تمّ إطلاق سراحه ولكن لا نعلم متى كان ذلك وهناك قصيدة طويلة للممزق، يمدح فيها عمرو بن هند، ويستجديه فيها، فهل أنشأ الممزق هذه القصيدة حينما كان في الأسر أم بعد ذلك؟ من خلال سياق القصيدة يتضح لنا أنّ عمرو بن هند قد همّ بغزو عبد القيس والممزق يستجديه ويتوسل إليه ويمدحه ويعلن ولاءه له فيقول:
فإنْ كنتُ مَأكُولاً فكُنْ أنتَ آكلِي
وإلاَّ فأدْرِكْني ولَما أمَزَّقِ
ومن أجل هذا البيت سمّي بالممزق، فهل يا ترى أنّ عمرو بن هند حاول أن يغزو عبد القيس مرّة أخرى، أمّ أنّ هذه القصيدة قيلت قبل الغزو الأوّل الذي كان بقيادة جيش دوسر؟ وعلى أيّة حال فنستطيع أن نستنتج من هاتين القصيدتين للشاعرين المذكورين، أنّ المناذرة شنّوا هجوماً على عبد القيس وهزموهم وأسروا جموعاً منهم، كذلك فإنّ خضوع هذين الشاعرين واستسلامهم لا يعني بأيّة حال من الأحوال استسلام جميع أفراد القبيلة وخضوعهم. فها هو سويد بن حذاق يهجوم قابوس بن هند وأخاه، ولم يحدّد من يكون هذا الأخ بما فعلاه في قومه فقال:
جَزى الله قابُوسَ بن هنْدٍ بفعْلِهِ
بِنَا وأَخَاهُ غَدْرةً وأثَامَا
بما فجرا يوم العُطيفِ ومَزَّقَا
قَبائِلَ أحلاماً وحَيّاً حَرَاما
أمّا علاقة عبد القيس بالمناذرة في عهد المنذر بن النعمان، فهي لا تختلف كثيراً عن سابقه عمرو بن هند فظلّت قبيلة عبد القيس تهاب دولة المناذرة وتخشاها، واستمرّ المثقب في كيل قصائد المديح الى الملك النعمان، وها هي إحدى قصائده يقول فيها:
فإنَّ أبا قابُوسَ عِنْدي بَلاءُهُ
جَزاءً بنُعمى لا يَحلُّ كُنودُها
إلى مَلِكٍ بَزَّ المُلوكَ فلم يسع
أفاعيلهُ حَزمُ الملوكِ وجُودها
ثمّ استجداه فيها أن يطلق سراح أسرى عبد القيس، ولا ندري هل هؤلاء الأسرى هم الذين اسروا في عهد عمرو بن هند، أم كانت بينهم وقعة أخرى تمكن فيها المناذرة من أسر أعداد أخرى من عبد القيس؟ يقول المثقب:
فأنعمْ أبَيتَ اللَّعنَ إِنَّكَ أصبَحَتْ
لَدَيْكَ لكيزٌ كَهْلُها وَوَليدُها
وأطلِقْهُمُ تَمشي النِّساءُ خِلالهُم
مُفكّكَةً وَسْطَ الرِّحالِ قُيودُها
أمّا يزيد بن حذاق، وهو أخو الشاعر سويد الذي سبق ذكره، فإنّه هجا النعمان بن المنذر فقال:
نُعمانُ إنّك غادِرٌ خَدِعٌ
يُخْفي ضميرك غيرما تبدي
ومناسبتها أنّ النعمان بن المنذر، قد همّ بغزو قوم يزيد، يريد أخذ أموالهم وتقسيمها أخماساً، فسخر منه يزيد فقال:
تحلّلْ أبَيْتَ اللَّعنَ من قول آثم
على مالنا لَيُقْسَمَنَّ خُمُوسا
إذاً من خلال ما استعرضناه من أبيات شعرية، يتضح لنا أنّ علاقة عبد القيس بالمناذرة، علاقة سيد بمسود، وقوي بضعيف، فعبد القيس لا تستطيع أن تقاوم جيوش وكتائب المناذرة. ولكن حب التمرد والعصيان كان ينتابان أفراد عبد القيس من حين إلى آخر، وفي الآخر لا يكون بيد العبديين إلاّ أن يعبروا عن رفضهم لسلطة المناذرة بالشعر الذي كانوا يجيدون نظمه، لكي يرفعوا من معنوياتهم، من جهة، وينفسوا عمّا في خواطرهم من جهة أخرى.
أمّا بالنسبة لعلاقة عبد القيس بالدولة الفارسية، فإنّها تعود إلى عهد سابور ذي الأكتاف، حيث تذكر المصادر، أنّ هرمز بن نرسي بن بهرام، هلك وليس له ولد، فشق ذلك على الناس، فسألوا نساء هرمز فوجدوا إحداهن حبلى، فولدت سابور فاستبشر الناس بولادته وبثّوا خبره في الأقطار، فعلم الناس بخبر ذلك الصبي في خارج الدولة الفارسية وطمعوا فيها، ومن الذين طمعوا في أملاك الدولة الفارسية بعض القبائل العربية المتاخمة لدولة الفرس، فاستغلوا الفرصة وكانوا من أحوج الناس، فهجموا على أبرشهر وسواحل أردشير خُره وأسياف فارس، وكان من ضمن تلك القبائل قبيلة عبد القيس، فغلبوا أهلها، وأخذوا مواشيهم ومعايشهم، ويذكر أنّهم أكثروا الفساد في تلك البلاد. فظلّوا على ذلك فترة من الزمن لا يغزوهم أحد من الفرس، حتّى كبرت سن سابور، فلمّا بلغ السادسة عشرة من عمره استشعر المسؤولية التي أنيطت به فأخذ يعدّ العدّة ويجهز الجيوش، محاولاً بذلك إعادة الهيبة للدولة الفارسية، فانتخب ألف فارس من صناديد جنده وأبطالهم، ثمّ سار بهم إلى حيث القبائل العربية التي اقتطعت جزءاً من مملكته فأغار عليهم وقتل منهم عدداً كبيراً، وأسر أعداداً أخرى، وهرب الباقون إلى مواطنهم، فتتبعهم سابور فقطع البحر ودخل الخط والبحرين فقتل أهلها أشد تقتيل، ثمّ دخل مدينة هجر وبها أناس من عبد القيس وتميم وبكر بن وائل فأفشى بينهم القتل، ثمّ عطف على مدن عبد القيس واحدة تلو الأخرى، فأباد أهلها إلاّ من هرب منهم.
هذا ما ذكرته المصادر عن علاقة عبد القيس بالدولة الفارسية، ويتضح أنّ عبد القيس كانت مرتبطة في حروبها ضد الدولة الفارسية بالقبائل الأخرى، وهذا طبيعي لأنّ الدولة الفارسية تعدّ من الدول العظمى في ذلك الوقت فكيف يكون لقبيلة صغيرة أن تقف في وجهها دون الاستعانة بالقبائل الأخرى.
حياتهم الاجتماعية
كان مجتمع العبديين في الجاهلية، مجتمعاً تربطه العصبية القبلية، ذلك شأنه كسائر المجتمعات القبلية الأخرى في الجزيرة العربية، فلا شيء يربطهم ببعض سوى صلة النسب والقرابة، فهي مصدر القوّة التي يستمدّ منها الشخص قوّته واعتزازه وافتخاره، فالشخص الذي لا ينتمي إلى قبيلة فهو كالتائه الذي لا يجد لنفسه مأوى، ولذلك نجد أنّ كثيراً من الموالي الذين لا نسب لهم، يدخلون تحت لواء إحدى القبائل وينتسبون إليها.
وكان العبديون أقرب إلى البداوة منهم إلى الحضارة حينما كانوا في تهامة الموطن الأصلي لهم، ولكنّهم لمّا هاجروا إلى البحرين واستوطنوها، فإنّ حياتهم أصبحت تميل إلى الاستقرار، وساعدتهم على ذل طبيعة البحرين الجغرافية، التي تميّزت بوفرة المياه وتعدّد العيون والينابيع، ممّا جعل أرضها تمتاز بالخصوبة عن غيرها. ومعلوم أنّ الاستقرار والرخاء المعيشي من شأنه أن يؤدّي إلى الازدهار في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومجتمع عبد القيس يبدو أنّه انتقل نقلة جذرية، من حياة البداوة، إلى حياة التحضّر، وهذا ما لاحظناه من خلال ما استطعنا الوقوف عليه في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية لقبيلة عبد القيس.
ونتيجة للاستقرار الذي حظيت به القبيلة بعد هجرتها إلى البحرين، فإنّها أخذت تتجه نحو التنظيم الذي حلّ محل الفوضى، وقد أخذ التنظيم الاجتماعي حقّه ونصيبه من ذلك، فأصبح المجتمع العبدي ينقسم إلى عدّة طبقات، منها طبقة الحكام والولاة، وهؤلاء يعينون إمّا على البحرين ككلّ، أو على القبيلة بصفة خاصّة من قبل الحاكم الذي تخضع له البحرين، سواء كانت الدولة الفارسية أو دولة المناذرة أو الغساسنة، ومن أولئك الذين تمّ تعيينهم كولاة وحكام، المعلى بن حنش العبدي، عيّنه عمرو بن هند والياً على البحرين. ومنها طبقة السادة والأشراف مثل «الأفكل» وهو عمرو ابن جعيد، كان سيد ربيعة في الجاهلية، كذلك المرجوم وهو شهاب بن عبد القيس كان سيداً من سادات عبد القيس، وله علاقة بالنعمان بن المنذر، وهو الذي لقبه بهذا اللقب بعدما قال له قد رجمتك بالشرف، ومنها طبقة الزراع، والصناع.
وأمّا بالنسبة لعاداتهم الاجتماعية، فإنّه من خلال الشعر الذي وصل إلينا، والمنسوب إلى شعراء من عبد القيس، اتّضح أنّهم كانوا يفتخرون بالكرم، والشجاعة، يقول المثقب العبدي في قصيدة له:
فلمّا أتاني والسَّماءُ تَبُلهُ
فَلقيتُه أهلاً وسَهلاً ومَرحَبا
وقُمْتُ إلى البَرْك الهواجِد فاتقَتْ
بكَوْمَاء لم يَذْهَبْ بها النَّيُّ مَذْهَبَا
وهذا ثعلبة بن عمرو العبدي، يفتخر في قصيدة له بشجاعته، ويهزأ بمن يخشى الموت ويهابه فيقول:
عَتَادُ امرئٍ في الحرب لا واهنِ القُوَى
ولا هو عمَّا يَقْدِرُ الله صارفُ
به أشْهَدُ الحرب العوانَ إذَا بَدَتْ
نواجذُها واحْمَرَّ منها الطَّوائِفُ
قِتالَ امرئٍ قد أيقَن الدهر أنّه
من الموت لا ينجو ولا الموتُ خائِفُ
أيضاً كان من عاداتهم إكرام الجار، ومراعاة حقوقه، وهذه من العادات العربية الأصيلة، وفي ذلك يقول شاعرهم المثقب العبدي:
أكْرِمُ الجارَ وأرْعَى حَقَّهُ
إن عِرْفَانَ الفَتَى الحقَّ كَرَمْ
حياتهم الاقتصادية
لقد مارس العبديون النشاط الاقتصادي بشتى أنواعه، وخاصّة بعد هجرتهم إلى البحرين واستقرارهم فيها، فأراضي البحرين كما أسلفنا كانت مشهورة بخصوبة تربتها ووفرة مياهها. كما أنّها كانت تتمتع بموقع جغرافي متميز، فهي تطل على الخليج، وتشرف على بعض الطرق البرية المؤدية إلى العراق والشام. وقد ساهمت هذه العوامل في أن يمارس أهل البحرين تجارتهم بحُرّية، ومكنتهم من استيراد المواد الخام واستخدامها في عدد من الصناعات التي اشتهرت بها المنطقة.
وقد عرف بنو عبد القيس بعض الصناعات الحرفية فمارسوها وبرزوا فيها، وحذقوها، فعرفوا صناعة الرماح، وظهر أشخاص من عبد القيس احترفوا تلك المهنة كهزيز بن شن بن أفصى، الذي نسبت إليه الرماح التي كان يصنعها وأخذت شهرة واسعة، ويذكر أنّه هو أوّل من ثقف الرماح بالخط كذلك عرف العبديون صناعة الدروع وخاصّة الدروع الحطمية التي كانت تنسب إلى حطمة بن محارب بن عمرو من عبد القيس، ويبدو أنّ الصناعة لم تقتصر على الرماح والدروع فقط، ولكن أيضاً شملت جميع أنواع الأسلحة المستخدمة في ذلك الوقت، فها هو ثعلبة بن عمرو يفتخر بأنّه يستخدم سلاحاً من صنع يديه فيقول:
وصَفْراءُ من نَبْعٍ سِلاحٌ أعِدُّهَا
وأبْيضُ قَصَّالُ الضّريبةِ جائِفُ
وذكر الأصمعي بأنّهم كانوا يستفيدون من شجر السدر، وشجر النبع، وكلاهما يصلحان لصناعة الرماح والأقواس، ولكن شجر النبع كانوا يفضلونه لقوّته.
وقد مارس بنو عبد القيس التجارة وساعدهم على ذلك الموقع الجغرافي لمنطقة البحرين، فمارسوا التجارة بشكل واسع، سواء في منطقة البحرين أو خارجها، فكان في منطقة البحرين أسواق عامّة عديدة تمارس فيها التجارة بشتى أنواعها. كذلك كانت لهم علاقات تجارية تربطهم بالمناطق المجاورة، فلدينا بعض الشواهد التي تدل على أنّ بني عبد القيس كانوا يتاجرون في الحجاز، وأيضاً في الهند حيث كانوا يستوردون منها بعض البضائع التي يحتاجونها فيبيعونها في داخل البحرين وخارجها.
حياتهم الدينية
ذكرت المصادر أنّ عبد القيس في العصر الجاهلي كانت تعبد الصنم «ذو اللبا»، ويبدو أنّ عبادته كانت قبل دخولهم في الديانة النصرانية، وذكر ابن حبيب تلبية ذو اللبا وهي «لبيك اللهم لبيك لبيك فاصرفن عنا مضر، وسلمن لنا هذا السفر إن عما فيهم لمزدجر واكفنا اللهم أرباب هجر»، وكان هذا الصنم في المشقر، وسدنته من بني عامر من عبد القيس. ومن الأصنام الأخرى التي عبدها بنو عبد القيس «المحرق» وكان هذا الصنم بسلمان لبكر بن وائل ثمّ بعد ذلك عبدته سائر ربيعة.
وبالرغم من وجود العديد من الديانات في منطقة البحرين، كالمجوسية واليهودية، والأسبذية، إلاّ أنّ قبيلة عبد القيس لم تعتنق هذه الديانات، واكتفت بعبادة الصنم ذو اللبا والمحرق.
أمّا بالنسبة للديانة النصرانية، فإنّها تغلغلت في منطقة البحرين وانتشرت بها، ويبدو أنّ قبيلة عبد القيس تأثّرت بهذه الديانة واعتنقتها، ولم يقتصر انتشار الديانة المسيحية على البحرين فقط، ولكنّها شملت الجزيرة العربية وانتشرت فيها، فيذكر الجاحظ أنّ النصرانية غلبت على ملوك العرب وقبائلها، فظهرت في لخم وغسان والحارث بن كعب بنجران وقضاعة وطي، ثمّ ظهرت في ربيعة فغلبت على تغلب وعبد القيس وبكر ابن وائل. ويبدو أنّ انتشار المسيحية كان قوياً في أفراد قبيلة عبد القيس فيذكر ابن حزم أنّ عبد القيس بأسرها اعتنقت هذه الديانة، وهذا دليل على توغّل المسيحية في عبد القيس، وكان من أشراف النصارى عند ظهور الإسلام الجارود العبدي الذي وفد على الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأعلن إسلامه.
وحينما ظهر الإسلام، واشتهر أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فإنّ قبائل عديدة أخذت تتبع أخباره والأمور التي جاء بها، فحينئذ انقسمت القبائل إلى قسمين القسم الأوّل وهم الأكثر لم يسلموا ولم يستجيبوا لنداء الحق، والقسم الثاني وهم قليل استجابوا ودخلوا في الإسلام طائعين غير مكرهين عليه، ومن هؤلاء أفراد من قبيلة عبد القيس.
عبد الرحيم آل الشيخ مبارك
علي بن أبي طالب (عليه السلام)
مرّت سيرته في المجلد الأوّل ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
بدأ الإسلام في أوّل أمره نظاماً ديمقراطياً. ولكن الديمقراطية اختفت منه بعدما رفع معاوية المصاحف وقال للمسلمين: تعالوا نحتَكِم إلى كتاب الله. وكانت نتيجة الاحتكام إلى كتاب الله أن تولّى يزيد امر المسلمين وقال:
لعبت هاشم بالملك فـــلا
خبر جاء ولا وحــي نــزل
ونحن حين نشاهد الترف الخبيث مستحوذاً على سلاطين المسلمين وأمراء المؤمنين يجب أن لا ننسى تلك الثورة الشعبية الكبرى التي قام بها أبو ذر وعمار وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) في مكافحة هذا الترف عند أوّل ظهوره في تاريخ الإسلام.
لقد كانت تلك الثورة فاشلة. لا شك في ذلك. فهي قد سبقت زمانها بعدة قرون، حق لها إذن أن تفشل. ولكنها مع ذلك بقيت في التاريخ رمزاً لديمقراطية الإسلام ودليلاً صارخاً على أن حكومة الإسلام نشأت في أوّل أمرهاً من الشعب وبالشعب ومن أجل الشعب.
لقد كانت هذه الثورة امتداداً للثورة المحمدية، ولو درسنا هذه الثورة في بدايتها ونهايتها لوجدناها ديمقراطية تحارب الأسياد المترفين وتجعل الناس سواسية أمام الله وأمام القانون.
يقول المؤرخون الغربيون إن حكومة الإغريق كانت أوّل ديمقراطية وآخر ديمقراطية في التاريخ القديم. ونسي هؤلاء حكومة الإسلام الأولى التي تمثّلت في محمد (صلّى الله عليه وآله) والخلافة الراشدة.
وعندما تولّى علي بن أبي طالب (عليه السلام) خلافة المسلمين اتضحت في سيرته معالم الديمقراطية وضوحاً مدهشاً. ولعلنا لا نغالي إذا قلنا إنّ ديمقراطية هذا الرجل وصلت إلى درجة يعجز عن الوصول إليها كثير من حكام قرننا هذا.
وهو في الواقع الحاكم الوحيد في تاريخ الإسلام الذي انثالت العامة على بيعته طوعاً واختياراً. وقد أشار هو إلى ذلك حيث قال: «إنّ العامة لم تبايعني لسلطان غالب ولا لعرض حاضر». أما الخاصّة فقد بايعه معظمهم. وحين رفض بعضهم بيعته تركهم أحراراً، فلم يجبر أحد منهم عليها، وإنما خلّى بينهم وبين ما أرادوا من الاعتزال، وقبِل منهم ما قدموا من عذر، وقام دونهم يمنع الثائرين من أن يصلوا إليهم.
والأعجب من هذا أن عبد الله بن عمر أبى أن يبايع علياً ثمّ طلب الإذن بالسفر. فلما طولب بكفيل يكفله، أبى أن يأتي به، فقام الإمام علي (عليه السلام) يكفله بنفسه. ولم يشهد التاريخ حاكماً يكفل رجلاً أبى بيعته ورفض أن يطيعه. وتلك لعمري آية من آيات الديمقراطية.
وكان علي (عليه السلام) جالساً بين أصحابه ذات يوم يتحدث إليهم فقال رجل من الخوارج يصف علياً: «قاتله الله كافراً ما أفقهه». فوثب القوم ليقتلوه فقال علي: «رويدا. إنما هو سب بسب أو عفو عن ذنب».
ولو درسنا معاملة الإمام علي (عليه السلام) للخوارج الذين كفّروه وشتموه في وجهه وتآمروا عليه في عاصمته لرأينا فيها عجباً. فهو قد كان يتحمل منهم ذلك صابراً. فكان يعطيهم عطاءهم المفروض لهم ويجادلهم جدالاً طويلاً لعلهم يتدارسون أمرهم ويثوبون إلى رشدهم. ولم يقاتل منهم إلاّ تلك الجماعة التي خرجت عليه بالسيف وقطعت طريق السابلة واذاعت الذعر في الناس وقتلت عبد الله بن خباب مع نسوة كن معه. فأرسل إليهم الإمام رسولاً يسألهم عن هذا الفساد فقتلوا الرسول أيضاً. ولم يبدأ بقتالهم إلاّ بعد أن استنفذ جهده في محاجتهم وجدالهم، بالكتابة مرة وبالمشافهة أخرى.
يُقال إنّ أحد الخوارج، واسمه الخريت بن راشد الناجي، جاء إلى علي بعد انقضاء معركة صفين. فجرت بينهما المحاورة التالية:
الخريت: لا والله لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك وإني غداً لمفارق لك.
علي: ثكلتك أمك. إذن تنقض عهدك وتعصي ربك ولا تضر إلاّ نفسك. أخبرني لم تفعل ذلك؟
الخريت: لأنّك حكمت في الكتاب وضعفت عن الحق إذ جد الجد وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم. فانا عليك راد وعليهم ناقم ولكم جميعاً مباين.
علي: ويحك هلم اليّ أدارسك وأناظرك في السنن وأفاتحك أموراً من الحق انا أعلم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت الآن منكر وتبصر ما أنت الآن عنه عَمٍ وبه جاهل.
الخريت: فإنى غاد عليك غداً.
علي: اغدُ ولا يستهوينك الشيطان، ولا يتقحمن بك رأي السوء ولا يستخفنك الجهلاء الذين لا يعلمون. فوالله إن استرشدتني واستنصحتني وقبلت مني لاهدينك سبيل الرشاد.
فانصرف الخريت من عنده ولم يعد غداً ولا بعد غد، وبقى على مفارقته. فجاء أحد أصحابه يشير عليه بأن يقبض على الخريت ويستوثق منه. فأجابه الإمام: «لو فعلنا هذا بكل من يتهم من الناس لملأنا السجون منهم. ولا أراني يسعني الوثوب بالناس والحبس لهم وعقوبتهم حتى يظهروا لي الخلاف».
يعطينا هذا الجواب تحديداً واضحاً للديمقراطية. فالإمام علي لا يحاسب أحد على رأي فاه به ولا يعاقبه على تهمة أتهم بها. انما هو يعاقب الرعية حين يظهرون له الخلاف أو يقطعون الطريق أو يقلقون الامن. وأظن أن هذا هو ما تسير عليه الديمقراطية في يومنا هذا.
اشتهر علي بآراء لم يكن لها ظهور واضح من قبل. فالمسلمون كانوا في أيام النبي يعيشون في وضع سليم فلم يكن هناك حاجة إلى من يذيع مبادئ المساواة والعدالة. والمبادئ لا تنشر إلاّ حين يكون هناك ما يناقضها في الحياة الاجتماعية.
فلمّا استبدّ بنو أمية بالأموال واتّخذوا سبيل الترف، قام علي يندّد بهم وينادي بآرائه التي اشتهر بها أخيراً.
يقول أنصار بني أمية إن المبادىء الاشتراكية التي دعا إليها أبو ذر أخذها من ابن سبأ. والواقع انه أخذها من أستاذه علي (عليه السلام). فقد كانت بينه وبين علي صحبة قوية وعطف متبادل. وكان أبو ذر معروفاً بذلك بين الناس. وكان بنو أمية يدركون هذا ويتذمرون منه مرة بعد مرة.
أن أبا ذر لا يحتاج إلى رجل يهودي لكي يعلمه المبادىء التى نادى بها. ففي تعاليم الإسلام الأولى مجموعة لا يستهان بها منها. وقد اتضحت هذه المبادىء في خلافة علي بجلاء. وإلى القارىء بعض هذه المبادىء التي نادى بها الإمام علي (عليه السلام):
١ ـ كان علي يؤمن بأن المال للأمة إذ لا يمكن أن ينتفع به أحد غيرها. وليس للخليفة منه غير ما يكفيه معاشاً قليلاً. والخليفة يجب أن يتأسى في معاشه بأضعف رعيته، حيث لا يجوز له أن يشبع من لذيذ الطعام وفيأنحاء البلاد من لا طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع.
٢ ـ يقول علي (عليه السلام): «إن الله تعالى فرض على الاغنياء في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم. ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلاّ بما يصنع أغنياؤهم. ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذبهم عذاباً أليماً». وهذا القول يرويه الرواة بصور شتى. قالقاسم ابن سلام يرويه في كتاب «الأموال» بشكل يختلف في بعض ألفاظه عمّا يرويه الشريف الرضي، وكذلك يرويه غيره بألفاظ أخرى. والظاهر أنّ علياً نطق به في مناسبات مختلفة، فاختلف الرواة في ألفاظه. والمهم أنّ معناه واحد في جميع الروايات، وهو يدل على أنّ علياً كان لا يحب أن يترك الاغنياء أحراراً يتصرفون بأموالهم كما يشاؤون. ولو لم يشغله الخصوم في فتنهم المتوالية لربما حقق هذه المبادىء الاشتراكية في خلافته. ولعل الخصوم أحسوا بذلك فلم يمهلوه.
۳ ـ وكان على (عليه السلام) يكره هاتيك الولائم التي اعتاد الناس على القيام بها. وقد لام أحد عماله لانه ذهب إلى وليمة فقال له: «إنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو». فكل وليمة يدعى إليها الأغنياء ويطرد منها الفقراء إنما هي لئامة يجب على الناس أن يبتعدوا عنها. ويا ليت عليٌ يظهر اليوم ليرى كثرة الولائم التي تقام باسم الإسلام وهي من هذا الطراز.
٤ ـ وكان علي (عليه السلام) يكره الكرم المألوف بين الناس، حيث يعطي السائل مالاً وفيراً بينما يبقى المحتاجون الذين لا يسألون في فقر مقيم. اعطى معاوية ذات مرة مئة ناقة إلى عجوز من بني كنانة كانت معروفة بتشيعها وذلاقة لسانها، وقال لها: «أما والله لو كان علي حياً ما أعطاك منها شيئاً!» فقالت: «لا والله ولا وبرة من أموال المسلمين!».
٥ ـ وكان علي (عليه السلام) يساوي في العطاء فلا يفضل عربياً على مولى ولا سيداً على عبد، ولا رئيساً على مرؤوس. وكان هذا من أوكد الأسباب في نفرة الرؤساء والأشراف منه والتحاقهم بمعاوية. وقد نصحه بعض أصحابه أن يعمل عمل معاوية في التمييز بين الناس في العطاء فقال: «أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور؟!».
٦ ـ وكان علي (عليه السلام) يساوي في المعاملة بين الناس جميعاً. وقد أحاط الموالي به حتى اشتكى بعض انصاره من ذلك فقالوا: «لقد غلبتنا هذه الحمراء عليك». وسار علي في العدل بينهم سيرة من يعلم انه لا فضل لعربي على أعجمي ولا لقرشي على حبشي إلاّ بالتقوى.
٧ ـ وأمر علي (عليه السلام) في أوّل يوم بويع فيه أن تصادر جميع الاموال التي أخذت من بيت المال بغير حقها، وأن تلغى جميع القطائع التي أعطيت لبعض الاثرياء في أيام عثمان. فكان يعتقد أن «المال مادة الشهوات». فالمؤمن إذا اغتنى ضعف رادعه الديني وحفزه الترف إلى الاستكبار والطغيان.
٨ ـ وكتب علي إلى أحد عماله يقول له: «أما بعد فاستخلف على عملك وأخرج في طائفة من اصحابك حتى تمر بأرض السواد كورة كورة فتسألهم عن عمالهم وتنظر في سيرتهم… واعمل بطاعة الله فيما ولاك منها…». وكان يوصي جباة الخراج أن يرفقوا بالناس ولا يعذبوهم عليه. فالعدل بين الناس أهم في نظره من كثرة الجباية. وكان يقول: «لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوى غير متعتع».
الإمام علي بين حقوق الإنسان وواجباته
قبل أن أدخل في صميم ما أريد البحث فيه، أودّ أن أذكر: أنّ القيم الخلقية لدى العلماء المحدّثين لم تعد هي السابقة لدى أسلافهم، وإن التقت معها ـ أو مع أكثرها ـ في بعض الخصوصيات.
وقد لا يكون من المهم أن أدرس أخلاق الإمام على ضوء تقييماتنا السابقة؛ لأنّ ذلك في غنى عن أي حديث.
فكلّنا نعلم أنّ الإمام كان مضرب الأمثال في صدقه، وحلمه، وشجاعته، ورأفته، وزهده، وكرمه، وأمثال ذلك من كرائم الخصال، وإنّما المهم ـ فيما أخال ـ أن نعرض إلى بعض ما استحدث من القيم الخلقية الجديدة، التي يُدّعى أنّها وليدة تطوّرنا الحضاري؛ لننظر نصيبها من سيرة الإمام وبليغ ما أثر عنه من أقوال. وربما انتهينا إلى أن ما أدل به واضعو هذه القيم ومقرروها في عصرنا الحاضر لم يكن ـ لو انصرفوا ـ إلاّ صدى ـ أو بمنزلة الصدى ـ لما أثر عن إمامنا في هذه المجالات.
تحدّث الأخلاقيون المحدثون عن الجوانب العملية من الأخلاق فقسموها إلى قسمين: دعوا الأوّل منها بالحقوق، والآخر بالواجبات، واعتبروا القيمة الخلقية التي يتفاوت بها الناس هي مدى إيمان الفرد والتزامه بالحدود المفروضة بحكمها له أو عليه.
وعرّفوا الحق: بما استحقه الإنسان على نفسه أو مجتمعه، وكان له أعماله أو المطالبة به، والواجب عليه تأديته لنفسه أو لخالقه أو لمجتمعه.
وقد قابلوا بين الحق والواجب فقالوا: ما من حق إلاّ ومعه واجب، بل واجبان، واجب على الفرد وآخر على مجتمعه.
أما واجبه فأن يقصر استعماله على ما لا يستوجب الإضرار بالغير، وأما واجب مجتمعه فأن يحترم له هذا الحق، ويصونه له ما دام لا يتنافى مع صالحه العام.
وقد جاء في نهج الإمام ما يشير إلى هذا التقابل بين الحقوق والواجبات حيث يقول: «… فالحق أوسع الأشياء في التواصف، واضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه، ولا يجري عليه إلاّ جرى له، ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنه سبحانه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً منه، وتوسعاً بما هو من المزيد من أهله…
ثم قال:… ثمّ جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، ويوجب بعضها بعضاً، ولا يستوجب بعضها إلاّ ببعض…» ([813]).
فالإمام هنا يقابل بين الحق والواجب بمحتواهما السابقين ويقول: لو كان هناك حق من دون واجب لاستأثر به الله، ولكنه ـ جلت قدرته ـ أبى إلاّ أن يجعل في مقابل ما أوجبه على عباده من حقوقه حقاً لهم عليه، ثمّ اعتبر حقوق الناس بعضهم على بعض بما يقابلها من واجبات من صميم التشريع، فنسبها إلى الله تعالى بقوله: «ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً لبعض الناس على بعض…».
وما دمنا في مجال المقارنة بين الحقوق الموضوعة للإنسان وما يقابلها لدى الإمام، فلنأخذ هذه الحقوق في أواخر مراحلها التطورية، ولنعتمد ما جاء في وثيقة حقوق الإنسان، كما شرعتها الهيئة الدولية، وأقرتها ـ قبل سنوات ـ بعد مناقشات واسعة، فهي آخر ما وصلت إليه هذه الحقوق من تكثّر وسمو.
ولقد راجعت إلى هذه الوثيقة واستقصيت ما جاء فيها من حقوق وواجبات، فرأيتها ـ بعد تداخل ما يتداخل منها، وإلقاء شروحها وتفصيلاتها، ثمّ إلقاء ما يرتبط منها بما استحدث من قوانين دولية لم تكن ذات موضوع من قبل ـ تعود في مهماتها إلى ستة حقوق هي:
1 ـ حق الحياة.
2 ـ حق الحرية.
3 ـ حق التملك.
4 ـ حق التعليم.
5 ـ حق الاشتراك في إدارة الدولة.
6 ـ حق العدالة.
ورأيت أنّ الدولة المشرّعة لها تتعهد بواجب صيانتها ما دام يستعملها أصحابها في ما لا يضرّ بالكافة، وعلى الأفراد أن لا يخرجوا على الشرائع والقوانين المتكفلة لذلك ما دامت قائمة بواجباتها في حماية هذه الحقوق.
وبما أنّ إمامنا الذي نتحدّث عنه كان ـ بحكم خلافته ـ هو القيّم على رعاية أمثال هذه الحقوق؛ فلننظر نصيبها من إيمانه بها وتمتعه بأعمالها كفرد.
ثمّ مدى قيامه بواجب صيانتها كرأس لدولة لها شريعتها الخاصّة ليصحّ لنا التحدّث عن قيمة الخلقية بهذا المقياس… فلنعد إذاً إلى تلكم الحقوق ونتفحصها واحدة واحدة.
1 ـ حق الحياة
وهذا الحق ـ وهو حق أن يحيا الإنسان ما دامت فيه قابلية للحياة ـ مكفول في الشريعة الإسلامية على أرفع صوره.
وإذا تمّ ما قالوه في تحديد الحق، وقلنا بمقتضاه: إن لصاحبه أن يتمتع به، أو يتخلى عنه، حسب اختياره، فإنّ الإسلام لا يعتبره حقاً، بل يعتبره من قبيل الواجبات، فهو لا يسيغ لصاحبه أن يعمد إلى إزالة حياته بيده بصريح قوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}([814]).
كما لا يسيغ للمجتمع أو الدولة ذلك، اللهم إلاّ في حالات يستثنيها الإسلام؛ كتعدي صاحبها على الآخرين بإزهاق حياتهم {وَلَكُمْ فِي القَصَاصِ حَيَاةٌ}([815]).
أو توقف حياة المجموعة التي ينتمي إليها، أو المثل التي يدين بها على ذلك.
وبهذا شرّع الجهاد والدفاع عن العقيدة والمبادئ والوطن.
أما الإجراءات التعسفية التي يقوم بها بعض الحاكمين لتركيز سلطانهم في الحكم، فالإسلام يأباها أشد الإباء، وكلام الإمام في ذلك صريح، يقول في كتابه إلى أحد عماله: «فلا تقوينّ سلطانك بسفك دم حرام، فإنّ ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله. ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد…) ([816]).
2 ـ حق الحرية
والحرية ـ ومن حقها أن نعطيها أهمية في البحث، ونطيل فيها الحديث؛ لملامستها لعواطف الجمهور؛ ولأنها من المفاهيم التي أسيء استعمالها في عصورنا المحدثة ـ هذه الحرية كانت من اعظم ما آمن به الإمام وكَفله.
تقول وثيقة حقوق الإنسان: «إن جميع البشر مولودون أحراراً، ومتساوون في الكرامة والحقوق. وقد وهبوا العقل والضمير، وعليهم أن يعملوا تجاه بعضهم بعضا بروح الأخوة»([817]).
هذا النص مستل من لائحة حقوق الإنسان في آخر تشريعاتها، تأكيد على ناحيتين مهمتين ترتبطان بالحرية حقاً وواجباً.
أولهما: أنها تولد مع الإنسان، ويولد معها التساوي في الكرامة.
ثانيهما: النص على ضرورة التعامل مع الناس بروح الاخوة كواجب لصيانة هذه الحرية وحفظها عن الفوضى بالتعدي على الآخرين.
وقد يكون من مفاخر الإنسان أن تجد هذين المضمونين مؤكدين بلسان إمام المسلمين علي في اكثر من موضع من نهجه الخالد فيقول: «ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً»([818]).
والجعل هنا بمعنى الخلق فهو يقول له: الحرية خلقت فيك منذ خلقك الله، وهي هبة الله فلا تبددها بالخضوع والعبودية لغيرك.
ويقول في وصيته لولده الإمام الحسن في التأكيد على الناحية الثانية: «يا بني اجعل نفسك ميزاناً في ما بينك وبين غيرك فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلم، واحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك…»([819]).
وهو مع اشتماله على جوهر ما ورد في النص السابق يفوقه بإلزام الشخص بمعاملة غيره معاملة النفس، وهي مرحلة آكد من مرحلة الاخوة وأهم.
وقد وضع مخططات لذلك التعامل في قسم من مأثوراته كقوله «عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شعره بالإنعام عليه»([820]).
وقوله: «ازجر المسيء بثواب المحسن»([821])، وهو لون من العتاب والرد والزجر يكاد ينفرد به الإمام، فقد كنّا نألف أن يكون العتاب والرد والزجر بمثل الإساءة، أو بالصفح عنها على أكثر التقادير، أمّا أن يكون بالإحسان والإنعام على المسيء، أو يكون تأديب المسيء بتشجيع المحسنين على إحسانهم، فهذا ما لا تبلغه اللائحة في تأكيداتها على هذه الجوانب.
وقد استوعب شعور الإمام بالحرية المطلقة جملة مشاعره، فكان حراً حتى في شعوره بالعبودية لخالقه، فهو لا يعبده إلاّ عبادة الأحرار، وذلك قوله في تقسيم العبادة، ثمّ اختياره منها لما يلتئم ونفسيته الحرة: «إن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وان قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وان قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار»([822]).
وفي مناجاته: «إلهي ما عبدتك شوقاً إلى جنتك، ولا خوفاً من نارك، بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك»([823]).
فهو يأبى على نفسه أن تتاجر في عبادتها، أو تخضع خضوع العبيد من خوف أو رهبة، وإنما يريد لها أن لا تعبد إلاّ عبادة الأحرار، عبادة عرفان الجميل، وإعطاء كل ذي حق حقه، ومن حق الله أن يُعبد لأنه أهل للعبادة.
والحرية من المفاهيم الواضحة المبهمة في آن واحد، فهي واضحة لأنّنا نحسّها جميعاً، ونشعر بها جميعاً، وإن لم يعشها أكثرنا حتّى الآن.
وهي مبهمة لأنّ التعابير في مجالات التحديد تضيق عن تصويرها طرداً، وعكساً.
ولأنّها من المفاهيم التي أسيء استعمالها حتّى تجاوزت حدود الفوضى لدى قوم، والعبودية لدى آخرين.
وخير ما يقرب إدراكها: دراستها لا من التعابير المحدّدة لها، وإنّما من واقع ما يصوّره الأحرار بسلوكهم وسيرتهم، وهذا ما حاولت أن أبلغه من وراء هذا الحديث.
وما دمنا قد وضعنا لائحة حقوق الإنسان أمامنا فلنسايرها في تقسيمها أنواع الحرية، ونلتمس واقع الإمام في ضوء هذه التقسيمات كمثل يحقق مفهوم الحرية بأرفع صورها.
والحرية في هذه اللائحة ذات شُعَب يخص بعضها حرية الدين والعقيدة، وبعضها حرية الرأي والتفكير، وثالثة حرية التعبير، ورابعة حرية التنقل واختيار البلد، وخامسة حرية العمل، ولكل من هذه الشُعب حديث في سلوك الإمام وسيرته وفي ما اثر عنه من بليغ القول.
أما حرية الدين والعقيدة فهي من أهم أسس الإسلام ومبادئه، وقد تغلغلت ـ كغيرها من مبادئه ـ في أعماق الإمام، وما جاء في دستور الإسلام الخالد صريح في ذلك. {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ}([824])، وقد كان للإمام يد في نشر هذه المبادئ.
وما رأيناه، ولا حدّثنا التأريخ ـ على كثرة ما عُني بخبره ـ من أنّه أجبر أحداً على عقيدة، أو أعمل سلطته في الحدّ من نشاط تبشيري منطقي، وقد رأينا كيف كان يستقبل في عهد خلافته، والعهود التي سبقته أئمة وعلماء الأديان الأخر لمجادلتهم في اعتقادهم بالتي هي أحسن، حتّى إذا آمن منهم من آمن تقبله بقبول حسن، وإلاّ عاد إلى أهله ليمارس طقوس مبدئه بحرية.
ولم أجد في حدود تتّبعي للتاريخ حرية مورست في ظلّ حاكم تصل إلى حد الدعوة إلى عقيدة مخالفة أو ممارسة لحرية عقيدية في ظل نظام ذي عقيدة محدّدة أوسع من أن يأتي صاحب العقيدة المخالفة عن طواعية واختيار ليحاجج رأس الحكم في شؤون دينه وعقيدته، ثمّ يعود موفور الكرامة بعد أن قال كلّ ما يريد أن يقول بمحضر من الرأي العام.
وحرية التفكير وهي عملية داخلية طبيعية، ما ادري ما دفع مشرعي الوثيقة إلى ذكرها في الحقوق في مقابل حرية التعبير، مع إنها لا تحتاج إلى حماية خارجية بأمثال هذه اللائحة، وكان يمكن أن يكتفي بضمان الحرية للتعبير بمختلف ما له من الأساليب عن ذكرهما كحقين مستقلين.
وما يقال عن التفكير يقال عن الرأي، وعن الدين، في القسم النظري منه، ومهما يكن فماذا يراد من حرية التعبير عن ذلك كله؟ يراد بالطبع حرية إبراز الفكرة أو الرأي والعقيدة بمختلف أساليب الإبراز، سواء في المجتمعات العامة أم الخاصة، وافقت الحكم القائم أم صادمته.
وهذا الجانب منها ربما يكون من أهم جوانبها، أن لم تلتق جوانبها على اختلافها فيه.
وقد كان له في تأريخ الحركة الفكرية حديث لا يخلو أكثره من شجون، وقد كتبت أكثر سطوره بالدماء؛ فاستحق لذلك عناية المؤرخين؛ حيث سجلوا مختلف مراحله التطورية، غير أنّ المؤسف حقّاً أن لا تنال تجارب الإمام فيه ـ وهي القيمة في تأريخ حرية التعبير ـ ما تستحقه من عناية.
وقد قدّر للإمام أن يمارس هذه الحرية محكوماً وحاكماً، فكان في الحالين من ارفع الأمثلة لذلك بما ضرب من الأمثال العالية للشعور بما تدعو إليه من مسؤوليات، مارسها قبل الحكم، حين دعي إلى البيعة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهو يؤمن بأن الخلافة حق من حقوقه، جعلها له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بمشهد من عامة المسلمين يوم (غدير خم)؛ وذلك حين نزل عليه الوحي آمراً، ومحذراً، وعاصماً له من الناس بآية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}([825]).
فاستوقف النبي له جماهير المسلمين وخطبهم خطبته المعروفة ثمّ قال: «ألست أولى بكم من أنفسكم ـ وكأنه يشير إلى الحق المجعول له بآية: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}([826]) ـ حتى إذا صدّقوا وأمنوا على كلامه، اصدر بلاغه العام في ذلك مدوياً: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأعن من أعانه، واخذل من خذله، وانصر من نصره، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه»([827]).
ومع هذا الحق الصريح لم يجد بداً من إعلان معارضته للوضع القائم بالامتناع عن البيعة، واستعمال حقه في حرية المعارضة على أتمه([828]).
وحين شاهد ـ وهو يشعر بمدى مسؤولية ما يقوم به ـ بعض الانتهازيين حاولوا الاستفادة من معارضته بإحداث ثورة داخلية لقلب نظام الحكم، وإعلانها حرباً على الإسلام نفسه، وان إصراره على استعمال حقه في المعارضة سيكون عوناً لهم على ذلك([829])، أعلن تجميد هذا الحق، وسارع إلى البيعة لإحباط المؤامرة في مهدها، وهو بعد مصر على أن الحق له، فها هو يشرح لأهل الكوفة الأسباب التي دعته إلى البيعة مع ما عُرف به من المعارضة:
فلما مضى (صلى الله عليه وآله) تنازع المسلمون الأمر من بعده. فوالله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر ببالي، أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده (صلّى الله عليه وآله) عن أهل بيته، ولا انهم منحوه عني من بعده! فما راعني إلاّ إنثيال الناس على فلان ـ يعني أبا بكر ـ يبايعونه، فأمسكت يدي؛ حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد (صلّى الله عليه وآله) فخشيت إن لم انصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ اعظم من فوت ولايتكم…» ([830]).
ومن طريف المفارقات: أن يتهمه بعض مؤيدي الوضع القائم بالحرص على استعمال حقّه في حرية المعارضة، والمطالبة بحقّه فيقول في ردّهم: «إنّما طلبت حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه. فلمّا قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين هبّ كأنّه بهت لا يدري ما يجيبني به!…» ([831]).
وسنسمع ـ بعد حين ـ وجهة نظره في تَطلبه لهذا الحق.
واستمر استعماله لحقّه في المعارضة ولكن في حدود ما يدعو إليه الصالح العام، من تنبيه على خطأ يراه في سياسة قائمة، أو خلل في تطبيق نظام الدولة([832]).
وقد اطمأن الحكّام إلى سلامة نيته، فكانوا لذلك لا يأبون عن الأخذ برأيه، وربما بدؤوه بالاستشارة، فأشار إليهم بما كان يراه صالحاً، وكثيراً ما كانوا يرسلون بحقّه كلمات الإكبار أمثال قول الخليفة عمر: «لولا علي لهلك عمر»([833]).
أمّا صيانته لهذا الحق في أيام حكمه فتتجلى في مواقفه من معارضيه، وأسلوب معاملته لهم في مختلف أدوار حياته.
وكان أوّل من واجه منهم أولئك الذين امتنعوا عن بيعته من كبار خصومه أمثال سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وحبّان بن ثابت، وغيرهم.
وقد حاول أصحابه أن ينتزعوا البيعة منهم انتزاعاً فأبى عليهم، وقال لهم فيما قال: «لا حاجة لنا في من لا حاجة له فينا»([834]).
وظلّت هذه الكلمة كدستور له يسير في حدوده مدّة خلافته، حتّى إذا أساؤوا استعمال هذا الحق وتجاوزوا حدوده المرسومة بقيامهم بثورة مسلحة ضده، قصد إليهم إلى البصرة ثمّ إلى صفين.
وقام ـ قبل أن يبدأهم بقتال ـ بمحاولات سلمية واسعة لتسوية الموقف([835])، وكان من وصاياه لجنوده: «لا تقاتلوهم حتّى يبدؤوكم… فإذا كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبراً، ولا تصيبوا معوراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تهيجوا النساء بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم…» ([836]).
وكان موقفه من الخوارج ـ وهم اشد معارضيه، وأكثرهم إيماناً بمبدئهم ـ من أروع المواقف، وأكثرها تعبيراً عن صيانته لهذا الحق، فقد أباح لهم أن يسلكوا مختلف الأساليب للتعبير عن آرائهم([837])، وكانوا يعايشونه في البلد، فتكلموا، وخطبوا، وتجمهروا، وجادلوا، وقد تجاوزوا حدود الأدب حين قال قائلهم انه: «لن يأتم به، ولن يشهد معه صلاة، ولن يأتمر بما يأمر، ولن يكون عليه سلطان».
ومع كل ذلك فلم يعرض الإمام لهم بسوء، بل كان يجادلهم بنفسه تارة، وبابن عمه عبد الله بن عباس أخرى([838])، حتى إذا خرجوا من الكوفة بمحض اختيارهم، وشكّلوا من أنفسهم عصابة تتعرض إلى الآخرين بالقوة لحملهم على اعتناق مبدئهم، وكان ما كان منهم من إقلاق للرأي العام، وتهديد الأمن، والتعدي على الأبرياء، أمثال قتلهم لعبد الله ابن خباب، وبقر بطن زوجته الحامل([839])، خرج إليهم الإمام لتأديبهم، ومع ذلك لم يقاتلهم حتى قام بمحاولاته السلمية التي أرجعت كثيراً منهم إلى الطاعة والاعتراف بالخطأ.
والشيء الذي كان ينفرد به الإمام إذ ذاك، أنّه جعل المعارضة السلمية من حقوق الحاكم على رعيته حتّى قال: «وأمّا حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب»([840]).
وقال في إحدى خطبه بصفين: «وأنّه من استثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالةٍ بحق أو مشورةٍ بعدل»([841]).
ومن أقواله: «رحم الله امرءاً رأى حقاً فأعان عليه، أو رأى جوراً فردّه، وكان عوناً بالحق على صاحبه»([842]).
وبما أنّ حرية المعارضة تستدعي أن يحاط المعنيون بالأمر بتصرفات صاحبهم؛ ليتسنى لهم معارضته في ما يختلفون معه فيه، فقد أعطى الإمام لهم هذا الحق، فقال في خطاب له معهم: «ألا وإن لكم عندي أن لا أحتجز دونكم سراً إلاّ في حرب…» ([843]).
وهذا الاستثناء طبيعي، فالحرب لا تذاع أسرارها بحال، وإلاّ بلغت العدو فينقض عليهم خططهم من أساسها.
وكموقفه من حرية المعارضة وقف من حرية السكن والتنقل، فلم يعرض لها بحد، ولم يسمع عنه انه فرض أقامة جبرية على أحد، أو منع أحداً من التنقل من بلد إلى بلد. وشمل هذا الحق حتّى ألدّ أعدائه([844])… وموقفه معروف من طلحة، والزبير حين أرادا أن يخرجا إلى العمرة للتهيؤ للثورة عليه؛ فلم يجبرهما على الإقامة، وهو يعلم أنّهما يريدان الغدرة لا العمرة كما يدعيان([845]).
ومن أروع الأمثال على ذلك موقفه من أولئك الوصوليين ممّن تسلل للالتحاق بمعاوية، وذلك حين بلغه أمرهم فكتب إلى عامله في شأنهم، ونظائرهم: «أمّا بعد فقد بلغني أنّ رجالاً ممّن قبلك يتسللون إلى معاوية، فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم، ويذهب عنك من مددهم، فكفى لهم غياً… وإنّما هم أهل دنيا مقبلون عليها، ومهطعون إليها، وقد عرفوا العدل ورأوه، وسمعوه ووعوه، وعلموا أنّ الناس عندنا في الحق أسوة، فهربوا إلى الأثرة ـ المنفعة ـ فبعداً لهم وسحقاً، إنّهم والله لم ينفروا من جور، ولم يلحقوا بعدل…» ([846]).
ولو أراد منعهم من هذا الحق لكتب إليه باتخاذ إجراءات صارمة للحيلولة دون خروج أمثالهم على الأقل، لكنّه أبى أن يحدّ حرية أحد ما لم تضر بالكافة.
وحرية العمل هي الأحرى كفلها الإمام وصانها، وقد كان من رأيه أن لا يكره أحداً على عمل، وفي ذلك ما جاء في كتاب له لأحد عماله وقد أراد له أهل بلده أن يكره الناس على حفر نهر تتعلق مصلحتهم به: «ولست أرى أن أجبر أحداً على عمل يكرهه، فادعهم إليك؛ فإن كان الأمر في النهر على ما وصفوا، فمن أحبّ أن يعمل فمره في العمل، والنهر لمن عمل دون من كرهه».
فهو هنا ـ بالإضافة إلى ما كفله من حرية العمل ـ يأبى على عامله أن يسمح لغير العاملين في استثمار ما يقوم به العاملون من جهد (فالنهر لمن عمل دون من كرهه) وسنرى ـ بعد حين ـ تأكيد هذه الناحية في كلامه عندما نبحث عدالته الاجتماعية.
3 ـ حق التملك
وثالث الحقوق حق التملك فردياً أو اجتماعياً، وهذا الحق مفروض في الإسلام، وربما اعتبر من ضرورياته ما لم يتعد إلى الإضرار بالآخرين، بسلوك طرق غير مشروعة للحصول على الملكية، كالمراباة، والارتشاء، والغصب، والسرقة، وغيرها.
أما استعماله لهذا الحق ـ وهو أمير المؤمنين وخازن أموالهم ـ فقد حدثنا عن حدوده في كتابه لعامله عثمان بن حنيف:
«ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمرَيْه، ومن طعمه بقرصَيْه… إلى أن يقول: فو الله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً…» ([847]).
وقد مات ولم يضع لبنة على لبنة، وربما باع سيفه ليشتري به الكساء والطعام.
وزهده أشهر من أن نتحدث عنه. أما أسباب ذلك الزهد وبواعثه النفسية فقد كشف جانباً منها في كتابه السابق… وسنأتي عليه في موضعه من هذا الحديث.
وقد كفل هذا الحق لرعاياه، فلم يقف دون أحد في ملكية، أو جرد أحداً منها، اللهم إلاّ إذا كانت غير مشروعة، فمن ذلك موقفه مع من أثرى على حساب حقوق الشعب في أيام عثمان، حيث جردهم مما يملكون من ذلك المال الحرام، وأعاده إلى الكافّة، وفي ذلك قوله:
«أيّها الناس إنّما أنا رجل منكم، لي ما لكم وعليَّ ما عليكم… ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان، وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال… ولو وجدته قد تزوج به النساء، وفرّق في البلدان، لرددته إلى حاله، فالحق لا يبطله شيء»([848]).
وقد أراد بعض هؤلاء أن يساوموا على البيعة والطاعة، بإبقاء هذه الأموال بأيديهم، فأبى أن يصبر عليهم الإمام، أو يتقبل مثل هذه البيعة.
ومثل ذلك موقفه مع بعض عماله ممّن أراد أن يثري على حساب العامة؛ فصدّه بمحاسبته وتهديده باستعمال القوّة ضدّه، ثمّ موقفه من محتكري قوت الشعب والضرب على أيديهم على نحو ما سنعرض له في عدالته الاجتماعية.
4 ـ حق التعليم
وحق التعليم ـ كما يراه الإمام ـ من حقوق الرعية على أمرائهم، وصريح قوله وهو يعد حقوق الرعية عليه: «فأما حقكم عليّ فالنصيحة لكم. وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كي ما تعلموا»([849]).
وفي كتابه إلى قثم عامله: «وعلم الجاهل»([850]).
وبالطبع يراد بالتعليم هنا: هو تعليم كل ما تحتاجه الشعوب لاستقامة حياتها، وبخاصة الدينية منها، والدين هو الدستور المطلق للدولة، فلا بد من معرفته للعمل على السير في حدوده.
ويبدو من بعض كلمات الإمام انه كان يرى التعلم من الواجبات على الأفراد وليس من الحقوق، كما يرى وجوب تعليمهم، ففي إحدى كلماته يقول: «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى اخذ على أهل العلم أن يعلّموا»([851])… تأملوا كلمة ما أخذ الله على أهل الجهل فهي من محتويات الوجوب.
5 ـ حق الاشتراك في إدارة الدولة
والاشتراك في إدارة الدولة حق كان يراه الإمام طبيعياً لجميع أفراد الشعب، بشرط توفر مؤهلات الحكم فيهم، وكان يرى عند تقدم جماعة منهم إخضاعهم للاختبار، وتقديم أوفرهم مؤهلات، وأقدرهم على توفير العدالة للرعايا.
وفي دستوره الخالد شرح لهذه الجوانب، ومما جاء فيه: «وان افضل قرة عين الولاة استقامة العدالة في البلاد، وظهور مودة الرعية… ثمّ اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم ـ أي لا يلج في الخصومة ـ ولا يتمادى في الزلّة… ثمّ انظر في أمور عمالك، فاستعملهم اختباراً، ولا تولهم محاباة وأثرة»([852]).
ولهذا نظائر في النهج تراجع في مظانها في الكتب والعهود.
6 ـ حق العدالة
ولعل من أهم ما ورد في هذه اللائحة وأسماها وأعلقها بحاجة واقعنا إليها هي العدالة الاجتماعية بشقيها الفردي والاجتماعي.
والمراد بالعدالة هنا: هو دفع الظلم أو رفعه عن كاهل الأفراد والجماعات.
والظلم الجماعي له عدة معطيات لعل أهمها معطيان:
أولهما: يرجع إلى الامتيازات الطبقية التي تحدثها عادات اجتماعية متأصلة أو أنظمة خاصة.
ثانيهما: يرجع إلى شيوع الفقر لقلة في الإنتاج، وسوء في التوزيع، مع بقاء الوضع من قبل السلطة على حاله، وعدم تدخلها في إصلاحه.
ولفهم هذين المعطيين وموقف الإمام منهما يحسن أن نعود إلى العصر الذي سبق عهد خلافة الإمام وننحدر برواسبه إليه، لتتجلى لنا قيمة إصلاحاته الجذرية لواقع مجتمعه.
لا شك أنّكم تعلمون أنّ الإسلام جاء والمجتمع الجاهلي يعجّ بطبقية واسعة ذات امتيازات اجتماعية معروفة، كما يعج بعوامل انتشار الفقر بين أكثر الطبقات.
فكان أوّل ما عمله أن عمد إلى ذلك التفاوت فقلص من ظلاله بما شرّع لهم من نظم، وما وضع عليهم من ضرائب، ثمّ عمد إلى امتيازاته فألغاها.
وقام بعد ذلك باتخاذ إجراءات سلبية وإيجابية لها أهميتها في الحد من انتشار الفقر، ثمّ في التخفيف من حدة الشعور به.
وفي عهد الخليفة الثاني نشأت في الإسلام طبقية، ولكن من لون جديد، وأساس هذه الطبقية هو القرب، والسابقة، والصحبة.
وقد أعطيت امتيازات بعضها مادية وبعضها معنوية، ومن امتيازاتها المادية أنها شرّعت مبدأ التفاوت في العطاء، فمن اثني عشر ألف درهم وهي حصة أعلى طبقاتها([853])، إلى مائتي درهم وهي حصة أدنى الطبقات([854]).
وكان من نتائجها أن تكدس المال لدى فئة خاصّة، سمعنا عن بعضها أنّه كان يكسر الذهب بالفؤوس، بينما كانت العامّة تئن تحت وطأة من الفقر والفاقة([855]).
وفي عهد الخليفة الثالث كفلت تلكم الامتيازات وأضيف إليها طبقة أخرى لها امتيازاتها، وأساسها القرب من ولاة الحكم، وقد رأينا أنّ هذه الطبقة لا تخضع في امتيازاتها لحساب.
ولما جاء الإمام إلى الحكم وجد نفسه مسؤولاً عن اتخاذ إجراءات حازمة للقضاء على هذا الظلم الجماعي بجميع صوره، والعودة بهم إلى التشريعات الإسلامية الأولية.
فكانت أولى خطواته أن عمد إلى هذه الامتيازات الطبقية الجديدة على الإسلام فألغاها.
وهنا يجب أن نؤكد أن الإمام لم يلغ الطبقية بمفهومها الاجتماعي، كما لم يلغها الإسلام من قبل، وان قلّل من تفاوتها، وقد سبق أن قلنا إن الإمام اعترف بحق الملكية للفرد، وبحق الحرية في العمل، وما دامت حرية التملك والعمل قائمتين فالطبقية حتماً موجودة، ولكن الطبقية المعتدلة ليست هي أساس الظلم، وإنما الأساس في إعطائها امتيازات في الدولة أو في البيئة الاجتماعية قد يكون من أيسر معطياته هو الشعور بالدونية لدى اكثر الطبقات.
وقد كان الإمام صريحاً في إلغائها حين خطب أولى خطبه التي أعلن فيها منهاجه في الحكم ومما قال: «أيها الناس ألا لا يقولن رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا، فاتخذوا العقار، وفجّروا الأنهار، وركبوا الخيل الفارهة، واتخذوا الوصائف المرققة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً، إذ ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصَرْتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا.
ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله، يرى أن الفضل له على سواه لصحبته، فإنّ الفضل النيّر غداً عند الله، وثوابه وأجره على الله، فانتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، ولا فضل فيه لأحد على أحد»([856]).
وما دام المال مال الله، والعباد عبيده، وحاجاتهم الأوّلية لا تكاد تختلف، فما الذي يميز بعضهم عن بعض؟
أمّا الصحبة والسبق في الجهاد فهي من أعمال التقوى، وليس لعمل التقوى جزاء مادي في نظر الإسلام، وإنّما الجزاء غداً عند الله.
وفي كلام آخر له وقد طلب إليه أن يراعى عواطف ذوي الامتيازات ليأمن غائلتهم ويضمن إخلاصهم له: «أتأمرونني أن اطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟! والله لا أطور به ـ لا أقاربه ـ ما سمر سمير ـ مدى الدهر ـ وما أمّ ـ قصد ـ نجم في السماء نجماً! لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله!!
ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة…» ([857]).
وهذا الامتياز لم يكتف الإمام بإلغائه، بل تعدى إلى كل ما لهذه الطبقة من امتيازات سابقة فشجبها، وأوقف مختلف الطبقات أمام النظم الإسلامية على صعيد واحد.
وما أورع ما ورد عنه وقد قال له بعضهم: «نحن أعزّة قوم» وكأنّهم يريدون أن يذكّروه بما كان لهم من امتياز: «الذليل عندي عزيز حتّى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتّى آخذ الحق منه…» ([858]).
ومن كلماته: «وايم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه، ولأقودن الظالم بخزامته، حتّى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً»([859]).
وفي سبيل تحقيق هذا الجانب من عدالته الاجتماعية ما كان يأمر به عماله من المساواة بين رعاياهم، وحرمان خواصهم، وأقربائهم، من كل حق يمس هذه المساواة، فهو يكتب لأحدهم: «انصف الله وانصف الناس من نفسك، ومن خاصة اهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إن لا تفعل تظلم! ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده… وليس شيء ادعى إلى تغير نعمة الله، وتعجيل نقمته، من إقامة على ظلم، فإنّ الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد…» ([860]).
وبالطبع كان لهذه الامتيازات الطبقية رواسب نفسية في أعماق العامة تبغض لهم هذه الطبقات، كما تنفرهم من الحكام؛ لحمايتهم لها.
فمن أجل علاج هذا الجانب النفسي، وتأكيد الروابط بين الرعية وحكامهم، أمر ولاته بالتحبب إليهم، والرأفة بهم، ومن ذلك قوله: «… وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه…»([861]).
فهو ـ كما ترون ـ يوصيه بالتجاوز عنهم، والاغتفار لزللهم؛ لأنهم يؤخذون على الخطأ أخذاً.
ويراد بالخطأ والزلل هنا: الخطأ الذي لا يستوجب حداً من حدود الله، أو حكماً شرعياً خاصاً؛ لما ستعرف عن الإمام من تشدده في إقامة الحدود، وعدم التسامح عنها بحال.
والإمام في هذا الموضع لا يخص بتوصية المسلمين من رعاياه، بل يتجاوز إلى بقية المواطنين من غير المسلمين «إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».
ثمّ يقول في تتمة ذلك الكلام: «وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمّها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية… إلى أن يقول بعد التنديد بالخاصّة: … والعدة للأعداء، العامّة من الأمّة، فليكن صِغوك ـ ميلك ـ لهم، وميلك معهم…» ([862]).
وفي ختام هذا الحديث يجيء بليغ قوله لبعض عماله: «وإيّاك والاستئثار بما الناس فيه أسوة…»([863]).
أما شيوع الفقر وهو المعطى الثاني لانتشار الظلم فقد كان له إلى كفاحه عدة طرق ربما تمشت مع احدث النظم الاقتصادية في هذا العصر.
أولها: توفير العمل بتهيئة وسائله ومن ذلك ما جاء في دستوره الخالد: «وليكن نظرك في عمارة الأرض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لان ذلك لا يُدرك إلاّ بالعمارة…»([864]).
ويقول: «ومن طلب الخراج بغير عمارة، أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلاّ قليلاً… وإنّما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها…» ([865]).
فإذا شاركت الدولة في أعمار الأرض فقد توفر العمل للعاملين حتماً، وبتوفره توفّر الخراج، والناس كلهم عيال عليه كما ورد عنه في هذا العهد.
ثانيها: كفاح البطالة بالحث على العمل ـ بعد توفير وسائله ـ وما اكثر ما ورد عن الإمام في ذلك ومن بليغ أوصافه للعاملين: «قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل»([866]).
ثالثها: توزيع الثروة توزيعاً عادلاً، سواء بين العمال وأصحاب العمل، أم بين العمال أنفسهم.
ومن بليغ وصاياه في ذلك: «ثمّ اعرف لكلّ امرئ منهم ما أبلى، ولا تضُمَّنَّ بلاء امرئ على غيره، ولا تقَصرّنَّ به دون غاية بلائه، ولا يَدْعونّك شرف امرئ إلى أن تُعْظِمَ من بلائه ما كان صغيراً، ولا ضعة امرئ إلى أن تَستَصغِرَ من بلائه ما كان عظيماً…» ([867]).
فهو يأمر بإعطاء العامل كلّ ما يستحقه، ويوصي بأن: «لا يقصر به دون غاية بلائه».
كما يوصي أن لا تدخل في حساب العمل والعمال تلكم الامتيازات الطبقية، فيستصغر عمل امرئ لضعة نسبه، ويستعظم عمل آخرين لرفعتهم، فالأجر على قدر العمل، وصاحبه هو مالك الأجر لا غير.
رابعها: الضرب على التلاعب بالأسواق من قبل المستغلين والمطفّفين، ومحتكري قوت الشعب، مما يوجب أن تثري طبقة على حساب بقية الطبقات؛ وبخاصة الضعيفة منها.
ومن أوامره في ذلك لعماله قوله لبعضهم:
«واعلم ـ مع ذلك ـ أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً، وشحاً قبيحاً، واحتكاراً للمنافع، وتحكماً في البيعات، وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة. فامنع من الاحتكار فإنّ رسول الله منع منه…» ([868]).
ومن رأيه أن تدخل السلطة شخصاً ثالثاً لتحديد الأسعار، والحدّ من التلاعب فيها، وذلك قوله في تتمة كلامه السابق: «وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع»([869]).
خامسها: تجريد أصحاب الملكيات غير المشروعة من ملكياتهم، وأعادتها إلى أهلها الشرعيين، ومن ذلك ما جاء في أوّل خطبة له: «أيها الناس إنما أنا رجل منكم لي ما لكم وعليَّ ما عليكم، إلاّ أن كل قطيعة اقطعها عثمان، وكل مال أعطاه عثمان من مال الله فهو مردود في بيت الله، ولو وجدته قد تزوج به النساء، وملك به الإماء لرددته فإنّ في العدل سعة فمن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق»([870]).
وكأنه سلام الله عليه كان ينظر إلى هؤلاء ونظائرهم حين أرسل قولته الخالدة: «فما جاع فقير إلاّ بما متع به غني»([871]).
وقولته: «ما رأيت نعمة موفورة إلاّ والى جانبها حق مضيّع».
سادسها: منع عماله وموظفيه من الإثراء غير المشروع سواء بابتزازهم لأموال الدولة، أم ارتشائهم على حساب بعض الحقوق، وما أعسر محاسبته لعماله في ذلك.
وما أخال أنّ أحداً من هؤلاء سلم من التعرّض لمحاسبته، والتمتع بجزائه من تشجيع على إخلاص، أو تقريع على تقصير، أو إقصاء مع خيانة، وفي نهجه الخالد ما يشير بكثرة إلى أمثال هذه الشؤون.
سابعها: رفع الضرائب عن كواهل الطبقة الضعيفة، ممن لا تملك ضرورة ما تحتاج إليه من زاد أو كساء، أو أداة عمل، ومن ذلك ما جاء في كتابه السابق: «ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعتملون عليها…» ([872]).
وبالطبع إن هذه الإجراءات ونظائرها لا تستأصل الفقر من أساسه وإنما تعمل على تقليصه، فهناك من لا يقوى لمرض أو شيخوخة أو صغر، ولا ينهض عمله بسد حاجته لكثرة في عياله، وربما كان فيهم من يقوى على العمل ولا يتوفر لديه مجاله.
ولمثل هؤلاء شرع الإسلام مبدأ الضمان الجماعي، وكفل لهم ذلك في أيام حكمه، ففي عهده لمالك الاشتر: «… الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين، وأهل البؤس والزمنى ـ أرباب العاهات المزمنة ـ فإنّ في هذه الطبقة قانعا ومعترا ـ سائلا ومتعرضا للعطاء بلا سؤال ـ واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسما من بيت مالك، وقسما من غلات صوافي الإسلام.. ثمّ يقول: وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه…» ([873]).
وقد لاحظ الإمام أن اكثر هؤلاء لا يمكن أن يصلوا إلى الولاة بحوائجهم، لما يتركه الفقر في نفوسهم من ضعف، فأمر في تشكيل لجنة لتتبعهم، ورفع أمرهم إلى المعنيين بالأمر.
وقد جاء في كتابه السابق: «وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممّن تقتحمه العيون ـ تزدريه ـ وتَحْقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثمّ اعمل فيهم بالأعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه، فإنّ هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم…» ([874]).
وأضاف الإمام ـ في ما يحدث المؤرخون ـ فوضع بيتاً سمّاه (بيت القصص) يلقي فيه الناس رقاعهم لتحمل حاجاتهم إلى الإمام([875]).
وهذا الضمان لا يتناول ـ بحكم الإسلام ـ من يتوفر لديه العمل ويقوى عليه، ثمّ لا يعمل حبا بالبطالة، فإنّ أمثال هؤلاء يعتبرهم الإسلام أغنياء، ويحرمهم من هذا الضمان.
والغني في عرفه من كان يملك قوت سنته أما بالفعل أو القوة، وهؤلاء يملكونها بالقوة لقدرتهم على العلم وتوفره لديهم.
وهذا هو السر في قصر الإمام هذا الضمان على الأصناف التي عدها في كلامه، ليس فيها ما يشمل نظائر أولئك من الأغنياء.
ووجود الفئات العاجزة عن العمل، وشعورهم به، لا بد وان يحدث في أعماقهم عقدا نفسية يحتاج مثلها إلى علاج.
وكان للإمام عدة طرق في علاجها نذكر منها طريقين مهمين:
1 ـ تهوينه من شأن الفقر واعتباره ظاهرة طبيعية لا تنقص من وزن صاحبها، وربما رفعت قدره في أخراه.
وكان يضرب لهم الأمثال بعظماء من البشر كأنبياء الله موسى وعيسى ومحمد (صلّى الله عليه وآله) كانوا من الفقراء، فلو كان الفقر سبة لما اتّصف به أنبياء الله.
وقد كان لهذا الكلام ونظائره أثره الكبير في نفوسهم نظراً لتحكم القيم الروحية في مجتمعهم وعظم الإمام صاحب أغنى رصيد روحي في نفوسهم، وعلى هذا ينزل جملة ما ورد في كلامه في الثناء على الفقر والفاقة ثمّ بهذا يجمع بينه وبين ما ورد في كلماته الأخر من ذم الفقر والحثّ على الابتعاد عنه بالعمل مهما كلف الحال.
2 ـ مشاركة إمامهم الوجدانية لهم، بمواساتهم في خشونة العيش، والتشبه بهم في لباسه، ومأكله، وما إلى ذلك من لوازم الفقر، وربما كان أعظم أثرا من سابقه قال (عليه السلام): «ولو شئت لاهتديت الطريق، إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز. ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ـ ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع ـ أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى أو أكون كما قال القائل:
وحسبــك داءً أن تبيت ببطنةٍ
وحولك أكبادٌ تحن إلى القِدِّ
أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش! فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة، همها علفها…» ([876]).
وأي فقير يرى هذه المشاركة من إمامه فلا تزول عن أعماقه رواسب ما تركه الفقر فيها من آثار، وهكذا عمّ في عدالته الاجتماعية جملة رعاياه.
أمّا العدالة من جانبها الفردي: فالمراد بها رفع الظلم بعد وقوعه على الفرد، وزجر الظالم وتأديبه ضمن حدود الإسلام.
وقد كان الإمام ضرب الأمثال فيها، وربما كان تخصيصها بشيء من الحديث ضرب من الكلام المعاد لكثرة ما تكرر حديثه، وعرف عنه (عليه السلام).
وحسبنا ـ وقد أوشكنا أن نختم هذا الحديث ـ أن نأتي بكلام له يكشف عن أسباب حرصه على تطلّب حقّه في الخلافة من جهة، ويرتبط بحديثنا من جهة ثانية قال:
«اللهم إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك؛ فيأمن المظلوم من عبادك… وقد علمتم أنّه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج، والدماء، والمغانم، والأحكام، وإمامة المسلمين، البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيظلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف ـ الجائر ـ للدول ـ المال ـ فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع ـ الحدود ـ ولا المعطل للسنّة فيهلك الأمّة»([877]).
وأخال أنّ هذه السنوات الخمس إلاّ قليلاً والتي قضاها الإمام في إدارة شؤون المسلمين، وخلّف فيها كلّ هذه الآثار الخالدة كانت كافية للدلالة على وجهة نظر الإسلام، وشرعه في اختياره الإمام أميراً للمؤمنين وخليفة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد وفاته.
أمّا بعد فهذا هو الإسلام بحقوقه وواجباته، وهناك عشرات من الحقوق والواجبات أمثال ما ذكرناه، شرّعها وكفلها لمجتمعه، وقد تمثّلت جميعاً بأقوال وسلوك هذا الإمام العظيم.
والذي أخاله إن ما أدل به واضعو هذه الحقوق ومشرّعوها في عصرنا الحديث لم يعد ذي موضوع أبداً، بعد أن شاهدناه مشرّعاً، ومطبقاً قبل أكثر من ثلاثة عشر قرناً.
فسلام الله عليك من مولود سبق عصره بآماد طوال.
محمد تقي الحكيم
شبهات وردود
حول نهج البلاغة
يشك الدكتور أحمد أمين تبعاً لجملة من الباحثين قدماء ومحدّثين في صحة ما أثر في النهج من خطب وكلم الإمام علي (عليه السلام).
وربّما مال إلى نفيها عنه لأسباب ـ إن تمّت ـ فهي أضيق من المدعى.
وقد أضاف عليها غيره أسباباً بلغ بها بعض المتأخرين من الكتّاب إلى إثني عشر سبباً.
والحديث عن النهج ونسبته للإمام (عليه السلام) قديم جدّاً، وقد شكّك في نسبته ابن خلكان حيث تردّد في مؤلفه أوّلاً أهو الرضي أم المرتضى ـ رحمهما الله ـ وعقب على ذلك بقوله: «وقد قيل إنّه ليس من كلام علي، وإنّما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه»([878]).
وتبعه في ذلك التشكيك في نسبته للرضي ثمّ للإمام (عليه السلام) كلّ من اليافعي، والصفدي، والحسن بن سليمان، وبعض المتأخرين من المستشرقين.
والأسباب التي ذكروها للشك في صحة نسبته للإمام (عليه السلام)، أو الجزء بالانتحال على كثرتها تعود في أصولها إلى ثلاثة أسباب رئيسة:
أولاً:
نقده من جهة أسانيده، وما يتصل به من ملابسات دون نظر إلى طبيعة المحتويات، ومدى ملائمتها لزمن الإمام (عليه السلام)، أو واقعه، كالشبهة في أنّ ما في نهج البلاغة لا أصول له تأريخية، أو أنّ أكثره كذلك لم يعرض في كتب المؤرخين، أو عرض منسوباً لغير الإمام (عليه السلام)، وكطول بعض خطبه، وامتناع حفظها عادةً على الرواة.
ثانياً:
نقده من وجهة عدم ملائمة بعض محتوياته، وأساليبه لزمن الإمام (عليه السلام)، كذكره بعض الألفاظ المحدثة التي نصّ على عدم قدمها بعض اللغويين، كلفظة (الأزل)، و(الكيف).
أو استعماله بعض الألفاظ بمصطلحاتها المنطقية، أو الفلسفية التي نشأت بعد عصره (كالحد) ونظائره.
وكتفريعه بعض الجمل على بعض ممّا يكون على شاكلة القياس كقوله: «فمن وصف الله سبحانه وتعالى فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه…»([879]).
وأساليبه بما استعمل فيها في الفنون البديعية كالسجع، والازدواج، والطباق، لا تناسب عصره، بل تناسب العصور العباسية… إلى أمثال ذلك ممّا انتشر في عصور متأخرة عن عصره، كدقة الوصف كما في وصفه للطاووس، والخفاش وغيرهما([880]).
ثالثاً:
وجود ما لا يتناسب وواقع الإمام (عليه السلام)، كالخطبة الشقشقية ونظائرها([881])، ممّا استعمل فيه الإمام (عليه السلام) لغة النقد للخلفاء السابقين.
وكأخباره بالمغيبات، وكثرة خطبه بما لا يتناسب وحاجته لمثلها عادةّ، وإطالة بعض كتبه وإشباعها بالأفكار السياسية، ووضع المخططات الدقيقة لها بما لم يعهد عن غيره من الخلفاء… إلى أمثال ذلك من النقود.
القسم الأوّل
أمّا تشكيك ابن خلكان ونظائره في نسبته للرضي، فهو تشكيك لا يستحق أن يطال فيه الكلام، بعد تواتر نسبته للرضي.
وتصريح الرضي في جملة من مؤلفاته بنسبته له، كما جا في كتاب (حقائق التأويل) حيث قال: «… ومن أراد أن يعلم برهان ما أشرنا إليه من ذلك، فلينعم النظر في كتابنا الذي ألفناه ووسمناه بـ (نهج البلاغة)، وجعلناه يشتمل على مختار جميع الواقع إلينا من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ([882]).
وكتابه (المجازات النبوية) حيث قال فيه: «… وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم بـ (نهج البلاغة) الذي أوردنا فيه مختار جميع كلامه سلام الله عليه وعلى الطاهرين من أولاده»([883]).
وربما كان منشأ الشك تلقيب بعض المؤرخين له (بالمرتضى) وهو لقب للأسرة كان يشترك الأخوان به، وتفرّد الرضي بلقبه، واشتهر به بعد أن تمّ اختياره للنقابة الهاشمية.
كما أنّ التشكيك من بعض الباحثين المحدّثين في إقحام بعض الخطب والكلم عليه في عصور متأخرة، وضربه على ذلك الأمثال بالتفاوت بين ما بأيدينا من عهد الإمام (عليه السلام) للأشتر، وبين ما وجد منه في نسخة كتبت للسلطان (بايزيد) منذ خمسمائة عام، ممّا لا يستحق أن يطال الكلام فيها أيضاً، بعد وجود نسخ مقروءة على الرضي نفسه، وموقع عليها بقلمه، وهي على وفق ما بأيدينا في النسخ.
بالإضافة إلى شروحه التي ألفت قبل هذا التأريخ كشرح ابن أبي الحديد ـ مثلاً ـ وفيها نص العهد كاملاً ومشروحاً من قبله.
وخلق الرضي له كلام لا يمكن أن يصدر عن عارف بمكانة الرضي الاجتماعية التي تأبى عليه أن يخلق ويضع على مثل الإمام (عليه السلام)، فضلاً عمّا له من قدسية كانت موضع إكبار معاصريه.
ومثلها تأبى عليه الكذب والدس ـ وحاشاه ـ بالإضافة إلى أن الكثير من نصوصه موجودة في الكتب التأريخية المدونة المعروفة كاليعقوبي، والطبري، والجاحظ، والكليني، وغيرهم من عشرات المؤرخين والمُحَدّثين، وفيهم من جمع خطبه أو قسماً منها كزيد ابن وهب المتوفى سنة 96هـ، حيث ألّف كتاباً أسماه (خطب أمير المؤمنين) على المنابر والجمع والأعياد([884]).
وكنصر بن مزاحم وهو من مشاهير الأخباريين في المائة الثانية([885])، والمدائني (ت225هـ)، حيث صنّف كتاباً أسماه (خطب علي وكتبه إلى عماله) ([886])، وعشرات من نظائرهم.
ومع كلّ ذلك فهل يمكن نسبة وضع جميعه إلى الرضي؟!.
والثاني يدل على ما قلناه؛ «لأنّ من قد أنس بالكلام والخطابة، وشاد طرفاً من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب، لا بد أن يفرق بين الركيك وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصيل والمولد، وإذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاماً لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط، فلا بد أن يفرق بين الكلامين ويميز بين الطريقتين». إلى أن يقول: «وأنت إذا تأمّلت نهج البلاغة وجدته ماءً واحداً، ونفساً واحداً، وأسلوباً واحداً، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهية، وكالقرآن العزيز أوّله كوسطه، وأوسطه كآخره، وكلّ سورة منه، وكلّ آية مماثلة في المأخذ، والمذهب، والفن، والطريق، والنظم لباقي الآيات والسور، ولو كان بعض نهج البلاغة منحولاً، وبعضه صحيحاً لم يكن ذلك كذلك»([887]).
وإذا صحّ هذا ـ وهو صحيح لمن قرأ نهج البلاغة قراءةً واعية ـ لم يبق للقائلين بوضعه من قبل الشريف من قِبل الشيعة كلاً أو بعضاً أي مجال.
أمّا نسبة بعض خطبه إلى غير الإمام (عليه السلام) فربّما كان من خطأ الرواة أو تعمدهم، وقد أدرك الجاحظ وهو إمام البلاغة في زمانه زيف بعض النسب فأشار إليها وذلك في ذكره لخطبة نسبت لمعاوية وهي من خطب الإمام (عليه السلام)، فشكك في نسبتها إلى معاوية لأسباب أهمها: أنّها من أسلوب الإمام (عليه السلام). فأسلوبه إذاً معلوم وليس من الممكن عادة محاكاته للشيعة أو غيرهم من البلغاء.
أمّا التشكيك بنسبة بعض الخطب إليه لطولها، ولامتناع حفظها عادة على الرواة، فهو لا موضع له إذا عرفنا أنّ العرب كانوا قبل عصور التدوين يعتمدون على سرعة الحافظة، وقد ضربوا لسرعة حفظهم الأمثال، فهم يحفظون القصيدة ذات الثمانين بيتاً لمجرد سماعها كما رأينا ذلك من ابن عباس مع عمر بن أبي ربيعة.
وخطب النهج ليست بدعاً من مطولات النبي (صلّى الله عليه وآله) أو الخلفاء فحالها من وجهة منهجية حال تلكم الخطب، وما يدرينا أنّ بعض خطب الإمام (عليه السلام) كانت تكتب بعد سماعها، وبخاصة أنّ التدوين وجد في عصره، وانتشر إلى حدٍ ما.
إذاً، فهذه التشكيكات سواء في نسبة النهج للرضي، أم نسبته أو نسبة بعضه للشيعة قبله، أو بعده، لا تصلح لإثارة الضباب حوله بحال.
ومجرد عدم اطلاعنا على بعض أصولها في كتب سابقة على الرضي لا تكفي للتشكيك بصحة ما فيه؛ لضياع كثير من أمهات المصادر التأريخية، بعد غزو التتار وإحراقهم لكثير من المكتبات، أو إتلافهم لكتبها.
القسم الثاني
أما ملاءمته لعصر الإمام (عليه السلام)؛ لورود ألفاظ فيه لم تكن مستعملة في عصره، كالأزل، والكيفية… فإنّه وإن ذكر ذلك بعض اللغويين كالزمخشري في كتابه (أساس البلاغة)، إلاّ أنّ لغويين آخرين وفيهم من هو أقدم منه وأعلق باللغة، كصاحب القاموس لم يدفعها عن قدمها… على أنّ ورودها في مثل النهج من الكتب التي تعنى بتسجيل كلام البلغاء في صدر الإسلام، يقتضي أن يكون من أدلة قدمها، أسوة بسائر الكلمات التي يستدل على قدمها بأبيات من الشعر، أو فقرة من كلامٍ عربيٍ بليغ.
والمسطلحات اللغوية (كالحد) ونظائرها لم تستعمل في كلام الإمام (عليه السلام) إلاّ بمفاهيمها اللغوية، ونقل أهل المنطق لها في عرفهم، لا يمنع من استعمالها في كلام العرب، ومنهم الإمام (عليه السلام)، بما لها من مدلول سابق.
وهذا التفريع أعني ـ تفريع الجمل بعضها على بعض ـ موجود في القرآن، فضلاً عن كلام العرب الذي جاء بعده، ومن الآيات الدالة على ذلك قول تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}([888]).
ومن أحاديث النبي (صلّى الله عليه وآله): «أوصي من آمن بي، وصدق بولاية علي بن أبي طالب، فمن تولاه فقد تولاني، ومن تولاني فقد تولّى الله ومن أحبّه فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله عزّ وجل»([889]).
أمّا الأسلوب… وما فيه من سجع، وازدواج، ونظائرهما من الفنون البديعية، فإقصاؤه عن أساليب صدر الإسلام غريب جدّاً، وهذه خطب النبي (صلّى الله عليه وآله) والخلفاء، وكتبهم، وجلّها مليئة بالسجع…
ثمّ هذا الكتاب العزيز ـ وعلي (عليه السلام) تلميذه في الدرجة الأولى ـ فيه سور كاملة مسجوعة.
وقد عقد الدكتور زكي مبارك فصلاً في كتابه (النثر الفني) لدراسة أساليب صدر الإسلام وحشَدَهُ بنصوص يُعرف من استقصائها ونظائرها قيمة الرأي القائل بأنّ السجع من خصائص القرون المتأخرة عن زمن الإمام علي (عليه السلام).
نعم السجع المتكلّف كان من خصائص تلكم العصور، وهذا ما نرفع عنه مستوى ما ورد في النهج.
وما يُقال عن الأسلوب قيل عن دقة الوصف ـ كما في وصفه للطاووس ـ وأظنّ أنّ من يتتلمذ على القرآن الكريم وما فيه من دقائق الأوصاف للحيوانات وغيرها ـ كما في آيات النحل والنمل ـ لا يستكثر على علي (عليه السلام) أن يصف الطاووس بهذه الدقة من الوصف، كما أنّ من تتلمذ على القرآن وفيه من آيات التوحيد أمثال قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}([890])، لا يستكثر عليه أن يأتي بأمثال هذه الأفكار الدقيقة كقوله (عليه السلام): «من حدّه فقد عدّه»([891]).
وعلى هذا فما ذكروه من التشكيكات حول صحة ما ورد من أفكار وأساليب لا تتمشى مع زمنه لا نستطيع أن نؤمن به ما دام له في القرآن، وفي كلام النبي (صلّى الله عليه وآله) نظائر.
نعم إذا أريد بأنّ أفكاره وأساليبه البيانية ممّا ترتفع عن المستوى العام لبلغاء عصره، فهذا صحيح وبهذا كان كلامه «فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق» كما قيل فيه.
القسم الثالث
وهو وجود ما لا يتناسب وواقع الإمام (عليه السلام) كنقمته على الصحابة في خطبة الشقشقية وأمثالها، فهو ممّا يقتضيه واقعه على أي حال، سواء أدرست الإمام (عليه السلام) كبشر… ييأس، ويغضب، ويتألم إذا وجهت إليه مفارقات كالتي وجهت له من تجاهله يوم السقيفة ـ وهو صاحب الحق ـ أو هكذا يعتقد على الأقل، وجرأتهم على بيته، وزوجته، وإصرارهم على مناوأته بأساليب لا تبعث على الاحترام… أم درسته كإمام يتوقف أداء رسالته على تأكيد مظلوميته، وأنّه صاحب الحق المنصوص عليه من النبي (صلّى الله عليه وآله) المقصي عن مقام الإمامة؛ ليلتف الناس حوله في حياته وبعدها، ويتأثّر بتعاليمه المتممة لتعاليم النبي (صلّى الله عليه وآله) والتي هي جزء من تعاليم الإسلام.
والشقشقية هي بعد ذلك من أهم ما ورد في النهج لكثرة طرقها، ولأنّها مروية في أكثر من مصدر قبل أن يؤلف الرضي كتابه، وقد وردت في مختلف الكتب بشيء من الاختلاف في مضامينها مع المحافظة على الأسس العامّة لمحتوياتها في الجميع.
فقد ذكرها البرقي (ت274هـ) كما نقل الصدوق عنه في كتابه (علل الشرائع)([892]).
والبلخي (ت317هـ) حسب ما جاء في كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد([893]).
ومثل هذه المضامين ممّا يقتضيها طبيعة ظروف الإمام (عليه السلام)، وما أكثر ما نقد الصحابة بعضهم بعضاً بأمّض من هذا النقد([894]).
أمّا إخباره (عليه السلام) بالمغيبات: فقد هوّل العقاد في كتابه (عبقرية الإمام (عليه السلام)) إخباره بها، واعتبرها من الموضوعات التي يتنزه مقام الإمام (عليه السلام) عنها.
وما أدري لماذا كان هذا التهويل إذا كانت لها ظروف تقتضيها. اللهم إلاّ أن يعتقد بأنّ الإخبار بالمغيبات ممّا يستحيل في حقّه؛ لأنّ الغيب لا يعلمه إلاّ الله.
ونحن نوافقه في ذلك ولكنّا لا نمنع ـ كما هو صريح القرآن ـ أن يطلع على غيبه من ارتضى من الرسل، كما قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ…}([895]).
وأن يأمر بإعلانه للناس لمصلحة ما، وفي القرآن إخبار عن المغيبات.
والإمام (عليه السلام) نفسه يسأل عن إخباراته بالمغيبات: أهو من نوع العلم بالغيب؟ فيجيب ليس هو بعلم غيب وإنّما تعلم من ذي علم.
وهناك اليوم محاولات تفسيرية على أسس علمية للإخبار بالمغيبات.
وعلى أي حال، إنّ مجرد هذه الأمور التي لا تعتمد غير التهويل لا تكفي لتكذيب ما أجمع ـ أو كاد ـ عليه المؤرخون من إخباره عن مقتل (ذي الثدية) يوم النهروان، وعن إخباره عن عدد من يقتل من أصحابه من الخوارج([896])، وأمثالها ممّا تواتر عنه.
وكثرة الخطب… ليست فوق حاجته، وأظن أنّ من يقرأ تاريخ الفترة التي عاشها الإمام (عليه السلام) وما انحدر إليها من آثار سيئة خلّفها سابقوه، ثمّ هذه المشاكل التي ولدتها الظروف الثوريّة التي جاء علي (عليه السلام) عقِبها إلى الخلافة، والحروب التي وقعت على عهده… كلّ ذلك محتاج إلى أضعاف هذه الخطب المأثورة وقد قدرها المسعودي بقوله: «والذي حفظ الناس عنه من خطبه وسائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة، تداول الناس ذلك عنه قولاً وعملاً»([897]).
أقول: إنّ ما ذكره المسعودي قريب إلى ما تقتضيه طبيعة ظروف الإمام (عليه السلام).
وإطالة الخطب ضرورة تفرضها الحاجة أحياناً، وكذا الكتب، بخاصّة ذات المناهج الموضوعة للحكم، فالإمام (عليه السلام) الذي جاء بظروف ثوريّة جاءت على أعقاب تردّي الأوضاع، واستهتار من الحاكمين بشعوبهم، وبخاصّة الولاة، لا يمكن أن يترك لولاته الأمر يتصرفون به كيف يشاؤون، وإن كانوا من الحنكة والحزم والعدال كمالك الأشتر وغيره.
وكأنّ الإمام (عليه السلام) أراد لشعبه أن يكون رقيباً على تصرّفات الولاة برسم مناهج للحكم يحاسبون لها من قبلهم، فرسمها لتقرأ على الرأي العام ـ أوّلاً ـ ولتكون مرجعاً للحساب مع الولاة ـ ثانياً ـ.
ومثل مالك الأشتر مهما قيل في حذقه السياسي فهو محتاج إلى إرشاد الإمام (عليه السلام) وتوجيهه في جملة تصرفاته.
فوجود مثل عهد الإمام لمالك أمر ضروري أملته ظروف الإمام (عليه السلام)، كما أملت على عمر وصيته إلى بعض قضاته بما يقرب في بعض مضامينه من هذا العهد، والفارق بينهما هو الفارق بين شخصيتي الإمام (عليه السلام) وعمر وطبيعة ظروفهما الخاصّة.
وعلى هذا فهذه الشُبَه لا تقوى على أن تتعرّض للنهج بالتشكيك في نسبته إلى الإمام (عليه السلام)، فضلاً عن الجزم بوضعه.
والذي يجب أن يقال إن كثيراً من الاعتبارات تقتضي صحة هذه النسبة، ومنها وحدة الأسلوب، ومعرفة الرضي ـ وهو إمام من أئمة البلاغة ـ بالأسس النقدية سواء كانت سَنَديّة أم غيرها، بالإضافة إلى وثاقته وحسن اختياره.
كلّ ذلك ممّا يوجب الاطئمنان بصحة النسبة إن لم يوجب الجزم فيها.
محمد تقي الحكيم
عصر الإمام
كما يراه الإمام
لقد كان الإمام علي (عليه السلام) من أكثر الناس تأثيراً على عصره، وتأثّراً به؛ لذلك كان علينا ـ ونحن نريد أن نلتمس تحليل حياته ـ أن نعرض لعصره بشيء من التحليل نستعين به على فهم بعض الخصائص الاجتماعية التي كان لها علاقتها التامّة بسيرة الإمام (عليه السلام).
فقد ساير الإمام (عليه السلام) في بدء نشأته عصر الجاهلية، وفي شبابه عصر الإسلام، أو قال عصر النبي (صلّى الله عليه وآله)، وفي كهولته عصر الخلفاء الثلاثة، ثمّ عصر خلافته، وكان له في كلّ واحد من هذه العصور مقام كبير نريد أن نلتمس أثره في بحثنا هذا.
وقبل أن أدخل في الموضوع، أحبّ أن أشير إلى أنّني حاولت قدر استطاعتي أن أترك التحدّث للإمام (عليه السلام) نفسه في تصوير ما أحاط به من ظروف ومقدار ما أثّر عليها وتأثّر بها؛ وذلك لأنّ الإمام (عليه السلام) أقدر على تمثيل نوازعه النفسية المقدسة، ونوازع مجتمعه، وأبعد عن الخضوع للعواطف والميول.
في نهج البلاغة متّسع للحديث، فكتاب النهج هو المصدر الوحيد الذي أعتمد عليه في هذه المحاضرة، وسيكون بحثي هذا في تحليل بعض النصوص الواردة في الكتاب، والتنبيه على محل الشاهد منها لا غير.
قال (عليه السلام) في تصوير العصر الجاهلي من كلام له: «إنّ الله بعث محمداً (صلّى الله عليه وآله) نذيراً للعالمين، وأميناً على التنزيل، وأنتم معشر العرب على شر دين، وفي شر دار، منيخون بين حجارة خشن، وحيات صم، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم. الأصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة…» ([898]).
وقال في كلام آخر مفصلاً لما أجمل في هذا الحديث:
«… والناس في فتن انجذم فيها حبل الدين، وتزعزعت سواري اليقين، واختلف النجر ـ أي الأصل ـ وتشتت الأمر، وضاق المخرج، وعمي المصدر، فالهدى خامل والعمى شامل.
عصي الرحمن، ونصر الشيطان، وخذل الإيمان، فانهارت دعائمه، وتنكرت معالمه، ودرست سبله، وعفت شركه ـ طريقه ـ. أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه، ووردوا مناهله، بهم سارت أعلامه، وقام لواؤه، في فتن داستهم بأخفافها، ووطئتهم بأظلافها، وقامت على سنابكها، فهم فيها تائهون، حائرون، جاهلون، مفتونون، في خير دار، وشر جيران.
نومهم سهود، وكحلهم دموع، بأرض عالمها ملجم وجاهلها مكرم…» ([899]).
ومن هذين الحديثين تعرف ما في الجاهلية من حيوات اقتصادية، واجتماعية، وروحية، وسياسية.
فالحياة الاقتصادية حياة واطئة للغاية… ديار موزّعة بين الحجارة الخشنة، والحيات الصم، وفي وصفها بالصم آية من آياته الفنية، فالحية الصماء لا تنزجر لما فيها من الصمم.
وتأخّر في التجارة والصناعة؛ نظراً لاكتفائهم بالوسائل الصناعية البسيطة، فالأكل الخشن، والماء الكدر، هو كلّ ما يقتات به البدوي إذ ذاك.
والحياة السياسية كانت مضطربة كلّ الاضطراب… تسافك في الدماء، واختلال في نظام الأمن الداخلي، وحروب شعواء يشنها الجار على الجار.
أمّا الحياتان الاجتماعية والروحية فحدث عنهما بما شئت… شيطان منتصر، وإيمان منخذل، وأصنام تعبد من دون الله، وآثام معصوبة بهؤلاء وهؤلاء، ثمّ فتن تدوس بالأخفاف، وتطأ بالأظلاف، وتقاطع بين الأرحام وبين الجيران وبين الأخوان، واختلاف بالنجر، وتشتت بالأمر (في أرض عالمها ملجم، وجاهلها مكرم).
ولا أظن انحطاطاً يمكن أن يتصوّر أشدّ من هذا الانحطاط الذي صوّرته هذه الكلمات.
ليس المهم أن نطيل بالحديث عن هذا العصر وإنّما المهم أن نعرف موقف الإمام منه.
وهنا يجب أن لا ننسى بأنّ الإمام شاهد هذا العصر في سنيّه الأولى، وهي سنيّ التربية.
وسنيّ التربية ـ كما يذكر التربويون ـ هي من أهم ما يمرّ على الإنسان في الحياة، وإليها يعود الفضل في توجيه حياة الطفل كيف ما شاء أبواه؛ وذلك أنّ السيطرة فيها للعقل الباطن على العقل الواعي؛ نظراً لضعفه، والعقل الباطن يقبل أنواع الإيحاءات؛ لذلك يتقبل الطفل كلّ ما يوحي إليه أبواه، أو محيطه الخاص.
وعلى هذا فليكن حديثنا في التماس موقف الإمام من ذلك العصر، من طريق النظر في تربيته.
والإمام يحدّثنا عن ذلك فيقول: «… وضعني في حجره ـ يعني رسول الله ـ وأنا ولد يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمّني عرفه. وكان يمضغ الشيء ثمّ يلقمنيه… ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء، فاراه ولا يراه غيري ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما. أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة…» ([900]).
ولكن الآن أن تتصوّر قيمة التربية التي يقوم بها أعظم المربّين نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله).
ومن هذه التربية نعرف أنّه لم يتأثّر بشيء من ذلك العصر، وإنّما تأثّر منه غاية التأثير، وأثّر فيه أثراً فعالاً، نعرفه من مساهمته في نشر الدعوة الإسلامية التي حوّلت وجهة ذلك العصر إلى ما يناقضها تماماً.
وما لنا نجمل بالحديث والإمام أوّل من أسلم، وأوّل من ناصر، وأوّل من جاهد في سبيل تطوير تلكم الحياة.
وإذا علمنا بأنّ دعوة النبي قامت على دعامتين قويتين، معجزه الخالد، وسيف علي ضد جبابرة قريش، علمنا تأثيره القويم على ذلك العصر، وهاكم شيء من كلماته: «أنا وضعت في الصغر بكلاكل ـ صدور، ويريد هنا الأكابر ـ العرب، وكسرت نواجم قرون ـ يريد أشراف القبائل ـ ربيعة ومضر…» ([901]).
«بنا اهتديتم في الظلماء، وتسنمتم ذروة العلياء، وبنا أفجرتم ـ دخلتم في الفجر ـ عن السرار ـ وهي آخر ليلة في الشهر»([902]).
«أقمت لكم سنن الحق في جواد ـ طريق ـ المضلة ـ الأرض يضل سالكها ـ، حيث تلتقون ولا دليل وتحتفرون ولا تميهون ـ لا تجدون ماءً ـ…» ([903]).
ومن هذه الكلمات تعرفون مقدار ذلك التأثير.
وإذا كانت الحياة الجاهلية كما وصفها الإمام، كان علينا أن نتصوّر ما لاقوه في سبيل ذلك الفتح الخالد، الذي حوّل وجهة الحياة.
كان علينا أن نعود إلى علمي النفس والاجتماع، لتفسير بعض الظواهر الاجتماعية، والنفسية التي تقف في طريق الباحث عندما يريد أن يصوّر ذلك الانقلاب.
كان علينا أن ننظر أنّ الدين الجديد كان لا يوافق ميول هؤلاء، ولا يشبع شيئاً من رغباتهم، وكان يندّد بالقديم، وإكبار القديم، ومع ذلك لم تكن للقائم بالدعوة صبغة سياسية جبارة تفرض عليهم الآراء فرضاً لا مندوحة عنه.
لذلك كان العصر النبوي كما يصوّره الإمام عصر جهاد، ونضال، كابدوا فيه أصعب ما يكابد داعٍ في سبيل إنجاز دعوته «فأراد قومنا قتل نبينا، واجتياح أصلنا، وهمّوا بنا الهموم، وفعلوا بنا الأفاعيل، ومنعونا العذب، وأحلسونا ـ ألزمونا ـ الخوف، واضطرونا إلى جبل وعر، وأوقدوا لنا نار الحرب…» ([904]).
ويحدّد لنا موقف قبيلته من الأمر فيقول: «… فعزم الله لنا على الذب عن حوزته، والرمي من وراء حرمته. مؤمننا يبغي بذلك الأجر، وكافرنا يحامي عن الأصل…» ([905]).
وبهذا يشير إلى النزعة القبلية التي كانت متأصّلة في نفوس العرب إذ ذاك.
ويعرض لتحديد موقف بقية المسلمين في بدء الدعوة فيقول: «… ومن أسلم من قريش خلو ممّا نحن فيه بحلف يمنعه، أو عشيرة تقوم دونه، فهو من القتل بمكان آمن…» ([906]).
وأخيراً يعرض للون سياسة النبي (صلّى الله عليه وآله) في الحروب الإسلامية إذ يقول: «وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا احمر البأس، وأحجم الناس، قدم أهل بيته؛ فوقى بهم أصحابه حر السيوف والأسنّة…» ([907]).
وهو لون من السياسة تعرفون تأثيره على النفوس.
أمّا الحياة الاجتماعية في صدر العصر الإسلامي فقد كانت على العكس من تلكم الحياة… اجتماع بعد الفرقة، وائتلاف بعد النفرة، وارتفاع في المكانة بعد الضعة، كما يصوّر ذلك الإمام في هذه الفقرات…
… دفن الله به الضغائن، وأطفأ به الثوائر، ألّف به إخواناً، وفرّق به أقراناً، أعزّ به الذلّة، وأذلّ به العزّة…» ([908]).
ويقول: «فساق النبي (صلّى الله عليه وآله) الناس حتّى بوّأهم محلّتهم، وبلّغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم، واطمأنت صفاتهم…» ([909]).
وأخيراً يذكر بعد هذا كلّه الحياة الروحية، ومقدار تأثّر الناس في الإسلام فيقول: «ولقد كنّا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا: ما يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً، ومضيّاً على اللقم ـ الجادة ـ وصبراً على مضض الألم، وجدّاً في جهاد العدو…» إلى أن نقول: «… فلمّا رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتّى استقرّ الإسلام ملقياً جرانه ـ كناية عن التمكّن ـ ومتبوئاً أوطانه…» ([910]).
وهذا اللون من الإيمان كان شائعاً إذ ذاك وهو في غاية السمو والجمال.
ويهمّنا الآن أن نعرف مقدار تأثّر الإمام نفسه بذلك العصر، ولنترك الحديث له كما هي عادتنا…
قال الإمام في تحديد مقدار ما وصل إليه: «أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صلّى الله عليه وآله) فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته. إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبي، ولكنّك لوزير «وزير»، وإنّك لعلى خير…» ([911]).
وهذا الحديث ـ كما ترون ـ لا يفرق بينهما إلاّ بالنبوة والوزارة، فمحمد (صلّى الله عليه وآله) نبي، وعلي وزير، وهو على خير، ولا يمكن أن يكون ذلك إلاّ من شدّة تأثّره بالإسلام.
وقال في مقام آخر: «ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد (صلّى الله عليه وآله)، أنّي لم أرد على الله ولا على رسوله ساعة قط. ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وتتأخّر في الأقدام، نجدة أكرمني الله بها، ولقد قبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإنّ رأسه لعلى صدري. ولقد سالت نفسه في كفي، فأمررتها على وجهي. ولقد ولّيت غسله (صلّى الله عليه وآله) والملائكة أعواني، فضجّت الدار والأفنية: ملأ يهبط، وملأ يعرج، وما فارقت سمعي هَيْنَمَة ـ الصوت الخفي ـ منهم، يُصلّون عليه حتّى واريناه ضريحه فمن ذا أحق به منّي حياً وميتاً؟!…»([912]).
ويقول في كتابه لمعاوية ـ بعد حديث طويل: «وأراد من لو شئت لذكرت اسمه ـ يعني نفسه ـ مثل الذي أرادوا من الشهادة، ولكن آجالهم عجلت، ومنيته أجلت…»([913]).
فهو ـ كما ترى ـ كان يتمنّى على الله الشهادة، وهو في حياة الرسول. كلّ ذلك ممّا يدلنا على شدّة علاقته بالإسلام.
وما لنا نطيل في الحديث بعد نص النبي (صلّى الله عليه وآله) عليه يوم (غدير خم)، كما يدلنا استشهاد الإمام في الرحبة، وشهادة ثلاثة من الصحابة البدريين له بذلك([914]).
فالنبي ـ على هذا ـ لم يمت قبل أن يؤدّي ما يجب عليه تأديته لأمته، فلا يتركهم هملاً يتضاربون في الآراء، دون أن يهيئ خطة سياسية خاصّة يعمل عليها الإمام من بعده: «علّمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لي من كلّ باب ألف باب»([915]).
ولكن حديث الصحابة في سقيفة بني ساعدة وقف دون ما يريد النبي (صلّى الله عليه وآله).
أمّا أنّه كيف دبّر؟، وكيف كان؟، وهل كانت وليدة ساعة كما يفسّر جلّ المؤرخين كلمة عمر: «إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ألا وإنّها كانت كذلك، ألا وإنّ الله عز وجل وقى شرها»([916]).
وهل كانت مدبرة في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله)؟! ما يقول المستشرق الكبير لامنس اليسوعي،… فذاك حديث آخر لا يهمنا تحقيقه الآن، ولعلنا نعود إليه في بحث آخر([917]).
أمّا المهم ـ عندنا ـ هو أن نتعرف سير القضية، وموقف الإمام منها من حديثه يقول (عليه السلام): في الشقشقية:
«أمّا والله لقد تقمصها فلان ـ يعني أبا بكر ـ وإنّه ليعلم أنّ محلي منها محل القطب من الرحى. ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليَّ الطير، فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً ـ ملت عنها ـ. وطفقت أرتئي بين أنّ أصول بيد جذاء ـ مقطوعة ـ أو أصبر على طخية ـ ظلمة ـ عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه! فرأيت الصبر على هاتا أحجى ـ ألزم ـ فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهباً…» ([918]).
ومن هذه الفقرات الجليلة نستطيع أن نتعرّف إلى موقف الإمام بعد أن نفهم سير القضية، وهو موقف المسالم المضروب على يديه، الذي لا يستطيع أن يصول بيده المقطوعة، وماذا تصنع له؟، وماذا تفيده، ما دامت لا تؤثر أثرها الفعّال؟ وهذه كناية ـ كما يقول البيانيون ـ عن خذلان الناس له إذ ذاك.
وبها صرّح في خطبة أخرى بقوله: « فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فظننت بهم عن الموت…»([919]).
وإذا سكت الإمام عن حقّه؛ لخذلان أنصاره له، فما سكت عن إشهار اللسان عليهم.
فقد حاجج هو (عليه السلام) وخاصم، وطالب ما وسعه ذلك.
والتأريخ إن أغفل هذه الاحتجاجات، فقد سجلها الإمام بقوله: «وقد قال قائل إنّك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص، فقلت: بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبت حقاً لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه. فلمّا قرعته بالحجة في الملأ الحاضري، هبَّ كأنّه بهت لا يدري ما يجيبني به!.
اللهم إنّي إستعديك على قريش ومن أعانهم! فإنّهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي. ثمّ قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه…»([920]).
وفي قوله: «وفي الحق أن تتركه» اعتراف من هؤلاء له بالأمر، وطلب لاستسلامه لمجاراة الظروف. فهو (عليه السلام) قَرَعهم بالحجة في ملأ من الناس.
ولكن التأريخ سكت عن تسجيل تلكم المحاججات لغاية سياسية، لا نحب أن ننوه عنها الآن، فلم نعرف لونها من بين الألوان.
وإن كان قد ذكر التأريخ لتلميذه وابن عمّه عبدالله ابن عباس بعض المحاججات مع الخليفة عمر بن الخطاب، نعتقد أنّها مستمدة من حديث الإمام، وسنقتصر على ذكر واحدة منها رعاية للإيجاز([921]).
يذكر المؤرخون أنّ ابن الخطاب كان كثير الميل إلى ابن عباس، وكان كثير الاعتماد عليه في الشؤون السياسية والأدبية، فكان يسأله عمّا يهمّه من الأمور.
دخل ابن عباس عليه في بعض الأيام، وكان عنده نفر يتذاكرون في أمر أشعر الناس، ويستفتي الخليفة ابن عباس فيجيب: إنّه زهير.
وينشد له أبياتاً في المديح فيقول الخليفة: «لقد أحسن، وما أرى هذا المدح يصلح إلاّ لهذا البيت من هاشم لقرابتهم من رسول الله… ثمّ يقول: أتدري يا بن عباس ما منع الناس منكم، قال: لا يا أمير المؤمنين قال: لكنّي أدري قال: ما هو يا أمير المؤمنين قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فتجحفوا الناس جفحاً، فنظرت قريش لأنفسها فاختارت ووفقت فأصابت.
فقال ابن عباس: أيميط أمير المؤمنين عني غضبه؟ فيسمع قال: قل ما تشاء، فقال ابن عباس: أمّا قولك إنّ قريشاً كرهت، فإنّ الله تعالى قال لقوم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}([922]).
وأمّا قولك: بأنّا نجحف، ولو جحفنا بالخلافة جحفنا بالقرابة، ولكنّا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق رسول الله الذي قال الله تعالى فيه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}([923]).
وقال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}([924])، وأمّا قولك: فإنّ قريشاً اختارت فإنّ الله تعالى يقول: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}([925])، وقد علمت يا أمير المؤمنين أنّ الله اختار من خلقه لذلك من اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لوفقت وأصابت قريش»([926]).
ويصمت الخليفة فلا يجيب برهة من الزمن… وأخيراً وبدلاً من أن ينكر النص، أو يناقش فيه، يحوّل وجهة الحديث فيقول: «على رسلك يا ابن عباس أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ غشاَ في أمر قريش لا يزول، وحقداً عليها لا يحول»([927]).
ويدور النقاش حول هذا الغش مدّة، وكلّه على هامش الموضوع، ويقوم ابن عباس منتصراً؛ فيقول ابن الخطاب: «واهاً لابن عباس ما رأيته لاحى أحداً قط إلاّ خصمه»([928]).
ومن هذا نعرف لون الاحتجاجات التي كانت تدور إذ ذاك.
فإذا قيل للإمام: بأنّ قريشاً هم شجرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) قال: «احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة»([929])، وخاصمهم بلون الاحتجاج، وإذا أنكر النص وحوججوا فيه، خصموا المنكرين وهكذا.
وها هو ذا الإمام يحدّث أهل مصر بكتابه مع مالك الأشتر الذي يقول فيه: «فلمّا مضى (صلّى الله عليه وآله)، تنازع المسلمون الأمر من بعده.
فوالله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر ببالي، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده (صلّى الله عليه وآله) عن أهل بيته، ولا أنّهم منحوه عنّي من بعده!.
فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي، حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد (عليه السلام) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم…»([930]).
وبهذا يحدّد موقفه (عليه السلام) فقد انعزل عن البيعة احتجاجاً على الخليفة، وعاد حيث رأى العبث من بعض المسلمين سيعود على الإسلام بأعظم الأوباء.
وهو كما نعلم من حاله لا يهمه من الخلافة أكثر من إصلاح شؤون الإسلام والمسلمين.
فعصر الخليفة الأوّل ـ كما سمعتم عن الإمام ـ عصر اضطراب سياسي… وراجعة الناس لا تكون إلاّ لضعف في السياسة، وإهمال لشؤون الرعية.
ولو لم يتعاهده الإمام بإصلاحه ذاك؛ لكان من شؤون المسلمين ما كان.
وينتهي عصر الخليفة الأوّل والإمام ينتظر أن يعود الأمر إليه كما كان يُظهر الخليفة الأوّل في حديثه المشهور «أقيلوني لست بخيركم، وعلي فيكم»([931]).
ولكن الخليفة الأوّل يعقدها لابن الخطاب من بعده، ويترك صاحب الحق مضطهداً مظلوماً، تمثّله هذه الكلمات بما فيها من اللوعة «ثمّ مضى الأوّل لسبيله فأدلى بها إلى فلان ـ يعني ابن الخطاب ـ بعده:
شتان ما يومي على كورها
ويوم حيان أخي جابر
فيا عجباً!! بينما هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته!! لشد ما تشطّرا ضرعيها ـ اقتسما الخلافة فأخذ كلّ منهما شطراً ـ فصيّرها في حوزة خشناء، يغلظ كلمها ـ جرحها ـ ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة ـ الإبل ـ إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تَقَحّم…» ([932]).
والتلوّن ما ينتج من كلّ ذلك، فتلوّن بالعقيدة، وتلوّن بالأخلاق، وتلوّن بالطباع… كلّ ذلك يحدث من ذلك الخبط ومن ذلك الشماس.
ويشير الإمام إلى هذا المعنى بحديث آخر بقوله: «رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي فيها الضال ولا يستيقن المهتدي»([933]).
يقصد بذلك الخليفة الثاني، ويعرض لموقفه من العصر فيقول: «فصبرت على طول المدّة، وشدّة المحنة…»([934]).
وفي هذه العبارة ما فيها من اللوعة والاستياء النفسيين. ولعله كان ينتظر أن تعود إليه أيضاً؛ ليقوم بنفسه في الإصلاح.
ولكن ـ الخليفة الثاني ـ يسن لهم نظام الشورى كما يصوّر الإمام ذلك بقوله: «حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة، زعم أنّي أحدهم، فيا لله وللشورى!! متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم، حتّى صرت أقرن إلى هذه النظائر!!…»([935]).
ثمّ يصوّر تزاحم الخطوب التي ألجأته لمصانعة مثل هؤلاء وقبوله بالدخول معهم في الشورى… بقوله: «لكنّي أسففت إذ أسفّوا، وطرت إذ طاروا؛ فصغا ـ مال ـ رجل منهم لضغنه ـ ويقصد سعد بن أبي وقاص ـ ومال الآخر لصهره ـ ويقصد عبد الرحمن بن عوف ـ مع هَنٍ وَهَن ـ أي أغراض أُخر يكره الإمام ذكرها…» ([936]).
ولا يهمّنا الآن معرفة تفصيل الحادثة، فذلك أمر تكفله التأريخ، وإنّما يهمّنا أن نعرف النتيجة من حديث الإمام: «إلى أن قام ثالث القوم ـ يعني عثمان ـ نافجاً حضنيه ـ رافعاً لهما ـ بين نثيله ومعتلفه…» ([937]).
وهي كناية عن سياسة الخليفة الجديد، الذي اهتم بنفسه، وبتعزيز العصبية القبلية قبل كلّ شيء «وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع…»([938]).
وهذه السياسة ـ كما ترون ـ تقوم على الأثرة، وعلى استخدام المجتمع لمصلحة الفرد، في عصر كان يعزز المجتمع مع الاحتفاظ بحقوق الأفراد.
لذلك كان مال المسلمين موزعاً بين أفراد؛ ممّا أغضب المجتمع عليه، وأغضب الإمام على الأخص([939]).
وأغضب أمثال أبي ذر من رجال المسلمين الأبرار الذين أبعدوا من أجل إشباع بعض الرغبات.
وكلمة الإمام في توديع أبي ذكر تعطيك صورة من رأي الإمام في ذلك العصر: «يا أبا ذر إنّك غضبت لله فارج من غضبت له. إنّ القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم لما خفتهم عليه؛ فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عمّا منعوك! وستعلم من الرابح غداً…»([940]).
ومثل هذه السياسة لا يمكن أن تعيش طويلاً في تلكم العصور لذلك كان مصيرها معلوماً لدى الجميع، وكان ما وقع منتظر الوقوع.
أمّا موقف الإمام من ذلك العصر، فهو موقف الناصح المشفق على الدين، الذي نصح لعثمان وحذّره فما انتفع بذلك النصح والتحذير.
وماذا يقول له أكثر من أن يقول من حديث طويل وذلك في أحرج الساعات:
وإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر، وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى في نار جهنم، فيدور فيها كما تدور الرحى. ثمّ يرتبط في قعرها، وإنّي أنشدك الله أن لا تكون إمام هذه الأمّة المقتول، فإنّه كان يقال: يقتل في هذه الأمة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى اليوم القيامة، ويلبس أمورها عليها، ويبث الفتن عليها، فلا يبصرون الحق من الباطل…»، إلى أن يقول: «فلا تكونن لمروان سيقة يسوقك حيث شاء، بعد جلال السن وتقضي العمر…»([941]).
ولكن الإمام مع هذا ابتلي بعثمان؛ لأنّ الوشاة كانت تجعله العضو العامل في التحريك عليه، خصوصاً والجماهير كانت تهتف باسمه في الخلافة([942])؛ لذلك طلب عثمان من الإمام أن يترك المدينة فتركها، ثمّ أرسل إليه أن يعود لتهدئة الناس، فعاد، وعاد إلى إبعاده عن المدينة أيضاً، حين أرسل إليه ابن عباس، فقال له الإمام: «يا ابن عباس ما يريد عثمان إلاّ أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغَرب ـ أي الدول العظيمة ـ أقبل وأدبر! بعث إليّ أن أخرج، ثمّ بعث إليّ أن أقدم، ثمّ هو الآن يبعث إليّ أن أخرج! والله لقد دفعت عنه حتّى خشيت أن أكون آثماً»([943]).
وللغاية في حديثه معنى قد لا يخفى على السامع الكريم.
وتقع الواقعة وينتهي الأمر، فيصوّر الإمام ذلك بكلمتين مع ذكر العلل والأسباب: «… إلى أن انتكث عليه فتله وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته…»([944]).
ويقول في مورد آخر: «استأثر فأساء الأثرة… ولله حكم واقع في المستأثر…»([945]).
أمّا الوجهة الدينية فحسبك منها حال القضاة والمفتين في تلكم العصور، يقول (عليه السلام): «ترد على أحدكم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترد تلك القضية بعينها على غيره، فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم، فيصوب آراءهم جميعاً وإلههم واحد!، ونبيهم واحد!، وكتابهم واحد!، أفأمرهم الله بالاختلاف فأطاعوه؟! أم نهاهم عنه فعصوه؟! أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟! أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟! أم أنزل الله سبحانه وتعالى ديناً تاماً فقصر الرسول (عليه السلام) عن تبليغه وأدائه؟! والله سبحانه يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}([946])، وفيه تبيان لكلّ شيء، وذكر أنّ الكتاب يصدق بعضه بعضاً وأنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً}([947])، وإنّ القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلاّ به»([948]).
وكأنّه (عليه السلام) يريد أن يشير بطرف خفي إلى كمال الدين الإسلامي، وإلى احتياجه إلى إمام معصوم، يستطيع أن يسبر غور القرآن، فيأتي الناس بأحكامه.
ثمّ يجمل ذلك العصر كلّه بحديث آخر فيقول:
«ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم (عليه السلام)…»([949]).
وبهذا اللون من الاضطراب ينتهي ذلك العصر، ويقبل عصر الإمام: «فما راعني إلاّ والناس كعرف الضبع إليّ ينثالون عليَّ من كل جانب حتّى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم…» ([950]).
وبهذه الكلمات صور إقبال الناس عليه، وكأنّني الآن أتمثلهم وهم مجتمعون من جميع الأمصار، يتراغون حوله بلسان واحد ويقولون: ليس لها غيرك يا أبا الحسن، والإمام يمتنع عن الجواب، ولكنهم يأبون عليه، ويأبى ويبسطون يده، فيقبضها عنهم، كما يحدّثنا (عليه السلام) بقوله: «وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، ثمّ تداككتم عليّ تداك الإبل الهيم على حياضها يوم وردها، حتّى انقطعت النعل، وسقط الرداء ووطئ الضعيف…» ([951]).
ولكن الإمام يعلم بأنّه سيواجه أمراً ذا وجوه وألوان، فهو أعلم بنفسيات المجتمع وعقلياتهم، وهو أعلم بولاة عثمان وسيطرتهم على بعض البلدان، وهو أعلم بما صنع الخليفة المقتول بمال المسلمين، ممّا لا بد من استرجاعه، وفي استرجاعه ما به من الاستياء النفسي، الذي لا يمكن أن يرضخ إليه أمثال ولاة عثمان: «والله لو وجدته قد تزوج به النساء، وملك الإماء؛ لرددته؛ فإنّ في العدل سعة. ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق!»([952]).
ولكن الناس ـ مع هذا ـ تضايقه فيخرج بهم إلى المسجد، ويخطب هناك، ويقوم الناس إلى بيعته فيقول:
«لم تكن بيعتكم إياي فلتة ـ وهي إشارة إلى بيعة أبي بكر ومقولة عمر فيها ـ وليس أمري وأمركم واحد. إنّي أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم.
أيها الناس، أعينوني على أنفسكم، وأيم الله لأنصفنَّ المظلوم من ظالمه، ولأقودنَّ الظالم بخزامته حتّى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً»([953]).
ويعرّف المجتمع بسياسته العادلة بقوله:
والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة، ولتغربلن غربلة، ولتساطن سوط القدر، حتّى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا، والله ما كتمت وشمة ـ أي كلمة ـ ولا كذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم…([954]).
وهذه السياسة وإن وافقت ميول قسم من المجتمع، ولكنّها أغضبت الكثير من رجال العصر الذين كانت لهم حظوة عند الخليفة عثمان.
ويمكننا فيما أخال أن نرجع رجال عصره إلى أقسام ثلاثة:
الأوّل: قسم كان يقدّس عثمان، ويتمثّل هذا القسم في أشخاص بني أمية ومن شايعهم.
الثاني: قسم كان يقدّس سياسة عثمان المالية، وإن كره عثمان، كعائشة، وطلحة، والزبير، وغيرهم.
الثالث: قسم كان يشايع الإمام ويرضى بنظام الإسلام المالي، كأصحاب أبي ذر، والذين يشايعونه بالفكرة.
والإمام حصل من هذه الأقسام على القسم الأخير فقط، وكان طبيعياً أن يتخلف الأوّل عن بيعته، وأن ينكث الثاني بعد أن يبايع الإمام.
والإمام نفسه احتاط على القسم الثاني فجدّد عليهم البيعة، عندما استأذنه بالخروج عندما قال (عليه السلام) لطلحة والزبير: «ما العمرة تريدان، وإنّما تريدان الغدرة، ونكث البيعة»([955]).
وهكذا كان طلحة والزبير أوّل عقبة تقف في طريق الإمام.
ويكون من أمر الجمل ما يكون، وينتهي بهزيمة المناوئين، ويجيء دور بني أمية ودور معاوية على الخصوص، وعنده أهل الشام وكفى بهم جنداً باسلين، استطاعوا أن يقفوا لجيش الإمام بصفين مدّة استغرقت ثلث أيام خلافته (عليه السلام)، وانتهت بفاجعة الخديعة، وتحكيم الحكمين؛ ممّا خلق للإمام مشكلة النهروان.
والإمام يصوّر كلّ ذلك بقوله:
«فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون…»([956]).
وهذه الحروب التي توالت عدّة من السنين، لا بدّ أن تحدث سأماً في جيش الإمام، وتمرّداً عليه، خصوصاً إذا علمنا نفسية أهل الكوفة، وأنانية أهل الحجاز الذين كان بهم من يرى نفسه أهلاً للخلافة.
والإمام يصوّر لنا هذا التمرّد عليه بقوله: «أيّها الناس إنّي قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها أممهم، وأدّيت إليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم، وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا، وحدوتكم بالزواجر فلم تستوسقوا. لله أنتم! أتتوقعون إماماً غيري يطأ بكم الطريق ويرشدكم السبيل؟!…»([957])؟!.
وينادي بجهاد عدوه فيقول: «الجهاد الجهاد عباد الله! ألا وإنّي معسكر في يومي هذا؛ فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج!»([958]).
ويخرج الناس ـ كما يحدث الرواة ـ متتالين، وتقبل الكوفة عليه غاية الإقبال، ولكن الراوي يحدّثنا فيقول: «فما دارت الجمعة حتّى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله، فتراجعت العساكر، فكنّا كأغنام فقدت راعيها، تختطفها الذئاب من كلّ مكان!»([959]).
وبهذه الفاجعة ينتهي ذلك العصر فينتهي بنا المطاف.
محمد تقي الحكيم
عيون المسائل
كتاب للفارابي
يشمل هذا الكتاب على مقدمة ومقدار من المباحث الطبيعية وأكثر مباحث العلم الإلهي، وقد ألّف باختصار ومتانة في اللفظ والمعنى.
«شمولدرس» طبع المتن العربي لهذه الرسالة مرفقاً بترجمة لاتينية عام 1836م.
«ديتريشي» طبع هذا المتن في «الثمرة المرضية…» ونشره عام 1890م.
«عبد الرحمن مكوي» طبع هذه الرسالة في «المجموع للمعلم الثاني» بالقاهرة عام 1907م.
ثمّ جدّد طبعه بالقاهرة عام 1910م.
«يوحنا قمير» طبع المتن المنقح لهذه الرسالة ضمن كتابه حول الفارابي.
«كروز هرناندوز» طبع المتن العربي لهذه الرسالة وأرفقه بترجمة لاتينية من القرون الوسطى عام 1951م.
«حلمي ضياء أولكن وقوام الدين بورسلان» ترجماً هذا الكتاب إلى التركية عام 1941م وطبعاه.
فصوص الحكم
كتاب في الوحيد للفارابي بلحن قريب من كلام المتصوفة، لكنّه مستند إلى الأدلة المنطقية.
طبع المتن غير المنقح في اسطنبول عام 1874م.
«ديتريشي» طبع المتن المنقح ضمن «الثمرة المرضية» عام 1890م.
«عبد الرحمن مكوي» طبعه مع رسالة «نصوص في شرح فصوص الحكم» للسيد محمد بدر الدين الحلبي عام 1325هـ.
طبع في حيدر آباد ضمن رسائله الأخرى مرتين في عام 1924 و1931م.
طبع المتن المنقح مع مقدمة وشرح وتعليق للسيد جلال الدين الاشتياني ونشر في نشرة كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة فردوسي بمشهد، في العددين 13 (1353هـ.ش) و14 (1354هـ.ش) ص24ـ259 .
كتب في القرون المتوالية عدّة شروح وتفاسير على هذا الكتاب، كان أهمها شرح الإسماعيلي الحسيني الفارائي.
«الأستاذ مهدي إلهي قمشه أي» كتب شرحاً معتبراً على هذا الكتاب في المجلد الثاني من «الحكمة الإلهية» الخاص والعام (طهران 1325هـ.ش) أخرجه على شكل دورة كاملة لكتاب عرفان تظهر جلية فيه كتابات ابن العربي، صدر الدين القونوي، عبد الكريم الجليلي ومحمود الشبستري.
«مهدي إلهي قمشه أي» ترجم الكتاب وطبعه بطهران عام 1330هـ.ش.
«غلام حسين أهني» ترجم الكتاب وطبعه بأصفهان عام 1339هـ.ش.
«قوام الدين بورسلان» ترجم قسماً من الكتاب إلى اللغة التركية عام 1935م.
«بورسلان وحلمي ضياء أولكن» ترجماً المتن الكامل إلى اللغة التركية عام 1945 وطبعاه.
الفوار
الفوار من أنهار الفرات الأوسط الدارسة، مجراه غربي نهر الديوانية الحاضرة، ويمتد نحو الشرق الشمالي بين نهري الديوانية وعفك أخذ حظاً من العمران ونصيباً من السمعة نزل على حافتيه كثير من العشائر.
وهو فرع من نهر اليوسفية، واليوسفية يقع صدرها شمال بلدة الديوانية على بُعد نصف ساعة منها، وكان لها عدّة فروع أحدها نهر الفوار، وكانت عليه قرية تعرف باسم الفوار أيضاً اندرست باندراسه، ومات النهر كما مات غيره من الأنهر القديمة بحيث لا يدخل فيه الماء ولا في جداوله ولا يعلو أرضه ومزارعه في حال من الأحوال، وانطقع الماء وبطبيعة جريانه صير له مجرى آخر.
في الخلاء
كتاب للفارابي
أثر الفارابي هذا ذكر في المنابع القديمة ضمن تعداد آثاره، وكان مفقوداً حسب تصوّر البعض، ثمّ اكتشف عام 1951م ضمن النسخ الخطية لمكتبة الآداب والتاريخ والجغرافيا بجامعة أنقرة مجموعة «إسماعيل صائب سنسر» الرديف 1، الرقم 381/3.
«الدكتور آيدين صايلي ونجاتي لوغال» طبعا المتن العربي لهذا الكتاب مرفقاً بترجمة تركية وإنكليزية في أنقرة.
أثر الفارابي هذا حاز على أهمية كبيرة في نظر تاريخ العلم، وللاطلاع على أهميته من وجهة نظر تاريخ العلم تراجع مقالة «الدكتور آيدين صايلي» في ملف تاريخ الترك 1951، ج15، ص74ـ151. وقد كتبت هذه المقالة باللغة التركية واشتملت على خلاصة باللغة الإنكليزية.
كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال
تأليف: المحدث الشيخ محمد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي (من أعلام القرن التاسع).
وهي واحدة من مجموعة دراسات كتبها في هذا المجال، وهذه من أوسعها شمولاً وأنظمها منهجية مع ملاحظة ما كتب في مجال الاستدلال في تلك الحقبة الزمنية، وهي تحتوي على فصول خمسة مع مقدمة وخاتمة، وقد قام بتحقيقها: أحمد الكناني اعتماداً على ثلاث نسخ خطية مقروءة على المؤلف إضافة إلى أعمال أُخرى في تحقيق الكتاب كترجمة مختصرة للأعلام الذين جاء ذِكرهم، وتعريف مختصر بالكتب التي ورد ذِكرها في المتن، وقد جاء الكتاب في 188 صفحة.
الكوفة
مرّ الحديث عنها في مكانه، ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
الكوفة الحاضرة
الضفة الغربية
ابتدأ بناء الكوفة الحاضرة ببناء المساكن بالبردي والقصب والسعف على شكل أكواخ سنة 1280هـ/ 1863م على الضفة الغربية. وتطوّر البلدة بهذه السعة حصل بعد أن قامت الحكومة العثمانية سنة 1301هـ/ 1883م بقطع الفرات ببحر النجف([960]) الذي تمّ جفافه سنة 1303هـ/ 1885م، وأسرع التجار لشراء الأراضي وبنيت فيها الدور والخانات والحمامات، وعمرت المساجد وطمت المستنقعات ونصب جسر على الفرات من السفن الخشبية على الصورة المعروفة في العصر العباسي.
والكوفة الحالية تبعد عن الجامع الأعظم التاريخي مقدار نصف ميل، وفيها يقع مقام مشيّد على الفرات ينسب للنبي يونس بن متى للشهرة والتلقي، ويليه مسجد الحمراء الذي كشف عنه التراب ووجد المحراب الأصلي وهو تحت المحراب الذي فيه اليوم، وأدخل هذا المسجد بحدوده القديمة داخل البناء الجديد سنة 1312هـ/ 1894م وجعل لبابه القديم رسماً تحت درج سطح المسجد، ثمّ أضيف إليه ممّا يلي الشرق مقدار واسع كان مستنقعاً من ماء الفرات، فألقي فيه التراب وطم وصار مأوى للزائرين والمسافرين، وفي أوائل سنة 1411هـ/ 1990م أزيل البناء القديم وقبة ومقام النبي يونس لإعادة بنائه مجدداً ولم يتم ذلك؟
وفي سنة 1326هـ/ 1908م مدَّ خط الحديد بين النجف والكوفة لتسير عليه عربات تجرّها الخيول لنقل المسافرين والبضائع التجارية، وبعد توفّر السيّارات في 17 جمادى الثانية 1373هـ/ 13 شباط 1955م أستغني عنه، وللسيد مهدي ابن السيد محمد البغدادي المتوفى سنة 1329هـ قوله مؤرخاً:
خليفةَ الله فينا
سَلمْت عَبَدَ الحَميدِ
سَعيتَ أفضَلَ سَعي
قَربَت كلّ بَعيدِ
لِكُوفَةِ الجُنْدِ شادَت
مَحَجَّةٌ مِنْ حَديدِ
بأربع أرخَوها
«في خَير عَصر حَميد»
وللشيخ كاتب ابن الشيخ راضي الطريحي المتوفى سنة 1388هـ/ 1968م مؤرخاً أوّل عربة سارت على الخط الحديدي «الحيدرية»، ومهنأ وكيل مدير ناحية الكوفة آنذاك حمدي الباچچي بقوله:
سارَتْ كَوَمضِ البَرقِ تَزهو بالفَضا
مَغرورة بالحُسنِ بين الناسِ
فليهنَا فيها «الباچچي» فإنّها
وَعُلا أَبيهِ لَطيفَةُ الأجناسِ
جادَ الزَمانُ بِها بأبهى حُلةٍ
الحديريَةُ نُزْهَةُُ الجُلاسِ
وفي عام 1315هـ/ 1932م، تأسّس لأوّل مرّة مشروع الكهرباء الذي جلب مكائنه محمد جواد عجينة.
وفي عام 1367هـ/ 1948م مُدَّت أنابيب الماء في الشواعر.
الضفة الشرقية
أمّا الضفة الشرقية فبنيت عليها مضارب عشيرة آل ماضي وهم من بني مالك القبيلة العربية الكبيرة القاطنة بعض أفخاذها على ضفتي الفرات منذ أقدم الأزمنة، وكان لهم شأن واعتبار في الفرات الأوسط في القرن الحادي عشر والثاني عشر الهجري، أمّا اليوم فهم من فروع قبيلة بني حسن يقال لهم بنو الحسناء، وهم قبيلة ضخمة تكوّنت من مجموع تحالف قبائل تنزل على عدوتي فرات الهندية من السدة إلى تحت الكوفة، وفي جانب من أراضي الشامية، وهم عشائر الهور المعروف بهور الدخن، وبنو حسن هؤلاء ينقسمون إلى أربعة عشائر، وهم:
1 ـ الجراح: وهم ململمة قبائل.
2 ـ الجباس: وهم ململمة قبائل.
3 ـ البوعارضي.
4 ـ آل عيسى: بطن من آل فضل من عرب الشام من آل ربيعة من طي، وهم بنو عيسى بن مهنا بن مانع ابن حديثة بن عقبة بن فضيل، وفيهم الامرة، وهم إحدى العشائر الفراتية والمشهورة.
وللشيخ محمد بن يونس بن الحاج راضي الشويهي الحميدي الربعي النجفي الأصل والمسكن المتوفى في العشرة الرابعة من المائة الثالثة عشرة تخميناً في النجف قصيدة في مدح أحد رؤساء البوماضي الشيخ خطل، ذكر فيها أسماء مشايخ العشيرة منها قوله:
يتيه جَلابيبَ الفخارِ بفتيةٍ
لَهمُ نَسَبٌ في الناسِ أَعلى المَناسبِ
فَمِنهمْ «نذيرٌ» ثُمَّ «سَيفٌ» و«خُنْجِرٌ»
كَذا آل «إبراهيمَ» خَيرِ العَصائِبِ
فَمُذْ ماتَ «إسْماعِيلَ» إذ جاء «أَخْطَلُ»
إلى الكَونِ مِن صُلبِ لَهُ وتَرَائَبِ
فَطُوباكِ يا أرضَ العِراقِ وكُوفَةٍ
وَطوباكَ يا «تَلاّ» حَصينُ الجَوانبِ
فَتِيها فِخاراً آل ماضِي ابنُ كِنْدةٍ
بقَتالةِ قَوْمٍ لليعاريبِ غَالبِ
والكوفة بمسارها عبر التاريخ قاعدة الارتكاز للمثلث الحضاري الذي يمثّل إحدى زوايا مثلث النجف والحيرة.
المجسّمة
اسم يطلق على عامّة الفرق التي قالت بتجسيم الله تعالى، أي أنّه تعالى جسم، والظاهر أنّ آراء المشبهة والمجسّمة متقاربة لأنّهم في توحيد الخالق يشبهونه بخلقه([961]).
ويذكر ابن أبي الحديد أنّ سائلاً سأل معاذاً العنبري (ت…) فقال: «أله (أي الله تعالى) وجه؟
فقال: نعم، حتّى عددت جميع الأعضاء من أنف وفم وصدر واستحييت أن أذكر الفرج فأومأت بيدي إلى فرجي فقال: نعم.
فقال: أذكر أم أنثى؟
فقال: ذكر.
ويقال إنّ ابن خزيمة أشكل عليه في أنّه تعالى ذكر أم أنثى، فقال له بعض أصحابه إنّ هذا مذكور في القرآن وهو قوله تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنُثَى}. فقال أفدت وأجدت وأودعه كتابه.
ودخل رجل على معاذ بن معاذ يوم عيد وبين يديه لحم في طبيخ سكباج، فسأله عن الباري تعالى من جملة ما سأله، فقال: هو الله مثل الذي بين يدي لحم ودم»([962]).
ومن أقوال المجسّمة والمشبهة أنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) تأتي يوم القيامة ومعها قميص ملطخ بدم الحسين (عليه السلام) فتطلب القصاص والعدل، وعندما ينظر الله إليها يقول ليزيد: اذهب تحت العرش لئلا تراك فاطمة. فيذهب يزيد ويختفي تحت العرش وعندما تصل فاطمة وهي تصرخ مطالبة بالعدل يخرج الله تعالى رجله عارية وقد شدّ على وجهه منديلاً فيقول: يا فاطمة هذه رجلي مجروحة من سهم النمرود وعندما رماني به، عفوت عنه فأعفي أنتِ كذلك عن يزيد فتعفو عنه فاطمة([963]).
بالرغم من الروح التبريرية لهذا النص ندرك أنّ التجسيم قد عمّ في الأوساط الإسلامية.
ويؤكد ذلك الشهرستاني في الملل والنحل، حيث يشير إلى أنّ تشبيه الله بصفات المحدثين والقول إنّ الله جسمٌ ولحمٌ وغيرها من التشبيهات، كان شائعاً ومنتشراً بين بعض المسلمين([964]).
ولعلّه يقصد ببعض المسلمين، أهل الحديث والحشويين عامّة لأنّه إذا تأمّلنا كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ت276هـ) يتأكد لدينا ما يزعمه الشهرستاني، فابن قتيبة بعد أن دافع عن أهل الحديث وقرّر بأنّهم كانوا يتقرّبون إلى الله تعالى بطلب جمع آثار رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإنّما جمعوا الأحاديث الضعيفة والغريبة ليميزوا بينهما ويدلّوا عليهما([965]).
بعد هذا يورد ابن قتيبة عدداً من الأحاديث التي يذكرها أهل الحديث وهي بنظره صحيحة مثل:
ـ قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن.
ـ إنّ الله تعالى خلق آدم على صورته.
ـ كلتا يديه يمين.
ـ ولا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن([966]).
المهم من هذا الكلام أنّنا إذا طالعنا تأويل هذه الاحاديث عند ابن قتيبة نجده يؤكد على التجسيم، وما تذهب إليه ظواهر النصوص.
وأعطي هنا مثالاً واحداً، وهو تأويل ابن قيتبة لحديث «كلتا يديه يمين» قالوا: رويتم أنّ كلتا يديه يمين، وهذا يستحيل إن كنتم أردتم باليدين العضوين وكيف يعقل يدان كلتاهما يمين؟
قال ابن قتيبة ونحن نقول إنّ هذا الحديث صحيح وليس هو مستحيلاً([967])… ونلاحظ التأكيد على الحديث وعدم استحالته، ويحاول جاهداً أن يبرر عدم استحالته قياساً وشعراً([968])، وهذا حاله في كلّ الأحاديث الأخرى كعجب الرب وضحكه([969])، ورؤيته تعالى([970])، وحديث خلق الله آدم على صورته، وأكل الشيطان بشماله([971])، ونزول الله([972])، والحسين والملائكة([973]).
وواجه المعتزلة هذه الآراء ورفضوا أن يجسّم الله ويثبّت له الصفات الواردة في القرآن كما هي، ولعل هذا الموقف الرافض هو ما أدّى إلى اعتبار المعتزلة عند خصومهم من الحشويين (من المعطلة)، أي عطلوا ظواهر الكتاب والسنّة عن المعاني التي تدل عليها([974]).
ووقف الأئمة (عليهم السلام) من التجسيم موقف الرفض والتنزيه لله تعالى كما فعل المعتزلة، ولكن مع فارق أنّ المعتزلة رفضوا أن يطلقوا على الله تعالى الصفات الواردة في القرآن، بينما مدرسة أهل البيت الكلامية وافقت أصحاب الحديث على أن نصف الله بما وصف نفسه في القرآن، ولكن دون أن تحمل على التجسيم بل نصفه بصفاته وننزهه عن كلّ تشبيه وتجسيم([975]).
وهذا ما أطلق عليه الأئمة (عليهم السلام) اسم «إثبات بلا تشبيه» أي أن نثبت أنّ الله شيء ولكنّنا لا نشبهه بشيء.
وهذا هو الموقف الوسط ما بين التعطيل والتشبيه.
روى الصدوق في التوحيد، بإسناده عن محمد بن عيسى عمّن ذكره، قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام) أيجوز أن يُقال الله عزّ وجلّ شيء؟ قال: نعم تخرجه عن الحدّين حدّ التعطيل وحدّ التشبيه([976]).
ويوضح الإمام الرضا (عليه السلام) المصدر القرآني لهذا الكلام، وذلك من خلال امتحانه وتعليمه لأحد أصحابه بمناظرة كلامية حول ماهية الله، والملفت في هذه المناظرة التعليمية أنّ بعض أصحاب الأئمة قد تفهموا عن أئمتهم المجادلات حول الله.
عن محمد بن عيسى بن عبيد، قال:
قل لي أبو الحسن (عليه السلام) ما نقول إذا قيل لك: أخبرني عن الله، شيء هو أم لا شيء؟
قال: قلت له: قد أثبت الله عزّ وجلّ نفسه شيئاً حيث يقول: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون}([977]).
فأقول: إنّه شيء لا كالأشياء إذ في نفي الشيئية عنه إبطاله ونفيه قال لي: صدقت وأصبت. ثمّ قال لي الرضا (عليه السلام): للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب:
نفي وتشبيه وإثبات بغير تشبيه.
فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز لأنّ الله لا يشبه شيء، والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه([978]).
ويعزّز ذلك أنّ هشام بن الحكم يروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) حين سأله الزنديق عن الله تعالى ما هو؟
قال (عليه السلام): هو شيء بخلاف الأشياء، أرجع بقولي «شيء» إلى إثبات معنى، وأنّه شيء بحقيقة الشيئية غير أنّه لا جسم ولا صورة([979]). يتبيّن معنا أنّ الله تعالى حسب مدرسة أهل البيت الكلامية هو شيء لقوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}([980]).
ولكنّه ليس كالأشياء لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}([981]).
وهذا هو موقف الإثبات بلا تشبيه.
ولم يكتف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالتنظير الكلامي لهذا الموقف الوسط بل إنّهم قاموا بتدابير عملية لإضعاف التجسيم في مجتمعاتهم والذي يبدو أنّه كان متفشياً بشكل قوي. فمنعوا إعطاء الزكاة لمن يقول بالتجسيم وحتّى الصلاة وراءه. «من قال بالتجسيم فلا تعطوه الزكاة ولا تصلوا وراءه»([982]).
ويتلخص ما أوردناه بما يلي:
الموقف الأول:
هو الداعي إلى وصف الله بما وصف به نفسه في القرآن، فقالوا إنّ لله إصبعاً وقدماً وغير ذلك ممّا تضمنته الأخبار، وهذا رأي الحشوية حسب ما أسموهم المعتزلة أو الجمهور حسب تسمية الرافضة لهم([983])، حتّى أنّ ابن جماعة (ت727هـ) يورد في كتابه إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل على لسان نعيم بن حماد أحد شيوخ البخاري، وهو عنده صدوق، يذكر عنه بأنّه يخطئ كثيراً من يعتبر تشبيه الله بخلقه كفراً وإنّما الكفر برأيه من جحد ما وصف الله به نفسه([984]).
ولعله يقصد بذلك أنّ الكفر عند المعتزلة الذين أنكروا ما وصف الله به نفسه، وهذا هو الموقف الأوّل ولعل مدرسة أهل البيت الكلامية قصدتهم بقولها «بمذهب التشبيه».
الموقف الثاني:
هو الموقف الداعي للابتعاد عن التشبيه والحشو، وبالتالي إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى، ولذلك سمّوا أصحاب نفي الجسم([985]) وقالوا بعدم وصف الله بما وصف به نفسه في القرآن، ولهذا أطلق عليهم الخصوم اسم المعطلة([986]).
وهؤلاء هم المعتزلة، الذين اعتبروا أنّ الحشويين أساؤوا فهم الآيات وجسّموا الله تعالى([987]). ولعل الأئمة (عليهم السلام) قصدوهم بقولهم «بمذهب النفي».
الموقف الثالث:
هو موقف الشيعة الإثني عشرية، وفي مقدمتهم الأئمة (عليهم السلام) وهو القول بالكلام الوسط أي «الإثبات بلا تشبيه».
وبعد هذا، نجد أن بعض مؤرخي الفرق يزعم أنّ الشيعة هم أوّل المجسمة، وعلى رأسهم هشام بن الحكم وهشام بن سالم ويونس بن عبد الرحمن والسكاك، وأنّ أهل السنّة أخذوا التجسيم والتشبيه منهم([988]) وأنّهم حشوا أهل الإمامة كما زعم الخياط([989]) ولعله يقصد بذلك أنّ الشيعة الإمامية مجسّمة ومشبهة مقابل حشوييّ أهل السنّة.
ولهذا يستنتج أحدهم أنّ هناك صلة ما بين الشيعة الإمامية وأهل السنّة في التجسيم، ولذلك لم يهاجم ابن تيمية المعروف بلسانه اللاذع تجسيم الشيعة الإمامية([990]).
ونسبوا إلى هشام بن الحكم([991])، تلميذ الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وموسى الكاظم (عليه السلام)، أنّه قال بأنّ الله جسم لا كالأجسام.
وأنّه أوّل من قال ذلك في الإسلام، ويعتبره البغدادي من الذين شبهوا ذات الباري بذات غيره([992]) وقال إنّ معبوده سبعة أشبار بشبر نفسه.
ونسب العلاف إلى هشام بن الحكم بأنّه قال إنّ ربّه جسم ذاهب، جاء، فيترح تارة ويسكن أخرى، ويقعد مرّة ويقوم أخرى وإنّه طويل عريض عميق لأنّه ما لم يكن كذلك فهو في حدث التلاشي، قال: فقلت له: فأيّما أعظم إلهك أو هذا الجبل، وأومأت إلى أبي قبيس، قال: فقال: هذا الجبل يوفي عليه أي هو أعظم منه([993]).
وينقل الجاحظ أنّ هشام بن الحكم قال في ربّه في عام واحد خمسة أقاويل، زعم مرّة:
1 ـ أنّه كالبلورة.
2 ـ ومرّة أنّه كالسبيكة.
3 ـ ومرّة أنّه غير صورة.
4 ـ ومرّة أنّه يشبر نفسه سبعة أشبار.
وأخيراً رجع عن ذلك كلّه وقال هو جسم لا كالأجسام([994]).
والظاهر أنّ الجاحظ روى ذلك عن النظّام، لأنّ ابن الجوزي يروي هذه الرواية عن الجاحظ عن النظّام مع اختلافات يسيرة في الرواية منها: أنّ هشام بن الحكم في رواية ابن الجوزي قطع أخيراً بأنّه الله سبعة أشبار بشر نفسه([995]).
وإلى هذا القطع ذهب الرازي (ت606هـ) في كتابه اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، وأضاف إلى هشام مقولة جديدة لم أعثر عليها إلاّ في كتابه، وهي أنّ ربّه كالشمع الذي من أي جانب نظرت إليه كان ذلك الجانب وجهه([996]).
ولعل الرازي يقصد بهذا اللؤلؤة المستديرة التي تتلألأ من كلّ جوانبها كما يوردها الأشعري في مقالات الإسلاميين([997]).
ولهذا قال بشر بن المعتمر (ت210هـ) مخاطباً هشام بن الحكم يقول: «تلعبت بالتوحيد كأنّما نتحدّث عن غول ببيداء سملق. لأنّ الغول عند العرب تقلب نفسها من صورة إلى صورة، كذلك هشام بن الحكم قال في الله مقالات كثيرة: نور يتلألأ ومرّة قال: من حيث جئته رأيته ومرّة قال: هو مثل الإنسان»([998]).
وهكذا، يتبين أنّ ما نقل عن هشام بن الحكم هو عن طريق خصومه المعتزلة، وهو المعروف بإلزاماته عليهم ومناظراته معهم([999])، وهذا العداء من المعتزلة جعل ابن أبي الحديد يزوّر الوقائع، ليدعم بهتانه، فوجدته ينقل عن لسان مؤرخ شيعي هو أبو الحسن موسى النوبختي (ت300هـ) صاحب فرق الشيعة بأنّه قال في كتابه الديانات والآراء، إنّ هشام بن الحكم يزعم أنّ الله جسم لا كالأجسام([1000]) بينما في الواقع أنّ هذه المقولة وما نسبه ابن أبي الحديد، وتبعه ابن تيمية([1001]) (ت728) في ذلك عن لسان هشام، إنّما يرويه النوبختي عن الجاحظ عن النظّام بدليل أنّ الرواية المنسوبة إلى النوبختي قد أوردها ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس([1002]) ويرويها عن النظام وابن الجوزي هو الأقدم تاريخياً عن غيره.
والظاهر أنّ هشام بن الحكم لم يقل بالتجسيم المنسوب إليه على لسان خصومه الفكريين من المعتزلة، بدليل أنّه يذكر في حديث رائع لأحد أتباعه بأنّ الله لا يشبهه شيء([1003]).
ويتعزز ذلك، أنّ ابن أبي الحديد يورد أنّ المتعصبين لهشام بن الحكم من الشيعة في وقته يزعمون أنّ هشام لم يقل بالتجسيم المعنوي وإنّما قال إنّه جسم لا كالأجسام بالمعنى الذي ذكرناه عن يونس والسكاك وغيرهما([1004]).
ويقصد بالمعنى الذي ذكره عن يونس والسكاك، أنّهم أطلقوا لفظة جسم لا كالأجسام، بمعنى شيء لا كالأشياء([1005]). وهكذا يتبين معنا، أنّ مصطلح شيء لا كالأشياء هو المصطلح المستخدم عند هشام، وهو بذلك يوافق مدرسة أهل البيت الكلامية القائلة بنظرية «الإثبات بلا تشبيه» في التوحيد كما مرّ معنا سابقاً.
ولهذا دافع العلماء والمتأخرون من الشيعة الإمامية عن هشام بن الحكم، كالشريف المرتضى علم الهدى (ت436هـ)([1006]) ويرى أنّ نسبة التجسيم إلى هشام بن الحكم من قبل الخصوم إنّما القصد به القدح والذم في الإمام الصادق لما يوجد من دعاء ومدح بهشام ودعوة أصحابه لأتباعه([1007]) وأيضاً دافع عن هشام أبي الفتح الكراجكي الطرابلسي (ت460هـ)([1008]) والشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت460هـ) وغيرهما. ولهذا لعلّه من الصعوبة بمكان، قبول ما زعمه الخياط المعتزلي (ت200هـ) وتبعه بذلك المتأخرون حتّى يومنا هذا وهو أنّ الشيعة الإمامية الأوائل هم مجسّمة ومشبهة وأمّا المتأخرون منهم وبسبب صحبتهم للمعتزلة قالوا بالتنزيه في التوحيد([1009]).
ولعل مقولة الخياط هذه هي التي جرأت البعض على القول بأنّ نصوص العلامة الحلي في التوحيد هي نفسها نصوص المعتزلة([1010]).
خضر محمد نبها
المرداسيون
(بنو مرداس)
.
مرّ الحديث عنهم في مكانه. ولمّا كانت الأخبار عنهم مشتّتة لم تنتظم في تاريخ موحّد يمكن الرجوع إليه رأينا أن نأخذ هنا ما ذكره عنهم فريق من المؤرخين، مضافاً إلى ما ذكرناه عنهم، ليكون ذلك مصدراً موحداً لتاريخهم:
قال ابن خلدون، ج4، ص271: كان ابتداء أمر صالح بن مرداس ملك الرحبة وهو من بني كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ومجالاتهم بضواحي حلب. وقال ابن حزم إنّه من ولد عمرو بن كلاب وكانت مدينة الرحبة لأبي علي بن ثمال الخفاجي، فقتله عيسى بن خلاط العقيلي وملكها من يده وبقيت له مدّة، ثمّ أخذها من بدران بن المقلد، وزحف لؤلؤ الساري نائب الحاكم بدمشق، فملك الرقة ثمّ الرحبة من يد بدران، وعاد إلى دمشق. وكان رئيس الرحبة ابن مجلكان، فاستبدّ بها وبعث إلى صالح بن مرداس يستعين به على أمره، فأقام عنده مدّة ثمّ فسد ما بينهما وقاتله صالح ثمّ اصطلحا وزوجه ابن مجلكان ابنته. ودخل البلد ثمّ انتقل ابن مجلكان إلى عانة بأهله وماله بعد أن أطاعوه وأخذ رهنهم. ثمّ نقضوا وأخذوا ماله، وسار إليهم ابن مجلكان مع صالح فوضع عليه صالح من قتله وسار إلى الرحبة فملكها واستولى على أموال ابن مجلكان، وأقام دعوة العلويين (الفاطميين) بمصر صالح مؤسس دولة بني مرداس أو بني صالح.
جاء في وفيات الأعيان لابن خلكان في ترجمته ما يلي: «أسد الدولة أبو علي صالح بن مرداس بن إدريس بن نصير بن حميد بن مدرك بن شداد بن عبيد بن قيس بن ربيعة بن كعب بن عبدالله بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الكلابي».
كان من عرب البادية، وقصد مدينة حلب، وبها مرتضى الدولة بن لؤلؤ بن الجراحي غلام أبي الفضائل ابن سعد الدولة نصر بن سيف الدولة بن حمدان، نيابة عن الظاهر بن الحاكم (الفاطمي) صاحب مصر. فاستولى عليها وانتزعها منه، وكان ذا بأس وعزيمة وأهل وعشيرة وشوكة. وكان تملكه لها في ثالث عشر ذي الحجة سنة سبع عشر وأربعمائة: واستقرّ بها ورتب أمورها، فجهز إليه الظاهر المذكور أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري في عسكر كثيف، وكان بدمشق نائباً عن الظاهر، وكان ذا شهامة وتقدمة ومعرفة بأسباب الحرب. فخرج متوجهاً إليه، فلمّا سمع صالح الخبر خرج إليه وتقدّم حتّى تلاقيا على الأقحوانة فتصافّا، وجرت بينهما مقتلة انجلت عن قتل أسد الدولة صالح المذكور، وذلك في جمادى الأولى سنة عشرين وأربعمائة، وقيل تسع عشر وأربعمائة. وهو أوّل ملوك بني مرداس المتملكين بحلب.
ما جاء عنهم في تاريخ العبر
لابن خلدون ج4
قد سبق في أخبار بني حمدان استبداد لؤلؤ مولى أبي المعالي بن سيف الدولة بحلب على ابنه أبي الفضائل، وأخذه البلد منه ومحوه الدعوة العباسية والخطبة للحاكم العلوي (الفاطمي) بمصر، ثـم فسـاد حاله معه وطمع صالح بن مرداس في ملك حلب. وتقدّم هنالك خبر ما كان بين صالح ولؤلؤ من الحروب، وأنه كان له مولى اسمه فتح وضعه في قلعة حلب حافظاً لها، فاستوحش وانتقض على لؤلؤ بممالأة صالح بن مرداس، وبايع للحاكم على أن يقطعه صيدا وبيروت وسوغه ما كان في حلب من الأموال. ولحـق لؤلـؤ بأنطاكيـة وأقـام عنـد الروم، وخرج فتح بحرم لؤلؤ وأمه وتركهن في منبج وترك حلب وقلعتهـا إلـى نـواب الحاكـم. وتداولـت فـي أيديهـم حتـى وليهـا بعض بني حمدان من قبل حاكم يعرف بعزيز الملك اصطنعه الحاكم وولاه حلب. ثم عصى على ابنه الظاهر وكانت عمته بنت الملك مدبـرة لدولتـه، فوضعـت علـى عزيـز الملـك من قتله، وولوا على حلب عبد الله بن علي بن جعفر الكتامي، ويعرف بابن شعبان الكتامي، وعلى القلعة صفي الدولة موصوفاً الخادم.
ولمـا ضعـف أمـر (الفاطميين) بمصر من بعد المائة الرابعة، وانقرض أمر بني حمدان من الشام والجزيرة تطاولت العرب إلى الاستيلاء على البلاد. فاستولى بنو عقيل على الجزيرة، واجتمع عرب الشام فتقاسموا البلاد على أن يكون لحسان بن مفرج بن دغفل وقومه طيء من الرملـة إلـى مصـر، ولصالح بن مرداس وقومه بني كلاب من حلب إلى عانة، ولحسان بن عليان وقومه دمشق وأعمالها. وكان العامل على هذه البلاد من قبل الظاهر خليفة مصر أنوشتكين إلى عسقلان، وملكهـا ونهبها حسان. وسار صالح بن مرداس إلى حلب فملكها من يد ابن شعبان، وسلم له أهل البلد ودخلها وصعد ابن شعبان إلى القلعة. فحصرهـم صالـح بالقلعـة حتـى أجهدهـم الحصار واستأمنوا. وملك القلعة وذلك سنة أربع وعشرين وأربعمائة، واتّسع ملكه ما بين بعلبك وعانة.
ولم يزل صالح مالكاً لحلب إلى سنة عشرين وأربعمائة، فجهز الظاهر العساكر من مصر إلى الشام لقتال صالح وحسان وعليهم أنوشتكين الدريدي. فسار لذلك ولقيهما على الأردن بطبرية وقاتلهما فانهزما، وقتل صالح وولده الأصغر، ونجا ولده الأكبر أبو كامل نصر بن صالح إلى حلب وكان يلقـب شبـل الدولـة. ولمـا وقعت هذه الواقعة طمع الروم أهل إنطاكية في حلب، فزحفوا إليها في عدد كثير يبلغ ثلاثمائة ألف مقاتل، ووقيت حلب شر هذه الغزوة بسبب مخالفة الدوقس من أكابر الروم لملك الروم ورجوعه عنها.
وفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة زحف الوزيري من مصر في العساكر إلى حلب، وخليفتهم يومئـذٍ المستنصر. وبرز إليه نصر. فالتقـوا عنـد حمـاة وانهـزم نصـر وقتـل وملك الوزيري حلب في رمضان من هذه السنة.
ولما ملك الوزيري حلب واستولى على الشام، عظم أمره واستكثر من الأتراك في الجند، ونُميَ عنه إلى المستنصر بمصر ووزيره الجرجاي أنه يروم الخلاف، فدس الجرجاي إلى جانب الوزيري والجند بدمشق في الثورة به وكشف لهم عن سوء رأي المستنصر، فثاروا بـه وعجـز عـن مدافعتهم، فاحتمل أثقاله وسار إلى حلب ثم إلى حماه. فمُنع من دخولها فكاتب صاحب كفر طـاب فسـار إليـه وشيّعـه إلـى حلـب ودخلهـا، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين)واربعمائة). ولما توفي فسد أمر الشام وإنحـل النظـام وتزايـد طمـع العـرب. وكـان معـز الدولـة ثمال بن صالح بالرحبة منذ مهلك أبيه وأخيه، فقصد حلب وحاصرها فملك المدينة وإمتنع أصحاب الوزيري بالقلعة. وإستمدوا أهل مصر، وشغل الوالي بدمشق بعد الوزيري وهو الحسين بن حمدان لحرب حسان بن مفرج صاحب فلسطين، فاستأمن أصحاب الوزيري إلى ثمال بن صالح بعد حصاره إياها حولا فأمنهم، وملكها فـي صفـر سنـة أربـع وثلاثيـن وأربعمائة. فلـم يـزل مملكاً عليها إلى أن زحفت إليه العساكر من مصر مع أبي عبيد الله بن ناصر الدولة بن حمدان، وبلغت جموعهم خمسة آلاف مقاتل، فخرج إليهم ثمال وقاتلهـم وأحسن دفاعهم وأصابهم سيل كاد يذهب بهم. فأفرجوا عن حلب وعادوا إلى مصر. ثم عادت العساكر ثانية من مصر سنة إحدى وأربعين مع رفقاً الخادم، فقاتلهم ثمال وهزمهم وأسر الخادم رفقاً ومات عنده.
لم تزل العساكر تتردّد من مصر إلى حلب وتضيق عليها حتى سئم ثمال بن صالح إمارتها وعجـز عـن القيـام بهـا، فبعـث إلـى المستنصـر بمصـر وصالحـه علـى أن ينزل له عن حلب. فبعث عليها مكين الدولة أبا علي الحسن بن ملهم، فتسلمها آخر سنة تسع وأربعين وأربعمائة. وسار ثمال إلى مصر، ولحق أخوه عطية بن صالح بالرحبة، واستولى ابن ملهم عليها.
وأقام ابن ملهم بحلب سنتين أو نحوها، ثم بلغه عن أهل حلب أنهم كاتبوا محمود بن نصر بن صالـح، فقبـض عليـه. فثـار بـه أهل حلب وحصروه بالقلعة، وبعثوا إلى محمود، فجاء منتصف اثنتين وخمسين وأربعمائة وحاصره معهم بالقلعة. واجتمعت معه جموع العرب واستمـد ابـن ملهـم المستنصـر فكتـب إلـى أبـي محمـد الحسن بن الحسين بن حمدان أن يسير إليه في العساكر، فسار إلى حلب. وأجفل محمود عنها. ونزل ابن ملهم إلى البلد ودخلها ناصر الدولة ونهبتها عساكره وابن ملهم. ثـم تواقـع محمـود وناصـر الدولـة بظاهـر حلب، فانهزم ناصر الدولة بن حمدان وأُسر، فرجع به محمود إلـى البلـد وملكهـا وملـك القلعـة فـي شعبـان مـن هـذه السنـة، وأطلـق أحمد بن حمدان وابن ملهم، فعادا إلى مصر.
لمـا هزم محمود بن حمدان وأخذ القلعة من يد ابن ملهم وكان معز الدولة ثمال بن صالح بمصر منـذ سلمهـا للمستنصـر سنـة تسـع وأربعيـن وأربعمائة، فسرحـه المستنصـر الآن وأذن له في ملك حلب من ابن أخيه، فحاصره في ذي الحجـة مـن سنـة اثنتيـن وخمسيـن وأربعمائة،. واستنجـد محمـود بخالـه منيـع بـن شبيـب بـن وثاب النميري صاحب حرّان، فأمده بنفسه وجاء لنصره. فأفرج ثمال عن حلب وسار إلى البرية في محرم سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. ثم عاد منيع إلى حران وملك ثمال حلب في ربيع ثلاث وخمسين وأربعمائة، وغزا بلاد الروم فظفر وغنم.
ثم توفي ثمال بحلب قريباً من استيلائه، وذلك في ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وعهد بحلب لأخيه عطية بن صالح، وكان بالرحبة من لدن مسير ثمال إلى مصر فسار وملكها.
ولمـا ملـك عطيـة حلـب، وكـان ذلك عند استيلاء السلجوقية على ممالك العراق والشام وافتراقهم على العمالات، ونزل به قوم منهم فاستخدمهم وقوي بهم. ثم خشي اصحابه غائلتهم فأشاروا بقتلهم، فسلط أهل البلد عليهم فقتلـوا منهـم جماعـة ونجـا الباقـون فقصـدوا محمود بن نصر بحرّان فاستنهضوه لملك حلب. وجاءهم فحاصرها وملكها في رمضان سنة خمـس وخمسيـن وأربعمائة، واستقـام أمـره، ولحـق عطيـة عمه بالرقة فملكها إلى أن أخذها منه شرف الدولة مسلـم بـن قريـش سنـة ثلاث وستين(واربعمائة). فسار إلى بلد الروم سنة خمس وستين وأربعمائة، واستقام أمر محمود بن نصر في حلب، وبعـث التـرك الذيـن جـاؤوا فـي خدمتـه مـع أميرهـم ابـن خـان سنـة ستيـن وأربعمائة إلـى بعـض قلاع الروم فحاصروها وملكها، وسار محمود إلى طرابلس، فحاصرهـا، وصالحـوه علـى مـال، فأفرج عنهم. ثم سار إليه السلطان الب ارسلان بعد فراغه من حصار ديار بكر وآمد والرُها، ولم يظفر بشيء منها. وجاء إلى حلب وحاصرها وبها محمود بن نصر. وجاءت رسالة الخليفة القائم بالرجوع إلى الدعـوة العباسيـة. فأعادها وسأل من الرسول أزهر أبو الفراس طراد الزيني أن يعفيه السلطان من الحضور عنده، فأبى السلطان من ذلك، واشتد الحصار على محمود وأضر بهم حجارة المجانيق، فخرج ليلاً ومعه والدته منيعة بنت وثاب متطارحين على السلطان، فخلع على محمود في حلـب آخـر ثمان وستين وأربعمائة، وعهد لإبنه شبيب إلى الترك الذين ملكوا أباه وهم بالحاضر. وقد بلغه عنهـم العبث والفسـاد، فلما دنا من حللهم تلقوه فلم يجبهم وقاتلهم، وأصيب بسهم في تلك الجولة ومات.
ولمـا هلـك نصـر ملـك أخـوه سابـق. قـال ابـن الأثيـر: وهـو الـذي أوصـى لـه أبوه بالملك، فلم ينفذ عهده لصغره، فلما ولي استدعى أحمد شاه مقدم التركمان الذين قتلوا أباه، فخلع عليه وأحسن إليه، وبقي فيها مملكاً.
ولما كانت سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة زحف تُتُش بعد أن ملك دمشق إلى حلب فحاصرها أياماً. ووجل أهل حلب من ولاية الترك فبعثوا إلى مسلم بن قريش ليملكوه. ثم بدا لهم في أمره ورجـع مـن طريقـه، وكـان مقدمهـم يعـرف بإبـن الحسيـن العباسـي، وخرج ولده متصيداً في ضيعة له، فأرسل له بعض أهل القلاع بنواحي حلب من التركمان وأسره وأرسله إلى مسلم بن قريش. فعاهـده علـى تمكينـه مـن البلـد، وعـاد إلـى أبيه فسلم البلد إلى مسلم بن قريش وملكها سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. ولحق سابق بن محمود وأخيه وثاب إلى القلعة وإستنزلهما بعد أيام علـى الأمـان. واستولى على نواحيها. وبعث إلى السلطان ملك شاه بالفتح وأن يضمـن البلـد علـى العـادة، فأجابه إلى ذلك. وصارت في ولاية مسلم بن قريش إلى أن ملكها السلطان من بعده.
رواج الأدب والشعر في دولتهم
قال القاضي ابن خلكان في وفياته في ترجمة أبي الفتيان محمد بن حيوس الشاعر: وكان منقطعاً إلى بني مرداس أصحاب حلب وله فيهم القصائد الأنيقة، وقصته مشهورة مع الأمير جلال الدولة وصمصامها أبي المظفر نصر بن محمد بن شبل الدولة نصر بن صالح ابن مرداس الكلابي صاحب حلب، فإنّه كان قد مدح أباه محمود بن نصر فأجازه ألف دينار. فلمّا مات وقام مقامه ولده نصر المذكور قصده ابن حيوس المذكور بقصيدته الرائية يمدحه بها ويعزيه عن أبيه وهي:
كفى الدين عزاً ما قضاه لك الدهر
فمن كان ذا نذر فقد وجب النذر
ومنها ثمانية لم تفترق مذ جمعتها
فلا افترقت ما ذبّ عن ناظر شفر
يقينك والتقوى وجودك والغنى
ولفظك والمعنى وعزمك والنصر
ويذكر فيها وفاة أبيه وتوليته الأمر بعده بقوله:
صبرنا على حكم الزمان الذي سطا
على أنّه لولاك لم يكن الصبر
غزانا ببؤسى لا يماثلها الأسى
تقارن نعمى لا يقوم بها الشكر
ومنها:
تباعدت عنكم حرقة لا زهادة
وسرت إليكم حين سني الضر
فلاقيت ظل الأمن ما عنه حاجز
يصدّ وباب العز ما دونه ستر
وطال مقامي في أَسار جميلكم
فدامت معاليكم ودام لي الأسر
وأنجز لي رب السماوات وعده الـ
ـكريم بأنّ العسر يتبعه اليسر
فجاد ابن نصر لي بألف تصرّمت
وإنّي عليم أن سيخلفها نصر
لقد كنت مأمولاً ترجى لمثلها
فكيف وطوعاً أمرك النهي والأمر
وما بي إلى الإلحاح والحرص حاجة
وقد عرف المبتاع وانفصل السعر
وإنّي بآمالي لديك مخيم
وكم في الورى ثاوٍ وآماله سفر
وعندك ما أبغي بقولي تصنّعاً
بأيسر ما توليه يستعبد الحر
فلمّا فرغ من إنشادها. قال الأمير نصر: والله لو قال عوض قوله سيخلفها نصر سيضعفها نصر لأضعفتها له. وأعطاه ألف دينار في طبق فضة. وكان قد اجتمع على باب نصر المذكور جماعة من الشعراء وامتدحوه وتأخّرت صلته عنهم. ونزل بعد ذلك الأمير نصر إلى دار بولص النصراني وكانت له عادة بغشيان منزله وعقد مجلس الأنس عنده. فجاءت الشعراء الذين تأخّرت جوائزهم إلى باب بولص، وفيهم أبو الحسن أحمد بن محمد بن الدويدة المعري الشاعر المعروف، فكتبوا ورقة فيها أبيات اتفقوا على نظمها، وقيل بل نظمها ابن الدويدة المذكور، وسيروا الورقة إليه والأبيات المذكورة هي:
على بابك المحروس منّا عصابة
مفاليس فانظر في أمور المفاليس
وقد قنعت منك الجماعة كلها
بعشر الذي أعطيته لابن حيوس
وما بيننا هذا التفاوت كلّه
ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس
فلمّا وقف عليها الأمير نصر، أطلق لهم مائة دينار، فقال: والله لو قالوا بمثل الذي أعطيته لابن حيوس لأعطيتهم مثله. ثمّ قال:
وكان الأمير نصر سخياً واسع العطاء ملك حلب بعد وفاة أبيه محمود في سنة سبع وستعين وأربعمائة، ولم تطل مدّته حتّى ثار عليه جماعة من جنده فقتلوه في ثاني شوال سنة ثمان وستين وأربعمائة، وداره بها هي الدار المعروفة الآن بدار الأمير علم الدين سليمان بن حيدر. ومن محاسن شعر ابن حيوس القصيدة اللامية التي مدح بها أبا الفضل سابق بن محمود وهو أخو نصر المذكور ومن مديحها قوله:
طالما قلت للمسائل عنكم
واعتمادي هداية الضلال
أن ترد علم حالهم عن يقين
فالقهم في مكارم أو نزال
ثمّ أورد للرستمي في الصاحب بن عباد ممّا ينطبق على معنى هذه الأبيات، ويتفوق عليها في حسن التقسيم وإن كان ابن حيوس قد ألمَّ بها:
من النفر العالين في السلم والوغى
وأهل المعالي والعوالي وآلها
إذا نزلوا اخضرَّ الثرى من نزولهم
وإن نازلوا احمرَّ القنا من نزالها
قال وكان ابن حيوس قد أثرى وحصلت له نعمة ضخمة من بني مرداس، فبنى داراً بمدينة حلب، وكان على بابها من شعره:
دار بنيناها وعشنا بها
في نعمة من آل مرداس
قوم نفوا بؤسي ولم يتركوا
علي للأيام من باس
قل لبني الدنيا ألا هكذا
فليصنع الناس مع الناس
وقيل إنّ هذه الأبيات للأمير الجليل أبي الفتح الحسن بن عبدالله بن عبد الجبار الحلبي المعروف بابن أبي حصينة وهو الصحيح.
ما جاء من أخبارهم في كامل ابن الأثير ج9
سنة (399) لما قتل عيسى بن خلاط أبا علي بن ثمال بالرحبة وملكها، أقام فيها مدةً. ثم قصده بدران بن المقلد العقيلي، فأخذ الرحبة منه وبقيت لبدران. فأمر الحاكم بأمر الله نائبه بدمشق لؤلؤاً البشاري بالمسير إليها. فقصد الرقة أولاً وملكها، ثم سار إلى الرحبة وملكها ثم عاد إلى دمشق.
وكان بالرحبة رجل من أهلها يعرف بابن مُحكان، فملك البلد، واحتاج إلى من يجعله ظهره، ويستعين به على من يطمع فيه، فكاتب صالح بن مرداس الكلابي، فقدم عليه وأقام عنده مدةً، ثم إن صالحاً تغير عن ذلك، فسار إلى ابن محكان وقاتله على البلد، وقطع الأشجار، ثم تصالحا، وتزوج ابنة ابن محكان. ودخل صالح البلد إلا أنه كان أكثر مقامه بالحلة، ثم إن ابن محكان راسل أهل عانة فأطاعوه، ونقل أهله وماله إليهم، وأخذ رهائنهم، ثم خرجوا عن طاعته، وأخذوا ماله واستعادوا رهائنهم وردوا أولاده، فاجتمع ابن محكان وصالح على قصد عانة، فسارا إليها، فوضع صالح على ابن محكان من يقتله. فقُتل غيلةً: وسار صالح إلى الرحبة فملكها، وأخذ أموال ابن محكان وأحسن إلى الرعية، واستمر على ذلك، إلا أنَّ الدعوة للمصريين.
في هذه السنة قُتل أبو علي بن ثمال الخفاجي. وكان الحاكم بأمر الله، صاحب مصر، قد ولاه الرحبة. فسار إليها. فخرج إليه عيسى بن خلاط العقيلي فقتله وملك الرحبة، ثم ملكها بعده غيره. فصار أمرها إلى صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب.
سنة (402) في هذه السنة كانت وقعة بين أبي نصر بن لؤلؤ صاحب حلب وبين صالح بن مرداس. وكان ابن لؤلؤ من موالي سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، فقوي على ولد سعد الدولة وأخذ البلد منه وخطب للحاكم صاحب مصر ولقبه الحاكم مرتضى الدولة. ثم فسد ما بينه وبين الحاكم فطمع فيه ابن مرداس وبنو كلاب وكانوا يطالبونه بالصلات والخلع. ثم إنهم اجتمعوا هذه السنة في خمسمائة فارس ودخلوا مدينة حلب. فأمر ابن لؤلؤ بإغلاق الأبواب والقبض عليهم، فقبض على مائة وعشرين رجلاً منهم صالح بن مرداس: وحبسهم وقتل مائتين وأطلق من لم يفكر به. وكان صالح قد تزوج بابنة عم له يُسمّى جابراً، وكانت جميلة فوصفت لابن لؤلؤ فخطبها إلى إخوتها وكانوا في حبسه، فذكروا له أن صالحاً قد تزوجها. فلم يقبل منهم وتزوجها، ثم أطلقهم. وبقي صالح بن مرداس في الحبس فتوصل حتى صعد من السور وألقى نفسه من أعلى القلعة إلى تلها. واختفى في مسيل ماء. ووقع الخبر بهربه، فأرسل ابن لؤلؤ الخيل في طلبه، فعادوا ولم يظفروا به. فلما سكن عنه الطلب سار بقيده ولبنة حديد في رجليه حتى وصل قريبة تُعرف بالياسرية، فرأى ناساً من العرب فعرفوه وحملوه إلى أهله بمرج دابق. فجمع ألفي فارس فقصد حلب وحاصرها اثنين وثلاثين يوماً، فخرج إليه ابن لؤلؤ فقاتله، فهزمهم صالح وأسر ابن لؤلؤ وقيده بقيده الذي كان في رجله ولبنته. وكان لابن لؤلؤ أخٌ فنجا وحفظ مدينة حلب. ثم إن ابن لؤلؤ بذل لابن مرداس مالاً على أن يطلقه. فلما استقر الحال بينهما أخذ رهائنه وأطلقه. فقالت أم صالح لابنها: قد أعطاك الله ما لا كنت تؤمله، فإن رأيت أن تتم صنيعك بإطلاق الرهائن فهو المصلحة، فإنه إن أراد الغدر بك لا يمنعه مَن عندك، فأطلقهم. فلما دخلوا البلد حمل ابن لؤلؤ إليه أكثر مما استقر، وكان قد تقرر عليه مائتا ألف دينار ومائة ثوب، وإطلاق كل أسير عنده من بني كلاب. فلما انفصل الحال ورحل صالح أراد ابن لؤلؤ قبض غلامه فتح، وكان دزدار القلعة لأنه اتهمه بالممالأة على الهزيمة وكان خلاف ظنه. فأطلع على ذلك غلاماً له اسمه سرور وأراد أن يجعله مكان فتح، فأعلم سرور بعض أصدقائه ويعرف بابن غانم. وسبب إعلامه أنه حضر عنده وكان يخاف ابن لؤلؤ لكثرة ماله، فشكا إلى سرور ذلك فقال له: سيكون أمر تأمن معه. فسأله فكتمه فلم يزل يخدعه حتى أعلمه الخبر. وكان بين ابن غانم وبين فتح مودة فصعد إليه بالقلعة متنكراً فأعلمه الخبر وأشار عليه بمكاتبة الحاكم صاحب مصر. وأمر ابن لؤلؤ أخاه أبا الجيش بالصعود إلى القلعة بحجة افتقاد الخزائن فإذا صار فيها قبض على فتح وأرسل إلى فتح يعلمه أنه يريد افتقاد الخزائن ويأمره بفتح الأبواب. فقال فتح: إنني قد شربت اليوم دواء وأسأل تأخير الصعود في هذا اليوم فإنني لا أثق في فتح الأبواب لغيري، وقال للرسول: إذا لقيته فاردده. فلما علم ابن لؤلؤ الحال أرسل والدته إلى فتح ليعلم سبب ذلك فلما صعدت إليه أكرمها وأظهر لها الطاعة، فعادت وأشارت على أبنها بترك محاقَّته، ففعل وأرسل إليه يطلب جوهراً كان له بالقلعة. فغالطه فتح ولم يرسله فسكت على مضض لعلمه أن المحاقة لا تفيد لحصانة القلعة، وأشارت والدة ابن لؤلؤ عليه بأن يتمارض ويظهر شدة المرض ويستدعي فتحاً لينزل إليه ليجعله وصياً، فإذا حضر قبضه. ففعل ذلك فلم ينزل الفتح واعتذر وكاتب الحاكم وأظهر طاعته وخطب له وأظهر العصيان على أستاذه وأخذ من الحاكم صيدا وبيروت وكل ما في حلب من الأموال. وخرج ابن لؤلؤ من حلب إلى إنطاكية وبها الروم فأقام عندهم. وكان صالح بن مرداس قد مالأ الفتح على ذلك فلما عاد عن حلب استصحب معه والدة ابن لؤلؤ ونساءه، وتركهن بمنبج، وتسلم حلب نواب الحاكم وتنقلت بأيديهم حتى صارت بيد إنسان من الحمدانية يعرف بعزيز الملك، فقدمه الحاكم واصطنعه وولاه حلب. فلما قُتل الحاكم وولي الظاهر عصى عليه فوضعت ست الملك أخت الحاكم فراشاً على قتله فقتله. وكان للمصريين بالشام نائب يعرف بأنوشتكين البربري وبيده دمشق والرملة وعسقلان وغيرها. فاجتمع حسان أمير بني طي وصالح بن مرداس أمير بني كلاب وسنان بن عليان وتحالفوا واتفقوا على أن يكون من حلب إلى عانة لصالح بن مرداس، ومن الرملة إلى مصر لحسان ودمشق لسنان. فسار حسان إلى الرملة فحصرها وبها أنوشتكين فسار عنها إلى عسقلان واستولى عليها حسان ونهبها وقتل أهلها وذلك سنة أربع عشرة وأربعمائة أيام الظاهر لإعزاز دين الله خليفة مصر، وقصد صالح حلب وبها إنسان يعرف بابن ثُعبان يتولى أمرها للمصريين وبالقلعة خادم يعرف بموصوف. فأما أهل البلد فسلموه إلى صالح لإحسانه إليهم ولسوء سيرة المصريين معهم، وصعد ابن ثُعبان إلى القلعة فحصره صالح بالقلعة فغار الماء الذي بها فلم يبق لهم ما يشربون فسلم الجند القلعة إليه وذلك سنة أربع عشرة وأربعمائة. وملك من بعلبك إلى عانة وأقام بحلب ست سنين. فلما كان سنة عشرين وأربعمائة جهز الظاهر صاحب مصر جيشاً وسيرهم إلى الشام لقتال صالح وحسان، وكان مقدم العسكر أنوشتكين البربري، فاجتمع صالح وحسان على قتاله فاقتتلوا بالأقحوانة على الأردن عند طبرية فقتل صالح وولده الأصغر وأُنفذ رأساهما إلى مصر ونجا ولده أبو كامل نصر بن صالح، فجاء إلى حلب وملكها وكان لقبه شبل الدولة، فلما علمت الروم بإنطاكية الحال تجهزوا إلى حلب في عالم كثير، فخرج أهلها فحاربوهم فهزموهم ونهبوا أموالهم وعادوا إلى إنطاكية وبقي شبل الدولة مالكاً لحلب إلى سنة تسع وعشرين وأربعمائة. فأرسل إليه الدزبري العساكر المصرية وصاحب مصر حينئذٍ المستنصر بالله فلقيهم عند حماة فقُتل في شعبان، وملك الدزبري حلب في رمضان سنة تسع وعشرين وأربعمائة وملك الشام جميعه وعظم أمره وكثر ماله وأرسل يستدعي الجند الأتراك من البلاد، فبلغ المصريين عنه أنه عازم على العصيان فتقدموا إلى أهل دمشق بالخروج عن طاعته ففعلوا فسار عنها نحو حلب في ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وتوفي بعد ذلك بشهر واحد. وكان أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس الملقب بمعز الدولة بالرحبة، فلما بلغه موت الدزبري جاء إلى حلب فملكها تسليماً من أهلها وحاصر امرأة الدزبري وأصحابه بالقلعة أحد عشر شهراً وملكها في صفر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، فبقي فيها إلى سنة أربعين وأربعمائة، فأنفذ المصريون إلى محاربته أبا عبدالله بن ناصر الدولة بن حمدان، فخرج أهل حلب إلى حربه فهزمهم، واختنق منهم بالباب جماعة ثم إنه رحل عن حلب وعاد إلى مصر، وأصابهم سيل ذهب بكثير من دوابهم وأثقالهم. فأنفذ المصريون إلى قتال معز الدولة خادماً يعرف برفق فخرج إليه في أهل حلب فقاتلوه فانهزم المصريون وأسر رفق ومات عندهم. وكان أسره سنة إحدى وأربعين وأربعمائة في ربيع الأوّل، ثم إن معز الدولة بعد ذلك أرسل الهدايا إلى المصريين وأصلح أمره معهم ونزل لهم عن حلب، فأنفذوا إليها أبا علي الحسن بن علي بن ملهم ولقَّبوه مكين الدولة فتسلمها من ثمال في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وأربعمائة. وسار ثمال إلى مصر في ذي الحجة وسار أخوه أبو ذؤابة عطية بن صالح إلى الرحبة وأقام ابن ملهم بحلب، فجرى بين بعض السودان وأحداث حلب حرب، وسمع ابن ملهم أن بعض أهل حلب قد كاتب محمود بن شبل الدولة نصر ابن صالح يستدعونه ليسلموا البلد إليه، فقبض على جماعة منهم وكان منهم رجل يعرف بكامل بن نباتة فخاف فجلس يبكي وكان يقول لكل من سأله عن بكائه: إن أصحابنا الذين أخذوا قد قتلوا وأخاف على الباقين. فاجتمع أهل البلد واشتدوا وراسلوا محموداً وهو منهم على مسير يومٍ يستدعونه وحصروا ابن ملهم وجاء محمود وحصره معهم في جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. ووصلت الأخبار إلى مصر فسيروا ناصر الدولة أبا علي بن ناصر الدولة ابن حمدان في عسكرٍ بعد اثنين وثلاثين يوماً من دخول محمود حلب، فلما قارب البلد خرج محمود عن حلب إلى البرية واختفى الأحداث جميعهم. وكان عطية بن صالح نازلاً بقرب البلد وقد كره فعل محمود ابن أخيه فقبض ابن ملهم على مائة وخمسين من الأحداث ونهب وسط البلد وأخذ أموال الناس، وأما ناصر الدولة فلم يمكن أصحابه من دخول البلد ونهبه وسار في طلب محمود فالتقيا بالفُنيدق في رجب فانهزم أصحاب ابن حمدان وثبت هو فجرح وحمل إلى محمود أسيراً. فأخذه وسار إلى حلب فملكها وملك القلعة في شعبان سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة وأطلق ابن حمدان فسار هو وابن ملهم إلى مصر، فجهز المصريون معز الدولة ثمال بن صالح إلى ابن أخيه، فحصره في حلب في ذي الحجة من السنة فاستنجد محمود خاله منيع بن شبيب بن وثاب النميري صاحب حران، فجاء إليه فلما بلغ ثمالاً مجيئه سار عن حلب إلى البرية في المحرم سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. وعاد منيع إلى حران فعاد ثمال إلى حلب وخرج إليه محمود ابن أخيه فاقتتلوا وقاتل محمود قتالاً شديداً، ثم انهزم محمود فمضى إلى أخواله بني نُمير بحران، وتسلم ثمال حلب في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وخرج إلى الروم فغزاهم ثم توفي بحلب في ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وكان كريماً حليماً وأوصى بحلب لأخيه عطية بن صالح فملكها ونزل به قوم من التركمان مع ابن خان التركماني فقوي بهم، فأشار أصحابه بقتلهم فأمر أهل البلد بذلك فقتلوا منهم جماعة ونجا الباقون فقصدوا محموداً بحران واجتمعوا معه على حصار حلب فحصرها وملكها في رمضان سنة أربع وخمسين وأربعمائة وقصد عمه عطية الرقة فملكها ولم يزل بها حتى أخذها منه شرف الدولة مسلم بن قريش سنة ثلاث وستين(واربعمائة)، وسار عطية إلى بلد الروم فمات بالقسطنطينية سنة خمسة وستين وأربعمائة وأرسل محمود التركمان مع أميرهم ابن خان إلى ارتاح فحصرها وأخذها من الروم سنة ستين وأربعمائة. وسار محمود إلى طرابلس فحصرها وأخذ من أهلها مالاً وعاد وأرسله محمود في رسالة إلى السلطان ألب أرسلان ومات محمود في حلب سنة ثمان وستين وأربعمائة في ذي الحجة. ووصى بها بعده لابنه شبيب فلم ينفذ أصحابه وصيته لصغره، وسلّموا البلد إلى ولده الأكبر واسمه نصر وجده لأُمه الملك العزيز ابن الملك جلال الدولة ابن بويه، وتزوجها عند دخولهم مصر لما ملك طغرلبك العراق. وكان نصر يُدمن شرب الخمر فحمله السكر على أن خرج إلى التركمان الذين ملكوا أباه البلد وهم بالحاضر يوم الفطر، فلقوه وقبلوا الأرض بين يديه فسبهم وأراد قتلهم فرماه أحدهم بنشابة فقتله. وملك أخوه سابق وهو الذي كان أبوه أوصى له بحلب فلما صعد القلعة استدعى أحمد شاه مقدم التركمان وخلع عليه وأحسن إليه وبقي فيها إلى سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. فقصده تُتُش بن ألب أرسلان فحصره بحلب أربعة أشهر ونصفاً ثم رحل عنه ونازله شرف الدولة فأخذ البلد منه.
سنة (420) وفي هذه السنة سيّر الظاهر جيشاً من مصر مقدمهم أنوشتكين البربري، فقتل صالح بن مرداس وملك نصر بن صالح مدينة حلب.
سنة (421) في هذه السنة خرج ملك الروم من القسطنطينية في ثلاثمائة ألف مقاتل إلى الشام، فلم يزل يسير بعساكره حتّى بلغوا قريب حلب وصاحبها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، فنزلوا على يوم منها فلحقهم عطش شديد وكان الزمان صيفاً وكان أصحابه مختلفين عليه فمنهم من يحسده ومنهم من يكرهه، وممّن كان معه ابن الدوقس وهو من أكابرهم وكان يريد هلاك الملك ليملك بعده، فقال الملك: الرأي أن نقيم حتّى تجيء الأمطار وتكثر المياه فقبَّح ابن الدوقس هذا الرأي وأشار بالإسراع قصداً لشر يتطرق إليه ولتدبير كان قد دبّره عليه فسار، ففارقه ابن الدوقس وابن لؤلؤ في عشرة آلاف فارس وسلكوا طريقاً آخر فخلا بالملك بعض أصحابه وأعلمه أنّ ابن الدوقس وابن لؤلؤ قد حالفا أربعين رجلاً هو أحدهم على الفتك به. فاستشعر من ذلك وخاف ورحل من يومه راجعاً. ولحقه ابن الدوقس وسأله عن السبب الذي أوجب عوده فقال له: قد اجتمعت علينا العرب وقربوا منّا وقبض في الحال عليه وعلى ابن لؤلؤ وجماعة معهما، فاضطرب الناس واختلفوا ورحل الملك وتبعهم العرب وأهل السواد حتّى الأرمن يقتلون وينهبون وأخذوا من الملك أربعمائة بغل محملة مالاً وثياباً، وهلك كثير من الروم عطشاً ونجا الملك وحده ولم يسلم معه من أمواله وخزائنه شيء البتة وكفى الله المؤمنين القتال. وقيل في عوده غير ذلك وهو أنّ جمعاً من العرب ليس بالكثير عبر على عسكره وظنّ الروم أنّها كبسة فلم يدروا ما يفعلون حتّى إنّ ملكهم لبس خفاً أسود، وعادة ملوكهم لبس الخف الأحمر فتركه ولبس الأسود ليعمي خبره على من يريده وانهزموا وغنم المسلمون جميع ما كان معهم.
سنة (426) وفيها جمعت الروم وسارت إلى ولاية حلب فخرج إليهم صاحبها شبل الدولة بن صالح بن مرداس فتصافّوا واقتتلوا، فانهزمت الروم وتبعهم إلى عزّاز وغنم غنائم كثيرة وعاد سالماً.
سنة (432) في هذه السنة كانت الوقعة بين عسكر المصريين سيّره الدزبري وبين الروم. فظفر المسلمون وكان سبب ذلك أن ملك الروم قد هادنه المستنصر بالله العلوي (الفاطمي) صاحب مصر فلما كان الآن شرع يراسل ابن صالح بن مرداس ويستميله وراسله قبله صالح ليتقوى به على الدزبري خوفاً أن يأخذ منه الرقة، فبلغ ذلك الدزبري فتهدد ابن صالح فاعتذر وجحد وانتهت الوقعة بانتصار المسلمين على الروم.
سنة (433) في هذه السنة فسد أمر أنوشتكين الدزبري نائب المستنصر بالله صاحب مصر بالشام وقد كان كبيراً على مخدومه بما يراه من تعظم الملوك له وهيبة الروم منه، وكان الوزير أبو القاسم الجرجرائي يقصده ويحسده إلا أنه لا يجد طريقاً إلى الوقيعة فيه. ثم اتفق أنه سعي بكاتب للدزبري اسمه أبو سعد وقيل عنه إنه يستميل صاحبه إلى غير جهة المصريين فكوتب الدزبري بإبعاده فلم يفعل، وما زال يسعى به الجرجرائي حتّى أفسد عليه الجند وكثر عليه الشغب في دمشق، وقصدوا قصره وهو بظاهر البلد وتبعهم من العامة من يريد النهب فاقتتلوا. فعلم الدزبري ضعفه وعجزه عنهم ففارق مكانه واستصحب أربعين غلاماً له وما أمكنه من الدواب والأثاث والأموال ونُهب الباقي وسار إلى بعلبك، فمنعه مستحفظها وأخذ ما أمكنه أخذه من مال الدزبري وتبعه طائفة من الجند يقتفون أثره وينهبون ما يقدرون عليه، وسار إلى مدينة حماة فمنع عنها وقوتل وكاتب المقلد بن منقذ الكناني الكفرطابي واستدعاه فأجابه وحضر عنده في نحو ألفي رجل من كفرطاب وغيرها، فاحتمى به وسار إلى حلب ودخلها وأقام بها مدة وتوفي في منتصف جماى الأولى من هذه السنة، فلما توفي فسد أمر الشام وزال النظام وطمعت العرب وخرجوا في نواحيه فخرج حسان بن المفرج الطائي بفلسطين وخرج معز الدولة بن صالح الكلابي بحلب وقصدها وحصرها وملك المدينة، وامتنع أصحاب الدزبري بالقلعة وكتبوا إلى مصر يطلبون النجدة فلم يفعلوا. واشتغل عساكر دمشق ومقدمهم الحسين بن أحمد الذي ولي أمر دمشق بعد الدزبري بحرب حسان ووقع الموت في الذين في القلعة فسلموها إلى معز الدولة بالأمان.
سنة (440) في جمادى الآخرة وصلت عساكر مصر إلى حلب في جمع كثير فحصروها وبها معز الدولة أبو علوان ثمال بن صالح الكلابي، فجمع جمعاً كثيراً بلغوا خمسة آلاف فارس وراجل، فلما نزلوا على حلب خرج إليهم ثمال وقاتلهم قتالاً شديداً صبر فيه لهم إلى الليل ثم دخل البلد. فلما كان الغد اقتتلوا إلى آخر النهار وصبر أيضاً ثمال وكذلك أيضاً اليوم الثالث. فلما رأى المصريون صبر ثمال وكانوا ظنوا أن أحداً لا يقوم بين أيديهم رحلوا عن البلد، فاتفق أن تلك الليلة جاء مطر عظيم لم ير الناس مثله جاءت المدود إلى منزلهم فبلغ الماء ما يقارب قامتين ولو لم يرحلوا لغرقوا ثم رحلوا إلى الشام الأعلى.
سنة (441) وفيها وصل عسكر من مصر إلى حلب وبها صاحبها ثمال بن صالح بن مرداس، فخافهم لكثرتهم، فانصرف عنها فملكها المصريون.
سنة (452) في هذه السنة في جمادى الآخرة حصر محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس الكلابي مدينة حلب وضيق عليها واجتمع مع جمع كثير من العرب فأقام عليها فلم يتسهل له فتحها. فرحل عنها ثمّ عاودها فحصرها فملك المدينة عنوة في جمادة الآخرة بعد أن حصرها وامتنعت القلعة عليه، وأرسل من بها إلى المستنصر بالله صاحب مصر ودمشق يستنجدونه، فأمر ناصر الدولة أبا محمد الحسين بن الحسن بن حمدان الأمير بدمشق أن يسير بمن عنده من العساكر إلى حلب يمنعها من محمود. فسار إلى حلب فلمّا سمع محمود بقربه منه خرج من حلب ودخلها عسكر ناصر الدولة فنهبوها. ثمّ إنّ الحرب وقعت بين محمود وناصر الدولة بظاهر حلب واشتدّ القتال بينهم، فانهزم ناصر الدولة وعاد مقهوراً إلى مصر. وملك محمود حلب وقتل عمّه معز الدولة واستقام أمره بها، وهذه الوقعة تعرف بوقعة الفُنيدق وهي مشهورة.
سنة (454) وفيها مات أبو علوان ثمال بن صالح ابن مرداس الملقب عز الدولة بحلب وقام أخوه عطية مقامه.
سنة (462) في هذه السنة أقبل ملك الروم من القسطنطينية في عسكر كثيف إلى الشام ونزل على مدينة منبج ونهبها وقتل أهلها وهزم محمود بن صالح بن مرداس وبني كلاب وابن حسان الطائي ومن معهما من جموع العرب. ثمّ إنّ ملك الروم ارتحل وعاد إلى بلاده ولم يمكنه المقام لشدّة الجوع.
سنة (463) في هذه السنة خطب محمود بن صالح ابن مرداس بحلب لأمير المؤمنين القائم بأمر الله وللسلطان ألب أرسلان، وسبب ذلك أنّه رأى إقبال دولة السلطان وقوّتها وانتشار دعوتها، فجمع أهل حلب وقال: هذه دولة جديدة ومملكة شديدة ونحن تحت الخوف منهم وهم يستحلون دماءكم لأجل مذاهبكم، والرأي أن نقيم الخطبة قبل أن يأتي وقت لا ينفعنا فيه قول ولا بذل. فأجاب المشايخ إلى ذلك ولبس المؤذنون السواد وخطبوا للقائم بأمر الله والسلطان، فأخذت العامة حصر الجامع وقالوا: هذه حصر علي بن أبي طالب، فليأت أبو بكر بحصر يصلّي عليها بالناس. وأرسل الخليفة إلى محمود الخلع مع نقيب النقباء طراد ابن محمد الزينبي، فلبسها ومدحه ابن سنان الخفاجي وأبو الفتيان بن حيّوس. وقال أبو عبدالله بن عطية يمدح القائم بأمر الله ويذكر الخطبة بحلب ومكة والمدينة:
كم طائعٍ لك لم تجلب عليه ولم
تعرف لطاعته غير التقى سببا
هذا البشير بإذعان الحجاز وذا
داعي دمشق وذا المبعوث من حلبا
وفي هذه السنة سار السلطان ألب أرسلان إلى حلب وقد وصلها نقيب النقباء أبو الفوارس طراد بالرسالة القائمية والخلع، فقال له محمود صاحب حلب: أسألك الخروج إلى السلطان واستعفاءه لي من الحضور عنده، فخرج نقيب النقباء وأخبر السلطان بأنّه قد لبس الخلع القائمة وخطب. فقال: أي شيء تساوي خطبتهم وهم يؤذّنون (حي على خير العمل) ولا بد من الحضور ودوس بساطي، فامتنع محمود من ذلك. فاشتدّ الحصار على البلد وغلت الأسعار وعظم القتال. وزحف السلطان يوماً وقرب من البلد فوقع حجر منجنيق على فرسه فلمّا عظم الأمر على محمود خرج ليلاً ومعه والدته منيعة بنت وثاب النميري، فدخلا على السلطان وقالت له: هذا ولدي فافعل به ما تحب فتلقاهما بالجميل وخلع على محمود وأعاده إلى بلده، فأنفذ إلى السلطان مالاً جزيلاً.
سنة (468) في هذه السنة ملك نصر بن محمود بن مرداس مدينة منبج وأخذها من الروم.
سنة (469) وفيها مات محمود بن مرداس صاحب حلب وملك بعده ابنه نصر، فمدحه ابن حيّوس بقصيدة وقد أورد هنا ما أوردناه عن ابن خلكان وما أوردناه هناك أوفى تفصيلاً.
سنة (472) في هذه السنة ملك شرف الدولة مسلم ابن قريش العُقيلي صاحب الموصل مدينة حلب، وسبب ذلك أنّ تاج الدولة تُتُش بن ألب أرسلان حصرها مرّة بعد أُخرى، فاشتدّ الحصار بأهلها وكان شرف الدولة يواصلهم بالغلات وغيرها. ثمّ إنّ تُتُش حصرها هذه السنة وأقام عليها أياماً ورحل عنها وملك بزاعة والبيرة وأحرق ربض عزاز، وعاد إلى دمشق. فلمّا رحل عنها تاج الدولة استدعى أهلها شرف الدولة ليسلموها إليه فلما قاربها امتنعوا من ذلك وكان مقدمهم يُعرف بابن الحُتَيْتى العباسي، فاتفق أنّ ولده خرج يتصيّد بضيعة له فأسره أحد التركمان وهو صاحب حصن بنواحي حلب وأرسله إلى شرف الدولة، فقرّر معه أن يسلم البلد إليه إذا أطلقه فأجاب إلى ذلك. فأطلقه فعاد إلى حلب واجتمع بأبيه وعرّفه ما استقرّ فأذعن إلى تسليم البلد ونادى بشعار شرف الدولة وسلم البلد إليه، فدخله سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة وحصر القلعة واستنزل منها سابقاً ووثاباً ابني محمود بن مرداس. فلمّا ملك البلد، أرسل ولده وهو ابن عمّة السلطان إلى السلطان يخبره بملك البلد وأنفذ معه شهادة فيها خطوط المعدلين بحلب بضمانها، وسأل أن يقرّر عليه الضمان، فأجابه السلطان إلى ما طلب وأقطع ابن عمّته مدينة بالس وكانت في هذه السنة نهاية ملك بني مرداس.
ما أورده ابن القلانسي
من أخبارهم
لمّا اقتضت الآراء وصواب التدبير تجريد العساكر المصرية إلى الشام ووقع الاختيار في ذلك على الأمير منتجب الدولة، وذلك عقيب وفاة الحاكم وخلافة الظاهر لإعزاز دين الله، استدعاه الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وقال له: ما تحتاج إليه لخروجك إلى الشام ودمشق؟ فقال: فرسي البرذعية وخيمة أستظل بها. فعجب الوزير من مقاله واستعاد فرسه المذكورة من سعيد السعداء وردّها إليه وأطلق له خمسة آلاف دينار وأصحبه صدقة بن يوسف الفلاحي ناظراً في الأموال ونفقة الرجال، وجرّدت العساكر معه ولقب بالأمير مظفر منتجب الدولة وخُلع عليه وخرج إلى مخيمه وجملة من جرد معه سبعة آلاف فارس وراجل سوى العرب. وسار في ذي القعدة وودعه الإمام الظاهر لإعزاز دين الله وعيّد بالرملة عيد النحر وسار إلى بيت المقدس وجمع العساكر وقصد صالح بن مرداس وحسان بن مفرج وجموع العرب عند معرفته بتجميعهم. ووقع اللقاء في القحوانة (الإقحوانة) والتقى الفريقان فهزمت جموع العرب وأخذتهم السيوف وتحكمت فيهم، وكان صالح بن مرداس على فرسه المشهور فوقف به من كد الهزيمة ولم ينهض به فلحقه رجل من العرب يعرف بطريف بن فزارة فضربه بالسيف على رأسه وكان مكشوفاً فصاح ووقع ولم يعرفه. وأتمّ في طلب فرسه فمرّ به رجل من البادية فعرفه فقطع رأسه وعاد يرقص به، فلقيه الأمير عز الدولة رافع فأخذه منه وجاء به إلى الأمير المظفر، فلمّا رآه نزل عن فرسه وسجد لله شكراً على ما أولاه من الظفر، وركب وأخذه بيده وجعله على ركبته وأطلق للزبيدي الذي جاء به ألف دينار ولعز الدولة رافع خمسة آلاف دينار وأطلق لطريف الذي ضربه بالسيف فرسه وجوشنه وألف دينار، وأخذ الغلمان الأتراك الذين لصالح لنفسه وأحسن إليهم. وتقدّم بجميع الرؤوس وأنفذ جثة صالح إلى صيدا لتصلب على بابها وأوصل رأسه إلى الحضرة وخلع على الواصلين به وأعيدوا ومعهم الخلع وزيادة الألقاب للأمير المنتجب، وقرئ سجله عليه، وقال فيه الأمير أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيّوس من قصيدة امتدحه بها:
فكم ليلة نام عني الرقيب
ونبهني القمر المرتقب
جمعت بها بين ماء الغمام
وماء الرضاب وماء الغب
لجود المظفر سيف الإمام
وعُدته المصطفى المنتخب
ولمّا توجّه عقيب ذلك إلى حلب ونزل عليها ظفر بشبل الدولة نصر بن صالح، وكان قد انهزم ولحقه رجل فرماه بخشت في كتفه فأنفذه ووقع عن فرسه، ومرّ به أحد الأتراك فقطع رأسه وسلّمه إلى رافع وأنفذ من يسلم جثته إلى حماه فصلبت على الحصن. وأمر أمير الجيش بعد ذلك بإنفاذ ثياب وطيب وتكفين الجثة في تابوتٍ ودفنها في المسجد وبقيت فيه إلى سنة 439 ونقلها مقلد بن كامل لما ملك حماه إلى قلعة حلب وأنفذ الرأس والتركي والبدوي مع الشريف الزيدي إلى الحضرة في نصف شعبان سنة 429. وعاد أمير الجيوش إلى دمشق ونزل في القصر وأقام فيها ما أقام وسار منها إلى حلب ونزل على السعدي وفتحت له أبواب البلد ودخله، وأحسن إلى أهله ورد ما كان صالح اغتصبه من الأملاك إلى أربابها وأمر بقتال القلعة فقوتلت وهو قائم. وراسله مقلد بن كامل المقيم بها وسلّمها إليه وأقطعه عدّة مواضع وسكن في دار عزيز الدولة، وجاء في الهامش نقلاً عن هلال بن الصابي ما يلي: في هذه السنة يعني العشرين بعد الأربعمائة جهّز صاحب مصر جيشاً مع القائد أنوشتكين الدزبري التركي أمير الجيوش لقتال صالح (وهو صالح بن مرداس أسد الدولة ويعرف بابن الروقلية) وحسان بن المفرج بن الجراح، وكانا قد جمعا واستوليا على الأعمال وانتهيا إلى غزة، فلمّا بلغهما خبر الدزبري انصرفا من بين يديه وتبعهما إلى الأقحوانة أسفل عقبة فيق، واقتتلوا فانهزم حسان بن المفرج وقتل صالح وابنه الأصغر. وبعث الدزبري برأس صالح إلى مصر وأفلت نصر بن صالح الأكبر إلى حلب. واستولى الدزبري على الشام ونزل بدمشق وكتب إلى صاحب مصر كتاباً مضمونه: إلى سيدنا ومولانا ويوضح للعلوم الشريفة أنّه كان قد عرف اصطناع الدولة لأجل الجراح، ومقابلتهم إحسانها بسوء الاجتراح، وكان أخلقهم بالشكر لما أوليه حسان، وأحقهم بالكف عن الإساءة إذ لم يكن منه في الطاعة إحسان ولكن أبي إلاَّ طبعه اللئيم، ومعتقده الذميم، وكم له من غدرة في الدين واضحة ورئة في أموال المستضعفين قارحة، وأمّا صالح بن مرداس زعيم بني كلاب فإنّه اتفق مع حسان مدلاً بحدّه وحديده، محلئاً على الدولة بعد إحسانها إليه بعدّه وعديده، فتآمرا على الفساد، وتوازرا على الفساد ونهب البلاد، وكان صالح أشدّهما كفراً، وأعظمهما أمراً ومكراً، ووافى الملعونان الأقحوانة الصغرى عند شاطئ نهر الأردن ووقعت الحرب، واشتدّت بالطعن والضرب، فانهزم حسان مغلولاً والعاقبة للمتقين ومن أصدق من الله قيلاً، وأمّا الخائن صالح فلم يزل يواصل الحملات حتّى أتعس الله جدّه، وأخذ سيف الله منه حدّه، فخرّ صريعاً قد أزهق الله نفسه، وأخبث مغرسه، وغنم المجاهدون سيفه وفرسه. وقد نُفذ إلى الحضرة رأسه وقتل عامّة أصحابه ممّن كفر النعمة وفجر ولم يقتل من الأولياء التامين عليه غير ثلاثة نفر (والدزبري أنوشتكين لقبه منتجب الدولة وقيل مصطفى الدولة مظفر الدين)، ولمّا انهزم شبل الدولة نصر بن صالح إلى حلب طمع صاحب إنطاكية في حلب فجمع الروم وسار إليها وأحاط بها فكبسه نصر وأهل البلد فقتلوا معظم أصحابه وانهزم هو إلى إنطاكية في نفر يسير، وغنم أموالهم وعسكرهم وقيل كبسه على أعزاز فغنم منه أموالاً عظيمة.
ونقل عن مؤرخ آخر وهو محمد بن مؤيد الملك: كان أبو صالح شبل الدولة صاحب حلب قد أنفذ إلى مصر رجلاً يُقال له الأيسر بعدما هزم الروم على أعزاز وبعث من غنائمهم شيئاً كثيراً من الصياغات والآلات والأواني والخيل والبغال، فأعجب ذلك الجرجرائي الوزير وأكرم رسوله وخلع عليه وبعث معه الخلع الجليلة لشبل الدولة. وكان أنوشتكين الدزبري صاحب الشام مقيماً بدمشق فلم يزل رجل يُقال له ابن كليد يُغري بين الدزبري وشبل الدولة حتّى أوقع بينهما، وكان ابن كليد بحمص فبعث الدزبري رافع بن أبي الليل أمير الكلبيين إلى قتال نصر بن صالح إلى حلب. فخرج شبل الدولة نصر بن صالح لقتالهم فاقتتلوا فقتل نصر في المعركة وذلك في شعبان. وسار الدزبري فنزل على جبل جوشن ظاهر حلب وأغلق أهل حلب أبوابها وقاتلوه فاستمالهم وأمّنهم ففتحوا له الأبواب فدخلها، وكان في القلعة المقلد بن كامل ابن عم شبل الدولة فتراسلا واستقرّ الأمر على أنّ المقلد يأخذ من القلعة ثمانين ألف دينار وثياباً وأواني ذهب وفضة ويسلّمها إلى الدزبري، وكانت خديعة فأجاب الدزبري فأخذ جميع ما كان في القلعة من الأواني والذخائر والجواهر وما ترك إلاّ ما ثقل حمله. ومضى إلى حلته وحصّل جمهور ما كان في القلعة المقلّد وأخذ عز الدولة ثمال بن صالح أخو نصر وكان قد انهزم إلى القلعة يوم الوقعة وأراد أن يعصي فلم يتوفق فأخذ خمسين ألف دينار وانصرف. وبلغ الوزير بمصر فعزّ عليه قتل نصر وما جرى في أموال القلعة من التفريط وكان ذلك مضافاً إلى سوء رأي الدزبري فكانت ولاية شبل الدولة نصر على حلب تسع سنين.
سنة (449) في هذه السنة وردت الأخبار بتسلّم الأمير مكين الدولة قلعة حلب من معز الدولة، وحصل فيها في الخميس لثلاث بقين من ذي القعدة منها وأقام بها مدّة أربع سنين يخطب فيها للمستنصر بالله صاحب مصر.
وفي سنة (450) وصل الأمير ناصر الدولة وسيفها ذو المجدين أبو محمد الحسين بن الحسن بن حمدان إلى دمشق والياً عليها، دفعة ثانية بعد أولى في يوم الاثنين النصف من رجب منها، وأقام يسوس أحوالها ويستخرج أموالها إلى أن ورد عليه الأمر من الحضرة بمصر بالمسير في العسكر إلى حلب، فتوجّه إليها في العسكر في السادس عشر من شهر ربيع الأوّل، سنة 452 واتفقت الوقعة المشهورة المعروفة بوقعة الفُنيدِق بظاهر حلب في يوم الاثنين مستهل شعبان من السنة بين ناصر الدولة المذكور وعسكره وبين جميع العرب الكلابيين ومن انضم اليهم. فكسرت العرب عسكر ناصر الدولة واستولوا عليهم ونكلوا فيهم، وأفلت ناصر الدولة منهزماً مجروحاً مغلولاً وعاد إلى مصر.
سنة (452) وفي هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس على حلب محاصراً لها ومضيقاً عليها وطامعاً في تملكها ومعه منيع بن سيف الدولة، فأقام عليها مدّة فلم يتسهل له فيها أرَب ولا تيسر طلب فرحل عنها، ثمّ حشد بعد مدّة وجمع وعاد منازلاً لها ومضايقاً عليها لأهلها ومراسلاً لهم، وتكرّرت المراسلات منهم إلى أن تسهل أمرها وتيسر خطبها فتسلمها في يوم الاثنين من جمادى الآخرة، وضايق القلعة إلى أن عرف وصول الأمير ناصر الدولة ابن حمدان في العساكر المصرية لإنجادها، فخرج منها في رجب ونهب حلب بعسكر ناصر الدولة واتفقت وقعة الفنيدق المشهورة وانفلال ناصر الدولة وعوده إلى مصر منهزماً مخذولاً. فعاد محمود بجمعه إلى حلب وحصل بها وقتل عمّه معز الدولة واستقام أمره فيها. وفي هذه السنة قصد الأمير عطية فيمن جمعه وحشده مدينة الرحبة ولم يزل نازلاً عليها ومضايقاً لأهلها ومراسلاً إلى أن تسهل الأمر فيها وسلمت إليه وحصل بها في صفر من السنة.
سنة (453) في هذه السنة استقرّ الصلح والموادعة بين معزّ الدولة صاحب حلب وابن أخيه محمود بن شبل.
سنة (456) وفي هذه السنة عاد محمود بن شبل الدولة بن صالح إلى حلب مضايقاً لها ولعطية عمّه، فاستصرخ بالأمير ابن خان التركي فأنجده عليه، فلما أحسّ بوصوله رحل عنها منهزماً ثمّ خاف عطية من الأمير ابن خان فأمر أحداث حلب بنهب عسكره فنهبوه، ورحل ابن خان منهزماً وأنفذ إلى الأمير محمود يعتذر إليه من المساعدة عليه، وتوجّه معه إلى طرابلس وعاد معه إلى حلب لحصرها في هذه السنة.
سنة (457) في هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة ابن صالح على حلب ثالث دفعة ومعه الأمير ابن خان التركي، وأقام عليها إلى انتصاف شهر رمضان ولم يزل مضايقاً لها إلى أن تسهل أمرها وملكها، فلما حصل بها فارقه ابن خان بعسكره نحو العراق ولم يدخلها إشفاقاً من أحداث حلب لما فعلوه في تلك النوبة من القيام عليه والنهب لأصحابه.
ونقلاً عن الفارقي أحمد بن علي الأزرق، إنّ السلطان ألب أرسلان لما نزل على الفرات بعد هزيمته جيوش الروم في رابع عشر ربيع الآخر، ولم يخرج إليه محمود صاحب حلب، غاظه ذلك. وعبر الفرات وأخربت العساكر بلد حلب ونهبوه ووصلوا إلى القُريتين من أعمال حمص ونهبوا بني كلاب وعادوا بغنائم عظيمة. وهربت العرب إلى البرية. وراسل محموداً وطلب منه الحضور فامتنع وحمل إليه الأموال التي قسطها على بلاده فقال: ما أعرف لامتناعك من قصد خدمتي مع إقامتك الخطبة لي واتصال مكاتبتك وجهاً وقد علمت إحساني إلى كلّ من حضر عندي من ملوك الأطراف. فأرسل محمود والدته وولده بخدمة قليلة فازداد غيظ السلطان. واتفق أنّ الخليفة بعث لمحمود الخلع التي طلبها لما طلب للقائم مع نقيب النقباء منها الفرجية والعمامة وفرس بمركب ثقيل ولواء ولوالدته فرسين وثياباً ولبني عمّه خيلاً وثياباً، وخرج محمود والتقى النقيب فسلم عليه عن الخليفة فنزل وقبّل الأرض ولبس الخلع وركب الفرس ودخل إلى حلب. وأقام النقيب يومين لم ير من محمود فيهما ما ظنّ فركب إليه (و) قال محمود: أنا أطيعكم وهذا السلطان على بُعد وطلبت حراستي وحراسة بلادي فأمّا البلاد فقد شاهدت خرابها ونهبها وأنا مطالب بالخروج إليه والأموال التي تفقدني ومهدد بالحصار والبوار، وهذا كتاب السلطان عندي بالإعفاء من دوس البساط. فقال النقيب: هات الكتاب لأمضي إليه. فأعطاه إياه فخرج إليه وكان نازلاً على الفندق فلما وصل بعث السلطان إليه بفرس النوبة وأكرمه واستدعاه وبلغه عن الخليفة ما حمله إليه فقام وقبّل الأرض وشكر ودعا وقال له: ما الذي أخرجك فقال: جئت لأُخرج محمود إلى خدمتك فأخرج إليّ هذا الكتاب. فقال: صحيح أنا كتبته تطييباً لقلبه مع بعدي عنه، فأمّا إذا قربت منه فما أقنع منه وأي عذر لنا إذا كان منتمياً إلينا وقد عصى علينا. ونصب المجانيق ليستعد للحصار وأي حرمة تبقى لنا عند الملوك ويجب أن ترجع إليه وتضمن له عنّي كلّ ما يريد. قال النقيب: فقلت سمعاً وطاعة. وثقل عليّ ما بعث له الخليفة فقال بعض الحجاب ما فعل هذا إلاّ بأمرك فسكن. واجتمعت بنظام الملك وقلت: محمود يخدم بعشرين ألف دينار للسلطان وخمسة آلاف دينار لك ويدفع باللقاء إلى حين عود السلطان من دمشق. وعدت إلى حلب وأخبرت محموداً فقال: أمّا المال فما عندي حبة وأمّا الخروج فلا سبيل إليه. ونزل السلطان على حلب يوم الأحد لليلة بقيت من جمادى الآخرة فقاتلهم فذلوا، فأرسل محمود يطلب الموادعة، وخرج إليه في الليل ومعه والدته فأخذت بيده ودفعته إلى السلطان وقالت: هذا ولدي قد سلمته إليك فاحكم فيه بما تراه، فتلقاه بما أحبّ وأكرمه. وقال: عد إلى قلعتك وترجع إلينا في غد ليظهر من إكرامنا ما تستحقه. فرجع إلى القلعة وعاد من الغد وتلقاه نظام الملك والحجاب والخواص، ولم يتخلف غير السلطان، ودخل على السلطان فخلع عليه الخلع الجليلة وأعطاه الخيل بمراكب الذهب والفضة والكوسات والأعلام وعتبه فقال محمود: والله ما كنت إلاّ على نية تلقيك حتّى خيّفت منك فعلم السلطان من فعل ذلك فكاسر…
سنة (464) وفيها نهض محمود بن صالح فيمن حشد من العرب وقصد ناحية أعزاز في يوم السبت الثاني والعشرين من رجب للقاء الروم، فاندفعت الروم بين أيدي العرب والعرب في عدّة قليلة تناهز ألف فارس وقصدوا إنطاكية واجتمعوا بها وعادت العرب إلى حلب.
سنة (465) فيها هرب الأمير أبو الجيوش علي بن المقلد ابن منقذ من حلب خوفاً من صاحبها الأمير محمود بن صالح حين عرف عزمه على القبض عليه، وقصد المعرة ثمّ قصد كفرطاب. وفيها ورد نفي الأمير عطية عمّ الأمير محمود بن صالح من القسطنطينية في ذي الحجة. وفيها ورد سائراً الأمير محمود بن صالح من حلب فيمن جمعه وحشده من عسكره إلى الرحبة.
وفي هذه الصفحة سنة (466) فيها فتح الأمير محمود بن صالح قلعة السن في يوم الخميس تاسع شهر ربيع الآخر.
سنة (467) وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية حلب بوفاة صاحبها الأمير محمود بن شبل الدولة ابن صالح بحلب في جمادى الأولى: وقام في منصبه ولده الأمير نصر بن محمود وهنأه بعد التعزية الأمير أبو الفتيان بن حيوس بالقصيدة الألفية المشهورة التي يقول فيهاك
وقد جادت محمود بألف تصرمت
وإني سأرجو أن سيخلفها نصر
فأطلق له ألف دينار وقال له: لو كنت قلت سيضعفها نصر لفعلت.
سنة (468) وفي هذه السنة وردت الأخبار من حلب بأنّ الأمير نصر بن محمود بن صالح صاحبها قتل بها في يوم الأحد عيد الفطر، فقتله قوم من أتراك الحاضر وذلك أنّه قبض على مقدمهم المعروف بالأمير أحمد شاه وخرج إليهم لينهبهم فرماه أحدهم بسهم فقتله، وقام في منصبه من بعده أخو سابق بن محمود بن صالح.
سنة (471) وفي هذه السنة قتل أحمد شاه مقدم الأتراك في الشام. وفيها برز تاج الدولة من دمشق وقصد حلب في عسكره ونزل عليها وأقام عليها أياماً ورحل عنها في شهر ربيع الأول وعبر الفرات مشرقاً ثمّ عاد إلى دمشق.
سنة (472) فيها تسلم شرف الدولة مسلم بن قريش حلب.
سنة (475) فيه توجّه السلطان تاج الدولة إلى ناحية الشام من دمشق ومعه في خدمته الأمير وثاب بن محمود بن صالح ومنصور بن كامل، وقصد ناحية الروم وأقام هناك مدّة.
سنة (486) في هذه السنة وصل قسيم الدولة إلى حلب ومعه جماعة من بني عقيل وبعض عسكر السلطان بركيارق، وانتهى الخبر بذاك إلى تاج الدولة، فنهض في العسكر من ناحية الرحبة إلى الفرات وقصد بلد إنطاكية وأقام بها، وورد عليه الخبر بانكفاء السلطان من الرحبة إلى بغداد وأنّ عزمه أن يشتو بها. وأقام تاج الدولة بإنطاكية مدّة، فقلت الأقوات وارتفعت الأسعار وخوطب في العود إلى الشام فلم يفعل، وعاد إلى دمشق آخر ذي الحجة من السنة وفي جملته الأمير وثاب بن محمود بن صالح وبنو كامل وجماعة من العرب لم يجسروا على الإقامة بالشام خوفاً من قسيم الدولة صاحب حلب.
سنة (487) وفي شهر ربيع الآخر من هذه السنة برز السلطان تاج الدولة من دمشق في العسكر، وتوجّه إلى الشام وقطع العاصي وتقدّم إلى العسكرية برعي الزراعات ونهب المواشي والعوامل. ولمّا اتّصل الخبر بذاك إلى قسيم الدولة صاحب حلب شرع في الجمع والاحتشاد والتأهّب لدفعه والاستعداد وأجمع على لقائه، وانتهى الخبر إلى تاج الدولة بذلك ووصول بوزان صاحب الرُها إليه في عسكره لإسعاده عليه وأنجاده وسواه من أمراء الأطراف ووصول الجميع في حلب لمعونته وموازرته. فرحل من منزله بكفر حمار، وأخذت جيوشه في الغارة على المواشي وإحراق الزرع، ورحل قسيم الدولة في جمعه من العسكر وتقديره نحو من عشرين ألفاً وزيادة على ذلك قاصداً من حلب تاج الدولة، والتقى الفريقان، وكان الظفر لتاج الدولة. وأسر قسيم الدولة أق سنقر صاحب حلب وأكثر أصحابه، وحين أحضروا بين يدي السلطان تاج الدولة أمر بضرب عنق قسيم الدولة ومن اتفق من أصحابه فقتلوا. وتوجه أكثر الفل إلى حلب واجتمعوا بأهل البلد والأحداث وتقرّر بينهم الاعتصام بحلب والاستنجاد بالسلطان بركيارق، فوصل تاج الدولة في الحال إلى حلب وقد اختلفت الآراء بينهم وصاروا فيما يعملون عليه، فوثب جماعة منهم لم يؤبه لهم وكسروا باب البلد ونادوا بشعار تاج الدولة، فدخل الأمير وثاب ابن محمود بن صالح البلد في مقدميه وبادر إلى المقيم بقلعة الشريف التي قبليّ حلب بالظهور إلى تاج الدولة، ومن باب منها دخل تاج الدولة وعادا إليه وأعلماه بما كان من تقرير الحال وأخذ الأمان فسلمها إليه وحصل بها، ولما قويت شوكته ونبه شأنه واجتمع إليه الأجناد ودعي له على منابر بغداد ووصل إلى همذان، وكاتب ولده فخر الملوك رضوان بدمشق يأمره بالمسير إليه في من بقي من الأجناد في الشام فسار إلى حلب ومن حلب إلى العراق ومعه نجم الدين أيلغازي بن ارتق والأمير وثاب بن محمود بن صالح وجماعة من أمراء العرب وأتراك حلب القسيمية، وتوجه صوب بغداد على الرحبة في أول سنة 487.
ويقول صالح بن يحيى في تاريخ بيروت:
إنّ المستنصر بالله خليفة مصر أقطع سنة 448هـ/ 1056م عكة وبيروت وجبيل لمعز الدولة ثمال بن مرداس صاحب حلب عوضاً عن حلب التي تنزل عنها للخليفة، لكن أقاربه لم يوافقوه على ذلك، فاسترجعوا حلب من عمال المستنصر واستعاد المستنصر المدن الثلاث الساحلية.
ما جاء من أخبارهم في صبح الأعشى، ج4، ص169.
ثمّ تغلب على حلب صالح بن مرداس (وكان عاملاً عليها من قبل الظاهر رجل يُقال له ابن شعبان) أمير بني كلاب في سنة أربع وعشرين وأربعمائة، ثمّ قُتل في أيام الظاهر الفاطمي، فملكها بعده شبل الدولة نصر بن صالح، ثمّ انتزعها منه أنوش تكين الدزبري بأمر المستنصر العلوي في شعبان سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وبقي حتى توفي في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وملكها بعده معز الدولة ثمال بن صالح بن مرداس، ثمّ ملك قلعتها بعد ذلك في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. ثمّ تسلمها منه مكين الدولة (الحسن بن علي ابن ملهم) في سنة تسع وأربعين وأربعمائة بصلح وقع بينه وبين الفاطميين على ذلك، ثمّ انتزعها منه (محمود ابن شبل الدولة) ابن صالح وملك قلعتها في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. ثمّ انتزعها منه (معز الدولة ثمال ابن صالح) في ربيع الأول سنة 452 وبقي بها حتّى توفي في ذي القعدة سنة 454، وملكها بعده أخوه (عطية بن صالح) في السنة المذكورة. ثمّ انتزعها منه ابن أخيه (محمود بن شبل الدولة) المقدم ذكره في رمضان سنة 454 وبقي بها حتّى توفي في ذي الحجة سنة 468. وملكها بعده ابنه (نصر بن محمود) ثمّ قتله التركمان. وملكها بعده أخوه (سابق بن محمود) ثمّ انتزعها منه شرف الدولة (مسلم بن قريش) صاحب الموصل، وقتل في صفر سنة 477، وملكها بعده أخوه (إبراهيم بن قريش)، ثمّ انتزعها منه تُتُش بن ألب أرسلان السلجوقي صاحب دمشق في السنة المذكورة.
المشبّهة
التشبيه في القضايا الكلامية هو تشبيه الذات الإلهية بالإنسان. وقد وصم كلّ من شبّه الذات الإلهية بالإنسان «بالمشبّه». ويرى البغدادي صاحب (الفرق بين الفرق) أنّ المشبّهة صنفان: صنف شبّهوا ذات الباري بغيره، وصنف آخرون شبّهوا صفاته بصفات غيره([1011]).
ولكن ما سبب انتشار القول بالتشبيه في الأوساط الإسلامية؟
I
يرى ابن قتيبة (ت276هـ) أنّ التشبيه أو الإفراط في التمثيل جاء نتيجة إفراط الجهمية في نفي الصفات عن الله تعالى.
قال ابن قتيبة: «ولمّا رأى قوم من الناس إفراط هؤلاء (أي الجهمية) في النفي، عارضوهم بالإفراط في التمثيل، فقالوا بالتشبيه المحض، وبالأقطار والحدود، وحملوا الألفاظ الجائية في الحديث على ظاهرها، وقالوا بالكيفية فيها»([1012]).
ويعطينا ابن قتيبة عدّة مسائل قد أنكرها الجهمية أو المعطلة، كالإيمان بالعرش، وهو واحد ممّا أنكرته المعطلة([1013])، واستواء الرب على العرش، وارتفاعه إلى السماء([1014])، والنزول من قبل الله تعالى، سواء في ليلة النصف من شعبان أو يوم عرفة أو يوم القيامة للحساب([1015]). وغيرها كرؤية الله تعالى([1016]). ويرى ابن قتيبة «أنّ أهل الفقه والبصر من مشايخنا لا ينكرها أحدٌ (أي لهذه الصفات) ولا يمتنع عن روايتها، حتّى ظهرت هذه الصبة (يقصد الجهمية) فعارضت آثار رسول الله برد، وتشمّروا لدفعها بحدّ، فقالوا: كيف نزوله هذا؟
قلنا: لم نكلف كيفية نزوله في ديننا، ولا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه… فالكيف منه غير معقول والإيمان بقول رسول الله في نزوله واجب»([1017])…
ولهذا اعتبر ابن قتيبة أنّ كلام الجهمية في تعطيل صفات الله تعالى هو أوحش من كلام اليهود والنصارى([1018]).
ويشير الشهرستاني (ت548هـ) إلى ما ذكره ابن قتيبة من أنّ التشبيه كان ردّاً على توغل المعتزلة في علم الكلام، ومخالفة السنّة التي عهدوها من الأئمة الراشدين([1019]).
ويلاحظ، أن الشهرستاني يعتبر أنّ مصدر التشبيه هو من الشيعة، ومنهم أخذ بعض أهل السنّة ذلك، قال الشهرستاني: «وكان التشبيه بالأصل والوضع من الشيعة وإنّما عادت إلى بعض أهل السنّة، بعد ذلك، فالشيعة إذن أول المشبّهة والمجسّمة في الإسلام»([1020]).
ويتابعه على ذلك البغدادي في كتاب «الفرق بين الفرق»، ويعتبر أنّ التشبيه مصدره الروافض الغلاة([1021]).
ولكن الشهرستاني ينقل رأياً آخر في سبب نشوء التشبيه، فيرى أنّ الحشويين هم الذين ساهموا في ظهور التشبيه، وقسم الحشوية إلى نوعين: الحشوية من الشيعة الغالية، والحشوية من غير الشيعة ويقصد بهم أهل الحديث([1022]).
ويستنتج من ذلك، أنّ التشبيه هو نتيجة إفراط المعتزلة في تعطيل الصفات، وانتشار الحشو في الأوساط الإسلامية، وأنّ التشبيه أو التمثيل هو إثبات الصفات، وما يقابله هو النفي، أي نفي الصفات.
فقال بالنفي الجهمية أو المعتزلة أو المعطلة.
وقال بالإثبات الشيعة والحشوية.
ومن الجدير ذكره أنّ الإثبات عند الشيعة يختلف كلياً عن إثبات الحشويين وأهل السنّة. فالإثبات عند الحشويين هو إثبات بتشبيه، بينما هو عند الإمامية إثبات بلا تشبيه، وهذا الأمر يتضح معنا في الحديث عن التشبيه والتجسيم المنسوب لهشام بن الحكم.
وخصّصتُ الكلام على هشام لأنّه من أوائل المتكلمين الإمامية ومن أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، وبه يتوضح لنا أساس التشبيه والتجسيم المنسوب للإمامية نتيجة العلاقة التنافسية ـ الخصومية ما بين المعتزلة والشيعة الإمامية الإثني عشرية، وأخيراً لأنّ أصحاب الفرق رموه بالتشبيه والتجسيم([1023]).
II
هو أبو محمد أو أبو الحكم هشام بن الحكم الكوفي، وهو مولى لبني كنده، وكان ينزل على بني شيبان في الكوفة، وهو من أصحاب الإمامين جعفر الصادق وموسى الكاظم (عليهما السلام)([1024])، وتذكر المصادر أنّه كان في بادئ الأمر جهمياً([1025])، ومن ثمّ ديصانياً([1026])، وأخيراً إمامياً على يد الإمام الصادق (عليه السلام) في قصة لطيفة([1027])، وفيها ترك هشام مذهبه الجهمي ودان بدين الحق وفاق أصحاب أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) كلّهم([1028]).
والظاهر أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) أعجب بذكاء وثقافة وشخصية هشام، فأحبّه شديد المحبة حتّى ظنّ أصحاب الصادق أنّ هشام من ولد عقيل([1029])، ويكفي دلالة على محبة الإمام الصادق (عليه السلام) له، أنّه دعا له يوماً بدعاء رسول الله لحسان بن ثابت([1030])، «يا هشام ما زلت مؤيداً بالروح القدس ما نصرتنا والشفاعة من ورائك»([1031]).
وكذلك كان موقف الإمام الكاظم (عليه السلام) من هشام، فطلب منه يوماً أن يكتب له كتاباً في الرد على القدرية([1032])، وبلغ من محبته واهتمام الإمام الكاظم (عليه السلام) به، أنّه (عليه السلام) كان يكلفه بأموره الخاصّة، وأعطاه ذات مرّة عشرة آلاف درهم وقال له «كُلْ ربحَها و رُدَّ إلينا رأسَ المال»([1033]).
هذه المحبة من الإمامين الصادق والكاظم، ردّها هشام إخلاصاً وتفانياً، حتّى روي عن هشام دعاء، كان يقول به دائماً، يبيّن لنا مدى عشق وإخلاص هشام للأئمة (عليهم السلام)([1034]).
هذا الحب والإخلاص والتفاني، حمله هشام معه إلى كلّ مكان، وكان يجاهر به في كلّ لحظة وزمان، فعُرف كشيخ للإمامية ومنظِّراً للمذهب في مجالس هارون الرشيد والبرامكة([1035])، وعاش هشام فترة من حياته في منزلة رفيعة عند بني برمك، وبالذات عند يحيى بن خالد البرمكي، الذي كان هشام منقطعاً إليه والقيّم في مجالس كلامه ونظره([1036]). وفي هذه المجالس كان «الحَكَم» ما بين المتكلمين إذا ما اختلفوا بمسائل كلامية([1037]).
وهذا ليس بالغريب، وهو الحاذق بصناعة الكلام([1038])، وكبير الصنعة في عصره([1039])، كما يقول المسعودي. ومن خلال هذه المجالس المنعقدة يوم الأحد من كلّ أسبوع([1040]) تعرّف هارون الرشيد على هشام ابن الحكم، وأعجب به، واستحسن كلامه، وأمر بجوائزَ عديدةٍ له([1041]).
وتذكر لنا النصوصُ مناظراتٍ عديدةً لهشام في هذه المجالس وغيرها مع رجالات عصره الفكرية، وسأشير إلى هذه المناظرات وأرتّبها حسب الرجال والفرق، لأنّها تبيّن موقع هشام في عصره:
ـ مع الخوارج: ومن أعلامهم بيان الحروري([1042]) وعبدالله بن يزيد الأباضي([1043]).
ـ مع الزيدية: وبالذات مع سليمان بن جرير([1044]).
ـ مع المعتزلة: والظاهر أنّ هشام بن الحكم أكثر ما تناظر مع المعتزلة، فناظر كلاً من:
ـ عمرو بن عبيدة([1045]).
ـ العلاّف([1046]).
ـ ضرار بن عمرو الضبّي([1047]).
ـ النظام([1048]).
ـ أبو عبيدة المعتزلي([1049]).
ـ مع الوزير خالد بن يحيى البرمكي([1050]).
ـ مع النصارى وخصوصاً مع جاثليق من جثالقة النصارى يُقال له بريهة([1051]).
ـ مع المجوس وبالذات مع المؤبد([1052]).
ـ مع رجل شامي([1053])، ومع جماعة من المتكلمين([1054]).
وسأنهي هذه المناظرات، بلطيفة أوردها التوحيدي في كتابه «الذخائر والبصائر»:
«قال رجل لهشام بن الحكم: أنت أعلم الناس بالكلام.
قال له: كيف ولم تكلمني؟
قال: رأيت كلَّ حاذق يزعم أنّه ناظرك وتغلّب عليك، فلولا أنّك الغاية عندهم ما فخروا بذلك أبداً»([1055]).
III
أردت من هذا العرض السريع، أن أبيّن مركز هشام وموقعه الفكري في عصره، والدور الذي لعبه، وبالرغم من هذا نسب إليه التشبيه والتجسيم، ويقول في الله بالأقطار والحدود والأشبار وأشياء نتحرّج من حكايتها وذكرها([1056]).
«وذكر أبو الهذيل في بعض كتبه أنّ هشام بن الحكم قال له إنّ ربّه جسم ذاهبٌ جاءٍ، فيترح تارة ويسكن أخرى، ويقعد مرّة ويقوم أخرى، وإنّه طويل عريض عميق، لأنّ ما لم يكن كذلك دخل في حدث التلاشي.
قال: فقلت: فأيّما أعظم إلهك أو هذا الجبل؟ فأومأت إلى أبي قبيس.
قال: فقال: هذا الجبل يوفي عليه، أي هو أعظم منه»([1057]).
نلاحظ من هذا النص أنّ العلاف هو الذي يروي عن هشام التشبيه والتجسيم، ومن البديهي أن لا يقبل هذا النقل للخصومة الفكرية بين الاثنين، وهما المتقابلان في النفي والإثبات على حد تعبير ابن تيمية([1058]).
ويضيف الأيجي إلى هشام بن الحكم قوله عن الله تعالى بأنّه «ذو لون وطعم ورائحة ومجسة» بفتح الميم، هو الموضع الذي يجسه الطبيب كأنّهم يريدون بها النبض([1059]).
هذا يعني أنّ هشاماً يقول بأنّ الله ينبض، والنبض يقتضي النفس، وهكذا فالله يشبه الإنسان، لذلك ينسب العلاف إلى هشام بأنّ الله عنده سبعة أشبار بشبر نفسه([1060]).
وهذا هو المسوّغ الذي عرضه البغدادي في كتابه «الفرق بين الفرق»، فيقول، إنّ هشاماً قال في معبوده إنّه سبعة أشبار بشبر نفسه، كأنّه قاسه على الإنسان، لأنّ كلّ إنسان في الغالب من العادة سبعة أشبار بشبر نفسه([1061]).
ولكن رفض الجاحظ المعتزلي، أن يكون رأي هشام قد استقرّ على أنّ ربه سبعة أشبار بشبر نفسه، فنراه يذكر أنّ هشام بن الحكم قال في ربّه في عام واحد خمسة أقاويل([1062]).
ولعل الجاحظ يروي هذا الكلام عن النظام، لأنّني وجدت ابن الجوزي في كتابه «تلبيس إبليس» يسند ما نسب إلى هشام إلى الجاحظ عن النظام([1063]).
ولم يكتفِ المعتزلة بهشام، بل نسبوا التشبيه إلى تلميذيه السكاك ويونس بن عبد الرحمن، بل هي جملة (أي التشبيه والتجسيم) قد اجتمع هشام بن الحكم وأصحابه عليها([1064]).
الذي أودّ الوصول إليه من هذا الكلام، هو أنّ المعتزلة هم وراء التشبيه المنسوب إلى هشام والشيعة بشكل عام، لأنّ جملة قول الرافضة ـ عند المعتزلة هو «أنّ الله عزّ وجل ذو قدٍّ وصورةٍ وحدٍّ، يتحرّك ويسكن ويدنو ويبعد ويخف ويثقل… هذا توحيد الرافضة بأسرها إلاّ نفراً منهم يسيراً صحبوا المعتزلة واعتقدوا التوحيد فنفتهم الرافضة عنهم وتبرّأت منهم([1065]).
هذا النص الهام من الخيّاط المعتزلي، يلخص بشكل عام الهدف غير المعلن من حرب المعتزلة على الشيعة الإمامية. فلعل المعتزلة تريد أن تثبت للروافض الأوائل التشبيه في التوحيد، وأمّا المتأخرون منهم فقالوا بتوحيد المعتزلة المنزّه، ولهذا يقرّر الخياط، أنّ من صحب المعتزلة من الروافض المتأخرين نفتهم الرافضة وتبرّت منهم.
ولعله، بهذا النص نفهم ما نسب من تشبيه وتجسيم إلى هشام بن الحكم الذي هو من الرافضة الأوائل؟!
إذن، من الواضح جلياً، أنّ المعتزلة هم وراء نسبة التشبيه والتجسيم إلى الشيعة، وبالخصوص العلاف والنظام والجاحظ والخياط لاحقاً([1066]).
IV
ولكن يبقى السؤال:
فما هو موقف الشيعة الإثني عشرية من التوحيد أو بالأحرى من التشبيه والتجسيم؟ لعله من خلال النص اللاحق والمروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) محاججاً فيه زنديقاً، نفهم موقف الأئمة (عليهم السلام) والإمامية بشكل عام من التوحيد.
«علي بن إبراهيم عن أبيه عن العباس بن عمرو والفقيمي عن هشام بن الحكم عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) أنّه قال للزنديق حين سأله ما هو؟
قال: هو شيء بخلاف الأشياء، ارجع بقولي شيء إلى إثبات معنى، وإنّه شيء بحقيقة الشيئية، غير أنّه لا جسم ولا صورة ولا يحس ولا يُجسّ ولا يدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا تغيّره الأزمان»([1067]).
نلاحظ من هذا النص، نفي التشبيه والتجسيم عن الله تعالى، ويحاول فيه الإمام الصادق (عليه السلام) أن يثبت لله الشيئية، فالله تعالى شيء، ولكن دون أن يعني ذلك أنّ الله مخلوق، لأنّ الشيئية تعني الموجود، وكلّ موجود مخلوق.
فلذلك، يقول الإمام الصادق (عليه السلام) للزنديق بأنّه إذا كان الله شيئاً هذا لا يعني أنّه كالأشياء «فالله شيء بخلاف الأشياء».
ويوضح الصادق (عليه السلام) مباشرة هذا المصطلح، وهو أنّ الشيئية عنده تعني إثبات معنى، أي إثبات وجود إله.
ويتابع الصادق (عليه السلام) كلامه للزنديق، بأنّ هذا الإثبات يؤدّي إلى أنّ الله شيء حقيقي، أي له وجود حقيقي، ولكن هذا الوجود الحقيقي لا يعني عند الصادق (عليه السلام) أنّ الله جسم وصورة وغيرها من الصفات المحسوسة.
وهكذا، لا بدّ من العودة إلى مبدأ أنّ الله شيء لا كالأشياء كما تقرّر بداية.
ولعل الصادق (عليه السلام) في كلامه هذا يطلق موقفاً بوجه المشبهة والمعطلة في عصره.
فالمشبهة غالوا في إثبات الصفات لله تعالى، ويذكر ابن أبي الحديد بعض الشيء عن هذا الغلو في كتابه «شرح نهج البلاغة»:
«قال بعضهم: سألت معاذاً العنبري، فقلت: أَلَهُ وَجْهٌ (أي الله)؟
فقال: نعم، حتّى عددت جميع الأعضاء من أنف وفم وصدر وبطن واستحييت أن أذكر الفرج، فأومأت بيدي إلى فرجي، فقال: نعم.
فقلت: أذكر أم أنثى؟ فقال: ذكر.
ويُقال إنّ ابن خزيمة أشكل عليه القول في أنّه أذكر أم أنثى فقال له بعض أصحابه إنّ هذا مذكور في القرآن وهو قوله تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى}، فقال: أفدت وأجدت»([1068]).
ورفض المعتزلة هذا التجسيم، ولعله نتيجة هذا الرفض أطلقَ عليهم الخصومُ اسم «المعطلة» أي عطلوا ظواهر الكتاب والسنّة عن المعاني التي تدل عليها([1069]).
ويتبين معنا أنّ موقف الإمامية هو الوسط، فلا هم شبّهوا وقالوا بأنّ الله كالأشياء، ولا هم عطلوا ونفوا عن الله الصفات.
فموقف الإمامية هو «إثبات بلا تشبيه»، بمعنى إثبات أنّ الله شيء، وهذا يعني أنّه موجود، ولكنّه لا كالأشياء أي لا كالموجودات، أي بلا تشبيه.
ويعلّل الصادق (عليه السلام) السبب الذي دعاه لرفض النفي أو التعطيل والتشبيه. فالنفي عنده (عليه السلام) «هو إنكار ودفع ربوبيته تعالى وإبطاله، وأمّا التشبيه هو إثباته تعالى بصفة المخلوقين المصنوعين الذين لا يستحقون الربوبية»([1070]).
والظاهر أنّ الأئمة (عليهم السلام) قد استمدّوا هذه النظرية من القرآن الكريم.
فالصدوق في توحيده «وبإسناده عن محمد بن عيسى بن عبيد قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام):
«ما تقول إذا قيل لك: أخبرني عن الله، شيء هو أم لا شيء؟
قال: قلت له: قد أثبت الله عزّ وجلّ نفسه شيئاً حيث يقول: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ الله شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}([1071]).
فأقول: إنّه شيء لا كالأشياء، إذ في نفي الشيئية عنه إبطاله ونفيه.
قال لي: صدقت وأصبت.
ثمّ قال لي الرضا (عليه السلام): للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب:
نفي، وتشبيه، وإثبات بلا تشبيه.
فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز، لأنّ الله عزّ وجلّ لا يشبهه شيء، والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه»([1072]).
ويظهر من هذا النص أنّ صاحب الإمام الرضا (عليه السلام) وبعد أن يورد تعليل الإمام الصادق (عليه السلام) الذي ذُكر سابقاً، وكأنّ الأئمة (عليهم السلام) يريدون أن ينشئوا أتباعهم على هذه النظرية، فلذلك وجدنا الإمام يسأل صاحبه في هذا النص، ويصدق كلامه، ويوضح له أكثر بعد الجواب.
وهكذا، يظهر أنّ للشيعة الإثني عشرية نظرية مستقلة في التوحيد هي نظرية «الإثبات بلا تشبيه».
V
وبعد هذا هل يعقل أن يُقال إنّ أتباع الشيعة مشبهة ومجسمة؟ وتأسيساً على ذلك، لا بدّ من أخذ مقولات المعتزلة عن الشيعة بكلّ حذر وشك، لأنّها حديث الخصم، وعادة الخصم لا يؤخذ بكلامه على خصمه.
خضر محمد نبها
نابلس
مرّ الحديث عنها في مكانه، وننشر عنها هنا ما يلي:
مدينة نابلس التي لقبها الرحالة العرب بدمشق الصغرى ووردت في روايات الأقدمين كالمقدسي وابن حوقل وياقوت الحموي. فهي من أقدم المدن الكنعانية تقع على بُعد 65 كلم شرق بيت المقدس، هدمت على يد الآشوريين 724ق.م. وأصلح عمرانها اليونانيون بعد 400 سنة كما عادت وهدمت في القرن الثاني للميلاد على يد الملك هوركانوس وأعاد الرومان بناءها لاحقاً مطلقين عليها اسم نيو ـ بوليس أي المدينة الجديدة. ومن هنا اشتقت التسمية العربية نابلس ويذكر المؤرخون أنّ هاديريانوس بنى هيكلاً لجوبيتر على قمة جبل جرزيم أوائل القرن الثاني.
ويعيش في المدينة حتّى اليوم عدد غير قليل من السومريين القدامى الذين لا يزالون محافظين على عاداتهم وتقاليدهم وطقوس عبادتهم. وقريباً من المدينة يوجد قبر يوسف الصديق وعين يعقوب. كانت نابلس مدينة مهمّة في عهد المماليك وقضاء ضرائبياً تحت الحكم العثماني ولعبت دوراً بارزاً في السياسة الفلسطينية قديماً وحديثاً حين كانت معقلاً للحركة الوطنية في الثورة الشعبية عام 1936 وصمدت أمام مخطط التوطين الإسرائيلي في العام 1928. احتلها الإسرائيليون بعد حرب حزيران في العام 1967، وفي العمليات العسكرية في الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2001ـ2002) تعرّضت المدينة القديمة للقصف وهي تحوي آثاراً يعود تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة، الأمر الذي سبّب ضرراً بالغاً للموجودات الأثرية والأبنية التاريخية.
ويذكر أنّ اللجنة الدولية للآثار التابعة لليونيسكو كانت عملت قبل أعوام على ترميمها. ومن المعالم الأثرية كنيسة قديمة يعود تاريخها إلى ما قبل ألف وخمسمئة سنة والآثار الرومانية والحمامات التركية والصبانات ـ أي في الفناءات التي كان يصنع فيها الصابون ـ إضافة إلى القباب والقناطر وزخرفات العمارة الشرقية ومسجد النصر ومسجد الخضرة الذي يرجع تاريخه إلى فترة المملوك قلاوون الصالح قبل ثمانمئة عام. وحتّى العام 1988 كانت نابلس مركزاً سياحياً واقتصادياً كبيراً يزورها الأهالي من كلّ أنحاء فلسطين التاريخية. وتشتهر المدينة بزراعة الخضراوات وصناعة الصابون المعطر والحلويات الشامية والسكاكر وصناعة العود النابلسي الشهير.
النجف
مرّ الكلام عنها في مكانه ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
يقع جامع ومرقد الإمام علي ـ الذي يُعرف أيضاً بالروضة الحيدرية ـ في وسط النجف ويمتاز بفخامته وطراز بنائه المعماري الإسلامي، ويعتبر من أهم الجوامع والمراقد الدينية في العراق لأنه يضم رفات أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي استشهد سنة 40 هـ (661م). وتشير المصادر التاريخية، كما ذكرنا، إلى أن هارون الرشيد العباسي كان أول مَن أمر بإقامة بناء على قبر الإمام علي (عليه السلام). وكان البناء بارزاً ومتقدماً على بناء الجوامع والمراقد في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي). وذكر أن البناء جدّد في العهد المغولي (الإيلخاني) وكذلك في العهدين الصفوي والعثماني، أما البناء القائم الآن فقد قام به الشاه صفي الدين حفيد الشاه عباس الصفوي الأول. وتمّ إكساء القبة والمئذنتين بالذهب سنة 1156هـ (1743م)، وفي سنة 1202هـ (1788م) صنع للقبر صندوق مشبّك بشكل فني وهندسي رائع.
ويشغل مبنى الجامع والمرقد أرضاً مربعة الشكل طول ضلعها 110 أمتار وتتألف أبنيتها من الحضرة وصحن واسع وسور ضخم يضم عدداً من المساجد. وتحتل غرفة الضريح مركز الحضرة وتتميز بارتفاع جدرانها وقبتها العالية، فهي مربعة الشكل طول ضلعها 13 متراً، وتتصف أيضاً بسمك جدرانها البالغة ثلاثة أمتار ونصف المتر، أما ارتفاعها فيبلغ 10 امتار. وترفع هذه الجدران الضخمة قبة الضريح، وهي مزدوجة يبلغ قطر القبة الداخلية منها 12 متراً وشكلها نصف كروي وارتفاعها عن سطح أرضية غرفة الضريح 35 متراً، أما القبة الخارجية فشكلها بصلي وتتميز بارتفاعها الشاهق الذي يبلغ 42 متراً عن سطح أرضية غرفة الضريح أما قطرها فيبلغ 16 متراً، وترتكز على رقبة أسطوانية مرتفعة تتخللها إثنتا عشرة نافذة معقودة مدببة. ويفصل القبتين عن بعضهما مجاز عرضه 1.50 متر، وتتخلل رقبة القبة الداخلية إثنتا عشرة نافذة أيضاً، تقابل نوافذ الرقبة في القبة الخارجية. وقد استخدم الطابوق (الآجر) والجص في بناء القبتين، وكسيت القبة الخارجية ورقبتها من الخارج بقشرة خفيفة من الذهب. ويتوسط غرفة الضريح قبر الإمام علي (عليه السلام) ويمكن الوصول إليه عن طريق أربعة أبواب تتوسّط جدران الغرفة وتصلها بالرواق، ويدور حول الضريح رواق يبلغ عرضه 5 أمتار وترتفع جدرانه بارتفاع جدران غرفة القبر. أما سقف الرواق فعبارة عن أقبية وقباب صغيرة ذات نوافذ. وجدران الرواق الخارجية ضخمة يبلغ طول كل منها 20 متراً من الخارج وهي بعرض 5 أمتار أي بعرض الرواق نفسه.
يتصل الرواق بالصحن عن طريق خمسة أبواب أشهرها ثلاثة بهيئة أواوين تخترق الجدران الشمالية والشرقية والجنوبية وأبرز هذه الأواوين إيوان الذهب الذي يتوسط الجدار الجنوبي ويمتاز بمقرنصاته العنقودية المطلية بالذهب، وهو يرتفع عن مستوى سطح الحضرة، وتحف به مئذنتان أسطوانيتان ترتفعان بارتفاع القبة تقريباً، ومكسوتان بألواح معدنية مطلية بالذهب، كما هي الحال في القبة وإيوان الذهب.
تتميز الحضرة الحيدرية بعدم وجود سقف يتقدم جدار طارمة المدخل الرئيسي، ويحيط بصحن المرقد سور مربع الشكل تقريباً ويبلغ ارتفاعه في معظم أجزائه حوالي 17 متراً وتتكون مبانيه من طابقين: الأرضي عبارة عن صف من الأواوين المقببة وفتحاتها معقودة وذات رؤوس مدببة، أما الطابق الأول فيتكوّن من رواق معقود بعقود ذوات رؤوس مدببة أيضاً يتقدّم مجموعة من الغرف المقببة، ويوجد بالسور الخارجي خمسة أبواب (مداخل)، باب في كل ضلع من أضلاعه الأربعة، عدا الضلع الشرقي ففيه بابان.
الباب الكبير: يقع في الجهة الشرقية من السور ويعتبر الباب الرئيسي ويقابل سوق النجف المعروف بالسوق الكبير.
باب مسلم بن عقيل: يقع في الجهة الشرقية من السور الخارجي أيضاً وإلى اليمين من الباب الكبير.
باب الطوسي: يقع في الجهة الشمالية من السور الخارجي.
باب القبلة: يقع من الجهة الجنوبية من السور الخارجي، وعُرف بهذا الاسم لأنه يواجه القبلة.
الباب السلطاني: ويعرف حالياً بباب العمارة ويعتبر أحدث الأبواب الرئيسية نسبياً ويقع في السور الغربي الخارجي، وفتح في عهد السلطان العثماني عبد العزيز سنة 1279هـ (1863م).
ومن المباني الدينية الاخرى البارزة في مدينة النجف:
1ـ مسجد عمران بن شاهين: ويعتبر من اقدم مساجد مدينة النجف إذ انه شيّد في القرن الرابع الهجري على يد عمران بن شاهين وإلي البطائح من قبل السلطان عضد الدولة البويهي.
2ـ مسجد الخصراء: ويقع في النهاية الشمالية من الجانب الشرقي من السور الخارجي للمشهد. وهو من المساجد القديمة أيضاً.
3ـ مسجد الرأس: يقع في الجهة الغربية من السور الخارجي للمشهد، ويرجع تاريخ تشييده إلى عصر الإيلخانيين.
4ـ إيوان العلماء: يقع هذا الإيوان الكبير في الجهة الشمالية من السور الخارجي للمشهد، وعُرف بهذا الاسم لكثرة العلماء المدفونين فيه وكان يُعرف سابقاً باسم مقام العلماء.
5ـ تكية البكتاشية: ويقع هذا المبنى في الجهة الغربية من السور الخارجي للمشهد ملاصقاً لمسجد الرأس. والبكتاشية اسم لفرقة صوفية تركية، أما التكية فلفظ أطلق في العهد العثماني على المباني الدينية.
أما أبرز المعالم الأثرية في النجف فهي:
ـ سور النجف القديم: شيّد السلطان عضد الدولة فناخسرو بن بويه الديلمي سوراً لمدينة النجف حين عمّر المرقد بين سنة 367هـ و372هـ وبنى الحسن بن سهلان وزير عضد الدولة سنة 400 هـ سوراً آخر حول المدينة، فأما أن يكون السور الأول تصدّع فهدمه واعاد بناءه أو بنى سوراً أوسع من الأول وهدّم الاول. ثم بنى أحد ملوك الهند سوراً آخر يقال إنه أوسع من السور الثاني الذي شيّده الحسن بن سهلان، ويقال إن نادر شاه حين مجيئه للنجف سنة 1156هـ أمر بتسويرها ولعله أصلح السور السابق. وشيّد نظام الدولة محمد حسين خان العلاف الأصفهاني وزير فتح علي شاه القاجاري سوراً يعتبر أعلى الأسوار التي شيّدت سابقاً واحكمها وهو الذي كان موجوداً حتى سنة 1357هـ (1937م).
ـ بحر النجف: يوجد عند حافة الهضبة الصحراوية في الجنوب الغربي لمدينة النجف منخفض يسمى «بحر النجف» والواقف على رأس الهضبة يشاهد منظراً جميلاً، إذ يمتد امامه بساط من البساتين والمزروعات على ضفتي جدول صغير ممتد من نهر «أبو صخير». ويذكر الرحالة البرتغالي تكسيرا الذي وصل إلى النجف في 23 ربيع الثاني 1013هـ ( 18 أيلول/ سبتمبر 1605م) أن بحر النجف يستمد ماءه من نهر الفرات ولذلك يلاحظ ازدياد مناسيبه في مواسم الفيضانات. ويقول إن البحيرة كانت شديدة الملوحة ولذلك كان يستخرج منها الملح الذي يباع في بقية المدن العراقية. ومع ملوحتها هذه كان يكثر فيها السمك بأنواعه المختلفة، ولهذا يسميها الناس بحيرة النجف. ثم يذكر أن مدينة النجف كانت تطل من موقعها العالي على بحر النجف نفسه.
ـ مقبرة النجف: تعتبر مقبرة النجف المعروفة بـ (وادي السلام) من أوسع المقابر في العالم وتاريخها قديم قدم التعرف على مرقد الإمام علي (عليه السلام).
محلات النجف
تتكوّن النجف القديمة من عدّة محلات تخترقها الشوارع والأسواق، وشوارعها مستقيمة وفسيحة، وأسواقها عريضة، ومنظمة، ولا سيّما السوق الكبير([1073]) الذي يبتدي من سور المدينة الشرقي، وينتهي عند الصحن الشريف، ولاستقامته فإنّ الواقف على سور البلدة يرى داخل الحضرة الشريفة بكلّ سهولة، وفي زمن الوالي نظام باشا سَعتْ الحكومة بتوسيع الشوارع والأزقة إلاّ أنّها لم تنجح إلاّ في توسيع السوق الكبير. وإلى زمن قريب كانت تعرف فيها أسماء لمحلات عدّة قبل أن تتوحّد في محالها الأربع الحالية، وهي:
1 ـ محلّة المشراق: وكانت تعرف بمحلة العلا باسم أحد المشاهير من العلماء وبقي هذا الاسم إلى أواخر القرن الثالث عشر، وهي أقدم المحلات، وفيها مرقد الشيخ الطوسي([1074]).
2 ـ محلّة الحويش: كان اسمها سابقاً محلة باب النهر، ويُقال في اشتهارها بالحويش أنّ فرق من الجبور([1075]) يعرفون بآل حويش وقعت بينهم وبين أعمامهم فتنة فرحلوا عن أوطانهم وجاؤوا إلى النجف وبنوا أبنيتهم في هذا المحل، وفي محلة الحويش موقع السوق الصغير الذي يعرف بحوض أشطيب وبقي هذا الاسم إلى أواسط القرن الثالث عشر ثمّ هجر…
3 ـ محلّة العمارة: وفيها حارة تعرف بالرّباط وشارع صفة الصفا، وهو شارع ممتد متصل بالسور([1076]) من جهة جنوب البلدة، وهي أحدث المحال وينتهي الشارع إلى مقام زين العابدين، وقد يعرف بقبّة المصطفى، وبصفة الصفا وهي بنية فيها مقام أمير المؤمنين، وقبّة أخرى قديمة على بعض السادات المتقدمين، وفي المحلّة تذكر شوارع مشهورة منها شارع جبل شريف شاه الذي تسمّيه العامّة شريفشان واقع في جنوب المرقد المقدّس من جهة الغرب، وينسب إلى عز الدين بن محمد الحسيني الأفطسي نسبة إلى الأفطسي بن علي بن الحسين الحسيني من رجال القرن السادس.
ولم تبق محلة العمارة منحصرة ضمن السور بل شيّدت ظاهرها الدور والمقاهي والخانات والفنادق، وبعض مراكز الحكومة، ومعظم هذه الأبنية في شمالي البلدة وشرقها.
4 ـ محلّة البراق: تقع جنوب المرقد المقدّس وهي قطعة من محلة الحويش الكبير، وتسمية المحلة بالبراق قديماً لوجود بركة للاستسقاء يحقّقه اسمها، ومنها يبدأ شارع جبل النور وهو أكمة مرتفعة، وبقربه من جهة الشرق جبل الجمالة.
5 ـ محلّة الزنجيل: وفيها السوق المعروف بعقد الحمير، ويعرف قديماً بشارع البهاش وسبب تسمية المحلّة بالزنّجيل لقربها من الصحن الذي كانت على كلّ باب من أبوابه سِلسلة تبعد عن الباب عدّة خطوات هي حدود الأمان، فكلّ من جاز السِلسلة وقرب من الصحن ولو كان متهماً بجناية كبيرة يأمن ولا شيء عليه، وفي الوقت الحاضر توجد سِلسلة على أبواب الصحن لعلّها رمزٌ لتلك السِلسلة.
6ـ محلّة الجيّة: وهي قطعة من محلة الحويش قريبة من المسجد الهندي تعرف اليوم بالطمّة.
7ـ محلّة المستقى: وهي قطعة أخرى من محلّة الحويش من جهة الشرق بين الحويش الكبير ومحلة البرّاق الحالية وهي أكمة مرتفعة في جنوب المرقد المعظم.
8ـ محلّة عجِرّم: تقع على مرتفع في شمال القبر الشريف تنسب إلى رجل يعرف بالديك وهي محلّة خاصّة تسكنها عائلة آل الديك قديماً.
9ـ محلّة الخيابان: وهي مجاورة للسوق الكبير، وفيها المدرسة السليمية.
10ـ محلّة المَصبَّغة.
11ـ محلّة آل جلال: وفيها سوق المسابچ وهو أحد فروع السُوق الكبير، وكان فيه من يخبط الجِلة للحمير فاشتهر أخيراً بسوق الجللجية.
12ـ محلّة المؤمنين: تقع ضمن محلّة العمارة اليوم.
13ـ محلّة العميد: يُقال إنّها في محلّة البرّاق الحالية.
14ـ محلّة الربّاط: وفيها السُّوق الصغير، وكان يعرف بسُوف الفرج بإضافته إلى باب الفرج وهو الباب الرابع الذي فتح أيام السلطان العثماني عبد العزيز سنة 1279هـ/ 1862م، ويعرف أيضاً بالباب السلطاني من حيث إنّ السلطان المذكور أمر بفتحه، وعند فتح هذا الباب حدث السوق الصغير، وعلى يسار الداخل من باب الفرج تقع تكية البكتاشية وهي بنية عظيمة في غاية الإحكام والرصانة معقودة بالأحجار الكبيرة ويشبه بناؤها بناء الصحن الشريف وعلى طرازه، بابها في الحصن بالقرب من الطاق «الساباط» في الإيوان الثاني من جهة الغرب الشمالي، وهي محل المتصوفة من الأتراك أيام الحكومة التركية وفيها ضيافتهم ومنزلهم عند مجيئهم إلى النجف، وكانت لها أوقاف خاصّة كثيرة على ضفة نهر الهندية وهي أراضٍ زراعية يقبضها وكيلها الخاص، ويُقال إنّ هذه البنية في القديم كانت مخزناً لكتب الحضرة العلوية. وكان إلى جوار التكية بيت وقف يسكن فيه المسؤول عن التكية وكان له راتب شهري من الأوقاف.
15ـ محلّة المسيل: وهي قطعة من محلّة الرباط، وفيها مقام زين العابدين علي بن الحسين يقع غربي البلدة ممّا يلي الجرف، وفي عصرنا الحاضر اتّصلت البلدة به وتعدّت حدوده بكثير، وفيها مسجد الشيخ باقر([1077])، ومنها بداية شارع المسيل، وهو ثالث شارع يسمّى بهذا الاسم، وموقعه سوق الطليان سابقاً الخارج من السوق الكبير إلى خان المحروق.
16ـ محلّة حوض إشطيب: ويدخل في هذه المحلّة جزء من محلّة الحويش، وجزء من محلّة العمارة.
17ـ محلّة عقد السلام: ويعرف بعقد الذهب([1078]).
18ـ محلّة جبل النور: وهو مرتفع من الأرض، وتعرف هذه المحلة قديماً بمحلة الجمالة، وبمحلة آل الطريحي، لكثرة بيوتهم وقدم سكناهم فيها كما وجدت هذه التسمية في صكوك بيع الدور التي في هذه المحلّة، وهي محلّة واسعة تشتمل على جزء كبير من محلّة البراق، وفيها مسجد الشيخ فخر الدين الطريحي المتوفى سنة 1085هـ/ 1674م، وبالقرب منه داره التي فيها مقبرته.
19ـ محلّة الشيلان([1079]): وهي قطعة من محلّة العمارة، وفيها مسجد صافي الصفا، وهذه المحال لم تكن منظمة ولا متميزة، ولا محدودة. أمّا في الوقت الحاضر فالمعروف المحلات الأربعة وهي: محلّة المشراق، والبراق، والعمارة، والحويش.
20ـ محلّة الجديدة: في سنة 1350هـ/ 1931م خططت مساحة واسعة جنوب البلدة خارج السور وهي محلة كبيرة تعرف بالجديدة امتدّت عمارتها فشملت المناخة([1080]).
21ـ محلّة الغازية: في سنة 1357هـ/ 1938م قلع تمام السور من سائر جهاته. وفي سنة 1352هـ/ 1933م، أعطيت عرصات لسكان الأواوين التي هدمت فصارت محلّة تعرف بالغازية لقربها من حديقة غازي([1081])، واتّصلت المحلتان بالبلدة ولم يبق من السور إلاّ أثر قليل. وهذا الأثر المتبقي نقضت حجارته بعد 1991م.
واستحدث الشارع المحيط بالمدينة الذي يبتدئ من شارع الخورنق بمحلّة البراق فالساحة الواسعة المنتهية إلى محلّة المشراق ومحلّتي العمارة والحويش المطلّة على مشارف البحر، وقبة الصفة([1082])، وفي سنة 1375هـ/ 1956م خطّط حي السعد خارج البلدة ثمّ اتّسع ليشمل البرّ الممتد إلى سهل الكوفة وملطاط الحيرة وصحراء كربلاء تتموج جنباتها بأشعة القبّة العلوية القدسية، وأنوار الحقيقة المحمدية. تلوح للمُقبل على النجف شعلة نور يكوّنها توهّج شمس النهار على شمس من الذهب، وهي تلك القُبّة الإبريزية.
وللسيد أحمد الرفاعي([1083]) في هذا المعنى لما تراءت له قبّة الإمام علي (عليه السلام) عند زيارته للنجف وقد ترجل وخلع خفّه وأنشد:
تَحدّث بما شاهَدتَ يا بارِق الحِمى
لأنّك راءٍ ولا يَليقُ بهِ الكذبُ
أتى مِنكَ في طَي الحَديث رِسالةٌ
لَها العِيسُ قَدْ حَنَّتْ وَقَدْ طُويّ الدَّربُ
لقد هاجني مِنْ جانبِ الطُورْ نسمَة
وقُلتُ عسَى مَرْت بساحَتها الركبُ
وأبديتُ ما في القَلبِ لمّا شَذى الهوى
عَبيراً وزالَ الهَمُّ وانكشف الحجبُ
بناء البيت النجفي
للبيوت النجفية طابعها الخاص والمتميز في البناء والزخرفة. ويتكوّن من طابقين على الأكثر، وينفصل منه بيت خاص معدّ للضيوف يسمّى البراني، وبعض البيوت لأسباب أمنية يُدخل إليها من دهليز منخفض عن الشارع ويحتوي على بيوت متجاورة. وفي السابق كان في كلّ بيت حوض ماء يملأ من البئر التي لا يخلو منها كلّ بيت تتّصل ببعضها بواسطة نفق من السراديب المتجاورة إلى خارج البلدة، وأهم المواد المستعملة في البناء هي الجص والطاباق الذي يفخر فيها وبالآجر المستخرج من أنقاض الكوفة القديمة، وأكثر بيوتها صغيرة ضيقة المساحة.
السراديب
حين يراد بناء البيت تقام في كلّ ركن من أركانه القواعد الأساسية في أعماق مناسبة من السرداب، وتقام أعمدة ترتفع حتّى تبلغ سطح الدار فتوصل بين عمود وآخر بطبقات تبنى بالآجر، ويتألّف من هذه الطبقات المتّصلة بعضها ببعض سقف السرداب، وينزل إلى السرداب عند اشتداد القيظ في فصل الصيف، وتتكوّن من الفوقانية، ويقوم تحتها «النيم سن» والكلمة فارسية تعني منتصف السن، والسن: طبقة رملية متحجرة ينحت فيها سرداب آخر، ويوجد ما هو أعمق منها ويسمّى السن، ويحفر السرداب على هيئة متوازي الأضلاع بقطر مترين أو أقل من ذلك، وفي عمق عشرين متراً أو أقل من ذلك لينفذ هذا الحفر من متوازي الأضلاع إلى وسط السرداب بقصد إيصال النور وسحب الماء البارد إلى الأعلى، كما تحيط بالسراديب من طرف أعاليها شبابيك لنفوذ النور والهواء فضلاً عن عدد من المنافذ الهوائية المتصلة من أعلى سطح البناية بالسردبات الفوقانية وهي التي تسمّى بالبخاريات، وتنحت هذه السراديب في الغالب بالآجر وتزخرف وقد تترك سراديب السن على حالها، وهي منحوتة من طبقة السن التي تشبه الصخور أو تزين جدرانها بالآجر، وكثيراً ما تفتح في السراديب منافذ تتّصل بالبئر، ويتحوّل السكن في الصيف في وسط البيت إلى هذه السراديب.
مياه الشرب
تقع مدينة النجف على الذوات البيض المرتفعة بعيدة عن الماء ممّا سبّب لها مشكلة مزمنة بسبب صعوبة نقل المياه الصالحة للشرب، وانعكس ذلك على أبناء البلدة لشدّة ما كانوا يعانونه من تلك المشكلة.
وكانت النجف تشرب من مياه الأمطار ومياه البحر المالحة، وكان بعض الملوك والوجهاء يتبرّعون لشق القنوات، منها: قناة آل بويه، وقناة آل أعين، ولحفر الآبار في الشوارع العامّة والطرقات لسقاية الناس، منها:
بئر السيد مراد حاكم النجف
البئر التي أمر بحفرها السيد مراد محاذية لداره المقابلة للصحن الشريف من جهة القبلة سنة 1128هـ/ 1715م، قد أرّخها الشيخ أحمد ابن الفقيه العاملي بقوله:
بئراً أُعدّتْ للسِقايةِ في الوَرَى
طُوبى لِمُنشئها غداً في المحشرِ
الهاشمي أبا سُلالةَ أحْمِدٍ
خيرُ الورى من كان أشرفَ عُنصرِ
يُوحي إلى واردُها تاريخُها
أبداً رِدوا مِنها مِياه الكوثَرِ
نهر التاجية
ولانعدام المياه العذبة جرت محاولات عدّة لإيصال الماء الحلو لساكني النجف ابتداءً من سنة 676هـ/ 1277م عند مجيء الصاحب عطاء الملك([1084]) للزيارة، فبذل ما يزيد على مائة ألف دينار ذهب، وأمر بحفر نهر يأخذ ماءه من الفرات ويصل إلى مسجد الكوفة، ثمّ ينتهي إلى النجف، سمّي نهر التاجية نسبة لتاج الدين علي ابن الأمير علاء الدين المباشر له.
شط السبيل
وعند مجيء الشاه إسماعيل الأوّل الصفوي لزيارة مرقد الإمام أمير المؤمنين سنة 914هـ/ 1508م، رأى ساكني النجف يشربون المياه المالحة فأمر بكري «شط السبيل» وهو فرع يأخذ ماءه من الفرات القديم ويقع في بطائح الحلة في منطقة «المجرية» التي اشتهرت فيما بعد بمكرية الشاه، وعرفت القبائل النازلة عليها بقبائل المجرية.
وذكر لونكريك: أنّ الشاه إسماعيل عند زيارة مرقد الإمام علي سنة 914هـ/ 1508م، أمر بحفر نهر من الفرات وإيصال مائه بقناة خاصّة تمتدّ تحت الأرض إلى النجف لارتفاع موقعها عن مستوى الفرات.
نهر الطهماسية
وفي سنة 980هـ/ 1572م حفر الشاه طهماسب الصفوي([1085]) المتوفى سنة 984هـ/ 1576م نهراً من الفرات إلى قرية «نمرود»، ولم يتم فنسب إليه فقيل «الطهماسية» ثمّ صُحف إلى الطهمازية موقعه من فوق نهر التاجية من جهة الغرب على الطريق السائر إلى قرية «نمرود» المعروفة اليوم عند العامّة بقبر إبراهيم الخليل، فاعتمد طول ستة فراسخ في عرض عشرة أذرع ولكن لم يصل الماء إليه لارتفاع أرض النجف.
ترعة السلطان سليم
وبأمر من السلطان سليم الثاني المتوفى سنة 892هـ/ 1574م شقت ترعة من الفرات لإيصال المياه إلى النجف إلاّ أنّها وشط السبيل طمرا بعد فترة لحاجتهما إلى تنظيف متواصل.
الآبار العباسية
وفي زيارة الشاه عباس الأوّل الصفوي ابن الشاه محمد خدابنده المولود سنة 979هـ/ 1571م والمتوفى سنة 1037هـ/ 1627م لمدينة النجف سنة 1032هـ/ 1622م أمرَّ بحفر آبار وقنوات([1086]) تتّصل بعضها ببعض إلى أن تصل المدينة بالآبار العباسية، وأوصلوا إحدى القنوات بالجابية([1087]) التي كان الناس تستقي منها.
نهر الشاه
وفي سنة 1042هـ/ 1632م حفر الشاه صفي نهراً عميقاً من الحلة حتّى جاء به قريباً من النجف، ومرَّ به على عمارة الخورنق، وأوصل الماء إلى النجف، وبنى بركة.
وقال الرحالة كارستن نيبور: إنّ الناس يستعملون ماء المجرى للغسل ولِما يطبخ، أمّا ماء الشرب فإنّه ينقل على الحمير، وكان مروره إلى النجف في سنة 1179هـ/ كانون الأوّل 1765م([1088]).
قناة إبراهيم باشا
وخلال ولاية إبراهيم باشا العثماني سني 1093 و1095هـ/ 1681 و1683م شقّت قناة لإيصال الماء من أحد الجداول القريبة من أطلال الكوفة القديمة والمعروفة بنهر الشاهي، ولكنّها لم تصل إلى النجف.
قناة حسن رضا
بنى الوزير الهندي حسن رضا خان قناةً في النجف ليمدّها بالمياه، وكان قد خصّص مبلغ خمسمائة ألف روبية لهذا المشروع، وتمّ إنجاز القناة سنة 1208هـ/ 1793م.
قنوات السيد أسد الله
وعند مجيء السيد أسد الله الأصفهاني المتوفى سنة 1288هـ/ 1871م إلى النجف شرع بإتمام ما قام به مؤلف الجواهر حتّى وصل على بُعد ثلثي فرسخ ووقف الماء لارتفاع الأرض فَعَدَل السيد أسد الله وحفر قنوات جوفية ووصل الماء إلى النجف في رمضان سنة 1278هـ/ 1870م واستمرّ جريانه بالقنوات.
جدول مؤلف الجواهر
أرسل الشيخ جعفر كاشف الغطاء إلى بعض الأعيان من أهالي الهند، يحثّهم على حفر جدول لسقي النجف، وبعد وفاته وبسعي الشيخ محمد حسن النجفي مؤلف جواهر الكلام أرسل السيد حسين دلدار علي كنوي لكاً وخمسين ألف روبية لأجل حفر جدول من نهر آصف الدولة ملك «أود» الذي سمّي فيما بعد بنهر الهندية، وأوصل الجدول إلى النجف قاطعاً الرمال والآكام حتّى وصل عند موضع يُقال له: «طبيل» على أربعة أميال من شمال غربي النجف، فوقف العمل لارتفاع الأرض فاستعان صاحب الجواهر بملك أود مرّة أخرى ووضعت الترتيبات لإيصال الماء بحفر قناة من ذلك المكان مستوية بعمق بعيد القعر إلى أن يصل إلى أقصى الحفر أوّلاً، كان يبعد عن سور النجف بضع خطوات، وما لبث صاحب الجواهر جاداً في المشروع حتّى توفي سنة 1266هـ/ 1849م، وتعطل العمل حوالي ست عشرة سنة([1089]).
نهر الهندية
وجرت مراسلات بين علماء النجف والوزير الهندي آصف الدولة يحيى خان النيشابوري المتوفى سنة 1220هـ/ 1805م، شكا فيها العلماء انقطاع الماء الحلو من القناة لكثرة الترسبات والطمي، فبعث أموالاً طائلة لحفر نهر من عمود الفرات قريب المسيب فحفر، ولمّا وصل أرضاً مرتفعة شقوا وسطه جدولاً، وتمّ العمل سنة 1208هـ/ 1793م، وأرخ (صدقةٌ جاريةٌ) وسمّي كما هو اليوم نهر الهندية، وعند جريانه صادف أراضي منخفضة اجترفها بقوّته، وهناك حدثت أهوار كثيرة منها، بحر النجف، وبحيرة يونس، وبحر الشنافية، حتّى كان الراكب يأتي في سفينة من البصرة إلى النجف، وهور الدُخن، والعوينة، وأبو طرفة، واستحدثت بعد جفاف هور أبو طرفة وهور الكفل، مدن طويريج([1090]) والكوفة([1091]) والشامية([1092]) وأبي صخير([1093])، وغيرها من النواحي والبلدان، وزرعت على حافتي النهر الأشجار وبساتين النخيل وكثير من الأراضي الزراعية الواسعة منها الحسكة، وأعطى نهر الهندية دفعة قوية لوضع النجف الاقتصادي، فلقد وفّر الماء المطلوب لتلبية حاجة السكان المقيمين، والزوار. خاصّة بعد إقامة سدة الهندية التي صمّمها المهندس الإنكليزي وليم كوكس([1094]) «1352هـ/ 1932م»، وكان ظهوره إيذاناً بالانتعاش الزراعي والسكاني للعشائر المحيطة به، فقد نزلت على حافتيه عشائر آل فتلة والعوابد وبني حسن.
وعند حدوث نهر الفرات وجريانه عبر الكوفة في سنة 1280هـ/ 1863م الذي يبعد حوالي أربعة أميال عن النجف انتشرت مهنة السقائين الذين يجلبون الماء بالقِرَبْ على ظهور الحيوانات، وتبرّع بعض الأثرياء لنقل الماء إلى الصحن، فأعدّت بغال لنقله ليوضع في حوض كبير من الصخر المرمر كان في الغرفة التي تكون على يسار الداخل إلى الصحن من باب القبلة، والفاضل منه وزع على دور العلماء، وبعد فترة ترك هذا الحوض ونقل الماء إلى مكان كبير في سوق باب القبلة.
قناة عبدالله خان
وفي سنة 1230هـ/ 1814م شقّت قناة نُسِبَت إلى عبدالله خان أمين الدولة ابن الحاج محمد حسن خان الصدر من جهة «أبو فشيقة» إلى «كري سعد»، وأقاموا على هذا الكري القنطرة وأطلقوا الماء في الكري ثمّ وقف الماء قرب النجف.
حوض نجيب باشا
وفي سنة 1261هـ/ 1845م أنشأ الوالي نجيب باشا([1095]) حوضاً مقابل الإيوان([1096]) الكبير أقرب منه إلى الطارمة، أرّخه الشاعر عبد الباقي العمري بقوله:
أَجْرى مُحَمدُ النَجيبُ الوَزيرُ
حَوضاً لِساقِي الحَوضِ يَحكي الكَوثَر
ومَنْ جَرَى يَبغي مُجازاةً لهُ
بِحَلبةِ يَرجعُ عَنهُ القَهقَرى
يا سائِلاً عمّا جَرى انظرْ تَرى
تارِيخه «هذا أرقُ ما جَرَى»
نهر السنية
وفي ولاية علي رضا باشا([1097]) سنة 1246هـ/ 1827م حفر الأتراك نهراً من عمود الفرات بالقرب من ناحية الحيرة سمّي نهر السنية([1098])، وتمّ افتتاحه يوم الخميس غرة جمادة الأولى سنة 1305هـ/ 1887م، وأرّخ وصول الماء إلى النجف الشاعر الشيخ عباس الأعسم المتوفى سنة 1313هـ/ 1895م، قال:
جاءَ ساقي الحَوض بالماءِ الذي
فيه إطفاءُ الظَما واللّهَبِ
دَفِقاً جاءَ وقَدْ أغنى الوَرى
رَشحَهُ في سابقاتِ الحُقَبِ
فلِسكانِ الغري إذْ طمئوا
سَوَّغَ التاريخُ «شِربَ العَذبِ»
وكان السقاة ينقلون الماء بالقِرَب المحملة على الحمير، ويبيعونه إلى البيوت حيث يحفظ الماء في أحباب كبيرة.
إلاّ أنّه كثيراً ما كان يدفن النهر بالرمال العاصفة القادمة من الصحراء المحيطة بالنجف.
نبعية أم نخلة
ومن مياه النجف نبعية «أم نخلة»، وهي عينان يتدفق منهما الماء بقوّة، ويندفع إلى السواقي، وقد اعتمدت عليها النجف فترات طويلة للاستعمال والسقاية والغسل، وماؤها ليس بالعذب، وقد هدمت أواخر الأربعينات.
نهر غازي
افتتح نهر «الدعمية» أو نهر الأمير غازي الذي يوصل الماء من أبي صخير([1099]) في 4 ذي الحجة 1350هـ/ 2 نيسان 1932م، وهو المجرى العمودي لنهر الفرات وينتتهي إلى أراضي النجف المنخفضة وبجريانه استصلحت على ضفافه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
جدول الزيديات
وفي سنة 1342هـ/ 1923م، بذل الحاج محمد علي الشوشتري المعروف بالحاج رئيس ـ لأنه يلقب رئيس تجار عربستان ـ مبلغاً قدره ثلثمئة روبية على أن تصرف في حفر جدول يستمد ماؤه من الفرات من محل يعرف بالمزيديات متصل بجدول بني حسن وينتهي مصبه إلى بحر النجف، ويصرف ريعه في سبيل الخير، وابتدأ بالعمل ثمّ أهمل.
حوض فاطمة خاتون
وأقامت فاطمة خاتون بنت الوالي شبلي باشا حوضاً في الصحن مقابل الباب الكبير المسمّى باب الساعة([1100])، ويسمّى أيضاً باب اللقلق([1101]) له ميازيب خاصّة، وقلع هذا الحوض فيما بعد وكان باعة الماء يقفون بقربه يحملون مشربياتهم.
مشروع المضخات
وفي سنة 1346هـ/ 1927م، اهتم الحاج محمد البوشهري الملقّب معين التجار، بأمر الماء في النجف فاشترى مضختين رافعتين للماء أحدهما إنكليزية والأخرى ألمانية حتّى إذا طرأ عطل على واحدة واحتيج لإصلاحها كانت الأخرى جاهزة، وشاركه في بعض مصاريفها الحاج رئيس المار الذكر، فتم ذلك ووصل الماء إلى البلدة، ووزّع على الدور يوم 22 جمادى الثانية 1347هـ/ 1928م.
وفي سنة 1351هـ/ 1932م وصلت الكهرباء وأنيرت المدينة.
وفي سنة 1363هـ/ 1943م أسّس مشروع الماء، وقيِّد باسم بلدية النجف، وفي سنة 1385هـ/ 1965م استبدل مشروع الماء والكهرباء بالمشروع الحالي.
الرحلة إلى كربلاء
اعتمدت الرحلة من النجف إلى كربلاء وسيلة امتطاء الحيوانات أو ركوب العربات التي تجرّها الخيول. وكان السفر مشياً على الأقدام، أو امتطاء الحيوانات يستغرق ثلاثة ليالٍ.
الليلة الأولى في خان المصلى([1102])، والثانية في خان الحماد([1103])، والثالثة في خان النخيلة([1104]) بالقرب من نهر الفرات، وكان قبل ذلك يوجد خان واحد بين المدينتين هو خان جذعان، وهو بعيد عن الفرات، وعندما بنيت الخانات الثلاثة هُجر، وقد زحفت عليه رمال الصحراء فصار رابية.
ثمّ أسّست شركة العربات لنقل المسافرين بين النجف وكربلاء، وكانت عندما تصل إلى خان المصلّى الذي يبعد عن النجف عشرين كيلومتراً، تستبدل خيولها بأربعة خيول أخرى، وفي خان الحماد الذي يبعد عن خان المصلّى اثنين وعشرين كيلومتراً تستبدل الخيول مرّة ثانية. وعندها تصل إلى خان النخيلة الذي يبعد عن كربلاء واحداً وعشرين كيلومتراً، وكانت مدّة السفر ما بين العشر ساعات إلى إثنتي عشرة ساعة.
وكان السفر عن طريق الشركة التي أسّسها الشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمباني، وكان للحاج رضا الصراف أيضاً خط عربات بين النجف وكربلاء، وللحاج حسين بن علي البهبهاني خط آخر.
وفلي سنة 1329هـ المصادف 1911م دخلت النجف أوّل سيّارة، وكانت أعجوبة الأهالي حينذاك.
والسيّارة الثانية التي دخلت النجف كانت للوالي خليل باشا، ثمّ تقاطرت سيّارات الجيش الإنكليزي المحتل.
محمد كاظم الطريحي
النخيل
لم يوجه أي انتباه لتطوير الزراعة وتنظيمها خلال الحكم العثماني إلاّ بعد أن تمّت السيطرة المباشرة على السلطة في العراق خلال القرن التاسع عشر، وتمثّل ذلك في بناء بعض المدن الجديدة في الجنوب والوسط لتشجيع العشائر العربية على الاستقرار، والتوجّه نحو الزراعة. زاد في ذلك إنشاء بعض المشاريع الإروائية، فقد «استقر القسم الأعظم من عشائر العراق وتوجّه نحو ممارسة الزراعة». وهكذا بدأت أرض السواد بعضاً من حيويتها.
لكن العمل الجدي لتطوير الزراعة وتحسين أساليبها جاء بعد تأسيس الحكم الوطني وإعلان الملك فيصل الأوّل ملكاً على العراق العام 1921، حيث بدأت العودة للنشاط الزراعي وتزايد النمو السكاني، لذلك أصاب النخلة من خير ما أصاب أخواتها من المزروعات الأخرى. وفي إحصائية سجلها دليل الجمهورية العراقية الصادر في العام 1960، وصل عدد النخيل في العراق إلى 30 مليون نخلة منها 13 مليون نخلة في البصرة فقط. حيث تصدر العراق العالم في عدد النخيل وإنتاج التمور، أمّا عدد الأنواع الموجودة من التمور فكانت أكثر من 530 نوعاً حسب الإحصائية الصادرة في المصدر السابق.
أمّا عن أصل النخيل فيعتقد كما يقول عبد الجبار البكر في كتابه «التمور العراقية» بأنه «جنوب العراق والجزيرة العربية». وقد ازدادت عملية غرس النخيل بعد الفتح الإسلامي للعراق، وزاد أكثر في العصر العباسي حيث تمّ جلب العديد من الأرقاء العبيد ليتم على عاتقهم زراعة الأراضي الشاسعة والممتدة ما بين البصرة والإحساء والتي كانت عبارة عن ولاية واحدة في معظم العهود الماضية وخاصّة في العهد العثماني، وازدادت أهميتها في أواخره بعد انحسار سلطة المماليك فكان المسؤول عن مالية ولاية البصرة هو المتلقي والدافع لكلّ الضرائب وإعانات حكام المناطق المحليين ـ الزبير والكويت والإحساء ـ وخاصّة ما يتأتّى من دخل بيع وتصدير التمور».
لذلك فتاريخ العراق مرتبط كلية بزراعة النخيل كمصدر أساسي للغذاء والتجارة، وقد كرّمها جلّ شأنه فقي كتابه العزيز فذكرها 16 مرّة مع بقية أشجار الجنة مثل العنب والزيتون والرمان. وقال عنها رسوله الكريم «أكرموا عمتكم النخلة». وعندما وصل أبو العلاء المعري للعراق زائراً قال:
شربنا ماء دجلة خير ماء
وزرنا أشرف الشجر النخيل
وجاء من بعده الجواهري ليقول في قصيدة (عند الوداع…):
سلام على هضبات العراق
وشطيه والجرف… والمنحنى
على النخل ذي السعفات الطوال
على سيد الشجر المقتتى
وتعدّد الحديث عن النخلة وجمالها وقيمتها الغذائية والاقتصادية.
في علم التشريح يبدأ بالتشريح السطحي أو ما يسمّى بـ (Anatomy Surface)، أي معرفة التفصيلات الظاهرة للجسم، والنخلة كأي جسم حي تملك هذه الصفة وسأبدأ بالحديث عن النخلة من القاعدة وهي الجذع حيث يكون جذعها في معظم الأحيان أسطوانياً مستقيماً حتّى القمة من حواف متدرجة هي (الكَرَبُ) وواحدتها (كَرُبَة) وللكرب فوائد عديدة أوّلها وضعها الهندسي على جسم النخلة الذي يسمح بتسلقها بسهولة لقطع السعف وجني الثمار والتلقيح، وثانيهما كونه مادة للوقود وثالثهما فقد كان يستعمل بدل الإسفنج قبل اكتشافه حيث يربط بشباك الصيد للسمك فتطفو على سطح الماء ويستعمل في المراكب مثل سدّة الإنقاذ من الغرق وغيره من الفوائد العديدة. أمّا الأداة التي يقطع بها الكرب فتسمّى بـ (العكفة).
وعند قطع النخلة وخاصّة الفحل من النخيل يستعمل الجذع كجسر للعبور على الترع والجداول الصغيرة كجزء واحد أو يقطع طولياً إلى جزأين ويسمّى بـ (القنطرة) أو بلهجة الجنوب العراقي (الكنطرة). أو يقطع الجذع إلى قطع تكون أعمدة للبناء والتسقيف وغيرها أو تقطع على شكل قطع صغيرة للاستعمال كوقود وتسمّى القطع (الشِّلاّخ).
أمّا إذا صعدنا إلى قمّة النخلة فيطالعنا كربها المفلطح الضخم البارز أكثر من سابقه. وبعض النخيل يكون كربها مهشماً أو غير بارز خاصّة عند هرم النخلة وتسمّى النخلة (جَرده) أي جرداء.
ويتدلى السعف من قمّة النخلة إلى جانب الثمر وهو التمر المتدلي من عثوقه أو الطلع الذي هو بداية الثمر أو الزهر {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} [الواقعة: 29].
وإذا جئنا لتشريح السعفة فنراها مكوّنة من قسمين، القسم الأوّل المتصل بالنخلة مباشرة وفيه جزء عريض من بقية الكربة ثمّ يتقوس قليلاً ويضعف تدريجياً في السمك. ويتبرز على جانبيه الأشواك القوية، ويكون هذا الجزء ثلث السعفة. ويسمّى بـ (الكصمول) وله عدّة فوائد منها كحطب في الطبخ والشوي أو تزال أشواكه ويستعمل لتقليب النار في التنور عند عملية الخبز أو الشواء ويسمّى بالمحراث، أو تغرز قطع اللحوم أو بيض السمك (الثروب) في شوكه ويدخل في التنور للشوي ويجب أن يكون أخضر طرياً لئلا يحترق.
أمّا الثلثان الآخران من السعفة فيبرز على جانبيهما خوص السعفة حتّى آخرها. والعود لوحده بعد تجريده من الشوك والخوص يسمّى (جرِيدَة). وفوائد السعف عديدة حيث استعمل في الوقود، والمقشات اليدوية أي (المكانس)، وتستعمل السعفة كوسائل في الزينة أي (المكانس)، وتستعمل السعفة كوسائل في الزينة في المناسبات المختلفة وفي أقواس النصر، وتدخل في صناعة عجينة الورق، لكن الأهم من السعف المرغوب في الصناعات اليدوية المحلية هو الموجود في قلب النخلة، حيث السعف الطري الخوص البارز حديثاً وتسمّى (الكُلْبة) والتي تستخدم في صناعة المراوح اليدوية ونوع من الحصر يسمّى في البصرة بـ (البَلَّة). وهو يرش بالماء صيفاً لتلطيف الجو، وأنواع (الزنابيل) مثل زنبيل أبو عروتين لحمل الحوائج والزنبيل الصغير (الكوشر)، وعلاقة التسوق والمكانس المنزلية. وغطاء (التُنكة) أو (الشربة)، حيث تترك المسامات مساحة لتبخر الماء وبرودة الماء داخل (التُنكة)، و«الخصاف» وهو الوعاء الكبير نسبياً الذي يكبس فيه التمر بالإضافة إلى غيرها من الصناعات والفوائد العديدة.
أمّا الطلع الذي يصفه القرآن بالطلع النضيد في سورة (قاف) فيخرج من قلب الشجرة داخل علبة مغلقة تنفتح فيخرج الطلع الذي يلقح يدوياً أو تلقائياً بواسطة الرياح أو الحشرات. ويستفاد من اللقاح في استخراج مادة طيبة تسمى بـ (ماء اللقاح) كانت تستعمل كدواء طارد للرياح ومزيل للتخمة خاصّة للأطفال الرضع والشيوخ والمرضى ممّا تصفُه جدّاتنا وأمهاتنا للآن.
أمّا الثمر الذي يبدأ بالظهور فيسمّى في أوّل أمره بـ (حبابوك) وهو عبارة عن ثمرة طرية خضراء تستفيد الحيوانات من التساقط منها عند الرعي، وهي غذاء جيد لها. أمّا عندما يكبر قليلاً فيسمّى بـ (الچمري) الذي يتذوقه الأطفال عند نضجه وتتوحم عليه النسوة الحوامل، وهو بالتالي غذاء مهم للحيوانات.
وعند كبر حجمه وصفار لونه يسمّى (الخلال)، حيث يجنى بعضه أمّا للبيع أو لعمل (خلال المطبوخ) الذي يسلق بالماء ويجفف ليخزن لموسم الشتاء أو يرسل كهدية أو للتصدير.
وبعد نضج نصف حبّة الخلال تسمّى (رطباً) حيث يباع جزء من عثوق النخلة على شكل رطب ويصدر جزء منه للدول المجاورة، ويسمّى الجزء الحامل للرطب أو التمر «شرموخ» ومجموعة الشراميخ يكون العثق المتدلي من قمة النخلة. وذكر الله جلّت قدرته الرطب في الآية 25 من سورة مريم {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطُ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً}. وفي السنين الأخيرة تمّ حفظ الرطب بأكياس داخل (الفريزر) بغية خزنه للشتاء كفاكهة محفوظة بالتجميد.
أمّا عند موسم نضج التمر، فيتم قطع عثوقه وجمعه لتسويقه، أو كبسه في (الچراديغ)، أو معامل كبس التمور الحديثة حيث يتمّ شحنه للتصدير.
يكون كبس التمور على أشكال عدّة منها:
1 ـ أن يكبس داخل كيس كبير مصنوع من الخوص والمسمّى بـ (الخصاف) وهي طريقة بدائية قديمة، وكان يكبس بهذه الطريقة أدنى أنواع التمور للتصدير للدول الآسيوية أو للاستهلاك المحلي، وتسمّى بعد كبسها بـ (حلانة التمر) أو (نصيفية التمر).
2 ـ طريقة الكبس بالعلب القصديرية (التنك)، وغالباً ما يضاف لطبقات التمر المكبوسة السمسم وحبّة الحلوة وحبّة سودة وعرگ حار (الجنجر).
3 ـ أمّا الطريقة الحديثة فتكون في الكبس، وتمرير البخار لمنع تسوّس التمر وإضافة الجوز أو اللوز إليه والسمسم وذلك لتصديره للخارج.
وصناعة الحلويات هي عبارة عن صناعات منزلية للاستهلاك العائلي، أو المحلي وتتضمن:
1 ـ حلاوة التمر وأحياناً يضاف الجوز.
2 ـ المدكوكة.
3 ـ المعمول (وهي معجنات بالتمر).
4 ـ الكليچة بالتمر.
5 ـ المعسل: وهو تمر يطبخ بالدبس ويضاف إليه حبة الحلوة والسمسم وغيره حسب العمل والطلب.
6 ـ الدبس، وهو عسل التمر المكبوس ويعدّ للتصدير أيضاً.
7 ـ الخل، وأجود أنواعه يعمل من تمر الزهدي.
8 ـ السكر، وأهمية استخراجه في الوقت الحاضر غير ذات جدوى بسبب توفّر بديل لاستخراجه.
9 ـ الهيس، وهو غير معروف إلاّ في البصرة ودول الخليج، حيث يخلط التمر مع قليل من الطحين وحبة الحلوة ويعمل على شكل كرات بحجم كف اليد، وتبيعه النساء في البسطات التي تتواجد في المحلات.
وفي قلب قمة النخلة تكون (الجمّارة)، وهي تعدّ للأكل عند قطع النخلة، وتعتبر قلب النخلة الذي لا تستطيع العيش بدونه. وطعمها لذيذ وهناك مثل كان يضرب من قبل الخاطبات فتصف خد الفتاة بأنه «مثل الجمّار»، أمّا الليف الذي يكون حول الجمار فيستخدم كوقود أو يستخدم في أغراض التبطين لبعض الاستعمالات.
وللنخيل فائدة غذائية عالية جدّاً من خلال منتوج التمر الذي تطرحه، حيث يمثّل التمر الغذاء الشعبي الأرخض قيمة، ودائماً في متناول الجميع، إضافة للقيمة الغذائية العالية فيه بسبب توفّر كلّ من الڤيتامينات 1شـ، 1صـ، ونسبة من 2ضـ، ومواد معدنية ومنغنيز وحديد وكالسيوم ونحاس وفوسفور، إضافة للسكر في تكوينه. علاوة على الاطمئنان التام لتناوله من قبل الجميع وفي جميع الأعمار، كذلك لوجود أنزيمات تمنع تلوّثه بأي من الميكروبات المرضية. والتمرة هي الثمرة الوحيدة التي يستطيع أي شخص التقاطها من على الأرض ومسحها بيده، وأكلها دون خوف أو تردّد.
ثمّ إنّ نوى التمر يستخدم كوقود أو علف للحيوانات وبعض الأدوية. والنخلة بمجموعها عبارة عن مصنع كامل من الوقود والإنتاج والأكل.
ويتمّ غرس النخيل عن طريق قلع فسائله التي تخرج بارزة حول النخلة من الأسفل إذا كانت نخلة صغيرة في العمر والتي تسمّى «النشوة». وتسمّى فسائل النخيل الملتفة حولها في البصرة والجنوب بـ (فروخ النخلة). وقد تجد مثلها في الأعلى لكنّها لا تصلح للتكاثر إذ هي عديمة الجذور ويُسمّى واحدها (الراكوب) ويستفاد منه في استخراج (الجمّار).
وصناعة الجريد المحلية تشمل كراسي الجريد وأسرة النوم، والطاولات، وهي عبارة عن صناعات محلية يستخدم فيها جريد السعف.
وتساعد غابات النخيل الكثيفة في تلطيف البحر، ومنع التصحّر، وتكون مصائد جيدة للغبار عند هبوب الرياح خاصّة بالنسبة للمناطق القريبة من أطراف الصحراء، إضافة لمنظرها الجمالي.
وداد فاخر
نخيل العراق
يقول حسن الأمين: وفي الحنين إلى نخيل العراق الذي عايشته فترة قلت:
حي النخيل سهولة وهضاباً
والشاطئين مضارباً وقبابا
واملأ من الحسن البهي نواظراً
ظمأى إلى الحسن البهي سغابا
تهواه في نور الخميلة وادعاً
وعلى العباب مواثباً غلابا
ظلاً على الوجنات رف ومنهلاً
وعلى الشفاه الحالمات سرابا
هذا النخيل وما ادّكرتُ عهوده
إلا ادّكرتُ أحبة وصحابا
كم قد وقفت عليه أتلو حسنه
شعراً وأقرأ ضفتيه كتابا
يوحي الحياة جمالها وجلالها
والعيش حرباً والزمان غلابا
يعلو على هوج الرياح وينتخي
كالثائرين مطامحاً ورغابا
ويرق عاطفة ويعذب مبسماً
ويطيب ظلاً وارفاً ورحابا
ودنا فكان على البسيطة روضة
وعلا فكان على السماء سحابا
ولكم نزلناه فكان على الأسى
بشراً وكان على الأوام شرابا
هذا النخيل تباركت عذباته
ما كان أروع حسنها الخلابا
تسمو على هام الفضاء غدائراً
وترف في عين السما أهدابا
وتميس في كف النسيم عرائساً
وتصول في أيدي الرياح حرابا
يا نخل طبت على السهول مناظراً
وعذبت في أرج الصبا أطيابا
وفتنتني فإلى ظلالك ينتمي
قلبي وتهوي نظرتي إعجابا
وملأت نفسي في الحياة بشاشة
ولطالما ملئت أسى وعذابا
أهوى على التلعات فجرك والضحى
والبدر سال على الغصون وذابا
وأهيم بالشاطي النضير وأشتهي
في الضفتين ربيعك المخصابا
كم قد هفت نفسي إليك وناشدت
في البعد نهرك دافقاً والغابا
يا نخل وافاك الربيع وأقبلت
أسراب حسن تقتفي أسرابا
قد عاد للربوات ناضر حسنها
وزهت رباع كن أمس يبابا
النهر يشدو للرياض قصائداً
تنسي المغرد لحنه المطرابا
ويسير بين الضفتين مغمغماً
ويمر مذعور الخطى وثابا
والزورق الغافي ترنحه الصبا
فتمايل الأعطاف فيه طرابا
أهلاً بمنضور الربيع ومرحباً
بالزهر ينسج للرياض ثيابا
ويعيد للأرض الموات حياتها
ويرد للدنيا صباً وشبابا
أيقظ على النخلات غافية الشذا
واستنهض الأزهار والأعشابا
وأذع لنا سر الورود نضيرة
وانشر لنا النسرين والعنّابا
أطلع لنا في كل أرض روضة
وبكل أفق من سناك شهابا
يا نخل قد طال الفراق فهل ترى
بعد الفراق لنا إليك إيابا
سنظل نذكر في رباك صحابة
هيهات نبغي بعدهم أصحابا
وكنت قد قلت في وداعه من قصيدة:
يا نخل ما أبهاك عندي منظراً
يا ماء دجلة ما ألذك موردا
سأظل أرسل في هواك قصائدي
سأظل بالحب الوفي مغردا
سأظل بالنخل النضير متيماً
سيظل قلبي في الهوى متبغدا
النَّص
لم يكن الرجوع إلى النصّ الشرعي في تحديد معالم المسار الإسلامي بعد الرسول من مختصّات الشيعة وحدهم، لقد شركهم فيه غيرهم…
لقد أحسّ الكثير من المتكلّمين وأصحاب الحديث إذن بالحاجة إلى النصّ في تعيين أوّل الخلفاء على الأقلّ، لتتّخذ الأدوار اللاحقة له شرعيّتها من شرعيّته.
فجزم ابن حزم بالنصّ على أبي بكر صراحةً، فتابعه البعض، فيما اقتنع آخرون بأنّ في هذه النصوص إشارة كافية على وجوب تقديم أبي بكر، لكن دون التصريح بذلك، وربّما رأوا في هذا مذهباً وسطاً بين الشورى والنصّ الصريح، كما رأوا فيه تثبيتاً لمبدأ الشورى، لا نقضاً، حين وفّقوا بين نتائج الشورى وبين إشارة النصّ.
وليس غريباً أن تتعدّد أوجه الاستدلال بتعدّد المتكلّمين وتعدّد أساليبهم، وتعدّد النصوص التي يعتمدونها، وكثيرا ما يتعلّق المتكلّمون بما يشفع لمذاهبهم وإنْ كانوا يلمحون فيه علامات الوضع!
لقد عرض المتكلّمون في تثبيت خلافة أبي بكر نصوصاً من القرآن ونصوصاً من السنّة، نستعرض أهمها بتركيز وإيجاز مبتدئين بنصوص السنّة لكونها أكثر تصريحاً، ولأنّ النصوص القرآنية اعتُمدت في تصحيح خلافته لا في إثبات النصّ عليه.
أوّلاً ـ نصوص من السُنّة
النصّ الأوّل: قوله (صلّى الله عليه وآله) في مرضه الذي توفّي فيه: «مُروا أبا بكر فليصلّ بالناس». فرأى بعضهم في هذا الحديث نصّاً على الخلافة وإن كان خفياً؛ لعدم الفصل بين إمامة الصلاة والإمامة العامّة. واستدلّوا لذلك بقول بعض الصحابة لأبي بكر: إرتضاك رسول الله لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا؟! وأهمّ شيء في هذا القول الأخير أن ينسب إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)([1105])!!.
غير أنّ جملةً من الإشارات تحيط بهذا النصّ وبهذه الواقعة، قد تبتلع كلّ ما يُبنى عليها من استنتاجات:
الإشارة الأُولى: إنّ القول بعدم الفصل بين إمامة الصلاة والإمامة العامة قول غريب، وأغرب منه قول الجرجاني: «لا قائل بالفصل»([1106])!.
ـ فابن حزم يقطع بأنّ هذا قياساً باطلاً، ويقول: «أمّا من أدّعى أنّه إنّما قُدِّم قياساً على تقديمه إلى الصلاة، فباطل بيقين؛ لأنّه ليس كلّ من استحقّ الإمامة في الصلاة يستحقّ الإمامة في الخلافة، إذ يستحقّ الإمامة في الصلاة أقرأ القوم وإن كان أعجمياً أو عربياً، ولايستحقّ الخلافة إلاّ قرشيّ، فكيف والقياس كلّه باطل»([1107])؟!.
ـ والشيخ أبو زهرة ينتقد هذا النوع من القياس ووجه الاستدلال به، فيقول: اتّخذ بعض الناس من هذا ـ النصّ ـ إشارة إلى إمامة أبي بكر العامّة للمسلمين، وقال قائلهم: «لقد رضيه (عليه السلام) لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا» ولكنّه لزوم ماليس بلازم، لأنّ سياسة الدنيا غير شؤون العبادة، فلا تكون الإشارة واضحة… وفوق ذلك فإنّه لم يحدث في اجتماع السقيفة، الذي تنافس فيه المهاجرون والأنصار في شأن القبيل الذي يكون منه الخليفة، أن احتجّ أحد المجتمعين بهذه الحجّة، ويظهر أنّهم لم يعقدوا تلازماً بين إمامة الصلاة وإمرة المسلمين([1108]).
والذي يُستشفّ من كلامه استبعاد صحّة نسبة هذا الكلام إلى الإمام عليّ (عليه السلام)؛ فهذه النسبة لا تحتمل الصحّة، لِما ثبت في الصحاح من أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يبايع إلاّ بعد ستّة أشهر([1109])، كما أنّ الصحيح المشهور عن عليّ (عليه السلام) خلاف ذلك، فجوابه كان حين بلغه احتجاج المهاجرين بأنّ قريشاً هم قوم النبيّ وأوْلى الناس به، قال: «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة»([1110])!.
الإشارة الثانية: إنّ إمامة الصلاة وفقا لفقه هذه المدرسة لايترتّب عليها أيّ فائدة في التفضيل والتّقديم، فالفقه هنا يُجيز مطلقاً إمامة المفضول على الفاضل، بل يُجيز إمامة الفاسق والفاجر لأهل التقوى والصلاح، وكثيراً ما نرى الاستدلال لذلك بصلاة بعض الصحابة خلف الوليد بن عقبة وهو سكران، وصلاتهم خلف أمراء بني أميّة ممّن لم تكن له فضيلة تذكر!.
الإشارة الثالثة: أخرج أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي: أنّ عبد الرحمن ابن عوف قد صلّى إماماً بالمسلمين وكان فيهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)([1111]). وهذه الرواية أثبت ممّا ورد في تقديم أبي بكر ـ كما سيأتي ـ فالحجّة فيها إذن لعبد الرحمن بن عوف أظهر، فتقديمه أوْلى وفقاً لذلك القياس([1112]).
الإشارة الرابعة: في صحيح البخاري: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين الأوّلين وأصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في مسجد قباء، وفيهم: أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وعامر بن ربيعة([1113]).
وكان عمرو بن العاص أميراً على جيش ذات السلاسل، وكان يؤمّهم في الصلاة حتّى صلّى بهم بعض صلواته وهو جنب، وفيهم: أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة([1114]).
فهل يُستدلّ من هذا أنّ سالماً وعمرو بن العاص أفضل من أبي بكر وعمر وأبي عبيدة، وأوْلى بالخلافة منهم؟
الإشارة الخامسة: نتابعها في النقاط التالية:
أ ـ ثبت في جميع طرق هذا الحديث بروايته التامّة أنّه بعد أن افتتح أبو بكر الصلاة، خرج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يتهادى بين رجلين ـ عليّ والفضل ابن العبّاس ـ فصلّى بهم إماماً وتأخّر أبو بكر عن موضعه مؤتمّاً بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن يمينه.
أثبت ذلك تحقيقاً أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب صنّفه لهذا الغرض، فقسّمه إلى ثلاثة أبواب: فجعل الباب الأوّل في إثبات خروج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى تلك الصلاة وتأخيره أبا بكر عن إمامتها، وخصّص الباب الثاني في بيان إجماع الفقهاء على ذلك، فذكر منهم: أبا حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأثبت في الباب الثالث وَهَن الأخبار التي وردت بتقدّم أبي بكر في تلك الصلاة، ووصف القائلين بها بالعناد واتّباع الهوى([1115]).
وقال ابن حجر العسقلاني: تضافرت الروايات عن عائشة بالجزم بما يدلّ على أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان هو الإمام في تلك الصلاة([1116]).
ومن هنا قال بعضهم: متى نظرنا إلى آخر الحديث احتجنا إلى أن نطلب للحديث مخرجاً من النقص والتقصير، وذلك أنّ آخره: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا وجد إفاقةً وأحسّ بقوّة خرج حتى أتى المسجد وتقدّم فنحّى أبا بكر عن مقامه وقام في موضعه. فلو كانت إمامة أبي بكر بأمره (صلّى الله عليه وآله) لَتَركه على إمامته وصلّى خلفه، كما صلّى خلف عبد الرحمن بن عوف([1117]).
ب ـ ممّا يعزّز القول المتقدّم ماورد عن ابن عبّاس من أنّه قبل أن يؤذّن بلال لتلك الصلاة قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «أُدعوا عليّاً». فقالت عائشة: لو دعوت أبا بكر! وقالت حفصة: لو دعوت عمر! وقالت أُمّ الفضل: لو دعوت العبّاس! فلمّا اجتمعوا رفع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رأسه فلم ير عليّاً([1118])!!.
ج ـ ويشهد لذلك كلّه ما ثبت عن عليّ (عليه السلام) من أنّه كان يقول: «إنّ عائشة هي التي أمرت بلالاً أن يأمر أباها لِيُصَلّ بالناس، لأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: «ليصلِّ بهم أحدهم» ولم يعيّن»!! وكان عليٌّ (عليه السلام) يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيراً، ويقول (عليه السلام): «إنّه (صلّى الله عليه وآله) لم يقل: «إنّكنّ لَصُويحبات يوسف» إلاّ إنكاراً لهذه الحال، وغضباً منها لأنّها وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما، وأنّه (صلّى الله عليه وآله) استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب»([1119]).
فهذه صور منسجمة ومتماسكة لاتُبقي أثرا للاستفادة من هذا النصّ أو تلك الواقعة، ويمكن أن يضاف إليها ملاحظات أُخر ذات قيمة لا يُستهان بها:
منها: الاختلاف الشديد والتعارض بين روايات هذه الواقعة، وقد صرّح بهذا ابن حجر العسقلاني، ثمّ حاول التوفيق بينها بعد جهد([1120]).
ومنها: ملاحظة بعض نقّاد الحديث أنّ هذا الحديث لم يصحّ إلاّ من طريق عائشة، لذا لم تقم حجّته([1121]).
ومنها: أنّ ابن عبّاس قد طعن هذا الحديث طعناً عبقريّاً لم يتنبّه له الرواة، إذ كانت عائشة تقول في روايتها لهذا الحديث: «خرج النبيّ يتهادى بين رجلين، أحدهما الفضل بن العبّاس» ولا تذكر الرجل الآخر، فلمّا عرض أحدهم حديثها على عبد الله بن عبّاس، قال له ابن عبّاس: فهل تدري مَن الرجل الذي لم تُسَمِّ عائشة؟ قال: لا.
قال ابن عبّاس: هو عليّ بن أبي طالب، ولكن عائشة لاتطيبُ نفساً له بخير([1122])!.
الإشارة السادسة: أثبت جلُّ أصحاب التاريخ والسِيَر أنّ أبا بكر كان أيّام مرض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الأخير هذا، مأموراً بالخروج في جيش أُسامة، وكان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يشدّد كثيراً بين الآونة والأُخرى على التعجيل في إنفاذ هذا الجيش… فكيف ينسجم هذا مع الأمر بتقديمه في الصلاة؟ ناهيك عن قصد الإشارة إلى استخلافه!.
لقد أدرك ابن تيميّة مابين الأمرين من منافاة وتعارض صريحين، فنفى نفياً قاطعاً كون أبي بكر ممّن سُمّي في بعثة أُسامة([1123])!!.
لكنّ مثل هذا النفي لاينقذ الموقف، خصوصا وأنّ ابن تيميّة لم يقدّم برهاناً ولا شبهةً في إثبات دعواه، فيما جاء ذِكر أبي بكر في مَن سُمّي في ذلك الجيش في مصادر عديدة وهامّة، أصحابها جميعاً من القائلين بصحّة تقدّم أبي بكر([1124])!.
أمّا نفي ذلك، أو تحرّج بعض المؤرّخين عن ذِكره، فإنّما مرجعه إلى الاختيار الشخصي في مساندة المذهب، لاغير، حين أدركوا بيقين أنّ شيئاً ممّا استدلّوا به على إمامته سوف لايتمّ لو كان أبو بكر في مَن سُمّي في جيش أُسامة، إذ هو مأمور بمغادرة المدينة المنوّرة أيّام وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، تحت إمرة أُسامة بن زيد الشابّ ابن الثماني عشرة سنة([1125])!.
نصوص أُخر
لم يقف القائلون بالنصّ عند النصّ المتقدّم، بل رجعوا إلى مارأوا فيه نصّاً جليّاً على الخلافة، لكنّها في الحقيقة نصوص تثير على نفسها بنفسها شكوكاً كثيرة لاتُبقي احتمالاً لصحّتها، شكوكاً تثيرها الأسانيد والمتون معاً… وأهمّ هذه النصوص:
١ ـ أنّ امرأة سألت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيئاً، فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: يارسول الله، أرأيتَ إنْ جئتُ فلم أجدك؟ ـ كأنّها تُريد الموت ـ فقال: «فإن لم تجديني فأتي أبا بكر»([1126])!.
وهذا الحديث متّحد عند الشيخين في سلسلة واحدة، وهي: (إبراهيم ابن سعد، عن أبيه، عن محمّد بن جُبير بن مطعم، عن أبيه جُبير بن مطعم: أنّ أمرأةً سألت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)…).
فلم يروه من الصحابة إلاّ جُبير بن مطعم، ولم يروه عن جُبير إلاّ ولده محمّد، ولم يروه عن محمّد غير سعد (وهو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف) ولم يروه عن سعد غير ولده إبراهيم! ثمّ أخذه الرواة عن إبراهيم بن سعد!.
الإسناد: نظرة واحدة في هذا الإسناد، بعيداً عن التقليد، تُحبط الآمال التي يمكن أن تُعقد عليه: فجبير بن مطعم: من الطلقاء، وهو صاحب أبي بكر، تعلّم منه الأنساب وأخبار قريش([1127])، وكانت عائشة تُسمّى له وتُذكر له قبل أن يتزوّجها النبيّ (صلّى الله عليه وآله)([1128])، وذكره بعضهم في المؤلّفة قلوبهم وفي من حَسُن إسلامه منهم([1129]). وكان شريفاً في قومه بني نوفل وهم حلفاء بني أُميّة في الجاهلية والإسلام. وهو أحد الخمسة الّذين اقترحهم عمرو بن العاص على أبي موسى الأشعري للمشورة في التحكيم، وهم: (جبير بن مطعم، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وأبو الجهم بن حذيفة، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام بن المغيرة)([1130]) وكلّهم مائل عن عليّ (عليه السلام)، فابن الزبير وعبد الرحمن بن الحرث كانا في أصحاب الجَمل الّذين قاتلوا عليّاً في البصرة، وعبدالله بن عمرو مع أبيه عمرو بن العاص في أصحاب معاوية، وجبير وأبو الجهم من مسلمة الفتح هواهما مع بني أُميّة([1131])!.
وجُبير بن مطعم هو سيّد الغلام الحبشي وحشيّ، وهو الذي قال له يوم أحد: إن ّقتلت محمّداً فأنت حُرّ، وإن قتلت عليّاً فأنت حُرّ، وإن قتلت حمزة فأنت حُرّ([1132])!.
ولمّا قسم النبي (صلّى الله عليه وآله) خُمس خيبر لبني هاشم وبني المطّلب حاكَ ذلك في صدور قوم من بني نوفل ـ قوم جبير ـ وبني أميّة، فكان جبير بن مطعم وعثمان بن عفان هما المعترضان على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نيابة عن قوميهما، قال جبير: مشيتُ أنا وعثمان بن عفّان إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقلنا: أعطيت بني المطّلب من خُمس خيبر وتركتنا، و نحن بمنزلة واحدة منك! فقال: «إنّما بنو هاشم وبنو المطّلب شيء واحد»([1133]).
وروي لابن عبّاس معه حديث هامّ: كان ابن عبّاس يحدّث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المتعة، فقال جُبير بن مطعم: كان عمر ينهى عنها. فقال له ابن عبّاس: يا عُدَيّ نفسه، من هنا ضللتُم!ّ أحدّثكم عن رسول الله، وتحدّثني عن عمر([1134])!!.
ـ ثُمّ إنّ محمّد بن جبير بن مطعم: هو القائل لعبد الملك بن مروان وقد سأله: هل كنّا نحن وأنتم ـ يعني أُميّة ونوفل ـ في حلف الفضول([1135])؟
فقال له محمّد بن جُبير بن مطعم: لا والله يا أمير المؤمنين، لقد خرجنا نحن وأنتم منه، ولم تكن يدنا ويدكم إلاّ جميعاً في الجاهلية والإسلام([1136])!.
وقد اعتزل محمّد عليّاً والحسن (عليهم االسلام) في حربهما مع معاوية، فلمّا تمّ الصلح كان محمّد ممثَّلاً في وفد المدينة إلى معاوية للبيعة([1137]).
ـ وأمّا سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: فقد كان قاضياً لبعض ملوك بني أُميّة على المدينة([1138]).
ـ وأمّا ولده إبراهيم بن سعد: فهو صاحب العُود والغناء، كان يعزف ويغنّي، جاءه أحد أصحاب الحديث ليأخذ عنه، فوجده يغنّي، فتركه وانصرف، فأقسم إبراهيم ألاّ يحدّث بحديث إلاّ غنّى قبله! وعمل والياً على بيت المال ببغداد لهارون الرشيد([1139]).
وخطوة أخرى إلى الأمام في التحقيق تضعنا أمام صورة أكثير وضوحاً، حيث تُرينا كيف حلّ هذا الحديث محلّ الحديث الصحيح الوارد في عليّ (عليه السلام) بعين هذا المتن!.
لمّا حضر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قالت صفيّة أمّ المؤمنين: يا رسول الله، لكلّ امرأةٍ من نسائك أهل تلجأ إليهم، وإنّك أجليت أهلي، فإن حَدَثَ حَدَثٌ فإلى مَن؟
قال: «إلى عليّ بن أبي طالب» أخرجه النسائي، وأخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح([1140]).
فإذا لم نكن قد نسينا ما قرأناه في «نقد التاريخ»([1141]) فإنّ نظرة واحدة في هذه السلسلة الواحدة لهذا الحديث تكشف لنا الكثير عن حقيقته، وربّما مصدره أيضاً حين نرى أنّ رأس هذه السلسلة ـ جبير بن مطعم ـ قد عاش نحو سبع عشرة سنة في خلافة معاوية على أغلب الأقوال، لم يُفرّقهما شيء في جاهلية ولا في إسلام… والمفترض أن يكون جبير أبعد أفراد هذه السلسلة عن تهمة الوضع في الحديث([1142]).
كما تجيبنا قراءتنا في «نقد التاريخ» عن أهمّ ما يعترضنا هنا، وهو: كيف أصبح هؤلاء جميعاً في عِداد رجال الشيخين ـ البخاري ومسلم ـ فيما أقصيَ آخرون لا يقاس هؤلاء بهم، كالإمام جعفر الصادق، الذي كان ينبغي أن يكون حديثه أكثر اعتماداً، إذ لا يفصله عن البخاري سوى واسطة واحدة أو واسطتين، توفّي الصادق (عليه السلام) سنة 148هـ، وولد البخاري سنة 194هـ!.
هذا النصّ، الذي جاء بهذه السلسلة الوحيدة، هو الذي رأى فيه ابن حزم وغيره نصّاً جليّاً على خلافة أبي بكر([1143])! غير أنّ الجرجاني والتفتازاني لم يذكراه، فيما ذكرا نصوصاً كثيرة أضعف منه سنداً، وأقلّ منه دلالة([1144])!.
٢ ـ قالت عائشة: قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مرضه: «ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاكِ، حتّى أكتب كتاباً، فإنّي أخاف أن يتمنّى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أوْلى ، ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر»([1145]).
الإسناد: أسند مسلم هذا الحديث كما يلي: عبيدالله بن سعيد، عن يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
فقد ظهر إبراهيم بن سعد في هذا الحديث أيضاً، وهو صاحب الحديث المتقدّم، صاحب العود والغناء، صاحب هارون الرشيد. أمّا الزهري وعروة وعائشة فقد عرفنا بدقّة موقفهم من الخلافة ومن عليّ (عليه السلام) خاصّة وبني هاشم عامّة.
وأورده البخاري من طريق آخر ينتهي أيضاً إلى عائشة، فهي وحدها رأس هذا الحديث في جميع طرقه.
ولعلّ أقوى ما يُثار هنا: أنّ هذه الأحاديث قد رواها الشيخان، فكيف يمكن طعنها والشكّ فيها والطعن عليها؟ وما أيسر الجواب لمن تجرّد للحقيقة دون سواها، فقبل قليل فقط قرأنا تفسير ذلك على ألسنة الكبار ممّن حقّق في طبيعة هذا الأمر وتطوّره:
ـ قرأنا عن نفطويه: إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة اختُلِقت في أيّام بني أُميّة تقرّباً إليهم في ما يظنّون أنّهم يُرغِمون به أُنوف بني هاشم!.
ـ وقرأنا عن المدائني قوله: فرُوِيَتْ أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة، لا حقيقة لها… حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى الديّانين الّذين لايستحلّون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنّون أنّها حقّ، ولو علموا أنّها باطلة مارووها ولا تديّنوا بها!.
ـ وقرأنا عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله: حتّى صار الرجل الذي يُذكر بالخير، ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً، يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض مَن قد سلفَ من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت وقعت، وهو يحسب أنّها حقّ لكثرة من رواها ممّن لم يُعرف بالكذب ولابقلّة ورع!.
فليس بمستنكَرٍ إذن أن تنفذ هذه الأخبار إلى الصحيحين وغيرهما.. فمن أين يأتي الاستنكار وهم ما رووها إلاّ وهم يعتقدون صحّتها؟!.
وهذا الحديث بالذات ممّا شهد المعتزلة بأنّ البكرية وضعته في مقابل الحديث المرويّ عنه (صلّى الله عليه وآله) في مرضه: «ائتوني بدواةٍ وبياض أكتب لكم كتاباً لاتضلّوا بعده أبداً» فاختلفوا عنده، وقال قوم منهم: لقد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله([1146])!.
وممّا يشهد لهذا القول، بل يجعله يقيناً لا شكّ فيه، ما ثبت عن ابن عبّاس في وصف اختلافهم عند النبيّ الذي حال دون كتابة ذلك الكتاب، فقد كان ابن عبّاس يصف هذا الحديث بأنّه «الرزيّة، كلّ الرزيّة» ويذكره فيقول: «يوم الخميس، وما يوم الخميس! قالوا: وما يوم الخميس!» ويبكي حتّى يبلّ دمعُه الحصى([1147])! فلو كان الأمر كما وصفه الحديث المنسوب إلى عائشة «يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر» لم تكن ثمّة رزية يبكي لها ابن عبّاس كلّ هذا البكاء ويتوجّع كلّ هذا التوجّع.
إنّ بكاء ابن عبّاس وتوجّعه الشديد لهذا الحديث لهو دليلٌ لاشيء أوضح منه على أنّ الذي أراده النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من ذلك الكتاب لم يتحقّق، بل تحقّق شيء آخر غيره لم يكن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أراده ولا أشار إليه أدنى إشارة. وتزداد هذه الحقيقة رسوخاً حين ندرك أنّ ابن عبّاس هو واحد من سادة بني هاشم الّذين لم يبايعوا لأبي بكر إلاّ بعد ستّة أشهر([1148])!.
فمع هذه الثوابت لايبقى احتمال لصحّة الحديث المنسوب إلى عائشة!.
٣ ـ حديث: «اقتدوا باللَّذَين مِن بعدي، أبي بكر وعمر».
أخرجه الترمذي وابن ماجة([1149])، واعتمده كثيرون في إثبات النصّ على أبي بكر وعمر، أو في إثبات صحّة خلافتهما([1150]).
لكنّ ابن حزم استهجن كثيراً الاستدلالَ بهذه الرواية، وعدّه عيباً يترصّدُ أمثالَه الخصوم، فقال مانصّه: «ولو أنّنا نستجيز التدليس والأمر الذي لو ظفر به خصومنا طاروا به فرحاً، أو أبلسوا أسفاً، لاحتججنا بما روي «اقتدوا باللَّذَين من بعدي أبي بكر وعمر» ولكنّه لا يصحّ، ويُعيذنا الله من الاحتجاج بما لا يصحّ([1151]).
٤ ـ نصوص أُخر نُسبت إلى عليّ (عليه السلام)، إمعاناً في سدّ الثغرات، وقطع الطريق على الخصم، استبعد المحبّ الطبري صحّة شيءٍ منها لتخلّف عليٍّ عن بيعة أبي بكر ستّة أشهر، ونسبته إلى نسيان الحديث في مثل هذه المدّة أمر بعيد([1152]). وهذا حقٌّ يؤيّده ما اشتهر عن عليّ (عليه السلام) من ذِكر حقّه في الخلافة([1153]).
هذه جملة ما اعتمدوه من النصوص الحديثية في النصّ على أبي بكر وتقديمه.
ثانياً ـ نصوص من القرآن الكريم
١ ـ قوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ}([1154]).
قالوا: الخطاب هنا للصحابة، فوجب أن يوجد في جماعة منهم خلافة يتمكّن بها الدين، ولم يوجد على هذه الصفة إلاّ خلافة الخلفاء الأربعة، فهي التي وعد الله بها([1155]). حتّى صرّح بعضهم بأنّ الآية نازلة فيهم، أو في أبي بكر وعمر خاصّةً([1156]).
وهذا الاستدلال ضعّفه المفسّرون بأمرين:
الأوّل: إنّ المراد في هذه الآية هو (الوعد لجميع الأُمّة في ملك الأرض كلّها تحت كلمة الإسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: «زُوِيَتْ لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلك أُمّتي مازُوِيَ لي منها». والصحيح في هذه الآية أنّها في استخلاف الجمهور، واستخلافهم هو أن يملّكهم البلاد ويجعلهم أهلها.
وأنّ هذه الحال ـ التي تصفها الآية ـ لم تختصّ بالخلفاء الأربعة رضي الله عنهم حتّى يُخَصُّوا بها من عموم الآية، بل شاركهم في ذلك جميع المهاجرين، بل وغيرهم. ألا ترى إلى إغراء قريش المسلمين في أُحد وغيرها، وخاصّةً الخندق، حتى أخبر الله تعالى عن جميعهم فقال: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا}([1157]). ثمّ إنّ الله ردّ الكافرين فلم ينالوا خيراً، وأمّن المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وهو المراد بقوله:{لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرضِ}. وقوله: {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني بني إسرائيل، إذ أهلك الله الجبابرة بمصر، وأورثهم أرضهم وديارهم، فقال: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا}([1158]). وهكذا كان الصحابة مستضعَفين خائفين، ثمّ إنّ الله تعالى أمّنهم ومكّنهم وملّكهم، فصحّ أنّ الآية عامّة لأُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) غير مخصوصة، إذ التخصيص لايكون إلاّ بخبر ممّن يجب له التسليم، ومن الأصل المعلوم التمسّك بالعموم)([1159]).
وهذا يعني بوضوح أنّ الخطاب غير محصور بالصحابة رضي الله عنهم، بل هو عام لكلّ أمّة محمّد في كلّ زمان([1160]).
والثاني: ما ذكروه في سبب نزول الآية، فإنّه منطبق تماما على ما ذُكر آنفاً، لايُساعد على تخصيصها في الخلفاء الأربعة أو بعضهم، وإنْ كان فيه مايفيد تخصيصها بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه([1161]).
ففي رواية البراء، قال: فينا نزلت ونحن في خوف شديد.
وفي رواية أبي العالية، يصف حال أصحاب الرسول وهم خائفون، يُمسون في السلاح ويُصبحون في السلاح، فشكوا ذلك إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فأنزل الله الآية، فأظهر الله نبيّه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح.
ومثلها رواية أُبيّ بن كعب، وقوله في رواية ثانية عنه: لمّا نزلت على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية، بشّر هذه الأُمّة بالسَنا والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب([1162]).
أمّا رواية عبد بن حُميد عن عطيّة ففيها تخصيص آخر مخالف للتخصيص المذكور في الخلفاء الأربعة، إذ قال عطيّة: هم أهل بيتٍ هاهنا! وأشار بيده إلى القِبلة([1163]).
وفي هذا عطف على ما ذهب إليه غالب مفسّري الشيعة من أنّ الآية في المهدي الموعود (عليه السلام) الذي تواترت الأخبار على أنّه سيظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وأنّ المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات هنا: النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة من أهل بيته (عليهم السلام)([1164]).
لكنّ المفسّر الطباطبائي الذي يمنع التخصيص هنا لعدم وجود قرينة من لفظ أو عقل تدلّ عليه، يؤكد أنّ الآية نصّ على بعض الأمّة، لا جميعها، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات([1165])، وأنّ هذا المجتمع الطيّب الطاهر كما تصوّره الآية، إنّ انطبق فلينطبق على زمن ظهور المهديّ (عليه السلام) على ما ورد من صفة ذلك الزمان في الأخبار المتواترة عن النبيّ وأئمة أهل البيت، لكن على أن يكون الخطاب للمجتمع الصالح، لا للمهدي (عليه السلام) وحده([1166]).
وهذا موافق لما روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الآية([1167]).
هذه هي الآية الأولى، ومع ظهور ما تقدّم من إفادتها العموم، لا يبقى وجه للتمسّك بها هنا، وأيضاً فهي لم تكن عند المحتجّين بها نصّاً في الاستخلاف، إنّما أرادوا الاستدلال بها على صحة الخلافة، فلم تنهض دليلاً حتّى بالقدر الذي أرادوه! وكذا مع الآية الثانية:
٢ ـ قوله تعالى {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا} ([1168]).
فقد جعل الداعي مفترض الطاعة، والمراد به أبو بكر وعمر وعثمان، فوجبت طاعتهم بنصّ القرآن، وإذ قد وجبت طاعتهم فرضاً فقد صحّت إمامتهم وخلافتهم([1169]).
والصحيح الذي يوافق تاريخ نزول الآية الكريمة، ويوافق الوقائع، هو ما ذكره الرازي من أنّ الداعي هو النبيّ (صلّى الله عليه وآله)([1170])، إذ كانت الآية المذكورة نازلة في الحديبية بلا خلاف، وهي في سنة ستّ للهجرة، وبعدها غزا النبيّ هوازن وثقيف وهم أُولو بأس شديد، في وقعة حنين الشهيرة وذلك بعد فتح مكّة في السنة الثامنة للهجرة، وفتح مكّة هو الآخر دعوة إلى قتال قوم أُولي بأس شديد قاتَلوا الإسلام وأهله حتّى أظهره الله عليهم في الفتح، ثمّ كانت غزوة مؤتة الشديدة، ثمّ غزوة تبوك وهي المعروفة بجيش العسرة، التي استهدفت محاربة الروم على مشارف الشام، ثمّ دعاهم مرّةً أُخرى لقتال الروم في جيش أُسامة الذي جهّزه وأمر بإنفاذه وشدّد على ذلك في مرضه الذي توفّي فيه.
فكيف يقال إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يَدْعُهُم إلى قتال بعد نزول الآية؟
ولأجل الفرار من هذا المأزق ذهبوا إلى آية سورة التوبة النازلة في المخلَّفين: {فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا}([1171]). قال ابن حزم بعد أن ذكر هذه الآية ما نصّه: وكان نزول سورة براءة التي فيها هذا الحكم بعد غزوة تبوك بلا شكّ التي تخلّف فيها الثلاثة المعذورون الّذين تاب الله عليهم في سورة براءة، ولم يغزُ (عليه الصلاة والسلام) بعد غزوة تبوك إلى أن مات. وقال تعالى أيضاً: {سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِن قَبْلُ}([1172]) فبيّن أنّ العرب لا يغزون مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد تبوك([1173])!.
وهذا أوّل التهافت! فالآية الثانية، آية سورة الفتح، نزلت في الحديبية سنة ستّ للهجرة بلا خلاف، أي قبل تبوك بثلاث سنين! ويتّضح التهافت جليّاً حين يواصل القول مباشرةً: «ثمّ عطف سبحانه وتعالى عليهم إثر منعه إيّاهم من الغزو مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وغلق باب التوبة فقال تعالى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} فأخبر تعالى أنّهم سيدعوهم غير النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى قومٍ يقاتلونهم أو يُسلمون»([1174]).
وهكذا قلب ترتيب الآيات، فقدّم آية التوبة النازلة بعد تبوك سنة تسع، وأخّر آية الفتح النازلة في الحديبية سنة ستّ، ليتّفق له ما يريد!.
وهذا هو الخطأ الأوّل، فكيف يكون مانزل سنة تسع من الهجرة مقدَّماً على مانزل سنة ستّ؟!.
وأمّا الخطأ الثاني فليس بأقلّ ظهوراً من الأوّل: فآية سورة الفتح النازلة في الحديبية في السنة السادسة قد جاء فيها الإخبار عن وقوع الدعوة، وتعليق الثواب والعقاب بالطاعة والعصيان منهم، فنصّ الآية يقول: {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ…} وقد وقعت الدعوة منه (صلّى الله عليه وآله) حقّاً في حُنين ومؤتة وتبوك.
أمّا آية سورة التوبة في المخلَّفين المنافقين فقد أغلقت عليهم طريق التوبة ومنعت خروجهم مع النبيّ ومع غيره أيضاً، إذ كيف يدعوهم أبو بكر أو عمر إلى جهاد الكفّار وهم قد شهد عليهم الله ورسوله بالكفر والموت على الضلال؟! فقال تعالى في تلك الآية نفسها: {فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الخَالِفِينَ * وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}([1175]).
وهذا صريح في حكم الله تعالى عليهم بالكفر وقت نزول الآيات، وأنّهم يموتون على الكفر والضلال، وأكّد ذلك بقوله في الآية التالية مباشرة: {وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}([1176]).
فهؤلاء إذن المقطوع بكفرهم وموتهم على الكفر، غير أُولئك الّذين ذكرتهم سورة الفتح ووعدتهم بالثواب إنْ هم استجابوا للداعي!.
وهذه المفارقات الظاهرة لا تخفى على كبار المتكلّمين لولا التقليد والإصرار على نصرة المذهب! وهذه العلّة هي التي أوقعت الكثير من كبار المتكلّمين في العقائد بمثل هذه التناقضات والمفارقات الغريبة التي لا تخفى على البسطاء، لكنّها بلا شكّ محلّ اعتصام المقلّدين الذين يعجبهم كلّ ما من شأنه نصرة المذهب! وهذه ظاهرة عامّة، فلا فرق بين مقلّد متعصّب، وآخر مثله.
ـ ثمّة التفاتة لم أجد من أشار إليها مع أنّها داخلة في صلب هذا الموضوع إلى حد الحسم في تحديد غايته! وهي: أنّه في ذات الواقعة التي نزلت فيها الآية الأُولى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا…} أي في الحديبية ذاتها، قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لوفد قريش: «يا معشر قريش، لَتنتهنَّ أو لَيبعثنَّ اللهُ عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن قلبه على الإيمان» قالوا: من هو يا رسول الله؟ فقال أبو بكر: من هو يا رسول الله؟ وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله): «خاصف النَعل» وكان قد أعطى عليّاً نعلاً يخصفها.
أخرجه الترمذي والنسائي وابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة([1177]).
ونحو هذا ثقيف، قال لهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «لَتُسلمُنَّ أو لأبعثنَّ عليكم رجلاً منّي ـ أو قال: مثل نفسي ـ ليضربنّ أعناقكم، وليسبينّ ذراريكم، وليأخذنّ أموالكم» قال عمر: فو الله ماتمنّيت الإمارة إلاّ يومئذٍ، فجعلتُ أنصب صدري رجاء أن يقول: هو هذا. فالتفتَ إلى عليٍّ فأخذ بيده وقال: «هو هذا، هو هذا»([1178]).
ونحوه ما أخبر به النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه واقعٌ بعده، فقال: «إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلتُ على تنزيله» فاستشرف له القوم، وفيهم أبو بكر وعمر، فقال أبو بكر: أنا هو؟ قال: «لا». قال عمر: أنا هو؟ قال: «لا، ولكن خاصف النعل» وكان عليٌّ يخصف نعل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)([1179]).
وهذه نصوص اجتمعت صراحةً على نفي وإثبات:
ـ نفت صراحةً أن يكون الداعي أبو بكر أو عمر…
وأثبتت صراحةً إن كان داعٍ بعد الرسول فهو عليّ!.
وبعد وجود هذه النصوص الموثّقة المتضافرة فلا مسوِّغ للرجوع إلى مداخلات المتكلّمين.
إثارة في الختام
إنّ هذا المضيّ وراء تبرير الأمر الواقع ليمنح المرء حقّاً في التساؤل، ولا حرج، ما دام للتساؤل موضوع، وما دام فرض المحال ليس بمحال…
ـ فماذا يُقال إزاء النص الوحيد الذي ظهر يوم السقيفة على لسان عمر حين قال لأبي عبيدة: أبسط يديك لأبايعك فأنت أمين هذه الأمّة([1180])؟ بل الذي نقله الطبري وابن الأثير أنّ أبا بكر هو الذي قال ذلك لأبي عبيدة([1181])!.
هذا هو النصّ الوحيد الذي تناقلته أخبار السقيفة بعد نصّ «الأئمّة من قريش» فصاحب هذا النصّ أولى بالخلافة إذن، ولو بسط يديه وبايعوه لكان هو أفضل الصحابة بلا جدال! والأصح هذا النصّ «أمين الأّمة» هو النصّ الذي يتصدّر جميع بحوثنا الكلامية في الإمامة، ولما وجدنا للنصوص التي يذكرها المتكلّمون في أبي بكر عيناً ولا أثراً!.
ـ وماذا لو قُدِّر أن تتمّ الخلافة لعمرو بن العاص أوّلاً؟
عندئذٍ سوف تنتقل كلّ البراهين والنصوص باتّجاه عمرو، بلا أدنى شكّ، وله بذلك حجّة ظاهرة. ـ فقد نصبه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أميراً على جيش فيه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة جميعاً، في ذات السلاسل! وكانوا مأمورين بطاعته وملازمته! وكان أثناء ذلك كلّه يؤمّهم في الصلاة([1182])، حتّى أمّهم في بعض صلواته جُنُباً([1183])! فهاتان خصلتان كبيرتان تقدّم فيهما على المهاجرين الثلاثة الذين شهدوا السقيفة؛ أبي بكر وعمر وأبي عبيدة؛ إمارة عليهم جميعاً، وإمامة الصلاة عليهم جميعاً!.
وله بعد ذلك منقبة لم تكن لواحد منهم، فقد بعثه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أميراً على سرية إلى عُمان، فآمن أهلها على يديه([1184]). ثمّ هو قرشيّ أيضاً يصدق عليه الحديث «الأئمّة من قريش»! وقد أسلم قبل الفتح وهاجر إلى المدينة([1185])!.
وسوف يدعم ذلك كلّه برهان طالما اعتمدوه في إثبات شرعية الخلافة، وهو أنّه لو كانت الإمامة لغيره وقدّمته الأمّة لكانت هي شرّ أمّة لانتزاعها الإمامة من صاحبها والأحقّ بها ثمّ منحها لمن هو دونه، ولكنّها خير أمّة كما أخبر القرآن الكريم([1186]).
بعد هذا كلّه تتجلّى الحقيقة التي تقول: إنّ الرجوع إلى النصّ، لم يحدث إلاّ في وقت متأخّر، فحينما قال الشيعة بولاية عليّ ونصّ النبيّ عليه، التمس أهل السنّة من إشارات النصّ ما ينبئ بخلافة أبي بكر([1187]).
لكن لمّا كانت هذه النظرية قائمة أساساً على تبرير الأمر الواقع الذي تحقّق بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) فهي لم تبحث عن النصوص بحثاً موضوعياً لغرض الوقوف على النصوص الصحيحة قطعاً والتي تفيد فائدة حقيقية في تعيين خلفاء الرسول، وإنّما ذهبت تفتش عن نصوص تسند ذلك الواقع التاريخي، وتضفي عليه سمة الشرعية، فحين لم تجد ما يسعفها في ذلك راحت تتلمّس غايتها وراء النصوص المصنوعة، بغضّ النظر عن سلامة أسانيدها وضعف دلالاتها! أو من خلال إقحام الآراء على النصوص وتحميلها ما لا تتحمّل، فقادها هذا وذاك إلى جملة من التهافات والتناقضات المؤسفة!.
ومهما كان، فإنّ هذه المحاولات تصطدم مرّة أخرى بعقبة كؤود: فلم يثبت عن أحد من الصحابة أنّه ادّعى النصّ على أبي بكر، بل الثابت عنهم هو العكس تماماً، كما ثبت عن عمر حتّى آخر حياته، وكما ثبت حتّى عن السيّدة عائشة التي نسبوا إليها بعض النصوص المتقدّمة، فقد نقلوا عنها شهادتها بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يستخلف، فقالوا لها: من كان رسول الله مستخلفاً لو استخلف؟ فقالت: أبا بكر. قالوا: ثمّ مَن؟ قالت: عمر. قالوا: ثمّ من؟ قالت: أبا عبيدة([1188])!.
ولا يخفى أيضاً أنّ هذا الترتيب هو الترتيب الذي أفرزته السقيفة، وأفرزه تتابُعُ عهود الخلافة: أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ تمنّي عمر لو كان أبو عبيدة حيّاً ليستخلفه… وليس هو الترتيب الذي تفرزه سير الصحابة حول الرسول، ولا هو الترتيب المتّبع في التفضيل عند أهل السنّة!.
ورغم ذلك فإنّ ابن حزم ينسب عمر وعائشة إلى الغفلة عن ذلك، وأنّه قد خفي عليهما النصّ كما خفي عليهما كثير من أمر رسول الله([1189])!!.
وهذا تبرير لا يرتضيه أحد، ولا يقوم إلاّ على الظنّ، بل لو كان ثمّة نصّ على أبي بكر وأمكن أن يخفى، لخفي على الجميع إلاّ عمر وعائشة اللذين كانا أكثر الناس اجتهاداً في تثبيت خلافته! وأيضاً فثمّة ما يشبه الإجماع عند أهل السنّة على عدم النصّ، وشذّت طائفة من المعتزلة عن قول أسلافها فزعمت أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نصّ على صفة الإمام ونعته، ولم ينصّ على اسمه ونسبه، وهذا قول أحدثوه قريباً، وكذلك قالت جماعة من أهل الحديث، هربت حين عضّها حِجاج الإمامية، ولجأت إلى أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نصّ على أبي بكر، فتركت مذهب أسلافها([1190]).
النصوص الصحيحة الحاكمة
نصوص أيقن بها طائفة من الصحابة، على رأسهم عليّ، يقيناً لا يسمح أن يتسرّب إلى مدلولها شكّ.. يقينا دفع عليّاً (عليه السلام) أن يردّ بدهشة على من دعاه لتعجيل البيعة بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، قائلاً: «ومن يطلب هذا الأمر غيرنا»([1191])؟!.
لكنّ تسارع الأحداث تلك الأثناء، وإحكام القبضة، لم يتركا لشيء من تلك النصوص موقعاً يرتجى ، أمّا حين تحقّقت بارقة أمل يوم اجتماع الأصحاب الستّة للشورى ولم يُبَتّ في الأمر بعد، فلم يتوانَ عليٌّ (عليه السلام) عن التذكير بطائفة منها([1192])…
وبعد أن تمّت له البيعة كانت الأذهان أكثر استعداداً للإصغاء، وأوسع فسحةً للتأمّل… فبالغ في التذكير ببعضها، نصّاً أو دلالةً، حتّى امتلأت بها خطبه الطوال والقصار، وكان لايخلو تذكيره أحيانا من تقريع، ظاهر… أو خفيّ!
وبواحد من مواقفه نستهلّ هذه الطائفة من النصوص:
١ ـ «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه»:
خطب عليٌّ (عليه السلام) في الناس، فقال: أنشدُ الله مَن سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خُمّ: «مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» لَما قام فشهد!
فقام اثنا عشر بدرياً، فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خُمّ: «ألستُ أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم»؟ قلنا: بلى ، يا رسول الله.
قال: «فمَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عادا»([1193]).
وحديث غدير خمّ لم يرد في مسند أحمد أكثر منه طُرُقاً إلاّ حديثاً واحداً[1194])! أمّا في كتاب (السُنّة) لابن أبي عاصم (٢٨٧هـ) وتاريخ ابن كثير، فلا يضاهيه حديث([1195])!!.
ورواه غيرهم بأسانيد صحيحة، كالترمذي وابن ماجة، والنسائي، وابن أبي شيبة، والحاكم([1196]). ونَصَّ الذهبي على تواتره([1197]).
لكن بعد هذا جاء دور المتكلّمين، فبذلوا جهودا مضنيةً في تأويله وصرفه عن معناه، بل تجريده من كلّ معنىً!!.
فحين رأوا أنّ الإقرار بدلالته على الولاية العامّة يفضي إلى إدانة التاريخ وتخطئة كثير من الصحابة، ذهبوا إلى تأويله بمجرّد النصرة والمحبّة، فيكون معنى الحديث: يا معشر المؤمنين، إنّكم تحبّونني أكثر من أنفسكم، فمن يحبّني يحبّ عليّاً، اللّهمّ أحبّ من أحبّه، وعادِ من عاداه([1198])!.
وحين رأوا أنّ جماعة من الصحابة قد عادَوه وحاربوه، ومنهم: عائشة وطلحة والزبير، وأنّ آخرين قد أسّسوا دينهم ودنياهم على بغضه، ومنهم: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة ومروان وعبد الله بن الزبير.. ذهبوا إلى حقّ هؤلاء في الاجتهاد مقابل ذلك النصّ، فهم معذورون وإن أخطأوا، بل مأجورون أجراً واحداً لأجل اجتهادهم([1199])!!.
وهكذا أصبح الخروج على نصوص الشريعة حتّى في مثل تلك الطرق السافرة، اجتهاداً يُثاب صاحبه، وليس بينه وبين الآخر الذي تمسّك بالشريعة وقاتل دونها إلاّ فرق الأجر! فالذي قاتل الشريعة له نصف أجر الذي قاتل دونها! لقد كان الأوْلى بهم أن يتابعوا سُنّة الرسول، ويوقِّروا نصّه الشريف الثابت عنه، بدلاً من إفراطهم في متابعة الأمر الواقع الذي ظهر فيه اختلاف كثير… ثمّ إذا أرادوا بعد ذلك أن يعذروا الصحابة، فما أوسع أبواب الأعذار، ولقد أجاد ابن تيمية خاصّة في إعذارهم في ما ثبت عنهم من فتاوى أو أفعال تخالف السنّة الثابتة([1200]).
فالحقّ أنّ هذا نصٌّ صريح في ولاية عليٍّ (عليه السلام)، لا يحتمل شيئاً من تلك التأويلات التي ما كانت لتظهر لولا الانحياز للأمر الواقع ومناصرته. وممّا يزيد في ظهور هذا النصّ نصوص أُخرى تشهد له وتبيّنه، كما نرى في النصوص الآتية:
٢ ـ قوله (صلّى الله عليه وآله): «إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي». حديث صحيح([1201]).
ـ ومثله قوله (صلّى الله عليه وآله) في عليّ: «إنّه منّي وأنا منه، وهو وليّكم بعدي.. إنّه منّي وأنا منه وهو وليّكم بعدي» يكرّرها([1202]).
ـ ومثله قوله (صلّى الله عليه وآله) لعليٍّ: «أنت وليّي في كلّ مؤمن بعدي». أو: «أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ومؤمنة»([1203]).
وبعد اليقين بصحّة هذه الاحاديث، لايمكن أن تفسّر بحسب ظاهرها فتدين الواقع التاريخي… فلمّا أرادوا تفسير الولاية هنا أيضاً بالنصرة والمحبّة، نظير ما في قوله تعالى: {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[1204])، صدمهم قوله: «بعدي» الذي لا يمكن أن يتشابه معناه!.
ولمّا كانت قدسية الرجال أعظم من قدسية النصّ، رغم ثبوت صحّته عندهم، شهروا سيف التكذيب، فقالوا: إسناده صحيح مع نكارة في متنه لشذوذ كلمة «بعدي»!
ولمّا أرادوا البرهان على هذه النكارة والشذوذ فمن اليسير جدّاً أن يرموا بها «شيعيّاً» ورد في إسناد بعضها([1205])!.
لكن من البديهي أنّ مثل هذا البرهان الأخير يحتاج إلى توثيق، خصوصاً إزاء حديث يرِد بأسانيد صحيحة متعدّدة، فكيف وثّقوه؟
ليتهم لم يوثّقوه، ليتهم تركوه مجازفةً كمجازفات الكثير من أصحاب الأذواق!!.
قالوا في توثيقه: يؤيّده أنّ الإمام أحمد روى هذا الحديث من عدّة طرق ليست في واحدة منها هذه الزيادة([1206]).
إنّها مقالةُ مَن لا يخشى فضيحة التحقيق!!.
فالنصوص الثلاثة التي ذكرناها لهذا الحديث، وفي جميعها كلمة «بعدي» جميعها في مسند أحمد([1207]).
وأغرب من هذا أنّ المحقّق الذي ينقل قولهم المتقدّم ويعتمده، يخرّج بعضها على مسند أحمد نفسه([1208])!.
ومرّة أُخرى ينهار ذلك البرهان وتوثيقه أمام الحديث الذي رواه أحمد في مسنده وفيه: «أنت وليّي في كلّ مؤمن بعدي»([1209])، وليس في إسناده واحد من أُولئك (الشيعة) الّذين اتُّهِموا به! بل اتّفق على صحّته الحاكم والذهبي والألباني([1210])!.
إنّ هذه الدلائل ليست فقط تثبت صحّة قوله «بعدي»، إنّما تثبت أيضاً ـ مع المعرفة بحقائق التاريخ وموقف الرواة من فضائل عليّ ـ أنّ الرواية التي وردت في مسند أحمد أو غيره وليس فيها كلمة «بعدي» إنّما قام (بتهذيبها) أنصار التاريخ الّذين نصروه حتّى في أوج انحرافه عن السُنّة…
كيف لا، وهي إدانة صريحة لمساره المنحرف الذي صار عقيدةً يتديّنون بها، ويضلِّلون مَن خالفهم فيها؟!.
3 ـ الحديث الذي غاب عن (السنن) وأظهره أصحاب التاريخ والتفسير: «إنّ هذا أخي، ووصيّي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا»([1211]).
فإذا كان الذي دهش قريشاً في جاهليّتها هو أن يُؤمر أبو طالب بأن يسمع لابنه ويطيع([1212])، فقد دهشها بعد الإسلام أن يُؤْمر كلّ الصحابة بذلك!.
ولعلّ الذي صرف عنه أصحاب السنن هو من نحو ما ذكره ابن كثير في تعليقه على الحديث، قائلاً، ذكروا فيه إسناد عبد الغفّار بن القاسم، وهو كذّاب، شيعي، اتّهمه عليّ بن المديني بوضع الحديث، وضعّفه الباقون([1213]).
لكنّ أبو مريم، عبد الغفّار بن القاسم، قد حفظ له التاريخ غير ما ذكر ابن كثير!.
حفظ لنا خلاصة سيرته، وصلته بالحديث، ومنزلته فيه، ثمّ حفظ علّة تركهم حديثه: قال ابن حجر العسقلاني: «كان ـ أبو مريم ـ ذا اعتناء بالعلم وبالرجال.. وقال شعبة: لم أرَ أحفظ منه.. وقال ابن عديّ: سمعتُ ابن عقدة يثني على أبي مريم ويُطريه، ويجاوز الحدّ في مدحه، حتّى قال: لو ظُهر على أبي مريم مااجتمع الناس إلى شعبة»([1214])!!.
إذن لأمرٍ ما لم يُظهَر على أبي مريم؛ قال البخاري: عبد الغفّار بن القاسم ليس بالقويّ عندهم.. حدّث بحديث بُرَيدة «عليٌّ مولى مَن كنتُ مولاه»([1215])!.
لكنّ حديث بريدة هذا قد أخرجه ابن كثير نفسه من طريق آخر وصفه بأنّه إسناد جيّد قويّ، رجاله كلّهم ثقات([1216])!.
ذلك هو أبو مريم!
4 ـ خلاصة وصيّة النبيّ لأُمّته في حفظ رسالته:
«ألا أيُّها الناس، إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيب، وأنا تاركٌ فيكم الثَقَلَين: أوّلهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به… وأهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي»([1217]).
ـ «إنّي تاركٌ فيكم ماإنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علَيَّ الحوض… فانظروا كيف تخلفوني فيهما»([1218]).
ـ «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب الله، وأهل بيتي…» ([1219]).
تلك خلاصة رسالة السماء… ومفتاح المسار الصحيح الذي أراده النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لشريعته.
وهذا كلام لا يختلف في فهمه عامّيٌّ وبليغ.. فمن أين يأتيه التأويل؟!.
إنّه لو قُدِّر أن تتحقّق الخلافة لعليٍّ أوّلاً، لَما ارتاب أحد في هذا النصّ الصريح الصحيح… لكنّ اختلاف المسار الجديد عنه، وتقديس الرجال، هما وراء كلّ ما نراه من ارتياب وتجاهل لنصّ لا شيء أدلّ منه على تعيين أئمّة المسلمين، خلفاء الرسول!!.
إنّ أغرب ما جاء في (تعطيل) هذا النصّ قولٌ متهافتٌ ابتدعه ابن تيميّة حين قال: (إنّ الحديث لم يأمر إلاّ باتّباع الكتاب، وهو لم يأمر باتّباع العترة، ولكن قال: أُذكّركم الله في أهل بيتي) ([1220])!.
فقط وفقط، ولا كلمة واحدة!!.
ولهذا القول المتهافت مقلِّدون، والمقلِّد لا يقدح في ذهنه ما يقدح في أذهان البسطاء حتّى! ليعيد على شيخه السؤال: أين الثقل الثاني إذن؟! أين الخليفة الثاني إذن؟! مَن هذان اللذان لن يفترقا حتى يردّا الحوضَ معاً؟!.
وليست هذه الأسئلة من شأن المقلّد، كما لم تكن من شأن المتأوّل، لأنّ شأنهما أن يستترا وراء التأويل، عن لمعان النصّ ودويّه!.
«كتاب الله» و «عترتي أهل بيتي» إنّهما المحوران اللذان سيمثّلان محلّ القُطب في مسار الإسلام الأصيل غدا بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله).
وليس بعد هذا الحديث، وحديث غدير خمّ، مايستدعي البحث عن نصوص أُخر لمن شاء أن يؤمن بالنصوص…
الخطاب الجامع… مفترق الطرق
في حديث صحيح، جمع الخطاب وأوجز: قال الصحابي زيد بن أرقم: لمّا رجع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع ونزل غدير خمّ، أمر بدوحاتٍ فقُمِمْن([1221])، ثمّ قال: «كأنّي دُعيتُ فأجبتُ، وإنّي تارك فيكم الثَقَلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي. فانظروا كيف تخلفوني فيهما! فإنّهما لن يفترقا حتى يردا علَيَّ الحوض».
ثمّ قال: «إنّ الله مولاي، وأنا وليّ كلّ مؤمن» ثمّ أخذ بيد عليّ (عليه السلام)، فقال: «مَن كنتُ وليّه فهذا وليّه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه».
قال أبو الطفيل: قلتُ لزيد: سمعتَه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟
قال: نعم، وإنّه ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينيه وسمعه بأُذنيه([1222]). هذا الخطاب، على نحو مئة ألف من المسلمين شهدوا حجّة الوداع، وعند مفترق طرقهم إلى مدائنهم، لم يعِشِ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بعده إلاّ نحو ثمانين يوماً[1223])، ليكون هذا الخطاب ذاته بعد اليوم الثمانين مفترق الطرق بين المسلمين، وحتى اليوم!!.
ثمانون يوماً لا تكفي لنسيانه!!.
ودواعي الذكرى التي أحاطت به لا تسمح بتناسيه!!.
لكن لم يحدّثنا التاريخ أنّ أحداً قد ذكره في تلك الأيّام الحاسمة التي ينبغي ألاّ تعيد الأذهان إلى شيء قبله، فهو النصّ الذي يملأ ذلك الفراغ، ويسكن له ذلك الهيجان، وتنقطع دونه الأمانيّ، أو فرص الاجتهاد…
«إنّي يوشك أن أُدعى فأُجيب…
وإنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي…
مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه…».
والعهدُ، بعدُ، قريبٌ، جدُّ قريب…
فإذا وجدنا اليوم من لم يؤمن بالنصّ على خليفة النبيّ، فليس لأنّ النبيّ لم يَقُلْه، بل لأنّ الناس يومئذٍ لم يذكروه!!.
5 ـ «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي». حديث متواتر لا خلاف فيه([1224])، لكنّ الكلام في تأويله، وما أغنانا عن التأويل الذي ما أبقى من النصّ إلاّ حروفه!!.
غريب جدّاً ما ذهب إليه المتأوَّلون من أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يَقُلْهُ إلاّ تطييباً لخاطر عليٍّ وترغيباً له في البقاء في المدينة لمّا أرجف به المنافقون وقالوا: خلّفك مع النساء والصبيان! وليس فيه من تشابه المنزلتين إلاّ القرابة([1225])!.
ـ غريب في نسبة هذه الاغراض إلى حديث نبويّ ظاهر، إلى حديث النبيّ الذي لا يقول إلاّ حقّاً، ومع عليٍّ بالذات، ربيب النبيّ وبطل الملاحم!!.
ـ وغريب في تناسي القرآن، وكأنّ القرآن لم يذكر شيئاً من منزلة هارون من موسى!!.
ـ وغريب في الغفلة عمّا يضفيه هذا التأويل إلى عليّ وسعد وابن عبّاس، على الأقلّ، من سذاجة في التفكير وقصور في الفهم!!.
ألم يكن عليٌّ يعرف قرابته من رسول الله قبل ذلك اليوم؟!.
أم كان سعد لم يتمنّ إلاّ هذه القرابة وهو يقول: سمعتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول في عليٍّ ثلاث خصال لئن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليَّ من حمر النعم، سمعته يقول: «إنّه منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي…»([1226])؟! فهل فهم منه القرابة، لا غير؟!.
أم كان ابن عبّاس لا يريد إلاّ القرابة حين يذكر لعليٍّ عشر خصال ليست لأحدٍ من الناس، فيعدّ فيها هذا الحديث([1227])؟!.
هذا وأنّ لابن عبّاس من قرابة النبيّ مثل ما لعليّ (عليه السلام) فكلاهما ابن عمّه (صلّى الله عليه وآله)!! ويساويهما في هذه القرابة كلّ أولاد أبي طالب وأولاد العبّاس وأولاد أبي لهب!.
ـ ولا يخفى أيضاً أنّ قرابة عليٍّ للرسول ليست كقرابة هارون لموسى ، فليست هي المعنيّة في النصّ قطعاً… وغريب أن يخفى على هؤلاء ما هو ظاهر لمن هو دونهم… فقوله: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» ظاهر في عمومه واستيعابه جميع مصاديق تلك المنزلة، ومن هنا استثنى النبوّة، فقال: «إلاّ أنّه لانبيَّ بعدي» فلمّا استثنى النبوّة فقد نصّ على ثبات المصاديق الأُخر، وهي: الوزارة والخلافة.
فلو لم يرد النصّ إلاّ في غزوة تبوك، لَما أفاد ذلك تخصيصه بتلك الغزوة مادام الحديث نصّاً في العموم. ومع هذا فقد ورد هذا النصّ في غير تلك الواقعة أيضاً، كما رواه ابن حبّان وغيره في خبر المؤاخاة([1228]).
6 ـ «يكون بعدي اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش» متواتر، لا نزاع فيه([1229])!.
أهل البيت أوّلاً:
يقول ابن تيميّة: إنّ بني هاشم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب، والعرب أفضل بني آدم، كما صحّ عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قوله في الحديث الصحيح: «إنّ الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش».
ـ وفي السنن أنّه شكا إليه العبّاس أنّ بعض قريش يُحقّرونهم، فقال: «والذي نفسي بيده، لا يدخلون الجنّة حتّى يحبّوكم لله ولقرابتي».
ـ ثمّ قال: وإذا كانوا أفضل الخلائق فلا ريب أنّ أعمالهم أفضل الأعمال([1230]).
ولا ريب أنّ أهل البيت أفضل بني هاشم:
يقول ابن تيميّة في الموضع ذاته: وفي صحيح مسلم عنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال يوم غدير خمّ: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي».
وظاهر أنّ ابن تيمية لا يريد أن يذكر مقدمة الحديث:« إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله .. وأهل بيتي » لأنه لا يريد أن يرى الأمر جليّاً بوجوب التمسّك بأهل البيت!
ويمكن أن يضاف إلى هذا كثير:
ـ «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، فأذهِب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً» عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين، ولا أحد سواهم([1231])… {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}([1232]).
ـ «نحن بنو عبد المطّلب سادة أهل الجنّة: أنا، وحمزة، وعليّ، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهديّ»([1233]).
ـ «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»([1234]).
ـ «المهديّ من عترتي، من وُلْد فاطمة»([1235]).
فلم يبق في الأمر أدنى غموض، بعد تقديم بني هاشم الصريح، وتقديم أهل البيت خاصّة على سائر بني هاشم، وصراحة النصوص المتقدّمة، لا سيّما الغدير والولاية والثقلين، وببساطة كبساطة هذا الدين الحنيف، وبعيداً عن شطط التأويل بُعد هذا الدِين عن التعقيد والتنطُّع، تبدو عندئذٍ كم هي ظاهرةٌ إمامة اثني عشر سيّداً من سادة أهل البيت (عليهم السلام)… وتحديداً: أوّلهم عليّ، فالحسن، فالحسين، وآخرهم المهديّ (عليه السلام).
ومن لحظ الاضطراب الشديد والتهافت الذي وقع فيه شرّاح الصحاح عند حديث الخلفاء الاثني عشر([1236])، ازداد يقيناً في اختصاص سادة أهل البيت بهذا الحديث، دون سواهم.
وقد اهتدى إلى هذا المعنى بعض من شرح الله صدره للإسلام من أهل الكتاب لمّا رأوا في أسفارهم الخبر عن اثني عشر إماماً يكونون بعد النبيّ العظيم من وُلْد إسماعيل([1237])، فناقضهم ابن كثير، نقلاً عن شيخه ابن تيميّة، ليجعل هؤلاء العظماء هم الخلفاء الّذين يعدّون فيهم معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك وهشام، أو الّذين لا يدرون من هُم([1238])!!.
وأهل البيت أوّلاً…
لو لم يكن ثمّة نصّ في الإمامة، وكان للأُمّة أن تُرشّح لها أهلها، وبعد ما تقدّم في تفضيل بني هاشم، وأهل البيت خاصّة، فهم الأوْلى بالإمامة بلا منازع.
وأهل البيت أوّلاً…
لو كانت الخلافة محصورة في قريش، إمّا لنصّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، أو لقول المهاجرين في السقيفة، «أنّ قريشاً أولياؤه وعشيرته»، «وقومه أوْلى به»، «وهيهات أن يجتمع سيفان في غمد»، «ولا تمتنع العرب أن تولّي أمرها مَن كانت النبوّة فيهم». وأخيراً: «فمَن ينازعنا سلطان محمّد ونحن أولياؤه وعشيرته، إلاّ مُدلٍ بباطلٍ، أو متجانف لإثمٍ، أو متورّط في هَلَكة»([1239])؟!.
فإنّ هذا كلّه لا يرشّح أحداً قبل بني هاشم، فإذا كان قومه أوْلى به فلا ينازعهم إلاّ ظالم، فما من أحد أوْلى به من بني هاشم، ثمّ أهل البيت خاصّة!.
فبنو هاشم، دون سواهم من بطون قريش، هم المعنيّون بآية الإنذار في بدء الدعوة النبوية: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}.
وبنو هاشم هم المعنيّون بالمحاصرة في شعب أبي طالب ثلاث سنين، وليس معهم إلاّ بني المطّلب، أمّا بطون قريش الأُخر، تَيم وعديّ وأُميّة ومخزوم وزهرة وغيرها، فهم الّذين تحالفوا على محاصرة عشيرة محمّد الأقربين، بني هاشم وبني المطّلب!!.
فهل خفي هذا على أحد، لو خفيت عليه النصوص؟!.
فالذي جادل في النصوص ودَفَعها بأنّها لو صحّت، أو لو أفادت الخلافة، لَما خفيت على عظماء الصحابة وجمهورهم… عليه أن يقف أمام هذه الحقيقة، كيف خفيت عليهم؟!.
ـ فالحقّ إذن… إنّ التشريع الإسلامي لم يغفل النصّ الحاسم في تحديد معالم مسار الإسلام بعد الرسول…
ـ والحقّ أيضاً… إنّه مهما تنازع الناس في هذا النصّ ومؤدّاه فإنّ كفّة عليّ بن أبي طلب هي الراجحة…
سلوك النبيّ في ترشيح عليّ
عمليّا كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يمارس إعداد عليّ لخلافته، ومنذ بدء الدعوة، ويُظهر لصحبه وللناس أنّه يرشّحه لذلك، عملاً مشفوعاً بالقول أحياناً([1240]).
منذ البدء، نشأ عليٌّ في بيت النبيّ يتبعه اتّباع الظلّ، حتى بُعث (صلّى الله عليه وآله) فكان عليٌّ أوّل من آمن به مع زوجته خديجة([1241]).
ـ وكان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يخرج إلى البيت الحرام ليصلّي فيه، فيصحبه عليٌّ وخديجة فيصلّيان خلفه، على مرأىً من الناس، ولم يكن على الأرض من يصلّي تلك الصلاة غيرهم([1242])…
وكان عليٌّ يصف أيّامه تلك، فيقول: «وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حِجره وأنا ولد، يضمّني إلى صدره… وكان يمضغُ الشيء ثمّ يُلقمنيه، وما وجد لي كذبةً في قول، ولا خَطلةً في فِعل… ولقد كنتُ أتّبعه اتّباع الفصيل أثَرَ أُمّه، يرفعُ لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَماً ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كلّ سنةٍ بحِراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة…» ([1243]).
ـ ويوم أنذر عشيرته الأقربين، رفع شأن عليٍّ عليهم جميعاً، وخصّه بمنزلة لا يشركه فيها غيره.
ـ ويوم هجرته إلى المدينة، اختار عليّاً يبيت في فراشه، ثمّ يؤدّي ما كان عند النبيّ من أمانات، ثمّ يهاجر بمن بقي من نساء بني هاشم.
ـ ثمّ اختصّه بمصاهرته في خير بناته سيّدة نساء العالمين([1244])، بعد أن تقدّم لخطبتها أبو بكر ثمّ عمر فردّهما (صلّى الله عليه وآله)([1245])! وقال لها: «زوّجتك أقدم أُمّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً»([1246]).
ـ وآخى بين المهاجرين والأنصار، ثمّ اصطفى عليّاً لنفسه فقال له: «أنت أخي في الدنيا والآخرة»، أو: «أنت أخي وأنا أخوك»([1247]). فكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سيّد المرسلين وإمام المتّقين ورسول ربّ العالمين الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد، وعليّ بن أبي طالب، أخوَين([1248]).
ـ وفي سائر حروبه كان لواؤه (صلّى الله عليه وآله) أو راية المهاجرين بيد عليٍّ (عليه السلام)([1249]).
ـ وفي خيبر بعث أبا بكرٍ براية، فرجع ولم يصنع شيئاً، فبعث بها عمر، فرجع ولم يصنع بها شيئاً، فقال (صلّى الله عليه وآله): «لأُعطينَّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، لا يخزيه الله أبداً، ولا يرجع حتّى يفتح عليه» فدعا عليّاً ودفع إليه الراية ودعا له، فكان الفتح على يديه([1250]).
وفي عبارة بعضهم: بعث أبا بكر فسار بالناس فانهزم حتّى رجع إليه، وبعث عمر فانهزم بالناس حتى انتهى إليه([1251])… وفي عبارة بعضهم: فعاد يُجبِّن أصحابه ويجبّنونه([1252])!.
ـ ويقول (صلّى الله عليه وآله) لأصحابه: «إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلتُ على تنزيله» فيستشرفون له، كلٌّ يقول: أنا هو؟ وفيهم أبو بكر وعمر، فيقول: «لا، لا، لكنّه عليّ»([1253]).
ـ ويبعث أبا بكر بسورة براءة أميرا على الحجّ، ثمّ يبعث خلفه عليّاً فيأخذها منه، فيعود أبو بكر إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فيقول: أحَدَث فيَّ شيءٌّ، يارسول الله؟
فيقول (صلّى الله عليه وآله): «لا، ولكنّي أُمرتُ ألاّ يبلّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي»([1254])!.
ـ وكان لبعض الأصحاب أبواب شارعة في المسجد، فقال لهم: «سدّوا هذه الأبواب، إلاّ باب عليّ»([1255]).
ـ وكان الصحابة عنده في المسجد، فدخل عليٌّ، فلمّا دخل خرجوا، فلمّا خرجوا تلاوموا! فرجعوا، فقال لهم (صلّى الله عليه وآله): «والله ما أنا أدخلته وأخرجتكم، بل الله أدخله وأخرجكم»([1256]).
ـ ودعاه يوم الطائف يناجيه، فقال بعضهم: لقد طال نجواه مع ابن عمّه!!
فقال لهم (صلّى الله عليه وآله): «ما أنا انتجيته، ولكنّ الله انتجاه»([1257]).
ـ وربّما أراد أن يعلّم أصحابه أدباً، فيقول لهم: «ألا قلتم كما قال عليّ بن أبي طالب»([1258])؟!.
ـ وفي حجّة الوداع أشركه في هديه، دون غيره من أصحابه أو ذوي قرباه([1259]).
ـ وفيها خطب خطبته الشهيرة في عليٍّ في طريق عودته من حجّة الوداع، وهو آخذ بيده يرفعها حتّى يراها الجمع الكبير: «إنّما أنا بشر يوشك أن أدعى فأجيب، وإنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي» «ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فمن كنت مولاه فعليّ مولاه»([1260]).
ـ وخصّه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مدّة حياته الشريفة بمنزلةٍ ليست لأحد! خصّه بساعةٍ من السحر يأتيه فيها كلّ ليلة([1261]).
ـ وإذ نزل قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ}([1262]) كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يأتي باب عليٍّ صلاة الغداة كلّ يوم، ويقول: «الصلاة، رحمكم الله، إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا»([1263]).
ـ وحين يُتوَفّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يخصُّ عليّاً بميراثه دون عمّه العباس، فسُئل وُلْدُ العبّاس عن ذلك فقالوا: إنّ عليّاً كان أوّلنا به لحوقاً، وأشدّنا به لصوقاً([1264]). وغير هذا كثير، وقد عرفه الصحابة في حياة الرسول…
الصحابة والمعرفة بالترشيح
سمع الصحابة وشهدوا نصوص النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وسلوكه في نصب عليٍّ (عليه السلام) وتعيينه لخلافته مباشرةً، فأدركوا ذلك ووعوه، حتى ظهر في أقوال بعضهم، وظهر عند آخرين قولاً وعملاً.
ـ فاشتهر عن بعضهم تمنّيه أن لو كانت له واحدة من تلك الخصال التي خُصَّ بها عليٌّ (عليه السلام)، كما عُرف ذلك عن: عمر بن الخطّاب، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر([1265]).
ـ واشتهر عن آخرين متابعتهم له حتّى عُرفوا في ذلك العهد بشيعة عليّ، منهم: أبو ذرّ، وعمّار، وسلمان، والمقداد([1266]).
ـ بل كان عامّة المهاجرين والأنصار لا يشكّون في أنّ عليّاً (عليه السلام) هو صاحب الأمر بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)([1267]).
وأبو بكر سمع بنفسه قول ابنته عائشة لرسول الله بصوت عال: «والله لقد علمتُ أنّ عليّاً أحبّ إليك من أبي»! فأهوى إليها ليلطمها، وقال: يا ابنة فلانة، أراكِ ترفعين صوتك على رسول الله([1268])!.
ـ قال معاوية بن أبي سفيان في رسالته إلى محمّد بن أبي بكر، وهي الرسالة التي أشار إليها الطبري ثمّ قال: كرهتُ ذِكرها لأُمور لا تحتملها العامّة!، قال فيها معاوية مخاطبا محمّد بن أبي بكر: «قد كنّا وأبوك معنا في حياة نبيّنا نرى حقّ ابن أبي طالب لازماً لنا، وفضله مبرَّزاً علينا»([1269]).
ـ وشهيرةٌ كلمة عمر بن الخطّاب يوم غدير خمّ: «هنيئاً لك يابن أبي طالب، أصبحتَ مولى كلّ مؤمن ومؤمنة»([1270]). علما أنّ هذه الكلمة «مولى » و «وليّ» لم تُعرف لأحد من الصحابة إلاّ لعليٍّ (عليه السلام) في جملة من الأحاديث النبويّة الشريفة: «من كنت مولاه فعليّ مولاه». «وهو وليّكم بعدي». «أنت وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة بعدي».
بل في القرآن أيضاً: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}([1271]). قال الآلوسي: غالب الأخباريّين على أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب([1272])، وعليه شِبهُ إجماعٍ لدى المفسِّرين([1273])، وطائفة من أصحاب الحديث([1274]).
وهذا كلّه كان يعرفه الصحابة من المهاجرين والأنصار خاصّة لقربهم من النبيّ (صلّى الله عليه وآله).
ـ ومن قول محمّد بن أبي بكر في رسالته إلى معاوية، يصف عليّاً (عليه السلام): «وهو وارث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووصيّه، وأبو وُلْده، أوّل الناس له اتّباعاً، وأقربهم به عهداً، يخبره بسرّه، ويُطلعه على أمره»([1275]).
ـ وعبد الله بن عبّاس، حبر الأُمّة، يصفه أيضاً لمعاوية، فيسميّه «سيّد الأوصياء»([1276]).
ـ وأبو ذرّ الغفاري يقول «وعلي بن أبي طالب وصيّ محمّد ووارث علمه»([1277]).
ـ وحذيفة بن اليمان: «الحقوا بأمير المؤمنين، ووصيّ سيّد المرسلين»([1278]).
ـ وعمرو بن الحمق الخزاعي الصحابي الذي دعا له النبي أن يُمتَّع بشبابه، فبقي إلى آخر عمره يتمتع بكلّ سيماء الشباب، يقول لعليّ: أحببتك بخصال خمس: إنّك ابن عمّ رسول الله، ووصيّه([1279])…
ـ والحسن السبط (عليه السلام) خطب خطبته الأُولى بعد وفاة أبيه فذكر: «عليّاً خاتم الأوصياء»([1280]).
ـ وخزيمة بن ثابت، ذو الشهادتين، يصفه لعائشة، فيقول:
وصيّ رسول الله من دون أهلِه
وأنتِ على ما كان مِن ذاكَ شاهِدَهْ([1281])
ـ وحُجر بن عَدي ـ حجر الخير ـ الصحابي الذي بكاه أهل السماء، يصفه في أرجوزة له يقول في آخرها:
واحفظه ربّي واحفظ النبيّا
فيه، فقد كان له وليّا
ثمّ ارتضاه بعده وصيّا([1282])
ـ والنقيب البدري أبو الهيثم بن التيهان، يقول فيه:
إنّ الوصيّ إمامنا ووليّنا
بَرَحَ الخفاءُ وباحت الأسرارُ([1283])
ـ فكما عرفوه «وليّاً» عرفوه «وصيّاً» أيضاً، وذو الشهادتين حين أدلى، في حديثه المتقدّم، بشهادتيه على أنّ عليّاً وصيّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، لم يقف عند هذا الحدّ، بل ألزم عائشة أيضاً الشهادة على ذلك.
وقبل هذا كلّه بكثير ظهرت كلمة (الوصي) في شعر الصحابة، فبعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وحادثة السقيفة، وإبّان ما شجر من نزاع بين الأنصار وبعض قريش من بني أميّة خاصّة، أنشد النعمان بن العجلان ردّاً على عمرو بن العاص:
وقلتُم حرامٌ نصب سعدٍ، ونصبكُم
عتيقَ بن عثمان ـ حلالٌ ـ أبا بكر
وأهلٌ أبو بكر لها خير قائمٍ
وإنّ عليّاً كان أخلق بالأمر
وكان هوانا في عليِّ، وإنّه
لأهل لها يا عمرو من حيث لا تدري
فذاك بعون الله يدعو إلى الهدى
وينهى عن الفحشاء والبغي والنُكر
وصيُّ النبيّ المصطفى وابن عمّه
وقاتلُ فرسان الضلالة والكفرِ([1284])
وقد نسب إلى حسّان بن ثابت شعر في تلك الأيام أيضاً يذكر فيه عليّاً (عليه السلام) فيعرفه بالوصيّ، رواه اليعقوبي والزبير بن بكّار([1285])، يقول:
ألستَ أخاهُ في الهدى ووصيّه
واعلمَ منهم بالكتاب وبالسنن؟!
وربما تردّد المحقّقون في قبول كثير من الشعر المنسوب إلى حسّان، وهذه الأبيات ليست في المختار من ديوانه، لكنّ أحداً لا يقطع بأنّ هذا المختار هو كلّ ما أنشده حسّان… وأيضاً فالزبير بن بكّار واليعقوبي لا يوردان من مثل هذه الأخبار إلاّ ما اشتهر منها، كما يلاحظ بالتتبّع في كتابيهما.
إذن لم يكن لقب «الوصيّ» محدَثاً كما صوّره بعض الدارسين الّذين أغفلوا شهادة التاريخ ثمّ أسقطوا نزعاتهم الشخصية على المفاهيم، وعلى التاريخ كلّه، فصوّروا «الوصيّ» وكأنّه من صنع اليهود، ومنهم انتقل إلى المسلمين، عن طريق عبد الله بن سبأ المزعوم أو غيره([1286])، أو هو من صنع الشيعة ابتدعه هشام بن الحكم (١٩١هـ) ولم يكن معروفاً قبله لا من ابن سبأ ولا من غيره ([1287])!، فالأشعار والنصوص المتقدّمة المحفوظة عن الصحابة سبقت ميلاد هشام بن الحكم بنحو ثمانين سنة!.
كلاّ، بل ذاك ممّا عرفه الصحابة أو بعضهم لعليٍّ، وحفظه تاريخهم، لهم أو عليهم!.
وربّما يُقال إنّ في تلك المصادر نزعة شيعية، والشيعة ليس من حقّهم أن يساهموا في كتابة التاريخ، بل ليس من حقّهم أن يكتبوا تاريخهم الخاصّ أيضاً!.
لكن هل يقال هذا في ابن حجر العسقلاني؟
في شرحه لصحيح البخاري يُثبت ابن حجر أنّ (الشيعة) كانوا يتداولون أحاديث الوصيّة، فنهضت عائشة في مواجهة ذلك التيّار بحديثها الذي أثبته البخاري، تقول فيه إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لمّا نزل به الموت ورأسه على فخذي غُشِيَ عليه ثمّ أفاق، فقال: «اللّهمّ الرفيق الأعلى» فكانت آخر كلمة تكلّم بها «اللّهمّ الرفيق الأعلى».
قال العسقلاني نقلاً عن الزهري في ما يرويه عن جماعة من أهل العلم فيهم عروة بن الزبير: كأنّ عائشة أشارت إلى ما أشاعته الرافضة أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أوصى إلى عليٍّ بالخلافة وأن يوفي ديونه([1288])!.
فخبر الوصية إذن كان يطرق آذانها، حتّى واجهته بهذا الخبر…
لكن لا العسقلاني ولا الزهري ولا جماعة أهل العلم يشاءون أن يتقدّموا في التحقيق خطوة واحدة إلى الأمام، لأنّ الخطوة اللاحقة سوف تنفض أيديهم ممّا وضعه فيها حديث عائشة!.
فالسيّدة أُمّ سَلَمة أقسمت على كذب الحديث المرويّ عن عائشة، حين أقسمت أنّ آخر الناس عهداً بالنبيّ هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)! قالت: «والذي أحلف به، إنْ كان عليٌّ لأقرب الناس عهداً برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، عُدنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غداةً بعد غداة يقول: «جاء عليّ» مراراً، فجاء بعد، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب وكنتُ من أدناهم إلى الباب، فأكبّ عليه عليٌّ، فجعل يُسارّه ويناجيه، ثمّ قُبض (صلّى الله عليه وآله) من يومه ذاك وكان أقرب الناس به عهداً»([1289]).
فالصحابة كانوا يعرفون ذلك وإنْ أنكرته عائشة، فدخل حديثها صحيح البخاري دون حديث أُمّ سلمة الذي كان رجاله من رجال الصحيح!.
وأخيراً، فالوصية التي يفخر بها هذا العدد من الصحابة سوف تبقى أكبر من «وصيّة على قضاء الديون الخاصّة» قد لا تكون محلاًّ لمثل هذا الذكر والفخر…
ـ وفي محاولة السيّدة أمّ سَلَمة للسيّدة عائشة وقد أغضبتها البيعة لعليّ فعزمت على المسير إلى البصرة، أعادت عليها أمّ سَلَمة أشياءَ كثيرة تذكّرها ما تعلمه من حقّ علي، ومن ذلك: «قالت أم سلمة: ويوم كنتُ أنا وأنتِ مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في بعض أسفاره، فأقبل أبوك وعمر فاستئذنا، فقمنا إلى الحجاب، فدخلا ثمّ قالا: يا رسول الله، إنّا والله ما ندري ما قدر ما تصحبنا، أفلا تعلمنا خليفتك فينا فيكون مفزعنا إليه؟
فقال (صلّى الله عليه وآله): أمّا إنّي قد أرى مكانه، ولو فعلتُ لنفرتم عنه كما نفرت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران! فلمّا خرجا خرجت أنا وأنتِ فقلتِ له وكنتِ جريئةً عليه: يا رسول الله، من كنت مستخلفاً عليهم؟ فقال: خاصف النعل.
فنظرتِ إلى عليّ فقلتِ: ما أرى إلاّ علي بن أبي طالب!.
فقال: هو ذاك. أتذكرين هذا؟ قالت: نعم». هذا الحوار نقلته مصادر مهمّة([1290]).
ـ والحوارات التي أدارها عمر بن الخطّاب مع ابن عبّاس هي الاُخرى حوارات كاشفة عن هذا المعنى:
ففي أحدها: يكشف عمر عن معرفته بذلك فيقول: «لقد كان النبيّ يَربَع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعتُ من ذلك، إشفاقاً وحيطةً على الإسلام! وربِّ هذه البَنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً».
أمّا ابن عبّاس فيؤكّد أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد نصّ على عليٍّ، وأنّه سمع ذلك من عليٍّ والعبّاس([1291]).
وفي أُخرى: يؤكّد عمر إرادة قريش، فيقول: كرهت قريش أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة فتجخفوا جخفاً([1292])، فنظرتْ قريش لنفسها فاختارت…
لكنّ ابن عبّاس يحمل على هذه الحجّة حملاً عنيفاً، متسلّحاً بآي القرآن هذه المرّة، فيقول: (أمّا قولك: كرهت قريش! فإنّ الله تعالى قال لقوم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}([1293]).
وأمّا قولك: إنّا كنّا نجخف! فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة، لكنّا قوم أخلاقنا مشتقّة من أخلاق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي قال له الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}([1294]) وقال له: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ}([1295]).
وأمّا قولك: فإنّ قريشاً اختارت! فإنّ الله تعالى يقول: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ}([1296]).
وقد علمتَ يا أمير المؤمنين أنّ الله اختار من خَلقه لذلك مَن اختار فلو نظرتْ قريش من حيث نظر الله لها لَوُفِّقَت وأصابت!!.
ولهذا الحوار مصادره المهمّة أيضاً([1297])!.
وهذه هي نظريّة النصّ في إطارها التامّ: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ}، وإنّ الله اختار مِن خلقه لهذا الأمر مَن اختار… النظرية التي أصبحت من مقولات الشيعة ومن خصائص التشيّع وأعتمدته([1298])، ومن لا يحبّ أن يكون شيعيّاً فعليه أن يخالف فيها ولو بمجرّد الإعراض عنها!.
ـ وفي أخرى: إنّ ابن عمّك قد أجهد نفسه في العبادة، يرشّح نفسه بين الناس للخلافة!.
قال ابن عبّاس: وما يصنع بالترشيح! قد رشّحه لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فصُرفت عنه([1299])!.
ـ والحوار الطويل الذي أداره عثمان أيّام خلافته مع ابن عبّاس، يكشف عن وضوح تامّ لهذه القضيّة، إذ يختم عثمان حديثه بقوله: «ولقد علمتُ أنّ الأمر لكم، ولكنّ قومكم دفعوكم عنه، وآختزلوه دونكم»!.
فأكّد ابن عبّاس هذا المعنى في جوابه، وذكر العلّة فيه كما يراها، ويرى أنّها لم تكن خفيّةً أيضاً على عثمان، فيقول: «أمّا صَرفُ قومِنا عنّا الأمرَ فعن حسدٍ قد والله عرفتَه، وبغيٍ قد والله علمتَه، فالله بيننا وبين قومنا»([1300])!.
هذا كلّه وكثير غيره عرفه الصحابة، وحفظه التاريخ، لهم أو عليهم!.
فحقَّ إذن لقائل أن يقول: إنّ غالبية المسلمين حين توفّي النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كانوا مع الاتّجاه الذي يمثّله عليٌّ بن أبي طالب وأصحابه، لأنّ النبيّ كان زعيم هذا الاتّجاه([1301]).
فقبل ذلك قيل لقد كان عامّة المهاجرين والأنصار لا يشكّون في عليّ([1302]).
النصّ والترشيح في حديث عليّ
واضح جدّا في قراءة تلك الحقبة من التاريخ أنّ عليّاً (عليه السلام) هو أكثر مَن تبنّى إظهار النصوص والإشارات الدالّة على اختياره من الله لخلافة الرسول، أو النصّ عليه بالاسم. وصحة نسبة هذه الكلمات إليه قد فرغ منها أصحاب التحقيق حين تجرّدوا عن الأهواء، وسكن إليها أكثر من خمسين علماً من شرّاح كلماته، ودافعوا عنها دفاعاً معزّزاً بالبراهين الباعثة على الاطمئنان([1303]).
في حقّه خاصّة
عليّ (عليه السلام) هو الذي أعاد إلى الأذهان أحاديث نبويّةً تبرز حقّه في الخلافة بلا منازع، لم يكن مأذونا بها أيّام الخلفاء، إذ منعوا من الحديث إلاّ ما كان في فريضة، يريدون بها الأحكام وفروع العبادات:
١ ـ فقد جمع الناس أيّام خلافته فخطبهم خطبته المنقولة بالتواتر، يناشد فيها أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مَن سمع منهم رسولَ الله بغدير خمّ يخطب فيقول: «مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه» إلاّ قام فشهد([1304]).
٢ ـ وعليٌّ هو الذي أعاد نشر حديث آخر يقدّمه على أبي بكر وعمر خاصّة، إذ أخبر النبيّ أنّ مِن أصحابه مَن يقاتل بعده على تأويل القرآن كما قاتل هو (صلّى الله عليه وآله) على تنزيله، فتمنّى أبو بكر أن يكون هو ذلك الرجل، فلم يصدّق النبيّ أُمنيّته، بل قال له «لا»! فتمنّى ذلك عمر لنفسه فلم يكن أحسن حظّاً من أبي بكر، ثمّ قطع النبيّ الأمانيّ كلّها حين أخبرهم أنّه عليٌّ، لا غير([1305])!.
هذه الأحاديث وغيرها وإنْ رُويت عن غيره إلاّ أنّ روايتها عنه امتازت بكونها خُطَبا على جمهور الناس، لا حديثاً لواحد أو لبضعة نفر، وهذا أبلغ في التأكيد على حقّه الثابت له، وأيقن بأنّ كثيراً من الصحابة كانوا يعرفونه ولا يجهلونه!.
3 ـ وقد ذكر عنه أكثر من هذا بكثير في يوم الشورى أو بعدها، لكن اختلفوا في تفصيله وفي إسناده أيضاً، وإن كان قد ثبت عندهم ذلك بالجملة، وأقلّ ما ذُكر من مناشدته تلك ما أخرجه ابن عبد البرّ: قال عليّ لأصحاب الشورى: «أنشدكم الله، هل فيكم أحد آخى رسول الله بينه وبينه، إذ آخى بين المسلمين، غيري؟».
وقال ابن عبد البر بعده: روينا من وجوه عن عليّ (عليه السلام) أنّه كما يقول: «أنا عبدالله وأخو رسول الله، لا يقولها أحد غيري إلاّ كذّاب»([1306]).
ورواها في كنز العمّال حديثاً طويلاً عن أبي الطفيل أنّه سمع عليّاً يوم الشورى يقول ـ الحديث([1307])، وما أخرجه ابن عبد البر قطعة منه، لكنّ إسناد كنز العمّال فيه جهالة([1308])، وقد دار حوله جدل، فقيل: رواه زافر عن رجل، فالرجل مجهول، وزافر لم يتابع عليه، وأنكره بعضهم لأجل متنه، ولا يعتدّ بهذا الإنكار لأنّه مبنيّ على فهم لا أصل له يصوّر البيعة لأبي بكر على أنّها كانت إجماعاً أو شبه إجماع، وما خالف هذا التصوّر فهو عنده منكر، وهذا فرط خيال كما هو ثابت.
وأمّا الإسناد فقد توبع عليه زافر كما في الإسناد الذي أورده ابن عبد البرّ في (الاستيعاب)([1309])، وقد قال ابن حجر العسقلاني: إنّ زافراً لم يُتّهم بكذب، وأنّه إذا توبع على حديث كان حَسَناً([1310]).
وفي أوّل هذا الحديث، قال أبو الطفيل: كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الأصوات بينهم، فسمعت عليّاً يقول: «بايع الناس لأبي بكر، وأنا والله أولى بالأمر منه، وأحقّ به منه، فسمعتُ وأطعتُ مخافةَ أن يرجعَ الناسُ كفاراً يضربُ بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثمّ بايعَ الناسُ عمرَ وأنا والله أولى بالأمر منه، وأحقّ به منه، فسمعتُ وأطعتُ مخافة أن يرجعَ الناسُ كفّاراً يضربُ بعضهم رقاب بعضٍ بالسيف، ثمّ أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان! إذاً أسمع وأطيع» ثمّ ذكر أمر الشورى وشرع يحصي عليهم من فضائله وخصائصه التي امتاز بها عليهم، وكانت أولاها القطعة التي رواها ابن عبد البرّ في المؤاخاة([1311]).
ولهذا الكلام ما يشهد له أيضاً ممّا سيأتي في فقرات لاحقة.
4 ـ وعليٌّ جدّد التذكير أيضاً بما يبرز حقّه فوق أبي بكر خاصّة، حين ذكّر الناس بقصة أخذه بسورة براءة من أبي بكر!.
روى النسائي بإسناد صحيح عن عليٍّ (عليه السلام): أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعث ببراءة إلى أهل مكّة مع أبي بكر، ثمّ أتبعه بعليٍّ فقال له: «خذ الكتاب فامض به إلى أهل مكّة» قال: فلحقته فأخذتُ الكتاب منه، فانصرف أبو بكر وهو كئيب، فقال: يا رسول الله، أَنَزَلَ فيَّ شيء؟! قال: «لا، إنّي أُمرت أن أُبلّغه أنا أو رجل من أهل بيتي»([1312]).
وفي كلّ واحد من هذه الاحاديث ردٌّ على مَن يقول إنّ عليّاً لم يذكر شيئا يدلّ على أحقّيّته في الخلافة! هذا ولمّا ندخل بعد رحاب (نهج البلاغة).
5 ـ ومن أشهر أقواله، قوله بعد أن بلغه خبر السقيفة وبيعة الناس لأبي بكر: «ماذا قالت قريش؟».
قالوا: احتجّت بأنّها شجرة الرسول (صلّى الله عليه وآله).
فقال: «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة»([1313])!.
6 ـ وفي احتجاجه المشهور على نتائج السقيفة أيضاً، قوله:
فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم
فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم
فغيرُك أولى بالنبيّ وأقربُ([1314])
7 ـ خطبته الشقشقيّة التي حظيت دائماً بمزيد من التوثيق([1315])، وهي من أكثر كلماته المشهورة وضوحاً ودلالة وتفصيلاً:
«أما والله لقد تقمّصها فلان، وإنّه لَيعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنّي السيل، ولا يرقى إليَّ الطير…
فسدلتُ دونها ثوباً، وطويت عنها كَشحاً، وطفقتُ أرتئي بين: أن أصولَ بيدٍ جذّاء، أو أصبر على طخيةٍ عمياء!… فرأيتُ أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرتُ وفي العين قذىً، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نَهْبا!.
حتّى مضى الأوّل لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده…
فيا عجباً! بينا هو يستقيلها([1316]) في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته!! لشدَّ ما تشطّرا ضَرعيها!…
فصبرتُ على طول المدّة، وشدّة المحنة… حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعةٍ زَعَم أنّي أحدهم! فيالله وللشورى! متى اعترضَ الريبُ فيَّ مع الأوّل منهم حتّى صرتُ أُقرن إلى هذه النظائر؟!..»([1317]).
إذن أبو بكر أيضاً كان يعلم أنّ محلّ عليٍّ من الخلافة محلَّ القطب من الرحى !
وقد يبدو هذا في منتهى الغرابة لمن أَلِفَ التصوّر القدسي لتعاقب الخلافة، ذاك التصوّر الذي صنعه التاريخ وفق المنهج الذي قرأناه في البحوث المتقدّمة، ومن هنا استنكروه، كما استنكروا سائر كلامه في الخلافة، وقبله استنكروا جملة من الحديث النبوي الشريف الذي يصدم تلك القداسة!.
لكنّ الحقيقة، كلّ الحقيقة، أنّك لو تلمّست لذلك التصوّر القدسي شاهداً من الواقع مصدّقاً له لعدت بلا شيء! لكن لم يألف التاريخ الإصغاء لعليّ!!.
التاريخ الذي أثبت، بما لا يدع مجالاً لشبهة، أنّ عليّاً لم يبايع لأبي بكر إلاّ بعد ستّة أشهر، صمّ آذانه عن سماع أيّ حجّةٍ لعليٍّ في هذا التأخّر!.
تناقضٌ لم يستوقف أحدا من قارئي التأريخ!.
وكيف يستوقفهم على عيوب نفسه، وهو وحده الذي صاغ تصوّراتهم وثقافتهم؟
8 ـ من كلام له بعد الشورى ، وقد عزموا على البيعة لعثمان:
«لقد علمتم أنّي أحقّ بها من غيري، ووالله لأُسلِّمنَّ ما سلمت أُمور المسلمين ولم يكن فيها جَورٌ إلاّ علَيَّ خاصّة؛ التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً في ما تنافستموه من زخرفه وزبرجه»([1318]).
وجد ابن أبي الحديد أنّ هذه الكلمة هي آخر ما قاله علي (عليه السلام) آنذاك في كلام نقله هنا بعد أن أزاح عنه كلّ شكّ في صحّته، فقال: نحن نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورى، وقد روى الناس ذلك فأكثروا، والذي صحّ عندنا أنّه لم يكن الأمر كما روي من تلك التعديدات الطويلة، ولكنّه قال لهم بعد أن بايعوا عثمان وتلكّأ هو (عليه السلام) عن البيعة: «إنّ لنا حقّاً إن نُعْطَه نأخُذه، وإن نُمنَعْه نركب أعجاز الإبل وإن طال السرى» في كلام قد ذكره أهل السّيرة.
ثمّ قال لهم: أنشدكم الله؛ أفيكم أحد آخى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بينه وبين نفسه غيري؟ قالوا: لا.
قال: أفيكم أحد قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «مَن كنتُ مولاه فهذا مولاه» غيري؟ قالوا: لا.
قال: أفيكم أحد قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أنت منّي بمنزلة هارون بن موسى» غيري؟ قالوا: لا.
قال: أفيكم من اؤتُمنَ على سورة براءة وقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنّه لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي» غيري؟ قالوا: لا.
قال: ألا تعلمون أنّ أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فرّوا عنه في مأقِط الحرب([1319]) في غير موطن، وما فررتُ قطّ؟ قالوا: بلى.
قال: ألا تعلمون أنّي أوّل الناس إسلاماً؟ قالوا: بلى.
قال: فأيّنا أقرب إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نسباً؟ قالوا: أنت.
فقطع عليه عبد الرحمن بن عوف كلامه، وقال: يا عليّ، قد أبى الناس إلاّ عثمان، فلا تجعلنّ على نفسك سبيلاً!.
ثمّ توجّه عبد الرحمن إلى أبي طلحة الأنصاري([1320])، فقال له: يا أبا طلحة، وما الذي أمرك عمر؟
قال: أن أقتل من شقّ عصا الجماعة!.
فقال عبد الرحمن لعليّ: بايع إذن، وإلاّ كنتَ متّبعاً غير سبيل المؤمنين!! وأنفذنا فيك ما أمرنا به!!.
فقال عليّ (عليه السلام) كلمته هذه: «لقد علمتم أنّي أحقّ بها من غيري، ووالله لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جورٌ إلاّ عليّ خاصّة…»([1321]).
إذن هذا كلام خبره مستفيض، وليس هو من غرائب الأخبار أو منكراتها.
9 ـ «وقد قال قائل: إنّك على هذا الأمر يابنَ أبي طالب لحريص. فقلتُ: بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبتُ حقّا لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه! فلمّا قرّعته بالحجّة في الملأ الحاضرين هبَّ كأنّه بُهِتَ لا يدري ما يجيبني به»([1322])!!.
والقائل إمّا سعد بن أبي وقّاص يوم الشورى على قول أهل السُنّة، أو أبو عبيدة بعد يوم السقيفة على قول الشيعة، وأيّاً كان فهذا الكلام مشهور يرويه الناس كافّة كما يقول المعتزلي السُنّي ابن أبي الحديد([1323]).
10 ـ «اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومَن أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي، ثمّ قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه وفي الحقّ أن تتركه»([1324])!.
11 ـ «أمّا بعد.. فإنّه لمّا قبض الله نبيه (صلّى الله عليه وآله) قلنا: نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقّنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبيّنا، فصارت الإمرة لغيرنا…».
هذه هي مقدّمة خطبته في المدينة المنوّرة في أوّل إمارته ولمّا يمض على إمارته أكثر من شهر([1325])!.
12 ـ «أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام… فإنّها كانت أثرةً شَحَّت عليها نفوس قوم، وسَخَتْ عنها نفوس آخرين. والحَكَمُ الله، والمعْوَدُ إليه القيامة».
قاله في جواب سائل سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به؟
ثمّ يصل جوابه بما ينقله إلى ما هو أولى بالاستنكار، فيقول:
وَدعْ عنك نهباً صحيح في حجراته
ولكن حديثاً ما حديثُ الرواحِل
وهلمّ الخطب في ابن أبي سفيان، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه…» ([1326]).
في أهل البيت
مثل ما ظهر هناك من وضوح وتركيز في استعراض حقّه خاصّة، يظهر هنا في شأن أهل البيت في جملة من كلماته:
1 ـ «اللّهمّ بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته»([1327]).
يرى ابن أبي الحديد المعتزلي أنّ هذا يكاد يكون تصريحاً بمذهب الإمامية([1328]).
2 ـ «لا يُقاسُ بآل محمّد (صلّى الله عليه وآله) من هذه الأُمّة أحد.
«هم أساس الدِين، وعماد اليقين…
ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة…»([1329]).
فبعد ذِكر حقّ الولاية، هذا واحد من مواضع يذكر فيها الوصيّة تصريحاً أو تلميحاً([1330])، ثمّ هو الموضع الأكثر صراحةً في نسبة الوصيّة إلى نفسه وأهل البيت، مع هذا فهو الموضع الذي أهمله الدكتور محمّد عماره وهو يستقصي هذه المفردة في كلام عليٍّ، أو غفل عنه، لأجل أن يقول: إنّنا لا نجد في خطب عليٍّ وكلامه ومراسلاته ـ التي ضمّها نهج البلاغة ـ وصفه بهذا اللفظ!.
هذا كلّه لأجل أن يدعم مقالةً حلّق فيها بدءا حين نسب كلمة (وصيّ) في الحديث النبوي «أنت أخي ووصيّي» إلى صنع الشيعة الّذين وضعوها بدلاً من كلمة «وزيري»([1331])! مع أنّ الرواية السُنّية للحديث لم تعرف غير كلمة «وصيّي»([1332])!.
3 ـ «إنّ الأئمّة من قريش، غُرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم»([1333]).
وقد وقفنا قبلُ على طائفة من النصوص الصحيحة التي اصطفت بني هاشم من قريش وقدّمتهم عليهم، وطائفة من الوقائع وأحداث السيرة التي قدّمت بني هاشم على سواهم، فلا تحتجّ قريش بحجّة إلاّ وكان بنو هاشم أوْلى بها.
4 ـ «أين تذهبون! وأنّى تؤفكون! والأعلام قائمة، والآيات واضحة، والمنار منصوبة، فأين يُتاه بكم؟!.
وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيّكم وهم أزمّة الحقّ، وأعلام الدين، وألسنة الصدق؟! فأنزِلوهم بأحسن منازل القرآن، ورِدُوهم ورود الهيم العطاش.
أيّها الناس، خذوها عن خاتم النبيين (صلّى الله عليه وآله): إنّه يموت من مات منّا وليس بميّت، ويبلى من بلي منّا وليس ببالٍ»([1334]).
استنكار لاذع، وأسف على هؤلاء الناس الّذين تركوا عترة نبيّهم، رغم وضوح الدلائل على لزوم اتّباعهم!.
5 ـ «إنّا سنخُ أصلاب أصحاب السفينة، وكما نجا في هاتيك من نجا، ينجو في هذه مَن ينجو، ويلٌ رهينٌ لمن تخلّف عنهم… وإنّي فيكم كالكهف لأهل الكهف، وإنّي فيكم باب حطّة، مَن دخل منه نجا ومن تخلّف عنه هلك، حجّةٌ من ذي الحجّة في حجّة الوداع: (إنّي تركت بين أظهركم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي)»([1335]).
6 ـ «انظروا أهل بيت نبيّكم، فالزموا سَمْتَهم، واتّبعوا أثَرهم، فلن يخرجوكم من هدىً، ولن يعيدوكم في ردى… فإنْ لَبَدوا فالبدوا، وإنْ نهضوا فانهضوا… ولا تسبقونهم فتضلّوا، ولا تتأخّروا عنهم فتهلكوا»([1336]).
7 ـ «… ألم أعمل فيكم بالثَقَل الأكبر، وأتركُ فيكم الثَقَل الأصغر؟»([1337]).
الثَقل الأكبر: القرآن الكريم، والثَقل الأصغر: الحسن والحسين (عليهما السلام).
8 ـ «المهديّ منّا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة»ن أخرجه أحمد والسيوطي، عن عليٍّ (عليه السلام)([1338]).
«المهديّ منّا، من وُلْد فاطمة»، أخرجه السيوطي عن عليٍّ (عليه السلام)([1339]).
وهكذا تقسّمت كلمات عليٍّ هذه بين حديث نبويّ بحرفه أو بمضمونه، وبين وصف أو تقييم لحدثٍ تاريخيّ حاسم، وليس في هذا كلّه على الإطلاق ما يشذّ عن وقائع التاريخ في صغيرة ولا كبيرة.
خلاصة يقين علي بحقّه
أيقن علي (عليه السلام) بحقّه في الخلافة يقيناً من موقعه الممتاز عند الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومن حياته الخالصة في الإسلام، فلقد كان في حياة الرسول يقول: «إنّ الله يقول: {أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}([1340]) واللهِ لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، واللهِ لئن مات أو قُتل لأُقاتِلنَّ على ما قاتل عليه حتّى أموت، والله إنّي لأخوه ووليّه وابن عمّه ووارث علمه، فمن أحقّ به منّي»([1341])؟!.
وهو القائل: «فلمّا مضى (صلّى الله عليه وآله) تنازع المسلمون الأمر من بعده، فوالله ما كان يُلقى في رُوْعِي ولا يخطر ببالي أنّ العربَ تُزْعِجُ هذا الأمرَ من بعده عن أهل بيته! ولا أنّهم مُنَحُّوه عنّي من بعده! فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه…» ([1342]).
هكذا إذن «أراده حقّاً يطلبه الناس، ولا يسبقهم إلى طلبه»([1343]).
البيعة
من تلك النصوص النبوية الثابتة، وخلاصتها في نصّ الثقلين ونصّ الغدير والإثني عشر خليفة، أصبحت الإمامة في إثني عشر إماماً من أهل البيت تعييناً، في عليّ بعد الرسول مباشرةً؛ لأنّ تلك النصوص بمثابة العهد بالخلافة والإمامة، وهو عهد من الرسول، فهو ناجز وثابت لهم، فهم الأئمة بالحق سواء بايعت لهم الناس أم لم تبايع، أمّا طريقهم إلى ممارسة الحكومة والإدارة، فهو البيعة، بلا ريب.
فالبيعة هي عقد الطاعة للإمام ليمارس دوره كحاكم ومرشد سياسي وديني، أمّا كونه هو صاحب هذا المكان فقد تمّ بعهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لا بالبيعة.
«ولا شكّ أنّ البيعة للقائد المعصوم واجبة، لا يمكن التخلّف عنها شرعاً، ولكنّ الإسلام أصرّ عليها واتّخذها أسلوباً من التعاقد بين القائد والأمّة لكي يركّز نفسياً ونظرياً مفهوم الخلافة العامّة للأمّة»([1344]).
وكون الإمامة حاصلة بالعهد، قد مضى عليه أهل السنّة أيضاً…
قالوا: إذا عهد الخليفة إلى آخر بالخلافة بعده، فإنّ بيعته منعقدة، وإنّ رضى الأمّة بها غير معتبر، ودليل ذلك أنّ بيعة الصديق لعمر لم تتوقّف على رضى بقيّة الصحابة([1345]).
هذا مع أنّنا لا نجد بين أبي بكر وعمر بيعة، وإنّما هو عهد بالخلافة لا غير.
فعهد النبي (صلّى الله عليه وآله) أولى أن يُتّبع، بلا مسوّغ للخلاف، فهو ماضٍ، وبه تحقّقت الخلافة لعليّ (عليه السلام) بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) مباشرةً سواء بايعته الأمّة على الطاعة أو لم تبايع، فالبيعة إذن إنّما تُنشئ عقد الطاعة وتسليم مقاليد الحكم والإدارة، فهذا لا يتمّ إلاّ بالبيعة، وقد عُرضت على عليّ (عليه السلام) من قِبَل العبّاس فرفض أن تكون إلاّ جهرة على الملأ وعامّةً في المسجد النبوي الشريف، ثمّ لمّا أتته الخلافة أتته بالبيعة فبايع الناس على ذلك، فكانت البيعة طريقة إلى الحكم، وهكذا كان الأمر مع الحسن (عليه السلام). وحين حُبست البيعة عن الأئمّة الذين اختارهم الله ورسوله فقد حيل بينهم وبين ممارسة الحكم والإدارة العامّة، دون أن يسلبهم ذلك حقّ الإمامة الثابت لهم، شأنهم في ذلك شأن الكثير من الأنبياء الذين عصتهم أممهم وحالت بينهم وبين ممارسة دورهم الحقيقي في القيادة والإرشاد والتوجيه، دون أن يسلبهم ذلك منزلتهم التي أنزلهم الله تعالى بها.
أثر الواقع الجديد
في الموقف من هذه النصوص
لقد آمن أهل السُـنّة بلا شكّ بالكثير من فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، وعلى تفاوت بينهم في مدى هذا الاِيمان، لكنّه مهما ترقّى في درجاته فهو دائماً الاِيمان الذي لا يناقض الواقع الجديد المتمثّل ببيعة (الخلفاء الراشدين)… فكلّ نصّ عندهم محكوم لهذا الواقع، فما خالفه فينـبغي تأويله، وما لا يمكن تأويله بوجه من الوجوه فينبغي ردّه.
ومن هنا أنكر متكلّموهم صحّة نسبة «نهج البلاغة» إلى الاِمام عليٍ لاَجل احتوائه على تلك النصوص وأمثالها، فيما اكتفى المدافعون عن «نهج البلاغة» من شرّاحه خاصّةً بشرح غريبه فقط دون الوقوف عند مفاهيم كلماته ومدلولاتها.. وكِلا الموقفَين ينطوي على الفرار من مواجهة التناقض الذي يبدو حاسماً في مواضع كثيرة بين نصوص «نهج البلاغة» وذلك الواقع الجديد.
فلم تقف هذه النصوص عند نقد وسيلة اختيار الخلفاء، كما صوّرها الدكتور صبحي ملتمساً ذلك من بعض تعليقات ابن أبي الحديد([1346]).
بل في تعليقات ابن أبي الحديد ما يشير بوضوح إلى أنّ في كلامه (عليه السلام) ما يفيد تعيينه (عليه السلام) خليفةً بالنصّ، الاَمر الذي اسـتنكروا بعض لوازمه، فاسـتنكروه لذلك! فيما حاول المعتزلة أن يتّخذوا منه موقفاً وسطاً.
قال ابن أبي الحديد: وأصحابنا يحملون ذلك كلّه على ادّعائه الاَمر بالاَفضلية والاَحقّية، وهو الحقّ والصواب، فإنّ حمله على الاستحقاق بالنصّ تكفيرٌ أو تفسيق لوجوه المهاجرين والاَنصار.
قال: ولكنّ الاِمامية والزيدية حملوا هذه الاَقوال على ظواهرها، وارتكبوا بها مركباً صعباً!.
ثمّ قال: ولعمري إنّ هذه الاَلفاظ موهمةٌ مغلّبةٌ على الظنّ ما يقوله القوم ـ أي الاِمامية والزيدية ـ لكنّ تصفّح الاَحوال يبطل ذلك الظنّ، ويدرأ ذلك الوهم، فوجب أن يجري مجرى الآيات المتشابهات الموهمة ما لا يجوز على البـاري([1347])!.
ومرّةً أُخرى يرى ابن أبي الحديد أنّ بعض كلمات عمر دالّة صراحة على وجود النصّ على عليٍّ (عليه السلام)، لكنّه يسـتبعد من الصحابة ردّ النصّ([1348]).
كيف يقال إذن: غاية رأي عليّ في كيفية نصب الإمام أنّه نقد وسيلة اختيار الخلفاء قبله.
ولكنّه لم ينقد الاختيار عامّةً كوسيلة مؤدّية إلى نصب الإمام؟
إنّه استقراء ناقص، لكنّه بلا شكّ أقرب إلى الموضوعية كثيراً من نفي أيّ نقد يمسّ وسيلة اختيار الخلفاء!.
إنّ المعتزلة لو استطاعوا أن يدفعوا شبهة التكفير أو التفسيق المترتّبة ظاهراً على ما تفيده ظواهر كلمات الاِمام عليٍ (عليه السلام) من استحقاقه الخلافة بالنصّ، لآمنوا بها كما هي دون اللجوء إلى هذا التأويل بالذات.
بل لو استطاع الاَشاعرة وأصحاب الحديث وغيرهم من أنصار مدرسة الخلفاء دفع هذه الشبهة لَما اضطرّوا إلى التكذيب بهذه الكلمات كلّها أو جلّها.
لكن لماذا لم يدفعوا هذه الشبهة بناءً على تصفّح الاَحوال؟
لماذا لا يكون تصفّح الاَحوال قرينةً على دفع شبهة التكفير أو التفسيق، مع الاِبقاء على ما تفيده ظواهر كلماته المتعدّدة المتعاضدة من استحقاقه الاِمامة بالنصّ؟ خصوصاً مع وفرة ما يؤيّدها من النصوص النبوية المتّفق عليها، إنّهم لو فعلوا ذلك لاَصابوا حقيقةً لا يضطربون بعدها، ولا يفرّطون بهذا الكمّ الكبير من الاَحاديث الهادية ـ أحاديث النبيّ وعليٍ ـ نفياً، أو تأويلاً يشبه التعطيـل…
ولو فعلوا ذلك لأْتَلَفوا من بعد اختلاف، ولعادت الطوائف التي تعدّدت أُمّةً واحدة كأنْ لم تختلف قطّ، ولعاد الاختلاف الذي عقب وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله) درساً من دروس التاريخ لا يسـتهوي أحداً أبداً…
ولو فعلوا ذلك لارتفعوا كثيراً فوق مواطن الاضطراب التي تكشف عن ضعف وهزيمة ورغبة مذهلة في غلق ذلك الملفّ…
لماذا تكفير؟
لماذا، وعليّ (عليه السلام) صاحب تلك الكلمات لم يُكفِّر أحداً من خصومه، وحتّى محاربيه؟!.
فلو كفر أصحاب الجمل لأباح سَلبهم، لكنّه منع من ذلك، كما منع من ملاحقة مدبريهم، والإجهاز على جرحاهم!.
ولو كفّر الخوارج لما نهى عن مقاتلتهم بعده، إذ قال: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه»([1349]).
فلم يكن قتاله إيّاهم بناءً على مقولاتهم المذهبية، ولا بما رموه به (عليه السلام) من الشرك والكفر، بل قاتلهم لعدوانهم على المؤمنين الأبرياء وسفكهم الدماء وإخافة السبيل بغير حقّ([1350]).
وقد جاءه رجل يذكر له رجلاً من الخوارج، فقال: يا أمير المؤمنين إنّي وجدت هذا يسبّك! قال علي (عليه السلام): فسبّه كما سبّني.
قال: ويتوعّدك! قال عليّ (عليه السلام): لا أقتل من لم يقتلني… ثمّ قال (عليه السلام): «لهم علينا ثلاث: أن لا نمنعهم المساجد يذكروا الله فيها، وأن لا نمنعهم الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا، وأن لا نقاتلهم حتّى يقاتلونا». قال أبو عبيد: أفلا ترى عليّاً رأى للخوارج في الفيء حقّاً ما لم يُظهروا الخروج على الناس، وهو مع هذا يعلم أنّهم يسبّونه ويبلغون منه أكثر من السبّ، إلاّ أنّهم كانوا مع المسلمين في أمورهم ومحاضرهم، حتّى صاروا إلى الخروج بعدُ([1351]).
ثمّ هو (عليه السلام) القائل في احتجاجه على الخوارج:
«ووالله إن جئتُها ـ أي القبول بالتحكيم ـ إنّي للمُحقّ الذي يُتّبع، وإنّ الكتابَ لمعي ما فارقته مذ صحبته، فلقد كنّا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإنّ القتل ليدور على الآباء والأبناء والإخوان والقرابات فما تزداد على كلّ مصيبةٍ وشدّة إلاّ إيماناً ومضيّاً على الحقّ وتسليماً للأمر وصبراً على مضض الجراح…
ولكنّا إنّما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل، فإذا طمعنا في خصلة يلمُّ الله بها شعثنا ونتدانى فيها إلى البقية فيما بيننا رغبنا فيها وأمسكنا عمّا سواها»([1352])؟!.
لماذا إلا التكفير؟! إنّ الشيعة الذين تمسّكوا بهذه النصوص من دون تأويل، لم يُلزموا أنفسهم تكفير أحد بناءً على هذه النصوص، بل استبعدوه كثيراً([1353])؟!.
لكنّ المعتزلة حين ابتكروا مقولتهم التي تميّزوا بها، مقولة المنزلة بين المنزلتين، فمرتكب الكبيرة عندهم ليس بكافر، لكنّه أيضاً ليس بمؤمن، إنّما هو فاسق! فحينئذٍ وجدوا أنفسهم مضطرّين إلى القول بفسق عدد كبير من الصحابة لو أنّهم أخذوا بظاهر تلك النصوص! فلم يذهبوا إذاً إلى تعديل مقولتهم عملاً بالنصوص وموافقةً لتصفّح الاَحوال، بل ذهبوا إلى تأويل النصوص حفظاً لسلامة مقولتهم!.
وهذا هو الخطر الكبير الذي يرتكبه التقليد المذهبي، فمقولة المذهب دائماً مقدَّمة على نصوص الشريعة! وتقدّم قولنا أنّ أبا الحسن الكرخي إنّما كان يحكي عن لسان حال المذهبية حين قال: «الأصل أنّ كلّ آية تخالف قول أصحابنا فإنّها تُحمل على النسخ، أو الترجيح، والاَوْلى أن تُحمل على التأويل من جهة التوفيق، وكذا الحال مع الحديث»([1354])!.
وإذا قدّرنا أنّ كلّ مذهب من المذاهب الاِسلامية المتعدّدة سوف يفعل مثل هذا إزاء كلّ نصّ يصطدم مع مقولاته، فسوف نقترب من إدراك مدى الانحرافات الطارئة على مسار الاِسلام فكراً وعقيدةً!
لقد كان حَرِيّاً بهم أن يوفّقوا بين تلك النصوص وبين الثابت من أحوال صاحب النصوص وحقائق التاريخ، ليخرجوا بالحكم الموضوعي المتماسك، لكنّهم أدخلوا إلى عناصر الحكم مصدراً آخر، وهو مقدّماتهم الاعتقادية التي ارتكزت عليها مذاهبهم وتميّزت بها، وهذا العنصر الاَخير هو الاَصل الثابت دائماً وفق الرؤية المذهبية، فلا يخرج عنه فهم لشيء من نصوص الشريعة، أو اسـتنباط شيء من أحكامها، أو تفسير ظاهرة ما!.
هذا الذي صرف المعتزلة إذن عن هذه النصوص.
غير أنّ لبعض طوائف المعتزلة كلاماً قد يكون أقرب إلى التوفيق بين النصّ وأحوال صاحب النصّ، منه إلى التأويل.. أبو القاسم البلخي وأصحابه قالوا: لو أنّ عليّـاً نازع عقيب وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلّ سيفه، لحكمنا بهلاك كلّ من خالفه وتقدّم عليه، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه، ولكنّه مالك الاَمر وصاحب الخلافة، إذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها، وإذا أمسك عنها وجب علينا القول بعدالة من أغضى له عليها، وحكمه في ذلك حكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لاَنّه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنّه قال: «عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، يدور معه حيث ما دار».. وقال له غير مرّة: «حربك حربي، وسلمك سلمي».
عندئذٍ قال ابن أبي الحديد: هذا المذهب هو أعدل المذاهب عندي، وبه أقول([1355]).
وغنيٌّ عن التذكير أنّ إغضاء صاحب الحقّ عن حقّه لا يعني دائماً الاِقرار بعدالة خصمه.
لقد رأينا كثيراً من الاَساتذة المعاصرين من أهل السُـنّة قد أُعجب بالفكر المعتزلي وثرائه([1356])، لكن دون أن يذهبوا معهم إلى القول بأنّ عليّـاً «مالك الاَمر، وصاحب الخلافة» الذي هو أقرب شيء إلى القول بالنصّ!.
أمّا الذي صرف عنها الجمهور فقياسهم الاَشياء، نصوصاً ووقائع، على أساس التسليم بصحّة وشرعيّة نظام الخلافة الذي تحقّق بعد الرسول، وكلّ نصّ أو حالٍ لا ينسجم مع هذا فهو عندهم مرفوض أو مأول، وتبرز هنا مساحة أكبر للتنكّر لوقائع التاريخ أو الاِغضاء عنها! تمشّياً مع المبدأ الذي عُرف فيما بعد بمبدأ «عدالة الصحابة» الذي أصبح حاكماً على النصّ وعلى وقائع التاريخ أيضاً، علماً أنّ هذه النصوص والوقائع قد حُفظت غالباً في دواوينهم الحديثية والتاريخية، على تفاوت في الكمّ والتفصيل، حتّى بلغ الكثير والاَهمّ منها حدّ التواتر في مجموع تلك الدواوين: كحديث «مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه»، وحديث الثَقَلَين «كتاب الله وعترتي» فيما لم تردِ الرواية الاخرى «كتاب الله وسُـنّتي» إلى مرسَلةً في مصدر واحد من مصادرهم المهمّة (موطّأ مالك)([1357])، وقد وصل إسنادها بعدها ابنُ عبد البرّ فكان إسناداً واهياً عُرف مصدره بالوضع والكذب([1358])! ورغم ذلك فقد اعتمـدها أهل السُـنّة في بحوثهم ومجادلاتهم وتعليم أجيالهم، وأغفلوا الاُخرى الصحيحة المتواترة! كلّ ذلك لاَنّها لا تحفظ لهم سلامة الواقع الجديد بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وربّما مسّـت مبدأ عدالة الصحابة أيضاً!.
وآخرون أدركوا حقّاً أنّ التمسّك برواية «وسُـنّتي» لا تغني وحدها في الخلاص من تبعة الرواية الاَصحّ والاَشهر «كتاب الله وعترتي» فذهبوا إلى تأويل الاَخيرة تأويلاً عجيباً، ومبتدع هذا التأويل هو ابن تيميّة.
حيث يقول: الحديث الذي في مسلم إذا كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد قاله فليس فيه إلاّ الوصيّة باتّباع الكتاب، وهو لم يأمر باتّباع العترة، ولكن قال: «أُذكّركم الله في أهل بيـتي»([1359])!.
ورغم أنّ تأويل ابن تيميّة هذا كان مكابَرةً صارخة بوجه النصّ، قد تكون أيضاً مدعاةً للسخرية، إلاّ أنّ هناك من يأنس به ويطمئنّ به مهرباً من إلزام النصّ!.
ما العمل إذا كان الناس يأنسون ويسـتمتعون انتصاراً لمذاهبهم ولو بمثل هذا التصرّف المتهافت!.
ولعلّ «منهاج السُـنّة» لابن تيميّة هو أكبر موسوعة سُـنّية في تأويل الاَحاديث الخاصّة في عليٍ وأهل البيت (عليهم السلام) وفي التنكّر للوقائع المهمّة التي قدّمتهم على غيرهم تقديماً لا يبقى معه أيّ مسوّغ لصرف الخلافة عنهم([1360]).
ويلحظ المتتبّع لتأويلات ابن تيميّة في هذا القسم من الحديث أنّه قد تأثّر كثيراً بطريقة القاضي عبد الجبّار المعتزلي في كتابه «المغني» وأخذ عنه كثيراً من تأويلاته… لكنّ الفارق يبقى كبيراً بين الطرفين، فمنزلة عليٍّ عند المعتزلة هي أسمى منها بكثير عند ابن تيميّة.
فحين لا يريد ابن تيميّة لحديث «مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» أن يتجاوز حدود المحبّة التي يشاركه فيها جميع المسلمين، فلا مزيّة فيه لعليٍ على أحد([1361])! يرى فيه المعتزلة لعليٍ منزلة لا يشاركه فيها أحد، فإذا أوجب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) موالاته (عليه السلام) ولم يقيّده بوقت فيجب أن يكون باطنه كظاهره في سائر الأوقات، وهذه منزلة عظيمة تفوق منزلة الإِمامة([1362])، ويختصّ بها هو دون غيره([1363]).
ويبالغ ابن تيميّة فينكر الشطر الثاني من الحديث «اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ من عاداه»([1364]) لأنّها قادحة بلا شكّ بمبدأ «عدالة الصحابة»! ولاَنّها ستلزمه قطعاً البراءةَ من رجال دخلوا في عداد الصحابة لم يتورّعوا في إظهار بغضهم لعليٍ وعدائهم له ومحاربتهم إيّاه، فيما لم يتردّد المعتزلة في القول بهلاك هؤلاء([1365]).
وجدير بالتذكير أنّ ابن تيميّة الذي كان من أوسع الناس تأويلاً لهذا الباب من الحديث، حفظاً للمذهب، هو من أشدّ الناس طعناً في التأويل وأكثرهم تمسّكاً حرفياً بظواهر مفردات النصّ، في باب الصفات خاصّةً، حفظاً لمذهبه في التجسيم!.
ـ وأثر آخر من آثار الواقع السياسي لمسناه في (النصّ المعارض) الذي كان يخوض المعركة جنباً إلى جنب مع تأويل النصّ وتكذيب الحدَث…
فلمّا كان الحديث الصحيح حديث السيّدة صفيّة، تسأل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قبيل وفاته: إنْ حَدَث بك حَدَثٌ فإلى مَن؟ فيقول: «إلى عليّ بن أبي طالب»([1366])…
جاء الحديث المعارِض «إنْ لم تجديني فَأْتِ أبا بكر» عن سلسلة من الرواة ذوي الاَهواء الأموية، جاء ليذاع ويشتهر فيطغى الحديث الاَوّل، حتّى أتى الشيخان فوجداه مألوفاً على ألسن الرواة ومنهم من لا يُتّهم بمكذب، فأدخلاه في المختار من صحيحيهما..
ولمّا كان حديث عائشة في تكذيب أحاديث الوصيّة، هو المنسجم مع العهد الجديد دون حديث السيّدة أُمّ سَلَمة، فكان لا بُدّ أن يذاع بواسطة عروة ابن الزبير والزهري وأصحابهما، إلى صدور الحفّاظ وبطون الدواوين، حتّى يجده الشيخان أَوْلى بالنقل من غيره.
وهكذا مع نظائرها، كالذي تقدّم في حديث «ادعي أباك وأخاك أكتب كتاباً» وحديث سدّ الأبواب.
ثمّ يأتي المتأخّرون فيعضّون بالنواجذ على كلّ ما أورده الشيخان ويسقطون من الاعتبار كلّ ما خالفها، ليكون الاَوّل ديناً يدان به بحجّة اختيار الشيخين أو اتّفاقهما… وما انتخبه الشيخان حتّى وجداه ديناً يدان به… وهذا حقّ… ولكن خطوة واحدة إلى الاَمام ستفتح العينين على كلّ الحقّ…
إنّ الحقّ كلّ الحقّ أنّ الشيخان ما وجداه ديناً إلاّ بفضل كفاح دؤوب واصله حرّاس العهد الجديد مئتا عام حتّى جاء الشيخان!!.
مئتا عام، قبل مجيء الشيخين وتدوين أوسع دواوين الحديث، قضاها خصوم عليٍ وبنيه في كفاح دؤوب لاِقصاء ما لا يروق لهم ونشر ما يريدون، بكلّ ما عرفوه من فنون الاِقصاء والنشر!.
مئتا عام والتيّار هادر، لم يسكن إلاّ أيّاماً لا تكفي حتّى لمراجعة الذاكرة([1367])!.
فكم بين نصيب أحاديث تجري بعكس اتّجاه ذاك التيّار، ونصيب أحاديث حملها ذاك التيّار على ظهره؟!
هذا ما لم يلتفت إليه المتأخّرون… لاَنّ لفتةً واحدةً إليه ستعني الكثير… ستعني إدانة التاريخ وإعادة النظر في كثير من قضاياه…
جديد
حاول بعض المعاصرين أن يكتشف طريقاً جديداً يأخذ به بعيداً عن أسر كلمات عليٍ (عليه السلام)، فراح يبرهن على أنّ أهل البيت لم يذكروا ما يدلّ على اختصاصهم بنصّ أو وصيّة، من خلال ما وجدوه من كلمات منقولة عن السبطين (عليهما السلام) وليس فيها تصريح بهذا([1368])…
وهكذا ببساطة يُعرِضون عن كلّ ما أُثر عن عليٍ (عليه السلام)!.
وأكثر من هذا، حاولوا حين حرّفوا شرط الاِمام الحسن (عليه السلام) على معاوية في بنود الصلح الذي تمّ بينهما، فقالوا: إنّ الحسن (عليه السلام) كتب في شروطه على معاوية: «وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً، بل يكون الاَمر من بعده شورى بين المسلمين».
إذن أقرّ الحسن (عليه السلام) مبدأ الشورى، ولم يدع مجالاً لدعوى النصّ حتّى على عليٍ (عليه السلام) خاصّة([1369])!.
لقد ارتضوا من هذا العهد نصّه المحرَّف، لا غير، نصرةً للمذهب، دون تحقيق!.
ونصّ هذا العهد ينقله: ابن قتيبة، وابن الاَثير، وابن كثير، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم، وفيه: «أنّ لمعاوية الاِمامة ما دام حيّاً، فإذا مات فالاَمر للحسـن من بعده»([1370]).
فليس لمعاوية إذن أن يعهد لاَحدٍ من بعده، لاَنّ الخلافة بعده للحسن (عليه السلام)، ولا شيء وراء ذلك!.
الدكتور محمّـد عمارة أدرك هذا التحريف، لكنّه لا يريد أن يفرّط بذاك النصّ المحرَّف، لاَنّه كان عمدته في ما أراد، فلفّق بين النصّين باعتماد الاَصل المحرَّف أساساً للعهد، فقال: كتب الحسن في العهد: «ليس لمعاوية أن يعهد لاَحد من بعده ـ أي من بعد الحسن ـ وأن يكون الاَمر شورى»([1371])!.
فأدخل عبارة (أي من بعد الحسن) لكي لا يقع في لائمة ترك النصّ الصحيح.. وارتضى هذا النوع من تدليس الاَخبار على ما فيه من بُعد ونكارة لا ترتضيها لغة العرب!.
والاَكثر غرابةً أن نرى هذا النصّ المحرّف «ليس لمعاوية أن يعهد لاَحد من بعده، بل يكون الاَمر بعده شورى» يتسرّب إلى مصادر شيعية معاصرة!.
لقد تناقله كتّاب جيّدون لهم منازل مرموقة في البحث والمعرفة، لكنّي لا أشكّ في أنّهم نقلوه غفلةً، عن حسن قصد وحسن ظنّ حين رأوا كثرة من تناوله من كتّاب معاصرين خاصّة، ومن هؤلاء السادة: الشيخ محمّـد جواد مغنيّة، والدكتور حسن عبّاس حسن ([1372]).
كما وردت عند بعضهم زيادة أُخرى على النصّ لم نعثر لها على مصدر أسبق من النسّابة ابن عنبة الحسني (828هـ) جعل الشرط فيه: أنّ للحسن ولاية الاَمر بعد معاوية، فإن حدث به حدث فللحسين([1373]).
وهذا ليس ممّا يُسـتنكر، لكنّه صحّ أو لم يصحّ ليس فيه مزيد أثر على ما نحن فيه من نفي اشتراط الحسين (عليه السلام) للشورى من جديد، بل فيه مزيد تأكيد على حفظ الخلافة في أهل البيت.
بعد هذه الجولة اليسيرة جدّاً في موضوع طويل كهذا نستطيع أن نشخّص أمّهات المشاكل التي حجبت الحقيقة الواحدة عن الناس جيلاً بعد جيل.
رأينا كيف ساهم: التاريخ السياسي، والرؤى المذهبية، والغفلة أحياناً، في إضفاء الغموض ومزيد من الغموض على قضيّة حاسمة في معرفة الوجهة الاَصحّ في مسار الاِسلام كلّه.
صائب عبد الحميد
ياثر([1374])
قال صاحب بلدان جبل عامل؛ في الخطط (ص305 ـ 306):
«ياثر: بمثناة تحتية وألف وثاء مثلثة مفتوحة وراء مهملة، من عمل صور وقربها عدّة قرى خربة وآثار قديمة وتسميتها ياطر خطأ».
وقال عمي: «ياثر أو يعثر أو ياطر، قرية من قرى الشعب في جبل عامل، تابعة ناحية تبنين في قضاء صور، واقعة على هضبة بين جبال على رأس وادي الدب. وحولها أحراش من شجر السنديان كثيرة، وفيها من الآثار القديمة ما يعجز الإنسان عن حصره من مدافن ومعابد وآثار في الصخور، وخرابات قرى قديمة، مثل مريمين، ومروحين، والبوندي([1375])، وقنيقذ، وطيرهرما، وغير بعيد أنّه هو ديرغرما الذي بناه رابع بطن من أولاد نبي الله نوح (عليه السلام) بعد الطوفان كما ذكره صاحب تاريخ سوريا، وفي هذه القرية من أهل العلم آل البلاغي الذين يقول أحدهم من قصيدة يعرفها أهل القرية:
في طير هرما والبوندي وياثر
ومنازل في الودح من زبقين
وأهلها شيعة إمامية يزيد عددهم عن الخمس مائة نسمة عشائرهم: للمعارف: آل البلاغي، وللوجاهة: آل سويدان، وآل جعفر، وآل الكوراني، وآل فرحات (لا يوجد آل فرحات الآن) وغيرهم آل قدوح» ا.هـ.
وآل البلاغي الذين ذكرهم عمي ليسوا من العلماء، بل من المتعلمين المتفقهين في الجملة. واليوم (سنة 1392) فيها جملة من طلبة العلم بعضهم هنا وبعضهم في العراق، وهم الشيخ نجيب سويدان بن عبد الهادي ابن نجيب سويدان أخي الحاج محمد سويدان، والشيخ علي كوراني، وصل إلى الكفاية وسكن الكويت ولم يزل فيها، وأخواه الشيخ حسين الكوراني والشيخ عباس، وهم أولاد المرحوم الحاج محمد قاسم كوراني، والشيخ علي جعفر الفاضل المتدين ابن المرحوم الحاج حسين جعفر، والشيخ علي سويدان بن حسين ابن الحاج مسلم ابن الحاج محمد سويدان، وفيها الشيخ علي عبدو الزين أصله من كفرا، وسكنها مدّة ثمّ سكن صور، وهو فيها الآن، فاضل متدين حافظ حسن العقيدة. وكان فيها من الوجهاء الحاج محمد سويدان وله أنجال أوجههم المرحوم موسى سويدان، وله أنجال أهل أفهام وسهامة، وفيها مقام يسمّونه (النبي) أو النبي كوثر يعظمونه وينذرون له.
وعددها يزيد عن الألفين وخمس مائة الآن (1392).
وعدد نفوسها الآن (1395=1975) أكثر من ثلاثة آلاف، وأصل عائلاتها: بيت عبادة، وبيت إسماعيل، وبيت السيد، وبيت عزقول (هؤلاء انقرضوا مع بيت إسماعيل)، وهؤلاء أقدم عائلات البلد، ثمّ تجدّد فيها آل سويدان، وآل كوراني، وآل جعفر، وآل قدوح، وآل هيدوس، وأمّا بيت كريّم ففرع من آل سويدان، وبيت صالح هم بيت الغزي، أصلهم من فلسطين، وفيهم صلحاء كثيرون، وبيت البلاغي من نسل الشيخ عبدالله البلاغي (ترجمناه في علماء جبل عامل)، أصلهم من طورة أو معركة. وبيت سويدان أصلهم من (حِسَا) من سوريا وكانوا من العامة، وقدم إلى ياثر رجل من آل سويدان وتشيع هو وولده، وأقدم من يعرفون من أجدادهم أحمد بن الحاج حسين سويدان، والحاج أحمد له الحاج محمد ونجيب، وقد عاصرناهما ولهما نسل كثير، والحاج عبدو وله بنات، والحاج موسى له بنات وثلاثة توفوا شباناً. ووجدت بخطي: آل سويدان أصلهم سنة من السويدا، أوّل ما عرف منهم الحاج أحمد، تخلف بالحاج محمد ونجيب والحاج محمد له مسلم وأحمد وموسى وسلمان وعلي والحاج زين ونجيب له عبد الهادي ومحمد علي. وآل الكوراني أصلهم مسيحية من الكورة، أوّل ما يعرف منهم علي، تخلف بالحاج حسين، والحاج إبراهيم. والحاج حسين له علي، والحاج محمد. والحاج إبراهيم له محمد وعيسى ولهم أولاد وآخاء. وبيت جعفر أصلهم من مسجد الكروم في فلسطين، وعائلاتهم تُعرف ببيت بيتوم. وهم سُنّة في الاصل وتشيعوا، وحسنت عقيدتهم وأعمالهم. وبيت قدوح أصلهم دروز، ويعرفون قبلاً ببيت ياسين، وجاؤوا لياثر قبل جدين، فأوّل من سكنها محمد قدوح، فولّد قاسماً، وهذا ولد له عبد الكريم، وفضل، ووهبة، وطاهر، وزين، ومحمود ولد له أمين وعلي وموسى ويوسف (المثري) وحسن وسليمان، ومحمد ولد له أحمد وسعيد وحسين وقاسم ويوسف، ولهم أولاد وأحفاد. (إ.هـ) ما وجدته بخطي ملخصاً.
وفيها من العائلات أيضاً: آل عسيلي، وآل كساب، وآل عز الدين، وآل حجيج قليلون، وآل سليم فيها صلحاء وآل قعيق.
الياذون
قال صاحب بلدان جبل عامل:
ياذون: بمثناة تحتية وألف معجمة مضمومة وواو ساكنة ونون. قرية خراب. قرب حاريص في ناحية تبنين، فيها آثار قديمة، كانت ملكاً للشيخ علي السبيتي، واشتراها أهل حاريص. وفيها يقول الحاج سليمان الزين مخاطباً الشيخ علي السبيتي:
رعى الله بالياذون من جانب الحمى
زماناً تقضى والحبيب منادمي
يانوح
قال صاحب بلدان جبل عامل:
يانوح: بلفظ النداء لنوح بضم النون، من قرى ساحل صور قيل معناها بالسريانية واحة. معروفة بجودة رمانها، ويقيم فيها أسرة الجوابرة، أصهار آل علي الصغير، ولهم علم بأمراض الخيل وطباقها، وبوادي الكفور عين تسمّى عين يانوح.
وقال عمي: يانوح من قرى ساحل صور على مرتفع من الأرض، بشمالها واد فيه عين ماء غزيرة المياه، وتحتها بستان لم يبق فيه إلاّ شجر الرمان والزنزلخت (الأزدرخت) وهي ملك أهلها وهم أسرة قديمة: آل جابر، شيعة إمامية يبلغ عدد نفوسها المائتين أو أقل، ولم أعلم أنّ فيها غير عشيرتهم سوى الشيخ سعيد الفارس، له فيها جملة أملاك وأراضٍ، وهو يسكنها الآن (1353ظ) وولده محمد. ولكن الوجيه في الماضي أي في القرن الثالث عشر كان الحاج حسين جابر، واليوم أدركنا ولده محمد جابر، وولده الشيخ حمد جابر، والآن الحاج إبراهيم يوسف جابر وبنو عمّه، وكلّهم عشيرة واحدة».
يحمر (يحمر بلاد الشقيف)
في الخطط (ص307):
«يُحْمر: بالمثناة التحتية المضمومة والحاء المهملة الساكنة والميم المضمومة والراء المهملة، قرية صغيرة في بلاد الشقيف قرب أرنون. وفي البقاع قرية اسمها يحمر وكونها من جبل عامل غير معلوم».
وقال عمي: «يحمر الشقيف، من قرى جبل عامل، تبعد عن النبطية جنوباً مقدار فرسخ واحد أهلها أهل فلاحة، واقعة على منبسط من الأرض تحفها سهول شمالية، وجنوبها نهر الليطاني، وسكانها شيعة إمامية، وهي اليوم (سنة 1353ظ) من أملاك الزعيم الكبير يوسف بك الزين له فيها القسم الأكبر، ولعشيرة آل عسيران منها قسم. نفوسها لا تزيد على ما أظنّه عن المئتين».
واليوم (سنة 1392) نفوسها أكثر من ألف وست مائة كما حدّثني بذلك السيد محمد تقي فضل الله الساكن فيها من سنة 1947، وعائلاتها: آل عليق يؤلفون ثلاثة أرباع البلد تقريباً، وآل ناصر، وآل زهور، وآل بركات، وآل حمود، وآل يونس، وآل سعيد، وآل أبي دَلّة، وآل الجوني المعرفون بآل جابر، وليس فيها واحد من السادة، وقد اشتراها أهلها من يوسف بك الزين وآل عسيران حدثّني بذلك السيد المذكور.
يحمر (البقاع)
هناك ثمان قرى شيعية في بلاد البقاع وهي لبايا وقلايا وزلايا ويحمر وسحمر ومشغرة وعين التينة وميدون، وفي بلاد البقاع وفي القاطع الغربي نصف مشغرة شيعة نحب أن نضيفها إلى قرى جبل عامل، وعين التينة وميدون ولوسا شيعة صفوة في القاطع الغربي.
يحمر عدد نفوسها الآن 1600 نفس وأسماء عائلاتها: بيت عباس، وبيت مزاحم، وبيت فرحات فقط، وفيها مسجد وحسينية سعى ببنائها الحاج محمد عباس وفقه الله، ولم يزل ربعها لغير أهاليها، ونصف الربع إلى سادة من عين التينة شيعة، والنصف الآخر لقاسم شامية من القرعون، سني، والنصف ربع الآخر لآل القيم من عيتنيت مسيحية.
حدّثني بهذا الحاج محمد حسين عباس من يحمر، ويسكن كيفون يوم السبت 7 ربيع الأوّل/ 1402= 2 كانون الثاني/ 1982، وحدّثني ليلة الاثنين 4 صفر 1408ـ 25 أيلول 1987 أنّ عدد نفوسها الآن 3500 نفس وجد بيت عباس من حانين وحدهم كان في عين نحور.
يهودية (بمديرية عدلون)
ذكرها عمّي في حرف الميم فقال: «مزرعة يهودية بمديرية عدلون بمحافظة صيدا».
اليهودية وهي التي سمّيت في عهد فؤاد شهاب بالسلطانية.
في الخطط (ص307):
«اليهودية: بلفظ النسبة إلى يهود، قرية شمالي تبنين بينهما واد كان يقيم فيها عمّنا السيد عبدالله وولده السيد محمد حسين».
وقال عمي: «اليهودية قرية قرب تبنين على هضبة جبل تبنين وجبال شمالية أهلها شيعة إمامية، عدد نفوسهم أظن مائتان، وفيهم سادة من آل فخر الدين أعرف منهم المرحوم السيد فخر الدين، والسيد حسين فخر الدين والسيد حسن فخر الدين. ومن العاملية آل العِبّاني، وآل القصفة، وآل برجي، ولم أعلم بها أحداً من أهل العلم، وهي ملك لأهلها، وأهلها أهل فلاحة وزراعة» اهـ.
واليهودية تسمّى اليوم (سنة 1392=1972) السلطانية، غيّروا اسمها في زمن رئاسة فؤاد شهاب للجمهورية اللبنانية، في أواخر عهده أو عهد الرئيس شال حلو.
خلاصة عقيدة المسلمين الشيعة([1376]*)
الشيعة يشهدون: أنّ لا إله إلاّ الله، وأنّه واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد، وأنّه متصف بجميع صفات الكمال، منزّه عن جميع صفات النقص، وأنّه ليس كمثله شيء، وأنّ محمّداً رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جاء بالحقّ من عِنده وصدّق المرسلين.
ويوجبون معرفة ذلك بالدليل والبرهان ولا يكتفون بالتقليد، ويؤمنون بجميع أنبياء الله ورسله، وبجميع ما جاء به من عند ربّه، أفهؤلاء أقلّ في إسلامهم وإيمانهم من المغيرة بن شعبة الذي أسلم خوفاً من القتل، وممّن أسلم والسيف على رأسه؟ ويقولون إنَّ عليّاً (عليه السلام) أحقُّ بالخلافة من كلّ أحد، وإنّ فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين (عليها السلام)، فإن كانوا مصيبين في ذلك وإلاّ لم يوجب قولهم هذا كفراً ولا فسقاً، لا سيّما أنّ إمامة شخص بعينه ليست من أصول الإسلام بالاتفاق من الشيعة وغيرهم.
ويقولون بوجوب أخذ أحكام الدين من كتاب الله بعد معرفة ناسخه من منسوخه، وعامّه من خاصّه، ومطلقه من مقيّده، ومحكمه من متشابهه، وما ثبت من سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالتواتر أو رواية الثقات ومذاهب الأئمة الإثني عشر أو أقوال المجتهدين الثقات الأحياء، وهذا على فرض خطئهم فيه لا يُوجب الخروج عن الإسلام، وسواء أأخطؤوا في ذلك أم أصابوا فهو لا يُوجب كفراً ولا خروجاً عن الإسلام.
ويقولون إنّ كلّ من شكَّ في وجود الباري تعالى أو وحدانيته أو في نبوة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أو جعل له شريكاً في النبوة فهو خارج عن دين الإسلام، وكلّ من غالى في أحد من النّاس من أهل البيت (عليهم السلام) أو غيرهم وأخرجه عن درجة العبودية لله تعالى أو أثبت له نبوة أو مشاركة فيها أو شيئاً من صفات الإلهية فهو خارج عن ربقة الإسلام، ويبرؤون من جميع الغلاة والمفوضة وأمثالهم.
وعمدة ما ينقمه غير الشيعة عليهم دعوى القدح في السلف أو أحد ممّن يُطلق عليه اسم الصحابي، والشيعة يقولون إنَّ احترام أصحاب نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) من احترام نبيّنا، فنحن نحترمهم جميعاً لاحترامه وذلك لا يمنعنا من القول بتفاوت درجاتهم وإنّ عليّاً (عليه السلام) أحقُّ بالخلافة من جميعهم وأنّ بعضهم قد أخطأ.
وأنتم تقولون: إنَّ بعضهم وإن شهر السيف في وجه البعض، وقتل بعضهم بعضاً، وسبَّ بعضهم بعضاً، وبغى بعضهم على بعض، فكلّهم مجتهدون معذورون والقاتل والمقتول والظالم والمظلوم والباغي والمبغي عليه كلّه في الجنّة، وللمصيب منهم أجران وللمخطئ أجر واحد.
ونحن نقول: أمرهم إلى ربّهم العالِم بسرّهم وجهرهم، وعلينا أن نحترمهم احتراماً لنبيّنا (صلّى الله عليه وآله) وليسعنا من العذر في قولنا بتفاوت درجاتهم وتقديمنا عليّاً (عليه السلام) عليهم في استحقاق الخلافة ما وسعهم من العذر في شهر بعضهم السيف في وجوه بعض، وقتل بعضهم بعضاً، وسبِّ بعضهم بعضاً، وبغي بعضهم على بعض، وإذا ساغ لهم الاجتهاد في ذلك ساغ لنا، فأحكام الله في النّاس واحدة، وشرائعه عادلة، ورحمته واسعة تسع الجميع، ولا تسع قوماً وتضيق عن آخرين، فإن أصبنا فيما قلناه فلنا أجران، وإن أخطأنا فلنا أجر واحد، والمخطئ والمصيب منّا ومنكم في الجنّة، ولا يسوغ في قانون العدل وأحكام العقل أن يفتح الله باب الاجتهاد للسلف على مصراعيه يستحلّون به سفك الدماء وقتل النفوس ونهب الأموال، ويكونون بذلك مأجورين ويغلقه في وجوه غيرهم فلا يفتح لهم منه ولو مثل سمِّ الخياط. إنّ هذا منافٍ لعدله وشمول فضله وإنّه ليس لأحد عنده هوادة.
فبان أنّه لا مساغ لتضليل الشيعة وإخراجهم عن ربقة الإسلام من هذه الجهة وهي أهم ما في الباب إلاّ إذا تمسكنا بذيل التقليد للآباء والأجداد وعرفنا الأقوال بالرجال وهذا ممّا نهانا عنه الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله) وعقولنا.
وتعتقد الشيعة بالبعث والحساب، والجنّة والنّار، والصراط، والميزان، وكلّ ما أخبر به الصادق الأمين (صلّى الله عليه وآله).
أمّا فروع الدين وواجباته ومحرَّماته التي هي من الضروريات فكلّنا فيها شرع سواء، وكلّنا نؤمن بكتاب واحد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ونصلّي مستقبلين الكعبة، ونقول بوجوب خمس صلوات بأعداد ركعاتها: الظهر وتقوم مقامها الجمعة إذا صُلّيت صحيحة جامعة للشرائط، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح، وبوجوب الوضوء لها، والغسل من الجنابة والنفاس والحيض ويقوم مقامهما التيمم عند عدم وجود الماء، وبوجوب الحجِّ إلى بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلاً، وبوجوب الزكاة بشروطها المقرّرة، وبوجوب صوم شهر رمضان ومن كان مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام أُخر، إلى غير ذلك من الواجبات والمحرّمات الثابتة بضرورة الدين.
وتقول الشيعة بوجوب الزكاة في الأنعام الثلاث الإبل والبقر والغنم وفي النقدين الذهب والفضة، وفي الغلاّت الأربع الحنطة والشعير والتمر والزبيب كلّ ذلك بشروطها المذكورة في محلّها، وبوجوب الجهاد لحفظ بيضة الإسلام، وبوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبر بالوالدين، وصلة الأرحام، وأداء الأمانة، وبحرمة الزنى، واللّواط، وشرب الخمر، والغيبة والنميمة، وقذف المحصنات، ونكاح المحارم، وتزوج ما زاد عن أربع نسوة، وشهادة الزور، وأكل المال بالباطل، وإيذاء النّاس، وتعطيل الحدود، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وأكل مال اليتيم، والغش، والخيانة، والكذب، والظلم، وأخذ الربا، والقول على الله بغير علم، والتنابز بالألقاب وغير ذلك من الواجبات والمحرَّمات التي ثبتت في دين الإسلام.
فبماذا تُضلّلوننا أيّها الأخوان وتعادوننا وتنابذوننا وتنابزوننا بالألقاب؟ ألم تسمعوا قوله (صلّى الله عليه وآله): «من كفر مسلماً فقد باء به أحدهما».
فهل أنكرنا الخالق أو جعلنا له شريكاً، أو عبدنا غير الله، أو وصفناه بغير ما يجب أن يوصف به، أو أنكرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو عصمته، أو أنكرنا شيئاً من ضروريات الدين الثابتة عند جميع المسلمين؟ أليس إلهنا وإلهكم واحداً، وكتابنا واحداً، وقبلتنا واحدة، وصلاتنا وحجّنا إلى كعبة واحدة، وصومنا في شهر واحد، وصلاتنا واحدة، وواجباتنا واحدة، ومحرَّماتنا واحدة؟
فهل تعبدون الله ونحن نعبد الأصنام، وهل نبيّكم محمّد (صلّى الله عليه وآله) ونبيّنا شعيب (عليه السلام)، وكتابكم القرآن وكتابنا التوراة، وصلواتكم خمس وصلواتنا ست، وقبلتكم الكعبة وقبلتنا بيت المقدس، وحجّكم إلى مكة وحجّنا إلى عكّا، وصلاة الظهر والعصر والعشاء عندكم أربع وعندنا خمس أو ثلاث، وصلاة المغرب عندكم ثلاث وعندنا أربع أو اثنان، وصلاة الصبح عندكم اثنان وعندنا واحدة أو ثلاث، وهل صومكم في شهر رمضان وصومنا في شعبان؟! كلا والله لسنا كذلك ولكنّنا داخلون في قوله تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] وقوله (صلّى الله عليه وآله): «المؤمن أخو المؤمن، المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً».
واعلم أنّنا لو أردنا استقصاء الافتراءات على الشيعة والسخافات التي قيلت عنهم بغير صحة وما عِيبِ به عليهم وما خُطئوا به بغير حقٍّ وردٍّ عليهم بالباطل وبيان الصواب فيه، وقلّة إنصاف الخصم وتهجّمه على ما لا يحلُّ له لاحتجنا إلى عدّة مجلدات.
كلمة دار التعارف
إنّ (دار التعارف) التي رافقت (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية) منذ نشأتها الأولى يوم لم تتجاوز مجلداتها في طبعاتها الأولى، الثلاثة المجلدات، ثمّ بعد عناء وصلت إلى الخمسة.
وبعد مكابدة عسيرة وصلت في طبعتها الخامسة إلى الأحد عشر مجلداً. ثمّ ها هي في طبعتها السادسة تصل إلى الستة وعشرين مجلداً.
ودار التعارف التي صحبت صاحب (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية) في كفاحه العنيف، خطوة خطوة ترى أنّ خير تحية توجهها إليه هي أن تنشر في آخر مجلد من مجلدات (الدائرة) نصوصاً من كلمات المحتفلين به في الحفلة التكريمية التي أقامتها له (جمعية الحوار الثقافي) في كلية الآداب من الجامعة اللبنانية في 20/6/2002 والتي صادفت صدور المجلدات الأخيرة من الطبعة السادسة.
حامد عزيزي
صاحب دار التعارف
تقديم الدكتورة أميرة أبو مراد
رئيسة جمعية الحوار الثقافي
أيّها السادات والسادة، أصدقاء المحتفى به ومقدّرو علمه وفكره، باسم حلقة الحوار الثقافي، أرحب بكم أشد الترحيب، ثمّ أقول:
إنّه، في بيئة اعتبر فيها العلم نور والجهل نار، والثقافة غنى للروح وزاد للعقل، والانفتاح على الآخرين ـ عبر الحوار الموضوعي البنّاء ـ رقي وحضارة…، في تلك البيئة، الثرية بأنقى القيم الإنسانية، التي كوّنها السيد محسن الأمين: والد السيد حسن الأمين الذي ترعرع، وكبر وأنتج، فكان الوريث لفضائلها بامتياز.
«هذا حسن» قال الله عن النور، بحسب سفر التكوين، وقالت الناس «هذا الأمين»، حيث أرادت أن تدل على من اتّصف بالكرامة والصدق والإباء. ولا عجب أن يكون المتحفى به، هذا المساء، هو، نفسه، الحسن والأمين في آن معاً! إلى جانب كونه السيد، المتحدّر من سلالة أهل البيت الكرام: وكفى بذلك تعريفاً يبعث على الاعتزاز!!.
لن أستطرد في تعداد المزايا وفضائل ضيفنا الكبير، وهي كثيرة كثيرة، لأترك هذه المهمة إلى الأدباء والمفكرين، الذين جاؤوا، اليوم، يؤدّون شهادات حيّة فيه.
كلمة الدكتور الأب يوسف مونس
يستوقفني في سيرة العلاّمة الفاضل السيد حس الأمين أمور عدّة فيها الدلالة على ميزة هذه الشخصية الفريدة:
دلالة اسمه:
إنّه حسن محسن الأمين، اسمه يطابق لشخصه فهو في الحسن الخلقي والأدبي والثقافي وأمين لإرثه العائلي والوطني والشيعي والعاملي والإنساني. هذا الصدق مع الذات يجعل من بعض الناس أسياداً في الحق والمثال، رموزاً ومثلاً رسولياً يدفع إلى التغيير والتجدّد مستنداً إلى زهد داخلي وتقشف حياتي في نورانية فكرية تجتهد أن تفتح الأبواب المغلقة وتقرأ الأسرار وأن لا تقدس ما هو غير مقدس وقابل للتحوّل والتغيّر، وأن لا تدنس ما هو في القعر ثابت متجذر.
المقولات الروحية والفكرية والأدبية، والفلسفية وسواها أساس، أمّا التعبير عنها فمتنوع متغير خاضع للزمن والتاريخ والجغرافيا والأجيال والمجتمع.
اللغة، متغير. الثياب، متغير. طقوس الحياة والموت متغير. أمّا الموت فثابت، الحياة ثابت، الحب ثابت، البغض ثابت التعبير عن هذه الأمور واختبارها يأخذ تنوّعاً يستند إلى وجود الناس في زمن معين وبيئة معينة وجو ثقافي ومناخ حضاري معين واختبار فريد مميز. طبع بالرغبة بالعلم وهم الإصلاح الديني والوطني وبالإخلاص والزهد.
دلالة المدن الثلاثة: من دمشق إلى النبطية في جبل عامل إلى بغداد:
أ ـ دمشق: طبعته بدورها الرائد عروبة دون انغلاق وثورة تتوهج بالكرامة والاحترام، وإسلام سمح رائد قابل حق الافتراق والاختلاف والتنوّع وبجهاد لآل الحق والحرية والكرامة لك وللآخرين باحترام للشخص البشري ليكون الإنسان ينبوع سلام وإخاء وتنوّع حضاري رائد.
ب ـ جبل عامل: أعاده إلى اكتشاف ثروات ثقافية تدعو إلى المصالحة والحوار والعيش المشترك في الجرح الكربلائي المسكوب على الفقر والتراب المقدس.
أدرك أنّ للآخر حق افتراق واختلاف وكلّ تدمير للآخر هو تدمير للذات، وعدم الاعتراف بالآخر هو العنف الكبير. الحرية الدينية تعطي حق النقاش لأفكار الناس بطريقة علمية موضوعية لإجلاء وكشف الفكر الديني بعمقه وتجلياته الكبرى. المسلمات في العقيدة والبحث والنقاش يمنعان أي مصادرة للرأي وأي حرم وأي تكفير. وتبقى دوماً الدعوة قائمة مدفوعة بجدلية التطور والتجدد لجو ثقافي متطور وعصري في أساليبنا ولغتنا ومقاربتنا وخطابنا ومنهجيتنا.
هناك أناس يعرفون الدين ولكن ليس لهم ثقافة فكرية لاهوتية ولا اختصاص في العقيدة ولا حتى في الدين.
المشكلة ليست في الدين. النص له مستواه الإلهي، أمّا قراءة النص فقضية تاريخية. النص طبع بطابع المقدس أمّا قراءته فليست مقدسة مكرّسة ثابتة بل متحوّلة متطوّرة. وهذا ما جعل منه جرحاً كربلائياً ينبع منه التطوّر والنورانية والعقل والإيمان. إذ أنّه أعاد القراءة وحفظ للنص قدسيته.
البُعد الشيعي يشهد لهذه الولادة الجديدة من الفاجعة حيث الضحية تعطي الخلاص لجلادها من عذابها ومن على صليبها وموتها وقيامتها. غافرة له، ومسامحة داعية إلى التجدّد والتراحم ليتجدّد وجه الآخر بالفرح والرجاء والحوار والموادعة.
أحيا الرجاء بأنّ المستقبل المتنوّع ممكن وساهم في التحوّلات التي تحسن وضع البشر لزهد روحي خدمة للمحبة وللعدالة والحرية ليؤسس ملكوت سلام وأخوة بين الناس يميز أهل الجنوب عامة وجبل البشارة وجبل عامل خاصّة لالتصاقهم بالتراب والوجع والصلب اليومي والقيامة والتحوّلات.
ج ـ بغداد: أعطته شعلة الاجتهاد والفقه المنور فأبعد الفكر الديني بالدراسة العلمية وحماه من الخرافة والتخلّف وجعله في الحداثة المنورة فأتى بالرحابة وانفتاح الرأي.
السيد حسن الأمين،
في ولادته يطل أب كبير غارق في البحث والكتابة والقيادة والإصلاح ومنزل متواضع يرمي عليه الإيمان برسالة بعداً شاهقاً من الكبر والمعرفة والكفاح والزهد والتجرّد، قيم البيت طبعته فأعطته ثوابت تصرّفه الأدبية والفكرية فتجذر في بيته وأرضه وأهله ووطنه وقضاياه قضايا الحرية والاستقلال.
خصوصيته العاملية المطبوعة بالتزامه الإسلامي هي خصوصية شيعية طبيعية نابعة من قدومه من بيت شيعي وهي منهج عقلي وليست مذهبي بل عاطفة يدفعها هم البحث والحوار لإعادة النظر بشجاعة أدبية لقراءة المقدّس بفكر نقدي يستشف المستقبل فاتحاً أبواب التحوّل للأيام القادمة.
المستقبلية بادية في كتابه: «الغزو المغولي لبلاد المسلمين» ويلتقي بتفكيره المقاوم بتفكير راهب لبناني ماروني هو الأب بولس عبود الذي كتب ووعظ وحاضر وقاوم 1920 حتّى أنّه نفي ومات حزناً في منفاه في بلدة غوسطا في كسروان.
ولّد أباه السيد محسن الأمين بإخراج كتاباته. فكان هذا التوالد المتبادل. إنّه الشاعر وقصائده غزل وغضب. إنسان مطبوع بالإخلاص في أدبه، إنّه أديب مخلص، ربي على الإخلاص وتحلّى به وتعامل به ومارسه كلّ أيام الحياة.
الإخلاص والتلقائية والعفوية أعطته الكلمة الحيّة الشفافة فلا تباين بين القول والممارسة.
إخلاص في الموقف، يؤدّي إلى الالتزام الوطني والقومي والإنساني.
إخلاص للعلم والحقيقة وللثقافة العربية والتراث الإسلامي إنّه لم يكن إنساناً «غلط».
خاتمة:
نكرم الفكر والعلم والصلابة والتواضع، مأثرة، هذا الحفل اليوم بمبادرة من حلقة الحوار الثقافي، أن يضيء لنا قيماً مضيئة، مثال حسن الأمين الأديب والمؤرخ البحاثة والإنسان المترع النفس بأنبل القيم الإنسانية النقي القلب واليد واللسان والجوارح والوطني الصامد في وقاره ووداعته. عفيف اليد هو حي الضمير، عمل بصمت وتواضع متعال عن الانغماس بالصغائر والتلهي بالمظاهر والقشور فصار المثال والقدوة بين الناس.
إنّه النداء الرسولي وكتاب الماضي إلى المستقبل. مسكون بصدق الولاء وحرارة القلق والتراث. فله الإكبار والاحترام ولنا حفلة الاستذكار والتكريم.
كلمة الدكتور إبراهيم بيضون
لمرّاتٍ خلت، تحدّثت عن السيد حسن الأمين: العلاّمة، الموسوعي، المؤرخ الشاعر. وسأكتفي في هذه الشهادة بقراءة سريعة له، كإنسان قيم وثوابت ومبادئ… هذا الذي عرفته عن كثب، وتأثّرت به على مدى عقود من السنين.
والشريط مترع بالذكريات الحميمة، وللجامعة محطة أثيرة فيه، إذ كنت حينذاك طالباً في السنة الأولى. وقد أعددت بتوجيه منه دراسة صغيرة من ثورة ابن الأشعث في العهد الأموي… وفي سنة تالية كانت تجربة مماثلة، والموضوع عن أبي شامة مؤرخ الدولتين النووية والصلاحية، ولكن البحث تناول أبا شامة الشاعر، الأمر الذي لم يُعجب الأستاذ التقليدي، المسكون بالحدث، فقد رأى فيه جنوحاً عن المنهج، لا سيما وأنّه غير مفطور على الشعر وليست تستفزّه كلمة أنيقة أو تستثير وجده نجمة عاشقة في هدأة الليل، وهو المقيم في الحوليات والنصوص التي شاخ فيها الزمن. ولكنّني إذ تمرّدت على الأستاذ، أدركت ما يعنيه ذلك الاختيار وأن «السيد» لم يكن الشعر ما يدور في خلده عندما حرّضني على الكتابة في مثل هذا الموضوع، ولكنّه بصفائه وعمق فكره ووضوح منهاجه كان يرى في ذلك جديداً، وبالتالي جديرٌ بالبحث. ولقد فتح عقلي يومذاك على مسألة مهمة في الكتابة التاريخية التي تأتي الإشكالية في أوّل شروطها. أو بمعنى آخر فإنّ الجديد ما يجب أن يسعى إليه المؤرخ، ذاهباً في العمق، وليس منتشراً على المدى الأفقي، مراكماً ما لا قيمة له ولا يرقى إلى الإبداع.
أقول ذلك وأنا ما زلت متشبثاً بالدرس الذي تلقّيته مبكراً من «السيد»، وهو ما زال يشجّعني على السير في المنهج الذي فيه بصمة منه. انفتاحاً ورؤية وتحليلاً، فضلاً عن الأسلوب في انسيابه واختلافه بنبض الأفكار على مساحة البحث.
حسن الأمين، هذا شأنه مع كثير من غيري لجؤوا إليه واستناروا بفكره ونهلوا من علمه وتأثّروا بمنهاجه، يستقبلهم جميعاً برحابة صدر، ويلقي بين أيديهم من نفيس كنوزه، ما يضيء أمامهم الطريق ويعزّز لديهم الثقة في التغلّب على تحدّياته. فهي رسالة «السيد» لا الباحث الذي ينشر الحقائق على مساحة التاريخ فحسب، بل المعلم الذي يحفر، على مساحة العقول، فكراً يقترن بالأصالة والأخلاق والمبادئ… إنّه باختصار مدرسة اتّخذت فرادتها في هذا التكامل بين العلم والقيم، وبين الذات والموضوع، وبين المبدأ والموقف، وليس أخيراً بين القاضي العادل والمؤرخ الذي يكتب بحبر المظلومين.
لقد مرّت سنون كثيرة، من اليفاعة حتّى أقصى الكهولة، وأنا على صلة لم تنقطع مع «السيد»، المعلم، الأب، الصديق. وفي هذا السياق الطويل كان ما يزال المرجع عندما تخونني اللغة أو يلتبس عليّ معنّى في الرواية… بيد أنّ الأهم من ذلك، أنّه ما انفك القارئ الأوّل لكل كتاب يصدر لي خلال تلك المسافة من الزمن، ولطالما غمرني القلق. بل الخوف، قبل أن يهتف لي مبدياً الثناء، وأحياناً الملاحظات، مجرّداً من الانحياز وغير متأثّر بالعلاقة الخاصّة.
حسن الأمين لا تختصره صفحة المؤرخ، ولا تستوي قراءته دون بقية الصفحات التي كاد يطويها بنفسه. وهي ليست أقل إثارةً وجاذبية… فالدور يبقى الأساس في سيرته وهو يخطّ النهر، الدور الحاضر في كلّ الصفحات العابقة بالضوء… والصبي الذي وقف يوماً أمام الجنرال «ويغان» يلقي بفرنسيةٍ متعثّرةٍ كلماتٍ تعرض للوضع البائس في جبل عامل، هو نفسه المشارك بحماسة، طالباً، في تظاهرات دمشق ضد الانتداب، وهو نفسه القاضي الذي يتداول الحكم مع الفقهاء الثقات، قبل النُطق به واثقاً في غير تردّد، وهو نفسه الأستاذ اللامع للأدب العربي في بغداد والشاعر المحلّق في قومياته ووجدانياته، والرحالة «من بلد إلى بلد»، مسجّلاً انطباعاته في نثرٍ فني بديع.
وفي زمن يتباهى بالمساوئ وتُبتَذل القيم، يمضي حسن الأمين: المدرسة، الرسالة، الإنسان المفعم بالتراث، في طريقه الصعب، وجرأته ما انفكّت تجلد الطغاة والمنحرفين والمنافقين…
وحيثما حلّ كانت هذه القامة العالية وهذا الحضور الجميل، المتوهج، الصاخب، وكأنّه بقية السيوف من زمن بعيدٍ غار. فلا يرتحل إلاّ وقد ملأ ذاكرة القوم ورسخ في نفوسهم علماً كبيراً من أعلام الفكر العربي الحديث…
حسن الأمين في «حِلّه» بحاثةٌ يُمسك بزمام التاريخ وفي «ترحاله» شاعر ينثر القوافي الزاهيات… وفي كليهما الإنسان العاشق لجبل عامل، المسكون بالهواجس الكبيرة… الإنسان الناصع كفّاً، المترفّع عن الضغائن، المترهّف لوجه الحقيقة.
كلمة الدكتور يوسف الحوراني
لنا مسلّمة من المسلمات المنطقية الاجتماعية نحن العامليين وهي:
«حيثما يوجد السيد حسن الأمين يوجد مجلس للأدب والفكر وتبادل المعارف وعقد الصداقات».
هذا ما ألفناه وأحببناه في مجالس علاّمتنا ومرجعنا الأدبي والتاريخي الصدوق. منذ أن تفتّحت عقولنا على موهبة الحوار بين المختلفين، ونعمة اللقاء بين المتآلفين مع الالتزام بشرعة الحديث والكلام في حضرة الكبار المهيبين.
فشكراً لكبيرنا في هذا اليوم الذي يذكرنا بعصرونيات جنوبنا الحبيب، بلاد عاملة العماليق.
ما قلته مرّة فيه هو «أنّه كرامة في ذاته» وما أضيفه أنّه كنهر متدفق يعطينا في كلّ هنيهة ما هو جديد ونبيل.
كان لي منذ صباي الباكر المثال والمعلم، ونعم ما كان ولا يزال. وما أضافه في كتاب «غارات على بلاد الشام» كان درساً بليغاً أدعوكم لاستيعابه معي وخلاصته:
لا نلوم الآخرين على ما فعلوه لنا من إساءة، وإنّما نسألة في البدء عمّا فعلناه نحن لهم لجلب هذه الإساءة حتّى ولو بلغت هذه إلى حدود الكارثة.
حتّى المغول وتيمورلنكهم الفظيع بقي السيد الأمين متيقظ الضمير، ثاقب النظر محايد القياس والمقارنة، شيمة الشرع العاملي الذي ألفنا الحديث عن عدالته في طفولتنا وكان آباؤنا يلجؤون إليه فينصف بينهم دون سؤال عن الطائفة أو الدين أو النسب العائلي.
لم يصل غيره من كتّاب العربية إلى ما وصل إليه من حكم وهو: «نحن نعتبر أنّ المسؤول الحقيقي عن محنة بلاد الشام لا تيمور وحده، بل إنّ المسؤولية تقع أوّلاً على القاضي برهان الدين أحمد والظاهر برقوق وسودون، نائب دمشق ودمرداش نائب حلب هؤلاء الذين قتلوا رسله فأثاروه للانتقام لقتل رسله. وقد كان متودّداً لأولئك القتلة طالباً إقامة علاقات تجارية بين بلاده وبلادهم».
ويعلّق مؤرخنا على أسماء الذين ساروا في ركاب هولاكو من المسلمين ومنها: ظهير الدين، وصدر الدين وسيف الدين يعلّق بقوله: لم يكونوا يخجلون من أن ينسبوا إلى الدين».
وللتآسّي والتوازي بين كلّ الأيام نذكر لمعلمنا الكبير أنّ الدين لم يعد يكتفي اليوم بالأنساب كما كان في أيام هولاكو بل غدا له حرّاس شخصيون مفتولو العضلات طوال القامات، يحمونه من الازدواجية ويعاقبون كلّ من يفكّر بأن يكون له عقل ودين معاً…
ولله في خلقه شؤون
ولك يا عميدنا الأمين المحبة كلّ المحبة مع تجلّة الوفاء…
كلمة الدكتور منذر جابر
السادة الكرام، دعاة ثقافة وفكر.
يبدو تكريم السيد حسن الأمين، تكريماً لثقافة وطنية، وتأكيداً لرابطة وطنية، وليس تقاسماً للثقافة، أو استعادة لذكريات في محلةٍ أو منطقة، وليس عودة إلى ملاعب أو مآرب خاصّة بفئة أو بطائفة.
حسن الأمين من الذين لا يضمُّهم عنوان أو هوية. فهو لا يدور في نتاجه أو مواقفه على مروحة واحدة. من يقرؤوه أو يسمعه يجده حمَّال أوجه في الثقافة، متفاوتاً، عالمه واسع واسع، لأنّه عالم مشاهدات وممارسات وأصبوحات وغرائب وتناقضات.
يدير السيد حسن عوالمه تلك في ألفة نادرة، على بعد مدى هذه العوالم، واتساعها، وقد أرسى في شخصيته الفذّة علاقة بالغة الدقة بينه مفكّراً، وبينه إنساناً. وهذا ما جعل منه مقيماً دائماً في مناطق مختلفة، ودافقاً على منابر متعدّدة، مقروءاً على أنحاء وأوجهٍ تختلف، باختلاف المكان من ناحية. فهو عاملي في الشام والعراق وإيران، وهو شامي في عاملة والعراق وإيران، وهو عراقي في عاملة والشام وإيران، وهو إيراني في عاملة والشام والعراق، وهو كلّ ذلك على «دروب الباكستان» وفي «حلَّه وترحاله». وتختلف من ناحية، باختلاف الموقع والهيئة، فهو شاعر مع الأدباء والمحدّثين والمؤرّخين، وهو أديب مع الشعراء والمحدّثين والمؤرخين، وهو مؤرّخ في نظر هؤلاء جميعاً ومعهم. يبقى السيد عصياً على الترتيب المحكم، اللهم سوى القول إنّه إنسان يناظره، فوق إنسان يناضرهما. كلّ منّا يرتّب للسيد موقعاً حسب مقتضاه وقضيته.
والسيد من ثمالة جيل غَرُب أو كاد، جيل ثقيف، كتيب لسِن. نسمعه فنتمنى لو ندوّن ما يقول. نقرؤه فنتمنّى لو نتحدّث بما يكتب. يستظهر التراث كما يستظهر عن ظهر قلب أقاربه وبيوت قريته. السيد يبزّ الجميع في ذلك: حسين مروة والشيخ علي الزين بقيا على حيائهما الديني الموروث على ما في حديثهما من طلاوة وحلاوة. موسى الزين شرارة وعبد الحسين عبدالله، المحدّثين بامتياز، قصرا عن السيد في عمق ثقافته واتساعها. صدر الدين شرف الدين يتحدث وكأنّه يتلقى الكلام من علٍ، تذهب نبرتُه في الكلام وتنقشه، نسمعه مسحورين بنطقه ورنين جمله. أمّا كلام السيد حسن، فهو على مقاس سامعيه، وكأنّه في حديقة جوقةُ محاورين يتقاسمون الحوار كلّ من موقع ومن طرف. لذلك الكل يصغي في مجلس السيد، وهو مسترسل في حديثه المفصل الشيق. ينتقل فيه بين الأزمان والبلاد والعباد بطرفة عين، مليء بالأخبار والحواشي والاستطرادات الكلام يستدعي غيره، والسكوت من قبلك أو الحركة أو اللفتة، تعني في عرف السيد سؤالاً جديداً ومفتاحاً ومدخلاً لحديث جديد.
أمّا السيد حسن المؤرخ فهو يصل في نقده إلى مواجد في المسلمات التاريخية. فها هو في تاريخ عاملة يطعن في مسلمات براءة وطهر شخصيات مؤتمر وادي الحجير 1920، وها هو في التاريخ الأكبر يطعن في مسلمات حول رجالات كبار حتّى ولو كان صلاح الدين. ومهما يكن الموقف من ذلك فإنّ الاشتباه هو منطق السيد في أحكامه. وقد يكون ذلك اجتهاد وحسب، وأياً كان منتهاه، فإنّ الحس النقدي راكز لدى السيد حسن ولا يبالي بعد، بأن يتصدّى لمقولة راسخةٍ وكلام إجماع.
أمّا السيد الإنسان فيكفيه أنّه قال كلمته، واستقال من منصب القضاء، حين برّأ رجلاً يحرث على حماره، وذلك مأثوم حسب القضاء الفرنسي، برأه حتّى لا يُقال «إنّ القانون في لبنان يحافظ على كرامة الحيوان أكثر من حفاظه على كرامة صاحبه».
يُحيي السيد ويختم في آن معاً ظاهرة المفكر الموسوعي، المفكر الطرف في أيّة مسألة أو حدث. يطارح في القضايا المعيوشة ويطرح في ما غفل عنه غيره أو يجتهد فيه من جديد. والسيد وكأنّه على فطرة في ذاك. وهو في كلّ ذلك، ينتقل بالحوار الفكري، الذي طالما قبع في نقطة اللااعتراف المتبادل إلى الإقرار بوجود الآخرين.
ولعل في وجه السيد هذا، ضرورة أكثر من أي وقت مضى مع ضرورة النظر إلى أفكار الآخرين وأفكار الماضي والحاضر، ومع اللغة السائدة التي لا ترى في أبواب الفكر تواصلاً، بل ترى انقطاعاً وقطعاً. يتبادل الجميع في السياسة والتاريخ والفلسفة والسلوك عدم الاعتراف بعدم اعتراف. هذا موقع السيد حسن من الجميع. وجدان خاص لا نطاق للجميع سواه.
كلمة الدكتور حسان حلاق
بسم الله الرحمن الرحيم
أيّها الحفل الكريم، أيّها الأخوة والأخوات
العلاّمة الكبير السيد حسن الأمين المحتفى به.
إنّه لشرفٌ عظيم، وإنّها لمناسبة كريمة، لن أنساها ما حييت، أن أتحدث عن عالم جليل وكريم دوّن التاريخ الإسلامي والعربي القديم والوسيط والحديث من خلال فكره النيّر وقلمه المدرار المعطاء.
إنّ العلامة السيد حسن الأمين سليل العائلة الكريمة التي عقد جذورها في عمق التاريخ الإسلامي، فهو من السادة الكرام الأفاضل، الذي تميّز بالأصالة الدينية والفكرية والعائلية، وهذه الأصالة لا تتناقض عنده مطلقاً مع محاولاته الدؤوبة لتجديد وتحديث الفكر والتاريخ الإسلامي والعربي. لذا فقد عمل بجرأة نادرة وبجد ونشاط في مجال تحقيق التراث الإسلامي. كما كتب عن الكثير من القضايا والإشكاليات التاريخية والفكرية والفقهية.
تأسيساً على ما تقدّم، فقد اختلف الكثير مع العالم الجليل السيد حسن الأمين، فكتبوا ضد ما كتب وضد ما يفكر، وبدوره كتب ضد ما كتبوا وكيف يفكّرون، ممّا أسهم إسهاماً واضحاً في إغناء الحياة الفكرية في لبنان والعالم والعربي. لقد آمن بالتنوّع الفكري لأنّه أساس الغنى الفكري، وهذا التنوّع لا يفسد للود قضية أكانت تاريخية أو فكرية أو فقهية.
قد تختلف معه في الرؤى الفكرية والتاريخية استناداً إلى التنوّع ومصادر البحث العلمي، ولكنّك أبداً لن تستطيع إلاّ أن تحترمه وتقدّره على دوره الريادي في عالم الفكر والتاريخ.
لقد تتبعت منذ سنوات الكتابات والكتابات المضادة التي نشرت في الصحف اللبنانية والعربية والمتعلقة بأفكاره وآرائه، ولا أذيع سراً إن قلت إنّ البعض حاول إقناعي واستدراجي للكتابة ضد هذا العالم الجليل، ولمّا كنت من المؤمنين بحرية الفكر والبحث العلمي، ولما كنت طالب علم حتّى اليوم، وأجلُّ وأقدر العلماء، وأنحني أمام الفكر والعلم، فقد رفضت رفضاً قاطعاً المشاركة في مثل هذه الكتابات، لا سيما وأنّ السيد حسن الأمين يمثّل قيمة علمية وأخلاقية رفيعة المستوى.
إنّ العديد ممّن هم أقل علماً من السيد حسن الأمين أسّسوا مدرسة علمية خاصّة بهم، أفلا يحق لهذا البحاثة المحقق أن ينهج نهجاً جديداً؟ وبالتالي ألا يحق له أن يؤسّس مدرسةً فكرية جديدة، فمن شاء سلكها، ومن لم يشأ سلك سواها؟
أيّها الحفل الكريم
يكفي السيد حسن الأمين فخراً أنّه سلسل أمة تتميز بخصال عديدة منها: النسب الشريف والأصالة، العلم النافع، الجهاد. فهذه الخصال قلّما تتوفّر في عالم. لهذا، فإنّ الرجل لا يحتاج إلى كلمات تقال فيه، ولا إلى حفل ينوّه بمآثره، فهو بما يمثّل من قيم علمية ومثل عليا وعلم وأصالة، إنّما يمثل في الحقيقة مسيرة أمّة في سيرة رجل.
ويكفينا فخراً القول، إنّ الأمة التي أنجبت السيد حسن الأمين، هي التي أنجبت المقاومة الإسلامية والوطنية، والتي قامت بدور أساسي وفاعل في تحرير لبنان من براثن العدو الإسرائيلي، ولم ولن تتراجع هذه المقاومة إلى أن يتم تحرير آخر شبر من أراضي مزارع شبعا المحتلة والجولان العربي وفلسطين العربية.
أيّها الحفل الكريم
إنّ مشاركتي في هذا الحفل التكريمي، هو تكريم لي ولزملائي المشاركين بل هو وسام على صدري يمثّل أقصى اعتزازي وشكري وتقديري لكم جميعاً وللّجنة المنظمة للحفل.
كلمة الدكتور حسن أمين البعيني
أيّها الحفل الكريم
منذ زمن بعيد عرفت السيد حسن الأمين من خلال ما كتب، ومن خلال ما كتبت عنه وقيل فيه فأحببت شخصه، وأكبرت فيه جميل الصفات وعظيم المآتي، وظلّ يكبر في عيني ويسمو مع توالي عطاءاته على امتداد عمره إلى ما بعد التسعين.
وإذا كان المجال هنا لا ينفسح لي للإحاطة بجميع جوانب شخصيته، وبجميع إنجازاته، ولا يسمح لي بالإطالة، فإنّه على الأقل مناسبة لأقول كلمة تقدير وشهادة حق فيه.
العلاّمة السيد حسن الأمين إحدى السنديانات الصلبة من بلادي، وأحد الرجالات الذين أنجبهم جبل عامل، وأحد أعلام هذا العصر، وأحد المجددين المنفتحين على الحداثة دون التخلي عن الأصالة.
تعدّدت ميادين عمل السيد حسن الأمين، وكان له في كلّ ميدان صولة وجولة. فهو المربّي الناجح الذي يتعهّد الأجيال بالتربية الصالحة، فينشئ النفوس، ويبني العقول، ويهذب الأخلاق. وهو المحامي اللامع الذي يدافع عن الحق ولا يلتفت إلى المنافع ولا يأبه بالإغراءات. وهو القاضي النزيه الذي يهمّه انتصاب ميزان العدل، وإنصاف الناس دون أن يخالف على منصب أو يطمع بمال. وهو بالإضافة، إلى عمله الوظيفي، الباحث المنقب والمهتم بالمطالعة والكتابة، والحاضر لمعظم المؤتمرات، المبدع، وكاتب الرحلات، والموسوعيّ الذي يقوم بما يوكل عادة للمؤسسات.
قلائل هم الذين أنعم الله عليهم بتعددية المواهب وتوفّر الإمكانات. وأقل منهم الذين يستغلونها لمصلحتهم ومصلحة مجتمعهم ووطنهم والإنسانية. والسيد حسن الأمين من هذه القلة التي استفادت وأفادت ممّا أنعم الله عليها إذ جمع بين المواهب والإمكانات، والنشاط الدؤوب، والهمة العالية، والعزم الذي لا يلين، فأعطى بسخاء وأبدع، وأسدى الخدمات الجلّى.
والمجال هنا، كما أسلفت، لا ينفسح لي للحديث عن السيد حسن الأمين الأستاذ، والمحامي، والقاضي، والمؤرخ، والشاعر، والكاتب، والموسوعي لذا سأكتفي بالحديث عن جانبين من جوانب شخصيته وأعماله هما مناقبه العالية ووعيه المبكر للخطر الصهيوني والتصدّي له بالمواقف الشجاعة والتوعية، يوم كانت الأكثرية غافلة عنه وجاهلة له.
إنّ مناقب السيد حسن الأمين وليدة بيئة ثقافية بيتية مثالية، ونشأةٍ صالحة في كنف والده المصلح الكبير السيد محسن الأمين، أكسبته أنبل الشمائل، وأجمل الفضائل، وحبَّ العمل والعمل الاجتماعي والإصلاح، والزهد بالدنيا، والشجاعة في المواقف. وهذا ما تحلّى به الوالد وأورثه لولده، فكان الابن سرّ أبيه وكان خير خلف لخير سلف.
إنّ التربية البيتية الصالحة فجّرت المواهب عند السيد حسن الأمين، وفتحت له آفاق العلم والمعرفة، وأعطته مثالية السلوك، وحصنته بأجمل الصفات، وجعلت منه الإنسان الطموح إلى العلى، الهازئ بالصعاب، العامل بصمت، والمثل الصالح في التعاطي الاجتماعي والعمل الوظيفي.
هذه البيئة البيتية الصالحة تكاملت مع بيئة ثقافية ثورية عاش فيها، فخلقتا معاً السيد الأمين المجاهد بالكلمة والموقف. فهو بالإضافة إلى كونه ابن عالم مصلح، ابن جبل عامل الذي بدأت فيه الثورة سنة 1919 على الاحتلال الفرنسي. وهو المعايش للنهضة القومية التي شهدتها دمشق، قلبُ العروبة النابض، في عهد الحكومة العربية التي كانت محط آمال الوطنيين العاملين من أجل الاستقلال والوحدة في وجه مخططات التجزئة الاستعمارية، هذه البيئة أوجدت عند السيد حسن الأمين الوعي المبكر للخطر الصهيوني، وعزّزت توجّهه نحو الجهاد، فإذا به في طليعة المتظاهرين في الشام ضد نزول بلفور فيها، وهو صاحب الوعد المشؤوم بإقامة الدولة اليهودية في فلسطين… وإذا به المحامي الذي يأبى التوكل عمّن شاؤوا بيع الأراضي لليهود، مقابل مبلغ ضخم، ويعنف عليهم بالكلام ويطردهم… وإذا به القاضي الذي يحكم بسجن المتسللين اليهود من لبنان إلى فلسطين، ويقف بعناد وصلابة في وجه من حاولوا إخلاء سبيلهم، وإذا به المؤرخ الهادف الذي يكتب عن الغزو المغولي ومقاومة المسلمين له مع ما في ذلك من تشابهٍ مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين وجهاد العرب والمسلمين ضده. وسيزول هذا كما انحسر ذاك أمام إرادة التصدّي والصمود والمواجهة.
فإليك أيّها الشيخ الجليل أيّها العلاّمة تحية إكبار وإجلال… فأنت عنوان عزة، ورمز عطاء. أطال الله في عمرك، وأعطانا العديد من أمثالك الذين نحن بحاجة إليهم في هذا الزمن الرديء الصعب، زمن الخيبة والانهزامات وتحطم الآمال والأماني القومية. وشكراً.
كلمة السيد محمد الحسن الأمين
عندما دعتني حلقة الحوار الثقافي التي نظمت هذه الأمسية. شعرت بشيء من الحرج فأنا مدعوّ للكلام على العلاّمة السيد حسن الأمين الذي تربطني فيه الكثير من الوشائج التي تسمو على عنصر القرابة.
ولكنّها القرابة تحرج أصحابها أحياناً وتظلمهم. غير أنّني وبعد أن أدرت الموضوع في ذهني قلت إنّ عامل القرابة لا يجوز أن يكون سبباً لكتمان الحقيقة، والسيد حسن الأمين قبل أن يكون واحداً من عائلة أو قبل أن يكون أسيراً لاسمه فهو مناضل ومجاهد ومؤرخ، وفوق ذلك كلّه وبعد ذلك هو واحد من فرسان الممانعة والاعتراض في عصرنا الذي تغلب عليه سمة الاتباع والذلّ، وفي إطار طبقة أو فئة من الناس هي المثقفون ومنتجو المعرفة والذي كثر الكلام والحوار والحديث والسجال عن الدور الذي يقع على عاتقهم وعن المسؤولية التي يتحملونها في ظل محاولة هذه الأمّة للنهوض من الانهيار التاريخي الذي أصابها من عدّة قرون. كنت باستمرار أجد أنّ المسؤولية الأساس فيما تبدو مسؤولية الحاكم أو السلطة. كنت أجدها مسؤولية المثقف مسؤولية رجل الفكر، وكنت وما زلت وازددت يقيناً وأنا أنقب عن التاريخ وانقب عن الحاضر وعن المستقبل أنّ أمّة يقبل مثقفوها ومفكروها وفقهاؤها أن يكونوا مثقفي ومفكري وفقهاء السلاطين لا يمكنها أن تجترح فعل نهوضها من الواقع العربي الراكد، إنّه يطلق أقصى ما يملك من أجل أن يدفع هذا العقل لكي ينقض ذلك ولكي يعيد النظر في المسلمات.
وما هي مشكلتنا في التاريخ وفي الأدب وفي كلّ حقل من حقول المعرفة والدين سوى هذه المسلمات التي تكتسب قدسيتها بغير شرعية حقيقية وعلى الأقل فإنّها غالباً ما تكتسب قدسيتها خارج شريعة العقل. ثمّة دور آخر من خلال مهنة المؤرخ ولنقل من خلال رسالة المؤرخ لعبه السيد الأمين وهو دور مفصلي ورئيسي وأساسي ولا يحصر مهمة المؤرخ في النبش والتحقيق والبحث عن الماضي ولكنّه يجعل من هذه المهمة وسيلة والقول بأنّه للتأريخ وظيفته الأساسية وللمؤرخ وظيفته المسؤولة، ليس صحيحاً.
إنّ المؤرخ هو الذي يجلو لنا صورة الماضي، وحسبُ المؤرخ فيما يعمل على جلاء صورة الماضي إنّه في جوهر عمله يكون عاملاً على اقتراح صورة المستقبل، ولا يمكن أن يكون العمل التأريخي مبرراً إن لم يكن عملاً يهدف إلى إنتاج صورة مستقبل ما. أدخل من هذه النقطة إلى كتابه المفصلي والاستثنائي «الغزو المغولي لمدينة بغداد» أي حاضرة العرب والمسلمين الكبرى حينها، وسقوطها المدوي الذي شكل المفصل التاريخي لهذا الانهيار السياسي والحضاري الذي ما زلنا نعيش تداعياته حتّى يومنا. في الواقع إنّ هذا الكتاب صدر ولا أدري ما إذا كان ذلك بفعل توقيت دقيق شاءه المؤرخ.
بالرغم من حرصه الشديد ومن ذائقته التاريخية من محاسبة التاريخ، إلاّ أنّه لم يكن مؤرخاً ولكن الأمين كان باحثاً سياسياً ولم يكن باحثاً سياسياً، كان مفكراً اجتماعياً وباحثاً في الحضارات. ولكنّه لم يكن كذلك بالضبط. ومع هذا كلّه كان شاعراً حيث قد تطفو حدّته الشعرية على مقولاته، على المفاصل والمنحنيات في الكتابة، والحدث بصورة تجعلني قادراً على القول إنّ الكاتب كان مؤلفاً، كان صورة من صور مساهمة المثقف أعلى صورة من صور المثقف في مواجهة مسؤوليته عندما تكون القضية ويكون التحدّي هو تحدّي الوجود وكان مؤسساً نظرياً ووجدانياً للفكرة التي تقول إنّ الانهيار والسقوط في الأمم ليس نتيجة حدث خارجي وهو نتيجة قابلية، قابلية تستدرج مع مثل هذه الأحداث، تستدرجها بصورة أو بأخرى، لم يكن ممكناً سقوط بغداد لأنّ هولاكو أو تيمورلنك كان خارجاً من تلك الأصقاع البعيدة ليشبع هذه الشهوة البدائية في تدمير الحضارات، وإنّما لأنّ هذه روما الجديدة، أميركا لكي تسلب لها، لكي تعيش فعلاً اغتصاباً كما لو أنّها مصابة بمرض نفسي عضال. حسن الأمين التقط المفاصل الحقيقية بأزمة انهيار الحضارة العربية والإسلامية تارة عبر تحليله الدقيق ورؤيته العميقة والحرة للأحداث من ماضيها، وتارة في استحضار منهج الاعتراض والممانعة الذي وسم عمله الأدبي عموماً ووسم حياته وسلوكه مفكراً وقاضياً ومصلحاً اجتماعياً على كل الصعد. ولكنّه وبصورة أساسية وسم منهجه كمفكر ومؤرخ يعرف ويمارس. إنّ الذين صنعوا انهيار الأمة هم مؤرخو السلطة وكتابها كما مثقفوها وأدباؤها وشعراؤها.
لذلك، فقد ظلّ حسن الأمين غريباً في عصره وهذه الغربة هي شهادة كلّ كبير وشهادة كلّ فاعل في تاريخ أمته، تاريخ فكرها وحضارتها وصناعة مستقبلها، غربة لا يسأم منها صاحبها لأنّها مجاله الحيوي لممارسة التصاعد والصمود، والذي يعرف معنى هذه الغربة يدرك الجوائز السخية الجوائز التي يتلقاها صاحبها، الجوائز التي قد لا يراها الآخرون سيئة، يراها الإنسان ويبهر عقله، ولكن يعرفها الناس الذين كرسوا أنفسهم للعقل والحرية، الذين يشعرون بأنّهم ينالون أسمى الجوائز وبما لا يساويه ذهب العالم عندما ينحازون انحيازاً حقيقياً لقضية عادلة، سواء أكان في القانون أم كان في الفكر والبحث والتاريخ، حسن الأمين إنّه واحد من ألمع هؤلاء الغرباء، الذين أشار إليهم الرسول الأعظم (ص) عندما قال: «طوبى لهؤلاء الغرباء» لماذا؟ لأنّ هؤلاء الغرباء هم الذين أو المؤهلون لأن يعيدوا إنتاج الواقع الذي نرفضه جميعاً بعد أن يكونوا قد ذهبوا وخلا هذا الموقع من أشخاصهم، ولكن من أجل أن يعيدوا حضورهم الحقيقي وحضورهم المتوهج ألم أقل لكم إنّ المؤرخ الحقيقي فيما يجلو لنا صورة الماضي يقترح لنا صورة المستقبل، وسيكون حاضراً فيها بالتأكيد.
بعد الغزو الذي قام به التحالف الأميركي الغربي في أوائل تسعينات القرن الماضي صدر هذا الكتاب، بعد قليل من هذا الغزو، وأتيح لي وأنا أعيش كما كلّ المعنيين، كما كلّ الذين هزّهم هذا الغزو الجديد من الداخل كما كلّ الذين شعروا أنّ ثمة صدمة قوية توجّه إلى الاجتماع وإلى الفكر وإلى العقل العربي والإسلامي، وأنّ ثمة خطراً حقيقياً يتهدّد كلّ تيارات النهوض والتقدّم بعد هذا الغزو. كان يدفعنا إلى التأمّل في الماضي والتأمّل في الحاضر والتأمّل في المستقبل. قرأت هذا الكتاب كنت في كلّ صفحة من صفحاته أشعر أنّ السيد حسن الأمين لم يكن مؤرخاً بالمعنى الاصطلاحي الحقيقي الدقيق للكلمة.
من هنا ندخل إلى السيد حسن الأمين مفكراً ومؤرخاً ومعترضاً يعرفه الجميع، وقد عجبت لماذا لم يجرِ الحديث كثيراً على صدمة الذهن التاريخي العربي عندما أطلق كتابه الشهير عن صلاح الدين الأيوبي.
بدا أنّ المتحدّثين عن ذلك أرادوا أن يتفادوا للسيد «الأمين» ما يحسبونه هنة من هنات أو ما يحسبونه رأياً لا ينسجم مع المناخات ومع الأجواء المطروحة حالياً، لكنّني هنا وقد أكون غير متفق تماماً تجاه صلاح الدين الأيوبي أريد أن أحيي مأثرة المؤرخ الذي يشعل النار في القناعات الراكدة من الفكر. ما هي مشكلة فكرنا العربي والإسلامي سوى أنّه كان في لحظة من لحظات التاريخ يتمخض عن إبداع ما، ثمّ لا يلبث أن يدور حول هذا الإبداع ويعبره، السيد الأمين في كتابه عن صلاح الدين أطلق صدمة حقيقية في ما نسمّيه بحركة العقل التاريخي أو العقل الإسلامي.
الكلمة التي ارتجلها
السيد حسن الأمين
ليس ما أقوله كلمة كما عبّرت عنها السيدة المقدمة إلهام كلاب البساط إنّما هو شعور في نفسي لما لقيته من الداعين لهذا الحفل ولما تفضل المتكلمون فيه. أنا لا أعد ما تفضل به المتكلمون موجهاً لشخصي الضعيف. فأنا أعتبر أنّي أقل من أن يقال بي مثل هذا الكلام. ولكنّي أعتقد أنّ ما تفضّلوا به هو للفكرة التي نؤمن بها جميعاً. موجه للخط الذي علينا أن نسلكه ونستمر في سلوكه، من هنا اقتنعت بالقيام بهذا الحفل والمشاركة فيه.
نحن نقيم حفلنا هذا في وقت، يتردّد به في نفوسنا وفي أسماعنا صوت إخواننا الذي يذبحون في فلسطين ويهانون ويذلّون في أمّة ألفت الهوان واستطابته.
نحن لن نيأس. بالعكس نحن مؤمنون بأنّ النصر لنا، وأنّ ما يراق من دماء وما يعاني الناس من مذلة وهوان هو شيء مرّ في تاريخنا وفي تاريخ غيرنا.
اليهود لم ينتصروا في فلسطين، هذا ما أؤمن به، انتصروا على الجيوش العربية التي انكسرت أمامهم، ولكن القضية اليهودية حتّى الآن هي المنهزمة، كان في تخطيط اليهود ما أسموه إسرائيل الكبرى. عبروا عنه بأنّه من النيل إلى الفرات وما يشير إلى الفرات وما يشير إليه علمهم. الخط الأزرق الأعلى هو النيل والخط الأزرق في الأسفل هو الفرات، والبياض الذي يمتد فوق هذين الخطين إشارة إلى أن ليس هذا هو الحد النهائي. لقد انتهى أمر إسرائيل الكبرى. من الذي حقق هذه النهاية؟؟
حققها أطفال الحجارة.
أطفال الحجارة هزموا فكرة إسرائيل الكبرى.
اليهود الآن يجاهدون للاحتفاظ بإسرائيل الصغرى، تنازلوا عن يهودا والسامرة، وهي من أقدس مقدساتهم. هزمتهم أحجار الأطفال.
انقضت من ذهنهم فكرة إسرائيل الكبرى.
ثمّ لماذا أنشأ اليهود فكرة إسرائيل؟؟
لماذا تدفقوا من أقصى الأرض. ليغتصبوا هذه الأرض؟ رأوا أنّهم في كلّ مكان قلقون على حياتهم. قلقون على مستقبلهم.
إنّ اليهود الآن في كلّ أقطار العالم آمنون. مستقرون. إلاّ في إسرائيل، إلاّ في المكان الذي ادعوا أنّهم آتون ليستقروا فيه. إنّهم كما قال القائل:
يترقبون الموت في غدواتهم
فإذا نجوا فالموت في الأسحار
إسرائيل بعد 54 سنة على قيامها لا يجرؤ فيها اليهودي أن يخرج من بيته.
هذا هو النصر الذي حققه أطفال الحجارة.
هذا هو النصر الذي لا يعترف به اليهود.
إنّهم مستقرون في أقطار الأرض، إلاّ في المكان الذي أرادوا أن يستقروا فيه. إنّهم سالمون في كلّ مكان. ولكنّهم يذبحون ويقتلون في مكان استقرارهم. فماذا سيصنع هؤلاء اليهود الشراذم عندما يتدفق ثلاثمائة مليون عربي ويتخلصون من قياداتهم الزائفة الذليلة؟
ماذا سيصنع اليهود أمام ثلاثمائة مليون عربي إذا جاؤوهم بالحجارة؟؟
نحن مطمئنون على المستقبل بأنّ هذا الذي يجري هو غمرة من هذه الغمرات التي تمر بها كلّ أمم الأرض لقد هوجمنا في الغزوات المغولية التي كانت أقسى من هذه الغزوات، ولكن ماذا كانت النهاية؟ كانت النهاية أنّ المغول الذين جاؤوا ليحاربوا الإسلام في أرضه وفي مكانه إنّهم لأوّل مرّة واجهوا الفكرة المعاكسة. كان يُقال إنّ الشعب المغلوب يتأثر بالشعب الغالب. وإذا بالمغول الغالبين يتأثّرون بالشعب المغلوب. فينتهي أمرهم إلى أن يسلموا.
إنّني من ها هنا بعد أن أتوجّه إليكم وإلى الذين دعوا إلى هذا الحفل بالشكر إنّني أتوجّه إلى أولئك المناضلين المضحين بدمائهم بتحية إكبار وأقول لهم:
لا تيأسوا فإنّ الله معكم. والشعوب العربية معكم، ولا بد لكم من النصر القريب إن شاء الله.
ملحق بالصور
حياة المؤرخ الكبير
السيد حسن الأمين بقلمه

