لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الثاني والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكرت للنحو لغة المعاني التالية([1]):
1ـ القصد. يقال: نحوت نحوك، أي: قصدت قصدك. ونحوت الشيء، إذا أممته.
2ـ التحريف. يقال: نحا الشيء ينحاه وينحوه إذا حرفه.
3ـ الصرف. يقال: نحوت بصري إليه، أي: صرفت.
4ـ المِثل. تقول: مررت برجل نحوك، أي: مثلك.
5ـ المقدار. تقول: له عندي نحو ألف، أي: مقدار ألف.
6ـ الجهة أو الناحية. تقول: سرت نحو البيت، أي: جهته.
7ـ النوع أو القسم. تقول: هذا على سبعة أنحاء؟ أي: أنواع.
8ـ البعض. تقول: أكلت نحو السمكة، أي: بعضها.
ويلاحظ أنّ النحاة لم يذكروا المعنى الثالث، ولذا عدوا المعاني اللغوية سبعة نظمها الداودي شعرا بقوله:
للنحـــو سبـعُ معانٍ قد أَتتْ لغةً
جمعتُها ضمنَ بيـتٍ مفــردٍ كَمُلا
قصدٌ ومِثُـلٌ ومقــدارٌ وناحيــةٌ
نوعٌ وبعضٌ وحرفٌ فاحفظِ المَثَلا([2])
وأظهر معاني النحو لغة وأكثرها تداولاً هو (القصد)، وهو أوفق المعاني اللغوية بالمعنى الاصطلاحي في رأي جماعة من العلماء كابن دريد (ت 321 س( إذ قال: «ومنه اشتقاق النحو في الكلام، كأنه قصد الصواب»([3])، وابن فارس (ت 395هـ) إذ قال: «ومنه سمي نحو الكلام؟ لأنه يقصد أصول الكلام فيتكلم على حسب ما كانت العرب تتكلم به»([4])، وابن منظور إذ قال: «والنحو القصد… ونحو العربية منه… وهو في الأصل مصدر شائع، أي: نحوتُ نحواً، كقولك: قصدتُ قصداً، ثم خُصّ به انتحاءُ هذا القبيل من العلم، كما أنّ الفقه في الأصل مصدر فقهتُ الشيء إذا عرفته، ثم خُصّ به علم الشريعة من التحليل والتحريم»([5]).
وذهب ابن السكّيت (ت 244هـ) إلى أنّ النحو مشتق من معنى التحريف. قال: (ومنه سُمّي النحوي نحوياً، لأنُه يحرفُ الكلام إلى وجوه الإعراب»([6]).
«وفي هذا التوجيه شيء من التكلّف والغرابة، تعارضه أكثر الروايات الواردة في أوّلية النحو، من مثل أنّ أبا الأسود وضع كتابا فيه جمل العربية، ثم قال لهم: انحوا هذا النحو، أي: اقصدوه… فسمّيَ لذلك نحواً»([7]).
مصطلح (النحو) تاريخياً
يذهب بعضُ الباحثين إلى أنّ مصطلح النحو مسبوق بثلاثة مصطلحات، هي: العربية والكلام والإعراب([8]). ويدّعي بعض آخر أنّه مسبوق بخمسة مصطلحات مضيفاً إلى ما تقدّم مصطلحَي اللحن والمجاز([9]).
وقد استدلّ كلّ من الدكتور الدجني والقوزي على تقدم مصطلح (الكلام) بما روي من قول أبي الأسود الدؤلي وقد سمع اللحن في كلام الموالي: «هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام فدخلوا فيه، فصاروا لنا إخوة، فلو علمناهم الكلام»([10]).
لكنّ الدكتور الحلواني يرى أنّ الحق أنّ المراد بالكلام في الرواية هو المعنى اللغوي دون غيره([11]).
ويلاحظ عليه أنّه جزم بإرادة المعنى اللغوي دون أنّ يقدم دليلاً إثباتياً، وكان يكفيه مجرد احتمال إرادة المعنى اللغوي لإبطال التمسك بالرواية لإثبات إرادة المعنى الاصطلاحي.
وأمّا مصطلح (الإعراب) فقد استدل لتقدّمه كلٌّ من الدجني والقوزي([12]) برواية عن عمر بن الخطاب استعمل فيها كلمة الإعراب بمعنى النحو إذ قال: «وليعلم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب»([13]). لكنّ الدجني عاد فشكّك في صحة الرواية، «لأنّ النحو ظهر متأخراً عن عصر عمر بن الخطّاب»([14]).
أقول: إنّ تأخّر ظهور النحو لا يكفي بمجرده للشك في صحة الرواية، وإن كان يؤدي إلى تعيين إرادة المعنى اللغوي من كلمة الإعراب دون المعنى الاصطلاحي.
والصحيح أنّه لا دليل على استعمال كلمة (الإعراب) بالمعنى الاصطلاحي في القرن الأول فضلاً عن شيوع استعمالها فيه.
نعم، قد استعملت بهذا المعنى في وقت متأخر وفي حدود ضيقة، فأقدم مصدر وردت فيه بالمعنى الاصطلاحي يعود إلى القرن الرابع وهو كتاب «سر صناعة الإعراب» لابن جني (ت 392هـ)، وهناك أيضا كتاب «ملحة الإعراب» للحريري صاحب المقامات (ت 576هـ)، واستعملها ابن معطي (ت 628هـ) في كتابه (الفصول الخمسون) إذ قال: «إنّ غرض المبتدئ الراغب في علم الإعراب حصرتُه في خمسين فصلاً»([15]).
وأمّا ما ذكره القوزي من تقدّم استعمال كلمتي (المجاز) و (اللحن) بمعنى النحو اصطلاحاً، فلا دليل عليه أيضا، فقد قال بشأن (اللحن): «وهذا المصطلح نجده في قول عمر بن الخطاب: (تعلّموا الفرائض والسُنّة واللحن كما تتعلمون القرآن). قال أبو بكر الأنباري: وحدث يزيد بن هارون بهذا الحديث، فقيل له: ما اللحن؟ قال: النحو»([16]).
لكنّه قال في الصفحة التالية: «واللحن بمعنى اللغة، ذكره الأصمعي وأبو زيد، ومنه قول عمر بن الخطّاب: تعلّموا الفرائض والسُنّة واللحن كما تتعلّمون القرآن»([17]).
وهذا هو الصحيح، لتأخّر ظهور علم النحو عن زمان عمر، فلا يمكن أنّ يكون قد استعمل كلمة (لحن) بما يرادف النحو كما يراه زيد بن هارون.
وأمّا (المجاز) فقد استدل القوزي على كونه من الاصطلاحات الأولى المرادفة للنحو بما ذكره الدكتور إبراهيم مصطفى إذ قال: «وما كانت كلمة (مجاز) إلى ذلك العهد (عهد أبي عبيدة، المتوفى 208هـ) قد خصصت بمعناها الاصطلاحي في البلاغة، وما كان استعمال أبي عبيدة لها إلا مناظرة لكلمة (النحو) في عبارة غيره من علماء العربية»([18]).
ولكنّ مراجعة كتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة تؤكّد ما ذكره محققه من كونه كتاباً يُعنى بالناحية اللغوية من القرآن الكريم، وليس كتاباً في البلاغة أو النحو بمعناهما الخاص، «فهو يتكلم في معاني القرآن، ويفسر غريبه، وفي أثناء ذلك يعرض لإعرابه، ويشرح أوجه تعبيره»([19])، وإلى ذلك ذهب محقّق كتاب «تلخيص البيان» أيضاً، إذ قال: (فالمجاز القرآني ـ عند أبي عبيدة ـ لا يعدو أن يكون تفسيراً لألفاظ القرآن ومعجماً لمعانيه»([20]).
هذا، مع ملاحظة أنّ المراد إثبات تقدّم استعمال (المجاز) على مصطلح (النحو)، وهو لا يثبت بالدعوى المذكورة حتى مع فرض التسليم بصحتها، لتأخر أبي عبيدة عن زمن ابن أبي إسحاق الحضرمي وأبي النضر سالم بن أبي أمية اللذين سنوضّح استعمالهما لمصطلح النحو.
ويبقى الكلام على مصطلح (العربي). ولا شكّ في استعماله بمعنى النحو، وإن كنّا لا نوافق على ما استُدِلّ له به من قول عمر بن الخطّاب: «تعلّموا العربية، فإنّها تشبّب العقل»([21])، لِما تقدّم من القطع بتأخّر نشوء علم النحو عن عصر عمر.
وأقدم ما عثرت عليه من النصوص التي يمكن الاستدلال بها على المطلوب:
أوّلاً: ما روي «عن عمرو بن دينار» (ت125هـ) «قال: اجتمعت أنا والزهري» (ت124هـ) «ونصر بن عاصم. فتكلّم نصر، فقال الزهري: إنه ليفلّق بالعربية تفليقاً»([22]). ومعلوم أنّ نصر بن عاصم من أوائل المهتمّين بالدراسات النحوية([23]).
وثانياً: ما رواه عاصم بن بهدلة القارئ (ت 128هـ) قال: (أول من وضع العربية أبو الأسود الديلي»([24]).
وأما كلمة (النحو) فإنها وردت في النصوص التي تتحدث عن بدايات هذا العلم، لا بوصفها عنوانا اصطلاحيا، بل مستعملة بمعناها اللغوي. ومن أمثلة هذه النصوص ما ذكره الزجاجي عن أبي الأسود (ت 69هـ) من أنه «وضع كتابا فيه جمل العربية، ثم قال لهم: انحوا هذا النحو. أي: اقصدوه. والنحو: القصد»([25]). وما أورده ابن النديم من أنّ أبا الأسود قال بعد أنّ ذكر أنّ علياً عليه السلام ألقى إليه شيئا في أصول النحو: «واستأذنته في أنّ أصنع (نحو) ما صنع»([26]). فكلمة نحو مستعملة هنا بمعنى المثل.
وإنّما استعملت كلمة (نحو) أوّل مرة بمعناها الاصطلاحي في تعبيرات عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي (ت127هـ)، وأبي النضر سالم بن أبي أميّة (ت129هـ).
قال ابن سلاّم (ت231): «قلت ليونس: هل سمعت من ابن أبي إسحاق شيئاً؟ قال: قلت له: هل يقول أحد الصَّويق، يعني: السَّويق؟ قال: نعم، عمرو بن تميم تقولها. وما تريد إلى هذا؟ عليك بباب من النحو يطّرد وينقاس»([27]).
وقال أيضاً: «أخبرني يونس أنّ ابن أبي إسحاق الحضرمي قال للفرزدق في مديحه يزيد بن عبدالملك:
مستقبلين شمالَ الشامِ تضربُنا
بحاصبٍ كنديفِ القطن منثور
على عمائمنا تُلقى وأَرحُلنا
على زواحفَ تُزجى مُخُّهَا ريرِ
قال ابن أبي إسحاق: أساتَ، إنّما هي ريرُ، وكذلك قياس النحو في هذا الموضع([28]).
وقال أبو النضر: «كان عبد الرحمن بن هرمز أول من وضع العربية، وكان من أعلم الناس بالنحو وانساب قريش([29]).
وقد شاع مصطلح (النحو) بعد ذلك تدريجا، لكنه لم يقض على استعمال مصطلح (العربية)، بل بقي هذا مستعملا مدة طويلة في تعبيرات العلماء والنحاة وفي عناوين كتبهم. ومن شواهد استعماله في تعبيراتهم:
1ـ قول أبي عبيدة (ت 208هـ): «أخذ أبو الأسود عن علي بن أبي طالب عليه السلام العربية»([30]).
2ـ قول ابن سلام: «أول من أسّس العربية… أبو الأسود الدؤلي»([31]).
3ـ قول المبرّد (ت 280هـ): «أول من وضع العربية ونقّط المصحف أبو الأسود الدؤلي»([32]).
وأما في مجال المصنفات النحوية، فنجد الكتب التالية:
1ـ الواضح في علم العربية، للزبيدي (ت 379هـ).
2ـ اللمع في علم العربية، لابن جنّي (ت 392هـ).
3ـ المفصّل في علم العربية، للزمخشري (ت 538هـ).
4ـ أسرار العربية، لابن الأنباري (ت 577هـ).
5ـ الخلاصة الألفية في علم العربية، لابن مالك (ت 672هـ).
6ـ اللمحة البدرية في علم العربية، لأبي حيان (ت 745هـ).
7ـ الأزهرية في علم العربية، لخالد الأزهري (ت 905هـ).
ويتلخّص من جميع ما تقدّم:
أوّلاً: من المتّفق عليه وجود ثلاثة ألفاظ للتعبير عن هذا العلم اصطلاحا، وهي: النحو، والعربية، والإعراب.
ثانياً: لا دليل على استعمال (اللحن) و(المجاز) للتعبير عن هذا العلم. وأما استعمال (الكلام) فإنه موضع خلاف وتردد.
ثالثا: لا شك في تأخر استعمال لفظ (الإعراب) عن كل من (النحو) و (العربية)، وإنما الكلام في تحديد المتقدم من هذين الأخيرين.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى تقدم اصطلاح (العربية) ([33])، إلا أنه يصعب القطع بذلك، لأن أقدم من نقل عنه استعمال مصطلح (العربية) هو الزهري (ت 124هـ) وعاصم القارئ (ت 128هـ)، وهما معاصران لابن أبي إسحاق الحضرمي (ت 127هـ) وأبي النضر (ت 129هـ) اللذين قدمنا من النصوص ما يدل على استعمالهما مصطلح (النحو)، فإن لم يكن اقتران كلمة (نحو) بمعناها اللغوي ببدايات هذا العلم مرجحا للقول بتقدم مصطلح (النحو)، فلا أقل من التوقف، وعدم ترجيح طرف على آخر.
بقيت الإشارة إلى أننا قدمنا نصين يدلان على استعمال عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي لمصطلح (النحو)، إلا أنّ الدكتور الدجني أورد النص الأول منهما فقط وشكك في صحته مرجحا عدم استعمال الحضرمي لكلمة (النحو) اصطلاحا بدليلين، أولهما: انفراد ابن سلام بتلك الرواية.
والثاني: عدم العثور على ما يدل على استعمال عيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء لمصطلح النحو. مع أنهما كانا من تلاميذ الحضرمي. ثم قال: «وأما الرواية التي يمكن الاطمئنان إليها في هذا الشأن فهي الرواية التي ذكرها السيرافي إذ قال: قال محمد بن سلام: سمعت رجلا يسأل يونس عن ابن أبي إسحاق وعلمه. قال: هو والنحو سواء. أي: هو الغاية»([34]).
ويلاحظ على كلامه:
أوّلاً: إنّ الرواية التي اطمأن بها إنما تُثبت مضمونها فحسب، ولا تنفي صحة الرواية التي أوردناها، إذ لا محذور في كونهما معا صحيحتين.
ثانياً: أنّ هذه الرواية قد تفرد بها ابن سلام أيضا، وأوردها في كتابه قبل الرواية المردودة مباشرة([35])، وقد نقلها السيرافي عنه، فلماذا حصل الاطمئنان بإحداهما دون الأخرى؟!
ثالثاً: أنّ عدم العثور على ما يدل على استعمال تلميذي الحضرمي لمصطلح النحو لا يدل على عدم استعمالهما إياه واقعا؟ فإن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، خاصة مع ملاحظة أنّ مؤلفاتهما لم تصل إلينا([36]).
مصطلح (النحو) مضموناً
لعلّ أقدم محاولة لتعريف هذا العلم ما ذكره ابن السراج (ت 316هـ) إذ قال: «النحو إنما أريد أن ينحو المتكلم إذا استعمله كلام العرب، وهو علم استخرجه المتقدمون من استقراء كلام العرب»([37]).
وليس هذا في الواقع تحديدا لحقيقة النحو، بقدر ما هو تعريف بمصادره، وبيان للهدف من تدوينه ودراسته.
يلي ذلك قول ابن جني (ت 392هـ): النحو «هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية والجمع والتحقير والتكسير والإضافة والتركيب والنسب وغير ذلك»([38]).
ويلاحظ عليه: أنّ النحو بوصفه علما ليس هو انتحاء سمت كلام العرب، بل انتحاء سمت كلامهم هو الغاية المتوخاة من تدوين هذا العلم ودراسته.
وواضح من هذا التعريف أنه يميز بين نوعين من التناول في دراسة الكلمة ضمن هذا العلم، أولهما (الإعراب) الذي يعني تغير آخر الكملة بسبب انضمامها إلى غيرها في تركيب معين، وهو داخل في ما اختص بعد ذلك باسم (النحو)، والثاني هو ما يعنى بدراسة بنية الكلمة مفردة، وهو الذي اختص باسم الصرف.
وعرفه ابن عصفور (ت 669هـ) بأنه «علم مستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي يأتلف منها»([39]).
وهذا التعريف يمتاز على ما سبقه في أخذه (العلم) جنسا في حدّ النحو. وقد قيل في شرحه: إنه قيد هذا العلم بكونه (مستخرجاً) لكي يخرج العلم المنصوص في الكتاب والسنة، وأن المراد بالمقاييس الواردة فيه: القواعد الكلية([40]).
وقد أخذ الأشموني بهذا التعريف، وعقب عليه بقوله: «فعلم أنّ المراد هنا بالنحو ما يرادف قولنا: علم العربية، لا قسيم الصرف»([41]).
ومرد ذلك إلى أنّ التعريف أطلق (الأجزاء) التي يتألف منها الكلام، ولم يقيدها بكونها مفردة أو مركبة.
ولابن الناظم (ت 686هـ) تعريف مشابه مضمونا للتعريف السابق، قال: النحو هو «العلم بأحكام مستنبطة من استقراء كلام العرب، أعني: أحكام الكلم في ذواتها، أو ما يعرض لها بالتركيب لتأدية أصل المعاني من الكيفية والتقديم والتأخير»([42]).
وعرّفه ابن حيان (ت 745هـ) بحدٍّ مشابه لما تقدّم، لكنه يمتاز عنه بصياغة لفظية مختصرة، قال: «النحو علم بأحكام الكلمة إفرادا وتركيبا»([43]).
وإلى هنا نجد أنّ مصطلح النحو ما يزال يطلق على كل من علمي الصرف والنحو بمعناه الخاص.
وأوّل من عرف النحو بحد يجعله مستقلا عن الصرف ـ في حدود تتبعي ـ هو الشيخ خالد الأزهري (ت 905هـ)، قال: النحو «علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلم إعرابا وبناء»([44]).
وقد أعطاه الفاكهي (ت 971هـ) صورته النهائية بقوله: النحو «علم بأصول يعرف بها أحوال أواخر الكلم إعراباً وبناءً»([45]).
وكأن الفاكهي لاحظ أنّ (أبنية الكلم) شاملة لما قبل الآخر، فأبدلها بقوله (أواخر الكلم) الذي هو أوضح في الدلالة على المراد.
والواقع أنّ تميّز الدراسة الصرفية عن النحوية كان واضحا في أذهان الدارسين في مرحلة مبكرة؛ فقد أفردها أبو عثمان المازني (ت 249هـ) بكتاب مستقل بعنوان (التصريف)، ثم تتابعت التصانيف من بعده من قبل: المبرد (ت 285هـ)، وابن كيسان (ت 299هـ)، وأبي زيد البلخي (ت 322هـ)، وأبي علي الفارسي (ت 377هـ)، والرماني (ت 384هـ)، وابن جني (ت 392هـ)، حتى استقر الصرف على أصوله وقواعده في القرنين السابع والثامن على أيدي ابن الحاجب وابن مالك وابن هشام([46]).
ومع هذا كله فإن كتب النحو لم تتمحض لمادة النحو فقط، بل ظلت تحتوي مزيجا من النحو والصرف، ولأجل ذلك حرص النحاة على إعطاء حد للنحو يجعله شاملا للصرف، ليكون منطبقا على محتوى المصنفات النحوية.
وهناك ملاحظة مهمة على الصياغة الأخيرة لتعريف النحو التي طرحت من قبل الأزهري ومن بعده الفاكهي، فإنها وإن كانت مانعة من دخول مباحث الصرف، إلا أنها ليست جامعة لمادة النحو بالمعنى المقابل للصرف، ذلك لأن المدون فعلا من هذه المادة لا يقتصر على بحث أحكام أواخر الكلم إعرابا وبناء، بل إنه يشتمل إضافة إلى ذلك على مباحث أخرى في غاية الأهمية، كالهيئة التركيبية للجملة من التقديم والتأخير، والحذف والإضمار، وكسر همزة إنّ أو فتحها، وغير ذلك.
فهذه الموضوعات إما أن تكون من النحو، فيقصر التعريف بشكله الأخير عن شمولها، وإما أن لا تكون منه فما([47])؟
ويبدو أنّ أفضل صيغة يمكن طرحها لتعريف النحو (بمعناه الخاص) بشكل ينطبق على جميع مسائله أن نقول: النحو هو العلم الباحث عن أحكام الكلمة المركبة.
فإنّ هذا الحدّ مانع من دخول مسائل الصرف؟ لأن موضوعها هو الكلمة المفردة. وهو شامل لجميع ما يعرض للكلمة نتيجة لدخولها في التركيب، سواء أكان التغير العارض عليها متعلقا بحركات آخرها، أم حاصلا في حروفها، حذفا كما في جزم المضارع المعتل الآخر، أو تغييرا كما في المثنى وجمع المذكر السالم. ويشمل أيضا وجوب تقديم الكلمة أو تأخيرها أو جواز الأمرين، ووجوب فتح همزة أنّ في مورد وكسرها في غيره، أو وجوب الحذف والإظهار، إلى غير ذلك من الأحكام التي تطرأ على الكلمة نتيجة لتأليفها مع غيرها تركيباً معيناً.
وأمّا بعض المباحث من قبيل تقسيم الكلمة إلى أنواعها الثلاثة، وتقسيم الاسم إلى نكرة ومعرفة، والفعل إلى أنواعه، فإنها وإن لم تدخل مباشرة في دائرة ما يعرض على الكلمة المركبة، لكنها من المبادئ الضرورية التي لا بد من دراستها ومعرفتها لترتيب الأحكام المختلفة التي تطرأ على الكلمة بعد التركيب.
ولعلنا نتلمّس هذه الصياغة الجديدة لتعريف النحو في كلمات المتقدمين، كابن الناظم الذي فسر تعريفه لعلم النحو بقوله: (أعني أحكام الكلم في ذواتها، أو ما يعرض لها بالتركيب لتأدية أصل المعاني من الكيفية والتقديم والتأخير)، إذ لا كانت المصنفات النحوية مزيجا من النحو والصرف، فقد أشار إلى الصرف بقوله: (أحكام الكلم في ذواتها)، وإلى النحو بقوله: (أو ما يعرض لها بالتركيب).
وممّا يلفت النظر في كلامه أنه لم يمثل لهذا العارض بسبب التركيب بما يطرأ على أواخر الكلم إعراباً وبناءً، بل مثل له بالكيفية من التقديم والتأخير، فهو يرى أنّ أمثال هذه العوارض دخيلة في موضوع النحو كدخالة حركات الإعراب. إلا أنّ الأزهري ومن تبعه من المتأخرين بنوا تعريفهم للنحو على أساس أنّ البحث في (الكلمة المركّبة) يعني معرفة ما يطرأ على آخرها من الإعراب والبناء فقط، الأمر الذي أدى إلى عدم جامعية التعريف.
علي حسن مطر
النحو
ـ2ـ
التفكير العربي في صميمه تفكير عقلي (Rationalistic) أو منطقي أكثر منه خيالياً شعرياً، حتّى أنّه في مجال الدين قام الإقناع القرآني أساسياً على المنطق، وكذلك الحديث النبوي، كما بني تفسير الإسلام على المعرفة المحققة، وهذا ما مهد لقيام «الأصولية العلمية» (Scientific Fundamentalism) في الإسلام مع حركة البعث الجديد في هذا القرن.
ونحو العربية إنّما هو صورة من مفهوم العقلية العربية التي برعت من قبل في الرياضيات والمنطق والعلوم، إنّه قائم على التفسير العقلي والمنطقي. ولذلك يصح أن يقال إن دراسة النحو العربي من أمتع الدراسات إذ لكل قاعدة من قواعده ولجميع شواذه تفاسير منطقية شائقة، ولو اختلف فيها كما هو الحال بين مدرستي البصرة والكوفة ولدينا في كتاب (فلسفة النحو) للخوري يوسف بركات([48]) أمثلة عديدة تشمل جميع أبواب النحو وإليك نماذج منها:
ـ لماذا يشترط بالعلم الأعجمي أن يكون زائداً على ثلاثة أحرف أو ثلاثياً وسطه متحرك ليمنع من الصرف؟
ـ يشترط به أن يكون زائداً على ثلاثة أحرف ليحصل فيه الثقل المطلوب لمنع الصرف، فإن كان ثلاثياً متحرك الوسط كستر، اسم حصن، استفاد بواسطة الحركة ثقلاً يعتاض به عمّا فاته من الزيادة أما الساكن الوسط كنوح وزيد فوجب صرفه للخفة.
ـ بم أشبهت إنّ وأخواتها الأفعال؟
ـ أشبهت الأفعال بأمرين: لفظي ومعنوي. في اللفظ بكونها ملازمة الاسم لأنّها تدخل على المبتد وبكونها على ثلاثة أحرف فما فوق ومفتوحة الأواخر، وفي المعنى لأنّها تفيد معنى الفعل (التأكيد والتحقيق وما أشبه) وبما أنّ منصوب الأفعال فرغ في عملها عن مرفوعها أعطيت هذه الأحرف العمل الفرعي أي نصب الاسم، لأنّها منحطة عن رتبة الأفعال، فلا تستحق العمل الأصيل.
ـ لماذا المصدر المؤكد (المفعول المطلق) لا يثنى ولا يجمع؟
ـ لأنّه للحقيقة المشتركة بين القليل والكثير، وهي لا تحتمل التعدد.
وعلى ضوء هذه الحقيقة لا عجب إذا وجدنا محبي العربية من المثقفين والمستعربين جد مهتمين بفلسفة النحو العربي، وفي طليعة الأخيرين المستعرب الفرنسي سلفستر دي ساسي Silvestre de Sacy في القرن التاسع عشر. كما أسدى البروفسور يان Prof. Yahn خدمة جليلة بنقله إلى الألمانية (الكتاب) لسيبويه بعد أن نشره وشرحه درنبرغ Derenbourg سنة 1895م وأسدى الدكتور سدني غليزر Sidney Glazer نظير هذه الخدمة بل أعظم منها لإخراجه إلى البيئة الإنكليزية في سنة 1956م كتاب (منهج السالك) لأبي حيان وهو شرحه لكتاب (الخلاصة) المشهور بألفية ابن مالك، وقد صحّح الدكتور فليزر النص العربي وعلق عليه تعليقات جليلة إلى جانب فهارسه الهامة.
وتعدّ القواعدالعربية أصفى العلوم الإسلامية وهي على الأقل مفتاح لتفهم شطر من الروح الإسلامية. وفي أواخر القرن السابع للميلاد نشأت عوامل جعلت العرب يهتمون بالتأمل في حال لغتهم، وأهم هذه العوامل أثراً كان بلا ريب الخوف من التقصير في فهم القرآن الشريف والأحاديث النبوية نتيجة لفساد اللغة الفصحى المستمر… وكانت البصرة والكوفة مركزي دراسة النحو وفن العربية، وبين الأعلام الذين وجهوا هذا العلم الوليد التوجيه السديد كان عيسى بن عمر والخليل بن أحمد ثم تلميذهما سيبويه الذي نسب إليه أنّه أخذ كتاب (الجامع) لعيسى بن عمر وتوسع فيه بما علقه عليه من هوامش مستمدة من مذكرات الخليل علاوة على نتائج بحوثه وتفكيره وصهر كل هذا في سبيكة واحدة نعتها (الكتاب) فحسب.
فتاريخ علم النحو العربي هو في الواقع تاريخ كتاب ألف حوالي سنة 785 ميلادية. وقد خص سيبويه بتقاريظ جملة من معاصريه، ثم من أهل العلم في الأجيال اللاحقة. وكانت كل عبارة وكل استشهاد من القرآن والشعر موضوع تحليل دقيق. وظهرت تدريجياً معارضة لمحبذي سيبويه ولتعاليم سيبويه، هذه المعارضة لم تتم حتّى تصبح مدرسة متماسكة. ومن ثم شغل معظم علماء النحو أنفسهم بالتفسير والتنسيق، وفي حالات نادرة بالدفاع بحكم الضرورة عن سيبويه قبل الاهتمام بالحقائق اللغوية.
وبمرور الوقت أصبح كتاب سيبويه معدوداً مصدر كل حكم ومرجع الاستفتاء الأخير، وما تزال هكذا منزلته بين العلماء المشارقة وبين المستعربين الغربيين الذين ينحون نحوهم في دراسة النحو والعلوم المتصلة به. وينسب نجاح سيبويه غالباً إلى تفهمه عقلية جيله… فبدلاً من أن يحصر نفسه في مبادئ مجردة ومناقشات جافة حمل كتابه استشهادات لا عدّ لها من القرآن والحديث والشعر والأمثال وغيرها. وهذا الضرب من التصنيف علاوة على براعته التنسيقية، أكثر من أية خاصية في النبوع النافذ إلى كيان اللغة، كان إسهامه الحقيقي في هذا المجال فقد عاش قبله وبعده علماء أعظم إبداعاً ولكن أعمالهم أخملها وحجبها سحر (كتابه) المتشبث، اللهم إلاّ شخصية ابن مالك وألفيَّته، وهو يشبه سيبويه بأنّ نجاحه الرائع لا يعود إلى فكرة مبتدعة مثلما يعود إلى كيفية تنفيذ فكرته، فقد سبقه بنصف قرن ابن معطي النحوي الذي أراد أن يجمل النحو العربي بأسره في ألف بيت من النظم ولكنه لم يوفق بنيما وفق ابن مالك في رأي كثيرين. ولكن ابن مالك لم يكتف بهذه الألفية التي أسماها (الخلاصة) كما العمنى، بل راح ينظم شرحها بنفسه، معتمداً على ابنه بدر الدين، حتى ينتفع المبتدئون بها بدل أن تكون فائدتها وقفاً على الخاصة، وقد بلغ عدد الشارحين الثلاثين، كما ذكر حاجي خليفة، ولكن أشهر الشروح ما خطّه ابن عقيل وما وضعه ابن هشام. وتحتفظ الألفية باحترام طبيعي منذ ظهور كتاب سيبويه أنّها نعز بأصلها وشرحها (الكتاب) لما فيه من صعوبات والألفية تنفذ إلى أرقى ما بلغه علم النحو من تطور، فالباحث الذي يتتبع ما خطاه النحو من عهد سيبويه إلى الزمخشري لا يجد فهماً حقيقياً للكلام وللتفرقة ما بين الشكل والوظيفة بل كان التقسيم قائماً على أسس ظاهرية فحسب. وأما في عمل ابن مالك فنحن نجد وربما لأوّل مرة، بعض الإحساس بعلم النحو طليقاً من المورفولوجيا (علم تكوين الكلمات وتركيبها) ونجد اقتراباً واقعياً «عصري» الروح للنحو الوصفي. وإذا كان شرح ابن عقيل معدوداً أقدر الشروح في تحبيب الألفية إلى المتأدبين فسبب ذلك فهمه عقلية المبتدئين ومبلغ حاجتهم وفهمه الصحيح لغرض ابن مالك. وبذلك حجب شرحه شرح أبي حيان المعدود من أعظم النحويين في الجيل التالي لابن مالك ومن أحصف العلماء المنقبين المميزين. وقد ذكر أبو حيان في مقدمة شرحه ما خلاصته أنّ دواعيه لتأليفه هي أوّلاً: تفسير غوامض الألفية وملتبساتها واستبدال تعميماتها بالبيان الدقيق للحقائق النحوية، ثانياً: ذكر مسائل الخلاف في النحو وإرجاع نسبتها إلى من أدلوا بها من الثقات وإظهار أخطاء ابن مالك في هذه الناحية. ثالثاً: توضيح تعقيدات الألفية حيثما أمكن لفائدة المتأدبين الناشئين، وقد زعم أنّ الألفية ممتلئة بالأخطاء المنوعة وذكر العديد منها. ولكن هم أبي حيان كان موجهاً بالأكثر إلى تحليل دقيق شامل للغة العربية فجاءت دراسته مستوعبة لمعارف منقطعة النظير لا عن العربية الكلاسيكية ولهجاتها فقط بل كذلك عن التركية والأثيوبية والقبطية والفارسية وهذا نهج غير مألوف في تصانيف النحو العربية سناداً من الآراء التاريخية إلى هذه المظاهر المختلفة فجعل كتابه أكثر تشويقاً وأعظم فائدة مذ استوعب فيه مواد مختلفة من ثلاثمائة نحوي ولغوي علاوة عن نحو ألف وخمسماية شاهد من القرآن والشعر والحديث… وابن عقيل ـ تلميذ أبي حيان ـ كثيراً ما تجده في شرحه يبسط (منهج السالك) أي أنّه صورة مبسطة منه في محتوياته ونسقه وفي معظم تعبيره. وقد كان ابن عقيل أثيراً لدى أستاذه أبي حيان وصحبه اثنتي عشرة سنة وكانت شهادة أبي حيان فيه أنه لا يوجد نحوي أفضل من ابن عقيل، وكان تأثّر ابن عقيل بتعاليم أستاذه بالغاً. وقد أعطى الدكتورغليزر شواهد عدّة على ذلك في مقارنته عبارات الرجلين وآرائهما.
وإذ نتأمل في كتاب (منهج السالك) كما أصدرته (الجمعية الأميركية الشرقية) بعد تصحيح الدكتور سدني غليزر وتحليله وتنسيق فهارسه المتعددة نعجب بهذا الأثر العظيم الذي خدم به الدكتور المحقق فلسفة النحو العربي كما أنصف فضل العلامة الرائد أبي حيان محمد بن يوسف النحوي الأندلسي، وكتابه الذي يقع في زهاء خمسمائة صحفة كبيرة لذخيرة أدبية عظيمة.
ولا بد لنا في ختام هذا الحديث من الإشارة إلى عراقة النحو العربي وفلسفته منذ العقود الأولى للهجرة، فالمتواتر هو أنّ الإمام علياً (عليه السلام) لمّا رأى اللحن آخذاً في التفشي رسم لأبي الأسود الدؤلي شيئاً من أصول النحو، فتوسع أبو الأسود في ذلك بدراساته الخاصة اعتماداً على المأثور من أقوال العرب التي عني بجمعها والاستنباط منها ما عدّه في حكم القواعد النحوية، ودون كل ذلك في صحيفة عرفت عند النحاة (بالتعليقة)([49]) وكانت بمثابة حجر الزاوية لعلم النحو. كان أبو الأسود بصري النشأة وإن كان كوفي المولد، فنشأ علم النحو العربي في كنف البصريين، وزاده رسوخاً بينهم ظهور الخليل بن أحمد الفراهيدي في القرن الثاني للهجرة وكان عالماً مفكراً مستوعباً فتوسع في الجمع والتفصيل والتهذيب لقواعد النحو ومسائله، ثمّ أوعز إلى تلميذه سيبويه بجمع كل ذلك في سفر منظم فكان (كتاب سيبويه) المشهور الآنف الذكر. وكان الخليل بن أحمد عبقرياً حقاً فلم يكن إمام النحو واللغة في عصره فحسب، بل كان أيضاً مستنبطاً علم العروض. وإذا انتقل عدد من النحاة البصريين إلى الكوفة أمثال عبد الرحمن التميمي وأبي جعفر الرؤاسي ومعاذ بن مسلم الهراء بدت تنشأ مدرسة الكوفة النحوية. ثم ظهر علي بن حمزة الكسائي الكوفي الذي انتهت إليه إمامة العربية في بيئته وكان نظير الخليل بن أحمد الفراهيدي عند البصريين، فتجلت على يديه فلسفة جديدة للنحو العربي عرفت بالمذهب الكوفي، وهو مذهب أكثر تحرراً من مذهب البصريين الضيق المتزمت وإن حاول بعض أعلام النحويين المتأخرين نسبياً أمثال ابن مالك وأبي حيان وابن هشام التخفيف من قيود البصريين. ومن يمعن النظر في (منهج السالك) لأبي حيان وفي (الموفي)([50]) للكنغراوي يجد العجب الممتع في فلسفة الشرح والتحليل لنحو العربية، وربما آمن معنا بأنّ ثروة لغتنا البيانية قامت على الانتفاع بكلا المذهبين، وبأنّ علم النحو الذي كان أسبق علوم اللغة وضعاً وتدويناً هو من أجلّها فائدة لفهم تراثنا العربي المجيد في جميع نواحي الثقافة، كما أنّه ساعد على ليونة الأساليب العربية وطواعيتها الإنشائية إلى درجة معدومة النظير.
وكما وضع سيبويه أوّل كتاب في النحو لأهل البصرة، ألّف محمد بن أبي سارة الكوفي أوّل كتاب في النحو لأهل الكوفة وهو أستاذ الكسائي والفراء، ولو أنّ كتابه نشر كما نشر كتاب سيبويه لاستفادت اللغة فوائد عظيمة. وكان نده معاذ ابن مسلم الهراء (أستاذ الكسائي أيضاً) ـ إلى جانب ألمعيته في النحو ـمبدع علم التصريف، وقد عمر طويلاً وعلم طويلاً، ولو لم يكن له ولمحمد بن أبي سارة الكوفي (المعروف أيضاً بأبي جعفر الرؤاسي إشارة إلى كبر رأسه) لو لم يكن لهما من فضل غير أن تخرّج على يديهما أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي لكفاهما ذلك اعتزازاً بخدمة العربية. ولكن المحزن أن لا تصل إلينا آثارهم مباشرة أو كاملة، وكم من آثار عربية قيمة عرضة للضياع إذا لم تتداركها يد الطبع والنشر كما تداركت شرح أبي حيان بفضل عناية الدكتور غليزر والمؤسسات العلمية التي ساندته.
إنّ المتأمّل في فلسفة النحو العربي كما تعرضها المدرستان الرئيسيتان، وكما تتجلّى مثلاً في كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف) للأنباري وفي الشروح والحواشي النحوية المختلفة ستتجلى له ثروة اللغة العربية وطاقتها التعبيرية العظيمة، وسيجد لكل مدرسة مسوغاً لآرائها، كما سيجد في الغالب أنّ هذه الآراء المتباينة جديرة بالاحترام وأهل للانتفاع بها جميعاً. وهذه نقطة هامة تحتمل التنبيه إليها تكراراً لأنّها تمثل ثروة لا نظير لها في أية لغة أخرى، ونقطة هامة أخرى هي أنّ الاطلاع الوافي على النحو وشواهده (بل علوم اللغة إجمالاً) من أهم أدوات التضلع اللغوي البياني فشرح كتاب سيبويه للسيرافي، وشرح الكافية للرضي، والاقتراح في أصول النحو للسيوطي، وشرح شواهد الكتاب للشنتمري، وحاشية الخضري علي ابن عقيل، وشرح الأشموني للألفية وحاشية الصبان على الأشموني، وأخيراً وليس آخراً شرح أبي حيان للألفية، إنّما هي نماذج حيّة من الأدب وإن كانت متقشفة الثياب.
وهذه المؤلفات الواعية المستوعبة وأمثالها هي من أقلام أدباء جديرين متمكنين من أسرار لغتهم وليست تصانيف آلية أو صحائف جامدة وكل منها دعامة للأدب، فالفكر والعاطفة والحكمة تضيع كلها إذا لم تجد اللغة المنصفة لها. وقد آن الأوان لأنّ تظفر فلسفة النحو بالعناية الواجبة نحوها وأن لا تعد من الكماليات الموقوفة على المتخصصين فكما أنّ معرفة اليونانية واللاتينية ممّا يستحب لدى الأوروبيين للتضلع من لغاتهم الحديثة كذلك تعدّ معرفة فقه اللغة من اللوازم لكلّ أديب عربي جدير بهذا النعت ويعدّ الاطلاع على فلسفة النحو هادياً ومشجعاً على ألوان من التعابير المستقلة التي تغني بها اللغة نثراً ونظماً.
أحمد زكي أبو شادي
تاريخ نشأة
علم النحو وتطوره
يستدعي الحديث عن تطور صناعة النحو وتقدمه كتاباً يعدّ أوّل كتاب وصل إلينا في علم النحو. ومع أنّ عمر ظهور النحو لم يبلغ القرن والنصف تقريباً فإنّ ظهور هذا الكتاب الناضح الممنهج بحسٍّ دقيق ممّا يثير في نفسنا التقدير نحو النحو لمعرفة المراحل التي ظهر فيها الكتاب وبيئته وإلى أي قدر كان نضج هذا الكتاب مؤثراً.
الكتاب الذي نحن بصدده، هو «الكتاب» المعروف تأليف سيبويه. وهو يري أصول صناعة النحو وقواعدها ونظامها المتكامل. لم يكن هذ النظام والمنهج من صنع شخص واحد ولا من مساعيه. لأنّ سيبويه لم يكن أوّل من رسخ بناء النحو، وبالتالي لم يكن وحده الذي أبلغه مرحلة الكمال ولا سيما إذا أدركنا تقنيته وأصوله. ولعل أحد الباحثين يتساءل هنا: من الذي وضع بذرة هذه الصناعة؟ وللإجابة على هذا السؤال لا بدّ من طرح بعض المسائل التالية:
أ ـ من هو واضع علم النحو؟
ب ـ ما هو الباعث لظهور النحو؟
ج ـ النحو بعد أبي الأسود. ومن هم الذين جاؤوا قبل سيبويه واضع علم النحو في هذا الكتاب، وتأثّر بهم؟ وأصلاً ما هي الآراء الجديدة التي قدموها لتطوير علم النحو.
د ـ أهمية عمل سيبويه وخصائص كتابه ومسائله الجديدة.
أـ أوّل مؤسس لعلم النحو
إنّ معرفة أوّل واضع لعلم النحو وكيفية عمله مسألة مهمة في سبيل معرفة تطور النحو وتكامله. لهذا نعمد، في هذه النقطة، إل تفصيل أوسع وشرح أوفى حتّى ندرك الخطوة الأولى التي أقدموا عليها وكيف كانت.
وكيف استقرّت حتّى ختمت بصورة «الكتاب» الذي اتّصف بالعمق والسعة.
ولعل أوّل ما يتبادر إلى الذهن: من هو صاحب الفكرة الأولى في علم النحو؟ ليس هناك اختلاف تقريباً بين المحققين ومؤلفي كتب الطبقات تقريباً. بل إنّ المؤرخين جميعاً متّفقون على أنّ أوّل من أشار إلى مبادئ هذا العلم وأسّس رموزه هو أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الذي أرشد أبا الأسود الدؤلي (ت69) إلى تأسيس القواعد النحوية([51]).
فأوّل مؤسس لعلم النحو نهل رموزه عن علي (عليه السلام) هو أبو الأسود الدؤلي. فحين كان يضع أبو الأسود قواعد اللغة العربية عرضها على علي (عليه السلام) وكان يريه ما يكتب، وكان علي يضيف أو يُنقص أو يؤيد ما يُعرض عليه. حتّى إنّهم ذكروا أنّ أبا الأسود كتب كتاباً في النحو نظّم فيه قواعده وقرأه على علي (عليه السلام) حتّى يتلافى له نقائصه.
على هذا بالنظر للإشارات التاريخية التي تذكر ذيلاً يمكن القول بأنّ أبا الأسود واضع أسس النحو العربي، وحتّى قبل السنة الأربعين للهجرة، اتخذ الصورة العلمية تدويناً وتوسعاً. ولكن بشكل سطحي ومبسط كأي علم وفن لا بد إلاّ أن تكون بواكيره بسيطة وتوأماً للسذاجة.
يعرِّف أبو الأسود مراجعه وإسناده على أنّه مؤسس هذا العلم وأنّه شرع به بإرشاد من أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بكل صراحة ووضوح. ونحن ذاكرون الآن بعضاً من هذه المراجع:
محمد بن سلام الجمحي (ت232) في كتابه «طبقات فحول الشعراء».
ابن قتيبة الدِّينوري (ت285 أو 276) في كتابيه «المعارف» و«الشعر والشعراء». وهو يذكر في كتابه الأخير أنّ أبا الأسود «أوّل من عمل في النحو كتاباً، وشهد مع علي بن أبي طالب صفين وولى البصرة لابن عباس ومات بها وقد أسنَّ سنة 69…».
أبو العباس محمد بن يزيد المبرد (ت285) في كتاب «الكامل».
أبو الطيب عبد الواحد بن علي (ت351) في كتاب «مراتب النحويين».
أبو سعيد السيرافي (ت368) مفسّر وشارح معروف لكتاب سيبويه، في كتاب «أخبار النحويين».
أبو بكر محمد بن حسن الزبيدي (ت379) في كتاب «طبقات النحويين واللغويين».
محمد بن إسحاق «ابن النديم» (ت385) في كتاب «الفهرست».
ومحققون آخرون ومؤرخون نقلوا من هذه الكتب وأيّدوا ما جاء فيها([52]).
ب ـ ما هي البواعث لظهور علم النحو
إنّ الطريق والمنهج اللذين اختطَّهما أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لتأسيس مبادئ العربية ونحو العرب ودفعهما إلى أبي الأسود لم يكونا من غير علة أو أسباب. بل إنّ إقدامه هذا مسبوق بعوامل وأسباب تهيّأت للإمام لتخطيط صناعة النحو، لأنّ علياً (عليه السلام) وأبا الأسود وآخرين من الصحابة، هم من العرب ذوي اللسان الفصيح العارفين بفصاحته وقد اصطدموا بتحريف في اللغة وبتعبيرات مغلوطة وقع بها عدد من العرب والمتعرِّبين فقد تخوّفوا من انحراف اللغة العربية وتصحيف يطرأ عليها.
اختصم اثنان، فوفدا على علي (عليه السلام) يعرضان عليه دعواهم. فادّعى أحدهما على الآخر بمال له عليه. فقال الأمير (عليه السلام) للمدعى عليه: «ما رأيك في ما يقول؟» فأجاب الرجل على مدّعي المال: «مالُهُ عندي حق» ولفظ كلمة «ماله» بضم اللام، فيكون معنى كلامه: مالُ المدعي لدي حق، وما يقوله صحيح، لذا أمر أمير المؤمنين (عليه السلام): «فعلى هذا عليك أن ترد المال لصاحبه» فشرح المدعى عليه أن: هدفي ممّا قلتُ أنّ ليس له عندي مال.
أدرك أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ الرجل أخطأ في تعبيره، وكان عليه أن يقول: «ماله (بفتح اللام) عندي حق» لذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أقسمُ بربّ الكعبة أنّ لسان القوم انحرف بشكل مفاجئ وفسد» ثمّ وجَّه خطابه إلى أبي الأسود ـ وكان حاضراً المجلس ـ: «انحُ للناس نحواً يعتمدون عليه». فقال أبو الأسود: «كيف أعمل؟ وأي مخطط وطريق أنتهج؟» قال الإمام (عليه السلام): «قل: الكلام كله اسم وفعل وحرف؛ الاسم ما أنبأ عن المسمّى، والفعل ما أنبئ به، والحرف ما أفاد معنى. وأعلم أنّ الأسماء ثلاثة: ظاهر ومضمر([53])، واسم لا ظاهرٌ ولا مضمر، وإنّما يتفاضل الناس فيما ليس بظاهر ولا مضمر»([54]).
وورد عن طريق بعض الروايات عقب هذه الرواية أنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قال لأبي الأسود: «تابع على هذا النحو، وأضف عليه ما يعنُّ على بالك». ويقول أبو الأسود: «وخطر ببالي وأضفتُه على هذا النحو، وكان عبارة على (إنَّ) وأخواتها يعني الحروف المشبهة للفعل، باستثناء لكن». وحين عرضت ذلك على علي (عليه السلام) قال: «ولمَ لم تضف (لكن) إليها؟» قلت: «لم أتصوّر إنّ لكن من ملحقاتها!» قال علي: «لكن منها». وعلى هذا فقد أضفتها عليها.
وكنت كلّما أضفت باباً على أبواب النحو عرضته على علي (عليه السلام) حتّى أتممت العمل في النحو، وأضفت ما رأيت أضافته صواباً. وقال علي (عليه السلام) لي: «ما أحسن هذا النحو الذي نحوت!»([55]).
وقد كانت الفتوحات الإسلامية موجباً لعقد احتكاك بين الأمم غير العربية مع العرب، وقد سبَّبت بعضها زواج عربي بامرأة فارسية أو بالعكس. فنتج عن ذلك نسل جديد بين العرب، وكان لسانهم مزيجاً من اللغتين بناء على محيطهم الأسري وما تعلّموه ونتج عن مثل هذه الاحتكاكات والاختلاطات بين الأمم الغريبة والعرب، تبادل في اللغات واللهجات، فسبَّب ذلك انحرافاً باللغة العربية أبعدها عن مسيرتها الفطرية وأرضها الخاصة بها. ومنذ ذلك الوقت، ونتيجة لهذا الأمر، نهدوا له ليضعوا أصولاً وقواعد يسير عليها الحديثو الإسلام من غير العرب والأبناء الجدد من النسل الجديد. وعلى غرارها يحسنون تعبيرهم العربي.
وتؤيد الأخبار أنّ سبب وضع النحو وقواعد العربية هو انحراف اللسان عن مساره الطبيعي، وها نحن أولاء ذاكرون بعضها:
ذكروا أنّ ابنة أبي الأسود كانت تنظر إلى السماء ذات مساء فقالت لوالدها: «ما أحسنُ السماء!» (بضم النون). ومعناه بهذا الشكل: أيُّ شيء في السماء أكثرُ حسناً وجمالاً؟ فأجابها والدها: «نجومُها». قالت الابنة: «لم يكن قصدي سؤالاً يا أبتِ، لكنّني قصدت أن أقول إنّ السماء جميلة» فقال لها أبوها: «في هذه الحال يجب أن تقولي: ما أحسن السماء! (بفتح النون) وعليك أن تفتحي شفتيك حين تلفظين نون (أحسن) وتقرئينها بالفتح».
ذهب أبو الأسود إلى علي (عليه السلام) ذات صباح وحادثه في أمر ما، فقال علي (عليه السلام): «أخشى على اللسان العربي أن يطرأ عليه التحريف بسبب اختلاط العرب بالأمم غير العربية».
وأمره أن يضع النحو وينظم أصوله وقواعده. ولهذا يقول أبو حرب بن أبي الأسود: «كان باب التعجب أوّل الأبواب التي وضعها أبي في صناعة النحو».
ولا بدّ من القول إنّ اهتمام عظماء الإسلام الكبير بتلاوة القرآن وقراءته قراءة سليمة كانت كذلك من الأسباب الرئيسة في تأسيس صناعة النحو. ولما كان الناس لا يحسنون قراءة القرآن بسبب عدم معرفتهم الكافية للغة العربية، فإنّهم أهملوا الأسباب الأخرى وأقبلوا على وضع قواعد لقراءة القرآن قراءة سليمة.
وذكر ابن أبي جمهور الأحسائي في كتاب «المحلى» أنّ أبا الأسود أوّل واضع للنحو لأنّه رأى شخصاً يقرأ الآية: {أن الله بريٌ من المشركين ورسوله} بكسر لام «رسوله» وهذا خطأ فقال: «نعوذ بالله من الخوَر بعد الكَوَر» فذهب إلى علي عليه السلام فأمره: «انح للناس ما يقوِّمون به ألسنتهم». فأطاع أبو الأسود أمر مرشده وطريقته فقال: «الكلام كله يدور على اسم وفعل وحرف». كما أنّ وجوه الإعراب ذكرها أمير المؤمنين (عليه السلام) هكذا: «الرفع للفاعل، والنصب للمفعول، والجر للمضاف إليه»([56]).
وصفوة القول، إنّ ما قام به أبو الأسود بشأن النحو ـ كما رأينا ـ كان بإشراف أمير المؤمنين وإصلاحه وإتمامه، ولهذا قال أبو عبيدة: «لم يتجاوز أبو الأسود ما كان علمه إياه علي (عليه السلام) في صناعة النحو». أي إنّ أبواباً أخرى لم يُضفها في النحو بعد علي.
وبرز عدد من المحققين، يشككون في بعض الحقائق التاريخية المتداولة أو ينكرونها.
وممّا خالفوه مسألة وضع النحو وتأسيسه بهمّة أبي الأسود، حيث قدموا آراء جديدة، وهدفهم من ذلك إقصاء هذا الحدث التاريخي المسلّم به ووضعه في كفّة الشك.
يعدُّ أحمد أمين مسألة تأسيس النحو بوساطة أبي الأسود «حديث خرافة» ويقول: «فطبيعة زمن علي (عليه السلام) وأبي الأسود تأبى هذه التعاريف وهذه التقاسيم الفلسفية»([57]).
وتبعه على رأيه هذا آخرون وعقبوا عليه. فقد جعل إبراهيم مصطفى «كتاب» سيبويه وسيلة يطعن بها فكرة وضع أبي الأسود لقواعد النحو وإنكار عمله. فبعد أن أورد نصوص كتب الطبقات التي أجمعوا عليها، والقاضية بصحة نسبة وضع النحو إلى أبي الأسود يقول:
1 ـ «يجب أن نعتمد على أوّل الكتب النحوية التي وصلت إلى أيدينا حتّى نتمكن من نسبة صناعة النحو إلى أوّل عالم في النحو. وأوّل كتاب نحوي موجود هو «الكتاب» لسيبويه، ومن خلاله نتوصل إلى أسماء العلماء الذين تنسب إليهم آراء نحوية. وفيما يلي نأتي على ذكرهم مرتّبين تاريخياً، كما ورد ذكرهم في كتاب سيبويه:
عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي (ت107) ست مرّات.
عيسى بن عمر الثقفي (ت150) ثماني عشرة مرة.
الخليل بن أحمد (ت160) ست وسبعون وثلاث مئة مرة.
يونس بن حبيب (ت183) خمس وخمسون ومئة مرة.
فعلى هذا لم نجد ذكراً أو رأياً واحداً منسوباً إلى أبي الأسود في كتاب سيبويه، كما أنّنا لا نعثر على ذكر لأسماء النحويين ممّن يُعتبرون بعد طبقتين بعد أبي الأسود، في كتاب سيبويه، من أمثال: عبد الرحمن بن هرمز، نصر بن عاصم الليثي، يحيى بن يعمر، عنبسة الفيل، ميمون الأقرن. كما أنّنا لا نجد ذكراً لابن أبي عقرب، وعبدالله بن أبي إسحاق من أصحاب الطبقة الثالثة.
2 ـ في كتب الطبقات نفسها التي تعرف بأوّل واضع لعلم النحو وهو أبو الأسود، نرى أنّ أبا الأسود فيها أوّل من أعرب القرآن عن طريق النقط، وإنّ تلميذه نصر بن عاصم أتمَّ عمله، وهو إعجام القرآن ووضع النقاط للحروف المتشابهة للقرآن، مثل: الباء التاء، الثاء. والجيم، والحاء، والخاء، وأمثالها، ورتب الحروف الهجائية على شكلها الحالي (ألف، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، ر، ز، س، ش،…) وأنّ الخليل بن أحمد، وبتأييد عمل نصر بن عاصم جعل نقط أبي الأسود الإعرابية، على شكل حروف صغيرة، كما هي عليه اليوم (علامة الفتحة والكسرة والضمة والسكون) لتبيان الحركات المختلفة وسكون الحروف. ولما كان الخليل على معرفة باللغة اليونانية وخطها فإنّه اقتبس هذا الابتكار من الخط اليوناني.
فعلى هذا، فإنّ قواعد النحو موضوع مختلف عن نقط القرآن إعرابياً وأنّ النحو أوّل من تأسّس كان على يد عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي. يذكر ابن سلام الجمحي، مؤيد هذا الرأي: إنّ أوّل من شق موضوع النحو، وبسط القياس فيه عبدالله بن أبي إسحاق وإن كانت رواياته في الرسائل والكتابات النحوية قليلة وغير ذات أهمية.
ويتابع إبراهيم مصطفى بعد شرحه السابق ويقول:
«من هنا نطوي الصفح عن أخطاء الرواة وكتّاب كتب الطبقات والتي تتمثّل في مسألة وضع أبي الأسود للإعراب لأنّهم خلطوا بين اطلاعه على العربية وابتكاره لقواعد العربية ونحوها، ووضعه لأسس النحو وبنائه المنسوب إليه، والتي اتخذت شكلها الصحيح بواسطة الآخرين».
3 ـ عامل آخر كان يقوّي هذا الوهم، ذلكم هو أنّ عدداً من الكتّاب كانوا يُحجمون عن نسبة أي شيء إلى زياد بن أبيه. بل إنّ أصحاب ذلك الرأي كانوا ينسبون كل شيء إلى علي (عليه السلام) وأتباعه.
ردُّنا على النظرية السابقة:
لا شك أنّ أمثال إبراهيم مصطفى وأسلافه كانوا يقرؤون المسائل التاريخية قراءة من به مرض المخالفة. ولما كان هدفنا في هذا المقال مبنياً على الاختصار فإنّنا نرد على هذه النظرية رداً مختصراً فنقول:
لا يمكننا أن نعدَّ عدم ذكر اسم أبي الأسود أو ذكر أسماء العلماء الذين جاؤوا قبل ابن أبي إسحاق في كتاب سيبويه دليلاً على رأيهم، لأنّ أصحاب النظرية جميعاً ليس لديهم أي خبرة في مسألة وضع النحو وتأسيسه، حتّى وإن كانت تلك المعرفة مجرد غرس بذرة في إنتاج هذه الصناعة. لأنّ رفض الروايات التاريخية جميعها، التي أجمع عليها المؤرخون أمر ليس سهلاً ولأنّ مسألة الشك فيها وإنكارها يرتبط بمعايير حرة وضوابط خاصة.
وعلاوة على هذا فإنّ «الكتاب» مصدر اختلط فيه العلم بالمنطق، في حين أنّ عمل أبي الأسود وسائر العلماء قبل ابن أبي إسحاق لم يبلغ مستوى ما جاء في «الكتاب». وهذا لا يمكن أن يكون دليلاً على أنّ أبا الأسود وغيره يكون على بيِّنة من المعلومات السطحية والابتكارات الأولى في قضايا النحو. وإضافة إلى ما ذكرنا فإنّ ساحة عملهم يجب أن تُنشر في كتب القراءات، لأنّ أمثال أبي الأسود ويحيى بن يعمر وعبد الرحمن بن هُرمز ونصر بن عاصم وغيرهم كانوا من القرّاء، ونحن نرى في كتب القراءات آراء جميع هؤلاء العلماء. كما أنّه نقل عن أبي الأسود مناقشة نحوية حول أحد الأبيات الشعرية، وما ورد في هذه المناقشة لا يختلف مطلقاً عمّا ورد في إحدى النقاط الست التي جاء ذكرها باسم ابن أبي إسحاق في «الكتاب».
أجل، قد افتتح عبدالله بن أبي إسحاق صناعة النحو ومزج مسائله بالقياس والتعليل. وهذا يعني أنّه فاق أسلافه من هذه الوجهة. وهذا لا يعني أنّ من سبقوه لم يكن لهم باع في تأسيس وسبق في صناعة النحو.
إنّ نقيط القرآن بواسطة أبي الأسود لإظهار إعراب القرآن يؤيده أنّ أبا الأسود بلغ شهرة كبيرة في قواعد النحو العربية وكنّا أشرنا قبلاً كذلك إلى أنّه بدأ هذا العمل بعد تأسيس قواعد النحو.
لا يمكن التغاضي عن الكتب المفقودة التي ذكرت أبا الأسود أو تلامذته ورواياتهم النحوية التي ورد ذكرها في كتب الطبقات من غير معالجتها، لأنّ كثيراً من الآثار كانت موجودة في زمانه ثمّ فُقدت أو عفَّى عليها الزمان حتّى الآن. فتلك الكتب التي ذكرها ابن النديم في «الفهرست» أما زالت كلّها موجودة؟ وإذا كان أكثرها مفقوداً أمن الضروري أن نضعف من روايات ابن النديم؟
كان القرآن في زمان النبي (صلّى الله عليه وآله) يدوَّن على رقاق الحجارة والجلود، وعسيب النخل، وعظام كتف الجمال وأمثالها. وقد جمع علي (عليه السلام) القرآن بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كما جُمعت صحف القرآن في عهد أبي بكر. وتمَّ جمع القرآن وتدوينه كذلك ولكن بشكل كامل في عصر عثمان. ومصحف الإمام، ونسخ القرآن ظهرت لكنّها جميعها غير موجودة الآن، ولا أي أثر منها. فإذا كانت غير موجودة الآن، أكان علينا أن ننكر أو نشك في الروايات الخاصة بجمع القرآن؟ أم أنّنا نقول إنّ القرآن ظهر في أعصر متأخرة؟
والخلاصة، نصل في فهرست ابن النديم إلى مطلب، إذ فيه كتب حول أبي الأسود تؤيد ابتكاره في النحو يدوّن ابن النديم.
«قال محمد بن إسحاق: كان بمدينة الحديثة رجل يُقال له محمد بن الحسين ويعرف بابن أبي بعرة جمّاعة للكتب له خزانة لم أر لأحد مثلها كثرة تحتوي على قطعة من الكتب العربية في النحو واللغة والأدب والكتب القديمة. فلقيتُ هذا الرجل دفعات، فأنس بي، وكان نفوراً ضنيناً بما عنده… ورأيت ما يدل على أنّ النحو عن أبي الأسود ما هذه حكايته، وهي أربعة أوراق أحسبها من ورق الصين ترجمتها هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود رحمة الله عليه بخط يحيى بن يعمر، وتحت هذا الخط بخط عتيق: هذا خط علان النحوي. وتحته: هذا خط النضر بن شميل. ثم لما مات هذا الرجل فقدنا القمطر، وما كان فيه فما سمعنا له خبراً ولا رأيت منه غير المصحف هذا على كثرة بحثي عنه([58]).
كما أنّ ياقوت يدوّن في شرح أحوال إبراهيم بن عقيل والد إسحاق القرشي المعروف بابن المكبَّري:
«قال ابن عساكر: وكان أبو إسحاق يذكر أنّ عنده تعليقة أبي الأسود الدؤلي، التي ألقاها إليه علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه). وكان كثيراً ما يعدّ بها أصحابه، ولا سيما أصحاب الحديث ولا يفي، إلى أن كتبها عنه بعض تلاميذه الذين يقرؤون عليه…
وهذه التعليقة فهي في أمالي أبي القاسم عبد الرحمن بن أسحاق الزجّاجي النحوي، نحواً من عشرة أسطر…»([59]).
وبالنظر إلى ما سبق نصل إلى نتيجة قاطعة ومسلمة، هي أنّ النحو وضع قبل ابن أبي إسحاق، وأنّ أبا الأسود أشار عليه علي (عليه السلام) بوضع أسس النحو، وأنّ النحو بعد أبي الأسود اتّخذ طريق التكامل والاتساع، حتّى بلغ مرحلة التنظيم والمنطق.
أكان للمعارف والثقافات
الأجنبية تأثير في ظهور النحو
يعتقد بعض المؤرخين المتأخرين أنّ ابتكار النحو العربي لم يتم بأيدي العرب والمسلمين، وأنّ عوامل أجنبية عن العرب والمسلمين أثّرت في وجوده. وسبب ذلك وجود بعض الآثار المنطقية اليونانية في النحو وقواعد اللغة العربية، وتتجلى لنا هذه الآثار في كتاب سيبويه بخاصة. ويقولون إنّ هذه الآثار لم تفد إلى العربية مباشرة، بل عن طريق علماء يعرفون السريانية وعلى صلة وثيقة بالعرب.
ولكن سؤالاً يطرأ هنا: أكان واضعو أسس النحو العربي، من أمثال أبي الأسود والنحاة الذين جاؤوا قبل الخليل، على معرفة بالآثار اليونانية؟ ولا شك أنّ جواب هذا السؤال واضح جداً، لأنّنا نعلم أنّ من يُنسب إليهم تأسيس النحو وابتكاره لم يعرفوا اليونانية بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر. كما أنّ الثقافة اليونانية وتمدّنها بما في ذلك الفلسفة والمنطق لم تتسرَّب إلى العرب حتّى في مرحلة النضج والتقدّم. فعلم النحو ظهر في محيط عربي مئة في المئة وجو إسلامي كامل، من غير أن يستمد أياً من الثقافات الأجنبية.
وإن كنّا لاحظنا شبهاً ما بين قواعد اللغة العربية من جهة وقواعد اللغات اليونانية والسريانية والعبرية والفارسية من جهة أخرى، فإنّ وجوه الاختلاف والتباين تبدو أكثر، وتدعو إلى الاهتمام. ووجود مثل هذا التشابه بين قواعد العربية وقواعد سائر الأمم الأخرى لا يدل بأي حال على اقتباس العرب من اللغات الأخرى، لأنّ العرب في بدء نشأتهم لم يكونوا متصلين بأي من الثقافات الأجنبية بأي حال من الأحوال.
ولا بد من التنويه بأنّ للإيرانيين سهماً عريضاً ومهماً في توسيع علم النحو، وأنّ العلماء المبرزين والعارفين لهذا الفن كانوا فرساً، وهذه ملاحظة جديرة بالانتباه في عرض المسائل النحوية وطرحها.
ج – النحو بعد أبي الأسود:
من هم أولئك الأعلام الذين خلفوا أبا الأسود وكان لهم تأثير ما في ظهور «الكتاب» تأليف سيبويه؟
إن أردنا أن نرتّب سلسلة الشيوخ الأساتذة منذ أبي الأسود إلى سيبويه، بحيث أنّ الواحد يدرس الآخر، عرضنا ذلك بما يلي:
الطبقة الأولى:
أبو الأسود الدؤلي:
ظالمُ بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر (ت69): كان من أتباع علي (عليه السلام) وأصدقائه المخلصين.
عبد الرحمن بن هُرمز (ت117): يعرَّف الزبيدي به بأنّه واضع العربية في كتابه ضمن ترجمته لأحوال نحويي الطبقة الأولى، يقول: كان أعلم الناس بالنحو وأنساب قريش. ويقولون أنّه أسّس النحو في عهد هشام.
الطبقة الثانية:
عنبسة القيل (ت؟): هوعنبسة بن معدان مولى مهر، ويُعرف بالفيل. وقد تعلّم النحو على أبي الأسود.
يحيى بن يعمر العدوانيُّ:
(ت129): كان أحد قرّاء البصرة وأخذ النحو عن أبي الأسود كان على معرفة تامة بلغة العرب ونحوهم أدرك عبدالله بن عباس كذلك.
يقال إنّه كان أوّل من قام بعمل الأعجام وتنقيط الحروف المتشابهة في القرآن وقد أتمّ نصر بن عاصم الليثي عمله، يقول خالد الحذّاء: كان لابن سيرين مصحف كان يحيى بن يعمر قد نقّطه.
كان يحيى يستخدم في حديثه غالباً ألفاظاً غريبة وحوشية، فقد كان على معرفة واسعة بالألفاظ الغريبة.
نصر بن عاصم الليثي (ت89هـ ق): كان من تلامذة أبي الأسود، ويُقال إنّه تعلم النحو على يحيى بن يعمر أيضاً وكان كما ذكرنا سابقاً شريكاً ليحيى في قضية تكميل رسم الخط القرآني وفي تنقيط الحروف المتشابهة في القرآن وقد اكتمل هذا العمل بعد إعراب القرآن على يد أبي الأسود.
ميمون الأقرن:
(ت؟) وقد تعلّم النحو على أبي الأسود، كما ترجح فئة أخرى أنّه أخذه عن عنبسة كذلك.
الطبقة الثالثة:
ابن أبي عقرب (ت؟): يقول شعبة: كنّا نتجادل مع ابن أبي عقرب، وكنت أسأله عن قضايا فقهية، ويسأله أبو عمرو بن العلاء عن قضايا لغوية ونحوية. ثمّ كنّا ننهض ونخرج من المجلس من غير أن يبقى في ذاكرتنا أنا وعمرو، شيء من تلك الأحاديث.
عبدالله بن إسحاق الحضرميُّ (ت117): تعلّم النحو على يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم وكذلك على ميمون الأقرن. يُقال إنّه أوّل من بحث في النحو وفتح الطريق للقياس والتعليل.
وقد عُرف بقراءات خاصّة في القرآن، كما كان يقرأ بعض الآيات على خلاف المشهور، فقد كان يلفظ كلمتي «نكذب» و«نكون» في الآية: «يا ليتنا نردُّ ولا نكذب بآيات ربَّنا ونكون من المؤمنين» بالنصب. وكذلك: «الزانية والزاني» و«السارق والسارقة» يقرؤها بالنصب كذلك.
وكذلك كان يقرأ الآية: «إنّ البقر تشابه علينا» هكذا: «أنّ البقرة تشابهت علينا» أي أنّه يضع البقرة مكان البقر، كما أنّه قرأ شين «تشابه» بالتشديد، كما أنّه ألحق بها تاء التأنيث.
مع أنّ بعض القرّاء انتقدوا أمثال هذه القراءات وعدّوها قراءات شاذة وضعفوها فإنّ أبا حيان النحوي عدّ القراءة الأخيرة مطابقة للقواعد النحوية.
الطبقة الرابعة:
أبو عمرو بن العلاء البصري (ت154): يُقال إنّه أخذ النحو عن ابن أبي إسحاق. وتنسب إليه معرفة كاملة باللغة وكلام العرب وكان أحد القرّاء السبعة.
يقول الأصمعي: كنت ملازماً لمحضر أبي عمرو مدّة عشر سنوات ولم أره فيها يستشهد أو يحتج بأشعار إسلامية في المسائل الأدبية، فقد كانت رواياته كلّها من الأعراب من العصر الجاهلي.
كان أبو عمرو دقيقاً في ضبط الألفاظ ويتقصّى جذور المفردات كذلك. وكان يطرب طرباً شديداً كلّما عثر على ضبط لفظة أو جذر لكلمة.
سُئل يوماً: ما هو مصدر كلمة «خيل»؟ لكن أبا عمرو لم يحر جواباً، حتّى دنا منه بدوي إعرابي وكان مُحرماً. فأراد ذلك الرجل أن يسأل الأعرابي عن طلبه الذي سبق أن عرضه على أبي عمرو، وقال: إنّي أسألك لأنّ لغتك أفصح من لغته وسأل الأعرابي: فأجاب «اشتقاق الاسم من المسمّى» لكن الحاضرين لم يفهموا كلام الأعرابي فسألوا أبا عمرو: ما قصده من هذا الكلام؟ قال أبو عمرو: يقصد أنّ الخيل من الخُيلاء أي العجب والتكبّر وهذا هو اشتقاقها:
«ألا تراها تمشي العرضنة خُيلاء وتكبُّراً؟».
وقد هدّده الحجاج فاختفى وتوارى عن الأنظار وتنقّل من مكان إلى مكان. وفي هذه الأثناء سمع شخصاً ينشد:
ربما تكرهُ النفوسُ من الأمْـ
ـر لهُ فرجةٌ كحلٌ العقال
كما وصل إلى مسامعه آنئذٍ أنّ عجوزاً تقول: مات الحجاج! فحاز أبو عمرو بُشريين: الأولى اطلاعه على ضبط كلمة «فرجة» والثانية موت الحجاج. فقال: لا أعلم أسروري جاء من منشدِ هذا البيت، حيث أفهمني أنّ الكلمة بفتح الفاء أم من إعلام المرأة العجوز بموت الحجاج.
عيسى بن عمر الثقفيُّ (ت149): توفي قبل خمس سنوات من وفاة أبي عمرو، وكان قد أخذ النحو على ابن أبي إسحاق. وكان كثير الانتقاد، حتّى أنّه ينتقد عرب الجاهلية والشعراء المشهورين والفصحاء المعروفين. من ذلك قوله: «أخطأ النابغة حين رفع «ناقع» في قوله:
فبتُّ كأنّي ساورتْني ضئيلة
من الرقشِ في أنيابها السمُّ ناقعُ
كما يُقال إنّ له سبعين مؤلفاً ونيفاً تقريباً وقد نسب إليه كتابان هما: الأوّل «الإكمال» أو «المكمل»، والآخر «الجامع». ويعدُّ بعض المؤرخين كتابه «الجامع» هو نفسه «الكتاب» لسيبويه، لأنّهم يقولون: بعد أن أضاف سيبويه، مطالب على «الجامع» صنع «الكتاب» وأخذه إلى الخليل ليقرأه عليه فقال الخليل:
بطل النحوُ جميعاً كلُّه
غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك إكمالٌ وهذا جامعٌ
فهما للناس شمسٌ وقمر
أشار الخليل بكلمة «هذا» في معرض إشارته إلى «الجامع» الكتاب الذي بين يديه، وهو «الكتاب» وهذا ما حدا بالمؤرخين أن يقولوا: عيسى بن عمر أوّل من أبلغ النحو مرحلة الكمال، من ناحية التأليف.
بكر بن حبيب (ت؟): أخذ النحو عن ابن أبي إسحاق.
الطبقة الخامسة:
يونس بن حبيب (ت؟): نهل النحو على أبي عمرو بن العلاء وكان أستاذ سيبويه. وقد غلبت معرفتُه للنحو سائر علومه الأخرى. كان ليونس مقاييس خاصة به وكان يبسط وجهه وقلبه ويديه في مجال التعليم.
حين توفي سيبويه قالوا له: إنّ كتابه يضمُّ ألفي ورقة كلّها في علم النحو، ألفت نقلاً عن الخليل. فقال يونس: وكم استغرق من الوقت حتّى يسمع ذلك كلّه عن الخليل؟ أحضروا كتابه. وحين أمعن النظر في «كتاب» سيبويه قال: لا شك بأنّ سيبويه نقل عن الخليل.
الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت170 أو 175): كان ذكياً وشاعراً ومتبكراً للعروض وللعلل النحوية، واستنبط مسائل لم تكن معروفة قبله.
يعدّ أبرز علماء النحو قاطبة، وله باع في اللغة ومعرفة المفردات، وهو الذي ألّف كتاب «العين» من خلال هذه المعرفة. وقد انتقل كثير من آرائه النحوية إلى تلامذته من أمثال سيبويه. ليس له مؤلف في النحو، لكنّنا نستطيع أن نستنبط آراءه النحوية من «الكتاب» تأليف سيبويه. ذلك أنّ سيبويه ذكر الخليل في كتابه ثلاث مئة وستاً وسبعين مرّة. ويرى جمهور المحققين أنّ الإشارات التي نوَّه بها سيبويه في الكتاب تحت عنوان «سألته» إنّما هي راجعة إلى الخليل لأنّ الخليل بن أحمد مؤسس النحو العلمي، وواضع أسسه. ولمّا كان سيبويه من تلامذته المبرِّزين فمن البديهي أن تنعكس آراء أستاذه الخليل في كتابه. وقد لوحظ أنّ عصره انشغل بتصحيح القياس واستخراج المسائل النحوية وتعليلها. ونحن يمكننا أن نلتقط أمثال هذه الآراء متفرقة في كتابه «العين».
الطبقة السادسة:
النضر بن شميل (بضم الشين وفتح الميم) المازنيُّ المروزي (ت؟).
سيبويه، عمرو بن عثمان بن قنبر (ت180 أو 183): هو أحد قرّاء شيراز، ومن مواليد «البيضاء» (من أرض فارس). قصد البصرة في طلب الحديث فاصطدم بمشكلات علمية كثيرة. وقد جعل الخليل مرشده، فكان من أفضل تلامذته. وكان يحفظ آراء أستاذه غيباً.
أساتذة سيبويه هم: يونس بن حبيب، والخليل بن أحمد. وكان الخليل أساس علمه في النحو.
د- أهمية عمل سيبويه وخصائص «الكتاب».
والمسائل الجديدة فيه:
تعلّم سيبويه أصولاً نحوية كثيرة من الخليل ومن أساتذته الآخرين، فضمّ ذلك كلّه في كتاب، واحتوى ذلك على مسائل متنوعة في الصرف والنحو واللغة والعلوم البلاغية، وأحياناً القراءات، وكانت هذه المسائل نادرة ولا نظير لها.
و«الكتاب» بالإضافة إلى مضمونه، ذو أهمية تاريخية كبيرة، لأنّه أوّل كتاب وصل إلى أيدينا في علم العربية. وبعبارة أخرى: هو أوّل كتاب في النحو بلغنا من القرن الثاني، وإن قيل إنّ لعيسى بن عمر حوالي سبعين مؤلفاً ونيِّفاً. والكتاب لسيبويه هو كتاب «الجامع» ذاته المنسوب إليه.
ومع أنّ «الكتاب» يشمل الأصول الكلية والجزئية للمسائل النحوية، فإنّه يتميز باصطلاحات فنية خاصة كذلك، تدل على نضج في الأداء ونظام متقدم. ونستنتج ممّا تقدّم أنّ النحو بلغ مرحلة الاكتمال في زمان سيبويه. ومنذ ولادة النحو، حتّى عصر سيبويه، نما بشكل حثيث حتّى بلغ مرحلة «الكتاب». ويدل هذا نفسه على أنّ النحو في عهد أبي الأسود انتقل من مرحلة البساطة والسطحية إلى غاية من التنظيم والتعقيد الموجودتين في «الكتاب».
فالكتاب من بدء الأمر، أحد المراجع المهمة في النحو، وظلّ مُدداً طويلة مصدر تحقيق علماء النحو وطلاب البحث ومُثار النقاش والشرح، حتّى غدا أهم الكتب الدراسية، وقد عمّت شهرة «الكتاب» منذ زمان مؤلفه وحتّى بعد زمانه، إلى أن غدا «الكتاب» اسماً مميزاً له، وما زال على شهرته حتّى اليوم. وحين كان يُقال في البصرة: «قرأ فلان الكتاب» في ذلك الزمان وما بعده، فإنّهم يعنون كتاب سيبويه بلا شك.
ولقد كسب «الكتاب» قيمة واعتباراً، حتّى غدا رمز الهدية الثمينة يقدّمها العلماء إلى الأمراء والوزراء.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الكتاب ـ كما سبق ـ كان محطَّ اهتمام العلماء القدماء في النحو قراءة وإقراء حتّى عُدَّ أهم مصدر في النحو، من غير أن يُنسينا أنّ «الكتاب» كان أهم مصدر لآراء الخليل. وحيثما كتب سيبويه: «سألته، قال» كان ذلك نظر الخليل.
كما أنّ أبا الطيب يشير إلى النكتة السابقة؛ فبعد أن عرَّف سيبويه بأنّه أعلم الناس بعد الخليل قال بشأن «الكتاب»: وألّف كتابه الذي سمّاه قرآن النحو، وعقد أبوابه بلفظه وبلفظ الخليل».
ويبالغ بعضهم حول هذا الموضوع فابن النديم يقول: «قرأتُ بخطِّ أبي العباس ثعلب: اجتمع على صنعة كتاب سيبويه اثنان وأربعون إنساناً منهم سيبويه، والأصول والمسائل للخليل».
وعلى فرض أنّ أصول كتاب سيبويه وأسسه مبنية على آراء الخليل، وأنّ الآخرين عدُّوا للخليل سهماً في «الكتاب» فإنّنا يجب ألا نغفل شخصية سيبويه البارزة فيه. ومهما نقل سيبويه آراء الخليل وغيره من علماء النحو فإنّنا نلقى فيه كثيراً من النقاط خالف فيها آراء أساتذته، وأظهر آراءه ونظراته بشكل ملحوظ.
وممّا يجلب الانتباه في «الكتاب» أنّ سيبويه يذكر الخليل بن أحمد بكثير من التجلَّة والتقدير والتوقير. ولكن هذا لا يعني أنّه كان يتقبَّل آراء أستاذه من غير شرط أو مخالفة، بل إنّه كان كثيراً ما يعلن معارضته له أو يضعَّف من بعض آرائه، فمثلاً يذكر سيبويه: «وزعم الخليل أنّه يجوز أن تقول: هذا رجل أخو زيد، إذا أردت أن تشبهه بأخي زيد، وهذا قبيح ضعيف، لا يجوز إلاّ في موضع الاضطرار».
لا شك أنّ سيبويه استقى مبادئ الأستاذة قبله في تأليفه «الكتاب» وأنّ آراء العلماء الذين سبقوه منعكسة في عمله، ويمكن بالتالي اعتبارها نموذجاً لأوضاع ظهور النحو وشرائطه حتّى عصره. ولكن لا يجوز لنا أن ننسى بروز شخصية سيبويه وطروحه الجديدة وآراء الأسبقين التي منحنا إياها.
فالكتاب من هذه الناحية ذو أهمية؛ إذ أنّه جمع آراء أساتذة النحو في عمله، وكان له الفضل على حفظها من الضياع والنسيان، ومع أنّ الشائع أنّ: سيبويه مزج في تأليف هذا الكتاب ما في كتابي عيسى بن عمرو هما «الجامع» و«الكمال» بآراء الخليل وآرائه وأخرج بذلك كلّه ثمرة ناضجة، مع هذا كلّه فإنّ فصل آراء سيبويه عن آراء القدماء صعب جداً ومعقّد، لأنّنا لا نستطيع استخلاص علماء النحو قبله إلاّ من كتابه.
و«الكتاب» أوّل أثر نحوي وصلت إليه الأيدي، ويمكن رصد آراء سيبويه وآراء غيره من العلماء من هذا الكتاب بشكل مبوَّب. ولا بد لأي محقق يرغب في معرفة الآراء النحوية القديمة من أن يرجع إلى أقدم كتاب في هذا الميدان ألا وهو كتاب سيبويه.
يبدأ سيبويه كتابه بمقدمة وجيزة ونحن نرى في هذه المقدمة أنّه حوّل هذه المسائل والمواضع يقول: أقسام الكلمة، وحركات الإعراب، وبناء أواخر الكلمات أو أحكامها. كما أنّه يذكر المسند إليه في معرض حديثه.
ونحن نلحظ في «الكتاب» لأوّل مرّة يذكر فيه الإسناد والمسند إليه، ولم يذكرهما النحاة قبله صراحةً. كما أنّ العلماء بعده لم يكن لهم مثل هذه المصطلحات.
نلقى في المقدمة بحوثاً مقتضبةً راجعة إلى الاختلاف في اللفظ والاتفاق في المعنى، أو الاتفاق في اللفظ والاختلاف في المعنى. كما نلقى عوارض اللفظ من قبيل ذكره وحذفه، وما هو مرتبط بمعنى اللفظ كالقبح والجمال. ويختم سيبويه هذه المقدمة بالضرورات الشعرية للباحث. ثمّ يبدأ حديثه حول «الفاعل».
يقول حاجي خليفة: «ليس فيه ترتيب ولا خطبة ولا خاتمة». والذين عرّفوا «الكتاب» أو ذكروه، أشاروا إلى أنّه بلا مقدمة ولا خاتمة.
والخلاصة، أنّ الكتاب قُسّم إلى قسمين: ضمّ القسم الأوّل مباحث النحو، وضمّ القسم الثاني مباحث الصرف، ويبدأ بالفاعل من بحوث النحو. ويتحدّث في قسم الصرف حول أبنية الأسماء والأفعال والمصادر والجموع المكسَّرة، واللواحق بالصرف أمثال: الإمالة، وهمزة الوصل، والتقاء الساكنين، والوقف، والإعلال، والإبدال، والإدغام، وأمثال ذلك.
ولكن يجب التنويه بأنّنا نصادف في «الكتاب» مسائل أخرى تخصّ البلاغة أو اللغة، مع بحث في القراءات واللهجات. ويرجع سبب ذكرها إلى أنّ سيبويه ومعاصريه يعدُّون أمثال هذه المسائل في أسس العربية ومن المطالب المرتبطة بالصرف والنحو.
وموضوعات الكتاب مقرونة بالشواهد والأمثلة التوضيحية، والتي يبدأ بذكرها غالباً. ومن خلال قطعة من تلك الموضوعات تظهر هذه الأمثلة مرافقة للشواهد، وكأنّها توأم لها.
وفي الكتاب أكثر من ألف شاهد من أشعار الجاهليين، وهي من شواهد النحو المبذولة بين النحاة، وهم يتداولونها ويستخدمونها في كتبهم واحداً بعد الآخر.
جمع سيبويه في كتابه المسائل النحوية ومباحثها كلّها، ومع ذلك فلا يعدُّ عمله هذا غاية في النحو، لأنّه ـ وقد استخدم المتأخرون في كتبهم أبوابه، ثمّ عمدوا إلى تقسيمات خاصة وترتيبات محددة ـ لم يبوِّب الموضوعات، وإضافة إلى أنّنا لا نجد في الكتاب «تقسيمات النحاة المتأخرين فإنّنا نشاهد عناوين ومصطلحات لا نشاهدها في كتب العلماء من أمثال: ابن الحاجب وابن هشام. وفيما يلي نماذج من هذه المصطلحات مع التعابير المستخدمة الخاصة:
فحول الفعل اللازم يقول: «الفاعل الذي لم يتعد فعلُه إلى مفعول».
وحول المبني للمجهول يقول: «المفعول الذي يتعداه فعله إلى مفعول» و «المفعول الذي يتعداه فعله إلى مفعولين، وليس لك أن تقتصر على واحد منهما دون الآخر».
وحول أسماء الأفعال يقول: «باب من الفعل سمّى الفعل بأسماء لم تؤخذ من أمثلة الفعل الحادث، وموضعها من الكلام الأمر والنهي مثل: رويد زيداً وميَّهل الثَّريد».
وقد جذب «الكتاب» في زمان سيبويه وما بعد سيبويه اهتمام المعاصرين والمتأخرين ولقي منهم جميعاً عناية واهتماماً كبيرين، حيث شغُلوا بمطالعته وقراءته وشرحه وتمشيته وهذا ما يدفعنا إلى التصريح بأنّه كتاب لا نظير له.
شروح الكتاب
اهتمّ الأقدمون كثيراً بشرح الكتاب وأرجعوا سبب هذا الاهتمام إلى وجود إيجاز في تضاعيف بعض موضوعاته وتحتاج إلى الشرح، وكثيراً ما يتخلَّل هذا الإيجاز غموض وتعقيد. يقول ابن كيسان: «نظرنا في الكتاب فرأينا مباحثه نزلت منازلها الخاصة بها، لكنّنا كنّا نرى أنّ فيه تعابير بحاجة إلى توضيحها، لأنّ الكتاب ألّف في عصر كان يستسيغ أمثال هذه التعابير والاصطلاحات.
ونذكر هنا مجموعة من شروح الكتاب التي ألّفها العلماء التالية أسماؤهم:
1 ـ أبو عثمان بكر بن محمد المازني (ت248) الذي ألّف تفسيراً على الكتاب.
2 ـ الأخفش، أبو الحسن علي بن سليمان (ت315).
3 ـ أبو بكر محمد بن سري السراج (ت416).
4 ـ أبو بكر محمد بن علي مبرمان العسكري (ت346): لم يتم شرح الكتاب. ولكنّه شرح شواهده.
5 ـ أبو سعيد حسن بن عبدالله السيرافي (ت384): وبالإضافة إلى شرحه للكتاب ألّف كتاباً آخر وهو شرح أيضاً سمّاه «المدخل إلى كتاب سيبويه».
6 ـ أبو الحسن علي بن عيسى الرماني (ت384): وقد ألّف كتباً كثيرة في شرحه.
7 ـ أبو نصر هارون بن موسى (ت401).
8 ـ يوسف بن سليمان الشنتمريُّ (ت476).
9 ـ جارُ الله الزمخشري (ت538).
10 ـ أبو الفتح القاسم بن علي البطليوسيُّ الصفَّار (ت بعد 630).
11 ـ أبو الحيان النحويُّ الأندلسي (ت745).
وصفوة القول:
شرع أبو الأسود في العمل بأمر أمير المؤمنين (عليه السلام) لصيانة اللغة العربية وتلاوة القرآن السليمة. وعلامة على هذا، فإنّه بحث في تأسيس قواعد اللغة العربية بشكل مبسط وسطحي ووضع أساس قواعد النحو بما يتناسب والعصر. وعلى أساس هذه القواعد والروايات الخاصة بقراءة القرآن وضع التنقيط على ألفاظ القرآن، حتّى تُعرف حركات الحروف وسكونها وتحدِّد كلمات القرآن للعامة.
ثمّ جاء اثنان من تلامذته هما يحيى ابن يعمر ونصر بن عاصم ونقطا الحروف المتشابهة في القرآن لتتميز تلك الحروف المتشابهة. وبإرشاد أمير المؤمنين (عليه السلام) وضع أبو الأسود أبواب الموضوعات البسيطة في النحو مثل: أقسام الكلمة، وأبواب الحروف المشبهة، بالفعل، والاستفهام، والتعجب، والنعت، والفاعل والمفعول، وأمثال ذلك.
وعلماء كثيرون بسطوا العمل بعد أبي الأسود، حتّى جاء ابن أبي إسحاق ووسع دائرة النحو وأولج القياس والتعليل في النحو. كما أثر علماء كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر في تطوير النحو وذلك في إيجاد النظم العملية. وقد أضافوا على التعليل والقياس تتبُّع النصوص والشواهد شيئاً فشيئاً. أي أنّ علماء النحو في الطبقات التالية انتهجوا منهج الاستقراء وتتبُّع المفردات لاستخراج الشواهد بشكل مخالف أحياناً.
ومع أنّ النحو تطوّر على شكل ثلاث مراحل، وكانت مرحلته الأولى هي الأساس وهي بالتالي التي زالت واندثرت، فإنّها هي التي رسخت دعائم هذه الصناعة.
واتجهت الأنظار في عهد الخليل إلى أبنية الكلمات واشتقاقاتها إلى جانب المباحث النحوية، وهذا ما جعل علماء الكوفة مقدمين على البصريين في تأسيس القواعد الصرفية.
وشرعت في هذه المرحلة بالسير في تقدّم القياس والتعليل وترسيخهما وعُني الخليل بتهذيبها، واستخراج كثير من المسائل النحوية، وقد بدت أعماله في هذا الميدان في كتاب «العين» من تأليفه، وفي «الكتاب» من تأليف سيبويه.
وقد أثمرت مساعي القدماء، بدءاً بأبي الأسود وانتهاء بالخليل، لظهور «الكتاب» والذي نستطيع من خلاله استنباط أعمال المتقدمين في النحو إضافة إلى أسسهم العلمية.
الدكتور محمد باقر حجتي
المدارس النحوية
مسألة وجود مدرسة نحوية متكاملة ذات منهج معين باسم (مدرسة الكوفة) من المسائل التي لا تحتاج إلى إثبات وشرح وأدلة. فقد فرغ من ذلك القدماء أنفسهم، ولكن لم يفرغ بعض المحدثين، ويظهر من دراسات هؤلاء المستشرق «كوتولد ڨايل» في مقدمة كتاب (الإنصاف) الذي حققه حيث يقول عن الكوفيين: «وهم على النقيض من البصريين، ليسوا جماعة من النحويين ذات مذهب منهجي معين…». وفي هذا تجاوز للحقيقة وجهل بها، فالكوفيون الذين حفظت لنا كتب النحو واللغة منهجهم في الدرس وفهمهم الخاص لمشكلاتهما المتمثل في اهتمامهم بالنقل والرواية وبعدهم عن القياس البعيد والتوجيه المفتعل والأثر الفلسفي والمنطقي الطاغي وطريقتهم في تفسير الآيات والنصوص وشدّة تعلّقهم بالقراءات كل هذا لا يمكن أن يهمل ويطرح جانباً في النظرة الدقيقة الفاحصة. فهم في هذه الخصائص مجتمعة يخالفون المدرسة البصرية التي عرفت بالقياس والتعليلات والتأويلات البعيدة وإخضاع القراءة أو الآية إلى قواعدهم التي وضعوها، وعدم اعتدادهم بالشواهد القليلة التي تخالف هذه القواعد. أفلا يجعل كل ذلك من الكوفيين مدرسة ذات طابع خاص و«جماعة من النحويين ذات مذهب منهجي معين»؟
يقول الدكتور شوقي ضيف في الرد على مقولة (ڨايل): «أمّا ما زعمه ڨايل من أنّ الكوفة لم تكن لها مدرسة نحوية خاصة فقد بنى زعمه فيه على كثرة الخلافات بين أئمتها على نحو ما سيلقانا بين الكسائي وتلميذه الفرّاء، وكأنّها لا تؤلف جبهة علمية موحدة، إنّما كلّ ما هناك اتجاه للخلاف على البصرة تمادوا فيه وهو دليل منقوض فقد كان نحاة الكوفة يكونون جبهة طالما تناظر أفرادها مع أفراد جبهة البصرة، وأكثر ابن جني وغيره من ذكر آرائها، بل لقد أفرد لها العلماء المصنفات».
وفي هذا ما يكفي للردّ على ڨايل، هذه المقالة التي كان من أسبابها أيضاً غير ما ذكر شوقي ضيف عدم اطلاعه اطلاعاً كافياً على مادة الكوفيين العلمية مثل كتابي الفراء:(الحدود) و(معاني القرآن) كما صرح هو بذلك، لأنّهما لم يكونا مطبوعين على عهد كتابة المقدمة. وربما كان له من هذه الناحية عذر نعتذره له.
وقد أيّد وجود مدرسة الكوفة كذلك الدكتور أحمد مكي الأنصاري حيث يقول: «فإنّ الذي لا مناص منه ـ فيما أرجح ـ إنّ المدرسة الكوفية حقيقة تاريخية كانت لها شخصيتها المستقلة في فترة من الزمان».
تبقى هناك مسألة أهم من ذلك هي: من هو مؤسس مدرسة الكوفة ومتى استقلت على شكل مذهب منهجي موحد؟
الذي نراه هو ما رآه الدكتور المخزومي، إنّ مدرسة الكوفة تأسّست على يد الكسائي بالوقت الذي تأسّست فيه مدرسة البصرة على يد سيبويه الذي كان والكسائي تلميذي الخليل الذي هو لا بصري ولا كوفي بالمعنى الدقيق لهذين الاصطلاحين من الناحية العلمية المنهجية، لا كما عدّه القدماء في مصنفاتهم وبعض المحدّثين أنّه رأس مدرسة البصرة، وليس ما يدفعهم إلى ذلك إلاّ كونه بصري المدينة فيها عاش ودرس، وهذا لا يكفي لعدّه بصري المدرسة، لأنّ المدرسة وإن اكتسبت اسمها من المكان الأوّل الذي أنشأت فيه إلاّ أنّها تتخذ بعد ذلك صفات وخصائص علمية لا علاقة لها بالمكان. فالخليل على هذا ليس بصري المذهب، ولا نجد في آرائه النحوية ما يؤيد انتماءه إلى مدرسة البصرة، فهو بالوقت الذي يلجأ للقياس أحياناً، نراه يعتد اعتداداً كبيراً بالشواهد والمحفوظات التي سمعها من أفواه العرب ويبني على «مسموعاته» قواعده، وجوابه للكسائي الذي سأله عن مصدر علمه يدل على ذلك إذ ذكر له أنّه أخذه من العرب في البوادي.
فالخليل إذن جامع خصائص ـ ما سمّي بعده ـ المدرستين البصرية والكوفية وإن لم تكن هذه الخصائص من الوضوح بالشكل الذي انشطر وتوضح عند تلميذيه سيبويه والكسائي، حيث اهتمّ سيبويه بعده بجانب القياس ووسعه في (كتابه) بشكل أصبح سمة بارزة في نحوه، في حين اهتمّ الكسائي الذي ذهب ينهل من المورد الذي نهل منه الخليل وهو البوادي، فتوسع على يديه الاهتمام بالرواية والشاهد وإن قلّ والقراءة باعتباره من القرّاء السبعة فكان بذلك فاتح باب السماع ومؤسّس بنيانه.
وليس أدل على ما نقوله ـ في أنّ كلاً منهما أسس مذهباً مغايراً ومختلفاً على صاحبه ـ من المناظرة الزنبورية التي تمّت بين الكسائي الذي بنى رأيه في الرفع والنصب على السماع، وبين سيبويه الذي تمسك برأيه في الرفع اعتماداً على القياس وهي وإن كانت مسألة واحدة من مسائل النحو إلاّ أنّها تعطي الصورة المطلوبة عن اتجاه ذهنية كل منهما.
وإذا أرنا أن ندرس الظروف التي هيأت كلاً منهما لأنّ يتجه هذا الاتجاه نرى أنّ الجو العلمي في البصرة ودراسات الفلسفة والمنطق التي كان يعيش سيبويه في بحرها وربما خاضها بنفسه، جعلت من عقل سيبويه عقلاً مفلسفاً ممنطقاً ميالاً للتعليل والتقدير والقياس وتقعيد القواعد على أوسع وأشهر الشواهد وترك ما دون ذلك. في حين كان الأمر بالنسبة للكسائي مختلفاً فهو في الكوفة التي اهتمت بالدراسات الفقهية والإسلامية والتفسير والحديث وكلها معتمدة على النقل والرواية، إضافة إلى كونه قارئاً للقرآن واستقل بقراءة عرفت باسمه وصار من القرّاء السبعة، فالتصاق الكسائي بحياة النقل والرواية والسماع دفعه إلى أن يستزيد منها في البوادي التي أرشده إليها الخليل فعاد وكان طبيعياً أن يكون اتجاهه النحوي هو الذي رأيناه فيما بعد.
أخلص من هذا إلى أن ادعاء أن سيبويه رأس المدرسة البصرية والكسائي رأس المدرسة الكوفية لم يكن عبثاً، بعد أن رأينا من أمر ظروفهما ومنهجهما وطريقتهما المختلفة المتباينة في الدرس والبحث. لا كما عدت بعض الكتب القديمة والمصادر الكثيرة أنّ المدرسة البصرية تبدأ بأبي الأسود أو عيسى بن عمر أو حتّى بالخليل، أوّ أنّ المدرسة الكوفية ـ تبعاً لذلك ـ بدأت بأبي جعفر الرواسي أو معاذ الهراء. فليس بين أيدينا ما يؤيد ذلك لا في نحو هؤلاء الأوائل ولا في أخبارهم ـ هذا إذا كان لبعضهم وجود حقيقي ـ والذي دفع هؤلاء المصنفين والمؤلفين إلى الإيغال في قدم المدرستين هو التعصب لإحدى المدرستين على الأخرى وبيان أنّ كلاً منهما هي الأقدم وهي السباقة في هذه الميادين.
فبعد أن ادّعى البصريون أنّ بدايات مدرستهم هي في أبي الأسود أو في تلاميذه، راح الكوفيون يرجعون مدرستهم إلى عصر سبق الكسائي فنسبوا هذه البداية لأبي جعفر والهراء. وقد مال إلى ذلك حتّى بعض المحدّثين منهم الدكتور أحمد مكي الأنصاري فهو يقول: «غير أنّني أسجل ميلي إلى أنّها بدأت بالرؤاسي لأسباب كثيرة لا مجال لها هنا أيضاً…».
ومهما يكن من أمر فنحن اعتمدنا على ما وصلنا إليه وما وصل إلينا نؤيد الرأي القائل أنّ سيبويه رأس البصريين والكسائي رأس الكوفيين وأنّه لم يكن قبلهما معالم واضحة لأي من المدرستين وهذا هو ما قال به الدكتور المخزومي كما أشرنا إليه سابقاً. غير أنّ بعض الباحثين شطوا فيما ذهبوا إليه من إرجاع مدرسة الكوفة إلى مصدرها ومنشأها وعمّن أخذ علماؤها. فـ (كوتولد ڨايل) محقق الأنصاف يرى أنّ صاحب التأثير الموجّه الذي رسم للكوفيين منهجهم واختلافهم مع أساتذتهم البصريين هو يونس بن حبيب، فهو يقول «وفي هذا الاتجاه يغلب على الظن أن يونس بن حبيب كان صاحب التأثير الموجه في كلا الكوفيين الكسائي والفراء…». أمّا الدكتور شوقي ضيف فيرى غير هذا، إذ أنّ الموجه البصري الذي كان صاحب التأثير في نشوء المذهب الكوفي هو الأخفش سعيد بن مسعدة حيث يقول: «والحق أنّنا إذا أردنا أن نبحث بين البصريين عن موجه للكسائي والفراء في إنشاء المذهب الكوفي مثل توّاً أمامنا الأخفش الأوسط الذي روى عنه الكسائي إمام الكوفة كتاب سيبويه». وأمّا الدكتور أحمد مكي الأنصاري فإنّه جاء بشيء جديد هو أنّ الفراء ـ وهو تلميذ الكسائي والسائر على نهجه والمتمم لبناء قواعد مدرسة الكوفة ـ هو مؤسس المدرسة البغدادية في النحو التي يرى أنّها امتزاج المدرستين البصرية والكوفية فهو يقول: «سنرى الفراء قد جمع بين خصائص المنهجين ولهذا كان المؤسس الحقيقي للمدرسة البغدادية فيما أرى…». ويقول في مكان آخر: «وكذلك نشأت مدرسة بغداد، بدأت بالتدريج حتّى استوى أمرها عند الفراء فجعلناه المؤسس الحقيقي لها…».