المؤرخ العلاّمة السيد حسن الأمين
ذكريات مع الراحل الكبير
ذكريات مع الراحل الكبير
كنت أتردّد على مؤسسة نشر في الطابق الخامس من بناية درويش، في سنة 1970 وفي يوم من الأيام التقيت برجلٍ متواضع، سلّم ودخل المؤسّسة جلس على الكرسي ثمّ أخذ يتجوّل في المؤسسة يبحث عن بعض ما يريده من كتب. بعد أيام وحين كنت جالساً عند زميلنا في نفس المؤسسة رأيت الرجل نفسه قد دخل وهو ينظر إليّ، سلّم وقمت احتراماً له وجلس وخرجت من المؤسسة إلى مكتبةٍ بجوار الدار. ولعدّة مرّات التقيت بالرجل ولكن لا أتحدّث معه ولا يحدّثني.
وفي إحدى المرّات عندما دخل الرجل إلى المؤسسة وكعادتي قمت له احتراماً، سمعته يسأل الزميل عني:
من هذا الشاب القصير القامة، الظاهر أنّه مسافر جديدٌ؟
من أين أتى؟
قال له الزميل: إنّه كتبي من النجف الأشرف، ثمّ سافر إلى الكويت، وهو في زيارة إلينا.
وكانت مشيئة الله أن أتوفق بشراء شقّة في بناية درويش في الطابق الثالث.
وكانت أهم بناية لكبار الناشرين.
ومرّت أيام وأسابيع وشهور، لم أرَ الرجل. حتّى في صبيحة يوم من أواخر شهر كانون الأوّل سنة 1970 دخل دار التعارف، والبسمة على شفتيه. سلّم عليّ فقمت له مرحباً وجلست بجنبه.
قال: إنّي حسن الأمين ـ فبادرته مرحباً، أهلاً وسهلاً.
قال: ابن الإمام السيد محسن الأمين ـ أهلاً وسهلاً ومرحباً بالسيد الجليل.
قال: هل تعرف أبي رحمة الله عليه؟ فقلت: ومن لا يعرفه؟ وأتذكر يوم وفاته وأنا في النجف وحينها كنت صغيراً.
قال: هل تعرفني؟ قلت نعم، سألت الزملاء في الطابق الخامس فعرّفوني بك.
السيد حسن الأمين في تلك الأيام لم يكن له مؤلفاً واحداً.
في سنة ثلاثة وسبعين أو أربع وسبعين تحدّث معي بخصوص كتاب أعيان الشيعة. وأنا في وضع مادي ضعيف. فأخذته إلى الطابق الأوّل ـ دار المعرفة ـ فعرفته على صاحب الدار إبراهيم فولادكار، فتحدّث معه عن طبع كتاب أعيان الشيعة. قال الرجل أطبعها أوفست. ولست قادراً على طبعها بصفٍ وإخراج جديد.
وبعد فترة، زارني، وقال ماذا طبعت في هذه المدّة.
فعدّدت له عن بعض ما طبعته، وهي بعض كتب السيد الشهيد الإمام الصدر (قدس) وبعض كتب الشهيدة بنت الهدى (ره) وبعض الكتيبات.
قال: هل رأيت كتابي المطبوع حديثاً وهو من بلد إلى بلد؟ وكنت قد رأيته سابقاً وساعدت في طباعته.
وكان يقول عنّي «أنت قصيرٌ في قامتك» و«كبيرٌ في عملك»، «نصفك على الأرض والنصف الآخر تحت الأرض، هادئ ولا تتكلم».
وفي سنة 1978 قرّرت أن أبدأ بصف موسوعة «أعيان الشيعة».
في عشرة مجلدات مع الفهرست أحد عشر مجلداً.
وفي تلك السنين أخذت الدار تدخل في بيوت الملتزمين وأخذت تشتهر في البلاد العربية والإسلامية.
وفي سنة 1980 طبعت أوّل موسوعة كبيرة وعليها اسم دار التعارف وهي موسوعة «أعيان الشيعة» وشجّعني على ذلك بعض الأخوة العلماء.
وبعد طبع كتاب الأعيان توثقت علاقتي بالأستاذ السيد حسن، وكان يرى فيَّ زميلاً صالحاً، ومخلصاً محباً له.
وكان يكثر التردّد على الدار كما كان يتردّد عليها كبار العلماء كالعلاّمة السيد هاشم معروف الحسني والسيد الهاشمي، والشيخ محمد جواد مغنية، وبعض كبار الكتّاب والمؤلفين، وبعض الإيرانيين الكبار، ولا ننسى الرعاية الأبوية للأب الكبير والقلب العطوف الشهيد الصدر (قدس سرّه) الذي أجازني بخط يده بطبع جميع كتبه وكان يرشدني على طبع بعض الكتب ويكتب لبعضها مقدمة أو يرسل بعض مؤلفاته الحديثة في المناسبات الجديدة.
هذا كلّه كان سبباً يحثّه على المداورة للمجيء إلى الدار والجلوس مع صاحبها وأن يكون الاحترام متبادلاً.
في سنة 1982 بدأت بطبع الأجزاء الأولية من دائرة المعارف في خمسة مجلدات، ثمّ ترجمناها إلى الإنكليزية بواسطة أستاذ باكستاني وطبعنا منها ثلاثة أجزاء.
ازدادت المحبة والألفة بيننا بحيث لا يتجاوب معه من الناشرين لطبع كتبه إلاّ أنا وبسهولة كان يأتي ويحثّني على طبع مجموعاته وكتبه ـ فطبعت له «المغول» و«ذكرياته» و«ثورات شيعية».
ثمّ قمت بطبع أعيان الشيعة الطبعة الثانية.
وفي السنوات الأخيرة. بدأت بطبع كتاب دائرة المعارف الإسلامية في سبعة مجلدات ثمّ زدنا عليه مجلدين فأصبح تسعة مجلدات كانت لي معه مجالس ولقاءات كثيرة، في الأسبوع ثلاث أو أربع مرّات وتلفونات يومية أو كلّ يومين مرّة أو مرّات باليوم.
فإذا تأخّرت عنه في الحديث معه يعاتبني، ويقول:
يا حاج حامد لا تقسو علينا، وكانت عرى المحبة بيننا وثيقة فكنت أبادر لتعريفه على رجالات الثورة الإسلامية. وغيرهم من الأساتذة
والكتّاب والعلماء. وإذا جاؤوا إلى لبنان أطلب منهم زيارته وأحاول أن يدعوه إلى إيران وغيره من البلدان لما له من إحاطة واطّلاع وفائدة في الالتقاء به. كنت بجانبه إذا أراد السفر إلى خارج لبنان. بالأخص في السنوات الأخيرة، أجهز له كلّ الأمور بحيث لا ينزعج أو يتأذى.
ومنذ بداية التسعينات بدأنا بكتابة المستدركات كنت بجانبه في جمع المقالات للأعيان وللمستدركات من إيران ومن الدول العربية ـ الفارسية أترجمها وإذا زادت أفتش عن المترجمين، أجمع له في أسفاري ما يريده من بحوث ومقالات وتراجم لشخصيات وعندما أعلمه بأنّني أحمل معي ممّا يريده يقول فوراً: الآن ابعثه لي ـ وكنت أبعثها له وبعد يوم أو يومين يتصل ويقول هناك مقالات كنت أفتش عنها ويقول بيّض الله صفحاتك وقد يحتد في بعض المرّات. إذ كنت أناقشه في بعض الأسماء أو بعض المقالات. وقد يمرّ عليَّ بعض الأسماء أو البحوث وبعد طبع الكتاب نقرؤه ويكون على غير منهج الدار. فنطبع الملزمة من جديد بعد نقاش بيني وبينه، وقد يغضب عليّ ولكن طوال فترة الثلاثين سنة لم يقل لي لا. وكانت له بعض الآراء الخلافية حول بعض البيوتات العلمائية الشيعية اللبنانية. وكنت على نقيض من هذه ـ الآراء وعموماً كان على خلاف مع بعض الشخصيات العلمائية الحديثة اللبنانية، ويهاجمهم بحق، وكان يقول لا أحد منهم يهتم بالشيعة هذه المقالات في الجرائد ضدنا، ولا أحد يرد. فهو يومياً كان يتصفح الجرائد والمجلات وما يصدر، وإذا قرأ مقالاً ضد التشيع فتراه كالبرق يكتب الرد. فإذا صدر ردّ فردّه جاهز ولا يتعب ويردّ ويردّ. كلّ ذلك من أجل الحقيقة.
ولا ننسى المؤتمر الذي عقد حول شخصية صلاح الدين في بيروت وقيامه بردٍّ علمي على بعض بحوث المؤتمر، وقد ردّ عليه بردّ قاس، فبادر إلى ردّ على الردّ بأسلوب علمي دقيق.
وأخيراً طبع جميع المقالات والردود عليها والردّ على الردّ في كتاب سمّاه صلاح الدين الأيوبي.
وكان عند الانتصار على الحق يضحك ويقول اين هؤلاء العلماء الشيعة من كلّ هذه الاتهامات والافتراءات على الشيعة وغداً أموت من يرد عليهم. وبماذا هم مشغولون، بأنفسهم وبالمعارك فيما بينهم».
وما كان يكتفي بالردّ على الجرائد اللبنانية بل حتّى في المجلات العربية كانت له ردود ومقالات.
في سنة ثمان وتسعين طبعت دائرة المعارف الإسلامية الشيعية في أحد عشر مجلداً وأتممت مستدركات الأعيان بتسعة مجلدات.
وفي هذه السنوات إضافة إلى طبع كتبه، كنت أهتم بطباعة كتب والده المجتهد الأكبر. مفتاح الجنات في ثلاثة مجلدات، المجالس السنية في مجلدين، في رحاب أئمة أهل البيت في مجلدين، والإمام المهدي في مجلد وكتاب قيم في الردّ على الوهابية.
ولا ننسى كتاب الموسوعة الإسلامية في سبعة مجلدات والتي قمت بطباعتها في الثمانينات.
وهي عن الحوادث والوقائع الإسلامية الشيعية.
وفي السنوات الأخيرة وبعد الألفين بدأ يشعر بالتعب ويعد نفسه بالرحيل.
ذات يوم اتصل بي وكثيراً كان يتصل بي وكنت أذهب إليه ويشاورني أو يطلب منّي ما يريده من تهيئة أمور سفر أو طبع كتاب أو ما شاكل للحياة اليومية وذات يوم اتصل بي فذهبت عنده.
رأيته جالساً، وعليه عباءته، أخذني في أحضانه ككلّ مرّة.
وأخذ يمدحني ويقول لولا أنت لما وصلت إلى ما وصلت إليه ثمّ تابع قائلاً: منذ فترة وأنا بدأت بجمع أوراقي وبحوثي وقسمتها وأصبحت ثلاثين مجلداً أو أكثر، من كتاب دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، أُريد طبعها، قلت له، عندنا كمية من الموسوعة طبعة الأحد عشر مجلداً، قال: يا حاج حامد، هذا آخر ما عندي، أودّ أن أرى دائرة المعارف في ثلاثين مجلداً، قبل وفاتي، خرجت من عنده وأنا أفكر كيف أتدبّر الأمر.
مرّت أيام وأيام، وكلّما فكّرت لم أصل إلى نتيجة لأنّي كنت في تلك الأيام قد طبعت «موسوعة بحار الأنوار» بعد تحقيق وتصحيح دامت مدّته اثنتي عشرة سنة وهكذا طبعت موسوعة أعيان الشيعة في خمسة عشر مجلداً طبعة جديدة، وقد طبعت كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة في ثمانية أجزاء. لذا كانت الظروف صعبة فَطَبعُ كتابٍ في ثلاثين مجلداً وبقياس كبير من المحال، ومن حسن التوفيق جاء إلى لبنان الأخ سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد المحتشمي، تحدّثت معه والأخ السيد قمي فقرّرنا الذهاب لزيارته، وفعلاً ذهبنا إلى بيته وكان شديد الاحترام والحب للسيد حفظه الله. فتحدّث معهم السيد حسن حول همية الكتاب. وبدوره بادر السيد محتشمي لطرح الأمر على حجة الإسلام والمسلمين السيد خاتمي رئيس الجمهورية الذي أشار إلى الوزير الأستاذ خرازي وحثّه على مساعدتي وشراء كمية من الموسوعة. ولذا، والحمدلله قمت بصف الكتاب وطبعه جزءاً بعد جزء حتّى الجزء الثاني والعشرين وكلّما صدر جزء نرسله للسيد حسن فوراً.
وقد صحّح السيد المسودات للجزء السادس والعشرين وقسماً من السابع والعشرين. وكانت النهاية. نهاية الطريق بين التلميذ وأستاذه، بين مخلص ومحب، بين كاتب وداعم، بيني وبينه، نهاية الطريق وقبل أن يرحل كنت أزوره عدّة مرّات وكان يقول هذه نهاية أيامي وأنا أقول أرجوك، يا سيدنا، لا زلت سيد الشباب، فيسكت وقبل يومه الأخير، وقبل النهاية، اتصل وسالني، قال هل كتبت لك الرسالة… قلت له نعم ولكن يا سيدي لم تصل إلى الجزء الثلاثين.
ويوم الاثنين تاريخ 14/10/2002 اتصل بي السيد مهدي وليس السيد حسن كما هي العادة وإذا به يخبرني بما مضّ الفؤاد وها هي قواي التي هدّها المصاب تحملني إلى حيث يرقد الحبيب والأخ والصديق وها أنا أراني واقفاً على رأس محبي وهو في الدنيا الباقية وأنا في الدنيا الفانية تسابقني دموعي لوعة لفراقه، فراق الإنسان، الأستاذ، الكاتب المدافع عن الحق، عشت وإياه ثلاثاً وثلاثين عاماً بالعمل والمثابرة، بروح الأخوة، نعم فارقني وفي القلب أسى وخياله لا يفارق العين وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
العلاّمة المؤرخ السيد حسن الأمين
(1908 ـ 2002)
ولد سنة (1326هـ) 1908م. في دمشق.
وهو سليل الأسرة العلمية العاملية آل الأمين.
نجل المرجع الديني الأكبر السيد محسن الأمين (قدّس سرّه).
أنهى دراسته الابتدائية والثانوية في مدرسة شقرا وفي المدرسة العلوية في دمشق التي أنشأها والده السيد محسن في حي الأمين بدمشق.
انتسب إلى الجامعة السورية وتخرّج من معهد الحقوق سنة 1934.
درّس في دار المعلمين في العراق من سنة 1938 إلى سنة 1940.
ثمّ عيّن قاضياً في النبطية واستقال من القضاء سنة 1945 إثر حكمه على مجموعة من اللبنانيين الذين ضبطوا بتهريب اليهود إلى فلسطين فأنزل بالجميع مع اليهود أشد العقوبة فكانت تدخلات من أعلى مناصب السلطة ليعود عن قراره فألحّوا فأبى واستقال غير آسف.
وعاد إلى التدريس في العراق في معهد الملكة عالية. فكان له كبير الفضل في اكتشاف الكثير من المواهب الأدبية والعلمية.
تفرّغ بعد وفاة والده للبحث العلمي ولنشر آثار والده المقدس السيد محسن الأمين فأتمّ طبع موسوعة أعيان الشيعة وأردفها بمستدركات أعيان الشيعة ولم يزل إلى يوم وفاته على هذا النهج.
وقد صنّف دائرة المعارف الإسلامية الشيعية (30) مجلداً حفظ فيها تراث الشيعة الأدبي والفكري والعلمي.
وكتب في التاريخ والسيرة والرحلات مؤلفات عديدة وآلاف المقالات والمقابلات المرئية والمسموعة التي قلب فيها المغلوطات التاريخية الشائعة وأعاد تصحيح الحقائق والمفاهيم.
توفي عصر يوم الاثنين 14 تشرين الأوّل الموافق 7 شعبان 1423 في بيروت. ودفن في شقرا عن عمر يناهز الخامسة والتسعين قضاها بالبحث العلمي والكتابة حتّى آخر يوم من حياته. فكان خلوده والبقاء لله.
مؤلفاته
1 ـ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية (11) مجلداً طبع في دار التعارف للمطبوعات.
2 ـ مستدركات أعيان الشيعة (11) مجلداً طبع في دار التعارف للمطبوعات.
3 ـ من بلد إلى بلد طبع في دار التعارف للمطبوعات.
4 ـ مظاهرات وثورات وحروب عربية.
5 ـ الرضا والمأمون وولاية العهد ـ دار الجديد.
6 ـ جبل عامل السيف والقلم، دار الأمير.
7 ـ من التاريخ قديماً وحديثاً.
8 ـ صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين، دار الجديد.
9 ـ دولة الموحدين الإسلامية، دار الغدير.
10 ـ المغول بين الوثنية والنصرانية والإسلام، دار التعارف للمطبوعات.
11 – الموسوعة الاسلامية في ستة مجلدات دار التعارف للمطبوعات.
12 ـ ذكريات.
13 ـ غارات على بلاد الشام.
14 ـ الشهيد الأوّل.
15 ـ مقالات في التاريخ والأدب والنقد.
16 ـ حل وترحال.
17 ـ ذكريات قضائية ووقفات عاطفية.
18 ـ عصر حمد المحمود.
19 ـ في خضم التاريخ.
20 ـ سراب الاستقلال في بلاد الشام.
21 ـ صراعات في الشرق على الشرق.
22 ـ من نوافح خراسان، دار التعارف للمطبوعات.
23 ـ قيم خالدة في التاريخ والأدب، دار التعارف للمطبوعات.
24 ـ على دروب الباكستان.
25 ـ الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي.
26 ـ إطلالات على التاريخ.
27 ـ ثورات في الإسلام، دار التعارف للمطبوعات.
28 ـ الوطن الإسلامي بين السلاجقة والصليبيين، دار الغدير.
29 ـ الغزو المغولي للبلاد الإسلامية، دار التعارف للمطبوعات.
30 ـ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية (30) مجلداً دار التعارف للمطبوعات وهي آخر مؤلف للسيد الأمين.
حامد عزيزي
25/9/2002

معرض لمؤلفات المؤرخ السيد حسن الأمين

مع رفيق دربه الأستاذ الصالحي
من الذكريات([1377])
في حياة حسن الأمين
ولدت سنة 1326هـ (1908م) في دمشق وانتقلت مع الأسرة سنة 1924م بعد إعلان الحرب العالمية الأولى إلى بلدة شقرا (جبل عامل) حيث ترعرعت وتكامل صباي.
لا أعي من أواخر الحرب العالمية الأولى إلاّ أشباحاً غير مترابطة لا أستطيع أن أؤلف منها حدثاً متكاملاً. فأنا مثلاً أذكر انتقالنا من دمشق إلى جبل عامل. ولكنّني لا أذكر تفاصيل هذا الانتقال، ولا ما جرى لنا في الطريق ولا كيف وصلنا إلى شقرا في جبل عامل ثمّ أنا أعي أنّ أخي الأكبر كان في سن الجندية وأنّه سُعي له ليكون معلماً في شقرا وبذلك يعفى من الجندية، كما أذكر أنّ رجلاً استؤجر ليتولى مكانه أكثر الأوقات إذ كان يضيق ذرعاً بتعليم الأطفال، وأذكر أنّنا تلقينا شيئاً من التعليم عند هذا المعلم المستأجر وأنّنا كنّا نجلس أمام المعلم على الحصير المؤلف من البردي المعروف في جبل عامل بالبابير.
كما أذكر نزوحنا أنا وأخ وأخت لي من شقرا إلى مقام صدِّيق «بتشديد الدال» هرباً من وباء الكوليرا، ولكن لا أذكر مقامنا هناك ولا عودنا.
على أنّ الصورة تأخذ في ذهني بالوضوح شيئاً فشيئاً ابتداء من نهاية الحرب. فإنّه يصحّ لي أن أقول، إنّ أحداثي لا يمكن أن تسجل إلاّ ابتداء من سنة 1920 لتذكري للكثير من تفاصيل تلك الأحداث ممّا يمكن تسجيله والحديث عنه.
فممّا لا أنساه أبداً تلك الطلقات النارية المتتابعة التي أخذت تنبعث من أحد بيوت بني عمّنا ونحن في شقرا نهاراً بصورة مثيرة بدون انقطاع، فمضينا إلى مصدر الرصاص المنطلق فوجدنا قريبنا يطلق النار من بندقيته مبتهجاً مسروراً، مّا جمع الناس عليه، ففهمنا أنّ حدثاً ضخماً قد وقع في دمشق، وكان من صداه هذه الطلقات، وأنّ هذا الحدث هو شيء عظيم للبلاد، ولم أكن أدرك في تلك السن حقيقة الاستقلال وحقيقة الحركات الوطنية، ولكنّني كنت مدركاً أنّ الفرنسيين يحتلون البلاد وأنّ هذا شيء منكر.
وكان الحدث الضخم هو إعلان الاستقلال السوري في الثامن من آذار سنة 1920 وتتويج الأمير فيصل ملكاً على المملكة العربية السورية!.
لا أظنّنا أكلمنا السنة في مدرسة الحوماني التي خرجنا منها بدون طائل سوى تحسين الخط بعض التحسين. وكان سبب ترك المدرسة أنّنا انتقلنا إلى دمشق وذلك أنّ الفرنسيين قرّروا أن يسوقوا حملة لإخضاع الجبل وتتابعت أنباء استعداداتها وكان الوالد في دمشق، فقرّر الأخ الأكبر انتقالنا جميعاً إلى دمشق حيث إنّ ذلك أدعى إلى الطمأنينة.
في المدرسة العلوية
دخلت المدرسة العلوية، وأحسب أنّني كنت في الصف الثالث الابتدائي، وكنت على مستوى حسن مع طلاب الصف ما عدا شيئين اثنين هما اللغة الفرنسية والحساب. فقد كنت لم أدرس شيئاً من الفرنسية كما أنّ موهبتي في الحساب كانت في منتهى الضعف فضلاً عن معلوماتي. وقد كان عليّ أن أدرس أضعاف ما يدرسه التلاميذ في اللغة لأستطيع مجاراتهم وكان ذلك فوق الطاقة، لذلك بقيت ضعيفاً في اللغة متعباً في متابعة دراستها. أمّا الحساب فقد كانت مشكلته أعصى من أن تحل لأنّ فقدان الموهبة فيه لا يجدي معه أي درس أو تعب. ولا أزال أذكر أنّه خلال سني الدراسة الابتدائية كان يصادف درس الحساب أوّل ساعة من صباح يوم السبت. فكنت من همّ التفكير في اليوم المقبل لا أستمتع بأي استجمام في عطلة يوم الجمعة، حتّى إذا دنا أصيل الجمعة وبدأ النهار يتقلص وينقضي تراكمت عليّ متاعب التفكير في الصباح الآتي وما يحمله من درس الحساب، فلا يكاد الظلام، ظلام يوم الجمعة، يطبق حتّى أحسّ بأنّه قد أطبق على نفسي.
وقد ظللت حتّى اليوم أتضايق من جمع عددين أو طرحهما أو قسمتهما أو ضربهما ولا بد من أن أقع في الخطأ. وقد كان أكثر ما يخجلني هو أنّني إذا دفعت أكثر ممّا هو المطلوب منّي على أن يعاد إليّ الباقي ثمّ حسبت ما أعيد إليّ وجدته ناقصاً وراجعت الدافع فيعاود العد فيجده صحيحاً!… لذلك أصبحت لا أعد ما يعاد إليّ، أو ما يدفع إليّ رأساً. وقد استغل هذا الأمر فيّ نادل في أحد مطاعم بغداد حين أقمت فيها لفترة، فقد لاحظ أنّني لا أعد ما يعيده إليّ وتكرر ذلك، فإذا بي أكتشف بعد حين أنّه ينقص من حقي أشياء يحتفظ بها لنفسه!.
على أنّني إذا كنت مقصراً في الفرنسية والحساب متعباً بهما، فقد كنت متقدماً في اللغة العربية والتاريخ مستعذباً لهما مرتاحاً إليهما. وكذلك في درس الهندسة.
وقد كان يتولى إدارة المدرسة العلوية في أوّل دخولنا إليها مدير تقليدي من قدامى الرجال، وصدف أن مرض وتغيب، فوافق تغيبه حادث حدث للأستاذ أديب التقي. إذ كان مديراً لمدرسة (البحصة) الابتدائية في دمشق. وكان الشعور العام معادياً للإفرنسيين، فانفجر هذا الشعور بين تلاميذه في أحد الأيام وساعد بتصرفاته على هذا الانفجار ممّا ساء السلطات فأقالته من إدارة المدرسة الحكومية. ثمّ انتهى الأمر إلى أن عيّن مديراً للمدرسة العلوية. فكان ذلك حدثاً فريداً في حياة هذه المدرسة كما كان ذا أثر بعيد في توجيهي الدراسي والفكري. فأنا مدين لاثنين في حياتي الثقافية هما والدي ثمّ أديب التقي.
كان أديب التقي فذاً في الرجال، ذا خلق مستقيم وإدارة حازمة وفكر نيّر، وكان إلى ذلك أديباً من أقوى أدباء العرب. وإذا كنت أستطيع أن أمسك القلم اليوم وقبل اليوم فإنّ له في ذلك الفضل الكبير. لقد تولّى بنفسه تدريسنا ثلاثة دروس: الإنشاء والمحفوظات والتاريخ. فكان لنا من دروسه الثلاثة هذه خير موجّه في الأدب والوطنية والبحث. وقد وعيت بفضله ـ على صغر سنّي ـ أموراً ما كان لي أن أعيها لولا توجيهه.
لقد عرف بدرس الإنشاء كيف يثير فينا الحسّ الأدبي وكيف يسير بنا في دروب الكتابة، وكيف يقوِّم أقلامنا ويثقف أسلوبنا. وعرف بنفس الدرس وبدرس المحفوظات والتاريخ كيف يثير فينا إلى جانب هذا كلّه الحس الوطني والثورة على الانتداب والنقمة على الغاصبين.
لقد كنت متأثّراً بمظاهر الثورة العاملية التي شهدت بعض فصولها خلال الإقامة في شقرا، ثمّ ازددت تأثّرا بمظاهر الاستقلال بدمشق ثمّ بمظاهر الهزيمة بميسلون وما تلاها من انهيار الاستقلال. ولكن ذلك لم يؤلف في ذهني صورة كاملة لمعاني الوطنية والثورة على الاستعمار فلم أكن في مثل تلك السن لأتبين حقيقة ما جرى وما يجري ولكنّني في أعماقي كنت متأثّراً بكلّ ذلك. فإذا بأديب التقي يقدح في نفوسنا الشرارة الكامنة ويركز الصورة غير المتكاملة فتبدو لنا جلية واضحة!.
جاءنا في أحد دروس الإنشاء في يوم مرَّت فيه في سماء دمشق طيارات فرنسية، وكان مرور الطيارات في ذلك الحين يعتبر حدثاً مثيراً. ولم تكن العيون والأفكار قد ألفت رؤيتها، فإذا امتد الدوي المنذر بوصولها اشرأبت الأعناق إلى السماء لتتطلع بتعجب عميق إلى هذا الجرم السابح في الفضاء، الراكض في السماء!.
دخل أديب التقي علينا وطلب إلينا أن نكتب موضوعاً عنوانه (عند مشاهدتي الطيارة) ويقصد بذلك أن ندوّن شعورنا عندما نشاهد طيارة. وكان شعورنا شعور أطفال لا يبتعد عن التصوّرات الصبيانية، فلا أذكر الآن ماذا كتبنا.
وبعد أن اطّلع أديب التقي على ما كتبنا جميعاً، طلب إلينا أن نأخذ أقلامنا ونهيئ أوراقنا ثمّ أملى علينا قطعة تعتبر آية من آيات البيان ومرجلاً من مراجل الوطنية. وكم آسف أن لم يبق في ذهني منها سوى مقطعها الأخير، وكفى به دليلاً عليها، وكان المقطع الآتي… فما كان أشد خفقان قلبي أسى حين أوحت إليّ سمتها أنّها أجنبية… ليت لنا طيارات أيضاً.
هذه القطعة كانت الشرارة التي أوقدت في نفسي جذوة الوطنية، وأثارت في عقلي العزة القومية.
ولا أزال حتّى الآن أحفظ في ذاكرتي بعض ما لقّننا إياه للاستظهار فمن ذلك مختارات من قصيدة الشبيبي (دمشق وبغداد) ومطلعها:
ماذا بنا وبذي الديار يراد
فقدت دمشق وقبلها بغداد
وكلّها على هذا النسق الوطني المثير، فضلاً عن بلاغة الشعر وقوّته.
وكذلك مختارات من قصيدة شوقي في سقوط أدرنة:
يا أخت أندلس عليك سلام
هوت الخلافة عنك والإسلام
إلى غير ذلك من هذا وأشباهه الباعث على شيئين: على تذوق أرقى الشعر، وعلى التغني بالوطن.
مصر والسودان
ومن التأثّر بهذا انطلقت وأنا في الدراسة الابتدائية أمام الزعماء المصريين الفارين يومذاك من وجه الإنكليز في مصر، انطلقت بذاك الجواب الذي هزّهم هزّاً.
فإنّه على أثر اغتيال لستاك باشا القائد الإنكليزي للجيش المصري أيام رئاسة سعد زغلول للوزارة المصرية اتهم بعض زعماء الوفد وشبانه بأنّهم هم المتآمرون على القائد فقبض على من قبض عليهم وفرّ من استطاع الفرار ولجؤوا إلى دمشق.
ولا أدري الآن سبب زيارتهم للمدرسة العلوية، وربما كان ذلك ردّاً لزيارة المدير الذي يمكن أن يكون قد زارهم فردّوا له الزيارة في المدرسة، ولا أعرف الآن أسماءهم ما عدا واحد منهم هو الدكتور محجوب ثابت، وسبب حفظي لاسمه، أنّ منظره كان متميزاً فيهم بسبب لحيته الكثّة وجسمه الممتلئ!.
دخلوا علينا غرفة الدرس يصحبهم المدير ونحن في درس الجغرافيا فكان من الطبيعي أن تكون أسئلتهم في هذا الدرس. فاختار أحدهم تلميذاً وقال له: عدّ لي مدن القطر المصري فارتبك التلميذ واضطرب وظهر عليه العي. فأسرعت أرفع يدي استعداداً للإجابة فتوجّه السائل بالسؤال إليّ فانطلقت معدداً: القاهرة، الإسكندرية، الخرطوم!.
ولم أكد أذكر اسم الخرطوم حتّى صاح الدكتور محجوب بصوته الجهوري:
إيه… إيه… إيه… إيه الخرطوم، الخرطوم دي في السودان.
فبادرته قائلاً: نحن نعتبر مصر والسودان بلداً واحداً. ولأجل أن نعرف وقع هذا الجواب على الزعماء المصريين يجب أن نعرف أنّ الشعار الأوّل للكفاح المصري كان يومذاك وحدة مصر والسودان.
فأثار الزعماء المصريين أن يعيَ تلميذ صغير السن حقيقتهم الوطنية ويهتف بشعارهم القومي وهم بعيدون عن بلدهم.
ولا أزال حتّى الآن أتمثّل في ذهني دموع الدكتور محجوب ثابت وقد تحدرت على وجنتيه ولحيته.
الخطاب المرتجل
وعدا عن درسي الإنشاء والمحفوظات فقد خصّص أديب التقي بعد ظهر الاثنين من كلّ أسبوع لتعويدنا الخطابة بعد تمريننا على الكتابة، فكان بعد ظهر الاثنين ميدان للخطباء من التلاميذ يعرضون فيه مواهبهم وينمونها بتوجيه أديب التقي الذي كان يستمع مع مجموع الأساتذة والتلاميذ إلى ما يلقى على منبر المدرسة، ثمّ يعلق على ما ألقي مشيراً إلى الحسنات والسيئات لتقويم الخطباء وتثقيفهم.
وقد كان يتخذ من هذا المنبر أيضاً وسيلة لتنمية الروح الوطنية، ولا أزال أذكر أنّ أحد الخطباء من التلاميذ استعمل خلال كلامه كلمة (الشعب السوري)، فهب أديب التقي ينعي على الطالب هذا الأطلاق الاستعماري الذي فرضه الفرنسيون على البلاد بعد معركة ميسلون وما تلاها من سنين.
ولم يكن فينا من يحاول الارتجال في مثل ذلك السن، ولم نكن نجرؤ على مثل هذه الخطوة ما دمنا مستطيعين كتابة ما نريد أن نقوله.
ولكن في إحدى الرحلات المدرسية التي كانت تنظم بين الحين والحين إلى بعض القرى، دعينا إلى الغداء على أن نتناوله بعد تأدية صلاة الجمعة في مسجد البلدة. وعلمنا أنّ إمام المسجد سيرحب بنا خلال خطبة الجمعة لذلك عهد إليّ بإعداد كلمة تناسب الردّ على ترحيب الخطيب، فكتبت كلمة موجزة ووضعتها في إحدى جيوبي على ما اعتقدت، ولكن يبدو أنّني إمّا قد أخطأت فتركتها في مكان آخر أو أنّها وقعت بعد ذلك من جيبي دون أن أدري.
وفي الموعد المعين ذهبنا إلى المسجد المكتظ بالناس وصعد الخطيب المنبر وألقى خطبته مرحباً بضيوف البلدة، وبعد انتهائه مباشرة هببت إلى المنبر العالي ووقفت على ذروته، ومددت يدي لآخذ الورقة المعدّة لهذا الموقف، وكانت الأبصار كلّها شاخصة إليّ متهيئة إلى ما سيقوله هذا التلميذ الصغير.
ولكنّني لم أجد الورقة وفي لمحات مددت يدي إلى كلّ جيوبي عبثاً، فهالني أوّل الأمر الموقف. ولكنّني ملكت روعي وسيطرت على نفسي وانطلقت في كلام ارتجالي كان عماده ما لا يزال عالقاً في ذهني ممّا هو مكتوب في الورقة.
قراءات
ولا بد لي أن أشير هنا إلى أنّني كنت أتوق إلى مطالعة كلّ ما هو جديد من الكتب، فعدا الصحف اليومية التي كانت محصورة على الأغلب بجريدة المفيد، وعدا المجلات الشهرية التي كانت هي الأخرى محصورة بمجلة العرفان، فقد كنت أدّخر كلّ ما أستطيع ادّخاره من المال القليل الذي كان يصل إليّ لشراء الكتب الحديثة. فممّا قرأته في تلك السن: كتاب مذكرات جمال باشا، وما رأيت وما سمعت للزركلي، وملوك العرب للريحاني. وهذا الكتاب الأخير كان له في توجيهي النثري أعظم الأثر، وتأثّرت به إلى أبعد حدود التأثّر، إذ حبّب إليّ أدب الرحلات وعندما بدأت أجرّب كتابة هذا النوع من الأدب كان أسلوب الريحاني فيه يجذبني فأحاول احتذاءه منفعلاً بتعابيره وطريقته. إلى أن أولعت بعد ذلك بالرحلات وكتابة انطباعاتي فيها بأسلوب مستقل.
وقد كان من فضل هذا الكتاب أن حملني على تسجيل معظم رحلاتي حتّى توفّر لي من ذلك كتاب كامل نشر كلّه مقالات متفرّقة، وأرجو أن يتاح لي جمعها وطبعها معاً([1378]).
وإذا كنت قد أشرت من قبل إلى فضل أديب التقي في تثقيف قلمي ودفعي إلى الكتابة، فإنّني أودّ أن أشير هنا إلى أنّ الفضل في تحقيق ذلك كان لمجلة العرفان التي احتضنت قلمي وكان لا يزال غضاً طرياً، وشجعتني ما وسعها التشجيع. وأولى رحلاتي نشرت في العرفان، ثمّ تتابع نشرها فيها، وما كان لها أن تنشر في غيرها لأسباب منها: أنّني أنا نفسي لم أكن لأجرؤ على بعث ما أكتبه لغير العرفان، ثمّ لنوعية الرحلات، إذ كانت رحلات محدودة المكان والزمان، لا تهم غير قارئ العرفان في الغالب.
ولمّا توسّعت الرحلات وانتشرت في كلّ مكان وأصبحت شيئاً مذكوراً، ظللت وفاء للعرفان وصاحبها لا أنشرها إلاّ فيها على الأكثر.
ومن مطالعاتي المبكرة تلك الايام التي كان لها أبعد الأثر في نفسي. ووجهتني بعد ذلك إلى التوغل في دراسة التاريخ الإسلامي، هو ما كنت أطالعه في كتب والدي التي كان ينشرها في ذلك الحين وأخصّ منها كتابه «المجالس السنية» الذي كنت أقرأه حين صدوره ملزمة ملزمة، وربّما قابلت معه التجارب التي تأتيه من المطبعة (البروڤات)، فتنطبع في نفسي الأحداث ويشوقني ذلك للشغف في قراءة أمثالها. وقد بلغ الأمر في اطمئنان والدي إليّ، أن اضطر مرّة للسفرة إلى بيروت بينما كان يطبع الجزء الثاني من كتابه المجالس السنية فعهد إليّ أن أتولى ـ وأنا في تلك السن ـ تصحيح التجارب وإعادتها إلى المطبعة، فقمت بالمهمة أحسن قيام، وعاد والدي بعد أيام ورأى العمل مستمراً لم يتوقف في غيابه.
وأذكر أنّ ممّا أثّر في نفسي خلال قراءتي للمجالس، قصة مصرع حجر بن عدي، وقصة الحضين بن المنذر وما قاله فيه أمير المؤمنين من الشعر يوم صفين، إذ كانت مع الحضين راية ربيعة، وكان شاباً صغير السن، فزحف بالراية فأعجب عليّاً زحفه فقال فيه هذه الأبيات التي هي من الشعر القليل الثابت أنّه لأمير المؤمنين، والتي استظهرتها حين قراءتها:
لمن راية حمراء يخفق ظلّها
إذا قيل قدمها حضين تقدما
فيقدمها في الصف حتى يزيرها
حياض المنايا تقطر الموت والدما
تراه إذا ما كان يوم عظيمة
أبى فيه إلاّ عزّة وتكرما
جزى الله قوماً صابروا في لقائهم
لدى البأس خيراً ما أعف وأكرما
وأحزم صبراً حين يدعى إلى الوغى
إذا كان أصوات الرجال تغمغما
ربيعة أعني أنّهم أهل نجدة
وبأس إذا لاقوا خميساً عرمرما
وكذلك فقد كان لقراءتي كتاب (الإمامة والسياسة) يد في انجذابي إلى التاريخ وانفعلت كلّ الانفعال لقراءتي فيه قصة وقعة الحرة. وظللت أتابع قراءة كلّ ما تقع عليه يدي من كتب التاريخ في مكتبة والدي.
وعدا ذلك فقد شغفت بقراءة الشعر واستظهاره، وبدأت أعدّ دفاتري لتسجيل ما استحسنه من الشعر، فاستظهرت منه في تلك السن قدراً صالحاً. وإنّي لآسف أنّ كلّ تلك المجاميع التي دوّنتها قد ضاعت.
وممّا لا يزال عالقاً في ذهني من مستظهرات تلك الايام قصيدة لخير الدين الزركلي الذي كان فيمن اضطروا لهجر البلاد بعد معركة ميسلون واستقرّ في مصر، والتقى فيها بعادل أرسلان فتطارحا الشعر الوجداني الرقيق المعبّر عن شوقهما لوطنهما وحنينهما إلى بلدهما، وشعورهما بالغربة والوحشة، وتحسرهما على ما آل إليه أمر أمتهما.
الاصطياف في جبل عامل
في خلال ما مرّ من الأحداث كانت الأسرة تنتقل في أغلب الأعوام إلى جبل عامل في الصيف. وإذا كنت قد تحدّثت عن انتقالنا في إحدى المرّات من دمشق إلى جبل عامل عن طريق القنيطرة وكان هذا الانتقال في العربات حتّى القنيطرة، ثمّ على الدواب من القنيطرة إلى شقرا، فإنّني أقول هنا إنّنا صرنا في عهد انتشار السيّارات وتكاثرها، لذلك أصبحت الرحلة من دمشق إلى بيروت تتمّ في السيّارة وأحياناً في القطار. وبالرغم من بطء قطار دمشق ـ بيروت فقد كان مألوفاً في السفر إلى بيروت لأنّ السيّارات لم تبلغ من الكثرة حدّاً يلغي السفر في القطار.
أمّا بالنسبة لنا فإنّ تكاثر السيّارات قد سهّل لنا الانتقال فيها من بيروت حتّى صور. وبذلك لم يعد السفر بطريق القنيطرة ذي موضوع لأنّ المسافة منها إلى شقرا على الدواب سفر طويل. وبسلوكنا طريق بيروت ـ صور كان علينا أن نأخذ الدواب من صور حتّى شقرا.
لذلك كنّا نأخذ سيّارة تضمّ العائلة كلّها إلى بيروت أو نأخذ القطار بدل السيّارة. ثمّ نأخذ السيّارة من بيروت إلى صور. وفي صور نبيت ليلتنا.
وكان الوالد يختار منزل الشيخ عز الدين علي عز الدين. وهو رجل على جانب كبير من الشهامة والكرم والنبل. وهو سليل أسرة علمية دينية من أشهر أسر جبل عامل.
وتكون قد وصلته برقية من الوالد ليرسلها إلى شقرا لتكون الخيل جاهزة في صور. وفي الصباح نأخذ الخيل مواصلين السير في الآكام والجبال والوهاد ممضين ما لا يقل عن سبع ساعات بين صور وشقرا.
إلى جبل عامل
وفي صيف 1925 عدنا للاصطياف في جبل عامل وتركنا دمشق هذه المرّة في سيّارة مضت في طريق بيروت ثمّ انحرفت قبل الوصول إلى بيروت واصلة إلى صيدا، ولا أدري الآن من أين انحرفت السيّارة، وما هو الطريق الذي سلكته فأوصلها إلى صيدا ووفر عليها مسافة كان لا بد لها من قطعها لتصل إلى بيروت ثمّ تخرج منها إلى صيدا. ومن صيدا وصلنا إلى صور. ولم نبت هذه المرّة فيها في منزل الشيخ عز الدين بل واصلنا السير على الخيل إلى قرية طير دبا حيث مقر الشيخ حسين مغنية وهناك حللنا لنعاود السير في صباح الغد إلى شقرا.
وكان والدي والشيخ حسين مغنية ألفين متحابين وصديقين متلازمين درسا في بنت جبيل معاً في مدرسة الشيخ موسى شرارة، وسافرا إلى النجف معاً، وعاشا هناك عشر سنين معاً، وعادا من النجف معاً، فاستقر الوالد في دمشق، واستقرّ الشيخ حسين في قرية طير دبّا.
وكان الشيخ حسين إنساناً فريداً بعلمه وهديه واستقامته، وأصبح في جبل عامل علماً باذخاً، ورجل دين يمثّل أنبل ما في الدين من فضّ الخصومات والترفّع عن الدنايا والسعي في الخير وخدمة الناس.
وكنت في كلّ مرّة أراه فيها سواء في طير دبّا أو شقرا أمتلئ من رؤيته شعوراً بحبّه واحترامه، وأشعر بانعطاف روحي إليه وأستمتع بحديثه ومجلسه أقصى ما يمكن أن يستمتع من هو في مثل سنّي.
بتنا في بيت الشيخ حسين مغنية، ولم تكن هي المرة الأولى التي نبيت فيها في بيته وننزل ضيوفاً عليه. وقد كان بيته من أكرم البيوت وأنصعها، وهو ككلّ بيوت الجبل المعروفة لا بد فيه من العدد الوافر من الحشايا وما إليها من وسائل النوم ليكون على استعداد دائم لاستقبال الضيوف النازلين.
والبيوت المضيافة كانت متهيئة دائماً لمثل هذا، وكثيراً ما يتعاون الناس على تسهيل أمور بعضهم البعض في مثل هذه الحالات. فربما نزل عدد من الضيوف كان من الكثرة بحيث لا تستوعبه وسائل النوم العتيدة. وهنا يكون من المألوف أن يستعير المضيفون من خلصائهم في القرية ما يرون أنّهم بحاجة إليه من الحشايا وتوابعها.
وربّما مررت في موضع آخر بشيء من تقاليد الضيافة القروية الكريمة.
لا تتضح الآن في ذهني معالم الطريق كلّها من صور حتّى شقرا، ولا أستطيع تعداد المراحل التي كنّا نمر بها طيلة الست الساعات أو السبع التي كنّا نمضيها على ظهر الخيل في ذلك الطريق. وقد أنساني الدهر تفاصيلها على كثرة ما عبرتها.
غير أنّني أذكر أنّه كان لا بد لنا بعد الخروج من قرية طير دبّا من المرور بقرية معركة، ولا أزال أتذكر أنّه كان على جانب الطريق قرب معركة بضع شجرات من التين متفردة عن الكروم، كنّا لا نحجم عن أن نقطف ونحن عابرون بعض أثمارها اليانعة.
ثمّ أنّني أذكر من مراحل الطريق (عين الراموح) التي كنّا نجتازها غير متوقفين. ويخيل إليّ أنّنا كنّا نمرّ قريباً من عين دير كيفا. غير أنّني لا أتحقق إلاّ أنّنا كنّا ننتهي إلى وادي السامر مارّين قبله بعين الجرانيف قرب قرية خربة سلم، ثمّ بالزياتية وهي مكان لعدد من شجر الزيتون.
على أنّني أتذكر أنّنا كثيراً ما صعدنا أو هبطنا (عقبة الطبّالة) الملاصقة لخربة سلم. ولا أدري الآن هل كنّا نصعدها ذاهبين إلى صور، ونهبطها قادمين منها. أم أنّ مرورنا بها كان في سفرات أخرى؟ أرجح الرأي الأخير.
وكانوا يعللون لنا اسم (عقبة الطبالة)، أنّها كانت المكان الذي يستقبل فيه (الطبالون) بطبولهم الحكام الإقطاعيين العائدين إلى مقرهم. وبعضهم كان يقول إنّها مأخوذة من كلمة طبّل (بتشديد الباء) وذلك أنّها لشدّة ارتفاعها وصعوبة ارتقائها، كانت تحمل العاجزين على التطبيل. وفي الاصطلاحات العاملية العامية، أن يقال (طبّل فلان) بتشديد الباء، أي: أعيا وعجز عن السير.
وبعد اجتياز وادي السامر كنّا نصعد الثنية واصلين إلى بير حميد. وهناك تلوح لنا شقرا. ثمّ نهبط من بير حميد واصلين إلى الوادي المتصل بوادي نحلة، والذي هو جزء منه، فنقطع الوادي الضيق في عرضه صاعدين في العقبة الكأداء. وبمجرد دخولنا إلى الوادي نكون قد صرنا في أرض شقرا، ويتتالى صعودنا حتّى نصل إلى العين الفوقا أو (عين الفوقا) كما يطلق عليها هناك، ويكون المنتزه وعينه إلى يسارنا، ثمّ نكون بين كروم التين ماشين إلى المنازل.
وهذه البقعة من (عين الفوقا) والمنتزه إلى كروم التين ما قبل حريبة وبعد حريبة إلى ما يليها وينحدر عنها ويتفرّع منها، تتصل بالنفس بأعذب الذكريات وأحلاها، ممّا سيطول الحديث عنه في الآتي من القول في الذكريات العاملية.
على أنّه لا بد هنا من كلمة في وادي السامر الذي مرّ ذكره. ويلفظونه هناك بفتح الميم. وأحسب أن أصل الكلمة بدون ألف بعد السين، فيكون: (وادي السمر).
وهذا الوادي يقع بين عدّة قرى بين أهلها تواصل وتواد، فربما كان ملتقى للكثيرين منهم في ليالي الصيف والربيع حيث يسمرون فيه، فأطلقوا عليه اسم (السمر).
وهو وادٍ يكاد يربط بين (شقرا) و(الصوانة)، ولا يفصله عن الصوانة إلاّ (خلة الدالية) حيث ينتهي الوادي قبلها في خلة السيدة وزيتونات الزياتية، ثمّ يصل السائر منها إلى (خلة الدالية) فيصعدها واصلاً إلى الصوانة.
أمّا من ناحية شقرا فينتهي الوادي قبيل (بير حميد)، حيث يصعد الصاعد منه في الثنية إلى بير حميد، ثمّ يهبط إلى الوادي الموصل بأرض شقرا.
فهو إذن الطريق المستقيم الواصل بين القريتين، ولا يوجد بينهما طريق يحمل اسماً مستقلاً يدانيه بالطول وبُعد المسافة، بل أنّ الأسماء الأخرى تشغل جزءاً لا يذكر أمام حيزه. وبذلك كثر ترديده في شقرا وفي الصوانة على السواء. لما يربط بين أهل القريتين من روابط القربى في أسرة من الأسر التي تتوزّع بين القريتين، وهي الأسرة التي ينتمي إليها صاحب هذه الكلمات.
لله تلك العهود التي كان لا يمضي يوم فيها إلاّ واسم وادي السامر مذكور فيه، ولله تلك الرحلات الجميلة بين القريتين أيام الربيع والصيف!. ولله تلك الساعات التي يُقال فيها في شقرا: (سيّاد الصوانة) هنا فتنعقد الحلقات وتعلو الضحكات وتطول الأحاديث!.
بل ربما كان مجيئُهم ومجيء غيرهم من أفراد الأسرة من عيترون ومجدل سلم مبعثاً لكثير من الشعر الطريف الذي يمثّل الحياة العاملية بكلّ ما فيها من ترف وشظف وجد ولعب!.
وقد ضاع كلّ ذاك الشعر فيما ضاع من التراث العاملي لأنّ أحداً لم يعن بتدوينه وإنّما تلي بوقته، وسجّل في وريقات، ثمّ ضاع!.
وأذكر من هذا أبياتاً من قصيدة قيلت في بعض من قدموا من عيترون والصوانة، راكبين على خيل ربطوها، ثمّ غابوا فلم يعودوا على العشاء عند مضيفهم الذي كان ينتظرهم، فقال فيهم قصيدة لا أزال أحفظ منها هذه الأبيات:
خذوا القواديش لا تبقوا القواديشا
ولا تخلوا لنا الجرد (المفاليشا)
وفيها يقول:
لو أنّ (سلعا وباريشا) لنا بلد
عفنا لأجلكم سلعا وباريشا)
ولو فعلتم كهذا الفعل في بلد
ألقوا عليكم (برابيشا برابيشا)
والذي يعرف المصطلحات العاملية ويعرف ما تعنيه كلمة (المفاليش) و(البرابيش) يدري ما في هذا الشعر من طرافة!.
وسلعا وباريش قريتان في جبل عامل.
شقرا
ووصلنا إلى شقرا على أمل العودة إلى دمشق في نهاية الصيف دون أن ندري ما كان يخبئه القدر للبلاد كلّها، ودون أن نعلم أنّ مجيئنا هذه المرّة يختلف في مصيره عن كلّ مرّة.
البقاء في شقرا
كان استمرار الثورة السورية سنتين واستمرار وقوع المعارك في قلب دمشق سبباً لاستمرار والدي والعائلة في الإقامة في شقرا، وبعد أن مضى ما يقرب من سنة على قيام الثورة، وبدا أنّها ستطول إلى مدى لا يعمله إلا الله، لم يصبر والدي على البُعد عن مكتبته، وهو الذي اعتاد الجلوس إليها ليلاً نهاراً، لا سيّما وقد كانت لديه مخططات لتدوين بعض مؤلفاته، وأهمها في ذلك الحين كتابه (كشف الارتياب)، لذلك أرسل إلى دمشق يطلب أن يرسلوا إليه إلى شقرا مكتبته كلّها، فشحنت المكتبة من دمشق إلى بيروت بالقطار، ومن بيروت إلى صور بالسيّارة، ومن صور إلى شقرا على ظهور الجمال.
وكان وصول المكتبة إلى شقرا باعثاً على استقرار الوالد فيها، فانتهت الثورة خلال سنتين، فلم يفكّر بالعودة إلى دمشق، فما دامت كتبه عنده، وما دام مطمئناً إلى سير مشاريعه في دمشق سيراً مطرداً بما كان قد أعدّ لها من جمعيات تشرف عليها، فلم يكن له باعث قوي على ترك شقرا.
الوظيفة الأولى
وهكذا توالت علينا الأيام في شقرا، واستفادتي الثقافية الوحيدة فيها هي ما كنت أتلقاه على والدي من دروس اللغة العربية، ودروس الفقه الإسلامي، وكان المستقبل أمامي مجهولاً، بل قاتماً، إذ لم يكن لديّ ما أتجهز به لهذا المستقبل، وكنت أتوق لترك شقرا بأي وسيلة، ولم تكن لي أيّة وسيلة.
وإذا بي أتلقى دون سابق طلب أو رغبة قراراً بتعييني مساعداً قضائياً لمحكمة النبطية الشرعية، وذلك أنّ أحد النافذين كان قد زارنا في شقرا وعرف تضجري من الإقامة فيها على ذلك الشكل، فاستصدر مرسوماً بتعييني في تلك الوظيفة، ففوجئت بذلك، ولم تكن هذه الوظيفة لتحقق شيئاً ممّا أبتغيه في الحياة، بل كانت تبدو وكأنّها قد حدّدت مصيري بما لا يمكن أن أرتضيه لقابل أيامي.
وقد كانت لي مطامح ثقافية بعيدة فإنّ طول جلوسي إلى جانب والدي سواء في مكتبته، ورؤيته عاكفاً ليلاً نهاراً على القلم والورق والكتاب، وانتشار كتبه في أنحاء العالم الإسلامي، كلّ ذلك ركّز في نفسي الطموح الثقافي وحده، وكان أكثر ما يستهويني الاطلاع على التاريخ، وأسس هذا الاستهواء في نفسي شيئان: قراءة ما قرأته في مكتبة والدي، ثمّ الدروس التي كان يلقيها علينا أستاذ التاريخ في الدراسة الابتدائية في المدرسة العلوية (أديب التقي) فقد كان إلى جانب إدارته للمدرسة يتولى فيها درس التاريخ ودرس الإنشاء ـ كما تقدّم ـ وكان هو نفسه مؤلفاً في التاريخ المدرسي، مشبعاً بالحسّ التاريخي العميق، بارعاً في إلقائه وترسيخه في الذهن، فكان لهذين العاملين الأثر الكبير في ميولي التاريخية.
وعندما انتميت بعد ذلك إلى الجامعة السورية، لم يكن لي بد من الانتماء إلى معهد الحقوق، لأنّه كان هو وحده الموجود ـ عدا معهد الطب والصيدلة ـ ولم يكن في الجامعة معهد للآداب والتاريخ، ولو كان ذلك موجوداً لانتميت حتماً إلى معهد التاريخ ولما درست الحقوق.
التردّد في قبول الوظيفة ثمّ القبول
عندما فوجئت بقرار تعييني مساعداً قضائياً لمحكمة النبطية الشرعية، صمّمت لأوّل وهلة على الرفض تصوّراً منّي أنّ هذه الوظيفة قد حدّدت مصيري غير المرضي منّي، ثمّ لم ألبث أن تأرجحت بين القبول والرفض، ذاك أنّ مجرد تصوّر الخروج من شقرا ومن حياة الضجر والقلق التي أعيشها فيها كان كافياً لرجوعي عن الرفض وميلي إلى القبول. ثمّ عاد التردّد استقراراً على القبول، مقتنعاً أنّ هذه الوظيفة لن تسد أمامي باب المستقبل، بل يمكن أن أجعل منها مفتاح ذلك المستقبل، وهذا ما كان.
ومن هنا أستطيع أن أقول إنّ تلك الوظيفة الصغيرة ذات الراتب القليل القليل، وذات المركز الاجتماعي الهزيل، والتي كنت أخجل بها أمام المعارف والأصحاب فأتوارى منهم. إنّ تلك الوظيفة هي التي أوصلتني إلى ما وصلت إليه، وهي التي حققت لي المطمح الثقافي الكبير في إصدار (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية) و(الموسوعة الإسلامية)، والتحقيقات التاريخية التي شفيت بها الغليل من مزوّري التاريخ والعابثين به.
فلو لم أخرج تلك السنة من شقرا، ثمّ أسعى لمتابعة الدراسة الثانوية، ثمّ أؤدّي امتحان الجامعة وأدخلها ـ كما سيأتي ـ، لما علم غير الله أي مصير سيّئ كان يمكن أن أصير إليه. ففي السنة التالية لدخول الجامعة ألغي امتحان الجامعة، وصار على كلّ طالب لدخولها أن يحمل شهادة القسم الثاني من البكالوريا، وهو ما كان من المستحيل أن أحققه.
في النبطية
كان قاضي المحكمة الشيخ محمد رضا الزين، وهو إنسان دمث الأخلاق طيّب الذات لطيف المعشر، وكان لنا من قبل صديقاً وفيّاً مخلصاً، فلم يكن من صعوبة في العمل معه، وكان الراتب خمساً وعشرين ليرة ورقية؛ وهو راتب زهيد لا يسدّ حتّى الحاجات الضرورية، لذلك كان عليَّ أن أتكيّف مع هذا الراتب، مصمّماً على عدم الاستمرار في عملي إلاّ بمقدار ما أجد سبيلاً للانطلاق في الميدان الذي أرغب فيه، وكان هذا الميدان محصوراً في متابعة الدراسة الثانوية للالتحاق بالجامعة. ولم يكن ذلك بالأمر السهل، بل كان يبدو أنّ دونه خرط القتاد ـ كما يقول الأقدمون ـ إذ كان قد مضى على إنهاء دراستي الابتدائية سنوات انقطعت فيها عن متابعة الدراسة، ولو أنّني واصلتها لكنت الآن في نهاية الدراسة الثانوية، فكيف لي أن أستدرك ما فاتني، وهل من المعقول في هذه السن أن أبدأ الدراسة الثانوية في الصفوف مع الصغار!.
ثمّ إنّ هناك مشكلة كبرى كانت تبدو مستحيلة الحل، هي ذات شقّين: الأوّل هو الأخطر، أنّ اللغة الفرنسية صارت أساساً في نيل شهادة الدراسة الثانوية (البكالوريا)، وليست اللغة وحدها هي المفروضة بل أدبها أيضاً. وكانت كلّ معرفتي باللغة الفرنسية، والقليل الذي تلقيناه في الدراسة الابتدائية، فكيف أنجح في نيل الشهادة الثانوية وأنا على هذا الجهل باللغة الفرنسية، وكيف يتسنى لي دراسة اللغة وآدابها في فترة وجيزة، وهب أنّ مدرسة قبلتني فهل من المعقول أن أستطيع متابعة الدراسة والنجاح في النهاية؟
والشقّ الثاني هو شق طريف كلّ الطرافة، وهو أنّني لست ذا ذهن رياضي بحيث إنّه كان يشقّ عليَّ جمع عددين أو ضربهما أو طرحهما، فإذا كان من الممكن مثلاً أن أجدّ في دراسة الدروس الأخرى، وهو ما كنت مستعداً له كلّ الاستعداد، وأن أنال فيها أعلى الدرجات، فلم يكن ذلك ممكناً في دراسة الحساب والجبر، لأنّ هذين الدرسين لا يجدي فيهما الجد، ولا يفيد الانكباب ليلاً نهاراً على مطالعتهما، لأنّهما شيء لا يخضع للمطالعة والمتابعة، بل للقابلية والموهبة، وقابليتي وموهبتي فيهما عدم في عدم!…
ولكن لا بد من تحصيل الشهادة الثانوية ودخول الجامعة!… فلنعلق الآمال على المجهول ولنتكّل على الله لعلّه يجد لنا مخرجاً.
والواقع أنّ كلّ شيء كان ينفي وجود هذا المخرج، وأنّ التفكير فيه كان ضرباً من الأحلام التي لا يمكن أن يعتمد عليها الواقعيون العمليون!.
ومضت الأيام في المحكمة الشرعية رتيبة، وكان العمل فيها قليلاً. والدعاوى لا تشغل إلاّ حيّزاً ضيّقاً من الوقت، وكنت أعمل أنا لا على أساس الاستمرار، بل على أساس أنّها أيام معدودة لا بد من تمضيتها قبل الوصول إلى الطريق المنشود.
لذلك كان غريباً كلّ الغرابة عند الناس أن ينصرف موظف في حكومة تخضع للانتداب الفرنسي، أن ينصرف إلى أعمال تتعارض مع هذا الانتداب وتقاومه، فقد استطعنا تكتيل فريق من تلاميذ البلدة الذين كانوا يواصلون دراساتهم الثانوية في بيروت، وكانوا كلّهم تلاميذ مدرسة واحدة هي (الكلية الإسلامية)، وكانوا يحضرون أيام العطل إلى النبطية، فألتقي بهم وننظّم سهرات ولقاءات كان الحديث فيها لا يتعدّى الحديث الوطني الحماسي، ولم يلبث الصيف أن جاء وانقطعوا عن الذهاب إلى بيروت، وعادت اللقاءات يومية، وعاد الحديث الوطني أكثر تشعباً وتواصلاً، وقد كنّا نخرج إلى ظاهر النبطية، فننشد الأناشيد الحماسية الثورية التي توري الهمم وتحفز العزائم. ثمّ رفعنا علم الاستقلال العربي السوري المربع الألوان ذا النجمة البيضاء وسط لونه الأحمر، وهو العلم الذي كان من قبل علم الثورة العربية، ثمّ أضيف إليه عند إعلان استقلال سوريا بملكية الملك فيصل بن الحسين، نجمة سباعية، ثمّ طوي بعد قضاء الفرنسيين على الاستقلال السوري واحتلالهم البلاد، وأصبح رفعه جريمة من الجرائم السياسية الكبرى.
اقترحت أن نرفع هذا العلم في اجتماعاتنا لا سيما في ظاهر البلد، فجمع أحد الرفاق ألوانه وشدّه إلى رمح خشبي طويل، وأحضره إلينا ملفوفاً على رمحه، فاحتفلنا بنشره احتفالاً حماسياً صاخباً، وكان قد كثر عددنا، ولم يبق محصوراً في التلاميذ وحدهم،، بل انضمّ إلينا بعض الفتيان واليافعين وشاركونا في اجتماعاتنا وساهموا في لقاءاتنا.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أمر هام، وهو أنّ جميع رفاقنا التلاميذ كانوا تلاميذ مدرسة وطنية واحدة، فكانوا متألّفين لا تفرق بينهم المناهج المدرسية المختلفة التوجيه، وكان من أبناء البلدة تلميذ واحد يتلقى دراسته في الجامعة الأميركية، ولما حاولنا ضمّه إلى صفّنا لم يستجب إلى ذلك، وبقي وحده منفرداً بعيداً عن مجموعة تلاميذ بلدته، فأدركت عند ذلك سبب تشعّب الاتجاهات والميول في لبنان، فإنّ انقسام المدارس بين توجيه فرنسي أو إنكليزي أو أميركي، وبين يسوعي وعلماني وإسلامي وكاثوليكي وبروتستنتي كان يقسم التلاميذ ويسير بهم في اتجاهات متباينة متعارضة، في حين أنّ بلاد الدنيا كلّها تسيطر الدولة بها على التعليم في منهج واحد وتوجيه واحد، فيتخرّج الرجال وطنيين أو ذوي ميول واحدة، وإذا اختلفوا فإنّما يختلفون في كيفية تنفيذ تلك الميول.
الجهر بعد الإخفات
ظلّت اجتماعاتنا ولقاءاتنا في أوائل الصيف محصورة فينا، ثمّ رأينا بعد أن أصبحنا كتلة ذات عدد لا بأس به، أن نجهر بين الناس بما لا زلنا نخفت به بينهم، ولا نجهر بها إلاّ بيننا، وفكرنا في إيجاد المناسبة، فإذا بها تأتينا على رجليها، فقد كان بيننا وبين ذكرى المولد النبوي بضعة أيام فرأينا أن نعلن الاحتفال بمرور هذ الذكرى احتفالاً جماهيرياً شاملاً، فنظمنا أنفسنا في ليلة المولد وحشدنا فيها كلّ من نستطيع حشده من الرفاق ومن غيرهم فكنّا جمهوراً لا بأس به، وبدأنا مسيرتنا في الليل فانضمّ إلينا الفضوليون ومن راقتهم هذه المسيرة، فإذا بنا جمعاً كثيفاً يخترق شارع النبطية العام من أوّل البلدة هازجاً منشداً متحمساً، وكنّا كلمّا تقدّمنا في السير ازداد عددنا حتّى اخترقنا البلدة وانتهى بنا المسير إلى الطرف الآخر من البلدة، ثمّ عدنا راجعين إلى الساحة العامّة حيث تفرّقنا متواعدين على اللقاء عصر الغد في الحسينية في حفلة خطابية تمجّد هذه الذكرى المجيدة، وكنّا قبل ذلك قد وزّعنا الدعوات لحضور هذه الحفلة على الناس.
وقد فكّرنا أوّل الأمر بأن نرفع أمام مسيرتنا علم الاستقلال العربي السوري، ثمّ عدلنا عن هذه الفكرة لأنّها ستلفت الأنظار إلى غاياتنا، وتنبّه عملاء الانتداب الفرنسي إلى أهدافنا، وقرّرنا أن نؤخّر رفعه إلى مناسبة أخرى.
وفي عصر الثاني احتشد الناس في الحسينية حتّى غصّت بهم على رحبها، ودعونا إلى الخطابة في الحفلة الشيخ أحمد رضا، وتكلم بعض الشبان، وختمت أنا الحفلة بخطاب حماسي عنيف، فكانت المسيرة الليلية والحفلة النهارية شيئاً جديداً على البلدة لم تألفه في مرور ذكرى المولد النبوي. وكان من أغرب ما رآه الناس أنّ موظفاً حكومياً يقف هذا الموقف، ولا يخشى على وظيفته غير عالمين أنّ هذا الموظّف يعدّ الايام لينهي حياة الوظيفة وينطلق في طريقه الجديد الذي لم تتضح له معالمه بعد.
ثمّ رأينا أن قد آن لنا أن نرفع علم الاستقلال رفعاً علنياً، فقد عرفنا أنّ رياض الصلح كان يزور قرية له من قرى النبطية هي قرية الشرقية، وأنّه سيمر عائداً في النبطية، وكان رياض ممّن يعملون يومذاك في الحقل الوطني، فقرّرنا أن نشعره بوجودنا، فخرجنا في أربع سيّارات رافعين العلم الاستقلالي على ساريته العالية، وانتظرنا رياض في ظاهر النبطية، فلمّا وصل إلينا أوقفنا سيّاراته فنزل منها وكان يرافقه محمد جابر وهو من المختصين به من رجالات النبطية، فخطبت أمامه خطاباً وطنياً حماسياً، ثمّ شيعناه بسيّاراتنا رافعين في السيّارة الأولى علم الاستقلال يخفق أمام عيون القرويين الذاهبين والآيبين والمقيمين حتّى قرية حبّوش. ومنها عدنا ومعنا محمد جابر الذي لم يخف عنّا ذعر رياض من رفع علم الاستقلال، وقال إنّ رياض قال له: إنّ رفع العلم مخاطرة، فاخترقنا بسيّاراتنا شارع النبطية العام منشدين الأناشيد الحماسية والعلم في المقدمة يتمازج عالياً شامخاً، والناس تتجمّع على جوانب الشارع لترى ما هذا الذي يحدث.
لم يمر هذا الحادث مروراً سهلاً، بل كان له ما بعده، فقد كان وقوفنا في ظاهر النبطية على مفترق طريق يؤدّي إلى بلدة نافذ قوي، وكان وقوفنا لا يبعد كثيراً عن قرية النافذ الذي كان ككل النافذين في ذلك الوقت يستند نفوذه على صداقته للسلطة ومماشاته لها، وكان يعتبر أكبر النافذين وأقربهم إلى السلطة وأوسعهم اتصالاً بالناس، وكان على عداوة شخصية متأصلة لرياض الصلح ترجع إلى أيام الحرب العالمية الأولى، فرأى في فعلتنا تحدياً عارماً له، أوّلاً لشدّة عداوته لرياض، ثمّ لما في فعلتنا من استهتار بالسلطة ومجاهرة في عدائها، وهو ما كان ضامناً عكسه، فكنّا فيما فعلنا دالّين على تقلّص تأثيره في الناس، إنّ تقريب السلطة له ولأمثاله ليس معناه السيطرة على الشعب والتكفل بعدم رفع صوته في وجه السلطة.
فقام النافذ ولم يقعد وهاج وماج وتهدّد وتوعّد، وأرسل إليَّ أنّه يعتبرني مسؤولاً عمّا حصل، وأنّ أقل ما سينالني هو الاقتلاع من الوظيفة، وأنّ تحقيقاً سيجري مع المشاركين، وأنّ الاعتقال والسجن سيكون جزاءهم الأكيد.
ولكنّه لم يستطع أن يفعل شيئاً فقد جاءه من ينصحه بأنّ النبطية تعتبر من معاقله، وأنّ جمهورها من أنصاره وفيهم من هم من خلص أصدقائه وأعوانه، وأنّه ليس بين هؤلاء أحد إلاّ وله ابن أو أخ قد اشترك في مظاهرة التحدّي هذه، وأنّه إنّما سيؤذي جماعته إن حرّض السلطة على أولادهم وإخوتهم، وبذلك سينقلبون عليه ويؤذي نفسه. أمّا فيما يتعلق بي فقد أخبروه بأنّ إقالتي ستثير عليه من تضرّه إثارتهم ـ ولم يكن يعلم أنّي أنا نفسي سأقيل نفسي بعد أسابيع ـ لذلك اضطر إلى السكوت على مضض وكظم غيظه ونقمته، وكلّ ما فعله أنّه أنَّب المنتمين إليه على ما فعله أبناؤهم وإخوتهم تأنيباً عنيفاً.
بصيص من النور
أخذت شهور الصيف تمضي وأيامه تتقلص، وبدأ العام الدراسي يدنو وأنا لم أهتد بعد إلى الطريق الذي يمكن معه الحصول على شهادة الدراسة الثانوية (البكالوريا)، وكان شبح اللغة الفرنسية والجبر يتراءى لي رهيباً حائلاً بيني وبين سلوك أي طريق، فقرّرت الذهاب إلى دمشق، لتلمس ما يمكن أن يزحزح اليأس الذي يكاد يسيطر عليّ، فإذا بي أكتشف بصيصاً من النور ما لبث أن أصبح شعاعاً مضيئاً ينير بعض جوانب الطريق.
ذلك أنّي عرفت أنّ الجامعة السورية لا تشترط في غير السوريين الذين يريدون الانتماء إليها أن يكونوا حائزين على شهادة القسم الثاني من (البكالوريا) الحكومية، بل يكفي أن يكون طالب الدخول حاملاً شهادة إنهاء الدراسة الثانوية من أي مدرسة ثانوية، وأنّه في حال حصوله على هذه الشهادة يمكنه الاشتراك في امتحان عام تجريه الجامعة لحاملي هذه الشهادة، وهو امتحان لا يختلف في مواده عن مواد القسم الثاني من (البكالوريا) الحكومية إلاّ في اللغة الفرنسية حيث تخلو مواد هذا الامتحان من مادة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية، ومن الفرنسية إلى العربية. وأنّ مدرسة أهلية في دمشق قد خصّصت صفّاً من صفوفها الثانوية أسمته (صف الجامعة) يقصده غير حاملي الجنسية السورية، وحاملو الجنسية السورية من الحائزين على شهادة القسم الأوّل من (البكالوريا) الحكومية، إذ أنّ الجامعة تعاملهم معاملة غير الحاملين للجنسية السورية فتقبل اشتراكهم في امتحانها دون حصولهم على القسم الثاني من (البكالوريا) الحكومية.
وهكذا كثر المنتمون إلى (صف الجامعة)، وكان معتبراً أبناء المنطقة التي أسموها منطقة (العلويين) من غير حاملي الجنسية السورية، إذ كانت لهم حكومة مستقلة عن الحكومة السورية حكمها حكم (لبنان). ومن هنا احتشد عدد غفير من التلاميذ في هذا الصف كان فيهم عراقيون أيضاً.
ومن حسنات هذا (الصف) أنّه يقبل كلّ طالبِ انتماءٍ إليه، دون أن يثبت أنّه قد تدرّج في دراسته الثانوية من صف إلى صف حتّى وصل إلى الصف النهائي، فكلّ طالب انتماء يُقبل، وهو في النهاية مسؤول عن نفسه في الامتحان الذي تقيمه هذه المدرسة في نهاية العام الدراسي، والذي تمنح الناجحين فيه شهادة إنهاء الدراسة الثانوية.
وقد أغرى هذا التصرّف غير الأكفاء، ولكن هؤلاء بدؤوا يتسللون منذ الأسابيع الأولى الواحد بعد الآخر، متخلين عن الدراسة، مقتنعين أنّ الأمر ليس بالسهولة التي تخيلوها.
وقد كان عمل المدرسة عملاً تجارياً بحتاً تقصد به اجتناء الربح فقط حيث كان يحتشد في قسمها الداخلي العدد الكثير من التلاميذ الذي يعودون عليها بأموال أي أموال. ولكن هذا القصد التجاري قد أفاد الكثيرين من الأكفاء الذين لم تقدر لهم الدراسة الثانوية المنتظمة، فأمكنهم اختصارها بالانتماء إلى هذا الصف الذي كانت مواده في الحقيقة تشمل مواد الدراسة الثانوية في جميع مراحلها.
لقد كان هذا الحل بصيصاً من النور ـ كما قلت ـ فإذا أمكن الانتماء إلى (صف الجامعة) ومتابعة الدراسة فيه، فكيف تحل عقدة اللغة الفرنسية وعقدة (الجبر)؟ صحيح أنّ المطلوب فيه من اللغة الفرنسية هو أخف بكثير من المطلوب في امتحان (البكالوريا) الحكومية، ولكن الصحيح أيضاً أنّ هذا الأخف هو الأثقل على من لا يعرف من اللغة الفرنسية إلاّ القليل القليل، بل أقل من القليل، ويكفي أن يكون فيه أداء امتحان في الأدب الفرنسي وتاريخه. ولكنّني اتَّكلت على الله وانتميت إلى (صف الجامعة) تاركاً للأقدار أن تجد الحلول للعقدتين اللتين تبدوان وكأن لا حل لهما.
دراسة ثانوية
وكان من المصادفات الحسنة أن فوجئنا بأنّ أستاذ اللغة العربية وآدابها هو الشاعر خليل مردم، وكنت أعرف عن شعره الشيء الكثير، ولما التقيته في الصف وتابعت الحديث وجدته على صفاء النفس فضلاً عن الكفاءة، ممّا يجعله من أقرب الناس إلى القلب وأحبهم إلى طالب العلم، ولقد أفادنا في الدروس القليلة التي حضرناها عليه، ما لو استمرّ لكانت فائدته كبيرة.
ولكنّه تخلّى عن تدريسنا بعد أقل من شهر من ابتدائه به، وذلك أنّ عددنا كان كبيراً جداً، مضافاً إلينا طلاب القسم الثاني من البكالوريا، الذين كانوا يتابعون نفس الدرس، وكان يفرض علينا كتابة مواضيع لا بد له من قراءتها وتصحيحها، وكان ذلك فوق طاقته، وفوق طاقة أي أستاذ لكثرة عدد التلاميذ، لذلك اعتذر عن تدريس هذه المجموعة الكثيرة الأفراد، غير المتجانسة والمختلفة الكفاءات. واقتصر على تدريس تلاميذ صف القسم الثاني من البكالوريا. وبذلك حرمنا من متابعة دروس خليل مردم فحرمنا من فوائد كثيرة.
ولقد نلت من تشجيعه في تلك الفترة القليلة ما أذكره دائماً، ذلك أنّه في أوّل درس (إنشاء) طلب إلينا أن نكتب عن حياتنا الأدبية وتفكيرنا فيها وميولنا، فكتبت فيمن كتب، فجاء في الدرس الثاني وسأل من منكم حسن الأمين؟ فوقفت وإذا ما كتبته في يده، فقال: إنّ هذا أحسن ما كُتب في هذا الموضوع وإنّني أهنئك عليه…
والواقع أنّني لم أغترر بهذا الكلام ولم أزه به، فليس معنى أن ما كتبت كان أحسن ممّا كتب التلاميذ، إنّه شيء جيد، بل ربما كان أقل رداءة ممّا كتبه الآخرون…
وأذكر أنّ ما كتبته كان مطولاً بلغ عدّة صفحات، وإنّي ختمته بالإعراب عن سروري بأن يكون أستاذ الأدب العربي عندنا هو شاعر الشام وأديب الفيحاء «الخليل» ثمّ تمثّلت بقول الشاعر:
كانت مسامرة الركبان تخبرنا
عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر
حتّى التقينا فلا والله ما سمعت
أذني بأحسن ممّا قد رأى بصري
وفي الحقيقة ليس هذا الثناء عليه هو الذي حمله على مقابلة الثناء بالثناء، ولا أنا كنت متملقاً له فيما كتبت، فقد كان ما كتبته معبراً معتمداً على نفسي في دراسة الأدب العربي.
يواصل السيد سرد ذكرياته:
في الدراسة الثانوية
وأخذ العام الدراسي يتوالى يوماً بعد يوم، وأخذ يوم الحسم يدنو شيئاً فشيئاً، ومن طرائف الدراسة أنّ مدرِّس التاريخ كان عجوزاً من بقايا ضباط الجيش العثماني المتقاعدين، ونشأ نشأة تعليمية بعيدة عن جو اللغة العربية، فهو بالرغم من أنّه دمشقي عريق كان يتعثّر في النطق خلال الدرس باللغة الفصحى فيأتي بجمل تدعو إلى الضحك، فكان من تعابيره مثلاً ما قاله أحد الملوك الفرنسيين، فقد أورده المدرّس بهذا اللفظ. إنّ تلك التاج يؤلمني!.
ومن طرائف ما جرى لنا معه أنّه كان يطلب منّا في كلّ درس أن نكون مستعدين للإجابة في الدرس المقبل، ومن الأكيد أنّنا لم نكن كلّنا مستعدين للإجابة، فكان متروكاً للتلميذ الذي ينادي المدرّس اسمه من ورقة أمامه كانت تحتوي أسماء التلاميذ جميعاً، كان متروكاً للتلميذ إذا كان غير مستعد للجواب، أن يرد على النداء بكلمة : (غير موجود)، فكان المدرّس يضع إشارة أمام اسمه ليعلم غيابه.
وصدف يوماً أنّ معظمنا، بل ربما كنّا كلّنا غير مستعدين للجواب، وكان الصف غاصّاً بالتلاميذ، فكان كلّما نودي على اسم يجيب التلميذ بنفسه: غير موجود… إلى أن امتلأت الورقة بأسماء التلاميذ الغائبين، بينما كان الصف ممتلئاً بهم!…
دخول الجامعة
وأقبل يوم امتحان (الجامعة) وجرى لي فيه في درسي الجبر واللغة الفرنسية ما قصصته على القارئ من قبل، وانتهى الأمر بالنجاح ودخلت الجامعة، وتحقق الأمل الذي كنت أظنّه غير ممكن التحقيقّ ولم أشعر ببهجة تشبه البهجة التي عرفتها يوم إعلان النتيجة، وإن كانت أيام البهجات أقل من القليل!.
ويعاود سرد الذكريات:
يوم الانتخاب في دمشق
مضت دراسة الحقوق مضياً رتيباً، وتآلفنا هناك بضعة طلاب لا يزيد عددنا على العشرة، متخذين لنا منهجاً فيه أن نلتقي في المنازل لقاءات أسبوعية لا تخلو من التسلية البريئة، وأهم ما فيها تنظيم الكفاح الوطني ومقاومة الإفرنسيين، فإذا ألمّ بالبلاد حادث كان علينا أن نحزم أمرنا ونقود فيه جبهة فاعلة تقرّر وتقتحم.
وممّا يذكر ممّا كانت مشاركتنا فيه فعّالة، هو يوم قرّر المفوض الفرنسي (بونسو) إجراء انتخابات عامّة في سوريا في 20 كانون الأوّل سنة 1931 تمهيداً لتصفية القضية الوطنية بتزوير الانتخابات وإخراج مجلس نيابي مطواع يقرّ معاهدة معدّة لا تختلف عن الانتداب إلاّ بالاسم، وهي المعاهدة التي عرفت يومذاك باسم (معاهدة الشعباني) نسبة لوزير الداخلية شاكر نعمت الشعباني الذي تبنّاها وتعهّد تصديقها من المجلس.
وجاء يوم الانتخاب وأعدّ الفرنسيون عدّتهم للتزوير في سوريا كلّها، وأعدّ الطلاب عدّتهم للمعركة. وقضينا ليلة يوم الانتخاب نجول من حي إلى حي نشحذ الهمم ونستفز النفوس، وفي الصباح كنّا نتوزّع في الأحياء حول مراكز الاقتراع، وقد كان كلّ شيء مهيّأً للمعركة، ولا تحتاج النار العتيدة إلاّ إلى عود من الكبريت لتضطرم اضطرامها المروع. وقد كان، فبدأ([1379]) الهجوم على المراكز وأخذ الرصاص يدوّي من بنادق الجنود حماة المراكز، وانطلقت الجموع في شوارع دمشق مهدّدة متوعدة وبدأ الصدام…
ورحلة جديدة:
في العراق
العام 1938 كان الشيخ محمد رضا الشبيبي وزيراً للمعارف العراقية في وزارة جميل المدفعي التي ألفها بعد اغتيال بكر صدقي وسقوط وزارة حكمت سليمان. وقد كان وجود الشبيبي في وزارة المعارف عاملاً في انتقالي إلى العراق للتدريس في معاهده. وكان لا بد من هذه الخطوة. فأنا عندما دخلت معهد الحقوق في الجامعة السورية لم يكن في ذهني العمل في المحاماة بعد التخرّج لعدّة عوامل منها: أنّ المحاماة يقتضي التفرغ لها تفرّغاً كاملاً ممّا كان سيشغل كلّ أوقاتي فيصرفني عن تنفيذ ما كنت أشغل به ذهني من البحث التاريخي بعد أن استهواني هذا البحث كلّ الاستهواء. ومنها أنّ التفوّق في المحاماة في لبنان كان لا يمكن لمن لا يجيد اللغة الفرنسية، فإنّ كثيراً من الأحداث كان أمر الفصل بها يعود إلى ما سمّي بالمحاكم المختلطة، وهي المحاكم التي تتألف من قضاة فرنسيين ولبنانيين ويرأسها الفرنسيون ومنها محكمة التمييز، والمرافعات في هذه المحاكم باللغة الفرنسية التي كانت معتبرة لغة رسمية في جميع دوائر الحكومة حتّى في مجلس النواب. ومعنى ذلك أنّ المحامي الذي لا يجيد اللغة الفرنسية لن يكون في الصفوف الأولى من المحامين، وأنّ ذلك محصور بخرّيجي معهد الحقوق في الجامعة اليسوعية في بيروت، ولم يكن بإمكاني التسليم بالقيام بعمل لا يكون باب التفوق فيه مفتوحاً أمامي.
ومنها أنّ طبعي بعيد عن الانغماس في مشاكل الناس وخلافاتهم والانشغال بخصوماتهم، وهي خصومات يبعثها التكالب المادي، وأنّه إنّ صحّ أنّ المحامي يستطيع أحياناً أن ينقذ بريئاً أو يرد حقاً سليباً فإنّه في كثير من الأحايين سيدافع عن مجرم وسيناصر ظالماً ويدعم مغتصباً. ولم أكن أحتمل أن يكون عماد حياتي قائماً على هذا الأساس.
وكنت أتذكر دائماً ما رواه (اتلي) أحد رؤساء حزب العمال البريطاني ومترئس وزاراته من أنّ الذي صرفه عن المحاماة بعد أن كان قد بدأ العمل فيها ناجحاً، أنّه في أوائل عهده في المحاماة دافع عن متّهم بجناية كان قد أقنعه بأنّه بريء واستطاع تبرئته ممّا اتّهم به، ثمّ تبيّن له أنّ صاحبه مجرم عريق في الإجرام.
لهذا كلّه لم يكن في ذهني أن أعمل محامياً، وفي الوقت نفسه كانت الأبواب الأخرى مسدودة أمام أمثالنا في عهد الانتداب الفرنسي، ولم يكن في إمكاني الانصراف إلى ما يستهويني من الدراسات والبحوث لا سيما التاريخية منها، فرأيت في التدريس في معاهد العراق ما يقرّبني ممّا أحاوله.
لذلك ذهبت إلى العراق مرتاحاً منشرحاً، فكان أن عهد إليّ التدريس في ثانوية مدينة الحلة المنشأة في نفس العام.
في الحلة
وكان العراق يستقدم معظم مدرّسيه من مصر إذ كانت حكوماته تنشئ في كلّ عام مدارس جديدة، لذلك كانت محتاجة في كلّ عام إلى مدرسين جدد، فكانت تواصل استدعاء المدرسين من الخارج وكان اعتمادها في ذلك على مصر.
ومن طريق ما كان يجري أحياناً أنّ المدرسة كان يصلها من المدرسين العدد الذي تحتاجه دون أن يراعى الاختصاص فيجد مدير المدرسة أمامه مثلاً مدرّساً للغة الإنكليزية في حين أنّه يحتاج إلى مدرّس للتاريخ فيضطر إلى أن يسد فراغ التاريخ بغير المختص بالتاريخ.
وهناك قصة تروى عن مدرّس لبناني عهد إليه بتدريس التاريخ وهو لا صلة له بهذا العلم، فكان من مواضيع تدريسه موضوع الدولة البويهية فكان يلفظ كلمة (بُوَيْه) المضمومة الباء ويجعل الواو حرف مد، والياء مفتوحة والهاء ساكنة (بُويَهْ). وكذلك يلفظ كلمة (المغول) المفتوحة الميم، المضمومة الغين، والتي واوها واو مد، كان يلفظها مكسورة الميم ساكنة الغين مفتوحة الواو ساكنة اللام (مِغْوَلْ).
ولمّا جئت مدينة الحلة كان مدير الثانوية عبد الوهاب الركابي وهو من أكفأ رجال المعارف، إداري حازم جيّد الثقافة على جانب من طيب الذات وحسن الخلق وإنصاف الناس.
جئت أنا على أساس أنّي مدرّس للأدب العربي، ولكن المدير وجد أنّ لديه شواغر في الأدب العربي وفي التاريخ الحديث وفي الاقتصاد، فقسّم دروسي بين هذه الثلاث.
وقد وقع اختياري لمدينة الحلّة موقعاً حسناً في نفسي، فأسرتنا في الأصل عراقية من الحلّة نفسها أو من ضواحيها جاء جدّنا الأعلى منها إلى جبل عامل واستقرّ في شقرا.
وإلى الحلّة ينتمي العلاّمة الحلي والمحقق الحلي وصفي الدين الحلي السيد حيدر الحلي والسيد جعفر الحلي وغيرهم، وهي أسماء تتردّد كثيراً في بيوتنا ومجالسنا، لذلك وجدتني مسروراً بأن أكون في منابت أولئك الرجال وفي الأرض التي خرجت منها أسرتنا.
ولم تخيب الحلّة اغتباطي بوجودي فيها، فقد كان يغلب على سكانها الاتصاف بالصفات الحسنة، وكان كلّ من اتصل بهم يبعث الاتصال به الثناء عليه، فضلاً عن وجود مجموعة طيبة المعشر أنيسة المجلس نيّرة الفكر.
لذلك كانت أيامي في الحلة وتلك السنة الدراسية التي أمضيتها فيها من أمتع أيامي وأعذبها.
والحلّة فضلاً عن ذلك من أجمل المدن بفراتها ونخيلها ورياضها وبساتينها، ممّا كان مبعثاً للشعر والنثر في نفسي فكان ممّا قلته فيها قصيدة فقدت منّي وأتذكر منها هذه الأبيات:
ظلٌ على شط الفرات ظليل
ومرابع فتانة وحقول
ليست تملّ العين رائع حسنها
إذ كلّ حسن غيرها مملول
وزها الفرات لرائديه وأمرعت
في ضفتيه تنائف وسهول
تحلو على الأجراف ثمة بكرة
ويطيب في ظل النخيل أصيل
يا صاحبي قفا فثمة موقف
في الجسر فوَّاح الأريج ظليل
تترقرق الأمواه فيه دوافقاً
فيروق مجرى دافق ومسيل
ويلذ للورّاد عذب نسيمه
وتشوقهم فيه صبا وقبول
مناظر الشط الجميلة كم حلا
في جانبيك لرائديك مقيل
كم وقفة في الجسر عاطرة الشذى
والماء رهو والنسيم عليل
طال الوقوف بنا عليك عشية
إنّ الوقوف على الجمال يطول
* * *
يا نازلين على الشآم وإنّكم
بينْ الجوانح في الفؤاد نزول
ما لذّ ورد للمشوق ولا ارتوى
من بعدكم للمستهام غليل
يهتاجه الزهر النضير إليكم
ويهزه في الرافدين نخيل
أو ما تزال على كروم (حريبة)
ترد الملاح عشية وتقيل
وهل العيون الدافقات كعهدنا
تجري على خضر الربى وتسيل
إنّي ليصبيني الخزام على النوى
ويشوقني الزيتون والملّول
وجد على شطّ المزار مبرح
وشجى بطيات الضلوع دخيل
والواقع أنّ الفترة التي قضيتها بين التخرّج من معهد الحقوق سنة 1934 وبين وصولي إلى الحلة سنة 1938 كانت فترة ركود في إنتاجي الكتابي ولا أستطيع أن أعدّ منها شيئاً يذكر.
وكان عهدي الجديد خصباً في هذا الإنتاج افتتحته بمقال في وصف الرحلة من دمشق إلى بغداد، وكان هذا أوّل مقال لي في أدب الرحلات الذي كنت مولعاً به مطالعة وطامحاً إلى الكتابة فيه، ثمّ تتابعت بعده مقالات الرحلات التي كنت أقوم بها داخل العراق ممّا يؤلف جزءاً كبيراً في كتاب رحلاتي الذي أصدرته بعد ذلك وسمّيته (من بل إلى بلد).
وكانت ثاني المقالات في وصف رحلة قمت بها مع الطلاب من الحلّة إلى سامراء.
وعدا القصيدة اللامية التي مرَّ ذكرها نظمت قبلها قصيدة كانت من وحي أوّل عيد يمرّ علي وأنا بعيد عن الوطن والأهل ومنها:
أطل علينا كالح الوجه خابيا
يثير شجوناً في الضمير سواجيا
أطل فلا القلب الطروب كعهده
طروب ولا غرّ الليالي كما هيا
يهيم بحوراء اللحاظ ويجتلي
على طلعة الغيد الحسان الروانيا
لقد حال ذاك البشر غمّاً وبدلت
ضواحك نفسي في الحياة بواكيا
فلا العيد بساماً يهيج صبابتي
ولا الحسن وضّاء يثير غراميا
تلفّت للعيد المطل فلم أجد
على جنبات العيد إلاّ مآسيا
ورائي من الأشواق ثم مفاوز
وبحر من الأشجان طامٍ أماميا
تلفّت من شط الفرات فراعني
على جنبات الشط أن لا تلاقيا
لئن لذّ للوراد عذب فراتهم
فإنّ فؤادي فيه ما زال ظاميا
يحن لماء البركتين ويشتهي
مشارع في تلك الذرى ومساقيا
له الله خفاقاً على غارب النوى
يصارع أياماً ويشكو لياليا
لقد شفّه بعد المزار وهاجه
إلى شجرات الرند أن ليس دانيا
فيا شجرات الرند في سامق الذرى
سقيت على البعد الغمام الغواديا
فما راقني بعد (الدواوير) مربع
ولا اعتضت عن (وادي السلوقي) واديا
ولا شاقني من بعد (غرة) مبسم
يشوق ولا هاج الغرام فؤاديا
سقى (الحومة) الخضراء صوب سحائب
وروى هطول المزن ثمّ (الدغاليا)
مرابع يطلعن (السكوكع) أبيضاً
ويزهين (بالدحنون) أحمر قانيا
نناجي مغانيها النضيرة لو وعت
على منتأى الدار المشوق المناجيا
ونسأل عنها الركب هل كان زاهراً
ربيع الحمى فيها وهل كان زاهيا
والدواوير، ووادي السلوقي والحومة، والدغالي: أماكن في شقرا، والسكوكع والدحنون من أزاهيره البرية.
وللمقايسة بين هذا الإنتاج الشعري في الحلّة وبينه بعد التخرّج من معهد الحقوق يكفي أنّ تعلم أنّ آخر قصيدة كنت قد نظمتها كانت وداعاً للدروس عند التخرّج ثمّ انقطعت بعدها عن الشعر إلى أن كانت القصيدة اللامية ـ ثمّ اليائية في الحلة.
وكذلك الحال في النثر. ولا يزال من أحب ما كتبته من النثر إلى نفسي، قطعة عاطفية كتبتها في الحلّة عند سماعي في المذياع زجلاً لعلي الحاج مذاعاً من بيروت يقول فيه:
عطشان وقلبي محروق
اسقيني من إبريقك ميّا
وقد ضممت هذه المقالة إلى كتاب (من بلد إلى بلد)، وهي وإن لم تكن من أدب الرحلات ولكنّها لصيقة به.
وصرت بعد ذلك لا يصدر جزء من أجزاء مجلة العرفان الشهيرة إلاّ ولي فيه مقال، أمّا في الأدب العربي أو في أدب الرحلات، وممّا نشرته فيها في تلك الفترة دراسات عن الشاعر ابن هاني الأندلسي، وهي فيما أحسب أوّل دراسات تنشر عن هذا الشاعر المظلوم. وكذلك دراسات عن الشاعر ابن زيدون نشرت في بعض المجلات البيروتية.
وممّن عرفتهم في الحلّة متصرفها السيد سعد صالح، وهو من رجال الأمّة العربية المعدودين، فقد نشأ عصامياً وكوّن نفسه بنفسه، وكان يجمع الذكاء الوقاد والموهبة الأدبية والخطابية والحنكة السياسية والرأي الراجح والوطنية الصادقة. وكان كلّ ما فيه يؤهله للزعامة الشعبية النافذة. ولمّا احتيج إليه ليكون وزيراً للداخلية رفض قبول الوزارة ما لم تطلق حرية تشكيل الأحزاب فكان له ما أراد. ولمّا استقال من الوزارة وانصرف إلى المعارضة المنظمة كانت قد تهيأت له كلّ وسائل القيادة الشعبية الراسخة وأصبح ينظر إليه نظرة الزعيم الذي أخذت تتجمع حوله القلوب، وبينما هو يخطو خطواته المتتابعة انقضّ عليه داء عضال بدأ يهدّه طيلة سنتين هدّاً بطيئاً ولكن متمكناً، ولم تنجح في مقاومته علاجات العراق وأوروبا، حتّى انطفأ سراج سعد في غير أوانه! فانطفأت بانطفائه شعلة مروءات ونخوات وأريحيات وألمعيات.
ومن الطرائف في الحلّة أنّ الحيّ الذي سكناه أنا وزميلان مصريان كان اسمه حي (التعيس)، ولا أدري من هو هذا التعيس الذي أطلق الحليون لقبه على هذا الحي، ولا ما هو نوع تعاسته ولا ما هي أسبابها.
ولو كنّا ممّن يتشاءمون من الأسماء والمناظر على الصورة التي يتهمون ابن الرومي بها لرفضنا أن يكون منزلنا في حي (التعيس)، ولكنّنا لم نكن كذلك ورضينا بأن نقيم في المكان الذي كان يوماً مصدراً لتعاسة الناس.
وإنصافاً لهذا الحي فإنّنا نشهد أنّ التعاسة لم تطرقنا فيه، بل كنّا على الكثير من السعادة والبشر، وهو الجو العام الذي كانت تضفيه علينا الحلّة سواء من حيث جمالها الطبيعي الناضر، أو من حيث أصالة أهلها في خلال الخير.
موت الملك غازي
ومن ذكريات الحلّة أنّنا فوجئنا في صباح 4 نيسان سنة 1939 بنبأ مصرع الملك غازي مصرعاً مروعاً، وكان لغازي حب في نفوس الناس وكانوا يعقدون عليه آمالاً كبيرة، لذلك كان لموته في عنفوان شبابه صدى حزن عميق أثار الجماهير أي إثارة.
وبعد مرور ثلاثة أيام على وفاته أقيمت له في الحلّة حفلة حافلة دعيت إلى الخطابة فيها، فألقيت كلمة أنقلها هنا ليرى القارئ كيف كنّا نفكر في تلك الأيام. وقبيل وفاة غازي كانت الاضطرابات في سوريا قائمة على الفرنسيين، وقد انتصر العراقيون لإخوانهم في بلاد الشام فعقدوا الاجتماعات وقدموا الاحتجاجات وأقاموا المظاهرات.
وكانت للملك غازي محطة إذاعة خاصّة في قصره (قصر الزهور) كان يشرف عليها بنفسه وكانت صدى لكفاح السوريين تنشر أخبارهم وتثير هممهم. وفي يوم من الأيام ألقى منها أحد المدرسين السوريين خطاباً حماسياً استصرخ فيه الملك غازي، فكان يكرّر في خطابه نداء: يا غازي… يا غازي… مستنصراً به على الفرنسيين، مستنجداً به للسوريين. وفي اللحظة التي أنهى فيها الخطيب خطابه تعالى صوت في المذياع: لبيك… لبيك.
وكانت مواقف غازي الوطنية ومجاهرته بالعداء للإنكليز وللفرنسيين معاً، هذه المجاهرة التي كانت تتجلى أكثر ما تتجلى في إذاعة (قصر الزهور) تحرج الحكومة العراقية وتثير غضب الإنكليز. لذلك شاع يومذاك أنّ موت غازي لم يكن طبيعياً وأنّ أمراً دبّر للتخلص منه.
وهذه هي كلمتي في حفل تأبين الملك غازي:
إنّني يا سادة باسم تلك العصب من الفتيان النضر الذين يهوون تحت الرصاص في بلاد الشام أنحني أمام هول الفاجعة في العراق، وأنّني باسم ذاك الدم الفوار على سهول الغوطتين وفي محاني النيربين أخشع أمام دم الغازي.
وإنّني من أعماق القلب أحيي هذا الجمع الكريم وأحيي هذه الأرض الطيبة وأشكر الظرف الذي ساقني إليها فتعرّفت إلى هذه الوجوه النيّرة والطلعات المشرقة.
بالأمس هبّ العراق يواسي الشام في فجيعتها، وتدافع بنوه غضباً للظلم النازل بها، فما أدري إن كانت في موقفي هذا بعض المقابلة بالمثل.
ولكن كلاّ يا سادة: فإنّ غازي لم يكن للعراق فحسب، فابن الشام شريك ابن العراق في هذا المصاب، وغازي قبل أن يكون ولي عهد العراق في حياة أبيه كان ولي عهد الشام. وفيصل قبل أن يكون ملك العراق كان ملك الشام، فموقفي بينكم ليس إلا موقف المفجوع بمليكه لا موقف المعزّي لإخوانه.
إنّكم لتسمعون تلك الصيحات النارية التي تدوي بها بطاح الشام، وترون ذاك الصراع الدموي فوق ثرى بردى.
إنّها صيحات الشعب الأنوف يأبى أن يمد يديه للأغلال ورجليه للأصفاد. إنّها أصوات فتيان العرب الغطاريف يأنفون ذلة الاستعباد وعار الهوان، قد أجمعوا أمرهم على الوثبة، فإذا فاتتهم الحياة الشريفة فلن يفوتهم الموت الشريف.
لقد قيل قديماً:
لا يعرف الشوق إلاّ من يكابده
ولا الصبابة إلاّ من يعانيها
فإذا ما حدّثتكم حديث الجهاد فقد كابدتم هذا الجهاد وعانيتموه وبرزتم فيه، فإخوانكم اليوم لا يزالون من حيث ابتدؤوا يناضلون المستعمر بالدم والمال، ولقد كان لهم من أبي الغازي ثمّ من الغازي بعده حصناً حصيناً وسنداً معيناً، ولقد تعالى صياحهم بالأمس: واغازياه مستصرخين، ثمّ تلفتوا فصاحوا: واغازياه… ولكن متفجعين، فشتان بين الصيحتين!…
يا فتيان العراق: إنّ أمّتين كبيرتين هما اليوم حديث العالم، كانتا حيناً من الدهر وكلّ واحدة منهما قبائل وشعوب، فهبت في إحداهما (بروسيا) وهبت في الثانية (بيدمنت) فقادت الأولى المانيا إلى وحدتها الجبارة، وقادت الثانية إيطاليا.
وإنّنا نحن العرب الطامحين إلى مملكتنا الكبرى نتلفت إلى القطر العربي الذي يستطيع أن يمثّل في العرب دور بروسيا في ألمانيا وبيدمنت في إيطاليا فلا نجده إلاّ في العراق.
لقد كانت سوريا تستطيع أن تكونه، ولكن سوريا الشهيدة رماها الله بعدو جاهل ظلّ على حربها طوال عشرين عاماً حرباً لا تهدأ.
فسوريا لا تستطيع ذلك ما دامت وفي كلّ واد منها دم مطلول وثار مطلوب.
فليس في الميدان اليوم إلاّ العراق. إنّ حدودكم ليست في قلب الصحراء على أبواب الرطبة، إنّ حدودكم على ساحل البحر المتوسط، وليس مرفأ بغداد هو البصرة: إنّ مرفأ بغداد هو بيروت وحيفا.
يا فتيان العراق: ليست المملكة المؤلفة من خمسة ملايين هي المملكة التي تروي الظمأ القومي وترضي الطموح الوطني، بل هي المملكة التي تضم العشرة الملايين ثمّ عشرات الملايين، هي المملكة التي تضمّ العراق وسوريا وفلسطين أوّلاً، ثمّ البلاد العربية جميعاً ثانياً.
فهذه كانت أمنية فيصل وأمنية الغازي. وإذا كان فيصل الأوّل وشبل فيصل الأوّل قد ماتا قبل أن يرياها، فإنّ فيصلاً الثاني سيراها إن شاء الله (انتهى الخطاب).
استطراد لا بدّ منه
وما دمنا في الحديث عن حرب سنة 1948 ودخول الجيوش العربية إلى فلسطين فلا بد من إشارة موجزة إلى بعض الأضاليل التي نشرت فانتشرت عن تلك الحرب والتي تريك أنّ التاريخ زيف في زيف وأنّ الناس كتبوه حسب أهوائهم، ويكتبونه حسب أهوائهم وسيظلون يكتبونه حسب أهوائهم…
وأنّه إذا قيل من قبل إنّ التاريخ يكتبه المنتصرون، فإنّنا نستطيع أن نقول اليوم بأنّ التاريخ لا يكتبه المنتصرون فحسب. بل يكتبه الأبرع في الادعاء والأقوى في البث والأنشط في النشر والأوسع حيلة في التضليل والأمهر في الاستهواء.
لقد كتب يومذاك عن موقف الجيش العراقي ما كتبه من الشر السريع واتهم قادته بما اتهموا به، وانتشرت كلمة (ماكو أوامر) التي نسبت إلى أولئك القادة زاعماً من اخترعها أنّ القادة العراقيين كانوا يجيبون بها من يطلب إليهم التقدّم.
إنّ ما فعله الجيش العراقي وما أُنكر على ذلك الجيش ما فعله، وما أشاعه المشيعون عنه، وما سجّله المسجلون وأذاعه المذيعون وكتبه الكاتبون ممّا لا يزال منتشراً بين الناس حتّى اليوم وسيظل هو الحقيقة بين الناس حتّى آخر يوم.
إنّ هذا وحده هو الدليل على زيف كلّ ما كتبته كتب التاريخ عند من عرفوا حقائق ما جرى للجيش العراقي في ذلك الوقت.
وقد كنت بحكم اتصالي الوثيق بالسفارة اللبنانية يومذاك ـ إذ كان سفيرها المناضل الوطني والمفكّر العربي كاظم الصلح ـ مطلعاً على كثير من الحقائق والمفاوضات، وإنّي لآسف كلّ الأسف أنّي لم أسجل في تلك الفترة الأحداث اليومية حدثاً حدثاً. ولم أكتب وقائعها واقعة واقعة، وبذلك ضاع كثير من الأمور التي لو سجلت يومها لكان فيها جلاء ما لم يجل من الحقائق ونقض ما برز من الأضاليل.
وقبل الدخول في هذا الموضوع لا بد لي من الإشارة العابرة إلى موضوع آخر هو وثيق الصلة بموضوعنا، وهو الحقيقة في تحوّل مصر من الابتعاد عن العروبة إلى الاقتراب منها ثمّ الدخول في صميمها والمشاركة في حروبها، فقد تجوهل الرجال الذين حققوا ذلك ونسي مدونو التاريخ ما فعله أولئك الرجال، لأنّ التدوين كان في أيدي من يكرهونهم ويريدون…. منهم.
ومن حقي هنا أن أقول إنّي لم أكن أحبّ أكثر أولئك الرجال، وإنّي كنت في عواطفي من خصومهم، لا لشيء سوى إنكاري عليهم تصرفاتهم الأخرى، ولقد سرّني سقوط من سقط منهم.
ولكن ذلك لا يمكن أن يحوّلني عن تسجيل ما لهم من فضل وحفظ ما لهم من حق. وإذا كنت قد عاديتهم في الحق، فإنّي أنصفهم في الحق…
فأنا مثلاً كنت ولا أزال معجباً (بالوفد) ورئيسه مصطفى النحاس، مقدراً كلّ التقدير لنضاله الوطني وقيادته الشعب المصري في الحرب على الإنكليز وعلى استبداد الملك فاروق.
فأنا وفدي متحمس للوفد مناضل عنه في حين أن لا صلة عملية لي بنجاحه أو فشله، ولا صلة شخصية بأحد من رجاله. ولكن متابعتي لمسيرة الوفد ورئيسه مصطفى النحاس جعلتني (وفدياً) وأنا في لبنان ككلّ الوفديين في مصر.
وبهذه الروح وحدها، وبهذا الخط وحده أنصفت وسأظل أنصف أعداء الوفد الألداء فيما فعلوه من خير.
فأنا أكره علي ماهر، وهذا الكره متسبب عن عدائه للوفد ورئيسه مصطفى النحاس ودسّه الدسائس عليه، ولمّا كان هذا هو مصدر الكره، فإذا فعل علي ماهر فعلاً حسناً فإنّي أسجله له وأحييه من أجله.
وكذلك الملك فاروق، ولكن هذا لا يمنعني من أن أنصف فاروقاً حيث يجب إنصافه.
لقد نسب الناسبون إلى من نسبوا إدخال مصر في الحظيرة العربية ومشاركتها في معارك العرب وإعلانها أنّها جزء من الأمّة العربية، ومع أنّ فضل هؤلاء في هذا الموضوع لا ينكر أبداً بل هو موضع تقدير كبير، فإنّ من الحق أن نقول إنّهم ليسوا هم من فعل ذلك، بل جاؤوا هم ووجدوا مصر في قلب الأمّة العربية وفي صميم معاركها، فاستمرّوا في هذا المسار وأكسبوه كثيراً من البريق.
إنّ أوّل من تبنّى قضية فلسطين من المصريين واعتبرها جزءاً من همّه وموضوعاً أصيلاً من مواضيعه الكفاحية هو مصطفى النحاس عندما كان رئيساً للوزارة المصرية سنة 1937. وكانت مصر قد عقدت معاهدتها مع بريطانيا ودخلت عصبة الأمم، فأوعز النحاس لمندوب مصر في العصبة أن يتبنى قضية فلسطين في جلسات العصبة ويدافع عنها.
ولأجل أن نقايس بين موقف مصطفى النحاس وبين موقف من جاؤوا بعده يكفي أن نقول إنّه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أخذ الإنكليز يصفّون مخلفات الحرب ويتخلصون منها ببيعها بأبخس الأثمان. وكان من ذلك فرقة مدرعات كاملة عرضوها على إسماعيل صدقي رئيس الوزارة يومذاك.
ويواصل السيد سرد الذكريات (الجيش العراقي في فلسطين).
إنّ لي من علي صولة المستقتل
فاحمل تنجل غمرة الهول الرهيب
* * *
الرجال كالرمال
في السهول والجبال
القتال النضال
كلنا داع مجيب
* * *
لن يسود لن يسود
في فلسطين اليهود
يا أسود للحدود
دونكم تل أبيب
* * *
تل أبيب تل أبيب
جاء اليوم العصيب
لن نؤوب أو
يواريك اللهيب
وزحفت الجيوش وتوهجت مع زحفها آمالنا، وتعلّقت قلوبنا بكلّ خطوة تخطوها، ولم يخف بعض أصحابنا عدم ثقتهم بما يجري، وكانوا يخشون مكر اليهود وطول استعدادهم لهذا اليوم، كما كانوا يتخوفون من سطحية العرب وهوجهم في مثل هذا الموقف، ويتحدّثون عن خطوات اليهود المدروسة المحكمة منذ حلّت طلائعهم في فلسطين، وعن ارتجالات العرب في كلّ ما فعلوا…
كان بعض أصحابنا يقولون هذا بجمجمة وتخافت وبحسرة وألم. ولكن الناس ـ جميع الناس ـ ونحن منهم، أخذوا أوّل الأمر بما يذاع عن التقدّم والتوغل، ولم يُؤخذوا بالحذر والتخوّف.
ثمّ أخذت الأنباء تتوالى وفيها ما يريب، ثمّ صار فيها ما يخيف، ثمّ صار فيها ما يبعث على اليأس.
وأذكر أنّي كنت أسير يوماً في شارع الرشيد على قدمي، وصدف أن كان مروري أمام أحد المتاجر في اللحظة التي كانت فيها إذاعة الشرق الأدنى تبدأ بإذاعة الأخبار، فتوقفت لأستمع أخبارها، فإذا أوّل خبر تذيعه هو احتلال اليهود لمدينة (جنين)، ولن أنسى أبداً وقع هذا الخبر عليّ.
وفي المساء كنّا نستمع إلى أخبار إذاعة بغداد، فإذا بصوت المذيع يجلجل معلناً أنّ (جنين) في قبضة القوات العراقية، وأنّ هذه القوات تطارد العدو في أنحاء (المثلث)، واسم المثلث في ذلك الحين يعني ما يعنيه اليوم اسم (الضفة الغربية)، وهم يقصدون به مثلث نابلس، جنين، طول كرم.
وبالرغم من أنّ الإذاعة العراقية كانت رصينة إلى حد ما، فلم تكن تكثر من التبجح الباطل، وكانت أخبارها أقرب إلى الثقة بها، فإنّنا حسبنا أوّل الأمر أنّ هذا الخبر يراد به تهوين النازلة بالادعاء بحصول ما لم يحصل… هذا فضلاً عن أنّ أخبار إذاعة الشرق الأدنى كانت دائماً هي المصدر لأخبار الحرب الحقيقية باعتبارها غير منتمية لأحد الفريقين.
وهي إذاعة قوية أنشأها الإنكليز في قبرص وحشدوا لها طاقة كبرى: إخبارية وثقافية، فكانت هي المسيطرة على مسامع المتعطشين إلى الأخبار، فلم يكن من المعقول أن تذيع خبر سقوط جنين في حين أنّها لم تسقط.
ثمّ لم تلبث الحقائق أن انجلت: فلم تكن إذاعة الشرق الأدنى كاذبة، ولا كانت إذاعة بغداد هي الأخرى كاذبة.
وذلك أنّ اليهود فاجؤوا جنين بقوات كثيفة ولم تكن فيها إلاّ حامية عراقية لا يتجاوز عدد أفرادها العشرات فاستطاع اليهود النفاذ إلى مداخل جنين ممّا اعتقد معه مراسلو الشرق الأدنى أنّها سقطت بأيديهم.
ولكن الحامية العراقية القليلة العدد ظلّت تتصدّى لليهود وتعيق تقدّمهم، وفي الوقت نفسه أرسلت استغاثة إلى القائد العراقي عمر علي الذي كان يسير بقواته في اتجاه آخر. وتلقى عمر علي الاستغاثة فغيّر اتجاهه وأسرع إلى جنين فتلقاه اليهود بقواتهم، وصمد لهم عمر علي بقواته وتصارعت القوتان بالأسلحة النارية ثمّ تغامستا بالحراب.
وتلألأت الحراب العراقية وتضرجت بالدم، دم اليهود التي طالما اشتاقت هذه الحراب لأن تتضرج به، وجاءتها الساعة التي وضعتها وجهاً لوجه أمام أعدائها الألداء المتوحشين، وهذه هي فرصتها لتنتقم لمجازر دير ياسين، ولتعيد إلى الشرف العربي شموخه ورفعته، ولن تضيع هذه الفرصة أبداً…
وأحسن البطل عمر علي قيادتها وأحسنت هي الاستجابة له. وانجلى الأمر عن الهزيمة الماحقة لليهود بعد أن ارتوى الصعيد العربي بدمائهم وانتثرت جثثهم في أطرافه من كلّ ناحية.
وخاب أمل اليهود في الاستيلاء على الضفة الغربية، فسلمها الجيش العراقي للعرب سنة 1948 عربية خالصة، وأعادها إليهم عزيزة مكرمة. ثمّ سلّمها العرب لليهود سنة 1967 ذليلة مهانة…
ومن مآسي الدهر العربية أو مهازله أو فواجعه أو ما شئت من نعوت أنّ البطل عمر علي، بطل إنقاذ الضفة الغربية، وحامي حمى جنين ونابلس وطول كرم، سيق بعد ذلك في يوم من الأيام مقهوراً مصفداً منكوس الرأس ليحاكمه السفيه (المهداوي).
في دار المعلمين الريفية
لم يستطع مرور الزمن أن ينسيني أيام الحلّة، وكنت قد صمّمت على أن أتابع حياتي التدريسية فيها ولا أنتقل منها إلى مكان آخر، ولكنّني فوجئت في ابتداء العام الدراسي الثاني بنقلي إلى دار المعلمين الريفية التي تقع في منطقة الرستمية من ضواحي بغداد فلم أشأ أن اعترض على ذلك، فواصلت العمل فيها، وكانت تقع على ضفة نهر (ديالى) في موقع جميل تحوطه المروج الخضراء والشجر الغضيض.
وكما أوحت الحلّة شعراً فقد أوحت مثله (الرستمية)، وكان كلّه حنيناً إلى الأوطان والأحباب.
وإذا كانت القصيدة اليائية المتقدمة المنظمة في الحلّة تفيض أسى ولوعة، فالحقيقة أنّها لا تمثّل حياتي في الحلّة التي كانت بشراً وسروراً وبهجة، ولكنّها تمثّل فترة معينة من تلك الحياة، هي فترة وصولي الأولى إلى الحلّة إذ كان لم يمض شهر على وصولي إليها حتّى أتى العيد وكنت لم أمتزج بأحد من أهلها فشعرت بالغربة الأليمة والشوق الشديد والوحدة الموحشة، فكانت تلك القصيدة من وحي ذلك كلّه.
وإنّي لأظلم الحلّة إذا كانت القصيدة اليائية تمثّل حياتي فيها، وإنّما تمثّلها بعض التمثيل القصيدة اللامية التي آسف لفقداني لبعض أبياتها.
ومن وحي شواطئ (ديالى) في الرستمية هذه الأبيات:
سقت سرح (الدواوير) الغوادي
وجاد رياضها المطر السكوب
تحب النفس مغناها ويهوى
مسارحها الفؤاد ويستطيب
فكم راق العيون بها شروق
وطاب على محانيها غروب
وفي تلعاتها كم رف ثغر
وكم خفقت بواديها قلوب
يعاودنا إذا خطرت حنين
وإن ذكرت يهيج بنا وجيب
أسرح التين هل في الواد شاد
وهل في السفح غريد طروب
وهل تمشي إليك على الليالي
(سروب الغيد تتبعها سروب)
أتزهو بعدنا ثمّ المغاني
أيحلو السفح والوادي الخصيب
خلت تلك الخيام فلا محب
يعاطيه الهوى فيها حبيب
وعطلت المرابع بعد أنس
وصوح بعدنا الروض العشيب
ذكرناكم على شطي (ديالى)
فطاب لنا بذكركم النسيب
وكنتم في النوى ريحان قلب
على شطح النوى وجداً يذوب
نأيتم فالمنازل موحشات
وبنتم فالربيع بها جديب
لئن طابت ليالكم فليست
ليالينا لبعدكم تطيب
وأن تردوا المناهل صافيات
فإنا في مناهلنا نلوب
إذا عذب الفرات لوارديه
يغص به على النأي الغريب
وكذلك كان ممّا أوحت به (الرستمية) بعد فراقها والرحيل عنها هذه القطعة التي فقد بعضها ولم يبق منها إلاّ هذا الذي أذكره هنا، وهو حنين إليها وإلى ديالى خاصّة وإلى العراق عامّة:
دالت الدنيا علينا يا ديالى
فهجرنا «الشط» والماء الزلالا
وتركنا في محانيك الظلالا
وارفات تملأ الوادي جمالا
كم أطلنا في النوى عنها السؤالا
وسهرنا الليل شوقاً وهياما
* * *
أين في «الفيحاء» عن عيني النخيل
أين وادي دجلة أين السهول
وديالى العذب فياضاً يسيل
أين بغداد وشاطيها الجميل
يا ليالي الشط والنأي طويل
اذكري ما عشت صبا مستهاما
* * *
أين عن عيني وادي «الرستمية»
أين سحر الصبح فيها والعشية
أين روضات مغانيها الندية
وليلات محانيها الوضية
لم تزل نفسي على البُعد وفية
تعشق الشط وتهواه مقاما
وأحسب أنّ أوّل مرّة يذكر فيها ديالى والرستمية في الشعر العربي.
كانت دار المعلمين الريفية طرفة من الطرائف فيها يجتمع المئات من التلاميذ القادمين إليها من كلّ قرية في العراق، من زاخو إلى الفاو كما يعبرون في العراق. فيهم العربي القادم من الشمال والجنوب([1380]) والوسط. وفيهم التركي القادم من منطقة كركوك وفيهم الكردي القادم من كردستان. وكان تدريس قواعد اللغة العربية وآدابها لهذه المجموعات مهمة من أشق المهمات، ولكنّها في الوقت نفسه تشتمل على أنواع من الطرف المضحكة.
وكان التلاميذ الأكراد والأتراك يأتون إلينا وكلّ محصولهم من اللغة العربية هو أنّهم أصبحوا يحسنون النطق بها، وكان علينا أن نعلم هؤلاء قواعد اللغة العربية وآدابها. وهنا كانت المشاق وما يتخللها أحياناً من الطرف.
مدرسة الفقراء
لقد كانت دار المعلمين الريفية مدرسة الفقراء، والقرويين منهم بصفة خاصّة، فهؤلاء لم يكن باستطاعتهم بعد أن يتمّوا دراستهم في قراهم، أن يتحمّلوا الإنفاق على أنفسهم خارج قريتهم ليتابعوا الدراسة الثانية، لذلك كانوا يقبلون إلى دار المعلمين الريفية التي تتكفل بمساكنهم وطعامهم وملابسهم.
ثمّ تضمن لهم بعد أربع سنوات تعيينهم في القرى معلمين براتب خمسة دنانير لكلّ منهم. وقد كان الوصول إلى قبض هذا الراتب حلمهم الذهبي الذي يتشوقون إلى تحقيقه، فالواحد منهم الذي ولد في الفقر ونشأ فيه وأمضى طفولته وصباه محروماً، والذي لم تجتمع لأبيه في يوم من الأيام خمسة دنانير كتلة واحدة. كان حلمه كما كان حلم أهله أن يروا في آخر كلّ شهر خمسة دنانير تنهل عليهم متدافعة بين أيديهم.
وإذا كان بين هذا الخليط العجيب من التلاميذ من ذكرنا من أمره ما ذكرناه فقد كان فيهم العديد من المتفوقين بل النوابغ. وقد كان يحزّ في نفسي أن أتصوّر ضياع هذه المواهب غداً في حياة القرى النائية وفي تعليم صبيانها، فأخذت على نفسي إنقاذ من أستطيع أنقاذه منهم. وقد كان طريق فريق منهم معبداً، وهم الأذكياء من غير أصحاب المواهب الأدبية، فلم يكن عليهم إلاّ أن يصبروا أنفسهم على تحمّل الفقر سنين أخرى، وأن يرضوا بالتخلي عن قبض خمسة دنانير في كلّ شهر عمّا قريب، وأن يرجئوا ذلك إلى مدّة أبعد كي يقبضوا لا خمسة دنانير، بل أضعافها، وذلك بأن يتقدّموا إلى امتحانات الشهادة المتوسطة التي يؤهلهم النجاح فيها إلى دخول دار المعلمين الابتدائية، الأعلى درجة، والأكثر راتباً عند التخرّج منها.
ثمّ إذا كانوا يستطيعون أن يكونوا أكثر صبراً وتحمّلاً، أن يتقدّموا إلى امتحانات الشهادة الثانوية عند تخرّجهم من دار المعلمين الابتدائية، التي يؤهلهم نجاحهم فيها إلى دخول دار المعلمين العالية (الجامعية) وبذلك يصبحون مدرسين في المدارس الثانوية ذات الرواتب المرتفعة.
وفي هاتين المرحلتين سيكون مضموناً لهم المسكن والمأكل المجّانيين، على ما هو عليه الحال في دار المعلمين الريفية.
ثمّ إذا وطنوا النفس على الصبر وجدّوا واجتهدوا فقد يرسلون في بعثات علمية حكومية إلى الخارج فيرجعون بشهادة الدكتوراه التي يصبحون بها أساتذة جامعيين.
لقد أغرى هذا الحال فريقاً قليلاً فوطدوا العزم على تحقيق ما يدعو إليه، فوصل بعضهم إلى دار المعلمين الابتدائية وتخرّج منها، ولكنّه لم يطق الصبر أكثر من ذلك فوقف عند هذا الحد. وواصل بعضهم السير وراضَ نفسه على الصبر، فتخرّج من دار المعلمين العالية.
وصبر الأقل الأقل منهم فعادوا بشهادات الدكتوراه من جامعات أوروبا وأميركا.
وقد كان من ألطف ما صادفني أنّ بعض من عرفتهم تلاميذ في دار المعلمين الريفية عرفتهم فيما بعد وهم طلاب في دار المعلمين العالية أيام تدريسي فيها بعد ذلك.
أمّا أصحاب المواهب الأدبية، فقد كان الأمر معهم صعباً كلّ الصعوبة، ولم أتمكن إلاّ من إنقاذ واحد منهم فقط. وقد كان فيهم من يمكن أن يكون في قابل أيامه من أبرع الكتّاب سواء في الصحافة أو القصة أو الأدب أو تاريخ الأدب.
ومشكلتهم أنّهم إذا أرادوا التخلي عن دار المعلمين الريفية، فلم يكن أمامهم مواصلة الدراسة في دار المعلمين الابتدائية ثمّ دار المعلمين العالية، بل كان عليهم أن يبدؤوا في شق طريقهم الأدبية منذ الآن، وذلك بأن يلتحقوا بمؤسسة صحفية تكتشف مواهبم تدريجياً حتّى يكون لهم فيها المكان المؤهلين له، وهذا لم يكن ميسوراً، وكان إذا تيسّر لا ينتج ألاّ راتباً قليلاً لا يكفي الإنفاقات اليومية، وهذا ما لم يكونوا يجرؤون على الإقدام عليه.
ولكثرة ما واصلت تشجيع أحدهم صادق الأزدي جاء في يوم من الأيام وقال إنّه وجد عملاً في إحدى المؤسسات الصحفية براتب شهري قدره ثلاثة دنانير ولكنّه علم لا يتصل بالكتابة في الصحيفة بل ببعض شؤونها الأخرى، لذلك قرّر رفضه لأنّ الدنانير الثلاثة لا تعني شيئاً في الحياة البغدادية التي عليه أن يحياها ولأنّ عمله لن يكون تحريرياً تبرز فيه مواهبه.
فأنكرت عليه رفضه، وقلت له اذهب الآن فاقبل العمل بشرط أن تبدأ منذ الأسبوع الأوّل من مباشرتك العمل بأن تكتب فيما يتصل بالشؤون الصحفية، وتقدّم ما تكتبه إلى رئيس التحرير رأساً، وأؤكد لك أنّه ما أن يتأكد رئيس التحرير بأنّك صاحب هذه الكتابة حتّى ينقلك إلى التحرير في الجريدة وحتّى يتضاعف راتبك ثمّ يتضاعف.
وبالفعل فإنّ راتب الدنانير الثلاثة لم يكن إلاّ شهراً واحداً، إذ أصبح في الشهر الثاني خمسة ثمّ تضاعف وتضاعف، ثمّ جاء وقت أصبح فيه صادق الأزدي رئيس تحرير جريدة من أكبر جرائد بغداد، وفي الوقت نفسه كان صاحب مجلة أسبوعية سياسية من أكثر المجلات رواجاً وشهرة.
والوفاء العراقي الأصيل كان في صميم صادق الأزدي فلقد لقيت من وفائه ما هو حري بابن الرافدين دجلة والفرات…
ومن بين الذين أعياني أمرهم كان غانم الدباغ، فإنّ غانم هذا كان أديباً موهوباً لا سيما في القصة، وقد حاولت إنقاذه من المصير الذي سيصير إليه معلماً قروياً منبوذاً في قرية قصبة موحشة تقتل فيها النفس قبل المواهب، وقد عزّ عليَّ أن تخسر العربية مثل هذا الكاتب المبدع، فحاولت شتى المحاولات دون جدوى.
وكان من أهم عوامل الفشل هو جبن غانم نفسه، وهو جبن لا يلام عليه، فقد كان يصعب عليه التخلي عن الحياة المطمئنة التي يحياها الآن خلياً من هموم المطعم والمسكن والملبس… التخلي عن ذلك إلى المجهول… وقد كان شبح الفقر الذي ظلّ يلاحقه منذ ولد إلى هذه الساعة، كان هذا الشبح يلوح له في الأفق القريب والبعيد فيرتجف رعباً منه فينهار كلّ طموحه.
وتخرّج غانم الدبّاغ من دار المعلمين الريفية وعيّن معلماً في قرية من قرى الموصل وراح يتناول الدنانير الخمسة في آخر كلّ شهر، وتركت أنا العراق في المرّة الأولى، ثمّ عدت إليه بعد سنتين. وكان اسم غانم الدبّاغ لم يفارق مخيلتي، فكان أوّل ما فكّرت به أن أعرف مصير هذا الكاتب المبدع، وكان كلّ ما أعرفه عنه أنّه يعيش في قرية من قرى الموصل، ولكن لا أعرف في أي قرية هو. فأرسلت له رسالة جعلت عنوانها باسم مدير معارف الموصل ورجوته فيها أن يتفضّل بإرسالها إلى صاحبها، ففعل، وجاءني جواب غانم، فإذا هو في قرية اسمها (الموالي)، وأنّ لقبه صار معلم أوّل، بعد أن كان مجرد معلم. وأنّني أنشر هنا نص هذه الرسالة لما فيها من دلالات وذكريات:
الموالي (من قرى الموصل) في 21/1/1947.
أستاذي:
تحية طيبة. حمل إلى البريد رسالتك وأنا في شوق لها، وحملت لي سطورها هذا الخط الحبيب إلى نفسي والذي كثيراً ما هداني إلى محجة الصواب أيام الدراسة… وكيف لا يهفو قلبي إلى ذكراك وهي عاطرة في ذهني كعطر الأنسام، وشهد الله أنّ ضميري ليحمل آلاماً ثقالاً من هذا الذي قد لا يكون عقوقاً، ولكنّه نوع من الإهمال الذي يسيطر على مجرى حياتي في شتى صوره وألوانها… فليس غيابك أمداً خارج العراق ورجوعك إليه، ولحاقي وراء خبز الحياة في أطراف الصحارى، ليس كلّ هذا قد محا الصورة الهادئة الوديعة المستقرة في ذاكرتي عنك… لا والله، وليشهد قلمي المضطرب الآن، بين يدي أنّه خطّ لك رسائل ولكن لأقرأها إلاّ أنا فقط.
وحياتي!؟ حياتي في هذه البقعة المقفرة!؟ إنّها فراغ هائل عميق وجسد يتهافت على بعضه، ونفس حائرة في طواياها بين الضجر والألم وقد خلقت منها المقادير حلقة مفرغة لا تستقر على حال من الهدوء والطمأنينة، وأيام الصبا والشباب تذهب بها دورة الزمان المجنونة نحو الفناء والاضمحلال لتستقر بها في ظلمات من الحيرة المبهمة والقلق الصامت المكتوم!.
لا يؤنسني فيها إلاّ ألحان المزمار… فهذا أعرابي يناجي صاحبته على أنغامه والقرية نائمة على الظلام… إنّ هذا الصوت الذي ينساب في أنغام ساذجة ليشجيني كما يؤلمني أنّه يفتح في القلب جراحات عميقة ينكأها في الصميم، إنّه يكاد يرهق سمعي ويهدّ أعصابي المكدورة…
وأيام الشتاء تقبل على القرية، ما أفظع لياليها! وأنا بين جدران أربعة يعبق في جوّها أريج الطين وعطر الأرض النفاذ، وقد فغرت ثقوب الكوخ أفواهها، والريح ترسل عويلاً يمتد ويتلوى في أنين خافت… والليل مظلم كئيب يقطع سكونه نباح الكلاب ثمّ تذوب أصواتها بعيداً في الفضاء…
السكون العميق يلفّني، ويطغى على حواسي، ويبعث في أذني هذا الوشيش الناعم الذي ليس إلاّ صدى الرهبة العميقة، وتحت ضربات الري العابثة يئن الباب وقد كلت أخشابه المتداعية فيرسل صريراً خافتاً… لقد نامت القرية وهجع سمّارها، وذو القلب المعنّى لا يهجع، والقلم لا ينقطع عن الصرير فيخط ذوب هذه النفس الحبيسة…!.
وأحسبني أطلت عليك وأثقلت في ثرثرة قد لا تكون في الواقع إلاّ صدى لما أعاني، وإلاّ شكوى أبثّها لمن يتّسع قلبه الكبير لشكاتي…
لقد هصرتني هذه الأعوام الثلاثة وأحالتني بشراً تبدو على فمه البسمة الكئيبة، وينشج قلبه بالبكاء… وبكاء القلب من أمر البكاء…
أيامي هنا يا صفي القلب، ضنّى للقلب والعقل والروح… وكبت للرغبات وموت للآمال… أيامي تضيع بين دمى من البشر تقسو حتّى في نظراتها.
ولا يجيب صراخي المكبوت إلاّ صداه المعذب، ولا أسمع إلاّ قهقهات القدر تتّسع وتتضخم في تهاويل بشعة، فتحيلني إلى صخرة صمّاء وقد تبلدت في نفسي عواطف الإنسان الشاعر، وشاب قلبي الفتي في غير أوانه…
أشعر كأنّ جسمي وروحي معاً يريدان الانطلاق من هذا الجحر الأعتم يريدان العالم الحر الفسيح، يريدان الحياة بين الناس، بين أنس الصداقة، بين لهو الخلق وصخب البشر… ولكن!!.
لم يبق في جعبتي من لذة العيش وأحلامه الرغيدة إلاّ هذه الذكريات أسدر سابحاً في بيدائها التي عفت عليها الأيام… أناجيها إذ أخلو إلى نفسي، أستعيدها فترق لها روحي وتطيب، نعم لم يعد لي من لذة الحياة وهناءة العمر، إلاّ هذه اللحظات التي عبرت شاطئ حياتي كالوهم، وقد أتساءل أحياناً أعشت فيها حقاً!؟
المفتش
في يوم من الأيام دخل علينا الصف مفتش اللغة العربية بهجت الأثري، دخل بجسمه الطويل ولكن غير العريض وبعمامته البيضاء المشدودة على الطربوش الأحمر وبنظّارته المتلألئة، دخل متعاظماً يتكلف الوقار والهيبة، فكانت أسئلته للتلاميذ أسئلة لا يراد بها إلاّ التظاهر بالعلم والتفوّق وإلاّ محاولة أن يجد ثغرة ينفذ منها إلى التجريح، وإلاّ أن يجد وسيلة يقول فيها إنّه كتب تقريراً.
وكان مركّب النقص عند هذا الفريق من المفتشين الذين لم يعرفوا شيئاً من الدراسات الحديثة، والذين يعلمون أنّهم دون من (يفتشونهم) علماً وتجربة، والذين نشؤوا على حب الاستعلاء دون أن تكون لهم كفاءات الاستعلاء، كان مركب النقص هذا عندهم يحملهم على ركوب المراكب الخشنة والتعامل بغلظة وفظاظة محاولة لستر نقصهم.
لم يجد بهجت الأثري ما يسأل به التلاميذ من مواضيع النحو إلاّ الإعلال والإبدال وأمثال ذلك من المواضيع المربكة التي كنّا نتجنب الخوض فيها مع التلاميذ لئلا يتيهوا فيما لا يجوز أن يتيهوا فيه، وكنّا نمرّ بها في تدريسنا لماماً ونتجاوزها دون التعمّق والإيغال. لأنّه كان حسبنا من أولئك التلاميذ أن يصلوا معنا إلى اتقان المرفوعات والمنصوبات والمجرورات والمجزومات. أمّا متى تقلب الواو ياء، ومتى تقلب الواو والياء همزة أو ألفاً، ومتى تقلب الواو والياء تاء، مضافاً إلى أمور الإبدال، فقد كنّا نعتبرها أموراً ثانوية مشوشة لأذهان التلاميذ بدون طائل، وأنّه ينبغي العناية بها مع التلاميذ الذين يتقنون قواعد اللغة إتقاناً جيّداً لا مع التلاميذ الذين يجهلون أبسط قواعد اللغة. وقد كان بين التلاميذ من لهم قابلية تفهم تلك الأمور وكانوا قلّة، فكنت أخصّهم بأوقات خارج أوقات الدرس أشرح لهم فيها ما لا يفيد شرحه لمجموع التلاميذ.
قلت إنّ بهجت الأثري لم يجد من مسائل النحو ما يسأل به إلاّ تلك المشاكل، هذا في النحو وأمّا في الأدب فقد كان أمره أعجب وأغرب وأضحك: لقد كان سؤاله الوحيد أن اختار تلميذاً وصدف أن كان كردياً من النوع الذي يجيب عن مكان (لوح الوجود)، أنّه في الإدارة، وسأله: هل للشمس حاجب؟
لقد تاه المسكين أي تيهان، إنّهم لم يدرسوه في دروس الأدب العربي ما إذا كان للشمس حواجب وعيون وآذان وآناف أم لا. فما هذه الورطة؟
لقد كان صاحبنا المفتش الهمام يقصد على ما يبدو بيت الشعر الوارد في قصيدة البحتري التي يصف بها بركة سامراء والتي يقول فيها: (وحاجب الشمس أحياناً يضاحكها)، فبدلاً من أن يسأل التلميذ عن معنى البيت وينتظر تفسيره له، لم يجد وسيلة ليقال إنّه كتب تقريراً أو أبدى رأياً، ولا طريقاً للغمز واللمز سوى هذا الأسلوب في السؤال الذي كان موقناً بأنّه سيربك التلميذ فيكون ذلك منفذه إلى ما يبغي.
وكما دخل بهجت الأثري متعاظماً متشامخاً، خرج وقد ازداد تعاظمه وتشامخه.
ومن الطريف أنّ الدكتور زكي مبارك، وقد كان يوماً مفتشاً للغة العربية اعترف ببعض ما كتبه بما كان يتعسف به أساتذة هذه اللغة إرضاء لحافز التسلط في نفسه، وأورد أمثلة طريفة على ذلك.
ولكن إذا غلب حافز التسلط على الدكتور مبارك فإنّ وراءه دكتوراه من جامعة القاهرة ودكتوراه من جامعة السوربون. ووراءه كتاب (النثر الفني) وأمثاله، فماذا وراء بهجت الأثري؟
في القضاء
وفي هذه الأثناء كانت الحرب العالمية الثانية قد أعلنت وحلّت الهزيمة بفرنسا وفقدت سيطرتها الفعلية على سوريا ولبنان واضطرت إلى الموافقة على قيام حكم يضعف فيه نفوذ المستشارين الفرنسيين ويكون للوطنيين فيه الكثير من التأثير، لذلك رغبت في دخول القضاء، فكان أن عيّنت حاكماً لمحكمة (النبطية).
وقد تمّت هزيمة فرنسا بذلك الشكل المهين وأنا في بغداد، فكانت أنباء توالي الهزائم الفرنسية ومعها القوى الإنكليزية تبعث في نفوسنا الفرح العظيم، ثمّ كانت الهزيمة النهائية التي سلمت فيها فرنسا ووقّع مندوبوها على التسليم، فبلغ سرورنا مداه.
وكانت شماتتنا بالغة بالجنرال (غاملان) القائد العام للجيوش الفرنسية، الذي كانت فرنسا قد عيّنته سنة 1926 قائداً عاماً لجيشها في سوريا ولبنان ليخمد الثورة السورية. وكان لما ناله من الذل والعزل أطيب الوقع في نفوسنا([1381])، فنظم أحد رفاقنا الظرفاء أبياتاً بذيئة الألفاظ لا يمكن ذكرها هنا، ولكنّها مضحكة، فيها الشماتة بفرنسا والهزء بها، ومن أطرف ما فيها ذكر دخول إيطاليا الحرب بعد تضعضع فرنسا، فقد ذكر ذلك ببيت واحد يغرق السامع فيه بالضحك بعد أن يتحمل بذاءة ألفاظه، وكان فريق من اللبنانيين يلقب فرنسا بلقب الأم الحنون لذلك جاء مطلع الأبيات هكذا:
أكلت أمك الحنون… ها
ودهاها من هتلر ما دهاها
وأرى أن لا بأس بذكر البيت المتعلق بدخول إيطاليا الحرب بعد تبديل كلمتين فيه:
(نالها) من أمام وجهاً لوجه
وأتى (الدوتشي) (فنال) قفاها
والضمير في (نالها) يعود إلى هتلر. والدوتشي هو لقب موسوليني.
وإذا كنت أبيح لنفسي ذكر هذين البيتين وفيهما ما فيهما فذلك لتصوير ما كان يعتلج في النفوس تجاه فرنسا وأفاعيلها في سوريا ولبنان. وإنّي لأكتبهما وأنا خجل كلّ الخجل، طالباً من القارئ الوقور أن يقدّر ظروفنا يومذاك…
وجئت النبطية التي تكاد تعتبر قاعدة جبل عامل، وإذا بي وجهاً لوجه أمام مشاكل سخيفة وقضايا تافهة هي شغل الناس الشاغل، وإذا عليّ أن أنغمر في هذه المشاكل وأنشغل في هذه القضايا، وإذا هي عملي اليومي ليلاً نهاراً، نهاراً بسماع أقوال أصحابها، وليلاً بتدوين الأحكام.
وإذا بقلمي الذي اعتاد أن يدوّن خواطري وأفكاري ودراساتي، يدوّن ما لا صلة له بذلك، يدوّن نتيجة الخصام على الأرض والتقاتل في القرية، والتشاكس بين المتزعمين.
وإذا بي لا أجد فسحة لقراءة كتاب في التاريخ وبحث في الأدب وقصيدة من الشعر، وإذا عليّ بدلاً من ذلك أن أقرأ الكتب الجافة والمجلات السمجة: كتب القوانين، ومجلات أحكام المحاكم. فضاقت نفسي بذلك.
لا سيما وأنّ منطقة النبطية كانت مجالاً لتنافس ثلاث أسر متنافسة على وجاهة البلاد ومتزاحمة على مقاعدها النيابية، وكان لكلّ أسرة أنصارها المتصارعون يومياً والمتعادون دائماً والمتقاتلون أسبوعياً.
شهود الزور
ومن المؤسف أنّ شهادة الزور كانت متفشية، وكان ذلك من أعظم ما يضللني ويجعلني أتردّد في الأحكام المستندة إلى شهادة الشهود، فما يدريني أنّ هؤلاء الشهود يشهدون بحق أو بباطل، وفي دعوى واحدة جاء ثمانية شهود يشهد كلّ أربعة منهم بما يناقض شهادة الأربعة الآخرين.
فقد كان موضوع الدعوى يتعلق فيما إذا كانت الأرض مزروعة حمصاً أو قمحاً، فشهد أربعة بأنّها كانت مزروعة قمحاً وشهد أربعة بأنّها كان مزروعة حمصاً، فكيف تطمئن إلى مثل هذه الشهادات التي تتكرر في كلّ يوم.
وقد عمدت إلى الاتصال باثنين من الفقهاء الموثوقين عندي هما الشيخ علي حلاوي في قعقعية الجسر، والشيخ محمد علي نعمة في حبّوش، فكنت أبعث فأسألهما سراً عمّا يعلمان من أمر الشهود، وهذا أشبه بما كان يعرف في القديم بتزكية الشهود. فكان يخبرني كلّ منهم بما يعلم من أمر الشاهد المسؤول عنه، وكانت لهما اتصالات بالقرى المجاورة لقريتيهما ويعرفان الكثير من أحوالها.
بيوع الأرض
وممّا واجهني في الأيام الأولى لبدء العمل فأربكني كلّ الإرباك هو أن بيوع الأرض في قرى جبل عامل يتمّ تسجيلها على ورقة يوقعها البائع، ويوقع معه فقيه القرية وثلاثة أو أربعة بصفتهم شهود على البيع، فتصبح هذه الورقة البسيطة أوثق وثيقة.
وجاءت الحرب العالمية الثانية فارتفع سعر الأرض وهبطت قيمة العملة الورقية فكشر الطامعون من البائعين عن أنيابهم فتقدّموا بدعاوى يطالبون بها باسترداد الأرض واستعدادهم لإعادة ما قبضوه من الثمن. وكان هذا البيع باطلاً في نظر القانون، لأنّ بيع الأرض لا يتم بهذه الطريقة البسيطة، بل له شروط غير مجتمعة في هذه البيوع القروية.
فكيف أسمح لنفسي أنا بأن أحكم بردّ الأرض المباعة إلى بائعها، وسلبها من مشتريها بعد أن يرد إليه الثمن الذي أصبحت قيمته أقلّ من نصف ما كانت عليه أيام البيع.
وفكرت في أوّل الأمر بأن أحكم بصحة البيع وأترك لمحكمة الاستئناف أن تبطل حكمي فتكون هي التي حكمت لا أنا. ولكنّي لم أجد في هذه الطريقة حلاً معقولاً.
وبعد أسبوع من بدء عملي في القضاء كان أمامي أكثر من عشرين دعوى في هذا الموضوع معظمها من قرية أنصار، فأجلت هذه الدعاوى إلى أكثر من شهر لعليّ أجد في هذه المدّة حلاً. ووجدت الحل فالقانون كان معرباً عن القانون الفرنسي، وفيه نص بأنّ الأرض تنتقل من مالك إلى مالك فيما تنتقل به (بمفعول العقود). والشارع الفرنسي حين وضع القانون كان ينظر إلى الواقع الفرنسي حيث تجري عقود بيع الأرض في الدوائر الحكومية وبموجب عقود ووثائق حكومية، لا في ديوان فقيه القرية وبموجب وثيقة قروية تحمل تواقيع الفقيه وبعض أهل القرية. لذلك لم يقيد العقد بأي قيد.
وما دام (مفعول العقود) غير مقيد بشيء وغير مشترط فيه شيء، فهذا عقد صريح واضح. وليس العقد إلاّ إيجاباً وقبولاً، والإيجاب والقبول هما أساس هذه الورقة القروية التي يستند إليها هذا المشتري القروي.
وصدرت الأحكام على هذا الأساس، ولكي أضمن عدم وجود ثغرة فيها تنفذ منها محكمة الاستئناف، فقد علّلت كلّ حكم تعليلاً دقيقاً مفصلاً، مبيناً فيه تقاليد القرى وعرفها في مثل هذه البيوع. وقد كشفت لي هذه الدعاوى عن حقائق كثير من الناس المتظاهرين بالصلاح، فقد كان بعضهم في أوّل من طلب بإعادة الأرض إليه.
وجاءني أحدهم وكان ذا مظهر وقور من عمامة وجبة ولحية وسن متقدمة، ولكن تبين أنّه هو الآخر يريد استرداد أرضه معلّلاً ذلك بأنّه باع الأرض وأرسل بثمنها ولده إلى إفريقيا مهاجراً في طلب الرزق، وأنّ ابنه لم ينجح في مهجره، كأنّ مشتري الأرض مسؤول عن نجاح ابنه وعدم نجاحه.
ورحت أنتظر قرارات محكمة الاستئناف، فإذا بها تقرّ أحكامي، فارتحت عند ذلك كلّ الارتياح.
ثمّ إذا بي أفاجأ بشيء جديد: ذلك أنّ معظم المشترين كانوا قد بدؤوا يسيئون الظن بالناس، ويشعرون بأنّ طلائع ضياع الثقة قد أطلّت، وأنّ الزمن آخذ بالتغيّر، لذلك احتاطوا لحفظ حقهم بأن ضاعفوا ذكر الثمن في ورقة البيع. فإذا كان الثمن الحقيقي مثلاً ألف ليرة، ذكروه في ورقة البيع ألفي ليرة، وذلك زجراً للبائعين عن أن يقدموا على طلب إعادة الأرض إليهم خوفاً من دفع الثمن المضاعف الذي أقرّوا في الورقة بأنّهم قبضوه.
ولكن هذا الاحتراز لم يفد شيئاً لأنّ ثمن الأرض قد ازداد أثناء الحرب أكثر من الضعف، كما أنّ النقد الورقي قد هبطت قيمته، لذلك فإنّ البائع كان مستعداً لأن يدفع ضعف ما قبضه من ثمن أرضه على أن يستردها.
لقد فوجئت بأنّ هؤلاء البائعين قد أقاموا دعاوى جديدة يقولون فيها بأنّهم لم يقبضوا ثمن أرضهم المسجل في ورقة البيع كاملاً، وأنّهم يطلبون تحليف الشهود اليمين بأنّهم دفعوا هذا الثمن بتمامه.
وقد كان هذا تدبيراً شيطانياً بارعاً، ورأيت أنا أنّ المشترين سيكونون بين أمرين: إمّا أن يحلفوا يميناً كاذبة فينجوا من دفع ثمن الأرض مضاعفاً، أو أن يتورعوا من حلف هذه اليمين فيغرموا المال.
ولكنّني وجدت الحل لذلك بأنّ حدّدت نص اليمين على هذا الشكل: (احلف بالله العظيم أنّ ذمتي بريئة من ثمن هذه الأرض).
وقد حاول أحد المحامين الاعتراض على هذا النص، ولكنّي لم أبال به، وهكذا نجا المشترون من دفع ثمن ما اشتروه مرّتين، ونجوا من حلف اليمين الكاذبة.
وعلى ذكر اليمين، فقد حدث مرّة أن وقعت في إحدى القرى وقعة دامية استعمل فيها السلاح الناري وأدّى الأمر إلى وقوع جرحى خطرين، فحضر من صيدا قاضي التحقيق والمدعي العام وبعد أن بدءا التحقيق في القرية القريبة من النبطية جاءا يكملانه في مكتبي واستدعي الشهود والمدعّى عليهم واحداً واحداً. وكان قاضي التقحيق يحلّف الشهود اليمين المعتادة، فيحلفوها، والله أعلم بعد ذلك بصحة شهادتهم أو زورها.
إلى مصر
وكانت استقالتي في أواخر شهر شباط سنة 1945 وكانت قد بلغت أخباري أصدقاء لي في العراق فدعوني إلى الحضور إلى بغداد، فأجبتهم، ولكنّني فضّلت أن يكون ذلك في مفتتح السنة الدراسية. وكنت لم أزر مصر بعد فرأيت أن أقضي ما تبقى من شهور السنة حتّى أوائل الصيف في مصر.
فسافرت من دمشق في القطار إلى حيفا، ومنها انتقلت إلى القدس فيافا، ثمّ إياباً إلى حيفا.
وفي تلك الرحلة أدركت حقيقة التغلغل الصهيوني في فلسطين ومقدار ما أعدّه اليهود من وسائل للاستيلاء عليها. كما أدركت الفوضى العربية في مقاومتهم، والتنظيم في جهودهم وحياتهم، فكان حزني عظيماً على قطعة من وطني استحكم فيها أمر هؤلاء الغرباء الذين ينذر وجودهم بشر مستطير…
واستأنفت السفر بالقطار من حيفا إلى القاهرة فعبر بنا صحراء سيناء حتّى انتهينا إلى قاهرة المعز الباذخة.
وفي القاهرة آثرت العزلة والاستمتاع بمعالم المدينة، والتغلغل في الأوساط الشعبية المصرية وما فيها من ظرف وطرافة.
وكان أوّل الظرفاء صاحب الفندق الذي آواني لليلة واحدة، وذلك أنّني سألت قبل سفري صديقاً دمشقياً أقام فترة في مصر عن فندق أنزل به فأعطاني اسم (فندق ريش).
فلمّا وصلته كان مظهره الخارجي لا بأس به، ولكنّني لما دخلته تبيّن لي عدم صلاحه، ولما كنت متعباً بعد ليلة في القطار، رأيت قضاء ليلة فيه على أن أغادره في الصباح.
فطلبت من صاحبه إعطائي غرفة بسرير واحد، فأجاب بأن لا غرفة عنده بسرير واحد. فقلت إنّي أستأجر السريرين معاً، فأبى ذلك متعللاً بأنّه إذا رفض قبول أحد زبائنه فسيذهب إلى فندق آخر يعتاد بعد ذلك عليه فيفقد هو أحد زبائنه الدائمين. فاستسلمت للأمر الواقع على أمل أن لا يأتي أحد. ولكن لم أكد أستلقي على الفراش حتّى فوجئت بقادم لم يكد يغمض عينيه حتّى اندفع بشخير رهيب فلم أنم طوال الليل.
وفي الصباح عنفت صاحب الفندق على ذلك وذهبت فحجزت غرفة في فندق الكونتيننتال وعدت إلى فندق ريش لأخذ متاعي.
فسألني صاحب الفندق عن الفندق الذي سأنتقل إليه فأخبرته بأنّه فندق الكونتيننتال، وسألته أليس هو أحسن من فندقك؟
وهنا بدت النكتة المصرية، فأجاب: الكنيف هناك أحسن من هنا. ثمّ قلت له: ثمّ لا يوجد هناك من يشخِّر.
فقال: حتّى لو كان يشخِّر، دا شخيره يبقى مزيكة.
وفي فندق الكونتيننتال لاحظت أنّ أحد المولجين بالمصعد يبدو على عكس زملائه عابساً صامتاً لا يجامل الزبائن لا بإشارة ولا بكلمة.
فاستغربت أمره وخطر لي أن أستطلع أحواله، فسألته يوماً أنت اسمك إيه؟ فبدا الغضب على وجهه لهذا الفضول، ولكنّه لم يستطع إلاّ الإجابة: فقال بنفور: محمد.
وفي صباح اليوم الثاني فاجأته قائلاً بكلّ رقّة: صباح الخير يا محمد. فلان قليلاً. وأجاب: صباح الخير. ولكن الغضب والنفور لم يفارقاه لحسبانه ذلك فضولاً مغيظاً.
ولاحظت أنّه يحمل دائماً في يده جريدة أو مجلة. وكانت جرائد الصباح تصلني دائماً إلى الغرفة فحملتها معي وفاجأته كما بالأمس قائلاً: صباح الخير يا محمد، خذ هذه الجرائد واقرأها.
فلان كلّ اللين، وأجاب: صباح الخير. شكراً. وشعرت أنّ هذا الكلام صادر من أعماق قلبه.
وفي الغد سبقني هو بقول: صباح الخير، وأخذ الجرائد شاكراً.
ثمّ صرنا صديقين حميمين وتبيّن لي أنّه على جانب كبير من الذكاء وخفّة الروح والاطلاع.
وكانت نقمته وعبوسه بسبب ما يراه في الفندق الكبير من بطر وكبرياء واستعلاء وتأمّر، في حين أنّ نصيبه من الفندق خدمة البطرين المتكبرين المستعلين المتأمرين.
وكانت الحرب العالمية الثانية في أيامها الأخيرة، وكان رئيس الوزراء المصري في ذلك الوقت أحمد ماهر. وكان محمد هذا يكرهه كرهاً شديداً. وفي يوم من الأيام أعلنت مصر الحرب على ألمانيا أسوة بغيرها من الدول التي أخذت تتسابق لإعلان الحرب لكي يكون لها مكان في مؤتمر السلم القادم.
فاغتاظ محمد غيظاَ شديداً من إعلان الحرب على ألمانيا، فسألته ولماذا هذا الغيظ؟
فأجابني بهذا الجواب الحكيم الرائع.
ده لا حرب دين ولا حرب وطن، اللي يموت فيها يموت فطيس.
وفي المساء اغتيل أحمد ماهر، فسألت محمداً عن الأخبار فاختصر الموقف بهاتين الكلمتين: اتلخبطت خالص.
وقد كانت له تعليقات على نزلاء الفندق وتحرّكاتهم هي غاية في الطرافة والحكمة والسخرية.
فمن ذلك أنّي كنت أجلس غير بعيد عن المصعد، فخرجت من المصعد الهابط ثلاث سيدات تجر كلّ منهن وراءها كلباً بمقود، فأيقنت أنّه لا بد لمحمد من تعليق على هذا المشهد. فسألته: إزّاي الحال يا محمد.
فقال:
ولا مؤاخذة من سيادتك، زيّ ما أنت شايف، نطلَّع كلاب وننزِّل كلاب (بتشديد اللام في نطلّع، والزاء في ننزّل).
وفي القاهرة نظمت القصيدة التالية:
صورتها
أصورتها أين الحبيبة والهوى
وأين ليالي الدل والبسمات
أصورتها أين العشايا زواهراً
وأين تلاقينا على الشرفات
وأين على الشبّاك مجلى جمالها
ومشرقها الوضاء في الغرفات
غداة تثنى في الرحاب طروبة
وتختال في أترابها الخفرات
وترنو بعينيها إليَّ صبّابة
فتكسر من لحظي ومن نظراتي
أصورتها أين الخمائل غضة
وأين سنا الأحباب في الربوات
وأين على الروضات مطلع سربهم
ومسراهم الزاهي إلى الحرجات
أصورتها لم يبق غير تصوّر
لفتنة عينيها وللوجنات
لقد أطبق الهم المبرح وانطوى
فؤادي على الأشجان والحسرات
أراك فتهتاجين كامن لوعتي
وتذكين من وجدي ومن لهفاتي
وانظر عينيها عليك هوامداً
وعهدي بها بالحب مؤتلقات
أصورتها ما كنت ناقعة الحشا
إذا ثارت الأشواق مضطرمات
فأين كلألاء الصبا جبينها
وأين شذا أعرافها العطرات
وأين من النائي البعيد خدودها
وأين الثنايا الغر مبتسمات
وأين كمخضل الورود شفاهها
تروي غليل القلب بالقبلات
لقد كنت أشكو الوجد وهي قريبة
فكيف أداوي الوجد في غرباتي
وكانت على قرب المزار مروعة
فكيف قد صرنا معاً لشتات
القاهرة آذار سنة 1945
إلى العراق مرّة ثانية
وقبيل ابتداء السنة الدراسية سافرت إلى بغداد.
كانت أسر عراقية محافظة تتجنب إرسال بناتها إلى التعليم العالي المختلط، فتقرّر إنشاء فرع لهذا التعليم يقتصر القبول فيه على الطالبات فقط، وأطلق عليه اسم معهد الملكة عالية واخترت لأكون أستاذاً في هذا الفرع فكان عهدي الثاني في العراق.
من ذكريات معهد الملكة عالية
من ذكريات معهد الملكة عالية المظاهرة الرائعة التي قامت بها طالباته عندما بدت بوادر تقسيم فلسطين سنة 1947 وشاركهنّ فيها طالبات الثانوية القريبة من المعهد. فقد تجمّعت الطالبات في باحة المعهد وعزمن على القيام بالمظاهرة وأصررن على أن أكون معهنّ، ولخشيتي أن يندس في المظاهرة بعض المندسّين، فيفسدون غايتها لم أجب طلب الطالبات، ولكنهنّ أصررن على أن أكون معهن كلّ الإصرار وكانت حماستهنّ فوق أن تقاوم، فقلت لهنّ سأسير معكنّ، ولكنّي في هذه الحال سأكون المسؤول عن كلّ ما يجري في المظاهرة، ولا أحسب أنّ فيكنّ من ترضى بالإساءة إليَّ، لذلك سنحدّد الشعارات فلا تتعدّى فلسطين وقضيتها، ونحدّد طرق السير فلا تتعدّى شارع الرشيد وما إليه ثمّ الوصول إلى دور السفارات التي أيّدت العرب في هيئة الأمم المتحدة ورفضت التقسيم. فكان صوتهنّ واحداً بالموافقة، وقلت سأسير أنا في أوّل المظاهرة فحيث اتجهت تتجه المظاهرة، على أن يكون السير في صفوف منظّمة، وهكذا كان.
وكنت بين الحين والآخر أترك المقدمة وأرجع إلى الوراء لملاحظة الهتافات، فإذا ما توجست منه قد وقع، إذ سمعت صوتاً يصرخ: ماذا تريدون؟ فتجيبه بضعة أصوات: الحرية والخبز.
فأسرعت نحو صاحبة الصوت وبمجرد وصولي إليها كان صوتها قد انطلق: ماذا تريدون؟ وكنت قد صرت وراءه تماماً، فأهويت بكفّي على رقبتها صائحاً: نريد أن تخرسي.
وإذا بها تراني فخجلت وانطوت على نفسها.
وكان من السفارات التي وصلنا إليها: السفارة التركية، لأنّ تركيا يومذاك أيّدت العرب في رفض التقسيم، ولن أنسى حماسة الطالبات التركيات المنتميات إلى محافظة كركوك أمام السفارة التركية عندما وقعت عيونهن عليها وهتافاتهن العالية باللغة التركية بمجرد أنّ رأين العلم التركي يرفرف عليها.
وطلبت إليّ إحداهن أن تخطب باللغة التركية باسمنا شاكرة تركيا وأن تطلب إلى السفير رفع هذا الشكر إلى حكومته، ففعلت.
ومن تلك الذكريات أن طالبتين من طالبات مدينة الموصل تخرّجتا من المعهد وذهبتا إلى مدينتهما على أمل التعيين في التدريس، وكانتا من الأوائل المتفوّقات، فإذا بهما تصطدمان بما يصطدم به كلّ النساء في البلاد العربية ـ وربما في غيرها ـ بالوساطات النافذة التي هي أكثر فعلاً من التفوّق والتقدّم، فتعيّنت رفيقاتهما المتأخرات عنهما كلّ واحدة منهنّ في بلدتها، وعرض عليهما التعيين في أماكن نائية.
وإذا بي أفاجأ بوصول الرسالة الآتية إليَّ. وأنّي لأذكرها بحروفها لما تدل كلّ جملة فيها على أسلوب معين ومعنى معين:
حضرة الفاضل أستاذنا السيد حسن الأمين الأكرم،
بعد التحية والسلام والسؤال عن صحتك وأحوالك متمنين لك حياة طيبة تحف بالنعيم والرفاه.
إنّنا خريجات معهد الملكة عالية لهذا العام. لقد ضاقت بنا الأحوال وانسدّت أمامنا الأبواب من جهة تعييننا، وقد لاقينا من الصعوبات أشدّها في هذه المدّة، فلجأنا إلى حضرتك الفاضلة لتسعفنا بهذه القضية وتمدّ يد المساعدة إلينا. والواقع الذي شجعنا على إرسال كتابنا هذا هو سمو أخلاقك وصفاء قلبك وحنانك الأخوي تجاهنا.
وهنا نحن لا نزال رهن الدار غير ملتحقين بمدرسة ما. مع العلم أنّنا المتقدّمات، ومن حق المتقدّمات التقدّم ولا سيما الثانية والثالثة، مع العلم أنّ معظم المتخرجات اللواتي معنا قد عيّنَّ بمراكز ألويتهن. أمِنَ العدالة أيّها الأستاذ أن تتعيَّن المتأخرات وتؤخّر المتقدّمات؟
أين العدالة وأين نجدها؟
عندما نراجع الدوائر المختصة يقدمون لنا قضاءين واقعين في أقصى الحدود العراقية قرب الحدود الإيرانية والتركية. أهذا هو جزاء المتقدّمات؟
أمثال… (وهنا تذكران أسماء بعض الطالبات المتأخرات) قد عيّنَّ في مركز لواء كركوك منذ شهرين. أمّا نحن فيعدوننا من يوم إلى يوم. ولم نحصل على فائدة من هذا الانتظار، واتضح لنا أخيراً أنّ وعدهم فاشل وأصبح لا أمل للتعيين عندنا.
فنرجو من أستاذنا الفاضل أن يسعفنا وينجدنا في هذا الموقف الحرج ويسعى لتعييننا في مدارس مدينتنا الموصل أسوة ببقية رفيقاتنا، وجزاء لانتظارنا وتفوّقنا ولك منّا جزيل الشكر وفائق الاحترام. 9/12/1946.
طالبتاك المخلصتان لطيفة مجيد لاوند ـ فاطمة أحمد سلطان.
لقد رأيت في هذه الرسالة ضرباً من الوفاء لا تكليفاً بمهمة متعبة، لذلك تقبلتها بكلّ ترحيب وعزمت على إنجاد الفتاتين مهما كلفني ذلك من جهد ومراجعة، بل وتوسل.
لقد كان شيئاً طبيعياً أن ترسل مثل هذه الرسالة إلى أستاذ عراقي في المعهد، فالطالبتان عراقيتان، والأستاذ العراقي أولى بأن يستنجد به في هذا الاهتضام…
أمّا أن تستنجد الطالبتان العراقيتان الموصليتان بأستاذهنّ اللبناني لإنقاذهما من مأزقهما فهو غير الطبيعي وغير المنتظر.
ولكن هذا ما وقع!… لقد كان الوفاء وحده، الوفاء العراقي الأصيل هو الدافع لذلك.
إنّني نشرت الرسالة بنصّها، مع ما فيها من ثناء عليّ، وهذا ممجوج عندي، ممجوج أن ينشر الإنسان بنفسه الثناء على نفسه، وقد يرى القارئ في الكلام الآتي شيئاً من الثناء على النفس وهو أشدّ مجاجة عندي. ولكنّي متحمّل لهذه المجاجة لأنّها ستوصلني إلى ذكر ما أكبره من الوفاء العراقي.
لقد تذكّرت هاتان الطالبتان وهما في محنتهما ما كانت تلقاه الطالبات منّي من الرعاية لأمورهنّ والعناية بشؤونهنّ، فكانت رسالتهما إعلاناً لذلك، وكان تكليفي دليلاً على أنّهما تحفظان لي ذلك.
ومن هنا قلت إنّي فهمت الرسالة وفاءً لا إشغالاً لي بما ينبغي أن يشغل به غيري.
فانطلقت متّصلاً بكلّ من له تأثيراً من أصدقائي، فكانوا يستغربون اهتمامي بطالبتين موصليتين هذا الاهتمام الشديد، بل إنّ نافذاً عراقياً في وزارة المعارف لم يتردّد بأن يتكلم بما يدل على أنّ من الفضول أن يهتم أستاذ لبناني بطالبتين عراقيتين.
ولم يكن الأمر سهلاً ومضى الوقت ولم نصل إلى النتيجة، ولم أجب الطالبتين على رسالتهما لأنّي أردت أن يكون الجواب مقروناً بالنجاح.
ولم تحسب الطالبتان عدم إجابتي لهنّ إهمالاً منّي، ولا خطر لهما أنّ طول المدّة ناتج عن عدم العناية بأمرهما. لذلك أرسلتا رسالة أخرى كلّها أمل واستحثاث.
ولمّا تحقّق ما نريد كتبت لهما جواباً وقلت لهما لن يطول الأمر أكثر من يومين أو ثلاثة حتّى يصلهما أمر تعيينهما. وقد كان ذلك.
وكانت إحداهما: لطيفة غير قوية في النحو، وكان يربكها التمييز بين (لا) النافية للجنس و(لا) النافية للوحدة. فلم أزل بها في الدرس حتّى استقام الأمر لها، لذلك ختمت كتابي متسائلاً ممازحاً: كيف حال لطيفة الآن مع (لا)؟
فجاءني منهما جواب تقولان فيه:
لقد تحقّق رجاؤنا بفضل مساعيك فشكراً لك على عنايتك بأمرنا وألف شكر. ابتدأنا بمباشرة العمل يوم 31/12/46.
ثمّ تسترسلان في ثناء طويل، وأخيراً تختتمان رسالتهما قائلتين: إنّ لطيفة لا تزال تتذكر (لا) النافية للجنس و(لا) النافية للوحدة والفرق بينهما وهاك أمثلة على ذلك:
لا النافية للجنس: لا خير في علم لا ينتفع به.
لا النافية للوحدة: لا رجل في البيت بل رجلان.
ومن تلك الذكريات أنّ المتخرجات كن يطلبن إليّ أن أسجل لهنّ كلمة تبقى ذكرى لعهد الدراسة، كما كان بعض من لم يتخرجن يطلبن مثل ذلك. فمما سجلته للمتخرجات هذه الكلمة:
لطفية المفتي من الطالبات اللواتي أذكرهن بكلّ خير لما تجلّى لي فيها من الروح الأدبية الصحيحة، فقد لفتت نظري لأوّل مرّة عندما كلفتها مع رفيقاتها وكنّ في الصف الأوّل أن يصفن سفرهن وعودهنّ في عطلة العيد، فكتبت عن ذلك قطعة جميلة. ولم أكن أحسب أنّ فيها موهبة شعرية حتّى فاجأتني في أواخر هذا العام بشعر فيه كلّ مزايا الشعر الصحيح.
على أنّ لطيفة تجمع في شخصها المتناقضات، فهي تنثر وتنظم، ولكن بينها وبين سيبويه وقواعد سيبويه عداء مستحكماً فهي لا تبالي أن ترفع المنصوب وتنصب المرفوع، وهي بقدر ما تتذوق الأدب وتهضمه، لا تتذوق النحو ولا تهضمه!…
وإذا ما تذكرت دائماً نثرها العذب وشعرها الحسن، فإنّي إلى جانب ذلك سأتذكر دائماً أجوبتها النحوية الطريفة التي لا تربطها بالنحو رابطة ولا تجمعها به صلة!… وسأذكر دائماً أيام الصف الثاني (الفرع الإنكليزي)، صف لطفية وزميلاتها، وما كان في ذلك الصف من خُلق كريم وأدب رفيع وكسل متواصل…» اهـ.
وممّا سجلته لغير المتخرجات هذه الكلمة:
«تصرمت الأعوام وتوالت الأيام، وها هي السنة الثالثة في معهد الملكة عالية آخذة بالانسلاخ، وعمّا قريب تنقضي السنة الرابعة فينتشر هذا الجيل الكريم من الفتيات بعد أن يكون قد عبَّ من موارد العلم ما عبّ، وغداً لا يبقى من كلّ هذه السنوات إلاّ أطياف تتراءى من وراء الزمن، فأيّة أحاسيس يمكن أن تلتمع في الذهن لمن قدر له أن يقف من هذا الجيل الصاعد موقف المعلم؟
غداً عندما نعود فنضرب في آفاق الأرض قد أصبح لكلّ منّا وجهة هو موليها، غداً عندما يفصلنا عن تلميذاتنا ما لا يحصى من الأبعاد والأزمان، غداً سنتذكر أنّه كان لنا في سالف الأيام تلميذات جمعن إلى رصانة الخلق رجاحة العقل، وضممن إلى التهذيب العلم الجم، وسنذكر أنّه كان لنا بعض اليد في إعدادهنّ لمستقبلهنّ العتيد، غداً ستكون هذه الذكرى من أحبّ الذكريات إلى خواطرنا.
وإذا كنت لن أنسى أيام العراق ما حييت فإنّني لن أنسى ـ على الأخص ـ أيام معهد الملكة عالية، ولن أنسى أنّ فتياته اللواتي ملأن نفسي ثقة بمستقبل الفتاة العربية وأفعمن جوانحي اعتزازاً بها وإكباراً لها. وقد كانت نجلاء الخطيب في الطليعة.
وإذا كان لي ما أحثّها عليه فهو أن لا تهمل موهبتها الأدبية وأن تعمل على استكمال قريحتها النثرية والشعرية. ولا عجب أن تجيد وهي سليلة بيت طلع منه الشعر و الأدب» اهـ.
وداع العراق نثراً
يوم عزمي على ترك العراق كتبت في الصحف ما يلي:
منذ أربع سنوات عندما تناءت عن عيني مشاهد الشام وغابت معالم السهول والجبال واحتوتني الصحراء بوحشتها تلفَّت إلى الوراء منشداً:
فقلت لقلبي حين خفّ به الهوى
وكاد من الوجد الممض يطير
فهذا ولما تمض للبين ليلة
فكيف إذا مرّت عليك شهور
وأصبح أعلام الأحبة دونها
من الارض غول نازح ومسير
ورحت أمعنّ في القفر الأجرد واجماً مكروباً، وطفقت أمشي في البيد ساهماً مطرقاً أفكر فيما أنا مقدم عليه من عمل جديد ونأي مديد حتّى طلعت (الرطبة) بأضوائها المتلألئة فكانت ابتسامة الصحراء القطوب وضحكة الأمل الخابي بل كانت بادرة الخبر في هذا السفر المضني. وقد أشرقت نفسي لإشراق الرطبة فحسبته إشراق الراحة بعد العناء والنور بعد الظلام ولم أدرِ أنّه إشراق عهد من أعذب عهود حياتي وتألق زمن من أحلى أزمان عيشي حتّى بدت نخلات (الرمادي) وتلألأت صفحة (الفرات) وأطل سواد (الفلوجة) ولمعت مآذن (الكاظمية) وظهرت معاهد بغداد وماجت عوارب دجلة وزخر شارع الرشيد فكانت حياتي العراقية التي ينطوي الزمن ولا تنطوي من ذهني وتنمحي الأيام ولا تنمحي من خاطري ويتلاشى العمر ولا تتلاشى من ضميري!.
أربعة أعوام في العراق نزلت فيها بغداد والحلّة وجبت فيها كربلاء والنجف والكوفة وعفك والديوانية والناصرية ورحلت إلى البصرة وأبي الخصيب والقرنة والفاو وشاهدت الرافدين من ملتقاهما حتّى مصبهما وتنقلت في الغراف وحواضره ونزلت بعقوبة وكركوك وأربيل والسليمانية والموصل بل تغلغلت في صميم الأرياف والقرى فبت في العنبكية ووصلت إلى شفاثا والأخيضر.
أربعة أعوام في العراق توالت عليّ فكانت أزهر صفحة في دهري وأنضر صورة في ذهني وأجمل مشهد في نفسي وعندما آذنت هذه السنون بالزوال ومالت إلى الانطواء وعندما ختمت حياتي العراقي ومشيت أعاود قطع الصحراء إياباً كما عاودته ذاهباً ـ إذا بي وقد (تناءت عن عيني مشاهد العراق وغابت معالم السهول والجبال واحتوتني الصحراء بوحشتها) أتلفت إلى الوراء منشداً:
ولو قال لي الغادون ما أنت مشتهٍ
غداة جزعنا الرمل قلت أعود
أتطلب يا قلبي العراق من الحمى
ليهنك من مرمى عليك بعيد
ترى اليوم في بغداد أندية الهوى
لها مبدئ من بعدنا ومعيد
وإذا بي بعد أربع سنين عند تركي (الرمادي) وتخليفي ورائي سواد الفرات أقف نفس الموقف الأليم الذي وقفته عند تركي (ضمير) وتخليفي ورائي خضرة الغوطة وإذا بالحنين الذي ملك عليّ نفسي وأنا أفري الصحراء قاصداً العراق يملك عليّ نفسي وأنا أفري الصحراء عائداً من العراق وإذا بالشوق الذي أضناني وأنا أهجر الشام وأؤم العراق يضنيني وأنا أهجر العراق وأؤم الشام وإذا بي لا أكاد أدري أين هو ترابي أفي قمم (قاسيون) وذروات لبنان وسهول الغوطة أم هو في قمم (حمرين) وسهول (الرافدين) وإذا بي لا أكاد أعلم أين هم أهلي وصحبي أعلى ضفاف الليطاني وبردى والحجير أم على ضفاف الفراتين وديالى والغراف، فإذا ما حنَّ الناس إلى أرضهم وأهلهم حننت إلى أرضين وأهلين وإذا ما اشتاقوا بلادهم وقومهم اشتقت بلادين وقومين.
لقد غابت بغداد عن عيني ولكن بغداد لا تغيب عن نفسي فلا أزال أرى دجلة متدفقاً بين الرياض والمروج ولا أزال أبصر نخيلها متمايلاً مع النسائم والأرواح ولا تزال صورها الحلوة تتعاقب في خاطري غضة طرية الألوان.
ولقد انطوى العراق عن ناظري ولكن العراق لا ينطوي من ذهني فلا أزال أشاهده ناضر الصفحة زاهر الجبين ولا أزال أتطلع إلى الرافدين يشقان أديمه الأخضر ولا أزال أطل على ضفافهما الكاسية العامرة فأرى الدوح الفارد والأيك الدائح وأنظر جموع الفتيان وصفوف الشيوخ والكهول.
لقد بَعُدَ العراق عن بصري ولكن العراق لن يبعد عن قلبي.
أعذب أيام حياتي
إنّ أيّام التدريس في العراق كانت أعذب أيّام حياتي، ولم أر قبلها أو بعدها أياماً تضاهيها في ذلك، سواء منها عهد التدريس الثانوي في ثانوية الحلّة ودار المعلمين الريفية، أو عهد التدريس الجامعي في معهد الملكة عالية، ودار المعلمين العالية. أستثني من ذلك الأيّام التي بدأت فيها أجزاء (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية) تبرز إلى الوجود جزءاً بعد جزء، ثمّ اكتملت بمجلداتها الكبار، ثم طبعت طبعتها الثالثة.
لقد فاقت أيام (دائرة المعارف) بسعادتها كلّ الأيّام إذ حققت فيها حلم الحياة، ولا أزال أنعم بسعادة تحقيق هذا الحلم وأطمح إلى الاستزادة منه، بما أضيفه كلّ آن من زيادات على ما أنجز.
وسبب عذوبة أيّام التدريس العراقية ثلاثة أشياء:
أوّلاً: مطابقة العمل في التدريس لميولي سواء منها الأدبية أو التاريخية.
ثانياً: ما انطبع عليه العراقيون من الوفاء. وهو الخصلة التي تسمو على كلّ خصلة في الإنسان، فما رأيت كالعراقي وفاء، والوفاء ينير النفس مهما ادلهم فيها من ظلام. وأنا الذي ذقت العقوق والجحود والغدر في وطني أمر مذاق، لم يكن يحلو في نفسي شيء كالوفاء.
ثالثاً: ما لقيته ممّن تعاملت معهم من تقدير للإخلاص في العمل والكفاءة فيه، وما داموا هم مخلصين أكفاء فقد كان طبيعياً أن يقدروا الإخلاص والكفاءة.
حين يكون تعاملك مع المدراء: عبد الوهاب الركابي، وجعفر الخياط، ورشيد سلبي ومع العميدة (أمة السعيد)، فلن تشعر أبداً بالغبن.
ولكن حين يكون تعاملك مع ألفرد ثابت، وأنيس صالح، وفكتور عيسى، فستشعر بالغبن، فتسعد وأنت مدرّس بعيد عن وطنك، وتشقى وأنت قاض في صميم وطنك.
أضحكتنا ورب ضحك بكاء
فترة من زماننا عمياء
خلقت من خشارة الناس رهطاً
عرفت بعد خلقه الإباء
لمة من بني الشوارع عاشت
حيث عاش الأعيار واللقطاء
حشرات طلعت من طبقات الأرض
لما استتبت الظلماء
وجراثيم حين لاءمها الماء
تفشى من سمهن الوباء
وشتان بين أن يكون وزير الوزارة التي ينتمي عملك إليها رجل مثل الشيخ محمد رضا الشبيبي ونجيب الراوي، وبين أن يكون رجلاً مثل حبيب أبو شهلا.
وما أسعدك يوم يكون النافذ في محيطك الذي تعيش فيه رجل مثل سعد صالح، وما أشقاك يوم يكون هذا النافذ مثل أحمد الأسعد وعادل عسيران.
كذاك اعتلاء من ليس أهلاً
للمعالي مصيبة وبلاء
كيف لا ترقبن كلّ عشار
من قصير عليه طال الرداء
مطرق إن مشى كمن شغلته
لحلول المشاكل الآراء
لو تصفحته وجدت ثياباً
فوق جسم كأنّه المومياء
مجدباً كالسباخ من كلّ خير
جلّ ما في جرابه الكبرياء
أو ترجو من المغايض زهراً
ونبات المغايض الحلفاء
وكذا يبطر الرخاء خفيف الوزن
من حيث لم يسعه الإناء
رب داء ترى من العار شكواه
وشكوى بثنيك عنها الإباء
لقد كانت العميدة أمّة السعيد والمدراء عبد الوهاب الركابي وجعفر الخياط ورشيد سلبي: الواحات الخضر في صحراء حياتي الوقيد.
وكان الشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ علي الشرقي وسعد صالح ونجيب الراوي: الظلال الوارفة التي طالما وقتني لوافح الهجير.
ألا طبتم وأنتم أحياء في دوركم ومكاتبكم، الدور والمكاتب التي كانت فيها كلمة: (أهلاً وسهلاً) أشهى من الماء الخضير للظامئ الحران، والتي كانت تنبعث من أعماق قلوبكم لا من مظاهر شفاهكم.
وطبتم وأنتم أموات في أجداثكم، الأجداث التي انطوت على أشرف ما تنطوي عليه الأجداث من شهامة ومروءة ونخوة.
وإذا كان قد حال بيني وبينكم بعد الديار، ثمّ المقابر التي احتوتكم وستحتويني، فلن يحول شيء دون أن أردّد ذكركم بالجميل وأنا حي، وأن تردده هذه الأوراق على الدهر وأنا ميّت.
البحث والتأليف
كنت خلال إقامتي في النبطية أغتنم بعض أوقات الفراغ فأكتب بعض البحوث التاريخية والأدبية وأنشرها في مجلة (الرسالة) القاهرية الأسبوعية، وكانت يومذاك أوسع المجلات العربية انتشاراً، وممّا نشرته فيها مناقشتي لعباس محمود العقاد في بعض ما ورد في كتابه (عبقرية الإمام)، وقد بلغ من دقة تلك المناقشة وصوابها وتهذيب عباراتها، أنّ العقاد المعروف بعناده مع من ينتقده وشدّته على من يناقشه، وعدم تحمّله لأي ملاحظة ـ أنّ العقاد هذا سلّم لأوّل مرّة في حياته الأدبية، وربّما لآخر مرّة ـ سلّم بصواب ما اعترضت به عليه في العدد التالي من مجلة الرسالة الصادر في 10 كانون الثاني 1943، وجعل عنوان ردّه (خلاف يستحق الاختلاف)، وهذا العنوان وحده كاف بتسليم العقاد بصحة ملاحظاتي.
وصدف أن نشرت الرسالة في نفس العدد الذي نشرت فيه مقالي ـ نشرت مقالاً للعقاد يرد به على شيخ أزهري كان قد ناقشه في بعض ما ورد في كتابه (الصديقة بنت الصديق)، فحمل العقاد على ذلك المناقش حملة شعواء بقلمه الجبار، فقال بعض أصدقائي مخاطباً لي: انتظر دورك في العدد القادم!… فرددت: لا أحسب ذلك واقعاً، لأنّي أظن أنّ العقاد إنّما كان يهاجم منتقديه لأنه يستشعر من خلال كلامهم التعريض به والإقلال من شأنه، ويعتقد فيهم سوء النيَّة لا حب الوصول إلى الحقيقة، لذلك كان يعاملهم بما يعاملهم، وأظنّه هذه المرّة سيلمس العكس، وسترون… وصح ما توقعته فكان جواب العقاد منصفاً كلّ الإنصاف…
وواصلت وأنا في بغداد النشر في الرسالة وفي الصحف العراقية ومجلة العرفان اللبنانية.
واستمرّت حياتي الجديدة في بغداد أربع سنين دراسية: رأيت بعدها أنّ عليّ أن لا أفارق والدي بعد أن بلغ تلك السن العالية وبدأ الضعف يتسرّب إلى جسمه، فلزمته معاوناً له في إعداد موسوعته الكبرى (أعيان الشيعة) حتّى توفي بعد سنتين (سنة 1371ـ1952).
الانصراف إلى البحث والتأليف
ألقت وفاة والدي عليَّ عبئاً ثقيلاً، فقد وجدت أمامي موسوعة (أعيان الشيعة) وقد وصل فيها الوالد إلى نهاية حرف السين في خمسة وثلاثين جزءاً وترك بقية المواد مسودات أكثرها مشوش، وبعض التراجم لم يكتمل، وبعضها لم يكتب أصلاً، فعكفت على تنسيق المسودات وضمّها بعضها الى بعض وإلى إكمال ما لم يكتمل من الترجمات، وكتابة ما لم يكتب منها. وبعد كفاح أكثر من أربع سنين نشرت الجزء السادس والثلاثين من (أعيان الشيعة) مبدوءاً بحرف الشين، وكان المفترض أن يتواصل السير مطرداً، ولكنّه كان كثير التعثّر لما يعترضه من الصعوبات المالية، وظللت أكافح وأناضل حتّى كمل (أعيان الشيعة). ثمّ خرج بعد ذلك بطبعته الحديثة الأنيقة.
وكنت مع ذلك عاكفاً على مواصلة البحوث التاريخية متخذاً من مجلة (العربي) الكويتية أوسع المجلات العربية انتشاراً، مجالاً لقلمي مظهراً خفايا التاريخ الإسلامي ومصححاً كثيراً من الأغلاط الشائعة التي هي على عكس ما اشتهرت به، متناولاً بعض البحوث التي تنشر بما فيها من الأضاليل، بالنقد والنقض، وظل الدكتور أحمد زكي رئيس تحرير (العربي) يحثّني على المتابعة إذا استشعر منّي تباطؤاً، إلى أن توفي الدكتور أحمد زكي وقامت الأحداث اللبنانية سنة 1975، وانقطع خروج الرسائل البريدية من لبنان طيلة سنتين كاملتين فانقطعت صلتي بمجلة (العربي). كما أخرجت كتاب (الغزو المغولي) وهو أوّل دراسة مستوفاة لتلك الأحداث التاريخية الرهيبة حوى من التفاصيل والإيضاحات والتصحيحات ما جعله من أوسع المراجع للاطلاع على عصر الطاغيتين جنكيز وحفيده هولاكو.
كما أصدرت (الموسوعة الإسلامية) وقد أردت منها أن تكون مرجعاً موجزاً يسهل الرجوع إليه سواء لطالب العلم وللعالم والباحث.
وقد عنيت بتدوين رحلاتي فأخرجت من ذلك كتاباً سمّيته (من بلد إلى بلد). واهتممت بتاريخ (جبل عامل) الأدبي فأخرجت في هذا الموضوع كتاب باسم (عصر حمد المحمود والحياة الشعرية في جبل عامل).
كما أنّ ديواناً شعرياً لا يزال مخطوطاً.
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
على أنّ أهم منجزاتي هو إصدار دائرة المعارف الإسلامية الشيعية التي كان الدافع لإصدارها هو قراءاتي في (دائرة المعارف الإسلامية) التي كتبها المستشرقون بعدّة لغات أجنبية ثمّ ترجمها المصريون إلى اللغة العربية، فقد رايت في دائرة المعارف هذه من الأخطاء الفظيعة التي كان الدافع إليها سوء النية ككل ما كتبه (لامانس) اليسوعي البلجيكي([1382]) والأخطاء التي كان الدافع إليها الجهل وقلة الإطلاع ممّا كتبه غيره من المستشرقين.
ورأيت أنّ مترجمي دائرة المعارف إلى اللغة العربية قد علقوا على الأخطاء المتعلقة بغير الشيعة بما يصححها، وتركوا الأخطاء المتعلقة بالشيعة بدون أي تعليق ما عدا تعليقاً واحداً للشيخ أحمد محمد شاكر في بحث التقية كان منصفاً فيه كلّ الإنصاف.
بل إنّ بعض المعلقين المصريين لم يكتفوا بشرور المستشرقين، بل زادوا تلك الشرور شروراً بما افتروا به في تعليقاتهم عن الشيعة.
والعجيب فيهم أنّهم استعانوا ببعض شيوخ الخوارج كالشيخ إبراهيم طفيش ليعلقوا على ما كتب بشأن الخوارج، ولم يفكروا بالاستعانة ببعض علماء الشيعة ليعلق على ما كتب بشأن الشيعة، مع أنّ ما كتبه لامانس وغير لامانس عن الشؤون الشيعية وعن رجال الشيعة هو الأحق بالتعليق لفظاعة ما فيه وعظم افتراءاته.
هذا فضلاً عن مواضيع شيعية يجب أن تكتب وتبحث في دائرة المعارف، ولكنّها لم تكتب ولم تبحث.
وعندما أخذت في تدوين تعليقاتي وجدت أنّه قد تجمّع لدي مادة غزيرة فحرت كيف أنشرها، وأخيراً قرّرت أن أصدر (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية)، فصدرت وطبعت حتّى الآن ثلاث طبعات.
وهنا لا بدّ من الرد على الذين ظلّوا يأخذون عليّ تخصيصي المواضيع الشيعية التاريخية بالعناية، ويرون في ذلك أمراً مذهبياً، وأكتفي في الرد عليهم بإعادة نشر مقطع من الحديث الطويل الذي أدليت به لمجلة (العالم)، وهو المقطع المتعلق بهذا الموضوع وهو:
وهنا لا بدّ لي من أن أشير إلى من طالما اعترضوا على اندفاعي للدفاع عن حقائق اعتبروها شيعية، ورأوا في ذلك اتجاهاً مذهبياً. لهؤلاء أقول: إنّ الدفاع عن تلك الحقائق لم يكن لأنّها شيعية، بل لأنّها حقائق، مجرد حقائق زيّفها المزيفون جهلاً أو عمداً، فكان دفاعي عن الحقيقة وحدها. والدليل على ذلك أنّي دافعت بنفس الحماسة والاندفاع عن حقائق زيّفت ولم يكن لأصحابها علاقة بالشيعة كحقيقة الملك المظفر قطز بطل معركة عين جالوت. ففي أذهان الناس جميعاً أنّ قائد المعركة هو الظاهر بيبرس. وآخر ما قرأته من ذلك كتاب فيليب حتي وآخر ما سمعته من أسابيع هو قول أستاذ تاريخ في بلد عربي، سأل المتسابقين في التلفزيون عن اسم قائد معركة عين جالوت فعجزوا عن الإجابة، فقال لهم: هو الظاهر بيبرس.
وهذا القول لا نصيب له مطلقاً من الحقيقة التاريخية. ومن المؤسف أنّ كلّ ما يتعلق بمعركة عين جالوت قد شوّه تماماً. والذي قاد المعركة بل الذي لولاه لما جرت أصلاً ليس الظاهر بيبرس إنّه الملك المظفر قطز. والواقع أنّني لم أتحمس لأحد كما تحمّست للملك المظفر قطز ولم أكتب عن أحد أربعة مقالات كما كتبت عنه وهو ليس بشيعي ولا علاقة له بالشيعة. بل لأنّ هذا الرجل ظلمه التاريخ والمؤرخون بصورة فظيعة. لقد أهملوه تماماً في حين أنّه هو الذي لولاه لما جرت معركة عين جالوت وهو الذي قادها وهو الذي انتصر فيها!.
وهذا مثل على تزوير الحقائق التاريخية وعلى ظلم المؤرخين للرجال من أمثال الملك المظفر قطز. وأنا عندما تبيّنت لي هذه الحقائق التي أوردها على سبيل المثال كان لا بدّ من أن أتحمّس للملك المظفر قطز وإعادة الاعتبار إلى موقفه وقراره وقيادته وانتصاره في معركة عين جالوت. مع أنّه ـ كما قلت ـ ليس بشيعي فالانتصار للحقيقة وحده هو الدافع.
في المؤتمرات العلمية
دعيت للمشاركة والمحاضرة في بعض المؤتمرات العلمية منها:
1 ـ المؤتمر العلمي العالمي الذي دعت إليه جامعة خراسان في مدينة (مشهد) لمرور ألف سنة على ميلاد أبي جعفر الطوسي وقد حضرته وفود من أنحاء العالم الإسلامي ومن المستشرقين وأساتذة الجامعات الغربية المهتمين بالدراسات الإسلامية وحضره من المغرب علال الفاسي السياسي المعروف، وقد بالغ منظمو المؤتمر في تكريمه والعناية به، وخرجوا على الأصول المتبعة في مثل هذه المؤتمرات بأن يتولى رئاسة كلّ جلسة واحد من وفود البلدان المدعوة، فجعلوه رئيساً دائماً للمؤتمر. ولكنّه مع ذلك لم ينسَ أنّهم يخالفونه في المذهب فلم يسلموا منه. فقد حاضر في إحدى الجلسات عالم كندي متخصّص بالدراسات الإسلامية فأبدى إعجابه ببعض الأفكار الشيعية، فأغضب هذا الكلام علالاً فلم يملك بنفسه من أن يعلّق على كلام المحاضر محاولاً نقضه.
وصادف في إحدى الجلسات أن كانت في يوم جمعة، وقبيل حلول موعد الصلاة طلب أحد العلماء الإيرانيين الحاضرين رفع الجلسة لأداء صلاة الجمعة فرفع علال الجلسة وطلب إلى الحاضرين الالتقاء جميعاً لحضور الصلاة فذهبنا جميعاً ومعنا علال وكان بيننا مندوب يماني وكان مسروراً بهذا المؤتمر ومشاركته فيه ومتعاطفاً كلّ التعاطف مع منظميه، وكان مرتاحاً كلّ الارتياح للانتباه لموعد صلاة الجمعة، وكان علاّل قد ألفه فكان يبوح إليه بالكثير ممّا في نفسه، وممّا أسرّ به إليه أنّه بعد الانتهاء من صلاة الجمعة عاد إلى الفندق فأعاد صلاته.
هذا وفي مذهب علاّل الفاسي أنّ الصلاة تصح وراء البرّ والفاجر ولكنّها لم تصحّ عنده وراء الإمام الشيعي.
وقد كان وقع كلام علاّل أليماً في نفس صديقه اليماني، فلم يستطع إخفاءه عنّي.
لقد نجح المؤتمر كلّ النجاح، وكان موضع إعجاب جميع المنصفين، وكان للشيخ محمد واعظ زاده الخراساني أمين عام المؤتمر فضل كبير في هذا النجاح.
في تونس
2 ـ الملتقى التاريخي الذي دعت إليه وزارة الثقافة التونسية لدراسة التاريخ الفاطمي، وانعقد هذا اللقاء في مدينة (المهدية) العاصمة الفاطمية التي بناها الخليفة الفاطمي عبدالله المهدي، وسمّي لقاء (القاضي النعمان) وهو عالم الدولة الفاطمية وقاضيها.
وقد حدث لي شيء طريف في وصولي إلى العاصمة تونس. فقد حدّدت للسفارة التونسية في بيروت يوم سفري بعد أن طلبوا منّي ذلك ليخبروا به تونس، وليكون مندوب منهم في وداعي. وكنّا في تلك الأيام نعيش الأحداث اللبنانية الأليمة ودوي الرصاص ينطلق من كلّ مكان، وفي فترة هدأ فيها الدوي وكان ذلك قبل الموعد المحدّد لسفر الطائرة بساعتين، رأيت أن أبكّر في الذهاب إلى المطار فذهبت وأنهيت معاملات السفر ثمّ مضيت إلى قاعة المسافرين. وبعد ذلك جاء مندوب السفارة فلم يجدني بين المسافرين المتهيئين لإنهاء معاملاتهم، فاعتقد أنّي عدلت عن السفر في هذا اليوم فرجع إلى السفارة دون أن يرسل (التلكس) إلى تونس منبئاً بموعد وصولي([1383]). ولمّا هبطت في مطار تونس لم أجد أحداً في انتظاري فتعجّبت من ذلك ورأيت شرطياً فقصصت عليه الأمر فمضى بي إلى رئيسه في مخفر المطار الذي رحّب بي واتّصل بمحافظ المطار ـ كما يسمّونه هناك ـ فدعاني إلى مكتبه ولا أدري مع من تهاتف، ثمّ قال لي بكلّ أدب: إنّهم يسألون هل معك بطاقة الدعوة، فسألته مع من تهاتفت؟ فقال مع رؤسائه. فقلت إنّ الأمر لا يتعلّق برؤسائك، إنّه يتعلّق بوزارة الثقافة.
وكان قد مضى علينا أكثر من ساعتين في أخذ ورد، وكان المساء قد دنا، ولا أحد من وزارة الثقافة بمكتبه، ولا أدري بمن اتصل بعد ذلك، ثمّ قال لي: بعد قليل يكون هنا مندوب وزارة الثقافة وهم يأسفون جدّاً لما حصل، ثمّ وصل المندوب معتذراً متعجباً من عدم وصول الخبر إليهم، ثمّ مضى بي إلى الفندق، وقال إنّ مكان انعقاد الملتقى هو مدينة المهدية وستأتي في صباح الغد سيّارة لتوصلني إلى المهدية.
ولقد شعرت في المهدية وفي فندق المهدي بانشراح نفساني كبير، وعدت إلى الماضي البعيد إلى العصور الأولى للدولة الفاطمية لا سيما عصر الخليفة العظيم المعز لدين الله وعصر شاعره المبعد محمد بن هاني الأندلسي.
هذه الدولة التي لم تلق دولة من ظلم الناس مثلما لقيت، ويكفي أن أعدى أعدائها هم الذين كتبوا تاريخها فسعوا إلى طمس فضائلها وتشويه محاسنها واختلاق المساوئ لها.
وكنت عندما أسير في شوارع المهدية وأتذكر أنّ هذه الدروب كانت دروب المعز وهذه المسالك هي التي كان يسلكها، وأنّه من هنا انطلق لتحقيق الوحدة العربية الكبرى التي حققها هو ومن تلاه، محاولاً أن يعيد بها وحدة العالم الإسلامي.
ثمّ أتذكر كيف أنّ الجيش الفاطمي قد استردّ من البيزنطيين ما احتلوه في شمال بلاد الشام، ثمّ ردّهم في محاولاتهم المتكررة لاحتلال بلاد الشام كلّها، ثمّ صدّهم مرّتين عن محاولتهم الوصول إلى القدس.
وأتذكر الأسطول الفاطمي العظيم الذي أصبح سيّد البحر المتوسط فهزم البيزنطيين في البحر كما هزمهم الجيش في البر.
وأتذكر قصائد ابن هاني في وصف المعارك البرية والبحرية وانتصاراتها العظيمة، لا سيما قصيدته في وصف الأسطول، وقصيدته في معركة (المجاز).
وأتذكر أنّ كلّ ذلك كان انطلاقه الأوّل من هنا من المهدية، من بين هذه البيوت المتراصّة حولي، ومن على هذه الطرق الممتدّة أمامي.
ثمّ أتذكر ذلك الوهج العلمي المتألق الذي شعّ على العالم الإسلامي من قاهرة المعز والذي عبر عنه المؤرخ المصري الدكتور محمد كامل حسين بقوله في بعض ما قال: (فالقاهرة الفاطمية أصبحت مطمح أنظار العلماء، ومحمد رحال الطلاب. وفي العصر الفاطمي استطاعت مصر أن تنتزع زعامة العالم الإسلامي في الحياة العلمية).
وأتذكر أنّ الشعاع الأوّل لكلّ ذلك قد انبثق من هنا من هذه المدينة التي أسير الآن في دروبها.
ثمّ أتذكر ما جناه الجانون على ذلك التاريخ بأحقادهم وعصبياتهم وافتراءاتهم، فيتجاذبني في المهدية عاملان: عامل الزهو بوقوفي على مرابع الفاطميين الأولى، وعامل الأسى على ما انصبّ على تاريخهم المجيد من ظلم وبغي.
وانعقد اللقاء في جلسته الأولى، وكانت السفارة التونسية قد سلمتني قائمة بعناوين الموضوعات التي ترى وزارة الثقافة أن يبحثها المحاضرون، فاخترت منها هذا العنوان: (المهدية قاعدة حكم وعقيدة).
نحدّد عناصر سكان الجزيرة فيمكن القول إنّهم تكوّنوا من العرب والأكراد والآراميين بالإضافة إلى الأرمن الذين سكنوا في أرمينية في المنطقة الواقعة إلى شمال دجلة والفرات.
ـ العرب: كون العرب أغلب سكان الجزيرة وكانوا القوّة الرئيسة المحرّكة للأحداث السياسية. ولعلّ خير دليل على نفوذ العرب هناك أنّهم استطاعوا إقامة دويلات مستقلة عملياً وإن كانت تعترف ـ من الناحية النظرية ـ بسلطة الخليفة العباسي، أهمها الدولة الحمدانية التي أقامتها قبيلة تغلب الربعية، والدولة العقيلية([1384]) التي أقامها بنو عقيل المضريون (386ـ489) بعد زوال النفوذ الحمداني من الجزيرة. ومن الواضح أنّ قيام هاتين الدولتين على أيدي العرب العدنانيين إنّما يقف دليلاً ليس على نفوذ العرب وقوّتهم فحسب، بل وعلى ضخامة أعدادهم التي أتاحت لهم تكوين جيوش قوية (من العرب وغير العرب) سيطرت على تلك الأصقاع الوعرة وحمت الحدود ودفعت خطر الروم وجابهت الحركات المحلية العديدة، وبخاصّة حركات الأكراد ذوي القوّة والبأس والقدرة على خوض الحروب الجبلية، وكذلك حركات القبائل العربية المعادية لهم.
كان عرب الجزيرة مزيجاً من قبائل مضر وربيعة العدنانيين ومجموعات قبلية أخرى ـ عدنانية وقحطانية ـ استقرّت هناك نتيجة هجرات متتابعة في فترات زمنية مختلفة قبل الإسلام بعدّة قرون([1385]). لقد أطلقت المراجع الفارسية على منطقة نصيبين وما حولها اسم (عربستان) أي بلاد العرب، على حين أطلق سترابو اسم بلاد العرب على منطقة الجزيرة الواقعة جنوبي المنطقة الكردية والتي تمتد حتّى الصحراء. ويبدو أنّ سمعة هؤلاء العرب التجارية كانت عالية بدليل أنّهم احتكروا تسيير القوافل من سورية إلى العراق تحت حماية أمراء منهم من ذوي السطوة واليأس فرضوا نفوذهم وهيبتهم على طول الطريق المحاذي لدجلة([1386]).
ويبدو من تتبّع تاريخ إمارة الحضر Hatra (حطرا أو حطارا) التي ما زالت آثارها شاخصة في منخفض من بادية جزيرة العراق على مقربة من الضفة الغربية لوادي الثرثار بين تكريت والموصل، أنّ العرب عاشوا هناك منذ سقوط دولة الآشوريين في سنة 612 قبل الميلاد وأنّهم أقاموا سلالة حاكمة. إنّ وجود آلهة عربية عبدت في الحضر أيام الآشوريين إلى جانب الآلهة الآشوريين أتى بها العرب من جزيرتهم كاللات وشمش يقف دليلاً على وجود العرب في المنطقة قبل الميلاد بقرون. لقد حكمت في الحضر سلالة عربية مدّة ثلاثة قرون وكان أوّل حكامها أميراً عربياً اسمه سطروق ورد ذكره في كتابة اكتشفت هناك نصّت على أنّ أباه يدعى نصر وأنّ لقبه (ملك العرب)([1387])، ويبدو أنّ حكام هذه الإمارة كانوا من قبيلة قضاعة([1388])، ثمّ أعقبتها في أيام الغرثيين إمارة آرامية حكمت تحت حماية الرومان خلال القرنين الثاني والثالث للميلاد تلقب أمراؤها بقلب (فيلارك) الروماني وتدل أسماؤهم على أنّهم من العرب([1389]). وإذا رجعنا إلى المراجع العربية نجد ذكر الحضر وحكامها العرب يرد في أكثر من مرجع ثقة، على الرغم من أنّ أخبارها تختلط بالأسطورة. يقول ياقوت([1390]): «إنّ بني
هذي العروبة في مواكب زحفها
هبت إليك تجمعا وتحشدا
صوت من الأدب الرفيع يشدّهم
ونداء صدق في حماك ترددا
صوت (الرضي) إذا ترنم بالهوى
وإذا استجاش إلى الوغى وإذا حدا
صوت تردده الشعاب وتنتخي
قمم الجبال تحفزا وتوعدا
وفي هذا المهرجان لقيت الشاعر اليماني الزيدي إبراهيم الحضراني فأنست به كلّ الأنس، وعرفت منه الكثير من شؤون اليمن، وممّا عرفته أنّ قصيدة الأزرية شائعة هناك وأنّ الكثيرين يحفظونها عن ظهر قلب وقد أنشدني هو ما يحفظه منها.
كما أنشدني قصيدة تمثل حنين اليمنيين إلى النجف ومن في ثراه وأتذكر منها هذين البيتين:
آن أن تلثم الشفاه البقاعا
بعد أن شاقت القلوب سماعا
قد رضعنا هوى مغانيك أطفالاً
وهمنا بها أيفاعا
في بومبي (الهند)
3 ـ المؤتمر الإسلامي العالمي الذي دعا إليه الداعي الفاطمي محمد برهان الدين أمام البهرة في پومباي بالهند.
والبهرة هم بقايا الحكم الفاطمي الذين انتقل معظمهم إلى الهند واستقروا فيها وصار اسمهم (البهرة) ورئيسهم سلطان البهرة. والسبب في تخليهم عن اسم (الإسماعيليين)، أنّ الذين انشقوا عن الفاطميين بقيادة الحسن الصباح. ثمّ خرجوا عن العقيدة الإسلامية بإلغائهم الواجبات الإسلامية وإدخالهم في عقيدتهم ما يتناقض مع الإسلام، والذين عرفوا في الماضي باسم (النزاريين)، ثمّ في هذه العصور باسم (الآغاخانيين) ـ إنّ هؤلاء قد انتحلوا الإسماعيليين واشتهروا به وأصبحوا لا يعرفون إلاّ به، وهم على ما هم عليه من العقائد المتناقضة مع عقائد الفاطميين وإسلامهم ومذهبهم، لذلك رضي بقايا الحكم الفاطمي باسم (البهرة) ابتعاداً عن النسبة إلى من انتحلوا اسم الإسماعيليين.
والحقيقة أنّ هؤلاء الإسماعيليين (النزاريين) (الآغاخانيين) كانوا من أكابر العوامل التي استغلها المستغلون لتشويه عقيدة الفاطميين، إذ نسبوا إليهم عقائد النزاريين في حين أنّ النزاريين كانوا أعدى أعداء الفاطميين وفي حين أنّ عقيدتهم ظهرت بعد زوال الفاطميين.
وكانت دعوة سلطان البهرة لعقد هذا المؤتمر الإسلامي الكبير محاولة لتبيان حقيقتهم، فحشدوا له من استطاعوا حشده من كبار رجال الفكر الإسلامي وحسبك أنّه كان من حاضريه شيخ الأزهر الحالي وإثنان من شيوخه السابقين ومفتي الديار المصرية، مضافاً إلى المصريين الآخرين من أساتذة جامعيين ومثقفين ومقرئين، إلى غيرهم من أمثالهم من وفود البلاد الإسلامية والعربية.
في طهران
4 ـ مؤتمر نهج البلاغة الذي انعقد في طهران. ومن حسن المصادفات أنّني التقيت فيه كلاً من الشيخ محمد نجف والشيخ مهدي الأنصاري والشيخ محمد رضا الأنصاري. والأوّل منهما من أحفاد الشيخ محمد طه نجف أحد كبار أعلام النجف في عصره ومن أساتذة والدي عندما كان طالباً في النجف، وقد كان والدي يردّد ذكره دائماً في مجالسه مثنياً عليه كلّ الثناء، ذاكراً تتلمذه عليه بكلّ خير. ولقد سررت بلقاء حفيد أستاذ والدي لا سيما وهو على صفات تليق بمن ينتسب إلى ذاك الجد الكريم وكذلك كان سروري بلقاء الأنصاريين بعد أن عرفت أنّهما من سلالات الأشعريين الذين عمرت بهم (قم) علماً وإيماناً وكفاحاً، وكان هذان الأشعريان الأخوان صورة عمّا حدّثنا عنه التاريخ عن أسلافهما من العلم والإيمان والشهامة والإخلاص وحسن الخلق.
5 ـ مؤتمر قداسة الحرم وأمنه المنعقد في طهران. وقد حضرته وفود من جميع أنحاء العالم الإسلامي ما عدا بعض البلاد العربية، وقد تجلّت فيه الرابطة الإسلامية العميقة التي تشدّ المسلمين بعضهم إلى بعض بجميع ألوانهم ولغاتهم، فكانوا في هذا المؤتمر يبدون أمّة واحدة تجمعها عاطفة واحدة وآمال واحدة.
6 ـ مؤتمر الشهيد السيد حسن المدرس الذي انعقد في طهران بمناسبة مرور خمسين عاماً على استشهاده.
7 – مؤتمر الفكر الإسلامي السادس المنعقد في طهران، وكان موضوع بحوثه: (حقوق الإنسان في الإسلام).
مع الناشرين
باشرت طبع ونشر مخطوطات أعيان الشيعة بما تجمع لديّ من مال قليل، واستمريت هكذا مواصلاً النشر في فترات قد تتقارب وقد تتباعد بحسب ما يتيسر من المال.
وكان لا بدّ لي في هذه الحال من التعامل مع أصحاب المكتبات بائعي الكتب ومشتريها، سواء منهم من كان في لبنان أو العراق أو إيران. وقد تكشفت لي في التعامل مع هؤلاء أعجب الأعاجيب من استحلالهم أكل المال الحرام، فالواحد منهم لا يحجم عن ذلك ما استطاع إليه سبيلاً.
وعلى العكس منهم أصحاب هذه المهنة من الغربيين، فقد تلقيت يوماً طلباً من مكتبة في مدينة (وسبادن) في ألمانيا تطلب فيه إرسال عدّة مجموعات من الكتب، فأعرضت عن إجابة الطلب بعد تجاربي مع من طلبوا أمثال هذا الطلب في لبنان والعراق وإيران، فإنّهم بعد أن يصلهم ما يطلبون يمتنعون عن إرسال الثمن، مطمئنين إلى أنّ من يطالبهم بعيد عنهم لا يصل إليهم.
وبعد مضي فترة حدّثت صديقاً لي ذا تجارب في هذا الموضوع، فحثّني على إرسال ما تطلبه مكتبة (وسبادن)، لأنّها بمجرد أن تستلم الكتب المطلوبة سترسل الثمن في الحال، وهكذا كان، وتكرّرت طلباتها وتكرّرت إجابة هذه الطلبات.
ثمّ وقع لي حادث غريب إذ أنّني تلقيت طلباً من مكتبة جامعة برنستن في أميركا فأرسلت لها ما طلبت فأرسلت لي الثمن، ثمّ عاودت الطلب فأرسلت لها أيضاً ما طلبت، وكان ثمن ما طلبته في المرّة الثانية أكثر من ضعف ثمن ما طلبته في المرّة الأولى. وكانت الطلبات تأتي موقّعة من (رودلف ماخ) ومكتوبة بلغة عربية سليمة. وانتظرت وصول الثمن فلم يصل، فأرسلت رسالة تذكير، فلم أتلق أي جواب وتكرّر التذكير وتكرّر الامتناع عن الإجابة.
وحدّثت صديقاً لي أقام فترة في أميركا بهذا الأمر، فقال لي: إن رودلف ماخ هذا هو يهودي، فعند ذلك زال العجب.
قصائد منوّعة
أشواق
يا ويح قلبي كم يلقى وكم يجد
وكم تكابد همًّا هذه الكبد
لمن ارتّل أشعاري وأنظمها
ومن يقرض أبياتي وينتقد
كتمت حبك في صدري فضاق به
صدر بجمر نواك اليوم يتقد
أن تغف عينك عن همي فإنّ لها
عيناً يطول عليها بعدك السهد
الدار بعدك لا تحلو مطالعها
ولا يطيب لعيني في الهوى البلد
والكون بعدك لا حسن ولا أرج
للمستهام ولا نعمى ولا رغد
يا سرحة الحب لا ماء الصبا غدق
بعد الرحيل ولا طير الهوى غرد
هذه الحياة فلا ظل ألوذ به
على الهجير ولا ريًّا فأبترد
أين المرابع بالسمار حافلة
وأين أحبابنا من بعدنا قصدوا
هل شاقهم بعدنا للحب شائقة
يوماً وهل وجدوا بعض الذي نجد
وددت لو طالعت عيناي مطلعهم
وشاهدت في الربى الروض الذي شهدوا
وإنّني في الجبال الشم أرقبهم
وإنّني أرد الماء الذي وردوا
صامتة
لا تصمتي فبياني منك منبثق
ومن عيونك وحي الشعر منطلق
كم قد شكتك ليالي الوجد صامتة
وكم أفاض الأسى واسترسل القلق
لا تصمتي ولغات الحب ناطقة
أحنا الأحبة من أن عوتبوا نطقوا
رفت عليك صباباتي وما برحت
بنار حسنك هذي النفس تحترق
ناجيت قلبك أستجلي كوامنه
لو أنّ قلبك في شكواه ينطلق
من الذكريات
في السابع من تموز سنة 1990 نشرت جريدة السفير البيروتية ترجمة قصيدة للشاعر الصهيوني افرايم تسيدون هذا نصّها:
«لن تحاور»
يا مردخاي غور
سأقص عليك قصة
حتّى لو تخلت المنظمة عن ميثاقها
حتّى لو حول ياسر عرفات
اسمه في احتفال رسمي
ليكون موشيه
وحتّى لو تخلى الفدائيون عن أسلحتهم وعقيدتهم
وأرسلوا بطاقات التهنئة
لكلّ بيت يهودي
في رأس السنة العبرية
حتّى لو شاركتنا المنظمة
في بناء المستوطنات لليهود القادمين الجدد
وحتّى لو أعلنوا أمام الملأ
أنّ الضفة الغربية أرض يهودية
وحتّى لو قامت نساء فتح
بنسج قبعات الصوف لجنود إسرائيل
وحتّى لو استقبل أهالي الضفة
جماعات غوش امونيم بالأغاني
والزغاريد وحتّى لو اعترفوا بالدولة اليهودية
وقدموا لنا كلّ أموال التبرعات التي يتلقونها
وحتّى لو التزم ياسر عرفات أمام الملأ
بأنّنا الذئب وهم الغنم
وحتّى لو نقلوا اللاجئين إلى القطب الشمالي
ورفعوا رايات الهزيمة أياماً وليالي
وحتّى لو تحوّلت سيوفهم
إلى أقلام ومساطر
فلن نجالسهم أبداً
ولن نحاور
فرددت عليه بالقصيدة التالية:
لا سلم
لا سلم حتّى تستباح دياركم
بشبا القواضب والبنادق والمدى
وتدك بالبارود تل أبيبكم
ويعود مغناها لظى متوقدا
ونردكم في الخافقين أذلة
ونعيدكم أن تكونوا اعبدا
بالفيلق العربي يزحف هادراً
ويكر في رهج المعامع منشدا
ثارات يعرب لن تطل دماؤها
ولظى الحفائظ لن يبوخ ويخمدا
شدوا ففي حيفا المراح على السرى
غلسا وان على ثراها الموعدا
أن يظمأ الوطن الجريح فلن ترى
إلاّ دماهم للعاطشى موردا
يا شاعر السوءات دون فارتقب
يوماً من الولايات مرّاً اسودا
لا… لن تحاور بل تكمم صاغراً
وتقاد للجلاد ثمّ مصفدا
ونعود لذكرياته
الذكريات في حياة حسن الأمين
أكتب هذا الكلام الآن في التاسع من شهر شباط السنة 1993 (شعبان 1413) وبين يدي أربعة مجلدات من (مستدركات أعيان الشيعة). وفي المطبعة يهيئ المجلد الخامس للصدور، وعلى رفوف المكتبة إلى يميني الأغلفة الصفراء مملوءة بمواضيع المجلد السادس التي لا تزال تزداد يوماً بعد يوم حتّى تكتمل بما يملأ هذا المجلد.
إنّني منذ بدأت العمل بعد وفاة والدي بإعداد مسودات «الأعيان» غير المطبوعة ـ إعدادها للطبع، كان أقصى ما أطمع إليه أن أستطيع تنسيق تلك المسودات وإخراجها مطبوعة، وذلك مطمح كان تحقيقه يبدو بعيد المنال.
أوّلاً: لأنّ إعداد تلك المسودات وتنسيقها وضم مواد كلّ ترجمة إلى مجموعة واحدة. لم يكن من الأمور السهلة.
ثانياً: هب انّي استطعت ذلك فقد كان إخراج تلك المسودات مطبوعة يحتاج إلى أموال كنت لا أملك شيئاً منها. ولم يكن من المستطاع العثور على مغامر من المتاجرين بالكتب يقدم على بذل كثير من المال على أمر غامض النتائج.
كنت أفكر كيف أستطيع إكمال طبع (أعيان الشيعة). أمّا أن يكون لـ (أعيان الشيعة) المطبوع مستدركات فذلك أمر لم يدر في خلدي أبداً.
ولكن التصميم الصارم، والعزم الصامد أخرجا (أعيان الشيعة) في طبعة كاملة لا تقل اتقاناً عن أشهر الموسوعات العالمية في أرقى بلاد الغرب.
وظننت بعد ذلك أنّي سأستريح بعد أن حققت الحلم الذي كان عدم تحقيقه همًّا منغصاً للحياة طيلة أكثر من عقدين من السنين.
وقد كان ما تحملته خلال تلك السنين في تحقيق حلم الحياة ـ كان شيئاً يهد العزائم، كان بعض ما فيه، الخيبة ممّن تحسب أنّهم من الذين لا تخيب عندهم الآمال الطيبة.
ومن بعض ما فيه محادثة الجفاة الغلاظ، ومناشدة الجهلة الأغبياء، والتواضع لمن لا يستحقون إلاّ التكبر عليهم والترفّع عن مجالستهم.
كان ما لقيته شيئاً لا أحتاج بعد إنجاز ما أنجزته إلاّ للعزوف عن مخالطة الناس، والانكفاء إلى التأمّل ومناجاة النفس، والخلود إلى الراحة الكاملة.
وكانت المطالعة سلواي الوحيدة، وكانت تمر بي خلال المطالعات بحوث وأخبار في غاية الأهمية، تتعلق بمن سجلت تراجمهم في (أعيان الشيعة)، فكنت آسف لأنّي لم أر ذلك قبل طبع الكتاب لأضيفها إلى تراجم أصحابها مشيراً إلى أنّها ممّا استدركته على الترجمة، كما حصل ذلك مراراً خلال طبع الكتاب.
وفيما أنا منكب على المطالعة وقعت لي دراسة في إحدى المجلات تتعلق بالفيلسوف (أفضل الدين الكاشاني)، المعروف بأفضل المرقي، فعدت إلى (أعيان الشيعة) لأرى ما سجل فيه عنه، فإذ ما هو مسجل قليل، لأنّ تفاصيل أخباره لم تكن قد وصلت إلى مؤلف (الأعيان)، وليس ذلك مستغرباً فصاحب (الأعيان) لم يكن مستطيعاً أن يحيط بكلّ شيء، وحسبه فضلاً الوصول إلى ما وصل إليه.
فأفرزت مكاناً في محفوظاتي في المكتبة لترجمة أفضل الدين للرجوع إليها عند الحاجة، دون أن يكون في خاطري أي تفكير في مستدركات لأعيان الشيعة.
على أنّ ذكريات مرارة ما لقيت في إنجاز طبع (أعيان الشيعة) والوصول به إلى طبعته الأنيقة. إنّ ذكريات هذه المرارة أخذت تتقلص أمام الحلاوة التي أخذت أحسّها من تداول (الأعيان) في أيدي الناس.
وإنّ انطباعات الغصص التي كابدتها، صارت تمحوها يوماً بعد يوم هذه الجرعات من الهناء التي كانت تعتادني من رؤية مجلدات الكتاب براقة على رفوف خزائن الكتب.
وشيئاً فشيئاً لم يبق في النفس إلاّ الشعور بالسعادة لإنجاز ما وعدت والدي بإنجازه في إكمال طبع كتابه العظيم بعد وفاته.
وغمرتني فأنستني كلّ ما مرّ، وفي هذه الغمرات الهانئة وجدتني مثقلاً بهمٍّ جديد هو همّ مرور الزمن بعيداً عن أي إنتاج، وعدت كما قال المتنبي:
وما في طبه أني جواد
أضرّ بجسمه طول الجمام
لقد طال الجمام بعد طول العناء، فعاد هذا الجمام أشدّ على النفس من كلّ عناء، فهيا إذن إلى العناء من جديد شفاء من طول الجمام.
على أنّ شكواي لم تكن من العناء الجسدي، بل كانت من العناء النفسي في محاولة التعاطي مع من كان التعاطي معهم عناء للنفس دونه كلّ عناء!.
أمّا الآن فلا عناء نفسياً لأنّ الإقبال على (أعيان الشيعة) جعل المعرضين بالأمس يقبلون اليوم.
وهنا تذكّرت ترجمة أفضل الدين الكاشاني، وتذكّرت من ماتوا بعد موت مؤلف (الأعيان) فلم يترجموا في (الأعيان) لأنّه كان من طريقته أن لا يترجم للأحياء.
تذكرت ذلك فقمت إلى محفوظات المكتبة فاستخرجت منها ترجمة الكاشاني وأعددت لها إضبارة خاصّة كتبت على ظاهرها بخط عريض (مستدركات أعيان الشيعة)، وأفرزتها ناحية، فكانت هذه الترجمة نواة (المستدركات)، وكانت هذه الإضبارة أساس ما توالى بعدها من إضبارات، امتدّت حتّى أعطت حتّى الآن خمسة مجلدات([1391]).
أوائل العام الخامس والثمانين
إنّني الآن في أوائل العام الخامس والثمانين من العمر، فكم ستمتدّ الحياة من السنين بعد هذا العام، بل الأحرى أن أتساءل كم ستمتد من الأيام والشهور، فبعد الخامسة والثمانين هل يمكن الطمع بسنين.
إنّ امتدادها إلى هذا الحد. إلى الخامسة والثمانين مع الاحتفاظ بالصحة والنشاط والطموح والفكر لشيء كثير فالأتراب ماتوا، والرفاق فنوا أو عجزوا!.
وأنا لا أزال قائماً، والقلم في يدي أسطّر به ما أسطّر من بحوث (المستدركات) طوراً، ومن بحوث (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية) طوراً آخر… فإلى متى سيدوم ذلك.
اللهم هب لي ما تشاء من السنين أو الشهور أو الأيام، وسيكون إعظامي لهبتك أن لا أنفقها إلاّ في رضاك، ولا أحسب أنّ شيئاً يرضيك أكثر من تسطير صفحات مجيدة من تاريخ الأمّة التي قلت عنها في كتابك العزيز: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} أمّة العرب وأمّة المسلمين.
إنّ ما سجل في (أعيان الشيعة) ومستدركاته، وما سيسجل وأنّ ما سجل في دائرة المعارف الإسلامية الشيعية وما سيسجل، ليس ـ كما قد يبدو من العنوانين ـ موضوعاً طائفياً، أو دراسة مذهبية أو بحوثاً فئوية.
إنّه نشر لصفحات مطوية من أنصع صفحات تاريخ العروبة والإسلام، وتسجيل لأخبار من أنقى أخبار هذه الأوطان التي عاش فيها العرب والمسلمون.
في أوّل الطريق
الإضبارة النحيلة التي ضمّت ترجمة واحدة، والتي استهلت باسم أفضل الدين الكاشاني، كنت أحسب أن ليس من السهل تضخيمها، وكنت لا أستطيع تقدير الزمن الذي يقتضيني لجعلها مستهل (المستدركات) المطبوعة. ولكن الأيام كانت تمر منتقصة من العمر، مزيدة في الإضبارة.
وحين تشعر أنّ الأيام تنتقص من عمرك وتسوقك إلى الموت بلا جدوى، وحين تغيب الشمس فتحسّ أنّك خطوت خطوة إلى الفناء بلا أثر خلفته وراءك…
حين يكون الأمر كذلك يكون للحياة مرارة العلقم، ويكون طلوع الشمس وغروبها، طلوع للبلاء الذي لا غروب له.
لقد ذقت ذلك سنين من حياتي، يوم أبيت أن أخنع لواقع الدنيا في هذا الوطن، هذا الواقع الذي يجعلك وأنت الأنوف الأبي ـ يجعلك تقف موقف صاحب الحاجة أمام اللئام أميّي الفكر الذين أوصلتهم أحط الطرق إلى أن يكونوا قاضيي الحاجات…
فآثرت الحرمان على الدنو منهم والوصول إلى أبوابهم.
فكان عليّ أن تمر أيامي خواء، وأن تنقضي حياتي هباء، وأن تشرق الشمس ولا جديد في شروقها، وأن تغيب فيطلع الاسى من مغيبها.
أمّا اليوم فللشمس أن تطلع ما طلعت، فإنّها تطلع ويطلع معها أمل جديد، وتغيب فيشرق مع غيابها عمل عتيد.
ها هي الإضبارة التي كانت وحيدة تصبح إضبارات، وها هي ترجمة أفضل الدين الكاشاني التي كانت مفردة تصبح لها أخوات وأخوات!.
كانت ثاني ترجمة أكتبها للمستدركات ترجمة المفكر العربي الكبير محمد شرارة الذي كان لم يمض على وفاته وقت طويل، وكم شعرت بارتياح نفسي وبهجة روحية، وأنا أخط سطور ترجمة هذا الرجل الذي أعطى أمته أفضل ما يعطي الرجال لأممهم. وكم حمدت الله لأنّ عملي الذي اخترته لنفسي هو تسطير تاريخ الرجال لأستطيع أن أعطي الرجال مستحقي العطاء ـ أن أعطيهم بعض حقّهم!.
ثمّ تلت ترجمة محمد شرارة ترجمة الشاعر العاملي إبراهيم شرارة الذي هو من صانعي النهضة الشعرية في جبل عامل في هذا العصر، وممّن عرفتهم المنابر العاملية في مختلف ندواتها سواء في أفراحها أو أحزانها، رفيعي الصوت في استنهاض الهمم، بليغي القول في استصراخ العزائم.
وإعداد ترجمة إبراهيم شرارة والحصول على بعض شعره كانا مثالاً لما كنت أعانيه من أقرباء بعض من أريد أن أذكرهم في (المستدركات)، فبعض هؤلاء الأقرباء كان يماطل ويطاول في حصولي على ما أريد، ثمّ كان يبدو وكأنّه يمن عليّ بما يعطي إذا أعطى.
ولم يكن شقيق إبراهيم شرارة وحده الذي عانيت منه ما عانيت، ثمّ بعد انتظار أكثر من سنة لم يصلني منه شيء، بل وصلني ما أريده من قريب آخر لإبراهيم.
لم يكن شقيق إبراهيم شرارة وحده في ذلك بل كان له نظائر، ولكنّهم قلة وفي المقابل كان هناك من بلغهم عملي، فأسرعوا هم من أنفسهم لإمدادي بما أريد سواء من كان منهم في لبنان أو العراق أو إيران أو الهند أو باكستان أو أفغانستان.
وكانت خطتي في (المستدركات) ذات ثلاث مناحٍ:
1 ـ تراجم من توفوا بعد وفاة مؤلف أعيان الشيعة.
2 ـ إضافات إلى من ترجمهم، ثمّ وجدنا لهم ما يجب أن يضاف إلى تراجمهم.
3 ـ تراجم القدماء الذين فات المؤلف ذكرهم.
وأخيراً صدر الجزء الأوّل من المستدركات على نسق الطبعة الجديدة من مجلدات الأصل: (أعيان الشيعة)، ولكن بعدد من الصفحات أقل.
وقد كانت قلة عدد الصفحات مفروضة علينا، إذ لم يجتمع لدينا من التراجم في المجلد الأوّل أكثر ممّا اجتمع، فآثرنا أن نخرج ما اجتمع على أن ننتظر اجتماع أكثر ممّا اجتمع.
ولكنّنا حدّدنا بعد ذلك عدد صفحات كلّ مجلد، على أن لا نتجاوزها ولا نقلّل منها، لكي تصدر المجلدات في حجم واحد ما عدا الأوّل الذي كان محكوماً علينا أن نخرجه بعدد الصفحات التي خرج بها.
دائرة المعارف
لم يشغلني العمل في (مستدركات أعيان الشيعة) عن التفكير في إكمال (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية)، إذ أنّني اقتصرت في إخراجها على ثلاثة مجلدات فقط. وكنت قد أعددت إضبارة خاصّة لمواضيع جديدة للدائرة اجتمع فيها العديد من المقالات المتنوعة. وقرّرت أن أسير بالعملين معاً في وقت واحد.
ومن أجل ذلك كان لا بدّ من الانتقال إلى مختلف البلاد العربية والإسلامية للاتصال بالاختصاصيين واستكتابهم، والبحث في المكتبات العامة والخاصّة، ومشاهدة كثير من المواقع مشاهدة عيانية. وكان ذلك متعذراً عليّ لافتقاري إلى المال الذي لم أكن أملك منه شيئاً.
مؤتمر الشيخ المفيد
تلقيت دعوة لحضور مؤتمر علمي يعقد في مدينة (قم) احتفالاً بمرور ألف عام على وفاة الرجل الكبير الذي اشتهر بلقبه العلمي (الشيخ المفيد) وفي اليوم الخامس عشر من شهر نيسان سنة 1993 كنّا نأخذ السيّارات من بيروت إلى دمشق ومنها نأخذ الطائرة إلى طهران.
ووصلنا ليلاً الى مطار طهران وانتقلنا منه في السيّارات إلى (قم) وقضينا الليل في الفندق المعدّ لنزولنا مع بقية المدعوين من الأقطار الأخرى.
وقد كان هذا المؤتمر التجربة الأولى لرجال الحوزة العلمية في قم، إذ أنّ القائمين به هم من أطلقوا على أنفسهم اسم (جماعة المدرسين)، والمقصود بالمدرسين: مدرسو الحوزة.
وقد أثبت المشرفون على إعداد المؤتمر وتنظيمه وإدارته جدارة عالية في هذا الأمر، وبرهنوا على أنّهم أكفياء للقيام بمثل هذه المهمات التي لا عهد لهم بها من قبل. وكان المؤتمر ـ بفضل جهودهم ـ ناجحاً، سواء بالإقبال على حضوره أو فيما كتب له من بحوث ما ألقي منها على الحاضرين وما لم يلق.
وفي الوقت الذي دعيت فيه إلى المساهمة في مؤتمر الشيخ المفيد في قم، أنبئت أنّنا مدعوون أيضاً إلى مؤتمر تذكاري لعالم الفلسفة الإسلامية الشهير الشيخ هادي السبزواري. وقد أنبئنا بذلك قبل يوم واحد من موعد السفر من بيروت. لذلك لم يكن مستطاعاً إعداد دراسة عن السبزواري.
ولكنّني مع ذلك صمّمت على تلبية الدعوة لأنّ لسبزوار في ذهني صوراً تاريخية زاهية، ويكفي في ذلك أنّ منها انبثقت حركة (السربداريين) في قرية غير بعيدة عن المدينة نفسها، هذا فضلاً عمّا يتيحه لي حضور المؤتمر من لقاءات ومشاهدات فيها الكثير من الفائدة.
مؤتمر الشيخ هادي السبزواري
ومضوا بنا بعد انفراط عقد مؤتمر الشيخ المفيد ـ مضبوا بنا من قم إلى طهران حيث قضينا يوماً وليلة فيها، وفي أصيل اليوم الثاني انتقلنا في الطائرة من طهران إلى مشهد، فلم نبرح مطارها، بل مضينا في الساعة السابعة مساء في يوم 22 نيسان 1993 في السيّارة قاصدين مدينة سبزوار، مصحوبين بالسبزواريين الذين انتدبوا لاستقبالنا في المطار.
وكان الذين لبّوا دعوة مؤتمر سبزوار من غير الإيرانيين قليلين لا يجاوزون بضعة أشخاص بينهم السيد (شجيرو كامادا) أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة طوكيو.
سرنا في جادة عريضة لها اتجاهان في السير يفصل بينهما وسط مخضوضر، وعلى جانبيها شواهق البناء، ووراء الشواهق البساتين النضيرة.
كنّا نسير في مدينة مشهد في جادة من جوادها المتمادية في العرض والطول، ولم نلبث أن تركنا الجادة منحرفين إلى اليسار في طريق ضيق تمتد فيه الأشجار ووراءها البساتين ثمّ انحرفنا إلى اليسار أيضاً ولكن في طريق عريض تتكاثف الأشجار على ضفتيه، وتمثل هذه الأشجار طلائع للبساتين التي وراءها.
ولم يلبث الشجر أن توارى وصارت الأرض جرداء تتخللها البيوت المبثوثة هنا وهناك وهنالك، ثمّ انقطع العمران وصرنا في سهول مديدة أكسبها فصل الربيع خضرة يانعة، على أنّها ليست سهولاً منبسطة تمام الانبساط، بل فيها ما يرتفع وفيها ما ينخفض. ترتفع في أكثرها وتنبسط في أقلها، لا سيما على جانبي الطريق حيث تصبح تلالاً متتابعة.
ثمّ بدأ الظلام يرخي سدوله، وأخذت بعض الأنوار تلتمع في السهل الواسع، هي أنوار معامل وأنوار سيّارات، وقلّ العمران، ثمّ انعدم كلّ الانعدام.
إنّها سهول زراعية مديدة لا مكان فيها لغير النبات، فلا قرى ولا دساكر ولا مزارع ولا سكان، وهذا يبدو جلياً ممّا يرين عليها من ظلمة داجية لا تلمح خلالها بصيصاً من النور. اللهم إلاّ الأنوار المتماوجة بيضاء في مصابيح السيّارات القادمة وحمراء في المصابيح الذاهبة.
ولم تلبث أن لمعت إلى يسارنا أنوار متكاثفة بعيدة علمنا أنّها أنوار قرية (جمال ده)، ثمّ تلتها أنوار قرية أخرى. ثمّ إلى يميننا قرية (فخر داود).
إنّنا منذ خروجنا من مطار (مشهد) نمشي في سهول خراسان ونشق البراري التي تعاقب على شقّها منذ صدر الإسلام من نحس الآن ذكراهم في مسيرنا الليلي الداجي هذا. ومهما استغرقت في الحاضر وتطلّعت إلى الآتي، فإنّك وأنت في ليل سهول خراسان ستراك مشدوداً إلى الماضي!…
لله ما يثير في النفس هذا الظلام الدامس تارة، والموشّى بالمصابيح تارة أخرى ـ لله ما يثير النفس حين تعي أنّه الظلام الذي طالما جازته أحداث هي من تاريخك في الصميم.
ومضت السيّارة توغل في الحاضر، ومضيت معها أوغل في الغابر!…
ثمّ طلعت إلى يسارنا أنوار قرية (ديزباد) السفلى وأمامها أنوار (ديزباد) العليا، ثمّ إلى يميننا أنوار (علي آباد)، ثمّ تتابعت أنوار الدساكر والقرى.
هذا الطريق الذي نسير فيه هو في الحقيقة طريق طهران ـ مشهد، فنحن حين خرجنا من مشهد في هذا الطريق كنّا نعود راجعين من حيث أتينا، راجعين باتجاه طهران.
ذلك لأنّ لا مطار في (سبزوار)، فمن أجل الوصول إليها لا بدّ أوّلاً من تجاوزها بالطائرة وصولاً إلى مشهد، ثمّ العودة إليها بالسيّارة من مشهد.
بعد أن كانت الأنوار تبدو بعيدة عنّا في عرض السهل، رأينا أنّ أنوار مزرعة قرب الطريق ثمّ أنوار استراحة يفيء إليها المسافرون المتعبون القادمون براً من طهران إلى مشهد. ثمّ تتابعت بعد أنوار قرية (حاجي آباد) الملاصقة للطريق ـ تتابعت أنوار القرى القريبة والبعيدة، وتكاثرت بحيث قرب بعضها من بعض.
وبعد حوالي الساعة كنّا نخترق أوّل شارع من شوارع مدينة (نيسابور)، فبدت أنوار نيسابور ممتدة على الجانبين. وظللنا نمشي في جادة طويلة عريضة مضاءة، إلى أن انقطع نور الجادة، وابتعدنا عن النور، فبدا لنا أنّنا خرجنا من نيسابور.
لقد خرجنا فعلاً من نيسابور، وما بات يلوح لنا من أنوار قريبة أو بعيدة إنّما هو أنوار الضواحي.
وفي هذه الساعة الليلية الخراسانية، وفي هذا الطريق الحضاري المديد، وفي هذا الزمن المنتمي إلى السنين الأخيرة من سني القرن العشرين…
لم أستطع حيال هذه الأنوار التي تدنو حيناً وتنأى حيناً، وتتكاثف مرّة وتتفرّد مرّة، لم أستطع إلاَ أن أتمثّل بالشعر العربي المنتزع من صميم البداوة ابتداء من الشعر الجاهلي فما بعده. هذا الشعر الذي كانت تشغله أنوار النيران المتفردة في أعراض السهول فيستلهمها أعذب الشعر وأرقّه.
لم أملك نفسي من أن أنتشد وأنا مغمور بليل خراسان مندمج في سهل نيسابور.
إلاّ أن أنشد الشعر العربي المستوحى من ليالي الجزيرة والمستلهم من فيافي الدهناء وسهوب الدخول وحومل إلاّ أن أنشد:
لمعت نارهم وقد عسعس الليل
ومل الحادي وحار الدليل
فتأملتها وفكري من البين عليل
ولحظ عيني كليل
|
وفؤادي ذاك الفؤاد المعنى
وغرامي ذاك الغرام الدخيل
ثمّ قابلتها وقلت لصحبي
هذه النار نار ليلى فميلوا
على أنّ هذا النور لم يكن نور (ليلاي) لأقول لصحبي: هذا نورها فميلوا بي إليه، فنور (ليلاي) هناك بعيد… بعيد…
وهكذا ظللنا نمشي بين نور وظلام حتّى كانت الساعة قد بلغت حوالي التاسعة فإذا أنوار سبزوار تشعّ أمامنا ممتدة في عرض السهل، ثمّ كنّا ندخلها منحرفين إلى الشمال في شارع مشع هو سوق من أسواقها، ثمّ كنّا نوغل في شوارعها التي كان بعضها يعجّ بالحياة في تلك الساعة من الليل.
مضوا بنا إلى مكان نزولنا، فدخلنا مبنى حسبنا أوّل الأمر أنّه فندق كغيره من الفنادق، ولكن مظاهر ما فيه كانت غريبة، وأوّل غرابة بدت لنا هي أنّ جلوسنا إلى مائدة العشاء كان على مقاعد خشبية مستطيلة، إلى موائد هي الأخرى خشبية مستطيلة، ممّا لا تعهده الفنادق، وكان كلّ شيء في غرفة الطعام غريباً.
ثمّ كشفوا لنا الحقيقة الطريفة عندما كانوا يهيؤوننا للانتقال إلى غرف النوم.
ليس في مدينة سبزوار فنادق فلا يزال أهلها على الفطرة الكريمة القديمة التي تأبى إلاّ أن يستقبلوا ضيوف المدينة في بيوتهم. ولما كان ليس من المعقول أن يستضاف هذا العدد الكبير من المشاركين في المؤتمر في البيوت، لذلك ارتأى المشرفون على المؤتمر أن يكون نزول الضيوف في (القسم الداخلي) لجامعة سبزوار، فأفرغوه من الطلاب وأحلوا الضيوف محلهم فبعد غرفة الطعام (الطلابية) مضوا بنا إلى غرف النوم (الطلابية) التي كانت أسرتها ذات طبقات ثلاثة يؤلف كلّ سرير طبقة.
فكان هذا الحل أفضل حل لهذه المشكلة (السبزوارية). واشهد أننّا لم نشك شيئاً يخل بالراحة، بل كنّا بذلك مغتبطين مانوسين.
على أنّ هناك من قال إنّ هذا الحل لم يكن لأنّ سبزوار تخلو من الفنادق، بل لأنّ القائمين على المؤتمر هم مجموعة من الناس محدودة الإمكانات المالية، فلا تستطيع تحمّل نفقات الفنادق للعدد الكبير من المدعوين.
وقد اجتمعنا نحن غير الإيرانيين في غرفة واحدة اتّسعت لنا جميعاً بفضل طبقات أسرتها.
مؤتمر السبزواري
استمرّ المؤتمر يومين تعقد في كلّ يوم جلستان جلسة قبل الظهر وجلسة بعد الظهر. والجلسة عبارة عن محاضرات يتناوب على إلقائها المدعوون للمشاركة في المؤتمر، وكانت كلّها باللغة الفارسية، ولا مكان للترجمة الفورية هنا، وذلك لأنّ المؤتمر كان معقوداً للإيرانيين وحدهم، ولم يكن في النية دعوة أحد من خارج إيران ولكن عندما عرف القائمون على أمر المؤتمر بتطابق الوقت بين المؤتمرين… مؤتمر قم ومؤتمرهم في سبزوار، وأنّ موعد المؤتمر السبزواري يصادف بعد نهاية المؤتمر القمي كلفوا القائمين على مؤتمر قم أن يدعوا بالنيابة المدعوين إلى مؤتمر قم.
وبعد انتهاء مؤتمر الشيخ المفيد خُيِّر الضيوف بين زيارة أصفهان وبين الذهاب إلى سبزوار، فاخترنا نحن القلة الذهاب إلى سبزوار.
وفي الجلسة الأخيرة للمؤتمر رأيت أنّ من حق الداعين لنا أن نشاركهم بكلام عن مؤتمرهم، وأنّه ليس من الإنصاف أن نظل ساكتين فلا يكون لنا على منبرهم صوت من الأصوات.
وهنا عنت لي فكرة المشاركة في المحاضرات لا بحديث عن السبزواري، بل بحديث عاطفي عن سبزوار.
فإنّ علي بن المؤيد الذي دعا محمد بن مكي الشهيد هو خراساني سبزواري، إذ هو آخر الملوك السربداريين الذين قامت حركتهم أوّل ما قامت في قرية من قرى سبزوار قريبة منها. ثمّ تمركزت الحركة أكثر ما تمركزت في سبزوار.
فعلي بن المؤيد داعي الشهيد الأوّل محمد بن مكي هو في حقيقة الأمر سبزواري.
ومعلوم أنّ الشهيد اعذر عن إجابة دعوة علي بن المؤيد، وأرسل له كتاب (اللمعة) ليكون منه دليل لطالبي الاسترشاد والهداية.
فقرّرت أن تكون كلمتي المرتجلة مستمدّة من هذه الوقائع فطلبت من صاحبي السبزواري الذي انتدب لمرافقتي مدّة إقامتي في سبزوار الأستاذ صاحب علي أكبري رئيس قسم اللغة العربية في جامعة سبزوار أن يصحبني إلى منبر المؤتمر ليترجم ما أقوله جملة جملة.
وأرسلت إلى مدير الجلسات أطلب الكلام، فأعلن اسمي ومشيت إلى المنبر مع الأستاذ أكبري فكان خلاصة ما قلته: إنّ بيننا نحن في جبل عامل وبينكم أنتم في سبزوار رابطة لا تنقطع على مدى الدهر، هي كتاب (اللمعة) الذي كان اقتراحاً سبزوارياً وتنفيذاً عاملياً.
وإذا كان تعذّر على الشهيد محمد بن مكي أن يلبي دعوة أسلافكم، فها أنا آتيكم من جبل عامل ملبياً دعوتكم حاملاً إليكم تحية العامليين.
ولم أكن أتوقع أن يكون لكلامي ما كان له من الأثر على السبزواريين الذين هبّوا من مقاعدهم يهتفون بأعلى أصواتهم بالصلاة على محمد وآل محمد، والهتاف بالصلاة على محمد وآل محمد هو المتعارف عليه في مثل هذه الاحتفالات للتعبير عن التقدير والاستحسان، أمّا التصفيق فلا مكان له.
ولكن السبزواريين لم يكتفوا بالصلاة على محمد وآل محمد، بل أعقبوها بعاصفة من التصفيق الحاد الطويل.
والواقع أنّ ذلك كلّه كان تحية لذكريات الماضي المرتبطة بالحاضر، تحية للسبرداريين ولآخر ملوكهم علي بن المؤيد داعي العالم العاملي الكبير، وتحية لهذا العالم المستشهد في سبيل الحق والصدق والإخلاص، وتحية لبعث هذه الذكريات في هذه الليلة السبزوارية الوفية. لقد كانت ليلة سبزوارية عاملية.
رحيل العلاّمة المؤرخ
السيد حسن الأمين (رض)
إلى جنان الخلد
نعي الفقيد ـ صدى الرحيل في وسائل الإعلام ـ
تكريم سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية
رحيل العلاّمة المؤرخ
السيد حسن الأمين (رض)
إلى جنان الخلد
وبعد هذه الرحلة الطويلة المليئة بالعمل المثابر والجهد الكبير والإثراء الموسوعي ترجّل الفارس عن جواده وأغمضت العينان جفنيها الساهرين في ألق البحث والتنقيب وخدمة الحقيقة.
وجفّ ذلك المداد الطاهر الذي بيَّض به صفحات تاريخ مضمخٍ بدماء القرابين دفاعاً عن العقيدة والمذهب.
وإذا بالسيد السند يسرع والهاً إلى أسلافه العظام بعد أن اطمئن إلى ما قدّمه للأجيال من حقائق ناصعة وتحقيق دقيق ورفع الغطاء عن الأقلام المزيفة المأجورة.
وصعدت الروح إلى بارئها راضية بما قدّمت ولو زيد لها في فسحة الأجل لواصلت عطائها، فإلى روحك الطاهرة وجسدك الطيب شآبيب الرحمة والرضوان.
وقد كان لوقع المصيبة بفقدان الراحل الكبير صدى في المجامع العلمية والحوزات وعند الباحثين وأهل الثقافة وقد بادر جمع منهم إلى كتابة ما رثوا به الراحل أو أبّنوه به أو ذكروا فضله وعلمه وهي تأتي تباعاً.
نعي الفقيد
بسم الله الرحمن الرحيم
ببالغ الأسى والأسف علمنا بأنّ الكاتب والباحث والمؤرخ اللبناني الشهير والجليل السيد حسن الأمين نجل العلاّمة الجليل والفقيه والمؤرخ الإسلامي البارز المرحوم آية الله السيد محسن الأمين قد وافته المنية والتحق بربّه.
إنّ فقدان هذه الشخصية الكريمة يشكّل خسارة بالنسبة للشعب اللبناني ولا سيما بالنسبة للمسلمين والشيعة في لبنان.
فالأبحاث العلمية والمؤلفات القيّمة التي خلّفها المرحوم في مختلف المجالات لا سيما في مجال التاريخ الإسلامي ومناقب أهل البيت (عليهم السلام) إنّما هي صفحة ناصعة تضاف إلى سلسلة المفاخر الخالدة لجبل عامل.
إنّني إذ أتقدّم بأحرّ التعازي لأسرة الأمين الفاضلة وللعلماء المسلمين وكذلك للمحافل العلمية والجامعية برحيل هذا المفكّر المحترم لأسأل الله تعالى أن يلهم المفجوعين الصبر والسلوان وأن يتغمّد الفقيد السعيد بواسع الرحمة والغفران.
سيد علي الحسيني الخامنئي
13 شعبان المعظم 1423هـ
20/10/2002م

بسم الله الرحمن الرحيم
{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ…}
تتقدّم «دار التعارف» إلى المحافل والحوزات العلمية وإلى طلاب الحقيقة وإلى عالمنا الإسلامي ببالغ العزاء برحيل الفقيد الكبير المؤرخ والموسوعي والعالم السيد حسن الأمين نجل العلاّمة الكبير السيد محسن الأمين مبتهلين إلى الله أن يسكنه الفسيح من جنانه وأن يلهم ذويه وعارفي فضله وأهل العلم الصبر وأن يقيض الله من يسير على دربه وخطاه.
و«دار التعارف» التي عرفت الراحل السيد حسن الأمين منذ سنين من خلال التعاون في طباعة موسوعة والده الراحل «أعيان الشيعة» ثمّ مواصلة النشاط في إصدار موسوعته «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» رغبت أن تشارك محبّيه في إحياء ذكراه من خلال طبع هذا الكتاب الذي يتناول ذكريات السيد حسن الأمين والتي خطّها بقلمه وهو يتحدّث عن نفسه وعن مسيرته الطويلة ـ آملين أن نكون قد أدّينا بعض حقّه الكبير علينا، فإلى رحمة الله ورضوانه.
وإنّا لله وإنّا إليه راجون.
دار التعارف


تشييع الفقيد إلى مثواه الأخير
نعي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى
بسم الله الرحمن الرحيم
ينعي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى المفكر الإسلامي الكبير والمؤرخ الأديب السيد حسن الأمين نجل الإمام المقدس السيد محسن الأمين الذي توفّاه الله عصر اليوم الاثنين عن عمر ناهز خمسة وتسعين عاماً قضاه محامياً وقاضياً وأستاذاً جامعياً ومحاضراً، وقد قضى عمره الشريف عاملاً بالبحث العلمي والكتابة والتأليف، وله حوالي الخمسين مؤلفاً منها دائرة المعارف الإسلامية الشيعية والموسوعة الإسلامية.
وسينطلق موكب تشييع الجثمان من مسجد الإمام الصادق ـ مستديرة شاتيلا في التاسعة من صباح يوم غد الثلاثاء إلى مسقط رأسه بلدة شقرا حيث سيوارى الثرى في الساعة الثانية والنصف من بعد الظهر.
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى
المكتب الإعلامي
في 14/10/2002م
بسم الله الرحمن الرحيم
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق].
كم من الأشخاص يمرون في حياتك التي قد تطول عشرات السنين، تتعرّف إليهم، وتسبر شخصياتهم، وتطّلع على كثير من جوانب حياتهم وسيرهم؟
إنّهم ـ ولا شك ـ قد يبلغون بضع مئات إن لم نقل بضعة ألوف.
ولكن، كم منهم قد يدخل نفسك فتعشقه، ويدغدغ عقلك فتركن إليه، وتتكشف لك جوانب مشرقة من سجاياه فلا تستطيع إلاّ أن تحترمه؟
إنّهم بلا ريب أقل القليل.
وأفراد هذه القلّة، هم الذين يفتقدون إذا غابوا، ويملؤون عليك حياتك إذا حضروا، إذا تكلموا شدّوك إلى منطقهم من دون إكراه، وتقبل على السماع منهم والاستماع إليهم من دون ملل، وإذا سكتوا لم يكن سكوتهم أقل حكمة من نطقهم، فهم والحكمة قرناء، تكلموا أم سكتوا.
الباحث والعلاّمة السيد حسن الأمين، كان واحداً من تلك القلّة من الناس، تعرّفت إليه منذ سنوات طوال، أوّلاً من خلال بعض الكتب التي أديناها بعد أن أعمل فيها قلمه تهذيباً وتصحيحاً وتوثيقاً ككتاب أعيان الشيعة لوالده المجتهد الكبير آية الله السيد محسن الأمين رضوان الله تعالى عليه ثمّ من خلال ما سطّره يراعه الفذ من مستدركات للأعيان وموسوعة دائرة المعارف الإسلامية الشيعية رتب على عدّة مجلدات ضخمة أخذت من عمره وجهده ردحاً طويلاً من الزمان، وبعدها من خلال مؤلفاته التاريخية النيّرة التي يكتشف القارئ لها مدى الدقة والتحقيق اللذين جلى فيهما العلاّمة الكبير كثيراً من مفاصل تاريخ الأمّة الإسلامية ومحطاته ذلك أنّ هذا التاريخ من وجهة نظره إنّما كتب في الغالب بإيحاء من الحكام والسلاطين في العصور المختلفة أو إرضاءً لهم حيث زورت فيه وقائع وشوّهت مواقف بصور من التضليل والدس والتجني تتناسب مع مواقف أولئك الحكام وتخدم مصالحهم وأغراضهم فجاء نتاجه الفكري وافياً بتصحيح ما زيف وتوضيح ما غمض معيداً الحق إلى نصابه، كما عرفت في هذه الشخصية الإسلامية الفذّة من صفات خلقية كريمة ومثالية ورثها عن أجداده الطاهرين ما لعب دوراً في استقطاب جيل الشباب والمثقفين ومختلف الفئات الشعبية نحو الإسلام.
فإلى جانب ما تميّز به الأستاذ السيد حسن الأمين من مرتبة علمية راقية ومن شخصية ثقافية واجتماعية مرموقة فقد كان متواضعاً جداً وعلى اتصال مباشر مع مختلف شرائح المجتمع.
ثمّ عرفته قبل هذا وذلك من مواقفه الجريئة ونظراته النيرة في مؤتمرات وندوات وكتابات زخرت بها وسائل الإعلام العربية المرئية والمسموعة والمقروءة. من أجل معرفتي هذه به، كان لوقع نبأ وفاته علي مرارة وأسى حيث فقدت الأمّة برحيله بطلاً من أبطال القلم وقمّة من قمم الفكر والتحقيق ورائداً من روّاد الخير والحق في هذا العصر. فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حياً وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
سيد علي أكبر محتشمي بور
رئيس كتلة الثاني من خرداد النيابية
وأمين عام الرابطة الدولية للبرلمانيين
المدافعين عن القضية الفلسطينية
بسم الله الرحمن الرحيم
«إذا مات العالم ثلمَ في الإسلام ثلمةً لا يسدُّها شيء».
لقد فُجعت الأوساط العلمية والثقافية وأهل العلم والأدب بخبر رحيل الشمس المُشرقة، أحد أعلام العالم الإسلامي المؤرخ الكبير المرحوم السيد حسن الأمين، فهو من جيل العلماء الأجلاّء الذي عرفتهم حاضرة جبل عامل.
إنّ السيد الأمين العالم الجليل، الذي ثابر على طلب العلم وتأدية واجب الكتابة والتأليف، على مدى ما يَقْرُب مائة عام، استطاع بحكمته وفطنته، أن يكشف ما خبِئَ من خبايا التاريخ الإسلامي، معتمداً بذلك على استدلالات مُبدعةٍ وخلاّقةٍ لا لُبسَ فيها، فضلاً عن استناده إلى الشواهد التاريخية الواضحة والبيّنة.
اليوم ومع أنّنا نفقد عزيزاً شكّل غيابه خسارة كبرى، لكن ما يعزّينا ويَسدُّ فراغ غيابه، الآثار والمؤلفات التي خلّفها والتي أضحت منارةً لكلّ طالب علم وباحث مُجدٍّ.
التزم السيد حسن الأمين منذ شبابه وبكامل طاقاته خدمة منهج أهل البيت (عليهم السلام) وكان ثمرة التزامه عشرات الآثار العلمية والفكرية في مجال التاريخ الإسلامي والتشيّع، زيّنها بأهم مؤلفاته وهو كتاب «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية».
سيُكتب اسم العالم القدير والجليل السيد حسن الأمين والذي كان كمِثلِ أبيه المرحوم العلاّمة السيد محسن الأمين صاحب «أعيان الشيعة»، على لائحة خدّام الثقافة الإسلامية والشيعية إلى الأبد.
نتوجّه بأسمى آيات العزاء إلى صاحب العصر والزمان (عج) وإلى الإمام القائد الخامنئي (دام ظلّه) وإلى كلّ المراجع والمجامع الدينية والثقافية والعلمية وأيضاً شعب لبنان العزيز والمُحبِّ للعلم.
أحمد مسجد جامعي
وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي
مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث
إنّا لله وإنّا إليه راجعون
سماحة العلاّمة الحجة السيد محمد علي الأمين
السادة الأجلاء من آل الأمين الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بمزيد من الأسى والأسف والتسليم بقضاء الله وقدره تلقينا نبأ وفاة العلاّمة الأستاذ السيد حسن الأمين (رحمه الله) بعد عمر مبارك قضاه في خدمة العلم وتراث أهل بيت العصمة والطهارة مدافعاً صلباً عن حقّهم، ومجاهداً لا يلين في سبيل نشر معارف الطائفة وتاريخها بنصوص جريئة ورؤية موسوعية ومعارف شمولية يزينها صدق وإخلاص وولاء نقي.
عظّم الله أجوركم وألهمنا وإيّاكم الصبر والسلوان، وتغمّد الله فقيدنا الراحل برحمته الواسعة وأسكنه الفسيح من جنانه مع أجداده الطيبين الطاهرين.
جواد الشهرستاني
قم المشرفة/ 7 شعبان 1423هـ
نصّ الرسالة الخطيّة لرئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لمناسبة رحيل الأستاذ الدكتور السيد حسن الأمين
رَحِمَه الله
إنّا لله وإنّا إليه راجعون
لقد افتقد العالم الإسلامي أحد رموزه العلمية المعاصرة وهو العلاّمة والمفكّر السيد حسن الأمين في لبنان.
كان المؤرخ والباحث والكاتب الإسلامي السيد حسن الأمين نجل المرحوم العلاّمة الكبير السيد محسن الأمين، صاحب الأثر الخالد «موسوعة أعيان الشيعة»، قد أمضى حياته المباركة في إسداء الخدمات العلمية والعملية في مجال التحقيق والدفاع عن الحقيقة، فاستحق بجدارة لقب المفكر والمدافع الكبير عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) واستحق أيضاً التكريم والتقدير.
لقد قدّم الفقيد خدمة كبرى لعلوم أهل البيت (عليه السلام)، من خلال المؤلفات العلمية والأبحاث التي أنجزها ومن جملتها إكمال سِفر أبيه القيم «مستدركات أعيان الشيعة». فلن يُمحى من الأذهان ولن ننسى مطلقاً حضوره الفاعل في الميادين العالمية والمؤتمرات الدولية، حيث كان على الدوام مصدر فيضٍ علميّ وثقافي، شمل المنطقة والعالم.
إنّنا نعزّي بقية الله الأعظم صاحب العصر والزمان (أرواحنا لمقدمه الفدى) ونائبه قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي (دام ظلّه) بفقد هذه الشخصية التي تعتبر من أساطين العلم والتحقيق والدين والثقافة، كما ونعزي المراجع وعلماء الحوزات العلمية ونسأل الله الكريم أن يتغمده برحمته الواسعة وأن يمنَّ على أحبائه وأسرة الأمين بالصبر الجميل والثواب الجزيل.
ولا شك أنّ جيمع الأوساط والمجامع العلمية والثقافية والدينية والمراكز الثقافية والبحثية ستقوم بتكريم هذه الشخصية الفذّة بشكل لائق، ويُعدّ ذلك

تكريماً للعلم والدين والجهاد، وهي من العناصر الأساسية والأركان الرئيسية في حياة هذا الرجل الفذّ، وستبذل كلّ مساعيها في إحياء منزلة وخدمات العلاّمة الأمين (قدس سرّه الشريف) وهذا ما سيهتم به محبّو أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) عبر مشاركتهم الفاعلة في مراسم تأبينه التي ستقام من قبل الزعماء الدينيين والشخصيات العلمية.
محمود محمدي عراقي
رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية
مقام السيدة زينب (عليها السلام)
السادة آل الأمين الأكارم
شقرا ـ لبنان
تلقينا نبأ وفاة العلاّمة المغفور له الأستاذ حسن الأمين رحمه الله نجل العلاّمة والمصلح الكبير المغفور له السيد محسن الأمين بمزيد من الحزن والأسى حيث كان فقيدنا ولداً باراً لوالده سار على خطاه وألّف عشرات الكتب وخاصّة إنجاز أعداد من مجلدات أعيان الشيعة التي بدأها والده العظيم، فجزاه الله عن المؤمنين خير جزاء.
تغمد الله الفقيد برحمته وحشره مع والده في جنات النعيم مع نبينا محمد وآل بيته الطيبين وألهمكم الصبر والسلوان.
وإنّا للّه وإنّا إليه راجعون.
لجنة الإشراف على مقام السيدة زينب (عليها السلام)
الدكتور هاني مرتضى
المهندس رضا مرتضى
جانب عائلة المرحوم المؤرّخ العلاّمة السيد حسن الأمين المحترمة
شقرا ـ منزل الفقيد
آلمنا خبر وفاة المؤرّخ العلاّمة السيد حسن الأمين.
نتقدّم منكم بأحرّ التعازي، سائلين المولى عزّ وجلّ أن يتغمّده بواسع رحمته، ويُسكنه فسيح جناته، ولكم من بعده طول البقاء.
اللواء الركن جميل السيد
مدير عام الأمن العام
مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة
آل العلاّمة السيد حسن محسن الأمين بكثير من الأسى بلغني وأنا على أهبة السفر خارج البلاد، خبر وفاة الصديق التاريخي لعائلتنا العلاّمة والمؤرخ والكاتب والأديب الفذ السيد حسن الأمين.
إنّ الخسارة بالراحل الكبير تتعدّى مساحة لبنان إلى الأمّة العربية بأسرها. فقد ترك بصماته الكريمة مع التاريخ العربي وحمل المشعل لإظهار الحقيقة التاريخية المجردة التي طالما تعرّضت للشك والتشكيك.
لن أنسى لفتته الكريمة وإصراره على وضع مقدمة تاريخ جبل عامل الذي ألّفه جدّي المرحوم محمد جابر «آل صفا» ودفاعه عنه عندما تعرّض للنقد من أحد المغرضين.
رحم الله الراحل الكبير وأسكنه جنانه الرحبة وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
العميد الركن الدكتور هشام جابر
المدير العام
16/10/2002
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة السادة آل الفقيد المأسوف عليه
فضيلة المؤرخ العلاّمة السيد حسن الأمين الغالي
وعموم أهالي بلدة شقرا الكرام
إنّ فقدان المؤرخ العلاّمة السيد حسن السيد محسن الأمين الغالي هي خسارة على الجميع يفتقدها الخير والمروءة والخصال الحميدة، قلوبنا معكم والكلام يعجز عمّا يخالج صدورنا من شعور بالقنوط والمرارة، لكن الأمل يكمن بعزيمتكم للتعالي على الجراح وبقدرتكم لاجتياز المصائب.
وبالمناسبة، نسأل المولى العلي القدير أن يتغمد الراحل العزيز بواسع رحمته ويسكنه فسيح جنانه ويلهمكم الصبر والسلوان.
نتقدّم من ذوي الفقيد بأحر التعازي، ونعتذر لعدم تمكننا من المشاركة شخصياً بواجب هذه الذكرى لظروف قاهرة.
المخلص: علي عادل عسيران
إبراهيم محمد مهدي شمس الدين رئيس الجمعية الخيرية الثقافية وأعضاء الهيئة الإدارية للجمعية ينعون بأسى العلاّمة المؤرخ السيد حسن الأمين.
نجل المرجع الإمام السيد محسن الأمين (قده).
ويتقدّمون من اللبنانيين عامّة ومن العامليين وأهله وعائلته خاصّة بأحر التعازي وأصدق المواساة سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته.
الجميعة الثقافية الخيرية
بسم الله الرحمن الرحيم إنّا لله وإنّا إليه راجعون
العلاّمة المؤرخ الأستاذ السيد حسن الأمين
الذي واكبته المؤسسة طيلة عقدين من الزمن باحثاً في التاريخ، ومحققاً في التراث، وأديباً بارعاً.
لقد خسر التراث بفقدك أيّها الراحل الكبير أبرز أعلامه، والتاريخ عميد رجالاته، والفكر الموسوعي أهم رموزه، وإنّ الصفات الحميدة التي تحليت بها، من إخلاص في تقصّي الحقيقة، وجلد في متابعة البحث، وموسوعية في المعارف التاريخية، وجرأة علمية نادرة، جعلتك حالة فريدة في جسد ثقافي يعيد تكرار نفسه.
وبهذه المناسبة الأليمة نتوجّه بالعزاء إلى رجالات الفكر والمعرفة في العالم الإسلامي، وإلى السادة الأجلاء من آل الأمين، سائلين المولى عزّ وجلّ أن يلهمهم الصبر والسلوان، إنّه سميع مجيب.
حامد الخفاف
مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث
فرع بيروت
تشييع حسن الأمين
ومنحه وسام الاستحقاق
ودّعت بلدة شقرا في منطقة بنت جبيل المؤرّخ حسن الأمين نجل العلاّمة محسن الأمين. وأقيم للراحل مأتم حاشد أمس شارك فيه ممثلو رئيس الجمهورية الوزير أسعد دياب، رئيس مجلس النواب النائب علي بزي، ورئيس الحكومة محافظ النبطية محمد المولى والنائب محمد رعد، ورئيس المنبر الديموقراطي حبيب صادق، ومسؤول منطقة الجنوب في حزب الله الشيخ نبيل قاووق.
سجِّي نعش الفقيد في حسينية البلدة حيث منحه رئيس الجمهورية ممثلاً بالوزير دياب وسام الاستحقاق اللبناني الفضي، تقديراً لعطاءاته من أجل لبنان، ثمّ كلمة لعائلة الراحل ألقاها عاصم الأمين.
بعد ذلك نقل الجثمان إلى دارة العائلة، ومنها إلى جبانة البلدة حيث ووري الثرى بعدها أمَّ إمام بلدة شقرا السيد محمد علي الأمين المصلين.
وقد رثى الفقيد الأمين العام للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي النائب السابق حبيب صادق قائلاً إنّ من مآثر الراحل انصرافه الدؤوب إلى تولي شؤون مسقط رأسه جبل عامل ماضياً وحاضراً. واشتراكه في تأسيس المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في أواسط الستينيات من القرن الماضي، وقبوله بعضوية أوّل هيئة إدارية من هيئات المجلس.
جريدة السفير
حسن الأمين المترع بوجد سماوي
وكأنّنا احترفنا صناعة الرثاء. ونحن نفتقد كلّ يوم عالماً، فيأخذنا الجزع ويدهرنا الخوف. ما أصعب فراقهم أولئك الناسكين في المحاريب، المبحرين بعيداً على متان الأحلام. مكللين بتاج سماوي… لم يصرفهم عن الدور الرسالي، صخب الدنيا ولا ترهات الأشياء، ولم تمسّهم شبهة أو يركبوا إلى سلطان، أو يسخروا قلمهم لغير وجه الحقيقة.
من هذه «البقية» كان حسن الأمين، آخر رموزها المشعين، وكان آخر حبّة في عنقود، عصارته نهضة قرن، وسلافه دم شهي يملأ الأرض، وبريقه ثورة دائمة على الظلم.
حسن الأمين، ولد في بيت علم، وما أكثرها تلك الصروح في زمانه، ولكن البيت الذي نشأ فيه كان من فراداته، أنّ الشمس أبكرت في الوصول إليه، فملأته نوراً بهياً، أخذ ينتشر في الآفاق دعوة إلى التجدد والإصلاح والحوار. وكان للمرحلة بطلها الذي شقّ عباب الفتنة، بسفينة نجاة، وفتح ثغرة في جدار الزمن الآسن، لتهب رياح الثورة على الجهل وتنداح مرغمة مواكب التخلّف، وتتهاوى مصفوعة الأضاليل والظلاميات.
من هذه الدوحة الشامخة كان حسن الأمين فرعها الذي تعملق دوحة شامخة، فيها من السلف بمثل ما فيها منه، إذ سرعان ما اختط طريقاً خاصاً به، بعد أن أتمّ الرسالة، متابعاً السفر القيّم، «أعيان الشيعة» الذي استكمل أكثر من نصفه بجهد استثنائي.
لقد أخذته الكتابة الموسوعية زمناً. فكانت «دائرة المعارف» التي ضمّت نخبة الدراسات في التاريخ والفقه والاقتصاد والاجتماع الإسلامي. كما كانت «الموسوعة» التي جاءت مكمّلة لسابقتها. فيما قدمته من مادة ميسّرة لغير المتخصصين في الدراسات الإسلامية. وعلى هامش ذلك كان يدوّن انطباعاته، وهو ينتقل من «بلد إلى بلد» بأسلوب أدبي رفيع… والشعر لم يغب قط عن خياله، وهو المرهف المضطرب بالهواجس، والمسكون بالعروبة، والمرتحل إلى تلال حيفا وساحات يافا وسهوب طبرية ظامئ القلب إلى القدس.
على أنّ «السيد» الموسوعي الذي رأى أهم إنجازاته في «دائرة المعارف» مسوغاً أهميتها بتصويب المسارات التي عبث بها المستشرقون المغرضون، فإنّ «السيد» المؤرخ خاض بجدارة على هذه الحلبة وأغنى المكتبة العربية بدراسات معمقة، احتلت مكانة مرموقة في مجالها. وكان ما يزال رائداً في منهاجه الذي اتّسم بالمرونة والانفتاح. من دون أن يكون اهتمامه بالتأريخ للشيعة، نابعاً من نظرة فئوية أو مذهبية، وهو القومي الانتماء، والإسلامي التراث.
كان حسن الأمين، وهو يقارع قرناً. هو نفسه عقيدة وخطاباً… تغيّر الآخرون ولم يتغيّر، تراجعت المواكب وظلّ في موقعه صامداً مجاهداً، تبدّلت سفارات واستبيحت قيم وهو قابض على جراحه، يأبى الانحناء أمام العواصف ولكم ردد في مقامه هذا البيت لعادل أرسلان.
فما غيّروا القلب الذي كان مخلصاً
ولا أوهنوا العزم الذي كان ماضيا
لم يكن حسن الأمين مجرد شاعر أو مؤرخ أو كاتب موسوعي، ولكن قيمة حسن الأمين كانت في إنسانيته باحثاً ينشد الحقيقة، ونصيراً للثائرين على الطغاة في كلّ زمن…
أيّها العاملي الجواد، قرين العلماء الكبار في الجبل المقاوم، أيّها الراحل شاباً في التسعينيات، مرّة أخرى ما أصعب الفراق.
إبراهيم بيضون
السفير 16/10
رحيل المؤرخ حسن الأمين عاشق جبل عامل
اختتم السيد حسن الأمين كتابة تاريخه ووضع النقطة الأخيرة، فسكت صوت المعلم العالم الواعظ، الذي لم يكن ليرتاح قبل أن يضع تصويباته ويصحح انحرافات التاريخ. وهو ابن صانع تاريخ في جبل عامل، ابن العلاّمة السيد محسن الأمين. رفض إلاّ أن يتابع مسيرة بدأها والده، منذ البداية في محاربة الاحتلال الفرنسي، ولو تسبّبت اندفاعه على رأس التظاهرات في دمشق؛ وعاشق تاريخه وطبيعته، وأحد رجالاته، والمفتتن بالكتابة عنه، والمدقق بما جاء في بطون الكتب عنه مقلّباً ومحققاً ومشككاً حتّى الوصول إلى اليقين أو ما يشبهه. غاص في تاريخ جبل عامل حتّى أشبع الكتابة، وأجاب عن العديد من الأسئلة ولم يهدأ قلبه إلاّ بعد أن جلى الكثير من الحقائق.
أكمل حسن الأمين مسيرة والده في كتابة «أعيان الشيعة» فأضاف إليها 21 جزءاً، وكتب الموسوعة الإسلامية، ودائرة المعارف الإسلامية الشيعية والعديد من المؤلفات التي تتخصص بتاريخ الشيعة، كذلك كان له اهتمام بتاريخ المنطقة من الغزو المغولي حتّى صلاح الدين الأيوبي، مؤلفاً ودارساً ومحققاً، من دون أن تخلو مؤلفاته من البأس والجرأة والمغايرة.
جمع الراحل في شخصه المحامي والقاضي والأديب والأستاذ الجامعي إلى جانب كونه مؤرخاً.
توفّاه الله أمس الاثنين عن 95 عاماً، ونعاه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى «مفكراً إسلامياً كبيراً ومؤرخاً وأديباً»، كما نعاه حزب الله معتبراً فقدانه «خسارة جليلة وفقدان واحد من أهم ركائز العلم والمعرفة».
ينطلق موكب تشييع جثمانه من مسجد الإمام الصادق، مستديرة شاتيلا، التاسعة صباح اليوم الثلاثاء، إلى مسقط رأسه بلدة شقرا، حيث يوارى الثرى في الثانية والنصف من بعد الظهر.
أ. ب
السفير 15/10
حسن الأمين: باعث تاريخ جبل عامل
السيد حسن الأمين، ويكفيك تعريفاً هذا الاسم وتلك العائلة وذلك الامتداد المعرق في النسب الزاخر بالكرامات…
يكفيك فخاراً أن يكون أبوك السيد محسن الأمين، العلاّمة المرجع المتبحّر المجتهد المجدد الرائد، وأن يكون أخوتك عبد المطلب وهاشم وجعفر ومحمد الباقر، وأن تكون المؤهل الجدير أن تكمل الرسالة وتحمل الراية وترفع المشعل وتنير الطريق…
بيتكم كان مرصوداً لهذه المهمة طيلة القرن المنصرم، تصدّى لها أبوك بصبر المؤمنين، وعفة الزاهدين واستشراف الصادقين، فإذا هو بيت الأمّة ومناط الآمال ومدرسة الوطنية…
وأخوتك ـ وأنت في الطليعة، خريجو هذا البيت، الشعراء والسفراء والأدباء المنفتحة عقولهم، المتجددة نظراتهم، المتنورون المضيئون حيثما حلّوا وأقاموا… وأنّك يومئذ من أوائل الجامعيين شكّلت الإطلالة المميزة في جبل عامل ـ تلك التسمية العزيزة على قلبك ـ فكنت القاضي النزيه العفيف المتجلي بخلق الطاهرين، الملتزم بوطنية لا تعرف مساومة أو انحرافاً…
ولم يطل عهدك بالقضاء لتنتقل مختاراً إلى دنيا أثيرة لديك، وميادين طالما أغرتك وأنت تشهد أباك مأخوذاً بها دون ملل، مشدوداً إليها برغم التعب، منقباً، باحثاً، محللاً لا يرحم جسداً ولا يريح نظراً ولا يرأف بقدرة على الاحتمال…
وعلى نهج تلك الخطى أخذك المسير، وأغراك العطاء، وطاب لك العمل، في الجامعات وبين الناس، بين سواد الحبر، وغبار الورق، وأكداس الكتب ونادر المخطوطات وغرائب الروايات… ونسيت نفسك وأنت تقرأ وتحلل وتناقش وتفتش عن الحقيقة، وتبرز التجني وتسفه الكذب وتظهر الظلم… كنت تتصدّى وتعاند وتمشي أحياناً ضد خط السير التقليدي فلا تخاف لوماً، ولا تكترث بما أثرت لأنّ الحقيقة وحدها يجب أن تظهر وتُقال وتُعرف وتتبّع… ورحت تزداد نضوجاً ومعرفة وتألقاً وأنت تكتشف مخبآت السِّير والأحداث، وما أغفل ذكره عمداً أو عن سوء نية، وفتحت ثغرات في كثير من مسلمات جانبتها الحقيقة، وأضأت على تاريخ جبل عامل، ونقلْتَهُ من هوامش الصفحات المنسية عندما سلطت عليه النور وفتحت العيون المغمضة والعقول المقفلة…
أنت باعث تاريخ جبل عامل، وأبوه الروحي، يكفيك سعادة أن تكون ذلك، وأنت عندما أغمضت عينيك رأيت وتأكدت أنّك أوصلت كثيراً من الحقائق ـ في التاريخ الإسلامي والعربي ـ إلى الناس وأنّك في هذه المسيرة نسيت نفسك وتبتلت للمعرفة ونذرت عمرك للعطاء وللعمل، فلم تأنس بزوج ولم تسعد بولد، فكان طلابك العديدون الذين عرفتهم أو لم تعرفهم على امتداد الأوطان، كانوا أولادك ومحبيك والمدينين لك بنور المعرفة وألق الحقيقة والكثير من العرفان.
فسلام عليك حيث أنت، يحضنك تراب بلدك ويغمرك رضوان رب كريم…
إحسان شرارة
السفير 17/10
آخر ما خطّه قلم المؤرخ والأديب الراحل حسن الأمين
أدعو المثقفين إلى تذكّر الشاعر الصوري والعالم الكراجكي
آخر ما سطّره المؤرخ والأديب الراحل حسن الأمين هو تعقيب على تحقيق عن مدينة صور ورد في العدد الأخير من مجلة «شؤون جنوبية» (تشرين الأوّل 2002 ـ العدد التاسع). خصّتنا به المجلة، مشكورة، قبل نشره فيها. هنا نصّه:
الحديث المتّسع الجوانب المنشور في العدد الأخير من المجلة عن صور حفزني إلى تنبيه المؤسسات الثقافية فيها إلى نابغين اثنين نسبا إلى صور، أحدهما ولد وعاش ومات فيها. والثاني اختارها دار إقامة بعد أن طوّف في الأرض وانتهى إلى الإقامة فيها حتّى وفاته، فكان أن ضمّه ترابها.
وإذا كان هناك من يعنى اليوم بآثار صور الحجرية، وإذا كان من يقيم فيها مهرجانات غنائية، فإنّنا ندعو مثقفي صور إلى العناية بإحياء ذكرى هذين النابغين اللذين هما مفخرة صور وعنوان مجدها الشعري والعلمي.
أوّل هذين النابغين هو الشاعر الفريد عبد المحسن الصوري الذي كان في عصره شاعر عصره، والذي نرجئ الحديث عنه إلى يوم آخر، ونخصّ اليوم بالحديث العالم الكبير الذي اختصّ صور مستقراً ومقاماً… ثمّ مدفناً، فكان من حقّه على صور أن تعنى بإحياء ذكراه.
هذا العالم هو محمد «الكراجكي»، ومن المؤسف أنّنا لا نعرف مكان مولده ولا تأريخ هذا المولد، وإنّما نعرف أنّه استقرّ في صور ومات فيها سنة 449هـ.
ومن الأمور التي لم تعرف حقيقتها هي لقبه الذي عرف به: «الكراجكي» فإلى أي شيء ينسب؟ يوجد قرية على باب واسط في العراق اسمها كراجك، ويوجد قرية من قرى حلب اسمها كذلك كراجك، فهل ينسب إلى إحدى هاتين القريتين؟
الذهبي، في كتابه «تاريخ الإسلام» يؤكد أنّه لا ينسب إلى واحدة من هاتين القريتين بل إلى «الكراجك»، والكراجك هي الخيم. وكذلك يقول في «لسان الميزان»، أنّ نسبته إلى عمل الخيم، والقول نفسه يقوله في «شذرات الذهب»: الكراجكي، يعني الخيمي.
وعندما يجمع هؤلاء المؤرخون على أنّه ينسب إلى عمل الخيم، فإنّ علينا أن نسلم بذلك وبهذا يكون هذا الرجل عصامياً من عصاميي العلم، نشأ في أسرة تصنع الخيم، فتفرّد عنها وانتسب إلى العلم.
لقد كان من هواة طلب العلم، فكان يقصد كبار العلماء ليتلقى العلم عنهم، فممن لقيهم في بغداد ودرس عليهم العالمان الشهيران: الشيخ المفيد والسيد المرتضى. وقصد القاهرة، وكانت في تلك الفترة أيام الفاطميين تعجّ بالعلماء والمفكرين… ثمّ قصد حلب وطرابلس وكانتا من عواصم العلم والفكر، وقد راقت له الإقامة في طرابلس فأطال الإقامة فيها، وألّف هناك بعض كتبه. ثمّ انتقل من طرابلس إلى صيدا. فلم يلبث فيها طويلاً، بل أكثر الرحيل عنها إلى صور. وطابت له صور فحطّ رحاله فيها وعزم على المكوث فيها حتّى آخر عمره.
ومن المؤسف أن ليس في الدنيا من المصادر ما نستطيع أن نعرف منه تفاصيل حياته في صور. ولكن ما دمنا نعرف أنّ شغله الشاغل كان العلم ومعاشرة العلماء، فإنّنا نستطيع أن ندرك أنّ صور كانت في ذلك العهد حافلة بالعلماء وطلاب العلم.
وإذا كان ما من مدينة ارتبط بها حفظت تاريخ مولده أو تاريخ إقامته أو تاريخ رحيله، فإنّ فضل صور أنّها حفظت تاريخ وفاته، فقد توفي فيها سنة 449هـ. وكان قد جاءها سنة 418هـ أي أنّه أقام فيها إحدى وثلاثين سنة، فهو بذلك صوري عريق.
فهل يلقى هذا العالم الكبير الذي فضّل صور على غيرها من البلاد في الإقامة والموت. والذي ألّف معظم كتبه فيها، هل يلقى فيها تكريماً لذكراه؟
لقد بلغت مؤلفاته 104، ومن أشهرها كتاب «كنز الفوائد»، والحديث عن صور حديث ممتع، وليس «الكراجكي» وحده الذي قصدها وأقام فيها حتى وفاته، فممن قصدوها إبراهيم بن علي العتابي من كبار شيوخ الصوفية، جاءها من بلاد بعيدة، جاءها من بلاد «ما وراء النهر» وسكنها أربعين سنة، وفيها مات.
السفير 10/10
سكونك صحوتنا
السيد حسن الأمين يستسلم اليوم للتراب، ولا يرحل عن الأذهان…
حكايته مع التراب طويلة… تراب الجنوب والوطن، وأرض العرب والإسلام.
كان يحدب على التراب… يسير فوقه برفقٍ، ويتحسّسه بقدسيَّة ويحاوره ويشاطره هموم المقهور والمغمور والمهمل…
في الثبات على المواقف والتمسّك بحقّ التراب، كان ينظر للآفاق، يهجس بمغامرات الفاتحين، يستعرض ما جرى، يستشرف ما سوف يجري، ويودع صفحات دفاتره رؤى السير والصبر والتوقّع والتحرير…
رأى الجنوب اللبناني يتحرّر قبل التحرير بكثير.
رأى العرب مقسّمين قبل أن يُقسّموا.
رأى الثروات تبدّد قبل أن يُبدّدها العرب.
رأى أطماع الغرب تغزونا قبل العساكر والجنود.
صراع الإيمان المطلق والظلم المتربّص، لم ينل من حكم بصيرته، ولا منطق العقل عنده… فسجّل الكثير من الحقائق وطواها في دفاتره ومضى…
المؤرخ الكبير حسن الأمين صحّح الكثير من المغالطات التاريخية… وحذّر من الاستسلام للشائع المغرض على حساب الحقائق والأفعال والوقائع… نهى عن عبودية الرموز والأشخاص… ودعا للنظر إلى وجه الحقيقة الآخر… فوجه الحقيقة مشرق مهما أخفي أو تخفّى…
سيدي السيّد… كما كنت أقبل جبهتك عند اللقاءات والنقاشات وتبادل الآراء، أقبّل روحك اليوم وقد فارقت الجبين الوضّاء. وودّعته في منطلق الرحلة الترابية.
تركت لنا الوصايا ورسمت لنا الصراط، فبقيت حياً في كتبك وتواريخك ومقالاتك ومؤلفاتك ومواقفك…
سلام عليك وقد سكنتَ فصَحَوْنا…
أنت حي في العقول… وأحياءُ العقول لا يُبارحون…
محمد ماضي
السفير 19/10/2002
فريق عمل في رجل
كانت حفلة الأربعين التي أقيمت في النبطية للعالم المخترع حسن كامل الصباح جامعة ضمّت نخبة ممتازة من علماء البلاد وسراتها وشبابها، ففي الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الجمعة الواقع في 10 أيار 1935 احتشد الناس في النادي الحسيني في النبطية، وكان الخطيب الأوّل السيد حسن الأمين الذي ألقى كلمة الشباب المناضل بلهجة حماسية، مختتماً إياها بالقول: «يا شباب جبل عامل الأمجاد، ويا فتيانه الأشاوس سيروا في صفوف النضال الأولى ذوداً عن التراث العربي الغالي ليُظِلَّ لواء العرب العالم مرّة ثانية». فاستثار بخطابه النفوس واستفز الشعور.
منذ يفاعته كان دأب السيد حسن الأمين خوض النضال في وجه الاحتلال الفرنسي لبلاد الشام، حين طرقت الجيوش الفرنسية أبواب دمشق بعد معركة ميسلون في 24 تموز 1920 كان السيد حسن الأمين أحد الشبان المناضلين لأجل تحرير البلاد ووحدتها.
وامتدّ نضال السيد حسن الأمين من دمشق إلى جبل عامل إلى فلسطين، فكان المقاوم للانتداب الفرنسي، العامل مع ثلّة من المناضلين للوقوف في وجه الطاغية بتشكوف.
وكان السيد حسن الأمين من العاملين لإيقاد جذوة انتفاضة عام 1936. ونذكر لهذا السيد المحقق البحاثة المجاهد، عمله الدؤوب يوم تولّى سدّة القضاة في النبطية لأجل محاربة الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
ونذكر له المشاركة الفاعلة في كافة النضالات الوطنية، في مؤتمرات الساحل ومؤتمرات نصرة القضية الفلسطينية ومقاومة الحكم الشمعوني المنحرف.
كان المحقق البحاثّة السيد حسن الأمين مركز أبحاث وفريق عمل في رجل واحد. فكان ذلك الناسك الزاهد العامل بعيداً عن الرغبات الدنيوية، والمكرّس حياته للبحث والنضال. أسلم الروح وفي يده اليراع يخط سطور المعرفة، جزاه الله عن دينه وأمته خيراً.
سعيد الصبّاح
السفير 19/10/2002
شد على موتك واصعد
أكثر من غياب رحيلكَ
وأشد من ألم هذا الوداع
أنه تناثر للجمل ويتم
للعبارة وسقوط للمعاني
أتكوّر كالهمزة أمام أناشيدك
فأسمع طبول التاريخ
تُدق، وأبواقاً تنفث، وحرق خيام واشتعال نار
بعدك من يدلنا
من يخرجنا من هذه الفلاة
لا بد ستأتي
من صخر الأرض ستطلع
من ورق الشجر
من تنفس العصافير وسنابل المواسم
من جداول القرى وطرقات العين
من فضاء الأرواح
وبنات الأفكار ستخرج
شد على موتك واصعد
لا بد ستأتي حاملاً زنابق
الروح يرافقك يمام السطوح في البلاد العربية
ويخرج من كتب التاريخ حراس الهيكل وأمناء الخزائن
ليتبعوا نورك الممتد
أيها الرقيق كمفردة حب
والناعم كفراش الليل
نم يا سيد الكلام
نم وافتح عينيك
لتتسع لنا الرؤية علنا ندنو
محمد الأمين
السفير 19/10/2002
جهده موسوعي… بصيرته نافذة… جرأته نادرة
في آخر لقاء لي مع السيد حسن الأمين وجدته بين أوراقه وكتبه، يعمل كعادته بهمّة الشباب…
ينجز.. ثمّ صمت وابتسم، وقال: ـ يبدو أنّي أسابق الزمن، يبدو أنّ بهذا الرفيق القديم تقترب العلاقة من نهايتها.
قلت: كيف تنتهي علاقتك به، وأنت لا تزال تكشف حقيقته منذ أوّل عهدك بمعرفته!؟
قال، وقد عرضت ابتسامته: حقيقته! كأنّك لا تدري أنّ الحقيقة مرّة، وبخاصّة في فم أبناء هذا الزمن، من يقبل أن يذوق الحقيقة، ويعلمها!؟
غامت عيناه لحظات، وبدت لي بقايا ابتسامته فوق شفتيه كأنّها فراشة ترفرف في ضوء، وخلته يستعيد ردّات الفعل التي كانت تلي ما يقدّمه من حقائق تاريخية، وما يتّخذه من مواقف مبدئية صلبة…
صمت لحظات، ومدّ يده إلى جانبه، وتناول كتاباً قدمه لي، وقال: هوذا آخر العنقود. إنّه كتاب عن تاريخ جبل عامل القديم والحديث، وقبله، كما تعلم، صدر لي غير كتاب في التاريخ القديم والحديث.
بادرت إلى القول: الدالية، إن شاء الله، ملأى بعناقيدها وكلّ أشهى من أخيه. ضحك، وقال: قلت لك أشعر بأني أسابق الزمن… وأخشى أن يسبقني، فتبقى هذه الأوراق أوراقاً!.
كان شعور المؤرخ والأديب الكبير صادقاً، وجاء الموت يطوي الزمن، وما درى أنّ زمناً أشبع بالعطاء لا يطوى.
السيد الأمين من نحو أوّل علاّمة موسوعي المعرفة: أديب، شاعر وناثر، كاتب قصة ومقالة أدبية وأدب رحلات… محقق، مؤرخ، أستاذ أجيال يوجه ويتعهد طلاب العلم بالعناية والرعاية، وقد بقي بيته محط رحال الباحثين، وكانوا يجدون فيه ليس العلم فحسب، وإنّما العلاقة الإنسانية الحميمة أيضاً… والسيد الأمين، من نحو ثان، رجل عاش أحداث عصره، منذ بدايات هذا القرن، وكان حاضراً فاعلاً فيها على غير مستوى، ومثل في سيرته ومواقفه المثال والأنموذج لما ينبغي أن يكون عليه الرجل العظيم المسهم في إعلاء شأن أمته ووطنه.
نعود إلى البدايات فنرى الفتى ـ الطالب يقف في مواجهة صاحب السلطان، وكان آنذاك منتدباً فرنسياً، فينطق بألسنة الناس، ويجهر بجرأة ليس بحاجاته هو، وإنّما بحاجات منطقة محرومة من طرقات ومدارس ومستشفيات إلخ…
تمرّ الأيام ويغدو الفتى محامياً، ونرى المحامي الشاب القادم من دمشق إلى بيروت، وليس في جيبه سوى أجرة الطريق، يرفض أن يتولى قضية تدر الوفير من المال، وتتيح له موقعاً في النظام القائم آنذاك، لأنّ هذه القضية مشبوهة.
ثمّ يغدو المحامي قاضياً، ونرى القاضي النزيه، المثقف ثقافة حقوقية وشرعية، في آن، يصرّ على الرغم من الضغوط والتدخلات على أن يحكم في قضية كما تقضي الاستقامة التي أمر بها، ووفاقاً للمسؤولية التي أنيطت به، وكان من نتائج هذا الحكم أن حدث ما دفعه إلى الاستقالة، فغادر الموقع عندما رأى أنّه لا يستطيع أن يؤدي الدور الذي راه واجباً عليه كما ينبغي.
هاتان القضيتان اللتان واجههما المحامي والقاضي الشاب تتعلقان بالقضية القومية والمركزية في تاريخ العرب والمسلمين الحديث، وهي القضية الفلسطينية، فكان السيد الأمين، منذ بدايات هذه القضية، مدركاً حقيقتها وواعياً ما يخطط لها، فكان ومنذ ذلك الحين، المقاوم الصلب، في ميدانه، ما يعني في ما يعني، أنّ المقاومة هي في صلب هذا النهج الذي مضى فيه بوصفه مساراً طبيعياً.
وتفضي التجربة بالسيد الأمين إلى الاعتقاد بأنّ لا مكان لأمثاله في ذلك النظام، فيستقيل من الوظيفة في القضاء، وينصرف إلى حيث يكون فاعلاً في حيز يختاره، وتكون له فيه حرية القول والفعل وتحقيق الإنجازات.
تفرّغ للتحقيق والبحث والتأليف، فحقق تراث والده السيد محسن الأمين، ونشره، وجعل موسوعة أعيان الشيعة في متناول طلابها، وما أكثرهم، ثمّ أتبعها بمستدركات تكملها… وفي هذه الأثناء، كان يعكف على إعداد دائرة المعارف الإسلامية وإصدارها…
وفي مجال آخر، راح يعيد النظر في كتابة التاريخ الإسلامي، بعدما رأى أنّ كثيراً من المؤرخين يمدح بلا تحفظ حين يرضى، ويذم بلا توقف حين يغضب، أو يركب التاريخ وفاقاً لهواه، كأنّه وعلى حد تعبير السيد الأمين، «يركب التاريخ بالإبرة والصنارة».
ومن الطرائف الدالة، في هذا المجال، أنّ أحد المؤرخين الموصوفين بالكبار ركّب مقولة مفادها أنّ الأمير فخر الدين المعني أرسل الشيخ لطف الله الميسي العاملي إلى الدولة الصفوية في إيران لتؤيده في سعيه إلى الاستقلال… والحقيقة التاريخية تفيد، كما يقول السيد الأمين، أنّ الشيخ لطف الله لم ير فخر الدين وفخر الدين لم يره لأنّه ولد وعاش ومات في إيران.
ولا يخفى غرض ذلك المؤرخ السياسي من اختراع هذه الحادثة.
وكان السيد الأمين، ولا يزال، يرحل بحثاً عن مصادره، وكان ولا يزال يرحل في هذه المصادر… إنّها رحلت بحث عن المصادر وفيها وتثمر الرحلات أدباً يغني نوعاً أدبياً عرفه الأدب العربي هو أدب الرحلات، وتثمر شعراً يمثّل تجربة البُعد والفراق والحنين… وتثمر حقائق تاريخية يتبينها الباحث ببصيرة نفاذة ويقولها بجرأة نادرة، فيفاجئ المستكينين إلى السائد، ويخض فيهم الركود.
يناقش السيد الأمين واحداً من هؤلاء ردّد مقولة سائدة مفادها أنّ الدولة الفاطمية كانت بلاء على الإسلام والمسلمين، فيقدّم له وللقرّاء وقائع تدحض هذه المقولة، ثمّ يقول ساخراً: «ولعل من هذا البلاء أنّ الدولة الفاطمية أورثتنا القاهرة والأزهر!».
ويبين في مثال آخر، بالأدلة الدامغة أن نصير الدين الطوسي الذي هاجمه مركبو التاريخ بالإبرة والصنارة، استطاع أن يهزم بالعقل والعلم والتدبير الدولة الطاغية الباغية، دولة المغول، ونجحت خططه في تحويل المغول من وثنيين إلى مسلمين، وروض شارب الدماء هولاكو، فمثل بذلك أنموذج المثقف الكبير الذي وظف علاقته بالسلطان الطاغية في خدمة مشروعه التاريخي، المتمثل بتحويل القوّة الوحشية العاتية إلى قوى تسهم في بناء حضارة وثقافة، هذه هي، كما رأى السيد الأمين وظيفة المثقف التي أدركها الطوسي ولم يتخل عنها ويهرب، على الرغم من أنّه كان معرضاً للوقوع في أنياب الوحش في كلّ يوم.
وبقي السيد حسن الأمين يعرب عن الحقيقة التي يتبينها، ويقرع الجهل بالحجا ـ بالعقل بعزم لا تفلّه السنون، وإنّي لأكاد أسمعه يقول:
أأمل ما لا يبلغ العمر بعضه
كأن الذي بعد المشيب شباب
إنّه لشباب يتجدّد، شباب العلاّمة الباحث أبداً متبعاً نهج المسؤولية والاستقامة والصبر…
إنّ هذا الشاب، وإن غيب الموت جسد صاحبه، باق في الكتب ـ الدوالي التي تبقى طوال الزمن مثقلة بعناقيدها تُضيء وتُمتع وتغذي…
عبد المجيد زراقط
السفير 19/10/2002
حسن الأمين
تسنّى لي القيام بسياحة تاريخية وسياسية في كتبه التي نشرناها له في شركة «رياض الريّس للكتب والنشر» كـ «سراب الاستقلال في بلاد الشام» و«حل وترحال» كما في كتبه العديدة الأخرى. رجل ومؤلف ومؤرخ وقاضٍ وسيد لا يمالئ ولا يداهن ولا يراوغ ولا يحسب حساباً إلاّ لله ووجه الحقيقة.
هل تريد أن تعرف شيئاً عن عبد اللطيف الأسعد، والد الرئيس كامل الأسعد؟ اقرأ حسن الأمين. هل تريد أن تعرف وجهاً آخر للزعيم رياض الصلح؟ اقرأ حسن الأمين. هل تريد أن تعرف خبايا وخفايا سلوك السياسيين اللبنانيين في فترة تاريخية ما بعيداً عن الأساطير والتبخير وخلط الرز والبصل؟ اقرأ حسن الأمين.
أمّا شخصية الرجل الذي عرفته عن قُرب سواء في جلساتنا الطويلة في مكاتب الشركة أو في منزله، فأخاذة يمتزج فيها الذكاء الحاد بالترفع، والنبالة بالتواضع، حيث إنّني في عمر 45 عاماً عقدت معه صداقة هي أقرب إلى الرفقة وكان في الثامنة والثمانين، مسافة نصف قرن كانت تنطوي بيننا بسرعة، حين يقهقه أو يعقب، يلمس الطاولة أو يرفع سبابته، يستوعب السؤال ثمّ ينقض مجيباً بتدفق يعزّ على الشبان. لكن فجأة كنت أحسّ بفارق الزمن بيننا حينما يرى رياض الرّيس، فيهب لمعانقته متشمماً إياه لأنّه «من ريحة الحبايب» ويقصد السيد حسن بكلامه هذا والد رياض الريّس الراحل نجيب الريّس، صديقه في العهد الدمشقيّ والسيرة الدمشقية.
سألته مرّة في شيء من المباسطة: لماذا لم تتزوج يا سيد؟ فأجابني: الزواج يفضي إلى الذلة والبُخلة. وهكذا كان السيد في حياته المديدة، عازباً غير معيل، فلم يتحوّل المال إلى هاجس لديه. كذلك لم يطأطئ الرأس أمام أيّة سلطة.
كان ـ رحمه الله ـ عاملياً ودمشقياً وعراقياً في آن معاً، وهي معادلة كانت مضمّخة بياسمين العروبة ودفلى الصراط المستقيم. وإنّها لقدوة نبوية لا كسروية، كما قال جدّك الرسول.
عماد العبدالله
مجلة النقاد/ ع131
28/10/2002
حسن الأمين
رحل حسن الأمين
رحل آخر المثقفين الحاملين لواء الأدب العالمي، والعاملين على إبراز ما فيه من سجايا تؤكد دوره، وخصوصيته إزاء ما أنتجه الآخرون.
كان مهموماً بالثقافة، متفرّغاً لها، مبحراً في عوالمها، ومضيئاً ما تخبئه من درر ثمينة تلمع كأنّها البرق حين يشرقط.
عرف كيف يثير الجدل ويؤججه حول مسائل تاريخية أو دينية أو ثقافية، حسبها البعض من البديهيات التي لا غبار حولها ولا لبس. فعمل على كشف ما أحاطها من زيف، متوصلاً إلى الحقيقة المدعّمة بالإثباتات والبراهين. غير آبه بمن يعتبرها مرّة. أو مسيئة لإرث يضيء على الرغم من هيمنة الظلام الدامس.
لقد قدّم والده العلاّمة السيد محسن الأمين خدمات جلّى للثقافة العربية، أبرزها كتابه الشهير «أعيان الشيعة» فما كان من السيد حسن إلاّ أن أكمل رسالة والده مقدّماً إلى قرّاء العربية «المستدرك من أعيان الشيعة».
تقدّمه في السن (توفي عن خمسة وتسعين عاماً) لم يمنعه من الانخراط في الأجواء الثقافية، ومن متابعة أدق تفاصيلها، وخصوصاً ما يتعلق منها بجبل عامل.
لقد فقد لبنان برحيله علماً بارزاً من أعلامه، ومؤرخاً مجتهداً بين مؤرخيه المطمئنين إلى اليقين الذي أدركوه وباحثاً متميزاً يصعب أن نعثر على صنو له.
لامع البحر
مجلة الشراع
حسن الأمين: الأمين الحسن
تعود معرفتي لآخر عمالقة الجبل من أبناء جيله إلى بداية الستينيات ومنذ ذلك الحين بتّ ملازماً له كظلّه، شهرته تقوم على التأريخ وفي هذا ظلم له فهو كاتب وشاعر، رحالة ومفكر، مثقف كبير، أنّه باختصار ينتمي إلى ذلك الجيل الموسوعي الذي مثّله أبوه من قبله ووصل معه إلى القمة ليبدأ بالأفول والغياب.
وعلى أهمية كلّ هذه المواهب فليست هي ما يعنيني في هذا المقام بقدر ما يعنيني حسن الأمين الإنسان إذ أنّني أعترف بكلّ صدق أنّه رغم تعدّد المدارس والجامعات التي عرفت أعترف أنّ هذا السيد الجليل كان المدرسة الأهم في حياتي.
شديد التواضع أمام البسطاء. شامخ القامة مرفوع الرأس، حازم النبرة أمام «أصحاب المقامات»، من دنيوية ودينية، وبقدر ما يرتاح الفريق الأوّل لحضوره وحديثه ويجد نفسه فيه، بقدر ما يهابه الفريق الثاني ويحسب حساباً لمجلسه.
دخل القضاء في مستهل حياته، ولكنّه سرعان ما أدرك أنّ حبّه للعدل أقوى بكثير من قدرة القضاء على التحمّل فغادره غير آسف شاهراً قلمه سيفاً دفاعاً عن الحق والعدل في ماضي الإنسان وحاضره وفي التأسيس لمستقبله.
تواطأت عليه طوال حياته السلطتان الدينية والدنيوية في محاولة لاستيعابه، ولكنّه عرف دائماً كيف يكون جديراً بنسبه العلوي الشريف، لا تأخذه في الحق لومة لائم يكتب ما يريد غير عابئ بالنتائج ولا يكتب ما لا يريد مهما كانت العروضات والمكاسب، رغم الصعوبات الجمّة التي اعترضته في نشر كتاباته خاصّة في البدايات.
منفتح متسامح، كان صديقاً وفياً لعملاق آخر ـ رغم ما بينهما من تباين في الظاهر ـ أعني أستاذي الصديق المرحوم حسين مروة شهيد الفكر والإنسانية فكانا علمين بارزين يمثلان في تكاملهما مشارب أبناء عاملة في أصفى تجلياتها الإنسانية الصادقة.
كان يطلبني أحياناً لأرافقه في زيارة رجل بسيط في قرية ما تعبيراً عن مودة أو قياماً بواجب، ولا أنسى مرافقتي له لقراءة الفاتحة على قبر رجل مؤمن ـ أبناؤه من أصحاب الثروات الطائلة والمراكز المميزة ـ فلمّا انتهينا أمرني بالعودة دون المرور بالأبناء فالوفاء لأهل الوفاء.
لم يكن يؤلمه شيء كما يؤلمه ما يسمّيه هو (جحود الآخرين) وغدرهم، فكم من الأسماء البارزة التي نال أصحابها الجوائز والأوسمة، نهل أصحابها من معين نهره المتدفق دون أن يشيروا إلى ذلك مراهنين على سمو أخلاقه وعفة نفسه وترفعه عن تفاهات الدنيا ومكاسبها الآنية الرخيصة غير مدركين ما يسببه له هذا الأمر من وجع نفسي وحسرة على الإنسان الذي يرتضي لنفسه أن يكون مختلساً حيث يستفظع الاختلاس، ويكون سلعة في سوق النخاسة حيث الجريمة مضاعفة.
جسّد السيد حسن الأمين، في سيرته وفي تلازم قوله والفعل نموذجاً فريداً من علاقة المثقف بالسلطة، فجرَّها إليه ولم يجر إليها، وإذا كان قد خاض الانتخابات فالدافع إلى ذلك أخلاقي أكثر منه سياسي، إذ استفظع أن يصرّح أحد زعماء الجبل يومذاك أنّ المعركة نزهة فأراد السيد الثأر لما اعتبره إساءة لكرامة الناس وهذا ما كان.
واستطاع السيد حسن بتواضعه وصلابة دفاعه عن الحق ووفائه لقيمه وللإنسان وغزارة علمه فرض نفسه على الجميع دون أن يزحزح قيد أنملة عمّا يعتبره صدقاً وحقاً وعدلاً. يزوره السياسي، ويتبرّك به رجل الدين ويقف منه العلماني موقف الطالب إزاء الأستاذ.
قال والده السيد محسن:
بكيت وما بكيت لفقد دنيا
أفارقها ولا خلّ أليف
ولكنّي بكيت على كتاب
تصنفه يداي إلى حتوف
سيمضي بعد فقداني ضياعاً
كما يمضي شتاء بالخريف
فيا سيد محسن كن قرير العين فقد حفظت كتبك وأضيف إليها ما يوازيها، ويتفوق عليها أحياناً، فقد كان ولدك أميناً وحسناً، ولك أن تفخر به على أهل الأرض وأن تباهي به أهل السماء، ولنا نحن التشبّه به والسير على خطاه، ومتابعة رسالته.
د. محمد حمود
مجلة الشراع
رحيل العلاّمة المؤرخ حسن الأمين
مشى في دروب المعروف حتّى تعب
في كتب العامليين إشارة إلى سجدتين: سجدة لله وسجدة للمعرفة التي أمر الباري بالسعي إليها وامتلاكها، وقد آمنوا بأنّ الثانية هي قربى يتقرّبون بها إلى الله ولذلك كانت لهم الأسبقية في عالم الفكر والمعرفة.
وفقيدنا السيد حسن الأمين واحد من آل بيت المعرفة، إنّه العلاّمة المؤرخ الذي عرفته ندوات الفكر والأدب، ويحتم عليّ الوفاء أن أشير ولو باقتضاب كلّي إلى بعض أنشطته الثقافية المميزة، فلقد كانت الصداقة راسخة بيننا.
كان حضوره فاعلاً في الاجتماع الأوّل الذي عقدته في منزلي لتأسيس مجلس ثقافي للبنان الجنوبي إلى جانب المجالس الثقافية التي أسّستها في جميع المحافظات اللبنانية، وكذلك في الاجتماع العام لانتخاب الهيئة الإدارية الأولى لهذا المجلس في منزل المغفور له الشيخ أحمد عارف الزين في صيدا بحضور جمهرة من كبار مثقفي جبل عامل أذكر منهم: محمد علي الحوماني، الشيخ علي الزين، هاشم معروف الحسني، صدر الدين شرف الدين، حسن الأمين، كامل العبدالله، جوزف مغيزل، أحمد سويدان، أديب مروة، موسى الزين شرارة، عبد الحسين العبدالله، بولس سلامة، جورج جرداق، حسين مروة، عبد اللطيف شرارة، حسين مكي، فؤاد البوبو، نزار الزين، علي إبراهيم، جعفر شرف الدين، زيد الزين وغيرهم. وكنت أوّل أمين عام لهذا المجلس الذي كان يعتمد، فيما يعتمد، على نشاط واخلاص السيد حسن الأمين للنهوض بالحركة الثقافية العاملية.
وفي إطار التحرّك الثقافي عقدنا ندوات كبرى عديدة في مختلف مدن الجنوب وقراها الكبرى منها ندوة «الحياة الأدبية في جبل عامل» حيث شارك رحمه الله بدراسة قيمة إلى جانب رعيل كريم من أدباء جبل عامل، كما شارك في الندوة التي عقدناها في مدينة صيدا حول: «أضواء على تاريخ الجنوب» إلى جانب كلمتي وكلمات حسين مروة، انطوان غطاس كرم، الشيخ عبدالله نعمة ومحمد علي مكي.
وفي الندوة التي عقدها «المجمع الثقافي العربي» في دار نقابة الصحافة اللبنانية حول: «الجذور العائلية في لبنان عامل ترابط ووحدة وطنية» كان موفقاً في دراسته، كعادته إلى جانب دراستي ودراسات يوسف الحوراني، أحمد أبو سعد، ومسعود ضاهر.
كثر عطاؤه فلبس عظمته، ونأى عن مذاهب العجب فكان له زهو التواضع.
لقد انقطع إلى دراسة التاريخ وبخاصّة تاريخ علماء جبل عامل، كما كان شأن والده الكبير العلاّمة الحجة، وذلك بتقشف الزهاد، فهو يذكرنا بالكتبة القدامى الذين عاشوا لموضوع أو لكتاب فهانت لديهم الدنيا أملاً بعز غدوي.
لقد مشى كثيراً في دروب المعرفة حتّى تعب، وتعب المعرفة عافية.
ترفّع عن الابتذال، وظلّ قريباً من الناس.
ارتفع وتسامى، كما ارتفع أمثاله الكبار، لأنّه لم يحن رأسه إلاّ لله، وصغر الكثيرون لأنّهم طأطؤوا رؤوسهم لعباد الله.
سقى الله عهداً عرفناه به فأحببناه وقدّرناه.
وحسبك عاملة أن رحت أبحث فيك عن رموز بشرية، حسبها في العز، أن أضحت أعمالها مشاعاً إنسانياً.
إنّ الذين يؤدّون قسطهم للعلى لا ينامون، إنّهم في يقظة الناس!.
الأمين العام لـ «المجمع الثقافي العربي»
عبد الرؤوف فضل الله
في رثاء السيد حسن الأمين
أصعب الكلام هو في من أو عمّن يعرفه أو يعرف عنه سامعوك مثلك أو أفضل ممّا تعرفه أو تعرف عنه… ومن لا يعرف علامتنا الراحل السيد حسن الأمين؟!.
من لم يعرفه بشخصه، مؤلفاً موسوعياً، محاضراً، كاتباً، مبشراً، هادياً، محرّضاً على العلم والمزيد من العلم، على المعرفة والمزيد من المعرفة، عرفه بأثره النفسي الذي يشكّل مكتبة كاملة.
فكيف ترثي موسوعة بكلمات، ودائرة معارف بنبذة سريعة، وكيف تشهد لمن كان المصدر والمرجع في الشهادات بالوطنية والعروبة والإسلام. فضلاً عن الثقافة والأخطر: الشجاعة في إعلان الرأي متى استند إلى الدقة العلمية، ولو صادماً عواطف العامة وناقضاً ما ثبت إلى أذهانهم وكأنّه الصورة البهية لبعض رجالات تاريخهم؟
ثمّ… من أين تبدأ الحديث عن العلاّمة حسن الأمين، وهل يمكن أن تباشر الكلام عنه بغير أن تتوقع بتحية الإكبار والتقدير أمام الدوحة العملاقة والمرجعية الوطنية ـ القومية ـ الدينية العظمى ممثلة بوالده وإمامنا جميعاً السيد محسن الأمين؟!.
لقد أسعدني زماني بأنّ تتلمذت ـ لفترة قصيرة ولكنّها باقية بتأثيرها عليّ ـ على واحد من أبناء دوحة العلماء ـ الشعراء ـ الأدباء ـ الدارسين ـ البحاثة ـ المناضلين ـ حتّى من موقع السفراء ـ هو السيد جعفر الأمين، الذي يدين بفضله جيل كامل من أبناء بلدتي شمسطار وجوارها ما بين زحلة ودير الأحمر وبعلبك، إذ لولاه لما تعلمنا فك الحرف ولما دخلنا رحاب المعرفة بل الحياة في هذا العصر البهي بمعارفه والصعب على الجاهلين ومعهم.
ولا يمكنني والحديث عن السيد حسن محسن الأمين أن أتجاوز ذكر هذا «المعلم» الذي علّمني وأدّبني وفتح عقلي وقلبي على الحياة والناس، اللغة والشعر، الفكرة المبدأ: السيد جعفر محسن الأمين.
وما كنت أعرف أنّني سأفيد من بعض ما علّمني السيد جعفر، وكفى باسمه تعريفاً، الذي تتلمذت عليه صغيراً، لغة وموقفاً، لكي أرثي أستاذنا الذي درسنا عليه جميعاً وأخذنا عنه بعض وعينا بأنفسنا وبديننا وبهويتنا وبموقعنا الصحيح في التاريخ السيد حسن محسن الأمين.
وإذا كان السيد محسن قد باشر، من موقع المرجع الديني، نشر رسالته في تحريرنا من وصمة الطائفية والكيانية والهجانة، ليعيدنا إلى أفياء الانتماء الأصيل في أحضان الأمّة التي كانت خير من أخرج إلى الناس، فإنّ السيد حسن قد اجتهد فأصاب في توكيد جدارتنا بهذا الانتماء بعد تطهيره من جهل العصبية ومن عنصرية الكيانية ومن ضياع المتعولمين من قبل أن تحتكر الولايات المتحدة الأميركية العولمة فتجعلها هيمنة مفردة على عالمنا الذي يتمثّل غناه في تعدّد مصادر الحضارة ومراكز التنوير فيه.
ليس جديداً وليس كثيراً أن يُقال إنّ السيد محسن الأمين بيت قائد ولد قادة فكر ورأي واجتهاد.
والسيد حسن الأمين الذي ولد في دمشق التي ترك فيها السيد محسن علامة فارقة، وعاش في بغداد وأحبّ القدس وحاور في القاهرة وأنتج في بيروت، كان اللبناني ـ العربي ـ العالم الديني ـ السياسي ـ الفكري ـ الثقافي المتصالح مع نفسه: لا وطنيته تناقض قوميته، ولا دينه يناقض عروبته ولا إسلامه يناقض إنسانيته.
حيَّ على جبل عامل… أليس العلماء ورثة الأنبياء؟!.
طلال سلمان
السفير 1/11/2002
صدى رحيل الفقيد الكبير
في وسائل الإعلام
خامنئي يعزي بحسن الأمين
وجّه مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي برقية تعزية بالسيد حسن الأمين، هنا نصّها:
«ببالغ الأسى والأسف علمنا أنّ الكاتب والباحث والمؤرخ اللبناني الشهير والجليل السيد حسن الأمين نجل العلاّمة الجليل والفقيه والمؤرخ الإسلامي البارز المرحوم آية الله السيد محسن الأمين قد وافته المنية والتحق بربّه.
إنّ فقدان هذه الشخصية الكريمة يشكّل خسارة للشعب اللبناني ولا سيما للمسلمين والشيعة في لبنان.
فالابحاث العلمية والمؤلفات القيّمة التي خلّفها المرحوم في مختلف المجالات خصوصاً في مجال التاريخ الإسلامي ومناقب أهل البيت (عليهم السلام) إنّما هي صفحة ناصعة تضاف إلى سلسلة المفاخر الخالدة لجبل عامل.
إنّني إذ أتقدّم بأحرّ التعازي لأسرة الأمين الفاضلة وللعلماء المسلمين وكذلك للمحافل العلمية والجامعية برحيل هذا المفكّر المحترم أسأل الله تعالى أن يلهم المفجوعين الصبر والسلوان وأن يتغمد الفقيد السعيد بواسع الرحمة والغفران.
النهار
الثلاثاء 22 تشرين الأوّل 2002
غياب الوجه المتألق
نعى الأمين العام للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي حبيب صادق المؤرخ الراحل السيد حسن الأمين بالكلمة الآتية:
كبير من رموزنا الثقافية في لبنان يغادرنا إلى غير عودة، هذه المرّة، وهو الرحالة المدمن التحليق في آفاق هذا العالم والرجوع إلى رحاب وطنه في نهاية كلّ مطاف.
سحابة عمره المديد، لم يكن السيد حسن الأمين إلاّ ذلك النهر المتدفق بالعطاء الشديد الخصب، المتنوّع اللون، والبعيد المدى والسحيق الغور، فقد جعل من أيامه ولياليه، على تواصلها المثمر، حقولاً للإنتاج المتميز سواء في حقل التربية والتعليم أو في كتابة الشعر والنقد والسيرة وأدب الرحلات أو في الذهاب بعيداً في ميادين التاريخ العربي ـ الإسلامي والتأليف الموسوعي إضافة إلى استكمال تراث والده المجتهد المصلح، المغفور له السيد محسن الأمين صاحب «أعيان الشيعة».
ومن مآثره الكثيرة التي لا تحصى، على أكثر من صعيد، انصرافه، بحدب وتوله، على معالجة شؤون مسقط رأسه جبل عامل منقباً في أبعاد ماضيه وحاضره وكاشفاً النقاب، باعتزاز، عن ذخائره الثمينة وكنوزه المخبأة. ولعل من خير انصرافه الدؤوب ذلك اشتراكه الوازن في تأسيس المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، وقبوله بعضوية أوّل هيئة إدارية من هيئات المجلس (1965ـ1967).
من هنا يوجع أهل المجلس أشدّ الوجع غياب هذا الوجه المتألق عن فضائه، وليس عن صدارة ذاكرته: الأخ الكبير البحاثة الموسوعي والمؤرخ الفذ السيد حسن الأمين.
ونحن، في المجلس، إذ نقف اليوم بخشوع، إلى جانب أفراد أسرته الكريمة نتقدّم منهم جميعاً بخالص التعازي. وللراحل الكبير الخلود في الدارين.
النهار
الخميس 17 تشرين الأوّل 2002
حسن الأمين مؤرخ حجّة
في نهاية الستينات التقيت المؤرخ حسن الأمين للمرّة الأولى في منزل المجاهد العربي محمد علي الطاهر (أبو الحسن) في بيروت، خلال ندوة كان يعقدها أبو الحسن مساء كلّ اثنين ويؤمّها سياسيون ومفكرون وأدباء ومؤرخون وعلماء وصحافيون، إلى قادة عرب كانوا يمرّون في بيروت وفي المقدمة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، أو كانوا قد التجؤوا إليها هرباً من أوضاع في بلادهم. وكان أبو الحسن يقدّم الشاي لضيوفه، ويعطي الكلام لهذا أو ذاك ليدير الجلسة، إلى أن استقرّ رأيه أخيراً على أن يكون المؤرخ جواد بولس الرئيس الدائم لجلسات الندوة ـ الصالون. وكان للمؤرخ حسن الأمين صولات وجولات عندما يدور الكلام على التاريخ لا سيما تاريخ جبل عامل.
ربطتني بالعلاّمة حسن الأمين علاقة صداقة، فرحت أزوره في منزله القريب من مستشفى المقاصد، العامر بمكتبة زاخرة بالموسوعات والمخطوطات. وكان صالونه، في أغلب الزيارات، ملتقى المثقفين.
وكان يزورني بدوره في مجلة «الجمهور الجديد» حيث كنت المسؤول عن القسم الثقافي، فيزودني كتبه وآراءه.
تعمّق حسن الأمين في التاريخ، ولا سيما تاريخ الجنوب. إنّه لم يغفل النقد والشعر والسيرة، فولجها. كما تطرّق إلى الحروب الصليبية فنبش ما أغفله المؤرخون أو تجاهلوه عمداً.
انتمى إلى بيئة أنجبت علماء وكتّاباً طليعيين. فهو من معدنها. والده المجتهد السيد محسن الأمين وصاحب كتاب «أعيان الشيعة» وغيرها من الكتب والمراجع، كان له هداية، فغرف من معينه ومن معين الأسلاف.
وكان منفتحاً على الغير وإنّ خالفه هذا الغير الرأي.
وكان محاوراً في مختلف مجالات السياسة والفكر والقومية.
وكان قارئاً نهماً وناقداً نزيهاً لا يتلفت إلى المؤلف حتّى لو كان صديقه. وكان متنوراً. ما اعتلى منبراً، أو كتب مقالاً، أو دخل في صراع فكري أو نقاش تاريخي، إلاّ استعمل سلاح المنطق والتروي والنصح.
وكان يرى في المسيحيين العرب بناة للقومية العربية، أحلّوها في الصدارة، وأعلوا شأنها خلف الحدود.
ورحل مطئمن البال إلى أن تاريخ لبنان، وضمنه تاريخ الجنوب، سيبقى قائماً على أرض ثابتة، ويغذي الأجيال الطالعة بحب الوطن.
إبراهيم عبده الخوري
النهار
الاثنين 21 تشرين الأوّل 2002
سيرة رجل سيرة جيل
في زيارتي الأخيرة له في 27/9/2002، كان العلاّمة حسن الأمين فرحاً على غير عادته. قال لي بابتسامة عريضة منه: «لن أقول لك كما في كل الزيارات إنّني تعب وجسمي يؤلمني و…، لقد استهلكنا جسدنا، وكانت حياتنا نافعة، رغم أنّ النتائج لم تكن هي ما نريده». اهدانا يومها كتابه الأخير عن جبل عمل، وقدّمت له كتابي «في الهوية والتراث»، فرح كثيراً بالهدية، خاصّة أنّ كتابي مهدى إليه، أمّا الزيارات السابقة فكانت مكثفة خلال هذه السنة، حيث أقمنا في حلقة الحوار الثقافي تكريماً له شارك فيه الأب يوسف مونس، د. يوسف الحوراني، د. أميرة أبو مراد. د. إبراهيم بيضون، د. منذر جابر. د. حسان حلاق، د. حسن البعيني، العلاّمة محمد حسن الأمين، وكانت الغائبة الحاضرة السيدة أملي نصر الله. يومها شاركتنا في هذا الاحتفال نخبة من محبّيه تجاوز عددهم 200 مثقف من مختلف الاتجاهات والمناطق.
في زيارة له بعد التكريم وكنّا بمعية الوزير أسعد دياب، كانت جلسة طويلة، تحدّث خلالها الأمين عن سيرة حياته عن والده وعن جبل عامل، وعن رأيه في الكثير من المسائل. يومها سألته لماذا لم تتزوج؟ كانت له وقفة مطولة أمام السؤال، وأجاب أنا كما كلّ الرجال أحببت المرأة، وأقمت علاقات معها، لم أكن غريباً عن عالم النساء. وأذكر أيضاً أحد اجتماعات حلقة الحوار الثقافي وفي منزل سلام الراسي أطال الله بعمره، حيث كان العلاّمة حسن الأمين والعلاّمة عبدالله العلايلي وأحمد أبو سعد وأنيس فريحة وفؤاد افرام البستاني، وآخرون هم من ساهموا في تأسيس الحلقة. حينها سرد لنا سلام الراسي لقاءه مع والد السيد حسن العلاّمة محسن الأمين، كان اللقاء أواخر الأربعينات حين فرق العلاّمة محسن بين تسمية الجنوب بالجنوب اللبناني، وبين التسمية التي يستعملها في كتاباته بلاد جبل عامل. وحين سأله الراسي وما الفرق، قال له العلاّمة محسن الأمين الفرق كبير، فالجنوب اللبناني منطقة جغرافية. أمّا جبل عامل فقضية. حينها أضاف ولده السيد حسن الكثير على هذه المقولة، فتحدّث عن دور والده: «إنّ والدي كان مرجعاً عربياً ليس فقط للشيعة ولكن للجميع، وذكر لنا كيف حاول الفرنسيون في العشرينات من القرن المنصرم أن يتقربوا منه، مرسلين رسلاً إليه يطالبونه بأن يرضى بتسميته «المفتي الأكبر». وكان ذلك بسبب علاقاته الجيّدة مع كلّ الطوائف اللبنانية، محاولين من هذا العرض إيجاد شرخ كبير بين السنّة والشيعة. ويومها رفض السيد محسن الأمين العرض، خاصّة أنّه كان مرجعاً إسلامياً في دمشق ذاتها وكان مرجعاً للطائفة العلوية، حيث كان وفد ديني رفيع المستوى من القرداحة وجوارها يأتي إليه سنوياً لأكثر من مرّة ويستشيره في أمور مختلفة. كما كان البيت الأسعدي وفي كثير من الأحيان مرجعاً سياسياً للطائفة نفسها.
لقد اعتقد الفرنسيون أنّ الانفتاح على السيد محسن الأمين انفتاح على الطوائف الأخرى، واعتقدوا أنّ وضعه يتماثل مع وضع الشيخ محمد الجسر في الشمال.
ويحكي لنا العميد د. رياض قاسم عن وجوده في إحدى المناسبات التي تكلمت عن السيد محسن الأمين. يقول إنّ وجوده كان غريباً، ولم يسمع منهم كلاماً يعرفه بالسيد محسن. ويضيف إنّ السيد محسن عرف بالإصلاحي للأسباب الآتية:
1 ـ رفض تقبيل الأيادي سواء لرجال دين أو غير رجال الدين.
2 ـ رفض ومنع اللطم والتجريح في عاشوراء، وفي غيرها من المناسبات.
3 ـ رفض البكاء على الحسين، والنواح والعويل في المناسبات الدينية.
4 ـ رفض أن يؤم شيخ غير متعلم المؤمنين في الجامع.
ومن مميزات رؤيته الإصلاحية أيضاً أنّ السيد محسن الأمين عندما أسّس مدرسة في الربع الأوّل من القرن المنصرم المدرسة اليوسفية للصبيان، أسّس إلى جانبها مدرسة للبنات، واتخذ قراراً بضرورة تعليم الفرنسية بدءاً من السنة الثالثة الابتدائية. وأيضاً عندما كان يسافر كان يدوّن ملاحظاته ومشاهداته، وكان أيضاً يطالب بتدوين محاضر اجتماعات المؤسسات التي يتم إنشاؤها.
المغفور له حسن الأمين، كان ابن هذه البيئة، ابن هذا البيت، ابن هذا الإصلاحي العظيم. والسيد حسن أضاف الكثير إلى تجربة والده، وذلك من خلال إعادة قراءته لتأريخ أحداث لبنان والمنطقة، مثلاً رؤيته المختلفة لسيرة صلاح الدين الأيوبي، وتفسيره المختلف للكثير من المسائل التي يعتقد البعض أنّها تستند إلى مصادر موثوقة كان مؤرخاً له رؤيته الخاصّة، وكانت له رؤيته المختلفة لكثير من الأحداث ذات الطابع الديني، وكانت له أيضاً تجربته الشعرية والقضائية وغيرها.
كان موسوعياً بامتياز. وهو الذي ساهم في ثقافة تحسين العلاقات بين الناس، ثقافة حوار لا انغلاق فيه.
قال عنه صديقه المؤرخ يوسف الحوراني «حيث يكون حسن الأمين يوجد مجلس للأدب والفكر والمعرفة وعقد الصداقات»، وقال عنه الأب يوسف مونس «أدرك حسن الأمين أنّ للآخر حق الاختلاف والافتراق، وكلّ تدمير للآخر هو تدمير للذات، وعدم الاعتراف بالآخر هو العنف الكبير». وقال عنه العلاّمة محمد حسن الأمين «حسن الأمين كان غريباً في عصره، وهذه الغربة هي شهادة كلّ كبير، وشهادة كلّ فاعل في تاريخ أمته، تاريخ فكرها وحضارتها وصناعة مستقبلها. لقد أدرك حسن الأمين أنّ الانهيار والسقوط في الأمم ليسا نتيجة حدث خارجي، بل هما نتيجة قابلية تستدرج مع مثل هذه الأحداث». وقال عنه تلميذه د. إبراهيم بيضون» كان حسن الأمين مقيماً مع الناس، في ذاكرتهم، كما كان مقيماً في الحوليات التي شاخ فيها الزمن «وقال عنه تلميذه أيضاً د. جابر «كتابات حسن الأمين حمالة أوجه في الثقافة».
كان ابن بيئة يتدرج فيها الانتماء من الوطني إلى القومي والإنساني، وبذلك كان لبنانياً بامتياز، كما كان عربياَ دون الالتفات إلى الشأن الديني وزجّه في الشأن القومي، وكما فعل ويفعل الكثيرون هؤلاء الذين استخدموا هذا الدمج لفكفكة المجتمعات العربية إلى مجتمعات طائفية لا رابط بينها إلاّ الرابطة التي تسوسها ثقافة الطوائف بعضها مع بعض. وحيث النزاع الدائم يؤدّي إلى قتل كلّ حوار وطني، وإلى استبقاء الجواب الأخطر في التراث الديني، كمقولة أهل الذمة والعصر الجاهلي وأرض المسلمين ليس بينها من حدود، إضافة إلى ربط الإسلام بالقومية ممّا يؤدّي إلى استبعاد الطوائف الأخرى من فكرة الهوية الجامعة والانتماء الوطني أو القومي العربي ليتم التعامل معها كطوائف.
حسن الأمين وربع قرن من التواصل معه، لا يمكن في غيابه أن نرسم صورة جامعة له، حسن الأمين كان مواظباً على اجتماعات الأمانة العامة لحلقة الحوار الثقافي سواء في مبنى وزارة الثقافة السابق صوفيل أو في مبنى ستاركو أو في منازل سلام الراسي والهام كلاب البساط وفرحان صالح. كان حاضراً في نشاطات الحلقة وفي مؤتمراتها وندواتها.
قال في الحفلة التكريمية له في الأونيسكو وكرّر ذلك ونحن في زيارة له مع الوزير دياب «هناك من سيحتضنني في مماتي احتضان التجار لسلعة ما أو ما شابه، ولكن أنتم في حلقة الحوار الثقافي وفي تكريمكم لي، من احتضنني واحتضن همي وتفكيري». وأشار بيأس إلى من اتصلوا به كي يكرموه وكانوا يطلبون مقابل ذلك مالاً.
حسن الأمين، الغائب الحاضر، سنتواصل مع ما أسس له مستفيدين منه ومضيفين إليه. وحسن الأمين كذا والده ورعيل آخر من النخب التي عرفها الجنوب ولبنان، هم من الذين أسسوا وبنوا مدماكاً لأرضية فكرية ووطنية سنستلهم منها الكثير.
فرحان صالح
رحيل السيد حسن الأمين
غيّب الموت المؤرخ السيد حسن الأمين عن 95 عاماً قضاها بين صفحات التاريخ قارئاً ومؤلفاً، وصاحب رأي ورؤية في الخلافات والسجالات التي كانت تثار حول بعض الأحداث والشخصيات الإسلامية كنصير الدين الطوسي وصلاح الدين الأيوبي.
ولد السيد حسن الأمين في شقراء جبل عامل سنة 1908 وترعرع في بيئة سياسية دينية في منزل والده المرجع السيد محسن الأمين، ثمّ انتقل إلى دمشق حيث درس على والده في الحوزة المحسنية، ثمّ انتسب إلى كلية الحقوق في جامعة دمشق وعمل فترة قاضياً في محاكم لبنان، غير أنّه ترك وظيفته الرسمية في القضاء اللبناني وتوجّه إلى التاريخ قارئاً نهماً، مؤلفاً مغايراً للسائد، تابع مشروع والده في كتابة «أعيان الشيعة» الذي توقف عند حرف السين بوفاة والده فأكمله حتّى حرف الياء، ولم يكتف بإكمال موسوعة أبيه وإنّما أضاف عليها «مستدركات أعيان الشيعة».
في عام 1992 بدأ بنشر موسوعته الخاصّة به والتي حملت عنوان: «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» والعديد من المؤلفات التي تتخصّص بتاريخ الشيعة، وكذلك كتب السيد حسن الأمين عدّة مؤلفات في تاريخ المنطقة، منها صلاح الدين الأيوبي، الرضا والمأمون وولاية العهد، الوطن الإسلامي بين السلاجقة والصليبيين، الإسماعيليون والمغول، ونصير الدين الطوسي… وغيرها من الكتب التي أثارت الكثير من الآراء المتباينة والمتراوحة بين التأييد والمعارضة.
يكفي حسن الأمين أنّه أخلص للتأريخ، وأنّه أعادنا إلى زمن الكتّاب الموسوعيين، وأنّه كان ذا رأي واضح في زمن الأقنعة.
ح. ن
العهد
الجمعة 18/10/2002
عندما يبلغ المرء التسعين من عمره فإنّه يتفرّغ ليعدّ أيام حياته المتناقصة يوماً إثر يوم، أمّا المؤرخ السيد حسن الأمين فإنّه كان في الخامسة والتسعين يعدّ مشاريعه الكتابية، ليس ما تمّ إنجازه منها فحسب، وإنّما ما هو مخطط له وموضوع على لائحة المشاريع المستقبلية القريبة التنفيذ.
عندما زرته في الشهر الاسبق لإجراء حوار صحافي معه في الذكرى الخمسين لوفاة والده المرجع الإسلامي الشيعي الكبير السيد محسن الأمين وجدته كعادته ودوداً، دافئاً، خفيف الروح، قريب الدعابة تلوح ضحكته الطفولية على وجهه التفّاحي المندغم بياضه القديم بصفاره المرضي الحديث. بدماثته المعهودة أجاب السيد على أسئلتي التي تراوحت بين الخاص الذاتي والعام التاريخي، وتنقلت بين الإضاءة على منجزات المرجع السيد محسن الأمين والسفر على أجنحة سيرته هو، هو كمؤرخ صاحَبَ القرن السابق بكلّ تحوّلاته ومفارقاته، كمؤرخ أجاد حرفة استنطاق أحداث ونصوص التاريخ.
عن والده أخبرني أنّ أبرز إنجازاته تتلخص، بكتابه الموسوعي أعيان الشيعة، وبنظراته التجديدية في إصلاح المنبر الحسيني، ومساهمته كمرجع شيعي في قيادة الثورة السورية الكبرى، وبإنشاء أوّل مدرسة لتعليم البنات في العالم الإسلامي.
عنه هو أخبرني كيف ترك الحقوق التي درسها في جامعة دمشق في الربع الأوّل من القرن الماضي، وتخلّى عن وظيفته المرموقة في القضاء لأنّه لم يستطع أن يتغاضى عن الهجرة اليهودية السرية من لبنان إلى فلسطين وكيف توجّه إلى التاريخ، عشقه الأوحد.
أخبرني عن رحلاته وأسفاره إلى آسيا الوسطى مقتفياً آثار التاريخ في سمرقند وبخارى ونيسابور.
أخبرني…
وفي الختام سألني عن سبب تأخّر العدد الأخير من جريدة الانتقاد في الوصول إليه، اليوم يصل إليك آخر عدد من الانتقاد، ولن يجد من يقرأه، كما لم يجد تاريخنا من يقرأه مثلك.
العهد
18/10/2002
«كرسي مقلوب ولا بيع شبر من فلسطين»
كبيراً عاش، كريم النفس
ومقاوماً على طريقته هو، المرحوم السيد حسن الأمين، الذي رفض توكيلاً كان ليعمل منه مليونيراً في أيام العز.
والقصة أنّه وبعد تخرّجه من كلية الحقوق أرسلت في طلبه إحدى العائلات من أجل عمل يقوم به، وكأي متخرّج جديد يبحث عن فرصة عمل حضر. وكان العمل عبارة عن تفويض بالذهاب إلى القدس لبيع أملاك واراض شاسعة في فلسطين المحتلة.
فكان جوابه:
ربع الليرة التي أملك دفعت 10 غروش منه أجرة كرسي مقلوب من الشام إلى بيروت (لأنّ الكرسي المقلوب كان أرخص) وبخمسة سأشتري ما أسدّ به جوعي، والباقي سأعود به من حيث أتيت، ولن أرضى ببيع شبر من فلسطين.
نِعْمَ المعلم… ونِعْم العالم…
ونِعْمَ المقاوم…
مصطفى خازم
الانتقاد
الجمعة 18/10/2002
حسن الأمين في ذمة الله
توفي أمس في بيروت المؤرخ حسن الأمين نجل العلاّمة المرحوم السيد محسن الأمين، عن عمر يناهز الـ 94 عاماً أمضاها في البحث والتأليف والتعليم. ونعاه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. والفقيد تفرّغ لأعمال البحث والكتابة مؤلفاً عشرات الكتب في مجال التاريخ الإسلامي والشيعي ومن أبرزها: «دائرة المعارف الشيعية» و«مستدركات أعيان الشيعة»، كما ساهم بالكثير من المقالات السجالية في الصحف اللبنانية والعربية، وكانت جريدة «الحياة» أحد المنابر التي اختارها للكثير من مساهماته. وسيوارى الراحل الثرى اليوم في بلدته شقرا، جنوب لبنان.
الحياة
17/10/2002
حسن الأمين الشاعر والمؤرخ و«كاشف المجهولات»
حسن الأمين الذي توفي الاثنين الماضي، شخصية ثقافية إسلامية بارزة، ابن أحد أهم المراجع الشيعية في زمانه، قاض مدني سابق، مرشح للانتخابات النيابية في لبنان لم يحالفه الحظ أعطى حياته كلّها للكتابة والأبحاث، متّصل بتراث أبيه السيد محسن الأمين، وقد يكون مشاركاً فيه.
شاعر وكاتب ومؤرخ وصاحب اطلاع موسوعي في الثقافة والجغرافيا والتاريخ والسوسيولوجيا والإيديولوجيا الإسلامية الشيعية بخاصّة، وفي التاريخ الوطني السياسي السوري قبل الاستقلال بنوع خاص، وكذلك اللبناني والعربي.
موسوعة «أعيان الشيعة» أكملها بعد والده وربما شارك فيها أثناء حياته، له صفحات جميلة لا تحصى حول احياء دمشق وتكوينها الجغرافي الاجتماعي. حجة في تاريخ جبل عامل وفي تاريخ المقاومة السورية للانتداب الفرنسي. له كتابات عن الهند وباكستان والشيعة فيهما.
يكتف بتدفق، ويتوسع أحياناً فلا يترك شاردة أو واردة عن الموضوع الذي يتكلم عنه، ولا يترك للفن الكتابي وللمنهج أحياناً أن يسيطرا على نصوصه على حساب تفاصيل ومعلومات ونظرات تزخر بها ذاكرته وتمتلئ بها جعبته، وتكون في كثير من الحالات مجهولة أهم من أن تحبس فلا تظهر، وأهم من أن توضع جانباً بدعوى التقيد الصارم بمسيرة المقال أو النص ذي العنوان المحدد.
يعتبر النوع مهماً كما يعتبر الكم مهماً أيضاً، إذ أنّ هناك ملاحظة هامشية أو معلومة غير معروفة تفيد أكثر من المعلومات ذات الطبيعة المتقنة.
ليكن المقال بحراً ولو ماؤه بحاجة إلى بعض تقطير، بدلاً من أن يكون ساقية مقطرة وفقيرة على نقائها.
عاش أنواعاً مختلفة من الحياة، سافر إلى أماكن كثيرة ومكث فيها مدّة غير قصيرة، ولم تكن سفراته من جنس واحد. عاش شبه طالب في باريس كما زار الهند وباكستان، وطبعاً العراق وإيران وأجزاء من آسيا الوسطى. وله كتابات شائقة تاريخية وإبداعية فكرية حولها.
كان أشدّ ثقة بأهمية نظرته الشمولية إلى البانوراما الإسلامية من أن يقتصر على تدقيق الجزئيات، تلك النظرة التي كوّنها من رحابة ثقافية ومن نوعية الرجال الذين عاشرهم من علماء ورجال دين وسياسة من الصف الأوّل.
الفترة الذهبية من حياته هي تلك التي قضاها إلى جانب والده في دمشق يشاركه القرار المؤثّر في مسيرة الحياة الوطنية السياسية، لا سيما ذلك الإضراب العام الذي أعلنته الحركة الوطنية السورية عام 1936 من بيت والده السيد محسن معرفة منها بمردود ذلك في تعزيز هذا الإضراب الذي دام ستين يوماً وجعل الحكومة الفرنسية تبدأ مفاوضاتها مع رجال الكتلة الوطنية تحت عنوان تسليم سورية حقّها بالاستقلال. لقد ذهب رجال سورية إلى بيت السيد في دمشق ليعلنوا من هناك الإضراب، ويضمنوا له أوسع تجاوب وأكبر فعالية.
وليد الغالي
الحياة
الخميس 17 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2002
تشييع الأمين في شقرا
بمشاركة ممثلي الرؤساء الثلاثة
شيّع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وأهالي بلدة شقرا والجنوب المفكر الإسلامي الكبير والمؤرّخ الأديب السيد حسن الأمين، نجل العلاّمة السيد محسن الأمين بمأتم مهيب انطلق من أمام منزل الفقيد في بلدة شقرا ـ قضاء بنت جبيل، يتقدّمه ممثل رئيس الجمهورية الوزير أسعد دياب، وممثل رئيس مجلس النواب، النائب علي بزي، وممثل رئيس مجلس الوزراء محافظ النبطية محمود المولى، وبمشاركة النائب محمد رعد، والنواب السابقين عبدالله الأمين، حسن علوية، وحبيب صادق، مفتي صور وجبل عامل السيد علي الأمين، القائم بالأعمال في سفارة إيران في لبنان، وأمين عام الشؤون الخارجية في المجلس النيابي بلال شرارة والسيد محمد حسن الأمين، وفد من حركة «أمل» وحشد من رؤساء بلديات المنطقة ومختاريها، بالإضافة إلى فاعليات جنوبية، وحشد من أهالي المنطقة.
وبعد أن أمّ مفتي بنت جبيل العلاّمة محمد علي الأمين الصلاة على جثمان الفقيد، نوّه الوزير دياب باسم رئيس الجمهورية بمزايا الفقيد الراحل والتي تجسّدت في خدمة المجتمع والوطن، وبعطاءاته الفكرية والدينية، وقلّده الوسام الفضي عربون وفاء لإنجازاته، مقدّماّ التعازي لآل الأمين ولبلدة شقرا والجنوب.
بعدها ووري الفقيد الثرى في جبانة بلدته، وشكر عاصم الأمين الرؤساء الثلاثة وكلّ الحضور على مواساتهم.
تشييع العلاّمة الأمين ولحود يمنحه وساماً
شُيِّع في موكب مهيب انطلق من بيروت، جثمان المؤرخ العلاّمة حسن الأمين إلى بلدة شقرا ـ قضاء بنت جبيل، حيث ووري في الثرى.
شارك في التشييع ممثل رئيس الجمهورية وزير الشؤون الاجتماعية الدكتور أسعد دياب، وممثل رئيس مجلس النواب النائب علي بزي وممثل رئيس الحكومة محافظ النبطية القاضي محمود المولى، وعدد من النواب الحاليين والسابقين ووفد من السفارة الإيرانية، وحشد من العلماء والفاعليات الاجتماعية والتربوية وأبناء شقرا.
وقبل الدفن، منح رئيس الجمهورية العماد إميل لحود الفقيد وسام الاستحقاق الوطني الفضي.
وألقى باسم عائلة الفقيد ابن شقيقه السيد عاصم الأمين كلمة شكر فيها كلّ من شارك في التشييع.
المستقبل
المجمع الثقافي العربي نعى السيد حسن الأمين:
مشى على دروب المعرفة وترفّع عن الابتذال
نعى الأمين العام للمجمع الثقافي العربي عبد الرؤوف فضل الله المؤرخ السيد حسن الأمين وممّا جاء في النعي:
في كتب العامليين إشارة إلى سجدتين: سجدة لله وسجدة للمعرفة التي أمر الباري بالسعي إليها وامتلاكها. وقد آمنوا بأنّ الثانية هي قربى يتقرّبون بها إلى الله ولذلك كانت لهم الأسبقية في عالم الفكر والمعرفة.
وقال: فقيدنا السيد حسن الأمين واحد من آل بيت المعرفة. إنّه العلاّمة المؤرخ الذي عرفته ندوات الفكر والأدب. ويحتم عليّ الوفاء أن أشير ولو باقتضاب كلّي إلى بعض أنشطته الثقافية المميزة، فلقد كانت الصداقة راسخة بيننا.
كان حضوره فاعلاً في الاجتماع الأوّل الذي عقدته في منزلي لتأسيس مجلس ثقافي للبنان الجنوبي إلى جانب المجالس الثقافية التي أسّستها في جميع المحافظات اللبنانية. وكذلك في الاجتماع العام لانتخاب الهيئة الإدارية الأولى لهذا المجلس بمنزل المغفور له الشيخ أحمد عارف الزين في صيدا بحضور جمهرة من كبار مثقفي جبل عامل أذكر منهم: محمد علي الحوماني، الشيخ علي الزين، هاشم معروف الحسني، صدر الدين شرف الدين، حسن الأمين، كامل العبالله، جوزيف مغيزل، أحمد سويد، أديب مروة، موسى الزين شرارة، عبد الحسين العبدالله، بولس سلامة، جورج جرداق، حسين مروة، عبد اللطيف شرارة، حسين مكي، فؤاد البوبو، نزار الزين، علي مروة، يوسف الحوراني، محمد علي مكي، علي إبراهيم، جعفر شرف الدين، زيد الزين وغيرهم. وكنت أوّل أمين عام لهذا المجلس الذي كان يعتمد، فيما يعتمد، على نشاط واخلاص السيد حسن الأمين للنهوض بالحركة الثقافية العاملية.
أضاف: في إطار التحرّك الثقافي عقدنا ندوات كبرى عديدة في مختلف مدن الجنوب وقراها الكبرى منها ندوة «الحياة الأدبية في جبل عامل» حيث شارك رحمه الله بدراسة قيّمة إلى جانب رعيل كريم من أدباء جبل عامل. كما شارك في الندوة التي عقدناها بمدينة صيدا حول: «أضواء على تاريخ الجنوب» إلى جانب كلمتي وكلمات حسين مروة، انطوان غطاس كرم، الشيخ عبدالله نعمة، ومحمد علي مكي.
وقال: في الندوة التي عقدها المجمع الثقافي العربي في دار نقابة الصحافة اللبنانية حول: «الجذور العائلية في لبنان عامل ترابط ووحدة وطنية» كان موفقاً في دراسته، كعادته إلى جانب دراستي ودراسات يوسف الحوراني، أحمد أبو سعد، ومسعود ضاهر.
كثر عطاؤه فلبس عظمته، ونأى عن مذاهب العجب فكان له زهو التواضع.
البيرق
أنموذج للمثقف قلّ نظيره
يمثّل العلاّمة المؤرخ الأديب السيد حسن الأمين أنموذجاً للمثقف قلّ وجوده في حياتنا الثقافية، فهو العلاّمة موسوعي المعرفة من نحو أوّل، والمتفرّغ إلى أبحاثه ينجزها مهما كلفه ذلك من مشاق من نحو ثان، والقادر على تحصيل معرفة موضوعية بأحداث التاريخ وشخصياته وأموره وتقديمها بوضوح وشجاعة فائقة من نحو ثالث، والمؤرخ الأديب القادر على صوغ الحقيقة في لبوس يمتع القارئ من نحو رابع، والصديق المحبب إلى طلاب المعرفة يحتفي بهم ويقدم لهم ما يتوافر لديه من كتب ومعلومات وخبرة، ومن حب ينشئ علاقات إنسانية حميمة من نحو خامس والمحدَّث اللَّطيف اللَّبق الذي يجيد المزج بين الجدِّ والمزاح الراقي من نحو سادس، والشخصية المواكبة أحداث الحياة والفاعلة فيها والقادرة على اتخاذ المواقف المنبثقة من نهج وضعه الدين الحنيف وأرساه العلماء الكبار عندما عملوا بمنطوق الآية الكريمة: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} من نحو سابع.
فحياته غنية بالمواقف المشهودة، ومنها استقالته من القضاء احتجاجاً على تدخّل أولي الأمر آنذاك لتغيير حكم أصدره في قضية وطنية.
هذا ما مضى فيه، بعد رفضه العمل في أي موقع لا يتيح له القيام بدور رآه واجباً، فأمضى حياته في رحلات: أولاها بحث عن الكتب ـ الوثائق، وثانيتها بحث في هذه الكتب ـ الوثائق عن الحقائق، وثالثتها بحث في الذات الإنسانية، فكان أديباً: شاعراً ناثراً، ومؤرخاً، ومصنّف موسوعات، ومحققاً، وموجهاً يحظى قاصدوه بالرعاية والمحبة… وفي ذلك كلّه كان يبذل جهداً نيّراً أثمر كتباً تتيح له الصدارة بين الخالدين.
د. عبد المجيد زراقط
حياة حافلة بالبحث والعطاء
ولد السيد حسن الأمين عام 1908 في شقرا «في جبل عامل»، وهو سليل تراث جبل عامل الثقافي وابن السيد محسن الأمين العلاّمة ـ الموسوعي.
تلقّى دروسه في دمشق حيث تخرّج من كلية الحقوق عام 1934 ودرس الأدب العربي في جامعة بغداد وتتلمذ على يد والده في علوم اللغة العربية والعلوم الإسلامية.
هو شاعر وأديب ومؤرخ وفيلسوف وباحث إذ يعدّ من البحاثة الكبار في عصرنا الحاضر الذين انصرفوا إلى محاولة إعادة كتابة إحدى حقبات التاريخ الإسلامي بطريقة تعتمد على البحث العميق والشامل.
وهو من الأوائل الذين ساهموا في رسم صورة الجنوب اللبناني الحديث الطامح إلى المستقبل المضيء. كما أنّه تولّى القضاء لمدّة في لبنان.
أبرز إنجازاته:
ـ إكمال موسوعة «أعيان الشيعة». التي كان والده محسن الأمين قد وصل في تأليفها حتّى الجزء 35.
ـ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية من إثني عشر جزءاً.
ـ الموسوعة الإسلامية في ستة أجزاء ـ قيم خالدة في التاريخ والأدب ـ عصر حمد المحمود ـ الغزو المغولي ـ من بلد إلى بلد… هذا بالإضافة إلى دراسات ومقالات نشرت في العديد من المؤسسات الإعلامية المحلية والعربية.
العلاّمة السيّد حسن الأمين
أنموذج فريد للعلاّمة الموسوعي
جهدٌ نيِّر، جرأة نادرة، بصيرة نافذة
(1)
تعود إليّ الذّاكرة مشاهد جلسات مع السيد حسن الأمين، تعلَّمت فيها الكثير… أقتطف منها لهذا الحيّز مَحْدودِ المساحة مشهداً لم يفارقني مذ ذقت مرارة فقدِ معلِّم كبير فضلُه عليّ لا ينسى.
قيل لي، آنذاك:
ـ اتصل بك السيّد حسن الأمين، ويريد أن يراك.
لم تكن لي معرفة به، لكنَّ معرفتي باتّصاله بي أثارت فيّ ارتياحاً يعود إلى تلك الصّورة التي تسكن ذاكرتي عن والده، المغفور له السيد محسن الأمين (رضوان الله عليه)، فقد نشأت في بيت يجلُّه، ولا أنسى، مهما تقدَّم بي العمر، أنّ جدّي الحاج مصطفى زراقط (رحمه الله)، الذي كان يلزم في معظم أوقاته بيته لا يفارقه، كان يذهب، في كثير من أيام الجمعة هو ومجموعة من رجال قريتنا مركباً، إلى شقراء ليلتقي السيد الأمين ويصلي خلفه ويتزوَّد من علمه، ويعود ليشيد به، ويعدِّد مآثره…
لبَّيت دعوة السيّد حسن، وبي قلق وتهيب، ما لبثا أن أخليا مكانهما لطمأنينة وفرح… وهذا ما اعتدت أن أشعر به، في ما بعد، كلّما التقيته، لم يطل الكلام على التعرُّف، كان قد استنتج من أكون، كانت معرفته بمركبا وأبنائها وبي وبكتابي: «الشعر الأموي بين الفن والسلطان» الذي كان قد صدر آنذاك مدخلاً لحديث طويل عن طرق تحصيل المعرفة وتقديمها.
ما بقي في الذاكرة من أقواله: أنت بحثت في الشِّعر العربي، وتأثير السلطان في تطوُّره، لكن بحثك تاريخ أيضاً… فوجئت، توجَّهت إليه بنظرات مستغربةٍ سائلة. ابتسم، وأضاف: لدراسة الشعر ينبغي أن نعرف الظروف التي أنتجته، وأن نقرأ القصيدة كاملة. وبهذا نصل إلى مزايا الشعر ومعناه، هذا ما فعلته في كتابك هذا… ولهذا اتصلت بك، أودّ أن أهنِّئك…
قلت: كأنّك تتحدَّث عمّا نسمّيه المنهج الاجتماعي، البنيوي التكويني في البحث، وهو ما استخدمته في كتابي.
ابتسم، وقال: أنا لم أطَّلع على المناهج الحديثة.
قلت: المناهج يصنعها العلماء، ونحن إنّما نفيد منكم، أنتم الباحثون الكبار، في استقاء أصول مناهجنا.
ضحك، وقال: بدأنا نجامل… لا عليك، أنت لم تعرفني بعد… ستكثر لقاءاتنا، لذا لست بحاجةٍ إلى مجاملتي في شيء، وبخاصَّة في الأمور العلميَّة.
بقيت ساكتاً، فأضاف:
ـ أمر آخر… التراث العربي الإسلامي وحدة معرفية… المؤسف أنّ الكثيرين يلغون الآخر لاسباب أهمها المذهبيَّة، فيحذفون قسماً كبيراً من التراث العربي الإسلامي، فإن كان لبعضهم عذر لا نقبله، وهو المذهبية، في ظلم شعراء كبار فما عذر من لا يختلف مع هؤلاء مذهبيّاً، هل يريد أن يتخلّى عن ذاته ليقبله الآخر، إنّه في هذه الحالة يتخلّى عن ذاته فلا يكوّنها ولا يكوّن الآخر، وهذه هي المصيبة الكبرى في كثير من رجالاتنا على مختلف المستويات. المهم أن تعني ذاتك وأن تكوّنها قولاً وفعلاً من دون ازدواجيّة…
ابتسمت وهززت رأسي. قال: ما الأمر؟
قلت: المؤسف أنّ هذه العقلية بمنحييها: إلغاء الآخر، وإلغاء الذات إرضاءً للآخر لا تزال قائمة، وحكيت له الكثير ممّا أعرفه في هذا المجال.
تنهّد، وقال: يؤخذ علينا أنّنا نعنى بـ «أعيان الشيعة»، الحقيقة أنّنا، إذ نفعل ذلك، نؤدّي مهمات كثيرة: أولاها إيفاء هؤلاء الأعيان حقّهم، في أن يُعْرَفوا وأن يعرف عطاؤهم، وكثير منهم مظلوم جنى عليه قرار إلغاء الآخر، وثانيتها، تقديم معرفة بإنجازات مهمة، وفي ذلك إحياء للتراث، وثالثتها بيان أنّ أعيان الشيعة هم أعيان المسلمين، في مختلف المجالات، إن من يعرف هؤلاء يدرك أنّ جميع التهم التي توجَّه إلى الشيعة غير صحيحة، وهي في الحقيقة وليدة جهل وتعصُّب، وهذا ما نريد التخلُّص منه، بغية الوصول إلى وحدة إسلاميَّة قائمة على معرفة الآخر وقبوله، والحوار معه…
صمتّ واستعدت موقف ذلك الأستاذ الجامعي الكبير والباحث الذي تملأ كتبه رفّاً في المكتبة العربيّة من الفصل الذي كتبته عن الشيعة، وصراخه بي آنذاك: لا، لن تمر رسالتك هذه… وتذكَّرت صراخ أستاذ جامعي كبير آخر: الأمويون سادة الدُّنيا، ماذا جئت تفعل أنت برسالتك هذه؟!.
كان السيد يتأملني ويترقّب أن أحكي، وانتبهت إليه، حكيت له، وأضفت: أنا كتبت من منظور محايد، مستخدماً منهجاً علمياً… ولا أنكر أنّي فُجِعْت بهذا الموقف غير العقلاني… فقال: هذه هي مشكلتنا الكبرى، إنّها تتمثّل في مصادرة الحقائق من ناحية وفي مصادرة العقل من ناحية ثانية… أنا واجهت هذه المشكلة وحللتها. لا للإلغاء، لا للمصادرة. ضحك، وقال: هاتان لاءتان من لاءات العرب الثلاث.
ثمّ ابتسم، وقال: لا تخف، ابحث عن الحقيقة، في مظانّها، ولا تدَّخر وسعاً في الوصول إليها، وإن حصَّلتها واقتنعت بما توصَّلت إليه أعلنها، ولا تخشى لوماً، المهم أن يكون العقل رائدك، فالإمام علي (عليه السلام) يقول: «ما عبد الله بشيء أفضل من العقل». إنّك إذ تحكِّم العقل، في مختلف أمورك، إنّما تكون قد قمت بفعل عبادة…
دُهشت حينها: تحكيم العقل فعل عبادة!؟ أنا لا أنكر أنّي لم أكن على دراية، في تلك الأيام، بهذه الرؤية الدِّينيَّة، فقلت للسيّد الذي كان يراقب الدهشة المرتسمة على وجهي: أتدري أنّك فتحت أمامي طريقاً لم أكن أعرفه.
قال: هو طريق طويل وعليك أن تسلكه، أتعدني؟
قلت: أعدك، ومنذ ذلك اليوم بدأت أفي بوعودي، واستأنفت رحلتي ومعي زاد ما انفك يربو ويتجدّد في كلّ لقاء وهو قول الإمام علي (عليه السلام): «ما عبد الله بشيءٍ أفضل من العقل».
(2)
في آخر لقاء لي مع السيّد حسن الأمين وجدته بين أوراقه وكتبه، يعمل كعادته بهمَّة الشّباب… حدَّثني عمَّا أنجز من مشروعاته، وعمَّا يودّ أن ينجز… ثمّ صمت وابتسم، وقال:
ـ يبدو أنّي أسابق الزَّمن، يبدو أنّ علاقاتي بهذا الرَّفيق القديم تقترب من نهايتها.
قلت: كيف تنتهي علاقتك به، وأنت لا تزال تكشف حقيقته منذ أوّل عهدك بمعرفته؟!.
قال وقد عرضت ابتسامته: حقيقته! كأنَّك لا تدري أنّ الحقيقة مُرَّة، وبخاصَّة في فم أبناء هذا الزَّمن، من يقبل أن يذوق الحقيقة، ويعلمها؟!.
غامت عيناه لحظات، وبدت لي بقايا ابتسامته فوق شفتيه كأنّها فراشة ترفرف في ضوء، وخلته يستعيد ردّات الفعل التي كانت تلي ما يقدِّمه من حقائق تاريخيَّة، وما يتَّخذه من مواقف مبدئيَّة صلبة…
وارتسمت أمام عيني كلمات في دراسة كتبها الباحث المغربي الحسن الإدريسي، فلم أضع الفرصة، وقلت: لكن بعض الكبار، من أبناء هذا الزَّمن، يرون أنّكم تُحَلُّون مرارة حقيقة أخرى…
سدَّد إليّ نظراتٍ تسأل: وكيف؟
أضفت: كتب الباحث الإدريسي، في العدد السادس والعشرين من مجلة المنهاج: «لكن الحقيقة المرَّة التي لا يمكننا أن نتجاوزها تخبرنا بأنّ التراث الأدبي والفكري في الغرب الإسلامي ظلَّ مغيَّباً من جلّ الدرّاسات الأدبية والفكرية، وحتّى إن اهتمّ بعضهم به كانت النتائج مشوّهة أمّا لعدم سلامة المنهج أو لعدم مراعاة خصوصية هذا التراث وتميّزه عن غيره».
قال: هذا صحيح… ولعل المشكلة التي يتحدّث عنها تكاد تكون عامَّة…
وأكملت: ويضيف الباحث الإدريسي: «… ولا نريد أن نسقط في التعميم لأنّ هناك دراسات جديرة بالتقدير على مستوى التأليف والتحقيق والتأريخ، ولقد كان بحث السيد حسن الأمين: (بنو مرين)، في العدد الرابع عشر من مجلَّة المنهاج، ضمن هذا المجهود النيِّر والعلمي الذي لا يجب إغفاله…».
حطّت الفراشة على الوجه النَّيِّر، وعادت للتوجه إشراقته، ثمّ انفرجت الشَّفتان انفراجة سخرية، أنبتت كلمات: مع حفظ الفارق طبعاً… انتظرناه من المشرق فجاءنا من المغرب…!.
ضحكنا… وقال: سامح الله العرب، دائماً يحدث ما لا ينتظرون…
صمت لحظات: ثمّ أضاف: لا تخلو الدُّنيا من منصف…
قلت: ألا يحتاج تاريخنا المعاصر، مثله مثل تاريخنا القديم إلى شيءٍ من هذا الجهد النيِّر المتميِّز، كما يصفه الباحث الإدريسي، على مستوى التأليف والتَّحقيق والتأريخ والمنهج ومراعاة الخصوصيَّة؟!.
قال: بلى.. ومدَّ يده إلى جانبه، وتناول كتاباً قدَّمه لي، وقال: هو ذا آخر العنقود. إنَّه كتاب عن تاريخ جبل عامل القديم والحديث، وقبله، كما تعلم، صدر لي غير كتاب في التاريخ القديم والحديث.
بادرت إلى القول: الدَّالية، إن شاء الله، ملأى بعناقيدها وكلٌّ أشهى من أخيه.
ضحك، وقال: قلت لك أشعر بأنّي أسابق الزَّمن… وأخشى أن يسبقني، فتبقى هذه الأوراق أوراقاًّ!.
كان شعور المؤرخ والأديب الكبير صادقاً، وجاء الموت يطوي الزَّمن، وما درى أنّ زمناً أُشبع بالعطاء لا يطوى.
(3)
إن يكن الموت حقيقة، وحقيقة ليس أمرّ منها، يرتضيها المرء ولا يقول إلاّ ما يرضي الله، سبحانه وتعالى، فإنّه وفي الوقت نفسه ليس فَقْداً إن كانت ثمرات الجهد النيِّر باقيات تقهره وتصنع الخلود إنَّ ثمرات الإبداع تقهر الموت، لأنّها لا تموت، وبهذا يتمكّن الإنسان من امتلاك سرّ الخلود… هذا ما فكَّرت فيه، وأنا أستعيد ما خلَّفه السيّد حسن الأمين من إنتاج علمي.
وإنّي، في هذا المقام، أودّ الحديث وبإيجاز يقتضيه المقام عن هذه الثَّمرات التي أقرُّ أنّي طعمت منها، وأفدت منها ومن رعاية صاحبها.
لكن الحديث عن السيّد حسن الأمين، في هذا المقام، يبدو صعباً… ويتهيَّب المتحدِّث الإقدام عليه.
فالسّيد الأمين من نحو أوّل علاّمة موسوعي المعرفة، أديب، شاعر وناثر، كاتب قصة ومقالة أدبية وأدب رحلات… محقّق، مؤرّخ، أستاذ أجيال يوجِّه ويتعهَّد طلاّب العلم بالعناية والرِّعاية، وقد بقي بيته محطَّ رحال الباحثين، وكانوا يجدون فيه ليس العلم فحسب، وإنّما العلاقة الإنسانية الحميمة أيضاً…
والسيّد الأمين، من نحو ثان، رجل عاش أحداث عصره، منذ بدايات هذا القرن، وكان حاضراً فاعلاً فيها على غير مستوى، ومثَّل في سيرته ومواقفه المثال والأنموذج لما ينبغي أن يكون عليه الرَّجل العظيم المسهم في إعلاء شأن أمَّته ووطنه.
(4)
يتهيَّب المتحدّث الكلام على العلاَّمة الأمين خشية من تقصير، خشية من عدم إيفائه حقّه، ولطالما عانى من تقصير ذوي الشأن في هذا البلد… كان يعمل وحده في إعداد الموسوعة الإسلامية، ويجهد في ذلك، ولم يَشْكُ إلى أحد، ولم يسعَ إلى أحد…، وتقصير هؤلاء، ولا أعني السياسيين فحسب، وإنّما كلّ من كان قادراً على إيفاء صاحب الحق حقّه، فمعظم مالكي القرار يعنيهم الكسب الآني، ويكادون يسخرون من كلّ مهتم بالشأن التّاريخي الكبير، وهذا الشَّأن هو ما يعني السَّيد الأمين وأمثاله، فيبقى لهم الزمن يملكون ناصيته، ويصنعون التاريخ.
وللتقصير إزاء العلماء الكبار، صانعي إنتاجنا المعرفي، تاريخ في بلادنا، فهو ليس جديداً في تاريخنا، فقديماً هاجر الخليل بن أحمد الفراهيدي من مدينته لأنّه لم يجد فيها فرصةً لتوفير غذائه، كَيْلَة باقلاَّء على الأقل! كان يقول لمن يلومه على مغادرة مدينته.
إنَّ تأمُّل مسار حياة هؤلاء العلماء الكبار، والسّيد حسن الأمين في طليعتهم، يجعل الكلام الصَّعب سهلاً. هذه مفارقة، كما يبدو، تتمثَّل في أن يصعب الكلام ويسهل في آن. وهي مفارقةٌ تتمثّل في شخصيَّة كل كبيرٍ من كبار النّاس وفي سيرة حياته، فالسيّد الأمين الذي أسهم بفعالية، وعلى غير مستوى، في تكوين مسار حياتنا في هذا القرن، مضى في نهج أرساه الأسلاف من العلماء الكبار الذين اقتفوا نهج الرَّسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (عليهم السلام). وهو النهج المتمثِّل في قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصّافات: 24]، وفي قوله عزَّ وجل الآخر: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 111]، وفي قوله سبحانه: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضَيِّعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ} [هود: 115].
إنّه النهج المتمثّل بإحساس المرء بالمسؤوليَّة أمام الله سبحانه وتعالى، فيمضي في مسار حياته مستقيماً، كما أمره المولى عزَّ وجل، يبتغي رضى الله ورضوانه صابراً ومؤمناً بأنّه، جلّ وعلا، لا يضيع أجر الذين أحسنوا العطاء في هذه الدُّنيا.
هذا هو وجه السهولة في الكلام على علامة موسوعي ورجل عظيم أسهم في صنع أحداث قرن من الزَّمان مثل السيِّد حسن الأمين. إنّه ينهج هذا النهج منذ أن غدا هذا النهج طبيعةً له في نشأته، على يدي والده المقدَّس الغني عن التعريف سماحة العلاّمة المجتهد السيّد محسن الأمين (رضوان الله عليه).
إنّنا نلمس الإحساس بالمسؤولية المفضي إلى الاستقامة فالصَّبر، في مختلف مجالات حياة السَّيد حسن الأمين، وإن كان لي أن أتحدَّث عن هذه المجالات، فعلى سبيل المثال والإشارة فحسب.
(5)
نعود إلى البدايات فنرى الفتى ـ الطّالب يقف في مواجهة صاحب السلطان، وكان آنذاك منتدباً فرنسيّاً، فينطق بألسنة الناس، ويجهر بجرأة ليس بحاجاته هو، وإنَّما بحاجات منطقة محرومةٍ من طرقات ومدارس ومستشفيات إلخ.,,.
تمرُّ الأيام ويغدو الفتى محامياً، ونرى المحامي الشاب القادم من دمشق إلى بيروت، وليس في جيبه سوى أجرة الطّريق، يرفض أن يتولَّى قضيَّة تدرُّ الوفير من المال، وتتيح له موقعاً في النّظام القائم آنذاك، لأنّ هذه القضيّة مشبوهة.
ثمّ يغدو المحامي قاضياً، ونرى القاضي النزيه، المثقَّف ثقافة حقوقيَّة وشرعيَّة، في آن، يصرُّ على الرغم من الضغوط والتدخلات على أن يحكم في قضيَّة كما تقضي الاستقامة التي أمر بها، ووفاقاً للمسؤولية التي أنيطت به، وكان من نتائج هذا الحكم أن حدث ما دفعه إلى الاستقامة، فغادر الموقع عندما رأى أنّه لا يستطيع أن يؤدّي الدَّور الذي يراه واجباً عليه كما ينبغي.
هاتان القضيتان اللتان واجههما المحامي والقاضي الشاب تتعلَّقان بالقضيَّة القوميَّة المركزيَّة في تاريخ العرب والمسلمين الحديث، وهي القضيَّة الفلسطينية، فكان السيّد الأمين، منذ بدايات هذه القضيَّة، مدركاً حقيقتها وواعياً ما يُخطَّط لها، فكان، ومنذ ذلك الحين، المقاوم الصّلب، في ميدانه، ما يعني في ما يعني، أنّ المقاومة هي في صلب هذا النهج الذي مضى فيه بوصفه مساراً طبيعياً، وهو النهج نفسه الذي مضى فيه فتية آمنوا وصدَّقوا وصدقوا… فغيَّروا معادلات عرفها الصِّراع العربي ـ الصهيوني منذ بدأ، وحقَّقوا، لأوَّل مرَّة في تاريخ هذا الصِّراع، نصراً مؤزَّراً يؤكد أن الأمَّة قادرة على صنع الانتصارات، إن مضت في نهج يأمرها ربُّها، سبحانه وتعالى، أن تمضي فيه.
وتفضي التجربة بالسيِّد الأمين إلى الأعتقاد بأن لا مكان لأمثاله في ذلك النّظام، فيستقيل من الوظيفة في القضاء، وينصرف إلى حيث يكون فاعلاً في حيِّزٍ يختاره، وتكون له فيه حرية القول والفعل وتحقيق الإنجازات.
فتراه، في مجال التربية والتعليم، يسهم في تنشئة أجيال المستقبل، وقد أثمرت هذه التنشئة، فنذكر، على سبيل المثال، أنّه حين أُعْلِن قرار التقسيم عام 1947، تظاهرت تلميذاته في إحدى ثانويّات العراق مستنكرات، طالبات من العرب التنبُّه لما يحاك من مؤامرات… والعمل على إنقاذ فلسطين. فحين حدث هذا حيَّاهن بقصيدة منها:
هيهات تنسيني الليالي المُنسيات دروسهنَّه
أستاذهن، وإنَّني عند الوفا تلميذهنَّه
ثمَّ تفرَّغ للتحقيق والبحث والتأليف، فحقَّق تراث والده المقدَّس السيّد محسن الأمين، ونشره، وجعل موسوعة أعيان الشيعة في متناول طلاّبها، وما أكثرهم، ثمّ أتبعها بمستدركات تكلمها… وفي هذه الأثناء، كان يعكف على إعداد دائرة المعارف الإسلاميَّة وإصدارها…
ومن الإشارات الدَّالَّة على حجم هذا العمل وأهميته أنّ أحد الباحثين كان يعتقد بأنّ مركزاً كبيراً من الأبحاث، بموظَّفيه وباحثيه وأجهزته، يقوم بهذا العمل، ودُهِش وأعجب عندما علم أنّ شخصاً واحداً ينهض بهذا العمل الجبّار هو السيّد حسن الأمين.
وفي مجال آخر، راح يعيد النَّظر في كتابة التاريخ الإسلامي، بعدما رأى أنَّ كثيراً من المؤرّخين يمدح بلا تحفُّظ حين يرضى، ويذمُّ بلا توقُّف حين يغضب، أو يركِّب التاريخ وفاقاً لهواه، كأنّه، وعلى حدّ تعبير السّيد الأمين، «يركَّب التاريخ بالإبرة والصنَّارة».
ومن الطَّرائف الدَّالَّة، في هذا المجال، أنّ أحد المؤرّخين الموصوفين بالكبار ركَّب مقولة مفادها أنّ الأمير فخر الدّين المعني أرسل الشيخ لطف الله الميسي العاملي إلى الدولة الصَّفوية في إيران لتؤيِّده في سعيه إلى الاستقلال… والحقيقة التاريخية تفيد، كما يقول السيِّد الأمين، أنّ الشيخ لطف الله لم ير فخر الدّين وفخر الدّين لم يره لأنّه ولد وعاش ومات في إيران…
ولا يخفى غرض ذلك المؤرِّخ السّياسي من اختراع هذه الحادثة.
وكان السيِّد الأمين، يرحل بحثاً عن مصادره، وكان يرحل في هذه المصادر… إنَّها رحلات بحث عن المصادر وفيها، وتثمر الرحلات أدباً يغني نوعاً أدبياً عرفه الأدب العربي هو أدب الرّحلات، وتثمر شعراً يمثّل تجربة البُعد والفراق والحنين… وتثمر حقائق تاريخية يتبيَّنها الباحث ببصيرة نافذة ويقولها بجرأة نادرة، فيفاجئ المستكينين إلى السَّائد، ويخصُّ فيهم الركود، ففيهم من يستفيق فيه حب المعرفة فيكشف عن وعيه النعاس، وفيهم من يركن إلى ما وجد عليه أسلافه، فتأخذه الحميَّة، فيثور على من يسعى إلى أن يفتح له نوافذ الهواء والضَّوء.
يناقش السيّد الأمين واحداً من هؤلاء ردَّد مقولة سائدة مفادها أنّ الدولة الفاطمية كانت بلاء على الإسلام والمسلمين، فيقدّم له وللقرّاء وقائع تدحض هذه المقولة، ثمّ يقول ساخراً: «ولعل من هذا البلاء أن الدَّولة الفاطميَّة أورثتنا القاهرة والأزهر!».
ويناقش آخرين ما زالوا يردّدون أسطورة عبدالله بن سبأ، ويقول لهم مؤيّداً قوله بالأدلة موضحاً الشك الذي ذهب إليه طه حسين في شأن وجود هذه الشخصيّة: إنّ شخصيَّة عبدالله بن سبأ مخترعة، وإنّ الذين اخترعوا هذه الشخصيَّة ونسبوها إلى اليهود، اخترعوا إلى جانبها دعوة سمّوها السَّبئية… والمخترع هو سيف بن عمر التميمي الذي أجمع رواة الحديث وعلماء الرِّجال على تكذيبه…
ويبيِّن، في مثال آخر، بالأدلَّة الدامغة أن نصير الدين الطوسي الذي هاجمه مركّبو التاريخ بالإبرة والصنَّارة، استطاع أن يهزم بالعقل والعلم والتدبير الدولة الطاغية الباغية، دولة المغول، ونجحت خططه في تحويل المغول من وثنيِّين إلى مسلمين، وروَّض شارب الدماء هولاكو، فمثّل بذلك أنموذج المثقف الكبير الذي وظَّف علاقته بالسلطان الطّاغية في خدمة مشروعه التاريخي، المتمثِّل بتحويل القوّة الوحشية العاتية إلى قوى تسهم في بناء حضارة وثقافة.
هذه هي، كما رأى السيِّد الأمين، وظيفة المثقَّف التي أدركها الطُّوسي ولم يتخلَّى عنها ويهرب، على الرّغم من أنّه كان مُعرَّضاً للوقوع في أنياب الوحش في كلّ يوم.
وهكذا حقّق السيّد الأمين مكانة تجعلنا نقول: إنّه يكاد ينطق بلسان الشريف الرضي عندما قال:
يصولُ عليّ الجاهلون وأعتلي
ويُعْجَمُ فيّ القائلون وأُعْرِبُ
ولا أعرف الفحشاء إلاَّ بوصفها
ولا أنطق العوراء والقلب مُغَضَبُ
لساني حصاةٌ يقرعُ الجهل بالحُجا
إذا نال منّي العاضهُ المتوثِّبُ
وبقي السيّد حسن الأمين يعرب عن الحقيقة التي يتبيَّنها، ويقرع الجهل بالحجا/ بالعقل بعزم لا تفلُّه السّنون. وإنّي لأكاد أسمعه يقول:
أُأَمِّل ما لا يبلغُ العمرُ بعضَه
كأن الذي بعد المشيب شباب
إنّه لشباب بقي يتجدَّد طوال عمر مديد، شباب العلاَّمة الباحث أبداً متَّبعاً نهج المسؤولية والاستقامة والصَّبر…
إنّ هذا الشَّباب، وإن غيَّب الموت جسد صاحبه، باقٍ في الكتب/ الدَّوالي التي تبقى طوال الزَّمن مثقلة بعناقيدها تُضيء وتُمْتِع وتغذَّي…
(6)
يمثِّل العلاّمة المؤرخ والأديب السيد حسن الأمين أنموذجاً للمثقَّف قلّ وجوده في حياتنا الثقافية، فهو العلاّمة موسوعي المعرفة من نحو أوَّل، والمتفرِّغ إلى أبحاثه ينجزها مهما كلَّفه ذلك من مشاق من نحو ثان، والقادر على تحصيل معرفة موضوعية بأحداث التاريخ وشخصيّاته وأموره وتقديمها بوضوج وشجاعة فائقة من نحوٍ ثالث، والمؤرِّخ الأديب القادر على صوغ الحقيقة في لبوس يمتع القارئ من نحو رابع، والصديق المحبَّب إلى طلاّب المعرفة يحتفي بهم ويقدّم لهم ما يتوافر لديه من كتب ومعلومات وخبرة، ومن حب ينشئ علاقات إنسانية حميمية من نحو خامس، والمحدِّث اللِّطيف اللَّبق الذي يجيد المزج بين الجدِّ والمزاح الراقي من نحو سادس، والشخصيَّة المواكبة أحداث الحياة والفاعلة فيها والقادرة على اتخاذ المواقف المنبثقة من نهج وضعه الدِّين الحنيف وأرساه العلماء الكبار عندما عملوا بمنطوق الآية الكريمة: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} من نحو سابع.
أمضى السيّد حسن الأمين حياته في رحلات: أولاها بحث عن الكتب ـ الوثائق، وثانيتها بحث في هذه الكتب ـ الوثائق عن الحقائق، وثالثتها بحث في الذات الإنسانيَّة، فكان أديباً، شاعراً ناثراً، ومؤرِّخاً، ومصنِّف موسوعات، ومحقّقاً، وموجِّهاً يحظى قاصدوه بالرعاية والمحبَّة… وفي ذلك كلّه كان يبذل جهداً نيّراً أثمر كتباً تتيح له الصدارة بين الخالدين.
عبد المجيد زراقط

قراءة آيات من القرآن الكريم أمام ضريح المؤرخ السيد حسن الأمين
القوافي الحزينة
رثاء مؤرِّخ([1392])
مَنْ ذا يُعيدُ من الأزمان أجملها
علّي أبثُّ شكاتي بينكم ولَها
يا أيُّها الحسنُ الزاكي أرومتُهُ
هوِّنْ خُطاكَ فقد ناديتَ أعجلَها
قد جئتُ أرثيكَ، هل تُرثى بقافيةٍ
إنْ لم يكُ الوحيُ من علياه أنزلها
مَنْ ذا يُضاهيك في الجُلّى ورهبتها
ألستَ أنتَ الذي قد كنتَ جحَلفها؟
أنتَ الذي لو مددَّتَ السُحبَ كنتَ فتى
على الملايين من جَدْواهُ ظلَّلَها
يا (أرزَ) لُبنان، بل يا ظِلَّ دوحتهِ
ويا سماءً بدُنيا المجد كلَّلَها
ما خِلتُ أنثرُ مِنْ نَظم القريضِ رؤى
ووجهُكَ البدرُ غافٍ ما تأمَّلَها
هلاَّ تعودُ إلينا منكَ بارقةٌ
تُزينُ روحُكَ بين الناس محفلَها؟
عادتْ إليَّ أحاديثٌ زهوتُ بها
كنَسمة الفجر طَلاً كنتَ مُرْسلَها
خمسٌ وتسعون ما انهدَّتْ قواكَ بها
ولا توانيتَ لمَّا شِدْتَ معقلَها
كُنتَ المهيمنَ في كُلِّ العصور على
حوادثِ الدهرِ، لكنْ كنتَ أعدلَها
فكم أزلتَ من الإبهام صورتَهُ
وكم حضللْتَ من الألغاز مُقْفَلَها
هشَّمْتَ تلكَ الخُرافات التي زَحَفَتْ
على عقول بني الدنيا لتغسلَها
يا مَنْ به الشمسُ باهتْ في أصالتها
ممَنْ على الأرض بالأنوار مثَّلَها
بكتْ عليكَ مع القرطاسِ محبرةٌ
لمَّا رَثَتْ صُحفُ التاريخ مِقْوَلَها
فَسَلْ رُبى (عاملٍ) عن حُزنها، فلَها
من النواح نشيجٌ كانَ أثكلَها
فكيفَ تُنزلُ تاجاً عن مفارقها
وكيفَ ترمي لدى الهيجاء صَيْقَلَها؟
وأنتَ يا (بَرَدى) ماذا تُحدِّثُنا
عن الذي لربوع الشام أصَّلَها
إذا شكتْ (جلة) حنَّ (الفراتُ) لها
مدامع وحَّدَ الناعي تَسلسُلَها
نُوحي شجى يا رُبى (الفيحاء)، واستمعي
نوحَ (الفرات) على مَنْ كان أنبلَها
تجمَّعتْ فيكَ أيامٌ وأزمنةٌ
مَنْ ذا سِواكَ الذي قَدْ حلَّ مُشكلَها
فقُلْ لمَنْ حملوا للقبر هيكلَهُ
دَفَنْتُمُ أُممَ التاريخ أكملَها
جودت القزويني
مرثية لأستاذي
وابن قريتي السيد حسن الأمين
يا سيدي عمَّ الظلام
وتعطلت لغة الكلام
في جوف ليلٍ دامسٍ
العربُ فيه كالهوام
متفرقين، متشرذمين
كُرْهٌ وحقدٌ وانقسام
حتّى تأخّر ركبهم
عن التقدّم للأمام
فتحوّلوا من ضعفهم
مثل النعاج لدى الأنام
لربوعهم تأتي الذئاب
زُمراً تعاوت للطعام
تردي وتشرب من دمٍ
وكأنّهم مثل النيام
أموات ذلّوا وارتضوا
|
بالعار من دون انتقام
من لم يذد عن حوضه
بسلاحه فقد الزِّمام
أبداًعديم الحسِّ لا
يصحو وقد ساد الطغام
وتحكمت فينا اليهود
والكل لا يبدي اهتمام
لا جيش يهزم جيشهم
الكل يشعر بانهزام
حرقوا المواسم والخيرات
في عزِّ الصيام
والتين والزَّيتون لم
يبق لنا غير الخيام
لهفي على الأشلاء تجمع
من رأى غير الكلام
«طولكرم» «رام الله»
وغزَّة يا حرام
وعلى «الخليل» بكى
المحبُّ مع الحَمَام
وعلى المخيَّم حيث القصف
للقوم الكرام
«جنين» حيُّوا دائماً
ولمعقل الشوس العظام
لهفي على أجسادهم
لوحات توحي الاحترام
في الأرض قد غُرست لتوقظ
نخوة الأهل النيَّام
لم يبق غير النوح
والعبرات من فوق الرّكام
يا سيدي ردِّد وقل
للفارس البطل الوسام
لا تلقى يوماً أمَّةً
تحيا تكون كما يُرام
إلاّ سمت أهدافها
من بعد شوقٍ واضطرام
فتحملت كلَّ الصعاب
من أجل إتمام المهام
أين الجنود الشوسُ
تصلى الحرب قد آن القيام
«القدسُ» ضاعت عندما
جنح الجميع إلى السلام
\وعلى الجزيرة خيَّمت
وتلبدت سود الغمام
ولسوف يمحي إرثنا
ولسوف ينهار «المقام»
وغداً تجيء لأرضنا
أممُ تعيش بلا ذمام
خيراتنا نهبٌ لها
ضاعت بُعَيْدَ الالتهام
وغداً سنمسي كالعبيد
من دون قدر واحترام
قوموا وهبوا كلكم
لا تُغضبوا ربَّ الأنام
الحربُ فرض واجبٌ
وبها بحق الالتزام
كـ «حماس» كونوا دائماً
و«جهاد» سيروا للأمام
رحل الذين نُحبُّهم
فعليهمُ أزكى السلام
«حسن الأمين» المفتدى
الشاعر الفذُّ الهمام
مات المؤرخ حسرةً
ماذا يُسجَّل يا كرام
أو خزي قومٍ أحجموا
أو مجد غُرْبٍ لا يُضام
نَمْ هانئاً يا سيدي
من بعد سُهدٍ واهتمام
سيضاعف المولى لكم
أجراً لإتمام المهام
قد كنت من خير الدعاة
في الفكر قد كنت الإمام
ستمرُّ أجيالُ وعنكم
سيدي يحلو الكلام
وتزور للرّمس المُمَيَّز
تنحني بعد التثام
وترتل الإخلاص بعد
الحمد تقرؤك السلام
دكار في 24/10/2002
فتى الدواوير
تأريخُ وفاة
المؤرِّخ الكبير، والأديب النِّحرير
العَلاّمة الأستاذ السَّيِّد حَسَن الأمين (قده)
نَجل المجتهد الأكبر سماحة السيد محسن الأمين (قده)
شقراء ـ الاثنين 14 تشرين الأوَّل (10) 2002م
الموافق 8 شعبان (8) 1423هـ
«شَقْرَاءُ» كَالخَنْسَاءِ تَرْثِي مَنْ سَخا
بِيَرَاعِهِ، وغَدا لِوالِدِهِ أخَا
ومَبَاسِمُ التَّارِيخِ تَنْعَى نَفْسَهَا
أَرِّخْ: قَضَى «حَسَنُ الأمِينِ» مُؤَرِّخَا
910 118 132 842
= 2002م
عباس علي فتوني

حفل التأبين بمرور أسبوع على رحيل العلاّمة المؤرخ السيد حسن الأمين الذي أقامته سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان
مجلس تكريم في السفارة الإيرانية
كلمة جحة الإسلام العلامة السيد محمد علي الامين
بسم الله الرحمن الرحيم
يحار المرء بماذا يتحدّث عن السيد حسن الأمين وعن أي جانب من جوانب حياته يبدأ.
وكلّها جوانب نيّرة مشرقة وضاءة حافلة بالخير والعطاء والعلم والمعرفة وهي جوانب تستوقف الباحث عندها طويلاً يسبر غورها ويستجلي كنهها ويستشف ما وراءها. وكيف لا وهو سليل أسرة عاملية شهيرة ضاربة عروقها في التاريخ، عريقة في العلم والأدب نبغ منها علماء أفذاذ أعلام كانوا منارات يهتدى بها وأمثلة تحتذى منهم السيد أبو الحسن موسى الذي أنشأ مدرسة دينية كبيرة تخرّج منها الكثير من العلماء الأعلام والأدباء الكبار ومنهم السيد محمد جواد صاحب مفتاح الكرامة الذي لا يستغني عنه فقيه ومنهم السيد علي الأمين الذي ما أن بلغه وفاة أستاذه الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء حتّى بادر إلى القول الآن وجب عليّ الإفتاء فإنّي لا أعلم في تلامذته من هو أعلم منّي والسيد محمود الأمين العلاّمة العلم الذي لا تزال الناس تتبرك وتستشفي بتراب قبره إلى الأمس القريب.
ومنهم والد السيد حسن السيد محسن الأمين المجتهد الأكبر والمصلح الاجتماعي صاحب التصانيف الكثيرة والتآليف الواسعة الانتشار ومنها كتابه الموسوعي أعيان الشيعة.
هذا العالم الذي سكن دمشق وأسّس فيها مدرستين واحدة للذكور وأخرى للإناث في وقت كانت غالبية الناس تستنكر تعليم البنت وتراه عاراً وخروجاً على المألوف هاتان المدرستان ربتا وخرجتا أجيالاً من الشباب المؤمن المعتز بإيمانه الواثق بدينه والمطمئن إلى عقيدته حيث تلقاها من منبعها الصافي ومعينها الغزير وأخذها من معدنها الأصيل.
والسيد محسن كان ذا رأي ثاقب وفكر صاف وعلم فياض وأدب جم وخلق رفيع فعلم وهذب وأصلح وخلص العادات من كثير من الخرافات والأوهام وهذب المجالس الحسينية وأزال عنها الكثير ممّا علق بها من الباطل والضلال، تربّى على يديه الكثير من الرجال الدعاة المصلحين وكان إلى جانب نشاطه العلمي والإصلاحي والتربوي والاجتماعي إلى جانب كبير من التقوى والصلاح والطهارة، وحب الناس، وقد تأخّر المطر في زمانه مرّتين عن موسمه المعتاد، فصلّى بالناس صلاة الاستسقاء، وفي كلّ مرّة كانت تستجيب السماء لصلاته ودعائه ومناجاته وترسل مطرها مدرراً يحيي الزرع والضرع.
وكان محبّاً للناس لا يريد لهم إلاّ الخير والصلاح والعمل بما يرضي الله ويكره لهم الانحراف والزيغ والضلال ويشفق عليهم من الهلاك والضلال حتّى اليهود والنصارى وهم كثير في محلته في الشام كان يشفق عليهم ويتمنّى لهم الهداية ويدعو لهم بها وربما بكى رحمة لهم وشفقة عليهم.
والسيد حسن الأمين نشأ في كنف هذا الأب فأخذ بالكثير من تعاليمه وآدابه ومزاياه وأخلاقه وأوجه نشاطه، تعلّم منه الجدّ والمثابرة والاجتهاد والنشاط والتمسّك بالحق والعمل به والبحث عن الحقيقة وإبرازها جلية واضحة سافرة من كلّ غشاوة وحجاب.
تلقّى مبادئ تعليمه على والده، وتابع دراسته في المدارس المتعددة ونال شهادة الحقوق من جامعة دمشق وكان قد عاش طفولته أيام الحكم العثماني فرأى ظلمه وطغيانه وجوره وعسفه وكيف يعامل الناس بقسوة ووحشية ويسلبهم حتّى أبسط مقومات الحياة، يسلبهم لقمة العيش أحياناً لا يستطيعون الحصول عليها إلاّ بشق الأنفس ثمّ أعقبه حكم المستعمر الفرنسي الذي لم يكن أقل قسوة ووحشية من سابقه الحكم العثماني فكان يؤلمه ذلك ويحزّ في نفسه، ويتلظى غضباً وحنقاً وكرهاً لأولئك المستعمرين الأوغاد الظالمين فكان يعقد الندوات والاحتفالات التي تلقى فيها الخطب والمقالات وتتلى فيها القصائد مع كثير من زملائه الوطنيين منددة بالاستعمار داعية إلى جهاده وكفاحه وكثيراً ما كان يخرج مع المتظاهرين وأحياناً على رأسهم منددين غاضبين على المستعمر هاتفين برحيله وخروجه عن بلادهم مطالبين بالحرية والاستقلال.
وكان في طليعة الشباب الوطني الحر الذي يعشق الحرية والكرامة ويريدها لوطنه وبني قومه وللناس جميعاً وقضى زهرة حياته وشبابه مكافحاً مناضلاً بكلّ ما يستطيع من قول وفعل.
وكانت نكبة فلسطين التي تأثّر بها كثيراً وأخذت من نفسه مأخذاً فأبلى بلاء حسناً ونظم القصائد والأشعار الكثيرة التي تفيض بالأسى والمرارة وكيف أنّ حكام العرب والمسلمين والعالم بأسره تقاعس وتلكأ عن نصرة هذه القضية ولم يضع حداً للفئة الباغية وكيف ترك العالم كلّه هذه الشرذمة من شذاذ الآفاق تعبث بأمن البلاد وتعيث في الأرض أرض فلسطين بشتى أنواع الفساد وترتكب أبشع صور الظلم والطغيان، ضاربة بالقوانين الدولية والدساتير السماوية عرض الحائط لا تطبق قراراً من قرارات مجلس الأمن ولا تصغي لأحد ممعنة في عسفها وجورها.
والسيد حسن رأى كلّ ذلك فكتب عنه الكثير شعراً ونثراً وتاريخاً وأشاد بالأبطال المجاهدين وندد بالخونة والمجرمين الذين تواطؤوا وتقاعسوا ونكلوا واصمّوا آذانهم وأغمضوا أبصارهم عمّا يجري، كأنّه يجري على كوكب آخر.
والسيد حسن انتدبته الحكومة العراقية في أربعينيات القرن الماضي معلماً وأستاذاً في جامعاتها ومعاهدها فلبّى الدعوة وقام بما انتدب إليه خير قيام فهذب وأرشد وأصلح وغرس في قلوب طلابه ونفوسهم أسمى الفضائل والقيم والأخلاق إلى جنب العلم والأدب والتاريخ وكان لهم المعلم والأب والأخ والمرشد وخرج على يديه الكثير من الأدباء المرموقين والشعراء الذين تربعوا على عرش العلم والأدب ذكوراً وإناثاً.
وقد عشق العراق وأحبّه وتغنّى ببطولاته وأمجاده وذكره في كتابه حل وترحال الذي خصّص قسماً منه للحديث عن العراق خاصّة.
ثمّ عاد إلى وطنه ليستأنف النضال والكفاح والعلم والأدب والبحث في أعماق التاريخ ومطاويه ومجاهيله عن الحقيقة التي هي ضالته وبغيته.
وكان أن انتُدِبَ قاضياً في مدينة النبطية فلبّى سعيداً بذلك لأنّه ربّما دفع بهذا المنصب الظلم والحيف عن كثير من أبناء الشعب المسكين المقهور المغلوب على أمره فكان المثال الذي يحتذى للقاضي النزيه الذي لا طمع له إلاّ في إقامة العدل وإحقاق الحق وانصاف المظلومين وكان لا يداري ولا يداهن فالغني والفقير والزعيم والوجيه والمتنفذ وصاحب السلطان الجميع على حد سواء أمام القانون.
فكانت الحادثة المشهورة وهي تهريب اليهود إلى فلسطين سراً عبر لبنان وأخذ منها موقفاً حازماً يتوافق مع مبادئه وقيمه التي يحمل وأصدر حكمه الصارم في الحادثة ممّا أزعج ذوي الشأن.
تدخلوا فأبى وألحّوا فرفض فاستقال غير آسف ولا مكترث.
وعاد إلى القلم إلى كتبه وأدبه وتاريخه يكتب ويصحّح ويحقق ويدقق وكان أن توفي والده رحمه الله.
مات وفي القلب غصّة وحرقة ما وهو يردّد:
بكيت وما بكيت لفقد دنيا
أُفارقها ولا خل أليف
ولكنّي بكيت على كتاب
تصنفه يداي إلى صنوف
سيمضي بعد فقداني ضياعا
كما يمضي شتاء بالخريف
غير أنّ السيد حسن بعد اطلاعه على هذه الأبيات خاطب والده بلسان الحال طب نفساً وقر عيناً فكتبك لن تضيع وتعبك وجهدك لن يذهب سدى وموسوعتك أعيان الشيعة لن تعدو عليها عوادي الزمان ولن تمر رياح الخريف عليها ولن تبددها أعتى العواصف بل ستبقى في الحفظ والصون على مرّ الزمن مصدراً لإشعاع النور والعلم والتاريخ ومنارة يهتدي بها الضالون.
ثمّ إنّه شمّر عن ساعد الجد ونظر إلى كتب والده بعين الاعتبار واليقظة فأكمل ما بدأه أبوه وجدّد وأصلح ما ضاع وما انطمست أوراقه وأعاد طباعته بثوب أنيق وطباعة جميلة وحلّة جديدة مرّات عدّة.
وأضاف إليه ما استجد بعد أبيه وما فاته فكانت الموسوعة الثانية مستدركات أعيان الشيعة التي أربت على الأصل وتقدّمت عليه.
وألّف العشرات من الكتب ومنها موسوعته الكبرى دائرة المعارف الإسلامية الشيعية فكان كتلة نشاط وعمل وجد واجتهاد يقرأ ويكتب ويرسل إلى الطباعة وينقح ويفتش عن المصادر وحده بدون أن يعينه أحد على ذلك.
وكان ذا همّة عالية وذا صبر وجلد جديرين بالتأمّل والوقوف عندهما فكان وقد نيف عمره على التسعين يشتغل حوالي الثمانية عشر ساعة في اليوم وكان يقرأ ويكتب أحياناً على ضوء الشمعة ساعات وساعات.
تطلّبَ منه إخراج دائرة المعارف الإسلامية السفر الكثير فسافر شرقاً وغرباً من إيران والعراق ومصر والمغرب وإفريقيا وأميركا والهند وباكستان فكتب أدب الرحلات وكتابه حل وترحال الذي دوّن فيه مشاهداته بأدق تعبير وأبرع تصوير.
وزار الجمهورية الإسلامية مراراً وتكراراً باحثاً ومنقباً ومحاضراً ومحتفى به فكان محل حفاوة واستقبال وتكريم من العلماء والأعيان والحكومة والشعب فاتحين له قلوبهم وبيوتهم ومكتباتهم ويقدّمون له كلّ عون ومساعدة.
ولم يكن الإيرانيون يبخلون عليه بشيء ممّا يوصله إلى بغيته.
والسيد حسن عرف لهذا الفضل من الحفاوة والتكريم والترحيب والمساعدة والمحبة وعَلِمَه.
فكثيراً ما حدث في مجالسه أنّه لولا الإيرانيون وفضلهم لبقي الكثير من كتبه وكتب والده طي الخفاء ولما ظهر إلى الوجود.
فجزاهم الله عن العلم وأهله عن السيد حسن وكتبه خير الجزاء.
وفي التاريخ حق وباطل وأوهام وخرافات لأنّه إنّما يكتبه عادة المنتصر أو الحاكم أو يكتبه من يواليه تقرّباً وتزلّفاً وتملّقاً.
وحب الظهور بمظهر العظمة لدى الكثير من الحكام الذي مرّوا على التاريخ دفعت بهم إلى من يظهرهم بصورة الأبطال وأن ينسب إليهم ما ليس فيهم ويقتضي ذلك تزييف التاريخ وتزويره.
وأمّا المنهزم فيضعون فيه كلّ خسة وموبقة ويقلبون محاسنه سيئات.
والسيد حسن أخذ على نفسه أن يصلح ما زيفه التاريخ وما أفسده ويظهر التاريخ على حقيقته بدون مداهنة ولا مواربة.
وممّن ظلمهم التاريخ الفاطميون والخواجه نصير الدين الطوسي والوزير ابن العلقمي والكثير من الشخصيات التاريخية التي تحدّث عنها السيد حسن فانتصف منها أو لها.
أمّا الفاطميون الذين سلبوا المحاسن وألبسوا المساوئ وهم الأمّة المسلمة المحبة للعلم والعلماء المتسامحة التي أطلقت الحريات العامّة وقربت العلماء ووفرت لهم كلّ دعم بغض النظر عن انتمائه العقيدي إنّما حبا للعلم وتعظيماً له.
هذه الأمّة التي ظلمها التاريخ انبرى السيد حسن مدافعاً معيداً الحق إلى أهله.
وكذلك فعل مع الطوسي حيث نعته التاريخ بالخيانة وبالعمالة للمغول والتواطؤ معهم على الإسلام والمسلمين والسيد حسن أنصفه وبيّن أنّ الإسلام وكتب الإسلام إنّما حفظت بالطوسي الذي مشى مع المغول إنّما للحفاظ على البقية الباقية من الإسلام وتراثه واستطاع أن يروّض الوحش الكاسر في المغول ويحوّلهم من أمّة متوحشة متعطشة للدماء إلى أمّة مسلمة مسالمة تحبّ الناس وتعمل للصالح العام.
السيد حسن الأمين بقي إلى آخر يوم من حياته يتمتع ببصر حاد وسمع مرهف وذهن وقاد وذاكرة قوية وكان يعتقد بأنّ الله أنعم عليه بما يتمتع به جزاء عمله وإخلاصه في عمله.
وقد مرض قبيل وفاته بسنتين فجزع وتمنّى على الله أن يمنحه من العمر سنتين فقط لينجز بعض ما ابتدأه فاستجاب الله له وأعطاه ما أراد.
والسيد حسن تغنّى بجبل عامل كثيراً ومجد علماءه وأبطاله وأهله، شعراءه وفلاحيه تغنّى بأشجاره وأطياره وسهوله وهضابه وتفضل عليه بكتاب خاص، أسماه جبل عامل السيف والقلم كتبه في الخامسة والتسعين من عمره وهو كتاب ممتع وسفر نفيس.
والسيد حسن يرى هذا الاسم جبل عامل رمزاً للبطولة والمجد والشرف والسمو والرفعة والعظمة وعنواناً للعلم والأدب والشعر.
وكم حزّ في نفسه وآلمه استبدال هذا الاسم باسم الجنوب الاسم الذي لا يعبر عن عظمة هذا الجبل الذي ملئ إيماناً وبطولة وعلماً وأدباً وحكمة من ساحله إلى أعلى قممه الشوامخ.
فكم نادى وتوسل أن يبقوا على اسمه ولكن توسلاته ذهبت كلّها أدراج الرياح وكانت صرخة في واد.
السيد حسن أحبّ هذا الجبل وعشقه ومن عشقه له أوصى أن يدفن فيه في جبل عامل وفي مسقط رأسه شقرا وفي مقبرة العائلة مع أجداده وأهله.
رحمه الله وأمطره شآبيب رحمته ورضوانه ومغفرته وأسكنه الجنة مع الأبرار إنّه هو الغفور الرحيم.
مجلس تكريم في السفارة الإيرانية للأمين
أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى لبنان مسعود إدريسي مساء أمس احتفالاً تكريمياً عن روح العلاّمة السيّد حسن الأمين نجل المجتهد السيّد محسن الأمين في مقر المستشارية الثقافية للسفارة الإيرانية حضره ممثل رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود الوزير نزيه بيضون وممثل رئيس مجلس النواب نبيه بري، النائب علي حسن خليل، وممثل رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، وزير الزراعة الدكتور علي عبدالله، والنواب: علي الخليل، نزيه منصور، عمار الموسوي، مروان فارس وعبد اللطيف الزين، وممثل عن قائد الجيش العماد ميشال سليمان العقيد وليد سليمان، وممثل مدير عام الأمن العام، وممثل عن رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وممثل وزير الثقافة، وممثلي رؤساء الطوائف، وممثل الأمين العام لحزب الله. وشخصيات سياسية، وروحية، ثقافية واجتماعية، فضلاً عن أركان السفارة والمستشارية وآل الفقيد.
اللواء
الثلاثاء 29 تشرين الأوّل 2002م
الموافق 23 شعبان 1423هـ
تكريم المؤرخ حسن الأمين في السفارة الإيرانية بحضور شخصيات
أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى لبنان مسعود إدريسي مساء أمس، احتفالاً تكريمياً عن روح العلاّمة المؤرخ المغفور له السيد حسن الأمين نجل المجتهد الكبير السيد محسن الأمين في مقر المستشارية الثقافية للسفارة الإيرانية حضره ممثل رئيس الجمهورية اللبنانية الرئيس العماد إميل لحود وزير الدولة نزيه بيضون وممثل رئيس مجلس النواب نبيه بري النائب علي حسن خليل وممثل رئيس الحكومة رفيق الحريري وزير الزراعة علي عبدالله، والنواب: علي الخليل، نزيه منصور،عمار الموسوي، مروان فارس، وعبد اللطيف الزين وممثل عن قائد الجيش العماد ميشال سليمان العقيد وليد سليمان وممثل مدير عام الأمن العام وممثل عن رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وممثل رؤساء الطوائف وممثل الأمين العام لحزب الله وشخصيات سياسية ثقافية واجتماعية، فضلاً عن أركان السفارة والمستشارية وآل الفقيد.
بدايةً آيات بيّنات من القرآن الكريم عن روح الفقيد تحدّث بعدها المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان، الذي اعتبر أنّ حسن الأمين واحد من الشخصيات النادرة التي حفرت عميقاً في ذاكرة العالم الإسلامي بشكل عام ولبنان وجبل عامل بشكل خاص، مؤكداً أنّ «حسن الأمين كان بحق علماً من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، يستحق منّا كلّ التقدير والتكريم».
ثمّ تليت برقية الإمام الخامنئي الذي عزّى بالمؤرخ الأمين. وممّا جاء فيها: «إنّ فقدان هذه الشخصية الكريمة يشكّل خسارة بالنسبة إلى الشعب اللبناني، ولا سيّما بالنسبة إلى المسلمين في لبنان… فالأبحاث العلمية والمؤلفات القيّمة التي خلّفها المرحوم في مختلف المجالات لا سيما في مجال التاريخ الإسلامي ومناقب أهل البيت (عليهم السلام)، إنّما هي صفحة ناصعة تضاف إلى سلسلة المفاخر الخالدة لجبل عامل».
كما تليت رسالة تعزية من وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي السيد أحمد مسجد جامعي، فاعتبر «أنّ السيد الأمين العالم الجليل، استطاع بحكمته وفطنته أن يكشف ما خبأ من خبايا التاريخ الإسلامي، معتمداً كذلك على استدلالات مبدعة وخلاّقة لا لبس فيها، فضلاً عن استناده إلى الشواهد التاريخية الواضحة والبيّنة».
وكذلك توجّه السيد علي أكبر محتشمي أمين عام الرابطة الدولية للبرلمانيين المدافعين عن القضية الفلسطينية بكلمة عبر رسالة تليت أمام الحضور أيضاً، أثنى فيها على المواقف الجريئة والنظرات النيّرة لكتابات السيد حسن الأمين، واعتبر أنّه كان لوقع نبأ وفاته عليه مرارة وأسى حيث فقدت الأمّة برحيله بطلاً من أبطال القلم وقمة من قمم الفكر والتحقيق ورائداً من رواد الخير والحق في هذا العصر… فإلى جانب ما تميّز به الأستاذ السيد حسن الأمين من مرتبة علمية راقية ومن شخصية ثقافية واجتماعية مرموقة فقد كان متواضعاً جداً وعلى اتصال مباشر مع مختلف شرائح المجتمع».
كما أثنى رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشيخ محمود محمدي عراقي في رسالة له على مزايا الفقيد الجليل.
وتحدّث خلال حفل التأبين السيد محمد علي الأمين باسم آل الفقيد فاعتبر أنّ المرء ليحار بماذا يتحدّث عن السيد حسن الأمين وعن أي جانب من جوانب حياته يبدأ وكلّها جوانب نيرة مشرقة وضاءة حافلة بالخير.
البيرق
الثلاثاء 29 تشرين الأوّل 2002م
تكريم حسن الأمين في السفارة الإيرانية
أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى لبنان مسعود إدريسي احتفالاً تكريمياً عن روح العلاّمة المؤرخ السيد حسن الأمين نجل المجتهد الكبير السيد محسن الأمين في مقر المستشارية الثقافة للسفارة الإيرانية، حضره ممثل رئيس الجمهورية اللبنانية وزير الدولة نزيه بيضون وممثل رئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل وممثل رئيس مجلس الوزراء وزير الزراعة الدكتور علي عبدالله والنواب علي الخليل، نزيه منصور، عمار الموسوي، مروان فارس، وعبد اللطيف الزين وجمع من الشخصيات.
بداية آيات من القرآن الكريم عن روح الفقيد تحدّث بعدها المستشار الثقافي الإيراني في لبنان الذي اعتبر أنّ حسن الأمين «واحد من الشخصيات النادرة التي حفرت عميقاً في ذاكرة العالم الإسلامي بشكل عام ولبنان وجبل عامل بشكل خاص»، مؤكداً أنّه «كان بحق علماً من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، يستحق منّا التقدير والتكريم».
ثمّ تليت برقية الإمام الخامنئي الذي عزى بالمؤرخ الأمين. ورسالة تعزية من وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي أحمد مسجد جامعي، وكلمة من السيد علي أكبر محتشمي الأمين العام للرابطة الدولية للبرلمانيين المدافعين عن القضية الفلسطينية، ورسالة من رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية في إيران الشيخ محمود محمدي عراقي.
وتحدّث خلال حفل التأبين السيد محمد علي الأمين باسم آل الفقيد.
المستقبل
29/10/2002
تكريم حسن الأمين في السفارة الإيرانية
أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان مسعود إدريسي أمس احتفالاً تكريمياً للمؤرخ الراحل حسن الأمين، نجل المرجع الديني محسن الأمين، في مقر المستشارية الثقافية للسفارة الإيرانية، حضره ممثل رئيس الجمهورية وزير الدولة نزيه بيضون، ممثل رئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل، وممثل رئيس الوزراء وزير الزراعة علي عبدالله، والنواب علي الخليل، نزيه منصور، عمار الموسوي، مروان فارس وعبد اللطيف الزين.
وتليت برقية من مرشد الجمهورية الإسلامية اعتبر فيها أنّ فقدان هذه الشخصية خسارة للشعب اللبناني، فالأبحاث العلمية التي خلّفها الراحل هي صفحة ناصعة تضاف إلى سلسلة المفاخر الخالدة لجبل عامل.
وتليت رسالة أخرى، من أمين عام الرابطة الدولية للبرلمانيين المدافعين عن القضية الفلسطينية علي أكبر محتشمي، أثنى فيها على المواقف الجريئة والنظرات النيّرة لكتابات الأمين.
السفير
29/10/2002م
تأبين حسن الأمين في السفارة الإيرانية
أقام السفير الإيراني مسعود إدريسي احتفالاً تكريمياً عن روح العلاّمة السيد حسن الأمين في مقر المستشارية الثقافية للسفارة الإيرانية، حضره وزير الدولة نزيه بيضون ممثلاً رئيس الجمهورية، النائب علي حسن خليل ممثلاً رئيس مجلس النواب، ووزير الزراعة علي عبدالله ممثلاً رئيس الوزراء، والنواب علي الخليل، نزيه منصور، عمار الموسوي، مروان فارس، وعبد اللطيف الزين والعقيد وليد سليمان ممثلاً قائد الجيش، فضلاً عن أركان السفارة والمستشارية وآل الفقيد.
وتحدّث المستشار الثقافي الإيراني السيد محمد حسن هاشمي، الذي اعتبر حسن الأمين من الشخصيات النادرة التي حفرت عميقاً في ذاكرة العالم الإسلامي عموماً ولبنان وجبل عامل خصوصاً، مؤكداً أن «حسن الأمين كان بحق علماً من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، يستحق منّا كل التقدير والتكريم».
ثمّ تليت برقية مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي الذي عزّى بالأمين، وممّا جاء فيها «أنّ فقدان هذه الشخصية الكريمة يشكل خسارة بالنسبة إلى الشعب اللبناني، ولا سيما بالنسبة إلى المسلمين في لبنان، فالأبحاث العلمية والمؤلفات القيّمة التي خلّفها المرحوم في مختلف المجالات، لا سيما في مجال التاريخ الإسلامي ومناقب أهل البيت (عليهم السلام)، إنّما هي صفحة ناصعة تضاف إلى سلسلة المفاخر الخالدة لجبل عامل».
كما تليت رسالة تعزية من وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي السيد أحمد مسجد جامعي، فيها «إنّ السيّد الأمين العالم الجليل، استطاع بحكمته وفطنته، أن يكشف ما خبئ من خبايا التاريخ الإسلامي، معتمداً بذلك على استدلالات مبدعة وخلاّقة لا لبس فيها، فضلاً عن استناده إلى الشواهد التاريخية الواضحة والبيّنة».
وكذلك تليت رسالة للأمين العام للرابطة الدولية للبرلمانيين المدافعين عن القضية الفلسطينية السيد علي أكبر محتشمي أثنى فيها على «المواقف الجريئة والنظرات النيّرة لكتابات السيد حسن الأمين». وتحدّث خلال حفل التأبين السيد محمد علي الأمين باسم آل الفقيد.
النهار
30/10/2001م

حفل التأبين بمرور أسبوع على رحيل العلاّمة المؤرخ السيّد حسن الأمين الذي أقامته سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان
معالي الوزير غسان سلامة ممثلاً بسعادة الدكتور فوزي عطوي
أصحاب السماحة والسعادة والمقامات السياسية والإدارية والأهلية.
أهلنا وأصدقاؤنا، أيّها الحفل الكريم.
نقف اليوم لنشهد بأنّ الموت حق ولنشهد بأنّ العلم والتقوى أفضل الإرث وخشبة الخلاص.
لن أدخل في مبارزة لغوية غير متكافئة أمام سادة اللغة والبلاغة، دوري هو ببساطة الإعراب بصدق عن محبتنا وتقديرنا وإحساسنا الشديد بالخسارة الكبرى بفقيدنا السيد حسن الأمين متحدّثاً عن علاقة متجدّدة مع مجموعة من الشباب كانت لهم تجربة معه برعاية إمامهم سماحة السيد مهدي الأمين حفظه الله.
كان لا بدّ لهؤلاء الشباب أن يجتهدوا ليحصلوا على أجوبة لتساؤلاتهم الكثيرة، ولا أستغرب نجاحهم في ما لم نكن نلتفت له بطريقة منهجية، فتشوا في كلّ الزوايا والمراجع وحاوروا الكثيرين وفي مقدمهم السيد حسن الأمين رحمه الله.
في الجلسة الأخيرة التي التقيناه فيها كانت حيويته تباري الشباب، وذاكرته غنية بالتفاصيل ومداخلاته المثيرة تعيد طرح الأسئلة كلّ مرّة من زاوية جديدة.
حكيم يوزّع زبد العمر دون حساب ويعيد السؤال.
ذكر لنا تفاصيل كيفونية تعود إلى زمن والده المرجع السيد محسن الأمين قدس سرّه أيقظت فينا حنيناً لا ينطفئ وذكريات موثقة بأسماء الأشخاص والأماكن وقرأ لنا أشعاراً ونصوصاً عن كيفون، وحدّثنا عن البسطاء الذين كانوا يقصدون السيد لمشورته في مسألة أو لنيل بركته وعن العلاقة الحميمة التي كانت بينه وبينهم.
تذكر بيوتها ودكاكينها وأسماء الشباب والعجائز بأحاسيس دافئة وحيوية لافتة رغم أنّه كان خارجاً من جراحة مؤلمة.
استكمل معنا في تلك الأمسية جلسة سابقة مسجلة وممتعة كان الشباب قد سبقونا إليها وكانت مع الأسف الشديد جلسة وداعه لم نره بعدها.
رأينا من واجبنا في هذا الجبل أن نذكره وأن نعرِّف عنه، أمّا التكريم فشأن آخر وقضية لا تحسمها الخطب والأوسمة، ولكن إذ كان في هذا الوطن رجال يستحقون التكريم بطريقة حضارية وفاعلة فالسيد حسن الأمين في مقدمتهم.
أكرّر باسم كيفون وجوارها لآل الأمين وشقرا وعموم جبل عامل عزاؤنا بالفقيد الكبير، وأكرّر الترحيب والشكر لكلّ من شاركنا هذا اللقاء المتواضع المليء بالحب والوفاء خاصّة الدكتور سامي مكارم، وأكرّر الامتنان لمعالي الوزير غسان سلامة ممثلاً بسعادة الدكتور فوزي عطوي وكلّ المقامات الروحية والسياسية والإدارية والأهلية.
شكر الله سعيكم جميعاً وتغمّد الفقيد بواسع رحمته. إنّه هو العلي القدير.
فوزي سعد
السيد حسن الأمين
ليس من السهل أن يكتب المرء في هذا الرجل السيّد. وكيف تسهُل الكتابة فيه وفي جوهر تكوينه علمٌ جمَعَ ما بين مدينة العلم وبابها.
وأيّةُ مدينة هو فيها، وأيُّ بابٍ هو منه! لم يدخل عَبر من خارج، وإنّما وُجد فيه من داخل حيث الزحمة في باطن باب السور الفيصل. ألم يقل الله سبحانه: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [سورة الحديد: 13]. تلك الرحمة التي كتبتها الربوبيةُ على نفسها فوسِعت كلّ شيء.
أجل وُجد هذا الرجل في جوهر باب مدينة العلم وهو ما يزال ذرّاً. وقُدِّرَ لَهُ أن يخرُج إلى النور من نور جوهر باب مدينة العلم إلى باطنِ المدينةِ فذّاً من فدّ، ومؤمناً من مؤمن، وسيّداً من سيّد، وعلَماً من علم، وعالماً من عالم، ومصلحاً من مصلح، وباحثاً من باحث، ومؤرخاً من مؤرّخ، ومجاهداً من مجاهد، وعيناً من عين، وإنساناً من إنسان.
ولا أراني إلاّ مستهشداً بما شهِد فيه الصديق الأستاذ حبيب صادق قائلاً: «فثمة يستوطن العرفان، وتقيم الحكمة. وثمّة يسود البياض وتخفق راية الوداعة والرهافة والنصاعة. عند بابِك السري نقف خاشعين. هذا موعد السفر في الياسَمين».
قُدِّر لك، أيها الحَسَن، أن تكون من ذاك المُحسِن، أن تخرُج من بابٍ هو أبو الحسن سلام الله عليه، إلى مدينة عِلمٍ هي الأمين محمّد (صلّى الله عليه وآله). فإذا أنت الحَسَنُ الأمينُ ابنُ المحسِن الأمين. جدُّك عليٌ بابُ مدينةِ العلم، وجدُّك الأمين مدينة العلم صلّى الله عليهما وسلّم.
فلا عجب أن تكون هذا الإنسان العينَ العَلَم وهذا الإنسان العلاّمة البحّاثة. وهذا الإنسان الفذَّ المليء إيماناً، وهذا الإنسان السيّد المصلح، وهذا الإنسان المؤرّخ الصادق، وهذا الإنسان المجاهد باليد واللسان والقلب. ولا عجب أن تكون القاضي العدلَ الذي لا تأخذُه في الحق لومةُ لائم كجدِّك أمير المؤمنين سلام الله عليه. ولا عجب أن تكون قالياً للجاه الفارغ، زاهداً بالدنيا، أبيَّ النفس، أنوفاً عن الصغائر. ولا عجب أن تكون مناضلاً مجاهداً، وعالماً غزيراً، وخلوقاً سامياً، وأديباً رفيع الأدب، متواضعاً أمام المتواضعين، عزيزاً أمام المتجبرين.
في صغرك نشأت في مدرسة أنشأها والدك، وفي بيتٍ ربُّه والدك، بيتٍ قام على الدين والعلم والأدب والفكر والثورة.
وشببت أديباً شاعراً ناثراً، ووطنياً ثائراً. والتهمت مكتبة والدِك رحمه الله التهاماً، فكنت محطَّ أنظار العلماء والمفكرين وغدت بحوثك مرجعاً رئيساً للدراسات التاريخية الإسلامية لجبل عامل، جبل العلم والمقاومة والاستشهاد. ولم يقتصر أثَرك على لبنان، بل تعدّاه إلى العالم العربي والعالم الإسلاميّ أجمع؛ إلى سوريا، وقد ولدت وترعرعت في دمشق وإلى مصر وإيران والهند والخليج والعراق الذي قُيّضَتْ لك الإقامةُ فيه زماناً أوقد فيك نار الحب لهذا البلد الكربلائيّ النابضِ بالجهاد الأكبر والأصغر منذ الزمن القديم. حتّى قلت فيه:
حبٌّ يظلّ على المدى متجدّداً
وهوى يعود به الوفاءُ كما بدا
بالحب بالعهد الوثيقِ وبالوفا
صُغنا القلوب محبّةً والأكبُدا
إلى أن تقول:
حيَّيْتُ أرضَك مُهطِعاً لجلالها
ولثَمتُ تُربَكَ خاشعاً متعبّدا
متخيّلاً نور الإمام ووجهُهُ
جلّى بمشرقِهِ الظلامَ وبدَّدا
أعلى ميادين الكفاحِ بطولةً
وأنار داجية الظلامِ تهجّدا
أيّها السادة وقد لفتني فيما لفتني في هذه القصيدةِ البليغةِ بيتٌ يؤرّخ فيه هذا المجاهد الشاعر نضاله ونضالَ أمثاله من المجاهدين فيقول:
هذي العروبةُ في مواكبِ زحفِها
هبّت إليكَ تجمعاً وتحشّدا
فيا أيّها السيّد الكريم يا ليتك ما زلت على قيد الحياة لتعيد ترميم هذا البيت من قصيدتك، بعد أن ترى كيف تهبُّ العروبةُ الآن إلى العراق وفلسطين وغيرها من بلاد العروبة والإسلام تفرُّقاً وتبدُّداً وتشرُّداً.
رحمك الله أيّها المجاهد ابن المجاهد! لكأنّ الله اختارك لجوارِهِ عندما اختارك كي لا يبرِّح بك الألم وتستبد بك الخيبة.
د. سامي مكارم
العلاّمة السيّد حسن محسن الأمين
كلمة مستشار وزير الثقافة الدكتور فوزي عطوي ممثلاً معالي وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة في الاحتفال التكريمي
لذكرى العلاّمة السيّد حسن محسن الأمين ـ كيفون ـ الجمعة 1 تشرين الثاني 2002
أيّها الحفل الكريم،
أولاني معالي وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة شرف تمثيله بينكم والنيابة عنه في رعاية هذا الاحتفال التكريمي، وفي تحية ذكرى العلاّمة الجليل الراحل السيّد حسن محسن الأمين الذي لم ينقض بعد غير اثنتين وعشرين ساعة على تقديم شهادتي فيه في الاحتفال الذي أقامته «حلقة الحوار الثقافي» في بلدية الشياح، حيث تشرّفت بتقديم وسام المعارف من الدرجة الأولى الذي كنّا قد اقترحناه في وزارة الثقافة على مجلس الأوسمة، مشفوعاً بالمرسوم الجمهوري الذي بموجبه منح الوسام الرفيع للعلاّمة السيّد حسن الأمين في حياته، لكن الظروف حالت دون تعليق الوسام على صدره في الوقت المناسب.
وإنّي لأنقل إليكم تحية ثانية من معالي وزير التربية والتعليم العالي الذي حمَّلني، خلال اجتماعي به هذا الصباح، أسمى عواطف التقدير للمقام الرفيع الذي تسنّمه الراحل الكبير، وقد سبق له أن عبّر عن هذا التقدير بمنحه «وسام المعلم» في الحفل التكريمي الذي أُقيم له في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية.
ولقد أشفقت على نفسي، وأنا مدعو إلى الحديث مرّتين في ذكرى الصديق الجليل، من التكرار والإعادة، لكنّني ما لبثت أن شعرت بأنّ النهل من هذا النبع الثقافي الفياض لا يمكن أن يفضي إلى ظمأ أو أن يكون إلى نفاد، وحسب أنّه كتب الشعر والنقد والتاريخ، وأنّه أصدر كتباً في الرحلات والسيرة الذاتية، وحقّق التراث الإسلامي، واستدرك على والده العلاّمة الكبير سماحة السيّد محسن الأمين ما أوجبه الاستدراك على «أعيان الشيعة»، ووضع «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، ونظّم الشعر الوجداني والوطني، ومارس المحاماة، وتولّآ سدّة القضاء، فكان في كلّ ميادينه مجلياً كأروع ما يكون التجلّي، وأوفى ما تكون التجلية.
إنّ رجلاً كالسيّد حسن الأمين، ينشأ في أكناف أب من وزن سماحة السيّد محسن الأمين، ويتطبّع بأخلاقه، ويكتسب جرأته، وعدم مبالاته بمن يغضب أو بمن يرضى، ما دام أنّه موفٍ ضميره حقّه، ومنسجم في مواقفه مع قناعاته، لجدير بأن يكون الذي كان عليه من رقّة ودماثة وخلق رفيع، ومن جفوة وقسوة وحسم في المواقف التي لا مجال فيها لمجاملة أو مراعاة، على حساب الحقيقة التي قال في آخر حديث نشرته له الشاعرة الأديبة زينب حمود في «الأنوار» منذ يومين (الأربعاء 30/10/2002) إنّه مؤرخ لطالبيها والساعين إليها، كما قال لها أيضاً في جوابه على سؤالها: «ألم تتعب من الكتابة؟». «لم أتعب أبداً لأنّ الكتابة عندي جزء من حياتي، وإذا كان الإنسان يتعب من تنفّسه فأنا أتعب من الكتابة. الكتابة أعطتني جلّ ما أطمح إليه، ومطامحي ليست مطامح مادية ولا سلطوية، وإنّما هي مطامح ثقافية. ويكفي أنّ الكتابة حقّقت لي «دائرة المعارف» والمستدركات (على أعيان الشيعة) وبضعة عشر كتاباً في التاريخ».
والواقع أنّ من كان يستمع إلى هذا الكاتب المؤرّخ الجليل وهو يأمل في الخامسة والتسعين من عمره، بأن تبلغ «دائرة المعارف الشيعية» أربعة وعشرين مجلداً، وهي جهد شخصي لم يشاركه أحد في إعداده أو في طبعه ونشره، فضلاً عن أمله بالمضي في «مستدركاته» على موسوعة «أعيان الشيعة» لوالده، كان يدرك أيّة روح معنوية يتمتع بها صاحب هذا القلم الألمعي وهو يقف مارداً جسوراً في وجه شيخوخته، وقد بلغت ذراها، وأية قدرة سحرية يتركها الحرف المتألق بأسباب الثقافة والمعرفة، في نفوس المبدعين!.
ولا ريب عندي أنّ مشاعر الحنان والحنين التي كانت تربطه بالجبل العاملي الأنوف، رغم ولادته في دمشق، وعمله فيها وفي إيران، وترحاله عبر البلاد العربية والأوروبية والأميركية وسواها، قد تجلّت ـ ولا سيّما خلال ما تولاّه في لبنان من مناصب ـ من خلال شعره الوجداني والوطني على حد سواء.
يقول في حنينه، وهو مغترب على ضفاف الرافدين:
تلفت للعيد المظل فلم أجد
على جنبات العيد إلاّ مآسيا
ورائي في الأشجان ثمّ مفاوز
وبحر من الأشواق طام أماميا
تلفت من شط الفرات فراعني
على نخلات الشط أن لا تلاقيا
ومن شعره الوطني مناجاته لبغداد، إذ يقول:
من رافديك ومن مناداة العلى
شعت على الكون الهداية فاهتدى
بالحب بالعهد الوثيق وبالوفا
صغنا القلوب محبة والأكبدا
هذا العروبة في مواكب زحفها
هبت إليك تجمعا وتحشدا
صوت من الأدب الرفيع يشدّهم
ونداء صدق في حماك ترددا
صوت «الرضي» إذا ترنّم بالهوى
وإذا استجاش إلى الوغى وإذا حدا
هذا العراق وما رأيت كمجده
أبقى على مرّ الزمان وأخلدا
وأمّا غزلياته، فمن أقرب المناهل إليّ استلهم قوله:
ويحك الحياة أأنت اليوم شاكية
هم الحياة وهذا الحسن ظمآن
أوجهك العذب أشجان مبرحة
وقلبك الغض بالآلام بركان
ظمياء والشعر مثل السحر منطلق
من فيك والحسن في عينيك فتان
ألم أقل لكم: إنّني أشفقت على نفسي من الإعادة والتكرار، لكن منهل السيّد الجليل حسن الأمين زقّ أدبي بموحيات الجمال والجلال، فلم يكن منهله إلى ظمأ أو نفاد؟!.
وتحية لكم من القلب.
د. فوزي عطوي
حلقة الحوار الثقافي تحتفل بالعلاّمة
حسن الأمين([1393])
د. أميرة أبو مراد رئيسة الحوار الثقافي
حضرة ممثل معالي وزير الثقافة، الدكتور فوزي عطوي،
حضرة ممثل معالي وزير التعليم العالي، الأستاذ أحمد الدسوقي،
حضرة ممثل معالي وزير الشؤون الاجتماعية، الأستاذ حسن ماجد،
حضرة ممثل قائد الجيش…
أيّها السيّدات والسادة، أصدقاء المحتفى به ومقَدِّرو علمه وفكره،
باسم حلقة الحوار الثقافي، أُرحّب بكم أشدّ الترحيب، ثمّ أقول:
إنّه، في بيئة اعتبر فيها العلم نور والجهل نار، والثقافة غنى للروح وزاد للعقل، والانفتاح على الآخرين ـ عبر الحوار الموضوعي البنّاء ـ رقي وحضارة… في تلك البيئة، الثرية بأنقى القيم الإنسانية، التي كوّنها العلاّمة السيّد محسن الأمين: ولد السيّد حسن محسن الأمين وترعرع، وكبر وأنتج، فكان الوريث لفضائلها بامتياز.
«هذا حسن»، قال الله عن النور، بحسب سفر التكوين؛ وقالت الناس «هذا الأمين»، حيث أرادت أن تدل على من اتّصف بالكرامة والصدق والإباء. ولا عجب أن يكون المحتفى به، هذا المساء، هو، نفسه، الحسن والأمين في آن معاً!، إلى جانب كونه السيّد، المتحدّر من سلالة أهل البيت الكرام، وكفى بذلك تعريفاً يبعث على الاعتزاز!!.
لن أستطرد في تعداد مزايا وفضائل ضيفنا الكبير، وهي كثيرة كثيرة، لأترك هذه المهمة إلى الأدباء والمفكرين، الذي جاؤوا اليوم يؤدّون شهادات حيّة فيه؛ إنّهم السادة: الدكتور الأب يوسف مونس، والمؤرخ الدكتور يوسف الحوراني، والدكاترة الأفاضل إبراهيم بيضون ومنذر جابر وحسن البعيني وحسان حلاق، والعلاّمة السيد محمد حسن الأمين، الذين ستقدّمهم الأديبة الرائدة الدكتورة إلهام كلاب، وهي أُستاذة في كلية الفنون ـ الجامعة اللبنانية ـ ومديرة مركز علم الإنسان في جبيل، إضافة إلى كونها عضو الهيئة الإدارية لحلقة الحوار الثقافي.
وقبل أن أعطي الكلام للدكتورة إلهام كلاب، أودّ أن أذكر المسؤولين الكرام بالوعد الذي قطعوه لحلقة الحوار الثقافي بإطلاق اسم العلاّمة السيّد حسن الأمين على إحدى المؤسسات الثقافية الرسمية، أو على شارع من شوارع العاصمة، أو على طابع بريدي؛ والكريم إذا وعد وفى، لأنّ وعد الحر دين عليه. وإنّني ـ في مناسبة عيد الأب ـ أتقدّم بأصدق التهاني وأفضل التمنيات لجميع الآباء الموجودين معنا في هذه القاعة، ولجميع الآباء أينما وجدوا.
كلمة الدكتور الأب يوسف مونس([1394])
يستوقفني في سيرة العلاّمة الفاضل السيد حسن الأمين أُمور عدّة فيها الدلالة على ميزة هذه الشخصية الفريدة:
دلالة اسمه:
إنّه حسن محسن الأمين، اسمه مطابق لشخصه فهو في الحسن االخلقي والأدبي والثقافي وأمين لإرثه العائلي والوطني والشيعي والعاملي والإنساني. هذا الصدق مع الذات يجعل من بعض الناس أسياداً في الحق والمثال، رموزاً ومثلاً رسولياً يدفع إلى التغيير والتجدّد مستنداً إلى زهد داخلي وتقشف حياتي في نورانية فكرية تجتهد أن تفتح الأبواب المغلقة وتقرأ الأسرار، وأن لا تقدس ما هو غير مقدس وقابل للتحوّل والتغيير، وأن لا تدنس ما هو في القعر ثابت متجذر.
المقولات الروحية والفكرية والأدبية، والفلسفية وسواها أساس، أمّا التعبير عنها فمتنوّع متغيّر خاضع للزمن والتاريخ والجغرافيا والأجيال والمجتمع.
اللغة، متغير. الثياب، متغير. طقوس الحياة والموت، متغير. أمّا الموت فثابت، الحياة ثابت، الحب ثابت، البغض ثابت التعبير عن هذه الأمور واختبارها يأخذ تنوّعاً يستند إلى وجود الناس في زمن معين وبيئة معينة وجو ثقافي ومناخ حضاري معين واختبار فريد مميز، طبع بالرغبة بالعلم وهمّ الإصلاح الديني والوطني وبالإخلاص والزهد.
دلالة المدن الثلاثة: من دمشق إلى النبطية في جبل عامل إلى بغداد:
أ ـ دمشق: طبعته بدورها الرائد عروبة دون انغلاق وثورة تتوهج بالكرامة والاحترام، وإسلام سمح رائد قابل حق الافتراق والاختلاف والتنوّع وبجهاد لإحلال الحق والحرية والكرامة لك وللآخرين باحترام للشخص البشري، ليكون الإنسان ينبوع سلام وإخاء وتنوّع حضاري رائد.
ب ـ جبل عامل: أعاده إلى اكتشاف ثروات ثقافية تدعو إلى المصالحة والحوار والعيش المشترك في الجرح الكربلائي المسكوب على الفقر والتراب المقدس. أدرك أنّ للآخر حق الافتراق والاختلاف وكلّ تدمير للآخر هو تدمير للذات، وعدم الاعتراف بالآخر هو العنف الكبير. الحرية الدينية تعطي حق النقاش لأفكار الناس بطريقة علمية موضوعية لإجلاء وكشف الفكر الديني بعمقه وتجلياته الكبرى. المسلمات في العقيدة والبحث والنقاش يمنعان أي مصادرة للرأي وأي حرم واي تكفير. وتبقى دوماً الدعوة قائمة مدفوعة بجدلية التطور والتجدّد لجو ثقافي متطور وعصري في أساليبنا ولغتنا ومقاربتنا وخطابنا ومنهجيتنا.
هناك أناس يعرفون الدين ولكن ليس لهم ثقافة فكرية لاهوتية ولا اختصاص في العقيدة ولا حتّى في الدين.
المشكلة ليست في الدين. النص له مستواه الإلهي، أمّا قراءة النص فقضية تاريخية. النص طبع بطابع المقدس، أمّا قراءته فليست مقدمة مكرّسة ثابتة بل متحوّلة متطوّرة. وهذا ما جعل منه جرحاً كربلائياً ينبع منه التطوّر والنورانية والعقل والإيمان. إذ أنّه أعاد القراءة وحفظ للنص قدسيته.
البُعد الشيعي يشهد لهذه الولادة الجديدة من الفاجعة حيث الضحية تعطي الخلاص لجلادها من عذابها ومن على صليبها وموتها وقيامتها، غافرة له، ومسامحة داعية إلى التجدّد والتراحم ليتجدّد وجه الآخر بالفرح والرجاء والحوار والموادعة.
أحيا الرجاء بأنّ المستقبل المتنوّع ممكن، وساهم في التحوّلات التي تحسن وضع البشر لزهد روحي خدمة للمحبة وللعدالة والحرية، ليؤسّس ملكوت سلام وأخوة بين الناس يميز أهل الجنوب عامّة وجبل البشارة وجبل عامل خاصّة لالتصاقهم بالتراب والوجع والصلب اليومي والقيامة والتحوّلات.
جـ – بغداد: أعطته شعلة الاجتهاد والفقه المنور فأبعد الفكر الديني بالدراسة العلمية وحماه من الخرافة والتخلّف وجعله في الحداثة المنورة فأتى بالرحابة وانفتاح الرأي.
السيد حسن الأمين،
في ولادته يطلّ أب كبير غارق في البحث والكتابة والقيادة والإصلاح ومنزل متواضع يرمي عليه الإيمان برسالة بُعداً شاهقاً من الكبر والمعرفة والكفاح والزهد والتجرّد قيم البيت طبعته فأعطته ثوابت تصرفه الأدبية والفكرية فتجذر في بيته وأرضه وأهله ووطنه وقضاياه قضايا الحرية والاستقلال.
خصوصيته العاملية المطبوعة بالتزامه الإسلامي هي خصوصية شيعية طبيعية نابعة من قدومه من بيت شيعي وهي منهج عقلي وليست مذهبي بل عاطفة يدفعها هم البحث والحوار لإعادة النظر بشجاعة أدبية لقراءة المقدّس بفكر نقدي يستشف المستقبل فاتحاً أبواب التحوّل للأيام القادمة.
المستقبلية بادية في كتابه: «الغزو المغولي لبلاد المسلمين» ويلتقي بتفكيره المقاوم بتفكير راهب لبناني ماروني هو الأب بولس عبود الذي كتب ووعظ وحاضر وقاوم 1920 حتّى أنّه نفي ومات حزناً في منفاه في بلدة غوسطا في كسروان.
ولد أباه السيّد محسن الأمين بإخراج كتاباته، فكان هذا التوالد المتبادل. إنّه الشاعر و قصائده غزل وغضب. إنسان مطبوع بالإخلاص في أدبه، إنّه أديب مخلص، ربي على الإخلاص وتحلّى به وتعامل به ومارسه كلّ أيّام الحياة.
الإخلاص والتلقائية والعفوية أعطته الكلمة الحيّة الشفافة فلا تباين بين القول والممارسة.
إخلاص في الموقف. يؤدّي إلى الالتزام الوطني والقومي والإنساني.
إخلاص للعلم والحقيقة وللثقافة العربية والتراث الإسلامي إنّه لم يكن إنساناً «غلط».
خاتمة:
نكرم الفكر والعلم والصلابة والتواضع، مأثرة، هذا الحفل اليوم بمبادرة من حلقة الحوار الثقافي، أن يضيء لنا قيماً مضيئة، مثال حسن الأمين الأديب والمؤرخ والبحاثة والإنسان المترع النفس بأنبل القيم الإنسانية، النقي القلب واليد واللسان والجوارح، والوطني الصامد في وقاره ووداعته. عفيف اليد هو حي الضمير، عمل بصمت وتواضع متعالٍ عن الانغماس بالصغائر والتلهي بالمظاهر والقشور فصار المثال والقدوة بين الناس.
إنّه النداء الرسولي وكتاب الماضي إلى المستقبل. مسكون بصدق الولاء وحرارة القلق والتراث. فله الإكبار والاحترام ولنا حفلة الاستذكار والتكريم.
كلمة د. إبراهيم بيضون
لمرّاتٍ خلت، تحدّثت عن السيد حسن الأمين: العلاّمة، الموسوعي، المؤرخ، الشاعر. وسأكتفي في هذه الشهادة بقراءة سريعة له، كإنسان قيم وثوابت ومبادئ… هذا الذي عرفته عن كثب، وتأثّرت به على مدى عقود من السنين.
والشريط مترع بالذكريات الحميمة، وللجامعة محطة أثيرة فيه، إذ كنت حينذاك طالباً في السنة الأولى. وقد أعددت بتوجيه منه دراسة صغيرة من ثورة ابن الأشعث في العهد الأموي… وفي سنة تالية كانت تجربة مماثلة، والموضوع عن أبي شامة مؤرخ الدولتين النووية والصلاحية. ولكن البحث تناول أبا شامة الشاعر، الأمر الذي لم يُعجب الأستاذ التقليدي، المسكون بالحدث، فقد رأى فيه جنوحاً عن المنهج، لا سيما وأنّه غير مفطور على الشعر وليست تستفزّه كلمة أنيقة أو تستثير وجده نجمة عاشقة في هدأة الليل، وهو المقيم في الحوليات والنصوص التي شاخ فيها الزمن. ولكنّني إذ تمرّدت على الأستاذ، أدركت ما يعنيه ذلك الاختيار وأنّ «السيّد» لم يكن الشعر ما يدور في خلده عندما حرّضني على الكتابة في مثل هذا الموضع، ولكنّه بصفائه وعمق فكره ووضوح منهاجه، كان يرى في ذلك جديداً، وبالتالي جديراً بالبحث. ولقد فتح عقلي يومذاك على مسألة مهمة في الكتابة التاريخية التي تأتي الإشكالية في أوّل شروطها، أو بمعنى آخر فإنّ الجديد ما يجب أن يسعى إليه المؤرخ، ذاهباً في العمق، وليس منتشراً على المدى الأفقي، مراكماً ما لا قيمة له ولا يرقى إلى الإبداع.
أقول ذلك وأنا ما زلت متشبثاً بالدرس الذي تلقيته مبكراً من «السيّد»، وهو ما زال يشجعني على السير في المنهج الذي فيه بصمة منه، انفتاحاً ورؤية وتحليلاً، فضلاً عن الأسلوب في انسيابه واختلافه بنبض الأفكار على مساحة البحث.
حسن الأمين، هذا شأنه مع كثير من غيري لجؤوا إليه واستناروا بفكره ونهلوا من علمه وتأثّروا بمنهاجه، يستقبلهم جميعاً برحابة صدر، ويلقي بين أيديهم من نفيس كنوزه، ما يضيء أمامهم الطريق ويعزّز لديهم الثقة في التغلّب على تحدّياته. فهي رسالة «السيّد» لا الباحث الذي ينشر الحقائق على مساحة التاريخ فحسب، بل المعلم الذي يحفر، على مساحة العقول، فكراً يقترن بالأصالة والأخلاق والمبادئ… إنّه باختصار مدرسة اتّخذت فرادتها في هذا التكامل بين العلم والقيم، وبين الذات والموضوع، وبين المبدأ والموقف، وليس أخيراً بين القاضي العادل والمؤرخ الذي يكتب بحبر المظلومين.
لقد مرّت سنون كثيرة، من اليفاعة حتّى أقصى الكهولة وأنا على صلة لم تنقطع مع «السيّد»، المعلم، الأب، الصديق. وفي هذا السياق الطويل كان ما يزال المرجع عندما تخونني اللغة أو يلتبس عليّ معنى في الرواية… بيد أنّ الأهم من ذلك، أنّه ما انفكّ القارئ الأول لكلّ كتاب يصدر لي خلال تلك المسافة من الزمن، ولطالما غمرني القلق، بل الخوف، قبل أن يهتف لي مبدياً الثناء، وأحياناً الملاحظات، مجرّداً من الانحياز وغير متأثّر بالعلاقة الخاصّة.
حسن الأمين لا تختصره صفحة المؤرخ، ولا تستوي قراءته دون بقية الصفحات التي كاد يطويها بنفسه، وهي ليست أقلّ إثارةً وجاذبية… فالدور يبقى الأساس في سيرته وهو يخط النهر، الدور الحاضر في كلّ الصفحات العابقة بالضوء… والصبي الذي وقف يوماً أمام الجنرال «ويغان» يلقي بفرنسيةٍ متعثرةٍ كلماتٍ تعرض للوضع البائس في جبل عامل، هو نفسه المشارك بحماسة، طالباً، في تظاهرات دمشق ضد الانتداب، وهو نفسه القاضي الذي يتداول الحكم مع الفقهاء الثقات، قبل النُطق به واثقاً في غير تردّد، وهو نفسه الأستاذ اللامع للأدب العربي في بغداد والشاعر المحلّق في قومياته ووجدانياته، والرحالة «من بلد إلى بلد»، مسجلاً انطباعاته في نثر فني بديع.
وفي زمن يُتباهى بالمساوئ وتُبتذل القيم، يمضي حسن الأمين: المدرسة، الرسالة، الإنسان المفعم بالتراث، في طريقه الصعب، وجرأته ما انفكّت تجلد الطغاة والمنحرفين والمنافقين…
وحيثما حلّ كانت هذه القامة العالية وهذا الحضور الجميل، المتوهج، الصاخب، وكأنّه بقية السيوف من زمن بعيدٍ غار. فلا يرتحل إلاّ وقد ملأ ذاكرة القوم ورسخ في نفوسهم علماً كبيراً من أعلام الفكر العربي الحديث…
حسن الأمين في «حلّه» بحاثةً يُمسك بزمام التاريخ وفي «ترحاله» شاعر ينثر القوافي الزاهيات… وفي كليهما الإنسان العاشق لجبل عامل، المسكون بالهواجس الكبيرة… الإنسان الناصع كفاً، المترفّع عن الضغائن، المترهف لوجه الحقيقة.
كلمة د. يوسف الحوراني
لنا مسلّمة من المسلمات المنطقية الاجتماعية نحن الجنوبيين وهي:
«حيثما يوجد السيّد حسن الأمين يوجد مجلس للأدب والفكر وتبادل المعارف وعقد الصداقات».
هذا ما ألفناه وأحببناه في مجالس علاّمتنا ومرجعنا الأدبي والتاريخي الصدوق. منذ أن تفتَّحت عقولنا على موهبة الحوار بين المختلفين، ونعمة اللقاء بين المتآلفين مع الالتزام بشرعة الحديث والكلام في حضرة الكبار المهيبين.
فشكراً لكبيرنا في هذا اليوم الذي يذكرنا بعصرونيات جنوبنا الحبيب، بلاد عاملة العماليق.
ما قلته مرّة فيه هو «إنّه كرامة في ذاته» وما أضيفه إنّه كنهر متدفق يعطينا في كلّ هنيهة ما هو جديد ونبيل.
كان لي منذ صباي الباكر المثال والمعلم. ونعم ما كانه ولا يزال. وما أضافه في كتاب «غارات على بلاد الشام» كان درساً بليغاً أدعوكم لاستيعابه معي وخلاصته:
لا نلوم الآخرين على ما فعلوه لنا من إساءة، وإنّما نسأل في البدء عمّأ فعلناه نحن لهم لجلب هذه الإساءة حتّى ولو بلغت هذه إلى حدود الكارثة.
حتّى المغول وتيمورلنكهم الفظيع بقي السيّد الأمين متيقظ الضمير، ثاقب النظر محايد القياس والمقارنة، شيمة الشرع العاملي الذي ألفنا الحديث عن عدالته في طفولتنا، وكان آباؤنا يلجؤون إليه فينصف بينهم دون سؤال عن الطائفة أو الدين أو النسب العائلي.
لم يصل غيره من كتّاب العربية إلى ما وصل إليه من حكم وهو: «نحن نعتبر أنّ المسؤول الحقيقي عن محنة بلاد الشام لا تيمور وحده، بل إنّ المسؤولية تقع أوّلاً على القاضي برهان الدين أحمد والظاهر برقوق وسودون، نائب دمشق ودمرداش نائب حلب هؤلاء الذين قتلوا رسله فأثاروه للانتقام لقتل رسله. وقد كان متودّداً لأولئك القتلة طالباً إقامة علاقات تجارية بين بلاده وبلادهم». (ص177).
ويعلّق مؤرخنا على أسماء الذين ساروا في ركاب هولاكو من المسلمين ومنها: ظهير الدين، وصدر الدين وسيف الدين يعلق بقوله: «لم يكونوا يخجلون من أن ينسبوا إلى الدين». (ص95).
وللتآسّي والتوازي بين كلّ الأيام نذكر لمعلمنا الكبير أنّ الدين لم يعد يكتفي اليوم بالأنساب كما كان في أيام هولاكو بل غدا له حرّاس شخصيون (بدي غارد)، مفتولو العضلات طوال القامات، يحمونه من الازدواجية ويعاقبون كلّ من يفكّر بأن يكون له عقل ودين معاً…
ولله في خلقه شؤون.
ولك يا عميدنا الأمين المحبة كلّ المحبة مع تجلّة الوفاء…
كلمة د. منذر جابر
السادة الكرام، دعاة ثقافة وفكر.
يبدو تكريم السيّد حسن الأمين، تكريماً لثقافة وطنية، وتأكيداً لرابطة وطنية، وليس تقاسماً للثقافة، أو استعادة لذكريات في محلةٍ أو منطقة، وليس عودة إلى ملاعب أو مآرب خاصّة بفئة أو بطائفة.
حسن الأمين من الذين لا يضمُّهم عنوان أو هوية. فهو لا يدور في نتاجه أو مواقفه على مروحة واحدة. من يقرؤه أو يسمعه يجده حمّال أوجه في الثقافة، متفاوتاً، عالمه واسع واسع، لأنّه عالم مشاهدات وممارسات وأصبوحات وغرائب وتناقضات، تستدعي الضحك بمقدار ما تستدعي التأمّل والصمت.
يدير السيّد حسن عوالمه تلك في ألفة نادرة، على بُعد مدى هذه العوالم، واتساعها، وقد أرسى في شخصيته الفذّة علاقة بالغة الدقة بينه مفكراً، وبينه إنساناً. وهذا ما جعل منه مقيماً دائماً في مناطق مختلفة، ودافقاً على منابر متعددة، مقروءاً على أنحاء وأوجهٍ تختلف، باختلاف المكان من ناحية، فهو عاملي في الشام والعراق وإيران، وهو شامي في عاملة والعراق وإيران، وهو عراقي في عاملة والشام وإيران، وهو إيراني في عاملة والشام والعراق، وهو كلّ ذلك على «دروب الباكستان» وفي «حلّه وترحاله». وتختلف من ناحية، باختلاف الموقع والهيئة، فهو شاعر مع الأدباء والمحدّثين والمؤرخين، وهو أديب مع الشعراء والمحدّثين والمؤرخين وهو مؤرّخ في نظر هؤلاء جميعاً ومعهم. يبقى السيّد عصياً على الترتيب المحكم، اللهم سوى القول إنّه إنسان فوق إنسان يناظره، فوق إنسان يناصرهما. كلّ منّا يرتّب للسيّد موقعاً حسب مقتضاه وقضيته.
والسيد من ثمالة جيل غَرُب أو كاد، جيل ثقيف، كتّيب لسِن. نسمعه فنتمنى لو ندوّن ما يقول. نقرؤه فنتمنّى لو نتحدّث بما يكتب. يستظهر التراث كما يستظهر عن ظهر قلب أقاربه وبيوت قريته. السيد يبزّ الجميع في ذلك: حسين مروة والشيخ علي الزين بقيا على حيائهما الديني الموروث على ما في حديثهما من طلاوة وحلاوة. موسى الزين شرارة وعبد الحسين عبدالله، المحدّثين بامتياز، قصرا عن السيد في عمق ثقافته واتساعها. صدر الدين شرف الدين يتحدّث وكأنّه يتلقى الكلام من علّ، تذهب نبرتُه بالكلام وتنقشه، نسمعه مسحورين بنطقه ورنين جمله. أمّا كلام السيّد حسن فهوعلى مقاس سامعيه، وكأنّه في حديثه جوقةُ محاورين يتقاسمون الحوار كلّ من موقع ومن طرف. لذلك الكلّ يصغي في مجلس السيّد، وهو مسترسل في حديثه المفصل الشيّق، ينتقل فيه بين الأزمان والبلاد والعباد بطرفة عين، مليء بالأخبار والحواشي والاستطرادات، الكلام يستدعي غيره، والسكوت من قبلك أو الحركة أو اللفتة، تعني في عرف السيّد سؤالاً جديداً ومفتاحاً ومدخلاً لحديث جديد.
أمّا السيّد حسن المؤرخ فهو يصل في نقده إلى مواجد في المسلمات التاريخية. فها هو في تاريخ عاملة يطعن في مسلّمات براءة وطهر شخصيات مؤتمر وادي الحجير 1920، وها هو في التاريخ الأكبر يطعن في مسلمات حول رجالات كبار حتّى ولو كان صلاح الدين. ومهما يكن الموقف من ذلك فإنّ الاشتباه هو منطق السيّد في أحكامه. وقد يكون ذلك اجتهاد وحسب، وأياً كان منتهاه، فإنّ الحسّ النقدي راكز لدى السيّد حسن ولا يبالي بعده، بأن يتصدّى لمقولة راسخةٍ وكلام إجماع.
أمّا السيّد الإنسان فيكفيه أنّه قال كلمته، واستقال من منصب القضاء، حين برّأ رجلاً يحرث على حماره، وذلك مأثوم حسب القضاء الفرنسي، برأه لكي لا يُقال «إنّ القانون في لبنان يحافظ على كرامة الحيوان أكثر من حفاظه على كرامة صاحبه».
يحيي السيّد ويختم في آن معاً ظاهرة المفكر الموسوعي، المفكر الطرف في أيّة مسألة أو حدث، يطارح في القضايا المعيوشة ويطرح في ما غفل عنه غيره أو يجتهد به من جديد. والسيد وكأنّه على فطرة في ذاك. وهو في كلّ ذلك، ينتقل بالحوار الفكري، الذي طالما قبع في نقطة اللااعتراف المتبادل إلى الإقرار بوجود الآخرين.
ولعل في وجه السيّد هذا، ضرورة أكثر من أي وقت مضى مع ضرورة النظر إلى أفكار الآخرين وأفكار الماضي والحاضر، ومع اللغة السائدة التي لا ترى في أبواب الفكر تواصلاً، بل ترى انقطاعاً وقَطْعاً يتبادل الجميع في السياسة والتاريخ والفلسفة عدم الاعتراف بعدم اعتراف. هذا موقع السيّد حسن من الجميع وجدان خاص لا نطاق للجميع سواه.
الكلمة التي ارتجلها
السيّد حسن الأمين
ليس ما أقوله كلمة كماعبرت عنها السيدة المقدمة إلهام كلاب البساط إنّما هو شعور في نفسي لما لقيته من الداعين لهذا الحفل ولما تفضّل المتكلمون فيه. أنا لا أعد ما تفضل به المتكلمون موجهاً لشخصي الضعيف، فأنا أعتبر أنّي أقل من أن يُقال بي مثل هذا الكلام. ولكنّي أعتقد أنّ ما تفضلوا به هو للفكرة التي نؤمن بها جميعاً، موجّه للخط الذي علينا أن نسلكه ونستمر في سلوكه، من هنا اقتنعت بالقيام بهذا الحفل والمشاركة فيه.
نحن نقيم حفلنا هذا في وقت، تتردّد به في نفوسنا وفي أسماعنا صوت إخواننا الذين يذبحون في فلسيطين ويهانون ويذلون في أمّة ألفت الهوان واستطابته.
نحن لا نيأس. بالعكس نحن مؤمنون بأنّ النصر لنا، وأنّ ما يراق من دماء وما يعاني الناس من مذلة وهوان هو شيء مرّ في تاريخنا وفي تاريخ غيرنا.
اليهود لم ينتصروا في فلسطين، هذا ما أؤمن به، انتصروا على الجيوش العربية التي انكسرت أمامهم، ولكن القضية اليهودية حتّى الآن هي المنهزمة، كان في تخطيط اليهود ما أسموه إسرائيل الكبرى. عبروا منه بأنّه من النيل إلى الفرات وما يشير إليه علمهم، الخط الأزرق الأعلى هو النيل والخط الأزرق في الأسفل هو الفرات، والبياض الذي يمتد فوق هذين الخطين إشارة إلى أنّ ليس هذا هو الحد النهائي. لقد انتهى أمر إسرائيل الكبرى، من الذي حقق هذه النهاية؟؟
حقّقها أطفال الحجارة.
أطفال الحجارة هزموا فكرة إسرائيل الكبرى.
اليهود الآن يجاهدون للاحتفاظ بإسرائيل الصغرى، تنازلوا عن يهودا والسامرة، وهي من أقدس مقدساتهم. هزمتهم أحجار الأطفال.
انقضت من ذهنهم فكرة إسرائيل الكبرى.
ثمّ لماذا أنشأ اليهود فكرة إسرائيل؟؟
لماذا تدفّقوا من أقصى الأرض. ليغتصبوا هذه الأرض؟ رأوا أنّهم في كلّ مكان قلقون على حياتهم، قلقون على مستقبلهم، مكرهون.
إنّ اليهود الآن في أقطار العالم آمنون، مستقرون، إلاّ في إسرائيل، إلاّ في المكان الذي ادعوا أنّهم آتون ليستقروا فيه. إنّهم كما قال القائل:
يترقبون الموت في غزواتهم
فإذا نجوا فالموت في الأسحار
إسرائيل بعد 54 سنة على قيامها لا يجرؤ فيها اليهودي أن يخرج من بيته.
هذا هو النصر الذي حقّه أطفال الحجارة.
هذا هو النصر الذي لا يعترف به اليهود.
إنّهم مستقرون في أقطار الأرض، إلاّ في المكان الذي أرادوا أن يستقروا فيه. إنّهم سالمون في كلّ مكان، ولكنّهم يذحبون ويقتلون في مكان استقرارهم. فماذا سيصنع هؤلاء اليهود الشراذم عندما يتدفق ثلاثمائة مليون عربي ويتخلصون من قيادتهم الزائفة الذليلة؟
ماذا سيصنع اليهودي أمام ثلاثمائة مليون عربي إذا جاؤوهم بالحجارة؟؟
نحن مطمئنون على المستقبل بأن هذا الذي يجري هو غمرة من هذه الغمرات التي تمرّ بها كلّ أمم الأرض، لقد هوجمنا في الغزوات المغولية التي كانت أقسى من هذه الغزوات، ولكن ماذا كانت النهاية؟ كانت النهاية أنّ المغول الذين جاؤوا ليحاربوا الإسلام في أرضه وفي مكانه أنّهم لأوّل مرّة واجهوا الفكرة المعاكسة. كان يُقال إنّ الشعب المغلوب يتأثّر بالشعب الغالب. وإذا بالمغول الغالبين يتأثّرون بالشعب المغلوب. فينتهي أمرهم إلى أن يسلموا.
إنّني من ها هنا بعد أن أتوجه إليكم إلى الذين دعوا إلى هذا الحفل والذين تكلموا عليّ بما لا أستحقه، إنّني أتوجه من ها هنا إلى أولئك المناضلين المضحين بدمائهم بتحية إكبار وأقول لهم:
لا تيأسوا فإنّ الله معكم، والشعوب العربية معكم، ولا بدّ لكم من النصر القريب إن شاء الله.
كلمة د. حسان حلاق
بسم الله الرحمن الرحيم
أيّها الحفل الكريم، أيّها الإخوة والأخوات.
العلاّمة الكبير السيّد حسن الأمين المحتفى به.
إنّه لشرفٌ عظيم، وإنّها لمناسبة كريمة، لن أنساها ما حييت، أن أتحدّث عن عالم جليل وكريم دوّن التاريخ الإسلامي والعربي القديم والوسيط والحديث من خلال فكره النيّر وقلمه المدرار المعطاء.
إنّ العلاّمة السيّد حسن الأمين سليل العائلة الكريمة التي عقد جذورها في عمق التاريخ الإسلامي، فهو من السادة الكرام الأفاضل، الذي تميز بالأصالة الدينية والفكرية والعائلية، وهذه الأصالة لا تتناقض عنده مطلقاً مع محاولاته الدؤوبة لتجديد وتحديث الفكر والتاريخ الإسلامي والعربي. لذا فقد عمل بجرأة نادرة وبجد ونشاط في مجال تحقيق التراث الإسلامي. كما كتب عن الكثير من القضايا والإشكاليات التاريخية والفكرية والفقهية.
تأسيساً على ما تقدّم، فقد اختلف الكثير مع العالم الجليل السيد حسن الأمين، فكتبوا ضد ما كتب وضد ما يفكّر، وبدوره كتب ضد ما كتبوا وكيف يفكّرون، ممّا أسهم إسهاماً واضحاً في إغناء الحياة الفكرية في لبنان والعالم العربي. لقد آمن بالتنوّع الفكري لأنّه أساس الغنى الفكري، وهذا التنوّع لا يفسد للرد قضية أكانت تاريخية أو فكرية أو فقهية.
قد تختلف معه في الرؤى الفكرية والتاريخية استناداً إلى التنوّع ومصادر البحث العلمي، ولكنّك أبداً لن تستطيع إلاّ أن تحترمه وتقدّره على دوره الريادي في عالم الفكر والتاريخ.
لقد تتّبعت منذ سنوات الكتابات والكتابات المضادة التي نشرت في الصحف اللبنانية والعربية والمتعلقة بأفكاره وآرائه، ولا أذيع سراً إن قلت إنّ البعض حاول إقناعي واستدراجي للكتابة ضد هذا العالم الجليل، ولما كنت من المؤمنين بحرية الفكر والبحث العلمي، ولما كنت طالب علم حتّى اليوم، وأجلُّ وأقدّر العلماء، وأنحني أمام الفكر والعلم، فقد رفضت رفضاً قاطعاً المشاركة في مثل هذه الكتابات، لا سيما وأنّ السيّد حسن الأمين يمثّل قيمة علمية وأخلاقية رفيعة المستوى.
إنّ العديد ممّن هم أقل علماً من السيّد حسن الأمين أسّسوا مدرسة علمية خاصّة بهم، أفلا يحق لهذا البحاثة المحقق أن ينهج نهجاً جديداً؟ وبالتالي ألا يحق له أن يؤسّس مدرسة فكرية جديدة، فمن شاء سلكها، ومن لم يشأ سلك سواها؟
أيّها الحفل الكريم
يكفي السيد حسن الأمين فخراً أنّه سليل أمّة تتميّز بخصال عديدة منها: النسب الشريف والأصالة، العلم النافع، الجهاد. فهذه الخصال قلّما تتوفّر في عالم. لهذا فإنّ الرجل لا يحتاج إلى كلمات تُقال فيه، ولا إلى حفل ينوه بمآثره، فهو بما يمثّل من قيم علمية ومثل عليا وعلم وأصالة، إنّما يمثل في الحقيقة مسيرة أمّة في سيرة رجل.
ويكفينا فخراً القول: إنّ الأمّة التي أنجبت السيّد حسن الأمين، هي التي أنجبت المقاومة الإسلامية والوطنية، والتي قامت بدور أساسي وفاعل في تحرير لبنان من براثن العدو الإسرائيلي، ولم ولن تتراجع هذه المقاومة إلى أن يتم تحرير آخر شبر من أراضي مزارع شبعا المحتلة والجولان العربي وفلسطين العربية.
أيّها الحفل الكريم
إنّ مشاركتي في هذا الحفل التكريمي، هو تكريم لي ولزملائي المشاركين بل هو وسام على صدري يمثّل أقصى اعتزازي وشكري وتقديري لكم جميعاً وللجنة المنظمة للحفل وأخصّ بالذكر الأستاذ فرحان صالح والسلام.
كلمة د. حسن أمين البعيني
أيّها الحفل الكريم
منذ زمن بعيد عرفت السيّد حسن الأمين من خلال ما كتب، ومن خلال ما كتب عنه وقيل فيه فأحببت شخصه، وأكبرت فيه جميل الصفات وعظيم المآتي، وظلّ يكبر في عيني ويسمو مع توالي عطاءاته على امتداد عمره إلى ما بعد التسعين.
وإذا كان المجال هنا لا ينفسح لي للإحاطة بجميع جوانب شخصيته، وبجميع إنجازاته، ولا يسمح لي بالإطالة، فإنّه على الأقل مناسبة لأقول كلمة تقدير وشهادة حق فيه.
العلاّمة السيّد حسن الأمين إحدى السنديانات الصلبة من بلادي، وأحد الرجالات الذين أنجبهم جبل عامل، وأحد أعلام هذا العصر، وأحد المجددين المنفتحين على الحداثة دون التخلي عن الأصالة.
تعدّدت ميادين عمل السيّد حسن الأمين، وكان له في كلّ ميدان صولة وجولة. فهو المربّي الناجح الذي يتعهّد الأجيال بالتربية الصالحة، فينشئ النفوس، ويبني العقول، ويهذب الأخلاق، وهو المحامي اللامع الذي يدافع عن الحق ولا يلتفت إلى المنافع ولا يأبه بالإغراءات. وهو القاضي النزيه الذي يهمّه انتصاب ميزان العدل، وإنصاف الناس دون أن يخاف على منصب أو يطمع بمال. وهو بالإضافة، إلى عمله الوظيفي، الباحث المنقب والمهتم بالمطالعة والكتابة، والحاضر لمعظم المؤتمرات، المبدع، وكاتب الرحلات، والموسوعي الذي يقوم بما يوكّل عادة للمؤسسات.
قلائل هم الذي أنعم الله عليهم بتعددية المواهب وتوفّر الإمكانات، وأقل منهم الذين يستغلونها لمصلحتهم ومصلحة مجتمعهم ووطنهم والإنسانية. والسيّد حسن الأمين من هذه القلّة التي استفادت وأفادت ممّا أنعم الله عليها إذ جمع بين المواهب والإمكانات، والنشاط الدؤوب، والهمّة العالية، والعزم الذي لا يلين، فأعطى بسخاء وأبدع، وأسدى الخدمات الجلّى.
والمجال هنا، كما أسلفت، لا ينفسح لي للحديث عن السيّد حسن الأمين الأستاذ، والمحامي، والقاضي، والمؤرخ، والشاعر، والكاتب، والموسوعي لذا سأكتفي بالحديث عن جانبين من جوانب شخصيته وأعماله هما مناقبه العالية ووعيه المبكر للخطر الصهيوني والتصدّي له بالمواقف الشجاعة والتوعية، يوم كانت الأكثرية غافلة عنه وجاهلة له.
إنّ مناقب السيّد حسن الأمين وليدة بيئة ثقافية بيتية مثالية، ونشأة صالحة في كنف والده العالم المصلح السيد محسن الأمين، أكسبته أنبل الشمائل، وأجمل الفضائل، وحبّ العلم والعمل الاجتماعي والإصلاح، والزهد بالدنيا، والشجاعة في المواقف. وهذا ما تحلّى به الوالد وأورثه لولده، فكان الابن سرّ أبيه وكان خير خلف لخير سلف.
إنّ التربية البيتية الصالحة فجّرت المواهب عند السيّد حسن الأمين، وفتحت له آفاق العلم والمعرفة، وأعطته مثالية السلوك، وحصنته بأجمل الصفات، وجعلت منه الإنسان الطموح إلى العلى، الهازئ بالصعاب، العامل بصمت، والمثل الصالح في التعاطي الاجتماعي والعمل الوظيفي.
هذه البيئة البيتية الصالحة تكاملت مع بيئة ثقافية ثورية عاش فيها، فخلقتا معاً السيّد الأمين المجاهد بالكلمة والموقف. فهو بالإضافة إلى كونه ابن عالم مصلح، ابن جبل عامل الذي بدأت فيه الثورة سنة 1919 على الاحتلال الفرنسي. وهو المعايش للنهضة القومية التي شهدتها دمشق، قلبُ العروبة النابض، في عهد الحكومة العربية التي كانت محط آمال الوطنيين العاملين من أجل الاستقلال والوحدة في وجه مخططات التجزئة الاستعمارية، هذه البيئة أوجدت عند السيّد حسن الأمين الوعي المبكر للخطر الصهيوني، وعزّزت توجّهه نحو الجهاد، فإذا به في طليعة المتظاهرين في الشام ضد نزول بلفور فيها، وهو صاحب الوعد المشؤوم بإقامة الدولة اليهودية في فلسطين… وإذا به المحامي الذي يأبى التوكل عمّن شاؤوا بيع الأراضي لليهود، مقابل مبلغ ضخم، ويعنف عليهم بالكلام ويطردهم… وإذا به القاضي الذي يحكم بسجن المتسللين اليهود من لبنان إلى فلسطين، ويقف بعناد وصلابة في وجه من حاولوا إخلاء سبيلهم، وإذا به المؤرخ الهادف الذي يكتب عن الغزو المغولي ومقاومة المسلمين له مع ما في ذلك من تشابهٍ مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين وجهاد العرب والمسلمين ضده. وسيزول هذا كما انحسر ذاك أمام إرادة التصدّي والصمود والمواجهة.
فإليك أيّها الشيخ الجليل أيّها العلاّمة تحية إكبار وإجلال… فأنت عنوان عزة، ورمز عطاء. أطال الله في عمرك، وأعطانا العديد من أمثالك الذين نحن بحاجة إليهم في هذا الزمن الرديء الصعب، زمن الخيبة والانهزامات وتحطّم الآمال والأماني القومية… وشكراً.
كلمة السيد محمد حسن الأمين
عندما دعتني حلقة الحوار الثقافي التي نظمت هذه الأمسية، شعرت بشيء من الحرج فأنا مدعوٌ للكلام على العلاّمة السيّد حسن الأمين الذي تربطني فيه الكثير من الوشائج التي تسمو على عنصر القرابة.
ولكن القرابة تحرج أصحابها أحياناً وتظلمهم. غير أنّني وبعد أن أدرت الموضوع في ذهني قلت إنّ عامل القرابة لا يجوز أن يكون سبباً لكتمان الحقيقة، والسيد حسن الأمين قبل ان يكون واحداً من عائلة أو قبل أن يكون أسيراً لاسمه فهو مناضل ومجاهد ومؤرخ، وفوق ذلك كلّه وبعد ذلك هو واحد من فرسان الممانعة والاعتراض في عصرنا الذي تغلب عليه سمة الاتباع والذلّ، وفي إطار طبقة أو فئة من الناس هي المثقفون ومنتجو المعرفة والذي كثر الكلام والحوار والحديث والسجال عن الدور الذي يقع على عاتقهم وعن المسؤولية التي يتحملونها في ظل محاولة هذه الأمّة للنهوض من الانهيار التاريخي الذي أصابها من عدّة قرون. كنت باستمرار أجد أنّ المسؤولية الأساس فيما تبدو مسؤولية الحاكم أو السلطة، كنت أجدها مسؤولية المثقف مسؤولية رجل الفكر، وكنت وما زلت وازددت يقيناً وأنا أنقّب عن التاريخ وأنقّب عن الحاضر وعن المستقبل أنّ أمّة يقبل مثقفوها ومفكروها وفقهاؤها أن يكونوا مثقفي ومفكري وفقهاء السلاطين لا يمكنها أن تجترح فعل نهوضها من الواقع العربي الراكد. إنّه يطلق أقصى ما يملك من أجل أن يدفع هذا العقل لكي ينقض ذلك ولكي يعيد النظر في المسلمات.
وما هي مشكلتنا في التاريخ وفي الأدب وفي كلّ حقل من حقول المعرفة والدين سوى هذه المسلمات التي تكتسب قدسيتها بغير شرعية حقيقية وعلى الأقل فإنّها غالباً ما تكتسب قدسيتها خارج شرعية العقل. ثمّة دور آخر من خلال مهنة المؤرخ ولنقل من خلال رسالة المؤرخ السيّد الأمين وهو دور مفصلي ورئيسي وأساسي ولا يحصر مهمة المؤرخ في النبش والتحقيق والبحث عن الماضي ولكنّه يجعل من هذه المهمة وسيلة والقول بأنّه للتاريخ وظيفته الأساسية وللمؤرخ وظيفته المسؤولة، ليس صحيحاً.
إنّ المؤرخ هو الذي يجلو لنا صورة الماضي، وحسب المؤرخ فيما يعمل على جلاء صورة الماضي أنّه في جوهر عمله يكون عاملاً على اقتراح صورة المستقبل، ولا يمكن أن يكون العمل التاريخي مبرراً إن لم يكن عملاً يهدف إلى إنتاج صورة مستقبل ما. أدخل من هذه النقطة إلى كتابه المفصلي والاستثنائي «الغزو المغولي لمدينة بغداد» أي حاضرة العرب والمسلمين الكبرى حينها، وسقوطها المدوي الذي شكّل المفصل التاريخي لهذا الانهيار السياسي والحضاري الذي ما زلنا نعيش تداعياته حتّى يومنا. في الواقع إنّ هذا الكتاب صدر ولا أدري ما إذا كان ذلك بفعل توقيت دقيق شاءه المؤرخ.
بالرغم من حرصه الشديد ومن ذائقته التاريخية من محاسبة التاريخ، إلاّ أنّه لم يكن مؤرخاً ولكن الأمين كان باحثاً سياسياً ولم يكن باحثاً سياسياً، كان مفكّراً اجتماعياً وباحثاً في الحضارات. ولكنّه لم يكن كذلك بالضبط، ومع هذا كلّه كان شاعراً حيث قد تطفو حدّته الشعرية على مقولاته، على المفاصل والمنحنيات في الكتابة والحدث بصورة تجعلني قادراً على القول إنّ الكاتب كان مؤلفاً، كان صورة من صور مساهمة المثقف أعلى صورة من صور المثقف في مواجهة مسؤوليته عندما تكون القضية ويكون التحدّي هو تحدّي الوجود، وكان مؤسساً نظرياً ووجدانياً للفكرة التي تقول إنّ الانهيار والسقوط في الأمم ليس نتيجة حدث خارجي وهو نتيجة قابلية، قابلية تستدرج مع مثل هذه الأحداث، تستدرجها بصورة أو بأخرى، لم يكن ممكناً سقوط بغداد لأنّ هولاكو أو تيمورلنك كان خارجاً من تلك الأصقاع البعيدة ليشبع هذه الشهوة البدائية في تدمير الحضارات، وإنّما لأنّ هذه روما الجديدة، أميركا لكي تسلب لها، لكي تعيش فعلاً اغتصاباً كما لو أنّها مصابة بمرض نفسي عضال. حسن الأمين التقط المفاصل الحقيقية بأزمة انهيار الحضارة العربية والإسلامية، تارة عبر تحليله الدقيق ورؤيته العميقة والحرة للأحداث من ماضيها، وتارة في استحضار منهج الاعتراض والممانعة الذي وسم عمله الأدبي عموماً ووسم حياته وسلوكه مفكراً وقاضياً ومصلحاً اجتماعياً على كلّ الصعد. ولكنّه وبصورة أساسية وسم منهجه كمفكر ومؤرخ يعرف ويمارس. إنّ هذه المهمة لا يمكن أن تباع لأحد وإنّ الذين صنعوا انهيار الأمّة هم مؤرخو السلطة وكتابها كما مثقفوها وأدباؤها وشعراؤها.
لذلك، فقد ظلّ حسن الأمين غريباً في عصره وهذه الغربة هي شهادة كلّ كبير وشهادة كلّ فاعل في تاريخ أمّته، تاريخ فكرها وحضارتها وصناعة مستقبلها. غربة لا يسأم منها صاحبها لأنّها المجال الحيوي لممارسة الصمود التصاعدي، والذي يعرف معنى هذه الغربة يدرك الجوائز السخية الجوائز التي يتلقاها صاحبها، الجوائز التي قد لا يراها الآخرون سيئة، يراها الإنسان ويبهر عقله، ولكن يعرفها الناس الذين كرّسوا أنفسهم للعقل والحرية، الذين يشعرون بأنّهم ينالون أسمى الجوائز وبما لا يساويه ذهب العالم عندما ينحازون انحيازاً حقيقياً لقضية عادلة، سواء أكان في القانون أم كان في الفكر والبحث والتاريخ، حسن الأمين إنّه واحد من ألمع هؤلاء الغرباء، الذين أشار إليهم الرسول الأعظم (ص) عندما قال: «طوبى لهؤلاء الغرباء» لماذا؟ لأنّ هؤلاء الغرباء هم الذين أو المؤهلون لأن يعيدوا إنتاج الواقع الذي نرفضه جميعاً بعد أن يكونوا قد ذهبوا وخلا هذا الواقع، من أشخاصهم، ولكن من أجل أن يعيدوا حضورهم الحقيقي وحضورهم المتوهج، ألم أقل لكم إنّ المؤرخ الحقيقي فيما يجلو لنا صورة الماضي فيما يقترح لنا صورة المستقبل، وسيكون حاضراً فيها بالتأكيد.
بعد الغزو الذي قام به التحالف الأميركي الغربي على مدينة بغداد في أوائل تسعينات القرن الماضي صدر هذا الكتاب، بعد قليل من هذا الغزو، وأتيح لي وأنا أعيش كما كلّ المعنيين، كما كلّ الذين هزّهم هذا الغزو الجديد من الداخل، كما كلّ الذين شعروا أنّ ثمة صدمة قوية توجّه إلى الاجتماع وإلى الفكر وإلى العقل العربي والإسلامي، وأنّ ثمة خطراً حقيقياً يتهدّد كلّ تيارات النهوض والتقدّم بعد هذا الغزو، كان يدفعنا إلى التأمّل في الماضي والتأمّل في الحاضر والتأمّل في المستقبل. قرأت هذا الكتاب كنت في كلّ صفحة من صفحاته أشعر أنّ السيّد حسن الأمين لم يكن مؤرخاً بالمعنى الاصطلاحي الحقيقي الدقيق للكلمة.
من هنا ندخل إلى السيّد حسن الأمين مفكراً ومؤرخاً ومعترضاً يعرفه الجميع، وقد عجبت لماذا لم يجر الحديث كثيراً على صدمة الذهن التاريخي العربي عندما أطلق كتابه الشهير عن صلاح الدين الأيوبي.
بدا أنّ المتحدثين عن ذلك أرادوا أن يتفادوا للسيّد «الأمين» ما يحسبونه هنة من هنات، أو ما يحسبونه رأياً لا ينسجم مع المناخات ومع الأجواء المطروحة حالياً، لكنّني هنا وقد أكون غير متفق تماماً تجاه صلاح الدين الأيوبي أريد أن أحيي مأثرة المؤرخ الذي يشعل النار في القناعات الراكدة من الفكر. ما هي مشكلة فكرنا العربي والإسلامي سوى أنّه كان في لحظة من لحظات التاريخ يتمخض عن إبداع ما، ثمّ لا يلبث أن يدور حول هذا الإبداع ويعبره، السيد الأمين في كتابه عن صلاح الدين أطلق صدمة حقيقية في ما نسمّيه بحركة العقل التاريخي أو العقل الإسلامي.
مرسوم رقم 8297
منح وسام المعارف من الدرجة الأولى
وارد في 23 تموز 2002
وزير الثقافة
إنّ رئيس الجمهورية
بناء على الدُستور
بناء على المرسوم الاشتراعي رقم 122 تاريخ 12/6/1959 (نظام الأوسمة) وتعديلاته
بناء على اقتراح وزير الثقافة
وبعد موافقة مجلس الأوسمة بتاريخ 9/7/2002 يرسم ما يأتي:
المادة الأولى: منح العلاّمة السيد حسن محسن الأمين وسام المعارف من الدرجة الأولى تقديراً لعطاءاته الفكرية المتعدّدة.
المادة الثانية: ينشر هذا المرسوم ويبلغ حيث تدعو الحاجة.
صدر عن رئيس الجمهورية
بعبدا في 22 تموز 2002
الإمضاء: إميل لحود
رئيس مجلس الوزراء
الإمضاء: رفيقي الحريري
وزير الثقافة
الإمضاء: غسان سلامة

مجلس الفاتحة المقام عن روح الراحل في بلدته
مجلس الفاتحة المقام عن روح الراحل في بلدته
تكريم سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية
المؤرّخ العلاّمة السيّد حسن الأمين
قصر الأونيسكو ـ بيروت في 26 شباط 2003م

ذكرى مرور أربعين يوماً على رحيل المؤرخ الكبير السيّد حسن الأمين في الأونيسكو
برنامج الاحتفال التكريمي
للمؤرّخ العلاّمة السيّد حسن الأمين
الذي أُقيم برعاية فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد محمد خاتمي وفخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود بتاريخ الأربعاء 26/2/2003 الساعة 3,30 في قصر الأونيسكو ـ بيروت.
1 ـ تلاوة من الذكر الحكيم للمقرئ الشيخ سلمان الخليل.
2 ـ النشيد الوطني اللبناني والإيراني.
3 ـ كلمة ترحيبية يلقيها سعادة السفير مسعود إدريسي.
4 ـ كلمة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى المفتي الشيخ عبد الأمير قبلان.
5 ـ كلمة صاحب الغبطة بطريرك انطاطيا وسائر المشرق مار نصر الله بطرس صفير.
6 ـ كلمة رئيس مجلس الإفتاء في تجمّع العلماء المسلمين القاضي الشيخ أحمد الزين.
7 ـ كلمة ممثل فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي.
كلمة شكر مختصرة لآل الفقيد.
سفارة الجمهوية الإسلامية الإيرانية
في بيروت
الكلمة الترحيبية التي ألقاها سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسعود إدريسي في حفل تكريم المؤرخ العلامة السيّد حسن الأمين بقاعة الاونيسكو ـ بيروت
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلّى الله على أشرف الخلق وأعزّ المرسلين سيّدنا ونبيّنا محمد وعلى آله الطيبين والطاهرين.
فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية. ممثلاً بمعالي الوزير نزيه بيضون.
دولة رئيس مجلس النواب ممثلاً بسعادة النائب عدنان عرقجي.
دولة رئيس مجلس الوزراء ممثلاً بمعالي الوزير بشارة مِرْهِج…
نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلاّمة المفتي الشيخ عبد الأمير قبلان.
السادة أصحاب السماحة والفضيلة والسيادة… والمعالي والسعادة…
أيّها الحفل الكريم.
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته
يسعدني أنّ أرحّب بكم جميعاً في هذا اللقاء التكريمي لعالم من علماء لبنان بل إيران والعالم الإسلامي.
العلاّمة المؤرّخ السيّد حسن الأمين.
الذي خسر لبنان والعالم برحيله مؤرخاً وعالماً أمضى حياته في خدمة الإنسانية بما امتلك من علم وثقافة وأدب جسّده بالعشرات من المؤلفات القيّمة التي أغنت الفكر والتجربة الإنسانية…
أيّها السادة…
حفلنا اليوم برعاية مشكورة من فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود… وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي تأكيد لحقيقة مشتركة منهما بأهمية تكريم أهل العلم والثقافة والأدب من العلماء العباقرة الذين جعلوا دنياهم وحياتهم وسيلة لخدمة الإنسان وتطوّره…
وتأكيد أيضاً على عمق ما يربط إيران الجمهورية الإسلامية بلبنان دولةً وحكومةً وشعباً ومقاومةً…
وإلى أنّ الثقافة والفكر والعلم هم أسس التلاقي بين الشعوب والأمم والسلاح الأمضى في مواجهة كلّ دعوات التفرقة والهيمنة…
أيّها السادة أهلاً وسهلاً بكم في حفل تكريم العلاّمة المؤرّخ السيّد حسن الأمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كلمة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشعي الأعلى آية الله الشيخ عبد الأمير قبلان التي ألقاها في الأونيسكو بحفل تكريم السيد حسن الأمين
بداية لا يسعنا إلاّ أن نتوجّه بالشكر العميق إلى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود على مواقفه الوطنية والقومية، وأن نقدِّر عالياً مواقف الرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية في إيران الذين ما بخلوا يوماً أو تأخّروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد في وجه أعداء الله وأعداء الإنسانية، وهم بإذن الله تعالى مستمرون في مؤازرة القضايا العادلة والمحقّة في العالم، وفي مقدمها قضية فلسطين التي لاقت لدى إيران الثورة، وإيران الدولة التأييد الكامل والدعم المطلق.
كما نشكر أيّها الأخوة والأخوات السفارة الإيرانية في لبنان على رعايتها الذكرى وإقامتها لهذا الحفل التأبيني والتكريمي ونتقدّم من ذوي الفقيد العزيز، المؤرخ الكبير، السيد حسن الأمين (رحمه الله)، ومن جميع المشاركين والحاضرين بأصدق تعابير الأسى والعزاء، بهذه الخسارة الكبيرة التي لم تقع على آل الأمين الكرام فحسب، إنّما أصابتنا جميعاً، وبالخصوص أولئك الذين شاركوا المغفور له ميدان الفكر والمعرفة، وتقاسموا معه هموم البحث والتنقيب عن الحقيقة، وهي تتخفّى في ثنايا التاريخ.
أيّها الأخوة، إنّ فقدان المؤرخ الكبير السيّد حسن الأمين هزّ قلوب المحبّين ممّن عرفوه وعايشوه وعاشروه فوجدوه صادقاً، محباً، متميزاً في سيرته وسلوكه، صلباً في مواقفه، غزيراً في معارفه، نبيلاً في غايته، يقول الحق ويعمل من أجله، كما أنّ رحيله أحدث صدمة في الأوساط العلمية والبحثية، لِمَا تميَّز به من فكر مُتَوقِّد وإرادة مُصَمِّمَة على كشف خفايا التاريخ، وإبراز محطاته الكبرى، وإظهار الشخصية العاملية وإنصافها، من خلال مؤلفاته وكتاباته، لا سيما من خلال دائرة المعارف الإسلامية التي شكَّلت خزاناً من الحقائق المُجرَّدة، تُحاكي الحاضرَ بِقيَمِ الماضي، وتحفّز إلى مستقبل زاهر يرتكز في أساسياته على معرفة تاريخ هذه الأمّة المشرّف في نضالها وتصدّيها لشتى أنواع الغزو والعدوان، والتعريف على علمائها وأعلامها لأنّ من يجهل التاريخ لا يعيش الحاضر، ولا يمكنه أن يصنع المستقبل.
في حفل تكريم السيّد حسن الأمين نجل المرجع الديني الأكبر السيّد محسن الأمين (قدس سرّه) ندخل في حضرة هذه الأسرة العلمية العاملية «آل الأمين» التي انتصرت فيها روح النقد الجاد والرصين، ورَشَفَت من مَعِينِ العلوم الإسلامية الواسعة، وأسَّسَت لمفاهيم جديدة في قراءة التاريخ،
ونَذَرت عمرها وزمنها في خدمة قضايا الأمّة والوطن، وشكَّلت نموذجاً للإنسان المسلم، الذي عمل على هَدي شريعة الإسلام السمحاء، فاتَّحَد عقلها مع قلبها، وانسجم فكرها مع عملها، والسيّد حسن سليل هذه الأسرة العاملية نَذَرَ نفسه هو الآخر وبشكل مميز، فكان يعيش هموم التاريخ بأدبه، وأحداثه، ومفاصله الحاسمة والحساسة، فدخل أبواب التاريخ قارئاً، فاحصاً، كاشفاً دالاً، عاملاً بجهد العالم المتعلّم، البصير، الناقد، العادل، فكان بهذا أديباً ومؤرخاً وإنساناً عَمِل في تدوين دائرة المعارف الإسلامية ومستدركات أعيان الشيعة، وكتب في أدب التاريخ وأدب الرحلات، فكان بهذا وذاك على معرفة بالتاريخ معرفة واعية امتلك القدرة في الرَّبط بين الحقائق الإنسانية المشتركة، فأعطى للجديد عنده قيمته الحضارية المتصلة بالماضي والحاضر والمستقبل، مُزيلاً عن التاريخ بعض ما اعتراه من تَعْتيم، مُحققاً في ترجمات ما كتبه الآخر، داحضاً افتراءات هذه الكتابات، مُنصفاً غيرها، ساعياً إلى الحقيقة، كاشفاً عنها، مُمتلكاً أدوات المعرفة والبحث، يَزِنها بموازين العدل والحكمة والعلم، مؤسّساً لقراءة منهجية في علم التاريخ، غير منحاز إلاّ إلى الحقيقة، فالحدث عنده شموليٌّ بكلّ أبعاده وعناصره، وهو في عمله الإسلامي الموسوعي كان رائداً، وكان يعيش في إنسانية الثقافة بما تعنيه من رفعة وعمق، ملبياً نداءاتها، معتبراً أنّ للثقافة العربية الإسلامية مُثلاً وقيماً وآفاقاً إنسانية مُنفردة، تجري فيها مجرى العناصر المكوِّنة لها، مخاطباً من خلالها كيان الإنسان وهو يُحَقِّق عن الإنسان ويكتب، دالاً على أنّ للثقافة دورها في زيادة الوعي، والكشف عن معرفة ما لدى الآخر لفهمه، وهو يريد من الثقافة أن تُعَمِّق وعيَ أبنائها إلى تراثهم وتاريخهم، وأن تُمَتِّن ارتباطهم الحسّي بجذورهم، فالثقافة عنده يجب أن تكون مكوّن الوعي لدى الشعوب، وأن ترتبط بتاريخها، بل هي امتداد للتاريخ والتراث، تُحَصِّنُه وتدافع عنه، وأنَّ الانقطاع عن التراث والتاريخ هو إلغاء للثقافة ولدورها كعامل فاعل في ثقافات العالم. فعلى الإنسان أن يحيا في مجالها، وأن يواجه من خلالها أحكام المتغيرات، لتكون منسجمة مع أهدافها.
كلمة المطران أبي نادر في الأونيسكو
كلمة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلاّمة الشيخ عبد الأمير قبلان
من صفات حسن الأمين أنّه عصامي، لم يطلب من أحد الوظيفة ولا المال، ابتعد عن اللعب بأمور الناس، رفض السلطة وكان من الأشخاص الذين لم يسيّسوا الأحكام وهو في منصب القضاء، وقدّم استقالته من المحكمة حتّى لا يُعْتبر مرتهناً ومضغوطاً عليه في تغيير مجرى الحكم، كان بسيطاً في تعامله مع الناس، متواضعاً عاش زمنه في البحث والمطالعة والكتابة، رفض الهيمنة والتسلّط والانحراف والظلم، أعطى حيِّزاً واسعاً من حياته وكتاباته للكفاح ضد الصهيونية، فكان يرى إسرائيل دخيلة على الوطن العربي كلّه، وأنّ المشروع الصهيوني الذي أوجده الانتداب داخل وطننا العربي يمثّل حصان طروادة لزعزعة كياناتنا وإثارة عدم الاستقرار فيها، وإبقائها تحت رحمة أصحاب الأهداف الاستعمارية.
وما يجري الآن، يدلل كم هي الحاجة ملحّة لأنّ ندرس تاريخنا جيّداً، وأن نعود إلى تراثنا العظيم، كي نتمكن من مواجهة هذه الهجمة الشرسة التي تقودها إدارة أميركية شريرة فاسدة، تخطط لغزو العراق ووضع اليد على قدرات وثروات أمتنا العربية والإسلامية.
إنّنا ندعو الأشقاء والأصدقاء وكلّ الذين يمتلكون الحس الإنساني والإسلامي والأخلاقي والتحرري في العالم، أن يقفوا بثبات في وجه هذا التحدّي الخطير، وأن يتكافلوا ويتضامنوا لمنع وقوع الحرب التي وإن وقعت لا سمح الله، ستُدخِل منطقَتَنا العربية والإسلامية في متاهات خطيرة،

ذكرى مرور أربعين يوماً على رحيل المؤرخ الكبير السيّد حسن الأمين في الأونيسكو
يبقى المستفيد الأوّل منها الكيان الصهيوني الذي نراه ويراه العالم بأسره وهو يمارس أبشع أنواع الإرهاب، وأخطر أشكال الممارسات اللإنسانية، من قتل وتدمير وارتكاب للمجازر بحق الأطفال والآمنين من أبنائنا في فلسطين.
لن تموت أمّة فيها أمثال حسن الأمين الذي لم يعش حياته، بل أهداها على طول عمره المديد الذي ناهز الخامسة والتسعين للعلم والمعرفة والثقافة وهموم الإنسان، وإذا كانت الأمم تَكْبُر بعطائها الثقافي والحضاري، والشعوب لا تخرج من التاريخ إذا كان فيها من يعمل ليستمر وجودها وكيانها ويُعَمِّق قيم الثقافة فيها، فحسن الأمين واحد من علمائنا الكبار الذين آثروا أن يسلكوا درب العلم والمعرفة والبحث والتقصّي. عمل بوفاء كبير لنتاج والده فصانه واستدركه على مدى خمسين سنة، لقد كان بثقافته الشمولية والموسوعية حاملاً قضايا الأمّة مدافعاً عن تراثها ودينها، منيراً للإنسان الضوء والبصيرة، هدفه نشر الحقيقة وإيصال المعرفة إلى رواد العلم، فبحسن الأمين وبأمثال حسن الأمين تكبر الأمم ويتعاظم شأنها.
لقد كان رحمه الله منارة يهتدي إليها كلّ من تاه في بحر الحقيقة، عاش ظروفاً صعبة وحياة غير مستقرة بعيداً عن الأضواء والإعلام، لكنّه لم ينزلق في متاهات السياسة وألاعيب أصحابها، كان مشْعَلاً من مشاعل الفكر، تجاوزت إشعاعاته عالمنا العربي لتصل إلى إيران التي عرفت مكانته فكرّمته. وما لقاؤنا هذا إلاّ وفاء لهذا المؤرخ الكبير الذي أحبّ وطنه وأحبّ أرضه وأحبّ تراثه الذي احتضنته مرجعية المغفور له السيّد محسن الأمين وخلّدت فيها مآثر لن ينساها جبل عامل ولا العامليون، وستظل حاضرة في ذاكرتهم يستمدّون منها الإرادة الصلبة والعزيمة الإيمانية في مواجهة تحديات هذا العصر الذي تتكالب فيه أدوات الشر ويتعاظم شأن الاستكبار والاستبداد والظلم.
أيّها الأخوة، إنّ فقيدنا المرحوم السيّد حسن الأمين وإن غاب في جسده، فهو حاضر في فكره وفي بحثه وفي علمه، وسيبقى حياً في قلوبنا وعقولنا عملاً بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إذا مات ابن آدم انقطع ذكره إلاّ من ثلاث صدق جارية وعلم ينتفع به وولد وصالح يدعو له».
رحم الله السيّد حسن الأمين رحمة واسعة سابغة وجعل كلّ ما كتبه في تراثه ودينه، في موازينه يوم تجد كلّ نفس ما علمت من خير محضراً…
كلمة المطران خليل أبي نادر، ممثّل غبطة البطريرك نصر الله صفير
أيّها السادة،
لي الشّرف أن أمثّل نيافة الكردينال مار نصر الله بطرس سفير بطريرك انطاكيا وسائر المشرق في هذا الاحتفال التكريمي الذي تقوم به سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت للعلاّمة الراحل المؤرّخ السيّد حسن الأمين، من كبار رجال أهل القلم والفكر في لبنان وفي عالمنا العربيّ.
هو الآن، برفقة أبيه السيّد محسن الأمين المرجع الأكبر، في حضن إبراهيم في الجنّة، لدى الله الصَمَد، لإيمانه، لإنسانيَّته، لأخلاقه، لعلمه الجامع الرفيع. بضميرنا الديني والوطني سنتأمل، اليوم وغداً، في جهاده غير المحدود، فكراً وتاريخاً إسلامياً. وقد ترك لنا وللأجيال الآتية، في كتاباته التي تفوق الحَصْر، طريق العبور إلى حضارة ترسم لكلّ جماعة ما تبتغيه في أدب الحياة في عالمنا العربي، بالرغم من الدّخيلة عليه إسرائيل، همّنا اليومي المشترك منذ وعد بلفور وما إليه. أين أنتم، يا عرب، في جامعتكم، في رؤيتكم لحاضر هشّ وواهن، ولمستقبل مجهول طالما لا وحدة عربيّة في نظرٍ واضح، على مشهد من دول العالم.
كلمات السيّد حسن كانت دائماً، وستبقى لنا في ذكراه، للوحدة العربيّة، قولاً وعملاً لثورة ناشطة كالثورة الفرنسية في التاريخ. وكان دائماً المؤرّخ الملهَم، شاعراً، أديباً، رجلَ فكر وخبر، ومنجزاً «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» بمجلّدتها الخمسة والعشرين. كما لنا بقلمه السيّال «سيرة أئمة أهل البيت» (عليهم السلام)، قادة المسلمين تاريخاً وثقافةً وفكراً وتطلعات لحاضر ومستقبل، بروح قرآن كريم. وبروحهم، وبالاعتماد على النفس، لنا النضال ضدّ كلّ مستعمر من سايكس بيكو وجغرافيّته إلى كلّ غريب على أرضنا العربيّة نريدها، كما السيّد حسن، حرّة جامعة. وكان، لمدّة نصف قرن، لوالده المفكّر والمؤرّخ والمرجع الأوّل للطائفة الشيعية، كما كان الحسن الابن، في التاريخ حتّى كربلاء، لوصية والده الإمام علي (عليه السلام). وأيضاً العلاّمة حسن الأمين، في إنتاجه «أعيان الشيعة» أكمل تراث والده السيّد محسن الأمين.
واليوم، لنا منهما البركة والمثل والعبرة الشاهدة، بعد حرب ربع قرن على أرضنا المقدسة الحزينة من كلّ لبنان، وكنّا في منتهى الألم. فما تُرى تكون رسالتكما لنا، أّيها السيّد حسن الأمين والوالد السيّد محسن الأمين؟ جوابكما بالروح نتنوّره: ان ابتعدوا عن الطائفيّة بأنواعها والمذهبيّة بأنواعها ما كانت. فإنْ هي إلاّ تضليلٌ في وطن أصبح مُختلف الوجوه، متعدِّدَ النزعات، متفاوتَ المسؤوليّات والأنظار إلى كلّ رؤية وطنيّة ووجه. والسبب في ذلك هو الطائفة والطائفية. فهي التي قسّمت وباعدت وفرّقت، وفوق كلّ شيء، هي التي فتحت الحدود لكلّ غريب، فدمّرت وقتلت، وكان بها الانقسام المميت في الوطن الواحد.
فيا سيّدنا حسن الأمين، في حضورك أو غيابك، تعلّمنا أنّ عائلات لبنان هي، حقاً جامعة للحوار والوفاق واحترام الغير كما هو، تعلّمنا الصلاة، بروح إنجيل وقرآن، في كنيسة وجامع وخلوة، تعلّمنا محبة كلّ مواطن وأزلية أرزة لبنان، من جبل الأرز إلى جبل الباروك، في الوطن واحداً لبنيه كافةً. ولتلك رسالة لبنان في عالمه العربي. أمّا الطائفيّة والمذهبيّة فما هي من واقعها المشؤوم إلاّ جنون العَصَب.
وصوتك الرسالة يُنهى لنا، أيّها السيّد حسن الأمين: على أرضنا المقدسة، من جبل عامل، وبعلبك حتّى قنّوبين وبكركي، لنا طائفة واحدة اسمها لبنان، ولبنان يشهد على أرضه وفي العالم، كما في تاريخه، للقيَم الروحيّة والإنسانيّة والحضاريّة والوطنيّة الجامعة، لا الطائفيّة. ذلك صوت غبطة أبينا البطريرك صفير، لكم تحيّاته. وصوت البطاركة في التاريخ: لبنان محبّة وحريّة وسيادة.
أجل، ذلك أيضاً صوتك الرسالة، أيّها السيّد حسن الأمين، يُسمع في بيروت، في الشام، في بغداد، في الجامعة العربيّة، وفي طهران الصديقة ولك الآن من سفارتها العزيزة، بعناية خاصّة من سعادة سفيرها السيّد مسعود إدريسي، هذا الاحتفال التكريمي اللافت. لن ننساه. شكراً لها.
المطران خليل أبي نادر
ممثل البطريرك صفير
كلمة تجمع العلماء المسلمين في لبنان بمناسبة تكريم المؤرخ الراحل السيّد حسن الأمين
ألقاها رئيس مجلس الأمناء القاضي الشيخ أحمد الزين
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطاهرين.
تكريم المؤرخ الراحل المرحوم السيّد حسن الأمين، تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تأريخ للأفكار والأحداث، ولئن التصق اسم الراحل الكبير بالتشيع والدفاع عنه بل وأحياناً بالهجوم على بعض المؤرخين أو الشخصيات التاريخية، فإنّه من الظلم للسيّد حسن الأمين اعتبار موضوع هجومه أو دفاعه هو الطرف المقابل للشيعة في تاريخ الإسلام وهم أهل السنّة، بل إنّنا نعد ذلك ظلماً للسنّة وأهل السنّة.
لو وضعنا العصبية جانباً وحملنا ميزان الإسلام في الحكم وأعدنا قراءة السيّد حسن الأمين لدفعنا بداية وببساطة كاملة أيّ دافع تربوي علمي في نشأته للعصبية الجاهلية، أو الانحياز الأعمى؛ فهو ابن المرحوم العلاّمة السيّد محسن الأمين المرجعُ الديني والمصلحُ الكبير الذي تعرَّض للنقد الظالم والقاسي من داخل المؤسسة العلمية الشيعية على أمور لا تمس العقيدة الصافية، وتعرَّض هو للمستعمر الفرنسي الذي حاول جرّ الشيعة ليكونوا أقلية في الحياة السياسية السورية، فرفض ذلك معتبراً أيّ نائب مسلم سنّي سوري يمثّل المسلمين كُلَّهم. ومن تربّى في حِجر شخصية عظيمة كهذه والتزم مسلكها، ليس له مبرّر للجهالة.
إنَّ القراءة المتأنية لكتابات المرحوم السيّد حسن الأمين تجعلنا مطمئنين عند وصفه بأنّه من مؤسسي منهج إعادة كتابة تاريخ الأمّة الإسلامية بشمولية واتساع، وتحضرُ فيه أطرافُ الأمّة وصُنّاعُ مجدها دون استثناء أو تغييب أو طرد، وهي الميزة التي اتّسمت بها حركته التأريخية. فخلط البعضُ أمامها في وصفه، لأنّهم خلَطوا بين أن يصب الرجل كلّ طاقته الفكرية والعملية لاستنطاق التاريخ وإظهار دور قومه في حياة الإسلام بل ودور من لا يَرضى عقيدتَهم أحياناً، وبين العصبية الجاهلية من جهة، ولم يلتفتوا من جهة أخرى إلى الإيجابية العظيمة في التوسعة التي قدّمها لمجال الرؤية الجديدة لتاريخ الأمّة حتّى في من وما لا نرضى عنه أو نرضاه في حياتنا الاجتماعية والفكرية. وقد شكّل جهدُه المشكور هذا مرجعية إسلامية للأبحاث التاريخية بدلاً من الاتكاء على جهود المستشرقين التي لم تخلُ من عجز في الفهم، أو غرضٍ سياسي.
من هذا المدخل في دفع الإشكالية حول شخصية الراحل الكبير يتّضح لكم سببُ اهتمام تجمّع العلماء المسلمين في لبنان بالمشاركة في تكريم هذه الشخصية الفذّة. وثمَة نقاطٌ أخرى في مسيرته رحمه الله تجعل جهده رافداً كبيراً لمسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها.
أولاً: دفعُ سوء الظن والعصبية من ساحة الفكر والوعي، يظهر ذلك من كلامه تحت عنوان الخطوط الكبرى في التشيع في دائرة المعارف، عن موقف الدكتور حسين مؤنس من قضية تشيع ابن الأَبَّار يقول السيّد حسن الأمين:
إنّ جميع الكتّاب المصريين إلاَّ القلة القليلة يجهلون التشيع جهلاً تاماً، فيكتبون عنه ما يحسبه القارئ تعصّباً وتضليلاً في حين أنّ أولئك الكُتَّاب أبعدُ الناس عن التعصّب والانغماس فيه، ولكنّهم أخذوا في ما كتبوه عن المتعصبين أو الجهلاء.
هذا في دفع سوء الظن بالكُتَّاب من غير الشيعة، وأمّا في عدم التعصّب وفي الإنكار على الشيعة المخطئين فيوجّه الكلام إلى الدكتور محمود علي مكي:
«إنّ التشيّع ولد في العرب ونشأ وتربّى على أيديهم فكانوا أهله وحراسه وحُماته ودعاته المعتزين به، المضحين في سبيله. أمّا العصبية للعرب ولغير العرب فالتشيع فيها يطبق قول إمامه جعفر الصادق: «ليس من العصبية أن تحبّ أخاك ولكن العصبية هي أن ترى شرار قومك خيراً من خيار غيرهم».
ثانياً: الاهتمام بقضايا الأمّة الإسلاميّة والعملُ لأجلها ضمن رؤيته الإسلامية الشمولية التي خرج بها من جعل المذهب قومية وأهله أمّة منقطعة، كما فعل البعض مخطئاً بحقّ المقاومة الإسلامية في لبنان بحسبانها مقاومةً شيعية.
لقد عاشت قضية فلسطين في حياة السيّد حسن الأمين كهاجس يومي من أوّل وعيه بها مدركاً خطر الصهاينة على الإسلام والمسلمين وحملَ القضية الفلسطينية التزاماً شخصياً بتقوى وإخلاص، فقد رفض عرضاً سخياً جدّاً بمئات الليرات الذهبية ليتولّى بصفته محامياً عملية عقد بيع أراضٍ يملكها أحد الوجهاء اللبنانيين وأحد الوزراء البارزين فيما بعد إلى شركة يهودية ورجع إلى الشام كما يعبّر «على كرسي معاكس لاتجاه السير لأنّ أجرته كانت أقل من كرسي الباص العادي تاركاً السمسار النهم للمال» ولو كان هذا المال نتيجة سمسرة على أرض عربية تباع للصهاينة. وله قصيدة في سنة 1935 بعد مواجهة بين الفلسطنيين والشرطة البريطانية الداعمة لليهود:
قل لليهود الشامتين رويدَكم
عمّا قليلٍ تُنجلي الأحلامُ
يومَ الحوارث سوف ندرك ثأره
منكم وإن طالت به الأيام
وهذه الحمية لفلسطين ارتبطت بالحمية التي كانت للمرحوم والده فإثر ثورة 1936 نشرت الصحف «نداء المجتهد الأكبر» وجدّد نشره السيّد حسن الأمين فيما بعد وممّا جاء فيه: أيّها العرب أيّها المسلمون، إنّ لكم في فلسطين تراثاً، وإنّ لكم في كلّ غَوْر ونَجد وحَزنٍ وسهل منها دمٌ عُجِن به ترابها وإنّ أربعة عشر قرناً زاخراً بالمفاخر والمآثر تحدُق بكم اليوم، وأمجاداً من عَلْيَا معدٍ ونزار ترفرف أرواحها في آفاقكم تستنفر عزائكم وتستصرخ نجدتكم.
ثالثاً: التأكيد على وظيفة العلماء الإصلاحية في الحياة العامّة وقبلها في الحياة العلمية، وقد برز ذلك في متابعة الكتابات الجادّة دعماً وتشجيعاً وتصويباً، وقد جعل من نفسه مثالاً حياً على طلب العلم من المهد إلى اللحد، فقضى وهو يكتب ويُعدّ للنشر ويرد على مقالة أو مقولة ويحضّر للكتابة عن دقيقة من دقائق التاريخ، غير آبه لمقتضيات سنِ أو جسد.
رابعاً: إنّ من عرف الفقيد شخصياً أو فكرياً يكتشف فيه بَعدَ التاريخ بُعداً هاماً من أبعاد المؤرّخ له: حضارة الإسلام التي استطاع بحوارها الإيجابي مع الحضارات السابقة أن تصوغ حضارة إنسانية هو ما تحتاجه البشرية اليوم، وإنّ في ما قدمناه من حرص الراحل الكبير على توسعة مجال الرؤية التاريخية لأدقّ التفاصيل ما يكشف أهمية أن تظل الثقافات والحضارات في حال حوار وتفاعل تستحضر إنسانية بعضها لتخدم الإنسان أكرم مخلوقات الله.
خامساً: إنّ قيام صاحبي الفخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود ورئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية سماحة السيد محمد خاتمي برعاية هذا الاحتفال التكريمي يدل على بُعد المدى الذي وصلت إليه العلاقات بين الشعبين اللبناني والإيراني، وهي علاقات قديمة متصلة، كانت حياة السيّد حسن الأمين من حلقاتها القوية، وكانت وفاته فيها كذلك فلهما الشكر على هذه الرعاية.
ختاماً، لقد قدَّم السيّد الأمين للمجتمَعَيْن العربي والفارسي ومن بَعْدَهما للأمّة الإسلامية جهداً بارزاً في الكشف عن جوانب مهملةٍ من الحياة الإنسانية، نأمل أن يتم استثمارها في مسيرة النهوض التحرري والحضاري وهي رسالتنا للإنسان المعاصر.
نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لذلك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كلمة فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد محمد خاتمي ألقاها حجة الإسلام والمسلمين السيّد علي أكبر محتشمي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله ربّ العالمين والصلاة والسلام على جميع أنبياء الله والمرسلين سيّما نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.
أيّها الحفل الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يسعدني أن أكون بينكم، ممثلاً فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي لتكريم رائد كبير من روّاد الحركة الفكرية الإسلامية المعاصرة وعلماً من أعلام الأمّة، استطاع في مسيرته العلمية الغزيرة أن يحقّق أعظم الإنجازات، فكان ذلك العالم الرباني الذي يستمدّ علمه وفكره من أنوار رسالة الأنبياء وتضحيات الأولياء والصالحين، عنيت العلاّمة المؤرخ المرحوم السيّد حسن الأمين نجل المرجع العلاّمة السيّد محسن الأمين (قدس سرّه).
وحضور هذه النخبة المباركة من مختلف الطوائف والاتجاهات السياسية في هذا الاحتفال إن دلّ على شيء فإنّما يدل على مكانة هذا العالم الكبير على المستوى الوطني والإقليمي، فالعلم لا يمكن حصره في إطار محدّد والعلماء باقون ما بقي الدهر. وقد كلّفني فخامة الرئيس خاتمي بتمثيله وإلقاء كلمته التالية في هذا الحفل الكريم:
كلمة حجة الإسلام والمسلمين السيّد محتشمي

كلمة سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية الأستاذ مسعود إدريسي

أُحيي ذكرى المفكّر والباحث اللبناني المميز والفذ المرحوم العلاّمة السيّد حسن الأمين وأتقدّم بأصدق التعازي إلى أسرته الكريمة وجميع محبي العلم والفضيلة وكذلك إلى لبنان الحبيب حكومة وشعباً بالخسارة التي سببها رحيله المحزن.
كلمة سماحة الشيخ أحمد الزين
تجمّع العلماء المسلمين
كلمة سماحة السيّد مهدي الأمين عن أسرة الفقيد
لقد كان لبنان دائماً موطناً للعلم والثقافة والتطوّر وشكّل علماؤه ومفكروه الكبار نجوماً لامعة في جبين تاريخ العلوم والأبحاث في العالم الإسلامي كما اقترن اسم لبنان بالفكر والجهد العلمي المستمر منذ فقهاء «جبل عامل» ومحدّثيه المرموقين الأوّل، وصولاً إلى المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العاملي (قده) ونجله الكريم العلاّمة السيّد حسن الأمين.
فالشمولية والنظرة الثاقبة والإنصاف والإبداع هي من أهم الخصائص التي تميّز الجهد والاجتهاد العلميين. وهو ما اشتهرت وازدهرت به هذه الأرض بشكل خاص، وما ميَّز كبار باحثيها ومؤرخيها، المسلمين وغير المسلمين منذ القدم.
كان العلاّمة الفقيد السيّد حسن الأمين في زمرة هؤلاء العظام حيث تمكّن من إنجاز «الموسوعة الإسلامية الشيعية» واستكمال مجموعة «أعيان الشيعة» من خلال متابعة أبحاث والده القيّمة. فالموروث الثقافي الذي خلّده الأب والنجل، هذان العالمان، يدل دلالة رائعة على «العمل والالتزام» و«العشق والعقل» و«الإيمان والانصاف» وإنّي لآمل أن يساهم هذا الإنجاز الكبير في التخفيف من أحزان رحيل هذا الفقيد الجليل.
أسأل الله تعالى له علو الدرجات وللساعين على طريق العلم والبحث النجاح والتوفيق وأُجدّد تقديري للأواصر العريقة التي تربط بين الشعبين الإيراني واللبناني والصداقة الوثيقة القائمة بين حكومتيهما والتي تتجلّى في تكريم مسيرة هذه الأعلام الخالدة وليكن الله تعالى سنداً لجميع العلماء والصالحين وأصحاب الرأي.
سيد محمد خاتمي
رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية
كلمة آل الأمين ألقاها القاضي السيد مهدي الأمين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين.
والصلاة والسلام على رسوله الأمين وآله الطيبين وصحبه المنتجبين وأنبياء الله أجمعين.
أيّها الحفل الكريم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد
قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] صدق الله العليّ العظيم.
لم يكن السيّد حسن الأمين من أصحاب السلطةِ ولا الزعامةِ ولا من أربابِ السياسة إنّما كان عالماً صاحب مبدأ وعقيدة.
وليس بالأمر الجديد أن تكرم إيران الإسلام العلم والعلماء، وليست بجديدةٍ هذه العلاقةُ الطيبة، بين إيران ولبنانَ وجبل عامل بالتحديد، بل إنّ طِيبها نُسجَ على نولِ العلماء منذُ أمدٍ بعيدٍ. كان السيّد حسن الأمين واحداً من امتداداتِها الطيبة ومن المقربين لبُعد الشقة.
والسيّد حسن الأمين العالمُ العلمُ الذي ملأ حيّزاً من الوجودِ لفترةٍ ورحل بجسده، إنّما أفردَ لنفسِه مع الخالدين مكاناً علياً.
لطالما كان يردّدُ وهو في معرضِ كتابة التاريخِ أو الحديثِ عنهُ لستُ هاوياً أو مرتزقاً إنّما أكتبُ التاريخ للتأريخ.
بل كان مسكوناً بالتاريخ شغوفاً به، عَمَلاً آمنَ به وأحبَّهُ وأعطاهُ عُمرَهُ فأثمرَ نتاجاً علمياً راقياً، حاكهُ بقلمٍ ثابتٍ وأنارهُ بفكرٍ متحررٍ غيرَ متحيزٍ إلاّ لحقيقة، حتّى غدا المرجعَ الذي ينتهي إليه فصلُ الخطاب في أمور التاريخ.
فَنصبَ نفسَهُ بجدارةٍ حارساً حسناً أميناً على التاريخ.
تلك هي الوظيفة الكبرى التي تسنَمها وأحبّها دونما باقي ما مارسَ من وظائف، وتلك كانت رسالتَهُ التي كانت عليها حياتُهُ حتّى النهايات.
فقد آل على نفسهِ أن ينتصفَ لمظلومي التاريخ من الأمم والشعوبِ والأفراد والقيم. وأن يُظهرَ زَيفَ المزيفين كائناً من كانوا ومهما وصلو إليه من مكانةٍ في الدنيا والنفوس.
ولشد ما آلمه وأحزنه أن يؤول حال الأمّةِ الإسلامية التي آمن بها وأحبّها إلى هذا الدركِ وأن تصبح طريدة للعدالة الدوليةِ المزعومة.
أمّا السيد حسن الأمين الإنسان فناهيك عن كونه أستاذاً وقاضياً وأديباً ومؤرخاً وباحثاً ومقاتلاً صلباً لم يلن ولم ينثنِ في قولِ الحقِ والحقيقةِ مهما كانت قاسيةً وجارحةً ومرّة.
فقد كان إنساناً مفعماً بقيم إنسانيةٍ نقية، وسريرة بيضاءَ ناصعة قلّ نظيرُهَا قد لازمته طوال العشرينَ عاماً الأخيرة من حياتِهِ فلم أر منه إلاّ نبلاً وعفةَ نفسِ وتواضعاً جماً، وناسكاً متعبداً في محراب العلم. مترفعاً عن الانغماسِ في صغائرِ الأمورِ والقشور. وهذا ما أكسبَهُ الحبّ والمصداقية.
رحمك الله أيّها السيّد العامليُّ الألمعيُّ كأسلافِك مضيت علماً من نور.
ولا بدّ لي في هذه العجالة من أن أشكرَ المباركةَ الطيبة والحنوَ من سماحة آية الله العظمى السيّد علي الخامنئي دام ظلّه.
وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي.
على رعايتهما لهذا الحفل التكريمي وأخصُّ بالشكرِ أيضاً كلّ من ساهمَ وشاركَ في إتمامِ وإنجاحِ هذا التكريم للراحل الكبير.
لا سيّما السيّد علي أكبر محتشمي ممثلاً الرئيس السيّد محمد خاتمي.
وسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشخص سفيرها. سعادة السفير السيّد مسعود إدريسي على المبادرةِ الطيبةِ من تكريمٍ للراحل.
وكذلك القائم بأعمال سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد حميد رضا قمي لجهوده المباركة والذي حَرِصَ شخصياً على متابعةِ تشييدِ مقامِ ونصبِ الراحل السيّد حسن الأمين في شقراء والذي سترفعُ الستارةُ عنه نهارَغدٍ إن شاء الله.
وأشكر أصحابَ السماحة والفضيلةِ والغبطةِ والسيادة والسعادةِ والمعالي.
ولا بدّ من الشكر للحضور الكريم المنوّع الذي يعكسُ تواصل القيم الخالدةِ ويأتي ثمرةً طبيعيةً لتلاقي الثقافةِ وحوار الحضارات وجمعهُ أيضاً تكريم العلمِ والعلماءِ والكلمةِ السواء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تغطية خبرية لحفل التكريم في الأونيسكو
البيان الصحفي الذي أصدرته سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت وفيه ملخص عن حفل تكريم العلاّمة الأمين في الأونيسكو ـ بيروت.
جانب الأستاذ الكريم
تحية طيبة
برعاية فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً خطابياً تكريماً للعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين في قصر الأونيسكو، بمشاركة حشد كبير من المسؤولين والسياسيين والروحيين، في مقدمهم رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بمعالي الوزير نزيه بيضون، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور، رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ممثلاً بالنائب عدنان عرقجي، رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري ممثلاً بالوزير بشارة مرهج، الرئيس حسين الحسيني، الرئيس رشيد الصلح، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، مفتي الجمهورية الدكتور محمد رشيد قباني ممثلاً بالشيخ خلدون عريمط، شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ بهجت غيث ممثلاً بالقاضي نجيب مسعود، بطريرك انطاكية وسائر المشرق للطائفة المارونية الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ممثلاً بالمطران خليل أبي نادر، كاثوليكوس طائفة الأرمن الأرثوذوكس قداسة البطريرك آرام الأوّل كشيشيان ممثلاً بالمطران نوارير أشكيان، بطريرك طائفة الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام ممثلاً بالمطران سليم غزال وأمين عام حزب الله سماحة السيّد حسن نصر الله ممثلاً برئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد، العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله ممثلاً بنجله السيّد علي فضل الله، وفد تجمّع العلماء المسلمين برئاسة رئيس مجلس الأمناء سماحة الشيخ أحمد الزين وعدد كبير من السادة النواب الحاليين والوزراء والنواب السابقين، وقادة وممثلي الأجهزة العسكرية والأمنية لا سيما ممثل قائد الجيش العميد الركن مصطفى سليمان وقادة وممثلي الأحزاب الوطنية والإسلامية اللبنانية والفصائل الفلسطينية ولفيف من علماء الدين المسلمين والمسيحيين وممثلي الهيئات الديبلوماسية ورجالات الفكر والعلم وأساتذة الجامعات وأركان السفارة.
بداية ألقى سعادة السفير إدريسي كلمة رحّب فيها بالحضور معتبراً رعاية فخامة الرئيس العماد إميل لحود وفخامة الرئيس السيّد محمد خاتمي للمناسبة نتيجة قناعة مشتركة بتكريم أهل العلم والقلم الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسانية وتطورها، وتأكيداً على عمق الروابط التي تربط بلدينا إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة وأنّ الثقافة والفكر هما أساس تلاقي الشعوب والأمم والسلاح الأمضى بمواجهة دعوات التفرقة والهيمنة.
سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان في كلمته وجّه شكره لرئيس الجمهورية العماد إميل لحود على مواقفه الوطنية والقومية، وقدّر عالياً للرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذين ما بخلوا يوماً ولا تأخّروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد وهم مستمرّون بعون الله بموازرة القضايا العادلة والمحقة في العالم كما شكر السفارة الإيرانية في بيروت على رعايتها لهذه الذكرى وبعد أن عرض لأهمية المرحوم الأمين وتركته الفكرية والعلمية الثمينة أكّد على حضور المرحوم الدائم بيننا في فكره وبحوثه وعلمه.
كلمة البطريرك صفير ألقاها المطران خليل أبي نادر أثنى فيها على مواقف المرحوم الأمين ونتاجاته الفكرية معتبراً أنّنا سنبقى ننهل منها ونتعلم أنّ عائلات لبنان هي حقاً جامعة للحوار والوفاق، وأن نبعد عن الطائفية بأنواعها والمذهبية.
كلمة تجمّع العلماء المسلمين ألقاها رئيس مجلس الأمناء في تجمّع العلماء المسلمين القاضي الشيخ أحمد الزين الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تاريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتّساع حيث كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها. معتبراً أنّ تكريمه من قبل الرئيسين لحود وخاتمي إنّما هو تأكيد على عمق ما وصلت إليه العلاقة بين الشعبين اللبناني والإيراني.
كلمة الرئيس محمد خاتمي ألقاها عضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور نرفقها لكم طياً. وأختتم الحفل بكلمة آل الأمين ألقاها السيّد مهدي الأمين.
سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية
برنامج حفل إزاحة الستار في شقرا عن ضريح المؤرخ العلاّمة السيّد حسن الأمين
ذكرى مرور أربعين يوماً على رحيل المؤرخ السيد حسن الأمين في بلدته شقراء
بتاريخ الخميس الواقع فيه 27/2/2003م الساعة العاشرة صباحاً
1 ـ تلاوة من الذكر الحكيم.
2 ـ كلمة رئيس بلدية شقرا هاشم فوعاني.
3 ـ كلمة وزير الخارجية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور كمال خرازي ألقاها السفير مسعود إدريسي.
4 ـ كلمة ممثل فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي.
5 ـ كلمة آل الفقيد.
6 ـ إزاحة الستار.
سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية
في بيروت
كلمة رئيس بلدية شقرا الأستاذ هاشم فوعاني
بسم الله الرحمن الرحيم
فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود ممثلاً بمعالي الوزير علي قانصو.
فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية سماحة السيّد محمد خاتمي ممثلاً بحجة الإسلام والمسلمين السيّد علي أكبر محتشمي.
دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ممثلاً بسعادة النائب الحاج علي خريس.
دولة رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري ممثلاً بسعادة المحافظ الأستاذ محمود المولى.
بطريرك إنطاكيا وسائر المشرق صاحب الغبطة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ممثلاً بسيادة المطران مروان صادر.
نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى المفتي العلاّمة الشيخ عبد الأمير قبلان، ممثلاً بسماحة العلاّمة السيّد علي الأمين.
سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي.
سماحة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله ممثلاً بسماحة الشيخ نبيل قاووق.
سعادة القائم بأعمال سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد حميد رضا قمي.
أيّها الحفل الكريم،
أهلاً بكم جميعاً في شقراء، البلدة العاملية التي أنجبت علماء نفخر بهم، أمثال العلاّمة المحتفى به ووالده، العلاّمة المجتهد سماحة السيّد محسن الأمين اللّذين أغنيا المكتبة العربية والإسلامية، كما أنجبت غيرهما من رجال فكر وأدب، وسياسة وأصحاب الاختصاص ورجال الأعمال.
كما أنّ هذه البلدة المجاهدة قدّمت العدد الأكبر من الشهداء الذين بذلوا أرواحهم ليكون التحرير ثمرة من ثمار المقاومة التي تجلّت في جبل عامل دماً وثقافة، فكتب النصر لها، واندحر العدو الإسرائيلي بفضل تضحياتها الجسيمة، ويكرم ما بذلته الجمهورية الإسلامية الإيرانية من عون وعطاء في هذا السبيل، فكانت الجمهورية الإسلامية وسوريا الأسذ خير سند لنا في الصمود والتحرير.
وما تكريمُ العلاّمة المؤرّخ السيّد حسن الأمين في هذا اليوم، إلاّ آية من آيات هذا البذل. وصفحة ناصحةً نقرأُ فيها تقديرَ الجمهورية الإسلامية للمفكر المحتفى به ولبلدته وللبنان.
لذلك نُجدّد الترحيب بكم، كما نجدّد الشكر لكم على ما قدمتموه لهذا البلد ماضٍ وحاضراً.
والسلام عليكم
كلمة معالي وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد كمال خرازي ألقاها سعادة السفير مسعود إدريسي في حفل إزاحة الستار عن ضريح المؤرّخ السيّد حسن الأمين في مسقط رأسه بلدة شقرا.
بسم الله الرحمن الرحيم
فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود ممثلاً بمعالي الوزير علي قانصو.
فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية سماحة السيّد محمد خاتمي ممثلاً بحجة الإسلام والمسلمين السيّد علي أكبر محتشمي.
دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ممثلاً بسعادة النائب الحاج علي خريس.
دولة رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري ممثلاً بسعادة المحافظ الأستاذ محمود المولى.
نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى المفتي العلاّمة الشيخ عبد الأمير قبلان.
السادة أصحاب السماحة والسيادة والسعادة…
أهالي بلدة شقرا، أيّها الحفل الكريم.
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.
بين إيران وجبل عامل أكثر من حكاية.
حكايا نابعة من القلب والوجدان تختزن حبّاً وتقديراً واحتراماً لهذه الأرض العاملية المباركة التي يجمعنا بها تاريخ عميق من هذا الودّ القائم على العلم والمعرفة والدين…
جبل عامل منذ كان… منبت للعلم والأدب والفكر الذي أضاء بنوره أرجاء شتّى من هذا العالم…
وجبل عامل اليوم حاضرة لبنانية سجّل التاريخ عنه بفخر أنّه حطّم أسطورة الغزاة الصهاينة فخرجوا من أرضه المباركة يجرّون أذيال العار والاندحار بفضل مقاومة شريفة ووحدة وطنية رائعة…
أيّها السادة…
نجتمع في شقرا العاملية في حفل إزاحة الستار عن ضريح عالم من علماء هذه الأرض الطيبة العلاّمة المؤرّخ السيّد حسن الأمين وبرعاية مشكورة من فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي…
في بادرةٍ تؤكد عمق ما يربط إيران ولبنان فرحيل العالم الفقيد السيّد حسن الأمين ليس خسارة للبنان فحسب بل لإيران أيضاً وللعالم الإسلامي وعندما نكرّمه إنمّا نكرّم عالماً إيرانياً لأنّنا أمّة واحدة واسمحوا لي بأن أتلو عليكم نص رسالة معالي وزير الخارجية الإيرانية السيّد كمال خرازي لهذا الحفل المبارك…
البيان الصحفي الذي أصدرته سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفيه ملخص عن حفل إزاحة الستار عن ضريح المؤرّخ السيّد حسن الأمين في بلدة شقراء
باسمه تعالى
برعاية فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً تكريمياً للمؤرخ الراحل السيّد حسن الأمين في بلدته شقراء ـ قضاء بنت جبيل ـ تمّ خلاله إزاحة الستار عن ضريح العلاّمة الأمين بحضور معالي وزير العمل علي قانصو ممثلاً رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، عضو مجلس الشورى الإيراني السيّد علي أكبر محتشمي بور ممثلاً رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، النائب علي خريس ممثلاً رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، محافظ مدينة النبطية محمود المولى ممثلاً رئيس الحكومة الأستاذ رفيق الحريري، والشيخ نبيل قاووق ممثلاً الأمين العام لحزب الله سماحة السيّد حسن نصرالله، السيّد علي الأمين ممثلاً نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، المطران مارون صادر ممثلاً البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، ورئيس مجلس الأمناء في تجمّع العلماء المسلمين القاضي الشيخ أحمد الزين وعائلة الفقيد وشخصيات وفعاليات.
استهلّ الاحتفال بآيات بيّنات من القرآن الكريم، ثمّ عزف النشيدين اللبناني والإيراني ثمّ ألقى سعادة السفير إدريسي كلمة، شكر فيها رعاية رئيسي الجمهورية اللبنانية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لهذا الحفل، واعتبر أنّ هذه البادرة تؤكد عمق ما يربط إيران ولبنان، وقال إنّ رحيل العلاّمة الأمين ليس خسارة للبنان فحسب بل لإيران أيضاً والعالم الإسلامي وعندما نكرّمه إنّما نكرّم عالماً إيرانياً أيضاً لأنّنا أمّة واحدة.
ثمّ تلا سعادة السفير إدريسي برقية وردت من وزير الخارجية الإيراني د. كمال خرازي.
وألقى السيّد محتشمي كلمة أشار فيها إلى أنّ السيّد الأمين أمضى حياة حافلة بالبذل والعطاء وكرّس عمره في خدمة العلم بحثاً وكتابة وتأليفاً، سابراً أغوار التاريخ، مبيناً حقائقه لتكون معالم ساطعة تنبض بالحقيقة العلمية المضيئة للحاضر والمستقبل. وقال لقد أكّد العلاّمة الأمين وأمثاله من العلماء الكبار بأنّ العلم المستند إلى الحقيقة الإيمانية الإلهية هو السبيل لمواجهة الغزو الإستكباري وفضح مخططاته وطرده من عالمنا الإسلامي… أفليس فعل الجهاد والمقاومة في لبنان الذي هزم ولأوّل مرّة العدو الصهيوني هو النتاج الحقيقي لجهاد هؤلاء العلماء ومدرستهم الحسينية التي جسّدها في هذا العصر الإمام روح الله الموسوي الخميني رضوان الله تعالى عليه الذي كان يفتخر بلبنان والشبان اللبنانيين المجاهدين الذين وصفهم بأنّهم مدعاة فخر الأمّة الإسلامية لعظيم جهادهم في هذه الأرض العاملية المباركة في مواجهة العدو الصهيوني وحماته المستكبرين.
الجدير ذكره أنّ رئيس بلدية شقرا كان ألقى كلمة في بداية الحفل رحّب فيها بالحاضرين باسمه وباسم أهالي البلدة واختتم الحفل بكلمة آل الأمين.
سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية
برحيل العلاّمة الجليل المرحوم السيّد حسن الأمين فقد العالم الإسلامي أحد أهم مواقع الاتزان على مستوى التطوّر العلمي. تلك الشخصية الفذّة التي نذرت حياتها الكريمة للبحث والتحقيق وخلّفت مؤلفات قيّمة لا بدّ أنّها ستبقى مرجعاً حيوياً ينهل منه الباحثون ويسترشد به كلّ من ينحى منحى إسلامياً وينتهج نهجاً إلهياً.

ذكرى مرور أربعين يوماً على رحيل المؤرخ السيّد حسن الأمين في بلدته شقراء
فمنذ الماضي البعيد وأعداء الإسلام يسعون إلى حجب الإشعاع الإلهي من خلال الدسّ في التاريخ والعقيدة الإسلامية وإلى إثارة الخلافات وزرع الفتن داخل المجتمعات الإسلامية من خلال
تأليب الطوائف الإسلامية ضد بعضها البعض ممّا استلزم التصدّي لهذا الدس والتزوير وهكذا كان حين انبرى نفر من أهل العلم يتميز برؤية واضحة وشفافة لا تشوبها شائبة فأخذ على عاتقه مهمة توضيح الحقائق أمام الملأ عبر التمحيص العلمي الدقيق وبالأدلة القاطعة التي لا يرقى إليها الشك. فالابن سر أبيه. فكما الحال بالنسبة لوالده الفاضل المغفور له سماحة آية الله السيّد محسن الأمين، فقد كان السيّد حسن الأمين من بين الذين هالهم ما رأوه من تزوير للحقائق ومن خلافات في الرأي فاستطاع بتحقيقاته العلمية التي دامت عقوداً من الزمن نفض غبار التزوير والتحوير عن الجسم الإسلامي الطاهر وإضاءة بعض الجوانب المظلمة من التاريخ وإظهارها للملأ. فحازت تجربته هذه لا سيما في مجال تفنيد التهم والافتراءات المنسوبة لشيعة أهل بيت العصمة والطهارة على الاهتمام والإعجاب الكبيرين.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى عشرات المؤلفات التي خلفها المرحوم بينها بل وأهمها موسوعة «أعيان الشيعة» التي باشر بتأليفها الأمين الأب وأنجزها الأمين الابن وكذلك دائرة المعارف الإسلامية الشيعية حيث لا يمكن لأي باحث في التاريخ والفكر والمعتقدات الإسلامية الاستغناء عن هاتين الموسوعتين في مجال الأبحاث.
وانطلاقاً من الأهمية التي توليها وزارة الخارجية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية للوحدة بين المسلمين ولتشجيع التحقيقات والأبحاث العلمية فقد بادرت هذه الوزارة بتوفيق من الله إلى طبع ونشر دائرة المعارف هذه التي تعدّ حصيلة سنوات من الجهد العلمي الذي بذله المرحوم السيّد حسن الأمين. عسى أن يحظى هذا المسعى برضى الله ويشكل إسهاماً متواضعاً يخدم مجتمعنا الإسلامي الكبير ولا سيما الباحثين عن العلم والمهتمين.
أسأل الله تعالى أن يسكن الفقيد فسيح جناته ويمنحه علو الدرجات.
سيد كمال خرازي
وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية
كلمة ممثل فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية حجة الإسلام والمسلمين السيّد علي أكبر محتشمي في حفل إزاحة الستار عن ضريح المؤرخ السيّد حسن الأمين في بلدة شقراء العاملية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله محمد وعلى آله الطلهرين وصحبه المنتجبين.
فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود ممثلاً بمعالي الوزير علي قانصو.
فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية سماحة السيّد محمد خاتمي ممثلاً بحجة الإسلام والمسلمين السيّد علي أكبر محتشمي.
دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ممثلاً بسعادة النائب الحاج علي خريس.
دولة رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري ممثلاً بسعادة المحافظ الأستاذ محمود المولى.
أصحاب الفضيلةِ والسماحةِ والسعادة ـ قيادتا حزب الله وحركة أمل.
السادة آل الأمين، أهالي بلدة شَقرا الكرام.
أيّها الحفلُ الكريم… السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

كلمة سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في ذكرى أربعين المؤرّخ الكبير حسن الأمين في شقراء
كلمة حجّة الإسلام والمسلمين سماحة السيّد محتشمي في ذكرى أربعين المؤرخ الكبير حسن الأمين في شقراء
يُسعِدني أنْ أكونَ بينكم مُمَثّلاً لِفخامةِ رئيسِ الجمهورية الإسلامية الإيرانية سَماحةِ السيّد محمد خاتمي في حفلِ إزاحةِ السِّتار عن ضَريحِ العلاّمة المُؤرّخ السيّد حسن الأمين الذي أمضى حياةً حافِلَةً بِالبذلِ والعطاء مُكرِّساً عمرَه في خدمةِ العلمِ بحثاً وكتابةً وتأليفاً، سابراً غَورَ التاريخ، مُبيِّناً حقائِقه لِتَكونَ مَعالمَ ساطعةً تنبُضُ بالحقيقةِ العلميةِ المُضيئَة للحاضرِ والمستقبلِ… ولِيكونَ العِلمُ والمعرفةُ أَساسَ تواصلِ هذهِ الأمةِ بمُختلَفِ أقطارها واتّجاهاتِها. فَبِه تُرْسَمُ مَعالِمُ حَضارتِها بَيْنَ الأمم لِتعودَ بِعِلْمها وعلمائِها ورجالاتِهَا الكبار مِن أمثالِ العلاّمةِ الفقيد أمةً حيّةً محترمةً مُهابَةً، لها مكانتُها ودورُها في هذا العالمَ الذي يُمْعِنُ مستكبروه فيهِ تقسيماً وشَرذَمَةً في سبيلِ استمرارِ استلاب ثَرَواتِهِ والهيمنةِ على مُقدّراتِهِ الإنسانيةِ والماديّة بعناوينَ مختلفةٍ ليس لها إلاّ هدفٌ واحد هو إخضاعُ هذه الأمّةِ وجَعْلُها أمّةً مستهلكةً لا إرادة لها في حياتِها ومُقدِّراتِها ومستقبلِ أبنائها…
أيّها السادة… أَمام هذا الواقع تَسطَعُ حقيقةٌ واحدة سَطَّرها العلاّمة السيّد حسنُ الأمين وأمثالُهُ مِنَ العلماء الكبار بأنَّ العِلْمَ المستَنِدَ إلى الحقيقةِ الإيمانيةِ الإلهية هو السبيل لِمُواجَهَةِ الغزوِ الاستكباري وفَضْحِ مخطّطاته وطرده من عالَمِنا الإسلامي… فالأُمَّةُ الواعيةُ المتنوّرةُ لا سبيل لأعدائها عليها… لأنّها أُمّةٌ قائمةٌ على حضارةٍ عريقةٍ وتاريخ مجيد كَتبهُ بأحرفِ نورٍ الأنبياءُ والأئمة والأولياءُ والعلماءُ والشهداء الذين كانوا الحجة والدليلَ لأمةٍ كانت خيرَ أمةٍ أُنزلَتْ لِلناس تَأمرُ بالمعروف وتنهى عن المنكر…
أيّها الحفلُ الكريم…
أَمامَ هذه الروضةِ المباركة التي تَحوِي جسدَ العلاّمة السيّد حسن الأمين ورفاتَ العديدِ من العلماءِ والمجاهدين في هذهِ القريةِ العامليّة شَقرا التي أضحت منارةً مُضيئةً في جَبينِ التاريخ، كيفَ لا وهِيَ موطنٌ للعِلم والعلماء وعلى مَدار تاريخها النَّجيب نَذْكرُها باعتزازٍ وفَخر لأنَّها أَمَدَّتْ الأمّة برجالاتٍ عِظام مِنْ أَمثالِ العلاّمةِ الكبير آية الله السيّد محسنِ الأمين ونِجْلِه المؤرّخ السّد حسن الأمين… وهذا دائماً عادةُ هذهِ الأرض الطيبة من جبل عامل منذُ الشهيد الأوّل لا تُنبتُ إلاّ وَرْداً عَطِراً فَوّاحاً بِالعلمِ والجهادِ والعطاء…
أفليس فَعْلُ الجهادِ والمقاومةِ في لبنان الذي هَزَمَ ولأَوَّلِ مَرَّةٍ العدوَّ الصهيوني هو النِتاجُ الحقيقي لِجَهادِ هؤلاءِ العلماء ومدرَستِهم الحسينية التي جَسَّدها في هذا العصر الإمام روح الله الموسوي الخميني رضوان الله تعالى عليه الذي كان يفتخر بلبنان والشبان اللبنانيينَ المجاهدين الذين وَصَفَهم بأنّهم مدعاةُ فخرِ الأمّةِ الإسلامية لِعظيم جهادِهم في هذهِ الأرضِ العامليةِ المباركة في مواجهةِ العدوِّ الصهيوني وحُماتِهِ المستكبرين.
… انطلاقاً ممّا تقدّم فَإنَّنا في إيرانَ نَكنُّ عظيمَ المحبةِ والمودةِ للبنان حكومةً وشعباً ومقاومةً مؤكّدينَ على عُمقِ العلاقاتِ والروابطِ التاريخية التي تَربُطُ بينَ إيران ولبنان والتي كانَ لِعُلماءِ جبلِ عامل الفضل في تعزيزها وتوثيق أواصرِ عُراها…
في الختام: إنّنا وفي هذا الحفلِ التكريمي لإزاحةِ السّتار عن ضريحِ العلاّمةِ المؤرّخ السيّد حسنِ الأمين يكتَسي هذا التكريم الكثيرَ مِنَ المعاني والدلالات أبرزُها أنّنا نكرّمُ عقلاً وروحاً ما نطقت إلاّ عِلماً وأدباً وفكراً سيَظلُّ محفوراً خالداً في ضميرِ الأمّةِ وتاريخِها فالأمّةُ التي تُكرّمُ رجالاتِها العظماء هي أمّةٌ حيّةٌ لا تَموتْ…
باسمِ رئيسِ الجمهوريةِ الإسلاميّة الإيرانية السيّد محمد خاتمي الَّذي شرّفني لأمَثّلَهُ في هذا الحفلِ المبارك ولأَنْقُلَ تحيّاتهِ وسلامَه إليكم فرداً فرداً والّذي عبَّر عن إيمانه بأنّ لبنانَ كانَ دائماً موطناً لِلعِلم والثقافةِ والتطوّر وشكّلَ علماؤُه ومفكِّرُوهُ نجوماً لامعةً في جبينِ تاريخِ العلومِ والأبحاثِ في العالمِ الإسلامي كمَا اقْتَرَنَ اسْمُ لبنانَ بالفكر والجُهدِ العلميّ المستمرّ منذ فقهاءِ جبل عامل ومُحَدّثيهِ المرموقينِ الأُوَّل… وصولاً إلى المرحوم آيةِ الله السيّد محسن الأمين العاملي قدّس سرّه ونجلِهِ الكريم العلاّمة السيّد حسن الأمين.
لِلفقيدِ الراحل الرحمةُ والرضوانُ وعلو الدرجات.
وللسادة آلِ الأمين…
ولِشَقراء وجبلِ عامل ولبنان دوامُ العزّة والسُّؤددُ.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جانب من الحضور في ذكرى أربعين المؤرخ السيّد حسن الأمين
كلمة الأستاذ هاشم فوعاني رئيس بلدية شقراء

ضريح المؤرخ السيّد حسن الأمين الذي شيّدته سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان
الصحافة اللبنانية وتغطيتها لاحتفالات
تكريم العلاّمة المؤرخ حسن الأمين
جريدة المستقبل
الخميس 27/2/2003م ـ 26 ذو الحجة 1423هـ
السفارة الإيرانية تكرّم الراحل حسن الأمين
محتشمي: أحد الكبار الذين تميّز بهم لبنان
كرمّت سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان المؤرّخ الراحل السيّد حسن الأمين، في احتفال أقامته أمس في قصر الأونيسكو، حضره الوزير نزيه بيضون ممثلاً رئيس الجمهورية، النائب عدنان عرقجي ممثلاً رئيس مجلس النواب، الوزير بشارة مرهج ممثلاً رئيس الوزراء، السيّد علي أكبر محتشمي ممثلاً رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، الرئيسان رشيد الصلح وحسين الحسيني، النواب: محمد فنيش، محمد برجاوي، مروان فارس، علي الخليل، أنور الخليل، محمد رعد ممثلاً الأمين العام لحزب الله، السفير الإيراني مسعود إدريسي، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، عبد الأمير قبلان، الشيخ خلدون عريمط ممثلاً مفتي الجمهورية، المطران خليل أبي نادر ممثلاً البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، القاضي نجيب مسعود ممثلاً شيخ عقل الطائفة الدرزية، رئيس مجلس الأمناء في تجمّع العلماء المسلمين الشيخ أحمد الزين، وحشد من الفاعليات الدينية والسياسية والمهتمين.
استهلالاً آي من الذكر الحكيم، ثمّ النشيدان اللبناني والإيراني، وكلمة ترحيب لـ إدريسي اعتبر فيها أنّ هذه الندوة هي «تأكيد لحقيقة مشتركة من إيران ولبنان حول أهمية تكريم أهل العلم والأدباء والفكر من العلماء الذين جعلوا حياتهم وسيلة لخدمة الإنسان وتطوّره، وتأكيد أيضاً لعمق ما يربط إيران بلبنان دولة وشعباً وثقافة»، لافتاً إلى «أنّ الفكر والعلم من أهم أسس التلاقي بين الشعوب والعلم هو السلاح الأمضى في مواجهة كلّ محولات التفرقة».
محتشمي
وألقى محتشمي كلمة خاتمي، فأكد أنّ «لبنان موطن للعلم والثقافة والتطوّر وشكّل علماؤه ومفكّروه الكبار نجوماً لامعة في جبين تاريخ العلوم والأبحاث في العالم الإسلامي، كما اقترن اسم لبنان بالفكر والجهد العلمي الدؤوب ابتداء من فقهاء جبل عامل ومحدّثيه المرموقين، وصولاً إلى المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العاملي ونجله الكريم العلاّمة المرحوم السيّد حسن الأمين». واعتبر أنّ «الشمولية والنظرة الثاقبة والانصاف والإبداع هي من أهم الخصائص التي تميّز الجهد والاجتهاد العلميين، وهو ما اشتهرت وازدهرت به هذه الأرض بشكل خاص، وما يميّز كبار باحثيها ومؤرخيها، المسلمين وغير المسلمين منذ القدم».
وتابع: «كان العلاّمة الفقيد في زمرة هؤلاء العظام حيث تمكّن من إنجاز «الموسوعة الإسلامية الشيعية» واستكمال مجموعة «أعيان الشيعة» من خلال متابعة أبحاث والده القيّمة. فالميراث الثقافي الذي خلّده الأب والنجل، هذان العالمان، يدل دلالة رائعة على «العمل والالتزام» و«العشق والعقل» و«الإيمان والإنصاف»، وإنّي لآمل أن يساهم هذا الإنجاز الكبير في التخفيف من أحزان رحيل هذا الفقيد الجليل».


قبلان
إزاحة الستار عن ضريح المؤرخ السيّد حسن الأمين
ورأى قبلان في كلمته أنّ «الخسارة الكبيرة لم تقع على آل الأمين الكرام فحسب وإنّما أصابتنا جميعاً، وبالخصوص أولئك الذين شاركوا المغفور له ميدان الفكر والمعرفة». وأثنى على «صفات الراحل العصامي، الذي لم يطلب من أحد الوظيفة ولا المال، ابتعد عن اللعب بأمور الناس، ورفض السلطة وكان من الأشخاص الذين لم يسيّسوا الأحكام وهو في منصب القضاء، وقدّم استقالته من المحكمة حتّى لا يعتبر مرتهناً ومضغوطاً عليه في تغيير مجرى الحكم».
أضاف «أعطى حيزاً واسعاً من حياته وكتاباته للكفاح ضد الصهيونية، فكان يرى إسرائيل دخيلة على الوطن العربي كلّه، وأنّ المشروع الصهيوني الذي أوجده الانتداب داخل وطننا العربي يمثّل حصان طروادة».
وأكد أنّ الحاجة ملحّة إزاء ما يجري الآن لأن ندرس تاريخنا جيّداً، ونعود إلى تراثنا العظيم كي نتمكن من مواجهة هذه الهجمة الشرسة التي تقودها إدارة أميركية شريرة فاسدة، تخطط لغزو العراق ووضع اليد على قدرات وثروات أمتنا العربية والإسلامية»، داعياً «الأشقاء والأصدقاء وكلّ الذين يمتلكون الحسّ الإنساني والإسلامي والأخلاقي والتحرري في العالم، إلى أن يقفوا بثبات في وجه هذا التحدي الخطير، وأنّ يتكافلوا ويتضامنوا لمنع وقوع الحرب التي وإن وقعت لا سمح الله، ستدخل منطقتنا العربية والإسلامية في متاهات خطيرة».
أبي نادر
وأشار أبي نادر في كلمة ألقاها نيابة عن صفير، إلى أنّ المؤرخ السيّد حسن الأمين قد ترك لنا وللأجيال الآتية في كتاباته التي تفوق الحصر، طريق العبور إلى حضارة ترسم لكلّ جماعة ما تبتغيه في أدب الحياة وفي عالمنا العربي، على الرغم من الدخيلة عليه إسرائيل همّنا اليومي المشترك منذ وعد بلفور».
أضاف «اليوم لنا من السيدين حسن ومحسن الأمين البركة والمثل والعبرة الشاهدة، بعد حرب ربع قرن على أرضنا المقدّسة الحزينة من كلّ لبنان، وكنّا في منتهى الألم. فما تُرى تكون رسالتكما لنا؟ جوابكما بالروح نتنوّره: أن ابتعدوا عن الطائفية بأنواعها والمذهبية بأنواعها ما كانت. فإن هي إلاّ تضليل في وطن أصبح مُختلف الوجوه، متعدّد النزعات، متفاوت المسؤوليات والأنظار إلى كلّ رؤية وطنية ووجه. والسبب في ذلك هو الطائفة والطائفية. فهي التي قسّمت وباعدت وفرّقت، وفوق كلّ شيء، هي التي فتحت الحدود لكلّ غريب فدمّرت وقتلت، وكان بها الانقسام المميت في الوطن الواحد».
الزين
واعتبر الشيخ أحمد الزين في كلمة لتجمّع العلماء المسلمين، أنّ هذا التكريم هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تأريخ للأفكار والأحداث ولئن التصق اسم الرجل الكبير بالتشيّع والدفاع عنه بل أحياناً بالهجوم على بعض المؤرخين أو الشخصيات التاريخية، فإنّه من الظلم للسيّد حسن الأمين اعتبار موضوع هجومه أو دفاعه هو الطرف المقابل للشيعة في تاريخ الإسلام وهم أهل السنّة، بل إنّنا نعدّ ذلك ظلماً للسنّة وأهل السنّة».
ولفت إلى أنّ «القراءة المتأنية لكتابات المرحوم الأمين، تجعلنا مطمئنين عند وصفه بأنّه من مؤسسي منهج إعادة كتابة تاريخ الأمّة الإسلامية بشمولية واتّساع، تحضّر فيه أطراف الأمّة وصُنّاع مجدها من دون استثناء أو تغييب أو طرد، وهي الميزة التي اتّسمت بها حركته التاريخية».
آل الفقيد
ثمّ ألقى السيّد مهدي الأمين كلمة آل الفقيد، أثنى فيها على «مزايا الراحل الذي لم يكن من أصحاب السلطة ولا الزعامة ولا من أرباب السياسة، إنّما كان عالماً صاحب مبدأ وعقيدة».
واعتبر أنّه «ليس بالأمر الجديد أن تكرّم إيران العلم والعلماء، وليست بجديدة هذه العلاقة الطيّبة بين إيران ولبنان وجبل عامل بالتحديد، بل إنّ طيبها نُسج على نول العلماء منذ أمد بعيد، وكان السيّد الأمين واحداً من امتداداتها الطيّبة والمقرّبين لبعد الشقّة».
جريدة الأنوار
الخميس 27/2/2003 العدد 14990
برعاية الرئيسين لحود وخاتمي وحضور سياسي وديني
احتفال تكريمي للعلاّمة الراحل حسن الأمين
كتب محمد خليل السباعي:
أقامت سفارة الجمهورية الإيرانية في بيروت احتفالاً تكريمياً للعلاّمة المؤرخ الراحل السيّد حسن الأمين، برعاية رئيس الجمهورية العماد أميل لحود، ممثلاً بوزير الدولة نزيه بيضون، ورئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإيراني السيّد علي أكبر محتشمي، بعد ظهر أمس في قصر الأونيسكو.
وحضر الاحتفال النائب عدنان عرقجي ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه بري، وزير الدولة بشارة مرهج ممثلاً رئيس الحكومية رفيق الحريري والرئيس حسين الحسيني، والنواب: علي الخليل، أنور الخليل، محمد فنيش، مروان فارس، عبدالله قصير، نزيه منصور، قاسم هاشم وعباس هاشم.
كما حضر أيضاً نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، والشيخ خلدون عريمط ممثلاً مفتي الجمهورية الشيخ الدكتور محمد رشيد راغب قباني، والمطران خليل أبي نادر ممثلاً البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، والشيخ القاضي نجيب مسعود ممثلاً شيخ عقل الطائفة الدرزية بهجت غيث، والنائب محمد رعد ممثلاً أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله.
بداية الافتتاح بالنشيدين الوطني اللبناني والإيراني، ثمّ آيات من القرآن الكريم تلاها الشيخ سلمان الخليل، ثمّ قدم الشاعر عباس فتوني، ثمّ تحدّث سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان مسعود إدريسي كرمنشاهي فقال: إن حفل التكريم برعاية الرئيسين لحود وخاتمي، هو تأكيد لاقتناع مشترك لتكريم أهل العلم والفكر العباقرة الذين حملوا دينهم ودنياهم، لخدمة العلم وتطوّره، وتأكيداً على عمق الروابط بين إيران ولبنان دولة وشعباً ومقاومة وحكومة، وكلّ هذا يشير إلى أنّ الثقافة والفكر هما أساس التلاقي بين الشعوب والأمم والسلاح الأمضى لمواجهة سبل التفرقة والهيمنة.
قبلان
ثمّ تحدّث المفتي قبلان فقال: في حفل تكريم السيّد حسن الأمين، ندخل في حضرة هذه الأسرة العلمية العاملية لآل الأمين التي انتصر فيها روح النقد الجاد والرصين، وتحدّث عن حياة صاحب الذكرى وعطاءاته وقال: من صفات حسن الأمين أنّه عصامي، لم يطلب من أحد الوظيفة ولا المال، ابتعد عن اللعب بأمور الناس، رفض السلطة، وكان من الأشخاص الذين لم يسيسوا الأحكام، وهو في منصب القضاء، وقدّم استقالته من المحكمة، حتّى لا يعتبر مرتهناً ومضغوطاً عليه في تغيير مجرى الحكم، كان بسيطاً في تعامله مع الناس، متواضعاً عاش زمنه في البحث والمطالعة والكتابة، رفض الهيمنة والتسلّط والانحراف والظلم، وأعطى حيزاً واسعاً من حياته وكتاباته للكفاح ضد الصهيونية، فكان يرى إسرائيل دخيلة على الوطن العربي كلّه، وأنّ المشروع الصهيوني الذي أوجده الانتداب داخل وطننا العربي يمثّل حصان طروادة لزعزعة كياناتنا وإثارة عدم الاستقرار فيها، وإبقائها تحت رحمة أصحاب الأهداف الاستعمارية.
صفير
ثمّ تلا المطران أبي نادر كلمة البطريرك صفير وجاء فيها: إنّ العلاّمة الراحل المؤرخ السيّد حسن الأمين، من كبار رجال أهل القلم والفكر في لبنان وفي عالمنا العربي.
هو الآن، برفقة أبيه السيّد محسن الأمين المرجع الأكبر، في حضن إبراهيم في الجنة، لدى الله الصمد، لإيمانه، لإنسانيته، لأخلاقه، لعلمه الجامع الرفيع، بضميرنا الديني والوطني سنتأمل، اليوم وغداً، في جهاده غير المحدود، فكراً وتاريخاً إسلامياً. وقد ترك لنا وللأجيال الآتية، في كتاباته التي تفوق الحصر، طريق العبور إلى حضارة ترسم لكلّ جماعة ما تبتغيه في أدب الحياة وفي عالمنا العربي، بالرغم من الدخيلة عليه إسرائيل، همّنا اليومي المشترك منذ وعد بلفور وما إليه. أين أنتم، يا عرب، في جامعتكم، في رؤيتكم لحاضر هش وواهن ولمستقبل مجهول طالما لا وحدة عربية في نظر واضح، على مشهد من دول العالم.
كلمات السيد حسن كانت دائماً، وستبقى لنا في ذكراه، للوحدة العربية، قولاً وعملاً لثورة ناشطة كالثورة الفرنسية في التاريخ. وكان دائماً المؤرخ الملهم، شاعراً أديباً، رجل فكر وخبر، ومنجزاً دائرة المعارف الإسلامية الشيعية بمجلداتها الخمسة والعشرين. كما لنا بقلمه السيال سيرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، قادة المسلمين تاريخاً وثقافة وفكراً وتطلعات لحاضر ومستقبل، بروح قرآن كريم. وبروحهم، وبالاعتماد على النفس، لنا النضال ضد كلّ مستعمر من سايكس بيكو وجغرافيته إلى كلّ غريب على أرضنا العربية نريدها، كما السيّد حسن حرّة جامعة.
خاتمي
ثمّ تلا السيّد محتشمي كلمة الرئيس الإيراني خاتمي وجاء فيها: أحيي ذكرى رحيل المفكّر والباحث اللبناني الفذّ المرحوم العلاّمة السيّد حسن الأمين وأتقدّم بأصدق التعازي إلى أسرته الكريمة وجميع محبي العلم والفضيلة وكذلك إلى لبنان الحبيب حكومة وشعباً بالخسارة التي سببها رحيله المحزن.
فقد ظلّ لبنان موطناً للعلم والثقافة والتطور وشكل علماؤه ومفكروه الكبار نجوماً لامعة في جبين تاريخ العلوم والأبحاث في العالم الإسلامي كما اقترن اسم لبنان بالفكر والجهد العلمي الدؤوب ابتداءً من فقهاء «جبل عامل» ومحدّثيه المرموقين، وصولاً إلى المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العاملي (قده) ونجله الكريم العلاّمة المرحوم السيّد حسن الأمين.
فالشمولية والنظرة الثاقبة والإنصاف والإبداع هي من أهم الخصائص التي تميز الجهد والاجتهاد العلميّين، وهو ما اشتهرت وازدهرت به هذه الأرض بشكل خاص، وما ميَّز كبار باحثيها ومؤرخيها، المسلمين وغير المسلمين منذ القدم.
كان العلاّمة الفقيد السيّد حسن الأمين في زمرة هؤلاء العظام حيث تمكّن من إنجاز الموسوعة الإسلامية الشيعية واستكمال مجموعة «أعيان الشيعة» من خلال متابعة أبحاث والده القيّمة. فالميراث الثقافي الذي خلّده الأب والنجل، هذان العالمان، يدل دلالة رائعة على «العمل والالتزام» و«العشق والعقل» و«الإيمان والإنصاف» وإنّي لآمل أن يساهم هذا الإنجاز الكبير في التخفيف من أحزان رحيل هذا الفقيد الجليل.
الزين
ثمّ تحدّث رئيس مجلس الأمناء في تجمّع العلماء المسلمين وقاضي «شرع صيدا» الشيخ أحمد الزين فقال: إنّ من عرف الفقيد شخصياً أو فكرياً يكتشف فيه بُعد التاريخ بُعداً هاماً من أبعاد المؤرخ له: حضارة الإسلام التي استطاعت بحوارها الإيجابي مع الحضارات السابقة أن تصوغ حضارة إنسانية هو من تحتاجه البشرية اليوم، وأنّ في ما قدمناه من حرص الراحل الكبير على توسعة مجال الرؤية التاريخية لأدق التفاصيل ما يكشف أهمية أن تظل الثقافات والحضارات في حال حوار وتفاعل تستحضر إنسانية بعضها لتخدم الإنسان أكرم مخلوقات الله.
ثمّ تحدّث السيد مهدي الأمين باسم العائلة، شاكراً الرئيسين لحود وخاتمي على هذا التكريم، مثنياً على هذه المشاركة حبّاً بالراحل.
جريدة الديار
الخميس 27/2/2003م
السفارة الإيرانية كرّمت العلاّمة الأمين في الأونيسكو
برعاية رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود ورئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً خطابياً تكريماً للعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين في قصر الأونيسكو، بمشاركة عدد من المسؤولين والسياسيين والروحيين، في مقدمهم رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بالوزير نزيه بيضون، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور، رئيس مجلس النواب نبيه بري ممثلاً بالنائب عدنان عرقجي، رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري ممثلاً بالوزير بشارة مرهج، الرئيس حسين الحسيني، الرئيس رشيد الصلح نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، مفتي الجمهورية الدكتور محمد رشيد قباني ممثلاً بالشيخ خلدون عريمط، شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ بهجت غيث ممثلاً بالقاضي نجيب مسعود، بطريرك انطاكية وسائر المشرق للطائفة المارونية الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ممثلاً بالمطران خليل أبي نادر، كالثوليكوس طائفة الأرمن الأرثوذكس قداسة البطريرك آرام الأوّل كشيشيان ممثلاً بالمطران نوارير اشكيان، بطريرك طائفة الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام ممثلاً بالمطران سليم غزال وأمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله ممثلاً برئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» الحاج محمد رعد العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله ممثلاً بنجله السيّد علي فضل الله، وفد «تجمّع العلماء المسلمين» برئاسة رئيس مجلس الأمناء الشيخ أحمد الزين وعدد من النواب الحاليين والوزراء والنواب السابقين، وقادة وممثلي الأجهزة العسكرية والأمنية لا سيما ممثل قائد الجيش العميد الركن مصطفى سليمان وقادة وممثلي الأحزاب الوطنية والإسلامية اللبنانية والفصائل الفلسطينية ولفيف من علماء الدين المسلمين والمسيحيين وممثلي الهيئات الديبلوماسية ورجالات الفكر والعلم وأساتذة الجامعة وأركان السفارة.
السفير إدريسي
بداية ألقى السفير إدريسي كلمة رحّب فيها بالحضور معتبراً رعاية الرئيسين العماد إميل لحود والسيّد محمد خاتمي للمناسبة نتيجة قناعة مشتركة بتكريم أهل العلم والقلم الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسان وتطوّره، وتأكيداً على عمق الروابط التي تربط بلدينا إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة وأن الثقافة والفكر هما أساس تلاقي الشعوب والأمم والسلاح الأمضى بمواجهة دعوات التفرقة والهيمنة.
قبلان
ووجّه الشيخ عبد الأمير قبلان في كلمته شكره لرئيس الجمهورية العماد إميل لحود على مواقفه الوطنية والقومية، وقدر عالياً الرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذين ما بخلوا يوماً ولا تأخّروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد وهم مستمرون بعون الله بمؤازرة القضايا العادلة والمحقة في العالم كما شكر السفارة الإيرانية في بيروت على رعايتها لهذه الذكرى.
وبعد أنّ عرض لأهمية المرحوم الأمين وتركته الفكرية والعلمية الثمينة أكد على حضور المرحوم الدائم بيننا في فكره وبحوثه وعلمه.
كلمة خاتمي
كلمة الرئيس محمد خاتمي ألقاها عضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور فقال: «أحيي ذكرى رحيل المفكّر والباحث اللبناني الفذ المرحوم العلاّمة السيّد حسن الأمين، وأتقدّم بأصدق التعازي إلى أسرته الكريمة وجميع محبّي العلم والفضيلة وكذلك إلى لبنان الحبيب حكومة وشعباً بالخسارة التي سببها رحيله المحزن.
فقد ظلّ لبنان موطناً للعلم والثقافة والتطوّر وشكل علماؤه ومفكروه الكبار نجوماً لامعة في جبين تاريخ العلوم والأبحاث في العالم الإسلامي كما اقترن اسم لبنان بالفكر والجهد العلمي الدؤوب ابتداء من فقهاء «جبل عامل» ومحدّثيه المرموقين، وصولاً إلى المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العاملي (قده) ونجله الكريم العلاّمة المرحوم السيّد حسن الأمين.
أضاف: فالشمولية والنظرة الثاقبة والإنصاف والإبداع هي من أهم الخصائص التي تميّز الجهد والاجتهاد العلميين، وهو ما اشتهرت به وازدهرت به هذه الأرض بشكل خاص، وما ميّز كبار باحثيها ومؤرخيها، المسلمين وغير المسلمين منذ القدم.
كان العلاّمة الفقيد السيّد حسن الأمين في زمرة هؤلاء العظام حيث تمكّن من إنجاز «الموسوعة الإسلامية الشيعية» واستكمال مجموعة «أعيان الشيعة» من خلال متابعة أبحاث والده القيّمة. فالميراث الثقافي الذي خلّده الأب والنجل، هذان العالمان، يدل دلالة رائعة على «العمل والالتزام» و«العشق والعقل» و«الإيمان والإنصاف» وإنّي لآمل أن يساهم هذا الإنجاز الكبير في التخفيف من أحزان رحيل هذا الفقيد الجليل.
وختم: أسأل الله تعالى له علو الدرجات وللساعين على طريق العلم والبحث النجاح والتوفيق وأجدّد تقديري للأواصر العريقة التي تربط بين الشعبين الإيراني واللبناني والصداقة الوثيقة القائمة بين حكومتيهما والتي تتجلّى في تكريم مسيرة هذه الأعلام الخالدة وليكن الله تعالى سنداً لجميع العلماء والصالحين وأصحاب الرأي.
المطران أبي نادر
وألقى المطران أبي نادر كلمة البطريرك صفير فقال «العلاّمة الراحل المؤرّخ السيّد حسن الأمين، من كبار رجال أهل القلم والفكر في لبنان وفي عالمنا العربي، هو الآن، برفقة أبيه السيّد محسن الأمين المرجع الأكبر، في حضن إبراهيم في الجنة، لدى الله الصمد، لإيمانه، لإنسانيته، لأخلاقه لعلمه الجامع الرفيع. بضميرنا الديني والوطني سنتأمل، اليوم وغداً، في جهاده غير المحدود، فكراً وتاريخاً إسلامياً. وقد ترك لنا وللأجيال الآتية، في كتاباته التي تفوق الحصر، طريق العبور إلى حضارة ترسم لكلّ جماعة ما تبتغيه في أدب الحياة وفي عالمنا العربي، بالرغم من الدخيلة عليه إسرائيل، همّنا اليومي المشترك منذ وعد بلفور وما إليه. أين أنتم، يا عرب، في جامعتكم، في رؤيتكم لحاضر هش وواهن، ولمستقبل مجهول طالما لا وحدة عربية في نظر واضح، على مشهد من دول العالم.
أضاف كلمات السيّد حسن كانت دائماً، وستبقى لنا في ذكراه للوحدة العربية، قولاً وعملاً لثورة ناشطة كالثورة الفرنسية في التاريخ. وكان دائماً المؤرخ الملهم، شاعراً، أديباً، رجل فكر وخبر، ومنجزاً «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» بمجلداتها الخمسة والعشرين. كما لنا بقلمه السيال «سيرة أئمة أهل البيت» (عليهم السلام)، قادة المسلمين تاريخاً وثقافة وفكراً وتطلعات لحاضر ومستقبل، بروح قرآن كريم. وبروحهم، وبالاعتماد على النفس، لنا النضال ضد كلّ مستعمر من سايكس بيكو وجغرافيته إلى كلّ غريب على أرضنا العربية نريدها، كما السيّد حسن، حرّة جامعة. وكان، لمدّة نصف قرن، لوالده المفكر والمؤرخ والمرجع الأوّل للطائفة الشيعية، كما كان الحسن الابن، في التاريخ حتّى كربلاء، لوصية والده الإمام علي (عليه السلام). وأيضاً العلاّمة حسن الأمين، في إنتاجه «أعيان الشيعة» أكمل تراث والده السيّد محسن الأمين.
وتابع واليوم، لنا منهما البركة والمثل والعبرة الشاهدة، بعد حرب ربع قرن على أرضنا المقدسة الحزينة في كلّ لبنان، وكنّا في منتهى الألم. فما ترى تكون رسالتكما لنا، أيّها السيّد حسن الأمين والوالد السيّد محسن الأمين؟ جوابكما بالروح نتنوره: أن ابتعدوا عن الطائفية بأنواعها والمذهبية بأنواعها ما كانت. فإنّ هذا إلاّ تضليل في وطن أصبح مختلف الوجوه، متعدّد النزعات، متفاوت المسؤوليات والأنظار إلى رؤية وطنية ووجه. والسبب في ذلك هو الطائفة والطائفية. فهي التي قسمت وباعدت وفرّقت، وفوق كلّ شيء، هي التي فتحت الحدود لكلّ غريب، فدمّرت وقتلت، وكان بها الانقسام المميت في الوطن الواحد.
وقال: فيا سيّدنا حسن الأمين، في حضورك أو غيابك، تعلّمنا أنّ عائلات لبنان هي، حقاً، جامعة للحوار والوفاق واحترام الغير كما هو، تعلّمنا الصلاة، بروح إنجيل وقرآن، في كنيسة وجامع وخلوة، تعلّمنا محبّة كلّ مواطن وأزلية أرزة لبنان، من جبل الأرز إلى جبل الباروك، في الوطن واحداً لبنيه كافة. ولتلك رسالة لبنان في عالمه العربي. أمّا الطائفية والمذهبية فما هي من واقعها المشؤوم إلاّ جنون العصب.
وأضاف وصوتك الرسالة ينهى لنا، أيّها السيّد حسن الأمين: على أرضنا المقدسة، من جبل عامل، وبعلبك حتّى قنوبين وبكركي، لنا طائفة واحدة اسمها لبنان. ولبنان يشهد على أرضه وفي العالم، كما في تاريخه، للقيم الروحية والإنسانية والحضارية والوطنية الجامعة، لا الطائفية. ذلك صوت غبطة أبينا البطريرك صفير، لكم تحياته. وصوت البطاركة في التاريخ: لبنان محبة وحرية وسيادة.
وختم أجل، ذلك أيضاً صوتك الرسالة، أيّها السيّد حسن الأمين، يسمع في بيروت في الشام، في بغداد، في الجامعة العربية، وفي طهران الصديقة ولك الآن من سفارتها العزيزة، بعناية خاصّة من سعادة سفيرها السيّد مسعود إدريسي، هذا الاحتفال التكريمي اللافت، لن ننساه شكراً لها.
العلماء المسلمين
كلمة «تجمّع العلماء المسلمين» ألقاها قاضي شرع صيدا الشيخ أحمد الزين الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تاريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتّساع حيث كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها. معتبراً أنّ تكريمه من قبل الرئيسين لحود وخاتمي إنّما هو تأكيد على عمق ما وصلت إليها العلاقة بين الشعبين اللبناني والإيراني.
واختتم الاحتفال بكلمة آل الأمين ألقاها السيّد مهدي الأمين.
جريدة السفير
الخميس 27/2/2003 ـ العدد 9433
الاحتفال التكريمي لحسن الأمين في قصر الأونيسكو
يقول الحق ويعمل لأجله
في الاحتفال التكريمي للعلاّمة الراحل المؤرّخ السيّد حسن الأمين يوم أمس الأربعاء في 26 شباط الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر في قاعة «قصر الأونيسكو»، غصّت القاعة برهط الحضور المشارك.
مهّد للحفل الشيخ عباس فتوني في كلمة مرحبة، ومذكرة بمآثر العلاّمة الراحل حسن الأمين نجل المجتهد الأكبر سماحة السيّد محسن الأمين، وعرض إلى إنجازه الكبير وعلاقته بقضايا التأريخ والإسلام والمذهب الشيعي، وبعض من نضاله في الحركة الطلابية في دمشق، في سبيل الوحدة والعروبة. ثمّ جرى إلى عرض مقتطفات من حفل تكريم الراحل في 20/6/2002 في الجامعة اللبنانية، كلية الآداب والعلوم تكلم فيها الأمين عن إسرائيل الكبرى، وعن فلسطين وأطفال الحجارة الذين هزموا فكرة فلسطين الكبرى. هذا وبدأ الحفل بتلاوة قرآنية للشيخ سلمان خليل إضافة إلى النشيدين الوطنيين اللبناني والإيراني.
في برنامج الحفل، كلمة السفير الإيراني مسعود إدريسي التي أكدت على الاهتمام المشترك (لبنان، إيران) لتكريم أهل العلم والفكر العباقرة الذين جعلوا دينهم ودنياهم لخدمة الفكر وتطوّره وتأكيداً على عمق ترابط إيران بلبنان دولة وشعباً ومقاومة وحكومة، وعلى أنّ الثقافة والفكر هما أساس التلاقي بين الشعوب والأمم.
ثمّ تعاقب على الكلام كلّ من نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان ومن كلمته: «إنّ فقدان المؤرخ الكبير السيد حسن الأمين هزَّ قلوب المحبين ممّن عرفوه وعايشوه وعاشروه فوجدوه صادقاً محباً متميزاً في سيرته وسلوكه، صلباً في مواقفه، غزيراً في معارفه، نبيلاً في غايته، يقول الحق ويعمل من أجله، كما أنّ رحيله أحدث صدمة في الأوساط العلمية والبحثية، لما تميّز به من فكر متوقد وإرادة مصمّمة على كشف خبايا التاريخ وإبراز محطاته الكبرى.



ومن كلمة المطران خليل أبي نادر، ممثلاً البطريرك نصرالله صفير: «كلمات السيّد حسن كانت دائماً وستبقى لنا في ذكراه، للوحدة العربية، قولاً وعملاً لثورة ناشطة كالثورة الفرنسية في التاريخ، وكان دائماً المؤرخ الملهم، شاعراً، أديباً، رجل فكر وخبر، ومنجزاً «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» وبمجلداتها الخمسة والعشرين.
كلمة تجمّع العلماء المسلمين ألقاها قاضي شرع صيدا الشيخ أحمد الزين الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تاريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتّساع حيث كان رافد من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها.
كلمة الرئيس محمد خاتمي ألقاها عضو مجلس الشورى الإسلامي علي أكبر محتشمي، وممّا جاء فيها: كان العلاّمة الفقيد السيّد حسن الأمين في زمرة هؤلاء العظام حيث تمكّن من إنجاز «الموسوعة الإسلامية الشيعية» واستكمال مجموعة «أعيان الشيعة» من خلال متابعة أبحاث والده القيمة. فالميراث الثقافي الذي خلّده الأب والنجل، هذان العالمان، يدل دلالة رائعة على «العمل والالتزام» و«العشق والعقل» و«الإيمان والإنصاف»، وإنّي لآمل أن يساهم هذا الإنجاز الكبير في التخفيف من أحزان رحيل هذا الفقيد الجليل.
واختتم الحفل بكلمة آل الأمين ألقاها السيّد مهدي الأمين.
مجلة الوحدة الإسلامية
السنة الثانية ـ العدد 16 ـ آذار 2003م
السفير الإيراني في بيروت يقيم احتفالاً تكريمياً للمؤرخ الراحل السيّد حسن الأمين
برعاية فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية محمد خاتمي، أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً تكريمياً للمؤرّخ الراحل السيّد حسن الأمين في بلدته شقرا ـ قضاء بنت جبيل ـ تمَّ خلاله إزاحة الستار عن ضريح العلاّمة الأمين بحضور معالي وزير العمل علي قانصو ممثلاً رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، عضو مجلس الشورى الإيراني السيّد علي أكبر محتشمي بور ممثلاً رئيس الجمهورية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، النائب علي خريس ممثلاً رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، محافظ مدينة النبطية محمود المولى ممثلاً رئيس الحكومة الأستاذ رفيق الحريري، الشيخ نبيل قاووق ممثلاً الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله، السيد علي الأمين ممثلاً نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، المطران مارون صادر ممثلاً البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، وقاضي شرع صيدا الشيخ أحمد الزين وعائلة الفقيد وشخصيات وفعاليات.
استهل الاحتفال بآيات بينات من القرآن الكريم، ثمّ عزف النشيدين اللبناني والإيراني ثمّ ألقى سعادة السفير إدريسي كلمة شكر فيها رعاية رئيسي الجمهورية اللبنانية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لهذا الحفل، واعتبر أنّ هذه البادرة تؤكد عمق ما يربط إيران ولبنان، وقال إنّ رحيل العلاّمة الأمين ليس خسارة للبنان فحسب بل لإيران أيضاً والعالم الإسلامي وعندما نكرّمه إنّما نكرّم عالماً إيرانياً أيضاً لأنّنا أمّة واحدة.
ثمّ تلا سعادة السفير إدريسي برقية وردت من وزير الخارجية الإيراني د. كمال خرازي.
وألقى السيّد محتشمي كلمة أشار فيها إلى أنّ السيّد حسن الأمين أمضى حياة حافلة بالبذل والعطاء وكرّس عمره في خدمة العلم بحثاً وكتابة وتأليفاً، سابراً أغوار التاريخ، مبيناً حقائقه لتكون معالم ساطعة تنبض بالحقيقة العلمية المضيئة للحاضر والمستقبل. وقال لقد أكد العلاّمة الأمين وأمثاله من العلماء الكبار بأنّ العلم المستند إلى الحقيقة الإيمانية الإلهية هو السبيل لمواجهة الغزو الاستكباري وفضح مخططاته وطرده من عالمنا الإسلامي…
ثمّ ألقى سماحة الشيخ أحمد الزين كلمة تجمع العلماء المسلمين أشاد فيها بالراحل وبوالده المرجع السيّد محسن الأمين. وأشار إلى أنّ القراءة المتأنية لكتابات المرحوم السيّد حسن الأمين تجعلنا مطمئنين عند وصفه بأنّه من مؤسّسي منهج إعادة كتابة تاريخ الأمّة الإسلامية بشمولية واتّساع.
وكان رئيس بلدية شقرا قد ألقى كلمة في بداية الحفل رحّب فيها بالحاضرين باسمه وباسم أهالي البلدة واختتم الحفل بكلمة آل الأمين، وتجدر الإشارة أنّ «الوحدة الإسلامية» ستعمد إلى نشر تفاصيل الحفل في العدد المقبل بإذن الله.
مجلة الحقائق
العدد 80 ـ آذار 2003م
السفير الإيراني إدريسي: لفخامة الرئيس لحود والرئيس خاتمي قناعة مشتركة بتكريم أهل العلم والمعرفة
برعاية فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً خطابياً تكريماً للعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين في قصر الأونيسكو، بمشاركة حشد كبير من المسؤولين والسياسيين والروحيين، في مقدمهِم رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بمعالي الوزير نزيه بيضون، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور، رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ممثلاً بالنائب عدنان عرقجي، رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري ممثلاً بالوزير بشارة مرهج، الرئيس حسين الحسيني الرئيس رشيد الصلح، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، مفتي الجمهورية الدكتور محمد رشيد قباني ممثلاً بالشيخ خلدون عريمط، شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ بهجت غيث ممثلاً بالقاضي نجيب مسعود، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للطائفة المارونية الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ممثلاً بالمطران خليل أبي نادر، كاثوليكوس طائفة الأرمن الأرثوذوكس قداسة البطريرك آرام الأوّل كشيشيان ممثلاً بالمطران نوارير اشكيان، بطريرك طائفة الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام ممثلاً بالمطران سليم غزال وأمين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصرالله ممثلاً برئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد، العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله ممثلاً بنجله السيد علي فضل الله، وفد تجمّع العلماء المسلمين برئاسة رئيس مجلس الأمناء سماحة الشيخ أحمد الزين وعدد كبير من السادة النواب الحاليين والوزراء والنواب السابقين، وقادة وممثلي الأجهزة العسكرية والأمنية لا سيما ممثل قائد الجيش العميد الركن مصطفى سليمان وقادة وممثلي الأحزاب الوطنية والإسلامية اللبنانية والفصائل الفلسطينية ولفيف من علماء الدين المسلمين والمسيحيين وممثلي الهيئات الديبلوماسية ورجالات الفكر والعلم وأساتذة الجامعات وأركان السفارة.
بداية ألقى سعادة السفير إدريسي كلمة رحّب فيها بالحضور معتبراً رعاية فخامة الرئيس العماد إميل لحود وفخامة السيّد محمد خاتمي للمناسبة نتيجة قناعة مشتركة بتكريم أهل العلم والقلم الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسانية وتطوّرها، وتأكيداً على عمق الروابط التي تربط بلدينا إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة وأنّ الثقافة والفكر هما أساس تلاقي الشعوب والأمم والسلاح الأمضى بمواجهة دعوات التفرقة والهيمنة.
سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان في كلمته وجّه شكره لرئيس الجمهورية العماد إميل لحود على مواقفه الوطنية والقومية، وقدّر عالياً الرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذين ما بخلوا يوماً ولا تأخّروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد وهم مستمرّون بعون الله بموازرة القضايا العادلة والمحقّة في العالم كما شكر السفارة الإيرانية في بيروت على رعايتها لهذه الذكرى وبعد أن عرض لأهمية المرحوم الأمين وتركته الفكرية والعلمية الثمينة أكد على حضور المرحوم الدائم بيننا في فكره وبحوثه وعلمه.
كلمة البطريرك صفير ألقاها المطران خليل أبو نادر أثنى فيها على مواقف المرحوم الأمين ونتاجاته الفكرية معتبراً أنّنا سنبقى ننهل منها ونتعلّم أنّ عائلات لبنان هي حقاً جامعة للحوار والوفاق. وأن نبعد عن الطائفية بأنواعها والمذهبية.
كلمة تجمّع العلماء المسلمين ألقاها قاضي شرع صيدا سماحة الشيخ أحمد الزين الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تاريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتّساع حيث كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها. معتبراً أنّ تكريمه من قبل الرئيسين لحود وخاتمي إنّما هو تأكيد على عمق ما وصلت إليه العلاقة بين الشعبين اللبناني والإيراني.
كلمة الرئيس محمد خاتمي ألقاها عضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي واختتم الحفل بكلمة آل الأمين ألقاها السيّد مهدي الأمين.
جريدة البيرق
الخميس 27 شباط/ 2003م العدد 17906 ـ السنة 91
السفارة الإيرانية كرّمت السيد حسن الأمين بحفل خطابي
برعاية رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود ورئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسعود إدريسي حفلاً خطابياً تكريماً للعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين في قصر الأونيسكو، بمشاركة حشد كبير من المسؤولين والسياسيين والروحيين، في مقدمهم رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بالوزير نزيه بيضون، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور، رئيس مجلس النواب نبيه بري ممثلاً بالنائب عدنان عرقجي، رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري ممثلاً بالوزير بشارة مرهج، الرئيس حسين الحسيني، الرئيس رشيد الصلح، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، مفتي الجمهورية الدكتور محمد رشيد قباني ممثلاً بالشيخ خلدون عريمط، شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ بهجت غيث ممثلاً بالقاضي نجيب مسعود بطريرك انطاكية وسائر المشرق للطائفة المارونية الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ممثلاً بالمطران خليل أبي نادر، كاثوليكوس طائفة الأرمن الأرثوذوكس قداسة البطريرك أرام الأوّل كشيشيان ممثلاً بالمطران نوارير اشكيان، بطريرك طائفة الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام ممثلاً بالمطران سليم غزال وأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله ممثلاً برئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد، آية الله العلاّمة السيّد محمد حسين فضل الله ممثلاً بنجله السيّد علي فضل الله، وفد تجمّع العلماء المسلمين برئاسة رئيس مجلس الأمناء الشيخ أحمد الزين وعدد كبير من النواب الحاليين والوزراء والنواب السابقين وقادة وممثلي الأجهزة العسكرية والأمنية لا سيما ممثل قائد الجيش العميد الركن مصطفى سليمان وقادة وممثلي الأحزاب الوطنية والإسلامية اللبنانية والفصائل الفلسطينية ولفيف من علماء الدين المسلمين والمسيحيين وممثلي الهيئات الدبلوماسية ورجالات الفكر والعلم وأساتذة الجامعات وأركان السفارة.
في البداية ألقى السفير إدريسي كلمة رحّب فيها بالحضور معتبراً رعاية الرئيس العماد إميل لحود والرئيس محمد خاتمي للمناسبة نتيجة قناعة مشتركة بتكريم أهل العلم والقلم الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسانية وتطوّرها، وتأكيداً على عمق الروابط التي تربط بلدينا إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة وأنّ الثقافة والفكر هما أساس تلاقي الشعوب والأمم والسلاح الأمضى بمواجهة دعوات التفرقة والهيمنة.
ووجّه الشيخ عبد الأمير قبلان في كلمته شكره لرئيس الجمهورية العماد إميل لحود على مواقفه الوطنية والقومية، وقدّر عالياً الرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذين ما بخلوا يوماً ولا تأخّروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد وهم مستمرون بعون الله بمؤازرة القضايا العادلة والمحقّة في العالم كما شكر السفارة الإيرانية في بيروت على رعايتها لهذه الذكرى وبعدما عرض لأهمية المرحوم الأمين وتركته الفكرية والعلمية الثمينة أكد حضور المرحوم الدائم بيننا في فكره وبحوثه وعلمه.
كلمة البطريرك صفير ألقاها المطران خليل أبي نادر أثنى فيها على مواقف المرحوم الأمين ونتاجاته الفكرية معتبراً أنّنا سنبقى ننهل منها ونتعلّم أنّ عائلات لبنان هي حقاً جامعة للحوار والوفاق وأن نبعد عن الطائفية بأنواعها والمذهبية.
وقال: صوتك الرسالة ينهى لنا، أيّها السيّد حسن الأمين: على أرضنا المقدسة، من جبل عامل وبعلبك حتّى قنوبين وبكركي لنا طائفة واحدة اسمها لبنان، ولبنان يشهد على أرضه وفي العالم، كما في تاريخه، للقيم الروحية والإنسانية والحضارية والوطنية الجامعة لا الطائفية ذلك صوت من غبطة أبينا البطريرك صفير لكم تحياته وصوت البطاركة في التاريخ: لبنان محبة وحرية وسيادة.
كلمة تجمّع العلماء المسلمين ألقاها قاضي شرع صيدا سماحة الشيخ أحمد الزين الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تاريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتّساع حيث كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها، معتبراً أنّ تكريمه من قبل الرئيسين لحود وخاتمي إنّما هو تأكيد على عمق ما وصلت إليه العلاقة بين الشعبين اللبناني والإيراني.
وألقى كلمة الرئيس محمد خاتمي عضو مجلس الشورى الإسلامي السيد علي أكبر محتشمي بور وقال: لقد ظلّ لبنان موطناً للعلم والثقافة والتطوّر وشكّل علماؤه ومفكروه الكبار نجوماً لامعة في جبين تاريخ العلوم والأبحاث في العالم الإسلامي كما اقترن اسم لبنان بالفكر والجهد العلمي المستمر منذ فقهاء «جبل عامل» ومحدّثيه المرموقين الأوّل، وصولاً إلى المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العاملي (قده) ونجله الكريم العلاّمة السيّد حسن الأمين. فالشمولية والنظرة الثاقبة والإنصاف والإبداع هي من أهم الخصائص التي تميّز الجهد والاجتهاد العلميين. وهو ما اشتهرت وازدهرت به هذه الأرض بشكل خاص، وما ميَّز كبار باحثيها ومؤرخيها، المسلمين وغير المسلمين منذ القدم.
كان العلاّمة الفقيد السيّد حسن الأمين في زمرة هؤلاء العظام حيث تمكّن من إنجاز «الموسوعة الإسلامية الشيعية» واستكمال مجموعة «أعيان الشيعة» من خلال متابعة أبحاث والده القيّمة. فالموروث الثقافي الذي خلّده الأب والنجل، هذان العالمان، يدل دلالة رائعة على «العمل والالتزام» و«العشق والعقل» و«الإيمان والانصاف» وإنّي لآمل أن يساهم هذا الإنجاز الكبير في التخفيف من أحزان رحيل هذا الفقيد الجليل.
واختتم الحفل بكلمة آل الأمين ألقاها السيّد مهدي الأمين.
جريدة الأنوار
الجمعة 28/2/2003م العدد 14991
السفارة الإيرانية تحتفل بإزاحة الستار عن نصب العلاّمة الأمين في شقرا
تكريماً للمؤرخ الراحل العلاّمة السيد حسن الأمين أقامت سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت احتفالاً لإزاحة الستار عن نصبه عند ضريحه في بلدة شقرا.
حضر الاحتفال عضو مجلس الشورى الإيراني السيد علي أكبر محتشمي ممثلاً رئيس الجمهورية الإسلامية السيّد محمد خاتمي، وزير العمل علي قانصوه ممثلاً رئيس الجمهورية العماد إميل لحود النائب علي خريس ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه بري، محافظ مدينة النبطية محمود المولى ممثلاً رئيس الحكومة رفيق الحريري، الشيخ نبيل قاووق ممثلاً الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله، السيد علي الأمين ممثلاً نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، المطران مارون صادر ممثلاً البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، وقاضي شرع صيدا الشيخ أحمد الزين وعائلة الفقيد وشخصيات وفعاليات.
استهل الاحتفال بآيات بينات من القرآن الكريم، ثمّ عزف النشيدين اللبناني والإيراني وقدم الخطباء الشاعر عباس فتوني.
ثمّ ألقى السفير الإيراني كلمة شكر فيها رعاية رئيسي الجمهورية اللبنانية إميل لحود والجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي لهذا الحفل.
ثمّ تلا إدريسي برقية وردت من وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي أشاد فيها بعلم السيّد الأمين وتصدّيه لحاولات زرع الفتن داخل المجتمعات الإسلامية، حيث أخذ على عاتقه مهمة توضيح الحقائق أمام الملأ، عبر التمحيص العلمي الدقيق وبالأدلة القاطعة التي لا يرقى إليها الشك.
ثمّ ألقى محتشمي كلمة أشار فيها إلى أنّ السيّد الأمين أمضى حياة حافلة بالبذل والعطاء وكرّس عمره في خدمة العلم بحثاً وكتابة وتأليفاً، سابراً أغوار التاريخ، مبيناً حقائقه لتكون معالم ساطعة تنبض بالحقيقة العلمية المضيئة للحاضر والمستقبل.