والآن نحاول أن نتبين مدى صحة آراء هؤلاء الدارسين لكي نصل من ذلك إلى حقيقة الأمر. فـ(ڨايل) في قوله إنّ يونس بن حبيب هو صاحب التأثير الموجّه في الكسائي والفراء قد جانب الصواب، إلاّ أنّه يحاول أن يجد الدليل في قوله: «وممّا يؤيد هذا أوّلاً ملاحظة أنّ يونس وحده هو الذي يظهر بين النحويين القدماء على أنّه يمثّل آراء الكوفيين (في جميع المواضع التي يسمّيه ابن الأنباري فيها يمثل آراء الكوفيين كذلك ذكره صاحب المفصل خمس مرّات من سبع في جانب الكوفيين) ثمّ ما ذكره أبو سعيد السيرافي في طبقات النحويين، كما روى ذلك عنه السيوطي في بغية الوعاة ص426 حيث قال: وله قياس في النحو ومذاهب يتفرد بها سمع منه الكسائي والفراء».
وهذا الدليل الذي ساقه لا يكفي لإثبات أنّ يونس بن حبيب هو الموجه للكسائي والفراء وأنّه صاحب بدايات مدرسة الكوفة. فاتفاق قليل جداً من آرائه النحوية مع آراء الكوفيين لا يدل على كوفيته، وفي البصريين أكثر من واحد كان له آراء تتفق مع آراء الكوفيين وليس يونس أكثر هؤلاء البصريين اتفاقاً مع الكوفيين من غيره، بل على العكس فالأخفش مثلاُ كان كثير الاتفاق معهم في آرائه قياساً على يونس. ففي الوقت الذي يدعي ڨايل إنّ صاحب المفصل ذكره في جانب الكوفيين خمس مرات من سبع نجد أنّ الأخفش يذكر ثلاثين مرّة بجانب الكوفيين إذا جمعت آراؤه المتفقة معهم من أكثر من مكان. عدا أنّ كتب التراجم وكتب الخلاف تذكر مواطن الخلاف بين الكوفيين والبصريين ولا تذكر الاتفاق، ولو ذكرت مواضع الاتفاق كلها لذكرت لنا كثيراً من اتفاقات بين الكوفيين وسيبويه نفسه في أكثر من خمس مواضع هي اتفاق يونس بالكوفيين، ولا يمكن أن نسمّي سيبويه كوفياً لهذا السبب ولا الأخفش كوفياً لاتفاقاته الثلاثين معهم، وقد عدّه ڨايل نفسه ـ أعني الأخفش ـ بصرياً صميماً سار على نهج سيبويه ودعم طريقته ووسع قياسه. إذن ـ ومن هذا الجانب ـ لا يمكن أن يكون يونس هو صاحب التأثير الموجه بالكوفيين وقد وافقهم في أربع أو خمس مسائل في النحو لا غير.
تبقى مسألة أخرى أدرجها (ڨايل) في أدلته هي تلمذة الكسائي والفراء ليونس بقوله عن البغية ص426: «حيث قال: وله قياس في النحو ومذاهب يتفرد بها سمع منه الكسائي والفراء. كما يشهد بذلك أيضاً ما رواه السيوطي حيث ترجم للفراء ص411 من كتابه بغية الوعاة إذ قال: وأخذ الفراء عن يونس.
وهذه أيضاً لا يؤيدها دليل تاريخي ولا تسندها الأخبار. فالذي نعرفه من أمر الكسائي ويونس أنّ الأوّل تلميذ للخليل وأخذ عنه كثيراً وأرشده الخليل إلى الأخذ عن الأعراب في البوادي فتوجه لهم ـ كما مرّ بنا ـ ولما عاد إلى البصرة ووجد الخليل قد مات ويونس قد تصدر المجلس قصده وتناظرا بمسائل أقرّ له يونس بها وصدره في موضعه فكان له نداً ومساوياً في العلم، حتّى أنّ طلاب يونس في حلقته الدراسية توجهوا للكسائي بأسئلتهم يجيبها واحدة واحدة وأتعبوه حتّى منعهم يونس عن أذى جليسهم فلا يمكن أن يتوجه الطلاب بأسئلتهم إلى من هو في مستواهم الدراسي إلاّ أن يكون أستاذاً ونداً لأستاذهم أو من هو في هذا المقام العلمي.
والفراء ـ تلميذ الكسائي والآخذ عنه والمتتلمذ عليه والمتمم لبناء الكسائي ـ هو الآخر قصد البصرة كما كان يقصدها طلاب المعرفة في الأمصار العلمية آنذاك، فهي منارهم ومقصدهم وخصوصاً من كان يريد الاستزادة والتعمّق في الدرس، فلم يلق فيها أكبر من يونس ولا أعلم لأنّ الخليل كان قد مات قبل مجيئه إليها وجلس يونس مجلسه فكان من الطبيعي أن يتصل به ويقف على ما عنده من آراء لا على سبيل التلمذة والأخذ المباشر ولكن على سبيل الاطلاع والاستزادة، فهذه الصلة بيونس كصلة الكسائي به لم تكن صلة تلمذة وذوبان في شخصية يونس كما صورت وإنّما صلة ندّين له مناظرين، بمستواه العلمي ولم يطل لقاء الفراء بيونس طويلاً عاد بعدها إلى بغداد.
نخلص من ذلك إلى أنّ علاقة الكسائي والفراء بيونس لا تسوغ لنا أن نقول كما قال فايل أنّ يونس «صاحب التأثير الموجه في كلا الكوفيين الكسائي والفراء» والذي أوهمه ذلك هو ما رآه من استقلال علمي طيب في شخصية الفراء وحتّى في شخصية الكسائي عن أساتذتهما وأندادهما البصريين كالخليل وسيبويه أو بينهما أنفسهما وكلاهما كوفي. فدفعه ذلك إلى إرجاع هذا الاستقلال إلى بصري اتصلا به وقيل فيه «له قياس في النحو ومذاهب يتفرّد بها» وفاتته دون ذلك كل ملابسات الموضوع وكل الظروف التي دفعت كلاً من سيبويه والكسائي إلى اتخاذ المذهب أو الطريقة التي سار عليها كل منهما في البحث. وكأنّه استكثر على الكسائي أن يكون صاحب مذهب دون أن يكون لبصري يد فيه، وذلك منه صدى واضح وأثر طبيعي لتعصّب المصادر القديمة ـ التي هي مادة بحثه الوحيدة ـ وتمويهها حقيقة الأمر وأغفالها الإبداع الشخصي.
أمّا الدكتور شوقي ضيف الذي أرجع التأثير والتوجيه هذه المرة للأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة، هو الآخر بعيد عن الحقيقة، إذ لا نعرف مصدراً قديماً عني بالطبقات وأخبار النحويين إلاّ وعد الأخفش بصرياً صميماً سائراً على نهج علماء البصرة في دراسة النحو واستخراج علله وأحكامه، ولم يقل أحد منهم أنّه كوفي أو قريب من الكوفيين. إلاّ أنّ الدكتور ضيف حلا له أن يأتي بشيء جديد لا قبل لنا به. وراح يفتعل هذا التأثير الأخفشي بالكوفيين. وفاته أنّ الأخفش عندما قدم بغداد ولقي الكسائي كان الكسائي قد انتهى من تأسيس المذهب الكوفي ووضحت معالمه عنده وعرف به. إذ مرّ بنا أنّه تلميذ للخليل وذهب إلى البوادي وعاد بمادة وفيرة وأخذ يدرس النحو واللغة استناداً لما جمعه منها، وبذلك كان واضعاً قدمه على عتبة تأسيس المدرسة. عدا ما رأينا من لقيه لسيبويه في بغداد وما أسفرت عنه المناظرة الزنبورية المعروفة، وما كان من معناها العميق في فهم كل منهما لمنهج الدرس النحوي. فلا يمكن بعد كل هذا أن يأتي الأخفش ويؤثر أو يوجه الكسائي الوجهة التي كان قد بدأها قبله، خصوصاً وأنّ الأخفش جاء ليثأر لسيبويه خذلانه مع الكسائي نفسه فالأخفش بهذا الدافع بصري يقف من الكسائي في الجانب الآخر جاء ـ وتحت إبطه كتاب سيبويه ـ ليرد حق البصريين إليهم. أمّا أن يكون اتفاقه مع الكوفيين بثلاثين مسألة أحصاها الدكتور ضيف فهي أيضاً لا تقوم دليلاً على ذلك كما لم تقم من قبل المسائل الخمس التي وافق بها يونس الكوفيين، إذا عرفنا أنّ هناك اتفاقاً حتّى مع سيبويه أكثر من أن يحصى. وأكبر الظن أنّ مثل هذا الاتفاق في الثلاثين مسألة إنّما يعود لتأثّره بالكوفيين.
والنحو في الحقيقة شيء واحد سواء درسه البصريون أو الكوفيون، غير أنّ الخلاف في الفروع لا في الأصول، وهذه الفروع هي التي شكّلت الجبهتين، فليس بعيداً أن يكون هناك اتفاق كبير جداً في هذه الفروع دون أن يمس ذلك كون الجبهتين العلميتين على خلاف كثير أيضاً وفي المنهج على وجه الخصوص، ومسألة الأخفش من هذا الباب. فالأخفش جاء متأخراً عن بدايات تأسيس المدرستين، أو بعبارة أدق كانت المدرستان قد تأسستا قبل ولوجه عالم النحو واللغة في بغداد ـ لأنّنا لم نعرفه نشطاً ولا لامعاً قبل مجيئه إلى بغداد ـ وما هو إلاّ حلقة من حلقات المدرسة البصرية.
وكونه درس كتاب سيبويه للكسائي مقابل خمسين أو سبعين ديناراً ـ إن صحّت هذه الرواية التي تذكرها بعض المصادر ـ فذلك أيضاً ليس دليل تأثير ولا توجيه من الأخفش في الكسائي، والكتاب كتاب سيبويه وليس كتاب الأخفش. وكلّ ما هنالك أنّ الأخفش كان مالك الكتاب الوحيد، وأراد الكسائي المكتمل النضج والمذهب أن يطلع عليه ويرى ما فيه فأقرأه إياه. مع ملاحظة طيبة من الكسائي لمساعدة الأخفش مادياً، حيث كان الأخير في أوّل قدومه من البصرة إلى بغداد فقيراً محتاجاً (يذهب في كتبه مذهب التكسب)، فكان ما دفعه له الكسائي بمثابة العون، إضافة لما نقوله ونراه من حاجة الكسائي لمعرفة مظان الكتاب لما يتمتع به من صيت ونفاسة وربما لو كان الكتاب شائعاً متداولاً بين الناس لاقتناه ودرسه دون حاجة للأخفش، خصوصاً وأنّ الكسائي تلميذ الخليل وزميل سيبويه، فلا يصعب عليه فهم مادة (الكتاب) ومعرفة غوامضه وقد مرّت عليه جميعها وسمعها من فم الخليل.
والغريب أنّ شوقي ضيف نفسه قد عدّ الأخفش في غير هذا الموضع بصرياً مهماً، يقول: «وهو أكبر أئمة النحو البصريين بعد سيبويه» ويبدي رأيه في المناظرة الزنبورية التي حدثت قبل مجيء الأخفش إلى بغداد ولقيه الكسائي يقول: «والمهم أنّ هذه المناظرة أرست أصلاً من أصول المدرسة الكوفية وهو الأخذ باللغات الشاذة المخالفة للأقيسة البصرية من جهة وللشائع المتداول على أفواه العرب من جهة ثانية…».
كما يحاول أن يخفف من حدّة رأيه السابق في تأثير الأخفش بالكسائي والكوفيين وكأنّه أراد أن يتراجع قليلاً فقال: «والحق أنّ الأخفش لم يبعث هذا الاتجاه في نفسه لأوّل مرّة فقد كان اتجاهاً قديماً في صدره منذ قعوده للقراءة والتعليم في الكوفة، ورأينا آثاره في مناظرته مع سيبويه، ولكنّا نؤمن بأنّ الأخفش هو الذي دفعه دفعاً في هذا الاتجاه…» إلى أن يقول متحدّثاً عن الكسائي: «لا ريب في أنّ الكسائي يعدّ إمام مدرسة الكوفة، فهو الذي وضع رسومها ووطأ منهجها».
من هذا نخلص إلى أنّ الدكتور شوقي ضيف مع اعتقاده بأنّ الأخفش أكبر أئمة النحو البصريين بعد سيبويه، وأنّ المناظرة الزنبورية أرست أولى قواعد المذهب الكوفي، وأنّ الكسائي كان معدّاً نفسياً وعلمياً لهذا الاتجاه قبل معرفة الأخفش وأنّه إمام مدرسة الكوفة وواضع رسومها وموطئ منهجها أقول مع اعتقاده بهذا فهو يرى رأيه الذي ناقشناه من أنّ الأخفش هو موجه الكوفيين، ولا أدري كيف يجمع بين أقواله التي يناقض أحدها الآخر ويجيب أحدها على الآخر نعم حاول أن يتخذ من المسائل الثلاثين التي اتفق فيها رأي الأخفش مع آراء الكوفيين ذريعة لهذا الذي يريد أن يثبته بالرغم من كل الظروف الأخرى المحيطة بالمسألة والتي رأينا أنّها تنفي نفياً أكيداً هذا الزعم وتثبت الشيء الذي قلناه أوّلاً من أنّ الكسائي بعد تلمذته للخليل وسفره إلى البوادي وبحكم ظروفه البيئية والعلمية هو مؤسس المدرسة الكوفية دون تأثير الأخفش أو توجيه يونس أو غيرهما.
وأمّا الدكتور أحمد مكي الأنصاري فقد رأى ـ كما مرّ ـ أنّ الفراء جمع خصائص المدرستين وامتزجت عنده وظهرت بشكل مذهب جديد هو المدرسة البغدادية. وفي رأيه أنّ جذور المدرسة البغدادية موجودة عند عيسى بن عمر الذي جمع إلى منهج البصريين منهج الكوفيين، ثمّ وجدها عند أبي زيد الأنصاري الذي أخذ عن علماء المذهبين ثم عند يونس بن حبيب الذي يراه «مثلاً جيداً للخروج على المدرستين البصرية والكوفية معاً» وأنّه نواة المدرسة البغدادية، ثم وجد في الأخفش الأوسط طوراً جديداً من أطوار المذهب البغدادي ثم يجعل الكسائي نفسه جامعاً «بين المذهبين على صورة ما»، مستعيناً عليه بأقوال اقتطعها قطعاً مشوهاً واقتسرها قسراً من كتاب (مدرسة الكوفة) لتؤيد رأيه، حتّى يصل إلى الفراء الذي كان في نظره «المؤسس الحقيقي للمذهب البغدادي».
في هذا كلّه خلط عجيب وابتعاد عن الروح العلمية الدقيقة، فمتّى كان عيسى بن عمر بصرياً ليجمع إلى بصريته منهج الكوفيين، وعيسى هذا أستاذ الخليل الذي ننفي عنه أن يكون بصرياً وإنّما البصري تلميذه سيبويه فكيف يكون أستاذ الخليل بصرياً يجمع بين المذهبين. والدراسات النحوية واللغوية في عصر عيسى بن عمر نلمح فيها ـ وهذا طبيعي ـ آثار المدرستين اللتين نشأتا بعدئذ لأنّه لا بد من أساس تتفرّع منه المدرستان، وهذا الأساس هو الجامع لخصائص الفرعين، فلا يمكن أن نسمّي هذا الأساس ـ بعد أن نرى خصائص جديدة متفرعة عنه ـ بأنّه كان نواة مذهب ثالث تكون من اتحاد المذهبين والجمع بينهما.
أما بالنسبة لأبي زيد الأنصاري الذي يدعي الدكتور الأنصاري: «أنّه ما كان يعرف العصبية المذهبية بل كان يأخذ عن الكوفيين كما كان يأخذ عن البصريين فإنّه لم يأخذ شيئاً عن الكوفيين من نحو أو لغة، وكل ما في الأمر أنّه روى في كتابه (النوادر) أبياتاً أنشدها إياه المفضل الضبي، لأنّ الدكتور الأنصاري أرجع في الهامش تأييداً لقوله إلى كتاب (أخبار النحويين البصريين للسيرافي)، وعند رجوعي له وجدت ما نصه: «ولا نعلم أحداً من علماء البصريين بالنحو واللغة أخذ عن أهل الكوفة شيئاً من علم العرب إلاّ أبا زيد فإنّه روى عن المفضل الضبي…» ويذكر بعد ذلك ثلاثة أبيات رواها أبو زيد عن المفضل. فرواية ثلاثة أبيات أو حتّى مائة عن رواية كوفي لا يعني أنّه درس النحو واللغة على علماء الكوفة بحيث جمع إلى آرائه البصرية آراء كوفية تعدّه لأن يكون حلقة من حلقات تأسيس المدرسة البغدادية وكل ما هنالك رواية أشعار بعض العرب عن المفضل الذي لم يعرف عالماً بالنحو. والرواية غير النحو الذي هو مدار المدارس النحوية، وعبارة الخبر صريحة (أخذ عن أهل الكوفة شيئاً من علم العرب) ولم تقل أخذ شيئاً من النحو أو ما أشبه النحو. عدا أنّنا لا نعرف عن أبي زيد أنّه وافق الكوفيين في رأي من الآراء النحوية، وكل الذي نعرفه أنّه: «كانت حلقته بالبصرة ينتابها الناس» فهو نحوي بصري روى عن المفضل شيئاً من الشعر.
وأمّا يونس فقد مرّ بنا أمره سابقاً، والدكتور الأنصاري استغل ما قيل فيه من أنّه «له قياس في النحو ومذاهب يتفرّد بها» وراح يعدّ ذلك: «نواة المدرسة البغدادية في طور من أطوار نشأتها الأولى قبل النضج والاستواء.
ولا نريد أن نكرر أنّه وافق الكوفيين في خمس مسائل في النحو لا تعد توجيهاً وتأثيراً بهم، كما لا تعد جمعاً لآراء المدرستين وخلطاً لها حين أراد الدكتور الأنصاري أن يعدها نواة مدرسة بغداد. وكونه تفرّد في مسائل معينة في النحو وله قياس فيه لا يخرجه من مدرسة البصرة التي كانت تشكل جبهة موحدة بالرغم من وجود الإبداعات الشخصية والاستقلال الفردي بين علمائها على نحو ما هو موجود بين رجال مدرسة الكوفة أيضاً كالكسائي والفراء وغيرهما.
وأمر الأخفش الذي رأى فيه المؤلف: «طوراً جديداً من أطوار هذه النشأة» لا يختلف عن أمر يونس فقد مرّت بنا ظروفه فهو الآخر بصري وافق الكوفيين في مسائل وصلت إلى ثلاثين مسألة وخالفهم فيما عدا ذلك من مسائل النحو واتفاقه هذا ليس بالأمر الغريب فوجوده في بغداد، وكان فيها آنذاك الكسائي امام المدرسة الكوفية، واحتكاكه به جعله يقتنع ببعض آراء المدرسة الكوفية ويتبناها. ولكن ليس معنى ذلك أنّه خرج عن كونه بصرياً عمق المذهب البصري ونشره بتدريسه كتاب سيبويه وشرحه، كما عرف أيضاً بذلك من خلال كتبه التي ألفها في بغداد، وليس معنى ذلك أنّه خلط المذهبين وأنّه حلقة أخرى أو طور جديد من أطوار نشوء المذهب البغدادي. ويظهر أنّ المؤلف نفسه أحسّ بذلك فراح يحاول أن يدفع هذا الظن فقال: «غير أن ظهورها عنده ما يزال فجاً لا يستطيع أن ينهض على قدميه ليمثل المذهب الجديد».
أمّا الكسائي الذي عدّه المؤلف جامعاً بين المذهبين على صورة ما وأنّه مرحلة أخرى من مراحل نشوء المدرسة البغدادية، فإنّه اعترف أنّ ملامح المذهب فيه ضعيفة فقال: «أما الكسائي فإنّه وإن ظهرت فيه بعض الملامح إلاّ أنّها كانت خافتة إلى حد كبير» وراح يتحايل بعد ذلك على الموضوع وينقل النصوص التي يرى أنّها تؤيد ما ذهب إليه دون وعي منه لحقيقة تلك النصوص. فهو مثلاً يقتطع من كتاب (مدرسة الكوفة) العبارة هكذا: «أكبر الظن أنّ الكسائي… لم يكن نحوه كوفياً خالصاً» وقد أسقط مكان النقاط عبارة «بالرغم من كونه مؤسس المدرسة الكوفية» وكأنّه رأى أنّ وجود هذه العبارة يفسد عليه فائدة النص الذي يريد أن يستغله وهو يعلم أنّ مؤلف «مدرسة الكوفة» يرى في الكسائي مؤسس مدرسة الكوفة وليس شيئاً آخر، وكل ما هنالك أنّ المؤسس لا تظهر عنده خصائص المدرسة بالوضوح الذي تظهر به بعده على أيدي علمائها ودارسيها كما ظهرت عند الفراء مثلاً. وكان الكسائي يعتمد على كثير من آراء شيوخه وخاصة الخليل بحيث خالفه في هذه المسائل من جاء بعده حين اكتمل بناء المدرسة كما يشرح بهذا المعنى ذلك الدكتور المخزومي في كتابه (مدرسة الكوفة) بعد العبارة التي استشهد فيها صاحب الفراء.
ولكن الدكتور الأنصاري أراد أن يخضع نصاً آخر لما ذهب إليه مدعياً أنّ صاحب النص السابق ـ وهو يعني الدكتور المخزومي ـ قد سبقه القدماء إلى ذلك، فساق لنا قول أبي زيد: «قدم علينا الكسائي البصرة، فلقي عيسى والخليل وغيرهما، وأخذ منهم نحواً كثيراً ثمّ صار إلى بغداد فلقي إعراب الحطمة فأخذ عنهم الفساد من الخطأ واللحن فأفسد بذلك ما كان أخذه بالبصرة كله» ثم يعلق المؤلف على هذا النص بقوله: «والذي يعنينا من هذا النص هو أنّ الكسائي جمع بين المذهبين على صورة ما». ولا أدري كيف يفهم من هذا النص أنّ الكسائي جمع بين المذهبين على أي صورة من الصور، ولا أدري كيف يكون هذا المعنى هو الذي سبق ما قاله صاحب (مدرسة الكوفة) ولا علاقة بين الموضوعين، علماً بأنّ الدكتور الأنصاري يقول: «وغني عن البيان أن نشير إلى أنّ أبا زيد يحكم على نحو الكسائي من وجهة نظره هو ومن لف لفه من البصريين والمتبصرين» فإذا كان الأمر تعصباً على الكسائي كما يعترف المؤلف فكيف يأخذ به، بالرغم من أنّه لا يمت إلى الشيء الذي يريده بصلة، وإنّما هو تهجم على المنهج الجديد الذي سار عليه الكسائي بعد رجوعه إلى بغداد. فيكون هذا الذي ساقه المؤلف من نصوص يبرهن بها على (بغدادية) الكسائي مقتصرة ولا تدلل على الشيء الذي يريده ولا على شيء آخر قريب منه.
والمؤلف يخلص من ذلك كله إلى أنّ: «كل هذه الحركات الفكرية كانت بمثابة الإرهاص والتمهيد للمهذب الجديد. ذلك الذي اكتمل في شخصية الفراء وعقليته…» ويسوق بعد ذلك بعض النصوص القديمة والحديثة التي أخضعها إخضاعاً واقتسرها قسراً، مدعياً أنّ القدماء والمحدثين سبقوه إلى أنّ الفراء هو رأس المدرسة البغدادية وواضع أسسها، وأنّه ليس الأول الذي قال بذلك. ولا نريد أن نعرض لما نقله من ذلك فهي ليست أدل وأقوى من نصوصه السابقة التي استدل بها على أنّ المذهب البغدادي تجذر حتّى امتدّت عروقه لعيسى بن عمر وأبي زيد ويونس وغيرهم.
ويكفي أن نشير إلى أنّ كل كتب التراجم والطبقات دون استثناء عدته كوفياً خالصاً تلمذ للكسائي وسار على خطّه العام مع الاحتفاظ باستقلاله الشخصي، كما تلمذ شأنه في ذلك شأن أغلب العلماء لأن البصريين هم الأساتذة القدماء وهم الذين يجب أن يشد لهم الرحال. واستعراض دقيق لنحو الفراء يقنعنا أنّه استقل بآرائه عن مدرسة البصرة، وسار على المنهج الجديد المعتمد على السماع والرواية والنقل مع الاستعانة بشيء من القياس والتعليل والاستشهاد بالقليل والكثير. وإذا كان قد خالف الكسائي أيضاً في بعض آرائه فهذا لا يعني بالضرورة أنّه لم يكن من مدرسة الكسائي، فظروف الكسائي ـ من حيث هو أحد القراء السبعة وأنّه تلميذ الخليل وقد تأثر به تأثيراً كبيراً ـ تختلف عن ظروف القراء بحيث ظهرت على الأخير ملامح جديدة وهي في واقعها ملامح اكتمال مدرسة الكوفة التي تناولها من بعده العلماء على نفس الصورة والمنهج وأبرزهم ثعلب.
وقد حاول الدكتور الأنصاري أن يفتعل مظاهر النزعة البصرية بعد أن سجل مظاهر النزعة الكوفية التي هي من صميم منهجه وعلمه، فراح يعدد عليه ما حلا له من مظاهر منها: التقدير والتأويل وعدم القياس على الشاهد الواحد، والقياس، والتهجم على القراءات السبع وغير ذلك ممّا يرى أنّها مظاهر النزعة البصرية في الفراء ليثبت بها أنّه جمع النزعتين في نفسه وأسس المذهب البغدادي.
وهو قد علا كثيراً في ذلك فالفراء كان شديد النفور من التقدير والتأويل ومن أمثلة ذلك: (وإن أحد من المشركين…) كما استشهد بها المؤلف نفسه على تحاشي الفراء للتقدير في مظاهر نزعته الكوفية فإن وجد أنّه قدر في شاهد أو أكثر فلا يعني أنّه ينزع هذا المنزع أما عدم قياسه على الشاهد الواحد فقد نفاه المؤلف نفسه بقوله: «كنّا رأينا الفراء في بعض الأحيان يقيس على الشاهد الواحد استجابة للنزعة الكوفية» وهذا هو الكثير عند الفراء إلاّ إذا كان الشاهد من الضعف والصنع الواضح ما يدعوه إلى تركه وهذا هو المنهج العلمي الخالص والنزعة الكوفية المعروفة.
وأما القياس فهو وإن كان من الخصائص الأولى البارزة في دراسة النحو البصري إلاّ أنّ له آثاراً عند الكوفيين قليلة لا يمكن إغفالها، إلاّ أنّ هذه الآثار ليست ممّا يجعل من القياس خصيصة لهم، وإنّما لجأوا إليه أحياناً ـ كالفراء ـ استجابة لمتطلبات الدرس والبحث. عدا كون الفراء من المتكلمين وقد ترك ذلك في نحوه آثاراً واضحة منها القياس ومنها التعليل والتفلسف، وقد وهم الأنصاري أنّ ذلك من منازع المدرسة البصرية فيه. وحتّى الكسائي كانت تظهر عليه روح القياس والتعليل. فلا يعني هذا أنّ الكوفيين وخاصّة الفراء كانوا ينحون منحى مخالفاً للكوفيين، وإنّما قيل إنّ القياس والتعليل من خصائص البصريين فذلك لشدّته وعمقه عندهم واستحواذه عليهم.
أمّا تهجّمه على القراءات المشهورة وتخطئة الآيات فليس ما يؤيد ذلك بل على العكس، فنحن ندري أنّه صحّح ما خطأه أبو عمرو في قراءة: (إن هذان لساحران) وقال بها وأيّدها بما ورد عن بعض العرب إنّهم استعملوا مطلقاً وذكر شواهد على ذلك وأطلق قولته المشهورة «لا أشتهي أن أخالف المصحف». كما أنّ عرضه للآية (زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم) التي قرأها ببعض مصاحف أهل الشام، دليل على عدم تخطئة القراءة حين راح يدور حولها مقلباً إياها على أوجهها، ولم يبطلها كما هو موجود عند المؤلف ناقلاً الشرح من مصورته (لمعاني القرآن) وفيها عن الفراء؛ «هذا باطل» فليس في المطبوع من معاني القرآن هذه العبارة ممّا يجعلنا نقف منها موقف المشكك.
نخلص من هذا إلى أنّ ما سمّاه المؤلف «مظاهر النزعة البصرية» عند الفراء ليس هو نزعة بصرية وإنّما كان بعضه من طبيعة الدرس الكوفي وبعضه الآخر من خصائص الفراء نفسه وكثير منه ليس له، وبالتالي فالفراء لم يجمع بين المذهبين أو يخلطهما ليؤسس المدرسة البغدادية كما يرى مؤلف (الفراء)، وليس في بحثه ما يؤيد ذلك لا في استعراضه لجذور المدرسة البغدادية ولا في خصائص الفراء النحوية.
كما نخلص من بحثنا كله أنّ مدرسة الكوفة حقيقة لا مناص منها، وإنّها لم يوجهها وجهتها الكوفية يونس بن حبيب كما رأى (فايل) ولا الأخفش كما رأى الدكتور شوقي ضيف، ولم يكن الفراء المؤسس الحقيقي لمدرسة بغداد كما رأى الدكتور أحمد مكي الأنصاري، وإنّما النتيجة الصحيحة لكل ذلك هو ما ذهبنا إليه أوّلاً والذي ذهب إليه قبلنا أستاذنا الدكتور المخزومي من أنّ مدرسة البصرة تأسّست على يد سيبويه ومدرسة الكوفة تأسّست على يد الكسائي وكلاهما تلمذ للخليل، وما يونس والأخفش إلاّ أعلام في المدرسة البصرية، وما الفراء إلاّ متمم لبناء مدرسة الكوفة مع احتفاظ كلّ منهم باستقلاله العلمي وآرائه الشخصية دون أن يمسّ ذلك جوهر المنهجين العامين.
محمد حسين آل ياسين
مراكز الدراسات النحوية
إنّ هذا البحث يضم عرضاً تاريخياً مقتضباً، تناولت فيه نشأة النحو ومراكز دراساته التي تعاملت معه تعليماً وتأليفاً، فأسهمت في تركيز مبناه ونشر أفكاره، حيث امتداده في رحلته الطويلة منذ القرن الأول الهجري حتّى يوم الناس هذا، ومن ثغر الخليج الأخضر حاضرة البصرة العلمية إلى ما وراء البحار والمحيطات، وهي يعطي الصورة المشرقة عما وصل إليه الفكر العربي والإسلامي من أصالة وعمق وامتداد وشمول.
حددت فيه أمكنة التمركز، وأرّخت أزمنة الانتشار، قدر ما وسعت الطاقة وأسعفت المصادر المتوافرة لدي وحولي.
وقد بلغت عدة العناوين للمراكز ثلاثة وعشرين عنواناً، تقدمها استعراض مصغر لنشأة النحو وتطوره الفكري في دور نشوئه بمركزه الأول، وأعقبها جدولان، أولهما لأمكنة امتداد النحو، وثانيهما لأزمنة امتداد النحو.
ومن المفيد، بغية بيان مفهوم (المركز) والمقصود منه هنا أن أشير إلى أنّ دراسة النحو قائمة على النحوين التاليين:
1 ـ قد تكون تخصّصاً وغاية كما في حلقات الدرس النحوي التي كانت تعقد من قبل الناحين المتفرغين للدرس النحوي في أروقة مسجد البصرة ومسجد الكوفة أمثال سيبويه والكسائي.
2- وقد تكون مقدمة ووسيلة لدراسة علوم أخرى كما في حلقلت الدرس النحوي التي كانت – ولا تزال-تعقد لتعليم النحو كمادة من المواد التي يُلْزَم بدراستها منهجياً قبل التخصص في أحد العلوم النقلية كالفقه والتفسير والحديث.
وعلى هذا الأساس قسّم القدماء العلوم من ناحية منهجية إلى علوم آلية وعلوم استقلالية.
وأرادوا بالعلوم الآلية تلك التي تدرس مقدمة لدراسة غيرها كالنحو يدرس مقدمة لدراسة الفقه، وكالمنطق يدرس مقدمة لدراسة الفلسفة وعلم الكلام.
وقصدوا من العلوم الاستقلالية تلك التي تدرس لذاتها لا لغيرها، أو التي تأتي غاية لا وسيلة كالفقه والتفسير والحديث والفلسفة والتصوف وعلم الكلام.
وقد بقي هذا اللون من التفرقة بين الاتجاهين في دراسة النحو وسيلة أو غاية، تخصّصاً أو مقدمة لتخصّص آخر ممتداً منذ القديم ومستمراً حتّى الآن.
ففي الدراسات المسجدية الراهنة يدرس النحو وسيلة لتعلّم العلوم الشرعية، وفي الدراسات الجامعية في كليات ومعاهد وأقسام اللغة العربية يدرس النحو لذاته أي غاية وتخصّصاً.
وفي ضوئه: إنّنا عندما نقول: إنّ بلدة ما كانت مركزاً من مراكز الدراسات النحوية، نعني بذلك أنّ النحو يدرس فيها، بغض النظر عن نوعية الاتجاه في تدريسه وسيلة أو غاية.
وأخيراً: إنّ هذا العرض التاريخي لا يعني بحال من الأحوال الاستقصاء التام أو الإحصاء المستوعب لمراكز الدرس النحوي، لأنّه لا يعدو أن يكون ـ فيما وضعت له من خطة ـ محاولة تعريف لامتداد وانتشار الفكر النحوي العربي أمكنة وأزمنة.
نشأة النحو([60]*)
يأتي النحو حضارياً في طليعة العلوم العربية الإسلامية، وذلك لأنّه يدرس نظام الجملة العربية، فيقدم للذين يتعاملون معه مجموعة القواعد والضوابط التي في ضوئها تعرف كيفية تأليف الكلام العربي ومختلف أحكامه ومعاني عناصره التي تكشف عن مدلوله ومحتوى مفرداته… ولأنّه أيضاً من المقاييس والوسائل العلمية التي تتعامل مع نصوص القرآن الكريم والسنّة الشريفة في إطار الدراسات الإسلامية كالتفسير والقراءات والحديث والفقه.
ومن هنا عندما نرجع إلى محاولة التعرّف لانبثاقه ونشوئه كعلم يبحث فيه عن ظواهر الجملة العربية نقف عند عاملين تكاملا فكانا أساس ولادته ونشأته، وهما:
العامل الاجتماعي.
والعامل الحضاري.
وأعني بالعامل الاجتماعي ـ هنا ـ مقاومة مشكلة نشوء اللحن على ألسنة بعض أبناء المجتمع في الحاضرة والبادية.
وقد مرّ هذا العامل بمراحل:
1 ـ تمثّلت المرحلة الأولى في الإرهاصات التي سبقت التفكير فيه.
2 ـ ثمّ جاءت مرحلة التفكير فيه.
3 ـ وبعدها مرحلة تنفيذ المقاومة ومعالجة المشكلة القائمة.
وقد ظهرت تلكم الإرهاصات المشار إليها عندما بدأت تظهر على بعض الألسنة بوادر الزيغ والانحراف في التعامل مع الجملة العربية في مجال النطق والكتابة، تلكم البوادر التي تبلغ حد الظاهرة الاجتماعية اللغوية، ولم ترتفع إلى مستوى المشكلة.
وجاءت هذه الإرهاصات على لسان النبي (صلّى الله عليه وآله)، فمنها ما ذكره أبو الطيب اللغوي بقوله: «واعلم أنّ أوّل ما اختلّ من كلام العرب وأحوج إلى التعلّم الإعرابُ، لأنّ اللحن ظهر في كلام الموالي والمتعربين من عهد النبي (صلّى الله عليه وآله)، فقد روينا أنّ رجلاً لحن بحضرته، فقال: «أرشدوا أخاكم فقد ضلّ»([61]).
وكان اللحن المشار إليه قد بدر في خطبة أحد زعماء الوفود التي جاءت إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) في المدينة.
ومنها ما ورد على لسان النبي (صلّى الله عليه وآله) أيضاً في معرض يشبه ما تقدم، فقد قال (صلّى الله عليه وآله): «رحم الله أمرءاً أصلح من لسانه»([62]).
وما روي من أنّ أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر ـ عندما كان والياً له على الكوفة ـ كتاباً لحن فيه الكاتب بقوله (من أبو موسى)، فكتب إليه عمر: «سلام عليك، أمّا بعد، فاضرب كاتبك سوطاً واحداً وأخّر عطاءه سنة»([63]).
إنّ هذه وأمثالها تعطينا صورة عن تحسّس المسؤولين في المجتمع ببوادر حدوث المشكلة، تلك البوادر التي لم تشكل بعدُ ظاهرة يخشى منها على سلامة اللغة كما أشرت، ومن هنا لم يفكروا في أمرها إلاّ في حدود التنبيه والإرشاد.
وبعد أن كثرت الفتوح الإسلامية، وكثر الاختلاط والامتزاج بين العرب وغيرهم من الأقوام، وبدأ التعامل مع الجملة العربية نطقاً وفهماً يأخذ مسارات غير طبيعية، تحوّلت تلكم البوادر في الزيغ اللساني إلى ظاهرة خطرة تهدّد سلامة اللغة، يقول محمد بن الحسن الزبيدي (ت394هـ): «ولم تزل العرب في جاهليتها وصدرٍ من إسلامها تبرع في نطقها بالسجية، وتتكلم على السليقة حتى فتحت المدائن ومصرت الأمصار ودوّنت الدواوين فاختلط العربي بالنبطي والتقى الحجازي بالفارسي ودخل الدين أخلاط الأمم وسواقط البلدان، فوقع الخلل في الكلام، وبدأ اللحن في ألسنة العوام»([64])…
ويقول أبو العباس المبرد: «وكان الصدر الأول من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعربون طبعاً، حتّى خالطهم العجم ففسدت ألسنتهم وتغيّرت لغاتهم»([65]).
وقد حدا هذا بالمسؤولين في المجتمع أن يفكروا في وضع حلول للمشكلة القائمة تعالج ذلكم الانحراف اللساني وتقي من الوقوع في أمثاله.
وكان المسؤول الأول في المجتمع حينذاك الإمام علياً (عليه السلام)، لأنّه كان الخليفة ورئيس الدولة، فكان من الطبيعي أن يكون هو أوّل من يفكر في مقاومة هذه المشكة.
ولأنّه آنذاك كان مشغولاً في أمور الحروب الداخلية التي لم تترك له الفراغ الكافي لوضع ما فكّر فيه من حلول وعلاجات لمشكلة اللحن اختار لهذه المهمة تلميذه أبا الأسود الدؤلي (ت69هـ)، لأنّه «كان رجل أهل البصرة، وكان علوي الرأي»([66])، و«من أكمل الرجال رأياً وأسدهم عقلاً»([67])، «وأعلم الناس بكلام العرب»([68])، و«من سادات التابعين. ثقة في حديثه، روى عن عمر وعلي وابن عباس وأبي ذر وغيرهم»([69]).
وهو من أفصح الناس([70])«وكان الناس لزمنه يرونه شيخ العلم وفقيه الناس وصاحب علي (عليه السلام) وخليفة عبدالله بن العباس على البصرة»([71]).
ويقول السيرافي: «وكان أبو الأسود ممّن صحب علياً وكان من المتحققين بمحبته ومحبة ولده، وفي ذلك يقول:
يقول الأرذلون بنو قشير
طوال الدهر لا تنسى عليا
أحب محمداً حباً شديداً
وعباساً وحمزة والوصيا
فإن يك حبهم رشداً أحبه
ولست بمخطئ إن كان غيا
وكان نازلاً في بني قشير بالبصرة، وكانوا يرجمونه بالليل لمحبته لعلي وولده»([72]).
اختار الإمام أبا الأسود لتوافر شخصيته على الصفات المذكورة المؤهلة له للقيام بهذه المهمة الكبيرة، وأمره بذلك وألقى إليه أنموذجاً يسير عليه.
قال السيوطي: «أوّل من رسم للناس النحو أبو الأسود الدؤلي، وكان أبو الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)»([73]).
وقال البغدادي: «وهو (يعني أبا الأسود) واضع علم النحو بتعليم علي، وكان من وجوه شيعته، واستعمله على البصرة بعد ابن عباس، وقبل هذا كان استعمله عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان (رضي الله عنهما)»([74]).
وعلى هذا جلّ المؤرخين، وبه وردت جلّ روايات وضع النحو، ومنها:
1 ـ ابن قتيبة (ت276هـ): «أوّل من عمل (يعني أبا الأسود) كتاباً في النحو بعد علي بن أبي طالب»([75]).
2 ـ المبرد (ت285هـ): «وذكر أنّ السبب الذي بني له أبواب النحو وعليه أصلت أصوله أنّ ابنة أبي الأسود الدؤلي قالت: يا أبتِ ما أشدُّ الحر، قال: الحصباء بالرمضاء، قالت: إنّما تعجبت من شدته، قال: أو قد لحن الناس، فأخبر بذلك علياً ـ رحمة الله عليه ـ فأعطاه أصولاً بنى منها وعمل بعده عليها»([76]).
3 ـ الزجاجي (ت337هـ): «قال أبو القاسم الزجاجي في (أماليه): حدثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبري، قال: حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا سعيد بن سالم الباهلي، حدثنا أبي عن جدي عن أبي الأسود الدؤلي، قال: دخلت على علي بن أبي طالب (عليه السلام) فرأيته مطرقاً متفكراً، فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال: إنّي سمعت ببلدكم هذا لحناً فأردت أن أصنع كتاباً في أصول العربية، فقلت: إن فعلت هذا أحييتنا وبقيت فينا هذه اللغة، ثمّ أتيته بعد ثلاث فألقى إلى صحيفة فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلام كله: اسم وفعل وحرف.
فالاسم: ما أنبأ عن المسمّى.
والفعل: ما أنبأ عن حركة المسمّى.
والحرف: ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل.
ثمّ قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك… واعلم يا أبا الأسود: أنّ الأشياء ثلاثة: ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنّما تتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر.
قال أبو الأسود: فجمعت منه أشياء وعرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت منها إن وأن وليت ولعل وكأن، ولم أذكر لكن، فقال لي: لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها، فقال: بل هي منها فزدها فيها»([77]).
ـ الزجاجي: «ويقال: إنّه (يعني أبا الأسود) أوّل من سطر في كتاب: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فسئل عن ذلك، فقال: أخذته من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام»([78]).
4 ـ أبو الطيب اللغوي (ت351هـ): «ثمّ كان أوّل من رسم للناس النحو أبو الأسود الدؤلي فيما حدّثنا به أبو الفضل جعفر بن محمد بن بابويه، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن حميد، قال: أخبرنا أبو حاتم السجستاني، وأخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوي، قال: حدثنا أبو عمر الجرمي عن الخليل، قالوا: وكان أبو الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، لأنّه سمع لحناً فقال لأبي الأسود: اجعل للناس حروفاً، وأشار إليه إلى الرفع والنصب الجر»([79]).
5 ـ أبو الفرج الأصبهاني (ت356هـ): «وقيل لأبي الأسود الدؤلي: من أين لك هذا العلم؟ فقال: أخذت حدوده عن علي بن أبي طالب»([80]).
6 ـ السيرافي (ت368هـ): «قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أخذ أبو الأسود عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) العربية»([81]).
7 ـ الزبيدي (ت379هـ): «سئل أبو الأسود الدؤلي عمّن فتح له الطريق إلى وضع النحو وأرشده إليه، فقال: تلقيته من علي بن أبي طالب رحمه الله»([82]).
8 ـ أبو حيان التوحيدي (ت380هـ): «أنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) سمع قارئاً يقرأ على غير وجه الصواب، فساءه ذلك، فتقدّم إلى أبي الأسود الدؤلي حتّى وضع للناس أصلاً ومثالاً وقياساً بعد أن فتق له حاشيته، ومهد له مهاده، وضرب له قواعده».
9 ـ المرزباني (ت384هـ): «قال أبو الأسود: دخلت يوماً على علي بن أبي طالب فرأيته مطرقاً يفكر، فقلت: مالي أراك يا أمير المؤمنين مفكراً؟ فقال: قد سمعت من بعض من معي لحناً، وقد هممت أن أصنع كتاباً أجمع فيه كلام العرب، فقلت: إن فعلت ذلك أحييت قوماً وأبقيت العربية في الناس، فألقى إلي صحيفة فيها:
الكلام كله: اسم وفعل وحرف.
فالاسم: ما دلّ على المسمّى.
والفعل: ما دلّ على الحركة.
والحرف ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل.
فاستأذنته في أن أصنع في نحو ما صنع شيئاً أعرضه عليه، فأذن لي، فألفت كلاماً وأتيته به، فزاد فيه ونقص، وكان هذا أصل النحو».
10 ـ ابن النديم (ت385هـ): «زعم أكثر العلماء أنّ النحو أخذ عن أبي الأسود الدؤلي، وأنّ أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)»([83]).
11 ـ الراغب الأصفهاني (ت502هـ): «وهو (يعني أبا الأسود) أوّل من نقط المصحف وأسّس أساس النحو بإرشاد علي (عليه السلام)»([84]).
12 ـ الخطيب التبريزي (ت502): «وهو (يعني أبا الأسود) الأصل بناء النحو وعقد أصوله برأي من علي (عليه السلام)» ([85]).
13 ـ ابن الأنباري (ت577هـ): «أنّ أوّل من وضع قواعد أصوله (يعني النحو) ونبّه على فروعه وفصوله ذلك الحبر العظيم علي بن أبي طالب (عليه السلام)» ([86]).
ابن الأنباري: «إنّ أوّل من وضع علم العربية وأسّس قواعده، وحدّ حدوده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأخذ عنه أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي»([87]).
14 ـ الفخر الرازي (ت616هـ): «رسم علي (عليه السلام) لأبي الأسود باب إن وباب الإضافة وباب الإمالة، ثمّ صنّف أبو الأسود باب العطف وباب النعت، ثمّ صنّف باب التعجب وباب الاستفهام»([88]).
15 ـ ياقوت الحموي (ت626هـ): «قرأت في كتاب (الأمالي) لأبي القاسم الزجاجي، قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن رستم الطبري (صاحب أبي عثمان المازني) قال: حدثنا أبو حاتم السجستاني عن يعقوب بن إسحاق الخضرمي، قال: حدثنا سعيد بن مُسلم الباهلي، قال: حدثني أبي عن جدي عن أبي الأسود الدؤلي، أو قال: عن جدي عن ابن أبي الأسود الدؤلي، عن أبيه قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فرأيته مطرقاً مفكراً، فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال: إنّي سمعت ببلدكم لحناً فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية. فقلت: إن فعلت هذا يا أمير المؤمنين أحييتنا وبقيت فينا هذه اللغة، ثمّ أتيته بعد أيام فألقى إليّ صحيفة فيها:
الكلام كله: اسم وفعل وحرف.
والاسم ما أنبأ عن المسمّى.
والفعل ما أنبأ على حركة المسمى.
والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل.
ثم قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك… واعلم يا أبا الأسود: أنّ الأشياء ثلاثة: ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر.
قال: فجمعت منه أشياء وعرضتها عليه، وكان من ذلك حروف النصب، فكان منها إنّ وأن وليت ولعل وكأنّ، ولم أذكر لكنّ، فقال لي: لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها، فقال: بل هي منها فزدها فيها.
قال أبو القاسم (عليه السلام) الأشياء ثلاثة: ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر: فالظاهر: رجل وفرس وزيد وعمرو وما أشبه ذلك.
والمضمر: نحو أنا وأنت والتاء في فعلتُ والياء في غلامي والكاف في ثوبك وما أشبه ذلك.
وأمّا الشيء الذي ليس بظاهر ولا مضمر: فالمبهم نحو هذا وهذه وهاتا وتا ومن وما والذي وأي وكم ومتى وأين وما أشبه ذلك»([89]).
16 ـ القفطي (ت645هـ): «الجمهور من أهل الرواية على أنّ أوّل من وضع النحو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه»([90]).
ـ القفطي: «هذا (يعني ما ذكره من رأي الجمهور) هو الأشهر من أمر ابتداء النحو، وقد تعرض الزجاجي أبو القاسم إلى شرح هذا الفصل من كلام علي كرم الله وجهه.
ورأيت بمصر في زمن الطلب بأيدي الوراقين جزءاً فيه أبواب من النحو، يجمعون على أنّها مقدمة علي بن أبي طالب التي أخذها عنه أبو الأسود الدؤلي»([91]).
ـ القفطي: وأهل مصر قاطبة يرون بعد النقل والتصحيح أنّ أوّل من وضع النحو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وأخذ عنه أبو الأسود الدؤلي([92]).
17 ـ اليافعي: (ت768هـ): «ظالم بن عمرو أبو الأسود من سادات التابعين وأعيانهم، وهو أوّل من دوّن علم النحو بإرشاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب»([93]).
18 ـ ابن كثير (ت774هـ): «قال ابن خلكان وغيره: كان أوّل من ألقى إليه (يعني أبا الأسود) علم النحو علي بن أبي طالب، وذكر له: إنّ الكلام اسم وفعل وحرف ثمّ أنّ أبا الأسود نحا نحوه، وفرّع على قوله، وسلك طريقه، فسمّي هذا العلم النحو لذلك»([94]).
19 ـ ابن خلدون (ت808هـ): «وأوّل من كتب فيها (يعني صناعة النحو) أبو الأسود الدؤلي، ويقال بإشارة علي ـ رضي الله عنه ـ لأنّه رأى تغيّر الملكة فأشار عليه بحفظها، ففزع إلى ضبطها بالقوانين الحاصرة المستقرأة»([95]).
20 ـ القلقشندي (ت821هـ): «وقد روي أنّ أوّل من نقّط القرآن ووضع العربية أبو الأسود الدؤلي من تلقين أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه»([96]).
21 ـ ابن الجزري (ت833هـ): «أوّل من وضع (يعني أبا الأسود) مسائل النحو بإشارة علي (عليه السلام)»([97]).
22 ـ ابن حجر العسقلاني (ت852هـ): «قال أبو علي القالي: حدثنا أبو إسحاق الزجاج، حدثنا أبو العباس المبرد، قال: أوّل من وضع العربية ونقط المصاحف أبو الأسود، وقد سئل أبو الأسود عمّن نهج له الطريق، فقال: تلقيت من علي بن أبي طالب»([98]).
23 ـ السيوطي (ت911هـ): «اشتهر أنّ أوّل من وضع النحو علي بن أبي طالب (عليه السلام) لأبي الأسود، قال الفخر الرازي في كتابه (المحرر في النحو): رسم علي (عليه السلام) لأبي الأسود باب أن وباب الإضافة وباب الإمالة، ثمّ صنّف أبو الأسود باب العطف وباب المنعوت، ثمّ صنّف باب التعجب وباب الاستفهام.
وتطابقت الروايات على أنّ أوّل من وضع النحو أبو الأسود وأنّه أخذه أوّلاً عن علي»([99]).
ـ السيوطي: «أوّل من رسم للناس النحو أبو الأسود الدؤلي، وكان أبو الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)»([100]).
24 ـ البغدادي (ت1093هـ): «وهو (يعني أبا الأسود) واضع علم النحو بتعليم علي (عليه السلام)، وكان من وجوه شيعته، واستعمله على البصرة بعد ابن عباس، وقبل هذا كان استعمله عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما»([101]).
25 ـ الطنطاوي (ت1278هـ): «والصحيح أنّ أوّل من وضع النحو علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لأنّ الروايات كلها تسند إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسند إلى علي، فإنّه روي عن أبي الأسود أنّه سئل فقيل له: من أين لك هذا النحو؟ فقال: تلقيت حدوده من علي بن أبي طالب.
ولا ريب أنّ الاختلاف في المختار من القولين بين الجماعة والأنباري مرجعه إلى الحدس والتخمين، فليس مع أحد المختارين ما يرجحه على الآخر، لا من العقل ولا من النقل المتواتر، فما هي إلاّ روايات يناهض بعضها بعضاً… غير أنّ الظنون متفاوتة عند الموازنة بين المتكافئين، ويظهر أنّ الحق في جانب الجماعة فإنّ وضع النحو أمر خطير يتقاضى من القائم به عناية مبذولة إليه خاصة، وصدوفاً عن مشاغل الحياة عامة، ووقتاً طويلاً يستنزف في القصي للكلام العربي وأعمال الفكر واستخراج القواعد في حياة كلها هدوء واستقرار يرفرف عليها جناح الأمن والسلام، وحياة الإمام علي (كرم الله وجهه) تقضت في النضال العنيف، والشجار المستحر، ملأتها الحوادث المروعة، واكتنفتها أمواج الاضطرابات الشاملة، فبعيد أنّ الإمام يواتيه الوقت الكافي للنهوض بأعباء هذا العمل الجلل، على أنا لا نأبى أنّ له اليد الطولى على أبي الأسود في الإرشاد له، والإشراف عليه، وتقريره لما صحّ في استنتاجه، فللإمام فضل الهداية إلى الأساس، ولأبي الأسود فضل القيام بوضعه على ضوء هدي الإمام»([102]).
إلى جانب هذه الكثرة من الروايات، هناك روايات أقلّ منها نسبت وضع النحو إلى أبي الأسود أيضاً إلاّ أنّها لم تشر إلى دور الإمام علي في وضعه تأسيساً أو توجيهاً أو مشاركة.
وأقل من هذه الأخيرة بكثير روايات نسبت وضع النحو إلى نصر بن عاصم…
وأخرى مثلها في القلة نسبته إلى عبد الرحمن بن هرمز.
ومن هنا تكون الروايات الأولى أولى بالاعتماد عليها وذلك لوفرتها وشهرتها وتعدد مصادرها واعتبار تلكم المصادر، ولاختلاف رواتها ووثاقتهم.
وقد اعتمدها من المعاصرين غير واحد، منهم:
1 ـ أستاذنا الأستاذ كمال إبراهيم، قال: «وتكاد أكثر الروايات تذكر هذه النسبة إلى أبي الأسود، وهي الأشهر والأرجح… وأكثر من جاء من الرواة الذين رووا ذلك ممّن عاش في القرن الثاني والثالث والرابع الهجري، ومن تبعهم لم يخرجوا عن الروايات السالفة كالحافظ ابن حجر والقفطي والسيوطي وصاحب كشف الظنون وغيرهم.
تبين لنا من هذه النصوص أنّ نسبة النحو على الأرجح إنّما هي لأبي الأسود الدؤلي».
وبعد أن يذكر أمثلة من اللحن الذي سمعه أبو الأسود، يقول: «سمع أبو الأسود من أمثال هذا كثيراً حتّى لم يكد أحد يسلم من الوقوع فيه ففكر في وضع ضوابط للسان تقيه اللحن والخلل فقصه إلى الإمام علي فقال له: يا أمير المؤمنين قد علمت ما وقع لألسنة العرب بمخالطة هذه الحمراء ـ يريد بهم الأعاجم ـ، فهل لنا أن نصنع شيئاً يحفظ ألسنتهم من ذلك؟، فأخرج الإمام علي رقعة من تحت بساطه، إذ قد كان فكر بذلك قبل هذا، وفيها شيء من هذه الضوابط، فقال له: إقرأها، فقرأها أبو الأسود، وفيها تقسيم الكلمة وتقسيم الاسم والفعل وذكر بعض الحروف، وقال لأبي الأسود: انح هذا النحو… إلخ»([103]).
2 ـ الأستاذ مصطفى السقا، قال: «وتسند الروايات إلى أبي الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو بن سفيان الكناني ثم الليثي المتوفى سنة 69هـ من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنّه أوّل من تنبّه إلى هذا الخطر (اللحن)، وأنّه أوّل من فكّر في درئه عن لغة العرب وعن القرآن جميعاً، ونقل الرواة أنّه شاور في ذلك الإمام علياً، فألقى إليه الإمام أبواباً في النحو، وقال له: انح هذا النحو»([104]).
3 ـ الأستاذ علي النجدي ناصف، قال: «نعم. فعندي أنّ واضع النحو هو أبو الأسود الدؤلي، والموجه إليه هو الإمام علي (عليه السلام)، وليس المقام لتفصيل ذلك وبسط الاحتجاج له».
وحسبنا أن نقول هنا: إنّ الأكثرين على ذلك، وأن يقول صاحب الفهرست: (رأيت في إحدى الخزائن بمدينة الحديثة ما يدل على أنّ النحو عن أبي الأسود ما هذه حكايته، وهي أربع أوراق أحسبها من ورق الصين، ترجمتها: هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود رحمة الله عليه، بخط يحيى بن يعمر، وتحت الخط بخط عتيق: هذا خط علان النحوي، وتحته: هذا خط النضر بن شميل).
فهذه شهادة عيان من رجل نثق به، ونعتمد عليه في معرفة الكثير من تراثنا الفكري في القرون الأولى.
وتظاهرها مع تلك الأنباء المستفيضة والروايات المتعددة المصادر والطرق، وليس باليسير ولا الهين أن نردّها ونعرض عن الأخذ بها لمجرد التظنن والتشكك هياماً بالمخالطة واستطراف الآراء»([105]).
4 ـ الدكتور عبد الحميد السيد طلب، قال: «تكاد تتفق النقول الواردة في كتب الطبقات وأخبار التاريخ وما وصلنا من النحاة المتقدمين علماً أنّ أبا الأسود الدؤلي المتوفى سنة (69هـ) هو أوّل من فكر في وضع علم النحو العربي، وأنّه قد استهلم الفكرة الأولى من الإمام علي كرم الله وجهه، أو عمل بمشورته في هذا المضمار»([106]).
5 ـ الدكتور فخر الدين قباوة، قال: «لا غرو في هذا (يعني نسبة وضع الصرف إلى الإمام علي) لأنّه ثمة إجماعاً لدى المتقدمين على أنّ واضع علم العربية هو أبو الأسود الدؤلي، وأنّه أخذه عن الإمام علي»([107]).
6 ـ الدكتور عبد العال سالم مكرم، قال: «الحق الذي يقال: إنّ أبا الأسود حلقة في سلسلة المعرفة اللغوية، ولا يمكن لأبي الأسود أن يحصل على هذه المعرفة اللغوية ـ التي سنذكر طرفاً منها فيما بعد ـ بدون أن يتعلمها من غيره، ولكنه برز في مجالها، وزاد نشاطه في حقلها، فنسبت إليه نشأة أضخم علم شغل الناس قروناً وما زال يشغلهم إلى وقتنا الحاضر.
أمّا الأسباب التي جعلت مولد النحو على يده فترجع إلى ما يأتي:
1 ـ إتصاله بعليّ كرم الله وجهه.
وقد تميز علي بأنّه تربّى في بيت النبوة، وشرب من معينها، وارتوى من موردها، ممّا جعله مضرب المثل في العلم والمعرفة، وأخباره في هذا الباب عديدة، وحينما يذكر الرواة أنّ أبا الأسود دخل على علي وفي يده رفعة، فيسأله عنها، فيجيبه كرم الله وجهه بقوله: إنّي تأمّلت كلام العرب فوجدته قد فسّر بمخالطة هذه الحمراء ـ يعني الأعاجم ـ فأردت أن أضع شيئاً يرجعون إليه ويعتمدون عليه، ثمّ يلقي الرقعة إلى أبي الأسود وفيها مكتوب:
الكلام كله: اسم وفعل وحرف.
فالاسم: ما أنبأ عن المسمّى.
والفعل: ما أنبئ به.
والحرف: ما أفاد معنى.
يقول أبو الأسود: وقال لي: انح هذا النحو، وأضف إليه ما وقع إليك.
أقول: حينما يذكر الرواة ذلك فإنّما يشيرون إلى حقيقة مؤداها: أنّه ليس من الغرابة أن يكون علي على هذا المستوى من التفكير، لأنّ مكانته الفكرية لا ينكرها التاريخ، فقد روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قوله: (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه)([108])، وقال عنه النبي: «اللهم أهد قلبه وسدد لسانه»([109]).
2- وإيمان علي بعقلية أبو الأسود هو الذي أوحى إليه بهذه العبارة: «وأضف إليه ما وقع إليك»([110]).
وانطلق أبو الأسود مجداً في تحقيق ما أمره به الإمام، وكانت طريقته في تدوين الضوابط النحوية «أنّه كلّما سمع لحناً على ألسنة الناس وضع له تصحيحاً، وقرن هذا التصحيح بشواهد من فصيح الكلام، إمّا من القرآن أو الحديث أو كلام العرب، ولذلك فإنّ القواعد الأولى التي وضعت كانت مسايرة للحاجة حينذاك ومتماشية مع هذه الأغلاط التي كانت تظهر على الألسن»([111]).
وجاء في تاريخ النحو أنّ أبا الأسود دوّن شيئاً من هذه الضوابط في صحيفة خاصة، ذكر ابن النديم في (الفهرست) أنّه رآها في مدينة (الحديثة) قال: «كان بمدينة الحديثة رجل يُقال له (محمد بن الحسين) ويعرف بـ (ابن أبي بعرة) جمّاعة للكتب، له خزانة لم أر لأحد مثلها كثرة، تحتوي على قطعة من الكتب العربية في النحو واللغة والأدب والكتب القديمة.
فلقيت هذا الرجل دفعات فأنس بي، وكان نفوراً ضنيناً بما عنده، خائفاً من بني حمدان، فأخرج لي قمطراً([112]) كبيراً، فيه نحو ثلاثمائة رطل جلود فلجان([113]) وصكاك([114]) وقرطاس مصري([115]) وورق صيني([116]) وورق تهامي، وجلود أدم([117])، وورق خراساني([118])، فيها تعليقات عن العرب، وقصائد مفردات من أشعارهم، وشيء من النحو، والحكايات والأخبار والأسماء والأنساب، وغير ذلك من علوم العرب وغيرهم.
وذكر أنّ رجلاً من أهل الكوفة ـ ذهب عني اسمه ـ كان مستهتراً([119]) بجمع الخطوط القديمة، وأنّه لمّا حضرته الوفاة خصّه بذلك لصداقةٍ كانت بينهما، وأفضال محمد بن الحسين عليه، ومجانسة المذهب ـ فإنّه كان شيعياً ـ فرأيتها، وقابلتها، فرأيت عجباً، إلاّ أنّ الزمان قد أخلقها وعمل فيها عملاً أدرسها([120]) وأحرفها([121]).
وكان علي [كل] جزء أو ورقة أو مدرج توقيع بخطوط العلماء واحداً إثر واحد، يذكر فيه خط من هو، وتحت كل توقيع، توقيع آخر، خمسة وستة، من شهادات العلماء على خطوط بعض لبعض.
ورأيت عنده أمانات وعهوداً بخط أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وبخط غيره من كتّاب النبي (صلّى الله عليه وآله)، ومن خطوط العلماء في النحو واللغة، مثل: أبي عمرو بن العلاء وأبي عمرو الشيباني والأصمعي وابن الإعرابي وسيبويه والفراء والكسائي، ومن خطوط أصحاب الحديث مثل: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري والأوزاعي وغيرهم.
ورأيت ما يدل على أنّ النحو عن أبي الأسود ما هذه حكايته ـ وهي أربع أوراق، أحسبها من ورق الصين ـ ترجمتها: هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول عن أبي الأسود ـ رحمة الله عليه ـ، بخط يحيى بن يعمر، وتحت هذا الخط ـ بخط عتيق ـ هذا خط علان النحوي وتحته: هذا خط النضر بن شميل.
ثمّ لما مات الرجل فقدنا القِمَطْرَ وما كان فيه، فما سمعنا له خبراً([122]).
وقد يجدر أن أشير هنا إلى أنّ ما وضعه أبو الأسود من ضوابط ران عليه تاريخياً شيء من الغموض، لأنّ (تعليقته) أو (الصحيفة) التي ألمح إليها المؤرخون لم تصل إلينا، ولأنّ ما ذكره المؤرخون عن محتوياتها لا يخرج عن كونه إشارات إلى بعض الأبواب النحوية بأسمائها وعناوينها، دونما تعريف أو ذكر لما تشتمل عليه تلكم العناوين من مواد نحوية.
أمّا العامل الحضاري، فأعني به تلك النقلة الفكرية التي أحدثها الدين الإسلامي في حياة العرب حيث نقلهم من الطور البدائي المتسم بالجمود الفكري إلى الطور الحضاري الحافز على الانطلاق الفكري فدفعهم يفكرون فيما أمدهم به من ثقافة القرآن والسنّة تفكيراً أوصلهم إلى إنشاء ما عرف فيما بعد بالعلوم العربية والإسلامية.
وكان في طليعة هذه العلوم نشوءاً هو علم تفسير القرآن الكريم الذي يعني الكشف عن معنى النص القرآني، وعلم القراءات التي هي ضوابط للنص القرآني نطقاً ورسماً أو تلفظاً وكتابة.
ومعنى هذا أنّ التفكير الإسلامي في وضع العلوم بدأ بالتعامل مع نص القرآن الكريم، فكان هذا هو العامل الآخر في وضع المقاييس والوسائل التي في ضوئها يمكن معرفة مداليل النصوص القرآنية ومحتوياتها، وهي بطبيعتها تراكيب كلامية عربية يضمها إطار نظام الجملة العربية.
ومن هنا رأينا في فترة انبثاق النحو ونشوئه على أساس من العامل الاجتماعي مسائل علمية تعرض لبعض الظواهر اللغوية بعامة، ورأينا في الفترة ذاتها على أساس من العامل الحضاري مسائل أخرى ينصب بحثها على نصوص قرآنية فقط.
ومن هذا:
1 ـ ما جاء في (العقد الفريد 2/485): «وقال أبو الأسود الدؤلي: من العرب من يقول: (لولاي لكان كذا وكذا)، وقال الشاعر([123]):
وكم موطن لولاي طحت كما هوى
بأجرامه من قنة النيق منهوي
وكذلك (لولا أنتم) و(لولاكم) ابتداء وخبر محذوف».
2 ـ وما جاء في (أخبار النحويين البصريين 15): «روى محبوب البكري عن خالد الحذاء: قال: سألت نصر بن عاصم ـ وهو أوّل من وضع العربية ـ كيف تقرؤها؟ قال: ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد﴾ لم ينوّن.
قال: فأخبرته أنّ عروة ينوّن، فقال: بئسما قال وهو للبئس أهل، فأخبرت عبدالله بن أبي إسحاق بقول نصر بن عاصم، فما زال يقرأ بها حتّى مات».
3 ـ وما في (أخبار النحويين البصريين 17): «أنّ الحجاج بن يوسف قال ليحيى بن يعمر: أتجدني ألحن؟
قال: الأمير أفصح من ذلك.
قال: عزمت عليك لتخبرني ـ وكانوا يعظمون عزائم الأمراء…
فقال يحيى بن يعمر: نعم. في كتاب الله.
قال: قرأت: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله([124]) فترفع (أحب) وهو منصوب.
قال: إذن لا تسمعني ألحن بعدها، فنفاه إلى خراسان».
والذي يلحظ ويلاحظ في هذه المسائل وأمثالها:
1 ـ إنّها لم تثر أو يبحث موضوعها على أساس من منهج علمي أو تخطيط مدروس.
2 ـ إنّها لم تخلص في بحثها للنحو وحده، وإنّما كانت تشرك بينه وبين غيره من ألوان الثقافة التي وصل إليها جيل هؤلاء الرواد.
البصرة
وقد تصدّى أبو الأسود بعد ذلك لتعليم النحو بأولياته التي تَوصَّل إليها… وكانت حلقته أولى حلقات الدرس النحوي، وكانت تعقد بالمسجد الجامع بالبصرة.
وبهذا البدء في تدريس النحو كانت البصرة أوّل مركز من مراكز الدراسات النحوية.
وتخرج بأبي الأسود جماعة من أشهرهم عنبسة بن معدان الميساني المعروف بعنبسة الفيل، والذي جلس هو الآخر لتعليم النحو، وكان من أشهر تلامذته ميمون الأقرن.
جاء في (نزهة الألباء) ([125]): «روي عن أبي عبيدة بن المثنى أنّه قال: اختلف الناس إلى أبي الأسود الدؤلي يتعلّمون منه العربية، فكان أبرع أصحابه عنبسة بن معدان المهري، واختلف الناس إلى عنبسة، فكان أبرع أصحابه ميمون الأقرن».
وكان لميمون الأقرن دور في تنمية الدرس النحوي حيث زاد على ما انتهى إليه أبو الأسود، كما ذكر ذلك ياقوت الحموي في (معجم الأدباء)([126]) بقوله: «ثم جاء بعده (يعني أبا الأسود) ميمون الأقرن فزاد عليه في حدود العربية».
وكما ذكر السيوطي في (المزهر)([127]) فيما رواه عن الخليل من أنّ «ميموناً الأقرن أخذ عن عنبسة بعد أبي الأسود، فرأسَ الناس بعد عنبسة وزاد في الشرح».
وممن اختلفوا على أبي الأسود وأخذوا عنه نصر بن عاصم الليثي (ت89هـ) ويحيى بن يعمر العدواني (ت129هـ)، وكان دورهما في تطوير النحو ممثلاً بما ذكره كل من السيوطي والقفطي.
ذكر السيوطي في (البغية)([128]): أنّ لنصر بن عاصم كتاباً في العربية… وهو من الكتب التي لم يقدر لها أن ترى من قبل الأجيال المتعاقبة بعد جيل المؤلف.
وذكر القفطي في (إنباه الرواة)([129]): أنّ يحيى بن يعمر اتفق مع عطاء بن أبي الأسود، بعد موت أبيه ـ وكان هو الآخر من تلاميذ أبيه في العربية ـ «على بسط النحو، وتعيين أبوابه، وبعج مقاييسه… ولما استوفيا جزءاً متوفراً من أبواب النحو نسب بعض الرواة إليها أنّهما أوّل من وضع هذا النحو».
مضافاً إلى ما أسهما فيه من المسائل النحوية المتفرقة التي كانت تبحث ضمن إطار القراءات القرآنية.
والتطور الذي انتهى إليه النحو في عهد يحيى ونصر تمثل في:
1 ـ استقرار بعض المصطلحات النحوية أمثال: الرفع والنصب والجر والتنوين والإعراب.
2 ـ إضافة بعض الأبواب النحوية.
3 ـ دفع النحو في مجال إثارة المسائل العلمية التي تدور بين العلماء إلى مشاركة أكثر وأوسع.
4 ـ مواصلة التأليف في النحو.
وبعد يحيى ونصر جاء دور تلميذيهما عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي (ت127هـ) وأبي عمرو بن العلاء المازني (ت154هـ).
فقد كان لكل منهما مشاركة في المسائل العلمية التي كانت تثار في مجالس العلماء ومنتدياتهم.
كما كان لكل منهما حلقة لتدريس النحو في المسجد الجامع بالبصرة…
وقد عرفت حلقة أبي عمرو بأنّها من الحلقات الدراسية المهمة مادة وطلاباً، جاء في (غاية النهاية)([130]): «مر الحسن بأبي عمرو وحلقته متوافرة والناس عكوف، فقال: من هذا؟
قالوا: أبو عمرو.
فقال: لا إله إلاّ الله، كادت العلماء تكون أرباباً، كل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل يؤول».
وجاء في (إنباه الرواة)([131]): «وكان ابن سيرين يبغض النحويين، وكان يقول: لقد بغض إلينا هؤلاء المسجد، وكانت حلقته إلى جانب حلقة ابن أبي إسحاق».
وفي المصدر نفسه([132]): «كان لابن أبي إسحاق مجلس يفسر فيه غامض الشعر، فكان ابن سيرين يقول ـ وكأنّه يغمزه ـ: ما علمه بإرادة الشاعر؟!. فيجيب ابن أبي إسحاق: أنّ الفتوى في الشعر لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً، وإنّما نفتي فيما استتر من معاني الشعر، وأشكل من غريبه وإعرابه بفتوى سمعناها من غيرنا أو اجتهدنا فيها آراءنا».
ومن المسائل التي شارك فيها مضافاً إلى ما تقدم:
1 ـ ما روي من تخطئة ابن أبي إسحاق للفرزدق في قوله:
وعضُّ زمانٍ يا ابن مروان لم يدع
من المال إلاّ مسحتاً أو مجلَّفُ
جاء في (خزانة الأدب) ([133]): «وقال الفراء في تفسيره: حدثني أبو جعفر الرؤاسي عن أبي عمرو بن العلاء، قال: مرّ الفرزدق بعبدالله بن أبي إسحاق النحوي فأنشده هذه القصيدة:
عزفتَ بأشاش وما كدت تعزفُ
……………………………………………
حتى انتهى إلى هذا البيت (المذكور)، فقال عبدالله: علامَ رفعت (مجلفاً)؟
فقال له الفرزدق: على ما يسؤوك».
وجاء في المصدر نفسه: «قال أبو بكر محمد بن عبد الملك التاريخي في تاريخ النحاة في ترجمة عبدالله بن أبي إسحاق النحوي الحضرمي: قال ابن سلام: وحدّثنا يوسف قال: قال ابن أبي إسحاق في بيت الفرزدق (إلاّ مسحتاً أو مجلّف)، قال: للرفع وجه، وكان أبو عمرو ويونس لا يعرفان للرفع وجهاً… قلت ليونس: لعل الفرزدق قالها على النصب ولم يأبه للقافية، قال: لا، كان ينشدها على الرفع، وأنشدنيها رؤبة على الرفع».
2 ـ ما روي أيضاً من تخطئة ابن أبي إسحاق للفرزدق في بيته:
مستقبلين شمال الشام تضربنا
على زواحف مخها ديرِ
قال في (الخزانة)([134]): «والذي رأيته في تاريخ النحاة للتاريخي ـ المذكور آنفاً ـ قال: حدثني ابن الفهم عن محمد بن سلام، قال: أخبرنا يونس: أنّ ابن أبي إسحاق قال للفرزدق في مديحه يزيد بن عبدالملك بن مروان:
مستقبلين شمال الشام تضربنا
على زواحف مخها ديرِ
فقال له ابن أبي إسحاق: أسأت، موضعها رفع، وإن رفعت أقويت. وألح الناس على الفرزدق في ذلك فقبلها، فقال:
على زواحف تزجيها محاسيرُ
3 ـ «روى أبو عمرو بن العلاء، قال: كنّا عند بلال بن أبي بردة فأنشد الفرزدق:
تريك نجومَ الليل والشمس حية
زحامُ بناء الحارث بن عبّادِ
فقال عنبسة بن معدان: (الزحام) مذكر.
فقال الفرزدق: أغرب.
قال عبدالله (بن أبي إسحاق): و(الزحام له وجهان):
أن يكون مصدراً مثل (الطعان) و(القتال) من قولهم: (زاحمته زحاماً)، فهذا مذكر كما قال عنبسة.
أو يكون جمعاً للزحمة، يراد بها الجماعة المزدحمة، فهذا مؤنث؛ لأنّ الزحام هو المزاحمة، كما أنّ الطعان هو المطاعنة.
وقول عنبسة أقوى وأعرف في الكلام([135]).
وكان أبو عمرو مرجع الناس في عصره([136]) لأنّه كان «أعلم الناس بالقراءات والعربية وأيام العرب والشعر، وكانت دفاتره ملء بيته للسقف»([137])، ولأنّه ـ كما يقول اليزيدي ـ «أقام بين البدو أربعين سنة»([138]).
ومن هنا استطاع أن يعطي علم النحو النقلة الفكرية التي تطور إليها على يديه، والتي تتلخص في وضعه مبدأ القياس النحوي، ذلكم المبدأ الذي يعتمد في وضع القاعدة النحوية على الاستعمال الغالب، واعتداد ما عداه لهجات، والذي عرف فيما بعدُ بـ (القياس البصري).
ويلخص لنا أبو عمرو مبدأ القياس فيما رواه عنه عبدالملك بن نوفل المدني، قال: «سمعت أبي يقول لأبي عمرو بن العلاء: أخبرني عمّا وضعتَ ممّا سميته (عربية)، أيدخل فيه كلام العرب كله؟
قال: لا.
فقال: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة؟
قال: أعمل على الأكثر، وأسمي ما خالفني لغات»([139]).
والذي يظهر تاريخياً أنّ أبا عمرو كان قد ألّف كتباً وخلّفها، غير أنّها لم تصل إلينا، فقد حكي عن ثعلب أنّه كان يروي كتب أبي عمرو عن ابنه عمرو([140]).
وأمّا عبدالله بن أبي إسحاق فقد كان «أعلم أهل البصرة وأعقلهم، فرّع النحو وقاسه، وتكلم في الهمزة حتى عُمِلَ فيه كتاب ممّا أملاه» كما يقول أبو الطيب([141]).
وقال فيه القفطي([142]): «قال أبو خليفة: قال ابن سلام: أوّل من بعج النحو ومدَّ القياس، وشرح العلل عبدالله بن أبي إسحاق».
ومن هذين النصين نستطيع أن ندرك أنّ دور ابن أبي إسحاق يتمثل في التالي:
1 ـ تعاضده مع زميله ومعاصره أبي عمرو بن العلاء في مدّه القياس الذي وضع أساسه أبو عمرو.
2 ـ فتحه باب التفريع في النحو.
3 ـ بدءه بشرح العلل.
ويعني هذا أنّ النحو أخذ على يدي هذين العالمين مساره إلى وجوده المستقل، وطريقه إلى بداية الدراسة القائمة على شيء من التخطيط والمنهجية.
وقد أشار إلى تعاضدهما في إنماء النحو وإثرائه، القفطي بقوله: «وكان معه (يعني ابن أبي إسحاق) أبو عمرو بن العلاء، وكان ابن أبي إسحاق أشدّ قياساً، وأبو عمرو أوسع علماً بكلام العرب ولغتها وغريبها»([143]).
وكذلك روى محمد بن سلاّم الجمحي في طبقاته([144]) عن يونس بن حبيب: أنّ أبا عمرو بن العلاء كان أشد تسليماً للعرب، وكان ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر يطعنان عليهم».
وهذان النصان يوقفاننا على ما انتهى إليه كل واحد من هذين العالمين في أمر القياس، حيث اتفقا في أنّ القياس هو الاستعمال الأكثر عند العرب، واختلفا في الاستعمال الأقل فاعتبره أبو عمرو بن العلاء لهجات، وذهب ابن أبي إسحاق إلى أنّه غلط، وقد رأينا ذلك ـ فيما تقدم ـ من تخطئته للفرزدق.
وقد عبّر يونس عن مذهب أبي مرو بن العلاء فيما اختلفا فيه بقوله: (وكان أبو عمرو بن العلاء أشد تسليماً للعرب).
وعبّر القفطي عن مذهب ابن أبي إسحاق بقوله: (وكان ابن أبي إسحاق أشد قياساً).
ومن تطبيقات القياس عند ابن أبي إسحاق ما ذكره الزبيدي في طبقاته([145]) عن ابن سلام أنّه قال ليونس: «هل سمعت من ابن أبي إسحاق شيئاً؟
قال: نعم، قلت له: هل يقول أحد (الصويق) يعني (السويق)؟
قال: نعم: عمرو بن تميم تقولها، وما تريد إلى هذا، عليك بباب من النحو يطرد وينقاس».
وكان بعدهما دور عيسى بن عمر الثقفي (ت149هـ) ـ تلميذ أبي عمرو بن العلاء ـ الذي سار على منوالهما، وبنى على ما أسّسا من مبدأ عام في وضع القواعد النحوية، واستنباطها من استعمالات العرب، ذلكم المبدأ الذي عرف بالقياس كما أشرت.
فقد جاء في إنباه الرواة([146]): «إنّ عيسى بن عمر وضع كتابه على الأكثر، وبوّبه وهذّبه، وسمّى ما شذّ عن الأكثر لغات».
ونحن إذا حاولنا الجمع بين هذا النص التاريخي ونص ابن سلام عن يونس النحوي الذي يقول فيه: (وكان ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر يطعنان عليهم) ـ أي على العرب ـ، لعله ليس لنا إلاّ أن نقول بأنّ عيسى بن عمر في فترة حياته النحوية الأولى كان متأثراً بمذهب ابن أبي إسحاق في التشدد بالقياس واعتبار ما عداه غلطاً، ثم انتقل في الفترة الثانية من حياته النحوية والتي تمثّلت في كتابه المشار إليه إلى مذهب أبي عمرو بن العلاء.
وممّا نقل عنه من الطعن على العرب مأخذه على النابغة الذبياني في بيته:
فبتُّ كأنّي ساورتني ضئيلة
من الرقش في أنيابها السمُّ ناقعُ
فقد كان عيسى يقول: أساء النابغة في قوله (ناقعُ) ـ بالرفع ـ وموضعه (ناقعاً) بالنصب ـ([147]).
ويبرز دور الثقفي في الآتي:
1 ـ فتحه باب الاختيار في القراءات وفق القواعد النحوية،… جاء في (وفيات الأعيان)([148]): أنّ عيسى بن عمر كان له اختيار في القراءة على قياس العربية.
2 ـ توسعه في مجال التأليف النحوي، فقد انكبّ على الكتابة في النحو واللغة، وانقطع إليها.
ففي طبقات الزبيدي([149]) عن أبي عبيدة أنّه يروي عن عيسى بن عمر قوله: «كنت وأنا شاب أقعد بالليل فأكتب حتّى ينقطع سوائي» يعني (وسطي).
وفي شذرات الذهب([150]): أنّ عيسى بن عمر صنّف سبعاً وسبعين كتاباً في النحو، ولم يبق منها سوى (الجامع) و(الإكمال) لأنّها احترقت إلاّ هذين.
و(الجامع) و(الإكمال) من الكتب النحوية التي ذكرت من قبل أكثر المؤرخين.
ويشير المبرد إلى مضمون أحدهما ـ دون أن يعينه ـ بأنّه كالإشارة إلى الأصول، ففي (مراتب النحويين)([151]): «أخبرنا محمد بن يحيى، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، قال: قرأت أوراقاً من أحد كتابي عيسى بن عمر، فكان كالإشارة إلى الأصول».
ويفاد من هذا أنّ هذين الكتابين اللذين لم يصلا إلينا كان أحدهما موجوداً حتّى عصر المبرد.
ومن الإشارات التي تلمح إلى وجود (الجامع) حتّى عصر سيبويه ما ذكر من أنّ سيبويه رحل إلى عيسى بن عمر، وعاد ومعه (الجامع) فسأله الخليل عن عيسى فأخبره وأراه (الجامع)، فقال الخليل:
بطل النحو جميعاً كلّه
غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك إكمال وهذا جامع
فهما للناس شمس وقمر
وقالوا في التعليق على هذين البيتين: إنّ الخليل إنّما قال (هذا جامع) ليشير به إلى النسخة التي أراها إياه سيبويه.
وبعد عيسى بن عمر كان دور يونس بن حبيب (ـ182هـ) والخليل بن أحمد الفراهيدي (ـ175هـ) تلميذي أبي عمرو بن العلاء.
فكانت لكل منهما حلقة درس في المسجد الجامع بالبصرة، وكانتا من الحلقات المعدودة والمنظورة، وعلى يديهما أرسى (الاجتهاد النحوي) دعائمه، وشق طريقه إلى الدراسات النحوية ينظمها وينميها، حتّى بلغ الغاية: جدارة.
وممّن أشار إلى حلقة يونس المؤرخ القفطي، قال: «حضر الكسائي حلقة يونس بالبصرة، فقال الكسائي ليونس: لم نصبت (حتّى) الفعل المستقبل؟
فقال له يونس: هذا حالها من يوم خلقت.
فضحك منه الكسائي»([152]).
وكان دور الخليل أبعد مدى وأكبر أهمية من دور زميله يونس فـ «هو الذي بسط النحو، ومدّ أطنابه، وسبّب علله، وفتق معانيه، وأوضح الحجاج فيه، حتّى بلغ أقصى حدوده، وانتهى إلى أبعد غايته» ـ كما يقول الزبيدي([153])، وكان «الغاية في تصحيح القياس» كما يقول الأنباري([154]).
ولعل الأنباري يعني بهذا أنّ (القياس البصري) الذي وقع موضع الاختلاف بين أبي عمرو بن العلاء وزميله عبدالله بن أبي إسحاق في اعتبار الاستعمال العربي الأقل شذوذاً أو غلطاً، صحّحه الخليل فاستقرّ على يديه وفق ما وضعه أبو عمرو بن العلاء واختاره مؤخراً عيسى بن عمر الثقفي، فأبطل بهذا مذهب ابن أبي إسحاق، وأرسى مذهب أبي عمرو.
ولم يصل إلينا من جهود يونس والخليل المثمرة المشار إليها في المجال النحوي غير ما نقله تلميذهما سيبويه في كتابه الذي ضمّ «858 رأياً للأئمة السابقين (عليه) مثل: الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب والأخفش (الأكبر) وأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر وأبي زيد الأنصاري»([155]).
«وكثر نقله (فيه» عن يونس حتّى نقل عنه أبواباً برمتها، فقد نقل عنه فصلين من التصغير، فقال: وجميع ما ذكرت لك في هذا الباب، وما أذكر لك في الباب الذي يليه قول يونس»([156]).
وبلغت فقوله عن يونس (200) وعن الخليل (522)([157])، كما كانت «عامة الحكاية في كتاب سيبويه عن الخليل أستاذه، وكلما قال سيبويه (سألته) أو قال من غير أن يذكر قائله فهو الخليل» كما ينص بذلك السيرافي([158])|.
نعم ذكر أنّ للخليل كتاباً في النحو، سمّاه بعضهم بـ(العوامل) وسمّاه آخرون (الجمل)، وسمّي (جمل الإعراب)، وتوجد منه مخطوطات في بعض المكتبات المعاصرة. ولكن ظهر إنّه ليس من تأليفه([159]).
وذكر بروكلمان في كتابه (تاريخ الأدب العربي) أنّ يونس بن حبيب ألّف كتاباً في (القياس في النحو).
ولأنّ الكتاب لم يصل إلينا ولم نقف على من نقل عنه لا نقوى على الوثوق بصحة النسبة، وبخاصة أنّ بروكلمان لا يتأكد من صحة نسبة الكتاب الذي يذكره إلى مؤلفه.
وكان بعد دورهما دور تلميذهما سيبويه (ـ180هـ) الذي لقب كتابه عند المتقدمين بـ (قرآن النحو)، ولقب هو عند المتأخرين بـ (إمام النحاة).
ويتلخص دور سيبويه بأنّه جمع في كتابه عمّن سبقه فأوعى، واستوفى البحث في مسائل النحو ومبادئه فوفّى، وضم فيه من الشواهد النحوية نثراً وشعراً ما كان كافياً في مدّ الدراسة النحوية بالمادة الوافية للاستشهاد والتدليل.
مضافاً إلى ما قام به من موازنة بين الأقوال، ومحاكمة للآراء التي استعرضها في الكتاب، وما أبداه من رأي واختيار، ففتح بذلك طريق الرواية الصادقة والدراية الجادة الواعية أمام الباحثين والدارسين.
وبكتاب سيبويه توافرت مادة الدرس النحوي توافراً كاملاً، ممّا جعل العلماء يفتنون به، معتكفين في محرابه، وعاكفين على دراسته، وتجلية مقاصده، واستدرار فوائده، حتّى قيل: «إنّ عدد العلماء الذين فتنوا بكتاب سيبويه وتخصّصوا فيه دراسة وتأليفاً يقرب من مائة عالم في سائر الأقطار العربية المختلفة»([160]).
وقد ازداد هذا العدد زيادة ملحوظة، وقراءة لكتاب الأستاذ كوركيس عواد (سيبويه إمام النحاة في آثار الدارسين خلال اثني عشر قرناً) توقف القارئ على ذلك بوضوح.
وبصنيع سيبويه وأستاذيه يونس والخليل تكاملت للبصريين أصولهم في استنباط النحو، ومناهجهم في تقعيده، وفروعهم في وضع مسائله، فكان لهم مذهبهم النحوي، وكانت لهم مدرستهم النحوية، التي هي أوّل مدرسة نحوية في تاريخ النحو والنحاة.
وكانت حلقات الدرس النحوي بالبصرة تعقد في مسجدها الجامع، وقد مرّت بنا الإشارة إلى بعض هذه الحلقات.
وممّن ذكر حلقة درس سيبويه وانعقادها في جامع البصرة أبو المحاسن التنوخي، قال: «وقال ابن عائشة: كنّا نجلس عند سيبويه النحوي في المسجد ـ يعني مسجد البصرة ـ وكان شاباً جميلاً لطيفاً، قد تعلق من كل علم بسبب مع براعته في النحو، فبينما نحن عنده ذات يوم هبت ريح أطارت ورقاً كان بين يديه، فقال [لواحد من] أهل الحلقة: انظر، أيُّ ريح هي؟ فقام لذلك، وكان على منارة المسجد مثال فَرَس من صُفر، ثمّ عاد، فقال ما تثبت الفرس على شيء، فقال سيبويه: العرب تقول في مثل هذا: تذاءب الريح، أي فعلت فعل الذئب، يجيء من هاهنا وهاهنا، تختل ليتوهم الناظر أنّه عدّة ذئاب.
وقال ابن سلاّم في كتابه: كنت جالساً في حلقة سيبويه في مسجد البصرة، فتذاكرنا شيئاً من حديث قتادة، فذكر حديثاً غريباً، فقال: لم يروِ هذا إلاّ سعيد بن أبي العَرُوبة»([161]).
ولـ (جامعة البصرة) اليوم نشاط نحوي درساً وتأليفاً ونشراً، متمثل بقسم اللغة العربية في كلية الآداب.
وهو بدوره يعيد لحاضرة البصرة شيئاً من وقدة الدرس النحوي الذي كان مسجدها الجامع منطلقه إلى مختلف مراكز الدراسات النحوية.
ولعل من أهم ذلكم النشاط في مجال النشر طبع كتاب (مدرسة البصرة النحوية) تأليف الدكتور عبد الرحمن السيد.
مكة المكرمة
ومن البصرة امتدّ علم النحو منتشراً إلى الحواضر العلمية الأخرى.
وأولى تلكم الحواضر التي وصل إليها الفكر النحوي (مكة المكرمة)… وكان ذلك في زمن النحو المبكر، أي في القرن الأول الهجري.
ومن نحاتها في ذلكم الوقت:
ـ ابن عباس (ت68هـ).
ـ مجاهد بن جبر (ت104هـ).
ـ عبدالله بن كثير (ت120هـ).
ـ محمد بن عبد الرحمن بن محيصن (ت123هـ).
ـ حُميد بن قيس الأعرج (ت130هـ).
ويفاد هذا من النصوص التالية:
1 ـ جاء في (غاية النهاية)([162]): «قال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلساً قط أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس للحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والشعر و[الغريب من] الكلام».
2 ـ وفي (حلية الأولياء)([163]): «حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق الثقفي، ثنا عبدالله بن عمر بن أبان الجعفي، ثنا يونس بن بكير، ثنا أبو حمزة الثمالي عن أبي صالح، قال: لقد رأيت من ابن عباس مجلساً لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها فخراً… لقد رأيت الناس اجتمعوا حتّى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر على أن يجتمع ولا أن يذهب.
قال: فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه.
فقال لي: ضع لي وضوءاً.
قال: فتوضأ وجلس، وقال: أخرج وقل لهم: من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أراد منه فليدخل.
قال: فخرجت فأذنتهم، فدخلوا حتّى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلاّ أخبرهم به وزادهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر.
ثم قال: إخوانكم… فخرجوا.
ثم قال: أخرج فقل: من أراد أن يسأل عن تفسير القرآن وتأويله، فليدخل.
قال: فخرجت فأذنتهم، فدخلوا حتّى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلاّ أخبرهم به وزاهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر.
ثمّ قال: إخوانكم… فخرجوا.
ثمّ قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه، فليدخل، فخرجت، فقلت لهم.
قال: فدخلوا حتّى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلاّ أخبرهم به وزادهم مثله.
ثمّ قال: إخوانكم… فخرجوا.
ثمّ قال: أخرج فقل: ممن أراد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها، فليدخل.
قال: فخرجت فأذنتهم، فدخلوا حتّى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلاّ أخبرهم به وزاهم مثله.
ثمّ قال: إخوانكم… فخرجوا.
ثمّ قال: أخرج فقل: من أراد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام، فليدخل.
قال: دخلوا حتّى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلاّ أخبرهم به وزادهم مثله.
قال أبو صالح: فلو أنّ قريشاً كلّها فخرت بذلك لكان فخراً، فما رأيت مثل هذا لأحد من الناس».
3 ـ وفي (مفتاح السعادة) ([164]): «عن أبي عمرو بن العلاء: كان ابن كثير أعلم بالعربية من مجاهد، وأنا قرأت عليهما.
4 ـ وفي (غاية النهاية) ([165]): «قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو: قرأتَ على ابن كثير؟… قال: نعم. ختمت على ابن كثير بعدما ختمت على مجاهد، وكان ابن كثير أعلم بالعربية من مجاهد».
5 ـ وفي (الموضح) لنصر بن علي([166]): «وقال الأصمعي: قلت لأبي عمرو بن العلاء: أقرأتَ على ابن كثير بعد أن قرأتَ على مجاهد بن جبر؟… قال: نعم. قرأتُ على ابن كثير، لأنّه كان أعلم من مجاهد باللغة».
6 ـ وفي (غاية النهاية)([167]): عن ميمون بن عبدالملك (قال): سمعت أبا حاتم يقول: ابن محيصن بن قريش، وكان نحوياً، قرأ القرآن على مجاهد، وقال أبو عبيدة: وكان من قرّاء مكة: عبدالله بن كثير وحُميد بن قيس ومحمد بن محيصن، وكان ابن محيصن أعلمهم بالعربية وأقواهم عليها.
7 ـ وفي المصدر نفسه: وقال ابن مجاهد: كان لابن محيصن اختيار في القراءة على مذهب العربية.
8 ـ وفي الموضح: وكان (ابن كثير) مع ذلك فاضلاً عالماً زاهداً مشتهراً بعلم النحو واللغة.
وقد تمّ انتشار النحو من البصرة إلى مكة في فترة المرحلة الأولى للنحو، وهي مرحلة انبثاقه ونشوئه على يدي أبي الأسود الدؤلي وجيله ـ كما ألمحت قبل قليل.
ويفهم هذا من تواريخ وفيات النحويين المكيين المذكورة أسماؤهم في أعلاه.
وكان دخول النحو إلى مكة ـ في ضوء ما ظهر لي ـ على يد ابن عباس، وذلك لأمرين:
1 ـ إنّ النصوص المذكور لم تشر إلى عالم مكي كان أسبق من ابن عباس علماً بالنحو.
2 ـ إنّ ابن عباس كان في البصرة في فترة انبثاق النحو فيها ووجود بداياته… فمن المظنون قوياً أنّه اكتسبه وهو في البصرة، فقد جاء في تاريخ ابن عباس أنّه «علّم في البصرة وعلّم في المدينة، ثمّ لمّا كان الخلاف بين عبدالملك بن مروان وعبدالله بن الزبير ذهب إلى مكة وعلّم بها، فكان يجلس في البيت الحرام ويعلّم التفسير والحديث والفقه والأدب»([168]).
ولا يزال المسجد الحرام بمكة المكرمة منذ الأمس البعيد الذي ألمحت إليه مركزاً مهماً من مراكز الدراسات النحوية، وفي فنائه الرحب المعطاء تصدر أكثر من عالم لتدريس النحو، منهم:
ـ عبدالله الفاكهي (ت972هـ) الذي ألّف في النحو الكتب التالية:
ـ شرح الأجرومية لابن آجروم.
ـ شرح متممة الأجرومية للحطاب.
ـ شرح قطر الندى لابن هشام.
ـ شرح ملحة الإعراب للحريري.
ـ الحدود = الحدود النحوية.
ـ شرح الحدود.
2 ـ الملا علي القاري (ت1014هـ).
3 ـ أبو السعود القسطلاني (ت1033هـ)، وله شرح الأجرومية.
4 ـ الملا عصام (ت1037هـ)، وله من المؤلفات في النحو:
ـ شرح شذور الذهب لابن هشام.
ـ شرح الإرشاد.
ـ شرح قطر الندى لابن هشام.
ـ حاشية على شرح قطر الندى.
ـ حاشية على شرح القواعد للأزهري.
ـ شروح الأجرومية.
5 ـ محمد علي علان (ت1058هـ)، وله في النحو:
ـ نظم القطر وشرحه.
ـ نظم الأجرومية وشرحه.
ـ حاشية على شرح الأجرومية للأزهري.
ـ داعي الفلاح في شرح الاقتراح للسيوطي.
ـ فتح الوهاب في قواعد الإعراب وشرحها.
6 ـ أحمد الأسدي (ت1066هـ)، وله: نظم شذور الذهب لابن هشام.
7 ـ أبو بكر العجيمي (ت1236هـ) مؤلف الرسالة النحوية التي اشتهرت باسمه (رسالة العجيمي) والتي «كان عليها العمل في مكة قبل أن يشتهر شرح الشيخ خالد الأزهري وشرح الشيخ حسن الكفراوي على الأجرومية».
8 ـ أحمد المرزوقي (ت1262هـ)، ألّف نحوياً:
ـ تسهيل الأذهان على متن تقويم اللسان للخوارزمي البقالي.
ـ الفوائد المرزوقية شرح الأجرومية.
ـ منظومة في قواعد الصرف والنحو.
9 ـ إبراهيم الفته (ت1290هـ)، وله:
ـ شرح الأجرومية.
ـ شرح ملحة الإعراب.
10 ـ أحمد زيني دحلان (ت1304هـ)، صاحب الأزهار الزينية في شرح الألفية.
11 ـ عبدالله بن عثمان (ت1324هـ)، وله:
ـ حاشية على شرح العشماوي على الأجرومية.
ـ شرح الأجرومية([169]).
المدينة المنورة
وفي الفترة نفسها (أي في القرن الأوّل الهجري) امتدّ النحو إلى المدينة المنورة، فكانت ثاني مركز نحوي يدخله النحو بعد مكة.
وتمّ دخول النحو إلى المدينة على يد عبدالرحمن بن هرمز المدني (ـ117هـ)… قال القفطي: «قال أهل العلم: إنّه (يعني ابن هرمز) أوّل من وضع علم العربية، والسبب في هذا القول، أنّه أخذ عن أبي الأسود الدؤلي، وأظهر هذا العلم بالمدينة، وهو أوّل من أظهره وتكلم فيه بالمدينة، وكان من أعلم الناس بالنحو وأنساب قريش، وما أخذ أهل المدينة النحو إلاّ منه، ولا نقلوه إلاّ عنه، وإليه أشار ابن برهان النحوي في شرحه للّمع بأن قال: (النحاة جنس تحته أنواع: مدنيون. بصريون. كوفيون)… ويروى أنّ مالك بن أنس إمام دار الهجرة تردّد إليه يطلب النحو واللغة قبل إظهارهما»([170]).
وتصدر بعد ابن هرمز لتدريس النحو بالمدينة بشكست النحوي (ـ130هـ) واسمه عبدالعزيز، قال ابن عساكر: «وكان نحوياً أخذ عنه أهل المدينة وكان يذهب مذهب الشراة ويكتم ذلك، فلما ظهر أبو حمزة الشاري بالمدينة سنة 130هـ خرج معه فقتل فيمن قتل بخلافة مروان بن محمد»([171]).
ومن نحاة المدينة علي الملقب بـ (الجمل)، جاء في (إنباه الرواة)([172]): قال أبو حاتم في كتابه في القراءات حيث ذكر القرّاء والعلماء: كان في المدينة علي الملقب بالجمل، وضع كتاباً في النحو لم يكن شيئاً فذهب، وأظنّ الأخفش هذا وضع كتابه في النحو منه، ولذلك قال فيه (الزيت رطلان بدرهم) والزيت لا يذكر بالبصرة لأنّه ليس بأدام لهم».
ولا تزال المدينة المنورة ـ هي الأخرى ـ مركزاً من مراكز الدراسات النحوية، فرحاب مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا تبرح عامرة بالدرس النحوي رصيفاً (للداته) من مواد الثقافة الإسلامية والعربية.
الكوفة
وبعد أن اكتمل النحو علماً له قواعده وأصوله ومنهج بحثه على يدي أبي عمرو بن العلاء وزميله عبدالله بن أبي إسحاق وتلامذتهما امتدّ النحو من البصرة إلى الكوفة عن طريق المقرئ النحوي شيبان بن عبد الرحمن التميمي البصري (ـ164هـ) الذي تخرج فيه معاذ بن مسلم الهراء (ت189هـ) رأس نحاة الكوفة وصاحب أوّل حلقة لتدريس النحو في المسجد الجامع بالكوفة.
وتتلمذ على الهراء أبو جعفر الرؤاسي (ـ187هـ)، وكان ذلك بعد عودته من البصرة وتلمذته على أساتذتها أمثال الخليل.
وكان الرؤاسي ممن عقدت له حلقة تدريس للنحو في المسجد الجامع بالكوفة.
وبالرؤاسي بدأ التأليف النحوي الكوفي، وذلك بكتابه المعروف بـ (الفيصل).