وقال: لقد أكّد العلاّمة الأمين وأمثاله من العلماء الكتّاب بأنّ العلم المستند إلى الحقيقة الإيمانية الإلهية، هو السبيل لمواجهة الغزو الاستكباري وفضح مخططاته.
كما ألقى رئيس بلدية شقرا كلمة من وحي المناسبة.
جريدة الشرق
الخميس 27/2/2003م العدد 16160
مهرجان تكريمي للعلاّمة الأمين برعاية لحود وخاتمي
أجمع خطباء المهرجان التكريمي في قصر الأونيسكو على الإشادة بالعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين وما أنجزه من مؤلفات فكرية إسلامية متابعة لنهج والده المرجع الراحل السيّد محسن الأمين.
فقد أقام السفير الإيراني في لبنان مسعود إدريسي مهرجاناً تكريمياً للعلاّمة الأمين أمس في قصر الأونيسكو بيروت برعاية رئيس رئيس الجمهورية إميل لحود ونظيره الإيراني محمد خاتمي وبحضور نزيله بيضون ممثلاً الرئيس لحود، عضو مجلس الشورى الإسلامي الإيراني علي أكبر محتشمي ممثلاً الرئيس خاتمي، النائب عدنان عرقجي ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه بري وزير الدولة بشارة مرهج ممثلاً رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، الرئيسين حسين الحسيني ورشيد الصلح، ممثلين عن المراجع الدينية الإسلامية والمسيحية وعدد من الشخصيات.
وأكد السفير إدريسي في كلمته على عمق الروابط بين إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة (…) وحيّا نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى المفتي الجعفري الممتاز الشيخ عبد الأمير قبلان مواقف الرئيسين لحود وخاتمي وقال المطران خليل أبي نادر ممثلاً البطريرك الماروني «علينا أن نبتعد عن الطائفية والمذهبية».
وألقى قاضي شرع صيدا الشيخ أحمد الزين كلمة تجمّع العلماء المسلمين فأشار إلى أنّ الراحل كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية. وألقى محتشمي كلمة الرئيس خاتمي التي أشادت بالأواصر العريقة التي تربط الشعبين الإيراني واللبناني وبالصداقة الوثيقة بين حكومتي البلدين.
جريدة النهار
الجمعة 28/2/2003م
الرئاستان اللبنانية والإيرانية كرّمتا الأمين في شقرا
رعى رئيس الجمهورية ممثلاً بوزير العمل علي قانصو، ورئيس الجمهورية الإيرانية محمد خاتمي ممثلاً بالسيّد علي أكبر محتشمي بور، حفل إزاحة الستار عن نصب لضريح العلاّمة السيّد حسن الأمين في بلدته شقرا، في حضور ممثل رئيس الوزراء محافظ النبطية القاضي محمود المولى وممثل رئيس مجلس النواب النائب علي خريس وممثل الوزير السابق أنور الخليل زياد سليقة وممثل وزير خارجية إيران السفير الإيراني مسعود إدريسي وممثل رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى السيّد علي الأمين وممثل البطريرك الماروني مطران صور للموارنة مارون صادر ورئيس مجلس الأمناء لتجمّع المسلمين الشيخ أحمد الزين وممثل الأمين العام لـ «حزب الله» مسؤول الحزب في الجنوب الشيخ نبيل قاووق وممثلين لقيادتي «حزب الله» وحركة «أمل» ورؤساء بلديات ومخاتير وعائلة المحتفى به.
تلاوة من القرآن ثمّ النشيدان اللبناني والإيراني فكلمة ترحيب لرئيس بلدية شقرا هاشم فوعاني تطرّق فيها إلى عطاءات المحتفى به وشكر إيران على تقديماتها لبلدة شقرا. وقال السفير إدريسي: «بين إيران وجبل عامل أكثر من حكاية تحتضن حباً واحتراماً وتقديراً عميقاً لمجد قائم على العلم والمعرفة والدين فجبل عامل أعطى رجال دين ودنيا. نجتمع اليوم لإزاحة الستار عن ضريح العلاّمة المؤرّخ حسن الأمين في مبادرة تؤكد عمق الترابط بين لبنان وإيران، فرحيله ليس خسارة للبنان فقط وإنّما لإيران والعالم الإسلامي أيضاً. وبتكريمه كأنّنا نكرّم عالماً إيرانياً لأنّنا أمّة واحدةً، ثمّ تلا نص رسالة وزير الخارجية الإيرانية كمال خرازي ومما جاء فيها: «برحيل العلاّمة الجليل فقد العالم الإسلامي أحد أهم مظاهر الالتزام على مستوى التضامن العلمي فهذه الشخصية الفذّة التي نذرت حياتها الكريمة للفقه والتحقيق وخلفت مؤلفات قيمة لا بد أنّها ستبقى مرجعاً حيوياً للباحثين».
وعبّر محتشمي عن سروره لتمثيل الرئيس الإيراني في الحفل وتحدّث عن مؤلفات المحتفى به وما خلّفه من «حقائق ستبقى راسخة لأمّة لها مكانتها في العالم الذي يحاول السيطرة على ثرواتها بعناوين مختلفة ليس لها سوى هدف واحد هو إخضاع هذه الأمّة وجعلها مستهلكة لا إرادة لها في حياتها ومقدراتها ومستقبل أبنائها».
وختاماً ألقى كلمة العائلة محسن عبد المطلب الأمين.
جريدة الديار
الجمعة 28/2/2003م
السفارة الإيرانية رعت احتفال إزاحة الستار عن نصب العلاّمة الأمين
تكريماً للمؤرخ الراحل العلاّمة السيّد حسن الأمين، أقامت سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت احتفالاً لإزاحة الستار عن نصبه عند ضريحه المبارك في بلدة شقرا. حضر الاحتفال عضو مجلس الشورى الإيراني السيّد علي أكبر محتشمي ممثلاً رئيس الجمهورية الإسلامية السيّد محمد خاتمي، وزير العمل علي قانصو ممثلاً رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، النائب علي خريس ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه بري، محافظ مدينة النبطية محمود المولى ممثلاً رئيس الحكومة رفيق الحريري، الشيخ نبيل قاووق ممثلاً الأمين العام لـ «حزب الله» السيّد حسن نصرالله، السيد علي الأمين ممثلاً نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، المطران مارون صادر ممثلاً البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، وقاضي شرع صيدا الشيخ أحمد الزين وعائلة الفقيد وشخصيات وفعاليات.
استُهل الاحتفال بآيات بينات من القرآن الكريم، ثمّ عُزف النشيدان اللبناني والإيراني، وقدّم الخطباء الشاعر عباس فتوني.
ثمّ ألقى السفير الإيراني، كلمة شكر فيها رعاية رئيس الجمهورية اللبنانية إميل لحود والجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي لهذا الحفل، واعتبر أنّ هذه البادرة تؤكد عمق ما يربط إيران ولبنان، فرحيل العلاّمة الأمين ليس خسارة للبنان فحسب بل لإيران أيضاً والعالم الإسلامي وعندما نكرّمه إنّما نكرّم عالماً إيرانياً أيضاً لأنّنا أمّة واحدة.
السفير إدريسي
ثمّ تلا إدريسي برقية وردت من وزير الخارجية الإيراني د. كمال خرازي أشاد فيها بعلم السيد الأمين وتصدّيه لمحاولات زرع الفتن داخل المجتمعات الإسلامية حيث أخذ على عاتقه مهمة توضيح الحقائق أمام الملأ عبر التمحيص العلمي الدقيق وبالأدلة القاطعة التي لا يرقى إليها الشك. وأشار خرازي إلى عشرات المؤلفات التي خلفها المرحوم وأهمها موسوعة «أعيان الشيعة» و«دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» حيث لا يمكن لأي باحث في التاريخ والفكر والمعتقدات الإسلامية الاستغناء عن هاتين الموسوعتين في مجال الأبحاث.
محتشمي
ثمّ ألقى السيّد محتشمي كلمة أشار فيها إلى أنّ السيّد الأمين أمضى حياة حافلة بالبذل والعطاء وكرّس عمره في خدمة العلم بحثاً وكتابة وتأليفاً، سابراً أغوار التاريخ، مبيناً حقائقه لتكون معالم ساطعة تنبض بالحقيقة العلمية المضيئة للحاضر والمستقبل. وقال لقد أكّد العلاّمة الأمين وأمثاله من العلماء الكبار بأنّ العلم المستند إلى الحقيقة الإيمانية الإلهية هو السبيل لمواجهة الغزو الإستكباري وفضح مخططاته وطرده من عالمنا الإسلامي… أفليس فعل الجهاد والمقاومة في لبنان الذي هزم ولأوّل مرّة العدو الصهيوني هو النتاج الحقيقي لجهاد هؤلاء العلماء ومدرستهم الحسينية التي جسّدها في هذا العصر الإمام روح الله الموسوي الخميني رضوان الله تعالى عليه الذي كان يفتخر بلبنان والشبان اللبنانيين المجاهدين الذين وصفهم بأنّهم مدعاة فخر الأمّة الإسلامية لعظيم جهادهم في هذه الأرض العاملية المباركة في مواجهة العدو الصهيوني وحماته المستكبرين.
كما ألقى رئيس بلدية شقرا كلمة من وحي المناسبة.
جريدة السفير
الجمعة 28/2/2003م
إزاحة الستار عن ضريح المؤرّخ الأمين
أُقيم أمس في بلدة شقرا حفل إزاحة الستار عن ضريح المؤرّخ الراحل حسن محسن الأمين، برعاية رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بالوزير علي قانصوه، ورئيس الجمهورية الإيرانية محمد خاتمي ممثلاً بالنائب علي أكبر محتشمي.
حضر الحفل ممثل رئيس مجلس النواب النائب علي خريس وممثل رئيس الحكومة محافظ النبطية محمود المولى وممثل البطريرك صفير المطران مارون صادر، وممثل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى علي الأمين بالإضافة إلى عدد من رجال الدين والشخصيات.
بدأ الحفل بكلمة رئيس بلدية شقرا هاشم فوعاني وتحدّث السفير الإيراني مسعود إدريسي عن دور أبناء جبل عامل على الصعيد الروحي والعلمي والنضالي منوهاً بدور الجنوبيين في دحر الغزاة.
وأكد النائب محتشمي على أنّ العلاقات اللبنانية الإيرانية كانت وما زالت في سلّم أولويات السياسة الخارجية الإيرانية، وثمّن الدور العلمي للراحل وأهمية تحقيقاته ومؤلفاته وأبحاثه ومرجعيتها العلمية.
وفي الختام ألقى المحامي محسن عبد المطلب الأمين كلمة العائلة.
جريدة النهار
الخميس 27/2/2003م
تكريم لبناني إيراني في ذكرى العلاّمة السيّد حسن الأمين
برعاية الرئيسين اللبناني والإيراني أقام السفير الإيراني السيّد مسعود إدريسي حفلاً خطابياً تكريماً للعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين في قصر الأونيسكو، في حضور ممثل رئيس الجمهورية الوزير نزيه بيضون، ورئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور، والنائب عدنان عرقجي ممثلاً رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، والوزير بشارة مرهج ممثلاً رئيس الوزراء، والرئيس حسين الحسيني والرئيس رشيد الصلح ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، وممثل مفتي الجمهورية الشيخ خلدون عريمط، وممثل شيخ عقل الطائفة الدرزية القاضي نجيب مسعود، وممثل بطريرك انطاكية وسائر المشرق للموارنة المطران خليل أبي نادر، وممثل كاثوليكوس طائفة الأرمن الأرثوذوكس المطران نوارير أشكيان، وممثل بطريرك الروم الكاثوليك المطران سليم غزال وممثل الأمين العام في «حزب الله» النائب محمد رعد.
بداية ألقى سعادة السفير إدريسي كلمة رحّب فيها بالحضور معتبراً رعاية فخامة الرئيس العماد إميل لحود وفخامة الرئيس السيّد محمد خاتمي للمناسبة نتيجة اقتناع مشترك بتكريم أهل العلم والقلم الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسانية وتطورها، وتأكيداً على عمق الروابط التي تربط بلدينا إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة وأنّ الثقافة والفكر هما أساس تلاقي الشعوب والأمم والسلاح الأمضى بمواجهة دعوات التفرقة والهيمنة.
ووجّه قبلان في كلمته شكره للرئيس لحود على مواقفه الوطنية والقومية، وقدّر عالياً للرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذين ما بخلوا يوماً ولا تأخّروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد وهم مستمرّون بعون الله بموازرة القضايا العادلة والمحقة في العالم كما شكر السفارة الإيرانية في بيروت على رعايتها لهذه الذكرى وبعد أن عرض لأهمية المرحوم الأمين وتركته الفكرية والعلمية الثمينة أكّد على حضور المرحوم الدائم بيننا في فكره وبحوثه وعلمه.
كلمة البطريرك صفير ألقاها المطران خليل أبي نادر أثنى فيها على مواقف المرحوم الأمين ونتاجاته الفكرية.
وألقى كلمة تجمّع العلماء المسلمين قاضي شرع صيدا أحمد الزين الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تاريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتّساع حيث كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها. معتبراً أنّ تكريمه من قبل الرئيسين لحود وخاتمي إنّما هو تأكيد على عمق ما وصلت إليه العلاقة بين الشعبين اللبناني والإيراني. وألقى كلمة الرئيس محمد خاتمي السيّد علي أكبر محتشمي. وأختتم الحفل بكلمة آل الأمين ألقاها السيّد مهدي الأمين.
جريدة الانتقاد
الجمعة 7/3/2003م
تكريم المؤرّخ الأمين برعاية الرئاستين اللبنانية والإيرانية
علاّمة محقق وهب حياته للعلم
برعاية فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً خطابياً تكريماً للعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين في قصر الأونيسكو، بمشاركة حشد كبير من المسؤولين والسياسيين والروحيين، في مقدمتهم رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بمعالي الوزير نزيه بيضون، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور، وعدد كبير من السادة النواب الحاليين والوزراء والنواب السابقين، وقادة وممثلي الأجهزة العسكرية والأمنية لا سيما ممثل قائد الجيش العميد الركن مصطفى سليمان وقادة وممثلي الأحزاب الوطنية والإسلامية اللبنانية والفصائل الفلسطينية ولفيف من علماء الدين المسلمين والمسيحيين وممثلي الهيئات الديبلوماسية ورجالات الفكر والعلم وأساتذة الجامعات وأركان السفارة.
السفير إدريسي رحّب بالحضور معتبراً رعاية فخامة الرئيس العماد إميل لحود والسيّد محمد خاتمي للمناسبة نتيجة قناعة مشتركة بتكريم أهل العلم والقلم، الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسانية وتطورها، وتأكيداً لعمق الروابط التي تربط بلدينا إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة وأنّ الثقافة والفكر هما أساس تلاقي الشعوب والأمم والسلاح الأمضى بمواجهة دعوات التفرقة والهيمنة.
سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان وجّه في كلمته شكره لرئيس الجمهورية على مواقفه الوطنية والقومية، وقدّر عالياً للرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذين ما بخلوا يوماً ولا تأخّروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد وهم مستمرّون بعون الله بموازرة القضايا العادلة والمحقة في العالم كما شكر السفارة الإيرانية في بيروت على رعايتها لهذه الذكرى وبعد أن عرض لأهمية المرحوم الأمين وتركته الفكرية والعلمية الثمينة أكّد على حضور المرحوم الدائم بيننا في فكره وبحوثه وعلمه.
كلمة البطريرك صفير ألقاها المطران خليل أبي نادر، فأثنى فيها على مواقف المؤرّخ الأمين ونتاجاته الفكرية، معتبراً أنّنا سنبقى ننهل منها ونتعلم أنّ عائلات لبنان هي حقاً جامعة للحوار والوفاق، وأن نبعد عن الطائفية بأنواعها والمذهبية.
كلمة تجمّع العلماء المسلمين ألقاها رئيس مجلس الأمناء في تجمّع العلماء المسلمين القاضي الشيخ أحمد الزين، الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية، بما فيها من تاريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتّساع، حيث كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها، معتبراً أنّ تكريمه من قبل الرئيسين لحود وخاتمي إنّما هو تأكيد على عمق ما وصلت إليه العلاقة بين الشعبين اللبناني والإيراني.
من جهة أخرى أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً تكريمياً للمؤرّخ الراحل السيّد حسن الأمين في بلدته شقرا ـ قضاء بنت جبيل ـ أُزيح خلاله الستار عن ضريح العلاّمة الأمين بحضور حشد من الشخصيات والفاعليات السياسية والثقافية.
استهلّ الاحتفال بآيات بيّنات من القرآن الكريم، ثمّ عزف النشيدين اللبناني والإيراني ثمّ ألقى سعادة السفير إدريسي كلمة، شكر فيها رعاية رئيسي الجمهورية اللبنانية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لهذا الحفل، واعتبر أنّ هذه المبادرة تؤكد عمق ما يربط إيران ولبنان، وقال إنّ رحيل العلاّمة الأمين ليس خسارة للبنان فحسب بل لإيران أيضاً والعالم الإسلامي وعندما نكرّمه إنّما نكرّم عالماً إيرانياً أيضاً لأنّنا أمّة واحدة.
وألقى السيّد محتشمي كلمة أشار فيها إلى أنّ السيّد الأمين أمضى حياة حافلة بالبذل والعطاء وكرّس عمره في خدمة العلم بحثاً وكتابة وتأليفاً، سابراً أغوار التاريخ، مبيناً حقائقه لتكون معالم ساطعة تنبض بالحقيقة العلمية المضيئة للحاضر والمستقبل. وقال لقد أكّد العلاّمة الأمين وأمثاله من العلماء الكبار بأنّ العلم المستند إلى الحقيقة الإيمانية الإلهية هو السبيل لمواجهة الغزو الإستكباري وفضح مخططاته وطرده من عالمنا الإسلامي… أفليس فعل الجهاد والمقاومة في لبنان الذي هزم ولأوّل مرّة العدو الصهيوني هو النتاج الحقيقي لجهاد هؤلاء العلماء ومدرستهم الحسينية التي جسّدها في هذا العصر الإمام روح الله الموسوي الخميني رضوان الله تعالى عليه الذي كان يفتخر بلبنان والشبان اللبنانيين المجاهدين الذين وصفهم بأنّهم مدعاة فخر الأمّة الإسلامية لعظيم جهادهم في هذه الأرض العاملية المباركة في مواجهة العدو الصهيوني وحماته المستكبرين.
وكان رئيس بلدية شقرا ألقى في بداية الحفل كلمة رحّب فيها بالحاضرين باسمه وباسم أهالي البلدة واختتم الحفل بكلمة آل الأمين.
مجلة العواصف
الجمعة 28/2/2003م 27 ذو الحجة 1423هـ
احتفال تكريمي بذكرى العلاّمة السيّد حسن الأمين
برعاية فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً خطابياً تكريماً للعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين في قصر الأونيسكو، بمشاركة حشد كبير من المسؤولين والسياسيين والروحيين، في مقدمهم رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بمعالي الوزير نزيه بيضون، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور، رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ممثلاً بالنائب عدنان عرقجي، رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري ممثلاً بالوزير بشارة مرهج، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، ولفيف من علماء الدين المسلمين والمسيحيين وممثلي الهيئات الديبلوماسية ورجالات الفكر والعلم وأساتذة الجامعات وأركان السفارة.
بداية ألقى سعادة السفير إدريسي كلمة رحّب فيها بالحضور معتبراً رعاية فخامة الرئيس العماد إميل لحود وفخامة الرئيس السيّد محمد خاتمي للمناسبة نتيجة قناعة مشتركة بتكريم أهل العلم والقلم الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسانية وتطورها، وتأكيداً على عمق الروابط التي تربط بلدينا إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة وأنّ الثقافة والفكر هما أساس تلاقي الشعوب والأمم والسلاح الأمضى بمواجهة دعوات التفرقة والهيمنة.
الرئيس خاتمي
كلمة الرئيس محمد خاتمي ألقاها عضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور جاء فيها: أُحيي ذكرى المفكّر والباحث اللبناني المميز والفذ المرحوم العلاّمة السيّد حسن الأمين وأتقدّم بأصدق التعازي إلى أسرته الكريمة وجميع محبي العلم والفضيلة وكذلك إلى لبنان الحبيب حكومة وشعباً بالخسارة التي سببها رحيله المحزن.
فقد ظلّ لبنان موطناً للعلم والثقافة والتطوّر وشكّل علماؤه ومفكروه الكبار نجوماً لامعة في جبين تاريخ العلوم والأبحاث في العالم الإسلامي كما اقترن اسم لبنان بالفكر والجهد العلمي المستمر منذ فقهاء «جبل عامل» ومحدّثيه المرموقين الأوّل، وصولاً إلى المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العاملي (قده) ونجله الكريم العلاّمة السيّد حسن الأمين.
فالشمولية والنظرة الثاقبة والإنصاف والإبداع هي من أهم الخصائص التي تميّز الجهد والاجتهاد العلميين. وهو ما اشتهرت وازدهرت به هذه الأرض بشكل خاص، وما ميَّز كبار باحثيها ومؤرخيها، المسلمين وغير المسلمين منذ القدم.
كان العلاّمة الفقيد السيّد حسن الأمين في زمرة هؤلاء العظام حيث تمكّن من إنجاز «الموسوعة الإسلامية الشيعية» واستكمال مجموعة «أعيان الشيعة» من خلال متابعة أبحاث والده القيّمة. فالموروث الثقافي الذي خلّده الأب والنجل، هذان العالمان، يدل دلالة رائعة على «العمل والالتزام» و«العشق والعقل» و«الإيمان والانصاف» وإنّي لآمل أن يساهم هذا الإنجاز الكبير في التخفيف من أحزان رحيل هذا الفقيد الجليل.
أسأل الله تعالى له علو الدرجات وللساعين على طريق العلم والبحث النجاح والتوفيق وأُجدّد تقديري للأواصر العريقة التي تربط بين الشعبين الإيراني واللبناني والصداقة الوثيقة القائمة بين حكومتيهما والتي تتجلّى في تكريم مسيرة هذه الأعلام الخالدة وليكن الله تعالى سنداً لجميع العلماء والصالحين وأصحاب الرأي. واختتم الحفل بكلمة آل الأمين ألقاها السيد مهدي الأمين.
المفتي قبلان: ندعو الجميع لأن يتكافلوا ويتضامنوا لمنع وقوع الحرب
المفتي قبلان
بداية لا يسعنا إلاّ أن نتوجّه بالشكر العميق إلى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود على مواقفه الوطنية والقومية، وأنّ نقدِّر مواقف الرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية في إيران الذين ما بخلوا يوماً أو تأخروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد في وجه أعداء الله وأعداء الإنسانية، وهم بإذن الله تعالى مستمرون في مؤازرة القضايا العادلة والمحقة في العالم، وفي مقدمها قضية فلسطين التي لاقت لدى إيران الثورة، وإيران الدولة التأييد الكامل والدعم المطلق.
كما نشكر أيّها الأخوة والأخوات السفارة الإيرانية في لبنان على رعايتها الذكرى وإقامتها لهذا الحفل التأبيني والتكريمي ونتقدّم من ذوي الفقيد العزيز، المؤرّخ الكبير، السيّد حسن الأمين (رحمه الله)، ومن جميع المشاركين والحاضرين بأصدق تعابير الأسى والعزاء، بهذه الخسارة الكبيرة التي لم تقع على آل الأمين الكرام فحسب، إنّما أصابتنا جميعاً، وبالخصوص أولئك الذين شاركوا المغفور له ميدان الفكر والمعرفة، وتقاسموا معه هموم البحث والتنقيب عن الحقيقة، وهي تتخفّى في ثنايا التاريخ.
أيّها الأخوة، إنّ فقدان المؤرخ الكبير السيد حسن الأمين هزَّ قلوب المحبين ممّن عرفوه وعايشوه وعاشروه فوجدوه صادقاً محباً متميزاً في سيرته وسلوكه، صلباً في مواقفه، غزيراً في معارفه، نبيلاً في غايته، يقول الحق ويعمل من أجله، كما أنّ رحيله أحدث صدمة في الأوساط العلمية والبحثية، لما تميّز به من فكر متوقد وإرادة مصمّمة على كشف خبايا التاريخ وإبراز محطاته الكبرى، وإظهار الشخصية العاملية وإنصافها، من خلال مؤلفاته وكتاباته، لا سيما من خلال دائرة المعارف الإسلامية التي شكَّلت خزاناً من الحقائق المُجرَّدة، تُحاكي الحاضرَ بِقيَم الماضي، وتحفّز إلى مستقبل زاهر يرتكز في أساسيته على معرفة تاريخ هذه الأمّة المشرّف في نضالها وتصدّيها لشتى أنواع الغزو والعدوان، والتعريف على علمائها وأعلامها لأنّ من يجهل التاريخ لا يعيش الحاضر، ولا يمكنه أن يصنع المستقبل.
في حفل تكريم السيّد حسن الأمين نجل المرجع الديني الأكبر السيّد محسن الأمين (قدس سره) ندخل في حضرة هذه الأسرة العلمية العاملية «آل الأمين» التي انتصر فيها روح النقد الجاد والرصين، ورَشَفَت من مَعِينِ العلوم الإسلامية الواسعة، وأسَّسَت لمفاهيم جديدة في قراءة التاريخ، ونَذَرَت عمرها وزمنها في خدمة قضايا الأمّة والوطن، وشكَّلت نموذجاً للإنسان المسلم، الذي عمل على هَدي شريعة الإسلام السمحاء، فاتَّحَد عقلها مع قلبها، وانسجم فكرها مع عملها، والسيّد حسن سليل هذه الأسرة العاملية نَذَرَ نفسه هو الآخر وبشكل مميز، فكان يعيش هموم التاريخ بأدبه، وأحداثه،ومفاصله الحاسمة والحساسة، فدخل أبواب التاريخ قارئاً، فاحصاً، كاشفاً دالاً، عاملاً بجهد العالم المتعلّم، البصير، الناقد، العادل، فكان بهذا أديباً ومؤرخاً وإنساناً عَمِل في تدوين دائرة المعارف الإسلامية ومستدركات أعيان الشيعة، وكتب في أدب التاريخ وأدب الرحلات، فكان بهذا وذاك على معرفة بالتاريخ معرفة واعية وامتلك القدرة في الرَّبط بين الحقائق الإنسانية المشتركة، فأعطى للجديد عنده قيمته الحضارية المتصلة بالماضي والحاضل والمستقبل، مُزيلاً عن التاريخ بعض ما اعتراه من تَعْتيم، مُحققاً في ترجمات ما كتبه الآخر، داحضاً افتراءات هذه الكتابات، مًنصفاً غيرها، ساعياً إلى الحقيقة، كاشفاً عنها، مُمتلكاً أدوات المعرفة والبحث، يَزِنها بموازين العدل والحكم والعلم، مؤسساً لقراءة منهجية في علم التاريخ، غير منحاز إلاّ إلى الحقيقة، فالحدث عنده شموليٌّ بكلّ أبعاده وعناصره، وهو في عمله الإسلامي الموسوعي كان رائداً، وكان يعيش في إنسانية الثقافة بما تعنيه من رفعة وعمق، ملبياً نداءاتها، معتبراً أنّ للثقافة العربية الإسلامية مُثلاً وقيماً وآفاقاً إنسانية مُنفردة، تجري فيها مجرى العناصر المكوّنة لها، مخاطباً من خلالها كيان الإنسان وهو يُحَقِّق عن الإنسان ويكتب، دالاً على أنّ للثقافة دورها في زيادة الوعي، والكشف عن معرفة ما لدى الآخر لفهمه، وهو يريد من الثقافة أن تُعَمِّق وعيَ أبنائها إلى تراثهم وتاريخهم، وأن تُمَتِّن ارتباطهم الحسي بجذورهم، فالثقافة عنده يجب أن تكون مكوّن الوعي لدى الشعوب، وأن ترتبط بتاريخها، بل هي امتداد للتاريخ والتراث، تُحَصِّنُه وتدافع عنه، وأنَّ الانقطاع عن التراث والتاريخ هو إلغاء للثقافة ولدورها كعامل فاعل في ثقافات العالم. فعلى الإنسان أن يحيا في مجالها، وأن يواجه من خلالها أحكام المتغيرات لتكون منسجمة مع أهدافها.
من صفات حسن الأمين أنّه عصامي، لم يطلب من أحد الوظيفة ولا المال، ابتعد عن اللعب بأمور الناس، ورفض السلطة وكان من الأشخاص الذين لم يسيّسوا الأحكام وهو في منصب القضاء، وقدّم استقالته من المحكمة حتّى لا يعتبر مرتهناً ومضغوطاً عليه في تغيير مجرى الحكم، كان بسيطاً في تعامله مع الناس، متواضعاً عاش زمنه في البحث والمطالعة والكتابة، رفض الهيمنة والتسلّط والانحراف والظلم، وأعطى حيزاً واسعاً من حياته وكتاباته للكفاح ضد الصهيونية، فكان يرى إسرائيل دخيلة على الوطن العربي كلّه، وأنّ المشروع الصهيوني الذي أوجده الانتداب داخل وطننا العربي يمثّل حصان طروادة لزعزعة كياناتنا وإثارة عدم الاستقرار فيها، وإبقائها تحت رحمة أصحاب الأهداف الاستعمارية.
وما يجري الآن، يدلل كم هي الحاجة ملحّة لأنّ ندرس تاريخنا جيداً وأن نعود إلى تراثنا العظيم كي نتمكن من مواجهة هذه الهجمة الشرسة التي تقودها إدارة أميركية شريرة فاسدة، تخطط لغزو العراق ووضع اليد على قدرات وثروات أمتنا العربية والإسلام.
إنّنا ندعو الأشقاء والأصدقاء وكلّ الذين يمتلكون الحسّ الإنساني والإسلامي والأخلاقي والتحرري في العالم، إلى أن يقفوا بثبات في وجه هذا التحدي الخطير، وأنّ يتكافلوا ويتضامنوا لمنع وقوع الحرب التي وإن وقعت لا سمح الله، ستُدخِل منطقَتَنا العربية والإسلامية في متاهات خطيرة، يبقى المستفيد الأوّل منها الكيان الصهيوني الذي نراه ويراه العالم بأسره وهو يمارس أبشع أنواع الإرهاب، وأخطر أشكال الممارسات اللاإنسانية، من قتل وتدمير وارتكاب للمجازر بحق الأطفال والآمنين من أبنائنا في فلسطين.
لن تموت أمّة فيها أمثال حسن الأمين الذي لم يعش حياته، بل أهداها على طول عمره المديد الذي ناهز الخامسة والتسعين للعلم والمعرفة والثقافة وهموم الإنسان، وإذا كانت الأمم تَكْبُر بعطائها الثقافي والحضاري، والشعوب لا تخرج من التاريخ إذا كان فيها من يعمل ليستمر وجودها وكيانها ويُعَمِّق قيم الثقافة فيها، فحسن الأمين واحد من علمائنا الكبار الذي آثروا أن يسلكوا درب العلم والمعرفة والبحث والتقصي. عمل بوفاء كبير لنتاج والده فصانه واستدركه على مدى خمسين سنة، لقد كان بثقافته الشمولية والموسوعية حاملاً قضايا الأمّة مدافعاً عن تراثها ودينها، منيراً للإنسان الضوء والبصيرة، هدفه نشر الحقيقة وإيصال المعرفة إلى رواد العلم، فبحسن الأمين وبأمثال حسن الأمين تكبر الأمم ويتعاظم شأنها.
لقد كان رحمه الله منارة يهتدي إليها كلّ من تاه في بحر الحقيقة، عاش ظروفاً صعبة وحياة غير مستقرة بعيداً عن الأضواء والإعلام، لكنّه لم ينزلق في متاهات السياسة وألاعيب أصحابها، كان مشْعَلاً من مشاعل الفكر، تجاوزت إشعاعاته عالمنا العربي لتصل إلى إيران التي عرفت مكانته فكرّمته. وما لقاؤنا هذا إلاّ وفاء لهذا المؤرخ الكبير الذي أحبّ وطنه وأحبّ أرضه وأحبّ تراثه الذي احتضنته مرجعية المغفور له السيّد محسن الأمين وخلّدت فيه مآثر لن ينساها جبل عامل ولا العامليون، وستظل حاضرة في ذاكرتهم يستمدون منها الإرادة الصلبة والعزيمة الإيمانية في مواجهة تحديات هذا العصر الذي تتكالب فيه أدوات الشر ويتعاظم شأن الاستكبار والاستبداد والظلم.
أيّها الأخوة، إنّ فقيدنا المرحوم السيّد حسن الأمين وإن غاب في جسده، فهو حاضر في فكره وفي بحثه وفي علمه، وسيبقى حياً في قلوبنا وعقولنا عملاً بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إذا مات ابن آدم انقطع ذكره إلاّ من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له».
رحم الله السيّد حسن الأمين رحمة واسعة سابغة وجعل كلّ ما كتبه في تراثه ودينه، في موازينه يوم تجد كلّ نفس ما علمت من خير محضراً…
كلمة البطريرك صفير
ألقاها المطران خليل أبي نادر أثنى فيها على مواقف المرحوم الأمين ونتاجاته الفكرية معتبراً أنّنا سنبقى ننهل منها ونتعلم أنّ عائلات لبنان هي حقاً جامعة للحوار والوفاق، وأن نبعد عن الطائفية بأنواعها والمذهبية.
كلمة تجمّع العلماء المسلمين
ألقاها قاضي شرع صيدا سماحة الشيخ أحمد الزين الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تأريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتساع حيث كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها، معتبراً أنّ تكريمه من قبل الرئيسين لحود وخاتمي إنّما هو تأكيد على عمق ما وصلت إليها العلاقة بين الشعبين اللبناني والإيراني.
جريدة النهار
الأربعاء 26/2/2003م السنة 70 ـ العدد 23536
تكريم حسن الأمين
كما في حياته الشريفة الهادئة التي أمضاها بين ثنايا كتبه مؤرخاً محققاً وفقيهاً مجتهداً، فقد رحل بصمت تاركاً في جسد الأمّة ثلمة لا يسدّها شيء.
من منّا لا يعرف ذلك المؤرخ الإسلامي البارز، والباحث المتنور العلاّمة المرحوم السيّد حسن الأمين، من خلال ما سطّره يراعه الفذّ من تجارب فكرية وتاريخية لا بدّ أن تترك بصماتها جليّة على مسيرة التاريخ الإسلامي الحديث ومناقب أهل البيت على مدى العصور، سواء في مستدركات أعيان الشيعة (12 مجلداً) وموسوعة دائرة المعارف الإسلامية الشيعية (11 مجلداً بالعربية و4 بالإنكليزية) أو في عشرات الكتب التي نجده فيها منقحاً بدقة مفاصل تاريخ الأمّة الإسلامية مسقطاً ما دخل عليها من زيف وضيم، موضحاً ما غمض منها من حقائق وشواهد، بموضوعية لا متناهية بعيداً عن الجهل والعصبية، أو في المؤتمرات العلمية والأكاديمية، رائداً بارزاً من رواد حركة الفكر الإسلامي ومتحدثاً لبقاً وملماً في معظم أحاديثه التي زخرت بها وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية.
اليوم وبعد انقضاء بضعة شهور على رحيل العلاّمة الأمين، نتذكره في عتمة الليل الطويل المفعم بضوضاء الحروب حيث جنون العظمة ونشوة التكبّر لدى الإدارة الأميركية يقودان العالم إلى أتون الحرب والدمار.
في هذه الأجواء تأتي خطوة تكريم المرحوم الأمين لتشير إلى أنّ هناك من لا يزال يبحث ويهتم بنقاط الضوء في هذه الأمّة، لتنير درب الإنسانية على طريق الجوجلة الأبدية، ليهتدي بهدي آثارها العلمية والأدبية كلّ باحث عن حق وعلم ومعرفة، وهي السبيل الأوحد لرقي الإنسانية وسموها، ولتشير إلى أنّ هناك من لا يزال يؤمن ويعتقد بأنّ حوار الحضارات هو المنتهى وهو المآل، ناموساً يحكم بني البشر، سبيلاً نحو حل مشكلاتهم ومعالجة قضاياهم.
إنّها شمعة أخرى تضاء في عتمة هذا الليل من خلال الحفلين اللذين يقامان اليوم وغداً لتكريم الراحل برعاية الرئيس إميل لحود والرئيس الإيراني محمد خاتمي، بعد ظهر اليوم في قصر الأونيسكو وغداً في بلدته شقرا حيث سيتم إزاحة الستار عن ضريحه الشريف.
النصّ نُشر أيضاً في صحيفتا السفير والشرق.
إبراهيم حرشي
- () 6000 ق.م.: تمّ زراعة أوّل شجرة زيتون في سورية.3000ق.م.: جلب تجار الشرق الأوسط شجرة الزيتون وطريقة زراعتها إلى آسيا الصغرى وقبرص واليونان وشمال إفريقيا.
2000ق.م.: استخدام اليهود القدماء زيت الزيتون كوقود لقناديلهم لإنارة معابدهم.
1700ق.م.: عرف أهل مصر زيت الزيتون عبر تجار منطقة المتوسط إذ كان الملك الفرعوني «توت عنخ آمون» يضع إكليلاً من ورق الزيتون على رأسه رمزاً للرفعة.
1500ق.م.: تحول زيت الزيتون إلى سلعة تجارية هامة في كريت.
1000ق.م.: كان الزيتون يمثّل للشعب اليوناني رمزاً للقداسة والشجاعة في الحياة ومصدراً غذائياً هاماً.
400ق.م.: أصبح اليونانيون من المصدرين الرئيسيين لزيت الزيتون إلى دول غرب المتوسط.
200م: أصبح الرومان خبراء في إنتاج أنواع كثيرة من زيت الزيتون للطهي والاستخدامات الأخرى.
325م: أسّس قسطنطين الأكبر الإمبراطورية البيزنطية حيث تطوّرت عندها أهمية زيت الزيتون دينياً واقتصادياً واستخداماته في الطعام.
711م: حمل طارق بن زياد خلال حملته لفتح إسبانيا طرقاً جديدة لزراعة الزيتون.
1300م: أصبح زيت الزيتون السلعة الرئيسية لدى مختلف الثقافات في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط.
1503م: جلب المصدرون الإسبان شجرة الزيتون إلى أميركا.
1600م: بدأت زراعة الزيتون في البيرو وفي غرب جزر الأنديز وتشيلي والأرجنتين والمكسيك.
1785م: جلبت البعثات التبشيرية الفرنسية شجرة الزيتون إلى كاليفورنيا والمكسيك.
1920م: أدخل المهاجرون الأوروبيون زيت الزيتون إلى الولايات المتحدة في المطبخ الأميركي. ↑
- () أبو الحسين الخياط، كتاب الانتصار، ص5ـ6، مقدمة وتحقيق وتعليقات د. نيبرج، دار قابس، شباط/فبراير 1986. ↑
- () المصدر، ص106. ↑
- () المصدر، ص106. ↑
- () الشهرستاني، العلل والنحل، ص141ـ142، ط2، تخريج محمد بن فتح الله بدران، الناشر: مكتبة الأنجلو المصرية/ القاهرة. ↑
- () المصدر السابق، ص155. ↑
- () العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج90، كتاب الذكر والدعاء، باب 16، حديث 2. ↑
- () الكليني، الكافي، ص470، ج2. ↑
- () المصدر السابق، ص470، ج2. ↑
- () الحاكم، مستدرك الصحيحين ص493، ج1. ↑
- () السيوطي، الدرّ المنثور، ص66، ج4. ↑
- () السيد عبدالله شبّر، حق اليقين في معرفة أصول الدين، ج1، ص76، مطبعة العرفان، صيدا 1352هـ. ↑
- () الصدوق، التوحيد، ص167، الحديث الأوّل، باب معنى قوله عزّ وجلّ: «قالت اليهود». ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل، ج1، ص193. ↑
- () المصدر السابق، ص58. ↑
- () لقد وجدنا مصدر ذلك، كتابات الخصوم، وهو ما ذكره الأشعري والبغدادي والشهرستاني. ولا يخفى ما كان يحمل هؤلاء من حقد وعداء بالغين على الرجل، حتّى أنّهما اتهماه بالفسق والانحراف. ولعلّ مصدر ذلك جميعه، أهل الحديث الذين كانوا يحملون عداء متميزاً للنظام، وعموم المعتزلة… فقد ذكره ابن قتيبة في مختلف الحديث بهذا الوصف. ويظهر أنّ الأشعري قد أخذها من أفواه أهل الحديث، وعنه أخذ بعد ذلك البغدادي. أمّا الشهرستاني، فقد كان ـ كما سبق القول ـ يعتمد الفرق بين الفرق للبغدادي، كما هو واضح ـ أيضاً ـ من تصنيفه. أمّا ما ذكره الجاحظ في الحيوان بخصوص نظريته في المداخلة، فلا يظهر منه ما ظهر في كلام الخصوم. وقد أدرج ذلك ابن الروندي في ردوده على المعتزلة في كتاب «فضيحة المعتزلة» غير أنّ أبا الحسين الخياط، صاحب الانتصار، لم يذهب إلى تأويلها على المألوف من طريقته في الردّ على ابن الروندي، بل نفاها واعتبرها من المنحولات… يقول أبو حسين الخياط في الانتصار: «وهذا كذب على إبراهيم، والمعروف من قول إبراهيم أنّ الله جلّ ذكره كان يقدر أن يخلق أمثال الدنيا وأمثال أمثالها لا إلى غاية ولا نهاية».وكان مع قوله: «أنّ الله خلق الدنيا جملة، يزعم أنّ آيات الأنبياء لم يخلقها الله إلاّ في وقت ما أظهرها على أيدي رسله…».
مع أنّنا نجد كلام ابن الروندي لا يختلف عن كلام الأشعري والبغدادي. نعم، ربما عرف عن النظام نوع من التفرّد بآراء، خالف فيها المعتزلة. لكنّها لم تذهب به إلى حدّ إكفاره من قبلهم. مثل قوله بالطفرة وجواز اجتماع الأمّة على الخطأ. أمّا قوله في مذهب الطفرة وما يتعلق بإعجاز القرآن، فلو ثبت عنه ذلك، فهو أمر يحتاج إلى ان يؤوّل في سياق آرائه ومذهبه الكلامي. ↑
- () السيد شبر، حق اليقين، ج1، ص76. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج4، ص107. ↑
- () المصدر السابق، ص107. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج2، ص338. ↑
- () المصدر، ج2، ص338. ↑
- () المصدر، ج2، ص338. ↑
- () المصدر، ج2، ص338. ↑
- () المصدر، ج2، ص340. ↑
- () المصدر، ج2، ص340. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج2، ص340. ↑
- () الشيخ الطوسي، عدّة الأصول، ج2، ص29ط. النجف الأشرف. ↑
- () الشيخ المفيد، أوائل المقالات في المذاهب المختارات، ص91، دار الكتاب الإسلامي ـ بيروت 1403هـ ـ 1983م. ↑
- () السيد شبّر، حق اليقين في معرفة أصول الدين، ص77. ↑
- () الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، ص132ـ133. ↑
- () أبو الحسين الخياط، الانتصار ص127… أقول، وقد كان ردّ أبي الحسين على ابن الراوندي بهذا الخصوص ضعيفاً حيث يضيق المقام لمناقشة كلامه، راجع كتاب الانتصار وقارن بين تأويل الشيعة كما نقله ابن الراوندي وتخريج الخياط. ↑
- () هذه الوظيفة التاريخية للنبوءة هو ما يهمّنا في نظرية بوبر، مع أن المجالين يختلفان… بين علم الاجتماع، وعلم الطبيعة. بين نبوءة قائمة على رصد قوانين الطبيعة والمجتمع… وبين نبوءة مصدرها الوحي… لكن من حيث الآثار، تبقى للنبوءة وظيفة مماثلة، هي تحريض الإنسان لإصلاح حاضره وبعثه نحو صياغة مصيره ومستقبله. ↑
- () نقصد هنا التوراة والإنجيل… وقد حدّد موريس بوكاي هذه الوظيفة من خلال إجراء مقارنة بين الكتب الثلاث. ↑
- () كان والدي يصطاف فيها. ↑
- () ساطع الحصري، البلاد العربية والدولة العثمانية، ص33. ↑
- () ساطع الحصري، المصدر السابق ص47ـ48. ↑
- () Asnsor, R.C.K., England, 1870 to 1914, Oxford Univ. Press, 1936. ↑
- () تناول «منشور الكلخانة» قضايا صيانة الأمن والنظام والحفاظ على أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم وإقرار الضرائب والرسوم والتكاليف المالية الأخرى وطرق جبايتها وإنفاقها. وأكد الثاني الصادر في عهد السلطان عبد الحميد (وفي أعقاب حرب القرم) الحقوق والواجبات والالتزامات المالية التي نصّ عليها المنشور الأوّل، مضيفاً إليها قاعدة جديدة تنص على وجوب معاملة جميع رعايا الدولة العثمانية على قدم المساواة، بغض النظر عن الدين والمذهب، ومن دون أن تفرّق بين مسلم وغير مسلم. ومن الشخصيات التي وقفت في طليعة المطالبين بالإصلاحات رشيد باشا، الذي سمّي بـ «أبي التنظيمات» وكان نصيب البلدان العربية من هذه التنظيمات قليلاً وغير شامل، وعادل إلاّ في سوريا وبيروت وحلب. أمّا في ولايتي بغداد والبصرة فكان التطبيق أقلّ شمولاً واندفاعاً، كما يقول ساطع الحصري (ص91ـ93 المصدر نفسه). ↑
- () نقصد هنا، أنّ الخلاف بين المشائيين والأفلاطونيين، بخصوص موضوع الماهية وعلاقتها بالوجود، لم يكن واضحاً بالقدر ذاته من الدقة والوضوح، كما أصبحت عليه بعد مجيء صدر المتألهين. نعم، ظلّ هناك فارق حقيقي بين الاتجاهين، وإن خضع إلى بعض العوائق المعرفية الأخرى. لكن، وعلى الرغم من هذا الالتباس، ظلّ موقف المشائيين واضحاً، من أهمية الوجود وحقيقة العياني. المشكلة، هي أنّهم لم يستطيعوا إعادة المعمار الفلسفي على أساس هذه القناعة. وهذا ما سنبيّنه بعد قليل، بمزيد من التفصيل. ↑
- () راجع: الأخبارية. ↑
- () أعني أنّ لغة القرآن، هي قبل كلّ شيء لغة بشرية، اختارها الوحي، كي تكون لغته التي يخاطب بها الناس. وكونها لغة يسيرة، لهداية الناس، إنّها صيغت على وفق منطقهم المتعارف عليه ـ إذْ ما اللغة إلاّ هذه العلامات التي ما انفكّت تتغذّى على الموروث الثقافي لقوم ما ـ ولو أنّها كانت لغة لا تحمل ذات المنطق، لما فهمها الناس وآمنوا بها. لكن لغة القرآن، توسّلت بمنطق عقلاني، يقرُّ به جمهور العقلاء؛ أي منطقاً إنسانياً، مصدره العقل الفطري. من هنا ورد في الأخبار، أنّ «العقل رسول باطن»!. ↑
- () يقول محمد إقبال بهذا الصدد: «والغزالي يُعدّ في الأشاعرة بجه عام، ولو أردنا الدقة فهو ليس أشعرياً تماماً، برغم أنّه يعترف بأنّ أسلوب الاشاعرة الفكري هو أنسب شيء بالنسبة إلى الجمهور، فهو يعتقد ـ كما يقول الشبلي ـ انّ سرّ الإيمان لا يمكن البوح به، ولذا فقد شجع على تعليم الأشعري ونشره، وحرص على أن يستوثق من اقتناع تلاميذه المباشرين بعدم نشر نتائج فكره الخاص» [تطور الفكر الفلسفي في إيران، ص64، ترجمة د. حسن محمود الشافعي ود. محمد السعيد جمال الدين، ط1، 1989م، الدار الفنية للنشر والتوزيع، القاهرة]. ↑
- () الأنوار النعمانية، ج1، ص146ـ149. ط4؛ 1404هـ ـ 1984م، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت. ↑
- () ابن تيمية، نقض المنطق، ص113، المكتبة العلمية، بيروت (بلا تاريخ). ↑
- () الأنوار النعمانية، ص40. ↑
- () يقول السيد نعمة الله بخصوص شبهة ابن كمونة الإسرائيلي: «… وحاصل تقريرها: أنّه لا يجوز أن يكون الواجب بالذات ذاتين، متباينين، مستجمعين، لجميع صفات الكمال، بأن يكون امتيازهما بالذات، ووجودهما؛ عين ذاتيهما كالصفات ولا يكون وجوب الوجود مشتركاً بينهما، بل كيفية نسبة الوجود إليهما، فيجاب عنها، بأنّهما لا يخلوان بحسب الفرض، عن أنّه إمّا أن يكونا في الصفات الخاصّة بكلّ منهما متساويين، بأن يكونا في جميع الكمالات مثلين، أو يكون أحدهما أكمل بتفاوت في البين. فعلى الثاني إنّما الواجب هو الأكمل وعلى الأوّل لا يكونان في غاية الكمال، إذ يعقل فوقهما أكمل، وهو عديم المثال، والواجب وجب أن يكون في غاية الكمال. في جميع مراتب الجلال والجمال». الأنوار النعمانية، ص11.وتجدر الإشارة ههنا إلى أنّ السيد نعمة الله، رغم ما حاوله من جهد في حلّ شبهة ابن كمونة، فإنّه لم يصل إلى درجة الشفاء. وقد كان الأمر يتطلب زماناً طويلاً، حتّى بروز نجم ملا صدرا، ليقدم حلاً جذرياً لمشكلة الوجود، فتنحل تلقائياً شبهة ابن كمونة، التي كانت تستند إلى أصالة الماهية. وفي اعتقادنا، أنّ اندفاع هذه الشبهة، بتقرير أنّ واجب الوجود، ماهيتُهُ إني…، لا يكفي، خصوصاً، لما نعلم، أنّ تقريراً كهذا، هو لابن سينا ذاته، وهو ممّن عاصروا ابن كمونة. فالقضية كانت تقتضي بالأساس، بناء جديداً لأصالة الوجود، الذي تنتهي إلى التأكيد على اعتبارية الماهية. فإذا ثبت أنّ الوجود من حيث الأصل هو بسيط. فإنّ ما هو بسيط لا يقبل الإثنينية أو التركّب، مطلقاً!. ↑
- () كفاية الأصول (سبق ذكره). ↑
- () الأنوار النعمانية، ج1، ص275ـ276ـ277. ↑
- () مقدمة شرح عوالي اللئالي، بتوسّط، موسى الهادي؛ الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي، قدوة العلوم والعمل، ص220ـ221. ط1، 1993م، دار البيان العربي ـ بيروت. ↑
- () المصدر السابق. أقول، وقد تكرّر هذا المديح والدفاع عن الأحسائي من قبل جماعة من خصوم الفلسفة، أمثال المرعشي والاستربادي. وعوداً إلى كلام السيد نعمة، فقول: بناء على مثاله ذاك، كيف لا يكون كلامه في المعقول من باب الحكمة التي أجراها الله على لسان الفلاسفة؟! ↑
- () تنحصر الأخبار التي يرويها السلفي، في بداية القرن الهجري الأوّل. ونكاد نجدها تخلو من الأخبار التي تعالج بنوع من العمق، تلك القضايا العقلية التي خاض فيها الجيل الأوّل من المسلمين ـ خصوصاً العلماء ـ ردّاً على شبهات النصارى واليهود. هناك بالتالي، عملية إسقاط، انتهت إلى تقطيع الموروث النبوي واختزاله في خطاب، لا يكاد يتجاوز ذهنية الأعرابي في شؤونه اليومية وتساؤلاته الساذجة وخلو ثقافته من أي قلق معرفي!. ↑
- () يجيب أحد أساتذة الفلسفة المشائية المعاصرين، السيد طباطبائي، عن هذا السؤال، بكلام ورد في ثناياه: «… ويؤيد هذا الرأي أنّ الفلسفة لا تأبى التغيير في المجالات التي تأخذ فيها مقدماتها من العلوم كالفلكيات والجواهر والأعراض وغيرها، فهي تتغيّر كالعلوم، بتغيّر الفرضيات»، محمد حسين الطباطبائي، أسس الفلسفة والمذهب الواقعي، ص57، ج1، تعليق الأستاذ مرتضى المطهري، تعريب، محمد عبد المنعم الخاقاني ـ دار التعارف للمطبوعات ط2، 1408هـ ـ 1988م، بيروت. ↑
- () الإصطخري، مسالك الممالك، ص71، ابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان، ص128. ↑
- () ابن حوقل صورة الأرض (انظر الصفحات ص189، فما بعدها)، ابن الفقيه، ص128. ↑
- () مسالك الممالك، ص72، صورة الأرض، ص189 فما بعدها. ↑
- () ابن حوقل: نفس المصدر، ص189. ↑
- () ابن الفقيه، مختصر البلدان، ص128، وواضح أنّ فعل تقطع بمعنى تحد. ↑
- () أحسن التقاسيم، ص136 (طبعة ليدن). ↑
- () بلدان الخلافة الشرقية (الترجمة العربية) الفصل الخامس بالجزيرة. ↑
- () يقول بن حوقل، صورة الأرض (ص189 فما بعدها في الفصل الذي عقده عن الجزيرة) إنّها الأرض التي بين دجلة والفرات وتشتمل على ديار ربيعة ومضر. ↑
- () انظر الإصطخري ص71، المقدسي ص137. ↑
- () ابن حوقل ص189 فما بعدها، الإصطخري، مسالك الممالك ص71. ↑
- () Le Strange ‘The Lands of East, p. 87’. ↑
- () ابن خرداذبه، المسالك والممالك ص175، وابن الفقيه، ص134ـ125؟ وابن رستة، الأعلاق النفيسة، ص90. ↑
- () مسالك الممالك من 71، وابن رستة ص92. ↑
- () المسعودي، مروج الذهب، 1، ص61ـ62. ↑
- () لسترابح (الترجمة العربية؟) ص149. ↑
- () العمري، مسالك الأبصار، ص79، ابن خرداذبه، ص174. ↑
- () ابن خرداذبه، ص175. ↑
- () مروج الذهب، ج1، ص63، انظر ابن خرداذبه، ص174. ↑
- () أرزن مدينة قرب خلاط من نواحي أرمينية (انظر، ياقوت، معجم البلدان، ج1، ص205). ↑
- () سريط موضع بأرمينية له نهر يصب في دجلة مأخذه من ظهر… أرزن ويخرج من أرض أرمينية (ياقوت معجم البلدان، ج3، ص67 ـ ليدن).باسورين: ناحية من أعمال الموصل في شرقي دجلتها لها ذكر في أخبار حمدان (ياقوت، ج1، ص467).
يذكر ياقوت (معجم البلدان، ج1، ص466) بازبدي فيقول إنّها كورة قرب باقردي من ناحية جزيرة: ابن عمر، وبازبدي في غربي دجلة وباقردي في شرقيه. كورتان متقابلتان وبازبدي اسم قرية في قبالة جزيرة ابن عمر سمّيت الكورة بأسرها بها وبالقرب منها جبل الجودي وقرية ثمانين. وترد لدى ابن الفقيه ص132 قردى وبزدبى وقردى وبازبدى لدى ابن رستة، ص106. ↑
- () أحسن التقاسيم، ص140، ابن حوقل، ص201. ↑
- () انظر ابن حوقل، ص201. يقول الإصطخري أنّ آمد تقع شرقي دجلة، وهذا خطأ (انظر مسالك الممالك، ص75). ↑
- () صورة الأرض، ص201. ↑
- () نفس المصدر، ص201. ↑
- () نفس المصدر، ص201. ↑
- () يعتبر ابن الفقيه (مختصر كتاب البلدان ص134) جبل آمد من أعاجيب الدنيا، ويقول إنّ فيه صدعاً فمن وضع فيه سيفه وأمسك بمقبضه اضطرب السيف في يديه وأرعد القابض وإن كان أشد الناس، وفيه أعجوبة أخرى أنّه «متى يحك بذلك الجبل سكين أو حديد أو سيف حمل ذلك السيف أو السكين الحديد وجذب الأبر والمسال بأكثر من جذب المغناطيس…».وجدير بالذكر أنّ ابن الفقيه يخطئ فيجعل آمد وأرزن وميافارقين من كور ديار ربيعة. ↑
- () المقدسي، ص140. ↑
- () انظر: ابن حوقل، المقدسي. ↑
- () المقدسي، ص140. ↑
- () معجم البلدان، ج5، ص703ـ706، المقدسي، ص140. ↑
- () المقدسي، ص140. ↑
- () تاريخ الفارقي، كتبه أحمد بن يوسف بن الأزرق الفارقي (حققه الدكتور بدوي عبد اللطيف وصدر في القاهرة 1379/1959م). ↑
- () تاريخ الفارقي، ص86ـ87. ↑
- () نفس المصدر، ص107. ↑
- () لسترانج، ص144. ↑
- () معجم البلدان، ج1، ص206. ↑
- () ابن حوقل، ص192. ↑
- () لتسرانج (الترجمة العربية) ص144. ↑
- () ص141. ↑
- () ص202. ↑
- () بلدان الخلافة الشرقية، ص144. ↑
- () مختصر كتاب البلدان 133. ↑
- () أحسن التقاسيم 141. ↑
- () صورة الأرض 202. ↑
- () أحسن التقاسيم ص141. ↑
- () لسترانج ص145. ↑
- () أحسن التقاسيم ص141. ↑
- () يذكر ياقوت (ج1، ص865) تل البليخ ويقول إنّها قرية على البليخ نهرالرقة؟. ويجعل ابن خرداذبة.، ص175، مخرج البليخ من عين الذهبانة من أرض حران ويصب في الفرات أسفل الرقة. ↑
- () أحسن التقاسيم، ص141. الإصطخري، ص75. ↑
- () صورة الأرض 203. الإصطخري، المسالك والممالك ص75، ابن الفقيه ص132. ↑
- () صورة الأرض ص203، ابن الفقيه ص133. ↑
- () Le Strange. P. 102. ↑
- () الإصطخري، مسالك الممالك ص76، ابن حوقل ص204. ↑
- () المقدسي ص141. ↑
- () صورة الأرض ص204. ↑
- () فتوح البلدان، ص187. ↑
- () الإصطخري، مسالك الممالك ص76، المقدسي، أحسن التقاسيم ص141. يجعل ابن الفقيه ص134، عدد الأديرة (360) ديراً. ↑
- () صورة الأرض ص304. ↑
- () يقول لسترانج (هامش ص135) إنّه أحد مناديل كثيرة تدعى Veronica ولا تتفق المصادر الوثيقة على ما إذا كان منديل أديسا (الرها) هو المنديل المحفوظ في روما أو في جنوة أو غيرهما. يذكر البلاذري «فتوح البلدان ص188» بضع قرى تابعة للرها مثل بر أسكيفا وسلعوس وكفر حدا. ↑
- () E.I.Vol. 3 P302. ↑
- () باجروان: قرية من ديار مضر بالجزيرة من أعمال البلخ (معجم البلدان، ج1، ص454) ويذكرها المقدسي ص137، ويذكر كذلك من مدن ديار مضر خانوقة والحريش وتل محوى وترعوز، وناحية سروج كذلك انظر الإصطخري ص76: ابن جبير ص246. لسترانج ص135. ↑
- () انظر ابن قدامة ص215، ياقوت، ج2، ص278. ↑
- () البلاذري، فتوح البلدان 188. ↑
- () أحسن التقاسيم ص142. ↑
- () الإصطخري، مسالك الممالك 77. ↑
- () نفس المصدر والمكان، انظر لسترانج (الترجمة العربية) ص136. ↑
- () ابن حوقل ص206. ↑
- () لسترانج ص137. ↑
- () فتوح البلدان ص187. ↑
- () ابن حوقل، صورة الأرض ص205. ↑
- () الإصطخري ص77ـ78. ↑
- () مراصد الاطلاع ج1، ص268. يقول ياقوت (ج1، ص861) تكريت بين بغداد والموصل ولها قلعة حصينة… أوّل من بناها سابور بن أردشير… وقيل سمّيت بتكريت بنت وائل. ↑
- () الإصطخري ص75. ↑
- () مختصر كتاب البلدان ص129، ويصف ابن الفقيه مدينة الحضر التي تقع بإزاء تكريت «على برية سنجار» وبينها وبين دجلة خمسة عشر فرسخاً وبينها وبين الفرات خمسة عشر فرسخاً، وهي مبنية بالحجارة البيض وتقع على تل «ولها ستون برجاً كباراً وبين البرج والبرج تسعة أبراج صغار على رأس كلّ برج قصر وأسفله حمام وقد حمل عليها نهر الثرثار ويشق المدينة ثمّ يخرج وعلى حافتي الثرثار القرى والجنان». ↑
- () ياقوت، ج3، ص954. ويذكر ياقوت (ج1، ص750) البوازيج وهي قرب تكريب على فم الزاب الأسفل. ↑
- () انظر حول منابع الخابور:Von M. Oppenheim, Der Tell Halaf (Leipzig 1931). ↑
- () ياقوت معجم البلدان، ج4، ص840. ↑
- () الإصطخري ص74، ابن حوقل ص200. ↑
- () صورة الأرض ص200. ↑
- () مسالك الممالك ص74. ↑
- () صورة الأرض ص194. ↑
- () رحلة ابن بطوطة، ج1، ص73. ↑
- () مسالك الممالك ص73. ↑
- () نفس المصدر ص73. ↑
- () صورة الأرض ص202. ↑
- () يبدو من ذلك أنّ أكثر أهلها كانوا من النصارى، خاصّة وقد كثرت فيها الحانات. ↑
- () ابن حوقل ص202. ↑
- () البلاذري: فتوح البلدان ص188. ↑
- () الإصطخري ص73ـ74. ↑
- () صورة الأرض ص200. ↑
- () صورة الأرض 199، وقد اعتبرها من أعمال نصيبين الشمالية. ↑
- () سمّاه اليونان Saocoras أو مجدونيوس Mydgonius. ↑
- () صورة الأرض ص191ـ194. ↑
- () انظر كذلك الإصطخري ص73. ↑
- () أحسن التقاسيم ص140. ↑
- () رحلة ابن جبير ص192. ↑
- () رحلة ابن بطوطة ص148. ↑
- () انظر الشابشتي، الديارات ص13. ↑
- () انظر ابن حوقل، ص200ـ201. والإصطخري ص74. ↑
- () صورة الأرض 201. ↑
- () مسالك الممالك ص74. ↑
- () أحسن التقاسيم ص139. ↑
- () ابن حوقل ص201، الإصطخري ص74. ↑
- () طلبان ترد لدى الإصطخري باسم طابا ولعل الجحشية هي السخيمية لدى الإصطخري ص74. ↑
- () مختصر كتاب البلدان ص133. ↑
- () انظر A. Moret, Histoire de L’Orient I p. 392 Honigmann Ency. Islam (Orfa) Vol. III p.162.يقول ابن الفقيه ص135: قال الأصمعي: كانت قريش تسأل في الجاهلية عن خصب باعربايا وهي الموصل! لقدرها عندهم ولم ينلهم في خصبها شيء قط وعن ريف الجزيرة وما يليها لأنّها تعدل في الخصب باعربايا. ↑
- () انظر ياقوت، ج1، ص177، يضيف: أنّ بين برقعيد وأذرمة خمسة فراسخ وبينها وبين السميعية فرسخ عرضاً وبينها وبين سنجار في العرض عشرة فراسخ. ↑
- () أحسن التقاسيم 139ـ140. ↑
- () صورة الأرض 199. ↑
- () فتوح البلدان 188، ياقوت، ج1، ص177. ↑
- () ياقوت، معجم البلدان، ج1، ص571. ↑
- () معجم البلدان، ج1، ص571، يقول ياقوت (ج1، ص572)، وكذلك ابن حوقل (ج1، ص572) إنّ برقعيد كانت موطن آل حمدان. ↑
- () المقدسي، أحسن التقاسيم ص140. ↑
- () ياقوت، ج1، ص571. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () صورة الأرض، ج1، ص220. ↑
- () المقدسي ص140، الإصطخري ص73. ↑
- () ابن حوقل ص199، المقدسي ص140. ↑
- () ابن حوفل ص199. ↑
- () معجم البلدان، ج3، ص158. ↑
- () ابن حوقل ص199. ↑
- () ياقوت، ج2، ص79. ↑
- () ص75. ↑
- () صورة الأرض ص202ـ203. ↑
- () سورة هود، الآية: 46. ↑
- () ابن حوقل، صورة الأرض ص206. ↑
- () بلدان الخلافة الشرقية ص123. ↑
- () مروج الذهب، ج1، ص63 (مصر). ↑
- () صورة الأرض ص147. ↑
- () أحسن التقاسيم ص54، 137، 149، ياقوت، ج4، ص585. ↑
- () معجم البلدان، ج1، ص466. ↑
- () صورة الأرض ص197. ↑
- () كتاب الخراج ص245. ↑
- () قال أحد الشعراء:باقردى وبازبدى مصيف ومربع
وعذب يحاكي السلسلي يرود
انظر مروج الذهب، ج1، ص63. ↑
- () السورة 11، الآية 43. انظر قدامة ص245. ↑
- () انظر المقدسي ص139. ابن حوقل، ج1، ص153 و157. ياقوت، ج1، ص934، وج2، ص144. ↑
- () التنوخي، نشوار المحاضرة، ج8، ص180. ↑
- () مراصد الاطلاع، ج1، ص676. ↑
- () معجم البلدان، ج1، ص199، ج2، ص663. ↑
- () مروج الذهب، ج8، ص145 (الطبعة الأوروبية). قلعة صوارة. ↑
- () ياقوت ج2، ص663. مراصد الاطلاع، ج2، ص561. ↑
- () مراصد الاطلاع، ج2، ص561. ↑
- () انظر ياقوت، ج5، ص957. مسكويه، ج2، ص392. ↑
- () لسترانج ص122. شترك. دائرة المعارف الإسلامية، م1، ص571. ↑
- () المسالك والممالك ص6 (طبعة بريل 1889). ↑
- () الخراج وصنعة الكتابة ص235 (بريل 1889). ↑
- () معجم البلدان ص186ـ187. ↑
- () ياقوت. معجم البلدان، ج1، ص186. مراصد الاطلاع، ج1، ص51. ↑
- () شترك دائرة المعارف الإسلامية، م1، ص571. ↑
- () سليمان صائغ. تاريخ الموصل، ج1، ص19. ↑
- () صورة الأرض ص196. ↑
- () المقدسي ص139، ياقوت ج4، ص683. ↑
- () E. I. Vol. 3 P. 609. ↑
- () ابن حوقل ص 197. ↑
- () سليمان صائغ، تاريخ الموصل، ج1، ص17ـ18. ↑
- () لسترانج ص115 أو Budh-Ardashiran-Shah انظر E. I. Vol. 3. P 609. ↑
- () E. I. Vol. 3, p. 609. ↑
- () سمّاه (ج1، ص43) بالتاريخ الطبيعي المحفوظ في مكتبة ماريثيون للكنعان في ديار بكر، ج2، ص13. ↑
- () معجم البلدان، ج4، ص682ـ683. ↑
- () مختصر كتاب البلدان، ج1، ص128 (بن بيوراسف). ↑
- () تاريخ الموصل، ج1، ص42. ↑
- () نفس المصدر، ج1، ص39ـ40. ↑
- () ياقوت، ج8، ص196، مراصد الاطلاع، 3، ص1333. ابن الفقيه، ص128. ↑
- () The Lands. P. 87. ↑
- () E.I. Vol. 3, p. 611 كذلك يفترض لسترانج هذا الافتراض، ص115. ↑
- () أحسن التقاسيم ص139. ↑
- () ابن الأثير الكامل، ج2، ص257. ↑
- () نفس المصدر، ج2، ص258. ↑
- () المصدر السابق، ج2، ص258. ↑
- () البلاذري، فتوح البلدان ص331. ↑
- () نفس المصدر ص332. ↑
- () في الجليل على الزاب الأكبر. ↑
- () أو بيت داسان واقعة غربي الزاب في جنوبي العمادية. ↑
- () قردى هي بهتان(بوتان) في شمالي جزيرة ابن عمر، وبازبدي أو بيت زبداي وهي جزيرة ابن عمر. ↑
- () صورة الأرض ص196. ↑
- () ابن حوقل ص198. ↑
- () كتاب الخراج (طبعة بريل) ص245. ↑
- () ياقوت، ج1، ص472. ↑
- () قدامة 245. ↑
- () معجم البلدان، ج1، صفحات 472، 474، 475، 481، 486، 867. ↑
- () لسترانج 119.راجع حول هذه المواضع ابن خرداذبه 94.
قدامة ص245، ابن الفقيه ص131ـ132 ـ وكذلك ياقوت معجم البلدان الاطلاع ومراصد تحت هذه الأسماء. ↑
- () المقدسي ص146، ابن حوقل ص145، ياقوت، ج1، ص866، 2/710. ↑
- () الأزدي. تاريخ الموصل (مخطوط) ج2، ورقة 17. ↑
- () نفس المصدر، ج2، ورقة 17ـ19. ↑
- () نفس المصدر، ج2، ورقة 37. ↑
- () ياقوت. معجم البلدان، ج4، ص683. ↑
- () الأزدي. تاريخ الموصل (مخطوط) ج2، ورقة 17 و24 و215. ↑
- () تاريخ الموصل، ج2، ورقة 215. ↑
- () ياقوت. معجم البلدان، ج4، ص683، الأزدي، تاريخ الموصل (مخطوط) ج2، ورقة 24. (والنسخة المنشورة ص33). ↑
- () ياقوت، معجم البلدان 4/683. ↑
- () ابن حوقل، صورة الأرض 213. ↑
- () المقدسي. أحسن التقاسيم ص148ـ139. ↑
- () رحلة ابن جبير ص187. ↑
- () رحلة ابن بطوطة 1/148. ↑
- () راجع: العقيليون. ↑
- () يقول المسعودي (مروج الذهب 1/145) طبعة مصر سنة 1346هـ: كانت ملوك العرب ـ أيام الإسكندر المقدوني ـ من مضر بن نزار بن معد وربيعة بن نزار وأنمار بن نزار والنضرية من بني نضر من اليمن وغيرهم من قحطان لهم ملوك، وقد نصبت كلّ طائفة لها ملكاً. ↑
- () Moret, His. De L’orient Vol. I, p. 302.لسترانج «بالعربية» ص129. ↑
- () انظر Cteiphon and Htra (Bachdad) 1965.سليمان صائغ ص30. الحضر (نشرة لمديرية الآثار العامة) بغداد. ↑
- () الطبري 1/384. ابن خلدون 2/171 و2/249. ↑
- () Honigmann, E.I. Vol. 3, p. 1062. ↑
- () معجم البلدان 2/37. ↑
- () الأمم والملوك 1/483 «مصر». ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () نفس المصدر 1/484ـ485. ↑
- () أي كركوك وما يجاورها. ↑
- () العبر 2/249. ↑
- () الطبري 1/184، الأغاني 2/37، 11/162. ↑
- () انظر ابن الأثير 1/295 و237 و242، الأغاني 3/3، العقد الفريد 3/342. ↑
- () ديار ربيعة، وديار مضر، وديار بكر (انظر الفصل الجغرافي). ↑
- () حرب البسوس من أيام العرب بين بكر وتغلب. ↑
- () ولد نزار بن معد بن عدنان هم مضر وربيعة وإياد «وقيل وإنمار» جمهرة أنساب العرب، ص10. ↑
- () إياد بن معد بن عدنان (ابن حزم، الجمهرة ص9). ↑
- () البكري ص7. ↑
- () بخاصة بين بكر وتغلب. ↑
- () بلاد قضاعة: كانت مساكن قضاعة ومراعي أغنامهم من شاطئ البحر الأحمر فما دونه شرقاً إلى منتهى ذات عرق وهي الحد بين نجد وتهامة إلى حين الحرم من السهل والجبل. ↑
- () مضر بن معد بن عدنان وقد أقامت في الحرم إلى السروات وما دونها من الثغور وما ولاها من البلاد. على حين أقامت ربيعة في مهبط الجبل من غمر ذي كندة [بينه وبين مكة مسيرة يومين] وبطن ذات عرق وما صاقبها من بلاد نجد إلى الثغور من تهامة (انظر الهمداني والبكري وكحالة حول هذه المواضع). ↑
- () البلاذري، فتوح البلدان ص250 وما بعدها. ↑
- () نفس المصدر ص250. ↑
- () نفس المصدر ص252. ↑
- () يقول البلاذري ص255 إنّها سمّيت بالأنبار لأنّ أهراء العجم [المخازن] كانت بها. ↑
- () البلاذري ص257. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () نفس المصدر ص258. ↑
- () نفس المصدر ص183. ↑
- () نفس المصدر 180ـ189. ↑
- () نفس المصدر ص185. ↑
- () سليمان صائغ، تاريخ الموصل ص51 وما بعدها. ↑
- () انظر الأزدي (مواضع مختلفة). ↑
- () Kindermann E.I. Supp. P223. ↑
- () Freytag Zdmg. Vol. X1 p. 436. ↑
- () صفة جزيرة العرب 133. ↑
- () صورة الأرض 205. ↑
- () صفة جزيرة العرب 133. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () صفة جزيرة العرب 133. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () صورة الأرض 195. ↑
- () نفس المصدر ص196. ↑
- () نفس المصدر ص205. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () نفس المصدر ص199. ↑
- () ابن حوقل 195. ↑
- () انظر سليمان صائغ، تاريخ الموصل 51 وما بعدها. سعيد الديوه جي، والموصل 5 ـ 6 . ↑
- () تاريخ الموصل 51. ↑
- () نفس المصدر 52. ↑
- () انظر ابن الأثير 2/258 حول اليهود والمجوس في الموصل. ↑
- () تاريخ الموصل «مخطوط» المجلد 2، ورقة 80ـ87 ومواضع مختلفة سوقد نشر الكتاب بتحقيق الدكتور حبيبة سنة 1967». ↑
- () الأزدي: تاريخ الموصل (تحقيق د. علي حبيبة. القاهرة) ص87. ↑
- () المصدر السابق 101. ↑
- () المصدر السابق 113. ↑
- () نفس المصدر 24. ↑
- () نفس المصدر91ـ92. ↑
- () ياقوت 2/450. ↑
- () تاريخ الموصل 92ـ93. ↑
- () الديبور: كورة تابعة للموصل «قدامة 245». ↑
- () الأزدي 95. ↑
- () انظر الأزدي، تاريخ الموصل مواضع مختلفة. ↑
- () المصدر السابق 253 و268 ومواضع أخرى. ↑
- () محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد والكردستان 64. ↑
- () E. I. Vol. 2, p. 1196 (طبعة باريس بالفرنسية 1927). ↑
- () محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد والكردستان 64. ↑
- () E.I. Vol. 2, p 1198. (الطبعة الفرنسية) ↑
- () ابن حوقل، صورة الأرض 195. ↑
- () نفس المصدر ص195. ↑
- () نفس المصدر ص 205. ↑
- () صفة جزيرة العرب 133 (مصر 1953). ↑
- () الطبقات الكبرى 4: 66، فتح الباري 8: 124، الكامل في التاريخ 2: 317، تاريخ اليعقوبي 2: 77، 113، تهذيب تاريخ دمشق 2: 395 و3: 218، مختصر تاريخ دمشق 4: 248/237 و5: 129/56، شرح نهج البلاغة 1: 159، 220، تاريخ الخميس 2: 172. ↑
- () الكامل في التاريخ 2: 317. ↑
- () الطبقات الكبرى 4: 68، المغازي/ الواقدي 3: 1119، تاريخ ابن خلدون 2: 484، عيون الأثر 2: 352، تاريخ اليعقوبي 2: 113. ↑
- () الملل والنحل 1: 29. ↑
- () الكامل في التاريخ: 2: 317، 323؛ جهّز الجيش في المحرّم بعد عودته من حجة الوداع، وابتدأ به المرض في أواخر صفر، وتوفّي في الثاني عشر من ربيع الأوّل. ↑
- () كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد أخبرهم بوفاته قبل وقوعها بشهر، وكان جيش أسامة في أيّام استعداده الأولى وتجمّعه. انظر: الكامل في التاريخ 2: 319ـ320. ↑
- () الطبقات الكبرى 4: 68، سيرة ابن هشام 4: 301، الكامل في التاريخ 2: 321، ابن أبي الحديد 1: 160، الروض الأنف 7: 544. ↑
- () مسند أحمد 3: 346. *:صحيح البخاري- كتلب المرضي،صحيح مسلم3: 1257/1637و1259،مسند أحمد،الكامل في التاريخ2: 320.**ابن ابي الحديد/شرح نهج البلاغ 1:183 . ↑
- () شرح نهج البلاغة 1: 160. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 200. ↑
- () منهاج السنة 3: 135. ↑
- () من كلمة أبي بكر في السقيفة: ابن قتيبة/ الإمامة والسياسة 1: 14ـ15، الطبري/ التاريخ 3: 220. ↑
- () من كلمة عمر في السقيفة: الإمامة والسياسة 1: 15، تاريخ الطبري 3: 220. ↑
- () أي نعيد الحرب بيننا وبينكم فتيّة. ↑
- () الإمامة والسياسة 1: 15. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 221. ↑
- () الإمامة والسياسة 1: 15، تاريخ الطبري 3: 221، وهذا كلّه أورده ابن الأثير/ الكامل في التاريخ 2: 325ـ331. ↑
- () الطبقات الكبرى 3: 181. ↑
- () ابن الجوزي/ المنتظم 4: 67، السيوطي/ تاريخ الخلفاء: 65. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب المحاربين 6 ح/6442، سيرة ابن هشام 4: 308، تاريخ الطبري 3: 206. ↑
- () تاريخ الخلفاء: 66، تاريخ الطبري 3: 224، الإمامة والسياسة 1: 22، صفة الصفوة 1: 261، البداية والنهاية 6: 334، الموفقيات: 579/379. ↑
- () الإمامة والسياسة 1: 12. ↑
- () تاريخ اليعقوبي 2: 124. ↑
- () انظر: تاريخ أبي الفداء 2: 63، ابن أبي الحديد 2: 49، 56 و6: 11، تاريخ اليعقوبي 2: 124، تاريخ الطبري 3: 205، الكامل في التاريخ 2: 325، 331، تاريخ الخلفاء: 51. ↑
- () انظر: البداية والنهاية 6: 8365. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 198، العقد الفريد 4: 87، ابن أبي الحديد 2: 56، 6: 48، تاريخ أبي الفداء 2: 64، مسند فاطمة/ السيوطي ح/31. ↑
- () الإمامة والسياسة 1: 19. ↑
- () ابن أبي شيبة/ المصنّف 8: كتاب المغازي ـ باب 43 ح/4. ↑
- () الإمامة والسياسة 1: 24، تاريخ الطبري 3: 430.. ↑
- () انظر القرطبي/ التفسير 11: 174، الرازي/التفسير 22: 137، الآلوسي/التفسير 16: 284 (سورة الأحزاب/ آية 33)، ابن كثير/ البداية والنهاية 5: 343. ↑
- () صحيح مسلم 4: 1871/2404، سنن الترمذي 5 ح/2999، مصابيح السنّة 4ح/4795، وانظر آية 61 من آل عمران في سائر التفاسير. ↑
- () صحيح مسلم 4: 1883 ح/2424، وقد تقدّم مع مزيد من التوثيق. ↑
- () مسند أحمد 2: 442، سنن الترمذي 5 ح/3870، سنن ابن ماجة 1 ح/145، مصابيح السنّة 4: 190/4817، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 9 ح/6938. ↑
- () صحّحه الحاكم والذهبي / المستدرك وتلخيصه 3: 121، 128. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 222، 223، الكامل في التاريخ 3: 63، شرح نهج البلاغة 12: 9، 53. ↑
- () مروج الذهب 2: 330. ↑
- () انظر جواب الإمام عليّ على رسالته / نهج البلاغة: 385ـ388 الكتاب رقم 28. ↑
- () مقاتل الطالبيين: 67. ↑
- () مقاتل الطالبيين: 60، 81. ↑
- () راجع: مقاتل الطالبيين / من أوّله إلى آخره، بل نظرة عجلى في عناوين فصوله تغنيك عن الكثير. ↑
- () مروج الذهب 3: 90 من حديث حماد بن سلمة، مختصراً، وذكر أنّ تفصيله في كتابه الآخر (حدائق الأذهان)، شرح نهج البلاغة 20: 147، وقصّة عبدالله بن الزبير هذه مع بني هاشم متّفق عليها، وقد كانت سبباً في وفاة عبدالله بن عبّاس، انظر ترجمة عبدالله بن عبّاس في: أسد الغابة 3: 194ـ195، تهذيب تاريخ دمشق 7: 4ـ412، سير أعلام النبلاء 3: 356. ↑
- () ابن الجوزي / تاريخ عمر بن الخطّاب: 92. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 209. ↑
- () الزبير بن بكار / الموفقيّات ـ عنه ابن أبي الحديد 12/82. ↑
- () الطبقات الكبرى 4: 97ـ98، تاريخ الطبري 3: 387، تاريخ اليعقوبي 2: 133. ↑
- () البداية والنهاية 7: 6ـ7 وقد ذكرها ابن سعد والطبري عن سيف بعد ذكرهما القول الأوّل. ↑
- () ابن أبي الحديد 6: 41. ↑
- () يعرّض بأبي بكر، فالعرب تسمّي الفتى من الإبل (بكر) وأصغر منه (فصيل) إذا انفصل عن أمّه!. ↑
- () البداية والنهاية 7: 6. ↑
- () البداية والنهاية 7: 7. ↑
- () البداية والنهاية 7: 109. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 220. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 252. ↑
- () انظر: تفسير قوله تعالى: { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18]، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، في تفسير الطبري م11ـج21: 107 وم13ـج26: 124 وفي غيره. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 220. ↑
- () سورة محمد، الآية: 9. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 223ـ224. ↑
- () ابن سعد/ الطبقات الكبرى 5: 20. ↑
- () شرح نهج البلاغة 12: 21، محاضرات الأدباء/ للراغب الأصفهاني 2: 478. ↑
- () الإصابة 3: 357، وفي رواية «فإن قام بالأمر المجدّد» وأخرى «الدين المخوّف». ↑
- () تاريخ الطبري 3: 253. وفيه أيضاً 3: 280. ↑
- () تاريخ اليعقوبي 2: 128ـ129، الزبير بن بكار/ الموفقيات: 583ـ599، عنه ابن أبي الحديد 6: 23، 33. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 202، الكامل في التاريخ 2: 325، تاريخ اليعقوبي 2: 124، الاستيعاب 3: 550، الموفقيات/ الزبير بن بكار ـ عنه ابن أبي الحديد 6: 21. ↑
- () الآلوسي/ روح المعاني 10: 45. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 202، 209، الكامل في التاريخ 2: 325، الطبقات الكبرى 3: 184. ↑
- () العقد الفريد: 4: 85. ↑
- () محمّد الخضري / تاريخ الأمم الإسلامية ـ الدولة العباسية: 497. ↑
- () ابن أبي الحديد 6: 45، 12: 46 عن الزبير بن بكّار، ولم أجده في الموفقيات المطبوع. ↑
- () قيل: معناه حمل الكرمة ـ أراد به الكناية عن صغر سنّ عليّ (عليه السلام). ↑
- () شرح نهج البلاغة 6: 43. ↑
- () شرح نهج البلاغة 12: 78ـ79. ↑
- () انظر: سسن الدارمي 1: 85، سنن ابن ماجة 1: 12 /28، الطبقات الكبرى 6: 7، المستدرك 1: 110، و125، تذكرة الحفّاظ 1: 7. ↑
- () تذكرة الحفّاظ: 1: 2ـ3. ↑
- () البداية والنهاية 8: 107. ↑
- () تذكرة الحفّاظ 1: 2ـ3. ↑
- () انظر: بلاغات النساء: 29، 31. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 430، الإمامة والسياسة 1: 24. ↑
- () تذكرة الحفّاظ 1: 5. ↑
- () المستدرك 1: 110، وتلخيصه/ للذهبي ـ نفس الصفحة. ↑
- () كما ذكره السيوطي في/ تنوير الحوالك 3: 93، وقد تقدّم ذكره، وقولهم فيه إنّه من أركان الكذب وإنّ نسخته هذه عن أبيه عن جدّه موضوعة، كما قال الذهبي في/ ميزان الاعتدال 3: 406ـ407. ↑
- () سيرة ابن هشام 4: 186، وانظر ما قيل في عكرمة في تهذيب التهذيب 7: 237. ↑
- () هما: سلمة بن الفضل الأبرش، ومحمّد بن حميد الرازي، انظر حاليهما في/ تهذيب التهذيب 4: 153، 9: 129. ↑
- () محمود الزعبي/ البيّنات في الردّ على المراجعات 1: 9. وقد أسقطه فرط حماسه في كثير من الغرائب نذكر منها نقضه على صاحب المراجعات تسمية ابن بابويه القمّي بـ (الصدوق)، إذ يقول في الجزء الثاني ص170: «والقمّي هذا إنّما هو من أحفاد الشريف القمّي الذي والى التتر ووقف بجانبهم يوم غزوهم ديار المسلمين ـ انظر البداية والنهاية 14: 9».والذي نقله عن البداية والنهاية في ذكر الشريف القمّي إنّما كان في أحداث سنة 699هـ، بينما كانت وفاة الصدوق سنة 381هـ، فقد عاش هذا (الحفيد) إذن قبل جدّه بثلاثة قرون!!. ↑
- () مسند أحمد 3: 14، 17 و4: 367 و371 و5: 182، 189. سنن الترمذي 5 ح/3788. ↑
- () ابن حجر الهيثمي/ الصواعق المحرقة: 150 ـ باب 11 ـ فصل 1. ↑
- () كما تقدّم آنفاً، وفي غير موضع، وكما سيأتي في فقرة «السنّة في ربع قرن». ↑
- () انظر: نهج البلاغة ـ الخطبة 149 من كلام له (عليه السلام) قبل موته: ص207، والخطبة 89، ص122، والخطبة 100، ص146، والخطبة 120، ص176، والخطبة 128، ص186، والخطبة 131، ص189 الفقرة الأخيرة، والخطبة 175، ص250، والخطبة 210، ص328، والخطبة 239، ص358. ↑
- () نهج البلاغة/ الكتاب 62: 451. ↑
- () نهج البلاغة/ الخطبة 74: 102. ↑
- () وورد مثلها عن الحسين مع عمر/ مختصر تاريخ دمشق: 127. ↑
- () صحيح البخاري ـ فضائل الصحابةح/3509. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 439، وقد تقدّم. ↑
- () رواها: الكليني/ الكافي 7: 216/16، 249/4، والمفيد/ الإرشاد 1: 199، والطوسي/ تهذيب الأحكام 10: 94/361. ↑
- () تاريخ اليعقوبي 2: 132ـ133. ↑
- () الطبقات الكبرى 1: 168. ↑
- () الزبير بن بكار/ الموفقيات، عنه ابن أبي الحديد 12: 52، وقد تقدّم. ↑
- () انظر: ترجمة أم كلثوم في (الاستيعاب) و(أسد الغابة) و(الإصابة). وانظر: الشيخ المفيد/ المسائل السروية: المسألة العاشرة. ↑
- () مختصر تاريخ دمشق 7: 126، شرح نهج البلاغة 12: 66. ↑
- () ابن الجوزي/ تاريخ عمر بن الخطّاب: 96. ↑
- () ابن الجوزي/ تاريخ عمر بن الخطّاب: 103، ابن سلام/ الأموال: 286/551، 552. ↑
- () شرح نهج البلاغة 12: 82. ↑
- () د. محمد روّاس قلعچي/ الموسوعة الفقهية ـ موسوعة فقه عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام). ↑
- () هاشم معروف الحسني/ سيرة الأئمة الإثني عشر 1: 347. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 428. ↑
- () سنن النسائي ـ كتاب الخمس، باب 1، ح/1 و2، سنن أبي داود 3: 146 ح/2982. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب الخُمس ـ باب 17 ح/2971 سنن النسائي ـ كتاب الخمس، باب 1 ح/4 و5، باب 2، مسند أحمد 4: 81، 83، 85، سنن أبي داود ح/2978ـ2980 وقد تقدّم. ↑
- () سنن النسائي ـ كتاب الخمس ح/11. ↑
- () كما هو راجح عند ابن أبي الحديد 12: 3ـ5، ومحمّد جواد مغنية/ في ظلال نهج البلاغة 3: 330، أمّا ابن ميثم البحراني فقال: «المنقول أنّ المراد بفلان عمر» لكنّه رجّح كون المراد أبا بكر (شرح نهج البلاغة 4: 97)، لكن ابن أبي الحديد عزّز رأيه برأي الشريف الرضي إذ وجد نسخة نهج البلاغة بخطّ الشريف الرضي، وفيها تحت كلمة «فلان»: «عمر».وقد تشهد لها رواية ابن السمان في الموافقة، إذ أوّلها: «لله در باكية عمر، واعمراه! قوّم الأود…» مع اختلاف في بعض ألفاظها. الرياض النضرة 1: 358ـ359. ↑
- () انظر: ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة 12: 23، 26، 42 ـ 44، ابن سعد/ الطبقات الكبرى 5: 560، ابن سلام/ الأموال: 342ـ343. لكنّ معاوية وحده، الأمير على دمشق، لم ينله شيء من ذلك، وحتّى مشاطرة الأموال التي استكثر منها، فربّما نجاح بدهائه، وأيّاً كان فقد مكّن له هذا ما سوف يصنعه غداً من انقلاب وتمرّد في أكبر انحراف تعرّض له مسار الإسلام في الواقع. ↑
- () محمّد قطب/ كيف نكتب التاريخ الإسلامي: 110ـ112. ↑
- () انظر: صحيح مسلم ـ كتاب الحدود ح/1707، الذهبي/ تاريخ الإسلام ـ عهد الخلفاء الراشدين: 667، ابن حبّان/ السيرة النبويّة وأخبار الخلفاء: 503، 506، 513ـ520. ↑
- () الذهبي/ تاريخ الإسلام ـ الخلفاء الراشدون: 406. ↑
- () شهد بيعة العقبة ـ بيعة الأنصار لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل الهجرة. ↑
- () انظر: تاريخ المدينة 3: 1034، تاريخ اليعقوبي 2: 171ـ173، سير أعلام النبلاء 2: 7، 9ـ10. وهذه الأحداث قد أحجم الطبري عن ذكرها كما بيّناه في فصل (نقد التاريخ) حين اكتفى بأخبار العاذرين معاوية، فغابت عن تاريخ ابن حزم وابن الأثير وابن كثير وابن خلدون الذين اعتمدوا الطبري بشكل رئيسي في تاريخ ذلك العهد. ↑
- () الطبقات الكبرى: 3: 150ـ158، تاريخ المدينة 3: 1049، الرياض النضرة 3: 84. ↑
- () تاريخ المدينة 3: 1099، 1100، 1101، 1102، الاستيعاب 2: 477، الإمامة والسياسة 1: 32ـ33، الرياض النضرة 3: 85. وهذه الأخبار كلّها ذكرها البلاذري في القسم الرابع من أنساب الأشراف. ↑
- () مروج الذهب 2: 356، أسد الغابة 1: 305، الذهبي/ تاريخ الإسلام ـ الخلفاء الراشدون: 667. ↑
- () الذهبي/ تاريخ الإسلام ـ الخلفاء الراشدون: 430ـ431. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 459، الكامل في التاريخ 3: 206، الإمامة والسياسة 1: 51، الفتوح/ لابن أعثم 1: 434. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 469، الكامل في التاريخ 3: 174، 216، الإمامة والسياسية: 65. ↑
- () الذهبي/ تاريخ الإسلام ـ الخلفاء الراشدون 432. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 356ـ357، 360، الكامل في التاريخ 3: 163. ↑
- () أي تتّخذوني سفيراً. ↑
- () عند الدكتور صبحي الصالح: «وأنت أقرب إلى أبي رسول الله…». ↑
- () أي يخلطون فيها خلطاً. ↑
- () نهج البلاغة/ صبحي الصالح: ح/164، تاريخ الطبري 4: 337. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 360، الكامل في التاريخ 3: 163. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 162ـ163. ↑
- () تاريخ البطري 4: 360ـ361، الكامل في التاريخ 3: 164. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 164، البداية والنهاية 7: 192ـ193. ↑
- () الذهبي/ تاريخ الإسلام ـ الخلفاء الراشدون: 443. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 362، الكامل في التاريخ 3: 165، البداية والنهاية 7: 193. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 363، الكامل في التاريخ 3: 166. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 167. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 167. وانظر أيضاً: الصفحة 174 منه، وتاريخ الطبري 4: 379 ـ قول عثمان: «هذا ما أمر به طلحة ابن عبيدالله، اللّهمّ اكفني طلحة، فإنّه حمل عليَّ هؤلاء وألَّبهم عليَّ، والله إنّي لأرجو أن يكون منها صفراً، وأن يسفك دمه! إنّه انتهك منّي ما لا يحلّ له!. ↑
- () الذهبي/ الخلفاء الراشدون: 458ـ459. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 371. ↑
- () نهج البلاغة: 73/30. ↑
- () انظر تاريخ الطبري 4: 415ـ418. ↑
- () فوات الوفيات 4/270. ↑
- () لسان الميزان 7/409. ↑
- () الوافي بالوفيات 1/53؛ وهو هنا ذكر هذا الكتاب كواحد من مصادره. ↑
- () فهرس مخطوطات مكتبة الأوقاف العامّة في الموصل 4/182 رقم 27/23. ↑
- () الإصابة في تمييز الصحابة 3/97 وج6/689. ↑
- () انظر ـ كمثال ـ : لسان الميزان 1/113، ص128، وص581، وج2/130، ص147، ص149، ص153، ص154، ص159، ص169، ص173، ص217، ص224، ص250، ص255، ص257، ص290، ص319، ص355، ص412، ص420، ص485 (في موردين)، ص491، ص492، ص501، ص529 (في موردين)، وص553. ↑
- () المقالات التاريخية ـ الكتاب الثاني؛ مقالة: الشيعة والآثار الأربعة في التاريخ المحلّى: 199. ↑
- () انظر ـ كمثال ـ: لسان الميزان 1/547 رقم 1115، وص560 رقم 1157. ↑
- () انظر ـ كمثال ـ: لسان الميزان 1/59. ↑
- () لسان الميزان 2/17، ترجمة «بركة بن يحيى الكاشي». ↑
- () ذكر الدكتور مصطفى جواد بأنّ وفاته سنة 627هـ، راجع: أعيان الشيعة 10/286. ↑
- () الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة 1 ـ ق1 ـ /64. ↑
- () Encyclopaedia of Islam, Vol. 3. P693. ↑
- () وفيات الأعيان 6/126، لسان الميزان 7/362. ↑
- () لسان الميزان 7/409. ↑
- () فوات الوفيات 4/270ـ271. ↑
- () وذلك في المجموعة المعروفة باسم «مجموعة الجباعي»؛ وقد نقل (أعيان الشيعة) نصّ هذه الترجمة عن تلك المجموعة 10/286. ↑
- () في الأعيان: تأدّب وتفقّه. ↑
- () ذكر الصفدي هذا العنوان في مقدّمة كتاب الوافي 1/54. ↑
- () الملك الظاهر هذا ـ والي حلب من سنة 582 إلى سنة 613 ـ وصفته بعض المصادر بالتشيّع. انظر: نسب خلفاء وشهرياران: 152. ↑
- () فوات الوفيات والذيل عليها 4/269ـ271. ↑
- () مجمع الآداب في معجم الألقاب 5/525ـ527. ↑
- () مجمع الآداب 5/591. ↑
- () مجمع الآداب 1/490. ↑
- () قال محقّق تاريخ الإسلام هنا: لم يصلنا الجزء المتضمّن تراجم حرف الياء من كتاب ابن العديم الحلبي بغية الطلب في تاريخ حلب. ↑
- () تاريخ الإسلام السنوات 621ـ630/421. ↑
- () في الأصل المطبوع: المازراني. ↑
- () في الأصل المطبوع: بهجة. ↑
- () لسان الميزان 7/409ـ410 رقم 9241. ↑
- () الأنوار الساطعة في المائة السابعة: 205. ↑
- () قال الدجيلي ـ في أعلام العرب في العلوم والفنون 2/57 ـ: منه نسخة ببعض مكتبات لندن. ↑
- () في المصدر: مناقب الأئمّة الإثني عشر وفيها زجر البشر!!. ↑
- () أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء 4/354. ↑
- () إشارة إلى ياقوت الحموي. ↑
- () أعيان الشيعة 10/286ـ287، ومجمع الآداب في معجم الألقاب 1/490 في الهامش. ↑
- () «لاميّة العرب»: قصيدة لعمرو بن مالك الشنفرى، المتوفّى سنة 70 قبل الهجرة، يقول عنها عبد الملك الأصعمي، المتوفى سنة 216هـ: علّموا أولادكم لاميّة العرب؛ فإنّها تطلق الألسن بالفصاحة. ↑
- () أعلام النبلاء، بتاريخ حلب الشهباء 4/354.وقد طبع مؤخّراً بالتصوير مع مقدّمة للأستاذ السيّد محمد حسين الجلالي بعنوان «المنتجب في شرح لاميّة العرب» في شيكاغو في أميركا. مستظهراً أنّ النسخة كانت بخطّ المؤلّف. ↑
- () سمعت من أحد الإخوة المحقّقين ـ الأستاذ حسين المدرّسي الطباطبائي، على ما يروي عن مستر نيومن الأستاذ بجامعة أدينبورج حالياً ـ بأنّ نسخة من كتاب معادن الذهب كانت محفوظة في مكتبة دار الكتب بالقاهرة، وقد تلفت في الفترة الأخيرة ولم يبقَ من النسخة إلاّ غلافها. ↑
- () الوافي بالوفيات 1/48. ↑
- () مجمع الآداب في معجم الألقاب 2/203 رقم 1332. ↑
- () مجمع الآداب في معجم الألقاب 4/135، رقم 3523. ↑
- () مجمع الآداب في معجم الألقاب 4/333، رقم 3940. ↑
- () الأغلاق الخطيرة 1 ـ ق1 ـ /150ـ153. ↑
- () الأعلاق الخطيرة 1 ـ ق1 ـ/34.وقد ذكر الأمر ابن الشحنة (ت890هـ) في كتاب الدرّ المنتخب في تاريخ مملكة حلب: 67، نقلاً عن ابن شدّاد؛ وكذلك نقل في ص 85 ما أورده ابن شدّاد ـ نقلاً عن ابن أبي طيّ ـ بخصوص مشهد الدكّة.
كما نقل ابن العجمي الحلبي (ت884هـ) في كتاب كنوز الذهب في تاريخ حلب 2/220 موضوعاً عن ابن أبي طيّ بواسطة ابن شدّاد.
وأيضاً الأعلاق الخطيرة ـ تاريخ لبنان والأردن وفلسطين/115. ↑
- () بغية الطلب في تاريخ حلب 9/4167. ↑
- () شهاب الدين أحمد بن إسماعيل، المعروف بـ : «أبو شامة»، وكتاب الروضتين في أخبار الدولتين أصدرته مؤسسة الرسالة/ بيروت في خمسة أجزاء، بتحقيق إبراهيم الزيبق. ↑
- () كتاب الروضتين: 3/82 الهامش. ↑
- () Heyd, Histoire du Commerce du Levant, Vol. 1, P. 2. ↑
- () ديموميين، النظم الإسلامية 249. ↑
- () قدامة. كتاب الخراج وصنعة الكتابة 215. ابن خرداذبه. المسالك والممالك 93 ـ 94 . ↑
- () قدامة 216. ↑
- () ابن خرداذبه. المسالك والممالك 96. قدامة 216. ↑
- () ابن خرداذبه 95. ↑
- () Lestrange 124. ↑
- () ابن خرداذبه 216ـ217. ↑
- () قدامة 216. ↑
- () رسائل ابن إسحاق الصابي 1/134ـ135 «بيروت». ↑
- () نفس المصدر 1/136. ↑
- () ابن حوقل. صورة الأرض 1/215. ↑
- () المقدسي. أحسن التقاسيم 138ـ139. ↑
- () تاريخ الموصل (مخطوط) 2 ورقة 17 و24 إلخ. ↑
- () المقدسي 138ـ139. ↑
- () المنتظم . ابن الجوزي 10/170. ↑
- () المقدسي. أحسن التقاسيم 138. ↑
- () نفس المصدر 141. ↑
- () ابن حوقل. صورة الأرض 191، 199. ↑
- () نفس المصدر 201. ↑
- () المقدسي 145. ↑
- () ابن خلدون، المقدمة 226. ↑
- () Lane Poole, Catalogue, p. 3361. ↑
- () Ibid, P. 336. ↑
- () Ibid, P. 386. ↑
- () ابن ظافر 10 أ. ↑
- () P. 62-191. ↑
- () هناك بعض القطع النقدية الحمدانية محفوظة في المتحف العراقي. ↑
- () ابن ظافر ورقة 10أ. ↑
- () ديموميين، النظم الإسلامية 253. ↑
- () آدم متز 2/262 الحضارة الإسلامية. ↑
- () نفس المصدر، 2/267. ↑
- () انظر، ديوان السري الرفاء. ↑
- () صورة الأرض 198. ↑
- () المقدسي 145. ↑
- () الدوري. تاريخ العراق الاقتصادي 91. ↑
- () أحسن التقاسيم 145ـ 146. ↑
- () ديوان السري الرفاء 280. ↑
- () ديوان السري الرفاء 34 ـ 36. ↑
- () سومر المجلد 10 ـ 1/99. ↑
- () الكامل 8/465. ↑
- () سومر م 10 ـ 1/101. ↑
- () نفس المصدر والجزء 100. ↑
- () العمري، منية الأدباء 100. ↑
- () المقدسي، أحسن التقاسيم 146. ↑
- () ابن جبير. رحلة ابن جبير 189. ↑
- () العمري، مسالك الأبصار 1/254. ↑
- () نفس المصدر 1/255. ↑
- () الديارات 121. ↑
- () الشابشتي. الديارات 69. العمري. مسالك الأبصار 1/259. ↑
- () نفس المصدر 117. ↑
- () العمري. مسالك الأبصار 1/289. ↑
- () المصدر السابق 114. ↑
- () الشابشتي. الديارات 115. ↑
- () العمري. مسالك الأبصار 1/299ـ300. ↑
- () نفس المصدر 301. ↑
- () الشابشتي، الديارات 60. ↑
- () الشابشتي، الديارات 263. ↑
- () ديوان كشاجم 36. ↑
- () الشابشتي. الديارات 139. ↑
- () ابن شاكر، فوات الوفيات 2/153. ↑
- () يتيمة الدهر 1/63. ↑
- () وفيات الأعيان 1/227، و2/44ـ45 «طبعة النهضة المصرية» وأبو المطاع هو الذي لجأ إلى الفاطميين وتوفي في سنة 428 كما أسلفنا. نفس المصدر 2/44ـ45 «النهضة». ↑
- () اليتيمة 1/17ـ74. ↑
- () نفس المصدر 105. ↑
- () نفس المصدر والمكان. يقول ابن خلكان «2/106» إنّ وفاة السري كانت ببغداد في سنة 366 على الأرجح. ↑
- () الشابشتي. الديارات 17أ. ↑
- () وفيات الأعيان 0/394 و2/410 «مطبعة النهضة المصرية». ↑
- () نفس المصدر 1/395 و2/411 ـ412 «النهضة». ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () يتيمة الدهر 2/214. ↑
- () ياقوت، معجم الأدباء 14/240ـ242. ↑
- () الثعالبي، يتيمة الدهر 1/89. ↑
- () معجم الأدباء 14/240/242. ↑
- () ديوان السري الرفاء 131، 133، 194. ↑
- () ابن النديم، الفهرست 169. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () ياقوت، معجم الأدباء 13/125/126. ↑
- () يتيمة الدهر 1/249 «مطبعة حجازي بالقاهرة». ↑
- () الثعالبي، يتيمة الدهر 1/250. ↑
- () يتيمة الدهر، 1/258. ↑
- () العمري. مسالك الأبصار 1/301. ↑
- () المقدسي. أحسن التقاسيم 139. ↑
- () أسد الغابة في معرفة الصحابة 4/101. ↑
- () ثمار القلوب «مصر» 205. ↑
- () ديوان السري الرفاء 134. ↑
- () نفس المصدر 174. ↑
- () أنظر ديوان السري الرفاء «مواضع مختلفة». ↑
- () ابن خلكان، وفيات الأعيان 1/252، اليتيمة 2/117. ↑
- () انظر تاريخ الأفكار الاقتصادية: 181. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () انظر تاريخ الأفكار الاقتصادية: 176. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق: 176ـ177. ↑
- () بؤس الفلسفة لماركس، المقدمة: 7. ↑
- () النظام الاشتراكي: 109. ↑
- () تاريخ الأفكار الاقتصادية: 196. ↑
- () هذه هي الماركسية: 160. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق: 167. ↑
- () الاقتصاد السياسي: 47. ↑
- () الاقتصاد السياسي: 47. ↑
- () الشيوعية والإنسانية: 147. ↑
- () الاقتصاد السياسي: 47. ↑
- () الاقتصاد السياسي: 47ـ49. ↑
- () النظام الاشتراكي: 122 نقلاً عن كتاب رأس المال. ↑
- () النظام الاشتراكي: 120. ↑
- () انظر تاريخ الأفكار الاقتصادية: 136. ↑
- () الشيوعية والإنسنية: 145. ↑
- () انظر تاريخ الأفكار الاقتصادية: 211. ↑
- () ↑
- () ↑
- () ↑
- () انظر الاقتصاد السياسي: 69. ↑
- () الاقتصاد السياسي، 67ـ68. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق: 76. ↑
- () النظام الاشتراكي: 114. ↑
- () النظام الاشتراكي: 115. ↑
- () انظر الاقتصاد السياسي: 47. ↑
- () تاريخ الأفكار الاقتصادية: 237. ↑
- () انظر طبقات ابن سعد ـ مطبعة ليدن، 1335هـ ـ ج3: ق1: 213. ↑
- () انظر تاريخ الطبري ـ ط1، المطبعة الحسينية، مصر، 1326هـ ـ ج4: 163. ↑
- () شرح نهج البلاغة: ج1: 90. ↑
- () نهج البلاغة: 183. ↑
- () المصدر السابق: 81. ↑
- () المصدر السابق: 194. ↑
- () نهج البلاغة: 428ـ429. ↑
- () المصدر السابق: 427ـ428. ↑
- () نهج البلاغة: 439. ↑
- () المصدر السابق: 444. ↑
- () نهج البلاغة: 436. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج13: 212. ↑
- () نهج البلاغة: 434. ↑
- () نهج البلاغة: 438. ↑
- () المصدر السابق: 438. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج1: 90، ونهج البلاغة: 57. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج19: 240. ↑
- () نهج البلاغة: 425. ↑
- () نهج البلاغة: 438ـ439. ↑
- () نهج البلاغة: 439. ↑
- () انظر شرح نهج البلاغة، ج17: 86. ↑
- () نهج البلاغة 417ـ418. ↑
- () مقدّمة ابن خلدون: فصل 25 ـ ص238. ↑
- () الفِصَل 4: 87. ↑
- () وهذا الفراغ هو الذي دفع الشيخ علي عبد الرزاق أن ينفي أيّ صلة للدين الإسلامي بالسياسة والدولة المدينة ـ علي عبد الرزاق/ الإسلام وأصول الحكم: الكتاب الثالث. ↑
- () راجع: تاريخ اليعقوبي 2: 162، تاريخ الطبري 4: 238، الكامل في التاريخ 3: 71، البداية والنهاية 7: 164ـ165.
- تعقيب: أرى على دعاة السلفية أن يقفوا أمام هذه المسألة بجدّ، فإنّها تناقض أصل دعوتهم التي ترفض الالتزام التامّ بأيّ مصدر آخر غير الكتاب والسنّة، فدخول هذا الشرط الجديد في البيعة باطل إذن، فإمّا أن تكون هذه البيعة باطلة، وإمّا أن يكون أصل دعوتهم بحاجة إلى إعادة نظر. إنّ عليهم وفق مبدئهم أن ينضموا إلى شيعة عليّ، أو أن يذعنوا للشيعة بأنّهم هم السلفيّون حقّاً.
- () الفِصَل 4: 168. ↑
- () راجع: الأحكام السلطانية/ للماوردي: 6ـ7. ↑
- () سورة النمل، الآية: 64. ↑
- () الفِصَل 4: 168. ↑
- () الفِصَل 4: 169، والآية من سورة النساء: 59. ↑
- () راجع: الأحكام السلطانية/ للماوردي: 6 ـ 14 ، الأحكام السلطانية/ للفرّاء؛ 23، مآثر الإنافة 1: 39ـ58. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 20، مآثر الإنافة 1: 58، شرح المقاصد 5: 233. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 20، 22، 23. ↑
- () مآثر الإنافة 1: 71. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب المحاربين باب 16/ح6442، مسند أحمد 1: 56، سيرة ابن هشام 4: 308، تاريخ الطبري 3: 205. ↑
- () الملل والنحل 1: 30، شرح المواقف 8: 358. ↑
- () المغني 20: 340، وعنه د. مصطفى حلمي/ نظام الخلافة بين أهل السنّة والشيعة: 46. ↑
- () انظر: منهاج السنّة/ لابن تيميّة 3: 215، 217، 218. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 23. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للماوردي: 6 ـ7. ↑
- () لسان العرب ـ مادة (عضض). ↑
- () شرح المقاصد/ للتفتازاني5: 291. ↑
- () شرح المقاصد/ للتفتازاني 5: 290، القعيدة/ لأحمد بن حنبل: 123، الاقتصاد في الاعتقاد/ للغزالي: 153. ↑
- () العقود الدريّة: 209، عن ابن تيميّة. ↑
- () الإرشاد/ للجويني: 363. ↑
- () الرازي/ نهاية العقول، عنه نظرية الإمامة: 159. ↑
- () الفصل 4: 11. ونقله عنه الدكتور أحمد محمود صبحي ثمّ عقّب عليه فقال: وهكذا يُنكر ابن حزم أنّ معاوية قد استولى على أمر هذه الأمّة قهراً بالسيف، أمّا إمامة الحسن فهذا هو رأيه الشخصي في الحسن، وإن لم يكن رأي جميع من بايعوه حيث اعتقدوا بأفضليّته بعد عليّ ـ نظرية الإمامة: 259. ↑
- () أي طرف من قول. ↑
- () شرح ابن أبي الحديد 12: 21 عن ابن طيفور في كتابه (تاريخ بغداد)؟ ↑
- () الجخف: التكبّر. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 223، الكامل في التاريخ 3: 63ـ65، شرح ابن أبي الحديد 12: 53ـ 54. ↑
- () الموفقيات/ للزبير بن بكّار، شرح ابن أبي الحديد 6: 45، 12: 46. ↑
- () أمالي أبي بكر الأنباري، شرح ابن أبي الحديد: 12: 82. ↑
- () محاضرات الأدباء/ للراغب الأصفهاني 2: 428. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب المحاربين ـ باب 16 ح/6442. ↑
- () الباقلاني/ التمهيد: 195، عنه: نظام الخلافة بين أهل السنّة والشيعة: 56. ↑
- () نظرية الإمامة: 158. ↑
- () النصّ للإمام الغزالي في كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد): 153. ↑
- () الفِصَل 4: 161، 163، الاقتصاد في الاعتقاد: 153، البداية والنهاية 7: 310. ↑
- () الطبقات الكبرى 3: 261، أسد الغابة 4: 47، سير أعلام النبلاء 1: 420، 425، 426، مجمع الزوائد 9: 297، وقال: رجاله رجال الصحيح. ↑
- () الفِصَل 4: 161. ↑
- () الفِصَل 4: 161. ↑
- () منهاج السنّة 2: 202ـ205، 233ـ233. ↑
- () منهاج السنّة 2: 241ـ242، 253. ↑
- () مقدمة ابن خلدون: 212. ↑
- () الاقتصاد في الاعتقاد: 147. ↑
- () سورة النساء، الآية: 49. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للماوردي: 5. وقوله: «أولو الأمر هم الأئمة المتأمرون» إنّما هو من أثر الواقع السياسي في الفكر الديني كما أشرنا سابقاً، وإلاّ فقد يكون وليّ الأمر نبيّاً لكنّ الناس تعصيه وتطيع طاغوتاً يحاربه، فهذا لا يعني أنّ حقّ الولاية قد انتقل من النبيّ إلى الطاغوت لأنّ الأخير هو المتأمّر! وكذا لو جعل النبيُّ رجلاً من أصحابه وليّاً لأمور المسلمين، فحقّ الولاية والطاعة ثابت له وإن كان المتأمّر غيره. ↑
- () الفِصَل 4: 87ـ88. ↑
- () هناك رأي يقول إنّ الإمامة واجبة عقلاً قبل وجوبها شرعاً، فإنّ لطف الله تعالى بعباده يقضي أن لا يخلو زمان من رجل مؤهّل لهداية البشرية والحكم فيها بالعدل، إمّا نبيّ أو إمام هدى، فإذا أطاعته الناس تحقّقت الإمامة الصالحة. ↑
- () سورة الشورى، الآية: 38. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب المحاربين 6: ح/6442، مسند أحمد 1: 56، سيرة ابن هشام 4: 308. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 65، صفة الصفوة 1: 367. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 65، صفة الصفوة 1: 383، طبقات ابن سعد 3: 343. ↑
- () صفة الصفوة 1: 494. ↑
- () طبقات ابن سعد 3: 348. ↑
- () فتح الباري ـ المقدمة: 337، إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري 14: 279. ↑
- () الكامل في التاريخ: 3: 66ـ867. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 66. ↑
- () سعد بن أبي وقّاص، وابن عمّه عبد الرحمن بن عوف، فهما من بني زهرة. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 229ـ230، الكامل في التاريخ 3: 67. ↑
- () الكامل في التاريخ 2: 425. ↑
- () طبقات ابن سعد 3: 248. ↑
- () مآثر الاِنافة 1: 52، الأحكام السلطانية/ للماوردي: 10، الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 25، 26. ↑
- () الفِصَل 4: 169. ↑
- () تفسير المنار 5: 198. ↑
- () مآثر الإنافة 1: 36، الأحكام السلطانية/ للماوردي: 6، الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 20. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للماوردي: 817. ↑
- () مآثر الإنافة 1: 37، الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 20. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 20. ↑
- () مآثر الإنافة 1: 58. ↑
- () التفتازاني/ شرح المقاصد 5: 234، ابن المطهّر الحلّي، والمقداد السيوري/ شرح الباب الحادي عشر: 69، الجرجاني/ شرح المواقف 8: 345. ↑
- () انظر: مآثر الإنافة 1: 58. ↑
- () مآثر الإنافة 1: 71. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 24. ↑
- () الخلافة: 45، عنه: نظام الحكم والإدارة في الإسلام: 126. ↑
- () شرح الموطّأ 2: 292، عنه: المذاهب الاِسلامية: 155. ↑
- () المذاهب الاِسلامية: 155. ↑
- () المذاهب الاِسلامية: 155. ↑
- () تفسير المنار 5: 215 ـ 216 باختصار. ↑
- () الخلافة 51، عنه: نظرية الحكم والإدارة في الإسلام: 126. ↑
- () المذاهب الإسلامية: 155، وقد تقدّم آنفاً. ↑
- () انظر: الملل والنحل 1: 140، الكشّاف/ للزمخشري ـ تفسير الآية 124 من سورة البقرة {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. ↑
- () قُتل الاِمام الحسين (عليه السلام) مع نيّف وسبعين من أهل البيت والتابعين وفيهم الصحابي أنس بن الحارث الذي روى حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «إنّ ابني هذا ـ يعني الحسين ـ يُقتل بأرض يقال لها كربلاء، فمن شهد منكم ذلك فلينصره» البداية والنهاية 8: 201، أُسد الغابة، والاِصابة/ ترجمة أنس بن الحارث. ↑
- () قُتل منهم ثمانون صحابياً ولم يبق بدريّ بعد ذلك، وقتل من قريش والأنصار سبع مئة، ومن التابعين والعرب والموالي عشرة آلاف، وأُبيحت المدينة ثلاثة أيّام وانتُهكت الأعراض حتّى ولدت الأبكار لا يُعرَف من أولدَهنّ ! ↑
- () انظر: منهاج السنّة 2: 241ـ243، 253، الوصية الكبرى: 54. ↑
- () منهاج السُنّة 2: 245. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 10، الأحكام السلطانية/ للبغوي: 25 ـ 26. ↑
- () الفِصَل 4: 169، تاريخ الأمم الاِسلامية/ للخضري: 1: 196. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 65. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 128. ↑
- () الفِصَل 4: 169. ↑
- () شرح المقاصد: 5: 255. ↑
- () الاقتصاد في الاعتقاد: 151. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للماوردي: 6. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 20، الفِصَل 4: 89، مآثر الاِنافة 1: 37، مقدّمة ابن خلدون: فصل 26، ص 242ـ245. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 20. ↑
- () الفِصَل 4: 89. ↑
- () المقدّمة: 243. ↑
- () والمارقون (الخوارج) أيضاً احتجّوا بهذا حين لم يجدوا بينهم قرشياً يسندون إليه الزعامة فيهم! ↑
- () مقدّمة ابن خلدون: فصل 26، ص243. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب الأحكام ـ باب 2/ح 672. ↑
- () مسند أحمد 1: 18، الكامل في التاريخ 3: 65، صفة الصفوة 1: 367، سير أعلام النبلاء 1: 10. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 65، صفوة الصفوة 1: 383، طبقات ابن سعد 3: 343. ↑
- () مسند أحمد 1: 18، صفة الصفوة 1: 494، طبقات ابن سعد 3: 590، سير أعلام النبلاء 10:1. ↑
- () سير أعلام النبلاء 1: 167. ↑
- () مقدّمة ابن خلدون: فصل 26، ص243. ↑
- () مقدّمة ابن خلدون: 243. ↑
- () صحيح مسلم ـ كتاب الفضائل: ح/1. ↑
- () الفِصَل 4: 89ـ90. ↑
- () راجع: الكامل في التاريخ 2: 329ـ330، الاِمامة والسياسة: 12ـ16. ↑
- () صحيح البخاري ـ الفتن ـ باب ح/ 6695. ↑
- () صحيح البخاري ـ الفتن ـ باب 3 ح/ 6649، فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13: 7 ـ8. ومما يثير الدهشة أن تجد هذه الأحاديث وأكثر منها في آل أبي سفيان وآل مروان، تجدها في كتاب (البداية والنهاية) لابن كثير تحت عنوان (إخباره (صلّى الله عليه وآله) لما وقع من الفتن من بني هاشم بعد موته)!! ج6: 255 ـ ط. دار التراث العربي ـ سنة 1992م، و ج6 : 227 ـ ط. مكتبة المعارف ـ سنة 1988م. علماً أنّه وضعها وفق ترتيبه التاريخي في أحداث العهد الأموي!! ولعل المتهم في هذا ناسخ أمويّ الهوى غاضه ذكر بني أُمية في هذا العنوان فقلبه على بني هاشم!!. ↑
- () تطهير الجنان واللسان: 30. ↑
- () صحيح مسلم ـ كتاب الفضائل: ح/1. ↑
- () ابن تيميّة/ رأس الحسين: 200 ـ 201 مطبوع مع استشهاد الحسين ـ للطبري. ↑
- () نظرية الإمامة/ \د. أحمد محمود صبحي: 26. ↑
- () وهو الذي ارتدّ مشركاً في عهد الرسول فهدر الرسول دمه يوم فتح مكّة، وأمر بقتله ولو وجد تحت أستار الكعبة! ـ راجع ترجمته في: الاستيعاب، وأسد الغابة، والإصابة. ↑
- () أي إرسالهم إلى أطراف البلاد بحجّة حماية الحدود، ومنعهم عن العودة إلى أهليهم. ↑
- () تاريخ الطبري ـ أحداث سنة 34 ـ ج4: 333ـ335. ↑
- () الزيدية: 35ـ37. وانظر أيضاً: محمّد عبد الكريم عتّوم/ النظرية السياسية المعاصرة للشيعة الإمامية الإثني عشرية: 52 فقد انتهى إلى النتيجة ذاتها. ↑
- () غير واضحة في الأصل (النسخة المصوّرة). ↑
- () روضة الأنس الورقة: 2. ↑
- () أبو بحر صفوان بن إدريسي التجيبي المرسي 560ـ598. شاعر من مرسية بالأندلس له شعر ونثر. وألّف كتاب: زاد المسافر وغرة محيا الأدب السافر، الذي حقّقه عبد القادر محداد (الجزائر). وانظر مقدمة الكتاب ففيها تفصيل عن صاحبه وأخبار. ↑
- () أبو عبدالله محمد بن مرج الكحل (ويُقال فيه مرج كحل) من أهل جزيرة شُقر (بلدة ابن خفاجة). وهو توفي سنة 634 ببلده. وكان شاعراً مبدعاً، وخلف ديوان شعر كان متداولاً. ↑
- () المعروف اليوم بلنگرود وقبره موجود هناك. ↑
- () علي بن عبد الكريم الفضيل شرف الدين: الزيدية نظرية وتطبيق: 16ـ18. ↑
- () ↑
- () ما بين الحاضرتين من ابن تغري بردي: «النجوم الزاهرة، ج12، ص50 (طبعة القاهرة سنة 1956). ↑
- () سورة الزمر، الآية: 46. ↑
- () و(3) و (4) كذا في الأصل. ↑
- ↑
- ↑
- () سورة النمل، الآية: 34. ↑
- () كذا في الأصل. ↑
- () سورة النساء، الآية: 10. ↑
- () سورة الأحقاف، الآية: 20. ↑
- () سورة الحاقة، الآية: 8. ↑
- () سورة مريم، الآية: 98. ↑
- () سورة النور، الآية: 54. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 26. ↑
- () سورة الكافرون، الآية: 1-6. ↑
- () سورة الانفطار، الآية: 1. ↑
- () الرتوت جمع رت وهو الرئيس والسيد (المعجم الوسيط). ↑
- () كذا في الأصل. ↑
- () سورة آل عمران، الآيات: 169ـ171. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 249. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 56. ↑
- () سورة مريم، الآيتان: 89 و90. ↑
- () سورة مريم، الآيتان: 79 و80. ↑
- () ما بين الحاضرتين من ابن تغري بردى النجوم الزاهرة، ج12، ص52 (طبعة القاهرة سنة 1956). ↑
- () سورة الشعراء، الآية: 227. ↑
- () ابن أياس. ↑
- () عجائب المقدور. ↑
- () النائب: هو الوالي الحاكم. ↑
- () ماهية الحروب الصليبية، ص66. ↑
- () معجم البلدان. ↑
- () عبد القيس من القبائل العربية التي تفانت في الإخلاص لعلي (عليه السلام). ↑
- () هذا البيت ضمن قصيدة طويلة جداً للحسين بن ثابت العبدي من أعيان القرن السادس الهجري، ذكر فيها من بطون (عبد القيس) وأمجاد القبائل حدود خمسين قبيلة وفخذاً وعمارة. ↑
- () لجيم: هو لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. ↑
- () نهج البلاغة: 332ـ333. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 195. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 179. ↑
- () نهج البلاغة: 443. ↑
- () حقوق الإنسان اليوم. موريس كرانستون، ترجمة لجنة الترجمة، بيروت: 100ـ101. ↑
- () نهج البلاغة: 401. ↑
- () المصدر السابق: 397. ↑
- () نهج البلاغة: 500. ↑
- () المصدر السابق: 501. ↑
- () نهج البلاغة: 501. ↑
- () الألفين ـ العلامة الحلي، ط2، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، 1388هـ، 129. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 256. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 67. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 6. ↑
- () الغدير، ط2، حيدري، طهران، 1372هـ. ج1: 52. ↑
- () انظر عبدالله بن عباس: ج1: 150 وما بعدها. ↑
- () انظر تفاصيل ذلك في كتابنا عبدالله بن عباس: ج1: 160 وما بعدها. ↑
- () نهج البلاغة: 451. ↑
- () نهج البلاغة: 246. ↑
- () انظر تفاصيل ذلك في كتابنا عبدالله بن عباس: ج10: 253. ↑
- () الاستيعاب، ط1، مطبعة السعادة، مصر، 1328هـ. ج3: 39. ↑
- () شرح نهج البلاغة. مطبعة دار الكتب العربية، مصر، 1329هـ. 4: 9. ↑
- () انظر تفاصيل ذلك في كتابنا عبدالله بن عباس، ج1: 307 وما بعدها. ↑
- () نهج البلاغة: 383. ↑
- () انظر: عبدالله بن عباس ج1: 366. ↑
- () انظر: عبدالله بن عباس، ج1: 367 وما بعدها. ↑
- () انظر مروج الذهب ـ تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، مصر، 1948م. ج2: 415. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج2: 189. ↑
- () المصدر السابق، ج11: 106. ↑
- () المصدر السابق، ج7: 42. ↑
- () المصدر السابق، ج17: 16. ↑
- () انظر كتابنا عبدالله بن عباس ج1: 294. ↑
- () انظر شرح نهج البلاغة، ج1: 77. ↑
- () نهج البلاغة: 461. ↑
- () نهج البلاغة: 417. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج1: 90. ↑
- () نهج البلاغة: 79. ↑
- () المصدر السابق: 457. ↑
- () المصدر السابق: 559. ↑
- () نهج البلاغة: 433ـ435. ↑
- () انظر طبقات ابن سعد. مطبعة ليدن، 1335هـ: ج3: ق1: 213. ↑
- () انظر تأريخ الطبري، ط1، المطبعة الحسينية، مصر، 1326هـ. ج4: 163. ↑
- () انظر تفاصيل ذلك في كتابنا عبدالله بن عباس ج1: 249. ↑
- () شرح نهج البلاغة: ج1: 90. ↑
- () نهج البلاغة: 183. ↑
- () المصدر السابق: 81. ↑
- () المصدر السابق: 194. ↑
- () المصدر السابق: 428ـ429. ↑
- () نهج البلاغة: 427ـ428. ↑
- () المصدر السابق: 429. ↑
- () المصدر السابق: 444. ↑
- () نهج البلاغة: 436. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج13: 212. ↑
- () نهج البلاغة: 434. ↑
- () نهج البلاغة: 438. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج1: 90، ونهج البلاغة: 57. ↑
- () المصدر السابق، ج19: 240. ↑
- () نهج البلاغة: 425. ↑
- () نهج البلاغة: 438 – 439 . ↑
- () نهج البلاغة: 439. ↑
- () انظر شرح نهج البلاغة، ج17: 86. ↑
- () نهج البلاغة: 417ـ418. ↑
- () نهج البلاغة: 189. ↑
- () وفيات الأعيان. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة، مصر، 1948م، ج3: 3. ↑
- () نهج البلاغة. ضبط وفهرسة صبحي الصالح: 39. ↑
- () انظر المصجر السابق: 235. ↑
- () المصدر السابق: 48. ↑
- () حقائق التأويل. الشريف الرضي، منشورات منتدى النشر، 1355هـ. ج5: 197. ↑
- () المجازات النبوية. تحقيق طه محمد الزيني، مؤسسة الحلبي، مصر، 1387هـ: 39 ـ 40. ↑
- () مستدرك وسائل الشيعة. طهران، 1321هـ. ج3: 805. ↑
- () انظر كتابه (وقعة صفين). ↑
- () الفهرست. ابن النديم، مطبعة الاستقامة، مصر: 155. ↑
- () شرح نهج البلاغة. مصر، مصطفى البابي، 1372هـ. ج3: 546. ↑
- () سورة الأنفعال، الآية: 23. ↑
- () كنز العمال. دائرة المعارف النظامية، آباد دكن، 1312هـ. ج6: 154. ↑
- () سورة الأنبياء، الآية: 22. ↑
- () نهج البلاغة: 212. ↑
- () انظر علل الشرائع. المطبعة الحيدرية، النجف 1383هـ، 150 وما بعدها. ↑
- () انظر شرح نهج البلاغة، ج1: 169. ↑
- () انظر أنساب الأشراف، ط فلسطين، 1938م. ج5: 36، 54، وانظر تأريخ الطبري، ط1، 1407هـ. ج2: 244. ↑
- () سورة الجن، الآيتان: 26 و27. ↑
- () انظر مروج الذهب. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، مصر، 1948م. ج2: 417. ↑
- () انظر مروج الذهب، ج2: 431. ↑
- () نهج البلاغة ـ ضبط وفهرسة صبحي الصالح: 68. ↑
- () نهج البلاغة: 46. ↑
- () نهج البلاغة: 300. ↑
- () المصدر السابق: 300. ↑
- () المصدر السابق: 51. ↑
- () نهج البلاغة: 51. ↑
- () المصدر السابق: 368. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () نهج البلاغة: 368. ↑
- () المصدر السابق: 368. ↑
- () المصدر السابق: 141. ↑
- () المصدر السابق: 77. ↑
- () المصدر السابق: 91ـ92. ↑
- () نهج البلاغة: 301. ↑
- () المصدر السابق: 311. ↑
- () المصدر السابق: 369. ↑
- () انظر مسند أحمد، المطبعة الميمنية، مصر، 1339هـ، ج1: 119, ↑
- () تفسير الرازي، المطبعة البهية، مصر، 1357هـ. ج8: 23. ↑
- () مسند أحمد، ج1: 56. ↑
- () انظر تفاصيل ذلك في كتابنا: عبدالله بن عباس ج1: 118ـ172. ↑
- () نهج البلاغة: 48. ↑
- () المصدر السابق: 68. ↑
- () المصدر السابق: 246. ↑
- () انظر تفاصيل أخر من تحليلها في كتابنا عبدالله بن عباس ج1: 221 وما بعدها. ↑
- () سورة محمد، الآية: 9. ↑
- () سورة القلم، الآية: 4. ↑
- () سورة الشعراء، الآية: 215. ↑
- () سورة القصص، الآية: 68. ↑
- () شرح نهج البلاغة. ابن أبي الحديد، مطبعة مصطفى البابي، مصر، 1372هـ، ج3: 107. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () نهج البلاغة: 98. ↑
- () نهج البلاغة: 451. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج2: 294. ↑
- () نهج البلاغة: 48. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج12: 3. ↑
- () نهج البلاغة: 49. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () نهج البلاغة: 49. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () انظر تفاصيل ذلك في كتابنا عبدالله بن عباس، ج1: 246 ـ 250. ↑
- () نهج البلاغة: 188. ↑
- () نهج البلاغة: 235. ↑
- () انظر المصدر السابق: 358. ↑
- () نهج البلاغة: 358. ↑
- () المصدر السابق: 49. ↑
- () المصدر السابق: 83. ↑
- () سورة الأنعام، الآية:38. ↑
- () سورة النساء، الآية: 82. ↑
- () نهج البلاغة: 60 ـ 61. ↑
- () نهج البلاغة: 57. ↑
- () المصدر السابق: 49. ↑
- () نهج البلاغة: 350ـ351. ↑
- () المصدر السابق: 57. ↑
- () نهج البلاغة: 194. ↑
- () المصدر السابق: 57. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج1: 77. ↑
- () نهج البلاغة: 49. ↑
- () المصدر السابق: 263. ↑
- () نهج البلاغة: 264. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () يقع بحر النجف من جهة الجنوب الغربي من المدينة في بقعة رملية على جانب البادية من بقايا الترسبات، وقد جفت مياهه ولم يبق منها إلاّ مكانها في أرض منخفضة حيث كانت مياه كثير جفت تدريجياً من زمن طويل ولم يبق إلاّ آثارها، تبتدئ من نهر الفرات عند أبي صخير وتنتهي فوق المدينة عند كهوف تظهر طبقات الأرض منها تسمّى الطارات باصطلاح الأهالي، وبها تظهر آثار التعرية والتآكل نتيجة ظروف طبيعية. ↑
- () راجع ما ذكرناه عن المشبهة في باب «المشبهة». ↑
- () ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، 3/229. ↑
- () السيد المرتضى: تبصرة العوام، ص75ـ 76. ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل، 1/148ـ 149. ↑
- () ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، 128. ↑
- () ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، ص130. ↑
- () م.ن. ص304. ↑
- () م.ن. ص304. ↑
- () م.ن. ص305. ↑
- () م.ن. ص295. ↑
- () م.ن. ص460. ↑
- () م.ن. ص396. ↑
- () م.ن. ص400. ↑
- () ابن جماعة: إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعذيل، 1/34. ↑
- () رجال الكشي 279، مستدرك الوسائل 12/251. ↑
- () القاضي القمي: شرح توحيد الصدوق 2/246. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 19. ↑
- () شرح توحيد الصدوق، 2/254. ↑
- () الكليني: الكافين 1/183.الصدوق: التوحيد 104ـ243.
الطبرسي: الاحتجاج، 2/331.
الصدوق: معاني الأخبار، 1/8. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 19. ↑
- () سورى الشورى، الآية: 11. ↑
- () شرح توحيد الصدوق 2/226. ↑
- () كتب ورسائل فتاوى ابن تيمية في العقيدة 3/185. والجدير ذكره أنّ مصطلح الرافضة أطلق من قبل الخصوم على الإمامية الإثني عشرية. ↑
- () إيضاح الدليل 1/34. ↑
- () ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: 2/499. ↑
- () كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في العقيدة 3/196. ↑
- () ابن الجوزي: تلبيس إبليس، 1/108. ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل، 1/148ـ289. ↑
- () الخياط: الانتصار، ص11. ↑
- () دكتور نشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، 2/231. ↑
- () انظر ترجمته في باب المشبهة. ↑
- () البغدادي: الفرق بين الفرق، ص215. ↑
- () الأشعري: مقالات الإسلاميين، 1/30، وقارن أيضاً إيضاح الدليل لابن جماعة 1/27. ↑
- () مقالات الإسلاميين 1/30. ↑
- () تلبيس إبليس ص90. ↑
- () اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: 1/63ـ64. ↑
- () الأشعري: مقالات الإسلاميين، 1/31ـ207. ↑
- () ابن المرتضى: طبقات المعتزلة، ص54. ↑
- () الملل والنحل: 1/184. ↑
- () شرح نهج البلاغة: 3/288. ↑
- () بيان تلبيس الجهمية: 1/409. ↑
- () تلبيس إبليس ص90. ↑
- () الكافي 1/99، ح12، في قوله تعالى لا تدركه الأبصار. ↑
- () شرح نهج البلاغة 3/228. ↑
- () م.ن. ↑
- () الشريف المرتضى: الشافي في الإمامة، 1/84. ↑
- () م.ن. 1/85. ↑
- () الكراجي: كنز الفوائد، 2/40. ↑
- () الخياط: الانتصار، ص10. ↑
- () الدكتور نشار: نشأة الفكر الفلسفي الإسلامي، 2/213. ↑
- () البغدادي: الفرق بين الفرق، ص214. ↑
- () ابن قتيبة: كتاب الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، ص243. ↑
- () م.ن. 263. ↑
- () م.ن. 267. ↑
- () م.ن. 287 و288. ↑
- () م.ن. 397. ↑
- () ابن قتيبة: كتاب الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، ص291ـ292ـ305. ↑
- () م.ن. 263. ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل، 1/103. ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل، 1/289. ↑
- () البغدادي: الفرق بين الفرق، 214. ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل، 1/148. ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل 1/148. ↑
- () رجال الكشي 220، ابن النديم: الفقهرست 1/223، رجال النجاشي 2/397، ابن شهرآشوب: معالم العلماء 128، رجال ابن داوود 1/200، ابن طاوس: التحرير الطاوسي 296. ↑
- () رجال الكشي 256، المجلسي: بحار الأنوار 48/193. ↑
- () رجال ابن داود 2/284. ↑
- () رجال الكشي 256، ابن شهرآشوب، المناقب 4/244. ↑
- () الكليني: الكافي 1/171، الطبرسي: أعلام الورى 280، المفيد: الإرشاد 2/194، الطبرسي: الاحتجاج 2/364، الأربلي كشف الغمة 2/173، المجلسي بحار الأنوار 23/9. ↑
- () المسعودي: مروج الذهب 3/254. ↑
- () المفيد: الفصول المختارة 1/49. ↑
- () رجال الكشي 267. ↑
- () م.ن. 270. ↑
- () م.ن. 274 الحر العاملي: وسائل الشيعة 27/149. ↑
- () المفيد: الفصول المختارة 1/50، المناقب 1/268. ↑
- () الفهرست: ابن النديم 1/223، الفهرست: الطوسي 208، رجال ابن داود 1/200. ↑
- () رجال الكشي 222. ↑
- () الفهرست لابن النديم 1/223، الفهرست للطوسي 208. ↑
- () المسعودي: مروج الذهب 4/124. ↑
- () الصدوق: كمال الدين وتمام النعمة 2/367، بحار الأنوار 48/197. ↑
- () الفصول المختارة 1/50، المناقب 1/268، بحار الأنوار 29/69. ↑
- () كمال الدين وتمام النعمة 2/368، بحار الأنوار 69/148. ↑
- () م.ن. 2/367. ↑
- () رجال الكشي 258، بحار الأنوار 48/189. ↑
- () الكافي 1/169، ح3، باب الاضطرار إلى الحجة، رجال الكشي 271، ح490، أمالي الصدوق 1/589، كمال الدين وتمام النعمة 1/207، ح23، باب 21، علل الشرائع للصدوق 1/*193، ح2، باب 152، الاحتجاج 2/367، بحار الأنوار 23/6، ح11، باب 6، م.ن. 23/6. ↑
- () مروج الذهب 4/114، الفصل في الملل والنحل لابن حزم 4/139، الملل والنحل 1/30ـ185، عقائد الصدوق 43. ↑
- () علل الشرائع 1/202، ح1، باب 155، كمال الدين وتمام النعمة 2/369.الفصول المختارة 1/28، بحار الأنوار 69/148، ح23، باب 101، م.ن. 10/292، ح1، باب 18. ↑
- () المقدسي: البدء والتاريخ 2/123، 124، رجال الكشي 274/275، بحار الأنوار 8/143، ح66، باب 23. ↑
- () المناقب 1/274، بحار الأنوار 47/401.بحار الأنوار 29/476 (بيان). ↑
- () الفصول المختارة 1/28ـ49، المناقب 3/78، عيون الأخبار لابن قتيبة 2/150، البصائر والذخائر للتوحيدي 3/199، رقم 700، العقد الفريد 2/412.ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث 98/99، بحار الأنوار 10/292، ح2، باب 18، وهي أماكن عديدة من البحار. ↑
- () الكافي 1/227، ح1، باب أنّ الأئمة عندهم جميع الكتب.ـ التوحيد للصدوق 1/من ص 270 حتى 275، ح1، باب 7.
ـ بصائر الدرجات لابن فروخ الصفار 1/340، ح2، باب 13ـ المناقب 4/31.
ـ الاختصاص 292، وورد في بحار الأنوار في مواضع عديدة. ↑
- () عيون الأخبار لابن قتيبة 2/153، ابن شهراشوب متشابه القرآن 1/103. ↑
- () الكافي 1/171، ح4، باب الأضرار إلى الحجة ووردت أيضاً في مصادر متعددة. ↑
- () المناقب 1/274، بحار الأنوار 47/401، ح3، باب 12. ↑
- () التوحيدي: الذخائر والبصائر 7/75، ح227. ↑
- () ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث 98/99، لسان الميزان، للعسقلاني 6/234. ↑
- () الأشعري: مقالات الإسلاميين 1/32 ـ النسفي: تبصرة الأدلة 1/119.ـ والملل والنحل للشهرستاني 1/184 ـ الفرق بين الفرق 48، 320.
ـ ابن جماعة: إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل 1/27، بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية 1/414، 415. ↑
- () ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية 1/284. ↑
- () الأيجي: المواقف 3/682. ↑
- () ابن الجوزي: تلبيس إبليس 1/106، مقالات الإسلاميين 1/208. ↑
- () الفرق بين الفرق 48. ↑
- () مقالات الإسلاميين 1/32. ↑
- () ابن الجوزي: تلبيس إبليس 90. ↑
- () بيان تلبيس الجهمية 1/410. ↑
- () الخياط: الانتصار 6. ↑
- () انظر حول هذه المسألة أيضاً ما ذكرناه في باب المجسمة. ↑
- () الكافي 1/80، 83، ح5 و6، باب إطلاق القول بأنّه شيء.ـ التوحيد ص244، ح1، باب 36.
ـ معاني الأخيار 1/8، ح1، باب معنى قول الأئمة أنّ الله تعالى شيء.
ـ الاحتجاج 2/333.
ـ بحار الأنوار 3/230، ح22، باب 6، وفي مواضع عديدة من البحار. ↑
- () ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 3/229. ↑
- () إيضاح الدليل 1/34. ↑
- () الكافي 1/80 و83، ح5 و6، باب إطلاق القول بأنّه شيء. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 19. ↑
- () القاضي مفيد القمي: شرح توحيد الصدوق 2/254. ↑
- () يبتدي السوق الكبير بخط مستقيم من باب الصحن الشرقي. ↑
- () وينتهي إلى خارج البلدة، وهو الفاصل بين محلتي البراق والمشراق، فالجهة التي تكون على يمين الخارج إلى خارج البلدة محلة البراق، والتي على يساره محلة المشراق.وتوجد أسواق أخرى هي: سوق القاضي يبتدي من باب الصحن الغربي وينتهي إلى محلة العمارة، وسوق الحويش وسوق المشراق ويبتدي من باب الصحن الشرقي الثاني الذي يفضي إلى قيسارية الخياطين وينتهي إلى المحلة المذكورة، وهو مجاور للسوق الكبير وعلى جهة الشمال منه يمتد معه تقريباً، ومن فروعه سوق المسابك «المسابج» والذي يسمّى أيضاً سوق الجللجية ـ وهم صانعو الجِل الذي تحشى به البرادع «الاجِلال» ويوضع على ظهر الحيوانات كالسُرج وكانت قريباً منه دور الكعباويين وهم طائفة اشتهرت في القرن الحادي عشر والثاني عشر. ↑
- () الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ولد في طوس سنة 385هـ/ 995م، وقدم العراق سنة 408هـ/ 1014م وأقام في بغداد مدّة وعند حدوث الفتنة هاجر منها إلى النجف، وهو أوّل من جعلها مدرسة علمية، توفي في النجف في سنة 460هـ/ 1067م. ↑
- () يقيم قسم كبير من الجبور على جدول الجربوعية وعلاج، وعلى قسم كبير من الشاطئ الأيمن لفرات الحلة خصوصاً في الدغارة وعفك، وقسم على الشاطئ الأيسر من فرات الحلة. ↑
- () لم تزل النجف مسورة منذ القديم. ذكر كارستن نيبور في رحلته إلى العراق، ومروره على مدينة النجف: إنّ للمدينة سور وللسور بابان، باب المشهد وباب النهر، ولها باب ثالث يُقال له باب الشام لكنّه مغلق بيناء، والسور تهدم بحيث يمكن دخول المدينة من خمسين موضعاً، وكان مروره في جمادى الآخرة ورجب من سنة 1179هـ/ 1765م. وكانت النفقات على ترميم السور من خزانة الإمبراطورة الشهيرة گوهربكم وقدرت هذه النفقات بمائة ألف نادري.والسور الخامس هو سور بنيَّ منخفضاً جداً سنة 788هـ/ 1386م، وجدّد بناؤه سنة 1212هـ/ 1797م، وكانت البلدة صغيرة فكتب العلماء رسائل إلى أثرياء الهند وإيران يستنهضونهم ببناء سور جديد لحماية المجاورين من غارات الأعراب التي ازدادت وطأتها على المدينة. فجاء ثري هندي من الأعيان تبرّع ببناء ربع من السور من الجهة المقابلة للقبلة، فكتب الشيخ جعفر كاشف الغطاء إلى فتح علي شاه طالباً منه إتمام بناء السور. وبمجيء محمد حسين الأصفهاني المتوفى سنة 1239هـ/ 1824م إلى النجف وكان يشغل الصدارة لفتح علي شاه، وزوج ابنته شمس الدولة، وقام بإتمام بناء السور على هيئة أسد رابض يطوق المدينة، وحفر خلفه خندقاً بعمق ثلاثة أمتار، وعرضه حوالي عشرة أمتار، وأقام فيه الأبراج.
وقد اقترنت هذه الأبراج بأسماء معروفة، مثل: قولة أم السبع، وقولة خطار العبد التي تقع في محلة العمارة، والقولة التي تقع في محلة المشراق في موضع مدرسة الغري الأهلية التي هدمت وأصبحت ضمن ساحة الإمام علي.
وأهم هذه الأبراج قولة أم السبع.
ويتكوّن السور من ثمانية عشر ضلعاً بني من ثلاث طوابق، الطابق الأرضي أعدّ للمؤن والأعتدة، والطابق الأوسط لاستراحة المحاربين، والطابق العلوي للدفاع وجعلت فيه أبراج ومواضع للمدافع والبنادق والرصد.
ويُقال إنّ النيران كانت توقد فيه عند الضرورة لإبعاد المهاجمين عن تسلّق السور، أو اختراقه، وجعل له بابان أحدهما يقابل الطريق المؤدية إلى الكوفة، ويعرف بالباب الكبير والآخر في جهة القبلة ممّا يلي الغرب بالقرب من المقام المنسوب إلى زين العابدين عرف بباب الثلمة، وبعد الفراغ من بناء السور بنى مدرسة الصدر التي عرفت باسمه، وموقعها في الجهة اليمنى للداخل إلى السوق الكبير شغلت مساحتها تسعمائة متر مربع، وصرف على بناء السور والمدرسة خمسةً وتسعين ألف تومان أشرفي، وبوفاته تعطّل البناء فجاء ولده عبدالله خان الملقب بأمين الدولة المتوفى سنة 1263هـ/ 1847م.
وبمجيئه أُكمل البناء يوم الخامس من ذي الحجة من السنة المذكورة، وتشرع من السور ثمانية أبواب كما أحدث حوضاً كبيراً في الصحن مقابل الباب الكبير، وأصلح التضعضع في المئذنتين، وكان ابتداء بناء السور سنة 1217هـ/ 1803م وإتمامه سنة 1226هـ/ 1811م. وفتح الحاج عبد السميع الأصفهاني المتوفى سنة 1288هـ/ 1871م باباً ثالثاً للسور من جهة القبلة في سنة وفاته، وهو الباب المعروف بباب السقائين، ويسمّى «باش تابيه» وتسمية العامة «إشتابيه»، وتسميته من باب الإضافة والتابية في التركية اسم للرابية أو «القولة» وتعني البرج لقرب هذا الباب من الرابية.
وفتحت الحكومة العثمانية باباً رابعاً بالقرب من الباب الكبير.
وفيما بعد تهدّم من السور شيء فصارت ثلمة كبيرة في الجهة المقابلة لِقُبة صافي صفا إلى الباب القديم سنة 1317هـ/ 1899م عرف بباب الثلمة، وعندها عُمرت دور كثيرة وأصبحت محلة واسعة خارج السور تشرف على بحر النجف.
وفي سنة 1348هـ/ 1929م أحدثت عدّة أبواب متقاربة من السور بالقرب من مخزن الماء الحالي. ↑
- () من المساجد القديمة المشهور في النجف عُمر سنة 1162هـ/ 1749م، وينسب إلى الملا أحمد بن محمد الأردبيلي المتوفى سنة 993هـ/ 1585م وموقعه في سفح الطمة، وأخيراً جلس فيه الشيخ باقر قفطان لتعليم الصبيان فعُرف به، وفي سنة 1364هـ/ 1944م هدم منه مقداراً لتوسعة الشارع. ↑
- () الوجه في تسميته بعقد الذهب لأنّ الواقف فيه يشاهد القبّة الذهبية للإمام علي، وسمّي أيضاً بعقد السلام لأنّ الواقف فيه يشاهد القبّة المطهرة فيسلم على الإمام. ↑
- () الشيلان لفظ تركي قفقازي يراد به محل الأضياف. واستعمل بالفارسية بمعى الضيافة، وهو بناء عظيم مرتفع يراد به عند الإطلاق عليه محل الضيافة كالمضيف المستعمل في العراق، وكان في النجف على عهد الصفويين عدّة أماكن تعرف بهذا الاسم، أحدها قرب الصحن الذي أصلحه الملا يوسف بن ملا سلمان المتوفى حدود 1270هـ/ 1853م، وجعله قيسارية وقد ذهب اليوم أكثره بفتح الشارع المحيط بالصحن، والثاني في محلة العمارة بالقرب من مقام زين العابدين ومسجد الصفا، والثالث حدث بعد سنة 1300هـ/ 1882م، أنشأه معين التجار الحاج آغا محمد البوشهري بقصد أن يكون دار ضيافة للزوار الإيرانيين وهي بناية فخمة، كانت في وقتها من أهم بنايات النجف وأعظمها، مكوّنة من طابقين شيّد بالآجر ولم تكن به أبواب وشبابيك فقد قلعت قبل ثورة العشرين، وتقدّر مساحته بحوالي ألفي متر مربع وارتفاعه إثنا عشر متراً، ولا تزال قائمة حتّى اليوم فيها مكائن للطحن والثلج. ↑
- () المناخة مساحات واسعة تناخ فيها الجمال التي يصطحبها أهل البادية لنقل الميرة من النجف حيث أنّ هناك يجري الكثير من التبادل التجاري بين الوافدين من الجزيرة والتجار. ↑
- () أنشأت بمساحة أربعين ألف متر مربع. سمّيت باسم الملك غازي بن فيصل الأوّل عندما كان ولياً للعهد، المقتول ليلة الثلاثاء 14 صفر 1358هـ/ 1939م. ↑
- () قبّة معقودة على بعض السادات ويرجع تاريخ عمارتها إلى القرن الثامن، وبإزائه مسجد الصفا، وهو من المساجد القديمة، وفي ساحته صخرتان عليهما قصيدتان عربيتان يرجع تاريخهما إلى أوائل القرن الثاني عشر الهجري، وله خدمة يتعاهدونه ولهم حوله دور واسعة وهي من ملحقاته الوقفية، والمحلّة التي فيها هذا المسجد كانت تعرف بمحلّة الشيلان. ↑
- () أبو العباس أحمد الجوري بن علي بن أبي العباس أحمد المعروف بالرفاعي كان شيخاً صالحاً فقهياً شافعي المذهب سكن البطائح بقرية يُقال لها أم عبيدة مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة، ولها شهرة في العراق، فانضم إليه منها ومن غيرها جمعٌ غفير فأحسنوا الاعتقاد به وتبعوه، وانتموا إلى ذاته ويعرفون ثمة بالرفاعية، والطريقة المعروفة بالرفاعية والبطائحية منسوبة إليه. توفي سنة 578هـ/ 1182م. ولم يكن له عقب وإنّما العقب لأخيه، وأولاده يتوارثون المشيخة والولاية، وقبره في «أم عبيدة» وكانت بلدة عامرة إلى منتصف القرن الثالث عشر الهجري دثرت بعد أن غيّر الفرات مجراه واستحدثت بقربه بعد الاحتلال العثماني مدينة «الرفاعي» نسبة له، وقبره اليوم محط الجماهير من الزوار، ومن سالكي طريقته. ↑
- () الصاحب عطاء الملك علاء الدين بن بهاء الدين محمد الجويني المتوفى سنة 683هـ/ 1284م، ولد في العاشر من ربيع الأوذل سنة 623هـ/ 1225م، ولي العراق إحدى وعشرين سنة وشهوراً، وكان عادل السيرة أديباً فاضلاً، توفي علاء الدين سنة 681هـ/ 1282م، وعدّ من عماراته أنّه أجرى نهراً من قصبة الأنبار إلى النجف، وصرف له مبالغ وافرة قدرها مائة ألف دينار ذهباً، فتأسّست عمارات وقرى في جانبيه وعددها مائة وخمسون قرية، والظاهر أنّ النهر المذكور هو المعروف اليوم بكري سعد، كما أسّس رباطاً في النجف. (راجع: صاحب الديوان). ↑
- () الشاه طهماسب الأوّل ابن الشاه إسماعيل الأوّل. ولد يوم الأربعاء سنة 919هـ/ 1513م في قرية شهاب آباد من أعمال أصفهان، وملك تسع عشرة سنة، وكان جلوسه على سرير الملك سنة 930هـ/ 1523م، وزار النجف سنة 934هـ/ 1527م، وتوفي سنة 984هـ/ 1576م. ↑
- () كلشن خلفاء «تاريخ بغداد» بالتركية، طبع في اسطنبول سنة 1143. ↑
- () جابية القليب المسمّى «الصخير» تقع في محلة البراق ويستقي منها بالدلاء لأنّ ماء القليب معتدل العذوبة، وفي حدود ألف ومائة أوصلوه بمياه الآبار التي حفرها الشاه عباس الصفوي، وفي سنة 1038هـ/ 1627م بنيت فوهته الواسعة حيث خرب لاستغناء الناس عنه بالماء الحلو. ↑
- () رحلة كارستن نيبور إلى العراق في القرن الثامن عشر ـ مجلة الأقلام، العدد الأوّل، السنة الأولى، عام 1965، ترجمة الدكتور محمود الأمين ـ بغداد. ↑
- () مجلة لغة العرب، ج2، من السنة الثامنة. ص134ـ135، وماضي النجف، مصدر سابق، ج1، ص195. ↑
- () غيّر اسمها إدارياً إلى قضاء الهندية. ↑
- () باسم شريعة الكوفة، وبالجسر. ↑
- () كانت قرية تعرف بأم البعرور ثمّ سمّيت الحميدية. ↑
- () قضاء قرب الحيرة استحدث بعد تغيير مجرى الفرات. ↑
- () مجلة العرب، ج2، من السنة الثامنة. ص:134 ـ 135، وماضي النجف، مصدر سابق، ج1، ص195. ↑
- () تولّى منصب ولاية بغداد سنة 1258هـ/ 1842م، وعزل سنة 1267هـ/ 1850م، وكان قد هجم على مدينة كربلاء المقدسة بعد ثلاثة شهور من توليه منصبه، وأوقع فيها القتل ليلة زيارة «عرفة» من شهر ذي الحجة سنة 1258هـ/ 1842م الموافق لليوم العاشر من شهر كانون الثاني. ↑
- () للصحن أربع إيوانات:الأوّل: إيوان اقتطع من رواق مسجد عمران بن شاهين في الجهة الشمالية.
الثاني: إيوان يقابل الإيوان الأوّل، هو أيضاً مقتطع من رواق مسجد عمران بن شاهين، ويسمّى إيوان العلماء.
الثالث: إيوان الحبوبي في الجهة الجنوبية، وفيه مقبرة المجاهد الحجة السيد محمد سعيد الحبوبي.
الرابع: إيوان يقابل الإيوان الثالث، يقع في ظهر المرقد العلوي، ويعرف بإيوان «مرزاب الذهب» ذلك لأنّ في أعلاه مرزاب الذهب. ↑
- () والصحيح أنّ حفر النهر كان في ولاية مصطفى عاصم. ↑
- () ويسمّى نهر الحميدية، وجدول الحميدية وبدعة الحميدية كما جاء في دعاء رتبه خطيب الحضرة الحيدرية السيد سعيد أفندي بعد إتمام وإكمال «بدعة الحميدية» التي أجريت من الجعارة السنية «الحيرة» إلى النجف الأشرف بمحضر الأهالي والمأمورين والعساكر الموجودين وكافة الحشود التي اشتغلت بهذه البدعة الخيرية يوم الخميس 5 جمادى الأولى من شهور 1305، وهذه الحميدية غير التي ذكر حفرها ماضي النجف في سنة 1310 الجزء الأوّل، ص136. ↑
- () أبو صخير: تقوم على 18 كم جنوب النجف و53 كم غرب الديوانية، تقع على فرع صغير من فروع الفرات، وتقع أطلال الحيرة القديمة على كيلومترين منها، وأكثر مباني أبي صخير بالآجر المقتلع من آثار الحيرة. ↑
- () سمّي باب الساعة لوجود ساعة لها بناية خاصّة ينتفع بها لمعرفة الأوقات. تبرّع بإرسالها أمين السلطان سنة 1305هـ/ 1887م، وهو الباب الرئيسي للصحن الشريف يقع في جهة الشرق ومنه إلى السوق الكبير الذي ينتهي الخارج منه بخط مستقيم إلى خارج البلدة وتتميز الساعة بجرس ناقوسي من أربعة أوجه لأربعة محركات، كسيَ أعلاها بالذهب سنة 1323هـ/ 1905م، وقد جدّد تذهيبها سنة 1395هـ/ 1975م. ↑
- () لأنّ الطيور المعروفة باللقالق كانت تضع أعشاشها على حافة قبّة الساعة. ↑
- () خان المصلى: بناه الحاج محمد حسين خان الاصفهاني المار ذكره، ص42، ثمّ جدد بناءه الحاج حسن مرزة. ↑
- () خان الحماد: بناه الحاج محمد صالح كبة البغدادي، وبنى بجانبه الشيخ مرتضى الأنصاري خاناً، ويحيط بالاثنين سور واحد وكلّ يدعى خان الحماد. ↑
- () خان النخيلة: شيّده أحد الهنود. ↑
- () شرح المواقف ٨: ٣٦٥. ↑
- () شرح المواقف ٨: ٣٦٥. ↑
- () الفِصَل ٤: ١٠٩. ↑
- () المذاهب الإسلامية: ٣٧. ↑
- () صحيح البخاري ـ باب غزوة خيبر: ح/٣٩٩٨، صحيح مسلم ـ كتاب الجهاد والسِيَر ٣: ١٣٨٠ ح/٥٢، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٣٠٠، ورواه أصحاب التاريخ أيضاً: الطبري ٣: ٢٠٢، ابن الأثير/ الكامل في التاريخ: 2: 331، ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة 6: 46. ↑
- () نهج البلاغة: ٩٧ الخطبة ٦٧، و انظر:ابن قتيبة/ الإمامة والسياسة: ١١. ↑
- () مسند أحمد ٤: ٢٤٨، 250،٢٥١، صحيح مسلم: الطهارة ـ باب المسح على الناصية والعمامة، سنن أبي داود: المسح على الخفّين ح/١٤٩، ١٥٢، سنن ابن ماجة: ح/١٢٣٦، سنن النسائي ـ الطهارة: ح/١١٢. ↑
- () انظر: ابن الجوزي/ آفة أصحاب الحديث: ٩٩. ↑
- () صحيح البخاري: كتاب الأحكام ح/٦٧٥٤. ↑
- () سيرة ابن هشام ٤: ٢٧٢، البداية والنهاية ٤: ٣١٢. ↑
- () أبو الفرج ابن الجوزي/ آفة أصحاب الحديث. ↑
- () فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٢: ١٢٣. ↑
- () ابن الإسكافي/ المعيار والموازنة: ٤١ـ٤٢. ↑
- () مسند أحمد ١: ٣٥٦، وأخرجه الطبري في تاريخه ٣: ١٩٦ ولم يذكر فيه قول أُمّ الفضل. ↑
- () ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة ٩: ١٩٧. ↑
- () فتح الباري في صحيح البخاري ٢: ١٢٢ـ١٢٣. ↑
- () المعيار والموازنة: ٤١. ↑
- () عبد الرزّاق/ المصنّف ٥: ٤٢٩ ـ ٤٣٠، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٢: ١٢٣. ↑
- () ابن تيميّة/ منهاج السُنّة ٣: ٢١٣. ↑
- () الطبقات الكبرى ٤: ٦٦، تهذيب تاريخ دمشق ٢: ٣٩٥ و ٣: ٢١٨، مختصر تاريخ دمشق ٤: ٢٤٨/ ٢٣٧ و٥: ١٢٩/ ٥٦ ترجمة أُسامة بن زيد وأيّوب بن هلال، تاريخ اليعقوبي ٢: ٧٧، تاريخ الخميس ٢: ١٧٢، شرح نهج البلاغ 1: 159،220 و٩: ١٩٧. ↑
- () الطبقات الكبرى ٤: ٦٦. ↑
- () أخرجه البخاري ومسلم في باب فضائل أبي بكر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٧: ١٤ ـ ١٥، صحيح مسلم بشرح النووي ٨: ١٥٤، وانظر: تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة: ٩٠ رقم ٥٦. ↑
- () ترجمة جبير بن مطعم في: سير أعلام النبلاء ٣: ٩٧، الإصابة ١: ٢٢٦/١٠٩٢. ↑
- () ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة ١٤: ٢٢. ↑
- () الاستيعاب بهامش الإصابة 1: 231، مختصر تاريخ دمشق 7:6، سير أعلام النبلاء 3 :95، 97، وهؤلاء الذين حسن إسلامهم معدود فيهم مع جبير: أبو سفيان ومعاوية، كما في المعارف/ لابن قتيبة: 342. ↑
- () سير أعلام النبلاء 3: 98. ↑
- () راجع تراجمهم في: الاستيعاب، وأُسد الغابة، والإصابة، ومختصر تاريخ دمشق، وسير أعلام النبلاء. ↑
- () راجع أخبار غزوة أحد في: تاريخ الطبري، تاريخ اليعقوبي، الكامل في التاريخ، البداية والنهاية، وراجع ترجمة حمزة في الاستيعاب وأسد الغابة والإصابة وغيرها. ↑
- () مسند أحمد 4: 81، 83، 85، صحيح البخاري ـ كتاب الخمس ـ باب 17 ح/2971، سنن أبي داود ح/2978 ـ 2980، سنن النسائي ـ كتاب الخمس ـ باب 1 ح/4438، 4439). ↑
- () ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة 20: 25. وروى مثله أحمد في عروة بن الزبير بدلاً من جُبير بن مطعم. ↑
- () حلف الفضول: حلف جمع بني هاشم وزُهرة وتَيم، اجتمعوا عند عبد الرحمن بن جدعان فتحالفوا جميعاً على دفع الظلم واسترداد الحقّ من الظالم وإعادته إلى صاحبه المظلوم. ↑
- () الأغاني ١٧: ٢٩٥. ↑
- () انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٣: ٩٨. ↑
- () تاريخ بغداد ٦: ٨٣، الأغاني ١٥: ٣٢٩. ↑
- () تاريخ بغداد ٦: ٨١ ـ ٨٦، الأعلام ١: ٤٠. ↑
- () السنن الكبرى/ للنسائي 5: 154 ح/8539، 8540، مجمع الزوائد 9: 133. ↑
- () راجع ص109ـ112 من هذا الكتاب. ↑
- () ثمّة رواية تُنسب إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، تقول: «ارتد الناس بعد الحسين (عليه السلام) إلاّ ثلاثة: أبو خالد الكابلي، ويحيى ابن أمّ الطويل، وجبير بن مطعم، ثمّ إنّ الناس لحقوا وكثروا» غير أنّ في هذه الرواية أكثر من مشكلة تقف دون اعتمادها:أ ـ فمن الناحية السندية: وردت في مصدرين، الأوّل: رجال الكشي ـ ترجمة يحيى بن أمّ الطويل ـ وفي إسنادها مجهول، والثاني: كتاب (الاختصاص) ولا يُعرف مؤلّفه على وجه التحديد، ونسبته إلى الشيخ المفيد موضع خلاف.
ب ـ الثابت أنّ جبير بن مطعم قد توفّي قبل استشهاد الحسين بنحو أربع سنين على الأقلّ! وفي بعض طرق هذه الرواية ما يحلّ الإشكال الثاني، إذ ورد فيها (محمّد بن جبير بن مطعم) لكن حتّى هذا لم يثبت، إذ كشف المحقّق التستري أنّ هذا محرّف عن حكيم بن جبير! ـ قاموس الرجال/ ترجمة محمّد بن جبير بن مطعم.
والحقّ أنّ هذه الرواية فيها أكثر ممّا تقدّم، فهي تذكر بعد هؤلاء جماعة منهم سعيد بن المسيّب، وتقول إنّه نجا من الأمويين لأنّه كان آخر أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)! وهذا لا يصحّ لأنّ سعيد بن المسيّب تابعي وليس صحابياً. وهذا أيضاً ممّا وقف عليه المحقّق التستري في ترجمة سعيد بن المسيب من (قاموس الرجال). ↑
- () الفِصَل ٤: ١٠٨. وانظر أيضاً: تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة: ٩٠ ـ ٩١ ح/٥٦، نظام الخلافة بين أهل السُنّة والشيعة: ٣٩. ↑
- () انظر: الجرجاني/ شرح المواقف 8: 364ـ365، التفتازاني/ شرح المقاصد 5: 263 ـ 267. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب الأحكام ـ باب الاستخلاف 6: ح/6791، صحيح مسلم ـ باب فضائل أبي بكر 5 ح/2387 والنصّ منه. ↑
- () ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة ١١: 49. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب المرضى ـ باب ١٧ ح/ 5345 صحيح مسلم ـ كتاب الوصية ح/15، 21، 22، مسند أحمد 1: 324، السيرة النبوية للذهبي: ٣٨٤، البداية والنهاية ٥: ٢٤٨. ↑
- () السنن الكبرى ٦: ٣٠٠، تاريخ الطبري ٣: ٢٠٨، مروج الذهب ٢: ٣١٦، الكامل في التاريخ ٢: ٣٣١، جامع الأُصول ٤: ٤٨٢. ↑
- () سنن الترمذي ـ مناقب أبي بكر ٥: ح/٣٦٦٢، سنن ابن ماجة 1: ح/97. ↑
- () شرح المواقف ٨: ٣٦٤، شرح المقاصد ٥: ٢٦٦. تثبيت الإمامة: 92/59. ↑
- () الفِصَل ٤: ١٠٨. ↑
- () الرياض النضرة: ٤٨ ـ ٤٩. ↑
- () سيأتي في هذا البحث. ↑
- () سورة النور، الآية: 55. ↑
- () شرح المواقف 8: 364، شرح المقاصد 5: 265. ↑
- () تفسير القرطبي ١٢: ١٩٥. ↑
- () سورة الأحزاب، الآيتان: ١٠ و ١١. ↑
- () سورة الأعراف: الآية: 137. ↑
- () تفسير القرطبي ١٢: ١٩٦ ـ ١٩٧ باختصار. وانظر أيضاً: تفسير الطبري 18: 160، مجمع البيان 7: 239، تفسير الشوكاني (فتح القدير) 4: 47. ↑
- () فتح القدير 4: 47. ↑
- () كما تقدّم في آخر الكلام المنقول عن القرطبي، وهو ما ذهب إليه محمّد جواد مغنية في تفسيره 5: 436. ↑
- () الدرّ المنثور ٦: ٢١٥ ـ ٢١٦. ↑
- () الدرّ المنثور ٦: ٢١٦. ↑
- () مجمع البيان 7: 239، الميزان ١٥: ١٦٦ ـ ١٦٧، الإفصاح في الإمامة: ١٠٢. ↑
- () الميزان 15: 167. ↑
- () الميزان 15: 168. ↑
- () الميزان 15: 172. ↑
- () سورة الفتح، الآية: 16 ↑
- () الفِصَل 4: 109 ـ 110، شرح المواقف 8: 364، شرح المقاصد 5: 266. ↑
- () تفسير الرازي ٢٨: ٩٢ ـ ٩٣. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 83. ↑
- () سورة الفتح، الآية: 15. ↑
- () الفِصَل: 4: 109. ↑
- () الفِصَل: 4: 109. ↑
- () و(3) سورة التوبة، الآيات: 83ـ85. ↑
- ↑
- () سنن الترمذي ٥: ح/٣٧١٥، سنن النسائي 5: ح/٨٤١٦، كتاب الخصائص بتخريج الأثري ح/٣٠، المصنّف/ ابن أبي شيبة: ج7 ـ فضائل علي ح/١٨. ↑
- () أخرجه: عبد الرزّاق/ المصنّف ١١: ٢٢٦ ح/٢٠٣٨٩، ابن أبي شيبة/ المصنّف: ج7 ـ فضائل عليّ ـ ح/٢٣ و ٣٠، النسائي/ السنن ـ كتاب الخصائص ح/٨٤٥٧، ابن عبد البرّ/ الاستيعاب ٣: ٤٦. ↑
- () مسند أحمد ٣: ٨٢، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩: ٤٦/٦٨٩٨، المصنّف/ ابن أبي شيبة ج7 ـ فضائل عليّ ـ ح/١٩، المستدرك ٣: ١٢٣، البداية والنهاية ٧: ٣٩٨. ↑
- () الطبقات الكبرى 3: 181، تاريخ الإسلام 3: 9. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 202، الكامل في التاريخ 2: 325. ↑
- () الكامل في التاريخ 2: 232. ↑
- () البداية والنهاية 4: 312. ↑
- () الكامل في التاريخ 2: 232. ↑
- () الكامل في التاريخ 2: 230. ↑
- () انظر هذا البرهان ونحوه في إثبات شرعية خلافة أبي بكر في: شرح المواقف 8: 364، الفصل 4: 108، شرح المقاصد 5: 266ـ267. ↑
- () د. أحمد محمود صبحي/ نظرية الإمامة: 37، د. مصطفى حلمي/ نظام الخلافة: 39، البيومي/ الإمامة وأهل البيت 1: 178. ↑
- () صحيح مسلم ـ فضائل الصحابة: ح/9. ↑
- () الفِصَل 4: 108ـ109. ↑
- () النوبختي/ فرق الشيعة: 8. ↑
- () الإمامة والسياسة: ١٢. ↑
- () انظر: الاستيعاب/ بحاشية الإصابة ٣: ٣٥، شرح نهج البلاغة ٦: ١٦٧ـ ١٦٨. ↑
- () مسند أحمد ١، ٨٤، ٨٨، ١١٨، ١١٩ طريقين، سنن النسائي ـ كتاب الخصائص: ح/8464ـ8473، ح/8478ـ8481، البداية والنهاية: 5: 229ـ232 و7: 383ـ385 من نحو عشرين طريقاً. ↑
- () أخرج أحمد حديث الغدير من تسع عشرة طريقاً، المسند ١: ٨٤، ٨٨، ١١٨ ثلاث طرق، و 199 طريقين،152، 331، و4: 281،368، 370، 372 طريقين و5: 347، 358، 361، 362، 419. ولا يضاهيه إلاّ حديث «من كذب عليَّ متعمّداً فليتبّوأ مقعده من النار» فقد خرّجه من نحو 25 طريقاً. ↑
- () انظر: كتاب السنّة ح/1354ـ 1376، ح/1386، 1387، البداية والنهاية 5: 228ـ233، 7: 383ـ386، فقد خرّجه من نحو 40 طريقاً بما فيها طرق حديث المناشدة المتقدّمة. ↑
- () سنن الترمذي 5: ح/٣٧١٣، سنن ابن ماجة 1: ح/116، 121، الخصائص/ النسائي بتخريج الأثري: ح/80، 82ـ85، 90، 95، 153، المصنّف/ ابن أبي شيبة: ج7 ـ باب فضائل عليّ ـ ح/9، 10، 29، 55، المستدرك 3: 109ـ110. ↑
- () انظر: البداية والنهاية 5: 233. ↑
- () الآلوسي/ روح المعاني ٦: ١٩٥ وما بعدها. ↑
- () انظر: الفِصَل في الملل والنحل 4: 161، 163، البداية والنهاية 7: 310، الباعث الحثيث: 182. ↑
- () انظر كتابه: رفع الملام عن الأئمّة الأعلام. ↑
- () مسند أحمد ٤: ٤٣٧ـ٤٣٨، سنن الترمذي 5: ح/٣٧١٢، الخصائص/ للنسائي بتخريج الأثري: ح/65، 86، المصنّف/ ابن أبي شيبة: ج7 ـ فضائل عليّ ـ ح/٥٨، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩: ٤١ ح/٦٨٩٠. ↑
- () مسند أحمد 5: 356، الخصائص/ بتخريج الأثري: ح/87. ↑
- () مسند أحمد ١: ٣٣١، الخصائص/ بتخريج الأثري: ح/٢٣، المستدرك ٣: ١٣٤. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 71. ↑
- () علماً أنّ التشيّع في مصطلحهم: هو تفضيل عليٍّ على عثمان، لا غير، والطعن على ملوك بني أُميّة!. ↑
- () انظر: أبا إسحاق الأثري ـ في تخريجه الحديث ٦٥ من كتاب الخصائص. ↑
- () مسند أحمد ١: ٣٣١، ٤: ٤٣٨، ٥: ٣٥٦. وقد ذكرناها في تخريج النصوص كلٌّ في محلّه. ↑
- () الأثري/ كتاب الخصائص للنسائي: ح/٨٧. ↑
- () مسند أحمد ١: ٣٣١ من حديث ابن عبّاس. ↑
- () المستدرك ٣: ١٣٣ ـ ١٣٤ وتلخيصه/ للذهبي في الصفحة ذاتها، كتاب السُنّة/ ابن أبي عاصم ـ بتخريج الألباني: ٥٥٢. ↑
- () تاريخ الطبري ٢: ٢١٧، الكامل في التاريخ ٢: ٦٢ ـ ٦٤، السيرة الحلبية ١: ٤٦١، شرح نهج البلاغة ١٣: ٢١٠ و ٢٤٤ وصحّحه، مختصر تاريخ دمشق/ لابن عساكر ابن منظور ١٧: ٣١٠ ـ ٣١١، تفسير البغوي (معالم التنزيل) ٤: ٢٧٨، تفسير الخازن ٣: ٣٧١ ـ ٣٧٢ نقلاً عن سيرة ابن إسحاق، المنتخب من كنز العمّال ـ بهامش مسند أحمد ـ ٥: ٤١ ـ ٤٢. ↑
- () حين قال النبي (صلّى الله عليه وآله) ذلك لعلي، قام الناس يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!. ↑
- () البداية والنهاية ٣: 53. ↑
- () لسان الميزان 4: 51/5229. ↑
- () لسان الميزان 4: 50/5229. ↑
- () البداية والنهاية 5: 228. ↑
- () صحيح مسلم ٤: ح/٢٣٠٨ من عدّة طرق. ↑
- () سنن الترمذي 5: ح/٣٧٨٨، مسند أحمد ٣: ١٧. ↑
- () مسند أحمد ٥: ١٨٢ و ١٨٩. ↑
- () منهاج السنّة 4: 85، الفرقان بين الحقّ والباطل: 139. ↑
- () أي: كُنِسْنَ. ↑
- () أخرجه: النسائي/ السنن الكبرى 5:: ح/٨٤٦٤، الأثري/ تخريج خصائص علي (عليه السلام) ح/٧٦ وذكر له عدّة مصادر منها: مسند أحمد ١: ١١٨، البزّار: ٢٥٣٨ـ٢٥٣٩، وابن أبي عاصم: ١٣٦٥، والحاكم/ المستدرك ٣: ١٠٩، وأخرجه ابن كثير/ البداية والنهاية ٥: ٢٢٨، وقال: قال شيخنا الذهبي: هذا حديث صحيح، واليعقوبي/ التاريخ ٢: ١١٢. ↑
- () كانت خطبة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في غدير خمّ يوم ١٨ ذي الحجّة سنة ١٠هـ، ووفاته (صلّى الله عليه وآله) يوم ٢ أو ١٢ ربيع الأوّل من سنة ١١هـ، حسب اليعقوبي والطبري. ↑
- () مسند أحمد ١: ١٧٣، ١٧٥، ١٨٢، ١٨٤، ٣٣١، صحيح البخاري ـ فضائل علي ـ: ح/٣٥٠٣، صحيح مسلم ـ فضائل علي ـ ح/٢٤٠٤، مصنّف ابن أبي شيبة ـ فضائل عليّ ـ ٧: ٤٩٦ ح/١١ ـ ١٥. ↑
- () ابن حزم/ الفصل ٤: ٩٤، ابن تيميّة/ منهاج السُنّة ٤: ٨٧ ـ ٨٨. ↑
- () صحيح مسلم ـ فضائل علي ح/٣٢، الخصائص/ بتخريج الأثري: ح/٩، ١٠، ٤٣، ٥٢، المصنّف/ ابن أبي شيبة ـ فضائل علي: ح/١٥. ↑
- () مسند أحمد ١: ٣٣١، الخصائص/ بتخريج الأثري ح/٢٣، المستدرك ٣: ١٣٢ـ١٣٣ ويأتي لاحقاً. ↑
- () السيرة النبوية/ لابن حبّان: ١٤٩، وصحّحه سبط ابن الجوزي/ تذكرة الخواصّ: ٢٣ نقله عن الإمام أحمد في المناقب، وقال: رجاله ثقات. ↑
- () صحيح البخاري ـ الأحكام: باب 51 ح/6796، صحيح مسلم ـ الإمارة ح/1821ـ1822، مسند أحمد 1: 398، 406، سنن أبي داود ح/4280، سنن الترمذي ـ كتاب الفتن: 4/2223، مصابيح السُنّة 4/ح 4680؛ لذا فإنّ قول الدكتور النشّار/ نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١: ٤٤٨ و ٢: ٢١٨: «إنّ فكرة ١٢ خليفة لا وجود لها في الإسلام» إنّما هي كبوة فارس!. ↑
- () ابن تيمية/ رأس الحسين: 200ـ201. ↑
- () صحيح مسلم ـ فضائل الصحابة ـ ح/٢٤٢٤، سنن الترمذي 5 ح/٣٢٠٥، ٣٧٨٧، ٣٨٧١، مسند أحمد ٤: ١٠٧ و ٦: ٢٩٢، ٣٠٤، مصابيح السُنّة ٤: ١٨٣ ح/٤٧٩٦، أسباب النزول: ٢٠٠. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 33. ↑
- () سنن ابن ماجة ٢ ح/٤٠٨٧. ↑
- () مسند أحمد ٣: ٣، ٦٢، ٦٤، ٨٠، ٨٢. ↑
- () سنن أبي داود ح/٤٢٨٤، تاريخ البخاري ٣: ٣٤٦، مصابيح السُنّة ح/ ٤٢١١. ↑
- () انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٣: ١٨٠ ـ ١٨٣، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ١٥: ٢١٢ ـ ٢١٣، صحيح مسلم بشرح النووي ١٢: ٢٠١ ـ ٢٠٣، البداية والنهاية ٦: ٢٧٨ ـ ٢٨١. ↑
- () العهد القديم ـ سفر التكوين ـ إصحاح ١٧: آية ٢٠. ↑
- () انظر: البداية والنهاية ٦: ٢٨٠. ↑
- () انظر: الإمامة والسياسة: ١٢ـ ١٦، الكامل في التاريخ ٢: ٣٢٩ ـ ٣٣٠. ↑
- () انظر: د. عبد الجبار شرارة/ الإعداد التربوي والفكري لولاية عليّ (عليه السلام) وخلافته. ↑
- () الطبقات الكبرى ٣: ٢١، سيرة ابن هشام ١: ٢٢٨، كتاب الأوائل: ٩١ـ٩٣، البدء والتاريخ ٤: ١٤٥، السيرة النبوية/ ابن حبّان: ٦٧، جوامع السيرة/ ابن حزم: ٤٥، السيرة النبوية/ الذهبي: ٧٠، الإصابة ٤: ٢٦٩. ↑
- () مسند أحمد ١: ٢٠٩، المستدرك ٣: ١٨٣ وتلخيصه للذهبي، الخصائص/ بتخريج الأثري ح/ ٢، ٣، تاريخ الطبري ٢: ٣١١، مجمع الزوائد ٩: ١٠٣. ↑
- () نهج البلاغة ـ شرح صبحي الصالح ـ خطبة 192 ـ ص ٣٠٠ـ ٣٠١. ↑
- () الخصائص/ بتخريج الأثري ح/ ١٢٧، ١٢٨، ١٢٩. ↑
- () الخصائص/ بتخريج الأثري ح/١٢٠. ↑
- () مسند أحمد ٥: ٢٦. ↑
- () مسند أحمد ١: ٢٣٠، سنن الترمذي 5: ح/٣٧٢٠، مصابيح السُنّة 4: ح/٤٧٦٩، الطبقات الكبرى ٣: ٢٢، البداية والنهاية ٧: ٣٧١، دلائل النبوّة/ للبيهقي ٤: ٢٠٩. ↑
- () سيرة ابن هشام ٢: ١٠٩. ↑
- () تاريخ الإسلام/ الذهبي ـ الخلفاء الراشدين: 625، الإصابة/ العسقلاني 2: 30. ↑
- () المصنّف/ ابن أبي شيبة: ج7 فضائل علي ح/١٧، سنن النسائي 5: ح/٨٤٠٢، الخصائص/ بتخريج الأثري: ح/١٤ وصحّحه، المستدرك ٣: ٣٧ وصحّحه ووافقه الذهبي، سيرة ابن هشام ٣: ٢١٦، تاريخ الطبري ٣: ١٢، الكامل في التاريخ ٢: ٢١٩، البداية والنهاية ٧: ٣٧٣. ↑
- () ابن أبي شيبة/ المصنّف ٧: ٤٩٧ ح/١٧ فضائل علي. ↑
- () الحاكم والذهبي/ المستدرك ٣: ٣٧ وتلخيصه. ↑
- () مسند أحمد ٣: ٨٢، صحيح ابن حبّان ٩: ٤٦ ح/٦٨٩٨، المصنّف/ لابن أبي شيبة: ج7 ـ فضائل عليّ ـ ح/١٩، البداية والنهاية ٧: ٣٩٨. وراجع تخريجه مع حديثين قبله في ص211ـ212. ↑
- () مسند أحمد ١: ٣، ٣٣١، ٣: ٢١٢، ٢٨٣، ٤: ١٦٤، ١٦٥، سنن الترمذي 5: ح/٣٧١٩، سنن النسائي 5: ح/٨٤٦١، الخصائص/ بتخريج الأثري: ح/٢٣، ٧٢، ٧٣ وصحّحها جميعاً، البداية والنهاية ٧: ٣٧٤، ٣٩٤، تفسير الطبري ١٠: ٤٦ كتاب الأموال: 215 ح/457. ↑
- () مسند أحمد ١: ٣٣١، سنن الترمذي 5: ح/٣٧٢٢، الخصائص/ بتخريج الأثري: ح/٢٣، ٤١، البداية والنهاية ٧: ٣٧٤، ٣٧٩، فتح الباري ٧: ١٣، الإصابة ٤: ٢٧٠، وقد رأينا كيف قلبوه لأبي بكر! راجع ص (87). ↑
- () الخصائص/ بتخريج الأثري ح/٣٨. ↑
- () سنن الترمذي ٥ ح/٣٧٢٦، مصابيح السُنّة ٤ ح/٤٧٧٣، جامع الأُصول ٩ ح/٦٤٩٣، البداية والنهاية ٧: ٣٦٩. ↑
- () رسالة الإمام مالك إلى هارون الرشيد: 35. ↑
- () الكامل في التاريخ 2: 302. ↑
- () الخصائص/ بتخريج الأثري ح/76، المستدرك وتلخيصه 3: 109، البداية والنهاية 5: 228، وقد تقدّم. ↑
- () الخصائص/ بتخريج الأثري ح/112، 113، وخرّجه على النسائي، وابن ماجة وابن خزيمة من وجوه. ↑
- () سورة طه، الآية: 132. ↑
- () تفسير القرطبي ١١: ١٧٤، تفسير الرازي ٢٢: ١٣٧، روح المعاني ١٦: ٢٨٤ والنصّ عنه. ↑
- () السنن الكبرى ٥: ١٣٩/٨٤٩٣، ٨٤٩٤. ↑
- () منهاج السُنّة ٣: ١١ـ١٢، المستدرك ٣: ١٢٥، مجمع الزوائد ٩: ١٣٠، الصواعق المحرقة: باب 9 فصل1: ١٢٧، تاريخ الخلفاء: ١٦١. ↑
- () أبو حاتم الرازي/ كتاب الزينة: ٢٥٩ تحقيق عبد الله سلّوم السامرّائي، تاريخ ابن خلدون ٣: ٢١٤ـ٢١٥. ↑
- () الموفقيات: 580/380، الاستيعاب 3: 550، تاريخ اليعقوبي2 :124، تاريخ الطبري3 :202، الكامل في التاريخ 2 :325، شرح نهج البلاغة 6: 21. ↑
- () أخرجه النسائي بإسناد صحيح ـ السنن الكبرى 5: 139 ح/8495. ↑
- () مروج الذهب 3: 21، وقعة صفّين: 118ـ 120، شرح نهج البلاغة 3: 188. ↑
- () مسند أحمد 4: 281، تفسير الرازي 12: 49 ـ 50، سبط ابن الجوزي/ تذكرة الخواص: 29ـ 30. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 55. ↑
- () روح المعاني 6: 167. ↑
- () معالم التنزيل ـ للبغوي ـ ٢: ٢٧٢، الكشّاف ١: ٦٤٩، تفسير الرازي ١٢: ٢٦، تفسير أبي السعود ٢: ٥٢، تفسير النسفي ١: ٤٢٠، تفسير البيضاوي ١: ٢٧٢، الشوكاني/فتح القدير ٢: ٥٣، الواحدي/أسباب النزول ١١٤، السيوطي/لباب النقول: ٩٣. ↑
- () أخرجه: عبد الرزّاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب في (المتفّق والمفترق). انظر: الشوكاني/ فتح القدير ٢: ٥٣. ↑
- () مروج الذهب ٣: ٢١، وقعة صِفّين: ١١٨ ـ ١٢٠، شرح نهج البلاغة ٣: ١٨٨. ↑
- () مروج الذهب ٣: ٨. ↑
- () تاريخ اليعقوبي 2: 8171. ↑
- () ابن أبي الحديد 2: 188. ↑
- () وقعة صفّين: 103ـ104، ابن أبي الحديد 3: 81 ـ 82. ↑
- () مجمع الزوائد 9: 146. ↑
- () شرح نهج البلاغة 1: 143ـ 150 فضل (ما ورد في وصاية عليّ من الشعر) أورد فيه أربعاً وعشرين مقطوعةً للصحابة والتابعين، ثمّ قال: والأشعار التي تتضمّن هذه اللفظة كثيرة جدّاً تجلّ عن الحصر وتعظم عن الإحصاء والعدّ. وانظر أيضاً: الكامل/ للمبرّد 2: 170ـ 171 في رثاء عليّ بن أبي طالب. ↑
- () شرح نهج البلاغة 1: 145. ↑
- () شرح نهج البلاغة 1: 143ـ 144. ↑
- () الزبير بن بكار/ الموفقيات: 593 في عدّة أبيات، وعنه شرح نهج البلاغة 6: 31. ↑
- () تاريخ اليعقوبي 2: 128، الموفقيات: 598 والنصّ منه. ↑
- () د. حسن إبراهيم/ تاريخ الإسلام 1: 395 و2: 2، د. مصطفى حلمي/ نظام الخلافة: 157. ↑
- () د. محمّد عمارة/ الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية: ١٥٥. ↑
- () فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٨: ١٢٢. ↑
- () مسند أحمد ٦: ٣٠٠، ابن كثير/ البداية والنهاية 7: 397، عن ابن أبي شيبة، وصحّحه الهيثمي/ مجمع الزوائد ٩: ١١٢. ↑
- () ابن أعثم/ الفتوح 1: 456، ابن الإسكافي/ المعيار والموازنة: 27 ـ 29، ابن أبي الحديد/ شرح نه البلاغة 6: 217 ـ 218، عمر رضا كحالة/ أعلام النساء 3: 38. ↑
- () شرح نهج البلاغة ١٢: ٢١ عن أحمد بن أبي طاهر في (تاريخ بغداد). ↑
- () الجخف: التكبّر. ↑
- () سورة محمّد، الآية: ٩. ↑
- () سورة القلم، الآية: 4. ↑
- () سورة الشعراء، الآية: 215. ↑
- () سورة القصص، الآية: 68. ↑
- () تاريخ الطبري ٤:٣٢٣ ، الكامل في التاريخ ٣: ٦٣ ـ ٦٥، شرح نهج البلاغة ١٢: ٥٣ ـ ٥٤. ↑
- () انظر: ابن المطهّر الحليّ/ الألفين: 36، آل كاشف الغطاء/ أصل الشيعة وأصولها: 98. ↑
- () شرح نهج البلاغة 12: 80، عن أمالي أبي جعفر محمّد بن حبيب، صاحب المحبّر، من علماء بغداد باللغة والشعر والأخبار والأنساب. ترجمته في معجم الأدباء 18: 112. ↑
- () أخرجه الزبير بن بكّار في (الموفّقيّات): 606 ، وعنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٩: ٩. ↑
- () أحمد عبّاس صالح، مجلّة (الكاتب) القاهرية ـ يناير ١٩٦٥ م، وعنه: محمّد جواد مغنية، الشيعة في الميزان: ٤٣١. ↑
- () الاستيعاب 3: 550، ترجمة النعمان بن العجلان، تاريخ اليعقوبي 2: 124، ابن أبي الحديد 6: 21. ↑
- () راجع: شرح نهج البلاغة/ صبحي الصالح: 12، 18، ومحمد أبو الفضل إبراهيم 1: 8، وابن أبي الحديد 10: 127ـ 129، والمسعودي/ مروج الذهب 2: 431، ط. دار المعرفة ـ تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد، عبد الزهراء الخطيب/ مصادر نهج البلاغة وأسانيده. ↑
- () تقدّم مع مصادره، راجع صفحة 216. ↑
- () سنن الترمذي ٥ / ٣٧١٥، السنن الكبرى للنساني ٥ / ٨٤١٦. وقد تقدّم. ↑
- () الاستيعاب 3: 35. ↑
- () كنز العمّال 5: 724 ح/14343. ↑
- () زافر، عن رجل، عن الحارث بن محمّد، عن أبي الطفيل. ↑
- () عبد الوارث، حدّثنا أحمد بن زهير، حدّثنا عمرو بن حمّاد القتاد، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الأزدي، عن معروف بن خربوذ، عن زياد بن المنذر، عن سعيد بن محمّد الأزدي، عن أبي الطفيل. ↑
- () انظر: كنز العمّال 5: 726ـ 727. ↑
- () وانظر خبر المناشدة هذه في: الصواعق المحرقة/ باب 11 ـ آية 9، والمناقب للخوارزمي: 213 عن أبي ذرّ، وفيه أنّها بعد الشورى حين عزموا على مبايعة عثمان. ↑
- () سنن النسائي ٥: ١٢٨ / ٨٤٦١. ↑
- () نهج البلاغة: 97. الخطبة 67. ↑
- () المصدر نفسه: 502 ـ قسم الحكم/ 190. ↑
- () نقل ابن أبي الحديد عن بعض مشايخه قوله: واللّه لقد وقفتُ على هذه الخطبة في كتب صُنِّفت قبل أن يُخلق الرضي بمائتي سنة (والشريف الرضي هو الذي جمع خطب الإمام علي (عليه السلام) ورسائله في نهج البلاغة)! ثمّ قال: وقد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديّين من المعتزلة (مولده سنة ٢٧٩ هـ ووفاته سنة ٣١٧، علماً أنّ الشريف الرضي وُلد سنة ٣٦٠ ه). شرح نهج البلاغة ١ / ٦٩.ونقلها سبط ابن الجوزي من مصادر غير التي اعتمدها الشريف الرضي، فقال: خطبة أُخرى وتعرف بالشقشقية، ذكر بعضها صاحب (نهج البلاغة) وأخلَّ بالبعض، وقد أتيتُ بها مستوفاة، أخبرنا بها شيخنا أبو القاسم النفيس الأنباري بإسناده عن ابن عبّاس.. تذكرة الخواصّ: ١٢٤.
وأسندها الراوندي (٥٧٣ ه) في شرحه إلى الحافظ ابن مردويه، عن الطبراني؛ بإسناده إلى ابن عبّاس. منهاج البراعة ١: ١٣١ ـ ١٣٢.
ولأجل الوقوف على مزيد من مصادرها، راجع: مصادر نهج البلاغة وأسانيده 1: 309 ـ 318. ↑
- () إشارة إلى قول أبي بكر: أقيلوني، أقيلوني. ↑
- () نهج البلاغة ـ الخطبة 3. ↑
- () نهج البلاغة: الخطبة 74 ـ ص102. ↑
- () أي موضع القتال. ↑
- () الرجل الذي أمّره عمر على خمسين من حملة السيوف يوم الشورى ليقتلوا من خالف الفئة التي فيها عبد الرحمن. ↑
- () ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة 6: 167ـ 168. ↑
- () نهج البلاغة: الخطبة 172، ص246. ↑
- () ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة 9: 305. ↑
- () نهج البلاغة: الخطبة 172، ص246. ↑
- () ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة 1: 307 عن المدائني. والمدائني له كتاب خاصّ في خطب عليّ وكلماته، كما له كتاب في أخبار الخلفاء، ولعلّه لم يحظ أحد من المؤرّخين بمثل التوثيق الذي حظيَ به المدائني. ↑
- () نهج البلاغة: الخطبة 162 ـ ص231. ↑
- () نهج البلاغة ـ الحِكم/ 147، ص497. ↑
- () شرح نهج البلاغة 18: 351 ح/143. ↑
- () نهج البلاغة ـ الخطبة 2: 47. ↑
- () انظر: نهج البلاغة أيضاً الخطبة 88 و183. ↑
- () د. محمّد عمارة، الخلافة ونشأة المذاهب الإسلامية: ٣٣، ١٥٧ ـ ١٥٨. ↑
- () البغوي/ معالم التنزيل 4: 278، ابن الأثير/ الكامل في التاريخ 2: 64، وقد تقدّم مع مزيد من التوثيق في ص8118. ↑
- () نهج البلاغة ـ تحقيق د. صبحي الصالح/ الخطبة ١٤٤، ص201. ↑
- () المصدر نفسه: الخطبة 87، ص119. ↑
- () تاريخ اليعقوبي ٢: ٢١١ ـ ٢١٢. ↑
- () نهج البلاغة: الخطبة 97، ص143. ↑
- () نهج البلاغة: الخطبة 87 ـ ص119. ↑
- () مسند أحمد ١: ٨٤، الجامع الصغير 2: 672 ح/9243. ↑
- () السيوطي، مسند فاطمة: ٩٤ ح/8224. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 144. ↑
- () المستدرك ٣: ١٢٦، مجمع الزوائد ٩: ١٣٤، وقال: رجاله رجال الصحيح. وقد جادل فيه بعضٌ متابعةً للمذهب، لا قدحاً في إسناده!. ↑
- () نهج البلاغة ـ الكتاب 62 ـ ص451. في كتابه إلى أهل مصر. ↑
- () عباس محمود العقّاد/ فاطمة الزهراء والفاطميّون ـ المجلّد الثاني من المجموعة الكاملة: 326. ↑
- () محمّد باقر الصدر/ الإسلام يقود الحياة: 146 ـ المجموعة الكاملة م12 ـ القسم الثاني. ↑
- () مآثر الإنافة 1: 52، الماوردي/ الأحكام السلطانية: 10، الفرّاء/ الأحكام السلطانية: 25، 26. ↑
- () أحمد محمّود صبحي| نظرية الاِمامة: 87. ↑
- () شرح نهج البلاغة 9: 307. ↑
- () شرح نهج البلاغة 12: 82. ↑
- () نهج البلاغة ـ الخطبة 61 ـ ص94. ↑
- () انظر: ابن ميثم البحراني/ شرح نهج البلاغة 2: 156، محمّد جواد مغنية/ في ظلال نهج البلاغة 1: 316، محمّد حسين فضل الله/ مجلّة الثقافة الإسلامية ـ العدد 34 ـ ص38، ابن سلاّم/ الأموال: 228 ح/476. ↑
- () أبو عبيدة القاسم بن سلام/ الأموال: 296 ـ 297/567. ↑
- () نهج البلاغة ح/112، ص179. ↑
- () انظر: الكافي 2: 38 ح/4، محمّد حسين آل كاشف الغطاء/ أصل الشيعة وأصولها: 94، محمّد جواد مغنية/ الشيعة في الميزان: 15، الدكتور الوائلي/ هوية التشيّع: 38 ـ 39، جعفر سبحاني/ مع الشيعة الإمامية في عقائدهم: 181ـ183. ↑
- () أبو الحسن الكرخي/ الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية: 4، د. محمّد أديب صالح/ مصادر التشريع الاِسلامي: 287. ↑
- () شرح نهج البلاغة 2: 296 ـ 297. ↑
- () انظر: محمّد عمارة/ الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية: 202 ـ 207، وله أيضاً/ المعتزلة وأصول الحكم، و/المعتزلة والثورة، و/المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية. ↑
- () الموطأ ـ كتاب القدر: ح/3. ↑
- () قال السيوطي: وصله ابن عبد البرّ من حديث كثير بن عبدالله ابن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه/ تنوير الحوالك 3: 93. وقد قالوا في كثير بن عبدالله هذا: إنّه متروك ومن أركان الكذب، وإنّ نسخته عن أبيه عن جدّه موضوعة! انظر ترجمته في ميزان الاعتدال 3: 406 ـ 407. ↑
- () منهاج السُـنّة 4: 85، الفرقان بين الحقّ والباطل: 139. ↑
- () لقد عرضنا نماذج مهمّة منه وبيّـنّا مواقع التهافت فيها، في كتابنا/ ابن تيميّة… حياته، عقائده: 291 ـ 428. ↑
- () منهاج السُـنّة 4: 87 ـ 88. ↑
- () لأنّ الاِمامة عندهم منزلة سياسية يجوز فيها تقدّم المفضول على الفاضل. ↑
- () المغني 20/ ق1: 146، عنه: الشافي 2: 283. ↑
- () منهاج السُـنّة 4: 87. لكنّ الذهبي يقرّ لهذا الشطر بقوّة الاِسناد، كما في (البداية والنهاية 5: 233) وهي في سنن ابن ماجة 1: 43/116، وسنن النسائي في ثمان طرق: 5 ح/8473، 8478، 8479، 8480، 8481، 8483، 8484، 8542، ومسند أحمد في سبع طرق 1: 119 طريقين، 152، و 4: 281، 370، 372 طريقين. ↑
- () تقدّم آنفاً عن البلخي وابن أبي الحديد، راجع ص 266. ↑
- () مسند أحمد 6: 300. ↑
- () ربّما سكن أيّام عمر بن عبد العزيز الذي حكم عامين فقط، وبعضاً من أيام المأمون. ↑
- () انظر: د. أحمد محمود صبحي/ نظرية الاِمامة: 86، د. مصطفى حلمي/ نظام الخلافة: 162. ↑
- () انظر: د. مصطفى حلمي/ نظام الخلافة: 180، د. محمّـد عمارة/ المعتزلة وأُصول الحكم: 47. ↑
- () الاِمامة والسياسة: 140، أُسد الغابة/ 2: 14، تاريخ الإسلام ـ عهد معاوية ـ: 5، البداية والنهاية 8: 45، فتح الباري 13: 55. الإصابة 1: 330ـ 331، مختصر تاريخ دمشق 7: 35. ↑
- () د. محمّد عمارة/ المعتزلة وأُصول الحكم: 47. ↑
- () محمّد جواد مغنية/ الشيعة والحاكمون: 70 ـ 71، د. حسن عبّاس حسن: الفكر السياسي الشيعي: 337. ↑
- () عمدة الطالب في أنساب آل ابي طالب: 67. ↑
- () وياطر ويعثر غلط. ↑
- () اسمها الكامل رأس البوندي تضم بيت الشيخ علي عبدو الزين والمختار وغيرها. ↑
- (*) رأينا أن نختم أبحاث الدائرة بتبيان حقيقة عقيدة الشيعة بعد أن رأينا من إساءة فهمها ما رأينا. وهذا الذي نذكره ملخص عن (موسوعة أعيان الشيعة). ↑
- () كُتبت بقلمه وهي مختصر من الذكريات في حياة حسن الأمين المطبوعة في كتاب «المستدركات». ↑
- () طبع الكتاب بعد ذلك باسم: (من بلد إلى بلد). ↑
- () من الإنصاف أن نذكر أنّ الذي أشعل عود الكبريت هو زكي الخطيب الذي كان يومذاك من أركان الكتلة الوطنية وأحد مرشحيها. فقد جاء مبكراً إلى مركز الاقتراع وجلس وراء الصندوق وأبى أن يتزحزح عن مكانه، ولم يفد معه أي جهد، ولما صاولوه قال لهم: لقد كتبت وصيتي قبل أن أخرج من بيتي، ثمّ خرج إلى المجتمعين في الخارج وقال لهم: لقد بدأ التزوير فاحموا انتخاباتكم، فاشتعلت النار.ثمّ انفصل بعد ذلك زكي الخطيب عن الكتلة عندما أحكم جميل مردم قبضته عليها. ↑
- () كما كان فيها تلاميذ من اليمن وحضرموت. ↑
- () في الجنرال غاملان هذا يقول أحد الشعراء الثوار خلال الثورة السورية:ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
وليس بسوريا مقر لغملان
↑ - () كتب فردينان توتل اليسوعي في العدد الصادر في 20/5/87 من جريدة النهار البيروتية بمناسبة مرور خمسين سنة على وفاة لامانس ما يلي: «وكتب الأب هنري لامانس (1862ـ1937) عن رجال الحملات الصليبية فذكر الفلمند أجداده من شدّوا الرحال إلى الأراضي المقدسة جنوداً وأمراء وخرجوا من سهول الشمال البلجيكي، فهجروا الآل وتركوا المال وتفرّقوا، ووجهتهم الجهاد في سبيل الله واليوم الآخر.وإنّ تلك العاطفة النبيلة التي دفعت السواد الأعظم من رجال الغرب إلى قبر المسيح إنّما هي التي دبّت في قلب الفتى، وأوحت إليه التضحية بحياته وبما فيها من مواهب منّ بها الرحمن عليه، ليسير جندياً، لا بالسيف والرمح، شأن الصليبيين، ولكن بالقلم، يفتح فتوحات العالم» (انتهى).
هذا ما كتبه اليسوعي فردينان توتل عن اليسوعي لامانس. ولم يكن كلام أصدق في وصف مهمة لامانس من هذا الكلام. فالمهمة التي جرّد الصليبيون سيوفهم لتحقيقها، هي المهمة نفسها التي جرّد لامانس قلمه لتحقيقها. ومن ذلك جميع ما كتبه في دائرة المعارف الإسلامية. ↑
- () عرفت ذلك بعد رجوعي إلى بيروت. ↑
- () راجع: العقيليون. ↑
- () يقول المسعودي (مروج الذهب 1/145) طبعة مصر سنة 1346هـ: كانت ملوك العرب ـ أيام الإسكندر المقدوني ـ من مضر بن نزار بن معد وربيعة بن نزار وأنمار بن نزار والنضرية من بني نضر من اليمن وغيرهم من قحطان لهم ملوك، وقد نصبت كلّ طائفة لها ملكاً. ↑
- () Moret, His. De L’Orient Vol. I, p. 302.لسترانج «بالعربية» ص129. ↑
- () انظر Cteiphon and Htra (Bachdad) 1965.سليمان صائغ ص30. الحضر (نشرة لمديرية الآثار العامة) بغداد. ↑
- () الطبري 1/384. ابن خلدون 2/171 و2/249. ↑
- () Honigmann, E.I. Vol. 3, p. 1062. ↑
- () معجم البلدان 2/37. ↑
- () كان هذا قبل البدء بالعمل في المجلد السادس الذي هو الآن في أيدي القرّاء. ↑
- () (لمّا نظرت بالمرآة تراءتْ صورة حسن الأمين فيها). ↑
- () أقامت حلقة الحوار الثقافي حفلة تكريمية للعلاّمة السيّد حسن الأمين في قاعة نزار الزين ـ الجامعة اللبنانية ـ كلية الآداب، وذلك بتاريخ 20/6/2002. وكانت الدكتورة إلهام كلاب البساط قد تولّت التقديم والتعريف بالسيّد الأمين وبالمنتدين. ↑
- () أمين سر اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، والمسؤول عن فرع الصحافة في المركز الكاثوليكي للإعلام. ↑
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
26
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد السادس والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
الأندلس
مضى الحديث عنها مفصلاً في مكانه، ويضاف الكلام الآتي إلى ما هنالك:
تشير التقديرات إلى أنّ 80 في المئة من زيت الزيتون الذي يستهلكه العالم العربي مصدره إسبانيا. ويعود الزيتون بجذوره إلى منطقة الشرق الأوسط التي عرفته قبل خمسة آلاف عام. ويصف الكاتب الروائي لورانس دوريل الزيتون بأنّه ليس له مثيل في الطبيعة، إذ أسهمت هذه الشجرة المباركة في ربط حضارات غابرة كان لها صداها حتّى وقتنا الحاضر.
وعلى رغم أنّ قدماء الإغريق والرومان كانوا على علم بخصائص هذه الثمرة الفريدة، وارتباط الزيتون الوثيق حالياً ببلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، إلاّ أنّ الحقيقة تفيد بأنّ منشأ شجرة الزيتون الأصلي هو منطقة الشرق الأوسط، وذلك قبل أكثر من خمسة آلاف عام.
وعلى رغم انتقال الزيتون في بادئ الأمر إلى إسبانيا عبر الفينيقيين، إلاّ أنّ هذه الشجرة لم تتأصّل هناك إلاّ في القرن الثامن الميلادي، مع وصول العرب إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. ففي العام 711 للميلاد انطلق طارق ابن زياد بجيوشه فاتحاً الأندلس مروراً بجبل طارق المتنازع عليه والذي عرف في ما بعد باسمه. ومنذ ذلك الوقت نشأت زراعة الزيتون في إسبانيا وتطوّرت إلى الشكل الذي نعرفه اليوم، إذ لا تزال بلاد الأندلس إلى يومنا الحاضر تحتل مركز الصدارة في العالم في إنتاج الزيتون.
ولم يكتف المقاتلون العرب بنقل الدين الإسلامي إلى تلك البلاد، بل نقلوا أيضاً حضارتهم المزدهرة آنذاك في علوم الطب والرياضيات والفلسفة والفلك وغيرها من العلوم الإنسانية. وعبر عشرة قرون تقريباً، تفاعلت الثقافة العربية مع الثقافات المحلية على رغم مغادرة آخر العرب إسبانيا سنة 1492م حيث تركوا إرثاً حضارياً لا يزال يعيش في وجدان إسبانيا المعاصرة.
وكثير ممّا يعتبر اليوم نتاجاً إسبانيا وما هو في الحقيقة إلاّ أمتداد لإرث عربي طويل يتجلّى في شتى الميادين كفن العمارة والشعر والموسيقى، بل وحتّى المزاج واللغة أيضاً. فالمسمّى الإسباني للزيت «إسيتا» مأخوذ من الكلمة العربية «الزيت» والتي تعني عصير الزيتون.
أمّا مدينة طليطلة، المعقل الرئيسي للعرب في شمال الأندلس على امتداد أربعمائة عام، فكانت ولا تزال تتكلم العربية والإسبانية في جو من التسامح، وحتّى بعد سقوطها سنة 1085 على يد ملك ليون وقشتالة
ألفونس السادس.
ولعلّ أبرز مثال على ذلك كان في القرن الثالث عشر حيث ازدهرت مدارس الترجمة وتضافرت جهود المسيحيين والمسلمين واليهود لترجمة المخطوطات العربية إلى اللغة اللاتينية. ومن بين تلك التحف المترجمة سلسلة من الشروحات كتبها ابن رشد المعروف باللاتينية «افيروس» عن الفيلسوف أرسطو بين عامي 1126ـ1198. فمن الإغريقية إلى العربية ومن ثمّ إلى اللاتينية توافد الطلاب من أوروبا لدراسة أرسطو وفلسفته. ولهذا فإنّ لابن رشد وزملائه الأثر المباشر في ازدهار الحضارة الأوروبية التي عرفت في ما بعد بعصر النهضة.
وتعتبر مدينة طليطلة رسمياً منطقة أثرية وطنية حيث رقمت مساجدها على نحو متقن وحيث لا يزال الصناع والحرفيون المهرة يبدعون في حرفهم. ولا تزال مشغولات طليطلة الذهبية ذائعة الصيت وكذلك صاغتها المهرة يمارسون إبداعاتهم في ميدان فن الزخرفة العربية. وما الزخرفة الدمشقية مثلاً إلاّ دليلاً حياً على هذا التفاعل بين فن العمارة الإسلامي والقوطي.
أمّا مدينتا قرطبة وإشبيلية، فإنّهما تحتضنان الكثير من المواقع العربية الشهيرة مثل مسجد قرطبة الكبير يعتبر هذا المسجد بحق تحفة فنية ومثالاً على فن العمارة الإسلامية. أمّا كنوز إشبيلية، فإنّها تضم إحدى المنارات الثلاث التاريخية التي بناها السلطان يعقوب (المنارتان الأخريان موجودتان في الرباط ومراكش).
ويحتل زيت الزيتون الإسباني اليوم مكانة مهمة في إعداد معظم الأطباق العربية وكان من أولى السلع التي وجدت لها طريقاً إلى أسواق المنطقة العربية قبل 1200 عام تقريباً([1]).
ولا يمكن أن تكتمل أطباق المقبلات الشهيرة في المائدة العربية من دون زيت الزيتون. ومن الصعب أن نجد طاهياً عربياً يستطيع الاستغناء عن زيت الزيتون لدى تحضيره مثلاً طبق «المجدرة» أو «المسخن». إلاّ أنّ زيت الزيتون لا يمثّل مادة غذائية فحسب، بل إنّ شجرته وغصونها أصبحت تمثّل رمزاً للسلام. فإكليل الغار والزيتون استخدمت تقليدياً كرمز للنصر والمجد. واعتبر الإغريق القدماء شجرة الزيتون رمزاً للنصر والشرف واستخدم ورقها للدلالة على النصر والحكمة والسلام ولا سيّما في أولى دورات الألعاب الأولمبية.
ويعود منشأ شجرة الزيتون إلى آسيا الصغرى، أو تلك المنطقة التي تقع بين البحر الأسود والبحر المتوسط وبحر إيجه، حيث كانت سورية أوّل من صدّر زيت الزيتون إلى إسبانيا واليونان.
وتتحدّث الأساطير الإغريقية القديمة أنّ «أثينا» آلهة الحكمة والفنون، فازت بحق تسمية مدينة أثينا باسمها عقب منافسة حامية مع إله البحر. وكانت المنافسة تنص على أنّ الإله الذي يستطيع أن يقدّم أثمن هدية إلى المواطنين يحق له تسمية المدينة باسمه، وقد قدّم إله البحر الملح، بينما قدّمت أثينا شجرة الزيتون واستحقّت الجائزة.
وعام 354 قبل الميلاد، اهتمّ الفيلسوف أرسطو بزراعة الزيتون وارتقى بها إلى حد اعتبر زراعة الزيتون وإنتاجه علماً قائماً بحد ذاته. أمّا الشاعر الإغريقي هوميروس فأطلق على زيت الزيتون اسم «السائل الذهبي». وعام 425 قبل الميلاد وصف الطبيب أبقراط الذي يعدّ أحد رموز الطب الحديث، زيت الزيتون على أنّه مادة علاجية عظيمة.
وتنتج إسبانيا، التي حباها الله بشمس وافرة وتربة خصبة ومناخ معتدل طوال العام، ثُلث الإنتاج العالمي من الزيت، إذ يبلغ معدل إنتاجها السنوي من هذه المادة الغذائية 800 ألف طن.
ويبلغ عدد أشجار الزيتون في إسبانيا 250 مليون شجرة تنتشر على مساحة مليوني هكتار من الأراضي الزراعية، وتشكّل هذه المساحة 25 في المئة من الأراضي المخصصة لزراعة الزيتون في العالم، إلاّ أنّ الأندلس العربية تعدّ المنتج الأكبر لزيت الزيتون في إسبانيا. وتواترت المعرفة والتراث المرتبطان بزراعة الزيتون من جبل إلى جبل حتّى أصبح الزيتون اليوم يشكّل أهم رموز الإرث الإسباني. ولعل الفضل في وصول هذا المزيج من الحضارات عبر زراعة الزيتون يعود إلى العرب المغاربة الذين اختصروا كلّ ذلك من خلال الأندلس التي أثرت على جميع أوجه الحضارة الإسبانية الحديثة، إلاّ أنّ ذلك السائل الذهبي الذي نعرفه اليوم بزيت الزيتون الإسباني، ما هو في الحقيقة إلاّ الإرث الأندلسي الحقيقي الذي تفتخر به إسبانيا اليوم.
البداء، والفلسفة التفاؤلية!
ثمة بُعد أساسي تنطوي عليه عقيدة البداء، يجعلها ـ حقاً ـ وكما تراءت للشيعة، أفضل ما يمكن التعبّد به، والمبدأ الذي يطيب لهم الإعلان عنه والاحتجاج به. ومع ذلك، ظلّت تمثّل عنصر إحراج للشيعة من قبل خصومهم، الذين غالباً ما كانت تعكس اتهاماتهم وتصريحاتهم ـ بهذا الخصوص ـ فهما سيِّئاً بالمضمون الغني، ذي الأبعاد الدينية والعرفانية للبداء. لم يكن ذلك يصدر عن ألدّ الخصوم، كالأشاعرة وأهل الحديث مثلاً، بل من قبل بعض المعتزلة الذين جاروا الفرق الأخرى في هذا التشنيع، إلى حدّ إكفار الشيعة، كما دلّت عليه رسالة ابن بحر الجاحظ «فضيلة المعتزلة»، حيث يتبين من خلالها، وأيضاً من خلال ردود أبي الحسين الخياط عن ابن الراوندي، أنّ فهماً ما سطحياً كان هو السائد بين خصومهم. نقرأ في كتاب الانتصار كلاماً للخياط كالتالي:
«وأمّا ملّة قول الرافضة، فهو أنّ الله عزّ وجلّ ذو قدّ وصورة وحدّ يتحرّك ويسكن ويدنو ويبعد ويخفّ ويثقل، وأنّ علمه محدث وأنّه كان غير عالم فعلم وأنّ جميعهم يقول بالبداء وهو أنّ الله يخبر أنّه يفعل الأمر ثمّ يبدو له فلا يفعله»([2]).
«كما أنّ القول بالجسم والبداء وحدوث العلم ضلال وكفر»([3]).
«وهو غير شبيه بخطأ الرافضة في قولها بالتشبيه وحدوث العلم وأنّ الله تعالى قد كان غير عالم فعلم وأنّه يبدو له البدوات…» ([4]).
هذا الفهم السائد، تمّ توظيفه بنوع من الانزياح، ضدّ النوايا الشيعية، مثلما وظّف مفهوم التقية، في دحض السلوك الشيعي «الماكر»، وليس كقيمة إجرائية ذات صلة بالأوضاع السياسية المعاشة. ينقل الشهرستاني كلاماً عن سليمان بن جرير، الذي إليه، تنسب فرقة السليمانية، يقول: «إنّ أئمة الرافضة قد وضعوا مقالتين لشيعتهم؛ لا يظهر أحد قط عليهم: إحداهما: القول بالبداء؛ فإذا أظهروا قولاً: أنّه سيكون لهم قوّة وشوكة وظهوراً… ثمّ لا يكون الأمر على ما أظهروه… قالوا: بدا الله تعالى في ذلك. والثاني: التقية؛ فكلّ ما أرادوا تكلموا به؛ فإذا قيل لهم في ذلك، إنّه ليس بحق؛ وظهر لهم البطلان قالوا: إنّما قلنا: تقية، وفعلناه: تقية»([5]). أمّا الشهرستاني، فهو يصنّف البداء إلى جانب القول بالتشبيه والتناسخ والرجعة. ولكنّها تندرج في دائرة البدعة: «وبدع الغلاة محصورة في أربع: التشبيه، والبداء، والرجعة والتناسخ»([6]).
هذا دون أن نغفل ما كانت تمثّله هذه العقيدة في مجالات التطاحن والتغالب الكلامي، الذي جرى بين مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية؛ فقد كان البداء يمثّل أبعاداً كثيرة، بعضها ذا صلة مباشرة بعقيدة العدل الإلهي؛ لما كان من مقتضى هذه العقيدة عدم إكراه الخالق عباده على قدر واحد… فقد شاع في الكثير من الأخبار، أنّ أحوال الإنسان تتغيّر بحسب ما يأتيه من أعمال، بما في ذلك أحواله التكوينية، كالحياة والموت، الصحة والسقم… الغنى والفقر… كما يتعلق من جهة ثانية بإرادة الخالق المطلقة والنافذة وتدبيره الدائم لأحوال الخلائق. فالشيعة يروون أحاديث لا تختلف عمّا ترويه المذاهب الأخرى، في تعزيزها لهذا الرأي… كقول الصادق([7]): «إنّ الدعاء يرد القضاء، وإنّ المؤمن ليذنب فيحرم بذنبه الرزق». وقول الإمام الرضا([8]): «يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيره الله ثلاثين سنة ويفعل الله ما يشاء» أو مثل قول الإمام الباقر([9]): «صلة الأرحام تزكي الأعمال، وتنمّي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسّر الحساب، وتنسئ في الأجل».
وغير بعيد عن هذا ما ترويه المدونات السنية، كالخبر الذي أورده الحاكم عن ثوبان، قال: قال رسول الله([10]): «لا يردّ القدر إلاّ الدعاء. ولا يزيد في العمر إلاّ البرّ. وإنّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» أو ما رواه السيوطي([11]). عن علي بن أبي طالب أنّه سأل رسول الله عن هذه الآية: «يمحو الله ما يشاء»، فقال: «لأقرن عينك بتفسيرها. ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف، يحول الشقاء سعادة ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء».
ولعل هنا ما يسند هذا الاعتقاد من نصوص القرآن الكريم نفسه، الذي جمع الكثير من الآيات الدالة من قريب أو بعيد، على تبدّل أحوال العبادة بالتغيير الذي يحدث في أفعالهم، فنقرأ على سبيل المثال قوله تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146)} [سورة الصافات، الآيات: 143ـ146].
وقوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [سورة الطلاق، الآيات: 2و3].
وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [سورة الأنفال: الآية: 53].
وقوله أيضاً: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)} [سورة الأنبياء، الآيتان: 83 و84].
وقوله تعالى أيضاً: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [سورة النحل، الآية: 112].
يقول السيد شبّر: «فنفوا (عليهم السلام) كلّ ذلك وأثبتوا أنّه تعالى (كلّ يوم هو في شأن) من إعدام شيء وإحداث آخر وإماتة شخص وإحياء آخر إلى غير ذلك، لأن لا يترك العباد التضرّع إلى الله ومسألته وطاعته والتقرّب إليه بما يصلح أمور دنياهم وعقباهم، وليرجوا عند التصدّق على الفقراء وصلة الأرحام وبر الوالدين والمعروف والإحسان ما وعدوا عليها من طول العمر وزيادة الرزق وغير ذلك»([12]).
أمّا من جهة أخرى، فيتعلق ـ البداء ـ بلطفه ورحمته، وسوف نتعرّف على هذه الصلة بين البداء واللطف في كلامنا عن الأثر التربوي للنبوءة، هذه الأخيرة، مع أنّها لا تمثّل آلة في التمكين للطاعة بحسب اصطلاح الحكماء، فإنّها تقرّب العبد من أسباب الطاعة وتبعده عن المعصية. أمّا من حيث علاقته بالرحمة، فها هنا ـ تحديداً يختلف الشيعة عن المعتزلة في اعتقادهم بجواز حق المولى عدم معاقبة المذنب والتجاوز عنه ورفع العقاب عن المسيء، حسب مشيئته المطلقة. وهو ما يجعلهم يخالفون المعتزلة في مسألة الوعيد ـ بالذات ـ وإن كانوا على وفاق معهم بخصوص مسألة «الوعد»! لعلنا نكتشف من خلال هذا الاهتمام الزائد بالبداء، الذي، وإن وُجد من التعاليم المتوفرة في مظان مختلف المذاهب، ما يدعمه ويجعله عقيدة مستساغة في الوجدان المسلم، فإنّه لم يشهد هذا الاهتمام الفائق الذي حظي به عند الشيعة إلى درجة تأصيله ضمن رؤيا نسقية، تندرج في صميم تعاليمهم. من ثمة، نقدر على القول، إنّ هناك حيثيات أخرى، كانت دعت الشيعة إلى هذا الإصرار الشديد، وهو ما رامه العلاّمة المجلسي، لمّا رأى في ذلك ردّاً على اليهود والنَظَّام من المعتزلة، اللذين تقاربت نظرتهما التفويضية الغالية والنافية لتدبير الخالق شؤون مخلوقاته. إنّنا ـ بالتالي ـ نلحظ في هذا الاتجاه، نوعاً من النزوع الأفلاطوني، الرائي أنّ الخالق أبدع الكون، ثمّ استقال! لقد ذهب اليهود إلى أنّ الله قد فرغ من تدبير الكون، وهو بعد أن خلقه أراد له ظهره. وهم بناء على ذلك، سلبوه الإرادة بعد أن أنهى قضاءه وقدره. وقد تعرّض القرآن لتلك العقيدة اليهودية، داحضاً إياها، وكاشفاً عن فسادها، انطلاقاً من قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا} [سورة المائدة، الآية: 64].
وربما كانت تسللت تلك العقيدة إلى المسلمين، أو لعلّ شيوعها يرجع إلى ذلك النشاط الفكري الذي نهض به بعض أعيان اليهود، فكان من الضروري، التصدّي لمثل هذه العقائد ذات المضمون الجبري، والمنافي لإرادة الخالق. وقد فسّر الإمام الصادق، هذه الآية بقوله([13]): «إنّ اليهود قالوا: قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص. فقال الله تعالى تكذيباً لقولهم: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64].
ولهذا السبب، رفض اليهود القول بالنسخ مطلقاً؛ و«قالوا فلا يكون بعده «شريعة» أصلاً، لأنّ النسخ في الأوامر «بداء» ولا يجوز البداء على الله تعالى»([14]).
وقد ذهب بعض المعتزلة، وخاصّة النظامية، إلى أنّ الخلق تمّ دفعة واحدة، ولا يعني ما يحدث فيها من تقدّم أنّها متفاوتة في الصدور، بل إنّ ذلك مجرد ترتبها في الأزمان. فهي في حقيقتها تظهر بعد كمونها وليست تصدر ابتداءً! وهو ما يعرف بنظرية الكمون والبروز، التي استعارها من الفلاسفة الطبيعيين. يقول الشهرستاني:
«من مذهبه [أي النظام] أنّ الله تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن: معادن، ونباتاً، وحيواناً، وإنساناً؛ ولم يتقدّم خلق آدم (عليه السلام) خلق أولاده؛ غير أنّ الله تعالى «أكمن» بعضها في بعض؛ فالتقدم والتأخّر إنّما يقع في ظهورها من مكامنها، دون حدوثها ووجودها. وإنّما أخذ هذه المقالة من أصحاب «الكمون» و«الظهور» من «الفلاسفة». وأكثر ميله ـ أبداً ـ إلى تقرير مذاهب الطبيعيين منهم دون الإلهيين»([15]).
ومع أنّنا نستبعد أن يكون النظام من القائلين بذلك على النحو الذي شاع بين مختلف الفرق المعادية والخصوم، فإنّنا نرى أنّها من العقائد والأفكار التي لقيت رواجاً وظهر لها حديث في دنيا المتكلمين([16]).
وعلى أساس البداء ـ وبصورة جذرية ـ يتعذّر القبول بنظرية الفيض، وإسناد الخلق والإيجاد للعقل الأوّل. فذلك من جهة ما، يؤدّي إلى مضمون الفكرة اليهودية القائلة بفراغ الخالق من تدبير الكون، مع أنّنا نميِّز بين النظريتين، من حيث إنّ الأولى، تعتبر الخلق من فعل الخالق، لكنّه تمّ على النحو الذي لا يجوز بعده أي نقصان أو زيادة في الخليقة، بينما أصحاب الفيض، عزوا ذلك إلى العقل الأوّل، تنزيهاً للخالق، ابتداءً! لكن من حيث النتيجة، تنتهي إلى نوع من الإنكار لعملية الخلق والتدبير المباشرين والدائمين!.
من هنا رأى الشيعة في البداء، غير ما رآه خصومهم؛ أنّه أفضل ما عبد به الخالق، وحسب قول الإمام الصادق([17]): «ما عظم الله بمثل البداء». وللأئمة الشيعة كلام كثير من هذا القبيل، يرقى بالبداء إلى قمة الاعتبار الديني، فقد جاء إلى أقوال الأئمة([18]): «لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر، ما فتروا عن الكلام فيه». وقولهم([19]): «ما بعث الله نبيّاً حتّى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار بالعبودية، وخلع الأنداد، وأنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء».
ونستطيع إدراك ذلك المغزى العميق من خلال النتائج المترتبة على هذا الاعتقاد؛ فالبداء في نهاية المطاف، يؤدّي إلى ترسيخ عدد من المفاهيم، بالغة الأهمية، مثل التوحيد والعدل والإرادة… كما نستطيع القول، إنّ البداء صلة ما ـ وثيقة ـ بفلسفة الأمل والانتظارية والتفاؤلية التي يطفح بها الفكر الشيعي عموماً. من هنا يسهل علينا إدراك الأسباب الحقيقية وراء تلك الثروة الهائلة من القيم التربوية والمعنوية التي يصطبغ بها العقل الشيعي، وذلك التراث الروحي الذي يتلخص في رصيد «دُعائي» يمثّل أروع تجربة مونولوجية وعرفانية في التراث الإسلامي. وهذا التضخم الحاصل في الطقس الدعائي عند الشيعة، راجع إلى هذا الموقف الاعتقادي، وإلى تلك الروح التفاؤلية والانتظارية، التي تتطلع في حالاتها العرفانية إلى استعطاف كلّ الأقدار الممكنة، التي تتيحها عقيدة البداء. لقد كانت «الصحيفة السجادية» ـ وهي كتاب جامع لكلّ الأدعية المأثورة عن الإمام الرابع: علي بن الحسين السجاد ـ وثيقة تعكس قيماً تربوية وروحية، كما تعكس أزمة مرحلة، وجيل كامل، على شتى المناحي، الاجتماعية والسياسية. لقد اختار هذا الإمام أسلوباً فريداً وفعّالاً، في عرض قضيته ـ وقضية آبائه ـ؛ أسلوب الاستعطاف وإثارة الوجدان الروحي، في المجتمع الأموي، حيث طغيان القيم المادية وتدهور الوازع الديني؛ فقد كانت هذه الصحيفة بحق «زبوراً» لكلّ الشيعة، وكان الإمام السجاد، قديس هذه المرحلة من المواجهة بين العلويين والكيان الأموي، قدّم دوراً مهماً، لعلّه كان رافداً معنوياً لسلسلة من الحركات العنيفة التي قامت على أساس ردّ الاعتبار لقضية الحسين وبنيه، خصوصاً حركة سليمان الخزاعي التي أطلقت على نفسها عنواناً يلائم الأجواء التي أوجدها الإمام السجاد، ألا وهي حركة «التوابين». فالدعاء الذي ظلّ أحد أهم الشعائر التعبدية لدى عموم المسلمين، كان قد شهد قمة تألّقه داخل الوجدان الشيعي؛ ليس ذلك فقط على الصعيد الفردي، بل أصبح يمثّل تجربة جماعية، كما تعكسها تلك الممارسة الشعائرية، التي عادة ما تحيى في المناسبات الخاصّة، حيث يفضلون ممارستها داخل أجواء جماعية حاشدة. إنّ دعاء كميل بن زياد، الذي اعتاد الشيعة قراءته كلّ ليلة جُمُعَة، يمثّل، بما يضفيه من أجواء خاصّة، مصحوبة ببكائية عجيبة، رافداً يضخّ على الوجدان الشيعي جوّاً من الروحانية الطافحة بشكل دائم. فلأنّ كان هذا يدل على شيء، فإنّما على أنّ الدعاء هو الشعيرة الوحيدة التي يتصل الفرد من خلالها بالخالق ـ المدبّر الحكيم ـ مستجدياً إرادته النافذة لتغيير أحواله، حينما يعجز عن ذلك بالتماس طريق السنن الكونية. الدعاء هو نوع من التجاوز للنظام الكوني أو التخفيف من وطأة قوانينه الصارمة، وأسلوب في التعلّق المباشر والملحاح بالمشيئة. من هنا شاع في الخبر، أنّ الدعاء يردّ القدر. على أنّ الدعاء رغبة لا تتقيّد بموضوع، فهو نوع من الاستجداء الميتافيزيقي الذي يتجه صوب تغيير الأحوال التكوينية، الخاضعة لناموس كوني عام… هكذا نفهم كيف جعل الأئمة الشيعة البداء أفضل العبادات، لاقترانه بهذه الممارسة التي تفنّنوا فيها إلى الحدّ الذي اعتبروا فيه من أهل الأسرار. يورد الكليني كلاماً آخر عن حمان بن سدير، عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر: أي العبادة أفضل؟ فقال: ما من شيء أفضل عند الله عزّ وجلّ من أن يُسأل ويطلب ممّا عنده، وما أحد أبغض إلى الله عزّ وجلّ ممّن يستكبر عن عبادته ولا يسأل ما عنده»([20]).
ويورد حديثاً آخر، يكشف عن حقيقة العلاقة الوثيقة بين الدعاء ومفهوم البداء، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال لي: يا ميسر ادع ولا تقل: إنّ الأمر قد فرغ منه، إنّ عند الله عزّ وجلّ منزلة لا تنال إلاّ بمسألة، ولو أنّ عبداً سدَّ فاه ولم يسأل لم يعط شيئاً، فسل تعط، يا ميسر، إنّه ليس من باب يقرع إلاّ يوشك أن يُفتح لصاحبه»([21]).
وفي رواية أخرى عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ادعُ ولا تقل قد فرُغ من الأمر، فإنّ الدعاء هو العبادة إنّ الله عزّ وجلّ يقول([22]): «إنّ الذين….
قال زرارة([23]): إنّما يعني لا يمنعك إيمانك بالقضاء والقدر أن تبالغ بالدعاء وتجتهد فيه…
أمّا بخصوص ردّ الدعاء للقضاء والقدر ونقضه لهما، فقد وردت أخبار عن أئمتهم تؤكّد على ذلك وهي على وفرتها، نذكر منها هذه العيّنات، كما أوردها الكليني، عن حماد بن عثمان قال: سمعته يقول: إنّ الدعاء يردّ القضاء ينقضه كما ينقض السلك وقد أُبرم إبراماً»([24]).
وعن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: «إنّ الدعاء يردّ ما قدّر وما لم يُقدّر، قلت وما قد قُدِّر عرفته فما لم يقدِّر؟ قال: حتّى لا يكون»([25]).
وعن أبي ولاّد قال: قال أبو الحسن موسى (عليه السلام): عليكم بالدعاء فإنّ الدعاء لله والطلب إلى الله يردُّ البلاء، وقد قدِّر وقضي ولم يبق إلاّ إمضاؤه، فإذا دعي الله عزّ وجلّ وسئل صُرف البلاء صرفة»([26]).
هكذا ومن الطبيعي أن تفقد هذه الممارسة خاصيتها عند المعتزلة، نظراً لتنافي فلسفة الدعاء مع صميم نظرتهم للإرادة، ومفهوم العلية الصارم وعقيدة التفويض، أي، بالتالي، منافاتها للبداء! هذا، دون إغفال الجوانب الفعّالة والإيجابية لهذه الممارسة الدّعائية التي تعكس مضموناً تربوياً ينطوي على نزعة روحانية كما يحمل في ثناياه، نزوعاً دنيوياً، حيوياً. لعلّنا هنا نستطيع القول، إنّ الأجواء التي عاشها المسلمون خلال الحكم الأموي، كان لها أيضاً دور فعّال في تقوية الاعتقاد، عند التيارات المعارضة، بكلّ ما من شأنه زحزحة عقيدة الجبر الأموية. فقد حاول المعتزلة في زمن مبكر، أن يقضوا على هذه العقيدة بواسطة القول بالتفويض والاختيار. وأيّاً كانت القيمة المعيارية لهذه العقيدة، فقد كانت تعكس جدلاً سياسياً انعكس بصورة، أكثر حدّة، على الصراعات الكلامية. إنّ عقيدة البداء، بالتالي، تقدّم مخرجاً جذريّاً لهذه الأزمة، ونسفاً حقيقياً لمفهوم الجبر. فلأن تمكّن الأمويون أن يوظفوا سلطانهم في تجنيد عدد هائل من الرواة، لاختلاق أخبار تعزّز الإيمان بعقيدة الجبر، بل، وأكثر من ذلك، تعتبر السلطان سيف الله الذي يبطش به، فإنّ البداء يمنح الإنسان مزيداً من الفرص لتغيير هذا القدر وتبديل أحوال المحيط بتعديل أحوال النفس. هكذا، ومن خلال البداء، يتجه التغيير من النفس إلى الواقع، ويصبح الإنسان في نهاية المطاف، مسؤولاً عمّا يجري عليه من أقدار، ومتمكناً من تغييرها، أو حسب التعبير القرآني: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [سورة الرعد، الآية: 11].
فالبداء إذن، ينطوي على مغزى اجتماعي وبراغماتي ـ أيضاً ـ يجعل منه ـ رغم كلّ التحفظات ـ فكرة ثورية، أكثر ممّا هي مجرد عقيدة تعبدية أو إشكالية كلامية! وقد ترتب على هذا الاعتقاد، إشكالية أخرى، تتعلق بالنبوءة والإخبار بالغيب، تلك الظاهرة التي تمثّل جانباً أساسياً وفعّالاً في الأديان عموماً والإسلام خصوصاً، وعلى الوجه الأخص عند الشيعة الذين تمثّل حالة الانتظارية ـ أيّاً كان مضمونها الروحي والعملي ـ عنصراً مهماً في عقيدتها، حيث اكتظت مظانها بكمٍّ هائل من الأخبار عن أحوال المستقبل وما سيواجهه العالم من حوادث ومتغيرات محتومة. لقد أرجع البعض، ذلك التأخّر في تحقّق بعض النبوءات، إلى مفهوم البداء. فهل البداء إذن ـ يعارض حقيقة النبوة؟ إنّ ذلك، بالتأكيد، لو صحّ، فمعناه تهافت في الخبر ونسبة الكذب إلى النبي أو الإمام ـ المعصومين في عقيدة الإمامية ـ؟! لكنّنا حينما نبحث في طبيعة البداء وحقيقة النبوءة ووظيفتها في التعاليم الدينية بشكل عام، يتبيّن أن ليس ثمة أي أثر لتناقض أو تضارب في المفاهيم. إنّ البداء ليس له أي علاقة بعلم الله الشامل ولا بإرادته النافذة وإنّما هو ما يعتقد به جميع الفرق الإسلامية من تغيير في الأقدار المشترطة، وليس ثمة غير خلاف لفظي متحكم في حقيقة ذلك الصراع. يقدّم الشيخ الطوسي شرحاً مسهباً في كتاب العدّة، يقول: «البداء حقيقة في اللغة هو الظهور، ولذلك يقال «بدا لنا سور المدينة» و«بدا لنا وجه الرأي». وقال الله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ} [القمر: 33]، {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} [الزمر: 48]. ويراد بذلك كلّه «ظهر». وقد يستعمل ذلك في العلم بالشيء بعد أن لم يكن حاصلاً وكذلك في الظن. وأمّا إذا أضيفت هذه اللفظة إلى الله تعالى فمنه ما يجوز إطلاقه عليه ومنه ما لا يجوز. فأمّا ما يجوز من ذلك فهو ما أفاد النسخ بعينه ويكون إطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسّع. وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين (عليهم السلام) من الأخبار المتضمنة لإضافة البداء إلى الله تعالى، دون ما لا يجوز عليه: من حصول العلم بعد أن لم يكن. ويكون وجه إطلاق ذلك على الله تعالى، التشبيه وهو أنّه إذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين ما لم يكن ظاهراً له ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلاً لهم أطلق على ذلك لفظ البداء»([27]).
أمّا الشيخ المفيد، فلا يرى في البداء الذي تعبدت به الشيعة أي خروج عن منطق المنقول، لذا فالخلاف لفظي ليس إلاّ… «أقول: في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله: من الإفقار بعد الإغناء والإمراض بعد الإعفاء والإماتة بعد الإحياء، وما يذهب إليه أهل العدل خاصّة من الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال، فأمّا إطلاق لفظ البداء فإنّما صرت إليه بالسمع الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله عزّ وجلّ، ولو لم يرد به سمع أعلم صحته ما استجزت إطلاقه كما أنّه لو لم يرد عليّ سمع بأنّ الله تعالى يغضب ويرضى ويحبّ ويعجب لما أطلقت ذلك عليه سبحانه، ولكنّه لما جاء السمع به صرت إليه على المعاني التي لا تأباها العقول، وليس بيني وبين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف، وإنّما خالف من خالفهم في اللفظ دون ما سواه، وقد أوضحت من علتي في إطلاقه بما يقصر معه الكلام، وهذا مذهب الشيعة بأسرها، وكلّ من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من الاسم دون المعنى ولا يرضاه»([28]).
وينقل السيد شبّر رأياً للداماد، يربط فيه بين البداء والنسخ حاصله أنّ البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع. فما في الأمر التشريعي والأحكام التكليفية نسخ فهو في الأمر التكويني والمكونات الزمانية بداء. فالنسخ كأنّه بداء تشريعي، والبداء كأنّه نسخ تكويني. وكما حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي وانقطاع استمراره لا رفعه وارتفاعه عن وعاء الواقع فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ إثبات الاستمرار التكويني وانتهاء اتصال الإفاضة ومرجعه إلى تحديد زمان الكون وتخصيص وقت الإفاضة لا أنّه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه وبطلانه في حد حصوله»([29]).
ولست أدري على أي وجه نسب السيد شبّر هذا الرأي إلى الداماد، وقد شاع الاستدلال به من قبل أعلام من المتكلمين الشيعة من قبل. بل إنّنا نجدها ـ مع الشهرستاني ـ تعود إلى المختارية؛ نسبة إلى المختار الثقفي، الذي كان يقول بالبداء: «فمن مذهب المختار: أنّه يجوز «البداء» على الله تعالى […] وكان لا يفرق بين النسخ، والبداء؛ قال: إذا جاز النسخ في الأحكام جاز البداء في الأخبار»([30]).
وقد استدل ابن الراوندي بذلك على اتهامات الجاحظ: «فأمّا البداء فإنّ حذّاق الشيعة يذهبون إلى ما يذهب إليه المعتزلة في النسخ، فالخلاف بينهم وبين هؤلاء في الاسم دون المسمى»([31]). من هنا، يمكننا اعتبار البداء تغييراً يلاحظ شروطاً تتعلق في عمومها بفعل المكلَّف. هكذا يفقد الوعد والوعيد كلّ قيمة ثابتة مع تغيّر أحوال المكلفين. وعليه، فإنّ النبوءة في التصوّر الإسلامي، ذات مضمون تربوي ـ قبل كلّ شيء ـ، تتغيّى إصلاح أحوال المكلف وتوجّهه إلى تبديل شروط سلوكه. يظهر ذلك جليّاً من خلال ما جاء في المنقول الديني. فقد وردت عدّة نماذج في الكتاب والسنة تخبر عن أحوال المستقبل أو توعد بمصير محتوم سيصيب القوم، غير أنّنا لا نجد تحقّقاً فعلياً لتلك النبوءات، حتّى أنّ القرآن يحدّثنا عن حالات، ويخبرنا أيضاً عن عدم تحقق ما أوعدوا به من مصائر محتومة. فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [سورة الأعراف، الآية 142].
من هنا يظهر المضمون التربوي من عدم تحقّق بعض النبوءات. لأنّ الهدف من هذه الأخيرة، لم يكن هو تحققها، بل هو المساهمة في تقريب المصير المحتم للسلوك البشري في كليشهات حيّة، تزيد من قيمتها التوجيهية، كما تفيد في تيسير الطاعة، ممّا يجعل من البداء، أيضاً، قيمة وثيقة الصلة باللطف! فالنبوءة في الإسلام وفي إطار عقيدة البداء الشيعية، لا تلتقي بالتصوّر الأوديبي، حيث يكون «تحقق» النبوءة، هدفاً، لآلهة عابثة وانتقامية، تتنكر وتعمل المستحيل لتحقيق رغبتها من خلال نبوءاتها ـ أو ما ترى فيه دليل سطوتها ـ مهما حاول الضحية، المستضعف أمام مكر التاريخ (بالمفهوم الهيغلي)، تفادي وقوعها، لأنّ الغرض، كما سبق وذكرنا، انتقامي، وليس تأديبي! وهو ما يخالف التصوّر الإسلامي للألوهة وموقف الشيعة من العدل.
وللنبوءة وظيفة تاريخية، تساهم في إحداث التغيير، وتتحوّل بذاتها إلى علّة لتبديل مجرى التاريخ. إنّها ذات مغزى تربوي، وليس مجرد إخبار. ونستطيع أن نفهم هذا المغزى العميق لمفهوم النبوءة في إطار عقيدة البداء بتقريب ما يسمّيه كارل بوبر بـ «الأثر الأوديبي» في بحث مسألة الاتجاه، ونقد النبوءة في المضمار الاجتماعي»([32]). النبوءة في الإسلام لها وظيفة القصة ذاتها، فهذه الأخيرة كانت تستعرض ضمن أحداث حيّة، يقدّمها القرآن على شكل تصوير شيق لمشاهد حيّة، يهدف من خلالها إلى اعتبار؛ فالعبرة، هي ـ إذن ـ عنصر أساسي في السرد القصصي في القرآن. العبرة بما تعنيه العبور، أي اجتياز أحداث القصة إلى مضمونها التربوي الذي تتيحه للمكلف. فتصبح القصة ذات مضمون عملي توجيهي براغماتي، بخلاف ما ورد في المجاميع المقدسة، الأخرى([33]). والنبوءة هي استعراض لأحداث ومشاهد مستقبلية. وهي حكاية عن واقع مستقبلي ينتظره الفرد أو المجتمع، مثلما أنّ القصة واقع ماضوي تجاوزه الفرد أو المجتمع. وهي مشاهد واقعية لأنّها معلولة لشروط ما، تاريخية واجتماعية وروحية. وهي حينما تستعرض، تقوم بدور القصة ذاتها في القرآن، أي دور العبرة، التي تتجه إلى عمل المكلَّف، وليس إلى مجرد الإخبار أو حتّى الإعجاز كما ذهب النّظام المعتزلي. بهذا تصبح عقيدة البداء ذات أثر إيجابي على أفعال المكلَّفين، أي أنّها تتركهم أمام مسؤولياتهم وتجعلهم معنيين بتغيير أحوالهم ومن ثمة، مصائرهم وأقدارهم. كما توجد تلك الصلة الحميمة بين المخلوق والخالق؛ صلة العدل الراشح بالرحمة واللطف. فبالبداء تتعزّز عقيدة التوحيد والعدل واللطف والعمل الصالح، وهي قوام العبادة الفاضلة. من هنا تيسر فهم مؤدّى كلام الأئمة: «ما عبد الله بشيء أفضل من البداء»! كما أنّ هذا الأخير، هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن في ضوئها الجمع بين القول بالاختيار والقول بالإرادة والتدبير الدائم للخالق. أي نتيجة طبيعية لمفهوم «لا جبر ولا تفويض» لذلك كان البداء هو الفسحة التي تتراءى فيها بوضوح تام، عقيدة الشيعة في الإرادات ونفي التفويض، والمغزى الحقيقي للوسطية ـ الأمر بين الأمرين.
إدريس هاني
البحر الأبيض المتوسط
مرّ الحديث عنه في مكانه. وكنت قد قمت برحلة صيف سنة 1949 إلى أوروبا عبرت فيها هذا البحر فوصفت ما شاهدت فيه وصفاً رأيت أن أضيفه إلى الحديث عنه، كما أنّ الرحلة أوحت لي بقصيدة عن هذا البحر ألحقتها بالوصف النثري:
أقبلنا في بيروت على الباخرة مساء وصعدنا مدارجها في زحام صاخب، ووقفنا نترقّب ساعة السير مرسلين الطرف إلى جموع المودعين، وقد أخذوا ينحدرون من الباخرة ويتجمعون على الأرصفة أنواعاً مختلفة من الناس، فيهم الباكي وفيهم الضاحك، يدفع كلاً منهم إلى البكاء أو إلى الضحك ما دفع مسافريهم إلى السفر، فهؤلاء المتحلقون هنا وهناك نساء ورجالاً وأطفالاً وقد انخرطوا جميعاً في بكاء ممض إنّما يودعون أعزاء ضاقت بهم سبل الحياة هنا في أرض الوطن، فنفروا مهاجرين إلى إفريقيا أو البرازيل أو غيرهما. وهؤلاء الباسمون إنّما يودعون أقرباء ضاقت بهم هم الآخرون سبل الحياة من أرض الوطن فنفروا إلى حيث يجدون الرحب بعد الضيق!.
ولكن شتان بين ضيق كلّ من الحياتين، فهؤلاء الآخرون إنّما ضاقت بهم سبل حياة الرفاه والنعيم في بلادهم لطول ما ألفوها فذهبوا يفتشون في الغرب عن رفاه جديد ونعيم جديد!
لا نهار ولا ليل!
مشت الباخرة الهوينا وبيروت تمتدّ على الساحل كمدرج ذي لونين أحمر وأبيض، وقد ارتفع فوقها الجبل بقراه وغاباته فكأنّها سلم جميل يرتفع إلى القمم الجميلة. ووقفنا على ممرات الباخرة نرسل آخر النظرات إلى الأرض الحبيبة، وأخذنا نبتعد عن الساحل قليلاً قليلاً والشمس إلى يميننا تجنح للمغيب، وقمم الجبل تتوهج بانعكاس أشعة الشمس على زجاجها الكثير، فيغدو الجبل براقاً لامعاً في كلّ صوب. ثمّ فصلنا عن بيروت فكنّا نقابل عاليه وسوق الغرب، هنا أرسلت بصري في تلك الساعة أحاول أن أستكشف موقع (كيفون)، وسواء أكانت هي التي بانت لي أم كان غيرها، فقد ظلّ طرفي عالقاً بها لا يحيد عنها([34]) ثمّ أخذت قمم الجبال تنخفض وتميل للانحدار حتّى كان أقصاها يبدو وكأنّه ملاصق للبحر. وكانت الشمس لا تني منحدرة ثمّ غابت فخبت في الجبال الوضاءة التي كانت إلى ما قبل قليل تشعّ في نور الشمس وغدت الجبال في دكنة قاتمة تتوجها الحمرة المشرقية بينما كان مغيب الشمس يتوهج أحمر وردياً، وكانت هذه الفترة بين المغيب والليل فترة بديعة حقاً، فلا نحن في نهار ولا نحن في ليل. ومثل هذه الفترة لا تحسها في المدن. وإنّما تحسها في مثل هذا الموقف حيث ينكشف الأفق ويتّسع الفضاء وتنبسط الدنيا.
أنوار الجبال ثمّ الظلام
كانت بيروت تبتعد عن عيوننا ولم يعد يبدو منها إلاّ حي المنارة، ثمّ أخذت «المنارة» ترسل ضوءها فيبدو ويختفي كأنّه الحباحب، ثمّ طلعت أوّل نجمة من وراء الجبال شاقة طريقها إلى السماء كأنّها حلم من أشهى الأحلام! كم من عيون عزيزة علينا تلتقي الساعة على هذا النجم المتألق، وحسبنا الآن أن تتلاقى عيوننا مع أعز العيون وأحبها! وكذلك ظهر أوّل ضوء من أضواء بيروت التي تبدو الآن كأشباح ضئيلة. ثمّ أخذت الأنوار تتابع في الجبال وأوّل ما بدت في عاليه، ثمّ كان الظلام الدامس يقترب والهواء يشتد، ونحن لا نزال على شرفات الباخرة.
وما هو غير قليل حتّى عمّت الأنوار سائر نواحي الجبل وأشرقت السفوح والأصواح والقمم. وكانت أجمل ما تبدو في عاليه حيث انتشرت صفحة طويلة من نور وامتدّت في خط مستقيم بعيد المدى. ولم تكن الأنوار تبدو وهاجة لأنّ الظلام لم يسدف بعد بل كانت تظهر ضئيلة. وما هو أن بلغت الساعة العشرين حتّى كنّا في سكون الدجى الرهيب تلتمع فوقنا نجوم السماء وتتألق وراءنا مصابيح الجبال ويطبق أمامنا ظلام دامس تشقه الباخرة مسرعة فتحيل سواد الماء إلى ابيضاض كالثلج. ورحنا لا نتطلع إلاّ إلى الوراء متزودين من النظر إلى هذه الأنوار الجبلية التي ستغيب بعد قليل فلا نعود نبصرها. وفي الساعة الواحدة والعشرين كانت الأنوار قد غابت وتوارى شعاعها وراء بُعدٍ لا تدركه العين. وظلننا ساهرين إلى قرب انتصاف الليل فأوينا إلى المضاجع حتّى الصباح الباكر.
بين البحر والصحراء
كنّا نستيقظ نشطين فلا نبصر إلاّ سماء وماء يتتابعان فأذكرتني هذه المشاهد بمشاهد الصحراء حين كنّا نسير بين دمشق وبغداد فلا نرى إلاّ منظراً واحداً لا يتبدل. وها نحن الآن نجتاز اليم كما اجتزنا الصحراء فلا يتبدل المنظر. وإذ كان هذا الطريق البحري يختلف عن ذاك الطريق الصحراوي بأنّه طريق لا سَموم فيه بل نسمات بليلة عذبة، فإنّ هذه النسمات إذا طالت واستمرّت، تبعث السأم وتورث الضجر، وهكذا كان حالنا فقد مللنا هذه الزرقة الجميلة التي كانت وكأنّها تنحدر من السماء فتغمر الأرض أو تطلع من الأرض فتغمر السماء. وشدّ ما كنّا نشتاق النزهة البحرية، وطالما هفت نفوسنا ونحن على شواطئ بيروت نبصر الزوارق البخارية منسابة في الماء تحمل المتنزهين، طالما هفت نفوسنا لأن نكون معهم في هذا السير الجميل، ولكنّنا الآن ونحن في حال هو أقرب إلى أن يكون نزهة بحرية من أن يكون سفراً بحرياً نمل لأنّه طال ولم ينته. وهكذا الإنسان أبداً في الحياة!.
وإذا كانت هذه الفترة غير الطويلة التي انقطع فيها البر عن عيوننا قد أضجرتنا فماذا نحن فاعلون غداً عندما يمر النهار ويمر الليل، ثمّ يمر نهار ويمر ليل ونحن لا نزال بين السماء والماء لا نبصر غيرهما!.
بور سعيد
مضت الساعات بطيئة حتّى كما في الزوال فإذا بتباشير البر تلوح لنا من بعيد، وإذا بنا نعلم أنّ بور سعيد أمامنا وأنّنا نمشي إليها حثيثاً. ثمّ أخذت تنجلي للعيون ونقبل عليها ونوغل في مرفئها فظهرت لنا جميلة تزين الأشجار شارعها الساحلي وتمتد العمائر منسقة لطيفة. وكان القسم الآخر من البلدة ينتشر إلى يسارنا بأسطحته القرميدية الحمراء وأشجاره الكثيرة الخضراء. والفكرة التي تنطبع في ذهن المسافر وهو يرى بور سعيد من ظهر الباخرة هي أنّها مدينة عامرة ومرفأ جميل.
في أوائل الليل تحرّكت الباخرة بعد طول سكون ومشت بين صفوف البواخر الكثيرة الراسية في المرفأ، فاجتزنا المدينة وقد أصبحت شعلة من نور يمتزج فيها الأحمر بالأبيض بالأزرق، وبدت شوارعها متلألئة، وظهرت فيها السيّارات جارية وبان المارة جائلين، فتوجّهت راكبة مصرية ببصرها إلى المدينة وهتفت: «الفاتحة للمشايخ اللي فيها» وراحت تقرأ الفاتحة مهداة إلى مشايخ بور سعيد.
إلى الإسكندرية
ظلّت المدينة ترافقنا خمس عشرة دقيقة ثمّ كنّا ننفصل عن آخر مصباح فيها، وراحت عيوننا تتطلّع إلى الوراء مستجلية أنوار بور سعيد ومتملية منها قبل أن يغمرها الظلام فلا نعود نبصر نوراً في هذه الأمواج التي لا تنتهي. وبعد نصف ساعة صارت أنوار المدينة تحاذينا بعد أن كانت وراءنا. وتجاوزت الساعة التاسعة ومصابيح بور سعيد لا تزال تشع وتخبو لتهدي السارين في ظلمات البحار.
البارحة ودعنا أنوار بيروت وصرنا بعدها إلى ظلامين: ظلام الليل وظلام الوجد. وها نحن الليلة نودع أنوار بور سعيد في رحلتنا، لنستقبل بعدها ظلاماً أي ظلام!.
وفي الصباح كنّا نقبل على الإسكندرية، ثمّ نبارحها عصر اليوم الثاني شاقين البحر في عرضه بعيدين عن الساحل العربية مستهدفين شواطئ اليونان التي بانت لنا في جزيرة كريت.
أمام السواحل الأوروبية
طلعت لنا في عرض البحر جزيرة كريت فما إن رآها المسافرون اليونانيون حتّى ازدحموا على الشرفات متطلعين إليها متحدثين عنها ببهجة بالغة وحبور ظاهر. ورحنا نحدق بجبالها فيعجبنا أنّ فيها شَبه من جبل عامل فهذه القمة المتفردة مثلاً تذكرك بقمة (شمع) ويذكرك غيرها بغيرها.
ثمّ انطوت كريت وعسعس الليل وتنفّس الصبح فإذا نحن نطالع في الأفق جبال اليونان وأشرقت الشمس من وراء الجبال ومتع الضحى ونحن نعبر بحر إيجه ونجتاز الأرخبيل اليوناني موغلين فيه، فتبدو السفوح من وراء غلالة الضباب الشفافة وتتلألأ القرى والمدن داكنة وبيضاء. وكانت مدين (بيره) مرفأ أثينا هدف السفينة وكنّا نمشي إليها حثيثاً فتبين من بعيد مبثوبة طولاً في حضن الجبل على الساحل. وما إن وضحت جزيرة (بيشي) ببلدانها المتدرجة من الساحل وصاعدة إلى القمم الشجيرة حتّى انفجرت أصوات لبنانية على الباخرة تصرخ من أعماق القلوب بأغانيها الجبلية، إنّهم لبنانيون مسافرون رأوا الجبال فذكروا لبنان وجباله وشطآنه وسفوحه فهاج بهم الحنين!.
ها هي البلدان تنجلي إلى شرق بيره وغربها، وها هو الدخان يتصاعد من مداخن مصانع بيره الشاهقة، وها نحن نقبل عليها ثمّ نهبط إليها لنرى أوّل بلد أوروبي. ولكن لولا بعض الفروق لما حسبنا أنّنا الآن في بلد أوروبي، فهذه السحن وهذه البنايات وكثير ممّا تراه يذكرك بالشرق. حتّى صابغو الأحذية وهم يغرونك بصبغ حذائك، وحتّى صبيان المتاجر الذين ينادونك إلى متاجرهم. فأن ترى المناظر الشرقية تواجهك في كلّ شيء: في الطنابر التي تنقل الحطب وفي بائع الكعك الذي يحمل بسطته على صدره وينادي على الكعك، وفي كلّ ما تلمحه عيناك…
وخرجنا من بيره والبحر ساج لا يتحرّك، وإذا كان قد أعجبنا أن لا يتحرّك فلا تتحرّك أحشاؤنا فإنّ إعجابنا كان أقوى بذاك المنظر البديع الذي انبسطت فيه صفحة البحر كأنّها باحة زرقاء. ولم أكن أحسب أنّ البحر يمكن أن يكون يوماً في مثل هذا السكون الذي لا تهتز فيه قطرة ولا تتماوج ذرة، ثمّ أخذت الجزر تتابع علينا وأخذنا نمر بها متطلعين إلى تلك الطبيعة العجيبة فهذه الجزر الجبلية الصلدة في هذا الخضم المضطرب، وهؤلاء السكان في جوار الحيتان مفصولين عن الإنسان، كلّ ذلك يثير في نفسك وأنت تشق البحر التفكير في عجائب الطبيعة وعجائب الإنسان وعجائب قدرة الخلاق.
كنّا في منتصف الليل عندما أخذت الباخرة تميد بعد سكون طويل ويظهر أنّها انحرفت إلى الغرب وسارت في مداخل بحر الأردياتيك حيث تصطخب هناك الأموار فأهمنا ذلك وتوقعنا ألماً ناصباً ودواراً صاخباً ولكنّها كانت غمرة وانجلت عن ليل ساكن ثمّ عن صباح وادع لم نبصر فيه إلاّ الزرقة المديدة تلفنا من فوقنا ومن أسفل منّا، حتّى دنا الليل فانقلبت الزرقة اسوداداً حالكاً رهيباً عودنا إياه هذا البحر الطويل فيما سلف لنا فيه من ليال غوابر، ولكن صحاباً لنا تعدّد جوازهم لهذا السبيل وخبروا منه ما لم نخبر قالوا لنا إنّ في هذا الليل جديداً سيفاجئنا من خلال هذه السدف الداجية وإنّنا إذا شئنا الاستمتاع بمشهد عذب فعلينا أن نسهر طويلاً أو أن ننام قليلاً ثمّ نصحو، وما كنت يوماً من رجال السهر الطويل فنمت حتّى أيقظتني حركات متتابعات، وأصوات متتاليات، فنهضت فإذا نحن في الثالثة بعد انتصاف الليل وإذا نحن نجري بين ضفتين من نور تتعاليان في العدوتين من السهول إلى السفوح إلى القمم، لقد كنّا نعبر مضيق مسينا الجميل فتلوح الجبال باسودادها وتلمح المصابيح بابيضاضها ونمشي نحن معجبين بالسواد إعجابنا بالبياض فنرسل أبصارنا لنرى أنّ كلّ شيء قد عاد يشع في سكون الليل العميق من وراء منعطفات الرواسي ومن ذرواتها ومن شطآنها.
ثمّ عند إشراق الشمس، أشرق علينا من الغرب في قلب البحر بركان سترامبولي والدخان ينبعث منه في أجواء السماء والنار تنسكب فيه إلى أكناف الأرض، وبدت في سفحه الشرقي قرية بيضاء جميلة تعيش راضية بما قسم الله لها من نار وراءها ودخان فوقها وماء أجاج تحتها وحولها.
ومضى النهار بطيئاً ثمّ انقضى الليل طويلاً، ثمّ أقبل الصبح من جديد وما كنّا نعلم ما يخبئه لنا من طرائف. ولولا ذلك المجهول الذي نتوقعه في كلّ ساعة وهذا الغيب الذي نرنو إليه في كلّ لحظة، ولولا أنّنا نمضي وفي يقيننا أنّ هذه الزرقة الطويلة ربّما انكشفت في كلّ حين عن شيء جميل، لمضينا مرهقين برتابة المشهد ووحدة المنظر، ولكن الأمل المهيمن على جوانحنا كان يهون عليها الملل فنظل في توقّع وانتظار. وهذا جديد نراه في هذا الصباح الجديد. فقد أطلّت علينا جزيرة كورسيكا بجبالها الشاهقة، ثمّ أخذت تنجلي لعيوننا وتنكشف مدنها وقراها البيضاء في السفوح والضفاف. وفي الوقت الذي كنّا نرى فيه كورسيكا واضحة كانت جزيرة ألبا تلوح لنا من بعيد وهكذا كنّا نمر بين مولد نابليون ومنفاه.
وعند الزوال أخذت أشباح الساحل الإيطالي تبين، وأخذنا نقترب منها فنحاذي بعضها ثمّ أخذت بالانجلاء وصار البناء الأبيض يبدو خلال اسوداد الجبال العالية ثمّ صارت المدن والقرى تتّضح للعيون مبثوثة في كلّ مكان. وإنّنا في كلّ ما مرَّ بنا من جبال كثيرة لم نر جبالاً أشبه بالجبال اللبنانية من مشاهد هذه الجبال، فهي بهذه البلدان المنتشرة على طول الساحل والتي تبدأ من الضفاف رحيبة ثمّ تأخذ بالانكماش والتدرّج إلى الأعلى خلال اسوداد الجبل تريك صورة لبنانية محضة.
إنّه ساحل حافل بالعمران يكاد يكون مدينة واحدة متصلة الحلقات، فأينما أرسلت البصر على طول الشوائ لا تبصر إلاّ بناء ومدناً وقرى ودساكر. وكنّا ندنو حثيثاً من جنوى وكانت تنكشف لنا على التدريج، ثمّ ظهرت لنا كلّ الظهور منتشرة طولاً على شاطئ بعيد المدى ومرتفعة عرضاً إلى أواسط الجبل. وعندما قربنا منها لم تملك نفسها إحدى اللبنانيات المسافرات أن صاحت معجبة: مثل بلادنا فيها جبال.
في جنوى
هبطنا جنوى ورحنا نضرب في شوارعها، فكانت ترتفع وتنخفض تبعاً لتدرّجها في الجبل. وعندما كان الترام يمضي بنا فيها كان يدخل في نفق ثمّ يخرج منه ليدخل في نفق آخر ثمّ يمشي صعداً صعداً، ثمّ يعود منحدراً هابطاً ونحن نبصر شواهق البناء ومن دونها الربوات الخضر الجميلة تتخللها الأودية النضيرة العامة. ولا أحسب أنّ مدينة تعدّ كمدينة جنوى في تكوينها الفريد فهي تقوم على هضاب وأودية وشعاب وثنايا تتداخل في كلّ ناحية وتتشعّب من كلّ صوب وتكسب المدينة بهجة ورونقاً.
ولا تذكر جنوى إلاَّ وتذكر معها مقبرتها. وإذا كان السائح في غير جنوى لا يقصد إلاّ منازل الأحياء وينأى عن مراقد الأموات، فهو في جنوى لا يقصد أوّل ما يقصد إلاّ الأموات وقبورهم، يقصدهم لا للاعتبار بالموت ورهبة الأجداث، بل للاعتبار بالحياة وأهل الحياة. ها هنا في مقبرة جنوى تتجلى روعة الفنون الإيطالية وبراعة الفنانين الإيطاليين. ها هنا في هذه التماثيل والأنصاب الممتدة في كلّ ناحية بعضها يمثّل الألم والنوم والحزن والرحمة والصراع بين الحياة والموت وصبر أيوب، وبعضها تماثيل لأصحاب القبور، فأنت أينما تلفت تبصر أواوين متتابعة ومداخل متوالية تطالعك بأدق ما وصل إليه الفن الناحت.
ليل الشاطئ اللازوردي
وعلى مشارق الصبح كانت الشواطئ الفرنسية قد بدت لنا تحت قرص الشمس الأحمر بربواتها الدهم وأشجارها الخضر، وعماراتها البيض، وجزرها الصخرية. ثمّ كنّا نقبل على مرسيليا فندخل في خليج صخري يتقوّس على طرفي الساحل ثمّ نوغل فيه صوب المدينة، فتبين لنا رؤوس أشجارها وأعالي داراتها وقمم قبابها. ووقف الناس على شرفات الباخرة يتطلعون إلى الأرض التي سينزلونها بعد قليل. وراحوا يعلقون شتى التعليقات، فقالت لبنانية تقارن بين الإقبال على مرسيليا وبين الإقبال على جنوى: «ما فيش بلد مفرفحة مثل اللي شفناها جنوى» فعبرت بذلك عمّا تركته جنوى في نفسها من أثر. ولعل أبلغ ما يقال عن جنوى ما قالته هذه المرأة بلهجتها القروية العريقة (مفرفحة).
القصيدة
ذكرتكم والهم في الليل مركب
ونفسي على جمر الأسى تتقلب
ومن دوننا بحر إذ ثار موجه
تخال الجبال الراسيات توثب
أأحبابنا نمشي على الهم بعدكم
ونألف أشجان الحياة ونصحب
وعهدكم ما لان في البُعد عهدنا
بلى إنّه في البُعد أمضى وأصلب
تطالعنا الذكرى على كلّ وجهة
فندنو وإن شط المزار ونقرب
رمتنا على هوج البحار مقادر
تصعّد ما شاءت بنا وتصوّب
إذا ما ظلام الليل أرخى سدوله
علينا وعمّ الكون في البحر غيهب
وزمجرت الأمواج غضبى ثوائراً
وماجت أواذي تضج وتصخب
وأقفرت الدنيا فلا السفح ناضر
ولا النهر رقراق ولا الروض معشب
ورحنا على الأمواج نطفو وتارة
نخال بأنا للحضيض سنرسب
ذكرتكم في وحشتي وتلفتت
لأرضكم عيناي تشكو وتعتب
أأحبابنا النائين لا كانت النوى
ولا كان يوم عنكم نتغرب
ذكرتكم والبحر بيني وبينكم
فكدت لذكراكم من الوجد أنحب
طلعنا بآثينا على الصبح نجتلي
محاسن ما أبقى الزمان المخرب
فلاحت على (الأكربل) منها مشاهد
يحار لها فكر اللبيب ويعجب
وذكرني الشام الحبيبة موقف
على قمة «الأكربل» عال وملعب
فحنَّ فؤادي المستهام وهزني
إلى أرض أحبابي خيال محبب
وعدنا إلى اللجات نسبح فوقها
حيارى بقفر ما لنا فيه مهرب
إذ ما مضى الصعب الممض رأيتنا
نحذر أن يأتي على الأثر أصعب
إذا ما تلفتنا على اليم لم نجد
سوى لجج يعيا بهن المجرب
فآناً تضيق النفس فيها وتارة
ألذ من الحلم النضير وأرحب
وطوراً تراها العين أشأم منظر
وطوراً تروق الناظرين وتعجب
ومالت إلى الغرب الغزالة ترتمي
على شفق كالنار أو هو أعجب
وشارت فبحرٌ باللجين مفضض
يشع وأفق بالنضار مذهب
وذابت على الأمواج فالماء جمرة
شرارتها نجم يندّ وكوكب
ذبيحة حدّ السيف فالكون واجم
لمأتمها والأفق منها مخضب
وصرنا على بحرين ماء وظلمة
يسير بنا فلكان وجد ومركب
توالى علينا الهم لا الماء ينقضي
ولا الصبر يأتينا ولا الليل يذهب
إذا ما انتهى يوم علينا تعاقبت
ليال وأيام تمضّ وتكرب
ومرّت على الليل البهيم «صقلية»
كما مرّ بالإشراق والزهو وموكب
تفيض على الشطين نوراً وبهجة
فتزهر ضفات وتلمح أهضب
فيا لك مرأى في «مسينا» كأنّه
على ظلمات البحر أهل ومرحب
تبسم ثغر الليل فيه وطالما
توالى على الإدلاج وهو مقطب
وطالعنا الصبح الأغر بجذوة
على فوهة البركان تلظى وتلهب
تسيل كما سالت من العين عبرة
يؤججها بالوجد قلب معذب
ثلاثة أيام تمر ولا نرى
سوى الماء يعوي في البحار وينعب
فأين الجبال الشم نأوي لظلّها
وأين الفرات العذب نسقي ونشرب
وأين سهول الغوطتين نضيرة
وأين على بغداد صبح ومغرب
رباع على قلبي ألذّ من الهوى
وأشهى من النعمى وأندى وأطيب
ألا أيّها البحر المديد تحية
يشيد بها قلبي وفاء ويطنب
صحبناك لا قالين عهداً تصرمت عليك لياليه يلذ ويعذب
أننسى على الآمواج صبحاً كأنّه وجوه الحسان البيض بل هو أعذب
وعصراً جلاه للنواظر مبدع أظل له أنى تلفب أعجب
وأسام ليل حين تسري ندية نهيم لمسراها وننشى ونطرب
الا أيها البحر المديد أذاكر صحاباً تغنّوا بالجمال وأعجبوا
تلااقوا كما مرت رؤى فمشرّق طوته الليالي هائماً ومغرّب
صحبناك حراً لا يهون ولا يني
على غمزات الدهر والحر يصحب
أعرابي يركب البحر المتوسط
من مدينة صور
تولّى الأسود بن بلال المحاربي وهو من رجال قبيلة في بادية (الشرَّبّة) ـ تولّى عملاً في قيادة الأسطول في مدينة (صور). فوفد عليه أعرابي من قبيلته طامعاً بعمل عنده فضمّه إلى القوى البحرية وعيَّن له راتباً وأغزاه البحر، فلم يكد الأعرابي يبتعد عن الشاطئ ويرى تتابع الأمواج وتصاعدها، ويشهد السفينة يتقاذفها البحر فتميل ذات اليمين وذات الشمال وتعلو وتهبط حتّى تملكه الرعب، وتذكر ما اعتاده من انبساط البادية وانفساحها، وسكونها وانقيادها، وتذكر الناقة الطيعة الهادئة التي يزجرها فتنزجر، وينيخها متى شاء ويقيمها متى أراد. تذكّر ذلك وقارنه بما هو فيه، فهاله الأمر وودّ النجاة ومن أين له النجاة، فكان أن أتحف الشعر العربي بقصيدة موجزة هي من أروع ما حفل به هذا الشعر من قصائد:
أقول وقد لاح السفين ملججاً
وقد بعدت بعد التقرّب صور
وقد عصفت ريح وللموج قاصف
وللبحر من تحت السفين هدير
ألا ليت أجري والعطاء صفا لهم
وحظي حطوط في الزمام وكور
فلله رأي قادني لسفينة
وأخضر موار السرار يمور
ترى متنه سهلاً إذا الريح أقلعت
وإن عصفت فالسهل منه وعور
فيا ابن بلال لضلال دعوتني
وما كان مثلي في الضلال يسير
لئن وقعت رجلاي في الأرض مرة
وحان لأصحاب السفين وكور
وسلّمت من موج كأنّ متونه
حراء بدت أركانه وثبير
ليعترضن اسمي لدى العرض خلفة
وذلك إن كان الإياب يسير
وقد كان في حول (الشربّة) مقعد
لذيذ وعيش بالحديث غزير
ألا ليت شعري هل أقولن لفتية
وقد حان من شمس النهار ذرور
دعوا العيس تدني (للشربّة) قافلاً
له بين أمواج البحار وكور
تاريخية الاجتهاد عند الشيعة
على الرغم من أنّ أئمة أهل البيت ظلّوا يمثّلون رافداً تربوياً وتعليمياً مهماً في العصور المبكرة من التاريخ العربي والإسلامي، إلاّ أنّ المعالم الكبرى لمذهبيتهم لم تظهر إلاّ في عهود متأخرة جدّاً، وتحديداً، إبّان العصر العباسي. ها هنا برز اسم الإمام السادس، جعفر الصادق، حيث اصطبغ المذهب الفقهي الشيعي بتراثه التعليمي وأخذ بعد ذلك اسم «المذهب الجعفري». في حين نجد مدرسة الرأي، قد بدأت حركتها الاجتهادية في عصور متقدمة، حتّى على عصر أبي حنيفة. وقد ظلّ الشيعة يعتبرون تعاليم جعفر ابن محمد الصادق، بمثابة «النصّ»، في حين اعتبروا غيرها من التعاليم، ضرباً من الاجتهاد، مقابل «النص». واستمرّ هذا الوضع إلى حدود القرن الرابع الهجري؛ وهو الفترة ذاتها التي شهدت منعطفين أساسيين على صعيد التأصيل الإسلامي للعلوم العربية. فقد تقرّر في هذه الفترة، إيقاف نهائي لحركة الاجتهاد من قبل التراث الرسمي، في حين بدأت فيه الإرهاصات الأولى لما سيسمى بـ «الاجتهاد» عند الشيعة ذلك أنّ هذا العصر، شهد غياب الإمام الشيعي الإثني عشر، ممّا يعني غياب حكم النص. وعليه تكون حركة الاجتهاد الشيعي قد بدأت مسارها على أنقاض سدّ باب الاجتهاد، في نطاق الإسلام السني. وعلى الرغم من تأخّر هذه الحركة التأصيلية عند الشيعة، إلاّ أنّ الاجتهاد بلغ عندهم قمة أوجه وتفاعله.
إذن، هناك صعوبة كبرى، تواجه الباحث في المسار الفكري، فضلاً عن مراحل تكامل النسق العقلاني عند الشيعة. ذلك أنّ التراث الآخر عموماً، مثلما هو التراث الرسمي، جاء ضمن سياق تاريخي تراكمي، تقاطعت عنده جملة من المؤثرات التي أثمرت تداخلاً عجيباً بين عدد من العلوم والمعارف. وقد يكون مهماً الحديث عن جوهر ثابت وراء هذا التطور المستدام، في صميم التجربة الفكرية الشيعية. هذا الجوهر الذي يتلخص فيما أسماه كوربان «فلسفة المعاد»؛ أو ما عبّر عنه، حسن حنفي «التفاؤلية الشيعية». إنّ فكرة الانتظار التي تكثفت بفعل هذا التراث المحتضن لأساليب شديدة الإيحاء، تكاد تنعكس، على جميع مجالات النظر الشيعي، ونوعاً ما في مجال الاجتهاد والتشريع، نلمح آثاراً لهذه التفاؤلية، التي أدّت إلى نتائج عميقة. إنّ تاريخ هذه التفاؤلية، برز بشكل واضح، بعد غياب آخر إمام إثني عشري. إذْ أدّى هذا الغياب المفاجئ إلى اقتحام مجال الاجتهاد والتأصيل ليس بدافع التأسيس لمراحل ما بعد النص، بل بدافع ملء فراغ الغيبة، وتوفير الحدّ الأنى من الأحكام الظنية للمكلفين، في انتظار عودة الحكم الواقعي مع نهاية زمن «الغيبة». وهذا الروح التفاؤلي، والعقل الانتظاري، نابعان من موقف كلامي، حول حقيقة الكفاءة النبوية والإمامية، والتي يطلق عليها «العصمة». فقد أراد الإمامية أن يرقوا بقضية التشريع إلى مستوى اليقين. من هنا كان الهمّ الأساسي عندهم يتعلق بكيفية تجنيب الشريعة الخطأ. وهو الأمر الذي يجعل لأصول الفقه وظيفة شبيهة بالمنطق، من حيث هو آلة في تجنيب الفكر الاجتهادي الخطأ. وإذا كان المنطق بشكل عام ضابط لعملية التفكير لئلا تقع بعيداً عن الصواب، فإنّ «علم الإمام» هو الضابطة الوحيدة لتجنيب الشريعة الخطأ؛ انطلاقاً من أنّ مجال الشريعة والعقل، متماهيان في المنظور الإمامي. فإذا كان مناط الصحة في القول العقلي هو هذه المبادئ المنطقية الشاملة، والثابتة والمحرزة… فإنّ مناط الصحة في القول الشرعي هو، قول المعصوم! إنّ فكرة المعصومية في هذا المجال تمثّل من جهة كون مجال التشريع، هو مجال متصل بجهة متعالية، إذْ ليس كلّ تنزيل حكمي يخضع لمنطق العقل. وكأنّنا هنا أمام ما يسمّيه كانط، بعجز العقل المجرد عن إدراك المتعالي. أمّا من جهة أخرى، فإنّ المعصومية هنا، لا تعني أكثر من كونها قدرة تشريعية أو تكوينية، تمكن المعصوم من إدراك الأحكام الواقعية وتشخيص موضوعاتها على درجة قصوى من اليقين.
إدريس هاني
تركيا
مرّ الحديث عنها في مكانه ونزيد على ما هنالك ما يلي:
كان الحكم العثماني في جميع عهوده حكماً ملكياً مطلقاً واستبدادياً. ويتمتع «السلطان بسلطات لا حدود لها، ولا تخضع تصرفاته للرقابة من أي مصدر كان، ومع أنّ نظام الحكم كان من ناحية نظرية مقيداً بأحكام الشريعة الإسلامية، إلاّ أنّ علماء الدين قلّما كانوا يتأخرون عن إيجاد الأحكام وإصدار الفتاوى التي تخدم مآرب السلاطين، وتضفي على أوامرهم وتصرفاتهم صفة الشرعية، كما يقول الأستاذ ساطع الحصري. فعندما استن سلاطين آل عثمان السنة الدموية المشهورة التي تقضي بقتل (جميع أخوة السلطان الجديد) يوم اعتلائه عرش السلطنة، استندوا فيها إلى فتوى تنص على جواز ذلك، بل تقول بوجوبه دفعاً لحدوث فتنة في المستقبل، كأن يخرج أحدهم على أخيه السلطان. ومن المعلوم أنّ عدد الأمراء الذين قتلوا عند جلوس أحد السلاطين بلغ الأربعين، كان بينهم الكهل، والشاب والصبي، والرضيع. كلّهم قتلوا في يوم واحد، ودفنوا حول قبر السلطان المتوفى، يوم جلوس خلفه على عرش السلطنة. وشيوخ الإسلام كانوا دائماً سعداء لاسترضاء السلطان بالفتاوى متى شاء.
«فعندما قرّر السلطان سليم الأوّل، محاربة الشاه إسماعيل الصفوي، وأمر بقتل جميع الشيعة الموجودين في البلاد العثمانية، استند إلى (فتوى) صادرة من رجال الدين، تعتبر هؤلاء مرتدين عن الإسلام»([35]).
إنّ هذه السلطة المطلقة التي مارسها سلاطين آل عثمان، تحت مظلة شيوخ الإسلام وفي غياب الأحكام الشرعية الصحيحة، جعلت تصرّفاتهم ذات طابع عسكري إقطاعي واستبدادي قلّ نظيره في عالمنا الإسلامي، وطبقها حكام الولايات والإيالات والسناجق، فصادروا الأموال والحريات، وأصدروا الأحكام بالإعدام وساقوا الناس إلى السجون وساحات القتال والسخرة بلا تحفظ، ومن دون اللجوء إلى إجراءات قضائية عادلة في كثير من الأحايين.
بداية الانحطاط
الإصلاحات الإدارية والدستورية
عاشت الدولة العثمانية فترة ازدهار منذ تأسيسها في القرن الثالث عشر حتّى أواخر القرن السادس عشر، وبلغت ذروة عزّها ومجدها في عهد السلطان سليمان القانوني. ثمّ دبّ الانحطاط والانحلال إلى جميع مرافقها، وبلغا ذروتيهما في أواخر القرن التاسع عشر بفعل عوامل كثيرة، منها الحكم المطلق الذي مارسه السلاطين والولاة وحياة الترف الخاصّة في القصور التي لا تشرف التاريخ ولا ترفع الاسلام، واضطهاد الأقليات القومية والدينية، وانحلال الضبط في ثكنات «الجيش الانكشاري» الذي أصبح أداة فاسدة وفوضى وتخريب وتناحر بعد أن كان أداة أمن واستقرار. فقد اختلّ الضبط العسكري في الثكنات العسكرية تماماً وانصرف معظم الجنود إلى الأعمال الحرّة، وفكّوا ارتباطاتهم بـ «الثكنات العسكرية» وأصبحوا لا يعرفون منها إلاّ الاسم، ولا يذهبون إليها إلاّ لتسلم «علوفاتهم» (مرتباتهم). وإذا ما تجمّعوا في يوم من الأيام فليس لهم من وراء ذلك سوى المطالبة بزيادة علوفاتهم و امتيازاتهم أو بطلب عزل وزير، أو تنصيب وزير، أو شنق جماعة من الوزراء، مندفعين في كلّ ذلك بتسويلات أرباب المنافع والأغراض وأبطال الدسائس والمؤامرات»([36])، وأدوات تعسف وطغيان بيد «الولاة» الطامعين في الاستقلال عن السلطات المركزية، وغير الراغبين في تطبيق الأوامر الصادرة إليهم من الباب العالي، بما في ذلك توقف بعضهم عن إرسال الإيرادات العامة إلى خزينة الدولة، أو تجاهل أوامر النقل أو العزل الصادرة بحقهم، أو الاتصال بالدول الأجنبية، وتوسيع سلطاتهم تعزيزاً لاستقلالهم الذاتي أو انفصالهم التدريجي عن الحكومة المركزية. هذه العوامل وغيرها هيّأت الظروف المؤاتية في الفترة الثانية من الحكم العثماني للمطالبة بالتجديد والإصلاح، وامتدّت بعض آثارها إلى بعض البلدان العربية.
لنقرأ ونتأمل فيما كتبه أحد المؤرخين الأوروبيين عن مغزى هذه الاصلاحات بالنسبة لتركيا وللرعايا المسيحيين في أوروبا والمشرق. كتب يقول:
بلغ سوء الحكم في الأقاليم المسيحية حدّاً لا يطاق، ولا يمكن، تصوّر استمراره إلى الأبد، ليصبح صفة من صفات الحكم في أوروبا الحديثة. فقد أعدّت لهذا الغرض ثلاثة بدائل ذات مفاهيم واسعة:
1 ـ إصلاح تركيا نفسها بنفسها من الداخل.
2 ـ إذابة تركيا في الإطار الأوروبي وفي كلّ من الإمبراطوريتين الروسية والنمساوية الهنغارية، بتجزئتها أو بغيرها، أو من دون تجزئة بحيث يتسنّى لبريطانية العظمى وفرنسا وإيطاليا الحصول على تعويض في القارة الآسيوية أو الإفريقية.
3 ـ تطوير الكيانات المسيحية وفقاً لأربعة أنواع وطنية مستقلة أو خمسة أنواع تضم الطوائف الإسلامية أو بدونها([37]). ويستطرد أنسر Ansor في كتابه (إنكلترا ـ من عام 1870م إلى 1914م) قائلاً: لقد تركت مخططات الدول الأوروبية أثرها العاجل في بعث الروح القومية التركية. فتأسّست أوّلاً وزارة للإصلاح، وفي 30 مارس 1876م أقصي السلطان عبد العزيز عن العرش، وبعد أسبوع واحد انتحر بمقص، وخلفه السلطان مراد الرابع الذي حكم البلاد ثلاثة أشهر فقط. وفي 31 آب أقصي هو الآخر عن العرش، وتوفي بعد فترة قصيرة، وقيل إنّ سبب الوفاة كانت انتحاراً. فجاءت وفاته في الاتجاه المناسب، وانتقل العرش إلى السلطان عبد الحميد الثاني الذي شاءت الأقدار أن يبقى على العرش ثلاثين سنة. وفي الثامن من تموز عقد قيصر روسيا إسكندر الثاني والإمبراطور فرانس جوزيف اجتماعاً رايخشتات Reichstadt حضره كبار الوزراء لتقسيم جلد الأسد التركي».
التنظيمات والانقلاب الدستوري
أدركت الدولة العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر تقريباً، والدول الغربية في أوج تقدّمها العلمي والصناعي والتشريعي والعسكري والإداري والتعليمي، أنّها بحاجة لتحديث مؤسساتها وتشريعاتها ونظامها السياسي، بالاستفادة من النظم والتشريعات الأوروبية، وارتفعت الأصوات تطالب بالإصلاح والتجديد في جميع الأوساط العثمانية رجالاً ونساء، واستمرّت المطالبة قرناً من الزمن تقريباً حتّى بدت طلائعها. وحيث إنّ الدولة العثمانية كانت «مؤسسة عسكرية»، فقد انصبّ اهتمامها على تحديث قطاعاتها العسكرية أوّلاً قبل تحديث مؤسساتها المالية والإدارية والقضائية. فقد كان الجيش العثماني عنوان الأمّة وأملها، ورمزاً لقوّتها وعظمتها في عهودها الأولى، فأصبح عنوان الفساد والفوضى في عهودها المتأخرة. وبدأت محاولات التحديث في عهد السلطان مصطفى الثالث (1757م ـ 1774م)، واستمرّت في عهد السلطان عبد الحميد الأوّل، وتوطّدت في عهد السلطان سليم الثالث (1789م ـ 1808م)، ولكنّها جوبهت بالرفض من «الجيش الانكشاري» المتمرد على السلطة والسلطان. فأعلن ثورته على «الباب العالي»، وخلع السلطان واغتاله، وطارد دعاة الإصلاح، وأحبط الحركة برمتها.
في عهد السلطان محمود الثاني (1808م ـ 1839م) جرت محاولة جديدة، وأعدّت خطة سرية لتصفية هذا الجيش تصفية «دموية» في جميع أرجاء الإمبراطورية العثمانية للتخلص من شروره نهائياً. ونفذت بدقة متناهية، فارتكبت مجزرة رهيبة ذهب ضحيتها آلاف الجنود والقادة بعد صدور «فتوى» شرعية من «شيخ الإسلام» باستئصالهم في ثكناتهم في يوم واحد، وفي واقعة اشتهرت باسم «الوقعة الخيرية» تيمّناً بالخير في استئصالهم. وفي الوقت نفسه تقرّر تصفية حكم المماليك.
إنهاء حكم المماليك في العراق
في أعقاب الإصلاحات الكبرى التي شرعت بتطبيقها الدولة العثمانية، قرّر الباب العالي إنهاء حكم المماليك. ففي العراق أسندت مقاليد الحكم إلى علي رضا باشا، وصدرت إليه الأوامر بالقضاء على المماليك قضاء نهائياً. فسافر إلى بغداد، واعتقل داود باشا وهو ابن ثمانين. وبعد قراءة مرسوم السلطان بإلغاء تشكيلات المماليك وامتيازاتهم أوعز إلى جماعة من الألبان بالهجوم عليهم وتقتيلهم. فتمّ له ما أراد. «واختفت من الميدان تلك الجموع المحلية التي حكمت بغداد مدّة تزيد على قرن قليلاً».
أمّا الإصلاحات الإدارية والدستورية فقد تمّت على مرحلتين:
المرحلة الأولى:
سمّيت بمرحلة «التنظيمات»، وهدفها إجراء إصلاحات إدارية شاملة، تبلورت بصدور مرسومين سلطانيين: «منشور الكلخانة» الصادر في 1839م، و«منشور التنظيمات الخيرية» الصادر في 1856([38]). ويعزى صدور هذين المنشورين إلى عاملين مهمين هما: قناعة رجال الدولة بأنّ الفرصة قد حانت لإصلاح مؤسسات الدولة باقتباس نظم أوروبية، ودور الدول الأوروبية في حثّ الدولة العثمانية على تحسين أحوال رعاياها المسيحيين.
المرحلة الثانية:
تناولت الإصلاحات الدستورية والإدارية، وسمّيت بمرحلة «المشروطية»، لأنّها «اشترطت» أن يكون نظام الحكم قائماً على «قانون أساسي» أو دستور للحدّ من الحكم الملكي المستبد المطلق، وقيام حياة دستورية وديموقراطية. وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876ـ1909م). أعلن «القانون الأساسي»، ثمّ توقّف تطبيقه، ولم ير النور ثانية إلاّ بانقلاب دستوري (انقلاب مشروطية) وقع سنة 1909م. ويلاحظ أنّ المطالبة بالإصلاحات الدستورية قد جاءت تقريباً في وقت واحد في كلّ من إيران وتركيا، وشهدت ذات التطوّرات والأزمات. وكان مدحت باشا، بطل الانقلاب و«أبو الدستور».
التفكير الفلسفي عند الشيعة
نؤكد على ذلك الاحتضان الذي لقيته الفلسفة من قبل التيار الشيعي بصفة عامة. دون أن ننسى أنّ الشيعة، ظلّوا ـ على الرغم من النبوغ الفلسفي لعدد من أبنائهم ـ المدرسة الشيعية الوحيدة التي لم تقطع صلتها بموروثها الشيعي. الشيء الذي جعلها حقّاً، رائدة فلسفة إسلامية، خالصة، يقول عنها «كوربان»، إنّها: «فلسفة النبوة»! فقد كان الفضل يرجع إلى فلاسفة الشيعة، في استكمال مشوار الفكر الفلسفي، الذي كان يمثّل مسيرة الفكر الإنساني، وهو يواجه أسئلة الكينونة منذ مئات السنين، ويعبر عن مختلف الأطوار التي قطعها المجتمع البشري، في سبيل إنماء رؤيته للعالم. نعم، قد كان للإسلام ككلّ الأديان السابقة فضل، في إنارة جزء مهم من تلك الرؤية وخلاصاً لجموعٍ من البشر ظلّوا ضحية لشيوع فكر سحري استبدّ بالفعل البشري لفترات طويلة. لكنّنا لا ننسى أنّ الفلسفة حينما نضعها في تاريخها ونحدّد جغرافيتها، نعثر على مغزاها النسبي، وتمظهراتها المختلفة، التي تعكس مستوى وعي المجتمع وطبيعة تكوينه الثقافي وروابطه الاجتماعية. فقد كانت الفلسفة تمثّل ـ حتّى مجيء العرب ـ أمّ العلوم. وذلك ما كان يعني أنّها شغلت مكان العلوم البحتة، التي كانت تشكّل مجالاً حيوياً لا يناقض الدين أو يزاحمه. إنّ الفلسفة كانت دائماً تعكس ذلك المستوى العلمي والمعرفي والاجتماعي، وليست عقيدة تقدّم تصوّراً جاهزاً عن العالم. لقد ظلّت وظيفتها منذ أقدم العصور، هي البحث في طبيعة الوجود بما هو موجود. فأيًّا كانت التلوينة التي طبعت تفكير الفلسفات، فإنّها كانت تقف على أرضية مادية، تجعلها مجرد تجلّي حقيقي لمستوى عصرها العلمي. فإذا ما حصل نوع من العجز أو «التأسطر» في تصوّر الفلاسفة في عصر من العصور، فإنّ ذلك راجع إلى درجة التطوّر المادي والمستوى العلمي ليس أكثر.
وإذا لم يكن من اليسير ـ كما يتوهم البعض ـ أن نعطي تفسيراً حقيقياً عن طبيعة الاختراق الفلسفي للفكر الإسلامي، فإنّنا نستطيع ـ على الأقل ـ أن نضع أصابعنا على ذلك النزيف الذي مهّد لذلك الاختراق. وأيضاً إظهار الوظيفة المعرفية والثقافية التي أدّتها الفلسفة في الفكر الإسلامي، كوريث للتفكير العلمي اليوناني، وقفزة على جمود المدارس الكلامية، المتأخرة، وكأساس لرؤية دينية متفتحة على شروط الكينونة، وصيرورة الزمن… أي إعطاء الوعي التاريخي حقّه في مجال التفكير الإسلامي. من هنا، ونظراً لأهمية هذا الحقل، مثّل الفلاسفة الشيعة، النخبة الطليعية في ذلك النشاط، الذي سيكون بمثابة همزة الوصل، في هذا المسار المعرفي الإنساني، والأساس الذي سيسهل على الفكر الأوروبي طريقةً إلى تقحيق نهضته الكبرى.
وعليه، لم تكن صلة الفلسفة الإسلامية بنظيرتها الإغريقية وامتداداتها الهيلينية والإسكندرانية صلة قطيعة وتضاد، أو شرح وتوصيل، بقدر ما كانت صلة استيعاب وتطوير… أي صلة حيوية إيجابية يطبعها النشاط والفاعلية والإبداع. من هنا نفهم إلى أي حدّ ساهم الفلاسفة المسلمون في إثراء الفلسفة، خصوصاً ما يتعلّق بجانبها الأنطلوجي، الذي شهد إضافات قيمة، لا نقول عنها إنّها تصحيحية أو تهذيبية فحسب، بل إنّها بمثابة انقلاب معرفي جذري، كان لهم الفضل في رسم مساره الذي يعتبر حلقة تاريخية لتطوير النظر الفلسفي المعاصر. وإذا ما لوحظ أنّ الفلاسفة المسلمين لم يبلغوا الدرجة التي ضمنت استقلالهم الكامل عن مدرستين إغريقيتين مشهورتين: المدرسة الإشراقية (الأفلاطونية) والمدرسة المشائية (الأرسطية)، فإنّ ذلك لم يكن سوى وصفاً تقليدياً يغلب عليه طابع التسامح والتساهل، خصوصاً وأنّ ما كان يشكل فيصلاً جوهرياً بين الفلسفتين ـ الإشراقية، والمشائية ـ حتّى القرن الحادي عشر الهجري لم يكن ظاهراً بالقدر الموضوعي الشافي، ظهوره بعد، هذا القرن، حيث مجيء الفيلسوف الإيراني صدر المتألهين الشيرازي هناك، فقط، حيث أصبح الفارق الجوهري بين الفلسفتين، فارقاً يتحدّد بالموقف الأنطلوجي الواضح من إشكاليتي الوجود والماهية، وحقيقة أصالة إحداهما. في حين كان الفارق ـ فيما قبل ـ اسمياً([39]) يتحدّد بالموقف الفلسفي لعموم الحكمة الأفلاطونية أو الأرسطية.
كيف ـ إذن ـ استطاع الفلاسفة الشيعة تطوير النظر الفلسفي لإشكالية الوجود، وكيف استطاعوا تدليل ذلك الاساس النظري الذي سيقيمون عليه ـ بعد ذلك ـ صرح الفلسفة برمته؟
إنّ تصديراً كهذا، يكفي، كتحريض على إظهار معالم المبنى الأنطلوجي والمعرفي، لفلاسفة الشيعة، والجديد الذي أتحفوا به حقل الفكر العربي والإسلامي، وما هي الآثار القيّمة بمنحهم لقب وارثي المشائية اليونانية ومؤسسي مرحلة التفكير الفلسفي العلمي، الذي يعتبر حلقة أساسية في سلسلة انتقال الفكر الإنساني من مرحلة التصوّر السحري للعالم، إلى طور التفكير الإيجابي، بما يعنيه ذلك من جعل العلم أساساً للنظر الفلسفي.
وسوف نعتمد هنا اختياراً منهجياً، يجعلنا نقفز على مرحلة كبيرة في تاريخ النشاط الثقافي الشيعي، أي تلك التي تبدأ من عصر الإمام جعفر الصادق وحاشيته التي يقف على رأسها هشام بن الحكم، وتنتهي بنصير الدين الطوسي، أحد أبرز شيوخ الفلسفة الشيعية البارعين. إنّنا يجب أن نركّز على مرحلة أخرى من تاريخ الاشتغال الفكري عند الشيعة؛ أعني مرحلة الازدهار والنشاط، التي تبدأ من نصير الدين الطوسي حتّى آخر متفلسف إيراني، أي ملا هادي السبزواري. والسبب في هذا الاختيار، راجع إلى عدّة اعتبارات؛ فمعالم الفلسفة الشيعية، وحتّى قبيل مجيء نصير الدين الطوسي، لم تكن قد انتظمت بعد، خارج إطار علم الكلام؛ الذي وجد فيه الشيعة مجالاً خصباً لبلورة عقولهم. وقد ظلّ موقفهم من الفلسفة محكوماً بنوع من التردّد والحذر. وبعد أن ضاق ميدان علم الكلام أمام طموح الشيعة، وأصبحت الفلسفة تمثّل ميداناً متقدّماً، في عصر أصبحت المعرفة تتطلّب أرضية أمتن من علم الكلام. هذه المرحلة تضمّ أسماء بارزة، استطاعت أن تقوم بتوليفة جامعة لمذاهب الإشراق والمشائية، ومذاهب المتكلمين. فعلى طول هذه المسافة، تبرز أسماء مهمّة، كنصير الدين الطوسي، والسهروردي، وحيدر آملي، وميرداماد، وملا صدرا الشيرازي، وملا هادي السبزواري. إلاّ أنّ ما يميز هذه التجربة الفلسفية الفارقة؛ والتي نضعها في سياق تاريخي، كان قد بدأ في اليونان وسار إلى الشرق، في جنديسابور والإسكندرية… وانتهى بإسهامات الفكر العربي والإسلامي. أجل، إنّ ما يميّز هذه التجربة الشيعية هو أسلوب الاستدماج المبدع، لنثارات الفكر الفلسفي المتشظي على عدد من الاتجاهات والموروثات، في قالب دقيق؛ يجعل من الفلسفة ذاتها وسيلة لتعقيل الشريعة، وخلق وفاق بين التيارات الفكرية المتنافرة والنزعات الفلسفية المختلفة، كطموح، لجعل المعرفة ممكنة. ولعلنا هنا نكون أمام محاولات متنوّعة في صميم هذه التجربة؛ إذْ، أغلب فلاسفة الشيعة التزموا العناصر الفعّالة في هذه الفلسفة لحلّ إشكالية المعرفة في أفق سيادة المنظور الديني؛ ومن هنا المزاوجة بين الجانبين. وقلّ أن تجد من الشيعة من اعتمد الحقائق الأنطلوجية والقيمية التي جاءت عبر الموروث الثقافي الآخر، بصورة شمولية؛ باستثناء البعض منهم فقط. إن الفيلسوف الشيعي، قبل كل شيء أو بعد كل شيء، هو فقيه ومتشرع؛ مهما بلغ مقدار تخصّصه الفلسفي. كما أنّ الفقيه، الشيعي هو فيلسوف رغماً عنه. لقد نجح الشيعة في أن يزاوجوا ـ فعلياً ـ بين الفلسفة والشريعة. هذا الزواج غدا أرضية مشتركة، حتّى في خبرة خصوم الفلسفة، من الشيعة أنفسهم. كما أنّ الفقه ظلّ عنصراً أساسياً حتّى لدى أولئك الذين غاصوا في الفلسفة إلى الأعماق. وهذا، إنّما يعني أنّ الشيعة كانوا الأقدر على تحقيق ذلك الحلم الكبير الذي راود رموز الفلسفة الإسلامية منذ الفارابي حتّى ابن رشد، ألا وهو التوفيق بين الفلسفة والشريعة. نعم، لقد بنى الفلاسفة الشيعة مذاهبهم الفلسفية على تراث من سبقوهم؛ فلا مجال للحديث عن قطيعة كاملة مع الماضي. فالتراث الفلسفي، هو إرث تاريخي خاضع لمفهوم تطوّري؛ يجسّد تجربة النظر البشري على مرّ العصور في تفكير العالم الموضوعي والوجود والحقيقة. فلا يتصوّر أن يقيم الشيعة صرحاً نظرانياً على غير الأسس السابقة. لقد أنهكوا بمزيد من التكرار ـ الذي لا يخلو من صنعة ـ هذا الموروث الأرسطي والأفلاطوني، غير أنّنا لا ننكر النضج الكبير، الذي أكسبوه هذه التجربة العلمية، بفضل شروحهم وتعاليمهم المكثفة ـ التي قد تصل حدّ الملل ـ وتلك الابتكارة المذهلة التي جعلت فلاسفة الشيعة، جديرين بأن يفخروا بريادتهم المستقلة؛ خصوصاً فيما يتعلق بالفتح المعرفي الذي تَوَّجَهُ ملا صدرا، أخيراً، بنظرية «الحركة الجوهرية».
غير أنّنا سرعان ما نفاجأ بموقف شيعي آخر، يستدعي منّا وقفة خاصّة؛ وهو موقف خصوم الفلسفة، تلك الظاهرة التي لا يخلو منها مذهب من المذاهب الدينية والفكرية. لقد ظلّ العداء للفلسفة تعبيراً عن حالة سلفية رافضة لكلّ جديد، وموقفاً غامضاً من الموروث الإيديولوجي، وتمسّكاً بالعناصر الأساسية للمذهب على وجهها الظاهر ممّا يفقد القدرة على استيعاب متطلبات التجديد والتطوّر. من هنا، يجب أن نميّز بين موقفين يبدوان على درجة من التشابه، في حين تختلف منازعهما ومقاصدهما. الأوّل يتعلّق بالموقف الشيعي المعادي للفلسفة، والآخر، هو عموم الموقف السلفي منها، والذي بلغ قمته مع «تهافت الفلاسفة» لأبي حامد الغزالي، ممثلاً بذلك وجهة النظر السنية والأشعرية على وجه الخصوص. هناك ـ بلا شك ـ فارق حقيقي بين الموقفين. الأوّل يمثّله أهل الحديث والفقهاء يتزعمهم كلّ من أبي حامد الغزالي وابن تيمية وابن الجوزي وابن خلدون… والموقف الشيعي يمثّله فريق من الأخبارية([40]) على وجه الخصوص. إنّ التراث الأخباري ـ نفسه ـ ينطوي على روح تأمّلي كبير، يمثّل ذخيرة نظرية لا تقلّ عمقاً وباطنية عن النظر العرفاني والفلسفي. من هنا نفهم جيداً، لماذا اعتبر هنري كوربان، العلاّمة المجلسي ـ وهو من أنشط الأخبارية ـ فيلسوفاً رغماً عنه! إنّ الذين حاربوا الفلسفة من الشيعة، لم يتنكروا للعقل الذي ناصرته الفلسفة. لعل هناك اشتباه ما ـ معرفي ـ وقع فيه هؤلاء الخصوم، حيث وضعوا جملة من المحاذير حول الفلسفة، لكي لا تكون بديلاً عقدياً، يغني عن تعاليم الوحي، فضلاً عمّا كان يروّجه الفلاسفة من أفكار تناقض في ظاهرها ـ وربّما أيضاً في حقيقتها ـ مفهوم التوحيد ومصير النفس الإنسانية. والحقيقة كما كان يفهمها المتفلسف الشيعي هي غير ما يتصوّره خصومه. ذلك أنّ الفلسفة، على الرغم ممّا اخترقها من عناصر إيديولوجية، ظلّت حاجة ابستمولوجية نقيضة لما تطمح إليه الإيديولوجيا. فلأن كانت الإيديولوجيا ـ بطبيعتها ـ تنزع للجواب، وتهدف إلى إنزال نظام فكري جاهز؛ وبالتالي، تعادي منطق السؤال، وتغيّب الوعي النقيض؛ فإنّ الفلسفة، هي موقف متسائل من المعالم؛ إنّها في جوهرها سؤال الكينونة. لذا فالفيلسوف يكره الجاهز، كما أنّ النظر الفلسفي الحقيقي هو ذلك الذي يبدأ بسؤال وينتهي بآخر. فالذين خاصموا الفلسفة، هم تحديداً أولئك الذين خاصموا المنطق ذاته. لأنّ هذا الأخير ـ في صورته العقلانية ـ كان قد حلّ محلّ ما كانوا يأملونه أمراً مفارقاً؛ أي منطقاً إسلامياً، يستقي مقوماته من عناصر مفارقة، وليس من الوحي ذاته بما هو خطاب إلهي مصاغ في لغة بشرية. إنّهم لم يلتفتوا إلى أنّ المنطق هو قوانين الفكر البشري مجرّدة عن موضوعاته، كان ولا يزال مقصده الرئيسي، صيانة الفكر من الأخطاء. فالمنطق هو بالتالي، مشروع لم ينجز. والقرآن، بما أنّه لغة صيغت على وفق المنطق الإنساني، أي أنّه ظلّ يبني حقائقه على المفاهيم والبداهات الساكنة في أعماق هذا الكائن، تنطوي على ذات المنطق الإنساني([41])؛ وإن ظلّت موضوعاته تحمل حقائق معجزة أحياناً. وهذا لا ينفي أنّ الفلاسفة ظلّوا غير منزهين عن الشوائب الإيديولوجية النابعة من ثقافات البيئة التي وجدوا فيها. فقد بقيت الإيديولوجيا، بمعناها التزييفي، الفكري، غدة سرطانية في الجسد الفلسفي طالما أعاقت استمراريته على طريق النظر الموضوعي، وأدخلته في متاهات شديدة الخطورة! فقد شهدنا كيف أنّ العداء للفلسفة مع أبي حامد الغزالي، اكتسى طابعاً مماحكاتياً. حيث ظهر هذا الأخير من خلال مجمل انشغاله المعرفي، شيئاً آخر، عن أن يكون حقاً عالماً أشعرياً. إنّه ـ بالأحرى ـ أحد الممثلين القلائل للأسلوب السوفسطائي في حقل التفكير العربي والإسلامي. إنّ أبا حامد الغزالي، وخلافاً لما اعتدنا سماعه، لم يدخل الفلسفة ليخرج منها. وإنّما دخلها بقوّة ليربض في حقولها ويخاتل داخل عالمها، مستفيداً من آلياتها في دحض مزاعمها ومخاصمة أصحابها. نعم، لقد أصاب الغزالي في بعض نقوضه التي مسّت كثيراً من الجوانب الإيديولوجية في الفلسفة، لكنّه لم يكن أكثر من معاند في نفيه السببية التي ظلّت العنصر الأكثر أهمية في ذلك الفتح العقلاني العربي والإسلامي. وهذه السببية التي تمثّل عنصراً أساسياً، في المذهب السينوي، كان ابن خلدون، وهو الفقيه المالكي الذي شنّ حرباً لا هوادة فيها على الفلسفة، من الآخذين بها كمحور أساسي في التعليل التاريخي والاجتماعي. لقد كانت أفكار أبي حامد الغزالي ـ رغم تنكّره للفلسفة ـ مصدراً مهماً لأقوى الاتجاهات الفلسفية والعرفانية في العالم الإسلامي. وكأنَّ السوفسطائي الإيراني، وهو يتنكّر داخل اللبوس الأشعري، يستعين بمخاصمة الفلسفة، على اطراح اتجاه ما فيها، وإقحام اتجاه آخر بديل، في إطار صوفي عرفاني. وهو ما يجعلنا ـ ولو في هذه الحدود الضيّقة من المعالجة ـ نميّز بينه ونظرائه المتحاملين على الفلاسفة، أمثال علاء الدين الطوسي، والخواجه زاده، وابن تيمية، وابن خلدون… فهؤلاء لم تكن مقاصدهم على غرار أبي حامد الغزالي([42])، كما أنّه لا غبار على خروجهم عن هذا الفن.
أمّا من الناحية الأخرى، فإنّ الإخبارية من الشيعة، ومن خلال النصوص التي تعرّضوا فيها لمقالات الفلاسفة، تبيّن أنّ ثمّة فكرة أساسية ظلّت مثار جدلهم، وعليها تفرّعت باقي مستمساكتهم؛ أعني مسألة التوحيد وما أثير حولها من إشكالات، بلغت قمة تعقدها مع نظرية وحدة الوجود. كما أنّ هناك جانباً آخر ظلّ عنصراً أساسياً في إذكاء تلك الخصومة، وهو ما يتعلق بالموقف من الشريعة. ولم يكن موقف خصوم الفلسفة الشيعية، موقفاً جذرياً من النظر الفلسفي، إلاّ من حيث كونه ظلّ مأوى للوافد الأجنبي من الثقافات والأفكار اليونانية والفارسية القديمة. لقد حاربوا ـ إذن ـ موقفاً إيديولوجياً داخل الفلسفة، وليس جوهرها من حيث هي موقف متسائل من العالم، أو من حيث هي أمّ العلوم الحاضنة للطبيعيات والرياضيات والطب، وما شابهها من العلوم البحتة. إنّ السؤال الرئيسي في هذه الهجمة التي أطلقها الخصوم، تكمن من مدى طبيعة التصوّر الذي انطلقوا منه في موقفهم من الفلسفة؛ التي اعتبروها بديلاً يهدف إلى إنزال تفسير بديل عن أجوبة الوحي، الأمر الذي لم يكن من وظيفة الفلسفة. غير أنّ هناك من أقام خصومته للفلسفة على أساس أنّها إن كانت هي ـ حقاً ـ موقفاً متسائلاً من الوجود، فأي أهمية بقيت لها بعد مجيء الوحي، ما دام أنّ هذا الأخير قد قدّم ما فيه الكفاية من الأجوبة على حيرة العقل الإنساني حول ما يعتريه من تساؤلات مقلقة. فهل وظيفة الفلسفة تنتهي عند ظهور الوحي؟ هل التساؤل يفقد أهميته مع اكتمال الدين؟
هكذا يكون موقف الشيعي الإخباري من الفلسفة، هو دحض لمزاعم الفلاسفة، وكشف عن عجز الكيان الفلسفي، عن حلّ ذلك القلق المعرفي الذي ران على العقل البشري. من هنا، تبلور شكل جديد لهذه الخصومة؛ يتعلق ببناء كيان فلسفي جديد، يستقي مفاهيمه من صميم الحقيقة النبوية ومصادر الوحي؛ الضمانة الوحيدة لفلسفة جديرة بنسبها الإسلامي! لقد ظلّ موقف هؤلاء الخصوم ـ من الشيعة ـ منصبّاً، بشكل كبير، على المتصوفة، مركزين على مقالاتهم في الحلول والاتحاد، ورفض الشريعة والابتعاد عن الولاء التشريعي للأئمة. ولم تظهر ـ فيما نعلم ـ محاولة لنقد شامل وجذري للفلسفة، عند الشيعة على غرار «تهافت الفلاسفة». ربّما ذكر آغا بزرك الطهراني كتاباً منسوباً لنصير الدين الطوسي يحمل عنوان «تهافت الفلاسفة» غير أنّه تبيّن بعد ذلك، أنّ نصير الدين الطوسي لم يكن له كتاب من ذاك القبيل. ربّما يرجع اشتباه الطهراني إلى ذلك الخلط بين اسمين متقاربين، هما نصير الدين الطوسي ـ الفيلسوف الشيعي ـ وعلاء الدين الطوسي ـ العالم السني ـ. وكتاب «تهافت الفلاسفة» الذي يحمل عنوان «الذخيرة»، منسوب إلى الثاني وليس إلى الأوّل. إنّ موقف الطوسي واضح من الفلسفة؛ فقد هذّب الكثير من مطالبها، وأقحمها بإتقان، في صميم المعقول الشيعي. أمّا خصوم الفلسفة، الشيعيون، فإنّهم اكتفوا بكلام عام، ظهر ضمن سياقات مختلفة، ظلّ التركيز فيها على المتصوفة بشكل عام. فقد نجد مثالاً حيّاً لتلك الخصومة فيما يورده السيد نعمة الله الجزائري (متوفى 1112هـ)؛ حيث حمل على الفلاسفة في مواقع شتّى، ناعتاً مذاهبهم بالفساد وواصفاً رموزهم بالضلال، إذْ يقول:
«اعلم وفقك الله أنّ الفلاسفة وجمعاً كثيراً من علماء الإسلام قد مهدوا أصلاً فاسداً ولفقوا له دلائل أوهن من بيت العنكبوت، وبنوا عليه فروعاً كثيراً لا تكاد تحصى وذلك أنّهم نظروا إلى أنّ الله تقدّس وتعالى واحد حقيقي من جميع الجهات، ليس للتركيب فيه مدخل بوجه من الوجوه، لا خارجاً ولا عقلاً […] ولعمرك إنّ هذه الطائفة أشر من المجوس، فإنّ المجوس أثبتوا له سبحانه شريكاً يفعل الشرّ سمّوه أهرمن وهو بلغتهم الشيطان، وفاعل الخير هو يزدان، وهو بلسانهم الواجب تعالى، فقد أثبتوا له كلّ أفعال الخير […] العلم الذي توهمته عقولكم [أي الحكماء] وحصلته أوهامكم وزعمتم أنّه علم ولم يذكر في شيء من الكتب السماوية، وما سمعنا أيضاً عن اليهولى والصورة ولا الجزء الذي لا يتجزأ في شيء من الأخبار وأنّ هذا أقل فساداً ممّا تقدّم إذا عرفت هذا»([43]).
نلاحظ هنا، خصومة يقدحها موقف معين من الفلسفة، باعتبارها تمثّل حقائق خارج إطار الشريعة. لذا يعتبر السيد نعمة الله الجزائري، وعلى طريقة «الأخبارية» ـ دائماً ـ أنّ عدم ورود أسماء، نظير الهيولى والصورة والجزء دليل على فسادها. وهو التصوّر الذي استهجنه فقهاء الشيعة أنفسهم في مجال التأصيل والاجتهاد. لقد كانت للسيد نعمة الله، جولات كثيرة، ناقش فيها الفلاسفة، ودحض مقالاتهم بالأسلوب نفسه الذي يجعل من الفلسفة مأوى للأوهام. وعلى الرغم من ذلك، لم يكن السيد نعمة الله، من النقاد الجذريين للنظر الفلسفي؛ فقد أشاد بعلم الكلام الذي رفضه خصوم الفلسفة من السلفيين، ولا يتردّد أن يعيد أصل جميع العلوم العقلية إلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). هنا يبرز ذلك الفرق الكبير بين السلفي الناقم على الفلسفة، وبين الإخباري المخاصم لها. فقد نجد ابن تيمية ـ وعلى سبيل المثال ـ يتعرّض بالقدر نفسه من الحدّة إلى علم الكلام، موضحاً ذلك بقوله: «وأمّا الأولون فلم يوجد لهم مذهب تام مبتدع، بمنزلة مبتدعة المتكلمين من المسلمين، مثل أبي الهذيل وهشام بن الحكم ونحوهما، ممّن وضع مذهباً في أبواب أصول الدين، فاتبعه على ذلك طائفة»([44]).
يقابل هذا النص الواضح في الموقف الجذري من النظر الفلسفي، نص آخر للسيد نعمة الله الجزائري يقول فيه([45]):
«إنّنا نفحص عن أحوال العلوم وأعظمها علم الأصول [يعني علم الكلام الذي ميدانه أصول الدين] وقد جاء في خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) من أسرار التوحيد والعدل والنبوة والقضاء والقدر وأحوال المعاد، ما لم يأت من كلام سائر الصحابة، وأيضاً فجميع فرق المتكلمين ينتهي آخر نسبتهم في هذا العالم إليه…».
من هنا نستطيع القول، بأنّ خصوم الفلسفة من الشيعة، يتميزون بنوع من التردّد؛ إذْ كثيراً ما استندوا إلى أرضيتها في احتياجاتهم ومحاوراتهم. فالسيد نعمة الله هنا كنموذج حقيقي لخصم تقليدي للفلسفة، يمثّل بذلك اتجاه الأخبارية الناقمين على كلّ فكر لا يجد موطنه أو منطلقه في توضيحات الأئمة، إنّما ظلّ ـ رغم ما يمكن نعته به من عدم إتقانه لهذه الصنعة ـ متفلسفاً، وذلك من خلال مقاربةٍ لظاهرة ما أسماه «كوربان» بفلسفة النبوة لدى الشيعة؛ تلك التي تفترض ضرورة وجود الإنسان المصطفى والمطهر، وجعل الفكرة، مجرد ـ لا نقول استذكاراً على أساس المنظور الأفلاطوني ـ كشف وظهور للحقيقة المستورة. إنّ قصة المعرفة، ليست قلقاً يتجه نحو الجديد؛ بل هي سير نحو استرجاع الحقيقة الغائبة. فهذا الغائب إنّما يوجد على نحو كامل. والنصوص ضمانة اليقين في ظرف الغيبة؛ الشيء الذي يجعل الأخباري على مفترق الطريق، ليس مع أصحابه النزّاعين إلى الفلسفة، الآخذين بالطرق الظنية، فحسب، بل مع جمهور السلفية القائلين بحجية السماع، كطريق وحيد لإحراز المعرفة والنظر القويم. إنّنا نجد السيد نعمة الله الجزائري، في الوقت الذي يخطّئ فيه الفلاسفة لإيرادهم مفاهيم غير واردة في منطوق الوحي، مثل الهيولى والصورة والجزء… ها هو يتترس ـ أحياناً ـ حتّى النخاع، بآليات الجدل الفلسفي، وهو يحمل على كاهله عبء الردّ على شبهة الفيلسوف اليهودي، ابن كمونة، مستخدماً مفاهيم الفلاسفة في دحضها([46]). وهذا التداخل النظري بين كلّ من الفلاسفة والأخبارية الإماميين، نكشفه من خلال ما سبق وإن أثرناه بخصوص إشكالية الجبر الفلسفي ومفهوم الشقاوة الذاتية، كما تعرض لذلك أحد الفقهاء المتفلسفين من الشيعة، الآخوند ملا الخراساني. حيث إنّنا نجد موقفه الذي عبّر عنه بـ «هنا انكسر القلم»([47])، التزاماً بالتصوّر الأخباري ذاته لمسألة السعادة أو الشقاوة المنعقدتين في عالم الذرّ، كما يوردها السيد نعمة الله الجزائري([48]). كما لا يُخفي هذا الأخير احترامه الكبير للشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي، وهو من أبرز الفلاسفة والمتكلمين الشيعة. حيث يُثني عليه في معرض شرحه لكتاب الأحساسي «عوالي اللئالي». إذْ يظهر جلياً ما أثبتناه سابقاً، بأنّ موقف السيد نعمة الله، لم يكن جذرياً من الفلسفة. خصوصاً وأنّه هنا يدافع بقوّة عن رجالات الفلسفة من الشيعة؛ أولئك الذين حققوا مطالبها. مع أنّ المطلع على كتاب «المجلي» للشيخ الأحسائي، لا يتردّد في تصنيفه كأحد أبرز أتباع محيي الدين بن عربي. وهذا النص كافٍ لإيضاح ما رُمناه في تحليلنا السابق، حيث يقول:
«… وأمّا اطّلاعه وكمال معرفته بعلم الفلاسفة وحكمتها، وعلم التصوّف وحقيقته. فغير قادح في جلالة شأنه [أي الشيخ الأحسائي] فإنّ أكثر علمائنا، من القدماء والمتأخرين قد حققوا هذين العلمين ونحوهما، من الرياضة والنجوم والمنطق وهذا غني عن البيان. وتحقيقهم لتلك العلوم ونحوها وأصولها، والاعتقاد بها، والاطلاع على مذاهب أهلها […] وكذلك الشيخ كمال الدين ميثم البحراني عطر الله ضريحه، فإنّه في تحقيق حكمة الفلاسفة ونحوها، أجلّ شأناً من أفلاطون وأرسطو ونحوهما من أساطين الحكماء، ومن طالع شرحه الكبير على كتاب نهج البلاغة علم صحة هذا المقال. وأمّا ما ذكر فيه من التأويلات التي لا ينطبق ظاهرها على لسان الشريعة، فإنّما هي في ظاهر المقال، أو عند التحقيق حكاية لأقوال الحكماء والصوفية ومن قال بمقالاتهم وليس هو قولاً له في تلك التأويلات البعيدة»([49]).
بل إنّ السيد نعمة الله الجزائري، يفاجئنا على نحو مدهش، حينما يغيّر لهجته في هذا المقام، مسترسلاً في دفاعه عن الشيخ الأحسائي قائلاً: «وأمّا استحسانه لبعض أشعار الصوفية، مثل جملة من أشعار المثنوي ومحيي الدين بن عربي ونحوهما، فإنّما هو تحسين الكلام، والحكمة ضالة المؤمن، وفي الحديث: إنّ إبليس لمّا ركب مع نبي الله نوح (عليه السلام) في السفينة، ألقى إليه جملة من النصائح والمواعظ، فأمر الله نوح (عليه السلام)، بقبولها و العمل بها، وقال أجريتها على لسانه»([50]).
وعليه، فإنّ موقفاً كهذا، ليس جديداً، بل إنّه يمثّل وجهة النظر الأخبارية التقليدية. هؤلاء وإن كانوا لم يوفقوا دائماً في نقوضهم العنيفة للفلاسفة والأصوليين من أبناء مذهبهم. إنّ موقف الأخباري الشيعي من العقل، ظلّ موقفاً عقلانياً، من حيث اعتقاده بالإدراك العقلي للحسن والقبح، الذي عارضه المحدّث السلفي، لاغياً بذلك حجية العقل. أبو بتعبير آخر، نلاحظ أنّ موقف الأخباري من العقل، يشوبه قلق اليقين، إذْ ليس ثمة في التصوّر الأخباري من ضمانة ذاتية للعقل من الوقوع في الظنون، تلك التي «لا تغني عن الحق شيئاً». هكذا لا يتردّد الأخباري في القبول بمثل محاورات هشام بن الحكم، وهو من أبرز متكلمي الشيعة، مع أنّ طريقته لا تكاد تختلف، من الناحية البرهانية والفنية، عن طرق الفلاسفة والمتكلمين ـ ربّما لهذا السبب ظلّ رمزاً للزندقة والضلال عند جمهور السلفيين ـ. وهذا لأنّ هشام بن الحكم كان معاصراً للإمام جعفر الصادق وأحد أنشط تلامذته. إنّ لهذه الظاهرة مغزى كبيراً؛ هو أنّ الإمام هنا، بمعصوميته، يمثّل ضمانة معرفية لكلّ محاولات هشام بن الحكم. فالمشكلة في حدّ ذاتها لا علاقة لها بمنهج مساوق للبدعة، بالمفهوم السلفوي للعبارة، بل إنّها تكمن عند الإخباري في غياب هذه الضمانة ـ الحصانة. أي أنّها إشكالية يقين بالدرجة الأولى. هذا فضلاً عن أنّ الأخباري الشيعي، ينطوي على تراث نقلي ضخم، يحتوي على مضامين عقلانية مدهشة، تجعله بالرغم من منزعه للسماع، صاحب رصيد من المعقول لا يقل أهمية عن أضرابه المخالفين. ثمة ـ لا شك ـ فارق كبير بين أن نلزم أنفسنا بأخبار بسيطة، كما ينقلها المحدّث السلفي، وهي لا تتجاوز، من حيث أسلوبها القرن الهجري الأوّل([51])، وبين تلك الأخبار التي تضمّنت خطب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) التي ظلّت مصدراً أساسياً للفكر المعتزلي وعموم التيار العقلاني العربي والإسلامي، كما تضمّنت احتجاجات ومحاولات مختلف الأئمة تجاه المتكلمين والفلاسفة وأيضاً الزنادقة والدهريين. إنّه ـ وكما أوضحنا سابقاً ـ موقف من اليقين العقلي، وليس من العقل ذاته، لهذا السبب تحديداً هناك من اعتبر الأخبارية من ممثلي الاتجاه الحسّي داخل المدرسة الشيعية.
في مقابل هذا الموقف المحافظ، نجد فهماً آخر يتمثله أنصار الفلسفة والاجتهاد من الشيعة. لقد أدرك هذا الاتجاه حقيقة تلك المحاذير التي نصبت حول الفلسفة بدافع لخوف من أن يؤدّي الاشتغال بها إلى إهمال الشريعة أو السقوط في مقالات التصوّف الفلسفي، كما نلاحظ ذلك بوضوح في نقوض الأردبيلي أو المرعشي النجفي مثلاً. هذا التصوّف الفلسفي الذي سبق وأن عارضه الأئمة الشيعة من حيث نزوعه إلى القول في العزلة السلبية عن الحياة الاجتماعية، ووقوعه في بعض الاعتقادات الفاسدة التي يقوم أغلبها على أساس التخييل والوهم. غير أنّ فلاسفة الشيعة، وأنصارهم من المجتهدين والفقهاء، ينطلقون من منطلق آخر في انتمائهم لهذا الحقل المعرفي. فهم يعتبرونه حقلاً خصباً للمعقول، قابلاً لمزيد من التفكُّر، ومفتوحاً لجميع الاحتمالات. ووظيفتها لا تتجاوز أنّها ـ أي الفلسفة ـ تسهل طرائق النظر وتحدّد مقدمات المعرفة، والبرهان على الألوهة ذاتها. من هنا نبعت ضرورة التوفيق بين الفلسفة والشريعة، لأنّ عنصراً أساسياً ظلّ يحرّك هذا الطموح، الذي وجد لدى الفلاسفة المسلمين، حيث بلغ قمة إلحاحه مع قصة حي ابن يقظان والمشروع الرشدي في الربط بين الحكمة والشريعة. بل، إنّنا نجد مثالاً حيّاً عن هذه الظاهرة التوفيقية لدى ملا صدرا الذي كرّس جزءاً كبيراً من انشغالاته العلمية، لشرح أهم مدونة إخبارية عند الشيعة؛ وهي «الكافي» للشيخ الكليني. فقد ظلّ هذا الطموح هاجساً لدى جميع الفلاسفة المسلمين، بمن فيهم الأكثر معاداة للفقهاء؛ حيث نجد مثالاً آخر، ترتسم فيه حاجة الفلسفة إلى الدين بأجلى صورة لها في كيمياء السعادة لمحيي الدين بن عربي، حينما عالج هذه الحاجة من خلال تشخيص قصصي لرحلة معراجية بين رجل متدين وفيلسوف. إذن، يبقى الإشكال يتمحور حول سؤال رئيسي: ما معنى الفلسفة؟ والجواب على هذا السؤال هو ما سيحدّد موقف الخصوم والمؤيدين كليهما([52]).
وسوف نحاول، التعرّض بصورة موجزة، إلى معالم الفلسفة الشيعية، فيما يتعلق بمباحث الوجود ونظرية المعرفة، من خلال اسم بارز، يمثّل رمزاً لاتجاهين مختلفين، وإن ظلّ هناك عناصر متداخلة بينهما… هو الفيلسوف الشيرازي المعروف بصدر المتألهين. ولا شك أنّ ثمّة أسباباً موضوعية جعلتنا نركّز على هذه الشخصية.
أوّلاً: لأنّ غاية هذا البحث، لا تنوي الإلمام بجميع متفلسفة الشيعة، وإنّما التعرّض فقط إلى نموذج عام، يفيدنا في بلورة موقف من طبيعة المنزع العقلاني للإمامية.
ثانياً: لأنّ هذه الشخصية، هي الأبرز، لا على صعيد الفلسفة الشيعية فحسب، بل لها مكانتها على صعيد الفكر العربي، والإنساني، أيضاً.
ثالثاً: لأنّ السابقون له من فلاسفة الشيعة لم يبلغوا درجة الشمول والتوسّع كما مثلها هو. فصدر المتألهين، وعلى الرغم من أنّه ظلّ مديناً ـ فيمن هو مدين لهم ـ للخواجه الطوسي، رغم أنّه تمكّن من أن يبتعد أكثر في حقل التفكير الفلسفي، وطرقَ من الموضوعات ما لم يطرقه الخواجه، بل أتى بأشياء لم تكن محط نظر آنذاك، وعليه، فإنّنا نستطيع القبض على فلسفة الخواجة، وبمزيد من الدقة، في ذلك التراث الفلسفي الذي خلفه ملا صدرا، فهو يمثّل قمة النضج لهذه الفلسفة، كما أنّ اللاحقين عليه، لم يكونوا سوى موسعين، وشراحاً ـ ربما بارعين ـ لفلسفته. أمّا السهروردي، فهو إنّ ظلّ أحد الذين أفاد منهم ملا صدرا، بقي واحداً من أبرز الفلاسفة ونقادها في تاريخ الفكر الإنساني.
إدريس هاني
الجزائر
مرّ الحديث عنها في مكانه ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
ما من بلد عربي يعاني مثل الجزائر من المسألة الثقافية بسبب انعكاساتها على الهوية وانزلاقها أخيراً نحو المطالبة بالاستقلال الذاتي لبعض المناطق من البلاد. فما هي الركائز الأساسية التي تتأسّس عليها الثقافة الجزائرية؟ وهل صحيح أنّه لا توجد في الجزائر ثقافة واحدة، بل ثقافات عدّة؟ من دون الدخول في الجزئيات والتفاصيل، يمكن القول إنّ ثقافة المجتمع الجزائري تقوم على أسس ثلاثة، هي الأمازيغية، أي البربرية، واللغة العربية والإسلام.
ما وصَلنا من الأساس الأمازيغي في مجال الأدب، لا سيما الشعري منه، لا يذهب إلى أبعد من القرن السادس عشر ميلادي. لهذا نجده متأثراً بالروح الإسلامية كما تبلورت في ذلك العهد، في المجتمع الجزائري، وبالتالي هو غير متميز عن التراث الناطق بالعربية، الذي يشترك معه في الخصائص العامّة كالنزعة الصوفية وتمجيد الأولياء. ما نلاحظ اشتراكهما في سماء أخرى كارتباط الشعر بالغناء وفي وجود الشعراء الجوالين والسير الهلالية باللغتين… غير أنّ هذا الاشتراك في الخصائص العامّة، على رغم الاختلاف في اللغة، ينطبق بالدرجة الأولى على الثقافة التقليدية، أمّا اليوم فإنّ الأمازيغية تتجه نحو التشكّل كثقافة مستقلة عن العربية، مثلما يدل على ذلك اختيار الكتابة بالأحرف اللاتينية، علماّ أنّ لغة الكتابة المشتركة بين الجزائريين قبل العهد الكولونيالي كانت العربية. كما أنّ أوّل تدوين للشعر الأمازيغي كان بالأحراف العربية، وذلك في مؤلف يحمل عنوان «المرسل»، كما يعترف مولود معمري بذلك في كتابه «الشعر القبائلي». فضلاً عن كون أوّل كتابة للأمازيغية كانت بالأحرف العربية من طرف المهدي بن تومرت حين نقل القرآن إلى البربرية. ومع دخول الثقافة الجزائرية الناطقة بالأمازيغية عهد الكتابة، متخلية عن طابعها الشفوي المميز لها تاريخياً، بدأت تلج مجالات ثقافية حديثة كالرواية والسينما والمسرح. فماذا سيكون تأثيرها على الثقافة الجزائرية، ومن خلالها على مسألة الهوية، خصوصاً أن البربرية تحوّلت إلى لغة وطنية بعد مصادقة البرلمان على قانون بهذا الشأن، لكن مع بقاء مطلب الترقية إلى لغة رسمية للبلاد عالقاً؟ وهل ستفك رباطها اللغوي والإيديولوجي والعاطفي باللغة الفرنسية؟
ويمثّل الإسلام المرجع العقائدي المشترك للثقافة الجزائرية التقليدية، أي العربية منها والبربرية، سواء في الحكاية الشعبية بمختلف أنواعها، أو في مجالس الشعر، المكتوب منه والشفوي. فهذه المرجعية هي نفسها، مثلاً، عند الشاعرين الأمازيغيين الشيخ محند أومحند ومصطفى أوقاسي، أو عند الشاعرين الشعبيين الناطقين بالعربية ابن مسيب وابن قنون. كما نجد في الفضاءين مجالات أدبية تحيل مباشرة إلى أغراض ذات صبغة دينية، مثل النوع المسمّى و«الذكر» في المجال الأمازيغي أو في نوع «المغازي» و«المديح» في المجال الناطق بالعربية. على رغم هذا لا يمكن نعت الثقافة الجزائرية بالإسلامية في مجملها. فالثقافة الجزائرية، على غرار غيرها من الثقافات في العالم، عرفت، مثلاً، شعر الغزل وفن الرقص، ولكن لا يمكن أن ننسبها إلى الإسلام. صحيح أنّه على صعيد التراث الشعبي المتصل بـ «الطرقية» نجد توظيفاً للرقص في الممارسات الصوفية. لكن إذا كان ذلك يضفي عليها نوعاً من الدلالة الدينية، فإنّه لا يجعل منها بالضرورة «رقصاً إسلامياً». وباعتبار أنّ الإسلام يمثّل أحد أسس الثقافة الجزائرية، فإنّ ذلك يجعلها تشبه ثقافات البلدان الإسلامية الأخرى من حيث ارتكاز ثقافتها التقليدية على علوم الدين من تفسير وفقه وعلم الكلام وتصوّف، وكذلك من حيث إنّها لم تعرف الرسم والنحت والمسرح إلاّ حديثاً. وعلى رغم أنّ الجزائر لا تزال إلى اليوم تنتج ثقافة يمكن وصفها بالإسلامية في بعض جوانبها، مثل المنمنات والزخرفة والخط والشعر، فإنّ ارتباطها بالدين أقل بكثير ممّا كانت عليه في الماضي. فالاتصال بثقافات العصر أدّى إلى توسيع مجالها إلى ميادين أخرى كانت على الدوام، وبهذا القدر أو ذاك، خارج نطاق نفوذ الدين، مثل الرواية والمسرح والأوبرات والكوريغرافيا والسينما والفنون التشكيلية. غير أنّه يمكن القول إنّ العامل الديني ما زال يمارس دوره هنا كذلك، لكن كعامل رقابة ذاتية وليس كعامل إلهام. ويبدو أنّ عودة الإسلام ثقافياً مرتبط بعودته سياسياً كما دلّ على ذلك انتشار الكتاب الديني في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، أي أيام صعود الإسلام السياسي.
ويرتبط الأساس العربي للثقافة الجزائرية بالفتح الإسلامي، لأنّ كون اللغة العربية لغة القرآن أمر جلب لها تقدير سكان البلاد ممّا وفّر لها مكانة مميزة في مختلف مجالات الفكر والمعرفة والإبداع. أمّا التراث الشعبي، بما في ذلك الشفوي منه المعبر عنه بواسطة اللهجات العربية، فهو مرتبط بمجيء العنصر العربي من خلال زحف بني هلال في القرن الخامس الهجري (11م). فقد كان لهذا الاجتياح أثره من الناحية الديموغرافية وتبعاً لذلك من الناحية الثقافية. غير أنّ الاستعمار الفرنسي، وكان استعماراً استيطانياً، أضعف الأساس العربي للثقافة الجزائرية، لا سيما في شقّه اللغوي. فقد انتهى الأمر بالجزائريين إلى أن ينتجوا في ميادين عدّة ثقافة مكتوبة بالفرنسية. ولذلك كفت العربية عن أن تكون لغة الكتابة الوحيدة، وأصبح المثقفون الجزائريون يفتقرون إلى لغة مشتركة بينهم. وبلغ تقهقر العربية في العهد الكولونيالي حداً جعل منها قانون سنة 1926 لغة أجنبية. وهو الأمر الذي يبرز الدور الذي قامت به جمعية العلماء المسلمين كحركة مقاومة ثقافية. وكان من نتائج ثورة أوّل تشرين الثاني (نوفمبر) 1954 عودة العربية بعد الاستقلال كلغة وطنية ورسمية. بيد أنّ اللغة الفرنسية، وعلى نطاق واسع، استمرّت في إنتاج ثقافة جزائرية غير عربية اللسان. وربّما هذا ما يفسّر كون الثقافة الجزائرية لم تعد اليوم تنتج التواصل والتآلف داخل المجتمع، ذلك أنّ النزاعات اللغوية لا تختلف في حدّتها وفي تأثيراتها النفسية والاجتماعية والإيديولوجية والسياسية عمّا قد تحدّثه النزاعات الدينية أحياناً. وربما يمكن الحديث عن نوع من «صدام الحضارات» في الجزائر، ترجع جذوره إلى المسألة اللغوية.
إبراهيم سعدي
الجزيرة
مرّ الحديث عنها في مكانه ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
إنّ تعبير الجزيرة ـ الذي ينطبق على الفترة الحمدانية ـ لم يكن مقصوراً على العراق الأعلى الواقع بين دجلة والفرات([53])، أو الإقليم الذي أطلق عليه الغربيون الاسم اليوناني Mesopotamia أي بلاد ما بين النهرين، والذي عرفه الجغرافيون القدامى([54]) على أنّها الأرض التي بين دجلة والفرات وتشتمل على ديار ربيعة وديار مضر، بل أنّه يمتد ليشمل مناطق أوسع تقع ما بين جبال أرمينية وكردستان شمالاً وشرقاً حتّى الخط الوهمي الذي يصل بين عانات وحديثة وتكريت على دجلة جنوباً. ذلك أنّ هذه الأقاليم الشاسعة والموزّعة اليوم ما بين العراق وسورية وتركية شهدت نشاط الحمدانيين وكان لهم فيها من وقت إلى آخر سيادة كلية أو جزئية. وفي هذا الصدد يقول الجغرافيان العربيان الكبيران الإصطخري وابن حوقل([55]): إنّ مدناً وقرى على شرقي دجلة وغربي الفرات تنسب إلى إقليم الجزيرة «وهي خارجة منها وبائنة عنها»([56]).
إنّ إقليم الجزيرة بمعناه الجغرافي التاريخي الواسع الذي نريده هنا والذي يقع ما بين جبال أرمينية وكردستان شمالاً وشرقاً وعانات وتكريت جنوباً، يمكن أن يعتبر من ناحية التضاريس هضبة ذات أراضٍ متموجة مرتفعة عن مستوى دجلة والفرات وروافدهما. غير أنّ هذه الهضبة لا تخلو من بعض المرتفعات الجبلية في الشمال والشرق حيث تزيد كمية المطر التي تساعد على الزراعة واستقرار المجتمعات البشرية. أمّا المنطقة الواقعة في غربي دجلة وشرقيها ومنطقة تلال حمرين فتغلب عليها صفة البادية لقلة مياهها. لقد قامت مراكز الحياة المتمدنة المستقرة في الأغلب حول ضفاف الأنهار حيث قامت المدن ونشطت الزراعة والتجارة. وهذه المنطقة ـ وخاصّة كلّما توغلنا شمالاً ـ تتميز بأنّها منطقة حصينة بما يتخلّلها من جبال وتلال، لذلك كانت ميداناً مستمراً لمعارك وحروب. وقد صعب على مهاجميها أن يقتحموها دون بذل تضحيات جسيمة. كما أنّ كثيراً من مدنها التي شيّدت في أعلى التلال أو بين المرتفعات تمتعت بقلاع وحصون ـ وفق أسلوب العصور الوسطى ـ ممّا جعلها منيعة في وجه أعدائها. بل إنّ أسماء كثير من المدن والمواضع التأريخية ـ والتي ما زال بعضها يحتفظ بنفس الاسم ـ كانت تقرن بكلمة حصن أو تل: مثال ذلك حصن كيفا، تل فافان، تل خوم، حصن عرقة، الحصن اليماني، قلعة الحدث، حصن زياد، حصن منبج، حصن منصور وغيرها كثيرة.
إنّ إقليم الجزيرة الذي سمّي بهذا الاسم «لأنّها تقطع الفرات ودجلة»([57])، يحوي في الحقيقة كلّ الخصائص الجغرافية، ففيه جبال عالية وهضاب وسهول خصيبة وبوادٍ قليلة المياه واضحة الجفاف. ولعل أهم ما في هذا الإقليم من الجبال جبل سنجار بين الخابور ودجلة (ويبلغ ارتفاعه 4800 قدماً) وجبل إبراهيم (1753 قدماً) وجبل مكحول (1600) قدماً، وهذه الجبال الثلاثة تقع غربي دجلة، أمّا في شرقيه ـ بينه وبين الزاب الكبير ـ فنجد جبل باعشيقة (2177 قدماً) وجبل مقلوب (3483 قدماً) وهناك جبال منفردة أخرى بين الزابين الكبير والصغير (أو الأعلى والأسفل) وبين هذا الأخير والحدود العراقية الإيرانية الحالية.
أطلق الجغرافيون العرب القدامى ـ اسم الجزيرة على أرض ما بين النهرين Mesopotamia أي العراق الأعلى اليوم باعتبار أنّ دجلة والفرات يحصران هذه الأرض بينهما. غير أنّ المقدسي([58]) أطلق على الجزيرة اسماً غريباً هو (أقور) فانفرد بهذه التسمية عن غيره، على حين اتفق مع غيره من الجغرافيين في سائر أوصاف الإقليم ويعتقد لسترانج([59]) أنّ هذه التسمية ربّما كانت تطلق في القديم على سهل شمال ما بين النهرين، أي الإقليم الواقع بين دجلة والفرات([60]).
لقد قسّم الجغرافيون العرب إقليم الجزيرة إلى ثلاث كور حسب بطون القبائل العربية التي أقامت فيه إبان الحكم الساساني قبل الإسلام، وهي: ديار ربيعة، وديار مضر، وديار بكر([61]). غير أنّ ابن حوقل والإصطخري أدمجا ديار بكر بديار ربيعة([62]). ولا نريد هنا أن نتعرّض لتفاصيل هجرة هذه القبائل وأسبابها، إلاّ أنّنا نودّ أن نشير إلى أنّ هذه القبائل كانت كلّها عدنانية، وقد انساحت في الأرض القريبة والبعيدة عن منازلها الأصلية في تهامة فأقامت بطون منها في أرض الجزيرة في فترات زمنية متقاربة أو متباعدة. فسمّيت هذه المناطق باسمها.
ولكي نتعرّف على حدود الجزيرة ومناطقها الثلاث، يجب أن نشير إلى أنّ حدود هذه المناطق كانت تتفق وتوزيع المياه، فكان دجلة يروي ديار بكر من منبعه حتّى الانحناء الكبير الذي يكوّنه النهر أسفل تل فافان، مع الأرض التي في شمالها والتي تخترقها عدّة روافد تتصل بضفة دجلة اليسرى غربي تل فافان([63]). وتقع ديار مضر إلى الجنوب الغربي وتشمل جميع الأراضي السهلة التي يرويها نهر البليخ رافد الفرات الآتي من حران من عين الذهبانة (حسب ما يقول ابن خرداذبه والدهمانة حسب ما ورد في ابن رستة). على حين تقع ديار ربيعة شرقي ديار مضر، وكانت تشمل منطقة الخابور الكبير الآتي من رأس العين (والذي يستمد مياهه من الهرماس ويصب في الفرات عند قرقيسيا) والأراضي الواقعة على ضفتي دجلة من تل فافان حتّى تكريت، وهي أراضٍ سهلة كان يرويها الزابان والخابور الصغير([64]).
إنّ كلاً من دجلة والفرات ينبعان من الشمال الشرقي وتتصل روافدهما بهما من الجهة اليسرى. وينبع الفرات من الجبال الواقعة بين بحيرة وان في جبال أرمينية وبين البحر الأسود عند خط العرض 40 شمالاً، أو بتعبير القدامى([65]) «من بلاد الروم». والواقع أنّ نهر الفرات ـ على عكس دجلة ـ يتمتع بأهم روافده قبل دخوله الحدود العراقية وأهمها رافدا البليخ والخابور. ويبدو المسعودي([66]) أكثر دقة حيث يجعل مبدأ الفرات من جبال أرمينية «على نحو يوم من قاليقلا. شمال أرضروم» والمسعودي كان على حق إذ أنّ هذا هو منبع الفرات الأصلي والذي يدعي اليوم باسم (قره صو) ([67]).
أمّا دجلة فينبع من جبال شهرزور فوق آمد على حدود بلاد أرمينية، ويمرّ بجبال السلسلة ثمّ بمدن آمد وميافارقين في ديار بكر قبل أن يصل إلى الموصل في ديار ربيعة حيث يتصل به رافداه الزاب الكبير والزاب الصغير، ثمّ يتّجه إلى تكريت غربي ديار بني شيبان حتّى يصل إلى بغداد([68]). ومخرج الزابين من جبال أرمينية ويصبان في دجلة، الكبير بالحديثة والصغير بالسن([69]). ويقول المسعودي([70]) إنّ دجلة تخرج من بلاد آمد من ديار بكر من أعين بلاد خلاط من أرمينية، ويصب إليها نهر سريط وسائر ما يخرج من بلاد أرزن([71]) وميافارقين وغير ذلك من الأنهار كنهر الخابور الذي يأتي من بلاد أرمينية ويصب في دجلة في منطقة باسورين وقردى وبازبدي([72]). وهذه الديار ـ كما يقول ـ هي ديار بني حمدان. ثمّ يمر دجلة بمدينة الموصل ويصب فيه نهر الزاب وهو من بلاد أرمينية (ويعني المسعودي الزاب الأكبر أو الأعلى الذي ينبع من الجبال الواقعة بين بحيرة وان وبحيرة أورمية ويلتقي بدجلة عند منتصف الطريق بين الموصل وشرقاط). ويستطرد المسعودي فيقول إنّ زاباً آخر يصب في دجلة يأتي من بلاد أرمينية وآذربيجان ثمّ ينتهي إلى تكريت (وهو يعني الزاب الأسفل أو الصغير الذي يصب في دجلة في نقطة تبعد 36 كيلومتراً جنوبي الشرقاط).
إنّ هدفنا الحقيقي من هذه المقدمات الجغرافية إنّما هو تحديد مواقع المدن والأماكن ذات العلاقة بتاريخ الحمدانيين. وسوف أتبع أسلوباً يسهل على القارئ تحقيق هذا الهدف، وهو تصنيفها إلى ثلاث مجموعات تتبع كلّ مجموعة إحدى المناطق الثلاث للجزيرة وفق التقسيمات الكلاسيكية التي أوردها الجغرافيون العرب القدامى، مكتفين بالمعلومات الأساسية ومعرضين على التفاصيل الكثيرة التي ازدحمت بها المراجع القديمة والحديثة.
1 ـ ديار بكر: هي أصغر مناطق الجزيرة الثلاثة وأقصاها إلى الشمال، ويمكن تعريفها على أنّها الأراضي الواقعة إلى شمال مجرى دجلة الأعلى، وعاصمتها آمد ومن مدنها الهامّة ميافارقين (بفتح الميم وتشديد الياء) وأرزن (بفتح الألف وفتح الزاي) وحصن كيفا وتل فافان.
تمتعت مدينة (آمد) وهي أمدا Amida عند الرومان بسمعة تاريخية مدوية، أمّا اليوم فهي بالضبط مدينة ديار بكر في تركية. ويقول المقدسي([73]) إنّ آمد كانت بلداً خصيباً على ضفة دجلة الغربية بنيت بحجارة سود صلبة وكذلك أساسات الدور»([74]). وكان موضع آمد حصيناً فقد شيّدت على جبل غربي دجلة وأحيطت بسور «من حجارة سود يدعى ميموناً» نادرة وغالية الثمن حتّى أنّ ابن حوقل([75]) يقدّر ثمن الحجارة الواحدة منها بخمسين ديناراً حسب الأسعار السائدة في العراق حيث استخدمت لصنع الأرحاء. وامتازت هذه المدينة علاوة على حصانتها ـ كأغلب المدن التي سيأتي ذكرها ـ بكثرة أشجارها وزروعها وكثرة طواحينها التي كانت تدور بمياه العيوب([76]) ويرثي ابن حوقل([77]) هذه المدينة([78]) الزاهرة التي آلت فيما بعد إلى الروم بقوله «وكان لها ضياع ورساتيق وقصور ومزارع برسمها هلكت لضعفهم ـ أي المسلمين ـ واقتدار الروم عليهم وقلة المغيث الناصر». وتمتع سور آمد بخمسة أبواب سمّيت بحسب اتجاهها الجغرافي وهي باب الماء وباب الجبل وباب الروم وباب التل، أمّا الباب الخامس فيبدو أنّه كان سرياً يحتاجون إليه وقت الحروب مع الروم، وهو باب صغير سمّي بباب أنس([79]). لقد تمتعت آمد بوضع اقتصادي حسن للغاية ساعد على ازدهارها (إبان الفترة موضوع البحث)، لذلك كانت ميدان صراع بين القوى المتطاحنة. لقد كان دجلة يحيطها من جوانب ثلاث، وكانت فيها أرحاء وطواحين كثيرة، ووصف الجغرافيون والسواح أسواقها بأنّها كانت عامرة([80]).
وتعتبر (ميافارقين) التي سمّاها اليونان مدينة الشهداء Martyropolis لأنّها حوت عظام شهداء النصارى([81]) من أهم مدن ديار بكر وأوسعها شهرة أيام الحمدانيين. وبالرغم من قلّة بساتينها، توفّرت فيها بعض عيون المياه([82])، وقد أحيطت المدينة بخندق لزيادة حصانتها([83]). ولعل أوفى معلومات يستطيع الباحث أن يحصل عليها عن تاريخ هذه المدينة هو الكتاب الذي خلفه الفارقي([84]) والذي يمدنا بفكرة ناصعة الوضوح عن مجد هذه المدينة وأهميتها التاريخية قبل الحمدانيين وفي أيامهم وفي العصور التي تلتهم. ومن فيض المعلومات التاريخية التي يكدسها الفارقي نستنتج أن ميافارقين كانت مدينة ذات سور عظيم عني بعمارته جميع القادة والأمراء الذين أتيح لهم حكم هذه المدينة. ويبدو كذلك أنّ لهذا السور الجليل أبواباً عدّة منها الباب الوسطاني وباب قلوفح وباب الربض وباب باقوسي. وكان بين هذه الأبواب أبراج للدفاع([85]) ويبدو من قراءة تاريخ الفارقي أنّ مدينة ميافارقين كانت ذات عيون تجري منها قنوات وذات قصور وعمائر وبساتين جميلة([86]). كانت ميافارقين من أعرق المدن في ديار بكر فقد وجدت فيها مبانٍ من أيام الملك ثيود سيوس وكنائس ترجع إلى عهد المسيح. وكان فيها إلى جانب المسيحيين جالية يهودية لها محلة معروفة وزقاق سمّي باسم زقاق اليهود([87]).
وإلى الشرق من ميافارقين بقليل مدينة أرزن على نهر سريط، وقد اشتهرت بقلعتها الضخمة الحصينة التي أصبحت مجرد أطلال أيام ياقوت([88]). وقد تعرّضت ميافارقين وأرزن القريبة منها إلى غارات الروم المستمرة في القرن الرابع «فأخووا قراها وضياعها وعضدوا أشجارها وزروعها إلى أن جعلت كالخاوية على عروشها([89]). إلاّ أنّ رواية ناصر خسرو الذي زار أرزن في سنة 438هـ (1046م) تناقض رواية ابن حوقل فهو يصف هذه المدينة على أنّها كانت عامرة، فيها أسواق وتحف بها بساتين يانعة كثيرة المياه. كما أنّ المستوفي الذي زارها في القرن الثامن الهجري يصفها على أنّها كانت في أيامه بلداً عامراً، وهذا يناقض رواية ياقوت السالفة الذكر([90]).
وكان حصن كيفا الذي دعاه الروم Kiphas يقع كما يقول المقدسي([91]) على دجلة مباشرة، وكذلك جعله المعلق على مخطوطة ابن حوقل([92]) (الذي عاش في القرن السادس الهجري) على ضفة دجلة الغربية، في حين حدّد لسترانج([93]) موقعه على ضفة الفرات الجنوبية وهذه هفوة. ومهما يكن فقد كان حصن كيفا (ويسمّيها ابن الفقيه رأس كيفا) ([94]) على أيام المقدسي بلداً له قلعة حصينة ويحوي كنائس كثيرة([95]). ويصف المعلق على مخطوطة ابن حوقل([96]) هذا البلد في القرن السادس بقوله «وأمّا حصن كيفا فهي قلعة حصينة منيعة ذات شعب متفرقة بين الجبال… وفيها شعاب وأودية لا يقدر عليها، وبين يديها على الدجلة قنطرة عالية حسنة البناء… وتحتها ربض عامر فيه الأسواق والحمامات كالفنادق والمساكن الحسنة «وبناؤهم بالحجر والجص ولها رساتيق كثيرة وضياع عامرة…».
ونجد على ضفة دجلة اليسرى شرقي حصن كيفا (وعلى بُعد خمسين ميلاً) تل فافان وعلى مقربة منه مدينة بهذا الاسم كانت تحيط بها البساتين. وقد وصفها المقدسي في القرن الرابع بأنّها رخيصة الأسعار وذات أسواق مغطاة وبيوتها من الطين([97]). وكانت على ضفاف نهر الرزم شمال تل فافان مدينة سعرت أو سعرد أو أسعرت، وكانت تعدّ من أعمال أرمينية على الأغلب([98]). وثمّة بلدتان صغيرتان ذكرهما المقدسي([99]) عند هذا الموضع دون أن يمدّنا بوصف لها هما الفار وحاذية.
2 ـ ديار مضر: تمتدّ منطقة ديار مضر بمحاذاة ضفتي الفرات، وتعتبر الرقة قصبتها. أمّا حدودها الجغرافية فإنّها تقع جنوب غربي ديار بكر وتحاذي الفرات من سميساط حيث يترك النهر سلاسل الجبال منحدراً نحو عانة، تضاف إلى ذلك سهول نهر البليخ([100]) رافد الفرات الذي يأتي من حران. وأهم مدن ديار مضر التي تعنينا الرقة والرافقة وحران والرها وحصن مسلمة وقرقيسياء والرحبة والدالية ورصافة الشام وهيت وتكريت وعانة (أو عانات).
وصف المقدسي([101]) مدينة الرقة على ضفة الفرات الشرقية بأنّها كانت كثيرة القرى والبساتين حسنة الأسواق «ولها جامع عجيب وحمامات طيبة، وقد ظللت أسواقها». وهذا كما يرى القارئ وصف ينطبق على أكثر المدن الشرقية يومذاك. وفي سنة 155هـ بنى الخليفة العباسي المنصور مدينة الرافقة على مقربة من الرقة فاندمجت المدينتان تقريباً حتّى قال ابن حوقل([102]). إنّ الرقة والرافقة مدينتان كالمتلاصقتين «وكل واحدة بائنة من الأخرى بأذرع كثيرة». وفي القرن الرابع كانت المدينتان في وضع اقتصادي جيد وأسعار المواد الغذائية فيهما رخيصة بسبب وفرة الحاصلات([103]). ثمّ وسع هارون الرشيد الرافقة وبنى بها قصر السلام، فخربت الرقة وقامت عمارات جديدة شغلت الفراغ المجاور، وبذلك حلّت الرافقة محل الرقة وأخذت اسمها، أمّا اليوم فنرى في ذلك الموضع بحيرة ضحلة([104]). وفي أسفل الرقة يتصل نهر بليخ ـ رافد الفرات ـ بالفرات الأصلي ماراً بمدينة حران Carrhae التي كانت موطن الصابئة وبها معابدهم وسدنتهم والتل الذي جعلوا عليه مصلى يعظمونه ويقدسونه([105]). واشتهرت بقلعتها الحجرية وجامعها، وكانت بها قناة تروي أراضيها([106]). ويصف ابن حوقل حران بقوله([107]): «وكان لها غير رستاق عظيم وكورة جليلة فافتتح الروم أكثرها وأناخت بنو نمير وبنو عقيل بعقوتها وبقصبتها، فلم تبق لها باقية ولا في رساتيقها ناغية ولا راغبة» وينسب البلاذري([108]) لحران عدّة قرى منها تل عفراء، تل مذانا، وأرض المصلى، ومرج عبد الواحد الذي كان حمى للمسلمين.
وكانت الرها Edessa من المدن ذات الشهرة العظيمة أيام الحمدانيين، وسنرى كم دار حولها صراع بينهم وبين الروم بسبب مكانتها الدينية عند النصارى. فقد ازدهرت الرها بآثارها المسيحية بحيث كان فيها وحولها أكثر من ثلاثمائة دير وصومعة للرهبان، كما كانت فيها أعظم كنيسة في بلاد المسلمين حتّى عدت من عجائب الدنيا أو على الأقل من عجائب الجزيرة حسب تعبير ابن الفقيه([109]). ويقول ابن حوقل([110]) إنّ أغلب أهل الرها كانوا من النصارى «وبها زيادة على ثلاثة مائة بيعة ودير وصوامع فيها رهبانهم ولهم فيها بيعة ليس للنصرانية أعظم ولا أبدع صنعة منها… وكان بها منديل عيسى ابن مريم»([111]). لقد ظلّت الرها تعرف بهذا الاسم حتّى القرن الخامس عشر، فإنّها سمّيت باسم (أورفا) الذي ربما كان تحريفاً للفظة (الرها) ([112]).
وتقع بين حران والرقة (باجروان)([113]) وعلى مقربة منها (حصن مسلمة) الذي ينسب إلى مسلمة بن عبد الملك الأموي الذي اهتمّ بتزويد هذا الحصن الحربي بالمياه من نهر بليخ القريب الذي يروي البساتين القريبة([114]).
وبانحدار الفرات جنوباً، وعلى مقربة من التقائه برافده البليخ، توجد عدّة مدن تنتشر على ضفتي النهر تعتبر ضمن منطقة ديار مضر وتدعى بناحية الفرات أو أعمال الفرات أو قريات الفرات، ولعل أهم هذه المدن الرحبة على ضفة الفرات اليمنى. وهذه هي رحبة الشام أو رحبة مالك بن طوق بن عتاب التغلبي وهو مؤسسها الذي عاش في عصر المأمون([115])، وكانت على حد قول المقدسي([116]): أعظم مدينة في نواحي الفرات، واشتهرت بكثرة أشجارها ومياهها([117]). وعلى بُعد ستة فراسخ من الرحبة وعلى ضفة الفرات اليسرى عند مصب الخابور كانت تقع مدينة قرقيسيا (كركسيوم Circesium) التي اشتهرت ببساتينها وأشجارها وزروعها([118]). أمّا الرحبة والدالية فتقعان قرب نهر يُقال له نهر سعيد كان يخرج من يمين الفرات فوق قرقيسيا ويعود فيصب فيه فوق الدالية التي عرفت بدورها بدالية مالك بن طوق. وكانت الدالية مدينة صغيرة تقع على مرتفع يسير الارتفاع على الضفة الغربية من الفرات([119]). وبين الرحبة والرقة بنى هشام بن عبد الملك مدينة سمّيت برصافة هشام أو رصافة الشام تمييزاً لها عن رصافة بغداد وغيرها. وما زالت آثار هذه الرصافة باقية في البادية على أربعة فراسخ جنوب الرقة([120]). ويقول البلاذري([121]): إنّ هشام أحدث هذه المدينة وكان ينزل قبلها الزيتونة.
ومن مدن ديار مضر التي لا يمكن أغفالها هيت غربي الفرات وقد اشتهرت بخصبها وعمرانها، وكان فيها حصن «وهي أعمر المدن المتقدم ذكرها»([122]). وقامت قبالة هيت مدينة تكريت على ضفة دجلة الغربية على مقربة من فوهة نهر دجيل الذي يتّصل بدجلة أسفل هذه المدينة وكان فيها عدد كبير من النصارى([123]). وتتوسط بين بغداد والموصل ولها قلعة حصينة تطل على دجلة([124]) ولم يكن في إقليم الجزيرة أسفل من قرقيسيا مدينة ذات شأن غير عانة (عانات) وهي أناتو Anatho القديمة التي كانت في أيام الإصطخري مدينة صغيرة في وسط الفرات يطوف بها خليج منه([125]). ويبدو أنّ عانة أو (عانات) تمتعت في أيام ياقوت ـ شأنها شأن أكثر مدن الجزيرة – بقلعة حصينة مشرفة على الفرات([126]).
3ـ ديار ربيعة: تقع ديار ربيعة شرقي ديار مضر، وتشمل الأراضي الواقعة في شرقي الخابور الكبير (رافد الفرات) والأراضي الواقعة في شرقي نهر هرماس (فرع الخابور الكبير) الذي يجري في وادي الثرثار بالإضافة إلى الأراضي الممتدة على ضفتي دجلة بانحداره من تل فافان إلى تكريت، أي الأراضي الواقعة في غرب دجلة حتّى نصيبين والتي في شرقه، وهي السهول التي يرويها الزابان الأعلى والأسفل ونهر الخابور الصغير (أو خابور الحسنية وهو رافد دجلة) ([127]).
إنّ أهم المدن التي كانت ذات علاقة بتأريخ الحمدانيين في ديار ربيعة ـ بعد الموصل وهي قصبتها ـ رأس العين وماردين ودنيسر وكفرتوتا ونصيبين وأذرمة وبرقعيد وسنجار وجزيرة ابن عمر والحسنية وبلد والموصل والحديثة (حديثة الموصل) وأربيل بالإضافة إلى عديد من الحصون والقلاع والمواقع العسكرية التي انتشرت في هذه المناطق والتي سيرد ذكرها في خلال السرد التاريخي.
تقع منابع الخابور الكبير شمال رأس العين في المناطق الجبلية المسمّاة قره داغ Qaradja Dagh ويأتي فرعاه الرئيسان من طور عابدين. وأحد فروع الخابور نهر سابا([128]). (ويسمّى اليوم جرجيب) ويأتي من تلك موزن (يسمّى اليوم فيرانشهر). ويستقبل الخابور الكبير في يساره مياه نهر ماردين الآتي من رأس العين ويصب فيه أسفل من ذلك نهر الهرماس الآتي من نصيبين. على أنّ أكثر مياه الهرماس كانت تنساب من سكير العباس (وكان على مبعدة يسيرة فوق ملتقى الهرماس بالخابور) إلى وادي الثرثار، فتتجمع من ذلك في الخابور مياه ثلاثة أنهار كبيرة، هذا بالإضافة إلى ما ينصب فيه من مياه الجداول. ثمّ ينحدر الخابور جنوباً إلى قرقيسيا على الفرات (وهي من مدن ديار مضر). وقبل أن يصل الخابور إلى هذه المدينة يمر بمدينتي عربان وماكسين وهما في أراضي الخابور من أعمال ديار ربيعة.
كانت رأس العين أو رأس عين Resaina) الرومانية) تقع على بُعد خمسين كيلومتراً أسفل تل موزن على نهر خابوراس وقرب منابع نهر الخابور الكبير([129]).
وهي مدينة تردّد اسمها كثيراً في المراجع الجغرافية والتاريخية العربية، باعتبارها إحدى المدن الواقعة على طريق الرقة ـ الموصل (عن طريق نصيبين)، واشتهرت كذلك بكثرة عيونها حتّى قيل إنّها بلغت أكثر من ثلاثمائة عين([130]) كانت تسقي بساتينها وحقولها الممتدة والتي كانت تبدو كأنّها بستان واحد متصل، ووصف ابن حوقل([131]) هذه المدينة بقوله «كانت رأس العين مدينة ذات سور من حجارة نبيل، وكان داخل السور لهم من المزارع الطواحين والبساتين ما كان يقوتهم، وفيها من العيون ما ليس ببلد من بلدان الإسلام، وهي أكثر من ثلاثمائة عين ماء جارية كلّها صافية يبين ما تحت مياهها في قعورها على أراضيها… وتجتمع هذه المياه حتّى تصير نهراً واحداً ويجري على وجه الأرض فيعرف بالخابور، ويقع إلى نواحي قرقيسيا، ويكاد وصف الإصطخري([132]) لرأس العين أن يكون صورة مطابقة لما ذكره ابن حوقل.
وفي منتصف الطريق بين رأس العين ونصيبين قامت قلعة ماردين الصخرية الشهيرة في تاريخ الحمدانيين. وكان تقع على قمة جبل بنفس الاسم عند الموضع الذي يتّسع فيه الخابور بما ينضاف إليه من مياه الجداول الآتية من طور عابدين، كانت مدينة ماردين تقع على ارتفاع 1190 متراً. وتتكوّن من قلعة صخرية ومدينة تقع إلى الجنوب في سفح الجبل، واعتبرت ماردين من أهم مدن الجزيرة في تاريخ بني حمدان وكانت معقلاً لأمرائهم في القرن الرابع وسمّيت بـ (الياز الأشهب)([133]). وفي القرن السادس بنيت ضاحية لماردين في جهتها الجنوبية قامت فيها الأسواق والخانات والمدارس. وقد وصفها ابن بطوطة([134]) بأنّها كانت مدينة جميلة غنية بالحاصلات الزراعية، وعرفت يومئذ بالقلعة الشهباء واشتهرت بالحجر الزجاجي([135])، ووصف الإصطخري([136]) جبل ماردين فقال «إنّ ارتفاعه من الأرض إلى ذروته نحو فرسخين (أكثر من عشرة كيلومترات) وبه قلعة منيعة لا يستطاع فتحها عنوة… وهو جبل به جواهر الزجاج». وكانت ماردين من المواقع الهامة عسكرياً، لذلك عمد جميع حكام إقليم الجزيرة إلى وضعها تحت سطوتهم باعتبارها مركزاً دفاعياً حصيناً. فهي تسيطر على المناطق الواقعة على دجلة والفرات وتكون ممراً هاماً للشمال وطريقاً إلى الموصل عبر نصيبين وإلى آمد مدينة ديار بكر الهامة وإلى رأس العين التي أسلفنا وصفها. لقد كانت ماردين فوق ذلك من الديار التي عاش فيها آل حمدان وهي من مواطنهم ذات الشهرة بالإضافة إلى برقعيد وميافارقين ونصيبين والموصل. والحق أنّ المعلق المجهول على مخطوطة ابن حوقل([137]) أوجز أهمية ماردين في عبارة واحدة فهو يقول «وماردين حصن حصين منيع لا يرام ولا يقدر عليه، مبني على قلة جبل شاهق في الهواء وهو مشرف على تلك الجبال شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً لا يدانيه قلة جبل البتة، وفيه من الذخائر والعدّة والأسلحة ما لا يمكن حصره، ومن تحته في ناحية الجنوب ربض عامر منغَصٌّ بالسكان ضيق الأسواق، وليس بين أيديه حائل يمنعهم من النظر إلى برية رأس العين والخابور وسنجار…».
وكانت مدينة دنيسر أو «سوق دنيسر» تقع تحت ماردين في الصحراء على بُعد أربعة فراسخ. وهذه المدينة كانت في الأصل قرية صغيرة يجتمع الناس في فضائلها كلّ يوم أحد([138]) للبيع والشراء، فلم تلبث بسبب هذه التجارة النشطة أن توسّعت وتحوّلت إلى مدينة عامرة ذات حانات وفنادق وحمامات وأسواق، تأتيها البضاعة من سائر البلدان واستقرّ فيها الناس من كلّ فج عميق. فكثر بها الارتفاع والضمانات»([139]).
وكانت كفرتوثا حصناً قديماً فاتخذها ولد أبي رمثة منزلاً فمدنوها وحصنوها([140]) وتقع إلى الجنوب الغربي من ماردين في منبسط من الأرض حباه الله بأنواع الشجر والزروع([141]). ويصف ابن حوقل([142]) كفرتوثا بأنّها تقع بين مدينتي دارا ورأس العين: «مدينة جميلة سهلية، وكان حظها من كلّ خير جزيلاً… وكانت في مستواة من الأرض ولها شجر وثمر ومزدرع وضياع. أمّا دارا فكانت تقع إلى جنوبي شرقي ماردين على المجرى الأعلى لفرع من فروع نهر عويج الذي يتصل بنهر هرماس. وتبعد دارا سبعة فراسخ (أكثر من 40 كيلومتراً) عن كفرتوثا وخمسة فراسخ (أكثر من 28 كيلومتراً) عن نصيبين، واشتهرت دارا بكثرة محصولاتها الزراعية وعيونها وأبنيتها ذات الحجارة السود… ووصفها ابن حوقل([143]) بأنّها «كثيرة الغلات والخيرات والخصب في جميع وجوه الخصب من المآكل والمشارب وما تحويه كالمجان». وأنّها كانت ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للروم في القرن الرابع الهجري.
ومن المدن الرئيسة ذات الشهرة الذائعة في العصور الوسطى نصيبين (Nisibis الرومانية) التي ما زالت من مدن الجزيرة الهامة (في تركية الحديثة). وتقع نصيبين في أعالي نهر الهرماس([144]) وتجد من وصف الجغرافي والرحالة ابن حوقل([145]) أنّها كانت من أعظم مدن الجزيرة وأكثرها خصباً وغزارة في المياه ووفرة في المحاصيل الزراعية، وتقع في سهل منبسط، تأتيها المياه من جبل بالوسا([146]) فتستقي بساتينها ومزارعها وتزيّن البرك في دورها وقصورها. ويقول المقدسي([147]) عن نصيبين إنّها كانت «أنزه وأصغر… من الموصل، كثيرة الفواكه بها حمامات حسنة وقصور منيعة عليها حصن من حجر وكلس». واشتهرت نصيبين في القرن الرابع بمراعيها الواسعة وغلاتها العظيمة وبحقولها وبساتينها ومتنزهاتها الجميلة، وكثرة كنائسها وصوامعها ودياراتها. وكانت على عهد ابن جبير في القرن السادس الهجري مدينة جميلة محاطة بالبساتين، وافرة المياه كثيرة الشجر، وتمتاز بنهر يحيط بها ويتسرب إليها من عين تنبع من جبل قريب([148]). وظلّت هذه المدينة عامرة حتّى عصر ابن بطوطة (القرن الثامن الهجري) ([149]).
كانت نصيبين أعظم المدن الواقعة على الطريق الغربي الذي يذهب إلى الموصل. وكان غالبية سكان هذه المدينة من بني تغلب، واشتهرت في العصور الوسطى بكونها مركزاً ثقافياً هاماً من مراكز النساطرة، بالإضافة إلى كونها مركزاً هاماً للمسيحية حيث حفلت بالكنائس والأديرة التي اشتهر منها دير الزعفران (أو دير عمرو) الذي كان يقع في جبل شرقي نصيبين([150]).
وهناك بضعة مواقع يذكرها الجغرافيون العرب بين منطقة الخابور وطريق قرقيسيا ـ سنجار وهي من الشمال إلى الجنوب: عرابان وماكسين وسكير العباس. تقع عرابان وماكسين في أراضي الخابور الذي يمر بهما قبل أن يمر بقرقيسيا (في ديار مضر) واشتهرت هاتان المدينتان بوفرة إنتاجهما من القطن الذي كان يزرع على جانبي الخابور([151]). وعلى مئة ميل تقريباً جنوب نصيبين يقع السد المعروف بسكير العباس الذي يصبّ في دجلة والذي يقع فوق ملتقى الهرماس بالخابور حيث كانت تنساب منه أكثر مياه الخابور الكبير إلى وادي الثرثار. وعلى سكير العباس هذا كانت تقوم في القرن الرابع الهجري مدينة كبيرة بهذا الاسم يقول عنها ابن حوقل([152]) إنّها» (مدينة لطيفة فيها غلات وبها رجال». أمّا الإصطخري([153]) فيجعل سكير العباس مجرد قريبة في منتصف الطريق بين عرابان وماكسين اللتين يقول عنهما إنّهما كانتا من مدن الخابور، على حين اعتبر المقدسي (عربان) قصبة ناحية الخابور([154]). ويذكر الجغرافيون العرب([155]) بضع مدن صغيرة أخرى في هذه المنطقة مثل طلبان الجحشية وتنينير والعبيدية، في حين يذكر الإصطخري([156]) أسماء قرى أخرى مثل المطرية والسخيمية. كذلك يذكر ابن الفقيه([157]) عند حديثه على كور الخابور الصور والغدير وماكسين والشمسانية والسكير وعربان وطابان وتنينير العليا وتنينير السفلى وشاعا وجميعها على الخابور.
إنّ المنطقة بين نصيبين ودجلة من جهة وبين طور عابدين (أو طور عبدين) وسلسلة جبل سنجار من جهة ثانية تدعى باعربايا واسمها القديم بيث عربايا (أي بلاد العرب Arabia) كما سمّاها المؤرخون الكلاسيكيون وبخاصّة الرومان الذين ذكروا أنّها كانت ذات أهمية تجارية فائقة وأنّ العرب استقرّوا فيها منذ أمد طويل. ويبدو أنّ السهل الذي يقع في المنطقة التي يتصل فيها بنهر هرماس جداول ونهيرات عديدة جنوبي نصيبين، كان في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كثيف السكان وافر الزراعة تنتثر فيه مواضع عديدة على طول الطريق من نصيبين إلى الموصل وصفها الجغرافيون العرب القدامى والباحثون الغربيون المعاصرون([158]). ومن هذه المواضع الهامّة مدينة أذرمة التي تقع في منتصف المسافة بين نصيبين وبرقعيد وهي من كويرة تعرف ببين النهرين. وقد وصفها أحمد بن الطيب السرخسي الذي مرّ بها يوم كان في خدمة الخليفة المعتضد (279ـ289هـ) فقال إنّه كان بها قصر حسن ونهر يشقها وعليه في وسط المدينة قنطرة معقودة بالصخر والجص، وعليها سوران أحدهما دون الآخر ومن خار السور خندق يحيط بالمدينة([159]). ووصفها المقدسي([160]) في القرن الرابع بأنّها: مدينة صغيرة في البرية، شربهم من آبار وبنيانهم قباب. ويقول ابن حوقل([161]) إنّ أذرمة تبعد عن برقعيد ستة فراسخ «وكانت مدينة صالحة كثيرة الغلات». وقال عنها البلاذري([162]) بأنّها كانت قرية قديمة فأخذها الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبي من صاحبها وبنى بها قصراً وحصنها.
وتعتبر برقعيد مدينة تجارية ذات أهمية على طريق نصيبين تمر بها القوافل وتجري فيها عمليات البيع والشراء. وفي القرن الثالث الهجري كانت مدينة عامرة ذات سور له ثلاث أبواب([163])، ويحدّد ياقوت([164]) موقع برقعيد «في طرف بفضاء الموصل من جهة نصيبين مقابل باشزي»، واعتبرها السرخسي من أعمال الموصل من كورة البقعاء. ويبدو أنّها كانت مدينة كبيرة بل أكبر من أذرمة([165])، بحيث كان في سوقها مائتا حانوت. وهذا الوصف ينطبق على برقعيد في سنة 30هـ، حيث كانت ممر القوافل من الموصل إلى نصيبين. أمّا في أيام ياقوت (في القرن السابع) فقد أصبحت خراباً وقرية صغيرة حقيرة([166]) يضرب المثل بأهلها في اللصوصية بحيث قيل «لص برقعيدي»([167])، وكانت القوافل إذا نزلت بها لقيت من أهلها الأمرين، حتّى اضطر التجار بسبب ذلك إلى تغيير طريقهم فجعلوا طريق قوافلهم على باشزي التي ازدهرت واحتلت مكان برقعيد. وهكذا نجد أنّ ياقوت وكذلك ابن حوقل([168]) يعزوان سبب اضمحلال هذه المدينة إلى لصوصية أهلها وهو تعليل غير علمي كما هو واضح، ذلك أنّ نشوء المدن وزوالها إنّما ارتبطا بعوامل جغرافية وتاريخية معروفة كتحوّل طرق التجارة ومجاري الأنهار أو الحروب المبيدة والكوارث الطبيعية المدمرة.
وكانت سنجار ـ التي تبعد عن بلد بتسعة فراسخ ـ تقع في مفازة ذات نخل كثير، وهي مدينة مسورة في القرن الرابع مشهورة بحذق أساكفتها ويرويها نهر عذيبي([169]). بالإضافة إلى عيونها الكثيرة([170])، وكان موقع سنجار حصيناً فهي تقع في وسط البرية وفي سفح جبل خصب، يحيطها سور حجري يصدّ عنها هجمات المغيرين([171])، ويقول ياقوت([172]) إنّ سنجار كانت تقع في «لحف جبل عال ويُقال إنّها سمّيت باسم بانيها». وكان على مقربة من سنجار ـ من ناحية الشمال والغرب ـ وادي من أودية ديار ربيعة كثير الخصب استقرّت فيه بعض بطون القبائل العربية([173]).
ومن مدن ديار ربيعة ذات الشأن جزيرة ابن عمر نسبة إلى الحسن بن عمر التغلبي، ولعل تسميتها بالجزيرة كانت بسبب إحاطة دجلة بها من ثلاث جهات([174]). وقد وصفها الإصطخري([175]) بأنّها كانت مدينة صغيرة على غربي دجلة لها أشجار ومياه. أمّا ابن حوقل([176]) فقد أفاض في وصفها فقال: إنّ بينها وبين الموصل ثلاثين فرسخاً، وكانت على أيامه مدينة ذات تجارة، وهي «فرضة لأرمينية وبلاد الروم ونواحي ميافارقين وأرزن، وتصل منها إلى الموصل المراكب مشحونة بالتجارة… وهي أحسن تل الناحية عمارة وأرجاها سلامة لوفور أهلها وكثرة خصبها». ويستطرد ابن حوقل قائلاً: إنّ الجزيرة متصلة بمدن ثمانين وباسورين وفيشابور «وجميعها في الجبل الذي منه جبل الجودي متصل بآمد من جهة الثغور وأعالي البلد بأعمال مرعش واللكام وبأسافلها». وجبل الجودي الذي يقع شرقي جزيرة ابن عمر هو الذي تحدّده النصوص القرآنية([177]) كموضع استقرّت عليه سفينة نوح. أمّا قريبة الثمانين فسمّيت بهذا الاسم نسبة إلى ما قيل من أنّ ثمانين من رجال نوح بنوا قرية هناك سمّيت ثمانين بعددهم([178]).
وتقع الحسنية على نهر خابور الحسنية الذي يصبّ في دجلة شمال مدينة فيشابور، والذي ينبع من الجبال القريبة من العمادية. وما زالت بقايا الحسنية قرب قرية حسن آغا. ولعلها ـ كما يقول لسترانج ـ([179]). تمثّل البلدة القديمة، أو لعلها زاخو، خاصّة وأنّ هناك قرية باسم حسنة تقوم اليوم بإزاء زاخو في الجانب الآخر من الخابور قرب معلثايا.
وفي المنطقة الجبلية على ضفة دجلة اليسرى (بين الخابور والزاب الكبير) تقع منطقة باهدرا التي تحدث عنها المسعودي لدى تتّبعه لمجرى نهر دجلة فقال([180])، إنّها تقع على مقربة من قردى وبازبدى. أمّا ابن حوقل([181]). فيجعل حدود باهدرا من المغيثة حتّى الخابور ومن معلتايا حتّى فيشابور (فيروز سابور). والمغيئة كانت كما يقول المقدسي([182])، إحدى مدن كورة جزيرة ابن عمر الهامة.
ويرد ذكر باقردى وبازبدى سوية في المراجع العربية، غير أنّهما كورتان منفصلتان تقعان في منطقة جبل الجودي ويفصل بينهما نهر دوشا. ويقول ياقوت([183]): إنّ بازبدى قرية سمّيت كورتها بها وهي في غربي دجلة، وباقردى كورة أخرى في شرقيه. وقد سبق أن أشرنا إلى رأي ابن حوقل([184])، في أنّ قردى (أي باقردى) هي جزيرى ابن عمر وجبل باسورين إلى حدود باعيناثا، وأنّ حدود بازبدى من ضيعة المقبلة والأحمدي وباعوسا والبيضاء إلى حدود جزيرة ابن عمر. وإذا رجعنا إلى أقوال ياقوت وابن خرداذبه وقدامة([185]). (بالإضافة إلى ابن حوقل) نجد أنّ مركز قردى كان باسورين التي احتلت مكان قردى القديمة وطمست شهرتها، على حين اندمجت بازبدى في جزيرة ابن عمر. ومهما يكن فقد ظلّت لهاتين الكورتين شهرة عطرة في أدبيات ذلك العصر([186]).
كان جبل الجودى (ارتفاعه 2460م) ذا أهمية في تاريخ هذه الفترة بالإضافة إلى أهميته الدينية حيث حدّده القرآن الكريم كموضع رست فيه سفينة النبي نوح بعد الطوفان([187]). وأنّ ثمانين من أهل هذه السفينة أشادوا قرية هناك سمّيت (ثمانين) ([188]). وفي شرقي جبل الجودي كانت تقع قرية النهروان التي اعتبرت من أملاك بني حمدان وضياعهم([189]).
ويقع جبل التنين (تنين داغ) شرقي جبل الجودي يفصل بينهما (قزل صو) فرع الخابور. وهنا تقوم (عبة التنين) التي يمكن اعتبارها الحد الفاصل بين أرض زوزان الأرمنية، وإقليم الجزيرة الإسلامي، وسكان هذه المنطقة خليط من الأرمن والأكراد. ويعتبر الجغرافيون العرب زوزان كورة بين جبال أرمينية وأذربيجان وديار بكر والموصل «وأهلها أرمن وفيها طوائف من الأكراد([190])…».
وحين نترك أرض الزوزان متجهين جنوباً ندخل في الأراضي الإسلامية التي يكون الأكراد أغلب سكانها. إنّ هذه المنطقة الحصينة المليئة بالحصون والقلاع الحربية لعبت دوراً كبيراً أيام الحمدانيين وكانت موضع صراع بين القوى المختلفة التي كانت تهدف إلى السيطرة عليها، ومن ثمّ تداولتها ـ وقلاعها ـ أيدي الأقوياء المرة تلو المرة. ولعلّ من أشهر القلاع التي امتلكها الحمدانيون في هذه المنطقة وكانت لها شهرة ذائعة قلعة (أردمشت) قرب جزيرة ابن عمر في شرقي دجلة على جبل الجودي، والتي تقع في أسفلها قلعة الزعفران أو (دير الزعفران) التي سمّيت بقلعة كواشي أيضاً، ويقول ياقوت في هذا الصدد([191]) إنّ قلعة أردمشت قلعة حصينة قرب جزيرة ابن عمر في شرقي دجلة على جبل الجودي، وتحتها دير الزعفران وهي قلعة أيضاً، وهي التي عرفت فيما بعد بقلعة كواشي «وهي من أعمال الموصل». ويبدو أنّ قلعة أردمشت عرفت بأسماء أخرى كذلك فقد سمّيت باسم الصوارة كما عرفت باسم قلعة السلامة([192]). ومهما يكن فقد اقترنت هذه القلعة اقتراناً وطيداً بتاريخ الحمدانيين، ففيها اعتقل أولاد ناصر الدولة أباهم. أمّا قلعة دير الزعفران فقد حدّد البلدانيون القدامى([193]) موضعها على أنّها قرب جزيرة ابن عمر تحت قلعة أردمشت «وهو في جبل والقلعة مطلة عليه». ودير الزعفران (الذي سمّي كذلك لأنّه اشتهر بزراعة الزعفران)([194]) أيضاً بقربه على الجبل المحاذي لنصيبين». وعدا هاتين القلعتين وقلعة مادرين (التي سبق أن أشرنا إليها) امتلك الحمدانيون قلاعاً أخرى اقترنت بتاريخهم مثل حصن الشعباني وبرقي([195]) وغيرها.
وقبل أن أنتقل إلى الحديث عن الموصل، أودّ أن أتحدّث عن أحد المواضع الهامّة في ديار ربيعة ـ وهي إربل ـ خضوعاً منّي لضرورات البحث، مع علمي بأنّ بحثها يجب أن ياتي بعد الحديث عن الموصل إذا أخذنا بنظر الاعتبار التسلسل الجغرافي.
إنّ إربل (أربيل اليوم) هي أربيلا القديمة التي ترقى إلى أيام الأشوريين والتي سمّوها بمدينة الآلهة الأربعة (أربا ـ إيللو)([196])، وتقع بين الزابين وتتميز بقلعتها الحصينة التي شيّدت على قمة تل ترابي. وتحدّث ابن خرداذبه([197]) عن إربل باعتبارها أحد الطساسيج الخمسة التي كوّنت كورة حلوان (أو شاذفيروز)، وكذلك فعل قدامة بن جعفر([198]). ويقول عنها ياقوت([199]): إنّها قلعة حصينة ومدينة كبيرة في فضاء من الأرض واسع بسيط، ولقلعتها خندق عميق… وهي على تل عال من التراب عظيم… وفي هذه القلعة أسواق ومنازل للرعية… وهي بين الزابين وتعدّ من أعمال الموصل…». إنّ إربل من مواطن الأكراد القديمة بحيث قال ياقوت([200]) «إنّ أكثر أهلها أكراد قد استعربوا، وجميع رساتيقها وفلاحيها وما ينضاف إليها أكراد، وينضم إلى ولايتها عدّة قلاع، وشربهم من آبار عذبة». وفي العصور العباسية المتأخرة اعتبرت إربل من أعمال الموصل. وقد اشتهرت منذ القديم بأهميتها التجارية باعتبارها ملتقى طرق القوافل([201]).
لقد أطلق الجغرافيون العرب على المنطقة التي كانت إربل قصبتها اسم (أرض حزة). والواقع أنّ حزة هي المنطقة التي كانت تشمل إمارة حدياب الواقعة بين الزابين والتي امتدّت إلى آشور (شرقاط) وإلى نصيبين وكانت قاعدتها أربيل([202]). ويتحدّث ابن حوقل([203]) عن (أرض حزة) ويعتبرها من رساتيق الموصل «بينه وبين أعمال المرج الزاب الكبير».
الموصل وأعمالها
تقع الموصل ـ قصبة ديار ربيعة ـ على الضفة الغربية (اليمنى) لدجلة، الذي يجري إلى شرقيها في شبه قوس من الشمال إلى الجنوب. وتقع المدينة على أرض تعلو قليلاً عن مستوى سطح البحر، مقابل نينوى أو نونوى([204]) عاصمة الآشوريين التي ما زالت خرائبها تبدو على الضفة الشرقية للنهر. ولم تكن الموصل قبل الفتح العربي الإسلامي ذات شأن، إنّما كانت مجرد حصن صغير يقوم على تل قليعات مقابل نينوى ليصدّ عنها غارات المغيرين من الغرب. وبعد سقوط نينوى في سنة 612 ق.م. لجأ إليها بعض الناجين. وفي القرن الرابع قبل الميلاد أورد زنفون في رحلة العشرة آلاف ذكرها باسم Muspile وحدّد موضعها في الجانب الشرقي لدجلة([205]). لقد تحوّلت نينوى إلى مدينة من مدن إمارة حدياب (التي سمّاها العرب حزة) ([206])، وهي إحدى الإمارات الكلدانية الآرامية التي خضعت تارة للفرثيين وطوراً للرومان إبان القرن الثاني للميلاد([207]). ولمّا استولى الفرس على هذه البلاد وحوّلوها إلى ميدان لحروبهم مع الرومان نقلوا إليها جماعات من العرب والفرس مكّنوهم من الاستقرار هناك وأطلقوا على المنطقة اسم نو أردشير أو بوذ أردشير([208]).
والحق أنّ الأقوال تختلف حول تأسيس مدينة الموصل، فيقول هونيجمان([209]) إنّه في الوقت الذي بدأت فيه المسيحية تقتحم تلك الأصقاع في بداية القرن الثاني الميلادي، كانت الموصل قد أخذت تحتل مكان نينوى. وقد أسّس الراهب يشوعياب حوالي سنة 570م على الضفة الغربية لدجلة قبالة نينوى ديراً ما زال يدعى بدير مار اشعيا، بنى حوله كسرى الثاني عدّة أبنية. وربّما كانت هذه المستوطنة هي الحصن الذي ذكرته التواريخ السريانية التي نشرها جويدي باسم Hesna Ebhraya وهو التعبير الذي ترجمه هيرز فيلد إلى «الحصن على الضفة المقابلة».
وقد أورد القس سليمان صائغ هذا النص من كتاب خطي([210]) «إنّ يشوعياب القسري الذي كان معاصراً لكسرى أنوشروان… رجع إلى بلدته نينوى. وكان في الناحية الغربية من دجلة الواقعة قبالة نينوى جنينة رائقة لم يكن حولها إلاّ قليل من البيوت والعمران، فاختار يشوعياب هذا الموقع وبنى فيه ديراً وهكيلاً كبيراً ثمّ انضوى إليه الرهبان يتعلّمون منه… وكانت نينوى يومئذ عامرة وأهلها يدينون بالنصرانية فشرع الناس يتقاطرون إلى ذلك الدير… ولمّا ملك كسرى أبرويز ابن هرمزد بنى حول تلك الجنينة دوراً كثيرة وأتى بخلق من بلاده وأعطاهم تلك الدور مجاناً ليسكنوا فيها ويزيدوا في عمرانها وبنيانها حتّى أصبحت مدينة صغيرة أو قصبة كانت تدعى الحصن العبوري، ولمّا استولى عليها العرب بعد الإسلام زادوا في توسيعها على ما أقامه كسرى الثاني وسمّوها الموصل».
لقد وردت إشارات كثيرة في المراجع العربية إلى أنّ الفرس هم الذين أسّسوا الموصل (نو أردشير أو بوذ أردشير). ويقول ياقوت([211]). وابن الفقيه([212]) بهذا الصدد: إنّ الموصل أنشئت على عهد راوند بن مابيو راسف الأزدهاق، وإنّها كانت تسمّى آنذاك نو اردشير. وورد كذلك في كتاب خطي سرياني انّه قام في فارس وميدية ملك يدعى أطوران امتدّت مملكته حتّى شملت نهر دجلة فبنى على ضفته الغربية عاصمة سمّاها باسمه. ويرجع القس سليمان صائغ([213]) الذي نقل عن هذه المخطوطة أنّ أطوران قد يكون هو أرطبان الثالث ملك الفرثيين.
غير أنّ هذه الروايات التي تنسب تأسيس الموصل إلى أقوام أجنبية يفندها القس سليمان صائغ فيقول([214]) أمّا مدينة الموصل فلم يؤسسها الرومانيون ولا اليونان ولا الفرس الفرثيون أو الساسانيون بل هي مدينة عربية بحتة شيّدها العرب. لكنّه يستدرك فيقول إن العرب إنّما شيّدوها ليس في فراغ كما فعلوا في البصرة أو الكوفة إنّما على مدينة صغيرة كانت قائمة هي (حسنا ـ عبرايا) أي القلعة على الضفة الأخرى قبالة نينوى.
وكما تختلف الأقوال في تأسيس الموصل، فهي تختلف كذلك في سبب تسميتها. فقيل سمّيت الموصل لأنّها وصلت بين الجزيرة والعراق أو بين العراق والشام، وقيل لأنّها وصلت بين دجلة والفرات، أو لأنّها وصلت بلد وسنجار والحديثة، وقيل: إنّ الملك الذي أحدثها كان يسمّى الموصل([215]). وما دمنا لا نجد في التاريخ ملكاً بهذا الاسم فإنّ هذا القول مردود ولا يقوم على سند تاريخي. ويبدو واضحاً أنّ لفظة الموصل جاءت من فعل «وصل» لتدل على الموضع الذي يصل مكاناً بآخر، فهي إذن لفظة عربية استعملت في أواخر القرن الثامن الميلادي من جانب المؤرخين العرب، أمّا قبل ذلك فكانت تدعى «الحصن العبوري». ويعتقد لسترانج أنّ الموصل إنّما هي نقطة الوصل([216])، في حين يرى هونيجمان([217]) إنّما سمّيت بهذا الاسم لأنّ عدداً من فروع دجلة تتّحد عن موقع الموصل لتكون مجرى واحداً. أمّا المقدسي فيقول([218]) إنّ الموصل كانت تسمّى (خولان) فلمّا وصل العرب بها عمارتهم ومصّروها سمّيت الموصل، ونحن لا ندري أصل لفظة خولان كما أنّ تفسير لفظة الموصل يبدو مغرقاً في الاجتهاد وإن كان طريقاً.
فتح المسلمون الموصل أيام الفتوحات الكبرى في عهد عمر بن الخطاب. ففي سنة 13هـ/ 634م أرسل أبو بكر خالد بن الوليد إلى العراق ثمّ أنجده بعياض بن غنم، وفي سنة 16هـ/637م كتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص أن ينتدب عبدالله بن المعتم إلى تكريت لحرب الإنطاق ـ قائد الروم ـ الذي سار إلى تلك المنطقة في جيش كثيف كان يضم بعض القبائل العربية كأياد وتغلب والنمر «الشهارجة»([219]) (أي النصارى). غير أنّ هذه القبائل انضمّت إلى الجيش الإسلامي حين رجحت كفته ودخلت في الإسلام فهزم الإنطاق وكثر القتلى في جيشه([220]). وأرسل عبدالله ربعي بن الأفكل إلى الحصنين نينوى والموصل، اللذين سمّيا بالحصنين الشرقي والغربي فصالحه أهلهما([221]). وفي سنة 20هـ/640م ولى عمر عتبة بن فرقد السلمي الموصل فاستولى على نينوى عنوة وعبر دجلة فصالحه أهل حصن الموصل ودفعوا الجزية ثمّ استولى على حصون الأكراد ومعاقلهم، كما فتح المرج والقرى المنتثرة فيه([222]) ثمّ عزل الخليفة عمر عتبة عن الموصل وولاها هرثمة بن عرفجة البارقي الذي أكمل الفتح وأنزل بها العرب وأنشأ أوّل مسجد جامع فيها، لذلك نستطيع اعتباره أوّل من اختط الموصل كمصر إسلامي([223]).
وبجانب الموصل استطاع عتبة بن فرقد أن يفتتح أعمالها وقراها وهي بانهذرا (أو بيت نوهدرا وهي قضاء زاخو ودهوك)، والمرج (وهو العقر والزيبار) وباعذرا (أو بيت عذرا) وحبتون([224]) وداسان([225]) وقردى وبازبدى([226]).
أمّا أعمال الموصل فقد استخدمنا تعبيراً مرناً للدلالة عليها، لأنّها ـ من الناحية الجغرافية والإدارية ـ اختلفت باختلاف العصور وباختلاف مفاهيم الجغرافيين القدامى يقول ابن حوقل([227]): للموصل نواح عريضة ورساتيق عظيمة وكور كثيرة غزيرة الأهل والقرى… مثل رستاق المرج وفيه مدينة تعرف بسوق الأحد». ثمّ يحدّد ابن حوقل نواحي الموصل ورساتيقها فيذكر في النواحي نينوى والمرج وحزة وباعربايا التي تصاقب بازبدى وتمتد من باعيناثا إلى نهرسريا. وذكر الحديثة (حديثة الموصل) باعتبارها تابعة مالياً وإدارياً إلى الموصل لأنّ أموالها تجبى بالموصل التي تبعد عنها تسعة فراسخ([228]). ويذكر بلد التي تبعد عن الموصل سبعة فراسخ فحسب.
ويقول قدامة([229]) تحت عنوان الموصل وأعمالها إنّها تشمل شهرزور والصامغان ودراباذ «التي كانت من أعمال الموصل ثمّ أفردت عنها». ويذكر من أعمال الموصل في الجانب الغربي من دجلة كورة الجزيرة وكورة نينوى وكورة المرج وإقليم بعذرى (وترد باعذرا)([230]) وفي الجانب الشرقي يذكر الحديثة وحزة وبهدرا والمغلة وحبتون والحناية والسا والديبور وداسن([231]). ومن جهة أخرى يجعل قدامة قردى وبازبدى (أوبزبدى) ـ حيث جبل الجودي ـ وجزيرة ابن عمر وباسورين خارجة عن أعمال الموصل وليست ضمنها من الناحية الإدارية. ويعدّد ياقوت أعمال الموصل فيذكر: باعذرا وباعربايا وباعشيقا وبافخاري (من أعمال نينوى وبافكى (من أرض نينوى) وبامردني وبادشنابا وتل خوسا([232]). أمّا ابن الفقيه فيذكر من أعمال الموصل المرج وأرض بانهدرا ودسن (جبل داسن) وهو من معاقل الأكراد، والحديثة والطيرهان وتكريت وباجرمق ومرج جهينة ونينوى وباجلى وباعذرا وبانقلي وحزة وبانعاس والمغلة ورامين والحناية وباجرمى وبابغيش والداسن وكفر عزى. وفي العصور العباسية اعتبرت إربل (أربيل) من المناطق الملحقة بالموصل.
لقد اشتهرت من أعمال الموصل برطلى وكرمليس الواقعتان على بُعد بضعة أميال شرقيها، كما اشتهرت باعشيقا التي تقع إلى شمالها بمسافة قليلة والتي تعتبر هي وبرطلى من أعمال نينوى، وكانت كرمليس التي تقع قليلاً إلى الجنوب قرية كبيرة كالمدينة ذات سوق عامر. وعلى ضفة دجلة الغربية على مقربة من هذه المواضع مرجهينة أو مرج جهينة على طريق الموصل الذاهب إلى بغداد([233]). وجدير بالذكر أنّ نينوى اشتهرت في التاريخ الإسلامي بتل توبة الذي يقوم عليه قبر النبي يونس والذي ما يزال حتّى الآن مزاراً مقدساً لدى المسلمين. وقد أشار ناصر الدولة الحمداني (وقيل ابنته جميلة) دور استراحة للزائرين والمجاورين تحت الجامع الذي يسمّى باسم النبي يونس، وإلى جواره شجرة اليقطين التي تنسب إليه([234]).
ترعرعت الموصل على عهد الأمويين فأقام بها حكامهم وبنوا قصوراً كثيرة درست آثارها كما فعل هشام بن عبد الملك الذي بنى بها قصراً في موضع قطائع بني وائل([235])، والحر بن يوسف الذي تولاها من قبل هشام سنة 105هـ وبنى بها قصر المنقوشة بين سوق القنابين وسوق الحشيش، وسمّيت بالمنقوشة لأنّها نقشت بالساج والقشاقش واتخذت دار إمارة([236]). ومن آثار الحُر نهر المكشوف الذي شقّ وسط المدينة سنة 107 ولم يفرغ الأمويون من حفر هذا النهر إلاّ في سنة 121 وكلف خزينتهم «ثمانية ألف ألف ألف درهم وجعل عليه ثمانية عشر حجراً تطحن»([237]).
وفي عهد مروان بن محمد ألحقت الموصل بالأمصار وأفرد لها ديواناً وبنى له فيها قصراً وأقام سورها وأشاد جسرها على دجلة([238]). وضمّت الموصل في القرن الثاني كثيراً من الأسواق أشهرها سوق الأربعاء وسوق الحشيش وسوق القنابين وسوق الدواب وسوق الداخل وسوق البزازين وسوق السراجين([239]). وهو التقسيم التقليدي للأسواق الإسلامية حسب الأصناف والمهن.
وفي العهد العباسي ازدهرت الموصل بعد أن هدأت الفتن واستأصل العباسيون نفوذ الأمويين وأنصارهم هناك. ففي عهد المنصور قام واليها إسماعيل ابن علي بإصلاحات عمرانية هامة فقد كانت أسواق الموصل ملاصقة للمسجد الجامع فنقلها إلى المقبرة وأبعد هذه إلى الصحراء وبنى المسجد المعروف بأبي حاضر. ووسع المهدي الجامع، فقد كانت هناك حوانيت وسوق للبزازين وأخرى للسراجين ومطابخ للعامّة فأمر الخليفة بهدم كلّ ذلك وأدخله في الجامع. ويقول الأزدي إنّه قرأ حجراً عثر عليه في باب الجامع يفيد أنّ هذه الإصلاحات تمّت على يد عامل الموصل موسى بن مصعب سنة 167هـ([240]).
حين دخلت الموصل تحت حكم الحمدانيين كانت مدينة عامرة زاهرة حوت كوراً وأعمالاً كثيرة منها تكريت وسنجار والطبرهان والسن والحديثة ومرج جهينة والمحلبية ونينوى وبارطلى وباهذرا وباعذرا وداقوقا([241]) والكوخ وخانجار وشهرزور حتّى امتدّت إلى حدود آذربيجان. وهذه الكور الأربع الأخيرة تحمل أسماء آرامية ويبدو أنّها كانت من مواطن النصارى الآراميين هناك. وقد نالت الموصل أهميتها من موقعها الحربي والتجاري الممتاز فهي المنفذ الرئيسي إلى العراق وخراسان وأذربيجان([242]). وقد ازدهرت أيّما ازدهار أيام الحمدانيين وكثر بها الزرع من نخيل وشجر([243]) كما امتازت بأسواقها وفنادقها التي اتخذها التجار مثابة لهم([244]). وأشاد ابن جبير([245]) بأبراجها وبيوتها وقلعتها وسورها وكثرة مساجدها وحماماتها وخاناتها وأسواقها ومدارسها ومشاهدها المقدسة. ولمّا زارها ابن بطوطة([246]) في القرن الثامن وجدها مدينة حصينة عامرة كما كانت أيام ابن جبير.
السكان
كان سكان الجزيرة أيام الحمدانيين ـ شأن سكان سواد العراق ـ خليطاً من العرب القاطنين فيها قبل الفتح والفاتحين، ومن جماعات بشرية أخرى غير عربية وغير مسلمة من أهل البلاد الأصليين. وإذا شئنا أن نحدّد عناصر سكان الجزيرة فيمكن القول إنّهم تكوّنوا من العرب والأكراد والآراميين بالإضافة إلى الأرمن الذين سكنوا في أرمينية في المنطقة الواقعة إلى شمال دجلة والفرات.
1 ـ العرب:
كان العرب أغلب سكان الجزيرة وكانوا القوة الرئيسة المحرّكة للأحداث السياسية. ولعل خير دليل على نفوذ العرب هناك أنّهم استطاعوا إقامة دويلات مستقلة عملياً وإن كانت تعترف ـ من الناحية النظرية ـ بسلطة الخليفة العباسي، أهمها الدولة الحمدانية التي أقامتها قبيلة تغلب الربعية، والدولة العقيلية([247]) التي أقامها بنو عقيل المضربون (386ـ489هـ) بعد زوال النفوذ الحمداني من الجزيرة. ومن الواضح أنّ قيام هاتين الدولتين على أيدي العرب العدنانيين إنّما يقف دليلاً ليس على نفوذ العرب وقوّتهم فحسب، بل وعلى ضخامة أعدادهم التي أتاحت لهم تكوين جيوش قوية (من العرب وغير العرب) سيطرت على تلك الأصقاع الوعرة وحمت الحدود ودفعت خطر الروم وجابهت الحركات المحلية العديدة، وبخاصّة حركات الأكراد ذوي القوّة والبأس والقدرة على خوض الحروب الجبلية، وكذلك حركات القبائل العربية المعادية لهم.
كان عرب الجزيرة مزيجاً من قبائل مضر وربيعة العدنانيين ومجموعات قبلية أخرى ـ عدنانية وقحطانية ـ استقرّت هناك نتيجة هجرات متتابعة في فترات زمنية مختلفة قبل الإسلام بعدّة قرون([248]). لقد أطلقت المراجع الفارسية على منطقة نصيبين وما حولها اسم (عربستان) أي بلاد العرب، على حين أطلق سترابو اسم بلاد العرب على منطقة الجزيرة الواقعة جنوبي المنطقة الكردية والتي تمتد حتّى الصحراء. ويبدو أنّ سمعة هؤلاء العرب التجارية كانت عالية بدليل أنّهم احتكروا تسيير القوافل من سورية إلى العراق تحت حماية أمراء منهم من ذوي السطوة والبأس فرضوا نفوذهم وهيبتهم على طول الطريق المحاذي لدجلة([249]).
ويبدو من تتبع تاريخ إمارة الحضر Hatra (حطرا أو حطارا) التي ما زالت آثارها شاخصة في منخفض من بادية جزيرة العراق على مقربة من الضفة الغربية لوادي الثرثار بين تكريت والموصل، أنّ العرب عاشوا هناك منذ سقوط دولة الآشوريين في سنة 612 قبل الميلاد وأنّهم أقاموا سلالة حاكمة. إنّ وجود آلهة عربية عبدت في الحضر أيام الآشوريين إلى جانب الآلهة الآشورية أتى بها العرب من جزيرتهم كاللات وشمش يقف دليلاً على وجود العرب في المنطقة قبل الميلاد بقرون. لقد حكمت في الحضر سلالة عربية مدّة ثلاثة قرون وكان أوّل حكامها أميراً عربياً اسمه سطروق ورد ذكره في كتابة اكتشفت هناك نصت على أنّ أباه يدعى نصر وأنّ لقبه (ملك العرب) ([250])، ويبدو أنّ حكام هذه الإمارة كانوا من قبيلة قضاعة([251])، ثمّ أعقبتها في أيام الغرثيين إمارة آرامية حكمت تحت حماية الرومان خلال القرنين الثاني والثالث للميلاد تلقب أمراؤها بلقب (فيلارك) الروماني وتدل أسماؤهم على أنّهم من العرب([252]). وإذا رجعنا إلى المراجع العربية نجد ذكر الحضر وحكامها العرب يرد في أكثر من مرجع ثقة، على الرغم من أنّ أخبارها تختلط بالأسطورة. يقول يقوت([253]): «إنّ بني قضاعة لما افترقوا سارت قبيلة منهم ـ ولعل المقصود هنا بنو ضجعم ـ إلى أرض الجزيرة وعليهم ملك يُقال له الضيزن بن جلهمة أحد الأحلاف فنزلوا مدينة الحضر». ويقول الطبري([254]): إنّ الضيزن كان يلقب بالساطرون وهو من الجرامقة، وأنّ العرب تسمّيه الضيزنه من أهل باجرمى. ثمّ يروي الطبري عن هشام بن الكلبي أنّ الضيزن من العرب من قضاعة([255]) وأنّه ملك أرض الجزيرة وامتدّ نفوذه إلى الشام. وظلّ الضيزن على عرشه حتّى نشب عداء بينه وبين سابور بن أردشير ملك الساسانيين أسفر عن مقتل الضيزن وسقوط إمارة الحضر العربية بيد الساسانيين وتشتت قضاعة. وبني حلوان ممّن كانوا في الحضر([256]). والمهم في النص الذي أورده الكبري وجود رأيين متعارضين يجعل أحدهما الضيزن من الجرامقة أي الآراميين وأنّه من باجرمى أي بيت كرماي([257])، ويجعل ثانيهما الضيزن من عرب قضاعة. وإذا شئنا أن نناقش هذين الرأيين على ضوء المعلومات التاريخية المتوفرة بين أيدينا نجد أنّ الطبري خلط بين أصل الضيزن وهو من قضاعة العرب وبين لقبه الذي أضفاه عليه الآراميون فسمّوه، بالساطرون، ومن هنا يكون ابن خلدون أكثر دقة حين قال([258]) إنّ الضيزن كان معروفاً عند الجرامقة بالساطرون. ولا يهمنا إثبات نسب الضيزن بقدر ما يهمّنا تأكيد حقيقة أساسية هي وجود قبائل قضاعة وبني حلوان مع الضيزن في الحضر يوم حاصرها سابور الأوّل (241ـ272م). ومن جهة أخرى فلعل المؤرخين ـ وفيهم الطبري ـ قد خلطوا بين بني الأجرام العرب القضاعيين الذين هاجروا إلى الحضر إبان النصف الأوّل من القرن الثالث وبين الجرامقة وهم من الآراميين. وقد ذكر المؤرخون العرب «بني عبيد بن الأجرام» وقبائل قضاعة مع الضيزن أثناء صراعه مع الفرس([259]).
غير أنّ أضخم هجرة عربية إلى الجزيرة العراقية هي تلك التي حدثت في القرن السابع الميلادي، على أثر الحروب والوقائع الطاحنة المريرة بين المجموعات القبلية العدنانية في شمالي جزيرة العرب ذاتها وهي الوقائع التي تدعى بأيام العرب. وتفصيل الأمر أنّ ربيعة العدنانية ـ وأكبر قبائلها بكر وتغلب ـ بعد أن خرجت على سلطة اليمن في أواخر القرن الخامس الميلادي وخلعت طاعتها، وبدا أنّها أصبحت زعيمة قائدة لقبائل معد من قضاعة ومضر وأياد ونزار بدأت بينها وبين حلفائها من القبائل الأخرى، وبين بطونها هي نفسها وقائع وحروب أدّت إلى كثير من المآسي([260]). أمّا الذي يهمّنا هنا فهو ما أعقب ذلك من هجرات قبلية ضخمة إلى الجزيرة هي التي أعطتها تكوينها البشري النهائي وأسماء مناطقها الجغرافية([261]). فالحروب التي جرت بين بكر وتغلب (من قبائل ربيعة). وأهمها حرب البسوس([262]) ـ والوقائع التي جرت بين شيبان وتغلب (من ربيعة)، والتي جرت بين قبائل ربيعة ومضر، وبين قبائل مضر ذاتها ـ وبخاصّة حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان ـ كلّ ذلك أدّى إلى هجرات متتالية إلى الأراضي المجاورة ومنها الجزيرة ـ أي بلاد ما بين النهرين ـ بسبب البحث عن أرض جديدة وعيش أكثر رخاء، ومن ثمّ فإنّ السبب الأساسي في قدوم هذه الموجات البشرية العربية إلى الأراضي الخصبة المجاورة، إنّما كان زيادة السكان في شبه الجزيرة العربية ـ مع شحة مواردها ورزقها ـ وهذه هي الدوافع التي دفعت بالكتل البشرية الزائدة إلى الهجرة بحثاً عن أرض جديدة تضمن لهم البقاء.
وإذا أردنا أن نتتبع هجرة هذه القبائل العدنانية فإنّنا نجد أنّها تحرّكت أوّل الأمر من مواضعها في شبه الجزيرة العربية على النحو التالي: نجد أنّ ثلاثة بطون من ربيعة تترك مواضعها في تهامة والحجاز ونجد وهي تغلب بن وائل ونمير بن قاسط وشيبان بن بكر بن وائل أخ تغلب (أي أنّهم من البكريين). واستقرّ هؤلاء جيمعاً على حدود مملكة اللخميين في الحيرة، حيث جرت وقائع الفتح الإسلامي أوّل ما جرت، على حين استوطنت جماعات منهم بين الكوفة والبصرة. ونجد أنّ تهامة تضيق عن أنمار([263]). بعد حرب بينها وبين مضر تنزح عن مواطنها، ثمّ نزحت إياد([264]). بعد حرب مع ربيعة ومضر فنزل بعضهم تكريت وبعضهم الجزيرة وأرض الموصل([265])، حيث سبقهم أقرباءهم من بكر بن وائل وغيرهم. ولم يبق من بني معد في تهامة من القبائل الكبرى إلاّ ربيعة ومضر فنزحت ربيعة بسبب وقائع بين قبائلها([266]). فتفرّقت في ظواهر نجد والحجاز والبحرين وهجر وبلاد اليمن. وبعد حرب حاسمة بين بكر وتغلب هزمت هذه الأخيرة التي طالما كانت متزعمة على قبائل ربيعة وبيدها لواؤها، فتفرّقت في الأصقاع فانحازت النمر وغفيلة إلى أطراف الجزيرة وعانات وما دونها إلى بلاد بكر بن وائل وما خلفها من بلاد قضاعة([267]). على حين انتشرت بكر بن وائل في مناطق كثيرة واستقرّت بعض بطونها في الجزيرة. وبعد خروج ربيعة ظلّت مضر وحدها في منازلها بتهامة حتّى كثرت أعدادها وضاقت بهم مساكنهم فخرجوا يبحثون عن أرض جديدة والقتال في أثناء ذلك يزداد حدّة بين قبائلها وبطونها. والذي يهمّنا أنّ بعض قبائل مضراستقرّت في الجزيرة العراقية ومنها نمير وعقيل وقشير وتميم وعمرو بن مالك وسليم وغيرهم([268]).
ولدى تتبع أخبار الفتوح الإسلامية في العراق نسمع عن بني شيبان بن بكر بن وائل الذين قادهم المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس بعد أن دخلوا الإسلام([269])، على حين كانت جماعة أخرى من بكر بن وائل في البصرة أيام الفتح في عهد أبي بكر([270]). ويذكر البلاذري([271])، كذلك الأزد (اليمانية)، وبني شيبان وطيئ (اليمانية) والعدسيين (من كلب) في الحيرة. ونجد في الفترة نفسها قوماً من كلب وبكر بن وائل وطوائف من قضاعة فوق الأنبار([272]). وخلال وقائع الفتح الأولى نجد بني تغلب تعيش قرب عين التمر على ماء سمّي باسمها، حيث أرسل القائد خالد بن الوليد سرية طرقتهم ليلاً([273]). والطريف في الأمر هنا أنّ أسيراً من بني تغلب دلّ المسلمين على حي لربيعة دهمه المسلمون([274]). ونستدل من بيت من الشعر أورده البلاذري([275])، أنّه كانت لبكر وقضاعة أحياء بالسوق الذي فوق الأنبار» غير بعيد عن مساكن بني تغلب.
صبحنا بالكتائب حي بكر
وحياً من قضاعة غير ميل
كما أنّنا نجد مجموعات مضرية وبصورة خاصّة من القيسيين عند الفرات على حدود بادية الشام.
لقد تمّ فتح الجزيرة العراقية في عهد الخليفة عمر ابن الخطاب على يد القائد عياض بن غنم الذي فتح الرقة وحران والرها ونصيبين وأرزن وسنجار وميافارقين وقرقيسيا وقرى الفرات ومدائنها وطور عابدين وكفرتوثا وماردين ودارا وقردى وبازبدى في سنة 19 هجرية. «وقد افتتح عياض الجزيرة ومدائنها صلحاً وأرضها عنوة»([276]). والذي يهمنا هو الحالة البشرية عند فتح الجزيرة على أيدي المسلمين. أنّنا نجد عن طريق البلاذري([277]) أنّ أهل الرها كانوا من النصارى على وجه العموم، وكان حول الرقة العرب وفي داخلها جالية كبيرة من النصارى. أمّا حران فكانت مدينة الصابئين منذ القدم وقد صولحوا عند الفتح بما صولح عليه نصارى الرها. أمّا سنجار فيقول البلاذري([278]) إنّها كانت في أيدي الروم ثمّ إنّ كسرى أبرويز نقل إليها مجموعة من الفرس ساهمت في فتحها على عهده وأقامت هناك وتناسلت، وحين فتحها عياض أسكن بها جماعة من العرب.
وشهدت الجزيرة هجرة عربية أخرى واسعة بعد توطد الدولة العربية الإسلامية حيث انتقل إلى الموصل أقوام من الأزد وطيئ وكنده وعبد القيس([279])، ثمّ مجموعات ضخمة من القبائل العربية هنا وهناك في أنحاء الجزيرة والشام. وفي أيام ولاية مروان بن محمد الموصل (102هـ ـ 720م) زادت هجرة القبائل العربية إلى هذه المدينة وما حولها فاستقرّ بها الأزد وشيبان وسلو وخزرج والأميون وغيرهم([280]).
نستطيع القول إنّ الجزيرة تمتعت أيام الحمدانيين بغالبية من السكان العرب تأتي في مقدمته تغلب. وقد هاجرت تغلب من بلاد العرب واستقرّت بعد تجوال طويل في أرض الجزيرة، على حين استقرّ فرع آخر منها في الشام([281]). ويقال إنّ عمرو بن هند هو الذي قدم ببني تغلب من جزيرة العرب وأمر أن يضرب رواقه فيما بين الحيرة والفرات([282]). وظلّت تغلب تقوم بدور كبير في تاريخ الجزيرة، حتّى أتيح لبني حمدان ـ وهم بيت من بيوتها ـ أن ينشئوا دولتهم هناك خلال القرن الرابع الهجري. والحق أنّ تغلب كانت تسكن في ديار ربيعة وتنتشر بعض بطونها في منطقة الخابور، على حين كانت نصيبين دار آل حمدان كما يقول الهمداني([283]).
ومن القبائل ذات الشأن في تاريخ الجزيرة بنو شيبان، الذين ساهموا في الأحداث السياسية بصورة فعّالة في أواخر القرن الثالث وحالفوا العباسيين ضد الخوارج تارة، وظهر فيهم خوارج ذوو بأس تارة أخرى. ويقول ابن حوقل([284]): إنّ بني شيبان اتخذوا من المنطقة التي تقع بين الزابين مصايف لهم في الشتاء، خاصّة وأنّ هذه المنطقة اشتهرت بمراعيها الصالحة الكثيرة وضياعها العامرة واستوطن بنو شيبان كذلك في البوازيج التي تبعد أربعة فراسخ عن مدينة السن (على الزاب الأسفل). أمّا الهمداني([285]) فقد وسع دائرة سكنى بني شيبان فجعلها تمتدّ من أوّل ديار بكر ـ أي من جبل طور عابدين ـ حتّى حدود ولاية خراسان «لا يشاركهم في سكناها إلاّ الأكراد».
لقد وزّع الهمداني([286]) القبائل العربية في إقليم الجزيرة إبان القرن الرابع على هذا النحو: الرافقة على الفرات يسكنها أخلاط من مضر وحران للصابئة وحولها يقيم بنو تميم ومن يخالطها من بني سليم، وهؤلاء (أي بنو سليم) أقاموا كذلك في الرها التي اشتهرت ـ كما أسلفنا ـ بأنّها موطن نصراني عريق. أمّا منطقة الخابور فكانت لبني عقيل أعلاه لبني مالك وبني حبيب وبطون تغلب الباقين» أي أنّ قبيلة تغلب شغلت الجزأين الأوسط والأدنى على حين شغلت الجزء الأعلى منه بنو عقيل وأمّا مدينة رأس العين ـ وهي آخر ديار مضر ـ فكانت مساكن للنمر بن قاسط. وأقامت جشم في كفرتوثا في ديار ربيعة، على حين كانت نصيبين «دار آل حمدان بن حمدون موالي تغلب»([287]). وكان جبل سنجار لشراة بني تغلب وهم بنو زهير وبنو عمرو، وبرقعيد ديار بني عبد من تغلب. وفي المنطقة الممتدة من برقعيد حتّى بلد عاش الشراة وغيرهم حتّى الموصل. أمّا عن الموصل فيقول الهمداني([288]) إنّ أكثر أهلها مذجح «وهي من ربيعة» وهذا خطأ فالواقع أنّ مدجح (أو مذجح) من القبائل القحطانية اليمانية ويستطرد الهمداني قائلاً([289]): إن جبل الجودي إلى يسار الموصل كانت فيه مساكن لربيعة، وخلفه يعيش الأكراد وخلف الأكراد يقيم الارمن. وإلى يمين الموصل باتجاه بغداد تقع الحديثة (أي حديثة الموصل) وجبل بارما (حمرين) ثمّ السن والبوازيج وهي بلاد الشراة من ربيعة. وكان بنو شيبان ـ كما أسلفنا ـ في جبل طور عابدين يحيون جنباً إلى جنب مع الأكراد.
وإذا رجعنا إلى ابن حوقل([290]) الذي كتب مؤلفه في القرن الرابع الهجري أي في عصر بني حمدان نجده يحدّد مواضع القبائل في الجزيرة على هذا النحو: كانت الموصل تحتوي على أحياء كثيرة لقبائل ربيعة ومضر واليمن، وبيت لذوي اليسار من بني فهد وبني عمران من وجوه الأزد وأشراف اليمن وبني شخاج وبني أود وبني زبيد وبني الجارود وبني أبيخداش والصداميين والعمريين وبني هشام وغيرهم. وكانت كفر عزى ـ وهي في أرض حزة من رساتيق الموصل ـ مثابة للأعراب الرحل يمتارون منها وينزل في نواحيها الأكراد([291]).
أمّا براري الجزيرة فكانت مراعٍ لقبائل ربيعة ومضرية «أهل خيل وغنم وإبل»([292]). يبدو أنّهم كانوا مزيجاً من البدو والحضر وكانت لهم صلات وطيدة مع بطون من قيس عيلان مثل بني قشير ونمير وكلاب([293]). الذين لم يلبثوا أن أزاحوهم عن أكثر ديارهم فملكوا حران وجسر منبج والخابور والخانوقة وعرابان وقرقيسيا والرحبة([294]). وقد اسلفنا القول إنّ منطقة ما بين الزابين اتخذ منها بنو شيبان مصائف لهم على حين اتخذها الأكراد الهذبانية مشاتي لهم([295]). وفي المنطقة التي تقع قرب سنجار بين شماليها وغربيها نجد وادي الحيال من أودية ديار ربيعة الشهيرة بخصبها، وقد عاش فيه بنو قشير ونمير وعقيل وكلاب. أمّا برقعيد فقد سكنها بنو حبيب وهم قوم من تغلب يمتون بصلة القرابة إلى بني حمدان([296]).
لقد كوّن العرب كما أسلفنا غالبية سكان الموصل، فقد كان الفاتحون من تغلب وأياد والنمر، ثمّ نزحت إليها بعد الفتح الخزرج والأزد وتميم وتغلب وشيبان وسليمى. وازدادت هجرة القبائل إلى تلك المدينة وتعاظمت منذ خلافة عثمان فجاءت الأزد وطيئ وعبد القيس وكندة وغيرها على نحو أصبحت معه الموصل ذات أغلبية عربية «أهلها عرب ولهم بها خطط وأكر هم ناقلة البصرة والكوفة»([297]). وفي أواخر العصر الأموي زادت هجرة القبائل إلى هذه المدينة واستقرّ بها الأزد وسلول والخزرج والأمويون وغيرهم. وهكذا نجد أنّ سكان الموصل العرب كانوا مزيجاً من القبائل العدنانية والقحطانية. وجدير بالذكر أنّ هذه القبائل ـ بالإضافة إلى تلك التي استقرّت في الموصل قبل الفتح ـ إنّما جاءت على شكل هجرات متتالية، فوصلت المجموعة الأولى في سنة 16هـ (637م) مكوّنة جيش الفتح، ثمّ وصل الخزرج في سنة 20هـ وتلاهم الأزد الذين سكنوا قرب الجامع الأموي([298])، وتميم التي تركت لهجتها في لغة أهل الموصل([299]). ثمّ بطون أخرى جديدة من تغلب التي سكنت قرب باب العراق في محلة التغالبة([300]). وشيبان الذين استقروا في الربض الأعلى. والحق أنّ هذه الهجرات كانت قد جاءت إلى الموصل من مناطق الجزيرة الأخرى أو من المناطق الأخرى غير البعيدة([301]).
وقد زودنا أبو زكريا الأزدي([302])، بمعلومات قيّمة للغاية عن خطط الموصل في القرن الثاني الهجري وعدد قبائلها وبيوتها بعد أن استقرّ تكوينها البشري أيام العباسيين: فنجد سليمى ـ أو سليمة ـ ومنازلهم بابا سنجار حيث مسجدهم وخططهم([303]). وسليمة هو ابن مالك بن فهم وله ـ أي سليمة ـ من الولد ـ كما قيل ـ خمسة عشر ولداً منهم كلاب وغنم ومحاسن([304]). ومحاسن بن مالك بن فهم كان من ولده بنو جابر ومنهم بنو عمران الموصليون. ويبدو أن جابر بن جبلة هو أوّل من أقام في الموصل من سليمة وكان له في السكة الكبيرة ـ على حد قول الأزدي ـ([305]) مسجد وزقاق باسمه.
وإذا رجعنا إلى الأزدي نجد أنّ عديداً من القبائل والبطون العربية استقرّت في الموصل، في الوقت الذي وضع فيه مؤلفه إبان القرن الرابع الهجري. فهناك بنو وائل (بن الشخاج الأزدي) الذين كانت لهم قطائع في الربض الأسفل من المدينة. ووائل بن الشخاج الأزدي هذا من أنصار العباسيين الأوّل فأقطعوه القطيعة التي سمّيت باسمه في الموصل([306]). ومن هؤلاء السلميين نسمع عن جماع بن أحمد السليمي صاحب سكة جماع بالموصل والذي كان له موالٍ هم بنو أبي السرداج. وبالموصل من سليمة كذلك بنو الحشاش من ولد عبد بن سليمة الذين أقاموا في السكة الكبيرة كذلك. وعاش في الموصل من أخوة سليمة معن بن مالك الذين شاركوا بني سليمة مساكنهم في باب سنجار([307]) ويبدو أنّ نفوذ آل معن بن مالك امتدّ من الموصل حتّى بلغ وادي الثرثار ـ بين سنجار وتكريت ـ فكانت لهم هناك خطط وضياع منها تل خوسا التي تقع قرب الزاب بين إربل (أربيل) والموصل([308]).
ومن سليمة في الموصل آل الرواد الذين دفعت بهم مطامحهم إلى آذربيجان حتّى استولوا على كورة من كورها. ومن إخوتهم كذلك فراهيد بن مالك الذين قدموا الموصل وعاش بها منهم رهط، وعمرو بن مالك الذي يقول عنهم الأزدي([309]) إنّهم عاشوا في الموصل ثمّ انقرضوا. ونحن لا نملك في تفسير سبب هذا الانقراض إلاّ القول بأنّهم أبيدوا في المعارك والحروب التي ملأت تاريخ تلك الحقبة، أو أنهم كانوا جماعة صغيرة رحلت عن الموصل لسبب من الأسباب أو اندمجت في عصبية أقوى منها وأقدر على الدفاع عن نفسها وتأمين أسباب بقائها، ونجد من ولد مالك بن فهم وولد عدي بن عمرو بن مالك بني ثوبان، الذين قدموا من البصرة فنزلوا حول الموصل في ثرثار وسفطا وبحواثا والعروبة من إقليم الديبور([310]). ومن بني مالك ابن فهم في الموصل العقا بن الحارث بن مالك بن فهم الذين سكنوا في قرى الزاب، وإخوتهم الأشاقر، والحمام من ولد مالك بن فهم الذين قدموا إليها من عمان، في حين أقامت جماعة منهم في البصرة، وكانت لهم في الموصل ضيعة تعرف بالحميمة([311]).
وهكذا يمكن إيجاز التكوين البشري للموصل العربية على هذا النحو: كانت أولى القبائل التي وصلت إلى الموصل عند الفتح الإسلامي واستقرّت فيها تغلب وأياد والنمر (من القبائل العدنانية) ثمّ وصلتها الأزد وطيئ وكندة (من القبائل القحطانية أو اليمانية) وعبد القيس (من القبائل العدنانية). وفي العهد الأموي زادت هجرة القبائل فجاء المزيد من الأزد وبني شيبان وسلول والخزرج (من الأزد) ([312])، فضلاً عن بني تميم ذوي التأثير الواضح في تاريخ الجزيرة.
غير أنّ تغلب ذات الصولة والجولة في أحداث الجاهلية في شبه جزيرة العرب ظلّت تلعب دورها في تاريخ الجزيرة والموصل وتؤثّر تأثيرها العميق في أحداث العصر حتّى أتيح لها أن تقيم دولة الحمدانيين. لم تقتصر سكنى تغلب على الموصل بل إنّ بطونها وفروعها انتشرت في أصقاع الجزيرة، فنجدها في نصيبين وبرقعيد وفي المناطق المحيطة بالموصل وفي كثير من مدن الجزيرة.
ومن الجدير بالذكر أنّ هذه القبائل التي نقلت مساكنها من موطنها الأصلي في شبه الجزيرة العربية إلى أرض الجزيرة العراقية، نقلت معها كلّ تراثها من تقاليد وعادات وثقافة وظلّت هذه التقاليد الموروثة تلعب دورها في المجتمع الجديد، بحيث نجد العصبية القبلية تظلّ تصاحب القبائل وتؤجّج نيران الثأر فيها كلّما دعاها داع إلى الاحتكاك. ففي عام 198هـ كانت وقعة معروفة بين اليمانية والنزارية (أي بين عرب الشمال وعرب الجنوب)، فضلاً عن أنّ بعض الولاة كانوا يتعصبون لهؤلاء دون أولئك والعكس يصح([313]).
2 ـ الأكراد:
كانت الجزيرة موطن الأكراد منذ القدم، وقد كوّنوا عنصراً بشرياً هاماً من عناصر سكانها. اشتهروا بقوّة أبدانهم وشدّة بأسهم وقدرتهم الحربية التي اكتسبوها من طبيعة بلادهم الجبلية الوعرة. وتقع بلاد الأكراد أو «كور دوئين» بين منابع الزاب الكبير ودجلة. وفي العهود الإسلامية كانت هذه البلاد تعني أقاليم متفرقة تنتشر في الجزيرة وحلوان والجبال وأرمينية وبلاد الروم([314]). وقد استقرّ في هذه الأقاليم منذ عصور سحيقة أقوام جاءت من جبال زاجروس اعتبرهم مينورسكي([315]) من الإيرانيين القدماء. ثمّ نزحت إليها أقوام هندو أوروبية تغلبت عليها فأصبح سكانها جميعهم من الآريين([316]). وكان الأكراد قبل ظهور الإسلام يدينون بالعقيدة الزرادشتية التي ظهرت في فارس وميديا، فلمّا ظهر الإسلام وانتشر في تلك الأصقاع بتأثير الفتح اعتنقه الأكراد وأخلصوا له واندمجوا في المجتمع الإسلامي الكبير الذي ضمّ عديداً من الأجناس والأقوام. وقد قام الأكراد بدور فعّال في جميع الثورات والأحداث الكبرى التي شهدتها تلك المنطقة وبخاصّة في القرون الخمسة الأولى بعد الهجرة([317]).
تذكر المراجع العربية أسماء القبائل الكردية ذات الأهمية في أحداث العصر الحمداني ومنهم الأكراد الهذبانية والحميدية واللارية الذين كانوا يعيشون في منطقة الموصل وما حولها حيث كانت لهم في المدينة أحياء وفي خارجها مناجع للرعي([318]). ويذكر ابن حوقل([319]) أيضاً أنّ الأكراد كانوا ينزلون في نواحي كفر عزى ـ في أرض حزة من أعمال الموصل. وكانت المناطق الواقعة بين الزابين تتميز بمراعيها الكثيرة وضياعها العامرة وقد اتخذها الأكراد الهذبانية مشاتي لهم في فصل الشتاء([320]). ويذكر الهمداني([321]) أنّ الأكراد سكنوا خلف جبل الجودي الذي يقع إلى يسار الموصل، وامتدّت بلادهم إلى حدود أرمينية.
د. فيصل السامر
الجزيرة
مرّ الحديث عنها مفصلاً في مكانه، ونذكرها هنا كما عرفها الأقدمون:
«وأمّا الجزيرة التي بين دجلة والفرات، وتشتمل على ديار ربيعة ومُضَر، فمخرج الفرات من داخل بلد الروم على ما سلكته من مَلَطْيَة على يومين، ويجري بينها وبين المدينة المعروفة بِسُمَيْساط، وكانت للمسلمين، ويمرّ عليها وعلى جسر منبج وبالِسَ إلى الرّقّة وقَرْقيسيا والرَّحْبة وهيت والأَنْبار، وينقطع حدّ الفرات ممّا يلي الجزيرة، ثمّ يعود حدّ الجزيرة في سمت الشمال إلى تكْريت، وهي مدينة على دجلة، حتّى ينتهي عليها مصعداً إلى السِنّ ممّا يلي الجزيرة، وإلى الحَديثَة والمَوْصِل. ويصعد دجلة إلى جزيرة ابن عمر، ثمّ يتجاوز إلى آمد، فينقطع حينئذٍ حدّ الجزيرة، وتصعد دجلة على أقلّ من يومين في حدّ أرمينية، ثمّ يعود الحدّ مغرّباً إلى سُمَيْساط، ثمّ ينتهي إلى مخرج ماء الفرات في حدّ الإسلام من حيث ابتداؤه، ومخرج دجلة، وإن كان في بلد الروم، فطالما كان في يد الإسلام، وعلى يسار دجلة وغربيّ الفرات مدن وقرى تُنسب إلى الجزيرة، وهي خارجة منها وبائنة عنها.
وأمّا حدودها ومسافاتها، فمن مخرج الفرات في حدّ مَلَطْية إلى سُمَيْساط يومان، ومن سُميساط إلى جسر منبج أربعة أيّام، ومن الجسر إلى بالِس أربعة أيّام، ومن بالِس إلى الرَّقّة يومان، ومن الرَّقّة إلى الأَنْبار عشرون يوماً، ومن الأنبار إلى تَكْريت يومان في نفس البرّيّة، ومن تكريت إلى الموصل ستة أيّام، ومن الموصل إلى آمد أربعة عشر يوماً، ومن آمد إلى سُمَيْساط ثلاثة أيّام، ومن سُمَيْساط إلى مَلَطْية ثلاثة أيّام، ومن الموصل إلى (بَلَد) مرحلة، ومن بَلَد إلى نِصيبين خمس مراحل، ومن نِصيبين إلى رأس عين ثلاثة مراحل، ومن رأس عين إلى الرَّقَّة أربعة أيّام، ومن رأس عين إلى حَرّان ثلاثة أيّام، ومن حرّان إلى جسر منبج يومان، ومن حرّان إلى الرُّها يوم، ومن الرُّها إلى سُمَيْساط يوم، ومن حرّان إلى الرَّقَة ثلاثة أيّام.
ومدينة (آمد) على جبل من غربي دجلة مطلّ عليها نحو مائة قامة، وعليها سور أسود من حجارة الأرحية، ويُسمّى ذلك السور ميموناً من شدّة سواده، وذلك أنّه من حجارة أرحية الجزيرة، وليس لهذه الحجارة على وجه الأرض نظير، ومنها ما يساوي الخمسين ديناراً وأقلّ وأكثر بالعراق.
وآمد كثيرة الشجر، ولها مُزْدَرَع بداخل سورها، ومياه وطواحين على عيون تنبع منها؛ وكان لها ضياع ورساتيق وقصور ومزارع برسمها، هلكت لضعفهم، واقتدار الروم عليهم، وقلَّة المغيث الناصر.
وأجل مدينة لديار مُضَر الرَّقّة، وفي غربيّ الفرات بين الرَّقَّة وبالس أرض صفّين، وبها قبر عمّار بن ياسر (رض) وأكثر أصحاب أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
ومدينة (حرّان) تليها في الكبر، وهي مدينة الصابئين، وبها سدنتهم، ولهم بها تلّ عليه مصلّى الصابئين يعظّمونه وينسبونه إلى إبراهيم، وهي من بين تلك المدن قليلة الماء والشجر، وكانت زروعها مباخس، وكان لها غير رستاق عظيم وكورة جليلة، فافتتح الروم أكثرها، وأناخت بنو نُمير وبنو عُقيل بِعَقْوتِها وبقعتها، فلم تبق بها باقية، ولا في رساتيقها ثاغية ولا راغية. وهي مدينة في بقعة يحفّ بها جبل مسيرة يومين في مثلها مستواة.
ومدينة (الرُّها) في شمال هذه البقعة، وكانت وسطه من المدن، والغالب على أهلها النّصارى، وبها زيادة على ثلاثمائة بيعة ودير وصوامع، فيها رهبانهم، ولهم فيها بيعة ليس للنصرانيّة أعظم ولا أبدع صنعةً منها، ولها مياه وبساتين وزروع كثيرة نزهة، وهي أصغر من (كَفَرْثُوثا)، وكان بها منديل لعيسى ابن مريم (عليه السلام)، فخرج ملك الروم في بعض خرجاته ونزل بهم وحاصرهم وطالبهم به، فسلّموه إليه على هدنة وافقوه على مدّتها.
و(جِسر مَنْبِج) و(سُمَيْساط) مدينتان نزهتان فيهما مياه وبساتين ومباخس وأشجار، وهما عن قرب من الفرات في حال اختلال ورزوح حال».
جيش أسامة
كاد الأمر أن يُحسَمَ إلى الأبد في إجراءين عبقريّين، لو تمّا:
إجراء عملي، وآخر نظري… كان كلّ مهما كفيلاً بقطع طرق النزاع، وتفويت الفرصة أمام أيّ منازع…
فحين أوشك أن يجيب داعي ربّه، جهّز النبيّ جيشاً كبيراً جمع فيه جلّ المهاجرين والأنصار، وفيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة([322])، وأمَّر عليهم الشاب الأمير أسامة ابن زيد، ابن السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، وأمره أن يسير بجيشه صوب فلسطين([323])، وأن يعجّل المسير، وكلّما ثقل عليه المرض ودنا أجله قال: «أنفذوا ببعثة أسامة» يكرّرها([324])! ويغلظ القول في المتباطئين عنها([325])!
إنّه تمهيد عمليّ لا شكّ فيه لخلافة عليّ الذي أبقاه إلى جنبه، وتهيئة المدينة لمبايعته بعد خلوّها من المنافسين الذين كانوا يحولون ليس دون المبايعة لعليّ، بل حتّى دون ما يُحتّمها من أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله)!.
فلم تنفذ بعثة أسامة، رغم مرور نحو شهر ونصف على الأمر بإنفاذها عاجلاً([326])!، ورغم تكرّر أمر النبيّ بإنفاذها!!
واعتذروا لتأخّرهم: بمرض النبيّ، وبأنّهم لا يريدون أن يغيبوا عنه ساعة وفاته([327])، ولا يريدون أن يسألوا عنه الركبان.
لكنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان يريد ذلك!! كان يريد ذلك بوضوح، وإلاّ لماذا هذا التأكيد على إنفاذ البعثة أيّام اشتداد مرضه بالخصوص؟!.
لقد كان يؤكّد ذلك في أثقل ساعات مرضه، وحين يصعب عليه الكلام كان يؤكّده بالإشارة([328])!.
.إنّه أوضح شيء باختلاف الإرادتين، إرادته في أن يذهبوا وألاّ يشهدوا ساعة وفاته، وإرادتهم أن يتأخّروا حتى يشهدوها!
واليوم فينا كثرة كاثرة هي أشدّ ما تكون تحمّساً لهذه الارادة الأخيرة وتجعلها عذراً لا شيء أقوى منه على تخلّفهم وعدم استجابتهم لأمر النبي(ص)!
وبين ذلك الجمع الكبير لم نجد من كان يثيره هذا التباطؤ إزاء التأكيد المستمر من قبل النبي، لم نجد من صرخ فيهم وعاب عليه تباطؤهم وحثّهم على تلبية أمر النبي الذي هو اعلم بما يصلحهم، وأحرص عليهم من انفسهم!
أما إجراؤه النظري الاخير؛ فكان قبيل وفاته وحين كان يشتدّ عليه المرض حيناً بعد حين، وعلى الأرجح أنّه كان قبل وفاته بنحو أربعة أيام، وتحديداً كان يوم الخميس، ذاك الذي بكاه حبر الأمّة ابن عبّاس بكاءً عجباً، فصوّر رواة حديثه بكاءه كما صوّروا حديثه: يتوجّع ابن عبّاس ويقول: يوم الخميس، وما يوم الخميس!! ثمّ يبكي حتى يبلّ دمعه الحصى.. قيل له: يا ابن عبّاس، وما يوم الخميس؟
فقال وكأنّه يترقب هذا السؤال: إشتدّ برسول الله(ص) وجعه، فقال: « إئتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي».
فقال عمر: إنّ رسول الله قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله!!
فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول الله(ص) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(*).
فحالوا إذن دون ذلك أيضاً..
إنّ مبدءاً يفصل بين كتاب الله وبين رسول الله(ص)، لم يكن يعرفه الإسلام من قبل، ولا عرفه من بعد! فإذا كان « حسبنا كتاب الله » فكتاب الله يقول:{مَّن يُطِعِ الرسولَ فقد أطاعَ الله} [سورة النساء،الآية:80].
ويقول: { ومآ ءَاتَاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}[سورة الحشر،الآية:7].
ويقول: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللهُ ورسولهُ أمراً أنْ يكونَ لهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمْرِهِم}[سورة الأحزاب، الآية:36].
ويقول: {ياأيها الذين ءَامنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله}[سورة الحجرات: الآية:1].
ويقول: {يا ايها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ أن تَحبَطَ أعمالُكُم وأنتم لا تشعرون}[سورة الحجرات، الآية:2].
لكن هذا النزاع الذي اجتمع فيه: تقديمٌ بين يَدَي الرسول، ورفع الأصوات فوق صوته، وردّ أمره، وعصيانه، ثمّ نسبته الى الهجر والهذيان، هذا أيضاً لم يعدم العذر والتبرير، فما صنع عمر ذلك إلاّ حرصاً على الإسلام(**)!!
فهل أوشك النبي ان يفرّط في الإسلام أو يدّمره، فهبّ عمر لإستنقاذه؟!
أي عذر هذا؟!
نتّهم النبي مرّة بعد مرّة، لأجل أن نعتذر لصحابي!!
لكنّ الذي سمّوه «حرصاً على الإسلام». هو الذي سمّاه حبر الأمّة« الرزيّة كل الرزيّة» !!
لقد أدرك عمر بحدسه الثاقب وحذره الشديد ما كان النبيّ يوشك أن يمليه على الصحابة وقد أمرهم أن يكتبوه، فلا يُغيَّر ولا يُنسى، فحال دون ذلك بكلّ ما يستطيع «وخالف حتّى رَفَضها»([329]).
لقد وضع عمر بذلك أوّل دعامة سوف ينهض عليها المسار الجديد، مهّد لها ذلك التباطؤ الشديد في إنفاذ بعثة أسامة، ثمّ عمّا قريب سيجني لها هذا التباطؤ ثمارها…
تفرّقوا عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وجاء يوم الاثنين ولم يزل الجيش لم يغادر المدينة، فدعا النبيّ أسامة وحثّه على المسير فخرج وخرج من معه إلى عسكرهم يترقّبون، فأتاهم النبأ بوفاة الرسول، فأقبل أسامة ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة([330]). هذا خبر منسجم مع ما سبقه وما يتلوه من أحداث…
لكنّ خبراً آخر يقول: إنّ أبا بكر وعمر لم يخرجا مع أسامة ذلك اليوم، أمّا عمر فهو في المدينة وقد بلغته وفاة الرسول قبل أبي بكر فأقبل يكذّب الخبر ويصيح في الناس: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله توفي، وأنّ رسول الله ما مات ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى فغاب عن قومه أربعين ليلة!.
وأمّا أبو بكر فكان في بيته بالسُنح، ولمّا بلغه خبر الوفاة جاء فوجد عمر في مقالته تلك([331]).
وأي الخبرين صحّ فما كان ليتمّ لو تمّت بعثة أسامة!.
وهكذا استقرّت الدعامتان اللتان نهض عليهما المسار الجديد إلى السقيفة، ليتّخذ من هناك صورته النهائية، وسط خلاف استمرّ على الواقع ستّة أشهر، ليكون فيما بعد نواةً لخلافات متجدّدة.
وكان للخلاف وجوه متعدّدة ومسالك مختلفة، كان كثير منها ظاهرة صحّية وحيويّة لا بدّ من ظهورها. أمّا الذين يفزعهم ذكر ذلك الخلاف أو الإشارة إليه فإنّما يذهبون مذهباً سطحياً، ناهيك عن كونه متهافتاً مناقضاً للوقائع الثابتة.
ويتجلّى عمق هذا الاختلاف في التباعد الكبير بين تصوّر عمر وبين تصوّر ابن عباس للواقع الجديد. إذ رأى فيه عمر أنّه المصلحة التي من أجلها حال دون كتابة وصيّة النبي (صلّى الله عليه وآله)، فيما صوّره ابن عبّاس بأنّه «الرزيّة، كلّ الرزيّة»!.
ومن كلمة ابن عبّاس المتّفق عليها نرى أنّه ليس ثمّة أرضيّة لما ذهب إليه ابن تيميّة من أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) حين كفّ عن كتابه ذلك الكتاب إنّما كان لعلمه بأنّ الله سيجمعهم على ما عزم عليه!.
وصدرُ مقولة ابن تيمية أصدق من ذيلها: «إنّ النبيّ لمّا رأى الشكّ قد وقع، علمَ أنّ الكتاب لا يرفع الشكّ، فلم يبق فيه فائدة! وعلم أنّ الله سيجمعهم على ما عزم عليه»([332])!.
إذن قد وقع الشكّ بين الصحابة… وفي حياة الرسول… وبين يديه… وإزاء أمره الأخير ووصيّته الكبرى التي رسمت مسار الإسلام من بعده!.
وإذا وقع الشكّ وقع الاختلاف… فهم بين شاكّ يقول: «غلب عليه الوجع، حسبنا كتاب الله» وبين آخر يقول: «قرّبوا يكتب لكم رسول الله ما لا تضلّوا بعده أبداً»…
ثمّ تفرّقوا على ذلك الاختلاف.
وغداً يغمض النبيّ عينيه مفارقاً الدنيا وأهلها، لينطلق الفريق الذي غلب عليه الشكّ، ينطلق وحده إلى السقيفة، لينتخب وحده الخليفة!.
ومرّة أخرى: حين وقع الشكّ، واختلفوا بين يدي الرسول، وإزاء أمره الواجب السمع والطاعة؛ فليس كلّ الصحابة إذن كانوا دائماً مصداق قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [سورة الحشر: 8]! ولا كلّ المهاجرين كانوا كذلك، فالذي نطق بشكّه لأوّل مرّة، ورفع نداء الشكّ حتّى نهاية المطاف، كان رجلاً من المهاجرين!!.
وبهذه البساطة تنهار الدعامة الكبرى، إن لم تكن الوحيدة، التي يستند إليها أصحابنا في حماية اختيار الصحابة.
والمهاجر الكبير الذي رفع نداء الشكّ لأوّل مرّة، وأثار الشك في آخرين من حوله، هو الذي شكّ مرّة أخرى، بعد ثلاثة أو أربعة أيّام، شكّ بوفاة الرسول، ونادى بشكّه بأعلى صوت ايضاً، إلاّ أنّه زاد هذه المرّة تهديداً بالقتل لمن خالفه في ما يرى! ثمّ بعد ساعة لا غير، من ذلك النهار، سيتولّى لوحده اختيار خليفة رسول الله!.
لقد ساعده على إنجاز ذلك مبكّراً الفرصة التي هيّأها له الأنصار وهم لا يشعرون، وبسرعة مذهلة لم يخطّط لمثلها، حين اجتمع أكابرهم فوراً وفي أجواء الذهول التي خلّفها زلزال عنيف أصاب قلوب أهل المدينة فجأةً بوفاة الرسول، خاتم النبيّين، اجتمعوا يسوقهم إلى سقيفة بني ساعدة قلق ساورهم على مستقبل الأنصار في دولة تتزعمّها قريش بعد النبيّ، وكادت كلمتهم تجتمع على سعد بن عبادة، سيّد الخزرج…
وحين فزع عمر وأبو بكر وأبو عبيدة لهذا النبأ، ولمّا يتمّ بعد ولم ينفضّ أصحابه، لم يكن ذلك الفزع سوى المحفّز الأهم نحو المبادرة الآتية في أوانها… ونفذ الثلاثة في تجمّع الأنصار أتمّ نفوذ وأتقنه، فأصغى الجميع لكلماتهم، ودار جدل يسير لم يجد فيه المهاجرون كبير مشقّة في عرض ما يريدون: «فهم أوّل من عَبَدَ الله في الأرض، وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقّ الناس بهذا الأمر بعده، ولا ينازعهم ذلك إلاّ ظالم… وأنتم يا معشر الأنصار لا يُنكر فضلكم في الدين، ولا سابقتكم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله… فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء»([333]).
«هيهات! لا يجتمع سيفان في غمد واحد، إنّه والله لا ترضى العرب أن تؤمّركم ونبيّها من غيركم، ولكنّ العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها مَن كانت النبوّة فيهم، وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجّة الظاهرة والسلطان المبين… مَن ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته، إلاّ مُدلٍ بباطل، أو متجانفٍ لإثم أو متورّط في هَلَكة»([334])؟!.
لم يجدوا كثير عناء إلاّ حيال تهديد الحُباب بن المنذر الذي جعل السيف جوابه الوحيد على من يقف أمام رغبة الأنصار: «يا معشر الأنصار، املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه… فإن أبوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد… فأنتم والله أحقّ بهذا الأمر منهم، فإنّه بأسيافكم دان لهذا الدين مَن دان… أنا جُذَيلُها المحكّك، وعُذَيقُها المُرَجَّب… أمّا والله لئن شئتم لنعدينّها جَذَعة([335])! والله لا يردّ عليَّ أحد ما أقول إلاّ حطّمت أنفه بالسيف»!.
لا يذكر أحد هنا لأبي بكر كلاماً، أمّا عمر فقد برّر سكوته بأنّه كان بينه وبين الحباب منازعة أيام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقد نهاه النبيّ أن ينازع الحُباب!! فأقسم حينها أن لا يكلّمه كلمة تسوؤه أبداً([336]). لكنّ الطبري ينقل أنّ عمر قد ردّ على الحُباب قائلاً: إذن يقتلك الله!.
فأجابه الحُباب: بل إيّأك يقتل([337])!.
وانقطع الجدل، عند نهاية كانت كفيلة أن تُعيد المهاجرين بلا شيء، لولا أنّ تدارك أبو عبيدة الأمر بكلمة هادئة حكيمة خاطب بها الأنصار عامّة، فطوت ذاك الوعيد والتهديد، وانسلّت لها الأيدي خجِلَةً عن مقابض السيوف، قال أبو عبيدة: «يا معشر الأنصار، أنتم أوّل من نصر وآوى، فلا تكونوا أوّل من يبدّل ويغيّر»!.
لحظات من الصمت أحدثتها هذه الكلمة، فكان أوّل من اغتنمها بشير بن سعد، السيّد الخزرجي، اغتنمها لصالح المهاجرين هذه المرّة، إمّا حسداً لسعد بن عبادة كما قال الحباب بن المنذر في حينها، وارتضاها ابن قتيبة، أو معرفةً بحقّ قريش الذين هم «قومه وأحقّ به وأولى، ولا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً، فاتّقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم» كما قال هو.
فاغتنم المهاجرون الثلاثة ذلك ولم ينتظروا موافقة الأنصار أو ردّهم، فطفقوا يقدّم بعضهم بعضً، فظهر أنّهم لم يروا أنّ واحداًمنهم بعينه يجب تقديمه بلا منازع لنصٍّ ورد فيه، أو مزيّة رشّحته فعلاً فرفعته فوق غيره…
قال أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيُّهما شئتم فبايعوا([338])…
وقال عمر: يا أبا عبيدة، ابسط يدك أُبايعك، فأنت أمين هذه الأمّة([339])…
قال أبو بكر: يا عمر، ابسط يدك نبايع لك. فقال عمر: أنت أفضل منّي.
قال أبو بكر: أنت أقوى منّي! قال عمر: قوّتي لك مع فضلك([340])…
فبويع أبو بكر، بايعه عمر وأبو عبيدة، وبشير بن سعد الخزرجي، ثمّ أقبل الأوس يبايعون لمّا رأوا من أصحابهم الخزرج ما رأوا.
عندئذٍ ظهرت أهم معالم المسار الجديد
المَعْلَم الأوَّل:
خلافة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) تتمّ بالبيعة ولو على مثل هذه الطريقة، التي وصفها عمر فيما بعد بأنّها «فلتة، وقى الله شرّها، ومن عاد لمثلها فاقتلوه».
واعتذر عنها بمباغتة السقيفة: «وإنّا والله ما وجدنا أمراً هو أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يُحدثوا بعدنا بيعة، فإمّا أن نتابعهم على ما لا نرضى، أو نخالفهم فيكون فساد»([341])!.
المَعْلَم الثاني:
أبو بكر، على رأس المسار الجديد، أوّل خليفة للرسول… وغداً في المسجد النبويّ الشريف، حيث ستكون بيعة على نطاق أوسع، سيشير إلى أشياء هي من أهمّ ما سيميّز المسار الجديد عمّا كان في عهد النبي (صلّى الله عليه وآله)، فيقول في أوّل خطبة له: «أمّا بعد، فإنّي وليت هذا الأمر وأنا له كاره، ووالله لوددت أنّ بعضكم كفانيه…
ألا وإنّكم إنّ كلّفتموني أنّ أعمل فيكم بمثل عمل النبيّ عليه الصلاة والسلام لم أقم به…
كان النبيّ (ص) عبداً أكرمه الله بالوحي وعصمه به، ألا وإنّما أنا بشر، ولست بخير من أحدكم، فراعوني، فإذا رأيتموني استقمتُ فاتّبعوني، وإذا رأيتموني زغت فقوّموني…
واعملوا أنّ لي شيطاناً يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم»([342]).
المَعْلَم الثالث:
إنّ كلّ ذلك كان، وما زال بنو هاشم وطائفة من المهاجرين والأنصار لم يفارقوا جثمان النبيّ المسجّى، ولم يشاركوا في شيء ممّا وقع!.
بل قبل لحظات كان عليّ يردّ على عمّه العباس حين عرض عليه البيعة، قائلاً: «وهل يطمع فيها أحد غيرنا»([343])؟!.
فلمّا فجأهم نبأ السقيفة، أنكره عليّ ولم يصدّق ما سمع، وأنكره آخرون معه، فقالوا: ما كان المسلمون يحدّثون حدثاً نغيب عنه، ونحن أولى بمحمّد!.
لكنّ العبّاس قال: فعلوها وربّ الكعبة([344])!.
وبعد أن وارَوا جثمان النبيّ الطاهر في اليوم التالي، انحاز بنو هاشم جميعاً ومعهم طائفة من المهاجرين، فيهم: طلحة والزبير وعمّار وأبو ذر وسلمان والمقداد، وطائفة من الأنصار، فيهم: أبو أيّوب الأنصاري وحذيفة بن اليمان وأُبيّ بن كعب والبراء بن عازب وأبو الهيثم بن التيّهان وعبادة بن الصامت، وانحاز إليهم من وجوه بني أميّة خالد بن سعيد بن العاص([345]). وكان خالد بن سعيد أقدم بني أميّة إسلاماً، أسلم قبل عثمان ابن عفّان، وهاجر إلى الحبشة وقدم منها مع جعفر بن أبي طالب يوم خيبر([346]).
انحاز هؤلاء في بيت علي وفاطمة، إذ أَبَوْا أن يبايعوا إلاّ لعليّ… وكان الزبير يقول: لا أغمد سيفاً حتّى يبايع لعليّ.
ليس هذا بالأمر الذي يستهان به: بنو هاشم، ومعهم طائفة من وجهاء المهاجرين والأنصار وأهل السابقة والجهاد والصلاح… وفي بيت محلّه في أوسط بيوت النبيّ، وبابه شارعة على المسجد النبويّ حيث تقام الجماعة والجمعة ويجتمع الصحابة…
فكيف سيعالج هذا الأمر؛ أبالرجوع إلى المشاورة والحوار، واتّباع الحجّة والبرهان، أم بماذا؟
كلّ الذي حفظه التاريخ الصحيح ـ بعيداً عن تحليل المتأخّرين وآرائهم ـ كان وفق لغةٍ أخرى لا تُصغي إلى الحجّة والبرهان.
ولقد بعث إليهم عمر في جماعة، فناداهم، فأبوا أن يخرجوا… فدعا بالحطب، وقال: والذي نفس عمر بيده، لتخرجنّ أو لأُحرِّقنّها على من فيها([347])!.
قيل: يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة! قال: وإن([348])!.
ابن أبي شيبة، واحد من أهمّ شيوخ البخاري ومسلم ينقل أنّ ذلك كان تهديداً من عمر أنذر به فاطمة (عليها السلام) إن اجتمع أحد في بيتها، وليس حبّه لفاطمة وأبيها بمانعه من أين يُحْرِقَ عليهم بيتها([349])!!.
لكنّ الرجال قد اقتحموا البيت على أيّ حال… وقد ثبت عن أبي بكر قوله حين حضرته الوفاة: «وددتُ أنّي لم أكشف عن بيت فاطمة، وتركته ولو أغلق على حرب»([350]).
إذن عهد جديد طرأ على أهل هذا البيت:
هذا البيت كان يقرع كلّ فجر، برفقٍ وحنان، بِيَدِ نبيّ الرحمة، فَيُصبح أهلُه على نبرات الرحمة: «الصلاة، الصلاة، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»([351]).
لكنّه أمسى عشيّة دفن جثمان النبي (صلّى الله عليه وآله) على غير ذلك… على غضبٍ وهيجان، وتهديدٍ ووعيد، وعيدٍ بحريق، حريقٍ يلتهم البيت ومن فيه، وإن كان فيه فاطمةُ بضعةُ الرسول وسيدة نساء أهل الجنة، والحسنان ريحانتاه! وسيّدا شباب أهل الجنّة، وكفيلهم أخو رسول الله! هؤلاء هم الذين باهَلَ النبيّ بهم وفود النصار، وقال: «اللهمّ هؤلاء أهلي»([352])! هم الذين أدار عليهم كساءه فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي…» ([353])!.
هنا تبرز جليّةً صورة «انقلاب» طارئ ربّما كان أكثر عنفاً ممّا عرفته العصور الأخيرة في بعض «الثورات البيضاء»!.
هكذا ظهر الأمر في ساعاته الأولى، وهكذا عاد إلى الظهور في أيّام شتّى من التاريخ…
فليس من جموح العاطفة أن نراه «انقلاباً»! ولا من فرط الخيال أن نراه «مساراً جديداً» وليس عهداً جديداً وحسب…
ذلك لأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) طالما قال لهؤلاء المحصورين المهدّدين بالحريق: «أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم»([354])! لكن البيعة الجديدة استُهِلّت بحرب عليهم وعلى مَن سالمهم!.
ومَن سالمهم: طائفة من المؤمنين ما زالت تمتزج ضمائرهم بنداءات النبيّ منذ حجّة الوداع، والعهد قريب جدّاً قريب: «ألاّ أيّها الناس، إنّما أنا بشر، يوشك أن ادعَى فأُجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين ـ ما أن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي ـ كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض».
«من كنت مولاه، فعليّ مولاه…».
«عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»([355]).
لكنّ هذا، وأكثر منه، لا محلّ له الآن وكلّ شيء يَنصب كلّ قوّة في تثبيت العهد الجديد… ولم تختفِ ملامح هذا الموقف بدخول المعتصمين في البيعة وتعاملهم مع العهد الجديد بكلّ صدق وإخلاص، بل ما زال «إقصاء أهل البيت» عن منافذ الوصول إلى الحكم مبدءاً ثابتاً في مبادئ المسار الجديد، مورس بإتقان على مدى خلافة أبي بكر وعمر وعثمان.
ذلك هو ثالث معالم المسار الجديد…
وعمر دائماً كان أكثر صراحة في التعبير قولاً عن هذا المبدأ المجسّد عملاً: «كرهتْ قريش أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة»([356]).
ولم يولَّ أحدٌ من بني هاشم على ولاية، ولو صغيرة ونائية، طيلة عهود الخلفاء الثلاثة…
وعمر أيضاً هو الأكثر صراحة في التعبير عن هذا المبدأ، فيوم هلك والي حمص خطر بباله أن يستعمل عليها عبدالله بن عبّاس، فذكر له ذلك، لكنّه قال له في الأثناء: في نفسي منك شيء لم أره منك، إنّي خشيت أن يأتي عليَّ الذي هو آتٍ وأنت في عملك، فتقول: هلمّ إلينا… ([357])!.
في العهود اللاحقة:
ذاك كان ذريعة لرجال العهود اللاحقة في المضيّ قدماً بهذا المبدأ، فحورب عليّ حروباً نكراء لم يتورّع رجال من كبار الصحابة عن افتتاحها في معركة الجمل، ليكون الباب أوسع أمام معاوية، الذي صار يتذرّع صراحةً بما كان من إقصاء عليّ عن الخلافة أوّلاً في رسالة خاطب بها عليّاً (عليه السلام) ([358])، ثمّ أعاد ذكر مثل ذلك في خطابه للحسن([359])، لينتقل بعد ذلك في إقصاء أهل البيت، لا عن منافذ الحكم، بل عن الحياة الدنيا؛ فبتدبير من معاوية قُتل الحسن سبط رسول الله بالسم([360])، وبسيوف يزيد بن معاوية قُتل الحسين سبط رسول الله وسبعة عشر من بني هاشم، ليهون بعد ذلك قتل من بعدهم من أبنائهم ومحبّيهم، حتّى صار ذلك (سنّة) لدى خلفاء بني أميّة وبني العبّاس لم (يعطّلها) إلاّ نفر قليل منهم([361]).
وحتّى التهديد بالتحريق صار سنّة!.
كان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبدالله في حصر بني هاشم في الشِّعب، وجمعِهِ الحطب ليُحرِقهم، ويقول: إنّما أراد بذلك ألا تنتشر الكلمة، ولا يختلف المسلمون، وأن يدخلوا في الطاعة، فتكون الكلمة واحدة، كما فعل عمر بن الخطّاب ببني هاشم لمّا تأخّروا عن بيعة أبي بكر، فإنّه أحضر الحطب ليُحْرِقَ عليه الدار([362]).
مع بني أميّة:
الأمر مع بني أمّية مختلف جدّاً…
فرغم منع أبي سفيان وبنيه نصيب المؤلّفة قلوبهم بأمر عمر، ورغم قوله: الحمدلله الذي أذلّ أبا سفيان في بطحاء مكّة([363])… ورغم ثورة أبي سفيان على خلافة أبي بكر، وقوله لعليّ: لئن شئت لأملأنّها عليهم خيلاً ورجالاً([364]). ورغم مقولة عمر في بني أميّة وهو يحدّث المغيرة بن شعبة: يا معغيرة، هل أبصرتَ بهذه عينك العوراء منذ أصيبت؟ أما والله ليُعْوِرَنْ بنو أميّة الإسلام كما اعوِرتْ عينك هذه، ثمّ لَيُعْمِينّ حتّى لا يدري أين يذهب ولا أين يجيء([365])!.
ورغم عدائهم العتيق لصاحب الرسالة ولرسالته… رغم ذلك كلّه كان لهم الحظّ الأوفر.
فأوّل لواء عقده أبو بكر كان ليزيد بن أبي سفيان، وجعل له دمشق! وذلك بعد حروب الردّة.
وقصّة هذا اللواء ناطقة بشيء… كان أبو بكر قد عقد هذا اللواء أوّلاً لخالد بن سعيد بن العاص الأموي، ثمّ عزله قبل أن يسير، ذلك أنّ خالداً لم يبايغ لأبي بكر شهرين، وحرّض بني عبد مناف، ومال إلى عليّ والداعين إليه، فحملها عليه عمر، فلمّا أمَّرَه أبو بكر جاءه عمر فقال: أتؤمِّرَه وقد صنع ما صنع وقال ما قال؟! فلم يزل به حتّى عزله وولّى يزيد بن أبي سفيان([366])!.
هذه القصّة التي أوردها ابن سعد والطبري من طريقين مختلفين، أعرض عنها ابن كثير إلى رواية سيف ابن عمر، وهو أعرف بحال سيف! ذلك لأنّ الأخيرة ألصق بالرأي (السلفي) في الصحابة، دون الأولى([367])!.
ولم يقف أحد منهم على رواية الزبير بن بكّار، وهو البكري الشهير ببغضه عليّاً وبني هاشم، ومع ذلك فهو يقول: إنّ خالد بن سعيد لم يبايع لأبي بكر إلاّ بعد سنة كاملة، ثمّ مرّ به أبو بكر وخالد جالس على بابه، فناداه: يا أبا بكر، هل لك في البيعة؟ قال: نعم. قال: فادنُ! فدنا منه فبايعه خالد وهو قاعد على بابه([368])!.
وفيما كان أبو سفيان ما زال يلجّ في استنكار الخلافة، إذ دخل على قوم وهو يقول: ما لنا ولأبي فَصيل([369])! إنّما هي بنو عبد مناف!.
قيل له: إنّه قد ولّى ابنك… قال: وصَلتْهُ رَحِم!.
ـ ثمّ كان لواء عمرو بن العاص على فلسطين… وذلك بعد أن سار شرحبيل ابن حسنة على جنده، وأبو عبيدة على جنده إلى الشام أيضاً كالمدد ليزيد([370]).
ـ ثمّ أرسل معاوية بن أبي سفيان مدداً لأخيه يزيد([371]).
ولمّا مات يزيد بن أبي سفيان في عهد عمر استخلف مكانه أخاه معاوية، فأمضى له عمر ذلك واستقرّ معاوية على ولاية دمشق([372]). واستقرّ عمرو بن العاص على مصر، وعتبة بن أبي سفيان على كنانة([373]).
واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط على ربيعة بالجزيرة([374])… والوليد هذا هو الذي ذمّه القرآن الكريم وسمّاه فاسقاً في موضعين([375])! وربّما كان الأخيران على الصدقات دون الإمارة.
ـ فلمّا كان عهد عثمان بسط بنو أميّة أيديهم على الأمصار… فزاد في الولاة: عبدالله بن عامر ـ ابن خال عثمان بن عفّان ـ، والوليد بن عقبة، وعبدالله بن سعد ابن أبي سرح ـ وهو الذي أسلم قبل الفتح ثمّ ارتدّ فأباح النبيّ دمه يوم الفتح ولو وجد متعلّقاً بأستار الكعبة ـ وسعيد بن العاص.
أمّا مروان ـ الذي كان طريداً مع أبيه، أخرجهما النبيّ من المدينة وما زالا طريدين مدّة أبي بكر وعمر ـ فقد صار بعد ذلك بمنزلة الوزير لعثمان.
وإذا كان هؤلاء الولاة يخشون عمر ومحاسبته وشدّته، فقد أمنوا بعده وحازوا كلّ ما يشتهون من أموال المسلمين بحقّ وبغير حقّ… وحتّى أنّ عتبة بن أبي سفيان كان قد أخذ منه عمر مالاً ووضعه في بيت المال، فلمّا جاء عثمان قال لأبي سفيان: إن طلبتَ ما أخذ عمر من عُتبة رددته عليه([376])!.
فكانت في هذا العهد صورة أكثر وضوحاً لمسار جديد يستولي فيه على شؤون السياسة والمال رجال من بني أميّة طالما حاربوا الإسلام وأهله، وكادوا له، وقلّما خالط الإيمان والتقوى قلوبهم، ولم يمنعهم استياء الناس وشكاواهم عن المضيّ في استهتارهم بالحقوق والقيم، حتّى كان ذلك السبب المباشر في ثورة الناس على الخليفة، ومصرعه.
عذر الخلافة في إقصاء عليّ وبني هاشم
جملة من الأعذار فيها دلالة واضحة على يقين الأصحاب بحقّ عليّ بالخلافة، بأهليّته لها، وإرادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذلك، لكن لهذه الأعذار أو بعضها صرفوها عنه.
1 ـ كراهة قريش:
لقد تقدّم غير مرّة: التصريح بكراهة قريش أن تجتمع النبوّة والخلافة في بيت، فيمضي هذا البيت في علوٍّ لا يحتمله كبرياء قريش.
لكنّها الكبرياء التي مقتها الإسلام، وكان ينبغي لها أن تذوب في تعاليمه…
ثمّ ليس ثمّة أبلغ من ردّ ابن عبّاس لهذه الحجّة بقوله: «لو أنّ قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزَّ وجلَّ لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود… وأنّ الله عزَّ وجلَّ وصف قوماً بالكراهية، فقال: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}([377]).
وما كان لعلي وأهل بيته أن يتعالوا على الناس وقلوبهم من قلب رسول الله، وهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً([378])»!.
غير أنّ عدم ارتياحهم لشموخ بني هاشم كان أعمق من أن تزحزحه حجّة، وكلّ خيار صعب هو دون هذا، وحتّى وضع بني أميّة على منافذ الحكم، وإلقاء مفاتحه بأيديهم، مع اليقين الذي أقسم عليه عمر؛ أنّهم لَيُعْوِرُنَّ الإسلام، ثمّ ليُعْمِينّه حتّى لا يدري أين يذهب وأين يجيء! حتّى هذا الخيار الذي بدا في أوّل أمره تأليفاً لقلب أبي سفيان، هو أهون بكثير من أن ينظروا إلى شموخ بني هاشم وقد اجتمعت فيهم النبوّة والخلافة! وإن كان في هذا الاجتماع الضمان الأكيد لحفظ مسار الإسلام مستقيماً كما أراد له الله ورسوله!
وكلّ محذور على الإسلام من بني أميّة لم يمنع عمر أن يقول لسعيد بن العاص الأموي: سيلي الأمر بعدي من يصل رحمك([379]).
2 ـ إنّ العرب لا تستقيم لعليّ([380]):
ترى هل استقامت لغيره وهي بين مرتدّ عن الدين بالكليّة، وبين متمرّد على الخليفة البديل، ترجَمَ تمرّده بالامتناع عن إعطائه أموال الزكاة والصدقات، فقالوا: نأخذها عن أغنيائنا ونعطيها لفقرائنا… وقالوا:
فإن قام بالدين المحوّق قائم
أطعنا، وقلنا الدين دين محمّد([381])
ومنهم من كان يقول: لا والله، لا نبايع أبا فصيل أبداً([382])!.
واعتزلت الأنصار أبا بكر، فغضبت قريش لذلك، وكثر بينهم الكلام حتّى انتصر بنو هاشم للأنصار، وأفرد لهم أبو بكر رايةً أعطاها ثابت بن قيس، فسكن الأمر([383])!.
وما كان الأنصار ليعتزلوا عليّاً، وقد قال أكثرهم: لا نبايع إلاّ عليّاً([384])!.
ولا كانت قبائل العرب لتتمرّد على عليّ وهي لا تعرف في أعرافها أحداً أولى منه بخلافة محمّد (صلّى الله عليه وآله)…
ألم نقرأ عند الآلوسي وغيره في تبرير ردّ أبي بكر وإنفاذ عليّ بسورة براءة، وقوله (صلّى الله عليه وآله: «لا يبلّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي» أنّ ذلك جارٍ على عادة العرب أن لا يتولّى تقرير العهد ونقضه إلاّ رجل من الأقارب لتنقطع الحجّة بالكليّة([385])!.
هذا والآلوسي ينقل نصّ النبيّ هكذا: «لا يبلّغ عنّي غيري أو رجل منّي، سواء كان بوحي أو لا»! فكيف إذن سوّغنا هنا أن ترتضي للعرب رجلاً ليس منه، ولا تستقيم لعليّ الذي هو منه كما تعرفه العرب، وكما نصّ عليه النبيّ مراراً؟!.
وحتّى أبي قحافة، والد أبي بكر، يندهش لنبأ استخلاف ابنه وفي الناس بنو عبد مناف([386])!.
والحق إنّ الذي لا يستقيم له ليس العرب أو قريش، بل هذا النفر من المهاجرين لا غير، ولو استقام له هؤلاء وآزروه كما أزروا أبا بكر أو أدنى من ذلك بكثير، لما استقامت العرب لأحد كما تستقيم له، وحتّى بني أميّة الذين جاء زعيمهم أبو سفيان يبايعه ويحرّضه ويعده بنصرته برجاله «لأن شئت لأملأنّها عليهم خيلاً ورجالاً»! كما جاء خيرهم وأقدمهم إسلاماً خالد بن سعيد بن العاص رافضاً بيعة أبي بكر محرّضاً بني هاشم مناصراً لهم، وتربّص حتّى يَئِسَ فبايغ لأبي بكر!.
أمّا طلحة والزبير فقد كانا آنذاك من أقوى أنصاره، والزبير هو القائل: لا أغمد سيفاً حتى يبايع لعلي([387])!.
فمن الذي لا يستقيم لعليّ؟ إنّها لو تمّت له البيعة لما ظهر شيء من العنف والإكراه الذي ظهر في البيعة لأبي بكر، ولحفظت كثير من الدماء التي قد سفكت تحت عنوان (حروب الردّة) وما كان كثير منها إلاّ حروب بيعةّ اللّهمّ إلاّ المرتدين حقّاً: مسيلمة وسجاح والأسود العنسي وأصحابهم وأضرابهم.
يقول الخضري: «لا مراء في أنّ كون الخليفة من آل بيت النبوّة أحبّ إلى قلوب الجمهور من الأمم الإسلامية، وهم لهم أطوع، لأنّ المؤثّر الديني يكون مستحكماً، ولذلك صادفت الدعوة إلى أهل البيت نجاحاً عظيماً في صدر المئة الثانية من الهجرة»([388]).
3 ـ صغر سنّه:
وليس ثمّة أبلغ من جواب ابن عبّاس، حين اعتذر عمر بهذا العذر، فقال: ما أظنّهم منعهم عنه، إلاّ أنّه استصغره قومه. فقال ابن عبّاس: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ براءة من صاحبك([389])!.
ثمّة رواية تلقي بالتبعة على المغيرة بن شعبة، تقول: مرّ المغيرة بن شعبة بأبي بكر وعمر وهما جالسان على باب النبيّ حين قُبض، فقال: ما يُقعدكما؟
قالا: ننتظر هذا الرجل يخرج فنبايعه ـ يعنيان عليّاً ـ فقال: أتريدون أن تنظروا حَبَل الحَبَلة من أهل هذا البيت([390])! وسّعوها في قريش تتّسع! فقاما إلى سقيفة بني ساعدة([391]).
فإنّ صحّ هذا الخبر، فهو عذر فطنوا إليه هنالك، بعد أن كانوا لا يرون إلاّ عليّاً، كالبديهة المسلّمة لديهم! وأيّاً كان، فهو العذر الذي كمن له ابن عبّاس.
4 ـ الله لم يرد ذلك:
«أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الأمر له، فكان ماذا إذا لم يُرد الله تعالى ذلك!.
إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أراد أمراً، وأراد الله غيره، فنفذ مراد الله تعالى ولم ينفذ مراد رسوله، أوَكلّما أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان؟! إنّه أراد إسلام عمّه ولم يُرده الله، فلم يُسلم»([392])!.
عذرٌ فتح الباب أمام (القَدَر)! (فالقضاء والقدر) هو الذي أتى بالخليفة، لا نصّ، ولا شورى، ولا حادثة السقيفة!.
الله أراد ذلك فكان، ولا أحد مسؤول، وإن كان بخلاف ما أراد النبيّ!!.
فهذا العذر ماضٍ إذن في تبرير أيّ مخالفة لأمر النبي (صلّى الله عليه وآله)… فالرماة الذين أمرهم النبيّ ألا يبرحوا أماكنهم، غير مسؤولين عند تركهم ذلك الموضع حتّى صار ثغرةً خلف جيش المسلمين نفذت منه خيول المشركين فكان ما كان من كارثة قلبت ميزان المعركة، ليسوا مسؤولين، وليس ثمّة تقصير وإن أراد منهم النبيّ أمراً فخالفوه «فكان ماذا إذا لم يُرد الله تعالى ذلك»؟!.
وليس ثمّة تقصير في عدم إنفاذ بعثة أسامة، وإن كان النبيّ يُشدّد الأمر بتعجيل إنفاذها ساعة بعد ساعة، فماذا إذا كان الله لم يرد ذلك؟!.
لكن متى علموا أنّ هذا مراد الله، أقبلَ وقوعه، أم بعد وقوعه؟!.
أم كان النبيّ يصدر عن رأي ورغبة شخصيّة، فلا يُنفّذ الصحابة أمره إلاّ بوحي مباشرةً إليهم يُعلمهم بمراد الله؟!.
إن صحّ هذا القول عن عمر أو لم يصحّ، فقد صار فيما بعد شعاراً للأمويّين روّجوا لأجله مذهب الجبرية.
المَعْلَم الرابع من معالم المسار الجديد
«حسبنا كتاب الله»
ظهرت هذه المقولة لأوّل مرّة قبيل وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، على لسان عمر أيضاً، حين أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أن يحضروا لوحاً ودواةً ليكتبوا عنه ما لا يضلّوا بعده، فهتف عمر: «غَلَبه الوجع ـ أو إنّه ليهجر ـ حسبنا كتاب الله»! لكن هل تعني هذه المقولة الضرب على السنّة النبويّة بالكلّية؟.
لا؛ لأنّ عمر نفسه لم يستطع، ولا يستطيع أن يستغني عن السنّة في شيء من عباداته، ولا في قضاته.
لقد ثبت عن عمر حقّاً، لا خلاف فيه، أنّه منع من تدوين السنّة، ومنع الصحابة من التحدّث إلى الناس بأحاديث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لرأي رآه([393])، كما منع من ذلك أبو بكر قبله([394]).
لكن حتّى في قرارات المنع تلك كانت تُستثنى (السنن) أي الأحكام: «أقِلّوا الرواية عن رسول الله، إلاّ فيما يُعمَل به»([395]).
وحين نرى أبا بكر يشدّد في النهي عن الحديث وعن الفُتيا بالأحاديث حتّى يقول: «فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه»([396]).
نراه في أوّل مشكلة تواجهه في خلافته ـ مشكلة فدك ـ يلجأ إلى الحديث، فيقول: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة». وحين يحتجّ عليه خصمه ـ السيّدة الزهراء (عليها السلام) التي لم تسمع بهذا الحديث هي وأهل بيتها على الأقلّ ـ حين تحتجّ عليه بالقرآن الكريم، وأنّ هذا الحديث مخالف لظواهر القرآن في ميراث الأنبياء، لم يلتفت إلى حجّتها([397]).
ونراه في آخر أيّام حياته، وهو يذكر أشياء ندم عليها، فيذكر ندمه أنّه لم يسأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن ميراث الجدّ والجدّة([398]).
وبين اليومين كان له رجوع إلى السنن كثير، وبحث عمّن معه حديث من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مسألة نزلت به، وإن كان تحريقه كتاباً جمع فيه خمسمائة حديث([399]) يصادر كثيراً ممّا يمكن أن يُقال في تلمّس موقف إيجابي من السنّة، أمّا الممنوع قطعاً فهو تناقل الصحابة لأحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والتحدّث بها والرجوع إليها حتّى في الفُتيا، وهذا هو الصريح في قرار أبي بكر المذكور «فلا تُحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن يسألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه».
وهذا هو الممنوع قطعاً في عهد عمر الذي أظهر تشدّداً في تنفيذه، تجاوز مراقبة المنع من التحديث والتدوين إلى حبس أيّ صحابي لم يطمئنّ من التزامه بهذا القرار، وحبسه إيّاهم كان بمنعهم من الخروج من المدينة، ليظلّوا تحت الرقابة([400])…
هذه سمة هامّة ميّزت هذا العهد بموقف جديد من السنّة النبويّة المطهّرة، والتي حثّ النبيّ كثيراً على حفظها وتبليغها، بل وتدوينها أيضاً، ولهذا الأمر كلام آخر يأتي في بحث لاحق…
أمّا ما يناسب هذا الموضع، فالاستنتاج الموضوعي المستفاد من هذا الموقف الجديد، وهو: إذا كان من الصعب البرهان على أنّ الهدف من هذا الموقف هو إلغاء السنّة المحمدية بالكامل، فمن اليسير أن نرى أنّ مقولة «حسبنا كتاب الله» التي عزّزها هذا الموقف إنّما كانت لأجل إلغاء الركن الثاني من أركان الاعتصام والهداية والمرجعية في حديث «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وأهل بيتي» وهذا ما تحصّل في الواقع بيقين لا نزاع فيه، وقفنا على جملة من مصاديقه آنفاً.
بديل:
ذلك الواقع هو الذي مهّد لظهور نصٍّ يقول: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وسنّتي» الذي أريد له أن يكون بديلاً عن الأوّل، وإن لم يكن في الحقّ كذلك… فلا نصّه يفيد نسخ الأوّل، ولا إسناده يرقى إلى إسناد الأوّل…
فهذا حديث لم يرو في شيء من الكتب المعتمدة سوى موطّأ مالك، مُرسَلاً، وحين وصل ابن عبد البرّ إسناده وجده مبتلى بوضّاع افترى نسخةً مكذوبة يرويها عن أبيه عن جدّه، وليس لها أصل([401])!.
وأمّا رواية ابن هشام لهذا الحديث، فعلّتها في عكرمة الخارجي، الذي اشتهر بكذبه على ابن عبّاس خاصّة([402]). وحين أورده الطبري بإسناد آخر، كان عليلاً أيضاً برجلين متّهمين معاً بالكذب([403])!.
وقد أخطأ بعض المتحمّسين([404]) فنسب هذا الحديث إلى الإمام أحمد والترمذي، ولم يخرجه أحمد، فيما أخرج الحديث الأوّل «كتاب الله وعترتي أهل بيتي» من ستّة طرق… ولا رواه الترمذي الذي روى الحديث الأوّل وحده([405])!.
فنحن لا نقطع بأنّ النصّ الثاني لم يصدر من النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، لكنّه لا يكون بأي حال بديلاً عن الأوّل وناسخاً له، وقد رأى بعض علماء أهل السنّة أنّ الجمع بينهما من الواضحات، فالحاصل منهما «أنّ الحثّ قد وقع على التمسّك بالكتاب والسنّة وبالعلماء بهما من أهل البيت»([406]).
وليس بغريب أن ينسب ابن حجر في قوله هذا إلى التشيّع، فهو عين اليقين وإن رأى فيه الناسبون قدحاً، لأنّ الشيعة وحدهم الذين تمسّكوا في الحديث الأوّل وأصرّوا على تطبيقه في الواقع، دون أن يجدوا حرجاً في قبول الحديث الثاني، فأهل البيت (عليهم السلام) هم أهمّ مَن جمع السنّة ووعاها، وطالما رجع إليهم فيها علماء الصحابة والتابعين، وإنّ أحداً من الناس سوف لا يفهم من حديث «كتاب الله وعترتي» أنّ أهل البيت سيأتون بأمر جديد غير سنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، بل هو نصّ صريح بأنّهم (عليهم السلم) هم الحافظون للسنّة والملازمون للكتاب، لا يفارقونه في حكم ولا في فهم «وإنّهما لن يفترقا حتّى يراد عليَّ الحوض»… مع ما فيه من تصريح بلزوم الرجوع إليهم في كلّ ما يتّصل بالهداية ويُخشى فيه من الضلال… وما في هذا من إشارة غير خافية بضرورة الرجوع إليهم في الحكم والسياسة وإدارة شؤون المسلمين على منهاج لا تُخشى عواقبه «ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي».
إذن ليس في النصّ الجديد ما يكون بديلاً عن النصّ الأوّل الثابت، لكن لمّا كان الواقع الجديد هو الذي قد حلّ بديلاً، أريد لهذا النصّ أن يعزّر ذلك الواقع…
ولكن الحقّ أنّه لم يسعفه بشيء إلاّ في مخيّلة من أراد أن يرضي نفسه بمثل هذا التعليل… فلا الحديث كان ناسخاً للأوّل معطلاً لحكمه، ولا صحبة السنّة المطهّرة في العهد الجديد كانت على أحسن ما يرام([407]).
أوّل فرقة:
هكذا نشأت أوّل فرقة في الإسلام، وهكذا أرست قواعدها…
وهكذا كان ابتداء نشوء الفرق في الإسلام، وكلّ ما قيل في خلاف ذلك فهو خطأ نشأ من تبرير الواقع الجديد والنظر إليه وكأنّه الامتداد الطبيعي والسليم لعهد الرسول.
فيما ظلّ المسار الأصيل متمثّلاً بعترة الرسول وفقههم الذي لا يفترق مع كتاب الله في شيء «ولن يفترقا حتّى يردّا عليَّ الحوض» ففقههم إذن هو فقه كتاب الله وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله)، فما قال قائلهم قطّ «حسبنا كتاب الله»! بل قالوا: إنّ ما عندنا هو «تعلّم من ذي علم» و«حديثنا حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله)» ([408]).
والذي كان ينبغي أن تصنعه الأمّة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) هو ما تركته واعتذرت عنه بتلك الأعذار السالفة، كان عليها أن تبايع عليّاً (عليه السلام)، بلا تنازع، الأمر الذي سوف لا يلجئها بعد إلى الاعتذار، إذ أصابت الحقّ، ووافقت أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وإرادته.
الأمر الذي كان يرتقبه عليّ بيقين، وينتظره جمهور المهاجرين والأنصار، وتسكن إليه أحياء الإسلام النائية، فلا تتردّد في أداء بيعة، ولا أداء زكاة.
النافذة المفتوحة على آل الرسول:
حين استقرّ الأمر بالخلافة، وأعطى عليّ وبنو هاشم بيعتهم، بعد ستّة أشهر من الجفاء، كان ينبغي أن تختفي آثار الماضي القريب يما يعود على الخلافة بالقوّة، وعلى الأُمّة بالصلاح والرشاد واجتماع الكلمة.
وهذا بالذات ما ذكره عليّ (عليه السلام) في تبرير بيعته لأبي بكر: «… فأمسكتُ يدي، حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (صلّى الله عليه وآله)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم…»([409]).
وذكره أيضاً في تبرير بيعته لعثمان: «لقد علمتم أنّي أحقّ الناس بها من غيري، ووالله لأُسْلِمَنَّ ما سَلِمَتْ أمور المسلمين ولم يكن فيها جَور إلاّ عليَّ خاصّة، التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفة وزبرجة»([410]).
فلم تعد تلك «الثورة الصغيرة» التي فجّرها الحسن السبط، وهو آنذاك في الثامنة من العمر، حين رأى أبا بكر يرقى منبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المرّة بعد المرّة، فيناديه بكلّ ما يمتلكه ابن الثامنة من صوت: «انزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك»! لم تعد تشكّل في نظر أبي بكر تهديداً يمسّ أمن الخلافة، بل لم تكن عنده مدعاة لاتّهام علي بها بعدما أمِن جانبه([411]).
وحين يكون الأمر دون اجتماع النبوّة والخلافة في آل النبي، لم يتردّد أبو بكر في إظهار بعض ما يعرفه لهذا البيت من منزلة، فيقول مرّةً: «ارقبوا محمّداً في أهل بيته»([412]).
ويكشف مرّة عن أسفه الكبير عمّا بدر منه أوّل الأمر من اقتحام هذا البيت لإكراه أهله وخاصّة أنصارهم على البيعة، فيقول: «وددت أنّي لم أكشف عن بيت فاطمة ولو أغلق على حرب»([413]).
غير أنّ خلافة أبي بكر التي انقضى ثُلثها الأوّل ولمّا يبايعه عليّ وبنو هاشم، حتّى إذا بايعه كان أبو بكر يدرك أنّ هذه البيعة لم تكن رجوعاً من عليّ عن رأيه في الخلافة، ولم يكن أبو بكر بالذي ينسى ما تركه في قلوب الهاشميّين من أثر استدعى أن يكتموا عليه نبأ وفاة الزهراء (عليها السلام) بوصيّة منها، فلم يشهد الصلاة عليها ودفنها غير عليّ ونفر من خاصّة أصحابه، الأمر الذي جدّد في قلب أبي بكر أثراً، كما جدّد فيه يقيناً أنّه لم يعد مَرْضيّاً عند أهل هذا البيت…
لمّا كان كلّ ذلك، لم نشهد من أبي بكر انفتاحاً على أهل البيت كالذي نشهده لاحقاً في عهد عمر…
بل لم نشهد من عليّ أيضاً شيئاً من ذلك، لم نشهده راجع أبا بكر في شيء من فتاويه وأقضيته كالذي عرف منه مع عمر وعثمان.
والقصّة التي يُذكر فيها رجوع أبي بكر إلى عليّ في قضيّة، هي صريحة أيضاً بأنّه لم يكن رجوعاً مباشراً منه، بل بعد أن استشار جماعة من الصحابة، فلمّا لم يكن عندهم فيها شيء أشاروا عليه أن يسأل عليّاً، فاستدعاه لذلك، فكشف عنها كربها([414]).
لكن أهم من هذه ما ذكره اليعقوبي في مشاورة عليّ في حرب الروم: «أراد أبو بكر أن يغزو الروم، فشاور جماعة من أصحاب رسول الله، فقدّموا وأخّروا، فاستشار عليّ بن أبي طالب فأشار أن يفعل، فقال: إن فعلت ظفرت. فقال: بشّرت بخير. فقام في الناس خطيباً وأمرهم أن يتجهّزوا إلى الروم»([415]).
ولعلّ هذين الحديثين أشهر مصاديق ما نقله ابن سعد من أنّ أبا بكر كان إذا نزل به أمر يريد يه مشاورة أهل الرأي، دعا رجالاً من المهاجرين والأنصار: عمر وعثمان وعليّ وعبد الرحمن، ومعاذ وأبيّ وزيد بن ثابت، وكلّ هؤلاء كان يفتي في خلافة أبي بكر([416]).
وهذا لا يعني أنّه كان يجمع هؤلاء السبعة جميعاً عند كلّ أمر، بل غالباً ما كان يكتفي ببعضهم، ولو واحد، فإن لم يكن عليّ أقلّهم حظّاً من هذه المشورة، فالذي لا شكّ فيه أنّ أكثرهم حظّاً فيها: عمر، ثمّ زيد، ثمّ معاذ، ثمّ أبيّ… والذي لا نعرفه أيضاً، لا نعرف أنّ أبا بكر استشار عليّاً في شيء ثمّ ترك قوله إلى قول غيره.
والحال في عهد عمر كان أكثر انفراجاً:
ـ فربّما كان عمر قادراً على أن يصوّر نفسه وكأنّه كان يجري في ظلّ أبي بكر، فما بدر منه تجاه أهل البيت فَتَبِعَتُهُ تقع بالدرجة الأولى على أبي بكر، لا عليه.
ـ وطالما حرص على صحبة عبدالله بن عبّاس، ابن عمّ عليّ (عليه السلام)، وهو الصحابي الشاب الذي كان يتفتّق ذكاءً ونباهةً، كثير التذكير بحقّ قومه وعليّ خاصّة كلّما سنحت لذلك فرصة، بذكاء وبحزم ليس فيه مساومة.
ـ وطالما أنسَ عمر بابن عبّاس، فأباح له بما تنطوي عليه سريرته من معرفة بحقّ أهل البيت، وسيدهم عليّ خاصّة:
فقوله مرّة لابن عبّاس: «ما أرى صاحبك إلاّ مظلوماً» معرفة بحقّ عليّ، وليس هذا كالجحد بالحقّ…
فلمّا فجأه ابن عبّاس بردّه المحرج: «فاردد إليه ظلامته» أخذ يلتمس لذلك عذراً، فقال: «ما أظنّهم منعهم عنه، إلاّ أنّه استصغره قومه» فهو مع اعتذاره، يلقي بتبعة ذلك على جماعة «ما أظنّهم منعهم…».
فلمّا ألقاه ابن عبّاس بما هو أشدّ إحراجاً بقوله: «والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك» أعرض عنه وتركه([417])… وفي هذا أيضاً إقرار بحقّ لا مفرّ منه، وبينه وبين المكابرة واللجاجة بون شاسع!.
ونحو هذا كثير مضى ذكره، كلّه ينطوي على إقرار مصحوب باعتذار دائماً، ولا بأس عليه بشيء من هذا حين يأمن المنازعة الجادّة على الخلافة.
ـ وحين أنشده ابن عبّاس أبياتاً لزهير بن أبي سلمى يمدح قوماً من غطفان:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍ
قومٌ بأوّلهم أو مجدهم قعدوا
قومٌ أبوهم سنان حين تنسُبُهم
طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
إنسٌ إذا أمِنوا، جنٌّ إذا فزِعوا
مُرزَّؤون بهاليلٌ إذا حشدوا
مُحَسَّدون على ما كانَ من نِعمٍ
لا ينزعُ الله منهم ما لهُ حسدوا
قال عمر: والله لقد أحسن، وما أرى هذا المدح يصلح إلاّ لهذا البيت من هاشم، لفضل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقرابتهم منه. ثمّ شرع منبسطاً يقرّر معرفته بحقّهم في الصدارة، ويعتذر عن (القوم) في تأخيرهم.
ـ وتقرّب إلى أهل البيت (عليهم السلام) أكثر حين أصرّ على التزويج من أمّ كلثوم بنت الإمام عليّ وبنت فاطمة الزهراء، طمعاً أن يربطه بهم نسب، وهو يكرّر في ذلك ما سمعه من النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من قوله الشريف «كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة، إلاّ سببي ونسبي»([418]).
ـ وقد كان صريحاً بتفضيل أبناء عليّ وفاطمة (عليهم السلام) على أبنائه وعلى نفسه أيضاً، بقوله للحسين يفضّله على ابنه عبدالله بن عمر: «وأنت عندي مثله؟ وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم؟»([419]).
ـ ولمّا كتب ديوان العطاء وأشار عليه بعضهم أن يبدأ بذكر نفسه، قال: لا، ولكن أبدأ برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثمّ الأقرب فالأقرب. فبدأ ببني هاشم وبني المطّلب([420]).
ـ وحين قسم الناس على طبقات في العطاء وجعل أعلاهم البدريّين، ألحق بالبدريّين أربعة لم يشهدوا بدراً، وهم: الحسن، والحسين، وأبو ذر، وسلمان([421]).
ـ وهو القائل في عليّ (عليه السلام): «والله لولا سيفه لما قام عمود الإسلام… وهو بعدُ أقضى الأمّة، وذو سابقتها، وذو شرفها». فلمّأ جبهه أحدهم بالقول المحرج: «فما منعكم عنه؟!» التمس لذلك ما رآه عذراً، ولم يجحد حقّه([422]).
هذا رأيناه من عمر أيام خلافته، ولم يُظهر عمر شيئاً من هذا القبيل أيّام أبي بكر!
ـ وظهر من عمر ما لم يظهر من أبي بكر قبله ولا من عثمان بعده، إذ استعمل رجلين من أخصّ أصحاب عليّ والداعين إلى إمامته جهرةً: عمار، وسلمان… عمار على الكوفة، وسلمان على المدائن. ولا يخلو هذا من رغبة في الاقتراب إلى عليّ (عليه السلام) وتقريبه إليه، رغبة لم يكن يكتمها، رغم أنّه كان شاعراً على الدوام أنّ عليّاً لم ينس حقّه الأوّل، ولا نسي استئثارهم به.
ـ في هذه الفترة ظهر من عليّ (عليه السلام) في الفُتيا والقضاء والحديث والتفسير ما لم يظهر مثله في العهد السابق… فلم يقف عمر عند استفتاء عليّ واستشارته في أمور السياسة والحرب والقضاء، بل كان أحياناً يأمر أصحاب المسائل بالرجوع إليه، ففي مصنّف عبد الرزاق أنّ رجلاً سأل عمر عن بيض النعام يصيبه المُحرم، فقال له عمر: أرأيت عليّاً؟ اسأله، فإنّا أُمرنا أن نشاوره([423]).
ومثل هذا كثير، يمكن أن يُقال إنّه شكّل ظاهرة في سياسة عمر، رأى فيها البعض سبباً وحيداً في اغتيال عمر، بتدبير من بني أمية وتواطؤ المغيرة وكعب الأحبار، إذ ظنّوا أنّه سوف ينقل الخلافة إلى عليّ (عليه السلام) ([424])! خصوصاً وقد ازداد طمعهم فيها إثر أبعاد عليّ عنها مرّتين، واستقرار رجالهم في أمصار مهمّة وكبيرة كالشام ومصر، ولما سبق من أبي بكر في تقديم عثمان، وفي ترشيحه للخلافة أيضاً بقوله: «لو تركتُ عمر لما عَدَوْتُك»([425]).
لكن إن لم يكن فزع بني أميّة لهذه الظاهرة بمستبعد، فإسناد عمر الخلافة إلى عليّ هو المستبعد وفق الظروف التي حافظ عليها عمر حتّى وفاته، مع اعتذاره المستمرّ عن توليته رغم أنّه الأحقّ و«الأولى إن وليهم أن يحملهم على المحجّة البيضاء والصراط المستقيم» كما وصفه عمر.
ومسألة أخرى لم يحسمها عمر مع بني هاشم كما ينبغي، وهي حقّهم في الخُمس، سئل ابن عبّاس عن سهم ذوي القربى، فقال: «هو لنا، لقربى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قسمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لنا، وقد كان عمر عرض علينا شيئاً رأيناه دون حقّنا فأبينا أن نقبله»([426]).
وقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد أعطاه لبني هاشم وبني المطّلب دون غيرهم من قريش، وقد سأله جبير بن مطعم وعثمان بن عفّان لِمَ لم يعطهم شيئاً مع قرابتهم كما أعطى بني المطّلب؟
فقال (صلّى الله عليه وآله): «إنّهم لم يفارقوني في جاهلية ولا في إسلام، إنّما بنو هاشم وبنو المطّلب شيء واحد» وشبَّك بين أصابعه([427]).
وتحويل سهم بني هاشم في الخمس كان قد وقع في مطلع خلافة أبي بكر واستمرّ في عهد عمر، إذ جعلوا سهم الرسول وسهم ذوي القرى في الخيل وعدّة الحرب([428]).
في عهد عثمان:
حين توفي عمر على خطّة الشورى السداسية، أدرك عليّ مبكّراً أنّها تجري لغير صالحه، كما أدرك أنّه يودّع عهد الانفراج النسبي ليُقبل على عهد تشوبه فتن يصعب الإمساك بعقالها، من هنا جاء ثناؤه على عهد عمر([429]) في قوله: «لله بلاد فلان، فلقد قوّم الأوَد، وداوَى العمَد، وأقام السنّة، وخلَّف الفتنة… ذهب نقيّ الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها، وسبق شرّها… أدّى إلى الله طاعته، واتّقاه بحقّه… رحل وتركهم في طرق متشعّبة، لا يهتدي بها الضالّ، ولا يستيقن المهتدي»!.
ومن عبارته الأخيرة تظهر دواعي المقارنة بين عهدين، ويظهر أيضاً أنّه ليس ثمّة تناقض بين هذا الثناء، وبين ما ذكره من قدح في بعض سياسة عمر في خطبته الشقشقيّة، ويظهر أيضاً أنّه لا تناقض بين هذا، وبين ما كان عليه عليّ (عليه السلام) من خلاف مع عمر في كثير من الفتاوى وفي السياسة المالية والإدارية أيضاً.
أمّا أهم أوجه المقارنة التي تجعل عهد عمر حرياً بهذا الذكر، فمنها:
ـ اجتهاد عمر في مشاورة علماء الصحابة، وعلى رأسهم عليّ وابن عبّاس وزيد بن ثابت، في القضايا، والنوازل… فيما أحاط بعثمان طائفة من بني أميّة لم يكن مع أحدهم كثير دين وورع، ولا سابقة، ولا علم يُعتمد، ولا معرفة بسنّة، بل غلبت عليهم روح الأثَرة والتسلّط وجمع الأموال بغير حقّ.
ـ ومنها: شدّة عمر على الولاء والأمراء، ومحاسبته الدقيقة لهم كلّ عام، محاسبة لم تقف دون التعزير بالضرب الموجع مع أدنى مبرّر؛ كما صنع بأبي هريرة وبعامل له على مصر، أمّا إقامة الحدّ إذا وجب؛ كما صنع مع قدامة بن مظعون، أو العزل؛ كما صنع مع النعمان بن عدي بن نضلة، أو مصادرة الأموال أو مشاطرتها([430])… فيما كان ولاة عثمان مطلوقي الأيدي؛ فلا دين وازع، ولا سلطان رادع.
وحقيقة المقارنة هذه شاخصة في أذهان الناس، حتّى المتحمّسين منهم في الدفاع عن عثمان؛ فالأستاذ محمد قطب يقول: «إذا وصلنا إلى عهد عثمان فستقابلنا أوّل فتنة حقيقية في تاريخ الإسلام، إذا أسقطنا من حسابنا فتنة الردّة… فقد وقعت في عهد عثمان (رض) هفوات في سياسة الحكم، ولكن ضمير عثمان يجب أن يظلّ فوق مستوى الشبهات، فما كان الأمر في نفسه استهتاراً بمصالح المسلمين، ولا تفريطاً في واجبات الإسلام… إنّما كان فرط السماحة في نفسه، وفرط الثقة في قوم من قرابته أساؤوا استخدام هذه الثقة وحادوا بها عن خط الالتزام الصارم الذي ألزم أبو بكر وعمر نفسيهما به من قبل، وألزما به من يولّونهما من الولاة… إنّ الهفوات التي حدثت بكلّ حسن النيّة في عهد عثمان (رض) تبدو لنا جسيمة لأنّها تجيء في الفترة المثالية للتطبيق بعد حكم الشيخين، وإلاّ فإنّ أضعاف هذه الهفوات قد ارتُكِبت في ما بعد، ومع ذلك فنحن أنفسنا الذين نَسْتَهول ما حدث في عهد عثمان نمرّ بها في سهولة، لا تثير في نفوسنا الكثير».
فهذه الكلمة الأخيرة حقّ أبلج، لكنّها لا تبرّر ما حصل، فنحن حين نستهوِل ما حصل فمعنا كلّ الحقّ في ذلك، لكنّنا نحن الذين نقع في التناقض حين نمرّ على أمثال تلك الأخطاء في تاريخنا الماضي وواقعنا المعاصر، فلا تؤثّر في نفوسنا، بل ربّما نُسِرُّ ونجاهر بالولاء لأصحابها في الوقت الذي نُدين عليها أولئك!.
وليس هذا تناقض فحسب، بل هو نفاق، نفاق جليّ، غير خفيّ، لأصحاب العناوين، سواء كانت عناوين سياسية أو دينية أو طبقيّة أو غيرها، منتَحَلَة كانت أم واقعيّة… نفاق لأنّها ليست فقط لا تؤثّر في نفوسنا، ولسنا فقط نغضّ الطرف عنها ونصفح، بل لأنّنا أصبحنا ندافع عنها بكلّ حماس؛ مرّةً بالتكذيب بها ونحن نعلم أنّها واقعة، ومرّة بتبريرها بألوان التبرير والتي سيبقى أبشعها على الإطلاق تبرير يضفي عليها صفة الشرعية! وهذا ونحن نعنّف، وبحماس أيضاً، على مثلها حين حصلت في ذلك العصر!.
صحيح أنّ حصول هذا المدى من الانحراف في عصر الصحابة ولَمْ يمضِ عن وفاة النبيّ عشرون عاماً بعد، له وقعه الخاص، لكنّ البُعد عن عصر النبيّ لم يكن بحال مبرّراً لظهور الانحراف، ولا مُهوّناً من خطورته، إذ هو تَعَدٍّ على حقوق الله وحقوق الأمّة، كما وصفه الأستاذ نفسه حين قال: «إنّ تقويم هذه الهفوات، ومحاولة ردّ الأمر إلى نصابه، كان مطلوباً من الأمّة المسلمة دون شكّ، وقد كان عليّ بن أبي طالب وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم يحاولونه، ولو قصّروا فيه لكانوا مقصّرين في حقّ من حقوق الله، وحقّ من حقوقه الأمّة»([431]).
الاضطرابات
وبداية النهاية
هذه هي النافذة التي أطلّ منها عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) على الحياة الاجتماعية والسياسية في هذا العهد.
لقد أقحم عليّ نفسه إقحاماً لتلافي ما يمكنه تلافيه، فردّ فتاوى، وصحّح أحكاماً، ووقف على إمضاء حدود كادت أن تُعطّل، وربّما باشر إجراءها بنفسه([432]).
وصحابة آخرون وقفوا صراحةً من أجل التصحيح، فكان لهم أثرهم بلا شكّ في عرقلة عجلة الانحراف، أو تأخيرها على الأقلّ، لكن لمّا لم تكن لهم مثل منزلة الإمام عليّ الاجتماعية فقد نالهم من الأذى ما كان سبباً حتّى في وفاة بعضهم:
ـ أبو ذرّ الغفاري، خامس الإسلام([433])، الأصدق لهجةً، استنكر بحزم تقديم كعب الأحبار على كبار الصحابة من أهل الفضل والعلم والسابقة، فلم يحتمل الخليفة ذلك منه، وأمره أن يغيّب وجهه عنه، فترك المدينة إلى الشام، وهناك استنكر بحزمه المألوف وصرامته في الحقّ ما رآه من استئثار أمير الشام، وشيوع تجارة الخمرة برعاية الأمير، فضاق به أمير الشام ورأى أنّ بقاءه فيها سوف يُفسد عليه حكمه ويثير عليه شعباً مسلماً سوف يتنبّه حتماً إلى مصداقية دعوى هذا الصحابي المخلص، خصوصاً.
ـ وقد سبقه في الشام صحابي آخر نادى بنداء أبي ذرّ ذاته، وهو العَقَبي([434]) البدري، عبادة بن الصامت! كان ذلك منه في عهد عمر أوّلاً، ثمّ تكرّر ثانية في هذا العهد([435]).
ـ وعبدالله بن مسعود، المهاجر البدري الشهير، وقف بحزم أمام النهب الأموي، وكان أميناً على بيت المال في الكوفة، فامتنع عن وضع بيت المال بأيديهم ليأخذوا منه ما يشاؤون، وتحمّل لأجل ذلك كثيراً حتّى ضربه الأموّيون وجرّوا برجليه وضربوا به الأرض حتّى كُسر له ضلعان، فبقي طريح فراشه حتّى توفّي، وقد أوصى عمّار بن ياسر أن يتولّى الصلاة عليه ودَفْنَه ولا يخبر به الخليفة([436])!.
ـ وعمّار بن ياسر، المهاجر القديم، الذي لا يفارق الحقّ مهما اختلف الناس، كان حليفاً لإخوانه المتقدّمين في مسيرة الإصلاح الواعية والرشيدة، حتّى انتهى أمره إلى أن يُضرب، بحكم من مروان، حتّى فُتق بطنه وغشي عليه([437])!.
ـ وجندب بن كعب الأزدي، الذي نهض بوجه والي الكوفة الوليد بن عقبة لشربه الخمر وتقريبه السَّحَرة، حتّى سلّ سيفه وضرب عنق الساحر في مجلس الوليد، فأراد الوليد قتله، فقام رجال في المجلس فاعترضوه، وقالوا: تقتل صاحب رسول الله بعلج ساحر؟! فسجنه، فعلم السجّان أنّ الوليد ينوي قتله في السجن، فأتاه وفتح له السجن، وقال له: انجُ بنفسك.
فقال: تُقتَل بي! قال: ليس ذلك بكثير في مرضاة الله والدفع عن وليّ من أولياء الله!.
فلمّا أصبح الوليد دعا بجندب فلم يجده، فقتل السجّان وصلبه بالكناسة([438])!.
ـ ونهض أهل الكوفة على واليها الآخر سعيد بن العاص الأموي، الذي كان يرى أنّ العراق بستان لقريش، والناس أجَراءهم فيها! فذهب خيارهم إلى الخليفة وشكوه إليه، فلم يعزله الخليفة، فعزلوه هم وارتضوا عليهم أبا موسى الأشعري فأقرّه عثمان، وكان في طليعة هؤلاء المصلحين: مالك الأشتر، وثابت بن قيس الأنصاري، وكُميل بن زياد، وزيد بن صوحان، وصعصعة بن صوحان، والحارث الأعور، وجندب بن زهير وآخرون([439]).
إذن هناك حركة إصلاح واعية يقودها الطليعة من الصحابة عليهم التحيّة والرضوان…
فلا يمدّ خصوم الإسلام ـ من مستشرقين وغيرهم ـ آنافهم إلى هذه الثغرة، فإذا كان ثمّة انحراف ظاهر، فسببه رجال حاربوا الإسلام بكلّ ما يملكون حتّى غلبهم ودخل عليهم مكّة، فلم يجدوا منه مفرّاً، ووجدوا ديناً سمحاً لا يعاقب على ما سلف، ولا يفتّش عن السرائر وما تُخفي الصدور… ثمّ وقف بوجههم خيار الصحابة الذين عاشوا حول النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وعاصروا الإسلام في أيّامه الأولى، وخاضوا حروبه كلّها، فهم أحرى أن تقصدهم الأنظار، خصوصاً حين كانوا بنهضتهم الإصلاحية الواعية روّاداً لمسار الإسلام الأصيل.
وهناك دعوات أخرى واجهت هذا الانحراف الظاهر، لكنّها جنحت إلى التطرّف فخرجت عن كونها إصلاحية، لكنّها على أيّ حال كانت حركة رافضة لما يجري، ومنها:
ـ نداءات السيّدة عائشة، وهي تقول: اقتلوا نعثلاً، فقد كفر([440])!!.
ـ مكاتبات طلحة إلى أهل البصرة يحرّضهم على النهوض لقتل عثمان([441])!.
ـ تحريض عمرو بن العاص الكثير والشنيع منذ أن عزله عثمان عن مصر، فكان يقول: والله إنّي كنت لألقى الراعي فأحرّضه على عثمان([442]).
ـ قول عبد الرحمن بن عوف لعثمان: لمَ فررتَ يوم أحد، وتخلّفت عن بدر، وخالفتَ سنّة عمر([443])؟!.
فإذا كان في كلمة عبد الرحمن الأخيرة «وخالفتَ سنّة عمر» ما يصلح أن يكون بحقّ تذكيراً لأجل الإصلاح، فالذي في أوّل كلامه تجريح في غير محلّه، بل قد يؤخذ على عبد الرحمن نفسه، فعلى يده كان اختيار عثمان للخلافة، فإذا كان يرى فيهما قدحاً فليذكرهما آنذاك، أمّا الآن فقد تعدّى أوانهما.
أمّا موقف السيّدة عائشة وطلحة وعمرو، فهو موقف متطرف بلا شكّ، وسوف يتّخذون لأنفسهم بعد مقتله موقفاً نقيضاً، وهو الآخر في غاية التطرّف!.
الميزان
بقي الميزان الذي لا يجور في يد عليّ (عليه السلام)، في موقفه وكلماته…
إنّه الرجل الذي ما غضب إلاّ للحقّ، ولا أخرجه غضبه قطّ عن الحقّ، ولا نَدرتْ منه كلمة تُلجئه إلى الاعتذار، أو تُظهر الأيّام قصورها… بل ما اتّخذ موقفاً ولا قال كلمةً إلاّ صارت ميزاناً توزن به المواقف والكلمات، وفرقاناً يفصل بين الحقّ والباطل، والصواب والخطأ، ويتمثّل فيه الاعتدال، بين الإفراط والتفريط، بين المهادنة على حساب الحقّ، وبين العدوان ومجاوزة الحقّ.
وعليّ، هو الرجل الذي كان يرى منذ البداية أنّه أحقّ من عثمان بمجلسه، وأولى به منه، وقد عرفنا كيف بايع له يوم بايع وهو يقول «لأسلمنَّ ما سَلِمَت أمور المسلمين، ولم يكن جور إلاّ عليَّ خاصّة» ولم يكن أحد غيره يقول مثل هذا، وإذا قد تأخّر بعضهم عن أبي بكر، فإنّ أحداً لم يتأخّر عن عثمان!.
ومع كلّ ذلك فلم يجد عثمان ناصحاً في أيّام شدّته ومحنته، غير عليّ، ولا وجد عاذراً غيره، لا من أصحاب الشورى، ولا من خاصّته، ولا من غيرهم…
فهؤلاء صاروا ثلاث طوائف: طائفة تفتنه وتجرّ الشرّ إليه، وطائفة تؤلِّب عليه الجماهير الغاضبة، وطائفة نكصت عنه وخذلته.
أمّا عليّ (عليه السلام) فقد كان يرى أنّ لهذه الجماهير الغاضبة حقّاً ينبغي أن تعود به، فهي لم تغضب عبثاً، ولا بلغ بها غضبها هذا الحدّ حتّى بلغ تجاهل الولاة والمقرّبين من الخليفة لحقوق الله وحقوق الناس مبلغه… كما كان يرى أنّ للخليفة حرمة ينبغي أن تُصان، وكان يعلم من أخبار هذه الأمة أنّه سوف يُقتل فيها خليفة، يفتح قتلُه على المسلمين باب القتل وبحور الدماء…
فحين اجتمع إليه الناس وذكروا عنده ما نقموه على عثمان، نهض إليه فكلّمه كلاماً طويلاً رأينا أن ننقله بطوله، لما فيه من غِنى عن كلّ التفاصيل، ولما يعطيه من صورة تامّة عن تلك الأحداث إلى ذلك الوقت، بما فيها موقفه الحكيم المتّزن، إذ قال له:
«إنّ الناس ورائي وقد استسفروني([444]) بينك وبينهم… ووالله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلّك على أمرٍ لا تعرفه، إنّك تعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنُخبرك عنه، ولا خَلَونا بشيء فنبلّغكَهُ، وقد رأيتَ كما رأينا، وسمعتَ كما سمعنا، وصحبت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كما صحبنا…
وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطّاب بأولى بعملِ الحقّ منك… وأنت أقربُ إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)([445]) وشيجة رحمٍ منهما، وقد نِلتَ مِن صهره ما لم ينالا…
فالله الله في نفسك، فإنّك والله ما تُبصَّرُ من عمي، ولا تُعلِّمُ مِن جهلٍ، وإنّ الطرق لواضحة، وإنّ أعلام الدين لقائمة…
فاعلم أنّ أفضل عباد الله عند الله إمامٌ عادلٌ، هُديَ وهَدَى، فأقام سنّةً معلومة، وأمات بدعةً مجهولة… وإنّ السنن لَنَيِّرةٌ لها أعلام، وإنّ البدَعَ لظاهرةٌ لها أعلام. وإنّ شرّ الناس عند الله إمامٌ جائرٌ، ضَلَّ وضُلَّ به، فأماتَ سنّةً مأخوذةً وأحيا بدعةً متروكة، وإنّي سمعتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيُلقى في نار جهنّم فيدور فيها كما تدور الرحى، ثمّ يَرْتَبِط في قعرها»…
وإنّي أنشُدك الله ألا تكون إمام هذه الأمّة المقتول! فإنّه كان يُقال: «يُقتل في هذه الأمّة إمام يَفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويَلْبِس أمورها عليها، ويبثُّ فيها الفِتنَ، فلا يُبصرون الحقّ من الباطل، يموجون فيها موجاً، ويمرجون فيها مَرجاً([446])… فلا تكونَنَّ لمروان سيِّقةً يسوقك حيث شاء بعد جلال السنّ وتقضّي العمر»!.
فقال له عثمان: «كلّم الناس في أن يؤجّلوني حتّى أخرج إليهم من مظالمهم».
فقال (عليه السلام): «ما كان في المدينة فلا أجَلَ فيه، وما غابَ فأجلُه وصولٌ أمرك إليه»([447]).
فطلب عثمان من عليّ (عليه السلام) أن يخرج إليهم ويكلّمهم ليرجعوا على أن يفي لهم بما طلبوا، فكلّمهم عليّ، فرجع المصريّون إلى مصر، ولكن تأخَّرَ عثمان عن تنفيذ ما وعدهم به، وكان الذي صرفه عن ذلك مروان بن الحكم، إذ قال لعثمان: تكلّم واعلِم الناس أنّ أهل مصر قد رجعوا، وأنّ ما بلغهم عن إمامهم كان باطلاً، قبل أن يجيء الناس إليك من أمصارهم ويأتيك ما لا تستطيع دفعه! ففعل عثمان ذلك([448])!.
فثارت الفتنة من جديد، ورجع المصريون إلى حصار عثمان، فذهب إلى عليّ (عليه السلام) فدخل عليه بيته فقال له: «يا ابن عمّ، إنّ قرابتي قريبة، ولي عليك حقّ عظيم، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم، وهم مُصَبِّحيَّ، ولك عند الناس قدر وهم يسمعون منك، وأُحبّ أن تركب إليهم فتردّهم عنّي».
فقال عليّ: «على أيّ شيء أردّهم عنك؟».
قال: «على أن أصير إلى ما أشرتَ إليه ورأيته لي».
فقال عليّ: «إنّي قد كلّمتك مرّة بعد أخرى، فكلّ ذلك نخرج ونقول: ثمّ ترجع عنه، وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبدالله بن سعد، فإنّك أطعتهم وعصيتني».
قال عثمان: «فأنا أعصيهم وأطيعك».
فأمر الناس فركب معه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلاً، فأتى المصريّين فكلّمهم، فذكر لهم ما وعد به عثمان من إرضائهم([449]).
فلمّا رجع عليّ من عندهم قال لعثمان: تكلّم كلاماً يسمعه الناس منك، ويشهدون عليك، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة، فإنّ البلاد قد تمخّضت عليك، فلا آمن أن يجيء ركب آخرين من الكوفة، فتقول: يا عليّ اركب إليهم، ولا أقدر أن أركب إليهم ولا أسمعُ عذراً، ويقدم ركب من البصرة، فتقول: يا علي اركب إليهم، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك واستخففتُ بحقّك.
فخرج عثمان فخطب الناس، فقال بعد الحمد والثناء: أمّا بعد أيّها الناس، فوالله ما عابَ من عاب منكم شيئاً أجهله، وما جئت شيئاً إلاّ وأنا أعرفه، ولكنّي فتنتني نفسي وكذبتني وضلّ عنّي رشدي، ولقد سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «من زلّ فليتب، ومن أخطأ فليتب، ولا يتماد في الهلكة، إنّ من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق» فأنا أوّل من اتّعظ، أستغفر الله ممّا فعلت وأتوب إليه، فمثلي نزع وتاب، فإذا نزلتُ فليأتني أشرافكم فليُروني رأيهم، فوالله لئن ردّني الحقّ عبداً لأستنَّ بسنّة العبد، ولأذلّنَّ ذلّ العبد، ولأكوننّ كالمرقوق، إن مُلِكَ صبر، وإن عُتِق شكر، وما عند الله مذهب إلاّ إليه.
فلا يعجزنّ عنكم خياركم أن يدنوا إليَّ، لئن أبت يميني لتُتابعنّي شمالي([450]).
فوالله لأعطينّكم الرضا، ولأَنحِيَنَّ مروان وذويه ولا أحتجب عنكم([451]).
فَرَقَّ الناس له، وبكوا، وبكى هو أيضاً.
وكان الناس قبل هذا قد اصطلحوا مع عثمان حين بعث إليهم عليّاً في واحدة من المرّات، فأقبل معه وجوههم، فاصطلحوا على خمس:
1 ـ أنّ المنفيّ يُقلَب ـ أي يعاد إلى بلده.
2 ـ المحروم يُعطى.
3 ـ يوفّر الفيء.
4 ـ يُعدَل في القَسم.
5 ـ يُستعمل ذوو الأمانة والقوّة([452]).
فلمّا نزل عثمان من خطبته قصد بيته فوجد مروان ونفراً من بني أميّة، فأراد مروان أن يتكلّم، فنهرته نائلة زوجة عثمان، وكانت امرأة صالحة تحثّ عثمان على الإصلاح وتحذّره من مروان وصحبه، فتنازعا الكلام، حتّى تكلّم مروان فعاب على عثمان إقراره بالخطأ وما أعطاهم من الوعد بالتغيير والإصلاح… فركن عثمان إلى كلامه وقال له: اخرج إلى الناس فكلّمهم، فإنّي أستحيي أن أكلّمهم!.
فخرج مروان إلى الباب! والناس مثل الجبال، فقال لهم: ما شأنكم قد اجتمعتم كأنّكم جئتم لنهب! شاهت الوجوه! جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا! اخرجوا عنّا… ارجعوا إلى منازلكم فإنّا والله ما نحن مغلوبون على ما في أيدينا([453]).
هذه هي كلّ الحقيقة التي آمن بها مروان وصحبه! إنّه الملك في أيديهم، وليس لأحد أن يقف دون أمانيهم ودون ما يشتهون!.
هذا المبدأ الذي ظهر منذ الآن سوف يكون في المستقبل القريب أسّ الدولة الأموية اللاحقة!.
فلمّا بلغ علياً هذا الكلام، قال: أي عباد الله، يا للمسلمين! إنّي إن قعدت في بيتي قال لي: تركتني وقرباتي وحقّي، وإنّي إن تكلّمتُ فجاء ما يريد، يلعب به مروان…
وقام مغضباً حتّى دخل على عثمان فقال له: أما رضيت من مروان ولا رضي منكم إلاّ بتحريفك عن دينك وعن عقلك… ,الله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه، وأيمُ الله إنّي لأراه يوردك ولا يُصدِرك! وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك، وغُلبت على رأيك([454])!.
هكذا يتحرّق قلب هذا الناصح الكبير وهو يرى ضعف الخليفة، واستهتار مروان وصحبه (بالملك!) حتّى فتحوا على هذه الأمّة أبواب فتن عظيمة، جرّت وراءها فتناً لا تنتهي، نعيش آثارها ونتائجها حتّى اليوم!.
وندم عثمان، وأنَّبته زوجته الصالحة نائلة ودعته إلى إرضاء عليّ فإنّ في ذلك صالحه وصلاح الأمّة، فبعث إلى عليّ يستصلحه، فقال علي: أخبرته أنّي غير عائد…
واشتدّ الأمر على عثمان، إذ حصروه في بيته، ومنعوا عنه الماء…
فأرسل عليٌّ ولديه الحسن والحسين، يحملان سيفيهما، فوقفا عند باب عثمان يمنعان الناس عنه، فهما سبطا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولهما في قلوب الناس هيبة وجلال ومنزلة لا يقتحهما أحد في ذلك العهد…
أمّا الماء فالذي منعه عنه: طلحة، ومن حوله جماعة!.
فأدرك عليّ أنّه لا أحد لهذا الأمر غيره، فتناسى كلّ معنى من مخالفة عثمان لرأيه التي جرّت إلى هذه الحال، وقصد طلحة، فقال له: يا طلحة، ما هذا الأمر الذي وقعت فيه؟!.
قال: يا أبا الحسن، بعد ما مسَّ الحزام الطيبين([455])!.
فتركه عليّ وقصد بيت المال، فقال: افتحوه. فلم يجدوا المفاتيح، فكسر الباب وأعطى الناس، فانصرفوا من عند طلحة حتّى بقي وحده!.
وسُرَّ بذلك عثمان، وقد دخلت عليه الروايا بالماء…
وجاء طلحة فدخل على عثمان، وقال له: يا أمير المؤمنين، أردتُ أمراً، فحال الله بيني وبينه!.
فقال عثمان: والله ما جئت تائباً، ولكن جئت مغلوباً! الله حسيبك يا طلحة([456])!.
لكنّ الأمر كان أكثر تعقيداً من هذا…
فالمصريّون الذي كلّمهم عليّ ومحمّد بن مسلمة ورجعوا، كانوا قد رجعوا ظافرين، إذ اشترطوا على عثمان أن يعزل عبدالله بن سعد ويولّي عليهم محمّد بن أبي بكر، فأعطاهم ذلك فرجعوا ومعهم محمّد بن أبي بكر، فبينما هم في بعض الطريق رأوا راكباً أمره مريب، فأخذوه وفتّشوه، فإذا هو غلام عثمان يحمل كتاباً بختم عثمان إلى عبدالله بن سعد أن يفعل بهم ويفعل! وكان مروان هو الذي زوّر هذا الكتاب([457])!.
فرجعوا من هناك وشدّدوا الحصار على عثمان، وخيّروه بين ثلاث: أن يخلع عمّاله الذين شكتهم الناس، أو أن يخلع نفسه، أو يقتلوه!.
فلمّا كان عاجزاً عن الخيار الأوّل، امتنع عن الخيار الثاني بقوله: «ما كنت لأخلع سربالاً سَرْبَلَنِيه الله عزّ وجلّ»! وأسلم نفسه للخيار الأخير، ومنع مَن حوله من أن يقاتلوا دونه([458])!.
وقد كان على بابه الحسن والحسين وقنبر مولى عليّ وطائفة فيهم عبدالله بن الزبير ومحمّد بن طلحة، وكان معهم عبدالله بن العبّاس، فبعثه عثمان قبل أيّام أميراً على الحاجّ ذلك الموسم، فلم يقتحم الناس الباب، ولكن تسوّروا الجدران فقتلوه في بيته… قتلوه قِتلة تنمّ عن نقمة توغّرت بها صدورهم، فطعنوه مراراً والمصحف في يديه!.
قال عليّ (عليه السلام): «أنا جامع لكم أمره: استأثر فأساء الأثَرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع»([459]).
كان ذلك في 18/ ذي الحجّة/ 35 للهجرة، بعد أكثر من 82 سنة من العمر، وبعد 12 سنة من الخلافة، و25 سنة (ربع قرن) من وفاة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)([460]).
صائب عبد الحميد
الحاصباني
يقع نهر الحاصباني قرب سفوح جبل الشيخ الغربية في جنوب شرق لبنان قريباً من الحدود السورية، ويمتد حتّى نبع الوزاني على مسافة أربعة كلم من الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية، وتحيط به مجار مائية بمجملها غير دائمة، وتأتي الأمطار ابتداء من شهر تشرين الثاني، لتملأ الوديان أثناء المطر. ثمّ تتركها جافة بقية السنة. وبهذا المكان وهذه الظروف المناخية يبدأ جريان نهر الأردن حيث الحاصباني يشكّل بدايته وأحد روافده الأساسية، ولا يأخذ نهر الأردن اسمه هذا سوى بعد خروجه من بحيرة الحولة في فلسطين.
تبلغ مساحة حوض الحاصباني 525 كيلومتراً مربعاً. وينبع على بُعد ثلاثة كيلومترات إلى الغرب من بلدة حاصبيا، ويمر على بُعد 4 كلم فقط من مجرى نهر الليطاني الأوسط بطول 25 كلم حتّى خراج قرية الماري اللبنانية ثمّ يتابع طريقه على مسافة 4 كيلومترات جنوباً، ويلتقي نهري بانياس والدان.
والحاصباني هو أحد أطول روافد الأردن الشمالية، ويبلغ طوله حتّى بحيرة الحولة 70 كيلومتراً، ويتلقى بعد 5 كيلومترات من البلدة أحد روافده المهمّة من وادي شبعا في منطقة وادي الخان، وقبل 3 كيلومترات من الحدود الجنوبية يتلقى مياه نبع الوزاني ثمّ يشكل الحدود بين لبنان وسوريا على كيلومترات عدّة.
يبلغ التصريف السنوي لنهر الحاصباني 151 مليون متر مكعب منها 40 مليوناً في فترة الشحائح، أي أنّ معدل تصريف النهر يبلغ حوالى 4,8 متراً مكعباً بالثانية.
أمّا معدّل ما يسيل في مجرى النهر في اتجاه فلسطين فهو 138 مليون م3 (107 في الغزارة، و31 في الشحائح). ولجهة المياه الجوفية التي تذهب في اتجاه الحولة والدّان في فلسطين يبلغ التسرّب الجوفي ما بين 115 و150 مليون متر مكعب في السنة. وبذلك، يصبح مجموع المياه التي تذهب إلى فلسطين في سنة مطرية متوسطة حوالي 253 مليون م3.
لا يستعمل لبنان حالياً سوى 7 ملايين متر مكعب في السنة من مصادر الحوض لري حوالي 675 هكتاراً، وتقدّر المساحات المروية بالجاذبية بحوالي 600 هكتار.
تغذي مصلحة مياه شمسين بلدات قضاء راشيا الوادي وقراه، وتغذي مصلحة مياه جبل عامل قرى قضاء مرجعيون وبلداته ويتم تأمين مياه الشفة لحوالي 40 ألف مقيم حالياً لتصبح الكميات الموزعة حوالي 4 آلاف متر مكعب يومياً بما فيه الأهدار، أي ما يقارب 1,5 مليون متر مكعب في السنة أي أنّ الاستعمالات الإجمالية الحالية لا تتعدّى 8,5 ملايين متر مكعب سنوياً.
الحاصباني وحوض نهر الأردن
والمشاريع الدولية
يقع نهر الأردن في وسط الشرق الأوسط، ويبلغ طوله من روافده 360 كلم، ويمر في أربعة دول هي سوريا ولبنان والأردن وفلسطين. وتنبع روافد نهر الأردن من سوريا (نهر بانياس)، ولبنان (نهرا الحاصباني والوزاني)، والأردن (نهر اليرموك وهو أحد أهم روافد نهر الأردن)، والدّان في فلسطين. ويغذي النهر بحيرة طبريا قبل أن يصب في البحر الميت. ويبلغ تصريف نهر الأردن في سنة متوسطة ملياراً و880 مليون متر مكعب أي 56 متراً مكعباً في الثانية (Hydro Module).
ويتكوّن نهر الأردن من عدد من الروافد المهمة تنبع من الدول المجاورة لفلسطين وهي:
1 ـ نهر الحاصباني، داخل الأراضي اللبنانية مسافة 21 كلم، تصبّ فيه مياه نبع الوزاني، معدل تصريفه السنوي نحو 150 مليون متر مكعب.
2 ـ نهر بانياس ينبع من سفوح جبل الشيخ في الأراضي المحتلة قريباً من الأراضي اللبنانية، تصريفه السنوي نحو 258 مليون متر مكعب.
3 ـ نهر الدّان، وهو رافد غزير المياه ينبع في الأراضي المحتلة قريباً من الاراضي اللبنانية، تصريفه السنوي نحو 258 مليون متر مكعب.
4 ـ نهر اليرموك، الرافد الرئيسي لنهر الأردن، ينبع من الأراضي السورية قرب القنيطرة، معدل تصريفه نحو 450 مليون متر مكعب.
ومع انضمام انهر الزرقاء في الأردن وبعض الروافد الصغيرة يدخل البحر الميت بطاقة مليار و317 مليون متر مكعب. أمّا كمية المياه بشكل عام فهي في شكل وسطي: مليار و920 مليون متر مكعب، منها مليار و488 مليون متر مكعب، أي 77 في المائة من الدول العربية، 432 مليون متر مكعب فقط من داخل فلسطين المحتلة.
المشاريع الدولية
لحوض نهر الأردن والحاصباني
في 2 أيلول 1953 بدأت الحكومة الإسرائيلية في منطقة الحولة، المنزوعة السلاح آنذاك، بناء مشروع قناة تحويل ومعمل كهرمائي على نهر الأردن. وطلبت الولايات المتحدة، المموّل الرئيسي للمشاريع الإسرائيلية آنذاك، من إسرائيل التوقّف الفوري عن تنفيذ هذا المشروع، وهدّد الرئيس دوايت أيزنهاور بوقف المساعدات المالية لإسرائيل، وكانت هذه المسألة أوّل اختلاف جدّي بين الدولتين الحليفتين أي الولايات المتحدة وإسرائيل.
وسارعت إدارة الرئيس إيزنهاور إلى إرسال مبعوث لها هو إريك جونستون الذي تمكّن من وضع مشروع لاقتسام مياه الأردن بين دول المنطقة في محاولة لإيجاد حل للأزمة التي أوجدتها إسرائيل بتنفيذها المشروع. واقترح المشروع الأميركي استثمارات مشتركة لمياه الأردن. وتمّ تحديد حصة كلّ دولة من دول المنطقة من المياه.
واستقبلت دول المنطقة المشروع الأميركي دون حماسة. إسرائيل كانت قد تعهّدت أمام الأمم المتحدة بالتوقّف عن تنفيذ مشروعها وأبدت ملاحظات وتحفظات عديدة عن المشروع، وكانت تأمل بالأخص في إدخال مياه الليطاني ضمن مشروع جونستون. أمّا الدول العربية فقد اعتبرت أنّ هذا التوزيع لا يعكس الواقع ولا يؤمن الحقوق العربية من المياه، كما أنّ القبول بمشروع جونستون هو بمثابة اعتراف ضمني بوجود إسرائيل، وهذا ما كانت ترفضه الدول العربية التي اعتبرت أيضاً أنّ المشروع هو بمثابة دعم لإسرائيل وتسهيل لتنفيذ مشاريعها الهادفة إلى استقبال المزيد من المهاجرين.
وفي الجولة الأخيرة في تشرين الأوّل 1955، أنهى جونستون مفاوضاته المكوكية ووضع أمام الحكومات الأربع: الأردن وسوريا ولبنان وإسرائيل مشروعه النهائي حول الاستخدام العربي ـ الإسرائيلي للمياه، واقترح تحويل بحيرة طبريا إلى خزان أساسي لمياه نهري الأردن واليرموك، وكانت حصة إسرائيل 394 مليون وترك لسوريا 132 مليوناً من مجموع إيراد مياه الأردن، و35 مليوناً للبنان.
ومن بنود هذا المشروع:
أ ـ التخزين.
ب ـ التوزيع.
ج ـ تقسيم المياه.
اقترح المشروع توزيع موارد النهر (مليار و213 مليون م(3) بين سوريا والأردن وإسرائيل ولبنان، كما يأتي:
ـ الأردن: 56,2 % أي 720 مليون م3.
- الباقي من نهر اليرموك (تقديرياً 377 مليون متر مكعب) بعد توزيع 25 مليون متر مكعب على إسرائيل، و90 مليون متر مكعب على سوريا.
- 243 مليون متر مكعب من مياه الأودية والآبار.
- 100 مليون متر مكعب يتم سحبها من بحيرة طبريا.
ـ سوريا: 10,4 أي 134 مليون م3، وهي 44 مليون م3 بالإضافة إلى 90 مليون م3 من اليرموك.
- 90 مليون متر مكعب من أعالي اليرموك.
- 20 مليون متر مكعب في رافد بانياس.
- 24 مليون متر مكعب من أعالي الأردن.
ـ إسرائيل: 30,7% أي أكثر من 394 مليون م3.
- 25 مليون متر مكعب من اليرموك.
- 369 مليون متر مكعب بعد التوزيع على سوريا والأردن، من إجمالي تصريف نهر الأردن.
ـ لبنان 2,7% أي 35 مليون متر مكعب من الحاصباني.
وبقي المشروع مرفوضاً على الرغم من أنّ الأردن وإسرائيل يعملان عملياً ضمن خطوطه العريضة. فقد نفذت إسرائيل ضمن الكميات المحددة لها القناة الوطنية National Water Carrier كما نفذت المملكة الأردنية قناة الغور أو قناة الملك عبدالله التي تمتدّ على طول 120 كلم في محاذاة نهر الأردن، وتابعت إسرائيل أعمال تحويل النهر بين بحيرة الحولة وبحيرة طبريا، في حين بدأ الأردن بناء شبكات الري من نهر اليرموك، وفي أواسط الستينات أنهت إسرائيل مشروع «القناة الوطنية» وبدأت جر المياه من بحيرة طبريا في اتجاه صحراء النقب.
في 7 آذار 1923 تمّت المصادقة على تثبيت الحدود بين لبنان الكبير وسوريا من جهة، وفلسطين من جهة أخرى، من دون الإشارة إلى نهر الليطاني، وعام 1934 صادقت عصبة الأمم على هذا الاتفاق فأصبح مكرّساً وفقاً للقانون الدولية.
وتعود بداية الاستغلال الصهيوني للمياه اللبنانية (الحاصباني) إلى عام 1967 حين استطاعت إسرائيل التوغل شمالاً والسيطرة على منابع نهر الأردن واحتلال شريط بسيط من الجنوب اللبناني في ما بين 1967 و1982. فقد استعملت إسرائيل مياه الحاصباني والوزاني بكاملهما، متذرّعة بأنّها تستخدمها لري قرى الشريط الحدودي وبأنّ هذا النهر دولي باعتباره رافداً من روافد الأردن. وبعد سيطرتها على المنطقة في أواخر السبعينات، منعت إسرائيل المزارعين من فتح آبار جديدة من دون إذن يصدر عنها، وسيطرت على مجموعة من مياه الآبار الارتوازية في مرج الخوخ قرب إبل السقي.
المشاريع اللبنانية لنهر الحاصباني
وحاجات المياه في حوضه والميزان المائي
إنّ المخطط التوجيهي الوحيد المتوافر يعود إلى عام 1954 بعد وضعه من بعثة «النقطة الرابعة» الأميركية، وهو مخصّص لري الأراضي الزراعية والاستخدام المنزلي كما يأتي:
ـ مشاريع الري: 4250 هكتاراً أي 38 مليون متر مكعب في السنة.
ـ مياه الشفة: 140000 نسمة 28000 متر مكعب يومياً أي حوالي 10 ملايين متر مكعب في السنة منها 6 ملايين متر مكعب في السنة في فترة الجفاف.
وعليه تبلغ الحاجات في فصل الشحائح 44 مليون متر مكعب وإجمالي الحاجات السنوية 48 مليون م3 ولحظ مشروع جونستون 35 مليون متر مكعب للبنان فقط من مياه نهر الحاصباني، دون التطرق إلى المياه الجوفية التي حاولت إسرائيل منع المواطنين من استخدامها.
إنّ تحديد حصة لبنان من مياهه، في القسم الذي يجري داخل أراضيه، يعود بشكل أساسي إلى الاستعمالات التاريخية القديمة والتي استمرّت إلى ما قبل الاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإلى تكلفة الفرصة البديلة من جهة أخرى. وضرورة استعمال المياه داخل الحوض من جهة ثالثة.
إنّ حاجات منطقة حوض الحاصباني لري مساحات تراوح بين 3500 و4500 هكتار تفوق 35 مليون متر مكعب كما حدّدها مشروع جونستون، كما أنّ الحاجات المنزلية والصناعية ستفوق 15 مليون متر مكعب في السنوات القليلة المقبلة.
إنّ حاجات الري يجب أن تلحظ:
ـ مشروع ري منطقة الحاصباني بمساحة 3,500 هكتار وتبلغ حاجاته 35 مليون متر مكعب في السنة تلزمه بكاملها في فصل الجفاف.
ـ مشاريع ري متفرقة في الحوض وري موسمي وحدائق بمساحة 600 هكتار وتبلغ حاجاتها 6 ملايين متر مكعب في السنة تلزمه بغالبيتها في فصل الجفاف.
بالإضافة إلى:
ـ مياه شفة وحاجات منزلية وخدمات لعدد سكان يبلغ 140,000 نسمة، يلزمها 28000 متر مكعب يومياً، أي حوالي 10 ملايين متر مكعب في السنة وذلك في السنوات القليلة المقبلة، منها 6 ملايين متر مكعب في فترة الجفاف.
لذلك فإنّه من الواضح أنّ حصة لبنان يجب ألا تقل عن 55 مليون متر مكعب، بالإضافة إلى المياه الجوفية في المنطقة.
إنّ معدل ما يسيل في مجرى النهر في اتجاه فلسطين هو:
مياه سطحية: 138,2 مليون متر مكعب (107,4 في فترة الغزارة و30,8م3 في فترة الشحائح).
مياه جوفية وينابيع: 115 مليون م3 (في اتجاه الحولة والدّان في فلسطين).
إنّ مجموع المياه التي تذهب إلى فلسطين في سنة مطرية متوسطة يبلغ حوالي 255 مليون م3، عوض 195 مليون م3، أي بزايدة 60 مليون م3 سنوياً عن مشروع جونستون.
الحاوي
في رجال الشيعة الإمامية
لابن أبي طي الحلبي
هذا الكتاب واحد من الآثار القيّمة لابن أبي طيّ، ضمّنه ذكر وتراجم كبار أعلام الشيعة، وهو مفقود الآن.
وكان لدى كلّ من الذهبي وابن حجر نسخة من هذا الكتاب، وقد ذكرا بعض فصوله في كتاباتهما بعناوين مختلفة، مثل: «رجال الشيعة»، «تاريخ الإمامية»، و«طبقات الإماميّة» وأمثال ذلك.
وقد وردت في ترجمة ابن أبي طيّ عناوين مثل: أسماء رواة الشيعة ومصنّفيها([461])، والحاوي في رجال الإمامية([462])، وتاريخ العلماء([463])، والاحتمال القويّ أنّ هذه العناوين كلّها هي لكتاب واحد.
كما توجد في مكتبة الأوقاف العامّة في الموصل نسخة مخطوطة لرسالة بعنوان: بيان طبقات العلماء مستلّة من كتاب الطريقة المحمّدية، ذكر مفهرس المكتبة أنّها ليحيى بن حميدة الحلبي([464]).
والحموي ـ المتوفّى في حلب، والذي كان قد اجتمع بابن أبي طيّ ـ عنوان الكتاب باسم الحاوي في رجال الإماميّة، على ما نقل عنه ابن حجر.
في حين أنّ صاحب الوفيات ذكر عنوان أسماء رواة الشيعة ومصنّيها ضمن قائمة آثار ابن أبي طيّ المطوّلة التي أثبتها، نقلاً عن ياقوت.
والذهبي أيضاً أورد الكتاب بعناوين عديدة، وقد كتب عنه ـ ضمن ترجمة ابن أبي طيّ ـ: وهو مسودّة في عدّة مجلّدات، نقلت منه كثيراً.
والظاهر أنّ الاسم الذي أورده ياقوت أدقّ من العناوين الأخرى.
وأكثر الموارد التي ذكرناها هنا، هي الموارد المنقولة صراحة من كتاب ابن أبي طيّ أو من شخصه، كما نقلنا موارد أخرى لم يصرّح الذهبي أو ابن حجر بنقلها عن ابن أبي طيّ، ذكرناها اعتماداً على الظنّ القويّ؛ المبني على أساس ذكر تراجم بعض الأشخاص الذين عاشوا في أواخر القرن الخامس أو السادس الهجري، ولا يمكن أن يرد لهم ذكر في كتاب الشيخ الطوسي أو كتاب النجاشي، مع إمكان أن يكون في تاريخ بغداد لابن النجّار…
كما أنّ بعض الموارد تتعلّق بأشخاص هم من مواطني مدينة حلب؛ فلا بُدّ أن يكون ـ بناءً على الظنّ القويّ ـ مصدر ترجمتهم هو كتاب ابن أبي طيّ هذا.
والظاهر ـ بدايةً ـ أنّ ابن حجر والصَفَدي قد رويا بعض المعلومات من كتاب تاريخ الشيعة، نقلاً عن تاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء للذهبي…
وبخصوص الصفدي ـ الذي كان من تلامذة الذهبي ـ، لا بُدّ من القول بوجود احتمال بأنّ أصل هذا الكتاب كان في متناول يده، ولكن بما أنّه لم يذكر مصادره في أغلب الموارد، فلا يمكن إبداء وجهة النظر في التراجم التي أوردها في كتابه منقولة عن ابن أبي طيّ؛ هل أوردها الذهبي أم لا؟!.
مع ذلك، فمن تشابه عباراته ـ في ما وجد من موارد ـ مع العبارات التي نقلها الذهبي عن كتاب ابن أبي طيّ، يمكن الاستنتاج والقطع بأنّ النّص المذكور في الوافي قد نقل من كتاب تاريخ الشيعة.
وأمّا بخصوص ابن حجر، فلا بُدّ من القول بأنّه كان يملك أصل الكتاب؛ فهو يذكر تراجم منقولة عن كتاب ابن أبي طيّ، لم يذكرها الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام…
إضافة إلى ذلك، فهو ينقل في كتاب الإصابة عن هذا الكتاب بعنوان تاريخ الشيعة الإماميّة؛ إذ كتب في ترجمة «سَعْنة»: لكن وجدت بخطّ ابن أبي طيّ في «رجال الشيعة الإماميّة»([465]).
كما ورد هذا التعبير في لسان الميزان أيضاً، في ذيل ترجمة السيّد الحميري «إسماعيل بن محمد»، وفي موارد أخرى، سنعرضها في ما بعد.
في الحقيقة، لا مناص من القول بأنّ ابن حجر كان يملك أغلب مصادر كتب الرجال الشيعية، وقد استفاد منها في لسان الميزان؛ إذ نقل في موارد عديدة عن كتاب رجال علي بن الحكم([466])، الذي لم نجد له أثراً حتّى اليوم.
كما ذكر موارد كثيرة من تاريخ الريّ لمنتجب الدين ـ الذي جمعناه في مقالة أخرى([467]).
وكذلك نقل تراجم عديدة عن كتب كانت في حوزته، مثل: الفهرست للشيخ الطوسي، رجال الكشّي، رجال ابن عقدة([468])، رجال النجاشي، رجال علي بن فضّال([469])، والفهرست لابن شهرآشوب([470]).
القيمة التاريخية لكتاب «طبقات الإماميّة» في تاريخ التشيّع:
من الجوانب المفيدة لهذا الكتاب المفقود، دوره المهم في التعرّف على تاريخ الشيعة، وبالخصوص في بلاد الشام؛ فالمعلومات الفريدة الرائعة التي خلّفها المؤلّف في هذا السفر القيّم عن التراجم والأحوال، يمكن أن تكشف لنا عن مدى انتشار التشيّع في حلب وطرابلس ونواحي الشام الأخرى.
وما ذكره الحسن بن زهرة، من بيان للدور البارز الذي كان لهذا الفقيه الشيعي الكبير في دولة المماليك، والتقدير الذي كان يحظى به بين الناس ومنزلته في المجتمع؛ دليل وشاهد على نفوذ الشيعة في هذه المناطق، والمنزلة العلمية والاجتماعية والدينية لكثير من رجال الشيعة، خصوصاً بني زهرة.
هذا الأمر لم يقتصر على تشيّع أهل حلب فحسب، بل إنّ المعلومات التي قدّمها بشأن الحسين بن روح النوبختي، والشيخ المفيد، وكذلك ابن شهرآشوب المازندراني، تعدّ فريدة وممتازة جدّاً وليس لها نظير…
أمّا المؤلف فهو يحيى بن حميد بن ظافر الطائي الحلبي (575ـ630هـ) ([471]).
أحد كبار المؤرّخين الشيعة البارزين من أهل مدينة حلب، كتب وصنّف ـ إضافة إلى التاريخ ـ في مجالات العلم والمعرفة الأخرى.
لكن آثار هذه الشخصية الشيعية الكبيرة قد اندثرت؛ بسبب سيطرة الحكّام النوريين والأيوبيين والمماليك على بلاد الشام، وحصارهم للشيعة والتشيّع.
والقائمة الطويلة لمصنّفاته تشير إلى اشتمال كلّ واحد منها على عدّة مجلّدات، كما نقل عنه من أتى بعده من المؤرّخين الشاميين في كتبهم؛ وهذا دليل على مرتبته العلمية الرفيعة.
والواقع إنّ هذا العالِم كان استمراراً لحركة القافلة الكبيرة لعلماء الشيعة الذين تعهّدوا قيادة الشيعة الذين كانوا يشكّلون غالبية سكّان مدينة حلب ـ منذ أواخر القرن الثالث وحتّى القرنين السادس والسابع الهجري في هذه المدينة الكبيرة.
ولعلّ النقطة البديعة التي يمكن أن تبيّن مكانته كعالم شيعي كبير وشعبي في هذه المدينة، هي ما ذكره ابن شدّاد، المتوفّى سنة 684هـ ـ: من بين مساجد حلب، يوجد مسجد باسم مسجد منتجب الدين يحيى ابن أبي طيّ، الشهير بابن النجّار([472]).
إنّ انتماء هذا العالِم إلى التشيّع ظاهر للعيان بكلّ وضوح؛ فقد نشأ وتربّى على يد عالم شيعي بارز، هو ابن شهرآشوب المازندراني، الذي كان زوجاً لابنة عمّته، كما أنّ بعض مصنّفاته ترتبط ـ بشكل ما ـ بالثقافة الشيعيّة، مثل:
- المجالس الأربعين في مناقب الأئمة الطاهرين (عليهم السلام).
- شرح نهج البلاغة «في ستّة مجلّدات».
- أخبار شعراء الشيعة.
- تضوّع اللطائم في شرح خطبة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
- ذخر البشر في معركة الأئمة الإثني عشر (عليهم السلام).
ولعلّ أبرز من كتب عن أحوال ابن أبي طيّ في المصادر الحديثة هو كلود كاهن؛ إذ كتب المدخل إلى حياة ابن أبي طيّ في دائرة المعارفة الإسلامية «النسخة المصحّحة الثانية» التي هي مختصرة جدّاً([473])…
وكتب السيّد فكرت ـ بالفارسية ـ تاريخ حياته المفصّلة في دائرة المعارف الإسلامية الكبرى (2/7ـ676).
ولعل أنسب وأشمل تعريف بحياة وشخصيّة ابن أبي طيّ، هو عرض ما ورد عنه في النصوص القديمة…
كتابات القدماء عن ابن أبي طيّ وكتبه
أقدم من كتب عن حياة ابن أبي طيّ، ياقوت الحموي، المتوفّى سنة 626هـ في حلب، وأوردها عنه في معجم الأدباء، إلاّ أنّها ساقطة من طبعات الكتاب الموجودة؛ إذ كان قد التقاه في حلب سنة 619هـ، وأخذ تاريخ حياته منه مباشرة، وقد حكم الحموي ـ المتّهم بأنّه ناصبي([474]) ـ بقسوة على ابن أبي طيّ.
هذا، وقد نقل ابن حجر في لسان الميزان([475]) ترجمة ابن أبي طيّ عن ياقوت الحموي، والكتبي نقل ـ بدقّة عن ياقوت أيضاً ـ في فوات الوفيات([476]) القسم الثاني من ترجمة ابن أبي طيّ، الخاصّ بمصنّفاته، أمّا القسم الأوّل الذي يشمل شؤون حياته الشخصية فقد فات الكتبي أن ينقله، ورغم ذلك ـ لحسن الحظ ـ حُفظ هذا القسم في مكان آخر.
وهو ما نقله الشهيد الأوّل في بعض فوائده؛ إذ نقل عين ما أورده الحموي، عن ابن أبي طيّ، ما أخبره به عن طفولته وشؤونه الشخصية([477]).
ووقع هذا النصّ بيد عبدالله أفندي، فنقله في رياض العلماء، مشتبهاً بأنّ الشهيد الأوّل قد نقله عن معجم البلدان، بينما هو منقول عن معجم الأدباء…
فما ذكره الحموي ـ بموجب نقل الشهيد الأوّل ـ هو التالي:
يحيى بن أبي طيّ أحمد بن طائي الحلبي: أحد من يتأدّب ويتفقّه([478]) على مذهب الإماميّة وأصولهم، وله تصانيف في أنواع العلوم…
أمّا القسم الآخر الذي كتبه الحموي عن أحوال ابن أبي طيّ وذكر فيه مصنّفاته وأورده ابن شاكر الكتبي (توفي 764هـ) في فوات الوفيات فهو:
يحيى بن حميد بن ظافر بن النجّار بن علي بن عبدالله الحلبي، المعروف بابن أبي طيّ: أحد من تعاطى الأدب والفقه على مذهب الإماميّة وأصولهم، وصنّف في أنواع من العلوم…
قال ياقوت: وقد جعل التصنيف حانوته، ومنه مكسبه وقوّته، وأكثر تصانيفه قطع فيها الطريق، وأخاف السبيل، يأخذ كتاباً قد أتعب العلماء فيه خواطرهم فيقدّم فيه، أو يؤخّر، أو يزيد، أو ينقص قليلاً، أو يختصر، ويخلق له اسماً غريباً وينتحله انتحالاً.
وقد طوّل ياقوت ترجمته في معجم الأدباء.
ومولده بحلب سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وتوفي حدود الثلاثين والستّمائة، وذكر عنه ياقوت أنّ والده كان لا يعيش له ولد وأنّه لما رزقه حملته جارية وصعدت به السطح ليلة الميلاد وكانت شديدة البرد، فأخذه اضطرام وإفحام، وابيضّت عيناه جميعاً، ولازمه الرمد إلى أن احتلم، فتجلّت ممّا كان فيها من البياض، وكان والده نجّاراً مقدّماً على كلّ نجّار بحلب.
وقرأ يحيى القرآن على والده، واشتغل بفقه الإماميّة على رشيد الدين المازندراني، ومن تصانيفه:
1 ـ كتاب البستان في مجلس الغلمان(أو محاسن الغلمان).
2 ـ كتاب معادن الذهب في تاريخ حلب.
3 ـ كتاب ملح البرهان في تفسير القرآن.
4 ـ كتاب قبسة العجلان في تفسير القرآن.
5 ـ كتاب البيان في أسباب نزول القرآن.
6 ـ كتاب غريب القرآن.
7 ـ تفسير الفاتحة.
8 ـ المجالس الأربعين في مناقب الأئمّة الطاهرين.
9 ـ كتاب خلاصة الخلاص في آداب الخواص ـ عشر مجلدات ـ.
10 ـ كتاب حوادث الزمان على حروف المعجم ـ خمس مجلّدات ـ.
11 ـ كتاب تاريخ العلماء ـ مجلّد ـ.
12 ـ شفاء الغليل في ذمّ الصاحب والخليل ـ مجلّد ـ.
13 ـ شرح نهج البلاغة ـ ست مجلّدات ـ.
14 ـ تحفة الطائفة الفقهائية في شرح كلماتهم اللغوية.
15 ـ التنبيهات في تعبير المنامات.
16 ـ التنبيهات على صنع النبات.
17 ـ الكشف والتبيين في محاسن التضمين.
18 ـ العروس في أدب السائس والمسوس.
19 ـ مودعة السفيه وموزعة النبيه، في المأخذ على راجح الحلّي وسرقاته.
20 ـ التحقيق في أوصاف الرقيق.
21 ـ الروضات البهيات في محاسن القينات.
22 ـ اللباب في أسماء الأحباب.
23 ـ نسيم الأرواح في ما جاء في التفّاح.
24 ـ الإيجاز في الألغاز.
25 ـ أخبار شعراء الشيعة([479]).
26 ـ الاقتصاد في الفرق بين الظاء والضاد.
27 ـ كتاب الأضداد.
28 ـ النكت الشاردة والنادرة والفائدة.
29 ـ المنتخب في شرح لاميّة العرب.
30 ـ تضوّع اللطائم، في شرح خطبة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
31 ـ شرح كلام أمّ سلمة لعائشة رضي الله عنها.
32 ـ نهج البيان في عمل شهر رمضان.
33 ـ المشكاة في عويص مسائل النحاة.
34 ـ إفراد قراءة أبي عمرو بن العلاء.
35 ـ مختصر في اللغة.
36 ـ إفراد مسائل.
37 ـ الجمع بين زوائد الصحاح وزوائد المجمل.
38 ـ ذخر البشر في معرفة القضاء والقدر.
39 ـ كتاب في حكم كلام الأئمّة الإثني عشر.
40 ـ الحاوي في المعمول عليه من الفتاوي.
41 ـ سرّ السرائر.
42 ـ فقه أحكام النساء، في الفقه.
43 ـ ذخر البشر في معرفة الأئمّة الإثني عشر.
44 ـ مجموع مسائل فقه وأصول.
45 ـ شرح غريب ألفاظ المقامات.
46 ـ شرح الحماسة.
47 ـ أخلاق الصوفية.
48 ـ عقود الجواهر في سيرة الملك الظاهر([480]).
49 ـ كنز الموحّدين في سيرة صلاح الدين.
50 ـ ذيل التاريخ الكبير الذي سمّاه معادن الذهب.
51 ـ سلك النظام في تاريخ الشام ـ أربع مجلّدات.
52 ـ مختار تاريخ المغرب.
53 ـ كتاب تاريخ مصر.
54 ـ تهذيب الاستيعاب لابن عبد البرّ.
55 ـ سيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه ـ ثلاث مجلّدات.
56 ـ اشتقاق أسماء البلدان.
57 ـ نكت دُرّة الخواص.
58 ـ أسماء رواة الشيعة ومصنّفيها.
59 ـ سيرة ملوك حلب.
60 ـ كتاب التصحيف والأحاجي.
ومن شعره رحمه الله:
يا أبا جعفر تجاف قليلاً
كم تسامى بمفخرٍ منحوسِ
أنت من معشر كرام ولكن
أنت فيهم قوائم الطاووسِ
وقال في مديح آل البيت رضي الله عنهم:
أنا في إسار غدائر ونواظر
من كلّ أبيضَ ذي قوامٍ ناضرِ
ريّان من مرح الصِبا فكأنّما
رويتْ معاطفه بغيثٍ باكرِ
خمريُّ ريقٍ لؤلؤيُّ لواحظٍ
مسكيُّ صدغٍ صارميُّ محاجرِ
لله ليلتنا بكاظمة وقد
سمحت به الأيّام بعد تهاجرِ
وقد اضطجعنا والنجوم كأنّه
من وجهه نادٍ بنورٍ باهرِ
والشعريان كأنّما أحداقها
من وجهه نادٍ بنورٍ باهرِ
والشعريان كأنّما أحداقها
أحداق عاذل حبّه التكاسرِ
وسهيلٌ الوقّاد يخفق دائباً
خفقان أحشائي عليه وخاطري
والليل يرفل في فضول غلائلٍ
رقّت كشَوْقي أو كمدعي القاطرِ
والريح ينشر عَرفها بنسيمها
نشرى مديحَ أخي النبيّ الطاهرِ
خير الأنام ومن يذلّ مهابةً
من بأسه قلب الهزبر الخادرِ
صنو النبيّ وصهره ووزيره
وظهيره في كلّ يوم تشاجرِ([481])
ويمكن القول إنّ كمال الدين أبو الفضل عبد الرزاق بن أحمد، المعروف بابن الفوطي، المتوفّى سنة 732هـ، هو من نقل بعد ياقوت الحموي ـ تاريخياً ـ نصاً أدبياً قصيراً ويتيماً عن ابن أبي طيّ نفسه، وهو:
المنتجب نجيب الدين أبو زكريا يحيى بن أبي طيّ حميد بن ظافر الحلبي المؤرّخ…
قال: كان الإسكندر أحنف، وأبو شروان أعور، ويزدجرد أعرج، وجذيمة الوضّاح أبرص، وعبد الملك ابن مروان أبخر، ويزيد بن عبد الملك أفقم، وهشام أحول، ومروان الحمار أشقر، وأبو طالب أعرج، وأبو جهل أحمل، وكذلك أبو لهب وزياد([482]).
كتب ابن الفوطي أيضاً في ترجمة موفّق الدين أبو العبّاس أحمد بن محمّد البغدادي:
ذكره نجيب الدين يحيى بن أبي طيّ حميد بن ظاهر الحلبي النجّار في مشيخته، وقال: ورد علينا حلب، وكان حافظاً عالماً بالحديث، له تصانيف منها كتاب سمّاه النبذة في مناقب أهل البيت (عليهم السلام)…
قال: وسمعنا عليه أجزاء من كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني([483]).
وكتب أيضاً في ترجمة عفيف الدين أبو جعفر منصور بن أحمد الحمصي الأديب:
قرأت في البستان في محاسن ( مجلس) الغلمان للشيخ منتجب الدين يحيى بن طيّ الحلبي؛ قال: أنشدنا العفيف منصور بن الطبيب الحمصي لنفسه:
غرست قضيباً في كثيبٍ من الرمل
فأثمر بدراً في دجى الشعر الجثل
وجرّدت نصلاً جفنه جفن مقلة
مواقعها في مهجتي موقع النصل([484])
كما نقل ابن الفوطي أيضاً عدّة أسطر من كتاب ابن أبي طيّ «معادن الذهب في تاريخ حلب» ستذكر لاحقاً.
شمس الدين الذهبي، المتوفّى سنة 748هـ، الذي نقل كثيراً من تاريخ الشيعة لابن أبي طيّ، قال في كتابه تاريخ الإسلام ـ عند ذكر المتوفّين بعد سنة 620هـ (قال):
يحيى بن أبي طيّ النجّار بن ظافر بن علي بن عبدالله بن أبي الحسن ابن الأمير محمّد بن الحسن الغسّاني، الحلبي، الشيعي، الرافضي: مصنّف تاريخ الشيعة، وهو مسودّة في عدّة مجلّدات، نقلت منه كثيراً، مات في آخر الكهولة، ينظر في التاريخ العديمي([485])، إن كان له ذكر([486]).
ابن حجر العسقلاني (773ـ852هـ) الذي استفاد كثيراً من كتاب تاريخ الشيعة أو طبقات الإماميّة، كتب أيضاً في ترجمة ابن أبي طيّ عدّة أمور، نقل بعضها عن كتاب ياقوت، قال:
يحيى بن أبي طيّ بن ظافر بن علي بن الحسين بن علي بن محمّد بن الحسن بن صالح بن علي بن سعيد ابن أبي الخير الطائي، أبو الفضل البخاري الحلبي: ولد بها سنة خمس وسبعين، وقرأ القرآن، ثمّ جرّد رواية أبي عمرو وأكثر رواية نافع، وتعاطى صنعة النجارة مع والده وكان مقدّماً فيها…
ثمّ نظم الشعر، ومدح الظاهر ابن السلطان صلاح الدين واستقرّ في شعرائه، وأخذ في غضون ذلك الفقه عن أبي جعفر محمّد بن علي بن شهرآسوب المازندراني([487])، وكان بارعاً في الفقه على مذهب الإماميّة، وله مشاركة في الأصول والقراءات، وله تصانيف ـ تقدّم ذلك في ترجمته ـ؛ وأخذ عن غيره، ثمّ ترك صناعته ولزم تعليم الأطفال في سنة سبع وتسعين إلى ما بعد الستّمائة، وتشاغل بالتصنيف فاتّخذ رزقه منه.
قال ياقوت: كان يدّعي العلم بالأدب والفقه والأصول على مذهب الإماميّة، وجعل التأليف حانوته، ومنه قوته ومكسبه، ولكنّه كان يقطع الطريق على تصانيف الناس، فيأخذ الكتاب الذي أتعب جامِعُه خاطرَه فيه فينسخه كما هو، إلاّ أنّه يقدّم فيه ويؤخّر، ويزيد وينقص، ويخترع له اسماً غريباً، ويكتبه كتابةً فائقةً لمن يشبه عليه، ورزق من ذلك حظاً.
وذكر ـ أي ياقوت ـ من تصانيفه: معادن الذهب في تاريخ حلب كبير، وشرح نهج([488]) البلاغة في ستّ مجلّدات، وفضائل الأئمة في أربع مجلّدات، وخلاصة الخلاص في آداب الخواص في عشر مجلّدات، والحاوي في رجال الإمامية، وسلك النظام في أخبار الشام، إلى غير ذلك.
قلت: ووقفت على تصانيفه، وهو كثير الأوهام والسقط والتصحيف، وكان سبب ذلك ما ذكره ياقوت من أخذه من الصحف.
قال ياقوت: لقيته سنة تسع عشرة بحلب.
قلت: وتأخّرت وفاته بعد ذلك([489]).
جدير بالذكر أنّ ما كتبه ياقوت بحقّ ابن أبي طيّ، عندما ذكر أنّه جعل التأليف حانوته، ومنه قوته ومكسبه، أو أنّ تصانيفه مأخوذة من غيره، لا يجب أخذه بنظر الاعتبار؛ لأنّ ما وصلنا ممّا كتبه وصنّفه خير دليل على نقض هذا الكلام، مع أنّ التسليم ـ فرضاً ـ بصحّة كلام ياقوت إلى حدٍّ ما، لا ينقص من قيمة أعمال ابن أبي طيّ…
إضافة إلى ذلك، فإنّ ياقوت، المعروف بأنّه ناصبي، وهو ما كان السبب في تشرّده في الأقطار ـ كما ذكر آقا بزرك الطهراني([490]) ـ لا يتوقّع منه أن يكون حكمه بشأن عالم شيعي بارزٍ كبير أفضل من هذا.
وكتب محمد راغب الطباخ الحلبي في ترجمة ابن أبي طيّ:
يحيى بن حميدة الشهير بابن أبي طيّ: آية الله الكبرى في العلوم والفنون، والشعر والتاريخ، ومعرفة أخبار الصحابة والعرب، وغير ذلك…
ومن آثاره البديعة: أخبار شعراء الشيعة، مرتّب على الحروف الهجائية([491])، وكتاب تهذيب الاستيعاب في معرفة الأصحاب للقرطبي، وتاريخ مصر ومختار تاريخ المغرب، وكتاب حوادث الزمان في خمس مجلّدات ورتّبه على الحروف الهجائية، وكتاب سلك النظام في تاريخ الشام في أربع مجلّدات، وكتاب طبقات العلماء وعقود الجواهر في سيرة الملك الظاهر بيبرس التركي، وكتاب معادن الذهب في تاريخ حلب وهو كتاب كبير وقد ذيّله، وكتاب كنز الموحدين في سيرة صلاح الدين، وكتاب ذخر البشر في مناقب الأئمة الإثني عشر([492])، وكتاب الآل والعذب الزلال، وبيان المعالم، وغير ذلك ممّا يطول شرحه. وكانت وفاته سنة ستّمائة وثلاثين. انتهى. (نهر الذهب).
وذكر له في الكشف من المؤلفات عند ذكره مناقب الأئمة الإثني عشر: «الذخائر العقبى»، وذكر أيضاً له كتاباً في السير في ثلاث مجلّدات.
وفي تذكرة العلاّمة الشنقيطي اللغوي ـ الذي ذكر فيها المختار من نفائس المخطوطات الباقية في الأندلس «الإسكوريال» ـ: الكتاب السادس والخمسون المنتخب في شرح لامية العرب: صنّفه يحيى بن أبي طيّ بن حميدة بن ظافر بن علي الحلبي الغسّاني، وهو شرحٌ لا نظير له حقيقة، يشفي العليل ويروي الغليل، يحتاج إلى نسخه وطبعه؛ لأنّه جمع من الفوائد ما لا يكاد يوجد في غيره. انتهى([493]).
وكتب الدكتور مصطفى جواد أيضاً في ترجمة ابن أبي طيّ عدّة مواضيع، كان بعضها جديداً، ولم يتّضح المصدر الذي نقل عنه:
كان أبوه نجّاراً شيعياً، وكذلك كان جدّه، واشتغل هو بصنعة النجارة مع أبيه برهة من الزمان، ثمّ تركها وحفظ القرآن الكريم وتعلّم الكتابة.
ومال إلى طلب العلم والأدب، ولقى العلماء وجالس الفضلاء، فقرأ فقه الإماميّة على أبي جعفر محمد بن علي بن شهرآشوب، وقرأ علم الخلاف على أبي الثناء محمود بن طارق الحلبي الفقيه الحنفي.
ثمّ انتقل إلى تعليم الصبيان وإقراء القرآن إلى سنة 597، ثمّ اختصّ بتعليم ابن لأحد من الوزراء إلى سنة 600هـ، ثمّ ترفّع عن التعليم وأنف منه ولزم داره، وطلب مشايخ الأدب فقرأ عليهم ودرس.
ثمّ أقبل على نظم الشعر ومدح الملك الظاهر الغازي ابن صلاح الدين الأيوبي، وارتفعت منزلته عنده وولاّه نقابة الفتيان في سنة 609هـ. فكان نقيب حضرته في الفتوة.
ثمّ أحبّ التصنيف، فصنّف كتباً في تاريخ وتفسير القرآن الكريم والآداب والفقه والأصول كثيرة، منها «التاريخ الكبير» المسمّى معادن الذهب في تاريخ حلب، جمع فيه أخبار الملوك والعلماء، وأخبار الشام، التي لا توجد مجموعة في كتاب قديم أو حديث في عصره؛ وابتدأ به من أوّل الفتوح إلى سنة 589، وواصل فيه الدول وأخبارها القديمة في الإسلام والحديثة، وهو كتاب نافع مفيد ـ كما ذكر بعض المؤرخين ـ.
وألّف كتاب… وكتاب الحاوي في رجال الشيعة وعلمائهم وفقهائهم وشعرائهم وأئمتهم المصنّفين في مذاهبهم، وهو مرتّب على حروف الهجاء.
وعابه بعض معاصريه([494])، والفاضل لا يسلم من ألسِنة معاصريه، وتوفي بحلب سنة 627هـ([495]).
«شرح لامية العرب»
وبعض شيوخ ابن أبي طيّ
وقد تمّ الحصول على معلومات جديدة عن حياة ابن أبي طيّ؛ اعتماداً على نسخة مصوّرة من كتابه المنتخب ـ المنتجب ـ في شرح لامية العرب([496])، الذي طبع مؤخراً بالتصوير على نسخة مخطوطة بخطّه، ومكتوبة سنة 618هـ.
أوّلاً: إنّه يبيّن بوضوح القوّة والقدرة العلمية لابن أبي طيّ، خصوصاً في مجال الأدب العربي؛ وهو ما يعدّ ـ نوعاً ما ـ تكذيباً لأقوال ياقوت الحموي، الذي حكم بشكل متعصّب في ما يتعلّق بآثار ابن أبي طيّ.
ثانياً: إنّ المؤلِّف في مقدمة هذا الشرح يعرّف بعض شيوخه، خصوصاً علاقته بابن شهرآشوب المازندراني، وبيانه لمعلومة جديدة عنه لم تكن معروفة سابقاً.
كذلك ذكر ابن أبي طيّ كتاباً لأبيه بعنوان: مختار فضائل أهل البيت (عليهم السلام).
ونحن ننقل نصوصاً ممّا ورد في مقدمة هذا الشرح:
«حدّثني بالقصيدة الشيخ الأجل الأوحد موفق الدين يعيش بن علي الخطيب الحلبي، قراءةً عليه بداره بحلب بباب الجامع الشمالي بدرب الخواتيمي، في سنة إحدى وستمائة…
ورواها لي بهذا الإسناد أيضاً الشيخ الأجل الأوحد أحمد بن علي بن الحسن بن زنبور الحلّي إجازةً ـ وكتب لي بالرواية من الموصل في سنة إحدى وستمائة ـ عنه، عن الخطيب الطوسي، عن الخطيب التبريزي، عن أبي العلاء أحمد بن سليمان المقرئ…
وقرأتها على الشيخ الأجلّ الاوحد رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني تلقيفاً، في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وحدّثني بها…
وبهذا الحديث قال: قدمتُ في سنة سبع وأربعين وخمسمائة من مازندران طالباً للحجّ بغدادَ، وكانت إذ ذاك آهلة بالعلماء، فحضرت مجلس الوزير عون الدين أبي منصور بن هبيرة في يوم الاثنين، وكان يجلس لسماع الحديث، فعرض ذكر قصيدة الشنفرى، فقال ناس: إنّها ليست شعر الشنفرى الأزدي، وإنّما شعر خلف الأحمر أستاذ الأصعمي، وكذلك أبيات ابن أخت تأبّط شراً التي أوّلها:
إنّ بالشعب الذي دون سلع
………………………………
قالوا: وكان خلف شاعراً مجيداً يعمل الشعر الجيّد، فإذا أنشده اتّهم فيه، فكان ينظم أبياتاً ويعزوها إلى القدماء.
قال: فقال ابن هبيرة: هذا كِذْب ومحال…
ثمّ قال: إنّها عندي في أوّل ديوانه، ثمّ أمر بإحضار ديوان الشنفرى فأحضر، فإذا هو بخطّ عبد السلام البصري، وهو يقول في أوّل الديوان: قرأتُ شعر الشنفرى على الشيخ الأجلّ أبي الحسن علي بن عيسى ابن علي الرمّاني، بمنزله بالجانب الشرقي بباب الميدان في درب أبي المحجن يوم الأربعاء خامس محرّم سنة خمس وستّين وثلاثمائة…
قال المؤلف [ابن أبي طيّ]: وأخبرني بها الرشيد [يعني ابن شهرآشوب] أيضاً، وحفظتها من لفظة في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وكان بصيراً بها جداً وبغيرها من أشعار العرب، وقد ذكرت جميع طرقه الأدبيّة والفقهيّة والأحاديثية في كتاب من لقيته من الرجال العلماء عن أبيه، عن جدّه شهرآشوب، عن نبهان، عن جدّه أبي الحسن هلال بن المحسّن، عن أبي الحسن علي بن عيسى الرمّاني…
وأخبرني بها هو أيضاً ـ أعني محمّد بن علي بن شهرآشوب المازندراني الملقب بالرشيد ـ وذكر لي أنّه سمعها على السيّد المنتهى بن كيايلي، عن أبي الحسن علي بن محمّد الكاتب، عن ابن دريد، عن أبي حاتم، عن الأصمعي؛ وقال الرشيد: بهذا الإسناد أروي جميع كتب ابن دريد إجازةً.
وحدّثني بالقصيدة وخبر مولد الشنفرى وخبر مقتله يونس بن سعيد بن حسن الموصلي الشاعر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، قال: حدّثني محمّد بن مكرم بن سعيد المصري، عن هبة الله بن رجاء، عن الحارث بن إسحاق، عن عمارة صاحب كتاب اللصوص…
قال المؤلّف [ابن أبي طيّ]: وحدّثني الرشيد بشعر الشنفرى من طرق المفضّل الضبيّ: عن الشريف أبي جعفر محمّد بن إسحاق الأصفهاني، عن إسماعيل بن هبة الله، عن سعيد بن نصر الأصبهاني ـ شيخ دار الحديث بأصبهان ـ، عن أبي القاسم اللغوي، عن أبي الحسن علي بن هارون بن نصر القرميسيني، عن أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش البغدادي، عن أبي جعفر محمد بن الليث الأصبهاني، عن أبي عكرمة الضبّي، عن المفضل الضبّي.
قال المؤلّف [ابن أبي طيّ]: ونحن نذكر اختلاف الرواة في خبر مولد الشنفرى ومقتله إن شاء الله تعالى…
حدّثني أبي رحمه الله قراءةً عليه في كتاب مختار فضائل أهل البيت (عليهم السلام) تأليفه، قال: حدّثني أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمّد بن الخضر الجواليقي بداره ببغداد، في شعبان سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وكنت أقرأ عليه ديوان أبي الطيّب المتنبّي…».
وقد أورد ابن أبي طيّ ما ذكرناه، إضافة إلى معلومات أُخرى تخصّ ترجمة الشنفرى في الصفحات الأُولى من الكتاب، إلى الورقة رقم 12، ثمّ بدأ بعدها ـ من الورق رقم 13ـ بشرح «لاميّة العرب».
مصير كتاب «معادن الذهب»
وكتب المؤلّف الأُخرى
سبق أن ذكرنا أنّ أغلب المعاصرين ـ تقريباً ـ متّفقين على أنّ آثار ابن أبي طيّ في عداد المفقود من التراث، وأنّ الأثر الوحيد الباقي منها هو كتاب شرح لاميّة العرب، المحفوظ في مكتبة الإسكوريال في إسبانيا([497]).
ويعدّ كتاب معادن الذهب في تاريخ حلب، الذي اشتمل على تاريخ هذه المدينة لزمن امتدّ من الفتح الإسلامي لها حتّى سنة 594هـ؛ واحداً من آثاره المهمّة([498]).
ذكر الصفدي كتاب معادن الذهب في مقدّمة كتاب الوافي بالوفيات، عند إحصائه المصادر التاريخيّة المهمّة([499]).
ونقل ابن الفوطي (ت732هـ) موضوعاً منه في ذيل ترجمة «عمدة الحضرة عدّة الدولة أبو تغلب هبة الله بن ناصر الدولة» صاحب ديار بكر([500]).
وأيضاً في ترجمة كمال الدين أبو محمّد جعفر بن عبد السلام بن يحيى الحلبي المطرب([501]).
وفي ترجمة مبارك الدولة أبو نصر الفتح بن عبدالله الحَلَبي الأمير بحلب([502]).
ونقل ابن شدّاد مواضيع منه أيضاً، تتعلّق بمشهد الدكّة، ومشهد رأس الإمام الحسين (عليه السلام).
ونقل أيضاً موضوعاً من كتاب آخر له، هو عقود الجواهر في سيرة الملك الظاهر([503]).
والمعلومة التي نقلها عن كريم الدولة مسؤول الجباية بمدينة حلب، بخصوص واردات هذه المدينة والقائمة التفصيلية الدقيقة لها، والتي لها أهمّيتها القصوى في تاريخ علم الاقتصاد، هي معلومة ذات قيمة كبيرة.
ونقل أيضاً في موردين آخرين ـ على أقلّ تقدير ـ بالإشارة إلى كتاب ابن أبي طيّ فقط، قاصداً أحد كتابيه: معادن الذهب أو عقود الجواهر([504]).
ذكر ابن العديم الحلبي في ذيل ترجمة سالم بن مؤمن المصري، أنّ بعض أشعاره شاهدها في مجموعة بخطّ يحيى بن ظافر النجّار الحلبي، الذي كتب بأنّ الشاعر قد دخل حلب في عهد صلاح الدين([505])؛ ومن الواضح أنّ هذه المجموعة لم يعرف أيّ كتب منها كانت من كتب ابن أبي طيّ.
موارد كتاب «السيرة الصلاحية»
في «كتاب الروضتين»
لابن أبي طيّ كتاب بعنوان كنز الموحّدين في تاريخ صلاح الدين، وقد نقل أبو شامة([506]) في كتاب الروضتين في أخبار الدولتين «النورية والصلاحية» بعض فصوله([507])، وعبّر عنه بـ: «السيرة الصلاحية» في موردين، وفي غيرهما اكتفى باسم ابن أبي طيّ فقط.
رسول جعفريان
الحمدانيون
مرّ الحديث عنهم في مكانه، ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
التجارة وطرق المواصلات
كان الشرق في العصور الوسطى المركز الرئيس للتجارة الأوروبية، فقد استوردت أوروبا القطن وقصب السكر من سوريا وآسية الصغرى والحرير والتوابل من الشرق الأقصى. وبعد انقسام الإمبراطورية الرومانية، أصبحت الدولة البيزنطية وارثة تجارة الشرق، وظلّت تقوم بدور الوسيط بين أوروبا وبلدان الشرق([508]). وممّا هو جدير بالذكر أنّ العرب اشتغلوا بالتجارة منذ القدم، فقد اشتهرت مكة قبل الإسلام بتجارتها النشيطة مع اليمن والشام، وأقيمت الأسواق في أيام معينة في مختلف أنحاء بلاد العرب وبخاصّة في الحجاز([509]). وبعد أن هدأت حركة الفتوحات واتّصل العرب بالعناصر الأجنبية نشطت التجارة في العالم الإسلامي، وذلك بسبب توسّع الدولة وتشجيع الخلفاء والأغنياء وحاجة القصور إلى أدوات الزينة ووسائل الترف وبناء الأساطيل وتقدّم العلوم الجغرافية التي وجهت أذهان التجار إلى بلدان وأقاليم جديدة، وكذلك لسرعة انتقال العرب ونظام الحج الذي هيأ فرصة لالتقاء القوافل من مختلف الأنحاء. وحين انتشرت الرفاهية بين المسلمين بدأت تظهر الحاجة لتبادل المنتجات مع الدول الأجنبية.
ارتبطت مدن إقليم الجزيرة ببعضها وبالخارج بطرق برية داخلية وخارجية كثيرة نذكر أهمها فيما يلي:
1 ـ طريق البريد الذي يصل بغداد بالجزيرة محاذياً ضفة دجلة الشرقية فيدخل الجزيرة في تكريت ويظل يحاذي ضفة النهر اليسرى حتّى الموصل ماراً بالمدن والقرى الآتية:
بغداد ـ البردان ـ عكبرا ـ باحمشا ـ القادسية ـ الكرخ ـ جبلتا ـ السودقانية ـ بارما ـ السن ـ الحديثة ـ طهمان ـ الموصل ـ بلد ـ باعيناثا ـ برقعيد ـ أذرمة ـ تل فراشة ـ نصيبين. ومن نصيبين يتفرّع طريقان يذهب أحدهما وهو الأيمن إلى الشمال مارّاً بهذه المواضع: دارا ـ كفرتوثا ـ قصر بني نازع ـ آمد ـ ميافارقين ـ أرزن. ثمّ يتفرّع هذا الطريق بدوره فيذهب فرع من آمد إلى الرقة ـ شمشاط ـ تل جوفر جرنان ـ بامقدار ـ جلاب ـ الرها ـ حران ـ تل محرا ـ باجروان ـ الرقة. والآخر من نصيبين إلى الرقة ـ دارا ـ كفرتوثا ـ العرادة ـ راس عين ـ الجارود ـ حصن مسلمة ـ باجروان ـ الرقة([510]) ـ أمّا الفرع الأيسر لطريق البريد الرئيس فيمر بهذه المواضع: بلد ـ قرقيسيا ـ سنجار([511]).
2 ـ وهناك طريق يصل بين الرقة والثغور يكمل الطريق السابق ويمر بعين الرومية (عين زربة) تل عبدا ـ سروج ـ المزينة ـ سميساط ـ حصن منصور ـ ملطية ـ كمخ ـ زبطرة ـ الحدث ـ مرعش([512]).
3 ـ وتتصل الموصل بنصيبين بطريق يمر بهذه المواضع: الموصل ـ بلد ـ باعيناثا ـ برقعيد ـ إذرمة ـ تل فراشة ـ نصيبين([513]).
4 ـ ونجد على الفرات طريق البريد الذي يحاذي الضفة اليمنى أو الغربية من هذا النهر ويصل إلى آلوس فعانة ثمّ يتفرّع إلى فرعين يذهب أولهما إلى الرقة محاذياً الفرات، ويخترق ثانيهما وهو الأيسر الصحراء إلى الرقة أيضاً ماراً برصافة هشام ثمّ إلى سروج وسميساط([514]).
5 ـ وهناك أيضاً طريق هام يصل مدن الجزيرة بمدن الشام ويبدأ من سر من رأى ويمر بهذه المدن: بالس ـ الحديثة ـ الموصل ـ بلد ـ نصيبين ـ رأس عين ـ الرقة ـ منبج ـ حلب ـ قنسرين ـ حماه ـ حمص ـ جوسية ـ بعلبك ـ دمشق([515]).
6 ـ طريق الفرات: بلد ـ تل أعفر ـ سنجار ـ عين الجبال ـ سكير العباس ـ الفدين ـ ماكسين ـ قرقيسيا([516]).
من هذا يتضح أنّ الطرق كانت كثيرة وعامرة، وكانت تصل بغداد بمدن الجزيرة من جهة، ومدن الجزيرة ببعضها من جهة ثانية، وإقليم الجزيرة بالشام وببلاد الروم وأرمينية من جهة أخرى. وبين أيدينا نص قيم يقف دليلاً واضحاً على العناية الفائقة التي بذلها الحمدانيون بالتعاون مع السلطة المركزية في بغداد من أجل صيانة الطرق وتسهيل مرور التجارة وحماية الأمن الذي كان ضرورة أساسية لازدهار التجارة. فقد اشترط الخليفة المطيع على أبي تغلب بن ناصر الدولة في عهد له أصدره في سنة 366/976م «أن يوكل بالطرقات من الخيل والرجال من يتقصاها ليلاً ونهاراً، ويستقر بها سهلاً وجبلاً، ويسير في برها وبحرها، ويقلد عليهم أهل النجدة والبسالة، وذوي الشهامة والجزالة. ويوعز إلى من يوليه بأن يتبعوا مظان أهل الريب فيشردوهم عنها… وأن يسيروا مع السابلة ويصحبوا من يسلك الطرق من المارة ويحموا النفوس والأموال، ويحوطوا الذراري والتجارات، ويقفوا على من تخلف ويسيروا بمسير من ضعف، حتّى لا يلحق أحداً من المجتازين مؤونة ولا يحملوه ثقلاً ولا كلفة، لتؤمن السبل وتحمي المسالك وتدر للرعية المتاجر وتستقيم لها أسباب العيش، وتكون الطرق مضبوطة والآمال محوطة»([517]).
ولمّا كان من مصلحة الحمدانيين استتباب الأمن في ربوع مملكتهم فإنّهم جعلوا في الطرق والمسالك الوعرة خيالة ومشاة لحفظ الأمن والقضاء على العابثين، وولوا الأحداث وهي أعمال الشرطة لأشخاص يجب أن تتوافر فيهم صفات العقل والعفة والشدّة ليراقبوا الأحوال العامة ويتعقبوا الجناة الذين يحملون إلى السجون وتقام عليهم الحدود([518]).
امتازت الموصل بموقع جغرافي على جانب كبير من الأهمية، فهي تطل على دجلة وكانت محط الركبان ومنها يقصد إلى جميع البلدان، فهي «باب العراق ومفتاح خراسان ومنها يقصد إلى أذربيجان». لذلك أصبحت من المدن التجارية الممتازة في العصور الوسطى، وأشبه بهمزة الوصل بين الدولتين الإسلامية والبيزنطية. وكانت الموصل في القرن الرابع الهجري ذات تجارة رائجة فامتازت بأسواقها الواسعة الكثيرة بحيث كان لكلّ صنف من أصناف البضاعة سوقان أو ثلاثة أو أربعة خاصّة بها. وكلّ سوق منها ينتظم مائة حانوت أو أكثر([519])، ومن هذه الأسواق سوق الطعام والأساكفة والغنم. وكان يقام في كلّ يوم أربعاء سوق عرف «بسوق الأربعاء» وذلك في الساحة الفسيحة بداخل القلعة حيث يفد الفلاحون من القرى والبلدان المجاورة([520]). ويذكر الأزدي([521]) من أسواق الموصل الأربعاء والحشيش والسقائين القنابين والدواب والبزازين والسراجين، ممّا يدل على أنّ هناك سوقاً لكلّ صنف من أصناف البضاعة. وكانت هذه المدينة تصدّر إلى الخارج منتجاتها الزرعية والحيوانية والصناعية من القمح والعسل والفحم والجبن والفواكه واللحوم المملحة والسمك والحديد والسكاكين والسهام والسلاسل([522]). وما زال أهلها إلى اليوم يقومون بتربية الأغنام وتصديرها إلى البلدان المجاورة، كما كانت هذه المدينة تموّن بغداد بالدقيق والسكر والعسل والسمن والجبن ونعال الخيل([523])، وكانت الفنادق التي خصّصت لإقامة التجار كثيرة بالموصل بحيث كان «على كلّ ركن فندق»([524]).
وكانت الرقة ـ قصبة ديار مضر ـ مشهورة بأسواقها المظللة الجميلة التي تزخر بالسلع، وقد استمدّت أهميتها من موقعها بين العراق والشام([525])، كما اشتهرت سنجار بتصدير الفواكه المجففة وقصب السكر. على حين أنتجت نصيبين القمح والشعير والأرز والجوز([526]) وصدرت الرقة زيت الزيتون والصابون وقصب الأقلام كما صدرت آمد الحجارة الأرحية الناردة بحيث كان يساوي الحجر الواحد خمسين ديناراً أو أكثر([527]). كما صدرت ثياب الصوف والكتاب «الرومية على عمل الصقلي». وصدرت بلد اللبأ في القدور عن طريق النهر بحيث بيع القدر الذي يزن خمسة أمنان بخمسة دوانيق. واشتهرت حران بتصدير العسل والموازين والأنسجة القطنية. وجزيرة ابن عمر بالجوز والزبدة والخيول([528]).
أدّت المعاملات التجارية إلى قيام محيط تجاري راق في بلاد الحمدانيين وقد أفاد الأمراء من العشور والضرائب المختلفة التي فرضوها على التجار، فنشأت الأسواق والخانات لسكنى التجار وخزن بضائعهم، ومدّت الطرق البرية التي عين فيها شرطة خيالة ورجّالة لحماية القوافل. وقام الصيارفة ـ وهم الذين مثلوا المصارف في ذلك العصر ـ بمهمة الإيداع والصيرفة والتحويل. وترتب على ذلك أن يصدر الحمدانيون عملة خاصّة بدولتهم ما دامت السكة مظهراً من مظاهر السيادة والاستقلال، وعاملاً هاماً في قيام التجارة والتبادل.
والسكة ـ حسب المفهوم الإسلامي ـ النظر في النقود المتعامل بها بين الناس وحفظها من الغش أو النقص، وختمها بخاتم السلطان الحديدي الذي يحمل صوراً أو كلمات مقلوبة تضرب على الدينار أو الدراهم فتخرج مستقيمة بعد أن يضبط عيار القطعة النقدية ويسبك معدنها([529]).
أصدر ناصر الدولة نقوداً خاصّة به منذ سنة 330هـ فهناك بضعة قطع محفوظة في دار الكتب المصرية بالقاهرة تشير إلى أنّ الحمدانيين بدأوا بسك نقودهم منذ هذه السنة. وأقدم قطعة نقدية حمدانية ضربت في نصيبين سنة 330هـ([530]). ولمّا تولى ناصر الدولة إمرة الأمراء سنة 331 ضرب نقوداً في «مدينة السلام» تحمل اسمه واسم أخيه سيف الدولة منها قطعتان في دار الكتب المصرية([531]). وفي سنة 332 أي حين رجع ناصر الدولة إلى الموصل بعد أن أخفق في حكم بغداد ضرب نقوداً منها قطعتان في المكتبة المذكورة تحمل إحداهما تاريخ سنة 332 والأخرى سنة 334([532]).
وأخيراً، فإنّ الأمراء عمدوا إلى ضرب نقود خاصّة للصلات وأخرى يصدرونها في المناسبات كما فعل سيف الدولة حين زوج ابنه من ابنة أخيه ناصر الدولة([533]).
ويذكر كودرنجتون أنّ الحمدانيين ضربوا كثيراً من النقود في الجزيرة والرحبة والموصل([534]). لقد ضاع كثير من هذه القطع النقدية، غير أنّ بعضها ما زال محفوظاً في دور الآثار([535]).
وثمّة إشارات متفرّقة في الكتب على أنّ ناصر الدولة وسيف الدولة ضربا دنانير ذات أوزان مختلفة، منها دنانير في كلّ دينار ثلاثون ديناراً، وعشرة دنانير في كلّ منها عشرة ضربت سنة 354 وقد كتب عليها:
الوجه:
لا إله إلاّ الله محمد رسول الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فاطمة الزهراء الحسن الحسين جبرايل عليهم السلام.
الظهر:
أمير المؤمنين المطيع لله الأميران الفاضلان ناصر الدولة وسيف الدولة الأمير أبو تغلب وأبو المكارم([536]).
والظاهرة البارزة في نقود الحمدانيين أنّها كانت كثيرة سريعة التغيير ولعلهم كانوا يهدفون من وراء ذلك إلى القضاء على تلاعب الصرافين بعيار النقود كما أنّ نقودهم تغيّرت بتغيير الأحوال السياسية.
الصناعة
ممّا ساعد على ارتقاء الصناعة وازدهارها في العصر الحمداني تشجيع الأمراء والأغنياء واهتمامهم بكلّ ما له علاقة بالترف من جهة كالثياب والسجاد والعطور والزجاج والصياغات، وبما له علاقة بعمارة القصور والمساجد والمشاهد والحصون وصناعة الأسلحة من جهة أخرى.
وقد اختصّت كلّ مدينة بصناعة محلية برع فيها أهلها واشتهروا. لقد اشتهرت الموصل بالموسلين الذي ذاعت شهرته عالياً خلال العصور الوسطى وحظي بالتقدير في أسواق الشرق والغرب([537]).
وممّا هو جدير بالذكر أنّ الفضل في نشر زراعة القطن في الجزيرة يعود إلى الحمدانيين ممّا شجع صناعة الأقمشة القطنية([538]).
لقد حفلت مدن الجزيرة بالمطاحن والأرحاء الضخمة في تكريت والحديثة وعكبرا والبردان، فضلاً عن الأرحاء الشهيرة بالموصل. وكانت طواحين كلّ بلد لها فصل تدور فيه، وهو المدّة التي تحمل فيها الحنطة في السفن إلى العراق. وكانت مطاحن الموصل تسمّى العربات أو العروب وهي مصنوعة من الخشب والحديد الذي لا يمازجه شيء من الحجر والجص، وتقوم في وسط الماء بسلاسل حديد، كلّ عربة فيها حجران، يطحن كلّ حجر منها خمسين وقراً في كلّ يوم([539]). وقد خلف لنا الشاعر السري الرفاء وصفاً جميلاً «للعربات» يدل على كثرتها في مدينة الموصل([540]). كذلك ذكر ابن حوقل([541]) أنّ الموصل وبلد والحديثة وتكريت وعكبرا والبردان حوت كثيراً من العروب التي أقيمت في وسط النهر لتزود مناطق العراق المختلفة بالدقيق.
واشتهرت مدينة حران في الجزيرة بصنع الآلات الهندسية، فصنعت فيها الإسطرلابات وغيرها من الآلات الرياضية الدقيقة. وممّا هو جدير بالذكر أنّ هذه الصناعة نشأت متأثّرة بالدين، لأنّ حران كانت مركز الصابئة الذين عبدوا الكواكب فاهتموا برصد حركاتها ومعرفة بروجها. وكذلك اشتهرت تلك المدينة بموازينها الدقيقة حتّى غدت مضرب الأمثال([542]).
على أنّ أعظم صناعة قامت في الموصل هي صناعة الموسلين الذي عرف في أوروبا بهذا الاسم ونسبوه إلى هذه المدينة. وهو نسيج قطني خفيف يدعى الشاش، وبرع أهل هذه المدينة بصناعة المسوح وهو نسيج مخطط تصنع منه الملابس أو الأبسطة كما صنع أهل هذه المدينة الخز أيضاً، في حين اشتهرت آمد بالوشي والمناديل والطيلسانات([543]).
وقد زودنا المقدسي([544]) بمعلومات قيّمة عن أبرز المنتجات الصناعية التي اختصّت بها مدن الجزيرة، وهي:
1 ـ الموصل: اشتهرت في صنع النمكسود (وهو اللحم المجفّف) والعسل والجبن والمن وهو نوع من الحلواء وبرع أهلها في صناعات الحديد كالأسطال والسكاكين والنشاب والسلاسل. هذا بالإضافة إلى استخراجهم القير من العيون المعدنية لاستعماله في البناء والفحم للوقود.
2 ـ نصيبين: اشتهرت بصناعة الموازين والمحابر والفواكه المقدّدة.
3 ـ الرقة: وكانت تنتج الصابون والزيت وأقلام الكتابة.
4 ـ حران: اشتهرت بصناعة الموازين الدقيقة والإسطرلابات، فضلاً عن صناعات القطن والسكر والعسل.
5 ـ معلثايا: امتازت بصناعة القنب والنمكسود وإنتاج الفحم.
6 ـ آمد: برع أهل هذه المدينة في صنع ثياب الصوف والكتاب الرومية.
الحياة الثقافية والاجتماعية
1 ـ العمارة. 2 ـ الأديرة. 3 ـ الثقافة. 4 ـ المجتمع.
1 ـ العمارة
كانت أغلب مدن الجزيرة ـ وهي البلاد التي دخلت في حكم الحمدانيين ـ مراكز هامة كما رأينا وذات تراث حضاري ورثته من المدنيات الأجنبية التي سادت هناك قبل الفتح الإسلامي. ومن ثمّ فقد حفلت هذه المدن بالعمائر والأبنية والأسواق والفنادق والحمامات، خاصّة وقد كان كثير منها مدناً تجارية تقع على طرق المواصلات التي تربط مدن الجزيرة بعضها بالبعض الآخر من جهة، أو تربط الجزيرة بالخارج من جهة أخرى.
حين اتّخذ الحمدانيون الموصل حاضرة لهم بنوا فيها كثيراً من القصور المنيفة المشرفة التي وصفها السري الرفاء وهو من شعراء هذا العصر بقوله:
قصور حلقت في الجو حتّى
لقصرت الكواكب عن مداها
مشرفة كأن بنات نعش
تناجيها إذا خفقت شفاها([545])
ومن أجمل قصور الحمدانيين بالموصل القصر الذي بناه أبو تغلب بن ناصر الدولة على ضفة دجلة، وتحيط به الحدائق والبساتين التي تخترقها السواقي والغدران، وعليها الدواليب التي استعملت للري، وقد زرعت في هذه الحدائق أشجار النخيل والكروم، وتوسطتها برك ملئت بالمياه التي تشفّ عمّا تحتها وتسبح فيها أسراب الإوز والبط، والفوارات التي تبعث المياه عالية من أفواهها. ويبدو من شعر السري الرفاء الذي زودنا بوصف جميل مسهب لهذا القصر([546])، أنّه كان شامخاً مرتفعاً في أجواز الفضاء، واسعاً ذا أجنحة متعددة، حوى من الزخرفة وجمال النقش فنوناً وألوناً وفيما يلي بعض الأبيات من قصيدة الرفاء السالفة الذكر:
أنشأته منزلاً في قلب دجلة لا
تحتاج جنته الغدران والقلبا
وبركة ليس يخفي موج لجتها
من القذى ما طفا فيها وما رسبا
يبيت أعلاه بالجوزراء منتطقاً
ويغتدي برداء الغيم محتجبا
حصباؤه لؤلؤ نثر وتربته
مسك ذيك فلو لم تحمه انتهبا
وكل ناحية منه زبرجدة
أجرى اللجين عليها جدولاً سربا
ولمّا كان الحمدانيون قد اتخذوا الموصل حاضرة لهم، ومنها حكموا مناطق الجزيرة الأخرى، فإنّهم اهتموا ببناء دار الإمارة، وهي المقر الرسمي للأمراء، ويعتقد الأستاذ سعيد ديورجي([547]) أنّ الحمدانيين سكنوا على ضفة دجلة الغربية قرب (قره سراي) اليوم، خاصّة وأنّهم اهتموا بعمارة هذه الناحية من الموصل فبنوا لهم مسجداً في الدير الأعلى، كما بنوا مشهداً لعمرو بن الحمق الخزاعي هناك. ويبدو أنّ العقيليين الذين حلّوا محلهم في حكم الموصل سكنوا قصورهم ـ أي قصور الحمدانيين ـ التي كانت تقع على دجلة. وفي أحداث النزاع بين الحمدانيين والعقيليين من جهة والبويهيين من جهة ثانية يشير ابن الأثير (في حوادث 363) إلى أنّ بختيار نزل بالدير الأعلى، في حين نزل أبو تغلب بالحصباء تحت الموصل وبينهما عرض البلد([548]). ويستنتج الأستاذ سعيد الديوجي من ذلك([549]) أنّ موقع الدير الأعلى كان قرب قلعة الموصل (شماليها) وهي التي تسمّى الآن (باش طابية)، أمّا الحصباء فلم تزل تعرف بشط الحصباء أو شط العرب وهي على ضفة دجلة. ونحن لا ندري متى شيّدت هذه القلعة، لكن هناك ما يشير إلى وجودها في منتصف القرن الخامس الهجري([550])، ولعلها كانت موجودة أيام الحمدانيين واستخدمت من قبلهم.
وفي عصر كان للدين والتقوى فيه شأن أي شأن، عمد الأمراء والخاصّة إلى تشييد المساجد والمشاهد والمراقد الخاصّة بالأولياء وذوي الفضل. ونستطيع أن نستنتج بأنّ الحمدانيين الشيعة عنوا أكبر عناية بإحياء ذكر الأئمة العلويين وآل البيت عموماً. ولا بد أنّ المراقد والمشاهد الكثيرة التي حفلت بها الموصل في ذلك العصر يرجع بعضها على الأقل إلى هذه الفترة التي حكم فيها الحمدانيون في الجزيرة. فهناك مرقد نسب للعباس بن علي (عليه السلام) كتب على جدرانه «هذا قبر العباس بن علي… عمّره الحاج كاظم في سنة خمس وأربعمائة»([551]). فإذا صحّ هذا التاريخ فإنّه يرقى إلى عصر الحمدانيين. وهناك ضريح لزيد بن علي وآخر لعون بن الحسن وثالث لإبراهيم ابن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)… ومشاهد أخرى كثيرة كرمقد بنات الحسن وعلي الهادي وغيرها. وواضح أنّ هذه ليست أضرحة أو مراقد حقيقية دفن فيها هؤلاء الأئمة والأولياء، بل هي مشاهد للتبرّك تتصل أشد الاتصال بالتراث الديني الشعبي وجاء بناؤها في عديد من المدن الإسلامية نتيجة تعلّق الناس بهؤلاء الأئمة. وهناك إلى جانب دير الأعلى مشهد عمرو بن الحمق الخزاعي الصحابي الذي بقي على حبّه للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وحين طلبه معاوية فرّ إلى الموصل. وحمل رأسه إلى معاوية ودفنت جثته في هذه المدينة. وقد بنى على قبره سعيد بن حمدان مشهداً في سنة 336هـ.
بنى الحمدانيون في الموصل مساجد عدّة أهمها المسجد الذي شيّدته الأميرة جميلة بنت ناصر الدولة، وكان على تل توبة شرقي الموصل، تحيط به دور للمجاورين. وقد أوقفت جميلة على هذا البناء كثيراً من الأوقاف([552]). وفي تل توبة بناء عظيم هو رباط يشتمل على بيوت كثيرة ومقاصر ومطاهر وسقايات([553]) ثمّ تحوّل البناء إلى جامع النبي يونس الذي ما زال قائماً في الموصل إلى الآن. كما بنى ناصر الدولة قبة على مشهد علي بن أبي طالب (عليه السلام).
2 ـ الأديرة
وإذا أردنا أن نقدّم صورة صحيحة صادقة لهذا العصر وجب علينا أن نتحدّث عن الأديرة التي كوّنت في الجزيرة ـ وبخاصّة في الموصل وما حولها ـ مظهراً بارزاً من مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية، بالإضافة إلى كونها مراكز دينية للمسيحية ونموذجاً للعمائر التي قامت في هذا الإقليم قبل أن يفتحه المسلمون.
اشتهرت الموصل ونواحيها بكثرة الأديرة، لأنّها مدينة سكنها النصارى مدّة طويلة، وما زالت حتّى اليوم تزخر بآثار المسيحية فهناك آثار لدير الخنافس على هضبة قريبة من قرية شرقي هذه المدينة وكذلك آثار دير برعيتا. ومن أشهر الأديرة «دير الكلب» بالقرب من معلثايا بين الموصل وبلد في سفح جبل ينحدر الماء عليه ووصفه الخالدي بأنّ له «خاصية في برء عضة الكلب، وله عيد في وقت من السنة، يخرج إليه خلق من النصارى نساء ورجال للإقامة عندهم»([554]). وكان بالقرب من معلثايا أيضاً «دير الزعفران» ويقع عند سفح جبل تطل عليه قلعة أردمشت الحمدانية([555]). غير أنّ الشابشتي([556]) يقول إنّ هذا الدير يقع على الجانب الشرقي من نصيبين على قمة جبل يشرف على المدينة وهو كثير العيون والقلايات وحوله الشجر والكروم ويقع على جانبه ديرا مر واوجي ومر يوحنا. وامتاز دير العذارى عند تكريت بموقعه الجميل على دجلة، وبحسن عذاراه ورهبانه، وكثرة حاناته ومتنزهاته، وقد وصف الخالدي أعياده وحاناته وقال فيه الصنوبري شعراً([557]). ومن الأديرة الشهيرة في الأدب العربي دير الشياطين غربي دجلة من أعمال بلد ويقع بين جبلين ويمتاز بجمال طبيعته وكثرة أشجاره ورياضه([558]). وكان يقوم بقرب الموصل «دير باقوقا» وهو ذو رهبان كثيرين تحيط به المزارع والبساتين([559]).
وكان «الدير الأعلى» الذي ورد ذكره في أخبار الحمدانيين يطل على دجلة في الموصل حيث تقوم طواحين الماء «العروب» ويشتهر بعذوبة هوائه وبعيونه الكبريتية وهو كبير عامر يزخر بآثار المسيحية كالأناجيل والأيقونات وفيه كثير من قلايات الرهبان وله سلم منقور في الجبل يؤدّي إلى دجلة. ويروى أنّ المأمون مرّ به في عيد الشعانين «فزيّن الدير بأحسن الزينة وخرج رهبانه وقسسه إلى المذبح وحولهم فتيانهم بأيديهم المجامر قد تقلدوا الصلبان وتوشحوا بالمناديل المنقوشة. وإلى جانب الدير الأعلى يقوم مشهد عمرو بن الحمق الخزاعي من أصحاب علي(ع) لذلك اهتمّ به الحمدانيون وأقاموا إلى جانبه مسجداً يتصل بالقبر([560]). أمّا دير مار مخايل فيقع على بُعد ميل واحد من هذه المدينة مطلاً على النهر وتكثر فيه الكروم والأشجار وله عيد يقام قبل الشعانين بأسبوع. وهناك «دير متى» بالجانب الشرقي من الموصل على جبل شامخ يعرف بنفس الاسم، وهو يشرف على نينوى ويمتاز بأنّ بيوته منقورة في الصخر. واشتهر دير يونس بن متى هذا بأنّ أرضه كانت تكسوها الشقائق والنوار وله في أيام الربيع جمال طبيعي خلاب، وقد قصده الأهالي للاستشفاء والاغتسال بعينه المعدنية([561]). وعلى مقربة منه «دير الخنافس» وهو دير صغير يطل على ضياع نينوى([562]). غير أنّ أشهر أديرة الموصل في أخبار الحمدانيين «دير باعربا» بينها وبين حديثة على ضفة دجلة الغربية، وقد نزله سيف الدولة مرّة وضرب مضربه على الشاطئ، وتغدّى ونام، فلمّا كان وقت العصر دخل الدير، وصعد إلى سطحه فشهد منظراً خلاباً، وكان بصحبته من الندمان أبو إسحاق اليسري والشيظمي الذي نظم أبياتاً غناها سقارة وهي:
شرفاً يا دير عرباء ومجدا
بهما تعنى مدى الدهر وتعمر
إذ على سطحك سيف الدولة القـ
ـرم الذي فات الورى عزاً ومفخر([563])
وهناك أديرة أخرى كدير الخوات بعكبرا وقد اشتهر بليلة الماشوش وهو عيد يكون في يوم الأحد الأوّل من الصوم فيجتمع فيه المسلمون والنصارى، فيتعبّد هؤلاء ويتنزّه أولئك([564]).
وثمّة أديرة أخرى اشتهرت كدور للضيافة كدير الأسكون ودير باريشا في الموصل ودير مريحنا ودير الذندورد، ودير القيارة على شاطئ دجلة الغربي وهو اليوم حمام العليل على مسافة أربع ساعات من الموصل، وكان يسمّى دير مارزنيا([565])، ويعتبر حتّى اليوم من أماكن الاستشفاء الهامّة في العراق ويقصده العامّة من جميع الأنحاء للاستشفاء في عيونه المعدنية. وقد ضمّت هذه الديارات جميعاً كنائس عظيمة واسعة فيها الكتب الدينية النفيسة والمؤلفات القيّمة كما كانت أنموذجاً جميلاً لفن العمارة. وقد امتدح كشاجم ما امتاز به الرهبان من خفة الروح وسعة الاطلاع فقال([566]):
قد عدلوا ثقل أبدان بمعرفة
منهم لخفة أبدان وأرواح
ورشحوا غرر الآداب فلسفة
وحكمة بعلوم ذات أوضاح
في طب بقراط لحن الموصلي وفي
نحو المبرد أشعار الطرماح
وكان الأمراء يقصدون هذه الأديرة لما تمتاز به من فن العمارة وجمال الأبنية والنزه وحسن الطبيعة([567]). كما كان يقصدها أبناء الطبقة المترفة والشعراء والأدباء الذين لقوا في رحابها كلّ ترحاب ووجدوا فيما حولها مصدراً للإلهام.
3 ـ الثقافة
تميّز القرن الرابع الهجري بنمو الحركة الثقافية وانتشارها، فإنّ تفتت وحدة الدولة وقيام الدويلات المستقلة أدّيا إلى ظهور عدّة بيئات ثقافية بسبب تنافس الأمراء في جذب الأدباء والمفكرين إليهم كوسيلة من وسائل الدعاية والمباهات من جهة وولوعاً بالثقافة ذاتها من جانب بعض الأمراء من جهة أخرى. وفي هذا العصر نضج الفكر الإسلامي بما جدّ فيه من ثقافات نقلت إلى العربية. وقد تعدّدت مراكز الثقافة في الدولة الإسلامية، ففي أصبهان غدا الصاحب بن عباد وزير بني بويه راعياً للأدب ورجاله، وغدت بخارى حيث أقام السامانيون بلاطهم مثابة الأدباء والعلماء. ومن الناحية الثانية كان الحمدانيون في الموصل وحلب والإخشيديون ثمّ الفاطميون في مصر خير رعاة وحماة للعلم والأدب.
لقد كان الحمدانيون في مقدمة المهتمين بالثقافة في هذا العصر، ولا غرابة فقد كان بينهم هم أنفسهم شعراء وأدباء ينظمون الشعر ويتذوقونه. وإذا استثنينا سيف الدولة الذي يقف في المقدمة في هذا المديان، نجد أمراء حمدانيين كثراً حفظت لهم كتب التاريخ والأدب ذكراً عطراً في روضة الشعر والأدب. صحيح أنّ ناصر الدولة وأولاده وأحفاده شغلوا أنفسهم بالحروب والمنازعات الداخلية والخارجية بالدرجة الأولى، فلم يتح لهم الوقت والجهد لإشادة نهضة فكرية ثقافية كما سنرى في حلب على عهد سيف الدولة، وصحيح أنّ الأمراء الحمدانيين في الموصل والجزيرة كانوا أقرب إلى البساطة فلم يقيموا بلاطاً فخماً ولم يحيطوا أنفسهم بحاشيةٍ أدبية كبيرة، غير أنّا ـ مع ذلك ـ نجد بينهم شعراء وأدباء. فقد كان أبو زهير مهلهل بن نصر بن حمدان وأبو العشائر (الذي قصده المتنبي قبل أن يتصل بسيف الدولة) وأبو وائل تغلب بن داود بن حمدان وأبو المطاع شعراء.
وكان أبو تغلب بن ناصر الدولة أديباً شاعراً ومحباً للثقافة، فقد وجدت له أبيات شعرية منقوشة على حائط قصر العباس بن عمرو بين سنجار ونصيبين بخطّه([568]). وذكر له الثعالبي([569]) أيضاً مقطوعة منها قوله في الغزل:
لا والذي جعل الموا
لي في الهوى خدم العبيد
وأصار في أيدي الظبا
ء قياد أعناق الأسود
وأقام ألوية المنية
بين أمنية الصدود
ما الورد أحسن منظراً
من حسن توريد الخدود
كان أبو المطاع ذو القرنين ابن ناصر الدولة شاعراً ظريفاً حسن السبك جميل المقاصد ـ على حد قول ابن خلكان([570]) ومن شعره قوله:
إنّي لأحسد «لا» في أسطر الصحف
إذا رأيت اعتناق اللام للألف
وما أظنهما طال اعتناقهما
إلا لما لقيا من شدّة الشغف
وقوله:
أفدي الذي زرعته بالسيف مشتملا
ولحظ عينيه أمضى من مضاربه
فما خلعت نجادي في العناق له
حتّى لبست نجاداً من ذوائبه
فكان أسعدنا في نيل بغيته
من كان في الحب أشقانا بصاحبه
وقوله:
لما التقينا معاذ الليل يسترنا
من جنحه ظلم في طيها نعم
بتنا أعف مبيت باته بشر
ولا مراقب إلاّ الطرف والكرم
فلا مشى من وشى عند العدو بنا
ولا سعت بالذي يسعى بنا قدم([571])
وإذا رجعنا إلى الثعالبي الذي أسهب في تأريخ الحياة الأدبية في عصر الحمدانيين نجده يضم إلى الشعراء من أمراء بني حمدان كذلك، حمدان والحسين ابني ناصر الدولة، وقد أورد لهما مقطوعات جيدة من الشعر تدل على البراعة.
وبرز من شعراء هذا العصر أبو الحسن السري بن أحمد بن السري الكندي الرفاء الموصلي الشاعر المشهور. وكان في صباه يرفو ويطرز في دكان بالموصل وينظم الشعر حتّى برع فيه. وقد ترك السري ديوان شعر جيّد، وله كتاب «المحب والمحبوب، والمشموم والمشروب» وكتاب «الديرة»([572]). ومن شعره اللطيف في وصف مهنته قوله:
وكانت الإبرة فيما مضى
صائنة وجهي وأشعاري
فأصبح الرزق بها ضيقاً
كأنّه من ثقبها جاري([573])
ولا بدّ أن نشير إلى شاعر ظريف برز من الحضيض كذلك وارتقى إلى مصاف الشعراء المشهورين وهو أبو بكر بن أحمد بن حمدان الخباز البلدي (نسبة إلى بلد قرب الموصل). وقد حفظ الخباز البلدي القرآن الكريم وضمّن أشعاره كثيراً من الآيات، وبخاصّة في إظهار تشيّعه الذي يدلل عليه شعره. وكان هذا الشاعر ملازماً للأديرة القريبة من الموصل وبخاصّة دير الشياطين ببلد غربي دجلة([574]).
وفي الميدان الثقافي اللغوي برز أبو الفتح عثمان ابن جني الموصلي النحوي، ويصفه ابن خلكان([575]) بأنّه «كان إماماً في علم العربية، قرأ الأدب على الشيخ أبي علي الفارسي… وقعد للإقراء بالموصل». وابن جني كان مملوكاً رومياً لسليمان بن فهد الأزدي، لكن أصله لم يحل دون ظهوره وبروزه إلى القمة أسوة بكثيرين غيره من العبيد الذين أتيحت لهم فرص التعلّم. وقد شرح ابن جني ديوان المتنبي وخلف عدّة مصنّفات في النحو منها كتاب «الخصائص» و«سر الصناعة» و«المنصف» و«التلقين في النحو» و«التعاقب» و«الكافي في شرح القوافي» و«المذكر والمؤنث» و«المقصور والممدود» و«التمام في شرح شعر الهذليين» وغيرها كثير عدّدها ابن خلكان([576]). لقد ولد ابن جني بالموصل قبل سنة 300 أي في عصر الحمدانيين وتوفي ببغداد في سنة 392هـ([577]). وذكر الثعالبي([578]) عبيد الله بن أحمد البلدي باعتباره أحد النحاة في الموصل.
وكان أبو الحسن علي بن محمد الشمشاطي الأرمني الأصل معلماً لأبي تغلب ابن ناصر الدولة وأخيه ثمّ أصبح نديمهما. وبالإضافة إلى مصنفاته الأدبية مثل «النزه والابتهاج» و«الديارات» و«أخبار أبي تمام»([579]) فإنّه كان شاعراً مجيداً وواسع الرواية ترك لنا بضع مقطوعات عذبة في وصف البنفسج والجلنار والتغني بالطبيعة([580]) وكان التشيع يغلب على الشمشاطي([581]) شأن كثيرين ممّن عاشوا في بلاط الحمدانيين.
وإنّه وإن كانت الموصل أقل ازدهاراً من حلب في ميدان الثقافة ألا أنّها أنجبت في عصر الحمدانيين أدباء وعلماء مشهورين. فنجد السري الرفاء الذي تغنّى بجمال هذه المدينة وترك لنا صوراً اجتماعية رائعة وصف فيها الحلاقين والأطباء والسفن وصيادي السمك والحمامات فضلاً عن وصفه مشاهد الطبيعة وأزهارها وأشجارها وغدرانها والسحب والثلج والمطر، كما أفتن في وصف مجالس الشرب واللهو والخمر بالإضافة إلى شعره في المديح والتهنئة والهجاء والغزل والإخوانيات والرثاء([582]). وكذلك برز الخالديان الأخوان الموصليان أبو بكر وأبو عثمان محمد وسعيد ابنا هاشم من قرية الخالدية بالموصل([583]) وكانا شاعرين أديبين حافظين([584]). وقد جمع أبو عثمان شعره وشعر أخيه، كما تركا تصانيف منها «كتاب حماسة شعر المحدثين» و«أخبار أبي تمام ومحاسن شعره» و«أخبار الموصل» وغيرها([585]). وفي الموصل نجد بالإضافة إلى الذين أسلفنا الإشارة إليهم الببغاء والتلعفري. ويجدر بنا أن نذكر أنّ الموصل كانت عاصمة الحمدانيين الأولى وفي ربوعها تفتحت أزاهير الثقافة. ولعل من خير الأمثلة على اهتمام الحمدانيين في الموصل بالإنتاج الفكري أنّ أبا تغلب اقتنى نسخة من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني بعشرة آلاف درهم وعكف على دراسته، فأعجب بما حواه من طرائف الأدب حتّى أمر أن تنسخ له نسخة أخرى وتجلد ويكتب عليها اسمه([586]). وعبر عن نفاسة هذا الكتاب بقوله: «لقد ظلم ورّاقه المسكين وإنّه ليساوي عندي عشرة آلاف دينار، ولو فقد لما قدرت عليه الملوك إلاّ بالرغائب. وهو قول ينطوي على تقدير فائق لقيمة هذا المؤلف الذي ما زال يعتبر كنزاً لا يقدر بثمن من ميدان التراث العربي».
ويبدو لي أن عصر أبي تغلب شهد نوعاً من الاستقرار والهدوء النسبيين إذا قيس بعصر أبيه ناصر الدولة الحافل بالصراع الذي لا هوادة فيه. ويبدو كذلك أنّ الأدباء والشعراء أخذوا يتطلعون إلى بلاطه ـ وبخاصة بعد وفاة عمّه سيف الدولة ـ بحيث كتب الشاعر عبد الواحد الببغاء إليه رسالة يذكر فيها رغبته في أن يعيش في ظلّه وينقطع إليه([587]). ولعل من الطريف أن نقتبس هنا بعض فقرات هذه الرسالة التي يستطيع القارئ أن يلمس منها اهتمام أبي تغلب بالأدب من جهة، ومحتوى الأدب النثري الذي ساد يومذاك من جهة أخرى يقول الببغاء مخاطباً أبا تغلب:
«… ومن أبرز لسيدنا صفحة رجائه ووفق للانقطاع إلى سعة نعمائه، فقد استظهر لما بقي من عمره، وحكم لنفسه بالفوز على دهره»:
فما يقدح الفقر في حاله
ولا يطمح الدهر في قصده
وكيف وقد صار ضيف الغما
م وهو قريب على بعده؟
ومن علقت بأبي تغلب
يداه احتذى البدر من سعده
همام قضى الله من عرشه
له بالإمارة في مهده
فطود السيادة في دسته
وشمس الرياسة في برده
وقد استجاب أبو تغلب لهذا الرجاء، فأرسل إلى الشاعر المستجير به جواباً رقيقاً يرحب به في الموصل دون أن يغفل دفع تكاليف السفر وما يحتاج إليه الشاعر من نفقات أخرى «تزيح علته»([588]). وقد لقي أبو تغلب بذلك أجزل الشكر وأوفر الثناء وأسخى المديح من الببغاء حين استلم هذا ما أعانه على السفر إلى الموصل. فاستمع الى ما قاله في أبي تغلب:
تحقق الدهر أنّ الملك منذ نشأ
له أبو تغلب اسم غير مشترك
واستخلف الفلك الدوار همته
فلو ونى أغنت الدنيا عن الفلك
«موفر الحسنات، مأمون الهفوات، متناصر الصفات، ربعي النفاسة، حمداني السياسة، ناصري الرياسة، عطاردي الذكاء، موفق الآراء، شمسي التأثير، فلكي التقدير، قمري التصوير، للصدق كلامه، وللعدل أحكامه، وللوفاء ذمامه، وللحسام غناؤه، وللقدر مضاؤه وللسحاب عطاؤه:
إذا دعته ملوك الأرض سيدها
طراً دعته المعالي سيد العرب
وقد احتضن أبو تغلب حقاً هذا الشاعر الناثر الذي ظلّ ينتقل بين الموصل يمدح أبا تغلب وينال عطاءه وبين بغداد دار السلام حيث الطموح والشهرة. وقد نال الببغاء فعلاً ما يرتجي في الموصل وبغداد معاً واستطاع أن يتعرّف في العاصمة على الأوساط الأدبية العالية بحيث زار أبا إسحاق الصابي كاتب الرسائل الفذ في سجنه([589]) وعقد معه صداقة حميمة ظلّت قائمة عن طريق المراسلات الأدبية التي كانت سمة من سمات الحياة الثقافية في ذلك العصر.
ولم تكن مرابع الحمدانيين في الموصل وما حولها تخلو من حفلات الغناء والموسيقى شأنهم في ذلك شأن الأمراء والخاصّة. فقد أحيا «سقارة العواد» مجلس غناء لأمراء بني حمدان في دير باعربا قرب الموصل([590]).
4 – المجتمع
غير أنّ أمراء بني حمدان وجهوا اهتماماً خاصاً للشؤون الدينية ولأعمال البر والإحسان. فقد اهتموا ببناء المساجد والمشاهد وأضرحة الأولياء وصرفوا عليها مبالغ طائلة. فقد بنت جميلة بنت ناصر الدولة على تل توبة بنينوى مسجداً ودوراً للمجاورين «أوقفت عليها أوقافاً جليلة»([591])، كما شيّد سعيد بن حمدان في سنة 336 مشهداً على ضريح الصحابي عمرو بن الحمق الخزاعي الذي اشتهر بحبّه لآل علي وقتل أيام معاوية فدفنت جثته في الموصل إلى جانب الدير الأعلى([592]).
روى نصر بن مزاحم في كتاب صفين أنّ عمرو بن الحمق قال لعلي (عليه السلام) وهو يتجهّز إلى صفين حين سمعه هو وحجر بن عدي يظهران البراءة واللعن من أهل الشام فأمرهما بالكف فقالا ألسنا محقين قال بلى ولكن كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين ولكن لو وصفتم مساوئ أفعالهم لكان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم اللهم احقن دماءنا و دماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالهم كان هذا أحب إليّ وخيراً لكم، فقالا يا أمير المؤمنين نقبل عظتك ونتأدب بأدبك. وقال عمرو بن الحمق: إنّي والله يا أمير المؤمنين ما أحببتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك ولا إرادة مال تؤتينيه ولا التماس سلطان يرفع ذكري به ولكن أحببتك لخصال خمس إنّك ابن عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأوّل من آمن به وزوج سيدة نساء الأمة فاطمة بنت محمد (صلّى الله عليه وآله) وأبو الذرّية التي بقيت فينا من رسول الله(ص) وأعظم رجل من المهاجرين سهماً في الجهاد فلو أنّي كلفت نقل الجبال الرواسي ونزح البحور الطوامي حتّى يأتي علي يومي في أمر أقوي به وليك وأوهن به عدوك ما رأيت أنّي قد أدّيت فيه كل الذي يحق علي من حقك، فقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): اللهم نوِّر قلبه بالتقوى وأهده إلى صراط مستقيم ليت أنّ في جندي مائة مثلك. فقال حجر: إذاً والله يا أمير المؤمنين صلح جندك وقلّ فيهم من يغشك «اهـ» وأمرّه أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم صفين على خزاعة. وقال عمرو بن الحمق يوم صفين:
تقول عرسي لما أن رأت أرقي
ماذا يهيجك من أصحاب صفينا
ألست في عصبة يهدي الإله بهم
أهل الكتاب ولا بغيا يريدونا
فقلت إنّي على ما كان من رشد
أخشى عاقب أمر سوف يأتينا
إدالة القوم في أمر يراد بنا
فاقني حياء وكفي ما تقولينا
وقال معاوية يوماً لعمرو بن العاص: ائت ببني أبيك فقاتل بهم فإنّه إن يكن عند أحد خير فعندهم فأتى جماعة أهل اليمن فقال أنتم اليوم الناس وغداً لكم الشأن هذا يوم له ما بعده من الأمر احملوا معي على هذا الجمع قالوا نعم فحملوا وحمل عمرو وهو يقول:
أكرم بجمع طيب يماني
جدوا تكونوا أوليا عثمان
خليــــــــــــــــــــفة اللـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه عـــــــــــــــــــــــــــــــلى تبيــــــــــــــــــــــــــــــان
فحمل عليهم عمرو بن الحمق وهو يقول:
بؤساً لجند ضائع يماني
مستوسنين كأنساق الضان
تهوي إلى راعٍ لها وسنان
أقحمها عمرو إلى الهوان
يا ليت كفي عدمت بناني
وأنكم بالشحر من عان
ولما رفعت المصاحف يوم صفين قال عمرو بن الحمق: يا أمير المؤمنين إنّا والله ما اخترناك ولا نصرناك عصبية على الباطل ولا أحببناك إلاّ لله عزّ وجل ولا طلبنا إلاّ الحق ولو دعانا غيرك إلى ما دعوت إليه فكان فيه اللجاج وطالبت فيه النجوى وقد بلغ الحق مقطعه وليس لنا معك رأي «اهـ».
ولمّا قتل علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعث معاوية في طلب أنصاره فكان فيمن طلب عمرو بن الحمق الخزاعي فراغ منه فأرسل إلى امرأته آمنة بنت الشريد فحبسها في سجن دمشق سنتين ثمّ إنّ عبد الرحمن بن الحكم ظفر بعمرو ابن الحمق في بعض الجزيرة فقتله وبعث برأسه إلى معاوية، فكان أوّل رأس حمل في الإسلام وأهدي من بلد إلى بلد، فلمّا أتى معاوية الرسول بالرأس بعث به إلى آمنة في السجن وقال للحارس: احفظ ما تتكلم به حتّى تؤدّيه إليّ واطرح الرأس في حجرها فعل هذا فارتاعت له ساعة ثمّ وضعت يدها على رأسها وقالت واحزناه لصغرة في دار هوان وضيق من ضيمة سلطان نفيتموه عنّي طويلاً وأهديتموه إليّ قتيلاً فأهلاً وسهلاً بمن كنت له غير قالية وأنا له اليوم غير ناسية. ارجع به أيّها الرسول إلى معاوية فقل ولا تطوه دونه: أيتم الله ولدك وأوحش منك أهلك ولا غفر لك ذنبك. فرجع الرسول إلى معاوية فأخبره بما قالت فأرسل إليها فأتته وعنده نفر فيهم أياس بن حسل أخو مالك بن حسل وكان في شدقيه نتوء عن فيه لعظم كان في لسانه وثقل إذا تكلم. فقال لها معاوية: أأنت يا عدوة الله صاحبة الكلام الذي بلغني. قالت: نعم غير نازعة عنه ولا معتذرة منه ولا منكرة له فلعمري لقد اجتهدت في الدعاء إن نفع الاجتهاد وإن الحق لمن وراء العباد ولما بلغت شيئاً من جزائك وإنّ الله بالنقمة من ورائك فأعرض عنها معاوية فقال أياس اقتل هذه يا أمير المؤمنين فوالله ما كان زوجها أحق بالقتل منها فالتفتت إليه فلمّا رأته ناتئ الشدقين ثقل اللسان قالت تباً لك ويلك بين لحييك كجثمان الضفدع ثمّ أنت تدعوه إلى قتلي كما قتل زوجي بأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين فضحك معاوية ثمّ قال اخرجي ثمّ لا أسمع بك في شيء من الشام قالت وأبي لأخرجن ثمّ لا تسمع بي في شيء من الشام فما الشام لي بحبيب ولا أعرج فيها على حميم وما هي لي بوطن ولا أحنّ فيها إلى سكن…
وبعد قتل عمرو كتب الحسين بن علي إلى معاوية: أولست القاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله العبد الصالح بعدما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً نزل إليك من رأس جبل ثمّ قتله جرأة على ربّك واستخفافاً بذلك العهد.
وقد أطنب المؤرخون في وصف حج جميلة بنت ناصر الدولة حتّى ضرب به المثل. ويقول الثعالبي في هذا الصدد([593]): «يضربون المثل في زماننا هذا (القرن الخامس) بعام جميلة وهي الموصلية بنت ناصر الدولة… أخت أبي تغلب، فإنّها حجّت في سنة ست وستين وثلثمائة، وأبانت من المروءة، وفرّقت من الأموال وأظهرت من المحاسن ونثرت من المكارم، ما لا يوصف بعضه عن زبيدة غيرها ممّن حجّت من بنات الخلفاء والملوك. وأخبرني الثقات أنّها سقت جميع أهل الموسم السويق بالسكر الطبرزد والثلج. وكانت استصحبت البقول المزروعة في مراكن الخزف على الجمال وأعدّت خمسمائة راحلة للمنقطعين من رجالة الحج، ونثرت على الكعبة عشرة آلاف دينار، ولم تستصبح فيها إلاّ بشموع العنبر، وأعتقت ثلثمائة عبد ومائتي جارية، وأغنت الفقراء والمجاورين بالصلات الجزيلة، فصارت حجتها تاريخاً مذكوراً وصارت مثلاً مشهوراً.
وليست لدينا معلومات ذات غناء عن حياة العامّة، لكنّنا نستطيع أن نستنتج من الإشارات العابرة، وأقوال الشعراء والكتّاب. وقد صوّر لنا السري الرفاء وهو عامل بسيط قضى صباه في أسواق الموصل يرفو ويطرز، حياة السوق والمهن البسيطة، التي نقف منها على لمحات من حياة الشعب الحمداني. ويبدو أنّ السري خالط صيادي السمك الفقراء فوصف سفنهم وشباكهم، كما وصف الحلاقين وأشاد ببراعة «المزين عبد الكريم»([594]) والأطباء المتواضعين الذين يتجولون في السوق بحثاً عن المرضى([595]) وهو- كشاعر فقير في بدء حياته ـ عبّر عن آلام العامة والديون المتراكمة عليهم، ولم ينس أن يصوّر مسرات العامة والطبقة الوسطى في الموصل، فترك لنا صوراً حيّة عن ليالي الأنس والحانات والصيد والحمامات التي كانت تتخذ مثابة للهو والشرب والقصف([596]).
وقد وصل لنا السري الرفاء حالة أبناء مهنته وهم الرفاؤون في الموصل، فقال:([597]) «إنّ الرزق ضيق كأنّه يجري من ثقب الإبرة».
د. فيصل السامر
حرية التملك في الإسلام
يبيح الإسلام للإنسان حرية التملك، وحرية التصرّف فيما يملك، سواء بالنسبة إلى تملّك وسائل الإنتاج أم غيرها.
ولا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال غيره إلاّ بإذنه.
وهذه أحكام شبه ضرورية في الإسلام، يعرفها كلّ من عرف أحكامه، ووقف على دقائقها؛ فلا يحتاج أن نلتمس النصوص من الكتاب أو السنّة لإثباتها من أمثال (الناس مسلطون على أموالهم)، (ولا يحل مال امرئ إلاّ بطيبة نفسه) ونظائرهما ممّا انتشر في كتب الفقه.
وبالطبع إنّ نظاماً يبيح حرية التملك من جهة، وحرية التصرّف للمالك من جهة أخرى، سوف يفضي حتماً ومع الزمن إلى النظام الرأسمالي بمفارقاته التي تنتهي غالباً على تركّز الثروة بيد فئة قليلة، يعود إليها أمر التحكّم بالرأي العام وبمراكز القرار، بالإضافة إلى تسلّطها على الأسواق تتحكّم بها ـ ضمن عوامل معينة ـ كيف تشاء.
فالنظام الرأسمالي نتيجة لتركّز الثروة بيد هذه الفئة، نظام ينتهي إلى تسلّط فئة بيدها رأس المال، على أمّة بأجمعها، تتحكّم باقتصادها وقرارها، ومن ورائها السلطة وأدوات الضغط تحميها، إضافة إلى الإعلام بقنواته المتعددة والمتكثرة وقد أشار إلى ذلك علماء الاقتصاد وبخاصّة الاشتراكيون منهم كماركس، وأنجلز، ونظائرهم.
وإذا صحّ هذا ـ وهو صحيح في أغلب خطوطه ـ فإنّ النتيجة الحتمية لهذا النظام أن يعود المجموع مرهوناً بالقرار لأفراد معينين.
ولذلك فقد تنادى المصلحون من علماء الاقتصاد إلى وضع حدود لهذه المفارقات اختلفت باختلاف وجهات نظرهم.
فالاشتراكيون على اختلاف مدارسهم، دعوا إلى نزع وسائل الإنتاج من يد الأفراد وتأميمها، وغالى بعضهم فدعى إلى نزع الملكية الخاصّة بجميع ضروبها.
بينما قامت الدول الرأسمالية بمعالجة غير جذرية في أكثر خطوطها، كوضع الضرائب، وتحديد ساعات العمل، ووضع حد أدنى للأجور، وفتح صناديق للتأمين الاجتماعي، والدعوة للضمان الجماعي، ونظائر ذلك من الإصلاحات الجانبية غالباً.
أمّا الإسلام فقد قام بمعالجات جذرية لهذه المشكلة، ندركها تماماً إذا عرفنا كيف تنشأ الثروة، وتتجمع بيد فئة قليلة؟ نعود إلى علماء الاقتصاد لنأخذ رأيهم في هذا الموضوع.
والظاهر أنّ كلماتهم على كثرتها وتنوّعها تعود في مناشئها إلى عاملين رئيسيين:
أولهما: فائض القيمة من جهة، وريع الأرض من جهة أخرى، وهما اللذان تبناهما المبدأ الماركسي، وبنى عليهما مذهبه الاقتصادي المعروف.
ثانيهما: نظرية العرض والطلب، وهي النظرية التي تبناها جمهور الاقتصايين([598]) واعتبروها مصدر القيمة لا العمل، كما جاء في النظرية السابقة([599]).
وهناك مناشئ أخرى للثروة أهمها:
1 ـ الربا.
2 ـ الاحتكار.
3 ـ المقامرة.
4 ـ التلاعب بالأسواق، وغيرها.
وربما عاد بعضها إلى أحد هذين العاملين.
والظاهر أنّ واحداً من هذه المناشئ لا يصلح لتعليل الظاهرة ككل، بل لا بد من اشتراكها جميعها إذا أردنا أن نكون شموليين في تعليلها، فماذا يراد بفائض القيمة وريع الأرض أوّلاً؟ وماذا يراد بنظرية العرض والطلب ثانياً؟ وما هو موقف الإسلام من مفارقاتهما ثالثاً؟
فائض القيمة:
إنّنا لا نفهم جيّداً فائض القيمة إلاّ إذا رجعنا إلى أصحاب النظرية في فهم القيمة ثمّ فهم فائضها.
يتساءل علماء الاقتصاد عن القيمة من أين تنبع؟ وما الذي يحدّد ثمن سلعة وما ويفرقها عن غيرها من السلع؟ وكيف يكون التبادل بين السلع؟ وعلى أي أساس؟
ويجيبون على هذا التساؤل، وتختلف كلماتهم فآدم سميث كان يرى أنّ القيمة تؤلفها عوامل ثلاثة: العمل، الأرض، رأس المال([600]).
وكان ريكاردو يرى أنّ العمل وحده هو الذي يحدّد القيمة فهو «يقصي الأرض؛ لأنّ الريع لا يخلق القيمة بل العكس، فالقيمة هي التي تخلق الريع؛ فالقمح لا يباع غالباً لأنّ الأرض لا تعطي ريعاً بل إنّ الأرض تعطي ريعاً لأنّ القمح يباع غالباً فالريع نتيجة للقيمة وليس سبباً لها»([601]).
ويقول: «أمّا بشأن رأس المال فما هو إلاّ عمل ولذلك فليس من الضروري أن يجعل منه عاملاً متميزاً، وكلّ ما ينبغي هو أن لا يقصر مفهوم العمل على العمل المستخدم رأساً في الإنتاج، بل يمد فيشمل أيضاً العمل المبذول للأدوات، والآلات، والمباني التي تستخدم في الإنتاج.
فرأس المال ـ فيما يقول الدكتور محمد عزيز المحدّث عنه ـ في نظره هو عمل مخزون.
ومن الواضح أنّ هذه الفكرة تعني أنّ رأس المال عند استخدامه في الإنتاج يخرج منه العمل المتجمع فيه»([602]).
ويأتي بعد ذلك معظم العلماء الاشتراكيين أمثال برودون ورود بروتس فيحتضنون هذه النظرية مع إدخال بعض الإصلاحات عليها، كلاً من زاويته الخاصّة، يقول أنجلز: «إنّ الاشتراكية الحاضرة تأثّرت وانطلقت عن الاقتصاد السياسي البرجوازي؛ ولذلك فهي تتعلق وتتأثّر بنظرية القيمة لريكاردو، فالافتراضان اللذان قام بهما ريكادرو سنة 1817م في كتابه (المبادئ) يمكن اختصارهما كما يأتي:
1 ـ إنّ قيمة أي سلعة تتوقف على كمية العمل المطلوب لإنتاجها.
2 ـ إنّ نتاج ومجموع العمل الجماعي يقسم بين الطبقات الثلاث، طبقة الملاكين الذين يمثلون الريع، وطبعة الرأسماليين الذين يمثّلون الربح، وطبقة العمال الذين يمثّلون الأجور»([603]).
ثمّ يتبناها كارل ماركس ويشرحها، ثمّ يبني عليها نظريته في فائض القيمة؛ التي فضحت التناقضات الرأسمالية.
ويفرّق ماركس بين نوعين من القيمة، القيمة الاستعمالية، والقيمة الاستبدالية، ويعتبر أنّ المنفعة هي الشيء الوحيد الجدير بالاعتبار في حالة القيمة الاستعمالية، ولكن المنفعة ـ فيما يرى ـ لا تصلح أن تفسّر القيمة التبادلية؛ لأنّ العملية التبادلية لا بد أن تنطوي على عنصر مشترك بين السلعتين اللتين يجري بينهما التبادل، وهذا العنصر لا يمكن أن يكون هو المنفعة؛ لأنّ درجتها تختلف في كلّ سلعة، وهذا الاختلاف هو السر في القيام بعملية التبادل؛ فلا بدّ أن يكون العنصر المشترك هو مقدار ما تتضمّنه السلعة من العمل و«إذاً فقيمة كلّ سلعة عبارة عن مقدار العمل المتبلور الذي تحتويه»([604]).
وقد تعرّضت نظرية ريكاردو هذه لنقود عدّة وجّهت إليها من قبل علماء اقتصاديين معروفين فباستيا في الوقت الذي رحب بهذه النظرية لأنّها لاءمت فكرة العدالة فيما يرتئيه، إلاّ أنّه وجدها لا تجيب على هذا التساؤل: «لماذا كانت اللؤلؤة التي يعثر عليها الإنسان صدفة قرب البحر ذات قيمة تعادل قيمة اللؤلؤة المستخرجة بالعمل الشاق من قاع البحار»([605]).
والغواص الواحد ينزل إلى قاع البحر فيخرج اللؤلؤة والصدفة في آن واحد ولا يباعان بثمن واحد مع وحدة العمل المصروف فيهما.
وصانع واحد يصنع كأسين متشابهين من الذهب والحديد فيباع الذهب أضعاف قيمة الحديد([606]).
وكتاب واحد يقرّر للمدارس، فتباع نسخته بثمن معين، ثمّ يلغى فلا يباع بنفس القيمة، ونوع القماش يسود استعماله في فترة لاعتبار خاص فيباع بسعر، ثمّ يبطل ذلك الاعتبار فلا يباع بعُشر قيمته، والعنب يعصر فيباع الكأس منه بعشرين فلساً فإذا خمّر وعتّق بيع بأضعاف ذلك… وعشرات من أمثال ذلك ممّا وجّه إلى النظرية، ممّا اضطر ماركس أن يؤكد على إقصاء «منتوجات العمل الفني ومنتوجات النشاط الفردي الصرف، ذات القيمة الثمينة؛ فإنّ ندرة هذه المصنوعات تحدّد قيمتها الاستثنائية، ويحدّد هذه القيمة أيضاً تقدير ذاتي نسبي يأتي بها مشتريها نفسه، أي دوافع المشتري النفسانية، فنحن نستطيع بالنسبة لهذه الأشياء الفنية وحدها أن نجد أساس للقيمة النفسية الفردية»([607]).
ثمّ يعود الكاتب فيدافع عن نظرية الكأس الذهبية الفنية الصنع ليدخلها ضمن نظرية ماركس في القيمة «لقد بيّن ماركس كيف أنّ قيمة المعادن الثمينة العام أساس لجميع القيم التجارية، لماذا؟ لأنّ لها نفسها قيمة، وهي لا تتمتع بهذه القيمة؛ لأنّها جميلة أو نادرة، بل لأنّها نتيجة عمل اجتماعي مشترك، وأنّ استخراج غرام واحد من الذهب وسبكه ونقله… إلخ يمثّل عملاً اجتماعياً مشتركاً يربو على قيمة العمل الذي يتطلبه غرام واحد من الحديد مثلاً»([608]).
وإلى أي مدى يصدق هذا التقييم، وإذا صدق بالنسبة للذهب، والحديد فهل يصدق بالنسبة إلى الفيروزج مثلاً؟ وقيمة الجيّدة منه تعادل بالمئات قيمة الرديئة، والعمل الجماعي في سبيلهما واحد، وكذا في اللؤلؤة والصدفة وأمثالهما من الأحجار الكريمة، على أنّ دفع إشكال الكأس الذهبية ـ لو تمّ ـ فهو لا يدفع بقية الإشكالات التي وجّهت عليها.
وقد حاول هو وبعض تلامذته التصدّي لقسم منها، والإجابة عليها، ولكنّه في الحقيقة لم تكن إجابة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وإنّما هو أخذٌ بها، وتعديل للنظرية على ضوئها.
خذوا مثلاً ما كتبه العالم السوفيتي ليونتيف في دفع بعضها يقول: «إذا كانت قيمة السلعة بعينها مقدار العمل المبذول في إنتاجها فقد يتراءى أنّه كلّما زادت خمولة العامل أو قلّت مهارته زادت قيمة السلعة.
لنفرض وجود حذّاءين يشتغلان جنباً إلى جنب، وأحدهما سريع كفء يصنع زوجاً من الأحذية في اليوم الواحد، وثانيهما كسول سكّير يتم عمل الزوج في أسبوع، فهل معنى هذا أنّ ما يعمله الثاني أكبر قيمة ممّا يصنعه الأوّل؟»([609]).
ويجيب على هذا الإشكال بقوله: «حين نقول: إنّ قيمة سلعة يحدّدها مبلغ العمل المتجسم أو المتبلور فيها فإنّنا نقصد كمية العمل الضرورية لإنتاجها في حالة معينة من المجتمع، وفي ظلّ متوسط ظروف إنتاج اجتماعية معلومة، وبقدر متوسط معلوم من النشاط الاجتماعي، وبقدر متوسط من مهارة العمل المستخدم.
ففي إنكلترا حينما أخذ النول التجاري ينافس اليدوي أصبح نصف وقت العمل السابق لازماً لتحويل مقدار معلوم من الغزل إلى ياردة من القطن أو القماش، والغزّال المسكين الذي يستخدم النول اليدوي يشتغل سبعة عشر أو ثمانية عشر ساعة يومياً بدلاً من تسع أو عشر كما كان يفعل من قبل، وبرغم هذا فما أنتجه عمل عشرين ساعة لا يمثّل إلاّ عشر ساعات عمل اجتماعي، أو عشر ساعات من العمل اللازم اجتماعياً لتحويل مقدار معين من الغزل إلى نسيج، فالذي أنتجه في عشرين ساعة لم تكن له إذاً قيمة أكبر ممّا كان ينتجه في عشر ساعات»([610]).
وهذا كما ترون اعتراف بالإشكال وتعديل للنظرية على ضوئه؛ فالعمل لم يعد بواقعه الخارجي مقيماً للأشياء، وإنّما عاد بكميته الضرورية المنتجة، ولم تعد الكمية المنتجة على إطلاقها مقيمة، وإنّما اعتبر فيها لحاظ حالة معينة من المجتمع، وفي ظل متوسط ظروف اجتماعية معلومة، وبقدر متوسط معلوم من النشاط الاجتماعي، وبقدر متوسط من مهارة العمل المستخدم.
وهكذا فقد أضيفت سلسلة من القيود على إطلاق النظرية، وأضيف تعديل آخر أبدل فيه العمل بقوّة العمل.
وقد حدّثوا عن إنجلز أنّه أعجب بهذا التعديل عليها وعبّر عن إعجابه بقوله: «إنّ ماركس أتى بمعجزته العبقرية حين استبدل قوّة العمل بالعمل، وجعل قيمة السلعة منوطة بتوليد القدرة على العمل، لا بإجراء العمل الواقع بمختلف الصناعات»([611]).
وأظنّ أنّ المسألة عقدت بهذا التعديل، فمقياس العمل ـ وهو من الأمور الخارجية ـ أيسر إدراكاً في التقييم من قوّة العمل، وأكثر بُعداً عن التخمين والتخرصات التي يقع بها المقيمون عادة.
وقوّة العمل تختلف باختلاف من يوفّر الراحة النفسية، وعوامل الانشراح، والإقبال على العمل؛ فالعمال الراضون عن حيواتهم أقوى على العمل من غيرهم ممّن لا يهوى عمله، ويرى نفسه مقسوراً عليه نتيجة لظروف داخلية أو خارجية.
والمعمل الذي يجهّز نفسه ببعض المسرّيات عن العمال أكثر إنتاجاً من المعمل الذي لا يعد ذلك، فكيف تقيّم السلعة إذاً؟ وعلى أي قوّة عمل ترتكز؟ مع أنّها تختلف باختلاف الزمان والمكان وشخصية العامل ونفسيته… إلى ما هناك من النقوض.
وما يُقال عن قوّة العمل يُقال عن الساعة الاجتماعية، التي تختلف باختلاف العادات والتقاليد في الأزمنة والبيئات المختلفة للمجتمعات المختلفة، بل تختلف باختلاف السلع نفسها في الزمان والمكان الموحدين، فهل الساعة الاجتماعية للعمل البسيط تساوي الساعة الاجتماعية للعمل الحاذق؟
هنا تجيب مدرسة ماركس فتدخل تقييداً جديداً على النظرية يقول ليونتيف: «ويجب التمييز بين العمل البسيط والعمل الحاذق، لنضرب مثلاً من البنّاء وصانع الساعات، فلا يمكن المساواة بين ساعة من عمل كلّ منهما ولماذ؟ لأنّ تعلّم حرفة البناء لا يقتضي وقتاً طويلاً في التدريب والإعداد، فهو عمل بسيط يسهل تعلّمه، ويستطيع أي شخص أن يكون بناءً أو قل عاملاً عادياً، أمّا صانع الساعات أو الكيمياوي فمسألة أخرى، إذ تلزمك ثلاث سنوات عادة لتعلم هذه المهمنة، فإذا كان من يريد أن يكون في المستقبل صانعاً للساعات يقرّر قضاء وقت طويل في تعلّم الصنعة؛ فلأنّه يتوقع أن ينال جزاءه فيما بعد، وكيف بأن يحصل مقابل الساعة التي أنفق في صنعها عشرين ساعة على سلع ينتجها العمل البسيط، أو غير الحاذق في ثلاثين ساعة مثلاً، ففي مثل هذه الحالة تكون ساعة من العمل الحاذق أو المعقّد ـ كما يطلق عليه ـ تعادل في السوق ساعة ونصف ساعة من العمل البسيط»([612]).
فالساعة الاجتماعية إذاً لصانع السيّارات تختلف عن الساعة الاجتماعية لعامل البناء، وعلى هذا المقياس تختلف الساعات الاجتماعية بين أرباب الأعمال البسيطة باختلاف الزمن الذي يقتضيها للتعلّم، كما تختلف بين أرباب الأعمال الحاذقة تبعاً لذلك.
ومعنى ذلك أنّ لا وحدة تنتظم ساعات العمل لتكون مقياساً يُلجأ إليه، فأرباب الساعات أنفسهم يختلفون بمقدار ما يقضون من الأزمنة في تعلّمها، تبعاً لقابلياتهم الخاصّة، وحالاتهم النفسية، ومقدار تخصّصهم، ثمّ مقدار حذقهم لما يدرسون، وكذلك بالنسبة لعامل البناء.
وإذاً، فإنّ علينا أن نحدّد الساعات الاجتماعية بين أرباب كلّ مهنة، أو عمل، تبعاً لتقارب قابلياتهم الخاصّة، ومقدار ما صرفوه في تعلّمها من الزمان؛ بأن نصنّفهم إلى فئات متقاربة، لكلّ فئة ساعة اجتماعية، وقوّة عمل خاصّة، ولا نكتفي بأخذ معدل لها للتفاوت الكبير بينها، ولما في ذلك من الظلم للحاذقين منهم، وإلاّ لكان علينا أن نأخذ معدلاً للساعات الاجتماعية بين عمال البناء، وعمال الساعات، لا نفرّق بينهما بما فرق به ليونتيف؛ فإنّ النسبة بين الحاذقين من عمال الساعات وغير الحاذقين وهي أكبر بكثير من النسبة بين الحاذقين من عمال البناء وغير الحاذقين من عمال الساعات.
يبقى علينا أن نسأل عن المقيّم للعمل وفق الساعة الاجتماعية من هو؟ أهو أنا وأنت وأمثالنا ممّن يقع تبادل السلع بينهم، أم السلطات الحكومية، أم أرباب الأعمال أنفسهم؟
أمّا السلطات فلم يقع ـ في حدود علمي ـ منها ذلك، وأمّا أرباب الأعمال أنفسهم فلم يقدّر لفئة منهم أن حدّدت على بضائعها ساعات عملها الاجتماعية، ولم تشر إلى طاقة عمالها بقليل وكثير.
يبقى البائع والمشتري وهما من عامة هذا الشعب، وخبرتهم في ذلك معدومة، فهل يصحّ أن ننسب إليهم هذا التقييم؟ وبوسعك أن ترجع إلى نفسك وتسألها يوم بادلت سلعة بسلعة هل تساءلت عن الساعة الاجتماعية وعن قوّة العمل والعمل الضروري في السلعتين قبل أن تقدم على المبادلة بينهما؟!.
وإذا صحّ هذا في السلع التي تنتج موضعياً، فهل يصح ذلك في السلع المستوردة التي يجهل مقدار ما فيها من عمل؟
وأظن أنّ هذه الوظائف لو أعطيت إلى أناس اختصاصيين لأعجزهم الوصول إلى نتيجة ترضي ضمائرهم في تحديد ذلك كلّه.
على أنّ هذه النظرية لا تصدق كلياً أي لا يتم التبادل على وفق ما فيها من قوّة عمل ضروري محدّد بالساعات الاجتماعية، إلاّ إذا كان هناك توازن بين العرض والطلب، وهو لا يكون إلاّ نادراً، كما اعترف أصحاب النظرية أنفسهم.
يقول ليونتيف: «رأينا أنّ قيمة السلعة يحدّدها مقدار العمل اللازم اجتماعياً، والمبذول في إنتاجها، فهل معنى هذا أنّه في ظل نظام إنتاج السلع يمكن دائماً تبادل كلّ سلعة بقيمتها الكاملة؟ بالطبع الجواب بالنفي إذ لكي يتحقق هذا لا بد لكل سلعة يتم إنتاجها أن تجد مشترياً لها في الحال، أي من الضروري أن يتوازن العرض والطلب دائماً فهل ممكن أن يحدث هذا حقيقة؟ ليس في نظام إنتاج السلع أي جهاز يعين للمنتج الفردي أي السلع ينتجها، ولا مقاديرها، وطالما كان الشطر الأعظم من الإنتاج يراد به الاستعمال العاجل، ولا يتسرّب إلى السوق سوى نصيب ضئيل من الفائض؛ فإنّ الدور الذي يلعبه السوق لا يكون عظيماً جدّاً، ولكن باتساع نطاق إنتاج السلع تزداد أهمية السوق أكثر فأكثر.
وكلّ منتج سلعة يعمل متحملاً الخطر بنفسه، فهو لا يعرف إن كان عليها طلب إلاّ بعد إنتاجها وعرضها في السوق، وثمن السلعة هو التعبير النقدي عن قيمتها، ولكن الثمن ينقلب دائماً حسب أحوال السوق؛ فيحدث نضال حول ثمن السلعة في السوق، بين البائع والمشتري، والذي يعين الثمن الذي تباع به السلعة هو المنافسة بين البائعين من جهة، وبين المشترين من جهة أخرى، وعلى ذلك فثمن السلعة لا يطابق قيمتها دائماً، فهو أحياناً أعلى، وأحياناً أقل من قيمتها، ومع ذلك تظلّ القيمة المركز أو المحور الذي يدور حوله الزمن.
فإذا كان النتائج من السلعة أكثر من الطلب عليها؛ فإنّ العرض يفوق الطلب وبذا يهبط ثمن السلعة دون قيمتها، ومعنى هذا أنّ المنتج لسلعة ما لن يحصل على جزاءٍ مقابل ما بذل من عمل ويكون خيراً له لو توافر على إنتاج سلعة أخرى يكثر عليها الطلب، بذلك يقل إنتاج السلعة الأولى ولكن تصبح إذ ذاك العلاقة بين العرض والطلب أكثر فائدة لها، وبعد لحظة قد يعلو ثمنها ثانيةً إلى مستوى قيمتها أو أعلى من ذلك.
بهذه الطريقة وحدها أي بواسطة هذه التقلبات المستمرة يتحقق قانون القيمة؛ فالسلع لا تباع بقيمتها إلاّ إذا تساوى العرض والطلب وهو أمر نادر الوقوع.
إنّ نظرية القيمة تفترض ويجب أن تفترض وجود عرض وطلب متساويين، ولكنّها لا تدعي أنّ مثل هذه المساواة ملحوظة أو يمكن أن تكون ملحوظة في المجتمع الرأسمالي»([613]).
وإذا صحّ هذا فالنظرية لم تعدّ ذات جدوى في المجتمعات الرأسمالية، وهي التي خلقت النظرية لكشف متناقضاتها؛ لأنّ المبادلة فيها ليس على أساس ما في السلع من القيمة، بل على أساس العرض والطلب.
والمفارقات التي سجلت على الرأسماليين لا تتم ـ كم سيأتي ـ إلاّ إذا كانت المبادلة وفق نظرية فائض القيمة والعمل الإضافي، وهي لا تتحقق إلاّ إذا بولدت السلعة على قدر ما فيها من عمل.
كما أنّها لا تكون ذات جدوى في المجتمعات الاشتراكية، التي تؤمن بالأسواق الحرة؛ لذلك تعطي العامل بقدر عمله ليتصرّف فيه كما يشاء.
ومع حرية الأسواق فنظرية العرض والطلب هي التي تتدخّل في تقييم أثمان السلع كالمجتمعات الرأسمالية، وحتّى في المجتمعات الشيوعية لا تجدي؛ لأنّها تعطي للعامل مقدار حاجته زادت هذه الحاجة عن مقدار عمله أو نقصت، فالعمل ليس هو مقياس التقييم في ذلك المجتمع ليجازى صاحبه بما يستحق من ثمن.
وإذاً فما جدوى هذه النظرية التي لا يمكن أن يركن إليها أو تجدي في مجتمع من المجتمعات!.
وإذا كانت القيمة ليست هي العمل كما تريد أن تفترضه هذه النظرية للمفارقات التي سجلت عليها والتي ألجأت صاحبها أن يقول في كتابه (رأس المال): «إنّ نظريته في القيمة كان الغرض منها أن يشرح القيمة الكلية فقط وأن يثبت فقط أنّ قيمة جميع السلع مجتمعة يجب أن تكون مساوية لوقت العمل الكلي، أمّا أسعار السلع الفردية فإنّها ترتفع أو تنخفض بتأثير نظام الائتمان والمنافسة وغير ذلك»([614]).
على أنّ القيمة الكلية لمجموع السلع لا تكون مساوية دائماً لوقت العمل الكلي، ما دامت مفرداتها خاضعة للمنافسة والعرض والطلب، ولنفترض ظروفاً غير طبيعية ـ كقسم من ظروف الحرب التي لا يتوازن فيها العرض والطلب ـ عرضت فيها بعض الحاجيات بأضعاف أثمانها، وعرضت الأخرى بأثمانها الطبيعية، فإذا أردنا أن نجمع أثمانها من جهة ومجموعة ساعات العمل من جهة أخرى، زادت الأثمان على الساعات بأضعاف مضاعفة.
قلت: وإذا كانت القيمة ليست هي العمل فماذا يجب أن تكون؟
يجيب بعض علماء الاقتصاد المحدّثين بأنّها المنفعة، وقالوا ذلك في معرض الرد على النظرية السابقة نظرية القيمة بالقول: «إنّ نقض هذا المنطق ليس بالعسير، فمنفعة السلعة لدى الإنسان وإن كانت تتوقف على صفات السلعة المادية واللازم توافرها حتّى تشبع حاجة الإنسان، إلاّ أنّ الشعور بالحاجة وأهمية السلع المستمدة من ذلك الشعور هي إحساسات من نوع واحد، وقابلية للمقارنة، ففي استطاعتك أن تقارن حاجتك ببرتقالة كحاجتك لرغيف العيش، ومن ثمّ تستطيع مقارنة منفعة البرتقالة لذلك بمنفعة رغيف العيش، ومن المستطاع أن تقدر ما إذا كانت المنفعتان متساويتين، أو أنّ إحداهما أكبر من الأخرى، وذلك مع ما هنالك من فرق بين صفات البرتقالة، وصفات رغيف العيش، من حيث التكوين والطعم والمظهر والحجم… إلخ، ورغم ما يمكن أن يكون هنالك من تعادل أو تباين لكمية العمل اللازمة لإنتاج كلّ منهما، بل إنّ الصفة الأعم في الطيبات الاقتصادية هي منفعتها، لا ما تحتوي عليه من عمل؛ إذ كثير من السلع الاقتصادية النادرة لم تكن نتيجة لعمل أو بذل مجهود، ولكنّها تشترك مع بقية السلع الاقتصادية في خاصيّة المنفعة»([615]).
فالمنفعة هي التي تحدّد القيمة، لا العامل عن صاحب هذا الرأي، وهو على إطلاقه لا يقل عن سابقه في مفارقاته.
فهو لا يحدّد السر في ارتفاع قيمة السلع النادرة كالأحجار الكريمة، والصور الفنية ونظائرها، مع أنّ منفعتها لا تكاد تقارن بالحاجات الضرورية كالكساء، والطعام، وأشباههما.
مع مضاعفة أثمانها بالعشرات أو المئات إذا قيست بهذه الحاجات، بل هي نفسها لا تحدّد لماذا تتفاوت أسعار الحاجات الضرورية بين بلد وبلد، وسوق وسوق، مع أنّ منفعتها واحدة، فهي تغفل إغفالاً تاماً نظرية العرض والطلب وتحكمها في ارتفاع القيم وانخفاضها تبعاً لقانونها الصارم.
وتبنّت الماركسية الحديثة بعد ما وجهت إلى نظرية القيمة ـ العمل، تلكم المؤاخذات وأمثالها حتّى من أتباع المذهب الماركسي أمثال إبرين شتاين (نظرية المنفعة النهائية) أو (التوازن الاقتصادي) ([616]).
كما تبنّى غيرهم نظريات أخرى أمثال نظرية (الكثرة واللزوم) و(متوسط الطلب) و(القيمة بالإضافة الهامشية)([617]).
وهي لا تخلو من أمثال تلكم المؤاخذات، وليس فيها واحدة تسلم منها جميعاً فلا تستحق أن يطال فيها الكلام.
تبقى نظرية العرض والطلب، وهي التي آمن بصلاحها للتقييم العالِم الاقتصادي ستوارت مل([618])، ودرجت على ألسن الكثير من علماء الاقتصاد، فهي على أهميتها لا تكشف عن سر القيمة وإن حدّدت كميتها ارتفاعاً وانخفاضاً، تبعاً لقانونها الذي يتحكم بواقع الأسواق.
أمّا لماذا كان لهذا الشيء قيمة، ولم يكن لذلك، مع أنّ الكمية المعروضة واحدة، والطلب واحد؟ فهذا ما لم تعرض له، ولم تفسره، فهي في الحقيقة تشير إلى النتائج ولا تكشف عن الأسباب.
ومن الحق ونحن في غمرة من آراء علماء الاقتصاد، أن نعرض إلى شيء من آراء فقهاء المسلمين وتجاربهم في ذلك.
ففي شرائط العوضين يشترط الفقهاء في صحة المعاملة أن تكون المبادلة بين مال ومال، وفي تحديد مالية الشيء، ويريدون بها القيمة وقد تختلف كلماتهم وإن مال أكثرها إلى تحديدها بالمنفعة.
ففي مفتاح الكرامة للسيّد محمد جواد العاملي أنّها تحدّد بالمنفعة: «فإنّ ما لا منفعة فيه لا يعد مالاً»([619])، أي ليست له قيمة.
وفي المكاسب للشيخ مرتضى الأنصاري أنّها المنفعة التي يعتد بها العقلاء يقول: «يشترك في كلّ منهما ـ أي العوضين ـ كونه متمولاً؛ لأنّ البيع لغةً مبادلة مال بمال.
وقد احترزوا بهذا الشرط عمّا لا ينتفع به منفعة مقصودة»([620]).
وعلى هذا النسق جرى غير واحد من العلماء.
والمؤاخذات السابقة على المنفعة واردة هنا فلا موجب لإعادتها.
وفي نهج الفقاهة للسيّد محسن الحكيم: «المالية اعتبار عقلائي ناشئ عن كون الشيء موضوعاً لغرض موجب لحدوث رغبة الناس فيه على نحو يتنافسون فيه ويتسابقون إليه…» ([621]).
وهذا الرأي ربّما يكون أسد الآراء وأشملها وأبعدها عن المؤاخذات، وإن كان في اعتباره (المالية) من الأمور الاعتيادية الموقوفة على اعتبار العقلاء ما يوجب الوقفة في إطلاقه.
فالأمور المالية النادرة ذات المنفعة الضرورية أموال، وإن أجمع العقلاء على عدم اعتبارها مالاً.
ولنعد إلى هذا التعريف ونلقي عليه بعض الأضواء.
إنّ هذا التعريف يعتبر المالية ناشئة من كون الشيء:
أولاً: موضوعاً لغرض.
ثانياً: موجب لحدوث رغبة الناس فيه على نحو يتنافسون فيه، ويتسابقون إليه، فكون الشيء موضوعاً لغرض لا يستوجب ماليته وحده، فما أكثر الأشياء التي تحقق غرضاً، ولكنّها ليست أموالاً، فالماء في النهر للواقف عليه يحقق له أعظم الأغراض، ولكنّه لا يُقال له مالاً، وإذا أحدث له رغبة في شربه لكونه ضماناً مثلاً فهو كذلك؛ لأنّ ذلك لا يبعث على التنافس والتسابق عليه، فمالية الشيء ناشئة من وجود جهة تتوفّر فيها ثلاثة أمور:
1 ـ كونها محققة لغرض ما.
2 ـ كونها باعثة على الرغبة.
3 ـ كونها موجبة للتنافس والتسابق عليها.
وهذه الجهة قد تكون عملاً، وقد تكون منفعةً تشبع حاجة أساسية أو ذوقية، وقد تكون مزيجاً منهما، كما في الأمور الفنية المصنوعة، وربما لا يكون لها واقعية، وإنّما يخلقها الاعتبار المحض، كما في الأوراق المالية، وأوراق اليانصيب.
وفي حدود هذه النظرية تلتقي جميع تلكم الأفكار، فالعمل المرغوب فيه على نحو يتنافس عليه العقلاء له قيمة بهذا التعريف، والمنفعة ـ وإن لم يكن مصدرها العمل ـ الباعثة على الرغبة التي يتنافس عليها العقلاء لها قيمة أيضاً، وللجهات الفنية الخالقة للرغبة لدى بعض الأذواق قيمة، والأمور الاعتبارية كذلك، وتحديد القيمة في السلعة مداره الرغبة، وشأنية التنافس والمسابقة، وهي تختلف باختلاف العرض والطلب، وغير العرض والطلب، من موجبات إحداث الرغبة كاستعمال أساليب الإغراء بإحداث تحسينات على السلعة، وفنٍ في عرضها والتسويق إليها، كما تختلف باختلاف الزمان والمكان.
والحق أنّ هذه النظرية أشمل النظريات وأعمقها وأبعدها عن المؤاخذات، وميزتها أنّها جمعت أنواع القيم وأسبابها الخفية، ولم تتجاهل واحدةً منها.
فالمنفعة والعمل، والاعتبار، والعرض والطلب، والكثرة واللزوم، وغيرها كلّ ذلك قد وعته هذه النظرية وحسبت له حسابه، ولم تغفل فتقتصر نفسها على واحدة منها، كما صنعته بقية النظريات.
وإذا صحّ هذا العرض لمختلف الآراء في القيمة عدنا إلى فائض القيمة ـ وهي التي اعتبرها الماركسيون مع ريع الأرض السر في نشأة الثروات وتكدسها ـ لنرى على ضوئها علاج الإسلام لهذه المشكلة.
وفائض القيمة، أو العمل الإضافي، أو العمل الغير المدفوع، وهي أسماء لمسمّى واحد، ولا تتم إلاّ إذا أخذنا من بين الآراء السابقة في القيمة نظرية ريكاردو، واتباع مدرسته، من أنّها هي العمل أو هي قوّة العمل، وفي استدراكات بعض الماركسيين أن العمل هو خالق القيمة، وأنّ قوّة العمل هي السلعة التي يعاوض عليها الرأسماليون([622]).
والذي يراه ماركس ـ بعد أن تبيّن له أنّ العمل هو خلق القيمة لا غير ـ أنّ رأس المال عقيم لا ينتج إلاّ مقدار ما يستهلكه أثناء استخدامه في العمل، ورأس المال عنده على قسمين:
1 ـ رأس المال المتغيّر فهو الذي تشترى به قوّة العمل من العمال، وبالطبع إنّ قوّة العمل لا تخلق إلاّ بتهيئة وتوفير حاجاتها الأولية من أكل ولبس ومكان سكن، وأمثالها ممّا تكوّن حياة العامل، وضمان استمراره على العمل موقوفاً عليها يقول ليونتيف: «وفي ظلّ اقتصاد السلع تباع كلّ سلعة بقيمتها فماذا يبيع العامل؟ إنّه يبيع قوّة العمل اللازمة لصاحب رأس المال كي يدير مشروعه، ولكنّا نعلم أنّ لكلّ سلعة قيمتها، وأنّ هذه القيمة بعينها وقت العمل اللازم لإنتاج هذه السلعة، فما هي قيمة هذه السلعة التي يبيعها العامل أي قوّة العمل؟
من الواضح تماماً أنّ الشخص يستطيع مزاولة العمل إذا كان قادراً على الإبقاء على وجوده بالمأكل، والملبس، والمسكن ومن المفهوم أنّ الآدمي لا يستطيع أداء العمل إلاّ إذا أشبع مطالبه، أو على أي حال مطالبه الأولية، فإذا جاع العامل أو لم يجد ملبساً صار غير صالح للعمل، وفقد ما به من قوّة العمل.
من هنا يصح القول بأنّ إنتاج قوّة العمل ينحصر في إشباع أوّل وأبسط حاجيات العمل»([623]).
ثمّ يقول: «ولكنّا نعلم كذلك أنّ تلك الأشياء التي تشبع حاجيات الإنسان من غذاء وكساء ومأوى إن هي إلاّ سلع في ظل الرأسمالية، ولا يمكن الحصول عليها مجاناً؛ إذ يبذل في إنتاجها مقدار محدود من العمل وهذا يعين قيمتها، وعلى هذا تكون قيمة تلك السلعة المدعاة قوّة العمل مساوية لقمية تلك السلعة التي يجب أن يستهلكها العامل لكي يحافظ على حياته، وحياة أسرته، ولكي يدخر ما له من قوّة عمل، وأن يضمن قوّة عمل في المستقبل للرأسماليين»([624]).
ويقول ماركس: «إنّ قيمة قوّة العمل تعينها قيمة ضروريات الحياة التي يتطلبها العامل المتوسط عادة»([625]).
فرأس المال المتغير إذاً هو ما يبذل في شراء قوّة العمل من العمال، وهو المنتج لفائض القيمة في رأي ماركس كما يأتي.
2 ـ رأس المال الثابت أو الدائم ويراد به «مباني المصنع والآلات والمادة الأولية والوقود»([626]).
وهذه لا تنتج بناءً على رأيه، إلاّ مقدار ما يعادل قيمتها فقط، أي مقدار ما استوعبت من ساعات العمل عند إنتاجها، وحالها حال بقية السلع التي تحدّد قيامها بساعات العمل المصروفة في إنتاجها، ويستوفي صاحب رأس المال إنتاجها مع الزمن، فالمباني تبقى عادةً إلى خمسين عاماً تستوفي أثمانها في ضمن هذه المدّة، وآلات العمل التي تبقى عشر سنوات تستوفي في ضمن عشر سنوات، والمواد الخام والوقود يستوفيان حين استهلاكهما وهكذا.
لذلك، فإنّ من مصلحة صاحب رأس المال أن يستخدم فقط رأس المال المتغيّر، ويخفض نسبة رأس المال الثابت إلى أدنى حد ممكن؛ لأنّ ازدياد استخدام الآلات يميل بمعدل الربح إلى الهبوط، وهذا الأخير يفسّره ماركس على طريقته الجدلية: «أنّ الربح هو النسبة بين القيمة الفائضة ورأس المال الكلي الذي يستثمر في المشروع؛ فإذا زادت نسبة القسم الثابت عن المتوسط الاجتماعي فإنّ رأس المال الكلي يظل ما يقل عن متوسط معدل الربح، بعكس الحال إذا كانت النسبة الأكبر لرأس المال المتغيّر»([627]).
وهذا القول صحيح جدّاً إذا جمّدنا رأس المال الثابت عن الإنتاج، وعزوناه فقط إلى رأس المال المتغيّر؛ إذ كلّ ما يبذل في سبيله من مال يبقى مجمداً لا ينتج إلاّ بمقدار قيمته، بينما لو بذل هذا المال لشراء قوّة العمل؛ لأنتج مزيداً من فائض القيمة، أو العمل غير المدفوع الذي يذهب إلى جيب صاحب رأس المال من دون مقابل.
ولكن الذي يستوقف النظر حقاً أنّ يعزل رأس المال الثابت عن الإنتاج، فيُقال مثلاً إنّ مطبعة أتوماتيكية حديثة لا تحتاج إلى أكثر من عاملين كي تنتج ثمانية ملازم، أنّ هذه الثمانية هي من إنتاج هذين العاملين فقط، والمطبعة لم تنتج شيئاً إلاّ مقدار ما استهلكته، بينما يشتغل أكثر من عشرة عمال في مطبعة أخرى غير أتوماتيكية، ولا ينتجون هذه الملازم الثمانية؛ فقيام المطبعة مقام ثمانية عمال لا يحسب له حساب في الربح، والإنسان الآلي الذي يقوم اليوم مقام الإنسان العامل في المعامل المنتجة للقنابل الهيدروجينية لا حساب له مع معمله الضخم في الإنتاج، والإنتاج كلّه لهؤلاء الفنيين المحدودين الذي يحرّكون هذا الإنسان الآلي.
وما أدري كيف غفلوا عن هذه النظرية أولئك الراسماليون الجشعون وعهدنا بهم أن لا يتركوا مناسبة أو فكرة ثَمَّ إلاّ وحاولوا الاستفادة منها في تركيز ثرواتهم ومضاعفتها، ولماذا يعمل الإنتاج الحديث دائماً «على زيادة رأس المال الثابت الذي يستخدمه، بحيث أصبحت هذه الظاهرة من أوضح ظاهرات الإنتاج الحديث، وكيف نعلّل كذلك اختلاف معدلات الربح في الصناعات المختلفة تبعاً لمقادير رأس المال المختلفة التي تستخدم في هذه الصناعات»([628]).
ولعل الهرب من هذا الواقع هو الذي ألجأ بعض الماركسيين إلى أن يوسعوا في الساعة إلى الساعة الاجتماعية؛ ليفرّقوا على أساسها بين عاملين يشتغل أحدهما في معمل، والآخر بيده، فينتج عامل المعمل ضعف إنتاج العامل اليدوي في الساعة الواحدة؛ ممّا اضطرهم أن يعتبروا قيمة الساعة الواحدة للعامل اليدوي تساوي قيمة نصف ساعة لعامل المعمل([629])، مع أنّ طاقة العمل واحدة في الطرفين، فهم بدلاً من أن ينسبوا هذا الفارق ـ وهو طبيعي ـ إلى إنتاج رأس المال الثابت نسبوه إلى العامل، وأطاحوا من زميله المسكين نصف جهوده، مع أنّ ذلك خارج عن نطاق قدرته وإرادته.
وعلى أي حال، فإنّ السلعة التي ينتجها الرأسمالي لا بدّ أن يبادل بها سلعة أخرى، وعندما يقع التبادل لا بدّ أن يقع بين سلعتين متحدتين في قيمتيهما أي في مقدار ما بذل فيهما من ساعات العمل، فالسلعة التي صرف فيها عشر ساعات ـ ولتكن قماشاً ـ عندما تبادل بكرسي مثلاً فإنّها تبادل بكرسي صرف فيه عشر ساعات من العمل أيضاً، ويقوم النقد مقام أحد السلعتين، وهذه العشر ساعات يبذل منها الرأسمالي في شراء قوّة العمل ثلاث ساعات مثلاً، وهي كافية لإيجاد طاقة العمل في العامل، وساعتين برأس المال الثابت، وخمس ساعات تذهب إلى جيبه، وهي عمل لم يُدفع بإزائه أجر؛ فإذا فرضنا أنّ لديه مائة عامل يشتغلون في مصنعه، فإنّ العمل الغير مدفوع أو فائض القيمة يكون خمسمائة ساعة في اليوم، ومن هذا الطريق تتضخم الثروة لديه، ويقوى تدريجياً على محاربة منافسيه من البرجوازيين الصغار، والمتوسطين حتّى يقضي عليهم، وتتركز وتتجمّع الثروات كلّها بيده ويد فئات قليلة من أمثاله.
وللرأسمالية طريقان في زيادة أرباحها من العمل الإضافي أو غير المدفوع.
أوّلهما: أن يقلّل من كلفة قوّة العمل لتوفير الحاجات الأولية التي يحتاج إليها العامل لشؤونه المعاشية، وتقليل أثمانها من طريق الجمعيات التعاونية وأمثالها، وتبعاً لذلك لا بدّ أن لا يمنع العامل من بيع قوّة عمله بثمن أوطأ؛ لأنّ حاجته الأولية لتكوين قوّة العمل أصبحت تسدّ وتتوفّر بثمن أقل، ومعنى ذلك أنّه بدل من أن يدفع له صاحب رأس المال ثلاث ساعات من عمله يومياً يدفع له ساعتين، وتضاف ساعة إلى عمله غير المدفوع إلى الساعات التي ربحها عادةً.
ثانيهما: أنّ يمدّ في ساعات العمل من ثمان مثلاً إلى عشر، أو إحدى عشرة ساعة، وتضاف إليها ساعات جديدة دون أن يدفع مقابلها شيء، فيصبح العمل الإضافي لديه مثلاً سبع ساعات بدلاً من خمس وهكذا.
ونظرية فائض القيمة لا تثمر ثمرتها التي يريدها لها الماركسيون إلاّ إذا توفّرت لها مقدمات ثلاث وكلّها غير متوفرة:
1 ـ أن يكون العمل هو منبع القيمة لا غير، أمّا إذا كان منبع القيمة غير العمل، أو العمل وغيره، أو العمل أو غيره، كما استنتجناه في البحث السابق؛ فإنّ النظرية تنهار على نفسها لأنّها تنتج إثراء الرأسمالي على حساب استغلال العمال بأخذ العمل الإضافي دون مقابل.
2 ـ أن يكون رأس المال الثابت غير منتج إلاّ بمقدار ما يستهلك منه، أمّا إذا اعتبرناه منتجاً ـ كما قرأنا سابقاً ـ في مقابل عمل العمال فإنّ العمل الإضافي ربما يكون هو أو أكثره في مقابل إنتاج رأس المال الثابت، وإذن فلا استغلال، ولا عمل غير مدفوع إلاّ في فروض قليلة.
3 ـ أن تكون المبادلة دائماً على أساس التماثل في ساعات العمل، وهي ما لا تتم إلاّ نادراً، باعتراف أصحاب النظرية أنفسهم ـ كما سبق أن ذكرنا ذلك ـ والغالب في التبادل إنّما يكون على وفق التنافس، ونظرية العرض والطلب.
ومعنى ذلك أنّ القيمة تخلق غالباً خارج نطاق العمل، وإذاً فما يربحه الرأسمالي يربحه نتيجة عوامل خارجية، قد لا تكون له يد في صنع بعضها، كتهيئة بواعث الاحتكار مثلاً، وليس ربحه دائماً نتيجة العمل الإضافي، كما تريده له النظرية، ولهذا السبب فإنّ بعض الرأسماليين ربّما يبيع السلعة بأقل من ثمن كلفتها التي يدفعها في شراء قوّة العمل، فضلاً عن مواد إنتاجها، وبهذا يفسّر إفلاس قسم من الشركات الرأسمالية، وبعض الرأسماليين، والتجار، في كثير من البلدان الرأسمالية.
وإذا بطلت نظريات فائض القيمة بطلت نتائجها حتماً من تركّز رأس المال بيد فئات قليلة، وهذا ما يفسّر انتشار الطبقات البرجوازية المتوسطة، وازديادها في الدول الرأسمالية «والواقع أنّ الإحصاءات بهذا الشأن خاصّة لا تؤيد النظرية الماركسية، بل تلحظها، صحيح أنّا نجد أفراد من الأثرياء ارتفعوا في الثراء أعلى من أي وقت مضى، ولكنّا نجد أيضاً عدداً من الأثرياء أكبر من أي وقت مضى، ففي كلّ قطر نجد أرباب رؤوس الأموال في تزايد مستمر، وهذا التزايد ليس مقتصراً على أرباب رؤوس الأموال الكبيرة فحسب بل على المتوسطة والصغيرة ايضاً، والشركات السهامية التي حاول المذهب الماركسي أن يتخذها آية لتأييد قضية قد عملت بالعكس على تفريق الملكية بين عدد غير محدود من الرؤوس، ومن هذا يتبين أن تجمع المشروعات وتجمع الملكية أمران في غاية التخالف»([630]).
العلاج الإسلامي
أمّا الإسلام فقد قام بمعالجات جذرية لهذه المشكلة، فقد استهدف من تشريعاته إيجاد توازن اقتصادي في مجتمعه، تتوفّر فيه الحرية من جانب، والعنصر الخلقي من جانب آخر.
وقد رسمت خطوطه بدقّة متناهية، ولو قدّر لها أن تطبّق؛ لأبعدت نتيجتها التفاوت الكبير بين سلالم المجتمع الواحد.
فليس في الإسلام ـ كما في الدول الرأسمالية ـ قمّة وسفح، وإنّما فيه تلول يقرب بعضها من بعض، ولا يشمخ بعضها على بعض، كما أنّه لا يوجد فيه سفح تتساوى أبعاده، رغم كلّ ما تفاوت بينها من مقومات الحياة، والخصوبة، والإثمار، كما هو الشأن في دعاوى بعض المذاهب الاشتراكية (الشيوعية).
فهو في الوقت الذي يحتفظ به بملكات الإبداع ومقوماته الطبيعية، ويفسح المجالات أمامها لإتيان آخر ما تملكه من طاقات مبدعة، يضع أمام تضخم خلاياها ما يحدّ من ذلك النمو غير الطبيعي، ويعيده إلى الطبيعة والاعتدال.
وما أشبه المجتمع الواحد في الإسلام بجسم الإنسان، أو أي كائن حي تشترك في إعداده وتكوينه عدّة خلايا حيّة، فهو في سلامة ما دامت خلاياه سليمة، تؤدّي وظائفها على اختلافها باعتدال، أمّا إذا نما بعضها نمواً غير طبيعي على حساب بقية الخلايا مثلما نشاهد في الأمراض السرطانية ـ مثلاً ـ فإنّ الكائن سوف يتلاشى حتماً.
وهذه الخلايا المختلفة في وظائفها وقواها اختلافاً كبيراً لو قدّر لها أن تعمل على الحدّ من قوى بعضها، وشلّ إمكانياتها فإنّها سوف تضمر، ويسري الضمور إلى بقية الخلايا، وينتهي الكائن الحي بانتهائها أخيراً.
فإذا صحّ هذا المثل عدنا إلى مجتمعنا الإسلامي ـ وما وضع له المشرع من مخططات تحتفظ له بمعالم الطبيعة والاعتدال ـ لنلقي عليه بعض الأضواء.
وأوّل ما يلفتنا من ذلك تشريعه لحرية التملك بمختلف وسائله المشروعة، سواء تعلّقت بوسائل الإنتاج أم غيرها؛ لأنّ ملكات الإبداع لا تنطلق عادة إلاّ في الأجواء الحرّة، ولكنّه بنفس الوقت حسب للمفارقات الناتجة عن ذلك حسابها الخاص، وأهمها نمو بعض الأشخاص في الأجواء الحرّة نمواً سرطانياً على حساب بقية خلايا المجتمع، ممّا يؤدّي به لو استمرّ إلى الفناء الحتمي.
فوضع مخططاً لذلك يمنع بطريق غير مباشر هذا النمو غير الطبيعي وكان له إلى ذلك طريقان:
أوّلاً:
- طريق وقائي
فقد شرع الإسلام نظاماً اقتصادياً يمنع الاستئثار ليقضي على تكدّس الأموال بيد فئة معينة يثرون على حساب العامّة.
وقد سدّ على الأغنياء روافد الثروة من غير محلها، فلا إقطاع من أموال الشعب لفئة معينة، ولا تلاعب بالأسواق من طريق الاحتكار، والتطفيف، والاستغلال والغش، ولا مراباة، ولا رشوة على حكم.
وهو حين سدّ هذه الروافد وأمثالها على الأمة لم يعمد إلى وضع تشريع يشلّ ملكة الإبداع فيهم، بل تركهم أحراراً في اختيار نوع العمل، وزمانه، ومكانه.
كما ترك لهم الحرية في أن يمتلكوا ما يشاؤون دون تفرقة في تملّك وسائل الإنتاج أو غيرها.
فهو بسدّه لمنابع الثروة غير المشروعة، ومكافأة الفرص للجميع، أوجد توازناً اقتصادياً يقوم على أساس التقارب في طبقات مجتمعه، وفي الحديث «لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا، فإن تساووا هلكوا».
وكأنّه يريد: أنّهم لا يزالون بخير ما داموا يتسابقون إلى التماس الفضل من المال وغيره.
فهو يرى أنّ المساواة المطلقة بينهم ممّا تشلّ ملكة الإبداع فيهم، وتثير أحقاد بعضهم على بعض.
فهذا العامل الماهر، والصناعي المتقن، عندما لا يجد لمهارته، وكثرة عمله حساباً في عرف شعبه، ويرى ثمار عمله تذهب إلى جيوب الكسالى من أقرانه في العمل فإنّه حتماً سوف يحقد على مستغلي جهده أوّلاً، وعلى النظام الذي شرع ذلك ثانياً، وعلى حارس النظام ثالثاً.
فهو إمّا يتبلد تبعاً لأقرانه فلا يخلص بعمله، أو يتأجّج حقداً ينهي به إلى الثورة على ذلك النظام، وعلى كلا الحالين فإنّ المجتمع مع الزمن سينهار على نفسه.
والحقيقة التي لاحظها الإسلام أنّ التفاوت الذي يستند إلى الكفاءة الذاتية إذا لم يكن كبيراً فإنّه سوف يكون أداة خير للأمّة وضمان بقاء لها.
لذلك وضع تلك الحواجز دون تضخم الثروات غير المشروعة من جهة والتي لا يتوفر فيها العنصر الأخلاقي، فحرم الربا والاحتكار والتلاعب بالأسواق، والتطفيف، والرشوة، والغش، وأمثالها، وكافأ الفرص للجميع من جهة ثانية.
وهكذا اقتحم في تشريعاته مختلف مجالات الحياة.
- فلسفة التحريم
أمّا فلسفة هذا التحريم وموقعها من الاقتصاد الإسلامي، فإنّ الأحكام الشرعية غير المعلّلة لا نملك إلاّ التسليم بها والعمل على وفقها، دون الحاجة إلى التماس عللها، ما دمنا نؤمن أنّ خالقنا العظيم لا يصدر في تشريعاته إلاّ عن مصلحة تعود على المكلفين أنفسهم؛ لأنّه الغني عن تصرفات وأفعال عباده، والمنزّه عن العبث والاحتياج إليها.
وأخال أنّ تجلية حكمة هذا التشريع في حدود ما يبدو لي منها لا نبلغها بسهولة، إذا لم نعد إلى دراسة طبيعة الاقتصاد الإسلامي، والتماس موقع هذا التشريع من مخططه، وهي لا تفهم إلاّ إذا درست ككلّ متفاعل الأجزاء مترابط الحلقات.
والذي يبدو لي أنّ فلسفة تشريع تحريم الربا مثلاً ـ وهو من أهم مكونات التضخم السرطاني للأموال بما فيه من انعدام العنصر الأخلاقي ـ أمر لا يلتئم بحال مع طبيعة ما لمسناه من واقع الاقتصاد الإسلامي، بل لا يمكن أن يلتئم مع أي نظام متكامل يرعى في مخططاته مصالح الأفراد والمجتمعات.
ولإيضاح هذه الجوانب وتقريبها نقول: لا شك أنّ المعاملات الربوية من اسباب تضخم الأموال تضخماً سرطانياً، وإدراك ذلك لا يحتاج إلى أكثر من إجراء أيّة عملية حسابية ليتضح الأمر فيه بداهة أنّ الأرباح فيها لا يطرؤها النقص بحال من الأحوال، بل هي دائماً في نمو وازدياد.
أمّا عدم اعتمادنا العنصر الأخلاقي فلأنّ الفرد المقترض لا يقصد عادة إلى ارتكاب هذا النوع من المعاملات إلاّ مع شدّة حاجته إليها، وليس من الخلق أن يستغل صاحب المال حاجة أخيه ليثري على حسابها.
وتتجلّى لا أخلاقية هذا النوع من العمل عندما يشعر المدين بعجزه عند تسديد الدين في وقته؛ فيؤجل ذلك الدين إلى مدّة أخرى، وتتضاعف الفائدة تبعاً لذلك، ولربما بلغت عشرات الأضعاف لماله المقترض بمرور الزمن، ويستمر معه المرابي إلى مدى يشعر عنده أن لا فائدة بعد ذلك من الاستمرار لضمور خلايا ضحيته، وتضخم دَينِه فيستأسد إذ ذاك، وتبرز مختلف الجوانب اللاإنسانية فيه؛ فيضع مخالبه في رقبة مدينه ليجرّده من جميع ما يملك.
ولك أن تقدّر بعد ذلك ما يجرّه هذا النوع من التعامل من تفكيك روابط المجتمع الواحد، وإشاعة الفوضى الخلقية بين أفراده، من طريق التباغض، والتحاسد، والحقد الذي يصبّه الضحايا وأسرهم على قاتليهم عادة، ومن ثمّ على المجتمع الذي تكفل أنظمته هذا النوع من التعامل، وعلى الحكومات التي تحميها بقوانينها ونظمها.
وقد يُقال إنّ هذا النوع من الربا إنّما لا يتوفّر فيه العنصر الأخلاقي إذا كانت حاجة المدين إلى المال منصب على النواحي الاستهلاكية فقط، أمّا إذا أريد المال للكسب المشروع، وللتعامل في الشؤون التجارية وغيرها، فإي مانع خلقي من مشاركة المدين بالفائدة ما دام الربح لا يتكوّن إلاّ من جهة العامل ورأس المال في الظروف الطبيعية، فهو في الحقيقة لا يأخذ إلاّ ما يربحه رأس المال، وربّما قامت فلسفة تشريع الدولة للمعاملات الربوية في مصارفها على هذا الأساس.
وهذا إشكال يكاد يكون صحيحاً لو كان لرأس المال استقلال في الربح، وهو مضمون ومحدد على كلّ حال، أمّا إذا كان رأس المال لا استقلال له عن عمل العامل، والظروف المحيطة به إنّما يكون ـ لو وجد ـ وليداً لتضامنهما، وتفاعلهما، وتأثير بعضهما في البعض، مع توفّر ظروف ملائمة، فليس من الحق أن يقتطع المرابي لنفسه نسبة معينة يأخذها على كلّ حال، ويحرم الطرف الآخر من ثمرات جهوده، وبخاصّة إذا تذكرنا الخسارة التي تلحق العامل ورأس المال في كثير من الأحيان.
نعم إذا قمنا بإجراء عملية موازنة بين الربح والخسارة، وعمدنا إلى كلّ من العامل ورأس المال فحملناه نصيبه منها، لم يعد على مثل هذه المعاملة أيّما غبار.
وهذا نفسه ما دعا إليه الإسلام حين شرع (المضاربة) وحثّ عليها لتشغيل الأيدي العاملة.
ولكن البنوك والمصارف لا تؤمن بذلك، فهي لا تحسب للعامل أو المدين حسابه الخاص، بل تريدها ـ كأي مرابٍ آخر ـ أرباحاً خالصة لا تطرقها الخسارة، وربّما عمدت في سبيل تحصيلها إلى هدم أسر بأكملها، بتجريدها عمّا تملكه من مقومات الحياة من الدور، والعقارات، وأثاث البيوت، وبلغة العيش وهكذا.
وربّما قيل: ولكن المصارف والبنوك ـ هي اليوم من أهم المنابع للحركات الاقتصادية والعمرانية في البلاد، وبسدّها سد لكثير من المنابع الحيوية، وليس من السهولة إلغاؤها، مع شيوعها في الأمم المتحضرة في أوروبا وغيرها، وإليها يعزى نشاط الأسواق التجارية على اختلافها، فهل نحن أبصر من هذه الأمم في مقومات الحضارة، وأصول الاقتصاد؛ حتّى نعمد إلى إلغائها؟
وهذا في الحقيقة هو سر بلائنا، لأنّنا لم نعد نملك أمام الغرب أيّة شخصية ذات استقلال في تفكيرها ـ بحكم استعمار الغرب لنا طيلة هذه الأعوام، وتخديره لجميع إمكانياتنا العقلية، حتّى أنّنا لم نعد نحسن التفكير إلاّ في حدود ما يوحيه لنا من أفكار ـ وإلاّ فما لنا لا نفكر لأنفسنا، فنعرض عن هذه المصارف المرابية ـ وهي مجافية لطبيعة نظمنا الإسلامية من جهة، ولأضرارها الاجتماعية الكبيرة التي أشرنا إليها من جهة أخرى ـ بالعمل على إيجاد مصارف للقرض بدون فائدة، تقوم مقامها، وتتحمّل الحكومة ما يطرأ عليها من نفقات.
والمفروض في الحكومة أنّها القيّمة على مصالح الشعب، والمسؤولة عن دفع كلّ ما يطرأ عليه من مفارقات.
وبذلك تسدّ على الجشعين والمرابين وسائل الرزق غير المشروعة، وتوفّر للطبقات الضعيفة والمتوسطة من العمال وأصحاب رؤوس الأموال طرقاً للعمل جديدة تنعش بها الأسواق التجارية، ولا أقل من دخول هذه المصارف إلى الأسواق على طريقة ما شرعه الإسلام من المضاربة والقراض فتشاطر المضاربين أرباحهم، وخسائرهم حسب وظيفتها، ودورها في إيجاد الربح والخسارة.
وإذا كان ولا بدّ من التأثّر بالغرب فلماذا لا نتأثّر بمن ألغى هذا النوع من المصارف؟! ونزيد عليها بما شرعه الإسلام وحثّ عليه من القرض بدون فائدة، احتفاظاً بتأكيد الروابط الاجتماعية، وإشاعة المودة بين الناس.
وقد تتساءل فتقول: وإذا لم يوجد المقرض مجاناً للناس فماذا نصنع بذوي الحاجات الآنية؟
والجواب: أنّ الإسلام إذا طُبّق لا يبقى بضمانه الاجتماعي الذي شرعه، وبنظمه في التكافل الاجتماعي، بالإضافة إلى مجموع انظمته الاقتصادية مجالاً لحاجة أمثال هؤلاء، بل هو ملزم بسدّها على كلّ حال.
والخلاصة أنّ تحريم الربا ـ في عقيدتي ـ إنّما كان لمجافاته للعناصر الأخلاقية التي افترضها الإسلام، وبنى عليها أساس نظمه الاقتصادية.
ولكونه من موجبات التضخم المالي على حساب الآخرين.
ولما يوجبه من تفكيك الروابط الاجتماعية، وإشاعة الحقد بين أفرادها.
ولعل هناك أسراراً أعمق سيكشف عنها العلم بعد حين.
وما يُقال عن فلسفة تحريم الربا يُقال عن فلسفة تحريم الاحتكار والتطفيف والرشوة وغيرها فإنّها جميعاً تلتقي غالباً معها في أغلب خطوطها.
ثانياً:
- طريق علاجي:
فقد شرّع الإسلام هذا الطريق متكفلاً بشؤون العلاج فيما لو كان هناك نمو من الطرق الطبيعية، من شأنه أن يؤثّر على الآخرين؛ حيث وضع ضرائب وأحكاماً توجب تفتيت ما تضخم من الثروات، وإرجاعها إلى الاعتدال منها ضرائب:
1 ـ الخمس.
2 ـ الزكاة.
3 ـ الخراج.
4 ـ ضريبة الكنز.
5 ـ الوصية.
6 ـ الميراث.
ونظائرها ممّا هو معروض في كتب الفقه.
والحقيقة أنّ دراسة هذا النظام المتكامل لا تؤتي ثمارها إذا لم يدرس الفقه بجميع كتبه وأبوابه، ففي كلّ باب منها حجر يساعد على تكوين ذلك البناء.
- تطبيقات علاجية إسلامية:
وبعد هذا العرض، لا بدّ لنا من الوقوف على بعض تجارب الإسلام العملية، وعلاجه لهذه المفارقات علاجاً يحقق العدالة الاجتماعية.
ولنا من تجارب الإمام علي (عليه السلام) في هذه المجالات شواهد حيّة نلمسها من خلال حكمه إبان خلافته.
والمراد بالعدالة هنا: هو دفع الظلم أو رفعه عن كاهل الأفراد والجماعات.
والظلم الجماعي له عدة معطيات لعل أهمها معطيان:
أولهما: يرجع إلى الامتيازات الطبقية التي تحدثها عادات اجتماعية متأصلة أو أنظمة خاصة.
ثانيهما: يرجع إلى شيوع الفقر لقلة في الإنتاج، وسوء في التوزيع، مع بقاء الوضع من قبل السلطة على حاله، وعدم تدخلها في إصلاحه.
ولفهم هذين المعطيين وموقف الإمام منهما يحسن أن نعود إلى العصر الذي سبق عهد خلافة الإمام وننحدر برواسبه إليه، لتتجلى لنا قيمة إصلاحاته الجذرية لواقع مجتمعه.
لا شك أنكم تعلمون أن الإسلام جاء والمجتمع الجاهلي يعجّ بطبقية واسعة ذات امتيازات اجتماعية معروفة، كما يعج بعوامل انتشار الفقر بين اكثر الطبقات.
فكان أول ما عمله أن عمد إلى ذلك التفاوت فقلص من ظلاله بما شرّع لهم من نظم، وما وضع عليهم من ضرائب، ثم عمد إلى امتيازاته فألغاها، وقام بعد ذلك باتخاذ إجراءات سلبية وإيجابية لها أهميتها في الحد من انتشار الفقر، ثم في التخفيف من حدة الشعور به.
وفي عهد الخليفة الثاني نشأت في الإسلام طبقية، ولكن من لون جديد، وأساس هذه الطبقية هو القرب، والسابقة، والصحبة، وقد أعطيت امتيازات بعضها مادية وبعضها معنوية، ومن امتيازاتها المادية أنها شرّعت مبدأ التفاوت في العطاء، فمن اثني عشر ألف درهم وهي حصة أعلى طبقاتها([631])، إلى مائتي درهم وهي حصة أدنى الطبقات([632]).
وكان من نتائجها أن تكدس المال لدى فئة خاصّة، سمعنا عن بعضها أنّه كان يكسر الذهب بالفؤوس، بينهما كانت العامّة تئن تحت وطأة من الفقر والفاقة.
وفي عهد الخليفة الثالث كفلت تلكم الامتيازات وأضيف إليها طبقة أخرى لها امتيازاتها، وأساسها القرب من ولاة الحكم، وقد رأينا أنّ هذه الطبقة لا تخضع في امتيازاتها لحساب.
ولما جاء الإمام إلى الحكم وجد نفسه مسؤولاً عن اتخاذ إجراءات حازمة للقضاء على هذا الظلم الجماعي بجميع صوره، والعودة بهم إلى التشريعات الإسلامية الأولية.
فكانت أولى خطواته أن عمد إلى هذه الامتيازات الطبقية الجديدة على الإسلام فألغاها.
وهنا يجب أن نؤكد أن الإمام لم يلغ الطبقية بمفهومها الاجتماعي، كما لم يلغها الإسلام من قبل، وان قلّل من تفاوتها، وقد سبق أن قلنا إن الإمام اعترف بحق الملكية للفرد، وبحق الحرية في العمل، وما دامت حرية التملك والعمل قائمتين فالطبقية حتماً موجودة، ولكن الطبقية المعتدلة ليست هي أساس الظلم، وإنما الأساس في إعطائها امتيازات في الدولة أو في البيئة الاجتماعية قد يكون من أيسر معطياته هو الشعور بالدونية لدى اكثر الطبقات.
وقد كان الإمام صريحاً في إلغائها حين خطب أولى خطبه التي أعلن فيها منهاجه في الحكم ومما قال: «أيها الناس ألا لا يقولن رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا، فاتخذوا العقار، وفجّروا الأنهار، وركبوا الخيل الفارهة، واتخذوا الوصائف المرققة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً، اذ ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا.
ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله، يرى أن الفضل له على سواه لصحبته، فان الفضل النيّر غداً عند الله، وثوابه وأجره على الله، فانتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، ولا فضل فيه لأحد على أحد»([633]).
وما دام المال مال الله، والعباد عبيده، وحاجاتهم الأولية لا تكاد تختلف، فما الذي يميز بعضهم عن بعض؟ أمّا الصحبة والسبق في الجهاد فهي من أعمال التقوى، وليس لعمل التقوى جزاء مادي في نظر الإسلام، وإنّما الجزاء غداً عند الله.
وفي كلام آخر له وقد طلب إليه أن يرعى عواطف ذوي الامتيازات ليأمن غائلتهم ويضمن إخلاصهم له: «أتأمرونني أن اطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟! والله لا أطور به ـ لا أقاربه ـ ما سمر سمير ـ مدى الدهر ـ وما أمّ ـ قصد ـ نجم في السماء نجماً! لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله!! ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة…»([634]).
وهذا الامتياز لم يكتف الإمام بإلغائه، بل تعدى إلى كل ما لها من امتيازات سابقة فشجبها، وأوقف مختلف الطبقات أمام النظم الإسلامية على صعيد واحد.
وما أروع ما ورد عنه وقد قال له بعضهم: «نحن أعزّة قوم» وكأنّهم يريدون أن يذكّروه بما كان لهم من امتياز: «الذليل عندي عزيز حتّى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتّى آخذ الحق منه…» ([635]).
ومن كلماته «وايم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه، ولأقودن الظالم بخزامته، حتّى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً»([636])
وفي سبيل تحقيق هذا الجانب من عدالته الاجتماعية ما كان يأمر به عماله من المساواة بين رعاياهم، وحرمان خواصهم، وأقربائهم، من كل حق يمس هذه المساواة، فهو يكتب لأحدهم: «أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إن لا تفعل تظلم!! ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده… وليس شيء ادعى إلى تغير نعمة الله، وتعجيل نقمته، من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد…»([637]).
وبالطبع كان لهذه الامتيازات الطبقية رواسب نفسية في أعماق العامة تبغض لهم هذه الطبقات، كما تنفرهم من الحكام لحمايتهم لها.
فمن أجل علاج هذا الجانب النفسي، وتأكيد الروابط بين الرعية وحكامهم، أمر ولاته بالتحبب إليهم، والرأفة بهم، ومن ذلك قوله: «… وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه…»([638]).
فهو ـ كما ترون ـ يوصيه بالتجاوز عنهم، والاغتفار لزللهم؛ لأنهم يؤخذون على الخطأ أخذاً.
ويراد بالخطأ والزلل هنا: الخطأ الذي لا يستوجب حداً من حدود الله، أو حكماً شرعياً خاصاً؛ لما ستعرف عن الإمام من تشدده في إقامة الحدود، وعدم التسامح عنها بحال.
والإمام في هذا الموضع لا يخص بتوصية المسلمين من رعاياه، بل يتجاوز إلى بقية المواطنين من غير المسلمين «إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».
ثمّ يقول في تتمة ذلك الكلام: «وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمّها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية… إلى أن يقول بعد التنديد بالخاصّة: … والعدة للأعداء، العامّة من الأمّة، فليكن صِغوك ـ ميلك ـ لهم، وميلك معهم…»([639]).
وفي ختام هذا الحديث يجيء بليغ قوله لبعض عماله: «وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة…»([640]).
أما شيوع الفقر وهو المعطى الثاني لانتشار الظلم فقد كان له إلى كفاحه عدة طرق ربما تمشت مع احدث النظم الاقتصادية في هذا العصر.
أولها: توفير العمل بتهيئة وسائله ومن ذلك ما جاء في دستوره الخالد: «وليكن نظرك في عمارة الأرض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لان ذلك لا يُدرك إلا بالعمارة…»([641]).
ويقول: «ومن طلب الخراج بغير عمارة، أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلاّ قليلاً… وإنّما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها…»([642]).
فإذا شاركت الدولة في أعمار الأرض فقد توفر العمل للعاملين حتماً، وبتوفره توفّر الخراج، والناس كلهم عيال عليه كما ورد عنه في هذا العهد.
ثانيها: كفاح البطالة بالحث على العمل ـ بعد توفير وسائله ـ وما اكثر ما ورد عن الإمام في ذلك ومن بليغ أوصافه للعاملين: «قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل»([643]).
ثالثها: توزيع الثروة توزيعاً عادلاً، سواء بين العمال وأصحاب العمل، أم بين العمال أنفسهم.
ومن بليغ وصاياه في ذلك: «ثمّ اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى، ولا تضُمَّنَّ بلاء امرئ إلى غيره، ولا تقَصرّنَّ به دون غاية بلائه، ولا يَدْعونّك شرف امرئ إلى أن تُعْظِمَ من بلائه ما كان صغيراً، ولا ضعة امرئ إلى أن تَستَصغِرَ من بلائه ما كان عظيماً…»([644]).
فهو يأمر بإعطاء العامل كلّ ما يستحق، ويوصي بأن:
«لا يقصر به دون غاية بلائه».
كما يوصي أن لا تدخل في حساب العمل والعمال تلكم الامتيازات الطبقية، فيستصغر عمل امرئ لضعة نسبه، ويستعظم عمل آخرين لرفعتهم، فالأجر على قدر العمل، وصاحبه هو مالك الأجر لا غير.
رابعها: الضرب على التلاعب بالأسواق من قبل المستغلين والمطفّفين، ومحتكري قوت الشعب، مما يوجب أن تثري طبقة على حساب بقية الطبقات؛ وبخاصة الضعيفة منها.
ومن أوامره في ذلك لعماله قوله لبعضهم:
«واعلم ـ مع ذلك ـ أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً، وشحاً قبيحاً، واحتكاراً للمنافع، وتحكماً في البيعات، وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة. فامنع من الاحتكار فإن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منع منه…»([645]).
ومن رأيه أن تدخل السلطة شخصاً ثالثاً لتحديد الأسعار، والحد من التلاعب فيها، وذلك قوله في تتمة كلامه السابق: «وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع. فمن قارف حُكرة ـ الاحتكار ـ بعد نهيك إياه فنكّل به، وعاقبه في غير إسراف…»([646]).
خامسها: تجريد أصحاب الملكيات غير المشروعة من ملكياتهم، وأعادتها إلى أهلها الشرعيين، ومن ذلك ما جاء في أول خطبة له:
«أيها الناس إنما أنا رجل منكم لي ما لكم وعليَّ ما عليكم، ألا إن كل قطيعة اقطعها عثمان، وكل مال أعطاه عثمان من مال الله فهو مردود في بيت الله، ولو وجدته قد تُزوج به النساء، ومُلِّك به الإماء لرددته فان في العدل سعة فمن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق»([647]).
وكأنه سلام الله عليه كان ينظر إلى هؤلاء ونظائرهم حين أرسل قولته الخالدة: «فما جاع فقير إلا بما متّع به غني»([648]).
وقولته: «ما رأيت نعمة موفورة إلا والى جانبها حق مضيّع».
سادسها: منع عماله وموظفيه من الإثراء غير المشروع سواء بابتزازهم لأموال الدولة، أم ارتشائهم على حساب بعض الحقوق، وما أعسر محاسبته لعماله في ذلك.
وما أخال أنّ أحداً من هؤلاء سلم من التعرّض لمحاسبته، والتمتع بجزائه من تشجيع على إخلاص، أو تقريع على تقصير، أو إقصاء مع خيانة، وفي نهجه الخالد ما يشير بكثرة إلى أمثال هذه الشؤون.
سابعها: رفع الضرائب عن كواهل الطبقة الضعيفة، ممن لا تملك ضرورة ما تحتاج إليه من زاد أو كساء، أو أداة عمل، ومن ذلك ما جاء في كتابه السابق: «ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعتملون عليها…»([649]).
وبالطبع إن هذه الإجراءات ونظائرها لا تستأصل الفقر من أساسه وإنما تعمل على تقليصه، فهناك من لا يقوى لمرض أو شيخوخة أو صغر، ولا ينهض عمله بسد حاجته لكثرة في عياله، وربما كان فيهم من يقوى على العمل ولا يتوفر لديه مجاله.
ولمثل هؤلاء شرع الإسلام مبدأ الضمان الجماعي، وكفل لهم ذلك في أيام حكمه، ففي عهده لمالك الاشتر:
«… الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين، وأهل البؤس والزّمنى ـ أرباب العاهات المزمنة ـ فان في هذه الطبقة قانعا أو معترا ـ سائلا ومتعرضا للعطاء بلا سؤال ـ واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسما من بيت مالك، وقسما من غلات صوافي الإسلام.. ثم يقول: وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه…»([650]).
وقد لاحظ الإمام أن أكثر هؤلاء لا يمكن أن يصلوا إلى الولاة بحوائجهم، لما يتركه الفقر في نفوسهم من ضعف، فأمر في تشكيل لجنة لتتبعهم، ورفع أمرهم إلى المعنيين بالأمر.
وقد جاء في كتابه السابق: «وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممّن تقتحمه العيون ـ تزدريه ـ وتَحْقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثمّ اعمل فيهم بالإعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه، فإنّ هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم…»([651]).
وأضاف الإمام ـ فيما يحدث المؤرخون ـ فوضع بيتاً سمّاه (بيت القصص)[652]) يلقي فيه الناس رقاعهم لتحمل حاجاتهم إلى الإمام.
وهذا الضمان لا يتناول ـ بحكم الإسلام ـ من يتوفر لديه العمل ويقوى عليه، ثم لا يعمل حباً بالبطالة، فان أمثال هؤلاء يعتبرهم الإسلام أغنياء، ويحرمهم من هذا الضمان.
والغني في عرفه من كان يملك قوت سنته أما بالفعل أو القوة، وهؤلاء يملكونها بالقوة لقدرتهم على العمل وتوفره لديهم.
وهذا هو السر في قصر الإمام هذا الضمان على الأصناف التي عدها في كلامه، وليس فيها ما يشمل نظائر أولئك من الأغنياء.
ووجود الفئات العاجزة عن العمل، وشعورهم به، لا بد وان يحدث في أعماقهم عقدا نفسية يحتاج مثلها إلى علاج.
وكان للإمام عدة طرق في علاجها نذكر منها طريقين مهمين:
1ـ تهوينه من شأن الفقر واعتباره ظاهرة طبيعية لا تنقص من وزن صاحبها، وربما رفعت قدره في أخراه.
وكان يضرب لهم الأمثال بعظماء من البشر كأنبياء الله موسى وعيسى ومحمد (صلّى الله عليه وآله) كانوا كلّهم من الفقراء، فلو كان الفقر سبة لما اتّصف به أنبياء الله.
وقد كان لهذا الكلام ونظائره أثره الكبير في نفوسهم نظراً لتحكّم القيم الروحية في مجتمعهم وعظم الإمام صاحب أغنى رصيد روحي في نفوسهم، وعلى هذا ينزل جملة ما ورد في كلامه من الثناء على الفقر والفاقة ثمّ بهذا يجمع بينه وبين ما ورد في كلماته الأخر من ذم الفقر والحثّ على الابتعاد عنه بالعمل مهما كلف الحال.
2ـ مشاركة إمامهم الوجدانية لهم، بمواساتهم في خشونة العيش، والتشبه بهم في لباسه، ومأكله، وما إلى ذلك من لوازم الفقر، وربما كان أعظم أثرا من سابقه قال (عليه السلام): «ولو شئت لاهتديت الطريق، إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز. ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ـ ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع ـ أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى أو أكون كما قال القائل:
وحسبــك داءً أن تبيت ببطنةٍ
وحولك أكبادٌ تحن إلــى القِدْ
أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش!! فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة، همها علفها…»([653]).
وأي فقير يرى هذه المشاركة من إمامه فلا تزول عن أعماقه رواسب ما تركه الفقر فيها من آثار، وهكذا عمّ في عدالته الاجتماعية جملة رعاياه.
محمد تقي الحكيم
الحِسْكة
الحِسْكة: بكسر الحاء وسكون السين كما ينطق بها أهل اللسان الدارج، ويقلبون الكاف جيماً فارسياً «حِسْجّة» وليس لها استعمال في اللغة العربية الفصحى، وهي عبارة عن أراضٍ واسعة تقع في وسط الفرات الأوسط تبتدي من غرب الديوانية وتمتدّ إلى قضاء السماوة شرقاً، وإلى قضاء عِفَكْ شمالاً، وأشهر عشائرها جليّحة وسائر عشائر عِفَكْ، قامت بها بعض البلدان وأخذت بنصيب وافر من العمران، وأشهر أنهارها المتفرعة من الفرات: «شَط (خَنْجَرْ) وشَط (الفوار)، وهما اليوم من الأنهار الداثرة، و(الحِسْكَةُ) من الأسماء الحادثة في القرن الحادي عشر الهجري، وأهلها أَهلِ فهم ومعرفة يُقال في المثل: فلان حِسچاوي أي يفهم ويعرف ويدرك الأمور لنباهته.
وكانت (الحِسْكَةُ) مأوى قبيلة الخزاعل ثمّ أخذت بالزوال من جرّاء حروب الخزاعل مع العثمانيين المحتلين الذين هدموا جملة من بيوتها ثمّ زالت، وفي قربها مدينة (الديوانية) القديمة التي كانت على ضفة الفرات اليمنى الواقعة غربي الجانب الصغير مركز محافظة الديوانية الحالية، و(لملوم) قرية من توابعها كانت على الضفة اليسرى بين (الديوانية) ومدينة (الرُّميثةَ) أخذت حظها من العمارة، وقضى على سكان الحِسْكَةُ الطاعون في القرن العاشر والحادي عشر الهجري، ولم يبق من آثارها سوى الأطلال الدائرة، وهاجر الباقون من أهلها، فأنشؤوا مدينة الشنافية، وهي اليوم ناحية عامرة تابعة إدارياً إلى قضاء الشامية.
حيدر آباد ـ الدكن
تعتبر مدينة حيدر آباد ـ الدكن من أهم حواضر الهند الحالية، وقد اقترن اسمها بكلمة «الدكن» تمييزاً لها عن مدينة حيدر آباد ـ السند. وهذه الأخيرة من مدن الباكستان وتقع في ولاية السند. أسّسها البلوش في حوالي القرن الثامن عشر الميلادي أي بعد تأسيس حيدر آباد ـ الدكن بنحو قرنين من الزمان.
أمّا كلمة «الدكن» فمشتقة من الكلمة السنسيكريتية (دكشنه) ومعناه الجنوب. والدكن في إطلاقها على الهند تدلُّ من حيث الاشتقاق على القسم الجنوبي بأسْرِه. وكان يحكم هذه البلاد قديماً مملكة تُعرف باسم موريا الهند الشمالية، وبعد اضمحلال سلطانها حكمتها أُسر محلية عدّة.
وظهر المسلمون أوّل ما ظهروا في الدكن عام 1249م عندما أغار علاء الدين الخلجي على بعض قبائل الدكن وأجبرها على دفع الجزية، ثمّ اتّسعت الفتوحات الإسلامية على عهد محمد بن تغلق. ومنذ عام 748هـ (1347م) إلى عام 932هـ (1525م) حُكمت الدكن بواسطة السلاطين البهمنيين. وكان أوّلهم علاء الدين حسن كانكو بهمن شاه ظفر خان.
المملكة القطب شاهية
هي مملكة شيعية تأسّست هذه المملكة على أنقاض المملكة البهمنية. ومؤسسها هو السلطان قلي ابن الأمير أويس قلي قطب الملك أحد أمراء التركمان الذين حكموا العراق وقد هاجر إلى الهند، وأسّس مملكة واسعة الأرجاء باسم (القطب شاهية) استمرّت منذ سنة 890هـ حتّى سنة 1099هـ أي ما يزيد على القرنين توالى على العرش خلالهما هؤلاء السلاطين:
1 ـ سلطان قلي قطب الملك: مؤسس المملكة، حكم بين (918هـ ـ 950هـ) إلى 2/9/1543م.
2 ـ جمشيد: حكم من 2/9/1543م الى22/1/1550م.
3 ـ سبحان: حكم من 22/1/1550م إلى 27/7/1550م.
4 ـ إبراهيم: حكم من 27/7/1550م إلى 5/5/1580م.
5 ـ محمد قلي: حكم من 5/5/1580م إلى 11/1/1612م.
6 ـ سلطان محمد: حكم من 11/1/1612م إلى 30/1/1626م.
7 ـ عبدالله: حكم من 1/2/1626م إلى 21/4/1672م.
8 ـ أبو الحسن تانا شاه: حكم من 21/4/1672م إلى 17/9/1687م.
تأسيس حيدر آباد وتسميتها
اشتهرت مدينة كلبركة Gulbarga عاصمة للمملكة البهمنية لثمانين سنة تقريباً، ثمّ اتخذوا بعدها (بدر) Bidar عاصمة لهم، ولما أقام القطب شاهيون مملكتهم اتخذوا من كولكنده عاصمة لهم. وعلى عهد الملك محمد قلي قطب شاه (972ـ1021هـ) أسّست مدينة حيدر آباد، وكان هذا الملك من المولعين بالفن والعمارة الإسلامية حتّى أنّه أنفق الأموال الطائلة على تخطيط حيدر آباد وتزيينها وتشييد الجامعات والمساجد والحدائق والقصور والمارستانات، فجعلها حاضرة رائعة وعاصمة للمملكة منذ سنة 1000هـ (1591م).
أمّا تسميتها بهذا الاسم فجاءت تيمّناً بالإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام) إذ كان المؤسّس من الشيعة المخصلين، وكلمة حيدر من أسماء الإمام علي المختصة به، وقد أطلقته عليه أمّه فاطمة بنت أسد.
تقع حيدر آباد على ارتفاع 536 متراً عن سطح البحر، يحدّها شمالاً برار والولاية المركزية وغرباً مهاراشترا وجنوباً وشرقاً تامل نادو. ومساحتها 82698 ميلاً مربعاً، وقد شُيّدت على ضفتي نهر موسى على بُعد 533 ميلاً عن مدينة مدراس. وتعتبر اليوم من أكبر مدن الهند وعاصمة لولاية أندرا برديش ومن أهم مراكز البحث والدراسة والصناعة في الهند.
وتتميز المدينة بمظهر فريد ببحيراتها وصخورها البركانية، وتعتبر بحيرة «حسين ساكَر» التي تفصل حيدر آباد عن إقليم سكندر آباد أعجوبة هندسية ملفتة للنظر حيث تملؤها المياه طوال العام على الرغم من عدم وجود نهر يصبُّ فيها، وعلى ضفافها العريضة الجميلة تحلو النزهات مساء وينشط فيها محبو الرياضة صباحاً، وقد نصبت هناك تماثيل تذكارية لأعلام من حيدر آباد، وتشرب المدينة من مياه بحيرتي «حمايات» و«عثمان» الواقعتين في الضواحي القريبة، وممّا يلفت الانتباه في تلك المناطق الصخور البركانية المنتصبة في السهول وهي على وضعها السرمدي منذ اللحظة التي ولدت فيها ولفظتها تلك الأرض المعطاء. وقد أحسن السكان المحليون الإفادة من عطاء الطبيعة فبنوا بيوتهم حول تلك الصخور ذات المظهر المتميز وأقاموا الأكواخ بينها فبدت وكأنّها تتمة طبيعية لذلك المنظر المهيب. وفي مرتفعات بانجارا ساعدت الصخور على تطوير أشكال معمارية جديدة في بناء البيوت التي انتشرت حول الصخور لتشكل معها منظراً آسراً أخاذاً.
وكأي مدينة عريقة تضمّ حيدر آبادر في جانبها المعاصر العديد من المعاهد ومراكز البحث والدراسة، حيث تتبوأ، كما في العراقة والتاريخ والجغرافيا، طلبة البحث العلمي والأكاديمي. ففيها المعهد المركزي لتعليم اللغات الأجنبية وجامعة حيدر آباد والجامعة العثمانية ومركز الدراسات الأميركي ومركز الدراسات الآسيوية وكلية الموظفين الإداريين. وعلى مشارفها أقيم المعهد الدولي لأبحاث المناطق الاستوائية شبه الجافة. كما تضمّ كلية الشرطة ومعهد تدريب الطيارين المدنيين. وفي الجانب الصناعي تضمّ مختبر وزارة الدفاع للأبحاث والتطوير ومركز «هاريكوتا» للاتصالات بالأقمار الصناعية ومجمع «بهارات» للصناعات الإلكترونية الثقيلة ومجمع «هندوستان» لإنتاج الآلات الصناعية.
وفي حيدر آباد اليوم معالم حضارية تشهد على عراقة هذه العاصمة التاريخية، فبالإضافة إلى المساجد الضخمة والعمارات العتيقة والقصور الفارهة التي خلفها ملوك وأمراء حيدر آباد هناك أيضاً الكنوز الرائعة التي تركوها في خزائنهم، وجرى بعد ذلك وضعها داخل العديد من المتاحف التي تعتبر من أهم المتاحف العالمية، ومن بينها مُتحف «سالارجنك» الذي يحوي على مقتنيات نواب سالارجنك الثلاثة ويعتقد بأنّها أبدع وأروع مختارات شخصية في العالم، وتحتوي صالات المتحف الست والثلاثون على كنوز آسرة ساحرة.
ومن ذلك مجموعة من التماثيل التي تشتمل على ريبيكا المحجبة، وميفيستوفلز ومرغريتا. والمنمنمات، ونقوش الأرابيسك، والمخطوطات العربية النفيسة، ومختارات لا تقدر بثمن من الزمدر والزبرجد والعاج والبرونز والأسلحة المرصّعة بالجواهر ومن بينها سيوف مرصّعة بالألماس تعود إلى عائلة نواب الحاكمة.
ويعدُّ مبنى چهارمنار (المنارات الأربع) من أشهر المعالم العمرانية في حيدر آباد. بناه الملك محمد قلي قطب شاه ليكون جامعة عربية إسلامية، وهو مرتفع البناء جدّاً يحتوي على أربع مآذن ولهذا عُرف باسم جار منار Charminar. وجار بالهندية تعني «أربعة». ويقع في وسط المدينة. ويوازي في شهرته تاج محل المشهور في أكَرا. وفي أعلاه مسجد عجيب العمارة. جميل الهيئة، مزين بالكتابات العربية، بديع الزخارف، آية في الفن والإبداع، وقد صرف مؤسسه عليه سبعة لكوك أي ما يوازي سبعمائة ألف روبية هندية في وقته. وأرّخ بعض الشعراء عام الانتهاء من عمارته بقول «يا حافظ» الموافق لسنة 1000هـ (1591م).
چهار منار في حيدر آباد
ومن المعالم الأخرى المهمّة في المدينة «مسجد مكة» وهو من أبرز وأوسع المساجد في عموم الهند. وهناك باد شاهي عاشور خانه أي الحسينية الملكية وقد أسّست سنة 1003هـ (1594م).
المسجد الجامع
وعبر نهر كريشنا. في نكارجونا سكر، وفي ظلال أطول سدّ في العالم تقوم حفريات أثرية لمدينة مفقودة يعود تاريخها للقرن الثالث. وقد ذُكرت وارنكال التي تبعد عن حيدر آباد مسافة 175 كلم في مذكرات ماركو بولو، واشتهرت بموقعها السياحي لوجود النصب التذكاري ذي الألف عمود المشيد سنة 1163م. وتبعد يشاكبتنام ـ أو ويزاك كما يطلق عليها ـ عن حيدر آباد مسافة 638 كلم وهي ميناء بحري هام على الساحل الشرقي، كما أنّها أيضاً منتجع بحري شعبي.
ومن الآثار التاريخية الأخرى: نيني باغ، رنكَين محل، دار محل، محمدي محل، جندن محل، حسيني محل، جعفري محل، جار كمان، كلزار حوض جامع مسجد، موتي مسجد، دار الشفاء وهو من الأمكنة القديمة في المدينة وفيها بيوت الأسر العريقة من العلماء وعدد من المراقد أو المشاهد المقدسة لعامّة الشعب، ومن ذلك المزار المسمّى (سرطوقه شريف) ويحتوي على السلسلة التي يُقال إنّه قُيّد فيها الإمام زين العابدين (عليه السلام) في واقعة كربلاء. وعلى مسافة قريبة من هذه المحلة مقبرة شهيرة جُلب إليها التراب من مدينة كربلاء وفيها مشاهد عدد من الأولياء أشهرهم الولي المعروف (شاه چراغ).
وتقع إلى الغرب من حيدر آباد قلعة كولكنده وهي قلعة ضخمة جدّاً كانت مقراً لسلاطين القطب شاهية، وتمتاز بأبنية عسكرية محصنة، وهي أشبه بمدائن صغيرة متكاملة في رقعة واحدة فيها القصور والدور والدوائر الرسمية والمساجد والحسينيات والآبار والمزارع وكلّ ما كان يرتبط بحياة الناس من مظاهر القوّة ومقارعة الأعداء. وكان يسكنها الكثير من علماء العرب والفرس الذين استقدمهم الملوك القطب شاهية. وقد صمّم لها أحد أولئك العلماء نظاماً سماعياً فريداً من نوعه حيث أن القرع اليدوي على البوابة يمكن أن يسمع صداه مكرراً داخل جدران القلعة. وخارج بوابات القلعة يوجد طريق رملي يقود إلى مقابر الملوك القطب شاهية.
وقامت المملكة الآصفية بعد فترة من انقراض المملكة القطب شاهية، وقد أسّسها النواب مير قمر الدين خان بهادر آصف جاه الأوّل الذي توفي سنة 1161هـ (1748م) واستمرّت أسرته في الحكم في العاصمة حيدر آباد حتّى آخر سلاطينها النواب مير عثمان خان بهادر آصف جاه السابع الذي استمرّ في الحكم حتّى سنة 1948م بعد تقسيم شبه القارة الهندية. وكان المير عثمان من أغنى أغنياء العالم في عصره. وكانت إحدى زوجاته الأميرة درشهوار كريمة الخليفة العثماني عبد المجيد وكان جيشه خليطاً من الترك والفرس والأحباش والعرب بالإضافة إلى الهنود، لكن الغلبة فيه للعرب إذ كانوا يؤلفون الأفواج الأوّل والثاني والثالث وفوج قلعة كولكنده وميسرام وغيرها، إضافة إلى جيش عربي بلغ نحو إثني عشر ألف جندي من البدو.
وحتّى الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، كان الناظر إلى هؤلاء العرب في حيدر آباد وهم منتشرون في أسواقها يخيّل إليه أنّه في إحدى البوادي العربية يزيّن كلّ واحد منهم الخنجر العربي. والعرب على العموم كانوا أمناء الدولة على جميع خزائنها في جميع ولاياتها ومنهم الحرس السلطاني وحراس الأمراء وحراس النوابين والراجوات الهنود التابعين للسلطنة الآصفية، والأمناء على صرف خاص مبارك وحراس أمراء الباي كاه أي الباب العالي ويبلغ عددهم نحو 52000 ولهم امتياز خاص في مسائل القضاء والعدالة مثل أنّه لا تنطبق عليهم قاعدة عدم سماع الدعوى بعد مرور ثلاثة أعوام عليها. أمّا اليوم فإنّ جميع العرب قد «تهندوا» وأصبحت الأجيال الجديدة لا تعرف من العربية إلاّ النزر القليل. وقد أهدى إلينا أحدهم مجلة بعنوان «العرب» لكنّها مكتوبة باللغة الهندية المحلية المعروفة باسم «التلكَو».
وكثير من السواح يقصدون المدينة للاطلاع على خزائن الكتب النفيسة فيها التي تحتوي على آلاف الكتب العربية المخطوطة. ومن بين أهم المكتبات: مكتبة متحف سالارجنك الوطني Museum and Library National Salar Jung وهي تابعة لوزارة التعليم والثقافة في دلهي. ومكتبة حكومة الولاية للمخطوطات الشرقية (الآصفية سابقاً) A. P. Government Oriental Manuscripts and Searches Library Institute ومكتبة الجامعة العثمانيةLibrary Osmania University ومكتبة الجامعة النظاميةNizamia University Library والمكتبة السعيدية Saidia Library.
ولعل المجوهرات أكثر الموضوعات فتنة عبر التاريخ كلّه، فهي مرتبطة بالحضارة منذ أقدم العصور، وحديث الناس عنها أبداً متجدّد لأنّها الرمز الأبدي للسلطان والمال معاً. وممّا أنعمه الله على الهند أنّها كانت أوّل مكان اكتُشف فيه الألماس. وكان الهنود أوّل من فطن إلى إمكان صقل الألماس باستخدام مسحوق الألماس نفسه. ولعل منجم حيدر آباد من أقدم المناجم الألماسية بل أشهرها في العالم وذلك لتميّزه بالجوهرة الفريدة في عالم الالماس المعروفة باسم «كوه نور» المستخرجة من «كوه نور» أي جبل النور. والذي كان ضمن ممتلكات المملكة القطب شاهية بحيدر آباد ومن موارد زهوها وغناها. ثمّ تنقلت تلك الألماسة من خزانة لأخرى حيث كان جميع ملوك الدنيا يحلمون بامتلاكها. وتمّ صفلها أيام الإمبراطور المغولي أورنك زيب فقلّ وزنها إلى 279 قيراطاً. ثمّ تداولتها الأيدي إلى أن انتقلت إلى الملك أحمد شاه الإبدالي ثمّ خليفته الملك تيمور فالملك شجاع فملك السيخ رانجيت سنك. وفي 3 حزيران (يونيو) 1850 صادرها الإنكليز مع غيرها من الجواهر الهندية الثمينة، ثمّ عرضت للجمهور في معرض حاشد بإنكلترا سنة 1852 وفي نفس السنة قُدمت هذه الجوهرة هدية للملكة فكتوريا التي كانت ترتديها على اعتبار أنّها من ضمن ممتلكاتها الشخصية وعلى هذا الأساس توارثتها أسرتها… وهكذا استقرّ مطاف جوهرة حيدر آباد في تاج ملكة بريطانيا.
لكن حيدر آباد لم تخل من جواهر أخرى من كافة الأحجار الكريمة.
محمد سعيد الطريحي
(راجع: القطب شاهية)
الخلافة
الذي يعرفه علماء الاجتماع ومتكلّمو المسلمين أنّ وجود النظام ضرورة لازمة لحفظ الاجتماع، وعَدَمَه يعني الفوضى التامّة.
وقد عبّر ابن خلدون عن هذا النظام بأنّه: «قوانين سياسيّة مفروضة يُسلّمها الكافّة وينقادون إلى أحكامها، فإذا خَلَت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتبّ أمرها ولم يتمّ استيلاؤها {… سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ…} [الأحزاب: 38]([654]).
ورأى ابن حزم أنّ ذلك معلوم بضرورة العقل وبديهته، وأنّ قيام الدين ممتنع غير ممكن إلاّ بالإسناد إلى واحد ـ (إمام) (خليفة) ـ يكون على رأس هذا النظام([655]).
فما هو موقف الإسلام من هذه الضرورة؟
إنّها لمن دواعي الاستغراب أن تكون الضرورة وسنّة الله في خلقه هي مفترق الطرق بين المسلمين!.
هل تفاعل الإسلام ـ كدين ومنهج للحياة ـ مع هذه الضرورة، سنّة الله في خلقه؟
الإسلام الذي تشعّبت أحكامه وتشريعاته حتّى استوعبت الجزئيّات الصغيرة في حياة الإنسان، هل نتوقّع أنّه أهمل أوّل الضرورات وأهمّها؛ ضرورة حفظ المجتمع وحفظ الدين وإقامة حدوده وأحكامه؟
إنّ فريقاً كبيراً منّا يقول: نعم، أهمل الإسلام ذلك.
عندئذٍ أوقف هذا الفريق نفسه أمام الحاجة الملحّة إلى مَلء هذا الفراغ الكبير في النظام الإسلامي.
فالإسلام الذي أخذ على عاتقه تنظيم حياة بني الإنسان كافّة إلى يوم القيامة سيأتي بفراغ كبير حين لا يقدّم جواباً محدّداً لأوّل أسئلة الحياة والمجتمع والشريعة([656]).
وأمام هذه الحاجة الملحّة قالوا: نعم، إنّ الإسلام قد ترك هذا الأمر للأمّة، تختار لنفسها ما تراه الأصلح لحفظ نظامها وحفظ الشريعة، فعندئذٍ لا يعدّ هذا إهمالاً.
وهنا يتصدّر سؤال جديد، يقول: ما هي الضوابط اللازم توفّرها لضمان شرعية ما تختاره الأمّة؟
فمن البديهي أنّ (نظام الحكم) موضوع مشترك بين الإسلام وغيره من الأنظمة، سماوية كانت أو أرضية، إنّما الذي يميّزه عن غيره هو هذه النسبة الملحقة به (إسلامي). فكونه إسلامي يعني بالضرورة أن يكون محدّداً بمبادئ الإسلام وأحكامه، فمن هنا فقط يستمدّ إسلاميّته، لا من هوية الشخص الحاكم.
أمام هذا السؤال برز أفق جديد، حين أسند الأمر هنا بالكامل إلى الواقع التاريخي للأمّة في عصر الصحابة، ورغم أنّ الكلام هنا سيدور على نفسه، إذ يصبح اختيار بعض الأمّة هو الدليل على شرعيّة ما اختاروه، رغم ذلك فهو قول لا مناص منه!
وبهذا أصبح الواقع التاريخي للأمّة ـ كما سيتّضح قريباً ـ جزءاً من الدين، ومصدراً من مصادر العقيدة.
وأصبح الواقع الذي يسود في الأمّة، والقرار النافذ الذي يتّخذه الخليفة، جزءاً من الشريعة يجب أن ننظر إليه كما ننظر إلى السنّة النبويّة.
وهذا المبدأ هو الذي شكّل السبب المباشر ـ ولو ظاهراً ـ في إقصاء عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) عن الخلافة يوم الشورى، إذ عرض عليه عبد الرحمن بن عوف البيعة على كتاب الله وسنّة رسوله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر، فلمّا أظهر عليّ (عليه السلام) اعتقاده بالالتزام بكتاب الله وسنّة رسوله وحسب، وبأنّه غير ملزم باتّباع سيرة الشيخين لأنّها ليست من مصادر الشريعة، عندئذٍ رأى ذلك الفريق أنّ هذا الاعتقاد يعدّ مبرّراً كافياً في إقصاء صاحبه عن الخلافة وإسنادها إلى رجل آخر يتعهّد بالتزام ذلك الشرط مصدراً ثالثاً مع الكتاب والسنّة([657]).
إذن دخلت سياسة الأمر الواقع في التقسيم العملي لمصادر التشريع، وبالخصوص في مجال النظام السياسي الإسلامي، كما في المثال السابق، وكما في الأعمّ الأغلب من تفاصيل هذا النظام كما سنرى…
فحين جُعل اختيار الإمام ـ رأس النظام السياسي وفاتحة مساره المُقبل ـ منوطاً بالأمّة، فلا بدّ من مزيد بيانٍ وتحديد، فما معنى أنّ الأمر منوط بالأمّة؟
هل يعني أن تجتمع الأمّة بكامل أفرادها على رجل واحد في وقت واحد لتتمّ له البيعة فتصحّ خلافته؟
ـ ذهب إلى هذا بعض المعتزلة ـ كأبي بكر الأصمّ والهشامية ـ ولكن لم يوافقهم عليه أحد لأنّه أمر لم يتحقّق قطّ، ولا يمكن تحقّقه في الواقع بحال من الأحوال، فهو تكليف ما لا يطاق.
لذا، خفّف آخرون من شدّة ذلك، فقالوا: إنّ المراد بالأمّة هنا فضلاؤها من كلّ بلد ومدينة، لا سائر أفرادها.
ـ لكنّ هذا الرأي هو الآخر لم يحظ بالقبول لأنّه لم يكن له في الواقع مصداق، بل رأى البعض فساد هذا الرأي لأنّه لا بدّ من ضياع أمور المسلمين قبل أن يُجمع جزء من مئة جزء من فضلاء أهل البلاد الإسلامية المتعدّدة الأطراف([658]).
وإلى هنا لم يكن لهذه الآراء دليل من الشرع ولا من الواقع.
ـ أمّا الجمهور فذهب إلى أنّ الإمامة تنعقد باختيار أهل الحلّ والعقد فقط، لا جميع الأمّة ولا جميع فضلائها.
مَن هم أهل الحلّ والعقد؟
سؤال كبير يواجه النظرية الأخيرة، تتفرّع منه أسئلة أخرى.
فمن هم أهل الحلّ والعقد؟
ما هي مواصفاتهم؟ ومَن الذي يتولّى اختيارهم؟ وكيف يتمّ اختيارهم؟ وكم يكون عددهم؟ وما هي حدود صلاحياتهم؟ وما هو الأسلوب الذي سيعتمدونه في انتخاب الخليفة؟
ليس هناك نصّ من الشرع ولا شيء من السيرة النبويّة يمكن الرجوع إليه في الإجابة على شيء من هذه الأسئلة، من هنا تعدّدت الإجابات وتناقضت، ومع ذلك فإنّ أيّاً منها لم يقدم حلاً شافياً لتلك الأسئلة…
ـ فبعضهم قال: لا تنعقد الإمامة إلاّ بجمهور أهل الحلّ والعقد من كلّ بلد، ليكون الرضا بهم عامّاً، والتسليم لإمامته إجماعاً.
ـ وردّه الآخرون، فقالوا: هذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها، ولم يُنتَظر قدوم غائب عنها.
ومن هؤلاء من قال: أقلّ ما تنعقد به الإمامة خمسة من أهل الحلّ والعقد يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة، واستدلّوا لذلك بأمرين:
الأوّل: أنّ بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثمّ تابعهم الناس فيها. والخمسة هم: عمر بن الخطّاب، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسالم مولى أبي حذيفة، وأسيد بن خُضير، وبشير بن سعد.
والثاني: أنّ عمر بن الخطّاب جعل الشورى في ستّة ليُعقد لأحدهم برضا الخمسة.
ومنهم من قال: بل تنعقد بثلاثة، يتولاها أحدهم برضا الاثنين، ليكونوا حاكماً وشاهدين، كما يصحّ عقد النكاح بوليّ وشاهدين.
ومنهم من قال: بل تنعقد بواحد، لأنّ العبّاس قال لعليّ (عليه السلام): امدُد يدك أبايعك، فيقول الناس: عمّ رسول الله بايع ابن عمّه. فلا يختلف عليك اثنان. ولأنّه حكم، وحكم واحد نافذ([659]).
والاضطراب واضح في هذه الإجابات، ومصدره رجوعها إلى الأمر الواقع في وجوهه المختلفة، وإلى أقيسة غير صحيحة لاختلاف الموضوع بين عقد الخلافة وعقد النكاح أو حكم الواحد.
ـ وقد كشف ابن حزم عن فساد هذه الآراء في أثناء عرضه لها، وقال: كلّ قول في الدين عريّ عن دليل من القرآن أو من سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو من إجماع الأمّة المتيقّن فهو باطل بيقين، قال تعالى: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}([660]) فصحّ أنّ مَن لا برهان له على صحّة قوله فليس صادقاً فيه([661]).
ثمّ قال: فإذا قد بطلت هذه الأقوال كلّها فالواجب النظر في ذلك على ما أوجبه الله تعالى في القرآن والسنّة وإجماع المسلمين، كما افترض علينا عزّ وجلّ إذ يقول: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ}([662]).
ولكن ابن حزم حين أبطل هذه الآراء كلّها لأنّها كانت عريّة عن الدليل الشرعي، لم يُفلح في إيجاد البديل المتماسك كما سنرى ذلك في محلّه من هذا الفصل.
وجوه تعيين الخليفة
هذه المسألة الكبرى في نظام الدين والدنيا كيف تجد لها حلاً حين يغفلها التشريع بمصدريه الرئيسين ـ القرآن والسنّة ـ ويفوّض أمرها إلى الأمّة؟
فهل هناك قاعدة ثابتة تستند إليها الأمّة في تعيين الخليفة؟
وما مدى شرعية هذه القاعدة؟
الحقّ أنّنا لم نقف من خلال هذه النظرية على قاعدة واحدة محدّدة المعالم اعتمدتها الأمّة في اختيار الإمام لتكتسب شرعيّتها من الإجماع، وإنّما وجدنا أساليب مختلفة لا يترجّح أحدهما على الآخر بدليل شرعي.
عندئذٍ وجدنا أنفسنا مضطرّين إلى قبول تلك الأساليب كلّها، لا لكونها مؤيّدة بدليل من الشرع، بل لأنّها قد حصلت في الفترة المتقدّمة من تاريخ الأمّة، أي في عهد الصحابة، مع أنّها كانت عريّة عن دليل الإجماع أيضاً…
فقالوا: هناك ثلاثة وجوه لتعيين الخليفة:
الوجه الأوّل: اختيار أهل الحل والعقد، ويطلق عليه (نظام الشورى) أيضاً.
لكنّ نظام الشورى هذا لم يتّخذ شكلاً واحداً عند الصحابة، لذا فقد فصّلوا فيه تبعاً لذلك الاختلاف، فقالوا الشورى على شكلين:
الأوّل: نظام الشورى ابتداءً، كما حدث في بيعة أبي بكر وعليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
والثاني: نظام الشورى بين عدد يعيّنهم الخليفة السابق، كما صنع عمر .
الوجه الثاني: العهد.
وهو أن ينصّ الخليفة قبل موته على مَن يخلفه. وقد اتّخذ هذا العهد أشكالاً ثلاثة:
الأوّل: أن يعهد الخليفة الى واحد، كما صنع أبو بكر في عهده الى عمر.
الثاني: أن يعهد الى جماعة يكون الخليفة واحداً منهم، كما صنع عمر في عهده الى ستة نفر ينتخبون الخليفة القادم من بينهم.
الثالث: أن يعهد الى اثنين فأكثر ويرتّب الخلافة فيهم بأنّ يقول: الخليفة من بعدي فلان، فإذا مات فالخليفة من بعده فلان، وفي هذا النظام تنتقل الخلافة بعده على الترتيب الذي رتّبه، كما عهد سليمان بن عبدالملك الى عمر بن عبدالعزيز بعده، ثمّ الى يزيد بن عبدالملك، وكذلك رتّبها هارون في ثلاثة من بنيه: الأمين، ثمّ المأمون، ثمّ المؤتمن([663]).
الوجه الثالث: القهر والاستيلاء أو الغَلَبة بالسيف([664]).
قال الإمام أحمد: «ومن غلبهم بالسيف حتّى صار خليفة وسمّي أمير المؤمنين فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، برّاً كان أو فاجراً».
وعند وجود إمام مستقرّ ثمّ يخرج عليه آخر طلباً للملك، فقد قال الإمام أحمد: «الإمامة لمن غلب» واحتجّ لذلك بأنّ ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن الحرّة، وقال: «نحن مع من غلب»([665]).
والأمر مطّرد، فلو ثبتت الإمامة لواحد بالقهر والاستيلاء، فيجيء آخر ويقهره ويستولي على الأمر ينعزل الأوّل ويصير الإمام هو الثاني([666]).
وظاهر جدّاً أنّ هذه النظرية إنّما هي نظرية تبرير، لا نظرية تشريع.
إنّها نظرية تبرير الواقع واضفاء الشرعية عليه والدافع الوحيد الى هذا التبرير هو اعفاء الصحابة من تهمة العمل في هذا الأمر الخطير بدون دليل من الشرع، واعفاؤهم ممّا ترتب على ذلك من نتائج.
ولأجل ذلك ظهر في هذه النظرية من التكلّف والتعسّف ما لا يخفى، ومن ذلك:
1 ـ أنّ أيّاً من هذه الوجوه الثلاثة لا يستند الى دليل شرعي البتة، ولم يعرفه حتى فقهاء الصحابة قبل ظهوره على الواقع . ومن هنا طعن ابن حزم هذه الوجوه كلّها كما تقدّم.
2 ـ إنّ مبدأ الشورى المذكور في الوجه الأوّل والمأخوذ من بيعة أبي بكر، لم يكن قد تحقّق في البيعة، وليس لأحد أن يدّعي ذلك بعد أن وصفها عمر ـ في خطبته التي رواها البخاري وغيره وأصحاب السير ـ بأنها كانت فلتة، عن غير مشورة!.
ولم يكن هذا قول عمر وحده، بل كان يقيناً في أذهان الصحابة وعلى ألسنتهم، لذا قال بعضهم: لئن مات عمر لأبايعنّ لفلان، فما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة.
فلمّا بلغ عمر ذلك لم ينكره بل أكّده، فقال: «لا يغترَّنَّ امرؤ أن يقول إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألا إنّها قد كانت كذلك، ولكن وقى الله شرّها»([667])!.
وشتّان بين الشورى والفلتة!.
والغريب أنّ عمر قد نهى عن تكرار مثل تلك البيعة، وحذّر من العودة لمثلها تحذيراً شديداً خشية أن يكون عاقبتها القتل، فقال: «فمن بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرّة أن يقتلا».
إنّه يقول: «من عاد لمثلها فاقتلوه»([668])!!.
وفي هذا وحده دليل كافٍ على إلغاء صفة الشرعيّة عن تلك البيعة، فإنّما هي بيعة ساقتهم إليها الأحداث، فلا يصحّ العودة لمثلها بحال.
وهكذا رآها أبو عليّ الجُبّائي والقاضي عبد الجبّار، فقالا: إنّ الفلتة ليست هي الزلّة والخطيئة، وإنّما تعني البغتة من غير رويّة أو مشاورة، ويقصد عمر بقوله: «من عاد إلى مثله فاقتلوه» أنّ من عادَ إلى الطريقة التي تمّت بها البيعة لأبي بكر من غير مشاورة أو عذر ولا ضرورة، ثمّ طلب من المسلمين البيعة، فينبغي قتله([669]).
هذا ما كان يعرفه الصحابة وكثير غيرهم عن تلك البيعة إذن…
أمّا عامّة المتأخّرين فكأنّهم قد عزّ عليهم أن ينظروا إليها بتلك النظرة، فأضفوا عليها صبغة الشورى ليجعلوا منها ـ في ثوبها الجديد ـ الوجه الشرعي الأوّل في اختيار الخليفة.
ولم يكتف بعضهم بهذا القدر حتّى أضفى عليها صبغة الإجماع ابتداءً، كما فعل ابن تيمية([670])!.
غير أنّها دعوى لا يؤيّدها شيء من النقل الصحيح، بل حتّى غير الصحيح، فليس في شيء من أخبار تلك البيعة ما يُشير إلى ذلك الإجماع من قريب أو بعيد.
والذي دعا ابن تيمية إلى هذا هو عقيدته في شرط صحّة البيعة، إذ كان يرى وفقاً للمذهب الحنبلي أنّه يُشترط لصحّة البيعة اجتماع جمهور أهل الحلّ والعقد في بلد الخليفة([671]).
لكنّ الآخرين ردّوا هذا الشرط تصحيحاً لبيعة أبي بكر خاصّة، فقالوا: هذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر، فقد تمّت بعقد رجل واحد ورضا أربعة، ولم يُنتظر فيها حضور من لم يحضرها([672]).
وهذا الكلام الاخير هو الموافق لما صحّ عن عمر في خطبته المتقدّمة، والموافق لسائر ما ورد من النقل في أخبار السقيفة.
3 ـ الخوف من وقوع الفتنة كان العذر المنتخب في تبرير أوّل بيعة لأوّل خليفة حين تمّت عن غير مشورة، ولم يُنتظر فيها حضور الكثير من كبار المهاجرين والأنصار ممّن ينبغي أن يكون في طليعة أهل الحل والعقد.
فالعذر في التعجّل هو خوف الاختلاف والفتنة، وهذا ظاهر أيضاً في نصّ خطبة عمر.
لكنّ الغريب أنّ (الفتنة) قد عادت لتصبح طريقاً شرعياً من طرق تعيين الخليفة!.
ففي الوجه الثالث حيث يرون القهر والاستيلاء والتغلّب بالسيف طريقاً الى الخلافة، والمتغلب دائماً هو الخليفة الشرعي الواجب الطاعة! وما يزال الطريق مفتوحاً أمام كل طامح!.
وهل الفتنة شيء غير هذا؟
ثمّ كيف يقول بهذا من يعتمد بمبدأ الشورى، واختيار أهل الحلّ والعقد؟!
إنّ المضيّ على طريقة تبرير الأمر الواقع هو الذي أدّى إلى ظهور هذا التناقض وأمثاله.
4 ـ هل يستدعي قبول الأمر الواقع كلّ هذا القدر من التنظير والتبرير؟
أليس من الأولى أن تكون هناك نظرية ثابتة محدّدة المعالم تُبنى باعتماد نصوص الشريعة ومفاهيم الإسلام وروح الإسلام، ثمّ بعد ذلك توزن عليها عقود الخلافة التي تمّت بالفعل، فكلّ عقد وافق هذه النظرية وانسجم معها فهو عقد شرعي صحيح، يكون عنده الخليفة الذي تمّت له البيعة إماماً وأميراً للمؤمنين وخليفة من خلفاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بحقّ، وكلّ عقد لم يوافق تلك النظرية فهو عقد غير صحيح؟
وعندئذٍ يكون قبول الأمر الواقع المخالف للشروط الصحيحة حالة من حالات الضرورة ما دامت الأمّة عاجزة عن إصلاحه.
وهذا القول هو الذي تؤيّده السنّة، إذ أطلقت على هذا النوع من الحكم اسم «الملك العضوض» أي الذي فيه عسف وظلم، فكأنّهم يُعَضّون فيه عضّاً!.
وروي أيضاً «مُلوك عُضوض» وهي صيغة جمع، مفردها: مَلكٌ عِضّ، وهو الخبيث الشرس([673]).
فكيف يجتمع هذا مع الخلافة الشرعية؟
إمامة المفضول
هل تعدّ الأفضلية شرطاً في الإمامة؟
قالوا: نعم، ثمّ قالوا: لا. وفي كلا القولين غاب الدليل الشرعي.
والأمر الوحيد الذي قَلَبَ الموقف من اشتراط الأفضلية هنا: هو القبول بشرعيّة التغلّب بالسيف طريقاً إلى الخلافة، بعد أن كان طريقها الشورى والعهد!.
فحين كان لازماً تبرير خلافة معاوية بن أبي سفيان وتقديمه على سائر الصحابة، كان لزاماً أن يلُغى القول باشتراط الأفضليّة في الإمامة!.
هذا فيما كان الرأي أنّ الإمامة لا تكون إلاّ للأفضل([674])، حتّى اشتدّ النزاع وطال في تفضيل بعض الصحابة على بعض تثبيتاً لهذا المبدأ، وحتّى ظهرت العقيدة بأنّ الخلفاء الراشدين هم أفضل الأمّة، وأنّ ترتيبهم في الفضل موافق لترتيبهم في الخلافة، فأفضل الأمّة: أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ([675]).
وشدّد بعضهم في التزام هذه القاعدة حتّى قال: مَن فضّل عليّاً على عثمان فقد أزرى على المهاجرين والأنصار([676]). ليصوّر في ذلك أنّ المهاجرين والأنصار لم يقدّموا عثمان في الخلافة إلاّ لاعتقادهم أنّه أفضل من عليّ (عليه السلام).
لكن لمّا أريد تبرير قبول خلافة معاوية ومَن بعده، كان لا بدّ من ظهور قولٍ آخر:
ـ قال الجويني إمام الحرمين: والذي صار إليه معظم أهل السنّة أنّه يتعيّين للإمامة أفضل أهل العصر، إلاّ أن يكون في نصبه هَرْجٌ وهيجان فتن، فيجوز نصب المفضول إذ ذاك.
وقال: مسألة امتناع إمامة المفضول ليست بقطعيّة.
ثمّ علّل ذلك بأنّ الشرع لا يمنع منه، كيف ولو تقدّم المفضول في إمامة الصلاة لصحّت الصلاة وإن تُرِكَ الأولى([677])؟
ـ وبرّر الرازي ذلك بأنّ دخول الفاضل تحت إمامة المفضول ممّا يُسهّل على من هو أنقص فضلاً من الأمير الدخول تحت طاعته، ففي إمامة المفضول رياضة للفاضل وكسر ما فيه من نخوة([678])!.
ـ ودافع ابن حزم عن إمامة المفضول من عدّة وجوه:
الأوّل: أنّه لا يمكن معرفة الأفضل إلاّ بالظنّ، والظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً.
الثاني: أنّ قريشاً قد كثرت وطبّقت الأرض من أقصى الشرق إلى الغرب، ولا سبيل إلى معرفة الأفضل من قوم هذا مبلغ عددهم.
والثالث: إجماع الأمّة على بطلان شرط الأفضلية في الإمامة، فإنّ جميع الصحابة ممّن أدرك ذلك العصر أجمعوا على صحّة إمامة الحسن أو معاوية، وقد كان في الناس أفضل منهما، كسعد بن أبي وقّاص وسعيد بن زيد وابن عمر، فلو كان ما قاله الباقّلاني ـ في وجوب إمامة الأفضل ـ حقّاً، لكانت إمامة الحسن ومعاوية باطلة([679]).
ملاحظات
ألا يظهر أنّ الموضوعيّة قد غابت بالكامل عن هذه النظريّة؟
انظر في الملاحظات التالية:
1 ـ إنّ الخوف من وقوع الهرج وهيجان الفتن الذي كان مبرّراً لقبول خلافة معاوية وفي الناس مَن هو أفضل منه، هذا العذر نفسه قد جرى على لسان عمر بن الخطّاب في تقديم أبي بكر على عليّ (عليه السلام)!.
قال عمر في حديث له مع ابن عبّاس يذكر فيه أمر الخلافة وحقّ عليّ (عليه السلام) فيها، قال: لقد كان في رسول الله من أمره ذروٌ من قول([680])… ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطةً على الإسلام! وربّ هذه البنية لا تجتمع قريش عليه أبداً([681])!.
ومرّة أخرى قال عمر لابن عبّاس (رض): أتدري ما منع الناس منكم؟
قال: لا.
قال عمر: لكنّي أدري، كرهت قريش أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة فتجخفوا جخفاً([682])، فنظرت قريش لنفسها فاختارت([683]).
ـ وفي ثالثة قال: ما أظنّهم منعهم عنه إلاّ أنّه استصغره قومه([684]).
ـ وفي رابعة قال فيه: والله لولا سيفه لما قام عمود الإسلام، وهو بعد أقضى الأمّة، وذو سابقتها، وذو شرفها.
فقيل له: فما منعكم عنه يا أمير المؤمنين؟
قال: حداثة السنّ، وحبّه بني عبد المطّلب([685]).
ـ وفي خامسة قال: استصغرناه، وخشينا ألا تجتمع عليه العرب وقريش لما قد وَتَرَها([686]).
ـ وفي سادسة: في خطبته التاريخيّة في وصف قصّة السقيفة، إذ قال في ختامها: «فارتفعت الأصوات، وكثر اللغط، فلمّا أشفقت الاختلاف قلت لأبي بكر: ابسط يدك أُبايعك، فبسط يده، فبايعته وبايعه المهاجرون وبايعه الأنصار… خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يُحدِثوا بعدنا بيعة، فإمّا أن نتابعهم على ما لا نرضى، أو نخالفهم فيكون فساد([687])!.
إذن لماذا لا يقال إنّ تقديم أبي بكر كان لهذه الأعذار أو بعضها، وليس على أساس التفضيل؟
إنّ الإغضاء عن كلّ هذه النصوص، وعن غيرها ممّا ثبت عن كثير من الصحابة في تفضيلهم عليّاً (عليه السلام) على غيره أمرٌ لا يقرّه البحث الموضوعي.
2 ـ أغرب من ذلك أنّهم استدلّوا على جواز إمامة المفضول بجواز إمامته في الصلاة، فكما تصحّ إمامة المفضول في الصلاة تصحّ إمامته على الأُمّة.
هذا مع أنّ الإمامة في الصلاة كانت هي الدليل الأوّل على تفضيل أبي بكر وعلى إمامته، فحين قلنا بتفضيل أبي بكر وأحقيّته في الخلافة، قلنا: إنّ أوّل الأدلّة على ذلك تقدّمه في الصلاة!.
فلماذا لا يُقال إنّه قُدّم في الصلاة لجواز تقديم المفضول على الفاضل؟
إنّه تناقض ظاهر…
3 ـ إنّ طريقة انتخاب أبي بكر كانت صريحةٌ تماماً بغياب مبدأ التفضيل، وكلمة عمر المتّفق على صحّتها: «إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتةً، ولكن وقى الله شرّها» من أهم الأدلّة على ذلك.
فلا يستطيع أحد أن يدّعي إذن أنّ الصحابة قد أجمعوا على أنّ الإمام لا يكون إلاّ الأفضل، ثمّ أجمعوا على تفضيل أبي بكر فبايعوه على هذه الأساس!.
إنّ أيّ دعوى من هذا القبيل تنهار أمام كلمة عمر المتقدّمة، كما تنهار أمام تفاصيل أحداث السقيفة والبيعة.
4 ـ قول أبي بكر في أوّل خطبةٍ له: «وليتكم ولستُ بخيركم» إنّما كان ـ كما رأى الباقلاني ـ لكي يدلّهم على جواز إمامة المفضول عند عارض يمنع من نصب الفاضل([688]).
إذن لماذا لا نذهب إلى أنّ المفضول هنا هو أبو بكر، مع تصريحه بذلك، ثمّ نجتهد في تبرير العارض الذي منع من نصب الفاضل؟!.
نتيجة
ألا يظهر من هذه الملاحظات أمران مهمّان:
الأول: أنّ هذه النظرية قد تقلّبت مع تقلّب الأحداث متابعةً للأمر الواقع، وأنّها لم تستند على دليل شرعي ثابت لتكتسب منه الثبات؟
والثاني: أنّ هذه العقيدة في ترتيب الخلفاء في الفضل بحسب ترتيبهم في الخلافة إنّما هي عقيدة ظهرت متأخّرة عن عهد الخلفاء من أجل تثبيت طرق البيعة وإضفاء الشرعية عليها؟
وإلى مثل هذا خلص الدكتور أحمد محمود صبحي، حيث قال: الواقع أنّ متكلّمي أهل السنّة وفقهائهم لم يسلّموا بجواز إمامة المفضول مستندين إلى أصل من أصول الدين، ولكنّهم جوّزوا ذلك إمّا تبريراً لسلطان الخلفاء ولخلع الصفة الشرعية على خلافتهم، وإمّا على سبيل معارضة آراء خصومهم من الشيعة([689]).
والأمران معاً ـ تبرير الواقع، ومعارضة الخصوم ـ كانا أصلاً في ولادة مبدأ جديد رافق هذه النظرية، ألا وهو مبدأ «إعذار السَلَف».
إعذار السَلَف
لا شكّ أنّه مبدى حسن وجذّاب، فمن الجميل المستحسن أن نذكر سَلَفنا المتقدّم بكلّ خير، ونعرف لهم حقوقهم، ونذبّ عنه ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً.
لكنّ الحقّ أنّ الناظر إلى هذا المبدأ بتجرّد لا يراه إلاّ مبدءاً متهافتاً قد صيغ أصلاً لتبرير الواقع ومعارضة الخصوم!! فمثلاً: حين كان ينبغي لهذا المبدأ أن يتّسع للسلف الصالح قاطبةً، نراه قد توجّه توجّهاً منحازاً إلى الفئة المتنفّذة وصاحبة القرار السياسي، فلا يتردّد أصحاب هذا المبدأ في صبّ اللوم على رجال من كبار الصحابة حين أظهروا خلافاً، أو أبدوا رأياً معارضاً للخلافة في بعض عهودها، دون أن يراعى فيهم مبدأ «إعذار السَلَف»…
فيقع اللوم على المقداد وعمّار حين تكلّما في أمر الخلافة بحجّة أنّهما ليسا من قريش فلا يحقّ لهما التدخّل في اختيار الخليفة، فهذا الأمر من حقّ قريش وحدها…
ولكن حين تدخّل فيه سالم مولى أبي حذيفة أصبح سالم معدوداً في أهل الحلّ والعقد الذين تنعقد بهم البيعة… هذا ولم يكن سالم قرشياً، بل لم يكن عربياً أيضاًّ!.
والسرّ في هذا التناقض أنّ سالماً كان أحد الخمسة الذين انعقدت بهم البيعة لأبي بكر، بينما كان المقداد وعمّار يدعوان إلى حقّ عليّ (عليه السلام) في الخلافة.
ولمّا نجمت الخلافات أيّام عثمان كان ينصبّ اللوم على عبدالله بن مسعود وأبي ذرّ وعمّار وعبادة بن الصامت ومحمّد بن أبي حذيفة وعمرو بن الحَمِق الخزاعي (رضي الله عنهم) دون خصومهم، فلم يُنظر فيهم إلى مبدأ «إعذار السلف»!.
لكنّ هذا المجرى لم يمض مطّرداً، بل توقّف عن دورته هذه مرّةً، وفي مرحلة واحدة من مراحل الخلافة… فلم يكن الصحابة الذين أظهروا خلافاً على عليّ (عليه السلام) أيام خلافته محلّ لوم وتعنيف، بل ولا محلّ عتاب… ففي هذا العهد وحده فتح مبدأ إعذار السَلَف بابه على مصراعيها، فخصوم عليّ (عليه السلام) كانوا دائماً مجتهدين مأجورين على خلافهم ذاك حين أخطؤوا في الاجتهاد، وكلّ ما ثبت عنهم من الخلاف فلا بدّ أن «يُستنبط له تأويلاً، فما تعذّر عليك تأويله، فقل: لعلّ له تأويلاً وعذراً لم أطّلع عليه»([690])!.
وهكذا مع من قاتل عليّاً (عليه السلام) من الصحابة جميعاً…
فمعاوية ومن معه مخطئون، مجتهدون، مأجورون أجراً واحداً([691])، حتّى وإن تواتر الحديث: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»! وحتّى مع أبي الغادية قاتل عمّار، رغم أنّه قد صحّ الحديث في عمّار: «قاتِلُه وسالِبُه في النار»([692])!.
يقول ابن حزم: «فأبو الغادية متأوّل مجتهد مخطئ فيه، باغٍ عليه، مأجور أجراً واحداً»([693])!!.
لكنّ الأمر مع خصوم عثمان مختلف تماماً… يقول ابن حزم: «وليس هذا كقتلة عثمان (رض)، لأنّه لا مجال للاجتهاد في قتله»([694])!!.
وجاوز بعضهم الحدّ فعكس اتّجاه دوران هذا المبدأ «إعذار السَلَف» في عهد عليّ (عليه السلام) بمقدار مئة وثمانين درجة عن اتّجاهه في العهود السابقة، فصار اللوم يقع هنا على الخليفة الحاكم، لا على مخالفيه.
فابن تيميّة يرى أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يكن على شيء، لأنّه إنّما كان يقاتل على الملك، ولأجل أن يطاع هو، ولم يكن يقاتل لله([695])!.
حتّى إذا انقضى عهد عليّ (عليه السلام) عاد مبدأ إعذار السَلَف يستأنف دورته الأولى، فكلّ من أظهر خلافاً على الخلفاء فهو صاحب فتنة! فلا الحُسين السبط كان معذوراً، ولا مئات المهاجرين والأنصار من أهل المدينة المنوّرة كانوا معذورين في خلافهم ليزيد([696])!.
هذا هو مبدأ إعذار السَلَف، يظهر مرّة، ويختفي مرّة، ويتنقّل من موقع إلى موقع، دفاعاً عن الواقع التاريخي النافذ، لا دفاعاً عن السَلَف.
وهكذا يبدو بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ هذه النظريات إنّما استمدّت أصولها وتفاصيلها من الواقع التاريخي للنظام السياسي الذي ظهر بعد وفاة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وحتّى بدايات العهد الأمويّ.
لقد أقصي التشريع الإسلامي هنا عن رسم مسار الإسلام بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فيما أسند هذا الأمر كلياً إلى الواقع التاريخي. فهل كان التشريع الإسلامي مفتقراً للمبادئ التي تساهم في تحديد مسار الإسلام؟
دور التشريع في رسم النظام السياسي
رأى ابن خلددون أنّ الدليل على وجوب نصب الإمام هو إجماع الصحابة والتابعين، ذلك «لأنّ أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كلّ عصر بعد ذلك، ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار، واستقرّ ذلك إجماعاً دالاً على وجوب نصب الإمام»([697]).
فالأمر إذن من إبداع المسلمين، وصياغتهم حين وجدوا أنفسهم أمام الأمر الواقع بعد غياب الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ولا شيء من الكتاب والسنّة.
لكنّ هذا الرأي يواجه سؤالاً شديد الإحراج: فهل يصحّ لهذه الشريعة أن تغفل أولى ضرورات النظام وحفظ المجتمع، ثمّ تكون هي شريعة الإنسان إلى يوم الدين؟
لقد أظهر الغزالي بعبارة واضحة ردّه على الرأي المتقدّم الذي أسند الموضوع إلى الإجماع، فقال: لسنا نكتفي بما فيه من إجماع الأمّة، بل ننبّه على مستند الإجماع، ونقول: نظام أمر الدين مقصود لصاحب الشرع قطعاً، وهذه مقدّمة قطعيّة لا يُتصوّر النزاع فيها، ونضيف إليها مقدّمة أخرى: وهو أنّه لا يحصل نظام الدين إلاّ بإمام مطاع. فيحصل من المقدّمتين صحّة الدعوى، وهو وجوب نصب الإمام([698]). إستناداً إلى مقصد صاحب الشريعة، وليس إلى الإجماع.
وهنا يبدو السؤال أكثر وضوحاً، فإذا كان نظام أمر الدين مقصود صاحب الشريعة قطعاً، وهذا النظام لا يحصل إلاّ بإمام مطاع، فكيف نظنّ بصاحب الشريعة أن يترك مقصوده عرضةً للضياع؟
ورأى آخرون أنّ هذا الإجماع على وجوب نصب الإمام لم يكن مؤيّداً بمقصد صاحب الشريعة وحسب، بل بنصوص من القرآن والسنّة أيضاً، فقالوا: الإمامة واجبة سمعاً، لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ}([699]) وطاعة أُولي الأمر تقتضي وجوب نصبهم وإمامتهم، فأُولي الأمر هم الأئمّة المتأمّرون([700]). وزاد ابن حزم على ذكر الآية الشريفة فقال: مع أحاديث كثيرة في طاعة الأئمّة، وإيجاب الإمامة أيضاً([701]).
إذن حين أسند وجوب نصب الإمام إلى الشريعة([702])، فهل هناك ما نلتمس منه أنّ الشريعة قد تقدّمت خطوةً أخرى لأجل التفصيل في هذا الوجوب، كتعيين شرائط الإمامة وفي مَن تكون، أم تركت ذلك للأمّة تختار لنفسها؟
إنّ النظرية التي نعيش معها تقول بأنّ الأمر متروك للأمّة… وهنا وقع اضطراب كبير عند البحث عن الدليل الشرعي في تفويض هذا الأمر إلى الأمّة، وعند محاولة إثبات شرعيّة الأسلوب الذي سوف تسلكه الأمّة في الاختيار.
لقد رأوا في قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}([703]) أفضل دليل شرعي يدعم هذه النظرية، ومن هنا قالوا: إنّ أوّل وجوه انتخاب الخليفة هو الشورى.
لكن ستأتي الصدمة لأوّل وهلة حين نرى أنّ مبدأ الشورى هذا لم يطرق أذهان الصحابة آنذاك… فانتخاب أوّل الخلفاء كان بمعزل عن هذا المبدأ تماماً، فإنّما كان «فلتةً» كما وصفه عمر، وهو الذي ابتدأه وقاد الناس إليه!.
ثمّ كان انتخاب ثاني الخلفاء بمعزلٍ أيضاً عن هذا المبدأ!.
نعم، ظهر هذا المبدأ لأوّل مرّة على لسان عمر في خطبته الشهيرة التي ذكر فيها السقيفة وبيعة أبي بكر فحذّر من العودة إلى مثلها، فقال: «فمن بايع رجلاً من غير مشورةٍ من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه، تغرَّة أن يُقتلا»([704]). لكنّه حين أدركته الوفاة أصبح يبحث عن رجل يرتضيه فيعهد إليه بالخلافة بنصّ قاطع بعيداً عن الشورى !.
فقال: لو كان أبو عبيدة حيّاً لوليّته([705]). ثمّ قال: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لولّيته([706]). ثمّ قال: لو كان معاذ بن جبل حيّاً لولّيته([707]).
إذن لم يكن عمر يرى أنّ الأصل في هذا الأمر هو الشورى، وإن كان قد قال بالشورى في خطبته الأخيرة إلاّ أنّه لم يعمل بهما إلاّ اضطراراً حين لم يجد من يعهد إليه. لقد أوضح عن عقيدته التامّة في هذا الأمر حين قال قبيل نهاية المطاف: «لو كان سالم حيّاً ما جعلتها شورى»([708])!!.
والراجح أنّ الذي دعا عمر إلى تقديم نظرية الشورى هو قطع الطريق على عليّ (عليه السلام)! ذلك ما كشف عنه حديث الزهري في هذه الخطبة ذاتها ونقله العسقلاني وغيره وصحّح فيه أنّ الرجل الذي ردّ عليه عمر في خطبته هذه هو الزبير، وإنّما كان الزبير قد قال: «لو قد مات عمر لبايعنا عليّاً»([709])! ولعلّ تفاصيل الشورى ونتائجها الآتي ذكرها ستؤكد أنّ هذا هو السرّ في ولادة نظرية الشورى في هذا الوقت بالذات.
ثمّ كانت الشورى… وأيّ شورى !.
إنّها شورى محاطة بشرائط عجيبة لا مجال للمناقشة فيها ! وجملتها:
1 ـ إنّها شورى بين ستّة نفر، وحسب، يعيّنهم الخليفة وحده دون الأمّة.
2 ـ أن يكون الخليفة المنتخب واحداً من هؤلاء الستّة، لا من غيرهم.
3 ـ إذا اتّفق أكثر الستّة على رجل وعارض الباقون، ضُربت أعناقهم.
4 ـ إذا اتّفق اثنان على رجل، واثنان على آخر، رجّحت الكفّة التي فيها عبد الرحمن بن عوف ـ أحد الستّة ـ وإنْ لم يُسَلّم الباقون ضُربت أعناقهم.
5 ـ ألاّ تزيد مدّة التشاور على ثلاثة أيّام، وإلاّ ضُربت أعناق الستّة أهل الشورى بأجمعهم.
6 ـ يتولّى صهيب الرومي مراقبة ذلك في خمسين رجلاً من حَمَلَة السيوف، على رأسهم أبو طلحة الأنصاري([710]).
فالحقّ أنّ هذا النظام لم يترك الأمر إلى الأمّة لتنظر وتعمل بمبدأ الشورى، بل هو نظام حدّده الخليفة، ومنحه سمة الأمر النافذ الذي لامحيد عنه، ولاتغيير فيه، ولايمكن لصورة كهذه أن تُسمّى شورى بين المسلمين، ولابين أهل الحلّ والعقد.
ولقد كان فريق من كبار الصحابة يقدّر نتائج تلك الشورى قبل انعقادها، ويعلم أنّها ستنتهي إلى ما انتهت إليه… لقد استشفّوا ذلك من تلك القيود التي أحيطت بتلك الشورى! أدرك ذلك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) والعبّاس (عليه السلام)…
ـ فأشار العبّاس على عليّ أن لا يدخل في هذه الشورى([711]).
ـ وقال عليّ لجماعة من بني هاشم: عُدِلَت عنّا! قالوا له: وما علمك؟
قال: «قَرَنَ بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلاً، ورجلان رجلاً، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف… فسعد لا يخالف ابن عمّه([712])، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني»([713])!.
لقد كانت تلك الظروف إذن كفيلة بتعطيل أوّل شورى في تاريخ الاِسلام عن محتواها، فطعنت إذن في تلك القاعدة الأساسيّة المفترضة «قاعدة الشورى».
والحقّ أنّ هذه القاعدة معطّلة من قبل… فلم يكن أبو بكر مؤمناً بمبدأ الشورى قاعدةً للنظام السياسي وأصلاً في انتخاب الخليفة، ولا مارس ذلك بنفسه، بل غلّق دونها الأبواب حين سلب الأمّة حقّ الاختيار وممارسة الشورى إذ نصّ على عمر خليفةً له، ولم يُصغ إلى ما سمعه من اعتراضات بعض كبار الصحابة على هذا الاختيار.
علماً أنّ هؤلاء الصحابة المعترضين لم يعترضوا على طريقة اختيار الخليفة التي مارسها أبو بكر (رض)، ولا قالوا: إنّ الأمر ينبغي أن يكون شورى بين الأمّة، ولا احتجّ أحدهم بقوله تعال: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}، وإنّما كان اعتراضهم على اختياره عمر بالذات، فقالوا له: استخلفت على الناس عمر، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، فكيف به إذا خلا بهم؟! وأنت لاقٍ ربّك فسائلك عن رعيّتك (1) ([714]).
فإذا تجاوزنا خلافة أبي بكر وقلنا ما قاله عمر فيها: «إنّها فلتة وقى الله شرّها» فماذا يقال في خلافة عمر؟
لو كان الخليفتان يعتقدان بأنّ مبدأ الشورى هو الأصل في انتخاب الخليفة لما حصل من ذلك شيء، ولدعوا الصحابة للتشاور في الأمر تشاوراً حرّاً، لكنّ الذي حصل من نصّ أبي بكر على عمر، وقبول عمر بذلك، ثمّ تمنّيه في عهده أن لو كان أبو عبيدة، أو سالم، أو معاذ حيّاً، كلّ ذلك ليدلّ بوضوح على عدم اعتقادهما بصلاحية الشورى لحلّ هذا الأمر، في ذلك الزمان على الأقلّ.
بل كان عمر صريحاً كلّ الصراحة في تقديم النصّ على الشورى، ذلك حين قال: «لو كان سالمٌ حيّاً لَما جعلتها شورى»([715])!!.
إنّ عهداً كهذا ليلغي رأي الأمّة بالكامل، وحتّى الجماعة التي يُطلق عليها (أهل الحلّ والعقد)!.
ـ قالوا: إذا عَهِدَ الخليفة إلى آخر بالخلافة بعده، فهل يُشترط في ذلك رضى الأمّة؟
فأجابوا: إنّ بيعته منعقدة، وإنَّ رضى الأمّة بها غير معتبر، ودليل ذلك: أنّ بيعة الصدّيق لعمر لم تتوقّف على رضى بقيّة الصحابة([716])!.
لم يكن إذن لقاعدة الشورى أثر في تعيين الخليفة.
نعم، كان للشورى أثر في ما هو دون ذلك، فربّما لجأ الخليفة إلى الشورى في بعض ما ينتابه من أمور طارئة لا يملك لها حلاً عاجلاً أو تاماً، أمّا أن تكون الشورى على رأس النظام السياسي اتّفق المسلمون على اعتمادها في تعيين الخليفة، فهذا ما لم يتحقّق في عهود الخلافة الأولى ولا بعدها، إلاّ ما كان بعد مقتل عثمان إذ حصل شبه الإجماع لدى أهل المدينة المنوّرة بالبيعة لعليّ (عليه السلام)، ولكن حتّى هذا لم يأخذ أوّل الأمر شكل الشورى، ثمّ هو لم يدم آخر الأمر غير ليالٍ حتّى خرج عليه كبار الداعين إليه؛ طلحة والزبير.
لعلّ هذه الملاحظات هي التي دفعت ابن حزم إلى تأخير مبدأ الشورى وتقديم النصّ والتعيين الصريح مِن قِبَل الخليفة السابق، فقال: «وجدنا عقد الاِمامة يصحّ بوجوه، أوّلها وأصحّها وأفضلها: أن يعهد الاِمام الميّت إلى إنسان يختاره إماماً بعد موته»([717])!.
إبرام ونقض
لقد أدركنا جيّداً هبوط مبدأ الشورى في الواقع عن المرتبة التي احتلّها في النظريّة، فتنازلنا عنه تنازلاً صريحاً ـ بعد إقراره ـ حين ذهبنا إلى تصحيح واعتماد كلّ ماحدث على السّاحة رغم منافاته الصريحة لمبدأ الشورى.
ولم نكتف بهذا، بل ذهبنا إلى تبرير تلك الوجوه المتناقضة بلا استثناء، وبدون الرجوع إلى أيّ دليل من الشرع، ودليلنا الوحيد كان دائماً: (فعل الصحابة) رغم أنّنا نعلم علم اليقين أنّ الصحابة لم يجتمعوا على رأي واحد من تلك الآراء والوجوه.
كما أنّنا نعلم علم اليقين أيضاً أنّ خلاف المخالفين منهم وإنكار المنكرين كان ينهار أمام الحكم الغالب.
ورغم ذلك فقد عمدنا إلى القرار الغالب والنافذ في الواقع، فمنحناه صبغة الاِجماع، بحجّة أنّه لم يكن لينفذ في عهدهم إلاّ بإجماعهم عليه، أو إقرارهم إيّاه.
وبهذا تنكّرنا لحقيقة أنّ القرار النافذ كان يبتلع كلَّ ما صادفه من أصوات المخالفين والمنكرين، ولا يلقي لها بالاً، وهذا هو الغالب على كلّ مايتّصل بالخلافة والمواقف السياسية الكبرى…
فماذا أغنى اعتراض بني هاشم ومَن معهم مِن المهاجرين والأنصار على نتائج السقيفة؟
وما أغنى إنكار الصحابة على أبي بكر يوم استخلف عمر؟
وما أغنى إنكار الصحابة سياسة عثمان في قضايا كثيرة كتقديمه بني أُميّة على خيار الصحابة مع ما كان عليه أُولئك من حرص على الدنيا وبُعدٍ عن الدِين؟
ثمّ لم يشتدّ هذا الاِنكار ويعلو صداه حتّى تغلّب على شؤون الأمّة والخليفة غلمانُ بني أُميّة ممّن اتفق الكل على أنّه لم يكن معهم من الدين والورع لا كثير ولا قليل، كمروان بن الحكم وعبد الله بن سعد بن أبي سرح والوليد بن عقبة، وعمرو بن العاص، ومعاوية.
ومع هذا فلم يكن إنكارهم عندنا حجّة، بل كانوا به ملومين!.
فمتى إذن كان إنكار الصحابة حجّة، ليكون سكوتهم إقراراً؟!.
فإذا كانت الخطوة الأولى في التراجع عن مبدأ الشورى هي القبول بتسليم الأمر إلى الخليفة القائم ليستخلف بعده من يشاء، فإنّ الخطوة الثانية كانت خطوة مُرّةً حقّاً…
فلمّا تجنّب الخلفاء مبدأ الشورى ومبدأ النصّ والاستخلاف معاً، واختاروا مبدأ القهر والاستيلاء والتغلّب بالسيف، قبلنا به واحداً من طرق الخلافة!.
فكم بين الشورى، والتغلّب بالسيف؟
إنّ إقرار مبدأ التغلّب بالسيف لَيُعدّ أكبر انتكاسة لمبدأ الشورى!.
وإذا كانت الشورى مستمدّة من القرآن، فمن أين استمدّت قاعدة التغلّب بالسيف؟
وثَمَّ سؤال أشدّ إحراجاً من هذا:
فإذا كانت الشورى هي القاعدة الشرعية المستمدّة من القرآن، فماذا عن عهود الخلافة التي لم تتمّ وفق هذه القاعدة؟
وحين لم يتوفّر الجواب الذي ينقذ هذه النظرية من هذا المأزق الكبير، رأينا أنّ المهرب الوحيد هو أن نبرِّر جميع صور الخلافة التي تحقّقت في الواقع: فمرّةً بعقد رجل واحد ومتابعة أربعة، ومرّة بنصّ من الخليفة السابق، ومرّة في ستّة يجتمعون لانتخاب أحدهم، ومرّة بالقهر والاستيلاء، حتّى أدّى هذا المبدأ الأخير إلى أن تصبح الخلافة وراثة بحتة لا أثر للدِين فيها.
يقول الشيخ محمّد رشيد رضا: بنو أميّة هم الذين زحزحوا بناء السلطة الإسلامية عن أساس الشورى، إذ كوّنوا لأنفسهم عصبية بالشام هدموا بها سلطة أولي الأمر بالحيلة والقوّة([718]).
لكنّ هذه الطريقة لم تسقط الشورى وحدها إن كان ثمَّة شورى، بل أسقطت معها أهمّ شروط الاِمامة الواجبة لصحّة عقدها، والتي منها:
1 ـ العدالة: إذ قالوا أوّلاً في بناء نظرية الخلافة: لاتنعقد إمامة الفاسق؛ لأنّ المراد من الاِمام مراعاة النظر للمسلمين، والفاسق لم ينظر لنفسه في أمر دينه، فكيف ينظر في مصلحة غيره([719])؟
وقالوا: إنّ هذا الفسق يمنع من انعقاد الاِمامة، ومن استدامتها، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها([720]).
2 ـ الاجتهاد: إذ عدّوا في شروط الاِمام؛ أن يكون من أفضلهم في العلم والدين، والمراد بالعلم هو العلم المؤدّي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، فلا تنعقد إمامة غير العالم بذلك، لأنّه محتاج لأنْ يصرّف الأمور على النهج القويم ويُجريها على الصراط المستقيم، ولأنْ يعلم الحدود ويستوفي الحقوق ويفصل الخصومات بين الناس، وإذا لم يكن عالماً مجتهداً لم يقدر على ذلك([721]).
لكن سرعان ما انهار هذان الشرطان حين تغلّب على الخلافة رجال لم يكن فيهم شيء منها، لا العدالة، ولا العلم المؤدّي إلى الاجتهاد…
قال الفرّاء: قد روي عن الامام أحمد ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل، فقال: «ومن غلبهم بالسيف حتّى صار خليفةً وسمّي أمير المؤمنين، فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً عليه، برّاً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين»([722]).
وقال القلقشندي: إن لم يكن الخليفة المتغلّب بالقهر والاستيلاء جامعاً لشرائط الخلافة، بأن كان فاسقاً أو جاهلاً، فوجهان لأصحابنا الشافعية، أصحّهما: انعقاد إمامته أيضاً([723]).
إنّ أوّل ما في هذا الكلام هو نقض ما اتّفقوا عليه من تعريف الإمامة في الإسلام بأنّها «رئاسة عامّة في أمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة ـ أو خلافة ـ عن النبي (صلّى الله عليه وآله)»([724]) فكيف تكون حكومة الجائر الفاسق الجاهل خلافة نبوّة؟!.
إنّ مثل هذا الرأي الذي ينقض شرائط الخلافة بعد أن نقض أساسها، لابُدّ له من تبرير مقبول. والتبرير الذي قدّمته هذه النظرية هنا هو: «الاضطرار»… لأنّا لو قلنا: لا تنعقد إمامته، لزم ذلك بطلان أحكامه كلّها المالية والمدنيّة، فيتعيّن على الخليفة الذي يأتي بعده وفق الشروط الشرعية أن يقيم الحدود ثانياً، ويستوفي الزكاة والجزية ثانياً، وهكذا([725]). والضرورة أيضاً تقتضي صحّة خلافته: لحفظ نظام الشريعة، وتنفيذ أحكامها([726])، ولأنّه لا بُدّ للمسلمين من حاكم([727]).
إذن قبولها على هذه الصورة يستدعي السعي الدائم لإزاحتها وإرجاع الأمر إلى صيغته الشرعية.
هذا ما ذهب إليه الشيخ محمّد رشيد رضا وقد استعرض هذه الآراء، فقال: معنى هذا أنّ سلطة التغلّب كأكل الميتة ولحم الخنزير عند الضرورة، تنفذ بالقهر، وتكون أدنى من الفوضى.
ومقتضاه أنّه يجب السعي دائماً لاِزالتها عند الاِمكان، ولايجوز أن توطّن الأنفس على دوامها، ولا أن تجعل كالكرة بين المتغلّبين يتقاذفونها، ويتلقّفونها كما فعلت الأمم التي كانت مظلومة وراضية بالظلم([728]).
لكنَّ الواقع كان على العكس من ذلك، فقد حرّموا دائماً الخروج على السلطان الجائر والفاسق، وعدّوا أيّ محاولة من هذا القبيل من الفتن التي نهى عنها الدين وحرّم الدخول فيها…
يقول الزرقاني: أمّا أهل السُنّة فقالوا: الاختيار أن يكون الامام فاضلاً عادلاً محسناً. فإن لم يكن فالصبر على طاعة الجائر أوْلى من الخروج عليه، لِما فيه من استبدال الخوف بالأمن، وإهراق الدماء، وشنّ الغارات، والفساد، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه([729]).
كما ثبت عن الامام أحمد بن حنبل أنّه قال بلزوم «الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه من عدلٍ أو جور، ولايُخرَج على الأمراء بالسيف وإنْ جاروا»([730]).
استعرض الشيخ أبو زهرة هذين القولين، ثمّ قال: وهذا هو المنقول عن أئمّة أهل السُنّة؛ مالك، والشافعي، وأحمد([731]).
فهل ينسجم هذا الاعتقاد مع أحكام الاضطرار والاِكراه؟!
لقد طعن الشيخ محمّد رشيد رضا هذه العقيدة في الصميم حين قال بوضوح وبكل يقين: إنّ توسيد الأمّة الإسلامية أمرها إلى غير أهله لا يمكن أن يكون باختيارها وهي عالمة بحقوقها قادرة على جعلها حيث جعلها كتاب الله تعالى، وإنّما يسلبها المتغلّبون هذا الحق بجهلها وتعصبيّتهم التي يعلو نفوذها نفوذ أولي الأمر حتّى لا يجرؤ أحد منهم على أمر ولا نهي، أو يعرّض نفسه للسجن أو النفي أو القتل…
هذا ما كان، وهذا هو سبب سقوط تلك الممالك الواسعة وذهاب تلك الدولة العظيمة.
وقد عُني الملوك المستبدّون بجذب العلماء إليهم بسلاسل الذهب والفضّة والرُتَب والمناصب، وكان غيرهم أشدّ انجذاباً، ووضع هؤلاء العلماء الرسميّون قاعدة لأمرائهم ولأنفسهم هدموا بها القواعد التي قام بها أمرُ الدِين والدنيا في الاِسلام، وهي: أنّه يجوز أن يكون أولياء الأمور فاقدين للشروط الشرعية التي دلّ على وجوبها واشتراطها الكتاب والسُنّة، وإنْ صرّح بها أئمّة الاُصول والفقه، فقالوا: يجوز، إذا فُقِدَ الحائزون لتلك الشروط.
مثال ذلك: إنّه يشترط فيهم العلم المعبَّر عنه بالاجتهاد، وقد صرّح هؤلاء بجواز تقليد الجاهل، وعدّوه من الضرورة، وأطلق الكثيرون هذا القول، وجرى عليه العمل. وذلك من توسيد الأمر إلى غير أهله الذي يقرّب خطوات ساعة هلاك الأمة، ومن علاماتها: ذهاب الأمانة، وظهور الخيانة… ولا خيانة أشدّ من توسيد الأمر إلى الجاهلين…
روى مسلم وأبو داوود حديث ابن عبّاس: «من استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أنّ فيهم أوْلى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسُنّة نبيّه، فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين»([732]).
وطعنها أيضاً في قوله: ما أفسد على هذه الأمّة أمرها وأضاع عليها ملكها إلاّ جعل طاعة هؤلاء الجبّارين الباغين واجبة شرعاً على الاِطلاق، وجعل التغلّب أمراً شرعيّاً كمبايعة أهل الحلّ والعقد للاِمام الحقّ، وجعل عهد كلّ متغلّب باغٍ إلى ولده أو غيره من عصبته حقّاً شرعياً وأصلاً مرعياً لذاته([733])!.
وهذه حقيقة تاريخية، وليست دعوى مجازفٍ أو متهاون.
صوَر ثلاثة
صور نقف عندهما يسيراً بعد هذا الشوط المضني، لنواصل بعدها المشوار.
الصورة الأولى: لماذا أسقط مذهب أبي حنيفة؟
حين نقل أبو زهرة كلمات بعض الأئمة في وجوب إطاعة الخليفة الفاسق والجاهل والجائر، قال: هذا هو المنقول عن أئمّة أهل السنّة؛ مالك، والشافعي، وأحمد([734]).
فأسقط ذكر أبي حنيفة، وهكذا فعل سائر المتكلّمين في هذه المسألة، وكأنّ أبا حنيفة ليس من أئمّة أهل السنّة!.
وعلّة ذلك أنّ أبا حنيفة كان على خلاف هذه العقيدة، فهو لا يرى صحّة الخلافة للمتغلّب الفاقد للشرائط، بل كان يُسمّيهم «اللصوص»!.
وكان يحرّم إطاعتهم حتّى في المعروف، فكان يقول: «لو أرادوا بناء مسجد، وأرادوني على عدّ آجره، لما فعلت»!.
وكان يرى وجوب الثورة عليهم، فناصر ثورة زيد الشهيد بكلّ ما يستطيع، حتّى أصدر فيه فتواه الشهيرة: «لقد ضاهى خروجه خروج رسول الله في بدر». وبعد استشهاد زيد ونهوض محمّد ذي النفس الزكية بايعه أبو حنيفة وناصره سرّاً وعلانيّةً، وبقي على بيعته حتّى مات في سجن المنصور([735]).
لأجل هذا أسقطت رؤية أبي حنيفة بالكامل عن نظرية أهل السنّة، وكأنّ هذه النظرية قد قامت على أساس قبول إمامة الفاسق والجائر والجاهل، وكلّ قول لا ينسجم مع هذا فلا يُحسب على أهل السنّة، ولا يعدّ قائله في أئمّة أهل السنّة الذين يُرجَع إليهم في مثل هذه المسائل!.
الصورة الثانية: مذهب عظماء السَلَف
لم يكن هذا شأن أبي حنيفة وحده، بل هو شأن عظماء السلف أيضاً، فلا يُذكر لهم اسم، ولا يُشرَك لهم قول في هذه النظرية…
فلا ذكر للسبط الشهيد الاِمام الحسين بن عليّ وثورته([736])… ولا لمئات المهاجرين والأنصار وبقيّة الصحابة في مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ونهضتهم على يزيد بن معاوية([737])… ولا عبد الله بن الزبير…ولا الإمام الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين (عليهما السلام)… ولا الصحابي سليمان بن صُرَد الخزاعي ومن معه أصحاب ثورة التوّابين… ولا القُرّاء في الكوفة وثورتهم !
كلّ أُولئك أُسقطوا من هذه النظرية، فأُخرجوا عن دائرة أهل السُنّة!.
لقد بالغ بعض كبار المتكلّمين باسم أهل السُنّة في النَيْل من أُولئك العظماء الأشراف، ووجوه القوم وكبارهم، ولعلّ من أشهرهم ابن تيميّة الذي ذهلته العصبية حتّى تمرّد على جميع الضوابط الدينية والقيم الخُلقية، فوصف نهضة سيّد شباب أهل الجنّة سبط الرسول وريحانته بأنّها فساد كبير، ولا يرضى بها الله ورسوله! وكذا وصف نهضة بقيّة المهاجرين والأنصار في المدينة المنوّرة، ثمّ بالغ في إعذار يزيد في التصدّي لهم وقتلهم جميعاً لأجل حفظ ملكه؛ ولم ينكر على يزيد إلاّ أنّه أباح المدينة ثلاثة أيام([738])!.
وقال في هذا الأمر أيضاً: ممّا يتعلّق بهذا الباب أن يُعلَم أنّ الرجل العظيم في العلم والدِين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة، أهل البيت وغيرهم، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقروناً بالظنّ ونوع من الهوى الخفيّ، فيحصل بسبب ذلك ما لاينبغي اتّباعه فيه وإنْ كان من أولياء الله المتّقين، ومثل هذا إذا وقع صار فتنة([739])!.
تُرى لماذا كان ابن تيميّة أعلم بمداخل الفتنة وأبعد عن الهوى الخفيّ من أُولئك العظماء من الصحابة وأهل البيت؟ هل لأنّه رضي إمامةَ الفاجر والجاهل، ورفضَها أُولئك؟
هكذا تُلقي هذه النظرية بنفسها في مأزقٍ حرج حين تُعرِض عن ذلك الأثر الضخم من آثار عظماء السَلَف وأئمّتهم.
الصورة الثانية: الخارج المأجور
ما زال إظهار الخلاف للحاكم محرَّماً، والخروج عليه فتنةً وفساداً كبيراً، مازال هذا الحكم ثابتاً لا يتزحزح…
إذن لماذا أصبح الخارج على الاِمام، مرّةً واحدة فقط في تاريخ الاِمامة، مأجوراً؟!.
حين كان الاِمام هو عليٌّ بن أبي طالب، أخصّ الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأكثرهم علماً وجهاداً وأوْلاهم بالعدل، عندئذٍ فقط حقَّ للناس أن يخرجوا على الاِمام.
وسوف لا يكون خروجهم ـ هذه المرّة ـ فتنة وفساداً، بل هو اجتهاد، وهم مأجورون عليه، مثابون لأجله وإن أخطأوا!!.
إنّها صورٌ لو عُرِضت أيّاً منها على تلك النظرية لوجدت فتقاً لا يُرتَق إلاّ بتكلّفٍ ظاهر، والتواءٍ سافر.
ولنعد الآن إلى دعائم هذه النظرية.
ضرورة النصّ بين الخليفة والنبيّ
لا نزاع بينهم في ثبوت حقّ الخليفة في النصّ على مَن يخلفه، ولاشك في نفاذ هذا النصّ؛ لأنّ الاِمام أحقّ بالخلافة، فكان اختياره فيها أمضى، ولا يتوقّف ذلك على رضى أهل الحلّ والعقد([740]).
وإنّما صار ذلك للخليفة خوفاً من وقوع الفتنة واضطراب الأمّة([741]).
فمن أجل ذلك كان بعض الصحابة يراجع عمر ويسأله أن ينصّ على من يخلفه([742]).
هذا كلّه حقّ، ولكن أليس النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أوْلى بالتفكير في ذلك، وبرعاية هذه المصلحة؟
إنّه الرحمة المهداة، بلا شكّ… أليس من تمام الرحمة وجمالها أن يُجنّب أُمّته المحذور من الاختلاف بعده؟
لقد أحبّ أُمّته وحرص عليها {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}([743]).
وأيضاً: فقد كان (صلّى الله عليه وآله) يعلم أنّنا سوف لا ننتظر بعده نبيّاً يُعيد نظمَ أمرنا!.
لقد بصر ابن حزم بذلك، فحاول أن يتداركه، فقال: وجدنا عقد الاِمامة يصحّ بوجوه: أوّلها وأصحّها وأفضلها أن يعهد الاِمام الميّت إلى إنسان يختاره إماماً بعد موته، سواء جعل ذلك في صحّته أو عند موته، كما فعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأبي بكر، وكما فعل أبو بكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز.
قال: وهذا هو الوجه الذي نختاره، ونكره غيره، لِما في هذا الوجه من اتّصال الاِمامة، وانتظام أمر الاِسلام وأهله، ورفع ما يتخوّف من الاختلاف والشغب ممّا يُتوَقّع في غيره من بقاء الأمّة فوضى، ومن انتشار الأمر وحدوث الأطماع([744]).
لقد لحظ ابن حزم أكثر من ثغرة في تلك النظرية، فأظهر مهارةً في محاولة رتقها، بأنْ جمع بين الضرورات الدينية والعقلية والاجتماعية وبين الأمر الواقع، ليخرج بصيغة أكثر تماسكاً…
ـ فتَرْكُ الأمّة دون تعيين وليّ الأمر الذي يخلف زعيمها يعني بقاء الأمّة فوضى، وتشتّت أمرها، وظهور الأطماع في الخلافة لا محالة… وهذا ممّا ينبغي أن يدركه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فيبادر إلى تلافيه، ولو في مرضه الذي توفّي فيه.
ـ وتعيين الخليفة بهذه الطريقة سيضمن اتّصال الاِمامة، وانتظام أمر الاِسلام.
ـ وإذا كان أبو بكر قد أدرك ذلك فنصَّ على مَن يخلفه، وأدركه أيضاً عمر، وأدركه سليمان بن عبد الملك، فكيف نظنّ بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قد أغفل ذلك؟
إنّها إثارات جادّة دفعته إلى حلٍّ وحيد يمكنه أن ينقذ هذه النظرية، كما ينقذ الأمر الواقع بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وتمثّل هذا الحلّ عنده بنصّ النبيّ على أبي بكر بالخلافة.
إذن فلا النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد ترك هذا الأمر للأمّة، أو تركها فوضى، ولا كانت بيعة أبي بكر فلتة.
إنّها أُطروحة متينة، كفيلة بقطع النزاع، لو تمّت…
ولكنّها ـ للأسف ـ لم تكن سوى مجازفة، فمن البديهي عندئذٍ أن تكون عاجزةً عن تحقيق الأمل المنشود منها! فلا هي تداركت تلك النظرية وعالجت ثغراتها، ولا هي أنقذت الأمر الواقع!.
وذلك لسبب بسيط، وهو أنّ النصّ على أبي بكر لم يثبت، بل لم يدّعِ وجوده أحد، بل تسالمت الأمّة على عدمه. فمن أراد أن يثبت مثل هذا النصّ على أبي بكر بالخصوص، فعليه أن ينفي حادثة السقيفة جملةً وتفصيلاً.
عليه أن يكذّب بكلّ ماثبت نقله في الصحاح من كلام أبي بكر وعمر وعليٍّ والعبّاس والزبير في الخلافة…
عليه أن يهدم بعد ذلك كلّ ماقامت عليه نظرية أهل السُنّة في الاِمامة، فلم تُبْنَ هذه النظرية أوّلاً إلاّ على أصل واحد، وهو البيعة لأبي بكر بتلك الطريقة التي تمّت في السقيفة وبعدها !!فمن تلك الواقعة أوّلاً جاءت نظرية الشورى بين أهل الحلّ والعقد.
عليه أن ينفي ما تحقّق عندهم من «الإجماع على أنّ النصّ منتفٍ في حقّ أبي بكر»([745])!.
لقد ساق الغزالي كلاماً موافقاً لهذا الإجماع قوّض فيه ما بنى عليه ابن حزم قوله…
قال الغزالي متسائلاً: فهلا قلتُم إنّ التنصيص واجب من النبيّ والخليفة، كي يقطع ذلك دابر الاختلاف؟
ثمّ أجاب قائلاً: قلنا إنّه لو كان واجباً لنصّ عليه الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ولم ينصّ هو، ولم ينصّ عمر أيضاً([746])!.
وحين يواصل ابن حزم عرضَ نظريّته تراه يلغي بالكامل مبدأ الشورى واختيار أهل الحلّ والعقد، ويسند أمر اختيار الخليفة إلى النصّ!.
ولم يكن هذا الطرح منسجماً مع هذه المدرسة ومبادئها، وإنّما هو محاولة لسدّ ثغراتها، ومقابلة للاِلحاح الذي تُقدّمه النظرية الاُخرى القائمة على أساس النصّ، ولقطع دابر النزاع، كما ذكر هو، وكما أشار الغزالي في تساؤله.
إنّه كان مقتنعاً بضرورة النصّ، ولكنّه أراد نصّاً منسجماً مع الأمر الواقع، وإنْ لم يسعفه الدليل!!.
لم يختف النصّ إلى الأبد في هذه النظرية، والشورى هنا ليست مطلقة العنان، فليس لأهل الحلّ والعقد أن ينتخبوا من شاءوا بلا قيد. إنّ هناك حدّاً تلتزمه الشورى، وهذا الحدّ إنّما رسمه النصّ الثابت.
قالوا: إنّ من شرط الاِمامة: النَسَب القرشي، فلا تنعقد الاِمامة بدونه… وعلّلوا ذلك بالنصّ الثابت فيه، فقد ثبت عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: «الأئمّة من قريش».
وقال: «قدّموا قريشاً ولا تتقدّموها». وليس مع هذا النصّ المسلَّم شبهةٌ لمنازع، ولا قول لمخالف([747]).
واشترطوا لهذا القرشي أن يكون قرشيّاً من الصميم، من بني النضر بن كنانة، تصديقاً للنصّ([748]).
وقال الامام أحمد: «لا يكون من غير قريش خليفة»([749]).
واستدلّوا على تواتر هذا النصّ بتراجع الأنصار وتسليمهم الخلافة للمهاجرين القرشيّين حين احتجّوا عليهم بهذا النصّ في السقيفة([750]).
وقال ابن خلدون: بقي الجمهور على القول باشتراطها ـ أي القرشية ـ وصحّة الخلافة للقرشيّ ولو كان عاجزاً عن القيام بأُمور المسلمين([751]).
وهكذا ثبت النصّ الشرعي، وثبت تواتره، وثبت الاِجماع عليه.
وحين تراجع بعضهم عن الالتزام بهذا النصّ ـ كأبي بكر الباقلاّني ـ فسّر ابن خلدون سرّ تراجعه، وردّ عليه، فقال: لمّا ضعف أمر قريش، وتلاشت عصبيّتهم بما نالهم من الترف والنعيم، وبما أنفقتهم الدولة في سائر أقطار الأرض، عجزوا بذلك عن أمر الخلافة وتغلّبت عليهم الأعاجم، فاشتبه ذلك على كثير من المحقّقين حتّى ذهبوا إلى نفي اشتراط القرشية، وعوّلوا على ظواهر في ذلك مثل قوله (صلّى الله عليه وآله): «اسمعوا وأطيعوا وإنْ وليَ عليكم عبدٌ حبشي»([752]).
قال: وهذا لا تقوم به حجّة في ذلك، لأنّه خرج مخرج التمثيل، للمبالغة في إيجاب السمع والطاعة([753]).
وثبت النصّ واستقرّ، ولا غرابة، فهو نصّ صحيح، بل متواتر.
وهو فوق ذاك ينطوي على فائدة أُخرى، فهو النصّ الذي يعزّز أركان هذه النظرية، إذ يضفي الشرعية على الخلافة في كافة عهودها، ابتداءً من أوّل عهود الخلافة ! وانتهاءً بآخر خلفاء بني العبّاس، فهذا كلّ مايتّسع له لفظ القرشيّة هنا.
لمّا تغلّب معاوية بالسيف بلغه أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص يُحدِّث أنّه سيكون ملك من قحطان، فهبّ معاوية غضباً فجمع الناس وخطبهم قائلاً: أمّا بعد، فإنّه بلغني أنّ رجالاً منكم يحدّثون أحاديث ليست في كتاب الله ولاتؤثر عن رسول الله، أُولئك جهّالكم ! فإيّاكم والأمانيّ التي تضلّ أهلها، فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «إنّ هذا الأمر في قريش، لايعاديهم أحد إلاّ كبّه الله في النار على وجهه([754]).
عرف المهاجرون القرشيّون الثلاثة ـ أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ـ هذا النصّ فاحتجّوا به على الأنصار في السقيفة، فأذعن الأنصار، وعاد القرشيّون بالخلافة، أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ مالت عن أبي عبيدة، لا لعدم كفاءته وهو القرشيّ المهاجر، بل لأنّه قد توفّي في خلافة عمر، فلمّا حضرت عمر الوفاة تأسّف عليه، وقال: «لو كان أبو عبيدة حيّاً لولّيتهُ»([755]). والأمر ماضٍ مع النصّ.
ولكن حين لم يكن أبو عبيدة حيّاً كاد ذلك المبدأ ـ النصّ ـ أن ينهار، وكاد ذلك النصّ المتواتر أن يُنسى، كلّ ذلك على يد الرجل الذي كان من أوّل المحتجّين به على الأنصار، عمر بن الخطاب!.
إنّه لمّا لم يجد أبا عبيدة حيّاً، قال: «لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لولّيتُه»([756]).
ولمّا لم يكن سالم حيّاً، قال: «لو كان معاذ بن جبل حيّاً لولّيتُه»([757]).
فهل كان سالم قرشياً؟ أم كان معاذ كذلك؟
أمّا سالم: فأصله من إصْطَخْر، من بلاد فارس، وكان مولىً لأبي حذيفة([758]).
وأمّا معاذ: فهو رجل من الأنصار!.
هذا في وقت تزدحم فيه المدينة بشيوخ المهاجرين القرشيّين، وفيهم مَن هو أفضل من هذين الرجلين بالإجماع.
ورغم أنّ ابن خلدون قد دافع عن النظرية القائمة على هذا النصّ «الأئمّة من قريش» وردّ قول عمر هذا بأنّه قول صحابي واحد، ومذهب الصحابي ليس بحجّة([759])، إلاّ أنّ هذا لا يقطع دابر الأسئلة التي يثيرها هذا الموقف…
فلو قُدّر لأحد الرجلين أن يكون حيّاً لتولّى الخلافة، ولعطّل النصّ الذي كان يوم السقيفة حجّةً في انتزاع الخلافة من غير القرشيّ!.
وممّا يدعم هذا الفرض أنّ أحداً من الصحابة لم يردّ على عمر، ويذكّره بأنّ الإمامة في قريش دون سواهم، بذلك النصّ الذي أجمعوا عليه من قبل، وبشرط السقيفة أيضاً!!.
ـ فإمّا أن يكون سكوتهم إقراراً بعدم اشتراط القرشيّة، وهذا مخالف للنصّ الذي أجمعوا عليه من قبل!.
ـ أو أنّهم سكتوا هيبةً للخليفة، وهذا لا ينبغي أن يكون مع وجود النصّ!.
ـ أو أنّهم سكتوا حين لم يجدوا هناك حاجةً للتسرّع في بحث الموضوع ما دام الرجلان قد ماتا، وما دام الخليفة لم يبثّ بالأمر بعد، ثمّ رأوا أنّ الحاجة إلى ذلك قد انتفت حين أسند الأمر إلى ستّة كلّهم من قريش، وهذا أحسن الأعذار لو يتمّ.
وأيّاً كان، فإنّ هذه الوجوه جميعاً تثير الشكوك حول قيمة الاحتجاج بسكوت الصحابة على أنّه دائماً يمثّل الإجماع الإقراري!.
أمّا حين يتوجّه السؤال إلى عقيدة عمر نفسه في هذه النظرية فإنّه يحتاج إلى توجيه آخر، وقد حاول ذلك ابن خلدون، فقال: إنّ مولى القوم منهم، وعصبيّة الولاء حاصلة لسالم مولى أبي حذيفة في قريش، وهي الفائدة في اشتراط النسب! ولمّا استعظم عمر أمر الخلافة ورأى شروطها كأنّها مفقودة في ظنّه عدل إلى سالم لتوفّر شروط الخلافة عنده فيه حتّى من النسب المفيد للعصبية، ولم يبق إلاّ صراحة النسب، فرآه غير محتاج إليه، إذ الفائدة في النسب إنّما هي العصبية، وهي حاصلة من الولاء، فكان ذلك حرصاً من عمر (رض) على النظر للمسلمين([760]).
ولا يعدو هذا الكلام أن يكون اجتهاداً في مقابلة النصّ، أمّا تأويل النَسَب بالعصبية فهو من صياغة ابن خلدون، ومن خصوصيّات نظريته في السياسة، وليس من الضروري أن يكون هو المراد من النصّ على قريش، فثمّة أحاديث صحيحة ميّزت قريشاً بمنزلة ليست لغيرها، كحديث: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة…» الحديث([761]).
وذهب آخرون إلى تبرير آخر، فاحتجّوا بالحديث: «مولى القوم منهم، ومن أنفسهم، وابن أخت القوم منهم» فاعتمدوا نصّاً جديداً في توسيع النصّ الأوّل، بدلاً من اللجوء إلى التأويل والاجتهاد في مقابلة النصّ.
لكنّ هذا أيضاً لم يقع موقع الرضا لدى الجمهور، إذ هو مخالف للإجماع… قال ابن حزم: إنّ الإجماع قد تيقّن وصحّ على أنّ حكم الحليف والمولى وابن الأخت كحكم من ليس له حليف ولا مولى ولا ابن أخت. فإذا صحّ البرهان بأن لا تكون ـ الخلافة ـ إلاّ في قريش، لا في من ليس قرشياً، صحّ بالإجماع أنّ حليف قريش ومولاهم وابن أختهم كحكم من ليس قرشيّاً([762]).
هذا كلّه عن سالم مولى أبي حذيفة، ولكن ليس ثمّ هناك جواب عن اختيار معاذ، وهو من الأنصار الّذين أغار عليهم القرشيّون الثلاثة في السقيفة، وفيهم عمر، واحتجّوا عليهم بأنّ الأئمّة من قريش، وهيهات أن ترضى العرب بغير قريش! هذا الكلام قاله عمر في خطابه للأنصار في السقيفة، ثمّ واصل خطابه قائلاً: «ولنا بذلك الحجّة الظاهرة، مَن نازعنا سلطانَ محمّد ونحن أولياؤه وعشيرتُه، إلاّ مُدْلٍ بباطلٍ، أو متجانفٍ لاِثم، أو متورّط في هَلَكة؟!»([763]).
إنّ تعدّد هذه المواقف المختلفة أضفى كثيراً من الغموض على عقيدة عمر في الخلافة، ممّا يزيد في إرباك نظرية الخلافة والاِمامة إذا ما أرادت أن تُساير جميع المواقف، من هنا اضطرّوا إلى الضرب على اختلافات عمر حفاظاً على صورة أكثر تماسكاً لهذه النظرية، كلّ ذلك لأجل تثبيت هذا المبدأ القائم على النصّ الشرعي: «الأئمّة من قريش».
واضح إذن كيف تمّ الانتصار للنصّ على الرأي المخالف.
وواضح أيضاً كيف كان قد تمّ الانتصار لمبدأ النصّ على مبدأ الشورى، وذلك حين رأى الخليفة ضرورة النصّ على من يخلفه.
فدخل النصّ إذن في قمّة النظام السياسي، رغم أنّه يلغي قاعدة الشورى بالكامل.
ومرّة أخرى، تمشّياً مع النصّ النبوي الشريف «الأئمّة من قريش» ينهزم مبدأ الشورى أمام السيف! فمن تغلّب على الأمّة وانتزع الخلافة بالسيف وكان قرشياً، صحّت خلافته، لأنّها لا تخرج عن النصّ المتقدّم.
بل أمام هذا النصّ قد انهارت جميع الشروط الواجب توفّرها في الخليفة، كالاجتهاد والعدل والتقوى، فإذا كان الخليفة قرشياً صحّت خلافته وإنّ كان ظالماً جاهلاً فاسقاً، بل عاجزاً عن أمر الخلافة!.
هذه هي حقيقة موقع النصّ، أمّا النظريّة فما زالت تتنكّر له، وتتبنّى مبدأ الشورى ابتداءً في المرتبة الأولى، ولكن ينبغي لهذه الشورى ألا تخرج عن دائرة هذا النصّ، فلا تنتخب إلاّ قرشياً من الصميم.
أمّا ابن حزم فقد تبنّى مبدأ النصّ أوّلاً، ثمّ ادّعى نصّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على أبي بكر (رض)، قطعاً للنزاع، لكنّه لم يفلح حين خالف حقيقةً معلومة بالإجماع وبشواهد التاريخ.
إذاً، ثبت لدينا نصّ صريح صحيح وفاعل في هذه النظرية، وهو الحديث الشريف «الأئمّة من قريش» وقد أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن والسير بألفاظ مختلفة وهذا هو محصّلها.
1 ـ إنّ قراءةً سريعة في تاريخنا السياسي والاجتماعي توقفنا على حقيقة أنّ النصّ المتقدّم «الأئمّة من قريش» بمفرده لايحقق للاِمامة الأمل المنشود منها في حراسة الدين والمجتمع.
وأوّل من لمس هذه الحقيقة هم الصحابة أنفسهم منذ انتهاء عصر الخلفاء الأربعة، ثمّ أصبحت الحقيقة أكثر وضوحاً لدى من أدرك ثاني ملوك بني أُميّة ـ يزيد بن معاوية ـ ومَن بعده.
ففي صحيح البخاري: لمّا كان النزاع دائراً بين مروان بن الحكم وهو بالشام، وعبد الله بن الزبير وهو بمكّة، انطلق جماعة إلى الصحابي أبي برزة الأسلمي فقالوا له: يا أبا برزة، ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فقال: إنّي أحتسب عند الله أنّي أصبحتُ ساخطاً على أحياء قريش، إنّ ذاك الذي بالشام والله إنْ يقاتل إلاّ على الدنيا، وإنّ الذي بمكّة والله إنْ يقاتل إلاّ على الدنيا!! ([764]).
2 ـ وأهمّ من هذا أنّه ثمّة نصوص صحيحة توجب تضييق دائرة النصّ المتقدّم، لقد حذّر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من الاغترار بالنسب القرشي وحسب، وأنذر بأنّ ذلك سيؤدّي إلى هلاك الأمّة وتشتّت أمرها!.
ففي صحيح البخاري عنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: «هَلَكَةُ أُمّتي على يَدَي غلمةٍ من قريش»([765]).
كيف إذن سيتمّ التوفيق بين النصّين: «الأئمّة من قريش» و «هَلَكة أُمّتي على يدي غلمة من قريش»؟
أليس لقائل أن يقول: ما هو ذنب الأمّة؟ إنّها التزمت نصّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) «الأئمّة من قريش» فقادها هذا النصّ إلى هذا المصير حين ذُبح خيار الأمّة بسيوف قريش أنفسهم!.
أليس النصّ هو المسؤول؟
حاشا لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يضع أُمّته على حافة هاوية، وهو الذي كان قد استنقذها من الهاوية.
إنّهم أرادوا أن يحفظوا الرسول بحفظ جميع الصحابة وإضفاء الشرعية حتّى على المواقف المتناقضة تجاه القضيّة الواحدة، فوقعوا في مافرّوا منه!.
بل وقعوا في ماهو أكبر منه حين صار النصّ النبويّ هو المسؤول عمّا آل إليه أمر الأمّة من فتن، ثمّ هَلَكة!.
إنّ العقيدة التي تؤكّد على تبرئة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وتصفه دائماً بالعصمة والكمال وأداء الأمانة، ينبغي لها أن لا تنزلق في هذا المنزلق الخطير.
إنّه ينبغي لها وفق هذه العقيدة في الدفاع عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أوّلاً، وممّا بين أيديها من السنّة الصحيحة ثانياً، ومن شواهد الواقع ثالثاً، ينبغي لها أن تلتزم بأنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) لا يمكن أن يكتفي بهذا القدر من النصّ، فيقول: «الأئمّة من قريش» ويقف عند هذا القدر، ثمّ يقول مرّة أخرى: «هَلَكة أمّتي على يَدي غلمة من قريش»!.
فهؤلاء الغلمة إنّما يكون هلاك الأمّة على أيديهم عندما يملكون أمر الأمّة، لكنّ الأمّة إنْ رضيت بهم فإنّما كان اتّباعاً للنصّ الأوّل «الأئمّة من قريش» فهل يكون هذا إلاّ إغراء؟!.
حاشا لرسول الله أن يكون ذلك منه، وإنّما هو من علامات التهافت في هذه النظرية التي أغضت عن كلّ ماورد في السُنّة ممّا يفيد تخصيص ماورد في حقّ قريش.
ورد في السُنّة نوعان من التخصيص في أمر قريش؛ تخصيص سلب، وتخصيص إيجاب.
1 ـ تخصيص السلب: ثمّة نصوص صريحة تستثني قوماً من قريش، فتبعدهم عن دائرة التكريم، ناهيك عن التقديم: قال ابن حجر الهيتمي: في الحديث المرويّ بسندٍ حَسَن أنّه (صلّى الله عليه وآله) قال: «شرّ قبائل العرب: بنو أُميّة وبنو حنيفة وثقيف».
قال: وفي الحديث الصحيح ـ قال الحاكم: على شرط الشيخين ـ عن أبي برزة أنّه قال: كان أبغض الأحياء ـ أو الناس ـ إلى رسول الله بنو أُميّة([766]).
والذي ورد في ذمّ آل الحَكَم ـ أبو مروان ـ خاصّة كثير ومشهور.
فهل يصحّ أن تُسند الاِمامة إلى شرّ قبائل العرب، وأبغض الناس إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟!
ومن دقائق النصّ الأوّل إقرانه بني أُميّة ببني حنيفة، وبنو حنيفة هم قوم مسيلمة الكذّاب، وقوم نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر من أئمّة المارقين!!.
فإذا أصبح هؤلاء هم الحكّام في الواقع فعلينا أن نشهد أنّ هذا الواقع منحرف عن النصّ، بدلاً من أن نسعى لتبريره وإخضاعه للنصّ.
2 ـ تخصيص الاِيجاب: الحديث الذي ميّز قريشاً بالاصطفاء على سائر القبائل لم يقف عند دائرة قريش الكبرى، بل خصّ منها طائفةً بعينها، فقال (صلّى الله عليه وآله): «إنّ الله اصطفى كنانة من وُلد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»([767]).
وهذا تقديم لبني هاشم على سائر قريش:
ساق ابن تيميّة هذا الحديث الصحيح، وأضاف قائلاً: (وفي السنن أنّه شكا إليه العبّاسُ أنّ بعض قريش يحقّرونَهم! فقال (صلّى الله عليه وآله): «والذي نفسي بيده لايدخلون الجنّة حتّى يحبّوكم لله ولقرابتي» وإذا كانوا أفضل الخلائق، فلا ريب أنّ أعمالهم أفضل الأعمال… ففاضلهم أفضل من كلّ فاضل من سائر قبائل قريش والعرب، بل وبني إسرائيل وغيرهم) ([768]).
وليس المقام مقام تفضيل وحسب، بل إنّ قريشاً لا يصحّ لها إيمان مالم تحبّ بني هاشم حُبّين: لله، ولقرابة الرسول!.
فهل يصحّ أن تكون قريش كلّها سواء في حقّ التقدّم والاِمامة، وفيها بنو هاشم الّذين رفعهم النصّ إلى أعلى منزلة، وفيها بنو أُميّة الّذين خفضهم النصّ إلى أردى الرتب؟!
إذا كان الواقع قد آل إلى هذه الحال، فعلينا أن نشهد أنّه واقع منحرف عن النصّ، لا أن نسعى إلى تبريره.
ممّا تقدّم يبدو بكّل وضوح أنّنا هنا قد أخفقنا في تحقيق نظرية منسجمة متماسكة في موضوع الاِمامة، وأنّ السبب الحقيقي لهذا الاِخفاق هو متابعة الأمر الواقع والسعي لتبريره وجعله مصدراً رئيساً في وصف النظام السياسي.
إنّ تناقضات الأمر الواقع في أدواره المتعدّدة قد ظهرت جميعها في هذه النظرية، ممّا أفقدها قيمتها كنظرية إسلامية في معالجة واحدة من قضايا الإسلام الكبرى…
ـ فالقول بالنصّ الشرعي لم يقف عند جوهر النصّ، ولا التزم شروطه وحدوده.
ـ والقول بالشورى تقهقر أمام نصّ الخليفة السابق، وصلاحيات الشورى، والقهر والاستيلاء، والتغلّب بالسيف.
ـ أمّا نظام أهل الحلّ والعقد فهو أشدّ غموضاً…
فمرّة يكون أهل الحلّ والعقد رجلاً واحداً نصب نفسه فتابعه اثنان كما في عقد الزواج، أو تابعه أربعة، أو يكونوا ستّة يعيّنهم الخليفة السابق دون الأمّة، بل «تطوّر» الأمر عن هذا كثيراً، حتّى «إنّ فيلسوفاً مدقّقاً كابن خلدون وقد جعل حاشية الخليفة وبطانته وأقاربه ـ بصرف النظر عن مدى علمهم واجتهادهم وتقواهم ـ هم أهل الحلّ والعقد الذين عارضوا الخليفة المأمون أن ينقل الخلافة إلى عليّ الرضا من بعده»([769])!.
والحقيقة التي نرجو أن لا تصدم أحداً أنّ هذا قد ظهر من قبل، في النصف الثاني من خلافة عثمان حيث برز على رأس أصحاب الرأي والمشورة رجال من قرابته ـ بني أميّة ـ خاصّة، لم يكونوا من أولي الفضل والاجتهاد والسابقة في الدين، مع كثرة من اجتمعت فيهم هذه الخصال في ذلك الوقت!.
وكان أهل الحلّ والعقد هؤلاء هم: عبدالله بن عامر، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح([770])، وسعيد بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم!.
نقل الطبري من طريقين: أنّ عثمان أرسل إلى معاوية وعبدالله بن سعد بن أبي سرح وسعيد بن العاص وعمرو بن العاص وعبدالله بن عامر، فجمعهم ليشاورهم في أمره، فقال لهم: إنّ لكلّ امرئٍ وزراء ونصحاء، وإنّكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي… وقد صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا إليَّ أن أعزل عمّالي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون، فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليّ.
فلمّا أشاروا عليه عمل بما رآه من مجموع مشوراتهم؛ فردّهم على أعمالهم، وأمرهم بالتضييق على من قِبَلهم، وأمرهم بتجمير الناس في البعوث([771])، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه([772]).
هذه الوجوه المتناقضة كلّها من المستحيل أن تجتمع في نظرية واحدة، فتكون نظرية منسجمة وذات تصوّر واضح ومحدّد ومفهوم.
هذا كلّه، وبقدر ما يثيره من شكوك حول صلاحية هذه النظرية، فإنّه يرجّح الرأي الآخر الذي يذهب إلى اعتماد النصّ الشرعي في تعيين خليفة الرسول.
إلى هذه النتيجة أيضاً خلص الدكتور أحمد محمود صبحي وهو يدرس نظرية الاِمامة، إذ قال: «أمّا من الناحية الفكرية فلم يقدّم أهل السُنّة نظرية متماسكة في السياسة تُحدّد مفاهيم البيعة والشورى وأهل الحلّ والعقد، فضلاً عن هوّة ساحقة تفصل بين النظر والتطبيق، أو بين ماهو شرعي وبين ما يجري في الواقع.
لقد ظهرت نظريات أهل السُنّة في السياسة في عصر متأخّر بعد أن استقرّ قيام الدولة الاِسلامية على الغَلَبة.. كما جاء أكثرها لمجرّد الردّ على الشيعة.. والتمس بعضها استنباط حكم شرعي من أُسلوب تولّي الخلفاء الثلاثة الأوائل.
وإنّ الهوّة الساحقة بين تشريع الفقهاء وبين واقع الخلفاء، فضلاً عن تهافت كثير من هذه الآراء وإخفاقها في استنباط قاعدة شرعية، هو ما مكّن للرأي المعارض ـ القول بالنصّ ـ ممثّلاً في حزب الشيعة»([773]).
صائب عبد الحميد
روضة الأنس ونزهة النفس
كتاب لصالح أبي البقاء الرندي
يعدّ كتاب الرندي الذي سمّاه روضة الأنس ونزهة النفس في كتب الثقافة العامّة التي شاع التأليف فيها؛ والتي كان مثالها البارز كتاب ابن قتيبة: عيون الأخبار. ويقول الرندي في مقدمة كتابه إنّه ألّفه كتاباً في الأدب جامعاً لعيون الفنون والآداب والأخبار والفرائد والفوائد، وأنّه انتقى «من الكتب دررها ومن أصناف الأدب غررها». ويكون (الأدب) الذي قصد إليه هو الأدب بمعناه الواسع الشامل الذي عرفه ابن خلدون بأنّه الأخذ من كلّ علم بطرف.
وجعل كتابه في عشرين باباً تتوزعها الموضوعات التالية: الباب الأوّل في العالم ومعالمه. والثاني: في الأرض والبلاد. والثالث: في بدء البشر. والرابع: في النبي (صلّى الله عليه وآله). والخامس في الخلفاء وأهل البيت. والسادس: في الدولة الأموية. والسابع: في الدولة العباسية. والثامن: في أهل الردّة والخوارج. والتاسع: في جمل من الفتوح. والعاشر: في لمع من… ([774]) والحادي عشر: في الحرب. والثاني عشر: في الملك والرياسة. والثالث عشر: في العلم. والرابع عشر: في الشعر. والخامس عشر: في المال. والسادس عشر: في النساء والبنين. والسابع عشر: في الناس والزمن. والتاسع عشر: في الحكايات. والباب الموفى عشرين: في الحكم والمواعظ.
وهو في هذه الفصول ـ في الأغلب الأعم ـ ناقل ومصنّف ومرتّب، بيد أنّ له فضل العبارة الأنيقة والكلمة الرشيقة قال: «وقد ضممت في كلّ جزءٍ منها الشيء إلى ما يماثله، وألحقت به ما يشاكله. ولجأت إلى فكري في كثير من الفصول القصار واللفظ المختار. إذ كان القصد في ذلك الإجادة لا الرواية، والإفادة لا الحكاية»([775]).
والموجود من الكتاب هو الجزء الأوّل، وينقطع في أثناء الباب التاسع «في جمل من الفتوح». وقد رفع الرندي كتابه إلى الأمير النصري محمد بن محمد وطرزه باسمه، احتفاء وتقديراً «فإنّه ـ أيّده الله ـ زان الملك بالذات الفاضلة والصفات الكاملة والنصبة الإمارية والنسبة الأنصارية، فمن همم تساوي المجد وتجاوز الجوزاء وشيم شيم بها الدهر، وينتسب لها الزهر، إلى جود تروى به الآمال ويسترق بمثله الأحرار». ولا يخفى المغزى من الوصف بالكرم والجود في خطبة الكتاب.
مصادر الكتاب مختلفة متعدّدة، عرفنا منها عرضاً، وفي أثناء القسم الباقي من الكتاب: كتاب ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، وكتاب المسعودي مروج الذهب ومغازي الواقدي. وهو نصّ على النقل من ابن إسحاق (في السيرة) وعن (صاحب التيجان) وصاحب المجسطي، وصاحب الزهر (زهر الآداب). ولا شك في أنّ مصادره كثيرة وإن لم تتضح لنا جميعاً.
وكتاب الرندي من كتب الثقافة العامة التي يستفاد منها في الأغراض التعليمية وما يشبه ذلك. وليست في الكتاب جدة أو إبداع يلفت النظر. ولكن الأديب الشاعر كان يخرج عن موضوعه ليقدّم قطعاً وقصائد من شعره تلوّن الكتاب وتقدّم لنا ذخراً طيباً لشاعر غاب عنّا ديوانه.
قال الرندي في كتابه روضة الأنس، في أثناء أحد استطراداته «وقد رثي الحسين قديماً وحديثاً. وممّن بكاه فأحزن ورثاه فأجاد وأحسن أبو بحر صفوان بن إدريس الأندلسي رحمه الله([776]). ومن عجيب ما حكي عنه أنّه دخل مراكش في أيام المنصور بن عبد المؤمن ـ رحمه الله ـ وهو صفر اليدين منقطع الحيلة: لا كيف ولا أين. لا يملك فتيلاً، ولا يجد للقاء السلطان سبيلاً. فعكف على رثاء الحسين (عليه السلام) يبكي مصابه، ويذكي به أوصابه. فنَبُه المنصور في الليل عليه، وأمر بالإِحسان إليه بعناية نبوية جبرت فؤاده، وأقامت منآده. فاستحضره المنصور ـ رحمه الله ـ وكشف له عن غيبه، وأمكنه من سيبه. وبالغ في بلوغ أربه، وأنفذ له ما أمر به. وفي ذلك يقول مرج كحل([777]) من قصيدة له:
ونبئت عن صفوان نيل كرامةٍ
حباهُ بها الرحمن والخلفاءُ
وللَّهِ في صفوان أيَّة آيةٍ
تكشف عنها للعظام غطاء
فما ضاع منه في الحسين انتصارهُ
ولا خاب عند الله فيه جزاءُ
وحسينياته (عليه السلام) كثيرة مشهورة نذكر منها ما يليق بهذا الكتاب بحول الله عزّ وجلّ فمن ذلك قوله:
أندبُ الطفّ وسبط المصطفى
بمراثٍ هي أسرَى مِنْ: قفا
لا ترُم ضوء هدًى من بعدِهِ
فسراجُ الهدي بالطفّ انطفا…
وممّا أحسن فيه الإنشاء وأجاد ما شاء المخمَّسة التي نظم أقسامها على حروف المعجم، وذيل مراكزها بأعجاز من قصيدة امرئ القيس التي أوّلها (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) منها:
ديار الهدى بالخيف والجمرات
إلى ملتقى جمع إلى عرفاتِ
مجاري سيول الغيم والعبرات
معارف هدي أصبحت نكرات
لما نسجتها من جنوبٍ وشمال
قال صاحب الكتاب: وقد ألمعتُ بطريقة صفوان ـ رحمه الله ـ في رثائه (عليه السلام) بجملة حذوتُ فيها حذوه فبلغت شأوه بما هو في المعنى أغرب وإلى الحال أنسب. وذلك أنّي صنعت مخمّسة على حروف المعجم مذيلةً بأعجازٍ من قصيدة زهير؛ فيها:
أبيتُ فلا يساعدُني عزاء
إذا ذكر الحسينُ وكربلاءُ
فخلّ الوجد يفعل ما يشاء
لمثل اليوم يدّخرُ البكاء!
عفا من آل فاطمة الجواءُ
بعينكَ يا رسول الله ما بي
دموعي في انهمال وانسكابِ
وقلبي في انتهابٍ والتهاب
على دارٍ مكرمة الجناب
عفتها الريحُ بعدك والسماءُ
بكيتُ منازل الصّبر السؤاة
بمكة والمدينة والفُرات
معالم للعُلا والمكرمات
عفت آثارُها وكذاك يأتي
على آثار منْ ذهب العفاءُ!
الزيدية
مرّ الكلام عنهم في مكانه ونضيف هنا إلى ما هنالك ما يلي:
إنّ الحركات العلمية ظهرت في اليمن بفضل الإمامين الهادي وجدّه القاسم، وبما أنّ الزيدية لا يلتزمون التقليد للهادي بل كلَّ من تمكّن من الاجتهاد، وعمل بالدليل. ظهر بعض الخلافات بينهم، كما ظهر من بعضهم الميل إلى المعتزلة في غير مسألة الإمامة وحصل من بعضهم إنكار ذلك لكن العقائد الأصلية الهامّة لا يظهر بينهم فيها خلاف.
ومن أصول عقائد الزيدية التي منها التوحيد، والعدل والنبوات وصيانة القرآن من التحريف، والإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت والشفاعة التي هي زيادة خير إلى خير، لا إنقاذ أحد من النار والإمامة التنصيصية إلى السبط الشهيد، ثمّ جاء دور الدعوة والخروج وتحقّق بزيد الثائر ومن سار على دربه…
وأهم كتبهم: كتب الهادي والقاسم.
منها: كتاب الأحكام، والمنتخب والمجموعة الفاخرة التي تجمع عدّة رسائل للهادي، ومن محاسن الكتب وأنفعها كتب القاسم بن إبراهيم وهي كتب صغار بعضها في مجموع القاسم.
ومن مراجع الزيدية (في الفقه) شرح التجريد للإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني المدفون بلنجا([778])، ومن مراجعهم في علم الكلام، حقائق المعرفة للإمام أحمد بن سليمان وهو من أئمة الزيدية.
ومنها: كتاب الأساس للإمام القاسم بن محمد وهو من أئمة الزيدية. وقد طبع الكتاب.
ومن مراجع الزيدية في الأخير في الفقه شرح الأزهار وحواشيه.
ومن مراجعهم في الحديث ما تضمنه شرح التجريد (للهاروني).
وكتاب أمالي أحمد بن عيسى ومجموع زيد بن علي، وأمالي أبي طالب المسمّى بـ «تيسير المطالب»، وأمالي المرشد بالله وكتاب الاعتصام للإمام القاسم بن محمد.
ومن مراجعهم في التاريخ: «بلوغ الأماني» للسيد يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد، ومن كتبهم في أسانيد الكتب بلوغ الأماني في إسناد كتب من آل من أُنزلت عليه المثاني.
ومن كتبهم في الردّ على المخالفين: الشافي للإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة وهو كتاب عظيم مطبوع، وفرائد اللئالي في الردّ على المقبلي للمنصور بالله محمد بن عبدالله الوزير هو مجلد ضخم.
ومن مراجعهم في أصول الفقه: كتاب بداية العقول شرح غاية السؤال تأليف الحسين ابن الإمام القاسم بن محمد وهو مطبوع، وشرح الكافل.
ومن مراجعهم في التفسير: كتاب المصابيح، تفسير الشرقي وهو كبير غير مطبوع، ولهم مؤلفات في التفسير يتعسر تحصيلها فيميل الطلاب لقراءة الكشاف.
طبقات رجال المذهب الزيدي
للمذهب الزيدي أعلام منقسة إلى الطبقات التالية:
1 ـ طبقة المؤسّسين.
2 ـ طبقة المخرجين.
3 ـ طبقة المحصلين.
4 ـ طبقة المذاكرين.
الطبقة الاولى – طبقة المؤسسين: وتساوي هذه الطبقة إمام المذهب في نظر المذاهب الأخرى، ومن هذه الطبقة:
1 ـ الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) مات شهيداً سنة 122هـ.
2 ـ الإمام القاسم بن إبراهيم مات سنة 242هـ.
3 ـ حفيده الإمام الهادي إلى الحقّ يحيى بن الحسين بن القاسم ابن إبراهيم وهو المؤسّس للمذهب في اليمن مات سنة 298هـ.
4 ـ الإمام الناصر الأطروش الحسن بن علي بن علي بن عمر الأشرف ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وهو المؤسس للمذهب الزيدي في خراسان مات سنة 304هـ.
الطبقة الثانية – طبقة المخرجين للمذهب: وهم الذين استخرجوا من كلام الأئمة أو احتجاجاتهم بواسطة القياس أو المفهوم، أحكاماً لا تتعارض مع الكتاب والسنّة لا جملة ولا تفصيلاً، ومن رجال هذه الطبقة:
1 ـ العلاّمة محمد بن منصور المرادي مات سنة 200هـ ونيف وتسعين.
2 ـ العلاّمة أبو العباس أحمد بن إبراهيم مات سنة 353هـ.
3 ـ العلاّمة الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين بن هارون الحسني مات سنة 416هـ.
4 ـ العلاّمة الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني مات سنة 423هـ.
5 ـ العلاّمة علي بن بلال الآملي مولى الإمامين المؤيد بالله وأبي طالب.
6 ـ العلاّمة أحمد بن محمد الأزرقي الهدوي.
والطبقة الثالثة – طبقة المحصلين: وهم الذين اهتمّوا بتحصيل أقوال الأئمة وما استخرج منها ونقلوها إلى تلامذتهم بطريق الرواية أو المناولة لمؤلفاتهم، ومن رجال هذه الطبقة:
1 ـ القاضي زيد بن محمد الكلاوي الجيلي الملقب بحافظ أقوال العترة وهو من أتباع المؤيد بالله.
2 ـ السيد علي بن العباس بن إبراهيم راوي إجماعات أهل البيت، مات سنة 340هـ تقريباً.
3 ـ القاضي الحسين بن محمد بن أبي طاهر الرصاص، مات سنة 584هـ.
4 ـ الإمام الحسين بن بدر الدين، مات سنة 662هـ.
5 ـ زيد بن علي بن الحسن بن علي البيهقي، مات في تهامة في عهد الإمام أحمد بن سليمان وهو في طريقه إلى مكة المكرمة.
6 ـ القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام البهلولي، مات سنة 573هـ.
7 ـ الإمام عبدالله بن حمزة، مات سنة 614هـ.
والطبقة الرابعة – طبقة المذاكرين: وهم الذين راجعوا أقوال من تقدّمهم وبلغتهم بالرواية وفحصوها سنداً ومتناً وعرضوها على أصول المذهب وقواعده المستمدة من صرائح الكتاب والسنّة ثمّ أقرّوا ما توافق معها واعتبروه هو المذهب، وما لم يوافقها لم يعتبروه مذهباً للفرقة الزيدية، وكان في نظرهم رأياً خاصاً بصاحبه غير معاب عليه لاعتبار أنّ كلّ مجتهد في الفروع مصيب. ومن رجال هذه الطبقة:
1 ـ القاضي محمد بن سليمان بن أبي الرجال الصعدي، مات سنة 730هـ.
2 ـ القاضي عبدالله بن زيد العنسي، مات سنة 667هـ.
3 ـ القاضي يحيى بن حسن البحيبح، وقد عاصر الإمام يحيى بن حمزة.
4 ـ الإمام يحيى بن حمزة، مات سنة 749هـ.
5 ـ الإمام عز الدين بن الحسن المؤيدي، مات سنة 900هـ.
6 ـ القاضي محمد بن يحيى حنش، مات سنة 717هـ.
7 ـ القاضي يوسف بن أحمد بن عثمان الثلاثي، مات سنة 832هـ.
8 ـ الإمام أحمد بن يحيى بن المرتضى، مات شهيداً بالطاعون سنة 840هـ.
ومعجم رجال طبقات المذهب الزيدي من العلماء المجتهدين. ولذلك فلا يصدق عليهم القول بأنّهم في مستوى طبقة مجتهدي المذهب لأنّ هذه الطبقة لا تظهر دائماً إلاّ بين رجال المذاهب التي لا توجب الاجتهاد على المتمكن منه وليس كذلك المذهب الزيدي.
وبالتجوز يمكن أن يوجد في طبقات المذهب من هو في درجة المجتهد المنتسب. أمّا الأكثر فهم في درجة المجتهد المطلق. وقد ظهر من هؤلاء بعد طبقة المذاكرين الكثير ومنهم: الإمام يحيى شرف الدين مات سنة 965هـ والإمام القاسم بن محمد مات سنة 1029هـ والإمام محمد بن إسماعيل الأمير مات سنة 1182هـ. والإمام عبد القادر بن أحمد عبد القادر بن الناصر شرف الدين مات سنة 1207هـ وغيرهم.
وكانت كلّ المؤلفات الزيدية لا تقتصر على ذكر القول المختار لديها، وإنّما تجمع كلّ الأقوال المشهورة للأئمة والعلماء: أي أنّها مؤلفات وموسوعات لما تؤلف فيه. لذلك فالقول المختار للمذهب إنّما كان يؤخذ من أفواه المشائخ ويتناقل بالرواية، حتّى جاء القاضي حسن بن أحمد الشبيبي _(مات سنة 1169هـ) فوضع كلمة (مذهب) في كتابه شرح الأزهار على القول المختار للمذهب تمييزاً له عن سائر أقوال الأئمة والعلماء الزاخر بها كتاب شرح الأزهار المعروف واستحسن هذه العلامة سائر العلماء في عصره. ولمكانته في العلم والتقوى تلقّفها عنه الطلاب، وصارت نسخته من أهم المراجع في ذلك عند الطلاب. كما ذكره المؤلف المؤرخ السيد محمد زبارة في ملحق البدر الطالع ص 68([779]).
السطوح
السطوح: مصطلح عرفي يطلق في الحوزات العلمية الشيعية على المرحلة الدراسية الثانية من الدراسة الحوزوية التي تأتي بعد مرحلة دراسة المقدمات.
وسمّيت بالسطوع لأنّ الدراسة فيها إذا قورنت بدراسة المرحلة التي تليها وهي مرحلة البحث الخارج تكون سطحية بالنسبة إليها لعدم اعتمادها منهجياً على بيان الدليل أو التوسّع والتعمّق في دراسته وبحثه.
وتشمل دراسة بعض الكتب المقرّرة في الفقه وأصول الفقه. لمزيد الاطلاع يرجع إلى كتاب: (دليل النجف الأشرف).
السماوة
مدينة عراقية تكوّنت بعد سنة 900هـ/ 1494م، وكانت قلعة حكومية تقع في الجهة اليمنى من الفرات، ذُكرت لأوّل مرّة على أنّها لواء سنة 941هـ/ 1534م، حيث إنّ السلطان سليمان القانوني بعد دخوله بغداد في هذه السنة أمر بتقسيم إيالة بغداد إلى ثمانية عشر لواء كان أحدها لواء السماوة.
خرج من السماوة في هذا العصر الفقيه الشاعر الشيخ حميد السماوي الذي تفوّق في الفقه والشعر. ويعتبر في طليعة شعراء العرب. وقد كان في إيثاره الفقه على الشعر أثر في عدم اشتهاره شاعراً، وإلاّ فما من شاعر في العراق كان يفوقه شاعريه. وهكذا فقد عاش إمام مدينة السماوة لا شاعر العراق.
الشام (بلاد)
مرّ الحديث عنها في مكانه، وإنّنا نضيف إلى ما هنالك ما يلي:
غارة تيمورلنك على بلاد الشام
الدولة المملوكية الثانية بدأت في مصر سنة 784هـ/1382م بالسلطان الظاهر (برقوق) وهي التي تقدّم في عهدها تيمورلنك إلى بلاد الشام.
وفي الوقت الذي كان فيه أمر برقوق قد انتظم، واستقرّت له الأمور في مصر ومعها بلاد الشام، كان ظهور تيمورلنك.
ووردت الأخبار إلى مصر بأنّ تيمورلنك أخذ تبريز وشيراز، وركب برقوق إلى الشام، وجاءه في حلب قاصد من عند (ابن عثمان)، ومعه مطالعات مضمونها أن يكون هو (ابن عثمان) والظاهر برقوق يداً واحدة على دفع تيمورلنك، فأجابه الظاهر إلى ذلك، ورد له الجواب بما يطيب به خاطره، ثمّ حضر إليه قاصد طقتمش خان، صاحب بسطام، وعلى يده مطالعات تتضمّن ما قاله (ابن عثمان) فأجابه الظاهر إلى طلبه». وكان تيمورلنك قد كتب إلى الظاهر برقوق يطلب إليه تسهيل الحركة التجارية وإقامة علاقة بين البلدين، لكن سلطان المماليك استخفّ بتيمورلنك وَرَدَّ عليه بقتل رسله([780]) وقد دارت بينهما المراسلات التالية:
الرسالة الأولى منقولة من كتاب «ظفر نامه» تأليف المؤرخ الفارسي شرف الدين علي يزدي (ج1: ص642ـ643) وهي باللغة الفارسية من تيمورلنك إلى السلطان برقوق وتاريخها سنة 795هـ. ويبدو أنّها أوّل خطاب بعثه إلى السلطان برقوق يدعوه فيه إلى مراعاة حسن الجوار، وإقامة العلاقات الطيبة لتأمين طرق المواصلات والتجارة.
والثانية منقولة من المؤرخ المصري أحمد بن علي المقريزي: «السلوك لمعرفة دول الملوك» (صورة شمسية بدار الكتب المصرية رقم 464، ج4، ص237ـ238) وهي من تيمورلنك إلى السلطان برقوق ويرجع تاريخها إلى 796هـ وهي تختلف عن الأولى من حيث اللهجة والتطويل اللفظي، وتحتوي على تهديد بالحرب من تيمورلنك إلى السلطان برقوق إذا هو لم يعلن طاعته له.
أمّا الثالثة فهي جواب السلطان برقوق على الكتاب الثاني من تيمورلنك وهي منقولة كذلك عن أحمد بن علي المقريزي: «السلوك لمعرفة دول الملوك» (صورة شمسية بدار الكتب المصرية، ج3، ص237 ـ ص238) وتاريخها سنة 796هـ، وفي هذا الجواب حرص السلطان برقوق على الظهور بعدم الاكتراث لتهديدات تيمورلنك.
والرابعة باللغة الفارسية من تيمورلنك إلى السلطان فرج بن برقوق وتاريخها 803هـ، وهي منقولة من كتاب «ظفر نامه» تأليف شرف الدين علي يزدي (ج4، ص267)، واشتملت على تهديد من تيمورلنك إلى السلطان فرج إذا هو لم يطلق أسيراً تترياً كبيراً من أسرة تيمورلنك، هو القائد أطلمش الذي وقع في يد السلطان برقوق سنة 795هـ.
وتشتمل الخامسة على تهديد ثاني من تيمورلنك للسلطان فرج، ومطالبته بإعلان الطاعة، والدعاء له في خطبة الجمعة بالقاهرة. وهي مكتوبة الفارسية، ومنقولة كذلك من كتاب «ظفر نامه» تأليف شرف الدين علي يزدي (ج2، ص315ـ 316) وتاريخها سنة 803هـ وهي خطاب جاف مختصر، ويبدو أن تيمورلنك أمر بكتابتها، وهو في الطريق إلى دمشق.
وتشتمل السادسة على جواب السلطان فرج على هذا الكتاب التيموري الجاف وهي منقولة من كتاب «ظفر نامه» (ج2 ـ ص317) وتاريخها سنة 803هـ، ويتضح منها استعداد السلطان فرج لإعلان الطاعة ليتمورلنك بشرط قيام تيمورلنك من جانبه بالاعتذار عمّا قام به من هجوم على دمشق.
والسابعة رسالة ثانية باللغة الفارسية من السلطان فرج إلى تيمورلنك، وهي منقولة من كتاب «ظفر نامه» (ج2، ص327)، وتاريخها سنة 803هـ ويبدو أنّ السلطان فرج أمر بكتابتها وهو في داخل دمشق وتيمورلنك محيط بأسوارها، وفيها يؤكد السلطان فرج وعده السابق ويطلب وقف القتال.
والثامنة منقولة من مخطوط، «كتاب روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء» (مكتبة جامعة القاهرة رقم 978، ج6، ص246)، وهو من تأليف محمد بن خواندشاه ميرخواند، وهي بالفارسية كذلك، وتاريخها سنة 805هـ؛ وهي خطاب من تيمورلنك إلى السلطان فرج بعد انتصار تيمورلنك على السلطان بايزيد العثماني في واقعة أنقرة، وفيها طلب تيمورلنك من السلطان فرج سك نقود مصر والشام باسمه والدعاء له في خطبة الجمعة.
(1)
كتاب من تيمورلنك إلى السلطان برقوق سنة 795 هجرية (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج1، ص642ـ643).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«لما كان بيت جنكيزخان في حروب من أسلافكم السلاطين الذين ظلموا شعب الشام، وأنّ هذه الحروب أنهت بسلام اختلاف الرسل، عاد الأمن والتعاون بين الدولتين؛ غير أنّه منذ وفاة الإيلخان العظيم السعيد أبو سعيد بهادر لم يحكم في بلاد فارس حاكم من نسل جنكيزخان الذي نظم أمور الناس، ولكن على العكس قام حكام في كلّ الإمارات في هذه الإمبراطورية الكبيرة مكان ملوكها، وسببوا متاعب لا نهاية لها لشعوب هذه الإمبراطورية. أمّا وقد اختارنا الإله الواحد بفضل من عنده لإصلاح ما فسد، وأدان لسيفنا المظفر كلّ بلاد فارس والعراق العربي الذي تتاخم حدوده حدود بلادكم، فإنّ المحبّة التي ندين بها لشعبنا تتطلب بحكم الجوار أن نتبادل الكتب، وأن يأتي الرسل، ويعودوا في يسر بين بلدينا، وأن ينتقل تجار البلدين في أمن حتّى تنتعش البلاد، ويكثر السكان، ويعيشوا في سلام. ولهذا السبب أرسلنا رسولنا إليكم ضارعين إلى الله أن يكلأكم بعنايته إن سلكتم حسب هذا. والسلام على من اتبع الهدى والحمد لله رب العالمين».
(2)
كتاب تيمورلنك (الكتاب الثاني) إلى السلطان برقوق في سنة 796هـ. (المقريزي، أحمد بن علي: السلوك صور شمسية، ج3، ص237، 238).
[قل اللهم مالك الملك] ([781]) {اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}([782]). اعلموا أنَّا جند الله مخلوقون من سخطه، ومسلطون على من حلَّ عليه غضبه، لا نرق لشاك([783])، ولا نرحم عبرة باك([784])، قد نزع الله الرحمة من قلوبنا فالويل لمن لم يكن من حزبنا ومن جهتنا. قد خربنا البلاد وأيتمنا الأولاد، وأظهرنا في الأرض الفساد، وذلت لنا أعزتها، وملكنا بالشوكة أزمتها، فإن خُيّل ذلك على السامع وأشكل وقال إن فيه عليه مشكل([785]) فقل له:
{إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً}([786])، وذلك بكثرة عددنا وشدة بأسنا، فخيلونا سوابق ورماحنا خوارق وأسنتنا بوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال، وجيوشنا كعدد الرمال، ونحن أبطال وأقيال، وملكنا لايرام، وجارنا لا يضام، وعزنا أبداً لسؤددٍ مقام، فمن سالمنا سلم، ومن رام حربنا ندم، ومن تكلم فينا بما لا يعلم جُهل، وأنتم فإن أطعتم أمرنا وقبلتم شرطنا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن خالفتم وعلى بغيكم تماديتم، فلا تلوموا([787]) إلا أنفسكم، فالحصون منا مع تشديدها لا تمنع، والمدائن بشدتها لقتالنا لا ترد ولا تنفع، ودعائكم علينا لا يستجاب فينا ولا يسمع، فكيف يسمع الله دعائكم، وقد أكلتم الحرام، وظلمتم جميع الأنام، وأخذتم أموال الأيتام، وقبلتم الرشوة من الحكام، وأعددتم لكم النار وبئس المصير: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}([788])، فلما فعلتم ذلك أوردتم أنفسكم موارد المهالك، وقد قتلتم العلماء وعصيتم رب الأرض والسماء، وأرقتم دم الأشراف، وهذا والله هو البغي والإسراف، فأنتم بذلك في النار خالدون، وفي غدٍ ينادى عليكم: {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ}([789])، فأبشروا بالمذلة والهوان، يا أهل البغي والعدوان، وقد غلب عندكم أننا كفرة، وثبت عندنا أنكم والله الكفرة الفجرة، وقد سلَّطنا عليكم الإله، له أمور مقدرة وأحكام محررة، فعزيزكم عندنا ذليل وكثيركم لدينا قليل، لأننا ملكنا الأرض شرقاً وغرباً، وأخذنا منكم كل سفينة غصباً، وقد أوضحنا لكم الخطاب، فأسرعوا برد الجواب، قبل أن ينكشف الغطاء، وتضرم الحرب نارها، وتضع أوزارها وتصير كل عين عليكم باكية، وينادي منادي الفراق: {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ}([790])، ويسمعكم صارخ الفناء بعد أن يهزكم هزاً، {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا}([791]). وقد أنصفناكم إذ راسلناكم فلا تقتلوا المرسلين كما فعلتم بالأولين، فتخالفوا كعادتكم سنن الماضين وتعصوا رب العالمين، {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}([792])، وقد أوضحنا لكم الكلام فأرسلوا برد الجواب والسلام».
(3)
جواب السلطان برقوق على هذا الكتاب وتاريخه سنة 796هـ:
(المقريزي، أحمد بن علي: السلوك، صور شمسية، ج3، ص238).
بسم الله الرحمن الرحيم
{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وتعز مَنْ تَشَاءُ وتذل مَنْ تَشَاءُ }([793])، حصل الوقوف على ألفاظكم الكفرية ونزعاتكم الشيطانية، وكتابكم يخبرنا عن الحضرة الجنابية وسيرة الكفرة الملائكية وأنكم مخلوقون من سخط الله، ومسلطون على من حل عليه غضب الله وأنكم لا ترقون لشاكٍ ولا ترحمون عبرة باكٍ، وقد نزع الله الرحمة من قلوبكم فذلك أكبر عيوبكم، وهذه من صفات الشياطين لا من صفات السلاطين، وتكفيكم هذه الشهادة الكافية، وبما أوقفتم به أنفسكم ناهية، {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)}([794])، ففي كل كتاب لُعنتم، على لسان كل مرسل نعتم، وبكل قبيحٍ وصفتم، وعندنا خبركم من حين خرجتم، أنكم كفرة، ألا لعنة الله على الكافرين، من تمسَّك بالأصول فلا يبالي بالفروع. نحن المؤمنون حقاً، لا يدخل علينا عيب، ولا يضرنا ريب، القرآن علينا نزل، وهو سبحانه بنا رحيم لم يزل، فتحققنا نزوله، وعلمنا ببركة تأويله، فالنار لكم خلقت، ولجلودكم أضرمت، {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ}([795])، ومن أعجب العجب تهديد الرتوت([796]) بالتوت([797])، والسباع بالضباع، والكماة بالكراع نحن خيولنا برقية وسهامنا عربية، وسيوفنا يمانية، وليوثنا مضرية، وأكفنا شديدة المضارب، وصفتنا مذكورة في المشارق والمغارب، إن قتلناكم فنعم البضاعة وإن قتل منا أحد فبينه وبين الجنة ساعة ،
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}([798]). وأما قولكم : قلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، فالقصَّاب لا يبالي بكثرة الغنم وكثير الحطب يفنيه القليل من الضرم، {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}([799]). الفرار الفرار من الرزايا، وطول البلايا، واعلموا أن هجوم المنية عندنا غاية الأمنية، إن عشنا عشنا سعداء، وإن قُتلنا قُتلنا شهداء، {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}([800]). أَبَعد أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين تطلبون منا طاعة، لا سمع لكم ولا طاعة وطلبتم أن نوضح لكم أمرنا قبل أن ينكشف الغطاء، ففي نظمه تركيك، وفي سلكه تلبيك، لو كشف الغطاء لبان القصد بعد بيان، أكفرٌ بعد إيمان، أم اتخذتم إلهاً ثان، وطلبتم من معلوم رأيكم أن نتَّبع ربكم، {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا}([801])، قل لكاتبك الذي وضع رسالته ووصف مقالته، وصل كتابك كضرب رباب أو كطنين ذباب، {كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ}([802])، إن شاء الله تعالى [لقد خلطتم في الأمر في الذي أرسلتم]([803])، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}([804]) والسلام».
(4)
كتاب تيمورلنك إلى السلطان فرج كتبه من ملطية في شهر المحرم سنة 803هـ (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص276).
ترجمة الكتاب إلى الفارسية:
«لقد بدرت من والدك حركات مستهجنة من جملتها قتله رسلنا دون سبب، وحبسه أطلمش الذي كان من رجال بلاطنا وعدم إرجاعه. ولما أسلم والدك وديعة الحياة فإنّ سؤاله وجزاءه قد أوكل إلى الباري يوم القيامة. وينبغي عليك أنت أن ترحم نفسك وأهل مملكتك، وأن تعيد أطلمش إلينا حتى تنجي أهل مصر والشام من انتقام جيشنا الذي يتحرق إلى الثأر. وإذا سلكت غير هذا الطريق بدافع من وسوسة شيطان اللجاج وعناد الخلاف، فإنّ جميع تلك الديار والبلاد سوف تصير خراباً بمجرد مرور عساكرنا المنصورة وعبورها فيها. وسيكون وزر ووبال دماء المسلمين وأموالهم في عنقك».
(5)
كتاب تيمورلنك إلى السلطان فرج في جمادى الأولى سنة 803هـ حين تقدّم تيمورلنك لحصار دمشق (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص315ـ 316).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«لقد علمت آثار حزمنا وعزمنا في الأمور، وعلو همتنا في تحصيل المطالب، وإتمام المقاصد والمآرب، وإنّ العقلاء ليعلمون أن تشبث الرجال بالأمور هو نزع من الغيرة والحمية، سواء كان الرجال ملوكاً أو من أفراد الشعب. وإنّ الهدف الأصلي للملوك، من قيادة الجيوش وفتح الممالك مع كلّ هذا الرعب والخطر هو رعاية الناموس في الحال وبقاء الذكر الجميل في المآل، وليس هو مجرد جمع المال وتكثير المنال.
إنّ أهمّ الأعمال في الدنيا رعاية الناموس وإبقاء الذكر الطيب، وإلاّ فإنّ المرء يكفيه نصف رغيف من الخبز.
وقد طلبت أطلمش مرّات، ولكنكم لم ترسلوه وتعللتم بعلل واهية لتأخير إرساله، حتّى ثارت فينا النخوة لنسير إلى بلادكم، وننزل أنواع الخراب والدمار بالناس والأموال في دياركم.
«إذا نطق الصخر، فسيجيب بأنّ شجرة الخطأ لا تعطي ثمراً».
وبرغم هذا كلّه فإنّك إذا أرسلت أطلمش، وزينت السكة والخطبة باسمنا وألقابنا، وطويت بساط النزاع بيننا، ورحمت نفسك وأهل ديارك، لانتهى كلّ شيء، وإلاّ فإنّ جيشنا الجرار المتعطش إلى احتساء الدماء سوف يعصف بالمخالفين، ويقهر المعاندين، ويستولي على الديار ويقتلع الرسم المعهود ويبلغ غاية المقصود.
«هناك طريقان طريق المداراة وطريق اللجاج».
«الأوّل يؤدّي إلى الأمن والثاني يؤدّي إلى الحرب».
«وقد أظهرت لك العقل فانتصح».
«واختر طريقاً من الطريقين».
(6)
جواب السلطان فرج على كتاب تيمورلنك السابق وتاريخه جمادى الأولى سنة 803هـ (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص317).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«نحن عبيد في مقام الطاعة والانقياد. وسنرسل أطلمش في خلال خمسة أيام. فإذا تجاوز السلطان الأعظم عن جرائمنا فإنّنا لن نهمل أو نقصر في أداء وظائفنا وإطاعة الأوامر، وإظهار الخضوع وسنفعل كلّ ما في مكنتنا ومقدورنا لإرضاء خاطركم الشريف ومشاعركم السلطانية».
(7)
كتاب من السلطان فرج إلى تيمورلنك كتبه من دمشق وقت حصار تيمورلنك لها وتاريخه جمادى الأولى 803هـ (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص327).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«إنّ ما حدث أمس كان من فعل بعض الغوغاء دون رغبة منّا، إذ أنّ جمعاً من الجهال والأوباش قد تجرّؤوا عن جهل للهجوم فلقوا جزاءهم. ونحن باقون على العهد الذي عرضناه، فإذا أوقف الجيش القتال اليوم، فإنّنا سوف ننفذ غداً كلّ ما تأمرون به، ونقوم بتقديم العذر عن التقصيرات السابقة حسب المقدور».
(8)
كتاب من تيمورلنك بعد واقعة أنقرة إلى السلطان فرج وتاريخه 805هـ (مير خواند: روضة الصفا، ج6، ص246).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«أصبح ملك جميع بلاد الروم بنصرة الله، وعناية السلطان تحت حكم أتباعنا فينبغي أن تزين سكة بلاد الشام ومصر وخطبتها باسمنا ولقبنا العظيم، وأن تطلقوا سراح أطلمش في الحال، وترسلوه إلى بلاطنا الذي هو ملجأ للعالم، وإذا تغافلتم في هذا الأمر أدنى تغافل فتيقنوا أنّ راياتنا المظفرة ستتجه بعد عودتها من بلاد الروم إلى مصر وترفرف على ربوعها. وقد قلت كلّ ما في نفسي وأنت تعرف ما بعد ذلك. وقد أعذر من أنذر» ا.هـ.
تعليق لنا
ونقول تعليقاً على الاستهانة من تيمورلنك بالإقرار بأنّهم لا يرقّون لشاك ولا يرحمون عبرة باك، وأنّهم قد نزع الله الرحمة في قلوبهم، وبأنّهم خربوا البلاد ويتّموا الأولاد وأظهروا في الأرض الفساد. والتباهي بهذا، نقول: يدلك هذا على الحال التي وصل إليها حكام المسلمين، والصحيح أن نقول الحال التي استمرّ عليها أولئك الحكام منذ العام الهجري 41 حتّى العام 796 وما بعده، أي منذ صدور الأوامر إلى بسر بن أرطأة وسفيان بن عوف بالقتل العام والنهب العام في الأنبار والحجاز واليمن، واستمرار ذلك حتّى عهد تيمورلنك. والفرق بين من سبق تيمور منذ العام 41هـ حتّى العام 796 أنّ هذا لم ينافق كما نافق من سبقه ولم يدّع ما ليس فيه، بل كان صريحاً واضحاً معلناً حقيقة نفسه!.
صحيح أنّ هذا الذي يعلنه تيمور إنّما يراد به التهديد والوعيد، ولكن الصحيح أنّ التباهي به شيء فظيع، والذي يتفق فيه الطغاة منذ العام 41هـ حتّى العام 796 وما بعده أنّهم جميعهم يقولون إنّهم جند الله.
ثمّ إنّا نفهم من مجرى الأحداث ـ كما قلنا من قبل ـ أنّ تيمور لم يكن البادئ بالشر، ولنا أن نقول: إنّه لم يكن في ذهنه غزو بلاد الشام لولا قتل برقوق لرسله، وأنّ المسؤول عن ذلك الغزو وما جرَّه على بلاد الشام من الويلات هو الظاهر برقوق بخروجه على أبسط قواعد الأعراف الإنسانية العالمية، من أنّ الرسل لا تقتل.
رجوع تيمور
وقد كان الظاهر برقوق قد استعدّ للقاء تيمور، فعن تاريخ ابن أياس أنّه في سنة 789هـ/ 1387م، حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير طغاي، وكان قد توجّه إلى بلاد الشرق لمعرفة أخبار تيمورلنك، فأخبر السلطان أنّ جاليش (أعلام) تيمور قد وصل إلى الرها وكسر قرا محمد أمير التركمان، وأنّ بوادر عسكره قد وصلت إلى ملطية، فأمر السلطان بعقد مجلس بالقصر الكبير، وطلب القضاة الأربعة والخليفة وشيخ الإسلام عمر البلقيني وأعيان المشايخ المفتين والأمراء، فتكلم السلطان في أخذ مال الأوقاف، فلم يوافق شيخ الإسلام ولا القضاة الأربعة على ذلك، فشكا السلطان خلو الخزائن، فوقع جدال عظيم ودافعوا السلطان وأغلظوا له، ثمّ اتفقوا على أن يؤخذ من الأوقاف أجرة الأماكن وخراج الأراضي سنة كاملة، ورسم السلطان لمحتسب القاهرة أن يتولى جبي الأموال من الناس، ورسم بأخذ زكاة الأموال من التجار، وندب إلى ذلك القاضي الحنفي. وفي رجب سنة 789هـ/ 1387م، خرجت التجريدة من القاهرة في تحمّل زائد واستمرّت من الصبح إلى قريب الظهر. واشتدّ الأمر على الناس، وجبيت الأموال منهم غصباً بالعصا في يوم واحد ثمّ جاءت الأخبار برجوع تيمور إلى بلاده وأنّ ولده قتل فسكن الناس ورسم السلطان بردّ ما أخذ منهم.
وفي هذا النص الذي أخذناه بكامله عدّة أمور تلفت النظر:
1 ـ إنّ الخليفة يدعى كسائر الناس إلى المؤتمر الذي عقده برقوق، ثمّ لا يكون له رأي في كلّ ما يجري، فقد لزم الصمت وترك الآخرين يتجادلون ويقرّرون.
2 ـ وجود منصب ديني كبير يسمّى من يتقلَّده «شيخ الإسلام». وعلى هذا فليس الأتراك العثمانيون هم الذين أوجدوا هذا المنصب في عهدهم، بل سبقهم إليه المماليك. وإذا كنّا قد عرفنا صلاحيّة شيخ الإسلام العثماني فإنّنا نجهل صلاحية شيخ الإسلام المملوكي.
3 ـ استقلال رأي شيخ الإسلام وآراء القضاة الأربعة وشجاعتهم في الوقوف بوجه السلطان، ومنعه من الاستيلاء على الوقف، في حين أنّ الخليفة لم يبد ولم يعد في هذا الأمر وسلم به.
ولم يكتفِ شيخ الإسلام والقضاة الأربعة بمعارضة السلطان بل دافعوه وأغلظوا له، بنص ابن أياس.
4 ـ غربة الشعب عن هذا كلّه، فالناس يرون أنّه تُطلب منهم الأموال لتغذية حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بل إنّ السلطان أوقعهم فيها بطغيانه حين قتل رسل تيمورلنك، وكانوا في غنى عن ذلك لهذا تمرَّدوا على دفع الأموال، ولم تُجْبَ منهم إلاّ بالعصا.
أمّا رجوع تيمور عن قصد برقوق بعد أن كان متوجهاً إليه، فقد ذكر ابن عربشاه سببه كما يلي: في 7 ذي القعدة سنة 796هـ/ 1393م، رحل تيمور واستصحب معه الملك الظاهر صاحب ماردين وحبسه في مدينة (سلطانية) وحبس معه من أمرائه الأمير ركن الدين وعز الدين السليماني واستنبوغا وضياء الدين وضيق عليه ومنعه من مكاتبة أهله بحيث بقي سنة لا يُعرف له خبر. ثمّ وفدت الملكة الكبرى إلى سلطانية وخففت عنه، وأذنت له بمراسلة أهله ونصحته بالدخول في طاعة تيمور. قال: وكان سبب خروج تيمور أنّه بلغه أنّ فيروز شاه سلطان الهند قد توفي وليس له ولد، وأحوال بلاد الهند مضطربة، فرأى أن توجّهه إلى بلاد الهند والاستيلاء عليها أولى من مجيئه إلى الديار المصرية فكرَّ راجعاً إلى بلاد الهند واستولى عليها. ولمّا بلغ برقوق رجوع تيمور إلى بلاده رجع هو إلى مصر اهـ.
على أنّ رجوع تيمور في قصد بلاد الشام كان رجعاً موقَّتاً، فهو لا يمكن أن ينسى الإهانة التي لحقته بقتل برقوق لرسله وما وجهه إليه من شتائم في رسالته.
إنّه في الأصل لم يكن ينوي غزو بلاد الشام التي كانت تابعة لحكم برقوق في مصر، بل على العكس من ذلك، تودّد إليه في أوّل الأمر وراسله مراسلة تحمل طابع التآلف ما رأينا في ما تقدّم من القول.
استقرار تيمور
عندما قصد تيمور بغداد هرب السلطان أحمد من أويس، المتغلّب عليها، إلى الشام؛ وذلك في شهر شوال من سنة 795هـ. ووصلها تيمور في 21 منه، ثمّ خرج منها قاصداً ديار بكر وآذربيجان وتساقطت بعد ذلك عدّة مدن في يده.
وسار أحمد بن أويس إلى الرحبة فحلب، فلمّا بلغ الظاهر برقوق ـ وهو في مصر ـ خبره أرسل إليه الإقامات ووجّه إليه من يستقبله من الأمراء، وذلك كرهاً بتيمور.
ووصل إلى برقوق رسول السلطان بايزيد العثماني حاملاً له هدايا عظيمة، وأخبره بأمر تيمور وحذّره من الغفلة في أمره. فأوغز برقوق إلى والي القاهرة بالنداء للعكسر بالعرض في الميدان، وتكرّرت المناداة ثلاثة أيام بأن لا يتأخّر عن العرض كبير ولا صغير([805]).
وكان تيمور قد استولى على ديار بكر والرها، وأرسل إلى القاضي برهان الدين أحمد، حاكم سيواس وقيصرية وتوقات، أن يخطب باسم محمد خان بن (سيور غاتمش خان) واسم تيمور ويضرب السكة باسمه، فلم يجبه القاضي بشيء، بل قتل بعض رسله وقطع رؤوسهم وعلّقها في أعناق من بقي منهم وشهرهم وأرسل قسماً منهم إلى الظاهر برقوق وقسماً إلى السلطان بايزيد العثماني، فأرسل إليه بايزيد يشكره على ذلك.
فلمّا بلغ تيمور ما جرى على رسله غضب غضباً شديداً.
ثمّ وصل أحمد بن أويس إلى مصر في ربيع الأوّل سنة 786هـ مستصرخاً الظاهر برقوق، فنادى برقوق في عسكره بالتجهيز إلى الشام([806]) واستخلف على القاهرة النائب سودون، وارتحل على تعبئة، ومعه أحمد بن أويس، ودخل دمشق آخر جمادى الأولى، وكان قد أوعز إلى جلبان نائب حلب بالخروج إلى الفرات واستنفار العرب والتركمان للإقامة هناك رصداً للعدو، فلمّا وصل دمشق وفد عليه جلبان ثمّ رجع، وبعث برقوق العساكر مدداً له.
وكان تيمور قد شغل بحصار ماردين فأقام عليها شهراً وملكها، وامتنعت عليه قلعتها فارتحل إلى ناحية بلاد الروم (الأناضول) ومَرَّ بقلاع الأكراد فأغارت عساكره عليها واكتسحت نواحيها. وبرقوق لهذا العهد ـ وهو شعبان سنة 796هـ/ 1393م ـ مقيم في دمشق. ويقول ابن إياس: إنّ برقوق وصل إلى دمشق مع القان أحمد بن أويس يوم الاثنين 12 ربيع الآخر فنزل بالقصر الأبلق الذي في الميدان، ثمّ توجّه إلى حلب، فحضر إليه قصاد من السلطان بايزيد بن عثمان بأن يكون هو (بايزيد) وبرقوق يداً واحدة على دفع تيمور. ثمّ حضر إليه قاصد طقتمس خان صاحب بسطام بمثل ذلك فأجابهما بالقبول، وبلغه وهو بحلب أنّ جاليش عسكر تيمور قد وصل البيرة.
نظرة في هذه الأحداث
نرى، في ما سبق عرضه، أنّه إذا كان تيمور قد فعل ما فعل من القتل في بلاد الشام، فإنّ القاضي برهان الدين أحمد، حاكم سيواس، قد سبقه إلى ذلك وجرّأه عليه وأوجد له المسوّغ.
فهذا القاضي الحاكم الذي يستحلّ قتل الرسل، ثمّ يعلق رؤوس مَن قتلهم في أعناق من لم يقتلهم ويشهرهم ويرسل بعضهم بهذه الحالة إلى برقوق، وبعضهم إلى السلطان العثماني، هو نظير ليتمور في ارتكاب الفظائع، ومتفوق عليه في سفك الدماء، ومشجِّع له على المجازر، وقد أوجد له الأعذار في هذا.
والسلطان العثماني والسلطان المملوكي، اللذان سَرَّهما هذا العمل وأرضاهما، هما شريكان في تشجيع المجازر البشرية الجماعية!.
فعلينا ألا نصم تيمور وحده، بل أن نصم هذين الحاكمين ـ والحاكم الآخر الذي سيأتي ذكره ـ اللذين هلّلا للمجزرة وأن نوجّه الوصمة الكبرى إلى القاضي الحاكم برهان الدين بأشدّ ممّا نوجّهها إلى تيمور، لأنّ تيمور، في ما فعل، منتقم لرسله القتلى وغير مبتدئ بالقتل.
ولم يكن القاضي برهان الدين وحده هو الذي قتل رسل تيمور بل إنّ «برقوق»، هو الآخر فعل الأمر نفسه ـ كما تقدّم ـ وكذلك فعله دمرداش نائب حلب (واليها)، ما أثار غضب تيمور ونقمته وجعله يصمّم على غزو بلاد الشام.
ولم يخجل هذا الذي لقَّب نفسه باللقب الديني: برهان الدين، وهو يحمل هذا اللقب، من أن يدنس الدين الذي جعل من نفسه برهانه بسفك دماء الأبرياء وتعليق رؤوس القتلى على صدور الأحياء والطواف بهم من بلد إلى بلد.
عوامل أخرى
وهناك عوامل أخرى حفزت تيمور على غزو بلاد الشام، ومنها ما أشار إليه ابن حجر فيما حكي أنّه ذكر في حوادث سنة 798هـ. أنّ «اطلمش»، قريب تيمور، قبض عليه قرا يوسف التركماني، صاحب تبريز وأرسله إلى الظاهر برقوق فاعتقله. وقال في حوادث سنة 799هـ: «وصلت كتب من تيمور فعوقت رسله بالشام وأرسلت الكتب التي معهم إلى القاهرة ومضمونها التحريض على إرسال قريبه أطلمش الذي أسره قرايوس. فأمر السلطان برقوق أن يكتب أطلمش إلى قريبه كتاباً يعرفه فيه ما هو عليه من الخير والإحسان بالديار المصرية. وأرسل برقوق ذلك مع جوابه، ومضمون الجواب: إذا أطلقت من عندك من جهتي أطلقت من عندي من جهتك والسلام».
هذا رأي «ابن حجر»، ولكن يظهر، من غير ابن حجر، أنّ تيمور كان غاضباً على أطلمش وأنّه طلبه ليعاقبه. ويروي صاحب كتاب «عجائب المقدور» قصة قتل رسل تيمور مع روايته قصة «أطلمش»، كما يروي ذلك صاحب «البدر الطالع» قائلاً:
أرسل تيمور، وهو في «عينتاب»، رسولاً إلى النواب في حلب طلب فيه منهم أن يطيعوا أمره ويكفّوا عن القتال وأن يخطبوا باسم محمود خان وباسمه وأن يرسلوا إليه «أطلمش»، زوج بنت أخت تيمور الذي أسره التركمان وأرسلوه إلى مصر، فلم يُجَب إلى شيء ممّا طلبه وقتل سودون نائب دمشق الذي كان يومئذ موجوداً في حلب، مع بقية نواب البلاد الشامية، رسول تيمور قبل أن يسمع كلامه وضرب رأسه على رؤوس الأشهاد.
وعن ابن حجر أنّ الكتاب كان إلى نائب حلب وأنّه قال فيه: «إنّا وصلنا في العام الماضي إلى البلاد الحلبية لأخذ القصاص ممّن قتل رسلنا بالرحبة ثمّ بلغنا موته (يعني الظاهر بقرقوق)، وبلغنا أمر الهند وما هم عليه من الفساد فتوجهنا إليهم فأظفرنا الله تعالى بهم ثمّ رجعنا إلى «الكرج» فأظفرنا الله بهم، ثمّ بلَغَنا قلّة أدب هذا الصبي ابن عثمان فأردنا عرك أذنه ـ وكان عمر بايزيد يومئذ فوق الثلاثين ودون الأربعين ـ فشغلنا بسيواس وغيرها من بلاد ما بلغكم، ونحن نرسل الكتب إلى مصر فلا يعود جوابها، فنعلمهم أن يرسلوا قريباً أطلمش، فإن لم يفعلوا فدماء المسلمين في أعناقهم والسلام».
فأمر نائب حلب بضرب أعناق رسل تيمور. فلمّا علم تيمور أنّ رسله قُتِلت زحف من عينتاب على حلب، ثمّ بعد ذلك إلى دمشق، فجرى فيها ما جرى من أهوال الحريق والقتل والنهب…
وأقام في دمشق ثمانين يوماً، ثمّ غادرها عائداً إلى بلاده. وبذلك يتأكد أن غرضه كان الانتقام لقتل رسله لا فتح البلاد وحكمها.
ونحن نعتبر أنّ المسؤول الحقيقي عن محنة بلاد الشام لا تيمور وحده، بل إنّ المسؤولية تقع أوّلاً على القاضي برهان الدين أحمد والظاهر برقوق وسودون نائب دمشق ودمرداش نائب حلب، هؤلاء الذين قتلوا رسله فأثاروه للانتقام لقتل رسله. وقد كان من قبل متودّداً لأولئك القتلة طالباً إقامة علاقات تجارية بين بلاده وبلادهم، كما مرّ.
ومن اللافت للنظر أنّ ابن الشحنة يروي ما يلي: إنّه وجد منقوشاً على رخامة بالجامع النووي بحماه ما خلاصته: «سبب نقش هذا أنّ الله تعالى يسَّر لنا فتح البلاد والممالك حتّى انتهينا إلى بغداد، فأرسلنا قصادنا الى ملك مصر بأنواع التحف والهدايا، وكان قصدنا أن تتأكد الصداقة بيننا فقتل قصادنا من غير موجب، ثمّ قبض التراكمة على أناس من جهتنا وأرسلوهم إلى سلطان مصر برقوق فسجنهم وضيَّق عليهم فلزم من هذا أنّا توجهنا لاستخلاص متعلقينا من أيدي مخالفينا واتفق لذلك نزولنا بحماه في العشرين من ربيع الآخر سنة 803 (1400)». (انتهى).
ونرى أنّ تيمورلنك الذي لم يكن لديه من وسائل الإعلام في ذلك الوقت ما يجعله يظهر عذره للرأي العام في غزو بلاد الشام، ويسوِّغ فعل ما فعل سوى رخامة في مسجد تقصده الجماهير في كلّ يوم جمعة، فتقرأ وتطلع وتذيع بين الناس ما قرأت وطالعت.
وقد أبان، في بيانه هذا، أنّه قصد أوّل الأمر مصادقة برقوق والتحبّب إليه، فأرسل رسله حاملين أنفس الهدايا مُعربين عن عواطف الصداقة ومشاعر المحبة، ولكن برقوق قابل ذلك بقتل الرسل الذين تحرم قتلهم جميع شرائع العالم وأعرافه.
ثمّ إنّ برقوق رفض إطلاق أقرباء تيمورلنك الذين قبض عليهم التركمان وأرسلوهم إليه، بل ضيَّق عليهم وسجنهم.
ثمّ يعلن تيمورلنك، في ختام بلاغه، أنّه إنّما قدم إلى بلاد الشام لتخليص أقربائه. ولكن لماذا اختار حماه لتكون المكان الذي ينقش على جدار مسجده الجامع بلاغه هذا؟ الذي يلوح لنا أنّ هذا الاختيار إنّما كان لأنّ مدينة حماه يتوسّط موقعها بلاد الشام، وهو موقع تتقاطع فيه طرق الذاهبين إلى جميع جهات بلاد الشام.
عودة تيمورلنك إلى بلاد الشام
لم يقدر ليتمور أن يلقى غريمه برقوق في ميدان القتال، فبينما كان تيمور في الهند توفي الملك الظاهر برقوق، وذلك في 15 شوال سنة 801هـ (1398م) وأقيم مكانه ولده فرج وعمره عشر سنين ولقب بالملك الناصر.
وبعد أن استتب الأمر لتيمور في الهند غادرها سنة 802هـ مخلفاً فيها نائباً عنه، بعد أن أقام فيها نحواً من سنتين، فعبر نهر جيحون إلى خراسان واجتازها إلى آذربيجان واصلاً إلى مدينة تفليس مستولياً على بلاد الكرج (جورجيا).
وفي 8 رجب سنة 802هـ كان في بغداد ومنها اتجه إلى بلاد الشام فاتحاً ما في طريقه من بلاد حتّى كان في عينتاب التي حاصرها ثلاثاً وعشرين ليلة ثمّ أخذها، ومنها أرسل إلى النواب في حلب كتاباً طلب فيه أن يطيعوا أمره ويكفّوا عن القتال وأن يخطبوا باسم محمود خان وباسمه وأن يرسلوا (أطلمش) الذي أسره التركمان وأرسلوه إلى مصر.
فأمر نائب حلب([807]) بضرب أعناق رسل تيمور. وعمد إلى تحصين سور حلب بالمدافع، والمكاحل والمقاتلة.
فلمّا بلغ هؤلاء النواب وصول تيمور إلى عينتاب عقدوا فيما بينهم مؤتمراً عسكرياً لتقرير خطة الدفاع عن حلب. فرأى بعضهم تحصين المدينة وأن يكونوا على الأسوار، فردّ آخرون بأنّ هذا من إمارة العجز، والرأي أن نكون حول البلد فإنّه أفسح للمجال. فقال نائب طرابلس ـ وكان ذا رأي سديد ـ: إنّ عدد العدو كثير، ولكنّه أعمى لأنّه غريب عن البلاد والرأي أن نحصن المدينة ونكون خارجها في جانب واحد ونحفر حولنا خندقاً ونكتب إلى الأعراب والأكراد والتركمان فيتسلطوا على العدو بالقتل والنهب، فإن أقام ففي شر مقام، وإن رجع فهو ما نريد. فقال دمرداش: الرأي أن نناجزه ولا نطاوله، وإن لم نناجزه أنس منّا الوهن. وأخذ يحرّضهم على ذلك، وممّا قاله: إنّا إذا كسرناهم فهو المرام وكفينا عسكر مصر المؤونة، وإن كسرونا نكون قد بذلنا المجهود.
ولم يزل يحسّن لهم هذا الرأي الفاسد حتّى أجمعوا عليه لأنّه كان صاحب البلد. على أنّ هناك من يرى أنّه كان موافقاً لتيمور، وأنّه أتى بهذا الرأي الفاسد تسهيلاً للأمر على تيمور.
إنّ المؤتمر العسكري الذي عقده النواب كان يمثّل الجيوش الشامية فقط، وهنا نفتقد الجيش المصري وممثليه، فتيمور كان يقصد أوّل ما يقصد الانتقام من قاتل رسله الأوّل: الظاهر برقوق صاحب مصر الذي يتبعه نواب البلاد الشامية، والشام ليست المقصد الأساس لتيمور، بل هي طريقه إلى مصر. وإذا كان الظاهر برقوق قد مات فقد بقي ابنه وأصحابه. وهذا يعرفه المصريون، فلماذا لم يكن جيشهم مشتركاً في الدفاع عن حلب التي هي باب الشام الذي يلجون منه للانتقام؟!.
ليس لنا هنا أن نحكم بشيء وبيننا وبين تلك الأحداث ما بيننا من الأزمان، على أنّ الجيش المصري حضر بعد ذلك للدفاع عن دمشق.
في حلب
قام جيش الدفاع بتحصين حلب وإيصاد أبوابها. ووكلوا بكلّ محلة أهلها وفتحوا البابين المقابلين للجهة التي نزل فيها تيمور: باب النصر وباب القناة.
وفي يوم وصول تيمور وهو يوم الخميس 9 ربيع الأوّل سنة 803 برز من عسكره ألفا رجل، فبرز إليهم من العساكر الشامية ثلاثمئة فاستطاعوا هزيمة الألفين. وفي اليوم الثاني برز من العسكر التيموري نحو خمسة آلاف فتقدّمت إليهم طائفة من العسكر الشامي، فاقتتلوا حتّى المساء ثمّ افترقوا.
وفي يوم السبت 11 ربيع الأوّل ركب تيمور في عساكره وكان قد عبأها تحت جنح الليل، وأمامه الفيلة التي قيل إنّ عددها كان ثمانمئة وثلاثين فيلاً.
وكان دمرداش على ميمنة العساكر الشامية، فانهزم بالميمنة، فعند ذلك عمّت الهزيمة. ومن هنا اتّهم دمرداش بالمخامرة.
ويصف أحد المؤرخين ما جرى قائلاً: وفرّ الباقون وجعلوا يلقون بأنفسهم من الاسوار والخنادق والتتار في إثرهم يقتلونهم ويأسرونهم، فقصدوا المدينة من الأبواب المفتوحة وازدحموا عندها والسيوف تأخذهم حتى سدّت الأبواب بالقتلى ولم يتمكّن الكثيرون من الدخول. وصعد النواب إلى القلعة وتحصّنوا فيها.
وهكذا حرمت المدينة العربية الباسلة من دفاع مشرف، ودخل تيمور حلباً بالسيف، واستمرّ القتل والأسر والإحراق إلى يوم الثلاثاء.
أمّا أولئك القواد أصحاب هذا الهوان فكلّ ما فعلوه أن نزلوا وفي أعناقهم مناديل، وتوجّهوا إلى تيمور يطلبون الأمان.
وهنا يختلف المؤرخون في مصيرهم: فابن أياس يقول: إنّ تيمور خلع عليهم أقبية مخمل أحمر وألبسهم تيجاناً مذهبة وقال له: أنتم صرتم نوابي.
أمّا ابن عرب شاه فيقول إنّه قبض على سودون ونواب طرابلس وصفد وغزة وقيدهم، وخلع على دمرداش فقط مكافأة له على مخامرته. ولكن ما حدث بعد ذلك لدمرداش ينفي ذلك.
ثمّ أرسل معهم جماعة من أمرائه يتسلمون القلعة.
حوار تيمور مع العلماء
وفي يوم الأربعاء صعد إلى القلعة وجلس في أبوابها، وطلب العلماء والقضاة فجاؤوا إليه فأذن لهم بالجلوس، ومنهم: ابن الشحنة صاحب تاريخ روض المناظر والقاضي شرف الدين موسى الأنصاري الشافعي والقاضي علم الدين القفصي المالكي.
وكان يصحبه من العلماء عبد الجبار بن نعمان الدين الحنفي فقال له: قل لهم إنّي سائلكم عن مسألة سألت عنها علماء سمرقند وبخارى وهرات وسائر البلاد التي افتتحتها ولم يحسنوا الجواب فلا تكونوا مثلهم، ولا يجاوبني إلاّ أعلمكم، وليعرف ما يتكلم. فإنّي خالطت العلماء ولي بهم اختصاص وإلفة، ولي في طلب العلم طلب قديم.
قال ابن الشحنة: فأشاروا إليّ، فقال لي عبد الجبار: سلطاننا يقول: إنّه بالأمس قتل منّا ومنكم، فمن الشهيد؟ قتيلنا أم قتيلكم؟
فقلت: هذا سؤال سئل عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأجاب عنه، وأنا مجيب بما أجاب به.
فقال عبد الجبار ـ يسخر من كلامي ـ: كيف سئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكيف أجاب؟!.
فقلت: جاء أعرابي إليه فقال يا رسول الله إنّ الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليعرف مكانه، فأيّنا في سبيل الله؟
فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. ومن قاتل منّا ومنكم لإعلاء كلمة الله فهو الشهيد.
فاستحسن تيمور هذا الجواب. وقال عبد الجبار: ما أحسن ما قلت… وتكرّرت الأسئلة منه والأجوبة منّا، فطمع كلّ من الفقهاء الحاضرين وجعل يبادر إلى الجواب ويظنّ أنّه في المدرسة، والقاضي شرف الدين ينهاهم ويقول لهم بالله اسكتوا ليجاوب هذا الرجل فإنّه يعرف ما يقول: وكان آخر ما سأل عنه ما تقولون في علي ومعاوية ويزيد؟ قال ابن الشحنة: فأسر إليّ القاضي شرف الدين أن أعرف كيف تجاوبه فإنّه شيعي، فأسرع ابن القفصي فقال: إنّ علياً اجتهد فأصاب فله أجران وإنّ معاوية اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، فغضب لذلك غضباً شديداً وقال: علي على الحق ومعاوية ظالم ويزيد فاسق وأنتم حلبيون تبع لأهل دمشق وهم يزيديون قتلوا الحسين فأخذت في ملاطفته.
وفي البدر الطالع: كان آخر ما سألهم عنه ما تقولون في معاوية ويزيد هل يجوز لعنهما؟ فقال شرف الدين الأنصاري الشافعي إنّ معاوية لا يجوز لعنه لأنّه صحابي فقال تيمور ما حدّ الصحابي فقال شرف الدين أنّه كلّ من رأى النبي (صلّى الله عليه وآله)، فقال تيمور: فاليهود والنصارى رأوه فقال إنّ ذلك بشرط أن يكون الرائي مسلماً، وقال شرف الدين أيضاً أنّه رأى في حاشية على بعض الكتب أنّه يجوز لعن يزيد، فتغيظ لذلك. قال صاحب البدر الطالع: ولا عتب عليه إذا تغيظ فالتعويل في مثل هذا الموقف العظيم في ذلك الأمر ـ الذي ممّا زالت المراجعة به بين أهل العلم في قديم الزمان وحديثه ـ على حاشية وجدها على بعض الكتب ممّا يوجب الغيظ، سواء كان محقاً أو مبطلاً (انتهى). قال ابن الشحنة: ثمّ طلبني ورفيقي القاضي شرف الدين وأعاد السؤال عن علي ومعاوية فقلت له لا شك أنّ الحق كان مع علي وليس معاوية من الخلفاء فإنّه صحّ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة وقد تمّت بعلي. فقال تيمور: قل علي على الحق ومعاوية ظالم، قلت: قال صاحب الهداية يجوز تقلّد القضاء من ولاة الجور فإنّ كثيراً من الصحابة والتابعين تقلدوا القضاء من معاوية وكان الحق مع علي في نوبته، فانسر لذلك وانفتح باب المؤانسة. وقال تيمور: إنّني رجل نصف آدمي وقد أخذت بلاد كذا وكذا وعدد ممالك العجم والعراق والهند وسائر بلاد التتر، فقلت اجعل شكر هذه النعمة عفوك عن هذه الأمّة ولا تقتل أحداً.
فقال: والله إنّي لم أقتل أحداً قصداً، وإنّما أنتم قتلتم أنفسكم في الأبواب والله لا أقتل منكم أحداً وأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم.
قال ابن الشحنة: وسألني تيمور عن عمري فقلت: مولدي سنة 749 وقد بلغت الآن 54 سنة وقال للقاضي شرف الدين: كم عمرك؟ قال أنا أكبر منه بسن.
قال تيمور: أنتم في عمر أولادي، أنا عمري 75 سنة.
هذه عجائب الدهر!. هذا الفاتح الذي استحلّ أن ينتقم لقتل رسله بتلك المذابح، لا يشغله التفكير بما سال على يديه من دماء، بل يشغله التساؤل عن مصير أولئك الضحايا، أهم شهداء يدخلون الجنة؟ أم أنّ قاتليهم هم الشهداء الذين يدخلونها!!.
هذا الذي لم يهتم بمصير الناس في الدنيا، يهتم بمصيرهم في الآخرة!…
وهذا الذي لا يرى أنّ المجازر والإحراق والنهب ممّا يغضب الله، يرى أنّ ترك الصلاة هو وحده الذي يغضب الله!.
يتمم ابن الشحنة كلامه السابق قائلاً:
وحضرت صلاة المغرب وأقيمت الصلاة وأمّنا عبد الجبار، وصلّى تيمور إلى جانبي قائماً يركع ويسجد، ثمّ تفرّقنا. ويقول ابن الشحنة: وأوصى بي وبالقاضي شرف الدين.
التوجّه إلى دمشق
وأقام تيمور بحلب إلى آخر ربيع الأوّل سنة 803، وفي أوّل يوم ربيع الآخر برز إلى ظاهر البلد للتوجّه إلى دمشق. وفي اليوم الثاني أرسل بطلب علماء البلد.
يقول ابن الشحنة: فرحنا إليه، فقيل لنا: إنّه يريد أن يستفتيكم في قتل نائب دمشق الذي قتل رسوله، فقلت: هذه رؤوس المسلمين تقطع وتحضر إليه بغير استفتاء!.
وفي الثالث من ربيع الأوّل سار متوجهاً إلى دمشق، وحمل خبر هذا التوجّه إليها كلّ من استنبوغا الدوادار، والفتح المدعو بعبد القصار، فخوّفا أهل دمشق وحذراهم ونصحاهم بالفرار من دمشق. فاضطرب الناس وتشتّت آراؤهم، فبعضهم قَبِل النصيحة وهرب إلى القدس أو مصر، وبعض اتهمهما وأراد قتلهما، وبعضهم بقي في البلد واستعدّ للقتال.
والتهمة التي وجّهت للرجلين هي ـ فيما يبدو ـ أنّهما إنّما قدما دمشق للتخذيل وإضعاف المعنويات وبث الانهزامية النفسية. وسنرى بعد هذا ما جرى في دمشق.
وبينما الناس في هذا إذ بلغهم أنّ ملك مصر الناصر فرج خرج من مصر بالعساكر لقتال تيمور. ولمّا كان الناصر لا يزال صغير السن فقد صحبه كافله وأتابكه (باش بيك). فكان لهذا الخبر أثره في تطمين الناس، فعاد كثير ممّن كانوا قد خرجوا.
ومضى تيمور حتّى بلغ حماه، وتابع سيره حتّى حمص، وفي الطريق مرض نائب الشام الذي معه ومات، وهبّ نائب طرابلس فغضب وقتل الموكلين بحفظه. أمّا دمرداش المتهم بالمخامرة والذي كان مع غيره من النواب فقد هرب هو الآخر. وبقي في أسره علاء الدين الطنبعا نائب صفد وزين الدين نائب غزة وغيرهما. واستولى في طريقه على بعلبك ومضى عنها حتّى أشرف على دمشق من جهة قبة اليسار. وكان الجيش المصري قد وصل إلى قبة يلبغا عاشر ربيع الآخر سنة 803هـ (1400م) ثمّ دخل دمشق ونزل في دورها.
أمّا الجيش التيموري فتقدّم حتّى نزل غربي دمشق وحدد أحد المؤرخين مواقعه فقال: غربي دمشق من داريا والخولة. ونقل مؤرخ آخر هذا القول وعلق عليه قائلاً: «الذي في النسخة بالخاء المعجمة، ولا يوجد ما يسمّى الخولة، فالظاهر أنّ صوابه الحولة بالمهملة، وهو اسم لناحيتين أحدهما بين حمص وطرابلس والأخرى بين بانياس وصور. ثمّ يقول: على أنّ وصول عساكر تيمور إلى حولة بانياس أو حولة حمص مستبعد فإنّها على كثرتها ينبغي أن تنزل فيما يقرب من دمشق وما يجاورها والله أعلم.
الدفاع عن دمشق
يقول ابن تغري بردي: لمّا قدم الخبر على أهل دمشق بأخذ حلب نودي في الناس بالرحيل من ظاهرها إلى داخل المدينة والاستعداد لقتال العدو، فأخذوا في ذلك، فقدم عليهم المنهزمون من حماه فعظم خوف أهلها وهمّوا بالجلاء فمنعوا من ذلك، ونودي من سافر نهب فعاد إليها من كان خرج منها.
وحصنت دمشق ونصبت المكاحل على أسوار المدينة واستعدوا للقتال.
ثمّ نزل تيمور بعساكره على قطنا فملأت عساكره الأرض كثرة. وهنا أراد استطلاع أحوال الدفاع فأرسل من يستكشف له حقيقة الحال، فعادوا إليه مخبرين بأنّ الناس متهيئين للقتال.
وبعض المؤرخين يتوسّع في تحديد المنطقة التي انتشر فيها الجيش التيموري فيجعلها هكذا: نزل عند سفح جبل الثلج (جبل الشيخ) أي غربي دمشق وفي قطنا وإقليم البلان إلى ميسلون.
أمّا الجيش المصري فقد حفر الخنادق وحصن القلعة، وبعد أن كانت جنوده داخل دمشق صدرت إليه الأوامر بالخروج إلى ظاهر البلد، منضمة إليه عساكر دمشق، وبذلك بدأت المناوشة بين الجيشين. ويقول ابن تغري بردي: وصفت العساكر السلطانية فبرز إليهم التيمورية وصدموهم صدمة هائلة، فعاد الأمر بين كرّ وفرّ، فكانت وقعة انكسرت فيها ميسرة السلطان، وانهزم العسكر الغزاوي وغيرهم إلى ناحية حوران. وحمل تيمور بنفسه حملة عظيمة شديدة فدفعته ميمنة السلطان حتّى اعادوه إلى موقعه.
وأمام هذا الدفاع الصامد مال تيمور إلى إنهاء الأمر سلماً وحصر مطالبه بإرسال أطلمش إليه في مقابل إطلاق من عنده من الأمراء المحتجزين في واقعة حلب.
وبدا أنّ دمشق قد حققت الفوز بصد تيمور عنها. وهنا فوجئ الناس بانسحاب السلطان المصري بعساكره وعوده إلى مصر، إذ اغتنم دخول الليل فمضى إلى وادي التيم في طريق العودة. فلم يشعر الناس إلاّ والنار تلتهب في مخيم العسكر السلطاني، وبدا أنّهم أحرقوا ما لا يستطيعون حمله خوفاً من أن يغنمه التيموريون.
وكانت الصدمة قوية على المدافعين، ولكنّها لم تزعزع عزائمهم وصمّموا على الدفاع وحماية شرف المدينة العربية الخالدة. وكان قد اجتمع فيها جموع كثيرة تدفّقت إليها من المدن المحتلة ابتداء من حلب فحماه فحمص وأهل القرى الذين مضوا على دمشق جافلين من تيمور، فانضمّ كلّ ذلك إلى العسكر الدمشقي. فأغلقوا أبواب المدينة وركبوا الأسوار ونادوا بالصمود والثبات.
وبانسحاب الجيش المصري رجع تيمور عن الحل السلمي وزحف بعساكره على دمشق فقاتل الدمشقيون من أعلى السور أشدّ قتال وردّوهم عن السور والخندق وأسروا منهم جماعة ممّن اقتحم باب دمشق وأخذوا من خيولهم عدّة كبيرة وقتلوا منهم نحو الألف وأدخلوا رؤوسهم إلى المدينة.
ويقول ابن أياس إنّه كان بين أهل دمشق وعسكر تيمور في أوّل يوم واقعة عظيمة فقتل من عسكر تيمور نحو ألفي إنسان.
وأمام هذا الصمود أدرك تيمور أنّه كان مخطئاً في تقديره أنّ انسحاب العسكر المصري قد أوهن عزائم الدمشقيين لذلك عاد إلى المساومة الصلحية، فأرسل يطلب من الدمشقيين أن يرسلوا إليه رجلاً من عقلائهم يمشي بينه وبينهم في الصلح، فاختاروا القاضي تقي الدين إبراهيم بن مفلح الحنبلي الذي وُصف بأنّه كان طلق اللسان بالتركية والفارسية، فأرخوه من أعلى السور ومعه خمسة من أعيان دمشق.
يقول المؤرخ بأنّه غاب عند تيمور ساعة ثمّ رجع فأخبر بأنّ تيمور تلطف معه في القول، وقال له: هذه بلد فيها الأنبياء وقد أعتقتها لهم!…
ونحن نسأل تيمور من وراء التاريخ: إذا كانت دمشق بلد الأنبياء وأنّه يعتقها لهم، فلماذا روّعها هذا الترويع ولماذا أراد بها هذا الشر؟ وهل إنّه كان يجهل ذلك من قبل، ولم يعرفه إلاّ حين برقت في وجهه السيوف الدمشقية، وصدمته العزائم الشامية؟
ويتابع المؤرخ قائلاً عن رسول الدمشقيين إلى تيمور: وشرح من محاسن تيمور شيئاً كثيراً وجعل يخذل أهل الشام عن قتاله ويرغبهم في طاعته اهـ.
ونحن لا ندري هل كان ذلك القاضي الرسول ضعيف النفس خائر الهمة فهالته قوى تيمور وأثرت في نفسه وهمّته فتخاذل؟ أمّ أنّ تيمور قد اشتراه بنوع من أنواع الشراء بأن دفع له مالاً أو وعده بمنصب فوقف هذا الموقف الانهزامي؟
ثمّ إنّ المؤرخ لا يحدّثنا عن رأي الأعيان الخمسة الذي صحبوا القاضي إلى تيمور، بل لقد اختفى ذكرهم… لقد نجح القاضي بمهمته التخذيلية، ويكفي في نجاحه أنّ الدمشقيين بعد أن كانوا صفاً واحداً يقف كالبنيان المرصوص في وجه تيمور، صاروا فرقتين: فرقة ترى ما رآه القاضي ابن مفلح وفرقة ترى الدفاع عن دمشق ومقاتلة تيمور. على أنّ الأكثرية كانت في الفرقة الثانية: فرقة الصمود والدفاع. ولكن الانشقاق وقع فأضعف القوّة الواحدة.
واستطاع الانهزاميون بالرغم من أنّهم الأقلية ـ استطاعوا أن يتجهوا إلى باب النصر محاولين فتحه، فتصدّى لهم نائب القلعة وقال: إن فعلتم ذلك أحرقتُ البلد. ولكن نائب القلعة لمّا رأى عين الغلب ـ كما عبّر المؤرخ ـ سلّم لهم القلعة بعد تسعة وعشرين يوماً.
على أنّ الغموض يكتنف هذا التعبير فلا يبدو لنا الموقف على حقيقته… ما المقصود بباب النصر؟ هل هو باب من أبواب المدينة أرادوا فتحه؛ ليدخل منه التيموريون؟ أم هو باب من أبواب القلعة؟ ثمّ كيف انقضت هذه الأيام التسعة والعشرون، هل انقضت في جدال ونقاش، أمّ في تقاتل وتصادم؟ هذا ما لا يبيّن في عبارة المؤرخ.
والمؤرخ الذي عنيناه فيما تقدّم من القول هو ابن الشحنة.
وأمامنا مؤرخ آخر هو ابن عرب شاه الذي كان واضحاً في عبارته التي سجّل فيها أحداث الساعات الأخيرة دون أن يتّضح لنا ما كان قبلها ممّا تحدّث عنه ابن الشحنة.
قال ابن عرب شاه: وتقدّم تيمور إلى المدينة.
إذاً إنّ تيمور قد اعتقد استسلامها فتقدّم إليها مستسهلاً دخولها.
ويتم ابن عرب شاه كلامه قائلاً: فامتنع أهلها عن تسليمها فبقوا على ذلك يومين.
وهنا لا ندري كيف مرّ ذانك اليومان؟ هل مرّا في نقاش وجدال وتفاوض، أم مرّا في قتال وتحارب؟ ثمّ يقول ابن عرب شاه: ثمّ خرج أعيانها الى تيمور طالبين الأمان، وهم قاضي القضاة إبراهيم بن مفلح، ـ وهو الرسول الأوّل إلى تيمور ـ وقاضي القضاة محمود بن العز الحنفي وولده شهاب الدين وقاضي القضاة محمد الحنبلي النابلسي والقاضي محمد بن أبي الطيب كاتب السر والقاضي أحمد الوزير والقاضي شهاب الدين الحياني الشافعي والقاضي إبراهيم بن لقوشه الحنفي نائب الحاكم. أمّا قاضي القضاة الشافعي فقد كان هرب مع السلطان.
وقبل أن نتمم السير في موضوعنا فإنّنا نقول إنّه تبيّن لنا من تركيبة هذا الوفد أنّ هناك نوعين من القضاة يتميّز أحدهما عن الآخر، فأحدهما يقرن اسمه بلقب قاضي القضاة، والثاني بلقب القاضي. وإذا كان المفروض أن يكون قاضي القضاة واحداً، فقد تعدّد هنا من يحملون هذا اللقب. ويبدو أنّه كان لكلّ مذهب من المذاهب الأربعة قاضي قضاة.
وصدف أنّ ابن خلدون كان في دمشق فانضمّ إلى الوفد المفاوض، وكان سبب وجوده في دمشق أنّه جاءها من مصر مع الجيش السلطاني، ويبدو أنّه فاته الالتحاق بالجيش المنسحب فبقي في دمشق وحين دخلوا على تيمور وقفوا إلى أن أذن لهم بالجلوس وهش لهم، فقدّم له ابن خلدون هدية فيها علب حلوى مصرية فتحها تيمور وأطعم منها رجاله ولم يذقها وأهداه سجادة صلاة فوضعها إلى جانبه وأهداه مصحفاً فقبّله ووضعه إلى جانبه.
ولمّا رأى شكل ابن خلدون بعمامة خفيفة وبرنس قال هذا الرجل ليس من هنا. وجيء بالطعام فكوموا تلالاً من اللحم السليق فبعضهم لم يأكل وبعضهم أكل، وتيمور يلحظهم، وكان من الآكلين ابن خلدون.
ثمّ أخذ ابن خلدون يتزلف لتيمور، فنادى بصوت عال: يا مولانا الأمير الحمدلله لقد شرفت بحضوري الملوك وأحييت بتواريخي مآثرهم ورأيت من ملوك العرب وغيرهم فلاناً وفلاناً ولكن لله المنّة قد طال عمري حتّى رأيت من هو الملك على الحقيقة، فإن كان طعام الملوك يؤكل لدفع الجوع فطعام مولانا الأمير يؤكل لذلك ولنيل الفخر والشرف.
هكذا خاطب ابن خلدون فاتح بلاد الشام ومذلّها!.
فأعجب تيمور كلامه وأقبل بكلّه عليه وسأله عن ملوك العرب وأخبارهم فذكر من ذلك الشيء الكثير.
وعن ابن الزملكاني تلميذ ابن خلدون: أنّ ابن خلدون قال: لمّا اجتمعت بتيمور في دمشق قال لي: أين بلدك؟ قلت: بالمغرب الجواني. قال: وما معنى الجواني في وصف المغرب؟ قلت: معناه الداخلي، أي الأبعد، لأنّ المغرب كلّه على ساحل البحر الشامي من جنوبه، فالأقرب إلى هنا برقة وإفريقيا، والمغرب الأوسط تلمسان وبلاد زناتة، والأقصى فاس ومراكش، وهو معنى الجواني. فقال لي: وأين مكان طنجة من ملك المغرب؟ فقلت في الزاوية من البحر المحيط والخليج المسمّى بالزقاق ومنها التعدية إلى الأندلس لقرب مسافته لأنّ هناك نحو العشرين ميلاً. فقال وسجلماسة؟ فقلت في الحد ما بين الأرياف والرمال من جهة الجنوب. فقال: لا يقنعني هذا وأحبّ أن تكتب لي بلاد المغرب كلّها أقاصيها وأدانيها وجبالها وأنهارها وقراها وأمصارها. فقلت يحصل ذلك بسعادتك. فكتبت له بعد انصرافي من المجلس ما طلب، أقمت في كسر البيت فكتبته في أيام قليلة وأوعبت الغرض في مختصر وجيز يكون في إثنتي عشرة كراسة ودفعته إليه فأخذه من يدي وأمر بترجمته الى اللسان المغولي.
هذا ما كان من أمر ابن خلدون. وأمّا ما كان من أمر وفد القضاة فإنّ تيمور خلع عليهم وردّهم مكرمين وأعطاهم الأمان لهم ولذويهم بشرط أن يدفعوا له أموال السلطان وأمرائه وقد فعلوا ذلك.
هذا ما رواه ابن عرب شاه. وإنّنا نلاحظ من هذا النص أنّ الأمان قد أعطي لرجال الوفد ولذويهم. ومعنى ذلك أنّ رجال الوفد لم يضمنوا للمدينة شيئاً، وكلّ ما ضمنوه هو لهم ولذويهم، وإنّهم آثروا مصالحهم الشخصية على مصالح المدينة التي أوفدتهم للمفاوضة باسمها، وأنّ تيمور سيدخل دمشق غير مقيد بشيء من الشروط. وهذا في حقيقته خيانة للمدينة التي ائتمنت هؤلاء على كرامتها وحرمتها وأموالها ودمائها، فلم يكونوا أهلاً لهذا الائتمان.
نعم، لقد ورد في أمان تيمور للوفد شيء يتجاوز أفراد الوفد إلى شؤون المدينة عامة، ولكن لم يكن هذا التجاوز لمصلحة دمشق، بل لمصلحة خزينة تيمور. وذلك أنّه شرط عليهم لقاء ما أعطاهم من أمان أن يؤدّوا له أموال السلطان التي بقيت في دمشق وأموال أمراء السلطان.
ويقول ابن عرب شاه إنّهم فعلوا ذلك، دون أن يبيّن الطريقة التي توصلوا بها إلى حيازة هذه الأموال ثمّ تسليمها إلى تيمور.
وحدث أنّه بينما كان القضاة في مجلس تيمور، أن جيء بالقاضي صدر الدين المناوي أسيراً، ويصفه ابن عرب شاه قائلاً: «وإذا هو بعمامة كالبرج واردان كالخرج».
وكان هذا القاضي قد تخلّى عن مدينته التي كان أحد قضاتها وآثر تركها لمصيرها والفرار مع سلطان مصر، ويبدو أنّه قد تباطأ في اللحاق بالمنسحبين، فأدركه جنود تيمور في ميسلون وقبضوا عليه وأحضروه إلى تيمور الذي كان مشغولاً بالمفاوضة مع زملاء هذا القاضي الموفدين من دمشق.
يقول ابن عرب شاه: فتخطى الرقاب وجلس في صدر المجلس!.
ونقول نحن: إنّه لحسن أن يحاول الإنسان بأن يكون له صدر المجلس وأن يرى نفسه أهلاً لذلك. ولكن الذي يفرّ من مواجهة أخطار مدينته مؤثراً السلامة على تحمّل أعباء دفع المعاناة عنها يجب أن يخجل من نفسه فلا يفكر بتخطي الرقاب والوصول إلى صدر المجلس، وليست صدور المجالس لمثل هؤلاء المتخاذلين الفرارين الجبناء الأنذال، الذين يعيشون في كلّ عصر ويسترون رذائلهم بعمائم كالأبراج واردان كالأخراج.
وفي الوقت الذي كان تيمور يكرّم الموفدين زملاء هذا القاضي ويحترمهم، كان يستشيط غضباً من هذا القاضي ويأمر بسحبه، ونعم ما فعل…
تيمور في دمشق
استسلمت دمشق ولكن القلعة لم تستسلم واستعدّ نائبها (أزدار) للحصار، فلم يهتم بها تيمور أوّل الأمر وانصرف همّه إلى تحصيل الأموال.
ولمّا كان الوفد الذي فاوض على التسليم لم يضمن لدمشق شيئاً فقد كان الأمر متروكاً لتيمور، فلم يبد منه أي شر، فقد نادى بالأمان وأن لا يبغي أحد على أحد. وعندما خرج بعض جنوده على هذه الأوامر وأغاروا على بعض الناس وبلغ ذلك تيمور أمر بصلب الجنود المعتدين فصلبوا في الحريرين برأس سوق البزوريين . ففرح الناس بذلك واطمأنوا، وانصرفوا إلى جمع ما فرض على المدينة من مال فوزّعوه على الحارات. وجاء يوم الجمعة فصلّى تيمور في الجامع الأموي وكان الخطيب قاضي القضاة الحنفي.
وكان ما فرضه من المال على دمشق مليون دينار ذهبي. ويقول المؤرخ: ففُرض على الناس فقاموا به من غير مشقة لكثرة أموالهم.
ثمّ سُلّمت أموال المصريين (الذين فرّوا) وسلاحهم وكراعهم، كما سُلّمت أموال الدمشقيين الذين جلوا عن البلد.
ثمّ ألزمهم بجمع السلاح وإخراجه إليه ففعلوا.
وعند ذلك انصرف إلى إحكام الحصار على القلعة، ومع أنّه لم يكن فيها إلاّ نفر يسير فقد اعياه أمرها ولكنّها عادت فسلمت بالأمان بعد حصار ثلاثة وأربعين يوماً.
وكما قلنا من قبل فإنّ وفد القضاة الذي فاوض على التسليم جعل همّه رعاية أمور أفراده ولم يحرص على مصلحة المدينة، فدخلها تيمور متروكاً أمرها إليه.
وبعد أن رأيناه رحيماً بالمدينة إلى الحد الذي أمر فيه بصلب الجنود الذين اعتدوا على الناس، وكلّ ما فعله أنّه فرض أموالاً لا يعسر على الناس جمعها فجمعوها، إذا بالمدينة تحترق. والذين تابعوا سيرة تيمورلنك ووصوله إلى دمشق، كان يثير استغرابهم احتراق دمشق بعد تلك المعاملة التي عاملها بها.
ولكن الوثيقة التي نشرها الأستاذ جهاد الزين في جريدة (النهار) تكشف حقيقة تاريخية كانت مطموسة، وهي أنّ تيمورلنك لم يأمر بإحراق دمشق.
والوثيقة هي ما دوّنه ابن خلدون عن لقائه لتيمورلنك وما أعقب ذلك من أحداث، حيث يقول ابن خلدون:
«وخرّب القلعة وطمس معالمها، وصادر أهل البلد على قناطر من الأموال استولى عليها بعد أن أخذ جميع ما خلّفه صاحب مصر هنالك، من الأموال، والظهر، والخيام، ثمّ أطلق يدي النهابة على بيوت أهل المدينة، فاستوعبوا أناسها، وأمتعتها، وأضرموا النار فيما بقي من سقط الأقمشة، فاتصلت النار بحيطان الدور المدعمة بالخشب، فلم تزل تتوقّد إلى أن اتصلت بالجامع الأعظم، وارتفعت إلى سقفه: فسال رصاصه، وتهدّمت سُقفه وحوائطه، وكان أمراً بلغ مبلغه في الشّناعة والقبح، وتصاريف الأمور بيد الله يفعل في خلقه ما يريد، ويحكم في ملكه ما يشاء».
وهكذا تبيّن أنّ احتراق المدينة كانت بسبب إحراق نفايات المنهوبات، فامتدّت النار إلى الخشب المدعمة به الدور، ومنه إلى الدور.
ودور دمشق تبنى من الخشب الذي تُملأ فجواته بالطين ممّا يجعل سريان النار فيها سريعاً.
وإذا كان هوان دمشق يُمض النفس، وإذا كان تخلي من تخلّى عنها يبعث المقت. فإنّ دمشق الحقيقية قد تمثّلت بأولئك الأبطال المذاويد الذين لم يضعفهم انسحاب من انسحب ولم يكسر شممهم تخذيل من خذّل فركبوا الأسوار يصدّون العدو عن دمشق ويحمون حماها. وإنّ الألفي قتيل الذي أردوهم من العدو على أبواب دمشق هم الشاهد على أنّ الفاتح لم يدخل دمشق إلاّ مثخناً مدمّى…
فإلى تلك القلّة من الحماة التي حفظت شرف دمشق تحية الأجيال جيلاً بعد جيل…
السلطان الفار
والسلطان فرج بن برقوق سلطان مماليك مصر الذي ترك دمشق لقدرها بعد أن كان قد جاء لإنجادها، والذي كان أبوه برقوق سبب نكبتها بقتله رسل تيمور، ثمّ لمّا جاء تيمور فرّ هو عنها بجيشه وأمرائه. فإنّه بعد أن صار في مصر وعاش في بحبوحته واستقرّ في متارفه عاد يبعث من مصر إلى تيمور بكتاب يقول فيه ما مضمونه:
لا تظن أنّنا هربنا منك وخفناك ولكن بعض مماليكنا خرج علينا وأراد مثلك الفساد وهلاك العباد والبلاد، والعاقل إذا أصابه مرضان داوى الأخطر منهما. إنّك أهون الخطبين وأحقر الرجلين، فثنينا العزم إلى تأديب ذلك الرجل ثمّ نكرّ عليك كرة الأسد الغضبان ونضيق عليك وعلى عسكرك المسالك وندعكم بين أسر وهالك فتطلبون الخلاص ولات ساعة مناص…
إلى غير ذلك من أمثال هذه الترهات التي هي كالملح على الجروح وكحركة المذبوح ـ كما يقول في كتاب عجائب المقدور ـ.
يقول بيسق حامل كتاب فرج بن برقوق إلى تيمور: فلمّا أعطيته الكتاب وقرئ عليه قال لي: ما اسمك؟
قلت: بيسق.
قال: وما معنى بيسق؟
قلت: لا أدري.
قال: إذا كنت لا تعرف معنى اسمك فكيف تصلح أن تكون رسولاً؟ ولولا أن عادة الملوك ألا يهيجوا الرسل بأذى لصنعت معك ما أنت أهله، مع أنّه لا لوم عليك بل على من أرسلك. بل لا لوم عليه أيضاً لأنّ ذلك مبلغ علمه وفهمه.
ثمّ قال: اذهب وانظر القلعة فذهبت فوجدتها قد دكّت دكاً، ثمّ رجعت، فقال لي: إنّ مرسلك أقل من أن أراسله. ولكن قل له: إنّي واصل إليك، فليشمر ذيله للفرار.
ثمّ أمر بي فأخرجت فذهبت إلى مصر.
وقبل أن نختم هذا الفصل لا بد لنا من ذكر أمرين هما جزء من دخول تيمور إلى دمشق:
فقد ذكر المؤرخون أنّه أمر بجمع العبيد الزنوج فاعتنى بشأنهم، ولا بدّ أنّ لهذا الأمر من دلالة في سيرة تيمور، وأنّه يقتضي له التوسّع في دراسة سيرته ممّا هو غير متيسر لنا الآن، ولعلنا نعود إليه في مناسبة أخرى. والشيء الثاني هو أنّه بنى في مقابر الباب الصغير قبّتين متلاصقتين على تربة زوجات النبي (صلّى الله عليه وآله).
الفاتح الذي استحلّ أن يقتل من قتل من أتباع النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولم يرع للنبي حرمة في سفك دمائهم، أهمّه بناء القباب على قبور زوجات النبي!.
رحيل تيمور
رحل تيمور عن دمشق ثالث شعبان سنة 803 بعد أن أقام فيها ثمانين يوماً. وكان قد جمع قبل رحيله أهل الصنائع من النساجين والخياطين والحجارين والأقباعية والبياطرة والخنيمية والنقاشين والقواسين والبازدارية وفرقهم على رؤساء الجند ليوصلوهم إلى عاصمته سمرقند.
وكان علماء القدس قد خشوا سطوة تيمور فانتدبوا الشيخ محمد فولاذ بن عبدالله وجهّزوه بمفاتيح الصخرة وأرسلوه إلى تيمور. فلمّا كان في الطريق بلغه رحيل تيمور فرجع.
ولمّا كان من العوامل التي حملت تيمور على غزو الشام هي احتفاظ المماليك بقريبه (أطلمش)، فقد كان لا بدّ له بعد ما حققه من انتصارات أن يطالب به. ويقول في (خطط الشام) إنّ تيمور أرسل إلى صاحب مصر سودون نقيب قلعة دمشق يعتذر له ممّا جرى ويطلب قريبه الذي كان أسر في أيام الظاهر برقوق وأنّه إذا أطلقه يطلق ما عنده من الأسرى، فأطلقه السلطان وكساه وأحسن إليه.
ويتمم خطط الشام: فلمّا وصلوا إلى تيمور أكرمهم وقبّل مراسيم السلطان وبكى واعتذر ممّا وقع منه وقال: هذا كان مقدّراً!.
الشام (بلاد)
مرّ الحديث عنها في مجلد سابق وننشر هنا هذه الكلمة لما لها من تعلّق بها:
إذا كان الشيخ طه الولي لا يرى مانعاً ـ وحال العرب والمسلمين اليوم هي حال الذل والهوان، وأمام جبروت الصهاينة ـ إذا كان لا يرى مانعاً من أن يمعن ويسترسل في البغضاء والافتراء فحري بنا نحن المفترى على تاريخهم، أن لا نرى مانعاً من أن نرد الحجر من حيث جاء، ولكن لا ببغضاء ولا بافتراء، بل بأقصى الحب لكلّ عربي ولكلّ مسلم، وبكلّ الحقيقة… الحقيقة الناصعة.
يحرص الشيخ طه دائماً على أن يقرن توقيعه في الصحف بلقب الشيخ، كما فعل في مقاله المنشور في إحدى الصحف اليومية، يحرص على ذلك برغم أنّه تبرّأ من هذا اللقب في لباسه وفي مسلكه وفي حياته.
يقول (الشيخ) طه الولي فيما يقول: «… فعندما انتهت المعارك في الساحل اللبناني لصالح الصليبيين، كان التراب اللبناني في غالبه لأصحابه الشرعيين المسلمين وتحت وطأة هذا الواقع الجديد اضطر هؤلاء للنزوح عن أراضيهم التي حلّ محلهم فيها المستوطنون الفرنج» ثمّ يقول:
«وجدير بالذكر أنّ النازحين كانوا من أهل السنّة والجماعة. وأمّا الذين كانوا من الشيعة مثل الإمامية والدروز و الإسماعيلية فإنّهم بقوا في مواطنهم حيث صانعوا الصليبيين».
وما دام (الشيخ) طه الولي يستشهد في كلامه بعد ذلك بابن جبير فإنّنا لن نرد عليه نحن إلاّ بأقوال ابن جبير نفسه، يقول ابن جبير في كتاب رحلته (طبعة صادر سنة 1968) في الصفحة 252 عن سكان صور (الشيعة) عند محاصرة الصليبيين لها:
«إنّها أخذت منهم بعد محاصرة طويلة وبعد استيلاء المسغبة عليهم. ذكر لنا أنّهم انتهوا منها لحال نعوذ بالله منها، وأنّهم حملتهم الأنفة على أن همّوا بركوب خطة عصمهم الله منها، وذلك أنّهم عزموا على أن يجمعوا أهليهم وأبناءهم في المسجد الجامع ويحملوا السيف عليهم غيرة من تملّك النصارى (الإفرانج) لهم ثمّ يخرجوا إلى عدوهم بعزمة نافذة ويصدموهم صدمة صادقة حتّى يموتوا على دم واحد ويقضي الله قضاءه فمنعهم من ذلك فقهاؤهم والمتورعون منهم وأجمعوا على دفع البلد والخروج بسلام، فكان ذلك وتفرّقوا في بلاد المسلمين» فما قول (الشيخ) طه الولي في هذا القول؟ وما رأيه في هؤلاء الشيعة الذين يزعم أنّهم بقوا في مواطنهم حيث صانعوا الصليبيين؟
.ثم ما قوله في سكان مدينته طرابلس الشيعية يومذاك التي دافع عنها الشيعة الابطال عشر سنوات، ولما ضعفت قواهم وتكاثر عليهم الصليبيون رفضوا الاستسلام وظلوا يقاتلون دفاعاً عن شرف طرابلس بلدة (الشيخ) طه حتى تشتتوا بين شهيد وأسير وشريد في آفاق الأرض. فكان جزاء تاريخهم البطولي من (الشيخ) الطرابلسي الافتراء عليهم والزعم بأنهم بقوا في موطنهم حيث صانعوا الصليبيين.
يقول (الشيخ) طه فيما يقول:
«ومن أجل تعميق الهوة النفسية بين الشيعة داخل الأرض المحتلة وبين السنّة خارجها، فإنّ الصليبيين كانوا يبذلون الإحسان في معاملتهم للشيعة الذين ساكنوهم ويمعنون بالإساءة إلى السنّة الذين ناؤوهم».
ثمّ يستشهد بأقوال ابن جبير عن معاملة الصليبيين لفلاحي قرى جبل عامل وينقل قوله الآتي:
«وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منتظمة سكانها كلّها مسلمون».
ويحرص (الشيخ) طه هنا أن يضع إلى جانب كلمة مسلمون، كلمة شيعة ويجعلها بين قوسين (شيعة).
ثمّ يكمل نقل كلام ابن جبير:
«وهم مع الأفرنج على حالة ترفيه، نعوذ بالله من الفتنة، وذلك أنّهم يؤدّون لهم نصف الغلة عند أوان ضمّها وجزية على كلّ رأس دينار وخمسة قراريط ولا يعترضونهم في غير ذلك، ولهم على ثمر الشجر ضريبة خفيفة يؤدّونها أيضاً. ومساكنهم بأيديهم، وجميع أحوالهم متروكة لهم. وكلّ ما بأيدي الإفرنج من إطلاق بساحل الشام على هذا السبيل».
وهنا يعبث الشيخ طه بكلام ابن جبير فيحذف منه ويزيد عليه ليتمم تزوير الحقائق.
أمّا نص عبارة ابن جبير فإنّه بعد أن وصف كيفية تعامل الإفرنج من سكان القرى التي مرّ بها قال: «وكلّ ما بأيدي الإفرنج من المدن بساحل الشام على هذه السبيل، رساتيقها كلّها للمسلمين وهي القرى والضياع» فحذف الشيخ طه ما بعد كلمة (الشام) كلّه، وتجاوز قول ابن جبير وتحول من شيخ عريق في العصبية إلى (جغرافي) ولكن غير عريق في الجغرافيا، أو بالأحرى غير عريق في التمويه الجغرافي.
إنه لم يترك ابن جبير يسترسل في الحديث، بل أضاف إلى كلامه كلاماً من عنده جعله بين عارضتين مفسّراً به كلمة «ساحل الشام»، فقال عن هذا الساحل إنّه (لبنان اليوم)!.
قال ذلك ليتهم النصارى والشيعية بالتعاون مع الصليبيين!.
ونحن نقول للشيخ الطرابلسي: من تظن أنّك تخاطب بهذا القول؟
أتظن أنّك تخاطب جهلاء وأغبياء.
إنّ الذين تخاطبهم درسوا التاريخ ودرسوا الجغرافيا وهم على قدر كاف من الذكاء. وهم يعرفون أنّ بلاد الشام في عصر ابن جبير وما قبل عصر ابن جبير وما بعد عصر ابن جبير ليست هي (لبنان اليوم) بل هي البلاد الممتدة من الفرات إلى مصر، وتحدّها من الشرق: البادية من أيلة إلى الفرات، ومن الغرب: البحر المتوسط. أمّا غربها البري فيمتد من طرسوس غرب أذنة إلى رفح بين مصر والشام. وتحدّها من الشمال: حدّ يمتدّ من بالس مع الفرات إلى قلعة نجم ثمّ إلى البيرة إلى قلعة الروم إلى سميساط إلى حصن منصورة إلى بهنس إلى مرعش إلى بلاد سيس إلى طرسوس. أمّا الحدّ الجنوبي: فيمتدّ من رفح إلى تيه بني إسرائيل إلى ما بين الشوبك وأيلة إلى البلقاء فأين هذا المدى الواسع من تلك الرقعة الضيقة التي أردت أن تحصر بها بلاد الشام؟
ومرّت بنا في حياتنا شتى الأساليب التي استعملها من استعملها لقلب الحقائق وقلب الحسنات إلى سيئات، ومع ذلك فإنّنا لم نجد أحداً وصلت به الجرأة لأن يستغبي الناس هذا الاستغباء ويستجهلهم هذا الاستجهال، فيحاول تحويل الجغرافيا من حال إلى حال، فيخترع حدوداً لا أصل لها، ويطمس أقطاراً ملأ ذكرها صحف التاريخ! ولكي نوضح حقيقة بلاد الشام ننقل هنا أقوالاً لابن شداد ذكرها في كتابه (الأعلاق الخطيرة في أمراء الشام والجزيرة).
قال ابن شداد (ص177ـ178) وهو يتحدّث عن المدن التي أعادها صلاح الدين الأيوبي للصليبيين بعد أن عقد الصلح معهم. قال عن حيفا:
«لم تزل في أيدي الفرنج إلى أن فتحها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة ثلاث وثمانين وخمسماية، فلم تزل في يده إلى أن نزل عنها للفرنج فيما نزل عنه لهم في المهادنة التي وقعت بينه وبينهم ثمّ لم تزل في أيديهم».
وكذلك قال عن يافا وغيرها من المدن التي سلمها صلاح الدين إلى الصليبيين.
وما دام ابن شداد يتحدّث عن (الشام والجزيرة) فقط، فلا نظن أنّ (الشيخ) طه يجرؤ هنا فيزعم أنّ حيفا ويافا واللد والرملة هي من بلاد الجزيرة لا من بلاد الشام.
ومن الجرأة على الحق أن يبذل (الشيخ الولي) ويغيّر في كلمات ابن جبير.
فابن جبير يقول في عبارته المتقدمة طبق النسخة التي بأيدينا من كتاب رحلته: «وكل ما بأيدي الإفرنج من المدن بساحل الشام على هذا السبيل».
أمّا (الشيخ) فيذكرها هكذا: «وكل ما بأيدي الإفرنج من إطلاق».
وسبب التغيير واضح وهو نابع من النية التي تريد تضييق رقعة بلاد الشام بعدم ذكر كلمة (المدن).
إنّ بلاد الشام يا شيخ طه هي التي ذكرنا لك حدودها، وليست هي لبنان اليوم. وسواحلها التي عناها ابن جبير تمتد ممّا هو أبعد من (غزة) حتّى بيروت. وأرياف مدن سواحلها كلّها كانت على ذاك السبيل الذي شرحه ابن جبير. وسكان هذه الأرياف ليسوا في معظمهم لا من النصارى ولا من الشيعة.
ولو كنت ممن يتوخّى الحقائق لذكرت ما كتبه أسامة بن منقذ عن سكان سواحل فلسطين نفسها ما لا يخرج في مضمونه عمّا ذكره ابن جبير.
أمّا الحقيقة في هذا فلا صلة لها بشيء ممّا ذكره الشيخ الطرابلسي:
عندما دعا البابا أوربان الثاني في مؤتمر كليرمونت إلى الحرب الصليبية كانت جماهير الملبّين لدعوته من الفلاحين أقنان الأرض ومستعبدي الإقطاع فيها، وكانوا يشكّلون القطاع الأهم من سكان الريف الأوروبي. وكان عدد عبيد الأرض كبيراً في جنوب فرنسا وإسبانيا. وفي بقية مناطق فرنسا وفي الإلزاس واللورين كانت الأغلبية من الفلاحين أقناناً دون أن تكون لهم حقوق تجاه سادتهم الإقطاعيين. وفي ظل تلك الظروف نجد أنّ الكثيرين ممّن ولدوا في الشطر الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي وقعوا في أغلال القنانة.
كان كلّ أمر من أمور الحياة اليومية للأقنان مربوطاً إلى الأرض لا يمكنه الرحيل عنها، كما لا يستطيع أن يستبدل سادته إلاّ بارتكاب جريمة أو المغامرة بالهروب أو شراء حريته بالمال، إذ قبل سيده بيعها.
وهكذا كان الفلاحون فريسة الخوف الدائم والاضطراب المستمر والافتقار للأمن. كانت أيامهم تمضي كئيبة في انتظار مستقبل لا يجيء([808])…
هذا المستقبل الذي يئسوا من مجيئه طيلة حياتهم الماضية فوجئوا به يتراءى لهم براقاً في دعوة البابا أوربان الثاني للرحيل إلى الشرق الذي طالما سمعوا أنّه يفيض لبناً وعسلاً، لذلك كانت تلبيتهم لدعوة البابا تلبية جماهيرية عارمة لم يكن البابا يحسب لها حساباً، بل إنّها لم ترضه لتوقعه ما يخشاه منها.
ولمّا وصلت الحملات الصليبية إلى بلاد الشام كان لا بدّ لها من القوت، وكان القوت محصوراً باستنبات الأرض، ولم يكن أكفياء لهذا الاستنبات إلاّ الفلاحون القادمون مع الحملة. ولكن الفلاحين الذين فرّوا من الأرض واستنباتها في بلادهم لم يكونوا ليرجعوا إلى الجحيم الذي فروا منه، وعاودتهم ذكريات حياة القنانة والاستعباد فنفروا من الرجوع إلى الأرض.
ووجد قادتهم الحل في أن يبقوا الفلاحين المسلمين في أرضهم وأن يقاسموهم نتاجها على الصورة التي ذكرها ابن جبير.
وبرغم ما في هذا التقاسم من جور على الفلاحين، فإنّهم رأوه خيراً من التشرّد والنزوح فاستقرّوا في أرضهم كما رآهم ابن جبير وتحدّث عنهم.
كان هذا حال جميع أرياف المدن الساحلية التي احتلها الصليبيون في بلاد الشام من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، لا حال الأرياف الشيعية وحدها وذلك بنص عبارة ابن جبير التي لا تحتمل تأويلاً ولا استغباء ولا استجهالاً.
وكما قلت فيما تقدّم فإنّ أسامة بن منقذ نص هو الآخر على أنّ هذا الحال كان حال أرياف عكا وما إليها من ربوع فلسطين.
ويختم الشيخ طه الولي كلامه بقوله: «وزيادة على ما ذكره ابن جبير نقول إنّه لم يجر في عهد الصليبيين استبعاد المسلمين ـ الشيعة ـ من شغل الوظائف الحكومية الصغيرة، إذ كانوا يستخدمون مع النصارى الوطنيين، موظفين في الديوان (الجمرك) وفي جباية الضرائب».
ونقول له: إذا كان النصارى الوطنيون، والمسلمون الشيعة لم يستبعدوا من شغل الوظائف الحكومية الصغيرة، ـ وهذا غير صحيح ـ فإنّ المسلمين غير الشيعة لم يستبعدهم الصليبيون من شغل الوظائف الحكومية الكبيرة.
فابن جبير نفسه يتمم أقواله السابقة في كتاب رحلته قائلاً:
«فنزلنا يوم الاثنين المذكور بضيعة من ضياع عكة، على مقدار فرسخ، ورئيسها الناظر فيها من المسلمين مقدم من جهة الإفرنج على من فيها من عمارها من المسلمين».
وإنّنا لنهنئ الشيخ طه الولي بهذه الوظيفة الكبيرة التي اختار لها الصليبيون مسلماً من غير الشيعة، ونسأله رأيه في هؤلاء المسلمين غير الشيعة الذين رآهم ابن جبير في قرى عكة باقين في موطنهم مصانعين للصليبيين، على حد تعبير الشيخ طه.
نحن لا نريد أن ندخل في تفاصيل مع الشيخ الذي لا يشغله ما يحلّ اليوم بالعرب والمسلمين من بلاء وهوان، بل يشغله الافتراء على من هم أخلص الناس عروبة وإسلاماً.
نعم نحن لا نريد أن ندخل في تفاصيل معه، ولكنّنا نذكره مجرد تذكير بمن سلموا القدس إلى الصليبيين مرّتين، ومن سلموا إليهم ما يعرف اليوم في لبنان بمنطقة الجنوب سلموا ذلك كله إلى الصليبيين ليعينهم الصليبيون على أقربائهم.
ونقول له: إنّ هؤلاء لم يكونوا من المسلمين الشيعة بل كانوا من المسلمين غير الشيعة. ونذكره كذلك بمن قاتلوا المسلمين مع المغول في معركة عين جالوت الحاسمة ولم يكونوا من هؤلاء، بل من المسلمين غير الشيعة ونتمثّل في الختام ببيت لأحد الشعراء القدماء:
جاء شقيق عارضاً رمحه
أن بني عمّك فيهم رماح
وبيتين لشاعر آخر:
ولولا أن يقال هجا نميرا
ولم نسمع لشاعرهم جواباً
رغبنا عن هجاء بني كليب
وكيفَ يشاتِمُ الناسُ الكِلابا
الطف
ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق، قال الأصمعي: وإنما سمي طفّاً لأنه دان من الريف، ومن قولهم: خذ ما طفّ لك واستطف، أي ما دنا وأمكن.
وقال أبو سعيد: سمّي الطف لأنه مشرف على العراق، من أطف على الشئ، بمعنى أطل. والطف: طف الفرات أي الشاطئ. والطف: أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل الحسين (عليه السلام)، وهي أرض بادية قريبة من الريف.
وقال الأقيشر الأسدي من قصيدة:
إني يذكرني هنداً وجارتها
بالطف صوت حمامات على نِيق
بنات ماء معاً بيض جآجئها
حمر مناقرها صفر الحماليق
أيدي السقاة بهن الدهر معملة
كأنما لونها رجع المخاريق
أفني قلادي وما جمّعت من نشب
قرع القواقيز أفواه الأباريق([809])
وممّا رثي به الحسين (عليه السلام) ومن قتل معه بالطف قول أبي دهبل الجمحي:
مررت على أبيات آل محمد،
فلم أر أمثالها يوم حُلّتِ
فلا يُبْعد الله الديارَ وأهلَها،
وإن أَصبَحَتْ منهم برغمي تخلّتِ
ألا إنّ قَتْلَى الطفّ من آل هاشم
أذلّتْ رقابَ المسلمين فذلّتِ
وكانوا غياثاً ثمّ أضحَوْا رزيّةً،
ألا عَظُمَتْ تلك الرزايا وجلّتِ!
وجا فارس الأشقَين بعدُ برأسه
وقد نَهِلَتْ منه الرماحُ وعلّتِ
وقال أيضاً:
تَبيتُ سَكارَى من أميّة نُوّماً
وبالطفّ قَتْلى ما يَنامُ حميمُها
وما أفسدَ الإسلامَ إلا عصابةٌ
تأمّر نَوْكاها فدامَ نعيمُها
فصارت قناة الدين في كفّ ظالم،
إذا اعْوَجَّ منها جانب لا يقيمُها
العادل شاهية
مرّ الحديث عنها في مكانه ونزيد هنا على ما هنالك ما يلي:
تعاقب على الحكم بعد يوسف عادل شاه كلّ من:
إسماعيل بن يوسف 916ـ941هـ (1510ـ1534م).
ملّو بن إسماعيل 941ـ941هـ (1534ـ1535م).
إبراهيم الأوّل ابن إسماعيل 941ـ965هـ (1535ـ1557م).
علي الأوّل ابن إبراهيم 965ـ987هـ (1557ـ1579م).
إبراهيم الثاني بن طهماسب بن إبراهيم 987ـ1035هـ (1579ـ1626م).
محمد بن إبراهيم 1035ـ1066هـ (1626ـ1656م).
علي الثاني ابن محمد 1066ـ1083هـ (1656ـ1672م).
سكندر بن علي 1083ـ1097هـ (1672ـ1686م).
عبد القيس (قبيلة) ([810])
مرّ الحديث عنهم مفصلاً في المجلد الخامس عشر. ونذكر هنا بعض التفاصيل التي لم تذكر هناك.
النسبة إلى عبد القيس
النسبة إلى قبيلة عبد القيس هي على ثلاثة أوجه الأوّل عبدي على النسبة للأولى والثاني قيسي على النسبة للثانية، والثالث عبقسي على النسبة إليهما جميعاً. وذكر السمعاني أنّ العبقسي هي الأشهر وذلك راجع إلى انفراد هذه النسبة بعبد القيس، فإذا ما قيل «عبقسي» فيفهم أنّ الشخص المشار إليه ينتمي إلى عبد القيس، وإذا قيل «عبدي» أو «قيسي» فإنّ الأمر يحتاج إلى تريّث وتحقّق من الشخص المشار إليه، فهناك مثلاً عبدالله بن دارم من تميم النسبة إليه «عبدي»، وهذا التشابه أوقع علماء النسب في إشكالات فوقع لبس حول بعض الشخصيات المنتسبة إلى «العبدي» كالمنذر بن ساوى العبدي، فهذه النسبة جعلت بعض علماء النسب يرجعونه إلى عبدالله بن دارم من تميم والبعض الآخر أرجعوه إلى عبد القيس. كذلك الحال بالنسبة إلى «قيسي» فبالإضافة إلى كونها نسبة إلى عبد القيس فإنّها أيضاً نسبة إلى جماعة اسمهم قيس، منهم قيس بن ثعلبة ابن عكابة بن صعب بن بكر بن وائل، وقيس عيلان بن مضر بن نزار. وفي بعض الأحيان يُقال لهم «عبد» بدون ياء فتدل على أنّها نسبة إلى عبد القيس كما قال الشاعر:
صُحْ بالعَشيرةِ مِنْ عَبْدٍ وصِفْ وأعِدْ
بدَارِهمْ واستَغِثْ أسداً بها نُجبا([811])
هجرتهم من تهامة إلى البحرين
تذكر المصادر التاريخية أنّ قبيلة عبد القيس كان موطنها الأصلي في تهامة، وعبد القيس تنتمي إلى ربيعة، وربيعة كانت تسكن في بلاد نجد وتهامة مع كندة، فكانوا يغزون ويصيبون الغنائم ويصلون إلى أطراف الشام وحدود اليمن.
وكانت ربيعة تعيش حياة هادئة مستقرة، تعمّ جميع أفرادها إلى أن نشب صراع بين بني عبد القيس، وبين بني النمر بن قاسط، وكان سبب ذلك الصراع أنّ أفراداً من بني عامر بن الحارث بن أنمار بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، قاموا بقتل عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط، وهو سيد ربيعة وصاحب مكانة في قومه، فثارت ثائرة أولاد قاسط فقالوا لعبد القيس إمّا أن تعطونا الديّة أو ناجزناكم، فمشت السفراء بينهم، فاصطلحوا على أن تتحمّل عبد القيس دية الرئيس وهي عشر ديات، مقسّمة على عبد القيس فبني عامر يدفعون خمسمائة بعير لأنّهم هم المتسببون في القتل وعلى بقية عبد القيس خمسمائة. وأعطوهم رهناً بالدية، خمسة نفر من بني عامر وأربعة من أبناء عبد القيس فيهم امرأة من بني غنم بن وديعة بن لكيز، فأدّت بنو عامر الخمسمائة وافتكوا رهنهم، أمّا سائر ولد عبد القيس فقد تراخوا في افتكاك رهنهم، فعدت عليهم النمر بن قاسط فقتلتهم وخلوا سبيل المرأة، فغضب بنو عبد القيس لهذا الفعل فقالوا لهم: «اعتديتم يا قومنا أخذتم الأموال وقتلتم الأنفس».
ونسب بعد ذلك صراع شديد بينهم وكانت هذه أوّل حرب وقعت بين بني ربيعة، فاقتتلوا قتالاً شديداً وكان الفناء والهلاك في النمر بن قاسط وخرجت الرياسة عنهم فصارت في بني يشكر.
ثمّ تفرّقت ربيعة بعد تلك الحرب فارتحلوا وتفرّقوا، فاختار بنو عبد القيس البحرين فتوجهوا إليها واستقروا بها. وذكر ابن الكلبي أنّ الذي ساقهم إلى البحرين هو عمرو بن الجعيد بن صبرة.
وإذا ما أردنا أن نناقش الأسباب التي أدّت إلى تلك الهجرة فإنّه يجب علينا ألا نغفل العامل الاقتصادي، فصحيح أنّ الحروب التي حدثت كانت سبباً من الأسباب كما أشار إلى ذلك البكري، ولكنّه علّق الهجرة على الحروب ولم يذكر أسباباً أخرى، مع أنّه ذكر أنّ عبد القيس كانت منتصرة فكيف تترك أراضيها وتتجه إلى أراضٍ أخرى. وإذا ما تأملنا في هجرة عبد القيس من تهامة إلى البحرين. فإنّنا نلاحظ أنّها كانت منظمة ومكثفة وقوية، ولم تكن العكس بدليل أنّهم لمّا قدموا إلى البحرين أجلوا إياد عنها وشدّوا خيولهم بكرانيف النخل فقالت إياد أترضون أن توثق عبد القيس خيلها بنخلكم؟ فقال قائل: عرف النخل أهله، فذهبت مثلاً، وهذه كناية عن القوّة. ومن هذا نستطيع ان نقول إنّ الحرب ليست عاملاً كافياً ومقنعاً لهجرتهم وتركهم موطنهم الأصلي. وأعتقد بأنّ الميداني أصاب حينما قال: إنّ عبد القيس هاجرت في طلب الأراضي الواسعة والمياه الوفيرة، كذلك نستطيع أن نضيف ونقول إنّه ربّما كان للقحط وقلّة المرعى دور كبير في هجرة عبد القيس من أراضيها القديمة الى أراضيها الجديدة.
أمّا بالنسبة لتاريخ هجرة عبد القيس من تهامة إلى البحرين فإنّ المصادر التي بحوزتنا لم تحدّد زمن الهجرة، ولكن نستطيع أن نستنتج التاريخ التقريبي لتلك الهجرة، وذلك من خلال أقدم إشارة وردت إلينا وتحدّثت عن تاريخ عبد القيس في البحرين، والتي ذكرها الطبري وغيره من المؤرخين حينما تحدّثوا عن هجوم بعض القبائل العربية ومن ضمنها عبد القيس على المناطق الفارسية، وذلك حينما كان سابور الثاني صغيراً، وهجومه أيضاً المضاد على القبائل العربية ووصوله إلى البحرين حينما بلغ أشدّه محاولاً استرداد ما استولى عليه العرب وأيضاً تأديبهم لكي لا يعودوا لمثل تلك الهجمات. ونحن نعرف أنّ سابور الثاني «ذو الأكتاف» حكم بين سنة 309 وسنة 379م، وهذا يعني أنّ وجود عبد القيس في البحرين كان قبل هذا التاريخ ولذلك لا نستطيع أن نحدّد بدقة متى كان مجيئهم إلى البحرين.
هذا وبدون شك فإنّ هجرة القبيلة من تهامة إلى البحرين، تركت آثاراً سلبية وأخرى إيجابية، سواء على مستوى القبيلة أو على مستوى الأفراد، فمن النتائج السلبية لتلك الهجرة أنّها ساعدت على انفصال عبد القيس عن ربيعة بعدما كانت جزءاً لا يتجزأ منها، وقد أثر هذا الانفصال على هيبة القبيلة وقوّتها ومكانتها، وكان عليهم أن يبنوا مجدهم من جديد، ويثبتوا وجودهم. كذلك فإنّ ترك الوطن الأصلي ساعد على تشتّت القبيلة بعدما كانت مجتمعة في مكان واحد، فنلاحظ أنّهم لمّا قدموا إلى البحرين تفرّقوا فيها ولم يقطنوا في مكان واحد لأنّ المدن صغيرة وكانت عامرة بسكانها الأصليين، ومن الآثار السلبية لتلك الهجرة أنّ القبيلة اضطرت إلى خوض حروب جديدة ـ بهدف إثبات الوجود الذي ذكرناه آنفاً ـ ضد سكان البحرين الأصليين، وهذه الحروب بطبيعة الحال كلفتها الكثير حيث فقدت القبيلة أعداداً كبيرة من رجالها، ثمناً لبقائها في البحرين. أمّا بالنسبة للآثار الإيجابية لتلك الهجرة، فإنّ القبيلة استفادت منها في المرحلة المستقبلية من تاريخها، حيث وجدت القبيلة الاستقرار والرخاء المعيشي، بسبب وفرة المياه وخصوبة الأراضي الزراعية بالإضافة إلى إشراف كثير من مدن البحرين على البحر، الذي يعدّ مصدراً هاماً لنشاطات اقتصادية متنوعة. ومن الآثار الإيجابية أنّ القبيلة اندمجت مع بقية سكان البحرين وساهمت في الحياة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، فذاع صيت القبيلة واشتهر كثير من أفرادها بالعلم والأدب وأصبحت لها السيادة والزعامة في البحرين، كما سيتبين ذلك خلال الفصول القادمة.
مواطنهم الجديدة
في البحرين وعمان
كانت تهامة هي الموطن الأصلي لبني عبد القيس، ثمّ هاجروا بعدها إلى شرق الجزيرة العربية، وتفرّقوا فيها، واستوطنوا مدنها، فأصبحت لهم مواطن جديدة تقاسموها فيما بينهم، وهنا سوف نذكر تلك المواطن التي استوطنوها وكيف تمّ تقسيمها بين بطون القبيلة وأفخاذها.
ذكرت المصادر أنّ جذيمة بن عوف بن بكر بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس سكنت الخط وما حولها وأمّا شن بن أفصى بن عبد القيس فسكنت طرف الخط إلى العراق. وسكنت نكرة بن ليكز بن أفصى بن عبد القيس وسط القطيف وما حوله، وقيل إنّ نكرة نزلت الشفار والظهران إلى الرمل وما بين هجر إلى قطر وبينونة. أمّا عامر بن الحارث بن أنمار بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، وبنو الديل بن عمرو، ومحارب بن عمرو، وعجل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى، فإنّهم سكنوا الجوف والعيون والأحساء حذاء طرف الدهناء.
وسكن بنو زاكية بن وابلة بن دهن بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس جوف عمان، وكذلك عمرو بن وديعة بن لكيز، والوقة، وعوف بن الديل وعائش بن الديل بن عمرو بن وديعة، وعمرو بن نكرة ابن لكيز بن أفصى. فكلّ هؤلاء سكنوا جوف عمان وصاروا شركاء للأزد في بلادهم، بالإضافة إلى جمع قليل من بني عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم وبني مالك بن سعد. وهناك مدن أخرى ارتبطت بعبد القيس منذ نزوحهم من تهامة إلى البحرين وحتّى ظهور الإسلام مثل: أوال، جواثا، حوارين، الرجراجة، الرمانتان، الصادر، صلاصل، عينين، المشقر، العقير، الزارة، القليعة، السهلة، جبلة، الجبيلة، سيهات، الجار، هذا بالإضافة إلى مدن وقرى أخرى يصعب حصرها.
حياتهم السياسية
بدأت قبيلة عبد القيس حياة سياسية جديدة منذ أن هاجرت إلى مواطنها الجديدة في شرق الجزيرة العربية، وقد كشفت لنا المصادر جزءاً يسيراً من تلك الحياة السياسية التي عاشتها القبيلة في المنطقة، وسوف نستعرض هنا بعضاً من تلك الجوانب السياسية التي تتمثّل في علاقة القبيلة بالقبائل والممالك المجاورة لها، وطبيعة تلك العلاقة، الأمر الذي سوف يمكننا من معرفة مدى التغيير السياسي الذي طرأ على القبيلة بعد ظهور الإسلام.
كان لقبيلة عبد القيس علاقات سياسية بالقبائل المجاورة، ومجمل الشواهد التي أمكن حصرها تدل على أنّ العلاقة كانت ذات طابع حربي وعدائي، وإن كانت هناك بعض الشواهد تشير إلى تحالفات بين عبد القيس وبعض القبائل الأخرى، وعلى أيّة حال فإنّ قبيلة عبد القيس كان لها علاقة مع تميم، والأزد، وبكر بن وائل، وعبس، وقيس. أمّا بالنسبة لعلاقتهم بتميم، فتذكر المصادر أنّه كان بين عبد القيس وتميم يوم يعرف بيوم عينين، وسببه أنّ بني منقر بن عبيدالله بن الحارث خرجوا ممتارين فتعرض لهم بنو عبد القيس، فاستعانوا ببني مجاشع فحموهم حتّى استنقذوهم.
وفي ذلك قال البعيث:
ونحن مَنَعْنَا يومَ عينينِ منقراً
ولم نَنْبُ في يومَيْ جَدُودٍ عن الأسل
وقد أغار قيس بن عاصم المنقري، ببني سعد على عبد القيس في البحرين، وأصابوا منهم ما أرادوا، وحاول بنو عبد القيس صدّ هذه الغارة، لكنّهم لم يستطيعوا. أمّا علاقتهم بالأزد فكانت جيّدة، ويذكر البلاذري أنّ الأزد وقفوا مع بني عبد القيس ضد إياد، فأجلوا إياد من البحرين، وسكنت عبد القيس في محلاتها، وممّا زاد علاقة عبد القيس بالأزد أنّهم سكنوا متجاورين منذ قدوم عبد القيس إلى البحرين وحتّى ظهور الإسلام، وخاصّة في عمان التي كانت أصلاً تحت سيطرة الأزد.
أمّا بالنسبة لبكر بن وائل فقد كانت علاقاتهم بعبد القيس علاقة عدائية على الرغم من أن كلتا القبيلتين ترجعان إلى ربيعة، فهم أبناء عمومة، وتفيد المصادر بأنّ حروباً وقعت بين عبد القيس وبكر بن وائل، وقد سجل لنا المفضل النكري، في قصيدته المنصفة، الحرب التي وقعت بين عبد القيس ولجيم([812]) والتي انتهت بانتصار عبد القيس على لجيم، يقول المفضل:
فأبْقَيْنَا ولَوْ شئْنا ترَكْنا
لُجَيْماً لا تَقُودُ ولا تَسُوقُ
وأنْعَمْنَا وأبأسْنَا عَلَيهمْ
لَنَا في كلِّ أبياتٍ طَلِيقُ
وممّا زاد العداء بين عبد القيس وبكر بن وائل أنّ أحد أفراد عبد القيس من الحواثر نفذ أمر عمرو بن هند، وقام بقتل طرفة بن العبد، وهذا الفعل أثار حفيظة بني بكر بن وائل، إلاّ أنّ الحواثر دفعوا دية طرفة بن العبد لأخيه معبد فاستتب الأمر بينهم. وقد سجل المتلمس هذه الحادثة في قصيدته التي هجا بها عمرو بن هند، بعد فراره إلى الشام، وذكر دفع تلك الدية لمبعد فقال:
لَنْ يَرْحَضَ السَّوءاتِ عَنْ أحسابِكُمْ
نَعَمُ الحَوائرِ إذ تُساقُ لمعبدِ
وهناك إشارة تدل على العلاقة الطيبة التي كانت بينهم، على الرغم من الحروب التي دارت بينهم، وقد حتمتها صلة القرابة، فتذكر المصادر أنّ الجارود بن المعلى وهو سيّد من سادات عبد القيس، خرج إلى أخواله من بكر بن وائل حينما فشا في إبله نوع من الداء، فانتشر ذلك الداء في إبل أخواله فأهلكها، وفي ذلك يقول الشاعر:
جَرَّدْنَاهُمُ بالسيفِ من كل جانبٍ
كما جردَ الجارودُ بكرَ بنَ وائلِ
كذلك تحدّثت المصادر عن علاقة عبد القيس بإياد، فذكرت كيف أنّ بني عبد القيس لما هاجروا من تهامة إلى البحرين، دخلوا في حروب مع سكان البحرين ومن ضمنهم بنو إياد فتمكّن العبديون من إجلاء إياد عن البحرين فرحلوا إلى العراق، وتبعتهم شن بن أفصى، ثمّ عطفت عليهم إياد فكاد القوم يتفانون، وفشى القتل في قبائل شن، فتراجعت إلى مواطنها وانتهت بذلك المعركة. وكانت إياد يُقال لها الطبق لشدّتهم ونجدة كانت فيهم، وقد سجل أحد الشعراء هذه المعركة فقال:
لَقِيتُ شَنٌّ إِياداً بالقَنَا
طَبقاً وافَقَ شَنٌّ طَبَقَه
كذلك كانت هناك علاقة بين عبد القيس وبني عبس، حيث حاول بنو عبس أن يهجموا على عبد القيس في القطيف، لكن العبديين تمكّنوا من صدّ هذا الهجوم.
أيضاً اشتبكت قبيلة عبد القيس بقبيلة قيس بن عيلان، وتمكّن القيسيون من هزيمة العبديين في يوم مرداء هجر، وقد تحدّث شاعرهم عامر بن الطفيل عن هذا النصر وسجله في إحدى قصائده.
من هذا كلّه، يتّضح لنا أنّ عبد القيس في فترة ما قبل الإسلام، كانت تعيش حياة مليئة بالحروب، والغارات مع القبائل العربية الأخرى فأحياناً تكون هي الغازية، وأحياناً أخرى تكون هي المستهدفة، وقد يتخلل تلك الحروب فترات هادئة تتحسن فيها العلاقات ثمّ لا تلبث أن تعود تلك الحروب مرّة أخرى.
علاقة عبد القيس بالدول المجاورة
هناك دولتان مجاورتان لعبد القيس، الأولى هي دولة الساسانيين في فارس، والثانية دولة المناذرة في الحيرة، وكانت الثانية خاضعة للأولى على شيء من الاستقلال. ونظراً لقرب موقع هاتين الدولتين من البحرين موطن عبد القيس فإنّه من الطبيعي أن تنشأ علاقات سياسية بين عبد القيس وتلك الدولتين، وقد تحدّثت المصادر عن تلك العلاقة وطبيعتها. فبالنسبة لعلاقة عبد القيس بالمناذرة فهي في مجملها أتتنا عن طريق كتب الشعر، إذ أنّ بعض شعراء عبد القيس تحدّثوا عن علاقتهم بالملوك المناذرة، وكذلك بعض الشعراء الآخرين. فأوّل إشارة عن تلك العلاقة أتتنا عن طريق المتلمس الضبعي الذي أنشأ قصيدة يحرض فيها قومه على عصيان عمرو بن هند، وأن لا يكونوا كعبد القيس الذين غزاهم عمرو بن هند ولم يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم، وقد ذكر هذه الحادثة شاعر من عبد القيس هو المثقب العبدي في قصيدة له يمدح بها عمرو بن هند. ويذكر تلك الوقعة وأثرها على قومه فقال:
كُلَّ يَوْمٍ كَانَ عَنَّا جَللاً
غَيْر يَوْم الحِنْو في جَنْبَي قَطَرْ
ضَرَبَتْ دَوْسَرُ فينا ضَرْبةً
أثْبتَتْ أوْتَادَ مُلْكٍ مُسْتَقِر
ويبدو أنّ الممزق كان من ضمن الأسرى الذين احتجزهم جيش دوسر، وهو ابن أخت المثقب العبدي وقد تمّ إطلاق سراحه ولكن لا نعلم متى كان ذلك وهناك قصيدة طويلة للممزق، يمدح فيها عمرو بن هند، ويستجديه فيها، فهل أنشأ الممزق هذه القصيدة حينما كان في الأسر أم بعد ذلك؟ من خلال سياق القصيدة يتضح لنا أنّ عمرو بن هند قد همّ بغزو عبد القيس والممزق يستجديه ويتوسل إليه ويمدحه ويعلن ولاءه له فيقول:
فإنْ كنتُ مَأكُولاً فكُنْ أنتَ آكلِي
وإلاَّ فأدْرِكْني ولَما أمَزَّقِ
ومن أجل هذا البيت سمّي بالممزق، فهل يا ترى أنّ عمرو بن هند حاول أن يغزو عبد القيس مرّة أخرى، أمّ أنّ هذه القصيدة قيلت قبل الغزو الأوّل الذي كان بقيادة جيش دوسر؟ وعلى أيّة حال فنستطيع أن نستنتج من هاتين القصيدتين للشاعرين المذكورين، أنّ المناذرة شنّوا هجوماً على عبد القيس وهزموهم وأسروا جموعاً منهم، كذلك فإنّ خضوع هذين الشاعرين واستسلامهم لا يعني بأيّة حال من الأحوال استسلام جميع أفراد القبيلة وخضوعهم. فها هو سويد بن حذاق يهجوم قابوس بن هند وأخاه، ولم يحدّد من يكون هذا الأخ بما فعلاه في قومه فقال:
جَزى الله قابُوسَ بن هنْدٍ بفعْلِهِ
بِنَا وأَخَاهُ غَدْرةً وأثَامَا
بما فجرا يوم العُطيفِ ومَزَّقَا
قَبائِلَ أحلاماً وحَيّاً حَرَاما
أمّا علاقة عبد القيس بالمناذرة في عهد المنذر بن النعمان، فهي لا تختلف كثيراً عن سابقه عمرو بن هند فظلّت قبيلة عبد القيس تهاب دولة المناذرة وتخشاها، واستمرّ المثقب في كيل قصائد المديح الى الملك النعمان، وها هي إحدى قصائده يقول فيها:
فإنَّ أبا قابُوسَ عِنْدي بَلاءُهُ
جَزاءً بنُعمى لا يَحلُّ كُنودُها
إلى مَلِكٍ بَزَّ المُلوكَ فلم يسع
أفاعيلهُ حَزمُ الملوكِ وجُودها
ثمّ استجداه فيها أن يطلق سراح أسرى عبد القيس، ولا ندري هل هؤلاء الأسرى هم الذين اسروا في عهد عمرو بن هند، أم كانت بينهم وقعة أخرى تمكن فيها المناذرة من أسر أعداد أخرى من عبد القيس؟ يقول المثقب:
فأنعمْ أبَيتَ اللَّعنَ إِنَّكَ أصبَحَتْ
لَدَيْكَ لكيزٌ كَهْلُها وَوَليدُها
وأطلِقْهُمُ تَمشي النِّساءُ خِلالهُم
مُفكّكَةً وَسْطَ الرِّحالِ قُيودُها
أمّا يزيد بن حذاق، وهو أخو الشاعر سويد الذي سبق ذكره، فإنّه هجا النعمان بن المنذر فقال:
نُعمانُ إنّك غادِرٌ خَدِعٌ
يُخْفي ضميرك غيرما تبدي
ومناسبتها أنّ النعمان بن المنذر، قد همّ بغزو قوم يزيد، يريد أخذ أموالهم وتقسيمها أخماساً، فسخر منه يزيد فقال:
تحلّلْ أبَيْتَ اللَّعنَ من قول آثم
على مالنا لَيُقْسَمَنَّ خُمُوسا
إذاً من خلال ما استعرضناه من أبيات شعرية، يتضح لنا أنّ علاقة عبد القيس بالمناذرة، علاقة سيد بمسود، وقوي بضعيف، فعبد القيس لا تستطيع أن تقاوم جيوش وكتائب المناذرة. ولكن حب التمرد والعصيان كان ينتابان أفراد عبد القيس من حين إلى آخر، وفي الآخر لا يكون بيد العبديين إلاّ أن يعبروا عن رفضهم لسلطة المناذرة بالشعر الذي كانوا يجيدون نظمه، لكي يرفعوا من معنوياتهم، من جهة، وينفسوا عمّا في خواطرهم من جهة أخرى.
أمّا بالنسبة لعلاقة عبد القيس بالدولة الفارسية، فإنّها تعود إلى عهد سابور ذي الأكتاف، حيث تذكر المصادر، أنّ هرمز بن نرسي بن بهرام، هلك وليس له ولد، فشق ذلك على الناس، فسألوا نساء هرمز فوجدوا إحداهن حبلى، فولدت سابور فاستبشر الناس بولادته وبثّوا خبره في الأقطار، فعلم الناس بخبر ذلك الصبي في خارج الدولة الفارسية وطمعوا فيها، ومن الذين طمعوا في أملاك الدولة الفارسية بعض القبائل العربية المتاخمة لدولة الفرس، فاستغلوا الفرصة وكانوا من أحوج الناس، فهجموا على أبرشهر وسواحل أردشير خُره وأسياف فارس، وكان من ضمن تلك القبائل قبيلة عبد القيس، فغلبوا أهلها، وأخذوا مواشيهم ومعايشهم، ويذكر أنّهم أكثروا الفساد في تلك البلاد. فظلّوا على ذلك فترة من الزمن لا يغزوهم أحد من الفرس، حتّى كبرت سن سابور، فلمّا بلغ السادسة عشرة من عمره استشعر المسؤولية التي أنيطت به فأخذ يعدّ العدّة ويجهز الجيوش، محاولاً بذلك إعادة الهيبة للدولة الفارسية، فانتخب ألف فارس من صناديد جنده وأبطالهم، ثمّ سار بهم إلى حيث القبائل العربية التي اقتطعت جزءاً من مملكته فأغار عليهم وقتل منهم عدداً كبيراً، وأسر أعداداً أخرى، وهرب الباقون إلى مواطنهم، فتتبعهم سابور فقطع البحر ودخل الخط والبحرين فقتل أهلها أشد تقتيل، ثمّ دخل مدينة هجر وبها أناس من عبد القيس وتميم وبكر بن وائل فأفشى بينهم القتل، ثمّ عطف على مدن عبد القيس واحدة تلو الأخرى، فأباد أهلها إلاّ من هرب منهم.
هذا ما ذكرته المصادر عن علاقة عبد القيس بالدولة الفارسية، ويتضح أنّ عبد القيس كانت مرتبطة في حروبها ضد الدولة الفارسية بالقبائل الأخرى، وهذا طبيعي لأنّ الدولة الفارسية تعدّ من الدول العظمى في ذلك الوقت فكيف يكون لقبيلة صغيرة أن تقف في وجهها دون الاستعانة بالقبائل الأخرى.
حياتهم الاجتماعية
كان مجتمع العبديين في الجاهلية، مجتمعاً تربطه العصبية القبلية، ذلك شأنه كسائر المجتمعات القبلية الأخرى في الجزيرة العربية، فلا شيء يربطهم ببعض سوى صلة النسب والقرابة، فهي مصدر القوّة التي يستمدّ منها الشخص قوّته واعتزازه وافتخاره، فالشخص الذي لا ينتمي إلى قبيلة فهو كالتائه الذي لا يجد لنفسه مأوى، ولذلك نجد أنّ كثيراً من الموالي الذين لا نسب لهم، يدخلون تحت لواء إحدى القبائل وينتسبون إليها.
وكان العبديون أقرب إلى البداوة منهم إلى الحضارة حينما كانوا في تهامة الموطن الأصلي لهم، ولكنّهم لمّا هاجروا إلى البحرين واستوطنوها، فإنّ حياتهم أصبحت تميل إلى الاستقرار، وساعدتهم على ذل طبيعة البحرين الجغرافية، التي تميّزت بوفرة المياه وتعدّد العيون والينابيع، ممّا جعل أرضها تمتاز بالخصوبة عن غيرها. ومعلوم أنّ الاستقرار والرخاء المعيشي من شأنه أن يؤدّي إلى الازدهار في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومجتمع عبد القيس يبدو أنّه انتقل نقلة جذرية، من حياة البداوة، إلى حياة التحضّر، وهذا ما لاحظناه من خلال ما استطعنا الوقوف عليه في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية لقبيلة عبد القيس.
ونتيجة للاستقرار الذي حظيت به القبيلة بعد هجرتها إلى البحرين، فإنّها أخذت تتجه نحو التنظيم الذي حلّ محل الفوضى، وقد أخذ التنظيم الاجتماعي حقّه ونصيبه من ذلك، فأصبح المجتمع العبدي ينقسم إلى عدّة طبقات، منها طبقة الحكام والولاة، وهؤلاء يعينون إمّا على البحرين ككلّ، أو على القبيلة بصفة خاصّة من قبل الحاكم الذي تخضع له البحرين، سواء كانت الدولة الفارسية أو دولة المناذرة أو الغساسنة، ومن أولئك الذين تمّ تعيينهم كولاة وحكام، المعلى بن حنش العبدي، عيّنه عمرو بن هند والياً على البحرين. ومنها طبقة السادة والأشراف مثل «الأفكل» وهو عمرو ابن جعيد، كان سيد ربيعة في الجاهلية، كذلك المرجوم وهو شهاب بن عبد القيس كان سيداً من سادات عبد القيس، وله علاقة بالنعمان بن المنذر، وهو الذي لقبه بهذا اللقب بعدما قال له قد رجمتك بالشرف، ومنها طبقة الزراع، والصناع.
وأمّا بالنسبة لعاداتهم الاجتماعية، فإنّه من خلال الشعر الذي وصل إلينا، والمنسوب إلى شعراء من عبد القيس، اتّضح أنّهم كانوا يفتخرون بالكرم، والشجاعة، يقول المثقب العبدي في قصيدة له:
فلمّا أتاني والسَّماءُ تَبُلهُ
فَلقيتُه أهلاً وسَهلاً ومَرحَبا
وقُمْتُ إلى البَرْك الهواجِد فاتقَتْ
بكَوْمَاء لم يَذْهَبْ بها النَّيُّ مَذْهَبَا
وهذا ثعلبة بن عمرو العبدي، يفتخر في قصيدة له بشجاعته، ويهزأ بمن يخشى الموت ويهابه فيقول:
عَتَادُ امرئٍ في الحرب لا واهنِ القُوَى
ولا هو عمَّا يَقْدِرُ الله صارفُ
به أشْهَدُ الحرب العوانَ إذَا بَدَتْ
نواجذُها واحْمَرَّ منها الطَّوائِفُ
قِتالَ امرئٍ قد أيقَن الدهر أنّه
من الموت لا ينجو ولا الموتُ خائِفُ
أيضاً كان من عاداتهم إكرام الجار، ومراعاة حقوقه، وهذه من العادات العربية الأصيلة، وفي ذلك يقول شاعرهم المثقب العبدي:
أكْرِمُ الجارَ وأرْعَى حَقَّهُ
إن عِرْفَانَ الفَتَى الحقَّ كَرَمْ
حياتهم الاقتصادية
لقد مارس العبديون النشاط الاقتصادي بشتى أنواعه، وخاصّة بعد هجرتهم إلى البحرين واستقرارهم فيها، فأراضي البحرين كما أسلفنا كانت مشهورة بخصوبة تربتها ووفرة مياهها. كما أنّها كانت تتمتع بموقع جغرافي متميز، فهي تطل على الخليج، وتشرف على بعض الطرق البرية المؤدية إلى العراق والشام. وقد ساهمت هذه العوامل في أن يمارس أهل البحرين تجارتهم بحُرّية، ومكنتهم من استيراد المواد الخام واستخدامها في عدد من الصناعات التي اشتهرت بها المنطقة.
وقد عرف بنو عبد القيس بعض الصناعات الحرفية فمارسوها وبرزوا فيها، وحذقوها، فعرفوا صناعة الرماح، وظهر أشخاص من عبد القيس احترفوا تلك المهنة كهزيز بن شن بن أفصى، الذي نسبت إليه الرماح التي كان يصنعها وأخذت شهرة واسعة، ويذكر أنّه هو أوّل من ثقف الرماح بالخط كذلك عرف العبديون صناعة الدروع وخاصّة الدروع الحطمية التي كانت تنسب إلى حطمة بن محارب بن عمرو من عبد القيس، ويبدو أنّ الصناعة لم تقتصر على الرماح والدروع فقط، ولكن أيضاً شملت جميع أنواع الأسلحة المستخدمة في ذلك الوقت، فها هو ثعلبة بن عمرو يفتخر بأنّه يستخدم سلاحاً من صنع يديه فيقول:
وصَفْراءُ من نَبْعٍ سِلاحٌ أعِدُّهَا
وأبْيضُ قَصَّالُ الضّريبةِ جائِفُ
وذكر الأصمعي بأنّهم كانوا يستفيدون من شجر السدر، وشجر النبع، وكلاهما يصلحان لصناعة الرماح والأقواس، ولكن شجر النبع كانوا يفضلونه لقوّته.
وقد مارس بنو عبد القيس التجارة وساعدهم على ذلك الموقع الجغرافي لمنطقة البحرين، فمارسوا التجارة بشكل واسع، سواء في منطقة البحرين أو خارجها، فكان في منطقة البحرين أسواق عامّة عديدة تمارس فيها التجارة بشتى أنواعها. كذلك كانت لهم علاقات تجارية تربطهم بالمناطق المجاورة، فلدينا بعض الشواهد التي تدل على أنّ بني عبد القيس كانوا يتاجرون في الحجاز، وأيضاً في الهند حيث كانوا يستوردون منها بعض البضائع التي يحتاجونها فيبيعونها في داخل البحرين وخارجها.
حياتهم الدينية
ذكرت المصادر أنّ عبد القيس في العصر الجاهلي كانت تعبد الصنم «ذو اللبا»، ويبدو أنّ عبادته كانت قبل دخولهم في الديانة النصرانية، وذكر ابن حبيب تلبية ذو اللبا وهي «لبيك اللهم لبيك لبيك فاصرفن عنا مضر، وسلمن لنا هذا السفر إن عما فيهم لمزدجر واكفنا اللهم أرباب هجر»، وكان هذا الصنم في المشقر، وسدنته من بني عامر من عبد القيس. ومن الأصنام الأخرى التي عبدها بنو عبد القيس «المحرق» وكان هذا الصنم بسلمان لبكر بن وائل ثمّ بعد ذلك عبدته سائر ربيعة.
وبالرغم من وجود العديد من الديانات في منطقة البحرين، كالمجوسية واليهودية، والأسبذية، إلاّ أنّ قبيلة عبد القيس لم تعتنق هذه الديانات، واكتفت بعبادة الصنم ذو اللبا والمحرق.
أمّا بالنسبة للديانة النصرانية، فإنّها تغلغلت في منطقة البحرين وانتشرت بها، ويبدو أنّ قبيلة عبد القيس تأثّرت بهذه الديانة واعتنقتها، ولم يقتصر انتشار الديانة المسيحية على البحرين فقط، ولكنّها شملت الجزيرة العربية وانتشرت فيها، فيذكر الجاحظ أنّ النصرانية غلبت على ملوك العرب وقبائلها، فظهرت في لخم وغسان والحارث بن كعب بنجران وقضاعة وطي، ثمّ ظهرت في ربيعة فغلبت على تغلب وعبد القيس وبكر ابن وائل. ويبدو أنّ انتشار المسيحية كان قوياً في أفراد قبيلة عبد القيس فيذكر ابن حزم أنّ عبد القيس بأسرها اعتنقت هذه الديانة، وهذا دليل على توغّل المسيحية في عبد القيس، وكان من أشراف النصارى عند ظهور الإسلام الجارود العبدي الذي وفد على الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأعلن إسلامه.
وحينما ظهر الإسلام، واشتهر أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فإنّ قبائل عديدة أخذت تتبع أخباره والأمور التي جاء بها، فحينئذ انقسمت القبائل إلى قسمين القسم الأوّل وهم الأكثر لم يسلموا ولم يستجيبوا لنداء الحق، والقسم الثاني وهم قليل استجابوا ودخلوا في الإسلام طائعين غير مكرهين عليه، ومن هؤلاء أفراد من قبيلة عبد القيس.
عبد الرحيم آل الشيخ مبارك
علي بن أبي طالب (عليه السلام)
مرّت سيرته في المجلد الأوّل ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
بدأ الإسلام في أوّل أمره نظاماً ديمقراطياً. ولكن الديمقراطية اختفت منه بعدما رفع معاوية المصاحف وقال للمسلمين: تعالوا نحتَكِم إلى كتاب الله. وكانت نتيجة الاحتكام إلى كتاب الله أن تولّى يزيد امر المسلمين وقال:
لعبت هاشم بالملك فـــلا
خبر جاء ولا وحــي نــزل
ونحن حين نشاهد الترف الخبيث مستحوذاً على سلاطين المسلمين وأمراء المؤمنين يجب أن لا ننسى تلك الثورة الشعبية الكبرى التي قام بها أبو ذر وعمار وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) في مكافحة هذا الترف عند أوّل ظهوره في تاريخ الإسلام.
لقد كانت تلك الثورة فاشلة. لا شك في ذلك. فهي قد سبقت زمانها بعدة قرون، حق لها إذن أن تفشل. ولكنها مع ذلك بقيت في التاريخ رمزاً لديمقراطية الإسلام ودليلاً صارخاً على أن حكومة الإسلام نشأت في أوّل أمرهاً من الشعب وبالشعب ومن أجل الشعب.
لقد كانت هذه الثورة امتداداً للثورة المحمدية، ولو درسنا هذه الثورة في بدايتها ونهايتها لوجدناها ديمقراطية تحارب الأسياد المترفين وتجعل الناس سواسية أمام الله وأمام القانون.
يقول المؤرخون الغربيون إن حكومة الإغريق كانت أوّل ديمقراطية وآخر ديمقراطية في التاريخ القديم. ونسي هؤلاء حكومة الإسلام الأولى التي تمثّلت في محمد (صلّى الله عليه وآله) والخلافة الراشدة.
وعندما تولّى علي بن أبي طالب (عليه السلام) خلافة المسلمين اتضحت في سيرته معالم الديمقراطية وضوحاً مدهشاً. ولعلنا لا نغالي إذا قلنا إنّ ديمقراطية هذا الرجل وصلت إلى درجة يعجز عن الوصول إليها كثير من حكام قرننا هذا.
وهو في الواقع الحاكم الوحيد في تاريخ الإسلام الذي انثالت العامة على بيعته طوعاً واختياراً. وقد أشار هو إلى ذلك حيث قال: «إنّ العامة لم تبايعني لسلطان غالب ولا لعرض حاضر». أما الخاصّة فقد بايعه معظمهم. وحين رفض بعضهم بيعته تركهم أحراراً، فلم يجبر أحد منهم عليها، وإنما خلّى بينهم وبين ما أرادوا من الاعتزال، وقبِل منهم ما قدموا من عذر، وقام دونهم يمنع الثائرين من أن يصلوا إليهم.
والأعجب من هذا أن عبد الله بن عمر أبى أن يبايع علياً ثمّ طلب الإذن بالسفر. فلما طولب بكفيل يكفله، أبى أن يأتي به، فقام الإمام علي (عليه السلام) يكفله بنفسه. ولم يشهد التاريخ حاكماً يكفل رجلاً أبى بيعته ورفض أن يطيعه. وتلك لعمري آية من آيات الديمقراطية.
وكان علي (عليه السلام) جالساً بين أصحابه ذات يوم يتحدث إليهم فقال رجل من الخوارج يصف علياً: «قاتله الله كافراً ما أفقهه». فوثب القوم ليقتلوه فقال علي: «رويدا. إنما هو سب بسب أو عفو عن ذنب».
ولو درسنا معاملة الإمام علي (عليه السلام) للخوارج الذين كفّروه وشتموه في وجهه وتآمروا عليه في عاصمته لرأينا فيها عجباً. فهو قد كان يتحمل منهم ذلك صابراً. فكان يعطيهم عطاءهم المفروض لهم ويجادلهم جدالاً طويلاً لعلهم يتدارسون أمرهم ويثوبون إلى رشدهم. ولم يقاتل منهم إلاّ تلك الجماعة التي خرجت عليه بالسيف وقطعت طريق السابلة واذاعت الذعر في الناس وقتلت عبد الله بن خباب مع نسوة كن معه. فأرسل إليهم الإمام رسولاً يسألهم عن هذا الفساد فقتلوا الرسول أيضاً. ولم يبدأ بقتالهم إلاّ بعد أن استنفذ جهده في محاجتهم وجدالهم، بالكتابة مرة وبالمشافهة أخرى.
يُقال إنّ أحد الخوارج، واسمه الخريت بن راشد الناجي، جاء إلى علي بعد انقضاء معركة صفين. فجرت بينهما المحاورة التالية:
الخريت: لا والله لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك وإني غداً لمفارق لك.
علي: ثكلتك أمك. إذن تنقض عهدك وتعصي ربك ولا تضر إلاّ نفسك. أخبرني لم تفعل ذلك؟
الخريت: لأنّك حكمت في الكتاب وضعفت عن الحق إذ جد الجد وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم. فانا عليك راد وعليهم ناقم ولكم جميعاً مباين.
علي: ويحك هلم اليّ أدارسك وأناظرك في السنن وأفاتحك أموراً من الحق انا أعلم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت الآن منكر وتبصر ما أنت الآن عنه عَمٍ وبه جاهل.
الخريت: فإنى غاد عليك غداً.
علي: اغدُ ولا يستهوينك الشيطان، ولا يتقحمن بك رأي السوء ولا يستخفنك الجهلاء الذين لا يعلمون. فوالله إن استرشدتني واستنصحتني وقبلت مني لاهدينك سبيل الرشاد.
فانصرف الخريت من عنده ولم يعد غداً ولا بعد غد، وبقى على مفارقته. فجاء أحد أصحابه يشير عليه بأن يقبض على الخريت ويستوثق منه. فأجابه الإمام: «لو فعلنا هذا بكل من يتهم من الناس لملأنا السجون منهم. ولا أراني يسعني الوثوب بالناس والحبس لهم وعقوبتهم حتى يظهروا لي الخلاف».
يعطينا هذا الجواب تحديداً واضحاً للديمقراطية. فالإمام علي لا يحاسب أحد على رأي فاه به ولا يعاقبه على تهمة أتهم بها. انما هو يعاقب الرعية حين يظهرون له الخلاف أو يقطعون الطريق أو يقلقون الامن. وأظن أن هذا هو ما تسير عليه الديمقراطية في يومنا هذا.
اشتهر علي بآراء لم يكن لها ظهور واضح من قبل. فالمسلمون كانوا في أيام النبي يعيشون في وضع سليم فلم يكن هناك حاجة إلى من يذيع مبادئ المساواة والعدالة. والمبادئ لا تنشر إلاّ حين يكون هناك ما يناقضها في الحياة الاجتماعية.
فلمّا استبدّ بنو أمية بالأموال واتّخذوا سبيل الترف، قام علي يندّد بهم وينادي بآرائه التي اشتهر بها أخيراً.
يقول أنصار بني أمية إن المبادىء الاشتراكية التي دعا إليها أبو ذر أخذها من ابن سبأ. والواقع انه أخذها من أستاذه علي (عليه السلام). فقد كانت بينه وبين علي صحبة قوية وعطف متبادل. وكان أبو ذر معروفاً بذلك بين الناس. وكان بنو أمية يدركون هذا ويتذمرون منه مرة بعد مرة.
أن أبا ذر لا يحتاج إلى رجل يهودي لكي يعلمه المبادىء التى نادى بها. ففي تعاليم الإسلام الأولى مجموعة لا يستهان بها منها. وقد اتضحت هذه المبادىء في خلافة علي بجلاء. وإلى القارىء بعض هذه المبادىء التي نادى بها الإمام علي (عليه السلام):
١ ـ كان علي يؤمن بأن المال للأمة إذ لا يمكن أن ينتفع به أحد غيرها. وليس للخليفة منه غير ما يكفيه معاشاً قليلاً. والخليفة يجب أن يتأسى في معاشه بأضعف رعيته، حيث لا يجوز له أن يشبع من لذيذ الطعام وفيأنحاء البلاد من لا طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع.
٢ ـ يقول علي (عليه السلام): «إن الله تعالى فرض على الاغنياء في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم. ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلاّ بما يصنع أغنياؤهم. ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذبهم عذاباً أليماً». وهذا القول يرويه الرواة بصور شتى. قالقاسم ابن سلام يرويه في كتاب «الأموال» بشكل يختلف في بعض ألفاظه عمّا يرويه الشريف الرضي، وكذلك يرويه غيره بألفاظ أخرى. والظاهر أنّ علياً نطق به في مناسبات مختلفة، فاختلف الرواة في ألفاظه. والمهم أنّ معناه واحد في جميع الروايات، وهو يدل على أنّ علياً كان لا يحب أن يترك الاغنياء أحراراً يتصرفون بأموالهم كما يشاؤون. ولو لم يشغله الخصوم في فتنهم المتوالية لربما حقق هذه المبادىء الاشتراكية في خلافته. ولعل الخصوم أحسوا بذلك فلم يمهلوه.
۳ ـ وكان على (عليه السلام) يكره هاتيك الولائم التي اعتاد الناس على القيام بها. وقد لام أحد عماله لانه ذهب إلى وليمة فقال له: «إنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو». فكل وليمة يدعى إليها الأغنياء ويطرد منها الفقراء إنما هي لئامة يجب على الناس أن يبتعدوا عنها. ويا ليت عليٌ يظهر اليوم ليرى كثرة الولائم التي تقام باسم الإسلام وهي من هذا الطراز.
٤ ـ وكان علي (عليه السلام) يكره الكرم المألوف بين الناس، حيث يعطي السائل مالاً وفيراً بينما يبقى المحتاجون الذين لا يسألون في فقر مقيم. اعطى معاوية ذات مرة مئة ناقة إلى عجوز من بني كنانة كانت معروفة بتشيعها وذلاقة لسانها، وقال لها: «أما والله لو كان علي حياً ما أعطاك منها شيئاً!» فقالت: «لا والله ولا وبرة من أموال المسلمين!».
٥ ـ وكان علي (عليه السلام) يساوي في العطاء فلا يفضل عربياً على مولى ولا سيداً على عبد، ولا رئيساً على مرؤوس. وكان هذا من أوكد الأسباب في نفرة الرؤساء والأشراف منه والتحاقهم بمعاوية. وقد نصحه بعض أصحابه أن يعمل عمل معاوية في التمييز بين الناس في العطاء فقال: «أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور؟!».
٦ ـ وكان علي (عليه السلام) يساوي في المعاملة بين الناس جميعاً. وقد أحاط الموالي به حتى اشتكى بعض انصاره من ذلك فقالوا: «لقد غلبتنا هذه الحمراء عليك». وسار علي في العدل بينهم سيرة من يعلم انه لا فضل لعربي على أعجمي ولا لقرشي على حبشي إلاّ بالتقوى.
٧ ـ وأمر علي (عليه السلام) في أوّل يوم بويع فيه أن تصادر جميع الاموال التي أخذت من بيت المال بغير حقها، وأن تلغى جميع القطائع التي أعطيت لبعض الاثرياء في أيام عثمان. فكان يعتقد أن «المال مادة الشهوات». فالمؤمن إذا اغتنى ضعف رادعه الديني وحفزه الترف إلى الاستكبار والطغيان.
٨ ـ وكتب علي إلى أحد عماله يقول له: «أما بعد فاستخلف على عملك وأخرج في طائفة من اصحابك حتى تمر بأرض السواد كورة كورة فتسألهم عن عمالهم وتنظر في سيرتهم… واعمل بطاعة الله فيما ولاك منها…». وكان يوصي جباة الخراج أن يرفقوا بالناس ولا يعذبوهم عليه. فالعدل بين الناس أهم في نظره من كثرة الجباية. وكان يقول: «لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوى غير متعتع».
الإمام علي بين حقوق الإنسان وواجباته
قبل أن أدخل في صميم ما أريد البحث فيه، أودّ أن أذكر: أنّ القيم الخلقية لدى العلماء المحدّثين لم تعد هي السابقة لدى أسلافهم، وإن التقت معها ـ أو مع أكثرها ـ في بعض الخصوصيات.
وقد لا يكون من المهم أن أدرس أخلاق الإمام على ضوء تقييماتنا السابقة؛ لأنّ ذلك في غنى عن أي حديث.
فكلّنا نعلم أنّ الإمام كان مضرب الأمثال في صدقه، وحلمه، وشجاعته، ورأفته، وزهده، وكرمه، وأمثال ذلك من كرائم الخصال، وإنّما المهم ـ فيما أخال ـ أن نعرض إلى بعض ما استحدث من القيم الخلقية الجديدة، التي يُدّعى أنّها وليدة تطوّرنا الحضاري؛ لننظر نصيبها من سيرة الإمام وبليغ ما أثر عنه من أقوال. وربما انتهينا إلى أن ما أدل به واضعو هذه القيم ومقرروها في عصرنا الحاضر لم يكن ـ لو انصرفوا ـ إلاّ صدى ـ أو بمنزلة الصدى ـ لما أثر عن إمامنا في هذه المجالات.
تحدّث الأخلاقيون المحدثون عن الجوانب العملية من الأخلاق فقسموها إلى قسمين: دعوا الأوّل منها بالحقوق، والآخر بالواجبات، واعتبروا القيمة الخلقية التي يتفاوت بها الناس هي مدى إيمان الفرد والتزامه بالحدود المفروضة بحكمها له أو عليه.
وعرّفوا الحق: بما استحقه الإنسان على نفسه أو مجتمعه، وكان له أعماله أو المطالبة به، والواجب عليه تأديته لنفسه أو لخالقه أو لمجتمعه.
وقد قابلوا بين الحق والواجب فقالوا: ما من حق إلاّ ومعه واجب، بل واجبان، واجب على الفرد وآخر على مجتمعه.
أما واجبه فأن يقصر استعماله على ما لا يستوجب الإضرار بالغير، وأما واجب مجتمعه فأن يحترم له هذا الحق، ويصونه له ما دام لا يتنافى مع صالحه العام.
وقد جاء في نهج الإمام ما يشير إلى هذا التقابل بين الحقوق والواجبات حيث يقول: «… فالحق أوسع الأشياء في التواصف، واضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه، ولا يجري عليه إلاّ جرى له، ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنه سبحانه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً منه، وتوسعاً بما هو من المزيد من أهله…
ثم قال:… ثمّ جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، ويوجب بعضها بعضاً، ولا يستوجب بعضها إلاّ ببعض…» ([813]).
فالإمام هنا يقابل بين الحق والواجب بمحتواهما السابقين ويقول: لو كان هناك حق من دون واجب لاستأثر به الله، ولكنه ـ جلت قدرته ـ أبى إلاّ أن يجعل في مقابل ما أوجبه على عباده من حقوقه حقاً لهم عليه، ثمّ اعتبر حقوق الناس بعضهم على بعض بما يقابلها من واجبات من صميم التشريع، فنسبها إلى الله تعالى بقوله: «ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً لبعض الناس على بعض…».
وما دمنا في مجال المقارنة بين الحقوق الموضوعة للإنسان وما يقابلها لدى الإمام، فلنأخذ هذه الحقوق في أواخر مراحلها التطورية، ولنعتمد ما جاء في وثيقة حقوق الإنسان، كما شرعتها الهيئة الدولية، وأقرتها ـ قبل سنوات ـ بعد مناقشات واسعة، فهي آخر ما وصلت إليه هذه الحقوق من تكثّر وسمو.
ولقد راجعت إلى هذه الوثيقة واستقصيت ما جاء فيها من حقوق وواجبات، فرأيتها ـ بعد تداخل ما يتداخل منها، وإلقاء شروحها وتفصيلاتها، ثمّ إلقاء ما يرتبط منها بما استحدث من قوانين دولية لم تكن ذات موضوع من قبل ـ تعود في مهماتها إلى ستة حقوق هي:
1 ـ حق الحياة.
2 ـ حق الحرية.
3 ـ حق التملك.
4 ـ حق التعليم.
5 ـ حق الاشتراك في إدارة الدولة.
6 ـ حق العدالة.
ورأيت أنّ الدولة المشرّعة لها تتعهد بواجب صيانتها ما دام يستعملها أصحابها في ما لا يضرّ بالكافة، وعلى الأفراد أن لا يخرجوا على الشرائع والقوانين المتكفلة لذلك ما دامت قائمة بواجباتها في حماية هذه الحقوق.
وبما أنّ إمامنا الذي نتحدّث عنه كان ـ بحكم خلافته ـ هو القيّم على رعاية أمثال هذه الحقوق؛ فلننظر نصيبها من إيمانه بها وتمتعه بأعمالها كفرد.
ثمّ مدى قيامه بواجب صيانتها كرأس لدولة لها شريعتها الخاصّة ليصحّ لنا التحدّث عن قيمة الخلقية بهذا المقياس… فلنعد إذاً إلى تلكم الحقوق ونتفحصها واحدة واحدة.
1 ـ حق الحياة
وهذا الحق ـ وهو حق أن يحيا الإنسان ما دامت فيه قابلية للحياة ـ مكفول في الشريعة الإسلامية على أرفع صوره.
وإذا تمّ ما قالوه في تحديد الحق، وقلنا بمقتضاه: إن لصاحبه أن يتمتع به، أو يتخلى عنه، حسب اختياره، فإنّ الإسلام لا يعتبره حقاً، بل يعتبره من قبيل الواجبات، فهو لا يسيغ لصاحبه أن يعمد إلى إزالة حياته بيده بصريح قوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}([814]).
كما لا يسيغ للمجتمع أو الدولة ذلك، اللهم إلاّ في حالات يستثنيها الإسلام؛ كتعدي صاحبها على الآخرين بإزهاق حياتهم {وَلَكُمْ فِي القَصَاصِ حَيَاةٌ}([815]).
أو توقف حياة المجموعة التي ينتمي إليها، أو المثل التي يدين بها على ذلك.
وبهذا شرّع الجهاد والدفاع عن العقيدة والمبادئ والوطن.
أما الإجراءات التعسفية التي يقوم بها بعض الحاكمين لتركيز سلطانهم في الحكم، فالإسلام يأباها أشد الإباء، وكلام الإمام في ذلك صريح، يقول في كتابه إلى أحد عماله: «فلا تقوينّ سلطانك بسفك دم حرام، فإنّ ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله. ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد…) ([816]).
2 ـ حق الحرية
والحرية ـ ومن حقها أن نعطيها أهمية في البحث، ونطيل فيها الحديث؛ لملامستها لعواطف الجمهور؛ ولأنها من المفاهيم التي أسيء استعمالها في عصورنا المحدثة ـ هذه الحرية كانت من اعظم ما آمن به الإمام وكَفله.
تقول وثيقة حقوق الإنسان: «إن جميع البشر مولودون أحراراً، ومتساوون في الكرامة والحقوق. وقد وهبوا العقل والضمير، وعليهم أن يعملوا تجاه بعضهم بعضا بروح الأخوة»([817]).
هذا النص مستل من لائحة حقوق الإنسان في آخر تشريعاتها، تأكيد على ناحيتين مهمتين ترتبطان بالحرية حقاً وواجباً.
أولهما: أنها تولد مع الإنسان، ويولد معها التساوي في الكرامة.
ثانيهما: النص على ضرورة التعامل مع الناس بروح الاخوة كواجب لصيانة هذه الحرية وحفظها عن الفوضى بالتعدي على الآخرين.
وقد يكون من مفاخر الإنسان أن تجد هذين المضمونين مؤكدين بلسان إمام المسلمين علي في اكثر من موضع من نهجه الخالد فيقول: «ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً»([818]).
والجعل هنا بمعنى الخلق فهو يقول له: الحرية خلقت فيك منذ خلقك الله، وهي هبة الله فلا تبددها بالخضوع والعبودية لغيرك.
ويقول في وصيته لولده الإمام الحسن في التأكيد على الناحية الثانية: «يا بني اجعل نفسك ميزاناً في ما بينك وبين غيرك فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلم، واحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك…»([819]).
وهو مع اشتماله على جوهر ما ورد في النص السابق يفوقه بإلزام الشخص بمعاملة غيره معاملة النفس، وهي مرحلة آكد من مرحلة الاخوة وأهم.
وقد وضع مخططات لذلك التعامل في قسم من مأثوراته كقوله «عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شعره بالإنعام عليه»([820]).
وقوله: «ازجر المسيء بثواب المحسن»([821])، وهو لون من العتاب والرد والزجر يكاد ينفرد به الإمام، فقد كنّا نألف أن يكون العتاب والرد والزجر بمثل الإساءة، أو بالصفح عنها على أكثر التقادير، أمّا أن يكون بالإحسان والإنعام على المسيء، أو يكون تأديب المسيء بتشجيع المحسنين على إحسانهم، فهذا ما لا تبلغه اللائحة في تأكيداتها على هذه الجوانب.
وقد استوعب شعور الإمام بالحرية المطلقة جملة مشاعره، فكان حراً حتى في شعوره بالعبودية لخالقه، فهو لا يعبده إلاّ عبادة الأحرار، وذلك قوله في تقسيم العبادة، ثمّ اختياره منها لما يلتئم ونفسيته الحرة: «إن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وان قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وان قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار»([822]).
وفي مناجاته: «إلهي ما عبدتك شوقاً إلى جنتك، ولا خوفاً من نارك، بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك»([823]).
فهو يأبى على نفسه أن تتاجر في عبادتها، أو تخضع خضوع العبيد من خوف أو رهبة، وإنما يريد لها أن لا تعبد إلاّ عبادة الأحرار، عبادة عرفان الجميل، وإعطاء كل ذي حق حقه، ومن حق الله أن يُعبد لأنه أهل للعبادة.
والحرية من المفاهيم الواضحة المبهمة في آن واحد، فهي واضحة لأنّنا نحسّها جميعاً، ونشعر بها جميعاً، وإن لم يعشها أكثرنا حتّى الآن.
وهي مبهمة لأنّ التعابير في مجالات التحديد تضيق عن تصويرها طرداً، وعكساً.
ولأنّها من المفاهيم التي أسيء استعمالها حتّى تجاوزت حدود الفوضى لدى قوم، والعبودية لدى آخرين.
وخير ما يقرب إدراكها: دراستها لا من التعابير المحدّدة لها، وإنّما من واقع ما يصوّره الأحرار بسلوكهم وسيرتهم، وهذا ما حاولت أن أبلغه من وراء هذا الحديث.
وما دمنا قد وضعنا لائحة حقوق الإنسان أمامنا فلنسايرها في تقسيمها أنواع الحرية، ونلتمس واقع الإمام في ضوء هذه التقسيمات كمثل يحقق مفهوم الحرية بأرفع صورها.
والحرية في هذه اللائحة ذات شُعَب يخص بعضها حرية الدين والعقيدة، وبعضها حرية الرأي والتفكير، وثالثة حرية التعبير، ورابعة حرية التنقل واختيار البلد، وخامسة حرية العمل، ولكل من هذه الشُعب حديث في سلوك الإمام وسيرته وفي ما اثر عنه من بليغ القول.
أما حرية الدين والعقيدة فهي من أهم أسس الإسلام ومبادئه، وقد تغلغلت ـ كغيرها من مبادئه ـ في أعماق الإمام، وما جاء في دستور الإسلام الخالد صريح في ذلك. {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ}([824])، وقد كان للإمام يد في نشر هذه المبادئ.
وما رأيناه، ولا حدّثنا التأريخ ـ على كثرة ما عُني بخبره ـ من أنّه أجبر أحداً على عقيدة، أو أعمل سلطته في الحدّ من نشاط تبشيري منطقي، وقد رأينا كيف كان يستقبل في عهد خلافته، والعهود التي سبقته أئمة وعلماء الأديان الأخر لمجادلتهم في اعتقادهم بالتي هي أحسن، حتّى إذا آمن منهم من آمن تقبله بقبول حسن، وإلاّ عاد إلى أهله ليمارس طقوس مبدئه بحرية.
ولم أجد في حدود تتّبعي للتاريخ حرية مورست في ظلّ حاكم تصل إلى حد الدعوة إلى عقيدة مخالفة أو ممارسة لحرية عقيدية في ظل نظام ذي عقيدة محدّدة أوسع من أن يأتي صاحب العقيدة المخالفة عن طواعية واختيار ليحاجج رأس الحكم في شؤون دينه وعقيدته، ثمّ يعود موفور الكرامة بعد أن قال كلّ ما يريد أن يقول بمحضر من الرأي العام.
وحرية التفكير وهي عملية داخلية طبيعية، ما ادري ما دفع مشرعي الوثيقة إلى ذكرها في الحقوق في مقابل حرية التعبير، مع إنها لا تحتاج إلى حماية خارجية بأمثال هذه اللائحة، وكان يمكن أن يكتفي بضمان الحرية للتعبير بمختلف ما له من الأساليب عن ذكرهما كحقين مستقلين.
وما يقال عن التفكير يقال عن الرأي، وعن الدين، في القسم النظري منه، ومهما يكن فماذا يراد من حرية التعبير عن ذلك كله؟ يراد بالطبع حرية إبراز الفكرة أو الرأي والعقيدة بمختلف أساليب الإبراز، سواء في المجتمعات العامة أم الخاصة، وافقت الحكم القائم أم صادمته.
وهذا الجانب منها ربما يكون من أهم جوانبها، أن لم تلتق جوانبها على اختلافها فيه.
وقد كان له في تأريخ الحركة الفكرية حديث لا يخلو أكثره من شجون، وقد كتبت أكثر سطوره بالدماء؛ فاستحق لذلك عناية المؤرخين؛ حيث سجلوا مختلف مراحله التطورية، غير أنّ المؤسف حقّاً أن لا تنال تجارب الإمام فيه ـ وهي القيمة في تأريخ حرية التعبير ـ ما تستحقه من عناية.
وقد قدّر للإمام أن يمارس هذه الحرية محكوماً وحاكماً، فكان في الحالين من ارفع الأمثلة لذلك بما ضرب من الأمثال العالية للشعور بما تدعو إليه من مسؤوليات، مارسها قبل الحكم، حين دعي إلى البيعة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهو يؤمن بأن الخلافة حق من حقوقه، جعلها له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بمشهد من عامة المسلمين يوم (غدير خم)؛ وذلك حين نزل عليه الوحي آمراً، ومحذراً، وعاصماً له من الناس بآية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}([825]).
فاستوقف النبي له جماهير المسلمين وخطبهم خطبته المعروفة ثمّ قال: «ألست أولى بكم من أنفسكم ـ وكأنه يشير إلى الحق المجعول له بآية: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}([826]) ـ حتى إذا صدّقوا وأمنوا على كلامه، اصدر بلاغه العام في ذلك مدوياً: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأعن من أعانه، واخذل من خذله، وانصر من نصره، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه»([827]).
ومع هذا الحق الصريح لم يجد بداً من إعلان معارضته للوضع القائم بالامتناع عن البيعة، واستعمال حقه في حرية المعارضة على أتمه([828]).
وحين شاهد ـ وهو يشعر بمدى مسؤولية ما يقوم به ـ بعض الانتهازيين حاولوا الاستفادة من معارضته بإحداث ثورة داخلية لقلب نظام الحكم، وإعلانها حرباً على الإسلام نفسه، وان إصراره على استعمال حقه في المعارضة سيكون عوناً لهم على ذلك([829])، أعلن تجميد هذا الحق، وسارع إلى البيعة لإحباط المؤامرة في مهدها، وهو بعد مصر على أن الحق له، فها هو يشرح لأهل الكوفة الأسباب التي دعته إلى البيعة مع ما عُرف به من المعارضة:
فلما مضى (صلى الله عليه وآله) تنازع المسلمون الأمر من بعده. فوالله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر ببالي، أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده (صلّى الله عليه وآله) عن أهل بيته، ولا انهم منحوه عني من بعده! فما راعني إلاّ إنثيال الناس على فلان ـ يعني أبا بكر ـ يبايعونه، فأمسكت يدي؛ حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد (صلّى الله عليه وآله) فخشيت إن لم انصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ اعظم من فوت ولايتكم…» ([830]).
ومن طريف المفارقات: أن يتهمه بعض مؤيدي الوضع القائم بالحرص على استعمال حقّه في حرية المعارضة، والمطالبة بحقّه فيقول في ردّهم: «إنّما طلبت حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه. فلمّا قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين هبّ كأنّه بهت لا يدري ما يجيبني به!…» ([831]).
وسنسمع ـ بعد حين ـ وجهة نظره في تَطلبه لهذا الحق.
واستمر استعماله لحقّه في المعارضة ولكن في حدود ما يدعو إليه الصالح العام، من تنبيه على خطأ يراه في سياسة قائمة، أو خلل في تطبيق نظام الدولة([832]).
وقد اطمأن الحكّام إلى سلامة نيته، فكانوا لذلك لا يأبون عن الأخذ برأيه، وربما بدؤوه بالاستشارة، فأشار إليهم بما كان يراه صالحاً، وكثيراً ما كانوا يرسلون بحقّه كلمات الإكبار أمثال قول الخليفة عمر: «لولا علي لهلك عمر»([833]).
أمّا صيانته لهذا الحق في أيام حكمه فتتجلى في مواقفه من معارضيه، وأسلوب معاملته لهم في مختلف أدوار حياته.
وكان أوّل من واجه منهم أولئك الذين امتنعوا عن بيعته من كبار خصومه أمثال سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وحبّان بن ثابت، وغيرهم.
وقد حاول أصحابه أن ينتزعوا البيعة منهم انتزاعاً فأبى عليهم، وقال لهم فيما قال: «لا حاجة لنا في من لا حاجة له فينا»([834]).
وظلّت هذه الكلمة كدستور له يسير في حدوده مدّة خلافته، حتّى إذا أساؤوا استعمال هذا الحق وتجاوزوا حدوده المرسومة بقيامهم بثورة مسلحة ضده، قصد إليهم إلى البصرة ثمّ إلى صفين.
وقام ـ قبل أن يبدأهم بقتال ـ بمحاولات سلمية واسعة لتسوية الموقف([835])، وكان من وصاياه لجنوده: «لا تقاتلوهم حتّى يبدؤوكم… فإذا كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبراً، ولا تصيبوا معوراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تهيجوا النساء بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم…» ([836]).
وكان موقفه من الخوارج ـ وهم اشد معارضيه، وأكثرهم إيماناً بمبدئهم ـ من أروع المواقف، وأكثرها تعبيراً عن صيانته لهذا الحق، فقد أباح لهم أن يسلكوا مختلف الأساليب للتعبير عن آرائهم([837])، وكانوا يعايشونه في البلد، فتكلموا، وخطبوا، وتجمهروا، وجادلوا، وقد تجاوزوا حدود الأدب حين قال قائلهم انه: «لن يأتم به، ولن يشهد معه صلاة، ولن يأتمر بما يأمر، ولن يكون عليه سلطان».
ومع كل ذلك فلم يعرض الإمام لهم بسوء، بل كان يجادلهم بنفسه تارة، وبابن عمه عبد الله بن عباس أخرى([838])، حتى إذا خرجوا من الكوفة بمحض اختيارهم، وشكّلوا من أنفسهم عصابة تتعرض إلى الآخرين بالقوة لحملهم على اعتناق مبدئهم، وكان ما كان منهم من إقلاق للرأي العام، وتهديد الأمن، والتعدي على الأبرياء، أمثال قتلهم لعبد الله ابن خباب، وبقر بطن زوجته الحامل([839])، خرج إليهم الإمام لتأديبهم، ومع ذلك لم يقاتلهم حتى قام بمحاولاته السلمية التي أرجعت كثيراً منهم إلى الطاعة والاعتراف بالخطأ.
والشيء الذي كان ينفرد به الإمام إذ ذاك، أنّه جعل المعارضة السلمية من حقوق الحاكم على رعيته حتّى قال: «وأمّا حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب»([840]).
وقال في إحدى خطبه بصفين: «وأنّه من استثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالةٍ بحق أو مشورةٍ بعدل»([841]).
ومن أقواله: «رحم الله امرءاً رأى حقاً فأعان عليه، أو رأى جوراً فردّه، وكان عوناً بالحق على صاحبه»([842]).
وبما أنّ حرية المعارضة تستدعي أن يحاط المعنيون بالأمر بتصرفات صاحبهم؛ ليتسنى لهم معارضته في ما يختلفون معه فيه، فقد أعطى الإمام لهم هذا الحق، فقال في خطاب له معهم: «ألا وإن لكم عندي أن لا أحتجز دونكم سراً إلاّ في حرب…» ([843]).
وهذا الاستثناء طبيعي، فالحرب لا تذاع أسرارها بحال، وإلاّ بلغت العدو فينقض عليهم خططهم من أساسها.
وكموقفه من حرية المعارضة وقف من حرية السكن والتنقل، فلم يعرض لها بحد، ولم يسمع عنه انه فرض أقامة جبرية على أحد، أو منع أحداً من التنقل من بلد إلى بلد. وشمل هذا الحق حتّى ألدّ أعدائه([844])… وموقفه معروف من طلحة، والزبير حين أرادا أن يخرجا إلى العمرة للتهيؤ للثورة عليه؛ فلم يجبرهما على الإقامة، وهو يعلم أنّهما يريدان الغدرة لا العمرة كما يدعيان([845]).
ومن أروع الأمثال على ذلك موقفه من أولئك الوصوليين ممّن تسلل للالتحاق بمعاوية، وذلك حين بلغه أمرهم فكتب إلى عامله في شأنهم، ونظائرهم: «أمّا بعد فقد بلغني أنّ رجالاً ممّن قبلك يتسللون إلى معاوية، فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم، ويذهب عنك من مددهم، فكفى لهم غياً… وإنّما هم أهل دنيا مقبلون عليها، ومهطعون إليها، وقد عرفوا العدل ورأوه، وسمعوه ووعوه، وعلموا أنّ الناس عندنا في الحق أسوة، فهربوا إلى الأثرة ـ المنفعة ـ فبعداً لهم وسحقاً، إنّهم والله لم ينفروا من جور، ولم يلحقوا بعدل…» ([846]).
ولو أراد منعهم من هذا الحق لكتب إليه باتخاذ إجراءات صارمة للحيلولة دون خروج أمثالهم على الأقل، لكنّه أبى أن يحدّ حرية أحد ما لم تضر بالكافة.
وحرية العمل هي الأحرى كفلها الإمام وصانها، وقد كان من رأيه أن لا يكره أحداً على عمل، وفي ذلك ما جاء في كتاب له لأحد عماله وقد أراد له أهل بلده أن يكره الناس على حفر نهر تتعلق مصلحتهم به: «ولست أرى أن أجبر أحداً على عمل يكرهه، فادعهم إليك؛ فإن كان الأمر في النهر على ما وصفوا، فمن أحبّ أن يعمل فمره في العمل، والنهر لمن عمل دون من كرهه».
فهو هنا ـ بالإضافة إلى ما كفله من حرية العمل ـ يأبى على عامله أن يسمح لغير العاملين في استثمار ما يقوم به العاملون من جهد (فالنهر لمن عمل دون من كرهه) وسنرى ـ بعد حين ـ تأكيد هذه الناحية في كلامه عندما نبحث عدالته الاجتماعية.
3 ـ حق التملك
وثالث الحقوق حق التملك فردياً أو اجتماعياً، وهذا الحق مفروض في الإسلام، وربما اعتبر من ضرورياته ما لم يتعد إلى الإضرار بالآخرين، بسلوك طرق غير مشروعة للحصول على الملكية، كالمراباة، والارتشاء، والغصب، والسرقة، وغيرها.
أما استعماله لهذا الحق ـ وهو أمير المؤمنين وخازن أموالهم ـ فقد حدثنا عن حدوده في كتابه لعامله عثمان بن حنيف:
«ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمرَيْه، ومن طعمه بقرصَيْه… إلى أن يقول: فو الله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً…» ([847]).
وقد مات ولم يضع لبنة على لبنة، وربما باع سيفه ليشتري به الكساء والطعام.
وزهده أشهر من أن نتحدث عنه. أما أسباب ذلك الزهد وبواعثه النفسية فقد كشف جانباً منها في كتابه السابق… وسنأتي عليه في موضعه من هذا الحديث.
وقد كفل هذا الحق لرعاياه، فلم يقف دون أحد في ملكية، أو جرد أحداً منها، اللهم إلاّ إذا كانت غير مشروعة، فمن ذلك موقفه مع من أثرى على حساب حقوق الشعب في أيام عثمان، حيث جردهم مما يملكون من ذلك المال الحرام، وأعاده إلى الكافّة، وفي ذلك قوله:
«أيّها الناس إنّما أنا رجل منكم، لي ما لكم وعليَّ ما عليكم… ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان، وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال… ولو وجدته قد تزوج به النساء، وفرّق في البلدان، لرددته إلى حاله، فالحق لا يبطله شيء»([848]).
وقد أراد بعض هؤلاء أن يساوموا على البيعة والطاعة، بإبقاء هذه الأموال بأيديهم، فأبى أن يصبر عليهم الإمام، أو يتقبل مثل هذه البيعة.
ومثل ذلك موقفه مع بعض عماله ممّن أراد أن يثري على حساب العامة؛ فصدّه بمحاسبته وتهديده باستعمال القوّة ضدّه، ثمّ موقفه من محتكري قوت الشعب والضرب على أيديهم على نحو ما سنعرض له في عدالته الاجتماعية.
4 ـ حق التعليم
وحق التعليم ـ كما يراه الإمام ـ من حقوق الرعية على أمرائهم، وصريح قوله وهو يعد حقوق الرعية عليه: «فأما حقكم عليّ فالنصيحة لكم. وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كي ما تعلموا»([849]).
وفي كتابه إلى قثم عامله: «وعلم الجاهل»([850]).
وبالطبع يراد بالتعليم هنا: هو تعليم كل ما تحتاجه الشعوب لاستقامة حياتها، وبخاصة الدينية منها، والدين هو الدستور المطلق للدولة، فلا بد من معرفته للعمل على السير في حدوده.
ويبدو من بعض كلمات الإمام انه كان يرى التعلم من الواجبات على الأفراد وليس من الحقوق، كما يرى وجوب تعليمهم، ففي إحدى كلماته يقول: «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى اخذ على أهل العلم أن يعلّموا»([851])… تأملوا كلمة ما أخذ الله على أهل الجهل فهي من محتويات الوجوب.
5 ـ حق الاشتراك في إدارة الدولة
والاشتراك في إدارة الدولة حق كان يراه الإمام طبيعياً لجميع أفراد الشعب، بشرط توفر مؤهلات الحكم فيهم، وكان يرى عند تقدم جماعة منهم إخضاعهم للاختبار، وتقديم أوفرهم مؤهلات، وأقدرهم على توفير العدالة للرعايا.
وفي دستوره الخالد شرح لهذه الجوانب، ومما جاء فيه: «وان افضل قرة عين الولاة استقامة العدالة في البلاد، وظهور مودة الرعية… ثمّ اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم ـ أي لا يلج في الخصومة ـ ولا يتمادى في الزلّة… ثمّ انظر في أمور عمالك، فاستعملهم اختباراً، ولا تولهم محاباة وأثرة»([852]).
ولهذا نظائر في النهج تراجع في مظانها في الكتب والعهود.
6 ـ حق العدالة
ولعل من أهم ما ورد في هذه اللائحة وأسماها وأعلقها بحاجة واقعنا إليها هي العدالة الاجتماعية بشقيها الفردي والاجتماعي.
والمراد بالعدالة هنا: هو دفع الظلم أو رفعه عن كاهل الأفراد والجماعات.
والظلم الجماعي له عدة معطيات لعل أهمها معطيان:
أولهما: يرجع إلى الامتيازات الطبقية التي تحدثها عادات اجتماعية متأصلة أو أنظمة خاصة.
ثانيهما: يرجع إلى شيوع الفقر لقلة في الإنتاج، وسوء في التوزيع، مع بقاء الوضع من قبل السلطة على حاله، وعدم تدخلها في إصلاحه.
ولفهم هذين المعطيين وموقف الإمام منهما يحسن أن نعود إلى العصر الذي سبق عهد خلافة الإمام وننحدر برواسبه إليه، لتتجلى لنا قيمة إصلاحاته الجذرية لواقع مجتمعه.
لا شك أنّكم تعلمون أنّ الإسلام جاء والمجتمع الجاهلي يعجّ بطبقية واسعة ذات امتيازات اجتماعية معروفة، كما يعج بعوامل انتشار الفقر بين أكثر الطبقات.
فكان أوّل ما عمله أن عمد إلى ذلك التفاوت فقلص من ظلاله بما شرّع لهم من نظم، وما وضع عليهم من ضرائب، ثمّ عمد إلى امتيازاته فألغاها.
وقام بعد ذلك باتخاذ إجراءات سلبية وإيجابية لها أهميتها في الحد من انتشار الفقر، ثمّ في التخفيف من حدة الشعور به.
وفي عهد الخليفة الثاني نشأت في الإسلام طبقية، ولكن من لون جديد، وأساس هذه الطبقية هو القرب، والسابقة، والصحبة.
وقد أعطيت امتيازات بعضها مادية وبعضها معنوية، ومن امتيازاتها المادية أنها شرّعت مبدأ التفاوت في العطاء، فمن اثني عشر ألف درهم وهي حصة أعلى طبقاتها([853])، إلى مائتي درهم وهي حصة أدنى الطبقات([854]).
وكان من نتائجها أن تكدس المال لدى فئة خاصّة، سمعنا عن بعضها أنّه كان يكسر الذهب بالفؤوس، بينما كانت العامّة تئن تحت وطأة من الفقر والفاقة([855]).
وفي عهد الخليفة الثالث كفلت تلكم الامتيازات وأضيف إليها طبقة أخرى لها امتيازاتها، وأساسها القرب من ولاة الحكم، وقد رأينا أنّ هذه الطبقة لا تخضع في امتيازاتها لحساب.
ولما جاء الإمام إلى الحكم وجد نفسه مسؤولاً عن اتخاذ إجراءات حازمة للقضاء على هذا الظلم الجماعي بجميع صوره، والعودة بهم إلى التشريعات الإسلامية الأولية.
فكانت أولى خطواته أن عمد إلى هذه الامتيازات الطبقية الجديدة على الإسلام فألغاها.
وهنا يجب أن نؤكد أن الإمام لم يلغ الطبقية بمفهومها الاجتماعي، كما لم يلغها الإسلام من قبل، وان قلّل من تفاوتها، وقد سبق أن قلنا إن الإمام اعترف بحق الملكية للفرد، وبحق الحرية في العمل، وما دامت حرية التملك والعمل قائمتين فالطبقية حتماً موجودة، ولكن الطبقية المعتدلة ليست هي أساس الظلم، وإنما الأساس في إعطائها امتيازات في الدولة أو في البيئة الاجتماعية قد يكون من أيسر معطياته هو الشعور بالدونية لدى اكثر الطبقات.
وقد كان الإمام صريحاً في إلغائها حين خطب أولى خطبه التي أعلن فيها منهاجه في الحكم ومما قال: «أيها الناس ألا لا يقولن رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا، فاتخذوا العقار، وفجّروا الأنهار، وركبوا الخيل الفارهة، واتخذوا الوصائف المرققة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً، إذ ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصَرْتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا.
ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله، يرى أن الفضل له على سواه لصحبته، فإنّ الفضل النيّر غداً عند الله، وثوابه وأجره على الله، فانتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، ولا فضل فيه لأحد على أحد»([856]).
وما دام المال مال الله، والعباد عبيده، وحاجاتهم الأوّلية لا تكاد تختلف، فما الذي يميز بعضهم عن بعض؟
أمّا الصحبة والسبق في الجهاد فهي من أعمال التقوى، وليس لعمل التقوى جزاء مادي في نظر الإسلام، وإنّما الجزاء غداً عند الله.
وفي كلام آخر له وقد طلب إليه أن يراعى عواطف ذوي الامتيازات ليأمن غائلتهم ويضمن إخلاصهم له: «أتأمرونني أن اطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟! والله لا أطور به ـ لا أقاربه ـ ما سمر سمير ـ مدى الدهر ـ وما أمّ ـ قصد ـ نجم في السماء نجماً! لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله!!
ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة…» ([857]).
وهذا الامتياز لم يكتف الإمام بإلغائه، بل تعدى إلى كل ما لهذه الطبقة من امتيازات سابقة فشجبها، وأوقف مختلف الطبقات أمام النظم الإسلامية على صعيد واحد.
وما أورع ما ورد عنه وقد قال له بعضهم: «نحن أعزّة قوم» وكأنّهم يريدون أن يذكّروه بما كان لهم من امتياز: «الذليل عندي عزيز حتّى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتّى آخذ الحق منه…» ([858]).
ومن كلماته: «وايم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه، ولأقودن الظالم بخزامته، حتّى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً»([859]).
وفي سبيل تحقيق هذا الجانب من عدالته الاجتماعية ما كان يأمر به عماله من المساواة بين رعاياهم، وحرمان خواصهم، وأقربائهم، من كل حق يمس هذه المساواة، فهو يكتب لأحدهم: «انصف الله وانصف الناس من نفسك، ومن خاصة اهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إن لا تفعل تظلم! ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده… وليس شيء ادعى إلى تغير نعمة الله، وتعجيل نقمته، من إقامة على ظلم، فإنّ الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد…» ([860]).
وبالطبع كان لهذه الامتيازات الطبقية رواسب نفسية في أعماق العامة تبغض لهم هذه الطبقات، كما تنفرهم من الحكام؛ لحمايتهم لها.
فمن أجل علاج هذا الجانب النفسي، وتأكيد الروابط بين الرعية وحكامهم، أمر ولاته بالتحبب إليهم، والرأفة بهم، ومن ذلك قوله: «… وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه…»([861]).
فهو ـ كما ترون ـ يوصيه بالتجاوز عنهم، والاغتفار لزللهم؛ لأنهم يؤخذون على الخطأ أخذاً.
ويراد بالخطأ والزلل هنا: الخطأ الذي لا يستوجب حداً من حدود الله، أو حكماً شرعياً خاصاً؛ لما ستعرف عن الإمام من تشدده في إقامة الحدود، وعدم التسامح عنها بحال.
والإمام في هذا الموضع لا يخص بتوصية المسلمين من رعاياه، بل يتجاوز إلى بقية المواطنين من غير المسلمين «إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».
ثمّ يقول في تتمة ذلك الكلام: «وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمّها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية… إلى أن يقول بعد التنديد بالخاصّة: … والعدة للأعداء، العامّة من الأمّة، فليكن صِغوك ـ ميلك ـ لهم، وميلك معهم…» ([862]).
وفي ختام هذا الحديث يجيء بليغ قوله لبعض عماله: «وإيّاك والاستئثار بما الناس فيه أسوة…»([863]).
أما شيوع الفقر وهو المعطى الثاني لانتشار الظلم فقد كان له إلى كفاحه عدة طرق ربما تمشت مع احدث النظم الاقتصادية في هذا العصر.
أولها: توفير العمل بتهيئة وسائله ومن ذلك ما جاء في دستوره الخالد: «وليكن نظرك في عمارة الأرض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لان ذلك لا يُدرك إلاّ بالعمارة…»([864]).
ويقول: «ومن طلب الخراج بغير عمارة، أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلاّ قليلاً… وإنّما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها…» ([865]).
فإذا شاركت الدولة في أعمار الأرض فقد توفر العمل للعاملين حتماً، وبتوفره توفّر الخراج، والناس كلهم عيال عليه كما ورد عنه في هذا العهد.
ثانيها: كفاح البطالة بالحث على العمل ـ بعد توفير وسائله ـ وما اكثر ما ورد عن الإمام في ذلك ومن بليغ أوصافه للعاملين: «قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل»([866]).
ثالثها: توزيع الثروة توزيعاً عادلاً، سواء بين العمال وأصحاب العمل، أم بين العمال أنفسهم.
ومن بليغ وصاياه في ذلك: «ثمّ اعرف لكلّ امرئ منهم ما أبلى، ولا تضُمَّنَّ بلاء امرئ على غيره، ولا تقَصرّنَّ به دون غاية بلائه، ولا يَدْعونّك شرف امرئ إلى أن تُعْظِمَ من بلائه ما كان صغيراً، ولا ضعة امرئ إلى أن تَستَصغِرَ من بلائه ما كان عظيماً…» ([867]).
فهو يأمر بإعطاء العامل كلّ ما يستحقه، ويوصي بأن: «لا يقصر به دون غاية بلائه».
كما يوصي أن لا تدخل في حساب العمل والعمال تلكم الامتيازات الطبقية، فيستصغر عمل امرئ لضعة نسبه، ويستعظم عمل آخرين لرفعتهم، فالأجر على قدر العمل، وصاحبه هو مالك الأجر لا غير.
رابعها: الضرب على التلاعب بالأسواق من قبل المستغلين والمطفّفين، ومحتكري قوت الشعب، مما يوجب أن تثري طبقة على حساب بقية الطبقات؛ وبخاصة الضعيفة منها.
ومن أوامره في ذلك لعماله قوله لبعضهم:
«واعلم ـ مع ذلك ـ أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً، وشحاً قبيحاً، واحتكاراً للمنافع، وتحكماً في البيعات، وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة. فامنع من الاحتكار فإنّ رسول الله منع منه…» ([868]).
ومن رأيه أن تدخل السلطة شخصاً ثالثاً لتحديد الأسعار، والحدّ من التلاعب فيها، وذلك قوله في تتمة كلامه السابق: «وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع»([869]).
خامسها: تجريد أصحاب الملكيات غير المشروعة من ملكياتهم، وأعادتها إلى أهلها الشرعيين، ومن ذلك ما جاء في أوّل خطبة له: «أيها الناس إنما أنا رجل منكم لي ما لكم وعليَّ ما عليكم، إلاّ أن كل قطيعة اقطعها عثمان، وكل مال أعطاه عثمان من مال الله فهو مردود في بيت الله، ولو وجدته قد تزوج به النساء، وملك به الإماء لرددته فإنّ في العدل سعة فمن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق»([870]).
وكأنه سلام الله عليه كان ينظر إلى هؤلاء ونظائرهم حين أرسل قولته الخالدة: «فما جاع فقير إلاّ بما متع به غني»([871]).
وقولته: «ما رأيت نعمة موفورة إلاّ والى جانبها حق مضيّع».
سادسها: منع عماله وموظفيه من الإثراء غير المشروع سواء بابتزازهم لأموال الدولة، أم ارتشائهم على حساب بعض الحقوق، وما أعسر محاسبته لعماله في ذلك.
وما أخال أنّ أحداً من هؤلاء سلم من التعرّض لمحاسبته، والتمتع بجزائه من تشجيع على إخلاص، أو تقريع على تقصير، أو إقصاء مع خيانة، وفي نهجه الخالد ما يشير بكثرة إلى أمثال هذه الشؤون.
سابعها: رفع الضرائب عن كواهل الطبقة الضعيفة، ممن لا تملك ضرورة ما تحتاج إليه من زاد أو كساء، أو أداة عمل، ومن ذلك ما جاء في كتابه السابق: «ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعتملون عليها…» ([872]).
وبالطبع إن هذه الإجراءات ونظائرها لا تستأصل الفقر من أساسه وإنما تعمل على تقليصه، فهناك من لا يقوى لمرض أو شيخوخة أو صغر، ولا ينهض عمله بسد حاجته لكثرة في عياله، وربما كان فيهم من يقوى على العمل ولا يتوفر لديه مجاله.
ولمثل هؤلاء شرع الإسلام مبدأ الضمان الجماعي، وكفل لهم ذلك في أيام حكمه، ففي عهده لمالك الاشتر: «… الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين، وأهل البؤس والزمنى ـ أرباب العاهات المزمنة ـ فإنّ في هذه الطبقة قانعا ومعترا ـ سائلا ومتعرضا للعطاء بلا سؤال ـ واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسما من بيت مالك، وقسما من غلات صوافي الإسلام.. ثمّ يقول: وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه…» ([873]).
وقد لاحظ الإمام أن اكثر هؤلاء لا يمكن أن يصلوا إلى الولاة بحوائجهم، لما يتركه الفقر في نفوسهم من ضعف، فأمر في تشكيل لجنة لتتبعهم، ورفع أمرهم إلى المعنيين بالأمر.
وقد جاء في كتابه السابق: «وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممّن تقتحمه العيون ـ تزدريه ـ وتَحْقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثمّ اعمل فيهم بالأعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه، فإنّ هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم…» ([874]).
وأضاف الإمام ـ في ما يحدث المؤرخون ـ فوضع بيتاً سمّاه (بيت القصص) يلقي فيه الناس رقاعهم لتحمل حاجاتهم إلى الإمام([875]).
وهذا الضمان لا يتناول ـ بحكم الإسلام ـ من يتوفر لديه العمل ويقوى عليه، ثمّ لا يعمل حبا بالبطالة، فإنّ أمثال هؤلاء يعتبرهم الإسلام أغنياء، ويحرمهم من هذا الضمان.
والغني في عرفه من كان يملك قوت سنته أما بالفعل أو القوة، وهؤلاء يملكونها بالقوة لقدرتهم على العلم وتوفره لديهم.
وهذا هو السر في قصر الإمام هذا الضمان على الأصناف التي عدها في كلامه، ليس فيها ما يشمل نظائر أولئك من الأغنياء.
ووجود الفئات العاجزة عن العمل، وشعورهم به، لا بد وان يحدث في أعماقهم عقدا نفسية يحتاج مثلها إلى علاج.
وكان للإمام عدة طرق في علاجها نذكر منها طريقين مهمين:
1 ـ تهوينه من شأن الفقر واعتباره ظاهرة طبيعية لا تنقص من وزن صاحبها، وربما رفعت قدره في أخراه.
وكان يضرب لهم الأمثال بعظماء من البشر كأنبياء الله موسى وعيسى ومحمد (صلّى الله عليه وآله) كانوا من الفقراء، فلو كان الفقر سبة لما اتّصف به أنبياء الله.
وقد كان لهذا الكلام ونظائره أثره الكبير في نفوسهم نظراً لتحكم القيم الروحية في مجتمعهم وعظم الإمام صاحب أغنى رصيد روحي في نفوسهم، وعلى هذا ينزل جملة ما ورد في كلامه في الثناء على الفقر والفاقة ثمّ بهذا يجمع بينه وبين ما ورد في كلماته الأخر من ذم الفقر والحثّ على الابتعاد عنه بالعمل مهما كلف الحال.
2 ـ مشاركة إمامهم الوجدانية لهم، بمواساتهم في خشونة العيش، والتشبه بهم في لباسه، ومأكله، وما إلى ذلك من لوازم الفقر، وربما كان أعظم أثرا من سابقه قال (عليه السلام): «ولو شئت لاهتديت الطريق، إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز. ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ـ ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع ـ أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى أو أكون كما قال القائل:
وحسبــك داءً أن تبيت ببطنةٍ
وحولك أكبادٌ تحن إلى القِدِّ
أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش! فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة، همها علفها…» ([876]).
وأي فقير يرى هذه المشاركة من إمامه فلا تزول عن أعماقه رواسب ما تركه الفقر فيها من آثار، وهكذا عمّ في عدالته الاجتماعية جملة رعاياه.
أمّا العدالة من جانبها الفردي: فالمراد بها رفع الظلم بعد وقوعه على الفرد، وزجر الظالم وتأديبه ضمن حدود الإسلام.
وقد كان الإمام ضرب الأمثال فيها، وربما كان تخصيصها بشيء من الحديث ضرب من الكلام المعاد لكثرة ما تكرر حديثه، وعرف عنه (عليه السلام).
وحسبنا ـ وقد أوشكنا أن نختم هذا الحديث ـ أن نأتي بكلام له يكشف عن أسباب حرصه على تطلّب حقّه في الخلافة من جهة، ويرتبط بحديثنا من جهة ثانية قال:
«اللهم إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك؛ فيأمن المظلوم من عبادك… وقد علمتم أنّه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج، والدماء، والمغانم، والأحكام، وإمامة المسلمين، البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيظلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف ـ الجائر ـ للدول ـ المال ـ فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع ـ الحدود ـ ولا المعطل للسنّة فيهلك الأمّة»([877]).
وأخال أنّ هذه السنوات الخمس إلاّ قليلاً والتي قضاها الإمام في إدارة شؤون المسلمين، وخلّف فيها كلّ هذه الآثار الخالدة كانت كافية للدلالة على وجهة نظر الإسلام، وشرعه في اختياره الإمام أميراً للمؤمنين وخليفة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد وفاته.
أمّا بعد فهذا هو الإسلام بحقوقه وواجباته، وهناك عشرات من الحقوق والواجبات أمثال ما ذكرناه، شرّعها وكفلها لمجتمعه، وقد تمثّلت جميعاً بأقوال وسلوك هذا الإمام العظيم.
والذي أخاله إن ما أدل به واضعو هذه الحقوق ومشرّعوها في عصرنا الحديث لم يعد ذي موضوع أبداً، بعد أن شاهدناه مشرّعاً، ومطبقاً قبل أكثر من ثلاثة عشر قرناً.
فسلام الله عليك من مولود سبق عصره بآماد طوال.
محمد تقي الحكيم
شبهات وردود
حول نهج البلاغة
يشك الدكتور أحمد أمين تبعاً لجملة من الباحثين قدماء ومحدّثين في صحة ما أثر في النهج من خطب وكلم الإمام علي (عليه السلام).
وربّما مال إلى نفيها عنه لأسباب ـ إن تمّت ـ فهي أضيق من المدعى.
وقد أضاف عليها غيره أسباباً بلغ بها بعض المتأخرين من الكتّاب إلى إثني عشر سبباً.
والحديث عن النهج ونسبته للإمام (عليه السلام) قديم جدّاً، وقد شكّك في نسبته ابن خلكان حيث تردّد في مؤلفه أوّلاً أهو الرضي أم المرتضى ـ رحمهما الله ـ وعقب على ذلك بقوله: «وقد قيل إنّه ليس من كلام علي، وإنّما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه»([878]).
وتبعه في ذلك التشكيك في نسبته للرضي ثمّ للإمام (عليه السلام) كلّ من اليافعي، والصفدي، والحسن بن سليمان، وبعض المتأخرين من المستشرقين.
والأسباب التي ذكروها للشك في صحة نسبته للإمام (عليه السلام)، أو الجزء بالانتحال على كثرتها تعود في أصولها إلى ثلاثة أسباب رئيسة:
أولاً:
نقده من جهة أسانيده، وما يتصل به من ملابسات دون نظر إلى طبيعة المحتويات، ومدى ملائمتها لزمن الإمام (عليه السلام)، أو واقعه، كالشبهة في أنّ ما في نهج البلاغة لا أصول له تأريخية، أو أنّ أكثره كذلك لم يعرض في كتب المؤرخين، أو عرض منسوباً لغير الإمام (عليه السلام)، وكطول بعض خطبه، وامتناع حفظها عادةً على الرواة.
ثانياً:
نقده من وجهة عدم ملائمة بعض محتوياته، وأساليبه لزمن الإمام (عليه السلام)، كذكره بعض الألفاظ المحدثة التي نصّ على عدم قدمها بعض اللغويين، كلفظة (الأزل)، و(الكيف).
أو استعماله بعض الألفاظ بمصطلحاتها المنطقية، أو الفلسفية التي نشأت بعد عصره (كالحد) ونظائره.
وكتفريعه بعض الجمل على بعض ممّا يكون على شاكلة القياس كقوله: «فمن وصف الله سبحانه وتعالى فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه…»([879]).
وأساليبه بما استعمل فيها في الفنون البديعية كالسجع، والازدواج، والطباق، لا تناسب عصره، بل تناسب العصور العباسية… إلى أمثال ذلك ممّا انتشر في عصور متأخرة عن عصره، كدقة الوصف كما في وصفه للطاووس، والخفاش وغيرهما([880]).
ثالثاً:
وجود ما لا يتناسب وواقع الإمام (عليه السلام)، كالخطبة الشقشقية ونظائرها([881])، ممّا استعمل فيه الإمام (عليه السلام) لغة النقد للخلفاء السابقين.
وكأخباره بالمغيبات، وكثرة خطبه بما لا يتناسب وحاجته لمثلها عادةّ، وإطالة بعض كتبه وإشباعها بالأفكار السياسية، ووضع المخططات الدقيقة لها بما لم يعهد عن غيره من الخلفاء… إلى أمثال ذلك من النقود.
القسم الأوّل
أمّا تشكيك ابن خلكان ونظائره في نسبته للرضي، فهو تشكيك لا يستحق أن يطال فيه الكلام، بعد تواتر نسبته للرضي.
وتصريح الرضي في جملة من مؤلفاته بنسبته له، كما جا في كتاب (حقائق التأويل) حيث قال: «… ومن أراد أن يعلم برهان ما أشرنا إليه من ذلك، فلينعم النظر في كتابنا الذي ألفناه ووسمناه بـ (نهج البلاغة)، وجعلناه يشتمل على مختار جميع الواقع إلينا من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ([882]).
وكتابه (المجازات النبوية) حيث قال فيه: «… وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم بـ (نهج البلاغة) الذي أوردنا فيه مختار جميع كلامه سلام الله عليه وعلى الطاهرين من أولاده»([883]).
وربما كان منشأ الشك تلقيب بعض المؤرخين له (بالمرتضى) وهو لقب للأسرة كان يشترك الأخوان به، وتفرّد الرضي بلقبه، واشتهر به بعد أن تمّ اختياره للنقابة الهاشمية.
كما أنّ التشكيك من بعض الباحثين المحدّثين في إقحام بعض الخطب والكلم عليه في عصور متأخرة، وضربه على ذلك الأمثال بالتفاوت بين ما بأيدينا من عهد الإمام (عليه السلام) للأشتر، وبين ما وجد منه في نسخة كتبت للسلطان (بايزيد) منذ خمسمائة عام، ممّا لا يستحق أن يطال الكلام فيها أيضاً، بعد وجود نسخ مقروءة على الرضي نفسه، وموقع عليها بقلمه، وهي على وفق ما بأيدينا في النسخ.
بالإضافة إلى شروحه التي ألفت قبل هذا التأريخ كشرح ابن أبي الحديد ـ مثلاً ـ وفيها نص العهد كاملاً ومشروحاً من قبله.
وخلق الرضي له كلام لا يمكن أن يصدر عن عارف بمكانة الرضي الاجتماعية التي تأبى عليه أن يخلق ويضع على مثل الإمام (عليه السلام)، فضلاً عمّا له من قدسية كانت موضع إكبار معاصريه.
ومثلها تأبى عليه الكذب والدس ـ وحاشاه ـ بالإضافة إلى أن الكثير من نصوصه موجودة في الكتب التأريخية المدونة المعروفة كاليعقوبي، والطبري، والجاحظ، والكليني، وغيرهم من عشرات المؤرخين والمُحَدّثين، وفيهم من جمع خطبه أو قسماً منها كزيد ابن وهب المتوفى سنة 96هـ، حيث ألّف كتاباً أسماه (خطب أمير المؤمنين) على المنابر والجمع والأعياد([884]).
وكنصر بن مزاحم وهو من مشاهير الأخباريين في المائة الثانية([885])، والمدائني (ت225هـ)، حيث صنّف كتاباً أسماه (خطب علي وكتبه إلى عماله) ([886])، وعشرات من نظائرهم.
ومع كلّ ذلك فهل يمكن نسبة وضع جميعه إلى الرضي؟!.
والثاني يدل على ما قلناه؛ «لأنّ من قد أنس بالكلام والخطابة، وشاد طرفاً من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب، لا بد أن يفرق بين الركيك وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصيل والمولد، وإذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاماً لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط، فلا بد أن يفرق بين الكلامين ويميز بين الطريقتين». إلى أن يقول: «وأنت إذا تأمّلت نهج البلاغة وجدته ماءً واحداً، ونفساً واحداً، وأسلوباً واحداً، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهية، وكالقرآن العزيز أوّله كوسطه، وأوسطه كآخره، وكلّ سورة منه، وكلّ آية مماثلة في المأخذ، والمذهب، والفن، والطريق، والنظم لباقي الآيات والسور، ولو كان بعض نهج البلاغة منحولاً، وبعضه صحيحاً لم يكن ذلك كذلك»([887]).
وإذا صحّ هذا ـ وهو صحيح لمن قرأ نهج البلاغة قراءةً واعية ـ لم يبق للقائلين بوضعه من قبل الشريف من قِبل الشيعة كلاً أو بعضاً أي مجال.
أمّا نسبة بعض خطبه إلى غير الإمام (عليه السلام) فربّما كان من خطأ الرواة أو تعمدهم، وقد أدرك الجاحظ وهو إمام البلاغة في زمانه زيف بعض النسب فأشار إليها وذلك في ذكره لخطبة نسبت لمعاوية وهي من خطب الإمام (عليه السلام)، فشكك في نسبتها إلى معاوية لأسباب أهمها: أنّها من أسلوب الإمام (عليه السلام). فأسلوبه إذاً معلوم وليس من الممكن عادة محاكاته للشيعة أو غيرهم من البلغاء.
أمّا التشكيك بنسبة بعض الخطب إليه لطولها، ولامتناع حفظها عادة على الرواة، فهو لا موضع له إذا عرفنا أنّ العرب كانوا قبل عصور التدوين يعتمدون على سرعة الحافظة، وقد ضربوا لسرعة حفظهم الأمثال، فهم يحفظون القصيدة ذات الثمانين بيتاً لمجرد سماعها كما رأينا ذلك من ابن عباس مع عمر بن أبي ربيعة.
وخطب النهج ليست بدعاً من مطولات النبي (صلّى الله عليه وآله) أو الخلفاء فحالها من وجهة منهجية حال تلكم الخطب، وما يدرينا أنّ بعض خطب الإمام (عليه السلام) كانت تكتب بعد سماعها، وبخاصة أنّ التدوين وجد في عصره، وانتشر إلى حدٍ ما.
إذاً، فهذه التشكيكات سواء في نسبة النهج للرضي، أم نسبته أو نسبة بعضه للشيعة قبله، أو بعده، لا تصلح لإثارة الضباب حوله بحال.
ومجرد عدم اطلاعنا على بعض أصولها في كتب سابقة على الرضي لا تكفي للتشكيك بصحة ما فيه؛ لضياع كثير من أمهات المصادر التأريخية، بعد غزو التتار وإحراقهم لكثير من المكتبات، أو إتلافهم لكتبها.
القسم الثاني
أما ملاءمته لعصر الإمام (عليه السلام)؛ لورود ألفاظ فيه لم تكن مستعملة في عصره، كالأزل، والكيفية… فإنّه وإن ذكر ذلك بعض اللغويين كالزمخشري في كتابه (أساس البلاغة)، إلاّ أنّ لغويين آخرين وفيهم من هو أقدم منه وأعلق باللغة، كصاحب القاموس لم يدفعها عن قدمها… على أنّ ورودها في مثل النهج من الكتب التي تعنى بتسجيل كلام البلغاء في صدر الإسلام، يقتضي أن يكون من أدلة قدمها، أسوة بسائر الكلمات التي يستدل على قدمها بأبيات من الشعر، أو فقرة من كلامٍ عربيٍ بليغ.
والمسطلحات اللغوية (كالحد) ونظائرها لم تستعمل في كلام الإمام (عليه السلام) إلاّ بمفاهيمها اللغوية، ونقل أهل المنطق لها في عرفهم، لا يمنع من استعمالها في كلام العرب، ومنهم الإمام (عليه السلام)، بما لها من مدلول سابق.
وهذا التفريع أعني ـ تفريع الجمل بعضها على بعض ـ موجود في القرآن، فضلاً عن كلام العرب الذي جاء بعده، ومن الآيات الدالة على ذلك قول تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}([888]).
ومن أحاديث النبي (صلّى الله عليه وآله): «أوصي من آمن بي، وصدق بولاية علي بن أبي طالب، فمن تولاه فقد تولاني، ومن تولاني فقد تولّى الله ومن أحبّه فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله عزّ وجل»([889]).
أمّا الأسلوب… وما فيه من سجع، وازدواج، ونظائرهما من الفنون البديعية، فإقصاؤه عن أساليب صدر الإسلام غريب جدّاً، وهذه خطب النبي (صلّى الله عليه وآله) والخلفاء، وكتبهم، وجلّها مليئة بالسجع…
ثمّ هذا الكتاب العزيز ـ وعلي (عليه السلام) تلميذه في الدرجة الأولى ـ فيه سور كاملة مسجوعة.
وقد عقد الدكتور زكي مبارك فصلاً في كتابه (النثر الفني) لدراسة أساليب صدر الإسلام وحشَدَهُ بنصوص يُعرف من استقصائها ونظائرها قيمة الرأي القائل بأنّ السجع من خصائص القرون المتأخرة عن زمن الإمام علي (عليه السلام).
نعم السجع المتكلّف كان من خصائص تلكم العصور، وهذا ما نرفع عنه مستوى ما ورد في النهج.
وما يُقال عن الأسلوب قيل عن دقة الوصف ـ كما في وصفه للطاووس ـ وأظنّ أنّ من يتتلمذ على القرآن الكريم وما فيه من دقائق الأوصاف للحيوانات وغيرها ـ كما في آيات النحل والنمل ـ لا يستكثر على علي (عليه السلام) أن يصف الطاووس بهذه الدقة من الوصف، كما أنّ من تتلمذ على القرآن وفيه من آيات التوحيد أمثال قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}([890])، لا يستكثر عليه أن يأتي بأمثال هذه الأفكار الدقيقة كقوله (عليه السلام): «من حدّه فقد عدّه»([891]).
وعلى هذا فما ذكروه من التشكيكات حول صحة ما ورد من أفكار وأساليب لا تتمشى مع زمنه لا نستطيع أن نؤمن به ما دام له في القرآن، وفي كلام النبي (صلّى الله عليه وآله) نظائر.
نعم إذا أريد بأنّ أفكاره وأساليبه البيانية ممّا ترتفع عن المستوى العام لبلغاء عصره، فهذا صحيح وبهذا كان كلامه «فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق» كما قيل فيه.
القسم الثالث
وهو وجود ما لا يتناسب وواقع الإمام (عليه السلام) كنقمته على الصحابة في خطبة الشقشقية وأمثالها، فهو ممّا يقتضيه واقعه على أي حال، سواء أدرست الإمام (عليه السلام) كبشر… ييأس، ويغضب، ويتألم إذا وجهت إليه مفارقات كالتي وجهت له من تجاهله يوم السقيفة ـ وهو صاحب الحق ـ أو هكذا يعتقد على الأقل، وجرأتهم على بيته، وزوجته، وإصرارهم على مناوأته بأساليب لا تبعث على الاحترام… أم درسته كإمام يتوقف أداء رسالته على تأكيد مظلوميته، وأنّه صاحب الحق المنصوص عليه من النبي (صلّى الله عليه وآله) المقصي عن مقام الإمامة؛ ليلتف الناس حوله في حياته وبعدها، ويتأثّر بتعاليمه المتممة لتعاليم النبي (صلّى الله عليه وآله) والتي هي جزء من تعاليم الإسلام.
والشقشقية هي بعد ذلك من أهم ما ورد في النهج لكثرة طرقها، ولأنّها مروية في أكثر من مصدر قبل أن يؤلف الرضي كتابه، وقد وردت في مختلف الكتب بشيء من الاختلاف في مضامينها مع المحافظة على الأسس العامّة لمحتوياتها في الجميع.
فقد ذكرها البرقي (ت274هـ) كما نقل الصدوق عنه في كتابه (علل الشرائع)([892]).
والبلخي (ت317هـ) حسب ما جاء في كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد([893]).
ومثل هذه المضامين ممّا يقتضيها طبيعة ظروف الإمام (عليه السلام)، وما أكثر ما نقد الصحابة بعضهم بعضاً بأمّض من هذا النقد([894]).
أمّا إخباره (عليه السلام) بالمغيبات: فقد هوّل العقاد في كتابه (عبقرية الإمام (عليه السلام)) إخباره بها، واعتبرها من الموضوعات التي يتنزه مقام الإمام (عليه السلام) عنها.
وما أدري لماذا كان هذا التهويل إذا كانت لها ظروف تقتضيها. اللهم إلاّ أن يعتقد بأنّ الإخبار بالمغيبات ممّا يستحيل في حقّه؛ لأنّ الغيب لا يعلمه إلاّ الله.
ونحن نوافقه في ذلك ولكنّا لا نمنع ـ كما هو صريح القرآن ـ أن يطلع على غيبه من ارتضى من الرسل، كما قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ…}([895]).
وأن يأمر بإعلانه للناس لمصلحة ما، وفي القرآن إخبار عن المغيبات.
والإمام (عليه السلام) نفسه يسأل عن إخباراته بالمغيبات: أهو من نوع العلم بالغيب؟ فيجيب ليس هو بعلم غيب وإنّما تعلم من ذي علم.
وهناك اليوم محاولات تفسيرية على أسس علمية للإخبار بالمغيبات.
وعلى أي حال، إنّ مجرد هذه الأمور التي لا تعتمد غير التهويل لا تكفي لتكذيب ما أجمع ـ أو كاد ـ عليه المؤرخون من إخباره عن مقتل (ذي الثدية) يوم النهروان، وعن إخباره عن عدد من يقتل من أصحابه من الخوارج([896])، وأمثالها ممّا تواتر عنه.
وكثرة الخطب… ليست فوق حاجته، وأظن أنّ من يقرأ تاريخ الفترة التي عاشها الإمام (عليه السلام) وما انحدر إليها من آثار سيئة خلّفها سابقوه، ثمّ هذه المشاكل التي ولدتها الظروف الثوريّة التي جاء علي (عليه السلام) عقِبها إلى الخلافة، والحروب التي وقعت على عهده… كلّ ذلك محتاج إلى أضعاف هذه الخطب المأثورة وقد قدرها المسعودي بقوله: «والذي حفظ الناس عنه من خطبه وسائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة، تداول الناس ذلك عنه قولاً وعملاً»([897]).
أقول: إنّ ما ذكره المسعودي قريب إلى ما تقتضيه طبيعة ظروف الإمام (عليه السلام).
وإطالة الخطب ضرورة تفرضها الحاجة أحياناً، وكذا الكتب، بخاصّة ذات المناهج الموضوعة للحكم، فالإمام (عليه السلام) الذي جاء بظروف ثوريّة جاءت على أعقاب تردّي الأوضاع، واستهتار من الحاكمين بشعوبهم، وبخاصّة الولاة، لا يمكن أن يترك لولاته الأمر يتصرفون به كيف يشاؤون، وإن كانوا من الحنكة والحزم والعدال كمالك الأشتر وغيره.
وكأنّ الإمام (عليه السلام) أراد لشعبه أن يكون رقيباً على تصرّفات الولاة برسم مناهج للحكم يحاسبون لها من قبلهم، فرسمها لتقرأ على الرأي العام ـ أوّلاً ـ ولتكون مرجعاً للحساب مع الولاة ـ ثانياً ـ.
ومثل مالك الأشتر مهما قيل في حذقه السياسي فهو محتاج إلى إرشاد الإمام (عليه السلام) وتوجيهه في جملة تصرفاته.
فوجود مثل عهد الإمام لمالك أمر ضروري أملته ظروف الإمام (عليه السلام)، كما أملت على عمر وصيته إلى بعض قضاته بما يقرب في بعض مضامينه من هذا العهد، والفارق بينهما هو الفارق بين شخصيتي الإمام (عليه السلام) وعمر وطبيعة ظروفهما الخاصّة.
وعلى هذا فهذه الشُبَه لا تقوى على أن تتعرّض للنهج بالتشكيك في نسبته إلى الإمام (عليه السلام)، فضلاً عن الجزم بوضعه.
والذي يجب أن يقال إن كثيراً من الاعتبارات تقتضي صحة هذه النسبة، ومنها وحدة الأسلوب، ومعرفة الرضي ـ وهو إمام من أئمة البلاغة ـ بالأسس النقدية سواء كانت سَنَديّة أم غيرها، بالإضافة إلى وثاقته وحسن اختياره.
كلّ ذلك ممّا يوجب الاطئمنان بصحة النسبة إن لم يوجب الجزم فيها.
محمد تقي الحكيم
عصر الإمام
كما يراه الإمام
لقد كان الإمام علي (عليه السلام) من أكثر الناس تأثيراً على عصره، وتأثّراً به؛ لذلك كان علينا ـ ونحن نريد أن نلتمس تحليل حياته ـ أن نعرض لعصره بشيء من التحليل نستعين به على فهم بعض الخصائص الاجتماعية التي كان لها علاقتها التامّة بسيرة الإمام (عليه السلام).
فقد ساير الإمام (عليه السلام) في بدء نشأته عصر الجاهلية، وفي شبابه عصر الإسلام، أو قال عصر النبي (صلّى الله عليه وآله)، وفي كهولته عصر الخلفاء الثلاثة، ثمّ عصر خلافته، وكان له في كلّ واحد من هذه العصور مقام كبير نريد أن نلتمس أثره في بحثنا هذا.
وقبل أن أدخل في الموضوع، أحبّ أن أشير إلى أنّني حاولت قدر استطاعتي أن أترك التحدّث للإمام (عليه السلام) نفسه في تصوير ما أحاط به من ظروف ومقدار ما أثّر عليها وتأثّر بها؛ وذلك لأنّ الإمام (عليه السلام) أقدر على تمثيل نوازعه النفسية المقدسة، ونوازع مجتمعه، وأبعد عن الخضوع للعواطف والميول.
في نهج البلاغة متّسع للحديث، فكتاب النهج هو المصدر الوحيد الذي أعتمد عليه في هذه المحاضرة، وسيكون بحثي هذا في تحليل بعض النصوص الواردة في الكتاب، والتنبيه على محل الشاهد منها لا غير.
قال (عليه السلام) في تصوير العصر الجاهلي من كلام له: «إنّ الله بعث محمداً (صلّى الله عليه وآله) نذيراً للعالمين، وأميناً على التنزيل، وأنتم معشر العرب على شر دين، وفي شر دار، منيخون بين حجارة خشن، وحيات صم، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم. الأصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة…» ([898]).
وقال في كلام آخر مفصلاً لما أجمل في هذا الحديث:
«… والناس في فتن انجذم فيها حبل الدين، وتزعزعت سواري اليقين، واختلف النجر ـ أي الأصل ـ وتشتت الأمر، وضاق المخرج، وعمي المصدر، فالهدى خامل والعمى شامل.
عصي الرحمن، ونصر الشيطان، وخذل الإيمان، فانهارت دعائمه، وتنكرت معالمه، ودرست سبله، وعفت شركه ـ طريقه ـ. أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه، ووردوا مناهله، بهم سارت أعلامه، وقام لواؤه، في فتن داستهم بأخفافها، ووطئتهم بأظلافها، وقامت على سنابكها، فهم فيها تائهون، حائرون، جاهلون، مفتونون، في خير دار، وشر جيران.
نومهم سهود، وكحلهم دموع، بأرض عالمها ملجم وجاهلها مكرم…» ([899]).
ومن هذين الحديثين تعرف ما في الجاهلية من حيوات اقتصادية، واجتماعية، وروحية، وسياسية.
فالحياة الاقتصادية حياة واطئة للغاية… ديار موزّعة بين الحجارة الخشنة، والحيات الصم، وفي وصفها بالصم آية من آياته الفنية، فالحية الصماء لا تنزجر لما فيها من الصمم.
وتأخّر في التجارة والصناعة؛ نظراً لاكتفائهم بالوسائل الصناعية البسيطة، فالأكل الخشن، والماء الكدر، هو كلّ ما يقتات به البدوي إذ ذاك.
والحياة السياسية كانت مضطربة كلّ الاضطراب… تسافك في الدماء، واختلال في نظام الأمن الداخلي، وحروب شعواء يشنها الجار على الجار.
أمّا الحياتان الاجتماعية والروحية فحدث عنهما بما شئت… شيطان منتصر، وإيمان منخذل، وأصنام تعبد من دون الله، وآثام معصوبة بهؤلاء وهؤلاء، ثمّ فتن تدوس بالأخفاف، وتطأ بالأظلاف، وتقاطع بين الأرحام وبين الجيران وبين الأخوان، واختلاف بالنجر، وتشتت بالأمر (في أرض عالمها ملجم، وجاهلها مكرم).
ولا أظن انحطاطاً يمكن أن يتصوّر أشدّ من هذا الانحطاط الذي صوّرته هذه الكلمات.
ليس المهم أن نطيل بالحديث عن هذا العصر وإنّما المهم أن نعرف موقف الإمام منه.
وهنا يجب أن لا ننسى بأنّ الإمام شاهد هذا العصر في سنيّه الأولى، وهي سنيّ التربية.
وسنيّ التربية ـ كما يذكر التربويون ـ هي من أهم ما يمرّ على الإنسان في الحياة، وإليها يعود الفضل في توجيه حياة الطفل كيف ما شاء أبواه؛ وذلك أنّ السيطرة فيها للعقل الباطن على العقل الواعي؛ نظراً لضعفه، والعقل الباطن يقبل أنواع الإيحاءات؛ لذلك يتقبل الطفل كلّ ما يوحي إليه أبواه، أو محيطه الخاص.
وعلى هذا فليكن حديثنا في التماس موقف الإمام من ذلك العصر، من طريق النظر في تربيته.
والإمام يحدّثنا عن ذلك فيقول: «… وضعني في حجره ـ يعني رسول الله ـ وأنا ولد يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمّني عرفه. وكان يمضغ الشيء ثمّ يلقمنيه… ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء، فاراه ولا يراه غيري ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما. أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة…» ([900]).
ولكن الآن أن تتصوّر قيمة التربية التي يقوم بها أعظم المربّين نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله).
ومن هذه التربية نعرف أنّه لم يتأثّر بشيء من ذلك العصر، وإنّما تأثّر منه غاية التأثير، وأثّر فيه أثراً فعالاً، نعرفه من مساهمته في نشر الدعوة الإسلامية التي حوّلت وجهة ذلك العصر إلى ما يناقضها تماماً.
وما لنا نجمل بالحديث والإمام أوّل من أسلم، وأوّل من ناصر، وأوّل من جاهد في سبيل تطوير تلكم الحياة.
وإذا علمنا بأنّ دعوة النبي قامت على دعامتين قويتين، معجزه الخالد، وسيف علي ضد جبابرة قريش، علمنا تأثيره القويم على ذلك العصر، وهاكم شيء من كلماته: «أنا وضعت في الصغر بكلاكل ـ صدور، ويريد هنا الأكابر ـ العرب، وكسرت نواجم قرون ـ يريد أشراف القبائل ـ ربيعة ومضر…» ([901]).
«بنا اهتديتم في الظلماء، وتسنمتم ذروة العلياء، وبنا أفجرتم ـ دخلتم في الفجر ـ عن السرار ـ وهي آخر ليلة في الشهر»([902]).
«أقمت لكم سنن الحق في جواد ـ طريق ـ المضلة ـ الأرض يضل سالكها ـ، حيث تلتقون ولا دليل وتحتفرون ولا تميهون ـ لا تجدون ماءً ـ…» ([903]).
ومن هذه الكلمات تعرفون مقدار ذلك التأثير.
وإذا كانت الحياة الجاهلية كما وصفها الإمام، كان علينا أن نتصوّر ما لاقوه في سبيل ذلك الفتح الخالد، الذي حوّل وجهة الحياة.
كان علينا أن نعود إلى علمي النفس والاجتماع، لتفسير بعض الظواهر الاجتماعية، والنفسية التي تقف في طريق الباحث عندما يريد أن يصوّر ذلك الانقلاب.
كان علينا أن ننظر أنّ الدين الجديد كان لا يوافق ميول هؤلاء، ولا يشبع شيئاً من رغباتهم، وكان يندّد بالقديم، وإكبار القديم، ومع ذلك لم تكن للقائم بالدعوة صبغة سياسية جبارة تفرض عليهم الآراء فرضاً لا مندوحة عنه.
لذلك كان العصر النبوي كما يصوّره الإمام عصر جهاد، ونضال، كابدوا فيه أصعب ما يكابد داعٍ في سبيل إنجاز دعوته «فأراد قومنا قتل نبينا، واجتياح أصلنا، وهمّوا بنا الهموم، وفعلوا بنا الأفاعيل، ومنعونا العذب، وأحلسونا ـ ألزمونا ـ الخوف، واضطرونا إلى جبل وعر، وأوقدوا لنا نار الحرب…» ([904]).
ويحدّد لنا موقف قبيلته من الأمر فيقول: «… فعزم الله لنا على الذب عن حوزته، والرمي من وراء حرمته. مؤمننا يبغي بذلك الأجر، وكافرنا يحامي عن الأصل…» ([905]).
وبهذا يشير إلى النزعة القبلية التي كانت متأصّلة في نفوس العرب إذ ذاك.
ويعرض لتحديد موقف بقية المسلمين في بدء الدعوة فيقول: «… ومن أسلم من قريش خلو ممّا نحن فيه بحلف يمنعه، أو عشيرة تقوم دونه، فهو من القتل بمكان آمن…» ([906]).
وأخيراً يعرض للون سياسة النبي (صلّى الله عليه وآله) في الحروب الإسلامية إذ يقول: «وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا احمر البأس، وأحجم الناس، قدم أهل بيته؛ فوقى بهم أصحابه حر السيوف والأسنّة…» ([907]).
وهو لون من السياسة تعرفون تأثيره على النفوس.
أمّا الحياة الاجتماعية في صدر العصر الإسلامي فقد كانت على العكس من تلكم الحياة… اجتماع بعد الفرقة، وائتلاف بعد النفرة، وارتفاع في المكانة بعد الضعة، كما يصوّر ذلك الإمام في هذه الفقرات…
… دفن الله به الضغائن، وأطفأ به الثوائر، ألّف به إخواناً، وفرّق به أقراناً، أعزّ به الذلّة، وأذلّ به العزّة…» ([908]).
ويقول: «فساق النبي (صلّى الله عليه وآله) الناس حتّى بوّأهم محلّتهم، وبلّغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم، واطمأنت صفاتهم…» ([909]).
وأخيراً يذكر بعد هذا كلّه الحياة الروحية، ومقدار تأثّر الناس في الإسلام فيقول: «ولقد كنّا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا: ما يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً، ومضيّاً على اللقم ـ الجادة ـ وصبراً على مضض الألم، وجدّاً في جهاد العدو…» إلى أن نقول: «… فلمّا رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتّى استقرّ الإسلام ملقياً جرانه ـ كناية عن التمكّن ـ ومتبوئاً أوطانه…» ([910]).
وهذا اللون من الإيمان كان شائعاً إذ ذاك وهو في غاية السمو والجمال.
ويهمّنا الآن أن نعرف مقدار تأثّر الإمام نفسه بذلك العصر، ولنترك الحديث له كما هي عادتنا…
قال الإمام في تحديد مقدار ما وصل إليه: «أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صلّى الله عليه وآله) فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته. إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبي، ولكنّك لوزير «وزير»، وإنّك لعلى خير…» ([911]).
وهذا الحديث ـ كما ترون ـ لا يفرق بينهما إلاّ بالنبوة والوزارة، فمحمد (صلّى الله عليه وآله) نبي، وعلي وزير، وهو على خير، ولا يمكن أن يكون ذلك إلاّ من شدّة تأثّره بالإسلام.
وقال في مقام آخر: «ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد (صلّى الله عليه وآله)، أنّي لم أرد على الله ولا على رسوله ساعة قط. ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وتتأخّر في الأقدام، نجدة أكرمني الله بها، ولقد قبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإنّ رأسه لعلى صدري. ولقد سالت نفسه في كفي، فأمررتها على وجهي. ولقد ولّيت غسله (صلّى الله عليه وآله) والملائكة أعواني، فضجّت الدار والأفنية: ملأ يهبط، وملأ يعرج، وما فارقت سمعي هَيْنَمَة ـ الصوت الخفي ـ منهم، يُصلّون عليه حتّى واريناه ضريحه فمن ذا أحق به منّي حياً وميتاً؟!…»([912]).
ويقول في كتابه لمعاوية ـ بعد حديث طويل: «وأراد من لو شئت لذكرت اسمه ـ يعني نفسه ـ مثل الذي أرادوا من الشهادة، ولكن آجالهم عجلت، ومنيته أجلت…»([913]).
فهو ـ كما ترى ـ كان يتمنّى على الله الشهادة، وهو في حياة الرسول. كلّ ذلك ممّا يدلنا على شدّة علاقته بالإسلام.
وما لنا نطيل في الحديث بعد نص النبي (صلّى الله عليه وآله) عليه يوم (غدير خم)، كما يدلنا استشهاد الإمام في الرحبة، وشهادة ثلاثة من الصحابة البدريين له بذلك([914]).
فالنبي ـ على هذا ـ لم يمت قبل أن يؤدّي ما يجب عليه تأديته لأمته، فلا يتركهم هملاً يتضاربون في الآراء، دون أن يهيئ خطة سياسية خاصّة يعمل عليها الإمام من بعده: «علّمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لي من كلّ باب ألف باب»([915]).
ولكن حديث الصحابة في سقيفة بني ساعدة وقف دون ما يريد النبي (صلّى الله عليه وآله).
أمّا أنّه كيف دبّر؟، وكيف كان؟، وهل كانت وليدة ساعة كما يفسّر جلّ المؤرخين كلمة عمر: «إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ألا وإنّها كانت كذلك، ألا وإنّ الله عز وجل وقى شرها»([916]).
وهل كانت مدبرة في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله)؟! ما يقول المستشرق الكبير لامنس اليسوعي،… فذاك حديث آخر لا يهمنا تحقيقه الآن، ولعلنا نعود إليه في بحث آخر([917]).
أمّا المهم ـ عندنا ـ هو أن نتعرف سير القضية، وموقف الإمام منها من حديثه يقول (عليه السلام): في الشقشقية:
«أمّا والله لقد تقمصها فلان ـ يعني أبا بكر ـ وإنّه ليعلم أنّ محلي منها محل القطب من الرحى. ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليَّ الطير، فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً ـ ملت عنها ـ. وطفقت أرتئي بين أنّ أصول بيد جذاء ـ مقطوعة ـ أو أصبر على طخية ـ ظلمة ـ عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه! فرأيت الصبر على هاتا أحجى ـ ألزم ـ فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهباً…» ([918]).
ومن هذه الفقرات الجليلة نستطيع أن نتعرّف إلى موقف الإمام بعد أن نفهم سير القضية، وهو موقف المسالم المضروب على يديه، الذي لا يستطيع أن يصول بيده المقطوعة، وماذا تصنع له؟، وماذا تفيده، ما دامت لا تؤثر أثرها الفعّال؟ وهذه كناية ـ كما يقول البيانيون ـ عن خذلان الناس له إذ ذاك.
وبها صرّح في خطبة أخرى بقوله: « فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فظننت بهم عن الموت…»([919]).
وإذا سكت الإمام عن حقّه؛ لخذلان أنصاره له، فما سكت عن إشهار اللسان عليهم.
فقد حاجج هو (عليه السلام) وخاصم، وطالب ما وسعه ذلك.
والتأريخ إن أغفل هذه الاحتجاجات، فقد سجلها الإمام بقوله: «وقد قال قائل إنّك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص، فقلت: بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبت حقاً لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه. فلمّا قرعته بالحجة في الملأ الحاضري، هبَّ كأنّه بهت لا يدري ما يجيبني به!.
اللهم إنّي إستعديك على قريش ومن أعانهم! فإنّهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي. ثمّ قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه…»([920]).
وفي قوله: «وفي الحق أن تتركه» اعتراف من هؤلاء له بالأمر، وطلب لاستسلامه لمجاراة الظروف. فهو (عليه السلام) قَرَعهم بالحجة في ملأ من الناس.
ولكن التأريخ سكت عن تسجيل تلكم المحاججات لغاية سياسية، لا نحب أن ننوه عنها الآن، فلم نعرف لونها من بين الألوان.
وإن كان قد ذكر التأريخ لتلميذه وابن عمّه عبدالله ابن عباس بعض المحاججات مع الخليفة عمر بن الخطاب، نعتقد أنّها مستمدة من حديث الإمام، وسنقتصر على ذكر واحدة منها رعاية للإيجاز([921]).
يذكر المؤرخون أنّ ابن الخطاب كان كثير الميل إلى ابن عباس، وكان كثير الاعتماد عليه في الشؤون السياسية والأدبية، فكان يسأله عمّا يهمّه من الأمور.
دخل ابن عباس عليه في بعض الأيام، وكان عنده نفر يتذاكرون في أمر أشعر الناس، ويستفتي الخليفة ابن عباس فيجيب: إنّه زهير.
وينشد له أبياتاً في المديح فيقول الخليفة: «لقد أحسن، وما أرى هذا المدح يصلح إلاّ لهذا البيت من هاشم لقرابتهم من رسول الله… ثمّ يقول: أتدري يا بن عباس ما منع الناس منكم، قال: لا يا أمير المؤمنين قال: لكنّي أدري قال: ما هو يا أمير المؤمنين قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فتجحفوا الناس جفحاً، فنظرت قريش لأنفسها فاختارت ووفقت فأصابت.
فقال ابن عباس: أيميط أمير المؤمنين عني غضبه؟ فيسمع قال: قل ما تشاء، فقال ابن عباس: أمّا قولك إنّ قريشاً كرهت، فإنّ الله تعالى قال لقوم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}([922]).
وأمّا قولك: بأنّا نجحف، ولو جحفنا بالخلافة جحفنا بالقرابة، ولكنّا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق رسول الله الذي قال الله تعالى فيه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}([923]).
وقال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}([924])، وأمّا قولك: فإنّ قريشاً اختارت فإنّ الله تعالى يقول: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}([925])، وقد علمت يا أمير المؤمنين أنّ الله اختار من خلقه لذلك من اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لوفقت وأصابت قريش»([926]).
ويصمت الخليفة فلا يجيب برهة من الزمن… وأخيراً وبدلاً من أن ينكر النص، أو يناقش فيه، يحوّل وجهة الحديث فيقول: «على رسلك يا ابن عباس أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ غشاَ في أمر قريش لا يزول، وحقداً عليها لا يحول»([927]).
ويدور النقاش حول هذا الغش مدّة، وكلّه على هامش الموضوع، ويقوم ابن عباس منتصراً؛ فيقول ابن الخطاب: «واهاً لابن عباس ما رأيته لاحى أحداً قط إلاّ خصمه»([928]).
ومن هذا نعرف لون الاحتجاجات التي كانت تدور إذ ذاك.
فإذا قيل للإمام: بأنّ قريشاً هم شجرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) قال: «احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة»([929])، وخاصمهم بلون الاحتجاج، وإذا أنكر النص وحوججوا فيه، خصموا المنكرين وهكذا.
وها هو ذا الإمام يحدّث أهل مصر بكتابه مع مالك الأشتر الذي يقول فيه: «فلمّا مضى (صلّى الله عليه وآله)، تنازع المسلمون الأمر من بعده.
فوالله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر ببالي، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده (صلّى الله عليه وآله) عن أهل بيته، ولا أنّهم منحوه عنّي من بعده!.
فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي، حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد (عليه السلام) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم…»([930]).
وبهذا يحدّد موقفه (عليه السلام) فقد انعزل عن البيعة احتجاجاً على الخليفة، وعاد حيث رأى العبث من بعض المسلمين سيعود على الإسلام بأعظم الأوباء.
وهو كما نعلم من حاله لا يهمه من الخلافة أكثر من إصلاح شؤون الإسلام والمسلمين.
فعصر الخليفة الأوّل ـ كما سمعتم عن الإمام ـ عصر اضطراب سياسي… وراجعة الناس لا تكون إلاّ لضعف في السياسة، وإهمال لشؤون الرعية.
ولو لم يتعاهده الإمام بإصلاحه ذاك؛ لكان من شؤون المسلمين ما كان.
وينتهي عصر الخليفة الأوّل والإمام ينتظر أن يعود الأمر إليه كما كان يُظهر الخليفة الأوّل في حديثه المشهور «أقيلوني لست بخيركم، وعلي فيكم»([931]).
ولكن الخليفة الأوّل يعقدها لابن الخطاب من بعده، ويترك صاحب الحق مضطهداً مظلوماً، تمثّله هذه الكلمات بما فيها من اللوعة «ثمّ مضى الأوّل لسبيله فأدلى بها إلى فلان ـ يعني ابن الخطاب ـ بعده:
شتان ما يومي على كورها
ويوم حيان أخي جابر
فيا عجباً!! بينما هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته!! لشد ما تشطّرا ضرعيها ـ اقتسما الخلافة فأخذ كلّ منهما شطراً ـ فصيّرها في حوزة خشناء، يغلظ كلمها ـ جرحها ـ ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة ـ الإبل ـ إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تَقَحّم…» ([932]).
والتلوّن ما ينتج من كلّ ذلك، فتلوّن بالعقيدة، وتلوّن بالأخلاق، وتلوّن بالطباع… كلّ ذلك يحدث من ذلك الخبط ومن ذلك الشماس.
ويشير الإمام إلى هذا المعنى بحديث آخر بقوله: «رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي فيها الضال ولا يستيقن المهتدي»([933]).
يقصد بذلك الخليفة الثاني، ويعرض لموقفه من العصر فيقول: «فصبرت على طول المدّة، وشدّة المحنة…»([934]).
وفي هذه العبارة ما فيها من اللوعة والاستياء النفسيين. ولعله كان ينتظر أن تعود إليه أيضاً؛ ليقوم بنفسه في الإصلاح.
ولكن ـ الخليفة الثاني ـ يسن لهم نظام الشورى كما يصوّر الإمام ذلك بقوله: «حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة، زعم أنّي أحدهم، فيا لله وللشورى!! متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم، حتّى صرت أقرن إلى هذه النظائر!!…»([935]).
ثمّ يصوّر تزاحم الخطوب التي ألجأته لمصانعة مثل هؤلاء وقبوله بالدخول معهم في الشورى… بقوله: «لكنّي أسففت إذ أسفّوا، وطرت إذ طاروا؛ فصغا ـ مال ـ رجل منهم لضغنه ـ ويقصد سعد بن أبي وقاص ـ ومال الآخر لصهره ـ ويقصد عبد الرحمن بن عوف ـ مع هَنٍ وَهَن ـ أي أغراض أُخر يكره الإمام ذكرها…» ([936]).
ولا يهمّنا الآن معرفة تفصيل الحادثة، فذلك أمر تكفله التأريخ، وإنّما يهمّنا أن نعرف النتيجة من حديث الإمام: «إلى أن قام ثالث القوم ـ يعني عثمان ـ نافجاً حضنيه ـ رافعاً لهما ـ بين نثيله ومعتلفه…» ([937]).
وهي كناية عن سياسة الخليفة الجديد، الذي اهتم بنفسه، وبتعزيز العصبية القبلية قبل كلّ شيء «وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع…»([938]).
وهذه السياسة ـ كما ترون ـ تقوم على الأثرة، وعلى استخدام المجتمع لمصلحة الفرد، في عصر كان يعزز المجتمع مع الاحتفاظ بحقوق الأفراد.
لذلك كان مال المسلمين موزعاً بين أفراد؛ ممّا أغضب المجتمع عليه، وأغضب الإمام على الأخص([939]).
وأغضب أمثال أبي ذر من رجال المسلمين الأبرار الذين أبعدوا من أجل إشباع بعض الرغبات.
وكلمة الإمام في توديع أبي ذكر تعطيك صورة من رأي الإمام في ذلك العصر: «يا أبا ذر إنّك غضبت لله فارج من غضبت له. إنّ القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم لما خفتهم عليه؛ فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عمّا منعوك! وستعلم من الرابح غداً…»([940]).
ومثل هذه السياسة لا يمكن أن تعيش طويلاً في تلكم العصور لذلك كان مصيرها معلوماً لدى الجميع، وكان ما وقع منتظر الوقوع.
أمّا موقف الإمام من ذلك العصر، فهو موقف الناصح المشفق على الدين، الذي نصح لعثمان وحذّره فما انتفع بذلك النصح والتحذير.
وماذا يقول له أكثر من أن يقول من حديث طويل وذلك في أحرج الساعات:
وإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر، وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى في نار جهنم، فيدور فيها كما تدور الرحى. ثمّ يرتبط في قعرها، وإنّي أنشدك الله أن لا تكون إمام هذه الأمّة المقتول، فإنّه كان يقال: يقتل في هذه الأمة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى اليوم القيامة، ويلبس أمورها عليها، ويبث الفتن عليها، فلا يبصرون الحق من الباطل…»، إلى أن يقول: «فلا تكونن لمروان سيقة يسوقك حيث شاء، بعد جلال السن وتقضي العمر…»([941]).
ولكن الإمام مع هذا ابتلي بعثمان؛ لأنّ الوشاة كانت تجعله العضو العامل في التحريك عليه، خصوصاً والجماهير كانت تهتف باسمه في الخلافة([942])؛ لذلك طلب عثمان من الإمام أن يترك المدينة فتركها، ثمّ أرسل إليه أن يعود لتهدئة الناس، فعاد، وعاد إلى إبعاده عن المدينة أيضاً، حين أرسل إليه ابن عباس، فقال له الإمام: «يا ابن عباس ما يريد عثمان إلاّ أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغَرب ـ أي الدول العظيمة ـ أقبل وأدبر! بعث إليّ أن أخرج، ثمّ بعث إليّ أن أقدم، ثمّ هو الآن يبعث إليّ أن أخرج! والله لقد دفعت عنه حتّى خشيت أن أكون آثماً»([943]).
وللغاية في حديثه معنى قد لا يخفى على السامع الكريم.
وتقع الواقعة وينتهي الأمر، فيصوّر الإمام ذلك بكلمتين مع ذكر العلل والأسباب: «… إلى أن انتكث عليه فتله وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته…»([944]).
ويقول في مورد آخر: «استأثر فأساء الأثرة… ولله حكم واقع في المستأثر…»([945]).
أمّا الوجهة الدينية فحسبك منها حال القضاة والمفتين في تلكم العصور، يقول (عليه السلام): «ترد على أحدكم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترد تلك القضية بعينها على غيره، فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم، فيصوب آراءهم جميعاً وإلههم واحد!، ونبيهم واحد!، وكتابهم واحد!، أفأمرهم الله بالاختلاف فأطاعوه؟! أم نهاهم عنه فعصوه؟! أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟! أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟! أم أنزل الله سبحانه وتعالى ديناً تاماً فقصر الرسول (عليه السلام) عن تبليغه وأدائه؟! والله سبحانه يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}([946])، وفيه تبيان لكلّ شيء، وذكر أنّ الكتاب يصدق بعضه بعضاً وأنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً}([947])، وإنّ القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلاّ به»([948]).
وكأنّه (عليه السلام) يريد أن يشير بطرف خفي إلى كمال الدين الإسلامي، وإلى احتياجه إلى إمام معصوم، يستطيع أن يسبر غور القرآن، فيأتي الناس بأحكامه.
ثمّ يجمل ذلك العصر كلّه بحديث آخر فيقول:
«ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم (عليه السلام)…»([949]).
وبهذا اللون من الاضطراب ينتهي ذلك العصر، ويقبل عصر الإمام: «فما راعني إلاّ والناس كعرف الضبع إليّ ينثالون عليَّ من كل جانب حتّى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم…» ([950]).
وبهذه الكلمات صور إقبال الناس عليه، وكأنّني الآن أتمثلهم وهم مجتمعون من جميع الأمصار، يتراغون حوله بلسان واحد ويقولون: ليس لها غيرك يا أبا الحسن، والإمام يمتنع عن الجواب، ولكنهم يأبون عليه، ويأبى ويبسطون يده، فيقبضها عنهم، كما يحدّثنا (عليه السلام) بقوله: «وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، ثمّ تداككتم عليّ تداك الإبل الهيم على حياضها يوم وردها، حتّى انقطعت النعل، وسقط الرداء ووطئ الضعيف…» ([951]).
ولكن الإمام يعلم بأنّه سيواجه أمراً ذا وجوه وألوان، فهو أعلم بنفسيات المجتمع وعقلياتهم، وهو أعلم بولاة عثمان وسيطرتهم على بعض البلدان، وهو أعلم بما صنع الخليفة المقتول بمال المسلمين، ممّا لا بد من استرجاعه، وفي استرجاعه ما به من الاستياء النفسي، الذي لا يمكن أن يرضخ إليه أمثال ولاة عثمان: «والله لو وجدته قد تزوج به النساء، وملك الإماء؛ لرددته؛ فإنّ في العدل سعة. ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق!»([952]).
ولكن الناس ـ مع هذا ـ تضايقه فيخرج بهم إلى المسجد، ويخطب هناك، ويقوم الناس إلى بيعته فيقول:
«لم تكن بيعتكم إياي فلتة ـ وهي إشارة إلى بيعة أبي بكر ومقولة عمر فيها ـ وليس أمري وأمركم واحد. إنّي أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم.
أيها الناس، أعينوني على أنفسكم، وأيم الله لأنصفنَّ المظلوم من ظالمه، ولأقودنَّ الظالم بخزامته حتّى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً»([953]).
ويعرّف المجتمع بسياسته العادلة بقوله:
والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة، ولتغربلن غربلة، ولتساطن سوط القدر، حتّى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا، والله ما كتمت وشمة ـ أي كلمة ـ ولا كذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم…([954]).
وهذه السياسة وإن وافقت ميول قسم من المجتمع، ولكنّها أغضبت الكثير من رجال العصر الذين كانت لهم حظوة عند الخليفة عثمان.
ويمكننا فيما أخال أن نرجع رجال عصره إلى أقسام ثلاثة:
الأوّل: قسم كان يقدّس عثمان، ويتمثّل هذا القسم في أشخاص بني أمية ومن شايعهم.
الثاني: قسم كان يقدّس سياسة عثمان المالية، وإن كره عثمان، كعائشة، وطلحة، والزبير، وغيرهم.
الثالث: قسم كان يشايع الإمام ويرضى بنظام الإسلام المالي، كأصحاب أبي ذر، والذين يشايعونه بالفكرة.
والإمام حصل من هذه الأقسام على القسم الأخير فقط، وكان طبيعياً أن يتخلف الأوّل عن بيعته، وأن ينكث الثاني بعد أن يبايع الإمام.
والإمام نفسه احتاط على القسم الثاني فجدّد عليهم البيعة، عندما استأذنه بالخروج عندما قال (عليه السلام) لطلحة والزبير: «ما العمرة تريدان، وإنّما تريدان الغدرة، ونكث البيعة»([955]).
وهكذا كان طلحة والزبير أوّل عقبة تقف في طريق الإمام.
ويكون من أمر الجمل ما يكون، وينتهي بهزيمة المناوئين، ويجيء دور بني أمية ودور معاوية على الخصوص، وعنده أهل الشام وكفى بهم جنداً باسلين، استطاعوا أن يقفوا لجيش الإمام بصفين مدّة استغرقت ثلث أيام خلافته (عليه السلام)، وانتهت بفاجعة الخديعة، وتحكيم الحكمين؛ ممّا خلق للإمام مشكلة النهروان.
والإمام يصوّر كلّ ذلك بقوله:
«فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون…»([956]).
وهذه الحروب التي توالت عدّة من السنين، لا بدّ أن تحدث سأماً في جيش الإمام، وتمرّداً عليه، خصوصاً إذا علمنا نفسية أهل الكوفة، وأنانية أهل الحجاز الذين كان بهم من يرى نفسه أهلاً للخلافة.
والإمام يصوّر لنا هذا التمرّد عليه بقوله: «أيّها الناس إنّي قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها أممهم، وأدّيت إليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم، وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا، وحدوتكم بالزواجر فلم تستوسقوا. لله أنتم! أتتوقعون إماماً غيري يطأ بكم الطريق ويرشدكم السبيل؟!…»([957])؟!.
وينادي بجهاد عدوه فيقول: «الجهاد الجهاد عباد الله! ألا وإنّي معسكر في يومي هذا؛ فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج!»([958]).
ويخرج الناس ـ كما يحدث الرواة ـ متتالين، وتقبل الكوفة عليه غاية الإقبال، ولكن الراوي يحدّثنا فيقول: «فما دارت الجمعة حتّى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله، فتراجعت العساكر، فكنّا كأغنام فقدت راعيها، تختطفها الذئاب من كلّ مكان!»([959]).
وبهذه الفاجعة ينتهي ذلك العصر فينتهي بنا المطاف.
محمد تقي الحكيم
عيون المسائل
كتاب للفارابي
يشمل هذا الكتاب على مقدمة ومقدار من المباحث الطبيعية وأكثر مباحث العلم الإلهي، وقد ألّف باختصار ومتانة في اللفظ والمعنى.
«شمولدرس» طبع المتن العربي لهذه الرسالة مرفقاً بترجمة لاتينية عام 1836م.
«ديتريشي» طبع هذا المتن في «الثمرة المرضية…» ونشره عام 1890م.
«عبد الرحمن مكوي» طبع هذه الرسالة في «المجموع للمعلم الثاني» بالقاهرة عام 1907م.
ثمّ جدّد طبعه بالقاهرة عام 1910م.
«يوحنا قمير» طبع المتن المنقح لهذه الرسالة ضمن كتابه حول الفارابي.
«كروز هرناندوز» طبع المتن العربي لهذه الرسالة وأرفقه بترجمة لاتينية من القرون الوسطى عام 1951م.
«حلمي ضياء أولكن وقوام الدين بورسلان» ترجماً هذا الكتاب إلى التركية عام 1941م وطبعاه.
فصوص الحكم
كتاب في الوحيد للفارابي بلحن قريب من كلام المتصوفة، لكنّه مستند إلى الأدلة المنطقية.
طبع المتن غير المنقح في اسطنبول عام 1874م.
«ديتريشي» طبع المتن المنقح ضمن «الثمرة المرضية» عام 1890م.
«عبد الرحمن مكوي» طبعه مع رسالة «نصوص في شرح فصوص الحكم» للسيد محمد بدر الدين الحلبي عام 1325هـ.
طبع في حيدر آباد ضمن رسائله الأخرى مرتين في عام 1924 و1931م.
طبع المتن المنقح مع مقدمة وشرح وتعليق للسيد جلال الدين الاشتياني ونشر في نشرة كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة فردوسي بمشهد، في العددين 13 (1353هـ.ش) و14 (1354هـ.ش) ص24ـ259 .
كتب في القرون المتوالية عدّة شروح وتفاسير على هذا الكتاب، كان أهمها شرح الإسماعيلي الحسيني الفارائي.
«الأستاذ مهدي إلهي قمشه أي» كتب شرحاً معتبراً على هذا الكتاب في المجلد الثاني من «الحكمة الإلهية» الخاص والعام (طهران 1325هـ.ش) أخرجه على شكل دورة كاملة لكتاب عرفان تظهر جلية فيه كتابات ابن العربي، صدر الدين القونوي، عبد الكريم الجليلي ومحمود الشبستري.
«مهدي إلهي قمشه أي» ترجم الكتاب وطبعه بطهران عام 1330هـ.ش.
«غلام حسين أهني» ترجم الكتاب وطبعه بأصفهان عام 1339هـ.ش.
«قوام الدين بورسلان» ترجم قسماً من الكتاب إلى اللغة التركية عام 1935م.
«بورسلان وحلمي ضياء أولكن» ترجماً المتن الكامل إلى اللغة التركية عام 1945 وطبعاه.
الفوار
الفوار من أنهار الفرات الأوسط الدارسة، مجراه غربي نهر الديوانية الحاضرة، ويمتد نحو الشرق الشمالي بين نهري الديوانية وعفك أخذ حظاً من العمران ونصيباً من السمعة نزل على حافتيه كثير من العشائر.
وهو فرع من نهر اليوسفية، واليوسفية يقع صدرها شمال بلدة الديوانية على بُعد نصف ساعة منها، وكان لها عدّة فروع أحدها نهر الفوار، وكانت عليه قرية تعرف باسم الفوار أيضاً اندرست باندراسه، ومات النهر كما مات غيره من الأنهر القديمة بحيث لا يدخل فيه الماء ولا في جداوله ولا يعلو أرضه ومزارعه في حال من الأحوال، وانطقع الماء وبطبيعة جريانه صير له مجرى آخر.
في الخلاء
كتاب للفارابي
أثر الفارابي هذا ذكر في المنابع القديمة ضمن تعداد آثاره، وكان مفقوداً حسب تصوّر البعض، ثمّ اكتشف عام 1951م ضمن النسخ الخطية لمكتبة الآداب والتاريخ والجغرافيا بجامعة أنقرة مجموعة «إسماعيل صائب سنسر» الرديف 1، الرقم 381/3.
«الدكتور آيدين صايلي ونجاتي لوغال» طبعا المتن العربي لهذا الكتاب مرفقاً بترجمة تركية وإنكليزية في أنقرة.
أثر الفارابي هذا حاز على أهمية كبيرة في نظر تاريخ العلم، وللاطلاع على أهميته من وجهة نظر تاريخ العلم تراجع مقالة «الدكتور آيدين صايلي» في ملف تاريخ الترك 1951، ج15، ص74ـ151. وقد كتبت هذه المقالة باللغة التركية واشتملت على خلاصة باللغة الإنكليزية.
كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال
تأليف: المحدث الشيخ محمد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي (من أعلام القرن التاسع).
وهي واحدة من مجموعة دراسات كتبها في هذا المجال، وهذه من أوسعها شمولاً وأنظمها منهجية مع ملاحظة ما كتب في مجال الاستدلال في تلك الحقبة الزمنية، وهي تحتوي على فصول خمسة مع مقدمة وخاتمة، وقد قام بتحقيقها: أحمد الكناني اعتماداً على ثلاث نسخ خطية مقروءة على المؤلف إضافة إلى أعمال أُخرى في تحقيق الكتاب كترجمة مختصرة للأعلام الذين جاء ذِكرهم، وتعريف مختصر بالكتب التي ورد ذِكرها في المتن، وقد جاء الكتاب في 188 صفحة.
الكوفة
مرّ الحديث عنها في مكانه، ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
الكوفة الحاضرة
الضفة الغربية
ابتدأ بناء الكوفة الحاضرة ببناء المساكن بالبردي والقصب والسعف على شكل أكواخ سنة 1280هـ/ 1863م على الضفة الغربية. وتطوّر البلدة بهذه السعة حصل بعد أن قامت الحكومة العثمانية سنة 1301هـ/ 1883م بقطع الفرات ببحر النجف([960]) الذي تمّ جفافه سنة 1303هـ/ 1885م، وأسرع التجار لشراء الأراضي وبنيت فيها الدور والخانات والحمامات، وعمرت المساجد وطمت المستنقعات ونصب جسر على الفرات من السفن الخشبية على الصورة المعروفة في العصر العباسي.
والكوفة الحالية تبعد عن الجامع الأعظم التاريخي مقدار نصف ميل، وفيها يقع مقام مشيّد على الفرات ينسب للنبي يونس بن متى للشهرة والتلقي، ويليه مسجد الحمراء الذي كشف عنه التراب ووجد المحراب الأصلي وهو تحت المحراب الذي فيه اليوم، وأدخل هذا المسجد بحدوده القديمة داخل البناء الجديد سنة 1312هـ/ 1894م وجعل لبابه القديم رسماً تحت درج سطح المسجد، ثمّ أضيف إليه ممّا يلي الشرق مقدار واسع كان مستنقعاً من ماء الفرات، فألقي فيه التراب وطم وصار مأوى للزائرين والمسافرين، وفي أوائل سنة 1411هـ/ 1990م أزيل البناء القديم وقبة ومقام النبي يونس لإعادة بنائه مجدداً ولم يتم ذلك؟
وفي سنة 1326هـ/ 1908م مدَّ خط الحديد بين النجف والكوفة لتسير عليه عربات تجرّها الخيول لنقل المسافرين والبضائع التجارية، وبعد توفّر السيّارات في 17 جمادى الثانية 1373هـ/ 13 شباط 1955م أستغني عنه، وللسيد مهدي ابن السيد محمد البغدادي المتوفى سنة 1329هـ قوله مؤرخاً:
خليفةَ الله فينا
سَلمْت عَبَدَ الحَميدِ
سَعيتَ أفضَلَ سَعي
قَربَت كلّ بَعيدِ
لِكُوفَةِ الجُنْدِ شادَت
مَحَجَّةٌ مِنْ حَديدِ
بأربع أرخَوها
«في خَير عَصر حَميد»
وللشيخ كاتب ابن الشيخ راضي الطريحي المتوفى سنة 1388هـ/ 1968م مؤرخاً أوّل عربة سارت على الخط الحديدي «الحيدرية»، ومهنأ وكيل مدير ناحية الكوفة آنذاك حمدي الباچچي بقوله:
سارَتْ كَوَمضِ البَرقِ تَزهو بالفَضا
مَغرورة بالحُسنِ بين الناسِ
فليهنَا فيها «الباچچي» فإنّها
وَعُلا أَبيهِ لَطيفَةُ الأجناسِ
جادَ الزَمانُ بِها بأبهى حُلةٍ
الحديريَةُ نُزْهَةُُ الجُلاسِ
وفي عام 1315هـ/ 1932م، تأسّس لأوّل مرّة مشروع الكهرباء الذي جلب مكائنه محمد جواد عجينة.
وفي عام 1367هـ/ 1948م مُدَّت أنابيب الماء في الشواعر.
الضفة الشرقية
أمّا الضفة الشرقية فبنيت عليها مضارب عشيرة آل ماضي وهم من بني مالك القبيلة العربية الكبيرة القاطنة بعض أفخاذها على ضفتي الفرات منذ أقدم الأزمنة، وكان لهم شأن واعتبار في الفرات الأوسط في القرن الحادي عشر والثاني عشر الهجري، أمّا اليوم فهم من فروع قبيلة بني حسن يقال لهم بنو الحسناء، وهم قبيلة ضخمة تكوّنت من مجموع تحالف قبائل تنزل على عدوتي فرات الهندية من السدة إلى تحت الكوفة، وفي جانب من أراضي الشامية، وهم عشائر الهور المعروف بهور الدخن، وبنو حسن هؤلاء ينقسمون إلى أربعة عشائر، وهم:
1 ـ الجراح: وهم ململمة قبائل.
2 ـ الجباس: وهم ململمة قبائل.
3 ـ البوعارضي.
4 ـ آل عيسى: بطن من آل فضل من عرب الشام من آل ربيعة من طي، وهم بنو عيسى بن مهنا بن مانع ابن حديثة بن عقبة بن فضيل، وفيهم الامرة، وهم إحدى العشائر الفراتية والمشهورة.
وللشيخ محمد بن يونس بن الحاج راضي الشويهي الحميدي الربعي النجفي الأصل والمسكن المتوفى في العشرة الرابعة من المائة الثالثة عشرة تخميناً في النجف قصيدة في مدح أحد رؤساء البوماضي الشيخ خطل، ذكر فيها أسماء مشايخ العشيرة منها قوله:
يتيه جَلابيبَ الفخارِ بفتيةٍ
لَهمُ نَسَبٌ في الناسِ أَعلى المَناسبِ
فَمِنهمْ «نذيرٌ» ثُمَّ «سَيفٌ» و«خُنْجِرٌ»
كَذا آل «إبراهيمَ» خَيرِ العَصائِبِ
فَمُذْ ماتَ «إسْماعِيلَ» إذ جاء «أَخْطَلُ»
إلى الكَونِ مِن صُلبِ لَهُ وتَرَائَبِ
فَطُوباكِ يا أرضَ العِراقِ وكُوفَةٍ
وَطوباكَ يا «تَلاّ» حَصينُ الجَوانبِ
فَتِيها فِخاراً آل ماضِي ابنُ كِنْدةٍ
بقَتالةِ قَوْمٍ لليعاريبِ غَالبِ
والكوفة بمسارها عبر التاريخ قاعدة الارتكاز للمثلث الحضاري الذي يمثّل إحدى زوايا مثلث النجف والحيرة.
المجسّمة
اسم يطلق على عامّة الفرق التي قالت بتجسيم الله تعالى، أي أنّه تعالى جسم، والظاهر أنّ آراء المشبهة والمجسّمة متقاربة لأنّهم في توحيد الخالق يشبهونه بخلقه([961]).
ويذكر ابن أبي الحديد أنّ سائلاً سأل معاذاً العنبري (ت…) فقال: «أله (أي الله تعالى) وجه؟
فقال: نعم، حتّى عددت جميع الأعضاء من أنف وفم وصدر واستحييت أن أذكر الفرج فأومأت بيدي إلى فرجي فقال: نعم.
فقال: أذكر أم أنثى؟
فقال: ذكر.
ويقال إنّ ابن خزيمة أشكل عليه في أنّه تعالى ذكر أم أنثى، فقال له بعض أصحابه إنّ هذا مذكور في القرآن وهو قوله تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنُثَى}. فقال أفدت وأجدت وأودعه كتابه.
ودخل رجل على معاذ بن معاذ يوم عيد وبين يديه لحم في طبيخ سكباج، فسأله عن الباري تعالى من جملة ما سأله، فقال: هو الله مثل الذي بين يدي لحم ودم»([962]).
ومن أقوال المجسّمة والمشبهة أنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) تأتي يوم القيامة ومعها قميص ملطخ بدم الحسين (عليه السلام) فتطلب القصاص والعدل، وعندما ينظر الله إليها يقول ليزيد: اذهب تحت العرش لئلا تراك فاطمة. فيذهب يزيد ويختفي تحت العرش وعندما تصل فاطمة وهي تصرخ مطالبة بالعدل يخرج الله تعالى رجله عارية وقد شدّ على وجهه منديلاً فيقول: يا فاطمة هذه رجلي مجروحة من سهم النمرود وعندما رماني به، عفوت عنه فأعفي أنتِ كذلك عن يزيد فتعفو عنه فاطمة([963]).
بالرغم من الروح التبريرية لهذا النص ندرك أنّ التجسيم قد عمّ في الأوساط الإسلامية.
ويؤكد ذلك الشهرستاني في الملل والنحل، حيث يشير إلى أنّ تشبيه الله بصفات المحدثين والقول إنّ الله جسمٌ ولحمٌ وغيرها من التشبيهات، كان شائعاً ومنتشراً بين بعض المسلمين([964]).
ولعلّه يقصد ببعض المسلمين، أهل الحديث والحشويين عامّة لأنّه إذا تأمّلنا كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ت276هـ) يتأكد لدينا ما يزعمه الشهرستاني، فابن قتيبة بعد أن دافع عن أهل الحديث وقرّر بأنّهم كانوا يتقرّبون إلى الله تعالى بطلب جمع آثار رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإنّما جمعوا الأحاديث الضعيفة والغريبة ليميزوا بينهما ويدلّوا عليهما([965]).
بعد هذا يورد ابن قتيبة عدداً من الأحاديث التي يذكرها أهل الحديث وهي بنظره صحيحة مثل:
ـ قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن.
ـ إنّ الله تعالى خلق آدم على صورته.
ـ كلتا يديه يمين.
ـ ولا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن([966]).
المهم من هذا الكلام أنّنا إذا طالعنا تأويل هذه الاحاديث عند ابن قتيبة نجده يؤكد على التجسيم، وما تذهب إليه ظواهر النصوص.
وأعطي هنا مثالاً واحداً، وهو تأويل ابن قيتبة لحديث «كلتا يديه يمين» قالوا: رويتم أنّ كلتا يديه يمين، وهذا يستحيل إن كنتم أردتم باليدين العضوين وكيف يعقل يدان كلتاهما يمين؟
قال ابن قتيبة ونحن نقول إنّ هذا الحديث صحيح وليس هو مستحيلاً([967])… ونلاحظ التأكيد على الحديث وعدم استحالته، ويحاول جاهداً أن يبرر عدم استحالته قياساً وشعراً([968])، وهذا حاله في كلّ الأحاديث الأخرى كعجب الرب وضحكه([969])، ورؤيته تعالى([970])، وحديث خلق الله آدم على صورته، وأكل الشيطان بشماله([971])، ونزول الله([972])، والحسين والملائكة([973]).
وواجه المعتزلة هذه الآراء ورفضوا أن يجسّم الله ويثبّت له الصفات الواردة في القرآن كما هي، ولعل هذا الموقف الرافض هو ما أدّى إلى اعتبار المعتزلة عند خصومهم من الحشويين (من المعطلة)، أي عطلوا ظواهر الكتاب والسنّة عن المعاني التي تدل عليها([974]).
ووقف الأئمة (عليهم السلام) من التجسيم موقف الرفض والتنزيه لله تعالى كما فعل المعتزلة، ولكن مع فارق أنّ المعتزلة رفضوا أن يطلقوا على الله تعالى الصفات الواردة في القرآن، بينما مدرسة أهل البيت الكلامية وافقت أصحاب الحديث على أن نصف الله بما وصف نفسه في القرآن، ولكن دون أن تحمل على التجسيم بل نصفه بصفاته وننزهه عن كلّ تشبيه وتجسيم([975]).
وهذا ما أطلق عليه الأئمة (عليهم السلام) اسم «إثبات بلا تشبيه» أي أن نثبت أنّ الله شيء ولكنّنا لا نشبهه بشيء.
وهذا هو الموقف الوسط ما بين التعطيل والتشبيه.
روى الصدوق في التوحيد، بإسناده عن محمد بن عيسى عمّن ذكره، قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام) أيجوز أن يُقال الله عزّ وجلّ شيء؟ قال: نعم تخرجه عن الحدّين حدّ التعطيل وحدّ التشبيه([976]).
ويوضح الإمام الرضا (عليه السلام) المصدر القرآني لهذا الكلام، وذلك من خلال امتحانه وتعليمه لأحد أصحابه بمناظرة كلامية حول ماهية الله، والملفت في هذه المناظرة التعليمية أنّ بعض أصحاب الأئمة قد تفهموا عن أئمتهم المجادلات حول الله.
عن محمد بن عيسى بن عبيد، قال:
قل لي أبو الحسن (عليه السلام) ما نقول إذا قيل لك: أخبرني عن الله، شيء هو أم لا شيء؟
قال: قلت له: قد أثبت الله عزّ وجلّ نفسه شيئاً حيث يقول: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون}([977]).
فأقول: إنّه شيء لا كالأشياء إذ في نفي الشيئية عنه إبطاله ونفيه قال لي: صدقت وأصبت. ثمّ قال لي الرضا (عليه السلام): للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب:
نفي وتشبيه وإثبات بغير تشبيه.
فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز لأنّ الله لا يشبه شيء، والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه([978]).
ويعزّز ذلك أنّ هشام بن الحكم يروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) حين سأله الزنديق عن الله تعالى ما هو؟
قال (عليه السلام): هو شيء بخلاف الأشياء، أرجع بقولي «شيء» إلى إثبات معنى، وأنّه شيء بحقيقة الشيئية غير أنّه لا جسم ولا صورة([979]). يتبيّن معنا أنّ الله تعالى حسب مدرسة أهل البيت الكلامية هو شيء لقوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}([980]).
ولكنّه ليس كالأشياء لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}([981]).
وهذا هو موقف الإثبات بلا تشبيه.
ولم يكتف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالتنظير الكلامي لهذا الموقف الوسط بل إنّهم قاموا بتدابير عملية لإضعاف التجسيم في مجتمعاتهم والذي يبدو أنّه كان متفشياً بشكل قوي. فمنعوا إعطاء الزكاة لمن يقول بالتجسيم وحتّى الصلاة وراءه. «من قال بالتجسيم فلا تعطوه الزكاة ولا تصلوا وراءه»([982]).
ويتلخص ما أوردناه بما يلي:
الموقف الأول:
هو الداعي إلى وصف الله بما وصف به نفسه في القرآن، فقالوا إنّ لله إصبعاً وقدماً وغير ذلك ممّا تضمنته الأخبار، وهذا رأي الحشوية حسب ما أسموهم المعتزلة أو الجمهور حسب تسمية الرافضة لهم([983])، حتّى أنّ ابن جماعة (ت727هـ) يورد في كتابه إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل على لسان نعيم بن حماد أحد شيوخ البخاري، وهو عنده صدوق، يذكر عنه بأنّه يخطئ كثيراً من يعتبر تشبيه الله بخلقه كفراً وإنّما الكفر برأيه من جحد ما وصف الله به نفسه([984]).
ولعله يقصد بذلك أنّ الكفر عند المعتزلة الذين أنكروا ما وصف الله به نفسه، وهذا هو الموقف الأوّل ولعل مدرسة أهل البيت الكلامية قصدتهم بقولها «بمذهب التشبيه».
الموقف الثاني:
هو الموقف الداعي للابتعاد عن التشبيه والحشو، وبالتالي إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى، ولذلك سمّوا أصحاب نفي الجسم([985]) وقالوا بعدم وصف الله بما وصف به نفسه في القرآن، ولهذا أطلق عليهم الخصوم اسم المعطلة([986]).
وهؤلاء هم المعتزلة، الذين اعتبروا أنّ الحشويين أساؤوا فهم الآيات وجسّموا الله تعالى([987]). ولعل الأئمة (عليهم السلام) قصدوهم بقولهم «بمذهب النفي».
الموقف الثالث:
هو موقف الشيعة الإثني عشرية، وفي مقدمتهم الأئمة (عليهم السلام) وهو القول بالكلام الوسط أي «الإثبات بلا تشبيه».
وبعد هذا، نجد أن بعض مؤرخي الفرق يزعم أنّ الشيعة هم أوّل المجسمة، وعلى رأسهم هشام بن الحكم وهشام بن سالم ويونس بن عبد الرحمن والسكاك، وأنّ أهل السنّة أخذوا التجسيم والتشبيه منهم([988]) وأنّهم حشوا أهل الإمامة كما زعم الخياط([989]) ولعله يقصد بذلك أنّ الشيعة الإمامية مجسّمة ومشبهة مقابل حشوييّ أهل السنّة.
ولهذا يستنتج أحدهم أنّ هناك صلة ما بين الشيعة الإمامية وأهل السنّة في التجسيم، ولذلك لم يهاجم ابن تيمية المعروف بلسانه اللاذع تجسيم الشيعة الإمامية([990]).
ونسبوا إلى هشام بن الحكم([991])، تلميذ الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وموسى الكاظم (عليه السلام)، أنّه قال بأنّ الله جسم لا كالأجسام.
وأنّه أوّل من قال ذلك في الإسلام، ويعتبره البغدادي من الذين شبهوا ذات الباري بذات غيره([992]) وقال إنّ معبوده سبعة أشبار بشبر نفسه.
ونسب العلاف إلى هشام بن الحكم بأنّه قال إنّ ربّه جسم ذاهب، جاء، فيترح تارة ويسكن أخرى، ويقعد مرّة ويقوم أخرى وإنّه طويل عريض عميق لأنّه ما لم يكن كذلك فهو في حدث التلاشي، قال: فقلت له: فأيّما أعظم إلهك أو هذا الجبل، وأومأت إلى أبي قبيس، قال: فقال: هذا الجبل يوفي عليه أي هو أعظم منه([993]).
وينقل الجاحظ أنّ هشام بن الحكم قال في ربّه في عام واحد خمسة أقاويل، زعم مرّة:
1 ـ أنّه كالبلورة.
2 ـ ومرّة أنّه كالسبيكة.
3 ـ ومرّة أنّه غير صورة.
4 ـ ومرّة أنّه يشبر نفسه سبعة أشبار.
وأخيراً رجع عن ذلك كلّه وقال هو جسم لا كالأجسام([994]).
والظاهر أنّ الجاحظ روى ذلك عن النظّام، لأنّ ابن الجوزي يروي هذه الرواية عن الجاحظ عن النظّام مع اختلافات يسيرة في الرواية منها: أنّ هشام بن الحكم في رواية ابن الجوزي قطع أخيراً بأنّه الله سبعة أشبار بشر نفسه([995]).
وإلى هذا القطع ذهب الرازي (ت606هـ) في كتابه اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، وأضاف إلى هشام مقولة جديدة لم أعثر عليها إلاّ في كتابه، وهي أنّ ربّه كالشمع الذي من أي جانب نظرت إليه كان ذلك الجانب وجهه([996]).
ولعل الرازي يقصد بهذا اللؤلؤة المستديرة التي تتلألأ من كلّ جوانبها كما يوردها الأشعري في مقالات الإسلاميين([997]).
ولهذا قال بشر بن المعتمر (ت210هـ) مخاطباً هشام بن الحكم يقول: «تلعبت بالتوحيد كأنّما نتحدّث عن غول ببيداء سملق. لأنّ الغول عند العرب تقلب نفسها من صورة إلى صورة، كذلك هشام بن الحكم قال في الله مقالات كثيرة: نور يتلألأ ومرّة قال: من حيث جئته رأيته ومرّة قال: هو مثل الإنسان»([998]).
وهكذا، يتبين أنّ ما نقل عن هشام بن الحكم هو عن طريق خصومه المعتزلة، وهو المعروف بإلزاماته عليهم ومناظراته معهم([999])، وهذا العداء من المعتزلة جعل ابن أبي الحديد يزوّر الوقائع، ليدعم بهتانه، فوجدته ينقل عن لسان مؤرخ شيعي هو أبو الحسن موسى النوبختي (ت300هـ) صاحب فرق الشيعة بأنّه قال في كتابه الديانات والآراء، إنّ هشام بن الحكم يزعم أنّ الله جسم لا كالأجسام([1000]) بينما في الواقع أنّ هذه المقولة وما نسبه ابن أبي الحديد، وتبعه ابن تيمية([1001]) (ت728) في ذلك عن لسان هشام، إنّما يرويه النوبختي عن الجاحظ عن النظّام بدليل أنّ الرواية المنسوبة إلى النوبختي قد أوردها ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس([1002]) ويرويها عن النظام وابن الجوزي هو الأقدم تاريخياً عن غيره.
والظاهر أنّ هشام بن الحكم لم يقل بالتجسيم المنسوب إليه على لسان خصومه الفكريين من المعتزلة، بدليل أنّه يذكر في حديث رائع لأحد أتباعه بأنّ الله لا يشبهه شيء([1003]).
ويتعزز ذلك، أنّ ابن أبي الحديد يورد أنّ المتعصبين لهشام بن الحكم من الشيعة في وقته يزعمون أنّ هشام لم يقل بالتجسيم المعنوي وإنّما قال إنّه جسم لا كالأجسام بالمعنى الذي ذكرناه عن يونس والسكاك وغيرهما([1004]).
ويقصد بالمعنى الذي ذكره عن يونس والسكاك، أنّهم أطلقوا لفظة جسم لا كالأجسام، بمعنى شيء لا كالأشياء([1005]). وهكذا يتبين معنا، أنّ مصطلح شيء لا كالأشياء هو المصطلح المستخدم عند هشام، وهو بذلك يوافق مدرسة أهل البيت الكلامية القائلة بنظرية «الإثبات بلا تشبيه» في التوحيد كما مرّ معنا سابقاً.
ولهذا دافع العلماء والمتأخرون من الشيعة الإمامية عن هشام بن الحكم، كالشريف المرتضى علم الهدى (ت436هـ)([1006]) ويرى أنّ نسبة التجسيم إلى هشام بن الحكم من قبل الخصوم إنّما القصد به القدح والذم في الإمام الصادق لما يوجد من دعاء ومدح بهشام ودعوة أصحابه لأتباعه([1007]) وأيضاً دافع عن هشام أبي الفتح الكراجكي الطرابلسي (ت460هـ)([1008]) والشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت460هـ) وغيرهما. ولهذا لعلّه من الصعوبة بمكان، قبول ما زعمه الخياط المعتزلي (ت200هـ) وتبعه بذلك المتأخرون حتّى يومنا هذا وهو أنّ الشيعة الإمامية الأوائل هم مجسّمة ومشبهة وأمّا المتأخرون منهم وبسبب صحبتهم للمعتزلة قالوا بالتنزيه في التوحيد([1009]).
ولعل مقولة الخياط هذه هي التي جرأت البعض على القول بأنّ نصوص العلامة الحلي في التوحيد هي نفسها نصوص المعتزلة([1010]).
خضر محمد نبها
المرداسيون
(بنو مرداس)
.
مرّ الحديث عنهم في مكانه. ولمّا كانت الأخبار عنهم مشتّتة لم تنتظم في تاريخ موحّد يمكن الرجوع إليه رأينا أن نأخذ هنا ما ذكره عنهم فريق من المؤرخين، مضافاً إلى ما ذكرناه عنهم، ليكون ذلك مصدراً موحداً لتاريخهم:
قال ابن خلدون، ج4، ص271: كان ابتداء أمر صالح بن مرداس ملك الرحبة وهو من بني كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ومجالاتهم بضواحي حلب. وقال ابن حزم إنّه من ولد عمرو بن كلاب وكانت مدينة الرحبة لأبي علي بن ثمال الخفاجي، فقتله عيسى بن خلاط العقيلي وملكها من يده وبقيت له مدّة، ثمّ أخذها من بدران بن المقلد، وزحف لؤلؤ الساري نائب الحاكم بدمشق، فملك الرقة ثمّ الرحبة من يد بدران، وعاد إلى دمشق. وكان رئيس الرحبة ابن مجلكان، فاستبدّ بها وبعث إلى صالح بن مرداس يستعين به على أمره، فأقام عنده مدّة ثمّ فسد ما بينهما وقاتله صالح ثمّ اصطلحا وزوجه ابن مجلكان ابنته. ودخل البلد ثمّ انتقل ابن مجلكان إلى عانة بأهله وماله بعد أن أطاعوه وأخذ رهنهم. ثمّ نقضوا وأخذوا ماله، وسار إليهم ابن مجلكان مع صالح فوضع عليه صالح من قتله وسار إلى الرحبة فملكها واستولى على أموال ابن مجلكان، وأقام دعوة العلويين (الفاطميين) بمصر صالح مؤسس دولة بني مرداس أو بني صالح.
جاء في وفيات الأعيان لابن خلكان في ترجمته ما يلي: «أسد الدولة أبو علي صالح بن مرداس بن إدريس بن نصير بن حميد بن مدرك بن شداد بن عبيد بن قيس بن ربيعة بن كعب بن عبدالله بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الكلابي».
كان من عرب البادية، وقصد مدينة حلب، وبها مرتضى الدولة بن لؤلؤ بن الجراحي غلام أبي الفضائل ابن سعد الدولة نصر بن سيف الدولة بن حمدان، نيابة عن الظاهر بن الحاكم (الفاطمي) صاحب مصر. فاستولى عليها وانتزعها منه، وكان ذا بأس وعزيمة وأهل وعشيرة وشوكة. وكان تملكه لها في ثالث عشر ذي الحجة سنة سبع عشر وأربعمائة: واستقرّ بها ورتب أمورها، فجهز إليه الظاهر المذكور أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري في عسكر كثيف، وكان بدمشق نائباً عن الظاهر، وكان ذا شهامة وتقدمة ومعرفة بأسباب الحرب. فخرج متوجهاً إليه، فلمّا سمع صالح الخبر خرج إليه وتقدّم حتّى تلاقيا على الأقحوانة فتصافّا، وجرت بينهما مقتلة انجلت عن قتل أسد الدولة صالح المذكور، وذلك في جمادى الأولى سنة عشرين وأربعمائة، وقيل تسع عشر وأربعمائة. وهو أوّل ملوك بني مرداس المتملكين بحلب.
ما جاء عنهم في تاريخ العبر
لابن خلدون ج4
قد سبق في أخبار بني حمدان استبداد لؤلؤ مولى أبي المعالي بن سيف الدولة بحلب على ابنه أبي الفضائل، وأخذه البلد منه ومحوه الدعوة العباسية والخطبة للحاكم العلوي (الفاطمي) بمصر، ثـم فسـاد حاله معه وطمع صالح بن مرداس في ملك حلب. وتقدّم هنالك خبر ما كان بين صالح ولؤلؤ من الحروب، وأنه كان له مولى اسمه فتح وضعه في قلعة حلب حافظاً لها، فاستوحش وانتقض على لؤلؤ بممالأة صالح بن مرداس، وبايع للحاكم على أن يقطعه صيدا وبيروت وسوغه ما كان في حلب من الأموال. ولحـق لؤلـؤ بأنطاكيـة وأقـام عنـد الروم، وخرج فتح بحرم لؤلؤ وأمه وتركهن في منبج وترك حلب وقلعتهـا إلـى نـواب الحاكـم. وتداولـت فـي أيديهـم حتـى وليهـا بعض بني حمدان من قبل حاكم يعرف بعزيز الملك اصطنعه الحاكم وولاه حلب. ثم عصى على ابنه الظاهر وكانت عمته بنت الملك مدبـرة لدولتـه، فوضعـت علـى عزيـز الملـك من قتله، وولوا على حلب عبد الله بن علي بن جعفر الكتامي، ويعرف بابن شعبان الكتامي، وعلى القلعة صفي الدولة موصوفاً الخادم.
ولمـا ضعـف أمـر (الفاطميين) بمصر من بعد المائة الرابعة، وانقرض أمر بني حمدان من الشام والجزيرة تطاولت العرب إلى الاستيلاء على البلاد. فاستولى بنو عقيل على الجزيرة، واجتمع عرب الشام فتقاسموا البلاد على أن يكون لحسان بن مفرج بن دغفل وقومه طيء من الرملـة إلـى مصـر، ولصالح بن مرداس وقومه بني كلاب من حلب إلى عانة، ولحسان بن عليان وقومه دمشق وأعمالها. وكان العامل على هذه البلاد من قبل الظاهر خليفة مصر أنوشتكين إلى عسقلان، وملكهـا ونهبها حسان. وسار صالح بن مرداس إلى حلب فملكها من يد ابن شعبان، وسلم له أهل البلد ودخلها وصعد ابن شعبان إلى القلعة. فحصرهـم صالـح بالقلعـة حتـى أجهدهـم الحصار واستأمنوا. وملك القلعة وذلك سنة أربع وعشرين وأربعمائة، واتّسع ملكه ما بين بعلبك وعانة.
ولم يزل صالح مالكاً لحلب إلى سنة عشرين وأربعمائة، فجهز الظاهر العساكر من مصر إلى الشام لقتال صالح وحسان وعليهم أنوشتكين الدريدي. فسار لذلك ولقيهما على الأردن بطبرية وقاتلهما فانهزما، وقتل صالح وولده الأصغر، ونجا ولده الأكبر أبو كامل نصر بن صالح إلى حلب وكان يلقـب شبـل الدولـة. ولمـا وقعت هذه الواقعة طمع الروم أهل إنطاكية في حلب، فزحفوا إليها في عدد كثير يبلغ ثلاثمائة ألف مقاتل، ووقيت حلب شر هذه الغزوة بسبب مخالفة الدوقس من أكابر الروم لملك الروم ورجوعه عنها.
وفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة زحف الوزيري من مصر في العساكر إلى حلب، وخليفتهم يومئـذٍ المستنصر. وبرز إليه نصر. فالتقـوا عنـد حمـاة وانهـزم نصـر وقتـل وملك الوزيري حلب في رمضان من هذه السنة.
ولما ملك الوزيري حلب واستولى على الشام، عظم أمره واستكثر من الأتراك في الجند، ونُميَ عنه إلى المستنصر بمصر ووزيره الجرجاي أنه يروم الخلاف، فدس الجرجاي إلى جانب الوزيري والجند بدمشق في الثورة به وكشف لهم عن سوء رأي المستنصر، فثاروا بـه وعجـز عـن مدافعتهم، فاحتمل أثقاله وسار إلى حلب ثم إلى حماه. فمُنع من دخولها فكاتب صاحب كفر طـاب فسـار إليـه وشيّعـه إلـى حلـب ودخلهـا، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين)واربعمائة). ولما توفي فسد أمر الشام وإنحـل النظـام وتزايـد طمـع العـرب. وكـان معـز الدولـة ثمال بن صالح بالرحبة منذ مهلك أبيه وأخيه، فقصد حلب وحاصرها فملك المدينة وإمتنع أصحاب الوزيري بالقلعة. وإستمدوا أهل مصر، وشغل الوالي بدمشق بعد الوزيري وهو الحسين بن حمدان لحرب حسان بن مفرج صاحب فلسطين، فاستأمن أصحاب الوزيري إلى ثمال بن صالح بعد حصاره إياها حولا فأمنهم، وملكها فـي صفـر سنـة أربـع وثلاثيـن وأربعمائة. فلـم يـزل مملكاً عليها إلى أن زحفت إليه العساكر من مصر مع أبي عبيد الله بن ناصر الدولة بن حمدان، وبلغت جموعهم خمسة آلاف مقاتل، فخرج إليهم ثمال وقاتلهـم وأحسن دفاعهم وأصابهم سيل كاد يذهب بهم. فأفرجوا عن حلب وعادوا إلى مصر. ثم عادت العساكر ثانية من مصر سنة إحدى وأربعين مع رفقاً الخادم، فقاتلهم ثمال وهزمهم وأسر الخادم رفقاً ومات عنده.
لم تزل العساكر تتردّد من مصر إلى حلب وتضيق عليها حتى سئم ثمال بن صالح إمارتها وعجـز عـن القيـام بهـا، فبعـث إلـى المستنصـر بمصـر وصالحـه علـى أن ينزل له عن حلب. فبعث عليها مكين الدولة أبا علي الحسن بن ملهم، فتسلمها آخر سنة تسع وأربعين وأربعمائة. وسار ثمال إلى مصر، ولحق أخوه عطية بن صالح بالرحبة، واستولى ابن ملهم عليها.
وأقام ابن ملهم بحلب سنتين أو نحوها، ثم بلغه عن أهل حلب أنهم كاتبوا محمود بن نصر بن صالـح، فقبـض عليـه. فثـار بـه أهل حلب وحصروه بالقلعة، وبعثوا إلى محمود، فجاء منتصف اثنتين وخمسين وأربعمائة وحاصره معهم بالقلعة. واجتمعت معه جموع العرب واستمـد ابـن ملهـم المستنصـر فكتـب إلـى أبـي محمـد الحسن بن الحسين بن حمدان أن يسير إليه في العساكر، فسار إلى حلب. وأجفل محمود عنها. ونزل ابن ملهم إلى البلد ودخلها ناصر الدولة ونهبتها عساكره وابن ملهم. ثـم تواقـع محمـود وناصـر الدولـة بظاهـر حلب، فانهزم ناصر الدولة بن حمدان وأُسر، فرجع به محمود إلـى البلـد وملكهـا وملـك القلعـة فـي شعبـان مـن هـذه السنـة، وأطلـق أحمد بن حمدان وابن ملهم، فعادا إلى مصر.
لمـا هزم محمود بن حمدان وأخذ القلعة من يد ابن ملهم وكان معز الدولة ثمال بن صالح بمصر منـذ سلمهـا للمستنصـر سنـة تسـع وأربعيـن وأربعمائة، فسرحـه المستنصـر الآن وأذن له في ملك حلب من ابن أخيه، فحاصره في ذي الحجـة مـن سنـة اثنتيـن وخمسيـن وأربعمائة،. واستنجـد محمـود بخالـه منيـع بـن شبيـب بـن وثاب النميري صاحب حرّان، فأمده بنفسه وجاء لنصره. فأفرج ثمال عن حلب وسار إلى البرية في محرم سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. ثم عاد منيع إلى حران وملك ثمال حلب في ربيع ثلاث وخمسين وأربعمائة، وغزا بلاد الروم فظفر وغنم.
ثم توفي ثمال بحلب قريباً من استيلائه، وذلك في ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وعهد بحلب لأخيه عطية بن صالح، وكان بالرحبة من لدن مسير ثمال إلى مصر فسار وملكها.
ولمـا ملـك عطيـة حلـب، وكـان ذلك عند استيلاء السلجوقية على ممالك العراق والشام وافتراقهم على العمالات، ونزل به قوم منهم فاستخدمهم وقوي بهم. ثم خشي اصحابه غائلتهم فأشاروا بقتلهم، فسلط أهل البلد عليهم فقتلـوا منهـم جماعـة ونجـا الباقـون فقصـدوا محمود بن نصر بحرّان فاستنهضوه لملك حلب. وجاءهم فحاصرها وملكها في رمضان سنة خمـس وخمسيـن وأربعمائة، واستقـام أمـره، ولحـق عطيـة عمه بالرقة فملكها إلى أن أخذها منه شرف الدولة مسلـم بـن قريـش سنـة ثلاث وستين(واربعمائة). فسار إلى بلد الروم سنة خمس وستين وأربعمائة، واستقام أمر محمود بن نصر في حلب، وبعـث التـرك الذيـن جـاؤوا فـي خدمتـه مـع أميرهـم ابـن خـان سنـة ستيـن وأربعمائة إلـى بعـض قلاع الروم فحاصروها وملكها، وسار محمود إلى طرابلس، فحاصرهـا، وصالحـوه علـى مـال، فأفرج عنهم. ثم سار إليه السلطان الب ارسلان بعد فراغه من حصار ديار بكر وآمد والرُها، ولم يظفر بشيء منها. وجاء إلى حلب وحاصرها وبها محمود بن نصر. وجاءت رسالة الخليفة القائم بالرجوع إلى الدعـوة العباسيـة. فأعادها وسأل من الرسول أزهر أبو الفراس طراد الزيني أن يعفيه السلطان من الحضور عنده، فأبى السلطان من ذلك، واشتد الحصار على محمود وأضر بهم حجارة المجانيق، فخرج ليلاً ومعه والدته منيعة بنت وثاب متطارحين على السلطان، فخلع على محمود في حلـب آخـر ثمان وستين وأربعمائة، وعهد لإبنه شبيب إلى الترك الذين ملكوا أباه وهم بالحاضر. وقد بلغه عنهـم العبث والفسـاد، فلما دنا من حللهم تلقوه فلم يجبهم وقاتلهم، وأصيب بسهم في تلك الجولة ومات.
ولمـا هلـك نصـر ملـك أخـوه سابـق. قـال ابـن الأثيـر: وهـو الـذي أوصـى لـه أبوه بالملك، فلم ينفذ عهده لصغره، فلما ولي استدعى أحمد شاه مقدم التركمان الذين قتلوا أباه، فخلع عليه وأحسن إليه، وبقي فيها مملكاً.
ولما كانت سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة زحف تُتُش بعد أن ملك دمشق إلى حلب فحاصرها أياماً. ووجل أهل حلب من ولاية الترك فبعثوا إلى مسلم بن قريش ليملكوه. ثم بدا لهم في أمره ورجـع مـن طريقـه، وكـان مقدمهـم يعـرف بإبـن الحسيـن العباسـي، وخرج ولده متصيداً في ضيعة له، فأرسل له بعض أهل القلاع بنواحي حلب من التركمان وأسره وأرسله إلى مسلم بن قريش. فعاهـده علـى تمكينـه مـن البلـد، وعـاد إلـى أبيه فسلم البلد إلى مسلم بن قريش وملكها سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. ولحق سابق بن محمود وأخيه وثاب إلى القلعة وإستنزلهما بعد أيام علـى الأمـان. واستولى على نواحيها. وبعث إلى السلطان ملك شاه بالفتح وأن يضمـن البلـد علـى العـادة، فأجابه إلى ذلك. وصارت في ولاية مسلم بن قريش إلى أن ملكها السلطان من بعده.
رواج الأدب والشعر في دولتهم
قال القاضي ابن خلكان في وفياته في ترجمة أبي الفتيان محمد بن حيوس الشاعر: وكان منقطعاً إلى بني مرداس أصحاب حلب وله فيهم القصائد الأنيقة، وقصته مشهورة مع الأمير جلال الدولة وصمصامها أبي المظفر نصر بن محمد بن شبل الدولة نصر بن صالح ابن مرداس الكلابي صاحب حلب، فإنّه كان قد مدح أباه محمود بن نصر فأجازه ألف دينار. فلمّا مات وقام مقامه ولده نصر المذكور قصده ابن حيوس المذكور بقصيدته الرائية يمدحه بها ويعزيه عن أبيه وهي:
كفى الدين عزاً ما قضاه لك الدهر
فمن كان ذا نذر فقد وجب النذر
ومنها ثمانية لم تفترق مذ جمعتها
فلا افترقت ما ذبّ عن ناظر شفر
يقينك والتقوى وجودك والغنى
ولفظك والمعنى وعزمك والنصر
ويذكر فيها وفاة أبيه وتوليته الأمر بعده بقوله:
صبرنا على حكم الزمان الذي سطا
على أنّه لولاك لم يكن الصبر
غزانا ببؤسى لا يماثلها الأسى
تقارن نعمى لا يقوم بها الشكر
ومنها:
تباعدت عنكم حرقة لا زهادة
وسرت إليكم حين سني الضر
فلاقيت ظل الأمن ما عنه حاجز
يصدّ وباب العز ما دونه ستر
وطال مقامي في أَسار جميلكم
فدامت معاليكم ودام لي الأسر
وأنجز لي رب السماوات وعده الـ
ـكريم بأنّ العسر يتبعه اليسر
فجاد ابن نصر لي بألف تصرّمت
وإنّي عليم أن سيخلفها نصر
لقد كنت مأمولاً ترجى لمثلها
فكيف وطوعاً أمرك النهي والأمر
وما بي إلى الإلحاح والحرص حاجة
وقد عرف المبتاع وانفصل السعر
وإنّي بآمالي لديك مخيم
وكم في الورى ثاوٍ وآماله سفر
وعندك ما أبغي بقولي تصنّعاً
بأيسر ما توليه يستعبد الحر
فلمّا فرغ من إنشادها. قال الأمير نصر: والله لو قال عوض قوله سيخلفها نصر سيضعفها نصر لأضعفتها له. وأعطاه ألف دينار في طبق فضة. وكان قد اجتمع على باب نصر المذكور جماعة من الشعراء وامتدحوه وتأخّرت صلته عنهم. ونزل بعد ذلك الأمير نصر إلى دار بولص النصراني وكانت له عادة بغشيان منزله وعقد مجلس الأنس عنده. فجاءت الشعراء الذين تأخّرت جوائزهم إلى باب بولص، وفيهم أبو الحسن أحمد بن محمد بن الدويدة المعري الشاعر المعروف، فكتبوا ورقة فيها أبيات اتفقوا على نظمها، وقيل بل نظمها ابن الدويدة المذكور، وسيروا الورقة إليه والأبيات المذكورة هي:
على بابك المحروس منّا عصابة
مفاليس فانظر في أمور المفاليس
وقد قنعت منك الجماعة كلها
بعشر الذي أعطيته لابن حيوس
وما بيننا هذا التفاوت كلّه
ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس
فلمّا وقف عليها الأمير نصر، أطلق لهم مائة دينار، فقال: والله لو قالوا بمثل الذي أعطيته لابن حيوس لأعطيتهم مثله. ثمّ قال:
وكان الأمير نصر سخياً واسع العطاء ملك حلب بعد وفاة أبيه محمود في سنة سبع وستعين وأربعمائة، ولم تطل مدّته حتّى ثار عليه جماعة من جنده فقتلوه في ثاني شوال سنة ثمان وستين وأربعمائة، وداره بها هي الدار المعروفة الآن بدار الأمير علم الدين سليمان بن حيدر. ومن محاسن شعر ابن حيوس القصيدة اللامية التي مدح بها أبا الفضل سابق بن محمود وهو أخو نصر المذكور ومن مديحها قوله:
طالما قلت للمسائل عنكم
واعتمادي هداية الضلال
أن ترد علم حالهم عن يقين
فالقهم في مكارم أو نزال
ثمّ أورد للرستمي في الصاحب بن عباد ممّا ينطبق على معنى هذه الأبيات، ويتفوق عليها في حسن التقسيم وإن كان ابن حيوس قد ألمَّ بها:
من النفر العالين في السلم والوغى
وأهل المعالي والعوالي وآلها
إذا نزلوا اخضرَّ الثرى من نزولهم
وإن نازلوا احمرَّ القنا من نزالها
قال وكان ابن حيوس قد أثرى وحصلت له نعمة ضخمة من بني مرداس، فبنى داراً بمدينة حلب، وكان على بابها من شعره:
دار بنيناها وعشنا بها
في نعمة من آل مرداس
قوم نفوا بؤسي ولم يتركوا
علي للأيام من باس
قل لبني الدنيا ألا هكذا
فليصنع الناس مع الناس
وقيل إنّ هذه الأبيات للأمير الجليل أبي الفتح الحسن بن عبدالله بن عبد الجبار الحلبي المعروف بابن أبي حصينة وهو الصحيح.
ما جاء من أخبارهم في كامل ابن الأثير ج9
سنة (399) لما قتل عيسى بن خلاط أبا علي بن ثمال بالرحبة وملكها، أقام فيها مدةً. ثم قصده بدران بن المقلد العقيلي، فأخذ الرحبة منه وبقيت لبدران. فأمر الحاكم بأمر الله نائبه بدمشق لؤلؤاً البشاري بالمسير إليها. فقصد الرقة أولاً وملكها، ثم سار إلى الرحبة وملكها ثم عاد إلى دمشق.
وكان بالرحبة رجل من أهلها يعرف بابن مُحكان، فملك البلد، واحتاج إلى من يجعله ظهره، ويستعين به على من يطمع فيه، فكاتب صالح بن مرداس الكلابي، فقدم عليه وأقام عنده مدةً، ثم إن صالحاً تغير عن ذلك، فسار إلى ابن محكان وقاتله على البلد، وقطع الأشجار، ثم تصالحا، وتزوج ابنة ابن محكان. ودخل صالح البلد إلا أنه كان أكثر مقامه بالحلة، ثم إن ابن محكان راسل أهل عانة فأطاعوه، ونقل أهله وماله إليهم، وأخذ رهائنهم، ثم خرجوا عن طاعته، وأخذوا ماله واستعادوا رهائنهم وردوا أولاده، فاجتمع ابن محكان وصالح على قصد عانة، فسارا إليها، فوضع صالح على ابن محكان من يقتله. فقُتل غيلةً: وسار صالح إلى الرحبة فملكها، وأخذ أموال ابن محكان وأحسن إلى الرعية، واستمر على ذلك، إلا أنَّ الدعوة للمصريين.
في هذه السنة قُتل أبو علي بن ثمال الخفاجي. وكان الحاكم بأمر الله، صاحب مصر، قد ولاه الرحبة. فسار إليها. فخرج إليه عيسى بن خلاط العقيلي فقتله وملك الرحبة، ثم ملكها بعده غيره. فصار أمرها إلى صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب.
سنة (402) في هذه السنة كانت وقعة بين أبي نصر بن لؤلؤ صاحب حلب وبين صالح بن مرداس. وكان ابن لؤلؤ من موالي سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، فقوي على ولد سعد الدولة وأخذ البلد منه وخطب للحاكم صاحب مصر ولقبه الحاكم مرتضى الدولة. ثم فسد ما بينه وبين الحاكم فطمع فيه ابن مرداس وبنو كلاب وكانوا يطالبونه بالصلات والخلع. ثم إنهم اجتمعوا هذه السنة في خمسمائة فارس ودخلوا مدينة حلب. فأمر ابن لؤلؤ بإغلاق الأبواب والقبض عليهم، فقبض على مائة وعشرين رجلاً منهم صالح بن مرداس: وحبسهم وقتل مائتين وأطلق من لم يفكر به. وكان صالح قد تزوج بابنة عم له يُسمّى جابراً، وكانت جميلة فوصفت لابن لؤلؤ فخطبها إلى إخوتها وكانوا في حبسه، فذكروا له أن صالحاً قد تزوجها. فلم يقبل منهم وتزوجها، ثم أطلقهم. وبقي صالح بن مرداس في الحبس فتوصل حتى صعد من السور وألقى نفسه من أعلى القلعة إلى تلها. واختفى في مسيل ماء. ووقع الخبر بهربه، فأرسل ابن لؤلؤ الخيل في طلبه، فعادوا ولم يظفروا به. فلما سكن عنه الطلب سار بقيده ولبنة حديد في رجليه حتى وصل قريبة تُعرف بالياسرية، فرأى ناساً من العرب فعرفوه وحملوه إلى أهله بمرج دابق. فجمع ألفي فارس فقصد حلب وحاصرها اثنين وثلاثين يوماً، فخرج إليه ابن لؤلؤ فقاتله، فهزمهم صالح وأسر ابن لؤلؤ وقيده بقيده الذي كان في رجله ولبنته. وكان لابن لؤلؤ أخٌ فنجا وحفظ مدينة حلب. ثم إن ابن لؤلؤ بذل لابن مرداس مالاً على أن يطلقه. فلما استقر الحال بينهما أخذ رهائنه وأطلقه. فقالت أم صالح لابنها: قد أعطاك الله ما لا كنت تؤمله، فإن رأيت أن تتم صنيعك بإطلاق الرهائن فهو المصلحة، فإنه إن أراد الغدر بك لا يمنعه مَن عندك، فأطلقهم. فلما دخلوا البلد حمل ابن لؤلؤ إليه أكثر مما استقر، وكان قد تقرر عليه مائتا ألف دينار ومائة ثوب، وإطلاق كل أسير عنده من بني كلاب. فلما انفصل الحال ورحل صالح أراد ابن لؤلؤ قبض غلامه فتح، وكان دزدار القلعة لأنه اتهمه بالممالأة على الهزيمة وكان خلاف ظنه. فأطلع على ذلك غلاماً له اسمه سرور وأراد أن يجعله مكان فتح، فأعلم سرور بعض أصدقائه ويعرف بابن غانم. وسبب إعلامه أنه حضر عنده وكان يخاف ابن لؤلؤ لكثرة ماله، فشكا إلى سرور ذلك فقال له: سيكون أمر تأمن معه. فسأله فكتمه فلم يزل يخدعه حتى أعلمه الخبر. وكان بين ابن غانم وبين فتح مودة فصعد إليه بالقلعة متنكراً فأعلمه الخبر وأشار عليه بمكاتبة الحاكم صاحب مصر. وأمر ابن لؤلؤ أخاه أبا الجيش بالصعود إلى القلعة بحجة افتقاد الخزائن فإذا صار فيها قبض على فتح وأرسل إلى فتح يعلمه أنه يريد افتقاد الخزائن ويأمره بفتح الأبواب. فقال فتح: إنني قد شربت اليوم دواء وأسأل تأخير الصعود في هذا اليوم فإنني لا أثق في فتح الأبواب لغيري، وقال للرسول: إذا لقيته فاردده. فلما علم ابن لؤلؤ الحال أرسل والدته إلى فتح ليعلم سبب ذلك فلما صعدت إليه أكرمها وأظهر لها الطاعة، فعادت وأشارت على أبنها بترك محاقَّته، ففعل وأرسل إليه يطلب جوهراً كان له بالقلعة. فغالطه فتح ولم يرسله فسكت على مضض لعلمه أن المحاقة لا تفيد لحصانة القلعة، وأشارت والدة ابن لؤلؤ عليه بأن يتمارض ويظهر شدة المرض ويستدعي فتحاً لينزل إليه ليجعله وصياً، فإذا حضر قبضه. ففعل ذلك فلم ينزل الفتح واعتذر وكاتب الحاكم وأظهر طاعته وخطب له وأظهر العصيان على أستاذه وأخذ من الحاكم صيدا وبيروت وكل ما في حلب من الأموال. وخرج ابن لؤلؤ من حلب إلى إنطاكية وبها الروم فأقام عندهم. وكان صالح بن مرداس قد مالأ الفتح على ذلك فلما عاد عن حلب استصحب معه والدة ابن لؤلؤ ونساءه، وتركهن بمنبج، وتسلم حلب نواب الحاكم وتنقلت بأيديهم حتى صارت بيد إنسان من الحمدانية يعرف بعزيز الملك، فقدمه الحاكم واصطنعه وولاه حلب. فلما قُتل الحاكم وولي الظاهر عصى عليه فوضعت ست الملك أخت الحاكم فراشاً على قتله فقتله. وكان للمصريين بالشام نائب يعرف بأنوشتكين البربري وبيده دمشق والرملة وعسقلان وغيرها. فاجتمع حسان أمير بني طي وصالح بن مرداس أمير بني كلاب وسنان بن عليان وتحالفوا واتفقوا على أن يكون من حلب إلى عانة لصالح بن مرداس، ومن الرملة إلى مصر لحسان ودمشق لسنان. فسار حسان إلى الرملة فحصرها وبها أنوشتكين فسار عنها إلى عسقلان واستولى عليها حسان ونهبها وقتل أهلها وذلك سنة أربع عشرة وأربعمائة أيام الظاهر لإعزاز دين الله خليفة مصر، وقصد صالح حلب وبها إنسان يعرف بابن ثُعبان يتولى أمرها للمصريين وبالقلعة خادم يعرف بموصوف. فأما أهل البلد فسلموه إلى صالح لإحسانه إليهم ولسوء سيرة المصريين معهم، وصعد ابن ثُعبان إلى القلعة فحصره صالح بالقلعة فغار الماء الذي بها فلم يبق لهم ما يشربون فسلم الجند القلعة إليه وذلك سنة أربع عشرة وأربعمائة. وملك من بعلبك إلى عانة وأقام بحلب ست سنين. فلما كان سنة عشرين وأربعمائة جهز الظاهر صاحب مصر جيشاً وسيرهم إلى الشام لقتال صالح وحسان، وكان مقدم العسكر أنوشتكين البربري، فاجتمع صالح وحسان على قتاله فاقتتلوا بالأقحوانة على الأردن عند طبرية فقتل صالح وولده الأصغر وأُنفذ رأساهما إلى مصر ونجا ولده أبو كامل نصر بن صالح، فجاء إلى حلب وملكها وكان لقبه شبل الدولة، فلما علمت الروم بإنطاكية الحال تجهزوا إلى حلب في عالم كثير، فخرج أهلها فحاربوهم فهزموهم ونهبوا أموالهم وعادوا إلى إنطاكية وبقي شبل الدولة مالكاً لحلب إلى سنة تسع وعشرين وأربعمائة. فأرسل إليه الدزبري العساكر المصرية وصاحب مصر حينئذٍ المستنصر بالله فلقيهم عند حماة فقُتل في شعبان، وملك الدزبري حلب في رمضان سنة تسع وعشرين وأربعمائة وملك الشام جميعه وعظم أمره وكثر ماله وأرسل يستدعي الجند الأتراك من البلاد، فبلغ المصريين عنه أنه عازم على العصيان فتقدموا إلى أهل دمشق بالخروج عن طاعته ففعلوا فسار عنها نحو حلب في ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وتوفي بعد ذلك بشهر واحد. وكان أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس الملقب بمعز الدولة بالرحبة، فلما بلغه موت الدزبري جاء إلى حلب فملكها تسليماً من أهلها وحاصر امرأة الدزبري وأصحابه بالقلعة أحد عشر شهراً وملكها في صفر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، فبقي فيها إلى سنة أربعين وأربعمائة، فأنفذ المصريون إلى محاربته أبا عبدالله بن ناصر الدولة بن حمدان، فخرج أهل حلب إلى حربه فهزمهم، واختنق منهم بالباب جماعة ثم إنه رحل عن حلب وعاد إلى مصر، وأصابهم سيل ذهب بكثير من دوابهم وأثقالهم. فأنفذ المصريون إلى قتال معز الدولة خادماً يعرف برفق فخرج إليه في أهل حلب فقاتلوه فانهزم المصريون وأسر رفق ومات عندهم. وكان أسره سنة إحدى وأربعين وأربعمائة في ربيع الأوّل، ثم إن معز الدولة بعد ذلك أرسل الهدايا إلى المصريين وأصلح أمره معهم ونزل لهم عن حلب، فأنفذوا إليها أبا علي الحسن بن علي بن ملهم ولقَّبوه مكين الدولة فتسلمها من ثمال في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وأربعمائة. وسار ثمال إلى مصر في ذي الحجة وسار أخوه أبو ذؤابة عطية بن صالح إلى الرحبة وأقام ابن ملهم بحلب، فجرى بين بعض السودان وأحداث حلب حرب، وسمع ابن ملهم أن بعض أهل حلب قد كاتب محمود بن شبل الدولة نصر ابن صالح يستدعونه ليسلموا البلد إليه، فقبض على جماعة منهم وكان منهم رجل يعرف بكامل بن نباتة فخاف فجلس يبكي وكان يقول لكل من سأله عن بكائه: إن أصحابنا الذين أخذوا قد قتلوا وأخاف على الباقين. فاجتمع أهل البلد واشتدوا وراسلوا محموداً وهو منهم على مسير يومٍ يستدعونه وحصروا ابن ملهم وجاء محمود وحصره معهم في جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. ووصلت الأخبار إلى مصر فسيروا ناصر الدولة أبا علي بن ناصر الدولة ابن حمدان في عسكرٍ بعد اثنين وثلاثين يوماً من دخول محمود حلب، فلما قارب البلد خرج محمود عن حلب إلى البرية واختفى الأحداث جميعهم. وكان عطية بن صالح نازلاً بقرب البلد وقد كره فعل محمود ابن أخيه فقبض ابن ملهم على مائة وخمسين من الأحداث ونهب وسط البلد وأخذ أموال الناس، وأما ناصر الدولة فلم يمكن أصحابه من دخول البلد ونهبه وسار في طلب محمود فالتقيا بالفُنيدق في رجب فانهزم أصحاب ابن حمدان وثبت هو فجرح وحمل إلى محمود أسيراً. فأخذه وسار إلى حلب فملكها وملك القلعة في شعبان سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة وأطلق ابن حمدان فسار هو وابن ملهم إلى مصر، فجهز المصريون معز الدولة ثمال بن صالح إلى ابن أخيه، فحصره في حلب في ذي الحجة من السنة فاستنجد محمود خاله منيع بن شبيب بن وثاب النميري صاحب حران، فجاء إليه فلما بلغ ثمالاً مجيئه سار عن حلب إلى البرية في المحرم سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. وعاد منيع إلى حران فعاد ثمال إلى حلب وخرج إليه محمود ابن أخيه فاقتتلوا وقاتل محمود قتالاً شديداً، ثم انهزم محمود فمضى إلى أخواله بني نُمير بحران، وتسلم ثمال حلب في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وخرج إلى الروم فغزاهم ثم توفي بحلب في ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وكان كريماً حليماً وأوصى بحلب لأخيه عطية بن صالح فملكها ونزل به قوم من التركمان مع ابن خان التركماني فقوي بهم، فأشار أصحابه بقتلهم فأمر أهل البلد بذلك فقتلوا منهم جماعة ونجا الباقون فقصدوا محموداً بحران واجتمعوا معه على حصار حلب فحصرها وملكها في رمضان سنة أربع وخمسين وأربعمائة وقصد عمه عطية الرقة فملكها ولم يزل بها حتى أخذها منه شرف الدولة مسلم بن قريش سنة ثلاث وستين(واربعمائة)، وسار عطية إلى بلد الروم فمات بالقسطنطينية سنة خمسة وستين وأربعمائة وأرسل محمود التركمان مع أميرهم ابن خان إلى ارتاح فحصرها وأخذها من الروم سنة ستين وأربعمائة. وسار محمود إلى طرابلس فحصرها وأخذ من أهلها مالاً وعاد وأرسله محمود في رسالة إلى السلطان ألب أرسلان ومات محمود في حلب سنة ثمان وستين وأربعمائة في ذي الحجة. ووصى بها بعده لابنه شبيب فلم ينفذ أصحابه وصيته لصغره، وسلّموا البلد إلى ولده الأكبر واسمه نصر وجده لأُمه الملك العزيز ابن الملك جلال الدولة ابن بويه، وتزوجها عند دخولهم مصر لما ملك طغرلبك العراق. وكان نصر يُدمن شرب الخمر فحمله السكر على أن خرج إلى التركمان الذين ملكوا أباه البلد وهم بالحاضر يوم الفطر، فلقوه وقبلوا الأرض بين يديه فسبهم وأراد قتلهم فرماه أحدهم بنشابة فقتله. وملك أخوه سابق وهو الذي كان أبوه أوصى له بحلب فلما صعد القلعة استدعى أحمد شاه مقدم التركمان وخلع عليه وأحسن إليه وبقي فيها إلى سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. فقصده تُتُش بن ألب أرسلان فحصره بحلب أربعة أشهر ونصفاً ثم رحل عنه ونازله شرف الدولة فأخذ البلد منه.
سنة (420) وفي هذه السنة سيّر الظاهر جيشاً من مصر مقدمهم أنوشتكين البربري، فقتل صالح بن مرداس وملك نصر بن صالح مدينة حلب.
سنة (421) في هذه السنة خرج ملك الروم من القسطنطينية في ثلاثمائة ألف مقاتل إلى الشام، فلم يزل يسير بعساكره حتّى بلغوا قريب حلب وصاحبها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، فنزلوا على يوم منها فلحقهم عطش شديد وكان الزمان صيفاً وكان أصحابه مختلفين عليه فمنهم من يحسده ومنهم من يكرهه، وممّن كان معه ابن الدوقس وهو من أكابرهم وكان يريد هلاك الملك ليملك بعده، فقال الملك: الرأي أن نقيم حتّى تجيء الأمطار وتكثر المياه فقبَّح ابن الدوقس هذا الرأي وأشار بالإسراع قصداً لشر يتطرق إليه ولتدبير كان قد دبّره عليه فسار، ففارقه ابن الدوقس وابن لؤلؤ في عشرة آلاف فارس وسلكوا طريقاً آخر فخلا بالملك بعض أصحابه وأعلمه أنّ ابن الدوقس وابن لؤلؤ قد حالفا أربعين رجلاً هو أحدهم على الفتك به. فاستشعر من ذلك وخاف ورحل من يومه راجعاً. ولحقه ابن الدوقس وسأله عن السبب الذي أوجب عوده فقال له: قد اجتمعت علينا العرب وقربوا منّا وقبض في الحال عليه وعلى ابن لؤلؤ وجماعة معهما، فاضطرب الناس واختلفوا ورحل الملك وتبعهم العرب وأهل السواد حتّى الأرمن يقتلون وينهبون وأخذوا من الملك أربعمائة بغل محملة مالاً وثياباً، وهلك كثير من الروم عطشاً ونجا الملك وحده ولم يسلم معه من أمواله وخزائنه شيء البتة وكفى الله المؤمنين القتال. وقيل في عوده غير ذلك وهو أنّ جمعاً من العرب ليس بالكثير عبر على عسكره وظنّ الروم أنّها كبسة فلم يدروا ما يفعلون حتّى إنّ ملكهم لبس خفاً أسود، وعادة ملوكهم لبس الخف الأحمر فتركه ولبس الأسود ليعمي خبره على من يريده وانهزموا وغنم المسلمون جميع ما كان معهم.
سنة (426) وفيها جمعت الروم وسارت إلى ولاية حلب فخرج إليهم صاحبها شبل الدولة بن صالح بن مرداس فتصافّوا واقتتلوا، فانهزمت الروم وتبعهم إلى عزّاز وغنم غنائم كثيرة وعاد سالماً.
سنة (432) في هذه السنة كانت الوقعة بين عسكر المصريين سيّره الدزبري وبين الروم. فظفر المسلمون وكان سبب ذلك أن ملك الروم قد هادنه المستنصر بالله العلوي (الفاطمي) صاحب مصر فلما كان الآن شرع يراسل ابن صالح بن مرداس ويستميله وراسله قبله صالح ليتقوى به على الدزبري خوفاً أن يأخذ منه الرقة، فبلغ ذلك الدزبري فتهدد ابن صالح فاعتذر وجحد وانتهت الوقعة بانتصار المسلمين على الروم.
سنة (433) في هذه السنة فسد أمر أنوشتكين الدزبري نائب المستنصر بالله صاحب مصر بالشام وقد كان كبيراً على مخدومه بما يراه من تعظم الملوك له وهيبة الروم منه، وكان الوزير أبو القاسم الجرجرائي يقصده ويحسده إلا أنه لا يجد طريقاً إلى الوقيعة فيه. ثم اتفق أنه سعي بكاتب للدزبري اسمه أبو سعد وقيل عنه إنه يستميل صاحبه إلى غير جهة المصريين فكوتب الدزبري بإبعاده فلم يفعل، وما زال يسعى به الجرجرائي حتّى أفسد عليه الجند وكثر عليه الشغب في دمشق، وقصدوا قصره وهو بظاهر البلد وتبعهم من العامة من يريد النهب فاقتتلوا. فعلم الدزبري ضعفه وعجزه عنهم ففارق مكانه واستصحب أربعين غلاماً له وما أمكنه من الدواب والأثاث والأموال ونُهب الباقي وسار إلى بعلبك، فمنعه مستحفظها وأخذ ما أمكنه أخذه من مال الدزبري وتبعه طائفة من الجند يقتفون أثره وينهبون ما يقدرون عليه، وسار إلى مدينة حماة فمنع عنها وقوتل وكاتب المقلد بن منقذ الكناني الكفرطابي واستدعاه فأجابه وحضر عنده في نحو ألفي رجل من كفرطاب وغيرها، فاحتمى به وسار إلى حلب ودخلها وأقام بها مدة وتوفي في منتصف جماى الأولى من هذه السنة، فلما توفي فسد أمر الشام وزال النظام وطمعت العرب وخرجوا في نواحيه فخرج حسان بن المفرج الطائي بفلسطين وخرج معز الدولة بن صالح الكلابي بحلب وقصدها وحصرها وملك المدينة، وامتنع أصحاب الدزبري بالقلعة وكتبوا إلى مصر يطلبون النجدة فلم يفعلوا. واشتغل عساكر دمشق ومقدمهم الحسين بن أحمد الذي ولي أمر دمشق بعد الدزبري بحرب حسان ووقع الموت في الذين في القلعة فسلموها إلى معز الدولة بالأمان.
سنة (440) في جمادى الآخرة وصلت عساكر مصر إلى حلب في جمع كثير فحصروها وبها معز الدولة أبو علوان ثمال بن صالح الكلابي، فجمع جمعاً كثيراً بلغوا خمسة آلاف فارس وراجل، فلما نزلوا على حلب خرج إليهم ثمال وقاتلهم قتالاً شديداً صبر فيه لهم إلى الليل ثم دخل البلد. فلما كان الغد اقتتلوا إلى آخر النهار وصبر أيضاً ثمال وكذلك أيضاً اليوم الثالث. فلما رأى المصريون صبر ثمال وكانوا ظنوا أن أحداً لا يقوم بين أيديهم رحلوا عن البلد، فاتفق أن تلك الليلة جاء مطر عظيم لم ير الناس مثله جاءت المدود إلى منزلهم فبلغ الماء ما يقارب قامتين ولو لم يرحلوا لغرقوا ثم رحلوا إلى الشام الأعلى.
سنة (441) وفيها وصل عسكر من مصر إلى حلب وبها صاحبها ثمال بن صالح بن مرداس، فخافهم لكثرتهم، فانصرف عنها فملكها المصريون.
سنة (452) في هذه السنة في جمادى الآخرة حصر محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس الكلابي مدينة حلب وضيق عليها واجتمع مع جمع كثير من العرب فأقام عليها فلم يتسهل له فتحها. فرحل عنها ثمّ عاودها فحصرها فملك المدينة عنوة في جمادة الآخرة بعد أن حصرها وامتنعت القلعة عليه، وأرسل من بها إلى المستنصر بالله صاحب مصر ودمشق يستنجدونه، فأمر ناصر الدولة أبا محمد الحسين بن الحسن بن حمدان الأمير بدمشق أن يسير بمن عنده من العساكر إلى حلب يمنعها من محمود. فسار إلى حلب فلمّا سمع محمود بقربه منه خرج من حلب ودخلها عسكر ناصر الدولة فنهبوها. ثمّ إنّ الحرب وقعت بين محمود وناصر الدولة بظاهر حلب واشتدّ القتال بينهم، فانهزم ناصر الدولة وعاد مقهوراً إلى مصر. وملك محمود حلب وقتل عمّه معز الدولة واستقام أمره بها، وهذه الوقعة تعرف بوقعة الفُنيدق وهي مشهورة.
سنة (454) وفيها مات أبو علوان ثمال بن صالح ابن مرداس الملقب عز الدولة بحلب وقام أخوه عطية مقامه.
سنة (462) في هذه السنة أقبل ملك الروم من القسطنطينية في عسكر كثيف إلى الشام ونزل على مدينة منبج ونهبها وقتل أهلها وهزم محمود بن صالح بن مرداس وبني كلاب وابن حسان الطائي ومن معهما من جموع العرب. ثمّ إنّ ملك الروم ارتحل وعاد إلى بلاده ولم يمكنه المقام لشدّة الجوع.
سنة (463) في هذه السنة خطب محمود بن صالح ابن مرداس بحلب لأمير المؤمنين القائم بأمر الله وللسلطان ألب أرسلان، وسبب ذلك أنّه رأى إقبال دولة السلطان وقوّتها وانتشار دعوتها، فجمع أهل حلب وقال: هذه دولة جديدة ومملكة شديدة ونحن تحت الخوف منهم وهم يستحلون دماءكم لأجل مذاهبكم، والرأي أن نقيم الخطبة قبل أن يأتي وقت لا ينفعنا فيه قول ولا بذل. فأجاب المشايخ إلى ذلك ولبس المؤذنون السواد وخطبوا للقائم بأمر الله والسلطان، فأخذت العامة حصر الجامع وقالوا: هذه حصر علي بن أبي طالب، فليأت أبو بكر بحصر يصلّي عليها بالناس. وأرسل الخليفة إلى محمود الخلع مع نقيب النقباء طراد ابن محمد الزينبي، فلبسها ومدحه ابن سنان الخفاجي وأبو الفتيان بن حيّوس. وقال أبو عبدالله بن عطية يمدح القائم بأمر الله ويذكر الخطبة بحلب ومكة والمدينة:
كم طائعٍ لك لم تجلب عليه ولم
تعرف لطاعته غير التقى سببا
هذا البشير بإذعان الحجاز وذا
داعي دمشق وذا المبعوث من حلبا
وفي هذه السنة سار السلطان ألب أرسلان إلى حلب وقد وصلها نقيب النقباء أبو الفوارس طراد بالرسالة القائمية والخلع، فقال له محمود صاحب حلب: أسألك الخروج إلى السلطان واستعفاءه لي من الحضور عنده، فخرج نقيب النقباء وأخبر السلطان بأنّه قد لبس الخلع القائمة وخطب. فقال: أي شيء تساوي خطبتهم وهم يؤذّنون (حي على خير العمل) ولا بد من الحضور ودوس بساطي، فامتنع محمود من ذلك. فاشتدّ الحصار على البلد وغلت الأسعار وعظم القتال. وزحف السلطان يوماً وقرب من البلد فوقع حجر منجنيق على فرسه فلمّا عظم الأمر على محمود خرج ليلاً ومعه والدته منيعة بنت وثاب النميري، فدخلا على السلطان وقالت له: هذا ولدي فافعل به ما تحب فتلقاهما بالجميل وخلع على محمود وأعاده إلى بلده، فأنفذ إلى السلطان مالاً جزيلاً.
سنة (468) في هذه السنة ملك نصر بن محمود بن مرداس مدينة منبج وأخذها من الروم.
سنة (469) وفيها مات محمود بن مرداس صاحب حلب وملك بعده ابنه نصر، فمدحه ابن حيّوس بقصيدة وقد أورد هنا ما أوردناه عن ابن خلكان وما أوردناه هناك أوفى تفصيلاً.
سنة (472) في هذه السنة ملك شرف الدولة مسلم ابن قريش العُقيلي صاحب الموصل مدينة حلب، وسبب ذلك أنّ تاج الدولة تُتُش بن ألب أرسلان حصرها مرّة بعد أُخرى، فاشتدّ الحصار بأهلها وكان شرف الدولة يواصلهم بالغلات وغيرها. ثمّ إنّ تُتُش حصرها هذه السنة وأقام عليها أياماً ورحل عنها وملك بزاعة والبيرة وأحرق ربض عزاز، وعاد إلى دمشق. فلمّا رحل عنها تاج الدولة استدعى أهلها شرف الدولة ليسلموها إليه فلما قاربها امتنعوا من ذلك وكان مقدمهم يُعرف بابن الحُتَيْتى العباسي، فاتفق أنّ ولده خرج يتصيّد بضيعة له فأسره أحد التركمان وهو صاحب حصن بنواحي حلب وأرسله إلى شرف الدولة، فقرّر معه أن يسلم البلد إليه إذا أطلقه فأجاب إلى ذلك. فأطلقه فعاد إلى حلب واجتمع بأبيه وعرّفه ما استقرّ فأذعن إلى تسليم البلد ونادى بشعار شرف الدولة وسلم البلد إليه، فدخله سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة وحصر القلعة واستنزل منها سابقاً ووثاباً ابني محمود بن مرداس. فلمّا ملك البلد، أرسل ولده وهو ابن عمّة السلطان إلى السلطان يخبره بملك البلد وأنفذ معه شهادة فيها خطوط المعدلين بحلب بضمانها، وسأل أن يقرّر عليه الضمان، فأجابه السلطان إلى ما طلب وأقطع ابن عمّته مدينة بالس وكانت في هذه السنة نهاية ملك بني مرداس.
ما أورده ابن القلانسي
من أخبارهم
لمّا اقتضت الآراء وصواب التدبير تجريد العساكر المصرية إلى الشام ووقع الاختيار في ذلك على الأمير منتجب الدولة، وذلك عقيب وفاة الحاكم وخلافة الظاهر لإعزاز دين الله، استدعاه الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وقال له: ما تحتاج إليه لخروجك إلى الشام ودمشق؟ فقال: فرسي البرذعية وخيمة أستظل بها. فعجب الوزير من مقاله واستعاد فرسه المذكورة من سعيد السعداء وردّها إليه وأطلق له خمسة آلاف دينار وأصحبه صدقة بن يوسف الفلاحي ناظراً في الأموال ونفقة الرجال، وجرّدت العساكر معه ولقب بالأمير مظفر منتجب الدولة وخُلع عليه وخرج إلى مخيمه وجملة من جرد معه سبعة آلاف فارس وراجل سوى العرب. وسار في ذي القعدة وودعه الإمام الظاهر لإعزاز دين الله وعيّد بالرملة عيد النحر وسار إلى بيت المقدس وجمع العساكر وقصد صالح بن مرداس وحسان بن مفرج وجموع العرب عند معرفته بتجميعهم. ووقع اللقاء في القحوانة (الإقحوانة) والتقى الفريقان فهزمت جموع العرب وأخذتهم السيوف وتحكمت فيهم، وكان صالح بن مرداس على فرسه المشهور فوقف به من كد الهزيمة ولم ينهض به فلحقه رجل من العرب يعرف بطريف بن فزارة فضربه بالسيف على رأسه وكان مكشوفاً فصاح ووقع ولم يعرفه. وأتمّ في طلب فرسه فمرّ به رجل من البادية فعرفه فقطع رأسه وعاد يرقص به، فلقيه الأمير عز الدولة رافع فأخذه منه وجاء به إلى الأمير المظفر، فلمّا رآه نزل عن فرسه وسجد لله شكراً على ما أولاه من الظفر، وركب وأخذه بيده وجعله على ركبته وأطلق للزبيدي الذي جاء به ألف دينار ولعز الدولة رافع خمسة آلاف دينار وأطلق لطريف الذي ضربه بالسيف فرسه وجوشنه وألف دينار، وأخذ الغلمان الأتراك الذين لصالح لنفسه وأحسن إليهم. وتقدّم بجميع الرؤوس وأنفذ جثة صالح إلى صيدا لتصلب على بابها وأوصل رأسه إلى الحضرة وخلع على الواصلين به وأعيدوا ومعهم الخلع وزيادة الألقاب للأمير المنتجب، وقرئ سجله عليه، وقال فيه الأمير أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيّوس من قصيدة امتدحه بها:
فكم ليلة نام عني الرقيب
ونبهني القمر المرتقب
جمعت بها بين ماء الغمام
وماء الرضاب وماء الغب
لجود المظفر سيف الإمام
وعُدته المصطفى المنتخب
ولمّا توجّه عقيب ذلك إلى حلب ونزل عليها ظفر بشبل الدولة نصر بن صالح، وكان قد انهزم ولحقه رجل فرماه بخشت في كتفه فأنفذه ووقع عن فرسه، ومرّ به أحد الأتراك فقطع رأسه وسلّمه إلى رافع وأنفذ من يسلم جثته إلى حماه فصلبت على الحصن. وأمر أمير الجيش بعد ذلك بإنفاذ ثياب وطيب وتكفين الجثة في تابوتٍ ودفنها في المسجد وبقيت فيه إلى سنة 439 ونقلها مقلد بن كامل لما ملك حماه إلى قلعة حلب وأنفذ الرأس والتركي والبدوي مع الشريف الزيدي إلى الحضرة في نصف شعبان سنة 429. وعاد أمير الجيوش إلى دمشق ونزل في القصر وأقام فيها ما أقام وسار منها إلى حلب ونزل على السعدي وفتحت له أبواب البلد ودخله، وأحسن إلى أهله ورد ما كان صالح اغتصبه من الأملاك إلى أربابها وأمر بقتال القلعة فقوتلت وهو قائم. وراسله مقلد بن كامل المقيم بها وسلّمها إليه وأقطعه عدّة مواضع وسكن في دار عزيز الدولة، وجاء في الهامش نقلاً عن هلال بن الصابي ما يلي: في هذه السنة يعني العشرين بعد الأربعمائة جهّز صاحب مصر جيشاً مع القائد أنوشتكين الدزبري التركي أمير الجيوش لقتال صالح (وهو صالح بن مرداس أسد الدولة ويعرف بابن الروقلية) وحسان بن المفرج بن الجراح، وكانا قد جمعا واستوليا على الأعمال وانتهيا إلى غزة، فلمّا بلغهما خبر الدزبري انصرفا من بين يديه وتبعهما إلى الأقحوانة أسفل عقبة فيق، واقتتلوا فانهزم حسان بن المفرج وقتل صالح وابنه الأصغر. وبعث الدزبري برأس صالح إلى مصر وأفلت نصر بن صالح الأكبر إلى حلب. واستولى الدزبري على الشام ونزل بدمشق وكتب إلى صاحب مصر كتاباً مضمونه: إلى سيدنا ومولانا ويوضح للعلوم الشريفة أنّه كان قد عرف اصطناع الدولة لأجل الجراح، ومقابلتهم إحسانها بسوء الاجتراح، وكان أخلقهم بالشكر لما أوليه حسان، وأحقهم بالكف عن الإساءة إذ لم يكن منه في الطاعة إحسان ولكن أبي إلاَّ طبعه اللئيم، ومعتقده الذميم، وكم له من غدرة في الدين واضحة ورئة في أموال المستضعفين قارحة، وأمّا صالح بن مرداس زعيم بني كلاب فإنّه اتفق مع حسان مدلاً بحدّه وحديده، محلئاً على الدولة بعد إحسانها إليه بعدّه وعديده، فتآمرا على الفساد، وتوازرا على الفساد ونهب البلاد، وكان صالح أشدّهما كفراً، وأعظمهما أمراً ومكراً، ووافى الملعونان الأقحوانة الصغرى عند شاطئ نهر الأردن ووقعت الحرب، واشتدّت بالطعن والضرب، فانهزم حسان مغلولاً والعاقبة للمتقين ومن أصدق من الله قيلاً، وأمّا الخائن صالح فلم يزل يواصل الحملات حتّى أتعس الله جدّه، وأخذ سيف الله منه حدّه، فخرّ صريعاً قد أزهق الله نفسه، وأخبث مغرسه، وغنم المجاهدون سيفه وفرسه. وقد نُفذ إلى الحضرة رأسه وقتل عامّة أصحابه ممّن كفر النعمة وفجر ولم يقتل من الأولياء التامين عليه غير ثلاثة نفر (والدزبري أنوشتكين لقبه منتجب الدولة وقيل مصطفى الدولة مظفر الدين)، ولمّا انهزم شبل الدولة نصر بن صالح إلى حلب طمع صاحب إنطاكية في حلب فجمع الروم وسار إليها وأحاط بها فكبسه نصر وأهل البلد فقتلوا معظم أصحابه وانهزم هو إلى إنطاكية في نفر يسير، وغنم أموالهم وعسكرهم وقيل كبسه على أعزاز فغنم منه أموالاً عظيمة.
ونقل عن مؤرخ آخر وهو محمد بن مؤيد الملك: كان أبو صالح شبل الدولة صاحب حلب قد أنفذ إلى مصر رجلاً يُقال له الأيسر بعدما هزم الروم على أعزاز وبعث من غنائمهم شيئاً كثيراً من الصياغات والآلات والأواني والخيل والبغال، فأعجب ذلك الجرجرائي الوزير وأكرم رسوله وخلع عليه وبعث معه الخلع الجليلة لشبل الدولة. وكان أنوشتكين الدزبري صاحب الشام مقيماً بدمشق فلم يزل رجل يُقال له ابن كليد يُغري بين الدزبري وشبل الدولة حتّى أوقع بينهما، وكان ابن كليد بحمص فبعث الدزبري رافع بن أبي الليل أمير الكلبيين إلى قتال نصر بن صالح إلى حلب. فخرج شبل الدولة نصر بن صالح لقتالهم فاقتتلوا فقتل نصر في المعركة وذلك في شعبان. وسار الدزبري فنزل على جبل جوشن ظاهر حلب وأغلق أهل حلب أبوابها وقاتلوه فاستمالهم وأمّنهم ففتحوا له الأبواب فدخلها، وكان في القلعة المقلد بن كامل ابن عم شبل الدولة فتراسلا واستقرّ الأمر على أنّ المقلد يأخذ من القلعة ثمانين ألف دينار وثياباً وأواني ذهب وفضة ويسلّمها إلى الدزبري، وكانت خديعة فأجاب الدزبري فأخذ جميع ما كان في القلعة من الأواني والذخائر والجواهر وما ترك إلاّ ما ثقل حمله. ومضى إلى حلته وحصّل جمهور ما كان في القلعة المقلّد وأخذ عز الدولة ثمال بن صالح أخو نصر وكان قد انهزم إلى القلعة يوم الوقعة وأراد أن يعصي فلم يتوفق فأخذ خمسين ألف دينار وانصرف. وبلغ الوزير بمصر فعزّ عليه قتل نصر وما جرى في أموال القلعة من التفريط وكان ذلك مضافاً إلى سوء رأي الدزبري فكانت ولاية شبل الدولة نصر على حلب تسع سنين.
سنة (449) في هذه السنة وردت الأخبار بتسلّم الأمير مكين الدولة قلعة حلب من معز الدولة، وحصل فيها في الخميس لثلاث بقين من ذي القعدة منها وأقام بها مدّة أربع سنين يخطب فيها للمستنصر بالله صاحب مصر.
وفي سنة (450) وصل الأمير ناصر الدولة وسيفها ذو المجدين أبو محمد الحسين بن الحسن بن حمدان إلى دمشق والياً عليها، دفعة ثانية بعد أولى في يوم الاثنين النصف من رجب منها، وأقام يسوس أحوالها ويستخرج أموالها إلى أن ورد عليه الأمر من الحضرة بمصر بالمسير في العسكر إلى حلب، فتوجّه إليها في العسكر في السادس عشر من شهر ربيع الأوّل، سنة 452 واتفقت الوقعة المشهورة المعروفة بوقعة الفُنيدِق بظاهر حلب في يوم الاثنين مستهل شعبان من السنة بين ناصر الدولة المذكور وعسكره وبين جميع العرب الكلابيين ومن انضم اليهم. فكسرت العرب عسكر ناصر الدولة واستولوا عليهم ونكلوا فيهم، وأفلت ناصر الدولة منهزماً مجروحاً مغلولاً وعاد إلى مصر.
سنة (452) وفي هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس على حلب محاصراً لها ومضيقاً عليها وطامعاً في تملكها ومعه منيع بن سيف الدولة، فأقام عليها مدّة فلم يتسهل له فيها أرَب ولا تيسر طلب فرحل عنها، ثمّ حشد بعد مدّة وجمع وعاد منازلاً لها ومضايقاً عليها لأهلها ومراسلاً لهم، وتكرّرت المراسلات منهم إلى أن تسهل أمرها وتيسر خطبها فتسلمها في يوم الاثنين من جمادى الآخرة، وضايق القلعة إلى أن عرف وصول الأمير ناصر الدولة ابن حمدان في العساكر المصرية لإنجادها، فخرج منها في رجب ونهب حلب بعسكر ناصر الدولة واتفقت وقعة الفنيدق المشهورة وانفلال ناصر الدولة وعوده إلى مصر منهزماً مخذولاً. فعاد محمود بجمعه إلى حلب وحصل بها وقتل عمّه معز الدولة واستقام أمره فيها. وفي هذه السنة قصد الأمير عطية فيمن جمعه وحشده مدينة الرحبة ولم يزل نازلاً عليها ومضايقاً لأهلها ومراسلاً إلى أن تسهل الأمر فيها وسلمت إليه وحصل بها في صفر من السنة.
سنة (453) في هذه السنة استقرّ الصلح والموادعة بين معزّ الدولة صاحب حلب وابن أخيه محمود بن شبل.
سنة (456) وفي هذه السنة عاد محمود بن شبل الدولة بن صالح إلى حلب مضايقاً لها ولعطية عمّه، فاستصرخ بالأمير ابن خان التركي فأنجده عليه، فلما أحسّ بوصوله رحل عنها منهزماً ثمّ خاف عطية من الأمير ابن خان فأمر أحداث حلب بنهب عسكره فنهبوه، ورحل ابن خان منهزماً وأنفذ إلى الأمير محمود يعتذر إليه من المساعدة عليه، وتوجّه معه إلى طرابلس وعاد معه إلى حلب لحصرها في هذه السنة.
سنة (457) في هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة ابن صالح على حلب ثالث دفعة ومعه الأمير ابن خان التركي، وأقام عليها إلى انتصاف شهر رمضان ولم يزل مضايقاً لها إلى أن تسهل أمرها وملكها، فلما حصل بها فارقه ابن خان بعسكره نحو العراق ولم يدخلها إشفاقاً من أحداث حلب لما فعلوه في تلك النوبة من القيام عليه والنهب لأصحابه.
ونقلاً عن الفارقي أحمد بن علي الأزرق، إنّ السلطان ألب أرسلان لما نزل على الفرات بعد هزيمته جيوش الروم في رابع عشر ربيع الآخر، ولم يخرج إليه محمود صاحب حلب، غاظه ذلك. وعبر الفرات وأخربت العساكر بلد حلب ونهبوه ووصلوا إلى القُريتين من أعمال حمص ونهبوا بني كلاب وعادوا بغنائم عظيمة. وهربت العرب إلى البرية. وراسل محموداً وطلب منه الحضور فامتنع وحمل إليه الأموال التي قسطها على بلاده فقال: ما أعرف لامتناعك من قصد خدمتي مع إقامتك الخطبة لي واتصال مكاتبتك وجهاً وقد علمت إحساني إلى كلّ من حضر عندي من ملوك الأطراف. فأرسل محمود والدته وولده بخدمة قليلة فازداد غيظ السلطان. واتفق أنّ الخليفة بعث لمحمود الخلع التي طلبها لما طلب للقائم مع نقيب النقباء منها الفرجية والعمامة وفرس بمركب ثقيل ولواء ولوالدته فرسين وثياباً ولبني عمّه خيلاً وثياباً، وخرج محمود والتقى النقيب فسلم عليه عن الخليفة فنزل وقبّل الأرض ولبس الخلع وركب الفرس ودخل إلى حلب. وأقام النقيب يومين لم ير من محمود فيهما ما ظنّ فركب إليه (و) قال محمود: أنا أطيعكم وهذا السلطان على بُعد وطلبت حراستي وحراسة بلادي فأمّا البلاد فقد شاهدت خرابها ونهبها وأنا مطالب بالخروج إليه والأموال التي تفقدني ومهدد بالحصار والبوار، وهذا كتاب السلطان عندي بالإعفاء من دوس البساط. فقال النقيب: هات الكتاب لأمضي إليه. فأعطاه إياه فخرج إليه وكان نازلاً على الفندق فلما وصل بعث السلطان إليه بفرس النوبة وأكرمه واستدعاه وبلغه عن الخليفة ما حمله إليه فقام وقبّل الأرض وشكر ودعا وقال له: ما الذي أخرجك فقال: جئت لأُخرج محمود إلى خدمتك فأخرج إليّ هذا الكتاب. فقال: صحيح أنا كتبته تطييباً لقلبه مع بعدي عنه، فأمّا إذا قربت منه فما أقنع منه وأي عذر لنا إذا كان منتمياً إلينا وقد عصى علينا. ونصب المجانيق ليستعد للحصار وأي حرمة تبقى لنا عند الملوك ويجب أن ترجع إليه وتضمن له عنّي كلّ ما يريد. قال النقيب: فقلت سمعاً وطاعة. وثقل عليّ ما بعث له الخليفة فقال بعض الحجاب ما فعل هذا إلاّ بأمرك فسكن. واجتمعت بنظام الملك وقلت: محمود يخدم بعشرين ألف دينار للسلطان وخمسة آلاف دينار لك ويدفع باللقاء إلى حين عود السلطان من دمشق. وعدت إلى حلب وأخبرت محموداً فقال: أمّا المال فما عندي حبة وأمّا الخروج فلا سبيل إليه. ونزل السلطان على حلب يوم الأحد لليلة بقيت من جمادى الآخرة فقاتلهم فذلوا، فأرسل محمود يطلب الموادعة، وخرج إليه في الليل ومعه والدته فأخذت بيده ودفعته إلى السلطان وقالت: هذا ولدي قد سلمته إليك فاحكم فيه بما تراه، فتلقاه بما أحبّ وأكرمه. وقال: عد إلى قلعتك وترجع إلينا في غد ليظهر من إكرامنا ما تستحقه. فرجع إلى القلعة وعاد من الغد وتلقاه نظام الملك والحجاب والخواص، ولم يتخلف غير السلطان، ودخل على السلطان فخلع عليه الخلع الجليلة وأعطاه الخيل بمراكب الذهب والفضة والكوسات والأعلام وعتبه فقال محمود: والله ما كنت إلاّ على نية تلقيك حتّى خيّفت منك فعلم السلطان من فعل ذلك فكاسر…
سنة (464) وفيها نهض محمود بن صالح فيمن حشد من العرب وقصد ناحية أعزاز في يوم السبت الثاني والعشرين من رجب للقاء الروم، فاندفعت الروم بين أيدي العرب والعرب في عدّة قليلة تناهز ألف فارس وقصدوا إنطاكية واجتمعوا بها وعادت العرب إلى حلب.
سنة (465) فيها هرب الأمير أبو الجيوش علي بن المقلد ابن منقذ من حلب خوفاً من صاحبها الأمير محمود بن صالح حين عرف عزمه على القبض عليه، وقصد المعرة ثمّ قصد كفرطاب. وفيها ورد نفي الأمير عطية عمّ الأمير محمود بن صالح من القسطنطينية في ذي الحجة. وفيها ورد سائراً الأمير محمود بن صالح من حلب فيمن جمعه وحشده من عسكره إلى الرحبة.
وفي هذه الصفحة سنة (466) فيها فتح الأمير محمود بن صالح قلعة السن في يوم الخميس تاسع شهر ربيع الآخر.
سنة (467) وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية حلب بوفاة صاحبها الأمير محمود بن شبل الدولة ابن صالح بحلب في جمادى الأولى: وقام في منصبه ولده الأمير نصر بن محمود وهنأه بعد التعزية الأمير أبو الفتيان بن حيوس بالقصيدة الألفية المشهورة التي يقول فيهاك
وقد جادت محمود بألف تصرمت
وإني سأرجو أن سيخلفها نصر
فأطلق له ألف دينار وقال له: لو كنت قلت سيضعفها نصر لفعلت.
سنة (468) وفي هذه السنة وردت الأخبار من حلب بأنّ الأمير نصر بن محمود بن صالح صاحبها قتل بها في يوم الأحد عيد الفطر، فقتله قوم من أتراك الحاضر وذلك أنّه قبض على مقدمهم المعروف بالأمير أحمد شاه وخرج إليهم لينهبهم فرماه أحدهم بسهم فقتله، وقام في منصبه من بعده أخو سابق بن محمود بن صالح.
سنة (471) وفي هذه السنة قتل أحمد شاه مقدم الأتراك في الشام. وفيها برز تاج الدولة من دمشق وقصد حلب في عسكره ونزل عليها وأقام عليها أياماً ورحل عنها في شهر ربيع الأول وعبر الفرات مشرقاً ثمّ عاد إلى دمشق.
سنة (472) فيها تسلم شرف الدولة مسلم بن قريش حلب.
سنة (475) فيه توجّه السلطان تاج الدولة إلى ناحية الشام من دمشق ومعه في خدمته الأمير وثاب بن محمود بن صالح ومنصور بن كامل، وقصد ناحية الروم وأقام هناك مدّة.
سنة (486) في هذه السنة وصل قسيم الدولة إلى حلب ومعه جماعة من بني عقيل وبعض عسكر السلطان بركيارق، وانتهى الخبر بذاك إلى تاج الدولة، فنهض في العسكر من ناحية الرحبة إلى الفرات وقصد بلد إنطاكية وأقام بها، وورد عليه الخبر بانكفاء السلطان من الرحبة إلى بغداد وأنّ عزمه أن يشتو بها. وأقام تاج الدولة بإنطاكية مدّة، فقلت الأقوات وارتفعت الأسعار وخوطب في العود إلى الشام فلم يفعل، وعاد إلى دمشق آخر ذي الحجة من السنة وفي جملته الأمير وثاب بن محمود بن صالح وبنو كامل وجماعة من العرب لم يجسروا على الإقامة بالشام خوفاً من قسيم الدولة صاحب حلب.
سنة (487) وفي شهر ربيع الآخر من هذه السنة برز السلطان تاج الدولة من دمشق في العسكر، وتوجّه إلى الشام وقطع العاصي وتقدّم إلى العسكرية برعي الزراعات ونهب المواشي والعوامل. ولمّا اتّصل الخبر بذاك إلى قسيم الدولة صاحب حلب شرع في الجمع والاحتشاد والتأهّب لدفعه والاستعداد وأجمع على لقائه، وانتهى الخبر إلى تاج الدولة بذلك ووصول بوزان صاحب الرُها إليه في عسكره لإسعاده عليه وأنجاده وسواه من أمراء الأطراف ووصول الجميع في حلب لمعونته وموازرته. فرحل من منزله بكفر حمار، وأخذت جيوشه في الغارة على المواشي وإحراق الزرع، ورحل قسيم الدولة في جمعه من العسكر وتقديره نحو من عشرين ألفاً وزيادة على ذلك قاصداً من حلب تاج الدولة، والتقى الفريقان، وكان الظفر لتاج الدولة. وأسر قسيم الدولة أق سنقر صاحب حلب وأكثر أصحابه، وحين أحضروا بين يدي السلطان تاج الدولة أمر بضرب عنق قسيم الدولة ومن اتفق من أصحابه فقتلوا. وتوجه أكثر الفل إلى حلب واجتمعوا بأهل البلد والأحداث وتقرّر بينهم الاعتصام بحلب والاستنجاد بالسلطان بركيارق، فوصل تاج الدولة في الحال إلى حلب وقد اختلفت الآراء بينهم وصاروا فيما يعملون عليه، فوثب جماعة منهم لم يؤبه لهم وكسروا باب البلد ونادوا بشعار تاج الدولة، فدخل الأمير وثاب ابن محمود بن صالح البلد في مقدميه وبادر إلى المقيم بقلعة الشريف التي قبليّ حلب بالظهور إلى تاج الدولة، ومن باب منها دخل تاج الدولة وعادا إليه وأعلماه بما كان من تقرير الحال وأخذ الأمان فسلمها إليه وحصل بها، ولما قويت شوكته ونبه شأنه واجتمع إليه الأجناد ودعي له على منابر بغداد ووصل إلى همذان، وكاتب ولده فخر الملوك رضوان بدمشق يأمره بالمسير إليه في من بقي من الأجناد في الشام فسار إلى حلب ومن حلب إلى العراق ومعه نجم الدين أيلغازي بن ارتق والأمير وثاب بن محمود بن صالح وجماعة من أمراء العرب وأتراك حلب القسيمية، وتوجه صوب بغداد على الرحبة في أول سنة 487.
ويقول صالح بن يحيى في تاريخ بيروت:
إنّ المستنصر بالله خليفة مصر أقطع سنة 448هـ/ 1056م عكة وبيروت وجبيل لمعز الدولة ثمال بن مرداس صاحب حلب عوضاً عن حلب التي تنزل عنها للخليفة، لكن أقاربه لم يوافقوه على ذلك، فاسترجعوا حلب من عمال المستنصر واستعاد المستنصر المدن الثلاث الساحلية.
ما جاء من أخبارهم في صبح الأعشى، ج4، ص169.
ثمّ تغلب على حلب صالح بن مرداس (وكان عاملاً عليها من قبل الظاهر رجل يُقال له ابن شعبان) أمير بني كلاب في سنة أربع وعشرين وأربعمائة، ثمّ قُتل في أيام الظاهر الفاطمي، فملكها بعده شبل الدولة نصر بن صالح، ثمّ انتزعها منه أنوش تكين الدزبري بأمر المستنصر العلوي في شعبان سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وبقي حتى توفي في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وملكها بعده معز الدولة ثمال بن صالح بن مرداس، ثمّ ملك قلعتها بعد ذلك في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. ثمّ تسلمها منه مكين الدولة (الحسن بن علي ابن ملهم) في سنة تسع وأربعين وأربعمائة بصلح وقع بينه وبين الفاطميين على ذلك، ثمّ انتزعها منه (محمود ابن شبل الدولة) ابن صالح وملك قلعتها في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. ثمّ انتزعها منه (معز الدولة ثمال ابن صالح) في ربيع الأول سنة 452 وبقي بها حتّى توفي في ذي القعدة سنة 454، وملكها بعده أخوه (عطية بن صالح) في السنة المذكورة. ثمّ انتزعها منه ابن أخيه (محمود بن شبل الدولة) المقدم ذكره في رمضان سنة 454 وبقي بها حتّى توفي في ذي الحجة سنة 468. وملكها بعده ابنه (نصر بن محمود) ثمّ قتله التركمان. وملكها بعده أخوه (سابق بن محمود) ثمّ انتزعها منه شرف الدولة (مسلم بن قريش) صاحب الموصل، وقتل في صفر سنة 477، وملكها بعده أخوه (إبراهيم بن قريش)، ثمّ انتزعها منه تُتُش بن ألب أرسلان السلجوقي صاحب دمشق في السنة المذكورة.
المشبّهة
التشبيه في القضايا الكلامية هو تشبيه الذات الإلهية بالإنسان. وقد وصم كلّ من شبّه الذات الإلهية بالإنسان «بالمشبّه». ويرى البغدادي صاحب (الفرق بين الفرق) أنّ المشبّهة صنفان: صنف شبّهوا ذات الباري بغيره، وصنف آخرون شبّهوا صفاته بصفات غيره([1011]).
ولكن ما سبب انتشار القول بالتشبيه في الأوساط الإسلامية؟
I
يرى ابن قتيبة (ت276هـ) أنّ التشبيه أو الإفراط في التمثيل جاء نتيجة إفراط الجهمية في نفي الصفات عن الله تعالى.
قال ابن قتيبة: «ولمّا رأى قوم من الناس إفراط هؤلاء (أي الجهمية) في النفي، عارضوهم بالإفراط في التمثيل، فقالوا بالتشبيه المحض، وبالأقطار والحدود، وحملوا الألفاظ الجائية في الحديث على ظاهرها، وقالوا بالكيفية فيها»([1012]).
ويعطينا ابن قتيبة عدّة مسائل قد أنكرها الجهمية أو المعطلة، كالإيمان بالعرش، وهو واحد ممّا أنكرته المعطلة([1013])، واستواء الرب على العرش، وارتفاعه إلى السماء([1014])، والنزول من قبل الله تعالى، سواء في ليلة النصف من شعبان أو يوم عرفة أو يوم القيامة للحساب([1015]). وغيرها كرؤية الله تعالى([1016]). ويرى ابن قتيبة «أنّ أهل الفقه والبصر من مشايخنا لا ينكرها أحدٌ (أي لهذه الصفات) ولا يمتنع عن روايتها، حتّى ظهرت هذه الصبة (يقصد الجهمية) فعارضت آثار رسول الله برد، وتشمّروا لدفعها بحدّ، فقالوا: كيف نزوله هذا؟
قلنا: لم نكلف كيفية نزوله في ديننا، ولا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه… فالكيف منه غير معقول والإيمان بقول رسول الله في نزوله واجب»([1017])…
ولهذا اعتبر ابن قتيبة أنّ كلام الجهمية في تعطيل صفات الله تعالى هو أوحش من كلام اليهود والنصارى([1018]).
ويشير الشهرستاني (ت548هـ) إلى ما ذكره ابن قتيبة من أنّ التشبيه كان ردّاً على توغل المعتزلة في علم الكلام، ومخالفة السنّة التي عهدوها من الأئمة الراشدين([1019]).
ويلاحظ، أن الشهرستاني يعتبر أنّ مصدر التشبيه هو من الشيعة، ومنهم أخذ بعض أهل السنّة ذلك، قال الشهرستاني: «وكان التشبيه بالأصل والوضع من الشيعة وإنّما عادت إلى بعض أهل السنّة، بعد ذلك، فالشيعة إذن أول المشبّهة والمجسّمة في الإسلام»([1020]).
ويتابعه على ذلك البغدادي في كتاب «الفرق بين الفرق»، ويعتبر أنّ التشبيه مصدره الروافض الغلاة([1021]).
ولكن الشهرستاني ينقل رأياً آخر في سبب نشوء التشبيه، فيرى أنّ الحشويين هم الذين ساهموا في ظهور التشبيه، وقسم الحشوية إلى نوعين: الحشوية من الشيعة الغالية، والحشوية من غير الشيعة ويقصد بهم أهل الحديث([1022]).
ويستنتج من ذلك، أنّ التشبيه هو نتيجة إفراط المعتزلة في تعطيل الصفات، وانتشار الحشو في الأوساط الإسلامية، وأنّ التشبيه أو التمثيل هو إثبات الصفات، وما يقابله هو النفي، أي نفي الصفات.
فقال بالنفي الجهمية أو المعتزلة أو المعطلة.
وقال بالإثبات الشيعة والحشوية.
ومن الجدير ذكره أنّ الإثبات عند الشيعة يختلف كلياً عن إثبات الحشويين وأهل السنّة. فالإثبات عند الحشويين هو إثبات بتشبيه، بينما هو عند الإمامية إثبات بلا تشبيه، وهذا الأمر يتضح معنا في الحديث عن التشبيه والتجسيم المنسوب لهشام بن الحكم.
وخصّصتُ الكلام على هشام لأنّه من أوائل المتكلمين الإمامية ومن أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، وبه يتوضح لنا أساس التشبيه والتجسيم المنسوب للإمامية نتيجة العلاقة التنافسية ـ الخصومية ما بين المعتزلة والشيعة الإمامية الإثني عشرية، وأخيراً لأنّ أصحاب الفرق رموه بالتشبيه والتجسيم([1023]).
II
هو أبو محمد أو أبو الحكم هشام بن الحكم الكوفي، وهو مولى لبني كنده، وكان ينزل على بني شيبان في الكوفة، وهو من أصحاب الإمامين جعفر الصادق وموسى الكاظم (عليهما السلام)([1024])، وتذكر المصادر أنّه كان في بادئ الأمر جهمياً([1025])، ومن ثمّ ديصانياً([1026])، وأخيراً إمامياً على يد الإمام الصادق (عليه السلام) في قصة لطيفة([1027])، وفيها ترك هشام مذهبه الجهمي ودان بدين الحق وفاق أصحاب أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) كلّهم([1028]).
والظاهر أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) أعجب بذكاء وثقافة وشخصية هشام، فأحبّه شديد المحبة حتّى ظنّ أصحاب الصادق أنّ هشام من ولد عقيل([1029])، ويكفي دلالة على محبة الإمام الصادق (عليه السلام) له، أنّه دعا له يوماً بدعاء رسول الله لحسان بن ثابت([1030])، «يا هشام ما زلت مؤيداً بالروح القدس ما نصرتنا والشفاعة من ورائك»([1031]).
وكذلك كان موقف الإمام الكاظم (عليه السلام) من هشام، فطلب منه يوماً أن يكتب له كتاباً في الرد على القدرية([1032])، وبلغ من محبته واهتمام الإمام الكاظم (عليه السلام) به، أنّه (عليه السلام) كان يكلفه بأموره الخاصّة، وأعطاه ذات مرّة عشرة آلاف درهم وقال له «كُلْ ربحَها و رُدَّ إلينا رأسَ المال»([1033]).
هذه المحبة من الإمامين الصادق والكاظم، ردّها هشام إخلاصاً وتفانياً، حتّى روي عن هشام دعاء، كان يقول به دائماً، يبيّن لنا مدى عشق وإخلاص هشام للأئمة (عليهم السلام)([1034]).
هذا الحب والإخلاص والتفاني، حمله هشام معه إلى كلّ مكان، وكان يجاهر به في كلّ لحظة وزمان، فعُرف كشيخ للإمامية ومنظِّراً للمذهب في مجالس هارون الرشيد والبرامكة([1035])، وعاش هشام فترة من حياته في منزلة رفيعة عند بني برمك، وبالذات عند يحيى بن خالد البرمكي، الذي كان هشام منقطعاً إليه والقيّم في مجالس كلامه ونظره([1036]). وفي هذه المجالس كان «الحَكَم» ما بين المتكلمين إذا ما اختلفوا بمسائل كلامية([1037]).
وهذا ليس بالغريب، وهو الحاذق بصناعة الكلام([1038])، وكبير الصنعة في عصره([1039])، كما يقول المسعودي. ومن خلال هذه المجالس المنعقدة يوم الأحد من كلّ أسبوع([1040]) تعرّف هارون الرشيد على هشام ابن الحكم، وأعجب به، واستحسن كلامه، وأمر بجوائزَ عديدةٍ له([1041]).
وتذكر لنا النصوصُ مناظراتٍ عديدةً لهشام في هذه المجالس وغيرها مع رجالات عصره الفكرية، وسأشير إلى هذه المناظرات وأرتّبها حسب الرجال والفرق، لأنّها تبيّن موقع هشام في عصره:
ـ مع الخوارج: ومن أعلامهم بيان الحروري([1042]) وعبدالله بن يزيد الأباضي([1043]).
ـ مع الزيدية: وبالذات مع سليمان بن جرير([1044]).
ـ مع المعتزلة: والظاهر أنّ هشام بن الحكم أكثر ما تناظر مع المعتزلة، فناظر كلاً من:
ـ عمرو بن عبيدة([1045]).
ـ العلاّف([1046]).
ـ ضرار بن عمرو الضبّي([1047]).
ـ النظام([1048]).
ـ أبو عبيدة المعتزلي([1049]).
ـ مع الوزير خالد بن يحيى البرمكي([1050]).
ـ مع النصارى وخصوصاً مع جاثليق من جثالقة النصارى يُقال له بريهة([1051]).
ـ مع المجوس وبالذات مع المؤبد([1052]).
ـ مع رجل شامي([1053])، ومع جماعة من المتكلمين([1054]).
وسأنهي هذه المناظرات، بلطيفة أوردها التوحيدي في كتابه «الذخائر والبصائر»:
«قال رجل لهشام بن الحكم: أنت أعلم الناس بالكلام.
قال له: كيف ولم تكلمني؟
قال: رأيت كلَّ حاذق يزعم أنّه ناظرك وتغلّب عليك، فلولا أنّك الغاية عندهم ما فخروا بذلك أبداً»([1055]).
III
أردت من هذا العرض السريع، أن أبيّن مركز هشام وموقعه الفكري في عصره، والدور الذي لعبه، وبالرغم من هذا نسب إليه التشبيه والتجسيم، ويقول في الله بالأقطار والحدود والأشبار وأشياء نتحرّج من حكايتها وذكرها([1056]).
«وذكر أبو الهذيل في بعض كتبه أنّ هشام بن الحكم قال له إنّ ربّه جسم ذاهبٌ جاءٍ، فيترح تارة ويسكن أخرى، ويقعد مرّة ويقوم أخرى، وإنّه طويل عريض عميق، لأنّ ما لم يكن كذلك دخل في حدث التلاشي.
قال: فقلت: فأيّما أعظم إلهك أو هذا الجبل؟ فأومأت إلى أبي قبيس.
قال: فقال: هذا الجبل يوفي عليه، أي هو أعظم منه»([1057]).
نلاحظ من هذا النص أنّ العلاف هو الذي يروي عن هشام التشبيه والتجسيم، ومن البديهي أن لا يقبل هذا النقل للخصومة الفكرية بين الاثنين، وهما المتقابلان في النفي والإثبات على حد تعبير ابن تيمية([1058]).
ويضيف الأيجي إلى هشام بن الحكم قوله عن الله تعالى بأنّه «ذو لون وطعم ورائحة ومجسة» بفتح الميم، هو الموضع الذي يجسه الطبيب كأنّهم يريدون بها النبض([1059]).
هذا يعني أنّ هشاماً يقول بأنّ الله ينبض، والنبض يقتضي النفس، وهكذا فالله يشبه الإنسان، لذلك ينسب العلاف إلى هشام بأنّ الله عنده سبعة أشبار بشبر نفسه([1060]).
وهذا هو المسوّغ الذي عرضه البغدادي في كتابه «الفرق بين الفرق»، فيقول، إنّ هشاماً قال في معبوده إنّه سبعة أشبار بشبر نفسه، كأنّه قاسه على الإنسان، لأنّ كلّ إنسان في الغالب من العادة سبعة أشبار بشبر نفسه([1061]).
ولكن رفض الجاحظ المعتزلي، أن يكون رأي هشام قد استقرّ على أنّ ربه سبعة أشبار بشبر نفسه، فنراه يذكر أنّ هشام بن الحكم قال في ربّه في عام واحد خمسة أقاويل([1062]).
ولعل الجاحظ يروي هذا الكلام عن النظام، لأنّني وجدت ابن الجوزي في كتابه «تلبيس إبليس» يسند ما نسب إلى هشام إلى الجاحظ عن النظام([1063]).
ولم يكتفِ المعتزلة بهشام، بل نسبوا التشبيه إلى تلميذيه السكاك ويونس بن عبد الرحمن، بل هي جملة (أي التشبيه والتجسيم) قد اجتمع هشام بن الحكم وأصحابه عليها([1064]).
الذي أودّ الوصول إليه من هذا الكلام، هو أنّ المعتزلة هم وراء التشبيه المنسوب إلى هشام والشيعة بشكل عام، لأنّ جملة قول الرافضة ـ عند المعتزلة هو «أنّ الله عزّ وجل ذو قدٍّ وصورةٍ وحدٍّ، يتحرّك ويسكن ويدنو ويبعد ويخف ويثقل… هذا توحيد الرافضة بأسرها إلاّ نفراً منهم يسيراً صحبوا المعتزلة واعتقدوا التوحيد فنفتهم الرافضة عنهم وتبرّأت منهم([1065]).
هذا النص الهام من الخيّاط المعتزلي، يلخص بشكل عام الهدف غير المعلن من حرب المعتزلة على الشيعة الإمامية. فلعل المعتزلة تريد أن تثبت للروافض الأوائل التشبيه في التوحيد، وأمّا المتأخرون منهم فقالوا بتوحيد المعتزلة المنزّه، ولهذا يقرّر الخياط، أنّ من صحب المعتزلة من الروافض المتأخرين نفتهم الرافضة وتبرّت منهم.
ولعله، بهذا النص نفهم ما نسب من تشبيه وتجسيم إلى هشام بن الحكم الذي هو من الرافضة الأوائل؟!
إذن، من الواضح جلياً، أنّ المعتزلة هم وراء نسبة التشبيه والتجسيم إلى الشيعة، وبالخصوص العلاف والنظام والجاحظ والخياط لاحقاً([1066]).
IV
ولكن يبقى السؤال:
فما هو موقف الشيعة الإثني عشرية من التوحيد أو بالأحرى من التشبيه والتجسيم؟ لعله من خلال النص اللاحق والمروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) محاججاً فيه زنديقاً، نفهم موقف الأئمة (عليهم السلام) والإمامية بشكل عام من التوحيد.
«علي بن إبراهيم عن أبيه عن العباس بن عمرو والفقيمي عن هشام بن الحكم عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) أنّه قال للزنديق حين سأله ما هو؟
قال: هو شيء بخلاف الأشياء، ارجع بقولي شيء إلى إثبات معنى، وإنّه شيء بحقيقة الشيئية، غير أنّه لا جسم ولا صورة ولا يحس ولا يُجسّ ولا يدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا تغيّره الأزمان»([1067]).
نلاحظ من هذا النص، نفي التشبيه والتجسيم عن الله تعالى، ويحاول فيه الإمام الصادق (عليه السلام) أن يثبت لله الشيئية، فالله تعالى شيء، ولكن دون أن يعني ذلك أنّ الله مخلوق، لأنّ الشيئية تعني الموجود، وكلّ موجود مخلوق.
فلذلك، يقول الإمام الصادق (عليه السلام) للزنديق بأنّه إذا كان الله شيئاً هذا لا يعني أنّه كالأشياء «فالله شيء بخلاف الأشياء».
ويوضح الصادق (عليه السلام) مباشرة هذا المصطلح، وهو أنّ الشيئية عنده تعني إثبات معنى، أي إثبات وجود إله.
ويتابع الصادق (عليه السلام) كلامه للزنديق، بأنّ هذا الإثبات يؤدّي إلى أنّ الله شيء حقيقي، أي له وجود حقيقي، ولكن هذا الوجود الحقيقي لا يعني عند الصادق (عليه السلام) أنّ الله جسم وصورة وغيرها من الصفات المحسوسة.
وهكذا، لا بدّ من العودة إلى مبدأ أنّ الله شيء لا كالأشياء كما تقرّر بداية.
ولعل الصادق (عليه السلام) في كلامه هذا يطلق موقفاً بوجه المشبهة والمعطلة في عصره.
فالمشبهة غالوا في إثبات الصفات لله تعالى، ويذكر ابن أبي الحديد بعض الشيء عن هذا الغلو في كتابه «شرح نهج البلاغة»:
«قال بعضهم: سألت معاذاً العنبري، فقلت: أَلَهُ وَجْهٌ (أي الله)؟
فقال: نعم، حتّى عددت جميع الأعضاء من أنف وفم وصدر وبطن واستحييت أن أذكر الفرج، فأومأت بيدي إلى فرجي، فقال: نعم.
فقلت: أذكر أم أنثى؟ فقال: ذكر.
ويُقال إنّ ابن خزيمة أشكل عليه القول في أنّه أذكر أم أنثى فقال له بعض أصحابه إنّ هذا مذكور في القرآن وهو قوله تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى}، فقال: أفدت وأجدت»([1068]).
ورفض المعتزلة هذا التجسيم، ولعله نتيجة هذا الرفض أطلقَ عليهم الخصومُ اسم «المعطلة» أي عطلوا ظواهر الكتاب والسنّة عن المعاني التي تدل عليها([1069]).
ويتبين معنا أنّ موقف الإمامية هو الوسط، فلا هم شبّهوا وقالوا بأنّ الله كالأشياء، ولا هم عطلوا ونفوا عن الله الصفات.
فموقف الإمامية هو «إثبات بلا تشبيه»، بمعنى إثبات أنّ الله شيء، وهذا يعني أنّه موجود، ولكنّه لا كالأشياء أي لا كالموجودات، أي بلا تشبيه.
ويعلّل الصادق (عليه السلام) السبب الذي دعاه لرفض النفي أو التعطيل والتشبيه. فالنفي عنده (عليه السلام) «هو إنكار ودفع ربوبيته تعالى وإبطاله، وأمّا التشبيه هو إثباته تعالى بصفة المخلوقين المصنوعين الذين لا يستحقون الربوبية»([1070]).
والظاهر أنّ الأئمة (عليهم السلام) قد استمدّوا هذه النظرية من القرآن الكريم.
فالصدوق في توحيده «وبإسناده عن محمد بن عيسى بن عبيد قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام):
«ما تقول إذا قيل لك: أخبرني عن الله، شيء هو أم لا شيء؟
قال: قلت له: قد أثبت الله عزّ وجلّ نفسه شيئاً حيث يقول: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ الله شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}([1071]).
فأقول: إنّه شيء لا كالأشياء، إذ في نفي الشيئية عنه إبطاله ونفيه.
قال لي: صدقت وأصبت.
ثمّ قال لي الرضا (عليه السلام): للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب:
نفي، وتشبيه، وإثبات بلا تشبيه.
فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز، لأنّ الله عزّ وجلّ لا يشبهه شيء، والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه»([1072]).
ويظهر من هذا النص أنّ صاحب الإمام الرضا (عليه السلام) وبعد أن يورد تعليل الإمام الصادق (عليه السلام) الذي ذُكر سابقاً، وكأنّ الأئمة (عليهم السلام) يريدون أن ينشئوا أتباعهم على هذه النظرية، فلذلك وجدنا الإمام يسأل صاحبه في هذا النص، ويصدق كلامه، ويوضح له أكثر بعد الجواب.
وهكذا، يظهر أنّ للشيعة الإثني عشرية نظرية مستقلة في التوحيد هي نظرية «الإثبات بلا تشبيه».
V
وبعد هذا هل يعقل أن يُقال إنّ أتباع الشيعة مشبهة ومجسمة؟ وتأسيساً على ذلك، لا بدّ من أخذ مقولات المعتزلة عن الشيعة بكلّ حذر وشك، لأنّها حديث الخصم، وعادة الخصم لا يؤخذ بكلامه على خصمه.
خضر محمد نبها
نابلس
مرّ الحديث عنها في مكانه، وننشر عنها هنا ما يلي:
مدينة نابلس التي لقبها الرحالة العرب بدمشق الصغرى ووردت في روايات الأقدمين كالمقدسي وابن حوقل وياقوت الحموي. فهي من أقدم المدن الكنعانية تقع على بُعد 65 كلم شرق بيت المقدس، هدمت على يد الآشوريين 724ق.م. وأصلح عمرانها اليونانيون بعد 400 سنة كما عادت وهدمت في القرن الثاني للميلاد على يد الملك هوركانوس وأعاد الرومان بناءها لاحقاً مطلقين عليها اسم نيو ـ بوليس أي المدينة الجديدة. ومن هنا اشتقت التسمية العربية نابلس ويذكر المؤرخون أنّ هاديريانوس بنى هيكلاً لجوبيتر على قمة جبل جرزيم أوائل القرن الثاني.
ويعيش في المدينة حتّى اليوم عدد غير قليل من السومريين القدامى الذين لا يزالون محافظين على عاداتهم وتقاليدهم وطقوس عبادتهم. وقريباً من المدينة يوجد قبر يوسف الصديق وعين يعقوب. كانت نابلس مدينة مهمّة في عهد المماليك وقضاء ضرائبياً تحت الحكم العثماني ولعبت دوراً بارزاً في السياسة الفلسطينية قديماً وحديثاً حين كانت معقلاً للحركة الوطنية في الثورة الشعبية عام 1936 وصمدت أمام مخطط التوطين الإسرائيلي في العام 1928. احتلها الإسرائيليون بعد حرب حزيران في العام 1967، وفي العمليات العسكرية في الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2001ـ2002) تعرّضت المدينة القديمة للقصف وهي تحوي آثاراً يعود تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة، الأمر الذي سبّب ضرراً بالغاً للموجودات الأثرية والأبنية التاريخية.
ويذكر أنّ اللجنة الدولية للآثار التابعة لليونيسكو كانت عملت قبل أعوام على ترميمها. ومن المعالم الأثرية كنيسة قديمة يعود تاريخها إلى ما قبل ألف وخمسمئة سنة والآثار الرومانية والحمامات التركية والصبانات ـ أي في الفناءات التي كان يصنع فيها الصابون ـ إضافة إلى القباب والقناطر وزخرفات العمارة الشرقية ومسجد النصر ومسجد الخضرة الذي يرجع تاريخه إلى فترة المملوك قلاوون الصالح قبل ثمانمئة عام. وحتّى العام 1988 كانت نابلس مركزاً سياحياً واقتصادياً كبيراً يزورها الأهالي من كلّ أنحاء فلسطين التاريخية. وتشتهر المدينة بزراعة الخضراوات وصناعة الصابون المعطر والحلويات الشامية والسكاكر وصناعة العود النابلسي الشهير.
النجف
مرّ الكلام عنها في مكانه ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
يقع جامع ومرقد الإمام علي ـ الذي يُعرف أيضاً بالروضة الحيدرية ـ في وسط النجف ويمتاز بفخامته وطراز بنائه المعماري الإسلامي، ويعتبر من أهم الجوامع والمراقد الدينية في العراق لأنه يضم رفات أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي استشهد سنة 40 هـ (661م). وتشير المصادر التاريخية، كما ذكرنا، إلى أن هارون الرشيد العباسي كان أول مَن أمر بإقامة بناء على قبر الإمام علي (عليه السلام). وكان البناء بارزاً ومتقدماً على بناء الجوامع والمراقد في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي). وذكر أن البناء جدّد في العهد المغولي (الإيلخاني) وكذلك في العهدين الصفوي والعثماني، أما البناء القائم الآن فقد قام به الشاه صفي الدين حفيد الشاه عباس الصفوي الأول. وتمّ إكساء القبة والمئذنتين بالذهب سنة 1156هـ (1743م)، وفي سنة 1202هـ (1788م) صنع للقبر صندوق مشبّك بشكل فني وهندسي رائع.
ويشغل مبنى الجامع والمرقد أرضاً مربعة الشكل طول ضلعها 110 أمتار وتتألف أبنيتها من الحضرة وصحن واسع وسور ضخم يضم عدداً من المساجد. وتحتل غرفة الضريح مركز الحضرة وتتميز بارتفاع جدرانها وقبتها العالية، فهي مربعة الشكل طول ضلعها 13 متراً، وتتصف أيضاً بسمك جدرانها البالغة ثلاثة أمتار ونصف المتر، أما ارتفاعها فيبلغ 10 امتار. وترفع هذه الجدران الضخمة قبة الضريح، وهي مزدوجة يبلغ قطر القبة الداخلية منها 12 متراً وشكلها نصف كروي وارتفاعها عن سطح أرضية غرفة الضريح 35 متراً، أما القبة الخارجية فشكلها بصلي وتتميز بارتفاعها الشاهق الذي يبلغ 42 متراً عن سطح أرضية غرفة الضريح أما قطرها فيبلغ 16 متراً، وترتكز على رقبة أسطوانية مرتفعة تتخللها إثنتا عشرة نافذة معقودة مدببة. ويفصل القبتين عن بعضهما مجاز عرضه 1.50 متر، وتتخلل رقبة القبة الداخلية إثنتا عشرة نافذة أيضاً، تقابل نوافذ الرقبة في القبة الخارجية. وقد استخدم الطابوق (الآجر) والجص في بناء القبتين، وكسيت القبة الخارجية ورقبتها من الخارج بقشرة خفيفة من الذهب. ويتوسط غرفة الضريح قبر الإمام علي (عليه السلام) ويمكن الوصول إليه عن طريق أربعة أبواب تتوسّط جدران الغرفة وتصلها بالرواق، ويدور حول الضريح رواق يبلغ عرضه 5 أمتار وترتفع جدرانه بارتفاع جدران غرفة القبر. أما سقف الرواق فعبارة عن أقبية وقباب صغيرة ذات نوافذ. وجدران الرواق الخارجية ضخمة يبلغ طول كل منها 20 متراً من الخارج وهي بعرض 5 أمتار أي بعرض الرواق نفسه.
يتصل الرواق بالصحن عن طريق خمسة أبواب أشهرها ثلاثة بهيئة أواوين تخترق الجدران الشمالية والشرقية والجنوبية وأبرز هذه الأواوين إيوان الذهب الذي يتوسط الجدار الجنوبي ويمتاز بمقرنصاته العنقودية المطلية بالذهب، وهو يرتفع عن مستوى سطح الحضرة، وتحف به مئذنتان أسطوانيتان ترتفعان بارتفاع القبة تقريباً، ومكسوتان بألواح معدنية مطلية بالذهب، كما هي الحال في القبة وإيوان الذهب.
تتميز الحضرة الحيدرية بعدم وجود سقف يتقدم جدار طارمة المدخل الرئيسي، ويحيط بصحن المرقد سور مربع الشكل تقريباً ويبلغ ارتفاعه في معظم أجزائه حوالي 17 متراً وتتكون مبانيه من طابقين: الأرضي عبارة عن صف من الأواوين المقببة وفتحاتها معقودة وذات رؤوس مدببة، أما الطابق الأول فيتكوّن من رواق معقود بعقود ذوات رؤوس مدببة أيضاً يتقدّم مجموعة من الغرف المقببة، ويوجد بالسور الخارجي خمسة أبواب (مداخل)، باب في كل ضلع من أضلاعه الأربعة، عدا الضلع الشرقي ففيه بابان.
الباب الكبير: يقع في الجهة الشرقية من السور ويعتبر الباب الرئيسي ويقابل سوق النجف المعروف بالسوق الكبير.
باب مسلم بن عقيل: يقع في الجهة الشرقية من السور الخارجي أيضاً وإلى اليمين من الباب الكبير.
باب الطوسي: يقع في الجهة الشمالية من السور الخارجي.
باب القبلة: يقع من الجهة الجنوبية من السور الخارجي، وعُرف بهذا الاسم لأنه يواجه القبلة.
الباب السلطاني: ويعرف حالياً بباب العمارة ويعتبر أحدث الأبواب الرئيسية نسبياً ويقع في السور الغربي الخارجي، وفتح في عهد السلطان العثماني عبد العزيز سنة 1279هـ (1863م).
ومن المباني الدينية الاخرى البارزة في مدينة النجف:
1ـ مسجد عمران بن شاهين: ويعتبر من اقدم مساجد مدينة النجف إذ انه شيّد في القرن الرابع الهجري على يد عمران بن شاهين وإلي البطائح من قبل السلطان عضد الدولة البويهي.
2ـ مسجد الخصراء: ويقع في النهاية الشمالية من الجانب الشرقي من السور الخارجي للمشهد. وهو من المساجد القديمة أيضاً.
3ـ مسجد الرأس: يقع في الجهة الغربية من السور الخارجي للمشهد، ويرجع تاريخ تشييده إلى عصر الإيلخانيين.
4ـ إيوان العلماء: يقع هذا الإيوان الكبير في الجهة الشمالية من السور الخارجي للمشهد، وعُرف بهذا الاسم لكثرة العلماء المدفونين فيه وكان يُعرف سابقاً باسم مقام العلماء.
5ـ تكية البكتاشية: ويقع هذا المبنى في الجهة الغربية من السور الخارجي للمشهد ملاصقاً لمسجد الرأس. والبكتاشية اسم لفرقة صوفية تركية، أما التكية فلفظ أطلق في العهد العثماني على المباني الدينية.
أما أبرز المعالم الأثرية في النجف فهي:
ـ سور النجف القديم: شيّد السلطان عضد الدولة فناخسرو بن بويه الديلمي سوراً لمدينة النجف حين عمّر المرقد بين سنة 367هـ و372هـ وبنى الحسن بن سهلان وزير عضد الدولة سنة 400 هـ سوراً آخر حول المدينة، فأما أن يكون السور الأول تصدّع فهدمه واعاد بناءه أو بنى سوراً أوسع من الأول وهدّم الاول. ثم بنى أحد ملوك الهند سوراً آخر يقال إنه أوسع من السور الثاني الذي شيّده الحسن بن سهلان، ويقال إن نادر شاه حين مجيئه للنجف سنة 1156هـ أمر بتسويرها ولعله أصلح السور السابق. وشيّد نظام الدولة محمد حسين خان العلاف الأصفهاني وزير فتح علي شاه القاجاري سوراً يعتبر أعلى الأسوار التي شيّدت سابقاً واحكمها وهو الذي كان موجوداً حتى سنة 1357هـ (1937م).
ـ بحر النجف: يوجد عند حافة الهضبة الصحراوية في الجنوب الغربي لمدينة النجف منخفض يسمى «بحر النجف» والواقف على رأس الهضبة يشاهد منظراً جميلاً، إذ يمتد امامه بساط من البساتين والمزروعات على ضفتي جدول صغير ممتد من نهر «أبو صخير». ويذكر الرحالة البرتغالي تكسيرا الذي وصل إلى النجف في 23 ربيع الثاني 1013هـ ( 18 أيلول/ سبتمبر 1605م) أن بحر النجف يستمد ماءه من نهر الفرات ولذلك يلاحظ ازدياد مناسيبه في مواسم الفيضانات. ويقول إن البحيرة كانت شديدة الملوحة ولذلك كان يستخرج منها الملح الذي يباع في بقية المدن العراقية. ومع ملوحتها هذه كان يكثر فيها السمك بأنواعه المختلفة، ولهذا يسميها الناس بحيرة النجف. ثم يذكر أن مدينة النجف كانت تطل من موقعها العالي على بحر النجف نفسه.
ـ مقبرة النجف: تعتبر مقبرة النجف المعروفة بـ (وادي السلام) من أوسع المقابر في العالم وتاريخها قديم قدم التعرف على مرقد الإمام علي (عليه السلام).
محلات النجف
تتكوّن النجف القديمة من عدّة محلات تخترقها الشوارع والأسواق، وشوارعها مستقيمة وفسيحة، وأسواقها عريضة، ومنظمة، ولا سيّما السوق الكبير([1073]) الذي يبتدي من سور المدينة الشرقي، وينتهي عند الصحن الشريف، ولاستقامته فإنّ الواقف على سور البلدة يرى داخل الحضرة الشريفة بكلّ سهولة، وفي زمن الوالي نظام باشا سَعتْ الحكومة بتوسيع الشوارع والأزقة إلاّ أنّها لم تنجح إلاّ في توسيع السوق الكبير. وإلى زمن قريب كانت تعرف فيها أسماء لمحلات عدّة قبل أن تتوحّد في محالها الأربع الحالية، وهي:
1 ـ محلّة المشراق: وكانت تعرف بمحلة العلا باسم أحد المشاهير من العلماء وبقي هذا الاسم إلى أواخر القرن الثالث عشر، وهي أقدم المحلات، وفيها مرقد الشيخ الطوسي([1074]).
2 ـ محلّة الحويش: كان اسمها سابقاً محلة باب النهر، ويُقال في اشتهارها بالحويش أنّ فرق من الجبور([1075]) يعرفون بآل حويش وقعت بينهم وبين أعمامهم فتنة فرحلوا عن أوطانهم وجاؤوا إلى النجف وبنوا أبنيتهم في هذا المحل، وفي محلة الحويش موقع السوق الصغير الذي يعرف بحوض أشطيب وبقي هذا الاسم إلى أواسط القرن الثالث عشر ثمّ هجر…
3 ـ محلّة العمارة: وفيها حارة تعرف بالرّباط وشارع صفة الصفا، وهو شارع ممتد متصل بالسور([1076]) من جهة جنوب البلدة، وهي أحدث المحال وينتهي الشارع إلى مقام زين العابدين، وقد يعرف بقبّة المصطفى، وبصفة الصفا وهي بنية فيها مقام أمير المؤمنين، وقبّة أخرى قديمة على بعض السادات المتقدمين، وفي المحلّة تذكر شوارع مشهورة منها شارع جبل شريف شاه الذي تسمّيه العامّة شريفشان واقع في جنوب المرقد المقدّس من جهة الغرب، وينسب إلى عز الدين بن محمد الحسيني الأفطسي نسبة إلى الأفطسي بن علي بن الحسين الحسيني من رجال القرن السادس.
ولم تبق محلة العمارة منحصرة ضمن السور بل شيّدت ظاهرها الدور والمقاهي والخانات والفنادق، وبعض مراكز الحكومة، ومعظم هذه الأبنية في شمالي البلدة وشرقها.
4 ـ محلّة البراق: تقع جنوب المرقد المقدّس وهي قطعة من محلة الحويش الكبير، وتسمية المحلة بالبراق قديماً لوجود بركة للاستسقاء يحقّقه اسمها، ومنها يبدأ شارع جبل النور وهو أكمة مرتفعة، وبقربه من جهة الشرق جبل الجمالة.
5 ـ محلّة الزنجيل: وفيها السوق المعروف بعقد الحمير، ويعرف قديماً بشارع البهاش وسبب تسمية المحلّة بالزنّجيل لقربها من الصحن الذي كانت على كلّ باب من أبوابه سِلسلة تبعد عن الباب عدّة خطوات هي حدود الأمان، فكلّ من جاز السِلسلة وقرب من الصحن ولو كان متهماً بجناية كبيرة يأمن ولا شيء عليه، وفي الوقت الحاضر توجد سِلسلة على أبواب الصحن لعلّها رمزٌ لتلك السِلسلة.
6ـ محلّة الجيّة: وهي قطعة من محلة الحويش قريبة من المسجد الهندي تعرف اليوم بالطمّة.
7ـ محلّة المستقى: وهي قطعة أخرى من محلّة الحويش من جهة الشرق بين الحويش الكبير ومحلة البرّاق الحالية وهي أكمة مرتفعة في جنوب المرقد المعظم.
8ـ محلّة عجِرّم: تقع على مرتفع في شمال القبر الشريف تنسب إلى رجل يعرف بالديك وهي محلّة خاصّة تسكنها عائلة آل الديك قديماً.
9ـ محلّة الخيابان: وهي مجاورة للسوق الكبير، وفيها المدرسة السليمية.
10ـ محلّة المَصبَّغة.
11ـ محلّة آل جلال: وفيها سوق المسابچ وهو أحد فروع السُوق الكبير، وكان فيه من يخبط الجِلة للحمير فاشتهر أخيراً بسوق الجللجية.
12ـ محلّة المؤمنين: تقع ضمن محلّة العمارة اليوم.
13ـ محلّة العميد: يُقال إنّها في محلّة البرّاق الحالية.
14ـ محلّة الربّاط: وفيها السُّوق الصغير، وكان يعرف بسُوف الفرج بإضافته إلى باب الفرج وهو الباب الرابع الذي فتح أيام السلطان العثماني عبد العزيز سنة 1279هـ/ 1862م، ويعرف أيضاً بالباب السلطاني من حيث إنّ السلطان المذكور أمر بفتحه، وعند فتح هذا الباب حدث السوق الصغير، وعلى يسار الداخل من باب الفرج تقع تكية البكتاشية وهي بنية عظيمة في غاية الإحكام والرصانة معقودة بالأحجار الكبيرة ويشبه بناؤها بناء الصحن الشريف وعلى طرازه، بابها في الحصن بالقرب من الطاق «الساباط» في الإيوان الثاني من جهة الغرب الشمالي، وهي محل المتصوفة من الأتراك أيام الحكومة التركية وفيها ضيافتهم ومنزلهم عند مجيئهم إلى النجف، وكانت لها أوقاف خاصّة كثيرة على ضفة نهر الهندية وهي أراضٍ زراعية يقبضها وكيلها الخاص، ويُقال إنّ هذه البنية في القديم كانت مخزناً لكتب الحضرة العلوية. وكان إلى جوار التكية بيت وقف يسكن فيه المسؤول عن التكية وكان له راتب شهري من الأوقاف.
15ـ محلّة المسيل: وهي قطعة من محلّة الرباط، وفيها مقام زين العابدين علي بن الحسين يقع غربي البلدة ممّا يلي الجرف، وفي عصرنا الحاضر اتّصلت البلدة به وتعدّت حدوده بكثير، وفيها مسجد الشيخ باقر([1077])، ومنها بداية شارع المسيل، وهو ثالث شارع يسمّى بهذا الاسم، وموقعه سوق الطليان سابقاً الخارج من السوق الكبير إلى خان المحروق.
16ـ محلّة حوض إشطيب: ويدخل في هذه المحلّة جزء من محلّة الحويش، وجزء من محلّة العمارة.
17ـ محلّة عقد السلام: ويعرف بعقد الذهب([1078]).
18ـ محلّة جبل النور: وهو مرتفع من الأرض، وتعرف هذه المحلة قديماً بمحلة الجمالة، وبمحلة آل الطريحي، لكثرة بيوتهم وقدم سكناهم فيها كما وجدت هذه التسمية في صكوك بيع الدور التي في هذه المحلّة، وهي محلّة واسعة تشتمل على جزء كبير من محلّة البراق، وفيها مسجد الشيخ فخر الدين الطريحي المتوفى سنة 1085هـ/ 1674م، وبالقرب منه داره التي فيها مقبرته.
19ـ محلّة الشيلان([1079]): وهي قطعة من محلّة العمارة، وفيها مسجد صافي الصفا، وهذه المحال لم تكن منظمة ولا متميزة، ولا محدودة. أمّا في الوقت الحاضر فالمعروف المحلات الأربعة وهي: محلّة المشراق، والبراق، والعمارة، والحويش.
20ـ محلّة الجديدة: في سنة 1350هـ/ 1931م خططت مساحة واسعة جنوب البلدة خارج السور وهي محلة كبيرة تعرف بالجديدة امتدّت عمارتها فشملت المناخة([1080]).
21ـ محلّة الغازية: في سنة 1357هـ/ 1938م قلع تمام السور من سائر جهاته. وفي سنة 1352هـ/ 1933م، أعطيت عرصات لسكان الأواوين التي هدمت فصارت محلّة تعرف بالغازية لقربها من حديقة غازي([1081])، واتّصلت المحلتان بالبلدة ولم يبق من السور إلاّ أثر قليل. وهذا الأثر المتبقي نقضت حجارته بعد 1991م.
واستحدث الشارع المحيط بالمدينة الذي يبتدئ من شارع الخورنق بمحلّة البراق فالساحة الواسعة المنتهية إلى محلّة المشراق ومحلّتي العمارة والحويش المطلّة على مشارف البحر، وقبة الصفة([1082])، وفي سنة 1375هـ/ 1956م خطّط حي السعد خارج البلدة ثمّ اتّسع ليشمل البرّ الممتد إلى سهل الكوفة وملطاط الحيرة وصحراء كربلاء تتموج جنباتها بأشعة القبّة العلوية القدسية، وأنوار الحقيقة المحمدية. تلوح للمُقبل على النجف شعلة نور يكوّنها توهّج شمس النهار على شمس من الذهب، وهي تلك القُبّة الإبريزية.
وللسيد أحمد الرفاعي([1083]) في هذا المعنى لما تراءت له قبّة الإمام علي (عليه السلام) عند زيارته للنجف وقد ترجل وخلع خفّه وأنشد:
تَحدّث بما شاهَدتَ يا بارِق الحِمى
لأنّك راءٍ ولا يَليقُ بهِ الكذبُ
أتى مِنكَ في طَي الحَديث رِسالةٌ
لَها العِيسُ قَدْ حَنَّتْ وَقَدْ طُويّ الدَّربُ
لقد هاجني مِنْ جانبِ الطُورْ نسمَة
وقُلتُ عسَى مَرْت بساحَتها الركبُ
وأبديتُ ما في القَلبِ لمّا شَذى الهوى
عَبيراً وزالَ الهَمُّ وانكشف الحجبُ
بناء البيت النجفي
للبيوت النجفية طابعها الخاص والمتميز في البناء والزخرفة. ويتكوّن من طابقين على الأكثر، وينفصل منه بيت خاص معدّ للضيوف يسمّى البراني، وبعض البيوت لأسباب أمنية يُدخل إليها من دهليز منخفض عن الشارع ويحتوي على بيوت متجاورة. وفي السابق كان في كلّ بيت حوض ماء يملأ من البئر التي لا يخلو منها كلّ بيت تتّصل ببعضها بواسطة نفق من السراديب المتجاورة إلى خارج البلدة، وأهم المواد المستعملة في البناء هي الجص والطاباق الذي يفخر فيها وبالآجر المستخرج من أنقاض الكوفة القديمة، وأكثر بيوتها صغيرة ضيقة المساحة.
السراديب
حين يراد بناء البيت تقام في كلّ ركن من أركانه القواعد الأساسية في أعماق مناسبة من السرداب، وتقام أعمدة ترتفع حتّى تبلغ سطح الدار فتوصل بين عمود وآخر بطبقات تبنى بالآجر، ويتألّف من هذه الطبقات المتّصلة بعضها ببعض سقف السرداب، وينزل إلى السرداب عند اشتداد القيظ في فصل الصيف، وتتكوّن من الفوقانية، ويقوم تحتها «النيم سن» والكلمة فارسية تعني منتصف السن، والسن: طبقة رملية متحجرة ينحت فيها سرداب آخر، ويوجد ما هو أعمق منها ويسمّى السن، ويحفر السرداب على هيئة متوازي الأضلاع بقطر مترين أو أقل من ذلك، وفي عمق عشرين متراً أو أقل من ذلك لينفذ هذا الحفر من متوازي الأضلاع إلى وسط السرداب بقصد إيصال النور وسحب الماء البارد إلى الأعلى، كما تحيط بالسراديب من طرف أعاليها شبابيك لنفوذ النور والهواء فضلاً عن عدد من المنافذ الهوائية المتصلة من أعلى سطح البناية بالسردبات الفوقانية وهي التي تسمّى بالبخاريات، وتنحت هذه السراديب في الغالب بالآجر وتزخرف وقد تترك سراديب السن على حالها، وهي منحوتة من طبقة السن التي تشبه الصخور أو تزين جدرانها بالآجر، وكثيراً ما تفتح في السراديب منافذ تتّصل بالبئر، ويتحوّل السكن في الصيف في وسط البيت إلى هذه السراديب.
مياه الشرب
تقع مدينة النجف على الذوات البيض المرتفعة بعيدة عن الماء ممّا سبّب لها مشكلة مزمنة بسبب صعوبة نقل المياه الصالحة للشرب، وانعكس ذلك على أبناء البلدة لشدّة ما كانوا يعانونه من تلك المشكلة.
وكانت النجف تشرب من مياه الأمطار ومياه البحر المالحة، وكان بعض الملوك والوجهاء يتبرّعون لشق القنوات، منها: قناة آل بويه، وقناة آل أعين، ولحفر الآبار في الشوارع العامّة والطرقات لسقاية الناس، منها:
بئر السيد مراد حاكم النجف
البئر التي أمر بحفرها السيد مراد محاذية لداره المقابلة للصحن الشريف من جهة القبلة سنة 1128هـ/ 1715م، قد أرّخها الشيخ أحمد ابن الفقيه العاملي بقوله:
بئراً أُعدّتْ للسِقايةِ في الوَرَى
طُوبى لِمُنشئها غداً في المحشرِ
الهاشمي أبا سُلالةَ أحْمِدٍ
خيرُ الورى من كان أشرفَ عُنصرِ
يُوحي إلى واردُها تاريخُها
أبداً رِدوا مِنها مِياه الكوثَرِ
نهر التاجية
ولانعدام المياه العذبة جرت محاولات عدّة لإيصال الماء الحلو لساكني النجف ابتداءً من سنة 676هـ/ 1277م عند مجيء الصاحب عطاء الملك([1084]) للزيارة، فبذل ما يزيد على مائة ألف دينار ذهب، وأمر بحفر نهر يأخذ ماءه من الفرات ويصل إلى مسجد الكوفة، ثمّ ينتهي إلى النجف، سمّي نهر التاجية نسبة لتاج الدين علي ابن الأمير علاء الدين المباشر له.
شط السبيل
وعند مجيء الشاه إسماعيل الأوّل الصفوي لزيارة مرقد الإمام أمير المؤمنين سنة 914هـ/ 1508م، رأى ساكني النجف يشربون المياه المالحة فأمر بكري «شط السبيل» وهو فرع يأخذ ماءه من الفرات القديم ويقع في بطائح الحلة في منطقة «المجرية» التي اشتهرت فيما بعد بمكرية الشاه، وعرفت القبائل النازلة عليها بقبائل المجرية.
وذكر لونكريك: أنّ الشاه إسماعيل عند زيارة مرقد الإمام علي سنة 914هـ/ 1508م، أمر بحفر نهر من الفرات وإيصال مائه بقناة خاصّة تمتدّ تحت الأرض إلى النجف لارتفاع موقعها عن مستوى الفرات.
نهر الطهماسية
وفي سنة 980هـ/ 1572م حفر الشاه طهماسب الصفوي([1085]) المتوفى سنة 984هـ/ 1576م نهراً من الفرات إلى قرية «نمرود»، ولم يتم فنسب إليه فقيل «الطهماسية» ثمّ صُحف إلى الطهمازية موقعه من فوق نهر التاجية من جهة الغرب على الطريق السائر إلى قرية «نمرود» المعروفة اليوم عند العامّة بقبر إبراهيم الخليل، فاعتمد طول ستة فراسخ في عرض عشرة أذرع ولكن لم يصل الماء إليه لارتفاع أرض النجف.
ترعة السلطان سليم
وبأمر من السلطان سليم الثاني المتوفى سنة 892هـ/ 1574م شقت ترعة من الفرات لإيصال المياه إلى النجف إلاّ أنّها وشط السبيل طمرا بعد فترة لحاجتهما إلى تنظيف متواصل.
الآبار العباسية
وفي زيارة الشاه عباس الأوّل الصفوي ابن الشاه محمد خدابنده المولود سنة 979هـ/ 1571م والمتوفى سنة 1037هـ/ 1627م لمدينة النجف سنة 1032هـ/ 1622م أمرَّ بحفر آبار وقنوات([1086]) تتّصل بعضها ببعض إلى أن تصل المدينة بالآبار العباسية، وأوصلوا إحدى القنوات بالجابية([1087]) التي كان الناس تستقي منها.
نهر الشاه
وفي سنة 1042هـ/ 1632م حفر الشاه صفي نهراً عميقاً من الحلة حتّى جاء به قريباً من النجف، ومرَّ به على عمارة الخورنق، وأوصل الماء إلى النجف، وبنى بركة.
وقال الرحالة كارستن نيبور: إنّ الناس يستعملون ماء المجرى للغسل ولِما يطبخ، أمّا ماء الشرب فإنّه ينقل على الحمير، وكان مروره إلى النجف في سنة 1179هـ/ كانون الأوّل 1765م([1088]).
قناة إبراهيم باشا
وخلال ولاية إبراهيم باشا العثماني سني 1093 و1095هـ/ 1681 و1683م شقّت قناة لإيصال الماء من أحد الجداول القريبة من أطلال الكوفة القديمة والمعروفة بنهر الشاهي، ولكنّها لم تصل إلى النجف.
قناة حسن رضا
بنى الوزير الهندي حسن رضا خان قناةً في النجف ليمدّها بالمياه، وكان قد خصّص مبلغ خمسمائة ألف روبية لهذا المشروع، وتمّ إنجاز القناة سنة 1208هـ/ 1793م.
قنوات السيد أسد الله
وعند مجيء السيد أسد الله الأصفهاني المتوفى سنة 1288هـ/ 1871م إلى النجف شرع بإتمام ما قام به مؤلف الجواهر حتّى وصل على بُعد ثلثي فرسخ ووقف الماء لارتفاع الأرض فَعَدَل السيد أسد الله وحفر قنوات جوفية ووصل الماء إلى النجف في رمضان سنة 1278هـ/ 1870م واستمرّ جريانه بالقنوات.
جدول مؤلف الجواهر
أرسل الشيخ جعفر كاشف الغطاء إلى بعض الأعيان من أهالي الهند، يحثّهم على حفر جدول لسقي النجف، وبعد وفاته وبسعي الشيخ محمد حسن النجفي مؤلف جواهر الكلام أرسل السيد حسين دلدار علي كنوي لكاً وخمسين ألف روبية لأجل حفر جدول من نهر آصف الدولة ملك «أود» الذي سمّي فيما بعد بنهر الهندية، وأوصل الجدول إلى النجف قاطعاً الرمال والآكام حتّى وصل عند موضع يُقال له: «طبيل» على أربعة أميال من شمال غربي النجف، فوقف العمل لارتفاع الأرض فاستعان صاحب الجواهر بملك أود مرّة أخرى ووضعت الترتيبات لإيصال الماء بحفر قناة من ذلك المكان مستوية بعمق بعيد القعر إلى أن يصل إلى أقصى الحفر أوّلاً، كان يبعد عن سور النجف بضع خطوات، وما لبث صاحب الجواهر جاداً في المشروع حتّى توفي سنة 1266هـ/ 1849م، وتعطل العمل حوالي ست عشرة سنة([1089]).
نهر الهندية
وجرت مراسلات بين علماء النجف والوزير الهندي آصف الدولة يحيى خان النيشابوري المتوفى سنة 1220هـ/ 1805م، شكا فيها العلماء انقطاع الماء الحلو من القناة لكثرة الترسبات والطمي، فبعث أموالاً طائلة لحفر نهر من عمود الفرات قريب المسيب فحفر، ولمّا وصل أرضاً مرتفعة شقوا وسطه جدولاً، وتمّ العمل سنة 1208هـ/ 1793م، وأرخ (صدقةٌ جاريةٌ) وسمّي كما هو اليوم نهر الهندية، وعند جريانه صادف أراضي منخفضة اجترفها بقوّته، وهناك حدثت أهوار كثيرة منها، بحر النجف، وبحيرة يونس، وبحر الشنافية، حتّى كان الراكب يأتي في سفينة من البصرة إلى النجف، وهور الدُخن، والعوينة، وأبو طرفة، واستحدثت بعد جفاف هور أبو طرفة وهور الكفل، مدن طويريج([1090]) والكوفة([1091]) والشامية([1092]) وأبي صخير([1093])، وغيرها من النواحي والبلدان، وزرعت على حافتي النهر الأشجار وبساتين النخيل وكثير من الأراضي الزراعية الواسعة منها الحسكة، وأعطى نهر الهندية دفعة قوية لوضع النجف الاقتصادي، فلقد وفّر الماء المطلوب لتلبية حاجة السكان المقيمين، والزوار. خاصّة بعد إقامة سدة الهندية التي صمّمها المهندس الإنكليزي وليم كوكس([1094]) «1352هـ/ 1932م»، وكان ظهوره إيذاناً بالانتعاش الزراعي والسكاني للعشائر المحيطة به، فقد نزلت على حافتيه عشائر آل فتلة والعوابد وبني حسن.
وعند حدوث نهر الفرات وجريانه عبر الكوفة في سنة 1280هـ/ 1863م الذي يبعد حوالي أربعة أميال عن النجف انتشرت مهنة السقائين الذين يجلبون الماء بالقِرَبْ على ظهور الحيوانات، وتبرّع بعض الأثرياء لنقل الماء إلى الصحن، فأعدّت بغال لنقله ليوضع في حوض كبير من الصخر المرمر كان في الغرفة التي تكون على يسار الداخل إلى الصحن من باب القبلة، والفاضل منه وزع على دور العلماء، وبعد فترة ترك هذا الحوض ونقل الماء إلى مكان كبير في سوق باب القبلة.
قناة عبدالله خان
وفي سنة 1230هـ/ 1814م شقّت قناة نُسِبَت إلى عبدالله خان أمين الدولة ابن الحاج محمد حسن خان الصدر من جهة «أبو فشيقة» إلى «كري سعد»، وأقاموا على هذا الكري القنطرة وأطلقوا الماء في الكري ثمّ وقف الماء قرب النجف.
حوض نجيب باشا
وفي سنة 1261هـ/ 1845م أنشأ الوالي نجيب باشا([1095]) حوضاً مقابل الإيوان([1096]) الكبير أقرب منه إلى الطارمة، أرّخه الشاعر عبد الباقي العمري بقوله:
أَجْرى مُحَمدُ النَجيبُ الوَزيرُ
حَوضاً لِساقِي الحَوضِ يَحكي الكَوثَر
ومَنْ جَرَى يَبغي مُجازاةً لهُ
بِحَلبةِ يَرجعُ عَنهُ القَهقَرى
يا سائِلاً عمّا جَرى انظرْ تَرى
تارِيخه «هذا أرقُ ما جَرَى»
نهر السنية
وفي ولاية علي رضا باشا([1097]) سنة 1246هـ/ 1827م حفر الأتراك نهراً من عمود الفرات بالقرب من ناحية الحيرة سمّي نهر السنية([1098])، وتمّ افتتاحه يوم الخميس غرة جمادة الأولى سنة 1305هـ/ 1887م، وأرّخ وصول الماء إلى النجف الشاعر الشيخ عباس الأعسم المتوفى سنة 1313هـ/ 1895م، قال:
جاءَ ساقي الحَوض بالماءِ الذي
فيه إطفاءُ الظَما واللّهَبِ
دَفِقاً جاءَ وقَدْ أغنى الوَرى
رَشحَهُ في سابقاتِ الحُقَبِ
فلِسكانِ الغري إذْ طمئوا
سَوَّغَ التاريخُ «شِربَ العَذبِ»
وكان السقاة ينقلون الماء بالقِرَب المحملة على الحمير، ويبيعونه إلى البيوت حيث يحفظ الماء في أحباب كبيرة.
إلاّ أنّه كثيراً ما كان يدفن النهر بالرمال العاصفة القادمة من الصحراء المحيطة بالنجف.
نبعية أم نخلة
ومن مياه النجف نبعية «أم نخلة»، وهي عينان يتدفق منهما الماء بقوّة، ويندفع إلى السواقي، وقد اعتمدت عليها النجف فترات طويلة للاستعمال والسقاية والغسل، وماؤها ليس بالعذب، وقد هدمت أواخر الأربعينات.
نهر غازي
افتتح نهر «الدعمية» أو نهر الأمير غازي الذي يوصل الماء من أبي صخير([1099]) في 4 ذي الحجة 1350هـ/ 2 نيسان 1932م، وهو المجرى العمودي لنهر الفرات وينتتهي إلى أراضي النجف المنخفضة وبجريانه استصلحت على ضفافه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
جدول الزيديات
وفي سنة 1342هـ/ 1923م، بذل الحاج محمد علي الشوشتري المعروف بالحاج رئيس ـ لأنه يلقب رئيس تجار عربستان ـ مبلغاً قدره ثلثمئة روبية على أن تصرف في حفر جدول يستمد ماؤه من الفرات من محل يعرف بالمزيديات متصل بجدول بني حسن وينتهي مصبه إلى بحر النجف، ويصرف ريعه في سبيل الخير، وابتدأ بالعمل ثمّ أهمل.
حوض فاطمة خاتون
وأقامت فاطمة خاتون بنت الوالي شبلي باشا حوضاً في الصحن مقابل الباب الكبير المسمّى باب الساعة([1100])، ويسمّى أيضاً باب اللقلق([1101]) له ميازيب خاصّة، وقلع هذا الحوض فيما بعد وكان باعة الماء يقفون بقربه يحملون مشربياتهم.
مشروع المضخات
وفي سنة 1346هـ/ 1927م، اهتم الحاج محمد البوشهري الملقّب معين التجار، بأمر الماء في النجف فاشترى مضختين رافعتين للماء أحدهما إنكليزية والأخرى ألمانية حتّى إذا طرأ عطل على واحدة واحتيج لإصلاحها كانت الأخرى جاهزة، وشاركه في بعض مصاريفها الحاج رئيس المار الذكر، فتم ذلك ووصل الماء إلى البلدة، ووزّع على الدور يوم 22 جمادى الثانية 1347هـ/ 1928م.
وفي سنة 1351هـ/ 1932م وصلت الكهرباء وأنيرت المدينة.
وفي سنة 1363هـ/ 1943م أسّس مشروع الماء، وقيِّد باسم بلدية النجف، وفي سنة 1385هـ/ 1965م استبدل مشروع الماء والكهرباء بالمشروع الحالي.
الرحلة إلى كربلاء
اعتمدت الرحلة من النجف إلى كربلاء وسيلة امتطاء الحيوانات أو ركوب العربات التي تجرّها الخيول. وكان السفر مشياً على الأقدام، أو امتطاء الحيوانات يستغرق ثلاثة ليالٍ.
الليلة الأولى في خان المصلى([1102])، والثانية في خان الحماد([1103])، والثالثة في خان النخيلة([1104]) بالقرب من نهر الفرات، وكان قبل ذلك يوجد خان واحد بين المدينتين هو خان جذعان، وهو بعيد عن الفرات، وعندما بنيت الخانات الثلاثة هُجر، وقد زحفت عليه رمال الصحراء فصار رابية.
ثمّ أسّست شركة العربات لنقل المسافرين بين النجف وكربلاء، وكانت عندما تصل إلى خان المصلّى الذي يبعد عن النجف عشرين كيلومتراً، تستبدل خيولها بأربعة خيول أخرى، وفي خان الحماد الذي يبعد عن خان المصلّى اثنين وعشرين كيلومتراً تستبدل الخيول مرّة ثانية. وعندها تصل إلى خان النخيلة الذي يبعد عن كربلاء واحداً وعشرين كيلومتراً، وكانت مدّة السفر ما بين العشر ساعات إلى إثنتي عشرة ساعة.
وكان السفر عن طريق الشركة التي أسّسها الشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمباني، وكان للحاج رضا الصراف أيضاً خط عربات بين النجف وكربلاء، وللحاج حسين بن علي البهبهاني خط آخر.
وفلي سنة 1329هـ المصادف 1911م دخلت النجف أوّل سيّارة، وكانت أعجوبة الأهالي حينذاك.
والسيّارة الثانية التي دخلت النجف كانت للوالي خليل باشا، ثمّ تقاطرت سيّارات الجيش الإنكليزي المحتل.
محمد كاظم الطريحي
النخيل
لم يوجه أي انتباه لتطوير الزراعة وتنظيمها خلال الحكم العثماني إلاّ بعد أن تمّت السيطرة المباشرة على السلطة في العراق خلال القرن التاسع عشر، وتمثّل ذلك في بناء بعض المدن الجديدة في الجنوب والوسط لتشجيع العشائر العربية على الاستقرار، والتوجّه نحو الزراعة. زاد في ذلك إنشاء بعض المشاريع الإروائية، فقد «استقر القسم الأعظم من عشائر العراق وتوجّه نحو ممارسة الزراعة». وهكذا بدأت أرض السواد بعضاً من حيويتها.
لكن العمل الجدي لتطوير الزراعة وتحسين أساليبها جاء بعد تأسيس الحكم الوطني وإعلان الملك فيصل الأوّل ملكاً على العراق العام 1921، حيث بدأت العودة للنشاط الزراعي وتزايد النمو السكاني، لذلك أصاب النخلة من خير ما أصاب أخواتها من المزروعات الأخرى. وفي إحصائية سجلها دليل الجمهورية العراقية الصادر في العام 1960، وصل عدد النخيل في العراق إلى 30 مليون نخلة منها 13 مليون نخلة في البصرة فقط. حيث تصدر العراق العالم في عدد النخيل وإنتاج التمور، أمّا عدد الأنواع الموجودة من التمور فكانت أكثر من 530 نوعاً حسب الإحصائية الصادرة في المصدر السابق.
أمّا عن أصل النخيل فيعتقد كما يقول عبد الجبار البكر في كتابه «التمور العراقية» بأنه «جنوب العراق والجزيرة العربية». وقد ازدادت عملية غرس النخيل بعد الفتح الإسلامي للعراق، وزاد أكثر في العصر العباسي حيث تمّ جلب العديد من الأرقاء العبيد ليتم على عاتقهم زراعة الأراضي الشاسعة والممتدة ما بين البصرة والإحساء والتي كانت عبارة عن ولاية واحدة في معظم العهود الماضية وخاصّة في العهد العثماني، وازدادت أهميتها في أواخره بعد انحسار سلطة المماليك فكان المسؤول عن مالية ولاية البصرة هو المتلقي والدافع لكلّ الضرائب وإعانات حكام المناطق المحليين ـ الزبير والكويت والإحساء ـ وخاصّة ما يتأتّى من دخل بيع وتصدير التمور».
لذلك فتاريخ العراق مرتبط كلية بزراعة النخيل كمصدر أساسي للغذاء والتجارة، وقد كرّمها جلّ شأنه فقي كتابه العزيز فذكرها 16 مرّة مع بقية أشجار الجنة مثل العنب والزيتون والرمان. وقال عنها رسوله الكريم «أكرموا عمتكم النخلة». وعندما وصل أبو العلاء المعري للعراق زائراً قال:
شربنا ماء دجلة خير ماء
وزرنا أشرف الشجر النخيل
وجاء من بعده الجواهري ليقول في قصيدة (عند الوداع…):
سلام على هضبات العراق
وشطيه والجرف… والمنحنى
على النخل ذي السعفات الطوال
على سيد الشجر المقتتى
وتعدّد الحديث عن النخلة وجمالها وقيمتها الغذائية والاقتصادية.
في علم التشريح يبدأ بالتشريح السطحي أو ما يسمّى بـ (Anatomy Surface)، أي معرفة التفصيلات الظاهرة للجسم، والنخلة كأي جسم حي تملك هذه الصفة وسأبدأ بالحديث عن النخلة من القاعدة وهي الجذع حيث يكون جذعها في معظم الأحيان أسطوانياً مستقيماً حتّى القمة من حواف متدرجة هي (الكَرَبُ) وواحدتها (كَرُبَة) وللكرب فوائد عديدة أوّلها وضعها الهندسي على جسم النخلة الذي يسمح بتسلقها بسهولة لقطع السعف وجني الثمار والتلقيح، وثانيهما كونه مادة للوقود وثالثهما فقد كان يستعمل بدل الإسفنج قبل اكتشافه حيث يربط بشباك الصيد للسمك فتطفو على سطح الماء ويستعمل في المراكب مثل سدّة الإنقاذ من الغرق وغيره من الفوائد العديدة. أمّا الأداة التي يقطع بها الكرب فتسمّى بـ (العكفة).
وعند قطع النخلة وخاصّة الفحل من النخيل يستعمل الجذع كجسر للعبور على الترع والجداول الصغيرة كجزء واحد أو يقطع طولياً إلى جزأين ويسمّى بـ (القنطرة) أو بلهجة الجنوب العراقي (الكنطرة). أو يقطع الجذع إلى قطع تكون أعمدة للبناء والتسقيف وغيرها أو تقطع على شكل قطع صغيرة للاستعمال كوقود وتسمّى القطع (الشِّلاّخ).
أمّا إذا صعدنا إلى قمّة النخلة فيطالعنا كربها المفلطح الضخم البارز أكثر من سابقه. وبعض النخيل يكون كربها مهشماً أو غير بارز خاصّة عند هرم النخلة وتسمّى النخلة (جَرده) أي جرداء.
ويتدلى السعف من قمّة النخلة إلى جانب الثمر وهو التمر المتدلي من عثوقه أو الطلع الذي هو بداية الثمر أو الزهر {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} [الواقعة: 29].
وإذا جئنا لتشريح السعفة فنراها مكوّنة من قسمين، القسم الأوّل المتصل بالنخلة مباشرة وفيه جزء عريض من بقية الكربة ثمّ يتقوس قليلاً ويضعف تدريجياً في السمك. ويتبرز على جانبيه الأشواك القوية، ويكون هذا الجزء ثلث السعفة. ويسمّى بـ (الكصمول) وله عدّة فوائد منها كحطب في الطبخ والشوي أو تزال أشواكه ويستعمل لتقليب النار في التنور عند عملية الخبز أو الشواء ويسمّى بالمحراث، أو تغرز قطع اللحوم أو بيض السمك (الثروب) في شوكه ويدخل في التنور للشوي ويجب أن يكون أخضر طرياً لئلا يحترق.
أمّا الثلثان الآخران من السعفة فيبرز على جانبيهما خوص السعفة حتّى آخرها. والعود لوحده بعد تجريده من الشوك والخوص يسمّى (جرِيدَة). وفوائد السعف عديدة حيث استعمل في الوقود، والمقشات اليدوية أي (المكانس)، وتستعمل السعفة كوسائل في الزينة أي (المكانس)، وتستعمل السعفة كوسائل في الزينة في المناسبات المختلفة وفي أقواس النصر، وتدخل في صناعة عجينة الورق، لكن الأهم من السعف المرغوب في الصناعات اليدوية المحلية هو الموجود في قلب النخلة، حيث السعف الطري الخوص البارز حديثاً وتسمّى (الكُلْبة) والتي تستخدم في صناعة المراوح اليدوية ونوع من الحصر يسمّى في البصرة بـ (البَلَّة). وهو يرش بالماء صيفاً لتلطيف الجو، وأنواع (الزنابيل) مثل زنبيل أبو عروتين لحمل الحوائج والزنبيل الصغير (الكوشر)، وعلاقة التسوق والمكانس المنزلية. وغطاء (التُنكة) أو (الشربة)، حيث تترك المسامات مساحة لتبخر الماء وبرودة الماء داخل (التُنكة)، و«الخصاف» وهو الوعاء الكبير نسبياً الذي يكبس فيه التمر بالإضافة إلى غيرها من الصناعات والفوائد العديدة.
أمّا الطلع الذي يصفه القرآن بالطلع النضيد في سورة (قاف) فيخرج من قلب الشجرة داخل علبة مغلقة تنفتح فيخرج الطلع الذي يلقح يدوياً أو تلقائياً بواسطة الرياح أو الحشرات. ويستفاد من اللقاح في استخراج مادة طيبة تسمى بـ (ماء اللقاح) كانت تستعمل كدواء طارد للرياح ومزيل للتخمة خاصّة للأطفال الرضع والشيوخ والمرضى ممّا تصفُه جدّاتنا وأمهاتنا للآن.
أمّا الثمر الذي يبدأ بالظهور فيسمّى في أوّل أمره بـ (حبابوك) وهو عبارة عن ثمرة طرية خضراء تستفيد الحيوانات من التساقط منها عند الرعي، وهي غذاء جيد لها. أمّا عندما يكبر قليلاً فيسمّى بـ (الچمري) الذي يتذوقه الأطفال عند نضجه وتتوحم عليه النسوة الحوامل، وهو بالتالي غذاء مهم للحيوانات.
وعند كبر حجمه وصفار لونه يسمّى (الخلال)، حيث يجنى بعضه أمّا للبيع أو لعمل (خلال المطبوخ) الذي يسلق بالماء ويجفف ليخزن لموسم الشتاء أو يرسل كهدية أو للتصدير.
وبعد نضج نصف حبّة الخلال تسمّى (رطباً) حيث يباع جزء من عثوق النخلة على شكل رطب ويصدر جزء منه للدول المجاورة، ويسمّى الجزء الحامل للرطب أو التمر «شرموخ» ومجموعة الشراميخ يكون العثق المتدلي من قمة النخلة. وذكر الله جلّت قدرته الرطب في الآية 25 من سورة مريم {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطُ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً}. وفي السنين الأخيرة تمّ حفظ الرطب بأكياس داخل (الفريزر) بغية خزنه للشتاء كفاكهة محفوظة بالتجميد.
أمّا عند موسم نضج التمر، فيتم قطع عثوقه وجمعه لتسويقه، أو كبسه في (الچراديغ)، أو معامل كبس التمور الحديثة حيث يتمّ شحنه للتصدير.
يكون كبس التمور على أشكال عدّة منها:
1 ـ أن يكبس داخل كيس كبير مصنوع من الخوص والمسمّى بـ (الخصاف) وهي طريقة بدائية قديمة، وكان يكبس بهذه الطريقة أدنى أنواع التمور للتصدير للدول الآسيوية أو للاستهلاك المحلي، وتسمّى بعد كبسها بـ (حلانة التمر) أو (نصيفية التمر).
2 ـ طريقة الكبس بالعلب القصديرية (التنك)، وغالباً ما يضاف لطبقات التمر المكبوسة السمسم وحبّة الحلوة وحبّة سودة وعرگ حار (الجنجر).
3 ـ أمّا الطريقة الحديثة فتكون في الكبس، وتمرير البخار لمنع تسوّس التمر وإضافة الجوز أو اللوز إليه والسمسم وذلك لتصديره للخارج.
وصناعة الحلويات هي عبارة عن صناعات منزلية للاستهلاك العائلي، أو المحلي وتتضمن:
1 ـ حلاوة التمر وأحياناً يضاف الجوز.
2 ـ المدكوكة.
3 ـ المعمول (وهي معجنات بالتمر).
4 ـ الكليچة بالتمر.
5 ـ المعسل: وهو تمر يطبخ بالدبس ويضاف إليه حبة الحلوة والسمسم وغيره حسب العمل والطلب.
6 ـ الدبس، وهو عسل التمر المكبوس ويعدّ للتصدير أيضاً.
7 ـ الخل، وأجود أنواعه يعمل من تمر الزهدي.
8 ـ السكر، وأهمية استخراجه في الوقت الحاضر غير ذات جدوى بسبب توفّر بديل لاستخراجه.
9 ـ الهيس، وهو غير معروف إلاّ في البصرة ودول الخليج، حيث يخلط التمر مع قليل من الطحين وحبة الحلوة ويعمل على شكل كرات بحجم كف اليد، وتبيعه النساء في البسطات التي تتواجد في المحلات.
وفي قلب قمة النخلة تكون (الجمّارة)، وهي تعدّ للأكل عند قطع النخلة، وتعتبر قلب النخلة الذي لا تستطيع العيش بدونه. وطعمها لذيذ وهناك مثل كان يضرب من قبل الخاطبات فتصف خد الفتاة بأنه «مثل الجمّار»، أمّا الليف الذي يكون حول الجمار فيستخدم كوقود أو يستخدم في أغراض التبطين لبعض الاستعمالات.
وللنخيل فائدة غذائية عالية جدّاً من خلال منتوج التمر الذي تطرحه، حيث يمثّل التمر الغذاء الشعبي الأرخض قيمة، ودائماً في متناول الجميع، إضافة للقيمة الغذائية العالية فيه بسبب توفّر كلّ من الڤيتامينات 1شـ، 1صـ، ونسبة من 2ضـ، ومواد معدنية ومنغنيز وحديد وكالسيوم ونحاس وفوسفور، إضافة للسكر في تكوينه. علاوة على الاطمئنان التام لتناوله من قبل الجميع وفي جميع الأعمار، كذلك لوجود أنزيمات تمنع تلوّثه بأي من الميكروبات المرضية. والتمرة هي الثمرة الوحيدة التي يستطيع أي شخص التقاطها من على الأرض ومسحها بيده، وأكلها دون خوف أو تردّد.
ثمّ إنّ نوى التمر يستخدم كوقود أو علف للحيوانات وبعض الأدوية. والنخلة بمجموعها عبارة عن مصنع كامل من الوقود والإنتاج والأكل.
ويتمّ غرس النخيل عن طريق قلع فسائله التي تخرج بارزة حول النخلة من الأسفل إذا كانت نخلة صغيرة في العمر والتي تسمّى «النشوة». وتسمّى فسائل النخيل الملتفة حولها في البصرة والجنوب بـ (فروخ النخلة). وقد تجد مثلها في الأعلى لكنّها لا تصلح للتكاثر إذ هي عديمة الجذور ويُسمّى واحدها (الراكوب) ويستفاد منه في استخراج (الجمّار).
وصناعة الجريد المحلية تشمل كراسي الجريد وأسرة النوم، والطاولات، وهي عبارة عن صناعات محلية يستخدم فيها جريد السعف.
وتساعد غابات النخيل الكثيفة في تلطيف البحر، ومنع التصحّر، وتكون مصائد جيدة للغبار عند هبوب الرياح خاصّة بالنسبة للمناطق القريبة من أطراف الصحراء، إضافة لمنظرها الجمالي.
وداد فاخر
نخيل العراق
يقول حسن الأمين: وفي الحنين إلى نخيل العراق الذي عايشته فترة قلت:
حي النخيل سهولة وهضاباً
والشاطئين مضارباً وقبابا
واملأ من الحسن البهي نواظراً
ظمأى إلى الحسن البهي سغابا
تهواه في نور الخميلة وادعاً
وعلى العباب مواثباً غلابا
ظلاً على الوجنات رف ومنهلاً
وعلى الشفاه الحالمات سرابا
هذا النخيل وما ادّكرتُ عهوده
إلا ادّكرتُ أحبة وصحابا
كم قد وقفت عليه أتلو حسنه
شعراً وأقرأ ضفتيه كتابا
يوحي الحياة جمالها وجلالها
والعيش حرباً والزمان غلابا
يعلو على هوج الرياح وينتخي
كالثائرين مطامحاً ورغابا
ويرق عاطفة ويعذب مبسماً
ويطيب ظلاً وارفاً ورحابا
ودنا فكان على البسيطة روضة
وعلا فكان على السماء سحابا
ولكم نزلناه فكان على الأسى
بشراً وكان على الأوام شرابا
هذا النخيل تباركت عذباته
ما كان أروع حسنها الخلابا
تسمو على هام الفضاء غدائراً
وترف في عين السما أهدابا
وتميس في كف النسيم عرائساً
وتصول في أيدي الرياح حرابا
يا نخل طبت على السهول مناظراً
وعذبت في أرج الصبا أطيابا
وفتنتني فإلى ظلالك ينتمي
قلبي وتهوي نظرتي إعجابا
وملأت نفسي في الحياة بشاشة
ولطالما ملئت أسى وعذابا
أهوى على التلعات فجرك والضحى
والبدر سال على الغصون وذابا
وأهيم بالشاطي النضير وأشتهي
في الضفتين ربيعك المخصابا
كم قد هفت نفسي إليك وناشدت
في البعد نهرك دافقاً والغابا
يا نخل وافاك الربيع وأقبلت
أسراب حسن تقتفي أسرابا
قد عاد للربوات ناضر حسنها
وزهت رباع كن أمس يبابا
النهر يشدو للرياض قصائداً
تنسي المغرد لحنه المطرابا
ويسير بين الضفتين مغمغماً
ويمر مذعور الخطى وثابا
والزورق الغافي ترنحه الصبا
فتمايل الأعطاف فيه طرابا
أهلاً بمنضور الربيع ومرحباً
بالزهر ينسج للرياض ثيابا
ويعيد للأرض الموات حياتها
ويرد للدنيا صباً وشبابا
أيقظ على النخلات غافية الشذا
واستنهض الأزهار والأعشابا
وأذع لنا سر الورود نضيرة
وانشر لنا النسرين والعنّابا
أطلع لنا في كل أرض روضة
وبكل أفق من سناك شهابا
يا نخل قد طال الفراق فهل ترى
بعد الفراق لنا إليك إيابا
سنظل نذكر في رباك صحابة
هيهات نبغي بعدهم أصحابا
وكنت قد قلت في وداعه من قصيدة:
يا نخل ما أبهاك عندي منظراً
يا ماء دجلة ما ألذك موردا
سأظل أرسل في هواك قصائدي
سأظل بالحب الوفي مغردا
سأظل بالنخل النضير متيماً
سيظل قلبي في الهوى متبغدا
النَّص
لم يكن الرجوع إلى النصّ الشرعي في تحديد معالم المسار الإسلامي بعد الرسول من مختصّات الشيعة وحدهم، لقد شركهم فيه غيرهم…
لقد أحسّ الكثير من المتكلّمين وأصحاب الحديث إذن بالحاجة إلى النصّ في تعيين أوّل الخلفاء على الأقلّ، لتتّخذ الأدوار اللاحقة له شرعيّتها من شرعيّته.
فجزم ابن حزم بالنصّ على أبي بكر صراحةً، فتابعه البعض، فيما اقتنع آخرون بأنّ في هذه النصوص إشارة كافية على وجوب تقديم أبي بكر، لكن دون التصريح بذلك، وربّما رأوا في هذا مذهباً وسطاً بين الشورى والنصّ الصريح، كما رأوا فيه تثبيتاً لمبدأ الشورى، لا نقضاً، حين وفّقوا بين نتائج الشورى وبين إشارة النصّ.
وليس غريباً أن تتعدّد أوجه الاستدلال بتعدّد المتكلّمين وتعدّد أساليبهم، وتعدّد النصوص التي يعتمدونها، وكثيرا ما يتعلّق المتكلّمون بما يشفع لمذاهبهم وإنْ كانوا يلمحون فيه علامات الوضع!
لقد عرض المتكلّمون في تثبيت خلافة أبي بكر نصوصاً من القرآن ونصوصاً من السنّة، نستعرض أهمها بتركيز وإيجاز مبتدئين بنصوص السنّة لكونها أكثر تصريحاً، ولأنّ النصوص القرآنية اعتُمدت في تصحيح خلافته لا في إثبات النصّ عليه.
أوّلاً ـ نصوص من السُنّة
النصّ الأوّل: قوله (صلّى الله عليه وآله) في مرضه الذي توفّي فيه: «مُروا أبا بكر فليصلّ بالناس». فرأى بعضهم في هذا الحديث نصّاً على الخلافة وإن كان خفياً؛ لعدم الفصل بين إمامة الصلاة والإمامة العامّة. واستدلّوا لذلك بقول بعض الصحابة لأبي بكر: إرتضاك رسول الله لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا؟! وأهمّ شيء في هذا القول الأخير أن ينسب إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)([1105])!!.
غير أنّ جملةً من الإشارات تحيط بهذا النصّ وبهذه الواقعة، قد تبتلع كلّ ما يُبنى عليها من استنتاجات:
الإشارة الأُولى: إنّ القول بعدم الفصل بين إمامة الصلاة والإمامة العامة قول غريب، وأغرب منه قول الجرجاني: «لا قائل بالفصل»([1106])!.
ـ فابن حزم يقطع بأنّ هذا قياساً باطلاً، ويقول: «أمّا من أدّعى أنّه إنّما قُدِّم قياساً على تقديمه إلى الصلاة، فباطل بيقين؛ لأنّه ليس كلّ من استحقّ الإمامة في الصلاة يستحقّ الإمامة في الخلافة، إذ يستحقّ الإمامة في الصلاة أقرأ القوم وإن كان أعجمياً أو عربياً، ولايستحقّ الخلافة إلاّ قرشيّ، فكيف والقياس كلّه باطل»([1107])؟!.
ـ والشيخ أبو زهرة ينتقد هذا النوع من القياس ووجه الاستدلال به، فيقول: اتّخذ بعض الناس من هذا ـ النصّ ـ إشارة إلى إمامة أبي بكر العامّة للمسلمين، وقال قائلهم: «لقد رضيه (عليه السلام) لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا» ولكنّه لزوم ماليس بلازم، لأنّ سياسة الدنيا غير شؤون العبادة، فلا تكون الإشارة واضحة… وفوق ذلك فإنّه لم يحدث في اجتماع السقيفة، الذي تنافس فيه المهاجرون والأنصار في شأن القبيل الذي يكون منه الخليفة، أن احتجّ أحد المجتمعين بهذه الحجّة، ويظهر أنّهم لم يعقدوا تلازماً بين إمامة الصلاة وإمرة المسلمين([1108]).
والذي يُستشفّ من كلامه استبعاد صحّة نسبة هذا الكلام إلى الإمام عليّ (عليه السلام)؛ فهذه النسبة لا تحتمل الصحّة، لِما ثبت في الصحاح من أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يبايع إلاّ بعد ستّة أشهر([1109])، كما أنّ الصحيح المشهور عن عليّ (عليه السلام) خلاف ذلك، فجوابه كان حين بلغه احتجاج المهاجرين بأنّ قريشاً هم قوم النبيّ وأوْلى الناس به، قال: «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة»([1110])!.
الإشارة الثانية: إنّ إمامة الصلاة وفقا لفقه هذه المدرسة لايترتّب عليها أيّ فائدة في التفضيل والتّقديم، فالفقه هنا يُجيز مطلقاً إمامة المفضول على الفاضل، بل يُجيز إمامة الفاسق والفاجر لأهل التقوى والصلاح، وكثيراً ما نرى الاستدلال لذلك بصلاة بعض الصحابة خلف الوليد بن عقبة وهو سكران، وصلاتهم خلف أمراء بني أميّة ممّن لم تكن له فضيلة تذكر!.
الإشارة الثالثة: أخرج أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي: أنّ عبد الرحمن ابن عوف قد صلّى إماماً بالمسلمين وكان فيهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)([1111]). وهذه الرواية أثبت ممّا ورد في تقديم أبي بكر ـ كما سيأتي ـ فالحجّة فيها إذن لعبد الرحمن بن عوف أظهر، فتقديمه أوْلى وفقاً لذلك القياس([1112]).
الإشارة الرابعة: في صحيح البخاري: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين الأوّلين وأصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في مسجد قباء، وفيهم: أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وعامر بن ربيعة([1113]).
وكان عمرو بن العاص أميراً على جيش ذات السلاسل، وكان يؤمّهم في الصلاة حتّى صلّى بهم بعض صلواته وهو جنب، وفيهم: أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة([1114]).
فهل يُستدلّ من هذا أنّ سالماً وعمرو بن العاص أفضل من أبي بكر وعمر وأبي عبيدة، وأوْلى بالخلافة منهم؟
الإشارة الخامسة: نتابعها في النقاط التالية:
أ ـ ثبت في جميع طرق هذا الحديث بروايته التامّة أنّه بعد أن افتتح أبو بكر الصلاة، خرج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يتهادى بين رجلين ـ عليّ والفضل ابن العبّاس ـ فصلّى بهم إماماً وتأخّر أبو بكر عن موضعه مؤتمّاً بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن يمينه.
أثبت ذلك تحقيقاً أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب صنّفه لهذا الغرض، فقسّمه إلى ثلاثة أبواب: فجعل الباب الأوّل في إثبات خروج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى تلك الصلاة وتأخيره أبا بكر عن إمامتها، وخصّص الباب الثاني في بيان إجماع الفقهاء على ذلك، فذكر منهم: أبا حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأثبت في الباب الثالث وَهَن الأخبار التي وردت بتقدّم أبي بكر في تلك الصلاة، ووصف القائلين بها بالعناد واتّباع الهوى([1115]).
وقال ابن حجر العسقلاني: تضافرت الروايات عن عائشة بالجزم بما يدلّ على أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان هو الإمام في تلك الصلاة([1116]).
ومن هنا قال بعضهم: متى نظرنا إلى آخر الحديث احتجنا إلى أن نطلب للحديث مخرجاً من النقص والتقصير، وذلك أنّ آخره: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا وجد إفاقةً وأحسّ بقوّة خرج حتى أتى المسجد وتقدّم فنحّى أبا بكر عن مقامه وقام في موضعه. فلو كانت إمامة أبي بكر بأمره (صلّى الله عليه وآله) لَتَركه على إمامته وصلّى خلفه، كما صلّى خلف عبد الرحمن بن عوف([1117]).
ب ـ ممّا يعزّز القول المتقدّم ماورد عن ابن عبّاس من أنّه قبل أن يؤذّن بلال لتلك الصلاة قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «أُدعوا عليّاً». فقالت عائشة: لو دعوت أبا بكر! وقالت حفصة: لو دعوت عمر! وقالت أُمّ الفضل: لو دعوت العبّاس! فلمّا اجتمعوا رفع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رأسه فلم ير عليّاً([1118])!!.
ج ـ ويشهد لذلك كلّه ما ثبت عن عليّ (عليه السلام) من أنّه كان يقول: «إنّ عائشة هي التي أمرت بلالاً أن يأمر أباها لِيُصَلّ بالناس، لأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: «ليصلِّ بهم أحدهم» ولم يعيّن»!! وكان عليٌّ (عليه السلام) يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيراً، ويقول (عليه السلام): «إنّه (صلّى الله عليه وآله) لم يقل: «إنّكنّ لَصُويحبات يوسف» إلاّ إنكاراً لهذه الحال، وغضباً منها لأنّها وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما، وأنّه (صلّى الله عليه وآله) استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب»([1119]).
فهذه صور منسجمة ومتماسكة لاتُبقي أثرا للاستفادة من هذا النصّ أو تلك الواقعة، ويمكن أن يضاف إليها ملاحظات أُخر ذات قيمة لا يُستهان بها:
منها: الاختلاف الشديد والتعارض بين روايات هذه الواقعة، وقد صرّح بهذا ابن حجر العسقلاني، ثمّ حاول التوفيق بينها بعد جهد([1120]).
ومنها: ملاحظة بعض نقّاد الحديث أنّ هذا الحديث لم يصحّ إلاّ من طريق عائشة، لذا لم تقم حجّته([1121]).
ومنها: أنّ ابن عبّاس قد طعن هذا الحديث طعناً عبقريّاً لم يتنبّه له الرواة، إذ كانت عائشة تقول في روايتها لهذا الحديث: «خرج النبيّ يتهادى بين رجلين، أحدهما الفضل بن العبّاس» ولا تذكر الرجل الآخر، فلمّا عرض أحدهم حديثها على عبد الله بن عبّاس، قال له ابن عبّاس: فهل تدري مَن الرجل الذي لم تُسَمِّ عائشة؟ قال: لا.
قال ابن عبّاس: هو عليّ بن أبي طالب، ولكن عائشة لاتطيبُ نفساً له بخير([1122])!.
الإشارة السادسة: أثبت جلُّ أصحاب التاريخ والسِيَر أنّ أبا بكر كان أيّام مرض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الأخير هذا، مأموراً بالخروج في جيش أُسامة، وكان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يشدّد كثيراً بين الآونة والأُخرى على التعجيل في إنفاذ هذا الجيش… فكيف ينسجم هذا مع الأمر بتقديمه في الصلاة؟ ناهيك عن قصد الإشارة إلى استخلافه!.
لقد أدرك ابن تيميّة مابين الأمرين من منافاة وتعارض صريحين، فنفى نفياً قاطعاً كون أبي بكر ممّن سُمّي في بعثة أُسامة([1123])!!.
لكنّ مثل هذا النفي لاينقذ الموقف، خصوصا وأنّ ابن تيميّة لم يقدّم برهاناً ولا شبهةً في إثبات دعواه، فيما جاء ذِكر أبي بكر في مَن سُمّي في ذلك الجيش في مصادر عديدة وهامّة، أصحابها جميعاً من القائلين بصحّة تقدّم أبي بكر([1124])!.
أمّا نفي ذلك، أو تحرّج بعض المؤرّخين عن ذِكره، فإنّما مرجعه إلى الاختيار الشخصي في مساندة المذهب، لاغير، حين أدركوا بيقين أنّ شيئاً ممّا استدلّوا به على إمامته سوف لايتمّ لو كان أبو بكر في مَن سُمّي في جيش أُسامة، إذ هو مأمور بمغادرة المدينة المنوّرة أيّام وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، تحت إمرة أُسامة بن زيد الشابّ ابن الثماني عشرة سنة([1125])!.
نصوص أُخر
لم يقف القائلون بالنصّ عند النصّ المتقدّم، بل رجعوا إلى مارأوا فيه نصّاً جليّاً على الخلافة، لكنّها في الحقيقة نصوص تثير على نفسها بنفسها شكوكاً كثيرة لاتُبقي احتمالاً لصحّتها، شكوكاً تثيرها الأسانيد والمتون معاً… وأهمّ هذه النصوص:
١ ـ أنّ امرأة سألت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيئاً، فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: يارسول الله، أرأيتَ إنْ جئتُ فلم أجدك؟ ـ كأنّها تُريد الموت ـ فقال: «فإن لم تجديني فأتي أبا بكر»([1126])!.
وهذا الحديث متّحد عند الشيخين في سلسلة واحدة، وهي: (إبراهيم ابن سعد، عن أبيه، عن محمّد بن جُبير بن مطعم، عن أبيه جُبير بن مطعم: أنّ أمرأةً سألت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)…).
فلم يروه من الصحابة إلاّ جُبير بن مطعم، ولم يروه عن جُبير إلاّ ولده محمّد، ولم يروه عن محمّد غير سعد (وهو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف) ولم يروه عن سعد غير ولده إبراهيم! ثمّ أخذه الرواة عن إبراهيم بن سعد!.
الإسناد: نظرة واحدة في هذا الإسناد، بعيداً عن التقليد، تُحبط الآمال التي يمكن أن تُعقد عليه: فجبير بن مطعم: من الطلقاء، وهو صاحب أبي بكر، تعلّم منه الأنساب وأخبار قريش([1127])، وكانت عائشة تُسمّى له وتُذكر له قبل أن يتزوّجها النبيّ (صلّى الله عليه وآله)([1128])، وذكره بعضهم في المؤلّفة قلوبهم وفي من حَسُن إسلامه منهم([1129]). وكان شريفاً في قومه بني نوفل وهم حلفاء بني أُميّة في الجاهلية والإسلام. وهو أحد الخمسة الّذين اقترحهم عمرو بن العاص على أبي موسى الأشعري للمشورة في التحكيم، وهم: (جبير بن مطعم، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وأبو الجهم بن حذيفة، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام بن المغيرة)([1130]) وكلّهم مائل عن عليّ (عليه السلام)، فابن الزبير وعبد الرحمن بن الحرث كانا في أصحاب الجَمل الّذين قاتلوا عليّاً في البصرة، وعبدالله بن عمرو مع أبيه عمرو بن العاص في أصحاب معاوية، وجبير وأبو الجهم من مسلمة الفتح هواهما مع بني أُميّة([1131])!.
وجُبير بن مطعم هو سيّد الغلام الحبشي وحشيّ، وهو الذي قال له يوم أحد: إن ّقتلت محمّداً فأنت حُرّ، وإن قتلت عليّاً فأنت حُرّ، وإن قتلت حمزة فأنت حُرّ([1132])!.
ولمّا قسم النبي (صلّى الله عليه وآله) خُمس خيبر لبني هاشم وبني المطّلب حاكَ ذلك في صدور قوم من بني نوفل ـ قوم جبير ـ وبني أميّة، فكان جبير بن مطعم وعثمان بن عفان هما المعترضان على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نيابة عن قوميهما، قال جبير: مشيتُ أنا وعثمان بن عفّان إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقلنا: أعطيت بني المطّلب من خُمس خيبر وتركتنا، و نحن بمنزلة واحدة منك! فقال: «إنّما بنو هاشم وبنو المطّلب شيء واحد»([1133]).
وروي لابن عبّاس معه حديث هامّ: كان ابن عبّاس يحدّث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المتعة، فقال جُبير بن مطعم: كان عمر ينهى عنها. فقال له ابن عبّاس: يا عُدَيّ نفسه، من هنا ضللتُم!ّ أحدّثكم عن رسول الله، وتحدّثني عن عمر([1134])!!.
ـ ثُمّ إنّ محمّد بن جبير بن مطعم: هو القائل لعبد الملك بن مروان وقد سأله: هل كنّا نحن وأنتم ـ يعني أُميّة ونوفل ـ في حلف الفضول([1135])؟
فقال له محمّد بن جُبير بن مطعم: لا والله يا أمير المؤمنين، لقد خرجنا نحن وأنتم منه، ولم تكن يدنا ويدكم إلاّ جميعاً في الجاهلية والإسلام([1136])!.
وقد اعتزل محمّد عليّاً والحسن (عليهم االسلام) في حربهما مع معاوية، فلمّا تمّ الصلح كان محمّد ممثَّلاً في وفد المدينة إلى معاوية للبيعة([1137]).
ـ وأمّا سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: فقد كان قاضياً لبعض ملوك بني أُميّة على المدينة([1138]).
ـ وأمّا ولده إبراهيم بن سعد: فهو صاحب العُود والغناء، كان يعزف ويغنّي، جاءه أحد أصحاب الحديث ليأخذ عنه، فوجده يغنّي، فتركه وانصرف، فأقسم إبراهيم ألاّ يحدّث بحديث إلاّ غنّى قبله! وعمل والياً على بيت المال ببغداد لهارون الرشيد([1139]).
وخطوة أخرى إلى الأمام في التحقيق تضعنا أمام صورة أكثير وضوحاً، حيث تُرينا كيف حلّ هذا الحديث محلّ الحديث الصحيح الوارد في عليّ (عليه السلام) بعين هذا المتن!.
لمّا حضر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قالت صفيّة أمّ المؤمنين: يا رسول الله، لكلّ امرأةٍ من نسائك أهل تلجأ إليهم، وإنّك أجليت أهلي، فإن حَدَثَ حَدَثٌ فإلى مَن؟
قال: «إلى عليّ بن أبي طالب» أخرجه النسائي، وأخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح([1140]).
فإذا لم نكن قد نسينا ما قرأناه في «نقد التاريخ»([1141]) فإنّ نظرة واحدة في هذه السلسلة الواحدة لهذا الحديث تكشف لنا الكثير عن حقيقته، وربّما مصدره أيضاً حين نرى أنّ رأس هذه السلسلة ـ جبير بن مطعم ـ قد عاش نحو سبع عشرة سنة في خلافة معاوية على أغلب الأقوال، لم يُفرّقهما شيء في جاهلية ولا في إسلام… والمفترض أن يكون جبير أبعد أفراد هذه السلسلة عن تهمة الوضع في الحديث([1142]).
كما تجيبنا قراءتنا في «نقد التاريخ» عن أهمّ ما يعترضنا هنا، وهو: كيف أصبح هؤلاء جميعاً في عِداد رجال الشيخين ـ البخاري ومسلم ـ فيما أقصيَ آخرون لا يقاس هؤلاء بهم، كالإمام جعفر الصادق، الذي كان ينبغي أن يكون حديثه أكثر اعتماداً، إذ لا يفصله عن البخاري سوى واسطة واحدة أو واسطتين، توفّي الصادق (عليه السلام) سنة 148هـ، وولد البخاري سنة 194هـ!.
هذا النصّ، الذي جاء بهذه السلسلة الوحيدة، هو الذي رأى فيه ابن حزم وغيره نصّاً جليّاً على خلافة أبي بكر([1143])! غير أنّ الجرجاني والتفتازاني لم يذكراه، فيما ذكرا نصوصاً كثيرة أضعف منه سنداً، وأقلّ منه دلالة([1144])!.
٢ ـ قالت عائشة: قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مرضه: «ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاكِ، حتّى أكتب كتاباً، فإنّي أخاف أن يتمنّى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أوْلى ، ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر»([1145]).
الإسناد: أسند مسلم هذا الحديث كما يلي: عبيدالله بن سعيد، عن يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
فقد ظهر إبراهيم بن سعد في هذا الحديث أيضاً، وهو صاحب الحديث المتقدّم، صاحب العود والغناء، صاحب هارون الرشيد. أمّا الزهري وعروة وعائشة فقد عرفنا بدقّة موقفهم من الخلافة ومن عليّ (عليه السلام) خاصّة وبني هاشم عامّة.
وأورده البخاري من طريق آخر ينتهي أيضاً إلى عائشة، فهي وحدها رأس هذا الحديث في جميع طرقه.
ولعلّ أقوى ما يُثار هنا: أنّ هذه الأحاديث قد رواها الشيخان، فكيف يمكن طعنها والشكّ فيها والطعن عليها؟ وما أيسر الجواب لمن تجرّد للحقيقة دون سواها، فقبل قليل فقط قرأنا تفسير ذلك على ألسنة الكبار ممّن حقّق في طبيعة هذا الأمر وتطوّره:
ـ قرأنا عن نفطويه: إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة اختُلِقت في أيّام بني أُميّة تقرّباً إليهم في ما يظنّون أنّهم يُرغِمون به أُنوف بني هاشم!.
ـ وقرأنا عن المدائني قوله: فرُوِيَتْ أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة، لا حقيقة لها… حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى الديّانين الّذين لايستحلّون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنّون أنّها حقّ، ولو علموا أنّها باطلة مارووها ولا تديّنوا بها!.
ـ وقرأنا عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله: حتّى صار الرجل الذي يُذكر بالخير، ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً، يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض مَن قد سلفَ من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت وقعت، وهو يحسب أنّها حقّ لكثرة من رواها ممّن لم يُعرف بالكذب ولابقلّة ورع!.
فليس بمستنكَرٍ إذن أن تنفذ هذه الأخبار إلى الصحيحين وغيرهما.. فمن أين يأتي الاستنكار وهم ما رووها إلاّ وهم يعتقدون صحّتها؟!.
وهذا الحديث بالذات ممّا شهد المعتزلة بأنّ البكرية وضعته في مقابل الحديث المرويّ عنه (صلّى الله عليه وآله) في مرضه: «ائتوني بدواةٍ وبياض أكتب لكم كتاباً لاتضلّوا بعده أبداً» فاختلفوا عنده، وقال قوم منهم: لقد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله([1146])!.
وممّا يشهد لهذا القول، بل يجعله يقيناً لا شكّ فيه، ما ثبت عن ابن عبّاس في وصف اختلافهم عند النبيّ الذي حال دون كتابة ذلك الكتاب، فقد كان ابن عبّاس يصف هذا الحديث بأنّه «الرزيّة، كلّ الرزيّة» ويذكره فيقول: «يوم الخميس، وما يوم الخميس! قالوا: وما يوم الخميس!» ويبكي حتّى يبلّ دمعُه الحصى([1147])! فلو كان الأمر كما وصفه الحديث المنسوب إلى عائشة «يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر» لم تكن ثمّة رزية يبكي لها ابن عبّاس كلّ هذا البكاء ويتوجّع كلّ هذا التوجّع.
إنّ بكاء ابن عبّاس وتوجّعه الشديد لهذا الحديث لهو دليلٌ لاشيء أوضح منه على أنّ الذي أراده النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من ذلك الكتاب لم يتحقّق، بل تحقّق شيء آخر غيره لم يكن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أراده ولا أشار إليه أدنى إشارة. وتزداد هذه الحقيقة رسوخاً حين ندرك أنّ ابن عبّاس هو واحد من سادة بني هاشم الّذين لم يبايعوا لأبي بكر إلاّ بعد ستّة أشهر([1148])!.
فمع هذه الثوابت لايبقى احتمال لصحّة الحديث المنسوب إلى عائشة!.
٣ ـ حديث: «اقتدوا باللَّذَين مِن بعدي، أبي بكر وعمر».
أخرجه الترمذي وابن ماجة([1149])، واعتمده كثيرون في إثبات النصّ على أبي بكر وعمر، أو في إثبات صحّة خلافتهما([1150]).
لكنّ ابن حزم استهجن كثيراً الاستدلالَ بهذه الرواية، وعدّه عيباً يترصّدُ أمثالَه الخصوم، فقال مانصّه: «ولو أنّنا نستجيز التدليس والأمر الذي لو ظفر به خصومنا طاروا به فرحاً، أو أبلسوا أسفاً، لاحتججنا بما روي «اقتدوا باللَّذَين من بعدي أبي بكر وعمر» ولكنّه لا يصحّ، ويُعيذنا الله من الاحتجاج بما لا يصحّ([1151]).
٤ ـ نصوص أُخر نُسبت إلى عليّ (عليه السلام)، إمعاناً في سدّ الثغرات، وقطع الطريق على الخصم، استبعد المحبّ الطبري صحّة شيءٍ منها لتخلّف عليٍّ عن بيعة أبي بكر ستّة أشهر، ونسبته إلى نسيان الحديث في مثل هذه المدّة أمر بعيد([1152]). وهذا حقٌّ يؤيّده ما اشتهر عن عليّ (عليه السلام) من ذِكر حقّه في الخلافة([1153]).
هذه جملة ما اعتمدوه من النصوص الحديثية في النصّ على أبي بكر وتقديمه.
ثانياً ـ نصوص من القرآن الكريم
١ ـ قوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ}([1154]).
قالوا: الخطاب هنا للصحابة، فوجب أن يوجد في جماعة منهم خلافة يتمكّن بها الدين، ولم يوجد على هذه الصفة إلاّ خلافة الخلفاء الأربعة، فهي التي وعد الله بها([1155]). حتّى صرّح بعضهم بأنّ الآية نازلة فيهم، أو في أبي بكر وعمر خاصّةً([1156]).
وهذا الاستدلال ضعّفه المفسّرون بأمرين:
الأوّل: إنّ المراد في هذه الآية هو (الوعد لجميع الأُمّة في ملك الأرض كلّها تحت كلمة الإسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: «زُوِيَتْ لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلك أُمّتي مازُوِيَ لي منها». والصحيح في هذه الآية أنّها في استخلاف الجمهور، واستخلافهم هو أن يملّكهم البلاد ويجعلهم أهلها.
وأنّ هذه الحال ـ التي تصفها الآية ـ لم تختصّ بالخلفاء الأربعة رضي الله عنهم حتّى يُخَصُّوا بها من عموم الآية، بل شاركهم في ذلك جميع المهاجرين، بل وغيرهم. ألا ترى إلى إغراء قريش المسلمين في أُحد وغيرها، وخاصّةً الخندق، حتى أخبر الله تعالى عن جميعهم فقال: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا}([1157]). ثمّ إنّ الله ردّ الكافرين فلم ينالوا خيراً، وأمّن المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وهو المراد بقوله:{لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرضِ}. وقوله: {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني بني إسرائيل، إذ أهلك الله الجبابرة بمصر، وأورثهم أرضهم وديارهم، فقال: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا}([1158]). وهكذا كان الصحابة مستضعَفين خائفين، ثمّ إنّ الله تعالى أمّنهم ومكّنهم وملّكهم، فصحّ أنّ الآية عامّة لأُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) غير مخصوصة، إذ التخصيص لايكون إلاّ بخبر ممّن يجب له التسليم، ومن الأصل المعلوم التمسّك بالعموم)([1159]).
وهذا يعني بوضوح أنّ الخطاب غير محصور بالصحابة رضي الله عنهم، بل هو عام لكلّ أمّة محمّد في كلّ زمان([1160]).
والثاني: ما ذكروه في سبب نزول الآية، فإنّه منطبق تماما على ما ذُكر آنفاً، لايُساعد على تخصيصها في الخلفاء الأربعة أو بعضهم، وإنْ كان فيه مايفيد تخصيصها بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه([1161]).
ففي رواية البراء، قال: فينا نزلت ونحن في خوف شديد.
وفي رواية أبي العالية، يصف حال أصحاب الرسول وهم خائفون، يُمسون في السلاح ويُصبحون في السلاح، فشكوا ذلك إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فأنزل الله الآية، فأظهر الله نبيّه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح.
ومثلها رواية أُبيّ بن كعب، وقوله في رواية ثانية عنه: لمّا نزلت على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية، بشّر هذه الأُمّة بالسَنا والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب([1162]).
أمّا رواية عبد بن حُميد عن عطيّة ففيها تخصيص آخر مخالف للتخصيص المذكور في الخلفاء الأربعة، إذ قال عطيّة: هم أهل بيتٍ هاهنا! وأشار بيده إلى القِبلة([1163]).
وفي هذا عطف على ما ذهب إليه غالب مفسّري الشيعة من أنّ الآية في المهدي الموعود (عليه السلام) الذي تواترت الأخبار على أنّه سيظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وأنّ المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات هنا: النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة من أهل بيته (عليهم السلام)([1164]).
لكنّ المفسّر الطباطبائي الذي يمنع التخصيص هنا لعدم وجود قرينة من لفظ أو عقل تدلّ عليه، يؤكد أنّ الآية نصّ على بعض الأمّة، لا جميعها، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات([1165])، وأنّ هذا المجتمع الطيّب الطاهر كما تصوّره الآية، إنّ انطبق فلينطبق على زمن ظهور المهديّ (عليه السلام) على ما ورد من صفة ذلك الزمان في الأخبار المتواترة عن النبيّ وأئمة أهل البيت، لكن على أن يكون الخطاب للمجتمع الصالح، لا للمهدي (عليه السلام) وحده([1166]).
وهذا موافق لما روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الآية([1167]).
هذه هي الآية الأولى، ومع ظهور ما تقدّم من إفادتها العموم، لا يبقى وجه للتمسّك بها هنا، وأيضاً فهي لم تكن عند المحتجّين بها نصّاً في الاستخلاف، إنّما أرادوا الاستدلال بها على صحة الخلافة، فلم تنهض دليلاً حتّى بالقدر الذي أرادوه! وكذا مع الآية الثانية:
٢ ـ قوله تعالى {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا} ([1168]).
فقد جعل الداعي مفترض الطاعة، والمراد به أبو بكر وعمر وعثمان، فوجبت طاعتهم بنصّ القرآن، وإذ قد وجبت طاعتهم فرضاً فقد صحّت إمامتهم وخلافتهم([1169]).
والصحيح الذي يوافق تاريخ نزول الآية الكريمة، ويوافق الوقائع، هو ما ذكره الرازي من أنّ الداعي هو النبيّ (صلّى الله عليه وآله)([1170])، إذ كانت الآية المذكورة نازلة في الحديبية بلا خلاف، وهي في سنة ستّ للهجرة، وبعدها غزا النبيّ هوازن وثقيف وهم أُولو بأس شديد، في وقعة حنين الشهيرة وذلك بعد فتح مكّة في السنة الثامنة للهجرة، وفتح مكّة هو الآخر دعوة إلى قتال قوم أُولي بأس شديد قاتَلوا الإسلام وأهله حتّى أظهره الله عليهم في الفتح، ثمّ كانت غزوة مؤتة الشديدة، ثمّ غزوة تبوك وهي المعروفة بجيش العسرة، التي استهدفت محاربة الروم على مشارف الشام، ثمّ دعاهم مرّةً أُخرى لقتال الروم في جيش أُسامة الذي جهّزه وأمر بإنفاذه وشدّد على ذلك في مرضه الذي توفّي فيه.
فكيف يقال إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يَدْعُهُم إلى قتال بعد نزول الآية؟
ولأجل الفرار من هذا المأزق ذهبوا إلى آية سورة التوبة النازلة في المخلَّفين: {فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا}([1171]). قال ابن حزم بعد أن ذكر هذه الآية ما نصّه: وكان نزول سورة براءة التي فيها هذا الحكم بعد غزوة تبوك بلا شكّ التي تخلّف فيها الثلاثة المعذورون الّذين تاب الله عليهم في سورة براءة، ولم يغزُ (عليه الصلاة والسلام) بعد غزوة تبوك إلى أن مات. وقال تعالى أيضاً: {سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِن قَبْلُ}([1172]) فبيّن أنّ العرب لا يغزون مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد تبوك([1173])!.
وهذا أوّل التهافت! فالآية الثانية، آية سورة الفتح، نزلت في الحديبية سنة ستّ للهجرة بلا خلاف، أي قبل تبوك بثلاث سنين! ويتّضح التهافت جليّاً حين يواصل القول مباشرةً: «ثمّ عطف سبحانه وتعالى عليهم إثر منعه إيّاهم من الغزو مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وغلق باب التوبة فقال تعالى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} فأخبر تعالى أنّهم سيدعوهم غير النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى قومٍ يقاتلونهم أو يُسلمون»([1174]).
وهكذا قلب ترتيب الآيات، فقدّم آية التوبة النازلة بعد تبوك سنة تسع، وأخّر آية الفتح النازلة في الحديبية سنة ستّ، ليتّفق له ما يريد!.
وهذا هو الخطأ الأوّل، فكيف يكون مانزل سنة تسع من الهجرة مقدَّماً على مانزل سنة ستّ؟!.
وأمّا الخطأ الثاني فليس بأقلّ ظهوراً من الأوّل: فآية سورة الفتح النازلة في الحديبية في السنة السادسة قد جاء فيها الإخبار عن وقوع الدعوة، وتعليق الثواب والعقاب بالطاعة والعصيان منهم، فنصّ الآية يقول: {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ…} وقد وقعت الدعوة منه (صلّى الله عليه وآله) حقّاً في حُنين ومؤتة وتبوك.
أمّا آية سورة التوبة في المخلَّفين المنافقين فقد أغلقت عليهم طريق التوبة ومنعت خروجهم مع النبيّ ومع غيره أيضاً، إذ كيف يدعوهم أبو بكر أو عمر إلى جهاد الكفّار وهم قد شهد عليهم الله ورسوله بالكفر والموت على الضلال؟! فقال تعالى في تلك الآية نفسها: {فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الخَالِفِينَ * وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}([1175]).
وهذا صريح في حكم الله تعالى عليهم بالكفر وقت نزول الآيات، وأنّهم يموتون على الكفر والضلال، وأكّد ذلك بقوله في الآية التالية مباشرة: {وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}([1176]).
فهؤلاء إذن المقطوع بكفرهم وموتهم على الكفر، غير أُولئك الّذين ذكرتهم سورة الفتح ووعدتهم بالثواب إنْ هم استجابوا للداعي!.
وهذه المفارقات الظاهرة لا تخفى على كبار المتكلّمين لولا التقليد والإصرار على نصرة المذهب! وهذه العلّة هي التي أوقعت الكثير من كبار المتكلّمين في العقائد بمثل هذه التناقضات والمفارقات الغريبة التي لا تخفى على البسطاء، لكنّها بلا شكّ محلّ اعتصام المقلّدين الذين يعجبهم كلّ ما من شأنه نصرة المذهب! وهذه ظاهرة عامّة، فلا فرق بين مقلّد متعصّب، وآخر مثله.
ـ ثمّة التفاتة لم أجد من أشار إليها مع أنّها داخلة في صلب هذا الموضوع إلى حد الحسم في تحديد غايته! وهي: أنّه في ذات الواقعة التي نزلت فيها الآية الأُولى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا…} أي في الحديبية ذاتها، قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لوفد قريش: «يا معشر قريش، لَتنتهنَّ أو لَيبعثنَّ اللهُ عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن قلبه على الإيمان» قالوا: من هو يا رسول الله؟ فقال أبو بكر: من هو يا رسول الله؟ وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله): «خاصف النَعل» وكان قد أعطى عليّاً نعلاً يخصفها.
أخرجه الترمذي والنسائي وابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة([1177]).
ونحو هذا ثقيف، قال لهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «لَتُسلمُنَّ أو لأبعثنَّ عليكم رجلاً منّي ـ أو قال: مثل نفسي ـ ليضربنّ أعناقكم، وليسبينّ ذراريكم، وليأخذنّ أموالكم» قال عمر: فو الله ماتمنّيت الإمارة إلاّ يومئذٍ، فجعلتُ أنصب صدري رجاء أن يقول: هو هذا. فالتفتَ إلى عليٍّ فأخذ بيده وقال: «هو هذا، هو هذا»([1178]).
ونحوه ما أخبر به النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه واقعٌ بعده، فقال: «إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلتُ على تنزيله» فاستشرف له القوم، وفيهم أبو بكر وعمر، فقال أبو بكر: أنا هو؟ قال: «لا». قال عمر: أنا هو؟ قال: «لا، ولكن خاصف النعل» وكان عليٌّ يخصف نعل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)([1179]).
وهذه نصوص اجتمعت صراحةً على نفي وإثبات:
ـ نفت صراحةً أن يكون الداعي أبو بكر أو عمر…
وأثبتت صراحةً إن كان داعٍ بعد الرسول فهو عليّ!.
وبعد وجود هذه النصوص الموثّقة المتضافرة فلا مسوِّغ للرجوع إلى مداخلات المتكلّمين.
إثارة في الختام
إنّ هذا المضيّ وراء تبرير الأمر الواقع ليمنح المرء حقّاً في التساؤل، ولا حرج، ما دام للتساؤل موضوع، وما دام فرض المحال ليس بمحال…
ـ فماذا يُقال إزاء النص الوحيد الذي ظهر يوم السقيفة على لسان عمر حين قال لأبي عبيدة: أبسط يديك لأبايعك فأنت أمين هذه الأمّة([1180])؟ بل الذي نقله الطبري وابن الأثير أنّ أبا بكر هو الذي قال ذلك لأبي عبيدة([1181])!.
هذا هو النصّ الوحيد الذي تناقلته أخبار السقيفة بعد نصّ «الأئمّة من قريش» فصاحب هذا النصّ أولى بالخلافة إذن، ولو بسط يديه وبايعوه لكان هو أفضل الصحابة بلا جدال! والأصح هذا النصّ «أمين الأّمة» هو النصّ الذي يتصدّر جميع بحوثنا الكلامية في الإمامة، ولما وجدنا للنصوص التي يذكرها المتكلّمون في أبي بكر عيناً ولا أثراً!.
ـ وماذا لو قُدِّر أن تتمّ الخلافة لعمرو بن العاص أوّلاً؟
عندئذٍ سوف تنتقل كلّ البراهين والنصوص باتّجاه عمرو، بلا أدنى شكّ، وله بذلك حجّة ظاهرة. ـ فقد نصبه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أميراً على جيش فيه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة جميعاً، في ذات السلاسل! وكانوا مأمورين بطاعته وملازمته! وكان أثناء ذلك كلّه يؤمّهم في الصلاة([1182])، حتّى أمّهم في بعض صلواته جُنُباً([1183])! فهاتان خصلتان كبيرتان تقدّم فيهما على المهاجرين الثلاثة الذين شهدوا السقيفة؛ أبي بكر وعمر وأبي عبيدة؛ إمارة عليهم جميعاً، وإمامة الصلاة عليهم جميعاً!.
وله بعد ذلك منقبة لم تكن لواحد منهم، فقد بعثه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أميراً على سرية إلى عُمان، فآمن أهلها على يديه([1184]). ثمّ هو قرشيّ أيضاً يصدق عليه الحديث «الأئمّة من قريش»! وقد أسلم قبل الفتح وهاجر إلى المدينة([1185])!.
وسوف يدعم ذلك كلّه برهان طالما اعتمدوه في إثبات شرعية الخلافة، وهو أنّه لو كانت الإمامة لغيره وقدّمته الأمّة لكانت هي شرّ أمّة لانتزاعها الإمامة من صاحبها والأحقّ بها ثمّ منحها لمن هو دونه، ولكنّها خير أمّة كما أخبر القرآن الكريم([1186]).
بعد هذا كلّه تتجلّى الحقيقة التي تقول: إنّ الرجوع إلى النصّ، لم يحدث إلاّ في وقت متأخّر، فحينما قال الشيعة بولاية عليّ ونصّ النبيّ عليه، التمس أهل السنّة من إشارات النصّ ما ينبئ بخلافة أبي بكر([1187]).
لكن لمّا كانت هذه النظرية قائمة أساساً على تبرير الأمر الواقع الذي تحقّق بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) فهي لم تبحث عن النصوص بحثاً موضوعياً لغرض الوقوف على النصوص الصحيحة قطعاً والتي تفيد فائدة حقيقية في تعيين خلفاء الرسول، وإنّما ذهبت تفتش عن نصوص تسند ذلك الواقع التاريخي، وتضفي عليه سمة الشرعية، فحين لم تجد ما يسعفها في ذلك راحت تتلمّس غايتها وراء النصوص المصنوعة، بغضّ النظر عن سلامة أسانيدها وضعف دلالاتها! أو من خلال إقحام الآراء على النصوص وتحميلها ما لا تتحمّل، فقادها هذا وذاك إلى جملة من التهافات والتناقضات المؤسفة!.
ومهما كان، فإنّ هذه المحاولات تصطدم مرّة أخرى بعقبة كؤود: فلم يثبت عن أحد من الصحابة أنّه ادّعى النصّ على أبي بكر، بل الثابت عنهم هو العكس تماماً، كما ثبت عن عمر حتّى آخر حياته، وكما ثبت حتّى عن السيّدة عائشة التي نسبوا إليها بعض النصوص المتقدّمة، فقد نقلوا عنها شهادتها بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يستخلف، فقالوا لها: من كان رسول الله مستخلفاً لو استخلف؟ فقالت: أبا بكر. قالوا: ثمّ مَن؟ قالت: عمر. قالوا: ثمّ من؟ قالت: أبا عبيدة([1188])!.
ولا يخفى أيضاً أنّ هذا الترتيب هو الترتيب الذي أفرزته السقيفة، وأفرزه تتابُعُ عهود الخلافة: أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ تمنّي عمر لو كان أبو عبيدة حيّاً ليستخلفه… وليس هو الترتيب الذي تفرزه سير الصحابة حول الرسول، ولا هو الترتيب المتّبع في التفضيل عند أهل السنّة!.
ورغم ذلك فإنّ ابن حزم ينسب عمر وعائشة إلى الغفلة عن ذلك، وأنّه قد خفي عليهما النصّ كما خفي عليهما كثير من أمر رسول الله([1189])!!.
وهذا تبرير لا يرتضيه أحد، ولا يقوم إلاّ على الظنّ، بل لو كان ثمّة نصّ على أبي بكر وأمكن أن يخفى، لخفي على الجميع إلاّ عمر وعائشة اللذين كانا أكثر الناس اجتهاداً في تثبيت خلافته! وأيضاً فثمّة ما يشبه الإجماع عند أهل السنّة على عدم النصّ، وشذّت طائفة من المعتزلة عن قول أسلافها فزعمت أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نصّ على صفة الإمام ونعته، ولم ينصّ على اسمه ونسبه، وهذا قول أحدثوه قريباً، وكذلك قالت جماعة من أهل الحديث، هربت حين عضّها حِجاج الإمامية، ولجأت إلى أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نصّ على أبي بكر، فتركت مذهب أسلافها([1190]).
النصوص الصحيحة الحاكمة
نصوص أيقن بها طائفة من الصحابة، على رأسهم عليّ، يقيناً لا يسمح أن يتسرّب إلى مدلولها شكّ.. يقينا دفع عليّاً (عليه السلام) أن يردّ بدهشة على من دعاه لتعجيل البيعة بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، قائلاً: «ومن يطلب هذا الأمر غيرنا»([1191])؟!.
لكنّ تسارع الأحداث تلك الأثناء، وإحكام القبضة، لم يتركا لشيء من تلك النصوص موقعاً يرتجى ، أمّا حين تحقّقت بارقة أمل يوم اجتماع الأصحاب الستّة للشورى ولم يُبَتّ في الأمر بعد، فلم يتوانَ عليٌّ (عليه السلام) عن التذكير بطائفة منها([1192])…
وبعد أن تمّت له البيعة كانت الأذهان أكثر استعداداً للإصغاء، وأوسع فسحةً للتأمّل… فبالغ في التذكير ببعضها، نصّاً أو دلالةً، حتّى امتلأت بها خطبه الطوال والقصار، وكان لايخلو تذكيره أحيانا من تقريع، ظاهر… أو خفيّ!
وبواحد من مواقفه نستهلّ هذه الطائفة من النصوص:
١ ـ «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه»:
خطب عليٌّ (عليه السلام) في الناس، فقال: أنشدُ الله مَن سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خُمّ: «مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» لَما قام فشهد!
فقام اثنا عشر بدرياً، فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خُمّ: «ألستُ أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم»؟ قلنا: بلى ، يا رسول الله.
قال: «فمَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عادا»([1193]).
وحديث غدير خمّ لم يرد في مسند أحمد أكثر منه طُرُقاً إلاّ حديثاً واحداً[1194])! أمّا في كتاب (السُنّة) لابن أبي عاصم (٢٨٧هـ) وتاريخ ابن كثير، فلا يضاهيه حديث([1195])!!.
ورواه غيرهم بأسانيد صحيحة، كالترمذي وابن ماجة، والنسائي، وابن أبي شيبة، والحاكم([1196]). ونَصَّ الذهبي على تواتره([1197]).
لكن بعد هذا جاء دور المتكلّمين، فبذلوا جهودا مضنيةً في تأويله وصرفه عن معناه، بل تجريده من كلّ معنىً!!.
فحين رأوا أنّ الإقرار بدلالته على الولاية العامّة يفضي إلى إدانة التاريخ وتخطئة كثير من الصحابة، ذهبوا إلى تأويله بمجرّد النصرة والمحبّة، فيكون معنى الحديث: يا معشر المؤمنين، إنّكم تحبّونني أكثر من أنفسكم، فمن يحبّني يحبّ عليّاً، اللّهمّ أحبّ من أحبّه، وعادِ من عاداه([1198])!.
وحين رأوا أنّ جماعة من الصحابة قد عادَوه وحاربوه، ومنهم: عائشة وطلحة والزبير، وأنّ آخرين قد أسّسوا دينهم ودنياهم على بغضه، ومنهم: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة ومروان وعبد الله بن الزبير.. ذهبوا إلى حقّ هؤلاء في الاجتهاد مقابل ذلك النصّ، فهم معذورون وإن أخطأوا، بل مأجورون أجراً واحداً لأجل اجتهادهم([1199])!!.
وهكذا أصبح الخروج على نصوص الشريعة حتّى في مثل تلك الطرق السافرة، اجتهاداً يُثاب صاحبه، وليس بينه وبين الآخر الذي تمسّك بالشريعة وقاتل دونها إلاّ فرق الأجر! فالذي قاتل الشريعة له نصف أجر الذي قاتل دونها! لقد كان الأوْلى بهم أن يتابعوا سُنّة الرسول، ويوقِّروا نصّه الشريف الثابت عنه، بدلاً من إفراطهم في متابعة الأمر الواقع الذي ظهر فيه اختلاف كثير… ثمّ إذا أرادوا بعد ذلك أن يعذروا الصحابة، فما أوسع أبواب الأعذار، ولقد أجاد ابن تيمية خاصّة في إعذارهم في ما ثبت عنهم من فتاوى أو أفعال تخالف السنّة الثابتة([1200]).
فالحقّ أنّ هذا نصٌّ صريح في ولاية عليٍّ (عليه السلام)، لا يحتمل شيئاً من تلك التأويلات التي ما كانت لتظهر لولا الانحياز للأمر الواقع ومناصرته. وممّا يزيد في ظهور هذا النصّ نصوص أُخرى تشهد له وتبيّنه، كما نرى في النصوص الآتية:
٢ ـ قوله (صلّى الله عليه وآله): «إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي». حديث صحيح([1201]).
ـ ومثله قوله (صلّى الله عليه وآله) في عليّ: «إنّه منّي وأنا منه، وهو وليّكم بعدي.. إنّه منّي وأنا منه وهو وليّكم بعدي» يكرّرها([1202]).
ـ ومثله قوله (صلّى الله عليه وآله) لعليٍّ: «أنت وليّي في كلّ مؤمن بعدي». أو: «أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ومؤمنة»([1203]).
وبعد اليقين بصحّة هذه الاحاديث، لايمكن أن تفسّر بحسب ظاهرها فتدين الواقع التاريخي… فلمّا أرادوا تفسير الولاية هنا أيضاً بالنصرة والمحبّة، نظير ما في قوله تعالى: {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[1204])، صدمهم قوله: «بعدي» الذي لا يمكن أن يتشابه معناه!.
ولمّا كانت قدسية الرجال أعظم من قدسية النصّ، رغم ثبوت صحّته عندهم، شهروا سيف التكذيب، فقالوا: إسناده صحيح مع نكارة في متنه لشذوذ كلمة «بعدي»!
ولمّا أرادوا البرهان على هذه النكارة والشذوذ فمن اليسير جدّاً أن يرموا بها «شيعيّاً» ورد في إسناد بعضها([1205])!.
لكن من البديهي أنّ مثل هذا البرهان الأخير يحتاج إلى توثيق، خصوصاً إزاء حديث يرِد بأسانيد صحيحة متعدّدة، فكيف وثّقوه؟
ليتهم لم يوثّقوه، ليتهم تركوه مجازفةً كمجازفات الكثير من أصحاب الأذواق!!.
قالوا في توثيقه: يؤيّده أنّ الإمام أحمد روى هذا الحديث من عدّة طرق ليست في واحدة منها هذه الزيادة([1206]).
إنّها مقالةُ مَن لا يخشى فضيحة التحقيق!!.
فالنصوص الثلاثة التي ذكرناها لهذا الحديث، وفي جميعها كلمة «بعدي» جميعها في مسند أحمد([1207]).
وأغرب من هذا أنّ المحقّق الذي ينقل قولهم المتقدّم ويعتمده، يخرّج بعضها على مسند أحمد نفسه([1208])!.
ومرّة أُخرى ينهار ذلك البرهان وتوثيقه أمام الحديث الذي رواه أحمد في مسنده وفيه: «أنت وليّي في كلّ مؤمن بعدي»([1209])، وليس في إسناده واحد من أُولئك (الشيعة) الّذين اتُّهِموا به! بل اتّفق على صحّته الحاكم والذهبي والألباني([1210])!.
إنّ هذه الدلائل ليست فقط تثبت صحّة قوله «بعدي»، إنّما تثبت أيضاً ـ مع المعرفة بحقائق التاريخ وموقف الرواة من فضائل عليّ ـ أنّ الرواية التي وردت في مسند أحمد أو غيره وليس فيها كلمة «بعدي» إنّما قام (بتهذيبها) أنصار التاريخ الّذين نصروه حتّى في أوج انحرافه عن السُنّة…
كيف لا، وهي إدانة صريحة لمساره المنحرف الذي صار عقيدةً يتديّنون بها، ويضلِّلون مَن خالفهم فيها؟!.
3 ـ الحديث الذي غاب عن (السنن) وأظهره أصحاب التاريخ والتفسير: «إنّ هذا أخي، ووصيّي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا»([1211]).
فإذا كان الذي دهش قريشاً في جاهليّتها هو أن يُؤمر أبو طالب بأن يسمع لابنه ويطيع([1212])، فقد دهشها بعد الإسلام أن يُؤْمر كلّ الصحابة بذلك!.
ولعلّ الذي صرف عنه أصحاب السنن هو من نحو ما ذكره ابن كثير في تعليقه على الحديث، قائلاً، ذكروا فيه إسناد عبد الغفّار بن القاسم، وهو كذّاب، شيعي، اتّهمه عليّ بن المديني بوضع الحديث، وضعّفه الباقون([1213]).
لكنّ أبو مريم، عبد الغفّار بن القاسم، قد حفظ له التاريخ غير ما ذكر ابن كثير!.
حفظ لنا خلاصة سيرته، وصلته بالحديث، ومنزلته فيه، ثمّ حفظ علّة تركهم حديثه: قال ابن حجر العسقلاني: «كان ـ أبو مريم ـ ذا اعتناء بالعلم وبالرجال.. وقال شعبة: لم أرَ أحفظ منه.. وقال ابن عديّ: سمعتُ ابن عقدة يثني على أبي مريم ويُطريه، ويجاوز الحدّ في مدحه، حتّى قال: لو ظُهر على أبي مريم مااجتمع الناس إلى شعبة»([1214])!!.
إذن لأمرٍ ما لم يُظهَر على أبي مريم؛ قال البخاري: عبد الغفّار بن القاسم ليس بالقويّ عندهم.. حدّث بحديث بُرَيدة «عليٌّ مولى مَن كنتُ مولاه»([1215])!.
لكنّ حديث بريدة هذا قد أخرجه ابن كثير نفسه من طريق آخر وصفه بأنّه إسناد جيّد قويّ، رجاله كلّهم ثقات([1216])!.
ذلك هو أبو مريم!
4 ـ خلاصة وصيّة النبيّ لأُمّته في حفظ رسالته:
«ألا أيُّها الناس، إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيب، وأنا تاركٌ فيكم الثَقَلَين: أوّلهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به… وأهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي»([1217]).
ـ «إنّي تاركٌ فيكم ماإنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علَيَّ الحوض… فانظروا كيف تخلفوني فيهما»([1218]).
ـ «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب الله، وأهل بيتي…» ([1219]).
تلك خلاصة رسالة السماء… ومفتاح المسار الصحيح الذي أراده النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لشريعته.
وهذا كلام لا يختلف في فهمه عامّيٌّ وبليغ.. فمن أين يأتيه التأويل؟!.
إنّه لو قُدِّر أن تتحقّق الخلافة لعليٍّ أوّلاً، لَما ارتاب أحد في هذا النصّ الصريح الصحيح… لكنّ اختلاف المسار الجديد عنه، وتقديس الرجال، هما وراء كلّ ما نراه من ارتياب وتجاهل لنصّ لا شيء أدلّ منه على تعيين أئمّة المسلمين، خلفاء الرسول!!.
إنّ أغرب ما جاء في (تعطيل) هذا النصّ قولٌ متهافتٌ ابتدعه ابن تيميّة حين قال: (إنّ الحديث لم يأمر إلاّ باتّباع الكتاب، وهو لم يأمر باتّباع العترة، ولكن قال: أُذكّركم الله في أهل بيتي) ([1220])!.
فقط وفقط، ولا كلمة واحدة!!.
ولهذا القول المتهافت مقلِّدون، والمقلِّد لا يقدح في ذهنه ما يقدح في أذهان البسطاء حتّى! ليعيد على شيخه السؤال: أين الثقل الثاني إذن؟! أين الخليفة الثاني إذن؟! مَن هذان اللذان لن يفترقا حتى يردّا الحوضَ معاً؟!.
وليست هذه الأسئلة من شأن المقلّد، كما لم تكن من شأن المتأوّل، لأنّ شأنهما أن يستترا وراء التأويل، عن لمعان النصّ ودويّه!.
«كتاب الله» و «عترتي أهل بيتي» إنّهما المحوران اللذان سيمثّلان محلّ القُطب في مسار الإسلام الأصيل غدا بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله).
وليس بعد هذا الحديث، وحديث غدير خمّ، مايستدعي البحث عن نصوص أُخر لمن شاء أن يؤمن بالنصوص…
الخطاب الجامع… مفترق الطرق
في حديث صحيح، جمع الخطاب وأوجز: قال الصحابي زيد بن أرقم: لمّا رجع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع ونزل غدير خمّ، أمر بدوحاتٍ فقُمِمْن([1221])، ثمّ قال: «كأنّي دُعيتُ فأجبتُ، وإنّي تارك فيكم الثَقَلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي. فانظروا كيف تخلفوني فيهما! فإنّهما لن يفترقا حتى يردا علَيَّ الحوض».
ثمّ قال: «إنّ الله مولاي، وأنا وليّ كلّ مؤمن» ثمّ أخذ بيد عليّ (عليه السلام)، فقال: «مَن كنتُ وليّه فهذا وليّه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه».
قال أبو الطفيل: قلتُ لزيد: سمعتَه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟
قال: نعم، وإنّه ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينيه وسمعه بأُذنيه([1222]). هذا الخطاب، على نحو مئة ألف من المسلمين شهدوا حجّة الوداع، وعند مفترق طرقهم إلى مدائنهم، لم يعِشِ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بعده إلاّ نحو ثمانين يوماً[1223])، ليكون هذا الخطاب ذاته بعد اليوم الثمانين مفترق الطرق بين المسلمين، وحتى اليوم!!.
ثمانون يوماً لا تكفي لنسيانه!!.
ودواعي الذكرى التي أحاطت به لا تسمح بتناسيه!!.
لكن لم يحدّثنا التاريخ أنّ أحداً قد ذكره في تلك الأيّام الحاسمة التي ينبغي ألاّ تعيد الأذهان إلى شيء قبله، فهو النصّ الذي يملأ ذلك الفراغ، ويسكن له ذلك الهيجان، وتنقطع دونه الأمانيّ، أو فرص الاجتهاد…
«إنّي يوشك أن أُدعى فأُجيب…
وإنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي…
مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه…».
والعهدُ، بعدُ، قريبٌ، جدُّ قريب…
فإذا وجدنا اليوم من لم يؤمن بالنصّ على خليفة النبيّ، فليس لأنّ النبيّ لم يَقُلْه، بل لأنّ الناس يومئذٍ لم يذكروه!!.
5 ـ «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي». حديث متواتر لا خلاف فيه([1224])، لكنّ الكلام في تأويله، وما أغنانا عن التأويل الذي ما أبقى من النصّ إلاّ حروفه!!.
غريب جدّاً ما ذهب إليه المتأوَّلون من أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يَقُلْهُ إلاّ تطييباً لخاطر عليٍّ وترغيباً له في البقاء في المدينة لمّا أرجف به المنافقون وقالوا: خلّفك مع النساء والصبيان! وليس فيه من تشابه المنزلتين إلاّ القرابة([1225])!.
ـ غريب في نسبة هذه الاغراض إلى حديث نبويّ ظاهر، إلى حديث النبيّ الذي لا يقول إلاّ حقّاً، ومع عليٍّ بالذات، ربيب النبيّ وبطل الملاحم!!.
ـ وغريب في تناسي القرآن، وكأنّ القرآن لم يذكر شيئاً من منزلة هارون من موسى!!.
ـ وغريب في الغفلة عمّا يضفيه هذا التأويل إلى عليّ وسعد وابن عبّاس، على الأقلّ، من سذاجة في التفكير وقصور في الفهم!!.
ألم يكن عليٌّ يعرف قرابته من رسول الله قبل ذلك اليوم؟!.
أم كان سعد لم يتمنّ إلاّ هذه القرابة وهو يقول: سمعتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول في عليٍّ ثلاث خصال لئن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليَّ من حمر النعم، سمعته يقول: «إنّه منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي…»([1226])؟! فهل فهم منه القرابة، لا غير؟!.
أم كان ابن عبّاس لا يريد إلاّ القرابة حين يذكر لعليٍّ عشر خصال ليست لأحدٍ من الناس، فيعدّ فيها هذا الحديث([1227])؟!.
هذا وأنّ لابن عبّاس من قرابة النبيّ مثل ما لعليّ (عليه السلام) فكلاهما ابن عمّه (صلّى الله عليه وآله)!! ويساويهما في هذه القرابة كلّ أولاد أبي طالب وأولاد العبّاس وأولاد أبي لهب!.
ـ ولا يخفى أيضاً أنّ قرابة عليٍّ للرسول ليست كقرابة هارون لموسى ، فليست هي المعنيّة في النصّ قطعاً… وغريب أن يخفى على هؤلاء ما هو ظاهر لمن هو دونهم… فقوله: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» ظاهر في عمومه واستيعابه جميع مصاديق تلك المنزلة، ومن هنا استثنى النبوّة، فقال: «إلاّ أنّه لانبيَّ بعدي» فلمّا استثنى النبوّة فقد نصّ على ثبات المصاديق الأُخر، وهي: الوزارة والخلافة.
فلو لم يرد النصّ إلاّ في غزوة تبوك، لَما أفاد ذلك تخصيصه بتلك الغزوة مادام الحديث نصّاً في العموم. ومع هذا فقد ورد هذا النصّ في غير تلك الواقعة أيضاً، كما رواه ابن حبّان وغيره في خبر المؤاخاة([1228]).
6 ـ «يكون بعدي اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش» متواتر، لا نزاع فيه([1229])!.
أهل البيت أوّلاً:
يقول ابن تيميّة: إنّ بني هاشم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب، والعرب أفضل بني آدم، كما صحّ عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قوله في الحديث الصحيح: «إنّ الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش».
ـ وفي السنن أنّه شكا إليه العبّاس أنّ بعض قريش يُحقّرونهم، فقال: «والذي نفسي بيده، لا يدخلون الجنّة حتّى يحبّوكم لله ولقرابتي».
ـ ثمّ قال: وإذا كانوا أفضل الخلائق فلا ريب أنّ أعمالهم أفضل الأعمال([1230]).
ولا ريب أنّ أهل البيت أفضل بني هاشم:
يقول ابن تيميّة في الموضع ذاته: وفي صحيح مسلم عنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال يوم غدير خمّ: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي».
وظاهر أنّ ابن تيمية لا يريد أن يذكر مقدمة الحديث:« إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله .. وأهل بيتي » لأنه لا يريد أن يرى الأمر جليّاً بوجوب التمسّك بأهل البيت!
ويمكن أن يضاف إلى هذا كثير:
ـ «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، فأذهِب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً» عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين، ولا أحد سواهم([1231])… {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}([1232]).
ـ «نحن بنو عبد المطّلب سادة أهل الجنّة: أنا، وحمزة، وعليّ، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهديّ»([1233]).
ـ «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»([1234]).
ـ «المهديّ من عترتي، من وُلْد فاطمة»([1235]).
فلم يبق في الأمر أدنى غموض، بعد تقديم بني هاشم الصريح، وتقديم أهل البيت خاصّة على سائر بني هاشم، وصراحة النصوص المتقدّمة، لا سيّما الغدير والولاية والثقلين، وببساطة كبساطة هذا الدين الحنيف، وبعيداً عن شطط التأويل بُعد هذا الدِين عن التعقيد والتنطُّع، تبدو عندئذٍ كم هي ظاهرةٌ إمامة اثني عشر سيّداً من سادة أهل البيت (عليهم السلام)… وتحديداً: أوّلهم عليّ، فالحسن، فالحسين، وآخرهم المهديّ (عليه السلام).
ومن لحظ الاضطراب الشديد والتهافت الذي وقع فيه شرّاح الصحاح عند حديث الخلفاء الاثني عشر([1236])، ازداد يقيناً في اختصاص سادة أهل البيت بهذا الحديث، دون سواهم.
وقد اهتدى إلى هذا المعنى بعض من شرح الله صدره للإسلام من أهل الكتاب لمّا رأوا في أسفارهم الخبر عن اثني عشر إماماً يكونون بعد النبيّ العظيم من وُلْد إسماعيل([1237])، فناقضهم ابن كثير، نقلاً عن شيخه ابن تيميّة، ليجعل هؤلاء العظماء هم الخلفاء الّذين يعدّون فيهم معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك وهشام، أو الّذين لا يدرون من هُم([1238])!!.
وأهل البيت أوّلاً…
لو لم يكن ثمّة نصّ في الإمامة، وكان للأُمّة أن تُرشّح لها أهلها، وبعد ما تقدّم في تفضيل بني هاشم، وأهل البيت خاصّة، فهم الأوْلى بالإمامة بلا منازع.
وأهل البيت أوّلاً…
لو كانت الخلافة محصورة في قريش، إمّا لنصّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، أو لقول المهاجرين في السقيفة، «أنّ قريشاً أولياؤه وعشيرته»، «وقومه أوْلى به»، «وهيهات أن يجتمع سيفان في غمد»، «ولا تمتنع العرب أن تولّي أمرها مَن كانت النبوّة فيهم». وأخيراً: «فمَن ينازعنا سلطان محمّد ونحن أولياؤه وعشيرته، إلاّ مُدلٍ بباطلٍ، أو متجانف لإثمٍ، أو متورّط في هَلَكة»([1239])؟!.
فإنّ هذا كلّه لا يرشّح أحداً قبل بني هاشم، فإذا كان قومه أوْلى به فلا ينازعهم إلاّ ظالم، فما من أحد أوْلى به من بني هاشم، ثمّ أهل البيت خاصّة!.
فبنو هاشم، دون سواهم من بطون قريش، هم المعنيّون بآية الإنذار في بدء الدعوة النبوية: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}.
وبنو هاشم هم المعنيّون بالمحاصرة في شعب أبي طالب ثلاث سنين، وليس معهم إلاّ بني المطّلب، أمّا بطون قريش الأُخر، تَيم وعديّ وأُميّة ومخزوم وزهرة وغيرها، فهم الّذين تحالفوا على محاصرة عشيرة محمّد الأقربين، بني هاشم وبني المطّلب!!.
فهل خفي هذا على أحد، لو خفيت عليه النصوص؟!.
فالذي جادل في النصوص ودَفَعها بأنّها لو صحّت، أو لو أفادت الخلافة، لَما خفيت على عظماء الصحابة وجمهورهم… عليه أن يقف أمام هذه الحقيقة، كيف خفيت عليهم؟!.
ـ فالحقّ إذن… إنّ التشريع الإسلامي لم يغفل النصّ الحاسم في تحديد معالم مسار الإسلام بعد الرسول…
ـ والحقّ أيضاً… إنّه مهما تنازع الناس في هذا النصّ ومؤدّاه فإنّ كفّة عليّ بن أبي طلب هي الراجحة…
سلوك النبيّ في ترشيح عليّ
عمليّا كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يمارس إعداد عليّ لخلافته، ومنذ بدء الدعوة، ويُظهر لصحبه وللناس أنّه يرشّحه لذلك، عملاً مشفوعاً بالقول أحياناً([1240]).
منذ البدء، نشأ عليٌّ في بيت النبيّ يتبعه اتّباع الظلّ، حتى بُعث (صلّى الله عليه وآله) فكان عليٌّ أوّل من آمن به مع زوجته خديجة([1241]).
ـ وكان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يخرج إلى البيت الحرام ليصلّي فيه، فيصحبه عليٌّ وخديجة فيصلّيان خلفه، على مرأىً من الناس، ولم يكن على الأرض من يصلّي تلك الصلاة غيرهم([1242])…
وكان عليٌّ يصف أيّامه تلك، فيقول: «وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حِجره وأنا ولد، يضمّني إلى صدره… وكان يمضغُ الشيء ثمّ يُلقمنيه، وما وجد لي كذبةً في قول، ولا خَطلةً في فِعل… ولقد كنتُ أتّبعه اتّباع الفصيل أثَرَ أُمّه، يرفعُ لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَماً ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كلّ سنةٍ بحِراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة…» ([1243]).
ـ ويوم أنذر عشيرته الأقربين، رفع شأن عليٍّ عليهم جميعاً، وخصّه بمنزلة لا يشركه فيها غيره.
ـ ويوم هجرته إلى المدينة، اختار عليّاً يبيت في فراشه، ثمّ يؤدّي ما كان عند النبيّ من أمانات، ثمّ يهاجر بمن بقي من نساء بني هاشم.
ـ ثمّ اختصّه بمصاهرته في خير بناته سيّدة نساء العالمين([1244])، بعد أن تقدّم لخطبتها أبو بكر ثمّ عمر فردّهما (صلّى الله عليه وآله)([1245])! وقال لها: «زوّجتك أقدم أُمّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً»([1246]).
ـ وآخى بين المهاجرين والأنصار، ثمّ اصطفى عليّاً لنفسه فقال له: «أنت أخي في الدنيا والآخرة»، أو: «أنت أخي وأنا أخوك»([1247]). فكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سيّد المرسلين وإمام المتّقين ورسول ربّ العالمين الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد، وعليّ بن أبي طالب، أخوَين([1248]).
ـ وفي سائر حروبه كان لواؤه (صلّى الله عليه وآله) أو راية المهاجرين بيد عليٍّ (عليه السلام)([1249]).
ـ وفي خيبر بعث أبا بكرٍ براية، فرجع ولم يصنع شيئاً، فبعث بها عمر، فرجع ولم يصنع بها شيئاً، فقال (صلّى الله عليه وآله): «لأُعطينَّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، لا يخزيه الله أبداً، ولا يرجع حتّى يفتح عليه» فدعا عليّاً ودفع إليه الراية ودعا له، فكان الفتح على يديه([1250]).
وفي عبارة بعضهم: بعث أبا بكر فسار بالناس فانهزم حتّى رجع إليه، وبعث عمر فانهزم بالناس حتى انتهى إليه([1251])… وفي عبارة بعضهم: فعاد يُجبِّن أصحابه ويجبّنونه([1252])!.
ـ ويقول (صلّى الله عليه وآله) لأصحابه: «إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلتُ على تنزيله» فيستشرفون له، كلٌّ يقول: أنا هو؟ وفيهم أبو بكر وعمر، فيقول: «لا، لا، لكنّه عليّ»([1253]).
ـ ويبعث أبا بكر بسورة براءة أميرا على الحجّ، ثمّ يبعث خلفه عليّاً فيأخذها منه، فيعود أبو بكر إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فيقول: أحَدَث فيَّ شيءٌّ، يارسول الله؟
فيقول (صلّى الله عليه وآله): «لا، ولكنّي أُمرتُ ألاّ يبلّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي»([1254])!.
ـ وكان لبعض الأصحاب أبواب شارعة في المسجد، فقال لهم: «سدّوا هذه الأبواب، إلاّ باب عليّ»([1255]).
ـ وكان الصحابة عنده في المسجد، فدخل عليٌّ، فلمّا دخل خرجوا، فلمّا خرجوا تلاوموا! فرجعوا، فقال لهم (صلّى الله عليه وآله): «والله ما أنا أدخلته وأخرجتكم، بل الله أدخله وأخرجكم»([1256]).
ـ ودعاه يوم الطائف يناجيه، فقال بعضهم: لقد طال نجواه مع ابن عمّه!!
فقال لهم (صلّى الله عليه وآله): «ما أنا انتجيته، ولكنّ الله انتجاه»([1257]).
ـ وربّما أراد أن يعلّم أصحابه أدباً، فيقول لهم: «ألا قلتم كما قال عليّ بن أبي طالب»([1258])؟!.
ـ وفي حجّة الوداع أشركه في هديه، دون غيره من أصحابه أو ذوي قرباه([1259]).
ـ وفيها خطب خطبته الشهيرة في عليٍّ في طريق عودته من حجّة الوداع، وهو آخذ بيده يرفعها حتّى يراها الجمع الكبير: «إنّما أنا بشر يوشك أن أدعى فأجيب، وإنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي» «ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فمن كنت مولاه فعليّ مولاه»([1260]).
ـ وخصّه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مدّة حياته الشريفة بمنزلةٍ ليست لأحد! خصّه بساعةٍ من السحر يأتيه فيها كلّ ليلة([1261]).
ـ وإذ نزل قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ}([1262]) كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يأتي باب عليٍّ صلاة الغداة كلّ يوم، ويقول: «الصلاة، رحمكم الله، إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا»([1263]).
ـ وحين يُتوَفّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يخصُّ عليّاً بميراثه دون عمّه العباس، فسُئل وُلْدُ العبّاس عن ذلك فقالوا: إنّ عليّاً كان أوّلنا به لحوقاً، وأشدّنا به لصوقاً([1264]). وغير هذا كثير، وقد عرفه الصحابة في حياة الرسول…
الصحابة والمعرفة بالترشيح
سمع الصحابة وشهدوا نصوص النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وسلوكه في نصب عليٍّ (عليه السلام) وتعيينه لخلافته مباشرةً، فأدركوا ذلك ووعوه، حتى ظهر في أقوال بعضهم، وظهر عند آخرين قولاً وعملاً.
ـ فاشتهر عن بعضهم تمنّيه أن لو كانت له واحدة من تلك الخصال التي خُصَّ بها عليٌّ (عليه السلام)، كما عُرف ذلك عن: عمر بن الخطّاب، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر([1265]).
ـ واشتهر عن آخرين متابعتهم له حتّى عُرفوا في ذلك العهد بشيعة عليّ، منهم: أبو ذرّ، وعمّار، وسلمان، والمقداد([1266]).
ـ بل كان عامّة المهاجرين والأنصار لا يشكّون في أنّ عليّاً (عليه السلام) هو صاحب الأمر بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)([1267]).
وأبو بكر سمع بنفسه قول ابنته عائشة لرسول الله بصوت عال: «والله لقد علمتُ أنّ عليّاً أحبّ إليك من أبي»! فأهوى إليها ليلطمها، وقال: يا ابنة فلانة، أراكِ ترفعين صوتك على رسول الله([1268])!.
ـ قال معاوية بن أبي سفيان في رسالته إلى محمّد بن أبي بكر، وهي الرسالة التي أشار إليها الطبري ثمّ قال: كرهتُ ذِكرها لأُمور لا تحتملها العامّة!، قال فيها معاوية مخاطبا محمّد بن أبي بكر: «قد كنّا وأبوك معنا في حياة نبيّنا نرى حقّ ابن أبي طالب لازماً لنا، وفضله مبرَّزاً علينا»([1269]).
ـ وشهيرةٌ كلمة عمر بن الخطّاب يوم غدير خمّ: «هنيئاً لك يابن أبي طالب، أصبحتَ مولى كلّ مؤمن ومؤمنة»([1270]). علما أنّ هذه الكلمة «مولى » و «وليّ» لم تُعرف لأحد من الصحابة إلاّ لعليٍّ (عليه السلام) في جملة من الأحاديث النبويّة الشريفة: «من كنت مولاه فعليّ مولاه». «وهو وليّكم بعدي». «أنت وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة بعدي».
بل في القرآن أيضاً: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}([1271]). قال الآلوسي: غالب الأخباريّين على أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب([1272])، وعليه شِبهُ إجماعٍ لدى المفسِّرين([1273])، وطائفة من أصحاب الحديث([1274]).
وهذا كلّه كان يعرفه الصحابة من المهاجرين والأنصار خاصّة لقربهم من النبيّ (صلّى الله عليه وآله).
ـ ومن قول محمّد بن أبي بكر في رسالته إلى معاوية، يصف عليّاً (عليه السلام): «وهو وارث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووصيّه، وأبو وُلْده، أوّل الناس له اتّباعاً، وأقربهم به عهداً، يخبره بسرّه، ويُطلعه على أمره»([1275]).
ـ وعبد الله بن عبّاس، حبر الأُمّة، يصفه أيضاً لمعاوية، فيسميّه «سيّد الأوصياء»([1276]).
ـ وأبو ذرّ الغفاري يقول «وعلي بن أبي طالب وصيّ محمّد ووارث علمه»([1277]).
ـ وحذيفة بن اليمان: «الحقوا بأمير المؤمنين، ووصيّ سيّد المرسلين»([1278]).
ـ وعمرو بن الحمق الخزاعي الصحابي الذي دعا له النبي أن يُمتَّع بشبابه، فبقي إلى آخر عمره يتمتع بكلّ سيماء الشباب، يقول لعليّ: أحببتك بخصال خمس: إنّك ابن عمّ رسول الله، ووصيّه([1279])…
ـ والحسن السبط (عليه السلام) خطب خطبته الأُولى بعد وفاة أبيه فذكر: «عليّاً خاتم الأوصياء»([1280]).
ـ وخزيمة بن ثابت، ذو الشهادتين، يصفه لعائشة، فيقول:
وصيّ رسول الله من دون أهلِه
وأنتِ على ما كان مِن ذاكَ شاهِدَهْ([1281])
ـ وحُجر بن عَدي ـ حجر الخير ـ الصحابي الذي بكاه أهل السماء، يصفه في أرجوزة له يقول في آخرها:
واحفظه ربّي واحفظ النبيّا
فيه، فقد كان له وليّا
ثمّ ارتضاه بعده وصيّا([1282])
ـ والنقيب البدري أبو الهيثم بن التيهان، يقول فيه:
إنّ الوصيّ إمامنا ووليّنا
بَرَحَ الخفاءُ وباحت الأسرارُ([1283])
ـ فكما عرفوه «وليّاً» عرفوه «وصيّاً» أيضاً، وذو الشهادتين حين أدلى، في حديثه المتقدّم، بشهادتيه على أنّ عليّاً وصيّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، لم يقف عند هذا الحدّ، بل ألزم عائشة أيضاً الشهادة على ذلك.
وقبل هذا كلّه بكثير ظهرت كلمة (الوصي) في شعر الصحابة، فبعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وحادثة السقيفة، وإبّان ما شجر من نزاع بين الأنصار وبعض قريش من بني أميّة خاصّة، أنشد النعمان بن العجلان ردّاً على عمرو بن العاص:
وقلتُم حرامٌ نصب سعدٍ، ونصبكُم
عتيقَ بن عثمان ـ حلالٌ ـ أبا بكر
وأهلٌ أبو بكر لها خير قائمٍ
وإنّ عليّاً كان أخلق بالأمر
وكان هوانا في عليِّ، وإنّه
لأهل لها يا عمرو من حيث لا تدري
فذاك بعون الله يدعو إلى الهدى
وينهى عن الفحشاء والبغي والنُكر
وصيُّ النبيّ المصطفى وابن عمّه
وقاتلُ فرسان الضلالة والكفرِ([1284])
وقد نسب إلى حسّان بن ثابت شعر في تلك الأيام أيضاً يذكر فيه عليّاً (عليه السلام) فيعرفه بالوصيّ، رواه اليعقوبي والزبير بن بكّار([1285])، يقول:
ألستَ أخاهُ في الهدى ووصيّه
واعلمَ منهم بالكتاب وبالسنن؟!
وربما تردّد المحقّقون في قبول كثير من الشعر المنسوب إلى حسّان، وهذه الأبيات ليست في المختار من ديوانه، لكنّ أحداً لا يقطع بأنّ هذا المختار هو كلّ ما أنشده حسّان… وأيضاً فالزبير بن بكّار واليعقوبي لا يوردان من مثل هذه الأخبار إلاّ ما اشتهر منها، كما يلاحظ بالتتبّع في كتابيهما.
إذن لم يكن لقب «الوصيّ» محدَثاً كما صوّره بعض الدارسين الّذين أغفلوا شهادة التاريخ ثمّ أسقطوا نزعاتهم الشخصية على المفاهيم، وعلى التاريخ كلّه، فصوّروا «الوصيّ» وكأنّه من صنع اليهود، ومنهم انتقل إلى المسلمين، عن طريق عبد الله بن سبأ المزعوم أو غيره([1286])، أو هو من صنع الشيعة ابتدعه هشام بن الحكم (١٩١هـ) ولم يكن معروفاً قبله لا من ابن سبأ ولا من غيره ([1287])!، فالأشعار والنصوص المتقدّمة المحفوظة عن الصحابة سبقت ميلاد هشام بن الحكم بنحو ثمانين سنة!.
كلاّ، بل ذاك ممّا عرفه الصحابة أو بعضهم لعليٍّ، وحفظه تاريخهم، لهم أو عليهم!.
وربّما يُقال إنّ في تلك المصادر نزعة شيعية، والشيعة ليس من حقّهم أن يساهموا في كتابة التاريخ، بل ليس من حقّهم أن يكتبوا تاريخهم الخاصّ أيضاً!.
لكن هل يقال هذا في ابن حجر العسقلاني؟
في شرحه لصحيح البخاري يُثبت ابن حجر أنّ (الشيعة) كانوا يتداولون أحاديث الوصيّة، فنهضت عائشة في مواجهة ذلك التيّار بحديثها الذي أثبته البخاري، تقول فيه إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لمّا نزل به الموت ورأسه على فخذي غُشِيَ عليه ثمّ أفاق، فقال: «اللّهمّ الرفيق الأعلى» فكانت آخر كلمة تكلّم بها «اللّهمّ الرفيق الأعلى».
قال العسقلاني نقلاً عن الزهري في ما يرويه عن جماعة من أهل العلم فيهم عروة بن الزبير: كأنّ عائشة أشارت إلى ما أشاعته الرافضة أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أوصى إلى عليٍّ بالخلافة وأن يوفي ديونه([1288])!.
فخبر الوصية إذن كان يطرق آذانها، حتّى واجهته بهذا الخبر…
لكن لا العسقلاني ولا الزهري ولا جماعة أهل العلم يشاءون أن يتقدّموا في التحقيق خطوة واحدة إلى الأمام، لأنّ الخطوة اللاحقة سوف تنفض أيديهم ممّا وضعه فيها حديث عائشة!.
فالسيّدة أُمّ سَلَمة أقسمت على كذب الحديث المرويّ عن عائشة، حين أقسمت أنّ آخر الناس عهداً بالنبيّ هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)! قالت: «والذي أحلف به، إنْ كان عليٌّ لأقرب الناس عهداً برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، عُدنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غداةً بعد غداة يقول: «جاء عليّ» مراراً، فجاء بعد، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب وكنتُ من أدناهم إلى الباب، فأكبّ عليه عليٌّ، فجعل يُسارّه ويناجيه، ثمّ قُبض (صلّى الله عليه وآله) من يومه ذاك وكان أقرب الناس به عهداً»([1289]).
فالصحابة كانوا يعرفون ذلك وإنْ أنكرته عائشة، فدخل حديثها صحيح البخاري دون حديث أُمّ سلمة الذي كان رجاله من رجال الصحيح!.
وأخيراً، فالوصية التي يفخر بها هذا العدد من الصحابة سوف تبقى أكبر من «وصيّة على قضاء الديون الخاصّة» قد لا تكون محلاًّ لمثل هذا الذكر والفخر…
ـ وفي محاولة السيّدة أمّ سَلَمة للسيّدة عائشة وقد أغضبتها البيعة لعليّ فعزمت على المسير إلى البصرة، أعادت عليها أمّ سَلَمة أشياءَ كثيرة تذكّرها ما تعلمه من حقّ علي، ومن ذلك: «قالت أم سلمة: ويوم كنتُ أنا وأنتِ مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في بعض أسفاره، فأقبل أبوك وعمر فاستئذنا، فقمنا إلى الحجاب، فدخلا ثمّ قالا: يا رسول الله، إنّا والله ما ندري ما قدر ما تصحبنا، أفلا تعلمنا خليفتك فينا فيكون مفزعنا إليه؟
فقال (صلّى الله عليه وآله): أمّا إنّي قد أرى مكانه، ولو فعلتُ لنفرتم عنه كما نفرت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران! فلمّا خرجا خرجت أنا وأنتِ فقلتِ له وكنتِ جريئةً عليه: يا رسول الله، من كنت مستخلفاً عليهم؟ فقال: خاصف النعل.
فنظرتِ إلى عليّ فقلتِ: ما أرى إلاّ علي بن أبي طالب!.
فقال: هو ذاك. أتذكرين هذا؟ قالت: نعم». هذا الحوار نقلته مصادر مهمّة([1290]).
ـ والحوارات التي أدارها عمر بن الخطّاب مع ابن عبّاس هي الاُخرى حوارات كاشفة عن هذا المعنى:
ففي أحدها: يكشف عمر عن معرفته بذلك فيقول: «لقد كان النبيّ يَربَع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعتُ من ذلك، إشفاقاً وحيطةً على الإسلام! وربِّ هذه البَنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً».
أمّا ابن عبّاس فيؤكّد أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد نصّ على عليٍّ، وأنّه سمع ذلك من عليٍّ والعبّاس([1291]).
وفي أُخرى: يؤكّد عمر إرادة قريش، فيقول: كرهت قريش أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة فتجخفوا جخفاً([1292])، فنظرتْ قريش لنفسها فاختارت…
لكنّ ابن عبّاس يحمل على هذه الحجّة حملاً عنيفاً، متسلّحاً بآي القرآن هذه المرّة، فيقول: (أمّا قولك: كرهت قريش! فإنّ الله تعالى قال لقوم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}([1293]).
وأمّا قولك: إنّا كنّا نجخف! فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة، لكنّا قوم أخلاقنا مشتقّة من أخلاق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي قال له الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}([1294]) وقال له: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ}([1295]).
وأمّا قولك: فإنّ قريشاً اختارت! فإنّ الله تعالى يقول: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ}([1296]).
وقد علمتَ يا أمير المؤمنين أنّ الله اختار من خَلقه لذلك مَن اختار فلو نظرتْ قريش من حيث نظر الله لها لَوُفِّقَت وأصابت!!.
ولهذا الحوار مصادره المهمّة أيضاً([1297])!.
وهذه هي نظريّة النصّ في إطارها التامّ: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ}، وإنّ الله اختار مِن خلقه لهذا الأمر مَن اختار… النظرية التي أصبحت من مقولات الشيعة ومن خصائص التشيّع وأعتمدته([1298])، ومن لا يحبّ أن يكون شيعيّاً فعليه أن يخالف فيها ولو بمجرّد الإعراض عنها!.
ـ وفي أخرى: إنّ ابن عمّك قد أجهد نفسه في العبادة، يرشّح نفسه بين الناس للخلافة!.
قال ابن عبّاس: وما يصنع بالترشيح! قد رشّحه لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فصُرفت عنه([1299])!.
ـ والحوار الطويل الذي أداره عثمان أيّام خلافته مع ابن عبّاس، يكشف عن وضوح تامّ لهذه القضيّة، إذ يختم عثمان حديثه بقوله: «ولقد علمتُ أنّ الأمر لكم، ولكنّ قومكم دفعوكم عنه، وآختزلوه دونكم»!.
فأكّد ابن عبّاس هذا المعنى في جوابه، وذكر العلّة فيه كما يراها، ويرى أنّها لم تكن خفيّةً أيضاً على عثمان، فيقول: «أمّا صَرفُ قومِنا عنّا الأمرَ فعن حسدٍ قد والله عرفتَه، وبغيٍ قد والله علمتَه، فالله بيننا وبين قومنا»([1300])!.
هذا كلّه وكثير غيره عرفه الصحابة، وحفظه التاريخ، لهم أو عليهم!.
فحقَّ إذن لقائل أن يقول: إنّ غالبية المسلمين حين توفّي النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كانوا مع الاتّجاه الذي يمثّله عليٌّ بن أبي طالب وأصحابه، لأنّ النبيّ كان زعيم هذا الاتّجاه([1301]).
فقبل ذلك قيل لقد كان عامّة المهاجرين والأنصار لا يشكّون في عليّ([1302]).
النصّ والترشيح في حديث عليّ
واضح جدّا في قراءة تلك الحقبة من التاريخ أنّ عليّاً (عليه السلام) هو أكثر مَن تبنّى إظهار النصوص والإشارات الدالّة على اختياره من الله لخلافة الرسول، أو النصّ عليه بالاسم. وصحة نسبة هذه الكلمات إليه قد فرغ منها أصحاب التحقيق حين تجرّدوا عن الأهواء، وسكن إليها أكثر من خمسين علماً من شرّاح كلماته، ودافعوا عنها دفاعاً معزّزاً بالبراهين الباعثة على الاطمئنان([1303]).
في حقّه خاصّة
عليّ (عليه السلام) هو الذي أعاد إلى الأذهان أحاديث نبويّةً تبرز حقّه في الخلافة بلا منازع، لم يكن مأذونا بها أيّام الخلفاء، إذ منعوا من الحديث إلاّ ما كان في فريضة، يريدون بها الأحكام وفروع العبادات:
١ ـ فقد جمع الناس أيّام خلافته فخطبهم خطبته المنقولة بالتواتر، يناشد فيها أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مَن سمع منهم رسولَ الله بغدير خمّ يخطب فيقول: «مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه» إلاّ قام فشهد([1304]).
٢ ـ وعليٌّ هو الذي أعاد نشر حديث آخر يقدّمه على أبي بكر وعمر خاصّة، إذ أخبر النبيّ أنّ مِن أصحابه مَن يقاتل بعده على تأويل القرآن كما قاتل هو (صلّى الله عليه وآله) على تنزيله، فتمنّى أبو بكر أن يكون هو ذلك الرجل، فلم يصدّق النبيّ أُمنيّته، بل قال له «لا»! فتمنّى ذلك عمر لنفسه فلم يكن أحسن حظّاً من أبي بكر، ثمّ قطع النبيّ الأمانيّ كلّها حين أخبرهم أنّه عليٌّ، لا غير([1305])!.
هذه الأحاديث وغيرها وإنْ رُويت عن غيره إلاّ أنّ روايتها عنه امتازت بكونها خُطَبا على جمهور الناس، لا حديثاً لواحد أو لبضعة نفر، وهذا أبلغ في التأكيد على حقّه الثابت له، وأيقن بأنّ كثيراً من الصحابة كانوا يعرفونه ولا يجهلونه!.
3 ـ وقد ذكر عنه أكثر من هذا بكثير في يوم الشورى أو بعدها، لكن اختلفوا في تفصيله وفي إسناده أيضاً، وإن كان قد ثبت عندهم ذلك بالجملة، وأقلّ ما ذُكر من مناشدته تلك ما أخرجه ابن عبد البرّ: قال عليّ لأصحاب الشورى: «أنشدكم الله، هل فيكم أحد آخى رسول الله بينه وبينه، إذ آخى بين المسلمين، غيري؟».
وقال ابن عبد البر بعده: روينا من وجوه عن عليّ (عليه السلام) أنّه كما يقول: «أنا عبدالله وأخو رسول الله، لا يقولها أحد غيري إلاّ كذّاب»([1306]).
ورواها في كنز العمّال حديثاً طويلاً عن أبي الطفيل أنّه سمع عليّاً يوم الشورى يقول ـ الحديث([1307])، وما أخرجه ابن عبد البر قطعة منه، لكنّ إسناد كنز العمّال فيه جهالة([1308])، وقد دار حوله جدل، فقيل: رواه زافر عن رجل، فالرجل مجهول، وزافر لم يتابع عليه، وأنكره بعضهم لأجل متنه، ولا يعتدّ بهذا الإنكار لأنّه مبنيّ على فهم لا أصل له يصوّر البيعة لأبي بكر على أنّها كانت إجماعاً أو شبه إجماع، وما خالف هذا التصوّر فهو عنده منكر، وهذا فرط خيال كما هو ثابت.
وأمّا الإسناد فقد توبع عليه زافر كما في الإسناد الذي أورده ابن عبد البرّ في (الاستيعاب)([1309])، وقد قال ابن حجر العسقلاني: إنّ زافراً لم يُتّهم بكذب، وأنّه إذا توبع على حديث كان حَسَناً([1310]).
وفي أوّل هذا الحديث، قال أبو الطفيل: كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الأصوات بينهم، فسمعت عليّاً يقول: «بايع الناس لأبي بكر، وأنا والله أولى بالأمر منه، وأحقّ به منه، فسمعتُ وأطعتُ مخافةَ أن يرجعَ الناسُ كفاراً يضربُ بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثمّ بايعَ الناسُ عمرَ وأنا والله أولى بالأمر منه، وأحقّ به منه، فسمعتُ وأطعتُ مخافة أن يرجعَ الناسُ كفّاراً يضربُ بعضهم رقاب بعضٍ بالسيف، ثمّ أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان! إذاً أسمع وأطيع» ثمّ ذكر أمر الشورى وشرع يحصي عليهم من فضائله وخصائصه التي امتاز بها عليهم، وكانت أولاها القطعة التي رواها ابن عبد البرّ في المؤاخاة([1311]).
ولهذا الكلام ما يشهد له أيضاً ممّا سيأتي في فقرات لاحقة.
4 ـ وعليٌّ جدّد التذكير أيضاً بما يبرز حقّه فوق أبي بكر خاصّة، حين ذكّر الناس بقصة أخذه بسورة براءة من أبي بكر!.
روى النسائي بإسناد صحيح عن عليٍّ (عليه السلام): أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعث ببراءة إلى أهل مكّة مع أبي بكر، ثمّ أتبعه بعليٍّ فقال له: «خذ الكتاب فامض به إلى أهل مكّة» قال: فلحقته فأخذتُ الكتاب منه، فانصرف أبو بكر وهو كئيب، فقال: يا رسول الله، أَنَزَلَ فيَّ شيء؟! قال: «لا، إنّي أُمرت أن أُبلّغه أنا أو رجل من أهل بيتي»([1312]).
وفي كلّ واحد من هذه الاحاديث ردٌّ على مَن يقول إنّ عليّاً لم يذكر شيئا يدلّ على أحقّيّته في الخلافة! هذا ولمّا ندخل بعد رحاب (نهج البلاغة).
5 ـ ومن أشهر أقواله، قوله بعد أن بلغه خبر السقيفة وبيعة الناس لأبي بكر: «ماذا قالت قريش؟».
قالوا: احتجّت بأنّها شجرة الرسول (صلّى الله عليه وآله).
فقال: «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة»([1313])!.
6 ـ وفي احتجاجه المشهور على نتائج السقيفة أيضاً، قوله:
فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم
فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم
فغيرُك أولى بالنبيّ وأقربُ([1314])
7 ـ خطبته الشقشقيّة التي حظيت دائماً بمزيد من التوثيق([1315])، وهي من أكثر كلماته المشهورة وضوحاً ودلالة وتفصيلاً:
«أما والله لقد تقمّصها فلان، وإنّه لَيعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنّي السيل، ولا يرقى إليَّ الطير…
فسدلتُ دونها ثوباً، وطويت عنها كَشحاً، وطفقتُ أرتئي بين: أن أصولَ بيدٍ جذّاء، أو أصبر على طخيةٍ عمياء!… فرأيتُ أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرتُ وفي العين قذىً، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نَهْبا!.
حتّى مضى الأوّل لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده…
فيا عجباً! بينا هو يستقيلها([1316]) في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته!! لشدَّ ما تشطّرا ضَرعيها!…
فصبرتُ على طول المدّة، وشدّة المحنة… حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعةٍ زَعَم أنّي أحدهم! فيالله وللشورى! متى اعترضَ الريبُ فيَّ مع الأوّل منهم حتّى صرتُ أُقرن إلى هذه النظائر؟!..»([1317]).
إذن أبو بكر أيضاً كان يعلم أنّ محلّ عليٍّ من الخلافة محلَّ القطب من الرحى !
وقد يبدو هذا في منتهى الغرابة لمن أَلِفَ التصوّر القدسي لتعاقب الخلافة، ذاك التصوّر الذي صنعه التاريخ وفق المنهج الذي قرأناه في البحوث المتقدّمة، ومن هنا استنكروه، كما استنكروا سائر كلامه في الخلافة، وقبله استنكروا جملة من الحديث النبوي الشريف الذي يصدم تلك القداسة!.
لكنّ الحقيقة، كلّ الحقيقة، أنّك لو تلمّست لذلك التصوّر القدسي شاهداً من الواقع مصدّقاً له لعدت بلا شيء! لكن لم يألف التاريخ الإصغاء لعليّ!!.
التاريخ الذي أثبت، بما لا يدع مجالاً لشبهة، أنّ عليّاً لم يبايع لأبي بكر إلاّ بعد ستّة أشهر، صمّ آذانه عن سماع أيّ حجّةٍ لعليٍّ في هذا التأخّر!.
تناقضٌ لم يستوقف أحدا من قارئي التأريخ!.
وكيف يستوقفهم على عيوب نفسه، وهو وحده الذي صاغ تصوّراتهم وثقافتهم؟
8 ـ من كلام له بعد الشورى ، وقد عزموا على البيعة لعثمان:
«لقد علمتم أنّي أحقّ بها من غيري، ووالله لأُسلِّمنَّ ما سلمت أُمور المسلمين ولم يكن فيها جَورٌ إلاّ علَيَّ خاصّة؛ التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً في ما تنافستموه من زخرفه وزبرجه»([1318]).
وجد ابن أبي الحديد أنّ هذه الكلمة هي آخر ما قاله علي (عليه السلام) آنذاك في كلام نقله هنا بعد أن أزاح عنه كلّ شكّ في صحّته، فقال: نحن نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورى، وقد روى الناس ذلك فأكثروا، والذي صحّ عندنا أنّه لم يكن الأمر كما روي من تلك التعديدات الطويلة، ولكنّه قال لهم بعد أن بايعوا عثمان وتلكّأ هو (عليه السلام) عن البيعة: «إنّ لنا حقّاً إن نُعْطَه نأخُذه، وإن نُمنَعْه نركب أعجاز الإبل وإن طال السرى» في كلام قد ذكره أهل السّيرة.
ثمّ قال لهم: أنشدكم الله؛ أفيكم أحد آخى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بينه وبين نفسه غيري؟ قالوا: لا.
قال: أفيكم أحد قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «مَن كنتُ مولاه فهذا مولاه» غيري؟ قالوا: لا.
قال: أفيكم أحد قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أنت منّي بمنزلة هارون بن موسى» غيري؟ قالوا: لا.
قال: أفيكم من اؤتُمنَ على سورة براءة وقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنّه لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي» غيري؟ قالوا: لا.
قال: ألا تعلمون أنّ أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فرّوا عنه في مأقِط الحرب([1319]) في غير موطن، وما فررتُ قطّ؟ قالوا: بلى.
قال: ألا تعلمون أنّي أوّل الناس إسلاماً؟ قالوا: بلى.
قال: فأيّنا أقرب إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نسباً؟ قالوا: أنت.
فقطع عليه عبد الرحمن بن عوف كلامه، وقال: يا عليّ، قد أبى الناس إلاّ عثمان، فلا تجعلنّ على نفسك سبيلاً!.
ثمّ توجّه عبد الرحمن إلى أبي طلحة الأنصاري([1320])، فقال له: يا أبا طلحة، وما الذي أمرك عمر؟
قال: أن أقتل من شقّ عصا الجماعة!.
فقال عبد الرحمن لعليّ: بايع إذن، وإلاّ كنتَ متّبعاً غير سبيل المؤمنين!! وأنفذنا فيك ما أمرنا به!!.
فقال عليّ (عليه السلام) كلمته هذه: «لقد علمتم أنّي أحقّ بها من غيري، ووالله لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جورٌ إلاّ عليّ خاصّة…»([1321]).
إذن هذا كلام خبره مستفيض، وليس هو من غرائب الأخبار أو منكراتها.
9 ـ «وقد قال قائل: إنّك على هذا الأمر يابنَ أبي طالب لحريص. فقلتُ: بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبتُ حقّا لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه! فلمّا قرّعته بالحجّة في الملأ الحاضرين هبَّ كأنّه بُهِتَ لا يدري ما يجيبني به»([1322])!!.
والقائل إمّا سعد بن أبي وقّاص يوم الشورى على قول أهل السُنّة، أو أبو عبيدة بعد يوم السقيفة على قول الشيعة، وأيّاً كان فهذا الكلام مشهور يرويه الناس كافّة كما يقول المعتزلي السُنّي ابن أبي الحديد([1323]).
10 ـ «اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومَن أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي، ثمّ قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه وفي الحقّ أن تتركه»([1324])!.
11 ـ «أمّا بعد.. فإنّه لمّا قبض الله نبيه (صلّى الله عليه وآله) قلنا: نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقّنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبيّنا، فصارت الإمرة لغيرنا…».
هذه هي مقدّمة خطبته في المدينة المنوّرة في أوّل إمارته ولمّا يمض على إمارته أكثر من شهر([1325])!.
12 ـ «أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام… فإنّها كانت أثرةً شَحَّت عليها نفوس قوم، وسَخَتْ عنها نفوس آخرين. والحَكَمُ الله، والمعْوَدُ إليه القيامة».
قاله في جواب سائل سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به؟
ثمّ يصل جوابه بما ينقله إلى ما هو أولى بالاستنكار، فيقول:
وَدعْ عنك نهباً صحيح في حجراته
ولكن حديثاً ما حديثُ الرواحِل
وهلمّ الخطب في ابن أبي سفيان، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه…» ([1326]).
في أهل البيت
مثل ما ظهر هناك من وضوح وتركيز في استعراض حقّه خاصّة، يظهر هنا في شأن أهل البيت في جملة من كلماته:
1 ـ «اللّهمّ بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته»([1327]).
يرى ابن أبي الحديد المعتزلي أنّ هذا يكاد يكون تصريحاً بمذهب الإمامية([1328]).
2 ـ «لا يُقاسُ بآل محمّد (صلّى الله عليه وآله) من هذه الأُمّة أحد.
«هم أساس الدِين، وعماد اليقين…
ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة…»([1329]).
فبعد ذِكر حقّ الولاية، هذا واحد من مواضع يذكر فيها الوصيّة تصريحاً أو تلميحاً([1330])، ثمّ هو الموضع الأكثر صراحةً في نسبة الوصيّة إلى نفسه وأهل البيت، مع هذا فهو الموضع الذي أهمله الدكتور محمّد عماره وهو يستقصي هذه المفردة في كلام عليٍّ، أو غفل عنه، لأجل أن يقول: إنّنا لا نجد في خطب عليٍّ وكلامه ومراسلاته ـ التي ضمّها نهج البلاغة ـ وصفه بهذا اللفظ!.
هذا كلّه لأجل أن يدعم مقالةً حلّق فيها بدءا حين نسب كلمة (وصيّ) في الحديث النبوي «أنت أخي ووصيّي» إلى صنع الشيعة الّذين وضعوها بدلاً من كلمة «وزيري»([1331])! مع أنّ الرواية السُنّية للحديث لم تعرف غير كلمة «وصيّي»([1332])!.
3 ـ «إنّ الأئمّة من قريش، غُرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم»([1333]).
وقد وقفنا قبلُ على طائفة من النصوص الصحيحة التي اصطفت بني هاشم من قريش وقدّمتهم عليهم، وطائفة من الوقائع وأحداث السيرة التي قدّمت بني هاشم على سواهم، فلا تحتجّ قريش بحجّة إلاّ وكان بنو هاشم أوْلى بها.
4 ـ «أين تذهبون! وأنّى تؤفكون! والأعلام قائمة، والآيات واضحة، والمنار منصوبة، فأين يُتاه بكم؟!.
وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيّكم وهم أزمّة الحقّ، وأعلام الدين، وألسنة الصدق؟! فأنزِلوهم بأحسن منازل القرآن، ورِدُوهم ورود الهيم العطاش.
أيّها الناس، خذوها عن خاتم النبيين (صلّى الله عليه وآله): إنّه يموت من مات منّا وليس بميّت، ويبلى من بلي منّا وليس ببالٍ»([1334]).
استنكار لاذع، وأسف على هؤلاء الناس الّذين تركوا عترة نبيّهم، رغم وضوح الدلائل على لزوم اتّباعهم!.
5 ـ «إنّا سنخُ أصلاب أصحاب السفينة، وكما نجا في هاتيك من نجا، ينجو في هذه مَن ينجو، ويلٌ رهينٌ لمن تخلّف عنهم… وإنّي فيكم كالكهف لأهل الكهف، وإنّي فيكم باب حطّة، مَن دخل منه نجا ومن تخلّف عنه هلك، حجّةٌ من ذي الحجّة في حجّة الوداع: (إنّي تركت بين أظهركم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي)»([1335]).
6 ـ «انظروا أهل بيت نبيّكم، فالزموا سَمْتَهم، واتّبعوا أثَرهم، فلن يخرجوكم من هدىً، ولن يعيدوكم في ردى… فإنْ لَبَدوا فالبدوا، وإنْ نهضوا فانهضوا… ولا تسبقونهم فتضلّوا، ولا تتأخّروا عنهم فتهلكوا»([1336]).
7 ـ «… ألم أعمل فيكم بالثَقَل الأكبر، وأتركُ فيكم الثَقَل الأصغر؟»([1337]).
الثَقل الأكبر: القرآن الكريم، والثَقل الأصغر: الحسن والحسين (عليهما السلام).
8 ـ «المهديّ منّا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة»ن أخرجه أحمد والسيوطي، عن عليٍّ (عليه السلام)([1338]).
«المهديّ منّا، من وُلْد فاطمة»، أخرجه السيوطي عن عليٍّ (عليه السلام)([1339]).
وهكذا تقسّمت كلمات عليٍّ هذه بين حديث نبويّ بحرفه أو بمضمونه، وبين وصف أو تقييم لحدثٍ تاريخيّ حاسم، وليس في هذا كلّه على الإطلاق ما يشذّ عن وقائع التاريخ في صغيرة ولا كبيرة.
خلاصة يقين علي بحقّه
أيقن علي (عليه السلام) بحقّه في الخلافة يقيناً من موقعه الممتاز عند الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومن حياته الخالصة في الإسلام، فلقد كان في حياة الرسول يقول: «إنّ الله يقول: {أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}([1340]) واللهِ لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، واللهِ لئن مات أو قُتل لأُقاتِلنَّ على ما قاتل عليه حتّى أموت، والله إنّي لأخوه ووليّه وابن عمّه ووارث علمه، فمن أحقّ به منّي»([1341])؟!.
وهو القائل: «فلمّا مضى (صلّى الله عليه وآله) تنازع المسلمون الأمر من بعده، فوالله ما كان يُلقى في رُوْعِي ولا يخطر ببالي أنّ العربَ تُزْعِجُ هذا الأمرَ من بعده عن أهل بيته! ولا أنّهم مُنَحُّوه عنّي من بعده! فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه…» ([1342]).
هكذا إذن «أراده حقّاً يطلبه الناس، ولا يسبقهم إلى طلبه»([1343]).
البيعة
من تلك النصوص النبوية الثابتة، وخلاصتها في نصّ الثقلين ونصّ الغدير والإثني عشر خليفة، أصبحت الإمامة في إثني عشر إماماً من أهل البيت تعييناً، في عليّ بعد الرسول مباشرةً؛ لأنّ تلك النصوص بمثابة العهد بالخلافة والإمامة، وهو عهد من الرسول، فهو ناجز وثابت لهم، فهم الأئمة بالحق سواء بايعت لهم الناس أم لم تبايع، أمّا طريقهم إلى ممارسة الحكومة والإدارة، فهو البيعة، بلا ريب.
فالبيعة هي عقد الطاعة للإمام ليمارس دوره كحاكم ومرشد سياسي وديني، أمّا كونه هو صاحب هذا المكان فقد تمّ بعهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لا بالبيعة.
«ولا شكّ أنّ البيعة للقائد المعصوم واجبة، لا يمكن التخلّف عنها شرعاً، ولكنّ الإسلام أصرّ عليها واتّخذها أسلوباً من التعاقد بين القائد والأمّة لكي يركّز نفسياً ونظرياً مفهوم الخلافة العامّة للأمّة»([1344]).
وكون الإمامة حاصلة بالعهد، قد مضى عليه أهل السنّة أيضاً…
قالوا: إذا عهد الخليفة إلى آخر بالخلافة بعده، فإنّ بيعته منعقدة، وإنّ رضى الأمّة بها غير معتبر، ودليل ذلك أنّ بيعة الصديق لعمر لم تتوقّف على رضى بقيّة الصحابة([1345]).
هذا مع أنّنا لا نجد بين أبي بكر وعمر بيعة، وإنّما هو عهد بالخلافة لا غير.
فعهد النبي (صلّى الله عليه وآله) أولى أن يُتّبع، بلا مسوّغ للخلاف، فهو ماضٍ، وبه تحقّقت الخلافة لعليّ (عليه السلام) بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) مباشرةً سواء بايعته الأمّة على الطاعة أو لم تبايع، فالبيعة إذن إنّما تُنشئ عقد الطاعة وتسليم مقاليد الحكم والإدارة، فهذا لا يتمّ إلاّ بالبيعة، وقد عُرضت على عليّ (عليه السلام) من قِبَل العبّاس فرفض أن تكون إلاّ جهرة على الملأ وعامّةً في المسجد النبوي الشريف، ثمّ لمّا أتته الخلافة أتته بالبيعة فبايع الناس على ذلك، فكانت البيعة طريقة إلى الحكم، وهكذا كان الأمر مع الحسن (عليه السلام). وحين حُبست البيعة عن الأئمّة الذين اختارهم الله ورسوله فقد حيل بينهم وبين ممارسة الحكم والإدارة العامّة، دون أن يسلبهم ذلك حقّ الإمامة الثابت لهم، شأنهم في ذلك شأن الكثير من الأنبياء الذين عصتهم أممهم وحالت بينهم وبين ممارسة دورهم الحقيقي في القيادة والإرشاد والتوجيه، دون أن يسلبهم ذلك منزلتهم التي أنزلهم الله تعالى بها.
أثر الواقع الجديد
في الموقف من هذه النصوص
لقد آمن أهل السُـنّة بلا شكّ بالكثير من فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، وعلى تفاوت بينهم في مدى هذا الاِيمان، لكنّه مهما ترقّى في درجاته فهو دائماً الاِيمان الذي لا يناقض الواقع الجديد المتمثّل ببيعة (الخلفاء الراشدين)… فكلّ نصّ عندهم محكوم لهذا الواقع، فما خالفه فينـبغي تأويله، وما لا يمكن تأويله بوجه من الوجوه فينبغي ردّه.
ومن هنا أنكر متكلّموهم صحّة نسبة «نهج البلاغة» إلى الاِمام عليٍ لاَجل احتوائه على تلك النصوص وأمثالها، فيما اكتفى المدافعون عن «نهج البلاغة» من شرّاحه خاصّةً بشرح غريبه فقط دون الوقوف عند مفاهيم كلماته ومدلولاتها.. وكِلا الموقفَين ينطوي على الفرار من مواجهة التناقض الذي يبدو حاسماً في مواضع كثيرة بين نصوص «نهج البلاغة» وذلك الواقع الجديد.
فلم تقف هذه النصوص عند نقد وسيلة اختيار الخلفاء، كما صوّرها الدكتور صبحي ملتمساً ذلك من بعض تعليقات ابن أبي الحديد([1346]).
بل في تعليقات ابن أبي الحديد ما يشير بوضوح إلى أنّ في كلامه (عليه السلام) ما يفيد تعيينه (عليه السلام) خليفةً بالنصّ، الاَمر الذي اسـتنكروا بعض لوازمه، فاسـتنكروه لذلك! فيما حاول المعتزلة أن يتّخذوا منه موقفاً وسطاً.
قال ابن أبي الحديد: وأصحابنا يحملون ذلك كلّه على ادّعائه الاَمر بالاَفضلية والاَحقّية، وهو الحقّ والصواب، فإنّ حمله على الاستحقاق بالنصّ تكفيرٌ أو تفسيق لوجوه المهاجرين والاَنصار.
قال: ولكنّ الاِمامية والزيدية حملوا هذه الاَقوال على ظواهرها، وارتكبوا بها مركباً صعباً!.
ثمّ قال: ولعمري إنّ هذه الاَلفاظ موهمةٌ مغلّبةٌ على الظنّ ما يقوله القوم ـ أي الاِمامية والزيدية ـ لكنّ تصفّح الاَحوال يبطل ذلك الظنّ، ويدرأ ذلك الوهم، فوجب أن يجري مجرى الآيات المتشابهات الموهمة ما لا يجوز على البـاري([1347])!.
ومرّةً أُخرى يرى ابن أبي الحديد أنّ بعض كلمات عمر دالّة صراحة على وجود النصّ على عليٍّ (عليه السلام)، لكنّه يسـتبعد من الصحابة ردّ النصّ([1348]).
كيف يقال إذن: غاية رأي عليّ في كيفية نصب الإمام أنّه نقد وسيلة اختيار الخلفاء قبله.
ولكنّه لم ينقد الاختيار عامّةً كوسيلة مؤدّية إلى نصب الإمام؟
إنّه استقراء ناقص، لكنّه بلا شكّ أقرب إلى الموضوعية كثيراً من نفي أيّ نقد يمسّ وسيلة اختيار الخلفاء!.
إنّ المعتزلة لو استطاعوا أن يدفعوا شبهة التكفير أو التفسيق المترتّبة ظاهراً على ما تفيده ظواهر كلمات الاِمام عليٍ (عليه السلام) من استحقاقه الخلافة بالنصّ، لآمنوا بها كما هي دون اللجوء إلى هذا التأويل بالذات.
بل لو استطاع الاَشاعرة وأصحاب الحديث وغيرهم من أنصار مدرسة الخلفاء دفع هذه الشبهة لَما اضطرّوا إلى التكذيب بهذه الكلمات كلّها أو جلّها.
لكن لماذا لم يدفعوا هذه الشبهة بناءً على تصفّح الاَحوال؟
لماذا لا يكون تصفّح الاَحوال قرينةً على دفع شبهة التكفير أو التفسيق، مع الاِبقاء على ما تفيده ظواهر كلماته المتعدّدة المتعاضدة من استحقاقه الاِمامة بالنصّ؟ خصوصاً مع وفرة ما يؤيّدها من النصوص النبوية المتّفق عليها، إنّهم لو فعلوا ذلك لاَصابوا حقيقةً لا يضطربون بعدها، ولا يفرّطون بهذا الكمّ الكبير من الاَحاديث الهادية ـ أحاديث النبيّ وعليٍ ـ نفياً، أو تأويلاً يشبه التعطيـل…
ولو فعلوا ذلك لأْتَلَفوا من بعد اختلاف، ولعادت الطوائف التي تعدّدت أُمّةً واحدة كأنْ لم تختلف قطّ، ولعاد الاختلاف الذي عقب وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله) درساً من دروس التاريخ لا يسـتهوي أحداً أبداً…
ولو فعلوا ذلك لارتفعوا كثيراً فوق مواطن الاضطراب التي تكشف عن ضعف وهزيمة ورغبة مذهلة في غلق ذلك الملفّ…
لماذا تكفير؟
لماذا، وعليّ (عليه السلام) صاحب تلك الكلمات لم يُكفِّر أحداً من خصومه، وحتّى محاربيه؟!.
فلو كفر أصحاب الجمل لأباح سَلبهم، لكنّه منع من ذلك، كما منع من ملاحقة مدبريهم، والإجهاز على جرحاهم!.
ولو كفّر الخوارج لما نهى عن مقاتلتهم بعده، إذ قال: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه»([1349]).
فلم يكن قتاله إيّاهم بناءً على مقولاتهم المذهبية، ولا بما رموه به (عليه السلام) من الشرك والكفر، بل قاتلهم لعدوانهم على المؤمنين الأبرياء وسفكهم الدماء وإخافة السبيل بغير حقّ([1350]).
وقد جاءه رجل يذكر له رجلاً من الخوارج، فقال: يا أمير المؤمنين إنّي وجدت هذا يسبّك! قال علي (عليه السلام): فسبّه كما سبّني.
قال: ويتوعّدك! قال عليّ (عليه السلام): لا أقتل من لم يقتلني… ثمّ قال (عليه السلام): «لهم علينا ثلاث: أن لا نمنعهم المساجد يذكروا الله فيها، وأن لا نمنعهم الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا، وأن لا نقاتلهم حتّى يقاتلونا». قال أبو عبيد: أفلا ترى عليّاً رأى للخوارج في الفيء حقّاً ما لم يُظهروا الخروج على الناس، وهو مع هذا يعلم أنّهم يسبّونه ويبلغون منه أكثر من السبّ، إلاّ أنّهم كانوا مع المسلمين في أمورهم ومحاضرهم، حتّى صاروا إلى الخروج بعدُ([1351]).
ثمّ هو (عليه السلام) القائل في احتجاجه على الخوارج:
«ووالله إن جئتُها ـ أي القبول بالتحكيم ـ إنّي للمُحقّ الذي يُتّبع، وإنّ الكتابَ لمعي ما فارقته مذ صحبته، فلقد كنّا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإنّ القتل ليدور على الآباء والأبناء والإخوان والقرابات فما تزداد على كلّ مصيبةٍ وشدّة إلاّ إيماناً ومضيّاً على الحقّ وتسليماً للأمر وصبراً على مضض الجراح…
ولكنّا إنّما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل، فإذا طمعنا في خصلة يلمُّ الله بها شعثنا ونتدانى فيها إلى البقية فيما بيننا رغبنا فيها وأمسكنا عمّا سواها»([1352])؟!.
لماذا إلا التكفير؟! إنّ الشيعة الذين تمسّكوا بهذه النصوص من دون تأويل، لم يُلزموا أنفسهم تكفير أحد بناءً على هذه النصوص، بل استبعدوه كثيراً([1353])؟!.
لكنّ المعتزلة حين ابتكروا مقولتهم التي تميّزوا بها، مقولة المنزلة بين المنزلتين، فمرتكب الكبيرة عندهم ليس بكافر، لكنّه أيضاً ليس بمؤمن، إنّما هو فاسق! فحينئذٍ وجدوا أنفسهم مضطرّين إلى القول بفسق عدد كبير من الصحابة لو أنّهم أخذوا بظاهر تلك النصوص! فلم يذهبوا إذاً إلى تعديل مقولتهم عملاً بالنصوص وموافقةً لتصفّح الاَحوال، بل ذهبوا إلى تأويل النصوص حفظاً لسلامة مقولتهم!.
وهذا هو الخطر الكبير الذي يرتكبه التقليد المذهبي، فمقولة المذهب دائماً مقدَّمة على نصوص الشريعة! وتقدّم قولنا أنّ أبا الحسن الكرخي إنّما كان يحكي عن لسان حال المذهبية حين قال: «الأصل أنّ كلّ آية تخالف قول أصحابنا فإنّها تُحمل على النسخ، أو الترجيح، والاَوْلى أن تُحمل على التأويل من جهة التوفيق، وكذا الحال مع الحديث»([1354])!.
وإذا قدّرنا أنّ كلّ مذهب من المذاهب الاِسلامية المتعدّدة سوف يفعل مثل هذا إزاء كلّ نصّ يصطدم مع مقولاته، فسوف نقترب من إدراك مدى الانحرافات الطارئة على مسار الاِسلام فكراً وعقيدةً!
لقد كان حَرِيّاً بهم أن يوفّقوا بين تلك النصوص وبين الثابت من أحوال صاحب النصوص وحقائق التاريخ، ليخرجوا بالحكم الموضوعي المتماسك، لكنّهم أدخلوا إلى عناصر الحكم مصدراً آخر، وهو مقدّماتهم الاعتقادية التي ارتكزت عليها مذاهبهم وتميّزت بها، وهذا العنصر الاَخير هو الاَصل الثابت دائماً وفق الرؤية المذهبية، فلا يخرج عنه فهم لشيء من نصوص الشريعة، أو اسـتنباط شيء من أحكامها، أو تفسير ظاهرة ما!.
هذا الذي صرف المعتزلة إذن عن هذه النصوص.
غير أنّ لبعض طوائف المعتزلة كلاماً قد يكون أقرب إلى التوفيق بين النصّ وأحوال صاحب النصّ، منه إلى التأويل.. أبو القاسم البلخي وأصحابه قالوا: لو أنّ عليّـاً نازع عقيب وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلّ سيفه، لحكمنا بهلاك كلّ من خالفه وتقدّم عليه، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه، ولكنّه مالك الاَمر وصاحب الخلافة، إذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها، وإذا أمسك عنها وجب علينا القول بعدالة من أغضى له عليها، وحكمه في ذلك حكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لاَنّه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنّه قال: «عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، يدور معه حيث ما دار».. وقال له غير مرّة: «حربك حربي، وسلمك سلمي».
عندئذٍ قال ابن أبي الحديد: هذا المذهب هو أعدل المذاهب عندي، وبه أقول([1355]).
وغنيٌّ عن التذكير أنّ إغضاء صاحب الحقّ عن حقّه لا يعني دائماً الاِقرار بعدالة خصمه.
لقد رأينا كثيراً من الاَساتذة المعاصرين من أهل السُـنّة قد أُعجب بالفكر المعتزلي وثرائه([1356])، لكن دون أن يذهبوا معهم إلى القول بأنّ عليّـاً «مالك الاَمر، وصاحب الخلافة» الذي هو أقرب شيء إلى القول بالنصّ!.
أمّا الذي صرف عنها الجمهور فقياسهم الاَشياء، نصوصاً ووقائع، على أساس التسليم بصحّة وشرعيّة نظام الخلافة الذي تحقّق بعد الرسول، وكلّ نصّ أو حالٍ لا ينسجم مع هذا فهو عندهم مرفوض أو مأول، وتبرز هنا مساحة أكبر للتنكّر لوقائع التاريخ أو الاِغضاء عنها! تمشّياً مع المبدأ الذي عُرف فيما بعد بمبدأ «عدالة الصحابة» الذي أصبح حاكماً على النصّ وعلى وقائع التاريخ أيضاً، علماً أنّ هذه النصوص والوقائع قد حُفظت غالباً في دواوينهم الحديثية والتاريخية، على تفاوت في الكمّ والتفصيل، حتّى بلغ الكثير والاَهمّ منها حدّ التواتر في مجموع تلك الدواوين: كحديث «مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه»، وحديث الثَقَلَين «كتاب الله وعترتي» فيما لم تردِ الرواية الاخرى «كتاب الله وسُـنّتي» إلى مرسَلةً في مصدر واحد من مصادرهم المهمّة (موطّأ مالك)([1357])، وقد وصل إسنادها بعدها ابنُ عبد البرّ فكان إسناداً واهياً عُرف مصدره بالوضع والكذب([1358])! ورغم ذلك فقد اعتمـدها أهل السُـنّة في بحوثهم ومجادلاتهم وتعليم أجيالهم، وأغفلوا الاُخرى الصحيحة المتواترة! كلّ ذلك لاَنّها لا تحفظ لهم سلامة الواقع الجديد بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وربّما مسّـت مبدأ عدالة الصحابة أيضاً!.
وآخرون أدركوا حقّاً أنّ التمسّك برواية «وسُـنّتي» لا تغني وحدها في الخلاص من تبعة الرواية الاَصحّ والاَشهر «كتاب الله وعترتي» فذهبوا إلى تأويل الاَخيرة تأويلاً عجيباً، ومبتدع هذا التأويل هو ابن تيميّة.
حيث يقول: الحديث الذي في مسلم إذا كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد قاله فليس فيه إلاّ الوصيّة باتّباع الكتاب، وهو لم يأمر باتّباع العترة، ولكن قال: «أُذكّركم الله في أهل بيـتي»([1359])!.
ورغم أنّ تأويل ابن تيميّة هذا كان مكابَرةً صارخة بوجه النصّ، قد تكون أيضاً مدعاةً للسخرية، إلاّ أنّ هناك من يأنس به ويطمئنّ به مهرباً من إلزام النصّ!.
ما العمل إذا كان الناس يأنسون ويسـتمتعون انتصاراً لمذاهبهم ولو بمثل هذا التصرّف المتهافت!.
ولعلّ «منهاج السُـنّة» لابن تيميّة هو أكبر موسوعة سُـنّية في تأويل الاَحاديث الخاصّة في عليٍ وأهل البيت (عليهم السلام) وفي التنكّر للوقائع المهمّة التي قدّمتهم على غيرهم تقديماً لا يبقى معه أيّ مسوّغ لصرف الخلافة عنهم([1360]).
ويلحظ المتتبّع لتأويلات ابن تيميّة في هذا القسم من الحديث أنّه قد تأثّر كثيراً بطريقة القاضي عبد الجبّار المعتزلي في كتابه «المغني» وأخذ عنه كثيراً من تأويلاته… لكنّ الفارق يبقى كبيراً بين الطرفين، فمنزلة عليٍّ عند المعتزلة هي أسمى منها بكثير عند ابن تيميّة.
فحين لا يريد ابن تيميّة لحديث «مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» أن يتجاوز حدود المحبّة التي يشاركه فيها جميع المسلمين، فلا مزيّة فيه لعليٍ على أحد([1361])! يرى فيه المعتزلة لعليٍ منزلة لا يشاركه فيها أحد، فإذا أوجب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) موالاته (عليه السلام) ولم يقيّده بوقت فيجب أن يكون باطنه كظاهره في سائر الأوقات، وهذه منزلة عظيمة تفوق منزلة الإِمامة([1362])، ويختصّ بها هو دون غيره([1363]).
ويبالغ ابن تيميّة فينكر الشطر الثاني من الحديث «اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ من عاداه»([1364]) لأنّها قادحة بلا شكّ بمبدأ «عدالة الصحابة»! ولاَنّها ستلزمه قطعاً البراءةَ من رجال دخلوا في عداد الصحابة لم يتورّعوا في إظهار بغضهم لعليٍ وعدائهم له ومحاربتهم إيّاه، فيما لم يتردّد المعتزلة في القول بهلاك هؤلاء([1365]).
وجدير بالتذكير أنّ ابن تيميّة الذي كان من أوسع الناس تأويلاً لهذا الباب من الحديث، حفظاً للمذهب، هو من أشدّ الناس طعناً في التأويل وأكثرهم تمسّكاً حرفياً بظواهر مفردات النصّ، في باب الصفات خاصّةً، حفظاً لمذهبه في التجسيم!.
ـ وأثر آخر من آثار الواقع السياسي لمسناه في (النصّ المعارض) الذي كان يخوض المعركة جنباً إلى جنب مع تأويل النصّ وتكذيب الحدَث…
فلمّا كان الحديث الصحيح حديث السيّدة صفيّة، تسأل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قبيل وفاته: إنْ حَدَث بك حَدَثٌ فإلى مَن؟ فيقول: «إلى عليّ بن أبي طالب»([1366])…
جاء الحديث المعارِض «إنْ لم تجديني فَأْتِ أبا بكر» عن سلسلة من الرواة ذوي الاَهواء الأموية، جاء ليذاع ويشتهر فيطغى الحديث الاَوّل، حتّى أتى الشيخان فوجداه مألوفاً على ألسن الرواة ومنهم من لا يُتّهم بمكذب، فأدخلاه في المختار من صحيحيهما..
ولمّا كان حديث عائشة في تكذيب أحاديث الوصيّة، هو المنسجم مع العهد الجديد دون حديث السيّدة أُمّ سَلَمة، فكان لا بُدّ أن يذاع بواسطة عروة ابن الزبير والزهري وأصحابهما، إلى صدور الحفّاظ وبطون الدواوين، حتّى يجده الشيخان أَوْلى بالنقل من غيره.
وهكذا مع نظائرها، كالذي تقدّم في حديث «ادعي أباك وأخاك أكتب كتاباً» وحديث سدّ الأبواب.
ثمّ يأتي المتأخّرون فيعضّون بالنواجذ على كلّ ما أورده الشيخان ويسقطون من الاعتبار كلّ ما خالفها، ليكون الاَوّل ديناً يدان به بحجّة اختيار الشيخين أو اتّفاقهما… وما انتخبه الشيخان حتّى وجداه ديناً يدان به… وهذا حقّ… ولكن خطوة واحدة إلى الاَمام ستفتح العينين على كلّ الحقّ…
إنّ الحقّ كلّ الحقّ أنّ الشيخان ما وجداه ديناً إلاّ بفضل كفاح دؤوب واصله حرّاس العهد الجديد مئتا عام حتّى جاء الشيخان!!.
مئتا عام، قبل مجيء الشيخين وتدوين أوسع دواوين الحديث، قضاها خصوم عليٍ وبنيه في كفاح دؤوب لاِقصاء ما لا يروق لهم ونشر ما يريدون، بكلّ ما عرفوه من فنون الاِقصاء والنشر!.
مئتا عام والتيّار هادر، لم يسكن إلاّ أيّاماً لا تكفي حتّى لمراجعة الذاكرة([1367])!.
فكم بين نصيب أحاديث تجري بعكس اتّجاه ذاك التيّار، ونصيب أحاديث حملها ذاك التيّار على ظهره؟!
هذا ما لم يلتفت إليه المتأخّرون… لاَنّ لفتةً واحدةً إليه ستعني الكثير… ستعني إدانة التاريخ وإعادة النظر في كثير من قضاياه…
جديد
حاول بعض المعاصرين أن يكتشف طريقاً جديداً يأخذ به بعيداً عن أسر كلمات عليٍ (عليه السلام)، فراح يبرهن على أنّ أهل البيت لم يذكروا ما يدلّ على اختصاصهم بنصّ أو وصيّة، من خلال ما وجدوه من كلمات منقولة عن السبطين (عليهما السلام) وليس فيها تصريح بهذا([1368])…
وهكذا ببساطة يُعرِضون عن كلّ ما أُثر عن عليٍ (عليه السلام)!.
وأكثر من هذا، حاولوا حين حرّفوا شرط الاِمام الحسن (عليه السلام) على معاوية في بنود الصلح الذي تمّ بينهما، فقالوا: إنّ الحسن (عليه السلام) كتب في شروطه على معاوية: «وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً، بل يكون الاَمر من بعده شورى بين المسلمين».
إذن أقرّ الحسن (عليه السلام) مبدأ الشورى، ولم يدع مجالاً لدعوى النصّ حتّى على عليٍ (عليه السلام) خاصّة([1369])!.
لقد ارتضوا من هذا العهد نصّه المحرَّف، لا غير، نصرةً للمذهب، دون تحقيق!.
ونصّ هذا العهد ينقله: ابن قتيبة، وابن الاَثير، وابن كثير، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم، وفيه: «أنّ لمعاوية الاِمامة ما دام حيّاً، فإذا مات فالاَمر للحسـن من بعده»([1370]).
فليس لمعاوية إذن أن يعهد لاَحدٍ من بعده، لاَنّ الخلافة بعده للحسن (عليه السلام)، ولا شيء وراء ذلك!.
الدكتور محمّـد عمارة أدرك هذا التحريف، لكنّه لا يريد أن يفرّط بذاك النصّ المحرَّف، لاَنّه كان عمدته في ما أراد، فلفّق بين النصّين باعتماد الاَصل المحرَّف أساساً للعهد، فقال: كتب الحسن في العهد: «ليس لمعاوية أن يعهد لاَحد من بعده ـ أي من بعد الحسن ـ وأن يكون الاَمر شورى»([1371])!.
فأدخل عبارة (أي من بعد الحسن) لكي لا يقع في لائمة ترك النصّ الصحيح.. وارتضى هذا النوع من تدليس الاَخبار على ما فيه من بُعد ونكارة لا ترتضيها لغة العرب!.
والاَكثر غرابةً أن نرى هذا النصّ المحرّف «ليس لمعاوية أن يعهد لاَحد من بعده، بل يكون الاَمر بعده شورى» يتسرّب إلى مصادر شيعية معاصرة!.
لقد تناقله كتّاب جيّدون لهم منازل مرموقة في البحث والمعرفة، لكنّي لا أشكّ في أنّهم نقلوه غفلةً، عن حسن قصد وحسن ظنّ حين رأوا كثرة من تناوله من كتّاب معاصرين خاصّة، ومن هؤلاء السادة: الشيخ محمّـد جواد مغنيّة، والدكتور حسن عبّاس حسن ([1372]).
كما وردت عند بعضهم زيادة أُخرى على النصّ لم نعثر لها على مصدر أسبق من النسّابة ابن عنبة الحسني (828هـ) جعل الشرط فيه: أنّ للحسن ولاية الاَمر بعد معاوية، فإن حدث به حدث فللحسين([1373]).
وهذا ليس ممّا يُسـتنكر، لكنّه صحّ أو لم يصحّ ليس فيه مزيد أثر على ما نحن فيه من نفي اشتراط الحسين (عليه السلام) للشورى من جديد، بل فيه مزيد تأكيد على حفظ الخلافة في أهل البيت.
بعد هذه الجولة اليسيرة جدّاً في موضوع طويل كهذا نستطيع أن نشخّص أمّهات المشاكل التي حجبت الحقيقة الواحدة عن الناس جيلاً بعد جيل.
رأينا كيف ساهم: التاريخ السياسي، والرؤى المذهبية، والغفلة أحياناً، في إضفاء الغموض ومزيد من الغموض على قضيّة حاسمة في معرفة الوجهة الاَصحّ في مسار الاِسلام كلّه.
صائب عبد الحميد
ياثر([1374])
قال صاحب بلدان جبل عامل؛ في الخطط (ص305 ـ 306):
«ياثر: بمثناة تحتية وألف وثاء مثلثة مفتوحة وراء مهملة، من عمل صور وقربها عدّة قرى خربة وآثار قديمة وتسميتها ياطر خطأ».
وقال عمي: «ياثر أو يعثر أو ياطر، قرية من قرى الشعب في جبل عامل، تابعة ناحية تبنين في قضاء صور، واقعة على هضبة بين جبال على رأس وادي الدب. وحولها أحراش من شجر السنديان كثيرة، وفيها من الآثار القديمة ما يعجز الإنسان عن حصره من مدافن ومعابد وآثار في الصخور، وخرابات قرى قديمة، مثل مريمين، ومروحين، والبوندي([1375])، وقنيقذ، وطيرهرما، وغير بعيد أنّه هو ديرغرما الذي بناه رابع بطن من أولاد نبي الله نوح (عليه السلام) بعد الطوفان كما ذكره صاحب تاريخ سوريا، وفي هذه القرية من أهل العلم آل البلاغي الذين يقول أحدهم من قصيدة يعرفها أهل القرية:
في طير هرما والبوندي وياثر
ومنازل في الودح من زبقين
وأهلها شيعة إمامية يزيد عددهم عن الخمس مائة نسمة عشائرهم: للمعارف: آل البلاغي، وللوجاهة: آل سويدان، وآل جعفر، وآل الكوراني، وآل فرحات (لا يوجد آل فرحات الآن) وغيرهم آل قدوح» ا.هـ.
وآل البلاغي الذين ذكرهم عمي ليسوا من العلماء، بل من المتعلمين المتفقهين في الجملة. واليوم (سنة 1392) فيها جملة من طلبة العلم بعضهم هنا وبعضهم في العراق، وهم الشيخ نجيب سويدان بن عبد الهادي ابن نجيب سويدان أخي الحاج محمد سويدان، والشيخ علي كوراني، وصل إلى الكفاية وسكن الكويت ولم يزل فيها، وأخواه الشيخ حسين الكوراني والشيخ عباس، وهم أولاد المرحوم الحاج محمد قاسم كوراني، والشيخ علي جعفر الفاضل المتدين ابن المرحوم الحاج حسين جعفر، والشيخ علي سويدان بن حسين ابن الحاج مسلم ابن الحاج محمد سويدان، وفيها الشيخ علي عبدو الزين أصله من كفرا، وسكنها مدّة ثمّ سكن صور، وهو فيها الآن، فاضل متدين حافظ حسن العقيدة. وكان فيها من الوجهاء الحاج محمد سويدان وله أنجال أوجههم المرحوم موسى سويدان، وله أنجال أهل أفهام وسهامة، وفيها مقام يسمّونه (النبي) أو النبي كوثر يعظمونه وينذرون له.
وعددها يزيد عن الألفين وخمس مائة الآن (1392).
وعدد نفوسها الآن (1395=1975) أكثر من ثلاثة آلاف، وأصل عائلاتها: بيت عبادة، وبيت إسماعيل، وبيت السيد، وبيت عزقول (هؤلاء انقرضوا مع بيت إسماعيل)، وهؤلاء أقدم عائلات البلد، ثمّ تجدّد فيها آل سويدان، وآل كوراني، وآل جعفر، وآل قدوح، وآل هيدوس، وأمّا بيت كريّم ففرع من آل سويدان، وبيت صالح هم بيت الغزي، أصلهم من فلسطين، وفيهم صلحاء كثيرون، وبيت البلاغي من نسل الشيخ عبدالله البلاغي (ترجمناه في علماء جبل عامل)، أصلهم من طورة أو معركة. وبيت سويدان أصلهم من (حِسَا) من سوريا وكانوا من العامة، وقدم إلى ياثر رجل من آل سويدان وتشيع هو وولده، وأقدم من يعرفون من أجدادهم أحمد بن الحاج حسين سويدان، والحاج أحمد له الحاج محمد ونجيب، وقد عاصرناهما ولهما نسل كثير، والحاج عبدو وله بنات، والحاج موسى له بنات وثلاثة توفوا شباناً. ووجدت بخطي: آل سويدان أصلهم سنة من السويدا، أوّل ما عرف منهم الحاج أحمد، تخلف بالحاج محمد ونجيب والحاج محمد له مسلم وأحمد وموسى وسلمان وعلي والحاج زين ونجيب له عبد الهادي ومحمد علي. وآل الكوراني أصلهم مسيحية من الكورة، أوّل ما يعرف منهم علي، تخلف بالحاج حسين، والحاج إبراهيم. والحاج حسين له علي، والحاج محمد. والحاج إبراهيم له محمد وعيسى ولهم أولاد وآخاء. وبيت جعفر أصلهم من مسجد الكروم في فلسطين، وعائلاتهم تُعرف ببيت بيتوم. وهم سُنّة في الاصل وتشيعوا، وحسنت عقيدتهم وأعمالهم. وبيت قدوح أصلهم دروز، ويعرفون قبلاً ببيت ياسين، وجاؤوا لياثر قبل جدين، فأوّل من سكنها محمد قدوح، فولّد قاسماً، وهذا ولد له عبد الكريم، وفضل، ووهبة، وطاهر، وزين، ومحمود ولد له أمين وعلي وموسى ويوسف (المثري) وحسن وسليمان، ومحمد ولد له أحمد وسعيد وحسين وقاسم ويوسف، ولهم أولاد وأحفاد. (إ.هـ) ما وجدته بخطي ملخصاً.
وفيها من العائلات أيضاً: آل عسيلي، وآل كساب، وآل عز الدين، وآل حجيج قليلون، وآل سليم فيها صلحاء وآل قعيق.
الياذون
قال صاحب بلدان جبل عامل:
ياذون: بمثناة تحتية وألف معجمة مضمومة وواو ساكنة ونون. قرية خراب. قرب حاريص في ناحية تبنين، فيها آثار قديمة، كانت ملكاً للشيخ علي السبيتي، واشتراها أهل حاريص. وفيها يقول الحاج سليمان الزين مخاطباً الشيخ علي السبيتي:
رعى الله بالياذون من جانب الحمى
زماناً تقضى والحبيب منادمي
يانوح
قال صاحب بلدان جبل عامل:
يانوح: بلفظ النداء لنوح بضم النون، من قرى ساحل صور قيل معناها بالسريانية واحة. معروفة بجودة رمانها، ويقيم فيها أسرة الجوابرة، أصهار آل علي الصغير، ولهم علم بأمراض الخيل وطباقها، وبوادي الكفور عين تسمّى عين يانوح.
وقال عمي: يانوح من قرى ساحل صور على مرتفع من الأرض، بشمالها واد فيه عين ماء غزيرة المياه، وتحتها بستان لم يبق فيه إلاّ شجر الرمان والزنزلخت (الأزدرخت) وهي ملك أهلها وهم أسرة قديمة: آل جابر، شيعة إمامية يبلغ عدد نفوسها المائتين أو أقل، ولم أعلم أنّ فيها غير عشيرتهم سوى الشيخ سعيد الفارس، له فيها جملة أملاك وأراضٍ، وهو يسكنها الآن (1353ظ) وولده محمد. ولكن الوجيه في الماضي أي في القرن الثالث عشر كان الحاج حسين جابر، واليوم أدركنا ولده محمد جابر، وولده الشيخ حمد جابر، والآن الحاج إبراهيم يوسف جابر وبنو عمّه، وكلّهم عشيرة واحدة».
يحمر (يحمر بلاد الشقيف)
في الخطط (ص307):
«يُحْمر: بالمثناة التحتية المضمومة والحاء المهملة الساكنة والميم المضمومة والراء المهملة، قرية صغيرة في بلاد الشقيف قرب أرنون. وفي البقاع قرية اسمها يحمر وكونها من جبل عامل غير معلوم».
وقال عمي: «يحمر الشقيف، من قرى جبل عامل، تبعد عن النبطية جنوباً مقدار فرسخ واحد أهلها أهل فلاحة، واقعة على منبسط من الأرض تحفها سهول شمالية، وجنوبها نهر الليطاني، وسكانها شيعة إمامية، وهي اليوم (سنة 1353ظ) من أملاك الزعيم الكبير يوسف بك الزين له فيها القسم الأكبر، ولعشيرة آل عسيران منها قسم. نفوسها لا تزيد على ما أظنّه عن المئتين».
واليوم (سنة 1392) نفوسها أكثر من ألف وست مائة كما حدّثني بذلك السيد محمد تقي فضل الله الساكن فيها من سنة 1947، وعائلاتها: آل عليق يؤلفون ثلاثة أرباع البلد تقريباً، وآل ناصر، وآل زهور، وآل بركات، وآل حمود، وآل يونس، وآل سعيد، وآل أبي دَلّة، وآل الجوني المعرفون بآل جابر، وليس فيها واحد من السادة، وقد اشتراها أهلها من يوسف بك الزين وآل عسيران حدثّني بذلك السيد المذكور.
يحمر (البقاع)
هناك ثمان قرى شيعية في بلاد البقاع وهي لبايا وقلايا وزلايا ويحمر وسحمر ومشغرة وعين التينة وميدون، وفي بلاد البقاع وفي القاطع الغربي نصف مشغرة شيعة نحب أن نضيفها إلى قرى جبل عامل، وعين التينة وميدون ولوسا شيعة صفوة في القاطع الغربي.
يحمر عدد نفوسها الآن 1600 نفس وأسماء عائلاتها: بيت عباس، وبيت مزاحم، وبيت فرحات فقط، وفيها مسجد وحسينية سعى ببنائها الحاج محمد عباس وفقه الله، ولم يزل ربعها لغير أهاليها، ونصف الربع إلى سادة من عين التينة شيعة، والنصف الآخر لقاسم شامية من القرعون، سني، والنصف ربع الآخر لآل القيم من عيتنيت مسيحية.
حدّثني بهذا الحاج محمد حسين عباس من يحمر، ويسكن كيفون يوم السبت 7 ربيع الأوّل/ 1402= 2 كانون الثاني/ 1982، وحدّثني ليلة الاثنين 4 صفر 1408ـ 25 أيلول 1987 أنّ عدد نفوسها الآن 3500 نفس وجد بيت عباس من حانين وحدهم كان في عين نحور.
يهودية (بمديرية عدلون)
ذكرها عمّي في حرف الميم فقال: «مزرعة يهودية بمديرية عدلون بمحافظة صيدا».
اليهودية وهي التي سمّيت في عهد فؤاد شهاب بالسلطانية.
في الخطط (ص307):
«اليهودية: بلفظ النسبة إلى يهود، قرية شمالي تبنين بينهما واد كان يقيم فيها عمّنا السيد عبدالله وولده السيد محمد حسين».
وقال عمي: «اليهودية قرية قرب تبنين على هضبة جبل تبنين وجبال شمالية أهلها شيعة إمامية، عدد نفوسهم أظن مائتان، وفيهم سادة من آل فخر الدين أعرف منهم المرحوم السيد فخر الدين، والسيد حسين فخر الدين والسيد حسن فخر الدين. ومن العاملية آل العِبّاني، وآل القصفة، وآل برجي، ولم أعلم بها أحداً من أهل العلم، وهي ملك لأهلها، وأهلها أهل فلاحة وزراعة» اهـ.
واليهودية تسمّى اليوم (سنة 1392=1972) السلطانية، غيّروا اسمها في زمن رئاسة فؤاد شهاب للجمهورية اللبنانية، في أواخر عهده أو عهد الرئيس شال حلو.
خلاصة عقيدة المسلمين الشيعة([1376]*)
الشيعة يشهدون: أنّ لا إله إلاّ الله، وأنّه واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد، وأنّه متصف بجميع صفات الكمال، منزّه عن جميع صفات النقص، وأنّه ليس كمثله شيء، وأنّ محمّداً رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جاء بالحقّ من عِنده وصدّق المرسلين.
ويوجبون معرفة ذلك بالدليل والبرهان ولا يكتفون بالتقليد، ويؤمنون بجميع أنبياء الله ورسله، وبجميع ما جاء به من عند ربّه، أفهؤلاء أقلّ في إسلامهم وإيمانهم من المغيرة بن شعبة الذي أسلم خوفاً من القتل، وممّن أسلم والسيف على رأسه؟ ويقولون إنَّ عليّاً (عليه السلام) أحقُّ بالخلافة من كلّ أحد، وإنّ فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين (عليها السلام)، فإن كانوا مصيبين في ذلك وإلاّ لم يوجب قولهم هذا كفراً ولا فسقاً، لا سيّما أنّ إمامة شخص بعينه ليست من أصول الإسلام بالاتفاق من الشيعة وغيرهم.
ويقولون بوجوب أخذ أحكام الدين من كتاب الله بعد معرفة ناسخه من منسوخه، وعامّه من خاصّه، ومطلقه من مقيّده، ومحكمه من متشابهه، وما ثبت من سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالتواتر أو رواية الثقات ومذاهب الأئمة الإثني عشر أو أقوال المجتهدين الثقات الأحياء، وهذا على فرض خطئهم فيه لا يُوجب الخروج عن الإسلام، وسواء أأخطؤوا في ذلك أم أصابوا فهو لا يُوجب كفراً ولا خروجاً عن الإسلام.
ويقولون إنّ كلّ من شكَّ في وجود الباري تعالى أو وحدانيته أو في نبوة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أو جعل له شريكاً في النبوة فهو خارج عن دين الإسلام، وكلّ من غالى في أحد من النّاس من أهل البيت (عليهم السلام) أو غيرهم وأخرجه عن درجة العبودية لله تعالى أو أثبت له نبوة أو مشاركة فيها أو شيئاً من صفات الإلهية فهو خارج عن ربقة الإسلام، ويبرؤون من جميع الغلاة والمفوضة وأمثالهم.
وعمدة ما ينقمه غير الشيعة عليهم دعوى القدح في السلف أو أحد ممّن يُطلق عليه اسم الصحابي، والشيعة يقولون إنَّ احترام أصحاب نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) من احترام نبيّنا، فنحن نحترمهم جميعاً لاحترامه وذلك لا يمنعنا من القول بتفاوت درجاتهم وإنّ عليّاً (عليه السلام) أحقُّ بالخلافة من جميعهم وأنّ بعضهم قد أخطأ.
وأنتم تقولون: إنَّ بعضهم وإن شهر السيف في وجه البعض، وقتل بعضهم بعضاً، وسبَّ بعضهم بعضاً، وبغى بعضهم على بعض، فكلّهم مجتهدون معذورون والقاتل والمقتول والظالم والمظلوم والباغي والمبغي عليه كلّه في الجنّة، وللمصيب منهم أجران وللمخطئ أجر واحد.
ونحن نقول: أمرهم إلى ربّهم العالِم بسرّهم وجهرهم، وعلينا أن نحترمهم احتراماً لنبيّنا (صلّى الله عليه وآله) وليسعنا من العذر في قولنا بتفاوت درجاتهم وتقديمنا عليّاً (عليه السلام) عليهم في استحقاق الخلافة ما وسعهم من العذر في شهر بعضهم السيف في وجوه بعض، وقتل بعضهم بعضاً، وسبِّ بعضهم بعضاً، وبغي بعضهم على بعض، وإذا ساغ لهم الاجتهاد في ذلك ساغ لنا، فأحكام الله في النّاس واحدة، وشرائعه عادلة، ورحمته واسعة تسع الجميع، ولا تسع قوماً وتضيق عن آخرين، فإن أصبنا فيما قلناه فلنا أجران، وإن أخطأنا فلنا أجر واحد، والمخطئ والمصيب منّا ومنكم في الجنّة، ولا يسوغ في قانون العدل وأحكام العقل أن يفتح الله باب الاجتهاد للسلف على مصراعيه يستحلّون به سفك الدماء وقتل النفوس ونهب الأموال، ويكونون بذلك مأجورين ويغلقه في وجوه غيرهم فلا يفتح لهم منه ولو مثل سمِّ الخياط. إنّ هذا منافٍ لعدله وشمول فضله وإنّه ليس لأحد عنده هوادة.
فبان أنّه لا مساغ لتضليل الشيعة وإخراجهم عن ربقة الإسلام من هذه الجهة وهي أهم ما في الباب إلاّ إذا تمسكنا بذيل التقليد للآباء والأجداد وعرفنا الأقوال بالرجال وهذا ممّا نهانا عنه الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله) وعقولنا.
وتعتقد الشيعة بالبعث والحساب، والجنّة والنّار، والصراط، والميزان، وكلّ ما أخبر به الصادق الأمين (صلّى الله عليه وآله).
أمّا فروع الدين وواجباته ومحرَّماته التي هي من الضروريات فكلّنا فيها شرع سواء، وكلّنا نؤمن بكتاب واحد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ونصلّي مستقبلين الكعبة، ونقول بوجوب خمس صلوات بأعداد ركعاتها: الظهر وتقوم مقامها الجمعة إذا صُلّيت صحيحة جامعة للشرائط، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح، وبوجوب الوضوء لها، والغسل من الجنابة والنفاس والحيض ويقوم مقامهما التيمم عند عدم وجود الماء، وبوجوب الحجِّ إلى بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلاً، وبوجوب الزكاة بشروطها المقرّرة، وبوجوب صوم شهر رمضان ومن كان مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام أُخر، إلى غير ذلك من الواجبات والمحرّمات الثابتة بضرورة الدين.
وتقول الشيعة بوجوب الزكاة في الأنعام الثلاث الإبل والبقر والغنم وفي النقدين الذهب والفضة، وفي الغلاّت الأربع الحنطة والشعير والتمر والزبيب كلّ ذلك بشروطها المذكورة في محلّها، وبوجوب الجهاد لحفظ بيضة الإسلام، وبوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبر بالوالدين، وصلة الأرحام، وأداء الأمانة، وبحرمة الزنى، واللّواط، وشرب الخمر، والغيبة والنميمة، وقذف المحصنات، ونكاح المحارم، وتزوج ما زاد عن أربع نسوة، وشهادة الزور، وأكل المال بالباطل، وإيذاء النّاس، وتعطيل الحدود، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وأكل مال اليتيم، والغش، والخيانة، والكذب، والظلم، وأخذ الربا، والقول على الله بغير علم، والتنابز بالألقاب وغير ذلك من الواجبات والمحرَّمات التي ثبتت في دين الإسلام.
فبماذا تُضلّلوننا أيّها الأخوان وتعادوننا وتنابذوننا وتنابزوننا بالألقاب؟ ألم تسمعوا قوله (صلّى الله عليه وآله): «من كفر مسلماً فقد باء به أحدهما».
فهل أنكرنا الخالق أو جعلنا له شريكاً، أو عبدنا غير الله، أو وصفناه بغير ما يجب أن يوصف به، أو أنكرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو عصمته، أو أنكرنا شيئاً من ضروريات الدين الثابتة عند جميع المسلمين؟ أليس إلهنا وإلهكم واحداً، وكتابنا واحداً، وقبلتنا واحدة، وصلاتنا وحجّنا إلى كعبة واحدة، وصومنا في شهر واحد، وصلاتنا واحدة، وواجباتنا واحدة، ومحرَّماتنا واحدة؟
فهل تعبدون الله ونحن نعبد الأصنام، وهل نبيّكم محمّد (صلّى الله عليه وآله) ونبيّنا شعيب (عليه السلام)، وكتابكم القرآن وكتابنا التوراة، وصلواتكم خمس وصلواتنا ست، وقبلتكم الكعبة وقبلتنا بيت المقدس، وحجّكم إلى مكة وحجّنا إلى عكّا، وصلاة الظهر والعصر والعشاء عندكم أربع وعندنا خمس أو ثلاث، وصلاة المغرب عندكم ثلاث وعندنا أربع أو اثنان، وصلاة الصبح عندكم اثنان وعندنا واحدة أو ثلاث، وهل صومكم في شهر رمضان وصومنا في شعبان؟! كلا والله لسنا كذلك ولكنّنا داخلون في قوله تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] وقوله (صلّى الله عليه وآله): «المؤمن أخو المؤمن، المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً».
واعلم أنّنا لو أردنا استقصاء الافتراءات على الشيعة والسخافات التي قيلت عنهم بغير صحة وما عِيبِ به عليهم وما خُطئوا به بغير حقٍّ وردٍّ عليهم بالباطل وبيان الصواب فيه، وقلّة إنصاف الخصم وتهجّمه على ما لا يحلُّ له لاحتجنا إلى عدّة مجلدات.
كلمة دار التعارف
إنّ (دار التعارف) التي رافقت (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية) منذ نشأتها الأولى يوم لم تتجاوز مجلداتها في طبعاتها الأولى، الثلاثة المجلدات، ثمّ بعد عناء وصلت إلى الخمسة.
وبعد مكابدة عسيرة وصلت في طبعتها الخامسة إلى الأحد عشر مجلداً. ثمّ ها هي في طبعتها السادسة تصل إلى الستة وعشرين مجلداً.
ودار التعارف التي صحبت صاحب (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية) في كفاحه العنيف، خطوة خطوة ترى أنّ خير تحية توجهها إليه هي أن تنشر في آخر مجلد من مجلدات (الدائرة) نصوصاً من كلمات المحتفلين به في الحفلة التكريمية التي أقامتها له (جمعية الحوار الثقافي) في كلية الآداب من الجامعة اللبنانية في 20/6/2002 والتي صادفت صدور المجلدات الأخيرة من الطبعة السادسة.
حامد عزيزي
صاحب دار التعارف
تقديم الدكتورة أميرة أبو مراد
رئيسة جمعية الحوار الثقافي
أيّها السادات والسادة، أصدقاء المحتفى به ومقدّرو علمه وفكره، باسم حلقة الحوار الثقافي، أرحب بكم أشد الترحيب، ثمّ أقول:
إنّه، في بيئة اعتبر فيها العلم نور والجهل نار، والثقافة غنى للروح وزاد للعقل، والانفتاح على الآخرين ـ عبر الحوار الموضوعي البنّاء ـ رقي وحضارة…، في تلك البيئة، الثرية بأنقى القيم الإنسانية، التي كوّنها السيد محسن الأمين: والد السيد حسن الأمين الذي ترعرع، وكبر وأنتج، فكان الوريث لفضائلها بامتياز.
«هذا حسن» قال الله عن النور، بحسب سفر التكوين، وقالت الناس «هذا الأمين»، حيث أرادت أن تدل على من اتّصف بالكرامة والصدق والإباء. ولا عجب أن يكون المتحفى به، هذا المساء، هو، نفسه، الحسن والأمين في آن معاً! إلى جانب كونه السيد، المتحدّر من سلالة أهل البيت الكرام: وكفى بذلك تعريفاً يبعث على الاعتزاز!!.
لن أستطرد في تعداد المزايا وفضائل ضيفنا الكبير، وهي كثيرة كثيرة، لأترك هذه المهمة إلى الأدباء والمفكرين، الذين جاؤوا، اليوم، يؤدّون شهادات حيّة فيه.
كلمة الدكتور الأب يوسف مونس
يستوقفني في سيرة العلاّمة الفاضل السيد حس الأمين أمور عدّة فيها الدلالة على ميزة هذه الشخصية الفريدة:
دلالة اسمه:
إنّه حسن محسن الأمين، اسمه يطابق لشخصه فهو في الحسن الخلقي والأدبي والثقافي وأمين لإرثه العائلي والوطني والشيعي والعاملي والإنساني. هذا الصدق مع الذات يجعل من بعض الناس أسياداً في الحق والمثال، رموزاً ومثلاً رسولياً يدفع إلى التغيير والتجدّد مستنداً إلى زهد داخلي وتقشف حياتي في نورانية فكرية تجتهد أن تفتح الأبواب المغلقة وتقرأ الأسرار وأن لا تقدس ما هو غير مقدس وقابل للتحوّل والتغيّر، وأن لا تدنس ما هو في القعر ثابت متجذر.
المقولات الروحية والفكرية والأدبية، والفلسفية وسواها أساس، أمّا التعبير عنها فمتنوع متغير خاضع للزمن والتاريخ والجغرافيا والأجيال والمجتمع.
اللغة، متغير. الثياب، متغير. طقوس الحياة والموت متغير. أمّا الموت فثابت، الحياة ثابت، الحب ثابت، البغض ثابت التعبير عن هذه الأمور واختبارها يأخذ تنوّعاً يستند إلى وجود الناس في زمن معين وبيئة معينة وجو ثقافي ومناخ حضاري معين واختبار فريد مميز. طبع بالرغبة بالعلم وهم الإصلاح الديني والوطني وبالإخلاص والزهد.
دلالة المدن الثلاثة: من دمشق إلى النبطية في جبل عامل إلى بغداد:
أ ـ دمشق: طبعته بدورها الرائد عروبة دون انغلاق وثورة تتوهج بالكرامة والاحترام، وإسلام سمح رائد قابل حق الافتراق والاختلاف والتنوّع وبجهاد لآل الحق والحرية والكرامة لك وللآخرين باحترام للشخص البشري ليكون الإنسان ينبوع سلام وإخاء وتنوّع حضاري رائد.
ب ـ جبل عامل: أعاده إلى اكتشاف ثروات ثقافية تدعو إلى المصالحة والحوار والعيش المشترك في الجرح الكربلائي المسكوب على الفقر والتراب المقدس.
أدرك أنّ للآخر حق افتراق واختلاف وكلّ تدمير للآخر هو تدمير للذات، وعدم الاعتراف بالآخر هو العنف الكبير. الحرية الدينية تعطي حق النقاش لأفكار الناس بطريقة علمية موضوعية لإجلاء وكشف الفكر الديني بعمقه وتجلياته الكبرى. المسلمات في العقيدة والبحث والنقاش يمنعان أي مصادرة للرأي وأي حرم وأي تكفير. وتبقى دوماً الدعوة قائمة مدفوعة بجدلية التطور والتجدد لجو ثقافي متطور وعصري في أساليبنا ولغتنا ومقاربتنا وخطابنا ومنهجيتنا.
هناك أناس يعرفون الدين ولكن ليس لهم ثقافة فكرية لاهوتية ولا اختصاص في العقيدة ولا حتى في الدين.
المشكلة ليست في الدين. النص له مستواه الإلهي، أمّا قراءة النص فقضية تاريخية. النص طبع بطابع المقدس أمّا قراءته فليست مقدسة مكرّسة ثابتة بل متحوّلة متطوّرة. وهذا ما جعل منه جرحاً كربلائياً ينبع منه التطوّر والنورانية والعقل والإيمان. إذ أنّه أعاد القراءة وحفظ للنص قدسيته.
البُعد الشيعي يشهد لهذه الولادة الجديدة من الفاجعة حيث الضحية تعطي الخلاص لجلادها من عذابها ومن على صليبها وموتها وقيامتها. غافرة له، ومسامحة داعية إلى التجدّد والتراحم ليتجدّد وجه الآخر بالفرح والرجاء والحوار والموادعة.
أحيا الرجاء بأنّ المستقبل المتنوّع ممكن وساهم في التحوّلات التي تحسن وضع البشر لزهد روحي خدمة للمحبة وللعدالة والحرية ليؤسس ملكوت سلام وأخوة بين الناس يميز أهل الجنوب عامة وجبل البشارة وجبل عامل خاصّة لالتصاقهم بالتراب والوجع والصلب اليومي والقيامة والتحوّلات.
ج ـ بغداد: أعطته شعلة الاجتهاد والفقه المنور فأبعد الفكر الديني بالدراسة العلمية وحماه من الخرافة والتخلّف وجعله في الحداثة المنورة فأتى بالرحابة وانفتاح الرأي.
السيد حسن الأمين،
في ولادته يطل أب كبير غارق في البحث والكتابة والقيادة والإصلاح ومنزل متواضع يرمي عليه الإيمان برسالة بعداً شاهقاً من الكبر والمعرفة والكفاح والزهد والتجرّد، قيم البيت طبعته فأعطته ثوابت تصرّفه الأدبية والفكرية فتجذر في بيته وأرضه وأهله ووطنه وقضاياه قضايا الحرية والاستقلال.
خصوصيته العاملية المطبوعة بالتزامه الإسلامي هي خصوصية شيعية طبيعية نابعة من قدومه من بيت شيعي وهي منهج عقلي وليست مذهبي بل عاطفة يدفعها هم البحث والحوار لإعادة النظر بشجاعة أدبية لقراءة المقدّس بفكر نقدي يستشف المستقبل فاتحاً أبواب التحوّل للأيام القادمة.
المستقبلية بادية في كتابه: «الغزو المغولي لبلاد المسلمين» ويلتقي بتفكيره المقاوم بتفكير راهب لبناني ماروني هو الأب بولس عبود الذي كتب ووعظ وحاضر وقاوم 1920 حتّى أنّه نفي ومات حزناً في منفاه في بلدة غوسطا في كسروان.
ولّد أباه السيد محسن الأمين بإخراج كتاباته. فكان هذا التوالد المتبادل. إنّه الشاعر وقصائده غزل وغضب. إنسان مطبوع بالإخلاص في أدبه، إنّه أديب مخلص، ربي على الإخلاص وتحلّى به وتعامل به ومارسه كلّ أيام الحياة.
الإخلاص والتلقائية والعفوية أعطته الكلمة الحيّة الشفافة فلا تباين بين القول والممارسة.
إخلاص في الموقف، يؤدّي إلى الالتزام الوطني والقومي والإنساني.
إخلاص للعلم والحقيقة وللثقافة العربية والتراث الإسلامي إنّه لم يكن إنساناً «غلط».
خاتمة:
نكرم الفكر والعلم والصلابة والتواضع، مأثرة، هذا الحفل اليوم بمبادرة من حلقة الحوار الثقافي، أن يضيء لنا قيماً مضيئة، مثال حسن الأمين الأديب والمؤرخ البحاثة والإنسان المترع النفس بأنبل القيم الإنسانية النقي القلب واليد واللسان والجوارح والوطني الصامد في وقاره ووداعته. عفيف اليد هو حي الضمير، عمل بصمت وتواضع متعال عن الانغماس بالصغائر والتلهي بالمظاهر والقشور فصار المثال والقدوة بين الناس.
إنّه النداء الرسولي وكتاب الماضي إلى المستقبل. مسكون بصدق الولاء وحرارة القلق والتراث. فله الإكبار والاحترام ولنا حفلة الاستذكار والتكريم.
كلمة الدكتور إبراهيم بيضون
لمرّاتٍ خلت، تحدّثت عن السيد حسن الأمين: العلاّمة، الموسوعي، المؤرخ الشاعر. وسأكتفي في هذه الشهادة بقراءة سريعة له، كإنسان قيم وثوابت ومبادئ… هذا الذي عرفته عن كثب، وتأثّرت به على مدى عقود من السنين.
والشريط مترع بالذكريات الحميمة، وللجامعة محطة أثيرة فيه، إذ كنت حينذاك طالباً في السنة الأولى. وقد أعددت بتوجيه منه دراسة صغيرة من ثورة ابن الأشعث في العهد الأموي… وفي سنة تالية كانت تجربة مماثلة، والموضوع عن أبي شامة مؤرخ الدولتين النووية والصلاحية، ولكن البحث تناول أبا شامة الشاعر، الأمر الذي لم يُعجب الأستاذ التقليدي، المسكون بالحدث، فقد رأى فيه جنوحاً عن المنهج، لا سيما وأنّه غير مفطور على الشعر وليست تستفزّه كلمة أنيقة أو تستثير وجده نجمة عاشقة في هدأة الليل، وهو المقيم في الحوليات والنصوص التي شاخ فيها الزمن. ولكنّني إذ تمرّدت على الأستاذ، أدركت ما يعنيه ذلك الاختيار وأن «السيد» لم يكن الشعر ما يدور في خلده عندما حرّضني على الكتابة في مثل هذا الموضوع، ولكنّه بصفائه وعمق فكره ووضوح منهاجه كان يرى في ذلك جديداً، وبالتالي جديرٌ بالبحث. ولقد فتح عقلي يومذاك على مسألة مهمة في الكتابة التاريخية التي تأتي الإشكالية في أوّل شروطها. أو بمعنى آخر فإنّ الجديد ما يجب أن يسعى إليه المؤرخ، ذاهباً في العمق، وليس منتشراً على المدى الأفقي، مراكماً ما لا قيمة له ولا يرقى إلى الإبداع.
أقول ذلك وأنا ما زلت متشبثاً بالدرس الذي تلقّيته مبكراً من «السيد»، وهو ما زال يشجّعني على السير في المنهج الذي فيه بصمة منه. انفتاحاً ورؤية وتحليلاً، فضلاً عن الأسلوب في انسيابه واختلافه بنبض الأفكار على مساحة البحث.
حسن الأمين، هذا شأنه مع كثير من غيري لجؤوا إليه واستناروا بفكره ونهلوا من علمه وتأثّروا بمنهاجه، يستقبلهم جميعاً برحابة صدر، ويلقي بين أيديهم من نفيس كنوزه، ما يضيء أمامهم الطريق ويعزّز لديهم الثقة في التغلّب على تحدّياته. فهي رسالة «السيد» لا الباحث الذي ينشر الحقائق على مساحة التاريخ فحسب، بل المعلم الذي يحفر، على مساحة العقول، فكراً يقترن بالأصالة والأخلاق والمبادئ… إنّه باختصار مدرسة اتّخذت فرادتها في هذا التكامل بين العلم والقيم، وبين الذات والموضوع، وبين المبدأ والموقف، وليس أخيراً بين القاضي العادل والمؤرخ الذي يكتب بحبر المظلومين.
لقد مرّت سنون كثيرة، من اليفاعة حتّى أقصى الكهولة، وأنا على صلة لم تنقطع مع «السيد»، المعلم، الأب، الصديق. وفي هذا السياق الطويل كان ما يزال المرجع عندما تخونني اللغة أو يلتبس عليّ معنّى في الرواية… بيد أنّ الأهم من ذلك، أنّه ما انفك القارئ الأوّل لكل كتاب يصدر لي خلال تلك المسافة من الزمن، ولطالما غمرني القلق. بل الخوف، قبل أن يهتف لي مبدياً الثناء، وأحياناً الملاحظات، مجرّداً من الانحياز وغير متأثّر بالعلاقة الخاصّة.
حسن الأمين لا تختصره صفحة المؤرخ، ولا تستوي قراءته دون بقية الصفحات التي كاد يطويها بنفسه. وهي ليست أقل إثارةً وجاذبية… فالدور يبقى الأساس في سيرته وهو يخطّ النهر، الدور الحاضر في كلّ الصفحات العابقة بالضوء… والصبي الذي وقف يوماً أمام الجنرال «ويغان» يلقي بفرنسيةٍ متعثّرةٍ كلماتٍ تعرض للوضع البائس في جبل عامل، هو نفسه المشارك بحماسة، طالباً، في تظاهرات دمشق ضد الانتداب، وهو نفسه القاضي الذي يتداول الحكم مع الفقهاء الثقات، قبل النُطق به واثقاً في غير تردّد، وهو نفسه الأستاذ اللامع للأدب العربي في بغداد والشاعر المحلّق في قومياته ووجدانياته، والرحالة «من بلد إلى بلد»، مسجّلاً انطباعاته في نثرٍ فني بديع.
وفي زمن يتباهى بالمساوئ وتُبتَذل القيم، يمضي حسن الأمين: المدرسة، الرسالة، الإنسان المفعم بالتراث، في طريقه الصعب، وجرأته ما انفكّت تجلد الطغاة والمنحرفين والمنافقين…
وحيثما حلّ كانت هذه القامة العالية وهذا الحضور الجميل، المتوهج، الصاخب، وكأنّه بقية السيوف من زمن بعيدٍ غار. فلا يرتحل إلاّ وقد ملأ ذاكرة القوم ورسخ في نفوسهم علماً كبيراً من أعلام الفكر العربي الحديث…
حسن الأمين في «حِلّه» بحاثةٌ يُمسك بزمام التاريخ وفي «ترحاله» شاعر ينثر القوافي الزاهيات… وفي كليهما الإنسان العاشق لجبل عامل، المسكون بالهواجس الكبيرة… الإنسان الناصع كفّاً، المترفّع عن الضغائن، المترهّف لوجه الحقيقة.
كلمة الدكتور يوسف الحوراني
لنا مسلّمة من المسلمات المنطقية الاجتماعية نحن العامليين وهي:
«حيثما يوجد السيد حسن الأمين يوجد مجلس للأدب والفكر وتبادل المعارف وعقد الصداقات».
هذا ما ألفناه وأحببناه في مجالس علاّمتنا ومرجعنا الأدبي والتاريخي الصدوق. منذ أن تفتّحت عقولنا على موهبة الحوار بين المختلفين، ونعمة اللقاء بين المتآلفين مع الالتزام بشرعة الحديث والكلام في حضرة الكبار المهيبين.
فشكراً لكبيرنا في هذا اليوم الذي يذكرنا بعصرونيات جنوبنا الحبيب، بلاد عاملة العماليق.
ما قلته مرّة فيه هو «أنّه كرامة في ذاته» وما أضيفه أنّه كنهر متدفق يعطينا في كلّ هنيهة ما هو جديد ونبيل.
كان لي منذ صباي الباكر المثال والمعلم، ونعم ما كان ولا يزال. وما أضافه في كتاب «غارات على بلاد الشام» كان درساً بليغاً أدعوكم لاستيعابه معي وخلاصته:
لا نلوم الآخرين على ما فعلوه لنا من إساءة، وإنّما نسألة في البدء عمّا فعلناه نحن لهم لجلب هذه الإساءة حتّى ولو بلغت هذه إلى حدود الكارثة.
حتّى المغول وتيمورلنكهم الفظيع بقي السيد الأمين متيقظ الضمير، ثاقب النظر محايد القياس والمقارنة، شيمة الشرع العاملي الذي ألفنا الحديث عن عدالته في طفولتنا وكان آباؤنا يلجؤون إليه فينصف بينهم دون سؤال عن الطائفة أو الدين أو النسب العائلي.
لم يصل غيره من كتّاب العربية إلى ما وصل إليه من حكم وهو: «نحن نعتبر أنّ المسؤول الحقيقي عن محنة بلاد الشام لا تيمور وحده، بل إنّ المسؤولية تقع أوّلاً على القاضي برهان الدين أحمد والظاهر برقوق وسودون، نائب دمشق ودمرداش نائب حلب هؤلاء الذين قتلوا رسله فأثاروه للانتقام لقتل رسله. وقد كان متودّداً لأولئك القتلة طالباً إقامة علاقات تجارية بين بلاده وبلادهم».
ويعلّق مؤرخنا على أسماء الذين ساروا في ركاب هولاكو من المسلمين ومنها: ظهير الدين، وصدر الدين وسيف الدين يعلّق بقوله: لم يكونوا يخجلون من أن ينسبوا إلى الدين».
وللتآسّي والتوازي بين كلّ الأيام نذكر لمعلمنا الكبير أنّ الدين لم يعد يكتفي اليوم بالأنساب كما كان في أيام هولاكو بل غدا له حرّاس شخصيون مفتولو العضلات طوال القامات، يحمونه من الازدواجية ويعاقبون كلّ من يفكّر بأن يكون له عقل ودين معاً…
ولله في خلقه شؤون
ولك يا عميدنا الأمين المحبة كلّ المحبة مع تجلّة الوفاء…
كلمة الدكتور منذر جابر
السادة الكرام، دعاة ثقافة وفكر.
يبدو تكريم السيد حسن الأمين، تكريماً لثقافة وطنية، وتأكيداً لرابطة وطنية، وليس تقاسماً للثقافة، أو استعادة لذكريات في محلةٍ أو منطقة، وليس عودة إلى ملاعب أو مآرب خاصّة بفئة أو بطائفة.
حسن الأمين من الذين لا يضمُّهم عنوان أو هوية. فهو لا يدور في نتاجه أو مواقفه على مروحة واحدة. من يقرؤوه أو يسمعه يجده حمَّال أوجه في الثقافة، متفاوتاً، عالمه واسع واسع، لأنّه عالم مشاهدات وممارسات وأصبوحات وغرائب وتناقضات.
يدير السيد حسن عوالمه تلك في ألفة نادرة، على بعد مدى هذه العوالم، واتساعها، وقد أرسى في شخصيته الفذّة علاقة بالغة الدقة بينه مفكّراً، وبينه إنساناً. وهذا ما جعل منه مقيماً دائماً في مناطق مختلفة، ودافقاً على منابر متعدّدة، مقروءاً على أنحاء وأوجهٍ تختلف، باختلاف المكان من ناحية. فهو عاملي في الشام والعراق وإيران، وهو شامي في عاملة والعراق وإيران، وهو عراقي في عاملة والشام وإيران، وهو إيراني في عاملة والشام والعراق، وهو كلّ ذلك على «دروب الباكستان» وفي «حلَّه وترحاله». وتختلف من ناحية، باختلاف الموقع والهيئة، فهو شاعر مع الأدباء والمحدّثين والمؤرّخين، وهو أديب مع الشعراء والمحدّثين والمؤرخين، وهو مؤرّخ في نظر هؤلاء جميعاً ومعهم. يبقى السيد عصياً على الترتيب المحكم، اللهم سوى القول إنّه إنسان يناظره، فوق إنسان يناضرهما. كلّ منّا يرتّب للسيد موقعاً حسب مقتضاه وقضيته.
والسيد من ثمالة جيل غَرُب أو كاد، جيل ثقيف، كتيب لسِن. نسمعه فنتمنى لو ندوّن ما يقول. نقرؤه فنتمنّى لو نتحدّث بما يكتب. يستظهر التراث كما يستظهر عن ظهر قلب أقاربه وبيوت قريته. السيد يبزّ الجميع في ذلك: حسين مروة والشيخ علي الزين بقيا على حيائهما الديني الموروث على ما في حديثهما من طلاوة وحلاوة. موسى الزين شرارة وعبد الحسين عبدالله، المحدّثين بامتياز، قصرا عن السيد في عمق ثقافته واتساعها. صدر الدين شرف الدين يتحدث وكأنّه يتلقى الكلام من علٍ، تذهب نبرتُه في الكلام وتنقشه، نسمعه مسحورين بنطقه ورنين جمله. أمّا كلام السيد حسن، فهو على مقاس سامعيه، وكأنّه في حديقة جوقةُ محاورين يتقاسمون الحوار كلّ من موقع ومن طرف. لذلك الكل يصغي في مجلس السيد، وهو مسترسل في حديثه المفصل الشيق. ينتقل فيه بين الأزمان والبلاد والعباد بطرفة عين، مليء بالأخبار والحواشي والاستطرادات الكلام يستدعي غيره، والسكوت من قبلك أو الحركة أو اللفتة، تعني في عرف السيد سؤالاً جديداً ومفتاحاً ومدخلاً لحديث جديد.
أمّا السيد حسن المؤرخ فهو يصل في نقده إلى مواجد في المسلمات التاريخية. فها هو في تاريخ عاملة يطعن في مسلمات براءة وطهر شخصيات مؤتمر وادي الحجير 1920، وها هو في التاريخ الأكبر يطعن في مسلمات حول رجالات كبار حتّى ولو كان صلاح الدين. ومهما يكن الموقف من ذلك فإنّ الاشتباه هو منطق السيد في أحكامه. وقد يكون ذلك اجتهاد وحسب، وأياً كان منتهاه، فإنّ الحس النقدي راكز لدى السيد حسن ولا يبالي بعد، بأن يتصدّى لمقولة راسخةٍ وكلام إجماع.
أمّا السيد الإنسان فيكفيه أنّه قال كلمته، واستقال من منصب القضاء، حين برّأ رجلاً يحرث على حماره، وذلك مأثوم حسب القضاء الفرنسي، برأه حتّى لا يُقال «إنّ القانون في لبنان يحافظ على كرامة الحيوان أكثر من حفاظه على كرامة صاحبه».
يُحيي السيد ويختم في آن معاً ظاهرة المفكر الموسوعي، المفكر الطرف في أيّة مسألة أو حدث. يطارح في القضايا المعيوشة ويطرح في ما غفل عنه غيره أو يجتهد فيه من جديد. والسيد وكأنّه على فطرة في ذاك. وهو في كلّ ذلك، ينتقل بالحوار الفكري، الذي طالما قبع في نقطة اللااعتراف المتبادل إلى الإقرار بوجود الآخرين.
ولعل في وجه السيد هذا، ضرورة أكثر من أي وقت مضى مع ضرورة النظر إلى أفكار الآخرين وأفكار الماضي والحاضر، ومع اللغة السائدة التي لا ترى في أبواب الفكر تواصلاً، بل ترى انقطاعاً وقطعاً. يتبادل الجميع في السياسة والتاريخ والفلسفة والسلوك عدم الاعتراف بعدم اعتراف. هذا موقع السيد حسن من الجميع. وجدان خاص لا نطاق للجميع سواه.
كلمة الدكتور حسان حلاق
بسم الله الرحمن الرحيم
أيّها الحفل الكريم، أيّها الأخوة والأخوات
العلاّمة الكبير السيد حسن الأمين المحتفى به.
إنّه لشرفٌ عظيم، وإنّها لمناسبة كريمة، لن أنساها ما حييت، أن أتحدث عن عالم جليل وكريم دوّن التاريخ الإسلامي والعربي القديم والوسيط والحديث من خلال فكره النيّر وقلمه المدرار المعطاء.
إنّ العلامة السيد حسن الأمين سليل العائلة الكريمة التي عقد جذورها في عمق التاريخ الإسلامي، فهو من السادة الكرام الأفاضل، الذي تميّز بالأصالة الدينية والفكرية والعائلية، وهذه الأصالة لا تتناقض عنده مطلقاً مع محاولاته الدؤوبة لتجديد وتحديث الفكر والتاريخ الإسلامي والعربي. لذا فقد عمل بجرأة نادرة وبجد ونشاط في مجال تحقيق التراث الإسلامي. كما كتب عن الكثير من القضايا والإشكاليات التاريخية والفكرية والفقهية.
تأسيساً على ما تقدّم، فقد اختلف الكثير مع العالم الجليل السيد حسن الأمين، فكتبوا ضد ما كتب وضد ما يفكر، وبدوره كتب ضد ما كتبوا وكيف يفكّرون، ممّا أسهم إسهاماً واضحاً في إغناء الحياة الفكرية في لبنان والعالم والعربي. لقد آمن بالتنوّع الفكري لأنّه أساس الغنى الفكري، وهذا التنوّع لا يفسد للود قضية أكانت تاريخية أو فكرية أو فقهية.
قد تختلف معه في الرؤى الفكرية والتاريخية استناداً إلى التنوّع ومصادر البحث العلمي، ولكنّك أبداً لن تستطيع إلاّ أن تحترمه وتقدّره على دوره الريادي في عالم الفكر والتاريخ.
لقد تتبعت منذ سنوات الكتابات والكتابات المضادة التي نشرت في الصحف اللبنانية والعربية والمتعلقة بأفكاره وآرائه، ولا أذيع سراً إن قلت إنّ البعض حاول إقناعي واستدراجي للكتابة ضد هذا العالم الجليل، ولمّا كنت من المؤمنين بحرية الفكر والبحث العلمي، ولما كنت طالب علم حتّى اليوم، وأجلُّ وأقدر العلماء، وأنحني أمام الفكر والعلم، فقد رفضت رفضاً قاطعاً المشاركة في مثل هذه الكتابات، لا سيما وأنّ السيد حسن الأمين يمثّل قيمة علمية وأخلاقية رفيعة المستوى.
إنّ العديد ممّن هم أقل علماً من السيد حسن الأمين أسّسوا مدرسة علمية خاصّة بهم، أفلا يحق لهذا البحاثة المحقق أن ينهج نهجاً جديداً؟ وبالتالي ألا يحق له أن يؤسّس مدرسةً فكرية جديدة، فمن شاء سلكها، ومن لم يشأ سلك سواها؟
أيّها الحفل الكريم
يكفي السيد حسن الأمين فخراً أنّه سلسل أمة تتميز بخصال عديدة منها: النسب الشريف والأصالة، العلم النافع، الجهاد. فهذه الخصال قلّما تتوفّر في عالم. لهذا، فإنّ الرجل لا يحتاج إلى كلمات تقال فيه، ولا إلى حفل ينوّه بمآثره، فهو بما يمثّل من قيم علمية ومثل عليا وعلم وأصالة، إنّما يمثل في الحقيقة مسيرة أمّة في سيرة رجل.
ويكفينا فخراً القول، إنّ الأمة التي أنجبت السيد حسن الأمين، هي التي أنجبت المقاومة الإسلامية والوطنية، والتي قامت بدور أساسي وفاعل في تحرير لبنان من براثن العدو الإسرائيلي، ولم ولن تتراجع هذه المقاومة إلى أن يتم تحرير آخر شبر من أراضي مزارع شبعا المحتلة والجولان العربي وفلسطين العربية.
أيّها الحفل الكريم
إنّ مشاركتي في هذا الحفل التكريمي، هو تكريم لي ولزملائي المشاركين بل هو وسام على صدري يمثّل أقصى اعتزازي وشكري وتقديري لكم جميعاً وللّجنة المنظمة للحفل.
كلمة الدكتور حسن أمين البعيني
أيّها الحفل الكريم
منذ زمن بعيد عرفت السيد حسن الأمين من خلال ما كتب، ومن خلال ما كتبت عنه وقيل فيه فأحببت شخصه، وأكبرت فيه جميل الصفات وعظيم المآتي، وظلّ يكبر في عيني ويسمو مع توالي عطاءاته على امتداد عمره إلى ما بعد التسعين.
وإذا كان المجال هنا لا ينفسح لي للإحاطة بجميع جوانب شخصيته، وبجميع إنجازاته، ولا يسمح لي بالإطالة، فإنّه على الأقل مناسبة لأقول كلمة تقدير وشهادة حق فيه.
العلاّمة السيد حسن الأمين إحدى السنديانات الصلبة من بلادي، وأحد الرجالات الذين أنجبهم جبل عامل، وأحد أعلام هذا العصر، وأحد المجددين المنفتحين على الحداثة دون التخلي عن الأصالة.
تعدّدت ميادين عمل السيد حسن الأمين، وكان له في كلّ ميدان صولة وجولة. فهو المربّي الناجح الذي يتعهّد الأجيال بالتربية الصالحة، فينشئ النفوس، ويبني العقول، ويهذب الأخلاق. وهو المحامي اللامع الذي يدافع عن الحق ولا يلتفت إلى المنافع ولا يأبه بالإغراءات. وهو القاضي النزيه الذي يهمّه انتصاب ميزان العدل، وإنصاف الناس دون أن يخالف على منصب أو يطمع بمال. وهو بالإضافة، إلى عمله الوظيفي، الباحث المنقب والمهتم بالمطالعة والكتابة، والحاضر لمعظم المؤتمرات، المبدع، وكاتب الرحلات، والموسوعيّ الذي يقوم بما يوكل عادة للمؤسسات.
قلائل هم الذين أنعم الله عليهم بتعددية المواهب وتوفّر الإمكانات. وأقل منهم الذين يستغلونها لمصلحتهم ومصلحة مجتمعهم ووطنهم والإنسانية. والسيد حسن الأمين من هذه القلة التي استفادت وأفادت ممّا أنعم الله عليها إذ جمع بين المواهب والإمكانات، والنشاط الدؤوب، والهمة العالية، والعزم الذي لا يلين، فأعطى بسخاء وأبدع، وأسدى الخدمات الجلّى.
والمجال هنا، كما أسلفت، لا ينفسح لي للحديث عن السيد حسن الأمين الأستاذ، والمحامي، والقاضي، والمؤرخ، والشاعر، والكاتب، والموسوعي لذا سأكتفي بالحديث عن جانبين من جوانب شخصيته وأعماله هما مناقبه العالية ووعيه المبكر للخطر الصهيوني والتصدّي له بالمواقف الشجاعة والتوعية، يوم كانت الأكثرية غافلة عنه وجاهلة له.
إنّ مناقب السيد حسن الأمين وليدة بيئة ثقافية بيتية مثالية، ونشأةٍ صالحة في كنف والده المصلح الكبير السيد محسن الأمين، أكسبته أنبل الشمائل، وأجمل الفضائل، وحبَّ العمل والعمل الاجتماعي والإصلاح، والزهد بالدنيا، والشجاعة في المواقف. وهذا ما تحلّى به الوالد وأورثه لولده، فكان الابن سرّ أبيه وكان خير خلف لخير سلف.
إنّ التربية البيتية الصالحة فجّرت المواهب عند السيد حسن الأمين، وفتحت له آفاق العلم والمعرفة، وأعطته مثالية السلوك، وحصنته بأجمل الصفات، وجعلت منه الإنسان الطموح إلى العلى، الهازئ بالصعاب، العامل بصمت، والمثل الصالح في التعاطي الاجتماعي والعمل الوظيفي.
هذه البيئة البيتية الصالحة تكاملت مع بيئة ثقافية ثورية عاش فيها، فخلقتا معاً السيد الأمين المجاهد بالكلمة والموقف. فهو بالإضافة إلى كونه ابن عالم مصلح، ابن جبل عامل الذي بدأت فيه الثورة سنة 1919 على الاحتلال الفرنسي. وهو المعايش للنهضة القومية التي شهدتها دمشق، قلبُ العروبة النابض، في عهد الحكومة العربية التي كانت محط آمال الوطنيين العاملين من أجل الاستقلال والوحدة في وجه مخططات التجزئة الاستعمارية، هذه البيئة أوجدت عند السيد حسن الأمين الوعي المبكر للخطر الصهيوني، وعزّزت توجّهه نحو الجهاد، فإذا به في طليعة المتظاهرين في الشام ضد نزول بلفور فيها، وهو صاحب الوعد المشؤوم بإقامة الدولة اليهودية في فلسطين… وإذا به المحامي الذي يأبى التوكل عمّن شاؤوا بيع الأراضي لليهود، مقابل مبلغ ضخم، ويعنف عليهم بالكلام ويطردهم… وإذا به القاضي الذي يحكم بسجن المتسللين اليهود من لبنان إلى فلسطين، ويقف بعناد وصلابة في وجه من حاولوا إخلاء سبيلهم، وإذا به المؤرخ الهادف الذي يكتب عن الغزو المغولي ومقاومة المسلمين له مع ما في ذلك من تشابهٍ مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين وجهاد العرب والمسلمين ضده. وسيزول هذا كما انحسر ذاك أمام إرادة التصدّي والصمود والمواجهة.
فإليك أيّها الشيخ الجليل أيّها العلاّمة تحية إكبار وإجلال… فأنت عنوان عزة، ورمز عطاء. أطال الله في عمرك، وأعطانا العديد من أمثالك الذين نحن بحاجة إليهم في هذا الزمن الرديء الصعب، زمن الخيبة والانهزامات وتحطم الآمال والأماني القومية. وشكراً.
كلمة السيد محمد الحسن الأمين
عندما دعتني حلقة الحوار الثقافي التي نظمت هذه الأمسية. شعرت بشيء من الحرج فأنا مدعوّ للكلام على العلاّمة السيد حسن الأمين الذي تربطني فيه الكثير من الوشائج التي تسمو على عنصر القرابة.
ولكنّها القرابة تحرج أصحابها أحياناً وتظلمهم. غير أنّني وبعد أن أدرت الموضوع في ذهني قلت إنّ عامل القرابة لا يجوز أن يكون سبباً لكتمان الحقيقة، والسيد حسن الأمين قبل أن يكون واحداً من عائلة أو قبل أن يكون أسيراً لاسمه فهو مناضل ومجاهد ومؤرخ، وفوق ذلك كلّه وبعد ذلك هو واحد من فرسان الممانعة والاعتراض في عصرنا الذي تغلب عليه سمة الاتباع والذلّ، وفي إطار طبقة أو فئة من الناس هي المثقفون ومنتجو المعرفة والذي كثر الكلام والحوار والحديث والسجال عن الدور الذي يقع على عاتقهم وعن المسؤولية التي يتحملونها في ظل محاولة هذه الأمّة للنهوض من الانهيار التاريخي الذي أصابها من عدّة قرون. كنت باستمرار أجد أنّ المسؤولية الأساس فيما تبدو مسؤولية الحاكم أو السلطة. كنت أجدها مسؤولية المثقف مسؤولية رجل الفكر، وكنت وما زلت وازددت يقيناً وأنا أنقب عن التاريخ وانقب عن الحاضر وعن المستقبل أنّ أمّة يقبل مثقفوها ومفكروها وفقهاؤها أن يكونوا مثقفي ومفكري وفقهاء السلاطين لا يمكنها أن تجترح فعل نهوضها من الواقع العربي الراكد، إنّه يطلق أقصى ما يملك من أجل أن يدفع هذا العقل لكي ينقض ذلك ولكي يعيد النظر في المسلمات.
وما هي مشكلتنا في التاريخ وفي الأدب وفي كلّ حقل من حقول المعرفة والدين سوى هذه المسلمات التي تكتسب قدسيتها بغير شرعية حقيقية وعلى الأقل فإنّها غالباً ما تكتسب قدسيتها خارج شريعة العقل. ثمّة دور آخر من خلال مهنة المؤرخ ولنقل من خلال رسالة المؤرخ لعبه السيد الأمين وهو دور مفصلي ورئيسي وأساسي ولا يحصر مهمة المؤرخ في النبش والتحقيق والبحث عن الماضي ولكنّه يجعل من هذه المهمة وسيلة والقول بأنّه للتأريخ وظيفته الأساسية وللمؤرخ وظيفته المسؤولة، ليس صحيحاً.
إنّ المؤرخ هو الذي يجلو لنا صورة الماضي، وحسبُ المؤرخ فيما يعمل على جلاء صورة الماضي إنّه في جوهر عمله يكون عاملاً على اقتراح صورة المستقبل، ولا يمكن أن يكون العمل التأريخي مبرراً إن لم يكن عملاً يهدف إلى إنتاج صورة مستقبل ما. أدخل من هذه النقطة إلى كتابه المفصلي والاستثنائي «الغزو المغولي لمدينة بغداد» أي حاضرة العرب والمسلمين الكبرى حينها، وسقوطها المدوي الذي شكل المفصل التاريخي لهذا الانهيار السياسي والحضاري الذي ما زلنا نعيش تداعياته حتّى يومنا. في الواقع إنّ هذا الكتاب صدر ولا أدري ما إذا كان ذلك بفعل توقيت دقيق شاءه المؤرخ.
بالرغم من حرصه الشديد ومن ذائقته التاريخية من محاسبة التاريخ، إلاّ أنّه لم يكن مؤرخاً ولكن الأمين كان باحثاً سياسياً ولم يكن باحثاً سياسياً، كان مفكراً اجتماعياً وباحثاً في الحضارات. ولكنّه لم يكن كذلك بالضبط. ومع هذا كلّه كان شاعراً حيث قد تطفو حدّته الشعرية على مقولاته، على المفاصل والمنحنيات في الكتابة، والحدث بصورة تجعلني قادراً على القول إنّ الكاتب كان مؤلفاً، كان صورة من صور مساهمة المثقف أعلى صورة من صور المثقف في مواجهة مسؤوليته عندما تكون القضية ويكون التحدّي هو تحدّي الوجود وكان مؤسساً نظرياً ووجدانياً للفكرة التي تقول إنّ الانهيار والسقوط في الأمم ليس نتيجة حدث خارجي وهو نتيجة قابلية، قابلية تستدرج مع مثل هذه الأحداث، تستدرجها بصورة أو بأخرى، لم يكن ممكناً سقوط بغداد لأنّ هولاكو أو تيمورلنك كان خارجاً من تلك الأصقاع البعيدة ليشبع هذه الشهوة البدائية في تدمير الحضارات، وإنّما لأنّ هذه روما الجديدة، أميركا لكي تسلب لها، لكي تعيش فعلاً اغتصاباً كما لو أنّها مصابة بمرض نفسي عضال. حسن الأمين التقط المفاصل الحقيقية بأزمة انهيار الحضارة العربية والإسلامية تارة عبر تحليله الدقيق ورؤيته العميقة والحرة للأحداث من ماضيها، وتارة في استحضار منهج الاعتراض والممانعة الذي وسم عمله الأدبي عموماً ووسم حياته وسلوكه مفكراً وقاضياً ومصلحاً اجتماعياً على كل الصعد. ولكنّه وبصورة أساسية وسم منهجه كمفكر ومؤرخ يعرف ويمارس. إنّ الذين صنعوا انهيار الأمة هم مؤرخو السلطة وكتابها كما مثقفوها وأدباؤها وشعراؤها.
لذلك، فقد ظلّ حسن الأمين غريباً في عصره وهذه الغربة هي شهادة كلّ كبير وشهادة كلّ فاعل في تاريخ أمته، تاريخ فكرها وحضارتها وصناعة مستقبلها، غربة لا يسأم منها صاحبها لأنّها مجاله الحيوي لممارسة التصاعد والصمود، والذي يعرف معنى هذه الغربة يدرك الجوائز السخية الجوائز التي يتلقاها صاحبها، الجوائز التي قد لا يراها الآخرون سيئة، يراها الإنسان ويبهر عقله، ولكن يعرفها الناس الذين كرسوا أنفسهم للعقل والحرية، الذين يشعرون بأنّهم ينالون أسمى الجوائز وبما لا يساويه ذهب العالم عندما ينحازون انحيازاً حقيقياً لقضية عادلة، سواء أكان في القانون أم كان في الفكر والبحث والتاريخ، حسن الأمين إنّه واحد من ألمع هؤلاء الغرباء، الذين أشار إليهم الرسول الأعظم (ص) عندما قال: «طوبى لهؤلاء الغرباء» لماذا؟ لأنّ هؤلاء الغرباء هم الذين أو المؤهلون لأن يعيدوا إنتاج الواقع الذي نرفضه جميعاً بعد أن يكونوا قد ذهبوا وخلا هذا الموقع من أشخاصهم، ولكن من أجل أن يعيدوا حضورهم الحقيقي وحضورهم المتوهج ألم أقل لكم إنّ المؤرخ الحقيقي فيما يجلو لنا صورة الماضي يقترح لنا صورة المستقبل، وسيكون حاضراً فيها بالتأكيد.
بعد الغزو الذي قام به التحالف الأميركي الغربي في أوائل تسعينات القرن الماضي صدر هذا الكتاب، بعد قليل من هذا الغزو، وأتيح لي وأنا أعيش كما كلّ المعنيين، كما كلّ الذين هزّهم هذا الغزو الجديد من الداخل كما كلّ الذين شعروا أنّ ثمة صدمة قوية توجّه إلى الاجتماع وإلى الفكر وإلى العقل العربي والإسلامي، وأنّ ثمة خطراً حقيقياً يتهدّد كلّ تيارات النهوض والتقدّم بعد هذا الغزو. كان يدفعنا إلى التأمّل في الماضي والتأمّل في الحاضر والتأمّل في المستقبل. قرأت هذا الكتاب كنت في كلّ صفحة من صفحاته أشعر أنّ السيد حسن الأمين لم يكن مؤرخاً بالمعنى الاصطلاحي الحقيقي الدقيق للكلمة.
من هنا ندخل إلى السيد حسن الأمين مفكراً ومؤرخاً ومعترضاً يعرفه الجميع، وقد عجبت لماذا لم يجرِ الحديث كثيراً على صدمة الذهن التاريخي العربي عندما أطلق كتابه الشهير عن صلاح الدين الأيوبي.
بدا أنّ المتحدّثين عن ذلك أرادوا أن يتفادوا للسيد «الأمين» ما يحسبونه هنة من هنات أو ما يحسبونه رأياً لا ينسجم مع المناخات ومع الأجواء المطروحة حالياً، لكنّني هنا وقد أكون غير متفق تماماً تجاه صلاح الدين الأيوبي أريد أن أحيي مأثرة المؤرخ الذي يشعل النار في القناعات الراكدة من الفكر. ما هي مشكلة فكرنا العربي والإسلامي سوى أنّه كان في لحظة من لحظات التاريخ يتمخض عن إبداع ما، ثمّ لا يلبث أن يدور حول هذا الإبداع ويعبره، السيد الأمين في كتابه عن صلاح الدين أطلق صدمة حقيقية في ما نسمّيه بحركة العقل التاريخي أو العقل الإسلامي.
الكلمة التي ارتجلها
السيد حسن الأمين
ليس ما أقوله كلمة كما عبّرت عنها السيدة المقدمة إلهام كلاب البساط إنّما هو شعور في نفسي لما لقيته من الداعين لهذا الحفل ولما تفضل المتكلمون فيه. أنا لا أعد ما تفضل به المتكلمون موجهاً لشخصي الضعيف. فأنا أعتبر أنّي أقل من أن يقال بي مثل هذا الكلام. ولكنّي أعتقد أنّ ما تفضّلوا به هو للفكرة التي نؤمن بها جميعاً. موجه للخط الذي علينا أن نسلكه ونستمر في سلوكه، من هنا اقتنعت بالقيام بهذا الحفل والمشاركة فيه.
نحن نقيم حفلنا هذا في وقت، يتردّد به في نفوسنا وفي أسماعنا صوت إخواننا الذي يذبحون في فلسطين ويهانون ويذلّون في أمّة ألفت الهوان واستطابته.
نحن لن نيأس. بالعكس نحن مؤمنون بأنّ النصر لنا، وأنّ ما يراق من دماء وما يعاني الناس من مذلة وهوان هو شيء مرّ في تاريخنا وفي تاريخ غيرنا.
اليهود لم ينتصروا في فلسطين، هذا ما أؤمن به، انتصروا على الجيوش العربية التي انكسرت أمامهم، ولكن القضية اليهودية حتّى الآن هي المنهزمة، كان في تخطيط اليهود ما أسموه إسرائيل الكبرى. عبروا عنه بأنّه من النيل إلى الفرات وما يشير إلى الفرات وما يشير إليه علمهم. الخط الأزرق الأعلى هو النيل والخط الأزرق في الأسفل هو الفرات، والبياض الذي يمتد فوق هذين الخطين إشارة إلى أن ليس هذا هو الحد النهائي. لقد انتهى أمر إسرائيل الكبرى. من الذي حقق هذه النهاية؟؟
حققها أطفال الحجارة.
أطفال الحجارة هزموا فكرة إسرائيل الكبرى.
اليهود الآن يجاهدون للاحتفاظ بإسرائيل الصغرى، تنازلوا عن يهودا والسامرة، وهي من أقدس مقدساتهم. هزمتهم أحجار الأطفال.
انقضت من ذهنهم فكرة إسرائيل الكبرى.
ثمّ لماذا أنشأ اليهود فكرة إسرائيل؟؟
لماذا تدفقوا من أقصى الأرض. ليغتصبوا هذه الأرض؟ رأوا أنّهم في كلّ مكان قلقون على حياتهم. قلقون على مستقبلهم.
إنّ اليهود الآن في كلّ أقطار العالم آمنون. مستقرون. إلاّ في إسرائيل، إلاّ في المكان الذي ادعوا أنّهم آتون ليستقروا فيه. إنّهم كما قال القائل:
يترقبون الموت في غدواتهم
فإذا نجوا فالموت في الأسحار
إسرائيل بعد 54 سنة على قيامها لا يجرؤ فيها اليهودي أن يخرج من بيته.
هذا هو النصر الذي حققه أطفال الحجارة.
هذا هو النصر الذي لا يعترف به اليهود.
إنّهم مستقرون في أقطار الأرض، إلاّ في المكان الذي أرادوا أن يستقروا فيه. إنّهم سالمون في كلّ مكان. ولكنّهم يذبحون ويقتلون في مكان استقرارهم. فماذا سيصنع هؤلاء اليهود الشراذم عندما يتدفق ثلاثمائة مليون عربي ويتخلصون من قياداتهم الزائفة الذليلة؟
ماذا سيصنع اليهود أمام ثلاثمائة مليون عربي إذا جاؤوهم بالحجارة؟؟
نحن مطمئنون على المستقبل بأنّ هذا الذي يجري هو غمرة من هذه الغمرات التي تمر بها كلّ أمم الأرض لقد هوجمنا في الغزوات المغولية التي كانت أقسى من هذه الغزوات، ولكن ماذا كانت النهاية؟ كانت النهاية أنّ المغول الذين جاؤوا ليحاربوا الإسلام في أرضه وفي مكانه إنّهم لأوّل مرّة واجهوا الفكرة المعاكسة. كان يُقال إنّ الشعب المغلوب يتأثر بالشعب الغالب. وإذا بالمغول الغالبين يتأثّرون بالشعب المغلوب. فينتهي أمرهم إلى أن يسلموا.
إنّني من ها هنا بعد أن أتوجّه إليكم وإلى الذين دعوا إلى هذا الحفل بالشكر إنّني أتوجّه إلى أولئك المناضلين المضحين بدمائهم بتحية إكبار وأقول لهم:
لا تيأسوا فإنّ الله معكم. والشعوب العربية معكم، ولا بد لكم من النصر القريب إن شاء الله.
ملحق بالصور
حياة المؤرخ الكبير
السيد حسن الأمين بقلمه