وكان من نحاة الكوفة في هذه الفترة الأولى أبان بن تغلب الجريري (ت141هـ)، قال الداني: «هو ربعي كوفي نحوي»([173])، وزهير بن ميمون الفرقبي (ت155هـ) جاء في إنباه الرواة([174]): «قال الهيثم بن عدي: رأيت زهيراً الفرقبي وقد اجتمع عليه ناس يسألونه عن القراءات والعربية وهو يجيبهم ويحتج على ما يقول بأشعار العرب، وكان يروي كثيراً من ذلك عن ميمون الأقرن، وكان أبو جعفر الرؤاسي يأخذ عنه.
وفي الإنباه أيضاً([175]): «قال أبو بكر بن عياش: قلت لزهير الفرقبي بمكة أنّى لك النحو؟ قال: سمعناه من أصحاب أبي الأسود فأخذناه».
وبعد الرؤاسي كان دور تلميذه علي بن حمزة الكسائي (ت189هـ) والذي رحل ـ هو الآخر ـ إلى البصرة وأخذ عن شيوخها أمثال: يونس بن حبيب والخليل بن أحمد، ثمّ عاد إلى الكوفة لتستقر على يده المدرسة النحوية الثانية، التي راحت تنافس مدرسة النحو الأولى بالبصرة فتتكامل معها في نشر النحو إلى مراكز علمية أخرى ممّا سيأتي ذكره.
ويأتي بعد دور الكسائي دور أبي زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت207هـ) الذي ذهب إلى البصرة ـ هو الآخر ـ وأخذ النحو فيها عن يونس بن حبيب، وعاد إلى الكوفة، وحضر على الرؤاسي، وشدّ رحاله إلى بغداد حيث كان يقيم الكسائي هناك، وتتلمذ عليه، واتصل بعد ذيوع صيته بالخليفة المأمون، فانتدبه لتأديب ابنيه، كما اقترح عليه أن يؤلف كتاباً في أصول النحو، فقدم له بعد سنتين كتاب (الحدود).
وللفراء من المؤلفات التي وصلت إلينا (معاني القرآن) الذي عالج فيه كثير من المسائل اللغوية والنحوية.
وقد بنى الكوفيون مذهبهم النحوي على التحرر مما حافظ عليه البصريون، فوسعوا في دائرة النقل عن العرب إلى الأخذ من الأعراب الذين لم يسلموا من مخالطة الأعاجم ومن التأثر بتهاون الحضرية، كما تساهلوا في التأكيد على وثاقة الراوية ضبطاً وصدقاً، ولم يقتصروا في نقلهم على الاستعمال الغالب عند العرب، بل جوّزوا الأخذ بالاستعمال غير الغالب.
وممّا يشير إلى شيء من هذا قول ابن درستويه: «وكان الكسائي يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلاّ في الضرورة فيجعله أصلاً ويقيس عليه»([176]).
وعلى أساس من هذا خالفوا البصريين في الكثير من المسائل النحوية، ومن أحفل الكتب بعرض مسائل الخلاف بين المدرستين البصرية والكوفية:
1 ـ كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، لأبي البركات بن الأنباري (ت577هـ). وقبله ألف في الخلاف النحوي بين البصرية والكوفية، كل من:
2 ـ ابن كيسان (ت320هـ)، له: المسائل على مذهب النحويين مما اختلف فيه البصريون والكوفيون.
3 ـ أبو جعفر النحاس (ت338هـ) ألف كتابه: المقنع في اختلاف البصريين والكوفيين.
وبعد ابن الأنباري ألف في الخلاف المذكور:
4 ـ أبو البقاء العكبري (616هـ)، ألف: التبيين في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين.
5 ـ ابن إياز (ت681هـ)، ألف: الإسعاف في مسائل الخلاف([177]).
بغداد
وكان للحظوة التي نالها الكسائي الكوفي لدى الخلفاء العباسيين العامل القوي في التفاف العلماء والطلاب حوله وتزاحم الركب بين يديه حتّى ثنيت له الوسادة لنشر النحو الكوفي ببغداد.
وكان هذا أيضاً ممّا أثار حفيظة نحاة البصرة، ودعا الأخفش الناحي البصري تلميذ سيبويه وناشر كتابه، أن يشدّ الرحال إلى بغداد ويلقي عصا الترحال فيها، ويقوم بدور نشر النحو البصري منافساً للنحو الكوفي.
وكان بهذا أنّ تكامل النحوان الكوفي والبصري معاً في إشاعة حلقات الدرس النحوي ببغداد.
وكان في بغداد بعد الكسائي والأخفش، أبو العباس المبرد البصري الذي أثرى المكتبة النحوية واللغوية بما صنّف وأعطى، ومنافسة أبو العباس ثعلب الكوفي مؤدب الخليفة ابن المعتز الأديب الشاعر.
وكان هذان العلمان البصري والكوفي يلتقيان في مجالس الخلفاء والأمراء وأبهاء قصورهم، وكانت تعقد بينهما المناظرات العلمية، ومن ورائهما تلامذتهما وأتباعهما.
وممّن نبغ إماماً في النحو من البغداديين وساهم في الدراسات النحوية ونشرها:
ـ أبو إسحاق الزجاج (ت310هـ) ووصل إلينا من تأليفه النحوي تفسيره المعروف بـ (معاني القرآن وإعرابه).
ـ أبو بكر بن السراج (ت316هـ) له كتاب (أصول النحو) قال فيه ياقوت الحموي: «وهو أحسنها وأكبرها وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه، جمع فيه أصول العربية، وأخذ مسائل سيبويه ورتبها أحسن ترتيب».
ـ أبو القاسم الزجاجي (ت337هـ) الذي نزل بغداد قادماً من نهاوند، ولزم الزجاج حتّى برع في النحو، ورحل بعد ذلك إلى دمشق ودرّس النحو في جامعها، وقصد مكة وألف فيها كتابه (الجمل) الكتاب الذي نال في الحظوة عند المغاربة ما يداني حظوة كتاب سيبويه عند المشارقة، فقد تصدّى الكثير منهم لشرحه وشرح شواهده، «قال الفهري ـ وهو أحد شراح الجمل ـ: أكثر الناس من استعمال الجمل ودراسته، وألزموا أنفسهم حفظه ودرايته… وإنّه تصنيف قد أنجد وغار وطار في الآفاق كل مطار»([178])، «وقال صاحب مرآة الجنان 2/332: أخبرني بعض فضلاء المغاربة بأنّ عندهم لكتابه (أي الجمل) مائة وعشرين شرحاً»([179]).
ـ وأبو البركات بن الأنباري (ت577هـ)، وكانت حلقة درسه تعقد بـ (المدرسة النظامية) كما جاء في مقدمة كتابه (الإنصاف) قال: «وبعدُ فإنّ جماعة من الفقهاء المتأدبين والأدباء المتفقهين المشتغلين عليّ بعلم العربية بالمدرسة النظامية ـ عمر الله مبانيها ورحم بانيها ـ سألوني أنّ ألخِّص لهم كتاباً لطيفاً… إلخ».
وهذه الإضافة إلى أمكنة التدريس التي جعلت المدارس إلى جانب المساجد حدثت في أواخر القرن الرابع الهجري حيث أنشئت أول مدرسة بدمشق سنة 391هـ «أسسها الأمير شجاع الدولة صادر بن عبدالله، وسميت باسمه (المدرسة الصادرية)، وتبعه مقرئ دمشق رشاء بن نظيف فأسس (دار القرآن الرشائية) في حدود الأربعمائة»([180]).
وفي النصف الثاني من القرن الرابع الهجري أنشئت المدرسة النظامية ببغداد، أسّسها نظام الملك (ت486هـ) وزير ألب ارسلان السلجوقي، وبدئ في بنائها سنة 457هـ وفتحت أبوابها للتدريس في عام 459هـ([181]).
وفي العام 625هـ تمّ إنشاء المدرسة المستنصرية التي أمر بإشادتها المستنصر بالله (ت623هـ) الخليفة العباسي ببغداد أيضاً، فكانت الرصيفة للمدرسة النظامية.
تعقد حلقات الدرس النحوي في المستنصرية: حلقة يعقوب بن يوسف العبادي (ت641هـ)([182])، وحلقة ابن إياز (ت681هـ): «قال الصفدي: ولي مشيخة النحو بالمستنصرية»([183])، وحلقة ذي الفقار بن محمد العلوي الحسيني الشافعي (ت685هـ): «قال الذهبي: نحوي، سمع ببغداد من الكاشغري وابن الخازن، ودرّس بالمستنصرية»([184]).
وإلى جانب النظامية والمستنصرية كانت مدارس أخرى كالمدرسة الشرابية أو الإقبالية التي أنشئت بعد المستنصرية بثلاثة أعوام.
ومن المساجد ببغداد التي جاءت في اتخاذها مكاناً للتدريس جامع المنصور،… وذكر أنّ أبا السعادات بن الشجري النحوي كان «يجلس يوم الجمعة بجامع المنصور مكان أبن ثعلب ناحية الرباط يُقرأ عليه»([185]).
وذكر أيضاً أنّ ابن كيسان النحوي (ت299هـ): «كانت له حلقة عامرة يقصدها الطلاب والشيوخ في جامع المنصور، وممن كان يجلس فيها القاضي إسماعيل بن إسحاق الفقيه المالكي المشهور وعالم العربية والقراءات»([186]).
واستمرت حركة الدرس النحوي ببغداد تملأ رحاب مساجدها وأروقة مدارسها، ولكن بين مد وجزر.
ومن أشهر النحاة في عصرنا هذا أستاذنا الدكتور مصطفى جواد (ت1389هـ) وأستاذنا الأستاذ كمال إبراهيم (ت1393هـ) وأستاذنا الدكتور إبراهيم السامرائي والدكتور مهدي المخزومي، وغيرهم.
الموصل
قال السيوطي في ترجمة الفهري: «مسلمة بن عبدالله بن سعد بن محارب الفهري كان من أئمة النحو المتقدمين، أخذ النحو عن خاله عبدالله بن أبي إسحاق، وكان صائناً لنفسه، ثمّ صار في آخر عمره مؤدباً لجعفر بن أبي جعفر المنصور، ومضى معه إلى الموصل، وأقام بها حتّى مات، فصار على أهل الموصل من قِبَله، قال الزبيدي: وكان حماد بن الزبرقان ويونس يفضلانه»([187]).
والذي يفيده هذا النص أنّ النحو امتدّ من البصرة إلى الموصل مبكراً، أي في القرن الثاني الهجري، وربما كان سابقاً في دخوله الموصل لدخوله بغداد.
وفي القرن الرابع الهجري أصبحت الموصل من مراكز الدراسات النحوية المشار إليها.
وكان من أساتذة النحو فيها آنذاك أحمد بن محمد الموصلي وتلميذه أبو الفتح بن جني (ت392هـ) اللذان درّسا النحو في مسجدها الجامع.
ومن نحاة الموصل:
ـ ابن الدهان (ت569هـ).
ـ ابن الخباز (ت637هـ).
ـ ابن القواس (ت696هـ) شارح ألفية ابن معطي.
ـ ركن الدين الاسترابادي (ت715هـ) شارح كافية وشافية ابن الحاجب.
ـ ابن شيخ العوينة (ت681هـ).
ـ بدر الدين الأربلي (ت686هـ).
ومن مدارس الموصل التي عرفت تدريس النحو فيها: المدرسة السلطانية والمدرسة النورية.
إربل
وكذلك إربل كانت ـ هي الأخرى ـ مركزاً من مراكز الدراسات النحوية، ولعل النحو امتدّ إليها من الموصل لقربها منها.
وممن اشتهر بالنحو وتدريسه في إربل:
ـ محمد بن يوسف بن قائد الخطيب (ت585هـ).
ـ ابن الدباغ (ت584هـ).
ـ محمد بن أبي جابر (ت561هـ).
الأندلس
وفي القرن الثاني الهجري، ومع أوّل نحاة الأندلس جودي بن عثمان الموروري المغربي (ت198هـ) امتدّ النحو من الكوفة إلى الأندلس، فقد قصد جودي الكوفة وتتلمذ للكسائي والفراء والرياشي، وروى كتاب الكسائي وحمله معه وهو قافل إلى المغرب، ولكنّه لم يقم في موطنه، وإنما ذهب إلى (قرطبة)، فادخل النحو الكوفي إلى الأندلس.
وكان هذا ثاني امتداد للنحو الكوفي بعد امتداده إلى بغداد.
وتصدّى جودي بعد وصوله إلى الأندلس لتعليم النحو، فدرّس في غرناطة ثم في قرطبة،… وصنّف كتاباً في النحو، فكان أوّل من ألّف في النحو من الأندلسيين، كما أنّه كان أوّل من تخرج به جماعة من النحاة الأندلسيين.
وبعد مرور قرن على دخول النحو الكوفي إلى الأندلس دخلها النحو البصري عن طريق محمد بن موسى الأفشين ـ أو الأفشْنيق ـ (ت307هـ) الذي ذهب إلى البصرة وأخذ عن المازني، ثم ذهب إلى مصر وانتسخ كتاب سيبويه روايةً عن أبي علي أحمد بن جعفر الدينوري (ت289هـ)، وأدخله معه إلى الأندلس، وجلس في مسجد قرطبة الجامع يقرؤه طلابه.
وحمل علي بن محمد بن إسماعيل بن بشر الأنطاكي (ت376هـ) إلى الأندلس كتاب أستاذه أبي القاسم الزجاجي (الجمل)، وبه أدخل الفكر النحوي البغدادي إلى الأندلس.
وبعده حمل إلى الأندلس علي بن إبراهيم التبريزي (ت421هـ) كتب أبي علي الفارسي، وكتب تلميذه ابن جني فتكامل بها مع جمل الزجاجي الفكر النحوي البغدادي.
ومن مشهوري نحاة الأندلس:
ـ محمد بن الحسن الزبيدي (ت379هـ) مؤلف طبقات النحويين واللغويين وكتاب الواضح في النحو.
ـ ابن الإفليلي (ت441هـ) الذي كان من شيوخ النحو بجامع قرطبة الكبير.
ـ الأعلم الشنتمري (ت376هـ).
ـ ابن السيد البطليوسي (ت521هـ).
ـ الباذش الغرناطي (ت528هـ).
ـ ابن الطراوة (ت528هـ)، الذي استطاع بنشاطه النحوي والأدبي أن يجعل من (مالَقَة) مركزاً من مراكز الدرس النحوي بالأندلس.
ـ عبد الرحمن بن محمد الرماك الإشبيلي (ت541هـ) الذي أقرأ النحو بإشبيلية.
ـ جابر بن محمد التميمي، «قال ابن الزبير: نحوي مقرئ، أقرأ بجامع غرناطة([188]).
ـ ابن مضاء القرطبي الظاهري (ت592هـ) مؤلف كتاب (الرد على النحاة).
ـ أبو علي الشلوبيني (ت645هـ).
ـ ابن عصفور الإشبيلي (ت663هـ).
ـ ابن مالك الجيّاني (ت672هـ) ناظم الألفية الشهيرة.
ـ أبو حيان الغرناطي (ت745هـ) الذي درّس النحو في جامع الحاكم بالقاهرة، وتخرّج به جيل من النحاة المصريين أمثال ابن عقيل، وابن أم قاسم.
وخلال هذه القرون السبعة الممتدة من القرن الثاني الهجري حتّى القرن الثامن الهجري قدم الأندلسيون خدمة جلى للنحو واللغة، فأشاعوا الدراسات النحوية في مختلف حواضر الأندلس أمثال: مالَقَة وقرطبة وغرنانطة والمرّية وجيّان وطليطلة وإشبيلية، وأغنوا المكتبة النحوية بما خلفوا من تراث نحوي نفيس.
وقد كان أهم مركز للدرس النحوي في الأندلس جامع قرطبة «وكان يعد أعظم جامعة غربية في أوروبا في العصر الوسيط، وقد قيل إنّ الراهب (جير بير) الذي أصبح فيما بعد (البابا سلڨستر الثاني) أتّم دراسته في جامع قرطبة.
ولا نشك في أنّ كثيرين من نصارى الأندلس قد تعلموا فيه علوم العربية، واستعربوا أي تثقفوا بالثقافة العربية»([189]).
ولكبير اهتمام المسلمين الأندلسين بكتاب سيبويه «جعل اليهود في الأندلس ينقلون مضمون كتاب سيبويه إلى اللغة العبرية ليكون بمثابة دستور يسيرون عليه في تنظيم قواعد النحو في اللغة العبرية»([190]).
المغرب
جاء في بغية الوعاة([191]) في ترجمة محمد بن إسماعيل النحوي المغربي المعروف بـ (حمدون) المتوفى بعد المائتين: إنّه كان يحفظ كتاب سيبويه.
وهذا يعني أنّ النحو دخل بلاد المغرب في الوقت الذي دخل فيه بلاد الأندلس، أي في القرن الثاني الهجري، وأنّ النحوي المذكور (حمدون) كان من أوائل النحاة المغاربة.
وممن عرف من المغاربة النحاة:
ـ محمد بن أحمد اللخمي السبتي (ت570هـ).
ـ محمد بن أحمد بن طاهر المشهور بالخِدَب (ت580هـ) الذي كان يقرئ كتاب سيبويه بـ (فاس)، وعمل عليه حواشي، قال السيوطي: «وقفت على حواشيه على الكتاب بمكة المشرفة»([192]).
وممن أقرأ النحو بفاس أيضاً:
_ محمد بن حكم الجزامي السرقسطي (ت حدود 530هـ).
ـ محمد بن يحيى العبدري (ت651هـ).
ـ محمد بن موسى السلوي (ت685هـ).
ومنهم (أي النحاة المغاربة):
ـ أبو موسى الجزولي (ت605هـ) صاحب المقدمة المشهورة.
ـ ابن آجروم (ت723هـ) مؤلف المقدمة المعروفة بالأجرومية وذات الشهرة العريضة.
وفي القرن الثالث الهجري عندما أنشئ جامع القرويين بفاس مستهدَفاً من إشادته أن يكون منشأة تعليمية كان من مراكز الدراسة الإسلامية العربية، ومنها النحو.
ويضارعه في المركزية للدراسة الإسلامية العربية جامع عُقبة بن نافع في القيروان.
وفي عهد الحفصيين عندما جلب أبو زكريا الأول الأساتذة من الأندلس وصقلية ـ في القرن الثامن الهجري ـ للتدريس في جامع الزيتونة بتونس، كان ـ هو الآخر ـ مركزاً ثالثاً من مراكز التعليم الإسلامي العربي في المغرب، ومنه تعليم النحو.
وقد تحوّل جامع القرويين سنة 1931م وجامع الزيتونة سنة 1933م إلى جامعة، محتفظاً كل منهما لنفسه بالتخصص بالدراسات الإسلامية العربية التي من بينها الدراسة النحوية، ثم ضيق نطاق جامعة الزيتونة إلى كلية العلوم الشرعية.
ولا ننسى هنا أن نشير إلى انتشار الدراسات المسجدية في مدن وقصبات دولة موريتانيا الإسلامية، كما هو الشأن في دول المغرب الأخرى.
فارس وما وراء النهر
الذي يظهر من تاريخ هجرة النحويين البصريين أنّ النحو دخل بلاد فارس في بدايات القرن الثاني الهجري مصاحباً الناحي البصري يحيى بن يعمر (ت129هـ) الذي رحل إليها منفياً من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي والي الأمويين على واسط، فقد جاء في تاريخه أنّ الحجاج «نفاه إلى خراسان فولاه قتبة بن مسلم قضاءها فقضى في أكثر بلادها: نيسابور ومرو وهراة»([193]).
وقد لا يشك هنا أنّ يحيى بن يعمر نشر ما لديه من نحو، إلا أنّه لم يكتب له أن يكون رقماً بارزاً من أرقام الدراسة في تلكم الربوع إلا في القرن الرابع الهجري، وبعد ازدهار الحضارة الإسلامية العربية، فقد جاء في تاريخ النحو في هذا القرن أنّ أبا شجاع عضد الدولة البويهي (ت372هـ) كان نحوياً «وله في العربية أبحاث حسنة وأقوال، نقل عنه ابن هشام الخضراوي في الإفصاح»([194]).
وقد تكون رحلة ابن دريد البصري (ت311هـ) إلى فارس عاملاً من عوامل التمهيد لتحول بلاد فارس إلى مركز من مراكز الدرس النحوي.
ومن نحاة فارس في هذا القرن.
ـ محمد بن بحر الأصفهاني (ت322هـ).
ـ محمد بن إبراهيم الجوري (ت354هـ) الذي سمع ابن درستويه وابن دريد وأقرانهما.
وممن رحل في هذا القرن إلى بلاد فارس قاصداً قاعدة ملكها أصبهان أبو علي الفارسي، وكان بصحبته عبدالله بن عبد الأعلى النحوي، والتقى فيها عضد الدولة أبا شجاع ـ المقدم ذكره ـ فأجلّه وقدّمه، وصنّف أبو علي كتاب (الإيضاح) لعضد الدولة، ولذا عرف بـ (الإيضاح العضدي)، ويقال إنّ عضد الدولة استصغر الإيضاح، وقال لأبي علي: «ما زدت على ما أعرف شيئاً، وإنما يصلح هذا للصبيان، فمضى (أبو علي) وصنّف (له) التكملة، فلما وقف عليها (عضد الدولة) قال: غضب الشيخ وجاء بما لا نفهم نحن ولا هو»([195]).
وممن قصد فارس:
ـ ملك النحاة (ت568هـ) فوصل إلى خراسان وكرمان وغزنة.
ـ محمد بن علي بن الهيجاء الحلي (ت561هـ).
ومن نحاة فارس:
ـ أبو القاسم جار الله الزمخشري (ت538هـ) صاحب المفصل والأنموذج.
ـ أبو الفتح المطرّزي الخوارزمي (ت610هـ).
ـ الحسن بن محمد النيسابوري (ت728هـ): «له تفسير على القرآن سمّاه غرائب القرآن ورغائب الفرقان، وهو من أهل قم ـ كذا ذكر في خطبة تفسيره ـ، المشهور بـ (النظام) الأعرج، صاحب شرح الشافية على التصريف، وهو ممزوج، مشهور متداول»([196]).
ـ أبو المكارم الجاربردي (ت746هـ)، له شرح كافية ابن الحاجب وشرح شافيته.
ـ سعد الدين التفتازاني (ت792هـ) مؤلف شرح تصريف الزنجاني.
ـ الشريف الجرجاني (ت816هـ).
ـ عبد الرحمن الجامي (ت898هـ) الذي تلقى علومه بالمدرسة النظامية في هراة، ثم تصدر للتدريس فيها، ومن مؤلفاته (الفوائد الضيائية) الشهير.
ـ محمد بن علي الموسوي العاملي (ت1009هـ) صاحب شرح شواهد ابن الناظم.
ـ بهاء الدين العاملي (ت1035هـ) مؤلف (الصمدية) المقدمة النحوية الشهيرة في تلكم البقاع.
ـ محمد بن باقر بن علي الرضا (ت هـ) مؤلف (جامع الشواهد) المشتمل على شواهد الكتب التالية أسماؤها:
1 ـ شرح الأمثلة.
2 ـ شرح التصريف.
3 ـ الشافية.
4 ـ شرح النظّام على الشافية.
5 ـ شرح العوامل الجرجانية.
6 ـ شرح قطر الندى.
7 ـ شرح الأنموذج.
8 ـ الهداية.
9 ـ شرح الجامي على الكافية.
10 ـ البهجة المرضية.
11 ـ مغنى اللبيب.
12 ـ مختصر التلخيص.
13 ـ المطول.
وهي الكتب المقررة لدراسة النحو والصرف والبلاغة في بلادهم.
ولا تزال الدراسة النحوية قائمة في كل من إيران وأفغانستان في حواضر الدراسات الدينية فيها أمثال: مشهد وقم وهراة.
وفي كلية الآداب وكلية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة طهران قسم خاص للغة العربية تدرس فيه مناهج المراحل الجامعية الثلاث: البكالوريوس والماجستير والدكتوراه.
وفي كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة مشهد من مواد مناهجها دراسة النحو والصرف.
ومن خراسان امتدّ النحو إلى بلاد ما وراء النهر بحكم طبيعة الجوار بينهما والصلة الحضارية والاجتماعية بين مجتمعات تلكم الربوع.
وذكر جلال الدين السيوطي في (البغية) من نحاة ما وراء النهر:
(من نحاة بلخ):
ـ إبراهيم بن رجاء بن نوح (ت256هـ).
ـ محمد بن منصور بن داود بن سليمان (ت282هـ).
ـ أحمد بن المنيّر بن يوسف (ت315هـ).
ـ محمد بن المطهر بن محمد بن ميزان الدهاسي (ت527هـ).
ـ آدم بن أحمد بن أسد الهروي (ت536هـ).
(من نحاة بخارى):
ـ محمد بن موسى بن عمران إلزامي.
ـ إسحاق بن أحمد الصفار (ت بعد 405هـ).
(من نحاة سمرقند):
ـ عبدالله بن الحسين المروزي.
مصر
وفي القرن الثالث الهجري امتدّ النحو من البصرة إلى مصر عن طريق الوليد بن محمد التميمي (ت263هـ) المعروف بـ (ولاّد)، وأصله من البصرة، ونشأ بمصر، ثم قصد مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، والتقى فيها بالمهلبي تلميذ الخليل بن أحمد الفراهيدي، وأخذ النحو عنه، ثم رحل إلى البصرة والتقى الخليل نفسه، وتلمذ عليه، ثم قفل إلى مصر ومعه كتب النحو واللغة، فكان أوّل من أدخل كتب النحو واللغة إلى مصر.
ثم كان من بعده بمصر ابنه محمد المعروف بـ (ابن ولاّد) المتوفى سنة 298هـ، الذي يمّ بغداد للحصول على كتاب سيبويه، والتقى المبرد هناك، ونسخ كتاب سيبويه منه، وقرأ عليه، ثم عاد إلى مصر ومعه كتاب سيبويه، فكان أوّل من أدخل كتاب سيبويه البلاد المصرية.
وجاء بعده ابنه أحمد (ت332هـ)، وهو من أقرب تلامذة الزجاج إلى نفس الزجاج.
وبعد هذا الثالوث النحوي المصري انتشر النحو في مصر يحتضنه مسجد الفسطاط المعروف بمسجد عمرو بن العاص أو المسجد العتيق، وكان ممن تصدر لتدريس النحو فيه:
ـ ابن بابشاذ (ت469هـ) مؤلف: المقدمة المحسبة.
ابن معط (ت628هـ)، قال السيوطي: «أقرأ النحو بدمشق مدة ثم بمصر، وتصدر بالجامع العتيق، وحمل الناس عنه، وصنف الألفية في النحو»([197]).
ـ عبدالله بن يوسف بن زيدان (ت644هـ).
وبعد أن قام جوهر الصقلي بأمر المعز لدين الله الفاطمي ببناء الجامع الأزهر بالقاهرة، وتمّ بناؤه سنة 361هـ، وفتحت أبوابه للدرس والتدريس في العام 365هـ، غلبت شهرته كمكان للتدريس على ما سواه من المساجد،/ وغلبت حلقاته الدرسية حلقاتها كثرة وأهمية.
وممن أقرأ النحو فيه:
ـ أبو الحسن الحوفي (ت430هـ)، الذي ألّف كتباً كثيرة في الأدب والنحو، منها كتابه في إعراب القرآن.
ـ أبو القاسم الشاطبي (ت590هـ) إمام القراءات في عصره، وصاحب المنظومة الشهيرة في قراءات السبعة.
ـ أبو حيان الأندلسي الغرناطي (ت745هـ) مؤلف التفسير النحوي الشهير بـ (البحر المحيط).
ـ ابن الدماميني (ت838هـ) [الظاهر الاصح827] الذي تصدر فيه لإقراء النحو «ثم رجع إلى الإسكندرية واستمر يقرئ فيها… ودرّس أيضاً بجامع زبيد باليمن، ورحل إلى الهند ودرّس فيها»([198]).
ـ بدر الدين العيني (ت855هـ) الذي عمّر مدرسة بقرب الجامع الأزهر ووقف بها كتبه([199]).
ـ الشيخ خالد الأزهري (ت905هـ).
ـ جلال الدين السيوطي (ت911هـ).
ـ أبو الحسن الأشموني (ت929هـ) مؤلف الشرح المشهور على ألفية ابن مالك.
ـ قنبر بن محمد العجمي (ت801هـ).
ـ الشيخ حسن الكفراوي (ت1202هـ).
ـ الشيخ محمد الشنواني (ت1233هـ).
وإلى جانب الأزهر كان الجامع الناصري بالقلعة والجامع الطولوني، وممن درّس فيهما ابن عقيل (ت769هـ) صاحب شرحي الألفية والتسهيل.
وجامع الحاكم الذي تمّ بناؤه سنة 403هـ، والجامع الأقمر الذي شيّد عام 519هـ، والجامع الأفخر ويعرف بالجامع الظافري أيضاً نسبة إلى الخليفة الفاطمي الظافر بنصر الله، وممن علّم النحو فيه: محمد بن عبد القوي المعروف بابن القضائي والملقب بالأخفش المولود سنة 633هـ.
إلى غيرها من الجوامع.
وإلى جانب الجوامع كأماكن للدراسة كانت المدارس أماكن أخرى للدرس والتدريس وطلب العلم وتحصيله.
وأوّل مدرسة أنشئت بمصر هي (المدرسة الناصرية) التي أشادها صلاح الدين الأيوبي في القرن السادس الهجري، ثم تكاثر إنشاء المدارس فيها حتّى جاوز عددها السبعين مدرسة.
وقد ذكر كثيراً منها جلال الدين السيوطي في بغية الوعاة، أمثال:
ـ القطبية والخشبية، وممن درّس النحو فيها ابن عقيل.
ـ الفضلية، التي بناها القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني سنة 580هـ، وممن درس النحو فيها ابن الحاجب (ت646هـ)، وأبو محمد الشاطبي.
ـ الظاهرية، وممن درّس النحو فيها: عمر بن أحمد المدلجي النشائي… وغيرها.
ومن أعلام نحاة مصر:
ـ أبو جعفر النحاس (ت337هـ) الذي رحل إلى بغداد، وأخذ النحو فيها عن الأخفش الأصغر والمبرد ونفطويه والزجاج.
ـ ابن الحاجب المولود بـ (أسنا) من صعيد مصر، والذي رحل ـ بعد تلقيه العلوم الإسلامية والعربية بالقاهرة ـ إلى دمشق، ودرّس بجامعها في زاوية المالكية، ثم عاد إلى القاهرة وتصدر للتدريس في المدرسة الفاضلية ـ كما تقدم ـ، ثم انتقل إلى الإسكندرية، وفيها توفي عام 646هـ.
ـ ابن هشام الأنصاري (ت761هـ).
ـ ابن عقيل (ت769هـ).
وكانت الإسكندرية مركزاً آخر من مراكز الدرس النحوي في مصر إلى جانب الفسطاط والقاهرة.
وممن درس النحو في جامعها: أبو محمد عبدالله بن حسن بن عشير العبدري، وابن الحاجب، وغيرهما.
ومن نحاة مصر المعاصرين:
ـ عبد المتعال الصعيدي (ت1377هـ).
ـ إبراهيم مصطفى (ت1382هـ) مؤلف إحياء النحو.
ـ عباس حسن (ت هـ)[متوفى:1398هـ] مؤلف النحو الوافي.
ـ محمد محيي الدين عبد الحميد (ت1393هـ).
ـ علي النجدي ناصيف (ت1403هـ) مؤلف سيبويه إمام النحاة.
ـ محمد عبد الخالط عضيمة (ت1404هـ) مؤلف دراسات لأسلوب القرآن الكريم.
ـ الدكتور أمين علي السيد والدكتور عبد الرحمن محمد السيد والدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي والدكتور تمام حسان والدكتور عبد الحميد السيد طلب، والدكتور عبد الرحمن محمد أيوب والدكتور حسن عون والشيخ أحمد كحيل وغيرهم.
دمشق
وفي القرن الرابع الهجري امتدّ النحو من بغداد إلى دمشق مع أبي القاسم الزجاجي (ت337هـ) عندما رحل إليها وسكنها، ودرّس فيها وانتفع الناس بعلمه.
وممن رحل إلى دمشق من نحاة بغداد وأقام فيها ودرّس النحو:
ـ الحسن بن صافي ملك النحاة (ت568هـ).
ـ زيد بن الحسن الكندي (ت613هـ)، قال السيوطي: «قدم دمشق ونال الحشمة الوافرة والتقدم، وازدحهم عليه الطلبة… وأفتى ودرّس وصنّف وأقرأ القراءات والنحو واللغة والشعر… وله خزانة كتب بالجامع الأموي، فيها كل نفيس»([200]).
وكانت الدروس النحوية التي ألقاها الزجاجي على تلامذته بدمشق اللبنات الأساس للدراسة النحوية بدمشق.
ودمشق ـ هي الأخرى ـ كان مسجدها الجامع (الجامع الأموي)، والجوامع الأخرى أماكن الدرس وطلب العلم.
ومن النحاة الذي درّسوا في جامع دمشق:
ـ ابن أبي الفضائل الكلابي (ت562هـ)، فقد ذكر أنّه كانت له حلقة كبيرة بالجامع المذكور لإقراء القرآن والفقه والنحو.
ـ عالم الدين السخاوي (ت643هـ).
ـ ابن يعيش (ت643هـ).
ـ ابن مالك (ت672هـ) الذي «تصدر بالتربة العادلية وبالجامع المعمود، وتخرج به جماعة كثيرة»([201]).
وإلى جنب جوامع دمشق كانت مدارسها ـ هي الأخرى ـ أماكن لطلب العلم وتحصيله، ورأينا ـ فيما تقدم ـ أنّ أوّل مدرسة بنيت بدمشق المدرسة الصادرية سنة 391هـ التي أنشأها الأمير صادر بن عبدالله، ثم تتابع بعدها بناء المدارس حتى تجاوز عددها 150.
ومنها:
ـ المدرسة الصالحية، وممن أقرأ فيها سليمان بن عبدالله الهواري الخلواتي الضرير (ت612هـ).
ـ المدرسة الناصرية، وممن درّس النحو فيها أبو بكر بن محمد المرسي (ت718هـ) قال السيوطي: «وولي مشيخة الإقراء بأماكن، وتدريس النحو بالناصرية، وصار شيخ الإقراء والعربية بالبلد»([202]).
ـ المدرستان الصدرية والضيائية، وممن درّس فيهما ابن قدامة المقدسي (ت744هـ)([203]).
ـ المدرسة الظاهرية، وممن درّس فيها أبو بكر بن عبدالله الحريري (ت747هـ) فعن السيوطي: أنّه «مهر في النحو وولي تدريس الظاهرية البرانية ومشيخة النحو بالناصرية»([204]).
ـ المدرسة السلطانية التي درّس فيها النحو محمد بن علي بن طولون (ت953هـ)، فقد أخذ في القاهرة على الجلال السيوطي ثم انتقل إلى دمشق، وعلّم النحو والقراءة والحديث في مدرسة السلطان سليم.
ـ المدرستان الإقبالية والشريفية، وممن درّس فيهما علي بن إسماعيل القونوي (ت729هـ).
ـ المدرستان المجاهدية والأمينية، فقد جاء أنّ ابن أبي الكلابي ـ المتقدم ذكره ـ ممن درّس بالمدرسة المجاهدية وأعاد بالمدرسة الأمينية مضافاً إلى حلقته الكبيرة بالجامع الكبير.
ومن نحاة دمشق:
ـ مجد الدين محمد بن الظهير (ت602هـ).
ـ ابن خطيب المنصورية (ت809هـ)، وهو من شراح ألفية ابن مالك.
ـ محمد بن محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن يوسف الأنصاري (حفيد ابن هشام الأنصاري)، أخذ النحو والفقه عن ابن قطلوبغا والشمني، وتوفي سنة 907هـ.
ومن نحاتها المعاصرين:
ـ الأستاذ سعيد الأفغاني، والأستاذ أحمد راتب النفاخ والدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا والدكتور عاصم بهجت البيطار والدكتور مازن المبارك والدكتور أسعد علي والدكتورة منى إلياس.
حلب
ومع أبي علي الفارسي البغدادي دخل النحو إلى حلب، وذلك في عام 341هـ، عندما رحل إليها أبو علي.
وراح بمفعول تشجيع الحمدانيين للعلماء ينتقل في بلاطاتهم يعقدون له مجالس المناظرة وملتقيات البحث والمناقشة.
ومن هذه انبثق الدرس النحوي المنتظم، تضمّه مساجد حلب ومدارسها، شأنها في ذلك شأن بغداد ودمشق وغيرهما من مراكز الدرس النحوي.
وممن كان في هذا الوقت من نحاة البلاد الحمداني:
ـ ابن خالويه (ت370هـ)، الذي قصد حلب ـ هو الآخر ـ قادماً من بغداد.
ـ الشاعر المتنبي (ت354هـ) الذي قامت بينه وبين ابن خالويه أكثر من مناظرة في مجلس سيف الدولة الحمداني.
ومن مدارس حلب: المدرسة الأسدية، وممن درّس فيها عبدالله بن محمد بن أحمد الحسيني النيسابوري.
ومن نحاتها المعاصرين:
الأستاذ محمد الأنطاكي (ت1404هـ).
ـ الدكتور فخر الدين قباوة.
ـ الدكتور محمد خير الحلواني.
ـ الدكتور مصطفى جطل.
النجف
نهضت النجف مركزاً دينياً يعني بالدراسات الإسلامية العربية منذ أن هاجر إليها أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي عام 449هـ قادماً من بغداد إثر دخول السلاجقة إليها.
ومن بين مواد مناهج الدراسة فيها مادة النحو.
وألمع نحاتها ظهوراً وأوسعهم شهرة وأبعدهم صيتاً الرضي الأسترآبادي (ت688هـ) المعروف بـ (المحقق الرضي) والملقب بـ (نجم الأئمة) مؤلف شرح كافية ابن الحاجب المعروف بـ (شرح الرضي) وشرح شافية ابن الحاجب.
وقد غطّت شهرته على من سواه من نحاة هذا المركز العلمي، وكفى به عملاق فكرٍ امتاز بالأصالة والعمق.
وتمثل منهجه في كتابه (شرح الكافية) بانتهاجه طريقة الاجتهاد التي عرفت بها النجف، ولا تزال قائمة، وتتلخص في الخطوات التالية:
1 ـ ذكر المسألة.
2 ـ استقصاء الأقوال في المسألة وتتبع أدلتها التي ذكرها العلماء السابقون للباحث والمعاصرون له.
3 ـ الموازنة بين الأقوال والمقارنة بين الأدلة.
4 ـ محاكمة الأدلة ومناقشتها.
5 ـ اختيار الدليل الناهض بالإثبات، أو إضافة الدليل القائم بالحجة.
6 ـ النتيجة بتأكيد الرأي المختار أو بتدعيم الرأي الجديد.
7 ـ بيان الإضافات الجديدة.
وقد أشار الرضي في مقدمة شرحه للكافية وفي خاتمته أيضاً إلى سكناه النجف الأشرف، وتأليفه الشرح المذكور فيها، قال في المقدمة: «وبعدُ، فقد طلب إليّ بعض من أعتني بصلاح حاله، وأسعفه بما تسعه مقدرتي من مقترحات آماله، تعليق ما يجري مجرى الشرح على مقدمة ابن الحاجب عند قراءتها عليّ، فانتدبت له مع عوز ما يحتاج إليه الغائص في هذا اللج، من الفطنة الوقادة، والبصيرة النقادة، بذلاً لمسؤوله، وتحقيقاً لمأموله، ثم اقتضى الحال بعد الشروع، التجاوز عن الأصول إلى الفروع، فإن جاء مرضياً فببركات الجناب المقدس الغروي، صلوات الله على مشرفه، لاتفاقه فيه، وإلاّ فمن قصور مؤلفه فيما ينتحيه».
وقال في الخاتمة: «هذا آخر شرح المقدمة، والحمدلله على إنعامه، وإفضاله بتوفيق إكماله، وصلواته على محمد وكرام آله.
وقد تمّ تمامه، وختم اختتامه، في الحضرة المقدسة الغروية، على مشرفها أفضل تحية ربِّ العزة وسلامه، في شوال سنة ست وثمانين وستمائة».
ذلك لأنّ (الجناب المقدس الغروي) كما في المقدمة، أو (الحضرة المقدسة الغروية) كما في الخاتمة، هو مشهد الإمام علي (عليه السلام)، وهذا لأنّ النجف تسمّى بـ (الغري) أيضاً.
وجاءت تسمية مدينة النجف التي تضم مرقد الإمام علي (عليه السلام) بـ (الغري)، ـ ومثناه (الغريّان) ـ لأنّها تقع قرب (الحيرة) التي كانت قاعدة ملك المناذرة، في موقع كان فيه الغرّيان، وهما ـ كما تنص المعاجم اللغوية والجغرافية أو البلدانية التي ذكرتهما ـ قبرا مالك وعَقيل نديمي جَذيمة الأبرش، جاء في (لسان العرب: مادة: غرا) ما نصه: «وكل بناء حسن غري، والغريان المشهوران بالكوفة منه، حكاها سيبويه، أنشد ثعلب:
لو كان شيء له أن يبيدَ على
طول الزمان لما بادَ الغرّيانِ
قال ابن بري: وأنشد ثعلب:
لو كان شيء أبى أن لا يبيدَ على
طول الزمان لما بادَ الغرّيانِ
قال: وهما بناءان طويلان، يقال: هما قبرا مالك وعقيل نديمي جذيمة الأبرش.
وسميا (الغرّيين) لأنّ النعمان بن المنذر كان يغريّهما بدم من يقتله في يوم بؤسه، قال خطام المجاشعي:
أهل عرفت الدار بالغريينْ
لم يبقَ من آيٍ بها بحليّينْ
غير خطامٍ ورماد كنفينْ
وصاليات ككما يؤثفينْ»
ذكرت هذا لأشير إلى مفارقة وقع فيها أكثر من مؤرخ ممن أرخ لسيرة الرضي، حيث وهموا مراده من (الحضرة الغروية) المدينة المنورة فنسبوه إليها، ومن هؤلاء الشيخ محمد الطنطاوي، فقد جاء في كتابه (نشأة النحو) في ترجمته للرضي ما نصه: «هو محمد بن الحسن نجم الملة والدين الأسترآبادي، هجر بلاد المشرق وأقام بالمدينة المنورة وألف شرحه على الكافية لابن الحاجب في النحو»([205]).
ومضافاً إلى ما تقدّم، فإنّه لم تحدّثنا كتب التاريخ أو غيرها أنّ المدينة المنورة سمّيت يوماً بالغري، وفي الوقت الذي تنص تلكم المصادر على أنّ النجف عرفت وسمّيت بالغري ولا تزال تعرف وتسمى به([206]).
ومن نحاة النجف المتأخرين:
ـ محمد علي بشارة (ت1188هـ).
ـ صادق الفحام (ت1204هـ).
ـ طاهر بن عبد العلي الحجامي ـ بالجيم الفارسية.
ـ محمد الجواد الجزائري (ت1378هـ) مؤلف (نقد تيسير العلوم العربية).
ـ عبد المهدي مطر، وله (دراسات في قواعد اللغة العربية).
ـ محمد علي الأفغاني المعروف بالمدرس.
ـ الدكتور مصطفى جمال الدين.
ـ الدكتور زهير غازي زاهد.
ـ الدكتور جعفر الكريم.
ـ الأستاذ صالح الظالمي.
اليمن
جاء في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الفارابي (ت نحو 350هـ) صاحب (ديوان الأدب)، «قال القفطي: كان ممن ترامى به الاغتراب إلى أرض اليمن وسكن زبيد، وبها صنّف كتابه المذكور»([207])، يعني ديوان الأدب.
فقد تكون نواة الفكر النحوي بذرت في اليمن منذ القرن الرابع الهجري بتأثير الفارابي الذي هبط إليها من فاراب، وراء نهر سيمون، إلا أنّها لم تسبق ولم تفرع إلا في القرن الخامس الهجري على يد كل من:
ـ عيسى بن إبراهيم الربعي (ت480هـ) مؤلف (نظام الغريب)، قال فيه الحبشي: «من أهل أحاظه باليمن، كان على رأس علماء اللغة في اليمن، وإليه يرحل الطلبة من كل صوب»([208]).
ـ معاصره الحسن بن إسحاق المعروف بابن أبي عباد (ت على رأس 500هـ)، وفيه «قال الخزرجي: إمام النحاة في قطر اليمن، وإليه كانت الرحلة في علم النحو، وإلى ابن أخيه إبراهيم»([209]).
وربما كان للصلة القريبة بين بلاد اليمن وبلاد الحجاز، وبخاصة حاضرة مكة المكرمة التي كانت مقصد الكثير من أبناء اليمن لطلب العلم، أن يمتد النحو إليها من مكة المكرمة، ويشيعه خريجو المسجد الحرام في ربوع اليمن.
وذكر الأستاذ الحبشي في كتابه (مصادر الفكر العربي الإسلامي في اليمن) من نحاة اليمن ستين ومئة ناحٍ، مقتصراً على نحاة القطر المعروف حالياً باليمن الشمالي، منهم:
ـ أحمد بن محمد الأشعري (ت558هـ).
ـ علي بن سليمان المعروف بابن حيدره (ت559هـ).
ـ محمد بن حمزة بن أبي النجم (ت656هـ).
ـ محمد بن الحسن الصمعي (ت677هـ)، الذي درس بالمدرسة المنصورية بزبيد.
ـ محمد بن علي بن يعيش (ت680هـ)، له شرح المفصل.
ـ أحمد بن عثمان بن أبي بكر بصيص (ت768هـ) شيخ النحو بمدينة زبيد، وإليه انتهت رئاسته.
ـ محمد بن حمزة مظفر (ت796هـ) له شرح مقدمة ابن بابشاذ.
وغيرهم.
يضاف إليهم: محمد موسى بن محمد الدوالي الصريفي (ت790هـ)، له (الرد على النحاة) ذكره السيوطي في البغية 1/252 ، ولم يذكره الحبشي في كتابه المصادر.
ومن نحاة اليمن الجنوبي في هذه الحقبة:
ـ أحمد عبدالله القريطي (ت584هـ) بعدن.
ـ أبو القاسم بن علي الهمداني (ت703هـ) بعدن أيضاً.
وممن أقرأ النحو بعدن: محمد بن حجاج الحضرمي المعروف بابن مطرف الإشبيلي (ت706هـ): «قال الفاسي: ولد في سنة ثمان عشر وستمائة، وحج وسمع ابن مسدي، وعاد إلى الإسكندرية، ثم إلى مكة، ثم إلى عدن، وأقرأ بها النحو، وعاد إلى مكة فأقام بها إلى أن مات، وكان قد قرأ النحو على الشلوبين، وكان يحفظ كتاب سيبويه، وله تقييد على جمل الزجاجي»([210]).
وكان أهم حواضر العلم في اليمن: صنعاء. تعز. زبيد. صعدة. شهاره. حوث. كوكبان. عدن. تريم. حضرموت. لحج.
ومن المدارس التي عرفت بعقد حلقات الدرس فيها:
ـ المجاهدية والغربية والمظفرية الكبرى والمؤيدية بتعز.
ـ المنصورية والنظامية والصلاحية والعفيفية بزبيد.
ـ الشمسية بذمار.
ومن أشهر المدارس العلمية مؤخراً: المدرسة العلمية بصنعاء (وقد تسمى بدار العلوم) التي افتتحت عام 1344هـ من قبل الإمام يحيى… وقد مثّلت في مناهجها وقيام الدولة بالإشراف والإنفاق عليها النقلة التعليمية من مرحلة الدراسة الجوامعية إلى مرحلة الدراسة الجامعية.
هذا مضافاً إلى المساجد الكبرى أمثال: جامع صنعاء الكبير وجامع زبيد وجامع الهادي بصعدة.
الحلة
الذي يظهر من تاريخ سيرالنحاة الحليين أنّ النحو انتقل إليها من بغداد، وفي القرن السادس الهجري، فقد ذكر أنّ محمد بن علي بن أحمد الحلي المعروف بابن حُميدة (ت550هـ) قرأ على ابن الخشاب (ت567هـ) ببغداد ولازمه حتّى برع في النحو «وصنّف كتباً منها: شرح أبيات الجمل، وشرح اللمع، وشرح المقامات، وكتاب في التصريف، والروضة في النحو، والأدوات، والفرق بين الضاد والظاء»([211]).
كما ذكر أنّ محمد بن أحمد بن حمزة الحلي الملقب بشرف الكتاب (ت579هـ) قرأ على ابن الخشاب وابن الشجري ببغداد([212]).
وذكر أيضاً أنّ شُميماً الحلي (ت601هـ) تعلم النحو في بغداد، ومن مؤلفاته (المخترع في شرح اللمع).
وكذلك ذكر أنّ علي بن محمد بن محمد بن علي بن السكون (ت حدود 606هـ) قرأ ببغداد على ابن الخشاب.
وذكر في ترجمة محمد بن علي الحلي المعروف بابن الخيمي (ت642هـ) أنّه أخذ في بغداد على ابن الخشاب وابن الأنباري وابن القصاد.
ويبدو أنّ هؤلاء كانوا الرواد الذين غرسوا بذرة الدرس النحوي في الحلة حتّى أصبحت مركزاً من مراكزه.
ومن نحاة الحلة:
ـ أبو الفتوح نصر بن علي بن منصور المعروف بابن الخازن (ت600هـ).
ـ نجيب الدين يحيى بن أحمد الهذلي (ت689هـ).
ـ غياث الدين عبد الكريم بن أحمد بن طاووس (ت693هـ)، الذي درس على أبن إياز (ت681هـ) ببغداد.
ـ جمال الدين الحسن بن يوسف المعروف بالعلامة الحلي (ت726هـ)، له، (بسط الكافية) في اختصار شرح الكافية.
ـ الشيخ أحمد النحوي (ت1183هـ)، له: أراجز في العربية والبلاغة.
ـ السيد سليمان الصغير (ت1247هـ) له: أرجوزة في العربية سمّاها (نظم الجمل)، وحاشية على شرح الفاكهي سمّاها (الدرر الحليّة في إيضاح غوامض العربية).
ـ محمد بن الحسن القزويني (ت1300هـ)، له: شرح على ألفية ابن مالك وغير هؤلاء.
وقد كان ازدهار الحركة العلمية في الحلة منذ القرن السادس الهجري حتّى نهاية القرن الثامن الهجري، ثمّ بدأت بالضمور حتّى انحسرت، ولعل هذا بسبب قربها من النجف الأشرف، وتمركز الدراسة في النجف.
أوروبا
يقول الأستاذ سليمان([213]): «واتصلت إيطاليا منذ القدم بالشرق اتصالاً وثيقاً متنوع الجوانب، وحظيت فيها اللغة العربية واللغات الشرقية بحظ وافر من الترجمة والحفظ والتعليم والنشر.
وقد عنيت الجامعات الإيطالية بالدراسات العربية والإسلامية منذ القرن الحادي عشر (الميلادي) في جامعات روما ونابولي وفلورنسا وبادوي، ولا زال هذا الاهتمام موجوداً حتّى وقتنا الحاضر».
ولأنّنا نعلم أنّ سقوط قرطبة العربية كان في سنة 1236م أي في القرن الثالث عشر الميلادي، وسقوط دولة غرناطة العربية كان في سنة 1492م أي في القرن الخامس عشر الميلادي، يأتي من المستقرب جداً أن يكون النحو وما إليه من مواد العربية قد امتدّ في القرن السادس الهجري، من الأندلس إلى إيطاليا، ومنها نحا نحو بريطانيا وفرنسا وهولندا، ثم انتشر في القرن التاسع عشر الميلادي في الجامعات الأوروبية الأخرى التي ستذكر أسماؤها بعد قليل.
ومما ذكره الأستاذ سليمان في مقاله الملمح إليه في الهامش من مراكز علمية تدرس فيها اللغة العربية ما يلي:
(في إيطاليا):
ـ معهد الدراسات الشرقية ـ كلية الآداب ـ جامعة روما.
ـ المعهد البابوي للدراسات الشرقية بروما.
(في بريطانيا):
ـ جامعة اكسفورد، بدأ درس العربية فيها منذ سنة 1311م.
ـ جامعة كمبردج، بدأ درس العربية فيها منذ سنة 1633م.
ـ جامعة لندن، بدأ درس العربية فيها منذ سنة 1828م.
ـ جامعة درهام.
ـ جامعة فيكتوريا.
ـ جامعة ليدز.
ـ جامعة ويلز.
ـ جامعة ليفربول.
ـ جامعة سانت أندروز.
ـ جامعة جلاسجو.
ـ جامعة أدنبره.
ـ كلية ترينيتي ـ دبلن.
ـ مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية ـ لندن.
وأضيف إليها:
ـ جامعة مانشستر.
ـ جامعة أكستر.
(في فرنسا):
ـ جامعة باريس، بدأ درس العربية فيها منذ سنة 1311م.
ـ معهد فرنسا ـ باريس.
ـ جامعة بوردو ـ معهد آداب اللغة العربية والتمدن الإسلامي.
ـ جامعة ليون.
وأضيف إليها:
ـ جامعة إكس أون بروڨونس.
ـ جامعة مونبلييه.
(في النمسا):
ـ جامعة ڨيينا، بدأت الدراسات العربية والإسلامية فيها منذ منتصف القرن السادس عشر.
ـ جامعة جراتس.
ـ جامعة وانسبروك.
(في السويد والنروج):
«كانت جامعة أوبسالة ـ وهي أقدم جامعات السويد وأكبرها ـ أوّل ما درس العربية فيها، وذلك منذ القرن السابع عشر الميلادي.
وتعنى جامعات لوند وأوسلو وجوتنبورج بالدراسات العربية ضمن عنايتها باللغات السامية».
(في هولندا):
ـ جامعة ليدن، بدأ درس العربي فيها منذ عام 1613م.
ـ جامعة أمستردام.
ـ جامعة أوترخت.
ـ المعهد الشرقي لدراسة الشرق والإسلام.
ـ المعهد الهولندي لآثار وفقه لغات الشرق الأدنى.
(في بلجيكا):
– جامعة بروكسل، بدأ تدريس العربية فيها منذ 1834م.
ـ معهد الألسن والتاريخ الشرقي بجامعة بروكسل.
ـ جامعة لييج.
(في فنلندا):
ـ جامعة هلسنكي، بدأ درس العربي فيها منذ منتصف القرن التاسع عشر.
(في تشيكوسلوڨاكيا):
ـ جامعة تشارلس ببراغ.
(في يوغسلاڨيا):
ـ جامعة بلغراد.
(في المجر):
ـ جامعة يوجيف ايتلا.
ـ جامعة بودابست ـ المعهد الشرقي.
ـ جامعة بودابست ـ معهد آسيا.
(في ألمانيا):
«ازدهرت الدراسات العربية والشرقية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية في جامعات:
ـ برلين.
ـ بون.
ـ فرانكفورت.
ـ هامبورج.
ـ ليبزج.
ـ كولن.
ـ هاله.
- كييل.
ـ هايدلبرج.
ـ مونستر.
(في الدانمارك):
ـ جامعة كوبنهاگن.
(في بولونيا):
ـ جامعة فرسوفيا.
ـ جامعة كراكوفيا.
وقد ألف الكثير من المستشرقين في المادة النحوية العربية.
الهند
ذكر السيد عبد الحي الحسني في كتابه (الثقافة الإسلامية في الهند) أنّ الدراسة الإسلامية العربية بدأت في بلاد الهند القرن السابع الهجري.
وأهم المدن التي كانت مراكز للدراسة الإسلامية العربية: ملتان. لاهور. دهلي. گجرات. جَوْ نپور. لكنهؤ.
وممن قصد گجرات أيام ازدهار العلم والتعلم فيها ابن الدماميني (ت838هـ)[827] ـ كما مر فيما تقدمه من حديث عن الدراسة بمصر ـ، والخطيب الكازروني، والعماد الطارمي، ودرّسوا فيها وتخرّج بهم جماعة كبيرة.
وسرد الحسني في كتابه المذكور من الصفحة العشرين إلى الصفحة الثالثة والعشرين أسماء مصنفات أهل الهند في النحو، فعدَّ أكثر من ثمانين مصنفاً، مع ذكر أسماء مؤلفيها.
ومن المؤلفين الذين أرّخ لوفياتهم:
ـ إسحاق الدهلوي (ت690 هـ).
ـ فخر الدين الزرادي (ت738هـ).
ـ كبير الدين الناگوري (ت858هـ).
ـ محمود بن محمد الدهلوي (ت891هـ).
ـ جمال الدين بن نصير الدين الدهلوي (ت983هـ).
ـ جمال الدين بن ركن الدين الگجراتي (ت1124هـ).
ـ أحمد بن مسعود الحسيني الهرگامي (ت1175هـ).
ـ شمس الدين بن أمير الدين الحيدرآبادي (1283هـ).
والذي يظهر من تاريخ الحضارة الإسلامية في الهند أنّ النحو العربي امتد، إلى بلاد الهند من خراسان بفارس.
ولعل ذلك لقرب المسافة بين البلدين، ولقيام الاتصال الحضاري والاجتماعي بين مجتمعاتهما.
ولا تزال الدراسة الإسلامية العربية المسجدية قائمة حتّى الآن في باكستان والهند وبنغلادش، في أكثر من حاضرة من حواضرها.
كما تقوم في بلدان الهند حالياً الجامعات التي تحتوي مناهجها دراسة العربية أمثال:
ـ جامعة عليگرة الإسلامية في الهند.
ـ الجامعة العثمانية في حيدرآباد بالهند.
ـ جامعة البنجاب في لاهور بباكستان.
ـ جامعة كراتشي بباكستان.
ـ جامعة مدراس.
بلاد الروم
ومن دمشق وحلب ـ بحكم الاتصال الجغرافي والاجتماعي ـ امتد النحو إلى بلاد الروم ـ المعروفة حالياً بتركيا ـ، وكان ذلك في القرن الثامن الهجري.
وكانت بورصة وأدرنة والقسطنطينية وكوتاهية من مراكز درسه، لأنّها كانت حواضر الدراسة الإسلامية العربية، وفيها أنشئت المدارس لذلك، أمثال:
ـ المدرسة الجامعية في أدرنة.
ـ مدرسة الأمير حمزة في بورصة.
ـ مدرسة ابن ولي الدين في بورصة أيضاً.
ـ مدرسة رستم باشا في كوتاهية.
ـ مدرسة الفناري في قسطنطينية.
وممن قدم إلى بلاد الروم من نحاة وأقرأ فيها:
ـ علي بن أسمح البعقوبي الملقب بمتّ (ت710هـ) الذي «أخذه التتار من بعقوبة صغيراً واشتغل وتميز وسكن الروم وولي مشيخة دار الحديث بها وهو شاب، وفارق الروم وأقام بدمشق للإفادة»([214]).
ـ حيدرة الشيرازي الرومي (ت بعد 820هـ)، قال السيوطي: «أخذ عن التفتازاني، وشرح الإيضاح للقزويني شرحاً ممزوجاً، وقدم الروم وأقرأ»([215]).
ـ محمد المغربي الأندلسي (ت840هـ) الذي «أقام بحماه مدة وولي قضاءها، ثمّ توجّه إلى الروم فأقام بها، وأقبل عليه الناس، مات ببرصا في شعبان سنة أربعين وثمانمائة»([216]).
ـ علي بن عيسى الفهري (819هـ)، أقرأ في بورصة.
ـ محمد بن حمزة الرومي (ت834هـ) أقرأ ببورصة.
ومن نحاة الروم:
ـ محمد النكساري (ت901هـ).
ـ إبراهيم بن حسن الشيشري (ت915هـ).
ـ محمد البردعي (ت927هـ).
ومن مشاهير نحاتهم:
ـ أحمد بن سليمان المعروف بـ (ابن كمال باشا) المتوفى سنة 940هـ، درّس في أدرنة والقسطنطينية، وله (أسرار النحو).
ـ محمد بن بيرعلي المعروف بيركلي أو بركوي (ت981هـ)، أصله من قصبة (بالي كسرى)، ودرّس في قصبة (بركي) فنسب إليها([217])، ومن أشهر مؤلفاته: إظهار الأسرار والعوامل.
ـ مصطفى بن حمزة الأطه وي أو الآطه لي (وتلفظ أَضَلي)، له: نتائج الأفكار شرح إظهار الأسرار، انتهى من تأليفه سنة 1085هـ.
روسيا
وفي بلاد الروس تقوم أكثر من جامعة تدرس فيها العربية، أمثال:
ـ جامعة خاركوف، بدأ درس العربية فيها منذ عام 1805م.
ـ جامعة قازان، بدأ درس العربية فيها منذ عام 1807م.
ـ جامعة موسكو ـ معهد الألسن، وأنشئ عام 1811م.
ـ جامعة بطرسبورج ـ كلية اللغات الشرقية.
ـ جامعة طاشقند.
أميركا
وأشهر الجامعات الامريكية التي تعنى بتدريس العربية هي:
ـ جامعة هارفاد في كمبردج.
ـ جامعة برنستون.
ـ جامعة كولومبيا في نيويورك.
ـ جامعة ييل.
ـ جامعة ميتشغن.
ـ جامعة كاليفورنيا.
ـ جامعة جونزهوبكنز.
الجامعات العربية
وما سوى ما ذكرت من الجامعات العربية فيما تقدمه، هناك جامعات عربية أخرى تشتمل على أقسام للغة العربية، فتشكل بدورها مراكز لدرس العربية، منها:
1 ـ الجامعة الأردنية ـ عمّان ـ الأردن.
2 ـ جامعة اليرموك ـ أربد ـ الأردن.
3 ـ الجامعة اللبنانية ـ بيروت ـ لبنان.
4 ـ جامعة بيروت العربية.
5 ـ الجامعة الأميركية ـ بيروت ـ لبنان.
6 ـ جامعة القديس يوسف ـ بيروت ـ لبنان.
7 ـ جامعة تشرين ـ اللاذقية ـ سورية.
8 ـ جامعة المستنصرية ـ بغداد ـ العراق.
9 ـ جامعة الملك سعود ـ الرياض.
10 ـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ الرياض.
11 ـ جامعة الملك عبد العزيز ـ جدة ـ.
12 ـ جامعة أم درمان الإسلامية ـ الخرطوم ـ السودان.
13 ـ جامعة الخرطوم ـ الخرطوم ـ السودان.
14 ـ جامعة القاهرة فرع الخرطوم ـ الخرطوم ـ السودان.
15 ـ جامعة أسيوط ـ أسيوط ـ مصر.
16 ـ جامعة أسيوط ـ المنيا ـ مصر.
17 ـ جامعة أسيوط ـ سوهاج ـ مصر.
18 ـ جامعة الزقازيق ـ الزقازيق ـ مصر.
19 ـ جامعة طنطا ـ طنطا ـ مصر.
20 ـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ أبها.
21 ـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ الأحساء.
22 ـ جامعة الملك سعود ـ أبها.
23 ـ جامعة أم القرى ـ الطائف.
24 ـ جامعة الملك عبد العزيز ـ المدينة المنورة.
25 ـ جامعة الكويت ـ الكويت.
26 ـ جامعة الإمارات العربية المتحدة ـ العين.
27 ـ كلية الآداب ـ المنامة ـ البحرين.
28 ـ جامعة قطر ـ الدوحة ـ قطر.
29 ـ جامعة بيرزيت ـ فلسطين.
30 ـ جامعة بيت لحم ـ فلسطين.
31 ـ جامعة النجاح ـ فلسطين.
32 ـ كلية الآداب ـ نواكشوط ـ موريتانيا.
أفريقيا (غير العربية)
ولا ننسى أن نشير هنا إلى أنّ هناك في أفريقيا وفي العديد من جامعاتها توجد أقسام للغة العربية، كما في جامعات نيجيريا التالية:
ـ جامعة صوكوتو ـ صوكوتو.
ـ جامعة بايرو ـ كانو.
ـ جامعة أبادن ـ أبادن.
ـ جامعة أحمد بلّو ـ زاريا.
ـ جامعة ماي دوغري ـ ماي دوغري.
وقد يكون دخول درس العربية الجامعات الأفريقية جاء عن طريق التأثّر بالجامعات الأوروبية منهجاً ومواد.
جدول (1) أمكنة امتداد النحو
مصر
المدينة مكة الكوفة الأندلس الموصل
اليمن بغداد المغرب أوروبا إربل
فارس حلب دمشق الحلة النجف روسيا أمريكا أفريقيا غير العربية
ما وراء النهر الهند الروم
جدول (21) أزمنة امتداد النحو
| المركز | القرن الهجري |
| البصرة | الأول |
| مكة | الأول |
| المدينة | الأول |
| الكوفة | الثاني |
| بغداد | الثاني |
| الموصل | الثاني |
| إربل | الثاني |
| الأندلس | الثاني |
| المغرب | الثاني |
| فارس | الثاني |
| ما وراء النهر | الثاني |
| مصر | الثالث |
| دمشق | الرابع |
| حلب | الرابع |
| النجف | الخامس |
| اليمن | الخامس |
| الحلة | السادس |
| أوروبا | السادس |
| الهند | السابع |
| الروم | الثامن |
| روسيا | الرابع عشر |
| أميركا | الرابع عشر |
| أفريقيا غير العربية | الرابع عشر |
الدكتور عبد الهادي الفضلي
التأويل النحوي وأثره
في تصعيب تعليم العربية
من أنواع تعقيد النحو (كثرة التأويل)، التي جر إليها وضع قواعد، مبنية على الاستقراء الناقص، كما شرح ذلك الدكتور الخثران في كتابه «ظاهرة التأويل النحوي»، فذكر أنّ النحاة حرصوا على إطراد بناء قواعدهم، بتأويل ما نفر عنها، ولو كان ذلك التأويل بعيداً. وقد حاولوا أن يرسوا مبدأ (القياس) في اللغة، فوقعوا في أخطاء عديدة، وذلك من أسباب سيطرة المنطق التجريدي، والحرص على اطراد القواعد، دون أن يلاحظوا أنّ اللغة وصفية، وأنّ قوانينها اعتباطية، وأنّها مستويات عديدة، تختلف أصواتها وتراكيبها، تبعاً لاختلاف اللهجات، ولكنهم لم يدركوا ذلك، فخلطوا بين مستويات الأداء اللغوي الواحد، وتصوّروا أنّ اللغة واللهجات، تنتمي إلى مستوى واحد. وأنّ اللغة ليست شيئاً غير مجموع اللهجات القبلية، فاضطروا إلى التأويل والتخريج، والتبرير و(التشديد).
وهذه المسألة أخطر الأمور في بناء النحو العربي، لأنّ هذا الخلط بين مستويات الأداء اللغوي المختلفة أنتج تصوّراً خاطئاً. وهو أنّ اللغة هي مجموع اللهجات التي ينطق بها العرب، وقد خلف ذلك أعمق الأثر في البحوث اللغوية عامة، والنحوية خاصة. ولو أتيح للتحليل النحوي واللغوي أن يخلص من هذا الخلط، وأن يصل إلى تحديد لمستوى النصوص التي تناولها بالدرس، لأمكن تذليل عقبة عصية من العقبات التي اعترضته، وبددت جهوده واستنفدت طاقاته، كما قال الدكتور أبو المكارم. ولذلك صار التأويل في كتب النحو أساس الفهم، من ذلك أنّهم اعتبروا (إذا) و(إن) من الأدوات المختصة بالأفعال. فإذا دخلت على اسم، زعموا دخولها خلافاً للأصول، بناء على القواعد التي وضعوا، فأوّلوا آيات كثيرة، دخلت فيها هاتان الأداتان على الأسماء، فضلاً عن أشعار العرب. وأقرب مثل على ذلك آيات في جزء عمّ، تجاوزن بضع عشرة آية، منها في سورة «التكوير» {إذا الشمس كوّرت} اثنتا عشرة آية في سورة واحدة أولها أغلب النحاة فقالوا: إنّ الأصل (إذا كوِّرَتْ الشمس كوِّرَتْ). ولو تحرّوا الأسلوب الوصفي، لاعتبروا دخولها على الأسماء عادياً لا شذوذ فيه، وأعربوا ما بعدها مبتدأ وخبراً، كما قال سيبويه والكوفيون، وذلك خير من القول في كتاب الله بغير علم. لكنّهم اعتبروا التقدير المبني على التأويل، أساس الصنعة النحوية، وصكوا لذلك قولاً سائراً يخير الإنسان بين أن يكون إنساناً راقياً، حين يحسن التقدير والتأويل ، أو حيواناً غبياً حين لا يحسن التعليل والتقدير فقالوا «لولا الحذف واتقدير، لعرف النحو الحمير». على أنّ للمفكرين في المجال الديني واللغوي والاجتماعي رأياً آخر، في هذه القضية.
فقد نبّه بعض العلماء والمفسّرين إلى خطورة التأويل الذي ينتج عن وضع قوانين نحوية، تطرد فيها الأحكام، رغم أنّ هذه القوانين مبنية على استقراء ناقص للظواهر اللغوية. وقد أدّى ذلك إلى تخطئة كل ما يخالف القواعد من نصوص، وهذا يعني افتراض (اطراد) لغوي، لا يعتمد على واقع اللغة ذاتها، بل يبتعد عن القواعد المرنة، المستنبطة من المستويات اللغوية المختلفة.
لذلك نجد ابن القيم يحذر من التعويل على كلام أهل النحو وأهل اللغة من دون مناقشة، فيقول «ولا ريب أنّ أبا بشر ـ رحمه الله ـ (يعني سيبويه) ضرب في هذا العلم القدح المعلى، وأحرز من قصبات سبقه، واستولى منه على ما لا يستولي عليه غيره. فهو المجلّي في هذا المضمار، ولكن لا يوجب ذلك أنّه أحاط بجميع كلام العرب، وأنّه لا حق إلا ما قاله» وقد نبّه العكبري، (أو تلميذه ابن عدلان) شارح ديوان المتنبي، إلى أنّ الأصول والقواعد لم تكن في جميع الأحيان نتيجة استقراء شامل لجميع الظواهر اللغوية، فقال: «كيف نجعل ما وضع النحويون، من ما لا أصل له ولا ثبات، حجة على لسان العرب الفصحاء، هذا لا يكون ولا يحتج به إلا جاهل».
وقد حذر ابن جني من هذا الصنيع، داعياً إلى تصحيح القواعد النحوية التي لا توافق النصوص العربية. فقال، بعد أن عرض كثيراً من الأمثلة التي يلاحظ فيها عند اعتبار المعنى المناسب، تهافت التقدير والتأويل إلى ما يجره تقدير الإعراب وفقاً للصنعة النحوية من خلل في المعنى المناسب: «ألا ترى إلى الفرق بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى. فإذا مرّ بك شيء من هذا من أصحابنا، فاحفظ نفسك منه ولا تسترسل إليه. فإن أمكنك أن يكون تقدير الإعراب على سمت تفسير المعنى، فهو ما لا غاية وراءه. وإن كان تقدير الإعراب مخالفاً لتفسير المعنى، تقبلت تفسير المعنى على ما هو عليه، وصححت طريق الإعراب، حتّى لا يشذ شيء منها، وإياك أن تسترسل، فتفسد ما تؤثر إصلاحه».
قال الدكتور الخثران في كتاب «التأويل النحوي»: «ويلاحظ أنّ هناك آيات كثيرة أولت، لأنّها في نظرهم جاءت على خلاف القياس النحوي، فهل كان هذا ناتجاً في نقص في استقراءاتهم للغة؟ فكأنّ نحوهم ضيق لا يتسع لتلك الآيات، وكان الأجدر بالنحاة استقراء القرآن الكريم، قبل تحرير القواعد، لأنّ القرآن الكريم قد سبق الشعر في التدوين، حيث كتب في المصاحف في عهد مبكر. فكان ينبغي عليهم الاعتماد عليه في تقعيد القواعد، حيث إنّه أفصح نص وصل إلينا، ولو اعتمدوا عليه، وجعلوه المصدر الأوّل في التقعيد، لسلمت قواعدهم في ضوء آيات القرآن الكريم». ولو فعلوا ذلك واعتمدوا على نصوص النثر الجاهلي والأموي، في المستوى الاحتفالي الخطابي، وفي المستوى العادي (المحادثة)، لبنوا النحو على أسس راسخة.
ولذلك قال ابن القيم: «لا يجوز أن يحمل كلام الله عزّ وجلّ ويفسر، لمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام. فإنّ هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن، فإنّهم يفسّرون الآية ويعربونها بما تحتمله تلك الجملة. ويفهم من ذلك التركيب بأي معنى اتفق. وهذا غلط عظيم يقطع السامع أنّ مراد القرآن غيره، وإن احتمل التركيب هذا المعنى، في سياق آخر وكلام آخر، فإنّه لا يلزم أن يحتمله القرآن».
لقد جرت الصناعة النحوية إلى خلل منهجي في تفسير الذكر الحكيم، لأنّ إخضاع القرآن الكريم إلى هذا المنهج جر إلى مفارقات غير مقبولة، لا في العقل ولا في الدين، تنال أيضاً من بلاغة الذكر الحكيم.
ومن أسباب كثرة التأويل اعتماد النحاة لغة الشعر أساساً للتقعيد. لقد ظن كثير من النحاة أنّ لغة الشعر كلغة النثر، بل ظنّ بعضهم أنّ لغة الشعر أهم من لغة النثر. لذلك سارعوا إلى حفظه، وسارعوا للاستشهاد به. والناظر في أي كتاب من كتب النحو المتأخرة، يرى أنّها تزخر بشواهد الشعر. ويرى اعتماد كثير من القواعد عليها.
وقد أهمل هؤلاء النحاة المنهاج الذي اختطه النحاة الأوائل، فيما ألفوا من كتب، غلبت فيها شواهد النثر على شواهد الشعر، وغلبت فيها النماذج على القواعد، كما فعل سيبويه رحمه الله، فإنّه قد جمع في كتابه من شواهد القرآن وما ورد من كلام العرب، ما أربى على شواهد الشعر. لقد ظن النحاة أنّ لغة الشعر كلغة النثر، صالحة لتحديد قواعد الكلام، وأنّ الشاعر إذا خالف القواعد، فإنما يكون قد وقع في ضرورة.
وقد فاتهم أنّ للشعر لغة خاصة لا ينبغي اعتبارها معياراً للنثر، كما قال الخليل بن أحمد: «الشعراء أمراء الكلام، يصرفونه أنّى شاؤوا، يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللفظ، وقصر ممدوده، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلّت الألسن عن وصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقرّبون البعيد ويبعدون القريب ويحتج لهم ولا يحتج عليهم». قال أبو إسحاق الشاطبي يلوم النحاة على اعتماد الشعر وحده: «أمّا الاعتماد على الشعر مجرداً عن نثر شهير، يضاف إليه أو يوافق لغة مستعملة، يحمل ما في الشعر عليها. فليس بمعتمد عند أهل التحقيق، لأنّ الشعر محل الضرورات».
وما أحسن نهج أبي حيان، عندما ردّ الشواهد التي استشهد بها، من أجاز تقديم الحال على صاحبها المجرور، على الرغم من كثرتها. وقال: «وهذا الذي يستدل به من السماع، ـ على تقدير أنّه لا يتصوّر تأويله لا حجة فيه، لأنّه شعر والشعر يجوز فيه ما لا يجوز في الكلام، ولو أنّ النحاة أحسنوا صنعاً، لاستقرأوا القرآن الكريم، واستمدّوا منه نماذجهم وأضافوا إليه النثر الاحتفالي (الخطابي والكتابي) في العصر الجاهلي والعصر الراشدي والأموي، وأضافوا إليهما النثر العادي في محادثات الناس لو فعلوا ذلك لوضعوا أساساً محكماً، لمستوى اللغة العالي الاحتفالي، والشفوي العادي، فسلمت قواعدهم من كثير التأويل. قال الزيات في مقالة «آفة اللغة هذا النحو(أصول الآداب): «إنّ ما تجده في النحو من التناقض والشذوذ وتعدّد الأوجه، وتباين المذاهب إنما هو أثر لاختلاف اللهجات في القياس… وليس من شك في أنّ دراسة النحو على هذا الشكل تفيد في بحث اللهجات في اللغة، ولكن دراسته لضبط اللغة وتقويم اللسان أمر مشكوك فيه كل الشك، ونحن اليوم وقبل اليوم نستعمل لغة واحدة، ونلهج في الفصيح لهجة واحدة، فلمإذا لا نجرد من النحو القواعد الثابتة التي تحفظ هذه اللغة، وتقوم تلك اللهجة وندع ذلك الطم والرم لمؤرخي الأدب، وفقهاء اللغة، وطلاب القديم؟».
ومن الأمور التي عقدت اللغة، الإغراق في التقسيمات، التي ليست لها فائذة عملية، تناسب ما يصرف عليها من وقت وجهد. مثال ذلك مواضع الابتداء بالنكرة، فلم يشترط سيبويه والمتقدمون، لجواز الابتداء بالنكرة، إلا حصول الفائدة. لكن المتأخرين ـ كما قال الأشموني ـ «رأوا أنّه ليس كل أحد يهتدي إلى مواضع الفائدة، فتتبعوها، فمن مقل ومخل، ومن مكثر مورد ما لا يصح، ومعدد لأمور متداخلة»، ومثل ذلك تقسيمات أهل البلاغة في التشبيه والاستعارة، وتقسيم النحاة الاتصال والانفصال في مفعول الضمائر، وما ترتب عليه من الخلاف وتعدد الآراء، مع أنّه كما قال الدكتور محمد عيد في (كتاب «النحو الوصفي») «جهد شاق ولا حاجة بنا إليه»، ولقد أدّى الحرص على التقعيد إلى كثرة الأقسام وكثرة الشروط، كشروط التعجب والتفصيل، والفصل والوصل، لأنّ هذا الإغراق أدّى إلى العناية بالصناعة اللغوية، على حساب المعنى، مع أنّ المعنى هو الأساس.
هذه الأمور أدّت إلى غموض اللغة، وإضعاف ملكة البيان، لأنّ اللغة أصبحت مسألة صناعة، فصار الإنسان يعرب وهو ينطق، ويقدر وهو يكتب، وكأنّه صار من الضروري، أن يركب الإنسان في رأسه شريطاً قواعدياً، نحوياً وصرفياً وإملائياً، يمكن أن نسمّيه (الكتاب) أو سيبويه الصغير، لكي يتعلم اللغة. وهذا أمر فظيع، لا يمكن أن يكون وسيلة عملية، لتعليم اللغة، لأنّ اللغة مهارة طبيعية، تكتسب بالتمرس، على الأنماط اللغوية سماعاً وفهماً، وقراءة وكتابة ومحادثة.
د. عبدالله الحامد
ظالم بن عمرو أبو الأسود الدؤلي
واضع علام النحو
كان أبو الأسود الدؤلي «من وجوه التابعين وفقهائهم ومحدثيهم وهو كان الأصل في بناء النحو وعقد أصوله»([218]). وعنه يقول الجاحظ: «أبو الأسود الدؤلي معدود في طبقات من الناس، وهو في كلها مقدم، مأثور عنه الفضل في جميعها، كان معدوداً في التابعين والفقهاء والشعراء والمحدثين والأشراف والفرسان والأمراء الدهاة والنحويين والحاضري الجواب والبخل والصلع الأشراف والبخر الأشراف»([219]). ونرى في أبي الأسود أيضاً صفات تدعو إلى الإكبار والإجلال. يتعلق بالله من عميق إيمان:
وإذا طلبت من الحوائج حاجة
فادع الإله وأحسن الأعمالا
فليعطينك ما تشاء بقدرة
فهو اللطيف لما أراد فعالا
إنّ العباد وشأنهم وأمورهم
بيد الإله يقلب الأحوالا
فدع العباد ولا تكن بطلابهم
لهجاً تضعضع للعباد سؤالا([220])
هذا الترفّع ينتج عن إيمان وعن إعزاز للنفس يتدبره عقل واع، فهو حين شاخ لم يكن يقعد في البيت وإنما كان يخرج كي يبقى مهاباً محترماً في منزله وكي يبقى على صلة بالحياة. وما كان يرضى الهبة، قال يوماً لصديق أراد أن يهبه فروة:
بعني نسيب ولا تثبني إنّني
لا أستثيب ولا أثيب الواثبا
ولم يكن ميسور الحال باستمرار([221])، ولعل هذا ما يفسر اتهام الناس إياه بالبخل، والحقيقة أنّه كان مقتصداً يتدبر أمره مما يدره عليه رزق كان له، إذ يتحدث عنه صاحب الأغاني كمقتني إبل يساوم في أثمانها. والملاحظ أنّ أبا الأسود لم يحترف الشعر ولم يمدح لأجل أن يُعطى، كما أنّه لم يهج برغم أنّ له من الأجوبة اللاذعة ما يسجل، وبرغم ما يقول عن لسانه:
فإن لساني ليس أهون وقعة
وأصغر آثاراً من النحت بالفاس
وإن تعرّض لأحد بهجاء، فإنّ ما يقوله مقبول لدرجة أنّ المهجو يتمثل به. قال أبو الأسود للحصين، في نهاية أبيات عرض فيها رفض الأخير شفاعته:
يصيب وما يدري ويخطي وما يدري
وكيف يكون النوك إلا كذلكا
وكان الحصين يتمثل بهذا الشعر عندما يقضي بين الناس([222]):
الحق أنّه من النادر أن نلتقي بشاعر في العصر الأموي وفي العراق هذه صفاته. ولنقرأ هذا الشعر قاله لصديق له، كان قد حكم عليه بالحق:
ولا تدعني للجور واصبر على التي
بها كنت أقضي للبعيد على أبي
وإنّي امرؤ أخشى إلهي وأتقي
معادي وقد جربت ما لم تجرّب
هذا هو أبو الأسود الإنسان، رجل مؤمن تقي عالم، يتدبّر أموره بعقل وروية، ويترفع بنفسه عن كل ما يؤذيها. وكان هكذا في شعره، لم يتكسب به، ولم يتسلط به أيضاً برغم أنّه كان محتاجاً لدرجة أن يُكسى ثوباً أو ليُسدد عنه دين وبرغم أنّ لسانه ما كان كليلاً إنّه طراز من الشعراء نادر وإن لم يُعرف، في المقام الأول، كشاعر.
ما كان أبو الأسود يمدح وما كان يهجو، وهذه مواضيع في الشعر العربي رئيسية حتّى أنّها كانت تحدد من منزلة الشاعر، وهذا ما لم يأبه له. ولو كان محباً للمال، كما يقولون، لاهتم باستغلال شعره. وما كان ليفعل، وهو الإنسان العالم الذي كان العقل رائده في مجمل تصرفاته، إضافة إلى أنّه كان يسترشد الإله وحده في سلوكه.
إذا فيم كان يقول الشعر؟ الواقع أنّ اطلاعاً سريعاً على شعر أبي الأسود يفيد أنّه كان ينظم الشعر في الأمور اليومية التي كانت تعرض له؛ وهذا أمر جديد على الشعراء، وفي تأييد مذهبه.
كان يتناول، في شعره، أمور حياته، حتّى الصغيرة جدّاً منها. أراد جاره خداعه في شراء ناقة منه، فقال له: بئست الخلتان فيك: الحرص والخداع وأنشد([223]):
يريد وثاق ناقتي ويعيبها
يخادعني عنها وثاق بن جابر
فقلت: تعلم يا وثاق بأنّها
عليك حمى أخرى الليالي الغوابر
بصرت بها كوماء حوساء جلدة
ومنم الموليات الهام حدّ الظواهر
فحاولت خدعي والظنون كواذب
وكم طامع في خدعتي غير ظافر
ولم يكن تناوله لهذه الأمور العادية عادياً، بل كان تناول الإنسان المفكر المتبصر الذي يصل، من خلال معالجة القضية اليومية، إلى تعميم يهم الناس جميعاً. كان يعرض القضية ويستوفي تفصيلاتها ثم ينتهي بحكم عام يصح أن يتخذ حكمة أو مثلاً:
بلغه أنّ زياداً يوقع به، فقال فيه كثيراً، ومما قاله هذه الأبيات([224]):
نبّئت زياداً ظل يشتمني
والقول يكتب عند الله والعمل
وقد لقيت زياداً ثم قلت له
وقبل ذلك ما خبّت به الرسل
حتّى م تسرقني في كل مجمعة
عرضي، وأنت إذا ما شئت منتفل
كل امرئ صائر يوماً لشيمته
في كل منزلة يبلى بها الرجل
أبو الأسود، في هذه الأبيات، إنسان مؤمن بالله، يستوحي تعاليمه في سلوكه وفهمه للأمور، وينظر بعقل لما يجري معه، فيخلص إلى حكمة إنسانية عامة تتحول بالقضية الصغيرة الفردية إلى قضية كبيرة عامة.
ـ «خطب أبو الأسود امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء، فأسر أمرها إلى صديق، فحدث به ابن عم لها كان يخطبها ـ وكان لها مال عند أهلها ـ فمشى ابن عمها الخاطب لها إلى أهلها الذين مالها عندهم، فأخبرهم خبر أبي الأسود، وسألهم أن يمنعوها من نكاحه ومن مالها الذي في أيديهم ففعلوا ذلك، فضاروها حتّى تزوجت بابن عمها، فقال أبو الأسود الدؤلي([225]).
لعمري لقد أفشيت يوماً فخانني
إلى بعض من لم أخش سرّاً ممنّعاً
فمزّقه مزق العمى وهو غافل
ونادى بما أخفيت منه فأسمعا
فقلت ولم أفحش لعلك عاثر
وقد يعثر الساعي إذا كان مسرعا
ولست بجازيك الملامة إنّني
أرى العفو أدنى للرشاد وأوسعا
ولكن تعلم أنّه عهد بيننا
فبن غير مذموم ولكن مودعا
حديث أضعناه كلانا فلا أرى
وأنت نجياً آخر الدهر أجمعا
وكنت إذا ضيّعت سرّك لم تجد
سواك له إلا أشت وأضيعا»
ويتناول القضية ذاتها مشبهاً إذاعة السرّ بالنار الموقدة عالياً مكثفاً من حكمه:
«أمنت أمراً في السرّ لم يكن حازماً
ولكنه في النصح غير مريب
أذاع به في الناس حتّى كأنّه
بعلياء نار أوقدت بثقوب
فما كل ذي نصح يؤتيك نصحه
وما كل مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحد
فحق له من طاعة بنصيب»
وأحياناً يأتي تناوله لقضية مركزاً في موقف، منذ البداية. وذلك عندما تكون للقضية عنده بالغة الشأن: حكم على صديقه، فقال له: والله ما بارك الله لي في صداقتك، ولا نفعني بعلمك وفقهك… فقال أبو الأسود([226]):
إذا كنت مظلوماً فلا تلف راضياً عن
القوم حتّى تأخذ النصف واغضب
أرادت ابنته نهيه عن الذهاب إلى فارس فقال([227]):
إذا كنت معنياً بأمر تريده
فما للمضاء والتوكل من مثل
توكل وحمل أمرك الله إن ما
تراد به آتيك فاقنع بذي الفضل
لزم ابنه منزله قائلاً: «إن كان لي رزق فسيأتيني»، فقال له أبو الأسود([228]):
وما طلب المعيشة بالتمني
ولكن ألق دلوك في الدّلاء
تجئك بملئها يوماً ويوماً
تجئك بحمأة وقليل ماء
وهذا الموقف من أبي الأسود يتناسب ونظره العقلي إلى الأمور. ولعل «وما طلب المعيشة بالتمني…» يذكر بـ «وما نيل المطالب بالتمني» لشوقي. وأبو الأسود، في الشطر الثاني، دعا إلى الصراع ولكن على شكل صورة منتزعة من الحياة اليومية في حين أطلق شوقي «ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً» الحكم. وأحياناً كان يتناول القضية بطريقة سردية مشوقة ينتهي بتساؤل هو أقرب إلى التأكيد وكأنه يريد مشاركة الآخرين في إطلاق الحكم.
خدعته([229]) امرأة فتزوجها وكانت على عكس ما ادّعت، فجمع أقاربها وقال لهم:
أريت أمرأ كنت لم أبله
أتاني فقال اتخذني خليلا
فخاللته ثم أكرمته
فلم استفد من لدنه فتيلا
وألفتيه حين جرّبته
كذوب الحديث سروقا بخيلا
فذكرته ثم عاتبته
عتاباً رفيقاً وقولاً جميلا
فألفيته غير مستعتب
ولا ذاكر الله إلا قليلا
ألست حقيقاً بتوديعه
واتباع ذلك صرماً طويلا؟
بلى أنت حقيق بذلك! وحقيق أيضاً بمزيد من الانتباه، لهذه النظرات العقلية إلى شؤون الحياة، وهي، وإن كانت عقلية، تنبض بالحياة لأنّها منتزعة منها. فهي حوادث معيشة تُعمم وتجرّد، دون أن تكتسب برودة التجريد ودون أن تفقد حرارة الحياة، وهذا ما يميّز الجديد الأصيل في الشعر العربي عن الجديد المفتعل الذي أتى في عصور لاحقة. وهذا ما يجعلنا نقول: إنّ أبا الأسود أتى بجديد مهم جدير بالدرس المفصل.
وأبو الأسود تلميذ الإمام عليّ في علمه وسلوكه، وهو من الذين استوعبوا الاتجاه الإسلامي للإمام، وكان من الأوفياء له وبقي كذلك حتّى آخر حياته. وهو، في شعره، يصدر عن هذا الوفاء النابع عن إيمان بالله واقتناع بأنّ المذهب الشيعي إنما يمثل الاتجاه الإسلامي الصحيح. «كان بنو قشير يؤذون أبا الأسود لحبّه علياً (عليه السلام) ويرمونه بالليل فإذا أصبح قال لهم: يا بني قشير، أيّ جوار هذا؟ فيقولون له: لم نرمك، إنما رماك الله لسوء مذهبك وقبح دينك! فقال في ذلك:
يقول الأرذلون بنو قشير
طوال الدهر لا تنسى علياً!
فقلت لهم وكيف يكون تركي
من الأعمال مفروضاً عليا؟
أحبّ محمداً حبّاً شديداً
وعباساً وحمزة والوصيا
هوى أعطيته لما استدارت
رحى الإسلام لم يعدل سويا
أحبّهم لحبّ الله حتّى
أجيء إذا بعثت على هويا
رأيت الله خالق كل شيء
هداهم واجتبى منهم نبيّا([230])
الشاعر، في هذه القطعة، يبين لنا مذهبه ويبرر اختياره. وهي نظرة عقلية هذه التي أطل بها. يرى حبّهم واجباً ومنذ استدارت رحى الإسلام، وهو يحبّهم انطلاقاً من حبّه لله الذي اصطفاهم واختار منهم نبيّه. والشاعر لم يكن متخذاً موقفه لهذا السبب وحده وإنما لأسباب تتضح في هذه القطعة، كما يتضح فيها موقفه إزاء استشهاد الإمام الذي لم يصبه باليأس ولا بالارتماء في أحضان الحزن وإنما بالدعوة إلى استئناف العمل بقيادة: «ابن نبيّنا وأخينا…» ([231]).
ألا أبلغ معاوية بن حرب
فلا قرت عيون الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا
بخير الناس طرّاً أجمعينا
وكنّأ قبل مقتله بخير
نرى مولى رسول الله فنا
يقيم الدين لا يرتاب فيه
ويقضي بالفرائض مستبينا
فلا تشمت معاوية بن حرب
فإنّ بقية الخلفاء فينا
وأجمعنا الإمارة عن تراض
إلى ابن نبيّ،ا وإلى أخينا
ينطلق الشاعر من المبدأين الأساسيين للشيعة واللذين ذكرناهما قبلاً وهما: القرابة من النبي والنهج في الحكم المبني على العدل وإقامة الحدود. في وقوفه إلى جانب آل البيت:
سأجعل نفسي لهم جنة
فلا تكثري لي من اللائمه
أرجي بذلك حوض الرسول
والفوز بالنعمة الدائمه
لتهلك إن هلكت برّة
وتخلص إن خلصت غانمه
وهو يتخذ موقفاً له دلالته والبالغة على التزامه الكامل لمذهبه. «قال الحارث بن خليد (وكان في شرف من العطاء) لأبي الأسود: ما يمنعك من طلب الديوان فإنّ فيه غنى وخيراً؟ فقال له أبو الأسود: قد أغناني الله عنه بالقناعة والتجمّل! فقال: كلا ولكنك تتركه إقامة على محبة ابن أبي طالب وبغض هؤلاء القوم».
الدكتور عبد المجيد زراقط
نخجوان
إحدى جمهوريات آذربيجان تقع ضمن أرمينيا. وتبلغ مساحتها 5500 كلم2، ومدينة نخجوان عاصمة المقاطعة وأهم مدنها أُردوباد.
النسخ
النسخ لغة واصطلاحاً :
أ – اللغة – للنسخ معان متعددة ذكرت في كتب اللغة وهي تدور بين النقل والإزالة والإبطال. فتقول (نسخ زيد الكتاب. إذا نقله عن معارضه).
ونسخ النحل إذا نقله من خلية إلى اخرى وتقول. نسخ الشيب الشباب إذا أزاله وحل محله وتقول. نسخت الريح آثار القوم. إذا أبطلتها وعفت عليها([232]). اللغويون حين يذكرون هذه المعاني المتعددة يختلفون في أي واحد منها هو المعنى الحقيقي للكلمة أو انها بأجمعها معاني حقيقية.
وتمييز المعنى الحقيقي للكلمة عن المعنى المجازي ليس في الواقع من الاهمية بقدر تحديد المعنى اللغوي الذي ينسجم مع فكرة النسخ ذاتها. وبهذا الصدد نجد أن الإزالة هي أوفق المعاني اللغوية انسجاماً مع الفكرة التي عرضناها عن النسخ خصوصاً إذا لاحظنا أن فكرة النسخ في القرآن الكريم ورد التعبير عنها بمواد مختلفة تنسجم كلها مع الإزالة.
ففي قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾.
وقوله تعالى: ﴿يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب﴾.
وقوله تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آيةٍ – واللّه أعلم بما ينزل – قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون﴾.
نجد الإزالة هي المعنى الذي ينسجم مع المحو والتبديل.
ب – الاصطلاح – وحين نلاحظ كلمة النسخ في اطلاقات علماء القرآن والمفسرين نجد الكلمة قد مرت بمراحل متعددة من التطور حتى انتهى الامر بها إلى خصوص الفكرة التي عرضناها سابقاً.
وهذه المراحل تبدأ منذ العصور الاولى لهذا العلم حيث كان يطلق بعض الصحابة كلمة النسخ على مجرد مخالفة آية لاخرى في الظهور اللفظي حتى لو كانت هذه المخالفة على نحو العموم والخصوص من وجه أو المطلق أو كانت احدى الآيتين مطلقة والاخرى مقيدة.
وهذه السعة في الاطلاق قد تكون نتيجة للتوسع في فهم أصل الفكرة كما يمكن أن تكون نتيجة فهم ساذج لبعض الآيات القرآنية. ومن هنا وقع الاختلاف بين علماء القرآن في تعيين الآيات المنسوخة والآيات الناسخة فنجد بعضهم يتوسع في تعدادها وبعضهم الآخر يقتصر على كمية محدودة منها.
ولكن بعد مضي مدة من الزمن على الدراسات القرآنية نرى بعض العلماء يحاول أن يميز بين النسخ وبين التقييد والتخصيص والبيان ويقصر النسخ على الفكرة التي عرضناها سابقاً. وقيل ان أول محاولة في ذلك كانت من قبل الشافعي.
وقد ذكر الاصوليون للنسخ تعاريف كثيرة أصبحت بعد ذلك مجالاً واسعاً للمناقشة والنقد. ولكننا نقتصر هنا على ما ذكره السيد الخوئي من تعريف للنسخ لانه يفي بالمقصود.
النسخ (رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه سواء أكان ذلك الامر المرتفع من الاحكام التكليفية – كالوجوب والحرمة – أم من الاحكام الوضعية كالصحة والبطلان. وسواء أكان من المناصب الالهية أم من غيرها من الامور التي ترجع إلى اللّه تعالى بما انه شارع).
ويلاحظ في هذا التعريف، ان الرفع في النسخ إنما يكون لامر ثابت في أصل الشريعة. ولذا فلا يكون شاملاً لمثل ارتفاع الحكم الشرعي الذي يكون بسبب انعدام موضوعه كارتفاع وجوب الصوم بانتهاء شهر رمضان او ارتفاع ملكية شخص لماله بسبب موته فان هذا النوع من ارتفاع الحكم لا يسمى نسخاً. ولا نجد من يخالف في امكانه ووقوعه. وقد اوضح السيد الخوئي لنا الفرق بين الارتفاع الذي يكون نسخاً والارتفاع الذي لا يكون من النسخ في شيء وذلك بالبيان التالي:
إن الحكم المجعول في الشريعة المقدسة له مرحلتان من الثبوت:
الأولى – ثبوت الحكم في عالم التشريع والانشاء والحكم في هذه المرحلة يكون مشرعاً على نحو القضية الحقيقية حيث لا يفرق في صدقها وثبوتها وجود الموضوع في الخارج وعدم وجوده. وإنما يكون قوام ثبوت الحكم فيها بفرض وجود الموضوع.
فإذا قال الشارع: شرب الخمر حرام (مثلاً) فليس معناه أن هنا خمراً في الخارج وأن هذا الخمر محكوم بحرمة شربه. وإنما معناه أن الخمر متى ما فرض وجوده في الخارج فشربه محكوم بالحرمة في الشريعة سواء كان في الخارج خمر بالفعل أم لم يكن ورفع هذا الحكم في هذه المرحلة من ثبوته لا يكون إلا بالنسخ.
الثانية – ثبوت الحكم في الخارج بأن يعود فعلياً بسبب فعلية موضوعه وتحققه خارجاً. كما إذا تحقق وجود الخمر خارجاً في مثالنا السابق. فإن الحرمة المجعولة في الشريعة للخمر تكون ثابتة له بالفعل خارجاً. وهذه الحرمة تكون مرتهنة في وجودها بوجود الموضوع خارجاً وتستمر باستمراره فإذا انعدم الموضوع أو ارتفع كما إذا انقلب الخمر خلاً مثلاً. فلا ريب في ارتفاع تلك الحرمة الفعلية التي كانت ثابتة للخمر حال خمريته وتحل محلها الحلية للخل.
وهذا الارتفاع للحكم ليس من النسخ في شيء وليس لاحد شك في جوازه ولا في وقوعه.
جواز النسخ عقلاً ووقوعه شرعاً :
أ – جواز النسخ عقلاً:
المعروف بين العقلاء من المسلمين وغيرهم جواز النسخ عقلاً وقد خالف في هذا الرأي بعض اليهود والنصارى. وذلك في محاولة للطعن في الاسلام والتمسك ببقاء الديانتين اليهودية والمسيحية واستمرارهما. وقد استندوا في هذا الموقف إلى بعض الشبهات التي حاولوا صياغتها بأساليب مختلفة كما قام بعضهم بمحاولة تعضيد ذلك ببعض النصوص الواردة المتداولة اليوم. وسوف نعرض الصياغة الرئيسية للشبهة في هذا الموضوع مع الاجابة عليها بالشكل الذي يتضح به الموقف تجاه الصياغات الأخرى لها.
وخلاصة هذه الشبهة أن النسخ يستلزم أحد أمرين باطلين. البداء أو العبث لأن النسخ اما أن يكون بسبب حكمة ظهرت للناسخ بعد أن كانت خفية لديه أو أن يكون لغير مصلحة وحكمة. وكلا هذين الامرين باطل بالنسبة إلى اللّه سبحانه ذلك أن تشريع الحكم من الحكيم المطلق وهو اللّه سبحانه لا بد وأن يكون بسبب مصلحة يستهدفها ذلك الحكم فتقتضي تشريعه حيث أن تشريع الحكم بشكل جزافي يتنافى وحكمة الشارع وحينئذ فرفع هذا الحكم الثابت لموضوعه بسبب المصلحة اما أن يكون مع بقاء حاله على ما هو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه بها. وهذا ينافي حكمه الجاعل وهو العبث نفسه. واما أن يكون من جهة البداء وجهله بواقع المصلحة والحكمة وانكشاف الخلاف لديه على ما هو الغالب في الاحكام والقوانين الوضعية. وعلى كلا الفرضين يكون وقوع النسخ في الشريعة محالاً لانه يستلزم المحال. أما البداء أو العبث وهما محال على اللّه لانهما نقص لا يتصف بهما. ومن أجل أن يتضح الجواب عن هذه الشبهة نقسم الحكم المجعول من قبل الشارع إلى قسمين رئيسيين :
الأول – الحكم المجعول الذي لا يكون وراءه بعث وزجر حقيقيّان كالاوامر والنواهي التي تجعل ويقصد بها الامتحان ودرجة الاستجابة. وهذا ما نسميه بالحكم الامتحاني.
الثاني – الحكم المجعول الذي يكون بداع حقيقي من البعث والزجر حيث يقصد منه تحقيق متعلقة بحسب الخارج. وهذا ما نسميه بالحكم الحقيقي.