المؤرخ العلاّمة السيد حسن الأمين
ذكريات مع الراحل الكبير
ذكريات مع الراحل الكبير
كنت أتردّد على مؤسسة نشر في الطابق الخامس من بناية درويش، في سنة 1970 وفي يوم من الأيام التقيت برجلٍ متواضع، سلّم ودخل المؤسّسة جلس على الكرسي ثمّ أخذ يتجوّل في المؤسسة يبحث عن بعض ما يريده من كتب. بعد أيام وحين كنت جالساً عند زميلنا في نفس المؤسسة رأيت الرجل نفسه قد دخل وهو ينظر إليّ، سلّم وقمت احتراماً له وجلس وخرجت من المؤسسة إلى مكتبةٍ بجوار الدار. ولعدّة مرّات التقيت بالرجل ولكن لا أتحدّث معه ولا يحدّثني.
وفي إحدى المرّات عندما دخل الرجل إلى المؤسسة وكعادتي قمت له احتراماً، سمعته يسأل الزميل عني:
من هذا الشاب القصير القامة، الظاهر أنّه مسافر جديدٌ؟
من أين أتى؟
قال له الزميل: إنّه كتبي من النجف الأشرف، ثمّ سافر إلى الكويت، وهو في زيارة إلينا.
وكانت مشيئة الله أن أتوفق بشراء شقّة في بناية درويش في الطابق الثالث.
وكانت أهم بناية لكبار الناشرين.
ومرّت أيام وأسابيع وشهور، لم أرَ الرجل. حتّى في صبيحة يوم من أواخر شهر كانون الأوّل سنة 1970 دخل دار التعارف، والبسمة على شفتيه. سلّم عليّ فقمت له مرحباً وجلست بجنبه.
قال: إنّي حسن الأمين ـ فبادرته مرحباً، أهلاً وسهلاً.
قال: ابن الإمام السيد محسن الأمين ـ أهلاً وسهلاً ومرحباً بالسيد الجليل.
قال: هل تعرف أبي رحمة الله عليه؟ فقلت: ومن لا يعرفه؟ وأتذكر يوم وفاته وأنا في النجف وحينها كنت صغيراً.
قال: هل تعرفني؟ قلت نعم، سألت الزملاء في الطابق الخامس فعرّفوني بك.
السيد حسن الأمين في تلك الأيام لم يكن له مؤلفاً واحداً.
في سنة ثلاثة وسبعين أو أربع وسبعين تحدّث معي بخصوص كتاب أعيان الشيعة. وأنا في وضع مادي ضعيف. فأخذته إلى الطابق الأوّل ـ دار المعرفة ـ فعرفته على صاحب الدار إبراهيم فولادكار، فتحدّث معه عن طبع كتاب أعيان الشيعة. قال الرجل أطبعها أوفست. ولست قادراً على طبعها بصفٍ وإخراج جديد.
وبعد فترة، زارني، وقال ماذا طبعت في هذه المدّة.
فعدّدت له عن بعض ما طبعته، وهي بعض كتب السيد الشهيد الإمام الصدر (قدس) وبعض كتب الشهيدة بنت الهدى (ره) وبعض الكتيبات.
قال: هل رأيت كتابي المطبوع حديثاً وهو من بلد إلى بلد؟ وكنت قد رأيته سابقاً وساعدت في طباعته.
وكان يقول عنّي «أنت قصيرٌ في قامتك» و«كبيرٌ في عملك»، «نصفك على الأرض والنصف الآخر تحت الأرض، هادئ ولا تتكلم».
وفي سنة 1978 قرّرت أن أبدأ بصف موسوعة «أعيان الشيعة».
في عشرة مجلدات مع الفهرست أحد عشر مجلداً.
وفي تلك السنين أخذت الدار تدخل في بيوت الملتزمين وأخذت تشتهر في البلاد العربية والإسلامية.
وفي سنة 1980 طبعت أوّل موسوعة كبيرة وعليها اسم دار التعارف وهي موسوعة «أعيان الشيعة» وشجّعني على ذلك بعض الأخوة العلماء.
وبعد طبع كتاب الأعيان توثقت علاقتي بالأستاذ السيد حسن، وكان يرى فيَّ زميلاً صالحاً، ومخلصاً محباً له.
وكان يكثر التردّد على الدار كما كان يتردّد عليها كبار العلماء كالعلاّمة السيد هاشم معروف الحسني والسيد الهاشمي، والشيخ محمد جواد مغنية، وبعض كبار الكتّاب والمؤلفين، وبعض الإيرانيين الكبار، ولا ننسى الرعاية الأبوية للأب الكبير والقلب العطوف الشهيد الصدر (قدس سرّه) الذي أجازني بخط يده بطبع جميع كتبه وكان يرشدني على طبع بعض الكتب ويكتب لبعضها مقدمة أو يرسل بعض مؤلفاته الحديثة في المناسبات الجديدة.
هذا كلّه كان سبباً يحثّه على المداورة للمجيء إلى الدار والجلوس مع صاحبها وأن يكون الاحترام متبادلاً.
في سنة 1982 بدأت بطبع الأجزاء الأولية من دائرة المعارف في خمسة مجلدات، ثمّ ترجمناها إلى الإنكليزية بواسطة أستاذ باكستاني وطبعنا منها ثلاثة أجزاء.
ازدادت المحبة والألفة بيننا بحيث لا يتجاوب معه من الناشرين لطبع كتبه إلاّ أنا وبسهولة كان يأتي ويحثّني على طبع مجموعاته وكتبه ـ فطبعت له «المغول» و«ذكرياته» و«ثورات شيعية».
ثمّ قمت بطبع أعيان الشيعة الطبعة الثانية.
وفي السنوات الأخيرة. بدأت بطبع كتاب دائرة المعارف الإسلامية في سبعة مجلدات ثمّ زدنا عليه مجلدين فأصبح تسعة مجلدات كانت لي معه مجالس ولقاءات كثيرة، في الأسبوع ثلاث أو أربع مرّات وتلفونات يومية أو كلّ يومين مرّة أو مرّات باليوم.
فإذا تأخّرت عنه في الحديث معه يعاتبني، ويقول:
يا حاج حامد لا تقسو علينا، وكانت عرى المحبة بيننا وثيقة فكنت أبادر لتعريفه على رجالات الثورة الإسلامية. وغيرهم من الأساتذة
والكتّاب والعلماء. وإذا جاؤوا إلى لبنان أطلب منهم زيارته وأحاول أن يدعوه إلى إيران وغيره من البلدان لما له من إحاطة واطّلاع وفائدة في الالتقاء به. كنت بجانبه إذا أراد السفر إلى خارج لبنان. بالأخص في السنوات الأخيرة، أجهز له كلّ الأمور بحيث لا ينزعج أو يتأذى.
ومنذ بداية التسعينات بدأنا بكتابة المستدركات كنت بجانبه في جمع المقالات للأعيان وللمستدركات من إيران ومن الدول العربية ـ الفارسية أترجمها وإذا زادت أفتش عن المترجمين، أجمع له في أسفاري ما يريده من بحوث ومقالات وتراجم لشخصيات وعندما أعلمه بأنّني أحمل معي ممّا يريده يقول فوراً: الآن ابعثه لي ـ وكنت أبعثها له وبعد يوم أو يومين يتصل ويقول هناك مقالات كنت أفتش عنها ويقول بيّض الله صفحاتك وقد يحتد في بعض المرّات. إذ كنت أناقشه في بعض الأسماء أو بعض المقالات. وقد يمرّ عليَّ بعض الأسماء أو البحوث وبعد طبع الكتاب نقرؤه ويكون على غير منهج الدار. فنطبع الملزمة من جديد بعد نقاش بيني وبينه، وقد يغضب عليّ ولكن طوال فترة الثلاثين سنة لم يقل لي لا. وكانت له بعض الآراء الخلافية حول بعض البيوتات العلمائية الشيعية اللبنانية. وكنت على نقيض من هذه ـ الآراء وعموماً كان على خلاف مع بعض الشخصيات العلمائية الحديثة اللبنانية، ويهاجمهم بحق، وكان يقول لا أحد منهم يهتم بالشيعة هذه المقالات في الجرائد ضدنا، ولا أحد يرد. فهو يومياً كان يتصفح الجرائد والمجلات وما يصدر، وإذا قرأ مقالاً ضد التشيع فتراه كالبرق يكتب الرد. فإذا صدر ردّ فردّه جاهز ولا يتعب ويردّ ويردّ. كلّ ذلك من أجل الحقيقة.
ولا ننسى المؤتمر الذي عقد حول شخصية صلاح الدين في بيروت وقيامه بردٍّ علمي على بعض بحوث المؤتمر، وقد ردّ عليه بردّ قاس، فبادر إلى ردّ على الردّ بأسلوب علمي دقيق.
وأخيراً طبع جميع المقالات والردود عليها والردّ على الردّ في كتاب سمّاه صلاح الدين الأيوبي.
وكان عند الانتصار على الحق يضحك ويقول اين هؤلاء العلماء الشيعة من كلّ هذه الاتهامات والافتراءات على الشيعة وغداً أموت من يرد عليهم. وبماذا هم مشغولون، بأنفسهم وبالمعارك فيما بينهم».
وما كان يكتفي بالردّ على الجرائد اللبنانية بل حتّى في المجلات العربية كانت له ردود ومقالات.
في سنة ثمان وتسعين طبعت دائرة المعارف الإسلامية الشيعية في أحد عشر مجلداً وأتممت مستدركات الأعيان بتسعة مجلدات.
وفي هذه السنوات إضافة إلى طبع كتبه، كنت أهتم بطباعة كتب والده المجتهد الأكبر. مفتاح الجنات في ثلاثة مجلدات، المجالس السنية في مجلدين، في رحاب أئمة أهل البيت في مجلدين، والإمام المهدي في مجلد وكتاب قيم في الردّ على الوهابية.
ولا ننسى كتاب الموسوعة الإسلامية في سبعة مجلدات والتي قمت بطباعتها في الثمانينات.
وهي عن الحوادث والوقائع الإسلامية الشيعية.
وفي السنوات الأخيرة وبعد الألفين بدأ يشعر بالتعب ويعد نفسه بالرحيل.
ذات يوم اتصل بي وكثيراً كان يتصل بي وكنت أذهب إليه ويشاورني أو يطلب منّي ما يريده من تهيئة أمور سفر أو طبع كتاب أو ما شاكل للحياة اليومية وذات يوم اتصل بي فذهبت عنده.
رأيته جالساً، وعليه عباءته، أخذني في أحضانه ككلّ مرّة.
وأخذ يمدحني ويقول لولا أنت لما وصلت إلى ما وصلت إليه ثمّ تابع قائلاً: منذ فترة وأنا بدأت بجمع أوراقي وبحوثي وقسمتها وأصبحت ثلاثين مجلداً أو أكثر، من كتاب دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، أُريد طبعها، قلت له، عندنا كمية من الموسوعة طبعة الأحد عشر مجلداً، قال: يا حاج حامد، هذا آخر ما عندي، أودّ أن أرى دائرة المعارف في ثلاثين مجلداً، قبل وفاتي، خرجت من عنده وأنا أفكر كيف أتدبّر الأمر.
مرّت أيام وأيام، وكلّما فكّرت لم أصل إلى نتيجة لأنّي كنت في تلك الأيام قد طبعت «موسوعة بحار الأنوار» بعد تحقيق وتصحيح دامت مدّته اثنتي عشرة سنة وهكذا طبعت موسوعة أعيان الشيعة في خمسة عشر مجلداً طبعة جديدة، وقد طبعت كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة في ثمانية أجزاء. لذا كانت الظروف صعبة فَطَبعُ كتابٍ في ثلاثين مجلداً وبقياس كبير من المحال، ومن حسن التوفيق جاء إلى لبنان الأخ سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد المحتشمي، تحدّثت معه والأخ السيد قمي فقرّرنا الذهاب لزيارته، وفعلاً ذهبنا إلى بيته وكان شديد الاحترام والحب للسيد حفظه الله. فتحدّث معهم السيد حسن حول همية الكتاب. وبدوره بادر السيد محتشمي لطرح الأمر على حجة الإسلام والمسلمين السيد خاتمي رئيس الجمهورية الذي أشار إلى الوزير الأستاذ خرازي وحثّه على مساعدتي وشراء كمية من الموسوعة. ولذا، والحمدلله قمت بصف الكتاب وطبعه جزءاً بعد جزء حتّى الجزء الثاني والعشرين وكلّما صدر جزء نرسله للسيد حسن فوراً.
وقد صحّح السيد المسودات للجزء السادس والعشرين وقسماً من السابع والعشرين. وكانت النهاية. نهاية الطريق بين التلميذ وأستاذه، بين مخلص ومحب، بين كاتب وداعم، بيني وبينه، نهاية الطريق وقبل أن يرحل كنت أزوره عدّة مرّات وكان يقول هذه نهاية أيامي وأنا أقول أرجوك، يا سيدنا، لا زلت سيد الشباب، فيسكت وقبل يومه الأخير، وقبل النهاية، اتصل وسالني، قال هل كتبت لك الرسالة… قلت له نعم ولكن يا سيدي لم تصل إلى الجزء الثلاثين.
ويوم الاثنين تاريخ 14/10/2002 اتصل بي السيد مهدي وليس السيد حسن كما هي العادة وإذا به يخبرني بما مضّ الفؤاد وها هي قواي التي هدّها المصاب تحملني إلى حيث يرقد الحبيب والأخ والصديق وها أنا أراني واقفاً على رأس محبي وهو في الدنيا الباقية وأنا في الدنيا الفانية تسابقني دموعي لوعة لفراقه، فراق الإنسان، الأستاذ، الكاتب المدافع عن الحق، عشت وإياه ثلاثاً وثلاثين عاماً بالعمل والمثابرة، بروح الأخوة، نعم فارقني وفي القلب أسى وخياله لا يفارق العين وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
العلاّمة المؤرخ السيد حسن الأمين
(1908 ـ 2002)
ولد سنة (1326هـ) 1908م. في دمشق.
وهو سليل الأسرة العلمية العاملية آل الأمين.
نجل المرجع الديني الأكبر السيد محسن الأمين (قدّس سرّه).
أنهى دراسته الابتدائية والثانوية في مدرسة شقرا وفي المدرسة العلوية في دمشق التي أنشأها والده السيد محسن في حي الأمين بدمشق.
انتسب إلى الجامعة السورية وتخرّج من معهد الحقوق سنة 1934.
درّس في دار المعلمين في العراق من سنة 1938 إلى سنة 1940.
ثمّ عيّن قاضياً في النبطية واستقال من القضاء سنة 1945 إثر حكمه على مجموعة من اللبنانيين الذين ضبطوا بتهريب اليهود إلى فلسطين فأنزل بالجميع مع اليهود أشد العقوبة فكانت تدخلات من أعلى مناصب السلطة ليعود عن قراره فألحّوا فأبى واستقال غير آسف.
وعاد إلى التدريس في العراق في معهد الملكة عالية. فكان له كبير الفضل في اكتشاف الكثير من المواهب الأدبية والعلمية.
تفرّغ بعد وفاة والده للبحث العلمي ولنشر آثار والده المقدس السيد محسن الأمين فأتمّ طبع موسوعة أعيان الشيعة وأردفها بمستدركات أعيان الشيعة ولم يزل إلى يوم وفاته على هذا النهج.
وقد صنّف دائرة المعارف الإسلامية الشيعية (30) مجلداً حفظ فيها تراث الشيعة الأدبي والفكري والعلمي.
وكتب في التاريخ والسيرة والرحلات مؤلفات عديدة وآلاف المقالات والمقابلات المرئية والمسموعة التي قلب فيها المغلوطات التاريخية الشائعة وأعاد تصحيح الحقائق والمفاهيم.
توفي عصر يوم الاثنين 14 تشرين الأوّل الموافق 7 شعبان 1423 في بيروت. ودفن في شقرا عن عمر يناهز الخامسة والتسعين قضاها بالبحث العلمي والكتابة حتّى آخر يوم من حياته. فكان خلوده والبقاء لله.
مؤلفاته
1 ـ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية (11) مجلداً طبع في دار التعارف للمطبوعات.
2 ـ مستدركات أعيان الشيعة (11) مجلداً طبع في دار التعارف للمطبوعات.
3 ـ من بلد إلى بلد طبع في دار التعارف للمطبوعات.
4 ـ مظاهرات وثورات وحروب عربية.
5 ـ الرضا والمأمون وولاية العهد ـ دار الجديد.
6 ـ جبل عامل السيف والقلم، دار الأمير.
7 ـ من التاريخ قديماً وحديثاً.
8 ـ صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين، دار الجديد.
9 ـ دولة الموحدين الإسلامية، دار الغدير.
10 ـ المغول بين الوثنية والنصرانية والإسلام، دار التعارف للمطبوعات.
11 – الموسوعة الاسلامية في ستة مجلدات دار التعارف للمطبوعات.
12 ـ ذكريات.
13 ـ غارات على بلاد الشام.
14 ـ الشهيد الأوّل.
15 ـ مقالات في التاريخ والأدب والنقد.
16 ـ حل وترحال.
17 ـ ذكريات قضائية ووقفات عاطفية.
18 ـ عصر حمد المحمود.
19 ـ في خضم التاريخ.
20 ـ سراب الاستقلال في بلاد الشام.
21 ـ صراعات في الشرق على الشرق.
22 ـ من نوافح خراسان، دار التعارف للمطبوعات.
23 ـ قيم خالدة في التاريخ والأدب، دار التعارف للمطبوعات.
24 ـ على دروب الباكستان.
25 ـ الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي.
26 ـ إطلالات على التاريخ.
27 ـ ثورات في الإسلام، دار التعارف للمطبوعات.
28 ـ الوطن الإسلامي بين السلاجقة والصليبيين، دار الغدير.
29 ـ الغزو المغولي للبلاد الإسلامية، دار التعارف للمطبوعات.
30 ـ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية (30) مجلداً دار التعارف للمطبوعات وهي آخر مؤلف للسيد الأمين.
حامد عزيزي
25/9/2002