ونجد من السهل الالتزام بالنسخ في القسم الاول من الحكم اذ لا مانع من رفع هذا الحكم بعد اثباته بعد أن كانت الحكمة في نفس اثباته ورفعه لأن دوره ينتهي بالامتحان نفسه فيرتفع حين ينتهي الامتحان ولحصول فائدته وغرضه. والنسخ في هذا النوع من الحكم لا يلزم منه العبث ولا ينشأ منه البداء الذي يستحيل في حقه تعالى.
وأما القسم الثاني من المحكم فإننا يمكن أن نلتزم بالنسخ فيه دون أن يستلزم ذلك شيئاً من البداء أو العبث حيث يمكن أن نضيف فرضاً ثالثاً إلى الفرضين اللذين ذكرتهما الشبهة.
وهذا الفرض هو أن يكون النسخ لحكمة كانت معلومة للّه سبحانه من أول الامر ولم تكن خافية عليه وإن كانت مجهولة عند الناس غير معلومة لديهم فلا يكون هناك بداء لانه ليس في النسخ من جديد على اللّه لعلمه سبحانه بالحكمة مسبقاً كما انه لا يكون عيناً لوجود الحكمة في متعلق الحكم الناسخ وزوالها في متعلق الحكم المنسوخ وليس هناك ما يشكل عقبة في طريق تعقل النسخ هذا… إلا الوهم الذي يأبى تصور ارتباط مصلحة الحكم بزمان معين بحيث تنتهي عنده. والا الوهم الذي يرى في كتمان هذا الزمان المعين عن الناس جهلاً من اللّه بذلك الزمان.
وهذا الوهم يزول حين نلاحظ بعض النظائر الاجتماعية التي نرى فيها شيئاً اعتيادياً ليس فيه من المحال أثر ولا من العبث والبداء.
فالطبيب حين يعالج مريضاً ويرى أن مرحلة من مراحل المرض التي يجتازها المريض يصلح لها دواء معين فيصف له هذا الدواء لمدة معينة ثم يستبدله بدواء آخر يصلح لمرحلة اخرى.. لا يوصف عمله بالعبث والجهل. مع انه قام بوضع أحكام معينة لهذا المريض في زمان محدود ثم رفعها عنه بعد مدة من الزمن. وحين وضع الحكم كانت هناك مصلحة تقتضيه كما انه حين رفع الحكم كانت هناك مصلحة تقتضي هذا الرفع وهو في كل من الحالين كان يعلم المدة التي يستمر بها الحكم والحكمة التي تقتضي رفعه. ونظير هذا يمكن أن نتصوره في النسخ فإن اللّه سبحانه حين وضع الحكم المنسوخ وضعه من أجل مصلحة تقتضيه وهو سبحانه يعلم الزمان الذي سوف ينتهي فيه الحكم وتتحقق المصلحة التي من أجلها شرع. كما انه حين يستبدل الحكم المنسوخ بالحكم الناسخ استبدله من أجل مصلحة معينة تقتضيه فكل من وضع الحكم ورفعه كان من أجل حكمة هي معلومة عند جعل الحكم المنسوخ.
فليس هناك جهل وبداء كما انه ليس هناك عبث لتوفر عنصر العلم والحكمة في الجعل والرفع نعم هناك جهل الناس بواقع جعل الحكم المنسوخ حيث كان يبدو استمرار الحكم نتيجة للاطلاق في البيان الذي وضع الحكم فيه ولكن النسخ إنما يكون كشفاً عن هذا الواقع الذي كان معلوماً للّه سبحانه من أول الأمر.
الفرق بين النسخ والبداء
لقد أثيرت إلى جانب مسألة النسخ مسألة أخرى هي مسألة (البداء) وقد عرفنا من مطاوي حديثنا السابق عن النسخ أن البداء محال على اللّه سبحانه.
ومع كل هذا فالمعروف من مذهب الامامية الاثني عشرية انهم يقولون بفكرة البداء.
وعلى هذا الأساس نجد بعض الباحثين من إخواننا السنة يحملون على إخوانهم الامامية بشكل عنيف متهمين اياهم بالانحراف والضلال حتى أن بعضهم يكاد أن يقول إن الامامية أشد انحرافاً من اليهود والنصارى حين حاولوا انكار النسخ لأن اولئك انكروا النسخ في محاولة لتنزيه اللّه سبحانه من النقص وهؤلاء قالوا بالبداء فأثبتوا الجهل والنقص للّه سبحانه([233]).
لذا يجدر بنا ونحن ندرس النسخ أن نلقي ضوءاً على هذه الفكرة أيضاً لنحدد موقفنا منها بشكل دقيق وواضح. ونعرف مدى صحة هذه التهم التي رمى بها بعض المسلمين مذهب الامامية في قولهم بالبداء.
فالبداء تارة نفهمه على أساس أن يعتقد اللّه شيئاً ثم يظهر له أن الامر بخلاف ما اعتقده كأن يرى في الحكم مصلحة ثم يظهر له خلاف ذلك أو يرى خلق شيء من مخلوقاته حسناً ثم يظهر له خلاف ذلك.. فهذا شيء باطل لا يقول به أحد من المسلمين – من دون فرق بين الشيعة وغيرهم -.
وقد وردت النصوص التي تؤكد هذا المعنى عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) فقد روى الصدوق في اكمال الدين عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: (من زعم أن اللّه عز وجل يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرأوا منه)([234]).
والبداء تارة أخرى – نفهمه على أساس آخر بأن نتصوره نسخاً في التكوين فليس هناك فرق اساسي بينه وبين النسخ من حيث الفكرة وإنما الفرق بينهما في الموضوع الذي يقع النسخ فيه أو البداء. فالازالة والتبديل إذا وقعا في التشريع سميناه نسخاً وإذا وقعا في الامور الكونية من الخلق والرزق والصحة والمرض وغيرها سميناه بداء.
فالقول بالبداء عن الشيعة يعني فكرة النسخ مطبقة في المجال التكويني ومنطلقة من مفهوم قوله تعالى: ﴿يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾. فهي تؤمن بعلم اللّه سبحانه بما يقدمه وما يؤخره وما ينقصه وما يزيده وما يستبدله به. كما انها تؤمن بقدرته على هذا التقديم والتأخير والاستبدال. وهناك نصوص كثيرة تؤكد أن فكرة الامامية عن البداء لا تتعدى حدود هذا المعنى ولا تتجاوز عنه.
ففي رواية العياشي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) يقول : إن اللّه يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب. وقال فكل أمر يريده اللّه فهو علمه قبل أن يصنعه ليس شيء يبدو له إلا وقد كان علمه أن اللّه لا يبدو له عن جهل.
وروى الكليني عن ابي عبد اللّه الصادق (عليه السلام): {ما بدأ اللّه في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له} وروى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عن الرضا (عليه السلام) (قال علي بن الحسين وعلي بن ابي طالب قبله ومحمد بن علي وجعفر بن محمد : كيف لنا بالحديث مع هذه الآية : ﴿يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب﴾. فأما من قال بأن اللّه تعالى لا يعلم الشيء إلا بعد كونه فقد كفر وخرج عن التوحيد) وبعد هذا كله لا نجد مجالاً للتشكيك في فكرة البداء إذا أخذناها في حدود فكرة النسخ مطبقة على التكوين ولا يكون اتهام الإمامية بالانحراف لأنهم قالوا بهذه الفكرة إلا شبيهاً بالاتهام الذي وجهه اليهود والنصارى إلى عامة المسلمين لأخذهم بفكرة النسخ.
ب – النسخ في الشريعة الاسلامية:
وأما النسخ في الشريعة الإسلامية فهو أمر ثابت لا يكاد يشك فيه أحد من علماء المسلمين سواء في ذلك ما كان نسخاً لاحكام الشرائع السابقة أو ما كان نسخاً لبعض أحكام الشريعة الاسلامية نفسها. ومن هذه النسخ ما صرح به القرآن الكريم حيث نسخ حكم التوجه في الصلاة إلى القبلة الاولى وأمر بالتوجه شطر المسجد الحرام. ولكن مع ذلك نجد النسخ مثاراً للخلاف في علوم القرآن حيث وقع الجدال في أن شيئاً من الاحكام الثابتة في القرآن الكريم منسوخ بالقرآن الكريم نفسه أو بالسنة النبوية المتواترة.
وهذا الخلاف جاء على صياغتين:
الأولى : الخلاف الذي أثاره أبو مسلم الاصفهاني المتوفى سنة 322هـ حيث ذهب على أحسن الاحتمالات في كلامه إلى عدم جواز وقوع النسخ في القرآن الكريم مستدلاً على ذلك بقوله تعالى في وصف القرآن:
﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾.
فهذه الآية تقول: إن القرآن لا يعتريه البطلان ولما كان النسخ ابطالاً لما في الآية من حكم فهو لا يرد على القرآن الكريم. ولكن هذه الآية الكريمة لا يمكن أن تكون دليلاً لمذهب ابي مسلم لأن النسخ ليس باطلاً حتى يكون وروده على القرآن الكريم خلافاً لمنطوق الآية وإنما هو محض حق وموافق لواقع الحكمة والمصلحة على أساس ما ذكرناه عن حقيقته. وإذا كان النسخ باطلاً فلا نحتاج في رفضه إلى الاستعانة بالآية الكريمة بل يكفي بطلانه سبباً لذلك.
ففكرة ابي مسلم هذه تقوم في الحقيقة على أساس من المغالطة والايهام حيث يقصد من الباطل هنا ما يكون في قبال الحق سواء في العقيدة أو النظام أو الاسلوب البياني والقرآن الكريم لا يأتيه شيء من الباطل في كل هذه الجوانب ولا يقصد منه الإبطال والإزالة التي هي معنى النسخ.
والثانية: الخلاف الذي أثاره بعض علماء القرآن حيث ذهبوا إلى عدم وقوع النسخ في القرآن الكريم خارجاً وإن كان لا يوجد مانع عقلي أو شرعي عنه.
ويكاد أن يقول آية اللّه السيد الخوئي في كتابه البيان في تفسير القرآن بهذا الرأي حيث عقد لذلك مناقشة واسعة اشار فيها إلى الآيات التي يحتمل فيها النسخ ونقد مبدأ النسخ فيها على ضوء دراسة علمية دقيقة – عدا آية النجوى – وخلص إلى الرأي الآنف الذكر.
ويجدر بنا أن نتعرف على أقسام النسخ التي ذكرها الباحثون في علوم القرآن قبل أن ندخل في البحث التفصيلي حول الآيات المنسوخة وذلك من أجل أن نعرف أي قسم منها هو الهدف الرئيسي من هذا البحث. فقد قسموا النسخ إلى أقسام ثلاثة نوجزها بالتالي :
الأول – نسخ التلاوة دون الحكم ويقصد بهذا النسخ أن تكون هناك آية قرآنية نزلت على الرسول (صلّى الله عليه وآله) ثم نسخت تلاوتها ونصها اللفظي مع الاحتفاظ بما تتضمنه من أحكام. وقد مثلوا لهذا القسم بآية الرجم التي روي عن عمر بن الخطاب نصها : (إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من اللّه واللّه عزيز حكيم) حيث قيل انها كانت آية في القرآن الكريم نسخت تلاوتها مع الاحتفاظ بحكمها.
وهذا القسم وإن كاد أن يعترف به أكثر الباحثين في علوم القرآن إلا انه لا يكاد يعترينا الشك ببطلانه وعدم ثبوته في القرآن الكريم عندما ندرسه بشكل موضوعي.
فأولاً: نجد أن الاعتراف بهذا اللون من النصوص والروايات التي أوردتها بعض الكتب الصحيحة السنية يؤدي بنا إلى الالتزام بالتحريف لأن منطوق هذه الروايات يصر على ثبوت هذه الآية وغيرها في القرآن الكريم حتى وفاة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) وإنها سقطت منه في الفترة المتأخرة من حياته.
وثانياً: إن هذه الروايات لم تصل إلينا إلا بطريق الآحاد ولا يجوز لنا أن نلتزم بالنسخ على أساس رواية الآحاد لإجماع المسلمين على ذلك مضافاً إلى طبيعة الاشياء التي تحكم بضرورة شيوع الامور الهامة بين الناس ومن هذه الامور الهامة نسخ آية من القرآن الكريم. فكيف يقتصر النقل فيه على خبر الآحاد؟
الثاني: نسخ التلاوة والحكم معاً ويقصد بهذا القسم أن تكون آية قرآنية ثابتة لفظاً ومعنى في وقت من ايام الشريعة ثم تنسخ تلاوتها ومضمونها.
وقد مثلوا لهذا القسم بآية الرضاعة المروية عن عائشة بهذا النص (وكان فيما انزل من القرآن ﴿وعشر رضعات يحرمن﴾ ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) وهن فيما يقرأ من القرآن)([235]).
ويناقش هذا القسم بنفس المناقشتين اللتين ذكرناهما في القسم الاول من النسخ.
الثالث: نسخ الحكم دون التلاوة ويقصد به النسخ الذي ينصب على جانب المضمون في الآية القرآنية مع الاحتفاظ بصياغتها وطريقة التعبير فيها. وهذا القسم هو ما اشتهر بين العلماء والمؤلفين في البحث والكتابة عنه حتى الفوا كتباً مستقلة فيه.
والنسخ في هذا القسم يمكن أن نتصوره على انحاء ثلاثة :
أ – أن ينسخ الحكم الثابت في القرآن الكريم بالسنة المتواترة أو بالاجماع القطعي الذي يكشف عن صدور النسخ من النبي (صلّى الله عليه وآله).
ب – أن ينسخ الحكم الثابت في القرآن الكريم بآية اخرى من القرآن ناظرة في طريقة عرضها وبيانها إلى الحكم المنسوخ. وهذان النحوان لا إشكال فيهما من ناحية واقعية وإن كان الشك في وقوعهما بحسب الخارج.
ج – أن ينسخ الحكم الثابت بالقرآن الكريم بآية اخرى غير ناظرة إلى الحكم المنسوخ ولا مبينة لرفعه وإنما يلتزم بالنسخ على أساس التعارض بين الاثنين فيلتزم بنسخ الآية المتقدمة زماناً بالآية المتأخرة.
وقد ناقش السيد الخوئي في جواز هذا النحو من النسخ على أساس انه يتنافى ومنطوق الآية القرآنية التي تقول: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾. وحين يقع التنافي بين الآيتين يتحقق هذا الاختلاف الذي نفاه اللّه سبحانه عن القرآن ولا ينفع معه دعوى النسخ لأن مثل هذه الدعوى يمكن أن تقال في كل اختلاف يقع في كلام غير اللّه سبحانه وبالاضافة إلى هذه المناقشة نجد السيد الخوئي يكاد أن يذهب إلى انه ليس هناك حكم ثابت في القرآن الكريم منسوخاً بشيء من القرآن ولا بغيره.
ونحن وإن كنا نختلف مع أستاذنا السيد الخوئي في بعض الجوانب التي جاءت في مناقشته هذه وقد نختلف معه بالتالي في شمول مبدئه للآيات القرآنية كلها ولكننا سوف نقتصر في دراستنا هذه على مناقشة بعض الآيات بالطريقة التي سار عليها تقريباً.
نماذج من الآيات التي ادعي نسخها مع مناقشاتها :
الآية الاولى :
قوله تعالى: ﴿ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفاراً حسداً من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق. فاعفوا واصفحوا حتى يأتي اللّه بأمره. إن اللّه على كل شيء قدير﴾ (البقرة: 109).
وقد روى جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم القول بأنها آية منسوخة بآية السيف وهي قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (التوبة 29).
فإن الآية الاولى تأمر بالعفو والصفح عن أهل الكتاب مع انهم يودون من صميم قلوبهم أن يردوا المؤمنين كفاراً. والآية الثانية تأمر بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ولما كانت الآية الثانية متأخرة عن الآية الاولى كان الالتزام بنسخ آية السيف لآية سورة البقرة أمراً لا مناص منه.
وقد ناقش السيد الخوئي القول بالنسخ هذا بمناقشتين :
الأولى: انه لا يمكن القول بنسخ الآية الاولى بالآية الثانية بعد أن كان الحكم في الآية المدعى نسخها له غاية ووقت. وهما وإن كانا مذكورين فيها على سبيل الاجمال لا التعيين إلا أن هذا المقدار يكفي في عدم الالتزام بالنسخ فيها حيث أن النسخ لا يكون في حكم الموقت الذي يرتفع بانتهاء وقته وإنما يكون في الحكم الذي يكون ظاهره الاستمرار والتأييد بحسب اطلاق اللفظ دون أن يكون صريحاً في ذلك وعلى هذا الأساس يكون دور الآية الثانية هو بيان الوقت والغاية للحكم المذكور في الآية الاولى دون أن تكون ناسخة له.
الثانية: أن آية السيف لا تأمر بقتل أهل الكتاب بشكل مطلق حتى تصبح معارضة للآية الاولى وإنما هي تأمر بقتالهم عند عدم دفعهم للجزية.
وحينئذ فمجرد أن يكونوا من أهل الكتاب لا يكفي في جواز قتالهم وإنما يشترط في قتالهم توفر أحد حالات ثلاث كما يستفاد ذلك من مجموع الآيات القرآنية وهي :
أ – مبادأة أهل الكتاب المسلمين بالقتال ﴿وقاتلوا في سبيل اللّه الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن اللّه لا يحب المعتدين﴾ (البقرة: 191).
ب – محاولتهم لفتنة المسلمين عن دينهم ﴿والفتنة أشد من القتل﴾ (البقرة: 192).
ج – امتناعهم عن اعطاء الجزية للآية المتقدمة.
وفي غير هذه الحالات لا يجوز قتال أهل الكتاب وإنما يكتفى بالصفح والعفو عنهم كما جاء في الآية الاولى المدعى نسخها فتكون الآية الثانية مقيدة لاطلاق الآية الاولى لا ناسخة لها.
الآية الثانية :
قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل اللّه لهن سبيلاً * واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا واصلحا فاعرضوا عنهما إن اللّه كان تواباً رحيماً﴾ (النساء 15 – 16).
وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم أن الآية الاولى من هاتين الآيتين مختصة بزنى النساء والعقاب فيها هو الايذاء بالشتم والاهانة وضرب النعال كما جاء عن ابن عباس ذلك – وهما في كل من الموردين تشمل البكر والثيب منهما.
وقد نسخت كلتا الآيتين بحكم الجلد مائة مرة للبكر من النساء والرجال كما في قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين اللّه﴾ (النور : 2) وبحكم الرجم للمحصن من النساء والرجال كما ثبت ذلك في السنة النبوية.
وقد ناقش السيد الخوئي مبدأ النسخ في هذه الآية على أساس أن كل واحدة من هذه الآيات تبين حكماً يختلف عن الحكم المبين في الآية الاخرى ولا مانع من الاخذ بهذه الاحكام كلها لاختلاف موضوعاتها.
ومن أجل أن تتضح هذه المناقشة لا بد من أن نستعرض بعض الامور التي لها ارتباط وثيق في تفسير الآيتين المدعى نسخهما لنعرف بعد ذلك مدى صحة دعوى النسخ فيهما.
1ـ أن للفظ الفاحشة في اللغة والقرآن الكريم معنى واسعاً شاملاً ينطوي تحته كل ما تزايد قبحه وتفاحش دون أن يكون مختصاً بعملية الزنى وحدها. فقد تكون لواطاً أو سحاقاً أو زنى. ولا ظهور ولا انصراف للفظ الفاحشة في خصوص الزنى.
2ـ أن المقصود بالسبيل في الآية الكريمة هو المخرج والمخلص الذي يكون في حقيقته وواقعه أقل كلفة وضرراً على المرأة من الحبس في الدار لأن الآية تجعل السبيل للمرأة لا عليها. وحينئذ فلا يمكن تفسير السبيل بالعقوبة التي وضعها الاسلام الحنيف بالنسبة إلى الزانية والزاني البكر منهما والثيب لأن هذه العقوبة ليست سبيلاً للمرأة تخلص به من شدة الحبس وعقابه وإنما هو أشد وأقسى من الحبس نفسه.
3ـ أن لفظ الايذاء في الآية الكريمة ليس له ظهور في الشتم والسب والاهانة وضرب النعال.. وإنما هو معنى شامل لهذه الامور ولغيرها من ألوان الايذاء الأخرى كالجلد والرجم وغيرهما.
وبعد ملاحظة هذه النقاط الثلاثة يمكن أن نذهب في خصوص الآية الاولى إلى أن المقصود بالفاحشة: (المساحقة) وحكمها الثابت بالآية هو الحبس حتى الموت أو السبيل الذي يهيئه اللّه سبحانه لها بأن تتوفر الظروف التي تجعل المرأة في مأمن من ارتكاب المنكر كأن تتزوج أو تبلغ العمر الذي تموت فيه طاقتها الجنسية أو تخمد او تتوب وتصلح.
وبهذا اللون من التفسير يمكننا أن نلتزم بعدم النسخ في هذه الآية لبقاء حكمها في الوقت الذي يلتزم به بالجلد والرجم بالنسبة إلى الزاني. وبالاضافة إلى ذلك يمكننا أن نذهب إلى أن الحكم بالحبس ليس عقاباً وحدّاً لارتكاب الفاحشة وإنما هو عمل وقائي رادع عن العودة لارتكاب المنكر مرة اخرى ويجب في كل الحالات التي يستشعر فيها الخطر من الوقوع في المنكر حتى قبل وقوعه وحينئذ فلا ضرورة للالتزام بالنسخ حتى مع الالزام بأن المقصود من الفاحشة في الآية الكريمة خصوص زنى النساء لأن الالتزام بالجلد والرجم يمكن أن ينسجم مع الالتزام في الوقت ذاته بثبوت الحكم الوقائي الرادع.
وفي خصوص الآية الثانية يكون المقصود بالفاحشة اللواط وحكمه الايذاء سواء فسرنا الايذاء بالشكل الذي روي عن ابن عباس ام بالشكل الآخر الواسع.. فانه في كل من الفرضين يمكن أن نلتزم بالحد الشرعي الثابت في الشريعة المقدسة عن أن تفسير مفهوم الايذاء بشكل يشمل الجلد والرجم يجعل آية الجلد وغيرها في موقف المفسر المحدد لنوعية الايذاء المتخذ ضد الزاني من الرجال والنساء دون أن يكون ناسخاً للآية الاولى. وهناك قرينة لفظية في الآية تدل على أن المراد من اسم الموصول (اللذان) هو خصوص الرجلين دون الرجل والمرأة كما هو تفسير القائل بالنسخ – وهذه القرينة هي ملاحظة سياق الآيتين الذي يقرر أن المراد من ضمير الجمع المخاطب المذكور فيهما ثلاث مرات من جنس واحد بحيث لا يختلف الثالث عن الاوليين. ولما كان المراد بالاوليين منهما خصوص الرجال لإضافة النساء في أحدهما للضمير وربط الشهادة بالرجال في الثاني ويجب أن يكون المراد من الثالث خصوص الرجال أيضاً وهذا ينتهي بنا إلى أن المراد باسم الموصول خصوص الرجال. ومع هذه القرينة لا بد من الالتزام بأن المراد من الفاحشة هي اللواط بالخصوص.
الآية الثالثة :
قوله تعالى: ﴿فما استمعتم به منهن فآتوهن اجورهن فريضة﴾ (النساء : 24).
ولا بد من معرفة مفاد الآية الكريمة قبل البحث عن كونها آية منسوخة الحكم. وبهذا الشأن فقد جاءت الروايات الكثيرة في طريق السنة والامامية تذكر أن المقصود من الآية الكريمة نكاح المتعة (الزواج الموقت).
ولذلك اشتهر بين علماء العامة أن الآية منسوخة… حيث ذهب هؤلاء إلى أن حلية نكاح المتعة قد نسخت بعد تشريعه لمدة من الزمان في الشريعة المقدسة وقد وقع الاختلاف بين الباحثين في امر الناسخ لهذه الآية الكريمة وبهذا الصدد ذكرت أقوال:
الأول ـ إن الناسخ لها قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ على أساس أن نكاح المتعة لا طلاق فيه وإنما تنفسخ عقدة النكاح فيه بانتهاء المدة المضروبة في النكاح أو هبة الباقي منها. كما أن عدته تختلف عن عدة الطلاق في النكاح الدائم ولما كانت هذه الآية تذكر الطلاق كطريق لانفصال الزوجية كانت ناسخة للنكاح الذي يكون انفصال الزوجية فيه عن طريق آخر.. في الوقت الذي تختلف عدته عن عدة النكاح الذي يقع فيه الطلاق.
وهذا القول يكاد أن يكون أوهن الاقوال وابعدها عن الفهم القرآني الصحيح لأن الآية الثانية لا تشير – لا من قريب ولا من بعيد – إلى موارد الطلاق.
وأنه لا بد في كل زواج أن يقع الانفصال فيه بالطلاق وإنما هي بصدد بيان ضرورة العدة في حالة وقوع الطلاق على أن نكاح المتعة تجب العدة فيه ولا تعرض في الآية إلى مقدار العدة ومدتها. فهي بعيدة عن النسخ كل البعد وليس لها علاقة بآية نكاح المتعة.
الثاني – إن الناسخ هو قوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ على أساس أن نكاح المتعة لا توارث فيه وهذه الآية تقرر باطلاقها وراثة الزوج لكل زوجة فيدور الامر بين القول بوراثة الزوج للزوجة في نكاح المتعة وقد ثبت عدمه وبين القول بنسخ نكاح المتعة ليبقى اطلاق الآية على حاله وهو المطلوب من دعوى النسخ.
وهذا القول كسابقه من حيث مجافاته للواقع والفهم العرفي. لانه يمكن الالتزام بأن الدليل الذي دل على عدم التوارث بين الزوجين في نكاح المتعة يكون مخصصاً لمفاد الآية الكريمة دون اللجوء إلى القول بنسخ آية المتعة. كما يلتزم بذلك المسلمون في بعض الموارد الاخرى من الارث فإن الزوجة إذا كانت كافرة لا ترث زوجها أو إذا كان أحد الزوجين قاتلاً للآخر فانه لا ارث بينهما أيضاً.
الثالث – إن الناسخ هو النصوص التي تدل على أن نكاح المتعة قد نسخ بعد تشريعه في الاسلام. وقد رويت هذه النصوص بطرق مختلفة كان ينتهي بعضها إلى الإمام علي (عليه السلام) وبعضها إلى الربيع بن سبرة وبعضها إلى سلمة وغير ذلك.
ولكن تناقش هذه النصوص بالوجوه الثلاثة التالية :
أولاً – إن النسخ لا يثبت بخبر الواحد لما أشرنا اليه سابقاً من الاجماع على ذلك وأن طبيعة النسخ تقتضي شيوع النسخ واشتهاره بين المسلمين.
ثانياً – إن هناك نصوصاً كثيرة متواترة مروية عن طريق أهل البيت تعارض بمضمونها هذه النصوص وتكذبها الامر الذي يفرض علينا الاخذ بنصوص أهل البيت خاصة لانهم الثقل الثاني للكتاب الذي ثبت عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنهم لا يفترقون عنه.
ثالثاً – النصوص الكثيرة التي وردت في الصحاح التي تؤكد بقاء حلية هذا النكاح حتى وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) والنسخ لا يجوز من غير النبي. وقد ذكر السيد الخوئي بعض هذه النصوص مع مناقشته للنصوص الاخرى الدالة على النسخ في كتابه (البيان).
محمد باقر الحكيم
نسمة السحر
فيمن تشيع وشعر (كتاب)
كتاب نسمة السحر بذكر من تشيع وشعر ـ من أمهات كتب التراجم ويكثر النقل والذكر عنه دائماً ويتلقاه الجميع بالتقدير والإكبار لأنّه سجل حافل لشعراء لهم قيمتهم وشخصيتهم في التاريخ من الناحيتين الفكرية والأدبية.
وهو من تصانيف ضياء الدين يوسف بن يحيى بن الحسين بن المؤيد بالله محمد الصنعاني المتوفي 1121 ويقع في مجلدين كبيرين وتوجد منه عدّة نسخ في مكتبات العراق وإيران وتركيا والحقيقة، أنّ مؤلفه مع ما يتمتع كتابه من شهرة واسعة لم يأت فيه بترجمة أو بحث خاص له انفرد بذكره وإنّما كانت تراجم واسعة لشعراء معروفين مع ذكر شعر كثير لهم وهم حسب ما جاء في الكتاب:
المجلد الأول منه يحتوي على ما يقرب من 112 شاعراً هم: الصولي واليافعي والصنعاني وابن هرمة وإبراهيم السبط والصنوبري وبديع الزمان والأنطاكي والنامي المصيصي والرسي المصري وابن مفلح الشامي والمتنبي وشمس الدين الجرموزي وشمس الدين الكوكباني والرقحي والأنسي والناصر لدين الله والمعتضد بالله أحمد والتنوخي والقاضي الرشيد والحيمي الشامي والسيد أحمد اليمني وأحمد بن قضاعة والقاضي المسوري والمؤيد بالله أحمد وأحمد الحجازي وابن معصوم والأمير إسحاق الحسيني وابن عباد وإسماعيل بن محمد والحميري والقائم بأمر الله الإسماعيلي وأشجع بن عمر واليمني بن خريم وعجلان بن رميثه ودعبلول وفنا خسرو وتميم الفاطمي وتميم بن مادليس والأفضلي المصري وجعفر الجرموزي وازمعية الكوفي وجعيفران بن علي وأبو فراس والحسن الصنعاني والحسن ابن علي الجارودي والوزير المهلبي وأبو نؤاس والحسن المصري والداعي الأنف والحميمي الشامي وأحمد الجرموزي والمنصور بالله والحسن الحمزي والطغرائي وابن الحجاج حسين والوزير المغربي والحسين الخياط والحسين الكوكباني والحسين بن علي اليمني والحسين الحبوري والحسين الجرموزي وحسين العاملي والحسين بن علي الوادي وحيدر اليماني وداود بن مسلم التيمي ودبيس ودرويش الطالوي ودعبل والحسن بن حمدان وراجح الأسدي الحلي والرباب بنت امرؤ القيس وزيد أخو المؤلف وزيد بن محمد وزيد بن الحسن الكندي وزيد بن صالح المرهبي وزينب بنت محمد اليماني وسديف بن ميمون والسري الرفاء والسمحي الصنعاني وشعبة بن العريض ويثرع بن الحارث وشعبان الرومي والأحنف.
أمّا المجلد الثاني ففيه حوالي 85 ترجمة وهم: طلائع بن رزيك وابن الحداد وأبو الأسود وأبو الطفيل وعبدالله بن معاوية والمأمون والخازن وعبدة بن الوزير الأيدي وعبدالله بن حمزة وابن رزيق وابن معروف وابن أبي الحديد وعبدالهادي الزيدي وصفي الدين الحلي وديك الجن والمرتضى وعلي بن الديباج وابن الرومي وأبو الفرج الأصبهاني وعلي الزيدي وابن أبي الرجال وابن بسام والقاضي التنوفي وابن الأطروش والناشي الأصفر والمتامي وسيف الدولة وعلي بن إسماعيل الحسني والزاهي والصدقي المنجم والحماني والجعفري وعلي المؤيدي اليماني ونور الدين الأيوبي والحريري والوداعي علي وأبو حنيفة المصري وعلي خان المدني وعمارة اليمني وفاطمة الزهراء وفضل بن عباس وعضد الدولة والقاسم بن الحسن الجرموزي.
وأبو دلف العجلي والقاسم بن محمد اليماني وقرواش وقيس بن ذريج وقيس بن عمر وكثير عزّة والكميت ولبيد والقاضي التنوخي والأشتر النخعي والمحسن الحسني وابن هاني الأندلسي والرهبي والشريف الرضي وعباء الدين العاملي والمسحولي الصنعاني ومحمد الكوكباني ومحمد الشامي ومحمد الحر العاملي ومحمد المثنى الحجازي ومحمد بن الديباج ومحمد العسفاني ومحمد بن عبدالله العسفاني ومحمد الكوكباني ومحمد الحميري ومحمد الجيلاني ومحمد الخوارزمي والخباز البلدي والمسبحي المصري وأبو عبدالله القيرواني والسلامي المخزومي وابن العميد الوزير وابن التعاويذي ومحي الدين العربي والخليفة المنتصر بالله محمد ومحمد بن الحسين الطوسي ومحمد بن المطهر الجرموزي ومعاذ بن مسلم ومطيع بن أتايس والمعز الفاطمي ومقلد بن المسيب وابن الزبرقان والآمر بأحكام الله وموسى بن عبدالملك الأصبهاني البغدادي.
ومهيار الديلمي وناهض بن ثومة والعزيز بالله وأبو القاتل الحلواني والخبزارزي والهادي الجرموزي والهادي بن المطهر الحسني وهاشم الشامي والخليفة هارون بن محمد بن هارون الرشيد والشجري النقيب والفرزدق ووالد المؤلف يحيى ومعين الدين الحصكفي ويحيى الحجافي وابن زيادة الشيباني ويحيى الجزار المصري وأبو سليمان الوسفي البصري ويعقوب بن السكيت وابن كلس وابن الخال الكاتب والشواء الحلبي ويوسف الحسني.
هذا ما في المجلدين من التراجم ولا شك أنّ فيهم من غير ذوي الدواوين الشعرية عدد كبير كما أنّ فيهم من لم يقل التاريخ ولم ينص على تشيّعه ولم يكن في أيدينا ما يدل على ثبوته وإثباته بوجه من الوجوه وعلى النحو الصحيح.
غير أنّه من الحق أيضاً أن يقال إنّ الكتاب بجزأيه سجل أدبي حفظ لنا آثار بعض الشعراء بوجه عام وذكر بعض شعراء اليمن وما تركوا من نظم ونثر.
محمد هادي الأميني
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
للقاضي التنوخي أبي علي المحسِّن
1 ـ وصف الكتاب ومن تناوله بالدراسة:
قبل الكلام على وصف الكتاب أو ذكر من تناوله بالدراسة لا بد من التحقق من اسم الكتاب وشرح معنى اسمه غير المألوف. إنّ كلمة النشوار فارسية أصلها نشخوار ومعناها جرَّة الحيوانات المجترة. وقد استعملها التنوخي بمعنى الحديث فقال «طيب النشوار والأدب» و«له حسن النشوار ورواية الأخبار». ولقد ذكر الكتاب بهذا الاسم (أي نشوار المحاضرة) كل من ياقوت الحموي وابن قطلوبغا إلا أن بعض المتأخرين حرّفوه فجعلوه (نشوان المحاضرة). وذلك لأخذهم بعضهم عن بعض دون تحقيق.
بدأ به سنة 360 واستمر يكتب فيه على مراحل وأتمّه عند تفرّغه بعد سنة 373، ودليلنا على ذلك ما يأتي:
قوله صراحة في مقدمة الجزء الأول منه، أنّه جاء إلى بغداد في هذه السنة بعد غياب طويل عنها فوجدها (أوّلاً): إنّها أصبحت خالية من كثير من الشيوخ الذي كان يعرف فيهم المذاكرة وحفظ الحكايات.
فإن لم يبادر إلى تسجيلها اندثرت باندثاره، و(ثانياً): إنّه وجد تلك الحكايات قد تغيرت واختلت عما كانت عليه في الأصل فرأى أن تسجيلها ادعى إلى ثباتها ومن ثم إيجاد فن من المذاكرة جديد.
و(ثالثاً) إنّه وجد في نتاج أبناء عصره من نظم ونثر وعلم وفن ما كان ممتنعاً صعباً على كثير من المتقدمين لذلك فهو أحرى بأن يحفظ عن طريق تسجيله بالكتب والأشعار والخطب وأن يخلد في التاريخ. فهذه هي الأسباب التي دعت إلى تأليفه كتاب (النشوار). وهي تختلف عن الظروف النفسية والمالية التي أحاطت به بعد سنة 373 والتي دعته إلى تأليف كتابيه الآخرين.
ولقد أكد غرس النعمة ما جاء عن ابتدائه تأليف الكتاب في سنة 360 وأضاف بأنّه يقع في أحد عشر جزءاً، وأنّه أتمّه بعد عشرين سنة.
(ب) وجود التكرار في الحكايات مما يدل على طول فترة التأليف وعدم استمراره بها مما يؤدي إلى نسيانه ما كان قد كتبه من قبل.
(ج) تعريفه للشيوخ والرواة الذين أخذ عنهم في أكثر من موضع مما يدل على نسيانه أنّه سبق وأن عرف بهم.
(د) نسيانه اسم الشخص الذي يروي عنه، أو نسيانه لبعض ما جاء في الخبر.
إنّ الذي وصلنا من كتاب النشوار ثلاثة أجزاء فقط وهي الجزء الأول والثاني والثامن. أمّا الأوّل فقد نشره ماجليوث (في مطبعة أمين هندية بمصر 1921م) مع ترجمة إنكليزية طبعت بلندن سنة 1921 بعنوان: The Table-Talk Of a Mesopotamian Judge.
ونشر الجزء الثاني في مجلة المجمع العلمي العربي (مج 12، 13، 17) وترجم إلى الإنكليزية بنفس العنوان في مجلة: Islamic Culture Vol. V (1931) and Vol. V1 (1932).
وأعيد شره بحيدر آباد (سنة 1934م) أمّا الجزء الثامن فقد نشر في مجلة المجمع العلمي العربي (مج 10 سنة 1930م) وأعيد نشره ككتاب (مطبعة المفيد بدمشق 1930م) وترجم بنفس العنوان في مجلة Islamic Culture Vol. 111 (1929) and Vol IV (1930).
وما إن ظهر الجزء الأوّل من كتاب النشوار حتّى تناوله الأدباء بالنقد والتعريف والشرح وكان أقدمهم المجمعيون في مجلة المجمع العلمي العربي إذ تكلموا عن هذا الكتاب ولاموا فيه مارجليوث محقق الكتاب على حذفه بعض حكايات النشوار «التي لم ير داعياً لتخليدها» كما ذكر ذلك في خاتمة الكتاب. إذ أنّ عمله في رأيهم قد يرفع الثقة لا سيما أنّ الناس اليوم يريدون أن يروا الأشياء كما ألفها مؤلفها. ثم تناول المغربي في محاضرة ألقاها في ردهة المجمع العلمي في 15 كانون الأوّل سنة 1922م ثمّ نشرت في محاضرات المجمع بعنوان (صفحة من تاريخنا الاجتماعي) مبيناً أهمية هذا الكتاب وأمثاله في إبراز معالم الحياة الاجتماعية في تاريخنا. ثم عاد المغربي إلى تناول هذا الكتاب مرّة أخرى في مقالته (طاقة أزهار من كتاب النشوار) شرح فيها بعض الكلمات اللغوية والتراكيب الكتابية. ثمّ تناوله أحمد تيمور باشا في مقالته (تفسير الألفاظ العباسية في نشوار المحاضرة) شارحاً فيها الألفاظ العباسية الواردة في هذا الكتاب ثمّ تناوله حبيب زيات في مقالة (نشوار المحاضرة لأبي علي التنوخي) حيث قيّم فيه جهود مرجليوث في تحقيقه هذا الكتاب والأشياء التي لم يوفق فيها وحصرها في نقاط ثلاثة هي: (1) ما اختلفت قراءته أو ما أصلحه لغير داع. (2) ما علق عليه ولم يوفق فيه. (3) ما أسقطه سهواً واعتباطاً. وكذلك تناول الكتاب محمد كرد علي بمقالته (كنوز الأجداد) مبيناً أهمية الكتاب.
ولقد كتب الدكتور مصطفى جواد مقالين عن الجزء الثاني من كتاب النشوار يرد فيهما على الأغلاط والتصحيحات غير الموفقة التي قام بها مارجليوث والمجمعيون.
2 ـ مادة الكتاب:
لقد بيّن التنوخي في مقدمة كتابه الدوافع التي حفزته إلى تأليف كتابه والغاية التي سعى إليها. وهي تسجيل أحاديث الناس على اختلاف فئاتهم من حيث الثقافة والمهنة التي يمتهنونها والمنزلة الاجتماعية والمستوى الخلقي. ومعنى هذا أنّه أراد أن يكون كتابه مرآة لعصره الذي عاش فيه، وعصر من سبقوه ممن تعرّض لذكرهم. أمّا أهم ما جاء في كتابه فيمكن حصره بما يأتي:
أ ـ الحالة الثقافية:
ذكر التنوخي في معرض كلامه على عصره ـ وعدم رواج بضاعة أهل العلم والأدب لدى الرؤساء ـ إنّ فيه من العلماء والأدباء من يفوقون سابقيهم بجودة الخاطر وشدّة الحذق فيما يتعاطونه في الجد والهزل ولقد كرر هذا المعنى في غير هذا الموضع مبيناً أنّ الذي جعل هؤلاء الأوائل بارزين مشهورين. وجعل معاصرين خاملين مغمورين هو تشجيع الرؤساء للأوائل وعدم تشجيعهم للمعاصرين له من العلماء والأدباء.
ثمّ إنّه أعطانا تراجم مهمة لكثير من معاصريه المغمورين من الكتّاب والأدباء واللغويين والشعراء الذي روى عنهم أو الذي ورد ذكرهم في الحكايات والأخبار. كما أنّه أورد عنهم أخباراً ثقافية مهمة.
ب ـ الحالة السياسية:
أظهر كتاب النشوار جوانب من الحياة السياسية التي كانت سائدة آنذاك متمثلة في الفئات الآتية:
(أوّلاً) الخلفاء: وقد وردت عنهم أخبار عامة عن عهودهم وعن علاقاتهم بالوزراء والأمراء والقواد والرعية. وعن كيفية توليهم الخلافة وعن أخلاقهم واختيارهم للوزراء، ومراقبتهم لهم. وعقابهم لهم.
(ثانياً) الأمراء: سواء كانوا من البيت العباسي أم من البيت البويهي أو ممن تلقب بهذا اللقب من غير هذين البيتين. وقد وردت عنهم أخبار عامة، وأخرى عن مطامحهم السياسية وما كان يحدث بينهم من مؤامرات وحروب.
(ثالثاً) الوزراء: وكيفية توليهم الوزارة، والمراسيم المتبعة في ذلك من حيث مجيء القضاة والشهود والأشراف والكتاب إلى دار الوزير عند تقليده الوزارة، وانتظارهم له في الرواق وعليهم الحاجب حتّى يظهر الوزير وقد تمنطق بالسيف ولبس السواد، وتبخر استعداداً لذهابه إلى دار الخلافة.
وبعد خروجه إلى هؤلاء المنتظرين نراهم ينثالون عليه للسلام، وتقبيل يديه، ثم يسيرون بعد ذلك خلفه في موكب إلى دار الخلافة. ويظهر الكتاب أيضاً الخلع التي يعطيها الخلفاء للوزراء عند تقليدهم، وسياسة الوزراء الداخلية والخارجية والمؤامرات التي يحوكها الوزراء بعضهم لبعض، وكيف أنّ أحدهم إذا نحي عن مكانه طورد هو وجميع من كان مقرباً منه، وأخلاق الوزراء وسلوكهم تجاه مرؤوسيهم وتابعيهم أوّلاً ثم تجاه الرعية ثانياً. وأخبار عامة أخرى عن تعلمهم أو بعض ما وقع لهم من طرائف وغرائب.
ج ـ الحالة الاجتماعية:
بيّن الكتاب صوراً من حياة الناس على اختلاف مستوياتهم، فقد أوضح:
(أوّلاً) حياة الخاصة: وهم كبار رجال الدولة وعلى رأسهم الخلفاء، واصفاً مجالس شربهم وقصفهم كمجالس شراب الخليفة المتوكل والمقتدر وكيف فرق المتقدر ذات يوم جميع أنواع الطيب المخزون في دار الخلافة على الجواري ومن بحضرته من الجلساء. ووصف موائد الرؤساء، والموكلين بإعدادها، وخدمة الجلساء فيها. وما يقدّم من ألوان الطعام والشراب. والطرائف التي قد تحدث أو تقال في أثناء ذلك. ووصف حياة البذخ التي كانوا يعيشونها، من ذلك ما عملته أم الخليفة المقتدر عند حلول نيروز المعتضد، حيث أمرت بصنع أزرار من القماش بقدر حبة القطن، تحشى بخرق ثم تغمس بدهن البلسان أو غيره من الأدهان الفاخرة، ثم توقد في المجامر على رؤوس الحيطان ليلة النيروز. وجاء عنها أنّهم كانوا يعملون لها نعالاً من الثياب حيث يجعلون بين طياته المسك والعنبر المذاب حتّى يجمد على القماش ثم يصمغون أطرافها حتّى تكون قطعة واحدة. ويطرزون أطرافها بالإبريسم فتلبسها لمدّة عشر أيام ثم ترميها بعد ذلك فيأخذها الخُزان فيستخرجون منها ذلك العنبر والمسك. وكانت هذه النعال تكلف جملة من الدنانير.
وكذلك كانت حياة الوزراء والخاصة، فقد ورد عن أبي محمد المهلبي في أثناء توليه الوزارة أنّه اشترى ورداً في ثلاثة أيام بألف دينار، ثمّ رماه في بركة كانت في داره، وكان في البركة فوارة حسنة فطرح الورد فيها. وفرش باقيه في مجلسه وجلس يشرب عليه. وجاء عن الوزير أبي القاسم بن أبي عبدالله البريدي أنّه شرب ذات يوم على ورد اشتراه بعشرين ألف درهم، ثمّ رمى بين الورد عشرين ألف درهم وشيئاً كثيراً من قطع الند، وقطع الكافور، والتماثيل. وبعد انتهاء المجلس أمر الفراشين بانتهابه، فانتهبوه. وكان قد كلفه ذلك ثلاثة آلاف دينار.
(ثانياً) حياة الطبقة الوسطى: المتمثلة بالعلماء والأدباء والفقهاء وعلاقاتهم بالخاصة من جهة وبالعامة من جهة أخرى. وكبار التجار وأصحاب الأراضي. وجمهور الموظفين في الدولة العباسية.
(ثالثاً) حياة العامة: وهي جماهير الشعب من خدم وجند، وجواري، وباعة، مثل باعة القماش، وباعة الفواكه، وباعة الثلج. ومن لصوص وعيارين. وفيه عرض لأفكارهم ومعتقداتهم وأخلاقهم.
د ـ الحالة الاقتصادية:
وعكس كتاب النشوار الحالة الاقتصادية للعراق من خلال الأحاديث الواردة عن الأمور الآتية:
- ـ الصناعة: حيث يأتي بأخبار مختلفة عن أنواع الصناعات المعروفة آنذاك كالحياكة، وصناعة الأحذية، والحجامة، والخياطة والنجارة، والوراقة، والملاحة، والصياغة، وصناعة الفخار، وصناعة الصفر.
(ب) ـ الزراعة وما يتعلق بها: كالأخبار الواردة عن الضياع والمزارع وكيفية التزام الأراضي العائدة لعائلة الخليفة، وما يحدث بين هؤلاء الملتزمين من عداوات وكيف ينتقم بعضهم من بعض وفي سبيل ذلك تراهم يسلكون طريق الوساطات لدى العائلة العباسية. والرشى لأصحاب الأمر منهم. ويظهر كيف أنّ كبار رجال الدولة كالوزراء وكبار الكتاب كانوا يشترون الأراضي بأسماء أشخاص آخرين وليس بأسمائهم الصريحة ثم ذكر من تولّى ديوان الضياع، وإدارة المزارع الموقوفة. ومنح الخلفاء للأراضي كاقطاع مؤقت لأشخاص مختلفين، فإذا ماتوا أرجعت الأراضي إلى ملك الدولة. ثمّ بعض الأمور عن إصلاح الأراضي وطريقة المقاسمة مع الفلاحين.
وتحدّث عن الخراج، ومقدار حصة الدولة منه من بعض المناطق. وصاحب الخراج، وطريقة اختيار من يصلح له، والجهابذة (كتاب الخراج). والأساليب الخشنة التي يتبعها جباة الخراج من ضرب وتقييد. وكذلك أساليب المساح في تزوير الإحصاءات والزيادة فيها عمداً.
(ج) ـ التجارة: وقد وردت عنها بعض الأخبار من خلال الكلام على التجار وما كانوا يقومون به من نشاط تجاري، ثم ما كان يحدث لهم من مصادرات. وما يقومون به من احتكار للسلع من أجل زيادة الأرباح. كما أكثر التنوخي من إيراد الأخبار عن تاجر كبير اشتهر في القرن الرابع وهو (أبو عبدالله بن الجصاص) مبيناً فيها علاقته بالخليفة، والوزراء وما كان يتعرض له من مصادرات، ومقدار ما كان يؤخذ منه في هذه المصادرات، ثمّ بعض الأخبار عن سبب ثرائه وعمّا اشتهر به من غباء كان يصطنعه لكي يأمن من انتقام أعدائه.
(د) ـ النقود ودار الضرب: والكلام على النقود يرد من خلال القصص والأخبار وذكر أنواعها المتداولة بين الناس كالدرهم والدينار. واختلاف أوزانهما المتعارف عليها. ثم بعض الأخبار عن دار الضرب، وذكر بعض من تولوها.
(هـ) ـ الغنى والفقر: ويتجلّى الغنى من خلال الكلام على الأغنياء والموسرين وما يملكون من أموال، ومجوهرات مختلفة كالفضة والذهب والياقوت، ثم من خلال الكلام على الخزائن.
ثم هناك طبقة الموظفين التي تتدرج في الغنى ما بين الفقراء والأغنياء وتتداخل معهما. ولقد بيّن كتاب النشوار رواتب بعض طوائف الموظفين من ذلك أنّ راتب والي فارس (وكان آنذاك حامد بن العباس) بلغ 3000 دينار في الشهر، ورواتب بعض الكتّاب في ديوان الضياع كانت 20 ديناراً في الشهر، بينما كان راتب بواب 50 ديناراً في السنة. وهناك بعض الرواتب الخاصة تصرف لأناس لا يؤدّون خدمة للدولة وإنّما نتيجة لرغبة الخليفة في ذلك. وهذه الرواتب لا بد أن تكون عرضة للزوال إذا ما تبدّل الخليفة، كإعطاء الخليفة المعتز لأبي معشر الفلكي راتباً قدره «100 ديناراً في كل شهر رزقاً و30 ديناراً نزلاً» إضافة إلى إعطائه 1000 دينار هدية، وجعله رئيس المنجمين في دار الخلافة. وإعطاء الشاعر البحتري مبلغاً قدره 6000 دينار هدية وكان ذلك بسب زيارتهما له في السجن قبل توليه الخلافة.
وقد وردت عن بعض الموظفين الكبار أنّهم كانوا يسرقون أموال بيت المال كسرقة الحسن بن مخلد (الذي كان يتولّى ديوان الأزمة والتوقيع وبيت المال) 30,000 دينار من بيت المال. وسرقة ابن الفرات في وزارته الأولى مبلغ 1,000,000 دينار، وقد استطاعا أن ينجوا من طائلة الحساب بأساليب ماكرة.
وأمّا الفقر فيبدو من القصص والأخبار الواردة عن العامة والتي يظهر فيها مستوى معيشتهم وبساطة حياتهم من مسكن وملبس ومأكل.
هـ ـ الحالة الإدارية:
وأوضح كتاب النشوار شيئاً عن الحالة الإدارية في الدولة العباسية في القرن الرابع من خلال أخباره وحكاياته عن الخلفاء وعلاقاتهم بالوزراء والقضاة. وكيف كانت تعرض القضايا على الوزير فيرفعها إلى الخليفة، الذي يصدر أمره خطياً على أصل القضية (الرقعة)، ثم تمر بالوزير ثانية فيأمر الجهات المختصة بتنفيذ أمر الخليفة. وقد يستعيض بعض الخلفاء عن وزيره فيجعل مكانه كاتباً. وذكر أنواع الدواوين واختلاف اختصاصاتها وتقسيمها إلى مجالس.
كما أوضح بعض الأمور عن الولاة والأعمال التي يقومون بها في ولاياتهم وعن ارتباطهم بالوزراء وطريقة مراقبتهم وكتابة التقارير السرية عنهم. ثم أوضح بعض الأمور عن الشرطة وعن بعض تنظيماتها العلنية والسرية، كأصحاب المعاون، وأصحاب العذاب وهم الذين يتولون عقوبة المذنبين. وأصحاب الأخبار الذين يعنون بنقل الأخبار إلى الخليفة نفسه بواسطة الحاجب أو إلى الوزير.
كما تناول القضاء، وما يتصل به ابتداءً من قاضي القضاة وعلاقته بالخليفة. ثمّ القضاة ووصف أخلاق بعض القضاة، وذكر ما وقع لهم من أخبار وطرائف خلال مجلس القضاء. وعلاقتهم بقاضي القضاة وبالشهود والشروط الواجب توفرها فيهم كي يقبلهم القضاة للإدلاء بشهادتهم.
وهكذا قدم كتاب النشوار صوراً حيّة للمجتمع العباسي وخاصة في القرن الرابع الهجري.
3 ـ مصادر الكتاب:
قال التنوخي في هذا الكتاب أنّه اقتصر في معلوماته التي أوردها على ما أخذه من الناس مشافهة، من دون الاستعانة بالكتب المؤلفة. وأنّ هذه المعلومات لم يسبق إلى كتابتها من قبل. واستثنى من ذلك الشعر فقط بقوله «إلاّ الشعر فإنّه غير داخل في هذا الأمر فإنّي في الأقل ربّما كتبت شيئاً أعلم أنّه موجود في الدفاتر عقيب شيء يوجبه فلا نحو إليه، فلأجل فائدة تحسّنه وتحض عليه» ولكنّنا وجدناه كثيراً ما يخل بشرطه فيأخذ من مصادر مكتوبة أو من كتب مؤلفة لذلك أرجعنا مصادره إلى ما يأتي:
- – الروايات الشفوية:
وقد جاءت جل معلومات الكتب عن هذا الطريق حيث أخذها مشافهة عن رواته وهم كثيرون جداً اختلفوا باختلاف المادة التي حدّثوه بها. وكذلك اختلفوا في عدد الروايات التي حدثوه بها فبعضهم حدّثه بخبر واحد فقط وقد تناول هؤلاء بشيء من التعريف فقال عن الحسين بن علي بن زيد المنجم «غلام أبي نافع وهو إذ ذاك عامل على الأهواز من قبل معز الدولة» ثم جاء بما أخذه عنه. ووصف شخصاً ثانياً وهو أبو الحسن ابن محمد التومني البصري بأنّه علامة له حسن النشوار ورواية الأخبار، ثقة» ثمّ أتى بخبره عنه بعد ذلك. ووصف ثالثاً بأنّه خال والده. ووصف رابعاً بأنّه حاجب الخليفة المطيع لله ووصف خامساً بأنّه غلام أبي عمر الزاهد غلام تغلب وكان منقطعاً إلى بني حمدون ثم جاء يخبره عن بني حمدون. وقد استمر على هذه الطريقة بالنسبة لبقية الكتاب. أمّا الذين كثر أخذه عنهم فهم حسب أجزاء الكتاب:
الجزء الأول
1 ـ أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي الموصلي، وقد روى عنه الأخبار في ثمانية مواضع إلاّ أنّه لم يعرفه.
2 ـ أبوه القاضي أبو القاسم علي بن أبي الفهم ولقد ذكرنا رواية التنوخي عنه في كتبه في أثناء الكلام على شيوخه. ومن المهم أن نذكر هنا أنّه روى عن أبيه في النشوار في سبعة عشر موضعاً.
3 ـ أبو الحسين عبيدالله بن أحمد بن الحسن بن عياش الخزري البغدادي، وقد عرفه بأنّه كان خليفة أبيه على الفتيا بسوق الأهواز وقد روى عنه أربع وعشرين موضعاً.
4 ـ أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق البهلول الأنباري المعروف والده بأبي بكر الأزرق التنوخي (377هـ أو 378هـ) وكان من أهل الأدب والنحو، حافظاً للقرآن. ووصف بأنّ سماعه كان صحيحاً وقد روى التنوخي عنه في ثلاثة وثلاثين موضعاً.
الجزء الثاني
1 ـ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري الشاهد (393هـ) وكان قد شهد بالبصرة والإبلة وواسط والأهواز وعسكر مكرم وتستر والكوفة ومكة والمدينة وأم الناس في المسجد الحرام أيام المواسم. وهو مالكي المذهب سكن بغداد وأصبحت داره مجمع أهل القرآن والحديث، وكان ثقة وروى عنه التنوخي عشر روايات.
2 ـ عبدالله بن محمد بن داسة. وكان فقيهاً من عائلة سكنت البصرة اشتهر منها بعض الفقهاء وروى عنه التنوخي خمسة عشر رواية.
الجزء الثامن
1 ـ أبو الحسن علي بن هشام بن عبدالله. وقد عرفه بأنّه الكاتب البغدادي المعروف أبوه بأبي قيراط كاتب ابن الفرات ويظهر من خلال بعض الروايات التي أخذها عنه أنّه كان تلميذاً لأبي عبدالله نفطويه (323هـ) النحوي المعروف. وقد روى التنوخي عنه تسع وستين رواية وهي تمثل جل الروايات الواردة في هذا الجزء. وهذه ظاهرة لم نلحظها في الجزئين السالفين، كما أنّ هناك أمراً آخراً انفرد به هذا الجزء هو أنّ بقية الرواة الذين أخذ عنهم لم يصل في أخذه عن أحدهم الخمس روايات.
فمن استعراض رواته تبدو جلياً مكانتهم العلمية فهم قضاة وفقهاء وأدباء. وصلتهم وثيقة بمن يروون أخباره. ومن هنا نرى أهمية رواته الذين أخذ عنهم، ومن ثم الاعتماد على كثير مما جاء به من أخبار. ولهذا نرى كتبه ـ وخاصة النشوار ـ بين المصادر التي اعتمد عليها المؤرخون والأدباء بعده.
ويظهر أنّه حاول الإبقاء على الروايات التي تلقاها عن أصحابها يدل على ذلك كثرة الألفاظ الأعجمية والعامية الواردة في مروياته. وكأنّ التنوخي في عمله هذا قد التزم بأحد شروط صحة النقل عن الذين أخذ عنهم.
أمّا الرواة الذين أخذ عنهم الشعر (سواء كان شعرهم أم شعر غيرهم) فهم كرواته في النثر فبعضهم أنشده مرة واحدة، والبعض الآخر أنشده في مواضع كثيرة. فمن الذين أنشدوه في مواضع واحد:
2– أبو الحسن محمد بن عبد الواحد بن طرخان المغني الطنبوري. ووصفه بأنّ له اتّساعاً كثيراً في الأدب. وأبو جعفر طلحة بن عبدالله الطائي البغدادي، وقال عنه بأنّه معروف بابن قناش الجوهري. وأبو رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي وعرفه بأنّ محله في علم اللغة والشعر المحل المعروف. وأبو الحسن علي بن هارون بن المنجم. وقد أخذ عنه رواية واحدة في الجزء الثاني، ورواية أخرى في الجزء الثامن. لذلك اكتفى بذكر اسمه هكذا دون تعريف ولعل ذلك لشعوره بأنّه معروف، علماً بأنّه قد روى عنه أخباراً غير الشعر. أمّا الذين أكثر من إيراد أشعارهم فهم حسب أجزاء الكتاب:
1 ـ أبو القاسم عبدالله بن محمد الصوري. وهو شاعر من أهل الشام يظهر بأنّ التنوخي أخذ عنه مباشرة في ثمانية مواضع.
2 ـ أبو الفرج عبد الواحد بن نصر المخزومي النصيبي المعروف بالببغا وهو من شعراء سيف الدولة الحمداني. وكان شاعراً مجيداً كاتباً مترسلاً توفي سنة 398/1007م وكان قد قدم إلى بغداد. فأخذ عنه مباشرة في عشرة مواضع.
3 ـ أبو فراس الحارث بن أبي العلاء بن حمدان. وقد ترجم له التنوخي في هذا الكتاب نقلاً عن جماعة أخبروه لم يشأ أن يذكر أسماءهم، إلاّ أنّه قال بأنّه يثق بهم. وكذلك نقلاً عمّا أخبره به أبو الفرج الببغا فوصفه بأنّه من خيار بني حمدان وأنّه برع في كل فضل. ووصف شعره بأنّه في غاية الجودة وأنّ ديوانه كبير. وأخذ عنه في أربع وعشرين موضعاً، لم يذكر مصدره فيها إلاّ في موضع واحد ذلك عن أبي الفرج الببغا أمّا بقية المواضع فلم يذكر من أين أخذها والأرجح عن أبي الفرج أيضاً.
4 ـ أبو الفضل محمد بن عبدالله بن المرزبان الكاتب الشيرازي. وأخذ عنه الشعر في ثمانية مواضع، كما حدث عنه في مواضع أخرى.
5 ـ أبو الحسن محمد بن غسان بن عبدالجبار بن أحمد الداري الصيدلاني البصري الطبيب. وروى عنه ثماني مقطعات.
إنّ ما قلناه عن رواته الذين أخذ عنهم الأخبار يصدق هنا أيضاً. فما رواه عن الشعراء سواء كانوا من المغمورين الذين تولّى ترجمتهم فظهرت من ذلك مكانتهم الأدبية ومنزلتهم العلمية أم من الشعراء الكبار المعروفين، يظهر أهمية هذا الكتاب، إضافة إلى ترجمته لهؤلاء الشعراء غير المشهورين رغم علو منزلتهم الأدبية.
(ب) ـ المصادر المكتوبة:
وهي ثلاثة أنواع (أوّلها) ـ الرسائل والمذكرات، وهذه الرسائل كانت على جانب كبير من الأهمية سواء كانت لأناس عاديين تشرح بعض أمورهم الخاصة أو كانت لكبار رجال الدولة، ممّا يدلّنا على إطلاع التنوخي على الوثائق الرسمية لدى الرؤساء، أمّا المذكرات فهي أشبه بالملاحظات التي يسجلها الشخص بعد سماعه محاضرة أو بعد قراءته كتاباً، خوفاً عليها من النسيان. (وثانيها) الكتب المؤلفة وقد أخذ منها دون أن يشير إليها من ذلك أخباره عن وهب بن منبه حيث قال: «وروي عن وهب… إلخ» ومن المعلوم أنّ أخبار وهب كانت قد سجلت منذ وقت مبكر وتداولتها كتب الأدب والتاريخ. ثم الخبر الذي جاء به عن علية بنت المهدي وعن علاقتها بالخادم طل، وذلك عندما أراد أن يقارن هذا الخبر بخبر سابق. ومن المهم أنّ نذكر أنّ أخبار علية موجودة في كتاب الأغاني للأصفهاني وكتاب الأوراق (أشعار أولاد الخلفاء) للصولي. والتنوخي كان قد تلقى عنهما، وقد أجازا له رواية كتبها فخبر علية إذن لا بد أن يكون مأخوذاً من أحدهما. وكذلك الأمر بالنسبة لخبره عن بابك الحزمي وكيف حاكمه المعتصم وأمر بقتله.
وممّا يؤكد ما ذهبنا إليه أنّه كان يراجع مسموعاته التي دونها عن الشيوخ كما حدث عندما سمع أبياتاً تتغنّى بها جارية بالكرخ، فلمّا أراد التثبت من صاحب الأبيات رجع إلى أماليه عن الصولي فوجد الأبيات مسندة إلى الشاعر عبدالصمد بن المعذل. (وثالثها) دواوين الشعراء، وقد ذكر أخذه صراحة من دواوين الشعر ولا سيما الذين لم يتكرر نسخ دواوينهم أو لم ينتشر شعرهم في الناس كما جاء في مقدمة الجزء الأوّل. ولهذا رأيناه يورد بعض الأشعار من دون أن يذكر رواته فيها. وقد نص صراحة في إحدى المواضع على رجوعه إلى الديوان الذي أخذ منه عندما قال «أنشدني أبو الفرج عبدالواحد بن نصر المخزومي المعروف بالببغا الكاتب لنفسه يوصف شراباً قد جاء أبيضاً، أبياتاً ثابتة في ديوانه اختصرت منها قوله…».
(ج) ـ الخبرة الشخصية، وتتمثل فيما يأتي:
1 ـ ما سمعه بنفسه: وذلك في أثناء حضوره المجالس حيث لم يكن الحديث موجهاً إليه مباشرة مثل حديث بعض الناس مع أبيه. أو أحاديث الناس في مجالسهم التي يحضرها، والتي لم يوضح دوره فيها بل اكتفى بذكر اسم الرجل الذي سمعه ثم يذكر الخبر أو الحكاية التي سمعها منه قوله «سمعت درة الرقاص الصوفي يقول…».
«سمعت قاضي القاضي أبا السائب…» و«سمعت أبا محمد المهلبي يملي كتاباً إلى سعد بن عبدالرحمن، وهو إذ ذاك… يخاطبه في معنى المال وتأخّره…» و«سمعت أبا محمد المهلبي يتحدّث يوماً في مجلس أنس حضرته…».
2 ـ ما شاهده بنفسه: من خلال حضوره مجالس كبار رجال الدولة، فوصف ما وقع أمامه. من ذلك حضوره إحدى مجالس الوزير المهلبي ثمّ وصفه لمحاكمة جرت في ذلك المجلس لبعض العامة ممن وصفوا (بأهل العصبية وحملة السكاكين) وما اتخذ من قرار ضدهم في ذلك المجلس كما أنّه وصف مجالس أبيه أيضاً كقوله: «كان يلزم أبي بالأهواز شاعر يعرف بأبي الخير صالح بن لبيب فدخل إليه يوماً وأنا حاضر فأعطاه رقعة صغيرة فقرأها أبي وتبسم وأمر له في الحال بدراهم وانصرف، فأخذت الرقعة فإذا هي تحية وفيها…».
ونتيجة هذه المشاهدة عند حضوره المجالس تكوّنت له خبرة واسعة ومعرفة دقيقة بأخلاق وصفات من أن يحضر تلك المجالس، لذلك أدلى بمعلومات طريفة عنهم عند ورود أسمائهم في الحكايات والأخبار.
ومن جملة مشاهداته الأخرى وصفه لما يراه في الطريق، كرؤيته لرجل صوفي يزعق ثم يغمى عليه. أو رؤيته فيلاً بالبصرة سنة 339.
3 ـ مذاكراته مع غيره: وذلك أنّه سجّل ما دار بينه وبين بعض معارفه من القضاة كقوله: «تجارينا عند القاضي أبي الحسن محمد بن صالح بن علي الهاشمي ابن أم شيبان في سنة ستين وثلثمائة عظم بغداد وكثرة أهلها…» أو تسجيله ما جرى بينه وبين كتاب عصره كقوله: «جرى بيني وبين أبي الحسن الكاتب الأهوازي… ذكر الزمان وتصرّفه وفساد الأخوان…» أو غيرهم من الناس كحديثه مع الشاعر المتنبي عندما رآه بالأهواز سنة 354هـ وسؤاله له عن معنى لقبه. فكانت هذه المذاكرات والمحادثات تدور عن حياتهم المعاصرة ووصفهم لها ومقارنتها بما سمعوه عن العهود السابقة أو عن أمور ثقافية أو أمور عامة متنوعة.
4 ـ منهج الكتاب:
أ ـ عرض المادة:
لقد بيّن التنوخي في مقدمة كتابه (في الأجزاء الثلاثة) أنّه صنّف هذا الكتاب بطريقة غير مألوفة وأنّه لم يسبقه فيها سابق وهي عدم جعله الكتاب مبوباً حسب فصول أو مرتباً حسب خطة معلومة، إنّما موضوعات مختلفة ينتقل من واحد إلى آخر. أمّا سبب وضعه الكتاب بهذا الشكل فلاعتقاده بما يأتي:
(أوّلاً) إنّ الكتاب يحتوي على حكايات مختلفة يصلح بعضها لأنّ يورد في أكثر من مكان واحد.
(ثانياً) لكي يجعل القارئ مشوقاً إلى المتابعة، غير مستثقل لها أو عارف بنهاية حكايته وأخباره مقدماً.
(ثالثاً) وفي الكتاب تعليقات وأبيات من الشعر لا يمكن وضعها تحت عنوان معين، ولو رتبت لوجب جمعها كلها في باب خاص. وهذا يخالف ما اشترطه منذ البداية في عدم تبويب الكتاب.
ولم يكن غرضه في ذلك مجرد التنويع والإيناس بل ذكر الحقائق بطريقة جذابة. وهذه الحقائق هي تجاربه الشخصية وتجارب من عاصروه أو سبقوه. لكي يفيد منها الناس. فالتنوخي لم يسر في كتابه على الترتيب الزمني الذي اتبعه المؤرخون ولم يذكر السنين لتحديد زمن الحوادث، إلاّ في حالات قليلة جداً. ولم يسر على ترتيب الأشخاص حسب تسلسلهم الهجائي أو حسب طبقاتهم ولا حسب القبائل أو البلدان لذلك كان التنوخي راوية أخبارياً ولم يكن مؤرخاً.
أمّا عن طريقة عرضه للأخبار والحكايات وانتقاله من موضوع إلى آخر فإنّه سلك سبيلين أحدهما إيراده الأخبار التي تدورحول موضوع واحد أو متقارب وفي هذه الحالة لا يشعر القارئ بفجوة أو انقطاع، فمثلاً حين يتحدّث عن مكافئة رجل لآخر كان قد أحسن إليه بشكل من الأشكال وفي وقت من الأوقات. يورد بمناسبة ذكر هذا الخبر عدّة أخبار تدور حول المكافئة ينتقل فيها من واحد إلى آخر، ففي أثناء كلامه على الوزير القاسم بن عبيدالله ومكافأته لأستاذه القديم أبي إسحاق الزجاج الذي كان قد وعده قبل توليه الوزارة بأن يحسن إليه إذا ما ارتقى كرسي الوزارة نراه ينتقل إلى مكافأة الوزير عبيدالله بن سليمان لرجل تاجر كان قد أخفاه في بيته، فلمّا رجع الوزير إلى كرسي الوزارة بعث إلى هذا التاجر وأكرمه. ثم إذا به ينتقل إلى خبر جديد له بعض الارتباط بهذه الأخبار وذلك عن الوزير عبيدالله وكيف أنّه كان ينظر في رقاع الناس ويوقعها ومع ذكر الرقاع ينتقل إلى خبر آخر عن الوزير أبي علي بن مقلة وكيف أنّه كان يوقع على الرقاع في مجالس حفلته وخلوته. ثم ينتقل بعد ذلك إلى خبر وقع للوزير علي بن عيسى وكيف أنّه ضجر يوماً من التوقيع على الرقاع. وانتقل بعد ذلك إلى ذكر رجل عباسي اسمه أبو بكر محمد بن الحسن بن عبدالعزيز الهاشمي وكيف أنّه عرض رقعة على الوزير علي بن عيسى وطلب منه التوقيع عليها، فلمّا همّ الوزير بالخروج دون أن يوقع قبض عليه وطالبه بالتوقيع عليها فعجب الوزير من سوء أدبه، ثم انتقل التنوخي بعدها إلى ذكر شيء عن هذا الرجل وكيف رآه في حضرة الوزير المهلبي الذي جمع بني العباس لإجبارهم على ذكر المفسدين منهم ومثيري الفتن وقد انبرى متكلماً عن بني العباس بلهجة خشنة أثارت الوزير المهلبي ممّا حدا به إلى إهانة ذلك العباسي وأمر الغلمان بجرّه برجله ولولا تدخّل الخليفة المطيع لله وتوسّطه في الأمر لأرسله الوزير مقيداً إلى عمان. وإلى هنا تنقطع هذه السلسلة من الأخبار المتصلة لتبدأ سلسلة جديدة ليس لها علاقة بسابقتها.
أمّا السبيل الثاني في عرض الأخبار فهو عرضها بدون أن يكون بينها أي رابطة أو صلة، بل ترد بشكل أخبار مترادفة يتلو بعضها بعضاً، مثال ذلك أنّه أورد أشعاراً مختلفة مسندة إلى أصحابها. ثم انتقل إلى ذكر رجل لطيف خفيف الروح وقصّ نادرة من نوادره التي كان يقوم بها ثم بين كيف أنّه كان يجيب إجابات لطيفة خفيفة الروح ثم انتقل إلى ذكر جواب مسكت للوزير أبي جعفر الصيمري ثم جاء على ذكر قصة شخص أراد الدعاية مع بعض الصوفية فأخذ يسألهم أسئلة غامضة لا ترمي إلى معنى معين. وكيف أنّه هرب خوفاً من افتضاح أمره. ثم انتقل إلى ذكر رجل ذهب إلى الوزير علي بن عيسى فاعترضه بائع هريسة، وما كان قد أجاب هذا البائع.
وكان التنوخي يختصر الأخبار أحياناً إمّا لطولها أو لشيوعها بين الناس فمن ذلك أنّه في أثناء كلامه على بذخ الخلفاء والوزراء ذكر مشاهدته لأبي محمد المهلبي في وزارته وقد اشترى في ثلاثة أيام متتابعة ورداً بألف دينار فطرح في بركة عظيمة كانت في داره وشرب على ذلك الورد. ثم ختم كلامه قائلاً: «وكان لذلك شرح طويل». وفي موضع آخر في أثناء كلامه على توزيع المقتدر لأنواع الطيب المخزون في دار الخلافة، ذكر رواية عن أنواع ذلك الطيب وكيف أنّه استعمل من قبل في الوحل الذي عملته أم المقتدر قال: «وخبر الوحل مستفيض على ألسنة العوام فلا وجه للإطالة بذكره»، ثم أنّه لم يختصره لمعرفة الناس به فقط بل لأنّ «أهل العلم والخبرة بأمور الخلافة وأخبارها يكذبون بذلك تكذيباً شديداً فلم أورده لهذا السبب أيضاً» وقد يختصر التنوخي الأخبار خوفاً من الانسياق وراء أمور تفصيلية علمية كالحديث عن بعض أمور الفقه فيثقل على القارئ ويخالف بذلك ما التزم به من التنقل من خبر إلى آخر.
وكذلك كان الحال بالنسبة للشعر فإنّه كان يختار القطع الملائمة. أو يختصر القصيدة فيذكر بعضها فقط. وقد ينبّه إلى ورود بعض الشعر في الأجزاء السابقة من الكتاب كأن يقول مثلاً: «وهذه الأبيات قد مضت في غير هذا الجزء من الكتاب».
وكان التنوخي يعلق على أخباره التي يرويها موضحاً أو مؤكداً فمن ذلك أنّه بعد إيراده خبراً عن كرم الوزير المهلبي قال: «ولقد شاهدت له مجلساً في شهر رمضان سنة 351 كأنّه من مجالس البرامكة. ما شاهدت مثله قط قبله ولا بعده». ومن ذلك أيضاً تعليقه بعد خبر رواه عن رجل اسمه أبو غالب ابن الأجري كان مطارداً فاستتر بعض الوقت قال: «ولقد رأيت أنا أبا غالب الأجري هذا وقد ورد البصرة في أيام أبي القاسم البريدي…». ومن توضيحاته لما يرويه قوله بعد أن أورد خبراً عن معز الدولة أنّه قال: «ما نام بين طلوع القمر إلى طلوع الشمس مقبل قط» فعقب التنوخي قائلاً: والأصل في ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام أنّ النبي(ص) قال: «بورك لأمتي في بكورها» وفي موضع آخر بعد أن أورد كلاماً عن رجل سئل عن النبيذ قال: «وأصحاب الحديث والحفاظ يقولون إنّه لم يصح عن النبي (صلى الله عليه وآله) حديث في تحريم التنبيذ ولا في تحليله». أو يعطي معلومات جديدة عن ذلك الشخس أو الموضوع الذي علق عليه من ذلك أنّه بعد أن أورد أخباراً عن زماتة الوزير علي بن عيسى قال: «ومن زماتة أبي الحسن علي بن عيسى وتحسنه أنّه كان يجب أن يبين فضله في هذا على كل أحد».
وقد يقارن أو يوازن بين الأخبار التي يوردها فمن ذلك أنّه بعد أن ذكر خبراً عن الخليفة المأمون وما عمله بأحد عماله. قال: «ويشبه هذا الحديث حديث وجدته بخط القاضي أبي جعفر بن البهلول، ذكر أنّ محمد بن أحمد الجشمي أخبره قال» ثمّ أورد خبراً عن الحجاج بن يوسف الثقفي وما عمله بازامرد بن الفرند وهو حديث يشبه سابقه حقاً. ولقد كرر هذه المقارنة للأخبار المتشابهة في أماكن كثيرة. إلاّ أنّه قارن ووازن بين الأخبار المختلفة المتناقضة أيضاً، ففي حديثه عن البريدي متولي البصرة وكيف أنّ أحد ندمائه سرق منه قحفاً من بلور ـ بعد أن سكر ـ فلمّا طلب البريدي ذلك القحف وسأل عنه، أرجعه ذلك النديم، علق التنوخي على هذا الخبر بقوله: «وهذا مضاد لما حكي عن بعض الأكاسرة…» ثم جاء بحكايته عن أنّه سرقت منه صينية من الذهب في أثناء شربه ولم يعلم بسارقها، فلمّا عزم بعض الحاشية على تفتيش الخدم رفض ذلك ومنعهم منه.ثم شاءت الظروف أن يأتيه أحد الخدم وقد تمنطق بمنطقة من الذهب علم أنّها من تلك الصينية فلمّا سأل الخادم عنها أجابه بالإيجاب، فأخبره بعد ذلك أنّه متى ما احتاج إلى مال فعليه أن يأتيه، كي يعطيه عن ذلك.
فالتنوخي في توضيحاته لبعض الروايات وتأكيده على البعض الآخر أظهر سعة اطلاعه في الحديث والفقه والتاريخ، ثم دل على ذكاء وقوة حفظ في مقارناته وموازناته بين الأخبار والحكايات.
وكان يعلق ناقداً الشعر الذي يورده فيبين محاسنه، كقوله في بيتين لأبي الفجر الببغا «هذان البيتان من الأمثال الجياد التي يجب أن تسير. وفي هذه القصيدة أشياء حسان منها قوله» ثم أورد بيتين آخرين. وعند نقده للشعر قد يقارن بين ما يرويه منه، من ذلك قوله: «أنشدني أبو الحسن علي بن هارون المنجم لنفسه بيتين في معنى الصفراء (مرض) ما سمعت بأظرف من معناهما. وهما يقاربان قول ابن مقلة وهما» ثم ذكر البيتين بعد ذلك. وقد أورد رواية عن رجل أنّه رأى في المنام كأنّه مجتاز بالبصرة في بني نمير على مجلس الشرطة والناس مجتمعون فسألهم فقيل رجل يضرب عنقه فلمّا دنا منهم سمع الرجل يقول: «أها هنا رجل من أهل الأدب يحفظ عنّي ما أقول؟» فأجابه نعم. فأنشد الرجل أربعة أبيات قافيتها «مقاصده، قاصده، تراصده، حاصده» ثم قال له احفظها فإنّها لا خامس لقافيتها بشرط ألا تغيّر الصاد والدال. ثم ضربت عنقه فقال صاحب المنام أنّه طلب قافية خامسة للأبيات فلم يجد. فعلق التنوخي قائلاً: «قلت أنا وطلبت لها قافية فوجدت ما يصلح أن يضاف إليها (فاصده) من الفصد و(عاصده) ولا أدري كيف ذهب ذلك على أبي أحمد (صاحب المنام) ولعل غيري إن فتش وجد قوافي أُخر لكنّها قافية عزيزة على هذا الشرط كيف تصرفت الحال». وقد يذكر التنوخي الاختلاف في رواية بعض الأبيات.
إنّ التنوخي في تقديمه الأخبار سواء كانت مرتبطة بعضها ببعض أم منفصلة بعضها عن بعض وفي تعليقه عليها أظهر مقدرة فائقة في صياغة ما يشتمل عليه كتابه من مختلف الأخبار والقصص، بعبارات فصيحة محبوكة الأطراف. لا قلق فيها ولا اضطراب. إلاّ أنّه أدخل كثيراً من الكلمات العامية في كتبه. وكتابته واضحة بسيطة الفهم. والشيء الوحيد الذي يؤاخذ عليه هو بعض الالتواء في جمله أحياناً حين يباعد مثلاً بين الفاعل والمفعول بطائفة من القرائن المتعاطفة المتواصلة بحيث يضطر القارئ إلى تأمّل ما تقدّم من التراكيب ليظهر له الربط بين أجزاء الجملة التي لا تتم إلاّ بعد عدّة سطور.
ب ـ إسناد الروايات:
لقد بيّنا من قبل في أثناء الكلام على شيوخ التنوخي حالات الرواية المختلفة التي استعملها عند أخذه عن هؤلاء الشيوخ في كتبه الثلاثة. وهي الأخذ مباشرة باستعمال (حدثنا). أو قراءة على الشيخ، أو إجازة عنه باستعمال (أخبرنا). أو النص على الإجازة. وقد سار التنوخي على ذلك في هذا الكتاب. ولكن بشكل مرن دون التقيد بطريقة المحدثين فاستعمل كلمة حدثني في الأخذ مباشرة عن رواته سواء كانوا من الذين أكثر الرواية عنهم أم من الذين روى عنهم أخباراً مفردة واستعملها أيضاً في أخذه عن أناس لم يشأ أن يذكر أسماءهم كقوله: «حدثني بعض البغداديين». أو «حدثني بعض الأهوازيين» أو كقوله: «حدثني بعض أخواني الثقات عندي قال».
وقد استعمل كلمة «أخبرنا جرياً على استعمال المحدثين لها مرة وذلك عند الأخذ عن الشيخ بالإجازة أو عند القراءة عليه. كقوله: «أخبرنا أبو الفرج الأصفهاني قال: أخبرنا أبو بكر يموت بن المزرع قال: سمعت أبا عثمان الجاحظ يحدث» واستعملها مرّة أخرى على غير ما جرى عليه المحدثون عندما أراد بها التحديث مباشرة سواء كان ذلك في أخذه عن رجال معروفين كقوله: و«أخبرني أبي رحمه الله، وأبو الحسن بن عياش». و«أخبرني أبو علي الحسن بن سهل بن عبدالله الأيذجي وكان يخلف أبي على القضاء بأيذج ورامهرمز أنّه…» و«أخبرني أبو القاسم حسين بن محمد بن نبيل، كهل كان من أولاد الجنيد ببغداد… وكان أديباً سماعة لكتب أهل الأدب. وكان إمامي المذهب…» أو في أخذه عن مجهولين لم يشأ أن يذكر أسماءهم كقوله: «وأخبرني بعض شيوخ البصرة» و«أخبرني جماعة من البغداديين». و«أخبرني غير واحد» و«أخبرنا الجم الغفير». وفي أخذه عن هؤلاء المجهولين قد يوثقهم من دون أن يذكر أسماءهم إمّا لرغبتهم في ذلك كقوله عن أحدهم «وأخبرني شاهد من الشهود ببغداد المقبولين وسألني أن لا أذكر اسمه وهو حي فلذلك لم اسمه قال…». أو لأنّ الخبر شائع معروف أو لكونه غير مهم فيكتفي بقوله: «أخبرني من أثق إليه من أهل بغداد». و«أخبرني جماعة من أهل العلم».
ومن طرق الإسناد التي اتبعها جمعه أكثر من سند للخبر الواحد مثال ذلك «حدثني القاضي أبو الحسن علي بن أبي طالب بن القاضي أبي جعفر بن البهلول قال: حدثني أبي عن أبيه. وحدثني أيضاً أحمد بن يوسف الأزرق عن أبي جعفر بن البهلول القاضي قال» وكقوله أيضاً «حدثني أبو محمد يحيى بن محمد وأبو الفرج الببغا قالا» وقوله: «حدثني جماعة منهم رجل يعرف بابن السراج وغيره، ومنهم محمد بن عبدالله بن محمد بن سهل بن حامد الواسطي…».
وهناك طرق أخرى اتبعها في الإسناد ولكن بصورة قليلة كقوله: «حُكي لي عن بعض الصالحين في إخراج السرق…» و«بلغني من جهة وثقت بها على أبي إسحاق إبراهيم السري الزجاج أنّه…».
وكان يذكر اسم الشخص الذي يأخذ عنه بأشكال، فيذكره مرة كاملاً ثم قد يذكره بعد ذلك مضيفاً إليه كنية أو لقباً أو يذكره مختصراً مثال ذلك أخذه عن الأزدي حيث قال: «حدثني أبو محمد يحيى بن محمد الأزدي». ثم ذكره بعد مدة هكذا «حدثني أبو محمد يحيى بن فهد». ثم اكتفى بذكر اسم أبي محمد فقط هكذا «حدثني أبو محمد يحيى». وكذلك عمل بالنسبة لابن البهلول التنوخي فقد ذكره تارة هكذا «حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق البهلول الأنباري التنوخي». ولكنّه ذكره تارة أخرى هكذا «حدثني أبو الحسن بن الأزرق».
وقد يختصر اسم من يروي عنه إذا جاءت أخباره متواترة كقوله: «حدثني القاضي أبو بكر محمد بن عبدالرحمن بن أحمد بن مروان قال»، ثم يورد اسمه في الخبر التالي بهذا الشكل: «حدثني القاضي أبو بكر قال» فإذا ورد اسمه مرة ثالثة اكتفى بالقول: «قال لي القاضي».
ولكن التنوخي يعاود التعريف بأولئك الذين يروي عنهم بكثرة بين الفينة والفينة كالتعريف بهم عند ورودهم أوّل مرّة. كما فعل بالنسبة لأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري الشاهد. ولأبي الحسين علي بن هشام بن عبدالله المعروف بابن أبي قيراط والذي روى عنه أغلب الجزء الثامن.
وتبدو دقة التنوخي أحياناً في أنّه كان لا يتحرج من تنبيه القارئ إلى أنّه قد نسي اسم الشخص موضوع الخبر، أو مصدر الخبر فمن ذلك قوله: «حدثني أبو الحسن بن عياش قال وحدثني شيخ من شيوخنا ذكره هو وقد ذهب عني اسم القاص. قال حدثني أبو عبدالله بن أبي عون قال…». وفي موضع آخر قال: «حدثني أبو الحسن البرسي العامل بالبصرة إنّ بعض بني إسحاق الشيرازي المعروف بالخرقي ممن كان يعامل أم المقتدر. أسماه هو وأنسيته أنا، حدثه أنّها…» وقد يكون نسيانه لبعض ما جاء في الخبر أو عدم تأكده منه وفي ذلك ينبه القارئ أيضاً مثال ذلك قوله: «حدثني أبي أن جماعة كان عملها جعفر بن القاسم تحتوي على ارتفاع فارس أو ناحية من فارس، الشك مني، ومشايخ الناحية، ومعاملاتها وخراجها…» أمّا هذا النسيان أو حصول الاختلاف في لفظ بعض الروايات فيعود إلى عدم تسجيله لهذه الأخبار في أوقات سماعها. كما صرّح هو بذلك، لذلك فعندما بدأ بتأليف هذا الكتاب كان قد نسي أسماء بعض الأشخاص وتغيّرت بعض ألفاظ أخباره. فلم يشأ أن يخلط الأمر على القارئ بل تحرّى الدقة في التنبيه على مواطن الضعف في بعض الروايات.
وهكذا كان التنوخي في إسناد الروايات غير ملتزم تماماً بطريقة المحدثين، بالرغم من كونه محدثاً، وأظن أنّ ذلك يرجع إلى الأسباب الآتية:
1 ـ أنّه كان يروي أخباراً أو حكايات وليس أحاديثاً شريفة.
2 ـ إنّ بعض ما رواه كان شائعاً معروفاً في عصره.
3 ـ إنّ بعض من روي عنهم كانت أخبارهم أو حكاياتهم التي حدّثوه بها غير مهمة، لذلك أهمل أمر الإسناد.
4 ـ إنّ هناك من الرواة من كان يتحرّج من ذكر اسمه، وقد نص التنوخي صراحة على ذلك كما مرّ.
5 ـ ثمّ إنّ الإلتزام بأصول الإسناد كان قد ترك قبل عصره من قبل المؤرخين والأدباء، أمّا استمراره فكان نتيجة للجو الثقافي العام الذي نشأ فيه الأدباء والمؤرخون والذي كان لعلم الحديث تأثير فيه. لذلك لم يلتزم التنوخي بحرفية طريقة المحدثين.
6 ـ إنّ رواياته كانت عبارة عن حكايات في مجالس مختلفة حاول أن ينقلها كما جرت ودارت في تلك المجالس لتكون أكثر تشويقاً. ومن ثم التزاماً بما أخذ به نفسه عند تأليف الكتاب في الانتقال من حكاية إلى أخرى.
ج ـ نقد الروايات:
تبدو ملكة النقد عند التنوخي في كتاب النشوار جلية في تعليقاته على الشعر. وقد مرّ الكلام عليها. أمّا في مجال النشر فيبدو أنّه اختار أخباره اختياراً كما جاء في مقدمات كتابه في أجزاءه الثلاثة. وفي الكتاب بعض الأساطير والحكايات التي لا يمكن الأخذ بها على علاتها لولا أنّه كان متعمداً في إيرادها. ومع ذلك نجده ينبه القارئ إلى خبرين يرى فيهما شيئاً من المبالغة ويكتفي بذلك التنبيه لما جاء في قوله: «ومن الأخبار المفردات ما أخبرني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق قال» وكلمة (المفردات) هي التي أراد بها تنبيه القارئ. أمّا الخبر نفسه فهو عن رجل أظهر النسك ووعظ العامة بالأنبار وأنّه يغطس يده بالزيت الحار فافتتن به أهل البلد. ثمّ ظهرت جماعة من أهل البلد كانوا يشتغلون بالزيت وقد فعلوا مثل فعله فهرب الناسك. وذكر بعد ذلك خبراً يشبه هذا الخبر. ثم قال: «ومن الأخبار المفردات أيضاً ما أخبرني به…» عن رجل عمل وليمة أنفق فيها 200 دينار، وأظهر من الأثاث أشياء كثيرة تدل على سعة الحال. كان في جملتها شمعتان موكبيتان وزنهما ثلاثون أو أربعون مناً. محمولتان على حاملين وموضوعتان في وسط المجلس. وقد استمرتا تتقدان منذ انعقاد المجلس في أوّل الليل إلى وقت الغداة في اليوم التالي. فلم تنقصا سوى أصابع يسيرة. ولما سئل صاحب الدعوة عنهما قال بأنّه قد ورثهما عن أبيه وأنّهما قد مضى على وجودهما خمسون سنة وأنّه يملك غيرهما. ولم نجد في هذه الأخبار المفردات ما يجلب الانتباه إذا ما قورنت بالأساطير التي نبهنا عليها.
وكان التنوخي من جهة أخرى ينبّه القارئ إلى عدم تأكّده من الخبر أو الشك فيه. من ذلك أنّه ذكر خبراً مسنداً ينتهي إلى أبي جعفر الضبي الفقيه الحنفي ثم قال معلقاً عليه «وقد شاهدته أنا وكان من شيوخ التجار المستورين فقيهاً يحضر مجالس أبي للخلاف ويناظر. ولم أسمع منه هذه الحكاية. وقد علق مثل هذا التعليق أيضاً عندما ذكر خبراً مسنداً ينتهي بأبي منصور بن مارقة كاتب أبي مقاتل صالح بن مدرك الكلابي أمير دجلة قال: «وكان أبو منصور من رؤساء أهل الصراة الذين يضرب بهم المثل في كل فن كان أدبياً. وقد شاهدته ولم أسمع مثل هذه الحكاية».
وكان يتحقق من الأخبار التي يوردها أحياناً فمن ذلك أنّه أورد خبراً عن المتنبي الشاعر وكيف تبرأ مما نسب إليه من قول عن لقبه ومعناه وعن وضعه قرآناً خاصاً به. ثم قال: «فأما أنا فإني سألته بالأهواز في سنة 354هـ عند اجتيازه بها إلى فارس في حديث طويل بيننا عن معنى المتنبي لأنّي أردت أن أسمع منه هل تنبأ أم ل» ثم قال: «فأجابني بجواب مغالط فاستحييت أنّ أستقصي عليه وأمسكت». ومن قبيل تحققه مما يورده أنّه قال بعد أن أورد خبراً عن غفلة ابن الجصاص التاجر المشهور بالقرن الرابع «وكنت أنا اجتمعت ببغداد في سنة 350 مع أبي علي بن أبي عبدالله بن الجصاص» ثم سألته عن أبيه وعن صحة ما نسب إليه من حكايات تظهره بمظهر الأبله المغفل. وكان جواب الابن أنّ أباه كان يتظاهر بذلك لينجو من الوزراء والأعداء. ثمّ إنّه حدّثه بحكاية تظهر مقدار ذكاء أبيه فكتبها التنوخي مصححاً بذلك الخطأ الشائع عن ابن الجصاص.
أمّا عن تحقق التنوخي فيما يورده من الشعر فيظهر في إيراده بيتين من الشعر نسبت لأبي العلاء صاعد بن ثابت عن طريق أحمد بن عبدالله القاضي البغدادي المعروف بالبحتري حيث أنّه اجتمع بأبي العلاء سنة 365هـ بواسط فسأله عن البيتين فأنكر أبو العلاء نسبتهما له. وأنّهما لبعض ملوك الهند. وقد حدث التنوخي بقصة هذين البيتين، وبالرغم من أنّ هذه القصة فيها طابع الأسطورة فإنّ التنوخي قد ثبتها في كتابه. إذ المهم بالنسبة إليه صحة نقل الرواية عن أصحابها. والعهدة عليهم بعد ذلك.
بدري محمد فهد
نطنـز
تقع مدينة نطنز على سفح جبل كركس، وهي تبعد عن طهران مسافة 327كم وعن كاشان 77كم وعن أصفهان 129كم، يحدّها شمالاً الصحراء ومدينة كاشان وجنوباً أصفهان ومن الجهة الشرقية والشمالية الشرقية تحدّها أردستان وموغار، أمّا من الغرب فقمصر وجوشقان وميمه.
تتميز نطنز باعتدال مناخها، ويمكن اعتبارها ملاذاً من العواصف الرملية الصحراوية، فأغلب مناطقها ذات مناخ لطيف وخصوصاً في المناطق الجبلية، أما وديان جبل كركس فهي مليئة بالخضرة والعيون الواقعة والأشجار الكبيرة.
تكثر فيها الفاكهة بأنواعها، وأبرز أنواعها كمثرى نطنز المشهورة بجودتها والتي تضرب بها الأمثال ويشتهر فيها الرمان.
حظيت نطنز بموقع متميز منذ العصور القديمة حتّى العصر القاجاري، فقد كانت ممراً للقوافل المتوجهة من الجنوب إلى الولايات الشمالية في إيران وحلقة الوصل بين أصفهان ووسط إيران وجنوبها وشرقها، وأدّى هذا الأمر إلى ازدهار اقتصادها، وما وجود بقايا معابد النار في نطنز وقرية أبياته ومحلة (باغباد) في جبل افوشته، وهي بقايا مدن بأعباد أو (بلغ بت) من العصر الأشكاني والبرج الصخري في (معين آباد) وهو من العصر الأشكاني أيضاً والذي كان قلعة حربية للسيطرة على الطريق بين أصفهان ووسط إيران وشرقها وجنوبها، وغير ذلك من الآثار إلاّ دليل على أهمية نطنز وازدهارها في العصور الغابرة.
وبلغت نطنز أوج ازدهارها في العصر الصفوي، فقد كان الملوك الصفويون يحبونها كثيراً وخصوصاً الشاه عباس الأوّل الذي أقام في جانبيها قصري (تاج آباد) و(عباس آبادشكارگاه).
وتشكل منطقة نطنز إلى جانب مدينتي نطنز وبادرود، عدّة نواحي: ناحية (إمام زاده)، وناحية برزرود (تشمل ناحيتين برزرود وچيمه رود)، وناحية كركس، وناحية (طريق رود).
وكل ناحية من هذه النواحي لها جمالها الخاص الذي يتجلى باعتدال مناخها وجمال طبيعتها وخصوصاً في المناطق الجبلية، وعيون المياه المعدنية والمغارات الطبيعية ومزارع الورد وبساتين الفاكهة ومعامل الصيني والسيراميك التقليدية ومصانع آلات الزينة الخشبية وأدوات الشطرنج والمزهريات وغيرها، إضافة إلى الآثار التاريخية القيمة التي تتراوح في قدمها بين أقدم العصور والعصر القاجاري.
تبعد النواحي عن مدينة نطنز بمسافات مناسبة لإقامة أماكن سياحية تقليدية فيها ولو حصل هذا لاستقدمت المنطقة عدداً كبيراً من السائحين.
وتنتشر الآثار التاريخية في مدينة نطنز ونواحيها، وهي متفاوتة في قدمها، فمنها يعود إلى ما قبل الإسلام، وبعضها متعلق بالحقبة القاجارية والبقية في العصور الأخرى.
يطالعنا في مدينة نطنز معبد للنار وأثر قدم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) من العصر السلجوقي، ومجموعة أبنية من العصر الديلمي حتّى العصر المغولي وعدّة مساجد وحسينيات قديمة، وحمام قديم.
تقع آثار معبد للنار في شمال غرب مسجد الجمعة، وهي أربعة أعمدة حجرية ضخمة موزعة على جهات المعبد الأربع، وطاق جنوبي وبقايا قبة وثلاثة طيقان أخرى وسقف المعبد. وهذه الأجزاء مشيدة بالصخور والجص وهي قائمة على منصة ترتفع عن الأرض ولا تزال المنصة سليمة إلى الآن وهي تحدد مكان المبنى القديم.
وإلى الشمال الغربي من (قبة الباز) واد تجري فيه عين عذبة تصب في حوض. ويطلق أهالي المنطقة على هذا المكان اسم: موضع قدم علي (عليه السلام)، وتفيد التحقيقات التاريخية أنّ الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) توقف عند العين في سفره إلى خراسان.
ويقع مسجد مير في بعض أحياء مدينة نطنز، وهو يشتمل على بوابة كبيرة نصف خربة، تحمل كتابة بارزة بخط الثلث، غير مقروءة لتعاقب السنين وتأثير العوامل الطبيعية. وحرم المسجد مربع الشكل طول ضلعه 16 متراً يعلوه سقف ذو تسع قبب صغيرة متشابهة وهو الجزء الأهم في المسجد بعد البوابة. ويحتوي المحراب على نقوش ورسوم وكتابة بخط الثلث لآية 116 من سورة هود ولسورة الفاتحة. ويذهب عالم الآثار الفرنسي (آندريه غدار) إلى اعتبار مسجد مير من أبنية العصر السلجوقي.
ويقع مسجد الجمعة خلف بساتين نطنز، وهو يشتمل على منارة شاهقة وقبة هرمية الشكل، وهما جزء من مجموعة أبنية مسجد الجمعة ومرقد العالم الرباني والعارف الكبير الشيخ نور الدين عبد الصمد الأصفهاني النطنزي وهو من أبناء القرن الثامن الهجري.
وتشمل هذه المجموعة أيضاً حرماً ثماني الأضلاع يعود إلى العصر الديلمي. ويتكوّن المسجد من أربعة إيوانات وعدّة مصليات ودهاليز توصل جوانب الصحن ببعضها البعض. وهو مشيد عام 704هـ، ويحمل زخارف وكتابات بارزة بخط الثلث، ومنها كتابة بخط الخطاط الصفوي الشهير محمد رضا إمامي تحمل أمر الشاه عباس الأول بالوقف للمسجد، وهناك أيضاً أمر للأمير حسام السلطنة القاجاري، ويوجد للمسجد أبواب خشبية محفور عليها نقوش وزخارف جميلة.
يتكوّن مرقد الشيخ نور الدين عبد الصمد من مبنى مربع الأضلاع، يحمل الجزء الأسفل من الجدران فسيفساء نجمية الشكل، مطعمة بمعادن لامعة، وبعضها مرصع بالفيروز، إلاّ أنّ أكثره سرق.
وللمرقد ضريح ثمين جداً، تعرض للسرقة وهو موجود الآن في متحف فكتوريا وألبرت. وعلى أنّ أجمل ما في مجموعة مسجد الجمعة هي بوابة خانقاه الشيخ نور الدين عبد الصمد الذي تكسوه طبقة من الفسيفساء الجميلة.
وتحظى منارة المسجد بأهمية كبيرة لارتفاعها الكبير وجمالها المميز الذي تكتسبه بفضل نمط بنائها وطريقة تزيينها وما تحمله من كتابات فيروزوية اللون. يبلغ ارتفاعها حوالي 35 مترا وهي مزودة بسلم لولبي ذي 188 درجة وتحمل كتابة بخط الثلث فيروزية اللون.
نِفزة
من القبائل المغربية الكبرى، وكان موطنها الأصلي بنواحي طرابلس ثم انتشرت في المغرب والأندلس. وكانت نِفزة من أوائل القبائل التي بايعت إدريس عند نزوله أرض المغرب. وينسب إلى هذه القبيلة علماء كثيرون من المغاربة والأندلسيين. ومنها تزوج إدريس زوجته كنزة التي ولدت إدريس الثاني.
ونَفزه (بفتح النون) مدينة بالأندلس.
نفطة
مدينة في تونس. قال عنها في معجم البلدان: مدينة بأفريقيا من أعمال الزاب الكبير. وجاء عنها في كتاب (دور كتامة في تاريخ الخلافة الفاطمية) ما يأتي:
حركة الدعوة الإسماعيلية السرية([236]) في بلاد المغرب يرجعها كثير من المؤرخين إلى عصر سادس الأئمة العلويين جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي كان له اهتمام خاص بنشر علوم آل البيت وآدابهم وفضائلهم بين جمهور المسلمين خاصة في تلك البيئات البعيدة التي ما زالت على فطرتها تحتفظ بالإسلام وبأصوله في صورة غيرمعقدة. وإليه يعزى إرسال داعيتين إلى بلاد المغرب هما([237]): عبدالله بن علي بن أحمد، المشهور بالحلواني، وأبو سفيان الحسن بن القاسم.