معرض لمؤلفات المؤرخ السيد حسن الأمين

مع رفيق دربه الأستاذ الصالحي
من الذكريات([1377])
في حياة حسن الأمين
ولدت سنة 1326هـ (1908م) في دمشق وانتقلت مع الأسرة سنة 1924م بعد إعلان الحرب العالمية الأولى إلى بلدة شقرا (جبل عامل) حيث ترعرعت وتكامل صباي.
لا أعي من أواخر الحرب العالمية الأولى إلاّ أشباحاً غير مترابطة لا أستطيع أن أؤلف منها حدثاً متكاملاً. فأنا مثلاً أذكر انتقالنا من دمشق إلى جبل عامل. ولكنّني لا أذكر تفاصيل هذا الانتقال، ولا ما جرى لنا في الطريق ولا كيف وصلنا إلى شقرا في جبل عامل ثمّ أنا أعي أنّ أخي الأكبر كان في سن الجندية وأنّه سُعي له ليكون معلماً في شقرا وبذلك يعفى من الجندية، كما أذكر أنّ رجلاً استؤجر ليتولى مكانه أكثر الأوقات إذ كان يضيق ذرعاً بتعليم الأطفال، وأذكر أنّنا تلقينا شيئاً من التعليم عند هذا المعلم المستأجر وأنّنا كنّا نجلس أمام المعلم على الحصير المؤلف من البردي المعروف في جبل عامل بالبابير.
كما أذكر نزوحنا أنا وأخ وأخت لي من شقرا إلى مقام صدِّيق «بتشديد الدال» هرباً من وباء الكوليرا، ولكن لا أذكر مقامنا هناك ولا عودنا.
على أنّ الصورة تأخذ في ذهني بالوضوح شيئاً فشيئاً ابتداء من نهاية الحرب. فإنّه يصحّ لي أن أقول، إنّ أحداثي لا يمكن أن تسجل إلاّ ابتداء من سنة 1920 لتذكري للكثير من تفاصيل تلك الأحداث ممّا يمكن تسجيله والحديث عنه.
فممّا لا أنساه أبداً تلك الطلقات النارية المتتابعة التي أخذت تنبعث من أحد بيوت بني عمّنا ونحن في شقرا نهاراً بصورة مثيرة بدون انقطاع، فمضينا إلى مصدر الرصاص المنطلق فوجدنا قريبنا يطلق النار من بندقيته مبتهجاً مسروراً، مّا جمع الناس عليه، ففهمنا أنّ حدثاً ضخماً قد وقع في دمشق، وكان من صداه هذه الطلقات، وأنّ هذا الحدث هو شيء عظيم للبلاد، ولم أكن أدرك في تلك السن حقيقة الاستقلال وحقيقة الحركات الوطنية، ولكنّني كنت مدركاً أنّ الفرنسيين يحتلون البلاد وأنّ هذا شيء منكر.
وكان الحدث الضخم هو إعلان الاستقلال السوري في الثامن من آذار سنة 1920 وتتويج الأمير فيصل ملكاً على المملكة العربية السورية!.
لا أظنّنا أكلمنا السنة في مدرسة الحوماني التي خرجنا منها بدون طائل سوى تحسين الخط بعض التحسين. وكان سبب ترك المدرسة أنّنا انتقلنا إلى دمشق وذلك أنّ الفرنسيين قرّروا أن يسوقوا حملة لإخضاع الجبل وتتابعت أنباء استعداداتها وكان الوالد في دمشق، فقرّر الأخ الأكبر انتقالنا جميعاً إلى دمشق حيث إنّ ذلك أدعى إلى الطمأنينة.
في المدرسة العلوية
دخلت المدرسة العلوية، وأحسب أنّني كنت في الصف الثالث الابتدائي، وكنت على مستوى حسن مع طلاب الصف ما عدا شيئين اثنين هما اللغة الفرنسية والحساب. فقد كنت لم أدرس شيئاً من الفرنسية كما أنّ موهبتي في الحساب كانت في منتهى الضعف فضلاً عن معلوماتي. وقد كان عليّ أن أدرس أضعاف ما يدرسه التلاميذ في اللغة لأستطيع مجاراتهم وكان ذلك فوق الطاقة، لذلك بقيت ضعيفاً في اللغة متعباً في متابعة دراستها. أمّا الحساب فقد كانت مشكلته أعصى من أن تحل لأنّ فقدان الموهبة فيه لا يجدي معه أي درس أو تعب. ولا أزال أذكر أنّه خلال سني الدراسة الابتدائية كان يصادف درس الحساب أوّل ساعة من صباح يوم السبت. فكنت من همّ التفكير في اليوم المقبل لا أستمتع بأي استجمام في عطلة يوم الجمعة، حتّى إذا دنا أصيل الجمعة وبدأ النهار يتقلص وينقضي تراكمت عليّ متاعب التفكير في الصباح الآتي وما يحمله من درس الحساب، فلا يكاد الظلام، ظلام يوم الجمعة، يطبق حتّى أحسّ بأنّه قد أطبق على نفسي.
وقد ظللت حتّى اليوم أتضايق من جمع عددين أو طرحهما أو قسمتهما أو ضربهما ولا بد من أن أقع في الخطأ. وقد كان أكثر ما يخجلني هو أنّني إذا دفعت أكثر ممّا هو المطلوب منّي على أن يعاد إليّ الباقي ثمّ حسبت ما أعيد إليّ وجدته ناقصاً وراجعت الدافع فيعاود العد فيجده صحيحاً!… لذلك أصبحت لا أعد ما يعاد إليّ، أو ما يدفع إليّ رأساً. وقد استغل هذا الأمر فيّ نادل في أحد مطاعم بغداد حين أقمت فيها لفترة، فقد لاحظ أنّني لا أعد ما يعيده إليّ وتكرر ذلك، فإذا بي أكتشف بعد حين أنّه ينقص من حقي أشياء يحتفظ بها لنفسه!.
على أنّني إذا كنت مقصراً في الفرنسية والحساب متعباً بهما، فقد كنت متقدماً في اللغة العربية والتاريخ مستعذباً لهما مرتاحاً إليهما. وكذلك في درس الهندسة.
وقد كان يتولى إدارة المدرسة العلوية في أوّل دخولنا إليها مدير تقليدي من قدامى الرجال، وصدف أن مرض وتغيب، فوافق تغيبه حادث حدث للأستاذ أديب التقي. إذ كان مديراً لمدرسة (البحصة) الابتدائية في دمشق. وكان الشعور العام معادياً للإفرنسيين، فانفجر هذا الشعور بين تلاميذه في أحد الأيام وساعد بتصرفاته على هذا الانفجار ممّا ساء السلطات فأقالته من إدارة المدرسة الحكومية. ثمّ انتهى الأمر إلى أن عيّن مديراً للمدرسة العلوية. فكان ذلك حدثاً فريداً في حياة هذه المدرسة كما كان ذا أثر بعيد في توجيهي الدراسي والفكري. فأنا مدين لاثنين في حياتي الثقافية هما والدي ثمّ أديب التقي.
كان أديب التقي فذاً في الرجال، ذا خلق مستقيم وإدارة حازمة وفكر نيّر، وكان إلى ذلك أديباً من أقوى أدباء العرب. وإذا كنت أستطيع أن أمسك القلم اليوم وقبل اليوم فإنّ له في ذلك الفضل الكبير. لقد تولّى بنفسه تدريسنا ثلاثة دروس: الإنشاء والمحفوظات والتاريخ. فكان لنا من دروسه الثلاثة هذه خير موجّه في الأدب والوطنية والبحث. وقد وعيت بفضله ـ على صغر سنّي ـ أموراً ما كان لي أن أعيها لولا توجيهه.
لقد عرف بدرس الإنشاء كيف يثير فينا الحسّ الأدبي وكيف يسير بنا في دروب الكتابة، وكيف يقوِّم أقلامنا ويثقف أسلوبنا. وعرف بنفس الدرس وبدرس المحفوظات والتاريخ كيف يثير فينا إلى جانب هذا كلّه الحس الوطني والثورة على الانتداب والنقمة على الغاصبين.
لقد كنت متأثّراً بمظاهر الثورة العاملية التي شهدت بعض فصولها خلال الإقامة في شقرا، ثمّ ازددت تأثّرا بمظاهر الاستقلال بدمشق ثمّ بمظاهر الهزيمة بميسلون وما تلاها من انهيار الاستقلال. ولكن ذلك لم يؤلف في ذهني صورة كاملة لمعاني الوطنية والثورة على الاستعمار فلم أكن في مثل تلك السن لأتبين حقيقة ما جرى وما يجري ولكنّني في أعماقي كنت متأثّراً بكلّ ذلك. فإذا بأديب التقي يقدح في نفوسنا الشرارة الكامنة ويركز الصورة غير المتكاملة فتبدو لنا جلية واضحة!.
جاءنا في أحد دروس الإنشاء في يوم مرَّت فيه في سماء دمشق طيارات فرنسية، وكان مرور الطيارات في ذلك الحين يعتبر حدثاً مثيراً. ولم تكن العيون والأفكار قد ألفت رؤيتها، فإذا امتد الدوي المنذر بوصولها اشرأبت الأعناق إلى السماء لتتطلع بتعجب عميق إلى هذا الجرم السابح في الفضاء، الراكض في السماء!.
دخل أديب التقي علينا وطلب إلينا أن نكتب موضوعاً عنوانه (عند مشاهدتي الطيارة) ويقصد بذلك أن ندوّن شعورنا عندما نشاهد طيارة. وكان شعورنا شعور أطفال لا يبتعد عن التصوّرات الصبيانية، فلا أذكر الآن ماذا كتبنا.
وبعد أن اطّلع أديب التقي على ما كتبنا جميعاً، طلب إلينا أن نأخذ أقلامنا ونهيئ أوراقنا ثمّ أملى علينا قطعة تعتبر آية من آيات البيان ومرجلاً من مراجل الوطنية. وكم آسف أن لم يبق في ذهني منها سوى مقطعها الأخير، وكفى به دليلاً عليها، وكان المقطع الآتي… فما كان أشد خفقان قلبي أسى حين أوحت إليّ سمتها أنّها أجنبية… ليت لنا طيارات أيضاً.
هذه القطعة كانت الشرارة التي أوقدت في نفسي جذوة الوطنية، وأثارت في عقلي العزة القومية.
ولا أزال حتّى الآن أحفظ في ذاكرتي بعض ما لقّننا إياه للاستظهار فمن ذلك مختارات من قصيدة الشبيبي (دمشق وبغداد) ومطلعها:
ماذا بنا وبذي الديار يراد
فقدت دمشق وقبلها بغداد
وكلّها على هذا النسق الوطني المثير، فضلاً عن بلاغة الشعر وقوّته.
وكذلك مختارات من قصيدة شوقي في سقوط أدرنة:
يا أخت أندلس عليك سلام
هوت الخلافة عنك والإسلام
إلى غير ذلك من هذا وأشباهه الباعث على شيئين: على تذوق أرقى الشعر، وعلى التغني بالوطن.
مصر والسودان
ومن التأثّر بهذا انطلقت وأنا في الدراسة الابتدائية أمام الزعماء المصريين الفارين يومذاك من وجه الإنكليز في مصر، انطلقت بذاك الجواب الذي هزّهم هزّاً.
فإنّه على أثر اغتيال لستاك باشا القائد الإنكليزي للجيش المصري أيام رئاسة سعد زغلول للوزارة المصرية اتهم بعض زعماء الوفد وشبانه بأنّهم هم المتآمرون على القائد فقبض على من قبض عليهم وفرّ من استطاع الفرار ولجؤوا إلى دمشق.
ولا أدري الآن سبب زيارتهم للمدرسة العلوية، وربما كان ذلك ردّاً لزيارة المدير الذي يمكن أن يكون قد زارهم فردّوا له الزيارة في المدرسة، ولا أعرف الآن أسماءهم ما عدا واحد منهم هو الدكتور محجوب ثابت، وسبب حفظي لاسمه، أنّ منظره كان متميزاً فيهم بسبب لحيته الكثّة وجسمه الممتلئ!.
دخلوا علينا غرفة الدرس يصحبهم المدير ونحن في درس الجغرافيا فكان من الطبيعي أن تكون أسئلتهم في هذا الدرس. فاختار أحدهم تلميذاً وقال له: عدّ لي مدن القطر المصري فارتبك التلميذ واضطرب وظهر عليه العي. فأسرعت أرفع يدي استعداداً للإجابة فتوجّه السائل بالسؤال إليّ فانطلقت معدداً: القاهرة، الإسكندرية، الخرطوم!.
ولم أكد أذكر اسم الخرطوم حتّى صاح الدكتور محجوب بصوته الجهوري:
إيه… إيه… إيه… إيه الخرطوم، الخرطوم دي في السودان.
فبادرته قائلاً: نحن نعتبر مصر والسودان بلداً واحداً. ولأجل أن نعرف وقع هذا الجواب على الزعماء المصريين يجب أن نعرف أنّ الشعار الأوّل للكفاح المصري كان يومذاك وحدة مصر والسودان.
فأثار الزعماء المصريين أن يعيَ تلميذ صغير السن حقيقتهم الوطنية ويهتف بشعارهم القومي وهم بعيدون عن بلدهم.
ولا أزال حتّى الآن أتمثّل في ذهني دموع الدكتور محجوب ثابت وقد تحدرت على وجنتيه ولحيته.
الخطاب المرتجل
وعدا عن درسي الإنشاء والمحفوظات فقد خصّص أديب التقي بعد ظهر الاثنين من كلّ أسبوع لتعويدنا الخطابة بعد تمريننا على الكتابة، فكان بعد ظهر الاثنين ميدان للخطباء من التلاميذ يعرضون فيه مواهبهم وينمونها بتوجيه أديب التقي الذي كان يستمع مع مجموع الأساتذة والتلاميذ إلى ما يلقى على منبر المدرسة، ثمّ يعلق على ما ألقي مشيراً إلى الحسنات والسيئات لتقويم الخطباء وتثقيفهم.
وقد كان يتخذ من هذا المنبر أيضاً وسيلة لتنمية الروح الوطنية، ولا أزال أذكر أنّ أحد الخطباء من التلاميذ استعمل خلال كلامه كلمة (الشعب السوري)، فهب أديب التقي ينعي على الطالب هذا الأطلاق الاستعماري الذي فرضه الفرنسيون على البلاد بعد معركة ميسلون وما تلاها من سنين.
ولم يكن فينا من يحاول الارتجال في مثل ذلك السن، ولم نكن نجرؤ على مثل هذه الخطوة ما دمنا مستطيعين كتابة ما نريد أن نقوله.
ولكن في إحدى الرحلات المدرسية التي كانت تنظم بين الحين والحين إلى بعض القرى، دعينا إلى الغداء على أن نتناوله بعد تأدية صلاة الجمعة في مسجد البلدة. وعلمنا أنّ إمام المسجد سيرحب بنا خلال خطبة الجمعة لذلك عهد إليّ بإعداد كلمة تناسب الردّ على ترحيب الخطيب، فكتبت كلمة موجزة ووضعتها في إحدى جيوبي على ما اعتقدت، ولكن يبدو أنّني إمّا قد أخطأت فتركتها في مكان آخر أو أنّها وقعت بعد ذلك من جيبي دون أن أدري.
وفي الموعد المعين ذهبنا إلى المسجد المكتظ بالناس وصعد الخطيب المنبر وألقى خطبته مرحباً بضيوف البلدة، وبعد انتهائه مباشرة هببت إلى المنبر العالي ووقفت على ذروته، ومددت يدي لآخذ الورقة المعدّة لهذا الموقف، وكانت الأبصار كلّها شاخصة إليّ متهيئة إلى ما سيقوله هذا التلميذ الصغير.
ولكنّني لم أجد الورقة وفي لمحات مددت يدي إلى كلّ جيوبي عبثاً، فهالني أوّل الأمر الموقف. ولكنّني ملكت روعي وسيطرت على نفسي وانطلقت في كلام ارتجالي كان عماده ما لا يزال عالقاً في ذهني ممّا هو مكتوب في الورقة.
قراءات
ولا بد لي أن أشير هنا إلى أنّني كنت أتوق إلى مطالعة كلّ ما هو جديد من الكتب، فعدا الصحف اليومية التي كانت محصورة على الأغلب بجريدة المفيد، وعدا المجلات الشهرية التي كانت هي الأخرى محصورة بمجلة العرفان، فقد كنت أدّخر كلّ ما أستطيع ادّخاره من المال القليل الذي كان يصل إليّ لشراء الكتب الحديثة. فممّا قرأته في تلك السن: كتاب مذكرات جمال باشا، وما رأيت وما سمعت للزركلي، وملوك العرب للريحاني. وهذا الكتاب الأخير كان له في توجيهي النثري أعظم الأثر، وتأثّرت به إلى أبعد حدود التأثّر، إذ حبّب إليّ أدب الرحلات وعندما بدأت أجرّب كتابة هذا النوع من الأدب كان أسلوب الريحاني فيه يجذبني فأحاول احتذاءه منفعلاً بتعابيره وطريقته. إلى أن أولعت بعد ذلك بالرحلات وكتابة انطباعاتي فيها بأسلوب مستقل.
وقد كان من فضل هذا الكتاب أن حملني على تسجيل معظم رحلاتي حتّى توفّر لي من ذلك كتاب كامل نشر كلّه مقالات متفرّقة، وأرجو أن يتاح لي جمعها وطبعها معاً([1378]).
وإذا كنت قد أشرت من قبل إلى فضل أديب التقي في تثقيف قلمي ودفعي إلى الكتابة، فإنّني أودّ أن أشير هنا إلى أنّ الفضل في تحقيق ذلك كان لمجلة العرفان التي احتضنت قلمي وكان لا يزال غضاً طرياً، وشجعتني ما وسعها التشجيع. وأولى رحلاتي نشرت في العرفان، ثمّ تتابع نشرها فيها، وما كان لها أن تنشر في غيرها لأسباب منها: أنّني أنا نفسي لم أكن لأجرؤ على بعث ما أكتبه لغير العرفان، ثمّ لنوعية الرحلات، إذ كانت رحلات محدودة المكان والزمان، لا تهم غير قارئ العرفان في الغالب.
ولمّا توسّعت الرحلات وانتشرت في كلّ مكان وأصبحت شيئاً مذكوراً، ظللت وفاء للعرفان وصاحبها لا أنشرها إلاّ فيها على الأكثر.
ومن مطالعاتي المبكرة تلك الايام التي كان لها أبعد الأثر في نفسي. ووجهتني بعد ذلك إلى التوغل في دراسة التاريخ الإسلامي، هو ما كنت أطالعه في كتب والدي التي كان ينشرها في ذلك الحين وأخصّ منها كتابه «المجالس السنية» الذي كنت أقرأه حين صدوره ملزمة ملزمة، وربّما قابلت معه التجارب التي تأتيه من المطبعة (البروڤات)، فتنطبع في نفسي الأحداث ويشوقني ذلك للشغف في قراءة أمثالها. وقد بلغ الأمر في اطمئنان والدي إليّ، أن اضطر مرّة للسفرة إلى بيروت بينما كان يطبع الجزء الثاني من كتابه المجالس السنية فعهد إليّ أن أتولى ـ وأنا في تلك السن ـ تصحيح التجارب وإعادتها إلى المطبعة، فقمت بالمهمة أحسن قيام، وعاد والدي بعد أيام ورأى العمل مستمراً لم يتوقف في غيابه.
وأذكر أنّ ممّا أثّر في نفسي خلال قراءتي للمجالس، قصة مصرع حجر بن عدي، وقصة الحضين بن المنذر وما قاله فيه أمير المؤمنين من الشعر يوم صفين، إذ كانت مع الحضين راية ربيعة، وكان شاباً صغير السن، فزحف بالراية فأعجب عليّاً زحفه فقال فيه هذه الأبيات التي هي من الشعر القليل الثابت أنّه لأمير المؤمنين، والتي استظهرتها حين قراءتها:
لمن راية حمراء يخفق ظلّها
إذا قيل قدمها حضين تقدما
فيقدمها في الصف حتى يزيرها
حياض المنايا تقطر الموت والدما
تراه إذا ما كان يوم عظيمة
أبى فيه إلاّ عزّة وتكرما
جزى الله قوماً صابروا في لقائهم
لدى البأس خيراً ما أعف وأكرما
وأحزم صبراً حين يدعى إلى الوغى
إذا كان أصوات الرجال تغمغما
ربيعة أعني أنّهم أهل نجدة
وبأس إذا لاقوا خميساً عرمرما
وكذلك فقد كان لقراءتي كتاب (الإمامة والسياسة) يد في انجذابي إلى التاريخ وانفعلت كلّ الانفعال لقراءتي فيه قصة وقعة الحرة. وظللت أتابع قراءة كلّ ما تقع عليه يدي من كتب التاريخ في مكتبة والدي.
وعدا ذلك فقد شغفت بقراءة الشعر واستظهاره، وبدأت أعدّ دفاتري لتسجيل ما استحسنه من الشعر، فاستظهرت منه في تلك السن قدراً صالحاً. وإنّي لآسف أنّ كلّ تلك المجاميع التي دوّنتها قد ضاعت.
وممّا لا يزال عالقاً في ذهني من مستظهرات تلك الايام قصيدة لخير الدين الزركلي الذي كان فيمن اضطروا لهجر البلاد بعد معركة ميسلون واستقرّ في مصر، والتقى فيها بعادل أرسلان فتطارحا الشعر الوجداني الرقيق المعبّر عن شوقهما لوطنهما وحنينهما إلى بلدهما، وشعورهما بالغربة والوحشة، وتحسرهما على ما آل إليه أمر أمتهما.
الاصطياف في جبل عامل
في خلال ما مرّ من الأحداث كانت الأسرة تنتقل في أغلب الأعوام إلى جبل عامل في الصيف. وإذا كنت قد تحدّثت عن انتقالنا في إحدى المرّات من دمشق إلى جبل عامل عن طريق القنيطرة وكان هذا الانتقال في العربات حتّى القنيطرة، ثمّ على الدواب من القنيطرة إلى شقرا، فإنّني أقول هنا إنّنا صرنا في عهد انتشار السيّارات وتكاثرها، لذلك أصبحت الرحلة من دمشق إلى بيروت تتمّ في السيّارة وأحياناً في القطار. وبالرغم من بطء قطار دمشق ـ بيروت فقد كان مألوفاً في السفر إلى بيروت لأنّ السيّارات لم تبلغ من الكثرة حدّاً يلغي السفر في القطار.
أمّا بالنسبة لنا فإنّ تكاثر السيّارات قد سهّل لنا الانتقال فيها من بيروت حتّى صور. وبذلك لم يعد السفر بطريق القنيطرة ذي موضوع لأنّ المسافة منها إلى شقرا على الدواب سفر طويل. وبسلوكنا طريق بيروت ـ صور كان علينا أن نأخذ الدواب من صور حتّى شقرا.
لذلك كنّا نأخذ سيّارة تضمّ العائلة كلّها إلى بيروت أو نأخذ القطار بدل السيّارة. ثمّ نأخذ السيّارة من بيروت إلى صور. وفي صور نبيت ليلتنا.
وكان الوالد يختار منزل الشيخ عز الدين علي عز الدين. وهو رجل على جانب كبير من الشهامة والكرم والنبل. وهو سليل أسرة علمية دينية من أشهر أسر جبل عامل.
وتكون قد وصلته برقية من الوالد ليرسلها إلى شقرا لتكون الخيل جاهزة في صور. وفي الصباح نأخذ الخيل مواصلين السير في الآكام والجبال والوهاد ممضين ما لا يقل عن سبع ساعات بين صور وشقرا.
إلى جبل عامل
وفي صيف 1925 عدنا للاصطياف في جبل عامل وتركنا دمشق هذه المرّة في سيّارة مضت في طريق بيروت ثمّ انحرفت قبل الوصول إلى بيروت واصلة إلى صيدا، ولا أدري الآن من أين انحرفت السيّارة، وما هو الطريق الذي سلكته فأوصلها إلى صيدا ووفر عليها مسافة كان لا بد لها من قطعها لتصل إلى بيروت ثمّ تخرج منها إلى صيدا. ومن صيدا وصلنا إلى صور. ولم نبت هذه المرّة فيها في منزل الشيخ عز الدين بل واصلنا السير على الخيل إلى قرية طير دبا حيث مقر الشيخ حسين مغنية وهناك حللنا لنعاود السير في صباح الغد إلى شقرا.
وكان والدي والشيخ حسين مغنية ألفين متحابين وصديقين متلازمين درسا في بنت جبيل معاً في مدرسة الشيخ موسى شرارة، وسافرا إلى النجف معاً، وعاشا هناك عشر سنين معاً، وعادا من النجف معاً، فاستقر الوالد في دمشق، واستقرّ الشيخ حسين في قرية طير دبّا.
وكان الشيخ حسين إنساناً فريداً بعلمه وهديه واستقامته، وأصبح في جبل عامل علماً باذخاً، ورجل دين يمثّل أنبل ما في الدين من فضّ الخصومات والترفّع عن الدنايا والسعي في الخير وخدمة الناس.
وكنت في كلّ مرّة أراه فيها سواء في طير دبّا أو شقرا أمتلئ من رؤيته شعوراً بحبّه واحترامه، وأشعر بانعطاف روحي إليه وأستمتع بحديثه ومجلسه أقصى ما يمكن أن يستمتع من هو في مثل سنّي.
بتنا في بيت الشيخ حسين مغنية، ولم تكن هي المرة الأولى التي نبيت فيها في بيته وننزل ضيوفاً عليه. وقد كان بيته من أكرم البيوت وأنصعها، وهو ككلّ بيوت الجبل المعروفة لا بد فيه من العدد الوافر من الحشايا وما إليها من وسائل النوم ليكون على استعداد دائم لاستقبال الضيوف النازلين.
والبيوت المضيافة كانت متهيئة دائماً لمثل هذا، وكثيراً ما يتعاون الناس على تسهيل أمور بعضهم البعض في مثل هذه الحالات. فربما نزل عدد من الضيوف كان من الكثرة بحيث لا تستوعبه وسائل النوم العتيدة. وهنا يكون من المألوف أن يستعير المضيفون من خلصائهم في القرية ما يرون أنّهم بحاجة إليه من الحشايا وتوابعها.
وربّما مررت في موضع آخر بشيء من تقاليد الضيافة القروية الكريمة.
لا تتضح الآن في ذهني معالم الطريق كلّها من صور حتّى شقرا، ولا أستطيع تعداد المراحل التي كنّا نمر بها طيلة الست الساعات أو السبع التي كنّا نمضيها على ظهر الخيل في ذلك الطريق. وقد أنساني الدهر تفاصيلها على كثرة ما عبرتها.
غير أنّني أذكر أنّه كان لا بد لنا بعد الخروج من قرية طير دبّا من المرور بقرية معركة، ولا أزال أتذكر أنّه كان على جانب الطريق قرب معركة بضع شجرات من التين متفردة عن الكروم، كنّا لا نحجم عن أن نقطف ونحن عابرون بعض أثمارها اليانعة.
ثمّ أنّني أذكر من مراحل الطريق (عين الراموح) التي كنّا نجتازها غير متوقفين. ويخيل إليّ أنّنا كنّا نمرّ قريباً من عين دير كيفا. غير أنّني لا أتحقق إلاّ أنّنا كنّا ننتهي إلى وادي السامر مارّين قبله بعين الجرانيف قرب قرية خربة سلم، ثمّ بالزياتية وهي مكان لعدد من شجر الزيتون.
على أنّني أتذكر أنّنا كثيراً ما صعدنا أو هبطنا (عقبة الطبّالة) الملاصقة لخربة سلم. ولا أدري الآن هل كنّا نصعدها ذاهبين إلى صور، ونهبطها قادمين منها. أم أنّ مرورنا بها كان في سفرات أخرى؟ أرجح الرأي الأخير.
وكانوا يعللون لنا اسم (عقبة الطبالة)، أنّها كانت المكان الذي يستقبل فيه (الطبالون) بطبولهم الحكام الإقطاعيين العائدين إلى مقرهم. وبعضهم كان يقول إنّها مأخوذة من كلمة طبّل (بتشديد الباء) وذلك أنّها لشدّة ارتفاعها وصعوبة ارتقائها، كانت تحمل العاجزين على التطبيل. وفي الاصطلاحات العاملية العامية، أن يقال (طبّل فلان) بتشديد الباء، أي: أعيا وعجز عن السير.
وبعد اجتياز وادي السامر كنّا نصعد الثنية واصلين إلى بير حميد. وهناك تلوح لنا شقرا. ثمّ نهبط من بير حميد واصلين إلى الوادي المتصل بوادي نحلة، والذي هو جزء منه، فنقطع الوادي الضيق في عرضه صاعدين في العقبة الكأداء. وبمجرد دخولنا إلى الوادي نكون قد صرنا في أرض شقرا، ويتتالى صعودنا حتّى نصل إلى العين الفوقا أو (عين الفوقا) كما يطلق عليها هناك، ويكون المنتزه وعينه إلى يسارنا، ثمّ نكون بين كروم التين ماشين إلى المنازل.
وهذه البقعة من (عين الفوقا) والمنتزه إلى كروم التين ما قبل حريبة وبعد حريبة إلى ما يليها وينحدر عنها ويتفرّع منها، تتصل بالنفس بأعذب الذكريات وأحلاها، ممّا سيطول الحديث عنه في الآتي من القول في الذكريات العاملية.
على أنّه لا بد هنا من كلمة في وادي السامر الذي مرّ ذكره. ويلفظونه هناك بفتح الميم. وأحسب أن أصل الكلمة بدون ألف بعد السين، فيكون: (وادي السمر).
وهذا الوادي يقع بين عدّة قرى بين أهلها تواصل وتواد، فربما كان ملتقى للكثيرين منهم في ليالي الصيف والربيع حيث يسمرون فيه، فأطلقوا عليه اسم (السمر).
وهو وادٍ يكاد يربط بين (شقرا) و(الصوانة)، ولا يفصله عن الصوانة إلاّ (خلة الدالية) حيث ينتهي الوادي قبلها في خلة السيدة وزيتونات الزياتية، ثمّ يصل السائر منها إلى (خلة الدالية) فيصعدها واصلاً إلى الصوانة.
أمّا من ناحية شقرا فينتهي الوادي قبيل (بير حميد)، حيث يصعد الصاعد منه في الثنية إلى بير حميد، ثمّ يهبط إلى الوادي الموصل بأرض شقرا.
فهو إذن الطريق المستقيم الواصل بين القريتين، ولا يوجد بينهما طريق يحمل اسماً مستقلاً يدانيه بالطول وبُعد المسافة، بل أنّ الأسماء الأخرى تشغل جزءاً لا يذكر أمام حيزه. وبذلك كثر ترديده في شقرا وفي الصوانة على السواء. لما يربط بين أهل القريتين من روابط القربى في أسرة من الأسر التي تتوزّع بين القريتين، وهي الأسرة التي ينتمي إليها صاحب هذه الكلمات.
لله تلك العهود التي كان لا يمضي يوم فيها إلاّ واسم وادي السامر مذكور فيه، ولله تلك الرحلات الجميلة بين القريتين أيام الربيع والصيف!. ولله تلك الساعات التي يُقال فيها في شقرا: (سيّاد الصوانة) هنا فتنعقد الحلقات وتعلو الضحكات وتطول الأحاديث!.
بل ربما كان مجيئُهم ومجيء غيرهم من أفراد الأسرة من عيترون ومجدل سلم مبعثاً لكثير من الشعر الطريف الذي يمثّل الحياة العاملية بكلّ ما فيها من ترف وشظف وجد ولعب!.
وقد ضاع كلّ ذاك الشعر فيما ضاع من التراث العاملي لأنّ أحداً لم يعن بتدوينه وإنّما تلي بوقته، وسجّل في وريقات، ثمّ ضاع!.
وأذكر من هذا أبياتاً من قصيدة قيلت في بعض من قدموا من عيترون والصوانة، راكبين على خيل ربطوها، ثمّ غابوا فلم يعودوا على العشاء عند مضيفهم الذي كان ينتظرهم، فقال فيهم قصيدة لا أزال أحفظ منها هذه الأبيات:
خذوا القواديش لا تبقوا القواديشا
ولا تخلوا لنا الجرد (المفاليشا)
وفيها يقول:
لو أنّ (سلعا وباريشا) لنا بلد
عفنا لأجلكم سلعا وباريشا)
ولو فعلتم كهذا الفعل في بلد
ألقوا عليكم (برابيشا برابيشا)
والذي يعرف المصطلحات العاملية ويعرف ما تعنيه كلمة (المفاليش) و(البرابيش) يدري ما في هذا الشعر من طرافة!.
وسلعا وباريش قريتان في جبل عامل.
شقرا
ووصلنا إلى شقرا على أمل العودة إلى دمشق في نهاية الصيف دون أن ندري ما كان يخبئه القدر للبلاد كلّها، ودون أن نعلم أنّ مجيئنا هذه المرّة يختلف في مصيره عن كلّ مرّة.
البقاء في شقرا
كان استمرار الثورة السورية سنتين واستمرار وقوع المعارك في قلب دمشق سبباً لاستمرار والدي والعائلة في الإقامة في شقرا، وبعد أن مضى ما يقرب من سنة على قيام الثورة، وبدا أنّها ستطول إلى مدى لا يعمله إلا الله، لم يصبر والدي على البُعد عن مكتبته، وهو الذي اعتاد الجلوس إليها ليلاً نهاراً، لا سيّما وقد كانت لديه مخططات لتدوين بعض مؤلفاته، وأهمها في ذلك الحين كتابه (كشف الارتياب)، لذلك أرسل إلى دمشق يطلب أن يرسلوا إليه إلى شقرا مكتبته كلّها، فشحنت المكتبة من دمشق إلى بيروت بالقطار، ومن بيروت إلى صور بالسيّارة، ومن صور إلى شقرا على ظهور الجمال.
وكان وصول المكتبة إلى شقرا باعثاً على استقرار الوالد فيها، فانتهت الثورة خلال سنتين، فلم يفكّر بالعودة إلى دمشق، فما دامت كتبه عنده، وما دام مطمئناً إلى سير مشاريعه في دمشق سيراً مطرداً بما كان قد أعدّ لها من جمعيات تشرف عليها، فلم يكن له باعث قوي على ترك شقرا.
الوظيفة الأولى
وهكذا توالت علينا الأيام في شقرا، واستفادتي الثقافية الوحيدة فيها هي ما كنت أتلقاه على والدي من دروس اللغة العربية، ودروس الفقه الإسلامي، وكان المستقبل أمامي مجهولاً، بل قاتماً، إذ لم يكن لديّ ما أتجهز به لهذا المستقبل، وكنت أتوق لترك شقرا بأي وسيلة، ولم تكن لي أيّة وسيلة.
وإذا بي أتلقى دون سابق طلب أو رغبة قراراً بتعييني مساعداً قضائياً لمحكمة النبطية الشرعية، وذلك أنّ أحد النافذين كان قد زارنا في شقرا وعرف تضجري من الإقامة فيها على ذلك الشكل، فاستصدر مرسوماً بتعييني في تلك الوظيفة، ففوجئت بذلك، ولم تكن هذه الوظيفة لتحقق شيئاً ممّا أبتغيه في الحياة، بل كانت تبدو وكأنّها قد حدّدت مصيري بما لا يمكن أن أرتضيه لقابل أيامي.
وقد كانت لي مطامح ثقافية بعيدة فإنّ طول جلوسي إلى جانب والدي سواء في مكتبته، ورؤيته عاكفاً ليلاً نهاراً على القلم والورق والكتاب، وانتشار كتبه في أنحاء العالم الإسلامي، كلّ ذلك ركّز في نفسي الطموح الثقافي وحده، وكان أكثر ما يستهويني الاطلاع على التاريخ، وأسس هذا الاستهواء في نفسي شيئان: قراءة ما قرأته في مكتبة والدي، ثمّ الدروس التي كان يلقيها علينا أستاذ التاريخ في الدراسة الابتدائية في المدرسة العلوية (أديب التقي) فقد كان إلى جانب إدارته للمدرسة يتولى فيها درس التاريخ ودرس الإنشاء ـ كما تقدّم ـ وكان هو نفسه مؤلفاً في التاريخ المدرسي، مشبعاً بالحسّ التاريخي العميق، بارعاً في إلقائه وترسيخه في الذهن، فكان لهذين العاملين الأثر الكبير في ميولي التاريخية.
وعندما انتميت بعد ذلك إلى الجامعة السورية، لم يكن لي بد من الانتماء إلى معهد الحقوق، لأنّه كان هو وحده الموجود ـ عدا معهد الطب والصيدلة ـ ولم يكن في الجامعة معهد للآداب والتاريخ، ولو كان ذلك موجوداً لانتميت حتماً إلى معهد التاريخ ولما درست الحقوق.
التردّد في قبول الوظيفة ثمّ القبول
عندما فوجئت بقرار تعييني مساعداً قضائياً لمحكمة النبطية الشرعية، صمّمت لأوّل وهلة على الرفض تصوّراً منّي أنّ هذه الوظيفة قد حدّدت مصيري غير المرضي منّي، ثمّ لم ألبث أن تأرجحت بين القبول والرفض، ذاك أنّ مجرد تصوّر الخروج من شقرا ومن حياة الضجر والقلق التي أعيشها فيها كان كافياً لرجوعي عن الرفض وميلي إلى القبول. ثمّ عاد التردّد استقراراً على القبول، مقتنعاً أنّ هذه الوظيفة لن تسد أمامي باب المستقبل، بل يمكن أن أجعل منها مفتاح ذلك المستقبل، وهذا ما كان.
ومن هنا أستطيع أن أقول إنّ تلك الوظيفة الصغيرة ذات الراتب القليل القليل، وذات المركز الاجتماعي الهزيل، والتي كنت أخجل بها أمام المعارف والأصحاب فأتوارى منهم. إنّ تلك الوظيفة هي التي أوصلتني إلى ما وصلت إليه، وهي التي حققت لي المطمح الثقافي الكبير في إصدار (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية) و(الموسوعة الإسلامية)، والتحقيقات التاريخية التي شفيت بها الغليل من مزوّري التاريخ والعابثين به.
فلو لم أخرج تلك السنة من شقرا، ثمّ أسعى لمتابعة الدراسة الثانوية، ثمّ أؤدّي امتحان الجامعة وأدخلها ـ كما سيأتي ـ، لما علم غير الله أي مصير سيّئ كان يمكن أن أصير إليه. ففي السنة التالية لدخول الجامعة ألغي امتحان الجامعة، وصار على كلّ طالب لدخولها أن يحمل شهادة القسم الثاني من البكالوريا، وهو ما كان من المستحيل أن أحققه.
في النبطية
كان قاضي المحكمة الشيخ محمد رضا الزين، وهو إنسان دمث الأخلاق طيّب الذات لطيف المعشر، وكان لنا من قبل صديقاً وفيّاً مخلصاً، فلم يكن من صعوبة في العمل معه، وكان الراتب خمساً وعشرين ليرة ورقية؛ وهو راتب زهيد لا يسدّ حتّى الحاجات الضرورية، لذلك كان عليَّ أن أتكيّف مع هذا الراتب، مصمّماً على عدم الاستمرار في عملي إلاّ بمقدار ما أجد سبيلاً للانطلاق في الميدان الذي أرغب فيه، وكان هذا الميدان محصوراً في متابعة الدراسة الثانوية للالتحاق بالجامعة. ولم يكن ذلك بالأمر السهل، بل كان يبدو أنّ دونه خرط القتاد ـ كما يقول الأقدمون ـ إذ كان قد مضى على إنهاء دراستي الابتدائية سنوات انقطعت فيها عن متابعة الدراسة، ولو أنّني واصلتها لكنت الآن في نهاية الدراسة الثانوية، فكيف لي أن أستدرك ما فاتني، وهل من المعقول في هذه السن أن أبدأ الدراسة الثانوية في الصفوف مع الصغار!.
ثمّ إنّ هناك مشكلة كبرى كانت تبدو مستحيلة الحل، هي ذات شقّين: الأوّل هو الأخطر، أنّ اللغة الفرنسية صارت أساساً في نيل شهادة الدراسة الثانوية (البكالوريا)، وليست اللغة وحدها هي المفروضة بل أدبها أيضاً. وكانت كلّ معرفتي باللغة الفرنسية، والقليل الذي تلقيناه في الدراسة الابتدائية، فكيف أنجح في نيل الشهادة الثانوية وأنا على هذا الجهل باللغة الفرنسية، وكيف يتسنى لي دراسة اللغة وآدابها في فترة وجيزة، وهب أنّ مدرسة قبلتني فهل من المعقول أن أستطيع متابعة الدراسة والنجاح في النهاية؟
والشقّ الثاني هو شق طريف كلّ الطرافة، وهو أنّني لست ذا ذهن رياضي بحيث إنّه كان يشقّ عليَّ جمع عددين أو ضربهما أو طرحهما، فإذا كان من الممكن مثلاً أن أجدّ في دراسة الدروس الأخرى، وهو ما كنت مستعداً له كلّ الاستعداد، وأن أنال فيها أعلى الدرجات، فلم يكن ذلك ممكناً في دراسة الحساب والجبر، لأنّ هذين الدرسين لا يجدي فيهما الجد، ولا يفيد الانكباب ليلاً نهاراً على مطالعتهما، لأنّهما شيء لا يخضع للمطالعة والمتابعة، بل للقابلية والموهبة، وقابليتي وموهبتي فيهما عدم في عدم!…
ولكن لا بد من تحصيل الشهادة الثانوية ودخول الجامعة!… فلنعلق الآمال على المجهول ولنتكّل على الله لعلّه يجد لنا مخرجاً.
والواقع أنّ كلّ شيء كان ينفي وجود هذا المخرج، وأنّ التفكير فيه كان ضرباً من الأحلام التي لا يمكن أن يعتمد عليها الواقعيون العمليون!.
ومضت الأيام في المحكمة الشرعية رتيبة، وكان العمل فيها قليلاً. والدعاوى لا تشغل إلاّ حيّزاً ضيّقاً من الوقت، وكنت أعمل أنا لا على أساس الاستمرار، بل على أساس أنّها أيام معدودة لا بد من تمضيتها قبل الوصول إلى الطريق المنشود.
لذلك كان غريباً كلّ الغرابة عند الناس أن ينصرف موظف في حكومة تخضع للانتداب الفرنسي، أن ينصرف إلى أعمال تتعارض مع هذا الانتداب وتقاومه، فقد استطعنا تكتيل فريق من تلاميذ البلدة الذين كانوا يواصلون دراساتهم الثانوية في بيروت، وكانوا كلّهم تلاميذ مدرسة واحدة هي (الكلية الإسلامية)، وكانوا يحضرون أيام العطل إلى النبطية، فألتقي بهم وننظّم سهرات ولقاءات كان الحديث فيها لا يتعدّى الحديث الوطني الحماسي، ولم يلبث الصيف أن جاء وانقطعوا عن الذهاب إلى بيروت، وعادت اللقاءات يومية، وعاد الحديث الوطني أكثر تشعباً وتواصلاً، وقد كنّا نخرج إلى ظاهر النبطية، فننشد الأناشيد الحماسية الثورية التي توري الهمم وتحفز العزائم. ثمّ رفعنا علم الاستقلال العربي السوري المربع الألوان ذا النجمة البيضاء وسط لونه الأحمر، وهو العلم الذي كان من قبل علم الثورة العربية، ثمّ أضيف إليه عند إعلان استقلال سوريا بملكية الملك فيصل بن الحسين، نجمة سباعية، ثمّ طوي بعد قضاء الفرنسيين على الاستقلال السوري واحتلالهم البلاد، وأصبح رفعه جريمة من الجرائم السياسية الكبرى.
اقترحت أن نرفع هذا العلم في اجتماعاتنا لا سيما في ظاهر البلد، فجمع أحد الرفاق ألوانه وشدّه إلى رمح خشبي طويل، وأحضره إلينا ملفوفاً على رمحه، فاحتفلنا بنشره احتفالاً حماسياً صاخباً، وكان قد كثر عددنا، ولم يبق محصوراً في التلاميذ وحدهم،، بل انضمّ إلينا بعض الفتيان واليافعين وشاركونا في اجتماعاتنا وساهموا في لقاءاتنا.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أمر هام، وهو أنّ جميع رفاقنا التلاميذ كانوا تلاميذ مدرسة وطنية واحدة، فكانوا متألّفين لا تفرق بينهم المناهج المدرسية المختلفة التوجيه، وكان من أبناء البلدة تلميذ واحد يتلقى دراسته في الجامعة الأميركية، ولما حاولنا ضمّه إلى صفّنا لم يستجب إلى ذلك، وبقي وحده منفرداً بعيداً عن مجموعة تلاميذ بلدته، فأدركت عند ذلك سبب تشعّب الاتجاهات والميول في لبنان، فإنّ انقسام المدارس بين توجيه فرنسي أو إنكليزي أو أميركي، وبين يسوعي وعلماني وإسلامي وكاثوليكي وبروتستنتي كان يقسم التلاميذ ويسير بهم في اتجاهات متباينة متعارضة، في حين أنّ بلاد الدنيا كلّها تسيطر الدولة بها على التعليم في منهج واحد وتوجيه واحد، فيتخرّج الرجال وطنيين أو ذوي ميول واحدة، وإذا اختلفوا فإنّما يختلفون في كيفية تنفيذ تلك الميول.
الجهر بعد الإخفات
ظلّت اجتماعاتنا ولقاءاتنا في أوائل الصيف محصورة فينا، ثمّ رأينا بعد أن أصبحنا كتلة ذات عدد لا بأس به، أن نجهر بين الناس بما لا زلنا نخفت به بينهم، ولا نجهر بها إلاّ بيننا، وفكرنا في إيجاد المناسبة، فإذا بها تأتينا على رجليها، فقد كان بيننا وبين ذكرى المولد النبوي بضعة أيام فرأينا أن نعلن الاحتفال بمرور هذ الذكرى احتفالاً جماهيرياً شاملاً، فنظمنا أنفسنا في ليلة المولد وحشدنا فيها كلّ من نستطيع حشده من الرفاق ومن غيرهم فكنّا جمهوراً لا بأس به، وبدأنا مسيرتنا في الليل فانضمّ إلينا الفضوليون ومن راقتهم هذه المسيرة، فإذا بنا جمعاً كثيفاً يخترق شارع النبطية العام من أوّل البلدة هازجاً منشداً متحمساً، وكنّا كلمّا تقدّمنا في السير ازداد عددنا حتّى اخترقنا البلدة وانتهى بنا المسير إلى الطرف الآخر من البلدة، ثمّ عدنا راجعين إلى الساحة العامّة حيث تفرّقنا متواعدين على اللقاء عصر الغد في الحسينية في حفلة خطابية تمجّد هذه الذكرى المجيدة، وكنّا قبل ذلك قد وزّعنا الدعوات لحضور هذه الحفلة على الناس.
وقد فكّرنا أوّل الأمر بأن نرفع أمام مسيرتنا علم الاستقلال العربي السوري، ثمّ عدلنا عن هذه الفكرة لأنّها ستلفت الأنظار إلى غاياتنا، وتنبّه عملاء الانتداب الفرنسي إلى أهدافنا، وقرّرنا أن نؤخّر رفعه إلى مناسبة أخرى.
وفي عصر الثاني احتشد الناس في الحسينية حتّى غصّت بهم على رحبها، ودعونا إلى الخطابة في الحفلة الشيخ أحمد رضا، وتكلم بعض الشبان، وختمت أنا الحفلة بخطاب حماسي عنيف، فكانت المسيرة الليلية والحفلة النهارية شيئاً جديداً على البلدة لم تألفه في مرور ذكرى المولد النبوي. وكان من أغرب ما رآه الناس أنّ موظفاً حكومياً يقف هذا الموقف، ولا يخشى على وظيفته غير عالمين أنّ هذا الموظّف يعدّ الايام لينهي حياة الوظيفة وينطلق في طريقه الجديد الذي لم تتضح له معالمه بعد.
ثمّ رأينا أن قد آن لنا أن نرفع علم الاستقلال رفعاً علنياً، فقد عرفنا أنّ رياض الصلح كان يزور قرية له من قرى النبطية هي قرية الشرقية، وأنّه سيمر عائداً في النبطية، وكان رياض ممّن يعملون يومذاك في الحقل الوطني، فقرّرنا أن نشعره بوجودنا، فخرجنا في أربع سيّارات رافعين العلم الاستقلالي على ساريته العالية، وانتظرنا رياض في ظاهر النبطية، فلمّا وصل إلينا أوقفنا سيّاراته فنزل منها وكان يرافقه محمد جابر وهو من المختصين به من رجالات النبطية، فخطبت أمامه خطاباً وطنياً حماسياً، ثمّ شيعناه بسيّاراتنا رافعين في السيّارة الأولى علم الاستقلال يخفق أمام عيون القرويين الذاهبين والآيبين والمقيمين حتّى قرية حبّوش. ومنها عدنا ومعنا محمد جابر الذي لم يخف عنّا ذعر رياض من رفع علم الاستقلال، وقال إنّ رياض قال له: إنّ رفع العلم مخاطرة، فاخترقنا بسيّاراتنا شارع النبطية العام منشدين الأناشيد الحماسية والعلم في المقدمة يتمازج عالياً شامخاً، والناس تتجمّع على جوانب الشارع لترى ما هذا الذي يحدث.
لم يمر هذا الحادث مروراً سهلاً، بل كان له ما بعده، فقد كان وقوفنا في ظاهر النبطية على مفترق طريق يؤدّي إلى بلدة نافذ قوي، وكان وقوفنا لا يبعد كثيراً عن قرية النافذ الذي كان ككل النافذين في ذلك الوقت يستند نفوذه على صداقته للسلطة ومماشاته لها، وكان يعتبر أكبر النافذين وأقربهم إلى السلطة وأوسعهم اتصالاً بالناس، وكان على عداوة شخصية متأصلة لرياض الصلح ترجع إلى أيام الحرب العالمية الأولى، فرأى في فعلتنا تحدياً عارماً له، أوّلاً لشدّة عداوته لرياض، ثمّ لما في فعلتنا من استهتار بالسلطة ومجاهرة في عدائها، وهو ما كان ضامناً عكسه، فكنّا فيما فعلنا دالّين على تقلّص تأثيره في الناس، إنّ تقريب السلطة له ولأمثاله ليس معناه السيطرة على الشعب والتكفل بعدم رفع صوته في وجه السلطة.
فقام النافذ ولم يقعد وهاج وماج وتهدّد وتوعّد، وأرسل إليَّ أنّه يعتبرني مسؤولاً عمّا حصل، وأنّ أقل ما سينالني هو الاقتلاع من الوظيفة، وأنّ تحقيقاً سيجري مع المشاركين، وأنّ الاعتقال والسجن سيكون جزاءهم الأكيد.
ولكنّه لم يستطع أن يفعل شيئاً فقد جاءه من ينصحه بأنّ النبطية تعتبر من معاقله، وأنّ جمهورها من أنصاره وفيهم من هم من خلص أصدقائه وأعوانه، وأنّه ليس بين هؤلاء أحد إلاّ وله ابن أو أخ قد اشترك في مظاهرة التحدّي هذه، وأنّه إنّما سيؤذي جماعته إن حرّض السلطة على أولادهم وإخوتهم، وبذلك سينقلبون عليه ويؤذي نفسه. أمّا فيما يتعلق بي فقد أخبروه بأنّ إقالتي ستثير عليه من تضرّه إثارتهم ـ ولم يكن يعلم أنّي أنا نفسي سأقيل نفسي بعد أسابيع ـ لذلك اضطر إلى السكوت على مضض وكظم غيظه ونقمته، وكلّ ما فعله أنّه أنَّب المنتمين إليه على ما فعله أبناؤهم وإخوتهم تأنيباً عنيفاً.
بصيص من النور
أخذت شهور الصيف تمضي وأيامه تتقلص، وبدأ العام الدراسي يدنو وأنا لم أهتد بعد إلى الطريق الذي يمكن معه الحصول على شهادة الدراسة الثانوية (البكالوريا)، وكان شبح اللغة الفرنسية والجبر يتراءى لي رهيباً حائلاً بيني وبين سلوك أي طريق، فقرّرت الذهاب إلى دمشق، لتلمس ما يمكن أن يزحزح اليأس الذي يكاد يسيطر عليّ، فإذا بي أكتشف بصيصاً من النور ما لبث أن أصبح شعاعاً مضيئاً ينير بعض جوانب الطريق.
ذلك أنّي عرفت أنّ الجامعة السورية لا تشترط في غير السوريين الذين يريدون الانتماء إليها أن يكونوا حائزين على شهادة القسم الثاني من (البكالوريا) الحكومية، بل يكفي أن يكون طالب الدخول حاملاً شهادة إنهاء الدراسة الثانوية من أي مدرسة ثانوية، وأنّه في حال حصوله على هذه الشهادة يمكنه الاشتراك في امتحان عام تجريه الجامعة لحاملي هذه الشهادة، وهو امتحان لا يختلف في مواده عن مواد القسم الثاني من (البكالوريا) الحكومية إلاّ في اللغة الفرنسية حيث تخلو مواد هذا الامتحان من مادة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية، ومن الفرنسية إلى العربية. وأنّ مدرسة أهلية في دمشق قد خصّصت صفّاً من صفوفها الثانوية أسمته (صف الجامعة) يقصده غير حاملي الجنسية السورية، وحاملو الجنسية السورية من الحائزين على شهادة القسم الأوّل من (البكالوريا) الحكومية، إذ أنّ الجامعة تعاملهم معاملة غير الحاملين للجنسية السورية فتقبل اشتراكهم في امتحانها دون حصولهم على القسم الثاني من (البكالوريا) الحكومية.
وهكذا كثر المنتمون إلى (صف الجامعة)، وكان معتبراً أبناء المنطقة التي أسموها منطقة (العلويين) من غير حاملي الجنسية السورية، إذ كانت لهم حكومة مستقلة عن الحكومة السورية حكمها حكم (لبنان). ومن هنا احتشد عدد غفير من التلاميذ في هذا الصف كان فيهم عراقيون أيضاً.
ومن حسنات هذا (الصف) أنّه يقبل كلّ طالبِ انتماءٍ إليه، دون أن يثبت أنّه قد تدرّج في دراسته الثانوية من صف إلى صف حتّى وصل إلى الصف النهائي، فكلّ طالب انتماء يُقبل، وهو في النهاية مسؤول عن نفسه في الامتحان الذي تقيمه هذه المدرسة في نهاية العام الدراسي، والذي تمنح الناجحين فيه شهادة إنهاء الدراسة الثانوية.
وقد أغرى هذا التصرّف غير الأكفاء، ولكن هؤلاء بدؤوا يتسللون منذ الأسابيع الأولى الواحد بعد الآخر، متخلين عن الدراسة، مقتنعين أنّ الأمر ليس بالسهولة التي تخيلوها.
وقد كان عمل المدرسة عملاً تجارياً بحتاً تقصد به اجتناء الربح فقط حيث كان يحتشد في قسمها الداخلي العدد الكثير من التلاميذ الذي يعودون عليها بأموال أي أموال. ولكن هذا القصد التجاري قد أفاد الكثيرين من الأكفاء الذين لم تقدر لهم الدراسة الثانوية المنتظمة، فأمكنهم اختصارها بالانتماء إلى هذا الصف الذي كانت مواده في الحقيقة تشمل مواد الدراسة الثانوية في جميع مراحلها.
لقد كان هذا الحل بصيصاً من النور ـ كما قلت ـ فإذا أمكن الانتماء إلى (صف الجامعة) ومتابعة الدراسة فيه، فكيف تحل عقدة اللغة الفرنسية وعقدة (الجبر)؟ صحيح أنّ المطلوب فيه من اللغة الفرنسية هو أخف بكثير من المطلوب في امتحان (البكالوريا) الحكومية، ولكن الصحيح أيضاً أنّ هذا الأخف هو الأثقل على من لا يعرف من اللغة الفرنسية إلاّ القليل القليل، بل أقل من القليل، ويكفي أن يكون فيه أداء امتحان في الأدب الفرنسي وتاريخه. ولكنّني اتَّكلت على الله وانتميت إلى (صف الجامعة) تاركاً للأقدار أن تجد الحلول للعقدتين اللتين تبدوان وكأن لا حل لهما.
دراسة ثانوية
وكان من المصادفات الحسنة أن فوجئنا بأنّ أستاذ اللغة العربية وآدابها هو الشاعر خليل مردم، وكنت أعرف عن شعره الشيء الكثير، ولما التقيته في الصف وتابعت الحديث وجدته على صفاء النفس فضلاً عن الكفاءة، ممّا يجعله من أقرب الناس إلى القلب وأحبهم إلى طالب العلم، ولقد أفادنا في الدروس القليلة التي حضرناها عليه، ما لو استمرّ لكانت فائدته كبيرة.
ولكنّه تخلّى عن تدريسنا بعد أقل من شهر من ابتدائه به، وذلك أنّ عددنا كان كبيراً جداً، مضافاً إلينا طلاب القسم الثاني من البكالوريا، الذين كانوا يتابعون نفس الدرس، وكان يفرض علينا كتابة مواضيع لا بد له من قراءتها وتصحيحها، وكان ذلك فوق طاقته، وفوق طاقة أي أستاذ لكثرة عدد التلاميذ، لذلك اعتذر عن تدريس هذه المجموعة الكثيرة الأفراد، غير المتجانسة والمختلفة الكفاءات. واقتصر على تدريس تلاميذ صف القسم الثاني من البكالوريا. وبذلك حرمنا من متابعة دروس خليل مردم فحرمنا من فوائد كثيرة.
ولقد نلت من تشجيعه في تلك الفترة القليلة ما أذكره دائماً، ذلك أنّه في أوّل درس (إنشاء) طلب إلينا أن نكتب عن حياتنا الأدبية وتفكيرنا فيها وميولنا، فكتبت فيمن كتب، فجاء في الدرس الثاني وسأل من منكم حسن الأمين؟ فوقفت وإذا ما كتبته في يده، فقال: إنّ هذا أحسن ما كُتب في هذا الموضوع وإنّني أهنئك عليه…
والواقع أنّني لم أغترر بهذا الكلام ولم أزه به، فليس معنى أن ما كتبت كان أحسن ممّا كتب التلاميذ، إنّه شيء جيد، بل ربما كان أقل رداءة ممّا كتبه الآخرون…
وأذكر أنّ ما كتبته كان مطولاً بلغ عدّة صفحات، وإنّي ختمته بالإعراب عن سروري بأن يكون أستاذ الأدب العربي عندنا هو شاعر الشام وأديب الفيحاء «الخليل» ثمّ تمثّلت بقول الشاعر:
كانت مسامرة الركبان تخبرنا
عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر
حتّى التقينا فلا والله ما سمعت
أذني بأحسن ممّا قد رأى بصري
وفي الحقيقة ليس هذا الثناء عليه هو الذي حمله على مقابلة الثناء بالثناء، ولا أنا كنت متملقاً له فيما كتبت، فقد كان ما كتبته معبراً معتمداً على نفسي في دراسة الأدب العربي.
يواصل السيد سرد ذكرياته:
في الدراسة الثانوية
وأخذ العام الدراسي يتوالى يوماً بعد يوم، وأخذ يوم الحسم يدنو شيئاً فشيئاً، ومن طرائف الدراسة أنّ مدرِّس التاريخ كان عجوزاً من بقايا ضباط الجيش العثماني المتقاعدين، ونشأ نشأة تعليمية بعيدة عن جو اللغة العربية، فهو بالرغم من أنّه دمشقي عريق كان يتعثّر في النطق خلال الدرس باللغة الفصحى فيأتي بجمل تدعو إلى الضحك، فكان من تعابيره مثلاً ما قاله أحد الملوك الفرنسيين، فقد أورده المدرّس بهذا اللفظ. إنّ تلك التاج يؤلمني!.
ومن طرائف ما جرى لنا معه أنّه كان يطلب منّا في كلّ درس أن نكون مستعدين للإجابة في الدرس المقبل، ومن الأكيد أنّنا لم نكن كلّنا مستعدين للإجابة، فكان متروكاً للتلميذ الذي ينادي المدرّس اسمه من ورقة أمامه كانت تحتوي أسماء التلاميذ جميعاً، كان متروكاً للتلميذ إذا كان غير مستعد للجواب، أن يرد على النداء بكلمة : (غير موجود)، فكان المدرّس يضع إشارة أمام اسمه ليعلم غيابه.
وصدف يوماً أنّ معظمنا، بل ربما كنّا كلّنا غير مستعدين للجواب، وكان الصف غاصّاً بالتلاميذ، فكان كلّما نودي على اسم يجيب التلميذ بنفسه: غير موجود… إلى أن امتلأت الورقة بأسماء التلاميذ الغائبين، بينما كان الصف ممتلئاً بهم!…
دخول الجامعة
وأقبل يوم امتحان (الجامعة) وجرى لي فيه في درسي الجبر واللغة الفرنسية ما قصصته على القارئ من قبل، وانتهى الأمر بالنجاح ودخلت الجامعة، وتحقق الأمل الذي كنت أظنّه غير ممكن التحقيقّ ولم أشعر ببهجة تشبه البهجة التي عرفتها يوم إعلان النتيجة، وإن كانت أيام البهجات أقل من القليل!.
ويعاود سرد الذكريات:
يوم الانتخاب في دمشق
مضت دراسة الحقوق مضياً رتيباً، وتآلفنا هناك بضعة طلاب لا يزيد عددنا على العشرة، متخذين لنا منهجاً فيه أن نلتقي في المنازل لقاءات أسبوعية لا تخلو من التسلية البريئة، وأهم ما فيها تنظيم الكفاح الوطني ومقاومة الإفرنسيين، فإذا ألمّ بالبلاد حادث كان علينا أن نحزم أمرنا ونقود فيه جبهة فاعلة تقرّر وتقتحم.
وممّا يذكر ممّا كانت مشاركتنا فيه فعّالة، هو يوم قرّر المفوض الفرنسي (بونسو) إجراء انتخابات عامّة في سوريا في 20 كانون الأوّل سنة 1931 تمهيداً لتصفية القضية الوطنية بتزوير الانتخابات وإخراج مجلس نيابي مطواع يقرّ معاهدة معدّة لا تختلف عن الانتداب إلاّ بالاسم، وهي المعاهدة التي عرفت يومذاك باسم (معاهدة الشعباني) نسبة لوزير الداخلية شاكر نعمت الشعباني الذي تبنّاها وتعهّد تصديقها من المجلس.
وجاء يوم الانتخاب وأعدّ الفرنسيون عدّتهم للتزوير في سوريا كلّها، وأعدّ الطلاب عدّتهم للمعركة. وقضينا ليلة يوم الانتخاب نجول من حي إلى حي نشحذ الهمم ونستفز النفوس، وفي الصباح كنّا نتوزّع في الأحياء حول مراكز الاقتراع، وقد كان كلّ شيء مهيّأً للمعركة، ولا تحتاج النار العتيدة إلاّ إلى عود من الكبريت لتضطرم اضطرامها المروع. وقد كان، فبدأ([1379]) الهجوم على المراكز وأخذ الرصاص يدوّي من بنادق الجنود حماة المراكز، وانطلقت الجموع في شوارع دمشق مهدّدة متوعدة وبدأ الصدام…
ورحلة جديدة:
في العراق
العام 1938 كان الشيخ محمد رضا الشبيبي وزيراً للمعارف العراقية في وزارة جميل المدفعي التي ألفها بعد اغتيال بكر صدقي وسقوط وزارة حكمت سليمان. وقد كان وجود الشبيبي في وزارة المعارف عاملاً في انتقالي إلى العراق للتدريس في معاهده. وكان لا بد من هذه الخطوة. فأنا عندما دخلت معهد الحقوق في الجامعة السورية لم يكن في ذهني العمل في المحاماة بعد التخرّج لعدّة عوامل منها: أنّ المحاماة يقتضي التفرغ لها تفرّغاً كاملاً ممّا كان سيشغل كلّ أوقاتي فيصرفني عن تنفيذ ما كنت أشغل به ذهني من البحث التاريخي بعد أن استهواني هذا البحث كلّ الاستهواء. ومنها أنّ التفوّق في المحاماة في لبنان كان لا يمكن لمن لا يجيد اللغة الفرنسية، فإنّ كثيراً من الأحداث كان أمر الفصل بها يعود إلى ما سمّي بالمحاكم المختلطة، وهي المحاكم التي تتألف من قضاة فرنسيين ولبنانيين ويرأسها الفرنسيون ومنها محكمة التمييز، والمرافعات في هذه المحاكم باللغة الفرنسية التي كانت معتبرة لغة رسمية في جميع دوائر الحكومة حتّى في مجلس النواب. ومعنى ذلك أنّ المحامي الذي لا يجيد اللغة الفرنسية لن يكون في الصفوف الأولى من المحامين، وأنّ ذلك محصور بخرّيجي معهد الحقوق في الجامعة اليسوعية في بيروت، ولم يكن بإمكاني التسليم بالقيام بعمل لا يكون باب التفوق فيه مفتوحاً أمامي.
ومنها أنّ طبعي بعيد عن الانغماس في مشاكل الناس وخلافاتهم والانشغال بخصوماتهم، وهي خصومات يبعثها التكالب المادي، وأنّه إنّ صحّ أنّ المحامي يستطيع أحياناً أن ينقذ بريئاً أو يرد حقاً سليباً فإنّه في كثير من الأحايين سيدافع عن مجرم وسيناصر ظالماً ويدعم مغتصباً. ولم أكن أحتمل أن يكون عماد حياتي قائماً على هذا الأساس.
وكنت أتذكر دائماً ما رواه (اتلي) أحد رؤساء حزب العمال البريطاني ومترئس وزاراته من أنّ الذي صرفه عن المحاماة بعد أن كان قد بدأ العمل فيها ناجحاً، أنّه في أوائل عهده في المحاماة دافع عن متّهم بجناية كان قد أقنعه بأنّه بريء واستطاع تبرئته ممّا اتّهم به، ثمّ تبيّن له أنّ صاحبه مجرم عريق في الإجرام.
لهذا كلّه لم يكن في ذهني أن أعمل محامياً، وفي الوقت نفسه كانت الأبواب الأخرى مسدودة أمام أمثالنا في عهد الانتداب الفرنسي، ولم يكن في إمكاني الانصراف إلى ما يستهويني من الدراسات والبحوث لا سيما التاريخية منها، فرأيت في التدريس في معاهد العراق ما يقرّبني ممّا أحاوله.
لذلك ذهبت إلى العراق مرتاحاً منشرحاً، فكان أن عهد إليّ التدريس في ثانوية مدينة الحلة المنشأة في نفس العام.
في الحلة
وكان العراق يستقدم معظم مدرّسيه من مصر إذ كانت حكوماته تنشئ في كلّ عام مدارس جديدة، لذلك كانت محتاجة في كلّ عام إلى مدرسين جدد، فكانت تواصل استدعاء المدرسين من الخارج وكان اعتمادها في ذلك على مصر.
ومن طريق ما كان يجري أحياناً أنّ المدرسة كان يصلها من المدرسين العدد الذي تحتاجه دون أن يراعى الاختصاص فيجد مدير المدرسة أمامه مثلاً مدرّساً للغة الإنكليزية في حين أنّه يحتاج إلى مدرّس للتاريخ فيضطر إلى أن يسد فراغ التاريخ بغير المختص بالتاريخ.
وهناك قصة تروى عن مدرّس لبناني عهد إليه بتدريس التاريخ وهو لا صلة له بهذا العلم، فكان من مواضيع تدريسه موضوع الدولة البويهية فكان يلفظ كلمة (بُوَيْه) المضمومة الباء ويجعل الواو حرف مد، والياء مفتوحة والهاء ساكنة (بُويَهْ). وكذلك يلفظ كلمة (المغول) المفتوحة الميم، المضمومة الغين، والتي واوها واو مد، كان يلفظها مكسورة الميم ساكنة الغين مفتوحة الواو ساكنة اللام (مِغْوَلْ).
ولمّا جئت مدينة الحلة كان مدير الثانوية عبد الوهاب الركابي وهو من أكفأ رجال المعارف، إداري حازم جيّد الثقافة على جانب من طيب الذات وحسن الخلق وإنصاف الناس.
جئت أنا على أساس أنّي مدرّس للأدب العربي، ولكن المدير وجد أنّ لديه شواغر في الأدب العربي وفي التاريخ الحديث وفي الاقتصاد، فقسّم دروسي بين هذه الثلاث.
وقد وقع اختياري لمدينة الحلّة موقعاً حسناً في نفسي، فأسرتنا في الأصل عراقية من الحلّة نفسها أو من ضواحيها جاء جدّنا الأعلى منها إلى جبل عامل واستقرّ في شقرا.
وإلى الحلّة ينتمي العلاّمة الحلي والمحقق الحلي وصفي الدين الحلي السيد حيدر الحلي والسيد جعفر الحلي وغيرهم، وهي أسماء تتردّد كثيراً في بيوتنا ومجالسنا، لذلك وجدتني مسروراً بأن أكون في منابت أولئك الرجال وفي الأرض التي خرجت منها أسرتنا.
ولم تخيب الحلّة اغتباطي بوجودي فيها، فقد كان يغلب على سكانها الاتصاف بالصفات الحسنة، وكان كلّ من اتصل بهم يبعث الاتصال به الثناء عليه، فضلاً عن وجود مجموعة طيبة المعشر أنيسة المجلس نيّرة الفكر.
لذلك كانت أيامي في الحلة وتلك السنة الدراسية التي أمضيتها فيها من أمتع أيامي وأعذبها.
والحلّة فضلاً عن ذلك من أجمل المدن بفراتها ونخيلها ورياضها وبساتينها، ممّا كان مبعثاً للشعر والنثر في نفسي فكان ممّا قلته فيها قصيدة فقدت منّي وأتذكر منها هذه الأبيات:
ظلٌ على شط الفرات ظليل
ومرابع فتانة وحقول
ليست تملّ العين رائع حسنها
إذ كلّ حسن غيرها مملول
وزها الفرات لرائديه وأمرعت
في ضفتيه تنائف وسهول
تحلو على الأجراف ثمة بكرة
ويطيب في ظل النخيل أصيل
يا صاحبي قفا فثمة موقف
في الجسر فوَّاح الأريج ظليل
تترقرق الأمواه فيه دوافقاً
فيروق مجرى دافق ومسيل
ويلذ للورّاد عذب نسيمه
وتشوقهم فيه صبا وقبول
مناظر الشط الجميلة كم حلا
في جانبيك لرائديك مقيل
كم وقفة في الجسر عاطرة الشذى
والماء رهو والنسيم عليل
طال الوقوف بنا عليك عشية
إنّ الوقوف على الجمال يطول
* * *
يا نازلين على الشآم وإنّكم
بينْ الجوانح في الفؤاد نزول
ما لذّ ورد للمشوق ولا ارتوى
من بعدكم للمستهام غليل
يهتاجه الزهر النضير إليكم
ويهزه في الرافدين نخيل
أو ما تزال على كروم (حريبة)
ترد الملاح عشية وتقيل
وهل العيون الدافقات كعهدنا
تجري على خضر الربى وتسيل
إنّي ليصبيني الخزام على النوى
ويشوقني الزيتون والملّول
وجد على شطّ المزار مبرح
وشجى بطيات الضلوع دخيل
والواقع أنّ الفترة التي قضيتها بين التخرّج من معهد الحقوق سنة 1934 وبين وصولي إلى الحلة سنة 1938 كانت فترة ركود في إنتاجي الكتابي ولا أستطيع أن أعدّ منها شيئاً يذكر.
وكان عهدي الجديد خصباً في هذا الإنتاج افتتحته بمقال في وصف الرحلة من دمشق إلى بغداد، وكان هذا أوّل مقال لي في أدب الرحلات الذي كنت مولعاً به مطالعة وطامحاً إلى الكتابة فيه، ثمّ تتابعت بعده مقالات الرحلات التي كنت أقوم بها داخل العراق ممّا يؤلف جزءاً كبيراً في كتاب رحلاتي الذي أصدرته بعد ذلك وسمّيته (من بل إلى بلد).
وكانت ثاني المقالات في وصف رحلة قمت بها مع الطلاب من الحلّة إلى سامراء.
وعدا القصيدة اللامية التي مرَّ ذكرها نظمت قبلها قصيدة كانت من وحي أوّل عيد يمرّ علي وأنا بعيد عن الوطن والأهل ومنها:
أطل علينا كالح الوجه خابيا
يثير شجوناً في الضمير سواجيا
أطل فلا القلب الطروب كعهده
طروب ولا غرّ الليالي كما هيا
يهيم بحوراء اللحاظ ويجتلي
على طلعة الغيد الحسان الروانيا
لقد حال ذاك البشر غمّاً وبدلت
ضواحك نفسي في الحياة بواكيا
فلا العيد بساماً يهيج صبابتي
ولا الحسن وضّاء يثير غراميا
تلفّت للعيد المطل فلم أجد
على جنبات العيد إلاّ مآسيا
ورائي من الأشواق ثم مفاوز
وبحر من الأشجان طامٍ أماميا
تلفّت من شط الفرات فراعني
على جنبات الشط أن لا تلاقيا
لئن لذّ للوراد عذب فراتهم
فإنّ فؤادي فيه ما زال ظاميا
يحن لماء البركتين ويشتهي
مشارع في تلك الذرى ومساقيا
له الله خفاقاً على غارب النوى
يصارع أياماً ويشكو لياليا
لقد شفّه بعد المزار وهاجه
إلى شجرات الرند أن ليس دانيا
فيا شجرات الرند في سامق الذرى
سقيت على البعد الغمام الغواديا
فما راقني بعد (الدواوير) مربع
ولا اعتضت عن (وادي السلوقي) واديا
ولا شاقني من بعد (غرة) مبسم
يشوق ولا هاج الغرام فؤاديا
سقى (الحومة) الخضراء صوب سحائب
وروى هطول المزن ثمّ (الدغاليا)
مرابع يطلعن (السكوكع) أبيضاً
ويزهين (بالدحنون) أحمر قانيا
نناجي مغانيها النضيرة لو وعت
على منتأى الدار المشوق المناجيا
ونسأل عنها الركب هل كان زاهراً
ربيع الحمى فيها وهل كان زاهيا
والدواوير، ووادي السلوقي والحومة، والدغالي: أماكن في شقرا، والسكوكع والدحنون من أزاهيره البرية.
وللمقايسة بين هذا الإنتاج الشعري في الحلّة وبينه بعد التخرّج من معهد الحقوق يكفي أنّ تعلم أنّ آخر قصيدة كنت قد نظمتها كانت وداعاً للدروس عند التخرّج ثمّ انقطعت بعدها عن الشعر إلى أن كانت القصيدة اللامية ـ ثمّ اليائية في الحلة.
وكذلك الحال في النثر. ولا يزال من أحب ما كتبته من النثر إلى نفسي، قطعة عاطفية كتبتها في الحلّة عند سماعي في المذياع زجلاً لعلي الحاج مذاعاً من بيروت يقول فيه:
عطشان وقلبي محروق
اسقيني من إبريقك ميّا
وقد ضممت هذه المقالة إلى كتاب (من بلد إلى بلد)، وهي وإن لم تكن من أدب الرحلات ولكنّها لصيقة به.
وصرت بعد ذلك لا يصدر جزء من أجزاء مجلة العرفان الشهيرة إلاّ ولي فيه مقال، أمّا في الأدب العربي أو في أدب الرحلات، وممّا نشرته فيها في تلك الفترة دراسات عن الشاعر ابن هاني الأندلسي، وهي فيما أحسب أوّل دراسات تنشر عن هذا الشاعر المظلوم. وكذلك دراسات عن الشاعر ابن زيدون نشرت في بعض المجلات البيروتية.
وممّن عرفتهم في الحلّة متصرفها السيد سعد صالح، وهو من رجال الأمّة العربية المعدودين، فقد نشأ عصامياً وكوّن نفسه بنفسه، وكان يجمع الذكاء الوقاد والموهبة الأدبية والخطابية والحنكة السياسية والرأي الراجح والوطنية الصادقة. وكان كلّ ما فيه يؤهله للزعامة الشعبية النافذة. ولمّا احتيج إليه ليكون وزيراً للداخلية رفض قبول الوزارة ما لم تطلق حرية تشكيل الأحزاب فكان له ما أراد. ولمّا استقال من الوزارة وانصرف إلى المعارضة المنظمة كانت قد تهيأت له كلّ وسائل القيادة الشعبية الراسخة وأصبح ينظر إليه نظرة الزعيم الذي أخذت تتجمع حوله القلوب، وبينما هو يخطو خطواته المتتابعة انقضّ عليه داء عضال بدأ يهدّه طيلة سنتين هدّاً بطيئاً ولكن متمكناً، ولم تنجح في مقاومته علاجات العراق وأوروبا، حتّى انطفأ سراج سعد في غير أوانه! فانطفأت بانطفائه شعلة مروءات ونخوات وأريحيات وألمعيات.
ومن الطرائف في الحلّة أنّ الحيّ الذي سكناه أنا وزميلان مصريان كان اسمه حي (التعيس)، ولا أدري من هو هذا التعيس الذي أطلق الحليون لقبه على هذا الحي، ولا ما هو نوع تعاسته ولا ما هي أسبابها.
ولو كنّا ممّن يتشاءمون من الأسماء والمناظر على الصورة التي يتهمون ابن الرومي بها لرفضنا أن يكون منزلنا في حي (التعيس)، ولكنّنا لم نكن كذلك ورضينا بأن نقيم في المكان الذي كان يوماً مصدراً لتعاسة الناس.
وإنصافاً لهذا الحي فإنّنا نشهد أنّ التعاسة لم تطرقنا فيه، بل كنّا على الكثير من السعادة والبشر، وهو الجو العام الذي كانت تضفيه علينا الحلّة سواء من حيث جمالها الطبيعي الناضر، أو من حيث أصالة أهلها في خلال الخير.
موت الملك غازي
ومن ذكريات الحلّة أنّنا فوجئنا في صباح 4 نيسان سنة 1939 بنبأ مصرع الملك غازي مصرعاً مروعاً، وكان لغازي حب في نفوس الناس وكانوا يعقدون عليه آمالاً كبيرة، لذلك كان لموته في عنفوان شبابه صدى حزن عميق أثار الجماهير أي إثارة.
وبعد مرور ثلاثة أيام على وفاته أقيمت له في الحلّة حفلة حافلة دعيت إلى الخطابة فيها، فألقيت كلمة أنقلها هنا ليرى القارئ كيف كنّا نفكر في تلك الأيام. وقبيل وفاة غازي كانت الاضطرابات في سوريا قائمة على الفرنسيين، وقد انتصر العراقيون لإخوانهم في بلاد الشام فعقدوا الاجتماعات وقدموا الاحتجاجات وأقاموا المظاهرات.
وكانت للملك غازي محطة إذاعة خاصّة في قصره (قصر الزهور) كان يشرف عليها بنفسه وكانت صدى لكفاح السوريين تنشر أخبارهم وتثير هممهم. وفي يوم من الأيام ألقى منها أحد المدرسين السوريين خطاباً حماسياً استصرخ فيه الملك غازي، فكان يكرّر في خطابه نداء: يا غازي… يا غازي… مستنصراً به على الفرنسيين، مستنجداً به للسوريين. وفي اللحظة التي أنهى فيها الخطيب خطابه تعالى صوت في المذياع: لبيك… لبيك.
وكانت مواقف غازي الوطنية ومجاهرته بالعداء للإنكليز وللفرنسيين معاً، هذه المجاهرة التي كانت تتجلى أكثر ما تتجلى في إذاعة (قصر الزهور) تحرج الحكومة العراقية وتثير غضب الإنكليز. لذلك شاع يومذاك أنّ موت غازي لم يكن طبيعياً وأنّ أمراً دبّر للتخلص منه.
وهذه هي كلمتي في حفل تأبين الملك غازي:
إنّني يا سادة باسم تلك العصب من الفتيان النضر الذين يهوون تحت الرصاص في بلاد الشام أنحني أمام هول الفاجعة في العراق، وأنّني باسم ذاك الدم الفوار على سهول الغوطتين وفي محاني النيربين أخشع أمام دم الغازي.
وإنّني من أعماق القلب أحيي هذا الجمع الكريم وأحيي هذه الأرض الطيبة وأشكر الظرف الذي ساقني إليها فتعرّفت إلى هذه الوجوه النيّرة والطلعات المشرقة.
بالأمس هبّ العراق يواسي الشام في فجيعتها، وتدافع بنوه غضباً للظلم النازل بها، فما أدري إن كانت في موقفي هذا بعض المقابلة بالمثل.
ولكن كلاّ يا سادة: فإنّ غازي لم يكن للعراق فحسب، فابن الشام شريك ابن العراق في هذا المصاب، وغازي قبل أن يكون ولي عهد العراق في حياة أبيه كان ولي عهد الشام. وفيصل قبل أن يكون ملك العراق كان ملك الشام، فموقفي بينكم ليس إلا موقف المفجوع بمليكه لا موقف المعزّي لإخوانه.
إنّكم لتسمعون تلك الصيحات النارية التي تدوي بها بطاح الشام، وترون ذاك الصراع الدموي فوق ثرى بردى.
إنّها صيحات الشعب الأنوف يأبى أن يمد يديه للأغلال ورجليه للأصفاد. إنّها أصوات فتيان العرب الغطاريف يأنفون ذلة الاستعباد وعار الهوان، قد أجمعوا أمرهم على الوثبة، فإذا فاتتهم الحياة الشريفة فلن يفوتهم الموت الشريف.
لقد قيل قديماً:
لا يعرف الشوق إلاّ من يكابده
ولا الصبابة إلاّ من يعانيها
فإذا ما حدّثتكم حديث الجهاد فقد كابدتم هذا الجهاد وعانيتموه وبرزتم فيه، فإخوانكم اليوم لا يزالون من حيث ابتدؤوا يناضلون المستعمر بالدم والمال، ولقد كان لهم من أبي الغازي ثمّ من الغازي بعده حصناً حصيناً وسنداً معيناً، ولقد تعالى صياحهم بالأمس: واغازياه مستصرخين، ثمّ تلفتوا فصاحوا: واغازياه… ولكن متفجعين، فشتان بين الصيحتين!…
يا فتيان العراق: إنّ أمّتين كبيرتين هما اليوم حديث العالم، كانتا حيناً من الدهر وكلّ واحدة منهما قبائل وشعوب، فهبت في إحداهما (بروسيا) وهبت في الثانية (بيدمنت) فقادت الأولى المانيا إلى وحدتها الجبارة، وقادت الثانية إيطاليا.
وإنّنا نحن العرب الطامحين إلى مملكتنا الكبرى نتلفت إلى القطر العربي الذي يستطيع أن يمثّل في العرب دور بروسيا في ألمانيا وبيدمنت في إيطاليا فلا نجده إلاّ في العراق.
لقد كانت سوريا تستطيع أن تكونه، ولكن سوريا الشهيدة رماها الله بعدو جاهل ظلّ على حربها طوال عشرين عاماً حرباً لا تهدأ.
فسوريا لا تستطيع ذلك ما دامت وفي كلّ واد منها دم مطلول وثار مطلوب.
فليس في الميدان اليوم إلاّ العراق. إنّ حدودكم ليست في قلب الصحراء على أبواب الرطبة، إنّ حدودكم على ساحل البحر المتوسط، وليس مرفأ بغداد هو البصرة: إنّ مرفأ بغداد هو بيروت وحيفا.
يا فتيان العراق: ليست المملكة المؤلفة من خمسة ملايين هي المملكة التي تروي الظمأ القومي وترضي الطموح الوطني، بل هي المملكة التي تضم العشرة الملايين ثمّ عشرات الملايين، هي المملكة التي تضمّ العراق وسوريا وفلسطين أوّلاً، ثمّ البلاد العربية جميعاً ثانياً.
فهذه كانت أمنية فيصل وأمنية الغازي. وإذا كان فيصل الأوّل وشبل فيصل الأوّل قد ماتا قبل أن يرياها، فإنّ فيصلاً الثاني سيراها إن شاء الله (انتهى الخطاب).
استطراد لا بدّ منه
وما دمنا في الحديث عن حرب سنة 1948 ودخول الجيوش العربية إلى فلسطين فلا بد من إشارة موجزة إلى بعض الأضاليل التي نشرت فانتشرت عن تلك الحرب والتي تريك أنّ التاريخ زيف في زيف وأنّ الناس كتبوه حسب أهوائهم، ويكتبونه حسب أهوائهم وسيظلون يكتبونه حسب أهوائهم…
وأنّه إذا قيل من قبل إنّ التاريخ يكتبه المنتصرون، فإنّنا نستطيع أن نقول اليوم بأنّ التاريخ لا يكتبه المنتصرون فحسب. بل يكتبه الأبرع في الادعاء والأقوى في البث والأنشط في النشر والأوسع حيلة في التضليل والأمهر في الاستهواء.
لقد كتب يومذاك عن موقف الجيش العراقي ما كتبه من الشر السريع واتهم قادته بما اتهموا به، وانتشرت كلمة (ماكو أوامر) التي نسبت إلى أولئك القادة زاعماً من اخترعها أنّ القادة العراقيين كانوا يجيبون بها من يطلب إليهم التقدّم.
إنّ ما فعله الجيش العراقي وما أُنكر على ذلك الجيش ما فعله، وما أشاعه المشيعون عنه، وما سجّله المسجلون وأذاعه المذيعون وكتبه الكاتبون ممّا لا يزال منتشراً بين الناس حتّى اليوم وسيظل هو الحقيقة بين الناس حتّى آخر يوم.
إنّ هذا وحده هو الدليل على زيف كلّ ما كتبته كتب التاريخ عند من عرفوا حقائق ما جرى للجيش العراقي في ذلك الوقت.
وقد كنت بحكم اتصالي الوثيق بالسفارة اللبنانية يومذاك ـ إذ كان سفيرها المناضل الوطني والمفكّر العربي كاظم الصلح ـ مطلعاً على كثير من الحقائق والمفاوضات، وإنّي لآسف كلّ الأسف أنّي لم أسجل في تلك الفترة الأحداث اليومية حدثاً حدثاً. ولم أكتب وقائعها واقعة واقعة، وبذلك ضاع كثير من الأمور التي لو سجلت يومها لكان فيها جلاء ما لم يجل من الحقائق ونقض ما برز من الأضاليل.
وقبل الدخول في هذا الموضوع لا بد لي من الإشارة العابرة إلى موضوع آخر هو وثيق الصلة بموضوعنا، وهو الحقيقة في تحوّل مصر من الابتعاد عن العروبة إلى الاقتراب منها ثمّ الدخول في صميمها والمشاركة في حروبها، فقد تجوهل الرجال الذين حققوا ذلك ونسي مدونو التاريخ ما فعله أولئك الرجال، لأنّ التدوين كان في أيدي من يكرهونهم ويريدون…. منهم.
ومن حقي هنا أن أقول إنّي لم أكن أحبّ أكثر أولئك الرجال، وإنّي كنت في عواطفي من خصومهم، لا لشيء سوى إنكاري عليهم تصرفاتهم الأخرى، ولقد سرّني سقوط من سقط منهم.
ولكن ذلك لا يمكن أن يحوّلني عن تسجيل ما لهم من فضل وحفظ ما لهم من حق. وإذا كنت قد عاديتهم في الحق، فإنّي أنصفهم في الحق…
فأنا مثلاً كنت ولا أزال معجباً (بالوفد) ورئيسه مصطفى النحاس، مقدراً كلّ التقدير لنضاله الوطني وقيادته الشعب المصري في الحرب على الإنكليز وعلى استبداد الملك فاروق.
فأنا وفدي متحمس للوفد مناضل عنه في حين أن لا صلة عملية لي بنجاحه أو فشله، ولا صلة شخصية بأحد من رجاله. ولكن متابعتي لمسيرة الوفد ورئيسه مصطفى النحاس جعلتني (وفدياً) وأنا في لبنان ككلّ الوفديين في مصر.
وبهذه الروح وحدها، وبهذا الخط وحده أنصفت وسأظل أنصف أعداء الوفد الألداء فيما فعلوه من خير.
فأنا أكره علي ماهر، وهذا الكره متسبب عن عدائه للوفد ورئيسه مصطفى النحاس ودسّه الدسائس عليه، ولمّا كان هذا هو مصدر الكره، فإذا فعل علي ماهر فعلاً حسناً فإنّي أسجله له وأحييه من أجله.
وكذلك الملك فاروق، ولكن هذا لا يمنعني من أن أنصف فاروقاً حيث يجب إنصافه.
لقد نسب الناسبون إلى من نسبوا إدخال مصر في الحظيرة العربية ومشاركتها في معارك العرب وإعلانها أنّها جزء من الأمّة العربية، ومع أنّ فضل هؤلاء في هذا الموضوع لا ينكر أبداً بل هو موضع تقدير كبير، فإنّ من الحق أن نقول إنّهم ليسوا هم من فعل ذلك، بل جاؤوا هم ووجدوا مصر في قلب الأمّة العربية وفي صميم معاركها، فاستمرّوا في هذا المسار وأكسبوه كثيراً من البريق.
إنّ أوّل من تبنّى قضية فلسطين من المصريين واعتبرها جزءاً من همّه وموضوعاً أصيلاً من مواضيعه الكفاحية هو مصطفى النحاس عندما كان رئيساً للوزارة المصرية سنة 1937. وكانت مصر قد عقدت معاهدتها مع بريطانيا ودخلت عصبة الأمم، فأوعز النحاس لمندوب مصر في العصبة أن يتبنى قضية فلسطين في جلسات العصبة ويدافع عنها.
ولأجل أن نقايس بين موقف مصطفى النحاس وبين موقف من جاؤوا بعده يكفي أن نقول إنّه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أخذ الإنكليز يصفّون مخلفات الحرب ويتخلصون منها ببيعها بأبخس الأثمان. وكان من ذلك فرقة مدرعات كاملة عرضوها على إسماعيل صدقي رئيس الوزارة يومذاك.
ويواصل السيد سرد الذكريات (الجيش العراقي في فلسطين).
إنّ لي من علي صولة المستقتل
فاحمل تنجل غمرة الهول الرهيب
* * *
الرجال كالرمال
في السهول والجبال
القتال النضال
كلنا داع مجيب
* * *
لن يسود لن يسود
في فلسطين اليهود
يا أسود للحدود
دونكم تل أبيب
* * *
تل أبيب تل أبيب
جاء اليوم العصيب
لن نؤوب أو
يواريك اللهيب
وزحفت الجيوش وتوهجت مع زحفها آمالنا، وتعلّقت قلوبنا بكلّ خطوة تخطوها، ولم يخف بعض أصحابنا عدم ثقتهم بما يجري، وكانوا يخشون مكر اليهود وطول استعدادهم لهذا اليوم، كما كانوا يتخوفون من سطحية العرب وهوجهم في مثل هذا الموقف، ويتحدّثون عن خطوات اليهود المدروسة المحكمة منذ حلّت طلائعهم في فلسطين، وعن ارتجالات العرب في كلّ ما فعلوا…
كان بعض أصحابنا يقولون هذا بجمجمة وتخافت وبحسرة وألم. ولكن الناس ـ جميع الناس ـ ونحن منهم، أخذوا أوّل الأمر بما يذاع عن التقدّم والتوغل، ولم يُؤخذوا بالحذر والتخوّف.
ثمّ أخذت الأنباء تتوالى وفيها ما يريب، ثمّ صار فيها ما يخيف، ثمّ صار فيها ما يبعث على اليأس.
وأذكر أنّي كنت أسير يوماً في شارع الرشيد على قدمي، وصدف أن كان مروري أمام أحد المتاجر في اللحظة التي كانت فيها إذاعة الشرق الأدنى تبدأ بإذاعة الأخبار، فتوقفت لأستمع أخبارها، فإذا أوّل خبر تذيعه هو احتلال اليهود لمدينة (جنين)، ولن أنسى أبداً وقع هذا الخبر عليّ.
وفي المساء كنّا نستمع إلى أخبار إذاعة بغداد، فإذا بصوت المذيع يجلجل معلناً أنّ (جنين) في قبضة القوات العراقية، وأنّ هذه القوات تطارد العدو في أنحاء (المثلث)، واسم المثلث في ذلك الحين يعني ما يعنيه اليوم اسم (الضفة الغربية)، وهم يقصدون به مثلث نابلس، جنين، طول كرم.
وبالرغم من أنّ الإذاعة العراقية كانت رصينة إلى حد ما، فلم تكن تكثر من التبجح الباطل، وكانت أخبارها أقرب إلى الثقة بها، فإنّنا حسبنا أوّل الأمر أنّ هذا الخبر يراد به تهوين النازلة بالادعاء بحصول ما لم يحصل… هذا فضلاً عن أنّ أخبار إذاعة الشرق الأدنى كانت دائماً هي المصدر لأخبار الحرب الحقيقية باعتبارها غير منتمية لأحد الفريقين.
وهي إذاعة قوية أنشأها الإنكليز في قبرص وحشدوا لها طاقة كبرى: إخبارية وثقافية، فكانت هي المسيطرة على مسامع المتعطشين إلى الأخبار، فلم يكن من المعقول أن تذيع خبر سقوط جنين في حين أنّها لم تسقط.
ثمّ لم تلبث الحقائق أن انجلت: فلم تكن إذاعة الشرق الأدنى كاذبة، ولا كانت إذاعة بغداد هي الأخرى كاذبة.
وذلك أنّ اليهود فاجؤوا جنين بقوات كثيفة ولم تكن فيها إلاّ حامية عراقية لا يتجاوز عدد أفرادها العشرات فاستطاع اليهود النفاذ إلى مداخل جنين ممّا اعتقد معه مراسلو الشرق الأدنى أنّها سقطت بأيديهم.
ولكن الحامية العراقية القليلة العدد ظلّت تتصدّى لليهود وتعيق تقدّمهم، وفي الوقت نفسه أرسلت استغاثة إلى القائد العراقي عمر علي الذي كان يسير بقواته في اتجاه آخر. وتلقى عمر علي الاستغاثة فغيّر اتجاهه وأسرع إلى جنين فتلقاه اليهود بقواتهم، وصمد لهم عمر علي بقواته وتصارعت القوتان بالأسلحة النارية ثمّ تغامستا بالحراب.
وتلألأت الحراب العراقية وتضرجت بالدم، دم اليهود التي طالما اشتاقت هذه الحراب لأن تتضرج به، وجاءتها الساعة التي وضعتها وجهاً لوجه أمام أعدائها الألداء المتوحشين، وهذه هي فرصتها لتنتقم لمجازر دير ياسين، ولتعيد إلى الشرف العربي شموخه ورفعته، ولن تضيع هذه الفرصة أبداً…
وأحسن البطل عمر علي قيادتها وأحسنت هي الاستجابة له. وانجلى الأمر عن الهزيمة الماحقة لليهود بعد أن ارتوى الصعيد العربي بدمائهم وانتثرت جثثهم في أطرافه من كلّ ناحية.
وخاب أمل اليهود في الاستيلاء على الضفة الغربية، فسلمها الجيش العراقي للعرب سنة 1948 عربية خالصة، وأعادها إليهم عزيزة مكرمة. ثمّ سلّمها العرب لليهود سنة 1967 ذليلة مهانة…
ومن مآسي الدهر العربية أو مهازله أو فواجعه أو ما شئت من نعوت أنّ البطل عمر علي، بطل إنقاذ الضفة الغربية، وحامي حمى جنين ونابلس وطول كرم، سيق بعد ذلك في يوم من الأيام مقهوراً مصفداً منكوس الرأس ليحاكمه السفيه (المهداوي).
في دار المعلمين الريفية
لم يستطع مرور الزمن أن ينسيني أيام الحلّة، وكنت قد صمّمت على أن أتابع حياتي التدريسية فيها ولا أنتقل منها إلى مكان آخر، ولكنّني فوجئت في ابتداء العام الدراسي الثاني بنقلي إلى دار المعلمين الريفية التي تقع في منطقة الرستمية من ضواحي بغداد فلم أشأ أن اعترض على ذلك، فواصلت العمل فيها، وكانت تقع على ضفة نهر (ديالى) في موقع جميل تحوطه المروج الخضراء والشجر الغضيض.
وكما أوحت الحلّة شعراً فقد أوحت مثله (الرستمية)، وكان كلّه حنيناً إلى الأوطان والأحباب.
وإذا كانت القصيدة اليائية المتقدمة المنظمة في الحلّة تفيض أسى ولوعة، فالحقيقة أنّها لا تمثّل حياتي في الحلّة التي كانت بشراً وسروراً وبهجة، ولكنّها تمثّل فترة معينة من تلك الحياة، هي فترة وصولي الأولى إلى الحلّة إذ كان لم يمض شهر على وصولي إليها حتّى أتى العيد وكنت لم أمتزج بأحد من أهلها فشعرت بالغربة الأليمة والشوق الشديد والوحدة الموحشة، فكانت تلك القصيدة من وحي ذلك كلّه.
وإنّي لأظلم الحلّة إذا كانت القصيدة اليائية تمثّل حياتي فيها، وإنّما تمثّلها بعض التمثيل القصيدة اللامية التي آسف لفقداني لبعض أبياتها.
ومن وحي شواطئ (ديالى) في الرستمية هذه الأبيات:
سقت سرح (الدواوير) الغوادي
وجاد رياضها المطر السكوب
تحب النفس مغناها ويهوى
مسارحها الفؤاد ويستطيب
فكم راق العيون بها شروق
وطاب على محانيها غروب
وفي تلعاتها كم رف ثغر
وكم خفقت بواديها قلوب
يعاودنا إذا خطرت حنين
وإن ذكرت يهيج بنا وجيب
أسرح التين هل في الواد شاد
وهل في السفح غريد طروب
وهل تمشي إليك على الليالي
(سروب الغيد تتبعها سروب)
أتزهو بعدنا ثمّ المغاني
أيحلو السفح والوادي الخصيب
خلت تلك الخيام فلا محب
يعاطيه الهوى فيها حبيب
وعطلت المرابع بعد أنس
وصوح بعدنا الروض العشيب
ذكرناكم على شطي (ديالى)
فطاب لنا بذكركم النسيب
وكنتم في النوى ريحان قلب
على شطح النوى وجداً يذوب
نأيتم فالمنازل موحشات
وبنتم فالربيع بها جديب
لئن طابت ليالكم فليست
ليالينا لبعدكم تطيب
وأن تردوا المناهل صافيات
فإنا في مناهلنا نلوب
إذا عذب الفرات لوارديه
يغص به على النأي الغريب
وكذلك كان ممّا أوحت به (الرستمية) بعد فراقها والرحيل عنها هذه القطعة التي فقد بعضها ولم يبق منها إلاّ هذا الذي أذكره هنا، وهو حنين إليها وإلى ديالى خاصّة وإلى العراق عامّة:
دالت الدنيا علينا يا ديالى
فهجرنا «الشط» والماء الزلالا
وتركنا في محانيك الظلالا
وارفات تملأ الوادي جمالا
كم أطلنا في النوى عنها السؤالا
وسهرنا الليل شوقاً وهياما
* * *
أين في «الفيحاء» عن عيني النخيل
أين وادي دجلة أين السهول
وديالى العذب فياضاً يسيل
أين بغداد وشاطيها الجميل
يا ليالي الشط والنأي طويل
اذكري ما عشت صبا مستهاما
* * *
أين عن عيني وادي «الرستمية»
أين سحر الصبح فيها والعشية
أين روضات مغانيها الندية
وليلات محانيها الوضية
لم تزل نفسي على البُعد وفية
تعشق الشط وتهواه مقاما
وأحسب أنّ أوّل مرّة يذكر فيها ديالى والرستمية في الشعر العربي.
كانت دار المعلمين الريفية طرفة من الطرائف فيها يجتمع المئات من التلاميذ القادمين إليها من كلّ قرية في العراق، من زاخو إلى الفاو كما يعبرون في العراق. فيهم العربي القادم من الشمال والجنوب([1380]) والوسط. وفيهم التركي القادم من منطقة كركوك وفيهم الكردي القادم من كردستان. وكان تدريس قواعد اللغة العربية وآدابها لهذه المجموعات مهمة من أشق المهمات، ولكنّها في الوقت نفسه تشتمل على أنواع من الطرف المضحكة.
وكان التلاميذ الأكراد والأتراك يأتون إلينا وكلّ محصولهم من اللغة العربية هو أنّهم أصبحوا يحسنون النطق بها، وكان علينا أن نعلم هؤلاء قواعد اللغة العربية وآدابها. وهنا كانت المشاق وما يتخللها أحياناً من الطرف.
مدرسة الفقراء
لقد كانت دار المعلمين الريفية مدرسة الفقراء، والقرويين منهم بصفة خاصّة، فهؤلاء لم يكن باستطاعتهم بعد أن يتمّوا دراستهم في قراهم، أن يتحمّلوا الإنفاق على أنفسهم خارج قريتهم ليتابعوا الدراسة الثانية، لذلك كانوا يقبلون إلى دار المعلمين الريفية التي تتكفل بمساكنهم وطعامهم وملابسهم.
ثمّ تضمن لهم بعد أربع سنوات تعيينهم في القرى معلمين براتب خمسة دنانير لكلّ منهم. وقد كان الوصول إلى قبض هذا الراتب حلمهم الذهبي الذي يتشوقون إلى تحقيقه، فالواحد منهم الذي ولد في الفقر ونشأ فيه وأمضى طفولته وصباه محروماً، والذي لم تجتمع لأبيه في يوم من الأيام خمسة دنانير كتلة واحدة. كان حلمه كما كان حلم أهله أن يروا في آخر كلّ شهر خمسة دنانير تنهل عليهم متدافعة بين أيديهم.
وإذا كان بين هذا الخليط العجيب من التلاميذ من ذكرنا من أمره ما ذكرناه فقد كان فيهم العديد من المتفوقين بل النوابغ. وقد كان يحزّ في نفسي أن أتصوّر ضياع هذه المواهب غداً في حياة القرى النائية وفي تعليم صبيانها، فأخذت على نفسي إنقاذ من أستطيع أنقاذه منهم. وقد كان طريق فريق منهم معبداً، وهم الأذكياء من غير أصحاب المواهب الأدبية، فلم يكن عليهم إلاّ أن يصبروا أنفسهم على تحمّل الفقر سنين أخرى، وأن يرضوا بالتخلي عن قبض خمسة دنانير في كلّ شهر عمّا قريب، وأن يرجئوا ذلك إلى مدّة أبعد كي يقبضوا لا خمسة دنانير، بل أضعافها، وذلك بأن يتقدّموا إلى امتحانات الشهادة المتوسطة التي يؤهلهم النجاح فيها إلى دخول دار المعلمين الابتدائية، الأعلى درجة، والأكثر راتباً عند التخرّج منها.
ثمّ إذا كانوا يستطيعون أن يكونوا أكثر صبراً وتحمّلاً، أن يتقدّموا إلى امتحانات الشهادة الثانوية عند تخرّجهم من دار المعلمين الابتدائية، التي يؤهلهم نجاحهم فيها إلى دخول دار المعلمين العالية (الجامعية) وبذلك يصبحون مدرسين في المدارس الثانوية ذات الرواتب المرتفعة.
وفي هاتين المرحلتين سيكون مضموناً لهم المسكن والمأكل المجّانيين، على ما هو عليه الحال في دار المعلمين الريفية.
ثمّ إذا وطنوا النفس على الصبر وجدّوا واجتهدوا فقد يرسلون في بعثات علمية حكومية إلى الخارج فيرجعون بشهادة الدكتوراه التي يصبحون بها أساتذة جامعيين.
لقد أغرى هذا الحال فريقاً قليلاً فوطدوا العزم على تحقيق ما يدعو إليه، فوصل بعضهم إلى دار المعلمين الابتدائية وتخرّج منها، ولكنّه لم يطق الصبر أكثر من ذلك فوقف عند هذا الحد. وواصل بعضهم السير وراضَ نفسه على الصبر، فتخرّج من دار المعلمين العالية.
وصبر الأقل الأقل منهم فعادوا بشهادات الدكتوراه من جامعات أوروبا وأميركا.
وقد كان من ألطف ما صادفني أنّ بعض من عرفتهم تلاميذ في دار المعلمين الريفية عرفتهم فيما بعد وهم طلاب في دار المعلمين العالية أيام تدريسي فيها بعد ذلك.
أمّا أصحاب المواهب الأدبية، فقد كان الأمر معهم صعباً كلّ الصعوبة، ولم أتمكن إلاّ من إنقاذ واحد منهم فقط. وقد كان فيهم من يمكن أن يكون في قابل أيامه من أبرع الكتّاب سواء في الصحافة أو القصة أو الأدب أو تاريخ الأدب.
ومشكلتهم أنّهم إذا أرادوا التخلي عن دار المعلمين الريفية، فلم يكن أمامهم مواصلة الدراسة في دار المعلمين الابتدائية ثمّ دار المعلمين العالية، بل كان عليهم أن يبدؤوا في شق طريقهم الأدبية منذ الآن، وذلك بأن يلتحقوا بمؤسسة صحفية تكتشف مواهبم تدريجياً حتّى يكون لهم فيها المكان المؤهلين له، وهذا لم يكن ميسوراً، وكان إذا تيسّر لا ينتج ألاّ راتباً قليلاً لا يكفي الإنفاقات اليومية، وهذا ما لم يكونوا يجرؤون على الإقدام عليه.
ولكثرة ما واصلت تشجيع أحدهم صادق الأزدي جاء في يوم من الأيام وقال إنّه وجد عملاً في إحدى المؤسسات الصحفية براتب شهري قدره ثلاثة دنانير ولكنّه علم لا يتصل بالكتابة في الصحيفة بل ببعض شؤونها الأخرى، لذلك قرّر رفضه لأنّ الدنانير الثلاثة لا تعني شيئاً في الحياة البغدادية التي عليه أن يحياها ولأنّ عمله لن يكون تحريرياً تبرز فيه مواهبه.
فأنكرت عليه رفضه، وقلت له اذهب الآن فاقبل العمل بشرط أن تبدأ منذ الأسبوع الأوّل من مباشرتك العمل بأن تكتب فيما يتصل بالشؤون الصحفية، وتقدّم ما تكتبه إلى رئيس التحرير رأساً، وأؤكد لك أنّه ما أن يتأكد رئيس التحرير بأنّك صاحب هذه الكتابة حتّى ينقلك إلى التحرير في الجريدة وحتّى يتضاعف راتبك ثمّ يتضاعف.
وبالفعل فإنّ راتب الدنانير الثلاثة لم يكن إلاّ شهراً واحداً، إذ أصبح في الشهر الثاني خمسة ثمّ تضاعف وتضاعف، ثمّ جاء وقت أصبح فيه صادق الأزدي رئيس تحرير جريدة من أكبر جرائد بغداد، وفي الوقت نفسه كان صاحب مجلة أسبوعية سياسية من أكثر المجلات رواجاً وشهرة.
والوفاء العراقي الأصيل كان في صميم صادق الأزدي فلقد لقيت من وفائه ما هو حري بابن الرافدين دجلة والفرات…
ومن بين الذين أعياني أمرهم كان غانم الدباغ، فإنّ غانم هذا كان أديباً موهوباً لا سيما في القصة، وقد حاولت إنقاذه من المصير الذي سيصير إليه معلماً قروياً منبوذاً في قرية قصبة موحشة تقتل فيها النفس قبل المواهب، وقد عزّ عليَّ أن تخسر العربية مثل هذا الكاتب المبدع، فحاولت شتى المحاولات دون جدوى.
وكان من أهم عوامل الفشل هو جبن غانم نفسه، وهو جبن لا يلام عليه، فقد كان يصعب عليه التخلي عن الحياة المطمئنة التي يحياها الآن خلياً من هموم المطعم والمسكن والملبس… التخلي عن ذلك إلى المجهول… وقد كان شبح الفقر الذي ظلّ يلاحقه منذ ولد إلى هذه الساعة، كان هذا الشبح يلوح له في الأفق القريب والبعيد فيرتجف رعباً منه فينهار كلّ طموحه.
وتخرّج غانم الدبّاغ من دار المعلمين الريفية وعيّن معلماً في قرية من قرى الموصل وراح يتناول الدنانير الخمسة في آخر كلّ شهر، وتركت أنا العراق في المرّة الأولى، ثمّ عدت إليه بعد سنتين. وكان اسم غانم الدبّاغ لم يفارق مخيلتي، فكان أوّل ما فكّرت به أن أعرف مصير هذا الكاتب المبدع، وكان كلّ ما أعرفه عنه أنّه يعيش في قرية من قرى الموصل، ولكن لا أعرف في أي قرية هو. فأرسلت له رسالة جعلت عنوانها باسم مدير معارف الموصل ورجوته فيها أن يتفضّل بإرسالها إلى صاحبها، ففعل، وجاءني جواب غانم، فإذا هو في قرية اسمها (الموالي)، وأنّ لقبه صار معلم أوّل، بعد أن كان مجرد معلم. وأنّني أنشر هنا نص هذه الرسالة لما فيها من دلالات وذكريات:
الموالي (من قرى الموصل) في 21/1/1947.
أستاذي:
تحية طيبة. حمل إلى البريد رسالتك وأنا في شوق لها، وحملت لي سطورها هذا الخط الحبيب إلى نفسي والذي كثيراً ما هداني إلى محجة الصواب أيام الدراسة… وكيف لا يهفو قلبي إلى ذكراك وهي عاطرة في ذهني كعطر الأنسام، وشهد الله أنّ ضميري ليحمل آلاماً ثقالاً من هذا الذي قد لا يكون عقوقاً، ولكنّه نوع من الإهمال الذي يسيطر على مجرى حياتي في شتى صوره وألوانها… فليس غيابك أمداً خارج العراق ورجوعك إليه، ولحاقي وراء خبز الحياة في أطراف الصحارى، ليس كلّ هذا قد محا الصورة الهادئة الوديعة المستقرة في ذاكرتي عنك… لا والله، وليشهد قلمي المضطرب الآن، بين يدي أنّه خطّ لك رسائل ولكن لأقرأها إلاّ أنا فقط.
وحياتي!؟ حياتي في هذه البقعة المقفرة!؟ إنّها فراغ هائل عميق وجسد يتهافت على بعضه، ونفس حائرة في طواياها بين الضجر والألم وقد خلقت منها المقادير حلقة مفرغة لا تستقر على حال من الهدوء والطمأنينة، وأيام الصبا والشباب تذهب بها دورة الزمان المجنونة نحو الفناء والاضمحلال لتستقر بها في ظلمات من الحيرة المبهمة والقلق الصامت المكتوم!.
لا يؤنسني فيها إلاّ ألحان المزمار… فهذا أعرابي يناجي صاحبته على أنغامه والقرية نائمة على الظلام… إنّ هذا الصوت الذي ينساب في أنغام ساذجة ليشجيني كما يؤلمني أنّه يفتح في القلب جراحات عميقة ينكأها في الصميم، إنّه يكاد يرهق سمعي ويهدّ أعصابي المكدورة…
وأيام الشتاء تقبل على القرية، ما أفظع لياليها! وأنا بين جدران أربعة يعبق في جوّها أريج الطين وعطر الأرض النفاذ، وقد فغرت ثقوب الكوخ أفواهها، والريح ترسل عويلاً يمتد ويتلوى في أنين خافت… والليل مظلم كئيب يقطع سكونه نباح الكلاب ثمّ تذوب أصواتها بعيداً في الفضاء…
السكون العميق يلفّني، ويطغى على حواسي، ويبعث في أذني هذا الوشيش الناعم الذي ليس إلاّ صدى الرهبة العميقة، وتحت ضربات الري العابثة يئن الباب وقد كلت أخشابه المتداعية فيرسل صريراً خافتاً… لقد نامت القرية وهجع سمّارها، وذو القلب المعنّى لا يهجع، والقلم لا ينقطع عن الصرير فيخط ذوب هذه النفس الحبيسة…!.
وأحسبني أطلت عليك وأثقلت في ثرثرة قد لا تكون في الواقع إلاّ صدى لما أعاني، وإلاّ شكوى أبثّها لمن يتّسع قلبه الكبير لشكاتي…
لقد هصرتني هذه الأعوام الثلاثة وأحالتني بشراً تبدو على فمه البسمة الكئيبة، وينشج قلبه بالبكاء… وبكاء القلب من أمر البكاء…
أيامي هنا يا صفي القلب، ضنّى للقلب والعقل والروح… وكبت للرغبات وموت للآمال… أيامي تضيع بين دمى من البشر تقسو حتّى في نظراتها.
ولا يجيب صراخي المكبوت إلاّ صداه المعذب، ولا أسمع إلاّ قهقهات القدر تتّسع وتتضخم في تهاويل بشعة، فتحيلني إلى صخرة صمّاء وقد تبلدت في نفسي عواطف الإنسان الشاعر، وشاب قلبي الفتي في غير أوانه…
أشعر كأنّ جسمي وروحي معاً يريدان الانطلاق من هذا الجحر الأعتم يريدان العالم الحر الفسيح، يريدان الحياة بين الناس، بين أنس الصداقة، بين لهو الخلق وصخب البشر… ولكن!!.
لم يبق في جعبتي من لذة العيش وأحلامه الرغيدة إلاّ هذه الذكريات أسدر سابحاً في بيدائها التي عفت عليها الأيام… أناجيها إذ أخلو إلى نفسي، أستعيدها فترق لها روحي وتطيب، نعم لم يعد لي من لذة الحياة وهناءة العمر، إلاّ هذه اللحظات التي عبرت شاطئ حياتي كالوهم، وقد أتساءل أحياناً أعشت فيها حقاً!؟
المفتش
في يوم من الأيام دخل علينا الصف مفتش اللغة العربية بهجت الأثري، دخل بجسمه الطويل ولكن غير العريض وبعمامته البيضاء المشدودة على الطربوش الأحمر وبنظّارته المتلألئة، دخل متعاظماً يتكلف الوقار والهيبة، فكانت أسئلته للتلاميذ أسئلة لا يراد بها إلاّ التظاهر بالعلم والتفوّق وإلاّ محاولة أن يجد ثغرة ينفذ منها إلى التجريح، وإلاّ أن يجد وسيلة يقول فيها إنّه كتب تقريراً.
وكان مركّب النقص عند هذا الفريق من المفتشين الذين لم يعرفوا شيئاً من الدراسات الحديثة، والذين يعلمون أنّهم دون من (يفتشونهم) علماً وتجربة، والذين نشؤوا على حب الاستعلاء دون أن تكون لهم كفاءات الاستعلاء، كان مركب النقص هذا عندهم يحملهم على ركوب المراكب الخشنة والتعامل بغلظة وفظاظة محاولة لستر نقصهم.
لم يجد بهجت الأثري ما يسأل به التلاميذ من مواضيع النحو إلاّ الإعلال والإبدال وأمثال ذلك من المواضيع المربكة التي كنّا نتجنب الخوض فيها مع التلاميذ لئلا يتيهوا فيما لا يجوز أن يتيهوا فيه، وكنّا نمرّ بها في تدريسنا لماماً ونتجاوزها دون التعمّق والإيغال. لأنّه كان حسبنا من أولئك التلاميذ أن يصلوا معنا إلى اتقان المرفوعات والمنصوبات والمجرورات والمجزومات. أمّا متى تقلب الواو ياء، ومتى تقلب الواو والياء همزة أو ألفاً، ومتى تقلب الواو والياء تاء، مضافاً إلى أمور الإبدال، فقد كنّا نعتبرها أموراً ثانوية مشوشة لأذهان التلاميذ بدون طائل، وأنّه ينبغي العناية بها مع التلاميذ الذين يتقنون قواعد اللغة إتقاناً جيّداً لا مع التلاميذ الذين يجهلون أبسط قواعد اللغة. وقد كان بين التلاميذ من لهم قابلية تفهم تلك الأمور وكانوا قلّة، فكنت أخصّهم بأوقات خارج أوقات الدرس أشرح لهم فيها ما لا يفيد شرحه لمجموع التلاميذ.
قلت إنّ بهجت الأثري لم يجد من مسائل النحو ما يسأل به إلاّ تلك المشاكل، هذا في النحو وأمّا في الأدب فقد كان أمره أعجب وأغرب وأضحك: لقد كان سؤاله الوحيد أن اختار تلميذاً وصدف أن كان كردياً من النوع الذي يجيب عن مكان (لوح الوجود)، أنّه في الإدارة، وسأله: هل للشمس حاجب؟
لقد تاه المسكين أي تيهان، إنّهم لم يدرسوه في دروس الأدب العربي ما إذا كان للشمس حواجب وعيون وآذان وآناف أم لا. فما هذه الورطة؟
لقد كان صاحبنا المفتش الهمام يقصد على ما يبدو بيت الشعر الوارد في قصيدة البحتري التي يصف بها بركة سامراء والتي يقول فيها: (وحاجب الشمس أحياناً يضاحكها)، فبدلاً من أن يسأل التلميذ عن معنى البيت وينتظر تفسيره له، لم يجد وسيلة ليقال إنّه كتب تقريراً أو أبدى رأياً، ولا طريقاً للغمز واللمز سوى هذا الأسلوب في السؤال الذي كان موقناً بأنّه سيربك التلميذ فيكون ذلك منفذه إلى ما يبغي.
وكما دخل بهجت الأثري متعاظماً متشامخاً، خرج وقد ازداد تعاظمه وتشامخه.
ومن الطريف أنّ الدكتور زكي مبارك، وقد كان يوماً مفتشاً للغة العربية اعترف ببعض ما كتبه بما كان يتعسف به أساتذة هذه اللغة إرضاء لحافز التسلط في نفسه، وأورد أمثلة طريفة على ذلك.
ولكن إذا غلب حافز التسلط على الدكتور مبارك فإنّ وراءه دكتوراه من جامعة القاهرة ودكتوراه من جامعة السوربون. ووراءه كتاب (النثر الفني) وأمثاله، فماذا وراء بهجت الأثري؟
في القضاء
وفي هذه الأثناء كانت الحرب العالمية الثانية قد أعلنت وحلّت الهزيمة بفرنسا وفقدت سيطرتها الفعلية على سوريا ولبنان واضطرت إلى الموافقة على قيام حكم يضعف فيه نفوذ المستشارين الفرنسيين ويكون للوطنيين فيه الكثير من التأثير، لذلك رغبت في دخول القضاء، فكان أن عيّنت حاكماً لمحكمة (النبطية).
وقد تمّت هزيمة فرنسا بذلك الشكل المهين وأنا في بغداد، فكانت أنباء توالي الهزائم الفرنسية ومعها القوى الإنكليزية تبعث في نفوسنا الفرح العظيم، ثمّ كانت الهزيمة النهائية التي سلمت فيها فرنسا ووقّع مندوبوها على التسليم، فبلغ سرورنا مداه.
وكانت شماتتنا بالغة بالجنرال (غاملان) القائد العام للجيوش الفرنسية، الذي كانت فرنسا قد عيّنته سنة 1926 قائداً عاماً لجيشها في سوريا ولبنان ليخمد الثورة السورية. وكان لما ناله من الذل والعزل أطيب الوقع في نفوسنا([1381])، فنظم أحد رفاقنا الظرفاء أبياتاً بذيئة الألفاظ لا يمكن ذكرها هنا، ولكنّها مضحكة، فيها الشماتة بفرنسا والهزء بها، ومن أطرف ما فيها ذكر دخول إيطاليا الحرب بعد تضعضع فرنسا، فقد ذكر ذلك ببيت واحد يغرق السامع فيه بالضحك بعد أن يتحمل بذاءة ألفاظه، وكان فريق من اللبنانيين يلقب فرنسا بلقب الأم الحنون لذلك جاء مطلع الأبيات هكذا:
أكلت أمك الحنون… ها
ودهاها من هتلر ما دهاها
وأرى أن لا بأس بذكر البيت المتعلق بدخول إيطاليا الحرب بعد تبديل كلمتين فيه:
(نالها) من أمام وجهاً لوجه
وأتى (الدوتشي) (فنال) قفاها
والضمير في (نالها) يعود إلى هتلر. والدوتشي هو لقب موسوليني.
وإذا كنت أبيح لنفسي ذكر هذين البيتين وفيهما ما فيهما فذلك لتصوير ما كان يعتلج في النفوس تجاه فرنسا وأفاعيلها في سوريا ولبنان. وإنّي لأكتبهما وأنا خجل كلّ الخجل، طالباً من القارئ الوقور أن يقدّر ظروفنا يومذاك…
وجئت النبطية التي تكاد تعتبر قاعدة جبل عامل، وإذا بي وجهاً لوجه أمام مشاكل سخيفة وقضايا تافهة هي شغل الناس الشاغل، وإذا عليّ أن أنغمر في هذه المشاكل وأنشغل في هذه القضايا، وإذا هي عملي اليومي ليلاً نهاراً، نهاراً بسماع أقوال أصحابها، وليلاً بتدوين الأحكام.
وإذا بقلمي الذي اعتاد أن يدوّن خواطري وأفكاري ودراساتي، يدوّن ما لا صلة له بذلك، يدوّن نتيجة الخصام على الأرض والتقاتل في القرية، والتشاكس بين المتزعمين.
وإذا بي لا أجد فسحة لقراءة كتاب في التاريخ وبحث في الأدب وقصيدة من الشعر، وإذا عليّ بدلاً من ذلك أن أقرأ الكتب الجافة والمجلات السمجة: كتب القوانين، ومجلات أحكام المحاكم. فضاقت نفسي بذلك.
لا سيما وأنّ منطقة النبطية كانت مجالاً لتنافس ثلاث أسر متنافسة على وجاهة البلاد ومتزاحمة على مقاعدها النيابية، وكان لكلّ أسرة أنصارها المتصارعون يومياً والمتعادون دائماً والمتقاتلون أسبوعياً.
شهود الزور
ومن المؤسف أنّ شهادة الزور كانت متفشية، وكان ذلك من أعظم ما يضللني ويجعلني أتردّد في الأحكام المستندة إلى شهادة الشهود، فما يدريني أنّ هؤلاء الشهود يشهدون بحق أو بباطل، وفي دعوى واحدة جاء ثمانية شهود يشهد كلّ أربعة منهم بما يناقض شهادة الأربعة الآخرين.
فقد كان موضوع الدعوى يتعلق فيما إذا كانت الأرض مزروعة حمصاً أو قمحاً، فشهد أربعة بأنّها كانت مزروعة قمحاً وشهد أربعة بأنّها كان مزروعة حمصاً، فكيف تطمئن إلى مثل هذه الشهادات التي تتكرر في كلّ يوم.
وقد عمدت إلى الاتصال باثنين من الفقهاء الموثوقين عندي هما الشيخ علي حلاوي في قعقعية الجسر، والشيخ محمد علي نعمة في حبّوش، فكنت أبعث فأسألهما سراً عمّا يعلمان من أمر الشهود، وهذا أشبه بما كان يعرف في القديم بتزكية الشهود. فكان يخبرني كلّ منهم بما يعلم من أمر الشاهد المسؤول عنه، وكانت لهما اتصالات بالقرى المجاورة لقريتيهما ويعرفان الكثير من أحوالها.
بيوع الأرض
وممّا واجهني في الأيام الأولى لبدء العمل فأربكني كلّ الإرباك هو أن بيوع الأرض في قرى جبل عامل يتمّ تسجيلها على ورقة يوقعها البائع، ويوقع معه فقيه القرية وثلاثة أو أربعة بصفتهم شهود على البيع، فتصبح هذه الورقة البسيطة أوثق وثيقة.
وجاءت الحرب العالمية الثانية فارتفع سعر الأرض وهبطت قيمة العملة الورقية فكشر الطامعون من البائعين عن أنيابهم فتقدّموا بدعاوى يطالبون بها باسترداد الأرض واستعدادهم لإعادة ما قبضوه من الثمن. وكان هذا البيع باطلاً في نظر القانون، لأنّ بيع الأرض لا يتم بهذه الطريقة البسيطة، بل له شروط غير مجتمعة في هذه البيوع القروية.
فكيف أسمح لنفسي أنا بأن أحكم بردّ الأرض المباعة إلى بائعها، وسلبها من مشتريها بعد أن يرد إليه الثمن الذي أصبحت قيمته أقلّ من نصف ما كانت عليه أيام البيع.
وفكرت في أوّل الأمر بأن أحكم بصحة البيع وأترك لمحكمة الاستئناف أن تبطل حكمي فتكون هي التي حكمت لا أنا. ولكنّي لم أجد في هذه الطريقة حلاً معقولاً.
وبعد أسبوع من بدء عملي في القضاء كان أمامي أكثر من عشرين دعوى في هذا الموضوع معظمها من قرية أنصار، فأجلت هذه الدعاوى إلى أكثر من شهر لعليّ أجد في هذه المدّة حلاً. ووجدت الحل فالقانون كان معرباً عن القانون الفرنسي، وفيه نص بأنّ الأرض تنتقل من مالك إلى مالك فيما تنتقل به (بمفعول العقود). والشارع الفرنسي حين وضع القانون كان ينظر إلى الواقع الفرنسي حيث تجري عقود بيع الأرض في الدوائر الحكومية وبموجب عقود ووثائق حكومية، لا في ديوان فقيه القرية وبموجب وثيقة قروية تحمل تواقيع الفقيه وبعض أهل القرية. لذلك لم يقيد العقد بأي قيد.
وما دام (مفعول العقود) غير مقيد بشيء وغير مشترط فيه شيء، فهذا عقد صريح واضح. وليس العقد إلاّ إيجاباً وقبولاً، والإيجاب والقبول هما أساس هذه الورقة القروية التي يستند إليها هذا المشتري القروي.
وصدرت الأحكام على هذا الأساس، ولكي أضمن عدم وجود ثغرة فيها تنفذ منها محكمة الاستئناف، فقد علّلت كلّ حكم تعليلاً دقيقاً مفصلاً، مبيناً فيه تقاليد القرى وعرفها في مثل هذه البيوع. وقد كشفت لي هذه الدعاوى عن حقائق كثير من الناس المتظاهرين بالصلاح، فقد كان بعضهم في أوّل من طلب بإعادة الأرض إليه.
وجاءني أحدهم وكان ذا مظهر وقور من عمامة وجبة ولحية وسن متقدمة، ولكن تبين أنّه هو الآخر يريد استرداد أرضه معلّلاً ذلك بأنّه باع الأرض وأرسل بثمنها ولده إلى إفريقيا مهاجراً في طلب الرزق، وأنّ ابنه لم ينجح في مهجره، كأنّ مشتري الأرض مسؤول عن نجاح ابنه وعدم نجاحه.
ورحت أنتظر قرارات محكمة الاستئناف، فإذا بها تقرّ أحكامي، فارتحت عند ذلك كلّ الارتياح.
ثمّ إذا بي أفاجأ بشيء جديد: ذلك أنّ معظم المشترين كانوا قد بدؤوا يسيئون الظن بالناس، ويشعرون بأنّ طلائع ضياع الثقة قد أطلّت، وأنّ الزمن آخذ بالتغيّر، لذلك احتاطوا لحفظ حقهم بأن ضاعفوا ذكر الثمن في ورقة البيع. فإذا كان الثمن الحقيقي مثلاً ألف ليرة، ذكروه في ورقة البيع ألفي ليرة، وذلك زجراً للبائعين عن أن يقدموا على طلب إعادة الأرض إليهم خوفاً من دفع الثمن المضاعف الذي أقرّوا في الورقة بأنّهم قبضوه.
ولكن هذا الاحتراز لم يفد شيئاً لأنّ ثمن الأرض قد ازداد أثناء الحرب أكثر من الضعف، كما أنّ النقد الورقي قد هبطت قيمته، لذلك فإنّ البائع كان مستعداً لأن يدفع ضعف ما قبضه من ثمن أرضه على أن يستردها.
لقد فوجئت بأنّ هؤلاء البائعين قد أقاموا دعاوى جديدة يقولون فيها بأنّهم لم يقبضوا ثمن أرضهم المسجل في ورقة البيع كاملاً، وأنّهم يطلبون تحليف الشهود اليمين بأنّهم دفعوا هذا الثمن بتمامه.
وقد كان هذا تدبيراً شيطانياً بارعاً، ورأيت أنا أنّ المشترين سيكونون بين أمرين: إمّا أن يحلفوا يميناً كاذبة فينجوا من دفع ثمن الأرض مضاعفاً، أو أن يتورعوا من حلف هذه اليمين فيغرموا المال.
ولكنّني وجدت الحل لذلك بأنّ حدّدت نص اليمين على هذا الشكل: (احلف بالله العظيم أنّ ذمتي بريئة من ثمن هذه الأرض).
وقد حاول أحد المحامين الاعتراض على هذا النص، ولكنّي لم أبال به، وهكذا نجا المشترون من دفع ثمن ما اشتروه مرّتين، ونجوا من حلف اليمين الكاذبة.
وعلى ذكر اليمين، فقد حدث مرّة أن وقعت في إحدى القرى وقعة دامية استعمل فيها السلاح الناري وأدّى الأمر إلى وقوع جرحى خطرين، فحضر من صيدا قاضي التحقيق والمدعي العام وبعد أن بدءا التحقيق في القرية القريبة من النبطية جاءا يكملانه في مكتبي واستدعي الشهود والمدعّى عليهم واحداً واحداً. وكان قاضي التقحيق يحلّف الشهود اليمين المعتادة، فيحلفوها، والله أعلم بعد ذلك بصحة شهادتهم أو زورها.
إلى مصر
وكانت استقالتي في أواخر شهر شباط سنة 1945 وكانت قد بلغت أخباري أصدقاء لي في العراق فدعوني إلى الحضور إلى بغداد، فأجبتهم، ولكنّني فضّلت أن يكون ذلك في مفتتح السنة الدراسية. وكنت لم أزر مصر بعد فرأيت أن أقضي ما تبقى من شهور السنة حتّى أوائل الصيف في مصر.
فسافرت من دمشق في القطار إلى حيفا، ومنها انتقلت إلى القدس فيافا، ثمّ إياباً إلى حيفا.
وفي تلك الرحلة أدركت حقيقة التغلغل الصهيوني في فلسطين ومقدار ما أعدّه اليهود من وسائل للاستيلاء عليها. كما أدركت الفوضى العربية في مقاومتهم، والتنظيم في جهودهم وحياتهم، فكان حزني عظيماً على قطعة من وطني استحكم فيها أمر هؤلاء الغرباء الذين ينذر وجودهم بشر مستطير…
واستأنفت السفر بالقطار من حيفا إلى القاهرة فعبر بنا صحراء سيناء حتّى انتهينا إلى قاهرة المعز الباذخة.
وفي القاهرة آثرت العزلة والاستمتاع بمعالم المدينة، والتغلغل في الأوساط الشعبية المصرية وما فيها من ظرف وطرافة.
وكان أوّل الظرفاء صاحب الفندق الذي آواني لليلة واحدة، وذلك أنّني سألت قبل سفري صديقاً دمشقياً أقام فترة في مصر عن فندق أنزل به فأعطاني اسم (فندق ريش).
فلمّا وصلته كان مظهره الخارجي لا بأس به، ولكنّني لما دخلته تبيّن لي عدم صلاحه، ولما كنت متعباً بعد ليلة في القطار، رأيت قضاء ليلة فيه على أن أغادره في الصباح.
فطلبت من صاحبه إعطائي غرفة بسرير واحد، فأجاب بأن لا غرفة عنده بسرير واحد. فقلت إنّي أستأجر السريرين معاً، فأبى ذلك متعللاً بأنّه إذا رفض قبول أحد زبائنه فسيذهب إلى فندق آخر يعتاد بعد ذلك عليه فيفقد هو أحد زبائنه الدائمين. فاستسلمت للأمر الواقع على أمل أن لا يأتي أحد. ولكن لم أكد أستلقي على الفراش حتّى فوجئت بقادم لم يكد يغمض عينيه حتّى اندفع بشخير رهيب فلم أنم طوال الليل.
وفي الصباح عنفت صاحب الفندق على ذلك وذهبت فحجزت غرفة في فندق الكونتيننتال وعدت إلى فندق ريش لأخذ متاعي.
فسألني صاحب الفندق عن الفندق الذي سأنتقل إليه فأخبرته بأنّه فندق الكونتيننتال، وسألته أليس هو أحسن من فندقك؟
وهنا بدت النكتة المصرية، فأجاب: الكنيف هناك أحسن من هنا. ثمّ قلت له: ثمّ لا يوجد هناك من يشخِّر.
فقال: حتّى لو كان يشخِّر، دا شخيره يبقى مزيكة.
وفي فندق الكونتيننتال لاحظت أنّ أحد المولجين بالمصعد يبدو على عكس زملائه عابساً صامتاً لا يجامل الزبائن لا بإشارة ولا بكلمة.
فاستغربت أمره وخطر لي أن أستطلع أحواله، فسألته يوماً أنت اسمك إيه؟ فبدا الغضب على وجهه لهذا الفضول، ولكنّه لم يستطع إلاّ الإجابة: فقال بنفور: محمد.
وفي صباح اليوم الثاني فاجأته قائلاً بكلّ رقّة: صباح الخير يا محمد. فلان قليلاً. وأجاب: صباح الخير. ولكن الغضب والنفور لم يفارقاه لحسبانه ذلك فضولاً مغيظاً.
ولاحظت أنّه يحمل دائماً في يده جريدة أو مجلة. وكانت جرائد الصباح تصلني دائماً إلى الغرفة فحملتها معي وفاجأته كما بالأمس قائلاً: صباح الخير يا محمد، خذ هذه الجرائد واقرأها.
فلان كلّ اللين، وأجاب: صباح الخير. شكراً. وشعرت أنّ هذا الكلام صادر من أعماق قلبه.
وفي الغد سبقني هو بقول: صباح الخير، وأخذ الجرائد شاكراً.
ثمّ صرنا صديقين حميمين وتبيّن لي أنّه على جانب كبير من الذكاء وخفّة الروح والاطلاع.
وكانت نقمته وعبوسه بسبب ما يراه في الفندق الكبير من بطر وكبرياء واستعلاء وتأمّر، في حين أنّ نصيبه من الفندق خدمة البطرين المتكبرين المستعلين المتأمرين.
وكانت الحرب العالمية الثانية في أيامها الأخيرة، وكان رئيس الوزراء المصري في ذلك الوقت أحمد ماهر. وكان محمد هذا يكرهه كرهاً شديداً. وفي يوم من الأيام أعلنت مصر الحرب على ألمانيا أسوة بغيرها من الدول التي أخذت تتسابق لإعلان الحرب لكي يكون لها مكان في مؤتمر السلم القادم.
فاغتاظ محمد غيظاَ شديداً من إعلان الحرب على ألمانيا، فسألته ولماذا هذا الغيظ؟
فأجابني بهذا الجواب الحكيم الرائع.
ده لا حرب دين ولا حرب وطن، اللي يموت فيها يموت فطيس.
وفي المساء اغتيل أحمد ماهر، فسألت محمداً عن الأخبار فاختصر الموقف بهاتين الكلمتين: اتلخبطت خالص.
وقد كانت له تعليقات على نزلاء الفندق وتحرّكاتهم هي غاية في الطرافة والحكمة والسخرية.
فمن ذلك أنّي كنت أجلس غير بعيد عن المصعد، فخرجت من المصعد الهابط ثلاث سيدات تجر كلّ منهن وراءها كلباً بمقود، فأيقنت أنّه لا بد لمحمد من تعليق على هذا المشهد. فسألته: إزّاي الحال يا محمد.
فقال:
ولا مؤاخذة من سيادتك، زيّ ما أنت شايف، نطلَّع كلاب وننزِّل كلاب (بتشديد اللام في نطلّع، والزاء في ننزّل).
وفي القاهرة نظمت القصيدة التالية:
صورتها
أصورتها أين الحبيبة والهوى
وأين ليالي الدل والبسمات
أصورتها أين العشايا زواهراً
وأين تلاقينا على الشرفات
وأين على الشبّاك مجلى جمالها
ومشرقها الوضاء في الغرفات
غداة تثنى في الرحاب طروبة
وتختال في أترابها الخفرات
وترنو بعينيها إليَّ صبّابة
فتكسر من لحظي ومن نظراتي
أصورتها أين الخمائل غضة
وأين سنا الأحباب في الربوات
وأين على الروضات مطلع سربهم
ومسراهم الزاهي إلى الحرجات
أصورتها لم يبق غير تصوّر
لفتنة عينيها وللوجنات
لقد أطبق الهم المبرح وانطوى
فؤادي على الأشجان والحسرات
أراك فتهتاجين كامن لوعتي
وتذكين من وجدي ومن لهفاتي
وانظر عينيها عليك هوامداً
وعهدي بها بالحب مؤتلقات
أصورتها ما كنت ناقعة الحشا
إذا ثارت الأشواق مضطرمات
فأين كلألاء الصبا جبينها
وأين شذا أعرافها العطرات
وأين من النائي البعيد خدودها
وأين الثنايا الغر مبتسمات
وأين كمخضل الورود شفاهها
تروي غليل القلب بالقبلات
لقد كنت أشكو الوجد وهي قريبة
فكيف أداوي الوجد في غرباتي
وكانت على قرب المزار مروعة
فكيف قد صرنا معاً لشتات
القاهرة آذار سنة 1945
إلى العراق مرّة ثانية
وقبيل ابتداء السنة الدراسية سافرت إلى بغداد.
كانت أسر عراقية محافظة تتجنب إرسال بناتها إلى التعليم العالي المختلط، فتقرّر إنشاء فرع لهذا التعليم يقتصر القبول فيه على الطالبات فقط، وأطلق عليه اسم معهد الملكة عالية واخترت لأكون أستاذاً في هذا الفرع فكان عهدي الثاني في العراق.
من ذكريات معهد الملكة عالية
من ذكريات معهد الملكة عالية المظاهرة الرائعة التي قامت بها طالباته عندما بدت بوادر تقسيم فلسطين سنة 1947 وشاركهنّ فيها طالبات الثانوية القريبة من المعهد. فقد تجمّعت الطالبات في باحة المعهد وعزمن على القيام بالمظاهرة وأصررن على أن أكون معهنّ، ولخشيتي أن يندس في المظاهرة بعض المندسّين، فيفسدون غايتها لم أجب طلب الطالبات، ولكنهنّ أصررن على أن أكون معهن كلّ الإصرار وكانت حماستهنّ فوق أن تقاوم، فقلت لهنّ سأسير معكنّ، ولكنّي في هذه الحال سأكون المسؤول عن كلّ ما يجري في المظاهرة، ولا أحسب أنّ فيكنّ من ترضى بالإساءة إليَّ، لذلك سنحدّد الشعارات فلا تتعدّى فلسطين وقضيتها، ونحدّد طرق السير فلا تتعدّى شارع الرشيد وما إليه ثمّ الوصول إلى دور السفارات التي أيّدت العرب في هيئة الأمم المتحدة ورفضت التقسيم. فكان صوتهنّ واحداً بالموافقة، وقلت سأسير أنا في أوّل المظاهرة فحيث اتجهت تتجه المظاهرة، على أن يكون السير في صفوف منظّمة، وهكذا كان.
وكنت بين الحين والآخر أترك المقدمة وأرجع إلى الوراء لملاحظة الهتافات، فإذا ما توجست منه قد وقع، إذ سمعت صوتاً يصرخ: ماذا تريدون؟ فتجيبه بضعة أصوات: الحرية والخبز.
فأسرعت نحو صاحبة الصوت وبمجرد وصولي إليها كان صوتها قد انطلق: ماذا تريدون؟ وكنت قد صرت وراءه تماماً، فأهويت بكفّي على رقبتها صائحاً: نريد أن تخرسي.
وإذا بها تراني فخجلت وانطوت على نفسها.
وكان من السفارات التي وصلنا إليها: السفارة التركية، لأنّ تركيا يومذاك أيّدت العرب في رفض التقسيم، ولن أنسى حماسة الطالبات التركيات المنتميات إلى محافظة كركوك أمام السفارة التركية عندما وقعت عيونهن عليها وهتافاتهن العالية باللغة التركية بمجرد أنّ رأين العلم التركي يرفرف عليها.
وطلبت إليّ إحداهن أن تخطب باللغة التركية باسمنا شاكرة تركيا وأن تطلب إلى السفير رفع هذا الشكر إلى حكومته، ففعلت.
ومن تلك الذكريات أن طالبتين من طالبات مدينة الموصل تخرّجتا من المعهد وذهبتا إلى مدينتهما على أمل التعيين في التدريس، وكانتا من الأوائل المتفوّقات، فإذا بهما تصطدمان بما يصطدم به كلّ النساء في البلاد العربية ـ وربما في غيرها ـ بالوساطات النافذة التي هي أكثر فعلاً من التفوّق والتقدّم، فتعيّنت رفيقاتهما المتأخرات عنهما كلّ واحدة منهنّ في بلدتها، وعرض عليهما التعيين في أماكن نائية.
وإذا بي أفاجأ بوصول الرسالة الآتية إليَّ. وأنّي لأذكرها بحروفها لما تدل كلّ جملة فيها على أسلوب معين ومعنى معين:
حضرة الفاضل أستاذنا السيد حسن الأمين الأكرم،
بعد التحية والسلام والسؤال عن صحتك وأحوالك متمنين لك حياة طيبة تحف بالنعيم والرفاه.
إنّنا خريجات معهد الملكة عالية لهذا العام. لقد ضاقت بنا الأحوال وانسدّت أمامنا الأبواب من جهة تعييننا، وقد لاقينا من الصعوبات أشدّها في هذه المدّة، فلجأنا إلى حضرتك الفاضلة لتسعفنا بهذه القضية وتمدّ يد المساعدة إلينا. والواقع الذي شجعنا على إرسال كتابنا هذا هو سمو أخلاقك وصفاء قلبك وحنانك الأخوي تجاهنا.
وهنا نحن لا نزال رهن الدار غير ملتحقين بمدرسة ما. مع العلم أنّنا المتقدّمات، ومن حق المتقدّمات التقدّم ولا سيما الثانية والثالثة، مع العلم أنّ معظم المتخرجات اللواتي معنا قد عيّنَّ بمراكز ألويتهن. أمِنَ العدالة أيّها الأستاذ أن تتعيَّن المتأخرات وتؤخّر المتقدّمات؟
أين العدالة وأين نجدها؟
عندما نراجع الدوائر المختصة يقدمون لنا قضاءين واقعين في أقصى الحدود العراقية قرب الحدود الإيرانية والتركية. أهذا هو جزاء المتقدّمات؟
أمثال… (وهنا تذكران أسماء بعض الطالبات المتأخرات) قد عيّنَّ في مركز لواء كركوك منذ شهرين. أمّا نحن فيعدوننا من يوم إلى يوم. ولم نحصل على فائدة من هذا الانتظار، واتضح لنا أخيراً أنّ وعدهم فاشل وأصبح لا أمل للتعيين عندنا.
فنرجو من أستاذنا الفاضل أن يسعفنا وينجدنا في هذا الموقف الحرج ويسعى لتعييننا في مدارس مدينتنا الموصل أسوة ببقية رفيقاتنا، وجزاء لانتظارنا وتفوّقنا ولك منّا جزيل الشكر وفائق الاحترام. 9/12/1946.
طالبتاك المخلصتان لطيفة مجيد لاوند ـ فاطمة أحمد سلطان.
لقد رأيت في هذه الرسالة ضرباً من الوفاء لا تكليفاً بمهمة متعبة، لذلك تقبلتها بكلّ ترحيب وعزمت على إنجاد الفتاتين مهما كلفني ذلك من جهد ومراجعة، بل وتوسل.
لقد كان شيئاً طبيعياً أن ترسل مثل هذه الرسالة إلى أستاذ عراقي في المعهد، فالطالبتان عراقيتان، والأستاذ العراقي أولى بأن يستنجد به في هذا الاهتضام…
أمّا أن تستنجد الطالبتان العراقيتان الموصليتان بأستاذهنّ اللبناني لإنقاذهما من مأزقهما فهو غير الطبيعي وغير المنتظر.
ولكن هذا ما وقع!… لقد كان الوفاء وحده، الوفاء العراقي الأصيل هو الدافع لذلك.
إنّني نشرت الرسالة بنصّها، مع ما فيها من ثناء عليّ، وهذا ممجوج عندي، ممجوج أن ينشر الإنسان بنفسه الثناء على نفسه، وقد يرى القارئ في الكلام الآتي شيئاً من الثناء على النفس وهو أشدّ مجاجة عندي. ولكنّي متحمّل لهذه المجاجة لأنّها ستوصلني إلى ذكر ما أكبره من الوفاء العراقي.
لقد تذكّرت هاتان الطالبتان وهما في محنتهما ما كانت تلقاه الطالبات منّي من الرعاية لأمورهنّ والعناية بشؤونهنّ، فكانت رسالتهما إعلاناً لذلك، وكان تكليفي دليلاً على أنّهما تحفظان لي ذلك.
ومن هنا قلت إنّي فهمت الرسالة وفاءً لا إشغالاً لي بما ينبغي أن يشغل به غيري.
فانطلقت متّصلاً بكلّ من له تأثيراً من أصدقائي، فكانوا يستغربون اهتمامي بطالبتين موصليتين هذا الاهتمام الشديد، بل إنّ نافذاً عراقياً في وزارة المعارف لم يتردّد بأن يتكلم بما يدل على أنّ من الفضول أن يهتم أستاذ لبناني بطالبتين عراقيتين.
ولم يكن الأمر سهلاً ومضى الوقت ولم نصل إلى النتيجة، ولم أجب الطالبتين على رسالتهما لأنّي أردت أن يكون الجواب مقروناً بالنجاح.
ولم تحسب الطالبتان عدم إجابتي لهنّ إهمالاً منّي، ولا خطر لهما أنّ طول المدّة ناتج عن عدم العناية بأمرهما. لذلك أرسلتا رسالة أخرى كلّها أمل واستحثاث.
ولمّا تحقّق ما نريد كتبت لهما جواباً وقلت لهما لن يطول الأمر أكثر من يومين أو ثلاثة حتّى يصلهما أمر تعيينهما. وقد كان ذلك.
وكانت إحداهما: لطيفة غير قوية في النحو، وكان يربكها التمييز بين (لا) النافية للجنس و(لا) النافية للوحدة. فلم أزل بها في الدرس حتّى استقام الأمر لها، لذلك ختمت كتابي متسائلاً ممازحاً: كيف حال لطيفة الآن مع (لا)؟
فجاءني منهما جواب تقولان فيه:
لقد تحقّق رجاؤنا بفضل مساعيك فشكراً لك على عنايتك بأمرنا وألف شكر. ابتدأنا بمباشرة العمل يوم 31/12/46.
ثمّ تسترسلان في ثناء طويل، وأخيراً تختتمان رسالتهما قائلتين: إنّ لطيفة لا تزال تتذكر (لا) النافية للجنس و(لا) النافية للوحدة والفرق بينهما وهاك أمثلة على ذلك:
لا النافية للجنس: لا خير في علم لا ينتفع به.
لا النافية للوحدة: لا رجل في البيت بل رجلان.
ومن تلك الذكريات أنّ المتخرجات كن يطلبن إليّ أن أسجل لهنّ كلمة تبقى ذكرى لعهد الدراسة، كما كان بعض من لم يتخرجن يطلبن مثل ذلك. فمما سجلته للمتخرجات هذه الكلمة:
لطفية المفتي من الطالبات اللواتي أذكرهن بكلّ خير لما تجلّى لي فيها من الروح الأدبية الصحيحة، فقد لفتت نظري لأوّل مرّة عندما كلفتها مع رفيقاتها وكنّ في الصف الأوّل أن يصفن سفرهن وعودهنّ في عطلة العيد، فكتبت عن ذلك قطعة جميلة. ولم أكن أحسب أنّ فيها موهبة شعرية حتّى فاجأتني في أواخر هذا العام بشعر فيه كلّ مزايا الشعر الصحيح.
على أنّ لطيفة تجمع في شخصها المتناقضات، فهي تنثر وتنظم، ولكن بينها وبين سيبويه وقواعد سيبويه عداء مستحكماً فهي لا تبالي أن ترفع المنصوب وتنصب المرفوع، وهي بقدر ما تتذوق الأدب وتهضمه، لا تتذوق النحو ولا تهضمه!…
وإذا ما تذكرت دائماً نثرها العذب وشعرها الحسن، فإنّي إلى جانب ذلك سأتذكر دائماً أجوبتها النحوية الطريفة التي لا تربطها بالنحو رابطة ولا تجمعها به صلة!… وسأذكر دائماً أيام الصف الثاني (الفرع الإنكليزي)، صف لطفية وزميلاتها، وما كان في ذلك الصف من خُلق كريم وأدب رفيع وكسل متواصل…» اهـ.
وممّا سجلته لغير المتخرجات هذه الكلمة:
«تصرمت الأعوام وتوالت الأيام، وها هي السنة الثالثة في معهد الملكة عالية آخذة بالانسلاخ، وعمّا قريب تنقضي السنة الرابعة فينتشر هذا الجيل الكريم من الفتيات بعد أن يكون قد عبَّ من موارد العلم ما عبّ، وغداً لا يبقى من كلّ هذه السنوات إلاّ أطياف تتراءى من وراء الزمن، فأيّة أحاسيس يمكن أن تلتمع في الذهن لمن قدر له أن يقف من هذا الجيل الصاعد موقف المعلم؟
غداً عندما نعود فنضرب في آفاق الأرض قد أصبح لكلّ منّا وجهة هو موليها، غداً عندما يفصلنا عن تلميذاتنا ما لا يحصى من الأبعاد والأزمان، غداً سنتذكر أنّه كان لنا في سالف الأيام تلميذات جمعن إلى رصانة الخلق رجاحة العقل، وضممن إلى التهذيب العلم الجم، وسنذكر أنّه كان لنا بعض اليد في إعدادهنّ لمستقبلهنّ العتيد، غداً ستكون هذه الذكرى من أحبّ الذكريات إلى خواطرنا.
وإذا كنت لن أنسى أيام العراق ما حييت فإنّني لن أنسى ـ على الأخص ـ أيام معهد الملكة عالية، ولن أنسى أنّ فتياته اللواتي ملأن نفسي ثقة بمستقبل الفتاة العربية وأفعمن جوانحي اعتزازاً بها وإكباراً لها. وقد كانت نجلاء الخطيب في الطليعة.
وإذا كان لي ما أحثّها عليه فهو أن لا تهمل موهبتها الأدبية وأن تعمل على استكمال قريحتها النثرية والشعرية. ولا عجب أن تجيد وهي سليلة بيت طلع منه الشعر و الأدب» اهـ.
وداع العراق نثراً
يوم عزمي على ترك العراق كتبت في الصحف ما يلي:
منذ أربع سنوات عندما تناءت عن عيني مشاهد الشام وغابت معالم السهول والجبال واحتوتني الصحراء بوحشتها تلفَّت إلى الوراء منشداً:
فقلت لقلبي حين خفّ به الهوى
وكاد من الوجد الممض يطير
فهذا ولما تمض للبين ليلة
فكيف إذا مرّت عليك شهور
وأصبح أعلام الأحبة دونها
من الارض غول نازح ومسير
ورحت أمعنّ في القفر الأجرد واجماً مكروباً، وطفقت أمشي في البيد ساهماً مطرقاً أفكر فيما أنا مقدم عليه من عمل جديد ونأي مديد حتّى طلعت (الرطبة) بأضوائها المتلألئة فكانت ابتسامة الصحراء القطوب وضحكة الأمل الخابي بل كانت بادرة الخبر في هذا السفر المضني. وقد أشرقت نفسي لإشراق الرطبة فحسبته إشراق الراحة بعد العناء والنور بعد الظلام ولم أدرِ أنّه إشراق عهد من أعذب عهود حياتي وتألق زمن من أحلى أزمان عيشي حتّى بدت نخلات (الرمادي) وتلألأت صفحة (الفرات) وأطل سواد (الفلوجة) ولمعت مآذن (الكاظمية) وظهرت معاهد بغداد وماجت عوارب دجلة وزخر شارع الرشيد فكانت حياتي العراقية التي ينطوي الزمن ولا تنطوي من ذهني وتنمحي الأيام ولا تنمحي من خاطري ويتلاشى العمر ولا تتلاشى من ضميري!.
أربعة أعوام في العراق نزلت فيها بغداد والحلّة وجبت فيها كربلاء والنجف والكوفة وعفك والديوانية والناصرية ورحلت إلى البصرة وأبي الخصيب والقرنة والفاو وشاهدت الرافدين من ملتقاهما حتّى مصبهما وتنقلت في الغراف وحواضره ونزلت بعقوبة وكركوك وأربيل والسليمانية والموصل بل تغلغلت في صميم الأرياف والقرى فبت في العنبكية ووصلت إلى شفاثا والأخيضر.
أربعة أعوام في العراق توالت عليّ فكانت أزهر صفحة في دهري وأنضر صورة في ذهني وأجمل مشهد في نفسي وعندما آذنت هذه السنون بالزوال ومالت إلى الانطواء وعندما ختمت حياتي العراقي ومشيت أعاود قطع الصحراء إياباً كما عاودته ذاهباً ـ إذا بي وقد (تناءت عن عيني مشاهد العراق وغابت معالم السهول والجبال واحتوتني الصحراء بوحشتها) أتلفت إلى الوراء منشداً:
ولو قال لي الغادون ما أنت مشتهٍ
غداة جزعنا الرمل قلت أعود
أتطلب يا قلبي العراق من الحمى
ليهنك من مرمى عليك بعيد
ترى اليوم في بغداد أندية الهوى
لها مبدئ من بعدنا ومعيد
وإذا بي بعد أربع سنين عند تركي (الرمادي) وتخليفي ورائي سواد الفرات أقف نفس الموقف الأليم الذي وقفته عند تركي (ضمير) وتخليفي ورائي خضرة الغوطة وإذا بالحنين الذي ملك عليّ نفسي وأنا أفري الصحراء قاصداً العراق يملك عليّ نفسي وأنا أفري الصحراء عائداً من العراق وإذا بالشوق الذي أضناني وأنا أهجر الشام وأؤم العراق يضنيني وأنا أهجر العراق وأؤم الشام وإذا بي لا أكاد أدري أين هو ترابي أفي قمم (قاسيون) وذروات لبنان وسهول الغوطة أم هو في قمم (حمرين) وسهول (الرافدين) وإذا بي لا أكاد أعلم أين هم أهلي وصحبي أعلى ضفاف الليطاني وبردى والحجير أم على ضفاف الفراتين وديالى والغراف، فإذا ما حنَّ الناس إلى أرضهم وأهلهم حننت إلى أرضين وأهلين وإذا ما اشتاقوا بلادهم وقومهم اشتقت بلادين وقومين.
لقد غابت بغداد عن عيني ولكن بغداد لا تغيب عن نفسي فلا أزال أرى دجلة متدفقاً بين الرياض والمروج ولا أزال أبصر نخيلها متمايلاً مع النسائم والأرواح ولا تزال صورها الحلوة تتعاقب في خاطري غضة طرية الألوان.
ولقد انطوى العراق عن ناظري ولكن العراق لا ينطوي من ذهني فلا أزال أشاهده ناضر الصفحة زاهر الجبين ولا أزال أتطلع إلى الرافدين يشقان أديمه الأخضر ولا أزال أطل على ضفافهما الكاسية العامرة فأرى الدوح الفارد والأيك الدائح وأنظر جموع الفتيان وصفوف الشيوخ والكهول.
لقد بَعُدَ العراق عن بصري ولكن العراق لن يبعد عن قلبي.
أعذب أيام حياتي
إنّ أيّام التدريس في العراق كانت أعذب أيّام حياتي، ولم أر قبلها أو بعدها أياماً تضاهيها في ذلك، سواء منها عهد التدريس الثانوي في ثانوية الحلّة ودار المعلمين الريفية، أو عهد التدريس الجامعي في معهد الملكة عالية، ودار المعلمين العالية. أستثني من ذلك الأيّام التي بدأت فيها أجزاء (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية) تبرز إلى الوجود جزءاً بعد جزء، ثمّ اكتملت بمجلداتها الكبار، ثم طبعت طبعتها الثالثة.
لقد فاقت أيام (دائرة المعارف) بسعادتها كلّ الأيّام إذ حققت فيها حلم الحياة، ولا أزال أنعم بسعادة تحقيق هذا الحلم وأطمح إلى الاستزادة منه، بما أضيفه كلّ آن من زيادات على ما أنجز.
وسبب عذوبة أيّام التدريس العراقية ثلاثة أشياء:
أوّلاً: مطابقة العمل في التدريس لميولي سواء منها الأدبية أو التاريخية.
ثانياً: ما انطبع عليه العراقيون من الوفاء. وهو الخصلة التي تسمو على كلّ خصلة في الإنسان، فما رأيت كالعراقي وفاء، والوفاء ينير النفس مهما ادلهم فيها من ظلام. وأنا الذي ذقت العقوق والجحود والغدر في وطني أمر مذاق، لم يكن يحلو في نفسي شيء كالوفاء.
ثالثاً: ما لقيته ممّن تعاملت معهم من تقدير للإخلاص في العمل والكفاءة فيه، وما داموا هم مخلصين أكفاء فقد كان طبيعياً أن يقدروا الإخلاص والكفاءة.
حين يكون تعاملك مع المدراء: عبد الوهاب الركابي، وجعفر الخياط، ورشيد سلبي ومع العميدة (أمة السعيد)، فلن تشعر أبداً بالغبن.
ولكن حين يكون تعاملك مع ألفرد ثابت، وأنيس صالح، وفكتور عيسى، فستشعر بالغبن، فتسعد وأنت مدرّس بعيد عن وطنك، وتشقى وأنت قاض في صميم وطنك.
أضحكتنا ورب ضحك بكاء
فترة من زماننا عمياء
خلقت من خشارة الناس رهطاً
عرفت بعد خلقه الإباء
لمة من بني الشوارع عاشت
حيث عاش الأعيار واللقطاء
حشرات طلعت من طبقات الأرض
لما استتبت الظلماء
وجراثيم حين لاءمها الماء
تفشى من سمهن الوباء
وشتان بين أن يكون وزير الوزارة التي ينتمي عملك إليها رجل مثل الشيخ محمد رضا الشبيبي ونجيب الراوي، وبين أن يكون رجلاً مثل حبيب أبو شهلا.
وما أسعدك يوم يكون النافذ في محيطك الذي تعيش فيه رجل مثل سعد صالح، وما أشقاك يوم يكون هذا النافذ مثل أحمد الأسعد وعادل عسيران.
كذاك اعتلاء من ليس أهلاً
للمعالي مصيبة وبلاء
كيف لا ترقبن كلّ عشار
من قصير عليه طال الرداء
مطرق إن مشى كمن شغلته
لحلول المشاكل الآراء
لو تصفحته وجدت ثياباً
فوق جسم كأنّه المومياء
مجدباً كالسباخ من كلّ خير
جلّ ما في جرابه الكبرياء
أو ترجو من المغايض زهراً
ونبات المغايض الحلفاء
وكذا يبطر الرخاء خفيف الوزن
من حيث لم يسعه الإناء
رب داء ترى من العار شكواه
وشكوى بثنيك عنها الإباء
لقد كانت العميدة أمّة السعيد والمدراء عبد الوهاب الركابي وجعفر الخياط ورشيد سلبي: الواحات الخضر في صحراء حياتي الوقيد.
وكان الشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ علي الشرقي وسعد صالح ونجيب الراوي: الظلال الوارفة التي طالما وقتني لوافح الهجير.
ألا طبتم وأنتم أحياء في دوركم ومكاتبكم، الدور والمكاتب التي كانت فيها كلمة: (أهلاً وسهلاً) أشهى من الماء الخضير للظامئ الحران، والتي كانت تنبعث من أعماق قلوبكم لا من مظاهر شفاهكم.
وطبتم وأنتم أموات في أجداثكم، الأجداث التي انطوت على أشرف ما تنطوي عليه الأجداث من شهامة ومروءة ونخوة.
وإذا كان قد حال بيني وبينكم بعد الديار، ثمّ المقابر التي احتوتكم وستحتويني، فلن يحول شيء دون أن أردّد ذكركم بالجميل وأنا حي، وأن تردده هذه الأوراق على الدهر وأنا ميّت.
البحث والتأليف
كنت خلال إقامتي في النبطية أغتنم بعض أوقات الفراغ فأكتب بعض البحوث التاريخية والأدبية وأنشرها في مجلة (الرسالة) القاهرية الأسبوعية، وكانت يومذاك أوسع المجلات العربية انتشاراً، وممّا نشرته فيها مناقشتي لعباس محمود العقاد في بعض ما ورد في كتابه (عبقرية الإمام)، وقد بلغ من دقة تلك المناقشة وصوابها وتهذيب عباراتها، أنّ العقاد المعروف بعناده مع من ينتقده وشدّته على من يناقشه، وعدم تحمّله لأي ملاحظة ـ أنّ العقاد هذا سلّم لأوّل مرّة في حياته الأدبية، وربّما لآخر مرّة ـ سلّم بصواب ما اعترضت به عليه في العدد التالي من مجلة الرسالة الصادر في 10 كانون الثاني 1943، وجعل عنوان ردّه (خلاف يستحق الاختلاف)، وهذا العنوان وحده كاف بتسليم العقاد بصحة ملاحظاتي.
وصدف أن نشرت الرسالة في نفس العدد الذي نشرت فيه مقالي ـ نشرت مقالاً للعقاد يرد به على شيخ أزهري كان قد ناقشه في بعض ما ورد في كتابه (الصديقة بنت الصديق)، فحمل العقاد على ذلك المناقش حملة شعواء بقلمه الجبار، فقال بعض أصدقائي مخاطباً لي: انتظر دورك في العدد القادم!… فرددت: لا أحسب ذلك واقعاً، لأنّي أظن أنّ العقاد إنّما كان يهاجم منتقديه لأنه يستشعر من خلال كلامهم التعريض به والإقلال من شأنه، ويعتقد فيهم سوء النيَّة لا حب الوصول إلى الحقيقة، لذلك كان يعاملهم بما يعاملهم، وأظنّه هذه المرّة سيلمس العكس، وسترون… وصح ما توقعته فكان جواب العقاد منصفاً كلّ الإنصاف…
وواصلت وأنا في بغداد النشر في الرسالة وفي الصحف العراقية ومجلة العرفان اللبنانية.
واستمرّت حياتي الجديدة في بغداد أربع سنين دراسية: رأيت بعدها أنّ عليّ أن لا أفارق والدي بعد أن بلغ تلك السن العالية وبدأ الضعف يتسرّب إلى جسمه، فلزمته معاوناً له في إعداد موسوعته الكبرى (أعيان الشيعة) حتّى توفي بعد سنتين (سنة 1371ـ1952).
الانصراف إلى البحث والتأليف
ألقت وفاة والدي عليَّ عبئاً ثقيلاً، فقد وجدت أمامي موسوعة (أعيان الشيعة) وقد وصل فيها الوالد إلى نهاية حرف السين في خمسة وثلاثين جزءاً وترك بقية المواد مسودات أكثرها مشوش، وبعض التراجم لم يكتمل، وبعضها لم يكتب أصلاً، فعكفت على تنسيق المسودات وضمّها بعضها الى بعض وإلى إكمال ما لم يكتمل من الترجمات، وكتابة ما لم يكتب منها. وبعد كفاح أكثر من أربع سنين نشرت الجزء السادس والثلاثين من (أعيان الشيعة) مبدوءاً بحرف الشين، وكان المفترض أن يتواصل السير مطرداً، ولكنّه كان كثير التعثّر لما يعترضه من الصعوبات المالية، وظللت أكافح وأناضل حتّى كمل (أعيان الشيعة). ثمّ خرج بعد ذلك بطبعته الحديثة الأنيقة.
وكنت مع ذلك عاكفاً على مواصلة البحوث التاريخية متخذاً من مجلة (العربي) الكويتية أوسع المجلات العربية انتشاراً، مجالاً لقلمي مظهراً خفايا التاريخ الإسلامي ومصححاً كثيراً من الأغلاط الشائعة التي هي على عكس ما اشتهرت به، متناولاً بعض البحوث التي تنشر بما فيها من الأضاليل، بالنقد والنقض، وظل الدكتور أحمد زكي رئيس تحرير (العربي) يحثّني على المتابعة إذا استشعر منّي تباطؤاً، إلى أن توفي الدكتور أحمد زكي وقامت الأحداث اللبنانية سنة 1975، وانقطع خروج الرسائل البريدية من لبنان طيلة سنتين كاملتين فانقطعت صلتي بمجلة (العربي). كما أخرجت كتاب (الغزو المغولي) وهو أوّل دراسة مستوفاة لتلك الأحداث التاريخية الرهيبة حوى من التفاصيل والإيضاحات والتصحيحات ما جعله من أوسع المراجع للاطلاع على عصر الطاغيتين جنكيز وحفيده هولاكو.
كما أصدرت (الموسوعة الإسلامية) وقد أردت منها أن تكون مرجعاً موجزاً يسهل الرجوع إليه سواء لطالب العلم وللعالم والباحث.
وقد عنيت بتدوين رحلاتي فأخرجت من ذلك كتاباً سمّيته (من بلد إلى بلد). واهتممت بتاريخ (جبل عامل) الأدبي فأخرجت في هذا الموضوع كتاب باسم (عصر حمد المحمود والحياة الشعرية في جبل عامل).
كما أنّ ديواناً شعرياً لا يزال مخطوطاً.
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
على أنّ أهم منجزاتي هو إصدار دائرة المعارف الإسلامية الشيعية التي كان الدافع لإصدارها هو قراءاتي في (دائرة المعارف الإسلامية) التي كتبها المستشرقون بعدّة لغات أجنبية ثمّ ترجمها المصريون إلى اللغة العربية، فقد رايت في دائرة المعارف هذه من الأخطاء الفظيعة التي كان الدافع إليها سوء النية ككل ما كتبه (لامانس) اليسوعي البلجيكي([1382]) والأخطاء التي كان الدافع إليها الجهل وقلة الإطلاع ممّا كتبه غيره من المستشرقين.
ورأيت أنّ مترجمي دائرة المعارف إلى اللغة العربية قد علقوا على الأخطاء المتعلقة بغير الشيعة بما يصححها، وتركوا الأخطاء المتعلقة بالشيعة بدون أي تعليق ما عدا تعليقاً واحداً للشيخ أحمد محمد شاكر في بحث التقية كان منصفاً فيه كلّ الإنصاف.
بل إنّ بعض المعلقين المصريين لم يكتفوا بشرور المستشرقين، بل زادوا تلك الشرور شروراً بما افتروا به في تعليقاتهم عن الشيعة.
والعجيب فيهم أنّهم استعانوا ببعض شيوخ الخوارج كالشيخ إبراهيم طفيش ليعلقوا على ما كتب بشأن الخوارج، ولم يفكروا بالاستعانة ببعض علماء الشيعة ليعلق على ما كتب بشأن الشيعة، مع أنّ ما كتبه لامانس وغير لامانس عن الشؤون الشيعية وعن رجال الشيعة هو الأحق بالتعليق لفظاعة ما فيه وعظم افتراءاته.
هذا فضلاً عن مواضيع شيعية يجب أن تكتب وتبحث في دائرة المعارف، ولكنّها لم تكتب ولم تبحث.
وعندما أخذت في تدوين تعليقاتي وجدت أنّه قد تجمّع لدي مادة غزيرة فحرت كيف أنشرها، وأخيراً قرّرت أن أصدر (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية)، فصدرت وطبعت حتّى الآن ثلاث طبعات.
وهنا لا بدّ من الرد على الذين ظلّوا يأخذون عليّ تخصيصي المواضيع الشيعية التاريخية بالعناية، ويرون في ذلك أمراً مذهبياً، وأكتفي في الرد عليهم بإعادة نشر مقطع من الحديث الطويل الذي أدليت به لمجلة (العالم)، وهو المقطع المتعلق بهذا الموضوع وهو:
وهنا لا بدّ لي من أن أشير إلى من طالما اعترضوا على اندفاعي للدفاع عن حقائق اعتبروها شيعية، ورأوا في ذلك اتجاهاً مذهبياً. لهؤلاء أقول: إنّ الدفاع عن تلك الحقائق لم يكن لأنّها شيعية، بل لأنّها حقائق، مجرد حقائق زيّفها المزيفون جهلاً أو عمداً، فكان دفاعي عن الحقيقة وحدها. والدليل على ذلك أنّي دافعت بنفس الحماسة والاندفاع عن حقائق زيّفت ولم يكن لأصحابها علاقة بالشيعة كحقيقة الملك المظفر قطز بطل معركة عين جالوت. ففي أذهان الناس جميعاً أنّ قائد المعركة هو الظاهر بيبرس. وآخر ما قرأته من ذلك كتاب فيليب حتي وآخر ما سمعته من أسابيع هو قول أستاذ تاريخ في بلد عربي، سأل المتسابقين في التلفزيون عن اسم قائد معركة عين جالوت فعجزوا عن الإجابة، فقال لهم: هو الظاهر بيبرس.
وهذا القول لا نصيب له مطلقاً من الحقيقة التاريخية. ومن المؤسف أنّ كلّ ما يتعلق بمعركة عين جالوت قد شوّه تماماً. والذي قاد المعركة بل الذي لولاه لما جرت أصلاً ليس الظاهر بيبرس إنّه الملك المظفر قطز. والواقع أنّني لم أتحمس لأحد كما تحمّست للملك المظفر قطز ولم أكتب عن أحد أربعة مقالات كما كتبت عنه وهو ليس بشيعي ولا علاقة له بالشيعة. بل لأنّ هذا الرجل ظلمه التاريخ والمؤرخون بصورة فظيعة. لقد أهملوه تماماً في حين أنّه هو الذي لولاه لما جرت معركة عين جالوت وهو الذي قادها وهو الذي انتصر فيها!.
وهذا مثل على تزوير الحقائق التاريخية وعلى ظلم المؤرخين للرجال من أمثال الملك المظفر قطز. وأنا عندما تبيّنت لي هذه الحقائق التي أوردها على سبيل المثال كان لا بدّ من أن أتحمّس للملك المظفر قطز وإعادة الاعتبار إلى موقفه وقراره وقيادته وانتصاره في معركة عين جالوت. مع أنّه ـ كما قلت ـ ليس بشيعي فالانتصار للحقيقة وحده هو الدافع.
في المؤتمرات العلمية
دعيت للمشاركة والمحاضرة في بعض المؤتمرات العلمية منها:
1 ـ المؤتمر العلمي العالمي الذي دعت إليه جامعة خراسان في مدينة (مشهد) لمرور ألف سنة على ميلاد أبي جعفر الطوسي وقد حضرته وفود من أنحاء العالم الإسلامي ومن المستشرقين وأساتذة الجامعات الغربية المهتمين بالدراسات الإسلامية وحضره من المغرب علال الفاسي السياسي المعروف، وقد بالغ منظمو المؤتمر في تكريمه والعناية به، وخرجوا على الأصول المتبعة في مثل هذه المؤتمرات بأن يتولى رئاسة كلّ جلسة واحد من وفود البلدان المدعوة، فجعلوه رئيساً دائماً للمؤتمر. ولكنّه مع ذلك لم ينسَ أنّهم يخالفونه في المذهب فلم يسلموا منه. فقد حاضر في إحدى الجلسات عالم كندي متخصّص بالدراسات الإسلامية فأبدى إعجابه ببعض الأفكار الشيعية، فأغضب هذا الكلام علالاً فلم يملك بنفسه من أن يعلّق على كلام المحاضر محاولاً نقضه.
وصادف في إحدى الجلسات أن كانت في يوم جمعة، وقبيل حلول موعد الصلاة طلب أحد العلماء الإيرانيين الحاضرين رفع الجلسة لأداء صلاة الجمعة فرفع علال الجلسة وطلب إلى الحاضرين الالتقاء جميعاً لحضور الصلاة فذهبنا جميعاً ومعنا علال وكان بيننا مندوب يماني وكان مسروراً بهذا المؤتمر ومشاركته فيه ومتعاطفاً كلّ التعاطف مع منظميه، وكان مرتاحاً كلّ الارتياح للانتباه لموعد صلاة الجمعة، وكان علاّل قد ألفه فكان يبوح إليه بالكثير ممّا في نفسه، وممّا أسرّ به إليه أنّه بعد الانتهاء من صلاة الجمعة عاد إلى الفندق فأعاد صلاته.
هذا وفي مذهب علاّل الفاسي أنّ الصلاة تصح وراء البرّ والفاجر ولكنّها لم تصحّ عنده وراء الإمام الشيعي.
وقد كان وقع كلام علاّل أليماً في نفس صديقه اليماني، فلم يستطع إخفاءه عنّي.
لقد نجح المؤتمر كلّ النجاح، وكان موضع إعجاب جميع المنصفين، وكان للشيخ محمد واعظ زاده الخراساني أمين عام المؤتمر فضل كبير في هذا النجاح.
في تونس
2 ـ الملتقى التاريخي الذي دعت إليه وزارة الثقافة التونسية لدراسة التاريخ الفاطمي، وانعقد هذا اللقاء في مدينة (المهدية) العاصمة الفاطمية التي بناها الخليفة الفاطمي عبدالله المهدي، وسمّي لقاء (القاضي النعمان) وهو عالم الدولة الفاطمية وقاضيها.
وقد حدث لي شيء طريف في وصولي إلى العاصمة تونس. فقد حدّدت للسفارة التونسية في بيروت يوم سفري بعد أن طلبوا منّي ذلك ليخبروا به تونس، وليكون مندوب منهم في وداعي. وكنّا في تلك الأيام نعيش الأحداث اللبنانية الأليمة ودوي الرصاص ينطلق من كلّ مكان، وفي فترة هدأ فيها الدوي وكان ذلك قبل الموعد المحدّد لسفر الطائرة بساعتين، رأيت أن أبكّر في الذهاب إلى المطار فذهبت وأنهيت معاملات السفر ثمّ مضيت إلى قاعة المسافرين. وبعد ذلك جاء مندوب السفارة فلم يجدني بين المسافرين المتهيئين لإنهاء معاملاتهم، فاعتقد أنّي عدلت عن السفر في هذا اليوم فرجع إلى السفارة دون أن يرسل (التلكس) إلى تونس منبئاً بموعد وصولي([1383]). ولمّا هبطت في مطار تونس لم أجد أحداً في انتظاري فتعجّبت من ذلك ورأيت شرطياً فقصصت عليه الأمر فمضى بي إلى رئيسه في مخفر المطار الذي رحّب بي واتّصل بمحافظ المطار ـ كما يسمّونه هناك ـ فدعاني إلى مكتبه ولا أدري مع من تهاتف، ثمّ قال لي بكلّ أدب: إنّهم يسألون هل معك بطاقة الدعوة، فسألته مع من تهاتفت؟ فقال مع رؤسائه. فقلت إنّ الأمر لا يتعلّق برؤسائك، إنّه يتعلّق بوزارة الثقافة.
وكان قد مضى علينا أكثر من ساعتين في أخذ ورد، وكان المساء قد دنا، ولا أحد من وزارة الثقافة بمكتبه، ولا أدري بمن اتصل بعد ذلك، ثمّ قال لي: بعد قليل يكون هنا مندوب وزارة الثقافة وهم يأسفون جدّاً لما حصل، ثمّ وصل المندوب معتذراً متعجباً من عدم وصول الخبر إليهم، ثمّ مضى بي إلى الفندق، وقال إنّ مكان انعقاد الملتقى هو مدينة المهدية وستأتي في صباح الغد سيّارة لتوصلني إلى المهدية.
ولقد شعرت في المهدية وفي فندق المهدي بانشراح نفساني كبير، وعدت إلى الماضي البعيد إلى العصور الأولى للدولة الفاطمية لا سيما عصر الخليفة العظيم المعز لدين الله وعصر شاعره المبعد محمد بن هاني الأندلسي.
هذه الدولة التي لم تلق دولة من ظلم الناس مثلما لقيت، ويكفي أن أعدى أعدائها هم الذين كتبوا تاريخها فسعوا إلى طمس فضائلها وتشويه محاسنها واختلاق المساوئ لها.
وكنت عندما أسير في شوارع المهدية وأتذكر أنّ هذه الدروب كانت دروب المعز وهذه المسالك هي التي كان يسلكها، وأنّه من هنا انطلق لتحقيق الوحدة العربية الكبرى التي حققها هو ومن تلاه، محاولاً أن يعيد بها وحدة العالم الإسلامي.
ثمّ أتذكر كيف أنّ الجيش الفاطمي قد استردّ من البيزنطيين ما احتلوه في شمال بلاد الشام، ثمّ ردّهم في محاولاتهم المتكررة لاحتلال بلاد الشام كلّها، ثمّ صدّهم مرّتين عن محاولتهم الوصول إلى القدس.
وأتذكر الأسطول الفاطمي العظيم الذي أصبح سيّد البحر المتوسط فهزم البيزنطيين في البحر كما هزمهم الجيش في البر.
وأتذكر قصائد ابن هاني في وصف المعارك البرية والبحرية وانتصاراتها العظيمة، لا سيما قصيدته في وصف الأسطول، وقصيدته في معركة (المجاز).
وأتذكر أنّ كلّ ذلك كان انطلاقه الأوّل من هنا من المهدية، من بين هذه البيوت المتراصّة حولي، ومن على هذه الطرق الممتدّة أمامي.
ثمّ أتذكر ذلك الوهج العلمي المتألق الذي شعّ على العالم الإسلامي من قاهرة المعز والذي عبر عنه المؤرخ المصري الدكتور محمد كامل حسين بقوله في بعض ما قال: (فالقاهرة الفاطمية أصبحت مطمح أنظار العلماء، ومحمد رحال الطلاب. وفي العصر الفاطمي استطاعت مصر أن تنتزع زعامة العالم الإسلامي في الحياة العلمية).
وأتذكر أنّ الشعاع الأوّل لكلّ ذلك قد انبثق من هنا من هذه المدينة التي أسير الآن في دروبها.
ثمّ أتذكر ما جناه الجانون على ذلك التاريخ بأحقادهم وعصبياتهم وافتراءاتهم، فيتجاذبني في المهدية عاملان: عامل الزهو بوقوفي على مرابع الفاطميين الأولى، وعامل الأسى على ما انصبّ على تاريخهم المجيد من ظلم وبغي.
وانعقد اللقاء في جلسته الأولى، وكانت السفارة التونسية قد سلمتني قائمة بعناوين الموضوعات التي ترى وزارة الثقافة أن يبحثها المحاضرون، فاخترت منها هذا العنوان: (المهدية قاعدة حكم وعقيدة).
نحدّد عناصر سكان الجزيرة فيمكن القول إنّهم تكوّنوا من العرب والأكراد والآراميين بالإضافة إلى الأرمن الذين سكنوا في أرمينية في المنطقة الواقعة إلى شمال دجلة والفرات.
ـ العرب: كون العرب أغلب سكان الجزيرة وكانوا القوّة الرئيسة المحرّكة للأحداث السياسية. ولعلّ خير دليل على نفوذ العرب هناك أنّهم استطاعوا إقامة دويلات مستقلة عملياً وإن كانت تعترف ـ من الناحية النظرية ـ بسلطة الخليفة العباسي، أهمها الدولة الحمدانية التي أقامتها قبيلة تغلب الربعية، والدولة العقيلية([1384]) التي أقامها بنو عقيل المضريون (386ـ489) بعد زوال النفوذ الحمداني من الجزيرة. ومن الواضح أنّ قيام هاتين الدولتين على أيدي العرب العدنانيين إنّما يقف دليلاً ليس على نفوذ العرب وقوّتهم فحسب، بل وعلى ضخامة أعدادهم التي أتاحت لهم تكوين جيوش قوية (من العرب وغير العرب) سيطرت على تلك الأصقاع الوعرة وحمت الحدود ودفعت خطر الروم وجابهت الحركات المحلية العديدة، وبخاصّة حركات الأكراد ذوي القوّة والبأس والقدرة على خوض الحروب الجبلية، وكذلك حركات القبائل العربية المعادية لهم.
كان عرب الجزيرة مزيجاً من قبائل مضر وربيعة العدنانيين ومجموعات قبلية أخرى ـ عدنانية وقحطانية ـ استقرّت هناك نتيجة هجرات متتابعة في فترات زمنية مختلفة قبل الإسلام بعدّة قرون([1385]). لقد أطلقت المراجع الفارسية على منطقة نصيبين وما حولها اسم (عربستان) أي بلاد العرب، على حين أطلق سترابو اسم بلاد العرب على منطقة الجزيرة الواقعة جنوبي المنطقة الكردية والتي تمتد حتّى الصحراء. ويبدو أنّ سمعة هؤلاء العرب التجارية كانت عالية بدليل أنّهم احتكروا تسيير القوافل من سورية إلى العراق تحت حماية أمراء منهم من ذوي السطوة واليأس فرضوا نفوذهم وهيبتهم على طول الطريق المحاذي لدجلة([1386]).
ويبدو من تتبّع تاريخ إمارة الحضر Hatra (حطرا أو حطارا) التي ما زالت آثارها شاخصة في منخفض من بادية جزيرة العراق على مقربة من الضفة الغربية لوادي الثرثار بين تكريت والموصل، أنّ العرب عاشوا هناك منذ سقوط دولة الآشوريين في سنة 612 قبل الميلاد وأنّهم أقاموا سلالة حاكمة. إنّ وجود آلهة عربية عبدت في الحضر أيام الآشوريين إلى جانب الآلهة الآشوريين أتى بها العرب من جزيرتهم كاللات وشمش يقف دليلاً على وجود العرب في المنطقة قبل الميلاد بقرون. لقد حكمت في الحضر سلالة عربية مدّة ثلاثة قرون وكان أوّل حكامها أميراً عربياً اسمه سطروق ورد ذكره في كتابة اكتشفت هناك نصّت على أنّ أباه يدعى نصر وأنّ لقبه (ملك العرب)([1387])، ويبدو أنّ حكام هذه الإمارة كانوا من قبيلة قضاعة([1388])، ثمّ أعقبتها في أيام الغرثيين إمارة آرامية حكمت تحت حماية الرومان خلال القرنين الثاني والثالث للميلاد تلقب أمراؤها بقلب (فيلارك) الروماني وتدل أسماؤهم على أنّهم من العرب([1389]). وإذا رجعنا إلى المراجع العربية نجد ذكر الحضر وحكامها العرب يرد في أكثر من مرجع ثقة، على الرغم من أنّ أخبارها تختلط بالأسطورة. يقول ياقوت([1390]): «إنّ بني
هذي العروبة في مواكب زحفها
هبت إليك تجمعا وتحشدا
صوت من الأدب الرفيع يشدّهم
ونداء صدق في حماك ترددا
صوت (الرضي) إذا ترنم بالهوى
وإذا استجاش إلى الوغى وإذا حدا
صوت تردده الشعاب وتنتخي
قمم الجبال تحفزا وتوعدا
وفي هذا المهرجان لقيت الشاعر اليماني الزيدي إبراهيم الحضراني فأنست به كلّ الأنس، وعرفت منه الكثير من شؤون اليمن، وممّا عرفته أنّ قصيدة الأزرية شائعة هناك وأنّ الكثيرين يحفظونها عن ظهر قلب وقد أنشدني هو ما يحفظه منها.
كما أنشدني قصيدة تمثل حنين اليمنيين إلى النجف ومن في ثراه وأتذكر منها هذين البيتين:
آن أن تلثم الشفاه البقاعا
بعد أن شاقت القلوب سماعا
قد رضعنا هوى مغانيك أطفالاً
وهمنا بها أيفاعا
في بومبي (الهند)
3 ـ المؤتمر الإسلامي العالمي الذي دعا إليه الداعي الفاطمي محمد برهان الدين أمام البهرة في پومباي بالهند.
والبهرة هم بقايا الحكم الفاطمي الذين انتقل معظمهم إلى الهند واستقروا فيها وصار اسمهم (البهرة) ورئيسهم سلطان البهرة. والسبب في تخليهم عن اسم (الإسماعيليين)، أنّ الذين انشقوا عن الفاطميين بقيادة الحسن الصباح. ثمّ خرجوا عن العقيدة الإسلامية بإلغائهم الواجبات الإسلامية وإدخالهم في عقيدتهم ما يتناقض مع الإسلام، والذين عرفوا في الماضي باسم (النزاريين)، ثمّ في هذه العصور باسم (الآغاخانيين) ـ إنّ هؤلاء قد انتحلوا الإسماعيليين واشتهروا به وأصبحوا لا يعرفون إلاّ به، وهم على ما هم عليه من العقائد المتناقضة مع عقائد الفاطميين وإسلامهم ومذهبهم، لذلك رضي بقايا الحكم الفاطمي باسم (البهرة) ابتعاداً عن النسبة إلى من انتحلوا اسم الإسماعيليين.
والحقيقة أنّ هؤلاء الإسماعيليين (النزاريين) (الآغاخانيين) كانوا من أكابر العوامل التي استغلها المستغلون لتشويه عقيدة الفاطميين، إذ نسبوا إليهم عقائد النزاريين في حين أنّ النزاريين كانوا أعدى أعداء الفاطميين وفي حين أنّ عقيدتهم ظهرت بعد زوال الفاطميين.
وكانت دعوة سلطان البهرة لعقد هذا المؤتمر الإسلامي الكبير محاولة لتبيان حقيقتهم، فحشدوا له من استطاعوا حشده من كبار رجال الفكر الإسلامي وحسبك أنّه كان من حاضريه شيخ الأزهر الحالي وإثنان من شيوخه السابقين ومفتي الديار المصرية، مضافاً إلى المصريين الآخرين من أساتذة جامعيين ومثقفين ومقرئين، إلى غيرهم من أمثالهم من وفود البلاد الإسلامية والعربية.
في طهران
4 ـ مؤتمر نهج البلاغة الذي انعقد في طهران. ومن حسن المصادفات أنّني التقيت فيه كلاً من الشيخ محمد نجف والشيخ مهدي الأنصاري والشيخ محمد رضا الأنصاري. والأوّل منهما من أحفاد الشيخ محمد طه نجف أحد كبار أعلام النجف في عصره ومن أساتذة والدي عندما كان طالباً في النجف، وقد كان والدي يردّد ذكره دائماً في مجالسه مثنياً عليه كلّ الثناء، ذاكراً تتلمذه عليه بكلّ خير. ولقد سررت بلقاء حفيد أستاذ والدي لا سيما وهو على صفات تليق بمن ينتسب إلى ذاك الجد الكريم وكذلك كان سروري بلقاء الأنصاريين بعد أن عرفت أنّهما من سلالات الأشعريين الذين عمرت بهم (قم) علماً وإيماناً وكفاحاً، وكان هذان الأشعريان الأخوان صورة عمّا حدّثنا عنه التاريخ عن أسلافهما من العلم والإيمان والشهامة والإخلاص وحسن الخلق.
5 ـ مؤتمر قداسة الحرم وأمنه المنعقد في طهران. وقد حضرته وفود من جميع أنحاء العالم الإسلامي ما عدا بعض البلاد العربية، وقد تجلّت فيه الرابطة الإسلامية العميقة التي تشدّ المسلمين بعضهم إلى بعض بجميع ألوانهم ولغاتهم، فكانوا في هذا المؤتمر يبدون أمّة واحدة تجمعها عاطفة واحدة وآمال واحدة.
6 ـ مؤتمر الشهيد السيد حسن المدرس الذي انعقد في طهران بمناسبة مرور خمسين عاماً على استشهاده.
7 – مؤتمر الفكر الإسلامي السادس المنعقد في طهران، وكان موضوع بحوثه: (حقوق الإنسان في الإسلام).
مع الناشرين
باشرت طبع ونشر مخطوطات أعيان الشيعة بما تجمع لديّ من مال قليل، واستمريت هكذا مواصلاً النشر في فترات قد تتقارب وقد تتباعد بحسب ما يتيسر من المال.
وكان لا بدّ لي في هذه الحال من التعامل مع أصحاب المكتبات بائعي الكتب ومشتريها، سواء منهم من كان في لبنان أو العراق أو إيران. وقد تكشفت لي في التعامل مع هؤلاء أعجب الأعاجيب من استحلالهم أكل المال الحرام، فالواحد منهم لا يحجم عن ذلك ما استطاع إليه سبيلاً.
وعلى العكس منهم أصحاب هذه المهنة من الغربيين، فقد تلقيت يوماً طلباً من مكتبة في مدينة (وسبادن) في ألمانيا تطلب فيه إرسال عدّة مجموعات من الكتب، فأعرضت عن إجابة الطلب بعد تجاربي مع من طلبوا أمثال هذا الطلب في لبنان والعراق وإيران، فإنّهم بعد أن يصلهم ما يطلبون يمتنعون عن إرسال الثمن، مطمئنين إلى أنّ من يطالبهم بعيد عنهم لا يصل إليهم.
وبعد مضي فترة حدّثت صديقاً لي ذا تجارب في هذا الموضوع، فحثّني على إرسال ما تطلبه مكتبة (وسبادن)، لأنّها بمجرد أن تستلم الكتب المطلوبة سترسل الثمن في الحال، وهكذا كان، وتكرّرت طلباتها وتكرّرت إجابة هذه الطلبات.
ثمّ وقع لي حادث غريب إذ أنّني تلقيت طلباً من مكتبة جامعة برنستن في أميركا فأرسلت لها ما طلبت فأرسلت لي الثمن، ثمّ عاودت الطلب فأرسلت لها أيضاً ما طلبت، وكان ثمن ما طلبته في المرّة الثانية أكثر من ضعف ثمن ما طلبته في المرّة الأولى. وكانت الطلبات تأتي موقّعة من (رودلف ماخ) ومكتوبة بلغة عربية سليمة. وانتظرت وصول الثمن فلم يصل، فأرسلت رسالة تذكير، فلم أتلق أي جواب وتكرّر التذكير وتكرّر الامتناع عن الإجابة.
وحدّثت صديقاً لي أقام فترة في أميركا بهذا الأمر، فقال لي: إن رودلف ماخ هذا هو يهودي، فعند ذلك زال العجب.
قصائد منوّعة
أشواق
يا ويح قلبي كم يلقى وكم يجد
وكم تكابد همًّا هذه الكبد
لمن ارتّل أشعاري وأنظمها
ومن يقرض أبياتي وينتقد
كتمت حبك في صدري فضاق به
صدر بجمر نواك اليوم يتقد
أن تغف عينك عن همي فإنّ لها
عيناً يطول عليها بعدك السهد
الدار بعدك لا تحلو مطالعها
ولا يطيب لعيني في الهوى البلد
والكون بعدك لا حسن ولا أرج
للمستهام ولا نعمى ولا رغد
يا سرحة الحب لا ماء الصبا غدق
بعد الرحيل ولا طير الهوى غرد
هذه الحياة فلا ظل ألوذ به
على الهجير ولا ريًّا فأبترد
أين المرابع بالسمار حافلة
وأين أحبابنا من بعدنا قصدوا
هل شاقهم بعدنا للحب شائقة
يوماً وهل وجدوا بعض الذي نجد
وددت لو طالعت عيناي مطلعهم
وشاهدت في الربى الروض الذي شهدوا
وإنّني في الجبال الشم أرقبهم
وإنّني أرد الماء الذي وردوا
صامتة
لا تصمتي فبياني منك منبثق
ومن عيونك وحي الشعر منطلق
كم قد شكتك ليالي الوجد صامتة
وكم أفاض الأسى واسترسل القلق
لا تصمتي ولغات الحب ناطقة
أحنا الأحبة من أن عوتبوا نطقوا
رفت عليك صباباتي وما برحت
بنار حسنك هذي النفس تحترق
ناجيت قلبك أستجلي كوامنه
لو أنّ قلبك في شكواه ينطلق
من الذكريات
في السابع من تموز سنة 1990 نشرت جريدة السفير البيروتية ترجمة قصيدة للشاعر الصهيوني افرايم تسيدون هذا نصّها:
«لن تحاور»
يا مردخاي غور
سأقص عليك قصة
حتّى لو تخلت المنظمة عن ميثاقها
حتّى لو حول ياسر عرفات
اسمه في احتفال رسمي
ليكون موشيه
وحتّى لو تخلى الفدائيون عن أسلحتهم وعقيدتهم
وأرسلوا بطاقات التهنئة
لكلّ بيت يهودي
في رأس السنة العبرية
حتّى لو شاركتنا المنظمة
في بناء المستوطنات لليهود القادمين الجدد
وحتّى لو أعلنوا أمام الملأ
أنّ الضفة الغربية أرض يهودية
وحتّى لو قامت نساء فتح
بنسج قبعات الصوف لجنود إسرائيل
وحتّى لو استقبل أهالي الضفة
جماعات غوش امونيم بالأغاني
والزغاريد وحتّى لو اعترفوا بالدولة اليهودية
وقدموا لنا كلّ أموال التبرعات التي يتلقونها
وحتّى لو التزم ياسر عرفات أمام الملأ
بأنّنا الذئب وهم الغنم
وحتّى لو نقلوا اللاجئين إلى القطب الشمالي
ورفعوا رايات الهزيمة أياماً وليالي
وحتّى لو تحوّلت سيوفهم
إلى أقلام ومساطر
فلن نجالسهم أبداً
ولن نحاور
فرددت عليه بالقصيدة التالية:
لا سلم
لا سلم حتّى تستباح دياركم
بشبا القواضب والبنادق والمدى
وتدك بالبارود تل أبيبكم
ويعود مغناها لظى متوقدا
ونردكم في الخافقين أذلة
ونعيدكم أن تكونوا اعبدا
بالفيلق العربي يزحف هادراً
ويكر في رهج المعامع منشدا
ثارات يعرب لن تطل دماؤها
ولظى الحفائظ لن يبوخ ويخمدا
شدوا ففي حيفا المراح على السرى
غلسا وان على ثراها الموعدا
أن يظمأ الوطن الجريح فلن ترى
إلاّ دماهم للعاطشى موردا
يا شاعر السوءات دون فارتقب
يوماً من الولايات مرّاً اسودا
لا… لن تحاور بل تكمم صاغراً
وتقاد للجلاد ثمّ مصفدا
ونعود لذكرياته
الذكريات في حياة حسن الأمين
أكتب هذا الكلام الآن في التاسع من شهر شباط السنة 1993 (شعبان 1413) وبين يدي أربعة مجلدات من (مستدركات أعيان الشيعة). وفي المطبعة يهيئ المجلد الخامس للصدور، وعلى رفوف المكتبة إلى يميني الأغلفة الصفراء مملوءة بمواضيع المجلد السادس التي لا تزال تزداد يوماً بعد يوم حتّى تكتمل بما يملأ هذا المجلد.
إنّني منذ بدأت العمل بعد وفاة والدي بإعداد مسودات «الأعيان» غير المطبوعة ـ إعدادها للطبع، كان أقصى ما أطمع إليه أن أستطيع تنسيق تلك المسودات وإخراجها مطبوعة، وذلك مطمح كان تحقيقه يبدو بعيد المنال.
أوّلاً: لأنّ إعداد تلك المسودات وتنسيقها وضم مواد كلّ ترجمة إلى مجموعة واحدة. لم يكن من الأمور السهلة.
ثانياً: هب انّي استطعت ذلك فقد كان إخراج تلك المسودات مطبوعة يحتاج إلى أموال كنت لا أملك شيئاً منها. ولم يكن من المستطاع العثور على مغامر من المتاجرين بالكتب يقدم على بذل كثير من المال على أمر غامض النتائج.
كنت أفكر كيف أستطيع إكمال طبع (أعيان الشيعة). أمّا أن يكون لـ (أعيان الشيعة) المطبوع مستدركات فذلك أمر لم يدر في خلدي أبداً.
ولكن التصميم الصارم، والعزم الصامد أخرجا (أعيان الشيعة) في طبعة كاملة لا تقل اتقاناً عن أشهر الموسوعات العالمية في أرقى بلاد الغرب.
وظننت بعد ذلك أنّي سأستريح بعد أن حققت الحلم الذي كان عدم تحقيقه همًّا منغصاً للحياة طيلة أكثر من عقدين من السنين.
وقد كان ما تحملته خلال تلك السنين في تحقيق حلم الحياة ـ كان شيئاً يهد العزائم، كان بعض ما فيه، الخيبة ممّن تحسب أنّهم من الذين لا تخيب عندهم الآمال الطيبة.
ومن بعض ما فيه محادثة الجفاة الغلاظ، ومناشدة الجهلة الأغبياء، والتواضع لمن لا يستحقون إلاّ التكبر عليهم والترفّع عن مجالستهم.
كان ما لقيته شيئاً لا أحتاج بعد إنجاز ما أنجزته إلاّ للعزوف عن مخالطة الناس، والانكفاء إلى التأمّل ومناجاة النفس، والخلود إلى الراحة الكاملة.
وكانت المطالعة سلواي الوحيدة، وكانت تمر بي خلال المطالعات بحوث وأخبار في غاية الأهمية، تتعلق بمن سجلت تراجمهم في (أعيان الشيعة)، فكنت آسف لأنّي لم أر ذلك قبل طبع الكتاب لأضيفها إلى تراجم أصحابها مشيراً إلى أنّها ممّا استدركته على الترجمة، كما حصل ذلك مراراً خلال طبع الكتاب.
وفيما أنا منكب على المطالعة وقعت لي دراسة في إحدى المجلات تتعلق بالفيلسوف (أفضل الدين الكاشاني)، المعروف بأفضل المرقي، فعدت إلى (أعيان الشيعة) لأرى ما سجل فيه عنه، فإذ ما هو مسجل قليل، لأنّ تفاصيل أخباره لم تكن قد وصلت إلى مؤلف (الأعيان)، وليس ذلك مستغرباً فصاحب (الأعيان) لم يكن مستطيعاً أن يحيط بكلّ شيء، وحسبه فضلاً الوصول إلى ما وصل إليه.
فأفرزت مكاناً في محفوظاتي في المكتبة لترجمة أفضل الدين للرجوع إليها عند الحاجة، دون أن يكون في خاطري أي تفكير في مستدركات لأعيان الشيعة.
على أنّ ذكريات مرارة ما لقيت في إنجاز طبع (أعيان الشيعة) والوصول به إلى طبعته الأنيقة. إنّ ذكريات هذه المرارة أخذت تتقلص أمام الحلاوة التي أخذت أحسّها من تداول (الأعيان) في أيدي الناس.
وإنّ انطباعات الغصص التي كابدتها، صارت تمحوها يوماً بعد يوم هذه الجرعات من الهناء التي كانت تعتادني من رؤية مجلدات الكتاب براقة على رفوف خزائن الكتب.
وشيئاً فشيئاً لم يبق في النفس إلاّ الشعور بالسعادة لإنجاز ما وعدت والدي بإنجازه في إكمال طبع كتابه العظيم بعد وفاته.
وغمرتني فأنستني كلّ ما مرّ، وفي هذه الغمرات الهانئة وجدتني مثقلاً بهمٍّ جديد هو همّ مرور الزمن بعيداً عن أي إنتاج، وعدت كما قال المتنبي:
وما في طبه أني جواد
أضرّ بجسمه طول الجمام
لقد طال الجمام بعد طول العناء، فعاد هذا الجمام أشدّ على النفس من كلّ عناء، فهيا إذن إلى العناء من جديد شفاء من طول الجمام.
على أنّ شكواي لم تكن من العناء الجسدي، بل كانت من العناء النفسي في محاولة التعاطي مع من كان التعاطي معهم عناء للنفس دونه كلّ عناء!.
أمّا الآن فلا عناء نفسياً لأنّ الإقبال على (أعيان الشيعة) جعل المعرضين بالأمس يقبلون اليوم.
وهنا تذكّرت ترجمة أفضل الدين الكاشاني، وتذكّرت من ماتوا بعد موت مؤلف (الأعيان) فلم يترجموا في (الأعيان) لأنّه كان من طريقته أن لا يترجم للأحياء.
تذكرت ذلك فقمت إلى محفوظات المكتبة فاستخرجت منها ترجمة الكاشاني وأعددت لها إضبارة خاصّة كتبت على ظاهرها بخط عريض (مستدركات أعيان الشيعة)، وأفرزتها ناحية، فكانت هذه الترجمة نواة (المستدركات)، وكانت هذه الإضبارة أساس ما توالى بعدها من إضبارات، امتدّت حتّى أعطت حتّى الآن خمسة مجلدات([1391]).
أوائل العام الخامس والثمانين
إنّني الآن في أوائل العام الخامس والثمانين من العمر، فكم ستمتدّ الحياة من السنين بعد هذا العام، بل الأحرى أن أتساءل كم ستمتد من الأيام والشهور، فبعد الخامسة والثمانين هل يمكن الطمع بسنين.
إنّ امتدادها إلى هذا الحد. إلى الخامسة والثمانين مع الاحتفاظ بالصحة والنشاط والطموح والفكر لشيء كثير فالأتراب ماتوا، والرفاق فنوا أو عجزوا!.
وأنا لا أزال قائماً، والقلم في يدي أسطّر به ما أسطّر من بحوث (المستدركات) طوراً، ومن بحوث (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية) طوراً آخر… فإلى متى سيدوم ذلك.
اللهم هب لي ما تشاء من السنين أو الشهور أو الأيام، وسيكون إعظامي لهبتك أن لا أنفقها إلاّ في رضاك، ولا أحسب أنّ شيئاً يرضيك أكثر من تسطير صفحات مجيدة من تاريخ الأمّة التي قلت عنها في كتابك العزيز: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} أمّة العرب وأمّة المسلمين.
إنّ ما سجل في (أعيان الشيعة) ومستدركاته، وما سيسجل وأنّ ما سجل في دائرة المعارف الإسلامية الشيعية وما سيسجل، ليس ـ كما قد يبدو من العنوانين ـ موضوعاً طائفياً، أو دراسة مذهبية أو بحوثاً فئوية.
إنّه نشر لصفحات مطوية من أنصع صفحات تاريخ العروبة والإسلام، وتسجيل لأخبار من أنقى أخبار هذه الأوطان التي عاش فيها العرب والمسلمون.
في أوّل الطريق
الإضبارة النحيلة التي ضمّت ترجمة واحدة، والتي استهلت باسم أفضل الدين الكاشاني، كنت أحسب أن ليس من السهل تضخيمها، وكنت لا أستطيع تقدير الزمن الذي يقتضيني لجعلها مستهل (المستدركات) المطبوعة. ولكن الأيام كانت تمر منتقصة من العمر، مزيدة في الإضبارة.
وحين تشعر أنّ الأيام تنتقص من عمرك وتسوقك إلى الموت بلا جدوى، وحين تغيب الشمس فتحسّ أنّك خطوت خطوة إلى الفناء بلا أثر خلفته وراءك…
حين يكون الأمر كذلك يكون للحياة مرارة العلقم، ويكون طلوع الشمس وغروبها، طلوع للبلاء الذي لا غروب له.
لقد ذقت ذلك سنين من حياتي، يوم أبيت أن أخنع لواقع الدنيا في هذا الوطن، هذا الواقع الذي يجعلك وأنت الأنوف الأبي ـ يجعلك تقف موقف صاحب الحاجة أمام اللئام أميّي الفكر الذين أوصلتهم أحط الطرق إلى أن يكونوا قاضيي الحاجات…
فآثرت الحرمان على الدنو منهم والوصول إلى أبوابهم.
فكان عليّ أن تمر أيامي خواء، وأن تنقضي حياتي هباء، وأن تشرق الشمس ولا جديد في شروقها، وأن تغيب فيطلع الاسى من مغيبها.
أمّا اليوم فللشمس أن تطلع ما طلعت، فإنّها تطلع ويطلع معها أمل جديد، وتغيب فيشرق مع غيابها عمل عتيد.
ها هي الإضبارة التي كانت وحيدة تصبح إضبارات، وها هي ترجمة أفضل الدين الكاشاني التي كانت مفردة تصبح لها أخوات وأخوات!.
كانت ثاني ترجمة أكتبها للمستدركات ترجمة المفكر العربي الكبير محمد شرارة الذي كان لم يمض على وفاته وقت طويل، وكم شعرت بارتياح نفسي وبهجة روحية، وأنا أخط سطور ترجمة هذا الرجل الذي أعطى أمته أفضل ما يعطي الرجال لأممهم. وكم حمدت الله لأنّ عملي الذي اخترته لنفسي هو تسطير تاريخ الرجال لأستطيع أن أعطي الرجال مستحقي العطاء ـ أن أعطيهم بعض حقّهم!.
ثمّ تلت ترجمة محمد شرارة ترجمة الشاعر العاملي إبراهيم شرارة الذي هو من صانعي النهضة الشعرية في جبل عامل في هذا العصر، وممّن عرفتهم المنابر العاملية في مختلف ندواتها سواء في أفراحها أو أحزانها، رفيعي الصوت في استنهاض الهمم، بليغي القول في استصراخ العزائم.
وإعداد ترجمة إبراهيم شرارة والحصول على بعض شعره كانا مثالاً لما كنت أعانيه من أقرباء بعض من أريد أن أذكرهم في (المستدركات)، فبعض هؤلاء الأقرباء كان يماطل ويطاول في حصولي على ما أريد، ثمّ كان يبدو وكأنّه يمن عليّ بما يعطي إذا أعطى.
ولم يكن شقيق إبراهيم شرارة وحده الذي عانيت منه ما عانيت، ثمّ بعد انتظار أكثر من سنة لم يصلني منه شيء، بل وصلني ما أريده من قريب آخر لإبراهيم.
لم يكن شقيق إبراهيم شرارة وحده في ذلك بل كان له نظائر، ولكنّهم قلة وفي المقابل كان هناك من بلغهم عملي، فأسرعوا هم من أنفسهم لإمدادي بما أريد سواء من كان منهم في لبنان أو العراق أو إيران أو الهند أو باكستان أو أفغانستان.
وكانت خطتي في (المستدركات) ذات ثلاث مناحٍ:
1 ـ تراجم من توفوا بعد وفاة مؤلف أعيان الشيعة.
2 ـ إضافات إلى من ترجمهم، ثمّ وجدنا لهم ما يجب أن يضاف إلى تراجمهم.
3 ـ تراجم القدماء الذين فات المؤلف ذكرهم.
وأخيراً صدر الجزء الأوّل من المستدركات على نسق الطبعة الجديدة من مجلدات الأصل: (أعيان الشيعة)، ولكن بعدد من الصفحات أقل.
وقد كانت قلة عدد الصفحات مفروضة علينا، إذ لم يجتمع لدينا من التراجم في المجلد الأوّل أكثر ممّا اجتمع، فآثرنا أن نخرج ما اجتمع على أن ننتظر اجتماع أكثر ممّا اجتمع.
ولكنّنا حدّدنا بعد ذلك عدد صفحات كلّ مجلد، على أن لا نتجاوزها ولا نقلّل منها، لكي تصدر المجلدات في حجم واحد ما عدا الأوّل الذي كان محكوماً علينا أن نخرجه بعدد الصفحات التي خرج بها.
دائرة المعارف
لم يشغلني العمل في (مستدركات أعيان الشيعة) عن التفكير في إكمال (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية)، إذ أنّني اقتصرت في إخراجها على ثلاثة مجلدات فقط. وكنت قد أعددت إضبارة خاصّة لمواضيع جديدة للدائرة اجتمع فيها العديد من المقالات المتنوعة. وقرّرت أن أسير بالعملين معاً في وقت واحد.
ومن أجل ذلك كان لا بدّ من الانتقال إلى مختلف البلاد العربية والإسلامية للاتصال بالاختصاصيين واستكتابهم، والبحث في المكتبات العامة والخاصّة، ومشاهدة كثير من المواقع مشاهدة عيانية. وكان ذلك متعذراً عليّ لافتقاري إلى المال الذي لم أكن أملك منه شيئاً.
مؤتمر الشيخ المفيد
تلقيت دعوة لحضور مؤتمر علمي يعقد في مدينة (قم) احتفالاً بمرور ألف عام على وفاة الرجل الكبير الذي اشتهر بلقبه العلمي (الشيخ المفيد) وفي اليوم الخامس عشر من شهر نيسان سنة 1993 كنّا نأخذ السيّارات من بيروت إلى دمشق ومنها نأخذ الطائرة إلى طهران.
ووصلنا ليلاً الى مطار طهران وانتقلنا منه في السيّارات إلى (قم) وقضينا الليل في الفندق المعدّ لنزولنا مع بقية المدعوين من الأقطار الأخرى.
وقد كان هذا المؤتمر التجربة الأولى لرجال الحوزة العلمية في قم، إذ أنّ القائمين به هم من أطلقوا على أنفسهم اسم (جماعة المدرسين)، والمقصود بالمدرسين: مدرسو الحوزة.
وقد أثبت المشرفون على إعداد المؤتمر وتنظيمه وإدارته جدارة عالية في هذا الأمر، وبرهنوا على أنّهم أكفياء للقيام بمثل هذه المهمات التي لا عهد لهم بها من قبل. وكان المؤتمر ـ بفضل جهودهم ـ ناجحاً، سواء بالإقبال على حضوره أو فيما كتب له من بحوث ما ألقي منها على الحاضرين وما لم يلق.
وفي الوقت الذي دعيت فيه إلى المساهمة في مؤتمر الشيخ المفيد في قم، أنبئت أنّنا مدعوون أيضاً إلى مؤتمر تذكاري لعالم الفلسفة الإسلامية الشهير الشيخ هادي السبزواري. وقد أنبئنا بذلك قبل يوم واحد من موعد السفر من بيروت. لذلك لم يكن مستطاعاً إعداد دراسة عن السبزواري.
ولكنّني مع ذلك صمّمت على تلبية الدعوة لأنّ لسبزوار في ذهني صوراً تاريخية زاهية، ويكفي في ذلك أنّ منها انبثقت حركة (السربداريين) في قرية غير بعيدة عن المدينة نفسها، هذا فضلاً عمّا يتيحه لي حضور المؤتمر من لقاءات ومشاهدات فيها الكثير من الفائدة.
مؤتمر الشيخ هادي السبزواري
ومضوا بنا بعد انفراط عقد مؤتمر الشيخ المفيد ـ مضبوا بنا من قم إلى طهران حيث قضينا يوماً وليلة فيها، وفي أصيل اليوم الثاني انتقلنا في الطائرة من طهران إلى مشهد، فلم نبرح مطارها، بل مضينا في الساعة السابعة مساء في يوم 22 نيسان 1993 في السيّارة قاصدين مدينة سبزوار، مصحوبين بالسبزواريين الذين انتدبوا لاستقبالنا في المطار.
وكان الذين لبّوا دعوة مؤتمر سبزوار من غير الإيرانيين قليلين لا يجاوزون بضعة أشخاص بينهم السيد (شجيرو كامادا) أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة طوكيو.
سرنا في جادة عريضة لها اتجاهان في السير يفصل بينهما وسط مخضوضر، وعلى جانبيها شواهق البناء، ووراء الشواهق البساتين النضيرة.
كنّا نسير في مدينة مشهد في جادة من جوادها المتمادية في العرض والطول، ولم نلبث أن تركنا الجادة منحرفين إلى اليسار في طريق ضيق تمتد فيه الأشجار ووراءها البساتين ثمّ انحرفنا إلى اليسار أيضاً ولكن في طريق عريض تتكاثف الأشجار على ضفتيه، وتمثل هذه الأشجار طلائع للبساتين التي وراءها.
ولم يلبث الشجر أن توارى وصارت الأرض جرداء تتخللها البيوت المبثوثة هنا وهناك وهنالك، ثمّ انقطع العمران وصرنا في سهول مديدة أكسبها فصل الربيع خضرة يانعة، على أنّها ليست سهولاً منبسطة تمام الانبساط، بل فيها ما يرتفع وفيها ما ينخفض. ترتفع في أكثرها وتنبسط في أقلها، لا سيما على جانبي الطريق حيث تصبح تلالاً متتابعة.
ثمّ بدأ الظلام يرخي سدوله، وأخذت بعض الأنوار تلتمع في السهل الواسع، هي أنوار معامل وأنوار سيّارات، وقلّ العمران، ثمّ انعدم كلّ الانعدام.
إنّها سهول زراعية مديدة لا مكان فيها لغير النبات، فلا قرى ولا دساكر ولا مزارع ولا سكان، وهذا يبدو جلياً ممّا يرين عليها من ظلمة داجية لا تلمح خلالها بصيصاً من النور. اللهم إلاّ الأنوار المتماوجة بيضاء في مصابيح السيّارات القادمة وحمراء في المصابيح الذاهبة.
ولم تلبث أن لمعت إلى يسارنا أنوار متكاثفة بعيدة علمنا أنّها أنوار قرية (جمال ده)، ثمّ تلتها أنوار قرية أخرى. ثمّ إلى يميننا قرية (فخر داود).
إنّنا منذ خروجنا من مطار (مشهد) نمشي في سهول خراسان ونشق البراري التي تعاقب على شقّها منذ صدر الإسلام من نحس الآن ذكراهم في مسيرنا الليلي الداجي هذا. ومهما استغرقت في الحاضر وتطلّعت إلى الآتي، فإنّك وأنت في ليل سهول خراسان ستراك مشدوداً إلى الماضي!…
لله ما يثير في النفس هذا الظلام الدامس تارة، والموشّى بالمصابيح تارة أخرى ـ لله ما يثير النفس حين تعي أنّه الظلام الذي طالما جازته أحداث هي من تاريخك في الصميم.
ومضت السيّارة توغل في الحاضر، ومضيت معها أوغل في الغابر!…
ثمّ طلعت إلى يسارنا أنوار قرية (ديزباد) السفلى وأمامها أنوار (ديزباد) العليا، ثمّ إلى يميننا أنوار (علي آباد)، ثمّ تتابعت أنوار الدساكر والقرى.
هذا الطريق الذي نسير فيه هو في الحقيقة طريق طهران ـ مشهد، فنحن حين خرجنا من مشهد في هذا الطريق كنّا نعود راجعين من حيث أتينا، راجعين باتجاه طهران.
ذلك لأنّ لا مطار في (سبزوار)، فمن أجل الوصول إليها لا بدّ أوّلاً من تجاوزها بالطائرة وصولاً إلى مشهد، ثمّ العودة إليها بالسيّارة من مشهد.
بعد أن كانت الأنوار تبدو بعيدة عنّا في عرض السهل، رأينا أنّ أنوار مزرعة قرب الطريق ثمّ أنوار استراحة يفيء إليها المسافرون المتعبون القادمون براً من طهران إلى مشهد. ثمّ تتابعت بعد أنوار قرية (حاجي آباد) الملاصقة للطريق ـ تتابعت أنوار القرى القريبة والبعيدة، وتكاثرت بحيث قرب بعضها من بعض.
وبعد حوالي الساعة كنّا نخترق أوّل شارع من شوارع مدينة (نيسابور)، فبدت أنوار نيسابور ممتدة على الجانبين. وظللنا نمشي في جادة طويلة عريضة مضاءة، إلى أن انقطع نور الجادة، وابتعدنا عن النور، فبدا لنا أنّنا خرجنا من نيسابور.
لقد خرجنا فعلاً من نيسابور، وما بات يلوح لنا من أنوار قريبة أو بعيدة إنّما هو أنوار الضواحي.
وفي هذه الساعة الليلية الخراسانية، وفي هذا الطريق الحضاري المديد، وفي هذا الزمن المنتمي إلى السنين الأخيرة من سني القرن العشرين…
لم أستطع حيال هذه الأنوار التي تدنو حيناً وتنأى حيناً، وتتكاثف مرّة وتتفرّد مرّة، لم أستطع إلاَ أن أتمثّل بالشعر العربي المنتزع من صميم البداوة ابتداء من الشعر الجاهلي فما بعده. هذا الشعر الذي كانت تشغله أنوار النيران المتفردة في أعراض السهول فيستلهمها أعذب الشعر وأرقّه.
لم أملك نفسي من أن أنتشد وأنا مغمور بليل خراسان مندمج في سهل نيسابور.
إلاّ أن أنشد الشعر العربي المستوحى من ليالي الجزيرة والمستلهم من فيافي الدهناء وسهوب الدخول وحومل إلاّ أن أنشد:
لمعت نارهم وقد عسعس الليل
ومل الحادي وحار الدليل
فتأملتها وفكري من البين عليل
ولحظ عيني كليل
|
وفؤادي ذاك الفؤاد المعنى
وغرامي ذاك الغرام الدخيل
ثمّ قابلتها وقلت لصحبي
هذه النار نار ليلى فميلوا
على أنّ هذا النور لم يكن نور (ليلاي) لأقول لصحبي: هذا نورها فميلوا بي إليه، فنور (ليلاي) هناك بعيد… بعيد…
وهكذا ظللنا نمشي بين نور وظلام حتّى كانت الساعة قد بلغت حوالي التاسعة فإذا أنوار سبزوار تشعّ أمامنا ممتدة في عرض السهل، ثمّ كنّا ندخلها منحرفين إلى الشمال في شارع مشع هو سوق من أسواقها، ثمّ كنّا نوغل في شوارعها التي كان بعضها يعجّ بالحياة في تلك الساعة من الليل.
مضوا بنا إلى مكان نزولنا، فدخلنا مبنى حسبنا أوّل الأمر أنّه فندق كغيره من الفنادق، ولكن مظاهر ما فيه كانت غريبة، وأوّل غرابة بدت لنا هي أنّ جلوسنا إلى مائدة العشاء كان على مقاعد خشبية مستطيلة، إلى موائد هي الأخرى خشبية مستطيلة، ممّا لا تعهده الفنادق، وكان كلّ شيء في غرفة الطعام غريباً.
ثمّ كشفوا لنا الحقيقة الطريفة عندما كانوا يهيؤوننا للانتقال إلى غرف النوم.
ليس في مدينة سبزوار فنادق فلا يزال أهلها على الفطرة الكريمة القديمة التي تأبى إلاّ أن يستقبلوا ضيوف المدينة في بيوتهم. ولما كان ليس من المعقول أن يستضاف هذا العدد الكبير من المشاركين في المؤتمر في البيوت، لذلك ارتأى المشرفون على المؤتمر أن يكون نزول الضيوف في (القسم الداخلي) لجامعة سبزوار، فأفرغوه من الطلاب وأحلوا الضيوف محلهم فبعد غرفة الطعام (الطلابية) مضوا بنا إلى غرف النوم (الطلابية) التي كانت أسرتها ذات طبقات ثلاثة يؤلف كلّ سرير طبقة.
فكان هذا الحل أفضل حل لهذه المشكلة (السبزوارية). واشهد أننّا لم نشك شيئاً يخل بالراحة، بل كنّا بذلك مغتبطين مانوسين.
على أنّ هناك من قال إنّ هذا الحل لم يكن لأنّ سبزوار تخلو من الفنادق، بل لأنّ القائمين على المؤتمر هم مجموعة من الناس محدودة الإمكانات المالية، فلا تستطيع تحمّل نفقات الفنادق للعدد الكبير من المدعوين.
وقد اجتمعنا نحن غير الإيرانيين في غرفة واحدة اتّسعت لنا جميعاً بفضل طبقات أسرتها.
مؤتمر السبزواري
استمرّ المؤتمر يومين تعقد في كلّ يوم جلستان جلسة قبل الظهر وجلسة بعد الظهر. والجلسة عبارة عن محاضرات يتناوب على إلقائها المدعوون للمشاركة في المؤتمر، وكانت كلّها باللغة الفارسية، ولا مكان للترجمة الفورية هنا، وذلك لأنّ المؤتمر كان معقوداً للإيرانيين وحدهم، ولم يكن في النية دعوة أحد من خارج إيران ولكن عندما عرف القائمون على أمر المؤتمر بتطابق الوقت بين المؤتمرين… مؤتمر قم ومؤتمرهم في سبزوار، وأنّ موعد المؤتمر السبزواري يصادف بعد نهاية المؤتمر القمي كلفوا القائمين على مؤتمر قم أن يدعوا بالنيابة المدعوين إلى مؤتمر قم.
وبعد انتهاء مؤتمر الشيخ المفيد خُيِّر الضيوف بين زيارة أصفهان وبين الذهاب إلى سبزوار، فاخترنا نحن القلة الذهاب إلى سبزوار.
وفي الجلسة الأخيرة للمؤتمر رأيت أنّ من حق الداعين لنا أن نشاركهم بكلام عن مؤتمرهم، وأنّه ليس من الإنصاف أن نظل ساكتين فلا يكون لنا على منبرهم صوت من الأصوات.
وهنا عنت لي فكرة المشاركة في المحاضرات لا بحديث عن السبزواري، بل بحديث عاطفي عن سبزوار.
فإنّ علي بن المؤيد الذي دعا محمد بن مكي الشهيد هو خراساني سبزواري، إذ هو آخر الملوك السربداريين الذين قامت حركتهم أوّل ما قامت في قرية من قرى سبزوار قريبة منها. ثمّ تمركزت الحركة أكثر ما تمركزت في سبزوار.
فعلي بن المؤيد داعي الشهيد الأوّل محمد بن مكي هو في حقيقة الأمر سبزواري.
ومعلوم أنّ الشهيد اعذر عن إجابة دعوة علي بن المؤيد، وأرسل له كتاب (اللمعة) ليكون منه دليل لطالبي الاسترشاد والهداية.
فقرّرت أن تكون كلمتي المرتجلة مستمدّة من هذه الوقائع فطلبت من صاحبي السبزواري الذي انتدب لمرافقتي مدّة إقامتي في سبزوار الأستاذ صاحب علي أكبري رئيس قسم اللغة العربية في جامعة سبزوار أن يصحبني إلى منبر المؤتمر ليترجم ما أقوله جملة جملة.
وأرسلت إلى مدير الجلسات أطلب الكلام، فأعلن اسمي ومشيت إلى المنبر مع الأستاذ أكبري فكان خلاصة ما قلته: إنّ بيننا نحن في جبل عامل وبينكم أنتم في سبزوار رابطة لا تنقطع على مدى الدهر، هي كتاب (اللمعة) الذي كان اقتراحاً سبزوارياً وتنفيذاً عاملياً.
وإذا كان تعذّر على الشهيد محمد بن مكي أن يلبي دعوة أسلافكم، فها أنا آتيكم من جبل عامل ملبياً دعوتكم حاملاً إليكم تحية العامليين.
ولم أكن أتوقع أن يكون لكلامي ما كان له من الأثر على السبزواريين الذين هبّوا من مقاعدهم يهتفون بأعلى أصواتهم بالصلاة على محمد وآل محمد، والهتاف بالصلاة على محمد وآل محمد هو المتعارف عليه في مثل هذه الاحتفالات للتعبير عن التقدير والاستحسان، أمّا التصفيق فلا مكان له.
ولكن السبزواريين لم يكتفوا بالصلاة على محمد وآل محمد، بل أعقبوها بعاصفة من التصفيق الحاد الطويل.
والواقع أنّ ذلك كلّه كان تحية لذكريات الماضي المرتبطة بالحاضر، تحية للسبرداريين ولآخر ملوكهم علي بن المؤيد داعي العالم العاملي الكبير، وتحية لهذا العالم المستشهد في سبيل الحق والصدق والإخلاص، وتحية لبعث هذه الذكريات في هذه الليلة السبزوارية الوفية. لقد كانت ليلة سبزوارية عاملية.
رحيل العلاّمة المؤرخ
السيد حسن الأمين (رض)
إلى جنان الخلد
نعي الفقيد ـ صدى الرحيل في وسائل الإعلام ـ
تكريم سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية
رحيل العلاّمة المؤرخ
السيد حسن الأمين (رض)
إلى جنان الخلد
وبعد هذه الرحلة الطويلة المليئة بالعمل المثابر والجهد الكبير والإثراء الموسوعي ترجّل الفارس عن جواده وأغمضت العينان جفنيها الساهرين في ألق البحث والتنقيب وخدمة الحقيقة.
وجفّ ذلك المداد الطاهر الذي بيَّض به صفحات تاريخ مضمخٍ بدماء القرابين دفاعاً عن العقيدة والمذهب.
وإذا بالسيد السند يسرع والهاً إلى أسلافه العظام بعد أن اطمئن إلى ما قدّمه للأجيال من حقائق ناصعة وتحقيق دقيق ورفع الغطاء عن الأقلام المزيفة المأجورة.
وصعدت الروح إلى بارئها راضية بما قدّمت ولو زيد لها في فسحة الأجل لواصلت عطائها، فإلى روحك الطاهرة وجسدك الطيب شآبيب الرحمة والرضوان.
وقد كان لوقع المصيبة بفقدان الراحل الكبير صدى في المجامع العلمية والحوزات وعند الباحثين وأهل الثقافة وقد بادر جمع منهم إلى كتابة ما رثوا به الراحل أو أبّنوه به أو ذكروا فضله وعلمه وهي تأتي تباعاً.
نعي الفقيد
بسم الله الرحمن الرحيم
ببالغ الأسى والأسف علمنا بأنّ الكاتب والباحث والمؤرخ اللبناني الشهير والجليل السيد حسن الأمين نجل العلاّمة الجليل والفقيه والمؤرخ الإسلامي البارز المرحوم آية الله السيد محسن الأمين قد وافته المنية والتحق بربّه.
إنّ فقدان هذه الشخصية الكريمة يشكّل خسارة بالنسبة للشعب اللبناني ولا سيما بالنسبة للمسلمين والشيعة في لبنان.
فالأبحاث العلمية والمؤلفات القيّمة التي خلّفها المرحوم في مختلف المجالات لا سيما في مجال التاريخ الإسلامي ومناقب أهل البيت (عليهم السلام) إنّما هي صفحة ناصعة تضاف إلى سلسلة المفاخر الخالدة لجبل عامل.
إنّني إذ أتقدّم بأحرّ التعازي لأسرة الأمين الفاضلة وللعلماء المسلمين وكذلك للمحافل العلمية والجامعية برحيل هذا المفكّر المحترم لأسأل الله تعالى أن يلهم المفجوعين الصبر والسلوان وأن يتغمّد الفقيد السعيد بواسع الرحمة والغفران.
سيد علي الحسيني الخامنئي
13 شعبان المعظم 1423هـ
20/10/2002م

بسم الله الرحمن الرحيم
{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ…}
تتقدّم «دار التعارف» إلى المحافل والحوزات العلمية وإلى طلاب الحقيقة وإلى عالمنا الإسلامي ببالغ العزاء برحيل الفقيد الكبير المؤرخ والموسوعي والعالم السيد حسن الأمين نجل العلاّمة الكبير السيد محسن الأمين مبتهلين إلى الله أن يسكنه الفسيح من جنانه وأن يلهم ذويه وعارفي فضله وأهل العلم الصبر وأن يقيض الله من يسير على دربه وخطاه.
و«دار التعارف» التي عرفت الراحل السيد حسن الأمين منذ سنين من خلال التعاون في طباعة موسوعة والده الراحل «أعيان الشيعة» ثمّ مواصلة النشاط في إصدار موسوعته «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» رغبت أن تشارك محبّيه في إحياء ذكراه من خلال طبع هذا الكتاب الذي يتناول ذكريات السيد حسن الأمين والتي خطّها بقلمه وهو يتحدّث عن نفسه وعن مسيرته الطويلة ـ آملين أن نكون قد أدّينا بعض حقّه الكبير علينا، فإلى رحمة الله ورضوانه.
وإنّا لله وإنّا إليه راجون.
دار التعارف


تشييع الفقيد إلى مثواه الأخير
نعي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى
بسم الله الرحمن الرحيم
ينعي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى المفكر الإسلامي الكبير والمؤرخ الأديب السيد حسن الأمين نجل الإمام المقدس السيد محسن الأمين الذي توفّاه الله عصر اليوم الاثنين عن عمر ناهز خمسة وتسعين عاماً قضاه محامياً وقاضياً وأستاذاً جامعياً ومحاضراً، وقد قضى عمره الشريف عاملاً بالبحث العلمي والكتابة والتأليف، وله حوالي الخمسين مؤلفاً منها دائرة المعارف الإسلامية الشيعية والموسوعة الإسلامية.
وسينطلق موكب تشييع الجثمان من مسجد الإمام الصادق ـ مستديرة شاتيلا في التاسعة من صباح يوم غد الثلاثاء إلى مسقط رأسه بلدة شقرا حيث سيوارى الثرى في الساعة الثانية والنصف من بعد الظهر.
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى
المكتب الإعلامي
في 14/10/2002م
بسم الله الرحمن الرحيم
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق].
كم من الأشخاص يمرون في حياتك التي قد تطول عشرات السنين، تتعرّف إليهم، وتسبر شخصياتهم، وتطّلع على كثير من جوانب حياتهم وسيرهم؟
إنّهم ـ ولا شك ـ قد يبلغون بضع مئات إن لم نقل بضعة ألوف.
ولكن، كم منهم قد يدخل نفسك فتعشقه، ويدغدغ عقلك فتركن إليه، وتتكشف لك جوانب مشرقة من سجاياه فلا تستطيع إلاّ أن تحترمه؟
إنّهم بلا ريب أقل القليل.
وأفراد هذه القلّة، هم الذين يفتقدون إذا غابوا، ويملؤون عليك حياتك إذا حضروا، إذا تكلموا شدّوك إلى منطقهم من دون إكراه، وتقبل على السماع منهم والاستماع إليهم من دون ملل، وإذا سكتوا لم يكن سكوتهم أقل حكمة من نطقهم، فهم والحكمة قرناء، تكلموا أم سكتوا.
الباحث والعلاّمة السيد حسن الأمين، كان واحداً من تلك القلّة من الناس، تعرّفت إليه منذ سنوات طوال، أوّلاً من خلال بعض الكتب التي أديناها بعد أن أعمل فيها قلمه تهذيباً وتصحيحاً وتوثيقاً ككتاب أعيان الشيعة لوالده المجتهد الكبير آية الله السيد محسن الأمين رضوان الله تعالى عليه ثمّ من خلال ما سطّره يراعه الفذ من مستدركات للأعيان وموسوعة دائرة المعارف الإسلامية الشيعية رتب على عدّة مجلدات ضخمة أخذت من عمره وجهده ردحاً طويلاً من الزمان، وبعدها من خلال مؤلفاته التاريخية النيّرة التي يكتشف القارئ لها مدى الدقة والتحقيق اللذين جلى فيهما العلاّمة الكبير كثيراً من مفاصل تاريخ الأمّة الإسلامية ومحطاته ذلك أنّ هذا التاريخ من وجهة نظره إنّما كتب في الغالب بإيحاء من الحكام والسلاطين في العصور المختلفة أو إرضاءً لهم حيث زورت فيه وقائع وشوّهت مواقف بصور من التضليل والدس والتجني تتناسب مع مواقف أولئك الحكام وتخدم مصالحهم وأغراضهم فجاء نتاجه الفكري وافياً بتصحيح ما زيف وتوضيح ما غمض معيداً الحق إلى نصابه، كما عرفت في هذه الشخصية الإسلامية الفذّة من صفات خلقية كريمة ومثالية ورثها عن أجداده الطاهرين ما لعب دوراً في استقطاب جيل الشباب والمثقفين ومختلف الفئات الشعبية نحو الإسلام.
فإلى جانب ما تميّز به الأستاذ السيد حسن الأمين من مرتبة علمية راقية ومن شخصية ثقافية واجتماعية مرموقة فقد كان متواضعاً جداً وعلى اتصال مباشر مع مختلف شرائح المجتمع.
ثمّ عرفته قبل هذا وذلك من مواقفه الجريئة ونظراته النيرة في مؤتمرات وندوات وكتابات زخرت بها وسائل الإعلام العربية المرئية والمسموعة والمقروءة. من أجل معرفتي هذه به، كان لوقع نبأ وفاته علي مرارة وأسى حيث فقدت الأمّة برحيله بطلاً من أبطال القلم وقمّة من قمم الفكر والتحقيق ورائداً من روّاد الخير والحق في هذا العصر. فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حياً وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
سيد علي أكبر محتشمي بور
رئيس كتلة الثاني من خرداد النيابية
وأمين عام الرابطة الدولية للبرلمانيين
المدافعين عن القضية الفلسطينية
بسم الله الرحمن الرحيم
«إذا مات العالم ثلمَ في الإسلام ثلمةً لا يسدُّها شيء».
لقد فُجعت الأوساط العلمية والثقافية وأهل العلم والأدب بخبر رحيل الشمس المُشرقة، أحد أعلام العالم الإسلامي المؤرخ الكبير المرحوم السيد حسن الأمين، فهو من جيل العلماء الأجلاّء الذي عرفتهم حاضرة جبل عامل.
إنّ السيد الأمين العالم الجليل، الذي ثابر على طلب العلم وتأدية واجب الكتابة والتأليف، على مدى ما يَقْرُب مائة عام، استطاع بحكمته وفطنته، أن يكشف ما خبِئَ من خبايا التاريخ الإسلامي، معتمداً بذلك على استدلالات مُبدعةٍ وخلاّقةٍ لا لُبسَ فيها، فضلاً عن استناده إلى الشواهد التاريخية الواضحة والبيّنة.
اليوم ومع أنّنا نفقد عزيزاً شكّل غيابه خسارة كبرى، لكن ما يعزّينا ويَسدُّ فراغ غيابه، الآثار والمؤلفات التي خلّفها والتي أضحت منارةً لكلّ طالب علم وباحث مُجدٍّ.
التزم السيد حسن الأمين منذ شبابه وبكامل طاقاته خدمة منهج أهل البيت (عليهم السلام) وكان ثمرة التزامه عشرات الآثار العلمية والفكرية في مجال التاريخ الإسلامي والتشيّع، زيّنها بأهم مؤلفاته وهو كتاب «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية».
سيُكتب اسم العالم القدير والجليل السيد حسن الأمين والذي كان كمِثلِ أبيه المرحوم العلاّمة السيد محسن الأمين صاحب «أعيان الشيعة»، على لائحة خدّام الثقافة الإسلامية والشيعية إلى الأبد.
نتوجّه بأسمى آيات العزاء إلى صاحب العصر والزمان (عج) وإلى الإمام القائد الخامنئي (دام ظلّه) وإلى كلّ المراجع والمجامع الدينية والثقافية والعلمية وأيضاً شعب لبنان العزيز والمُحبِّ للعلم.
أحمد مسجد جامعي
وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي
مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث
إنّا لله وإنّا إليه راجعون
سماحة العلاّمة الحجة السيد محمد علي الأمين
السادة الأجلاء من آل الأمين الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بمزيد من الأسى والأسف والتسليم بقضاء الله وقدره تلقينا نبأ وفاة العلاّمة الأستاذ السيد حسن الأمين (رحمه الله) بعد عمر مبارك قضاه في خدمة العلم وتراث أهل بيت العصمة والطهارة مدافعاً صلباً عن حقّهم، ومجاهداً لا يلين في سبيل نشر معارف الطائفة وتاريخها بنصوص جريئة ورؤية موسوعية ومعارف شمولية يزينها صدق وإخلاص وولاء نقي.
عظّم الله أجوركم وألهمنا وإيّاكم الصبر والسلوان، وتغمّد الله فقيدنا الراحل برحمته الواسعة وأسكنه الفسيح من جنانه مع أجداده الطيبين الطاهرين.
جواد الشهرستاني
قم المشرفة/ 7 شعبان 1423هـ
نصّ الرسالة الخطيّة لرئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لمناسبة رحيل الأستاذ الدكتور السيد حسن الأمين
رَحِمَه الله
إنّا لله وإنّا إليه راجعون
لقد افتقد العالم الإسلامي أحد رموزه العلمية المعاصرة وهو العلاّمة والمفكّر السيد حسن الأمين في لبنان.
كان المؤرخ والباحث والكاتب الإسلامي السيد حسن الأمين نجل المرحوم العلاّمة الكبير السيد محسن الأمين، صاحب الأثر الخالد «موسوعة أعيان الشيعة»، قد أمضى حياته المباركة في إسداء الخدمات العلمية والعملية في مجال التحقيق والدفاع عن الحقيقة، فاستحق بجدارة لقب المفكر والمدافع الكبير عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) واستحق أيضاً التكريم والتقدير.
لقد قدّم الفقيد خدمة كبرى لعلوم أهل البيت (عليه السلام)، من خلال المؤلفات العلمية والأبحاث التي أنجزها ومن جملتها إكمال سِفر أبيه القيم «مستدركات أعيان الشيعة». فلن يُمحى من الأذهان ولن ننسى مطلقاً حضوره الفاعل في الميادين العالمية والمؤتمرات الدولية، حيث كان على الدوام مصدر فيضٍ علميّ وثقافي، شمل المنطقة والعالم.
إنّنا نعزّي بقية الله الأعظم صاحب العصر والزمان (أرواحنا لمقدمه الفدى) ونائبه قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي (دام ظلّه) بفقد هذه الشخصية التي تعتبر من أساطين العلم والتحقيق والدين والثقافة، كما ونعزي المراجع وعلماء الحوزات العلمية ونسأل الله الكريم أن يتغمده برحمته الواسعة وأن يمنَّ على أحبائه وأسرة الأمين بالصبر الجميل والثواب الجزيل.
ولا شك أنّ جيمع الأوساط والمجامع العلمية والثقافية والدينية والمراكز الثقافية والبحثية ستقوم بتكريم هذه الشخصية الفذّة بشكل لائق، ويُعدّ ذلك

تكريماً للعلم والدين والجهاد، وهي من العناصر الأساسية والأركان الرئيسية في حياة هذا الرجل الفذّ، وستبذل كلّ مساعيها في إحياء منزلة وخدمات العلاّمة الأمين (قدس سرّه الشريف) وهذا ما سيهتم به محبّو أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) عبر مشاركتهم الفاعلة في مراسم تأبينه التي ستقام من قبل الزعماء الدينيين والشخصيات العلمية.
محمود محمدي عراقي
رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية
مقام السيدة زينب (عليها السلام)
السادة آل الأمين الأكارم
شقرا ـ لبنان
تلقينا نبأ وفاة العلاّمة المغفور له الأستاذ حسن الأمين رحمه الله نجل العلاّمة والمصلح الكبير المغفور له السيد محسن الأمين بمزيد من الحزن والأسى حيث كان فقيدنا ولداً باراً لوالده سار على خطاه وألّف عشرات الكتب وخاصّة إنجاز أعداد من مجلدات أعيان الشيعة التي بدأها والده العظيم، فجزاه الله عن المؤمنين خير جزاء.
تغمد الله الفقيد برحمته وحشره مع والده في جنات النعيم مع نبينا محمد وآل بيته الطيبين وألهمكم الصبر والسلوان.
وإنّا للّه وإنّا إليه راجعون.
لجنة الإشراف على مقام السيدة زينب (عليها السلام)
الدكتور هاني مرتضى
المهندس رضا مرتضى
جانب عائلة المرحوم المؤرّخ العلاّمة السيد حسن الأمين المحترمة
شقرا ـ منزل الفقيد
آلمنا خبر وفاة المؤرّخ العلاّمة السيد حسن الأمين.
نتقدّم منكم بأحرّ التعازي، سائلين المولى عزّ وجلّ أن يتغمّده بواسع رحمته، ويُسكنه فسيح جناته، ولكم من بعده طول البقاء.
اللواء الركن جميل السيد
مدير عام الأمن العام
مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة
آل العلاّمة السيد حسن محسن الأمين بكثير من الأسى بلغني وأنا على أهبة السفر خارج البلاد، خبر وفاة الصديق التاريخي لعائلتنا العلاّمة والمؤرخ والكاتب والأديب الفذ السيد حسن الأمين.
إنّ الخسارة بالراحل الكبير تتعدّى مساحة لبنان إلى الأمّة العربية بأسرها. فقد ترك بصماته الكريمة مع التاريخ العربي وحمل المشعل لإظهار الحقيقة التاريخية المجردة التي طالما تعرّضت للشك والتشكيك.
لن أنسى لفتته الكريمة وإصراره على وضع مقدمة تاريخ جبل عامل الذي ألّفه جدّي المرحوم محمد جابر «آل صفا» ودفاعه عنه عندما تعرّض للنقد من أحد المغرضين.
رحم الله الراحل الكبير وأسكنه جنانه الرحبة وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
العميد الركن الدكتور هشام جابر
المدير العام
16/10/2002
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة السادة آل الفقيد المأسوف عليه
فضيلة المؤرخ العلاّمة السيد حسن الأمين الغالي
وعموم أهالي بلدة شقرا الكرام
إنّ فقدان المؤرخ العلاّمة السيد حسن السيد محسن الأمين الغالي هي خسارة على الجميع يفتقدها الخير والمروءة والخصال الحميدة، قلوبنا معكم والكلام يعجز عمّا يخالج صدورنا من شعور بالقنوط والمرارة، لكن الأمل يكمن بعزيمتكم للتعالي على الجراح وبقدرتكم لاجتياز المصائب.
وبالمناسبة، نسأل المولى العلي القدير أن يتغمد الراحل العزيز بواسع رحمته ويسكنه فسيح جنانه ويلهمكم الصبر والسلوان.
نتقدّم من ذوي الفقيد بأحر التعازي، ونعتذر لعدم تمكننا من المشاركة شخصياً بواجب هذه الذكرى لظروف قاهرة.
المخلص: علي عادل عسيران
إبراهيم محمد مهدي شمس الدين رئيس الجمعية الخيرية الثقافية وأعضاء الهيئة الإدارية للجمعية ينعون بأسى العلاّمة المؤرخ السيد حسن الأمين.
نجل المرجع الإمام السيد محسن الأمين (قده).
ويتقدّمون من اللبنانيين عامّة ومن العامليين وأهله وعائلته خاصّة بأحر التعازي وأصدق المواساة سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته.
الجميعة الثقافية الخيرية
بسم الله الرحمن الرحيم إنّا لله وإنّا إليه راجعون
العلاّمة المؤرخ الأستاذ السيد حسن الأمين
الذي واكبته المؤسسة طيلة عقدين من الزمن باحثاً في التاريخ، ومحققاً في التراث، وأديباً بارعاً.
لقد خسر التراث بفقدك أيّها الراحل الكبير أبرز أعلامه، والتاريخ عميد رجالاته، والفكر الموسوعي أهم رموزه، وإنّ الصفات الحميدة التي تحليت بها، من إخلاص في تقصّي الحقيقة، وجلد في متابعة البحث، وموسوعية في المعارف التاريخية، وجرأة علمية نادرة، جعلتك حالة فريدة في جسد ثقافي يعيد تكرار نفسه.
وبهذه المناسبة الأليمة نتوجّه بالعزاء إلى رجالات الفكر والمعرفة في العالم الإسلامي، وإلى السادة الأجلاء من آل الأمين، سائلين المولى عزّ وجلّ أن يلهمهم الصبر والسلوان، إنّه سميع مجيب.
حامد الخفاف
مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث
فرع بيروت
تشييع حسن الأمين
ومنحه وسام الاستحقاق
ودّعت بلدة شقرا في منطقة بنت جبيل المؤرّخ حسن الأمين نجل العلاّمة محسن الأمين. وأقيم للراحل مأتم حاشد أمس شارك فيه ممثلو رئيس الجمهورية الوزير أسعد دياب، رئيس مجلس النواب النائب علي بزي، ورئيس الحكومة محافظ النبطية محمد المولى والنائب محمد رعد، ورئيس المنبر الديموقراطي حبيب صادق، ومسؤول منطقة الجنوب في حزب الله الشيخ نبيل قاووق.
سجِّي نعش الفقيد في حسينية البلدة حيث منحه رئيس الجمهورية ممثلاً بالوزير دياب وسام الاستحقاق اللبناني الفضي، تقديراً لعطاءاته من أجل لبنان، ثمّ كلمة لعائلة الراحل ألقاها عاصم الأمين.
بعد ذلك نقل الجثمان إلى دارة العائلة، ومنها إلى جبانة البلدة حيث ووري الثرى بعدها أمَّ إمام بلدة شقرا السيد محمد علي الأمين المصلين.
وقد رثى الفقيد الأمين العام للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي النائب السابق حبيب صادق قائلاً إنّ من مآثر الراحل انصرافه الدؤوب إلى تولي شؤون مسقط رأسه جبل عامل ماضياً وحاضراً. واشتراكه في تأسيس المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في أواسط الستينيات من القرن الماضي، وقبوله بعضوية أوّل هيئة إدارية من هيئات المجلس.
جريدة السفير
حسن الأمين المترع بوجد سماوي
وكأنّنا احترفنا صناعة الرثاء. ونحن نفتقد كلّ يوم عالماً، فيأخذنا الجزع ويدهرنا الخوف. ما أصعب فراقهم أولئك الناسكين في المحاريب، المبحرين بعيداً على متان الأحلام. مكللين بتاج سماوي… لم يصرفهم عن الدور الرسالي، صخب الدنيا ولا ترهات الأشياء، ولم تمسّهم شبهة أو يركبوا إلى سلطان، أو يسخروا قلمهم لغير وجه الحقيقة.
من هذه «البقية» كان حسن الأمين، آخر رموزها المشعين، وكان آخر حبّة في عنقود، عصارته نهضة قرن، وسلافه دم شهي يملأ الأرض، وبريقه ثورة دائمة على الظلم.
حسن الأمين، ولد في بيت علم، وما أكثرها تلك الصروح في زمانه، ولكن البيت الذي نشأ فيه كان من فراداته، أنّ الشمس أبكرت في الوصول إليه، فملأته نوراً بهياً، أخذ ينتشر في الآفاق دعوة إلى التجدد والإصلاح والحوار. وكان للمرحلة بطلها الذي شقّ عباب الفتنة، بسفينة نجاة، وفتح ثغرة في جدار الزمن الآسن، لتهب رياح الثورة على الجهل وتنداح مرغمة مواكب التخلّف، وتتهاوى مصفوعة الأضاليل والظلاميات.
من هذه الدوحة الشامخة كان حسن الأمين فرعها الذي تعملق دوحة شامخة، فيها من السلف بمثل ما فيها منه، إذ سرعان ما اختط طريقاً خاصاً به، بعد أن أتمّ الرسالة، متابعاً السفر القيّم، «أعيان الشيعة» الذي استكمل أكثر من نصفه بجهد استثنائي.
لقد أخذته الكتابة الموسوعية زمناً. فكانت «دائرة المعارف» التي ضمّت نخبة الدراسات في التاريخ والفقه والاقتصاد والاجتماع الإسلامي. كما كانت «الموسوعة» التي جاءت مكمّلة لسابقتها. فيما قدمته من مادة ميسّرة لغير المتخصصين في الدراسات الإسلامية. وعلى هامش ذلك كان يدوّن انطباعاته، وهو ينتقل من «بلد إلى بلد» بأسلوب أدبي رفيع… والشعر لم يغب قط عن خياله، وهو المرهف المضطرب بالهواجس، والمسكون بالعروبة، والمرتحل إلى تلال حيفا وساحات يافا وسهوب طبرية ظامئ القلب إلى القدس.
على أنّ «السيد» الموسوعي الذي رأى أهم إنجازاته في «دائرة المعارف» مسوغاً أهميتها بتصويب المسارات التي عبث بها المستشرقون المغرضون، فإنّ «السيد» المؤرخ خاض بجدارة على هذه الحلبة وأغنى المكتبة العربية بدراسات معمقة، احتلت مكانة مرموقة في مجالها. وكان ما يزال رائداً في منهاجه الذي اتّسم بالمرونة والانفتاح. من دون أن يكون اهتمامه بالتأريخ للشيعة، نابعاً من نظرة فئوية أو مذهبية، وهو القومي الانتماء، والإسلامي التراث.
كان حسن الأمين، وهو يقارع قرناً. هو نفسه عقيدة وخطاباً… تغيّر الآخرون ولم يتغيّر، تراجعت المواكب وظلّ في موقعه صامداً مجاهداً، تبدّلت سفارات واستبيحت قيم وهو قابض على جراحه، يأبى الانحناء أمام العواصف ولكم ردد في مقامه هذا البيت لعادل أرسلان.
فما غيّروا القلب الذي كان مخلصاً
ولا أوهنوا العزم الذي كان ماضيا
لم يكن حسن الأمين مجرد شاعر أو مؤرخ أو كاتب موسوعي، ولكن قيمة حسن الأمين كانت في إنسانيته باحثاً ينشد الحقيقة، ونصيراً للثائرين على الطغاة في كلّ زمن…
أيّها العاملي الجواد، قرين العلماء الكبار في الجبل المقاوم، أيّها الراحل شاباً في التسعينيات، مرّة أخرى ما أصعب الفراق.
إبراهيم بيضون
السفير 16/10
رحيل المؤرخ حسن الأمين عاشق جبل عامل
اختتم السيد حسن الأمين كتابة تاريخه ووضع النقطة الأخيرة، فسكت صوت المعلم العالم الواعظ، الذي لم يكن ليرتاح قبل أن يضع تصويباته ويصحح انحرافات التاريخ. وهو ابن صانع تاريخ في جبل عامل، ابن العلاّمة السيد محسن الأمين. رفض إلاّ أن يتابع مسيرة بدأها والده، منذ البداية في محاربة الاحتلال الفرنسي، ولو تسبّبت اندفاعه على رأس التظاهرات في دمشق؛ وعاشق تاريخه وطبيعته، وأحد رجالاته، والمفتتن بالكتابة عنه، والمدقق بما جاء في بطون الكتب عنه مقلّباً ومحققاً ومشككاً حتّى الوصول إلى اليقين أو ما يشبهه. غاص في تاريخ جبل عامل حتّى أشبع الكتابة، وأجاب عن العديد من الأسئلة ولم يهدأ قلبه إلاّ بعد أن جلى الكثير من الحقائق.
أكمل حسن الأمين مسيرة والده في كتابة «أعيان الشيعة» فأضاف إليها 21 جزءاً، وكتب الموسوعة الإسلامية، ودائرة المعارف الإسلامية الشيعية والعديد من المؤلفات التي تتخصص بتاريخ الشيعة، كذلك كان له اهتمام بتاريخ المنطقة من الغزو المغولي حتّى صلاح الدين الأيوبي، مؤلفاً ودارساً ومحققاً، من دون أن تخلو مؤلفاته من البأس والجرأة والمغايرة.
جمع الراحل في شخصه المحامي والقاضي والأديب والأستاذ الجامعي إلى جانب كونه مؤرخاً.
توفّاه الله أمس الاثنين عن 95 عاماً، ونعاه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى «مفكراً إسلامياً كبيراً ومؤرخاً وأديباً»، كما نعاه حزب الله معتبراً فقدانه «خسارة جليلة وفقدان واحد من أهم ركائز العلم والمعرفة».
ينطلق موكب تشييع جثمانه من مسجد الإمام الصادق، مستديرة شاتيلا، التاسعة صباح اليوم الثلاثاء، إلى مسقط رأسه بلدة شقرا، حيث يوارى الثرى في الثانية والنصف من بعد الظهر.
أ. ب
السفير 15/10
حسن الأمين: باعث تاريخ جبل عامل
السيد حسن الأمين، ويكفيك تعريفاً هذا الاسم وتلك العائلة وذلك الامتداد المعرق في النسب الزاخر بالكرامات…
يكفيك فخاراً أن يكون أبوك السيد محسن الأمين، العلاّمة المرجع المتبحّر المجتهد المجدد الرائد، وأن يكون أخوتك عبد المطلب وهاشم وجعفر ومحمد الباقر، وأن تكون المؤهل الجدير أن تكمل الرسالة وتحمل الراية وترفع المشعل وتنير الطريق…
بيتكم كان مرصوداً لهذه المهمة طيلة القرن المنصرم، تصدّى لها أبوك بصبر المؤمنين، وعفة الزاهدين واستشراف الصادقين، فإذا هو بيت الأمّة ومناط الآمال ومدرسة الوطنية…
وأخوتك ـ وأنت في الطليعة، خريجو هذا البيت، الشعراء والسفراء والأدباء المنفتحة عقولهم، المتجددة نظراتهم، المتنورون المضيئون حيثما حلّوا وأقاموا… وأنّك يومئذ من أوائل الجامعيين شكّلت الإطلالة المميزة في جبل عامل ـ تلك التسمية العزيزة على قلبك ـ فكنت القاضي النزيه العفيف المتجلي بخلق الطاهرين، الملتزم بوطنية لا تعرف مساومة أو انحرافاً…
ولم يطل عهدك بالقضاء لتنتقل مختاراً إلى دنيا أثيرة لديك، وميادين طالما أغرتك وأنت تشهد أباك مأخوذاً بها دون ملل، مشدوداً إليها برغم التعب، منقباً، باحثاً، محللاً لا يرحم جسداً ولا يريح نظراً ولا يرأف بقدرة على الاحتمال…
وعلى نهج تلك الخطى أخذك المسير، وأغراك العطاء، وطاب لك العمل، في الجامعات وبين الناس، بين سواد الحبر، وغبار الورق، وأكداس الكتب ونادر المخطوطات وغرائب الروايات… ونسيت نفسك وأنت تقرأ وتحلل وتناقش وتفتش عن الحقيقة، وتبرز التجني وتسفه الكذب وتظهر الظلم… كنت تتصدّى وتعاند وتمشي أحياناً ضد خط السير التقليدي فلا تخاف لوماً، ولا تكترث بما أثرت لأنّ الحقيقة وحدها يجب أن تظهر وتُقال وتُعرف وتتبّع… ورحت تزداد نضوجاً ومعرفة وتألقاً وأنت تكتشف مخبآت السِّير والأحداث، وما أغفل ذكره عمداً أو عن سوء نية، وفتحت ثغرات في كثير من مسلمات جانبتها الحقيقة، وأضأت على تاريخ جبل عامل، ونقلْتَهُ من هوامش الصفحات المنسية عندما سلطت عليه النور وفتحت العيون المغمضة والعقول المقفلة…
أنت باعث تاريخ جبل عامل، وأبوه الروحي، يكفيك سعادة أن تكون ذلك، وأنت عندما أغمضت عينيك رأيت وتأكدت أنّك أوصلت كثيراً من الحقائق ـ في التاريخ الإسلامي والعربي ـ إلى الناس وأنّك في هذه المسيرة نسيت نفسك وتبتلت للمعرفة ونذرت عمرك للعطاء وللعمل، فلم تأنس بزوج ولم تسعد بولد، فكان طلابك العديدون الذين عرفتهم أو لم تعرفهم على امتداد الأوطان، كانوا أولادك ومحبيك والمدينين لك بنور المعرفة وألق الحقيقة والكثير من العرفان.
فسلام عليك حيث أنت، يحضنك تراب بلدك ويغمرك رضوان رب كريم…
إحسان شرارة
السفير 17/10
آخر ما خطّه قلم المؤرخ والأديب الراحل حسن الأمين
أدعو المثقفين إلى تذكّر الشاعر الصوري والعالم الكراجكي
آخر ما سطّره المؤرخ والأديب الراحل حسن الأمين هو تعقيب على تحقيق عن مدينة صور ورد في العدد الأخير من مجلة «شؤون جنوبية» (تشرين الأوّل 2002 ـ العدد التاسع). خصّتنا به المجلة، مشكورة، قبل نشره فيها. هنا نصّه:
الحديث المتّسع الجوانب المنشور في العدد الأخير من المجلة عن صور حفزني إلى تنبيه المؤسسات الثقافية فيها إلى نابغين اثنين نسبا إلى صور، أحدهما ولد وعاش ومات فيها. والثاني اختارها دار إقامة بعد أن طوّف في الأرض وانتهى إلى الإقامة فيها حتّى وفاته، فكان أن ضمّه ترابها.
وإذا كان هناك من يعنى اليوم بآثار صور الحجرية، وإذا كان من يقيم فيها مهرجانات غنائية، فإنّنا ندعو مثقفي صور إلى العناية بإحياء ذكرى هذين النابغين اللذين هما مفخرة صور وعنوان مجدها الشعري والعلمي.
أوّل هذين النابغين هو الشاعر الفريد عبد المحسن الصوري الذي كان في عصره شاعر عصره، والذي نرجئ الحديث عنه إلى يوم آخر، ونخصّ اليوم بالحديث العالم الكبير الذي اختصّ صور مستقراً ومقاماً… ثمّ مدفناً، فكان من حقّه على صور أن تعنى بإحياء ذكراه.
هذا العالم هو محمد «الكراجكي»، ومن المؤسف أنّنا لا نعرف مكان مولده ولا تأريخ هذا المولد، وإنّما نعرف أنّه استقرّ في صور ومات فيها سنة 449هـ.
ومن الأمور التي لم تعرف حقيقتها هي لقبه الذي عرف به: «الكراجكي» فإلى أي شيء ينسب؟ يوجد قرية على باب واسط في العراق اسمها كراجك، ويوجد قرية من قرى حلب اسمها كذلك كراجك، فهل ينسب إلى إحدى هاتين القريتين؟
الذهبي، في كتابه «تاريخ الإسلام» يؤكد أنّه لا ينسب إلى واحدة من هاتين القريتين بل إلى «الكراجك»، والكراجك هي الخيم. وكذلك يقول في «لسان الميزان»، أنّ نسبته إلى عمل الخيم، والقول نفسه يقوله في «شذرات الذهب»: الكراجكي، يعني الخيمي.
وعندما يجمع هؤلاء المؤرخون على أنّه ينسب إلى عمل الخيم، فإنّ علينا أن نسلم بذلك وبهذا يكون هذا الرجل عصامياً من عصاميي العلم، نشأ في أسرة تصنع الخيم، فتفرّد عنها وانتسب إلى العلم.
لقد كان من هواة طلب العلم، فكان يقصد كبار العلماء ليتلقى العلم عنهم، فممن لقيهم في بغداد ودرس عليهم العالمان الشهيران: الشيخ المفيد والسيد المرتضى. وقصد القاهرة، وكانت في تلك الفترة أيام الفاطميين تعجّ بالعلماء والمفكرين… ثمّ قصد حلب وطرابلس وكانتا من عواصم العلم والفكر، وقد راقت له الإقامة في طرابلس فأطال الإقامة فيها، وألّف هناك بعض كتبه. ثمّ انتقل من طرابلس إلى صيدا. فلم يلبث فيها طويلاً، بل أكثر الرحيل عنها إلى صور. وطابت له صور فحطّ رحاله فيها وعزم على المكوث فيها حتّى آخر عمره.
ومن المؤسف أن ليس في الدنيا من المصادر ما نستطيع أن نعرف منه تفاصيل حياته في صور. ولكن ما دمنا نعرف أنّ شغله الشاغل كان العلم ومعاشرة العلماء، فإنّنا نستطيع أن ندرك أنّ صور كانت في ذلك العهد حافلة بالعلماء وطلاب العلم.
وإذا كان ما من مدينة ارتبط بها حفظت تاريخ مولده أو تاريخ إقامته أو تاريخ رحيله، فإنّ فضل صور أنّها حفظت تاريخ وفاته، فقد توفي فيها سنة 449هـ. وكان قد جاءها سنة 418هـ أي أنّه أقام فيها إحدى وثلاثين سنة، فهو بذلك صوري عريق.
فهل يلقى هذا العالم الكبير الذي فضّل صور على غيرها من البلاد في الإقامة والموت. والذي ألّف معظم كتبه فيها، هل يلقى فيها تكريماً لذكراه؟
لقد بلغت مؤلفاته 104، ومن أشهرها كتاب «كنز الفوائد»، والحديث عن صور حديث ممتع، وليس «الكراجكي» وحده الذي قصدها وأقام فيها حتى وفاته، فممن قصدوها إبراهيم بن علي العتابي من كبار شيوخ الصوفية، جاءها من بلاد بعيدة، جاءها من بلاد «ما وراء النهر» وسكنها أربعين سنة، وفيها مات.
السفير 10/10
سكونك صحوتنا
السيد حسن الأمين يستسلم اليوم للتراب، ولا يرحل عن الأذهان…
حكايته مع التراب طويلة… تراب الجنوب والوطن، وأرض العرب والإسلام.
كان يحدب على التراب… يسير فوقه برفقٍ، ويتحسّسه بقدسيَّة ويحاوره ويشاطره هموم المقهور والمغمور والمهمل…
في الثبات على المواقف والتمسّك بحقّ التراب، كان ينظر للآفاق، يهجس بمغامرات الفاتحين، يستعرض ما جرى، يستشرف ما سوف يجري، ويودع صفحات دفاتره رؤى السير والصبر والتوقّع والتحرير…
رأى الجنوب اللبناني يتحرّر قبل التحرير بكثير.
رأى العرب مقسّمين قبل أن يُقسّموا.
رأى الثروات تبدّد قبل أن يُبدّدها العرب.
رأى أطماع الغرب تغزونا قبل العساكر والجنود.
صراع الإيمان المطلق والظلم المتربّص، لم ينل من حكم بصيرته، ولا منطق العقل عنده… فسجّل الكثير من الحقائق وطواها في دفاتره ومضى…
المؤرخ الكبير حسن الأمين صحّح الكثير من المغالطات التاريخية… وحذّر من الاستسلام للشائع المغرض على حساب الحقائق والأفعال والوقائع… نهى عن عبودية الرموز والأشخاص… ودعا للنظر إلى وجه الحقيقة الآخر… فوجه الحقيقة مشرق مهما أخفي أو تخفّى…
سيدي السيّد… كما كنت أقبل جبهتك عند اللقاءات والنقاشات وتبادل الآراء، أقبّل روحك اليوم وقد فارقت الجبين الوضّاء. وودّعته في منطلق الرحلة الترابية.
تركت لنا الوصايا ورسمت لنا الصراط، فبقيت حياً في كتبك وتواريخك ومقالاتك ومؤلفاتك ومواقفك…
سلام عليك وقد سكنتَ فصَحَوْنا…
أنت حي في العقول… وأحياءُ العقول لا يُبارحون…
محمد ماضي
السفير 19/10/2002
فريق عمل في رجل
كانت حفلة الأربعين التي أقيمت في النبطية للعالم المخترع حسن كامل الصباح جامعة ضمّت نخبة ممتازة من علماء البلاد وسراتها وشبابها، ففي الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الجمعة الواقع في 10 أيار 1935 احتشد الناس في النادي الحسيني في النبطية، وكان الخطيب الأوّل السيد حسن الأمين الذي ألقى كلمة الشباب المناضل بلهجة حماسية، مختتماً إياها بالقول: «يا شباب جبل عامل الأمجاد، ويا فتيانه الأشاوس سيروا في صفوف النضال الأولى ذوداً عن التراث العربي الغالي ليُظِلَّ لواء العرب العالم مرّة ثانية». فاستثار بخطابه النفوس واستفز الشعور.
منذ يفاعته كان دأب السيد حسن الأمين خوض النضال في وجه الاحتلال الفرنسي لبلاد الشام، حين طرقت الجيوش الفرنسية أبواب دمشق بعد معركة ميسلون في 24 تموز 1920 كان السيد حسن الأمين أحد الشبان المناضلين لأجل تحرير البلاد ووحدتها.
وامتدّ نضال السيد حسن الأمين من دمشق إلى جبل عامل إلى فلسطين، فكان المقاوم للانتداب الفرنسي، العامل مع ثلّة من المناضلين للوقوف في وجه الطاغية بتشكوف.
وكان السيد حسن الأمين من العاملين لإيقاد جذوة انتفاضة عام 1936. ونذكر لهذا السيد المحقق البحاثة المجاهد، عمله الدؤوب يوم تولّى سدّة القضاة في النبطية لأجل محاربة الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
ونذكر له المشاركة الفاعلة في كافة النضالات الوطنية، في مؤتمرات الساحل ومؤتمرات نصرة القضية الفلسطينية ومقاومة الحكم الشمعوني المنحرف.
كان المحقق البحاثّة السيد حسن الأمين مركز أبحاث وفريق عمل في رجل واحد. فكان ذلك الناسك الزاهد العامل بعيداً عن الرغبات الدنيوية، والمكرّس حياته للبحث والنضال. أسلم الروح وفي يده اليراع يخط سطور المعرفة، جزاه الله عن دينه وأمته خيراً.
سعيد الصبّاح
السفير 19/10/2002
شد على موتك واصعد
أكثر من غياب رحيلكَ
وأشد من ألم هذا الوداع
أنه تناثر للجمل ويتم
للعبارة وسقوط للمعاني
أتكوّر كالهمزة أمام أناشيدك
فأسمع طبول التاريخ
تُدق، وأبواقاً تنفث، وحرق خيام واشتعال نار
بعدك من يدلنا
من يخرجنا من هذه الفلاة
لا بد ستأتي
من صخر الأرض ستطلع
من ورق الشجر
من تنفس العصافير وسنابل المواسم
من جداول القرى وطرقات العين
من فضاء الأرواح
وبنات الأفكار ستخرج
شد على موتك واصعد
لا بد ستأتي حاملاً زنابق
الروح يرافقك يمام السطوح في البلاد العربية
ويخرج من كتب التاريخ حراس الهيكل وأمناء الخزائن
ليتبعوا نورك الممتد
أيها الرقيق كمفردة حب
والناعم كفراش الليل
نم يا سيد الكلام
نم وافتح عينيك
لتتسع لنا الرؤية علنا ندنو
محمد الأمين
السفير 19/10/2002
جهده موسوعي… بصيرته نافذة… جرأته نادرة
في آخر لقاء لي مع السيد حسن الأمين وجدته بين أوراقه وكتبه، يعمل كعادته بهمّة الشباب…
ينجز.. ثمّ صمت وابتسم، وقال: ـ يبدو أنّي أسابق الزمن، يبدو أنّ بهذا الرفيق القديم تقترب العلاقة من نهايتها.
قلت: كيف تنتهي علاقتك به، وأنت لا تزال تكشف حقيقته منذ أوّل عهدك بمعرفته!؟
قال، وقد عرضت ابتسامته: حقيقته! كأنّك لا تدري أنّ الحقيقة مرّة، وبخاصّة في فم أبناء هذا الزمن، من يقبل أن يذوق الحقيقة، ويعلمها!؟
غامت عيناه لحظات، وبدت لي بقايا ابتسامته فوق شفتيه كأنّها فراشة ترفرف في ضوء، وخلته يستعيد ردّات الفعل التي كانت تلي ما يقدّمه من حقائق تاريخية، وما يتّخذه من مواقف مبدئية صلبة…
صمت لحظات، ومدّ يده إلى جانبه، وتناول كتاباً قدمه لي، وقال: هوذا آخر العنقود. إنّه كتاب عن تاريخ جبل عامل القديم والحديث، وقبله، كما تعلم، صدر لي غير كتاب في التاريخ القديم والحديث.
بادرت إلى القول: الدالية، إن شاء الله، ملأى بعناقيدها وكلّ أشهى من أخيه. ضحك، وقال: قلت لك أشعر بأني أسابق الزمن… وأخشى أن يسبقني، فتبقى هذه الأوراق أوراقاً!.
كان شعور المؤرخ والأديب الكبير صادقاً، وجاء الموت يطوي الزمن، وما درى أنّ زمناً أشبع بالعطاء لا يطوى.
السيد الأمين من نحو أوّل علاّمة موسوعي المعرفة: أديب، شاعر وناثر، كاتب قصة ومقالة أدبية وأدب رحلات… محقق، مؤرخ، أستاذ أجيال يوجه ويتعهد طلاب العلم بالعناية والرعاية، وقد بقي بيته محط رحال الباحثين، وكانوا يجدون فيه ليس العلم فحسب، وإنّما العلاقة الإنسانية الحميمة أيضاً… والسيد الأمين، من نحو ثان، رجل عاش أحداث عصره، منذ بدايات هذا القرن، وكان حاضراً فاعلاً فيها على غير مستوى، ومثل في سيرته ومواقفه المثال والأنموذج لما ينبغي أن يكون عليه الرجل العظيم المسهم في إعلاء شأن أمته ووطنه.
نعود إلى البدايات فنرى الفتى ـ الطالب يقف في مواجهة صاحب السلطان، وكان آنذاك منتدباً فرنسياً، فينطق بألسنة الناس، ويجهر بجرأة ليس بحاجاته هو، وإنّما بحاجات منطقة محرومة من طرقات ومدارس ومستشفيات إلخ…
تمرّ الأيام ويغدو الفتى محامياً، ونرى المحامي الشاب القادم من دمشق إلى بيروت، وليس في جيبه سوى أجرة الطريق، يرفض أن يتولى قضية تدر الوفير من المال، وتتيح له موقعاً في النظام القائم آنذاك، لأنّ هذه القضية مشبوهة.
ثمّ يغدو المحامي قاضياً، ونرى القاضي النزيه، المثقف ثقافة حقوقية وشرعية، في آن، يصرّ على الرغم من الضغوط والتدخلات على أن يحكم في قضية كما تقضي الاستقامة التي أمر بها، ووفاقاً للمسؤولية التي أنيطت به، وكان من نتائج هذا الحكم أن حدث ما دفعه إلى الاستقالة، فغادر الموقع عندما رأى أنّه لا يستطيع أن يؤدي الدور الذي راه واجباً عليه كما ينبغي.
هاتان القضيتان اللتان واجههما المحامي والقاضي الشاب تتعلقان بالقضية القومية والمركزية في تاريخ العرب والمسلمين الحديث، وهي القضية الفلسطينية، فكان السيد الأمين، منذ بدايات هذه القضية، مدركاً حقيقتها وواعياً ما يخطط لها، فكان ومنذ ذلك الحين، المقاوم الصلب، في ميدانه، ما يعني في ما يعني، أنّ المقاومة هي في صلب هذا النهج الذي مضى فيه بوصفه مساراً طبيعياً.
وتفضي التجربة بالسيد الأمين إلى الاعتقاد بأنّ لا مكان لأمثاله في ذلك النظام، فيستقيل من الوظيفة في القضاء، وينصرف إلى حيث يكون فاعلاً في حيز يختاره، وتكون له فيه حرية القول والفعل وتحقيق الإنجازات.
تفرّغ للتحقيق والبحث والتأليف، فحقق تراث والده السيد محسن الأمين، ونشره، وجعل موسوعة أعيان الشيعة في متناول طلابها، وما أكثرهم، ثمّ أتبعها بمستدركات تكملها… وفي هذه الأثناء، كان يعكف على إعداد دائرة المعارف الإسلامية وإصدارها…
وفي مجال آخر، راح يعيد النظر في كتابة التاريخ الإسلامي، بعدما رأى أنّ كثيراً من المؤرخين يمدح بلا تحفظ حين يرضى، ويذم بلا توقف حين يغضب، أو يركب التاريخ وفاقاً لهواه، كأنّه وعلى حد تعبير السيد الأمين، «يركب التاريخ بالإبرة والصنارة».
ومن الطرائف الدالة، في هذا المجال، أنّ أحد المؤرخين الموصوفين بالكبار ركّب مقولة مفادها أنّ الأمير فخر الدين المعني أرسل الشيخ لطف الله الميسي العاملي إلى الدولة الصفوية في إيران لتؤيده في سعيه إلى الاستقلال… والحقيقة التاريخية تفيد، كما يقول السيد الأمين، أنّ الشيخ لطف الله لم ير فخر الدين وفخر الدين لم يره لأنّه ولد وعاش ومات في إيران.
ولا يخفى غرض ذلك المؤرخ السياسي من اختراع هذه الحادثة.
وكان السيد الأمين، ولا يزال، يرحل بحثاً عن مصادره، وكان ولا يزال يرحل في هذه المصادر… إنّها رحلت بحث عن المصادر وفيها وتثمر الرحلات أدباً يغني نوعاً أدبياً عرفه الأدب العربي هو أدب الرحلات، وتثمر شعراً يمثّل تجربة البُعد والفراق والحنين… وتثمر حقائق تاريخية يتبينها الباحث ببصيرة نفاذة ويقولها بجرأة نادرة، فيفاجئ المستكينين إلى السائد، ويخض فيهم الركود.
يناقش السيد الأمين واحداً من هؤلاء ردّد مقولة سائدة مفادها أنّ الدولة الفاطمية كانت بلاء على الإسلام والمسلمين، فيقدّم له وللقرّاء وقائع تدحض هذه المقولة، ثمّ يقول ساخراً: «ولعل من هذا البلاء أنّ الدولة الفاطمية أورثتنا القاهرة والأزهر!».
ويبين في مثال آخر، بالأدلة الدامغة أن نصير الدين الطوسي الذي هاجمه مركبو التاريخ بالإبرة والصنارة، استطاع أن يهزم بالعقل والعلم والتدبير الدولة الطاغية الباغية، دولة المغول، ونجحت خططه في تحويل المغول من وثنيين إلى مسلمين، وروض شارب الدماء هولاكو، فمثل بذلك أنموذج المثقف الكبير الذي وظف علاقته بالسلطان الطاغية في خدمة مشروعه التاريخي، المتمثل بتحويل القوّة الوحشية العاتية إلى قوى تسهم في بناء حضارة وثقافة، هذه هي، كما رأى السيد الأمين وظيفة المثقف التي أدركها الطوسي ولم يتخل عنها ويهرب، على الرغم من أنّه كان معرضاً للوقوع في أنياب الوحش في كلّ يوم.
وبقي السيد حسن الأمين يعرب عن الحقيقة التي يتبينها، ويقرع الجهل بالحجا ـ بالعقل بعزم لا تفلّه السنون، وإنّي لأكاد أسمعه يقول:
أأمل ما لا يبلغ العمر بعضه
كأن الذي بعد المشيب شباب
إنّه لشباب يتجدّد، شباب العلاّمة الباحث أبداً متبعاً نهج المسؤولية والاستقامة والصبر…
إنّ هذا الشاب، وإن غيب الموت جسد صاحبه، باق في الكتب ـ الدوالي التي تبقى طوال الزمن مثقلة بعناقيدها تُضيء وتُمتع وتغذي…
عبد المجيد زراقط
السفير 19/10/2002
حسن الأمين
تسنّى لي القيام بسياحة تاريخية وسياسية في كتبه التي نشرناها له في شركة «رياض الريّس للكتب والنشر» كـ «سراب الاستقلال في بلاد الشام» و«حل وترحال» كما في كتبه العديدة الأخرى. رجل ومؤلف ومؤرخ وقاضٍ وسيد لا يمالئ ولا يداهن ولا يراوغ ولا يحسب حساباً إلاّ لله ووجه الحقيقة.
هل تريد أن تعرف شيئاً عن عبد اللطيف الأسعد، والد الرئيس كامل الأسعد؟ اقرأ حسن الأمين. هل تريد أن تعرف وجهاً آخر للزعيم رياض الصلح؟ اقرأ حسن الأمين. هل تريد أن تعرف خبايا وخفايا سلوك السياسيين اللبنانيين في فترة تاريخية ما بعيداً عن الأساطير والتبخير وخلط الرز والبصل؟ اقرأ حسن الأمين.
أمّا شخصية الرجل الذي عرفته عن قُرب سواء في جلساتنا الطويلة في مكاتب الشركة أو في منزله، فأخاذة يمتزج فيها الذكاء الحاد بالترفع، والنبالة بالتواضع، حيث إنّني في عمر 45 عاماً عقدت معه صداقة هي أقرب إلى الرفقة وكان في الثامنة والثمانين، مسافة نصف قرن كانت تنطوي بيننا بسرعة، حين يقهقه أو يعقب، يلمس الطاولة أو يرفع سبابته، يستوعب السؤال ثمّ ينقض مجيباً بتدفق يعزّ على الشبان. لكن فجأة كنت أحسّ بفارق الزمن بيننا حينما يرى رياض الرّيس، فيهب لمعانقته متشمماً إياه لأنّه «من ريحة الحبايب» ويقصد السيد حسن بكلامه هذا والد رياض الريّس الراحل نجيب الريّس، صديقه في العهد الدمشقيّ والسيرة الدمشقية.
سألته مرّة في شيء من المباسطة: لماذا لم تتزوج يا سيد؟ فأجابني: الزواج يفضي إلى الذلة والبُخلة. وهكذا كان السيد في حياته المديدة، عازباً غير معيل، فلم يتحوّل المال إلى هاجس لديه. كذلك لم يطأطئ الرأس أمام أيّة سلطة.
كان ـ رحمه الله ـ عاملياً ودمشقياً وعراقياً في آن معاً، وهي معادلة كانت مضمّخة بياسمين العروبة ودفلى الصراط المستقيم. وإنّها لقدوة نبوية لا كسروية، كما قال جدّك الرسول.
عماد العبدالله
مجلة النقاد/ ع131
28/10/2002
حسن الأمين
رحل حسن الأمين
رحل آخر المثقفين الحاملين لواء الأدب العالمي، والعاملين على إبراز ما فيه من سجايا تؤكد دوره، وخصوصيته إزاء ما أنتجه الآخرون.
كان مهموماً بالثقافة، متفرّغاً لها، مبحراً في عوالمها، ومضيئاً ما تخبئه من درر ثمينة تلمع كأنّها البرق حين يشرقط.
عرف كيف يثير الجدل ويؤججه حول مسائل تاريخية أو دينية أو ثقافية، حسبها البعض من البديهيات التي لا غبار حولها ولا لبس. فعمل على كشف ما أحاطها من زيف، متوصلاً إلى الحقيقة المدعّمة بالإثباتات والبراهين. غير آبه بمن يعتبرها مرّة. أو مسيئة لإرث يضيء على الرغم من هيمنة الظلام الدامس.
لقد قدّم والده العلاّمة السيد محسن الأمين خدمات جلّى للثقافة العربية، أبرزها كتابه الشهير «أعيان الشيعة» فما كان من السيد حسن إلاّ أن أكمل رسالة والده مقدّماً إلى قرّاء العربية «المستدرك من أعيان الشيعة».
تقدّمه في السن (توفي عن خمسة وتسعين عاماً) لم يمنعه من الانخراط في الأجواء الثقافية، ومن متابعة أدق تفاصيلها، وخصوصاً ما يتعلق منها بجبل عامل.
لقد فقد لبنان برحيله علماً بارزاً من أعلامه، ومؤرخاً مجتهداً بين مؤرخيه المطمئنين إلى اليقين الذي أدركوه وباحثاً متميزاً يصعب أن نعثر على صنو له.
لامع البحر
مجلة الشراع
حسن الأمين: الأمين الحسن
تعود معرفتي لآخر عمالقة الجبل من أبناء جيله إلى بداية الستينيات ومنذ ذلك الحين بتّ ملازماً له كظلّه، شهرته تقوم على التأريخ وفي هذا ظلم له فهو كاتب وشاعر، رحالة ومفكر، مثقف كبير، أنّه باختصار ينتمي إلى ذلك الجيل الموسوعي الذي مثّله أبوه من قبله ووصل معه إلى القمة ليبدأ بالأفول والغياب.
وعلى أهمية كلّ هذه المواهب فليست هي ما يعنيني في هذا المقام بقدر ما يعنيني حسن الأمين الإنسان إذ أنّني أعترف بكلّ صدق أنّه رغم تعدّد المدارس والجامعات التي عرفت أعترف أنّ هذا السيد الجليل كان المدرسة الأهم في حياتي.
شديد التواضع أمام البسطاء. شامخ القامة مرفوع الرأس، حازم النبرة أمام «أصحاب المقامات»، من دنيوية ودينية، وبقدر ما يرتاح الفريق الأوّل لحضوره وحديثه ويجد نفسه فيه، بقدر ما يهابه الفريق الثاني ويحسب حساباً لمجلسه.
دخل القضاء في مستهل حياته، ولكنّه سرعان ما أدرك أنّ حبّه للعدل أقوى بكثير من قدرة القضاء على التحمّل فغادره غير آسف شاهراً قلمه سيفاً دفاعاً عن الحق والعدل في ماضي الإنسان وحاضره وفي التأسيس لمستقبله.
تواطأت عليه طوال حياته السلطتان الدينية والدنيوية في محاولة لاستيعابه، ولكنّه عرف دائماً كيف يكون جديراً بنسبه العلوي الشريف، لا تأخذه في الحق لومة لائم يكتب ما يريد غير عابئ بالنتائج ولا يكتب ما لا يريد مهما كانت العروضات والمكاسب، رغم الصعوبات الجمّة التي اعترضته في نشر كتاباته خاصّة في البدايات.
منفتح متسامح، كان صديقاً وفياً لعملاق آخر ـ رغم ما بينهما من تباين في الظاهر ـ أعني أستاذي الصديق المرحوم حسين مروة شهيد الفكر والإنسانية فكانا علمين بارزين يمثلان في تكاملهما مشارب أبناء عاملة في أصفى تجلياتها الإنسانية الصادقة.
كان يطلبني أحياناً لأرافقه في زيارة رجل بسيط في قرية ما تعبيراً عن مودة أو قياماً بواجب، ولا أنسى مرافقتي له لقراءة الفاتحة على قبر رجل مؤمن ـ أبناؤه من أصحاب الثروات الطائلة والمراكز المميزة ـ فلمّا انتهينا أمرني بالعودة دون المرور بالأبناء فالوفاء لأهل الوفاء.
لم يكن يؤلمه شيء كما يؤلمه ما يسمّيه هو (جحود الآخرين) وغدرهم، فكم من الأسماء البارزة التي نال أصحابها الجوائز والأوسمة، نهل أصحابها من معين نهره المتدفق دون أن يشيروا إلى ذلك مراهنين على سمو أخلاقه وعفة نفسه وترفعه عن تفاهات الدنيا ومكاسبها الآنية الرخيصة غير مدركين ما يسببه له هذا الأمر من وجع نفسي وحسرة على الإنسان الذي يرتضي لنفسه أن يكون مختلساً حيث يستفظع الاختلاس، ويكون سلعة في سوق النخاسة حيث الجريمة مضاعفة.
جسّد السيد حسن الأمين، في سيرته وفي تلازم قوله والفعل نموذجاً فريداً من علاقة المثقف بالسلطة، فجرَّها إليه ولم يجر إليها، وإذا كان قد خاض الانتخابات فالدافع إلى ذلك أخلاقي أكثر منه سياسي، إذ استفظع أن يصرّح أحد زعماء الجبل يومذاك أنّ المعركة نزهة فأراد السيد الثأر لما اعتبره إساءة لكرامة الناس وهذا ما كان.
واستطاع السيد حسن بتواضعه وصلابة دفاعه عن الحق ووفائه لقيمه وللإنسان وغزارة علمه فرض نفسه على الجميع دون أن يزحزح قيد أنملة عمّا يعتبره صدقاً وحقاً وعدلاً. يزوره السياسي، ويتبرّك به رجل الدين ويقف منه العلماني موقف الطالب إزاء الأستاذ.
قال والده السيد محسن:
بكيت وما بكيت لفقد دنيا
أفارقها ولا خلّ أليف
ولكنّي بكيت على كتاب
تصنفه يداي إلى حتوف
سيمضي بعد فقداني ضياعاً
كما يمضي شتاء بالخريف
فيا سيد محسن كن قرير العين فقد حفظت كتبك وأضيف إليها ما يوازيها، ويتفوق عليها أحياناً، فقد كان ولدك أميناً وحسناً، ولك أن تفخر به على أهل الأرض وأن تباهي به أهل السماء، ولنا نحن التشبّه به والسير على خطاه، ومتابعة رسالته.
د. محمد حمود
مجلة الشراع
رحيل العلاّمة المؤرخ حسن الأمين
مشى في دروب المعروف حتّى تعب
في كتب العامليين إشارة إلى سجدتين: سجدة لله وسجدة للمعرفة التي أمر الباري بالسعي إليها وامتلاكها، وقد آمنوا بأنّ الثانية هي قربى يتقرّبون بها إلى الله ولذلك كانت لهم الأسبقية في عالم الفكر والمعرفة.
وفقيدنا السيد حسن الأمين واحد من آل بيت المعرفة، إنّه العلاّمة المؤرخ الذي عرفته ندوات الفكر والأدب، ويحتم عليّ الوفاء أن أشير ولو باقتضاب كلّي إلى بعض أنشطته الثقافية المميزة، فلقد كانت الصداقة راسخة بيننا.
كان حضوره فاعلاً في الاجتماع الأوّل الذي عقدته في منزلي لتأسيس مجلس ثقافي للبنان الجنوبي إلى جانب المجالس الثقافية التي أسّستها في جميع المحافظات اللبنانية، وكذلك في الاجتماع العام لانتخاب الهيئة الإدارية الأولى لهذا المجلس في منزل المغفور له الشيخ أحمد عارف الزين في صيدا بحضور جمهرة من كبار مثقفي جبل عامل أذكر منهم: محمد علي الحوماني، الشيخ علي الزين، هاشم معروف الحسني، صدر الدين شرف الدين، حسن الأمين، كامل العبدالله، جوزف مغيزل، أحمد سويدان، أديب مروة، موسى الزين شرارة، عبد الحسين العبدالله، بولس سلامة، جورج جرداق، حسين مروة، عبد اللطيف شرارة، حسين مكي، فؤاد البوبو، نزار الزين، علي إبراهيم، جعفر شرف الدين، زيد الزين وغيرهم. وكنت أوّل أمين عام لهذا المجلس الذي كان يعتمد، فيما يعتمد، على نشاط واخلاص السيد حسن الأمين للنهوض بالحركة الثقافية العاملية.
وفي إطار التحرّك الثقافي عقدنا ندوات كبرى عديدة في مختلف مدن الجنوب وقراها الكبرى منها ندوة «الحياة الأدبية في جبل عامل» حيث شارك رحمه الله بدراسة قيمة إلى جانب رعيل كريم من أدباء جبل عامل، كما شارك في الندوة التي عقدناها في مدينة صيدا حول: «أضواء على تاريخ الجنوب» إلى جانب كلمتي وكلمات حسين مروة، انطوان غطاس كرم، الشيخ عبدالله نعمة ومحمد علي مكي.
وفي الندوة التي عقدها «المجمع الثقافي العربي» في دار نقابة الصحافة اللبنانية حول: «الجذور العائلية في لبنان عامل ترابط ووحدة وطنية» كان موفقاً في دراسته، كعادته إلى جانب دراستي ودراسات يوسف الحوراني، أحمد أبو سعد، ومسعود ضاهر.
كثر عطاؤه فلبس عظمته، ونأى عن مذاهب العجب فكان له زهو التواضع.
لقد انقطع إلى دراسة التاريخ وبخاصّة تاريخ علماء جبل عامل، كما كان شأن والده الكبير العلاّمة الحجة، وذلك بتقشف الزهاد، فهو يذكرنا بالكتبة القدامى الذين عاشوا لموضوع أو لكتاب فهانت لديهم الدنيا أملاً بعز غدوي.
لقد مشى كثيراً في دروب المعرفة حتّى تعب، وتعب المعرفة عافية.
ترفّع عن الابتذال، وظلّ قريباً من الناس.
ارتفع وتسامى، كما ارتفع أمثاله الكبار، لأنّه لم يحن رأسه إلاّ لله، وصغر الكثيرون لأنّهم طأطؤوا رؤوسهم لعباد الله.
سقى الله عهداً عرفناه به فأحببناه وقدّرناه.
وحسبك عاملة أن رحت أبحث فيك عن رموز بشرية، حسبها في العز، أن أضحت أعمالها مشاعاً إنسانياً.
إنّ الذين يؤدّون قسطهم للعلى لا ينامون، إنّهم في يقظة الناس!.
الأمين العام لـ «المجمع الثقافي العربي»
عبد الرؤوف فضل الله
في رثاء السيد حسن الأمين
أصعب الكلام هو في من أو عمّن يعرفه أو يعرف عنه سامعوك مثلك أو أفضل ممّا تعرفه أو تعرف عنه… ومن لا يعرف علامتنا الراحل السيد حسن الأمين؟!.
من لم يعرفه بشخصه، مؤلفاً موسوعياً، محاضراً، كاتباً، مبشراً، هادياً، محرّضاً على العلم والمزيد من العلم، على المعرفة والمزيد من المعرفة، عرفه بأثره النفسي الذي يشكّل مكتبة كاملة.
فكيف ترثي موسوعة بكلمات، ودائرة معارف بنبذة سريعة، وكيف تشهد لمن كان المصدر والمرجع في الشهادات بالوطنية والعروبة والإسلام. فضلاً عن الثقافة والأخطر: الشجاعة في إعلان الرأي متى استند إلى الدقة العلمية، ولو صادماً عواطف العامة وناقضاً ما ثبت إلى أذهانهم وكأنّه الصورة البهية لبعض رجالات تاريخهم؟
ثمّ… من أين تبدأ الحديث عن العلاّمة حسن الأمين، وهل يمكن أن تباشر الكلام عنه بغير أن تتوقع بتحية الإكبار والتقدير أمام الدوحة العملاقة والمرجعية الوطنية ـ القومية ـ الدينية العظمى ممثلة بوالده وإمامنا جميعاً السيد محسن الأمين؟!.
لقد أسعدني زماني بأنّ تتلمذت ـ لفترة قصيرة ولكنّها باقية بتأثيرها عليّ ـ على واحد من أبناء دوحة العلماء ـ الشعراء ـ الأدباء ـ الدارسين ـ البحاثة ـ المناضلين ـ حتّى من موقع السفراء ـ هو السيد جعفر الأمين، الذي يدين بفضله جيل كامل من أبناء بلدتي شمسطار وجوارها ما بين زحلة ودير الأحمر وبعلبك، إذ لولاه لما تعلمنا فك الحرف ولما دخلنا رحاب المعرفة بل الحياة في هذا العصر البهي بمعارفه والصعب على الجاهلين ومعهم.
ولا يمكنني والحديث عن السيد حسن محسن الأمين أن أتجاوز ذكر هذا «المعلم» الذي علّمني وأدّبني وفتح عقلي وقلبي على الحياة والناس، اللغة والشعر، الفكرة المبدأ: السيد جعفر محسن الأمين.
وما كنت أعرف أنّني سأفيد من بعض ما علّمني السيد جعفر، وكفى باسمه تعريفاً، الذي تتلمذت عليه صغيراً، لغة وموقفاً، لكي أرثي أستاذنا الذي درسنا عليه جميعاً وأخذنا عنه بعض وعينا بأنفسنا وبديننا وبهويتنا وبموقعنا الصحيح في التاريخ السيد حسن محسن الأمين.
وإذا كان السيد محسن قد باشر، من موقع المرجع الديني، نشر رسالته في تحريرنا من وصمة الطائفية والكيانية والهجانة، ليعيدنا إلى أفياء الانتماء الأصيل في أحضان الأمّة التي كانت خير من أخرج إلى الناس، فإنّ السيد حسن قد اجتهد فأصاب في توكيد جدارتنا بهذا الانتماء بعد تطهيره من جهل العصبية ومن عنصرية الكيانية ومن ضياع المتعولمين من قبل أن تحتكر الولايات المتحدة الأميركية العولمة فتجعلها هيمنة مفردة على عالمنا الذي يتمثّل غناه في تعدّد مصادر الحضارة ومراكز التنوير فيه.
ليس جديداً وليس كثيراً أن يُقال إنّ السيد محسن الأمين بيت قائد ولد قادة فكر ورأي واجتهاد.
والسيد حسن الأمين الذي ولد في دمشق التي ترك فيها السيد محسن علامة فارقة، وعاش في بغداد وأحبّ القدس وحاور في القاهرة وأنتج في بيروت، كان اللبناني ـ العربي ـ العالم الديني ـ السياسي ـ الفكري ـ الثقافي المتصالح مع نفسه: لا وطنيته تناقض قوميته، ولا دينه يناقض عروبته ولا إسلامه يناقض إنسانيته.
حيَّ على جبل عامل… أليس العلماء ورثة الأنبياء؟!.
طلال سلمان
السفير 1/11/2002
صدى رحيل الفقيد الكبير
في وسائل الإعلام
خامنئي يعزي بحسن الأمين
وجّه مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي برقية تعزية بالسيد حسن الأمين، هنا نصّها:
«ببالغ الأسى والأسف علمنا أنّ الكاتب والباحث والمؤرخ اللبناني الشهير والجليل السيد حسن الأمين نجل العلاّمة الجليل والفقيه والمؤرخ الإسلامي البارز المرحوم آية الله السيد محسن الأمين قد وافته المنية والتحق بربّه.
إنّ فقدان هذه الشخصية الكريمة يشكّل خسارة للشعب اللبناني ولا سيما للمسلمين والشيعة في لبنان.
فالابحاث العلمية والمؤلفات القيّمة التي خلّفها المرحوم في مختلف المجالات خصوصاً في مجال التاريخ الإسلامي ومناقب أهل البيت (عليهم السلام) إنّما هي صفحة ناصعة تضاف إلى سلسلة المفاخر الخالدة لجبل عامل.
إنّني إذ أتقدّم بأحرّ التعازي لأسرة الأمين الفاضلة وللعلماء المسلمين وكذلك للمحافل العلمية والجامعية برحيل هذا المفكّر المحترم أسأل الله تعالى أن يلهم المفجوعين الصبر والسلوان وأن يتغمد الفقيد السعيد بواسع الرحمة والغفران.
النهار
الثلاثاء 22 تشرين الأوّل 2002
غياب الوجه المتألق
نعى الأمين العام للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي حبيب صادق المؤرخ الراحل السيد حسن الأمين بالكلمة الآتية:
كبير من رموزنا الثقافية في لبنان يغادرنا إلى غير عودة، هذه المرّة، وهو الرحالة المدمن التحليق في آفاق هذا العالم والرجوع إلى رحاب وطنه في نهاية كلّ مطاف.
سحابة عمره المديد، لم يكن السيد حسن الأمين إلاّ ذلك النهر المتدفق بالعطاء الشديد الخصب، المتنوّع اللون، والبعيد المدى والسحيق الغور، فقد جعل من أيامه ولياليه، على تواصلها المثمر، حقولاً للإنتاج المتميز سواء في حقل التربية والتعليم أو في كتابة الشعر والنقد والسيرة وأدب الرحلات أو في الذهاب بعيداً في ميادين التاريخ العربي ـ الإسلامي والتأليف الموسوعي إضافة إلى استكمال تراث والده المجتهد المصلح، المغفور له السيد محسن الأمين صاحب «أعيان الشيعة».
ومن مآثره الكثيرة التي لا تحصى، على أكثر من صعيد، انصرافه، بحدب وتوله، على معالجة شؤون مسقط رأسه جبل عامل منقباً في أبعاد ماضيه وحاضره وكاشفاً النقاب، باعتزاز، عن ذخائره الثمينة وكنوزه المخبأة. ولعل من خير انصرافه الدؤوب ذلك اشتراكه الوازن في تأسيس المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، وقبوله بعضوية أوّل هيئة إدارية من هيئات المجلس (1965ـ1967).
من هنا يوجع أهل المجلس أشدّ الوجع غياب هذا الوجه المتألق عن فضائه، وليس عن صدارة ذاكرته: الأخ الكبير البحاثة الموسوعي والمؤرخ الفذ السيد حسن الأمين.
ونحن، في المجلس، إذ نقف اليوم بخشوع، إلى جانب أفراد أسرته الكريمة نتقدّم منهم جميعاً بخالص التعازي. وللراحل الكبير الخلود في الدارين.
النهار
الخميس 17 تشرين الأوّل 2002
حسن الأمين مؤرخ حجّة
في نهاية الستينات التقيت المؤرخ حسن الأمين للمرّة الأولى في منزل المجاهد العربي محمد علي الطاهر (أبو الحسن) في بيروت، خلال ندوة كان يعقدها أبو الحسن مساء كلّ اثنين ويؤمّها سياسيون ومفكرون وأدباء ومؤرخون وعلماء وصحافيون، إلى قادة عرب كانوا يمرّون في بيروت وفي المقدمة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، أو كانوا قد التجؤوا إليها هرباً من أوضاع في بلادهم. وكان أبو الحسن يقدّم الشاي لضيوفه، ويعطي الكلام لهذا أو ذاك ليدير الجلسة، إلى أن استقرّ رأيه أخيراً على أن يكون المؤرخ جواد بولس الرئيس الدائم لجلسات الندوة ـ الصالون. وكان للمؤرخ حسن الأمين صولات وجولات عندما يدور الكلام على التاريخ لا سيما تاريخ جبل عامل.
ربطتني بالعلاّمة حسن الأمين علاقة صداقة، فرحت أزوره في منزله القريب من مستشفى المقاصد، العامر بمكتبة زاخرة بالموسوعات والمخطوطات. وكان صالونه، في أغلب الزيارات، ملتقى المثقفين.
وكان يزورني بدوره في مجلة «الجمهور الجديد» حيث كنت المسؤول عن القسم الثقافي، فيزودني كتبه وآراءه.
تعمّق حسن الأمين في التاريخ، ولا سيما تاريخ الجنوب. إنّه لم يغفل النقد والشعر والسيرة، فولجها. كما تطرّق إلى الحروب الصليبية فنبش ما أغفله المؤرخون أو تجاهلوه عمداً.
انتمى إلى بيئة أنجبت علماء وكتّاباً طليعيين. فهو من معدنها. والده المجتهد السيد محسن الأمين وصاحب كتاب «أعيان الشيعة» وغيرها من الكتب والمراجع، كان له هداية، فغرف من معينه ومن معين الأسلاف.
وكان منفتحاً على الغير وإنّ خالفه هذا الغير الرأي.
وكان محاوراً في مختلف مجالات السياسة والفكر والقومية.
وكان قارئاً نهماً وناقداً نزيهاً لا يتلفت إلى المؤلف حتّى لو كان صديقه. وكان متنوراً. ما اعتلى منبراً، أو كتب مقالاً، أو دخل في صراع فكري أو نقاش تاريخي، إلاّ استعمل سلاح المنطق والتروي والنصح.
وكان يرى في المسيحيين العرب بناة للقومية العربية، أحلّوها في الصدارة، وأعلوا شأنها خلف الحدود.
ورحل مطئمن البال إلى أن تاريخ لبنان، وضمنه تاريخ الجنوب، سيبقى قائماً على أرض ثابتة، ويغذي الأجيال الطالعة بحب الوطن.
إبراهيم عبده الخوري
النهار
الاثنين 21 تشرين الأوّل 2002
سيرة رجل سيرة جيل
في زيارتي الأخيرة له في 27/9/2002، كان العلاّمة حسن الأمين فرحاً على غير عادته. قال لي بابتسامة عريضة منه: «لن أقول لك كما في كل الزيارات إنّني تعب وجسمي يؤلمني و…، لقد استهلكنا جسدنا، وكانت حياتنا نافعة، رغم أنّ النتائج لم تكن هي ما نريده». اهدانا يومها كتابه الأخير عن جبل عمل، وقدّمت له كتابي «في الهوية والتراث»، فرح كثيراً بالهدية، خاصّة أنّ كتابي مهدى إليه، أمّا الزيارات السابقة فكانت مكثفة خلال هذه السنة، حيث أقمنا في حلقة الحوار الثقافي تكريماً له شارك فيه الأب يوسف مونس، د. يوسف الحوراني، د. أميرة أبو مراد. د. إبراهيم بيضون، د. منذر جابر. د. حسان حلاق، د. حسن البعيني، العلاّمة محمد حسن الأمين، وكانت الغائبة الحاضرة السيدة أملي نصر الله. يومها شاركتنا في هذا الاحتفال نخبة من محبّيه تجاوز عددهم 200 مثقف من مختلف الاتجاهات والمناطق.
في زيارة له بعد التكريم وكنّا بمعية الوزير أسعد دياب، كانت جلسة طويلة، تحدّث خلالها الأمين عن سيرة حياته عن والده وعن جبل عامل، وعن رأيه في الكثير من المسائل. يومها سألته لماذا لم تتزوج؟ كانت له وقفة مطولة أمام السؤال، وأجاب أنا كما كلّ الرجال أحببت المرأة، وأقمت علاقات معها، لم أكن غريباً عن عالم النساء. وأذكر أيضاً أحد اجتماعات حلقة الحوار الثقافي وفي منزل سلام الراسي أطال الله بعمره، حيث كان العلاّمة حسن الأمين والعلاّمة عبدالله العلايلي وأحمد أبو سعد وأنيس فريحة وفؤاد افرام البستاني، وآخرون هم من ساهموا في تأسيس الحلقة. حينها سرد لنا سلام الراسي لقاءه مع والد السيد حسن العلاّمة محسن الأمين، كان اللقاء أواخر الأربعينات حين فرق العلاّمة محسن بين تسمية الجنوب بالجنوب اللبناني، وبين التسمية التي يستعملها في كتاباته بلاد جبل عامل. وحين سأله الراسي وما الفرق، قال له العلاّمة محسن الأمين الفرق كبير، فالجنوب اللبناني منطقة جغرافية. أمّا جبل عامل فقضية. حينها أضاف ولده السيد حسن الكثير على هذه المقولة، فتحدّث عن دور والده: «إنّ والدي كان مرجعاً عربياً ليس فقط للشيعة ولكن للجميع، وذكر لنا كيف حاول الفرنسيون في العشرينات من القرن المنصرم أن يتقربوا منه، مرسلين رسلاً إليه يطالبونه بأن يرضى بتسميته «المفتي الأكبر». وكان ذلك بسبب علاقاته الجيّدة مع كلّ الطوائف اللبنانية، محاولين من هذا العرض إيجاد شرخ كبير بين السنّة والشيعة. ويومها رفض السيد محسن الأمين العرض، خاصّة أنّه كان مرجعاً إسلامياً في دمشق ذاتها وكان مرجعاً للطائفة العلوية، حيث كان وفد ديني رفيع المستوى من القرداحة وجوارها يأتي إليه سنوياً لأكثر من مرّة ويستشيره في أمور مختلفة. كما كان البيت الأسعدي وفي كثير من الأحيان مرجعاً سياسياً للطائفة نفسها.
لقد اعتقد الفرنسيون أنّ الانفتاح على السيد محسن الأمين انفتاح على الطوائف الأخرى، واعتقدوا أنّ وضعه يتماثل مع وضع الشيخ محمد الجسر في الشمال.
ويحكي لنا العميد د. رياض قاسم عن وجوده في إحدى المناسبات التي تكلمت عن السيد محسن الأمين. يقول إنّ وجوده كان غريباً، ولم يسمع منهم كلاماً يعرفه بالسيد محسن. ويضيف إنّ السيد محسن عرف بالإصلاحي للأسباب الآتية:
1 ـ رفض تقبيل الأيادي سواء لرجال دين أو غير رجال الدين.
2 ـ رفض ومنع اللطم والتجريح في عاشوراء، وفي غيرها من المناسبات.
3 ـ رفض البكاء على الحسين، والنواح والعويل في المناسبات الدينية.
4 ـ رفض أن يؤم شيخ غير متعلم المؤمنين في الجامع.
ومن مميزات رؤيته الإصلاحية أيضاً أنّ السيد محسن الأمين عندما أسّس مدرسة في الربع الأوّل من القرن المنصرم المدرسة اليوسفية للصبيان، أسّس إلى جانبها مدرسة للبنات، واتخذ قراراً بضرورة تعليم الفرنسية بدءاً من السنة الثالثة الابتدائية. وأيضاً عندما كان يسافر كان يدوّن ملاحظاته ومشاهداته، وكان أيضاً يطالب بتدوين محاضر اجتماعات المؤسسات التي يتم إنشاؤها.
المغفور له حسن الأمين، كان ابن هذه البيئة، ابن هذا البيت، ابن هذا الإصلاحي العظيم. والسيد حسن أضاف الكثير إلى تجربة والده، وذلك من خلال إعادة قراءته لتأريخ أحداث لبنان والمنطقة، مثلاً رؤيته المختلفة لسيرة صلاح الدين الأيوبي، وتفسيره المختلف للكثير من المسائل التي يعتقد البعض أنّها تستند إلى مصادر موثوقة كان مؤرخاً له رؤيته الخاصّة، وكانت له رؤيته المختلفة لكثير من الأحداث ذات الطابع الديني، وكانت له أيضاً تجربته الشعرية والقضائية وغيرها.
كان موسوعياً بامتياز. وهو الذي ساهم في ثقافة تحسين العلاقات بين الناس، ثقافة حوار لا انغلاق فيه.
قال عنه صديقه المؤرخ يوسف الحوراني «حيث يكون حسن الأمين يوجد مجلس للأدب والفكر والمعرفة وعقد الصداقات»، وقال عنه الأب يوسف مونس «أدرك حسن الأمين أنّ للآخر حق الاختلاف والافتراق، وكلّ تدمير للآخر هو تدمير للذات، وعدم الاعتراف بالآخر هو العنف الكبير». وقال عنه العلاّمة محمد حسن الأمين «حسن الأمين كان غريباً في عصره، وهذه الغربة هي شهادة كلّ كبير، وشهادة كلّ فاعل في تاريخ أمته، تاريخ فكرها وحضارتها وصناعة مستقبلها. لقد أدرك حسن الأمين أنّ الانهيار والسقوط في الأمم ليسا نتيجة حدث خارجي، بل هما نتيجة قابلية تستدرج مع مثل هذه الأحداث». وقال عنه تلميذه د. إبراهيم بيضون» كان حسن الأمين مقيماً مع الناس، في ذاكرتهم، كما كان مقيماً في الحوليات التي شاخ فيها الزمن «وقال عنه تلميذه أيضاً د. جابر «كتابات حسن الأمين حمالة أوجه في الثقافة».
كان ابن بيئة يتدرج فيها الانتماء من الوطني إلى القومي والإنساني، وبذلك كان لبنانياً بامتياز، كما كان عربياَ دون الالتفات إلى الشأن الديني وزجّه في الشأن القومي، وكما فعل ويفعل الكثيرون هؤلاء الذين استخدموا هذا الدمج لفكفكة المجتمعات العربية إلى مجتمعات طائفية لا رابط بينها إلاّ الرابطة التي تسوسها ثقافة الطوائف بعضها مع بعض. وحيث النزاع الدائم يؤدّي إلى قتل كلّ حوار وطني، وإلى استبقاء الجواب الأخطر في التراث الديني، كمقولة أهل الذمة والعصر الجاهلي وأرض المسلمين ليس بينها من حدود، إضافة إلى ربط الإسلام بالقومية ممّا يؤدّي إلى استبعاد الطوائف الأخرى من فكرة الهوية الجامعة والانتماء الوطني أو القومي العربي ليتم التعامل معها كطوائف.
حسن الأمين وربع قرن من التواصل معه، لا يمكن في غيابه أن نرسم صورة جامعة له، حسن الأمين كان مواظباً على اجتماعات الأمانة العامة لحلقة الحوار الثقافي سواء في مبنى وزارة الثقافة السابق صوفيل أو في مبنى ستاركو أو في منازل سلام الراسي والهام كلاب البساط وفرحان صالح. كان حاضراً في نشاطات الحلقة وفي مؤتمراتها وندواتها.
قال في الحفلة التكريمية له في الأونيسكو وكرّر ذلك ونحن في زيارة له مع الوزير دياب «هناك من سيحتضنني في مماتي احتضان التجار لسلعة ما أو ما شابه، ولكن أنتم في حلقة الحوار الثقافي وفي تكريمكم لي، من احتضنني واحتضن همي وتفكيري». وأشار بيأس إلى من اتصلوا به كي يكرموه وكانوا يطلبون مقابل ذلك مالاً.
حسن الأمين، الغائب الحاضر، سنتواصل مع ما أسس له مستفيدين منه ومضيفين إليه. وحسن الأمين كذا والده ورعيل آخر من النخب التي عرفها الجنوب ولبنان، هم من الذين أسسوا وبنوا مدماكاً لأرضية فكرية ووطنية سنستلهم منها الكثير.
فرحان صالح
رحيل السيد حسن الأمين
غيّب الموت المؤرخ السيد حسن الأمين عن 95 عاماً قضاها بين صفحات التاريخ قارئاً ومؤلفاً، وصاحب رأي ورؤية في الخلافات والسجالات التي كانت تثار حول بعض الأحداث والشخصيات الإسلامية كنصير الدين الطوسي وصلاح الدين الأيوبي.
ولد السيد حسن الأمين في شقراء جبل عامل سنة 1908 وترعرع في بيئة سياسية دينية في منزل والده المرجع السيد محسن الأمين، ثمّ انتقل إلى دمشق حيث درس على والده في الحوزة المحسنية، ثمّ انتسب إلى كلية الحقوق في جامعة دمشق وعمل فترة قاضياً في محاكم لبنان، غير أنّه ترك وظيفته الرسمية في القضاء اللبناني وتوجّه إلى التاريخ قارئاً نهماً، مؤلفاً مغايراً للسائد، تابع مشروع والده في كتابة «أعيان الشيعة» الذي توقف عند حرف السين بوفاة والده فأكمله حتّى حرف الياء، ولم يكتف بإكمال موسوعة أبيه وإنّما أضاف عليها «مستدركات أعيان الشيعة».
في عام 1992 بدأ بنشر موسوعته الخاصّة به والتي حملت عنوان: «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» والعديد من المؤلفات التي تتخصّص بتاريخ الشيعة، وكذلك كتب السيد حسن الأمين عدّة مؤلفات في تاريخ المنطقة، منها صلاح الدين الأيوبي، الرضا والمأمون وولاية العهد، الوطن الإسلامي بين السلاجقة والصليبيين، الإسماعيليون والمغول، ونصير الدين الطوسي… وغيرها من الكتب التي أثارت الكثير من الآراء المتباينة والمتراوحة بين التأييد والمعارضة.
يكفي حسن الأمين أنّه أخلص للتأريخ، وأنّه أعادنا إلى زمن الكتّاب الموسوعيين، وأنّه كان ذا رأي واضح في زمن الأقنعة.
ح. ن
العهد
الجمعة 18/10/2002
عندما يبلغ المرء التسعين من عمره فإنّه يتفرّغ ليعدّ أيام حياته المتناقصة يوماً إثر يوم، أمّا المؤرخ السيد حسن الأمين فإنّه كان في الخامسة والتسعين يعدّ مشاريعه الكتابية، ليس ما تمّ إنجازه منها فحسب، وإنّما ما هو مخطط له وموضوع على لائحة المشاريع المستقبلية القريبة التنفيذ.
عندما زرته في الشهر الاسبق لإجراء حوار صحافي معه في الذكرى الخمسين لوفاة والده المرجع الإسلامي الشيعي الكبير السيد محسن الأمين وجدته كعادته ودوداً، دافئاً، خفيف الروح، قريب الدعابة تلوح ضحكته الطفولية على وجهه التفّاحي المندغم بياضه القديم بصفاره المرضي الحديث. بدماثته المعهودة أجاب السيد على أسئلتي التي تراوحت بين الخاص الذاتي والعام التاريخي، وتنقلت بين الإضاءة على منجزات المرجع السيد محسن الأمين والسفر على أجنحة سيرته هو، هو كمؤرخ صاحَبَ القرن السابق بكلّ تحوّلاته ومفارقاته، كمؤرخ أجاد حرفة استنطاق أحداث ونصوص التاريخ.
عن والده أخبرني أنّ أبرز إنجازاته تتلخص، بكتابه الموسوعي أعيان الشيعة، وبنظراته التجديدية في إصلاح المنبر الحسيني، ومساهمته كمرجع شيعي في قيادة الثورة السورية الكبرى، وبإنشاء أوّل مدرسة لتعليم البنات في العالم الإسلامي.
عنه هو أخبرني كيف ترك الحقوق التي درسها في جامعة دمشق في الربع الأوّل من القرن الماضي، وتخلّى عن وظيفته المرموقة في القضاء لأنّه لم يستطع أن يتغاضى عن الهجرة اليهودية السرية من لبنان إلى فلسطين وكيف توجّه إلى التاريخ، عشقه الأوحد.
أخبرني عن رحلاته وأسفاره إلى آسيا الوسطى مقتفياً آثار التاريخ في سمرقند وبخارى ونيسابور.
أخبرني…
وفي الختام سألني عن سبب تأخّر العدد الأخير من جريدة الانتقاد في الوصول إليه، اليوم يصل إليك آخر عدد من الانتقاد، ولن يجد من يقرأه، كما لم يجد تاريخنا من يقرأه مثلك.
العهد
18/10/2002
«كرسي مقلوب ولا بيع شبر من فلسطين»
كبيراً عاش، كريم النفس
ومقاوماً على طريقته هو، المرحوم السيد حسن الأمين، الذي رفض توكيلاً كان ليعمل منه مليونيراً في أيام العز.
والقصة أنّه وبعد تخرّجه من كلية الحقوق أرسلت في طلبه إحدى العائلات من أجل عمل يقوم به، وكأي متخرّج جديد يبحث عن فرصة عمل حضر. وكان العمل عبارة عن تفويض بالذهاب إلى القدس لبيع أملاك واراض شاسعة في فلسطين المحتلة.
فكان جوابه:
ربع الليرة التي أملك دفعت 10 غروش منه أجرة كرسي مقلوب من الشام إلى بيروت (لأنّ الكرسي المقلوب كان أرخص) وبخمسة سأشتري ما أسدّ به جوعي، والباقي سأعود به من حيث أتيت، ولن أرضى ببيع شبر من فلسطين.
نِعْمَ المعلم… ونِعْم العالم…
ونِعْمَ المقاوم…
مصطفى خازم
الانتقاد
الجمعة 18/10/2002
حسن الأمين في ذمة الله
توفي أمس في بيروت المؤرخ حسن الأمين نجل العلاّمة المرحوم السيد محسن الأمين، عن عمر يناهز الـ 94 عاماً أمضاها في البحث والتأليف والتعليم. ونعاه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. والفقيد تفرّغ لأعمال البحث والكتابة مؤلفاً عشرات الكتب في مجال التاريخ الإسلامي والشيعي ومن أبرزها: «دائرة المعارف الشيعية» و«مستدركات أعيان الشيعة»، كما ساهم بالكثير من المقالات السجالية في الصحف اللبنانية والعربية، وكانت جريدة «الحياة» أحد المنابر التي اختارها للكثير من مساهماته. وسيوارى الراحل الثرى اليوم في بلدته شقرا، جنوب لبنان.
الحياة
17/10/2002
حسن الأمين الشاعر والمؤرخ و«كاشف المجهولات»
حسن الأمين الذي توفي الاثنين الماضي، شخصية ثقافية إسلامية بارزة، ابن أحد أهم المراجع الشيعية في زمانه، قاض مدني سابق، مرشح للانتخابات النيابية في لبنان لم يحالفه الحظ أعطى حياته كلّها للكتابة والأبحاث، متّصل بتراث أبيه السيد محسن الأمين، وقد يكون مشاركاً فيه.
شاعر وكاتب ومؤرخ وصاحب اطلاع موسوعي في الثقافة والجغرافيا والتاريخ والسوسيولوجيا والإيديولوجيا الإسلامية الشيعية بخاصّة، وفي التاريخ الوطني السياسي السوري قبل الاستقلال بنوع خاص، وكذلك اللبناني والعربي.
موسوعة «أعيان الشيعة» أكملها بعد والده وربما شارك فيها أثناء حياته، له صفحات جميلة لا تحصى حول احياء دمشق وتكوينها الجغرافي الاجتماعي. حجة في تاريخ جبل عامل وفي تاريخ المقاومة السورية للانتداب الفرنسي. له كتابات عن الهند وباكستان والشيعة فيهما.
يكتف بتدفق، ويتوسع أحياناً فلا يترك شاردة أو واردة عن الموضوع الذي يتكلم عنه، ولا يترك للفن الكتابي وللمنهج أحياناً أن يسيطرا على نصوصه على حساب تفاصيل ومعلومات ونظرات تزخر بها ذاكرته وتمتلئ بها جعبته، وتكون في كثير من الحالات مجهولة أهم من أن تحبس فلا تظهر، وأهم من أن توضع جانباً بدعوى التقيد الصارم بمسيرة المقال أو النص ذي العنوان المحدد.
يعتبر النوع مهماً كما يعتبر الكم مهماً أيضاً، إذ أنّ هناك ملاحظة هامشية أو معلومة غير معروفة تفيد أكثر من المعلومات ذات الطبيعة المتقنة.
ليكن المقال بحراً ولو ماؤه بحاجة إلى بعض تقطير، بدلاً من أن يكون ساقية مقطرة وفقيرة على نقائها.
عاش أنواعاً مختلفة من الحياة، سافر إلى أماكن كثيرة ومكث فيها مدّة غير قصيرة، ولم تكن سفراته من جنس واحد. عاش شبه طالب في باريس كما زار الهند وباكستان، وطبعاً العراق وإيران وأجزاء من آسيا الوسطى. وله كتابات شائقة تاريخية وإبداعية فكرية حولها.
كان أشدّ ثقة بأهمية نظرته الشمولية إلى البانوراما الإسلامية من أن يقتصر على تدقيق الجزئيات، تلك النظرة التي كوّنها من رحابة ثقافية ومن نوعية الرجال الذين عاشرهم من علماء ورجال دين وسياسة من الصف الأوّل.
الفترة الذهبية من حياته هي تلك التي قضاها إلى جانب والده في دمشق يشاركه القرار المؤثّر في مسيرة الحياة الوطنية السياسية، لا سيما ذلك الإضراب العام الذي أعلنته الحركة الوطنية السورية عام 1936 من بيت والده السيد محسن معرفة منها بمردود ذلك في تعزيز هذا الإضراب الذي دام ستين يوماً وجعل الحكومة الفرنسية تبدأ مفاوضاتها مع رجال الكتلة الوطنية تحت عنوان تسليم سورية حقّها بالاستقلال. لقد ذهب رجال سورية إلى بيت السيد في دمشق ليعلنوا من هناك الإضراب، ويضمنوا له أوسع تجاوب وأكبر فعالية.
وليد الغالي
الحياة
الخميس 17 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2002
تشييع الأمين في شقرا
بمشاركة ممثلي الرؤساء الثلاثة
شيّع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وأهالي بلدة شقرا والجنوب المفكر الإسلامي الكبير والمؤرّخ الأديب السيد حسن الأمين، نجل العلاّمة السيد محسن الأمين بمأتم مهيب انطلق من أمام منزل الفقيد في بلدة شقرا ـ قضاء بنت جبيل، يتقدّمه ممثل رئيس الجمهورية الوزير أسعد دياب، وممثل رئيس مجلس النواب، النائب علي بزي، وممثل رئيس مجلس الوزراء محافظ النبطية محمود المولى، وبمشاركة النائب محمد رعد، والنواب السابقين عبدالله الأمين، حسن علوية، وحبيب صادق، مفتي صور وجبل عامل السيد علي الأمين، القائم بالأعمال في سفارة إيران في لبنان، وأمين عام الشؤون الخارجية في المجلس النيابي بلال شرارة والسيد محمد حسن الأمين، وفد من حركة «أمل» وحشد من رؤساء بلديات المنطقة ومختاريها، بالإضافة إلى فاعليات جنوبية، وحشد من أهالي المنطقة.
وبعد أن أمّ مفتي بنت جبيل العلاّمة محمد علي الأمين الصلاة على جثمان الفقيد، نوّه الوزير دياب باسم رئيس الجمهورية بمزايا الفقيد الراحل والتي تجسّدت في خدمة المجتمع والوطن، وبعطاءاته الفكرية والدينية، وقلّده الوسام الفضي عربون وفاء لإنجازاته، مقدّماّ التعازي لآل الأمين ولبلدة شقرا والجنوب.
بعدها ووري الفقيد الثرى في جبانة بلدته، وشكر عاصم الأمين الرؤساء الثلاثة وكلّ الحضور على مواساتهم.
تشييع العلاّمة الأمين ولحود يمنحه وساماً
شُيِّع في موكب مهيب انطلق من بيروت، جثمان المؤرخ العلاّمة حسن الأمين إلى بلدة شقرا ـ قضاء بنت جبيل، حيث ووري في الثرى.
شارك في التشييع ممثل رئيس الجمهورية وزير الشؤون الاجتماعية الدكتور أسعد دياب، وممثل رئيس مجلس النواب النائب علي بزي وممثل رئيس الحكومة محافظ النبطية القاضي محمود المولى، وعدد من النواب الحاليين والسابقين ووفد من السفارة الإيرانية، وحشد من العلماء والفاعليات الاجتماعية والتربوية وأبناء شقرا.
وقبل الدفن، منح رئيس الجمهورية العماد إميل لحود الفقيد وسام الاستحقاق الوطني الفضي.
وألقى باسم عائلة الفقيد ابن شقيقه السيد عاصم الأمين كلمة شكر فيها كلّ من شارك في التشييع.
المستقبل
المجمع الثقافي العربي نعى السيد حسن الأمين:
مشى على دروب المعرفة وترفّع عن الابتذال
نعى الأمين العام للمجمع الثقافي العربي عبد الرؤوف فضل الله المؤرخ السيد حسن الأمين وممّا جاء في النعي:
في كتب العامليين إشارة إلى سجدتين: سجدة لله وسجدة للمعرفة التي أمر الباري بالسعي إليها وامتلاكها. وقد آمنوا بأنّ الثانية هي قربى يتقرّبون بها إلى الله ولذلك كانت لهم الأسبقية في عالم الفكر والمعرفة.
وقال: فقيدنا السيد حسن الأمين واحد من آل بيت المعرفة. إنّه العلاّمة المؤرخ الذي عرفته ندوات الفكر والأدب. ويحتم عليّ الوفاء أن أشير ولو باقتضاب كلّي إلى بعض أنشطته الثقافية المميزة، فلقد كانت الصداقة راسخة بيننا.
كان حضوره فاعلاً في الاجتماع الأوّل الذي عقدته في منزلي لتأسيس مجلس ثقافي للبنان الجنوبي إلى جانب المجالس الثقافية التي أسّستها في جميع المحافظات اللبنانية. وكذلك في الاجتماع العام لانتخاب الهيئة الإدارية الأولى لهذا المجلس بمنزل المغفور له الشيخ أحمد عارف الزين في صيدا بحضور جمهرة من كبار مثقفي جبل عامل أذكر منهم: محمد علي الحوماني، الشيخ علي الزين، هاشم معروف الحسني، صدر الدين شرف الدين، حسن الأمين، كامل العبالله، جوزيف مغيزل، أحمد سويد، أديب مروة، موسى الزين شرارة، عبد الحسين العبدالله، بولس سلامة، جورج جرداق، حسين مروة، عبد اللطيف شرارة، حسين مكي، فؤاد البوبو، نزار الزين، علي مروة، يوسف الحوراني، محمد علي مكي، علي إبراهيم، جعفر شرف الدين، زيد الزين وغيرهم. وكنت أوّل أمين عام لهذا المجلس الذي كان يعتمد، فيما يعتمد، على نشاط واخلاص السيد حسن الأمين للنهوض بالحركة الثقافية العاملية.
أضاف: في إطار التحرّك الثقافي عقدنا ندوات كبرى عديدة في مختلف مدن الجنوب وقراها الكبرى منها ندوة «الحياة الأدبية في جبل عامل» حيث شارك رحمه الله بدراسة قيّمة إلى جانب رعيل كريم من أدباء جبل عامل. كما شارك في الندوة التي عقدناها بمدينة صيدا حول: «أضواء على تاريخ الجنوب» إلى جانب كلمتي وكلمات حسين مروة، انطوان غطاس كرم، الشيخ عبدالله نعمة، ومحمد علي مكي.
وقال: في الندوة التي عقدها المجمع الثقافي العربي في دار نقابة الصحافة اللبنانية حول: «الجذور العائلية في لبنان عامل ترابط ووحدة وطنية» كان موفقاً في دراسته، كعادته إلى جانب دراستي ودراسات يوسف الحوراني، أحمد أبو سعد، ومسعود ضاهر.
كثر عطاؤه فلبس عظمته، ونأى عن مذاهب العجب فكان له زهو التواضع.
البيرق
أنموذج للمثقف قلّ نظيره
يمثّل العلاّمة المؤرخ الأديب السيد حسن الأمين أنموذجاً للمثقف قلّ وجوده في حياتنا الثقافية، فهو العلاّمة موسوعي المعرفة من نحو أوّل، والمتفرّغ إلى أبحاثه ينجزها مهما كلفه ذلك من مشاق من نحو ثان، والقادر على تحصيل معرفة موضوعية بأحداث التاريخ وشخصياته وأموره وتقديمها بوضوح وشجاعة فائقة من نحو ثالث، والمؤرخ الأديب القادر على صوغ الحقيقة في لبوس يمتع القارئ من نحو رابع، والصديق المحبب إلى طلاب المعرفة يحتفي بهم ويقدم لهم ما يتوافر لديه من كتب ومعلومات وخبرة، ومن حب ينشئ علاقات إنسانية حميمة من نحو خامس والمحدَّث اللَّطيف اللَّبق الذي يجيد المزج بين الجدِّ والمزاح الراقي من نحو سادس، والشخصية المواكبة أحداث الحياة والفاعلة فيها والقادرة على اتخاذ المواقف المنبثقة من نهج وضعه الدين الحنيف وأرساه العلماء الكبار عندما عملوا بمنطوق الآية الكريمة: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} من نحو سابع.
فحياته غنية بالمواقف المشهودة، ومنها استقالته من القضاء احتجاجاً على تدخّل أولي الأمر آنذاك لتغيير حكم أصدره في قضية وطنية.
هذا ما مضى فيه، بعد رفضه العمل في أي موقع لا يتيح له القيام بدور رآه واجباً، فأمضى حياته في رحلات: أولاها بحث عن الكتب ـ الوثائق، وثانيتها بحث في هذه الكتب ـ الوثائق عن الحقائق، وثالثتها بحث في الذات الإنسانية، فكان أديباً: شاعراً ناثراً، ومؤرخاً، ومصنّف موسوعات، ومحققاً، وموجهاً يحظى قاصدوه بالرعاية والمحبة… وفي ذلك كلّه كان يبذل جهداً نيّراً أثمر كتباً تتيح له الصدارة بين الخالدين.
د. عبد المجيد زراقط
حياة حافلة بالبحث والعطاء
ولد السيد حسن الأمين عام 1908 في شقرا «في جبل عامل»، وهو سليل تراث جبل عامل الثقافي وابن السيد محسن الأمين العلاّمة ـ الموسوعي.
تلقّى دروسه في دمشق حيث تخرّج من كلية الحقوق عام 1934 ودرس الأدب العربي في جامعة بغداد وتتلمذ على يد والده في علوم اللغة العربية والعلوم الإسلامية.
هو شاعر وأديب ومؤرخ وفيلسوف وباحث إذ يعدّ من البحاثة الكبار في عصرنا الحاضر الذين انصرفوا إلى محاولة إعادة كتابة إحدى حقبات التاريخ الإسلامي بطريقة تعتمد على البحث العميق والشامل.
وهو من الأوائل الذين ساهموا في رسم صورة الجنوب اللبناني الحديث الطامح إلى المستقبل المضيء. كما أنّه تولّى القضاء لمدّة في لبنان.
أبرز إنجازاته:
ـ إكمال موسوعة «أعيان الشيعة». التي كان والده محسن الأمين قد وصل في تأليفها حتّى الجزء 35.
ـ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية من إثني عشر جزءاً.
ـ الموسوعة الإسلامية في ستة أجزاء ـ قيم خالدة في التاريخ والأدب ـ عصر حمد المحمود ـ الغزو المغولي ـ من بلد إلى بلد… هذا بالإضافة إلى دراسات ومقالات نشرت في العديد من المؤسسات الإعلامية المحلية والعربية.
العلاّمة السيّد حسن الأمين
أنموذج فريد للعلاّمة الموسوعي
جهدٌ نيِّر، جرأة نادرة، بصيرة نافذة
(1)
تعود إليّ الذّاكرة مشاهد جلسات مع السيد حسن الأمين، تعلَّمت فيها الكثير… أقتطف منها لهذا الحيّز مَحْدودِ المساحة مشهداً لم يفارقني مذ ذقت مرارة فقدِ معلِّم كبير فضلُه عليّ لا ينسى.
قيل لي، آنذاك:
ـ اتصل بك السيّد حسن الأمين، ويريد أن يراك.
لم تكن لي معرفة به، لكنَّ معرفتي باتّصاله بي أثارت فيّ ارتياحاً يعود إلى تلك الصّورة التي تسكن ذاكرتي عن والده، المغفور له السيد محسن الأمين (رضوان الله عليه)، فقد نشأت في بيت يجلُّه، ولا أنسى، مهما تقدَّم بي العمر، أنّ جدّي الحاج مصطفى زراقط (رحمه الله)، الذي كان يلزم في معظم أوقاته بيته لا يفارقه، كان يذهب، في كثير من أيام الجمعة هو ومجموعة من رجال قريتنا مركباً، إلى شقراء ليلتقي السيد الأمين ويصلي خلفه ويتزوَّد من علمه، ويعود ليشيد به، ويعدِّد مآثره…
لبَّيت دعوة السيّد حسن، وبي قلق وتهيب، ما لبثا أن أخليا مكانهما لطمأنينة وفرح… وهذا ما اعتدت أن أشعر به، في ما بعد، كلّما التقيته، لم يطل الكلام على التعرُّف، كان قد استنتج من أكون، كانت معرفته بمركبا وأبنائها وبي وبكتابي: «الشعر الأموي بين الفن والسلطان» الذي كان قد صدر آنذاك مدخلاً لحديث طويل عن طرق تحصيل المعرفة وتقديمها.
ما بقي في الذاكرة من أقواله: أنت بحثت في الشِّعر العربي، وتأثير السلطان في تطوُّره، لكن بحثك تاريخ أيضاً… فوجئت، توجَّهت إليه بنظرات مستغربةٍ سائلة. ابتسم، وأضاف: لدراسة الشعر ينبغي أن نعرف الظروف التي أنتجته، وأن نقرأ القصيدة كاملة. وبهذا نصل إلى مزايا الشعر ومعناه، هذا ما فعلته في كتابك هذا… ولهذا اتصلت بك، أودّ أن أهنِّئك…
قلت: كأنّك تتحدَّث عمّا نسمّيه المنهج الاجتماعي، البنيوي التكويني في البحث، وهو ما استخدمته في كتابي.
ابتسم، وقال: أنا لم أطَّلع على المناهج الحديثة.
قلت: المناهج يصنعها العلماء، ونحن إنّما نفيد منكم، أنتم الباحثون الكبار، في استقاء أصول مناهجنا.
ضحك، وقال: بدأنا نجامل… لا عليك، أنت لم تعرفني بعد… ستكثر لقاءاتنا، لذا لست بحاجةٍ إلى مجاملتي في شيء، وبخاصَّة في الأمور العلميَّة.
بقيت ساكتاً، فأضاف:
ـ أمر آخر… التراث العربي الإسلامي وحدة معرفية… المؤسف أنّ الكثيرين يلغون الآخر لاسباب أهمها المذهبيَّة، فيحذفون قسماً كبيراً من التراث العربي الإسلامي، فإن كان لبعضهم عذر لا نقبله، وهو المذهبية، في ظلم شعراء كبار فما عذر من لا يختلف مع هؤلاء مذهبيّاً، هل يريد أن يتخلّى عن ذاته ليقبله الآخر، إنّه في هذه الحالة يتخلّى عن ذاته فلا يكوّنها ولا يكوّن الآخر، وهذه هي المصيبة الكبرى في كثير من رجالاتنا على مختلف المستويات. المهم أن تعني ذاتك وأن تكوّنها قولاً وفعلاً من دون ازدواجيّة…
ابتسمت وهززت رأسي. قال: ما الأمر؟
قلت: المؤسف أنّ هذه العقلية بمنحييها: إلغاء الآخر، وإلغاء الذات إرضاءً للآخر لا تزال قائمة، وحكيت له الكثير ممّا أعرفه في هذا المجال.
تنهّد، وقال: يؤخذ علينا أنّنا نعنى بـ «أعيان الشيعة»، الحقيقة أنّنا، إذ نفعل ذلك، نؤدّي مهمات كثيرة: أولاها إيفاء هؤلاء الأعيان حقّهم، في أن يُعْرَفوا وأن يعرف عطاؤهم، وكثير منهم مظلوم جنى عليه قرار إلغاء الآخر، وثانيتها، تقديم معرفة بإنجازات مهمة، وفي ذلك إحياء للتراث، وثالثتها بيان أنّ أعيان الشيعة هم أعيان المسلمين، في مختلف المجالات، إن من يعرف هؤلاء يدرك أنّ جميع التهم التي توجَّه إلى الشيعة غير صحيحة، وهي في الحقيقة وليدة جهل وتعصُّب، وهذا ما نريد التخلُّص منه، بغية الوصول إلى وحدة إسلاميَّة قائمة على معرفة الآخر وقبوله، والحوار معه…
صمتّ واستعدت موقف ذلك الأستاذ الجامعي الكبير والباحث الذي تملأ كتبه رفّاً في المكتبة العربيّة من الفصل الذي كتبته عن الشيعة، وصراخه بي آنذاك: لا، لن تمر رسالتك هذه… وتذكَّرت صراخ أستاذ جامعي كبير آخر: الأمويون سادة الدُّنيا، ماذا جئت تفعل أنت برسالتك هذه؟!.
كان السيد يتأملني ويترقّب أن أحكي، وانتبهت إليه، حكيت له، وأضفت: أنا كتبت من منظور محايد، مستخدماً منهجاً علمياً… ولا أنكر أنّي فُجِعْت بهذا الموقف غير العقلاني… فقال: هذه هي مشكلتنا الكبرى، إنّها تتمثّل في مصادرة الحقائق من ناحية وفي مصادرة العقل من ناحية ثانية… أنا واجهت هذه المشكلة وحللتها. لا للإلغاء، لا للمصادرة. ضحك، وقال: هاتان لاءتان من لاءات العرب الثلاث.
ثمّ ابتسم، وقال: لا تخف، ابحث عن الحقيقة، في مظانّها، ولا تدَّخر وسعاً في الوصول إليها، وإن حصَّلتها واقتنعت بما توصَّلت إليه أعلنها، ولا تخشى لوماً، المهم أن يكون العقل رائدك، فالإمام علي (عليه السلام) يقول: «ما عبد الله بشيء أفضل من العقل». إنّك إذ تحكِّم العقل، في مختلف أمورك، إنّما تكون قد قمت بفعل عبادة…
دُهشت حينها: تحكيم العقل فعل عبادة!؟ أنا لا أنكر أنّي لم أكن على دراية، في تلك الأيام، بهذه الرؤية الدِّينيَّة، فقلت للسيّد الذي كان يراقب الدهشة المرتسمة على وجهي: أتدري أنّك فتحت أمامي طريقاً لم أكن أعرفه.
قال: هو طريق طويل وعليك أن تسلكه، أتعدني؟
قلت: أعدك، ومنذ ذلك اليوم بدأت أفي بوعودي، واستأنفت رحلتي ومعي زاد ما انفك يربو ويتجدّد في كلّ لقاء وهو قول الإمام علي (عليه السلام): «ما عبد الله بشيءٍ أفضل من العقل».
(2)
في آخر لقاء لي مع السيّد حسن الأمين وجدته بين أوراقه وكتبه، يعمل كعادته بهمَّة الشّباب… حدَّثني عمَّا أنجز من مشروعاته، وعمَّا يودّ أن ينجز… ثمّ صمت وابتسم، وقال:
ـ يبدو أنّي أسابق الزَّمن، يبدو أنّ علاقاتي بهذا الرَّفيق القديم تقترب من نهايتها.
قلت: كيف تنتهي علاقتك به، وأنت لا تزال تكشف حقيقته منذ أوّل عهدك بمعرفته؟!.
قال وقد عرضت ابتسامته: حقيقته! كأنَّك لا تدري أنّ الحقيقة مُرَّة، وبخاصَّة في فم أبناء هذا الزَّمن، من يقبل أن يذوق الحقيقة، ويعلمها؟!.
غامت عيناه لحظات، وبدت لي بقايا ابتسامته فوق شفتيه كأنّها فراشة ترفرف في ضوء، وخلته يستعيد ردّات الفعل التي كانت تلي ما يقدِّمه من حقائق تاريخيَّة، وما يتَّخذه من مواقف مبدئيَّة صلبة…
وارتسمت أمام عيني كلمات في دراسة كتبها الباحث المغربي الحسن الإدريسي، فلم أضع الفرصة، وقلت: لكن بعض الكبار، من أبناء هذا الزَّمن، يرون أنّكم تُحَلُّون مرارة حقيقة أخرى…
سدَّد إليّ نظراتٍ تسأل: وكيف؟
أضفت: كتب الباحث الإدريسي، في العدد السادس والعشرين من مجلة المنهاج: «لكن الحقيقة المرَّة التي لا يمكننا أن نتجاوزها تخبرنا بأنّ التراث الأدبي والفكري في الغرب الإسلامي ظلَّ مغيَّباً من جلّ الدرّاسات الأدبية والفكرية، وحتّى إن اهتمّ بعضهم به كانت النتائج مشوّهة أمّا لعدم سلامة المنهج أو لعدم مراعاة خصوصية هذا التراث وتميّزه عن غيره».
قال: هذا صحيح… ولعل المشكلة التي يتحدّث عنها تكاد تكون عامَّة…
وأكملت: ويضيف الباحث الإدريسي: «… ولا نريد أن نسقط في التعميم لأنّ هناك دراسات جديرة بالتقدير على مستوى التأليف والتحقيق والتأريخ، ولقد كان بحث السيد حسن الأمين: (بنو مرين)، في العدد الرابع عشر من مجلَّة المنهاج، ضمن هذا المجهود النيِّر والعلمي الذي لا يجب إغفاله…».
حطّت الفراشة على الوجه النَّيِّر، وعادت للتوجه إشراقته، ثمّ انفرجت الشَّفتان انفراجة سخرية، أنبتت كلمات: مع حفظ الفارق طبعاً… انتظرناه من المشرق فجاءنا من المغرب…!.
ضحكنا… وقال: سامح الله العرب، دائماً يحدث ما لا ينتظرون…
صمت لحظات: ثمّ أضاف: لا تخلو الدُّنيا من منصف…
قلت: ألا يحتاج تاريخنا المعاصر، مثله مثل تاريخنا القديم إلى شيءٍ من هذا الجهد النيِّر المتميِّز، كما يصفه الباحث الإدريسي، على مستوى التأليف والتَّحقيق والتأريخ والمنهج ومراعاة الخصوصيَّة؟!.
قال: بلى.. ومدَّ يده إلى جانبه، وتناول كتاباً قدَّمه لي، وقال: هو ذا آخر العنقود. إنَّه كتاب عن تاريخ جبل عامل القديم والحديث، وقبله، كما تعلم، صدر لي غير كتاب في التاريخ القديم والحديث.
بادرت إلى القول: الدَّالية، إن شاء الله، ملأى بعناقيدها وكلٌّ أشهى من أخيه.
ضحك، وقال: قلت لك أشعر بأنّي أسابق الزَّمن… وأخشى أن يسبقني، فتبقى هذه الأوراق أوراقاًّ!.
كان شعور المؤرخ والأديب الكبير صادقاً، وجاء الموت يطوي الزَّمن، وما درى أنّ زمناً أُشبع بالعطاء لا يطوى.
(3)
إن يكن الموت حقيقة، وحقيقة ليس أمرّ منها، يرتضيها المرء ولا يقول إلاّ ما يرضي الله، سبحانه وتعالى، فإنّه وفي الوقت نفسه ليس فَقْداً إن كانت ثمرات الجهد النيِّر باقيات تقهره وتصنع الخلود إنَّ ثمرات الإبداع تقهر الموت، لأنّها لا تموت، وبهذا يتمكّن الإنسان من امتلاك سرّ الخلود… هذا ما فكَّرت فيه، وأنا أستعيد ما خلَّفه السيّد حسن الأمين من إنتاج علمي.
وإنّي، في هذا المقام، أودّ الحديث وبإيجاز يقتضيه المقام عن هذه الثَّمرات التي أقرُّ أنّي طعمت منها، وأفدت منها ومن رعاية صاحبها.
لكن الحديث عن السيّد حسن الأمين، في هذا المقام، يبدو صعباً… ويتهيَّب المتحدِّث الإقدام عليه.
فالسّيد الأمين من نحو أوّل علاّمة موسوعي المعرفة، أديب، شاعر وناثر، كاتب قصة ومقالة أدبية وأدب رحلات… محقّق، مؤرّخ، أستاذ أجيال يوجِّه ويتعهَّد طلاّب العلم بالعناية والرِّعاية، وقد بقي بيته محطَّ رحال الباحثين، وكانوا يجدون فيه ليس العلم فحسب، وإنّما العلاقة الإنسانية الحميمة أيضاً…
والسيّد الأمين، من نحو ثان، رجل عاش أحداث عصره، منذ بدايات هذا القرن، وكان حاضراً فاعلاً فيها على غير مستوى، ومثَّل في سيرته ومواقفه المثال والأنموذج لما ينبغي أن يكون عليه الرَّجل العظيم المسهم في إعلاء شأن أمَّته ووطنه.
(4)
يتهيَّب المتحدّث الكلام على العلاَّمة الأمين خشية من تقصير، خشية من عدم إيفائه حقّه، ولطالما عانى من تقصير ذوي الشأن في هذا البلد… كان يعمل وحده في إعداد الموسوعة الإسلامية، ويجهد في ذلك، ولم يَشْكُ إلى أحد، ولم يسعَ إلى أحد…، وتقصير هؤلاء، ولا أعني السياسيين فحسب، وإنّما كلّ من كان قادراً على إيفاء صاحب الحق حقّه، فمعظم مالكي القرار يعنيهم الكسب الآني، ويكادون يسخرون من كلّ مهتم بالشأن التّاريخي الكبير، وهذا الشَّأن هو ما يعني السَّيد الأمين وأمثاله، فيبقى لهم الزمن يملكون ناصيته، ويصنعون التاريخ.
وللتقصير إزاء العلماء الكبار، صانعي إنتاجنا المعرفي، تاريخ في بلادنا، فهو ليس جديداً في تاريخنا، فقديماً هاجر الخليل بن أحمد الفراهيدي من مدينته لأنّه لم يجد فيها فرصةً لتوفير غذائه، كَيْلَة باقلاَّء على الأقل! كان يقول لمن يلومه على مغادرة مدينته.
إنَّ تأمُّل مسار حياة هؤلاء العلماء الكبار، والسّيد حسن الأمين في طليعتهم، يجعل الكلام الصَّعب سهلاً. هذه مفارقة، كما يبدو، تتمثَّل في أن يصعب الكلام ويسهل في آن. وهي مفارقةٌ تتمثّل في شخصيَّة كل كبيرٍ من كبار النّاس وفي سيرة حياته، فالسيّد الأمين الذي أسهم بفعالية، وعلى غير مستوى، في تكوين مسار حياتنا في هذا القرن، مضى في نهج أرساه الأسلاف من العلماء الكبار الذين اقتفوا نهج الرَّسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (عليهم السلام). وهو النهج المتمثِّل في قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصّافات: 24]، وفي قوله عزَّ وجل الآخر: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 111]، وفي قوله سبحانه: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضَيِّعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ} [هود: 115].
إنّه النهج المتمثّل بإحساس المرء بالمسؤوليَّة أمام الله سبحانه وتعالى، فيمضي في مسار حياته مستقيماً، كما أمره المولى عزَّ وجل، يبتغي رضى الله ورضوانه صابراً ومؤمناً بأنّه، جلّ وعلا، لا يضيع أجر الذين أحسنوا العطاء في هذه الدُّنيا.
هذا هو وجه السهولة في الكلام على علامة موسوعي ورجل عظيم أسهم في صنع أحداث قرن من الزَّمان مثل السيِّد حسن الأمين. إنّه ينهج هذا النهج منذ أن غدا هذا النهج طبيعةً له في نشأته، على يدي والده المقدَّس الغني عن التعريف سماحة العلاّمة المجتهد السيّد محسن الأمين (رضوان الله عليه).
إنّنا نلمس الإحساس بالمسؤولية المفضي إلى الاستقامة فالصَّبر، في مختلف مجالات حياة السَّيد حسن الأمين، وإن كان لي أن أتحدَّث عن هذه المجالات، فعلى سبيل المثال والإشارة فحسب.
(5)
نعود إلى البدايات فنرى الفتى ـ الطّالب يقف في مواجهة صاحب السلطان، وكان آنذاك منتدباً فرنسيّاً، فينطق بألسنة الناس، ويجهر بجرأة ليس بحاجاته هو، وإنَّما بحاجات منطقة محرومةٍ من طرقات ومدارس ومستشفيات إلخ.,,.
تمرُّ الأيام ويغدو الفتى محامياً، ونرى المحامي الشاب القادم من دمشق إلى بيروت، وليس في جيبه سوى أجرة الطّريق، يرفض أن يتولَّى قضيَّة تدرُّ الوفير من المال، وتتيح له موقعاً في النّظام القائم آنذاك، لأنّ هذه القضيّة مشبوهة.
ثمّ يغدو المحامي قاضياً، ونرى القاضي النزيه، المثقَّف ثقافة حقوقيَّة وشرعيَّة، في آن، يصرُّ على الرغم من الضغوط والتدخلات على أن يحكم في قضيَّة كما تقضي الاستقامة التي أمر بها، ووفاقاً للمسؤولية التي أنيطت به، وكان من نتائج هذا الحكم أن حدث ما دفعه إلى الاستقامة، فغادر الموقع عندما رأى أنّه لا يستطيع أن يؤدّي الدَّور الذي يراه واجباً عليه كما ينبغي.
هاتان القضيتان اللتان واجههما المحامي والقاضي الشاب تتعلَّقان بالقضيَّة القوميَّة المركزيَّة في تاريخ العرب والمسلمين الحديث، وهي القضيَّة الفلسطينية، فكان السيّد الأمين، منذ بدايات هذه القضيَّة، مدركاً حقيقتها وواعياً ما يُخطَّط لها، فكان، ومنذ ذلك الحين، المقاوم الصّلب، في ميدانه، ما يعني في ما يعني، أنّ المقاومة هي في صلب هذا النهج الذي مضى فيه بوصفه مساراً طبيعياً، وهو النهج نفسه الذي مضى فيه فتية آمنوا وصدَّقوا وصدقوا… فغيَّروا معادلات عرفها الصِّراع العربي ـ الصهيوني منذ بدأ، وحقَّقوا، لأوَّل مرَّة في تاريخ هذا الصِّراع، نصراً مؤزَّراً يؤكد أن الأمَّة قادرة على صنع الانتصارات، إن مضت في نهج يأمرها ربُّها، سبحانه وتعالى، أن تمضي فيه.
وتفضي التجربة بالسيِّد الأمين إلى الأعتقاد بأن لا مكان لأمثاله في ذلك النّظام، فيستقيل من الوظيفة في القضاء، وينصرف إلى حيث يكون فاعلاً في حيِّزٍ يختاره، وتكون له فيه حرية القول والفعل وتحقيق الإنجازات.
فتراه، في مجال التربية والتعليم، يسهم في تنشئة أجيال المستقبل، وقد أثمرت هذه التنشئة، فنذكر، على سبيل المثال، أنّه حين أُعْلِن قرار التقسيم عام 1947، تظاهرت تلميذاته في إحدى ثانويّات العراق مستنكرات، طالبات من العرب التنبُّه لما يحاك من مؤامرات… والعمل على إنقاذ فلسطين. فحين حدث هذا حيَّاهن بقصيدة منها:
هيهات تنسيني الليالي المُنسيات دروسهنَّه
أستاذهن، وإنَّني عند الوفا تلميذهنَّه
ثمَّ تفرَّغ للتحقيق والبحث والتأليف، فحقَّق تراث والده المقدَّس السيّد محسن الأمين، ونشره، وجعل موسوعة أعيان الشيعة في متناول طلاّبها، وما أكثرهم، ثمّ أتبعها بمستدركات تكلمها… وفي هذه الأثناء، كان يعكف على إعداد دائرة المعارف الإسلاميَّة وإصدارها…
ومن الإشارات الدَّالَّة على حجم هذا العمل وأهميته أنّ أحد الباحثين كان يعتقد بأنّ مركزاً كبيراً من الأبحاث، بموظَّفيه وباحثيه وأجهزته، يقوم بهذا العمل، ودُهِش وأعجب عندما علم أنّ شخصاً واحداً ينهض بهذا العمل الجبّار هو السيّد حسن الأمين.
وفي مجال آخر، راح يعيد النَّظر في كتابة التاريخ الإسلامي، بعدما رأى أنَّ كثيراً من المؤرّخين يمدح بلا تحفُّظ حين يرضى، ويذمُّ بلا توقُّف حين يغضب، أو يركِّب التاريخ وفاقاً لهواه، كأنّه، وعلى حدّ تعبير السّيد الأمين، «يركَّب التاريخ بالإبرة والصنَّارة».
ومن الطَّرائف الدَّالَّة، في هذا المجال، أنّ أحد المؤرّخين الموصوفين بالكبار ركَّب مقولة مفادها أنّ الأمير فخر الدّين المعني أرسل الشيخ لطف الله الميسي العاملي إلى الدولة الصَّفوية في إيران لتؤيِّده في سعيه إلى الاستقلال… والحقيقة التاريخية تفيد، كما يقول السيِّد الأمين، أنّ الشيخ لطف الله لم ير فخر الدّين وفخر الدّين لم يره لأنّه ولد وعاش ومات في إيران…
ولا يخفى غرض ذلك المؤرِّخ السّياسي من اختراع هذه الحادثة.
وكان السيِّد الأمين، يرحل بحثاً عن مصادره، وكان يرحل في هذه المصادر… إنَّها رحلات بحث عن المصادر وفيها، وتثمر الرحلات أدباً يغني نوعاً أدبياً عرفه الأدب العربي هو أدب الرّحلات، وتثمر شعراً يمثّل تجربة البُعد والفراق والحنين… وتثمر حقائق تاريخية يتبيَّنها الباحث ببصيرة نافذة ويقولها بجرأة نادرة، فيفاجئ المستكينين إلى السَّائد، ويخصُّ فيهم الركود، ففيهم من يستفيق فيه حب المعرفة فيكشف عن وعيه النعاس، وفيهم من يركن إلى ما وجد عليه أسلافه، فتأخذه الحميَّة، فيثور على من يسعى إلى أن يفتح له نوافذ الهواء والضَّوء.
يناقش السيّد الأمين واحداً من هؤلاء ردَّد مقولة سائدة مفادها أنّ الدولة الفاطمية كانت بلاء على الإسلام والمسلمين، فيقدّم له وللقرّاء وقائع تدحض هذه المقولة، ثمّ يقول ساخراً: «ولعل من هذا البلاء أن الدَّولة الفاطميَّة أورثتنا القاهرة والأزهر!».
ويناقش آخرين ما زالوا يردّدون أسطورة عبدالله بن سبأ، ويقول لهم مؤيّداً قوله بالأدلة موضحاً الشك الذي ذهب إليه طه حسين في شأن وجود هذه الشخصيّة: إنّ شخصيَّة عبدالله بن سبأ مخترعة، وإنّ الذين اخترعوا هذه الشخصيَّة ونسبوها إلى اليهود، اخترعوا إلى جانبها دعوة سمّوها السَّبئية… والمخترع هو سيف بن عمر التميمي الذي أجمع رواة الحديث وعلماء الرِّجال على تكذيبه…
ويبيِّن، في مثال آخر، بالأدلَّة الدامغة أن نصير الدين الطوسي الذي هاجمه مركّبو التاريخ بالإبرة والصنَّارة، استطاع أن يهزم بالعقل والعلم والتدبير الدولة الطاغية الباغية، دولة المغول، ونجحت خططه في تحويل المغول من وثنيِّين إلى مسلمين، وروَّض شارب الدماء هولاكو، فمثّل بذلك أنموذج المثقف الكبير الذي وظَّف علاقته بالسلطان الطّاغية في خدمة مشروعه التاريخي، المتمثِّل بتحويل القوّة الوحشية العاتية إلى قوى تسهم في بناء حضارة وثقافة.
هذه هي، كما رأى السيِّد الأمين، وظيفة المثقَّف التي أدركها الطُّوسي ولم يتخلَّى عنها ويهرب، على الرّغم من أنّه كان مُعرَّضاً للوقوع في أنياب الوحش في كلّ يوم.
وهكذا حقّق السيّد الأمين مكانة تجعلنا نقول: إنّه يكاد ينطق بلسان الشريف الرضي عندما قال:
يصولُ عليّ الجاهلون وأعتلي
ويُعْجَمُ فيّ القائلون وأُعْرِبُ
ولا أعرف الفحشاء إلاَّ بوصفها
ولا أنطق العوراء والقلب مُغَضَبُ
لساني حصاةٌ يقرعُ الجهل بالحُجا
إذا نال منّي العاضهُ المتوثِّبُ
وبقي السيّد حسن الأمين يعرب عن الحقيقة التي يتبيَّنها، ويقرع الجهل بالحجا/ بالعقل بعزم لا تفلُّه السّنون. وإنّي لأكاد أسمعه يقول:
أُأَمِّل ما لا يبلغُ العمرُ بعضَه
كأن الذي بعد المشيب شباب
إنّه لشباب بقي يتجدَّد طوال عمر مديد، شباب العلاَّمة الباحث أبداً متَّبعاً نهج المسؤولية والاستقامة والصَّبر…
إنّ هذا الشَّباب، وإن غيَّب الموت جسد صاحبه، باقٍ في الكتب/ الدَّوالي التي تبقى طوال الزَّمن مثقلة بعناقيدها تُضيء وتُمْتِع وتغذَّي…
(6)
يمثِّل العلاّمة المؤرخ والأديب السيد حسن الأمين أنموذجاً للمثقَّف قلّ وجوده في حياتنا الثقافية، فهو العلاّمة موسوعي المعرفة من نحو أوَّل، والمتفرِّغ إلى أبحاثه ينجزها مهما كلَّفه ذلك من مشاق من نحو ثان، والقادر على تحصيل معرفة موضوعية بأحداث التاريخ وشخصيّاته وأموره وتقديمها بوضوج وشجاعة فائقة من نحوٍ ثالث، والمؤرِّخ الأديب القادر على صوغ الحقيقة في لبوس يمتع القارئ من نحو رابع، والصديق المحبَّب إلى طلاّب المعرفة يحتفي بهم ويقدّم لهم ما يتوافر لديه من كتب ومعلومات وخبرة، ومن حب ينشئ علاقات إنسانية حميمية من نحو خامس، والمحدِّث اللِّطيف اللَّبق الذي يجيد المزج بين الجدِّ والمزاح الراقي من نحو سادس، والشخصيَّة المواكبة أحداث الحياة والفاعلة فيها والقادرة على اتخاذ المواقف المنبثقة من نهج وضعه الدِّين الحنيف وأرساه العلماء الكبار عندما عملوا بمنطوق الآية الكريمة: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} من نحو سابع.
أمضى السيّد حسن الأمين حياته في رحلات: أولاها بحث عن الكتب ـ الوثائق، وثانيتها بحث في هذه الكتب ـ الوثائق عن الحقائق، وثالثتها بحث في الذات الإنسانيَّة، فكان أديباً، شاعراً ناثراً، ومؤرِّخاً، ومصنِّف موسوعات، ومحقّقاً، وموجِّهاً يحظى قاصدوه بالرعاية والمحبَّة… وفي ذلك كلّه كان يبذل جهداً نيّراً أثمر كتباً تتيح له الصدارة بين الخالدين.
عبد المجيد زراقط