وقد أوصاهما بالتوغل في بلاد المغرب حتّى مضارب البربر وراء ولاية إفريقية وبالانفصال عن بعضهما، أي يتجه كل منهما إلى ناحية خاصة، كل ذلك مبالغة في الحذر والتستر، وضماناً لتعميم الدعوة. وقد بسط جعفر الصادق أمام الداعيتين رأيه في طبيعة البلاد وفي مدى استعداد سكانها لتقبل الأفكار الجديدة بقوله المشهور: «اذهبا إلى المغرب فإنكما تأتيان أرضاً بوراً فأحرثاها وكرباها وذللاها إلى أن يأتيها صاحب البذر فيجدها مذللة فيبذر حبّه فيها»([238]).
وتشير بعض النصوص إلى أنّ الداعيين نفذا التعليمات بأمانة وبدقة عند وصولهما إلى مدينة مرماجنة([239])، فنزل كل منهما في منطقة بعيدة عن الآخر فاستقرّ أبو سفيان بموضع قريب من مدينة تالة([240])، وبنى فيها مسجداً وتزوج امرأة واشترى أمة وعبداً يعمل بمساعدة هذا العبد الذي يبدو أنّه هيّأه ليكون عيناً له في المنطقة، أمّا امرأته فكانت أيضاً تستعين في شؤون البيت ولمعرفة شؤون نساء المنطقة بهذه الأمة.
وكرّس أبو سفيان وقته للدعوة عن طريق التعليم، وأصبح مقصد كثير من سكان الناحية الذين كانوا يأتون إليه في مسجده، أو في موضع خلوته (رباطه) لسماع أحاديثه عن مزايا أهل البيت واشتهر أمره، وذاع بين السكان خبر فضله وعلمه وورعه وغدت بسبب نشاطه مرماجنة والأربس ونفطة أيضاً مراكز تضم بين مجموع سكانها متشيعين لآل البيت([241]).
ونظراً لما أشار إليه بعض الجغرافيين الرحالة من أنّ مرماجنة كانت تعتبر من عمل منطقة تبسة([242]) والطريق منها يسير في اتجاه مسكيانة فإنّه لا يستبعد وجود متشيعين في هذه المدينة، وفيما جاورها بتأثير حركة الدعوة أو الهجرة والرحلة للتجارة كما أنّ ذلك لا يستبعد بالنسبة لمجانة وسبيبة([243])، وبإغاية وفندق مسكيانة نظراً لما أسلفناه ولقرب المسافة وشدّة ارتباطها ببعضها من الناحية الاقتصادية([244]) خاصة وأنّ مرماجنة غدت مركزاً هاماً و«دار شيعة» بسبب وجود أبي سفيان فيها وقيامه بالدعوة لآل البيت.
أمّا تشيع نفطة من إقليم قسطيلية([245]) (بلاد الجريد) فمردّه إلى نشاط الحركة التجارية بين جنوب ولاية أفريقية وشمالها.
وكانت نفطة ضمن إقليم قسطيلية من بين المراكز الغنية بالتمور([246]) كما كانت مرماجنة ونواحيها من الأقاليم المنتجة للحبوب خاصة القمح… وهكذا كانت حركة القوافل التجارية تنطلق من إقليم الجريد إلى باغاية على سفوح كتلة أوراس عبر طريق مرماجنة ومن ثم كان هؤلاء التجار، من الذين تأثروا بآراء أبي سفيان الداعي ونقلوا آراءهم وما شاهدوه منه أو سمعوه عنه إلى بلدانهم. ومما له دلالة خاصة على هذا الاتجاه أنّ أبا سفيان أنجد تاجراً نفطياً هلك بعيره في مرماجنة حيث أعاره جملاً بنية إعادته إليه مرة أخرى غير أنّ التاجر استمر في نشاطه التجاري بين باغاية ونفطة واحتفظ بالبعير. ولم يرجعه إلى صاحبه حتّى انقطع البعير بحمله في إحدى الليالي عن القافلة، واتجه نحو مرماجنة حيث أناخ بقرب رباط أبي سفيان، فأرسل إلى التاجر النفطي، ليأخذ أمتعته فأتى إليه معتذراً وسدد ثمن الجمل، وبقي ضيفاً في دار أبي سفيان حتّى باع التمر، واشترى القمح([247]).
ثم قال ما مقصوده أنّه إذا تجاوزنا تفاصيل الحادثة فإنّ مضمونها يمكن أن يكون صحيحاً لأنّ سكان منطقة قسطيلية في أقصى جنوب ولاية أفريقية يحتاجون إلى الحبوب من شمال البلاد، وسكان الشمال لا يستغنون عمّا ينتجه جنوبها من تمور، ومع حركة القوافل التجارية تنتقل عادة التيارات والمذاهب والعادات والقصص والروايات وحتى اللهجات، والتستر وراء التجارة كان من بين الأساليب التي لجأ إليها الدعاة سواء في بلاد اليمن([248])، أو في بلاد المغرب، وعبيدالله (المهدي) كان يدعي بدافع خشيته على نفسه، أنّه مجرد تاجر من بني هاشم، ولا علاقة له بالمذاهب ولا بالسياسة أو الدعوة التي تنتشر في المشرق أو في المغرب، وقد تكرر ذلك منه أثناء نفاذه من الشام إلى مصر، ومنها إلى سجلماسة([249]).
وتفاصيل هذه القصة، تشعر فيما يبدو بانتشار أخبار أبي سفيان ونفوذه الروحي حتّى أقصى جنوب البلاد ومعنى ذلك أنّ أهميته في التمهيد لنجاح الدعوة الإسماعيلية في ولاية أفريقية كانت بارزة وقد لاحظ البكري، أنّ جميع سكان نفطة في عصر الجغرافي محمد بن يوسف الوراق، كانوا شيعة ولذلك عرفت المدينة باسم الكوفة الصغرى كما أنّ بعض علمائها الذي يعرف بالبجلي، تمكن من الاستقرار بين سكان منطقة السوس ونشر بينهم الآراء الشيعية قبل ظهور أبي عبدالله الشيعي في منطقة كتامة وأفريقية([250]).
ولم يلاحظ الإدريسي بقايا التشيع في المدينة ولكنّه أشار إلى نفطة متحضرة وغنية بالماء على عكس مدن إقليم قسطيلية الأخرى التي كانت تعاني من الجفاف وفي هذه الناحية يتفق مع البكري الذي يقول «وشرب جميع بلاد قسطيلية بوزن الأنفطة فإن شربها جزاف»([251]).
وهنا نتساءل لماذا اقتصر التشيع عليها دون مراكز الأقاليم المجاورة لها، ثم هل يعود تشيع سكانها إلى عصر الداعي أبي سفيان وإلى نشاط التجار المحليين أو إلى عصور تالية؟ وكان الداعي أبو عبدالله رفيقاً بسكان هذه المنطقة عندما هاجمها أثناء حركة التوسع. وعبيدالله عندما مر بهذه البلاد أثناء رحلته إلى سجلماسة لم يصادف متاعب وسمع عن الدعوة الإسماعيلية في كتامة أخباراً سارة من أحد سكان البلاد([252]) فربما بقيت عنده ذكرى حسنة يحتفظ بها لهذه البلاد، وانعكست في اهتمام خاص بشؤونها وتقريب بعض رجالها.
وقد عرفنا من بينهم محمد ابن عمران النفطي، الذي ولاّه عبيدالله قضاء القيروتان وقضاء طرابلس أيضاً([253])، ومحمد بن رمضان النفطي الذي ولي قضاء ميلة([254]) وإنّ ذلك ربما كان سبباً في التفاف سكانها حول الدولة الفاطمية وفي أخذهم بالعقيدة الإسماعيلية. ويبدو أن التشيع لم يقتصر على نفطة وحدها بل انتشر في بقية مراكز إقليم قسطيلية إنّما بنسبة غير مرتفعة كالتي وجدت في نفطة.
وظاهرة التشيع في بعض سكان المنطقة هو الذي حال فيما يبدو بين الثائر أبي يزيد (الخارجي) وبين الإقامة والظهور فيها مع أنّها مسقط رأس أبيه ومحل نشأته وتعلّمه([255]).
واحة نفطة والواحات التونسية الأخرى
ينزل السياح في مطار نفطة في قلب الواحات التونسية فتستقبلهم نسائم الصحراء والنخيل وتتبدّى لهم مناظر طبيعية تختلف عمّا تعوّدوا على رؤيته في المناطق الأخرى، هنا تمتد الواحات نحو الأفق البعيد وتحجب الأشجار الباسقة شعاع الشمس الذي ينساب من بين السعف كلما تقدّم (الباص) يطوي الطريق بين المطار والفندق. وتمتاز واحتا نفطة وتوزر بتوافر فنادق حديثة.
ولعل أجمل ما في الواحات ساعة الغروب التي تغزو فيها خيوط الشمس رؤوس النخل وتسدل على الواحة ستاراً من السحر والدفء.
ويحب السياح التجوال بين المزارع الخضراء المنتشرة تحت الأشجار وترك أنفسهم تسحر بخرير المياه وأناشيد الفلاحين وهم يتوقفون أحياناً للتفيؤ بالظلال ويتحلقون على العشب الأخضر للاستراحة أو مزاولة ألعاب جماعية.
وهناك النبع الذي تتدفق منه المياه نحو غابة النخيل من سفح الربوة الملاصقة للواحة لتتوزع بعد ذلك على البساتين طبقاً لنظام شديد الدقة يعسر إدراك أسراره. وفي الواقع و ضع نظام الري في الواحات الجغرافي العربي ابن شباط منذ قرون، وهو نظام ما زال أهل توزر ونفطة يتبعونه إلى اليوم لتقاسم مياه الواحة بينهم. ويتيح ري البساتين إنتاج فواكه لم يكن السياح يتخيلون أنّهم سيجدونها على مشارف الصحراء مثل العنب والرمان والتين.
لا تشكل الواحات التونسية عالماً واحداً، وإنّما هي تتوزّع على ثلاثة أصناف مرادفة لثلاث مناطق مختلفة، فهناك أولاً الواحات الصحراوية البعيدة عن البحر وأهمها توزر ونفطة وبعدها تصل قوافل السياح إلى الواحات الجبلية، وهي واحات صغيرة خضراء معلقة بين جبال صخرية شاهقة، وأبرزها واحة الشبيكة وتمغزة وميداس التي لجأ لها البربر في فترة الفتح الإسلامي لتونس، فصارت متحفاً يحتفظ بذاكرة الحضارات التي تعاقبت على المنطقة قبل دخول الإسلام إليها.
ومن ميزات هذه الواحات شلالاتها التي تتساقط مياهها من أعالي الجبال لتنساب إلى الواحة وتبعث فيها الحياة المتجددة.
أمّا الصنف الثالث من الواحات، فهو الواحات البحرية التي تعتبر مدينة قابس الساحلية أكبرها، وهي حال نادرة في العالم، إذ يتعايش النخيل مع رطوبة البحر وتنتشر غاباته في عمق المدينة صانعة عالماً مختلفاً بالكامل عن الميناء والمنطقة الصناعية المنتشرة في محيطه.
وتشتهر واحدة قابس بإنتاج الحناء تحت ظلال النخيل الوارف ما يبعث روائح زكية تشيع عطراً خاصاً لدى زيارة الواحة. كذلك تمتاز بالمشغولات التقليدية التي تعتمد على السعف وإنتاج السجاد الصحراوي وتبدو محلات بيع المشغولات والسجاد منتشرة عند مداخل واحة شنني القريبة من قابس.
شاعر شيعي
من الشعراء الشيعة في نفطة محمد بن رمضان.
قال القاضي النعمان أنّه شاعر شيعي من (نفطة) بالجريد (تونس). وقد عاش هذا الشاعر في عصر إبراهيم الثاني الأغلبي الذي تأمر من سنة 261 إلى سنة 289.
واحتمى هذا الشاعر من جور الولاة الأغالبة فالتجأ إلى بني مالك في (بلزمة) فصنع لهم الأغلبي وليمة وغدر بهم فقتلهم قتلاً قبيحاً. وقد فصل الخبر ابن عذارى في أحداث سنة 280.
وبعد قيام الدولة الفاطمية عيّن عبدالله المهدي هذا الشاعر على قضاء (ميلة).
قال محمد بن رمضان يذكر الواقعة:
جلّ المصاب لئن كان الذي ذكروا
ممّا أتتنا به الأنباء والخبـــــــــر
عن ألف أروع كالآساد قد قتلوا
بساعة في سواد الليل إذ غُدروا
لو كان من بيّت الآساد أيقظهم
حلت به منهم الأحداث والغير
قل لابن أحمد إبراهيم مألكـــــــة
عن الخبير بما يأتي وما يـــــذر
عن المشرّد في حبّ الأئمّة مـــــن
آل النّبيّ وخير النّاس إن ذكــروا
اعلم بأنّ شرار النّاس أطولهــــــم
يداً بمكروه غدر إن هم قــــدروا
لا سيما الجار والضيف القريب ومن
أعطوه ذمتهم من قبل ما خَفروا
فما اعتذارك من عار ومنقصة
أتيتها عامدا إن قمت تعـــــــــــتذر
جرّعت ضيفك كأسا أنت شاربها
عمّا قليل وأمر الله ينــــــــــــتظر
فدولة القائم المهدي قد أزفــــــت
أيّامها والذي أنبأ به الأثــــــــــــر
عن النّبيّ وفيها قطع دولتكــــــــم
يا آل أغلب فارجوا ذاك وانتظروا
وقطع أمر بني العبّاس بعدكــــــم
وقطع آمر بني مروان إذ بطروا
ومن شعر ابن رمضان قوله:
سلا ظبية القنّاص أين احتلالـــها
فقد هاجني تقتيرها وامتذالـــــــها
لعلّ التي عنها تفرّق أهلـــــــــها
فبادت مغانيها وطال اختيالـــــــها
فقد عن الدار التي بان أهلها
وعن كيف من بعد البلى صار حالها
أرقت لها من بعد أن نام إنســـها
خناطيل آرام الضبا وجمالــــــــها
فهذا أوان الحقّ قد حان حينـــــه
ودولة آل البغي آن زوالـــــــــها
كأنّي بشمس الأرض قد طلعت لنا
من الغرب مقرونا إليها هلالـــــها
فيملأ أرض الله قسطاً بعدلــــــه
بما ضمّ منها سهلها وجبالــــــــها
وآمن فيها ما أخاف وأتّقــــــــي
وأظفر بالزّلفى بها وأنالـــــــــــها
النقابـة
النقابة ـ كما يعرفها الماوردي ـ: «موضوعة على صيانة ذوي الأنساب الشريفة عن ولاية من لا يكافئهم في النسب، ولا يساويهم في الشرف، ليكون عليهم أحبى، وأمره فيهم أمضى…
وولاية هذه النقابة تصح من أحد ثلاثة جهات: إما من وجه الخليفة المستولي على كل الأمور، وإما ممن فوض الخليفة إليه تدبير الأمور كوزير التفويض وأمير الإقليم، وإما من نقيب عام الولاية.
والنقابة على ضربين: خاصة وعامة.
فأما الخاصة: فهي أن يقتصر بنظره على مجرد النقابة من غير تجاوز لها إلى حكم وإقامة حد، فلا يكون العلم معتبراً في شروطها ويلزمه في النقابة على أهله من حقوق النظر اثنا عشر حقاً:
أحدها: حفظ أنسابهم من داخل فيها وليس منها أو خارج عنها وهو منها، فيلزمه حفظ الخارج منها كما يلزمه حفظ الداخل فيها، ليكون النسب محفوظاً على صحته، معزواً إلى جهته.
والثاني: تمييز بطونهم ومعرفة أنسابهم، حتى لا يخفى عليه منهم بسنوات ولا يتداخل نسب في نسب ويثبتهم في ديوانه على تمييز أنسابهم.
والثالث: معرفة من ولد منهم من ذكر أو أنثى فيثبته، ومعرفة من مات منهم فيذكره، حتى لا يضيع نسب المولود إن لم يثبته، ولا يدعي نسب الميت غيره إن لم يذكره.
والرابع : أن يأخذهم من الآداب بما يضاهي شرف أنسابهم وكرم محتدهم، لتكون حشمتهم في النفوس موفورة، وحرمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيهم محفوظة.
والخامس: أن ينزههم عن المكاسب الدنيئة، ويمنعهم من المطالب الخبيثة، حتى لا يستقل منهم مبتذل، ولا يستضام منهم متذلل.
والسادس: أن يكفهم عن ارتكاب المآثم، ويمنعهم من انتهاك المحارم، ليكونوا على الدين الذي نصروه أغير، وللمنكر الذي أزالوه أنكر، حتى لا ينطلق بذمهم لسان، ولا يشنأهم إنسان.
والسابع : أن يمنعهم من التسلط على العامة لشرفهم والتشطط عليهم لنسبهم، فيدعوهم ذلك إلى المقت والبغض، ويبعثهم على المناكرة والبعد، ويندبهم إلى استعطاف القلوب وتأليف النفوس ليكون الميل إليهم أوفى والقلوب لهم أصفى.
والثامن أن يكون عونا لهم في استيفاء الحقوق، حتى لا يضعفوا عنها، وعوناً عليهم في أخذ الحقوق منهم، حتى لا يمنعوا منها، ليصيروا بالمعونة لهم منتصفين، وبالمعونة عليهم منصفين، فإن من عدل السيرة فيهم إنصافهم وانتصافهم.
والتاسع: أن ينوب عنهم في المطالبة بحقوقهم العامة في سهم ذوي القربى في الفيء والغنيمة، الذي لا يختص به أحدهم حتى يقسم بينهم بحسب ما أوجبه الله تعالى لهم.
والعاشر: أن يمنع أياماهم أن يتزوجن إلا من الأكفاء، لشرفهن على سائر النساء، صيانة لأنسابهن، وتعظيما لحرمتهن أن يزوجهن غير الولاة أو ينكحهن غير الكفاة.
والحادي عشر: أن يقوم ذوي الهفوات منهم فيما سوى الحدود، بما لا يبلغ به حدا ولا ينهر به دماً، ويقيل ذا الهيئة منهم عثرته، ويغفر بعد الوعظ زلته.
والثاني عشر: مراعاة وقوفهم بحفظ أصولها وتنمية فروعها، وإذا لم يرد إليه جبايتها راعى الجباة لها فيما أخذوه، وراعى قسمتها إذا قسموه، وميز المستحقين لها إذا خصت، وراعى أوصافهم فيما إذا شرطت، حتى لا يخرج منهم مستحق ولا يدخل فيها غير محق».
«وأما النقابة العامة فعمومها أن يرد إليه في النقابة عليهم مع ما قدمنا من حقوق النظر خمسة أشياء:
أحدها: الحكم بينهم فيما تنازعوا فيه .
والثاني: الولاية على أيتامهم فيما ملكوه .
والثالث: إقامة الحدود عليهم فيما ارتكبوه.
والرابع: تزويج الأيامى اللاتي لا يتعين أولياؤهن أو قد تعينوا فعضلوهن.
والخامس: إيقاع الحجر على من عته منهم أو سفه، وفكه إذا أفاق أو رشد.
فيصير بهذه الخمسة عامة النقابة، فيعتبر حينئذ في صحة نقابته وعقد ولايته أن يكون عالماً من أهل الاجتهاد ليصح حكمه وينفذ قضاؤه»([256]).
وكان يدعى من يتولى هذا المنصب في العصر العباسي «نقيب الطالبيين» أو «نقيب العلويين» ثم دعي في العصور المتأخرة «نقيب الأشراف».
والأشراف المقصودون بهذا الاسم هم «كل من كان من أهل البيت، سواء كان حسنياً أو حسينياً أو علوياً من ذرية محمد بن الحنفية أو غيره من أولاد علي بن أبي طالب أو جعفرياً أو عقيلياً أو عباسياً»([257]) وإن كان الخلفاء الفاطميون بمصر قصروا اسم الشريف على ذرية الحسن والحسين (عليهم السلام) فقط.
وبقيت لهذا المنصب أهميته على مر القرون، فلا يكون النقيب إلاّ «من شيوخ هذه الطائفة وأجلهم قدراً»([258])، كما بقيت للنقيب حتّى القرن التاسع الهجري تلك الواجبات والحقوق التي كانت له في العصر العباسي ممّا دوّنه الماوردي فيما نقلناه عنه آنفاً، وقد حفظ لنا القلقشندي نسخة توقيع بنقابة الأشراف تتضمن الإشارة إلى حقوق النقيب وصلاحياته، وجاء فيه بعد الديباجة:
ولمّا كانت العترة الطاهرة النبوية وراث الوحي الذين آل إليهم ميزاته وأهل البيت الذين حصل لهم من السؤدد آياته، وقد سأل الله ـ وهو المسؤول ـ لهم القربى، وخصّهم بمزايا حقيق بمثل متصرفهم أنّه بها يحبى، وأنّها لهم تجبى، لما في ذلك من بركات ترضي سيد المرسلين وتعجبه، ويسطر الله الأجر لفاعله ويكتبه، وكان لا بد لهم من رئيس ينضد سلكهم وينظمه ويعظم فخرهم ويفخمه، ويحفظ أنسابهم، ويصقل بمكارمه أحسابهم، وينمي بتدبيره ريعهم،ويتابع تحت ظل هذه الشجرة الزكية ما زكى ينعهم، ويحفظهم في ودائع النسل، ويصدّ عن شرف أرومتهم من الأدعياء المدعين بكل بسل، ويحرس نظامهم ويوالي إكرامهم، ويأخذهم بمكارم الأخلاق، ويمدهم بأنواع الأرفاد والإرفاق، ويتولى ردع جانيهم إذا لم يسمع، ويتدبر فيه قوله: (أنفك منك وإن كان أجدع).
ولما كان فلان هو المشار إليه من بين هذه السلالة، وله من بينهم ميزة باطنة وظاهرة… اقتضى حسن الرأي المنيف… أن تفوض إليه نقابة الأشراف الطالبيين، على عادة من تقدمه من النقباء السادة.
فليجمع لهم من الخير ما يبهج الزهراء البتول فعله، ويفعل مع أهله وقرابته منهم ما هو أهله، وليحفظ مواليدهم، ويحرر أسانيدهم ويضبط أوقافهم، ويعتمد إنصافهم، ويثمر متحصلاتهم، ويكثر بالتدبير غلاتهم، ويأخذ نفسه بمساواتهم، في جميع حالاتهم، وليأخذهم بالتجمع عن كل ما يشين، والعمل بما يزين، حتّى يضيفوا إلى السؤدد حسن الشيم، وإلى المفاخر فاخر القيم، وكل ما يفعله معهم من خير أو غيره هو له وعليه، ومنه وإليه، والله يحفظه من خلفه ومن بين يديه، بمنّه وكرمه.
نقد الرجال (كتاب)
لا شبهة بعدم إمكان استنباط الأحكام من دون مراجعة الأحاديث والروايات، ومن البداهة بمكان عدم تمييز الأحاديث الصحيحة من السقيمة من دون الرجوع إلى علم الرجال.
وقد ألف علماؤنا في هذا الحقل تصانيف كثيرة.
ومن الكتب القيّمة في هذا المجال «نقد الرجال» للسيد مير مصطفى الحسيني التفريشي.
فرغ مؤلفه من تأليفه عام 1015 هجرية، وله مزايا كثيرة أشار إليها في مقدمة كتابه بقوله: (… ولما نظرت في كتب الرجال رأيت بعضها لم ترتب ترتيباً يسهل منه فهم المراد، ومع هذا لا يخلومن تكرار وسهو، وبعضها وإن كان حسن الترتيب، إلاّ أنّه فيه أغلاطاً كثيرة، مع أنّ كل واحد منها لا يشتمل على جميع أسماء الرجال، أردت أن أكتب كتاباً يشتمل على جميع أسماء الرجال من الممدوحين والمذمومين والمهملين، يخلومن تكرار وغلط، ينطوي على حسن الترتيب، يحتوي على جميع أقوال القوم قدس الله أرواحهم، من المدح والذم، إلاّ شاذاً شديد الشذوذ، وهذا وإن كان بعيداً من مثلي ولكن الواهب غير متناهي القوة…).
وإضافة لطريقة عمله والمميزات الخاصة به، اعتمد على كتب الأصحاب: كالكشي، والفهرست، ورجال الشيخ، وفهرست النجاشي، والخلاصة، وإيضاح الاشتباه للعلاّمة، ورجال ابن داود، ومعالم العلماء لابن شهر آشوب، وكما هوالظاهر من اسم الكتاب فهونقد للكتب السالفة الذكر.
وأشار فيها إلى اشتباهات أولئك الأعلام وهفواتهم، من تكرار الراوي أو اتحاده…
ومع أنّ الكتاب قد طبع في عام 1318 طبعة حجرية، لم يعلم به إلاّ الأوحدي من الفضلاء.
أحمد على مدرس شيخ زاده
نقش جهان
يعد ميدان نقش جهان مجموعة ممتازة من الفن المعمارى والتزييني في أصفهان تحفه إيران الخالده، ولم يكن لهذه المجموعة الفنية حتّى أواخر القرن السادس عشر الميلادي نظير ليس في إيران وحدها بل في العالم أجمع، والآثار التاريخية الفنية التي يضمها ميدان نقش جهان هي عصارة فكر المعماريين والفنانين الإيرانيين الذين صاغوا بعقولهم الفنية ودرايتهم الخلاقة مجموعة من أندر المجموعات الفنية التي خلدت أصحابها في العالم، وقد ورد ذكر اثنين من هؤلاء الفنانين على كتابة مدخل مسجد الشاه ومحراب مسجد الشيخ لطيف الله وهما الأستاذان على أكبر الأصفهاني والأستاذ محمد رضا الأصفهاني اللذان قادا حركة الإعمار والتزيين لميدان نقش جهان والبنايات الفنية النفيسة المحيطة كبناية عالي قابو ومسجد الشاه ومسجد الشيخ لطف الله العاملي وسوق (شاهي) ويرى مؤرخوالآثار الفنية الإسلامية أنّ ميدان نقش جهان والآثار الفنية النفيسة المحيطة به من حيث التخطيط والتنسيق ظاهرة لا نظير لها في عالم الفن ومع أنّ العديد من الميادين الكبيرة قد بنيت في العالم إلاّ أنّها لا تستطيع منافسة تحفة أصفهان، يبلغ طول الميدان حوالي 510 أمتار وعرضه 160 متراً ويقع في قلب المدينة أصفهان وقد بنى حول أضلاعه الأربعة أسواق تجارية لم يبق منها إلاّ أسواق الضلع الشمالي والشرقي والجنوبي الشرقي أمّا أسواق الضلع الغربي والجنوب الغربي فقد تغيّرت أشكالها وألحقت بالبنايات الأخرى القريبة من الميدان على مدى القرون.
أمّا سبب تسمية الميدان بهذا الاسم (نقش جهان) فيقول مير سيد على جناب مؤلف كتاب (أصفهان) الذي طبع القسم الأول منه عام 1342هـ: إنّ ذلك يعود إلى وجود بستان كبير بالقرب من الميدان كان يدعى قبل العهد الصفوي باسم نقش جهان وكان هذا البستان على جانب كبير من الروعة والجمال وحسن التنسيق ولذا سمّي بهذا الاسم…
تاريخ بناء ميدان
نقش جهان والأسواق الأربع
من أجل الوقوف على تاريخ دقيق لبناء ميدان نقش جهان لا بد لنا من العودة إلى الوثائق التاريخية القديمة والمخطوطات المعتمدة، وقد عثرنا على وثيقتين صحيحتين موثوق بهما تشيران إلى تاريخ يمكن الاطمئنان به وهما:
الأولى:
يذكر (ولى قلى شاملو) صاحب كتاب (قصص الخاقاني) الذي كان يعيش في عصر الشاه عباس الثاني أنّ تاريخ بناء الميدان وأسواق أصفهان الأربع المحيطة بالميدان يعود إلى عام 1011 الهجري (النسخة الخطية لقصص الخاقاني الموجودة في المكتبة المركزية لجامعة أصفهان ص22).
الثانية:
يذكر السيد عبد الحسين خاتون آبادي (1105ـ1039)[1294-1350 هجري قمري] مؤلف التاريخ المعروف بـ (وقايع السنين والأعوام) والذي كان معاصراً للملوك الذين خلفوا الشاه عباس الكبير أنّ تاريخ ميدان نقش جهان يعود إلى عام 1011 الهجري (انظر النسخة الخطية لكتاب وقايع السنين والأعوام الموجودة في مكتبة مجلس النواب الإيراني ص535).
ومن القرائن الموجودة لدينا نستيطع القول بأنّ هذا التاريخ هوأصح التواريخ التي ذكرت في بناء الميدان وقد وقف عائدات الأسواق المحيطة بالميدان الشاه عباس الكبير على المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) (انظر تاريخ عالم آراي عباسي المجلد الثاني ص: 760ط ـ طهران).
الألعاب النارية والمهرجانات
في ميدان نقش جهان
كان الشاه عباس الكبير ولوعاً بالألعاب النارية والاحتفالات والمهرجانات التي غالباً ما كانت تقام له خلال ذهابه إلى إحدى المدن الإيرانية الكبرى أوالعودة إلى عاصمته بعد انتهاء زيارته لإحدى المدن الإيرانية وكانت تقام تلك الاحتفالات والمهرجانات في أبهة خاصة يشترك فيها مختلف طبقات الشعب وكانت تلك الاحتفالات عادة تستمر عدة أيام كما كان الشاه عباس الكبير يخرج في اليوم الأول مع سفراء الدول الأجنبية لمشاهدة تلك الألعاب، وفي اليوم الثاني يخرج مع نسائه وحريمه وفي اليوم الثالث يخرج مع فريق من كبار قادة الجيش وموظفي الدولة الرسميين.
يذكر أحد معاصري الشاه عباس الكبير في أحد رسائله شرحاً للمهرجانات التي جرت عام 998هـ في ميدان نقش جهان بمناسبة عودة الشاه عباس إلى عاصمته بعد زيارته لمدينة شيراز:
في عام 998هـ عاد الشاه عباس الكبير إلى عاصمته وخرجت مواكب الشعب لاستقبال مليكهم وإظهار ولائهم له وقد زينت العاصمة بأحسن زينة ولبست أبهى حللها القشيبة ونصبت الصور الكبيرة في الساحات الكبرى أمّا ميدان نقش جهان فقد نصبت فيه الأعمدة التي تحمل مشاعل كبيرة وأوقدت الشموع ووضعت في محافل خاصة صنعت بأشكال مختلفة حتّى لكأن الناظر إليها يحسبها في الليل نجوماً ساطعة، أمّا أصحاب الألعاب النارية فقد انتشروا في الميدان وكل فريق منهم صنع لنفسه هياكل على شكل حيوانات ونصبوا على رؤوسها ألعاباً نارية (تشبه ما نسمّيه اليوم بالصواريخ) وحينما كانت الشموع تضاء والصواريخ تطلق يصبح الميدان ككور الحداد حينما ينفخ فيه فتتطاير الشظايا النارية الملونة فيه وقد استمرّت هذه المهرجات طوال شهر كامل كان الشاه عباس يحضرها، ويشاهد الألعاب الرياضية التي كان تجري، وفي عام 1004هـ عاد الشاه عباس إلى عاصمته أصفهان بعد زيارة قام بها إلى قزوين وبأمر من الشاه عباس اصطف على جانبي الطريق خمسة عشر ألف جندي حضروا إلى العاصمة من المدن القريبة إليها يتقدمهم الأمراء والأشراف الذين سخت أيديهم بالعطايا والهدايا الوافرة وجرت في ميدان نقش جهان احتفالات كبيرة ومهرجانات عديدة أطلقت فيها الألعاب النارية وأوقدت المشاعل وأنير الميدان بالشموع حتّى بلغ نفقات تلك الاحتفالات ألفين وخمسمائة تومان وهذا مبلغ كبير جدّاً في ذلك الزمن الذي كانت باستطاعة العائلة الإيرانية أن تعيش فيه بمبلغ نصف تومان يومياً) وقد بلغت مصروفات الجند عشرين ألف تومان علاوة على منح كل جندي منهم توماناً واحداً (تاريخ عالم آراي عباسي، ج2، ص780).
يذكر السائح الإيطالي (پيترو دلاوالي) انطباعاته ومشاهداته عن تزيينات نقش جهان والالعاب التي جرت فيه بعد عودة الشاه عباس الكبير من مازندران إلى عاصمته أصفهان قائلاً:
(عاد الشاه يوم الأحد الثالث من رجب عام 1028هـ وبعد توقف ثلاثة أيام في أحد البساتين الأربعة (چهان باغ) دخل المدينة خفية وبدون علم أهل العاصمة هذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها الشاه المدنية بهذا الشكل وفي اليوم الثاني أعدت القناديل والمشاعل والشموع وأسباب الزينة ثم أمر الشاه بإنارة الميدان وبإحضار كافة الرجال بأسلحتهم أمّا النساء فعليهن البقاء في الحوانيت والأسواق لأنّ الشاه عازم على إخراج حريمه ونسائه إلى الميدان للفرجة والنزهة، أمّا ساحة الألعاب نفسها التي أغلقت الطرق المؤدية إليها فقد اشتملت على ميدان نقش جهان أوميدان المدينة الكبير مع الدور المحيطة به والمحلات السكنية والأسواق المحيطة بالميدان وسوق تجار الحرير وسوق السراجة والعطارين وسوق القيصرية وكانت هذه السوق سوقاً كبيرة خاصة ببيع الأقشمة ومكان ضرب النقود (سكة خانة) حيث كانت النقود الصفوية تضرب فيه كما كان في هذه السوق إدارة خازن الشاه الخاص (لله بيك) وسوق صغيرة للتجارة أوالصيرفة (حياة الشاه عباس الأول، ج2، ص289).
إضاءة ميدان نقش جهان
وصف السائح الفرنسي والكاتب الشهير (شواليه شاردن) الذي عاصر الشاه عباس الثاني والشاه سليمان وعاش فترة في مدينة أصفهان وصف إنارة ميدان شاه كما يسمّى اليوم ميدان نقش جهان سابقاً بقوله:
(كانت كتيبة مسجد الشاه وكتيبة سوق الشاه الواقعتين على طرفي الميدان قد بنيت على شكل نصف هلالي وكان أمامها حوض دائري محيطه سبعون قدماً وعمقه عشرة أقدام وكانت جدران الحوضين مبنية بالمرمر والرخام والماء يجري فيهما بصورة مستمرة ذلك أنّ وجود مياه باردة رصافية وجارية تعدّ إحدى لذات الدول الحارة، وفي أطراف الميدان أبنية عالية ومرتفعة وعدد من المنجنيقات المصنوعة من الخشب والمزينة بالقناديل والمشاعل وكانت هذه القناديل عادة تضاء في الاحتفالات والمهرجانات الرسمية والأعياد ولم يكن في الدنيا نظيرها لأنّ عدد هذه القناديل كان يبلغ خمسين ألف قنديل).
لعبة الكرة والصولجان والقپق
كان الشاه عباس ولوعاً ومغرماً بلعبة الكرة والصولجان التي تعتبر من الألعاب الإيرانية القديمة جدّاً وقد يكون الإيرانيون هم الذين ابتكروها، وكان الشاه عباس كلّما وجد فرصة للراحة وخاصّة بعد عودته من الأسفار أوالحروب أوحينما يريد الترويح عن نفوس ضيوفه الأجانب يمارس لعبة الكرة والصولجان أويأمر الفرق الرياضية بإجراء عدد من المباريات في هذه اللعبة، وكان الإيرانيون خلافاً لبعض الأمم الأخرى يمارسون اللعبة وهم ممتطون جيادهم، وكان أعضاء كل فريق لا يزيد على خمسة أوستة لاعبين، وكان كل لاعب يسعى للوصول قبل غيره إلى الكرة التي كانت تصنع من خشب خفيف الوزن جدّاً وإبعادها عن اللاعبين الآخرين بواسطة عصا طويلة معكوفة الرأس وكان على اللاعب أن يمسك عصاه بيده اليمنى وكانت قوانين اللعبة آنذاك تجبر اللاعب على متابعة الكرة وهي بالقرب منه وإذا لم يستطع اللحاق بها فعليه أن يسعى لمنع اللاعبين الخصوم من الوصول إليها، ولما كانت هذه اللعبة الإيرانية الأصيلة تتطلب مهارة خاصة في ركوب الخيل وإدارتها في ساحة اللعب وتأدية بعض الحركات السريعة المختلفة لذا كان أكثر اللاعبين من الفرسان الشجعان الذين لا يهابون الأخطار والأهوال ولعل هذا السبب هوالذي دفع الشاه عباس إلى تشجيع لعبة الكرة والصولجان وكان الشاه عباس نفسه يحضر كما قلنا سباقات هذه اللعبة كما كان يشارك فيها في بعض الأحيان.
وحينما حلّ (ولي محمد خان ازبك) ضيفاً على الشاه عباس في عاصمته أصفهان كان يدعوه كل يوم إلى الذهاب إلى ميدان نقش جهان ومشاهدة الألعاب التي كانت تجري بأمر من الشاه نفسه مثل ألعاب الكرة والصولجان ولعبة (القپق) والألعاب النارية وغيرها وبعد انتهاء مراسيم الألعاب كان الضيف والمضيف يذهبان إلى الرياض الملكية للنزهة والاطلاع على أحوال الناس ذلك أنّ تلك الرياض كانت مفتوحة لجميع أبناء الشعب وكانت كالمتنزهات العامة.
لم يكتف الشاه عباس ببناء ميدان نقش جهان لإجراء ألعاب الكرة والصولجان في عاصمته بل كان يأمر بتأسيس مثل هذه الملاعب في المدن التي لم تكن تملك مثل تلك الملاعب كإصداره أمراً في عام 1001هـ ـ بعد أن استولى على محافظة گيلان الحالية وانتزاعها من يد الخان أحمد الگيلاني ـ بإبدال بستان (پيش قلعة) إلى ميدان كبير لإجراء مباريات الكرة والصولجان والقپق، وكانت مساحة هذا البستان الذي كان يحوي أشجاراً كبيرة لمختلف أنواع الفاكهة تبلغ اثني عشر … ذراعاً.
أمّا لعبة القپق فهي: نصب عمود طويل من الخشب في وسط ساحة كبيرة أوميدان كميدان نقش جهان مثلاً ويوضع في أعلى العمود كرة أوكاس ذهبية أوإحدى الفاكهة كالبطيخ أوالتفاح مثلاً وفي بعض الأحيان يوضع إناء مملوء بالنقود الفضية أوالذهبية ثمّ تبدأ اللعبة حيث يصطف اللاعبون وهم غالباً من الفرسان ويبدأون بإطلاق النيران كل على انفراد ومن ينجح في إسقاط ما على العمود يفوز بجائزة قيمة وهذه اللعبة التي اشتهرت في العهد الصفوي ومن إبداع السلاطين الصفويين تدعى بلعبة القپق.
وقد حظيت هذه اللعبة باهتمام الشاه عباس وكانت اللعبة المفضلة لديه بعد لعبة الكرة والصولجان وحينما كانت هذه اللعبة تجري في ميدان نقش جهان كان الشاه عباس يجلس في غرفة خشبية تدعى (شاه نشين) ويعادلها اليوم المقصورة الملكية وكانت هذه المقصورة مركبة على أربعة دواليب دوارة بحيث تدور كيفما يشاء الجالس فيها أما الفائز بالمسابقة فكان بالإضافة إلى حصوله على الجائزة الكبرى يقوم بدعوة رجال الدولة الحاضرين في اللعبة إلى منزله وعلى رأس هؤلاء المدعوين الشاه نفسه.
مباحثات تاريخية
في ميدان نقش جهان
في شعبان عام 1028هـ أي في العام الذي انتهى فيه بناء مسجد الشيخ لطف الله العاملي والمدخل الرئيسي لمسجد الشاه، دعا الشاه عباس قبل مغادرته أصفهان إلى المناطق الجبلية سفراء الدول الأجنبية في غروب ذلك اليوم إلى ميدان نقش جهان وسمح لسفراء إسبانيا وروسيا وسفير البابا مغادرة إيران إلى دولهم ثمّ صحب الشاه سفير إسبانيا (دن غارسيا دوسيلفا فيركو) إلى إحدى زوايا الميدان وترجل عن فرسه وجلس على الأرض وكذلك فعل سفير إسبانيا بعد أن سمح له الشاه ثمّ طلب الشاه عباس أن يحضر رئيس قساوسة الكرمليت وأميرين من أمراء إسبانيا الذين كانوا مع السفير دن غارسيا ليشهدوا المباحثات التي ستجري بين سفيرهم والشاه عباس وقد حضر هذا الاجتماع من الجانب الإيراني (ساروتقى) الوزير و(قرچغاي خان) البطل الوطني وحسين بيك المضيف وعدد من مستشاري الشاه ثمّ طلب الشاه عباس من (پركان تاده) أن يقوم بمهمة الترجمة وأمر السفيرين ببدء المحادثات أوالإعراب عن ما يريده فقال السفير:
ليس لي رجاء سوى أن تكون الطائفة المسيحية المقيمة في إيران والمتكونة من الجاليات البرتغالية والإسبانية والإيطالية موضع حماية الشاه وأن يمنحهم إذناً خاصاً لبناء كنيسة لهم في أصفهان.
فأجاب الشاه عباس: إنّ هذا الأمر لا يحتاج إلى رجاء وتوصية لأنّني شخصياً أحمي الطائفة المسيحية ولا اعتراض لي على بناء كنيسة لهم، ثم رجا السفير الإسباني الشاه عباس أن ينظر إلى جيرانه البرتغاليين في هرمز نظرة ودية وأن لا يعاضد الإنكليزة أعداء البرتغاليين، فقطع الشاه عباس حديث السفير الإسباني وقال: إذا كانت علاقاتنا اليوم مع برتغاليي هرمز ضعيفة فإن ذلك يعود إليهم وهم السبب في ذلك لأنّهم يعاملون المسلمين معاملة غير ودية ويقدمون على أسرهم وسجنهم دون مبرر إضافة إلى منعهم المسلمين من المجيء إلى إيران واضطهادهم بشتى الوسائل ليدخلوا في الديانة المسيحية فعلى البرتغاليين في هرمز أن يكفوا عن مثل هذه الأعمال القذرة كما عليهم أن لا يتدخلوا في شؤون الإنكليز، ثمّ طرح سفير إسبانيا موضوع ميناء (گمبرون) الذي يسمّى حالياً بميناء بندر عباس وجزيرة البحرين فقال الشاه: لقد خلصنا جزيرة البحرين من حكم أمير هرمز ولم تكن هذه الجزيرة تابعة للبرتغاليين وليس لهذا الأمر علاقة بالبرتغاليين، أمّا فيما يتعلق بميناء (گمبرون) فيجب أن أقول بصراحة أنّ هذا الميناء جزء لا يتجزأ من الأراضي الإيرانية وليس للبرتغاليين في هرمز الحق في التدخل بهذا الأمر كما أنّ استيلائي على الميناء لا يعتبر اعتداء على حقوق الآخرين.
الدكتور لطف الله هنرفر
نقض الوشيعة
كتاب كتبه السيد محسن الأمين نقض فيه كتاب (الوشيعة في نقد عقائد الشيعة)، نلخصه فيما يلي:
الكتاب ومؤلفه
قال الدكتور حكمت هاشم رئيس جامعة دمشق الأسبق وهو يتحدث عن الكتاب وعن مؤلفه ومؤلفاته الأخرى في خطاب له امام المجمع العلمي العربي نأخذ منه ما يلي:
وأحب أن أقدّم الكلام على آخر هذه الكتب عهداً في تاريخ حياته أعني كتاب «نقض الوشيعة»، لما خاض موسى جار الله التركستاني في «نقد عقائد الشيعة» برز له ـ رحمه الله ـ يدرأ مطاعنه الجارحة، والحق إنّ ذلك الكتاب ليروع قارئه بإيمان المؤلف وسعة إحاطته وقوّة حجته ودامغ برهانه. حتّى أنّه ربّما قاده لإعادة النظر في مواقف كان في نفسه منها شيء كأمر «التلاعن والتطاعن» و«عصمة الإمام» و«التقية» و«نكاح المتعة» وما إلى ذلك. واشهد أنّ المرء في كثير من المواضيع التي يبدوعليها أنّ ظاهر الحق في جانب الخصم، لا يلبث أن يخرج ميالاً إلى العكس بعد سماع الرد.
وبعد، أيّها السادة، فإن أسفي شديد لأنّي لم أسعد بلقاء «السيد» والتعرّف عليه عن قرب حتّى أجلو لكم خصائص خلقه وشخصيته، ولكن أصدقاءه وتلامذته يرسمون له صورة تستهوي الأفئدة في بساطتها وسمّوها على السواء.
لقد أشادوا بما عرفوا من تواضع وزهد بالجاه وعزوف عن المنزلة واحتقار للمظاهر الباطلة الغرارة. ذكروا أنّه ما بالى قط متاع الحياة الدنيا فاجترأ بما يسدّ البلغة ويقوم بالأود، كان يسعى لشأنه بنفسه، ويباشر بيده تهيئة طعامه غير حافل برفاهية مأكل أومشرب، ولا ملتفت إلى زينة في شارة أوكسوة… كذلك شأن العظماء ينكرون ما أسماه نيتشه «فلسفة الخياطين) فلا يؤمنون أنّ الثوب يخلق الراهب، ولا أنّ الزنار المف خير من الذكر الحسن!…
ولقد صوّروا ما رأوا فيه من ورع وتقوى وعفة يد ولسان، وشهدوا أنّ «الآلاف ذهباً كانت ترد عليه فما يمسّها ويحوّلها للحال إلى وجوه الخير» بل ربما أنفق ماله على تأسيس المدارس ووقفها في عصر أذل فيه الحرص أعناق الرجال… كذلك شأن الزاهدين الأصفياء أذكياء النفوس يحقرون الاستثكار ويأنفون من التكالب على الرزق، لأنّهم لا يقيسون الفضل بذلك المقياس العجيب الذي حدّثنا عنه يوماً أحد عمداء العلم وأسماه «مقياس عدد الأصفار»!.
ثمّ همّ أطبقوا على جودة رأيه وشجاعة قلبه وثبات جنانه وتحرّره من العصبية والجمود ونهوضه بما يعتقد أنّه حق… كذلك شأن الروحانيين المخلصين لا يدارون في فكرتهم ولا يداجون ولا يصانعون ولا يتلسمون مجداً رخيصاً قائماً على تملق العامة واسترضاء الدهماء. ذلك بأنّهم أدركوا سر تلك الحكمة العسجدية المنقوشة في صدر تريستان وإيزولت والتي تصلح شعاراً للمثاليين جميعاً من كل جلدة: «ما لا يقدر عليه السحرة، فباستطاعة القلب أن يأتي به بقوة الحب والبطولة»!.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وآله الطاهرين وسلم تسليما.
و(بعد)، فيقول العبد الفقير إلى عفو ربه الغني، محسن ابن المرحوم السيد عبدالكريم الحسيني العاملي: انه لا يمضي يوم إلاّ ويطلع علينا من زوايا التعصب، وحب التفريق بين المسلمين، ونبش الدفائن، وتهييج الضغائن، رسائل وكتب ومؤلفات ينتقد بها أصحابها أهل مذهبنا بمر الانتقاد، وسيء القول، من دون أن يسلكوا في ذلك طريقة أهل العلم، ويتأدبوا بآداب المناظرة، ويبنوا أقوالهم على الدليل والمنطق الصرف. وكثير منهم يتجاوزون ذلك إلى الشتم والذم والسباب والنبز بالألقاب، المنهي عنه في السنة والكتاب؛ مع أنه لا يلجأ إلى ذلك إلاّ العاجز عن الحجة والبرهان، فإن فيهما كفاية لاسكات الخصم، ولا يبالي هؤلاء أن يفتروا علينا الأكاذيب، ويختلقوا المعايب بشتي الأساليب، يفرقون بذلك كلمة المسلمين، ويوغرون الصدور، ويهيجون كوامن الضغائن والأحقاد، في زمان قد وصلت فيه حالة المسلمين إلى ما وصلت اليه، وهم إلى الوئام والائتلاف وجمع الكلمة والوفاق أحوج منهم إلى النزاع والاختلاف والشقاق. ونحن وهم أهل دين واحد، ونبي واحد، وكتاب واحد، وقبلة واحدة. نشهد جميعا لله تعالى بالوحدانية، ولنبيه محمد (صلّى الله عليه وآله) بالرسالة، ونؤمن بكل ما جاء به من عند ربه، نحل حلاله، ونحرم حرامه، نقيم الصلوات الخمس، ونؤتي الزكاة، ونصوم شهر رمضان، ونحج البيت الحرام، ونعظم شعائر الإسلام، ونعترف بالبعث، والنشور، والحساب، والعقاب، والثواب، والجنة، والنار، وبكل ما ثبت في دين الإسلام، وليس بيننا وبينهم نزاع ولا خلاف إلاّ في أمور يسيرة لا يوجب الخطأ فيها – إن كان – خروجاً عن الإسلام، أهمها: مسألة الخلافة التي لم يبق لها اليوم أثر يذكر، لكن قوماً لا يروق لهم اتحاد المسلمين واتفاقهم، فيعمدون إلى ما يهدم ذلك؛ فيودعونه مؤلفاتهم، ويطبعونه وينشرونه على الملأ تقليداً لغيرهم واتباعاً لما غرسته العصبية العمياء في نفوسهم، فحالت بينها وبين النظر إلى الأمور بعين البصيرة والانصاف واتباع الحقائق وغفلة عن أن هذه النزاعات والأقوال السيئة ما كان باعثها إلاّ السياسة بما أسسه علماء السوء تبعاً لأهواء الظلمة من الملوك والأمراء، وطمعاً في دنياهم. وقد زال باعثها اليوم وصارت السياسة تبعث على ضدها. ولو أن هؤلاء قرعوا الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، وتركوا سوء القول لهان أمرهم وكان خيراً لنا ولهم، ولكنهم لم يفعلوا من ذلك شيئاً. ونحن ما زلنا نسعى في جمع الكلمة جهدنا، وفي تأليف القلوب بكل ما في طاقتنا ووسعنا، ولكن ما نصنع بهؤلاء الذين ذكرناهم إلاّ أن نرد غائلتهم، وندفعهم عنا، ونبرّيء أنفسنا من افترائهم علينا، بالباطل، ونفنّد أقوالهم بالحجة والبرهان. فمن ذلك كتاب اطلعنا عليه في هذه الأيام يسمى «الوشيعة في نقد عقائد الشيعة» ليس في اسمه مناسبة سوى مراعاة السجع، تأليف رجل أسمى نفسه موسى جار الله بن فاطمة – كما ذكر فيه – مطبوع بمصر سنة 1355هـ، فوجدناه قد جرى في سبيل هؤلاء الذين أشرنا اليهم، ونهج في منهاجهم، وزاد عليهم بأمور خالف فيها اجماع المسلمين([259]) ولم نجد في «وشيعته» شيئاً يصح أن يسمى علما، بل ليس فيها إلاّ دعاوى مجردة عن الدليل، ودعاوى متناقضة، وعبارات منمقة مزخرفة لا طائل تحتها وأموراً أكل الدهر عليها وشرب، وافتراءات وفلسفات باردة، وتأويلات فاسدة، وسخافات وآراء كاسدة، وتمحلات عن الحق حائدة، وتفسيرات معوجة، ومصادمات للبديهة، ومخالفات لاجماع المسلمين وضرورة الدين، وحمل للآيات على ما لا مساس لها به، وسباب وبث سموم، كل هذا مع التكرير والتطويل بلا طائل واعادة الكلام الواحد مراراً ومراراً، كما ستطلع على ذلك كله. ولقد كانت بالاعراض عنها أحق لولا انتشارها وأضرارها، فاضطرتنا الحال إلى نقضها وبيان ما فيها من الخلل والفساد. ومن العجيب أنه كتب على ظهرها: «هي أول تدبير في تأليف قلوب الأمة الشيعة وأهل السنة والجماعة، هذا عذري في تأليف الكتاب لتأليف القلوب وفي طبعه ونشره خالصاً لوجه الله». مع أنها أول تدبير وآخره في تنفير القلوب، وأعظم تدمير وتخريب لما بناه ويبنيه المصلحون. يؤلف هذه الوشيعة المخربة المدمرة ويطبعها له بعض الكتبيين المرتزقين في مصر، وينشرها طمعاً بثمن بخس، دراهم معدودة يبيع بها ائتلاف المسلمين، ويوقد به نار العداوة بينهم، ويجرح به عواطف مائة مليون من الشيعة بغير حق، ويشتري به سخط الله وسخط عقلاء الأمة غير متأثم ولا متحرج، ثم يقول المؤلف: انه أول تدبير في تأليف قلوب الأمة، وانه كتبها لتأليف القلوب وطبعها ونشرها لوجه الله.
ورب سوداً واسمها فضة
وكم تسمي عبد سوء سرور
ولوكان هؤلاء الأقوام المتحرشون بنا من بعيد عارفين قدر أنفسهم، وواثقين بقوة حجتهم، ومخلصين في نواياهم لدعونا إلى ميدان المناظرة وقرع الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، فيعرف حينئذ الهجان من الهجين، والغث من السمين، والمحق من المبطل، ولوفعلوا لوجدونا سراعاً إلى اجابة دعوتهم، ولكنهم يرمون بالغيب من مكان سحيق، ويصح فيهم قول المبتني:
وإذا ما خلا الجبان بأرض
طلب الطعن وحده والنزالا
وكانت قد وردتنا من العراق أسئلة موجهة من هذا الرجل – إذ كان نزيل دار السلام: بغداد – لعلماء النجف الأشرف، بتاريخ 21 ذي القعدة سنة 1353هـ، و25 فبراير سنة 1935 م، ثم أرسل هذه الأسئلة بعينها إلى علماء الكاظمية بتاريخ 28 ذي القعدة سنة 1353هـ، و3 مارس سنة 1935 م، وهي عشرون سؤالا، وطلب الينا جماعة من فضلاء البلدين الجواب عنها، فحررنا أجوبتها وأرسلناها اليهم من دمشق بتاريخ 23 من المحرم سنة 1354هـ، ولما اطلعنا على الوشيعة وجدناه قد أدرج فيه مضامين تلك الأسئلة دون أن يذكرها بعنوان السؤال، فلم نجد بداً من نقض «وشيعته»، والجواب عما فيها من نقده، معتمدين في ذلك على الأدلة الصحيحة، والبراهين الجلية، لئلا يغتر بـ «وشيعته» بعض من ينظر اليها، فيتوهم صحة ما فيها، فتتسع شقة الخلاف التي نسعى في كل مواقفنا ومؤلفاتنا إلى تضييقها، وبالآخرة إلى محوها وابادتها. وأدرجنا في هذا النقض أجوبة تلك المسائل التي كنا حررناها كما أدرج هومسائله في وشيعته. هذا وقد وجدنا جماعة من فضلاء اخواننا السنيين، ساخطين على وشيعته، ناقمين على خطته فيها، شافهنا بعضهم بذلك مشافهة، وراسلنا بضهم مراسلة. فجاء نقضنا هذا بحمده تعالى كتاباً وافياً باثبات الحق في جل المسائل الخلافية وأهمها مع تفصيلها، وتفصيل أدلة الطرفين فيها، والله تعالى هوالمستعان، وعليه التكلان، ومنه التوفيق والتسديد، وهوحسبنا ونعم الوكيل.
وقبل الشروع في نقض الوشيعة نقدم مقدمة نذكر فيها ما وصل الينا من أحوال مؤلفها.
من هوموسى جارالله مؤلف الوشيعة
هورجل من أهل تركستان، من بلاد روسيا، يعبر عن نفسه في كتاباته و«وشيعته» تارة بموسى جار الله، وأخرى بموسى جار الله ابن فاطمة. ولا ندري وجه تلقيبه نفسه بجار الله أوتلقيب أبيه به، ولا وجه اختياره الانتساب إلى أمه، والله تعالى يقول: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: 5]. وصرّح في «الوشيعة» بأنه من متصوفة الإسلام. ويظهر من ملامحه حينما زارنا بمنزلنا في الكوفة أواخر عام 1352هـ، أنه تجاوز الستين من عمره، يلبس اللباس الافرنجي، وعلى رأسه قلنسوة من المخمل الأسود، وهوكثير شعر الرأس واللحية وقد وخطه الشيب، يحسن العربية الفصحى والفارسية والتركية، ولا بد أن يكون يحسن غيرها من اللغات الفرنجية، وقد حضر المؤتمر الإسلامي المنعقد في القدس عام 1351هـ، ثم جاء إلى العراق عام 1352هـ، ثم ذهب إلى ايران عام 1353هـ، ثم عاد إلى العراق في تلك السنة ووجه الأسئلة المشار إليها إلى علماء النجف والكاظمية، ثم سافر إلى مصر، وألف فيها «وشيعته» وطبعها عام 1355هـ، وهو باق في مصر إلى الآن عام 1359هـ، ولسنا نعلم تفصيل أحواله، ولكننا نذكر شيئاً منها مما أدرجه في أوائل «الوشيعة» وما جرى لنا معه في الكوفة وطهران.
قال في أوائل الوشيعة: «هاجرت بيتي ووطني، في نهاية سنة 1930 م، هجرة اضطرارية، وكانت قد سدت علي كل طرق النجاة حتى آثرت مضطراً أوعر الطرق وأصعبها وأطولها، فساقتني الأقدار من طريق التركستان الغربي إلى الأقطار الإسلامية إلى التركستان الشرقي الصيني، فالبامير، فأفغانستان. وبقيت أربعة أشهر وزيادة على متون الخيول حتى صلت إلى كابل، ورأيت من كل عجائب الطبيعة وأعاجيب الأمم والأحوال ما كان ينسيني الصعوبات التي كنت ألقاها أو أتورط فيها. وأصعب عذاب لا أكاد أنساه هو أني بأيدي حرس كانت ترقبني ولا تتركني على اختيارى في البحث وفي الاقامة حيث أريد» – وهذا يدل على أنه نفي من بلاده لأمور لعلها سياسية – وكان الأولى به بعدما رأى ما حل بالإسلام والمسلمين وما حل به نفسه أن لا يسعى بما يثير الفتن بينهم، ويوغر الصدور، وأن لا يدفن المحاسن، ويجتهد في اختلاق المعائب والتعصب بالباطل. قال: «أقمت بكابل في الانتظار أربعين يوماً ضيفاً عند حكومتها الكريمة، ثم فتح الله جل جلاله على وجهي أبواب السفر باشارة من جلالة الملك أعلى حضرت نادر شاه، فانتهزت ضرورة الاغتراب في اختيار السياحة بالبلاد الإسلامية، وقد كنت سحت من قبل في الهند، وجزيرة العرب، ومصر، وكل بلاد تركيا، وكل التركستان الغربي، إذ أنا طالب صغير قد فرغ من درس العلوم المعروفة في المدارس الثانوية والمدارس الدينية، ودامت سياحتي في تلك المرة ستة أعوام كنت فيها في مختلف الأقطار الإسلامية إلاّ العراق والا الايران (كذا). وفي هذه المرة الأخيرة أعدت سياحتي في كل القطار الإسلامية التي كنت فيها من قبل. أما سياحتي في البلاد العراقية والايرانية فقد دامت سنة وزيادة، وكانت صعبة شديدة». ثم قال: «ذهبت، في نهاية سنة 1920، إلى بخارى بعدما استولت عليها البلاشفة بقوة عسكرية من أبنائنا – وهذا يدل على أنه من بلاد تركستان الروسية – ثم في سنة 1927م زرت المدينة المنورة وأقمت بالحرم النبوي عشرين يوماً». ثم قال «جلت في بلاد الشيعة طولاً وعرضاً سبعة أشهر وزيادة، وكنت أمكث في كل عواصمها أياماً وأسابيع، وأزور معابدها، ومشاهدها، ومدارسها، وأحضر محافلها وحفلاتها في العزاء والمآتم وحلقات الدروس، وكنت أستمع ولا أتكلم بكلمة». وهذا يدل على أن دابه كان التجسس وتطلب العورات، ولم تكن نيته خالصة ولا كان طالبا للحق والا لتكلم وباحث وحقق معهم ودقق، فاما أن يخصموه أويخصمهم، ولكنه كان ينظر اليهم بعين السخط التي لا تبدي إلاّ المساوىء، فأخطأ نظره في كثير من الأمور التي رآها واعتقدها وخالف اعتقاده الحقيقة فيها.
ما جرى لنا معه في الكوفة
زارنا بمنزلنا في الكوفة من أرض العراق أواخر عام 1352هـ، حينما تشرفنا بزيارة المشاهد الشريفة؛ وذلك بعدما جاء من المؤتمر الإسلامي بالقدس. دخل علينا فسلم، فرددنا عليه السلام ورحبنا به وقلنا له: هل أنت مسلم؟ فقال: أوما يكفي لبيان إسلامي السلام. فقلنا له: قد يسلم غير المسلمين – وكانت هيئته في لباسه الافرنجي ولباس رأسه وطول شعره كما قدّمنا يظن منها أنه موسوي غير مسلم – ثم قال: اني وردت النجف، وسمعت بكم فجئت لزيارتكم، فشكرناه على ذلك، وسألناه: من أي بلد هو؟ فقال: انه مسلم يتوطن بلاد الافرنج، ثم انه رأى في كتاب عندنا بيتين قديمين في الجاحظ، وهما:
لويمسخ الخنزير مسخاً ثانياً
ما كان إلاّ دون مسخ الجاحظ
رجل ينوب عن الجحيم بوجهه
وهوالقذى في عين كل ملاحظ
فاغتاظ لذلك، فقلنا له: هذا شعر قديم، قد قيل في الجاحظ وأودع في الكتب وطبع وانتشر، وتبعته ليست علينا. وكان في مجلسنا سيد فاضل يساعدنا في الكتابة، فأراد أن يجيبه، فانتهره وأظهر الغضب، فاحتملنا له ذلك؛ لأنه ضيف وأخبرنا أن له مؤلفات غابت عن ذاكرتنا أسماؤها، ثم سألنا سؤالين.
(السؤال الأول): ما سبب قول الشيعة وعملهم بالتقية؟ فقلنا له: التقية لا تختص بالشيعة، بل هي عامة، عندهم وعند غيرهم من المسلمين، بل عند جميع العقلاء؛ لأنها عبارة عن اظهار خلاف المعتقد بقول أوعمل عند الخوف على النفس أوالعرض أوالمال، وهذا مما قضى به العقل وحكم بجوازه الشرع حتى جوز اظهار الكفر بقوله تعالى: ﴿الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان﴾ [النحل: 106]، ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ [آل عمران: 28]، ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه﴾ [غافر: 28]، ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: 195]. وانما اشتهر الشيعة بالتقية دون غيرهم لكثرة ما جرى عليهم من الظلم والاضطهاد، وحصل لهم من الخوف، فكثر عندهم استعمال التقية واشتهروا بها دون غيرهم.
(السؤال الثاني): ما دليل حلية المتعة؟ فقلنا له: الدليل عليها أنها كانت مشروعة باجماع المسلمين، ونزل بها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾ [النساء: 24]، حتى أن ابن مسعود كان يقرأ ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ إلى أجل مسمى، رواه الطبري في تفسيره وغيره وعمل بها في عهد النبي (صلّى الله عليه وآله) وعهد الخليفة الأول وبعض مدة الخليفة الثاني حتى حرمها لمصلحة رآها. فقال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنا أحرِّمهما وأُعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء»، فقد ثبتت شرعيتها ولم يثبت نسخها. فقال: هكذا أجانبي بعض علماء النجف عن السؤالين، وسكت، ولم يبد اعتراضاً، وكان عليه أن يبدي اعتراضه، ان كان عنده اعتراض لنا وللعالم النجفي لينظر ما عندنا في ذلك، فإن كان حقاً قبله وان كان باطلاً رده علينا لا أن يسكت في الحضور، ثم يقذف بكلامه في المغيب من مكان سحيق.
وحضر وقت الغداء، فدعوناه إلى أن يتغدي معنا، فلم يقبل، وألححنا عليه، فأبى وودعنا، وشيعناه، ومضى.
ما جرى لنا معه في طهران
ثم رأيناه في طهران عاصمة ايران سنة 1353هـ، وكنا نصلي جماعة في مسجد يسمى مسجد الجمعة، فحضر ذات ليلة وصلى معنا، ولما فرغنا من الصلاة رأيناه فسلمنا عليه، وتحدثنا معه، وكان من حديثه معنا أن قال: أنا أحترم جميع المذاهب ولا أتعصب، فشكرنا له ذلك، ثم صعد الخطيب المنبر ليخطب بما جرت به عادته كل ليلة بعد انقضاء الصلاة، وهوأشهر خطيب في طهران ويسمى الميرزا عبدالله طهراني، وكان خطابه يطول أكثر من ساعة وهوبالفارسية، فجلس يستمع اليه، فقلنا له: هل تحسن الفارسية؟ فقال: نعم، ثم قام وقال: أريد أنه أجلس قريبا من المنبر، حتى لا يفوتني شيء من الخطاب، واستمر على ذلك ليلتين، ثم زارنا في منزلنا بطهران، فسألناه عن منزله؛ لنرد له الزيارة. فقال: انه نازل عند امرأة أرمنية، ثم لم يتسع لنا المجال لزيارته، ثم أرسل إلينا في اليوم الثالث انتقادات ينتقد بها خطباء طهران وعلماءها، وقد أدرجها في «وشيعته».هذا ما جرى لنا معه في العراق وايران ثم لم نره بعد ذلك، وقد بلغنا أنه توفي.
ونحن نشرع في نقض هذه «الوشيعة» متوكلين عليه تعالى سائلين من فضله وكرمه أن يلهمنا الصواب ويوفقنا لسلوك نهج السداد والرشاد.
ونعتذر إلى من يقرأ كتابنا هذا من أهل العلم والفضل عما قدر يبدر منا من خشونة في قول، فإنه قد يدعونا إلى ذلك ما في كلامه مما لا تحتمله الطباع، وربما اقتضت الحكمة ذلك.
ولا خير في حكم إذا لم يكن له
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
وللحلم أوقات وللجهل مثلها
ولكن أوقاتي إلى الحلم أقرب
ولما كان كلامه مشتملاً على تكرير كثير، وكان يعيد في مواضع متعددة ما ذكره قبل ذلك ويضع أشياء في غير محلها ويدخل مبحثا في مبحث، رأينا أن نجمع مكرراته في مكان واحد مهما أمكن روما للاختصار، وليستوفي الناظر معرفة ما ذكرناه فيه ولا ينتقل من مكان لآخر، وأن نذكر كل شيء مع ما يناسبه فاقتضى ذلك أحياناً تقديم ما أخر، وتأخير ما قدم، وجمع ما فرق وتفريق ما جمع، فلينتبه لذلك، ولا يتوهم أنا تركنا الرد على بعض ما في الكتاب حين يصل القارئ إلى محله فلا يجد ردا عليه، فإن الرد عليه يكون متقدما أومتأخرا، وقد نغفل أشياء من كلامه لا نرى فائدة في نقلها ونقضها، وعلى الله نتوكل وبه نستعين.
ما قاله عن وشيعته
كتب على ظهرها أنه جمع فيها من كتب الشيعة عقائد لها لا تتحملها الأمة، والعقل، وأدبها، ودعوى الائتلاف، وأن تلك العقائد في القلوب توري نيران الشحناء، وليست إلاّ أهوية تنفخ في ضرام العداء، وأن كلمة التوحيد توجب اليوم على مجتهدي الشيعة نزع تلك العقائد من الكتب، وإلاّ فإن الكلمات هراء هواء وأثر المؤتمرات عداء. وكتب على ظهرها أيضا هذين البيتين وختمها بهما.
ما مشكل أن القيو
د تكون غل الأرجل
أن القيود على العقو
ل فذاك كل المشكل
«محمد الهراوي»
ودعا في خطبة «وشيعتة» بأدعية كثيرة، ثم قال كأني سمعت أن الله قال: ﴿قد أوتيت سؤلك يا موسى﴾ [طه: 36] وقال (في صفحة ج): «الله يعلم، وإني أشهد الله، أني لم أعمل عملاً إلاّ في الله، وقد أنفقت كل أعمارى وشريت نفسي ونسلي ابتغاء مرضاة الله وكنت في كل ذلك مخلصاً لوجه الله». ثم أورد في (صفحة د) هذا البيت:
أيا رب أني لم أرد بالذي به
كتبت كتابي غير وجهك فاقبل
وقال في (ص 17): «كانت – أي «الوشيعة» – رسالة صغيرة جمعت فيها مسائل من أمهات الكتب المعتمدة للشيعة الامامية، ثم قدمتها لمجتهدي عالم الشيعة وشيوخها عملا بأدب الكتاب الكريم: ﴿فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: 43]. واليوم بعد أن انتظرت سنة وزيادة أنشرها لتنظر فيها الأمة الإسلامية والشيعة الامامية الاثنا عشرية. موسى جار الله – ابن فاطمة». وقال في ما وجهه إلى علماء النجف بالتاريخ المتقدم بعد مقدمة طويلة لم نر فائدة في نقلها، قال في جملتها ص 18 و19: «أقدم هذه المسائل رغبة في تأليف قلوب عالمي الإسلام الشيعة الامامية الطائفة المحقة وعامة الأمة أهل السنة والجماعة». ثم قال: «انه يحترم كل المذاهب الإسلامية خصوصا مذهب الشيعة الامامية».
وأنه كان يعرف أصول الشيعة الامامية من الكتب الكلامية، وأنه كان في مكتبته الغنية كثير من كتب الشيعة الامامية الفقهية، درسها واستفاد منها، واستحسن الكثير من مسائلها وأحكامها.
ولكنه قال (ص 20): «ان في هذه الكتب أموراً لا تتحملها الأمة ولا يرتضيها الأئمة ولا تقتضيها مصلحة الإسلام، ثم هي جازفت في مسائل مستبعدة ما كان يبنغي وجودها، ولا أظن أن الأئمة كانت تدين بها، هم أرفع وأجل من أمثال هذه المسائل علما ودينا وعقلا وأدبا اهـ».
(ونقول): المسلمون متفقون بطبيعة الحال ليس بينهم عند التحقيق خصام ولا جدال في ما هو روح الإسلام ولبه وجوهره، ألا وهوالشهادتان والالتزام بأحكام الدين التي أسسها ضرورية أو اجماعية، وعليها يتوقف صدق اسم الإسلام وجريان أحكامه سواء في ذلك سنيهم وشيعيهم. فالجميع معترفون بها فالرب واحد، والنبي واحد، والكتاب واحد، والعبادة واحدة، والقبلة واحدة، ولا خلاف بينهم إلاّ في بعض الفروع وبعض العقائد المعلومة التي اختلف فيها الأشاعرة مع الشيعة والمعتزلة وكلها ليست من أسس الإسلام إلاّ في أمر الخلافة الذي لا يخرج الخلاف فيه عن حظيرة الإسلام باتفاق الجميع، وانما أضرمت نار الخلاف السياسة، ونفخ في ضرامها الجاهلون، وجاء صاحبنا اليوم يريد النفخ في اضرامها باسم الاصلاح وتأليف القلوب، ويهول بهذه الألفاظ الفارغة، ويزعم أن للشيعة عقائد لا تتحملها الأمة «الخ». وعقيدة الشيعة، كما مر، لا تختلف في شيء عن عقيدة من تسموا بأهل السنة، في ما هو لب الإسلام وجوهره، وغيره لا يؤبه له سواء أتحملته الأمة أم لم تتحمله؛ لكن صاحبنا لا يرضيه ذلك، ولا يأتلف مع الشيعة إلاّ أن يتركوا جميع عقائدهم، والا فإن الكلمات هراء هواء، وأثر المؤتمرات عداء، فلله دره من مصلح ماهر:
أوردها سعد وسعد مشتمل
ما هكذا تورد يا سعد الإبل
المرء يترك رأيه بالحجة والبرهان لا بقول: هذا لا تتحمله الأمة والعقل والأدب، ولا بالتهجين والتشهير. المسلمون يجب دعوتهم إلى ترك العداء والأذى بينهم؛ لأن ذلك يضعفهم، ويوهن شوكتهم، وأن يرجعوا في ما اختلفوا فيه إلى الحجة والبرهان، والجدال بالتي هي أحسن. وعند قراءة بيتي الهراوي جرى على اللسان هذان البيتان:
كل ما خال بأن فيـ
ـه العقل من قيد خلي
لكن علما بالقيو
د نراه كل المشكل
والمتأمل فيما جاء في «وشيعته» يعلم أن الله لم يقل له ما تخيله، وأن الذي خاطبه بذلك غير الله.
وقد زكى نفسه بأنه لم يعمل عملاً إلاّ لله مخلصاً لوجه الله، وأنفق أعماره – ولم يقل عمره على المتعارف حبا بالشذوذ – ابتغاء مرضاة الله. والله تعالى يقول: ﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء﴾ [النساء: 49]، ﴿فلا تزكوا أنفسكم هوأعلم بمن اتقى﴾ [النجم: 32]، وكان عليه بدلاً من أن يشهد لنفسه هذه الشهادة أن يتهمها في تعصباته وإثارته الفتن والضغائن وتفريقه بين المسلمين وايقاده نار العداء بينهم وتحامله على أهل البيت عليهمالسلام وشيعتهم بالباطل ومخالفته اجماع المسلمين في عدة آراء رآها، فدخل في قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الاسراء: 36] وأن يخاف أن يكون من ﴿الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ [الكهف: 104] وعلى ذكر البيت الذي اقتبسه من قول السيد الحميري الذي هو صادق في قوله؛ لكونه في دولة أعداء أهل البيت:
أيا رب إني لم أرد بالذي به
مدحت عليا غير وجهك فارحم
جرى على اللسان هذان البيتان:
أتزعم وجه الله فيما كتبته
أردت ووجه الله عنك بمعزل
وكم فاعل فعلا يظن بفعله
ثواباً ومنه الله لم يتقبل
وأما مسائله التي أشار إليها فقد ذكرنا في صدر الكتاب: انه وردتنا نسختنان من هذه المسائل من النجف والكاظمية، وكتبنا جواباتها وأرسلناها إلى مرسليها، ولا ندري أأرسلت اليه أم لا؟ وذكر هو في «وشيعتة» أنه جاءته أجوبة مطولة من عالم بالبصرة، وهو يقول: «واليوم بعد أن انتظرت سنة وزيادة أنشرها». فكيف نشرها ولم ينشر جوابات العالم البصري التي جاءته؟ فذلك يجعلنا نرتاب في خلوص نيته، ثم هو كان في النجف وبقي فيها مدة كما مر، فلماذا لم يباحث علماءها في تلك المسائل بكل ما لديه من قوة وتحرر أبحاثه وأبحاثهم وتطبع وتنشر لتنظر فيها الأمة الإسلامية في أقطار الأرض وتعرف لمن الفلج، فلوخلصت نيتة أوعرف من نفسه القدرة لفعل ذلك؛ لكنه نأي وجعل يقذف بالقول من مكان سحيق، وادعي أنه يحترم كل المذاهب الإسلامية خصوصا مذهب الشيعة، لكننا نراه سلك غير الطريق التي يجب أن تسلك في تأليف القلوب، فافتتح كلامه بالغمز واللمز بقوله: «الطائفة المحقة» الذي لا محمل له إلاّ ذلك كأنه لم يعلم أن كل طائفة ترى نفسها المحقة والحكم الدليل، وأخذ في انتقاد أحد الخصمين بمر الانتقاد، وأغمض عما يجب أن ينتقد به خصمه، فعمد إلى بعض كتب الشيعة التي فيها الغث والسمين والحق والباطل شأن كتب كل فرقة، والى روايات فيها الصحيح والضعيف والشيعة لا تعتقد بكل ما فيها، بل تبحث في كتب الرجال والفقه عن أسانيدها، وعن الجمع بينها وبين ما يعارضها، فتطرح ما ضعف سنده أوعارضه ما هوأقوى منه أوخالف الكتاب أوالسنة أوالاجماع أوما ثبت من أصول العقائد ولوصح سنده فجعل ذلك معتمده ومحط نظره، ولوكان كل ما سطر في الكتب، أوجاءت به رواية حقاً؛ للزم الهرج والمرج والتناقض المحال. وغض النظر عما في بعض كتب غير الشيعة مما لا تتحمله الأمة، ولا يرتضيه الأئمة، ولا تقتضيه مصلحة الإسلام، وعن المجازفات التي فيها مسائل مستبعدة ما كان ينبغي وجودها، وغاب عن نظره كتاب ابن تيمية، وكتاب ابن حزم وأمثالهما. وما حكاه ابن قتيبة في كتابه «الاختلاف» في اللفظ كما يأتي نقله عند ذكر محبته أهل البيت إن شاء الله تعالى.
أباطيل بزعمه في كتب الشيعة
قال (ص 228): «رويت في صحائف هذا الكتاب أباطيل كثيرة كبيرة من أمهات كتب الشيعة، وكنت أعرف أنه:
في كل جيل أباطيل يدان بها
وما تفرد يوما بالهدي جيل
إلاّ أنه فرق بين باطل وباطل، فإذا سمعنا شيعياً يؤله علياً فانا لا نشهد الزور. وإذا مررنا باللغو نمر كراماً، أما إذا رأينا أمهات كتب الشيعة تقول في الصحابة وفي العصر الأول وفي أم المؤمنين تدعي تحريف القرآن ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ [الحج: 19] فهذان خصمان اختصموا عند ربهم لننزع ما في صدورنا من غل اخواناً على سرر متقابلين ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين﴾ [الحجر: 47]، وأشهد الله وأقسم بصدق القرآن أن هذا هو المقصد الذي كتبت كتابي له:
أيا رب، إني لم أرد بالذي له
كتبت كتابي غير وجهك فارحم
ونقول: (أولاً) إنه لا يُعرف الحق من الأباطيل إلاّ بالدليل، لا بالتهويل ومجرد الأقاويل.
في كل جيل ديانات يديان بها لله
حقاً يظنونها وهي الأباطيل
(ثانياً) لا يوجد شيعي – ممن يريد نقد عقائدهم – يؤله علياً، بل الشيعة تكفّر من يعتقد ألوهية علي، أو أحداً من البشر، ولكن الذي يعامل الصحابة معاملة الآلهة هومن يأخذ بأقوالهم، ويترك قول القرآن، ومتواتر السنة كما يأتي منه، والعجب أنه نقل في (ص 222) قول الصدوق في رسالة عقائد الشيعة: «اعتقادنا في الغلاة والمفوضة أنهم كفار بالله…الخ» ونسبه إلى القساوة والجفاء في البيان. وهنا يقول: إذا سمعنا شيعيا يؤله علياً، ولكن لا عجب منه فالمناقضات في كلامه لاحصر لها، وقد بينا في ما يأتي من هم الذين أكفروا الصحابة. والعصر الأول كان فيه الصالح والطالح والمؤمن والمنافق، فلا يعقل أن تلعنه الشيعة كما يأتي.
وبيّنا، في ما يأتي، مفصلاً، عقيدتنا في أمهات المؤمنين عامة وخاصة، كما بيّنا فيما يأتي أن نسبة القول بتحريف القرآن الينا زور وبهتان. بمثل هذه الأساليب نريد أن ننزع الغل من الصدور، وإذا كان هذا هوالمقصد الذي كتب «وشيعتة» له، فكان عليه سلوك غير هذا الطريق الوعر الخشن، وتحري الحقائق، ونزع عوامل التقليد من نفسه. أما نحن فنستشهد ببيت السيد الحميري – الذي غيره هنا وفي ما مر على ظهر الوشيعة – من دون أن نغير منه شيئا:
أيا رب أني لم أرد بالذي به
مدحت عليا غير وجهك فارحم
مسائل فقهية في كتب الشيعة
قال (ص 229): «كنت أرى في كتب الشيعة مسائل فقهية اجتماعية استحسنها باعجاب نقلت في هذا الكتاب البعض بالنقد، والبعض بالرد؛ إذ كنت أرى للشيعة شدة التقليد بأخبار الأئمة تحت رايات دعاوى الاجتهاد».
(ونقول): (أوّلاً) المسائل الفقهية اجتماعية كانت أوغيرها أنما تؤخذ من الأدلة الشرعية: الكتاب، والسنة، والاجماع، ودليل العقل، وليس لآراء الرجال فيها مدخل، ولا يعرف أسرارها وحكمتها على التمام إلاّ علام الغيوب الذي أحاط بكل شيء علما. فقول: استحسن مسائل كذا باعجاب، أولا أستحسن. لغو من القول. متى وجد الدليل ليس لأحد أن يقول: لا أستحسن. ومتى فقد ليس لأحد أن يقول أستحسن. (ثانياً) بينا هو يستحسنها باعجاب؛ إذ به يردها وينتقدها بعصبية وعناد، فناقض آخر كلامه أوله. (ثالثاً) الشيعة قالوا بالاجتهاد وعملوا به، وبذلوا الوسع في تحصيله، وحافظوا على شروطه وأصوله، ولم يأخذ مجتهدوهم الحكم إلاّ من دليله من أحد الأدلة الأربعة المار ذكرها، فسبيل الأحكام عندهم التوقيف، والنص من الشارع المقدس، فيستنبطون الحكم من الدليل، ويرجحون دليلا على دليل، ولا يأخذون بالرأي والاستحسان، والمصالح المرسلة، كما هوعند غيرهم، فأيهما أحق بالعذر وبصحة الاجتهاد؟ (رابعاً) إذا كانت الشيعة تقلد بأخبار الأئمة تحت رايات دعاوى الاجتهاد، وهؤلاء الأئمة أخذوا أخبارهم عن جدهم الرسول، والرسول جعلهم أحد الثقلين: الكتاب والعترة، وبمنزلة باب حطة، وسفينة نوح، فأيهما أعذر؟ من يقلد من هذه صفته وهولا يقصر في علمه وفقهه عمن تقلده أنت ان لم يزد عليه، أم من يقلد من يأخذ برأيه واجتهاده ويجوز عليه الخطأ، ويدعي أنه أصاب بذلك شاكلة الصواب سواء كان ذلك اجتهادا أم تقليدا تحت رايات دعاوى الاجتهاد كما يقول.
و(في صفحة ط): «ولما وردت طهران زرت بعض كبار مجتهدي الشيعة، وكنت أحضر حفلات العزاء، ومجلس الوعظ، وكان فيها في تلك الأيام امام مجتهدي الشيعة السيد المحسن الأمين ضيفا، وكان يؤم الجماعة في صلاة المغرب والعشاء جمعاً، وكنت زرت حضرة السيد العاملي مرة بالكوفة، وجرى في تلك المرة بيننا كلام يسير، فزرته في جامع طهران مرة ثانية وصلينا الصلاتين؛ ثم كتبت على ورقة صغيرة وقدمتها بيد السيد المحسن الأمين لمجتهدي طهران وقلت» وذكر المسائل الآتية.
(ونقول): أرسل الينا، ونحن بطهران، شيئاً من هذه المسائل في ورقة، فوجدناها مسائل تافهة عن أمور غير واقعة، فلم نشغل أنفسنا يومئذ بالجواب عنها، وحيث أدرجها في «وشيعته»، ونشرها، فلا بدلنا من الجواب عنها، وكلها مذكورة في صفحة (ط) قال: «أرى المساجد في بلاد الشيعة متروكة مهملة، وصلاة الجماعة فيها غير قائمة»، وهوفي ذلك كاذب.
(المساجد)
فبلاد الشيعة التي رآها هي العراق وايران كما صرح به في مقدمة كتابه (صفحة هـ) فالمساجد في كلا البلدين معتنى بها أشد الاعتناء معمورة بالمصلين في كل بلدة وقصبة ومدينة وقرية، تقام فيها الصلوات الخمس، ويزدحم فيها ألوف المصلين، وقد رأي هوذلك بأم العين في مسجد الجمعة الذي كنا نصلي فيه في طهران، فقد كان يغص بالمصلين على سعته. وكل مسجد في تلك البلاد له إمام يقيم فيه الجماعة في الصلوات الخمس، فما معنى أنها متروكة مهملة، والجماعة غير قائمة، وقد اعترف كما مر بأنا كنا نؤم الجماعة في جامع طهران ويأتم هوبنا. وهنا يقول: «المساجد متروكة مهملة وصلاة الجماعة فيها غير قائمة»، فهل هذا إلاّ تناقض؛ لكنه لا يبالي بالتناقض في كلامه كما بيناه مراراً.
الأوقات والجمع بين الصلاتين
قال: «الأوقات غير مرعية»، والظاهر أنه يريد به الجمع بين الظهرين والعشاءين في غير سفر ولا مطر. وهذا أمر قد قامت الأدلة عندهم على جوازه، مع كون التفريق أفضل، فلا مجال للنقد؛ فإن كان في وسعه اقامة البرهان على خطئهم في ذلك كان نقده صحيحاً وإلا فليس لأحد أن ينتقد غيره بأن اجتهادك مخالف لاجتهادي ولا هذا من دأب العلماء.
دليل جواز الجمع
في غير سفر ولا مطر
روي الإمامان مسلم والبخاري في صحيحيهما ما يدل على جواز الجمع في الحضر بغير مرض ولا مطر ولا خوف. قال الامام مسلم في صحيحه بهامش ارشاد الساري: حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قالا: حدثنا أبومعاوية «ح»، وحدثنا أبوكريب، وأبوسعيد الأشج و(اللفظ لأبي كريب) قالا: حدثنا وكيع. كلاهما عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابنعباس، قال: جمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر (في حديث وكيع) قلت لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته وحدثنا أبوبكر بن أبي شيبة: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: صليت مع النبي (صلّى الله عليه وآله) ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعاً الحديث. وحدثنا أبوالربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد عن عمروبن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابنعباس: أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صلى بالمدينة سبعا، وثمانيا. الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. وحدثنا أبوالربعي الزهراني: حدثنا حماد، عن الزبير بن الخريت، عن عبدالله بن شقيق قال: خطبنا ابنعباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم. وجعل الناس يقولون: الصلاة. الصلاة. فجاء رجل من بني تميم، لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابنعباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك!؟ ثم قال: رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال عبدالله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء. فأتيت أباهريرة فسألته، فصدق مقالته وحدثنا ابن أبيعمر. حدثنا وكيع حدثنا عمران بن حديد عن عبدالله بن شقيق العقيلي قال: قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا أم لك! أتعلمنا بالصلاة؟ وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وروى الامام البخاري في صحيحه في آخر باب صلاة العصر بالاسناد عن أبي أمامة: صلينا مع عمر بن عبدالعزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر فقلت: يا عم ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) التي كنا نصلي معه ومن أراد زيادة بيان فليرجع إلى ما كتبناه في هذه المسألة في كتابنا معادن الجواهر(353:1-360). وقال الشهيد في الذكرى: «ان جواز الجمع في الحضر من غير خوف ولا سفر ولا مطر رواه العامة عن علي، وابنعباس، وابنعمر، وأبي موسى، وجابر، وسعد بن أبي قاص اهـ».
صلاة الجمعة
قال: «والجمعة متروكة تماما» و(في صفحة ح) ما حاصله: «أنكر شيء رأيته في بلاد الشيعة أني لم أر جماعة صلت صلاة الجمعة إلاّ في بوشهر رأيت طائفة صلت جمعة شيعية، وخطب خطيبها خطبة شيعية، ولم أزل أتعجب كيف أمكن أن هوى مذهبيا أواجتهاد فرد يرسخ متمكنا في قلوب أمة حتى تجمع على ترك نصوص الكتاب».
ونقول: أن فقهاء المسلمين من غير الشيعة ومن الشيعة متفقون على وجوب صلاة الجمعة بأصل الشرع، وعلى أن لها شروطا للوجوب وللصحة. فمن شروط الوجوب عند بعض فقهاء الشيعة اذن السلطان العادل، فتجب عينا مع اذنه ويسقط وجوبها العيني والتخييري مع عدم اذنه. وقالت طائفة: تجب عينا ولا يشترط في وجوبها اذنه. وقالت طائفة: وهو- الأصح – يجب عينا مع اذنه وتخييرا بينها وبين الظهر مع عدم اذنه. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل: «تصح اقامتها بغير اذن السلطان ويستحب استئذانه»، وقال أبوحنيفة: «لا تنعقد إلاّ باذنه ولا تصح إلاّ في مصر جامع لهم سلطان». ذكر ذلك الشعراني في ميزانه.
فقد وافق الشافعي ومالك وأحمد من قال من الشيعة بعدم اشتراط اذن السلطان، ووافق أباحنيفة من قال منهم باشتراط اذنه، وبذلك ظهر أن قول الشيعة في الجمعة لا يخرج عن المذاهب الأربعة، وأن قوله أنكر شيء رأيته «الخ» هومن أنكر الأمور وصادر عن حدة وعصبية وقلة تدبر كقوله: «ان هوى مذهبيا أواجتهاد فرد يرسخ في قلوب أمة حتى تجمع على ترك نصوص الكتاب»، فالشيعة أورع وأتقى من أن تميل في مذهبها إلى الهوى، وأفضل وأعلم من أن تتبع اجتهاد فرد وتترك بذلك نصوص الكتاب، فالكتاب الكريم لم يجيء مبينا لجميع شروط الواجبات وموانعها وجلها مستفاد من السنة. والكتاب العزيز أوجب السعي إلى صلاة الجمعة عند سماع النداء لها، وجميع الفقهاء من جميع المذاهب اشترطوا العدد والخطبتين والحضر، وليس لذلك ذكر في كتاب الله، وأبو حنيفة اشترط اذن السلطان والمصر، ولا ذكر لهما في الكتاب، فأين موضع النكارة لوكان من المنصفين أوالمتعقلين!؟ وأولى بالتعجب أن يكون هوى مذهبيا أواجتهاد فرد صحابي يرسخ متمكنا في قلوب أمة فتسقط من أذان الصلاة واقامتها بعضهما وتدخل فيهما بعض عادات المجوس ، وتجمع على ترك نصوص الكتاب في بعض مسائل النكاح المعروفة وبعض مسائل الطلاق وغير ذلك. هذا هو محل التعجب لا ما زعمه. أما قوله: «صلت صلاة شيعية وخطب خطيبها خطبة شيعية» فمما لا يكاد ينقضي منه العجب، فصلاة الجمعة ليس فيها شيعية وغير شيعية، بل هي عن الجميع ركعتان، وخطبتها أيضا ليس فيها شيعية وغير شيعية، بل فيها عند الجميع خطبتان بينهما جلوس مشتملتان على الشهادتين والتصلية والوعظ وسورة أو آية من القرآن الكريم مع قول أبيحنيفة بكفاية التسبيح أوالتهليل أوالتحميد وإذا ساغ له أن يقول ذلك ساغ لغيره أن يقول انه رأى طائفة صلت جمعة صلاة غير شيعية «الخ» وما يدريك مع من هوالحق منهما حتى يعيبه الآخر.
تعظيم القبور وزيارتها
قال: «وأرى المشاهد والقبور عندكم معبودة». ونقول: إذا كانت زيارة مشاهد الأنبياء والأوصياء والأولياء والصلحاء، وتعميرها، وتعظيمها، عبادة لها، فهذا أمر لا تختص به الشيعة، بل يشاركها فيه عموم المسلمين من أهل نحلته عدا الوهابية. وقد رأى بعينه تعظيم قبري الامام أبي حنيفة، والقطب الشيخ عبدالقادر الجيلاني في بغداد وغيرهما من المشاهد، وقبور الأولياء والصلحاء، ورأى بعينه في مصر – التي طبع «وشيعته» فيها ولا يزال يقطنها حتى اليوم – تعظيم قبر الامام الشافعي، ومشاهد رأس الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة، وسائر المشاهد والقبور المعظمة هناك؛ فتخصيصه الشيعة بالنقد سفه وعصبية باردة. والحق أن قبور الأنبياء والأوصياء والصلحاء عند الشيعة وعند غيرهم مزورة معظمة لا معبودة كما يتوهمه الوهابية، وقد أقمنا البرهان على رجحان زيارتها وتعظيمها واستحباب ذلك، وأنه ليس فيه شيء من العبادة في كتابنا: «كشف الارتياب»، المطبوع، بما لامزيد عليه، فليرجع اليه من أراده.
المقابر
قال: «أما المقابر فهي في أكثر بلادكم طرق للناس ومعابر يدوسها الأنعام والكلاب وكل عابر». ونقول: المقابر في بلاد الشيعة مثلها في بلاد سواهم، منها ما هومسور بحائط، ومنها ما هوخلو من ذلك، ومنها ما يعبر الناس فيه كثيرا، ولا بد أن تعبر فيه الأنعام والكلاب وكل عابر، فلينظر إلى مقابر بلاد الشام وقراها وجميع بلاد الإسلام حتى مقبرة البقيع بالمدينة المنورة هل ينقطع المرور فيها بين القبور وهل يمكن ذلك؟ وقد قيل: «أقبح أن تعيب ما فيك مثله».
القرآن
قال صفحة (ي): «لم أر فيكم لا بين الأولاد، ولا بين الطلبة، ولا بين العلماء من يحفظ القرآن، ولا من يقيم تلاوته، ولا من يجيد قراءته، أرى القرآن عندكم مهجورا، أليس عليكم أن تهتموا في اقامة القرآن الكريم في مكاتبكم ومدارسكم؟».
ثم قال (ص 27) على عادته في التكرير والتطويل الممل بلا طائل: «لم أر بين علماء الشيعة ولا بين أولاد الشيعة لا في العراق ولا في ايران (كذا) من يحفظ القرآن ولا من يقيمه بعض الاقامة بلسانه ولا من يعرف وجوه القرآن الأدائية. ما السبب في ذلك: هل هذا أثر من آثار عقيدة الشيعة في القرآن الكريم. أثر انتظار مصحف عليّ الذي غاب بيد قائم آل محمد».
(ونقول): إن الشيعة في العراق وبلاد إيران – التي تكرم عليها بـ (أل)، وجاء بها معه من تركستان – وجميع البلدان أشد محافظة على القرآن من كل انسان، يحفظونه في صدورهم، ويتلونه في عشيهم وبكورهم، وفي أنديتهم وعلى قبورهم، ويختمونه في أيامهم وأسابيعهم وشهورهم، يقع ذلك من صغيرهم وكبيرهم، واناثهم وذكورهم. وإن أراد حفظ القرآن عن ظهر القلب، فكم فيهم من يحفظه كذلك، وان كان ليس عاماً فيهم، ولا في غيرهم، ولكن يوجد في المصرين في كثيرهم، وإذا كان لم ير من يحفظه كذلك، فهولا يدل على عدم وجوده؛ لأنه في سياحته لم يعاشر جميع طبقاتهم. والشيعة إذا حفظت القرآن تقرأه بخشوع وخضوع، وبكاء ودموع شأنها في جميع العبادات والأدعية والأذكار، لا بغناء واطراب، وتواجد واضطراب، ومكاء وتصدية. وإذا سمعته تسمعه بتدبر واعتبار، لا بمجرد الاستماع إلى حسن الصوت ونغمات القارئ، وتغنيه وترديده وتلحينه، والله تعالى قد ذم من لا يتدبر القرآن لا من لا يلحنه ويطربه. وليس كل من حفظ القرآن تدبره وعمل بما فيه، ورب تال للقرآن والقرآن يذمه وهو له مخالف، فهو يقول: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضا﴾ [الحجرات: 12] وهو قد اغتاب اخوانه في العراق وايران بالباطل، فنسبهم إلى التهاون بحفظ القرآن؛ وان السبب في ذلك أثر اعتقادهم في القرآن، وأساء الظن بهم في ذلك والله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم﴾ [الحجرات: 12] فما يفيده حفظ ألفاظ القرآن وهوغير عامل بها.
ولا شيء أعجب من قوله: «أرى القرآن عندكم مهجورا» مع أنهم أكثر الناس تلاوة له واهتماماً به، ولا يمضي عليهم يوم دون أن يفتتحوه بقراءة القرآن، ولا شهر رمضان دون أن يختموا فيه عدة ختمات. ولا يكاد ينقضي عجبي من قوله: «أليس عليكم أن تهتموا في اقامة القرآن في مكاتبكم ومدارسكم»! فمتى رآنا هذا الرجل لا نهتم في اقامة القرآن في مكاتبنا ومدارسنا. إننا وأيم الله أشد اهتماماً بذلك من كل من قال: لا اله إلاّ الله. ولكن ما الحيلة في من يخلق ما يقول، أما قوله: «ما السبب في ذلك…» إلى آخر كلامه الذي أبرزه مبرز السخرية، فهو بهذا القول أحق بأن يسخر منه، فاعتقاد الشيعة في القرآن الكريم هواعتقاد جميع المسلمين كما سنبينه مفصلا عند تعرضه لتحريف القرآن.
وأما قائم آل محمد
فقد اعترف به كل مسلم، وإذا كان هو وارث علم جده الرسول (صلّى الله عليه وآله) فلا يستغرب أن يكون عنده تأويل متشابه القرآن الكريم.
وقد تعرض لذكر القائم في موضعين آخرين من «وشيعته» بطريق السخرية أيضا، وهوأحق بأن يسخر منه. فقال (في ص 194): «وسبب التفاوت في الحظوظ في الميراث أن العائلة تنبني على نظام الأبوة، والأنثى في نظام الأبوة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا ضمان في العاقلة وتأخذ المهر ولم يعرف البشر إلاّ نظام الأبوة أونظام الأمومة وان تخيل متخيل دولة بنيت على خليط من هذين النظامين مثل دولة صاحب الزمان الامام المنتظر في الجزيرة الخضراء لشيعة بحارالأنوار وغاية المرام، فيكون القانون في مثل هذه الدولة للذكر مثل حظ الأنثى». وقال (ص 215) ما حاصله: «تروي أمهات كتب الشيعة عن الصادق أن الله آخي بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأبدان بألفي عام، فإذا قام قائمنا أهل البيت يجعل ذلك الأخ هوالوارث ولم يورث الأخ من الولادة. وبهذه الشريعة جعل النبي الصديق خليفة له بنسب الأرواح لا بنسب الأبدان» وقال (ص 226): «فيا ليت لو أن السادة الشيعة قبلت اليوم الحق الذي وقع بارادة الله ورضى نبيه وأنصفت الشيعة الأمة، وأخذت بشريعة امامها المعصوم صاحب الزمان، وجعلت النبي صاحب القرآن في آخر حياته مثل صاحب الزمان في عظيم دولته، وقالت: إن الصديق كان وارثاً للنبي، وكان إماماً بالحق، ليت ذلك كان وإلاّ يجب أن يكون شرع صاحب الزمان ناسخاً لشريعة جده، وأن يكون النبي أعجز في اقامة شرعه من صاحب الزمان الذي يختفي طول العصور وهوبنا معذور».
ونقول: الإمام المنتظر ليس منتظراً لشيعة بحارالأنوار وغاية المرام فقط، بل لجميع المسلمين – إن كان منهم – فقد اتفق علماؤهم وكتب أحاديثهم، ومنها بعض الصحاح لمن تسموا بأهل السنة على أنه لا بد من إمام يخرج في آخر الزمان يسمّى محمداً من نسل علي وفاطمة يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً، وإنما الخلاف في أنه ولد أو سيولد؟ وأئمة أهل البيت وشيعتهم قالوا بولادته وبوجوده في الأمصار غائباً عن الأبصار حتى يأذن الله له بالخروج حسبما تقتضيه حكمته، ولهم على ذلك أدلة وبراهين مذكورة في كتب الكلام وغيرها ولا مانع من بقائه وطول عمره كما طال عمر نوح وعيسى والخضر والياس من الأبرار، والدجال وابليس من الأشرار، فابرازه ذلك بمعرض السخرية وتعبيره عن غيبته باختبائه دليل على استحقاقه السخرية والاستهزاء، وان جاء في خبر أنه يسكن الجزيرة الخضراء وصح سنده فلا مانع من قبوله وإلاّ كان كباقي الأخبار الضعيفة المشتملة عليها كتب الفريقين. ولسنا ندري ما يريد بكلامه هذا الذي زعم فيه أن دولة صاحب الزمان خليط بين النظامين لنبدي رأينا فيه، ولعله رأى خبرا في البحار لا يقول أحد بمضمونه (والبحر يوجد فيه الدر والخزف) فعاب به، فإن دأبه أن يترك المسلمات ويتتبع المهجورات. وأما قوله: «يا ليت لو أن السادة الشيعة…» فيا ليت أنه يأتي في كلامه بشيء من البرهان ولا يقتصر على الدعاوى المجردة ولوشئنا لقلنا له: اقلب تصب. ويا ليته يعلم بأن الشيعة لا تعتقد بمضمون حديث: «ان شرع صاحب الزمان ناسخ لشرع جده»، ولا تصححه. ولا ندري لماذا يلزم أن يكون النبي أعجز في اقامة شرعه من صاحب الزمان، وبعد هذا نقول: ان الاشتغال بهذه الأمور التي ليست من لب الإسلام ولا جوهره صحت أم فسدت حقت أم بطلت، ولم يكلف النبي (صلّى الله عليه وآله) من يريد الإسلام باعتقادها ولا بعدمه، لا فائدة فيه إلاّ تفريق الكلمة وايقاد نار الفتنة، وأما لب الإسلام وجوهره فإنه متفق عليه بيننا كما فصلناه غير مرة. ولكن ما تصنع بهذا الرجل الذي جعل دأبه المماحكة والمنابذة والسعي وراء القشور ونبذ اللباب، والذي يلوح لنا من تتبع كلماته أنه لا يزن كلامه، ولا يتأمل في ما يقول.
التطبير
قال (في صفحة ح): «انه رأى بالنجف يوم عاشورا ألعابا رياضية يسمونها التطبير»، قال: «وصوابها لفظا ومعنى واشتقاقا وأصلا هوالتتبير كنت أقول كلما أراها ﴿ان هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون﴾ [الأعراف: 139] إلى أن قال: «وكل هذه التمثيلات والألعاب لكان فيها روعة لولم يكن فيها اغراء عداوة وبغضاء ولعجل الإمام القائم المنتظر الرجعة لو رأى فيها أثر صدق بين ملايين الشيعة».
(ونقول): إن هذا التطبير لا يعتقد به أهل المعرفة من الشيعة ولا يستحلونه، وقد ألفنا فيه رسالة مطبوعة اسمها «التنزيه لأعمال الشبيه» ذكرنا فيها فتوى فقهائنا بتحريمه، وأنه من فعل الجاهلين، فكيف ساغ له أن يدرجه في ما انتقده من عقائد الشيعة. وأما أنه كان يقول حين يراها: إن هؤلاء متبر ما هم فيه. فهل كان يقول ذلك حين يرى السيارة، والدوسة، وضرب الشيش، وأكل النار، وضرب الدفوف والصياح الذي يشبه أصوات بعض الحيوانات، والميل يميناً وشمالاً، وخروج الزبد من الأفواه، والأصوات والأنغام في مجالس الذكر، وهل كان يقول ذلك حين يرى الألعاب الرياضية والدوران بالتنورة على رجل واحدة الذي يسميه الافرنج رقص الإسلام؟ وغير ذلك مما لسنا بحاجة إلى ذكره لاشتهاره. لا نراه تعرض لذكره ولا أفادنا ما كان يقوله حين يراه في سياحاته في بلاد الإسلام، فكيف تناساه وتغاضى عنه ولم يتعرض لانتقاده.
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
ما ندري ما يريد بإغراء العداوة والبغضاء الذي جمجم فيه وأبهم؛ ولعله يريد العداوة لمسببي قتل سبط الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته وفاعليه ويروم الدفاع والمحاماة عنهم. والامام المنتظر الذي صح بوجوده الخبر، وتواتر الأثر، سواء أرأى فيها أثر صدق أم لم ير فهي مما لا يستجيزه أهل المعرفة كما مر، وليس لك أن تعيب ما فيك مثله وأشنع منه.
العداوة بين المسلمين
قال (ص 227): «كنت أتعجب وأتأسف إذ كنت أرى في كتب الشيعة أن أعدى أعداء الشيعة هم أهل السنة والجماعة، ورأيت رأي العين أن روح العداوة قد استولت على قلوب جميع طبقات الشيعة».
(ونقول): سواء أكان ما ادعاه من عداوة الشيعة لمن يسميهم أهل السنة حقاً أم باطلاً، فما باله أغضى الطرف عن عداوة أولئك للشيعة، وأنهم يرون الشيعة بأنهم أعدى أعدائهم: فهل هو لم يجدها في كتبهم؟ أو وجدها وسكت عنها؟ وهل هو لم ير رأي العين أن روح العداء قد استولت على قلوب جميع طبقات غير الشيعة إلاّ من شذ أو رآها وتعامى عنها؟ إنا لا نزال نتعجب ونتأسف لذلك. نعم، إن روح العداء قد انتشرت بين المسلمين، وهي من أعظم مصائب الإسلام، وما كان انتشارها إلاّ بما يبثه أمثاله، لا سيما بمؤلفاتهم التي يطبعونها، وينشرونها، كوشيعتة هذه؛ ينبشون فيها الدفائن، ويثيرون الضغائن، ويغرسون الأحقاد، وينتقدون الشيعة بالباطل، ويفترون عليهم قائلين: انا نريد بذلك الاصلاح، وتأليف القلوب، وانهم لهم المفسدون.
التلاعن والتطاعن
قال في صفحة (ي) – بين كتب الشيعة -:
غنينا عصورا في عوالم جمة
فلم نلق إلاّ لاعنا متطاعنا
فإن فاتهم طعن الرماح فمحفل
ترى فيه مطعوناً عليه وطاعنا
هنيئاً لطفل أزمع السير عنهم
فودع من قبل التعارف ظاعنا
هذه حال الشيعة في نسبتها إلى الأمة.
(ونقول): لهذا المنصف العادل، أو المتعصب المتحامل، أو العالم المتجاهل، أو الجاهل المتعاقل: هل كان التلاعن والتطاعن منحصراً في الشيعة وكتبها أوعم المسلمين في جميع أعصارها وأدوارها وكتبها وأسفارها؟ وماذا رأيت بين كتب غير الشيعة؟ وهل كانت حال هذه الأمة التي تلهج دائماً بذكرها في نسبتها إلى الشيعة إلاّ أسوأ من هذه الحال التي تدعيها؟ ومهما نسيت أو تناسيت فلا تنس عصراً كان التلاعن والتطاعن فيه بين من تسمى بامرة المؤمنين، وتشرف بشرف الصحبة، ونالت ألسنته علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين، والحسن والحسين سبطي الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وابنعباس حبر الأمة، واستمر ذلك فيما يزيد عن ثمانين سنة. وهل نسي أو تناسى ما كان يجري بين الحنابلة والشافعية في بغداد؟ وبين الحنفية والشافعية في بلاد خراسان؟ مما تكفلت به كتب التاريخ. وهل نسي أوتناسى رجم جنازة الطبري صاحب التاريخ والتفسير من الحنابلة فليست هذه حال الشيعة في نسبتها إلى الأمة، بل حالة الأمة بعضها مع بعض وعلى ذكر هذه الأبيات التي أوردها جرى على لساننا هذه الأبيات:
لنا سلف في ما ترون مقدس
نرى فيه مطعوناً عليه وطاعنا
وكلهم نال الرضا عند ربه
ولو قد غدا كل لكل مباينا
إذا ما اقتدينا بالذي من به اقتدى
ينال الهدى، فالكل أصبح آمنا
زعمه التشيع بشكله الأخير
لم يكن في العصر الأول
قال في صفحة (ي): «والتشيع على شكله الذي نراه اليوم، وكنا نراه من قبل لم يكن في العصر الأول، وعهد الخلافة الراشدة ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: 71] قد ألف الله بين قلوبهم». وفي (صفحة ع): «أنا لا أريد أن أكذب القرآن الكريم والتوراة إذ يقول رحماء بينهم».
وفي (ص 34): «لم يقع بين الصديق والفاروق وبين علي خلاف في الخلافة ولم يقع بين هؤلاء الصحابة الكرام الأجلة أئمة الإسلام عداء أبداً أصلاً، نزع الله من صدورهم غلا كان فيها، وكل آية نزلت في الثناء على الأمة، فهم أول داخل فيها، وكل ما في كتب الشيعة وكتب الأخبار من العداء بين هؤلاء الأئمة، فكلها موضوعة بلسان الدعاة العداة؛ لوثبت البعض منها؛ لكان فيها عيب كبير للامام على أميرالمؤمنين ولأهل بيته كافة». و(في ص 50): «لم يقع بين علي وأكابر الصحابة تعاد أصلاً».
(ونقول): هل كان سعد بن عبادة سيد الخزرج من المؤمنين فلماذا لم يبايع؟ وقال: منا أمير ومنكم أمير، وقيل فيه: «اقتلوا سعداً قتل الله سعداً» حتى خرج إلى حوران وقتلته الجن بسهم المغيرة بن شعبة الصحابي في عهد الخلافة الراشدة وهل كان ذلك مسبباً عن الولاية وألفة القلوب؟ وهل كان علي بن أبي طالب من غير المؤمنين فلم يبايع إلاّ بعد وفاة فاطمة على بعض الروايات. وهل كان من الولاية والألفة بين القلوب ما كانت تقوله أمالمؤمنين والمؤمنات للخليفة الثالث. وهل كانت حربا الجمل وصفين منبعثتين عن الولاية والألفة بين القلوب؟ وهل كان ذلك كله في العصر الأول وعهد الخلافة الراشدة؟ وهل يرى أن أصحاب الجمل لم يكونوا من أكابر الصحابة رجالاً ونساء؟ وهل كان موت الزهراء وهي واجدة على الخليفة – كما رواه البخاري في صحيحه – ناشئاً عن الولاية والألفة بين القلوب؟ وهل كان قتل الخليفة الثالث بين ظهراني المهاجرين والأنصار مسبباً عن الولاية والألفة بين القلوب والمحبة الزائدة، وحرب الجمل وصفين هل كان سببهما الولاية بين المؤمنين والمؤمنات والألفة بين قلوبهم والتراحم بينهم أو حب الدنيا والامارة أوخدعة الصبي عن اللبن بالاجتهاد المخطي؟!
وسيأتي منه أنه وقع في تاريخ الإسلام أمران لا ندري أيهما أفجع وأشد وقعا وأذهب بالدين والشرف، قتل عثمان بمرأى من المهاجرين والأنصار وقتل الحسين، وهو يناقض كلامه هنا مناقضة صريحة كما سنفصله هناك، ولكنه لا يبالى بتناقض كلامه أولا يفهمه.
وإذا كان أهل العصر الأول كلهم كما ذكر قد ألف الله بين قلوبهم، فلماذا احتيج إلى الاعتذار عما صدر بينهم بأنه اجتهاد للمخطىء فيه أجر وللمصيب أجران، فهل يمكن لموسى جار الله أن يحل هذا اللغز ليكون صادقاً في دعواه، وقد كان الأولى به عدم التعرض لهذه الأمور لئلا يضطرنا إلى نبش دفائنها، وهو لا يريد أن يكذب القرآن الكريم والتوراة بصراحة ووضوح، بل يريد أن يكذبهما بالكناية من دون تصريح، فيقول إن قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿محمد رسول الله والذين آمنوا معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل﴾ [الفتح: 29] شامل لبعض أصحاب الملك العضوض من بني أمية ممن سفكوا الدماء الحرام واستحلوا الأموال الحرام وانتهكوا حرمة الإسلام، وفرقوا كلمة المسلمين، وتلاعنوا وتشاتموا على رؤوس المنابر؛ لأنهم مجتهدون فكان ذلك كله نوعاً من التعاطف والتراحم بينهم، وحياطة للإسلام وليس خاصاً، فيكون مكذباً للقرآن ولكن بلباقة وكناية لا بصراحة، ونود أن لا يكون وقع بينهم خلاف في الخلافة ولا عداء كما قال. وكان الأولى به – لوعقل – طي هذه الأمور، فليس في نشرها في هذه الأعصار إلاّ الضرر للمسلمين، لكننا نسأله: لماذا لم يدخل عليّ في الحروب التي وقعت في الفتوحات الإسلامية بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) ولا في ولاية أو امارة، فهل جبن بعدما كان شجاعا، وإنما قام الإسلام بسيفه؟ أو خفي عليه فضل الجهاد؟ أولم يكن أهلاً للولاية والإمارة وقيادة الجيوش؟ أو في الأمر سر آخر لا نعرفه. ولماذا دفن البضعة الزهراء ليلاً وأخفى قبرها حتى أنه لا يعرف موضعه على التعيين حتى اليوم، وهناك أمور أخر لا يتسع المجال لذكرها نضرب عنها صفحا ونطوي دونها كشحا ومحافظة على تأليف القلوب، والله ولي عباده والعالم بسرهم وجهرهم، ولو كان في خوف نبي أو أمام عيب عليه لكان ذلك في فرار رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من مكة ليلة الغار خوفاً على نفسه من قريش وفرار موسى (عليه السلام) من فرعون وقومه لما خافهم وخروجه من مصر خائفا يترقب، وقول لوط (عليه السلام) ﴿لوأنّ لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد) [هود: 80]، وقول هارون ﴿إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني﴾ [الأعراف: 150] عيباً عليهم وحاشاهم.
محبة أهل البيت
قال صفحة (ي): «وكان كل يحب أهل البيت ويحترم بيت النبوة» وقال في صفحة (ك): «ومحبة الأمة لأهل البيت كانت صادقة لا يلعب بها غرض سياسي»، وقال (ص 34): «والأمة هم أولى الناس بأهل البيت وكل الأئمة. والولاية الصادقة بمعناها الصحيح الذي يرتضيه أهل البيت لا توجد اليوم وقبل اليوم إلاّ عند أهل السنة والجماعة وهم عامة الأمة»، وقال (ص 62): «الأمة أصدق ولاية لأهل البيت. الأمة أهدى وأرشد متابعة لأهل البيت في كل ما يصح عنهم، وثبت عن امام الأئمة علي أميرالمؤمنين» وقال (ص 106): «ولايتنا نحن أهل السنة والجماعة لأهل البيت حباً واحتراماً واتباعاً أصدق وأشد وأقوى وأقوم من ولاية الشيعة الإمامية لأهل البيت».
(ونقول): المحبة والولاية أمر قلبي لا يطلع عليه إلاّ الله تعالى ولكن له دلائل وعلامات. وكذلك الاحترام تدل عليه الأقوال والأفعال، ومن دلائل محبة الأمة لأهل البيت محبة صادقة لا يلعب بها غرض سياسي انحرافها عن سيد أهل البيت وإمامهم ومحاربته يوم الجمل وصفين ولعنه ولعن ولديه وابن عمه وخيار أصحابه على المنابر الأعوام المتطاولة قصداً لأن يربوعليها الصغير، ويهرم عليها الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلاً؛ والأمة بين فاعل وساكت، ومن أنكر كان جزاؤه القتل صبراً بمرج عذرا أو الدفن حياً فهل يريد موسى جار الله دليلاً على صدق محبة الأمة أقوى من هذا وحجة أوضح. ومن دلائل ذلك موالاة من أشاد بلعن أهل البيت على المنابر وأوقع القتل والنهب والحرمان بمن لا يبرأ منهم، والشاعر يقول:
صديق صديقي داخل في صداقتي
صديق عدوي ليس لي بصديق
وتعريضه بالشيعة بأن لهم في حبهم غرضا سياسيا جهل منه وقلة انصاف، فالشيعة لم تحبهم لغرض سياسي، وأي غرض سياسي تجنيه من ذلك والدنيا والملك في يد غيرهم، فإن كان لأحد غرض سياسي في حب آخر فليكن حبه لغيرهم، وما أحبتهم الشيعة إلاّ اتباعا لما أمر الله تعالى به ورسوله بقوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلاّ المودة في القربى﴾ [الشوري: 23] وقوله (صلّى الله عليه وآله): مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح (عليه السلام) ومثل باب حطة وأشباهه مما لا يحويه نطاق الحصر. نعم، ما كان سبب صرف الناس عنهم والعداوة لهم إلاّ الأغراض السياسية، ومحبة غير الشيعة لهم التي جعلتهم فيها كسائر الناس، أوأقل، لم يلعب بها غرض من الأغراض إلاّ الغرض السياسي، وتبع فيها اللاحق السابق، ولكن لا عجب من هذا الرجب فهو يختار في أكثر دعاويه مصادمة الضرورة والبديهة، وكأنه يريد الاستدلال على الحق بكثرة الاتباع بتعبيره بعامة الأمة، وغير خفي أن الكثرة لا تصلح دليلاً على ذلك ولا القلة على ضده لما هوغني عن البيان، وما زال اتباع الحق الأقلين في كل زمان. ﴿وقليل ما هم﴾ [ص: 24] ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: 13] ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد وان وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ [الأعراف: 102].
وقد مدح الله تعالى القلة في القرآن في نحو من عشرين موضعاً، وذم الكثرة في القرآن في نحو من مائة موضع. ومن صدق محبة الأمة لسيد أهل البيت ايصاؤه أولاده أن يدفنوه سراً خوفاً عليه بعد موته ودفنه. ومن صدق محبة الأمة لأهل البيت ايصاء الزهراء (عليها السلام) بأن تدفن ليلاً سرا ولا يعرف قبرها. ومن صدق محبة الأمة لأهل البيت حربها للحسن ريحانة الرسول من أهل البيت وممالأتها لعدوه حتى اضطرته إلى صلح مشين خوفاً على نفسه وأتباعه حتى قضى مسموماً مظلوماً قد غصب حقه ونقض عهده، ومن صدق محبة الأمة لأهل البيت قتلها الحسين سبط الرسول وريحانته من أهل البيت بتلك الصورة الفظيعة، وما أعقبها من فظائع وفجائع، فكانت الأمة بين قاتل وخاذل إلاّ نفراً قلائل، ولله در القائل:
قضي أخوه خضيب الرأس وابنته
غضبى وسبطاه مسموماً ومنحوراً
ومن صدق محبة الأمة لأهل البيت ما فعلته مع أبناء الحسن السبط من حملهم من المدينة إلى العراق مغللين مكبلين وحبسهم بالهاشمية في محبس لا يعرفون فيه الليل من النهار، وإذا مات منهم واحد بقي معهم في محبسهم لا يغسل ولا يكفن ولا يدفن، يشجيهم منظره، ويؤذيهم ريحه، حتى هدم عليهم الحبس فماتوا تحت أنقاضه والأمة بين فاعل وخاذل. ومن دلائل محبة الأمة لأهل البيت (عليهم السلام) اعراضها عن مذهبهم وهجره ومعاداة من ينتسب اليه، وتبرؤها ممن يعمل بمذهبهم ويقلدهم دينه وهجر طريقتهم أصلاً ورأساً واتباع من لا يصل إلى درجتهم علماً وعملاً فلا يساوونهم بالثوري ولا بمحمد بن الحسن الشيباني ولا بأبي يوسف، فضلاً عن الأئمة الأربعة، مع أن مذهبهم أقرب إلى الصحة وأولى بالاتباع من غيره؛ لأنهم أخذوه عن آبائهم عن أجدادهم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن جبرئيل عن الله تعالى كما قال الشيخ البهائي:
ووال أناساً قولهم وحديثهم
روى جدنا عن جبرئيل عن الباري
أفلا يكفي هذا كله دليلاً على ما يزعمه موسى جار الله من أن الأمة أصدق وأهدى وأشد اتباعاً لأهل البيت (عليهم السلام) وإمام الأئمة علي (عليه السلام)، ومن صدق محبة الأمة لأهل البيت معاداتهم لشيعتهم وأتباعهم ومن ينتمي اليهم ونبزهم بالألقاب واختلاق المعائب لهم وستر الفضائل، فعادوهم وآذوهم وأقصوهم وحرموهم، وقد قال الامام جعفر الصادق (عليه السلام) كما عزاه إليه صاحب العتب الجميل:
إن اليهود بحبها لنبيها
آمنت معرة دهرها الخوان
وذوو الصليب بحب عيسى أصبحوا
يمشون زهواً في قري نجران
والمؤمنون بحب آل محمد
يرمون في الآفاق بالنيران
وقال الطغرائي:
حب اليهود لآل موسى ظاهر
وولاؤهم لبني أخيه بادي
وإمامهم من نسل هارون الأولى
بهم اهتدوا ولكل قوم هادي
وأرى النصارى يكرمون محبة
لنبيهم نجراً من الأعواد
وإذا توالى آل أحمد مسلم
قتلوه أو وسموه بالالحاد
هذا هو الداء العياء بمثله
ضلت حلوم حواضر وبوادي
لم يحفظوا حق النبي محمد
في آله والله بالمرصاد
ومن صدق محبة الأمة لإمام أهل البيت علي أميرالمؤمنين (عليه السلام) أنها عمدت إلى كل فضيلة له تثبت بالنقل الصحيح، فأنكرتها تارة، ووهنتها أخرى، وتناولتها بشتى التأويلات الفاسدة ورامت معارضتها بما لم يصح ولم يثبت. أفلا يكفي كل هذا دليلاً على ما يزعمه موسى جار الله من أن الأمة أصدق وأهدى وأرشد اتباعاً لأهل البيت وإمام الأئمة علي أميرالمؤمنين. قد اقتفى موسى جار الله أثرهم وزاد عليهم في ما يأتي من كلماته ليبرهن على صدق دعواه هذه.
قال (ص 34): «وليس الشأن كل الشأن في ولايتنا وحبنا لأهل البيت إذ لا يوجد مؤمن يعادي أهل البيت، وإنما الشأن كل الشأن في من يحبهم أهل البيت. ولا أرى ولا أتوهم أن علياً وأولاده الأئمة يحبون من يعادي الصحابة أويعادي العصر الأول».
(ونقول): نعم، لا يوجد مؤمن يقول أنا أعادي أهل البيت. والشأن في من يحبهم أهل البيت، لا من يقول: أنا أحب أهل البيت، ولكن يا ترى إن من قال: أنا أحب أهل البيت وهو يوالي أعداءهم ويعادي أولياءهم هل يكون صادقاً في دعواه؟ وهل أن أهل البيت يحبون من أشاد بلعن سيدهم على المنابر من أهل العصر الأول ومن يواليه ويحامي عنه من أهل الأعصار الأخيرة؟ ومن قال: إن الحسين خارجي حلال الدم وأن يزيد خليفة حق وغير ذلك.
ترد عدوي ثم تزعم أنني
صديقك إن الرأي منك لعازب
وللكاتب، العالم المشهور، عبدالله بن مسلم بن قتيبة كلام في كتاب: «الاختلاف في اللفظ» طبع مصر، يوضح ما قلناه ويثبته، قال (في ص 47) بعدما ذم حالة العلماء في عصره ما لفظه مع بعض الاختصار: «وقد رأيت هؤلاء قابلوا الغلو في حب علي بالغلو في تأخيره وبخسه حقه، ولحنوا في القول وإن لم يصرحوا إلى ظلمه واعتدوا عليه بسفك الدماء بغير حق ونسبوه إلى الممالأة على قتل عثمان وأخرجوه بجهلهم من أئمة الهدي إلى جملة أئمة الفتن، ولم يوجبوا له اسم الخلافة لاختلاف الناس عليه، وأوجبوها ليزيد بن معاوية لاجماع الناس عليه، واتهموا من ذكره بخير، وتحامى كثير من المحدثين أن يحدثوا بفضائله أو يظهروا ما يجب له، وكل تلك الأحاديث لها مخارج صحاح، وجعلوا ابنه الحسين خارجيا شاقا لعصا المسلمين حلال الدم، وأهملوا من ذكره أو روى حديثاً من فضائله حتى تحامى كثير من المحدثين أن يتحدثوا بها، وعنوا بجمع فضائل عمروبن العاص ومعاوية كأنهم لا يريدونهما بذلك وإنما يريدونه. فإن قال قائل: أخو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علي وأبو سبطيه الحسن والحسين، وأصحاب الكساء علي وفاطمة والحسن والحسين تمعرت([260]) الوجوه، وتنكرت العيون، وطرت حسائك الصدور، وإن ذكر ذاكر قول النبي (صلي الله عليه وآله): «من كنت مولاه» و«أنت مني بمنزلة هارون من موسى» وأشباه هذا التمسوا لتلك الأحاديث الصحاح المخرج لينقصوه ويبخسوه حقه، وهذا هوالجهل بعينه اهـ».
فما رأي صاحب الوشيعة في هذا الكلام وابن قتيبة مرمي بالانحراف عن أهل البيت، قال الكوثري المعاصر في حاشية كتابه المذكور – أي الاختلاف في اللفظ – «إنه – أي ابن قتيبة – في مؤلفاته السابقة يشف من ثنايا نقوله ما شجر بين الصحابة الانحراف والنصب حتى أن الحافظ ابن حجر قال في حق حمل السلفي كلام الحاكم فيه على المذهب: إن مراد السلفي بالمذهب النصب، فإن في ابن قتيبة انحرافاً عن أهل البيت والحاكم على ضد من ذلك اهـ».
قال (في صفحة ك): «وميل الشيعة زمن الأموية إلى أهل البيت لم يكن عاطفة دينية، وإنما هو رغبة وأمل في ما كانوا ينتظرونه على أيدي أهل البيت من الحكم بالعدل ومن الاستقامة في السيرة، فكان تشيع الشيعة عداوة لبني أمية وبني العباس».
(ونقول): هذه الدعاوى كغيرها من دعاواه مجردة عن الدليل لا يعضدها برهان، ويخالفها الدليل والوجدان. بل ميل الشيعة زمن الأموية، وفي كل زمان، إلى أهل البيت كان عن عقيدة دينية راسخة لما بلغهم من قول الرسول صلي الله عليه وآله وسلم: إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هوى. مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة من دخله كان آمنا وأمثالها. ولما رأوه فيهم من الفضل، والعفة، والنبل، والعلم، والعمل، والزهادة، والعبادة. ولما رأوه في سواهم من أضداد هذه الصفات.
(وقوله): «من الحكم بالعدل والاستقامة في السيرة» اعتراف منه بأن ذلك لم يكن في بني أمية، وهذا مما أوجبه الدين والشرع، فالميل إلى من يرجى فيه ذلك يكون عاطفة دينية والميل عمن فيه ضد ذلك ليس إلاّ للعاطفة الدينية فهو يناقض قوله لم يكن عاطفة دينية. (وقوله) «فكان تشيع الشيعة عداوة لبني أمية وبني العباس» يناقض قوله رغبة وأملاً في ما كانوا ينتظرونه على أيديهم من الحكم بالعدل والاستقامة في السيرة، فوقع في كلامه ثلاث جمل متتالية متناقضة. لم يكن عاطفة دينية يناقض رغبة في العدل والاستقامة والثاني يناقض عداوة للأموية والعباسية مع أنه لم يكن بين الشيعة وبين الأمويين شيء خاص يوجب العداوة إلاّ العداوة الدينية لظلمهم أهل البيت، فما هي إلاّ العاطفة الدينية على أنه كان في الأمويين جماعة متشيعين مثل خالد بن سعيد بن العاص وكان عمر بن عبدالعزيز يقول بتفضيل علي (عليه السلام) وخبره في الذي حلف بطلاق زوجته إن لم يكن على أفضل الناس بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) معروف، ذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج من رواية ابن الكلبي ويحكى التشيع عن معاوية الأصغر، ومثل مروان بن محمد السروجي. قال المرزباني في تلخيص أخبار شعراء الشيعة: كان من بني أمية من مصر وكان حسن التشيع ومثل صاحب الأغاني من نسل مروان بن الحكم، وكان في العباسيين جماعة كذلك أولهم عبدالله بن العباس الذي بلغ الغاية في نصر أميرالمؤمنين (عليه السلام) ونشر فضائله، ومنهم المأمون والإمام الناصر وغيرهما، وكل هذا يدل على قصور نظره.
زعمه حدوث التشيع زمن علي
قال في صفحة (ي): «ولم يحدث التشيع والتخرج إلاّ زمن على بدهاء معاوية وفساد الأموية، حدث من عداوة جاهلية بين أفراد أو بين بيوت، ولم يكن من الدين ولا من الإسلام في شيء. ولو كان لعلي سيرة النبي وسياسة الشيخين لما كان للتشيع من امكان».
(ونقول): دعواه أنه لم يحدث التشيع إلاّ زمن عليّ أي زمن خلافته – دعوى باطلة ـ. فقد قال الشيخ أبومحمد الحسن بن موسى النوبختي في كتاب: «الفرق والمقالات»، المطبوع في استانبول: «الشيعة هم فرقة على بن أبي طالب المسمون بشيعة علي في زمان النبي (صلّى الله عليه وآله) وبعده، معروفون بانقطاعهم اليه، والقول بامامته»، وقال أبو حاتم السجستاني في الجزء الثالث من كتاب الزينة: «إن لفظ الشيعة كان على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لقب أربعة من الصحابة: سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار»؛ وذلك صريح في أن مبدأ التشيع من زمن الرسول (صلّى الله عليه وآله»، وقال السيوطي في «الدر المنثور في تفسير كلام الله بالمأثور»، في تفسير قوله تعالى: ﴿أولئك هم خير البرية﴾ [البينة: 7] أخرج ابنعساكر عن جابر بن عبدالله: «كنا عند النبي (صلّى الله عليه وآله) فأقبل عليّ فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): والذي نفسي بيده، أن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة (الحديث). قال: وأخرج ابنعدي عن عليّ قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ألم تسمع قول الله: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ [البينة: 7] أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غراً محجلين …إلى غير ذلك. وهذا وإن لم يصرح فيه بوجود التشيع لعلي يومئذ إلاّ أنه يدل على أن باذر بذر التشيع هوالنبي (صلّى الله عليه وآله) وأن اسم التشيع لعلي لم يحدث في خلافته بل قبلها وأن التشيع له لم يحدث بدهاء معاوية وبغيه، بل بأمر النبي (صلّى الله عليه وآله) وبشارته. والسامعون لهذا الكلام ومنهم جابر لا بد من أن يكون فيهم من تشيع لعلي بعد سماعه هذا الكلام المؤثر المرغب إن لم يكن متشيعاً له قبل ذلك، وما سماه دهاء معاوية قد أخطأ في تسميته وهو أولى أن يسمى بغير هذا الاسم وينعت بسوى هذا النعت مما يعرفه العارفون ويتحققه المنصفون. أما فساد الأموية فسواء أحدث من عداوة جاهلية بين أفراد أو بيوت كما زعم أم من عداوة دينية بين الإسلام والوثنية، وعبادة الله وعبادة الأصنام، ومن ثارات بدرية وضغائن أحدثها يوم الفتح وانتصار الإسلام على الكفر، فالذنب فيه ليس على الأمويين وحدهم، بل على الأمة المعصومة بزعمه التي أعانتهم ونصرتهم ومهدت لهم، وما كلامه هذا الذي أراد أن يعتذر به للأمويين من طرف خفي إلاّ خارج من هذا المنبع، وهل كان حرب الجمل من عداوة بين العلوية والأموية؟ وهل كان فعل ابن الزبير مع أن أباه ابن عمة الرسول وعلي بن أبي طالب – حين قطع ذكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الخطبة كما يأتي – مسبباً عن العداوة بين الأموية والعلوية؟ ومن ذلك تعلم أن قوله: «لم يكن من الدين ولا من الإسلام في شيء»؛ ليس من الحق ولا من الصواب في شيء، فما جاهدت العلوية الأموية وعادتها إلاّ دفاعاً عن الدين الذي أرادت الأموية أن تثأر منه، وما حاربت الأموية العلوية وعادتها إلاّ انتقاماً من الدين والإسلام، ولذلك قال عمار بن ياسر يوم صفين: «إن هذه الراية قاتلتها ثلاث عركات ما هذه بأرشدهن» أوما هذا معناه. وقوله: «لو كان لعلي سيرة النبي» جهل منه بمقام على أو تجاهل، فسيرة علي (عليه السلام) لا تعدو سيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) قيد شعرة، فبسيرته أقتدى، وعلى مثاله احتذى وفي منهاجه نهج. وكيف لا يكون كذلك وهوالذي ربي في حجر النبي (صلّى الله عليه وآله) وتأدب بآدابه واقتدى بهديه وكان منه بمنزلة هارون من موسى وكان نفسه في آية المباهلة، وقال فيه النبي (صلّى الله عليه وآله): «علي مني وأنا من علي» – رواه البخاري – «علي مني بمنزلة الصنو من الصنو»، «علي مني بمنزلة الذراع من العضد» وآخاه دون كل الصحابة وقال له: «تقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» وقال علي (عليه السلام) – كما في نهج البلاغة -: «وأنا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كالصنو من الصنو أو كالضوء من الضوء والذراع من العضد» قال ابن أبي الحديد في الشرح: «وهذه الرتبة قد أعطاه إياها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مقامات كثيرة نحو قوله في قصة براءة: قد أمرت أن لا يؤدي عني إلاّ أنا أورجل مني، وقوله: لتنتهن يا بني وليعة أو لأبعثن إليكم رجلاً مني، أو قال عديل نفسي، وقد سمّاه الكتاب العزيز نفسه فقال: ﴿ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم﴾ وقال له: لحمك ولحمي مختلط ودمك منوط بدمي وبشرك وبشري واحد» إلى غير ذلك مما لا يسعه المقام، أفلا يكفي هذا أن يكون لعلي سيرة النبي عند موسى تركستان؟ ولما قال له عبدالرحمن بن عوف: «أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين» أبى إلاّ المبايعة على كتاب الله وسنة رسوله، وهذه هي السيرة النبوية في تقديم الكتاب والسنة على كل شيء أفيحسن التركستاني بعد هذا أن يقول لو كان لعلي سيرة النبي؟ وأولى بالصواب أن يقال: لو كان للشيخين سيرة وسياسة علي لما كان للتشيع من إمكان. وكيف يتصور ذوعقل أو ذو دين أن يكون لعلي غير سيرة النبي (صلّى الله عليه وآله)؟!
وقال (في ص 34): «كل يعلم وكلنا نعلم أن البيوت الأموية والعباسية والعلوية كانت بينها ثارات وثارات وعداوات عادية قديمة وحديثة، ولم تكن إلاّ خصائص بدوية سامية عربية قد كانت وضرت الإسلام ووقعت بها فقط لا بغيرها في تاريخ الإسلام أمور منكرة لم تقع في غيره، ثم زالت بزوال أهلها وليس فيها اثم ولا أثر لأهل الإسلام ولا لأهل السنة. ليس الاثم إلاّ لأهلها وهم البيت الأموي والبيت العباسي والبيت العلوي والله يفصل بينهم يوم القيامة». وقال في صفحة (ج س): «وعلى عليّ لبني أمية ثارات بأقلها تستحل طبيعة العرب المحارم، وتستبيح الدماء، قلت ذلك ليعلم أن ما وقع في أوائل أفضل العصور الإسلامية لم يقع إلاّ من بيوتات أموية هاشمية علوية لعداوة قديمة ليس للإسلام فيه من أثر ولا لأهل السنة والجماعة فيه من دخل، قد كانت عفاريت الأعداء توري به نيران البغضاء في قلوب الأمم الإسلامية».
وفي (ص 49-50): «تراجم الأبواب – في الكتب – مثل باب ما نزل من الآيات في أعداء الأئمة، هذه التراجم في نفسها ساقطة سخيفة لم يكن للأمة عداوة للأئمة وإن كان وقع بين أموي وعباسي وعلوي عداوة عادية بدوية، فلم ينزل فيها شيء والأمة منها بريئة تمام البراءة. نعم، قد استفاد أعداء الإسلام من تعادي هذه البيوت استفادة شيطانية ولا ذنب فيها على الأمة». ومر (في صفحة ي) قوله: «إن التشيع حدث من عداوة جاهلية بين أفراد أوبين بيوت ولم يكن من الدين ولا من الإسلام في شيء».
ونقول (أولاً): زعمه أن هذه الثارات والعداوات بين الأمويين والعلويين وبين العباسيين والعلويين كانت أمورا عادية بدوية تستحل العرب المحارم وتستبيح الدماء بأقلها ليس فيها اثم ولا أثر لأهل الإسلام ولا لمن تسموا بأهل السنة ليس الاثم فيها إلاّ لأهل البيوت الثلاثة والأمة منها بريئة، هو تمويه وتضليل؛ فالثارات والعداوات بين الأمويين والعلويين لم تكن إلاّ بين الكفر والإسلام، وعبادة الله وعبادة الأصنام، مهما غير اسمها أوبدل وصفها، فذلك لا يجعل لأهلها ولمن مكنهم منها عذراً، وطبيعة العرب في استحلال المحارم واستباحة الدماء قد محاها الإسلام، ولو صدق إسلام بني أمية لما كانوا يثأرون لها. فالصواب أنها لم تكن إلاّ بدرية لا بدوية، وشهد شاهد من أهلها بقوله: «ليت أشياخي ببدر شهدوا»، وفي غير ذلك شواهد ممن سبقوا يزيد وممن تأخروا عنه وإن أراد سترها وتمويهها بأنها عادة بدوية كالتي حدثت بسبب داحس والغبراء فهي ليس لها كثير أهمية، لم ينزل فيها شيء، ولونزل فيها شيء لعلمه موسى جارالله والأمة منها بريئة تمام البراءة – براءة أخوة يوسف من القائه في الجب – وإذا كان الأمر كذلك فمن هم الذين مكنوا ومهدوا لهم حتى ارتكبوا هذه المنكرات؟ وهل كانت آثام تلك المنكرات إلاّ في رقابهم والذين نازعوا علياً وحاربوه بجيوشهم يوم الجمل وصفين والنهروان وشقوا عصى المسلمين، وقتلوا مئات الألوف منهم، وجعلوا بأس المسلمين بينهم، والذين سبوا علياً وبنيه على المنابر عشرات السنين، وهم ساكتون لا يغيرون بيد ولا لسان، أومعاونون، والذين اضطروا أولاده أن يدفنوه سراً ويخفوا قبره، والذين حاربوا الحسن مع بني أمية والذين خذلوه وكاتبوا عدوه، والذين طعنوه في فخذه وانتهبوا رحله، والذين مهدوا لسمه ولخلافة يزيد حتى جيش الجيوش على الحسين، والذي ترك الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) في خطبته مدة طويلة – في ما رواه المؤرخون – وقال: إن له أهيل سوء إذا ذكرته اقلعوا أعناقهم فأحب أن أكبتهم، وقال: بيت سوء لا أول لهم ولا آخر، والذين كانوا يسمعون ولا يغيرون بيد ولا لسان، والذين مهدوا لبني أمية حتى ولوا زياداً والحجاج على المسلمين وفعلا الأفاعيل، والذين أعانوا بني العباس حتى ظلموا الطالبيين وبنوا عليهم الحيطان وقتلوا الإمام موسى بن جعفر بالسم بعد حبسه سنين، وحرثوا قبر الحسين ومنعوا من زيارته وسخروا من أميرالمؤمنين علي في مجالس اللهو، كل هؤلاء لم يكونوا من الأمة المعصومة ولا إثم ولا أثر لها في ذلك، ولا لقومه الذين يدافعون وينافحون عن مرتكبي تلك الجرائم جهدهم. كل هذه أمور عادية بدوية حدثت بين الأمويين والعباسيين والعلويين فقط كالتي حدثت بين بني عبس وبني ذبيان لا دخل فيها لأحد سواهم، أصحاب الجمل وصفين كلهم من بني أمية والذين مع علي كلهم من العلويين وباقي الأمة كانت على الحياد تعبد الله وتسبحه وتقدسه معتزلة للفريقين اعتزال الأحنف في بني تميم. قال ذلك موسى جار الله محافظة على أفضل العصور لئلا يقال إنه وقع فيها مثل هذه القبائح، فكان كغاسل الدم بالبول، والمنصور والرشيد والمتوكل وغيرهم من بني العباس كانوا خصماء العلويين وحدهم لم يساعدهم أحد من الأمة ولم يكن في وزرائهم ولا جيوشهم أحد من غير بني العباس، والعداوة بينهم وبين العلويين عادة بدوية، قضايا مسلمة وأمور ضرورية لا يشك في فسادها إلاّ أبله أو متعصب غطى الهوى على بصيرته. وعداوة بني العباس للعلويين لم تكن عادية ولا خصائص بدوية عربية، بل حسداً للعلويين وخوفاً منهم على ملكهم، ولم يكن لها أثر قبل تولي بنيالعباس الملك ولم يكن فيها ذنب للعلويين إلاّ فضلهم وميل الناس إليهم ومن الذي كان يعين العباسيين على العلويين غير الأمة المعصومة.
(ثانياً): زعمه أنه وقعت بها فقط لا بغيرها أمور منكرة في تاريخ الإسلام مؤكداً بقوله: «فقط لا بغيرها» جهل منه أو تجاهل، ففتنة قتل عثمان وحرب الجمل بل وحرب صفين كانت من الأمور المنكرة التي جرت الويلات على الإسلام والمسلمين كانت بغيرها لا بها، وكم وقعت في تاريخ الإسلام أمور منكرة لا تحصى كانت بغيرها لا بها وشهرتها تغني عن ذكرها.
(ثالثاً): إذا كانت زالت بزوال أهلها فآثارها باقية إلى اليوم وبعد اليوم، وجدالك هذا معناه وتهوينك أمرها أثر من آثارها.
(رابعاً): عفاريت الأعداء وأعداء الإسلام الذين حاربوه يوم بدر وأحد والأحزاب وغيرها، ثم دخلوا فيه كرهاً ليحقنوا دماءهم هم الذين كانوا يضرمون نيران البغضاء في قلوب الأمم الإسلامية لنيل مآربهم الدنيوية، فاستفادوا فوائد شيطانية دنيوية ساعدتهم عليها الأمة المعصومة بعفاريتها وشياطينها، فكان الذنب كل الذنب عليها لا على عبدالله بن سبأ وأمثاله كما يفهم من كلامه في موضع آخر ولا ما قلد فيه غيره، ولاكته بعض الألسن من أن التشيع لأهل البيت حدث من الفرس كيداً للإسلام ومن بعض اليهود فإنه بعيد عن الحقيقة بعد السماء عن الأرض، وهومن الأمور الشيطانية لا يراد به إلاّ ستر القبائج واخفاء الفضائح وهيهات.
(خامساً): اشراكه البيت العلوي مع البيتين الآخرين في غير محله، فأين آل أمية وآل عباس، من آل علي!؟ قال الشريف الرضي:
لنا الدولة الغراء ما زال عندها
من الظلم واقٍ أومن الجور منصف
بعيدة صوت في العلى غير رافع
بها صوته المظلوم والمتحيف
وقال أبوفراس الحمداني:
وما توازن يوما بينكم شرف
ولا تساوت بكم في موطن قدم
وقال بعض شعراء العصر:
حاشا بني فاطم ما القول مثلهم
شجاعة لا ولا جوداً ولا نسكاً
(سادساً): قوله: «هذه التراجم في نفسها ساقطة سخيفة لم يكن للأمة عداوة للأئمة» هو في نفسه كلام ساقط سخيف يكذبه أن إمام الأئمة مضى أكثر عمره ولم يدخل في شيء من أمور الأمة جهاد ولا غيره، وجرى عليه وعلى ولديه الحسنين ما مر في الأمر الأول، وتتبع الظالمون شيعته وذريته، فأوسعوهم قتلاً وحبساً وتشريداً وغيرها من أنواع الظلم الفاحش، وباقي الأئمة كانوا في الدولتين تحت ستار من الخوف وفي مضايق الاجتهاد والظلم والحبس والنفي والقتل بالسم وأنواع الأذى، كما هومعروف مشهور. كل هذا ولم يكن للأمة عداوة لهم، وتركت الأمة مذهبهم، ولم تره كأحد المذاهب التي تقلدها مع أنه أولى بالاتباع، وكان الباعث على ذلك المودة لا العداوة حتى قام موسى التركستاني اليوم يشكك في روايتهم، فيقول: إنه كانت لهم رواية.
الصحابة والعصر الأول
وأُمهات المؤمنين
نسب إلى الشيعة في مواضع من كتابه أموراً قال: إنها لا تتحملها الأمة والعقل والدين، وهي: (1) القول في الصحابة وفي من غصب حق أهل البيت (عليهم السلام) وظلمهم (2) في العصر الأول (3) في أمهات المؤمنين. ناقلاً ذلك عن بعض الكتب التي فيها الحق والباطل، والصحيح والسقيم، ولو كان كل ما فيها صحيحاً فلماذا وضع علم الرجال وعلم الدراية؟ هل هو إلاّ للبحث عن الأسانيد وتمييز الصحيح منها من السقيم؟ والأخذ بما صح سنده ولم يخالف الكتاب والسنة والاجماع وطرح ما عداه، ولا يمكن أن ينسب إلى طائفة من أهل المذاهب اعتقاد كل ما في كتب أفرادها إذ ليسوا كلهم بمعصومين، ولا كل ما رووه في كتبهم صحيحا، بل صاحب الكتاب لا يرى كل ما في كتابه صحيحاً، وإنما ذكر سنده كما وجده، وإذا كان تحرى؛ فإنما أخذ في صحة الاسناد بالظنون والاجتهادات التي يجوز عليها الخطأ، ويجوزها هوعلى نفسه، وقد يظهر لغيره ما لم يظهر له، ويطلع غيره على ما لم يطلع هوعليه، فيخالفه في رأيه، ويكون الصواب مع ذلك الغير. ونحن نتكلم على كل واحد من هذه الأمور التي ذكرها على حدته، ونبين ما هوالصواب فيه.
ـ1ـ
الصحابة
(أما الصحابة) فالنزاع بين الشيعة الإمامية الاثني عشرية وبين الأشاعرة الذين سموا أنفسهم بأهل السنة والجماعة، وبين المعتزلة، في أمر الخلافة والإمامة وفي تفاوت درجات الصحابة رضوان الله عليهم وعدالة جميعهم وعدمها، وكون عليّ أحق ممن تقدمه بالخلافة أولاً، ليس هو وليد اليوم، بل قد مضت عليه القرون والأحقاب، وحصل قبل ألف ومئات من السنين قبل أن يخلق الله الأشاعرة والمعتزلة، وتناولته الألسن والأقلام في كل عصر وزمان ممن لا يصل أمثاله إلى أدنى درجاتهم في العلم، وألفت فيه الكتب الكلامية المختصرة والمطولة من الفريقين ابراماً ونقضاً، وبذل فيه الفريقان وسعهم وأتوا بكل ما وصلت إليهم قدرتهم من حجج وبراهين ونقض وابرام، فكل يدلي بحجته ويدعي أن الحق في جانبه ولا مرجع لاثبات أن الحق مع أحد الفريقين إلاّ الدليل والبرهان، فإن كان في وسعه إقامة البرهان على شيء من ذلك فليأت به. أما هذه التهويلات والكلام الفارغ والدعاوى المجردة عن الدليل أمثال لا تتحملها الأمة والأدب والعقل والدين فلا تثبت حقاً ولا تنفي باطلاً، ولا تأتي بجدوى، وكل من الباحثين مجتهد بزعمه، معذور عند ربه، إن أخطأ فله أجر واحد، وإن أصاب فله أجران أسوة بالصحابة الكرام الذين اجتهودا، فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ، وللمصيب منهم أجران وللمخطىء أجر واحد، والقاتل والمقتول والباغي والمبغي عليه كلهم في الجنة، فليسعنا من رحمة الله وعفوه ما وسعهم، فإن رحمته واسعة لا تسع قوما وتضيق عن أخرين فما لنا ولهذا التهويش في زمان نحن فيه أحوج إلى الوئام والوفاق من النزاع والشقاق. ونحن نسأله عن العصر الأول – أفضل عصور الإسلام وخير القرون عندك وخير أمة أخرجت للناس بنص الكتاب – وعصر الخلافة الراشدة: هل كان يسب ويلعن فيه عليّ بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين وولداه الحسن والحسين سبطا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسيدا شباب أهل الجنة وعبدالله بن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن، وفقيه الصحابة، وهم خيار الصحابة وأفاضلهم وأكابرهم، على المنابر الأعوام المتطاولة في كل قطر، وفي جميع بلاد الإسلام في الأعياد والجمعات، وقنتت بلعنهم في الصلوات، وفي أعقابها، وعلى منبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مقابل حجرته الشريفة بمسمع من أهل بيته، وباقي الأمة ساكتون، أومعاونون في جميع أقطار الأرض؛ إلاّ نفر يسير كان جزاؤهم القتل بالسيف صبرا في مرج عذرا. ونسأله عن قتل حجر بن عدي الكندي صبرا وعن قتل عمرو بن الحمق الخزاعي؟ وحبس زوجته آمنة بنت الشريد في سجن دمشق سنتين؟ وهما من أفاضل الصحابة، فهل كان كل ذلك من الأمور التي تحملتها الأمة والأدب والعقل والدين؟ وقد استمر ذلك مدة ملك بني أمية إلاّ يسيرا منها في خلافة عمر بن عبدالعزيز([261]). فلماذا احتملتها الأمة كل هذه المدة وبقيت صامتة أومعاونة مشاركة؟ وجاءت الأمة بعد ذلك تجعل عذرا لمرتكبي هذه الفظائع، وتحملها على الاجتهاد الذي يؤجر صاحبه، والأمة معصومة عندك، كما ستصرح به مراراً وتكراراً. فهل كان هذا من آثار عصمتها؟ أو أن الله تعالى ـ وهو أعدل العادلين – من جهة قوم شديد العقاب ومن جهة أخرى غفور رحيم؟! فمن هو يا ترى الذي سن السب واللعن، وفتح باب القدح والطعن؟ واحتملته الأمة واحتمله الأدب والعقل والدين مئات السنين، ثم لم تعد تحتمله. ونسأله عن قول إحدى أمهات المؤمنين في بعض أكابر الصحابة من الخلفاء الراشدين: اقتلوا فلاناً فقد كفر، وعن قول ابن أم كلاب لها:
وأنت أمرت بقتل الإمام
وقلت لنا إنه قد كفر([262])
عدالة الصحابة
قال في صفحة (م ا): «القرن الأول هم الصحابة عدول بالاجماع وخير هذه الأمة. وخير أمة أخرجت للناس. وكل ثناء في القرآن هم أول داخل فيه. خرج النبي عن الدنيا وهوعن كلهم راض. ولهم كان الخطاب: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: 3] الآية. وخطاب الوعد بالاستخلاف والتمكين». ثم ذكر آية: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان﴾ [التوبة: 100] الآية. قال: والمتبوع لا يكون إلاّ الأفضل والأشرف. فالعصر الأول هم أفضل الأمة. وأفضله الصديق والفاروق والخلافة الراشدة والصحابة (اهـ ملخصاً).
(ونقول): في كلامه مواقع للنظر: (أولاً): دعواه الاجماع على عدالة جميع الصحابة التي سبقه إليها ابن حجر، هي في محل الخلاف، فقد صرح ابن الحاجب في مختصر الأصول والعضد في شرحه بنسبة ذلك إلى الأكثر، قال: وقيل كغيرهم، وقيل: إلى حين الفتن فلا يقبل الداخلون من الطرفين. وقال الآمدي في أحكام الأحكام: «اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة، وقال قوم: إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية. ومنهم من قال إنهم لم يزالوا عدولاً إلى حين ما وقع من الاختلاف والفتن في ما بينهم» فإذا المسألة ذات أقوال ثلاثة، فأين الاجماع؟ (ثانياً): ينافي هذه الدعوى ما شوهد من صدور أمور من بعضهم لا تتفق مع العدالة كالخروج على أئمة العدل، وشق عصا المسلمين، وقتل النفوس المحترمة، وسلب الأموال المعصومة، والسب والشتم، وحرب المسلمين وغشهم، والقاح الفتن، والرغبة في الدنيا، والتزاحم على الامارة والرئاسة، وغير ذلك مما كفلت به كتب الآثار والتواريخ، وملأ الخافقين وأعمال مروان بن الحكم والوليد بن عقبة في خلافة عثمان، وبسر بن أرطأة، وعمرو بن العاص أيام معاوية معلومة مشهورة، وكلهم من الصحابة. والحمل على الاجتهاد يشبه خدعة الصبي عن اللبن. (ثالثاً): العموم في باقي ما ذكره ممنوع، فإن كان ذلك مقيد أو مخصص بغيره من الأدلة والآيات الدالة على اشتراط ذلك بعدم حصول ما ينافيه. (رابعاً): سيأتي منه في مقتل عثمان ما ينافي عدالة جميع الصحابة. (خامساً): كون النبي خرج عن الدنيا وهوعن كلهم راض دعوى تحتاج إلى الاثبات، وقد تبرأ إلى الله من فعل بعضهم في حياته ثلاثاً. (سادساً): إذا كان الله تعالى خاطب النبي (صلّى الله عليه وآله) والمسلمين بأنه أكمل لهم الدين، وأتم عليهم نعمته، ورضي لهم الإسلام ديناً، فما وجه الملازمة بين ذلك وبين عدالة جميعهم وهل يمنع ذلك من أن يكون بعضهم لم يقم بشكر تلك النعمة. (سابعاً): الفضل لا يكون إلاّ بالتفوق في الصفات الفاضلة التي نراها مستجمعة في علي بن أبي طالب (عليه السلام) لايشاركه فيها مشارك، كما قال خزيمة ذوالشهادتين:
من فيه ما فيهم لا يمترون به
وليس في القوم ما فيه من الحسن
ولا ينكر ذلك إلاّ مكابر أو مقلد. (ثامناً): إذا كانت الآيات المذكورة شاملة للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فهي لا تشمل من صدرت منهم الأمور المنافية للعدالة. (تاسعاً): إذا كانت الأمة معصومة كما ادعاه في ما يأتي وأطال فيه وملأ الصفحات والأوراق، فلماذا لم يدع العصمة في الصحابة، وهم أعيان الأمة واقتصر على مجرد العدالة.
ـ2ـ
العصر الأول والقرن الأول
قال (في صفحة ف): «الروح في كتب الشيعة هي العداء للعصر الأول). و(في ص 227): «إن أول عصور كل الأديان والأمم يعتقدها اتباعها مقدسة محترمة إلاّ الشيعة» و(في ص 26): «الأمة قد علمت علم اليقين أن أفضل قرون الإسلام قرن رسالته وقرن خلافته الراشدة»، و(في صفحة 227): «إن العصر الأول هو أفضل عصور الإسلام» وفي صفحة ( له) حاصله: «ثبت أن النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يقول خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. والمعنى أن القرون الثلاثة خير من القرون السابقة على الإسلام ولا تفاضل بين القرون الثلاثة؛ إذ ثبت أمتي كالمطر لايدري أولها خير أم آخرها في سعة الأرزاق واتساع البلاد والدولة».
ونقول: (أما العداء للعصر الأول) فالذي بيننا وبينك ليس العداء للأعصار ولا للأشخاص، انا متفقون معكم في كل شيء جاءت به شريعة الإسلام إلاّ في الامامة لمن هي، ومن هوالأحق بها بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)، وفي صفات الباري تعالى ورؤيته، ونحو ذلك. وهذه تكون القناعة فيها بالحجة والبرهان لا بهذه التهويلات التي لا تغني فتيلاً.
وأما أن أوائل عصور الأديان مقدسة محترمة باعتقاد أتباعها. فيرده أنه لو سلم اعتقاد اتباعها ذلك لا يدل على أنها مقدسة واقعاً، بل هم ان اعتقدوا ذلك فهم مخطئون في اعتقادهم؛ لأن الوجدان على خلافه. فآدم (عليه السلام) كان له ابنان قتل أحدهما الآخر ظلما، فإذا كان هذا وبنو آدم في الدنيا اثنان فقط فما ظنك بهم وقد صاروا فيها ألوفا وملايين ومليارات. ونوح (عليه السلام) من أولي العزم لبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، يدعوهم وهم يكذبونه ويسخرون منه، وهو يبني السفينة ويقولون له: صرت بعد النبوة نجاراً، فأهلكهم الطوفان، وأهلك جميع من على وجه الأرض من انسان وحيوان إلاّ من حملتهم السفينة. وإبراهيم (عليه السلام) من أولي العزم عاصره النمرود وادعى الربوبية ورام احراقه بالنار فنجاه الله ثم طرد وأبعد. ولوط (عليه السلام) كذبه قومه وانتشرت فيهم فاحشة اللواط حتى قلب الله مدينتهم بأهلها وجعل عاليها سافلها. وقوم صالح (عليه السلام) كذبوه وعقروا الناقة فأهلكهم الله. وأولاد يعقوب (عليه السلام) أرادوا قتل أخيهم يوسف (عليه السلام)، ثم ألقوه في الجب، وباعوه بيع العبيد، وأحزنوا أباهم حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم… وموسى (عليه السلام) من أولي العزم عاصر فرعون، مدعي الربوبية، ورام قتله فخرج من مصر خائفا يترقب، يقتات من نبات الأرض، ولاقى من بني إسرائيل الشدائد بعدما خلصهم من فرعون الذي كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ولم تجف أقدامهم من البحر حتى طلبوا منه أن يجعل الأصنام، ولم تمض مدة طويلة حتى عبدوا العجل وقالوا: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون﴾ [المائدة: 24]، وحتى تاهوا في الأرض أربعين سنة، وحتى مسخوا قردة وخنازير، وخالفوا على وصي موسى يوشع بن نون وحاربوه. وعيسي (عليه السلام) من أولي العزم كذب وحاول قومه صلبه ودل عليه بعض أصحابه، وهكذا سائر الأنبياء فعل بهم الأفاعيل، وقد قال النبي (صلّى الله عليه وآله): « لتتبعن سنن من كان قبلكم حذوالنعل بالنعل والقذة بالقذة، حتى لودخلوا جحر ضب لدخلتموه» ومحمد (صلّى الله عليه وآله) لم يكن نصيبه بأقل من نصيب الأنبياء قبله من أممهم، كُذِّبَ وأوذي وطرد وراموا قتله، فخرج عنهم مستخفيا، وكان طول حياته مشغولا بالحروب حتى ظهر أمر الله وهم كارهون، وكان في عصره كثير من المنافقين بنص الكتاب، وراموا قتله يوم تبوك، فأعلمه الله بهم، وبعده توالت الفتن والحروب وانتقم أعداؤه من ذريته وأهل بيته، بعد موته، بما هومشهور معروف. ثم توالت الفتن والحروب في جميع دول الإسلام إلى اليوم. والعصور إنما تكون مقدسة محترمة بأهلها، فهذه أوائل عصور كل الأديان والأمم كانت بهذه الصفة عند الله تعالى، وعند أنبيائه وصالحي عباده، ولم تكن مقدسة ولا محترمة إلاّ عند موسى تركستان. فأين هو أول العصور الذي كان مقدساً محترماً؟ ومتى كان؟ لا نراه وجد في زمان إلاّ أن يكون في عصر مؤلف الوشيعة الذي نفي من تركستان ولاقى ما لاقى، ثم جاء إلى هذه البلاد ينفث السموم، ويوقد نيران الفتن، ويثير الضغائن، ويفرق الكلمة، ويؤلف الكتب ويطبعها وينشرها.
ويأتي في الفصل الذي بعده ما له علاقة بهذا.
وأما إن أفضل العصور وخير القرون العصر الأول والقرن الأول وأن الأمة قد علمت ذلك علم اليقين، فالأمة ليس لديها ما تعلم به ذلك بل لديها من المشاهدات ما تعلم به عكسه علم اليقين. والحديث الذي أشار إليه نقله أبوالمعالي الجويني بلفظ: «خيركم القرن الذي أنا فيه ثم الذي يليه» ثم الذي يليه، وكذلك أورده نقيب البصرة كما يأتي وأرسله ابن حجر في الاصابة بلفظ: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم»، ورواه صاحب أسد الغابة عن جعدة بن هبيرة المخزومي، ورواه بعضهم عن جعدة بن هبيرة الأشجعي كما في تهذيب التهذيب وغيره، فهومضطرب المتن والسند ولم تثبت صحته، بل قد علم وضعه بمخالفته الوجدان، فالعصور التي يقال فيها: إنها خير العصور إنما يكون ذلك باعتبار أهلها وهي متساوية متماثلة دائما فيها الصالح والطالح من عهد آدم (عليه السلام) إلى يومنا هذا، والغالب على أهلها الفساد، والصالحون فيها أفراد قلائل ﴿وقليل ما هم﴾ [ص: 24] ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبا: 13] سواء في ذلك أوائلها وأواسطها وأواخرها، ووجود أنبياء وصلحاء في كل عصر لايجعل الغالب على أهله الصلاح ولا يجعله خيرا من غيره.
وما أحسن ما قاله بديع الزمان الهمذاني من جملة كتاب له إلى أحمد بن فارس: «والشيخ يقول فسد الزمان، أفلا يقول متى كان صالحاً؟ أفي الدولة العباسية، فقد رأينا آخرها وسمعنا بأولها أم المدة المروانية وفي أخبارها (لا تكسع الشول بأغبارها)([263]) أم السنين الحربية:
والرمح يركز في الكلى
والسيف يغمد في الطلي
ومبيت حجر في الفلا
والحرتين وكربلا
أم البيعة الهاشمية، وعلي يقول: ليت العشرة منكم برأس من بني فراس([264]). أم الأيام الأموية والنفير إلى الحجاز والعيون إلى الاعجاز أم الأمارة العدوية وصاحبها يقول: وهل بعد البزول إلاّ النزول. أم الخلافة التيمية وصاحبها يقول: طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام. أم على عهد الرسالة ويوم الفتح قيل اسكتي يا فلانة فقد ذهبت الأمانة أم في الجاهلية، ولبيد يقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم
وبقيت في خلف كجلد الأجرب
أم قبل ذلك، وأخوعاد يقول:
بلاد بها كنا وكنا نحبها
إذا الناس ناس والزمان زمان
أم قبل ذلك وروي عن آدم (عليه السلام):
تغيرت البلاد ومن عليها
وجه الأرض مغبر قبيح
أم قبل ذلك وقد قالت الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ [البقرة: 30] وما فسد الناس وإنما اطرد القياس ولا أظلمت الأيام، وإنما امتد الاظلام، وهل يفسد الشيء إلاّ عن صلاح، ويمسي المرء إلاّ عن صباح.
والحاصل أن الحديث الذي أشار إليه لم يثبت، بل ثبت كذبه، وكيف يثبت وهومخالف للوجدان، واثباته مع مخالفته للوجدان تكذيب لمن نسب اليه. وإنما وضع أمثال هذه الأحاديث متعصبة الأموية مراغمة لأهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم.
حكى ابن أبيالحديد في شرح النهج عن نقيب البصرة يحيى بن زيد العلوي: «إنه جرى في مجلسه ذكر هذه المسألة، فذكر بعض الشافعية – في ما ذكر – هذاالحديث، فأتى النقيب برسالة قال انها لبعض الزيدية – والمظنون أنها للنقيب -: وفيها: وأما حديث خيركم القرن الذي أنا فيه الخ، فمما يدل على بطلانه أن القرن الذي جاء بعده بخمسين سنة شر قرون الدنيا قتل فيه الحسين، وأوقع بالمدينة، وحوصرت مكة، ونقضت الكعبة، وشرب خلفاؤه الخمور، وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية ويزيد بن عاتكة والوليد بن يزيد وأريقت الدماء الحرام، وقُتِلَ المسلمون، وسبي الحريم، واستعبد أبناء المهاجرين والأنصار، ونقش على أيديهم كما ينقش على أيدي الروم؛ وذلك في خلافة عبدالملك وأمرة الحجاج. قال: وإذا تأملت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية شرا كلها لا خير فيها ولا في رؤوسها وأمرائها والناس برؤسائهم وأمرائهم، والقرن خمسون سنة فكيف يصح ها الخبر وإنما هذا وأمثاله من موضوعات متعصبة الأموية فإن لهم من ينصرهم بلسانه وبوضعه والأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف». وقرن الخلافة الراشدة كان قرن الفتن والحروب بين المسلمين، قتل فيه الخلفاء الثلاثة ووقع فيه حروب الجمل وصفين والنهروان وما تبعها من فتن ومفاسد، فكيف يكون من خير القرون اللهم إلاّ أن نعمي على أنفسنا، ونقول: ان تلك الحروب والفتن كانت في سبيل مصلحة المسلمين ورقيهم وأن القاتل والمقتول في الجنة لأنهما مجتهدان مثابان. ومن عنده أقل تمييز وانصاف يعلم أنه لولا تلك الحروب والفتن بين المسلمين لفتحوا جميع المعمورة. ومر في الفصل الذي قبله ما له علاقة بالمقام.
وأما دعواه أنه لا تفاضل بين القرون الثلاثة فيرده أنه لوثبت الحديث لكان ظاهرا في التفاضل لمكان ثم، ولكان معارضا لحديث أمتى كالمطر الذي ادعى ثبوته. وليس بثابت، بل الظاهر أنه من الموضوعات، ومن سنخ الحديث الآخر وعلى غراره قصد بوضعه التمويه لارضاء بعض المتسلطين ليمكن أن يقال فيهم انهم خير ممن قبلهم أومن قبلهم ليسوا خيراً منهم. والتأويل الذي ذكره بأن المراد في سعة الأرزاق واتساع البلاد والدولة – مع أنه لا دليل عليه – وهوبعيد عن لفظ الحديث؛ لأنه يقول لا يدري أي الأمة خير لا أي أعصارها.
وأما آية ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: 110] فلا يمكن حملها على العموم؛ لأن تعقيبها بقوله تعالى: ﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ [آل عمران: 110] ظاهر في أن الذين هم خير أمة من هذه صفتهم لا عموم الأمة، ولا شك أن جميع الأمة لم تكن بهذه الصفة، مع أنه ظهر في هذه الأمة ما هو شر صرف سواء من كان في عصر الرسالة أم من كان في عصر الصحابة، فقد جاء فيهم: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ [التوبة: 101] ونزلت في المنافقين سورة مخصوصة تتلى. ونزل فيهم: ﴿وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أوقتل انقلبتم على أعقابكم. ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي لله الشاكرين﴾ [آل عمران: 144]. فعلم أن فيهم الشاكر ومن ينقلب على عقبيه، فأين العموم؟ وفيهم من ارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين والكفار. وكان فيهم الحكم ابن أبي العاص وكفاك به، وفيهم الوليد بن عقبة الفاسق بنص الكتاب، ومنهم حبيب بن مسلمة وبسر بن أرطأة اللذان فعلا في دولة معاوية ما فعلا إلى غير ذلك مما يصعب احصاؤه. وإذا كان النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يعلم المنافقين في عصره بنص القرآن فليس لنا أن نحكم على أحد بدخوله في خطاب ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: 110] الا أن يظهر لنا حاله كالشمس الضاحية، فكيف لنا بالحكم بالعموم؟
قال (في ص 227): «وكل مؤمن ينبغي له أن لا تكون نسبته إلى العصر الأول أضعف من نسبة مجنون ليلى إلى ليلاه حيث بقول:
سأجعل عرضي جنة دون عرضها
وديني فيبقي عرض ليلي ودينها»
(ونقول): كل يغني على ليلاه:
وكل يدعي وصلاً بليلى
وليلى لا تقر لهم بذاكا
والمسألة مسألة حجج وبراهين وعقيدة ودين، لا عشاق ومجانين، فأي فائدة في هذه الألفاظ المنمقة المزوقة الفارغة.
ـ3ـ
أمهات المؤمنين
وهذا قد تعرض له في عدة مواضع من «وشيعته» بما يتلخص في أمور أربعة:
- للشيعة سوء أدب في أمهات المؤمنين، (2) أمهات المؤمنين كإبراهيم (عليه السلام)، (3) عائشة تساوي إبراهيم في ثلاثة أمور عظيمة، (4) أهل البيت في آية التطهير هم أمهات المؤمنين.
(الأمر الأول)
زعمه للشيعة سوء أدب في أمهات المؤمنين
قال (في ص 93): «للشيعة في أزواج النبي، أمهات المؤمنين، خصوصا في عائشة وحفصة وزينب سوء أدب عظيم لا تتحمله عصمة النبي وشرف أهل البيت ولا دين الأئمة»، ثم حكى عن الكافي أن آية ضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط نزلت في عائشة وحفصة.
ونقول: إن احترام المؤمنين عموما، وأُمَّي المؤمنين خصوصا، علينا لازم احترامنا لنبينا (صلّى الله عليه وآله)، فلو جاء في كتاب ما ينافي ذلك لا نقول به؛ لما ذكرناه غير مرة من أن جميع ما في الكتب لا يمكن لأحد الاعتقاد بصحته. وعقيدة الشيعة في الأزواج عموما، وفي عائشة وحفصة خصوصا، هو ما نزل به القرآن الكريم، وجاءت به الآثار الصحيحة لا يمكن أن يحيدوا عنه، وهوأنهم جميعا أمهات المؤمنين في لزوم الاحترام والتكريم احتراماً للنبي (صلّى الله عليه وآله) وحرمة نكاحهن من بعده ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب: 6]. ﴿ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده﴾ [الأحزاب: 53] التي كان سبب نزولها قول لبعض الصحابة معروف. وأن الزوجية للنبي (صلّى الله عليه وآله) لا ترفع عقاب المعصية بل تضاعفه كما تضاعف ثواب الطاعة: ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ [الأحزاب: 30]. ﴿ومن يقنت منكن لله ولرسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين﴾ [الأحزاب: 31] ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ان اتقيتن…﴾ [الأحزاب: 32] شرط عليهم التقوى ليبين سبحانه أن تفضيلهن بالتقوى وبالزوجية لا بمجرد الزوجية، وأن زوجية المرأة للنبي لا تنفعها مع سوء عملها كما أن زوجيتها للكافر المدعي الربوبية لا تضرها مع حسن عملها: ﴿ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله﴾ [التحرم: 10 و11] وأن بعض أزواجه أفشت سره وأن اثنتين منهن قد صغا قلباهما ومالتا عن طريق الطاعة وفعلتا ما يوجب التوبة وأنهما تظاهرتا عليه: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض﴾ [التحريم: 3] ثم قال تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير* عسى ربه ان طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن﴾ [التحريم: 4 و5 ] الآية. وروى الطبري في تفسيره روايات كثيرة، والبخاري في صحيحه أن المتظاهرتين كانتا عائشة وحفصة وأن نساء النبي (صلّى الله عليه وآله) فعلن ما يوجب اعتزاله اياهن تسعة وعشرين يوما حتى نزلت آية التخيير ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك ان كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً* وان كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً﴾ [الأحزاب: 28 و29] وأن أم المؤمنين عائشة كانت حافظة للحديث، بصيرة بالفقه، جريئة على النبي (صلّى الله عليه وآله)؛ ظهر ذلك، منها: في عدة مواضع لا يتسع المقام لذكرها منها قولها له في غزوة فتح مكة: تزعم أنك رسول الله ولا تعدل – راجع السيرة الحلبية – وأنها أخطأت بخروجها على الإمام العادل مظهرة الطلب بدم عثمان وهي كانت من أعظم المحرضين عليه وكانت تقول ما هومعروف مشهور وتخرج قميص رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وتقول ما هو معروف ومشهور أيضاً. وقد تركت عثمان وهو محصور لم تنصره ولم تحرض على نصره، وخرجت إلى مكة ثم خرجت من مكة تريد المدينة فلقيها ابن أم كلاب من أخوالها – في ما رواه الطبري وابن الأثير – فأخبرها بقتل عثمان وبيعة علي، فقالت: ليت هذه انطبقت على هذه – أي السماء على الأرض – ان تم الأمر لصاحبك، وانصرفت راجعة إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما والله لأطلبن بدمه، فقال لها: والله ان أول من أمال حرفة لأنت، وقال من أبيات:
منك البداء ومنك الغير
ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الامام
وقلت لنا انه قد كفر
وأنها طلبت إلى حفصة أن تخرج معها إلى البصرة للطلب بثأره، فقبلت فمنعها أخوها عبدالله بن عمر وجاءت إلى أم سلمة تطلب منها أن تخرج معها فوعظتها بكلام مأثور مشهور وذكرتها أشياء من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حق علي بن أبيطالب منها قوله: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تخرج فتنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها ويسارها قتلى كثيرة، فعدلت عن الخروج، ثم جاء ابن أختها عبدالله بن الزبير، فنفث في أذنها فعزمت على الخروج، فلما بلغت بعض المياه نبحتها كلابه فسألت عنه فقيل لها: انه ماء الحوأب، فقالت: ردوني، فأقاموا لها خمسين أوسبعين شاهدا من الأعراب رشوهم فشهدوا لها زورا أن هذا ليس ماء الحوأب وكانت أول شهادة زور في الإسلام فسارت، وقد أمرت أن تقر في بيتها بقوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولي﴾ [الأحزاب: 33] وروى أبوالفرج ومحمد بن سعد في الطبقات الكبير، وذكره المرزباني في معجم الشعراء والطبري وابن الأثير في تاريخهما أنه لما جاءها نعي عليّ تمثلت:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى
كما قر عيناً بالأياب المسافر
ثم قالت: من قتله؟ قيل: رجل من مراد، فقالت:
فإن يكن نائياً فلقد نعاه
نعي ليس في فيه التراب
قال أبوالفرج: ثم تمثلت:
ما زال اهداء القصائد بيننا
شتم الصديق وكثرة الألقاب
حتى تركت كان قولك فيهم
في كل مجمعة طنين ذباب
أما خديجة أم المؤمنين فهي أفضل أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله) وأول امرأة آمنت به، وبذلت أموالها الجزيلة في سبيل الدعوة الإسلامية حتى قام الإسلام بمالها وسيف علي بن أبي طالب. وأما باقي أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله) فكن كلهن على الصلاح وخيرهن بعد خديجة أم سلمة. هذه هي عقيدة الشيعة في أمهات المؤمنين. ومن ذلك يظهر أنها لا تتعدى ما نزل في القرآن الكريم وجاءت به الآثار الصحيحة، وأنه ليس في ذلك سوء أدب كما زعم وأن تهويله بقوله: لا تتحمله عصبة النبي وشرف أهل البيت ولا دين الأمة؛ تهويل فارغ لا محل له.
أما زينب بنت جحش أم المؤمنين فمن العجيب نسبته إلى كتب الشيعة سوء الأدب في حقها، فإن كتب الشيعة لم تذكر في حقها حرفا واحدا يوجب سوء الأدب، وفي خبر تطليق زيد اياها نزهت كتب تفاسير الشيعة شرف مقام النبوة عما تناولته كتب تفاسير غيرها، ولكن هذا الرجل يرسل الكلام على عواهنه ولا يزن ما يتكلم به.
(الأمر الثاني)
زعمه أمهات المؤمنين
في الفضل كإبراهيم (عليه السلام)
قال (في صفحة ك ي): «ان الله سمى إبراهيم في قوله ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ [الحج: 78] أبا لنا، ولم يجعل زوجه أما لنا، وسمى أزواج النبي أمهات المؤمنين، ولم يسم النبي أبا لهم، فأفاد أن أزواج النبي في الفضل مثل إبراهيم لأن الكفاءة بين الأب والأم معتبرة قال: وهذا من بدائع البيان في أسلوب القرآن».
(ونقول): أبوة إبراهيم ( عليه السلام) اما مجازية؛ لأن حرمته على المسلمين كحرمة الوالد على الولد، أو حقيقة؛ لأن العرب من نسل اسماعيل، وأكثر العجم من ولد اسحق، وأمومة الأزواج للمؤمنين في الآية الشريفة مجازية تشبيها بالأمهات فيما علم من الشرع ثبوته لهن من الاحترام، وحرمة التزويج، ولزوم برّهن بأولادهن، وبر أولادهن بهن، ولم يثبت لأمومتهن معنى وراء ذلك. فالمستفاد من الآيتين أن إبراهيم (عليه السلام) أب أو كالأب في لزوم الاحترام، وأن الأزواج بمنزلة الأمهات في الأمور المذكورة. أما مساواة الأزواج لإبراهيم في الفضل فافتراء على القرآن وكون الله تعالى سمى إبراهيم أبا لنا، ولم يسم النبي أبا للمؤمنين لايرتبط بما نحن فيه بشيء وان كانت أبوة إبراهيم في الاحترام فالنبي أولى بذلك. والكفاءة التي يدعيها بين الأب والأم ان كانت في الشرف والنسب، فقد ألغاها الشرع الإسلامي وقال: المسلم كفوء المسلم، وقد زوج النبي (صلّى الله عليه وآله) ابنة عمته زينب بمولاه زيد، وان كانت في الدين فما يصنع بزوجتي نوح ولوط وزوجة فرعون!؟ وإن كانت في الفضل يلزم أن تكون مارية مثل النبي في الفضل لأنها أم ولده إبراهيم. فهذه الفلسفة المعوجة التي جاء بها وجعلها من بدائع البيان باردة تافهة، وأسلوب القرآن بريء منها، والله تعالى وسيدنا إبراهيم، الأواه الحليم، لا يرضيان منه أن يساوي بينه وبين نساء لا فضل لهن إلاّ بعملهن، وأمهات المؤمنين لا يرضين منه أن يساوي بينهن وبين أولي العزم من النبيين.
(الأمر الثالث)
زعمه عائشة تساوي إبراهيم (عليه السلام)
قال (صفحة ل ا): «المعروف باسم أم المؤمنين هي عائشة كما أن المعروف باسم أبي المسلمين هو إبراهيم، وان سمى القرآن سائر الأنبياء آباء العرب، فإبراهيم أب إيمان وديانة وعائشة أم سنة وجماعة، والله قد جعل عائشة تساوي إبراهيم في ثلاثة أمور مهمة عظيمة: (1) إبراهيم بني البيت وأضافه الله إلى نفسه ﴿طهر بيتي﴾ [الحج: 26] وعائشة بنت في المدينة مسجدا أنزل الله فيه: ﴿وأن المساجد لله﴾ [الجن: 18] (2) الحج حجان أصغر يحرم له من مسجد عائشة بالتنعيم وأكبر يحرم له من حرم إبراهيم، (3) سمى إبراهيم أبا لنا وسمى عائشة أم المؤمنين. ونقول: أم المؤمنين يعم جميع أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله) عائشة وغيرها على السواء: ﴿وأزواجه أمهامتهم﴾ [الأحزاب: 6].
ولا مأخذ لتسمية واحدة من الأزواج بأم المؤمنين سوى هذه الآية، فدعواه أنها المعروفة بذلك غير صواب، ولو سلم فأصله الآية، والفرع لا يزيد على أصله. وأما أن القرآن سمى سائر الأنبياء آباء العرب، فلا نجد ذلك في القرآن، فكان عليه أن يبينه. وأما أبوة إبراهيم (عليه السلام) فقد مر تفسيرها، وأما أمومة عائشة، فمأخذها الآية الكريمة وتشاركها فيها سائر الأزواج كما مر. فهذه المساواة التي زعمها كرقم فوق ماء، وأما دعواه أن آية: ﴿وأن المساجد لله﴾ [الجن: 18] نزلت في مسجد بنته عائشة بالمدينة، فلم نسمعها لغيره ولم يذكرها مفسر، وكل مسجد يقال له: بيت الله – ولا عجب فهذا الرجل في آرائه مخترع – ففي تفسير الرازي: «اختلفوا في المساجد فقال الأكثرون: انها المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله. وقال الحسن: المساجد: البقاع كلها، وقيل: المساجد الصلوات حكي عن الحسن أيضا، وقال سعيد بن جبير: المساجد الأعضاء السبعة التي يسجد العبد عليها، وعن ابنعباس: المساجد مكة» ونحوه في مجمع البيان ولم يذكر الواحدي في أسباب النزول أنها نزلت في ما قال، ولا ندري من أين أخذه، وفي الدر المنثور للسيوطي: أخرج ابن أبيحاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله﴾ [الجن: 18] قال: «لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلاّ المسجد الحرام، ومسجد ايليا ببيت المقدس» فأين دعواه أنها نزلت في ما قال، ولعله يريد أنها بنت مسجدا فشمله: ﴿وأن المساجد لله﴾. وفيه: أن الأصمعي أو أبا نواس لو بنيا مسجدا لشمله ذلك، فهل يلزمه أن يساويا إبراهيم (عليه السلام)؟ والعمرة تصح من أدني الحل لا من مسجد عائشة ولا من غيره. ولما كانت أبعاد الحرم متفاوتة وكان أقربها إلى مكة التنعيم، اختار الناس الاحرام للعمرة منه؛ وإلاّ فالاحرام لها يصح من كل مكان وراء الحرم ولا يختص بالتنعيم، بل لعل الاحرام من غير التنعيم أفضل؛ لأن أفضل الأعمال أحمزها، فأين هي الأمور الثلاثة المهمة العظيمة التي سوى الله فيها بين عائشة وإبراهيم؟ ولا نخال السيدة عائشة ترضى بأن يجعل التركستاني هذه السخافات من مميزاتها التي تشبه قول القائل:
أليس الليل يجمع أم عمرو
وإيانا فذاك بنا تداني
نعم وأرى الهلال كما تراه
ويعلوها النهار كما علاني
والسيدة عائشة قد رووا لها من الفضائل أخذ ثلثي الدين عنها وأنها كانت تحفظ أربعين ألف حديث وأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام وغير ذلك فهي في غنى عن أن يجعل التركستاني هذه السخافات من مميزاتها.
(الأمر الرابع)
زعمه أهل البيت في آية التطهير هم أمهات المؤمنين
قال (في صفحة ط وصفحة ع): «ان أهل البيت أمهات المؤمنين» و(في صفحة 22): «أم المؤمنين عائشة وحفصة بنص القرآن الكريم أهل البيت». ونقول: تذكير الضمير في آية التطهير يمنع من تخصيص أهل البيت بالأزواج، والروايات الكثيرة المستفيضة تمنع من دخولهن في أهل البيت، وتنص على تخصيص أهل البيت بعلي وفاطمة وابنيهما، وان كان الكلام قبل الآية وبعدها في نساء النبي؛ لأن أمثال ذلك في القرآن كثير كما يعرف بالتتبع.
وفي مجمع البيان: «متى قيل أن صدر الآية وما بعدها في الأزواج، فالقول فيه: إن هذا لا ينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم؛ فانهم يذهبون من خطاب إلى غيره، ويعودون، والقرآن من ذلك مملوء، وكذلك كلام العرب، وأشعارهم اهـ»..
أهل البيت في آية التطهير علي وفاطمة وابناهما
فمن الأخبار الواردة في أن المراد بأهل البيت في آية التطهير: علي وفاطمة وابناهما خاصة، ما في الدر المنثور في تفسير كتاب الله بالمأثور للسيوطي قال: أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبيحاتم والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة زوج النبي (صلّى الله عليه وآله) أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان ببيتها على منامة له، عليه كساء خيبري، فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة – وهي الثريد – فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إدعي زوجك وابنيك حسنا وحسينا، فدعتهم فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ [الأحزاب: 33]، فأخذ النبي (صلّى الله عليه وآله) بفضل ازاره فغشاهم اياه، ثم أخرج يده من الكساء، وأومأ بها إلى السماء، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. قالها ثلاث مرات، قالت أم سلمة: فأدخلت رأسي في الستر، فقلت: يا رسول الله وأنا معكم، فقال: انك إلى خير مرتين.
قال: وأخرج الطبراني عن أم سلمة: جاءت فاطمة إلى أبيها بثريدة تحملها في طبق لها حتى وضعتها بين يديه، فقال لها: أين ابن عمك؟ قالت: هو في البيت، قال: اذهبي فادعيه وابنيك، فجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما في يد وعلي يمشي في اثرهما، حتى دخلوا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأجلسهما في حجره، وجلس علي عن يمينه، وجلست فاطمة عن يساره، قالت أم سلمة: فاجتذب من تحتي كساء كان بساطنا على المنامة في البيت([265]).
قال: وأخرج الطبراني عن أم سلمة وذكر الحديث إلى أن قال: قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي، وقال: إنك على خير.
قال: وأخرج ابن مردوديه عن أم سلمة قالت: نزلت هذه الآية: في بيتي ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهير﴾ وفي البيت سبعة: جبرئيل وميكائيل وعلي وفاطمة والحسن والحسين وأنا على باب البيت قلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: انك إلى خير، انك من أزواج النبي.
قال: وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري، قال: «كان يوم أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، فنزل جبرائيل (عليه السلام) على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بهذه الآية: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ فدعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بحسن، وحسين، وفاطمة، وعلي، فضمهم اليه، ونشر عليهم الثوب. والحجاب على أم سلمة مضروب، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، أللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. قالت أم سلمة رضي الله عنها: فأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك، وانك على خير».
قال: وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه، من طرق عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: في بيتي نزلت ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ وفي البيت فاطمة، وعلي، والحسن، والحسين. فجللهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بكساء كان عليه، ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا».
قال: وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «نزلت هذه الآية في خمسة فيّ وفي عليّ وفاطمة وحسن وحسين ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾.
قال: وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبيحاتم والحاكم عن عائشة، خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غداة، وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين، فأدخلهما معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه ثم جاء علي فأدخله معه ثم قال: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾.
قال: وأخرج ابن جرير والحاكم وابنمردوديه عن سعد، قال: «نزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الوحي، فأدخل عليا وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه، ثم قال: اللهم هؤلاء أهلي، وأهل بيتي».
قال: وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن واثلة بن الأسقع، قال: «جاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى فاطمة ومعه حسن، وحسين، وعلي، حتى دخل، فأدنى عليا وفاطمة فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا. كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم، ثم تلا هذه الآية: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾.
قال: وأخرج الحاكم والترمذي والطبراني وابن مردويه وأبونعيم والبيهقي معاً، في الدلائل عن ابنعباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله خلق الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسما إلى أن قال: ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرهما بيتا فذلك قوله: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب».
قال: وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما دخل علي بفاطمة جاء النبي (صلّى الله عليه وآله) أربعين صباحاً إلى بابها يقول: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصلاة رحمكم الله ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ أنا حرب لمن حاربتم، أنا سلم لمن سالمتم».
قال: وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبيالحمراء قال: «حفظت من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
بالمدينة ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلاّ أتى إلى باب علي فوضع يده على جنبتي الباب، ثم قال: الصلاة الصلاة ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾.
قال: وأخرج الطبراني عن أبي الحمراء قال: رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأتي باب على وفاطمة ستة أشهر فيقول: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾.
قال: وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: شهدنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبيطالب (عليه السلام) وقت كل صلاة فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ الصلاة رحمكم الله كل يوم خمس مرات اهـ. الدر المنثور.
وأورد ابن جرير الطبري في تفسيره سبعة عشر حديثاً في أن المراد بأهل البيت في الآية هم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين ويدخل فيها بعض ما مر عن الدر المنثور ونقلها يوجب الاطالة؛ فليرجع إليها من أرادها.
وأورد صاحب غاية المرام واحدا وأربعين حديثا في ذلك من طريق غير الشيعة وأربعة وثلاثين حديثاً من طريق الشيعة لا نطيل بنقلها فليراجعها من أرادها. وأورد صاحب مجمع البيان أحاديث كثيرة في ذلك أيضا فهذه الأخبار صريحة في أن المراد بأهل البيت علي وفاطمة والحسنان، وفي خروج أمهات المؤمنين منهم. ولا يصغي إلى ما حكاه الطبري في تفسيره عن عكرمة أنها نزلت في نساء النبي خاصة وما حكاه في الدر المنثور عن ابن عباس وعن عروة أنها نزلت في نساء النبي (أولاً): لأن عكرمة كان يرى رأي الخوارج كما نص عليه الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب وغيره، فهو متهم في حق علي وولده. (ثانياً): لأن تخصيصها بالنساء ينافي تذكير الضمير. (ثالثاً): لأنها لا تقوى على معارضة تلك الروايات الكثيرة. وما في بعض الروايات من أنه أدخل أم سلمة معهم لا يلتفت اليه؛ لمعارضته بغيره مما دل على أنه لم يأذن لها في الدخول معهم، وقال لها: مكانك، وأنت إلى خير، وأنه جذب الكساء من يدها لما أرادت الدخول معهم. وفي بعض الأخبار: أنه قال لها: قومي فتنحي عن أهل البيت، فتنحت في البيت قريبا، ولكنه حين قال: اللهم اليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي، قالت: وأنا يا رسول الله قال وأنت – أي أنت إلى الله لا إلى النار – لا أنها من أهل بيته كما لا يخفي.
زعمه الأمة شريكة نبيها
قال في صفحة (خ) تحت عنوان (الأمة شريكة نبيها في كل ما كان له): «كل ما أنعم الله به على نبيه من فضل ونعمة، وكل ما نزل من عرش الله إلى نبيه، فكله بعده لأمته، والأمة شريكة نبيها في حياته ثم ورثته بعد مماته، وكل فضل ونعمة ذكرها القرآن لنبيه، فقد ذكرها لأمته (1) ﴿وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: 107 ]. ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: 110] (2) ﴿ويتم نعمته عليك﴾ [يوسف: 6] ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾ [المائدة /3] (3) ﴿وينصرك الله نصرا عزيزا﴾ [الفتح: 3] ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ [الروم: 47] (4) ﴿انا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ [الفتح /1]. ﴿وأثابهم فتحا قريبا﴾ [الفتح: 18] – وفتح المؤمنين كان أوسع وأقوى من فتح النبي (5) ﴿ان الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: 56]. ﴿هوالذي يصلي عليكم وملائكته﴾ [الأحزاب: 43] – كل الأمة في كل أحوالها تصلي وتسلم على النبي وعلى أمته – كل الأمة في كل صلواتها تسلم على النبي ثم تسلم على كل أمته فالأمة في الشرف والكرامة مثل نبيها (6) ﴿هو الذي أيدك بنصره﴾ [الأنفال: 62] ﴿وأيدهم بروح منه﴾ [المجادلة: 22]».
(ونقول): هذا الكلام كسائر كلماته لايخرج عن أن يكون زخرفة مجردة لا طائل تحتها؛ فالأمم من عهد آدم (عليه السلام) إلى اليوم فيها الصالح والطالح، كما نبهنا عليه مراراً عند تكريره لهذه المزخرفات، وقد أخبر النبي (صلّى الله عليه وآله) عن هذه الأمة بقوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذوالنعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لودخلوا جحر ضب لدخلتموه» وهذا يمنع أن تكون جميع أفرادها مقدسة، وأنها لم تكن متبعة سنن من كان قبلها، بل يدل على أن أكثر أفرادها ليس كذلك لتوجيه الخطاب إلى العموم، ولكن الله تعالى ميز هذه الأمة بمميزات اكراماً للنبي (صلّى الله عليه وآله)، فرفع عنها المسخ والخسف، وغير ذلك مما كان يجري في الأمم السالفة. وان فعلت ما يوجب ذلك من أفعال الأمم السابقة، وجعلها خير أمة أخرجت للناس بنبيها وشريعتها التي فاقت جميع الشرائع، وبأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كما في آخر الآية. وهو كالتعليل، فمن لم تكن صفته ذلك فهو خارج عن الآية. وأما أنها شريكة نبيها في كل ما كان له، وفي كل نعمة وفضل أنعم الله بها عليه، فالله تعالى أنعم على نبيه بالنبوة والعصمة، وبظهور المعجزات على يديه، وأنه على خلق عظيم، والتأييد بالوحي السماوي، وأن قوله وفعله وتقريره حجة وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأنه رحمة للعالمين إلى غير ذلك، فهل صارت الأمة شريكة نبيها في كل هذه الأمور؟ فكل واحد منها نبي وموسى جار الله نبي!؟ وكل منهم معصوم من الخطأ والذنب، وظهرت على يده المعجزات، وهوعلى خلق عظيم، مؤيد بالوحي السماوي وأفعاله وأقواله حجة، وهوأولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهورحمة للعالمين، وكثير من أفراد الأمة كان نقمة عليها بما أثار من الفتن والمفاسد والحروب، وفي الأمة ما لا يحصى من أهل الفساد والشقاوة والشر؛ إن لم يكن الأكثر كذلك: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ [يوسف: 103]. ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ [الأنعام: 37، الأعراف: 131، الأنفال: 34] ﴿وان تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ [الأنعام: 116]. ﴿وأكثرهم للحق كارهون﴾ [المؤمنون: 70] ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون﴾ [الفرقان: 44] ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ [يونس: 38] ﴿ولكن أكثرهم لا يشكرون﴾ [يونس: 60]. ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ [الأعراف: 17]. فهل هؤلاء شركاء للنبي في فضله وكماله وورثوه منه بعد مماته؟ فالله تعالى أنعم على نبيه بنعم، فشكرها وشملت جملة من تلك النعم أمته فشكرها أقلهم وكفرها أكثرهم فوعد الله من شكرها المزيد، وتوعد من كفرها بالعذاب الشديد بقوله: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم ان عذابي لشديد﴾ [إبراهيم: 7]. وكل نعم الله على العباد أو جلها قد شملت المؤمن والكافر والنبي وغيره كنعمة الايجاد التي هي أول النعم ونعمة العقل، والسمع، والبصر، وسائر الحواس، ونعمة الهواء، والماء، والشمس، والقمر، وانبات النبات، والحب، والشجر، والثمر، وتسخير الحيوانات، وتذليلها ﴿فمنها ركوبهم ومنها يأكلون﴾ [يس: 72] وتسخير البحر يأكلون منه لحماً طرياً ويستخرجون منه حلية يلبسونها، والتسيير في البر والبحر إلى غير ذلك مما ذكر في القرآن وما لم يذكر ﴿وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم: 34] فهل في ذلك دلالة على مساواة في فضل أومشاركة فيه!؟ وتذكرنا هذه المشاركة التي يزعم الرجل أن الأمة شاركت فيها نبيها بالمشاركة التي ذكرها الشاعر بقوله:
أليس الله يجمع أم عمرو
وإيانا فذاك بنا تداني
نعم وأرى الهلال كما تراه
ويعلوها النهار كما علاني
وما زعمه خطاباً للأمة في هذه الآيات التي استشهد بها هو في الحقيقة خطاب للنبي (صلّى الله عليه وآله) ولو سلم لا يفيد أن الامة شاركت النبي في فضله. والفتح القريب، في مجمع البيان: «هو فتح خيبر عن قتادة وأكثر المفسرين وقيل فتح مكة عن الجبائي» إذا فهو فتح النبي لا فتح المؤمنين الذي قال عنه إنه كان أوسع وأقوى من فتح النبي. ولكن من فتح من الأمة لاعزاز دين الله ونشر الإسلام كان له أجره، ومن فتح لتوسعة ملك وإمارة وغنائم فذلك ثوابه. من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى امرأة يتزوجها أومال يصيبه فهجرته إلى ما هاجر اليه.
والصلاة من الله الرحمة ومن غيره الدعاء، والسلام هوالتحية وكل ذلك يكون على الصالح والطالح، فكيف صار ذلك دالاً على أن الأمة مثل النبي في الشرف والكرامة على أن السلام في الصلاة قد خص بعباد الله الصالحين.
واستشهد في صحفة (د) لمشاركة الأمة لنبيها بآيتي ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾ [الحج: 75]. ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ [فاطر/ 32] قال: «والميراث تأخذه الأحياء بعد الأموات والكتاب محفوظ إلى الأبد فالأمة أحياء الى الأبد. واصطفى الأمة بنون العظمة بنفسه لنفسه. ولم يكل الاصطفاء إلى غيره. وسائر الأمم لم تكن مصطفاة فانحرفت عن كتابها، والأمة ببركة الاصطفاء لا تنحرف. وأضاف الاصطفاء إلى نون العظمة لقطع امكان الانحراف والضلال بالاغواء أو بغيره ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: 42] فلا يمكن الضلال في الأمة بنص آية (إن عبادي) ذكر الاصطفاء بعد قوله: ﴿إن الله بعباده لخبير بصير﴾ [فاطر: 31]، والاصطفاء بعد العلم بالأهلية لا زوال له». ونقول: (أولاً): إن ايراث الكتاب للذين اصطفاهم الله من عباده لا لجميع الأمة؛ لأن الاصطفاء هو الاختيار والانتقاء، ولو كان الايراث عاما لجميع الأمة؛ لما كان للاصطفاء معنى. (ثانياً): من في الآية للتبعيض، فهو نص في أن المصطفى بعض الأمة. (ثالثاً): الإضافة إلى نون العظمة كما وقع في القرآن الكريم بالنسبة إلى الاصطفاء وقع بالنسبة إلى الإهلاك وشبهه، فهو لا يدل على عظمة ما أضيف اليه، بل على عظمة الله خاصة. (رابعاً): آية ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ ينص على أن المراد البعض لا الكل، فهوعليه لا له فهل يقول انا الشيطان لا سلطان له على أحد من الأمة وأن الذين عصوا وضلوا إنما أغواهم وأضلهم الرحمن لا الشيطان. (خامساً): كون الكتاب محفوظاً إلى الأبد يدل على أن من اصطفاهم أحياء إلى الأبد، وهم من قال فيهم الرسول (صلى الله عليه وآله): «إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» لا جميع الأمة. (سادساً): الله تعالى لم يصطف الأمة كلها بنون العظمة، فدعوى ذلك كذب على الله. (سابعاً): إذا كان الله تعالى اصطفى الذين أورثهم الكتاب لنفسه بنفسه ولم يكل الاصطفاء إلى غيره، فلم قلتم ان اختيار الامام إلى الرعية لا إلى الله؟ وهل أحد أحق بايراث الكتاب من الامام وأحق بالاصطفاء منه؟ (ثامناً): إن كان سائر الأمم غير مصطفاة فلذلك انحرفت عن كتابها وهذه الأمة ببركة الاصطفاء لم تنحرف، فلماذا قال الرسول (صلّى الله عليه وآله): «لتتبعن سنن من كان قبلكم من الأمم» «الخ» في الحديث المتكرر ذكره. (تاسعاً): ان كانت إضافة العباد إلى نون العظمة لقطع إمكان الانحراف وكان الضلال في الأمة غير ممكن، فلماذا قال النبي صلى الله عليه وآله سلم: «ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة. فرقة ناجية والباقون في النار». (عاشراً): الاصطفاء بعد العلم بالأهلية لا زوال له؛ لكنه لبعض الأمة لا كلها، فبان أن فلسفات هذا الرجل الباردة الممقوتة لا تصدر من صغار الأطفال فضلاً عن رجل ينسب إلى علم.
استشهد أيضاً في صفحة (ض) لمشاركة الأمة لنبيها بآيات ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: 2]. ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ [الزمر: 53] ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك﴾ [هود: 112]. قال: «ومغفرة الذنب في النبي كانت بالفتح والنصر، ونحن نأمل أن الله يغفر كل ما تقدم وكل ما تأخر من ذنوب الأمة بفتوحاتها في سبيل الدين والتمدن والعلوم والمعارف. واستقامة الأمة مثل استقامة نبيها في اقامة الدين معصومة ثم ﴿ومن تاب معك﴾ يتناول كل الأمة إلى يوم القيامة حيث جعل المعية في مجرد التوبة».
وقال في صفحة (ظ): «كان النبي بلسان الشكر يقول: «شيبتني هود وأخواتها» ﴿عبس والنازعات والمرسلات﴾ يشير بذلك إشارة نبوية على أن الأمة ستستقيم استقامة النبي، وروح النبوة ستبقى فيها فكأن النبي حي بحياتها أشيب بشيابها».
(ونقول): النبي (صلّى الله عليه وآله) في اعتقادنا معصوم من الذنوب، فلا يحتاج إلى المغفرة؛ لذلك احتاج القائلون بعصمته إلى تأويل: (ليغفر لك الله) بوجوه من التأويل لأن ظاهر النقل إذا خالف الدليل القطعي وجب تأويله. ومما روي في تأويله. ان المراد ما تقدم من ذنبك وما تأخر عند أهل مكة. أما الأمة التي ليست أفرادها بمعصومة كلها فالذنب الواقع منها ذنب حقيقي محتاج إلى المغفرة، والله تعالى قد وعد التائب النادم المغفرة، فأين مشاركة الأمة للنبي في المغفرة!؟ وأمل الغفران للأمة ليس بفتوحاتها وحدها بل تأمل الغفران لكل مذنب تائب برحمة الله وعفوه، والفتوحات التي كانت لمعونة الظالمين على ظلمهم وتوسيع ملكهم سبيلها سبيل من كانت هجرته لامرأة يتزوجها أومال يصيبه ان لم توجب ذنبا لا توجب مغفرة. والنبي ومن تاب معه أمروا بالاستقامة، ونهوا عن الطغيان، فالنبي امتثل واستقام، وغيره منهم من امتثل واستقام فكان له فضله، ومنهم من لم يستقم وطغى، فإن عليه وزره ومجرد الأمر لا يدل على الامتثال، فالتفريع الذي ذكره فاسد سواء أكان من تاب معه يتناول كل الأمة. وقوله (صلّى الله عليه وآله): «شيبتني هود وأخواتها» يشير به إلى ما فيها من التهديد والوعيد للعاصين وما أصاب الأمم الماضين المذكورين فيه من الخسف والغرق والهلاك، فكان يخاف على أمته أن يصيبها مثله ويخاف على العاصين منهم ويعرض له الخوف من الله تعالى على قدر معرفته، يقول ذلك بلسان الخوف لا بلسان الشكر ولذلك شيبته وأما أنه يشير إلى أن الأمة ستستقيم «الخ» فمع عدم دلالة شيء من الألفاظ على ذلك يكذبه الوجدان فالأمة بأمرائها، وقد دبت فيها بعد الخلفاء الراشدين روح الفساد، ولم تبق فيها روح النبوة، ولا ريحها ومات النبي باماتتهم سنته وأحكامه، فلم يكن فيها شابا ولا أشيب وكأن صوفية الإسلام التي ينتحلها لنفسه كما جاء في بعض كلامه الآتي قادته إلى هذه التمحلات والتأويلات التي لا يدل عليها لفظ كما في أكثر تأويلاته.