قراءة آيات من القرآن الكريم أمام ضريح المؤرخ السيد حسن الأمين
القوافي الحزينة
رثاء مؤرِّخ([1392])
مَنْ ذا يُعيدُ من الأزمان أجملها
علّي أبثُّ شكاتي بينكم ولَها
يا أيُّها الحسنُ الزاكي أرومتُهُ
هوِّنْ خُطاكَ فقد ناديتَ أعجلَها
قد جئتُ أرثيكَ، هل تُرثى بقافيةٍ
إنْ لم يكُ الوحيُ من علياه أنزلها
مَنْ ذا يُضاهيك في الجُلّى ورهبتها
ألستَ أنتَ الذي قد كنتَ جحَلفها؟
أنتَ الذي لو مددَّتَ السُحبَ كنتَ فتى
على الملايين من جَدْواهُ ظلَّلَها
يا (أرزَ) لُبنان، بل يا ظِلَّ دوحتهِ
ويا سماءً بدُنيا المجد كلَّلَها
ما خِلتُ أنثرُ مِنْ نَظم القريضِ رؤى
ووجهُكَ البدرُ غافٍ ما تأمَّلَها
هلاَّ تعودُ إلينا منكَ بارقةٌ
تُزينُ روحُكَ بين الناس محفلَها؟
عادتْ إليَّ أحاديثٌ زهوتُ بها
كنَسمة الفجر طَلاً كنتَ مُرْسلَها
خمسٌ وتسعون ما انهدَّتْ قواكَ بها
ولا توانيتَ لمَّا شِدْتَ معقلَها
كُنتَ المهيمنَ في كُلِّ العصور على
حوادثِ الدهرِ، لكنْ كنتَ أعدلَها
فكم أزلتَ من الإبهام صورتَهُ
وكم حضللْتَ من الألغاز مُقْفَلَها
هشَّمْتَ تلكَ الخُرافات التي زَحَفَتْ
على عقول بني الدنيا لتغسلَها
يا مَنْ به الشمسُ باهتْ في أصالتها
ممَنْ على الأرض بالأنوار مثَّلَها
بكتْ عليكَ مع القرطاسِ محبرةٌ
لمَّا رَثَتْ صُحفُ التاريخ مِقْوَلَها
فَسَلْ رُبى (عاملٍ) عن حُزنها، فلَها
من النواح نشيجٌ كانَ أثكلَها
فكيفَ تُنزلُ تاجاً عن مفارقها
وكيفَ ترمي لدى الهيجاء صَيْقَلَها؟
وأنتَ يا (بَرَدى) ماذا تُحدِّثُنا
عن الذي لربوع الشام أصَّلَها
إذا شكتْ (جلة) حنَّ (الفراتُ) لها
مدامع وحَّدَ الناعي تَسلسُلَها
نُوحي شجى يا رُبى (الفيحاء)، واستمعي
نوحَ (الفرات) على مَنْ كان أنبلَها
تجمَّعتْ فيكَ أيامٌ وأزمنةٌ
مَنْ ذا سِواكَ الذي قَدْ حلَّ مُشكلَها
فقُلْ لمَنْ حملوا للقبر هيكلَهُ
دَفَنْتُمُ أُممَ التاريخ أكملَها
جودت القزويني
مرثية لأستاذي
وابن قريتي السيد حسن الأمين
يا سيدي عمَّ الظلام
وتعطلت لغة الكلام
في جوف ليلٍ دامسٍ
العربُ فيه كالهوام
متفرقين، متشرذمين
كُرْهٌ وحقدٌ وانقسام
حتّى تأخّر ركبهم
عن التقدّم للأمام
فتحوّلوا من ضعفهم
مثل النعاج لدى الأنام
لربوعهم تأتي الذئاب
زُمراً تعاوت للطعام
تردي وتشرب من دمٍ
وكأنّهم مثل النيام
أموات ذلّوا وارتضوا
|
بالعار من دون انتقام
من لم يذد عن حوضه
بسلاحه فقد الزِّمام
أبداًعديم الحسِّ لا
يصحو وقد ساد الطغام
وتحكمت فينا اليهود
والكل لا يبدي اهتمام
لا جيش يهزم جيشهم
الكل يشعر بانهزام
حرقوا المواسم والخيرات
في عزِّ الصيام
والتين والزَّيتون لم
يبق لنا غير الخيام
لهفي على الأشلاء تجمع
من رأى غير الكلام
«طولكرم» «رام الله»
وغزَّة يا حرام
وعلى «الخليل» بكى
المحبُّ مع الحَمَام
وعلى المخيَّم حيث القصف
للقوم الكرام
«جنين» حيُّوا دائماً
ولمعقل الشوس العظام
لهفي على أجسادهم
لوحات توحي الاحترام
في الأرض قد غُرست لتوقظ
نخوة الأهل النيَّام
لم يبق غير النوح
والعبرات من فوق الرّكام
يا سيدي ردِّد وقل
للفارس البطل الوسام
لا تلقى يوماً أمَّةً
تحيا تكون كما يُرام
إلاّ سمت أهدافها
من بعد شوقٍ واضطرام
فتحملت كلَّ الصعاب
من أجل إتمام المهام
أين الجنود الشوسُ
تصلى الحرب قد آن القيام
«القدسُ» ضاعت عندما
جنح الجميع إلى السلام
\وعلى الجزيرة خيَّمت
وتلبدت سود الغمام
ولسوف يمحي إرثنا
ولسوف ينهار «المقام»
وغداً تجيء لأرضنا
أممُ تعيش بلا ذمام
خيراتنا نهبٌ لها
ضاعت بُعَيْدَ الالتهام
وغداً سنمسي كالعبيد
من دون قدر واحترام
قوموا وهبوا كلكم
لا تُغضبوا ربَّ الأنام
الحربُ فرض واجبٌ
وبها بحق الالتزام
كـ «حماس» كونوا دائماً
و«جهاد» سيروا للأمام
رحل الذين نُحبُّهم
فعليهمُ أزكى السلام
«حسن الأمين» المفتدى
الشاعر الفذُّ الهمام
مات المؤرخ حسرةً
ماذا يُسجَّل يا كرام
أو خزي قومٍ أحجموا
أو مجد غُرْبٍ لا يُضام
نَمْ هانئاً يا سيدي
من بعد سُهدٍ واهتمام
سيضاعف المولى لكم
أجراً لإتمام المهام
قد كنت من خير الدعاة
في الفكر قد كنت الإمام
ستمرُّ أجيالُ وعنكم
سيدي يحلو الكلام
وتزور للرّمس المُمَيَّز
تنحني بعد التثام
وترتل الإخلاص بعد
الحمد تقرؤك السلام
دكار في 24/10/2002
فتى الدواوير
تأريخُ وفاة
المؤرِّخ الكبير، والأديب النِّحرير
العَلاّمة الأستاذ السَّيِّد حَسَن الأمين (قده)
نَجل المجتهد الأكبر سماحة السيد محسن الأمين (قده)
شقراء ـ الاثنين 14 تشرين الأوَّل (10) 2002م
الموافق 8 شعبان (8) 1423هـ
«شَقْرَاءُ» كَالخَنْسَاءِ تَرْثِي مَنْ سَخا
بِيَرَاعِهِ، وغَدا لِوالِدِهِ أخَا
ومَبَاسِمُ التَّارِيخِ تَنْعَى نَفْسَهَا
أَرِّخْ: قَضَى «حَسَنُ الأمِينِ» مُؤَرِّخَا
910 118 132 842
= 2002م
عباس علي فتوني

حفل التأبين بمرور أسبوع على رحيل العلاّمة المؤرخ السيد حسن الأمين الذي أقامته سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان
مجلس تكريم في السفارة الإيرانية
كلمة جحة الإسلام العلامة السيد محمد علي الامين
بسم الله الرحمن الرحيم
يحار المرء بماذا يتحدّث عن السيد حسن الأمين وعن أي جانب من جوانب حياته يبدأ.
وكلّها جوانب نيّرة مشرقة وضاءة حافلة بالخير والعطاء والعلم والمعرفة وهي جوانب تستوقف الباحث عندها طويلاً يسبر غورها ويستجلي كنهها ويستشف ما وراءها. وكيف لا وهو سليل أسرة عاملية شهيرة ضاربة عروقها في التاريخ، عريقة في العلم والأدب نبغ منها علماء أفذاذ أعلام كانوا منارات يهتدى بها وأمثلة تحتذى منهم السيد أبو الحسن موسى الذي أنشأ مدرسة دينية كبيرة تخرّج منها الكثير من العلماء الأعلام والأدباء الكبار ومنهم السيد محمد جواد صاحب مفتاح الكرامة الذي لا يستغني عنه فقيه ومنهم السيد علي الأمين الذي ما أن بلغه وفاة أستاذه الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء حتّى بادر إلى القول الآن وجب عليّ الإفتاء فإنّي لا أعلم في تلامذته من هو أعلم منّي والسيد محمود الأمين العلاّمة العلم الذي لا تزال الناس تتبرك وتستشفي بتراب قبره إلى الأمس القريب.
ومنهم والد السيد حسن السيد محسن الأمين المجتهد الأكبر والمصلح الاجتماعي صاحب التصانيف الكثيرة والتآليف الواسعة الانتشار ومنها كتابه الموسوعي أعيان الشيعة.
هذا العالم الذي سكن دمشق وأسّس فيها مدرستين واحدة للذكور وأخرى للإناث في وقت كانت غالبية الناس تستنكر تعليم البنت وتراه عاراً وخروجاً على المألوف هاتان المدرستان ربتا وخرجتا أجيالاً من الشباب المؤمن المعتز بإيمانه الواثق بدينه والمطمئن إلى عقيدته حيث تلقاها من منبعها الصافي ومعينها الغزير وأخذها من معدنها الأصيل.
والسيد محسن كان ذا رأي ثاقب وفكر صاف وعلم فياض وأدب جم وخلق رفيع فعلم وهذب وأصلح وخلص العادات من كثير من الخرافات والأوهام وهذب المجالس الحسينية وأزال عنها الكثير ممّا علق بها من الباطل والضلال، تربّى على يديه الكثير من الرجال الدعاة المصلحين وكان إلى جانب نشاطه العلمي والإصلاحي والتربوي والاجتماعي إلى جانب كبير من التقوى والصلاح والطهارة، وحب الناس، وقد تأخّر المطر في زمانه مرّتين عن موسمه المعتاد، فصلّى بالناس صلاة الاستسقاء، وفي كلّ مرّة كانت تستجيب السماء لصلاته ودعائه ومناجاته وترسل مطرها مدرراً يحيي الزرع والضرع.
وكان محبّاً للناس لا يريد لهم إلاّ الخير والصلاح والعمل بما يرضي الله ويكره لهم الانحراف والزيغ والضلال ويشفق عليهم من الهلاك والضلال حتّى اليهود والنصارى وهم كثير في محلته في الشام كان يشفق عليهم ويتمنّى لهم الهداية ويدعو لهم بها وربما بكى رحمة لهم وشفقة عليهم.
والسيد حسن الأمين نشأ في كنف هذا الأب فأخذ بالكثير من تعاليمه وآدابه ومزاياه وأخلاقه وأوجه نشاطه، تعلّم منه الجدّ والمثابرة والاجتهاد والنشاط والتمسّك بالحق والعمل به والبحث عن الحقيقة وإبرازها جلية واضحة سافرة من كلّ غشاوة وحجاب.
تلقّى مبادئ تعليمه على والده، وتابع دراسته في المدارس المتعددة ونال شهادة الحقوق من جامعة دمشق وكان قد عاش طفولته أيام الحكم العثماني فرأى ظلمه وطغيانه وجوره وعسفه وكيف يعامل الناس بقسوة ووحشية ويسلبهم حتّى أبسط مقومات الحياة، يسلبهم لقمة العيش أحياناً لا يستطيعون الحصول عليها إلاّ بشق الأنفس ثمّ أعقبه حكم المستعمر الفرنسي الذي لم يكن أقل قسوة ووحشية من سابقه الحكم العثماني فكان يؤلمه ذلك ويحزّ في نفسه، ويتلظى غضباً وحنقاً وكرهاً لأولئك المستعمرين الأوغاد الظالمين فكان يعقد الندوات والاحتفالات التي تلقى فيها الخطب والمقالات وتتلى فيها القصائد مع كثير من زملائه الوطنيين منددة بالاستعمار داعية إلى جهاده وكفاحه وكثيراً ما كان يخرج مع المتظاهرين وأحياناً على رأسهم منددين غاضبين على المستعمر هاتفين برحيله وخروجه عن بلادهم مطالبين بالحرية والاستقلال.
وكان في طليعة الشباب الوطني الحر الذي يعشق الحرية والكرامة ويريدها لوطنه وبني قومه وللناس جميعاً وقضى زهرة حياته وشبابه مكافحاً مناضلاً بكلّ ما يستطيع من قول وفعل.
وكانت نكبة فلسطين التي تأثّر بها كثيراً وأخذت من نفسه مأخذاً فأبلى بلاء حسناً ونظم القصائد والأشعار الكثيرة التي تفيض بالأسى والمرارة وكيف أنّ حكام العرب والمسلمين والعالم بأسره تقاعس وتلكأ عن نصرة هذه القضية ولم يضع حداً للفئة الباغية وكيف ترك العالم كلّه هذه الشرذمة من شذاذ الآفاق تعبث بأمن البلاد وتعيث في الأرض أرض فلسطين بشتى أنواع الفساد وترتكب أبشع صور الظلم والطغيان، ضاربة بالقوانين الدولية والدساتير السماوية عرض الحائط لا تطبق قراراً من قرارات مجلس الأمن ولا تصغي لأحد ممعنة في عسفها وجورها.
والسيد حسن رأى كلّ ذلك فكتب عنه الكثير شعراً ونثراً وتاريخاً وأشاد بالأبطال المجاهدين وندد بالخونة والمجرمين الذين تواطؤوا وتقاعسوا ونكلوا واصمّوا آذانهم وأغمضوا أبصارهم عمّا يجري، كأنّه يجري على كوكب آخر.
والسيد حسن انتدبته الحكومة العراقية في أربعينيات القرن الماضي معلماً وأستاذاً في جامعاتها ومعاهدها فلبّى الدعوة وقام بما انتدب إليه خير قيام فهذب وأرشد وأصلح وغرس في قلوب طلابه ونفوسهم أسمى الفضائل والقيم والأخلاق إلى جنب العلم والأدب والتاريخ وكان لهم المعلم والأب والأخ والمرشد وخرج على يديه الكثير من الأدباء المرموقين والشعراء الذين تربعوا على عرش العلم والأدب ذكوراً وإناثاً.
وقد عشق العراق وأحبّه وتغنّى ببطولاته وأمجاده وذكره في كتابه حل وترحال الذي خصّص قسماً منه للحديث عن العراق خاصّة.
ثمّ عاد إلى وطنه ليستأنف النضال والكفاح والعلم والأدب والبحث في أعماق التاريخ ومطاويه ومجاهيله عن الحقيقة التي هي ضالته وبغيته.
وكان أن انتُدِبَ قاضياً في مدينة النبطية فلبّى سعيداً بذلك لأنّه ربّما دفع بهذا المنصب الظلم والحيف عن كثير من أبناء الشعب المسكين المقهور المغلوب على أمره فكان المثال الذي يحتذى للقاضي النزيه الذي لا طمع له إلاّ في إقامة العدل وإحقاق الحق وانصاف المظلومين وكان لا يداري ولا يداهن فالغني والفقير والزعيم والوجيه والمتنفذ وصاحب السلطان الجميع على حد سواء أمام القانون.
فكانت الحادثة المشهورة وهي تهريب اليهود إلى فلسطين سراً عبر لبنان وأخذ منها موقفاً حازماً يتوافق مع مبادئه وقيمه التي يحمل وأصدر حكمه الصارم في الحادثة ممّا أزعج ذوي الشأن.
تدخلوا فأبى وألحّوا فرفض فاستقال غير آسف ولا مكترث.
وعاد إلى القلم إلى كتبه وأدبه وتاريخه يكتب ويصحّح ويحقق ويدقق وكان أن توفي والده رحمه الله.
مات وفي القلب غصّة وحرقة ما وهو يردّد:
بكيت وما بكيت لفقد دنيا
أُفارقها ولا خل أليف
ولكنّي بكيت على كتاب
تصنفه يداي إلى صنوف
سيمضي بعد فقداني ضياعا
كما يمضي شتاء بالخريف
غير أنّ السيد حسن بعد اطلاعه على هذه الأبيات خاطب والده بلسان الحال طب نفساً وقر عيناً فكتبك لن تضيع وتعبك وجهدك لن يذهب سدى وموسوعتك أعيان الشيعة لن تعدو عليها عوادي الزمان ولن تمر رياح الخريف عليها ولن تبددها أعتى العواصف بل ستبقى في الحفظ والصون على مرّ الزمن مصدراً لإشعاع النور والعلم والتاريخ ومنارة يهتدي بها الضالون.
ثمّ إنّه شمّر عن ساعد الجد ونظر إلى كتب والده بعين الاعتبار واليقظة فأكمل ما بدأه أبوه وجدّد وأصلح ما ضاع وما انطمست أوراقه وأعاد طباعته بثوب أنيق وطباعة جميلة وحلّة جديدة مرّات عدّة.
وأضاف إليه ما استجد بعد أبيه وما فاته فكانت الموسوعة الثانية مستدركات أعيان الشيعة التي أربت على الأصل وتقدّمت عليه.
وألّف العشرات من الكتب ومنها موسوعته الكبرى دائرة المعارف الإسلامية الشيعية فكان كتلة نشاط وعمل وجد واجتهاد يقرأ ويكتب ويرسل إلى الطباعة وينقح ويفتش عن المصادر وحده بدون أن يعينه أحد على ذلك.
وكان ذا همّة عالية وذا صبر وجلد جديرين بالتأمّل والوقوف عندهما فكان وقد نيف عمره على التسعين يشتغل حوالي الثمانية عشر ساعة في اليوم وكان يقرأ ويكتب أحياناً على ضوء الشمعة ساعات وساعات.
تطلّبَ منه إخراج دائرة المعارف الإسلامية السفر الكثير فسافر شرقاً وغرباً من إيران والعراق ومصر والمغرب وإفريقيا وأميركا والهند وباكستان فكتب أدب الرحلات وكتابه حل وترحال الذي دوّن فيه مشاهداته بأدق تعبير وأبرع تصوير.
وزار الجمهورية الإسلامية مراراً وتكراراً باحثاً ومنقباً ومحاضراً ومحتفى به فكان محل حفاوة واستقبال وتكريم من العلماء والأعيان والحكومة والشعب فاتحين له قلوبهم وبيوتهم ومكتباتهم ويقدّمون له كلّ عون ومساعدة.
ولم يكن الإيرانيون يبخلون عليه بشيء ممّا يوصله إلى بغيته.
والسيد حسن عرف لهذا الفضل من الحفاوة والتكريم والترحيب والمساعدة والمحبة وعَلِمَه.
فكثيراً ما حدث في مجالسه أنّه لولا الإيرانيون وفضلهم لبقي الكثير من كتبه وكتب والده طي الخفاء ولما ظهر إلى الوجود.
فجزاهم الله عن العلم وأهله عن السيد حسن وكتبه خير الجزاء.
وفي التاريخ حق وباطل وأوهام وخرافات لأنّه إنّما يكتبه عادة المنتصر أو الحاكم أو يكتبه من يواليه تقرّباً وتزلّفاً وتملّقاً.
وحب الظهور بمظهر العظمة لدى الكثير من الحكام الذي مرّوا على التاريخ دفعت بهم إلى من يظهرهم بصورة الأبطال وأن ينسب إليهم ما ليس فيهم ويقتضي ذلك تزييف التاريخ وتزويره.
وأمّا المنهزم فيضعون فيه كلّ خسة وموبقة ويقلبون محاسنه سيئات.
والسيد حسن أخذ على نفسه أن يصلح ما زيفه التاريخ وما أفسده ويظهر التاريخ على حقيقته بدون مداهنة ولا مواربة.
وممّن ظلمهم التاريخ الفاطميون والخواجه نصير الدين الطوسي والوزير ابن العلقمي والكثير من الشخصيات التاريخية التي تحدّث عنها السيد حسن فانتصف منها أو لها.
أمّا الفاطميون الذين سلبوا المحاسن وألبسوا المساوئ وهم الأمّة المسلمة المحبة للعلم والعلماء المتسامحة التي أطلقت الحريات العامّة وقربت العلماء ووفرت لهم كلّ دعم بغض النظر عن انتمائه العقيدي إنّما حبا للعلم وتعظيماً له.
هذه الأمّة التي ظلمها التاريخ انبرى السيد حسن مدافعاً معيداً الحق إلى أهله.
وكذلك فعل مع الطوسي حيث نعته التاريخ بالخيانة وبالعمالة للمغول والتواطؤ معهم على الإسلام والمسلمين والسيد حسن أنصفه وبيّن أنّ الإسلام وكتب الإسلام إنّما حفظت بالطوسي الذي مشى مع المغول إنّما للحفاظ على البقية الباقية من الإسلام وتراثه واستطاع أن يروّض الوحش الكاسر في المغول ويحوّلهم من أمّة متوحشة متعطشة للدماء إلى أمّة مسلمة مسالمة تحبّ الناس وتعمل للصالح العام.
السيد حسن الأمين بقي إلى آخر يوم من حياته يتمتع ببصر حاد وسمع مرهف وذهن وقاد وذاكرة قوية وكان يعتقد بأنّ الله أنعم عليه بما يتمتع به جزاء عمله وإخلاصه في عمله.
وقد مرض قبيل وفاته بسنتين فجزع وتمنّى على الله أن يمنحه من العمر سنتين فقط لينجز بعض ما ابتدأه فاستجاب الله له وأعطاه ما أراد.
والسيد حسن تغنّى بجبل عامل كثيراً ومجد علماءه وأبطاله وأهله، شعراءه وفلاحيه تغنّى بأشجاره وأطياره وسهوله وهضابه وتفضل عليه بكتاب خاص، أسماه جبل عامل السيف والقلم كتبه في الخامسة والتسعين من عمره وهو كتاب ممتع وسفر نفيس.
والسيد حسن يرى هذا الاسم جبل عامل رمزاً للبطولة والمجد والشرف والسمو والرفعة والعظمة وعنواناً للعلم والأدب والشعر.
وكم حزّ في نفسه وآلمه استبدال هذا الاسم باسم الجنوب الاسم الذي لا يعبر عن عظمة هذا الجبل الذي ملئ إيماناً وبطولة وعلماً وأدباً وحكمة من ساحله إلى أعلى قممه الشوامخ.
فكم نادى وتوسل أن يبقوا على اسمه ولكن توسلاته ذهبت كلّها أدراج الرياح وكانت صرخة في واد.
السيد حسن أحبّ هذا الجبل وعشقه ومن عشقه له أوصى أن يدفن فيه في جبل عامل وفي مسقط رأسه شقرا وفي مقبرة العائلة مع أجداده وأهله.
رحمه الله وأمطره شآبيب رحمته ورضوانه ومغفرته وأسكنه الجنة مع الأبرار إنّه هو الغفور الرحيم.
مجلس تكريم في السفارة الإيرانية للأمين
أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى لبنان مسعود إدريسي مساء أمس احتفالاً تكريمياً عن روح العلاّمة السيّد حسن الأمين نجل المجتهد السيّد محسن الأمين في مقر المستشارية الثقافية للسفارة الإيرانية حضره ممثل رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود الوزير نزيه بيضون وممثل رئيس مجلس النواب نبيه بري، النائب علي حسن خليل، وممثل رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، وزير الزراعة الدكتور علي عبدالله، والنواب: علي الخليل، نزيه منصور، عمار الموسوي، مروان فارس وعبد اللطيف الزين، وممثل عن قائد الجيش العماد ميشال سليمان العقيد وليد سليمان، وممثل مدير عام الأمن العام، وممثل عن رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وممثل وزير الثقافة، وممثلي رؤساء الطوائف، وممثل الأمين العام لحزب الله. وشخصيات سياسية، وروحية، ثقافية واجتماعية، فضلاً عن أركان السفارة والمستشارية وآل الفقيد.
اللواء
الثلاثاء 29 تشرين الأوّل 2002م
الموافق 23 شعبان 1423هـ
تكريم المؤرخ حسن الأمين في السفارة الإيرانية بحضور شخصيات
أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى لبنان مسعود إدريسي مساء أمس، احتفالاً تكريمياً عن روح العلاّمة المؤرخ المغفور له السيد حسن الأمين نجل المجتهد الكبير السيد محسن الأمين في مقر المستشارية الثقافية للسفارة الإيرانية حضره ممثل رئيس الجمهورية اللبنانية الرئيس العماد إميل لحود وزير الدولة نزيه بيضون وممثل رئيس مجلس النواب نبيه بري النائب علي حسن خليل وممثل رئيس الحكومة رفيق الحريري وزير الزراعة علي عبدالله، والنواب: علي الخليل، نزيه منصور،عمار الموسوي، مروان فارس، وعبد اللطيف الزين وممثل عن قائد الجيش العماد ميشال سليمان العقيد وليد سليمان وممثل مدير عام الأمن العام وممثل عن رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وممثل رؤساء الطوائف وممثل الأمين العام لحزب الله وشخصيات سياسية ثقافية واجتماعية، فضلاً عن أركان السفارة والمستشارية وآل الفقيد.
بدايةً آيات بيّنات من القرآن الكريم عن روح الفقيد تحدّث بعدها المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان، الذي اعتبر أنّ حسن الأمين واحد من الشخصيات النادرة التي حفرت عميقاً في ذاكرة العالم الإسلامي بشكل عام ولبنان وجبل عامل بشكل خاص، مؤكداً أنّ «حسن الأمين كان بحق علماً من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، يستحق منّا كلّ التقدير والتكريم».
ثمّ تليت برقية الإمام الخامنئي الذي عزّى بالمؤرخ الأمين. وممّا جاء فيها: «إنّ فقدان هذه الشخصية الكريمة يشكّل خسارة بالنسبة إلى الشعب اللبناني، ولا سيّما بالنسبة إلى المسلمين في لبنان… فالأبحاث العلمية والمؤلفات القيّمة التي خلّفها المرحوم في مختلف المجالات لا سيما في مجال التاريخ الإسلامي ومناقب أهل البيت (عليهم السلام)، إنّما هي صفحة ناصعة تضاف إلى سلسلة المفاخر الخالدة لجبل عامل».
كما تليت رسالة تعزية من وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي السيد أحمد مسجد جامعي، فاعتبر «أنّ السيد الأمين العالم الجليل، استطاع بحكمته وفطنته أن يكشف ما خبأ من خبايا التاريخ الإسلامي، معتمداً كذلك على استدلالات مبدعة وخلاّقة لا لبس فيها، فضلاً عن استناده إلى الشواهد التاريخية الواضحة والبيّنة».
وكذلك توجّه السيد علي أكبر محتشمي أمين عام الرابطة الدولية للبرلمانيين المدافعين عن القضية الفلسطينية بكلمة عبر رسالة تليت أمام الحضور أيضاً، أثنى فيها على المواقف الجريئة والنظرات النيّرة لكتابات السيد حسن الأمين، واعتبر أنّه كان لوقع نبأ وفاته عليه مرارة وأسى حيث فقدت الأمّة برحيله بطلاً من أبطال القلم وقمة من قمم الفكر والتحقيق ورائداً من رواد الخير والحق في هذا العصر… فإلى جانب ما تميّز به الأستاذ السيد حسن الأمين من مرتبة علمية راقية ومن شخصية ثقافية واجتماعية مرموقة فقد كان متواضعاً جداً وعلى اتصال مباشر مع مختلف شرائح المجتمع».
كما أثنى رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشيخ محمود محمدي عراقي في رسالة له على مزايا الفقيد الجليل.
وتحدّث خلال حفل التأبين السيد محمد علي الأمين باسم آل الفقيد فاعتبر أنّ المرء ليحار بماذا يتحدّث عن السيد حسن الأمين وعن أي جانب من جوانب حياته يبدأ وكلّها جوانب نيرة مشرقة وضاءة حافلة بالخير.
البيرق
الثلاثاء 29 تشرين الأوّل 2002م
تكريم حسن الأمين في السفارة الإيرانية
أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى لبنان مسعود إدريسي احتفالاً تكريمياً عن روح العلاّمة المؤرخ السيد حسن الأمين نجل المجتهد الكبير السيد محسن الأمين في مقر المستشارية الثقافة للسفارة الإيرانية، حضره ممثل رئيس الجمهورية اللبنانية وزير الدولة نزيه بيضون وممثل رئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل وممثل رئيس مجلس الوزراء وزير الزراعة الدكتور علي عبدالله والنواب علي الخليل، نزيه منصور، عمار الموسوي، مروان فارس، وعبد اللطيف الزين وجمع من الشخصيات.
بداية آيات من القرآن الكريم عن روح الفقيد تحدّث بعدها المستشار الثقافي الإيراني في لبنان الذي اعتبر أنّ حسن الأمين «واحد من الشخصيات النادرة التي حفرت عميقاً في ذاكرة العالم الإسلامي بشكل عام ولبنان وجبل عامل بشكل خاص»، مؤكداً أنّه «كان بحق علماً من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، يستحق منّا التقدير والتكريم».
ثمّ تليت برقية الإمام الخامنئي الذي عزى بالمؤرخ الأمين. ورسالة تعزية من وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي أحمد مسجد جامعي، وكلمة من السيد علي أكبر محتشمي الأمين العام للرابطة الدولية للبرلمانيين المدافعين عن القضية الفلسطينية، ورسالة من رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية في إيران الشيخ محمود محمدي عراقي.
وتحدّث خلال حفل التأبين السيد محمد علي الأمين باسم آل الفقيد.
المستقبل
29/10/2002
تكريم حسن الأمين في السفارة الإيرانية
أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان مسعود إدريسي أمس احتفالاً تكريمياً للمؤرخ الراحل حسن الأمين، نجل المرجع الديني محسن الأمين، في مقر المستشارية الثقافية للسفارة الإيرانية، حضره ممثل رئيس الجمهورية وزير الدولة نزيه بيضون، ممثل رئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل، وممثل رئيس الوزراء وزير الزراعة علي عبدالله، والنواب علي الخليل، نزيه منصور، عمار الموسوي، مروان فارس وعبد اللطيف الزين.
وتليت برقية من مرشد الجمهورية الإسلامية اعتبر فيها أنّ فقدان هذه الشخصية خسارة للشعب اللبناني، فالأبحاث العلمية التي خلّفها الراحل هي صفحة ناصعة تضاف إلى سلسلة المفاخر الخالدة لجبل عامل.
وتليت رسالة أخرى، من أمين عام الرابطة الدولية للبرلمانيين المدافعين عن القضية الفلسطينية علي أكبر محتشمي، أثنى فيها على المواقف الجريئة والنظرات النيّرة لكتابات الأمين.
السفير
29/10/2002م
تأبين حسن الأمين في السفارة الإيرانية
أقام السفير الإيراني مسعود إدريسي احتفالاً تكريمياً عن روح العلاّمة السيد حسن الأمين في مقر المستشارية الثقافية للسفارة الإيرانية، حضره وزير الدولة نزيه بيضون ممثلاً رئيس الجمهورية، النائب علي حسن خليل ممثلاً رئيس مجلس النواب، ووزير الزراعة علي عبدالله ممثلاً رئيس الوزراء، والنواب علي الخليل، نزيه منصور، عمار الموسوي، مروان فارس، وعبد اللطيف الزين والعقيد وليد سليمان ممثلاً قائد الجيش، فضلاً عن أركان السفارة والمستشارية وآل الفقيد.
وتحدّث المستشار الثقافي الإيراني السيد محمد حسن هاشمي، الذي اعتبر حسن الأمين من الشخصيات النادرة التي حفرت عميقاً في ذاكرة العالم الإسلامي عموماً ولبنان وجبل عامل خصوصاً، مؤكداً أن «حسن الأمين كان بحق علماً من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، يستحق منّا كل التقدير والتكريم».
ثمّ تليت برقية مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي الذي عزّى بالأمين، وممّا جاء فيها «أنّ فقدان هذه الشخصية الكريمة يشكل خسارة بالنسبة إلى الشعب اللبناني، ولا سيما بالنسبة إلى المسلمين في لبنان، فالأبحاث العلمية والمؤلفات القيّمة التي خلّفها المرحوم في مختلف المجالات، لا سيما في مجال التاريخ الإسلامي ومناقب أهل البيت (عليهم السلام)، إنّما هي صفحة ناصعة تضاف إلى سلسلة المفاخر الخالدة لجبل عامل».
كما تليت رسالة تعزية من وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي السيد أحمد مسجد جامعي، فيها «إنّ السيّد الأمين العالم الجليل، استطاع بحكمته وفطنته، أن يكشف ما خبئ من خبايا التاريخ الإسلامي، معتمداً بذلك على استدلالات مبدعة وخلاّقة لا لبس فيها، فضلاً عن استناده إلى الشواهد التاريخية الواضحة والبيّنة».
وكذلك تليت رسالة للأمين العام للرابطة الدولية للبرلمانيين المدافعين عن القضية الفلسطينية السيد علي أكبر محتشمي أثنى فيها على «المواقف الجريئة والنظرات النيّرة لكتابات السيد حسن الأمين». وتحدّث خلال حفل التأبين السيد محمد علي الأمين باسم آل الفقيد.
النهار
30/10/2001م

حفل التأبين بمرور أسبوع على رحيل العلاّمة المؤرخ السيّد حسن الأمين الذي أقامته سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان
معالي الوزير غسان سلامة ممثلاً بسعادة الدكتور فوزي عطوي
أصحاب السماحة والسعادة والمقامات السياسية والإدارية والأهلية.
أهلنا وأصدقاؤنا، أيّها الحفل الكريم.
نقف اليوم لنشهد بأنّ الموت حق ولنشهد بأنّ العلم والتقوى أفضل الإرث وخشبة الخلاص.
لن أدخل في مبارزة لغوية غير متكافئة أمام سادة اللغة والبلاغة، دوري هو ببساطة الإعراب بصدق عن محبتنا وتقديرنا وإحساسنا الشديد بالخسارة الكبرى بفقيدنا السيد حسن الأمين متحدّثاً عن علاقة متجدّدة مع مجموعة من الشباب كانت لهم تجربة معه برعاية إمامهم سماحة السيد مهدي الأمين حفظه الله.
كان لا بدّ لهؤلاء الشباب أن يجتهدوا ليحصلوا على أجوبة لتساؤلاتهم الكثيرة، ولا أستغرب نجاحهم في ما لم نكن نلتفت له بطريقة منهجية، فتشوا في كلّ الزوايا والمراجع وحاوروا الكثيرين وفي مقدمهم السيد حسن الأمين رحمه الله.
في الجلسة الأخيرة التي التقيناه فيها كانت حيويته تباري الشباب، وذاكرته غنية بالتفاصيل ومداخلاته المثيرة تعيد طرح الأسئلة كلّ مرّة من زاوية جديدة.
حكيم يوزّع زبد العمر دون حساب ويعيد السؤال.
ذكر لنا تفاصيل كيفونية تعود إلى زمن والده المرجع السيد محسن الأمين قدس سرّه أيقظت فينا حنيناً لا ينطفئ وذكريات موثقة بأسماء الأشخاص والأماكن وقرأ لنا أشعاراً ونصوصاً عن كيفون، وحدّثنا عن البسطاء الذين كانوا يقصدون السيد لمشورته في مسألة أو لنيل بركته وعن العلاقة الحميمة التي كانت بينه وبينهم.
تذكر بيوتها ودكاكينها وأسماء الشباب والعجائز بأحاسيس دافئة وحيوية لافتة رغم أنّه كان خارجاً من جراحة مؤلمة.
استكمل معنا في تلك الأمسية جلسة سابقة مسجلة وممتعة كان الشباب قد سبقونا إليها وكانت مع الأسف الشديد جلسة وداعه لم نره بعدها.
رأينا من واجبنا في هذا الجبل أن نذكره وأن نعرِّف عنه، أمّا التكريم فشأن آخر وقضية لا تحسمها الخطب والأوسمة، ولكن إذ كان في هذا الوطن رجال يستحقون التكريم بطريقة حضارية وفاعلة فالسيد حسن الأمين في مقدمتهم.
أكرّر باسم كيفون وجوارها لآل الأمين وشقرا وعموم جبل عامل عزاؤنا بالفقيد الكبير، وأكرّر الترحيب والشكر لكلّ من شاركنا هذا اللقاء المتواضع المليء بالحب والوفاء خاصّة الدكتور سامي مكارم، وأكرّر الامتنان لمعالي الوزير غسان سلامة ممثلاً بسعادة الدكتور فوزي عطوي وكلّ المقامات الروحية والسياسية والإدارية والأهلية.
شكر الله سعيكم جميعاً وتغمّد الفقيد بواسع رحمته. إنّه هو العلي القدير.
فوزي سعد
السيد حسن الأمين
ليس من السهل أن يكتب المرء في هذا الرجل السيّد. وكيف تسهُل الكتابة فيه وفي جوهر تكوينه علمٌ جمَعَ ما بين مدينة العلم وبابها.
وأيّةُ مدينة هو فيها، وأيُّ بابٍ هو منه! لم يدخل عَبر من خارج، وإنّما وُجد فيه من داخل حيث الزحمة في باطن باب السور الفيصل. ألم يقل الله سبحانه: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [سورة الحديد: 13]. تلك الرحمة التي كتبتها الربوبيةُ على نفسها فوسِعت كلّ شيء.
أجل وُجد هذا الرجل في جوهر باب مدينة العلم وهو ما يزال ذرّاً. وقُدِّرَ لَهُ أن يخرُج إلى النور من نور جوهر باب مدينة العلم إلى باطنِ المدينةِ فذّاً من فدّ، ومؤمناً من مؤمن، وسيّداً من سيّد، وعلَماً من علم، وعالماً من عالم، ومصلحاً من مصلح، وباحثاً من باحث، ومؤرخاً من مؤرّخ، ومجاهداً من مجاهد، وعيناً من عين، وإنساناً من إنسان.
ولا أراني إلاّ مستهشداً بما شهِد فيه الصديق الأستاذ حبيب صادق قائلاً: «فثمة يستوطن العرفان، وتقيم الحكمة. وثمّة يسود البياض وتخفق راية الوداعة والرهافة والنصاعة. عند بابِك السري نقف خاشعين. هذا موعد السفر في الياسَمين».
قُدِّر لك، أيها الحَسَن، أن تكون من ذاك المُحسِن، أن تخرُج من بابٍ هو أبو الحسن سلام الله عليه، إلى مدينة عِلمٍ هي الأمين محمّد (صلّى الله عليه وآله). فإذا أنت الحَسَنُ الأمينُ ابنُ المحسِن الأمين. جدُّك عليٌ بابُ مدينةِ العلم، وجدُّك الأمين مدينة العلم صلّى الله عليهما وسلّم.
فلا عجب أن تكون هذا الإنسان العينَ العَلَم وهذا الإنسان العلاّمة البحّاثة. وهذا الإنسان الفذَّ المليء إيماناً، وهذا الإنسان السيّد المصلح، وهذا الإنسان المؤرّخ الصادق، وهذا الإنسان المجاهد باليد واللسان والقلب. ولا عجب أن تكون القاضي العدلَ الذي لا تأخذُه في الحق لومةُ لائم كجدِّك أمير المؤمنين سلام الله عليه. ولا عجب أن تكون قالياً للجاه الفارغ، زاهداً بالدنيا، أبيَّ النفس، أنوفاً عن الصغائر. ولا عجب أن تكون مناضلاً مجاهداً، وعالماً غزيراً، وخلوقاً سامياً، وأديباً رفيع الأدب، متواضعاً أمام المتواضعين، عزيزاً أمام المتجبرين.
في صغرك نشأت في مدرسة أنشأها والدك، وفي بيتٍ ربُّه والدك، بيتٍ قام على الدين والعلم والأدب والفكر والثورة.
وشببت أديباً شاعراً ناثراً، ووطنياً ثائراً. والتهمت مكتبة والدِك رحمه الله التهاماً، فكنت محطَّ أنظار العلماء والمفكرين وغدت بحوثك مرجعاً رئيساً للدراسات التاريخية الإسلامية لجبل عامل، جبل العلم والمقاومة والاستشهاد. ولم يقتصر أثَرك على لبنان، بل تعدّاه إلى العالم العربي والعالم الإسلاميّ أجمع؛ إلى سوريا، وقد ولدت وترعرعت في دمشق وإلى مصر وإيران والهند والخليج والعراق الذي قُيّضَتْ لك الإقامةُ فيه زماناً أوقد فيك نار الحب لهذا البلد الكربلائيّ النابضِ بالجهاد الأكبر والأصغر منذ الزمن القديم. حتّى قلت فيه:
حبٌّ يظلّ على المدى متجدّداً
وهوى يعود به الوفاءُ كما بدا
بالحب بالعهد الوثيقِ وبالوفا
صُغنا القلوب محبّةً والأكبُدا
إلى أن تقول:
حيَّيْتُ أرضَك مُهطِعاً لجلالها
ولثَمتُ تُربَكَ خاشعاً متعبّدا
متخيّلاً نور الإمام ووجهُهُ
جلّى بمشرقِهِ الظلامَ وبدَّدا
أعلى ميادين الكفاحِ بطولةً
وأنار داجية الظلامِ تهجّدا
أيّها السادة وقد لفتني فيما لفتني في هذه القصيدةِ البليغةِ بيتٌ يؤرّخ فيه هذا المجاهد الشاعر نضاله ونضالَ أمثاله من المجاهدين فيقول:
هذي العروبةُ في مواكبِ زحفِها
هبّت إليكَ تجمعاً وتحشّدا
فيا أيّها السيّد الكريم يا ليتك ما زلت على قيد الحياة لتعيد ترميم هذا البيت من قصيدتك، بعد أن ترى كيف تهبُّ العروبةُ الآن إلى العراق وفلسطين وغيرها من بلاد العروبة والإسلام تفرُّقاً وتبدُّداً وتشرُّداً.
رحمك الله أيّها المجاهد ابن المجاهد! لكأنّ الله اختارك لجوارِهِ عندما اختارك كي لا يبرِّح بك الألم وتستبد بك الخيبة.
د. سامي مكارم
العلاّمة السيّد حسن محسن الأمين
كلمة مستشار وزير الثقافة الدكتور فوزي عطوي ممثلاً معالي وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة في الاحتفال التكريمي
لذكرى العلاّمة السيّد حسن محسن الأمين ـ كيفون ـ الجمعة 1 تشرين الثاني 2002
أيّها الحفل الكريم،
أولاني معالي وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة شرف تمثيله بينكم والنيابة عنه في رعاية هذا الاحتفال التكريمي، وفي تحية ذكرى العلاّمة الجليل الراحل السيّد حسن محسن الأمين الذي لم ينقض بعد غير اثنتين وعشرين ساعة على تقديم شهادتي فيه في الاحتفال الذي أقامته «حلقة الحوار الثقافي» في بلدية الشياح، حيث تشرّفت بتقديم وسام المعارف من الدرجة الأولى الذي كنّا قد اقترحناه في وزارة الثقافة على مجلس الأوسمة، مشفوعاً بالمرسوم الجمهوري الذي بموجبه منح الوسام الرفيع للعلاّمة السيّد حسن الأمين في حياته، لكن الظروف حالت دون تعليق الوسام على صدره في الوقت المناسب.
وإنّي لأنقل إليكم تحية ثانية من معالي وزير التربية والتعليم العالي الذي حمَّلني، خلال اجتماعي به هذا الصباح، أسمى عواطف التقدير للمقام الرفيع الذي تسنّمه الراحل الكبير، وقد سبق له أن عبّر عن هذا التقدير بمنحه «وسام المعلم» في الحفل التكريمي الذي أُقيم له في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية.
ولقد أشفقت على نفسي، وأنا مدعو إلى الحديث مرّتين في ذكرى الصديق الجليل، من التكرار والإعادة، لكنّني ما لبثت أن شعرت بأنّ النهل من هذا النبع الثقافي الفياض لا يمكن أن يفضي إلى ظمأ أو أن يكون إلى نفاد، وحسب أنّه كتب الشعر والنقد والتاريخ، وأنّه أصدر كتباً في الرحلات والسيرة الذاتية، وحقّق التراث الإسلامي، واستدرك على والده العلاّمة الكبير سماحة السيّد محسن الأمين ما أوجبه الاستدراك على «أعيان الشيعة»، ووضع «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، ونظّم الشعر الوجداني والوطني، ومارس المحاماة، وتولّآ سدّة القضاء، فكان في كلّ ميادينه مجلياً كأروع ما يكون التجلّي، وأوفى ما تكون التجلية.
إنّ رجلاً كالسيّد حسن الأمين، ينشأ في أكناف أب من وزن سماحة السيّد محسن الأمين، ويتطبّع بأخلاقه، ويكتسب جرأته، وعدم مبالاته بمن يغضب أو بمن يرضى، ما دام أنّه موفٍ ضميره حقّه، ومنسجم في مواقفه مع قناعاته، لجدير بأن يكون الذي كان عليه من رقّة ودماثة وخلق رفيع، ومن جفوة وقسوة وحسم في المواقف التي لا مجال فيها لمجاملة أو مراعاة، على حساب الحقيقة التي قال في آخر حديث نشرته له الشاعرة الأديبة زينب حمود في «الأنوار» منذ يومين (الأربعاء 30/10/2002) إنّه مؤرخ لطالبيها والساعين إليها، كما قال لها أيضاً في جوابه على سؤالها: «ألم تتعب من الكتابة؟». «لم أتعب أبداً لأنّ الكتابة عندي جزء من حياتي، وإذا كان الإنسان يتعب من تنفّسه فأنا أتعب من الكتابة. الكتابة أعطتني جلّ ما أطمح إليه، ومطامحي ليست مطامح مادية ولا سلطوية، وإنّما هي مطامح ثقافية. ويكفي أنّ الكتابة حقّقت لي «دائرة المعارف» والمستدركات (على أعيان الشيعة) وبضعة عشر كتاباً في التاريخ».
والواقع أنّ من كان يستمع إلى هذا الكاتب المؤرّخ الجليل وهو يأمل في الخامسة والتسعين من عمره، بأن تبلغ «دائرة المعارف الشيعية» أربعة وعشرين مجلداً، وهي جهد شخصي لم يشاركه أحد في إعداده أو في طبعه ونشره، فضلاً عن أمله بالمضي في «مستدركاته» على موسوعة «أعيان الشيعة» لوالده، كان يدرك أيّة روح معنوية يتمتع بها صاحب هذا القلم الألمعي وهو يقف مارداً جسوراً في وجه شيخوخته، وقد بلغت ذراها، وأية قدرة سحرية يتركها الحرف المتألق بأسباب الثقافة والمعرفة، في نفوس المبدعين!.
ولا ريب عندي أنّ مشاعر الحنان والحنين التي كانت تربطه بالجبل العاملي الأنوف، رغم ولادته في دمشق، وعمله فيها وفي إيران، وترحاله عبر البلاد العربية والأوروبية والأميركية وسواها، قد تجلّت ـ ولا سيّما خلال ما تولاّه في لبنان من مناصب ـ من خلال شعره الوجداني والوطني على حد سواء.
يقول في حنينه، وهو مغترب على ضفاف الرافدين:
تلفت للعيد المظل فلم أجد
على جنبات العيد إلاّ مآسيا
ورائي في الأشجان ثمّ مفاوز
وبحر من الأشواق طام أماميا
تلفت من شط الفرات فراعني
على نخلات الشط أن لا تلاقيا
ومن شعره الوطني مناجاته لبغداد، إذ يقول:
من رافديك ومن مناداة العلى
شعت على الكون الهداية فاهتدى
بالحب بالعهد الوثيق وبالوفا
صغنا القلوب محبة والأكبدا
هذا العروبة في مواكب زحفها
هبت إليك تجمعا وتحشدا
صوت من الأدب الرفيع يشدّهم
ونداء صدق في حماك ترددا
صوت «الرضي» إذا ترنّم بالهوى
وإذا استجاش إلى الوغى وإذا حدا
هذا العراق وما رأيت كمجده
أبقى على مرّ الزمان وأخلدا
وأمّا غزلياته، فمن أقرب المناهل إليّ استلهم قوله:
ويحك الحياة أأنت اليوم شاكية
هم الحياة وهذا الحسن ظمآن
أوجهك العذب أشجان مبرحة
وقلبك الغض بالآلام بركان
ظمياء والشعر مثل السحر منطلق
من فيك والحسن في عينيك فتان
ألم أقل لكم: إنّني أشفقت على نفسي من الإعادة والتكرار، لكن منهل السيّد الجليل حسن الأمين زقّ أدبي بموحيات الجمال والجلال، فلم يكن منهله إلى ظمأ أو نفاد؟!.
وتحية لكم من القلب.
د. فوزي عطوي
حلقة الحوار الثقافي تحتفل بالعلاّمة
حسن الأمين([1393])
د. أميرة أبو مراد رئيسة الحوار الثقافي
حضرة ممثل معالي وزير الثقافة، الدكتور فوزي عطوي،
حضرة ممثل معالي وزير التعليم العالي، الأستاذ أحمد الدسوقي،
حضرة ممثل معالي وزير الشؤون الاجتماعية، الأستاذ حسن ماجد،
حضرة ممثل قائد الجيش…
أيّها السيّدات والسادة، أصدقاء المحتفى به ومقَدِّرو علمه وفكره،
باسم حلقة الحوار الثقافي، أُرحّب بكم أشدّ الترحيب، ثمّ أقول:
إنّه، في بيئة اعتبر فيها العلم نور والجهل نار، والثقافة غنى للروح وزاد للعقل، والانفتاح على الآخرين ـ عبر الحوار الموضوعي البنّاء ـ رقي وحضارة… في تلك البيئة، الثرية بأنقى القيم الإنسانية، التي كوّنها العلاّمة السيّد محسن الأمين: ولد السيّد حسن محسن الأمين وترعرع، وكبر وأنتج، فكان الوريث لفضائلها بامتياز.
«هذا حسن»، قال الله عن النور، بحسب سفر التكوين؛ وقالت الناس «هذا الأمين»، حيث أرادت أن تدل على من اتّصف بالكرامة والصدق والإباء. ولا عجب أن يكون المحتفى به، هذا المساء، هو، نفسه، الحسن والأمين في آن معاً!، إلى جانب كونه السيّد، المتحدّر من سلالة أهل البيت الكرام، وكفى بذلك تعريفاً يبعث على الاعتزاز!!.
لن أستطرد في تعداد مزايا وفضائل ضيفنا الكبير، وهي كثيرة كثيرة، لأترك هذه المهمة إلى الأدباء والمفكرين، الذي جاؤوا اليوم يؤدّون شهادات حيّة فيه؛ إنّهم السادة: الدكتور الأب يوسف مونس، والمؤرخ الدكتور يوسف الحوراني، والدكاترة الأفاضل إبراهيم بيضون ومنذر جابر وحسن البعيني وحسان حلاق، والعلاّمة السيد محمد حسن الأمين، الذين ستقدّمهم الأديبة الرائدة الدكتورة إلهام كلاب، وهي أُستاذة في كلية الفنون ـ الجامعة اللبنانية ـ ومديرة مركز علم الإنسان في جبيل، إضافة إلى كونها عضو الهيئة الإدارية لحلقة الحوار الثقافي.
وقبل أن أعطي الكلام للدكتورة إلهام كلاب، أودّ أن أذكر المسؤولين الكرام بالوعد الذي قطعوه لحلقة الحوار الثقافي بإطلاق اسم العلاّمة السيّد حسن الأمين على إحدى المؤسسات الثقافية الرسمية، أو على شارع من شوارع العاصمة، أو على طابع بريدي؛ والكريم إذا وعد وفى، لأنّ وعد الحر دين عليه. وإنّني ـ في مناسبة عيد الأب ـ أتقدّم بأصدق التهاني وأفضل التمنيات لجميع الآباء الموجودين معنا في هذه القاعة، ولجميع الآباء أينما وجدوا.
كلمة الدكتور الأب يوسف مونس([1394])
يستوقفني في سيرة العلاّمة الفاضل السيد حسن الأمين أُمور عدّة فيها الدلالة على ميزة هذه الشخصية الفريدة:
دلالة اسمه:
إنّه حسن محسن الأمين، اسمه مطابق لشخصه فهو في الحسن االخلقي والأدبي والثقافي وأمين لإرثه العائلي والوطني والشيعي والعاملي والإنساني. هذا الصدق مع الذات يجعل من بعض الناس أسياداً في الحق والمثال، رموزاً ومثلاً رسولياً يدفع إلى التغيير والتجدّد مستنداً إلى زهد داخلي وتقشف حياتي في نورانية فكرية تجتهد أن تفتح الأبواب المغلقة وتقرأ الأسرار، وأن لا تقدس ما هو غير مقدس وقابل للتحوّل والتغيير، وأن لا تدنس ما هو في القعر ثابت متجذر.
المقولات الروحية والفكرية والأدبية، والفلسفية وسواها أساس، أمّا التعبير عنها فمتنوّع متغيّر خاضع للزمن والتاريخ والجغرافيا والأجيال والمجتمع.
اللغة، متغير. الثياب، متغير. طقوس الحياة والموت، متغير. أمّا الموت فثابت، الحياة ثابت، الحب ثابت، البغض ثابت التعبير عن هذه الأمور واختبارها يأخذ تنوّعاً يستند إلى وجود الناس في زمن معين وبيئة معينة وجو ثقافي ومناخ حضاري معين واختبار فريد مميز، طبع بالرغبة بالعلم وهمّ الإصلاح الديني والوطني وبالإخلاص والزهد.
دلالة المدن الثلاثة: من دمشق إلى النبطية في جبل عامل إلى بغداد:
أ ـ دمشق: طبعته بدورها الرائد عروبة دون انغلاق وثورة تتوهج بالكرامة والاحترام، وإسلام سمح رائد قابل حق الافتراق والاختلاف والتنوّع وبجهاد لإحلال الحق والحرية والكرامة لك وللآخرين باحترام للشخص البشري، ليكون الإنسان ينبوع سلام وإخاء وتنوّع حضاري رائد.
ب ـ جبل عامل: أعاده إلى اكتشاف ثروات ثقافية تدعو إلى المصالحة والحوار والعيش المشترك في الجرح الكربلائي المسكوب على الفقر والتراب المقدس. أدرك أنّ للآخر حق الافتراق والاختلاف وكلّ تدمير للآخر هو تدمير للذات، وعدم الاعتراف بالآخر هو العنف الكبير. الحرية الدينية تعطي حق النقاش لأفكار الناس بطريقة علمية موضوعية لإجلاء وكشف الفكر الديني بعمقه وتجلياته الكبرى. المسلمات في العقيدة والبحث والنقاش يمنعان أي مصادرة للرأي وأي حرم واي تكفير. وتبقى دوماً الدعوة قائمة مدفوعة بجدلية التطور والتجدّد لجو ثقافي متطور وعصري في أساليبنا ولغتنا ومقاربتنا وخطابنا ومنهجيتنا.
هناك أناس يعرفون الدين ولكن ليس لهم ثقافة فكرية لاهوتية ولا اختصاص في العقيدة ولا حتّى في الدين.
المشكلة ليست في الدين. النص له مستواه الإلهي، أمّا قراءة النص فقضية تاريخية. النص طبع بطابع المقدس، أمّا قراءته فليست مقدمة مكرّسة ثابتة بل متحوّلة متطوّرة. وهذا ما جعل منه جرحاً كربلائياً ينبع منه التطوّر والنورانية والعقل والإيمان. إذ أنّه أعاد القراءة وحفظ للنص قدسيته.
البُعد الشيعي يشهد لهذه الولادة الجديدة من الفاجعة حيث الضحية تعطي الخلاص لجلادها من عذابها ومن على صليبها وموتها وقيامتها، غافرة له، ومسامحة داعية إلى التجدّد والتراحم ليتجدّد وجه الآخر بالفرح والرجاء والحوار والموادعة.
أحيا الرجاء بأنّ المستقبل المتنوّع ممكن، وساهم في التحوّلات التي تحسن وضع البشر لزهد روحي خدمة للمحبة وللعدالة والحرية، ليؤسّس ملكوت سلام وأخوة بين الناس يميز أهل الجنوب عامّة وجبل البشارة وجبل عامل خاصّة لالتصاقهم بالتراب والوجع والصلب اليومي والقيامة والتحوّلات.
جـ – بغداد: أعطته شعلة الاجتهاد والفقه المنور فأبعد الفكر الديني بالدراسة العلمية وحماه من الخرافة والتخلّف وجعله في الحداثة المنورة فأتى بالرحابة وانفتاح الرأي.
السيد حسن الأمين،
في ولادته يطلّ أب كبير غارق في البحث والكتابة والقيادة والإصلاح ومنزل متواضع يرمي عليه الإيمان برسالة بُعداً شاهقاً من الكبر والمعرفة والكفاح والزهد والتجرّد قيم البيت طبعته فأعطته ثوابت تصرفه الأدبية والفكرية فتجذر في بيته وأرضه وأهله ووطنه وقضاياه قضايا الحرية والاستقلال.
خصوصيته العاملية المطبوعة بالتزامه الإسلامي هي خصوصية شيعية طبيعية نابعة من قدومه من بيت شيعي وهي منهج عقلي وليست مذهبي بل عاطفة يدفعها هم البحث والحوار لإعادة النظر بشجاعة أدبية لقراءة المقدّس بفكر نقدي يستشف المستقبل فاتحاً أبواب التحوّل للأيام القادمة.
المستقبلية بادية في كتابه: «الغزو المغولي لبلاد المسلمين» ويلتقي بتفكيره المقاوم بتفكير راهب لبناني ماروني هو الأب بولس عبود الذي كتب ووعظ وحاضر وقاوم 1920 حتّى أنّه نفي ومات حزناً في منفاه في بلدة غوسطا في كسروان.
ولد أباه السيّد محسن الأمين بإخراج كتاباته، فكان هذا التوالد المتبادل. إنّه الشاعر و قصائده غزل وغضب. إنسان مطبوع بالإخلاص في أدبه، إنّه أديب مخلص، ربي على الإخلاص وتحلّى به وتعامل به ومارسه كلّ أيّام الحياة.
الإخلاص والتلقائية والعفوية أعطته الكلمة الحيّة الشفافة فلا تباين بين القول والممارسة.
إخلاص في الموقف. يؤدّي إلى الالتزام الوطني والقومي والإنساني.
إخلاص للعلم والحقيقة وللثقافة العربية والتراث الإسلامي إنّه لم يكن إنساناً «غلط».
خاتمة:
نكرم الفكر والعلم والصلابة والتواضع، مأثرة، هذا الحفل اليوم بمبادرة من حلقة الحوار الثقافي، أن يضيء لنا قيماً مضيئة، مثال حسن الأمين الأديب والمؤرخ والبحاثة والإنسان المترع النفس بأنبل القيم الإنسانية، النقي القلب واليد واللسان والجوارح، والوطني الصامد في وقاره ووداعته. عفيف اليد هو حي الضمير، عمل بصمت وتواضع متعالٍ عن الانغماس بالصغائر والتلهي بالمظاهر والقشور فصار المثال والقدوة بين الناس.
إنّه النداء الرسولي وكتاب الماضي إلى المستقبل. مسكون بصدق الولاء وحرارة القلق والتراث. فله الإكبار والاحترام ولنا حفلة الاستذكار والتكريم.
كلمة د. إبراهيم بيضون
لمرّاتٍ خلت، تحدّثت عن السيد حسن الأمين: العلاّمة، الموسوعي، المؤرخ، الشاعر. وسأكتفي في هذه الشهادة بقراءة سريعة له، كإنسان قيم وثوابت ومبادئ… هذا الذي عرفته عن كثب، وتأثّرت به على مدى عقود من السنين.
والشريط مترع بالذكريات الحميمة، وللجامعة محطة أثيرة فيه، إذ كنت حينذاك طالباً في السنة الأولى. وقد أعددت بتوجيه منه دراسة صغيرة من ثورة ابن الأشعث في العهد الأموي… وفي سنة تالية كانت تجربة مماثلة، والموضوع عن أبي شامة مؤرخ الدولتين النووية والصلاحية. ولكن البحث تناول أبا شامة الشاعر، الأمر الذي لم يُعجب الأستاذ التقليدي، المسكون بالحدث، فقد رأى فيه جنوحاً عن المنهج، لا سيما وأنّه غير مفطور على الشعر وليست تستفزّه كلمة أنيقة أو تستثير وجده نجمة عاشقة في هدأة الليل، وهو المقيم في الحوليات والنصوص التي شاخ فيها الزمن. ولكنّني إذ تمرّدت على الأستاذ، أدركت ما يعنيه ذلك الاختيار وأنّ «السيّد» لم يكن الشعر ما يدور في خلده عندما حرّضني على الكتابة في مثل هذا الموضع، ولكنّه بصفائه وعمق فكره ووضوح منهاجه، كان يرى في ذلك جديداً، وبالتالي جديراً بالبحث. ولقد فتح عقلي يومذاك على مسألة مهمة في الكتابة التاريخية التي تأتي الإشكالية في أوّل شروطها، أو بمعنى آخر فإنّ الجديد ما يجب أن يسعى إليه المؤرخ، ذاهباً في العمق، وليس منتشراً على المدى الأفقي، مراكماً ما لا قيمة له ولا يرقى إلى الإبداع.
أقول ذلك وأنا ما زلت متشبثاً بالدرس الذي تلقيته مبكراً من «السيّد»، وهو ما زال يشجعني على السير في المنهج الذي فيه بصمة منه، انفتاحاً ورؤية وتحليلاً، فضلاً عن الأسلوب في انسيابه واختلافه بنبض الأفكار على مساحة البحث.
حسن الأمين، هذا شأنه مع كثير من غيري لجؤوا إليه واستناروا بفكره ونهلوا من علمه وتأثّروا بمنهاجه، يستقبلهم جميعاً برحابة صدر، ويلقي بين أيديهم من نفيس كنوزه، ما يضيء أمامهم الطريق ويعزّز لديهم الثقة في التغلّب على تحدّياته. فهي رسالة «السيّد» لا الباحث الذي ينشر الحقائق على مساحة التاريخ فحسب، بل المعلم الذي يحفر، على مساحة العقول، فكراً يقترن بالأصالة والأخلاق والمبادئ… إنّه باختصار مدرسة اتّخذت فرادتها في هذا التكامل بين العلم والقيم، وبين الذات والموضوع، وبين المبدأ والموقف، وليس أخيراً بين القاضي العادل والمؤرخ الذي يكتب بحبر المظلومين.
لقد مرّت سنون كثيرة، من اليفاعة حتّى أقصى الكهولة وأنا على صلة لم تنقطع مع «السيّد»، المعلم، الأب، الصديق. وفي هذا السياق الطويل كان ما يزال المرجع عندما تخونني اللغة أو يلتبس عليّ معنى في الرواية… بيد أنّ الأهم من ذلك، أنّه ما انفكّ القارئ الأول لكلّ كتاب يصدر لي خلال تلك المسافة من الزمن، ولطالما غمرني القلق، بل الخوف، قبل أن يهتف لي مبدياً الثناء، وأحياناً الملاحظات، مجرّداً من الانحياز وغير متأثّر بالعلاقة الخاصّة.
حسن الأمين لا تختصره صفحة المؤرخ، ولا تستوي قراءته دون بقية الصفحات التي كاد يطويها بنفسه، وهي ليست أقلّ إثارةً وجاذبية… فالدور يبقى الأساس في سيرته وهو يخط النهر، الدور الحاضر في كلّ الصفحات العابقة بالضوء… والصبي الذي وقف يوماً أمام الجنرال «ويغان» يلقي بفرنسيةٍ متعثرةٍ كلماتٍ تعرض للوضع البائس في جبل عامل، هو نفسه المشارك بحماسة، طالباً، في تظاهرات دمشق ضد الانتداب، وهو نفسه القاضي الذي يتداول الحكم مع الفقهاء الثقات، قبل النُطق به واثقاً في غير تردّد، وهو نفسه الأستاذ اللامع للأدب العربي في بغداد والشاعر المحلّق في قومياته ووجدانياته، والرحالة «من بلد إلى بلد»، مسجلاً انطباعاته في نثر فني بديع.
وفي زمن يُتباهى بالمساوئ وتُبتذل القيم، يمضي حسن الأمين: المدرسة، الرسالة، الإنسان المفعم بالتراث، في طريقه الصعب، وجرأته ما انفكّت تجلد الطغاة والمنحرفين والمنافقين…
وحيثما حلّ كانت هذه القامة العالية وهذا الحضور الجميل، المتوهج، الصاخب، وكأنّه بقية السيوف من زمن بعيدٍ غار. فلا يرتحل إلاّ وقد ملأ ذاكرة القوم ورسخ في نفوسهم علماً كبيراً من أعلام الفكر العربي الحديث…
حسن الأمين في «حلّه» بحاثةً يُمسك بزمام التاريخ وفي «ترحاله» شاعر ينثر القوافي الزاهيات… وفي كليهما الإنسان العاشق لجبل عامل، المسكون بالهواجس الكبيرة… الإنسان الناصع كفاً، المترفّع عن الضغائن، المترهف لوجه الحقيقة.
كلمة د. يوسف الحوراني
لنا مسلّمة من المسلمات المنطقية الاجتماعية نحن الجنوبيين وهي:
«حيثما يوجد السيّد حسن الأمين يوجد مجلس للأدب والفكر وتبادل المعارف وعقد الصداقات».
هذا ما ألفناه وأحببناه في مجالس علاّمتنا ومرجعنا الأدبي والتاريخي الصدوق. منذ أن تفتَّحت عقولنا على موهبة الحوار بين المختلفين، ونعمة اللقاء بين المتآلفين مع الالتزام بشرعة الحديث والكلام في حضرة الكبار المهيبين.
فشكراً لكبيرنا في هذا اليوم الذي يذكرنا بعصرونيات جنوبنا الحبيب، بلاد عاملة العماليق.
ما قلته مرّة فيه هو «إنّه كرامة في ذاته» وما أضيفه إنّه كنهر متدفق يعطينا في كلّ هنيهة ما هو جديد ونبيل.
كان لي منذ صباي الباكر المثال والمعلم. ونعم ما كانه ولا يزال. وما أضافه في كتاب «غارات على بلاد الشام» كان درساً بليغاً أدعوكم لاستيعابه معي وخلاصته:
لا نلوم الآخرين على ما فعلوه لنا من إساءة، وإنّما نسأل في البدء عمّأ فعلناه نحن لهم لجلب هذه الإساءة حتّى ولو بلغت هذه إلى حدود الكارثة.
حتّى المغول وتيمورلنكهم الفظيع بقي السيّد الأمين متيقظ الضمير، ثاقب النظر محايد القياس والمقارنة، شيمة الشرع العاملي الذي ألفنا الحديث عن عدالته في طفولتنا، وكان آباؤنا يلجؤون إليه فينصف بينهم دون سؤال عن الطائفة أو الدين أو النسب العائلي.
لم يصل غيره من كتّاب العربية إلى ما وصل إليه من حكم وهو: «نحن نعتبر أنّ المسؤول الحقيقي عن محنة بلاد الشام لا تيمور وحده، بل إنّ المسؤولية تقع أوّلاً على القاضي برهان الدين أحمد والظاهر برقوق وسودون، نائب دمشق ودمرداش نائب حلب هؤلاء الذين قتلوا رسله فأثاروه للانتقام لقتل رسله. وقد كان متودّداً لأولئك القتلة طالباً إقامة علاقات تجارية بين بلاده وبلادهم». (ص177).
ويعلّق مؤرخنا على أسماء الذين ساروا في ركاب هولاكو من المسلمين ومنها: ظهير الدين، وصدر الدين وسيف الدين يعلق بقوله: «لم يكونوا يخجلون من أن ينسبوا إلى الدين». (ص95).
وللتآسّي والتوازي بين كلّ الأيام نذكر لمعلمنا الكبير أنّ الدين لم يعد يكتفي اليوم بالأنساب كما كان في أيام هولاكو بل غدا له حرّاس شخصيون (بدي غارد)، مفتولو العضلات طوال القامات، يحمونه من الازدواجية ويعاقبون كلّ من يفكّر بأن يكون له عقل ودين معاً…
ولله في خلقه شؤون.
ولك يا عميدنا الأمين المحبة كلّ المحبة مع تجلّة الوفاء…
كلمة د. منذر جابر
السادة الكرام، دعاة ثقافة وفكر.
يبدو تكريم السيّد حسن الأمين، تكريماً لثقافة وطنية، وتأكيداً لرابطة وطنية، وليس تقاسماً للثقافة، أو استعادة لذكريات في محلةٍ أو منطقة، وليس عودة إلى ملاعب أو مآرب خاصّة بفئة أو بطائفة.
حسن الأمين من الذين لا يضمُّهم عنوان أو هوية. فهو لا يدور في نتاجه أو مواقفه على مروحة واحدة. من يقرؤه أو يسمعه يجده حمّال أوجه في الثقافة، متفاوتاً، عالمه واسع واسع، لأنّه عالم مشاهدات وممارسات وأصبوحات وغرائب وتناقضات، تستدعي الضحك بمقدار ما تستدعي التأمّل والصمت.
يدير السيّد حسن عوالمه تلك في ألفة نادرة، على بُعد مدى هذه العوالم، واتساعها، وقد أرسى في شخصيته الفذّة علاقة بالغة الدقة بينه مفكراً، وبينه إنساناً. وهذا ما جعل منه مقيماً دائماً في مناطق مختلفة، ودافقاً على منابر متعددة، مقروءاً على أنحاء وأوجهٍ تختلف، باختلاف المكان من ناحية، فهو عاملي في الشام والعراق وإيران، وهو شامي في عاملة والعراق وإيران، وهو عراقي في عاملة والشام وإيران، وهو إيراني في عاملة والشام والعراق، وهو كلّ ذلك على «دروب الباكستان» وفي «حلّه وترحاله». وتختلف من ناحية، باختلاف الموقع والهيئة، فهو شاعر مع الأدباء والمحدّثين والمؤرخين، وهو أديب مع الشعراء والمحدّثين والمؤرخين وهو مؤرّخ في نظر هؤلاء جميعاً ومعهم. يبقى السيّد عصياً على الترتيب المحكم، اللهم سوى القول إنّه إنسان فوق إنسان يناظره، فوق إنسان يناصرهما. كلّ منّا يرتّب للسيّد موقعاً حسب مقتضاه وقضيته.
والسيد من ثمالة جيل غَرُب أو كاد، جيل ثقيف، كتّيب لسِن. نسمعه فنتمنى لو ندوّن ما يقول. نقرؤه فنتمنّى لو نتحدّث بما يكتب. يستظهر التراث كما يستظهر عن ظهر قلب أقاربه وبيوت قريته. السيد يبزّ الجميع في ذلك: حسين مروة والشيخ علي الزين بقيا على حيائهما الديني الموروث على ما في حديثهما من طلاوة وحلاوة. موسى الزين شرارة وعبد الحسين عبدالله، المحدّثين بامتياز، قصرا عن السيد في عمق ثقافته واتساعها. صدر الدين شرف الدين يتحدّث وكأنّه يتلقى الكلام من علّ، تذهب نبرتُه بالكلام وتنقشه، نسمعه مسحورين بنطقه ورنين جمله. أمّا كلام السيّد حسن فهوعلى مقاس سامعيه، وكأنّه في حديثه جوقةُ محاورين يتقاسمون الحوار كلّ من موقع ومن طرف. لذلك الكلّ يصغي في مجلس السيّد، وهو مسترسل في حديثه المفصل الشيّق، ينتقل فيه بين الأزمان والبلاد والعباد بطرفة عين، مليء بالأخبار والحواشي والاستطرادات، الكلام يستدعي غيره، والسكوت من قبلك أو الحركة أو اللفتة، تعني في عرف السيّد سؤالاً جديداً ومفتاحاً ومدخلاً لحديث جديد.
أمّا السيّد حسن المؤرخ فهو يصل في نقده إلى مواجد في المسلمات التاريخية. فها هو في تاريخ عاملة يطعن في مسلّمات براءة وطهر شخصيات مؤتمر وادي الحجير 1920، وها هو في التاريخ الأكبر يطعن في مسلمات حول رجالات كبار حتّى ولو كان صلاح الدين. ومهما يكن الموقف من ذلك فإنّ الاشتباه هو منطق السيّد في أحكامه. وقد يكون ذلك اجتهاد وحسب، وأياً كان منتهاه، فإنّ الحسّ النقدي راكز لدى السيّد حسن ولا يبالي بعده، بأن يتصدّى لمقولة راسخةٍ وكلام إجماع.
أمّا السيّد الإنسان فيكفيه أنّه قال كلمته، واستقال من منصب القضاء، حين برّأ رجلاً يحرث على حماره، وذلك مأثوم حسب القضاء الفرنسي، برأه لكي لا يُقال «إنّ القانون في لبنان يحافظ على كرامة الحيوان أكثر من حفاظه على كرامة صاحبه».
يحيي السيّد ويختم في آن معاً ظاهرة المفكر الموسوعي، المفكر الطرف في أيّة مسألة أو حدث، يطارح في القضايا المعيوشة ويطرح في ما غفل عنه غيره أو يجتهد به من جديد. والسيد وكأنّه على فطرة في ذاك. وهو في كلّ ذلك، ينتقل بالحوار الفكري، الذي طالما قبع في نقطة اللااعتراف المتبادل إلى الإقرار بوجود الآخرين.
ولعل في وجه السيّد هذا، ضرورة أكثر من أي وقت مضى مع ضرورة النظر إلى أفكار الآخرين وأفكار الماضي والحاضر، ومع اللغة السائدة التي لا ترى في أبواب الفكر تواصلاً، بل ترى انقطاعاً وقَطْعاً يتبادل الجميع في السياسة والتاريخ والفلسفة عدم الاعتراف بعدم اعتراف. هذا موقع السيّد حسن من الجميع وجدان خاص لا نطاق للجميع سواه.
الكلمة التي ارتجلها
السيّد حسن الأمين
ليس ما أقوله كلمة كماعبرت عنها السيدة المقدمة إلهام كلاب البساط إنّما هو شعور في نفسي لما لقيته من الداعين لهذا الحفل ولما تفضّل المتكلمون فيه. أنا لا أعد ما تفضل به المتكلمون موجهاً لشخصي الضعيف، فأنا أعتبر أنّي أقل من أن يُقال بي مثل هذا الكلام. ولكنّي أعتقد أنّ ما تفضلوا به هو للفكرة التي نؤمن بها جميعاً، موجّه للخط الذي علينا أن نسلكه ونستمر في سلوكه، من هنا اقتنعت بالقيام بهذا الحفل والمشاركة فيه.
نحن نقيم حفلنا هذا في وقت، تتردّد به في نفوسنا وفي أسماعنا صوت إخواننا الذين يذبحون في فلسيطين ويهانون ويذلون في أمّة ألفت الهوان واستطابته.
نحن لا نيأس. بالعكس نحن مؤمنون بأنّ النصر لنا، وأنّ ما يراق من دماء وما يعاني الناس من مذلة وهوان هو شيء مرّ في تاريخنا وفي تاريخ غيرنا.
اليهود لم ينتصروا في فلسطين، هذا ما أؤمن به، انتصروا على الجيوش العربية التي انكسرت أمامهم، ولكن القضية اليهودية حتّى الآن هي المنهزمة، كان في تخطيط اليهود ما أسموه إسرائيل الكبرى. عبروا منه بأنّه من النيل إلى الفرات وما يشير إليه علمهم، الخط الأزرق الأعلى هو النيل والخط الأزرق في الأسفل هو الفرات، والبياض الذي يمتد فوق هذين الخطين إشارة إلى أنّ ليس هذا هو الحد النهائي. لقد انتهى أمر إسرائيل الكبرى، من الذي حقق هذه النهاية؟؟
حقّقها أطفال الحجارة.
أطفال الحجارة هزموا فكرة إسرائيل الكبرى.
اليهود الآن يجاهدون للاحتفاظ بإسرائيل الصغرى، تنازلوا عن يهودا والسامرة، وهي من أقدس مقدساتهم. هزمتهم أحجار الأطفال.
انقضت من ذهنهم فكرة إسرائيل الكبرى.
ثمّ لماذا أنشأ اليهود فكرة إسرائيل؟؟
لماذا تدفّقوا من أقصى الأرض. ليغتصبوا هذه الأرض؟ رأوا أنّهم في كلّ مكان قلقون على حياتهم، قلقون على مستقبلهم، مكرهون.
إنّ اليهود الآن في أقطار العالم آمنون، مستقرون، إلاّ في إسرائيل، إلاّ في المكان الذي ادعوا أنّهم آتون ليستقروا فيه. إنّهم كما قال القائل:
يترقبون الموت في غزواتهم
فإذا نجوا فالموت في الأسحار
إسرائيل بعد 54 سنة على قيامها لا يجرؤ فيها اليهودي أن يخرج من بيته.
هذا هو النصر الذي حقّه أطفال الحجارة.
هذا هو النصر الذي لا يعترف به اليهود.
إنّهم مستقرون في أقطار الأرض، إلاّ في المكان الذي أرادوا أن يستقروا فيه. إنّهم سالمون في كلّ مكان، ولكنّهم يذحبون ويقتلون في مكان استقرارهم. فماذا سيصنع هؤلاء اليهود الشراذم عندما يتدفق ثلاثمائة مليون عربي ويتخلصون من قيادتهم الزائفة الذليلة؟
ماذا سيصنع اليهودي أمام ثلاثمائة مليون عربي إذا جاؤوهم بالحجارة؟؟
نحن مطمئنون على المستقبل بأن هذا الذي يجري هو غمرة من هذه الغمرات التي تمرّ بها كلّ أمم الأرض، لقد هوجمنا في الغزوات المغولية التي كانت أقسى من هذه الغزوات، ولكن ماذا كانت النهاية؟ كانت النهاية أنّ المغول الذين جاؤوا ليحاربوا الإسلام في أرضه وفي مكانه أنّهم لأوّل مرّة واجهوا الفكرة المعاكسة. كان يُقال إنّ الشعب المغلوب يتأثّر بالشعب الغالب. وإذا بالمغول الغالبين يتأثّرون بالشعب المغلوب. فينتهي أمرهم إلى أن يسلموا.
إنّني من ها هنا بعد أن أتوجه إليكم إلى الذين دعوا إلى هذا الحفل والذين تكلموا عليّ بما لا أستحقه، إنّني أتوجه من ها هنا إلى أولئك المناضلين المضحين بدمائهم بتحية إكبار وأقول لهم:
لا تيأسوا فإنّ الله معكم، والشعوب العربية معكم، ولا بدّ لكم من النصر القريب إن شاء الله.
كلمة د. حسان حلاق
بسم الله الرحمن الرحيم
أيّها الحفل الكريم، أيّها الإخوة والأخوات.
العلاّمة الكبير السيّد حسن الأمين المحتفى به.
إنّه لشرفٌ عظيم، وإنّها لمناسبة كريمة، لن أنساها ما حييت، أن أتحدّث عن عالم جليل وكريم دوّن التاريخ الإسلامي والعربي القديم والوسيط والحديث من خلال فكره النيّر وقلمه المدرار المعطاء.
إنّ العلاّمة السيّد حسن الأمين سليل العائلة الكريمة التي عقد جذورها في عمق التاريخ الإسلامي، فهو من السادة الكرام الأفاضل، الذي تميز بالأصالة الدينية والفكرية والعائلية، وهذه الأصالة لا تتناقض عنده مطلقاً مع محاولاته الدؤوبة لتجديد وتحديث الفكر والتاريخ الإسلامي والعربي. لذا فقد عمل بجرأة نادرة وبجد ونشاط في مجال تحقيق التراث الإسلامي. كما كتب عن الكثير من القضايا والإشكاليات التاريخية والفكرية والفقهية.
تأسيساً على ما تقدّم، فقد اختلف الكثير مع العالم الجليل السيد حسن الأمين، فكتبوا ضد ما كتب وضد ما يفكّر، وبدوره كتب ضد ما كتبوا وكيف يفكّرون، ممّا أسهم إسهاماً واضحاً في إغناء الحياة الفكرية في لبنان والعالم العربي. لقد آمن بالتنوّع الفكري لأنّه أساس الغنى الفكري، وهذا التنوّع لا يفسد للرد قضية أكانت تاريخية أو فكرية أو فقهية.
قد تختلف معه في الرؤى الفكرية والتاريخية استناداً إلى التنوّع ومصادر البحث العلمي، ولكنّك أبداً لن تستطيع إلاّ أن تحترمه وتقدّره على دوره الريادي في عالم الفكر والتاريخ.
لقد تتّبعت منذ سنوات الكتابات والكتابات المضادة التي نشرت في الصحف اللبنانية والعربية والمتعلقة بأفكاره وآرائه، ولا أذيع سراً إن قلت إنّ البعض حاول إقناعي واستدراجي للكتابة ضد هذا العالم الجليل، ولما كنت من المؤمنين بحرية الفكر والبحث العلمي، ولما كنت طالب علم حتّى اليوم، وأجلُّ وأقدّر العلماء، وأنحني أمام الفكر والعلم، فقد رفضت رفضاً قاطعاً المشاركة في مثل هذه الكتابات، لا سيما وأنّ السيّد حسن الأمين يمثّل قيمة علمية وأخلاقية رفيعة المستوى.
إنّ العديد ممّن هم أقل علماً من السيّد حسن الأمين أسّسوا مدرسة علمية خاصّة بهم، أفلا يحق لهذا البحاثة المحقق أن ينهج نهجاً جديداً؟ وبالتالي ألا يحق له أن يؤسّس مدرسة فكرية جديدة، فمن شاء سلكها، ومن لم يشأ سلك سواها؟
أيّها الحفل الكريم
يكفي السيد حسن الأمين فخراً أنّه سليل أمّة تتميّز بخصال عديدة منها: النسب الشريف والأصالة، العلم النافع، الجهاد. فهذه الخصال قلّما تتوفّر في عالم. لهذا فإنّ الرجل لا يحتاج إلى كلمات تُقال فيه، ولا إلى حفل ينوه بمآثره، فهو بما يمثّل من قيم علمية ومثل عليا وعلم وأصالة، إنّما يمثل في الحقيقة مسيرة أمّة في سيرة رجل.
ويكفينا فخراً القول: إنّ الأمّة التي أنجبت السيّد حسن الأمين، هي التي أنجبت المقاومة الإسلامية والوطنية، والتي قامت بدور أساسي وفاعل في تحرير لبنان من براثن العدو الإسرائيلي، ولم ولن تتراجع هذه المقاومة إلى أن يتم تحرير آخر شبر من أراضي مزارع شبعا المحتلة والجولان العربي وفلسطين العربية.
أيّها الحفل الكريم
إنّ مشاركتي في هذا الحفل التكريمي، هو تكريم لي ولزملائي المشاركين بل هو وسام على صدري يمثّل أقصى اعتزازي وشكري وتقديري لكم جميعاً وللجنة المنظمة للحفل وأخصّ بالذكر الأستاذ فرحان صالح والسلام.
كلمة د. حسن أمين البعيني
أيّها الحفل الكريم
منذ زمن بعيد عرفت السيّد حسن الأمين من خلال ما كتب، ومن خلال ما كتب عنه وقيل فيه فأحببت شخصه، وأكبرت فيه جميل الصفات وعظيم المآتي، وظلّ يكبر في عيني ويسمو مع توالي عطاءاته على امتداد عمره إلى ما بعد التسعين.
وإذا كان المجال هنا لا ينفسح لي للإحاطة بجميع جوانب شخصيته، وبجميع إنجازاته، ولا يسمح لي بالإطالة، فإنّه على الأقل مناسبة لأقول كلمة تقدير وشهادة حق فيه.
العلاّمة السيّد حسن الأمين إحدى السنديانات الصلبة من بلادي، وأحد الرجالات الذين أنجبهم جبل عامل، وأحد أعلام هذا العصر، وأحد المجددين المنفتحين على الحداثة دون التخلي عن الأصالة.
تعدّدت ميادين عمل السيّد حسن الأمين، وكان له في كلّ ميدان صولة وجولة. فهو المربّي الناجح الذي يتعهّد الأجيال بالتربية الصالحة، فينشئ النفوس، ويبني العقول، ويهذب الأخلاق، وهو المحامي اللامع الذي يدافع عن الحق ولا يلتفت إلى المنافع ولا يأبه بالإغراءات. وهو القاضي النزيه الذي يهمّه انتصاب ميزان العدل، وإنصاف الناس دون أن يخاف على منصب أو يطمع بمال. وهو بالإضافة، إلى عمله الوظيفي، الباحث المنقب والمهتم بالمطالعة والكتابة، والحاضر لمعظم المؤتمرات، المبدع، وكاتب الرحلات، والموسوعي الذي يقوم بما يوكّل عادة للمؤسسات.
قلائل هم الذي أنعم الله عليهم بتعددية المواهب وتوفّر الإمكانات، وأقل منهم الذين يستغلونها لمصلحتهم ومصلحة مجتمعهم ووطنهم والإنسانية. والسيّد حسن الأمين من هذه القلّة التي استفادت وأفادت ممّا أنعم الله عليها إذ جمع بين المواهب والإمكانات، والنشاط الدؤوب، والهمّة العالية، والعزم الذي لا يلين، فأعطى بسخاء وأبدع، وأسدى الخدمات الجلّى.
والمجال هنا، كما أسلفت، لا ينفسح لي للحديث عن السيّد حسن الأمين الأستاذ، والمحامي، والقاضي، والمؤرخ، والشاعر، والكاتب، والموسوعي لذا سأكتفي بالحديث عن جانبين من جوانب شخصيته وأعماله هما مناقبه العالية ووعيه المبكر للخطر الصهيوني والتصدّي له بالمواقف الشجاعة والتوعية، يوم كانت الأكثرية غافلة عنه وجاهلة له.
إنّ مناقب السيّد حسن الأمين وليدة بيئة ثقافية بيتية مثالية، ونشأة صالحة في كنف والده العالم المصلح السيد محسن الأمين، أكسبته أنبل الشمائل، وأجمل الفضائل، وحبّ العلم والعمل الاجتماعي والإصلاح، والزهد بالدنيا، والشجاعة في المواقف. وهذا ما تحلّى به الوالد وأورثه لولده، فكان الابن سرّ أبيه وكان خير خلف لخير سلف.
إنّ التربية البيتية الصالحة فجّرت المواهب عند السيّد حسن الأمين، وفتحت له آفاق العلم والمعرفة، وأعطته مثالية السلوك، وحصنته بأجمل الصفات، وجعلت منه الإنسان الطموح إلى العلى، الهازئ بالصعاب، العامل بصمت، والمثل الصالح في التعاطي الاجتماعي والعمل الوظيفي.
هذه البيئة البيتية الصالحة تكاملت مع بيئة ثقافية ثورية عاش فيها، فخلقتا معاً السيّد الأمين المجاهد بالكلمة والموقف. فهو بالإضافة إلى كونه ابن عالم مصلح، ابن جبل عامل الذي بدأت فيه الثورة سنة 1919 على الاحتلال الفرنسي. وهو المعايش للنهضة القومية التي شهدتها دمشق، قلبُ العروبة النابض، في عهد الحكومة العربية التي كانت محط آمال الوطنيين العاملين من أجل الاستقلال والوحدة في وجه مخططات التجزئة الاستعمارية، هذه البيئة أوجدت عند السيّد حسن الأمين الوعي المبكر للخطر الصهيوني، وعزّزت توجّهه نحو الجهاد، فإذا به في طليعة المتظاهرين في الشام ضد نزول بلفور فيها، وهو صاحب الوعد المشؤوم بإقامة الدولة اليهودية في فلسطين… وإذا به المحامي الذي يأبى التوكل عمّن شاؤوا بيع الأراضي لليهود، مقابل مبلغ ضخم، ويعنف عليهم بالكلام ويطردهم… وإذا به القاضي الذي يحكم بسجن المتسللين اليهود من لبنان إلى فلسطين، ويقف بعناد وصلابة في وجه من حاولوا إخلاء سبيلهم، وإذا به المؤرخ الهادف الذي يكتب عن الغزو المغولي ومقاومة المسلمين له مع ما في ذلك من تشابهٍ مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين وجهاد العرب والمسلمين ضده. وسيزول هذا كما انحسر ذاك أمام إرادة التصدّي والصمود والمواجهة.
فإليك أيّها الشيخ الجليل أيّها العلاّمة تحية إكبار وإجلال… فأنت عنوان عزة، ورمز عطاء. أطال الله في عمرك، وأعطانا العديد من أمثالك الذين نحن بحاجة إليهم في هذا الزمن الرديء الصعب، زمن الخيبة والانهزامات وتحطّم الآمال والأماني القومية… وشكراً.
كلمة السيد محمد حسن الأمين
عندما دعتني حلقة الحوار الثقافي التي نظمت هذه الأمسية، شعرت بشيء من الحرج فأنا مدعوٌ للكلام على العلاّمة السيّد حسن الأمين الذي تربطني فيه الكثير من الوشائج التي تسمو على عنصر القرابة.
ولكن القرابة تحرج أصحابها أحياناً وتظلمهم. غير أنّني وبعد أن أدرت الموضوع في ذهني قلت إنّ عامل القرابة لا يجوز أن يكون سبباً لكتمان الحقيقة، والسيد حسن الأمين قبل ان يكون واحداً من عائلة أو قبل أن يكون أسيراً لاسمه فهو مناضل ومجاهد ومؤرخ، وفوق ذلك كلّه وبعد ذلك هو واحد من فرسان الممانعة والاعتراض في عصرنا الذي تغلب عليه سمة الاتباع والذلّ، وفي إطار طبقة أو فئة من الناس هي المثقفون ومنتجو المعرفة والذي كثر الكلام والحوار والحديث والسجال عن الدور الذي يقع على عاتقهم وعن المسؤولية التي يتحملونها في ظل محاولة هذه الأمّة للنهوض من الانهيار التاريخي الذي أصابها من عدّة قرون. كنت باستمرار أجد أنّ المسؤولية الأساس فيما تبدو مسؤولية الحاكم أو السلطة، كنت أجدها مسؤولية المثقف مسؤولية رجل الفكر، وكنت وما زلت وازددت يقيناً وأنا أنقّب عن التاريخ وأنقّب عن الحاضر وعن المستقبل أنّ أمّة يقبل مثقفوها ومفكروها وفقهاؤها أن يكونوا مثقفي ومفكري وفقهاء السلاطين لا يمكنها أن تجترح فعل نهوضها من الواقع العربي الراكد. إنّه يطلق أقصى ما يملك من أجل أن يدفع هذا العقل لكي ينقض ذلك ولكي يعيد النظر في المسلمات.
وما هي مشكلتنا في التاريخ وفي الأدب وفي كلّ حقل من حقول المعرفة والدين سوى هذه المسلمات التي تكتسب قدسيتها بغير شرعية حقيقية وعلى الأقل فإنّها غالباً ما تكتسب قدسيتها خارج شرعية العقل. ثمّة دور آخر من خلال مهنة المؤرخ ولنقل من خلال رسالة المؤرخ السيّد الأمين وهو دور مفصلي ورئيسي وأساسي ولا يحصر مهمة المؤرخ في النبش والتحقيق والبحث عن الماضي ولكنّه يجعل من هذه المهمة وسيلة والقول بأنّه للتاريخ وظيفته الأساسية وللمؤرخ وظيفته المسؤولة، ليس صحيحاً.
إنّ المؤرخ هو الذي يجلو لنا صورة الماضي، وحسب المؤرخ فيما يعمل على جلاء صورة الماضي أنّه في جوهر عمله يكون عاملاً على اقتراح صورة المستقبل، ولا يمكن أن يكون العمل التاريخي مبرراً إن لم يكن عملاً يهدف إلى إنتاج صورة مستقبل ما. أدخل من هذه النقطة إلى كتابه المفصلي والاستثنائي «الغزو المغولي لمدينة بغداد» أي حاضرة العرب والمسلمين الكبرى حينها، وسقوطها المدوي الذي شكّل المفصل التاريخي لهذا الانهيار السياسي والحضاري الذي ما زلنا نعيش تداعياته حتّى يومنا. في الواقع إنّ هذا الكتاب صدر ولا أدري ما إذا كان ذلك بفعل توقيت دقيق شاءه المؤرخ.
بالرغم من حرصه الشديد ومن ذائقته التاريخية من محاسبة التاريخ، إلاّ أنّه لم يكن مؤرخاً ولكن الأمين كان باحثاً سياسياً ولم يكن باحثاً سياسياً، كان مفكّراً اجتماعياً وباحثاً في الحضارات. ولكنّه لم يكن كذلك بالضبط، ومع هذا كلّه كان شاعراً حيث قد تطفو حدّته الشعرية على مقولاته، على المفاصل والمنحنيات في الكتابة والحدث بصورة تجعلني قادراً على القول إنّ الكاتب كان مؤلفاً، كان صورة من صور مساهمة المثقف أعلى صورة من صور المثقف في مواجهة مسؤوليته عندما تكون القضية ويكون التحدّي هو تحدّي الوجود، وكان مؤسساً نظرياً ووجدانياً للفكرة التي تقول إنّ الانهيار والسقوط في الأمم ليس نتيجة حدث خارجي وهو نتيجة قابلية، قابلية تستدرج مع مثل هذه الأحداث، تستدرجها بصورة أو بأخرى، لم يكن ممكناً سقوط بغداد لأنّ هولاكو أو تيمورلنك كان خارجاً من تلك الأصقاع البعيدة ليشبع هذه الشهوة البدائية في تدمير الحضارات، وإنّما لأنّ هذه روما الجديدة، أميركا لكي تسلب لها، لكي تعيش فعلاً اغتصاباً كما لو أنّها مصابة بمرض نفسي عضال. حسن الأمين التقط المفاصل الحقيقية بأزمة انهيار الحضارة العربية والإسلامية، تارة عبر تحليله الدقيق ورؤيته العميقة والحرة للأحداث من ماضيها، وتارة في استحضار منهج الاعتراض والممانعة الذي وسم عمله الأدبي عموماً ووسم حياته وسلوكه مفكراً وقاضياً ومصلحاً اجتماعياً على كلّ الصعد. ولكنّه وبصورة أساسية وسم منهجه كمفكر ومؤرخ يعرف ويمارس. إنّ هذه المهمة لا يمكن أن تباع لأحد وإنّ الذين صنعوا انهيار الأمّة هم مؤرخو السلطة وكتابها كما مثقفوها وأدباؤها وشعراؤها.
لذلك، فقد ظلّ حسن الأمين غريباً في عصره وهذه الغربة هي شهادة كلّ كبير وشهادة كلّ فاعل في تاريخ أمّته، تاريخ فكرها وحضارتها وصناعة مستقبلها. غربة لا يسأم منها صاحبها لأنّها المجال الحيوي لممارسة الصمود التصاعدي، والذي يعرف معنى هذه الغربة يدرك الجوائز السخية الجوائز التي يتلقاها صاحبها، الجوائز التي قد لا يراها الآخرون سيئة، يراها الإنسان ويبهر عقله، ولكن يعرفها الناس الذين كرّسوا أنفسهم للعقل والحرية، الذين يشعرون بأنّهم ينالون أسمى الجوائز وبما لا يساويه ذهب العالم عندما ينحازون انحيازاً حقيقياً لقضية عادلة، سواء أكان في القانون أم كان في الفكر والبحث والتاريخ، حسن الأمين إنّه واحد من ألمع هؤلاء الغرباء، الذين أشار إليهم الرسول الأعظم (ص) عندما قال: «طوبى لهؤلاء الغرباء» لماذا؟ لأنّ هؤلاء الغرباء هم الذين أو المؤهلون لأن يعيدوا إنتاج الواقع الذي نرفضه جميعاً بعد أن يكونوا قد ذهبوا وخلا هذا الواقع، من أشخاصهم، ولكن من أجل أن يعيدوا حضورهم الحقيقي وحضورهم المتوهج، ألم أقل لكم إنّ المؤرخ الحقيقي فيما يجلو لنا صورة الماضي فيما يقترح لنا صورة المستقبل، وسيكون حاضراً فيها بالتأكيد.
بعد الغزو الذي قام به التحالف الأميركي الغربي على مدينة بغداد في أوائل تسعينات القرن الماضي صدر هذا الكتاب، بعد قليل من هذا الغزو، وأتيح لي وأنا أعيش كما كلّ المعنيين، كما كلّ الذين هزّهم هذا الغزو الجديد من الداخل، كما كلّ الذين شعروا أنّ ثمة صدمة قوية توجّه إلى الاجتماع وإلى الفكر وإلى العقل العربي والإسلامي، وأنّ ثمة خطراً حقيقياً يتهدّد كلّ تيارات النهوض والتقدّم بعد هذا الغزو، كان يدفعنا إلى التأمّل في الماضي والتأمّل في الحاضر والتأمّل في المستقبل. قرأت هذا الكتاب كنت في كلّ صفحة من صفحاته أشعر أنّ السيّد حسن الأمين لم يكن مؤرخاً بالمعنى الاصطلاحي الحقيقي الدقيق للكلمة.
من هنا ندخل إلى السيّد حسن الأمين مفكراً ومؤرخاً ومعترضاً يعرفه الجميع، وقد عجبت لماذا لم يجر الحديث كثيراً على صدمة الذهن التاريخي العربي عندما أطلق كتابه الشهير عن صلاح الدين الأيوبي.
بدا أنّ المتحدثين عن ذلك أرادوا أن يتفادوا للسيّد «الأمين» ما يحسبونه هنة من هنات، أو ما يحسبونه رأياً لا ينسجم مع المناخات ومع الأجواء المطروحة حالياً، لكنّني هنا وقد أكون غير متفق تماماً تجاه صلاح الدين الأيوبي أريد أن أحيي مأثرة المؤرخ الذي يشعل النار في القناعات الراكدة من الفكر. ما هي مشكلة فكرنا العربي والإسلامي سوى أنّه كان في لحظة من لحظات التاريخ يتمخض عن إبداع ما، ثمّ لا يلبث أن يدور حول هذا الإبداع ويعبره، السيد الأمين في كتابه عن صلاح الدين أطلق صدمة حقيقية في ما نسمّيه بحركة العقل التاريخي أو العقل الإسلامي.
مرسوم رقم 8297
منح وسام المعارف من الدرجة الأولى
وارد في 23 تموز 2002
وزير الثقافة
إنّ رئيس الجمهورية
بناء على الدُستور
بناء على المرسوم الاشتراعي رقم 122 تاريخ 12/6/1959 (نظام الأوسمة) وتعديلاته
بناء على اقتراح وزير الثقافة
وبعد موافقة مجلس الأوسمة بتاريخ 9/7/2002 يرسم ما يأتي:
المادة الأولى: منح العلاّمة السيد حسن محسن الأمين وسام المعارف من الدرجة الأولى تقديراً لعطاءاته الفكرية المتعدّدة.
المادة الثانية: ينشر هذا المرسوم ويبلغ حيث تدعو الحاجة.
صدر عن رئيس الجمهورية
بعبدا في 22 تموز 2002
الإمضاء: إميل لحود
رئيس مجلس الوزراء
الإمضاء: رفيقي الحريري
وزير الثقافة
الإمضاء: غسان سلامة

مجلس الفاتحة المقام عن روح الراحل في بلدته
مجلس الفاتحة المقام عن روح الراحل في بلدته
تكريم سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية
المؤرّخ العلاّمة السيّد حسن الأمين
قصر الأونيسكو ـ بيروت في 26 شباط 2003م

ذكرى مرور أربعين يوماً على رحيل المؤرخ الكبير السيّد حسن الأمين في الأونيسكو
برنامج الاحتفال التكريمي
للمؤرّخ العلاّمة السيّد حسن الأمين
الذي أُقيم برعاية فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد محمد خاتمي وفخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود بتاريخ الأربعاء 26/2/2003 الساعة 3,30 في قصر الأونيسكو ـ بيروت.
1 ـ تلاوة من الذكر الحكيم للمقرئ الشيخ سلمان الخليل.
2 ـ النشيد الوطني اللبناني والإيراني.
3 ـ كلمة ترحيبية يلقيها سعادة السفير مسعود إدريسي.
4 ـ كلمة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى المفتي الشيخ عبد الأمير قبلان.
5 ـ كلمة صاحب الغبطة بطريرك انطاطيا وسائر المشرق مار نصر الله بطرس صفير.
6 ـ كلمة رئيس مجلس الإفتاء في تجمّع العلماء المسلمين القاضي الشيخ أحمد الزين.
7 ـ كلمة ممثل فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي.
كلمة شكر مختصرة لآل الفقيد.
سفارة الجمهوية الإسلامية الإيرانية
في بيروت
الكلمة الترحيبية التي ألقاها سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسعود إدريسي في حفل تكريم المؤرخ العلامة السيّد حسن الأمين بقاعة الاونيسكو ـ بيروت
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلّى الله على أشرف الخلق وأعزّ المرسلين سيّدنا ونبيّنا محمد وعلى آله الطيبين والطاهرين.
فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية. ممثلاً بمعالي الوزير نزيه بيضون.
دولة رئيس مجلس النواب ممثلاً بسعادة النائب عدنان عرقجي.
دولة رئيس مجلس الوزراء ممثلاً بمعالي الوزير بشارة مِرْهِج…
نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلاّمة المفتي الشيخ عبد الأمير قبلان.
السادة أصحاب السماحة والفضيلة والسيادة… والمعالي والسعادة…
أيّها الحفل الكريم.
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته
يسعدني أنّ أرحّب بكم جميعاً في هذا اللقاء التكريمي لعالم من علماء لبنان بل إيران والعالم الإسلامي.
العلاّمة المؤرّخ السيّد حسن الأمين.
الذي خسر لبنان والعالم برحيله مؤرخاً وعالماً أمضى حياته في خدمة الإنسانية بما امتلك من علم وثقافة وأدب جسّده بالعشرات من المؤلفات القيّمة التي أغنت الفكر والتجربة الإنسانية…
أيّها السادة…
حفلنا اليوم برعاية مشكورة من فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود… وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي تأكيد لحقيقة مشتركة منهما بأهمية تكريم أهل العلم والثقافة والأدب من العلماء العباقرة الذين جعلوا دنياهم وحياتهم وسيلة لخدمة الإنسان وتطوّره…
وتأكيد أيضاً على عمق ما يربط إيران الجمهورية الإسلامية بلبنان دولةً وحكومةً وشعباً ومقاومةً…
وإلى أنّ الثقافة والفكر والعلم هم أسس التلاقي بين الشعوب والأمم والسلاح الأمضى في مواجهة كلّ دعوات التفرقة والهيمنة…
أيّها السادة أهلاً وسهلاً بكم في حفل تكريم العلاّمة المؤرّخ السيّد حسن الأمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كلمة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشعي الأعلى آية الله الشيخ عبد الأمير قبلان التي ألقاها في الأونيسكو بحفل تكريم السيد حسن الأمين
بداية لا يسعنا إلاّ أن نتوجّه بالشكر العميق إلى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود على مواقفه الوطنية والقومية، وأن نقدِّر عالياً مواقف الرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية في إيران الذين ما بخلوا يوماً أو تأخّروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد في وجه أعداء الله وأعداء الإنسانية، وهم بإذن الله تعالى مستمرون في مؤازرة القضايا العادلة والمحقّة في العالم، وفي مقدمها قضية فلسطين التي لاقت لدى إيران الثورة، وإيران الدولة التأييد الكامل والدعم المطلق.
كما نشكر أيّها الأخوة والأخوات السفارة الإيرانية في لبنان على رعايتها الذكرى وإقامتها لهذا الحفل التأبيني والتكريمي ونتقدّم من ذوي الفقيد العزيز، المؤرخ الكبير، السيد حسن الأمين (رحمه الله)، ومن جميع المشاركين والحاضرين بأصدق تعابير الأسى والعزاء، بهذه الخسارة الكبيرة التي لم تقع على آل الأمين الكرام فحسب، إنّما أصابتنا جميعاً، وبالخصوص أولئك الذين شاركوا المغفور له ميدان الفكر والمعرفة، وتقاسموا معه هموم البحث والتنقيب عن الحقيقة، وهي تتخفّى في ثنايا التاريخ.
أيّها الأخوة، إنّ فقدان المؤرخ الكبير السيّد حسن الأمين هزّ قلوب المحبّين ممّن عرفوه وعايشوه وعاشروه فوجدوه صادقاً، محباً، متميزاً في سيرته وسلوكه، صلباً في مواقفه، غزيراً في معارفه، نبيلاً في غايته، يقول الحق ويعمل من أجله، كما أنّ رحيله أحدث صدمة في الأوساط العلمية والبحثية، لِمَا تميَّز به من فكر مُتَوقِّد وإرادة مُصَمِّمَة على كشف خفايا التاريخ، وإبراز محطاته الكبرى، وإظهار الشخصية العاملية وإنصافها، من خلال مؤلفاته وكتاباته، لا سيما من خلال دائرة المعارف الإسلامية التي شكَّلت خزاناً من الحقائق المُجرَّدة، تُحاكي الحاضرَ بِقيَمِ الماضي، وتحفّز إلى مستقبل زاهر يرتكز في أساسياته على معرفة تاريخ هذه الأمّة المشرّف في نضالها وتصدّيها لشتى أنواع الغزو والعدوان، والتعريف على علمائها وأعلامها لأنّ من يجهل التاريخ لا يعيش الحاضر، ولا يمكنه أن يصنع المستقبل.
في حفل تكريم السيّد حسن الأمين نجل المرجع الديني الأكبر السيّد محسن الأمين (قدس سرّه) ندخل في حضرة هذه الأسرة العلمية العاملية «آل الأمين» التي انتصرت فيها روح النقد الجاد والرصين، ورَشَفَت من مَعِينِ العلوم الإسلامية الواسعة، وأسَّسَت لمفاهيم جديدة في قراءة التاريخ،
ونَذَرت عمرها وزمنها في خدمة قضايا الأمّة والوطن، وشكَّلت نموذجاً للإنسان المسلم، الذي عمل على هَدي شريعة الإسلام السمحاء، فاتَّحَد عقلها مع قلبها، وانسجم فكرها مع عملها، والسيّد حسن سليل هذه الأسرة العاملية نَذَرَ نفسه هو الآخر وبشكل مميز، فكان يعيش هموم التاريخ بأدبه، وأحداثه، ومفاصله الحاسمة والحساسة، فدخل أبواب التاريخ قارئاً، فاحصاً، كاشفاً دالاً، عاملاً بجهد العالم المتعلّم، البصير، الناقد، العادل، فكان بهذا أديباً ومؤرخاً وإنساناً عَمِل في تدوين دائرة المعارف الإسلامية ومستدركات أعيان الشيعة، وكتب في أدب التاريخ وأدب الرحلات، فكان بهذا وذاك على معرفة بالتاريخ معرفة واعية امتلك القدرة في الرَّبط بين الحقائق الإنسانية المشتركة، فأعطى للجديد عنده قيمته الحضارية المتصلة بالماضي والحاضر والمستقبل، مُزيلاً عن التاريخ بعض ما اعتراه من تَعْتيم، مُحققاً في ترجمات ما كتبه الآخر، داحضاً افتراءات هذه الكتابات، مُنصفاً غيرها، ساعياً إلى الحقيقة، كاشفاً عنها، مُمتلكاً أدوات المعرفة والبحث، يَزِنها بموازين العدل والحكمة والعلم، مؤسّساً لقراءة منهجية في علم التاريخ، غير منحاز إلاّ إلى الحقيقة، فالحدث عنده شموليٌّ بكلّ أبعاده وعناصره، وهو في عمله الإسلامي الموسوعي كان رائداً، وكان يعيش في إنسانية الثقافة بما تعنيه من رفعة وعمق، ملبياً نداءاتها، معتبراً أنّ للثقافة العربية الإسلامية مُثلاً وقيماً وآفاقاً إنسانية مُنفردة، تجري فيها مجرى العناصر المكوِّنة لها، مخاطباً من خلالها كيان الإنسان وهو يُحَقِّق عن الإنسان ويكتب، دالاً على أنّ للثقافة دورها في زيادة الوعي، والكشف عن معرفة ما لدى الآخر لفهمه، وهو يريد من الثقافة أن تُعَمِّق وعيَ أبنائها إلى تراثهم وتاريخهم، وأن تُمَتِّن ارتباطهم الحسّي بجذورهم، فالثقافة عنده يجب أن تكون مكوّن الوعي لدى الشعوب، وأن ترتبط بتاريخها، بل هي امتداد للتاريخ والتراث، تُحَصِّنُه وتدافع عنه، وأنَّ الانقطاع عن التراث والتاريخ هو إلغاء للثقافة ولدورها كعامل فاعل في ثقافات العالم. فعلى الإنسان أن يحيا في مجالها، وأن يواجه من خلالها أحكام المتغيرات، لتكون منسجمة مع أهدافها.
كلمة المطران أبي نادر في الأونيسكو
كلمة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلاّمة الشيخ عبد الأمير قبلان
من صفات حسن الأمين أنّه عصامي، لم يطلب من أحد الوظيفة ولا المال، ابتعد عن اللعب بأمور الناس، رفض السلطة وكان من الأشخاص الذين لم يسيّسوا الأحكام وهو في منصب القضاء، وقدّم استقالته من المحكمة حتّى لا يُعْتبر مرتهناً ومضغوطاً عليه في تغيير مجرى الحكم، كان بسيطاً في تعامله مع الناس، متواضعاً عاش زمنه في البحث والمطالعة والكتابة، رفض الهيمنة والتسلّط والانحراف والظلم، أعطى حيِّزاً واسعاً من حياته وكتاباته للكفاح ضد الصهيونية، فكان يرى إسرائيل دخيلة على الوطن العربي كلّه، وأنّ المشروع الصهيوني الذي أوجده الانتداب داخل وطننا العربي يمثّل حصان طروادة لزعزعة كياناتنا وإثارة عدم الاستقرار فيها، وإبقائها تحت رحمة أصحاب الأهداف الاستعمارية.
وما يجري الآن، يدلل كم هي الحاجة ملحّة لأنّ ندرس تاريخنا جيّداً، وأن نعود إلى تراثنا العظيم، كي نتمكن من مواجهة هذه الهجمة الشرسة التي تقودها إدارة أميركية شريرة فاسدة، تخطط لغزو العراق ووضع اليد على قدرات وثروات أمتنا العربية والإسلامية.
إنّنا ندعو الأشقاء والأصدقاء وكلّ الذين يمتلكون الحس الإنساني والإسلامي والأخلاقي والتحرري في العالم، أن يقفوا بثبات في وجه هذا التحدّي الخطير، وأن يتكافلوا ويتضامنوا لمنع وقوع الحرب التي وإن وقعت لا سمح الله، ستُدخِل منطقَتَنا العربية والإسلامية في متاهات خطيرة،

ذكرى مرور أربعين يوماً على رحيل المؤرخ الكبير السيّد حسن الأمين في الأونيسكو
يبقى المستفيد الأوّل منها الكيان الصهيوني الذي نراه ويراه العالم بأسره وهو يمارس أبشع أنواع الإرهاب، وأخطر أشكال الممارسات اللإنسانية، من قتل وتدمير وارتكاب للمجازر بحق الأطفال والآمنين من أبنائنا في فلسطين.
لن تموت أمّة فيها أمثال حسن الأمين الذي لم يعش حياته، بل أهداها على طول عمره المديد الذي ناهز الخامسة والتسعين للعلم والمعرفة والثقافة وهموم الإنسان، وإذا كانت الأمم تَكْبُر بعطائها الثقافي والحضاري، والشعوب لا تخرج من التاريخ إذا كان فيها من يعمل ليستمر وجودها وكيانها ويُعَمِّق قيم الثقافة فيها، فحسن الأمين واحد من علمائنا الكبار الذين آثروا أن يسلكوا درب العلم والمعرفة والبحث والتقصّي. عمل بوفاء كبير لنتاج والده فصانه واستدركه على مدى خمسين سنة، لقد كان بثقافته الشمولية والموسوعية حاملاً قضايا الأمّة مدافعاً عن تراثها ودينها، منيراً للإنسان الضوء والبصيرة، هدفه نشر الحقيقة وإيصال المعرفة إلى رواد العلم، فبحسن الأمين وبأمثال حسن الأمين تكبر الأمم ويتعاظم شأنها.
لقد كان رحمه الله منارة يهتدي إليها كلّ من تاه في بحر الحقيقة، عاش ظروفاً صعبة وحياة غير مستقرة بعيداً عن الأضواء والإعلام، لكنّه لم ينزلق في متاهات السياسة وألاعيب أصحابها، كان مشْعَلاً من مشاعل الفكر، تجاوزت إشعاعاته عالمنا العربي لتصل إلى إيران التي عرفت مكانته فكرّمته. وما لقاؤنا هذا إلاّ وفاء لهذا المؤرخ الكبير الذي أحبّ وطنه وأحبّ أرضه وأحبّ تراثه الذي احتضنته مرجعية المغفور له السيّد محسن الأمين وخلّدت فيها مآثر لن ينساها جبل عامل ولا العامليون، وستظل حاضرة في ذاكرتهم يستمدّون منها الإرادة الصلبة والعزيمة الإيمانية في مواجهة تحديات هذا العصر الذي تتكالب فيه أدوات الشر ويتعاظم شأن الاستكبار والاستبداد والظلم.
أيّها الأخوة، إنّ فقيدنا المرحوم السيّد حسن الأمين وإن غاب في جسده، فهو حاضر في فكره وفي بحثه وفي علمه، وسيبقى حياً في قلوبنا وعقولنا عملاً بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إذا مات ابن آدم انقطع ذكره إلاّ من ثلاث صدق جارية وعلم ينتفع به وولد وصالح يدعو له».
رحم الله السيّد حسن الأمين رحمة واسعة سابغة وجعل كلّ ما كتبه في تراثه ودينه، في موازينه يوم تجد كلّ نفس ما علمت من خير محضراً…
كلمة المطران خليل أبي نادر، ممثّل غبطة البطريرك نصر الله صفير
أيّها السادة،
لي الشّرف أن أمثّل نيافة الكردينال مار نصر الله بطرس سفير بطريرك انطاكيا وسائر المشرق في هذا الاحتفال التكريمي الذي تقوم به سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت للعلاّمة الراحل المؤرّخ السيّد حسن الأمين، من كبار رجال أهل القلم والفكر في لبنان وفي عالمنا العربيّ.
هو الآن، برفقة أبيه السيّد محسن الأمين المرجع الأكبر، في حضن إبراهيم في الجنّة، لدى الله الصَمَد، لإيمانه، لإنسانيَّته، لأخلاقه، لعلمه الجامع الرفيع. بضميرنا الديني والوطني سنتأمل، اليوم وغداً، في جهاده غير المحدود، فكراً وتاريخاً إسلامياً. وقد ترك لنا وللأجيال الآتية، في كتاباته التي تفوق الحَصْر، طريق العبور إلى حضارة ترسم لكلّ جماعة ما تبتغيه في أدب الحياة في عالمنا العربي، بالرغم من الدّخيلة عليه إسرائيل، همّنا اليومي المشترك منذ وعد بلفور وما إليه. أين أنتم، يا عرب، في جامعتكم، في رؤيتكم لحاضر هشّ وواهن، ولمستقبل مجهول طالما لا وحدة عربيّة في نظرٍ واضح، على مشهد من دول العالم.
كلمات السيّد حسن كانت دائماً، وستبقى لنا في ذكراه، للوحدة العربيّة، قولاً وعملاً لثورة ناشطة كالثورة الفرنسية في التاريخ. وكان دائماً المؤرّخ الملهَم، شاعراً، أديباً، رجلَ فكر وخبر، ومنجزاً «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» بمجلّدتها الخمسة والعشرين. كما لنا بقلمه السيّال «سيرة أئمة أهل البيت» (عليهم السلام)، قادة المسلمين تاريخاً وثقافةً وفكراً وتطلعات لحاضر ومستقبل، بروح قرآن كريم. وبروحهم، وبالاعتماد على النفس، لنا النضال ضدّ كلّ مستعمر من سايكس بيكو وجغرافيّته إلى كلّ غريب على أرضنا العربيّة نريدها، كما السيّد حسن، حرّة جامعة. وكان، لمدّة نصف قرن، لوالده المفكّر والمؤرّخ والمرجع الأوّل للطائفة الشيعية، كما كان الحسن الابن، في التاريخ حتّى كربلاء، لوصية والده الإمام علي (عليه السلام). وأيضاً العلاّمة حسن الأمين، في إنتاجه «أعيان الشيعة» أكمل تراث والده السيّد محسن الأمين.
واليوم، لنا منهما البركة والمثل والعبرة الشاهدة، بعد حرب ربع قرن على أرضنا المقدسة الحزينة من كلّ لبنان، وكنّا في منتهى الألم. فما تُرى تكون رسالتكما لنا، أّيها السيّد حسن الأمين والوالد السيّد محسن الأمين؟ جوابكما بالروح نتنوّره: ان ابتعدوا عن الطائفيّة بأنواعها والمذهبيّة بأنواعها ما كانت. فإنْ هي إلاّ تضليلٌ في وطن أصبح مُختلف الوجوه، متعدِّدَ النزعات، متفاوتَ المسؤوليّات والأنظار إلى كلّ رؤية وطنيّة ووجه. والسبب في ذلك هو الطائفة والطائفية. فهي التي قسّمت وباعدت وفرّقت، وفوق كلّ شيء، هي التي فتحت الحدود لكلّ غريب، فدمّرت وقتلت، وكان بها الانقسام المميت في الوطن الواحد.
فيا سيّدنا حسن الأمين، في حضورك أو غيابك، تعلّمنا أنّ عائلات لبنان هي، حقاً جامعة للحوار والوفاق واحترام الغير كما هو، تعلّمنا الصلاة، بروح إنجيل وقرآن، في كنيسة وجامع وخلوة، تعلّمنا محبة كلّ مواطن وأزلية أرزة لبنان، من جبل الأرز إلى جبل الباروك، في الوطن واحداً لبنيه كافةً. ولتلك رسالة لبنان في عالمه العربي. أمّا الطائفيّة والمذهبيّة فما هي من واقعها المشؤوم إلاّ جنون العَصَب.
وصوتك الرسالة يُنهى لنا، أيّها السيّد حسن الأمين: على أرضنا المقدسة، من جبل عامل، وبعلبك حتّى قنّوبين وبكركي، لنا طائفة واحدة اسمها لبنان، ولبنان يشهد على أرضه وفي العالم، كما في تاريخه، للقيَم الروحيّة والإنسانيّة والحضاريّة والوطنيّة الجامعة، لا الطائفيّة. ذلك صوت غبطة أبينا البطريرك صفير، لكم تحيّاته. وصوت البطاركة في التاريخ: لبنان محبّة وحريّة وسيادة.
أجل، ذلك أيضاً صوتك الرسالة، أيّها السيّد حسن الأمين، يُسمع في بيروت، في الشام، في بغداد، في الجامعة العربيّة، وفي طهران الصديقة ولك الآن من سفارتها العزيزة، بعناية خاصّة من سعادة سفيرها السيّد مسعود إدريسي، هذا الاحتفال التكريمي اللافت. لن ننساه. شكراً لها.
المطران خليل أبي نادر
ممثل البطريرك صفير
كلمة تجمع العلماء المسلمين في لبنان بمناسبة تكريم المؤرخ الراحل السيّد حسن الأمين
ألقاها رئيس مجلس الأمناء القاضي الشيخ أحمد الزين
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطاهرين.
تكريم المؤرخ الراحل المرحوم السيّد حسن الأمين، تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تأريخ للأفكار والأحداث، ولئن التصق اسم الراحل الكبير بالتشيع والدفاع عنه بل وأحياناً بالهجوم على بعض المؤرخين أو الشخصيات التاريخية، فإنّه من الظلم للسيّد حسن الأمين اعتبار موضوع هجومه أو دفاعه هو الطرف المقابل للشيعة في تاريخ الإسلام وهم أهل السنّة، بل إنّنا نعد ذلك ظلماً للسنّة وأهل السنّة.
لو وضعنا العصبية جانباً وحملنا ميزان الإسلام في الحكم وأعدنا قراءة السيّد حسن الأمين لدفعنا بداية وببساطة كاملة أيّ دافع تربوي علمي في نشأته للعصبية الجاهلية، أو الانحياز الأعمى؛ فهو ابن المرحوم العلاّمة السيّد محسن الأمين المرجعُ الديني والمصلحُ الكبير الذي تعرَّض للنقد الظالم والقاسي من داخل المؤسسة العلمية الشيعية على أمور لا تمس العقيدة الصافية، وتعرَّض هو للمستعمر الفرنسي الذي حاول جرّ الشيعة ليكونوا أقلية في الحياة السياسية السورية، فرفض ذلك معتبراً أيّ نائب مسلم سنّي سوري يمثّل المسلمين كُلَّهم. ومن تربّى في حِجر شخصية عظيمة كهذه والتزم مسلكها، ليس له مبرّر للجهالة.
إنَّ القراءة المتأنية لكتابات المرحوم السيّد حسن الأمين تجعلنا مطمئنين عند وصفه بأنّه من مؤسسي منهج إعادة كتابة تاريخ الأمّة الإسلامية بشمولية واتساع، وتحضرُ فيه أطرافُ الأمّة وصُنّاعُ مجدها دون استثناء أو تغييب أو طرد، وهي الميزة التي اتّسمت بها حركته التأريخية. فخلط البعضُ أمامها في وصفه، لأنّهم خلَطوا بين أن يصب الرجل كلّ طاقته الفكرية والعملية لاستنطاق التاريخ وإظهار دور قومه في حياة الإسلام بل ودور من لا يَرضى عقيدتَهم أحياناً، وبين العصبية الجاهلية من جهة، ولم يلتفتوا من جهة أخرى إلى الإيجابية العظيمة في التوسعة التي قدّمها لمجال الرؤية الجديدة لتاريخ الأمّة حتّى في من وما لا نرضى عنه أو نرضاه في حياتنا الاجتماعية والفكرية. وقد شكّل جهدُه المشكور هذا مرجعية إسلامية للأبحاث التاريخية بدلاً من الاتكاء على جهود المستشرقين التي لم تخلُ من عجز في الفهم، أو غرضٍ سياسي.
من هذا المدخل في دفع الإشكالية حول شخصية الراحل الكبير يتّضح لكم سببُ اهتمام تجمّع العلماء المسلمين في لبنان بالمشاركة في تكريم هذه الشخصية الفذّة. وثمَة نقاطٌ أخرى في مسيرته رحمه الله تجعل جهده رافداً كبيراً لمسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها.
أولاً: دفعُ سوء الظن والعصبية من ساحة الفكر والوعي، يظهر ذلك من كلامه تحت عنوان الخطوط الكبرى في التشيع في دائرة المعارف، عن موقف الدكتور حسين مؤنس من قضية تشيع ابن الأَبَّار يقول السيّد حسن الأمين:
إنّ جميع الكتّاب المصريين إلاَّ القلة القليلة يجهلون التشيع جهلاً تاماً، فيكتبون عنه ما يحسبه القارئ تعصّباً وتضليلاً في حين أنّ أولئك الكُتَّاب أبعدُ الناس عن التعصّب والانغماس فيه، ولكنّهم أخذوا في ما كتبوه عن المتعصبين أو الجهلاء.
هذا في دفع سوء الظن بالكُتَّاب من غير الشيعة، وأمّا في عدم التعصّب وفي الإنكار على الشيعة المخطئين فيوجّه الكلام إلى الدكتور محمود علي مكي:
«إنّ التشيّع ولد في العرب ونشأ وتربّى على أيديهم فكانوا أهله وحراسه وحُماته ودعاته المعتزين به، المضحين في سبيله. أمّا العصبية للعرب ولغير العرب فالتشيع فيها يطبق قول إمامه جعفر الصادق: «ليس من العصبية أن تحبّ أخاك ولكن العصبية هي أن ترى شرار قومك خيراً من خيار غيرهم».
ثانياً: الاهتمام بقضايا الأمّة الإسلاميّة والعملُ لأجلها ضمن رؤيته الإسلامية الشمولية التي خرج بها من جعل المذهب قومية وأهله أمّة منقطعة، كما فعل البعض مخطئاً بحقّ المقاومة الإسلامية في لبنان بحسبانها مقاومةً شيعية.
لقد عاشت قضية فلسطين في حياة السيّد حسن الأمين كهاجس يومي من أوّل وعيه بها مدركاً خطر الصهاينة على الإسلام والمسلمين وحملَ القضية الفلسطينية التزاماً شخصياً بتقوى وإخلاص، فقد رفض عرضاً سخياً جدّاً بمئات الليرات الذهبية ليتولّى بصفته محامياً عملية عقد بيع أراضٍ يملكها أحد الوجهاء اللبنانيين وأحد الوزراء البارزين فيما بعد إلى شركة يهودية ورجع إلى الشام كما يعبّر «على كرسي معاكس لاتجاه السير لأنّ أجرته كانت أقل من كرسي الباص العادي تاركاً السمسار النهم للمال» ولو كان هذا المال نتيجة سمسرة على أرض عربية تباع للصهاينة. وله قصيدة في سنة 1935 بعد مواجهة بين الفلسطنيين والشرطة البريطانية الداعمة لليهود:
قل لليهود الشامتين رويدَكم
عمّا قليلٍ تُنجلي الأحلامُ
يومَ الحوارث سوف ندرك ثأره
منكم وإن طالت به الأيام
وهذه الحمية لفلسطين ارتبطت بالحمية التي كانت للمرحوم والده فإثر ثورة 1936 نشرت الصحف «نداء المجتهد الأكبر» وجدّد نشره السيّد حسن الأمين فيما بعد وممّا جاء فيه: أيّها العرب أيّها المسلمون، إنّ لكم في فلسطين تراثاً، وإنّ لكم في كلّ غَوْر ونَجد وحَزنٍ وسهل منها دمٌ عُجِن به ترابها وإنّ أربعة عشر قرناً زاخراً بالمفاخر والمآثر تحدُق بكم اليوم، وأمجاداً من عَلْيَا معدٍ ونزار ترفرف أرواحها في آفاقكم تستنفر عزائكم وتستصرخ نجدتكم.
ثالثاً: التأكيد على وظيفة العلماء الإصلاحية في الحياة العامّة وقبلها في الحياة العلمية، وقد برز ذلك في متابعة الكتابات الجادّة دعماً وتشجيعاً وتصويباً، وقد جعل من نفسه مثالاً حياً على طلب العلم من المهد إلى اللحد، فقضى وهو يكتب ويُعدّ للنشر ويرد على مقالة أو مقولة ويحضّر للكتابة عن دقيقة من دقائق التاريخ، غير آبه لمقتضيات سنِ أو جسد.
رابعاً: إنّ من عرف الفقيد شخصياً أو فكرياً يكتشف فيه بَعدَ التاريخ بُعداً هاماً من أبعاد المؤرّخ له: حضارة الإسلام التي استطاع بحوارها الإيجابي مع الحضارات السابقة أن تصوغ حضارة إنسانية هو ما تحتاجه البشرية اليوم، وإنّ في ما قدمناه من حرص الراحل الكبير على توسعة مجال الرؤية التاريخية لأدقّ التفاصيل ما يكشف أهمية أن تظل الثقافات والحضارات في حال حوار وتفاعل تستحضر إنسانية بعضها لتخدم الإنسان أكرم مخلوقات الله.
خامساً: إنّ قيام صاحبي الفخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود ورئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية سماحة السيد محمد خاتمي برعاية هذا الاحتفال التكريمي يدل على بُعد المدى الذي وصلت إليه العلاقات بين الشعبين اللبناني والإيراني، وهي علاقات قديمة متصلة، كانت حياة السيّد حسن الأمين من حلقاتها القوية، وكانت وفاته فيها كذلك فلهما الشكر على هذه الرعاية.
ختاماً، لقد قدَّم السيّد الأمين للمجتمَعَيْن العربي والفارسي ومن بَعْدَهما للأمّة الإسلامية جهداً بارزاً في الكشف عن جوانب مهملةٍ من الحياة الإنسانية، نأمل أن يتم استثمارها في مسيرة النهوض التحرري والحضاري وهي رسالتنا للإنسان المعاصر.
نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لذلك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كلمة فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد محمد خاتمي ألقاها حجة الإسلام والمسلمين السيّد علي أكبر محتشمي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله ربّ العالمين والصلاة والسلام على جميع أنبياء الله والمرسلين سيّما نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.
أيّها الحفل الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يسعدني أن أكون بينكم، ممثلاً فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي لتكريم رائد كبير من روّاد الحركة الفكرية الإسلامية المعاصرة وعلماً من أعلام الأمّة، استطاع في مسيرته العلمية الغزيرة أن يحقّق أعظم الإنجازات، فكان ذلك العالم الرباني الذي يستمدّ علمه وفكره من أنوار رسالة الأنبياء وتضحيات الأولياء والصالحين، عنيت العلاّمة المؤرخ المرحوم السيّد حسن الأمين نجل المرجع العلاّمة السيّد محسن الأمين (قدس سرّه).
وحضور هذه النخبة المباركة من مختلف الطوائف والاتجاهات السياسية في هذا الاحتفال إن دلّ على شيء فإنّما يدل على مكانة هذا العالم الكبير على المستوى الوطني والإقليمي، فالعلم لا يمكن حصره في إطار محدّد والعلماء باقون ما بقي الدهر. وقد كلّفني فخامة الرئيس خاتمي بتمثيله وإلقاء كلمته التالية في هذا الحفل الكريم:
كلمة حجة الإسلام والمسلمين السيّد محتشمي

كلمة سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية الأستاذ مسعود إدريسي

أُحيي ذكرى المفكّر والباحث اللبناني المميز والفذ المرحوم العلاّمة السيّد حسن الأمين وأتقدّم بأصدق التعازي إلى أسرته الكريمة وجميع محبي العلم والفضيلة وكذلك إلى لبنان الحبيب حكومة وشعباً بالخسارة التي سببها رحيله المحزن.
كلمة سماحة الشيخ أحمد الزين
تجمّع العلماء المسلمين
كلمة سماحة السيّد مهدي الأمين عن أسرة الفقيد
لقد كان لبنان دائماً موطناً للعلم والثقافة والتطوّر وشكّل علماؤه ومفكروه الكبار نجوماً لامعة في جبين تاريخ العلوم والأبحاث في العالم الإسلامي كما اقترن اسم لبنان بالفكر والجهد العلمي المستمر منذ فقهاء «جبل عامل» ومحدّثيه المرموقين الأوّل، وصولاً إلى المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العاملي (قده) ونجله الكريم العلاّمة السيّد حسن الأمين.
فالشمولية والنظرة الثاقبة والإنصاف والإبداع هي من أهم الخصائص التي تميّز الجهد والاجتهاد العلميين. وهو ما اشتهرت وازدهرت به هذه الأرض بشكل خاص، وما ميَّز كبار باحثيها ومؤرخيها، المسلمين وغير المسلمين منذ القدم.
كان العلاّمة الفقيد السيّد حسن الأمين في زمرة هؤلاء العظام حيث تمكّن من إنجاز «الموسوعة الإسلامية الشيعية» واستكمال مجموعة «أعيان الشيعة» من خلال متابعة أبحاث والده القيّمة. فالموروث الثقافي الذي خلّده الأب والنجل، هذان العالمان، يدل دلالة رائعة على «العمل والالتزام» و«العشق والعقل» و«الإيمان والانصاف» وإنّي لآمل أن يساهم هذا الإنجاز الكبير في التخفيف من أحزان رحيل هذا الفقيد الجليل.
أسأل الله تعالى له علو الدرجات وللساعين على طريق العلم والبحث النجاح والتوفيق وأُجدّد تقديري للأواصر العريقة التي تربط بين الشعبين الإيراني واللبناني والصداقة الوثيقة القائمة بين حكومتيهما والتي تتجلّى في تكريم مسيرة هذه الأعلام الخالدة وليكن الله تعالى سنداً لجميع العلماء والصالحين وأصحاب الرأي.
سيد محمد خاتمي
رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية
كلمة آل الأمين ألقاها القاضي السيد مهدي الأمين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين.
والصلاة والسلام على رسوله الأمين وآله الطيبين وصحبه المنتجبين وأنبياء الله أجمعين.
أيّها الحفل الكريم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد
قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] صدق الله العليّ العظيم.
لم يكن السيّد حسن الأمين من أصحاب السلطةِ ولا الزعامةِ ولا من أربابِ السياسة إنّما كان عالماً صاحب مبدأ وعقيدة.
وليس بالأمر الجديد أن تكرم إيران الإسلام العلم والعلماء، وليست بجديدةٍ هذه العلاقةُ الطيبة، بين إيران ولبنانَ وجبل عامل بالتحديد، بل إنّ طِيبها نُسجَ على نولِ العلماء منذُ أمدٍ بعيدٍ. كان السيّد حسن الأمين واحداً من امتداداتِها الطيبة ومن المقربين لبُعد الشقة.
والسيّد حسن الأمين العالمُ العلمُ الذي ملأ حيّزاً من الوجودِ لفترةٍ ورحل بجسده، إنّما أفردَ لنفسِه مع الخالدين مكاناً علياً.
لطالما كان يردّدُ وهو في معرضِ كتابة التاريخِ أو الحديثِ عنهُ لستُ هاوياً أو مرتزقاً إنّما أكتبُ التاريخ للتأريخ.
بل كان مسكوناً بالتاريخ شغوفاً به، عَمَلاً آمنَ به وأحبَّهُ وأعطاهُ عُمرَهُ فأثمرَ نتاجاً علمياً راقياً، حاكهُ بقلمٍ ثابتٍ وأنارهُ بفكرٍ متحررٍ غيرَ متحيزٍ إلاّ لحقيقة، حتّى غدا المرجعَ الذي ينتهي إليه فصلُ الخطاب في أمور التاريخ.
فَنصبَ نفسَهُ بجدارةٍ حارساً حسناً أميناً على التاريخ.
تلك هي الوظيفة الكبرى التي تسنَمها وأحبّها دونما باقي ما مارسَ من وظائف، وتلك كانت رسالتَهُ التي كانت عليها حياتُهُ حتّى النهايات.
فقد آل على نفسهِ أن ينتصفَ لمظلومي التاريخ من الأمم والشعوبِ والأفراد والقيم. وأن يُظهرَ زَيفَ المزيفين كائناً من كانوا ومهما وصلو إليه من مكانةٍ في الدنيا والنفوس.
ولشد ما آلمه وأحزنه أن يؤول حال الأمّةِ الإسلامية التي آمن بها وأحبّها إلى هذا الدركِ وأن تصبح طريدة للعدالة الدوليةِ المزعومة.
أمّا السيد حسن الأمين الإنسان فناهيك عن كونه أستاذاً وقاضياً وأديباً ومؤرخاً وباحثاً ومقاتلاً صلباً لم يلن ولم ينثنِ في قولِ الحقِ والحقيقةِ مهما كانت قاسيةً وجارحةً ومرّة.
فقد كان إنساناً مفعماً بقيم إنسانيةٍ نقية، وسريرة بيضاءَ ناصعة قلّ نظيرُهَا قد لازمته طوال العشرينَ عاماً الأخيرة من حياتِهِ فلم أر منه إلاّ نبلاً وعفةَ نفسِ وتواضعاً جماً، وناسكاً متعبداً في محراب العلم. مترفعاً عن الانغماسِ في صغائرِ الأمورِ والقشور. وهذا ما أكسبَهُ الحبّ والمصداقية.
رحمك الله أيّها السيّد العامليُّ الألمعيُّ كأسلافِك مضيت علماً من نور.
ولا بدّ لي في هذه العجالة من أن أشكرَ المباركةَ الطيبة والحنوَ من سماحة آية الله العظمى السيّد علي الخامنئي دام ظلّه.
وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي.
على رعايتهما لهذا الحفل التكريمي وأخصُّ بالشكرِ أيضاً كلّ من ساهمَ وشاركَ في إتمامِ وإنجاحِ هذا التكريم للراحل الكبير.
لا سيّما السيّد علي أكبر محتشمي ممثلاً الرئيس السيّد محمد خاتمي.
وسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشخص سفيرها. سعادة السفير السيّد مسعود إدريسي على المبادرةِ الطيبةِ من تكريمٍ للراحل.
وكذلك القائم بأعمال سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد حميد رضا قمي لجهوده المباركة والذي حَرِصَ شخصياً على متابعةِ تشييدِ مقامِ ونصبِ الراحل السيّد حسن الأمين في شقراء والذي سترفعُ الستارةُ عنه نهارَغدٍ إن شاء الله.
وأشكر أصحابَ السماحة والفضيلةِ والغبطةِ والسيادة والسعادةِ والمعالي.
ولا بدّ من الشكر للحضور الكريم المنوّع الذي يعكسُ تواصل القيم الخالدةِ ويأتي ثمرةً طبيعيةً لتلاقي الثقافةِ وحوار الحضارات وجمعهُ أيضاً تكريم العلمِ والعلماءِ والكلمةِ السواء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تغطية خبرية لحفل التكريم في الأونيسكو
البيان الصحفي الذي أصدرته سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت وفيه ملخص عن حفل تكريم العلاّمة الأمين في الأونيسكو ـ بيروت.
جانب الأستاذ الكريم
تحية طيبة
برعاية فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً خطابياً تكريماً للعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين في قصر الأونيسكو، بمشاركة حشد كبير من المسؤولين والسياسيين والروحيين، في مقدمهم رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بمعالي الوزير نزيه بيضون، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور، رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ممثلاً بالنائب عدنان عرقجي، رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري ممثلاً بالوزير بشارة مرهج، الرئيس حسين الحسيني، الرئيس رشيد الصلح، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، مفتي الجمهورية الدكتور محمد رشيد قباني ممثلاً بالشيخ خلدون عريمط، شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ بهجت غيث ممثلاً بالقاضي نجيب مسعود، بطريرك انطاكية وسائر المشرق للطائفة المارونية الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ممثلاً بالمطران خليل أبي نادر، كاثوليكوس طائفة الأرمن الأرثوذوكس قداسة البطريرك آرام الأوّل كشيشيان ممثلاً بالمطران نوارير أشكيان، بطريرك طائفة الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام ممثلاً بالمطران سليم غزال وأمين عام حزب الله سماحة السيّد حسن نصر الله ممثلاً برئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد، العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله ممثلاً بنجله السيّد علي فضل الله، وفد تجمّع العلماء المسلمين برئاسة رئيس مجلس الأمناء سماحة الشيخ أحمد الزين وعدد كبير من السادة النواب الحاليين والوزراء والنواب السابقين، وقادة وممثلي الأجهزة العسكرية والأمنية لا سيما ممثل قائد الجيش العميد الركن مصطفى سليمان وقادة وممثلي الأحزاب الوطنية والإسلامية اللبنانية والفصائل الفلسطينية ولفيف من علماء الدين المسلمين والمسيحيين وممثلي الهيئات الديبلوماسية ورجالات الفكر والعلم وأساتذة الجامعات وأركان السفارة.
بداية ألقى سعادة السفير إدريسي كلمة رحّب فيها بالحضور معتبراً رعاية فخامة الرئيس العماد إميل لحود وفخامة الرئيس السيّد محمد خاتمي للمناسبة نتيجة قناعة مشتركة بتكريم أهل العلم والقلم الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسانية وتطورها، وتأكيداً على عمق الروابط التي تربط بلدينا إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة وأنّ الثقافة والفكر هما أساس تلاقي الشعوب والأمم والسلاح الأمضى بمواجهة دعوات التفرقة والهيمنة.
سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان في كلمته وجّه شكره لرئيس الجمهورية العماد إميل لحود على مواقفه الوطنية والقومية، وقدّر عالياً للرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذين ما بخلوا يوماً ولا تأخّروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد وهم مستمرّون بعون الله بموازرة القضايا العادلة والمحقة في العالم كما شكر السفارة الإيرانية في بيروت على رعايتها لهذه الذكرى وبعد أن عرض لأهمية المرحوم الأمين وتركته الفكرية والعلمية الثمينة أكّد على حضور المرحوم الدائم بيننا في فكره وبحوثه وعلمه.
كلمة البطريرك صفير ألقاها المطران خليل أبي نادر أثنى فيها على مواقف المرحوم الأمين ونتاجاته الفكرية معتبراً أنّنا سنبقى ننهل منها ونتعلم أنّ عائلات لبنان هي حقاً جامعة للحوار والوفاق، وأن نبعد عن الطائفية بأنواعها والمذهبية.
كلمة تجمّع العلماء المسلمين ألقاها رئيس مجلس الأمناء في تجمّع العلماء المسلمين القاضي الشيخ أحمد الزين الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تاريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتّساع حيث كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها. معتبراً أنّ تكريمه من قبل الرئيسين لحود وخاتمي إنّما هو تأكيد على عمق ما وصلت إليه العلاقة بين الشعبين اللبناني والإيراني.
كلمة الرئيس محمد خاتمي ألقاها عضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور نرفقها لكم طياً. وأختتم الحفل بكلمة آل الأمين ألقاها السيّد مهدي الأمين.
سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية
برنامج حفل إزاحة الستار في شقرا عن ضريح المؤرخ العلاّمة السيّد حسن الأمين
ذكرى مرور أربعين يوماً على رحيل المؤرخ السيد حسن الأمين في بلدته شقراء
بتاريخ الخميس الواقع فيه 27/2/2003م الساعة العاشرة صباحاً
1 ـ تلاوة من الذكر الحكيم.
2 ـ كلمة رئيس بلدية شقرا هاشم فوعاني.
3 ـ كلمة وزير الخارجية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور كمال خرازي ألقاها السفير مسعود إدريسي.
4 ـ كلمة ممثل فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي.
5 ـ كلمة آل الفقيد.
6 ـ إزاحة الستار.
سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية
في بيروت
كلمة رئيس بلدية شقرا الأستاذ هاشم فوعاني
بسم الله الرحمن الرحيم
فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود ممثلاً بمعالي الوزير علي قانصو.
فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية سماحة السيّد محمد خاتمي ممثلاً بحجة الإسلام والمسلمين السيّد علي أكبر محتشمي.
دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ممثلاً بسعادة النائب الحاج علي خريس.
دولة رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري ممثلاً بسعادة المحافظ الأستاذ محمود المولى.
بطريرك إنطاكيا وسائر المشرق صاحب الغبطة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ممثلاً بسيادة المطران مروان صادر.
نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى المفتي العلاّمة الشيخ عبد الأمير قبلان، ممثلاً بسماحة العلاّمة السيّد علي الأمين.
سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي.
سماحة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله ممثلاً بسماحة الشيخ نبيل قاووق.
سعادة القائم بأعمال سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد حميد رضا قمي.
أيّها الحفل الكريم،
أهلاً بكم جميعاً في شقراء، البلدة العاملية التي أنجبت علماء نفخر بهم، أمثال العلاّمة المحتفى به ووالده، العلاّمة المجتهد سماحة السيّد محسن الأمين اللّذين أغنيا المكتبة العربية والإسلامية، كما أنجبت غيرهما من رجال فكر وأدب، وسياسة وأصحاب الاختصاص ورجال الأعمال.
كما أنّ هذه البلدة المجاهدة قدّمت العدد الأكبر من الشهداء الذين بذلوا أرواحهم ليكون التحرير ثمرة من ثمار المقاومة التي تجلّت في جبل عامل دماً وثقافة، فكتب النصر لها، واندحر العدو الإسرائيلي بفضل تضحياتها الجسيمة، ويكرم ما بذلته الجمهورية الإسلامية الإيرانية من عون وعطاء في هذا السبيل، فكانت الجمهورية الإسلامية وسوريا الأسذ خير سند لنا في الصمود والتحرير.
وما تكريمُ العلاّمة المؤرّخ السيّد حسن الأمين في هذا اليوم، إلاّ آية من آيات هذا البذل. وصفحة ناصحةً نقرأُ فيها تقديرَ الجمهورية الإسلامية للمفكر المحتفى به ولبلدته وللبنان.
لذلك نُجدّد الترحيب بكم، كما نجدّد الشكر لكم على ما قدمتموه لهذا البلد ماضٍ وحاضراً.
والسلام عليكم
كلمة معالي وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد كمال خرازي ألقاها سعادة السفير مسعود إدريسي في حفل إزاحة الستار عن ضريح المؤرّخ السيّد حسن الأمين في مسقط رأسه بلدة شقرا.
بسم الله الرحمن الرحيم
فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود ممثلاً بمعالي الوزير علي قانصو.
فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية سماحة السيّد محمد خاتمي ممثلاً بحجة الإسلام والمسلمين السيّد علي أكبر محتشمي.
دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ممثلاً بسعادة النائب الحاج علي خريس.
دولة رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري ممثلاً بسعادة المحافظ الأستاذ محمود المولى.
نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى المفتي العلاّمة الشيخ عبد الأمير قبلان.
السادة أصحاب السماحة والسيادة والسعادة…
أهالي بلدة شقرا، أيّها الحفل الكريم.
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.
بين إيران وجبل عامل أكثر من حكاية.
حكايا نابعة من القلب والوجدان تختزن حبّاً وتقديراً واحتراماً لهذه الأرض العاملية المباركة التي يجمعنا بها تاريخ عميق من هذا الودّ القائم على العلم والمعرفة والدين…
جبل عامل منذ كان… منبت للعلم والأدب والفكر الذي أضاء بنوره أرجاء شتّى من هذا العالم…
وجبل عامل اليوم حاضرة لبنانية سجّل التاريخ عنه بفخر أنّه حطّم أسطورة الغزاة الصهاينة فخرجوا من أرضه المباركة يجرّون أذيال العار والاندحار بفضل مقاومة شريفة ووحدة وطنية رائعة…
أيّها السادة…
نجتمع في شقرا العاملية في حفل إزاحة الستار عن ضريح عالم من علماء هذه الأرض الطيبة العلاّمة المؤرّخ السيّد حسن الأمين وبرعاية مشكورة من فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي…
في بادرةٍ تؤكد عمق ما يربط إيران ولبنان فرحيل العالم الفقيد السيّد حسن الأمين ليس خسارة للبنان فحسب بل لإيران أيضاً وللعالم الإسلامي وعندما نكرّمه إنمّا نكرّم عالماً إيرانياً لأنّنا أمّة واحدة واسمحوا لي بأن أتلو عليكم نص رسالة معالي وزير الخارجية الإيرانية السيّد كمال خرازي لهذا الحفل المبارك…
البيان الصحفي الذي أصدرته سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفيه ملخص عن حفل إزاحة الستار عن ضريح المؤرّخ السيّد حسن الأمين في بلدة شقراء
باسمه تعالى
برعاية فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً تكريمياً للمؤرخ الراحل السيّد حسن الأمين في بلدته شقراء ـ قضاء بنت جبيل ـ تمّ خلاله إزاحة الستار عن ضريح العلاّمة الأمين بحضور معالي وزير العمل علي قانصو ممثلاً رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، عضو مجلس الشورى الإيراني السيّد علي أكبر محتشمي بور ممثلاً رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، النائب علي خريس ممثلاً رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، محافظ مدينة النبطية محمود المولى ممثلاً رئيس الحكومة الأستاذ رفيق الحريري، والشيخ نبيل قاووق ممثلاً الأمين العام لحزب الله سماحة السيّد حسن نصرالله، السيّد علي الأمين ممثلاً نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، المطران مارون صادر ممثلاً البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، ورئيس مجلس الأمناء في تجمّع العلماء المسلمين القاضي الشيخ أحمد الزين وعائلة الفقيد وشخصيات وفعاليات.
استهلّ الاحتفال بآيات بيّنات من القرآن الكريم، ثمّ عزف النشيدين اللبناني والإيراني ثمّ ألقى سعادة السفير إدريسي كلمة، شكر فيها رعاية رئيسي الجمهورية اللبنانية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لهذا الحفل، واعتبر أنّ هذه البادرة تؤكد عمق ما يربط إيران ولبنان، وقال إنّ رحيل العلاّمة الأمين ليس خسارة للبنان فحسب بل لإيران أيضاً والعالم الإسلامي وعندما نكرّمه إنّما نكرّم عالماً إيرانياً أيضاً لأنّنا أمّة واحدة.
ثمّ تلا سعادة السفير إدريسي برقية وردت من وزير الخارجية الإيراني د. كمال خرازي.
وألقى السيّد محتشمي كلمة أشار فيها إلى أنّ السيّد الأمين أمضى حياة حافلة بالبذل والعطاء وكرّس عمره في خدمة العلم بحثاً وكتابة وتأليفاً، سابراً أغوار التاريخ، مبيناً حقائقه لتكون معالم ساطعة تنبض بالحقيقة العلمية المضيئة للحاضر والمستقبل. وقال لقد أكّد العلاّمة الأمين وأمثاله من العلماء الكبار بأنّ العلم المستند إلى الحقيقة الإيمانية الإلهية هو السبيل لمواجهة الغزو الإستكباري وفضح مخططاته وطرده من عالمنا الإسلامي… أفليس فعل الجهاد والمقاومة في لبنان الذي هزم ولأوّل مرّة العدو الصهيوني هو النتاج الحقيقي لجهاد هؤلاء العلماء ومدرستهم الحسينية التي جسّدها في هذا العصر الإمام روح الله الموسوي الخميني رضوان الله تعالى عليه الذي كان يفتخر بلبنان والشبان اللبنانيين المجاهدين الذين وصفهم بأنّهم مدعاة فخر الأمّة الإسلامية لعظيم جهادهم في هذه الأرض العاملية المباركة في مواجهة العدو الصهيوني وحماته المستكبرين.
الجدير ذكره أنّ رئيس بلدية شقرا كان ألقى كلمة في بداية الحفل رحّب فيها بالحاضرين باسمه وباسم أهالي البلدة واختتم الحفل بكلمة آل الأمين.
سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية
برحيل العلاّمة الجليل المرحوم السيّد حسن الأمين فقد العالم الإسلامي أحد أهم مواقع الاتزان على مستوى التطوّر العلمي. تلك الشخصية الفذّة التي نذرت حياتها الكريمة للبحث والتحقيق وخلّفت مؤلفات قيّمة لا بدّ أنّها ستبقى مرجعاً حيوياً ينهل منه الباحثون ويسترشد به كلّ من ينحى منحى إسلامياً وينتهج نهجاً إلهياً.

ذكرى مرور أربعين يوماً على رحيل المؤرخ السيّد حسن الأمين في بلدته شقراء
فمنذ الماضي البعيد وأعداء الإسلام يسعون إلى حجب الإشعاع الإلهي من خلال الدسّ في التاريخ والعقيدة الإسلامية وإلى إثارة الخلافات وزرع الفتن داخل المجتمعات الإسلامية من خلال
تأليب الطوائف الإسلامية ضد بعضها البعض ممّا استلزم التصدّي لهذا الدس والتزوير وهكذا كان حين انبرى نفر من أهل العلم يتميز برؤية واضحة وشفافة لا تشوبها شائبة فأخذ على عاتقه مهمة توضيح الحقائق أمام الملأ عبر التمحيص العلمي الدقيق وبالأدلة القاطعة التي لا يرقى إليها الشك. فالابن سر أبيه. فكما الحال بالنسبة لوالده الفاضل المغفور له سماحة آية الله السيّد محسن الأمين، فقد كان السيّد حسن الأمين من بين الذين هالهم ما رأوه من تزوير للحقائق ومن خلافات في الرأي فاستطاع بتحقيقاته العلمية التي دامت عقوداً من الزمن نفض غبار التزوير والتحوير عن الجسم الإسلامي الطاهر وإضاءة بعض الجوانب المظلمة من التاريخ وإظهارها للملأ. فحازت تجربته هذه لا سيما في مجال تفنيد التهم والافتراءات المنسوبة لشيعة أهل بيت العصمة والطهارة على الاهتمام والإعجاب الكبيرين.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى عشرات المؤلفات التي خلفها المرحوم بينها بل وأهمها موسوعة «أعيان الشيعة» التي باشر بتأليفها الأمين الأب وأنجزها الأمين الابن وكذلك دائرة المعارف الإسلامية الشيعية حيث لا يمكن لأي باحث في التاريخ والفكر والمعتقدات الإسلامية الاستغناء عن هاتين الموسوعتين في مجال الأبحاث.
وانطلاقاً من الأهمية التي توليها وزارة الخارجية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية للوحدة بين المسلمين ولتشجيع التحقيقات والأبحاث العلمية فقد بادرت هذه الوزارة بتوفيق من الله إلى طبع ونشر دائرة المعارف هذه التي تعدّ حصيلة سنوات من الجهد العلمي الذي بذله المرحوم السيّد حسن الأمين. عسى أن يحظى هذا المسعى برضى الله ويشكل إسهاماً متواضعاً يخدم مجتمعنا الإسلامي الكبير ولا سيما الباحثين عن العلم والمهتمين.
أسأل الله تعالى أن يسكن الفقيد فسيح جناته ويمنحه علو الدرجات.
سيد كمال خرازي
وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية
كلمة ممثل فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية حجة الإسلام والمسلمين السيّد علي أكبر محتشمي في حفل إزاحة الستار عن ضريح المؤرخ السيّد حسن الأمين في بلدة شقراء العاملية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله محمد وعلى آله الطلهرين وصحبه المنتجبين.
فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود ممثلاً بمعالي الوزير علي قانصو.
فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية سماحة السيّد محمد خاتمي ممثلاً بحجة الإسلام والمسلمين السيّد علي أكبر محتشمي.
دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ممثلاً بسعادة النائب الحاج علي خريس.
دولة رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري ممثلاً بسعادة المحافظ الأستاذ محمود المولى.
أصحاب الفضيلةِ والسماحةِ والسعادة ـ قيادتا حزب الله وحركة أمل.
السادة آل الأمين، أهالي بلدة شَقرا الكرام.
أيّها الحفلُ الكريم… السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

كلمة سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في ذكرى أربعين المؤرّخ الكبير حسن الأمين في شقراء
كلمة حجّة الإسلام والمسلمين سماحة السيّد محتشمي في ذكرى أربعين المؤرخ الكبير حسن الأمين في شقراء
يُسعِدني أنْ أكونَ بينكم مُمَثّلاً لِفخامةِ رئيسِ الجمهورية الإسلامية الإيرانية سَماحةِ السيّد محمد خاتمي في حفلِ إزاحةِ السِّتار عن ضَريحِ العلاّمة المُؤرّخ السيّد حسن الأمين الذي أمضى حياةً حافِلَةً بِالبذلِ والعطاء مُكرِّساً عمرَه في خدمةِ العلمِ بحثاً وكتابةً وتأليفاً، سابراً غَورَ التاريخ، مُبيِّناً حقائِقه لِتَكونَ مَعالمَ ساطعةً تنبُضُ بالحقيقةِ العلميةِ المُضيئَة للحاضرِ والمستقبلِ… ولِيكونَ العِلمُ والمعرفةُ أَساسَ تواصلِ هذهِ الأمةِ بمُختلَفِ أقطارها واتّجاهاتِها. فَبِه تُرْسَمُ مَعالِمُ حَضارتِها بَيْنَ الأمم لِتعودَ بِعِلْمها وعلمائِها ورجالاتِهَا الكبار مِن أمثالِ العلاّمةِ الفقيد أمةً حيّةً محترمةً مُهابَةً، لها مكانتُها ودورُها في هذا العالمَ الذي يُمْعِنُ مستكبروه فيهِ تقسيماً وشَرذَمَةً في سبيلِ استمرارِ استلاب ثَرَواتِهِ والهيمنةِ على مُقدّراتِهِ الإنسانيةِ والماديّة بعناوينَ مختلفةٍ ليس لها إلاّ هدفٌ واحد هو إخضاعُ هذه الأمّةِ وجَعْلُها أمّةً مستهلكةً لا إرادة لها في حياتِها ومُقدِّراتِها ومستقبلِ أبنائها…
أيّها السادة… أَمام هذا الواقع تَسطَعُ حقيقةٌ واحدة سَطَّرها العلاّمة السيّد حسنُ الأمين وأمثالُهُ مِنَ العلماء الكبار بأنَّ العِلْمَ المستَنِدَ إلى الحقيقةِ الإيمانيةِ الإلهية هو السبيل لِمُواجَهَةِ الغزوِ الاستكباري وفَضْحِ مخطّطاته وطرده من عالَمِنا الإسلامي… فالأُمَّةُ الواعيةُ المتنوّرةُ لا سبيل لأعدائها عليها… لأنّها أُمّةٌ قائمةٌ على حضارةٍ عريقةٍ وتاريخ مجيد كَتبهُ بأحرفِ نورٍ الأنبياءُ والأئمة والأولياءُ والعلماءُ والشهداء الذين كانوا الحجة والدليلَ لأمةٍ كانت خيرَ أمةٍ أُنزلَتْ لِلناس تَأمرُ بالمعروف وتنهى عن المنكر…
أيّها الحفلُ الكريم…
أَمامَ هذه الروضةِ المباركة التي تَحوِي جسدَ العلاّمة السيّد حسن الأمين ورفاتَ العديدِ من العلماءِ والمجاهدين في هذهِ القريةِ العامليّة شَقرا التي أضحت منارةً مُضيئةً في جَبينِ التاريخ، كيفَ لا وهِيَ موطنٌ للعِلم والعلماء وعلى مَدار تاريخها النَّجيب نَذْكرُها باعتزازٍ وفَخر لأنَّها أَمَدَّتْ الأمّة برجالاتٍ عِظام مِنْ أَمثالِ العلاّمةِ الكبير آية الله السيّد محسنِ الأمين ونِجْلِه المؤرّخ السّد حسن الأمين… وهذا دائماً عادةُ هذهِ الأرض الطيبة من جبل عامل منذُ الشهيد الأوّل لا تُنبتُ إلاّ وَرْداً عَطِراً فَوّاحاً بِالعلمِ والجهادِ والعطاء…
أفليس فَعْلُ الجهادِ والمقاومةِ في لبنان الذي هَزَمَ ولأَوَّلِ مَرَّةٍ العدوَّ الصهيوني هو النِتاجُ الحقيقي لِجَهادِ هؤلاءِ العلماء ومدرَستِهم الحسينية التي جَسَّدها في هذا العصر الإمام روح الله الموسوي الخميني رضوان الله تعالى عليه الذي كان يفتخر بلبنان والشبان اللبنانيينَ المجاهدين الذين وَصَفَهم بأنّهم مدعاةُ فخرِ الأمّةِ الإسلامية لِعظيم جهادِهم في هذهِ الأرضِ العامليةِ المباركة في مواجهةِ العدوِّ الصهيوني وحُماتِهِ المستكبرين.
… انطلاقاً ممّا تقدّم فَإنَّنا في إيرانَ نَكنُّ عظيمَ المحبةِ والمودةِ للبنان حكومةً وشعباً ومقاومةً مؤكّدينَ على عُمقِ العلاقاتِ والروابطِ التاريخية التي تَربُطُ بينَ إيران ولبنان والتي كانَ لِعُلماءِ جبلِ عامل الفضل في تعزيزها وتوثيق أواصرِ عُراها…
في الختام: إنّنا وفي هذا الحفلِ التكريمي لإزاحةِ السّتار عن ضريحِ العلاّمةِ المؤرّخ السيّد حسنِ الأمين يكتَسي هذا التكريم الكثيرَ مِنَ المعاني والدلالات أبرزُها أنّنا نكرّمُ عقلاً وروحاً ما نطقت إلاّ عِلماً وأدباً وفكراً سيَظلُّ محفوراً خالداً في ضميرِ الأمّةِ وتاريخِها فالأمّةُ التي تُكرّمُ رجالاتِها العظماء هي أمّةٌ حيّةٌ لا تَموتْ…
باسمِ رئيسِ الجمهوريةِ الإسلاميّة الإيرانية السيّد محمد خاتمي الَّذي شرّفني لأمَثّلَهُ في هذا الحفلِ المبارك ولأَنْقُلَ تحيّاتهِ وسلامَه إليكم فرداً فرداً والّذي عبَّر عن إيمانه بأنّ لبنانَ كانَ دائماً موطناً لِلعِلم والثقافةِ والتطوّر وشكّلَ علماؤُه ومفكِّرُوهُ نجوماً لامعةً في جبينِ تاريخِ العلومِ والأبحاثِ في العالمِ الإسلامي كمَا اقْتَرَنَ اسْمُ لبنانَ بالفكر والجُهدِ العلميّ المستمرّ منذ فقهاءِ جبل عامل ومُحَدّثيهِ المرموقينِ الأُوَّل… وصولاً إلى المرحوم آيةِ الله السيّد محسن الأمين العاملي قدّس سرّه ونجلِهِ الكريم العلاّمة السيّد حسن الأمين.
لِلفقيدِ الراحل الرحمةُ والرضوانُ وعلو الدرجات.
وللسادة آلِ الأمين…
ولِشَقراء وجبلِ عامل ولبنان دوامُ العزّة والسُّؤددُ.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جانب من الحضور في ذكرى أربعين المؤرخ السيّد حسن الأمين
كلمة الأستاذ هاشم فوعاني رئيس بلدية شقراء

ضريح المؤرخ السيّد حسن الأمين الذي شيّدته سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان
الصحافة اللبنانية وتغطيتها لاحتفالات
تكريم العلاّمة المؤرخ حسن الأمين
جريدة المستقبل
الخميس 27/2/2003م ـ 26 ذو الحجة 1423هـ
السفارة الإيرانية تكرّم الراحل حسن الأمين
محتشمي: أحد الكبار الذين تميّز بهم لبنان
كرمّت سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان المؤرّخ الراحل السيّد حسن الأمين، في احتفال أقامته أمس في قصر الأونيسكو، حضره الوزير نزيه بيضون ممثلاً رئيس الجمهورية، النائب عدنان عرقجي ممثلاً رئيس مجلس النواب، الوزير بشارة مرهج ممثلاً رئيس الوزراء، السيّد علي أكبر محتشمي ممثلاً رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، الرئيسان رشيد الصلح وحسين الحسيني، النواب: محمد فنيش، محمد برجاوي، مروان فارس، علي الخليل، أنور الخليل، محمد رعد ممثلاً الأمين العام لحزب الله، السفير الإيراني مسعود إدريسي، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، عبد الأمير قبلان، الشيخ خلدون عريمط ممثلاً مفتي الجمهورية، المطران خليل أبي نادر ممثلاً البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، القاضي نجيب مسعود ممثلاً شيخ عقل الطائفة الدرزية، رئيس مجلس الأمناء في تجمّع العلماء المسلمين الشيخ أحمد الزين، وحشد من الفاعليات الدينية والسياسية والمهتمين.
استهلالاً آي من الذكر الحكيم، ثمّ النشيدان اللبناني والإيراني، وكلمة ترحيب لـ إدريسي اعتبر فيها أنّ هذه الندوة هي «تأكيد لحقيقة مشتركة من إيران ولبنان حول أهمية تكريم أهل العلم والأدباء والفكر من العلماء الذين جعلوا حياتهم وسيلة لخدمة الإنسان وتطوّره، وتأكيد أيضاً لعمق ما يربط إيران بلبنان دولة وشعباً وثقافة»، لافتاً إلى «أنّ الفكر والعلم من أهم أسس التلاقي بين الشعوب والعلم هو السلاح الأمضى في مواجهة كلّ محولات التفرقة».
محتشمي
وألقى محتشمي كلمة خاتمي، فأكد أنّ «لبنان موطن للعلم والثقافة والتطوّر وشكّل علماؤه ومفكّروه الكبار نجوماً لامعة في جبين تاريخ العلوم والأبحاث في العالم الإسلامي، كما اقترن اسم لبنان بالفكر والجهد العلمي الدؤوب ابتداء من فقهاء جبل عامل ومحدّثيه المرموقين، وصولاً إلى المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العاملي ونجله الكريم العلاّمة المرحوم السيّد حسن الأمين». واعتبر أنّ «الشمولية والنظرة الثاقبة والانصاف والإبداع هي من أهم الخصائص التي تميّز الجهد والاجتهاد العلميين، وهو ما اشتهرت وازدهرت به هذه الأرض بشكل خاص، وما يميّز كبار باحثيها ومؤرخيها، المسلمين وغير المسلمين منذ القدم».
وتابع: «كان العلاّمة الفقيد في زمرة هؤلاء العظام حيث تمكّن من إنجاز «الموسوعة الإسلامية الشيعية» واستكمال مجموعة «أعيان الشيعة» من خلال متابعة أبحاث والده القيّمة. فالميراث الثقافي الذي خلّده الأب والنجل، هذان العالمان، يدل دلالة رائعة على «العمل والالتزام» و«العشق والعقل» و«الإيمان والإنصاف»، وإنّي لآمل أن يساهم هذا الإنجاز الكبير في التخفيف من أحزان رحيل هذا الفقيد الجليل».


قبلان
إزاحة الستار عن ضريح المؤرخ السيّد حسن الأمين
ورأى قبلان في كلمته أنّ «الخسارة الكبيرة لم تقع على آل الأمين الكرام فحسب وإنّما أصابتنا جميعاً، وبالخصوص أولئك الذين شاركوا المغفور له ميدان الفكر والمعرفة». وأثنى على «صفات الراحل العصامي، الذي لم يطلب من أحد الوظيفة ولا المال، ابتعد عن اللعب بأمور الناس، ورفض السلطة وكان من الأشخاص الذين لم يسيّسوا الأحكام وهو في منصب القضاء، وقدّم استقالته من المحكمة حتّى لا يعتبر مرتهناً ومضغوطاً عليه في تغيير مجرى الحكم».
أضاف «أعطى حيزاً واسعاً من حياته وكتاباته للكفاح ضد الصهيونية، فكان يرى إسرائيل دخيلة على الوطن العربي كلّه، وأنّ المشروع الصهيوني الذي أوجده الانتداب داخل وطننا العربي يمثّل حصان طروادة».
وأكد أنّ الحاجة ملحّة إزاء ما يجري الآن لأن ندرس تاريخنا جيّداً، ونعود إلى تراثنا العظيم كي نتمكن من مواجهة هذه الهجمة الشرسة التي تقودها إدارة أميركية شريرة فاسدة، تخطط لغزو العراق ووضع اليد على قدرات وثروات أمتنا العربية والإسلامية»، داعياً «الأشقاء والأصدقاء وكلّ الذين يمتلكون الحسّ الإنساني والإسلامي والأخلاقي والتحرري في العالم، إلى أن يقفوا بثبات في وجه هذا التحدي الخطير، وأنّ يتكافلوا ويتضامنوا لمنع وقوع الحرب التي وإن وقعت لا سمح الله، ستدخل منطقتنا العربية والإسلامية في متاهات خطيرة».
أبي نادر
وأشار أبي نادر في كلمة ألقاها نيابة عن صفير، إلى أنّ المؤرخ السيّد حسن الأمين قد ترك لنا وللأجيال الآتية في كتاباته التي تفوق الحصر، طريق العبور إلى حضارة ترسم لكلّ جماعة ما تبتغيه في أدب الحياة وفي عالمنا العربي، على الرغم من الدخيلة عليه إسرائيل همّنا اليومي المشترك منذ وعد بلفور».
أضاف «اليوم لنا من السيدين حسن ومحسن الأمين البركة والمثل والعبرة الشاهدة، بعد حرب ربع قرن على أرضنا المقدّسة الحزينة من كلّ لبنان، وكنّا في منتهى الألم. فما تُرى تكون رسالتكما لنا؟ جوابكما بالروح نتنوّره: أن ابتعدوا عن الطائفية بأنواعها والمذهبية بأنواعها ما كانت. فإن هي إلاّ تضليل في وطن أصبح مُختلف الوجوه، متعدّد النزعات، متفاوت المسؤوليات والأنظار إلى كلّ رؤية وطنية ووجه. والسبب في ذلك هو الطائفة والطائفية. فهي التي قسّمت وباعدت وفرّقت، وفوق كلّ شيء، هي التي فتحت الحدود لكلّ غريب فدمّرت وقتلت، وكان بها الانقسام المميت في الوطن الواحد».
الزين
واعتبر الشيخ أحمد الزين في كلمة لتجمّع العلماء المسلمين، أنّ هذا التكريم هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تأريخ للأفكار والأحداث ولئن التصق اسم الرجل الكبير بالتشيّع والدفاع عنه بل أحياناً بالهجوم على بعض المؤرخين أو الشخصيات التاريخية، فإنّه من الظلم للسيّد حسن الأمين اعتبار موضوع هجومه أو دفاعه هو الطرف المقابل للشيعة في تاريخ الإسلام وهم أهل السنّة، بل إنّنا نعدّ ذلك ظلماً للسنّة وأهل السنّة».
ولفت إلى أنّ «القراءة المتأنية لكتابات المرحوم الأمين، تجعلنا مطمئنين عند وصفه بأنّه من مؤسسي منهج إعادة كتابة تاريخ الأمّة الإسلامية بشمولية واتّساع، تحضّر فيه أطراف الأمّة وصُنّاع مجدها من دون استثناء أو تغييب أو طرد، وهي الميزة التي اتّسمت بها حركته التاريخية».
آل الفقيد
ثمّ ألقى السيّد مهدي الأمين كلمة آل الفقيد، أثنى فيها على «مزايا الراحل الذي لم يكن من أصحاب السلطة ولا الزعامة ولا من أرباب السياسة، إنّما كان عالماً صاحب مبدأ وعقيدة».
واعتبر أنّه «ليس بالأمر الجديد أن تكرّم إيران العلم والعلماء، وليست بجديدة هذه العلاقة الطيّبة بين إيران ولبنان وجبل عامل بالتحديد، بل إنّ طيبها نُسج على نول العلماء منذ أمد بعيد، وكان السيّد الأمين واحداً من امتداداتها الطيّبة والمقرّبين لبعد الشقّة».
جريدة الأنوار
الخميس 27/2/2003 العدد 14990
برعاية الرئيسين لحود وخاتمي وحضور سياسي وديني
احتفال تكريمي للعلاّمة الراحل حسن الأمين
كتب محمد خليل السباعي:
أقامت سفارة الجمهورية الإيرانية في بيروت احتفالاً تكريمياً للعلاّمة المؤرخ الراحل السيّد حسن الأمين، برعاية رئيس الجمهورية العماد أميل لحود، ممثلاً بوزير الدولة نزيه بيضون، ورئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإيراني السيّد علي أكبر محتشمي، بعد ظهر أمس في قصر الأونيسكو.
وحضر الاحتفال النائب عدنان عرقجي ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه بري، وزير الدولة بشارة مرهج ممثلاً رئيس الحكومية رفيق الحريري والرئيس حسين الحسيني، والنواب: علي الخليل، أنور الخليل، محمد فنيش، مروان فارس، عبدالله قصير، نزيه منصور، قاسم هاشم وعباس هاشم.
كما حضر أيضاً نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، والشيخ خلدون عريمط ممثلاً مفتي الجمهورية الشيخ الدكتور محمد رشيد راغب قباني، والمطران خليل أبي نادر ممثلاً البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، والشيخ القاضي نجيب مسعود ممثلاً شيخ عقل الطائفة الدرزية بهجت غيث، والنائب محمد رعد ممثلاً أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله.
بداية الافتتاح بالنشيدين الوطني اللبناني والإيراني، ثمّ آيات من القرآن الكريم تلاها الشيخ سلمان الخليل، ثمّ قدم الشاعر عباس فتوني، ثمّ تحدّث سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان مسعود إدريسي كرمنشاهي فقال: إن حفل التكريم برعاية الرئيسين لحود وخاتمي، هو تأكيد لاقتناع مشترك لتكريم أهل العلم والفكر العباقرة الذين حملوا دينهم ودنياهم، لخدمة العلم وتطوّره، وتأكيداً على عمق الروابط بين إيران ولبنان دولة وشعباً ومقاومة وحكومة، وكلّ هذا يشير إلى أنّ الثقافة والفكر هما أساس التلاقي بين الشعوب والأمم والسلاح الأمضى لمواجهة سبل التفرقة والهيمنة.
قبلان
ثمّ تحدّث المفتي قبلان فقال: في حفل تكريم السيّد حسن الأمين، ندخل في حضرة هذه الأسرة العلمية العاملية لآل الأمين التي انتصر فيها روح النقد الجاد والرصين، وتحدّث عن حياة صاحب الذكرى وعطاءاته وقال: من صفات حسن الأمين أنّه عصامي، لم يطلب من أحد الوظيفة ولا المال، ابتعد عن اللعب بأمور الناس، رفض السلطة، وكان من الأشخاص الذين لم يسيسوا الأحكام، وهو في منصب القضاء، وقدّم استقالته من المحكمة، حتّى لا يعتبر مرتهناً ومضغوطاً عليه في تغيير مجرى الحكم، كان بسيطاً في تعامله مع الناس، متواضعاً عاش زمنه في البحث والمطالعة والكتابة، رفض الهيمنة والتسلّط والانحراف والظلم، وأعطى حيزاً واسعاً من حياته وكتاباته للكفاح ضد الصهيونية، فكان يرى إسرائيل دخيلة على الوطن العربي كلّه، وأنّ المشروع الصهيوني الذي أوجده الانتداب داخل وطننا العربي يمثّل حصان طروادة لزعزعة كياناتنا وإثارة عدم الاستقرار فيها، وإبقائها تحت رحمة أصحاب الأهداف الاستعمارية.
صفير
ثمّ تلا المطران أبي نادر كلمة البطريرك صفير وجاء فيها: إنّ العلاّمة الراحل المؤرخ السيّد حسن الأمين، من كبار رجال أهل القلم والفكر في لبنان وفي عالمنا العربي.
هو الآن، برفقة أبيه السيّد محسن الأمين المرجع الأكبر، في حضن إبراهيم في الجنة، لدى الله الصمد، لإيمانه، لإنسانيته، لأخلاقه، لعلمه الجامع الرفيع، بضميرنا الديني والوطني سنتأمل، اليوم وغداً، في جهاده غير المحدود، فكراً وتاريخاً إسلامياً. وقد ترك لنا وللأجيال الآتية، في كتاباته التي تفوق الحصر، طريق العبور إلى حضارة ترسم لكلّ جماعة ما تبتغيه في أدب الحياة وفي عالمنا العربي، بالرغم من الدخيلة عليه إسرائيل، همّنا اليومي المشترك منذ وعد بلفور وما إليه. أين أنتم، يا عرب، في جامعتكم، في رؤيتكم لحاضر هش وواهن ولمستقبل مجهول طالما لا وحدة عربية في نظر واضح، على مشهد من دول العالم.
كلمات السيد حسن كانت دائماً، وستبقى لنا في ذكراه، للوحدة العربية، قولاً وعملاً لثورة ناشطة كالثورة الفرنسية في التاريخ. وكان دائماً المؤرخ الملهم، شاعراً أديباً، رجل فكر وخبر، ومنجزاً دائرة المعارف الإسلامية الشيعية بمجلداتها الخمسة والعشرين. كما لنا بقلمه السيال سيرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، قادة المسلمين تاريخاً وثقافة وفكراً وتطلعات لحاضر ومستقبل، بروح قرآن كريم. وبروحهم، وبالاعتماد على النفس، لنا النضال ضد كلّ مستعمر من سايكس بيكو وجغرافيته إلى كلّ غريب على أرضنا العربية نريدها، كما السيّد حسن حرّة جامعة.
خاتمي
ثمّ تلا السيّد محتشمي كلمة الرئيس الإيراني خاتمي وجاء فيها: أحيي ذكرى رحيل المفكّر والباحث اللبناني الفذّ المرحوم العلاّمة السيّد حسن الأمين وأتقدّم بأصدق التعازي إلى أسرته الكريمة وجميع محبي العلم والفضيلة وكذلك إلى لبنان الحبيب حكومة وشعباً بالخسارة التي سببها رحيله المحزن.
فقد ظلّ لبنان موطناً للعلم والثقافة والتطور وشكل علماؤه ومفكروه الكبار نجوماً لامعة في جبين تاريخ العلوم والأبحاث في العالم الإسلامي كما اقترن اسم لبنان بالفكر والجهد العلمي الدؤوب ابتداءً من فقهاء «جبل عامل» ومحدّثيه المرموقين، وصولاً إلى المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العاملي (قده) ونجله الكريم العلاّمة المرحوم السيّد حسن الأمين.
فالشمولية والنظرة الثاقبة والإنصاف والإبداع هي من أهم الخصائص التي تميز الجهد والاجتهاد العلميّين، وهو ما اشتهرت وازدهرت به هذه الأرض بشكل خاص، وما ميَّز كبار باحثيها ومؤرخيها، المسلمين وغير المسلمين منذ القدم.
كان العلاّمة الفقيد السيّد حسن الأمين في زمرة هؤلاء العظام حيث تمكّن من إنجاز الموسوعة الإسلامية الشيعية واستكمال مجموعة «أعيان الشيعة» من خلال متابعة أبحاث والده القيّمة. فالميراث الثقافي الذي خلّده الأب والنجل، هذان العالمان، يدل دلالة رائعة على «العمل والالتزام» و«العشق والعقل» و«الإيمان والإنصاف» وإنّي لآمل أن يساهم هذا الإنجاز الكبير في التخفيف من أحزان رحيل هذا الفقيد الجليل.
الزين
ثمّ تحدّث رئيس مجلس الأمناء في تجمّع العلماء المسلمين وقاضي «شرع صيدا» الشيخ أحمد الزين فقال: إنّ من عرف الفقيد شخصياً أو فكرياً يكتشف فيه بُعد التاريخ بُعداً هاماً من أبعاد المؤرخ له: حضارة الإسلام التي استطاعت بحوارها الإيجابي مع الحضارات السابقة أن تصوغ حضارة إنسانية هو من تحتاجه البشرية اليوم، وأنّ في ما قدمناه من حرص الراحل الكبير على توسعة مجال الرؤية التاريخية لأدق التفاصيل ما يكشف أهمية أن تظل الثقافات والحضارات في حال حوار وتفاعل تستحضر إنسانية بعضها لتخدم الإنسان أكرم مخلوقات الله.
ثمّ تحدّث السيد مهدي الأمين باسم العائلة، شاكراً الرئيسين لحود وخاتمي على هذا التكريم، مثنياً على هذه المشاركة حبّاً بالراحل.
جريدة الديار
الخميس 27/2/2003م
السفارة الإيرانية كرّمت العلاّمة الأمين في الأونيسكو
برعاية رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود ورئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً خطابياً تكريماً للعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين في قصر الأونيسكو، بمشاركة عدد من المسؤولين والسياسيين والروحيين، في مقدمهم رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بالوزير نزيه بيضون، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور، رئيس مجلس النواب نبيه بري ممثلاً بالنائب عدنان عرقجي، رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري ممثلاً بالوزير بشارة مرهج، الرئيس حسين الحسيني، الرئيس رشيد الصلح نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، مفتي الجمهورية الدكتور محمد رشيد قباني ممثلاً بالشيخ خلدون عريمط، شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ بهجت غيث ممثلاً بالقاضي نجيب مسعود، بطريرك انطاكية وسائر المشرق للطائفة المارونية الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ممثلاً بالمطران خليل أبي نادر، كالثوليكوس طائفة الأرمن الأرثوذكس قداسة البطريرك آرام الأوّل كشيشيان ممثلاً بالمطران نوارير اشكيان، بطريرك طائفة الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام ممثلاً بالمطران سليم غزال وأمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله ممثلاً برئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» الحاج محمد رعد العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله ممثلاً بنجله السيّد علي فضل الله، وفد «تجمّع العلماء المسلمين» برئاسة رئيس مجلس الأمناء الشيخ أحمد الزين وعدد من النواب الحاليين والوزراء والنواب السابقين، وقادة وممثلي الأجهزة العسكرية والأمنية لا سيما ممثل قائد الجيش العميد الركن مصطفى سليمان وقادة وممثلي الأحزاب الوطنية والإسلامية اللبنانية والفصائل الفلسطينية ولفيف من علماء الدين المسلمين والمسيحيين وممثلي الهيئات الديبلوماسية ورجالات الفكر والعلم وأساتذة الجامعة وأركان السفارة.
السفير إدريسي
بداية ألقى السفير إدريسي كلمة رحّب فيها بالحضور معتبراً رعاية الرئيسين العماد إميل لحود والسيّد محمد خاتمي للمناسبة نتيجة قناعة مشتركة بتكريم أهل العلم والقلم الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسان وتطوّره، وتأكيداً على عمق الروابط التي تربط بلدينا إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة وأن الثقافة والفكر هما أساس تلاقي الشعوب والأمم والسلاح الأمضى بمواجهة دعوات التفرقة والهيمنة.
قبلان
ووجّه الشيخ عبد الأمير قبلان في كلمته شكره لرئيس الجمهورية العماد إميل لحود على مواقفه الوطنية والقومية، وقدر عالياً الرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذين ما بخلوا يوماً ولا تأخّروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد وهم مستمرون بعون الله بمؤازرة القضايا العادلة والمحقة في العالم كما شكر السفارة الإيرانية في بيروت على رعايتها لهذه الذكرى.
وبعد أنّ عرض لأهمية المرحوم الأمين وتركته الفكرية والعلمية الثمينة أكد على حضور المرحوم الدائم بيننا في فكره وبحوثه وعلمه.
كلمة خاتمي
كلمة الرئيس محمد خاتمي ألقاها عضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور فقال: «أحيي ذكرى رحيل المفكّر والباحث اللبناني الفذ المرحوم العلاّمة السيّد حسن الأمين، وأتقدّم بأصدق التعازي إلى أسرته الكريمة وجميع محبّي العلم والفضيلة وكذلك إلى لبنان الحبيب حكومة وشعباً بالخسارة التي سببها رحيله المحزن.
فقد ظلّ لبنان موطناً للعلم والثقافة والتطوّر وشكل علماؤه ومفكروه الكبار نجوماً لامعة في جبين تاريخ العلوم والأبحاث في العالم الإسلامي كما اقترن اسم لبنان بالفكر والجهد العلمي الدؤوب ابتداء من فقهاء «جبل عامل» ومحدّثيه المرموقين، وصولاً إلى المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العاملي (قده) ونجله الكريم العلاّمة المرحوم السيّد حسن الأمين.
أضاف: فالشمولية والنظرة الثاقبة والإنصاف والإبداع هي من أهم الخصائص التي تميّز الجهد والاجتهاد العلميين، وهو ما اشتهرت به وازدهرت به هذه الأرض بشكل خاص، وما ميّز كبار باحثيها ومؤرخيها، المسلمين وغير المسلمين منذ القدم.
كان العلاّمة الفقيد السيّد حسن الأمين في زمرة هؤلاء العظام حيث تمكّن من إنجاز «الموسوعة الإسلامية الشيعية» واستكمال مجموعة «أعيان الشيعة» من خلال متابعة أبحاث والده القيّمة. فالميراث الثقافي الذي خلّده الأب والنجل، هذان العالمان، يدل دلالة رائعة على «العمل والالتزام» و«العشق والعقل» و«الإيمان والإنصاف» وإنّي لآمل أن يساهم هذا الإنجاز الكبير في التخفيف من أحزان رحيل هذا الفقيد الجليل.
وختم: أسأل الله تعالى له علو الدرجات وللساعين على طريق العلم والبحث النجاح والتوفيق وأجدّد تقديري للأواصر العريقة التي تربط بين الشعبين الإيراني واللبناني والصداقة الوثيقة القائمة بين حكومتيهما والتي تتجلّى في تكريم مسيرة هذه الأعلام الخالدة وليكن الله تعالى سنداً لجميع العلماء والصالحين وأصحاب الرأي.
المطران أبي نادر
وألقى المطران أبي نادر كلمة البطريرك صفير فقال «العلاّمة الراحل المؤرّخ السيّد حسن الأمين، من كبار رجال أهل القلم والفكر في لبنان وفي عالمنا العربي، هو الآن، برفقة أبيه السيّد محسن الأمين المرجع الأكبر، في حضن إبراهيم في الجنة، لدى الله الصمد، لإيمانه، لإنسانيته، لأخلاقه لعلمه الجامع الرفيع. بضميرنا الديني والوطني سنتأمل، اليوم وغداً، في جهاده غير المحدود، فكراً وتاريخاً إسلامياً. وقد ترك لنا وللأجيال الآتية، في كتاباته التي تفوق الحصر، طريق العبور إلى حضارة ترسم لكلّ جماعة ما تبتغيه في أدب الحياة وفي عالمنا العربي، بالرغم من الدخيلة عليه إسرائيل، همّنا اليومي المشترك منذ وعد بلفور وما إليه. أين أنتم، يا عرب، في جامعتكم، في رؤيتكم لحاضر هش وواهن، ولمستقبل مجهول طالما لا وحدة عربية في نظر واضح، على مشهد من دول العالم.
أضاف كلمات السيّد حسن كانت دائماً، وستبقى لنا في ذكراه للوحدة العربية، قولاً وعملاً لثورة ناشطة كالثورة الفرنسية في التاريخ. وكان دائماً المؤرخ الملهم، شاعراً، أديباً، رجل فكر وخبر، ومنجزاً «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» بمجلداتها الخمسة والعشرين. كما لنا بقلمه السيال «سيرة أئمة أهل البيت» (عليهم السلام)، قادة المسلمين تاريخاً وثقافة وفكراً وتطلعات لحاضر ومستقبل، بروح قرآن كريم. وبروحهم، وبالاعتماد على النفس، لنا النضال ضد كلّ مستعمر من سايكس بيكو وجغرافيته إلى كلّ غريب على أرضنا العربية نريدها، كما السيّد حسن، حرّة جامعة. وكان، لمدّة نصف قرن، لوالده المفكر والمؤرخ والمرجع الأوّل للطائفة الشيعية، كما كان الحسن الابن، في التاريخ حتّى كربلاء، لوصية والده الإمام علي (عليه السلام). وأيضاً العلاّمة حسن الأمين، في إنتاجه «أعيان الشيعة» أكمل تراث والده السيّد محسن الأمين.
وتابع واليوم، لنا منهما البركة والمثل والعبرة الشاهدة، بعد حرب ربع قرن على أرضنا المقدسة الحزينة في كلّ لبنان، وكنّا في منتهى الألم. فما ترى تكون رسالتكما لنا، أيّها السيّد حسن الأمين والوالد السيّد محسن الأمين؟ جوابكما بالروح نتنوره: أن ابتعدوا عن الطائفية بأنواعها والمذهبية بأنواعها ما كانت. فإنّ هذا إلاّ تضليل في وطن أصبح مختلف الوجوه، متعدّد النزعات، متفاوت المسؤوليات والأنظار إلى رؤية وطنية ووجه. والسبب في ذلك هو الطائفة والطائفية. فهي التي قسمت وباعدت وفرّقت، وفوق كلّ شيء، هي التي فتحت الحدود لكلّ غريب، فدمّرت وقتلت، وكان بها الانقسام المميت في الوطن الواحد.
وقال: فيا سيّدنا حسن الأمين، في حضورك أو غيابك، تعلّمنا أنّ عائلات لبنان هي، حقاً، جامعة للحوار والوفاق واحترام الغير كما هو، تعلّمنا الصلاة، بروح إنجيل وقرآن، في كنيسة وجامع وخلوة، تعلّمنا محبّة كلّ مواطن وأزلية أرزة لبنان، من جبل الأرز إلى جبل الباروك، في الوطن واحداً لبنيه كافة. ولتلك رسالة لبنان في عالمه العربي. أمّا الطائفية والمذهبية فما هي من واقعها المشؤوم إلاّ جنون العصب.
وأضاف وصوتك الرسالة ينهى لنا، أيّها السيّد حسن الأمين: على أرضنا المقدسة، من جبل عامل، وبعلبك حتّى قنوبين وبكركي، لنا طائفة واحدة اسمها لبنان. ولبنان يشهد على أرضه وفي العالم، كما في تاريخه، للقيم الروحية والإنسانية والحضارية والوطنية الجامعة، لا الطائفية. ذلك صوت غبطة أبينا البطريرك صفير، لكم تحياته. وصوت البطاركة في التاريخ: لبنان محبة وحرية وسيادة.
وختم أجل، ذلك أيضاً صوتك الرسالة، أيّها السيّد حسن الأمين، يسمع في بيروت في الشام، في بغداد، في الجامعة العربية، وفي طهران الصديقة ولك الآن من سفارتها العزيزة، بعناية خاصّة من سعادة سفيرها السيّد مسعود إدريسي، هذا الاحتفال التكريمي اللافت، لن ننساه شكراً لها.
العلماء المسلمين
كلمة «تجمّع العلماء المسلمين» ألقاها قاضي شرع صيدا الشيخ أحمد الزين الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تاريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتّساع حيث كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها. معتبراً أنّ تكريمه من قبل الرئيسين لحود وخاتمي إنّما هو تأكيد على عمق ما وصلت إليها العلاقة بين الشعبين اللبناني والإيراني.
واختتم الاحتفال بكلمة آل الأمين ألقاها السيّد مهدي الأمين.
جريدة السفير
الخميس 27/2/2003 ـ العدد 9433
الاحتفال التكريمي لحسن الأمين في قصر الأونيسكو
يقول الحق ويعمل لأجله
في الاحتفال التكريمي للعلاّمة الراحل المؤرّخ السيّد حسن الأمين يوم أمس الأربعاء في 26 شباط الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر في قاعة «قصر الأونيسكو»، غصّت القاعة برهط الحضور المشارك.
مهّد للحفل الشيخ عباس فتوني في كلمة مرحبة، ومذكرة بمآثر العلاّمة الراحل حسن الأمين نجل المجتهد الأكبر سماحة السيّد محسن الأمين، وعرض إلى إنجازه الكبير وعلاقته بقضايا التأريخ والإسلام والمذهب الشيعي، وبعض من نضاله في الحركة الطلابية في دمشق، في سبيل الوحدة والعروبة. ثمّ جرى إلى عرض مقتطفات من حفل تكريم الراحل في 20/6/2002 في الجامعة اللبنانية، كلية الآداب والعلوم تكلم فيها الأمين عن إسرائيل الكبرى، وعن فلسطين وأطفال الحجارة الذين هزموا فكرة فلسطين الكبرى. هذا وبدأ الحفل بتلاوة قرآنية للشيخ سلمان خليل إضافة إلى النشيدين الوطنيين اللبناني والإيراني.
في برنامج الحفل، كلمة السفير الإيراني مسعود إدريسي التي أكدت على الاهتمام المشترك (لبنان، إيران) لتكريم أهل العلم والفكر العباقرة الذين جعلوا دينهم ودنياهم لخدمة الفكر وتطوّره وتأكيداً على عمق ترابط إيران بلبنان دولة وشعباً ومقاومة وحكومة، وعلى أنّ الثقافة والفكر هما أساس التلاقي بين الشعوب والأمم.
ثمّ تعاقب على الكلام كلّ من نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان ومن كلمته: «إنّ فقدان المؤرخ الكبير السيد حسن الأمين هزَّ قلوب المحبين ممّن عرفوه وعايشوه وعاشروه فوجدوه صادقاً محباً متميزاً في سيرته وسلوكه، صلباً في مواقفه، غزيراً في معارفه، نبيلاً في غايته، يقول الحق ويعمل من أجله، كما أنّ رحيله أحدث صدمة في الأوساط العلمية والبحثية، لما تميّز به من فكر متوقد وإرادة مصمّمة على كشف خبايا التاريخ وإبراز محطاته الكبرى.



ومن كلمة المطران خليل أبي نادر، ممثلاً البطريرك نصرالله صفير: «كلمات السيّد حسن كانت دائماً وستبقى لنا في ذكراه، للوحدة العربية، قولاً وعملاً لثورة ناشطة كالثورة الفرنسية في التاريخ، وكان دائماً المؤرخ الملهم، شاعراً، أديباً، رجل فكر وخبر، ومنجزاً «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» وبمجلداتها الخمسة والعشرين.
كلمة تجمّع العلماء المسلمين ألقاها قاضي شرع صيدا الشيخ أحمد الزين الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تاريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتّساع حيث كان رافد من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها.
كلمة الرئيس محمد خاتمي ألقاها عضو مجلس الشورى الإسلامي علي أكبر محتشمي، وممّا جاء فيها: كان العلاّمة الفقيد السيّد حسن الأمين في زمرة هؤلاء العظام حيث تمكّن من إنجاز «الموسوعة الإسلامية الشيعية» واستكمال مجموعة «أعيان الشيعة» من خلال متابعة أبحاث والده القيمة. فالميراث الثقافي الذي خلّده الأب والنجل، هذان العالمان، يدل دلالة رائعة على «العمل والالتزام» و«العشق والعقل» و«الإيمان والإنصاف»، وإنّي لآمل أن يساهم هذا الإنجاز الكبير في التخفيف من أحزان رحيل هذا الفقيد الجليل.
واختتم الحفل بكلمة آل الأمين ألقاها السيّد مهدي الأمين.
مجلة الوحدة الإسلامية
السنة الثانية ـ العدد 16 ـ آذار 2003م
السفير الإيراني في بيروت يقيم احتفالاً تكريمياً للمؤرخ الراحل السيّد حسن الأمين
برعاية فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية محمد خاتمي، أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً تكريمياً للمؤرّخ الراحل السيّد حسن الأمين في بلدته شقرا ـ قضاء بنت جبيل ـ تمَّ خلاله إزاحة الستار عن ضريح العلاّمة الأمين بحضور معالي وزير العمل علي قانصو ممثلاً رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، عضو مجلس الشورى الإيراني السيّد علي أكبر محتشمي بور ممثلاً رئيس الجمهورية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، النائب علي خريس ممثلاً رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، محافظ مدينة النبطية محمود المولى ممثلاً رئيس الحكومة الأستاذ رفيق الحريري، الشيخ نبيل قاووق ممثلاً الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله، السيد علي الأمين ممثلاً نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، المطران مارون صادر ممثلاً البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، وقاضي شرع صيدا الشيخ أحمد الزين وعائلة الفقيد وشخصيات وفعاليات.
استهل الاحتفال بآيات بينات من القرآن الكريم، ثمّ عزف النشيدين اللبناني والإيراني ثمّ ألقى سعادة السفير إدريسي كلمة شكر فيها رعاية رئيسي الجمهورية اللبنانية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لهذا الحفل، واعتبر أنّ هذه البادرة تؤكد عمق ما يربط إيران ولبنان، وقال إنّ رحيل العلاّمة الأمين ليس خسارة للبنان فحسب بل لإيران أيضاً والعالم الإسلامي وعندما نكرّمه إنّما نكرّم عالماً إيرانياً أيضاً لأنّنا أمّة واحدة.
ثمّ تلا سعادة السفير إدريسي برقية وردت من وزير الخارجية الإيراني د. كمال خرازي.
وألقى السيّد محتشمي كلمة أشار فيها إلى أنّ السيّد حسن الأمين أمضى حياة حافلة بالبذل والعطاء وكرّس عمره في خدمة العلم بحثاً وكتابة وتأليفاً، سابراً أغوار التاريخ، مبيناً حقائقه لتكون معالم ساطعة تنبض بالحقيقة العلمية المضيئة للحاضر والمستقبل. وقال لقد أكد العلاّمة الأمين وأمثاله من العلماء الكبار بأنّ العلم المستند إلى الحقيقة الإيمانية الإلهية هو السبيل لمواجهة الغزو الاستكباري وفضح مخططاته وطرده من عالمنا الإسلامي…
ثمّ ألقى سماحة الشيخ أحمد الزين كلمة تجمع العلماء المسلمين أشاد فيها بالراحل وبوالده المرجع السيّد محسن الأمين. وأشار إلى أنّ القراءة المتأنية لكتابات المرحوم السيّد حسن الأمين تجعلنا مطمئنين عند وصفه بأنّه من مؤسّسي منهج إعادة كتابة تاريخ الأمّة الإسلامية بشمولية واتّساع.
وكان رئيس بلدية شقرا قد ألقى كلمة في بداية الحفل رحّب فيها بالحاضرين باسمه وباسم أهالي البلدة واختتم الحفل بكلمة آل الأمين، وتجدر الإشارة أنّ «الوحدة الإسلامية» ستعمد إلى نشر تفاصيل الحفل في العدد المقبل بإذن الله.
مجلة الحقائق
العدد 80 ـ آذار 2003م
السفير الإيراني إدريسي: لفخامة الرئيس لحود والرئيس خاتمي قناعة مشتركة بتكريم أهل العلم والمعرفة
برعاية فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً خطابياً تكريماً للعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين في قصر الأونيسكو، بمشاركة حشد كبير من المسؤولين والسياسيين والروحيين، في مقدمهِم رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بمعالي الوزير نزيه بيضون، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور، رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ممثلاً بالنائب عدنان عرقجي، رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري ممثلاً بالوزير بشارة مرهج، الرئيس حسين الحسيني الرئيس رشيد الصلح، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، مفتي الجمهورية الدكتور محمد رشيد قباني ممثلاً بالشيخ خلدون عريمط، شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ بهجت غيث ممثلاً بالقاضي نجيب مسعود، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للطائفة المارونية الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ممثلاً بالمطران خليل أبي نادر، كاثوليكوس طائفة الأرمن الأرثوذوكس قداسة البطريرك آرام الأوّل كشيشيان ممثلاً بالمطران نوارير اشكيان، بطريرك طائفة الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام ممثلاً بالمطران سليم غزال وأمين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصرالله ممثلاً برئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد، العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله ممثلاً بنجله السيد علي فضل الله، وفد تجمّع العلماء المسلمين برئاسة رئيس مجلس الأمناء سماحة الشيخ أحمد الزين وعدد كبير من السادة النواب الحاليين والوزراء والنواب السابقين، وقادة وممثلي الأجهزة العسكرية والأمنية لا سيما ممثل قائد الجيش العميد الركن مصطفى سليمان وقادة وممثلي الأحزاب الوطنية والإسلامية اللبنانية والفصائل الفلسطينية ولفيف من علماء الدين المسلمين والمسيحيين وممثلي الهيئات الديبلوماسية ورجالات الفكر والعلم وأساتذة الجامعات وأركان السفارة.
بداية ألقى سعادة السفير إدريسي كلمة رحّب فيها بالحضور معتبراً رعاية فخامة الرئيس العماد إميل لحود وفخامة السيّد محمد خاتمي للمناسبة نتيجة قناعة مشتركة بتكريم أهل العلم والقلم الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسانية وتطوّرها، وتأكيداً على عمق الروابط التي تربط بلدينا إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة وأنّ الثقافة والفكر هما أساس تلاقي الشعوب والأمم والسلاح الأمضى بمواجهة دعوات التفرقة والهيمنة.
سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان في كلمته وجّه شكره لرئيس الجمهورية العماد إميل لحود على مواقفه الوطنية والقومية، وقدّر عالياً الرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذين ما بخلوا يوماً ولا تأخّروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد وهم مستمرّون بعون الله بموازرة القضايا العادلة والمحقّة في العالم كما شكر السفارة الإيرانية في بيروت على رعايتها لهذه الذكرى وبعد أن عرض لأهمية المرحوم الأمين وتركته الفكرية والعلمية الثمينة أكد على حضور المرحوم الدائم بيننا في فكره وبحوثه وعلمه.
كلمة البطريرك صفير ألقاها المطران خليل أبو نادر أثنى فيها على مواقف المرحوم الأمين ونتاجاته الفكرية معتبراً أنّنا سنبقى ننهل منها ونتعلّم أنّ عائلات لبنان هي حقاً جامعة للحوار والوفاق. وأن نبعد عن الطائفية بأنواعها والمذهبية.
كلمة تجمّع العلماء المسلمين ألقاها قاضي شرع صيدا سماحة الشيخ أحمد الزين الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تاريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتّساع حيث كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها. معتبراً أنّ تكريمه من قبل الرئيسين لحود وخاتمي إنّما هو تأكيد على عمق ما وصلت إليه العلاقة بين الشعبين اللبناني والإيراني.
كلمة الرئيس محمد خاتمي ألقاها عضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي واختتم الحفل بكلمة آل الأمين ألقاها السيّد مهدي الأمين.
جريدة البيرق
الخميس 27 شباط/ 2003م العدد 17906 ـ السنة 91
السفارة الإيرانية كرّمت السيد حسن الأمين بحفل خطابي
برعاية رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود ورئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسعود إدريسي حفلاً خطابياً تكريماً للعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين في قصر الأونيسكو، بمشاركة حشد كبير من المسؤولين والسياسيين والروحيين، في مقدمهم رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بالوزير نزيه بيضون، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور، رئيس مجلس النواب نبيه بري ممثلاً بالنائب عدنان عرقجي، رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري ممثلاً بالوزير بشارة مرهج، الرئيس حسين الحسيني، الرئيس رشيد الصلح، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، مفتي الجمهورية الدكتور محمد رشيد قباني ممثلاً بالشيخ خلدون عريمط، شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ بهجت غيث ممثلاً بالقاضي نجيب مسعود بطريرك انطاكية وسائر المشرق للطائفة المارونية الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ممثلاً بالمطران خليل أبي نادر، كاثوليكوس طائفة الأرمن الأرثوذوكس قداسة البطريرك أرام الأوّل كشيشيان ممثلاً بالمطران نوارير اشكيان، بطريرك طائفة الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام ممثلاً بالمطران سليم غزال وأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله ممثلاً برئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد، آية الله العلاّمة السيّد محمد حسين فضل الله ممثلاً بنجله السيّد علي فضل الله، وفد تجمّع العلماء المسلمين برئاسة رئيس مجلس الأمناء الشيخ أحمد الزين وعدد كبير من النواب الحاليين والوزراء والنواب السابقين وقادة وممثلي الأجهزة العسكرية والأمنية لا سيما ممثل قائد الجيش العميد الركن مصطفى سليمان وقادة وممثلي الأحزاب الوطنية والإسلامية اللبنانية والفصائل الفلسطينية ولفيف من علماء الدين المسلمين والمسيحيين وممثلي الهيئات الدبلوماسية ورجالات الفكر والعلم وأساتذة الجامعات وأركان السفارة.
في البداية ألقى السفير إدريسي كلمة رحّب فيها بالحضور معتبراً رعاية الرئيس العماد إميل لحود والرئيس محمد خاتمي للمناسبة نتيجة قناعة مشتركة بتكريم أهل العلم والقلم الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسانية وتطوّرها، وتأكيداً على عمق الروابط التي تربط بلدينا إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة وأنّ الثقافة والفكر هما أساس تلاقي الشعوب والأمم والسلاح الأمضى بمواجهة دعوات التفرقة والهيمنة.
ووجّه الشيخ عبد الأمير قبلان في كلمته شكره لرئيس الجمهورية العماد إميل لحود على مواقفه الوطنية والقومية، وقدّر عالياً الرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذين ما بخلوا يوماً ولا تأخّروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد وهم مستمرون بعون الله بمؤازرة القضايا العادلة والمحقّة في العالم كما شكر السفارة الإيرانية في بيروت على رعايتها لهذه الذكرى وبعدما عرض لأهمية المرحوم الأمين وتركته الفكرية والعلمية الثمينة أكد حضور المرحوم الدائم بيننا في فكره وبحوثه وعلمه.
كلمة البطريرك صفير ألقاها المطران خليل أبي نادر أثنى فيها على مواقف المرحوم الأمين ونتاجاته الفكرية معتبراً أنّنا سنبقى ننهل منها ونتعلّم أنّ عائلات لبنان هي حقاً جامعة للحوار والوفاق وأن نبعد عن الطائفية بأنواعها والمذهبية.
وقال: صوتك الرسالة ينهى لنا، أيّها السيّد حسن الأمين: على أرضنا المقدسة، من جبل عامل وبعلبك حتّى قنوبين وبكركي لنا طائفة واحدة اسمها لبنان، ولبنان يشهد على أرضه وفي العالم، كما في تاريخه، للقيم الروحية والإنسانية والحضارية والوطنية الجامعة لا الطائفية ذلك صوت من غبطة أبينا البطريرك صفير لكم تحياته وصوت البطاركة في التاريخ: لبنان محبة وحرية وسيادة.
كلمة تجمّع العلماء المسلمين ألقاها قاضي شرع صيدا سماحة الشيخ أحمد الزين الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تاريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتّساع حيث كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها، معتبراً أنّ تكريمه من قبل الرئيسين لحود وخاتمي إنّما هو تأكيد على عمق ما وصلت إليه العلاقة بين الشعبين اللبناني والإيراني.
وألقى كلمة الرئيس محمد خاتمي عضو مجلس الشورى الإسلامي السيد علي أكبر محتشمي بور وقال: لقد ظلّ لبنان موطناً للعلم والثقافة والتطوّر وشكّل علماؤه ومفكروه الكبار نجوماً لامعة في جبين تاريخ العلوم والأبحاث في العالم الإسلامي كما اقترن اسم لبنان بالفكر والجهد العلمي المستمر منذ فقهاء «جبل عامل» ومحدّثيه المرموقين الأوّل، وصولاً إلى المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العاملي (قده) ونجله الكريم العلاّمة السيّد حسن الأمين. فالشمولية والنظرة الثاقبة والإنصاف والإبداع هي من أهم الخصائص التي تميّز الجهد والاجتهاد العلميين. وهو ما اشتهرت وازدهرت به هذه الأرض بشكل خاص، وما ميَّز كبار باحثيها ومؤرخيها، المسلمين وغير المسلمين منذ القدم.
كان العلاّمة الفقيد السيّد حسن الأمين في زمرة هؤلاء العظام حيث تمكّن من إنجاز «الموسوعة الإسلامية الشيعية» واستكمال مجموعة «أعيان الشيعة» من خلال متابعة أبحاث والده القيّمة. فالموروث الثقافي الذي خلّده الأب والنجل، هذان العالمان، يدل دلالة رائعة على «العمل والالتزام» و«العشق والعقل» و«الإيمان والانصاف» وإنّي لآمل أن يساهم هذا الإنجاز الكبير في التخفيف من أحزان رحيل هذا الفقيد الجليل.
واختتم الحفل بكلمة آل الأمين ألقاها السيّد مهدي الأمين.
جريدة الأنوار
الجمعة 28/2/2003م العدد 14991
السفارة الإيرانية تحتفل بإزاحة الستار عن نصب العلاّمة الأمين في شقرا
تكريماً للمؤرخ الراحل العلاّمة السيد حسن الأمين أقامت سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت احتفالاً لإزاحة الستار عن نصبه عند ضريحه في بلدة شقرا.
حضر الاحتفال عضو مجلس الشورى الإيراني السيد علي أكبر محتشمي ممثلاً رئيس الجمهورية الإسلامية السيّد محمد خاتمي، وزير العمل علي قانصوه ممثلاً رئيس الجمهورية العماد إميل لحود النائب علي خريس ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه بري، محافظ مدينة النبطية محمود المولى ممثلاً رئيس الحكومة رفيق الحريري، الشيخ نبيل قاووق ممثلاً الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله، السيد علي الأمين ممثلاً نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، المطران مارون صادر ممثلاً البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، وقاضي شرع صيدا الشيخ أحمد الزين وعائلة الفقيد وشخصيات وفعاليات.
استهل الاحتفال بآيات بينات من القرآن الكريم، ثمّ عزف النشيدين اللبناني والإيراني وقدم الخطباء الشاعر عباس فتوني.
ثمّ ألقى السفير الإيراني كلمة شكر فيها رعاية رئيسي الجمهورية اللبنانية إميل لحود والجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي لهذا الحفل.
ثمّ تلا إدريسي برقية وردت من وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي أشاد فيها بعلم السيّد الأمين وتصدّيه لحاولات زرع الفتن داخل المجتمعات الإسلامية، حيث أخذ على عاتقه مهمة توضيح الحقائق أمام الملأ، عبر التمحيص العلمي الدقيق وبالأدلة القاطعة التي لا يرقى إليها الشك.
ثمّ ألقى محتشمي كلمة أشار فيها إلى أنّ السيّد الأمين أمضى حياة حافلة بالبذل والعطاء وكرّس عمره في خدمة العلم بحثاً وكتابة وتأليفاً، سابراً أغوار التاريخ، مبيناً حقائقه لتكون معالم ساطعة تنبض بالحقيقة العلمية المضيئة للحاضر والمستقبل.

وقال: لقد أكّد العلاّمة الأمين وأمثاله من العلماء الكتّاب بأنّ العلم المستند إلى الحقيقة الإيمانية الإلهية، هو السبيل لمواجهة الغزو الاستكباري وفضح مخططاته.
كما ألقى رئيس بلدية شقرا كلمة من وحي المناسبة.
جريدة الشرق
الخميس 27/2/2003م العدد 16160
مهرجان تكريمي للعلاّمة الأمين برعاية لحود وخاتمي
أجمع خطباء المهرجان التكريمي في قصر الأونيسكو على الإشادة بالعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين وما أنجزه من مؤلفات فكرية إسلامية متابعة لنهج والده المرجع الراحل السيّد محسن الأمين.
فقد أقام السفير الإيراني في لبنان مسعود إدريسي مهرجاناً تكريمياً للعلاّمة الأمين أمس في قصر الأونيسكو بيروت برعاية رئيس رئيس الجمهورية إميل لحود ونظيره الإيراني محمد خاتمي وبحضور نزيله بيضون ممثلاً الرئيس لحود، عضو مجلس الشورى الإسلامي الإيراني علي أكبر محتشمي ممثلاً الرئيس خاتمي، النائب عدنان عرقجي ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه بري وزير الدولة بشارة مرهج ممثلاً رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، الرئيسين حسين الحسيني ورشيد الصلح، ممثلين عن المراجع الدينية الإسلامية والمسيحية وعدد من الشخصيات.
وأكد السفير إدريسي في كلمته على عمق الروابط بين إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة (…) وحيّا نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى المفتي الجعفري الممتاز الشيخ عبد الأمير قبلان مواقف الرئيسين لحود وخاتمي وقال المطران خليل أبي نادر ممثلاً البطريرك الماروني «علينا أن نبتعد عن الطائفية والمذهبية».
وألقى قاضي شرع صيدا الشيخ أحمد الزين كلمة تجمّع العلماء المسلمين فأشار إلى أنّ الراحل كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية. وألقى محتشمي كلمة الرئيس خاتمي التي أشادت بالأواصر العريقة التي تربط الشعبين الإيراني واللبناني وبالصداقة الوثيقة بين حكومتي البلدين.
جريدة النهار
الجمعة 28/2/2003م
الرئاستان اللبنانية والإيرانية كرّمتا الأمين في شقرا
رعى رئيس الجمهورية ممثلاً بوزير العمل علي قانصو، ورئيس الجمهورية الإيرانية محمد خاتمي ممثلاً بالسيّد علي أكبر محتشمي بور، حفل إزاحة الستار عن نصب لضريح العلاّمة السيّد حسن الأمين في بلدته شقرا، في حضور ممثل رئيس الوزراء محافظ النبطية القاضي محمود المولى وممثل رئيس مجلس النواب النائب علي خريس وممثل الوزير السابق أنور الخليل زياد سليقة وممثل وزير خارجية إيران السفير الإيراني مسعود إدريسي وممثل رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى السيّد علي الأمين وممثل البطريرك الماروني مطران صور للموارنة مارون صادر ورئيس مجلس الأمناء لتجمّع المسلمين الشيخ أحمد الزين وممثل الأمين العام لـ «حزب الله» مسؤول الحزب في الجنوب الشيخ نبيل قاووق وممثلين لقيادتي «حزب الله» وحركة «أمل» ورؤساء بلديات ومخاتير وعائلة المحتفى به.
تلاوة من القرآن ثمّ النشيدان اللبناني والإيراني فكلمة ترحيب لرئيس بلدية شقرا هاشم فوعاني تطرّق فيها إلى عطاءات المحتفى به وشكر إيران على تقديماتها لبلدة شقرا. وقال السفير إدريسي: «بين إيران وجبل عامل أكثر من حكاية تحتضن حباً واحتراماً وتقديراً عميقاً لمجد قائم على العلم والمعرفة والدين فجبل عامل أعطى رجال دين ودنيا. نجتمع اليوم لإزاحة الستار عن ضريح العلاّمة المؤرّخ حسن الأمين في مبادرة تؤكد عمق الترابط بين لبنان وإيران، فرحيله ليس خسارة للبنان فقط وإنّما لإيران والعالم الإسلامي أيضاً. وبتكريمه كأنّنا نكرّم عالماً إيرانياً لأنّنا أمّة واحدةً، ثمّ تلا نص رسالة وزير الخارجية الإيرانية كمال خرازي ومما جاء فيها: «برحيل العلاّمة الجليل فقد العالم الإسلامي أحد أهم مظاهر الالتزام على مستوى التضامن العلمي فهذه الشخصية الفذّة التي نذرت حياتها الكريمة للفقه والتحقيق وخلفت مؤلفات قيمة لا بد أنّها ستبقى مرجعاً حيوياً للباحثين».
وعبّر محتشمي عن سروره لتمثيل الرئيس الإيراني في الحفل وتحدّث عن مؤلفات المحتفى به وما خلّفه من «حقائق ستبقى راسخة لأمّة لها مكانتها في العالم الذي يحاول السيطرة على ثرواتها بعناوين مختلفة ليس لها سوى هدف واحد هو إخضاع هذه الأمّة وجعلها مستهلكة لا إرادة لها في حياتها ومقدراتها ومستقبل أبنائها».
وختاماً ألقى كلمة العائلة محسن عبد المطلب الأمين.
جريدة الديار
الجمعة 28/2/2003م
السفارة الإيرانية رعت احتفال إزاحة الستار عن نصب العلاّمة الأمين
تكريماً للمؤرخ الراحل العلاّمة السيّد حسن الأمين، أقامت سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت احتفالاً لإزاحة الستار عن نصبه عند ضريحه المبارك في بلدة شقرا. حضر الاحتفال عضو مجلس الشورى الإيراني السيّد علي أكبر محتشمي ممثلاً رئيس الجمهورية الإسلامية السيّد محمد خاتمي، وزير العمل علي قانصو ممثلاً رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، النائب علي خريس ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه بري، محافظ مدينة النبطية محمود المولى ممثلاً رئيس الحكومة رفيق الحريري، الشيخ نبيل قاووق ممثلاً الأمين العام لـ «حزب الله» السيّد حسن نصرالله، السيد علي الأمين ممثلاً نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، المطران مارون صادر ممثلاً البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، وقاضي شرع صيدا الشيخ أحمد الزين وعائلة الفقيد وشخصيات وفعاليات.
استُهل الاحتفال بآيات بينات من القرآن الكريم، ثمّ عُزف النشيدان اللبناني والإيراني، وقدّم الخطباء الشاعر عباس فتوني.
ثمّ ألقى السفير الإيراني، كلمة شكر فيها رعاية رئيس الجمهورية اللبنانية إميل لحود والجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي لهذا الحفل، واعتبر أنّ هذه البادرة تؤكد عمق ما يربط إيران ولبنان، فرحيل العلاّمة الأمين ليس خسارة للبنان فحسب بل لإيران أيضاً والعالم الإسلامي وعندما نكرّمه إنّما نكرّم عالماً إيرانياً أيضاً لأنّنا أمّة واحدة.
السفير إدريسي
ثمّ تلا إدريسي برقية وردت من وزير الخارجية الإيراني د. كمال خرازي أشاد فيها بعلم السيد الأمين وتصدّيه لمحاولات زرع الفتن داخل المجتمعات الإسلامية حيث أخذ على عاتقه مهمة توضيح الحقائق أمام الملأ عبر التمحيص العلمي الدقيق وبالأدلة القاطعة التي لا يرقى إليها الشك. وأشار خرازي إلى عشرات المؤلفات التي خلفها المرحوم وأهمها موسوعة «أعيان الشيعة» و«دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» حيث لا يمكن لأي باحث في التاريخ والفكر والمعتقدات الإسلامية الاستغناء عن هاتين الموسوعتين في مجال الأبحاث.
محتشمي
ثمّ ألقى السيّد محتشمي كلمة أشار فيها إلى أنّ السيّد الأمين أمضى حياة حافلة بالبذل والعطاء وكرّس عمره في خدمة العلم بحثاً وكتابة وتأليفاً، سابراً أغوار التاريخ، مبيناً حقائقه لتكون معالم ساطعة تنبض بالحقيقة العلمية المضيئة للحاضر والمستقبل. وقال لقد أكّد العلاّمة الأمين وأمثاله من العلماء الكبار بأنّ العلم المستند إلى الحقيقة الإيمانية الإلهية هو السبيل لمواجهة الغزو الإستكباري وفضح مخططاته وطرده من عالمنا الإسلامي… أفليس فعل الجهاد والمقاومة في لبنان الذي هزم ولأوّل مرّة العدو الصهيوني هو النتاج الحقيقي لجهاد هؤلاء العلماء ومدرستهم الحسينية التي جسّدها في هذا العصر الإمام روح الله الموسوي الخميني رضوان الله تعالى عليه الذي كان يفتخر بلبنان والشبان اللبنانيين المجاهدين الذين وصفهم بأنّهم مدعاة فخر الأمّة الإسلامية لعظيم جهادهم في هذه الأرض العاملية المباركة في مواجهة العدو الصهيوني وحماته المستكبرين.
كما ألقى رئيس بلدية شقرا كلمة من وحي المناسبة.
جريدة السفير
الجمعة 28/2/2003م
إزاحة الستار عن ضريح المؤرّخ الأمين
أُقيم أمس في بلدة شقرا حفل إزاحة الستار عن ضريح المؤرّخ الراحل حسن محسن الأمين، برعاية رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بالوزير علي قانصوه، ورئيس الجمهورية الإيرانية محمد خاتمي ممثلاً بالنائب علي أكبر محتشمي.
حضر الحفل ممثل رئيس مجلس النواب النائب علي خريس وممثل رئيس الحكومة محافظ النبطية محمود المولى وممثل البطريرك صفير المطران مارون صادر، وممثل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى علي الأمين بالإضافة إلى عدد من رجال الدين والشخصيات.
بدأ الحفل بكلمة رئيس بلدية شقرا هاشم فوعاني وتحدّث السفير الإيراني مسعود إدريسي عن دور أبناء جبل عامل على الصعيد الروحي والعلمي والنضالي منوهاً بدور الجنوبيين في دحر الغزاة.
وأكد النائب محتشمي على أنّ العلاقات اللبنانية الإيرانية كانت وما زالت في سلّم أولويات السياسة الخارجية الإيرانية، وثمّن الدور العلمي للراحل وأهمية تحقيقاته ومؤلفاته وأبحاثه ومرجعيتها العلمية.
وفي الختام ألقى المحامي محسن عبد المطلب الأمين كلمة العائلة.
جريدة النهار
الخميس 27/2/2003م
تكريم لبناني إيراني في ذكرى العلاّمة السيّد حسن الأمين
برعاية الرئيسين اللبناني والإيراني أقام السفير الإيراني السيّد مسعود إدريسي حفلاً خطابياً تكريماً للعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين في قصر الأونيسكو، في حضور ممثل رئيس الجمهورية الوزير نزيه بيضون، ورئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور، والنائب عدنان عرقجي ممثلاً رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، والوزير بشارة مرهج ممثلاً رئيس الوزراء، والرئيس حسين الحسيني والرئيس رشيد الصلح ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، وممثل مفتي الجمهورية الشيخ خلدون عريمط، وممثل شيخ عقل الطائفة الدرزية القاضي نجيب مسعود، وممثل بطريرك انطاكية وسائر المشرق للموارنة المطران خليل أبي نادر، وممثل كاثوليكوس طائفة الأرمن الأرثوذوكس المطران نوارير أشكيان، وممثل بطريرك الروم الكاثوليك المطران سليم غزال وممثل الأمين العام في «حزب الله» النائب محمد رعد.
بداية ألقى سعادة السفير إدريسي كلمة رحّب فيها بالحضور معتبراً رعاية فخامة الرئيس العماد إميل لحود وفخامة الرئيس السيّد محمد خاتمي للمناسبة نتيجة اقتناع مشترك بتكريم أهل العلم والقلم الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسانية وتطورها، وتأكيداً على عمق الروابط التي تربط بلدينا إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة وأنّ الثقافة والفكر هما أساس تلاقي الشعوب والأمم والسلاح الأمضى بمواجهة دعوات التفرقة والهيمنة.
ووجّه قبلان في كلمته شكره للرئيس لحود على مواقفه الوطنية والقومية، وقدّر عالياً للرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذين ما بخلوا يوماً ولا تأخّروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد وهم مستمرّون بعون الله بموازرة القضايا العادلة والمحقة في العالم كما شكر السفارة الإيرانية في بيروت على رعايتها لهذه الذكرى وبعد أن عرض لأهمية المرحوم الأمين وتركته الفكرية والعلمية الثمينة أكّد على حضور المرحوم الدائم بيننا في فكره وبحوثه وعلمه.
كلمة البطريرك صفير ألقاها المطران خليل أبي نادر أثنى فيها على مواقف المرحوم الأمين ونتاجاته الفكرية.
وألقى كلمة تجمّع العلماء المسلمين قاضي شرع صيدا أحمد الزين الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تاريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتّساع حيث كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها. معتبراً أنّ تكريمه من قبل الرئيسين لحود وخاتمي إنّما هو تأكيد على عمق ما وصلت إليه العلاقة بين الشعبين اللبناني والإيراني. وألقى كلمة الرئيس محمد خاتمي السيّد علي أكبر محتشمي. وأختتم الحفل بكلمة آل الأمين ألقاها السيّد مهدي الأمين.
جريدة الانتقاد
الجمعة 7/3/2003م
تكريم المؤرّخ الأمين برعاية الرئاستين اللبنانية والإيرانية
علاّمة محقق وهب حياته للعلم
برعاية فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً خطابياً تكريماً للعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين في قصر الأونيسكو، بمشاركة حشد كبير من المسؤولين والسياسيين والروحيين، في مقدمتهم رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بمعالي الوزير نزيه بيضون، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور، وعدد كبير من السادة النواب الحاليين والوزراء والنواب السابقين، وقادة وممثلي الأجهزة العسكرية والأمنية لا سيما ممثل قائد الجيش العميد الركن مصطفى سليمان وقادة وممثلي الأحزاب الوطنية والإسلامية اللبنانية والفصائل الفلسطينية ولفيف من علماء الدين المسلمين والمسيحيين وممثلي الهيئات الديبلوماسية ورجالات الفكر والعلم وأساتذة الجامعات وأركان السفارة.
السفير إدريسي رحّب بالحضور معتبراً رعاية فخامة الرئيس العماد إميل لحود والسيّد محمد خاتمي للمناسبة نتيجة قناعة مشتركة بتكريم أهل العلم والقلم، الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسانية وتطورها، وتأكيداً لعمق الروابط التي تربط بلدينا إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة وأنّ الثقافة والفكر هما أساس تلاقي الشعوب والأمم والسلاح الأمضى بمواجهة دعوات التفرقة والهيمنة.
سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان وجّه في كلمته شكره لرئيس الجمهورية على مواقفه الوطنية والقومية، وقدّر عالياً للرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذين ما بخلوا يوماً ولا تأخّروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد وهم مستمرّون بعون الله بموازرة القضايا العادلة والمحقة في العالم كما شكر السفارة الإيرانية في بيروت على رعايتها لهذه الذكرى وبعد أن عرض لأهمية المرحوم الأمين وتركته الفكرية والعلمية الثمينة أكّد على حضور المرحوم الدائم بيننا في فكره وبحوثه وعلمه.
كلمة البطريرك صفير ألقاها المطران خليل أبي نادر، فأثنى فيها على مواقف المؤرّخ الأمين ونتاجاته الفكرية، معتبراً أنّنا سنبقى ننهل منها ونتعلم أنّ عائلات لبنان هي حقاً جامعة للحوار والوفاق، وأن نبعد عن الطائفية بأنواعها والمذهبية.
كلمة تجمّع العلماء المسلمين ألقاها رئيس مجلس الأمناء في تجمّع العلماء المسلمين القاضي الشيخ أحمد الزين، الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية، بما فيها من تاريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتّساع، حيث كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها، معتبراً أنّ تكريمه من قبل الرئيسين لحود وخاتمي إنّما هو تأكيد على عمق ما وصلت إليه العلاقة بين الشعبين اللبناني والإيراني.
من جهة أخرى أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً تكريمياً للمؤرّخ الراحل السيّد حسن الأمين في بلدته شقرا ـ قضاء بنت جبيل ـ أُزيح خلاله الستار عن ضريح العلاّمة الأمين بحضور حشد من الشخصيات والفاعليات السياسية والثقافية.
استهلّ الاحتفال بآيات بيّنات من القرآن الكريم، ثمّ عزف النشيدين اللبناني والإيراني ثمّ ألقى سعادة السفير إدريسي كلمة، شكر فيها رعاية رئيسي الجمهورية اللبنانية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لهذا الحفل، واعتبر أنّ هذه المبادرة تؤكد عمق ما يربط إيران ولبنان، وقال إنّ رحيل العلاّمة الأمين ليس خسارة للبنان فحسب بل لإيران أيضاً والعالم الإسلامي وعندما نكرّمه إنّما نكرّم عالماً إيرانياً أيضاً لأنّنا أمّة واحدة.
وألقى السيّد محتشمي كلمة أشار فيها إلى أنّ السيّد الأمين أمضى حياة حافلة بالبذل والعطاء وكرّس عمره في خدمة العلم بحثاً وكتابة وتأليفاً، سابراً أغوار التاريخ، مبيناً حقائقه لتكون معالم ساطعة تنبض بالحقيقة العلمية المضيئة للحاضر والمستقبل. وقال لقد أكّد العلاّمة الأمين وأمثاله من العلماء الكبار بأنّ العلم المستند إلى الحقيقة الإيمانية الإلهية هو السبيل لمواجهة الغزو الإستكباري وفضح مخططاته وطرده من عالمنا الإسلامي… أفليس فعل الجهاد والمقاومة في لبنان الذي هزم ولأوّل مرّة العدو الصهيوني هو النتاج الحقيقي لجهاد هؤلاء العلماء ومدرستهم الحسينية التي جسّدها في هذا العصر الإمام روح الله الموسوي الخميني رضوان الله تعالى عليه الذي كان يفتخر بلبنان والشبان اللبنانيين المجاهدين الذين وصفهم بأنّهم مدعاة فخر الأمّة الإسلامية لعظيم جهادهم في هذه الأرض العاملية المباركة في مواجهة العدو الصهيوني وحماته المستكبرين.
وكان رئيس بلدية شقرا ألقى في بداية الحفل كلمة رحّب فيها بالحاضرين باسمه وباسم أهالي البلدة واختتم الحفل بكلمة آل الأمين.
مجلة العواصف
الجمعة 28/2/2003م 27 ذو الحجة 1423هـ
احتفال تكريمي بذكرى العلاّمة السيّد حسن الأمين
برعاية فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود وفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي، أقام سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد مسعود إدريسي حفلاً خطابياً تكريماً للعلاّمة الراحل السيّد حسن الأمين في قصر الأونيسكو، بمشاركة حشد كبير من المسؤولين والسياسيين والروحيين، في مقدمهم رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بمعالي الوزير نزيه بيضون، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد محمد خاتمي ممثلاً بعضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور، رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ممثلاً بالنائب عدنان عرقجي، رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري ممثلاً بالوزير بشارة مرهج، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، ولفيف من علماء الدين المسلمين والمسيحيين وممثلي الهيئات الديبلوماسية ورجالات الفكر والعلم وأساتذة الجامعات وأركان السفارة.
بداية ألقى سعادة السفير إدريسي كلمة رحّب فيها بالحضور معتبراً رعاية فخامة الرئيس العماد إميل لحود وفخامة الرئيس السيّد محمد خاتمي للمناسبة نتيجة قناعة مشتركة بتكريم أهل العلم والقلم الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإنسانية وتطورها، وتأكيداً على عمق الروابط التي تربط بلدينا إيران ولبنان دولة وحكومة وشعباً ومقاومة وأنّ الثقافة والفكر هما أساس تلاقي الشعوب والأمم والسلاح الأمضى بمواجهة دعوات التفرقة والهيمنة.
الرئيس خاتمي
كلمة الرئيس محمد خاتمي ألقاها عضو مجلس الشورى الإسلامي السيّد علي أكبر محتشمي بور جاء فيها: أُحيي ذكرى المفكّر والباحث اللبناني المميز والفذ المرحوم العلاّمة السيّد حسن الأمين وأتقدّم بأصدق التعازي إلى أسرته الكريمة وجميع محبي العلم والفضيلة وكذلك إلى لبنان الحبيب حكومة وشعباً بالخسارة التي سببها رحيله المحزن.
فقد ظلّ لبنان موطناً للعلم والثقافة والتطوّر وشكّل علماؤه ومفكروه الكبار نجوماً لامعة في جبين تاريخ العلوم والأبحاث في العالم الإسلامي كما اقترن اسم لبنان بالفكر والجهد العلمي المستمر منذ فقهاء «جبل عامل» ومحدّثيه المرموقين الأوّل، وصولاً إلى المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العاملي (قده) ونجله الكريم العلاّمة السيّد حسن الأمين.
فالشمولية والنظرة الثاقبة والإنصاف والإبداع هي من أهم الخصائص التي تميّز الجهد والاجتهاد العلميين. وهو ما اشتهرت وازدهرت به هذه الأرض بشكل خاص، وما ميَّز كبار باحثيها ومؤرخيها، المسلمين وغير المسلمين منذ القدم.
كان العلاّمة الفقيد السيّد حسن الأمين في زمرة هؤلاء العظام حيث تمكّن من إنجاز «الموسوعة الإسلامية الشيعية» واستكمال مجموعة «أعيان الشيعة» من خلال متابعة أبحاث والده القيّمة. فالموروث الثقافي الذي خلّده الأب والنجل، هذان العالمان، يدل دلالة رائعة على «العمل والالتزام» و«العشق والعقل» و«الإيمان والانصاف» وإنّي لآمل أن يساهم هذا الإنجاز الكبير في التخفيف من أحزان رحيل هذا الفقيد الجليل.
أسأل الله تعالى له علو الدرجات وللساعين على طريق العلم والبحث النجاح والتوفيق وأُجدّد تقديري للأواصر العريقة التي تربط بين الشعبين الإيراني واللبناني والصداقة الوثيقة القائمة بين حكومتيهما والتي تتجلّى في تكريم مسيرة هذه الأعلام الخالدة وليكن الله تعالى سنداً لجميع العلماء والصالحين وأصحاب الرأي. واختتم الحفل بكلمة آل الأمين ألقاها السيد مهدي الأمين.
المفتي قبلان: ندعو الجميع لأن يتكافلوا ويتضامنوا لمنع وقوع الحرب
المفتي قبلان
بداية لا يسعنا إلاّ أن نتوجّه بالشكر العميق إلى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود على مواقفه الوطنية والقومية، وأنّ نقدِّر مواقف الرئيس محمد خاتمي والقادة العظام في الجمهورية الإسلامية في إيران الذين ما بخلوا يوماً أو تأخروا عن نصرة هذا البلد المقاوم والصامد في وجه أعداء الله وأعداء الإنسانية، وهم بإذن الله تعالى مستمرون في مؤازرة القضايا العادلة والمحقة في العالم، وفي مقدمها قضية فلسطين التي لاقت لدى إيران الثورة، وإيران الدولة التأييد الكامل والدعم المطلق.
كما نشكر أيّها الأخوة والأخوات السفارة الإيرانية في لبنان على رعايتها الذكرى وإقامتها لهذا الحفل التأبيني والتكريمي ونتقدّم من ذوي الفقيد العزيز، المؤرّخ الكبير، السيّد حسن الأمين (رحمه الله)، ومن جميع المشاركين والحاضرين بأصدق تعابير الأسى والعزاء، بهذه الخسارة الكبيرة التي لم تقع على آل الأمين الكرام فحسب، إنّما أصابتنا جميعاً، وبالخصوص أولئك الذين شاركوا المغفور له ميدان الفكر والمعرفة، وتقاسموا معه هموم البحث والتنقيب عن الحقيقة، وهي تتخفّى في ثنايا التاريخ.
أيّها الأخوة، إنّ فقدان المؤرخ الكبير السيد حسن الأمين هزَّ قلوب المحبين ممّن عرفوه وعايشوه وعاشروه فوجدوه صادقاً محباً متميزاً في سيرته وسلوكه، صلباً في مواقفه، غزيراً في معارفه، نبيلاً في غايته، يقول الحق ويعمل من أجله، كما أنّ رحيله أحدث صدمة في الأوساط العلمية والبحثية، لما تميّز به من فكر متوقد وإرادة مصمّمة على كشف خبايا التاريخ وإبراز محطاته الكبرى، وإظهار الشخصية العاملية وإنصافها، من خلال مؤلفاته وكتاباته، لا سيما من خلال دائرة المعارف الإسلامية التي شكَّلت خزاناً من الحقائق المُجرَّدة، تُحاكي الحاضرَ بِقيَم الماضي، وتحفّز إلى مستقبل زاهر يرتكز في أساسيته على معرفة تاريخ هذه الأمّة المشرّف في نضالها وتصدّيها لشتى أنواع الغزو والعدوان، والتعريف على علمائها وأعلامها لأنّ من يجهل التاريخ لا يعيش الحاضر، ولا يمكنه أن يصنع المستقبل.
في حفل تكريم السيّد حسن الأمين نجل المرجع الديني الأكبر السيّد محسن الأمين (قدس سره) ندخل في حضرة هذه الأسرة العلمية العاملية «آل الأمين» التي انتصر فيها روح النقد الجاد والرصين، ورَشَفَت من مَعِينِ العلوم الإسلامية الواسعة، وأسَّسَت لمفاهيم جديدة في قراءة التاريخ، ونَذَرَت عمرها وزمنها في خدمة قضايا الأمّة والوطن، وشكَّلت نموذجاً للإنسان المسلم، الذي عمل على هَدي شريعة الإسلام السمحاء، فاتَّحَد عقلها مع قلبها، وانسجم فكرها مع عملها، والسيّد حسن سليل هذه الأسرة العاملية نَذَرَ نفسه هو الآخر وبشكل مميز، فكان يعيش هموم التاريخ بأدبه، وأحداثه،ومفاصله الحاسمة والحساسة، فدخل أبواب التاريخ قارئاً، فاحصاً، كاشفاً دالاً، عاملاً بجهد العالم المتعلّم، البصير، الناقد، العادل، فكان بهذا أديباً ومؤرخاً وإنساناً عَمِل في تدوين دائرة المعارف الإسلامية ومستدركات أعيان الشيعة، وكتب في أدب التاريخ وأدب الرحلات، فكان بهذا وذاك على معرفة بالتاريخ معرفة واعية وامتلك القدرة في الرَّبط بين الحقائق الإنسانية المشتركة، فأعطى للجديد عنده قيمته الحضارية المتصلة بالماضي والحاضل والمستقبل، مُزيلاً عن التاريخ بعض ما اعتراه من تَعْتيم، مُحققاً في ترجمات ما كتبه الآخر، داحضاً افتراءات هذه الكتابات، مًنصفاً غيرها، ساعياً إلى الحقيقة، كاشفاً عنها، مُمتلكاً أدوات المعرفة والبحث، يَزِنها بموازين العدل والحكم والعلم، مؤسساً لقراءة منهجية في علم التاريخ، غير منحاز إلاّ إلى الحقيقة، فالحدث عنده شموليٌّ بكلّ أبعاده وعناصره، وهو في عمله الإسلامي الموسوعي كان رائداً، وكان يعيش في إنسانية الثقافة بما تعنيه من رفعة وعمق، ملبياً نداءاتها، معتبراً أنّ للثقافة العربية الإسلامية مُثلاً وقيماً وآفاقاً إنسانية مُنفردة، تجري فيها مجرى العناصر المكوّنة لها، مخاطباً من خلالها كيان الإنسان وهو يُحَقِّق عن الإنسان ويكتب، دالاً على أنّ للثقافة دورها في زيادة الوعي، والكشف عن معرفة ما لدى الآخر لفهمه، وهو يريد من الثقافة أن تُعَمِّق وعيَ أبنائها إلى تراثهم وتاريخهم، وأن تُمَتِّن ارتباطهم الحسي بجذورهم، فالثقافة عنده يجب أن تكون مكوّن الوعي لدى الشعوب، وأن ترتبط بتاريخها، بل هي امتداد للتاريخ والتراث، تُحَصِّنُه وتدافع عنه، وأنَّ الانقطاع عن التراث والتاريخ هو إلغاء للثقافة ولدورها كعامل فاعل في ثقافات العالم. فعلى الإنسان أن يحيا في مجالها، وأن يواجه من خلالها أحكام المتغيرات لتكون منسجمة مع أهدافها.
من صفات حسن الأمين أنّه عصامي، لم يطلب من أحد الوظيفة ولا المال، ابتعد عن اللعب بأمور الناس، ورفض السلطة وكان من الأشخاص الذين لم يسيّسوا الأحكام وهو في منصب القضاء، وقدّم استقالته من المحكمة حتّى لا يعتبر مرتهناً ومضغوطاً عليه في تغيير مجرى الحكم، كان بسيطاً في تعامله مع الناس، متواضعاً عاش زمنه في البحث والمطالعة والكتابة، رفض الهيمنة والتسلّط والانحراف والظلم، وأعطى حيزاً واسعاً من حياته وكتاباته للكفاح ضد الصهيونية، فكان يرى إسرائيل دخيلة على الوطن العربي كلّه، وأنّ المشروع الصهيوني الذي أوجده الانتداب داخل وطننا العربي يمثّل حصان طروادة لزعزعة كياناتنا وإثارة عدم الاستقرار فيها، وإبقائها تحت رحمة أصحاب الأهداف الاستعمارية.
وما يجري الآن، يدلل كم هي الحاجة ملحّة لأنّ ندرس تاريخنا جيداً وأن نعود إلى تراثنا العظيم كي نتمكن من مواجهة هذه الهجمة الشرسة التي تقودها إدارة أميركية شريرة فاسدة، تخطط لغزو العراق ووضع اليد على قدرات وثروات أمتنا العربية والإسلام.
إنّنا ندعو الأشقاء والأصدقاء وكلّ الذين يمتلكون الحسّ الإنساني والإسلامي والأخلاقي والتحرري في العالم، إلى أن يقفوا بثبات في وجه هذا التحدي الخطير، وأنّ يتكافلوا ويتضامنوا لمنع وقوع الحرب التي وإن وقعت لا سمح الله، ستُدخِل منطقَتَنا العربية والإسلامية في متاهات خطيرة، يبقى المستفيد الأوّل منها الكيان الصهيوني الذي نراه ويراه العالم بأسره وهو يمارس أبشع أنواع الإرهاب، وأخطر أشكال الممارسات اللاإنسانية، من قتل وتدمير وارتكاب للمجازر بحق الأطفال والآمنين من أبنائنا في فلسطين.
لن تموت أمّة فيها أمثال حسن الأمين الذي لم يعش حياته، بل أهداها على طول عمره المديد الذي ناهز الخامسة والتسعين للعلم والمعرفة والثقافة وهموم الإنسان، وإذا كانت الأمم تَكْبُر بعطائها الثقافي والحضاري، والشعوب لا تخرج من التاريخ إذا كان فيها من يعمل ليستمر وجودها وكيانها ويُعَمِّق قيم الثقافة فيها، فحسن الأمين واحد من علمائنا الكبار الذي آثروا أن يسلكوا درب العلم والمعرفة والبحث والتقصي. عمل بوفاء كبير لنتاج والده فصانه واستدركه على مدى خمسين سنة، لقد كان بثقافته الشمولية والموسوعية حاملاً قضايا الأمّة مدافعاً عن تراثها ودينها، منيراً للإنسان الضوء والبصيرة، هدفه نشر الحقيقة وإيصال المعرفة إلى رواد العلم، فبحسن الأمين وبأمثال حسن الأمين تكبر الأمم ويتعاظم شأنها.
لقد كان رحمه الله منارة يهتدي إليها كلّ من تاه في بحر الحقيقة، عاش ظروفاً صعبة وحياة غير مستقرة بعيداً عن الأضواء والإعلام، لكنّه لم ينزلق في متاهات السياسة وألاعيب أصحابها، كان مشْعَلاً من مشاعل الفكر، تجاوزت إشعاعاته عالمنا العربي لتصل إلى إيران التي عرفت مكانته فكرّمته. وما لقاؤنا هذا إلاّ وفاء لهذا المؤرخ الكبير الذي أحبّ وطنه وأحبّ أرضه وأحبّ تراثه الذي احتضنته مرجعية المغفور له السيّد محسن الأمين وخلّدت فيه مآثر لن ينساها جبل عامل ولا العامليون، وستظل حاضرة في ذاكرتهم يستمدون منها الإرادة الصلبة والعزيمة الإيمانية في مواجهة تحديات هذا العصر الذي تتكالب فيه أدوات الشر ويتعاظم شأن الاستكبار والاستبداد والظلم.
أيّها الأخوة، إنّ فقيدنا المرحوم السيّد حسن الأمين وإن غاب في جسده، فهو حاضر في فكره وفي بحثه وفي علمه، وسيبقى حياً في قلوبنا وعقولنا عملاً بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إذا مات ابن آدم انقطع ذكره إلاّ من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له».
رحم الله السيّد حسن الأمين رحمة واسعة سابغة وجعل كلّ ما كتبه في تراثه ودينه، في موازينه يوم تجد كلّ نفس ما علمت من خير محضراً…
كلمة البطريرك صفير
ألقاها المطران خليل أبي نادر أثنى فيها على مواقف المرحوم الأمين ونتاجاته الفكرية معتبراً أنّنا سنبقى ننهل منها ونتعلم أنّ عائلات لبنان هي حقاً جامعة للحوار والوفاق، وأن نبعد عن الطائفية بأنواعها والمذهبية.
كلمة تجمّع العلماء المسلمين
ألقاها قاضي شرع صيدا سماحة الشيخ أحمد الزين الذي رأى أنّ تكريم المرحوم الأمين إنّما هو تكريم لمنهج في النظرة إلى تاريخ الحياة الاجتماعية الإسلامية بما فيها من تأريخ للأفكار والأحداث بشمولية واتساع حيث كان رافداً من روافد مسيرة الوحدة الإسلامية التي يحمل تجمّع العلماء المسلمين رايتها، معتبراً أنّ تكريمه من قبل الرئيسين لحود وخاتمي إنّما هو تأكيد على عمق ما وصلت إليها العلاقة بين الشعبين اللبناني والإيراني.
جريدة النهار
الأربعاء 26/2/2003م السنة 70 ـ العدد 23536
تكريم حسن الأمين
كما في حياته الشريفة الهادئة التي أمضاها بين ثنايا كتبه مؤرخاً محققاً وفقيهاً مجتهداً، فقد رحل بصمت تاركاً في جسد الأمّة ثلمة لا يسدّها شيء.
من منّا لا يعرف ذلك المؤرخ الإسلامي البارز، والباحث المتنور العلاّمة المرحوم السيّد حسن الأمين، من خلال ما سطّره يراعه الفذّ من تجارب فكرية وتاريخية لا بدّ أن تترك بصماتها جليّة على مسيرة التاريخ الإسلامي الحديث ومناقب أهل البيت على مدى العصور، سواء في مستدركات أعيان الشيعة (12 مجلداً) وموسوعة دائرة المعارف الإسلامية الشيعية (11 مجلداً بالعربية و4 بالإنكليزية) أو في عشرات الكتب التي نجده فيها منقحاً بدقة مفاصل تاريخ الأمّة الإسلامية مسقطاً ما دخل عليها من زيف وضيم، موضحاً ما غمض منها من حقائق وشواهد، بموضوعية لا متناهية بعيداً عن الجهل والعصبية، أو في المؤتمرات العلمية والأكاديمية، رائداً بارزاً من رواد حركة الفكر الإسلامي ومتحدثاً لبقاً وملماً في معظم أحاديثه التي زخرت بها وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية.
اليوم وبعد انقضاء بضعة شهور على رحيل العلاّمة الأمين، نتذكره في عتمة الليل الطويل المفعم بضوضاء الحروب حيث جنون العظمة ونشوة التكبّر لدى الإدارة الأميركية يقودان العالم إلى أتون الحرب والدمار.
في هذه الأجواء تأتي خطوة تكريم المرحوم الأمين لتشير إلى أنّ هناك من لا يزال يبحث ويهتم بنقاط الضوء في هذه الأمّة، لتنير درب الإنسانية على طريق الجوجلة الأبدية، ليهتدي بهدي آثارها العلمية والأدبية كلّ باحث عن حق وعلم ومعرفة، وهي السبيل الأوحد لرقي الإنسانية وسموها، ولتشير إلى أنّ هناك من لا يزال يؤمن ويعتقد بأنّ حوار الحضارات هو المنتهى وهو المآل، ناموساً يحكم بني البشر، سبيلاً نحو حل مشكلاتهم ومعالجة قضاياهم.
إنّها شمعة أخرى تضاء في عتمة هذا الليل من خلال الحفلين اللذين يقامان اليوم وغداً لتكريم الراحل برعاية الرئيس إميل لحود والرئيس الإيراني محمد خاتمي، بعد ظهر اليوم في قصر الأونيسكو وغداً في بلدته شقرا حيث سيتم إزاحة الستار عن ضريحه الشريف.
النصّ نُشر أيضاً في صحيفتا السفير والشرق.
إبراهيم حرشي
- () 6000 ق.م.: تمّ زراعة أوّل شجرة زيتون في سورية.3000ق.م.: جلب تجار الشرق الأوسط شجرة الزيتون وطريقة زراعتها إلى آسيا الصغرى وقبرص واليونان وشمال إفريقيا.
2000ق.م.: استخدام اليهود القدماء زيت الزيتون كوقود لقناديلهم لإنارة معابدهم.
1700ق.م.: عرف أهل مصر زيت الزيتون عبر تجار منطقة المتوسط إذ كان الملك الفرعوني «توت عنخ آمون» يضع إكليلاً من ورق الزيتون على رأسه رمزاً للرفعة.
1500ق.م.: تحول زيت الزيتون إلى سلعة تجارية هامة في كريت.
1000ق.م.: كان الزيتون يمثّل للشعب اليوناني رمزاً للقداسة والشجاعة في الحياة ومصدراً غذائياً هاماً.
400ق.م.: أصبح اليونانيون من المصدرين الرئيسيين لزيت الزيتون إلى دول غرب المتوسط.
200م: أصبح الرومان خبراء في إنتاج أنواع كثيرة من زيت الزيتون للطهي والاستخدامات الأخرى.
325م: أسّس قسطنطين الأكبر الإمبراطورية البيزنطية حيث تطوّرت عندها أهمية زيت الزيتون دينياً واقتصادياً واستخداماته في الطعام.
711م: حمل طارق بن زياد خلال حملته لفتح إسبانيا طرقاً جديدة لزراعة الزيتون.
1300م: أصبح زيت الزيتون السلعة الرئيسية لدى مختلف الثقافات في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط.
1503م: جلب المصدرون الإسبان شجرة الزيتون إلى أميركا.
1600م: بدأت زراعة الزيتون في البيرو وفي غرب جزر الأنديز وتشيلي والأرجنتين والمكسيك.
1785م: جلبت البعثات التبشيرية الفرنسية شجرة الزيتون إلى كاليفورنيا والمكسيك.
1920م: أدخل المهاجرون الأوروبيون زيت الزيتون إلى الولايات المتحدة في المطبخ الأميركي. ↑
- () أبو الحسين الخياط، كتاب الانتصار، ص5ـ6، مقدمة وتحقيق وتعليقات د. نيبرج، دار قابس، شباط/فبراير 1986. ↑
- () المصدر، ص106. ↑
- () المصدر، ص106. ↑
- () الشهرستاني، العلل والنحل، ص141ـ142، ط2، تخريج محمد بن فتح الله بدران، الناشر: مكتبة الأنجلو المصرية/ القاهرة. ↑
- () المصدر السابق، ص155. ↑
- () العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج90، كتاب الذكر والدعاء، باب 16، حديث 2. ↑
- () الكليني، الكافي، ص470، ج2. ↑
- () المصدر السابق، ص470، ج2. ↑
- () الحاكم، مستدرك الصحيحين ص493، ج1. ↑
- () السيوطي، الدرّ المنثور، ص66، ج4. ↑
- () السيد عبدالله شبّر، حق اليقين في معرفة أصول الدين، ج1، ص76، مطبعة العرفان، صيدا 1352هـ. ↑
- () الصدوق، التوحيد، ص167، الحديث الأوّل، باب معنى قوله عزّ وجلّ: «قالت اليهود». ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل، ج1، ص193. ↑
- () المصدر السابق، ص58. ↑
- () لقد وجدنا مصدر ذلك، كتابات الخصوم، وهو ما ذكره الأشعري والبغدادي والشهرستاني. ولا يخفى ما كان يحمل هؤلاء من حقد وعداء بالغين على الرجل، حتّى أنّهما اتهماه بالفسق والانحراف. ولعلّ مصدر ذلك جميعه، أهل الحديث الذين كانوا يحملون عداء متميزاً للنظام، وعموم المعتزلة… فقد ذكره ابن قتيبة في مختلف الحديث بهذا الوصف. ويظهر أنّ الأشعري قد أخذها من أفواه أهل الحديث، وعنه أخذ بعد ذلك البغدادي. أمّا الشهرستاني، فقد كان ـ كما سبق القول ـ يعتمد الفرق بين الفرق للبغدادي، كما هو واضح ـ أيضاً ـ من تصنيفه. أمّا ما ذكره الجاحظ في الحيوان بخصوص نظريته في المداخلة، فلا يظهر منه ما ظهر في كلام الخصوم. وقد أدرج ذلك ابن الروندي في ردوده على المعتزلة في كتاب «فضيحة المعتزلة» غير أنّ أبا الحسين الخياط، صاحب الانتصار، لم يذهب إلى تأويلها على المألوف من طريقته في الردّ على ابن الروندي، بل نفاها واعتبرها من المنحولات… يقول أبو حسين الخياط في الانتصار: «وهذا كذب على إبراهيم، والمعروف من قول إبراهيم أنّ الله جلّ ذكره كان يقدر أن يخلق أمثال الدنيا وأمثال أمثالها لا إلى غاية ولا نهاية».وكان مع قوله: «أنّ الله خلق الدنيا جملة، يزعم أنّ آيات الأنبياء لم يخلقها الله إلاّ في وقت ما أظهرها على أيدي رسله…».
مع أنّنا نجد كلام ابن الروندي لا يختلف عن كلام الأشعري والبغدادي. نعم، ربما عرف عن النظام نوع من التفرّد بآراء، خالف فيها المعتزلة. لكنّها لم تذهب به إلى حدّ إكفاره من قبلهم. مثل قوله بالطفرة وجواز اجتماع الأمّة على الخطأ. أمّا قوله في مذهب الطفرة وما يتعلق بإعجاز القرآن، فلو ثبت عنه ذلك، فهو أمر يحتاج إلى ان يؤوّل في سياق آرائه ومذهبه الكلامي. ↑
- () السيد شبر، حق اليقين، ج1، ص76. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج4، ص107. ↑
- () المصدر السابق، ص107. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج2، ص338. ↑
- () المصدر، ج2، ص338. ↑
- () المصدر، ج2، ص338. ↑
- () المصدر، ج2، ص338. ↑
- () المصدر، ج2، ص340. ↑
- () المصدر، ج2، ص340. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج2، ص340. ↑
- () الشيخ الطوسي، عدّة الأصول، ج2، ص29ط. النجف الأشرف. ↑
- () الشيخ المفيد، أوائل المقالات في المذاهب المختارات، ص91، دار الكتاب الإسلامي ـ بيروت 1403هـ ـ 1983م. ↑
- () السيد شبّر، حق اليقين في معرفة أصول الدين، ص77. ↑
- () الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، ص132ـ133. ↑
- () أبو الحسين الخياط، الانتصار ص127… أقول، وقد كان ردّ أبي الحسين على ابن الراوندي بهذا الخصوص ضعيفاً حيث يضيق المقام لمناقشة كلامه، راجع كتاب الانتصار وقارن بين تأويل الشيعة كما نقله ابن الراوندي وتخريج الخياط. ↑
- () هذه الوظيفة التاريخية للنبوءة هو ما يهمّنا في نظرية بوبر، مع أن المجالين يختلفان… بين علم الاجتماع، وعلم الطبيعة. بين نبوءة قائمة على رصد قوانين الطبيعة والمجتمع… وبين نبوءة مصدرها الوحي… لكن من حيث الآثار، تبقى للنبوءة وظيفة مماثلة، هي تحريض الإنسان لإصلاح حاضره وبعثه نحو صياغة مصيره ومستقبله. ↑
- () نقصد هنا التوراة والإنجيل… وقد حدّد موريس بوكاي هذه الوظيفة من خلال إجراء مقارنة بين الكتب الثلاث. ↑
- () كان والدي يصطاف فيها. ↑
- () ساطع الحصري، البلاد العربية والدولة العثمانية، ص33. ↑
- () ساطع الحصري، المصدر السابق ص47ـ48. ↑
- () Asnsor, R.C.K., England, 1870 to 1914, Oxford Univ. Press, 1936. ↑
- () تناول «منشور الكلخانة» قضايا صيانة الأمن والنظام والحفاظ على أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم وإقرار الضرائب والرسوم والتكاليف المالية الأخرى وطرق جبايتها وإنفاقها. وأكد الثاني الصادر في عهد السلطان عبد الحميد (وفي أعقاب حرب القرم) الحقوق والواجبات والالتزامات المالية التي نصّ عليها المنشور الأوّل، مضيفاً إليها قاعدة جديدة تنص على وجوب معاملة جميع رعايا الدولة العثمانية على قدم المساواة، بغض النظر عن الدين والمذهب، ومن دون أن تفرّق بين مسلم وغير مسلم. ومن الشخصيات التي وقفت في طليعة المطالبين بالإصلاحات رشيد باشا، الذي سمّي بـ «أبي التنظيمات» وكان نصيب البلدان العربية من هذه التنظيمات قليلاً وغير شامل، وعادل إلاّ في سوريا وبيروت وحلب. أمّا في ولايتي بغداد والبصرة فكان التطبيق أقلّ شمولاً واندفاعاً، كما يقول ساطع الحصري (ص91ـ93 المصدر نفسه). ↑
- () نقصد هنا، أنّ الخلاف بين المشائيين والأفلاطونيين، بخصوص موضوع الماهية وعلاقتها بالوجود، لم يكن واضحاً بالقدر ذاته من الدقة والوضوح، كما أصبحت عليه بعد مجيء صدر المتألهين. نعم، ظلّ هناك فارق حقيقي بين الاتجاهين، وإن خضع إلى بعض العوائق المعرفية الأخرى. لكن، وعلى الرغم من هذا الالتباس، ظلّ موقف المشائيين واضحاً، من أهمية الوجود وحقيقة العياني. المشكلة، هي أنّهم لم يستطيعوا إعادة المعمار الفلسفي على أساس هذه القناعة. وهذا ما سنبيّنه بعد قليل، بمزيد من التفصيل. ↑
- () راجع: الأخبارية. ↑
- () أعني أنّ لغة القرآن، هي قبل كلّ شيء لغة بشرية، اختارها الوحي، كي تكون لغته التي يخاطب بها الناس. وكونها لغة يسيرة، لهداية الناس، إنّها صيغت على وفق منطقهم المتعارف عليه ـ إذْ ما اللغة إلاّ هذه العلامات التي ما انفكّت تتغذّى على الموروث الثقافي لقوم ما ـ ولو أنّها كانت لغة لا تحمل ذات المنطق، لما فهمها الناس وآمنوا بها. لكن لغة القرآن، توسّلت بمنطق عقلاني، يقرُّ به جمهور العقلاء؛ أي منطقاً إنسانياً، مصدره العقل الفطري. من هنا ورد في الأخبار، أنّ «العقل رسول باطن»!. ↑
- () يقول محمد إقبال بهذا الصدد: «والغزالي يُعدّ في الأشاعرة بجه عام، ولو أردنا الدقة فهو ليس أشعرياً تماماً، برغم أنّه يعترف بأنّ أسلوب الاشاعرة الفكري هو أنسب شيء بالنسبة إلى الجمهور، فهو يعتقد ـ كما يقول الشبلي ـ انّ سرّ الإيمان لا يمكن البوح به، ولذا فقد شجع على تعليم الأشعري ونشره، وحرص على أن يستوثق من اقتناع تلاميذه المباشرين بعدم نشر نتائج فكره الخاص» [تطور الفكر الفلسفي في إيران، ص64، ترجمة د. حسن محمود الشافعي ود. محمد السعيد جمال الدين، ط1، 1989م، الدار الفنية للنشر والتوزيع، القاهرة]. ↑
- () الأنوار النعمانية، ج1، ص146ـ149. ط4؛ 1404هـ ـ 1984م، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت. ↑
- () ابن تيمية، نقض المنطق، ص113، المكتبة العلمية، بيروت (بلا تاريخ). ↑
- () الأنوار النعمانية، ص40. ↑
- () يقول السيد نعمة الله بخصوص شبهة ابن كمونة الإسرائيلي: «… وحاصل تقريرها: أنّه لا يجوز أن يكون الواجب بالذات ذاتين، متباينين، مستجمعين، لجميع صفات الكمال، بأن يكون امتيازهما بالذات، ووجودهما؛ عين ذاتيهما كالصفات ولا يكون وجوب الوجود مشتركاً بينهما، بل كيفية نسبة الوجود إليهما، فيجاب عنها، بأنّهما لا يخلوان بحسب الفرض، عن أنّه إمّا أن يكونا في الصفات الخاصّة بكلّ منهما متساويين، بأن يكونا في جميع الكمالات مثلين، أو يكون أحدهما أكمل بتفاوت في البين. فعلى الثاني إنّما الواجب هو الأكمل وعلى الأوّل لا يكونان في غاية الكمال، إذ يعقل فوقهما أكمل، وهو عديم المثال، والواجب وجب أن يكون في غاية الكمال. في جميع مراتب الجلال والجمال». الأنوار النعمانية، ص11.وتجدر الإشارة ههنا إلى أنّ السيد نعمة الله، رغم ما حاوله من جهد في حلّ شبهة ابن كمونة، فإنّه لم يصل إلى درجة الشفاء. وقد كان الأمر يتطلب زماناً طويلاً، حتّى بروز نجم ملا صدرا، ليقدم حلاً جذرياً لمشكلة الوجود، فتنحل تلقائياً شبهة ابن كمونة، التي كانت تستند إلى أصالة الماهية. وفي اعتقادنا، أنّ اندفاع هذه الشبهة، بتقرير أنّ واجب الوجود، ماهيتُهُ إني…، لا يكفي، خصوصاً، لما نعلم، أنّ تقريراً كهذا، هو لابن سينا ذاته، وهو ممّن عاصروا ابن كمونة. فالقضية كانت تقتضي بالأساس، بناء جديداً لأصالة الوجود، الذي تنتهي إلى التأكيد على اعتبارية الماهية. فإذا ثبت أنّ الوجود من حيث الأصل هو بسيط. فإنّ ما هو بسيط لا يقبل الإثنينية أو التركّب، مطلقاً!. ↑
- () كفاية الأصول (سبق ذكره). ↑
- () الأنوار النعمانية، ج1، ص275ـ276ـ277. ↑
- () مقدمة شرح عوالي اللئالي، بتوسّط، موسى الهادي؛ الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي، قدوة العلوم والعمل، ص220ـ221. ط1، 1993م، دار البيان العربي ـ بيروت. ↑
- () المصدر السابق. أقول، وقد تكرّر هذا المديح والدفاع عن الأحسائي من قبل جماعة من خصوم الفلسفة، أمثال المرعشي والاستربادي. وعوداً إلى كلام السيد نعمة، فقول: بناء على مثاله ذاك، كيف لا يكون كلامه في المعقول من باب الحكمة التي أجراها الله على لسان الفلاسفة؟! ↑
- () تنحصر الأخبار التي يرويها السلفي، في بداية القرن الهجري الأوّل. ونكاد نجدها تخلو من الأخبار التي تعالج بنوع من العمق، تلك القضايا العقلية التي خاض فيها الجيل الأوّل من المسلمين ـ خصوصاً العلماء ـ ردّاً على شبهات النصارى واليهود. هناك بالتالي، عملية إسقاط، انتهت إلى تقطيع الموروث النبوي واختزاله في خطاب، لا يكاد يتجاوز ذهنية الأعرابي في شؤونه اليومية وتساؤلاته الساذجة وخلو ثقافته من أي قلق معرفي!. ↑
- () يجيب أحد أساتذة الفلسفة المشائية المعاصرين، السيد طباطبائي، عن هذا السؤال، بكلام ورد في ثناياه: «… ويؤيد هذا الرأي أنّ الفلسفة لا تأبى التغيير في المجالات التي تأخذ فيها مقدماتها من العلوم كالفلكيات والجواهر والأعراض وغيرها، فهي تتغيّر كالعلوم، بتغيّر الفرضيات»، محمد حسين الطباطبائي، أسس الفلسفة والمذهب الواقعي، ص57، ج1، تعليق الأستاذ مرتضى المطهري، تعريب، محمد عبد المنعم الخاقاني ـ دار التعارف للمطبوعات ط2، 1408هـ ـ 1988م، بيروت. ↑
- () الإصطخري، مسالك الممالك، ص71، ابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان، ص128. ↑
- () ابن حوقل صورة الأرض (انظر الصفحات ص189، فما بعدها)، ابن الفقيه، ص128. ↑
- () مسالك الممالك، ص72، صورة الأرض، ص189 فما بعدها. ↑
- () ابن حوقل: نفس المصدر، ص189. ↑
- () ابن الفقيه، مختصر البلدان، ص128، وواضح أنّ فعل تقطع بمعنى تحد. ↑
- () أحسن التقاسيم، ص136 (طبعة ليدن). ↑
- () بلدان الخلافة الشرقية (الترجمة العربية) الفصل الخامس بالجزيرة. ↑
- () يقول بن حوقل، صورة الأرض (ص189 فما بعدها في الفصل الذي عقده عن الجزيرة) إنّها الأرض التي بين دجلة والفرات وتشتمل على ديار ربيعة ومضر. ↑
- () انظر الإصطخري ص71، المقدسي ص137. ↑
- () ابن حوقل ص189 فما بعدها، الإصطخري، مسالك الممالك ص71. ↑
- () Le Strange ‘The Lands of East, p. 87’. ↑
- () ابن خرداذبه، المسالك والممالك ص175، وابن الفقيه، ص134ـ125؟ وابن رستة، الأعلاق النفيسة، ص90. ↑
- () مسالك الممالك من 71، وابن رستة ص92. ↑
- () المسعودي، مروج الذهب، 1، ص61ـ62. ↑
- () لسترابح (الترجمة العربية؟) ص149. ↑
- () العمري، مسالك الأبصار، ص79، ابن خرداذبه، ص174. ↑
- () ابن خرداذبه، ص175. ↑
- () مروج الذهب، ج1، ص63، انظر ابن خرداذبه، ص174. ↑
- () أرزن مدينة قرب خلاط من نواحي أرمينية (انظر، ياقوت، معجم البلدان، ج1، ص205). ↑
- () سريط موضع بأرمينية له نهر يصب في دجلة مأخذه من ظهر… أرزن ويخرج من أرض أرمينية (ياقوت معجم البلدان، ج3، ص67 ـ ليدن).باسورين: ناحية من أعمال الموصل في شرقي دجلتها لها ذكر في أخبار حمدان (ياقوت، ج1، ص467).
يذكر ياقوت (معجم البلدان، ج1، ص466) بازبدي فيقول إنّها كورة قرب باقردي من ناحية جزيرة: ابن عمر، وبازبدي في غربي دجلة وباقردي في شرقيه. كورتان متقابلتان وبازبدي اسم قرية في قبالة جزيرة ابن عمر سمّيت الكورة بأسرها بها وبالقرب منها جبل الجودي وقرية ثمانين. وترد لدى ابن الفقيه ص132 قردى وبزدبى وقردى وبازبدى لدى ابن رستة، ص106. ↑
- () أحسن التقاسيم، ص140، ابن حوقل، ص201. ↑
- () انظر ابن حوقل، ص201. يقول الإصطخري أنّ آمد تقع شرقي دجلة، وهذا خطأ (انظر مسالك الممالك، ص75). ↑
- () صورة الأرض، ص201. ↑
- () نفس المصدر، ص201. ↑
- () نفس المصدر، ص201. ↑
- () يعتبر ابن الفقيه (مختصر كتاب البلدان ص134) جبل آمد من أعاجيب الدنيا، ويقول إنّ فيه صدعاً فمن وضع فيه سيفه وأمسك بمقبضه اضطرب السيف في يديه وأرعد القابض وإن كان أشد الناس، وفيه أعجوبة أخرى أنّه «متى يحك بذلك الجبل سكين أو حديد أو سيف حمل ذلك السيف أو السكين الحديد وجذب الأبر والمسال بأكثر من جذب المغناطيس…».وجدير بالذكر أنّ ابن الفقيه يخطئ فيجعل آمد وأرزن وميافارقين من كور ديار ربيعة. ↑
- () المقدسي، ص140. ↑
- () انظر: ابن حوقل، المقدسي. ↑
- () المقدسي، ص140. ↑
- () معجم البلدان، ج5، ص703ـ706، المقدسي، ص140. ↑
- () المقدسي، ص140. ↑
- () تاريخ الفارقي، كتبه أحمد بن يوسف بن الأزرق الفارقي (حققه الدكتور بدوي عبد اللطيف وصدر في القاهرة 1379/1959م). ↑
- () تاريخ الفارقي، ص86ـ87. ↑
- () نفس المصدر، ص107. ↑
- () لسترانج، ص144. ↑
- () معجم البلدان، ج1، ص206. ↑
- () ابن حوقل، ص192. ↑
- () لتسرانج (الترجمة العربية) ص144. ↑
- () ص141. ↑
- () ص202. ↑
- () بلدان الخلافة الشرقية، ص144. ↑
- () مختصر كتاب البلدان 133. ↑
- () أحسن التقاسيم 141. ↑
- () صورة الأرض 202. ↑
- () أحسن التقاسيم ص141. ↑
- () لسترانج ص145. ↑
- () أحسن التقاسيم ص141. ↑
- () يذكر ياقوت (ج1، ص865) تل البليخ ويقول إنّها قرية على البليخ نهرالرقة؟. ويجعل ابن خرداذبة.، ص175، مخرج البليخ من عين الذهبانة من أرض حران ويصب في الفرات أسفل الرقة. ↑
- () أحسن التقاسيم، ص141. الإصطخري، ص75. ↑
- () صورة الأرض 203. الإصطخري، المسالك والممالك ص75، ابن الفقيه ص132. ↑
- () صورة الأرض ص203، ابن الفقيه ص133. ↑
- () Le Strange. P. 102. ↑
- () الإصطخري، مسالك الممالك ص76، ابن حوقل ص204. ↑
- () المقدسي ص141. ↑
- () صورة الأرض ص204. ↑
- () فتوح البلدان، ص187. ↑
- () الإصطخري، مسالك الممالك ص76، المقدسي، أحسن التقاسيم ص141. يجعل ابن الفقيه ص134، عدد الأديرة (360) ديراً. ↑
- () صورة الأرض ص304. ↑
- () يقول لسترانج (هامش ص135) إنّه أحد مناديل كثيرة تدعى Veronica ولا تتفق المصادر الوثيقة على ما إذا كان منديل أديسا (الرها) هو المنديل المحفوظ في روما أو في جنوة أو غيرهما. يذكر البلاذري «فتوح البلدان ص188» بضع قرى تابعة للرها مثل بر أسكيفا وسلعوس وكفر حدا. ↑
- () E.I.Vol. 3 P302. ↑
- () باجروان: قرية من ديار مضر بالجزيرة من أعمال البلخ (معجم البلدان، ج1، ص454) ويذكرها المقدسي ص137، ويذكر كذلك من مدن ديار مضر خانوقة والحريش وتل محوى وترعوز، وناحية سروج كذلك انظر الإصطخري ص76: ابن جبير ص246. لسترانج ص135. ↑
- () انظر ابن قدامة ص215، ياقوت، ج2، ص278. ↑
- () البلاذري، فتوح البلدان 188. ↑
- () أحسن التقاسيم ص142. ↑
- () الإصطخري، مسالك الممالك 77. ↑
- () نفس المصدر والمكان، انظر لسترانج (الترجمة العربية) ص136. ↑
- () ابن حوقل ص206. ↑
- () لسترانج ص137. ↑
- () فتوح البلدان ص187. ↑
- () ابن حوقل، صورة الأرض ص205. ↑
- () الإصطخري ص77ـ78. ↑
- () مراصد الاطلاع ج1، ص268. يقول ياقوت (ج1، ص861) تكريت بين بغداد والموصل ولها قلعة حصينة… أوّل من بناها سابور بن أردشير… وقيل سمّيت بتكريت بنت وائل. ↑
- () الإصطخري ص75. ↑
- () مختصر كتاب البلدان ص129، ويصف ابن الفقيه مدينة الحضر التي تقع بإزاء تكريت «على برية سنجار» وبينها وبين دجلة خمسة عشر فرسخاً وبينها وبين الفرات خمسة عشر فرسخاً، وهي مبنية بالحجارة البيض وتقع على تل «ولها ستون برجاً كباراً وبين البرج والبرج تسعة أبراج صغار على رأس كلّ برج قصر وأسفله حمام وقد حمل عليها نهر الثرثار ويشق المدينة ثمّ يخرج وعلى حافتي الثرثار القرى والجنان». ↑
- () ياقوت، ج3، ص954. ويذكر ياقوت (ج1، ص750) البوازيج وهي قرب تكريب على فم الزاب الأسفل. ↑
- () انظر حول منابع الخابور:Von M. Oppenheim, Der Tell Halaf (Leipzig 1931). ↑
- () ياقوت معجم البلدان، ج4، ص840. ↑
- () الإصطخري ص74، ابن حوقل ص200. ↑
- () صورة الأرض ص200. ↑
- () مسالك الممالك ص74. ↑
- () صورة الأرض ص194. ↑
- () رحلة ابن بطوطة، ج1، ص73. ↑
- () مسالك الممالك ص73. ↑
- () نفس المصدر ص73. ↑
- () صورة الأرض ص202. ↑
- () يبدو من ذلك أنّ أكثر أهلها كانوا من النصارى، خاصّة وقد كثرت فيها الحانات. ↑
- () ابن حوقل ص202. ↑
- () البلاذري: فتوح البلدان ص188. ↑
- () الإصطخري ص73ـ74. ↑
- () صورة الأرض ص200. ↑
- () صورة الأرض 199، وقد اعتبرها من أعمال نصيبين الشمالية. ↑
- () سمّاه اليونان Saocoras أو مجدونيوس Mydgonius. ↑
- () صورة الأرض ص191ـ194. ↑
- () انظر كذلك الإصطخري ص73. ↑
- () أحسن التقاسيم ص140. ↑
- () رحلة ابن جبير ص192. ↑
- () رحلة ابن بطوطة ص148. ↑
- () انظر الشابشتي، الديارات ص13. ↑
- () انظر ابن حوقل، ص200ـ201. والإصطخري ص74. ↑
- () صورة الأرض 201. ↑
- () مسالك الممالك ص74. ↑
- () أحسن التقاسيم ص139. ↑
- () ابن حوقل ص201، الإصطخري ص74. ↑
- () طلبان ترد لدى الإصطخري باسم طابا ولعل الجحشية هي السخيمية لدى الإصطخري ص74. ↑
- () مختصر كتاب البلدان ص133. ↑
- () انظر A. Moret, Histoire de L’Orient I p. 392 Honigmann Ency. Islam (Orfa) Vol. III p.162.يقول ابن الفقيه ص135: قال الأصمعي: كانت قريش تسأل في الجاهلية عن خصب باعربايا وهي الموصل! لقدرها عندهم ولم ينلهم في خصبها شيء قط وعن ريف الجزيرة وما يليها لأنّها تعدل في الخصب باعربايا. ↑
- () انظر ياقوت، ج1، ص177، يضيف: أنّ بين برقعيد وأذرمة خمسة فراسخ وبينها وبين السميعية فرسخ عرضاً وبينها وبين سنجار في العرض عشرة فراسخ. ↑
- () أحسن التقاسيم 139ـ140. ↑
- () صورة الأرض 199. ↑
- () فتوح البلدان 188، ياقوت، ج1، ص177. ↑
- () ياقوت، معجم البلدان، ج1، ص571. ↑
- () معجم البلدان، ج1، ص571، يقول ياقوت (ج1، ص572)، وكذلك ابن حوقل (ج1، ص572) إنّ برقعيد كانت موطن آل حمدان. ↑
- () المقدسي، أحسن التقاسيم ص140. ↑
- () ياقوت، ج1، ص571. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () صورة الأرض، ج1، ص220. ↑
- () المقدسي ص140، الإصطخري ص73. ↑
- () ابن حوقل ص199، المقدسي ص140. ↑
- () ابن حوفل ص199. ↑
- () معجم البلدان، ج3، ص158. ↑
- () ابن حوقل ص199. ↑
- () ياقوت، ج2، ص79. ↑
- () ص75. ↑
- () صورة الأرض ص202ـ203. ↑
- () سورة هود، الآية: 46. ↑
- () ابن حوقل، صورة الأرض ص206. ↑
- () بلدان الخلافة الشرقية ص123. ↑
- () مروج الذهب، ج1، ص63 (مصر). ↑
- () صورة الأرض ص147. ↑
- () أحسن التقاسيم ص54، 137، 149، ياقوت، ج4، ص585. ↑
- () معجم البلدان، ج1، ص466. ↑
- () صورة الأرض ص197. ↑
- () كتاب الخراج ص245. ↑
- () قال أحد الشعراء:باقردى وبازبدى مصيف ومربع
وعذب يحاكي السلسلي يرود
انظر مروج الذهب، ج1، ص63. ↑
- () السورة 11، الآية 43. انظر قدامة ص245. ↑
- () انظر المقدسي ص139. ابن حوقل، ج1، ص153 و157. ياقوت، ج1، ص934، وج2، ص144. ↑
- () التنوخي، نشوار المحاضرة، ج8، ص180. ↑
- () مراصد الاطلاع، ج1، ص676. ↑
- () معجم البلدان، ج1، ص199، ج2، ص663. ↑
- () مروج الذهب، ج8، ص145 (الطبعة الأوروبية). قلعة صوارة. ↑
- () ياقوت ج2، ص663. مراصد الاطلاع، ج2، ص561. ↑
- () مراصد الاطلاع، ج2، ص561. ↑
- () انظر ياقوت، ج5، ص957. مسكويه، ج2، ص392. ↑
- () لسترانج ص122. شترك. دائرة المعارف الإسلامية، م1، ص571. ↑
- () المسالك والممالك ص6 (طبعة بريل 1889). ↑
- () الخراج وصنعة الكتابة ص235 (بريل 1889). ↑
- () معجم البلدان ص186ـ187. ↑
- () ياقوت. معجم البلدان، ج1، ص186. مراصد الاطلاع، ج1، ص51. ↑
- () شترك دائرة المعارف الإسلامية، م1، ص571. ↑
- () سليمان صائغ. تاريخ الموصل، ج1، ص19. ↑
- () صورة الأرض ص196. ↑
- () المقدسي ص139، ياقوت ج4، ص683. ↑
- () E. I. Vol. 3 P. 609. ↑
- () ابن حوقل ص 197. ↑
- () سليمان صائغ، تاريخ الموصل، ج1، ص17ـ18. ↑
- () لسترانج ص115 أو Budh-Ardashiran-Shah انظر E. I. Vol. 3. P 609. ↑
- () E. I. Vol. 3, p. 609. ↑
- () سمّاه (ج1، ص43) بالتاريخ الطبيعي المحفوظ في مكتبة ماريثيون للكنعان في ديار بكر، ج2، ص13. ↑
- () معجم البلدان، ج4، ص682ـ683. ↑
- () مختصر كتاب البلدان، ج1، ص128 (بن بيوراسف). ↑
- () تاريخ الموصل، ج1، ص42. ↑
- () نفس المصدر، ج1، ص39ـ40. ↑
- () ياقوت، ج8، ص196، مراصد الاطلاع، 3، ص1333. ابن الفقيه، ص128. ↑
- () The Lands. P. 87. ↑
- () E.I. Vol. 3, p. 611 كذلك يفترض لسترانج هذا الافتراض، ص115. ↑
- () أحسن التقاسيم ص139. ↑
- () ابن الأثير الكامل، ج2، ص257. ↑
- () نفس المصدر، ج2، ص258. ↑
- () المصدر السابق، ج2، ص258. ↑
- () البلاذري، فتوح البلدان ص331. ↑
- () نفس المصدر ص332. ↑
- () في الجليل على الزاب الأكبر. ↑
- () أو بيت داسان واقعة غربي الزاب في جنوبي العمادية. ↑
- () قردى هي بهتان(بوتان) في شمالي جزيرة ابن عمر، وبازبدي أو بيت زبداي وهي جزيرة ابن عمر. ↑
- () صورة الأرض ص196. ↑
- () ابن حوقل ص198. ↑
- () كتاب الخراج (طبعة بريل) ص245. ↑
- () ياقوت، ج1، ص472. ↑
- () قدامة 245. ↑
- () معجم البلدان، ج1، صفحات 472، 474، 475، 481، 486، 867. ↑
- () لسترانج 119.راجع حول هذه المواضع ابن خرداذبه 94.
قدامة ص245، ابن الفقيه ص131ـ132 ـ وكذلك ياقوت معجم البلدان الاطلاع ومراصد تحت هذه الأسماء. ↑
- () المقدسي ص146، ابن حوقل ص145، ياقوت، ج1، ص866، 2/710. ↑
- () الأزدي. تاريخ الموصل (مخطوط) ج2، ورقة 17. ↑
- () نفس المصدر، ج2، ورقة 17ـ19. ↑
- () نفس المصدر، ج2، ورقة 37. ↑
- () ياقوت. معجم البلدان، ج4، ص683. ↑
- () الأزدي. تاريخ الموصل (مخطوط) ج2، ورقة 17 و24 و215. ↑
- () تاريخ الموصل، ج2، ورقة 215. ↑
- () ياقوت. معجم البلدان، ج4، ص683، الأزدي، تاريخ الموصل (مخطوط) ج2، ورقة 24. (والنسخة المنشورة ص33). ↑
- () ياقوت، معجم البلدان 4/683. ↑
- () ابن حوقل، صورة الأرض 213. ↑
- () المقدسي. أحسن التقاسيم ص148ـ139. ↑
- () رحلة ابن جبير ص187. ↑
- () رحلة ابن بطوطة 1/148. ↑
- () راجع: العقيليون. ↑
- () يقول المسعودي (مروج الذهب 1/145) طبعة مصر سنة 1346هـ: كانت ملوك العرب ـ أيام الإسكندر المقدوني ـ من مضر بن نزار بن معد وربيعة بن نزار وأنمار بن نزار والنضرية من بني نضر من اليمن وغيرهم من قحطان لهم ملوك، وقد نصبت كلّ طائفة لها ملكاً. ↑
- () Moret, His. De L’orient Vol. I, p. 302.لسترانج «بالعربية» ص129. ↑
- () انظر Cteiphon and Htra (Bachdad) 1965.سليمان صائغ ص30. الحضر (نشرة لمديرية الآثار العامة) بغداد. ↑
- () الطبري 1/384. ابن خلدون 2/171 و2/249. ↑
- () Honigmann, E.I. Vol. 3, p. 1062. ↑
- () معجم البلدان 2/37. ↑
- () الأمم والملوك 1/483 «مصر». ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () نفس المصدر 1/484ـ485. ↑
- () أي كركوك وما يجاورها. ↑
- () العبر 2/249. ↑
- () الطبري 1/184، الأغاني 2/37، 11/162. ↑
- () انظر ابن الأثير 1/295 و237 و242، الأغاني 3/3، العقد الفريد 3/342. ↑
- () ديار ربيعة، وديار مضر، وديار بكر (انظر الفصل الجغرافي). ↑
- () حرب البسوس من أيام العرب بين بكر وتغلب. ↑
- () ولد نزار بن معد بن عدنان هم مضر وربيعة وإياد «وقيل وإنمار» جمهرة أنساب العرب، ص10. ↑
- () إياد بن معد بن عدنان (ابن حزم، الجمهرة ص9). ↑
- () البكري ص7. ↑
- () بخاصة بين بكر وتغلب. ↑
- () بلاد قضاعة: كانت مساكن قضاعة ومراعي أغنامهم من شاطئ البحر الأحمر فما دونه شرقاً إلى منتهى ذات عرق وهي الحد بين نجد وتهامة إلى حين الحرم من السهل والجبل. ↑
- () مضر بن معد بن عدنان وقد أقامت في الحرم إلى السروات وما دونها من الثغور وما ولاها من البلاد. على حين أقامت ربيعة في مهبط الجبل من غمر ذي كندة [بينه وبين مكة مسيرة يومين] وبطن ذات عرق وما صاقبها من بلاد نجد إلى الثغور من تهامة (انظر الهمداني والبكري وكحالة حول هذه المواضع). ↑
- () البلاذري، فتوح البلدان ص250 وما بعدها. ↑
- () نفس المصدر ص250. ↑
- () نفس المصدر ص252. ↑
- () يقول البلاذري ص255 إنّها سمّيت بالأنبار لأنّ أهراء العجم [المخازن] كانت بها. ↑
- () البلاذري ص257. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () نفس المصدر ص258. ↑
- () نفس المصدر ص183. ↑
- () نفس المصدر 180ـ189. ↑
- () نفس المصدر ص185. ↑
- () سليمان صائغ، تاريخ الموصل ص51 وما بعدها. ↑
- () انظر الأزدي (مواضع مختلفة). ↑
- () Kindermann E.I. Supp. P223. ↑
- () Freytag Zdmg. Vol. X1 p. 436. ↑
- () صفة جزيرة العرب 133. ↑
- () صورة الأرض 205. ↑
- () صفة جزيرة العرب 133. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () صفة جزيرة العرب 133. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () صورة الأرض 195. ↑
- () نفس المصدر ص196. ↑
- () نفس المصدر ص205. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () نفس المصدر ص199. ↑
- () ابن حوقل 195. ↑
- () انظر سليمان صائغ، تاريخ الموصل 51 وما بعدها. سعيد الديوه جي، والموصل 5 ـ 6 . ↑
- () تاريخ الموصل 51. ↑
- () نفس المصدر 52. ↑
- () انظر ابن الأثير 2/258 حول اليهود والمجوس في الموصل. ↑
- () تاريخ الموصل «مخطوط» المجلد 2، ورقة 80ـ87 ومواضع مختلفة سوقد نشر الكتاب بتحقيق الدكتور حبيبة سنة 1967». ↑
- () الأزدي: تاريخ الموصل (تحقيق د. علي حبيبة. القاهرة) ص87. ↑
- () المصدر السابق 101. ↑
- () المصدر السابق 113. ↑
- () نفس المصدر 24. ↑
- () نفس المصدر91ـ92. ↑
- () ياقوت 2/450. ↑
- () تاريخ الموصل 92ـ93. ↑
- () الديبور: كورة تابعة للموصل «قدامة 245». ↑
- () الأزدي 95. ↑
- () انظر الأزدي، تاريخ الموصل مواضع مختلفة. ↑
- () المصدر السابق 253 و268 ومواضع أخرى. ↑
- () محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد والكردستان 64. ↑
- () E. I. Vol. 2, p. 1196 (طبعة باريس بالفرنسية 1927). ↑
- () محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد والكردستان 64. ↑
- () E.I. Vol. 2, p 1198. (الطبعة الفرنسية) ↑
- () ابن حوقل، صورة الأرض 195. ↑
- () نفس المصدر ص195. ↑
- () نفس المصدر ص 205. ↑
- () صفة جزيرة العرب 133 (مصر 1953). ↑
- () الطبقات الكبرى 4: 66، فتح الباري 8: 124، الكامل في التاريخ 2: 317، تاريخ اليعقوبي 2: 77، 113، تهذيب تاريخ دمشق 2: 395 و3: 218، مختصر تاريخ دمشق 4: 248/237 و5: 129/56، شرح نهج البلاغة 1: 159، 220، تاريخ الخميس 2: 172. ↑
- () الكامل في التاريخ 2: 317. ↑
- () الطبقات الكبرى 4: 68، المغازي/ الواقدي 3: 1119، تاريخ ابن خلدون 2: 484، عيون الأثر 2: 352، تاريخ اليعقوبي 2: 113. ↑
- () الملل والنحل 1: 29. ↑
- () الكامل في التاريخ: 2: 317، 323؛ جهّز الجيش في المحرّم بعد عودته من حجة الوداع، وابتدأ به المرض في أواخر صفر، وتوفّي في الثاني عشر من ربيع الأوّل. ↑
- () كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد أخبرهم بوفاته قبل وقوعها بشهر، وكان جيش أسامة في أيّام استعداده الأولى وتجمّعه. انظر: الكامل في التاريخ 2: 319ـ320. ↑
- () الطبقات الكبرى 4: 68، سيرة ابن هشام 4: 301، الكامل في التاريخ 2: 321، ابن أبي الحديد 1: 160، الروض الأنف 7: 544. ↑
- () مسند أحمد 3: 346. *:صحيح البخاري- كتلب المرضي،صحيح مسلم3: 1257/1637و1259،مسند أحمد،الكامل في التاريخ2: 320.**ابن ابي الحديد/شرح نهج البلاغ 1:183 . ↑
- () شرح نهج البلاغة 1: 160. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 200. ↑
- () منهاج السنة 3: 135. ↑
- () من كلمة أبي بكر في السقيفة: ابن قتيبة/ الإمامة والسياسة 1: 14ـ15، الطبري/ التاريخ 3: 220. ↑
- () من كلمة عمر في السقيفة: الإمامة والسياسة 1: 15، تاريخ الطبري 3: 220. ↑
- () أي نعيد الحرب بيننا وبينكم فتيّة. ↑
- () الإمامة والسياسة 1: 15. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 221. ↑
- () الإمامة والسياسة 1: 15، تاريخ الطبري 3: 221، وهذا كلّه أورده ابن الأثير/ الكامل في التاريخ 2: 325ـ331. ↑
- () الطبقات الكبرى 3: 181. ↑
- () ابن الجوزي/ المنتظم 4: 67، السيوطي/ تاريخ الخلفاء: 65. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب المحاربين 6 ح/6442، سيرة ابن هشام 4: 308، تاريخ الطبري 3: 206. ↑
- () تاريخ الخلفاء: 66، تاريخ الطبري 3: 224، الإمامة والسياسة 1: 22، صفة الصفوة 1: 261، البداية والنهاية 6: 334، الموفقيات: 579/379. ↑
- () الإمامة والسياسة 1: 12. ↑
- () تاريخ اليعقوبي 2: 124. ↑
- () انظر: تاريخ أبي الفداء 2: 63، ابن أبي الحديد 2: 49، 56 و6: 11، تاريخ اليعقوبي 2: 124، تاريخ الطبري 3: 205، الكامل في التاريخ 2: 325، 331، تاريخ الخلفاء: 51. ↑
- () انظر: البداية والنهاية 6: 8365. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 198، العقد الفريد 4: 87، ابن أبي الحديد 2: 56، 6: 48، تاريخ أبي الفداء 2: 64، مسند فاطمة/ السيوطي ح/31. ↑
- () الإمامة والسياسة 1: 19. ↑
- () ابن أبي شيبة/ المصنّف 8: كتاب المغازي ـ باب 43 ح/4. ↑
- () الإمامة والسياسة 1: 24، تاريخ الطبري 3: 430.. ↑
- () انظر القرطبي/ التفسير 11: 174، الرازي/التفسير 22: 137، الآلوسي/التفسير 16: 284 (سورة الأحزاب/ آية 33)، ابن كثير/ البداية والنهاية 5: 343. ↑
- () صحيح مسلم 4: 1871/2404، سنن الترمذي 5 ح/2999، مصابيح السنّة 4ح/4795، وانظر آية 61 من آل عمران في سائر التفاسير. ↑
- () صحيح مسلم 4: 1883 ح/2424، وقد تقدّم مع مزيد من التوثيق. ↑
- () مسند أحمد 2: 442، سنن الترمذي 5 ح/3870، سنن ابن ماجة 1 ح/145، مصابيح السنّة 4: 190/4817، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 9 ح/6938. ↑
- () صحّحه الحاكم والذهبي / المستدرك وتلخيصه 3: 121، 128. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 222، 223، الكامل في التاريخ 3: 63، شرح نهج البلاغة 12: 9، 53. ↑
- () مروج الذهب 2: 330. ↑
- () انظر جواب الإمام عليّ على رسالته / نهج البلاغة: 385ـ388 الكتاب رقم 28. ↑
- () مقاتل الطالبيين: 67. ↑
- () مقاتل الطالبيين: 60، 81. ↑
- () راجع: مقاتل الطالبيين / من أوّله إلى آخره، بل نظرة عجلى في عناوين فصوله تغنيك عن الكثير. ↑
- () مروج الذهب 3: 90 من حديث حماد بن سلمة، مختصراً، وذكر أنّ تفصيله في كتابه الآخر (حدائق الأذهان)، شرح نهج البلاغة 20: 147، وقصّة عبدالله بن الزبير هذه مع بني هاشم متّفق عليها، وقد كانت سبباً في وفاة عبدالله بن عبّاس، انظر ترجمة عبدالله بن عبّاس في: أسد الغابة 3: 194ـ195، تهذيب تاريخ دمشق 7: 4ـ412، سير أعلام النبلاء 3: 356. ↑
- () ابن الجوزي / تاريخ عمر بن الخطّاب: 92. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 209. ↑
- () الزبير بن بكار / الموفقيّات ـ عنه ابن أبي الحديد 12/82. ↑
- () الطبقات الكبرى 4: 97ـ98، تاريخ الطبري 3: 387، تاريخ اليعقوبي 2: 133. ↑
- () البداية والنهاية 7: 6ـ7 وقد ذكرها ابن سعد والطبري عن سيف بعد ذكرهما القول الأوّل. ↑
- () ابن أبي الحديد 6: 41. ↑
- () يعرّض بأبي بكر، فالعرب تسمّي الفتى من الإبل (بكر) وأصغر منه (فصيل) إذا انفصل عن أمّه!. ↑
- () البداية والنهاية 7: 6. ↑
- () البداية والنهاية 7: 7. ↑
- () البداية والنهاية 7: 109. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 220. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 252. ↑
- () انظر: تفسير قوله تعالى: { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18]، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، في تفسير الطبري م11ـج21: 107 وم13ـج26: 124 وفي غيره. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 220. ↑
- () سورة محمد، الآية: 9. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 223ـ224. ↑
- () ابن سعد/ الطبقات الكبرى 5: 20. ↑
- () شرح نهج البلاغة 12: 21، محاضرات الأدباء/ للراغب الأصفهاني 2: 478. ↑
- () الإصابة 3: 357، وفي رواية «فإن قام بالأمر المجدّد» وأخرى «الدين المخوّف». ↑
- () تاريخ الطبري 3: 253. وفيه أيضاً 3: 280. ↑
- () تاريخ اليعقوبي 2: 128ـ129، الزبير بن بكار/ الموفقيات: 583ـ599، عنه ابن أبي الحديد 6: 23، 33. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 202، الكامل في التاريخ 2: 325، تاريخ اليعقوبي 2: 124، الاستيعاب 3: 550، الموفقيات/ الزبير بن بكار ـ عنه ابن أبي الحديد 6: 21. ↑
- () الآلوسي/ روح المعاني 10: 45. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 202، 209، الكامل في التاريخ 2: 325، الطبقات الكبرى 3: 184. ↑
- () العقد الفريد: 4: 85. ↑
- () محمّد الخضري / تاريخ الأمم الإسلامية ـ الدولة العباسية: 497. ↑
- () ابن أبي الحديد 6: 45، 12: 46 عن الزبير بن بكّار، ولم أجده في الموفقيات المطبوع. ↑
- () قيل: معناه حمل الكرمة ـ أراد به الكناية عن صغر سنّ عليّ (عليه السلام). ↑
- () شرح نهج البلاغة 6: 43. ↑
- () شرح نهج البلاغة 12: 78ـ79. ↑
- () انظر: سسن الدارمي 1: 85، سنن ابن ماجة 1: 12 /28، الطبقات الكبرى 6: 7، المستدرك 1: 110، و125، تذكرة الحفّاظ 1: 7. ↑
- () تذكرة الحفّاظ: 1: 2ـ3. ↑
- () البداية والنهاية 8: 107. ↑
- () تذكرة الحفّاظ 1: 2ـ3. ↑
- () انظر: بلاغات النساء: 29، 31. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 430، الإمامة والسياسة 1: 24. ↑
- () تذكرة الحفّاظ 1: 5. ↑
- () المستدرك 1: 110، وتلخيصه/ للذهبي ـ نفس الصفحة. ↑
- () كما ذكره السيوطي في/ تنوير الحوالك 3: 93، وقد تقدّم ذكره، وقولهم فيه إنّه من أركان الكذب وإنّ نسخته هذه عن أبيه عن جدّه موضوعة، كما قال الذهبي في/ ميزان الاعتدال 3: 406ـ407. ↑
- () سيرة ابن هشام 4: 186، وانظر ما قيل في عكرمة في تهذيب التهذيب 7: 237. ↑
- () هما: سلمة بن الفضل الأبرش، ومحمّد بن حميد الرازي، انظر حاليهما في/ تهذيب التهذيب 4: 153، 9: 129. ↑
- () محمود الزعبي/ البيّنات في الردّ على المراجعات 1: 9. وقد أسقطه فرط حماسه في كثير من الغرائب نذكر منها نقضه على صاحب المراجعات تسمية ابن بابويه القمّي بـ (الصدوق)، إذ يقول في الجزء الثاني ص170: «والقمّي هذا إنّما هو من أحفاد الشريف القمّي الذي والى التتر ووقف بجانبهم يوم غزوهم ديار المسلمين ـ انظر البداية والنهاية 14: 9».والذي نقله عن البداية والنهاية في ذكر الشريف القمّي إنّما كان في أحداث سنة 699هـ، بينما كانت وفاة الصدوق سنة 381هـ، فقد عاش هذا (الحفيد) إذن قبل جدّه بثلاثة قرون!!. ↑
- () مسند أحمد 3: 14، 17 و4: 367 و371 و5: 182، 189. سنن الترمذي 5 ح/3788. ↑
- () ابن حجر الهيثمي/ الصواعق المحرقة: 150 ـ باب 11 ـ فصل 1. ↑
- () كما تقدّم آنفاً، وفي غير موضع، وكما سيأتي في فقرة «السنّة في ربع قرن». ↑
- () انظر: نهج البلاغة ـ الخطبة 149 من كلام له (عليه السلام) قبل موته: ص207، والخطبة 89، ص122، والخطبة 100، ص146، والخطبة 120، ص176، والخطبة 128، ص186، والخطبة 131، ص189 الفقرة الأخيرة، والخطبة 175، ص250، والخطبة 210، ص328، والخطبة 239، ص358. ↑
- () نهج البلاغة/ الكتاب 62: 451. ↑
- () نهج البلاغة/ الخطبة 74: 102. ↑
- () وورد مثلها عن الحسين مع عمر/ مختصر تاريخ دمشق: 127. ↑
- () صحيح البخاري ـ فضائل الصحابةح/3509. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 439، وقد تقدّم. ↑
- () رواها: الكليني/ الكافي 7: 216/16، 249/4، والمفيد/ الإرشاد 1: 199، والطوسي/ تهذيب الأحكام 10: 94/361. ↑
- () تاريخ اليعقوبي 2: 132ـ133. ↑
- () الطبقات الكبرى 1: 168. ↑
- () الزبير بن بكار/ الموفقيات، عنه ابن أبي الحديد 12: 52، وقد تقدّم. ↑
- () انظر: ترجمة أم كلثوم في (الاستيعاب) و(أسد الغابة) و(الإصابة). وانظر: الشيخ المفيد/ المسائل السروية: المسألة العاشرة. ↑
- () مختصر تاريخ دمشق 7: 126، شرح نهج البلاغة 12: 66. ↑
- () ابن الجوزي/ تاريخ عمر بن الخطّاب: 96. ↑
- () ابن الجوزي/ تاريخ عمر بن الخطّاب: 103، ابن سلام/ الأموال: 286/551، 552. ↑
- () شرح نهج البلاغة 12: 82. ↑
- () د. محمد روّاس قلعچي/ الموسوعة الفقهية ـ موسوعة فقه عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام). ↑
- () هاشم معروف الحسني/ سيرة الأئمة الإثني عشر 1: 347. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 428. ↑
- () سنن النسائي ـ كتاب الخمس، باب 1، ح/1 و2، سنن أبي داود 3: 146 ح/2982. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب الخُمس ـ باب 17 ح/2971 سنن النسائي ـ كتاب الخمس، باب 1 ح/4 و5، باب 2، مسند أحمد 4: 81، 83، 85، سنن أبي داود ح/2978ـ2980 وقد تقدّم. ↑
- () سنن النسائي ـ كتاب الخمس ح/11. ↑
- () كما هو راجح عند ابن أبي الحديد 12: 3ـ5، ومحمّد جواد مغنية/ في ظلال نهج البلاغة 3: 330، أمّا ابن ميثم البحراني فقال: «المنقول أنّ المراد بفلان عمر» لكنّه رجّح كون المراد أبا بكر (شرح نهج البلاغة 4: 97)، لكن ابن أبي الحديد عزّز رأيه برأي الشريف الرضي إذ وجد نسخة نهج البلاغة بخطّ الشريف الرضي، وفيها تحت كلمة «فلان»: «عمر».وقد تشهد لها رواية ابن السمان في الموافقة، إذ أوّلها: «لله در باكية عمر، واعمراه! قوّم الأود…» مع اختلاف في بعض ألفاظها. الرياض النضرة 1: 358ـ359. ↑
- () انظر: ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة 12: 23، 26، 42 ـ 44، ابن سعد/ الطبقات الكبرى 5: 560، ابن سلام/ الأموال: 342ـ343. لكنّ معاوية وحده، الأمير على دمشق، لم ينله شيء من ذلك، وحتّى مشاطرة الأموال التي استكثر منها، فربّما نجاح بدهائه، وأيّاً كان فقد مكّن له هذا ما سوف يصنعه غداً من انقلاب وتمرّد في أكبر انحراف تعرّض له مسار الإسلام في الواقع. ↑
- () محمّد قطب/ كيف نكتب التاريخ الإسلامي: 110ـ112. ↑
- () انظر: صحيح مسلم ـ كتاب الحدود ح/1707، الذهبي/ تاريخ الإسلام ـ عهد الخلفاء الراشدين: 667، ابن حبّان/ السيرة النبويّة وأخبار الخلفاء: 503، 506، 513ـ520. ↑
- () الذهبي/ تاريخ الإسلام ـ الخلفاء الراشدون: 406. ↑
- () شهد بيعة العقبة ـ بيعة الأنصار لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل الهجرة. ↑
- () انظر: تاريخ المدينة 3: 1034، تاريخ اليعقوبي 2: 171ـ173، سير أعلام النبلاء 2: 7، 9ـ10. وهذه الأحداث قد أحجم الطبري عن ذكرها كما بيّناه في فصل (نقد التاريخ) حين اكتفى بأخبار العاذرين معاوية، فغابت عن تاريخ ابن حزم وابن الأثير وابن كثير وابن خلدون الذين اعتمدوا الطبري بشكل رئيسي في تاريخ ذلك العهد. ↑
- () الطبقات الكبرى: 3: 150ـ158، تاريخ المدينة 3: 1049، الرياض النضرة 3: 84. ↑
- () تاريخ المدينة 3: 1099، 1100، 1101، 1102، الاستيعاب 2: 477، الإمامة والسياسة 1: 32ـ33، الرياض النضرة 3: 85. وهذه الأخبار كلّها ذكرها البلاذري في القسم الرابع من أنساب الأشراف. ↑
- () مروج الذهب 2: 356، أسد الغابة 1: 305، الذهبي/ تاريخ الإسلام ـ الخلفاء الراشدون: 667. ↑
- () الذهبي/ تاريخ الإسلام ـ الخلفاء الراشدون: 430ـ431. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 459، الكامل في التاريخ 3: 206، الإمامة والسياسة 1: 51، الفتوح/ لابن أعثم 1: 434. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 469، الكامل في التاريخ 3: 174، 216، الإمامة والسياسية: 65. ↑
- () الذهبي/ تاريخ الإسلام ـ الخلفاء الراشدون 432. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 356ـ357، 360، الكامل في التاريخ 3: 163. ↑
- () أي تتّخذوني سفيراً. ↑
- () عند الدكتور صبحي الصالح: «وأنت أقرب إلى أبي رسول الله…». ↑
- () أي يخلطون فيها خلطاً. ↑
- () نهج البلاغة/ صبحي الصالح: ح/164، تاريخ الطبري 4: 337. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 360، الكامل في التاريخ 3: 163. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 162ـ163. ↑
- () تاريخ البطري 4: 360ـ361، الكامل في التاريخ 3: 164. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 164، البداية والنهاية 7: 192ـ193. ↑
- () الذهبي/ تاريخ الإسلام ـ الخلفاء الراشدون: 443. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 362، الكامل في التاريخ 3: 165، البداية والنهاية 7: 193. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 363، الكامل في التاريخ 3: 166. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 167. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 167. وانظر أيضاً: الصفحة 174 منه، وتاريخ الطبري 4: 379 ـ قول عثمان: «هذا ما أمر به طلحة ابن عبيدالله، اللّهمّ اكفني طلحة، فإنّه حمل عليَّ هؤلاء وألَّبهم عليَّ، والله إنّي لأرجو أن يكون منها صفراً، وأن يسفك دمه! إنّه انتهك منّي ما لا يحلّ له!. ↑
- () الذهبي/ الخلفاء الراشدون: 458ـ459. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 371. ↑
- () نهج البلاغة: 73/30. ↑
- () انظر تاريخ الطبري 4: 415ـ418. ↑
- () فوات الوفيات 4/270. ↑
- () لسان الميزان 7/409. ↑
- () الوافي بالوفيات 1/53؛ وهو هنا ذكر هذا الكتاب كواحد من مصادره. ↑
- () فهرس مخطوطات مكتبة الأوقاف العامّة في الموصل 4/182 رقم 27/23. ↑
- () الإصابة في تمييز الصحابة 3/97 وج6/689. ↑
- () انظر ـ كمثال ـ : لسان الميزان 1/113، ص128، وص581، وج2/130، ص147، ص149، ص153، ص154، ص159، ص169، ص173، ص217، ص224، ص250، ص255، ص257، ص290، ص319، ص355، ص412، ص420، ص485 (في موردين)، ص491، ص492، ص501، ص529 (في موردين)، وص553. ↑
- () المقالات التاريخية ـ الكتاب الثاني؛ مقالة: الشيعة والآثار الأربعة في التاريخ المحلّى: 199. ↑
- () انظر ـ كمثال ـ: لسان الميزان 1/547 رقم 1115، وص560 رقم 1157. ↑
- () انظر ـ كمثال ـ: لسان الميزان 1/59. ↑
- () لسان الميزان 2/17، ترجمة «بركة بن يحيى الكاشي». ↑
- () ذكر الدكتور مصطفى جواد بأنّ وفاته سنة 627هـ، راجع: أعيان الشيعة 10/286. ↑
- () الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة 1 ـ ق1 ـ /64. ↑
- () Encyclopaedia of Islam, Vol. 3. P693. ↑
- () وفيات الأعيان 6/126، لسان الميزان 7/362. ↑
- () لسان الميزان 7/409. ↑
- () فوات الوفيات 4/270ـ271. ↑
- () وذلك في المجموعة المعروفة باسم «مجموعة الجباعي»؛ وقد نقل (أعيان الشيعة) نصّ هذه الترجمة عن تلك المجموعة 10/286. ↑
- () في الأعيان: تأدّب وتفقّه. ↑
- () ذكر الصفدي هذا العنوان في مقدّمة كتاب الوافي 1/54. ↑
- () الملك الظاهر هذا ـ والي حلب من سنة 582 إلى سنة 613 ـ وصفته بعض المصادر بالتشيّع. انظر: نسب خلفاء وشهرياران: 152. ↑
- () فوات الوفيات والذيل عليها 4/269ـ271. ↑
- () مجمع الآداب في معجم الألقاب 5/525ـ527. ↑
- () مجمع الآداب 5/591. ↑
- () مجمع الآداب 1/490. ↑
- () قال محقّق تاريخ الإسلام هنا: لم يصلنا الجزء المتضمّن تراجم حرف الياء من كتاب ابن العديم الحلبي بغية الطلب في تاريخ حلب. ↑
- () تاريخ الإسلام السنوات 621ـ630/421. ↑
- () في الأصل المطبوع: المازراني. ↑
- () في الأصل المطبوع: بهجة. ↑
- () لسان الميزان 7/409ـ410 رقم 9241. ↑
- () الأنوار الساطعة في المائة السابعة: 205. ↑
- () قال الدجيلي ـ في أعلام العرب في العلوم والفنون 2/57 ـ: منه نسخة ببعض مكتبات لندن. ↑
- () في المصدر: مناقب الأئمّة الإثني عشر وفيها زجر البشر!!. ↑
- () أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء 4/354. ↑
- () إشارة إلى ياقوت الحموي. ↑
- () أعيان الشيعة 10/286ـ287، ومجمع الآداب في معجم الألقاب 1/490 في الهامش. ↑
- () «لاميّة العرب»: قصيدة لعمرو بن مالك الشنفرى، المتوفّى سنة 70 قبل الهجرة، يقول عنها عبد الملك الأصعمي، المتوفى سنة 216هـ: علّموا أولادكم لاميّة العرب؛ فإنّها تطلق الألسن بالفصاحة. ↑
- () أعلام النبلاء، بتاريخ حلب الشهباء 4/354.وقد طبع مؤخّراً بالتصوير مع مقدّمة للأستاذ السيّد محمد حسين الجلالي بعنوان «المنتجب في شرح لاميّة العرب» في شيكاغو في أميركا. مستظهراً أنّ النسخة كانت بخطّ المؤلّف. ↑
- () سمعت من أحد الإخوة المحقّقين ـ الأستاذ حسين المدرّسي الطباطبائي، على ما يروي عن مستر نيومن الأستاذ بجامعة أدينبورج حالياً ـ بأنّ نسخة من كتاب معادن الذهب كانت محفوظة في مكتبة دار الكتب بالقاهرة، وقد تلفت في الفترة الأخيرة ولم يبقَ من النسخة إلاّ غلافها. ↑
- () الوافي بالوفيات 1/48. ↑
- () مجمع الآداب في معجم الألقاب 2/203 رقم 1332. ↑
- () مجمع الآداب في معجم الألقاب 4/135، رقم 3523. ↑
- () مجمع الآداب في معجم الألقاب 4/333، رقم 3940. ↑
- () الأغلاق الخطيرة 1 ـ ق1 ـ /150ـ153. ↑
- () الأعلاق الخطيرة 1 ـ ق1 ـ/34.وقد ذكر الأمر ابن الشحنة (ت890هـ) في كتاب الدرّ المنتخب في تاريخ مملكة حلب: 67، نقلاً عن ابن شدّاد؛ وكذلك نقل في ص 85 ما أورده ابن شدّاد ـ نقلاً عن ابن أبي طيّ ـ بخصوص مشهد الدكّة.
كما نقل ابن العجمي الحلبي (ت884هـ) في كتاب كنوز الذهب في تاريخ حلب 2/220 موضوعاً عن ابن أبي طيّ بواسطة ابن شدّاد.
وأيضاً الأعلاق الخطيرة ـ تاريخ لبنان والأردن وفلسطين/115. ↑
- () بغية الطلب في تاريخ حلب 9/4167. ↑
- () شهاب الدين أحمد بن إسماعيل، المعروف بـ : «أبو شامة»، وكتاب الروضتين في أخبار الدولتين أصدرته مؤسسة الرسالة/ بيروت في خمسة أجزاء، بتحقيق إبراهيم الزيبق. ↑
- () كتاب الروضتين: 3/82 الهامش. ↑
- () Heyd, Histoire du Commerce du Levant, Vol. 1, P. 2. ↑
- () ديموميين، النظم الإسلامية 249. ↑
- () قدامة. كتاب الخراج وصنعة الكتابة 215. ابن خرداذبه. المسالك والممالك 93 ـ 94 . ↑
- () قدامة 216. ↑
- () ابن خرداذبه. المسالك والممالك 96. قدامة 216. ↑
- () ابن خرداذبه 95. ↑
- () Lestrange 124. ↑
- () ابن خرداذبه 216ـ217. ↑
- () قدامة 216. ↑
- () رسائل ابن إسحاق الصابي 1/134ـ135 «بيروت». ↑
- () نفس المصدر 1/136. ↑
- () ابن حوقل. صورة الأرض 1/215. ↑
- () المقدسي. أحسن التقاسيم 138ـ139. ↑
- () تاريخ الموصل (مخطوط) 2 ورقة 17 و24 إلخ. ↑
- () المقدسي 138ـ139. ↑
- () المنتظم . ابن الجوزي 10/170. ↑
- () المقدسي. أحسن التقاسيم 138. ↑
- () نفس المصدر 141. ↑
- () ابن حوقل. صورة الأرض 191، 199. ↑
- () نفس المصدر 201. ↑
- () المقدسي 145. ↑
- () ابن خلدون، المقدمة 226. ↑
- () Lane Poole, Catalogue, p. 3361. ↑
- () Ibid, P. 336. ↑
- () Ibid, P. 386. ↑
- () ابن ظافر 10 أ. ↑
- () P. 62-191. ↑
- () هناك بعض القطع النقدية الحمدانية محفوظة في المتحف العراقي. ↑
- () ابن ظافر ورقة 10أ. ↑
- () ديموميين، النظم الإسلامية 253. ↑
- () آدم متز 2/262 الحضارة الإسلامية. ↑
- () نفس المصدر، 2/267. ↑
- () انظر، ديوان السري الرفاء. ↑
- () صورة الأرض 198. ↑
- () المقدسي 145. ↑
- () الدوري. تاريخ العراق الاقتصادي 91. ↑
- () أحسن التقاسيم 145ـ 146. ↑
- () ديوان السري الرفاء 280. ↑
- () ديوان السري الرفاء 34 ـ 36. ↑
- () سومر المجلد 10 ـ 1/99. ↑
- () الكامل 8/465. ↑
- () سومر م 10 ـ 1/101. ↑
- () نفس المصدر والجزء 100. ↑
- () العمري، منية الأدباء 100. ↑
- () المقدسي، أحسن التقاسيم 146. ↑
- () ابن جبير. رحلة ابن جبير 189. ↑
- () العمري، مسالك الأبصار 1/254. ↑
- () نفس المصدر 1/255. ↑
- () الديارات 121. ↑
- () الشابشتي. الديارات 69. العمري. مسالك الأبصار 1/259. ↑
- () نفس المصدر 117. ↑
- () العمري. مسالك الأبصار 1/289. ↑
- () المصدر السابق 114. ↑
- () الشابشتي. الديارات 115. ↑
- () العمري. مسالك الأبصار 1/299ـ300. ↑
- () نفس المصدر 301. ↑
- () الشابشتي، الديارات 60. ↑
- () الشابشتي، الديارات 263. ↑
- () ديوان كشاجم 36. ↑
- () الشابشتي. الديارات 139. ↑
- () ابن شاكر، فوات الوفيات 2/153. ↑
- () يتيمة الدهر 1/63. ↑
- () وفيات الأعيان 1/227، و2/44ـ45 «طبعة النهضة المصرية» وأبو المطاع هو الذي لجأ إلى الفاطميين وتوفي في سنة 428 كما أسلفنا. نفس المصدر 2/44ـ45 «النهضة». ↑
- () اليتيمة 1/17ـ74. ↑
- () نفس المصدر 105. ↑
- () نفس المصدر والمكان. يقول ابن خلكان «2/106» إنّ وفاة السري كانت ببغداد في سنة 366 على الأرجح. ↑
- () الشابشتي. الديارات 17أ. ↑
- () وفيات الأعيان 0/394 و2/410 «مطبعة النهضة المصرية». ↑
- () نفس المصدر 1/395 و2/411 ـ412 «النهضة». ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () يتيمة الدهر 2/214. ↑
- () ياقوت، معجم الأدباء 14/240ـ242. ↑
- () الثعالبي، يتيمة الدهر 1/89. ↑
- () معجم الأدباء 14/240/242. ↑
- () ديوان السري الرفاء 131، 133، 194. ↑
- () ابن النديم، الفهرست 169. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () نفس المصدر والمكان. ↑
- () ياقوت، معجم الأدباء 13/125/126. ↑
- () يتيمة الدهر 1/249 «مطبعة حجازي بالقاهرة». ↑
- () الثعالبي، يتيمة الدهر 1/250. ↑
- () يتيمة الدهر، 1/258. ↑
- () العمري. مسالك الأبصار 1/301. ↑
- () المقدسي. أحسن التقاسيم 139. ↑
- () أسد الغابة في معرفة الصحابة 4/101. ↑
- () ثمار القلوب «مصر» 205. ↑
- () ديوان السري الرفاء 134. ↑
- () نفس المصدر 174. ↑
- () أنظر ديوان السري الرفاء «مواضع مختلفة». ↑
- () ابن خلكان، وفيات الأعيان 1/252، اليتيمة 2/117. ↑
- () انظر تاريخ الأفكار الاقتصادية: 181. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () انظر تاريخ الأفكار الاقتصادية: 176. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق: 176ـ177. ↑
- () بؤس الفلسفة لماركس، المقدمة: 7. ↑
- () النظام الاشتراكي: 109. ↑
- () تاريخ الأفكار الاقتصادية: 196. ↑
- () هذه هي الماركسية: 160. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق: 167. ↑
- () الاقتصاد السياسي: 47. ↑
- () الاقتصاد السياسي: 47. ↑
- () الشيوعية والإنسانية: 147. ↑
- () الاقتصاد السياسي: 47. ↑
- () الاقتصاد السياسي: 47ـ49. ↑
- () النظام الاشتراكي: 122 نقلاً عن كتاب رأس المال. ↑
- () النظام الاشتراكي: 120. ↑
- () انظر تاريخ الأفكار الاقتصادية: 136. ↑
- () الشيوعية والإنسنية: 145. ↑
- () انظر تاريخ الأفكار الاقتصادية: 211. ↑
- () ↑
- () ↑
- () ↑
- () انظر الاقتصاد السياسي: 69. ↑
- () الاقتصاد السياسي، 67ـ68. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق: 76. ↑
- () النظام الاشتراكي: 114. ↑
- () النظام الاشتراكي: 115. ↑
- () انظر الاقتصاد السياسي: 47. ↑
- () تاريخ الأفكار الاقتصادية: 237. ↑
- () انظر طبقات ابن سعد ـ مطبعة ليدن، 1335هـ ـ ج3: ق1: 213. ↑
- () انظر تاريخ الطبري ـ ط1، المطبعة الحسينية، مصر، 1326هـ ـ ج4: 163. ↑
- () شرح نهج البلاغة: ج1: 90. ↑
- () نهج البلاغة: 183. ↑
- () المصدر السابق: 81. ↑
- () المصدر السابق: 194. ↑
- () نهج البلاغة: 428ـ429. ↑
- () المصدر السابق: 427ـ428. ↑
- () نهج البلاغة: 439. ↑
- () المصدر السابق: 444. ↑
- () نهج البلاغة: 436. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج13: 212. ↑
- () نهج البلاغة: 434. ↑
- () نهج البلاغة: 438. ↑
- () المصدر السابق: 438. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج1: 90، ونهج البلاغة: 57. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج19: 240. ↑
- () نهج البلاغة: 425. ↑
- () نهج البلاغة: 438ـ439. ↑
- () نهج البلاغة: 439. ↑
- () انظر شرح نهج البلاغة، ج17: 86. ↑
- () نهج البلاغة 417ـ418. ↑
- () مقدّمة ابن خلدون: فصل 25 ـ ص238. ↑
- () الفِصَل 4: 87. ↑
- () وهذا الفراغ هو الذي دفع الشيخ علي عبد الرزاق أن ينفي أيّ صلة للدين الإسلامي بالسياسة والدولة المدينة ـ علي عبد الرزاق/ الإسلام وأصول الحكم: الكتاب الثالث. ↑
- () راجع: تاريخ اليعقوبي 2: 162، تاريخ الطبري 4: 238، الكامل في التاريخ 3: 71، البداية والنهاية 7: 164ـ165.
- تعقيب: أرى على دعاة السلفية أن يقفوا أمام هذه المسألة بجدّ، فإنّها تناقض أصل دعوتهم التي ترفض الالتزام التامّ بأيّ مصدر آخر غير الكتاب والسنّة، فدخول هذا الشرط الجديد في البيعة باطل إذن، فإمّا أن تكون هذه البيعة باطلة، وإمّا أن يكون أصل دعوتهم بحاجة إلى إعادة نظر. إنّ عليهم وفق مبدئهم أن ينضموا إلى شيعة عليّ، أو أن يذعنوا للشيعة بأنّهم هم السلفيّون حقّاً.
- () الفِصَل 4: 168. ↑
- () راجع: الأحكام السلطانية/ للماوردي: 6ـ7. ↑
- () سورة النمل، الآية: 64. ↑
- () الفِصَل 4: 168. ↑
- () الفِصَل 4: 169، والآية من سورة النساء: 59. ↑
- () راجع: الأحكام السلطانية/ للماوردي: 6 ـ 14 ، الأحكام السلطانية/ للفرّاء؛ 23، مآثر الإنافة 1: 39ـ58. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 20، مآثر الإنافة 1: 58، شرح المقاصد 5: 233. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 20، 22، 23. ↑
- () مآثر الإنافة 1: 71. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب المحاربين باب 16/ح6442، مسند أحمد 1: 56، سيرة ابن هشام 4: 308، تاريخ الطبري 3: 205. ↑
- () الملل والنحل 1: 30، شرح المواقف 8: 358. ↑
- () المغني 20: 340، وعنه د. مصطفى حلمي/ نظام الخلافة بين أهل السنّة والشيعة: 46. ↑
- () انظر: منهاج السنّة/ لابن تيميّة 3: 215، 217، 218. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 23. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للماوردي: 6 ـ7. ↑
- () لسان العرب ـ مادة (عضض). ↑
- () شرح المقاصد/ للتفتازاني5: 291. ↑
- () شرح المقاصد/ للتفتازاني 5: 290، القعيدة/ لأحمد بن حنبل: 123، الاقتصاد في الاعتقاد/ للغزالي: 153. ↑
- () العقود الدريّة: 209، عن ابن تيميّة. ↑
- () الإرشاد/ للجويني: 363. ↑
- () الرازي/ نهاية العقول، عنه نظرية الإمامة: 159. ↑
- () الفصل 4: 11. ونقله عنه الدكتور أحمد محمود صبحي ثمّ عقّب عليه فقال: وهكذا يُنكر ابن حزم أنّ معاوية قد استولى على أمر هذه الأمّة قهراً بالسيف، أمّا إمامة الحسن فهذا هو رأيه الشخصي في الحسن، وإن لم يكن رأي جميع من بايعوه حيث اعتقدوا بأفضليّته بعد عليّ ـ نظرية الإمامة: 259. ↑
- () أي طرف من قول. ↑
- () شرح ابن أبي الحديد 12: 21 عن ابن طيفور في كتابه (تاريخ بغداد)؟ ↑
- () الجخف: التكبّر. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 223، الكامل في التاريخ 3: 63ـ65، شرح ابن أبي الحديد 12: 53ـ 54. ↑
- () الموفقيات/ للزبير بن بكّار، شرح ابن أبي الحديد 6: 45، 12: 46. ↑
- () أمالي أبي بكر الأنباري، شرح ابن أبي الحديد: 12: 82. ↑
- () محاضرات الأدباء/ للراغب الأصفهاني 2: 428. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب المحاربين ـ باب 16 ح/6442. ↑
- () الباقلاني/ التمهيد: 195، عنه: نظام الخلافة بين أهل السنّة والشيعة: 56. ↑
- () نظرية الإمامة: 158. ↑
- () النصّ للإمام الغزالي في كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد): 153. ↑
- () الفِصَل 4: 161، 163، الاقتصاد في الاعتقاد: 153، البداية والنهاية 7: 310. ↑
- () الطبقات الكبرى 3: 261، أسد الغابة 4: 47، سير أعلام النبلاء 1: 420، 425، 426، مجمع الزوائد 9: 297، وقال: رجاله رجال الصحيح. ↑
- () الفِصَل 4: 161. ↑
- () الفِصَل 4: 161. ↑
- () منهاج السنّة 2: 202ـ205، 233ـ233. ↑
- () منهاج السنّة 2: 241ـ242، 253. ↑
- () مقدمة ابن خلدون: 212. ↑
- () الاقتصاد في الاعتقاد: 147. ↑
- () سورة النساء، الآية: 49. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للماوردي: 5. وقوله: «أولو الأمر هم الأئمة المتأمرون» إنّما هو من أثر الواقع السياسي في الفكر الديني كما أشرنا سابقاً، وإلاّ فقد يكون وليّ الأمر نبيّاً لكنّ الناس تعصيه وتطيع طاغوتاً يحاربه، فهذا لا يعني أنّ حقّ الولاية قد انتقل من النبيّ إلى الطاغوت لأنّ الأخير هو المتأمّر! وكذا لو جعل النبيُّ رجلاً من أصحابه وليّاً لأمور المسلمين، فحقّ الولاية والطاعة ثابت له وإن كان المتأمّر غيره. ↑
- () الفِصَل 4: 87ـ88. ↑
- () هناك رأي يقول إنّ الإمامة واجبة عقلاً قبل وجوبها شرعاً، فإنّ لطف الله تعالى بعباده يقضي أن لا يخلو زمان من رجل مؤهّل لهداية البشرية والحكم فيها بالعدل، إمّا نبيّ أو إمام هدى، فإذا أطاعته الناس تحقّقت الإمامة الصالحة. ↑
- () سورة الشورى، الآية: 38. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب المحاربين 6: ح/6442، مسند أحمد 1: 56، سيرة ابن هشام 4: 308. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 65، صفة الصفوة 1: 367. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 65، صفة الصفوة 1: 383، طبقات ابن سعد 3: 343. ↑
- () صفة الصفوة 1: 494. ↑
- () طبقات ابن سعد 3: 348. ↑
- () فتح الباري ـ المقدمة: 337، إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري 14: 279. ↑
- () الكامل في التاريخ: 3: 66ـ867. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 66. ↑
- () سعد بن أبي وقّاص، وابن عمّه عبد الرحمن بن عوف، فهما من بني زهرة. ↑
- () تاريخ الطبري 4: 229ـ230، الكامل في التاريخ 3: 67. ↑
- () الكامل في التاريخ 2: 425. ↑
- () طبقات ابن سعد 3: 248. ↑
- () مآثر الاِنافة 1: 52، الأحكام السلطانية/ للماوردي: 10، الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 25، 26. ↑
- () الفِصَل 4: 169. ↑
- () تفسير المنار 5: 198. ↑
- () مآثر الإنافة 1: 36، الأحكام السلطانية/ للماوردي: 6، الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 20. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للماوردي: 817. ↑
- () مآثر الإنافة 1: 37، الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 20. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 20. ↑
- () مآثر الإنافة 1: 58. ↑
- () التفتازاني/ شرح المقاصد 5: 234، ابن المطهّر الحلّي، والمقداد السيوري/ شرح الباب الحادي عشر: 69، الجرجاني/ شرح المواقف 8: 345. ↑
- () انظر: مآثر الإنافة 1: 58. ↑
- () مآثر الإنافة 1: 71. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 24. ↑
- () الخلافة: 45، عنه: نظام الحكم والإدارة في الإسلام: 126. ↑
- () شرح الموطّأ 2: 292، عنه: المذاهب الاِسلامية: 155. ↑
- () المذاهب الاِسلامية: 155. ↑
- () المذاهب الاِسلامية: 155. ↑
- () تفسير المنار 5: 215 ـ 216 باختصار. ↑
- () الخلافة 51، عنه: نظرية الحكم والإدارة في الإسلام: 126. ↑
- () المذاهب الإسلامية: 155، وقد تقدّم آنفاً. ↑
- () انظر: الملل والنحل 1: 140، الكشّاف/ للزمخشري ـ تفسير الآية 124 من سورة البقرة {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. ↑
- () قُتل الاِمام الحسين (عليه السلام) مع نيّف وسبعين من أهل البيت والتابعين وفيهم الصحابي أنس بن الحارث الذي روى حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «إنّ ابني هذا ـ يعني الحسين ـ يُقتل بأرض يقال لها كربلاء، فمن شهد منكم ذلك فلينصره» البداية والنهاية 8: 201، أُسد الغابة، والاِصابة/ ترجمة أنس بن الحارث. ↑
- () قُتل منهم ثمانون صحابياً ولم يبق بدريّ بعد ذلك، وقتل من قريش والأنصار سبع مئة، ومن التابعين والعرب والموالي عشرة آلاف، وأُبيحت المدينة ثلاثة أيّام وانتُهكت الأعراض حتّى ولدت الأبكار لا يُعرَف من أولدَهنّ ! ↑
- () انظر: منهاج السنّة 2: 241ـ243، 253، الوصية الكبرى: 54. ↑
- () منهاج السُنّة 2: 245. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 10، الأحكام السلطانية/ للبغوي: 25 ـ 26. ↑
- () الفِصَل 4: 169، تاريخ الأمم الاِسلامية/ للخضري: 1: 196. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 65. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 128. ↑
- () الفِصَل 4: 169. ↑
- () شرح المقاصد: 5: 255. ↑
- () الاقتصاد في الاعتقاد: 151. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للماوردي: 6. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 20، الفِصَل 4: 89، مآثر الاِنافة 1: 37، مقدّمة ابن خلدون: فصل 26، ص 242ـ245. ↑
- () الأحكام السلطانية/ للفرّاء: 20. ↑
- () الفِصَل 4: 89. ↑
- () المقدّمة: 243. ↑
- () والمارقون (الخوارج) أيضاً احتجّوا بهذا حين لم يجدوا بينهم قرشياً يسندون إليه الزعامة فيهم! ↑
- () مقدّمة ابن خلدون: فصل 26، ص243. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب الأحكام ـ باب 2/ح 672. ↑
- () مسند أحمد 1: 18، الكامل في التاريخ 3: 65، صفة الصفوة 1: 367، سير أعلام النبلاء 1: 10. ↑
- () الكامل في التاريخ 3: 65، صفوة الصفوة 1: 383، طبقات ابن سعد 3: 343. ↑
- () مسند أحمد 1: 18، صفة الصفوة 1: 494، طبقات ابن سعد 3: 590، سير أعلام النبلاء 10:1. ↑
- () سير أعلام النبلاء 1: 167. ↑
- () مقدّمة ابن خلدون: فصل 26، ص243. ↑
- () مقدّمة ابن خلدون: 243. ↑
- () صحيح مسلم ـ كتاب الفضائل: ح/1. ↑
- () الفِصَل 4: 89ـ90. ↑
- () راجع: الكامل في التاريخ 2: 329ـ330، الاِمامة والسياسة: 12ـ16. ↑
- () صحيح البخاري ـ الفتن ـ باب ح/ 6695. ↑
- () صحيح البخاري ـ الفتن ـ باب 3 ح/ 6649، فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13: 7 ـ8. ومما يثير الدهشة أن تجد هذه الأحاديث وأكثر منها في آل أبي سفيان وآل مروان، تجدها في كتاب (البداية والنهاية) لابن كثير تحت عنوان (إخباره (صلّى الله عليه وآله) لما وقع من الفتن من بني هاشم بعد موته)!! ج6: 255 ـ ط. دار التراث العربي ـ سنة 1992م، و ج6 : 227 ـ ط. مكتبة المعارف ـ سنة 1988م. علماً أنّه وضعها وفق ترتيبه التاريخي في أحداث العهد الأموي!! ولعل المتهم في هذا ناسخ أمويّ الهوى غاضه ذكر بني أُمية في هذا العنوان فقلبه على بني هاشم!!. ↑
- () تطهير الجنان واللسان: 30. ↑
- () صحيح مسلم ـ كتاب الفضائل: ح/1. ↑
- () ابن تيميّة/ رأس الحسين: 200 ـ 201 مطبوع مع استشهاد الحسين ـ للطبري. ↑
- () نظرية الإمامة/ \د. أحمد محمود صبحي: 26. ↑
- () وهو الذي ارتدّ مشركاً في عهد الرسول فهدر الرسول دمه يوم فتح مكّة، وأمر بقتله ولو وجد تحت أستار الكعبة! ـ راجع ترجمته في: الاستيعاب، وأسد الغابة، والإصابة. ↑
- () أي إرسالهم إلى أطراف البلاد بحجّة حماية الحدود، ومنعهم عن العودة إلى أهليهم. ↑
- () تاريخ الطبري ـ أحداث سنة 34 ـ ج4: 333ـ335. ↑
- () الزيدية: 35ـ37. وانظر أيضاً: محمّد عبد الكريم عتّوم/ النظرية السياسية المعاصرة للشيعة الإمامية الإثني عشرية: 52 فقد انتهى إلى النتيجة ذاتها. ↑
- () غير واضحة في الأصل (النسخة المصوّرة). ↑
- () روضة الأنس الورقة: 2. ↑
- () أبو بحر صفوان بن إدريسي التجيبي المرسي 560ـ598. شاعر من مرسية بالأندلس له شعر ونثر. وألّف كتاب: زاد المسافر وغرة محيا الأدب السافر، الذي حقّقه عبد القادر محداد (الجزائر). وانظر مقدمة الكتاب ففيها تفصيل عن صاحبه وأخبار. ↑
- () أبو عبدالله محمد بن مرج الكحل (ويُقال فيه مرج كحل) من أهل جزيرة شُقر (بلدة ابن خفاجة). وهو توفي سنة 634 ببلده. وكان شاعراً مبدعاً، وخلف ديوان شعر كان متداولاً. ↑
- () المعروف اليوم بلنگرود وقبره موجود هناك. ↑
- () علي بن عبد الكريم الفضيل شرف الدين: الزيدية نظرية وتطبيق: 16ـ18. ↑
- () ↑
- () ما بين الحاضرتين من ابن تغري بردي: «النجوم الزاهرة، ج12، ص50 (طبعة القاهرة سنة 1956). ↑
- () سورة الزمر، الآية: 46. ↑
- () و(3) و (4) كذا في الأصل. ↑
- ↑
- ↑
- () سورة النمل، الآية: 34. ↑
- () كذا في الأصل. ↑
- () سورة النساء، الآية: 10. ↑
- () سورة الأحقاف، الآية: 20. ↑
- () سورة الحاقة، الآية: 8. ↑
- () سورة مريم، الآية: 98. ↑
- () سورة النور، الآية: 54. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 26. ↑
- () سورة الكافرون، الآية: 1-6. ↑
- () سورة الانفطار، الآية: 1. ↑
- () الرتوت جمع رت وهو الرئيس والسيد (المعجم الوسيط). ↑
- () كذا في الأصل. ↑
- () سورة آل عمران، الآيات: 169ـ171. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 249. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 56. ↑
- () سورة مريم، الآيتان: 89 و90. ↑
- () سورة مريم، الآيتان: 79 و80. ↑
- () ما بين الحاضرتين من ابن تغري بردى النجوم الزاهرة، ج12، ص52 (طبعة القاهرة سنة 1956). ↑
- () سورة الشعراء، الآية: 227. ↑
- () ابن أياس. ↑
- () عجائب المقدور. ↑
- () النائب: هو الوالي الحاكم. ↑
- () ماهية الحروب الصليبية، ص66. ↑
- () معجم البلدان. ↑
- () عبد القيس من القبائل العربية التي تفانت في الإخلاص لعلي (عليه السلام). ↑
- () هذا البيت ضمن قصيدة طويلة جداً للحسين بن ثابت العبدي من أعيان القرن السادس الهجري، ذكر فيها من بطون (عبد القيس) وأمجاد القبائل حدود خمسين قبيلة وفخذاً وعمارة. ↑
- () لجيم: هو لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. ↑
- () نهج البلاغة: 332ـ333. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 195. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 179. ↑
- () نهج البلاغة: 443. ↑
- () حقوق الإنسان اليوم. موريس كرانستون، ترجمة لجنة الترجمة، بيروت: 100ـ101. ↑
- () نهج البلاغة: 401. ↑
- () المصدر السابق: 397. ↑
- () نهج البلاغة: 500. ↑
- () المصدر السابق: 501. ↑
- () نهج البلاغة: 501. ↑
- () الألفين ـ العلامة الحلي، ط2، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، 1388هـ، 129. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 256. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 67. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 6. ↑
- () الغدير، ط2، حيدري، طهران، 1372هـ. ج1: 52. ↑
- () انظر عبدالله بن عباس: ج1: 150 وما بعدها. ↑
- () انظر تفاصيل ذلك في كتابنا عبدالله بن عباس: ج1: 160 وما بعدها. ↑
- () نهج البلاغة: 451. ↑
- () نهج البلاغة: 246. ↑
- () انظر تفاصيل ذلك في كتابنا عبدالله بن عباس: ج10: 253. ↑
- () الاستيعاب، ط1، مطبعة السعادة، مصر، 1328هـ. ج3: 39. ↑
- () شرح نهج البلاغة. مطبعة دار الكتب العربية، مصر، 1329هـ. 4: 9. ↑
- () انظر تفاصيل ذلك في كتابنا عبدالله بن عباس، ج1: 307 وما بعدها. ↑
- () نهج البلاغة: 383. ↑
- () انظر: عبدالله بن عباس ج1: 366. ↑
- () انظر: عبدالله بن عباس، ج1: 367 وما بعدها. ↑
- () انظر مروج الذهب ـ تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، مصر، 1948م. ج2: 415. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج2: 189. ↑
- () المصدر السابق، ج11: 106. ↑
- () المصدر السابق، ج7: 42. ↑
- () المصدر السابق، ج17: 16. ↑
- () انظر كتابنا عبدالله بن عباس ج1: 294. ↑
- () انظر شرح نهج البلاغة، ج1: 77. ↑
- () نهج البلاغة: 461. ↑
- () نهج البلاغة: 417. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج1: 90. ↑
- () نهج البلاغة: 79. ↑
- () المصدر السابق: 457. ↑
- () المصدر السابق: 559. ↑
- () نهج البلاغة: 433ـ435. ↑
- () انظر طبقات ابن سعد. مطبعة ليدن، 1335هـ: ج3: ق1: 213. ↑
- () انظر تأريخ الطبري، ط1، المطبعة الحسينية، مصر، 1326هـ. ج4: 163. ↑
- () انظر تفاصيل ذلك في كتابنا عبدالله بن عباس ج1: 249. ↑
- () شرح نهج البلاغة: ج1: 90. ↑
- () نهج البلاغة: 183. ↑
- () المصدر السابق: 81. ↑
- () المصدر السابق: 194. ↑
- () المصدر السابق: 428ـ429. ↑
- () نهج البلاغة: 427ـ428. ↑
- () المصدر السابق: 429. ↑
- () المصدر السابق: 444. ↑
- () نهج البلاغة: 436. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج13: 212. ↑
- () نهج البلاغة: 434. ↑
- () نهج البلاغة: 438. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج1: 90، ونهج البلاغة: 57. ↑
- () المصدر السابق، ج19: 240. ↑
- () نهج البلاغة: 425. ↑
- () نهج البلاغة: 438 – 439 . ↑
- () نهج البلاغة: 439. ↑
- () انظر شرح نهج البلاغة، ج17: 86. ↑
- () نهج البلاغة: 417ـ418. ↑
- () نهج البلاغة: 189. ↑
- () وفيات الأعيان. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة، مصر، 1948م، ج3: 3. ↑
- () نهج البلاغة. ضبط وفهرسة صبحي الصالح: 39. ↑
- () انظر المصجر السابق: 235. ↑
- () المصدر السابق: 48. ↑
- () حقائق التأويل. الشريف الرضي، منشورات منتدى النشر، 1355هـ. ج5: 197. ↑
- () المجازات النبوية. تحقيق طه محمد الزيني، مؤسسة الحلبي، مصر، 1387هـ: 39 ـ 40. ↑
- () مستدرك وسائل الشيعة. طهران، 1321هـ. ج3: 805. ↑
- () انظر كتابه (وقعة صفين). ↑
- () الفهرست. ابن النديم، مطبعة الاستقامة، مصر: 155. ↑
- () شرح نهج البلاغة. مصر، مصطفى البابي، 1372هـ. ج3: 546. ↑
- () سورة الأنفعال، الآية: 23. ↑
- () كنز العمال. دائرة المعارف النظامية، آباد دكن، 1312هـ. ج6: 154. ↑
- () سورة الأنبياء، الآية: 22. ↑
- () نهج البلاغة: 212. ↑
- () انظر علل الشرائع. المطبعة الحيدرية، النجف 1383هـ، 150 وما بعدها. ↑
- () انظر شرح نهج البلاغة، ج1: 169. ↑
- () انظر أنساب الأشراف، ط فلسطين، 1938م. ج5: 36، 54، وانظر تأريخ الطبري، ط1، 1407هـ. ج2: 244. ↑
- () سورة الجن، الآيتان: 26 و27. ↑
- () انظر مروج الذهب. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، مصر، 1948م. ج2: 417. ↑
- () انظر مروج الذهب، ج2: 431. ↑
- () نهج البلاغة ـ ضبط وفهرسة صبحي الصالح: 68. ↑
- () نهج البلاغة: 46. ↑
- () نهج البلاغة: 300. ↑
- () المصدر السابق: 300. ↑
- () المصدر السابق: 51. ↑
- () نهج البلاغة: 51. ↑
- () المصدر السابق: 368. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () نهج البلاغة: 368. ↑
- () المصدر السابق: 368. ↑
- () المصدر السابق: 141. ↑
- () المصدر السابق: 77. ↑
- () المصدر السابق: 91ـ92. ↑
- () نهج البلاغة: 301. ↑
- () المصدر السابق: 311. ↑
- () المصدر السابق: 369. ↑
- () انظر مسند أحمد، المطبعة الميمنية، مصر، 1339هـ، ج1: 119, ↑
- () تفسير الرازي، المطبعة البهية، مصر، 1357هـ. ج8: 23. ↑
- () مسند أحمد، ج1: 56. ↑
- () انظر تفاصيل ذلك في كتابنا: عبدالله بن عباس ج1: 118ـ172. ↑
- () نهج البلاغة: 48. ↑
- () المصدر السابق: 68. ↑
- () المصدر السابق: 246. ↑
- () انظر تفاصيل أخر من تحليلها في كتابنا عبدالله بن عباس ج1: 221 وما بعدها. ↑
- () سورة محمد، الآية: 9. ↑
- () سورة القلم، الآية: 4. ↑
- () سورة الشعراء، الآية: 215. ↑
- () سورة القصص، الآية: 68. ↑
- () شرح نهج البلاغة. ابن أبي الحديد، مطبعة مصطفى البابي، مصر، 1372هـ، ج3: 107. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () نهج البلاغة: 98. ↑
- () نهج البلاغة: 451. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج2: 294. ↑
- () نهج البلاغة: 48. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج12: 3. ↑
- () نهج البلاغة: 49. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () نهج البلاغة: 49. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () انظر تفاصيل ذلك في كتابنا عبدالله بن عباس، ج1: 246 ـ 250. ↑
- () نهج البلاغة: 188. ↑
- () نهج البلاغة: 235. ↑
- () انظر المصدر السابق: 358. ↑
- () نهج البلاغة: 358. ↑
- () المصدر السابق: 49. ↑
- () المصدر السابق: 83. ↑
- () سورة الأنعام، الآية:38. ↑
- () سورة النساء، الآية: 82. ↑
- () نهج البلاغة: 60 ـ 61. ↑
- () نهج البلاغة: 57. ↑
- () المصدر السابق: 49. ↑
- () نهج البلاغة: 350ـ351. ↑
- () المصدر السابق: 57. ↑
- () نهج البلاغة: 194. ↑
- () المصدر السابق: 57. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج1: 77. ↑
- () نهج البلاغة: 49. ↑
- () المصدر السابق: 263. ↑
- () نهج البلاغة: 264. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () يقع بحر النجف من جهة الجنوب الغربي من المدينة في بقعة رملية على جانب البادية من بقايا الترسبات، وقد جفت مياهه ولم يبق منها إلاّ مكانها في أرض منخفضة حيث كانت مياه كثير جفت تدريجياً من زمن طويل ولم يبق إلاّ آثارها، تبتدئ من نهر الفرات عند أبي صخير وتنتهي فوق المدينة عند كهوف تظهر طبقات الأرض منها تسمّى الطارات باصطلاح الأهالي، وبها تظهر آثار التعرية والتآكل نتيجة ظروف طبيعية. ↑
- () راجع ما ذكرناه عن المشبهة في باب «المشبهة». ↑
- () ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، 3/229. ↑
- () السيد المرتضى: تبصرة العوام، ص75ـ 76. ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل، 1/148ـ 149. ↑
- () ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، 128. ↑
- () ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، ص130. ↑
- () م.ن. ص304. ↑
- () م.ن. ص304. ↑
- () م.ن. ص305. ↑
- () م.ن. ص295. ↑
- () م.ن. ص460. ↑
- () م.ن. ص396. ↑
- () م.ن. ص400. ↑
- () ابن جماعة: إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعذيل، 1/34. ↑
- () رجال الكشي 279، مستدرك الوسائل 12/251. ↑
- () القاضي القمي: شرح توحيد الصدوق 2/246. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 19. ↑
- () شرح توحيد الصدوق، 2/254. ↑
- () الكليني: الكافين 1/183.الصدوق: التوحيد 104ـ243.
الطبرسي: الاحتجاج، 2/331.
الصدوق: معاني الأخبار، 1/8. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 19. ↑
- () سورى الشورى، الآية: 11. ↑
- () شرح توحيد الصدوق 2/226. ↑
- () كتب ورسائل فتاوى ابن تيمية في العقيدة 3/185. والجدير ذكره أنّ مصطلح الرافضة أطلق من قبل الخصوم على الإمامية الإثني عشرية. ↑
- () إيضاح الدليل 1/34. ↑
- () ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: 2/499. ↑
- () كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في العقيدة 3/196. ↑
- () ابن الجوزي: تلبيس إبليس، 1/108. ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل، 1/148ـ289. ↑
- () الخياط: الانتصار، ص11. ↑
- () دكتور نشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، 2/231. ↑
- () انظر ترجمته في باب المشبهة. ↑
- () البغدادي: الفرق بين الفرق، ص215. ↑
- () الأشعري: مقالات الإسلاميين، 1/30، وقارن أيضاً إيضاح الدليل لابن جماعة 1/27. ↑
- () مقالات الإسلاميين 1/30. ↑
- () تلبيس إبليس ص90. ↑
- () اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: 1/63ـ64. ↑
- () الأشعري: مقالات الإسلاميين، 1/31ـ207. ↑
- () ابن المرتضى: طبقات المعتزلة، ص54. ↑
- () الملل والنحل: 1/184. ↑
- () شرح نهج البلاغة: 3/288. ↑
- () بيان تلبيس الجهمية: 1/409. ↑
- () تلبيس إبليس ص90. ↑
- () الكافي 1/99، ح12، في قوله تعالى لا تدركه الأبصار. ↑
- () شرح نهج البلاغة 3/228. ↑
- () م.ن. ↑
- () الشريف المرتضى: الشافي في الإمامة، 1/84. ↑
- () م.ن. 1/85. ↑
- () الكراجي: كنز الفوائد، 2/40. ↑
- () الخياط: الانتصار، ص10. ↑
- () الدكتور نشار: نشأة الفكر الفلسفي الإسلامي، 2/213. ↑
- () البغدادي: الفرق بين الفرق، ص214. ↑
- () ابن قتيبة: كتاب الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، ص243. ↑
- () م.ن. 263. ↑
- () م.ن. 267. ↑
- () م.ن. 287 و288. ↑
- () م.ن. 397. ↑
- () ابن قتيبة: كتاب الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، ص291ـ292ـ305. ↑
- () م.ن. 263. ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل، 1/103. ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل، 1/289. ↑
- () البغدادي: الفرق بين الفرق، 214. ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل، 1/148. ↑
- () الشهرستاني: الملل والنحل 1/148. ↑
- () رجال الكشي 220، ابن النديم: الفقهرست 1/223، رجال النجاشي 2/397، ابن شهرآشوب: معالم العلماء 128، رجال ابن داوود 1/200، ابن طاوس: التحرير الطاوسي 296. ↑
- () رجال الكشي 256، المجلسي: بحار الأنوار 48/193. ↑
- () رجال ابن داود 2/284. ↑
- () رجال الكشي 256، ابن شهرآشوب، المناقب 4/244. ↑
- () الكليني: الكافي 1/171، الطبرسي: أعلام الورى 280، المفيد: الإرشاد 2/194، الطبرسي: الاحتجاج 2/364، الأربلي كشف الغمة 2/173، المجلسي بحار الأنوار 23/9. ↑
- () المسعودي: مروج الذهب 3/254. ↑
- () المفيد: الفصول المختارة 1/49. ↑
- () رجال الكشي 267. ↑
- () م.ن. 270. ↑
- () م.ن. 274 الحر العاملي: وسائل الشيعة 27/149. ↑
- () المفيد: الفصول المختارة 1/50، المناقب 1/268. ↑
- () الفهرست: ابن النديم 1/223، الفهرست: الطوسي 208، رجال ابن داود 1/200. ↑
- () رجال الكشي 222. ↑
- () الفهرست لابن النديم 1/223، الفهرست للطوسي 208. ↑
- () المسعودي: مروج الذهب 4/124. ↑
- () الصدوق: كمال الدين وتمام النعمة 2/367، بحار الأنوار 48/197. ↑
- () الفصول المختارة 1/50، المناقب 1/268، بحار الأنوار 29/69. ↑
- () كمال الدين وتمام النعمة 2/368، بحار الأنوار 69/148. ↑
- () م.ن. 2/367. ↑
- () رجال الكشي 258، بحار الأنوار 48/189. ↑
- () الكافي 1/169، ح3، باب الاضطرار إلى الحجة، رجال الكشي 271، ح490، أمالي الصدوق 1/589، كمال الدين وتمام النعمة 1/207، ح23، باب 21، علل الشرائع للصدوق 1/*193، ح2، باب 152، الاحتجاج 2/367، بحار الأنوار 23/6، ح11، باب 6، م.ن. 23/6. ↑
- () مروج الذهب 4/114، الفصل في الملل والنحل لابن حزم 4/139، الملل والنحل 1/30ـ185، عقائد الصدوق 43. ↑
- () علل الشرائع 1/202، ح1، باب 155، كمال الدين وتمام النعمة 2/369.الفصول المختارة 1/28، بحار الأنوار 69/148، ح23، باب 101، م.ن. 10/292، ح1، باب 18. ↑
- () المقدسي: البدء والتاريخ 2/123، 124، رجال الكشي 274/275، بحار الأنوار 8/143، ح66، باب 23. ↑
- () المناقب 1/274، بحار الأنوار 47/401.بحار الأنوار 29/476 (بيان). ↑
- () الفصول المختارة 1/28ـ49، المناقب 3/78، عيون الأخبار لابن قتيبة 2/150، البصائر والذخائر للتوحيدي 3/199، رقم 700، العقد الفريد 2/412.ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث 98/99، بحار الأنوار 10/292، ح2، باب 18، وهي أماكن عديدة من البحار. ↑
- () الكافي 1/227، ح1، باب أنّ الأئمة عندهم جميع الكتب.ـ التوحيد للصدوق 1/من ص 270 حتى 275، ح1، باب 7.
ـ بصائر الدرجات لابن فروخ الصفار 1/340، ح2، باب 13ـ المناقب 4/31.
ـ الاختصاص 292، وورد في بحار الأنوار في مواضع عديدة. ↑
- () عيون الأخبار لابن قتيبة 2/153، ابن شهراشوب متشابه القرآن 1/103. ↑
- () الكافي 1/171، ح4، باب الأضرار إلى الحجة ووردت أيضاً في مصادر متعددة. ↑
- () المناقب 1/274، بحار الأنوار 47/401، ح3، باب 12. ↑
- () التوحيدي: الذخائر والبصائر 7/75، ح227. ↑
- () ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث 98/99، لسان الميزان، للعسقلاني 6/234. ↑
- () الأشعري: مقالات الإسلاميين 1/32 ـ النسفي: تبصرة الأدلة 1/119.ـ والملل والنحل للشهرستاني 1/184 ـ الفرق بين الفرق 48، 320.
ـ ابن جماعة: إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل 1/27، بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية 1/414، 415. ↑
- () ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية 1/284. ↑
- () الأيجي: المواقف 3/682. ↑
- () ابن الجوزي: تلبيس إبليس 1/106، مقالات الإسلاميين 1/208. ↑
- () الفرق بين الفرق 48. ↑
- () مقالات الإسلاميين 1/32. ↑
- () ابن الجوزي: تلبيس إبليس 90. ↑
- () بيان تلبيس الجهمية 1/410. ↑
- () الخياط: الانتصار 6. ↑
- () انظر حول هذه المسألة أيضاً ما ذكرناه في باب المجسمة. ↑
- () الكافي 1/80، 83، ح5 و6، باب إطلاق القول بأنّه شيء.ـ التوحيد ص244، ح1، باب 36.
ـ معاني الأخيار 1/8، ح1، باب معنى قول الأئمة أنّ الله تعالى شيء.
ـ الاحتجاج 2/333.
ـ بحار الأنوار 3/230، ح22، باب 6، وفي مواضع عديدة من البحار. ↑
- () ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 3/229. ↑
- () إيضاح الدليل 1/34. ↑
- () الكافي 1/80 و83، ح5 و6، باب إطلاق القول بأنّه شيء. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 19. ↑
- () القاضي مفيد القمي: شرح توحيد الصدوق 2/254. ↑
- () يبتدي السوق الكبير بخط مستقيم من باب الصحن الشرقي. ↑
- () وينتهي إلى خارج البلدة، وهو الفاصل بين محلتي البراق والمشراق، فالجهة التي تكون على يمين الخارج إلى خارج البلدة محلة البراق، والتي على يساره محلة المشراق.وتوجد أسواق أخرى هي: سوق القاضي يبتدي من باب الصحن الغربي وينتهي إلى محلة العمارة، وسوق الحويش وسوق المشراق ويبتدي من باب الصحن الشرقي الثاني الذي يفضي إلى قيسارية الخياطين وينتهي إلى المحلة المذكورة، وهو مجاور للسوق الكبير وعلى جهة الشمال منه يمتد معه تقريباً، ومن فروعه سوق المسابك «المسابج» والذي يسمّى أيضاً سوق الجللجية ـ وهم صانعو الجِل الذي تحشى به البرادع «الاجِلال» ويوضع على ظهر الحيوانات كالسُرج وكانت قريباً منه دور الكعباويين وهم طائفة اشتهرت في القرن الحادي عشر والثاني عشر. ↑
- () الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ولد في طوس سنة 385هـ/ 995م، وقدم العراق سنة 408هـ/ 1014م وأقام في بغداد مدّة وعند حدوث الفتنة هاجر منها إلى النجف، وهو أوّل من جعلها مدرسة علمية، توفي في النجف في سنة 460هـ/ 1067م. ↑
- () يقيم قسم كبير من الجبور على جدول الجربوعية وعلاج، وعلى قسم كبير من الشاطئ الأيمن لفرات الحلة خصوصاً في الدغارة وعفك، وقسم على الشاطئ الأيسر من فرات الحلة. ↑
- () لم تزل النجف مسورة منذ القديم. ذكر كارستن نيبور في رحلته إلى العراق، ومروره على مدينة النجف: إنّ للمدينة سور وللسور بابان، باب المشهد وباب النهر، ولها باب ثالث يُقال له باب الشام لكنّه مغلق بيناء، والسور تهدم بحيث يمكن دخول المدينة من خمسين موضعاً، وكان مروره في جمادى الآخرة ورجب من سنة 1179هـ/ 1765م. وكانت النفقات على ترميم السور من خزانة الإمبراطورة الشهيرة گوهربكم وقدرت هذه النفقات بمائة ألف نادري.والسور الخامس هو سور بنيَّ منخفضاً جداً سنة 788هـ/ 1386م، وجدّد بناؤه سنة 1212هـ/ 1797م، وكانت البلدة صغيرة فكتب العلماء رسائل إلى أثرياء الهند وإيران يستنهضونهم ببناء سور جديد لحماية المجاورين من غارات الأعراب التي ازدادت وطأتها على المدينة. فجاء ثري هندي من الأعيان تبرّع ببناء ربع من السور من الجهة المقابلة للقبلة، فكتب الشيخ جعفر كاشف الغطاء إلى فتح علي شاه طالباً منه إتمام بناء السور. وبمجيء محمد حسين الأصفهاني المتوفى سنة 1239هـ/ 1824م إلى النجف وكان يشغل الصدارة لفتح علي شاه، وزوج ابنته شمس الدولة، وقام بإتمام بناء السور على هيئة أسد رابض يطوق المدينة، وحفر خلفه خندقاً بعمق ثلاثة أمتار، وعرضه حوالي عشرة أمتار، وأقام فيه الأبراج.
وقد اقترنت هذه الأبراج بأسماء معروفة، مثل: قولة أم السبع، وقولة خطار العبد التي تقع في محلة العمارة، والقولة التي تقع في محلة المشراق في موضع مدرسة الغري الأهلية التي هدمت وأصبحت ضمن ساحة الإمام علي.
وأهم هذه الأبراج قولة أم السبع.
ويتكوّن السور من ثمانية عشر ضلعاً بني من ثلاث طوابق، الطابق الأرضي أعدّ للمؤن والأعتدة، والطابق الأوسط لاستراحة المحاربين، والطابق العلوي للدفاع وجعلت فيه أبراج ومواضع للمدافع والبنادق والرصد.
ويُقال إنّ النيران كانت توقد فيه عند الضرورة لإبعاد المهاجمين عن تسلّق السور، أو اختراقه، وجعل له بابان أحدهما يقابل الطريق المؤدية إلى الكوفة، ويعرف بالباب الكبير والآخر في جهة القبلة ممّا يلي الغرب بالقرب من المقام المنسوب إلى زين العابدين عرف بباب الثلمة، وبعد الفراغ من بناء السور بنى مدرسة الصدر التي عرفت باسمه، وموقعها في الجهة اليمنى للداخل إلى السوق الكبير شغلت مساحتها تسعمائة متر مربع، وصرف على بناء السور والمدرسة خمسةً وتسعين ألف تومان أشرفي، وبوفاته تعطّل البناء فجاء ولده عبدالله خان الملقب بأمين الدولة المتوفى سنة 1263هـ/ 1847م.
وبمجيئه أُكمل البناء يوم الخامس من ذي الحجة من السنة المذكورة، وتشرع من السور ثمانية أبواب كما أحدث حوضاً كبيراً في الصحن مقابل الباب الكبير، وأصلح التضعضع في المئذنتين، وكان ابتداء بناء السور سنة 1217هـ/ 1803م وإتمامه سنة 1226هـ/ 1811م. وفتح الحاج عبد السميع الأصفهاني المتوفى سنة 1288هـ/ 1871م باباً ثالثاً للسور من جهة القبلة في سنة وفاته، وهو الباب المعروف بباب السقائين، ويسمّى «باش تابيه» وتسمية العامة «إشتابيه»، وتسميته من باب الإضافة والتابية في التركية اسم للرابية أو «القولة» وتعني البرج لقرب هذا الباب من الرابية.
وفتحت الحكومة العثمانية باباً رابعاً بالقرب من الباب الكبير.
وفيما بعد تهدّم من السور شيء فصارت ثلمة كبيرة في الجهة المقابلة لِقُبة صافي صفا إلى الباب القديم سنة 1317هـ/ 1899م عرف بباب الثلمة، وعندها عُمرت دور كثيرة وأصبحت محلة واسعة خارج السور تشرف على بحر النجف.
وفي سنة 1348هـ/ 1929م أحدثت عدّة أبواب متقاربة من السور بالقرب من مخزن الماء الحالي. ↑
- () من المساجد القديمة المشهور في النجف عُمر سنة 1162هـ/ 1749م، وينسب إلى الملا أحمد بن محمد الأردبيلي المتوفى سنة 993هـ/ 1585م وموقعه في سفح الطمة، وأخيراً جلس فيه الشيخ باقر قفطان لتعليم الصبيان فعُرف به، وفي سنة 1364هـ/ 1944م هدم منه مقداراً لتوسعة الشارع. ↑
- () الوجه في تسميته بعقد الذهب لأنّ الواقف فيه يشاهد القبّة الذهبية للإمام علي، وسمّي أيضاً بعقد السلام لأنّ الواقف فيه يشاهد القبّة المطهرة فيسلم على الإمام. ↑
- () الشيلان لفظ تركي قفقازي يراد به محل الأضياف. واستعمل بالفارسية بمعى الضيافة، وهو بناء عظيم مرتفع يراد به عند الإطلاق عليه محل الضيافة كالمضيف المستعمل في العراق، وكان في النجف على عهد الصفويين عدّة أماكن تعرف بهذا الاسم، أحدها قرب الصحن الذي أصلحه الملا يوسف بن ملا سلمان المتوفى حدود 1270هـ/ 1853م، وجعله قيسارية وقد ذهب اليوم أكثره بفتح الشارع المحيط بالصحن، والثاني في محلة العمارة بالقرب من مقام زين العابدين ومسجد الصفا، والثالث حدث بعد سنة 1300هـ/ 1882م، أنشأه معين التجار الحاج آغا محمد البوشهري بقصد أن يكون دار ضيافة للزوار الإيرانيين وهي بناية فخمة، كانت في وقتها من أهم بنايات النجف وأعظمها، مكوّنة من طابقين شيّد بالآجر ولم تكن به أبواب وشبابيك فقد قلعت قبل ثورة العشرين، وتقدّر مساحته بحوالي ألفي متر مربع وارتفاعه إثنا عشر متراً، ولا تزال قائمة حتّى اليوم فيها مكائن للطحن والثلج. ↑
- () المناخة مساحات واسعة تناخ فيها الجمال التي يصطحبها أهل البادية لنقل الميرة من النجف حيث أنّ هناك يجري الكثير من التبادل التجاري بين الوافدين من الجزيرة والتجار. ↑
- () أنشأت بمساحة أربعين ألف متر مربع. سمّيت باسم الملك غازي بن فيصل الأوّل عندما كان ولياً للعهد، المقتول ليلة الثلاثاء 14 صفر 1358هـ/ 1939م. ↑
- () قبّة معقودة على بعض السادات ويرجع تاريخ عمارتها إلى القرن الثامن، وبإزائه مسجد الصفا، وهو من المساجد القديمة، وفي ساحته صخرتان عليهما قصيدتان عربيتان يرجع تاريخهما إلى أوائل القرن الثاني عشر الهجري، وله خدمة يتعاهدونه ولهم حوله دور واسعة وهي من ملحقاته الوقفية، والمحلّة التي فيها هذا المسجد كانت تعرف بمحلّة الشيلان. ↑
- () أبو العباس أحمد الجوري بن علي بن أبي العباس أحمد المعروف بالرفاعي كان شيخاً صالحاً فقهياً شافعي المذهب سكن البطائح بقرية يُقال لها أم عبيدة مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة، ولها شهرة في العراق، فانضم إليه منها ومن غيرها جمعٌ غفير فأحسنوا الاعتقاد به وتبعوه، وانتموا إلى ذاته ويعرفون ثمة بالرفاعية، والطريقة المعروفة بالرفاعية والبطائحية منسوبة إليه. توفي سنة 578هـ/ 1182م. ولم يكن له عقب وإنّما العقب لأخيه، وأولاده يتوارثون المشيخة والولاية، وقبره في «أم عبيدة» وكانت بلدة عامرة إلى منتصف القرن الثالث عشر الهجري دثرت بعد أن غيّر الفرات مجراه واستحدثت بقربه بعد الاحتلال العثماني مدينة «الرفاعي» نسبة له، وقبره اليوم محط الجماهير من الزوار، ومن سالكي طريقته. ↑
- () الصاحب عطاء الملك علاء الدين بن بهاء الدين محمد الجويني المتوفى سنة 683هـ/ 1284م، ولد في العاشر من ربيع الأوذل سنة 623هـ/ 1225م، ولي العراق إحدى وعشرين سنة وشهوراً، وكان عادل السيرة أديباً فاضلاً، توفي علاء الدين سنة 681هـ/ 1282م، وعدّ من عماراته أنّه أجرى نهراً من قصبة الأنبار إلى النجف، وصرف له مبالغ وافرة قدرها مائة ألف دينار ذهباً، فتأسّست عمارات وقرى في جانبيه وعددها مائة وخمسون قرية، والظاهر أنّ النهر المذكور هو المعروف اليوم بكري سعد، كما أسّس رباطاً في النجف. (راجع: صاحب الديوان). ↑
- () الشاه طهماسب الأوّل ابن الشاه إسماعيل الأوّل. ولد يوم الأربعاء سنة 919هـ/ 1513م في قرية شهاب آباد من أعمال أصفهان، وملك تسع عشرة سنة، وكان جلوسه على سرير الملك سنة 930هـ/ 1523م، وزار النجف سنة 934هـ/ 1527م، وتوفي سنة 984هـ/ 1576م. ↑
- () كلشن خلفاء «تاريخ بغداد» بالتركية، طبع في اسطنبول سنة 1143. ↑
- () جابية القليب المسمّى «الصخير» تقع في محلة البراق ويستقي منها بالدلاء لأنّ ماء القليب معتدل العذوبة، وفي حدود ألف ومائة أوصلوه بمياه الآبار التي حفرها الشاه عباس الصفوي، وفي سنة 1038هـ/ 1627م بنيت فوهته الواسعة حيث خرب لاستغناء الناس عنه بالماء الحلو. ↑
- () رحلة كارستن نيبور إلى العراق في القرن الثامن عشر ـ مجلة الأقلام، العدد الأوّل، السنة الأولى، عام 1965، ترجمة الدكتور محمود الأمين ـ بغداد. ↑
- () مجلة لغة العرب، ج2، من السنة الثامنة. ص134ـ135، وماضي النجف، مصدر سابق، ج1، ص195. ↑
- () غيّر اسمها إدارياً إلى قضاء الهندية. ↑
- () باسم شريعة الكوفة، وبالجسر. ↑
- () كانت قرية تعرف بأم البعرور ثمّ سمّيت الحميدية. ↑
- () قضاء قرب الحيرة استحدث بعد تغيير مجرى الفرات. ↑
- () مجلة العرب، ج2، من السنة الثامنة. ص:134 ـ 135، وماضي النجف، مصدر سابق، ج1، ص195. ↑
- () تولّى منصب ولاية بغداد سنة 1258هـ/ 1842م، وعزل سنة 1267هـ/ 1850م، وكان قد هجم على مدينة كربلاء المقدسة بعد ثلاثة شهور من توليه منصبه، وأوقع فيها القتل ليلة زيارة «عرفة» من شهر ذي الحجة سنة 1258هـ/ 1842م الموافق لليوم العاشر من شهر كانون الثاني. ↑
- () للصحن أربع إيوانات:الأوّل: إيوان اقتطع من رواق مسجد عمران بن شاهين في الجهة الشمالية.
الثاني: إيوان يقابل الإيوان الأوّل، هو أيضاً مقتطع من رواق مسجد عمران بن شاهين، ويسمّى إيوان العلماء.
الثالث: إيوان الحبوبي في الجهة الجنوبية، وفيه مقبرة المجاهد الحجة السيد محمد سعيد الحبوبي.
الرابع: إيوان يقابل الإيوان الثالث، يقع في ظهر المرقد العلوي، ويعرف بإيوان «مرزاب الذهب» ذلك لأنّ في أعلاه مرزاب الذهب. ↑
- () والصحيح أنّ حفر النهر كان في ولاية مصطفى عاصم. ↑
- () ويسمّى نهر الحميدية، وجدول الحميدية وبدعة الحميدية كما جاء في دعاء رتبه خطيب الحضرة الحيدرية السيد سعيد أفندي بعد إتمام وإكمال «بدعة الحميدية» التي أجريت من الجعارة السنية «الحيرة» إلى النجف الأشرف بمحضر الأهالي والمأمورين والعساكر الموجودين وكافة الحشود التي اشتغلت بهذه البدعة الخيرية يوم الخميس 5 جمادى الأولى من شهور 1305، وهذه الحميدية غير التي ذكر حفرها ماضي النجف في سنة 1310 الجزء الأوّل، ص136. ↑
- () أبو صخير: تقوم على 18 كم جنوب النجف و53 كم غرب الديوانية، تقع على فرع صغير من فروع الفرات، وتقع أطلال الحيرة القديمة على كيلومترين منها، وأكثر مباني أبي صخير بالآجر المقتلع من آثار الحيرة. ↑
- () سمّي باب الساعة لوجود ساعة لها بناية خاصّة ينتفع بها لمعرفة الأوقات. تبرّع بإرسالها أمين السلطان سنة 1305هـ/ 1887م، وهو الباب الرئيسي للصحن الشريف يقع في جهة الشرق ومنه إلى السوق الكبير الذي ينتهي الخارج منه بخط مستقيم إلى خارج البلدة وتتميز الساعة بجرس ناقوسي من أربعة أوجه لأربعة محركات، كسيَ أعلاها بالذهب سنة 1323هـ/ 1905م، وقد جدّد تذهيبها سنة 1395هـ/ 1975م. ↑
- () لأنّ الطيور المعروفة باللقالق كانت تضع أعشاشها على حافة قبّة الساعة. ↑
- () خان المصلى: بناه الحاج محمد حسين خان الاصفهاني المار ذكره، ص42، ثمّ جدد بناءه الحاج حسن مرزة. ↑
- () خان الحماد: بناه الحاج محمد صالح كبة البغدادي، وبنى بجانبه الشيخ مرتضى الأنصاري خاناً، ويحيط بالاثنين سور واحد وكلّ يدعى خان الحماد. ↑
- () خان النخيلة: شيّده أحد الهنود. ↑
- () شرح المواقف ٨: ٣٦٥. ↑
- () شرح المواقف ٨: ٣٦٥. ↑
- () الفِصَل ٤: ١٠٩. ↑
- () المذاهب الإسلامية: ٣٧. ↑
- () صحيح البخاري ـ باب غزوة خيبر: ح/٣٩٩٨، صحيح مسلم ـ كتاب الجهاد والسِيَر ٣: ١٣٨٠ ح/٥٢، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٣٠٠، ورواه أصحاب التاريخ أيضاً: الطبري ٣: ٢٠٢، ابن الأثير/ الكامل في التاريخ: 2: 331، ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة 6: 46. ↑
- () نهج البلاغة: ٩٧ الخطبة ٦٧، و انظر:ابن قتيبة/ الإمامة والسياسة: ١١. ↑
- () مسند أحمد ٤: ٢٤٨، 250،٢٥١، صحيح مسلم: الطهارة ـ باب المسح على الناصية والعمامة، سنن أبي داود: المسح على الخفّين ح/١٤٩، ١٥٢، سنن ابن ماجة: ح/١٢٣٦، سنن النسائي ـ الطهارة: ح/١١٢. ↑
- () انظر: ابن الجوزي/ آفة أصحاب الحديث: ٩٩. ↑
- () صحيح البخاري: كتاب الأحكام ح/٦٧٥٤. ↑
- () سيرة ابن هشام ٤: ٢٧٢، البداية والنهاية ٤: ٣١٢. ↑
- () أبو الفرج ابن الجوزي/ آفة أصحاب الحديث. ↑
- () فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٢: ١٢٣. ↑
- () ابن الإسكافي/ المعيار والموازنة: ٤١ـ٤٢. ↑
- () مسند أحمد ١: ٣٥٦، وأخرجه الطبري في تاريخه ٣: ١٩٦ ولم يذكر فيه قول أُمّ الفضل. ↑
- () ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة ٩: ١٩٧. ↑
- () فتح الباري في صحيح البخاري ٢: ١٢٢ـ١٢٣. ↑
- () المعيار والموازنة: ٤١. ↑
- () عبد الرزّاق/ المصنّف ٥: ٤٢٩ ـ ٤٣٠، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٢: ١٢٣. ↑
- () ابن تيميّة/ منهاج السُنّة ٣: ٢١٣. ↑
- () الطبقات الكبرى ٤: ٦٦، تهذيب تاريخ دمشق ٢: ٣٩٥ و ٣: ٢١٨، مختصر تاريخ دمشق ٤: ٢٤٨/ ٢٣٧ و٥: ١٢٩/ ٥٦ ترجمة أُسامة بن زيد وأيّوب بن هلال، تاريخ اليعقوبي ٢: ٧٧، تاريخ الخميس ٢: ١٧٢، شرح نهج البلاغ 1: 159،220 و٩: ١٩٧. ↑
- () الطبقات الكبرى ٤: ٦٦. ↑
- () أخرجه البخاري ومسلم في باب فضائل أبي بكر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٧: ١٤ ـ ١٥، صحيح مسلم بشرح النووي ٨: ١٥٤، وانظر: تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة: ٩٠ رقم ٥٦. ↑
- () ترجمة جبير بن مطعم في: سير أعلام النبلاء ٣: ٩٧، الإصابة ١: ٢٢٦/١٠٩٢. ↑
- () ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة ١٤: ٢٢. ↑
- () الاستيعاب بهامش الإصابة 1: 231، مختصر تاريخ دمشق 7:6، سير أعلام النبلاء 3 :95، 97، وهؤلاء الذين حسن إسلامهم معدود فيهم مع جبير: أبو سفيان ومعاوية، كما في المعارف/ لابن قتيبة: 342. ↑
- () سير أعلام النبلاء 3: 98. ↑
- () راجع تراجمهم في: الاستيعاب، وأُسد الغابة، والإصابة، ومختصر تاريخ دمشق، وسير أعلام النبلاء. ↑
- () راجع أخبار غزوة أحد في: تاريخ الطبري، تاريخ اليعقوبي، الكامل في التاريخ، البداية والنهاية، وراجع ترجمة حمزة في الاستيعاب وأسد الغابة والإصابة وغيرها. ↑
- () مسند أحمد 4: 81، 83، 85، صحيح البخاري ـ كتاب الخمس ـ باب 17 ح/2971، سنن أبي داود ح/2978 ـ 2980، سنن النسائي ـ كتاب الخمس ـ باب 1 ح/4438، 4439). ↑
- () ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة 20: 25. وروى مثله أحمد في عروة بن الزبير بدلاً من جُبير بن مطعم. ↑
- () حلف الفضول: حلف جمع بني هاشم وزُهرة وتَيم، اجتمعوا عند عبد الرحمن بن جدعان فتحالفوا جميعاً على دفع الظلم واسترداد الحقّ من الظالم وإعادته إلى صاحبه المظلوم. ↑
- () الأغاني ١٧: ٢٩٥. ↑
- () انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٣: ٩٨. ↑
- () تاريخ بغداد ٦: ٨٣، الأغاني ١٥: ٣٢٩. ↑
- () تاريخ بغداد ٦: ٨١ ـ ٨٦، الأعلام ١: ٤٠. ↑
- () السنن الكبرى/ للنسائي 5: 154 ح/8539، 8540، مجمع الزوائد 9: 133. ↑
- () راجع ص109ـ112 من هذا الكتاب. ↑
- () ثمّة رواية تُنسب إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، تقول: «ارتد الناس بعد الحسين (عليه السلام) إلاّ ثلاثة: أبو خالد الكابلي، ويحيى ابن أمّ الطويل، وجبير بن مطعم، ثمّ إنّ الناس لحقوا وكثروا» غير أنّ في هذه الرواية أكثر من مشكلة تقف دون اعتمادها:أ ـ فمن الناحية السندية: وردت في مصدرين، الأوّل: رجال الكشي ـ ترجمة يحيى بن أمّ الطويل ـ وفي إسنادها مجهول، والثاني: كتاب (الاختصاص) ولا يُعرف مؤلّفه على وجه التحديد، ونسبته إلى الشيخ المفيد موضع خلاف.
ب ـ الثابت أنّ جبير بن مطعم قد توفّي قبل استشهاد الحسين بنحو أربع سنين على الأقلّ! وفي بعض طرق هذه الرواية ما يحلّ الإشكال الثاني، إذ ورد فيها (محمّد بن جبير بن مطعم) لكن حتّى هذا لم يثبت، إذ كشف المحقّق التستري أنّ هذا محرّف عن حكيم بن جبير! ـ قاموس الرجال/ ترجمة محمّد بن جبير بن مطعم.
والحقّ أنّ هذه الرواية فيها أكثر ممّا تقدّم، فهي تذكر بعد هؤلاء جماعة منهم سعيد بن المسيّب، وتقول إنّه نجا من الأمويين لأنّه كان آخر أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)! وهذا لا يصحّ لأنّ سعيد بن المسيّب تابعي وليس صحابياً. وهذا أيضاً ممّا وقف عليه المحقّق التستري في ترجمة سعيد بن المسيب من (قاموس الرجال). ↑
- () الفِصَل ٤: ١٠٨. وانظر أيضاً: تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة: ٩٠ ـ ٩١ ح/٥٦، نظام الخلافة بين أهل السُنّة والشيعة: ٣٩. ↑
- () انظر: الجرجاني/ شرح المواقف 8: 364ـ365، التفتازاني/ شرح المقاصد 5: 263 ـ 267. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب الأحكام ـ باب الاستخلاف 6: ح/6791، صحيح مسلم ـ باب فضائل أبي بكر 5 ح/2387 والنصّ منه. ↑
- () ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة ١١: 49. ↑
- () صحيح البخاري ـ كتاب المرضى ـ باب ١٧ ح/ 5345 صحيح مسلم ـ كتاب الوصية ح/15، 21، 22، مسند أحمد 1: 324، السيرة النبوية للذهبي: ٣٨٤، البداية والنهاية ٥: ٢٤٨. ↑
- () السنن الكبرى ٦: ٣٠٠، تاريخ الطبري ٣: ٢٠٨، مروج الذهب ٢: ٣١٦، الكامل في التاريخ ٢: ٣٣١، جامع الأُصول ٤: ٤٨٢. ↑
- () سنن الترمذي ـ مناقب أبي بكر ٥: ح/٣٦٦٢، سنن ابن ماجة 1: ح/97. ↑
- () شرح المواقف ٨: ٣٦٤، شرح المقاصد ٥: ٢٦٦. تثبيت الإمامة: 92/59. ↑
- () الفِصَل ٤: ١٠٨. ↑
- () الرياض النضرة: ٤٨ ـ ٤٩. ↑
- () سيأتي في هذا البحث. ↑
- () سورة النور، الآية: 55. ↑
- () شرح المواقف 8: 364، شرح المقاصد 5: 265. ↑
- () تفسير القرطبي ١٢: ١٩٥. ↑
- () سورة الأحزاب، الآيتان: ١٠ و ١١. ↑
- () سورة الأعراف: الآية: 137. ↑
- () تفسير القرطبي ١٢: ١٩٦ ـ ١٩٧ باختصار. وانظر أيضاً: تفسير الطبري 18: 160، مجمع البيان 7: 239، تفسير الشوكاني (فتح القدير) 4: 47. ↑
- () فتح القدير 4: 47. ↑
- () كما تقدّم في آخر الكلام المنقول عن القرطبي، وهو ما ذهب إليه محمّد جواد مغنية في تفسيره 5: 436. ↑
- () الدرّ المنثور ٦: ٢١٥ ـ ٢١٦. ↑
- () الدرّ المنثور ٦: ٢١٦. ↑
- () مجمع البيان 7: 239، الميزان ١٥: ١٦٦ ـ ١٦٧، الإفصاح في الإمامة: ١٠٢. ↑
- () الميزان 15: 167. ↑
- () الميزان 15: 168. ↑
- () الميزان 15: 172. ↑
- () سورة الفتح، الآية: 16 ↑
- () الفِصَل 4: 109 ـ 110، شرح المواقف 8: 364، شرح المقاصد 5: 266. ↑
- () تفسير الرازي ٢٨: ٩٢ ـ ٩٣. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 83. ↑
- () سورة الفتح، الآية: 15. ↑
- () الفِصَل: 4: 109. ↑
- () الفِصَل: 4: 109. ↑
- () و(3) سورة التوبة، الآيات: 83ـ85. ↑
- ↑
- () سنن الترمذي ٥: ح/٣٧١٥، سنن النسائي 5: ح/٨٤١٦، كتاب الخصائص بتخريج الأثري ح/٣٠، المصنّف/ ابن أبي شيبة: ج7 ـ فضائل علي ح/١٨. ↑
- () أخرجه: عبد الرزّاق/ المصنّف ١١: ٢٢٦ ح/٢٠٣٨٩، ابن أبي شيبة/ المصنّف: ج7 ـ فضائل عليّ ـ ح/٢٣ و ٣٠، النسائي/ السنن ـ كتاب الخصائص ح/٨٤٥٧، ابن عبد البرّ/ الاستيعاب ٣: ٤٦. ↑
- () مسند أحمد ٣: ٨٢، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩: ٤٦/٦٨٩٨، المصنّف/ ابن أبي شيبة ج7 ـ فضائل عليّ ـ ح/١٩، المستدرك ٣: ١٢٣، البداية والنهاية ٧: ٣٩٨. ↑
- () الطبقات الكبرى 3: 181، تاريخ الإسلام 3: 9. ↑
- () تاريخ الطبري 3: 202، الكامل في التاريخ 2: 325. ↑
- () الكامل في التاريخ 2: 232. ↑
- () البداية والنهاية 4: 312. ↑
- () الكامل في التاريخ 2: 232. ↑
- () الكامل في التاريخ 2: 230. ↑
- () انظر هذا البرهان ونحوه في إثبات شرعية خلافة أبي بكر في: شرح المواقف 8: 364، الفصل 4: 108، شرح المقاصد 5: 266ـ267. ↑
- () د. أحمد محمود صبحي/ نظرية الإمامة: 37، د. مصطفى حلمي/ نظام الخلافة: 39، البيومي/ الإمامة وأهل البيت 1: 178. ↑
- () صحيح مسلم ـ فضائل الصحابة: ح/9. ↑
- () الفِصَل 4: 108ـ109. ↑
- () النوبختي/ فرق الشيعة: 8. ↑
- () الإمامة والسياسة: ١٢. ↑
- () انظر: الاستيعاب/ بحاشية الإصابة ٣: ٣٥، شرح نهج البلاغة ٦: ١٦٧ـ ١٦٨. ↑
- () مسند أحمد ١، ٨٤، ٨٨، ١١٨، ١١٩ طريقين، سنن النسائي ـ كتاب الخصائص: ح/8464ـ8473، ح/8478ـ8481، البداية والنهاية: 5: 229ـ232 و7: 383ـ385 من نحو عشرين طريقاً. ↑
- () أخرج أحمد حديث الغدير من تسع عشرة طريقاً، المسند ١: ٨٤، ٨٨، ١١٨ ثلاث طرق، و 199 طريقين،152، 331، و4: 281،368، 370، 372 طريقين و5: 347، 358، 361، 362، 419. ولا يضاهيه إلاّ حديث «من كذب عليَّ متعمّداً فليتبّوأ مقعده من النار» فقد خرّجه من نحو 25 طريقاً. ↑
- () انظر: كتاب السنّة ح/1354ـ 1376، ح/1386، 1387، البداية والنهاية 5: 228ـ233، 7: 383ـ386، فقد خرّجه من نحو 40 طريقاً بما فيها طرق حديث المناشدة المتقدّمة. ↑
- () سنن الترمذي 5: ح/٣٧١٣، سنن ابن ماجة 1: ح/116، 121، الخصائص/ النسائي بتخريج الأثري: ح/80، 82ـ85، 90، 95، 153، المصنّف/ ابن أبي شيبة: ج7 ـ باب فضائل عليّ ـ ح/9، 10، 29، 55، المستدرك 3: 109ـ110. ↑
- () انظر: البداية والنهاية 5: 233. ↑
- () الآلوسي/ روح المعاني ٦: ١٩٥ وما بعدها. ↑
- () انظر: الفِصَل في الملل والنحل 4: 161، 163، البداية والنهاية 7: 310، الباعث الحثيث: 182. ↑
- () انظر كتابه: رفع الملام عن الأئمّة الأعلام. ↑
- () مسند أحمد ٤: ٤٣٧ـ٤٣٨، سنن الترمذي 5: ح/٣٧١٢، الخصائص/ للنسائي بتخريج الأثري: ح/65، 86، المصنّف/ ابن أبي شيبة: ج7 ـ فضائل عليّ ـ ح/٥٨، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩: ٤١ ح/٦٨٩٠. ↑
- () مسند أحمد 5: 356، الخصائص/ بتخريج الأثري: ح/87. ↑
- () مسند أحمد ١: ٣٣١، الخصائص/ بتخريج الأثري: ح/٢٣، المستدرك ٣: ١٣٤. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 71. ↑
- () علماً أنّ التشيّع في مصطلحهم: هو تفضيل عليٍّ على عثمان، لا غير، والطعن على ملوك بني أُميّة!. ↑
- () انظر: أبا إسحاق الأثري ـ في تخريجه الحديث ٦٥ من كتاب الخصائص. ↑
- () مسند أحمد ١: ٣٣١، ٤: ٤٣٨، ٥: ٣٥٦. وقد ذكرناها في تخريج النصوص كلٌّ في محلّه. ↑
- () الأثري/ كتاب الخصائص للنسائي: ح/٨٧. ↑
- () مسند أحمد ١: ٣٣١ من حديث ابن عبّاس. ↑
- () المستدرك ٣: ١٣٣ ـ ١٣٤ وتلخيصه/ للذهبي في الصفحة ذاتها، كتاب السُنّة/ ابن أبي عاصم ـ بتخريج الألباني: ٥٥٢. ↑
- () تاريخ الطبري ٢: ٢١٧، الكامل في التاريخ ٢: ٦٢ ـ ٦٤، السيرة الحلبية ١: ٤٦١، شرح نهج البلاغة ١٣: ٢١٠ و ٢٤٤ وصحّحه، مختصر تاريخ دمشق/ لابن عساكر ابن منظور ١٧: ٣١٠ ـ ٣١١، تفسير البغوي (معالم التنزيل) ٤: ٢٧٨، تفسير الخازن ٣: ٣٧١ ـ ٣٧٢ نقلاً عن سيرة ابن إسحاق، المنتخب من كنز العمّال ـ بهامش مسند أحمد ـ ٥: ٤١ ـ ٤٢. ↑
- () حين قال النبي (صلّى الله عليه وآله) ذلك لعلي، قام الناس يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!. ↑
- () البداية والنهاية ٣: 53. ↑
- () لسان الميزان 4: 51/5229. ↑
- () لسان الميزان 4: 50/5229. ↑
- () البداية والنهاية 5: 228. ↑
- () صحيح مسلم ٤: ح/٢٣٠٨ من عدّة طرق. ↑
- () سنن الترمذي 5: ح/٣٧٨٨، مسند أحمد ٣: ١٧. ↑
- () مسند أحمد ٥: ١٨٢ و ١٨٩. ↑
- () منهاج السنّة 4: 85، الفرقان بين الحقّ والباطل: 139. ↑
- () أي: كُنِسْنَ. ↑
- () أخرجه: النسائي/ السنن الكبرى 5:: ح/٨٤٦٤، الأثري/ تخريج خصائص علي (عليه السلام) ح/٧٦ وذكر له عدّة مصادر منها: مسند أحمد ١: ١١٨، البزّار: ٢٥٣٨ـ٢٥٣٩، وابن أبي عاصم: ١٣٦٥، والحاكم/ المستدرك ٣: ١٠٩، وأخرجه ابن كثير/ البداية والنهاية ٥: ٢٢٨، وقال: قال شيخنا الذهبي: هذا حديث صحيح، واليعقوبي/ التاريخ ٢: ١١٢. ↑
- () كانت خطبة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في غدير خمّ يوم ١٨ ذي الحجّة سنة ١٠هـ، ووفاته (صلّى الله عليه وآله) يوم ٢ أو ١٢ ربيع الأوّل من سنة ١١هـ، حسب اليعقوبي والطبري. ↑
- () مسند أحمد ١: ١٧٣، ١٧٥، ١٨٢، ١٨٤، ٣٣١، صحيح البخاري ـ فضائل علي ـ: ح/٣٥٠٣، صحيح مسلم ـ فضائل علي ـ ح/٢٤٠٤، مصنّف ابن أبي شيبة ـ فضائل عليّ ـ ٧: ٤٩٦ ح/١١ ـ ١٥. ↑
- () ابن حزم/ الفصل ٤: ٩٤، ابن تيميّة/ منهاج السُنّة ٤: ٨٧ ـ ٨٨. ↑
- () صحيح مسلم ـ فضائل علي ح/٣٢، الخصائص/ بتخريج الأثري: ح/٩، ١٠، ٤٣، ٥٢، المصنّف/ ابن أبي شيبة ـ فضائل علي: ح/١٥. ↑
- () مسند أحمد ١: ٣٣١، الخصائص/ بتخريج الأثري ح/٢٣، المستدرك ٣: ١٣٢ـ١٣٣ ويأتي لاحقاً. ↑
- () السيرة النبوية/ لابن حبّان: ١٤٩، وصحّحه سبط ابن الجوزي/ تذكرة الخواصّ: ٢٣ نقله عن الإمام أحمد في المناقب، وقال: رجاله ثقات. ↑
- () صحيح البخاري ـ الأحكام: باب 51 ح/6796، صحيح مسلم ـ الإمارة ح/1821ـ1822، مسند أحمد 1: 398، 406، سنن أبي داود ح/4280، سنن الترمذي ـ كتاب الفتن: 4/2223، مصابيح السُنّة 4/ح 4680؛ لذا فإنّ قول الدكتور النشّار/ نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١: ٤٤٨ و ٢: ٢١٨: «إنّ فكرة ١٢ خليفة لا وجود لها في الإسلام» إنّما هي كبوة فارس!. ↑
- () ابن تيمية/ رأس الحسين: 200ـ201. ↑
- () صحيح مسلم ـ فضائل الصحابة ـ ح/٢٤٢٤، سنن الترمذي 5 ح/٣٢٠٥، ٣٧٨٧، ٣٨٧١، مسند أحمد ٤: ١٠٧ و ٦: ٢٩٢، ٣٠٤، مصابيح السُنّة ٤: ١٨٣ ح/٤٧٩٦، أسباب النزول: ٢٠٠. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 33. ↑
- () سنن ابن ماجة ٢ ح/٤٠٨٧. ↑
- () مسند أحمد ٣: ٣، ٦٢، ٦٤، ٨٠، ٨٢. ↑
- () سنن أبي داود ح/٤٢٨٤، تاريخ البخاري ٣: ٣٤٦، مصابيح السُنّة ح/ ٤٢١١. ↑
- () انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٣: ١٨٠ ـ ١٨٣، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ١٥: ٢١٢ ـ ٢١٣، صحيح مسلم بشرح النووي ١٢: ٢٠١ ـ ٢٠٣، البداية والنهاية ٦: ٢٧٨ ـ ٢٨١. ↑
- () العهد القديم ـ سفر التكوين ـ إصحاح ١٧: آية ٢٠. ↑
- () انظر: البداية والنهاية ٦: ٢٨٠. ↑
- () انظر: الإمامة والسياسة: ١٢ـ ١٦، الكامل في التاريخ ٢: ٣٢٩ ـ ٣٣٠. ↑
- () انظر: د. عبد الجبار شرارة/ الإعداد التربوي والفكري لولاية عليّ (عليه السلام) وخلافته. ↑
- () الطبقات الكبرى ٣: ٢١، سيرة ابن هشام ١: ٢٢٨، كتاب الأوائل: ٩١ـ٩٣، البدء والتاريخ ٤: ١٤٥، السيرة النبوية/ ابن حبّان: ٦٧، جوامع السيرة/ ابن حزم: ٤٥، السيرة النبوية/ الذهبي: ٧٠، الإصابة ٤: ٢٦٩. ↑
- () مسند أحمد ١: ٢٠٩، المستدرك ٣: ١٨٣ وتلخيصه للذهبي، الخصائص/ بتخريج الأثري ح/ ٢، ٣، تاريخ الطبري ٢: ٣١١، مجمع الزوائد ٩: ١٠٣. ↑
- () نهج البلاغة ـ شرح صبحي الصالح ـ خطبة 192 ـ ص ٣٠٠ـ ٣٠١. ↑
- () الخصائص/ بتخريج الأثري ح/ ١٢٧، ١٢٨، ١٢٩. ↑
- () الخصائص/ بتخريج الأثري ح/١٢٠. ↑
- () مسند أحمد ٥: ٢٦. ↑
- () مسند أحمد ١: ٢٣٠، سنن الترمذي 5: ح/٣٧٢٠، مصابيح السُنّة 4: ح/٤٧٦٩، الطبقات الكبرى ٣: ٢٢، البداية والنهاية ٧: ٣٧١، دلائل النبوّة/ للبيهقي ٤: ٢٠٩. ↑
- () سيرة ابن هشام ٢: ١٠٩. ↑
- () تاريخ الإسلام/ الذهبي ـ الخلفاء الراشدين: 625، الإصابة/ العسقلاني 2: 30. ↑
- () المصنّف/ ابن أبي شيبة: ج7 فضائل علي ح/١٧، سنن النسائي 5: ح/٨٤٠٢، الخصائص/ بتخريج الأثري: ح/١٤ وصحّحه، المستدرك ٣: ٣٧ وصحّحه ووافقه الذهبي، سيرة ابن هشام ٣: ٢١٦، تاريخ الطبري ٣: ١٢، الكامل في التاريخ ٢: ٢١٩، البداية والنهاية ٧: ٣٧٣. ↑
- () ابن أبي شيبة/ المصنّف ٧: ٤٩٧ ح/١٧ فضائل علي. ↑
- () الحاكم والذهبي/ المستدرك ٣: ٣٧ وتلخيصه. ↑
- () مسند أحمد ٣: ٨٢، صحيح ابن حبّان ٩: ٤٦ ح/٦٨٩٨، المصنّف/ لابن أبي شيبة: ج7 ـ فضائل عليّ ـ ح/١٩، البداية والنهاية ٧: ٣٩٨. وراجع تخريجه مع حديثين قبله في ص211ـ212. ↑
- () مسند أحمد ١: ٣، ٣٣١، ٣: ٢١٢، ٢٨٣، ٤: ١٦٤، ١٦٥، سنن الترمذي 5: ح/٣٧١٩، سنن النسائي 5: ح/٨٤٦١، الخصائص/ بتخريج الأثري: ح/٢٣، ٧٢، ٧٣ وصحّحها جميعاً، البداية والنهاية ٧: ٣٧٤، ٣٩٤، تفسير الطبري ١٠: ٤٦ كتاب الأموال: 215 ح/457. ↑
- () مسند أحمد ١: ٣٣١، سنن الترمذي 5: ح/٣٧٢٢، الخصائص/ بتخريج الأثري: ح/٢٣، ٤١، البداية والنهاية ٧: ٣٧٤، ٣٧٩، فتح الباري ٧: ١٣، الإصابة ٤: ٢٧٠، وقد رأينا كيف قلبوه لأبي بكر! راجع ص (87). ↑
- () الخصائص/ بتخريج الأثري ح/٣٨. ↑
- () سنن الترمذي ٥ ح/٣٧٢٦، مصابيح السُنّة ٤ ح/٤٧٧٣، جامع الأُصول ٩ ح/٦٤٩٣، البداية والنهاية ٧: ٣٦٩. ↑
- () رسالة الإمام مالك إلى هارون الرشيد: 35. ↑
- () الكامل في التاريخ 2: 302. ↑
- () الخصائص/ بتخريج الأثري ح/76، المستدرك وتلخيصه 3: 109، البداية والنهاية 5: 228، وقد تقدّم. ↑
- () الخصائص/ بتخريج الأثري ح/112، 113، وخرّجه على النسائي، وابن ماجة وابن خزيمة من وجوه. ↑
- () سورة طه، الآية: 132. ↑
- () تفسير القرطبي ١١: ١٧٤، تفسير الرازي ٢٢: ١٣٧، روح المعاني ١٦: ٢٨٤ والنصّ عنه. ↑
- () السنن الكبرى ٥: ١٣٩/٨٤٩٣، ٨٤٩٤. ↑
- () منهاج السُنّة ٣: ١١ـ١٢، المستدرك ٣: ١٢٥، مجمع الزوائد ٩: ١٣٠، الصواعق المحرقة: باب 9 فصل1: ١٢٧، تاريخ الخلفاء: ١٦١. ↑
- () أبو حاتم الرازي/ كتاب الزينة: ٢٥٩ تحقيق عبد الله سلّوم السامرّائي، تاريخ ابن خلدون ٣: ٢١٤ـ٢١٥. ↑
- () الموفقيات: 580/380، الاستيعاب 3: 550، تاريخ اليعقوبي2 :124، تاريخ الطبري3 :202، الكامل في التاريخ 2 :325، شرح نهج البلاغة 6: 21. ↑
- () أخرجه النسائي بإسناد صحيح ـ السنن الكبرى 5: 139 ح/8495. ↑
- () مروج الذهب 3: 21، وقعة صفّين: 118ـ 120، شرح نهج البلاغة 3: 188. ↑
- () مسند أحمد 4: 281، تفسير الرازي 12: 49 ـ 50، سبط ابن الجوزي/ تذكرة الخواص: 29ـ 30. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 55. ↑
- () روح المعاني 6: 167. ↑
- () معالم التنزيل ـ للبغوي ـ ٢: ٢٧٢، الكشّاف ١: ٦٤٩، تفسير الرازي ١٢: ٢٦، تفسير أبي السعود ٢: ٥٢، تفسير النسفي ١: ٤٢٠، تفسير البيضاوي ١: ٢٧٢، الشوكاني/فتح القدير ٢: ٥٣، الواحدي/أسباب النزول ١١٤، السيوطي/لباب النقول: ٩٣. ↑
- () أخرجه: عبد الرزّاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب في (المتفّق والمفترق). انظر: الشوكاني/ فتح القدير ٢: ٥٣. ↑
- () مروج الذهب ٣: ٢١، وقعة صِفّين: ١١٨ ـ ١٢٠، شرح نهج البلاغة ٣: ١٨٨. ↑
- () مروج الذهب ٣: ٨. ↑
- () تاريخ اليعقوبي 2: 8171. ↑
- () ابن أبي الحديد 2: 188. ↑
- () وقعة صفّين: 103ـ104، ابن أبي الحديد 3: 81 ـ 82. ↑
- () مجمع الزوائد 9: 146. ↑
- () شرح نهج البلاغة 1: 143ـ 150 فضل (ما ورد في وصاية عليّ من الشعر) أورد فيه أربعاً وعشرين مقطوعةً للصحابة والتابعين، ثمّ قال: والأشعار التي تتضمّن هذه اللفظة كثيرة جدّاً تجلّ عن الحصر وتعظم عن الإحصاء والعدّ. وانظر أيضاً: الكامل/ للمبرّد 2: 170ـ 171 في رثاء عليّ بن أبي طالب. ↑
- () شرح نهج البلاغة 1: 145. ↑
- () شرح نهج البلاغة 1: 143ـ 144. ↑
- () الزبير بن بكار/ الموفقيات: 593 في عدّة أبيات، وعنه شرح نهج البلاغة 6: 31. ↑
- () تاريخ اليعقوبي 2: 128، الموفقيات: 598 والنصّ منه. ↑
- () د. حسن إبراهيم/ تاريخ الإسلام 1: 395 و2: 2، د. مصطفى حلمي/ نظام الخلافة: 157. ↑
- () د. محمّد عمارة/ الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية: ١٥٥. ↑
- () فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٨: ١٢٢. ↑
- () مسند أحمد ٦: ٣٠٠، ابن كثير/ البداية والنهاية 7: 397، عن ابن أبي شيبة، وصحّحه الهيثمي/ مجمع الزوائد ٩: ١١٢. ↑
- () ابن أعثم/ الفتوح 1: 456، ابن الإسكافي/ المعيار والموازنة: 27 ـ 29، ابن أبي الحديد/ شرح نه البلاغة 6: 217 ـ 218، عمر رضا كحالة/ أعلام النساء 3: 38. ↑
- () شرح نهج البلاغة ١٢: ٢١ عن أحمد بن أبي طاهر في (تاريخ بغداد). ↑
- () الجخف: التكبّر. ↑
- () سورة محمّد، الآية: ٩. ↑
- () سورة القلم، الآية: 4. ↑
- () سورة الشعراء، الآية: 215. ↑
- () سورة القصص، الآية: 68. ↑
- () تاريخ الطبري ٤:٣٢٣ ، الكامل في التاريخ ٣: ٦٣ ـ ٦٥، شرح نهج البلاغة ١٢: ٥٣ ـ ٥٤. ↑
- () انظر: ابن المطهّر الحليّ/ الألفين: 36، آل كاشف الغطاء/ أصل الشيعة وأصولها: 98. ↑
- () شرح نهج البلاغة 12: 80، عن أمالي أبي جعفر محمّد بن حبيب، صاحب المحبّر، من علماء بغداد باللغة والشعر والأخبار والأنساب. ترجمته في معجم الأدباء 18: 112. ↑
- () أخرجه الزبير بن بكّار في (الموفّقيّات): 606 ، وعنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٩: ٩. ↑
- () أحمد عبّاس صالح، مجلّة (الكاتب) القاهرية ـ يناير ١٩٦٥ م، وعنه: محمّد جواد مغنية، الشيعة في الميزان: ٤٣١. ↑
- () الاستيعاب 3: 550، ترجمة النعمان بن العجلان، تاريخ اليعقوبي 2: 124، ابن أبي الحديد 6: 21. ↑
- () راجع: شرح نهج البلاغة/ صبحي الصالح: 12، 18، ومحمد أبو الفضل إبراهيم 1: 8، وابن أبي الحديد 10: 127ـ 129، والمسعودي/ مروج الذهب 2: 431، ط. دار المعرفة ـ تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد، عبد الزهراء الخطيب/ مصادر نهج البلاغة وأسانيده. ↑
- () تقدّم مع مصادره، راجع صفحة 216. ↑
- () سنن الترمذي ٥ / ٣٧١٥، السنن الكبرى للنساني ٥ / ٨٤١٦. وقد تقدّم. ↑
- () الاستيعاب 3: 35. ↑
- () كنز العمّال 5: 724 ح/14343. ↑
- () زافر، عن رجل، عن الحارث بن محمّد، عن أبي الطفيل. ↑
- () عبد الوارث، حدّثنا أحمد بن زهير، حدّثنا عمرو بن حمّاد القتاد، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الأزدي، عن معروف بن خربوذ، عن زياد بن المنذر، عن سعيد بن محمّد الأزدي، عن أبي الطفيل. ↑
- () انظر: كنز العمّال 5: 726ـ 727. ↑
- () وانظر خبر المناشدة هذه في: الصواعق المحرقة/ باب 11 ـ آية 9، والمناقب للخوارزمي: 213 عن أبي ذرّ، وفيه أنّها بعد الشورى حين عزموا على مبايعة عثمان. ↑
- () سنن النسائي ٥: ١٢٨ / ٨٤٦١. ↑
- () نهج البلاغة: 97. الخطبة 67. ↑
- () المصدر نفسه: 502 ـ قسم الحكم/ 190. ↑
- () نقل ابن أبي الحديد عن بعض مشايخه قوله: واللّه لقد وقفتُ على هذه الخطبة في كتب صُنِّفت قبل أن يُخلق الرضي بمائتي سنة (والشريف الرضي هو الذي جمع خطب الإمام علي (عليه السلام) ورسائله في نهج البلاغة)! ثمّ قال: وقد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديّين من المعتزلة (مولده سنة ٢٧٩ هـ ووفاته سنة ٣١٧، علماً أنّ الشريف الرضي وُلد سنة ٣٦٠ ه). شرح نهج البلاغة ١ / ٦٩.ونقلها سبط ابن الجوزي من مصادر غير التي اعتمدها الشريف الرضي، فقال: خطبة أُخرى وتعرف بالشقشقية، ذكر بعضها صاحب (نهج البلاغة) وأخلَّ بالبعض، وقد أتيتُ بها مستوفاة، أخبرنا بها شيخنا أبو القاسم النفيس الأنباري بإسناده عن ابن عبّاس.. تذكرة الخواصّ: ١٢٤.
وأسندها الراوندي (٥٧٣ ه) في شرحه إلى الحافظ ابن مردويه، عن الطبراني؛ بإسناده إلى ابن عبّاس. منهاج البراعة ١: ١٣١ ـ ١٣٢.
ولأجل الوقوف على مزيد من مصادرها، راجع: مصادر نهج البلاغة وأسانيده 1: 309 ـ 318. ↑
- () إشارة إلى قول أبي بكر: أقيلوني، أقيلوني. ↑
- () نهج البلاغة ـ الخطبة 3. ↑
- () نهج البلاغة: الخطبة 74 ـ ص102. ↑
- () أي موضع القتال. ↑
- () الرجل الذي أمّره عمر على خمسين من حملة السيوف يوم الشورى ليقتلوا من خالف الفئة التي فيها عبد الرحمن. ↑
- () ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة 6: 167ـ 168. ↑
- () نهج البلاغة: الخطبة 172، ص246. ↑
- () ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة 9: 305. ↑
- () نهج البلاغة: الخطبة 172، ص246. ↑
- () ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة 1: 307 عن المدائني. والمدائني له كتاب خاصّ في خطب عليّ وكلماته، كما له كتاب في أخبار الخلفاء، ولعلّه لم يحظ أحد من المؤرّخين بمثل التوثيق الذي حظيَ به المدائني. ↑
- () نهج البلاغة: الخطبة 162 ـ ص231. ↑
- () نهج البلاغة ـ الحِكم/ 147، ص497. ↑
- () شرح نهج البلاغة 18: 351 ح/143. ↑
- () نهج البلاغة ـ الخطبة 2: 47. ↑
- () انظر: نهج البلاغة أيضاً الخطبة 88 و183. ↑
- () د. محمّد عمارة، الخلافة ونشأة المذاهب الإسلامية: ٣٣، ١٥٧ ـ ١٥٨. ↑
- () البغوي/ معالم التنزيل 4: 278، ابن الأثير/ الكامل في التاريخ 2: 64، وقد تقدّم مع مزيد من التوثيق في ص8118. ↑
- () نهج البلاغة ـ تحقيق د. صبحي الصالح/ الخطبة ١٤٤، ص201. ↑
- () المصدر نفسه: الخطبة 87، ص119. ↑
- () تاريخ اليعقوبي ٢: ٢١١ ـ ٢١٢. ↑
- () نهج البلاغة: الخطبة 97، ص143. ↑
- () نهج البلاغة: الخطبة 87 ـ ص119. ↑
- () مسند أحمد ١: ٨٤، الجامع الصغير 2: 672 ح/9243. ↑
- () السيوطي، مسند فاطمة: ٩٤ ح/8224. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 144. ↑
- () المستدرك ٣: ١٢٦، مجمع الزوائد ٩: ١٣٤، وقال: رجاله رجال الصحيح. وقد جادل فيه بعضٌ متابعةً للمذهب، لا قدحاً في إسناده!. ↑
- () نهج البلاغة ـ الكتاب 62 ـ ص451. في كتابه إلى أهل مصر. ↑
- () عباس محمود العقّاد/ فاطمة الزهراء والفاطميّون ـ المجلّد الثاني من المجموعة الكاملة: 326. ↑
- () محمّد باقر الصدر/ الإسلام يقود الحياة: 146 ـ المجموعة الكاملة م12 ـ القسم الثاني. ↑
- () مآثر الإنافة 1: 52، الماوردي/ الأحكام السلطانية: 10، الفرّاء/ الأحكام السلطانية: 25، 26. ↑
- () أحمد محمّود صبحي| نظرية الاِمامة: 87. ↑
- () شرح نهج البلاغة 9: 307. ↑
- () شرح نهج البلاغة 12: 82. ↑
- () نهج البلاغة ـ الخطبة 61 ـ ص94. ↑
- () انظر: ابن ميثم البحراني/ شرح نهج البلاغة 2: 156، محمّد جواد مغنية/ في ظلال نهج البلاغة 1: 316، محمّد حسين فضل الله/ مجلّة الثقافة الإسلامية ـ العدد 34 ـ ص38، ابن سلاّم/ الأموال: 228 ح/476. ↑
- () أبو عبيدة القاسم بن سلام/ الأموال: 296 ـ 297/567. ↑
- () نهج البلاغة ح/112، ص179. ↑
- () انظر: الكافي 2: 38 ح/4، محمّد حسين آل كاشف الغطاء/ أصل الشيعة وأصولها: 94، محمّد جواد مغنية/ الشيعة في الميزان: 15، الدكتور الوائلي/ هوية التشيّع: 38 ـ 39، جعفر سبحاني/ مع الشيعة الإمامية في عقائدهم: 181ـ183. ↑
- () أبو الحسن الكرخي/ الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية: 4، د. محمّد أديب صالح/ مصادر التشريع الاِسلامي: 287. ↑
- () شرح نهج البلاغة 2: 296 ـ 297. ↑
- () انظر: محمّد عمارة/ الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية: 202 ـ 207، وله أيضاً/ المعتزلة وأصول الحكم، و/المعتزلة والثورة، و/المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية. ↑
- () الموطأ ـ كتاب القدر: ح/3. ↑
- () قال السيوطي: وصله ابن عبد البرّ من حديث كثير بن عبدالله ابن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه/ تنوير الحوالك 3: 93. وقد قالوا في كثير بن عبدالله هذا: إنّه متروك ومن أركان الكذب، وإنّ نسخته عن أبيه عن جدّه موضوعة! انظر ترجمته في ميزان الاعتدال 3: 406 ـ 407. ↑
- () منهاج السُـنّة 4: 85، الفرقان بين الحقّ والباطل: 139. ↑
- () لقد عرضنا نماذج مهمّة منه وبيّـنّا مواقع التهافت فيها، في كتابنا/ ابن تيميّة… حياته، عقائده: 291 ـ 428. ↑
- () منهاج السُـنّة 4: 87 ـ 88. ↑
- () لأنّ الاِمامة عندهم منزلة سياسية يجوز فيها تقدّم المفضول على الفاضل. ↑
- () المغني 20/ ق1: 146، عنه: الشافي 2: 283. ↑
- () منهاج السُـنّة 4: 87. لكنّ الذهبي يقرّ لهذا الشطر بقوّة الاِسناد، كما في (البداية والنهاية 5: 233) وهي في سنن ابن ماجة 1: 43/116، وسنن النسائي في ثمان طرق: 5 ح/8473، 8478، 8479، 8480، 8481، 8483، 8484، 8542، ومسند أحمد في سبع طرق 1: 119 طريقين، 152، و 4: 281، 370، 372 طريقين. ↑
- () تقدّم آنفاً عن البلخي وابن أبي الحديد، راجع ص 266. ↑
- () مسند أحمد 6: 300. ↑
- () ربّما سكن أيّام عمر بن عبد العزيز الذي حكم عامين فقط، وبعضاً من أيام المأمون. ↑
- () انظر: د. أحمد محمود صبحي/ نظرية الاِمامة: 86، د. مصطفى حلمي/ نظام الخلافة: 162. ↑
- () انظر: د. مصطفى حلمي/ نظام الخلافة: 180، د. محمّـد عمارة/ المعتزلة وأُصول الحكم: 47. ↑
- () الاِمامة والسياسة: 140، أُسد الغابة/ 2: 14، تاريخ الإسلام ـ عهد معاوية ـ: 5، البداية والنهاية 8: 45، فتح الباري 13: 55. الإصابة 1: 330ـ 331، مختصر تاريخ دمشق 7: 35. ↑
- () د. محمّد عمارة/ المعتزلة وأُصول الحكم: 47. ↑
- () محمّد جواد مغنية/ الشيعة والحاكمون: 70 ـ 71، د. حسن عبّاس حسن: الفكر السياسي الشيعي: 337. ↑
- () عمدة الطالب في أنساب آل ابي طالب: 67. ↑
- () وياطر ويعثر غلط. ↑
- () اسمها الكامل رأس البوندي تضم بيت الشيخ علي عبدو الزين والمختار وغيرها. ↑
- (*) رأينا أن نختم أبحاث الدائرة بتبيان حقيقة عقيدة الشيعة بعد أن رأينا من إساءة فهمها ما رأينا. وهذا الذي نذكره ملخص عن (موسوعة أعيان الشيعة). ↑
- () كُتبت بقلمه وهي مختصر من الذكريات في حياة حسن الأمين المطبوعة في كتاب «المستدركات». ↑
- () طبع الكتاب بعد ذلك باسم: (من بلد إلى بلد). ↑
- () من الإنصاف أن نذكر أنّ الذي أشعل عود الكبريت هو زكي الخطيب الذي كان يومذاك من أركان الكتلة الوطنية وأحد مرشحيها. فقد جاء مبكراً إلى مركز الاقتراع وجلس وراء الصندوق وأبى أن يتزحزح عن مكانه، ولم يفد معه أي جهد، ولما صاولوه قال لهم: لقد كتبت وصيتي قبل أن أخرج من بيتي، ثمّ خرج إلى المجتمعين في الخارج وقال لهم: لقد بدأ التزوير فاحموا انتخاباتكم، فاشتعلت النار.ثمّ انفصل بعد ذلك زكي الخطيب عن الكتلة عندما أحكم جميل مردم قبضته عليها. ↑
- () كما كان فيها تلاميذ من اليمن وحضرموت. ↑
- () في الجنرال غاملان هذا يقول أحد الشعراء الثوار خلال الثورة السورية:ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
وليس بسوريا مقر لغملان
↑ - () كتب فردينان توتل اليسوعي في العدد الصادر في 20/5/87 من جريدة النهار البيروتية بمناسبة مرور خمسين سنة على وفاة لامانس ما يلي: «وكتب الأب هنري لامانس (1862ـ1937) عن رجال الحملات الصليبية فذكر الفلمند أجداده من شدّوا الرحال إلى الأراضي المقدسة جنوداً وأمراء وخرجوا من سهول الشمال البلجيكي، فهجروا الآل وتركوا المال وتفرّقوا، ووجهتهم الجهاد في سبيل الله واليوم الآخر.وإنّ تلك العاطفة النبيلة التي دفعت السواد الأعظم من رجال الغرب إلى قبر المسيح إنّما هي التي دبّت في قلب الفتى، وأوحت إليه التضحية بحياته وبما فيها من مواهب منّ بها الرحمن عليه، ليسير جندياً، لا بالسيف والرمح، شأن الصليبيين، ولكن بالقلم، يفتح فتوحات العالم» (انتهى).
هذا ما كتبه اليسوعي فردينان توتل عن اليسوعي لامانس. ولم يكن كلام أصدق في وصف مهمة لامانس من هذا الكلام. فالمهمة التي جرّد الصليبيون سيوفهم لتحقيقها، هي المهمة نفسها التي جرّد لامانس قلمه لتحقيقها. ومن ذلك جميع ما كتبه في دائرة المعارف الإسلامية. ↑
- () عرفت ذلك بعد رجوعي إلى بيروت. ↑
- () راجع: العقيليون. ↑
- () يقول المسعودي (مروج الذهب 1/145) طبعة مصر سنة 1346هـ: كانت ملوك العرب ـ أيام الإسكندر المقدوني ـ من مضر بن نزار بن معد وربيعة بن نزار وأنمار بن نزار والنضرية من بني نضر من اليمن وغيرهم من قحطان لهم ملوك، وقد نصبت كلّ طائفة لها ملكاً. ↑
- () Moret, His. De L’Orient Vol. I, p. 302.لسترانج «بالعربية» ص129. ↑
- () انظر Cteiphon and Htra (Bachdad) 1965.سليمان صائغ ص30. الحضر (نشرة لمديرية الآثار العامة) بغداد. ↑
- () الطبري 1/384. ابن خلدون 2/171 و2/249. ↑
- () Honigmann, E.I. Vol. 3, p. 1062. ↑
- () معجم البلدان 2/37. ↑
- () كان هذا قبل البدء بالعمل في المجلد السادس الذي هو الآن في أيدي القرّاء. ↑
- () (لمّا نظرت بالمرآة تراءتْ صورة حسن الأمين فيها). ↑
- () أقامت حلقة الحوار الثقافي حفلة تكريمية للعلاّمة السيّد حسن الأمين في قاعة نزار الزين ـ الجامعة اللبنانية ـ كلية الآداب، وذلك بتاريخ 20/6/2002. وكانت الدكتورة إلهام كلاب البساط قد تولّت التقديم والتعريف بالسيّد الأمين وبالمنتدين. ↑
- () أمين سر اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، والمسؤول عن فرع الصحافة في المركز الكاثوليكي للإعلام. ↑