واستشهد في صفحة (ظ) بآيات أخر لمشاركة الأمة لنبيها لا شاهد فيها منها: ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه﴾ [التحريم: 8] آمن الأمة كما آمن نبيه من كل خزي وسوء إلى يوم القيامة. ومنها: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم﴾ [النساء: 115] فمخالفة الأمة مثل مخالفة الرسول والوعيد في مخالفة الرسول على المشاقة وفي مخالفة الأمة على مجرد عدم الاتباع ومثل هذا البيان بلاغة معجزة ببيان رجحان كفة الأمة. ومنها ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ [الفتح: 29] عطف على المبتدأ فالذين معه رسل الله إلى الأمم، فكل فضيلة تستوجبها الرسالة تكون في الأمة. وهذا الوجه يؤيد قراءة أشداء رحماء بالنصب على الحالية. ومن هذا أخذ النبي (علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل) ويؤكده تأكيدا لا يذر ذرية ريبة قوله: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ [المجادلة: 21] لأن القسم لايكون إلاّ للمستقبل.
وقال في صفحة (غ) «قول الله في عيسى: (ان هو إلاّ عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني اسرائيل) [الزخرف: 29] إذا تلوناه بعد ﴿ولونشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون﴾ [الزخرف: 60] نفهم أن الآية عرضت للأمة المحمدية الرسالة إلى الأمم، فالأمة المحمدية خلف لنبيها في الرسالة إلى الأمم. ومنها: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [البقرة: 143] اشتراك الأمة مع نبيها في الشهادة على الأمم، فإن النبي مثل أعلى في أدب الحياة للأمة… ومن وظائف الأمة أن تكون في أدب الحياة مثلا أعلى لسائر الأمم. يقول الصادق: لا يجوز أن تستشهد الأمة يوم القيامة. أما أنا فأعتقد أن كلية الأمة أصدق من الصادق، وأعلم من كل الأئمة، يقول الصادق عن الأمة: ونحن شهداء الله على خلقه. ونحن الشهداء على الناس يوم القيامة، فمن صدقنا صدقناه يوم القيامة ومن كذبنا كذبناه يوم القيامة، أما نحن فنقول: إن شهادة القرآن تغنينا عن كل شهادة (صفحة كط). ﴿هوالذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾ [الفتح: 28] ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم﴾ [النور: 55] الآية. أضاف الدين إلى الأمة وقال دينهم الذي ارتضى لهم فدل على أن دين الأمة وسياسة الخلافة الراشدة هوالذي ارتضاه لهم» (ومنها) (صفحة ك ي): «﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: 128]. أشهر آية وأشرف آية خطاب لكل الناس في كل العصور ولا يمكن بقاؤه إلاّ إذا كانت الأمة خلفا للرسول». وقال في صفحة (ك ج): «قول النبي (يحمل هذا العلم من كل خلف عدولا) يدخل فيه القرآن الكريم لقوله: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم﴾ [البقرة /120]».
(ونقول): الذين آمنوا معه في آية ﴿يوم لا يخزي الله النبي﴾ [التحريم: 8] خاص بمن آمن به إيمان اخلاص، وكان معه. ولا يشمل من تأخر، وأي خزي على الأمة أعظم من أن يليها مثل يزيد بن ميسون ويزيد صاحب حبابة والوليد والحجاج وأضرابهم وهي ساكتة مطيعة. واتباع غير سبيل المؤمنين عبارة عن عدم الإيمان، وسبيل المؤمنين هوسبيل الرسول فوعيد متبع غير سبيل المؤمنين لأنه كفر بالله وخالف الرسول لا لأنه خالف الأمة، فمخالفة الأمة وموافقتها سيان إذا لم يكن فيه خلاف للرسول، فقوله مخالفة الأمة مثل مخالفة الرسول ساقط كفلسفته في بيان رجحان كفة الأمة على كفة الرسول. وما قيمة الأمة لولا الرسول. والعطف في آية محمد رسول الله على المبتدأ بعيد. ودعوى أن كل فرد من الأمة كذلك أبعد فإن في الأمة من لا يستحق ذلك ولا ما دونه وقراءة النصب لا تنافي الاستئناف فإن الخبر ما بعد أشداء رحماء. والاخبار بذلك ينافي العموم لمشاهدة كثير ممن ليس فيهم هذه الصفة. وعلماء أمتي مخصوص بالعلماء العاملين لا يشمل جميع الأمة ولا علماء السوء. وكونه أخذ ذلك من الآية افتراء عليه وهو فرع كونها على العطف و﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ [المجادلة: 21] حكاية عن الماضي فلا ينافي القسم. ورسله أنبياؤه لا أفراد الأمة. وآية ﴿لونشاء لجعلنا منكم ملائكة﴾ [الزخرف: 60] مفادها – والله أعلم – لونشاء لأهلكناكم يا بني آدم وجعلنا بدلكم ملائكة يكونون خلفا لكم وعوضا عنكم في الأرض. والآية الأولى نفي لربوبية عيسى (عليه السلام) ليس إلا، سواء أتلوناها بعد الآية الثانية أم قبلها، وما فهمه منهما لا تساعد عليه دلالة، ونرى الله تعالى يخاطب الأمة المحمدية فيقول: ﴿وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أوقتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾ [آل عمران: 144] فجعلها منقلباً على عقبيه وشاكراً، ولم يجعلها جميعها مقدسة معصومة مشاركة لنبيها في الرسالة. ويقول: ﴿فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد: 22] وإذا كان من وظائف الأمة – التي يتغنى بذكرها ويدعي مشاركتها لنبيها في كل ما كان له – أن تكون في أدب الحياة مثلا أعلى لسائر الأمم، هل قامت كلها بهذه الوظيفة بعد نبيها أواشتغلت بالفتن والحروب بينها ولما يمض على وفاة نبيها زمن طويل؟ وهل كانت الحروب بينها لأجل القيام بهذه الوظيفة ولتكون مثلاً أعلى لسائر الأمم؟! كل ذلك يدلنا على أن المقصود بهذه الآية وأمثالها طائفة مخصوصة من الأمة لا جميعها، وأن جميعها بعيد عن العدالة فضلاً عن العصمة. وأنها كسائر الأمم فيها الصالح والطالح، وأن الصالح أقل من الطالح والوجدان على ذلك، وحديث لتتبعن سنن من كان قبلكم المتكرر الإشارة إليه نص في ذلك. وكلية الأمة التي يقول عنها أنها أصدق من الصادق، وأعلم من كل الأئمة لا فضل لها إلاّ بوجود أهل البيت النبوي (عليهم السلام) ومنهم الصادق فيها واتباعهم لهم لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق». مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني اسرائيل من دخله كان آمنا» سواء في ذلك كلية الأمة وجزئيتها. والأمة فيها الصادق والكاذب حتى في حياة النبي (صلّى الله عليه وآله) فقد قام في الناس خطيبا وقال ما معناه: «كثرت على الكذابة أوالقالة فمن كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» وفيها العالم والجاهل، فيكف تكون كليتها أصدق من الصادق، وأعلم من كل الأئمة أحد الثقلين وعترة النبي (صلّى الله عليه وآله) التي أمرنا الرسول بالتمسك بها وجعلها شريكة القرآن لا يضل المتمسك بهما، ولا تفارقه إلى ورود الحوض، وأمر بالتعلم منها ونهى عن تعليمها لأنها أعلم ممن يريد تعليمها. والامام الصادق ما سمي بذلك إلاّ لصدق حديثه وهوالذي نشر العلم وأخذ عنه الناس وتخرج على يده من العلماء ما لا يحصى، وروى عنه من الرواة عدد لا يستقصى، وهوامام العترة في عصره. فاعتقاد صاحب الوشيعة أن كلية الأمة أصدق من الصادق، وأعلم من كل الأئمة ما هوإلاّ جهل وعناد خالف فيه قول النبي (صلّى الله عليه وآله). وإذا كان الأمر كما ذكر، فحق للصادق أن يقول: نحن الأمة، ونحن شهداء الله على خلقه، ونحن الشهداء على الناس يوم القيامة «الخ» بعدما بان أن لفظ الأمة الوارد في القرآن لا يمكن أن يراد به جميع أفرادها، فلا بد أن يكون المراد به جماعة مخصوصة، وأولى أن تكون هذه الجماعة أئمة العترة فالقرآن شاهدٌ لنا لا لكَ وتغنينا شهادته عن كل شهادة سواها. والتقييد في آية ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات﴾ ينافي العموم لجميع أفراد الأمة، وعلى فرض اضافة الدين إلى الأمة؛ فأي فضل لمن لم يقم بواجبات الدين من الأمة، وتلبس بالمعاصي، والله تعالى لا شك بأنه مكنّ للمسلمين دين الإسلام، وأظهره على الدين كله، ونشره في أقطار الأرض، وارتضاه للمسلمين، واستخلفهم في الأرض، فملكهم اياها كما استخلف الذين من قبلهم من أمم الأنبياء الذين آمنوا بعيسى وموسى وغيرهما، ولكن هذا لا يجعل جميع المسلمين رسلا وأنبياء وصلحاء متمسكين بجميع واجبات الإسلام كما لم يجعل الذين من قبلهم كذلك ولا ربط له بذلك، ولا بسياسة الخلافة الراشدة لا سلبا ولا ايجابا. واستدلاله بآية ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ على أن الأمة خلف للرسول في رسالته من الأعاجيب ولا عجب فأغلب استدلالاته من هذا القبيل. فكونه خطاباً لكل الناس في كل العصور إن سلم بناء على شمول خطاب المشافهة للغائبين على قول بعض الأصوليين لا يدل على أن كلاً منهم رسول إذ معنى من أنفسهم أي من بني آدم لا من الملائكة فلا يدل على أن منكم في كل عصر رسولا. إذا فبقاء هذا الخطاب لا يستلزم أن تكون الأمة خلفا للرسول في الرسالة ولا ربط بذلك سواء أكانت أشهر آية، وأشرف آية أم لم تكن. ولا ندري وجه كونها أشهر وأشرف والقرآن الكريم ليس فيه مشهور وأشهر، ومشروف وأشرف. ولفظ عدوله في قوله (صلّى الله عليه وآله) يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفي ما يدعيه من العموم في الأمة في جميع ما سبق سواء أدخل في العلم القرآن الكريم أم لم يدخل فهوعليه لا له. ومما ذكرناه في ما مر عليك يظهر الجواب عن كل ما استشهد به وأطال فيه من الآيات مما لم ننقله روما للاختصار.
قلب محمد وقلوب أصحابه
قال في صفحة (ك ج): «أصدق قول قاله قائل قول من يقول أن الله نظر في قلوب العباد فوجد خيرها قلب محمد فاصطفاه لنفسه، ثم وجد قلوب أصحابه خير القلوب بعد قلب محمد فجعلهم وزراءه». وقال في صفحة (ك د) ما حاصله: «فان لم يكن هذا في الواقع كذلك بل كان الواقع ما تزعمه الشيعة فالله هوالجاهل حيث يقول: ﴿إن الله بعباده لخبير بصير﴾ [فاطر: 32]. ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾. إذ لن يكون خبيراً بصيراً بعباده من قد أخطأ خطأ كبيراً في اصطفائه فاصطفى نبيه ووزراء وصحابة ليسوا بأهل».
(ونقول): محمد (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه لا يحتاجون في بيان فضلهم إلى قول مجهول القائل، وقد بان باستدلاله هذا أنه هوالجاهل؛ حيث ضم قول هذا القائل الذي لم يبينه ولم يبرهن على صحته إلى قول الله تعالى، وجعل منهما دليلاً، والذي اصطفاه الله وزيراً لنبيه هو الذي قال فيه النبي (صلّى الله عليه وآله): «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» وقال الله تعالى حكاية عن موسى ﴿واجعل لي وزيرا من أهلي* هارون أخي﴾ [طه:29-30] وقال له الله تعالى: ﴿قد أوتيت سؤلك يا موسى﴾ [طه: 36] وهوالذي نصره ووازره وحامى عنه وجاهد بين يديه في كل حرب وكشف عنه كل كرب، وصبر معه في كل شدة، ولم يفر في حرب قط. فإن كان الواقع ما تزعمه الشيعة – وهوالواقع – فقد أجرى الله تعالى الأمر على الحكمة والصواب، ويكون الجاهل من يتوهم أن ذلك يستلزم نسبة الجهل إليه تعالى.
الأمة أو الأئمة
قال في صفحة (ث) تحت هذا العنوان: «اني لا أنكر إلاّ مسائل فيها ضرر للإسلام وللشيعة وللأمة في قوتها ووحدتها وائتلاف قلوبها. لا أبحث عن ضلال المسائل وصوابها وإنما أقوم عليها قيام من ينكرها لضررها». وقال في صفحة (ث) أيضا: «الولاية والامامة كتب الشيعة تعدها من أصول الدين، وأهم أركان الإيمان، وهي عندنا – أهل السنة والجماعة – من أمهات المسائل، وان كنا لا نجعلها من أركان الإيمان».
(ونقول): زعمه أنه لا ينكر إلاّ مسائل فيها ضرر ولا يبحث عن ضلالها وصوابها وابرازه نفسه بمنزلة الناصح المشفق، ودعواه هذه الطويلة العريضة بهذه العبارات المنمقة المزخرفة التي اعتادها مثل فيها ضررا للإسلام وللشيعة وللأمة في قوتها ووحدتها وائتلاف قلوبها، وأمثال ذلك لا يساعده على ما يأتي منه، من الاقتصار على مجرد التهجين والانكار، ونفث السموم بغير دليل ولا برهان. مع أن الواجب في كل مسألة البحث عن ضلالها وصوابها، فإن كانت صوابا لم يعقل أن يكون فيها ضرر لأحد ولا للأمة في قوتها ووحدتها وائتلاف قلوبها، ولم يسغ لأحد انكارها، وان كانت ضلالا لم يعقل أن يكون فيها نفع للأمة ووجب انكارها، ولكن ذلك إنما يكون بالدليل والبرهان لا بالدعاوى المجردة.
أما الإمامة فهي عندنا وعندكم من أصول الدين؛ لأنها راجعة إلى العقيدة لا إلى العمل كما هو الشأن في فروع الدين. وإذا كنتم لا تجعلونها من أركان الإيمان، فلماذا تعادون من يخالفكم فيها هذا العداء العظيم وتنسبونه إلى العظائم؟
وقال في صفحة (62): «والأمة أسبق أخذا بكل ما ثبت عن امام الأئمة علي أميرالمؤمنين ليس من دأب الأمة أن تضع على لسان أحد من الأئمة شيئا بهوى، وإنما دأبها أن تأخذ ما ثبت بسند».
(ونقول): زعمه أنها أسبق أخذا بكل ما ثبت عن امام الأئمة يكذبه رفضها قوله في العول والتعصيب وغيرهما مما مر إلى قول غيره ومبالغته هو في ذلك وتشدده والتماسه التأويلات الفاسدة والوجوه المتمحلة، كما يعلم مما مر، والأمة باعراضها عن أئمة أهل البيت وعن مذاهبهم وأقوالهم لا يخشى منها أن تضع على أحد منهم شيئا لا بهوى ولا بغير هوى وذلك يكذب أنها تأخذ ما ثبت عنهم بسند فلم ترها أخذت عنهم شيئا، ولا عملت بفتوى أحد منهم، ولا جعلتهم كمحمد بن الحسن الشيباني وأبييوسف على الأقل.
زعمه عصمة الأمة
قال في صفحة (ث): «اني أعتقد في الأمة عقيدة الشيعة في الأئمة. الأمة في عقيدتي معصومة بعصمة نبيها والأصل في عقيدتنا أن الإمام كبير الأمة وممثل كلية الأمة فإن لم تكن الأمة، معصومة فلا عصمة للامام. والأصل في الشرف والعصمة هي الأمة واليه يرشد ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ [النحل: 120] أنا لا أنكر عصمة الأئمة، فاني في عصمة أئمتنا فرح أكثر من فرح الشيعة، إذا سار غيري في التشيع برجليه اللتين لا يغسلهما فاني أطير بأجنحتي التي أمسح بها، وإذا مت سواي في ولاء أهل البيت بلمحة تقية، فاني أتوسل بغيرة لائحة نقية وللآخرة ولائي لا للحضارة، إلاّ أن عصمة الأئمة لا تغني الأمة في شيء ولا تغنيها عن شيء. وعقيدة انحصار الأئمة في عدد محدود قد اضطرت الشيعة الاثني عشرية إلى أن تقول أقوالا كلها مستحيلة، وعقيدة عصمة الأئمة قد بناها الشيعة على حرمان كل الأمة من عقل عاصم،ومن إيمان هادئ هاد؛ فإن الأمة ان كان لها عقل يعصمها، وإيمان يهديها، فهي بالغة رشيدة خرجت عن الوضيعة وكبرت عن طوق الشيعة، فلذلك عرضت للشيعة هذا السؤال: الأمة أو الأئمة، فإن قالت الشيعة بعصمة الأئمة؟ فأنا أقول بعصمة الأمة؛ إذ لا حكمة للدين، ولا مصلحة للأمة في مجرد عصمة الأئمة؛ فإن الأمة ان لم يكن لها عقل يعصمها، وإيمان يهديها، وقوة تحميها، فلا وجود للأمة».
وقال في صفحة (ل ز): «والأمة معصومة عصمة نبيها في تحملها وحفظها وتبليغها وأدائها حفظت كل ما بلغه النبي، مثل حفظ النبي، وبلغت كل ما بلغه النبي، مثل تبليغ النبي. حفظت كليات الدين وجزئياته أصلاً وفرعاً، وبلغتها، لم يضع من أصول الدين وفروع الدين شيء، حفظته الأمة كافة عن كافة عصرا بعد عصر، ولا يمكن أن يوجد شيء من الدين غفل عنه، أونسيه (كذا) الأمة، فالأمة بالقرآن والسنة أعلم من جميع الأئمة، واهتداء الأمة أقرب من اهتداء الأئمة، وعلم الأمة بالقرآن وسنن النبي اليوم أكثر وأكمل من علم علي، ومن علوم كل أولاد علي. ومن عظيم فضل الله على نبيه وعلى الأمة أن جعل في الأمة من أبنائها كثيرا هم أعلم من الأئمة ومن الصحابة، وهذا معلوم بالضرورة، فإن كل لاحق يرث كل ما كان للسابق، ثم يكسب ويوفر، والأمة ما قصرت بل ورثت ثم وفرت ودونت، والقرآن وعلومه والسنة وعلومها واجتهاد الأئمة وكل ثمراته تناله اليوم أيدينا بسهولة من كثب، فابن الأمة اليوم في علومه هوالأمة في علومها كلها وخلافه كسل دائب واستصعابه وهم رائب كان صعبا عسيرا أومعتذرا من قبل، أما اليوم فهمّة الأمة وجهودها العظيمة في عصور متوالية قد يسرته للذكر تيسيرا فهل من مدكر وكل ما تدعيه (كذا) الشيعة وجوده في الأئمة موجود بتمامه قطعا في الأمة وابن الأمة أحفظ وأعلم وأفقه». وقال في صفحة (ل ح): «والأمة التي ورثت نبيها وصارت رشيدة ببركة الرسالة، وختمها أرشد إلى الهداية وإلى الحق من كل امام، والأمة مثل نبيها معصومة ببركة الرسالة، وكتابها وعقلها العاصم، الأمة بلغت وصارت رشيدة لا تحتاج إلى الامام. رشدها وعقلها يغنيها عن كل امام». وقال في صفحة (ل ط): «أنا لا أنكر على الشيعة عقيدتها أن الأئمة معصومة، وإنما أنكر عليها عقيدتها أن أمة محمد لم تزل قاصرة ولن تزال قاصرة تحتاج إلى وصاية امام معصوم إلى يوم القيامة. والأمة أقرب إلى العصمة والاهتداء، وأهدى إلى الصواب والحق من كل امام معصوم؛ لأن عصمة الامام دعوى، أما عصمة الأمة فبداهة وضرورة بشهادة القرآن. وعقلنا لايتصور احتياج الأمة إلى امام معصوم، وقد بلغت رشدها ولها عقلها العاصم، وعندها كتابها المعصوم وقد جازت بالعصوبة كل مواريث نبيها وفازت بكل ما كان للنبي بالنبوة». وقال في صفحة (م) التي هي ص (40): «والعقل نور الهي يهدي الله لنوره من يشاء. ومن يؤمن بالله يهد قلبه فإن الإيمان يهدي القلب إلى العلم ﴿ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ [يونس: 9]. فالعقل العاصم والإيمان بالله وكتاب الله الذي نزل تبيانا لكل شيء يغني الأمة عن كل امام معصوم. ولو احتاجت الأمة إلى الامام المعصوم ذرة احتياج لما ختم النبوة برسالة محمد، ولم يكن محمد خاتم النبيين إلاّ لزوال الاحتياج ببركة القرآن الكريم، فدعوى الاحتياج إلى الامام المعصوم تنافي حكمة الله في ختم النبوة، فإن الاحتياج اما لقصور في بيان الكتاب أوفي روح النبوة أوفي التبليغ فدعوى عصمة الامام طعن في أصل الدين». وقال في صفحة (م ا): «والأمة بعقلها وكمالها ورشدها بعد ختم النبوة أكرم وأعز وأرفع من أن تكون تحت وصاية وصي تبقى قاصرة إلى الأبد». وقال في صفحة (ب س): «والأمة رشيدة راشدة أرشد من كل من ادعى الوصاية». وقال في صفحة (ح م): «ان العصمة في الأمة مطلوبة معقولة ممكنة أما عصمة الأئمة فلا حاجة لنا إليها ولا امكان لوقوعها». قال في صفحة( 62): «أما أنا فأرى جميع المذاهب محترمة، وأوافق شيخ شريعة الشيعة في قوله، ونحن فوق المذاهب – أصل الشيعة 134 ثم أزيد، والقرن الأول سلفنا وفي الدين فوقنا والأمة والقرن الأول امامها معصومة – أولئك هم خير البرية». وقال في صفحه (ك ج): «العصر الأول أفضل الأمة والأمة معصومة».
(ونقول): كرر في كلامه دعوى عصمة الأمة ورشدها، وما إلى ذلك على عادته الممقوتة في التكرير والتطويل بلا طائل؛ ظاناً أنه قد فتح فتحا جديداً، وأهتدى إلى كنز ثمين، ودعاويه هذه كلها كرقم فوق ماء.
أما دعواه أن الأمة معصومة مثل نبيها فأولى بأن تلحق بالهذر والهذيان من أن تدرج في كتاب يطبع وينشر على الملأ. فالنبي (صلّى الله عليه وآله) معصوم من الذنوب، ومن الخطأ والنسيان في الأحكام الشرعيه، فهل صار كل فرد من هذه الأمة كذلك ببركة موسى تركستان الذي ظهر في هذا الزمان، وهل صار كل واحد منها نبيا، وبعص أهل نحلته أنكر عصمة الأنبياء!؟ والأمة التي يعتقد بعصمتها، وخلقت لها مخيلته العصمة، جل أفرادها غير معصوم اتفاقا، وكل واحد منها غير معصوم عند أهل نحلته، فكيف يكون معصوما من جل أفراده، أوكلها غير معصوم؟ بل جل أفرادها بعيد عن العدالة فضلا عن العصمة!؟ فأي هذر وسخافة أزيد من هذا الذي لم يسبقه إليه أحد، وخالف به الضرورة والبداهة، هذا ان أراد بالأمة كل فرد من أفرادها، وان أراد مجموع الأمة بحيث يكون اجماعاً فهو حجة لما بين في الأصول، لكن لا لأن الأمة معصومة وهولا ينفع فما اختلفت فيه الأمة وهوكثير فلا بد من الرجوع إلى إمام معصوم، والرسالة والكتاب والعقل والإيمان لا تجعل أحداً معصوماً، ولا تغني عن الامام المعصوم وإلاّ لما وقع الاختلاف بين الأمة ولا ضل أحد من الأمة وها قد اختلفت الأمة في أمور لا تحصى، بل اختلفت في كل شيء من أصول الدين وفروعه وعقولها معها وإيمانها ثابت، والكتاب الذي نزل تبيانا كل شيء بين أيديها، فلم يكن ذلك مزيلا لاختلافها الموحب لخطأ بعضها فاختلفت في مسائل الغسل والمسح في الوضوء، وهوفي كتاب ربها، وكل يدعي أن الكتاب معه، ولا يزال الخلاف قائما بينها من الصدر الأول إلى اليوم وبعد اليوم، ولم يغنها ما ذكره في رفع خلافها شيئاً، وقد اختلفنا نحن وأنت، فلم تكن هذه مزيلة لاختلافنا، وكتاب الله فيه تبيان كل شيء من أصول الأحكام، أما تفاصيلها فتؤخذ من السنة التي لا يؤتمن عليها غير المعصوم كما يأتي. ثم إذا كانت الأمة معصومة فلا تحتاج إلى إمام معصوم، فبالأحرى أن لا تحتاج إلى إمام أصلا لا معصوم ولا غير معصوم، وهذا مخالف لاجماع المسلمين فقد أجمعوا على أنه لابد من امام، وإنما اختلفوا في وجوب عصمته وعدمها. ومخالف لقوله (صلّى الله عليه وآله): «من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية». ولوكان العقل وحده عاصما كافيا والإيمان بمجرده هاديا؛ لما احتاج إلى امام أصلا لا معصوم ولا غير معصوم كما مر ولا إلى ارسال الأنبياء في كل فترة بل كانت تكفينا نبوة أبينا آدم (عليه السلام). وأما تعليله ذلك بأن الأمة معصومة بعصمة نبيها، وأن الامام كبير الأمة، وممثل كليتها فإن لم تكن معصومة فلا عصمة له، فهو طريف جداً إذ أي ملازمة بين عصمة النبي وعصمة أمته، والوجدان على خلافه. وإذا كان الامام كبير الأمة، وممثل كليتها فأي ملازمة بين عدم عصمتها وعدم عصمته، بل الملازمة بالعكس فانها إذا كانت غير معصومة؛ لزم كونه معصوماً ليردها عن خطئها. ثم ان الإمام عندك غير معصوم فما الذي أوجب عصمة الأمة وهي لا تختلف عنه، بل إذا كان كبيرها فهي دونه. وكون الأصل في الشرف والعصمة هي الأمة وشرف الامام وعصمته تابعان لها: الأمة فيها الأصل والامام الفرع لا يفهم له معنى، ولا يدل عليه دليل والأمة لا عصمة لها والإمام عنده لا عصمة له. وآية ﴿ان إبراهيم كان أمة﴾ [النحل: 120] لا ترتبط بشيء من ذلك، ففي مجمع البيان: «اختلف في معناه فقيل قدوة ومعلما للخير. قال ابن الأعرابي: يقال للرجل العالم أمة، وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: إمام هدى عن قتادة. وقيل: سماه أمة لأن قوام الأمة كان به، وقيل: لأنه قام بعمل أمته. وقيل: لأنه انفرد في دهره بالتوحيد عن مجاهد». فأي ربط لهذه الأقوال بكون الأصل في الشرف والعصمة هي الأمة. وأما تعليله ذلك، أيضا، بأن الأمة معصومة عصمة نبيها في تحملها وحفظها وتبليغها، وأنها حفظت كل ما بلغه النبي من كليات الدين وجزئياته، وأصوله وفروعه، لم يضع منها شيء، ولم تنس شيئا، فهو كسابقه في غاية السخافة؛ فإذا كان النبي معصوما في تحمله وحفظه وتبليغه فما الذي أوجب أن تكون الأمة كذلك، وكل فرد منها ليس بنبي حتى تكون له صفة النبي، وإذا كانت الأمة قد حفظت كليات الدين وجزئياته، فلماذا اختلفت في صفات الباري تعالى وامكان رؤيته؟ وفي وجوب عصمة الأنبياء قبل البعثة وبعدها؟ وفي خلق الأفعال والحسن والقبح العقليين؟ وفي الامامة وغير ذلك؟ وفي مسائل من فروع الدين من الطهارة إلى الديات؟ ولماذا اختلف عمر وابن عباس في العول والمتعة؟ واختلف في العول والتعصيب أئمة أهل البيت مع غيرهم؟ ولماذا اختلفت أمالمؤمنين وابن عمر في حديث أن الميت يعذب ببكاء أهله؟ ولماذا اختلفت الزهراء والخليفة في ارث النبي (صلّى الله عليه وآله) وماتت وهي واجدة عليه؟ ولماذا اختلف أبوذر وعثمان وكعب الأحبار في أن بعض الآيات عام لنا ولغيرنا أوخاص بغيرنا؟ ولماذا اختلف سعد وغيره في الامامة والامارة؟ ولماذا اختلف علي وأصحاب الجمل وعلي وحزبه ومعاوية وحزبه في أمر الخلافة والامارة؟ فهل كان هؤلاء كلهم من غير الأمة؟ أوكان أمر الخلافة ليس من كليات الدين ولا من جزئياته؟ ولماذا اختلف من تسموا بأهل السنة والمعتزلة والامامية في جملة من مسائل الأصول والفروع؟ ولماذا اختلف أئمة المذاهب الأربعة في مسائل الفروع ووقع الخلاف من غيرهم من الفقهاء كمحمد بن الحسن الشيباني والقاضي أبي يوسف وداود الظاهري وغيرهم؟ ولماذا اختلف الحنابلة وغيرهم في المسائل المعروفة في العقائد؟ ولماذا اختلف الخوارج وغيرهم؟ ولماذا افترقت الأمة ثلاثا وسبعين فرقة؟ أكل هؤلاء لم يكونوا من الأمة؟ أم ما جرى بينهم ليس خلافا في كليات الدين ولا في جزئياته ولا في أصوله ولا في فروعه؟ بل هوخلاف في مسائل الحساب والهندسة والطب؛ وان أراد أن الحق في ذلك لا يخرج عن الأمة فهذا لا ينفع في ما اختلفت فيه الأمة، ولا يرشد المخطىء إلى الصواب ولا يقال فيه أن الأمة حفظت كليات الدين وجزئياته، أصوله وفروعه، ولم يضع منها شيء، ولا يمكن أن ينسى أويغفل منه عن شيء، فالمخطىء من الأمة لم يحفظ ذلك وقد نسي وغفل عما هوالصواب. وأما تعليله ذلك بأن الأمة إذا لم يكن لها عقل يعصمها، وإيمان يهديها، وقوة تحميها فلا وجود للأمة، واستشهاده بآية ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾ [النور: 35] وأن العقل نور الهي، وبآية ﴿ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ [يونس: 9]، فهو في السخافة كما سبقه، فإن العقل بمجرده لا يكون عاصماً كما عرفت، وكونه نوراً إلهياً لا يمنع أن تغطي عليه ظلمات الشهوات ممن لم يهدهم الله لنوره، فإن هذا النور الالهي لم يخلقه الله تعالى قادراً على ادراك كل شيء. والإيمان وحده لا يكون هادياً سواء أكان هادئاً أم متحركاً. والذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم، والذين عملوا السيئات لا تشملهم هذه الهداية. والقوة التي تحمي الأمة يجب أن تكون في يد إمام معصوم؛ لئلا يستعملها من هي في يده في هدم كيان الأمة، وفيما يضرها ويصرفها حسب شهوات نفسه لاحسب مصلحة الأمة كما وقع ذلك في دولة الإسلام كثيراً، وكفلت بحفظه التواريخ وهو أظهر من أن يحتاج إلى بيان، مع أن الامامة لا يمكن أن تزيد عن النبوة، فالأنبياء الذين كذبوا وقتلوا وطردوا، ولم تكن لهم قوة تحميهم، ولا تحمي أممهم، هل كان ذلك قادحا في نبوتهم وموجبا لأن نقول: إن أممهم حيث انه ليس لها قوة تحميها لا وجود لها؟ ولوط (عليه السلام) يقول: ﴿لوأن لي بكم قوة﴾ [هود: 80] فكون الأمة التي ليست كذلك لا وجود لها مجرد تزويق وتنميق لايرجع إلى محصل.
وأما زعمه أن الأمة أقرب إلى العصمة والاهتداء من كل امام معصوم، وتعليله ذلك بأن عصمة الامام دعوى، وعصمة الأمة بداهة وضرورة بشهادة القرآن. فيكذبه أن عصمة الامام ليست بدعوى، بل هي الثابتة بالبداهة والضرورة وشهادة القرآن. وذلك لما أشرنا إليه غير مرة أن الدليل الدال على عصمة النبي هو بعينه دال على عصمة الامام، فالنبي مبلغ للشريعة، والامام حافظ لها بعد النبي من الزيادة والنقصان، وأمين عليها ومرجع للأمة في أمورها الدينية والسياسية؛ للاتفاق على أن الامامة رياسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبي، فكما يجب أن يكون النبي معصوما من الذنوب؛ لأن صدور الذنب منه يوجب سقوط محله من القلوب، وعدم الوثوق بأقواله وأفعاله، وذلك ينافي الغرض المقصود من ارساله، كذلك يجب أن يكون الامام معصوما لهذه العلة بعينها؛ فإنه ان لم يكن معصوما لم يكن مأمونا على الشريعة، وعلى أمور الأمة الدينية والدنيوية، ولكان وقوع المعصية منه موجبا لسقوط محله من القلوب، وعدم الوثوق بأقواله وأفعاله وهو ينافي الغرض المقصود من إمامته. وأما شهادة القرآن بعصمة الامام فهي قوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [بقره: 124] والخلافة والامامة عهد من الله تعالى اتفاقاً ولو كانت باختيار الأمة لأن من اختارته الأمة يصير خليفة واجب الإطاعة بأمر الله تعالى عند القائلين بأنها باختبار الأمة لقوله تعالى ﴿وأولى الأمر منكم﴾ [النساء: 59] وغير المعصوم ظالم لنفسه فلا يناله هذا العهد إلى غير ذلك من الأدلة المذكورة في كتب الكلام، فكان عليه أن يبطلها بالدليل والبرهان لا بمجرد دعوى أنها دعوى. ودعواه عصمة الأمة بالبداهة والضرورة، بشهادة القرآن باطلة بالبداهة والضرورة وبشهادة القرآن. أما بطلانها بالبداهة والضرورة فيعلم مما مر. وأما بطلانها بشهادة القرآن، فبقوله تعالى: ﴿وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أوقتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾ [آل عمران: 144]. فهذا نص في أن الأمة بعد نبيها منها من ينقلب على عقبيه، ومنها من يكون شاكرا، فأين العصمة؟!
والآيات التي ذكرها لا ترتبط بما يحاوله من اثبات عصمة الأمة واستغنائها عن امام معصوم، فإن الهداية هي اراءة الطريق، وقد تفضل الله بها على عباده بما وهب لهم من العقول، وأرسل اليهم من الرسل، ولكن ذلك لا يكفي عن وجود إمام له رياسة عامة في أمور الدين والدنيا يكون حافظاً للشرع من الزيادة والنقصان، ومنصفا للمظلوم من الظالم.
وأما زعمه أن الأمة بلغت رشدها، وأنها أرشد من كل امام يدعي له الوصاية عليها ببركة الرسالة وختمها، وأنها أكرم وأعز وأرفع من ذلك، فلا تحتاج إلى امام؛ لأن الوصاية تكون على القاصر لا على البالغ الراشد، فهو كما سبقه في السخافة، فإن المسألة ليست مسألة بلوغ سن وحصول رشد، بل مسألة احتياج الأمة إلى امام يكون بالصفات الآنفة الذكر، وهذا قد اتفق عليه المسلمون فأجمعوا على وجوب نصب الامام قبل أن يخلق الله صاحب الوشيعة، وبعدما خلقه، وإنما اختلفوا في أن الامام هل يجب أن يكون معصوما أولا، وفي أن نصبه من الله تعالى أوباختيار الرعية، وعلى مقتضى كلامه لا حاجة إلى امام لا منصوب من الله ولا من الرعية، لا معصوم ولا غير معصوم، هذا علم موسى جار الله وهذه أدلته وهذه أنظاره التي خالف بها اجماع المسلمين، ولم يأت بدليل سوى تكرير عبارات، وتسجيع ألفاظ وتجنيسها لا طائل تحتها، بل هي كرحى تطحن قرونا تسمع جعجعة ولا ترى طحنا. والأمة قد اتفقت على أنه لا بد لها من امام معصوم أوغير معصوم تكون تحت وصايته إلى الأبد، وبيَّنَ لها صاحب ختم النبوة ذلك بقوله: «من مات ولم يعرف إمام زمانه» الخ. والأمة لم يمنعها عقلها وكمالها ورشدها – الذي يدعيه لها – بعد ختم النبوة من الاختلاف في مسائل الدين، والامرة من الحروب والفتن، وضلال جمع منها عن طريق الحق ولا ينافي ذلك وقوع هذا مع وجود الامام؛ لأنهم إذا لم يتبعوه ولم يطيعوا قوله كان الذنب عليهم. والأنبياء أعلى درجة من الامام، وقد وقع هذا مع وجودهم وتطاول الأيد لا يزيد الأمة في العقل، والرشد، والكرامة، والعز، والرفعة، كما نراه بالعيان. بل نرى أنها كلما كبرت سنها، فقدت رشدها وخرفت وشاخت، وولي عليها أمثال يزيد والحجاج، وشرب خلفاؤها الخمور، وارتكبوا الفجور، فاتصفت بالوضيعة، ولم تكبر عن طوق الشيعة، وسواء أكانت الأمة قد بلغت رشدها أم كبرت وشاخت، وأضاعت رشدها فنحن قد رضينا من هذه الأمة أهل بيت نبينا فاتبعنا طريقتهم، واهتدينا بهداهم، واستننا بسنتهم كما أوصانا رسولنا (صلّى الله عليه وآله) بقوله: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي، وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض» وأنت ترى نفسك في غنى عنهم، وتتمسك من الأمة بسواهم، فلك ما تمسكت به، ولنا ما تمسكنا بهم.
نحن بما عندنا وأنت بما عنـ
ـدك راض والرأي مختلف
فظهر أن قوله بعصمة الأمة سخف عار عن التحصيل لم يسبقه إليه عاقل ولا جاهل، وأنها غير ممكنة ولا معقولة، وأن المصلحة في عصمة الامام والضرورة والحاجة إليها ظاهرة بينة، وأنها ممكنة وواقعة، وأنها تغني الأمة في كل شيء، ولا يغني عنها شيء. وأئمته عنده غير معصومة، فليفرح بعدم عصمتهم، وأئمة أهل البيت ليسوا بأئمته، وهو ينكر عصمتهم، وهوبهذا الانكار فرح أكثر من فرح الشيعة، ومن القول بعصمتهم متغيظ. وإذا كان الدليل قادنا إلى اعتقاد عصمتهم فلا نبالي بفرحه ولا بحزنه، فليطر بجناحيه إلى مخالفتهم، ومنابذة أوليائهم ومحبيهم الذين يمسحون بأرجلهم كما أمر بذلك كتاب ربهم ولا يغسلونها. وإذا مت غيرة في ولاء أهل البيت بلمحة تقية خوفاً من أعدائهم، فانهم يرجون بذلك أجرا عند ربهم وعده الصابرين، أما هوفبعيد بقوله هذا عن ولائهم، وليس له فيه غرر ولا حجول ولا يريده لا للحاضرة ولا للآخرة. وحديث القرون الثلاثة قد مر أنه من الموضوعات، وخير البرية لا يعم جميع أفراد الأمة ولا أكثرهم، وأظهر من دخل في عمومه محمد وأهل بيته عليه و(عليهم السلام)، وعلى ذكر عصمة الأمة التي يدعيها نذكر أبياتا لنا من قصيدة:
أمة تلعن الوصي ترى ذ
لك ديناً نأت عن التسديد
أمة يغتدي خليفتها مثـ
ـل يزيد ما حظها بسعيد
أمة تقتل ابن بنت رسول اللـ
ـه ظلماً لشر بيض وسود
وما دعواه أن الأمة أعلم بالقرآن والسنة من جميع الأئمة ومن الصحابة، وأن علمها اليوم بذلك أكثر وأكمل من علم علي وأولاده، وأن اهتداء الأمة أقرب من اهتداء الأئمة، وأن الأمة أهدى إلى الصواب والحق من كل امام معصوم، فهي لا تنقص عن سابقاتها في السخافة وظهور البطلان؛ فإن كون الأمة أعلم بالقرآن والسنة من جميع الأئمة؛ يكذبه قول رسوله الله (صلّى الله عليه وآله) في العترة: «ولا تعلموهم فانهم أعلم منكم» وقوله (صلّى الله عليه وآله): «أنا مدينة العلم وعلي بابها» وقول: «لولا علي لهلك عمر، قضية ولا أبو حسن لها» ورجوع الناس إلى الأئمة، وأخذهم العلم عنهم، وعدم رجوعهم إلى أحد، وكون علم الأمة اليوم بالقرآن والسنن أكثر وأكمل من علم باب مدينة علم المصطفى وأبنائه الذين أخذوا علومهم عنه عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) عن جبرئيل عن الله تعالى الذي لا يمكن أن يكون علم أكثر منه وأكمل، محض عناد وضلال، وهل علم أكثر أبناء اليوم وقبل اليوم بالسنن إلاّ تقليد في تقليد؟
لقد هزلت حتى بدا من هزلها
كلاها وحتى استامها كل مفلس
لقد جاء زمان يفضل فيه موسى التركستاني أبناء اليوم على علي وولده في العلم وعلى الصحابة.
إذا وصف الطائي بالبخل مادر
وعير قسا بالفهاهة باقل
وقال السهى للشمس أنت ضئيلة
وقال الدجي للصبح لونك حائل
وفاخرت الأرض السماء سفاهة
وكاثرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زر، ان الحياة ذميمة
ويا نفس جدي ان دهرك هازل
ولا شيء أعجب من ادعائه أن ذلك معلوم بالضرورة، وتعليله ذلك بارث اللاحق ما كان للسابق، وأن الأمة ورثت ذلك ووفرت ودونت، وأنها ورثت نبيها، فإن الأمة باعراضها عن علوم أهل البيت، مفاتيح باب مدينة العلم، وينابيع الحكمة، ومن أمرت بأن تتعلم منهم ولا تعلمهم؛ لأنهم أعلم منها، قد أفلست ولم توفر ولم ترث إلاّ النزر اليسير، والذين ورثوا النبي (صلّى الله عليه وآله) من الأمة في علومه كلها هم أهل بيته دون سواهم، وهم الذين نزل القرآن في بيوتهم على جدهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعنه أخذ جدهم، علي بن أبيطالب، القرآن وعلومه، والسنة وعلومها، وعلمه من القرآن محكمه ومتشابهه، وعامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، وناسخه ومنسوخه، وفرائضه وسننه، ورخصه وعزائمه، وتنزيله وتأويله، فقد كان ملازما له في سفره وحضره، وليله ونهاره، وعشيه وابكاره، من طفولته إلى وقت وفاته، فلم تكن من آية إلاّ وهويعلم متى نزلت، وأين نزلت، وفيما نزلت، وهوالذي قال: سلوني قبل أن تفقدوني، ولم يقلها بعده إلاّ كاذب، وأخذ الأئمة من أبنائه علومهم عنه خلفاً عن سلف. أفهؤلاء يقال: إن في الأمة اليوم، أو قبل اليوم، من هوأعلم منهم بكثير؟ وأخذها عنهم فقهاء شيعتهم الذين لم يقصروا، وورثوا ووفروا ودونوا. وهل الاجتهاد المأخوذ بالآراء والمقاييس والاستحسان – سواء أتناولته الأيدي بسهولة من كتب أم بصعوبة من بعد – أقرب إلى الصواب من العلم المأخوذ خلفاً عن سلف عن إمام عن أبيه، عن جده، عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، عن جبرئيل، عن الله تعالى. وابن الأمة اليوم لا يزيد عن أبيه الذي قد وصفنا حاله، وتسجيع العبارات وتنميقها لا يغير من حال الابن والأب شيئاً. وما تدعيه الشيعة وتثبته في الأئمة استناداً إلى كتاب ربها، وأقوال نبيها لا يمكن وجوده في أحد غيرهم لا بتمامه ولا ببعضه فضلاً عن أن يكون فيها من هوأحفظ وأعلم وأفقه، ودعوى القطع في ذلك هي عين الوهم. وكون الله تعالى جعل في الأمة من هوأعلم من الصحابة بكثير؛ ينافي حديث: «خير القرون قرني» – الذي اعتمد عليه في ما سبق – فإن القرن بأهله، ولا شيء خير من العلم، وكيف يكون اهتداء الأمة أقرب وأصوب من اهتداء الأئمة؟ والأئمة أخذوا اهتداءهم عن آبائهم، عن أجدادهم، عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، عن جبرئيل عن الله تعالى، وغيرهم اهتدوا بآرائهم ومقاييسهم واستحساناتهم، فأي الفريقين أحق بأن يكون اهتداؤه أقرب إلى الصواب والحق. وأما دعواه: إن الأمة حازت بالعصوبة كل مواريث نبيها، وفازت بكل ما كان له بالنبوة فيقال له: أكل فرد من أفراد الأمة حاز ذلك وفاز به بالعصوبة أم طائفة مخصوصة من الأمة؟ فإن قال بالأول كذبه العيان والوجدان، وان قال بالثاني فمن هي الطائفة من الأمة التي هي أحق بميراث نبي الأمة من أهل بيته وأبنائه وعصبته الأدنين الذين ورثوا علومه خلفاً عن سلف، وأخبر أن المتمسك بهم لا يضل أبداً، والذين جعلهم في ذلك شركاء القرآن، وبمنزلة باب حطة وسفينة نوح، والذين أمر بلزومهم، وعدم التقدم عليهم، وعدم التأخر عنهم؟ وأنت تحيد عنهم، وتنتقد أقوالهم في غير موضع من وشيعتك الواهية البالية، وتنابذ شيعتهم ومتبعيهم، فالأمة في نبذها أقوالهم وهجرها لم تحز من مواريث نبيها لا بالعصوبة ولا بالعول إلاّ النزر اليسير.
وأما دعواه: إن احتياج الناس إلى الإمام المعصوم ينافي حكمة ختم النبوة؛ لأنه اما لقصور في بيان الكتاب، أو في روح النبوة، أوفي التبليغ؛ فدعوى الاحتياج طعن في أصل الدين، فهي طنطنة وتهويل بغير معنى. فإنا نسأله: أتحتاج الأمة إلى امام غير معصوم أم لا؟ فإن قال: لا، فقد خالف اجماع الأمة، وان قال: نعم، فكيف لم يرفع ختم النبوة برسالة محمد (صلّى الله عليه وآله)، وبركة القرآن الكريم الاحتياج إلى الإمام غير المعصوم، ورفع الاحتياج إلى المعصوم مع أن رفعه الاحتياج إلى غير المعصوم أولى، وحينئذ يقال: دعوى الاحتياج إلى الامام غير المعصوم تنافي حكمة الله في ختم النبوة إلى آخر ما ذكره. وحكمة الله في ختم النبوة أولى بأن تثبت الاحتياج إلى امام معصوم من أن تنفيه؛ فإذا لم يكن بعد هذه النبوة نبوة؛ فأولى أن تحتاج إلى امام معصوم بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) ينفي عن الشريعة الزيادة، والنقصان، والتحريف، والتبديل، فدعوى احتياج الناس إلى امام معصوم من مقتضيات حكمة الله في ختم النبوة لا في منافياتها، ولم يكن محمد خاتم النبيين إلاّ ليكون أصياؤه خاتمة الأوصياء، وإذا أوجب الله الوصية في الكتاب على من ترك مائة درهم مثلا؛ فمن ترك أمة عظيمة أحرى بأن يوصي بها إلى من يؤتمن عليها، وليس إلاّ المعصوم، وليس ذلك لقصور في بيان الكتاب، ولا في روح النبوة، ولا في التبليغ. أما الكتاب الكريم فإنه لم يتكفل ببيان جميع تفاصيل الأحكام، وان قال الله تعالى إنه: ﴿تبيان لكل شيء﴾ [النحل: 89] لأنه لابد من حمل ذلك على بعض الوجوه مثل: ان فيه أصول الأحكام، أما تفاصيلها فلا أوغير ذلك لما نراه بالبديهة، إن جملة من الأحكام أو تفصيلها لا يمكن استفادته من الكتاب، فهو دال مثلاً على وجوب الصلوات الخمس، أما أن الظهرين والعشاء أربع ركعات، والمغرب ثلاث، والصبح ركعتان، وأن التكفير في الصلاة مستحب أوغير مشروع، فلا. وعلى وجوب الزكاة، وليس فيه أنها في أي شيء، وما مقدارها، وشرائط وجوبها، وليس فيه جميع تفاصيل أحكام الحج، ولا اشتراط رفع الجهالة في البيع، وأن الربا في أي شيء يتحقق، ولا أن النكاح يقع لفظ أعطيت، أو لا بد من زوجت وأنكحت، وهكذا جميع الأحكام من الطهارة إلى الديات، فلا يقال عن هذا: إنه قصور في بيان الكتاب، فإن الكتاب لم يرد منه إلاّ هذا المقدار من البيان، وأوكل التفصيل إلى بيان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والاختلاف في مسائل الدين كثير من الصدر الأول إلى اليوم مع وجود القرآن العظيم، وكل يدعي أن الحق معه، فظهر أن الكتاب لا يمكن أن يستغنى به وحده، ومن زعم ذلك فقد غالط نفسه أوحاول العناد. وأما أنه ليس قصورا في روح النبوة ولا في التبليغ؛ فلأنه قد وقع الاختلاف في الأحكام التي بينتها روح النبوة أصولا وفروعا، ولم يستلزم ذلك هذا القصور، فإن المبلغين (بالفتح) منهم من حفظ، ومنهم من نسي وضيع، ومنهم من غير كما يشهد بذلك اختلاف الأمة المستمر من الصدر الأول إلى اليوم وما بعد اليوم، فدعوى الحاجة إلى امام معصوم ليست طعنا في أصل الدين، بل هي دفاع عنه، وإنما دعوى عدم عصمة الامام هي الطعن في أصل الدين بأن صاحب الشرع والدين؛ ترك الأمة سدى لم ينصب لها من يحفظ عليها دينها، ورضي لها بنصب من ليس بمعصوم عن الخطأ في أمور الدين.
وأما دعواه: إن عقيدة انحصار الأئمة في عدد قد اضطرت الشيعة الاثني عشرية إلى أقوال كلها مستحيلة، فكان عليه أن يبين هذه الأقوال؛ لنبين له أنها ممكنة واقعة، وأن غيرها هو المستحيل، وانحصار الأئمة في عدد قد أخذته الشيعة الاثنا عشرية مما ثبت عن صاحب الرسالة، وروته ثقات المسلمين منا ومنكم في الصحاح الستة وغيرها من قوله (صلّى الله عليه وآله): «الأئمة من قريش» «يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش أومن بنيهاشم». من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية» اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا من بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» دل الحديث الأول والثاني على أن الامام لا يكون إلاّ قرشيا، وعليه اجماع المسلمين، والحديث الثالث على أنه لابد أن يوجد واحد منهم في كل زمان؛ وإلاّ لكان التكليف بمعرفته تكليفاً بغير المقدور، وليس في قريش أئمة بهذا العدد، وفي كل زمان منهم واحد غير الأئمة الاثني عشر. ودل الحديث الرابع على عصمة العترة كالكتاب؛ وإلاّ لأمكن أن يكون المتمسك بها ضالاً؛ وأن العترة لا تفارق الكتاب حتى ورود الحوض. ولا يكون ذلك إلاّ بوجود إمام معصوم منها في كل زمان. وليس المراد جميع العترة؛ لوقوع الذنوب من بعضها، وللاجماع على أن غيرها ليس بمعصوم. فبان أن انحصار الأئمة في عدد محدود ثابت لا مناص منه ولا يمكن أن يضطرنا إلى قول مستحيل. وإنما القول بعدم انحصار الأئمة في عدد قد اضطر غيرنا إلى القول بإمامة أمثال يزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، والوليد، ويزيد صاحب حبابة من بنيأمية، وأمثالهم من بنيالعباس، أو أن تكون الأمة التي يتغنى بذكرها ويدعي عصمتها ماتت ميتة جاهلية.
وقال في صفحة (م) التي هي ص 40: «والشيعة بدعواها في الأئمة تصغر حق الأمة وقوتها غاية التصغير، والقرآن الكريم قد رفع ويرفع قدر الأمة وقوتها مكاناً علياً دونه مكان إدريس، ويعلي بشأن الأمة وحرمتها درجات دونها كل درجة، وقد تلونا من قبل مئات من الآيات تشهد بذلك، ونتلوالآن آيات بشرتنا بما ستبلغه الأمة بقوتها، وعقلها، واجتهادها، وسعيها في مستقبل الأيام. ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾. أي كلمات الله التي ستكتبها الأمة تداركا لما كان لنبيها من الأمية. ثم كل هذا ليس على مجرد الكلام والكلمات، بل منه أيضا أن وجه الحكمة، وتأمل عجائب الصنعة، وادراك اتقان نظام الخلقة لاينفذ. ومن أعجب ما أراه في نسق الآيات أن آية ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى إنما الهكم اله واحد﴾ [الكهف: 110] بعد آية ﴿قل لوكان البحر مدادا﴾ [الكهف: 109] فان النبي جعل نفسه في هذه الآية مثل فرد من أمته في تلك الأيام، فيكون الفرد من أمته مثل نبيها».
ونقول: إن كانت الشيعة على زعمه بدعواها الحاجة إلى إمام معصوم تصغر قدر الأمة يلزمه؛ هو أن تكون الأمة أجمع باتفاقها على الاحتياج إلى امام معصوم أوغير معصوم قد صغرت حق الأمة وقوتها غاية التصغير، والقرآن الكريم قد رفع ويرفع قدرها مكانا عليا فوق مكان ادريس (عليه السلام) والنبي (صلّى الله عليه وآله) بقوله: «من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية». وبقوله: «الأئمة من قريش» قد صغر حق الأمة وقوتها غاية التصغير. والأمة إذا كانت غير معصومة بالبرهان والوجدان، والغالب عليها الظلم والفساد في كل عصر وزمان، فالقول بأن الله تركها بدون أن يقيم لها اماماً معصوماً يفرق بين الحق والباطل، ويحكم بينها بالعدل، وتركها تقيم لنفسها من هومثلها في الخطأ وعدم العصمة؛ هوأعظم تصغير لحقها وتهاون بها لو كان هذا الرجل يدري ما يقول. وأما قوتها فانا نراها قد جعلت بأسها بينها، فصغرت قوتها. والقرآن الكريم لم يرفع إلاّ قدر المتقين من الأمة، ولا يعلي إلاّ شأنهم. ﴿وقليل ما هم﴾ [ص: 24] ﴿وقليل من عبادي الشكور [سبأ: 13]. وأما من كان بغير هذه الصفة من الأمة فالقرآن لا يضعه إلاّ بالموضع الذي وضع فيه نفسه، كل ذلك يجري في كل عصر وكل زمان. ودعوى أن جميع أفراد الأمة أو أكثرها بالصفة التي يريدها الله تعالى يكذبها الوجدان والقرآن، والآيات الكريمة التي تلاها قد بينا عدم دلالتها على ما يدعي من العموم. وكون المراد بكلمات الله الكلمات التي ستكتبها الأمة بخصوصها، أومع غيرها، لا يساعد عليه دليل، بل الظاهر أن المراد بها – والله أعلم – آثار قدرة الله، كما سمى عيسى (عليه السلام) كلمة الله ألقاها إلى مريم، وكما قال: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: 82] ولا ربط لذلك بالأمة. والذي قال عنه: انه من أعجب ما يراه في نسق الآيات حقيق أن يقال فيه: ان من أعجب ما نراه من هذا الرجل حمله آيات الكتاب الكريم على معان لا مساس لها بها. فقوله: ﴿إنما أنا بشر مثلكم﴾ أي لست بملك، بل بشر مثلكم شرفني الله عليكم بما أوحاه إلى من التوحيد، فقد جعل نفسه مثل فرد من أمته في البشرية لا في غيرها؛ وأي فضل في أن يكون الفرد من أمته مثل نبيها في البشرية.
وقال في صفحة (ل ح): «كل حادثة إذا وقعت فالأمة لاتخلو من حكم حق وصواب جواب يريه الله لواحد من الأمة». وقال في صفحة (ل ط): «وليس يمكن في العالم نازلة حادثة ليس لها جواب عند الأمة».
(ونقول): لوسلمنا ذلك وأنها إذا وقعت حادثة واختلفت الأمة في حكمها على قولين، أو أقوال، لابد أن يكون أحدها صوابا؛ فما الفائدة في ذلك؟ والقول الصواب من بينها مجهول، وهل يكون ذلك مغنيا عن إمام معصوم يبين الصواب؟
وشبه في صفحة (ل ح) كلية العلوم بكلية الصناعات، وقال: «لا يوجد صانع يصنع كل المصنوعات، ومعلوم بالضرورة أن الامام لم يكن يفتي في جميع علوم الدين. ولا يعلم التاريخ اماما له علم يبلغ به إلى درجة امام من آحاد أئمة الأمة في علم من العلوم».
(ونقول): الشريعة ليست كلية مدارس ولا كلية صناعات ﴿إن هو إلاّ وحي يوحى﴾ [النجم: 4] نزل به جبرئيل على خاتم الأنبياء، فهذه الخزعبلات لاتفيد إلاّ التطويل، وتضييع الوقت، ودعواه الضرورة في أن الإمام لم يكن يفتي في جميع علوم الدين إن تمت؛ فإنما تتم في بعض من كانوا في منصب الإمامة، أما أئمة أهل البيت، فهذه الدعوى فيهم باطلة بالضرورة. فقد قال أبوالأئمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «سلوني قبل أن تفقدوني» في الاستيعاب بسنده عن سعيد بن المسيب: «ما كان أحد من الناس يقول: سلوني غير علي بن أبي طالب». وفي الاستيعاب: «روى معمر عن وهب بن عبدالله عن أبي الطفيل: شهدت علياً يخطب وهو يقول: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتكم» ورواه السيوطي في الاتقان بهذا السند مثله وروى أبو جعفر الإسكافي في كتاب نقض العثمانية عن ابن شبرمة: «ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر سلوني إلاّ علي بن أبي طالب» وكان باب مدينة علم المصطفى، وقد رجع إليه جميع الصحابة في علوم الدين، ولم يرجع إلى أحد، وفتاواه العجيبة في مشكلات مسائل الدين مشهورة، وفي المؤلفات مذكورة، وقد أفردت بالتأليف باسم ﴿عجائب قضايا أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب﴾، وقد جمعناها في كتاب وطبعناه وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أقضاكم علي»، وقول عمر فيه ورجوعه إلى قوله معروف مشهور، وورث علومه أولاده الأئمة واحدا بعد واحد، وقد جاء عنه وعن أولاده في علوم الدين والفتاوى في أبواب الفقه من الطهارة إلى الديات ما ملأ الطوامير، وأناف على ما في الصحاح الستة، وغيرها بكثير، ولا يتسع المقام للإشارة إلى جميعها. وأين هوالواحد من آحاد الأمة الذي لا يبلغه علم امام من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما هي إلاّ الدعاوى المجردة عن كل مستند كما قال القائل:
وعالم قد جاءنا
يفتي بما لم يخلق
يفتي هنا ويدعي
دليله في الدورق
الإمام الباقر (عليه السلام)
قال في صفحة (ل ح): «الباقر كان يدعي أن عنده أصول علم يتوارثه أهل البيت، إلاّ أنه كان يكنزها كما يكنز الناس الذهب والفضة».
ونقول: الباقر لقب بذلك لتوسعه في العلم، لقبه به جده الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وأرسل إليه السلام مع جابر بن عبدالله الأنصأرى واعترف بعلمه الناس كافة، وقال ابن حجر في صواعقه: «أظهر من مخبآت كنوز المعارف وحقائق الأحكام واللطائف ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة أوفاسد الطوية والسريرة، ومن ثم قيل فيه هوباقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه» فذكره بهذه العبارة عبارة الاستخفاف ما هو إلاّ عناد للرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي سماه باقر العلم، وما ندري الآن صحة ما حكاه عن الامام الباقر، وإذا صح لم يكن فيه استغراب ولا استبعاد من قوم هم ورثة علوم جدهم. وإذا كان يكنزها عن غير أهلها ويبذلها لأهلها لم يكن في ذلك غرابة.
علوم الأئمة (عليهم السلام)
قال صفحة (ل ط): «والشيعة إذا أتت بما عند الأئمة من العلوم؛ تأتي بتفسير الجهد، وبما يقوله الناقوس والطبول، ثم بغرائب تسميها غرائب العلوم ان دلت على شيء فإنما تدل على جعل كاتبيها وقائليها؛ والأئمة من كلها بريئة».
(ونقول): قد أبطل في حصره مرويات الشيعة عن الأئمة من العلوم في ذلك. فالشيعة روت عن أئمة أهل البيت في أنواع العلوم ما لا يحصى. فروت عنها في التفسير، والكلام، والجدل، والاحتجاج، والتوحيد، وأصول الفقه، والمواعظ، والحكم، والآداب، والفقه من الطهارة إلى الديات، وغير ذلك ما جمع في مجلدات كثيرة العدد، ضخمة الحجم، جمة الفوائد، فرووا عن علي أميرالمؤمنين كتابا أملى فيه ستين نوعا من علوم القرآن، ورووا عن الباقر كتابا في التفسير، وأشار إليه ابنالنديم في فهرسته، والامام الصادق رووا عنه في أنواع العلوم ما ملأ الخافقين، وروى عنه راوٍ واحد، وهوأبان بن تغلب، ثلاثين ألف حديث، والامام الحسن العسكري رووا عنه كتابا في التفسير واشتملت كتب التفسير للشيعة كمجمع البيان والتبيان المطبوعين وغيرهما، وتوحيد المفضل المطبوع المروي عن الصادق هوأحسن كتاب في رد الدهرية، وكذلك توحيد الصدوق المطبوع المروي عن أئمة أهل البيت، وكتاب الأهليلجة في الكلام مروي عن الصادق موجود في البحار. وكتاب تحف العقول المطبوع جمع علي بن شعبة الحلبي في مواعظهم وحكمهم وآدابهم التي هي كنوز لا تنفد، والجزء السابع عشر من البحار كذلك، ونهجالبلاغة معروف، وغرر الحكم ودرر الكلم جمع الآمدي مشهور مطبوع، ونثر اللآلىء جمع الطبرسي صاحب مجمع البيان مطبوع، كلاهما من كلام أميرالمؤمنين علي (عليه السلام)، ورسالة الحقوق لزين العابدين جمعت أدب الدنيا والدين مطبوعة، واستقصاء ما أثر عنهم إن ذلك لا يسعه المقام، وما روي عنهم في الفقه كتب كثيرة كل منها في مجلدات ضخمة وقد فصلها صاحب الوشيعة في موضع آخر. وهنا يقول: الشيعة إذا أتت بما عند الأئمة من العلوم تأتي بتفسير أبجد «الخ». هذا انصافه ومعرفته. وهذا الكلام منه ان دل على شيء فإنما يدل على جهل قائله أو على عناده وتمحله، ما رووه عنهم في غرائب العلوم كتفسير أبجد وأمثاله ليس بمستغرب ولا مستبعد؛ وإذا لم توجد غرائب العلوم عندهم، فعند من توجد؟ وهم وحدهم وارثو جميع علوم جدهم جامع العلوم والغرائب. مع أن ذلك إن صح أم لم يصح لا يعد عيبا، فكم في كتب غيرهم مما يشبه ذلك كخبر الجساسة المروي في صحيح مسلم وأمثاله. روى الامام أحمد في مسنده بسنده عن زر بن حبيش: تسحرت ثم انطلقت إلى المسجد فمررت بمنزل حذيفة بن اليمان، فدخلت عليه فأمر بلقحة فحلبت، وبقدر فسخنت، ثم قال: ادن فكل، فقلت: اني أريد الصوم، فقال: وأنا أريد الصوم فأكلنا وشربنا ثم أتينا المسجد، فأقيمت الصلاة، ثم قال حذيفة: هكذا فعل بي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قلت: أبعد الصبح؟ قال: نعم هوالصبح، غير أن لم تطلع الشمس. قال: وبين بيت حذيفة وبين المسجد، كما بين مسجد ثابت وبستان حوط، وقال حذيفة: هكذا صنعت مع النبي وصنع بي النبي (صلّى الله عليه وآله) وبسنده عن حذيفة: «كان بلال يأتي النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو يتسحر وإني لأبصر مواقع نبلي، قلت: أبعد الصبح؟ قال: بعد الصبح، إلاّ أنها لم تطلع الشمس» وبسنده عن عاصم قال: قلت لحذيفة: أي ساعة تسحرتم مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ قال: هوالنهار إلاّ أن الشمس لم تطلع، وبسنده عن زر بن حبيش، قلت يعني لحذيفة: يا أباعبدالله تسحرت مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ قال: نعم، قلت: أكان الرجل يبصر مواقع نبله؟ قال: نعم هوالنهار إلاّ أن الشمس لم تطلع فما رأى صاحب الوشيعة في هذه الأخبار؟ أهي أعجب أم تفسير أبجد؟!
هشام بن الحكم وعمروبن عبيد
قال في صفحة (ل ط): «تقول الشيعة: إن الحواس والجوارح قد تغلط وتحتار، والله قد جعل القلب لها اماما به يندفع شكها وغلطها، واحتياج الناس إلى امام يندفع به الحيرة ألزم وأحكم، فمن جعل للحواس اماما لايترك الناس بلا امام. تقول الشيعة: ان هشام بن الحكم أفحم بهذه الحجة عمروبن عبيد، وهذه مغالطة وإن افتخرت بها الشيعة، فإن الله لم يترك يوما من الأيام أمة من الأمم سدى، بل جعل لها من أبنائها أئمة ثم جعل لها عقلا يهديها (إلى آخر نغمته السالفة التي كررها عشرات المرات). العقل العاصم فوق الامام في العصمة، الأمة بعد أن بلغت وصارت رشيدة ببركة الرسالة وختمها عقلها ورشدها يغنيها عن امام بل هي الامام، وأبناؤها بعقولها أئمة.
أيها الغر إن خصصت بعقل
فاسألنه فكل عقل نبي»
(ونقول): لا بد، أولاً، من نقل خبر هشام بن الحكم مع عمروبن عبيد الذي أشار إليه لنكون على بصيرة منه، ثم بيان فساد ما تعقبه به. روى الكليني في الكافي والطبرسي في الاحتجاج بالاسناد عن يونس بن يعقوب، قال: كان عند أبي عبدالله (عليه السلام) جماعة من أصحابه فيهم هشام بن الحكم وهوشاب، فقال أبوعبدالله (عليه السلام): يا هشام، قال: لبيك يا ابن رسول الله، قال: إلاّ تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته؟ (إلى أن قال) قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة، وعظم ذلك عليَّ فخرجت اليه، ودخلت البصرة يوم الجمعة، وأتيت مسجد البصرة، فإذا بحلقة كبيرة وإذا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء مؤتزر بها من صوف، وشملة مرتديها، والناس يسألونه فاستفرجت الناس، فافرجوا لي، فقعدت في آخر القوم على ركبتي، ثم قلت: أيها العالم أنا رجل غريب، أتأذن لي فأسألك عن مسألة؟ قال: اسأل. قلت له: ألك عين؟ قال: يا بني أي شيء هذا من السؤال؟ فقلت: هذه مسألتي. فقال: يا بني سل وان كانت مسألتك حمقاء؟ قلت: أجنبي فيها؟ فقال لي: سل. فقلت: ألك عين؟ قال: نعم، قلت: فما ترى بها؟ قال: الألوان والأشخاص، قلت: ألك أنف؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أشم به الرائحة، قلت: ألك لسان؟ قال: نعم، قلت فما تصنع به؟ قال: أتكلم به، قلت: ألك أذن؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع بها؟ قال: أسمع بها الأصوات، قلت: ألك يدان؟ قال: نعم. قلت: فما تصنع بهما؟ قال: أبطش بهما وأعرف بهما اللين من الخشن؟ قلت: ألك رجلان؟ قال: نعم. قلت: فما تصنع بهما؟ قال: أنتقل بهما من مكان إلى مكان. قلت: ألك فم؟ قال: نعم. قلت: فما تصنع به؟ قال: أعرف به المطاعم على اختلافها. قلت: أفلك قلب؟ قال: نعم. قلت: فما تصنع به؟ قال: أميز به كل ما ورد على هذه الجوارح، قلت: أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ قال: لا. قلت: وكيف ذاك وهي صحيحة سليمة؟ قال: يا بني، أن الجوارح إذا شكت في شيء شمته، أو رأته، أوذاقته ردته إلى القلب، فتيقن بها اليقين، وأبطل الشك! قلت: فإنما أقام الله عزوجل القلب لشك الجوارح؟ قال: نعم، قلت: لابد من القلب وإلاّ لم تستيقن الجوارح؟ قال: نعم، قلت: يا أبا مروان، الله تبارك وتعالى لم يترك جوارحكم حتى جعل لها اماما يصحح لها الصحيح، ويتقي ما شكت فيه، ويترك هذا الخلق كله في حيرتهم وشكهم واختلافهم لا يقيم لهم إماماً يردون إليه شكهم وحيرتهم، ويقيم لك اماما لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك، فسكت ولم يقل لي شيئاً. ثم التفت إلى فقال: أنت هشام؟ قلت: لا. فقال لي: جالسته؟ فقلت: لا. قال: فمن أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: فأنت إذا هو، ثم ضمني إليه وأقعدني في مجلسه، وما نطق حتى قمت، فضحك أبوعبدالله ثم قال: يا هشام من علمك هذا؟ قلت: يا ابن رسول الله جرى على لساني. فهشام إن قال بأن القلب كالإمام للجوارح، فهو قد أتي بشيء واضح يفهمه كل من كان له قلب أوألقى السمع وهوشهيد، وليس هو أمر يختلف فيه ذووالعقول حتى يقال فيه تقول الشيعة كذا، بل ابداء أمر يفهمه كل ذي لب وفهم. ولكن من أخذ على نفسه الشغب في كل شيء، فهو يشاغب حتى في البديهيات والمحسوسات، وليست المسألة مسألة افتخار ومفاخرة، بل مسألة أدلة وبراهين وزعمه أنها مغالطة هو أقل وأفسد من أن يسمى مغالطة. فهشام قد ألزم عمرو بن عبيد بما لا مناص منه، فلذلك سكت ولم يتكلم حتى قام هشام، وقد كان عمرو واحد عصره في قومه ولا يصل صاحب «الوشيعة» إلى أدني درجاته، فلو رأى أن في كلام هشام شيئاً من المغالطة لما سكت. وصاحب «الوشيعة» يعترف بأن الله لم يترك الأمة سدى؛ لكنه يدعي أنه جعل لها أئمة من أبنائها، ونحن نسأله عن هؤلاء الأئمة، فإن كانوا منزهين عن الخطأ فهوما نقوله، وإن لم يكونوا فالأعمى لا يهدي أعمى، والمخطىء لا ينقذ من أخطأ، بل يوقع فيه، وكلماته التي كررها في عصمة الأمة وأبنائها قد بينا سابقاً سخافتها، وأنه لا محصل لها، والأحكام الشرعية يجب أخذها من صاحب الشرع فقط ولا تصل إليها العقول.
أيها الغر ان خصصت بعقل
فاسأله فكل عقل نبي
فهو ينبيك أن عقلك عن أد
راك حكم الاله ناء قصي
قال في صفحة (م) التي هي ص 40: «رأيت في كتب الشيعة بيانات لأئمة الشيعة لوتركوها مكنوزة مكتومة؛ لكان أحسن وأستر إذ ليس في ظهورها إلاّ شيوع الجهل – جهل الامام بالقرآن – وحكت كتب الشيعة كلمات جرت بين الصادق وأبيحنيفة؛ لوصدقت لدلت على جهل الصادق جهلا لا ينفع فيه التعليم» ولم يذكر تلك البيانات ولا تلك الكلمات.
(ونقول): كلامه هذا لوتركه مكتوما لكان أحسن له وأستر، إذ ليس في ظهوره إلاّ شيوع جهله، فالصادق (عليه السلام) امام أهل البيت في عصره، والقرآن نزل في بيت جده، وأخذ علوم القرآن بواسطة آبائه، عن جده، عن جبرئيل، عن الله تعالى، وشيعته أخذت عنه ما رواه الثقات عن الثقات. وهو قد أحال على مجهول، ولوذكر تلك البيانات لبينا له أنه هو الجاهل بالقرآن وعلومه.
بين الصادق وأبي حنيفة
والكلمات التي جرت بين الصادق وأبي حنيفة معلومة مشهورة حكتها كتب من تسموا بأهل السنة كما حكتها كتب الشيعة، ولم تقتصر حكايتها على كتب الشيعة وحدها، وهي صادقة بينة تدعمها الحجة والبرهان، وانكاره صدقها يدل على جهله جهلاً لا ينفع فيه التعليم، وعناده عناداً حاد به عن الطريق المستقيم فممن رواها من السنيين الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء، ومن الشيعة الشيخ أبو جعفر الطوسي في أماليه وغيرهما بسنديهما أنه دخل ابن أبي ليلى وأبو حنيفة على جعفر بن محمد، فقال لابن أبي ليلى: من هذا معك؟ قال: هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين، قال: لعله يقيس أمر الدين برأيه؟ قال: نعم، فقال جعفر لأبي حنيفة: هل قست رأسك بعد؟ هل علمت ما الملوحة في العينين؟ والمرارة في الأذنين؟ والحرارة في المنخرين؟ والعذوبة في الشفتين؟ قال: لا. فبين له وجه الحكمة في ذلك بما يطول الكلام بذكره فليطلب من محله، ثم قال: حدثني أبي عن جدي أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: أول من قاس أمر الدين برأيه ابليس قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، وروى أبونعيم في الحلية بسنده عن عبدالله بن شبرمة: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد وذكر مثله، وزاد ابن شبرمة ثم قال جعفر: أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟ قال: قتل النفس. قال: فإن الله عزوجل قبل في قتل النفس شاهدين، ولم يقبل في الزنا إلاّ أربعة. ثم قال: أيهما أعظم الصلاة أم الصوم؟ قال: الصلاة؟ قال: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، وفي رواية الطوسي في أمالية: ثم قال: البول أقذر أم المني؟ قال: البول. قال: يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني، وقد أوجب الله الغسل من المني دون البول ثم قال: ما ترى في رجل كان له عبد فتزوج وزوج عبده في ليلة واحدة، ثم سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت واحد، فسقط البيت عليهم فقتل المرأتين وبقي الغلامان، أيهما في رأيك المالك؟ وأيهما المملوك؟ وأيهما الوارث وأيهما الموروث، ثم قال: فما ترى في أعمى فقأ عين صحيح، وأقطع قطع يد رجل كيف يقام عليهما الحد؟ ثم قال: فأنت الذي تقول سأنزل مثل ما أنزل الله؟ قال: أعوذ بالله من هذا القول. قال: إذا سئلت فما تصنع؟ قال: أجيب من الكتاب، أوالسنة، أوالاجتهاد. قال: إذا اجتهدت من رأيك وجب على المسلمين قبوله؟ قال: نعم. قال: وكذلك وجب قبول ما أنزل الله، فكأنك قلت: أنا أنزل مثلما أنزل الله. وفي كنز الفوائد للكراجكي: ذكروا أن أباحنيفة أكل طعاما مع جعفر بن محمد، فلما رفع جعفر يده من أكله، قال: الحمدلله رب العالمين، اللهم هذا منك، ومن رسولك، فقال أبوحنيفة: يا أباعبدالله أجعلت مع الله شريكا؟ فقال له: ان الله يقول في كتابه: ﴿وما نقموا إلاّ أن أغناهم الله ورسوله من فضله﴾ [التوبة: 74] ويقول: ﴿ولوأنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله﴾ [التوبة: 59] فقال أبوحنيفة: والله لكأني ما قرأتهما قط ولا سمعتهما إلاّ في هذا الوقت.
في تاريخ الإسلام أمران إمران
قتل عثمان وقتل الحسين
قال في صفحة (ك): «وقع في تاريخ الإسلام أمران إمران كل منهما أمر من الآخر لا ندري أيهما أفجع وأشد وقعاً، وأذهب بالدين والشرف؟ (الأول): قتل الامام عثمان في الحرم النبوي، وهوخليفة رسول الله في الرسالة المحمدية، ورئيس الأمة في الدولة الإسلامية، رابع الأمة في اقامة الدين، وثاني الأمة في المصاحف، وفتوحات المؤمنين. وأهل الثورة فئة حقيرة بطرت معيشتها، فبغت وثارت بغياً وتمرداً، وقوة الدولة هم الأنصار والمهاجرون، وعلي على رأسهم بالمدينة، وكليمة همس من علي، أو إشارة لمح من صاحب ذي الفقار، تكفي في طرد الفئة الثائرة من أرض الدولة، وتكفي الإسلام الخزي والسوء بأيدي أعدائه. أهين الإسلام وأهينت كل حرماته بأيدي فئة باغية حقيرة، وقوة الدولة هم الأنصار والمهاجرون بالمدينة لم أجد في هذا الأمر عذرا لأحد كلا لا وزر ينجي من عزمات اللوم من حضر». وقال في صفحة (م): «إن في تاريخ الإسلام أمرين إمرين لا يدري أيهما أكبر خزيا ولا أشد سوءاً؟ (أولهما): شهادة خليفة الإسلام في أيدي فئة حقيرة باغية، وقوة الدولة الإسلامية حاضرة قوية كانت متمكنة من دفعها ولم تدافع». وقال في صفحة (ب س): «الفئة التي ثارت على عثمان أثارتها دعاة ماكرة كابن سبأ، أومغفلة كأبي ذر؛ فإنه كان يذكي نيران هذه الفتنة بنظره القاصر هو، وإن اشتهر بالزهد والورع والتقوى، فقد أثر فيه دعوة أهل المكر، فافتتن بها فكان آلة عمياء، ولم يكن يعلم أن عثمان أعلم منه وأورع وأزهد وأتقى، وأنصح للدين والأمة»، ثم ذكر في صفحة (ب س) ما نقمه الناس على عثمان، ثم ذكر مقتله في صفحة (ج س) فقال: «قتلوه شر قتلة، ثم تركوا جنازة الامام جيفة محتقرة، وقوة الدولة، وقوة الإسلام حاضرة ناظرة خاذلة تصلي الجمعة – والفرض تلك الساعات غيرها – أقول مثل هذه الأقاويل الشنيعة مضطرا إذ لم أجد لفاجعة الامام ذي النورين عثمان من عذر، وقد ثبت في كتب الأحاديث والأخبار أن عثمان استنصر علياً ومعاوية. قال العباس لعلي: اني أرى أن عثمان قد أخذ في أمور، والله لكأني بالعرب قد سارت إليه حتى ينحر في بيته، وإن كان ذلك وأنت بالمدينة لزمك الناس به، ولم تنل من الأمر شيئاً إلاّ من بعد شر لا خير معه، فوقع كل ما أنذر به. وكنت أظن أن علياً كان متمكناً تمام التمكن من دفع الفتنة، ولم يكن له أن يعتزل، ولم يكن له عذر أبداً في الاعتزال، واعتزاله هو الذي فتح أبواب الشرور بعده، وأثار كل حروبه حتى أن شهادة الحسين قد عدها العدو يوماً بيوم».
(ونقول): في كلامه مواقع للنظر والنقد: (أولاً): أنه وقع في تاريخ الإسلام أمور وأمور كل منها أمر وكلها مر ومآس محزنة، وفظائع مخزية، وبعضها كان هوالسبب في هذين حياة الأمرين، فاقتصاره على أمرين ليس بصواب، وابتدأت تلك الأمور من زمن حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله) فقال في بعضها (يوم الغميصاء): اللهم اني أبرأ اليك مما فعل خالد ثلاثاً، وبعضها في غزوة تبوك حين حاول المنافقون الفتك برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعرفهم حذيفة، وكان حذيفة أعرف الناس بالمنافقين، وبعضها في مرضه حين طلب الدواة والكتف وحين أمر بتنفيذ جيش أسامة، وبعضها بعيد وفاته حين قتل مالك بن نويرة وجرى لامرأته ما جرى واختلف رأى الخليفة وبعض أكابر الصحابة في القاتل والفاعل.
وحدثت أمور أخر خلال تلك المدة كل منها أمر مر نضرب عن ذكرها صفحاً، ونطوي دونها كشحا. ثم حصلت فتنة قتل الخليفة الثالث التي سببها أمور جرت قبلها، كل منها أمر مر لا حاجة إلى شرحها لاشتهارها. ثم حرب الجمل طلباً بثأر الخليفة، والطالبون بثأره هم القاتلون في الحقيقة، وأي أمر إمر أعظم من يوم الجمل وأفظع؟ قتلت فيه الألوف من المسلمين لماذا؟ ونتفت فيه شعور اللحى والشوارب والأجفان والحواجب، وأتي برجال عبد القيس يجرون كالكلاب فيقتلون لا لذنب؟ ثم حرب صفين وحق أن يقال فيه انه أمر إمر، وسبب هذين الحربين الخطأ في الاجتهاد، لا حب الدنيا، فنشأ من هذا الاجتهاد المخطىء قتل الألوف من المسلمين، ونهب الأموال، وضعف شوكة الإسلام، وتمكن الضغائن والأحقاد في النفوس، وتشتت أمر المسلمين وتفرقهم شيعاً، ومذاهب، وجعل بأسهم بينهم. ومسببوهذه الفظائع معذورون ومثابون مأجورون. ثم أمر الحكمين، وهوأمر إمر، ومنه نشأت فتنة الخوارج التي سفكت فيها الدماء، واستحلت الأموال، وانتهكت الأعراض، وقتل بسببها خليفة المسلمين علي بن أبي طالب، واستمرت بلواها وحروبها في دول الإسلام قروناً كثيرة، وأثر محنتها باق إلى اليوم، وأرسل صاحب الشام بسر بن أرطأة يغير على بلاد المسلمين مكة والمدينة حرم الله وحرم رسوله واليمن يقتل الرجال، ويذبح الأطفال، وينهب الأموال، ويسبي النساء. ثم كانت وقعة كربلاء. ثم وقعة الحرة التي قتل فيها المهاجرون والأنصار وأبناؤهم، وأبيحت مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ثلاثاً حتى ولد مئات من الأولاد لا يعرف لهم أب، وكان الرجل من أهل المدينة إذا أراد أن يزوج ابنته لا يضمن بكارتها يقول: لعله أصابها شيء يوم الحرة، وبايع المهاجرون والأنصار وأبناؤهم على أنهم عبيد رق ليزيد بن معاوية، إن شاء استرق، وإن شاء أعتق، ومن أبى ضربت عنقه. أفليس هذا أمراً إمراً في نظر صاحب الوشيعة؟ وأي أمر إمر أفظع منه وأفجع وأشنع؟ ثم جاءت دولة بني مروان فكان فيها كل أمر إمر مما شاع وذاع وحفظه التاريخ سلَّطَ عبدالملك بن مروان الحجاج على الحجاز ثم على العراق، فهدم الكعبة المعظمة، وختم على أيدي المهاجرين والأنصار وأعناقهم كما يفعل بالروم، وكان يحبس الرجال والنساء في مكان واحد في سجن ليس له سقف، ووجد في سجنه بعد هلاكه ألوف مؤلفة لا يعرف لهم ذنب، وفعل بنوأبيه بعده الأفاعيل، وعملوا الأعمال الشنيعة مما هومعروف مشهور كصاحب حبابة والوليد رامي القرآن بالسهام وغيرهما ممن يحملون لقب الخلافة وامرة المؤمنين. ولم تكن الدولة العباسية في قبح أفعالها بأقل من الدولة الأموية بما فعلوه مع العلويين وغيرهم؛ حتى بنوا عليهم الحيطان أحياء، وهدموا عليهم سقوف الحبوس إلى غير ذلك مما هو مشهور معروف وأشرنا، إلى بعضه في غير هذا المكان، وأرسل السفاح أخاه يحيي عاملاً على الموصل فقتل منهم أحد عشر ألفا من العرب ومن غيرهم خلق كثير في المسجد بعدما أعطاهم الأمان، وسمع في الليل بكاء نسائهم وأطفالهم فأمر بقتلهن فقتلن مع الأطفال وكان معه أربعة آلاف زنجي فأخذوا النساء قهرا كما في تاريخ ابن الأثير وآل الأمر ببعض من تسمى باسم الخلافة وامرة المؤمنين منهم أن جعل يستهزىء بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ويسخر منه في مجالسه، وحرث قبر الحسين، ومنع من زيارته، والملقب بالقاهر منهم علق أم الخليفة الذي كان قبله وهي مريضة برجل واحدة، وضربها بيده في المواضع الغامضة ليستخرج منها الأموال. هذه نبذة مما وقع في تاريخ الإسلام من الأمور التي كل منها إمر ومر. وهناك غيرهما مما ينبوعنه الحصر فهي مئات وألوف لا أمران فقط.
(ثانياً): كلامه هنا ينافي ويناقض ما سلف منه بقوله: انه في العصر الأول، وعهد الخلافة الراشدة كان المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض قد ألف الله بين قلوبهم، فإنا نرى المؤمنين في العصر الأول، وعهد الخلافة الراشدة، كانوا بالنسبة إلى الخليفة الثالث – وهوفي عصر الخلافة الراشدة – بين قاتل وخاذل، وقد اعترف بذلك صاحب الوشيعة في قوله: وقوة الدولة هم المهاجرون والأنصار بالمدينة، وقد ذهب حواري رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأم المؤمنين والمؤمنات من المدينة إلى مكة، والخليفة محصور لم يدفعوا عنه، ولم يدافعوا، ثم قاموا يطلبون بثأره ممن دفع ودافع جهده.
(ثالثاً): ألم يكن من المؤمنات أم المؤمنين التي كانت تقول في الامام المحرم عثمان، خليفة رسول الله ورئيس الأمة، ما تقول؟ حتى قال لها ابن أم كلاب ما مر من الشعر وغيره. وتنصب قميص رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتقول ما تقول، أكان هذا من الولاية بين المؤمنين والمؤمنات والتآلف بين القلوب؟!!
(رابعاً): نراه قد أنحى باللائمة من طرف خفي على علي بقوله: وكليمة همس من علي، أوإشارة لمح من صاحب ذي الفقار «الخ» بل جاهر بذلك وأظهر بقوله: لم أجد في هذا الأمر عذرا لأحد الخ. ونرى أن كلمات اجهار واعلان من علي لم تكن لتكفي في أقل من هذا حينما كان علي ينصح للخليفة الثالث، ويصلح الأمور، ومروان يفسدها. ولوكانت كليمة همس، أوإشارة لمح من صاحب ذي الفقار تكفي في اخماد ثورة؛ لكفت في غيرها مما تقدمها من الأمور التي جرت على علي مما لسنا بحاجة إلى بيانه لظهوره واشتهاره، ولوكان لذي الفقار عمل لعمله يومئذ.
(خامساً): إن علياً حامى عن الخليفة الثالث جهده في ما رويتم، وأرسل ولديه لحمايته، ولنا أن نعذره في سكوته لانفراده كما سكت في ما سبق له من المقامات التي كان عليه أن ينتصر فيها لنفسه، ويطالب بحقه، فسكت لفقد الناصر إلاّ قليلا ظن بهم وبنفسه عن القتل، ولو رام خلاف ذلك؛ لأصابه ما أصاب الخليفة الثالث؛ ولكن باقي المهاجرين والأنصار كانوا أقل عذرا من علي في قعودهم وسكوتهم، وخروج بعضهم من المدينة – والخليفة محصور – إلى مكة وغيرها والله تعالى أعلم بعذرهم. وابن عمه صاحب الشام كانت له قوة ومنعة وجنود وعدة، وقد استغاث به فلم يغثه، وأرسل جيشا وأمرهم بالبقاء في وادي القرى حتى يأتيهم أمره، فبقوا هناك حتى قتل فدخلوا – كما ذكره المؤرخون – وهذا عذره في خذلان ابنعمه ظاهر فإنه أراد أن يستغل قتله ليلصقه بغيره وتتم له الأمرة ولولا ذلك لما تمكن من حرب علي ومنابذته، والصاق قتله به، وتحريك حوارها لها لتحن، وقد تم له ذلك.
(سادساً): ما قاله يبطل القول بعدالة جميع الصحابة الذين كانوا في ذلك العصر بتهاونهم في نصر عثمان، واشتراك بعضهم في حصره حتى قتل، فحصل للإسلام الخزي والسوء، وأهين الإسلام، وأهينت كل حرماته، وشملهم اللوم، ولم يكن لأحد منهم عذر؛ إلاّ الاجتهاد المصطنع.
(سابعاً): مر منه مكرراً مؤكداً أن الأمة معصومة، قد بلغت رشدها، فهل كان قتل الامام المحرم ثالث الخلفاء وقتل الحسين سيد الشهداء وما تقدم ذلك وتخلله من الفتن والفظائع من آثار عصمة الأمة وبلوغها رشدها؟
(ثامناً): قوله أثارتها دعاة ماكرة كابن سبأ سيأتي عند ذكر الأمر الثاني بيان أن ابن سبأ أقل وأذل من ذلك، ومن هوالذي أثارها.
(تاسعاً): قد قال في ما يأتي، أنه يعد من لغوالكلام وسقطه القول في ما جرى بين الصحابة زمن الخلافة الراشدة، وتراه يقول ويبسط لسانه في ما جرى بين الصحابة زمن الخلافة الراشدة، وينسى ما قاله قبل أسطر، فينسب أبا ذر إلى أنه مغفل قاصر النظر، ولذلك كان يذكي فتنة قتل الخليفة وأنه افتتن بدعوة أهل المكر، فكان آلة عمياء، وأن عثمان أعلم منه وأورع وأزهد وأتقي، وأنصح للدين وللأمة، فهو قد قال في ما جعل القول فيه من لغو الكلام وسقطه، وأدخل نفسه في الحكم بين أكابر الصحابة أبي ذر والخليفة، وأين هو من ذلك وفضله عليه بالعلم؟ وعلي يقول في أبي ذر: أنه حوى علماً جما فأوكأ عليه، وفضله عليه في باقي الصفات، والوجدان يكذبه، وأساء الأدب بهذه الألفاظ الخشنة الجافية التي هي به أليق في حق من قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق منه»، وقال فيه الوصي ما سمعت، وهومن أهل العصر الأول أفضل العصور عنده وخير أمة أخرجت للناس.
(عاشراً): قوله: قتلوه شر قتلة «الخ» هذا أيضاً قد خالف فيه ما قاله قبل أسطر من أنه يعد من لغوالكلام وسقطه القول في ما جرى بين الصحابة زمن الخلافة الراشدة، ونراه قد قال فيه بملء فيه. وطالما تغنى بأن الأمة معصومة راشدة رشيدة، وان قرن الخلافة الراشدة خير القرون، أفكان قتل الامام شر قتلة، وترك جنازته جيفة محتقرة من آثار عصمة الأمة ورشدها ورشادها.
(حادي عشر): قوله ثبت أن الخليفة استنصر علياً ومعاوية؛ كأنه يريد بذلك أن ينحى باللوم على علي؛ ولكنه أشرك معه معاوية، وشتان بين علي ومعاوية في ذلك، فعلي نصره جهده، ودافع عنه بنفسه وولده، ولم يكن متمكناً من دفع القتل عنه ولا من دفنه، فإن الحاضرين قد منعوا من دفنه حتى دفن بالليل سراً في بعض البساتين. أما معاوية فأرسل جيشا حين استنصره عثمان، وأمرهم بالبقاء في وادي القرى فبقوا حتى قتل عثمان، ثم جعل ذلك حجة ووسيلة لنيل ما أراد، فقام يطالب علياً بثأره.
(ثاني عشر): كان ما أشار به العباس هو الذي دعاه إلى أن يقول في ما يأتي عند ذكر الشورى: كان العباس أنفذ نظراً وأقوى حدساً يرى الأمور من وراء الستور، وإذا كان نظر العباس وحدسه كذلك فهو قد رأى أن الخليفة أخذ في أمور يحلف على أن العرب ستسير إليه فتنحره في بيته لأجلها، وهو يدل على أن الأمر قد كان متفاقماً لا حيلة فيه لعلي، ولا لغيره؛ إلاّ بالاقلاع عن تلك الأمور. ثم لا يخفى أن هذا التعليل الذي علل به العباس لزوم خروج علي من المدينة عليل – إن صح أنه قاله – فمعاوية الذي جهد في الصاق قتل عثمان بعلي – وهو يعلم براءته منه – ليتم له ما أراد لا يصعب عليه أن يقول لعلي خذلته ودسست الرجال ليقتلوه، وفارقته وهو محصور، لم تدفع عنه، فكان خروجه من المدينة أقرب إلى دعوى الخذل، وبقاؤه أقرب إلى النصر، وقد دافع وحامى جهده، وأصلح الأمور بين عثمان والثائرين عليه مرارا، ومروان يفسدها، مع ذلك ألصق به معاوية تهمة خذل عثمان.
(ثالث عشر): ظنه أن علياً كان متمكناً من دفع الفتنة إلى آخر ما قاله حقيق أن يقال فيه: ﴿إن بعض الظن اثم﴾ [الحجرات: 12] (صدق الله تعالى).
وهو ينافي ما ذكره سابقاً من براءة علي من دم عثمان. والذي نعتقده ونجزم به أن علياً لم يكن متمكناً من دفع الفتنة، لا تمام التمكن ولا بعضه، وحاشاه أن يتمكن من دفع فتنة كهذه، ولا يدفعها، وأنه لم يعتزل، ولم يتهاون زنة ذرة، ولكنه كان يصلح الأمور ويفسدها مروان كما مر، وقد فصلته كتب التواريخ والآثار، ولما حوصر الخليفة لم يكن باستطاعته أن يفعل أكثر مما فعل، وليس اعتزاله فتح أبواب الشرور؛ لأنه لم يعتزل ولكن عزله عن الأمور هوالذي فتح أبواب الشرور في عصره وبعده وأثار كل حروبه، وشهادة الحسين عدها العدو يوما بيوم بدر، وان أظهر أنها بيوم قتل الخليفة، وشهادة الحسين لم تكن بيد من قتله، بل بيد من مكنه ومهد له:
سهم أصاب وراميه بذي سلم
من بالعراق لقد أبعدت مرماك
قال في صفحة (س د): «ارتقى علي – وهو أعلم من في زمنه، وأفضل الصحابة بعد الثلاثة – عرش الخلافة بعد أن جعلت شهادة الخليفة كل الأمة الإسلامية هائجة ثائرة، وبعد أن لم يبق للخلافة من روعة وجلال، وللإمام من قول يطاع، فاضطرب كل أموره، ولم يصفُ له ثانية من يومه وليله – وامرأة من بني عبس ردت عليه وهو يخطب في منبر الكوفة، فقالت: ثلاث بلبلن القلوب عليك: رضاك بالقضية، وأخذك بالدنية، وجزعك عند البلية، بدوية تجتري بمثل هذه الكلمات على الامام وهويخطب في منبر الكوفة، ولا ينكر عليها أحد، ثم يفحم الامام ويسكت، كل ذلك يشهد على اضطراب أمره، ولم يكن هذا العيب في علي، وقد حكى القرآن الكريم أمثاله لأولي العزم من الرسل، وإنما هو أمر قضاه الله وقدره صرفا للأمر عن أهل البيت، به أتى تأويل أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وبه ينهار ما تقولته الشيعة الامامية في الأمة».
(ونقول): (أولاً) – الصواب أنه أعلم الناس بعد ابنعمه كلهم لأنه باب مدينة علمه، وكان الصحابة يرجعون إليه ولم يرجع إلى أحد، وأنه أفضل الصحابة كلهم لامتيازه عنهم في جميع الصفات التي بها يكون استحقاق الفضل، وذلك ملحق بالبديهيات لولا التقليد والعناد.
(ثانياً): إن الأمة كانت هائجة ثائرة في زمن الخليفة نقمة عليه، وأن شهادته لم تجعل الأمة الإسلامية هائجة ثائرة. ولو كان ذلك لنصرته هذه الأمة – المعصومة عند التركستاني – وقد بقي محصوراً مدة طويلة لم ينصره فيها إلاّ من طولب بدمه. إن الذي هيج جماعة من الأمة وأثارها على علي بعد مقتل عثمان، هو جلوس علي على عرش الخلافة حسداً له، وحباً بالامرة، وحطام الدنيا لا شهادة الخليفة، فقالت من لها المكانة في الإسلام لما بلغها قتله: أيها ذا الأصبع، تعني ابن عمها طلحة تتمنى له الخلافة، فلما بلغها أن عليا بويع بالخلافة، قالت: وددت أن هذه انطبقت على هذه – السماء على الأرض – ولم يكن هذا الأمر، راجع الطبري وابن الأثير وخرج أصحاب الجمل إلى البصرة، ليهيجوا الناس ويثيروهم على علي؛ بحجة الطلب بدم الخليفة، وهيج صاحب الشام أهلها وأثارهم على علي بحجة الطلب بدمه، وكلهم يعلمون أنه بريء من دمه وأنهم هم الذين خذلوه وألبوا الناس عليه، وان الخلافة لم يبق لها روعة وجلال قبل شهادته، وعادت إلى روعتها وجلالها بعد بيعة علي الذي رد على الناس ما كان من القطائع، ونشر العدل والمساواة بينهم. وإذا أردت أنه تعرف ذلك فانظر إلى صفة دخول علي البصرة في مروج الذهب وأن أقواله كانت مطاعة، وأصحابه أطوع له من يده، واتبع له من ظله، وبماذا قاد الجيوش الجرارة لحرب الجمل وصفين بالطاعة أم بالمعصية؟ وكان في عسكره أعلام الصحابة، وجل المهاجرين والأنصار ووجوههم، واستوسقت له الأمور واستقامت وصفت؛ لولا الناكثون والقاسطون والمارقون. نقول هذا لابطال ما يريد أن يرتبه على كلامه من أنه اضطراب أمره؛ لأن الله صرف الأمر عن أهل البيت (عليهم السلام).
(ثالثاً): استشهاده بكلام المرأة العبسية التي يظهر أنها من الخوارج – ان صح ذلك – لا شاهد فيه، وهومن السخافة بمكان، وإن دل على شيء؛ فإنما يدل على حلمه لا سيما عن النساء، وكذلك سكوت أصحابه كان ترفعا وتأدبا. وقوله: «ثم يفحم الإمام ويسكت» مما يضحك الثكلى، فالافحام الاتيان بما يعجز المخاطب عن جوابه كقول تلك المرأة للخليفة حين أعلن عن رد الزيادة في المهر إلى بيت المال فردت عليه بآية ﴿وان آتيتم احداهن قنطارا﴾ [النساء: 20] فقال: كل الناس أفقه منك حتى المخدرات أما هذه فجوابها واضح لكل أحد. وقوله بدوية تصغيراً لأمرها مع أن المرأة العربية سواء أكانت بدوية أم حضرية تجتري وتبين عن مرادها ببلاغة وفصاحة. وقوله تجتري بمثل هذه الكلمات تعظيما للأمر، وليس في هذه الكلمات ما يوجب ذلك، لكنه أراد بالتصغير والتعظيم زيادة الايهام في اضطراب الأمر، وهو كما عرفت، والله تعالى لم يصرف الأمر عن أهل البيت (عليهم السلام)، بل جعله لهم، وجعله حقهم دون غيرهم، وإنما صرفه عنهم الناس، ولم يضرهم ذلك ولم يعبهم، فهم أئمة الخلق إن قاموا وإن قعدوا، وإن ظهروا وإن استتروا، وإن تكلموا وإن سكتوا، وستعرف أن حديث المنزلة لا مساس له بذلك، وأنه دال على الامامة بأوضح دلالة، والشيعة الامامية لا تتقول، بل تعتمد في أقوالها على الحجج والبراهين الساطعة وأقوالها وعقائدها في الأئمة ثابتة راسخة بأدلتها الواضحة تنهار الجبال ولا تنهار. وبذلك ينهار ما تقوّله وافتراه على الشيعة الامامية.
قال في صفحة (ك): «الثاني – أي من الأمرين الإمرين في تاريخ الإسلام – قتل الحسين وكل من معه من أهل بيت النبوة بقساوة فاحشة ووحشية متناهية. تدعوه شيعة أهل البيت بآلاف من الكتب والرسائل، وعدد كثير من الوفود دعوة نفاق وخداع، ثم تسلمه لأعداء أهل البيت إسلام خذل يخزي كل جبان، ولوكان في نهاية الضعف، ويقتله وكل من معه، ويمثل به مثلات بكل اهانة جيش الدولة الإسلامية ابتغاء مرضاة مسرف مفسد ماجن.
ودعوى الشيعة مثل دعوة الكوفة أولها كتب نفاق وخداع، وعقباها خذلان، ثم نتيجتها إسلام المعصوم إلى أيدي أعدائه». وقال في صفحة (م): «وشهادة ابن بيت النبوة بخيانة من شيعته وقوة الدولة الإسلامية هي التي قتلته، وأهانته، ومثلت به مثلات». وقال في صفحة (ل): «أنا لا أكفر يزيد لأن عمله أشنع وأفحش من كل كفر ولا ألعنه لأن إسلام الشيعة بعد أن دعوه، واطاعه الجيش، وقائديه أمر يزيد ابتغاء لمرضاته أشنع وأفحش من أمر يزيد أضعافا مضاعفة. وان قال قائل: ان الحسين قتل في حرب أثارها هو، فهذا القول يكون تبرئة ليزيد، وتخطئة عظيمة للامام الحسين (عليه السلام). أنا لا أقول بهذا القول حتى لوقالته الشيعة. ولوقال قائل: إن الحسين قتل في حرب أثارتها الشيعة التي دعته دعوات ثم خذلته، فهذا مثل القول الأول تبرئة ليزيد، والذنب كل الذنب يكون على الشيعة التي خدعته ثم خذلته وأسلمته، ولم يكن البكاء على الشهداء إلاّ احتيالا إلى لعن من هو يعاديه، أو مكراً ودهاء وتقية، ودين الأمة كان أرفع من كل ذلك».
ونقول: كل كلامه هذا أخطاء وحياد عن الحق.
(أولاً): زعمه أن شيعة أهل البيت دعته دعوة نفاق وخداع ثم أسلمته لأعدائه، وقوله: بخيانة من شيعته، هذر من القول، فشيعة أهل البيت هم أتباعهم ومحبوهم، وهؤلاء لا يمكن أن يكون غرضهم بدعوته النفاق والخداع، ولا أن يخونوه وإلاّ لم يكونوا من أتباعه ومواليه، وإنما هذا شأن الأعداء، فأول هذه الجملة يكذب آخرها. والذين دعوه من أهل الكوفة جلهم كانت دعوتهم دعوة اخلاص لا نفاق فيها ولا خداع، وربما كان فيهم من هوعلى خلاف ذلك مثل شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث بن رويم، ومحمد بن الأشعث، وأضرابهم الذين كتبوا اليه، ثم خرجوا لحربه كما هوالشأن في أمثال هذه الحال في كل عصر وزمان. وإسلام من كان بالكوفة من الشيعة له بعد أن دعوه إنما هو للخوف ممن بيدهم السلطان، وفي قبضتهم الجنود والأموال، وحبسهم عن الخروج إلى نصره، فقد نظم ابن زياد الخيل ما بين واقصة إلى القطقطانة فلا يدعون أحداً يلج ولا أحدا يخرج، ومثله جار في كل عصر وزمان في سكوت أهل الحق عما يكون بيد الظلمة الذين بيدهم القوة والسلطان مع عدم قدرتهم على الدفع. ومع ذلك فقد خرج من قدر منهم على الخروج متخفياً مخاطراً بنفسه، أمثال: حبيب بن مظاهر الأسدي، ونافع بن هلال الجملي، وغيرهما، فجاهدوا معه وقاتلوا حتى قتلوا، والعادة الجارية في مثل هذه الحال أن يستولي الخوف على الأفراد، فتذهب قوة المجموع الذي لم يتألف بعد. وليس ذلك بأعجب من فرار المسلمين عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم أحد حتى رجع بعض أكابر الصحابة بعد ثلاث. وليس بأعجب من مخالفة الرماة يوم أحد أمر قائدهم عن أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتركهم مواقفهم طمعا في النهب إلاّ قليلا منهم حتى قتل القائد، وقتلوا معه، وفرارهم يوم حنين وهم اثناعشر ألفا حتى لم يبق مع النبي (صلّى الله عليه وآله) غير عشرة أنفس؛ لكن وجود راية يفيئون إليها معها الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وعلي وجماعة من بني هاشم ثبتوا بثباته، أوجب كرهم بعد فرهم، واجتماعهم بعد تشتتهم، ولم يكن في الكوفة مثل ذلك. ولا بأعجب من جبنهم عن عمر ويوم الخندق وبيدهم جيش ومعهم الرسول، فأيهما أعذر أشيعة الكوفة الذين لا جيش لهم وهم محصورون أم هؤلاء؟ ولئن كان أهل الكوفة غير معذورين في تفرقهم عن مسلم بن عقيل، فلا تزيد حالهم عن حال المسلمين الذين فروا يوم أحد وحنين، وجبنوا يوم الخندق.
(ثانياً): إذا كان شيعة الكوفة قد أسلموه، فغيرهم من المسلمين قد خذلوه ولم ينصروه، وإذا كان الشيعة غير معذورين في عدم نصرهم، فالأمة جمعاء التي يتغنى موسى جارالله دائما بذكرها، ويدعي عصمتها أقل عذرا بتمكينها يزيد الخمير السكير من الخلافة الإسلامية حتى تمكن من قتل الحسين، وفعلها أشنع وأفحش، فكيف كان ذنب خذلانه على الشيعة دون غيرهم، وإذا فات غيرهم نصره فلم لم يأخذوا بثأره؟ ولم لم يخلعوا يزيد وهم يرون قبيح أفعاله؟ ولم لم ينتصروا لآل الحسين وهم يساقون سبايا إلى الكوفة والشام؟ وهل كان لهم عذر في ذلك عنده دون الشيعة؟ وقد قال أهل الشام ليزيد لما استشارهم في ما يصنع بهم: لا تتخذن من كلب سوء جروا.
(ثالثاً): قوله: «بكل اهانة» سوء أدب منه، فما قتل الحسين (عليه السلام) إلاّ قتلة عز وشرف ومجد. وهوالذي اختار موت العز على عيش الذل؛ فلا يسوغ القائل أن يقول في حقه بكل إهانة مهما قصد ومهما أراد.
(رابعاً): تعبيره بجيش الدولة الإسلامية، وقوة الدولة الإسلامية غير صواب، فالإسلام بريء من هذه الدولة المؤسسة على الفجور، وشرب الخمور، واللعب بالطنبور، وانكار البعث والنشور، والانتقام للشرك من الإسلام، والأخذ بثأر من قتل على الشرك يوم بدر. نعم، كان ذلك بجيش دولة تنتسب إلى الإسلام وليست منه في شيء.
(خامساً): قوله قتله جيش الدولة الإسلامية الخ. وقوة الدولة الإسلامية هي التي قتلته «الخ» مع كون جيش الدولة وقوتها هو جيش الأمة وقوتها يناقض ما يأتي منه، ومن أن الأمة معصومة قد بلغت رشدها.
(سادساً): قوله دعوى الشيعة مثل دعوة الكوفة «الخ» خداع منه وارادة لعيب الشيعة بالباطل، فدعوى الشيعة مبنية على الدليل والبرهان لا يشوبها نفاق ولا خداع ولا خذلان. أما دعواه هو فليس مثلها دعوى في ظهور البطلان وعدم استنادها إلى دليل أو برهان.
والدعاوي ما لم تقيموا عليها
بينات أبناؤها أدعياء
ونعيد له هنا ما مر: من أن عمدة الخلاف بيننا في أمور محصورة معلومة؛ فإن قدرت أن تثبت لنا أن الحق فيها معك نكون لك من الشاكرين، وأما هذه الدعاوى الفارغة والكلمات الخشنة فليس فيها إلاّ الضرر، ودعوة الكوفة قد عرفت حالها؛ فهذا التشبيه منه محض عداوة، وسوء قول بالباطل وتفريق للكلمة.
(سابعاً): قوله أنا لا أكفر يزيد ولا ألعنه، وتعليله بما ذكره تحذلق بارد فلا شيء أشنع وأفحش من الكفر، وإسلام الشيعة الذي يقوله قد عرفت حاله. وقائد الجيش إذا كان فعله أشنع وأفحش من كفر يزيد أضعافاً مضاعفة، فما يصنع بما في تهذيب التهذيب عن عمر بن سعد بن أبي وقاص، قال العجلي: «كان يروي عن أبيه أحاديث روى الناس عنه وهو تابعي ثقة وهو الذي قتل الحسين»اهـ. أفهذا من جملة نقد الأمة الأحاديث الذي يدعيه في ما يأتي؟
(ثامناً): إن قتل الحسين لم يحصل بفعل ذلك الجيش وحده وقائديه بل هو مسبب عن أفعال تقدمته:
سهم أصاب وراميه بذي سلم
من بالعراق لقد أبعدت مرماك
أصابك النفر الماضي بما فعلوا
وما المسبب لولم ينجح السبب
تالله ما كربلا لولا السوابق والـ
أقوام تعلم لولا النار ما الحطب
(تاسعاً): قوله وان قال قائل «الخ» يتلخص في أن الشيعة تقول: إن الحسين قتل في حرب أثارها هو، وهو يقول: إنه قتل في حرب أثارتها الشيعة التي دعته ثم خذلته، وكلا القولين تبرئة ليزيد، إذا فرأيه المصيب أن تبعة قتل الحسين إنما هي على الشيعة، ويزيد بريء من تبعته، فليهنأ هذا العصر الذي ظهر فيه موسى التركستاني بهذه الآراء الصائبة التي أدت به إلى تبرئة يزيد من قتل الحسين. أما أن الشيعة دعته ثم خذلته، فقد مر الكلام فيه فلا نعيده، وأما أن الشيعة تقول: ان الحسين قتل في حرب أثارها هو؛ فيكذبه قول امام علماء الشيعة الشريف المرتضى في كتابه تنزيه الأنبياء والأئمة، «وسيدنا أبوعبدالله الحسين (عليه السلام) لم يسر طالباً للكوفة إلاّ بعد أن توثق من القوم، وبعد أن كاتبوه طائعين غير مكرهين، ومبتدئين غير مجيبين، وبذلوا له الطاعة، وكرروا الطلب والرغبة، ورأى من قوتهم على واليهم، وضعفه عنهم ما قوى في ظنه أن المسير هوالواجب، ولم يكن في حسابه أن القوم يغدر بعضهم، ويضعف أهل الحق عن نصرته، وأسباب الظفر بالأعداء كانت لائحة متوجهة والاتفاق عكس الأمر وقلبه» فأين قوله وافتراؤه أن الشيعة تقول ان الحسين قتل في حرب أثارها هو؟
(عاشراً): تسويته بين الأمرين قتل الخليفة الثالث، وقتل الحسين غير صواب، فالخليفة الثالث قتل في سبيل أمور نقمت عليه، وكان مروان يفسد أموره. والحسين قتل في سبيل العز والشرف والإسلام. قتل في سبيل عدم مبايعته لكفور، فاسق، فاجر، مسرف، مفسد، ماجن؛ وشتان ما بينهما.
(حادي عشر): قوله لم يكن البكاء على الشهداء «الخ» هذه العبارة مع عجمتها، وعدم وضوح جميع المراد منها أشبه بكلام المبرسمين، فالبكاء على شهداء كربلاء – الذين يغلب على الظن أنه أرادهم – كان حباً وولاء واقتفاء واقتداء بالنبي (صلّى الله عليه وآله) الذي بكى عليهم قبل قتلهم في جماعة أصحابه في ما رواه الماوردي(-الشافعي) في أعلام النبوة وبأئمة أهل البيت الذين فعلوا ذلك وأمروا به شيعتهم ومواليهم كما أوضحناه في كتاب: «اقناع اللائم» ولم يكن احتيالاً لشيء، ولا مكراً ودهاء وتقية كما صورت له مخيلته، ودين الأمة لا يمكن أن يكون أرفع مما فعله أهل بيته وأمروا به.
قال في صفحة (ل): «في الوافي عن الكافي عن الصادق: ان الوصية نزلت على محمد كتاباً مختوماً بخواتيم من ذهب دفعه إلى علي، فتح على الخاتم الأول وعمل بما فيه، والحسن فتح الثاني ومضى لما فيه، فلما فتح الحسين الثالث وجد قاتل واقتل وتقتل واخرج بأقوام للشهادة لاشهادة لهم إلاّ معك».
قال: «ولا أرى إلاّ أن الشيعة لم تضع على لسان الصادق هذا الحديث؛ إلاّ احتيالاً إلى التخلص من خزي الخذلان المخزي، ولا خلاص ولات حين مناص؛ لأن خروج الامام الحسين (عليه السلام) لوكان بكتاب من الله مختوم بذهب لاستعد له عملا بقول الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم﴾ [النساء: 71]، الآية ولرفع الراية وحولها قوته على حد قول الله: ﴿وان يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هوالذي أيدك بنصره وبالمؤمنين﴾ [الأنفال: 62] ؛ لأن الأمر الالهي لا يكون إلاّ بالتأييد وعلى حد قوله ﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلاّ نفسك﴾ [النساء: 84] الآية، ولكان جواب الامام لشيعة الكوفة «فأعرض عنهم»؛ لأن شيعة الكوفة قد جربها أبوه وأخوه وما كان الحسين لينسى قول أبيه في الشيعة الذليل من نصرتموه «الخ» ولو صح نهج البلاغة لكان يعلمه الحسين، وأكثر خطبه شكوى ولعنة، وهل كان يخذل عليا إلاّ شيعته، ولعلي كلمات مرة خطابا للشيعة، وهي كلها صادقة أخفها وأحقها ما في ص 183 ج 2 شرح ابن أبيالحديد. وقال في صفحة (س د) «وقلما خلت خطبة من ذم لشيعته وشكوى».
(ونقول): تكذيبه أن ينزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وصية فيها ما يجب أن يعلمه آله بعد موته لا يستند إلى دليل، سوى الاستبعاد الناشيء عن جهله بمقام أهل البيت (عليهم السلام)، وعظيم قدرهم اتباعا لما اعتاده وألفه. ورأيه أن الشيعة وضعت هذا الحديث على لسان الصادق احتيالاً إلى التخلص من خزي الخذل رأى أفين، (أولاً): لأن الشيعة ليس من دأبها الوضع ولا العمل بالموضوع – وان زعم المفترون – ولا تأخذ إلاّ بما رواه الثقات عن الثقات كما يعلم ذلك من مراجعة كتب الدراية، وكتب أصول الفقه لها. (ثانياً): رواة هذا الحديث متأخرون عن قتل الحسين (عليه السلام) بمئات السنين، وهم لم يخذلوا الحسين؛ ليحتالوا إلى التخلص من خزي خذله، (ثالثاً): ان خزي الخذل المخزي هوعلى الأمة المعصومة عند التركستاني التي خذلت ابن بنت رسول الله، ومكنت يزيد الفاجر من قتله كما خذلت أباه وأخاه من قبل، كما قال المعري:
أرى الأيام تفعل كل نكر
فما أنا في العجائب مستزيد
أليس قريشكم قتلت حسيناً
وصار على خلافتكم يزيد
(قوله): «لو كان خروج الحسين بكتاب من الله لاستعد له» الخ، فيه أنه استعد لذلك جهده، فكاتب أهل البصرة، وكاتبه أهل الكوفة؛ وأرسل إليهم ابنعمه مسلم بن عقيل أوثق أهل بيته في نفسه، ولم يدع وسيلة ممكنة من وسائل الاستعداد إلاّ استعملها.
(قوله): «لأن الأمر الإلهي لا يكون إلاّ بالتأييد» غير سديد، فالله تعالى قد أمر أنبياءه بالدعوة، وكثير منهم كذب وطرد وبعضهم قتل وبعضهم أيد، وبنو إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبياً ورأس يحيي بن زكريا أهدي إلى بغي من بغايا بنيإسرائيل والله تعالى أمر بالجهاد، فهل كل جهاد كان معه التأييد والنصر والنبي (صلّى الله عليه وآله)، أرسل جيشاً إلى مؤتة فقتل قواده وأمراؤه وعاد مهزوماً، وكانوا ثلاثة آلاف مقابل مائتي ألف من الروم والعرب، فهل كان النبي (صلّى الله عليه وآله) أرسل الجيش من غير أمر الله؟ والجهاد لا تنحصر فائدته في النصر الحاضر. والحسين (عليه السلام) إن خذل فقتل يوم كربلا، فقد أحرز نصراً باهراً على أعدائه، فقد كان قتله مقوضاً لأركان دولتهم مظهراً لفضائحهم محييا لدين جده الذي حاول بنو أمية قلعه من أساسه.
(قوله): «لأن شيعة العراق قد جربها أبوه وأخوه». نعم، قد جرباها فلم ينصرهما غيرها. ولكن هل يعتقد موسى جارالله أن العراق في عهد أبيه وأخيه كان كل أهله أوجلهم شيعة لهما؟ أو أن الغالب من أهلها على خلاف ذلك؟ وإذا كان يعتقد الأول فلماذا حاربه أهل البصرة يوم الجمل ويوم ابن الحضرمي؟ ولماذا قصد أصحاب الجمل البصرة دون غيرها من البلدان؟ وكيف يكون ذلك وجل أهلها عثمانية؟! ولماذا قعد عنه أهل الكوفة يوم الجمل في أول الأمر؟ وقد أرسل ولده الحسن وعمار بن ياسر يستنجدهم فلم ينجدوه، ومالوا إلى تخذيل أبي موسى. ولماذا لم يتمكن من عزل شريح القاضي؟ ومن إبطال الجماعة في نافلة شهر رمضان، حتى كانوا ينادون في مسجد الكوفة: واسنة فلا ناه وغير ذلك مما لم يمكنه ابطاله. وقد كان في الكوفة الأشعث بن قيس رئيس كندة من أكبر عشائر الكوفة – وعشيرته تبع لأمره – وهو ألد أعداء علي أميرالمؤمنين، وكان يفسد عليه أموره، وله الضلع الأكبر في خذلان علي يوم رفع المصاحف، ويوم الحكمين وفي جميع أدوار امارة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وله الضلع الأكبر في قتله وهوالذي أفسد عليه أمر الخوارج لما أراد استصلاحهم، وابنه محمد أعان على قتل هانيء ومسلم بن عقيل بالكوفة، وخرج هو وأخوه قيس لحرب الحسين، وكان قيس ممن كاتبه، وسلب قيس قطيفة الحسين. وجل عشائر العراق إنما كانت تتبع رؤساءها وأطماعها ولم تكن أهل دين ولا تشيع خلا نادر منها كهمدان وعبد القيس وغيرهما.
أما ما زعم أنه قول أبيه في الشيعة فهو افتراء، فالشيعة لم يكونوا ليعصوا له أمراً أو يخالفوا نهيا، أو يحيدوا عن أوامره ونواهيه قيد شعرة، ولكن هؤلاء كانوا أقلاء. وإنما قاله في من كانوا معه، وتحت حكمه من الناس، وكان فيهم أو الغالب عليهم ما قدمناه.
قوله: «وما كان لينسى قول أبيه في الشيعة» قد عرفت أن هذا ليس قول أبيه فيهم، بل في عامة الناس الذين إن لم يكن الشيعة فيهم أقلية، فليسوا بأكثرية. وإذا كان الحسين ولم ينس قول أبيه فيهم، فما باله خرج اليهم، ولم يكن مغفلاً، ولا قليل تجربة فقد ناقض هذا الرجل نفسه، واستدل بما يثبت خلاف مطلوبه.
نهج البلاغة
قوله: «ولو صح نهج البلاغة الخ…» نهج البلاغة صحيح وإن حاول المحاولون إبطاله، وقدحوا فيه عند كل مناسبة؛ لغرض في نفوسهم، كما قدح القادحون في القرآن، وقالوا إنه كلام ساحر، وكلام شاعر، فلم يضره ذلك، وشهدت بلاغته، وفصاحته، وعجز الناس عن معارضته بصحته، كما شهدت بلاغة نهجالبلاغة – الذي هو بعد الكلام النبوي، فوق كلام المخلوق، ودون كلام الخالق – وفصاحته وعجز الفصحاء والبلغاء عن الاتيان بمثله بصحته، فشرحه الشارحون شروحا لا تحصى، وحفظه الخطباء والوعاظ، واستمدوا منه واشتهر في جميع الأقطار والأعصار، ولم يستطع أن يشق له غبار.
قوله: «وأكثر خطبه شكوى، ولعنة، وقلما خلت خطبة من ذم لشيعته، وشكوى، وهل كان يخذل عليا إلاّ شيعته؟» ونقول: شكوى، ولكن ممن؟ ولعنة، ولكن على من؟ وذم، ولكن لمن؟ انظره. وانظر كلامه، وأشعاره تجد أن أكثر خطبه وكلامه مدح وثناء على رؤساء أصحابه من الشيعة كالأشتر، والأحنف، وقيس بن سعد، وسعيد بن قيس، وعمار، وابنالتيهان، وأبناء صوحان، والحصين بن المنذر، ومحمد بن أبيبكر، وأمثالهم، وذم لعامة أصحابه الذين لم يكونوا كذلك، وشكوى من أعدائه، وفي كلامه وشعره المدح العظيم لهمدان وربيعة حتى قال:
لوكنت بواباً على باب جنة
لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقال:
ربيعة أعني أنهم أهل نجدة
وبأس إذا لاقوا خميساً عرمرما
وحاشا شيعته أن يخذلوا؛ وإنما كان يخذله من عرفت، وقد دفع عنه الأحنف يوم الجمل مائة ألف سيف من بني تميم كانوا على رأى أصحاب الجمل فاعتزل بهم، ويوم الحكمين بذل غاية جهده في عزل أبي موسى، والأشتر أبى التحكيم إباء شديداً، وكذا غيره من خلص شيعته، ولكن المنافقين أمثال الأشعث، والجامدين من القراء الذين لم يكونوا يعرفون لأميرالمؤمنين حقه هم الذين خذلوه، ومن الخطل المشين عدهم من شيعته من أبوا إلاّ التحكيم وإلاّ أبا موسى المعلوم حاله.
أما ما حكاه عن شرح نهج البلاغة؛ فهو يشير إلى خطبة يتذمر فيها أميرالمؤمنين (عليه السلام) من أصحابه، ويذمهم على عدم اطاعتهم له. ولا يخفى – كما مر – أن جميع أصحابه ورعيته لم يكونوا شيعة له عارفين بحقه، بل كان جلهم – إلاّ النادر – على خلاف ذلك، وقد أبان هذا المعنى ابن أبيالحديد في شرح النهج عند شرحه لهذه الخطبة، فقال: «من تأمل أحواله (عليه السلام) في خلافته علم أنه كان كالمحجور عليه لايتمكن من بلوغ ما في نفسه، وذلك لأن العارفين بحقيقة حاله كانوا قليلين، وكان السواد الأعظم لا يعتقدون فيه الأمر الذي يجب اعتقاده فيه» – إلى أن قال -: «وأكثرهم إنما يحارب معه بالحمية، والنخوة العربية لا بالدين والعقيدة» إلى آخر كلامه الذي ذكره في شرح هذه الخطبة، ولا شك أن صاحب الوشيعة قد رآه وقرأه، وقد كان فيه ردع له عما قاله لو كان عنده شيء من الانصاف، وكان قصده تحري الحقيقة، فبان أن زعمه كون هذه الخطبة في ذم الشيعة زعم فاسد ورأى كاسد، فالشيعة في أصحابه لم يكونوا إلاّ كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض، وإذا كان نهج البلاغة لم يصح عنده، فما باله يستشهد به لمزاعمه.
قال في صفحة (م) ([266]): «ومهما يختلق للثانية – أي شهادة الحسين – مختلق من وجه سياسي؛ فإن الأولى لن يجد وجها لها نفس واجد إلاّ توجيهات صوفية للثانية ذكر بعضها مؤلف سر الشهادتين؛ واذ لم أقنع بها توهمت وقلت: إنما هي فتنة جاءت من عفاريت اليهود وشياطين الفرس لعبت بغفلة الشيعة للنيل من دين الإسلام؛ ومن دولته هذه أوهامي في توجيه الأمر أوالأمرين، ولا علم عندي في وجه الأمرين غير ذلك؛ وان كنت قد أحطت بما في كتب الشهادتين».
(ونقول): عبارته هذه الممجوجة في الأسماع والقلوب بقوله فيها لن يجد وجهاً لها نفس واجد، وقوله إلاّ توجيهات صوفية للثانية الذي أوجب استثناءه هذا فيها خللا في نظم الكلام وغير ذلك فيه أن الثانية لا تحتاج إلى أن يختلق لها مختلق وجها سياسيا مهما أطال هذا الرجل، وكرر هذه الترهات، فليس وجهها إلاّ ما أعلن به فأعلنها على رؤوس الملأ بقوله:
ليت أشياخي ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحاً
ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم
وعدلنا ميل بدر فاعتدل
لست من خندف إن لم أنتقم
من بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء ولا وحي نزل
وكما قلت:
ثارات بدر أدركت في كربلا
لبني أمية من بني الزهراء
وقد ساقته أوهامه في توجيه الأمر أو الأمرين مع إحاطته بما في كتب الشهادتين إلى أن هذه الفتنة جاءت من عفاريت اليهود وشياطين الفرس. وينبغي لسامع هذا الكلام أن يقهقه وإن كان ثاكلاً، ولسامعته أن تضحك وإن كانت ثكلى. فتنة قتل الخليفة الثالث، وفتنة قتل السبط الشهيد جاءتا من عفاريت اليهود والشياطين الفرس. (أما الأولى)، فيقول المقريزي في خططه: أثارها عبدالله بن سبأ اليهودي ومشى خلفه موسى جارالله، وأثارها الفرس الذين دخلوا في الإسلام، وأظهروا التشيع للانتقام من الإسلام. كلمة قالها شخص وتبعه من بعده لأنها وافقت هواهم؛ ولكنا لا ندري متى أظهر الفرس التشيع انتقاما من الإسلام؟ وجميع بلاد الفرس في الدولة الإسلامية من أولها أهلها سنيون إلاّ ما ندر، وجميع أجلاء علمائهم ومحدثيهم هم سنيون إلاّ ما شذ. كالبخاري، وابنماجة القزويني، وأبو زرعة الرازي، والكيا الهراسي، والنسائي وغيرهم ممن يضيق عنهم نطاق الاحصاء، ولم ينتشر التشيع في بلاد الفرس إلاّ في عهد الصفوية، وهم من نسل الامام الكاظم، وليسوا فرساً فمن هم الذين أظهروا التشيع من الفرس انتقاما من الإسلام؟ وفي أي زمان وجدوا؟ (وأما الثانية)، فلا ندري ولا المنجم يدري ما علاقتها باليهود والفرس. (والصواب): أن الأولى جاءت ممن كان يخرج قميص رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويقول ما هو مشهور معروف، ويأمر بقتل عثمان، ويلقبه بلقب مشهور، ويقول ما هو معروف مشهور. وممن صلّى بالناس صلاة الصبح ثلاث ركعات في مسجد الكوفة وهو سكران، وتقيأ الخمر في محراب المسجد، وممن كان يكتب الكتب عن لسانه، ويختمها بخاتمه، ويرسلها مع غلامه على راحلته ولا يعلم هو بذلك. ومن كان كلما وعد أحداً بازالة شكايته أفسد عليه ذلك. وممن تركه محصوراً بعدما هيج الناس عليه وخرج من المدينة إلى مكة وممن استنجد به فلم ينجده بل أرسل قوماً لنجدته وأمرهم بالمقام بوادي القرى دون المدينة حتى قتل هؤلاء الذين جاءت منهم الفتنة الأولى مع انضمام أسباب أخر لا من عفاريت اليهود كابن سبأ وغيره؛ فإنه أقل وأذل من ذلك، ولا من شياطين الفرس. وأين كان الفرس عن هذه الفتن ليكون لهم أثر فيها؟ وهل ترك عفاريت العرب وشياطينهم مجالا لعفاريت اليهود وشياطين الفرس في ذلك؟ وإذا استطاع ابن سبأ اليهودي الملحد أن يؤثر على المسلمين وفيهم جمهور الصحابة الكرام وأهل الحل والعقد – وهم أمة معصومة قد بلغت رشدها – فيوقعهم في فتنة عمياء تؤدي إلى قتل خليفتهم، وتشعب أمرهم، ونشوب الفتن بينهم، وهم لا يشعرون، فأي ذم لهم يكون أكبر من ذلك؟! هذا ما لا يرتضونه لأنفسهم، ولا يرتضيه لهم المقريزي، ولا موسى جار الله، ولا أحد من المسلمين والصواب: إن الثانية جاءت من يوم بدر ومن غلبة الإسلام على الكفر كما مر.
وأما قوله: لعبت بغفلة الشيعة «الخ» فقد علمت مما مر أن لا شيء من ذلك لعب بغفلة الشيعة للنيل من دين الإسلام، ومن دولته؛ وإنما نال من دين الإسلام ومن دولته من أثار تلك الفتن حباً بالدنيا، واعراضاً عن الآخرة، وطمعاً في الامرة، وحسداً، وبغياً، وانتقاما للكفر من الإسلام والغفلة التي نسبها إلى الشيعة لم تكن إلاّ فيه بتقليده من تقدمه، وغفلته عن الحق. قوله: «هذه أوهامي «الخ» قد ظهر أنها أوهام فاسدة وتخرصات واهية باردة. والعجب منه كيف يقول لا علم عندي في وجه الأمرين غير ذلك مع احاطتي بما في كتب الشهادتين: والوجه فيهما باد كالشمس الضاحية.
قال في صفحة (أ ن): «وقد كشف الغطاء عن وجه الأمرين الامام المجتهد النجفي جعفر ابن الشيخ خضر في كتابه كشف الغطاء، وهوكتاب يعتمد عليه شيعة اليوم حيث ذكر فيه ما يفهم منه رضا علي بقتل عثمان الذي قتله المهاجرون والأنصار، إلى أن قال: فكشف بمثل هذا التحقيق كل الغطاء عن وجه الشهادتين، فهل بعد ذلك يمكن أن يقال: إن مطالبة معاوية علياً بدم عثمان كان بغياً؟ وهل يمكن لوم يزيد ولعنه لأجل قتله الحسين وأهل بيته؟ وعثمان أسود أموي، ومعاوية ويزيد أحق أموي بمطالبته دمه، وأقوى أموي يستوفي حقوق بني أمية من أعدائها، ولا لوم إلاّ على من فتح باب الفتنة بقتل أسود أموي بعدما ذهب الإسلام بجذور الفتن، ولا لوم إلاّ على شيعة الكوفة التي خدمت يزيد، فدعت الحسين نفاقا، ثم باعت دينها بدنيا يزيد، فخذلت الحسين وأسلمته إلى يزيد لا لوم إلاّ على من كان يخذل عليا في حياته وسعى في قتل أولاده بعد مماته»،اهـ باختصار.
(ونقول): الشيعة لا تتوقف عن مخالفة الشيخ جعفر في هذا الرأي سواء أوصف بالإمام المجتهد أم لم يوصف، فهو ليس بمعصوم من الخطأ في آرائه. وأما كتابه فكسائر الكتب يعتمد عليه شيعة اليوم، وقبل اليوم في ما أصاب فيه، ويردونه في ما أخطأ فيه، ولا يمكن أن يجعل معبرا عن رأى عموم الشيعة، ولا عن رأى فرد منهم سواه. ولا يشك أحد من الشيعة في براءة علي من دم عثمان. لا سيما بعد أن تبرأ منه في عدة مواضع؛ فالتفريع الذي فرعه عليه في حق معاوية ويزيد خطأ ما عليه من مزيد – وان أراد ستره بقوله وفعله أكبر وأفحش الخ – ولكن قد سبق منه أن قال: قتل الامام وقوة الدولة هم الأنصار والمهاجرون – وعلي على رأسهم – بالمدينة. وكليمة همس منه تكفي في طرد الفئة الثائرة. لم أجد في هذا الأمر عذراً لأحد. شهادة خليفة الإسلام وقوة الدولة الإسلامة حاضرة قوية كانت متمكنة من دفعها ولم تدفع ولم تدافع. وهذا يلزم منه عين ما عابه على الشيخ جعفر لا في حق علي وحده، بل في حق جميع المهاجرين والأنصار الموجودين يومئذ.
ثم إن التي يجب أن نأخذ ثلثي ديننا عنها، وحواري رسول الله، ومن هم من العشرة المبشرة، وعبدالله بن الزبير، ومروان بن الحكم وغيرهما، ومعاوية ومن معه من الصحابة العدول كلهم قد اجتهدوا فاعتقدوا خطأ أن علياً قتل عثمان، فقاموا يطلبون بدمه، ويقاتلون عليا يوم الجمل وصفين حتى قتلت عشرات الألوف من المسلمين بسبب هذا الاجتهاد المخطىء، والقاتل والمقتول في الجنة، وللمصيب أجران، وللمخطىء أجر واحد. وهؤلاء كلهم كانوا معاصرين للخليفة، مطلعين على ظاهر أمره وباطنه، وقتل وهم أحياء قريبون منه لا يخفي عليهم شيء من أمر قتله، وتأتيهم أخباره بكرة وعشية، ومع ذلك فقد اعتقدوا خطأ أن عليا قتله، فإذا اعتقد الشيخ جعفر بعد ألف ومئات من السنين خطأ رضا علي بقتل عثمان فليس ذلك بالأمر الغريب، ويكون معذوراً في اجتهاده الذي أخطأ فيه وأعذر من الذين كانوا في ذلك العصر فأخطأوا وعذروا وأثيبوا. على أن خطأ الشيخ جعفر لم يترتب عليه من المفاسد ما ترتب على خطأ أولئك من اراقة الدماء الكثيرة، وتشتيت كلمة المسلمين، واستحكام العداوة والشحناء بينهم إلى اليوم.
ثم إنا نراه قد أقام نفسه محامياً ومدافعاً عن يزيد وأبيه بما لا يرضيانه ولا يشكرانه عليه، فالأب قد قال حين دخل الكوفة بعد صلح الحسن (عليه السلام) في ما رواه أبو الفرج الأصبهاني في المقاتل، ورواه أيضاً عن المدائني: «اني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، انكم لتفعلون ذلك. ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون» والابن قد قال في ما رواه سبط ابنالجوزي عن الشعبي:
لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء ولا وحي نزل
قد قتلنا القرم من ساداتهم
وعدلنا ميل بدر فاعتدل
فهما قد دافعاً عن أنفسهما، وأبانا عما في ضمائرهما، فلا يحتاجان إلى مدافعته ومماحكاته هذه. وقد عرفت مما سبق من هو الذي فتح باب الفتن، وسبب قتل أسود أموي ثم قام يطلب بثأره. والإسلام ان كان ذهب بجذور الفتن – كما يدعي – فالمسلمون والأمة المعصومة – عنده – قد أعادوا هذه الجذور وسقوها بمياه التمويه والخداع حتى نمت واستطاعت وامتدت فروعها، فبلغت أداني بلاد الإسلام وأقاصيها وبقيت تلك الفروع باسقة مستطيلة إلى اليوم، وهو يتمسك بفروعها وأغصانها. قوله: لا لوم إلاّ على شيعة الكوفة الخ. نعم، لا لوم إلاّ عليها عنده، أما سائر الأمة فلا لوم عليها أبدا بخذلانها ابن بنت نبيها، وتمكينها ليزيد من قتله، بل تستحق على ذلك المدح والثناء. وقد عرفت في ما مضى من الجواب عن مثل هذا الكلام أنه عار عن التحصيل فلا نعيد.
قال في صفحة (ن): «وانطلق قلم الشيخ – صاحب كشف الغطاء – فأخذ يبث ما في قلبه من العلوم والعقائد، وطفق يستدل على فضل علي بحديث لا يجوز على الصراط إلاّ من كان بيده جواز من ولاية علي، بخبر لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي في وقعة أحد، بحديث رد الشمس عليه مرة أو مرتين أو ستين مرة».
ونقول: نقله ما ذكره الشيخ جعفر من فضائل علي (عليه السلام) بعبارة الاستهزاء يوجب الهزء بعلمه وعقله، ففضائل علي قد ملأت الخافقين ووصلت إلى أسماع الجن والانس، والمستهزىء بها عار من العلم والعقل ﴿ان تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون﴾ [هود: 38] ونراه اقتصر على الدعاوى المجردة كعادته.
(أما حديث لا يجوز على الصراط الخ) فقد رواه أبوالمؤيد موفق بن أحمد من أعيان علماء من تسموا بأهل السنة باسناده من طريقين في كتب فضائل أميرالمؤمنين (عليه السلام)، ورواه أبو الحسن علي بن محمد الخطيب، المعروف بابن المغازلي الشافعي، في المناقب من ثلاثة طرق وأكثر، ورواه إبراهيم بن محمد الحموئي من أعيان علماء السنيين بسنده ورواه ابن شيرويه الديلمي من أعيان علماء السنيين في كتاب الفردوس في باب الحاء، ولكن بلفظ حب علي براءة من النار، ورواه غيرهم أيضاً. وهذه الأحاديث بألفاظها وأسانيدها مذكورة في غاية المرام وروي من طريق الشيعة بسبعة طرق مذكورة في غاية المرام أيضا.
(وأما حديث لا سيف إلا ذو الفقار) فرواه الطبري وابن الأثير وغيرهما ونظمه الشعراء، وأودعه العلماء مؤلفاتهم، فهل يمكنه انكاره؟ أو لا يجده فضيلة ليقل ما شاء.
(وأما حديث رد الشمس لعلي (عليه السلام) فقد رواه من غير الشيعة ابن المغازلي الفقيه الشافعي عن أسماء بنت عميس كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوحى اليه، ورأسه في حجر علي. فلم يصل العصر حتى غربت الشمس. فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إن علياً كان على طاعتك وطاعة رسولك، فأردد عليه الشمس، فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت. ورواه ابنالمغازلي الشافعي أيضاً بسند آخر عن أبي رافع نحوه. ورواه موفق بن أحمد بطريقين في حديث احتجاج علي على أهل الشوري فكان في ما قال: أمنكم أحد ردت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلّى صلاة العصر غيري؟ قالوا: لا. ورواه موفق أيضا بسنده عن أسماء بنت عميس نحوه. ورواه موفق أيضاً بسند آخر عن أسماء بنت عميس. ورواه إبراهيم بن محمد الحموئي بسنده عن أسماء بنت عميس وهذه الأحاديث كلها بأسانيدها ومتونها مذكورة في غاية المرام للسيد هاشم البحراني وذكر ابن حجر الهيتمي في الفصل الرابع من الباب التاسع من صواعقه المعقود لذكر نبذ من كرامات علي ما لفظه: ومن كراماته الباهرة أن الشمس ردت عليه لما كان رأس النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) في حجره والوحي ينزل عليه وعلي لم يصل العصر فما سرى عنه (صلّى الله عليه وآله) إلاّ وقد غربت الشمس، فقال (صلّى الله عليه وآله): اللهم انه كان في طاعتك وطاعة رسولك فأردد عليه الشمس، فطلعت بعدما غربت. قال: وحديث ردها صححه الطحاوي والقاضي في الشفاء وحسنه شيخ الإسلام أبو زرعة وتبعه غيره وردوا على جميع من قالوا انه موضوع فهذا هو حديث رد الشمس الذي حكاه بعبارة الاستهزاء بقوله مرة أو مرتين أو ستين مرة. وهذه عصبيته التي أدت به إلى الاستهزاء بالحديث النبوي، فماذا يكون منه بعد هذا!؟
وحكى في صفحة (ع) عن صاحب كشف الغطاء أنه عقد بابا للمثالب ذكر فيه رواية البخاري في صحيحه عن نافع عن ابن عمر: قام النبي خطيبا فأشار نحو مسكن أم المؤمنين، وقال: «الفتنة تطلع من هاهنا ثلاثا من حيث يطلع قرن الشمس. ثم قال: هذه شواهد تدل على قدر الإيمان والأدب والأمانة لأقلام مجتهدي الشيعة».
ونقول: خوض الناس في المثالب والمناقب ليس من مخترعات صاحب كشف الغطاء، فقد جرى البحث والجدال في ذلك في الأعصار السالفة واللاحقة، وابتدأ ذلك من عصر الصحابة كما يظهر بأدنى تتبع، وتناظر فيه العلماء في كل عصر، وقد صنف فيه إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي صاحب المغازي (المتوفي سنة 283 هـ) كتابه المعروف وحلف أن لا يرويه إلاّ بأصفهان التي كان أهلها في ذلك الوقت أبعد الناس عن أهل البيت، فانتقل إليها ورواه بها ثقة منه بصحة ما رواه في ذلك، وتناظر فيه المرتضى وقاضي القضاة الباقلاني، فألف الباقلاني كتاب المغني ونقضه المرتضى بكتاب الشافي المطبوع وتناظر فيه قبل المرتضى ابن قبة مع بعض علماء ما وراء النهر نقضا وابراما بكتب عدة حتى مات أحدهما. وما زالت المناظرة شائعة بين العلماء في كل عصر وزمان. وغير المعصوم لا يمتنع أن توجد له مناقب ومثالب، وما دام المتبع هو الدليل والبرهان فليس لأحد أن يغضب أويعيب إلاّ بدليل وبرهان. أما إيمان مجتهدي الشيعة فيوازي الجبال الرواسي. وأما الأدب فليس في نقل ما يرويه العلماء منافاة للأدب. وأما الأمانة فهل رأى أن ما حكاه عن صحيح البخاري ليس موجودا فيه أوأن فيه شيئا من التحريف. ولو اتسع لنا المجال لبينا له أين موضع الأدب والأمانة، وقد ظهر من تضاعيف ما ذكرناه أنه في «وشيعته» بعيد عنهما.
نقده لكتاب أصل الشيعة
انتقد كتاب أصل الشيعة في عدة مواضع فرقها في كتابه، ونحن ذكرناها ممتالية.
قال في صفحة ( ف): «امام مجتهدي الشيعة اليوم محمد الحسين آل كاشف الغطاء رأيته أول مرة بالقدس، ثم زرته في بيته بالنجف الأشرف، فأعطاني كتاب «أصل الشيعة»، وقال: طالعه تجد فيه حقائق كثيرة، قد استحسنه علماء الغرب حتى قرضوه أو قرضه البعض، أحطت بما في أصل الشيعة في جلسة. وقد وقفت مطي أفكاري وقفة طويلة عند قوله: أما امام الشيعة علي بن أبي طالب الذي يشهد الثقلان أنه لولا سيفه ومواقفه في بدر واحد وحنين والأحزاب ونظائرها لما اخضر للإسلام عود، وما قام له عمود، حتى كان أقل ما قيل في ذلك ما قاله أحد علماء السنة:
إلاّ إنما الإسلام لولا حسامه
كعفطة عنز أوقلامة ظافر
ثم أخذ في تهجين الاستشهاد بالبيت، فقال: «دين أنزله الله إلى سيد المرسلين وخاتم النبيين ليكون دينا للعالمين إلى يوم الدين في كتاب ﴿لئن اجتمعت الجن والانس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ [الاسراء: 88] كيف يقول فيه قائل له عقل: ان أقل ما يقال فيه انه عفطة عنزة أو قلامة ظافر أوضرطة عنز بذي الجحفة، فإن كان معتزليا اعتزل دينه شبه الإسلام بذلك فقد كان أجهل الناس بالإسلام وأبعد الناس عن الإيمان، وشر منه قول من جعل قول المعتزل أقل ما يقال فيه، فأي شيء بقي أقل من ذلك. جيء به ترفضاً وتشيعاً حتى تكون أبلغ بليغ.
فإن كنت تخفي بغض حيدر خيفة
فبح لأن منه بالذي أنت بائح
فقل الآن أي شيء بعد قولك هذا اكثر ما يقال فيه. ثم عاد إلى ذلك في صفحة (ت) فأنكر وعاب ما شاء.
(ونقول): لا يشك من عنده أدنى معرفة وانصاف في أنه لولا سيف علي بن أبي طالب لما اخضر للإسلام عود ولا قام له عمود. ويكفي شاهد واحد على ذلك ضربته يوم الخندق عمرو بن عبد ود بعدما جبن عنه الناس جميعاً، وقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): برز الإسلام كله إلى الشرك كله([267]) لمبارزة علي لعمرو يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة([268]) اليوم نغزوهم ولا يغزوننا([269]).
أما الاستشهاد بالبيت؛ فلا يوجب كل هذا الاستنكار والتهويل والتهجين والازباد والارعاد، ووقوف مطي الأفكار وقفة طويلة أو قصيرة، فالبيت جار على عادة الشعراء في مبالغاتهم، وهب أن فيه سوء أدب بالنسبة إلى الإسلام، فسوء الأدب يغتفر إذا علم أن فاعله لم يقصد بها سوءاُ، وقد اغتفرت نسبة الهجر إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) من بعض أكابر الصحابة حين طلب الدواة والكتف ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً لما علم أنه لم يقصد بها سوء والبيت جيء فيه بلولا التي هي للامتناع والنفي، فلا وجه لقوله إنه قال فيه إنه عفطة عنز أو قلامة ظافر وأنه شبه الإسلام بذلك، والله تعالى يقول في الكتاب العزيز:
﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا﴾ [الاسراء: 74] ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم﴾ [النور: 14] ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا﴾ [النور: 21] ويقول مخاطبا لنبيه (صلّى الله عليه وآله): ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ [الزمر: 65]. وسواء أكان في نظم البيت الاستشهاد به سوء أدب أم لم يكن، فليس ذلك بمهم إنما المهم تحقيق أنه لولا سيف علي لما اخضر للإسلام عود ولا قام له عمود، ولم يأت في نفيه بشيء. والظاهر أنه غاظه المبالغة في فضل علي، ولم يطقها سمعه، ولم تحتملها نفسه، ولم يشأ أن يظهر أن غضبه لذلك، فاظهر أن غضبه غيرة على الإسلام، وخرجت به الحدة والغضب إلى أن أخرج ابن أبي الحديد المعتزلي، ناظم البيت، عن الدين، وجعله أجهل الناس بالإسلام، وأبعدهم عن الإيمان، وجعل قول المستشهد بالبيت شراً منه، وزاد به هيجان عاصفة الغضب بلا سبب، فلجأ إلى السلاح المعهود: النبز بالرفض والتشيع، وفاه بكلمة الفحش مضافة إلى العنز. مهلاً أيها الرجل خفف من غلوائك؛ إن فضل علي بن أبي طالب أعظم مما تظن، ومناقبه أكثر مما تتصور، وحقاً لولا سيفه لما اخضر للإسلام عود ولا قام له عمود.
فما أبغض الإسلام ذاكر فضله
ولكن دليل الحب من ذاك لائح
فإن كنت تخفي بغض حيدر خيفة
فبح لأن منه بالذي أنت بائح
وكون الإسلام ديناً أنزله الله إلى سيد المرسلين ليكون دينا إلى يوم الدين لا ينافي أن يقيض الله له من ينصره بسيفة، بل لازمه ذلك ليبقى إلى يوم الدين، ويصح أن يقال فيه ما قيل.
قال في صفحة (ص): «وهل لعلي فضل سوى أنه صحابي بين الصحابة، وبطل من أبطال جيش المسلمين. ولولا الإسلام لما كان لعلي ولا لعرب الحجاز ذكر ﴿هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا﴾ [الانسان: 1] ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا» [فاطر: 10] ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هوالغني الحميد﴾ [فاطر: 15] الآية. ومن كان له أدب فليس من دأبه أن يمن على الله بشيء من عمله ﴿قل لاتمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾ [الحجرات: 17] وقال في صفحة (ق): «وامام الأئمة علي أول من يتبرأ من مثل هذا الكلام – أي مضمون البيت – وأفضل أحوال علي أن يكون خامس الأمة، رابع الصحابة. وقد جعله الله كذلك، ورضي هو في حياته بذلك، وقد كان يقول: دنياكم عندي كعفطة عنز في فلاة، ومثل هذا الكلام في مثل هذا المقام له وقع وله بلاغة. أما انتحاله في الإسلام لولا سيف على فلم ولن يرتكبه أحد؛ إذ لا شرف لعلي وسيفه إلاّ بإسلامه والإسلام في شرفه غني عن العالمين غنى الله منه بدأ وإليه يعود. ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا اليك ثم لاتجد لك به علينا وكيلا﴾ [الاسراء: 86].
وقال في صفحة (ص): «لو صدق قول إمام الشيعة: لولا سيف علي «الخ» لكان النبي في قوله أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، كاذبا كذب كفران، ولكان قول الله جل جلاله: ﴿ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً ولو كثرت﴾ [الأنفال: 19] باطلا بطلان عدوان».
(ونقول): من أدهى مصائب الزمان أن يقول رجل مثل موسى تركستان: وهل لعلي فضل سوى أنه صحابي بين الصحابة، وبطل من أبطال جيش المسلمين (لقد هزلت). نعم، لعلي فضل سوى أنه صحابي بين الصحابة، والاستدلال على ذلك كالاستدلال على الشمس الضاحية، وانكاره كانكارها:
تريد على مكارمنا دليلاً
متى احتاج النهار إلى دليل
فهو أعلم الصحابة، وأشجعهم، وأزهدهم، وأعبدهم، وأفصحهم، وأشدهم سياسة، وأرجحهم عقلا وكياسة، وأسدهم رأياً، وأولهم إسلاماً، وأكثرهم جهاداً، وأجمعهم لصنوف الفضائل. لم يكن علي صحابياً كسائر الصحابة، بل امتاز عنهم بفضائل لم يشاركه فيها أحد كما قال خزيمة بن ثابت:
من فيه ما فيهم لا يمترون به
وليس في القوم ما فيه من الحسن
سبقهم جميعاً إلى الإسلام، وعَبَدَ الله وليس في الأرض من يعبده إلاّ ثلاثة هو أحدهم، والآخران رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخديجة، وسبق الناس إلى الجهاد في سبيل الله، وحامى عن دين الله، وقاتل أعداء الله في كل يوم عصيب، وواسى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفداه بنفسه، وشاركه في كل شدة ومحنة من طفولته إلى وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، وقام الإسلام بسيفه – وإن غاظ ذلك موسى جار الله – فكان ينيمه أبوه في مضجع النبي (صلّى الله عليه وآله) أيام حصار الشعب ليكون فداء له إن رام أحد الفتك به. وكان أطفال قريش يؤذون النبي (صلّى الله عليه وآله) في أول البعثة فقال له: إذا خرجت فأخرجني معك، فكان يحمل عليهم ويقضمهم، فيرجعون إلى أهلهم باكين ويقولون: قضمنا علي بن أبيطالب وبات على فراشة ليلة الغار وأدى أماناته وحمل الفواطم إلى المدينة، وهزم الذين حاولوا ارجاعه وقتل مقدمهم، وكان عليه المدار يوم بدر وأحد والخندق وخيبر وغيرها، ولا موقف من مواقف النبي (صلّى الله عليه وآله) إلاّ وله فيه موقف مشهود، ومقام معدود، كما قال الرضي:
ومن قبل ما أبلى ببدر وغيرها
ولا موقف إلاّ له فيه موقف
ولم يسمع لسواه ممن يريدهم التركستاني بقتيل ولا جريح في موقف من المواقف. وكان نفس النبي (صلّى الله عليه وآله) بنص آية المباهلة، واختاره أخاً لنفسه لما آخى بين أصحابه، قال الصفي الحلي:
لو رأى مثلك النبي لآخاه
وإلاّ فأخطأ الانتقاد
ولم يعمل بآية النجوى غيره:
وهو ثاني ذوي الكسا ولعمري
أفضل الخلق من حواه الكساء
وكان منه بمنزلة هارون من موسى، وأولى بالمؤمنين من أنفسهم، وولي كل مؤمن ومؤمنة، وهو باب مدينة علمه، ومن سدت الأبواب من المسجد إلاّ بابه، ومن لا تحصى مناقبه ولا تعد فضائله، وألف النسائي في خصائصه كتاباً مشهوراً مطبوعاً ومن أخفى أعداؤه فضائله حسداً، وأولياؤه خوفاً، وظهر من بين ذين ما ملأ الخافقين. هذا هو علي بن أبي طالب الذي يريد أخو تركستان أن يغض منه وهيهات.
وإذا خفيت على الغبي فعاذر
أن لا تراني مقلة عمياء
أفيحسن بعد هذا أن يقال: هل لعلي فضل سوى أنه صحابي بين الصحابة؟ وبطل من أبطال جيش المسلمين؟ كلا ليس هو بطلاً من أبطال جيش المسلمين، بل هو بطل جيش المسلمين وحده. وأين كان أبطال جيش المسلمين الذين تدعيهم عن يوم بدر وقد قتل على نصف المقتولين، وقتل سائر الناس النصف الباقي. وأين كانوا عن يوم أحد؟ وقد قتل على أصحاب اللواء جميعاً، وحامى عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وقد فر الناس إلاّ أقلهم حتى رجع أحد المعروفين بعد ثلاث، ونادى جبرئيل: لا سيف إلاّ ذوالفقار ولا فتى إلاّ علي وقال متعجبا. هذه هي المواساة. وأين كانوا عن يوم الخندق؟ وقد عبره عمرو بن عبد ود، وهو ينادي. هل من مبارز فجبن عنه الناس جميعاً إلاّ علي فقتله وجاء برأسه، وأين كانوا عن مرحب يوم خيبر؟ وقد فروا براية الإسلام واحداً بعد واحد حتى أخذها علي فقتل مرحبا وفتح الحصن ودحا الباب. وأين كانوا عن يوم حنين؟ وقد فروا جميعاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهم يزيدون عن اثني عشر ألفا إلاّ علياً يضرب بالسيف أمامه مع ثمانية من بني هاشم معهم أيمن ثبتوا بثباته، وأين كانوا عن ليلة الغار؟ التي بات فيها على فراش الرسول (صلّى الله عليه وآله) يقيه بنفسه غير خائف ولا هياب، وقد أحدقت به سيوف الموت. وأين كانوا عن يوم هجرة علي إلى المدينة؟ ومعه الفواطم وقد لحقه ثمانية فوارس من شجعان قريش وهم فرسان وهوراجل فقتل مقدمهم بضربة قدته نصفين، وعاد الباقون عنه خائفين مذعورين إلى غير ذلك من المواقف والمشاهد التي أثبتت أنه بحق بطل جيش المسلمين بلا مشارك.
(قوله): لولا الإسلام لما كان لعلي ولا لعرب الحجاز ذكر طريف جداً، فلولا الإسلام، ولو لم يبعث محمد (صلّى الله عليه وآله) بالرسالة لم يكن لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذكر، فهذا لا يوجب أن يكون علي كسائر المسلمين، وكسائر عرب الحجاز مع امتيازه عن الجميع، كما لا يوجب أن يكون الرسول (صلّى الله عليه وآله) كذلك. فقد جاء الإسلام وعرف علي به، وامتاز عمن سواه بفضائله ومناقبه. ولا يمنع هذا أيضاً من أن نقول: لولا سيف على لم يكن للإسلام ذكر. على أن بيت علي أشرف البيوت في الجاهلية والإسلام، تحامل بارد وتمحل سخيف. أما الآيات التي استشهد بها، فلا ترتبط بما أراده بوجه من الوجوه. القائل بقول علي له أثر عظيم في نصرة الإسلام. والآيات الشريفة تقول: الانسان لم يكن ثم كان، لله العزة جميعا. الناس فقراء والله هوالغني، فهل مضامين هذه الآيات تنافي قولنا: لولا سيف علي لما قام الإسلام؟ عزة الله لا يدانيها عزة، والناس كلهم فقراء إلى الله والله غني عنهم، ولكن هذا لا ينافي أن يكون بعض عبيدالله اختصه الله بأن قام الإسلام بسيفه، ولولا سيفه لما اخضر للإسلام عود ولا قام له عمود، وكون العزة لله والغنى لله لا يسلب الفضل عن أهل الفضل. ولا شيء أغرب من قوله: «من كان له أدب فليس من دأبه أن يمن على الله». فمن هوالذي من على الله؟ إذا قلنا: لولا سيف علي لما قام دين الله نكون قد مننا على الله، كلا اننا نعلم أن المنة لله تعالى على جميع خلقه، والله تعالى قد منّ على علي بأن جعل انتصار دينه بسيفه؛ لأنه جرت عادته أن يجري المسببات على أسبابها، فإذا جعل انتصار الإسلام بسيفه كان ذلك فضيلة له، وساغ لنا أن نقول: لولا سيفه لما انتصر الإسلام، ولا يتوهم عاقل أن في ذلك منَّاً على الله، وقد ظهر من ذلك فساد قوله: علي أول من يتبرأ من مثل هذا الكلام، وكيف يتبرأ منه، وهوعين الواقع، وفيه تحدث بنعمة الله عليه؟
(قوله): «وأفضل أحوال على أن يكون خامس الأمة، رابع الصحابة»؛ بل هو ثاني الأمة التي أولها النبي (صلّى الله عليه وآله) وأول الصحابة بالدليل والبرهان كما عرفت لا بمجرد الدعوى كما يفعل هذا الرجل.
(وقوله): «وقد جعله الله كذلك» افتراء على الله تعالى، بل الله قد جعله ثاني الأمة وقدمه بفضله على جميع الصحابة، وجعله وصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وخليفته، وأولى بالمؤمنين من أنفسهم على لسان رسوله يوم الغدير وغيره. قوله: «ورضي هو في حياته بذلك» كذب وافتراء عليه، وتظلمه من ذلك طول حياته قد ملأ الخافقين. قوله: «وقد كان يقول دنياكم عندي» استدلال عجيب واستشهاد غريب فإذا كان زاهداً في الدنيا هل يدل ذلك على أنه أسقط حقه من الخلافة الذي جعله الله له؟ وهل تراد الخلافة لأجل رياسة الدنيا وحطامها؟ قوله: أما انتحاله في الإسلام «الخ» قد علمت مما مر أنه عين الحقيقة وأن ما يتمحله هذا الرجل، ويصادم به البديهة فلم ولن وما وليس يرتكبه أحد عنده أدنى معرفة وانصاف. قوله: «اذ لا شرف لعلي وسيفه إلاّ بالإسلام» قد سبق آنفا منه نظير هذا التمويه، وذكرنا ما فيه، ونقول أيضا: ان شرف علي وسيفه بالإسلام لا يمنع أن يكون لعلي وسيفه في الإسلام أثرهما الذي لا أثر مثله، وأن يكون الإسلام قام بعلي وسيفه، فالإسلام دين الله الذي تشرف به رسوله (صلّى الله عليه وآله) وتشرف به علي وكل مسلم، ولكن الإسلام لم يكن لباساً، وخلعة ألبسه الله تعالى لعباده وشرفهم به، بل هواعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، فإذا أباه الناس أصبح في خبر كان، وإذا كان جهاد علي في نصر الإسلام سبباً في ظهوره وانتشاره، كان لعلي في ذلك الشرف الأسمى، والمقام الأعلى، وصح أن يقال: لولا سيفه لما كان إسلام، شاء موسى جار الله أم أبى. قوله: والإسلام في شرفه غني عن العالمين «الخ» هو كالسابق تمويه وتلبيس، فإذا كان الإسلام غنيا عن العالمين فلم أمرهم الله بنصره والجهاد في سبيله والذب عنه؟ أجل هوغني عنهم لوأراد الله استغناءه عنهم، ولكن الله أجرى الأمور بأسبابها، فمن جاهد في سبيل نصرة الإسلام فله فضله وأجره، وصح أن يقال: لولاه لما انتصر الإسلام ولم يكن ذلك منافياً لغنى الله وقدرته. قوله: «لو صدق قول امام الشيعة» «الخ» هذا كسابقه تمويه وتلبيس فإنه لوصدق قول موسى تركستان هذا لانتفت فضيلة الجهاد، ولما كان للأمر به والحث عليه معنى؛ إذ الله تعالى هو الذي ينجز وعده، وينصر عبده، ويهزم الأحزاب وحده، فالمجاهد والقاعد سواء وهو رد للقرآن الكريم الذي فضل المجاهدين على القاعدين. أنجز وعده لنبيه، ونصر عبده بوليه، وهزم به الأحزاب يوم الخندق بقتله عمرو بن عبد ود، والأثر في ذلك لله وحده، فهو مسبب الأسباب، وخالق القدرة في من هزم الأحزاب ومجري الأسباب على أيدي عباده، وهذا لا يبطل فضل من أجريت على يده، ولا يمنع من قولنا: لولا ضربة على لما هزمت الأحزاب، والفئة لا تغني شيئاً ولو كثرت إذا لم يكتب الله لها النصر والتوفيق، وهذا ليس معناه أنه ليس للفئة فضل في جهادها ولا يمنع من القول: إنه لولاها لما كان كذا.
استشهاده بأدب اليهود وكلام التوراة
ذكر في صفحة (ر) تحت عنوان «عظيم أدب اليهود» ما حاصله: «إن اليهود في حرب العمالقة، وكانوا قدر مليونين، ما أسندوا الغلبة إلى أنفسهم بل بأدبهم أسندوا الغلبة إلى صلاة موسى، واستشهد لذلك بكلام للتوراة في سفر الخروج. ثم ذكر أن يوشع كان نبياً بطلاً قوياً وأطال في مدحه، وقال: انه ذكر في العاشر من سفره: «وأخذ يشوع جميع أولئك الملوك وأرضهم دفعة واحدة لأن الرب اله إسرائيل حارب عن إسرائيل». وقال (صفحة ش): «لا شبهة أن الغلب كان له أسباب عادية إلاّ أن أدب البطل النبي، وأدب كتبة اليهود يوحي أن الرب اله إسرائيل هو الذي حارب عن إسرائيل، والغلب من الله بنصرالله لا بقوة أحد». ثم نقل عن نص تثنيه التوراة في الفصل التاسع أن الأمة قوتها وبقاؤها بنبيها وبركته ولولاه لما بقي لها أثر وان قوة النبي بالله وعونه لا بعونها ولا بسيف فرد منها.
ثم قال ما معناه إن الفصل التاسع من التوراة يشبه قوله تعالى: ﴿ان يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد﴾ [فاطر: 16] ﴿والله الغني وأنتم الفقراء وان تتولوا يستبدل قوما غيركم﴾ [محمد: 38] قال: «وكل ذلك يدل على أن الله في اقامة دينه غني عن قوة الأمة، وعن سيف الافراد، ولا يتعلق بنجاح دين الله على حياة أحد من عباده، وليس الغلب بقوة أحد، وإنما هو بنصر الله». ثم استشهد بآيات لا شاهد فيها، فقال: «وهذا الأدب أدب قديم في كل الكتب السماوية وفي القرآن الكريم، ومن عظيم أدب القرآن الكريم (1) أن ينسب العبد كل ما له إلى الله. ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف: 43] (2) أن ينسب الله جل جلاله الخير والثواب وكل ما يناله الانسان في حياته إلى الانسان. ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ [الواقعة: 24] ﴿بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾. جمع القرآن هاتين النسبتين إلى أدب البيان، وإلى أدب السعي والاجتهاد» وعاد إلى ذلك في صفحة (ث) فأنكر وعاب وتحذلق.
ونقول: ما لنا وللتوراة المحرفة وأدب اليهود الذي هو مشغوف بالاستشهاد به كثيراً. يكفينا القرآن الكريم وأدب الإسلام فنحن في غنى بهما عن التوراة وأدب اليهود. قال الله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ [الأنفال: 17] ولكن هذا لا ينفي فضل الرامي ولا يمنع أن نقول: لولا رميه لما كان كذا. وهو في هذا المقام قد أجاب نفسه بنفسه، فاعترف بأن الغلب له أسباب عادية، وأن الله تعالى لا يوقع الغلب بقوته القاهرة الخارجة عن العادة، وحينئذ فمن جرى الغلب على يده مثل يوشع وصي موسى، وعلي وصي رسول الله صلّى الله عليهم، وطالوت، يكون له المقام الأسمى، والميزة على غيره، ويكون الغلب بجهاده، فيوشع (عليه السلام) بقتاله العمالقة له فضل الجهاد وشرف الشجاعة. والقول بأن الرب اله إسرائيل حارب عن إسرائيل لا ينافي القول بأن يوشع (عليه السلام) حارب عن إسرائيل، وانتصر على العمالقة، ولولا يوشع وحربه؛ لما انتصر إسرائيل على العمالقة؛ لأن مشيئته تعالى اقتضت أن يكون انتصاره عليهم على يد يوشع؛ ولولا جهاده لما حصل ذلك الانتصار. والقول: إن إله إسرائيل حارب عن إسرائيل معناه أن الله تعالى هوالذي أوجد يوشع (عليه السلام)، وجعل فيه القوة والقدرة وأمره بجهاد العمالقة، فانتصر عليهم، ولولا يوشع لما كان هذا النصر؛ لأنه تعالى شاء أن يكون هذا النصر بجهاده، وعلى يده تكريماً له، ورفعاً لشأنه مع قدرته تعالى أن يهلك العمالقة بغير واسطة يوشع، لكن حكمته اقتضت أن تجري الأشياء بأسبابها العادية. والله تعالى قد مدح طالوت في كتابه العزيز وقال إنه بعثه ملكا عن بنيإسرائيل ليقتل جالوت فقتله، فاستحق المدح والثناء، وصح أن يقال لولا طالوت لما قتل جالوت، فقوله: والغلب من الله بنصر الله صحيح، وقوله: لا بقوة أحد غير صحيح، فالله تعالى كثيراً ما يجعله بقوة آحاد. وفيما نقله عن تثنية التوراة قد أجاب نفسه ورد عليها بنفسه، فإذا ساغ أن نقول الأمة قوتها وبقاؤها بنبيها وبركته، ولولاه لما بقي لها أثر، وقوة النبي مستمدة من الله وعونه، ساغ أن نقول إن قوة الإسلام بسيف الوصي ولولا سيفه لما قوي الإسلام. وقوة الوصي مستمدة من الله وعونه، أما أن قوة النبي ليس بعون الأمة، ولا بسيف فرد منها، فخطأ ظاهر؛ إذ لا شك أن معاونة الأمة للنبي تجعل له قوة وسيف فرد منها أوسيوف أفراد تجعل للنبي قوة، كما أنه لا شك أن سيف علي بن أبي طالب قوى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يشك في ذلك، فهذا الكلام ان صح أنه من كلام التوراة وليس محرفا، ولم يكن من كلامه، فهو محمول على مثل ما مر من أن المؤثر الحقيقي في قوة النبي هوالله تعالى الذي سخر أفراد الأمة وسيوفها لمعونته والدفاع عنه. وإذا كانت قوة النبي ليست بعون الأمة ولا بسيف فرد منها فلماذا يقول موسى (عليه السلام): ﴿واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري واشركه في أمري﴾ [طه: 29]؟ ولماذا قال الله تعالى: ﴿سنشد عضدك بأخيك﴾ [القصص: 35]؟ ولماذا قال النبي (صلّى الله عليه وآله) يوم بدر: «اللهم ان تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» وهل هذا إلاّ كقولنا: لولا سيف علي لم يظهر الإسلام؟ لولا العصبية وقلة الانصاف فهو في معنى لولا هذه العصابة لم تعبد في الأرض، وغنى الله تعالى في اقامة دينه، وفي كل شيء عن قوة الأمة، وسيف الأفراد ثابت لا يشك فيه مؤمن بالله، ولا يحتاج إلى الاستشهاد بالآيات، ولا بالتوراة، أما أن دين الله لايتعلق على حياة أحد وليس الغلب بقوة أحد فباطل؛ لأن الله شاء أن يكون نجاح دينه بالأسباب العادية لا بالقدرة الالهية فقط، لذلك جاز أن يعلق نجاح دينه على حياة شخص؛ وجهاده ونصره؛ كما علقه على حياة يوشع وطالوت، وعلي بن أبي طالب وغيرهم، وهذا لا ينافي غناه تعالى عن قوة الأمة، وسيف الأفراد، ولا يقتضي افتقاره إلى ذلك، كما هوواضح وكون الغلب بنصره تعالى مسلم لكنه بجهاد وليه.وإذا كان نجاح الدين لا يتعلق على حياة أحد، فلماذا قال الله تعالى مخاطباً لنبيه (صلّى الله عليه وآله) ﴿وأيدك بنصره وبالمؤمنين﴾ [الأنفال: 62] ولماذا لم يقتصر على التأييد بنصره. والهداية في قوله تعالى: ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف: 43] هي اراءة الطريق، وهي من الله تعالى فليس في الآية إلاّ بيان الواقع لا تعليم الأدب، والآيتان حث على العمل والطاعة ولا ربط لذلك بالأدب فما قاله مع عدم ارتباطه بالمطلوب تطويل بلا طائل وفلسفة باردة، وقد علم بما مر أن انكاره وتحذلقه (في صفحة ث) ليس له محل ولا معنى.
أول من وضع بذر التشيع
وقال في صفحة (م هـ) فيما انتقده على كتاب أصل الشيعة: «أما ما يقوله شيخ الشيعة في كتابه أصل الشيعة أن أول من وضع بذر التشيع في حقل الإسلام هونفس صاحب الشريعة الإسلامية، فمغالطة فاحشة خرجت عن حدود كل أدب وابتهار وافتراء على النبي، وتحريف للآيات، أي حبة بذر النبي حتى أنبتت سنابل اللعن وعقيدة التحريف، وأن وفاق الأمة ضلال، وأن الرشاد في خلافها حتى تورات العقيدة الحقة في لج من ضلال الشعة جم. والشيعة زمن النبي والعترة هم الذين هاجروا معه ونصروه في كل أمورهم، وفيهم نزل: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ [البينة: 7] ».
(ونقول): المذكور في كتاب أصل الشيعة دليلاً لكون أول من وضع بذر التشيع في حقل الإسلام هو صاحب الشريعة قوله (صلّى الله عليه وآله) – في ما رواه السيوطي في الدر المنثور في تفسير ﴿أولئك هم خير البرية﴾ – في علي: والذي نفسي بيده ان هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة. ونزلت ﴿ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ وفي الدر المنثور من اخراج ابنعدي عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعلي: «هوأنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين».وفيه من اخراج ابن مردوديه عن علي قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ألم تسمع قول الله ﴿ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم لحساب تدعون غرا محجلين اهـ.
قال: وروى بعضها ابن حجر في صواعقه عن الدارقطني، قال: وحدث أيضاً عن أم سلمة أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: «يا علي أنت وشيعتك في الجنة»، وقال ابن الأثير في النهاية في حديث علي (عليه السلام) قال له النبي (صلّى الله عليه وآله): «ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين ويقدم عليه عدوك غضاباً مقمحين».
قال: وروى الزمخشري في ربيع الأبرار: يا علي إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله تعالى، وأخذت أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم، فترى إلى أين يؤمر بنا إلى آخر ما ذكره وكل هذه الروايات مصرحة بشيعة علي، وشيعة ولده، والروايات الأولى مصرحة بأن الآية نزلت فيهم، فحمله لها على أنها نزلت في الذين هاجروا مع الرسول ونصروه وأنهم هم الشيعة زمن النبي وهم العترة مغالطة فاحشة خرجت عن حدود كل أدب وابتهار، وافتراء على النبي، وتحريف للآيات، ولم يعبر في تلك الروايات بالشيعة حتى يحمل على من ذكره وإنما عبر بشيعة علي وشيعة ولده. وحبة ذلك البذر لم تنبت سنابل اللعن، وإنما أنبتت سنابله حبة النذر التي مكنت بنيأمية من لعن الوصي والسبطين، وحبر الأمة، ولم تنبت عقيدة التحريف كما سنبينه عند تعرضه له. ووفاق الأمة عندنا هو الرشاد، وخلافها هو الضلال، إذا لم يخرج عنها سادتها وقادتها أهل البيت الطاهر أحد الثقلين، ومثل باب حطة، وسفينة نوح. وإنما نرجح الحديث الموافق لهم على المخالف عند التعارض لأن الموافق لهم أقرب إلى الصواب كما يأتي عند تعرضه لذلك. والعقيدة الحقة لم تتوار في ضلال الشيعة. وهيهات أن يكون ضالاً من اقتدى بأهل بيت نبيه الذين لا يفارقون الكتاب ولا يفارقهم، واتبع طريقتهم المثلى.
حكاية رفعه الستار
قال في صفحة (ك د): «وأجل فرح حصل للنبي (صلّى الله عليه وآله)، في آخر ساعة من حياته؛ إذ رفع الستار، فرأى جميع أصحابه يصلون جماعة خلف خليفته الذي أقامه اماما لأمته في دينها ودنياها».
(ونقول): فضل الخليفة لا ينكر. ولا نراه يرضى أن تنسب إليه الفضائل المختلقة. ما لنا ولحديث رفع الستر المختلق الذي لم يروه محدث معتمد لا منا ولا منكم، ولنرجع إلى ما اتفقنا نحن وأنتم، ولندع ما اختلفنا فيه، أليس قد اتفقنا على أن النبي (صلّى الله عليه وآله) خرج وهومريض لا يستقل من المرض يتوكأ على الفضل بن العباس ورجل آخر لم تشأ أن تسميه أم المؤمنين، فأتى المسجد والخليفة قد سبق إلى الصلاة بالناس قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالناس، ولندع ما اختلفنا فيه من أنه أخره عن المحراب وابتدأ الصلاة من أولها ولم يبن على صلاته، أو أنه كان النبي امام الخليفة، والخليفة امام الناس. لندع هذا كله ولنرجع إلى أمر واحد يكون بيننا وبينكم، لننظر ولنتأمل: ما الذي دعا النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى الخروج للصلاة، وهو مريض لا يستقل من المرض يتوكأ على رجلين، وقد أوذن بالصلاة قبل ذلك فلم يخرج؟ ونحن نروي أنه قال: اني مشغول بنفسي ليصل بالناس بعضهم، وأنتم تروون أنه قال: مروا فلاناً فليصل بالناس. ما الذي دعاه إلى الخروج في هذه الحالة بعد ما أوذن فلم يخرج؟ وبعد ما أمر الخليفة بالصلاة بالناس؟، أهو قصد تأييد الخليفة أم توهين أمره؟، فإن كان الأول: فخروجه قد أتى بضد المطلوب؛ لأنه قد جعل مجالاً للظن بأنه إنما خرج ليبطل ما قد يسبق إلى الأذهان من أن التقدم إلى الصلاة كان عن أمره. فلو لم يخرج لكان أبلغ في التأييد، فيكون فعله ناقضاً لغرضه، وحاشاه من ذلك. ثم ان رفع الستار وهذا الفرح العظيم الذي حصل له لا بد أن يكون قبل خروجه إذ بعد خروجه؛ تمت الصلاة ولا محل لرفع الستار، وإذا كان قد حصل مراده ومتمناه، وما أوجب حصول أجل فرح له، فما سبب هذا الخروج؟ وما المقصود منه؟ والحق أن أعظم كرب حصل للنبي (صلّى الله عليه وآله) في آخر ساعة من حياته حين أمرهم باحضار الدواة والكتف؛ ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً، فلم يفعلوا، ولست أدري كيف يكون الأمر بالصلاة لو صح دليلاً على الإمامة في الدين والدنيا عند من يجوز الصلاة خلف البر والفاجر.
(نسبته سوء الأدب إلى موسى
والحسد إلى يونس وحاشاهما)
قال في صفحة (ج م): «عبرة بعبرة. العجب أن اليهود كانت تأتي بكل أمر منكر». وذكر مذام كثيرة لليهود، وقال: «انها عبدت العجل وموسى وهارون ويوشع بن نون في قيد الحياة. ومع ذلك كانت اليهود تقدس أمة اليهود وتحترمها حتى أن أنبياء اليهود كانوا يلومون الله ويغاضبونه إذا بدا لهم من الله تقصير في أمر اليهود، وقد حكى الله في القرآن شيئاً من ذلك في موسى إذ يقول: ﴿فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل واياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ان هي إلاّ فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من شاء﴾ [الأعراف: 155]. وهذا لوم بليغ عذر الله نجيه فيه؛ لأنه صدر عن حب وفرط من شفقة للسبعين وحبه لأمته، وصدق احترامه لليهود في كل أمورها، وقد حكى الله أعظم من ذلك في يونس ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه﴾ [الأنبياء: 87] وعذره الله في ذلك حيث لم يكن غضبه إلاّ لأجل أن يختص الله بهدايته اليهود، والحسد وإن كان أكبر كبيرة عفاه الله عن ذي النون لأنه تمنى به امتياز اليهود بين الأمم بفضل الله وهدايته».
(ونقول): في اعترافه بأن اليهود عبدت العجل وأنبياؤها أحياء، اعتراف بوقوع نظير ذلك في هذه الأمة – المعصومة عنده – لقوله (صلّى الله عليه وآله): «لتتبعن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة حتى لودخل أحدهم جحر ضب لدختلموه». ثم انظر وتأمل في قوله: أنبياء اليهود كانوا يلومون الله ويغاضبونه؛ إذا بدا لهم من الله تقصير في أمر اليهود، هل يليق أن يقال مثل هذا الكلام في حق الله تعالى وأنبيائه. الله تعالى يقصر في حق اليهود، والأنبياء إذا بدا لهم هذا التقصير يلومون الله تعالى ويغاضبونه على تقصيره؛ كما يلوم الرجل ولده أو خادمه أو نظيره ويغاضبه عند تقصيره، وأي جاهل ينسب إلى الأنبياء أنهم يظنون أو يعتقدون حصول التقصير من الله تعالى في حق اليهود، فيلومونه ويغاضبونه لأجل ذلك، والتقصير إذا نسب إلى عبد من عباد الله يكون ذما له، فكيف بالله جل جلاله؟ وهل يكون اللوم إلاّ على فعل غير لائق والمغاضبة إلاّ على فعل قبيح؟ ولكن هذا الرجل لا يدري ما يقول أولا يبالى بما يقول، وإذا كان هذا قوله في حق الله تعالى وأنبيائه فلا عجب مما صدر منه في حق الباقر والصادق في مقام آخر. ولا شيء أعجب من نسبة أكبر كبيرة إلى يونس (عليه السلام) وهي الحسد وأن الله تعالى عفا عنه ذلك؛ لأنه تمنى بحسده امتياز اليهود بفضل الله وهدايته. فهذا الحسد الذي زعمه إن لم يكن معصية لم يجز نعته بأنه أكبر كبيرة، ولم يحتج إلى العفو، وإن كان معصية لم يجز صدوره من الأنبياء المعصومين من الذنوب سواء أتمنى به امتياز اليهود أم لا؟ والحاصل أن الأنبياء بعصمتهم الثابتة بالعقل منزهون عن أن يسندوا إلى الله فعلاً قبيحاً غير لائق، فيلومونه عليه أو يغاضبونه لأجله ومنزهون عن كل ما ينافي العصمة، ويوجب نسبة الذنب، وإذا ورد في ظاهر النقل ما يوهم ذلك وجب تأويله؛ لأن الحكم المستفاد من العقل قطعي، وهوموجب للقطع بعدم ارادة ظاهر اللفظ المخالف له، فلا لوم من موسى بن عمران (عليه السلام) لربه، وإن زعم ذلك موسى تركستان لا بليغ ولا غير بليغ، وإنما صدر منه التأسف على ما أصاب قومه، والعذر الذي اعتذره موسى عن موسى (عليه السلام) أقبح من الذنب الذي نسبه اليه، فإن الشفقة للسبعين، وحبه أمته، واحترامه لليهود لا يسوغ له نسبة القبيح إليه تعالى، وهو نبي من أولي العزم. وأما يونس (عليه السلام) فلما تأخر نزول العذاب على قومه حسبما كان أخبرهم تألم لذلك، وتركهم شبه المغاضب الظان عدم القدرة عليه، فالكلام مجاز نظير زيد أسد، أو المراد – وهو الأظهر المروي من طريق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) – فذهب مغاضباً لقومه فظن أن لن نقدر عليه رزقه. وأما امتحانه بابتلاع الحوت، فلتركه الأولى من التريث والتأني في أمر قومه، كما ابتلي يعقوب بفراق ابنه لتركه الأولى من البحث عن جاره الفقير، وقوله: ﴿اني كنت من الظالمين﴾ [الأنبياء: 87] جار هذا المجري ولم يكن ظالماً حقيقة وأجهل الجاهلين لا يمكن أن يظن عدم قدرة الله عليه فضلا عن النبي المرسل. قال المرتضى رضي الله عنه في كتاب تنزيه الأنبياء: «من ظن أن يونس (عليه السلام) خرج مغاضباً لربه من حيث لم ينزل بقومه العذاب، فقد خرج عن الإيمان في الافتراء على الأنبياء (عليهم السلام) وسوء الظن بهم. وليس يجوز أن يغاضب ربه إلاّ من كان معاديا له وجاهلا بأن الحكمة في سائر أفعاله، وهذا لا يليق باتباع الأنبياء من المؤمنين فضلا عمن عصمه الله تعالى ورفع درجته. وأقبح من ذلك ظن الجهال واضافتهم إليه (عليه السلام) أنه ظن أن ربه لا يقدر عليه من جهة القدرة التي يصح بها الفعل، ويكاد يخرج عندنا من ظن بالأنبياء (عليهم السلام) مثل ذلك عن باب التمييز والتكليف، وإنما كان غضبه على قومه لمقامهم على تكذيبه، واصرارهم على الكفر، ويأسه من اقلاعهم وتوبتهم، فخرج من بينهم خوفاً من أن ينزل العذاب بهم وهو مقيم بينهم، فأما قوله تعالى: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ [الأنبياء: 87] فمعناه أن لن نضيق عليه المسلك، قال الله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: 7] أي ضيق. ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ [الرعد: 26] أي يوسع ويضيق. ﴿فأما إذا ما ابتلاه ربه فقدر عليه رزقه﴾ [الفجر: 16]. وإنما لم يخرج من أول الأمر لأن نزول العذاب كان له أجل مضروب فكان يعلم بعدم نزوله قبل الأجل ومما مر يظهر أن في حالات هذا الرجل عبراً وعبراً لمن اعتبر.
لعن الأموية علياً (عليه السلام)
قال في صفحة (م هـ): «اللعنات بدعة فاحشة منكرة أحدثتها بيوت متعادية ولعنت الأموية الإمام علياً مدة، ولا نشك في أن علياً رابع الأمة أعلم الصحابة فلو لعن علوي أموياً لأمكن أنه من باب ﴿فمن اعتدى عليكم﴾ [البقرة: 194]. ونقول: اللعنات فاحشة منكرة على غير مستحقيها، فقد لعن القرآن الكاذبين والظالمين، وهذه البيوتات المتعادية كان العداء فيها بين الإسلام والكفر، والحق والباطل؛ وإذا كان علي رابع الأمة، وأعلم الصحابة، فما قولنا في من لعنه على المنابر ومعه الحسن، والحسين، وابنعباس، واتخذ ذلك ديدنا، واتبعه بنو أبيه عليه أعواماً متطاولة نحو سبعين عاماً، وهم يحملون لقب امارة المؤمنين واثنان منهم من الصحابة، وإذا كان علي رابع الأمة وأعلم الصحابة، فما قولنا في لعنه معاوية، وعمرو بن العاص، وأبا موسى بعد وقعة الحكمين، وكلهم صحابة وهو يعلم أنهم لا بد أن يقابلوه بالمثل، ولم يكن غراً ولا مغفلاً، وهل تقبل عقولنا أن نحمل ذلك على الاجتهاد فنقول:
ونعرض عن ذكر الصحابة فالذي
جرى بينهم كان اجتهاداً مجردا
ونراه في ما سبق يقول: وهل لعلي فضل سوى أنه صحابي بين الصحابة؟ وبطل من أبطال جيش المسلمين؟ وأفضل أحوال على أن يكون خامس الأمة، رابع الصحابة، وهنا يعترف بأنه أعلم الصحابة. وإذا كانت اللعنات بدعة فاحشة منكرة؛ فما بال الأمة المعصومة عنده بين فاعل وساكت.
أصول الدين
قال في صفحة (م هـ): «أصول الدين وأركانه. جعل القرآن الكريم أصول الدين وأركانه ثلاثة: الإيمان بالله، وباليوم الآخر، والعمل الصالح ﴿من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا﴾ [البقرة: 62 ثم قال (في صفحة وم): «وفصل العمل الصالح في القرآن تفصيلات وافية بينة». إلى أن قال (صفحة ح م): «وكتب الكلام لها في بيان أصول الإيمان طرق وأساليب تختلف على حسب اختلاف المذاهب. والشيعة الامامية التي أخذت على نفسها أن تعلم الله بدينها والتي تتخذ إيمان المؤمن وسيلة إلى أغراضها وأهوائها تقول: أصول الإيمان ثلاثة (1) التصديق بتوحيد الله في ذاته وصفاته وبالعدل في أفعاله (2) التصديق بنبوة الأنبياء (3) التصديق بامامة الأئمة المعصومين. ثم لا يكتفون بذلك، بل يقولون: الإيمان هو الولاية لولينا، والبراءة من عدونا، والتسليم لأمرنا، وانتظار قائمنا، ثم الاجتهاد والورع، ويقولون: إن في الإسلام ثلاثة: الصلاة والزكاة والولاية، والولاية هي أصل الأركان، وأفضل الأركان، في كل الأركان رخصة لا يوجب تركها الكفر، أما الولاية فلا رخصة فيها وتركها في أي حال كفر».
(ونقول): الشيعة الامامية تؤمن بالله وكتبه ورسله وبكل ما جاء به محمد (صلّى الله عليه وآله) من عند ربه، ولا تعلم الله بدينها كما زعم، بل لا تأخذ دينها إلاّ عن كتاب ربها، وسنة نبيها، وطريقة أهل بيت نبيها، شركاء القرآن، ومعادن العلم والحكمة، ولا تتخذ إيمان المؤمن وسيلة إلى أغراضها وأهوائها كما افترى، بل لا تتبع إلاّ الدليل والبرهان، وهو وسيلتها الى أغراضها وحاشاها من اتباع الأهواء، ولواتسع لنا المجال لبينا له من هو متبع الأهواء والأغراض. وأصول الدين وأركانه لا تقتصر على الثلاثة التي ذكرها، بل يضاف إليها الاقرار بالنبوة. والآية التي ذكرها ليست بصدد الحصر كما لا يخفى. أما أصول الدين وأركانه التي يلزم الاعتقاد بها ويتوقف عليها الإسلام عند الشيعة الامامية فثلاثة: التوحيد، والنبوة، والمعاد. مع اشتراط عدم انكار شيء من ضروريات الدين الذي يؤول إلى انكار أحد الثلاثة، فتحقق هذه الثلاثة كاف في ترتب جميع أحكام الإسلام وفقد واحد منها مخل بثبوت الإسلام. أما ما يلزم الاعتقاد به؛ ولكن فقده لا يخل بالإسلام فالعدل والامامة. ولهم في اثبات إمامة الأئمة المعصومين أدلة مذكورة في كتبهم الكلامية، فإن كان يستطيع نقضها وابطالها فله الفلج، فإذا ثبتت إمامتهم كان التصديق بها من العمل الصالح، أو من شروطه ومقوماته، وكذلك الولاية لوليهم، والبراءة من عدوهم، والتسليم لأمرهم، وانتظار قائمهم، والورع والاجتهاد لب العمل الصالح. فبان أن قول صاحب الوشيعة الذي أخذ على نفسه أن يعلم الله بدينه وأن لا يكون في وشيعته شيء من الحق -: أن ترك الولاية في أي حال كان كفراً عند الشيعة الامامية كذب وافتراء. فترك الولاية لا يوجب الكفر عن أحد من الشيعة، ومن مسلمات مذهب الشيعة أن الإسلام يكفي فيه الاقرار بالشهادتين، وعدم إنكار شيء من ضروريات الدين، وليست الولاية من ضرورياته بالبداهة والاتفاق؛ إذ الضروري ما يكون ضرورياً عند جميع المسلمين. والإسلام بهذا المعني هوالذي يكون به التوارث، والتناكح، وتثبت به جميع أحكام الإسلام عند الشيعة الإمامية.
كتب الكلام
قال في صفحة (م ط): «كتب الكلام قد أطالت الكلام في الامامة من غير فهم ومن غير اهتداء. والشيعة الإمامية هي أطول الفرق كلاما في الامامة، ولها فيها كتب مثل: غاية المرام في تعيين الامام، وكتاب الألفين في الفرق بين الصدق والمين، أعدها عاراً وسبة للشيعة الإمامية مثل كتاب فصل الخطاب في تحريف كلام رب الأرباب، وهذا الأخير سبة فاحشة للشيعة وإن كان له قيمة عندها».
(ونقول): كتب الكلام عند المسلمين قد أطالت الكلام في الامامة من غير فهم ومن غير اهتداء حتى جاءت النوبة إليه، ففهم ما لم يفهموه واهتدى إلى ما لم يهتدوا اليه، فسبحان الله القادر الذي خلق في آخر الزمان من أهل تركستان من فهم واهتدى إلى ما لم يفهمه ولم يهتد إليه فحول علماء الإسلام من أهل علم الكلام أمثال: القاضي الباقلاني، وابن قبة، والخواجة نصيرالدين الطوسي، صاحب التجريد، والقوشجي شارحه، والعلامة الحلي، وأصحاب المواقف، والمراصد، والعقائد النفيسة، وشراح هذه الكتب ومحشيها، وغيرهم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فكان من نتائج هذا الفهم والاهتداء أن أطال الكلام في وشيعته بتكراراته الكثيرة، وتعسفاته البعيدة وتمحلاته الكريهة اطالة ممقوتة، مملة، منفذة للصبر والجلد، لم يسبق لها مثيل من غير فهم، ومن غير اهتداء. أما عده كتاب غاية المرام، وكتاب الألفين عاراً وسبة على الشيعة، فهو أعظم عار وسبة عليه، فغاية المرام كتاب ضخم جمع فيه مؤلفه الأحاديث الواردة، من طرق من تسموا بأهل السنة من مشاهير كتبهم، ومن طرق من عرفوا بالشيعة في فضل علي أميرالمؤمنين (عليه السلام) واثبات امامته، وكتاب الألفين فيه ألفاً دليل على امامته، فأي سبة وعار في ذلك إن لم يكن موضع الفخر. وأما فصل الخطاب فلا قيمة له عند الشيعة، وقد كتبوا رداً عليه في حياة مؤلفه، وستعرف عند التكلم على مسألة التحريف أن ما فيه باطل عند الشيعة، وهو يفتري ويقول: له قيمة عندها.
حديث المنزلة
قال في صفحة (م ط): «منزلة هارون من موسى، لما عزم النبي (صلّى الله عليه وآله) على الخروج إلى تبوك استخلف علياً على المدينة وعلى أهله، فقال علي: ما كنت أوثر أن تخرج في وجه إلاّ وأنا معك، فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي. تقول الشيعة وكتب الكلام: إن عموم المنزلة يقتضي المساواة، ولا ريب أن هارون لو بقي بعد موسى لم يتقدم عليه أحد. سند الحديث ثابت والأمة والشيعة قد اتفقت على هذا الحديث».
وقال في صفحة (ن): حديث المنزلة ثابت صحيح تلقته الشيعة والأمة بالقبول».
ثم قال في صفحة (ن): «وهذه المنزلة هي الخلافة عند غيبته القصيرة في أمر جزئي ﴿وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح﴾ [الأعراف: 142] الآية. ﴿…ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي…﴾ [الأعراف: 150] اضطراب الأمور في خلافته القصيرة حتى ﴿… وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره اليه…﴾ [الأعراف: 150]، وللامام علي في خلافته بعد الثلاثة من هذا الشبه حظ عظيم. لم يستقم له أمر كما لم يستقم لهارون في خلافته القصيرة أمر بنيإسرائيل حتى عبدوا العجل الذي تسند التوراة صوغه إلى هارون نفسه والقرآن قد برأ هارون، وإن كان لعلي عند أدعياء الشيعة نصيب من هذه المنزلة التي ابتهرها اليهود على هارون». ثم نقل (صفحة ن وصفحة ا ن وصفحة ب ن) عن التوراة ما حاصله: «إن هارون وكل بنيه لم يكن لهم نصيب في أرض إسرائيل، ولم يكن لكاهن، ولا لاوي حظ في الرياسة، لم يكن لهم إلاّ خدمة خيمة الاجتماع، لم يكن لموسى وهارون ولا لأبنائه شيء من الدنيا، وإنما لهم الله وكل ما في السماء، وقال: إنها عبارة سماوية يعجبني غاية الاعجاب بلاغتها وعلو معناها، وهي تحقيق لقول: كل رسول لكل أمة، ﴿وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على رب العالمين﴾ [الشعراء: 180،164،145،127،109]. وفي التوراة أن موسى قد حرم أن يرى شيئاً من الرياسة، وأنه قد خلع ثياب هارون المقدسة وصار هارون محروماً من كل حق له، ولو بقي بعد موسى لما كان له شيء، وأن يوشع صار قائداً لا بالاستخلاف، بل تنازل له موسى عن كل حقوقه، وعزل لأجله هارون بعد أن حرم الله موسى وهارون من حق العبور، وكل ذلك مفصل في الخروج والعدد والتثنية من أسفار التوراة، فقول النبي (صلّى الله عليه وآله) لأخيه علي: أما ترضى أن تكون؟ الخ يدل دلالة قطعية على أن عشيرة النبي وعلياً وأهل البيت ليس لهم نصيب وسط الأمة، وليس لأحد منهم لا لعلي ولا لأولاده، ولا لعباس ولا لأولاده حق من جهة النسب لم يكن لأهل البيت نصيب، الله هو نصيبهم. وهذا ليس بحرمان وإنما هورفع لعظيم أقدارهم، وشريعة مقدسة في كل رسالة». وقال (في صفحة ن): لم يكن لأحد من عشيرة النبي حق في الخلافة، نعتقد أن الله صرف الدنيا والخلافة عن أهل البيت اكراماً لأهل البيت، وتبرئة للنبوة ولبيت النبوة». إلى أن قال: «وكل من نال حظا من الملك والرياسة من بيوت العرب في تاريخ الإسلام قد صدق فيهم قول القرآن الكريم: ﴿فهل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾ [محمد: 22 و23] وهذه الآية أتى تأويلها في البيت الأموي والعباسي في أفجع صورة ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه؛ فلأجل ذلك صرف الله الخلافة عن عشيرة النبي وأبنائه تبرئة لنبيه عن أبعد التهم، ورفعاً لقدر أبنائه الذين اختارهم واصطفاهم لنفسه، والله وحده وعرشه هونصيب أهل البيت في الدنيا».
(ونقول): في كلامه هذا العريض الطويل الخإلي عن التحصيل مواقع للعجب والرد: (أولاً): أنه لما عزم النبي (صلّى الله عليه وآله) على غزاة تبوك خلف عليا (عليه السلام) على المدينة لأنه علم بالوحي أنه لا يكون في هذه الغزاة حرب وإلاّ لم يخلفه ولم يكن به غناء عنه في جميع غزواته، ولا سد أحد مسده في بدر، وأحد، والخندق وخيبر، وغيرها فقال المنافقون: إنما خلفه استثقالاً به فشكا ذلك علي إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال له: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي». وهواختصر الكلام مقدمة لتصغير أمر المنزلة وتهوينه بأنها أمر جزئي بمدة قصيرة.
(ثانياً): تكرر منه مقابلة الأمة بالشيعة، وليس له في ذلك معذرة مسموعة، وما دعاه إليه إلاّ حاله المعلومة، وأمة يخرج منها أهل البيت وشيعتهم ليست بأمة.
(ثالثاً): حديث المنزلة الذي اعترف بصحة سنده، واتفاق جميع المسلمين عليه دال دلالة واضحة على عموم المنزلة بقرينة الاستثناء، فإنه اخراج ما لولاه لدخل كما ذكره أهل العربية، فلولم يدل على العموم لما احتيج إلى الاستثناء ولما صح الاستثناء فلما استثنيت النبوة، بقي ما عداها على العموم فيما عدى المستثنى، ولكنه نسي ذلك أو تناساه وهارون كان شريكاً لموسى (عليه السلام) في النبوة ولو بقي بعد موسى لكان نبياً لكنه مات في حياة موسى، فلو لم تستثن النبوة لكان علي شريك محمد فيها وببقائه بعده يكون نبيا بعده، وخليفته في أمته، فلما استثنيت النبوة علمنا أنه ليس بنبي وبقي ما عدا ذلك على العموم، ومنه خلافته بعده المجردة عن النبوة، ولو لم يكن عموم المنزلة دالاً على أن علياً له منزلة هارون بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) لما احتيج إلى استثناء النبوة بعده، وهذا بمكان من الوضوح. فاستثناء النبوة بعده يدل على عموم المنزلة وتخصيصها بالخلافة القصيرة عند غيبته، وباضطراب الأمر عليه تخصيص بلا مخصص، وثبوت ذلك له لا ينفي ما عداه.
(رابعاً): زعمه أن لعلي حسب أدعاء الشيعة نصيب من منزلة هارون التي ابتهرتها اليهود عليه من صوغ العجل افتراء وبهتان، وهوأولى بأن يكون دعي المسلمين.
(خامساً): قد أولع بالاستشهاد لدعاواه بكلام التوراة كما فعل هنا وفي عدة مواضع، فهل ندع كلام القرآن ونصوصه ونتبع عبارات ينقلها هوعن التوراة المنسوخة المحرفة لا نعلم صحتها، ولا نفهم دلالتها. يقول الله تعالى في سورة طه حكاية عن موسى (عليه السلام) لما أراد ارساله إلى فرعون ﴿واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري﴾ [طه 29-32 ] فأجابه الله تعالى بقوله: ﴿قد أوتيت سؤلك يا موسى﴾ [طه: 36] إلى أن قال: ﴿اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري اذهبا إلى فرعون انه طغى﴾ [طه: 42 و43] إلى أن قال: ﴿فأتياه فقولا انا رسولا ربك فأرسل معنا بنيإسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك﴾ [طه: 47] دلت هذه الآيات الكريمة على أن هارون الذي هو أخو موسى ومن أهله ونسبه وزير لموسى، وناصر شاد لأزره، وشريك له في النبوة والرسالة، ولو بقي بعده لكان نبياً، ودل قول الرسول (صلّى الله عليه وآله) لعلي الذي اعترف المؤلف بصحته: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي» على أن لعلي من الرسول هذه المنزلة التي كانت لهارون من موسى، وهي أنه أخوه ووزيره من أهله، وناصره، وشاد أزره، وشريكه في أمره، وقد كان علي كذلك، فهو إن لم يكن أخا النبي (صلّى الله عليه وآله) في النسب، فهو أخوه بالمؤاخاة، وهو وزيره بنص القرآن لا من تُدّعَى له الوزارة غيره، وشاد أزره وناصره نصراً لا يبلغه هارون لموسى، وشد أزره، وشريكه في أمره، فهذا النبي وهذا الوصي بعده، وهذا الداعي إلى الحنيفية، وهذا داعم دعوته بسيفه وجهاده، ولم يستثن من هذه المنزلة إلاّ النبوة بعده كما مر في الأمر الثالث.
(سادساً): هذه العبارة التي أعجبته غاية الاعجاب بلاغتها، وعلو معناها، وزعم أنها تحقيق لقول ﴿وما أسألكم عليه من أجر﴾ «الخ» كلامه فيه كرحى تطحن قرونًا وجعجعة بلا طحن، فهذا الذي استشهد به من كلام التوراة، وزعم أنه محقق لعدم سؤال الأجر لا مساس له بالموضوع، فإذا كان هارون وأبناءه ليس لهم نصيب في أرض إسرائيل، وليس لهم شيء من الدنيا، وكانوا زاهدين فيها قانعين، فهل يدل ذلك على أنه ليس لهم شيء من النبوة والخلافة والإمامة حتى نقيس عليهم عشيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) ونقول: ليس لهم حق في الخلافة والإمامة؛ لأن عليا بمنزلة هارون، بل زهدهم في الدنيا، وكونهم ليس لهم شيء منها يحقق امامتهم، وخلافتهم، فما زال أنبياء الله وأوصياؤهم زاهدين في الدنيا، راغبين عنها، فهارون شريك موسى في النبوة مع كونه ليس له شيء من الدنيا، فإذا كان أهل البيت (عليهم السلام) ليس لهم شيء من الدنيا، هل يقتضي ذلك أن لا يكون لهم خلافة وامامة، والامامة والخلافة باعتقادنا منصب ورياسة في أمور الدين والدنيا من الله تعالى، وليست ملكا وسلطنة. فسواء أكان لصاحبها نصيب في حطام الدنيا: أم لم يكن، لا يخل ذلك بامامته، والتوراة بنقل المؤلف تقول: انه ليس لموسى وهارون وأبنائه شيء من الدنيا، وإنما لهم الله، وكل ما في السماء. وموسى (عليه السلام) كان نبياً من أولي العزم، وهارون شريكه في نبوته، ومع ذلك حكمت التوراة أن ليس له ولا لهارون شيء من الدنيا، فهل الخلافة والامامة أعلى درجة من النبوة حتى يمتنع أن يكون الامام ليس له شيء من الدنيا. هذه هي العبارة التي أعجبته غاية الاعجاب بلاغتها، وعلو معناها، وقال: إنها تحقيق لقول ﴿وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على رب العالمين﴾ [الشعراء: 109] وكونها تحقيقا لهذا القول يثبت أنه ليس لها ولا لهذا القول مساس بالموضوع، فهل كون علي وأولاده لهم الخلافة والإمامة من الله بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) يجعل الرسول سائلاً على رسالته من الناس أجراً، ويكون أجره عليهم لا على رب العالمين.
(سابعاً): قوله إن في التوراة أن موسى قد حرم أن يرى شيئاً من الرياسة هو من غرائب الأقوال، وأي رياسة أعلى وأعظم من النبوة، نبوة أولي العزم، وإن أريد السلطنة والملك والاحتواء على حطام الدنيا، فهذا كما لا يضر بالنبوة لا يضر بالخلافة والامامة بل يحققهما، ويؤكدهما، والامامة فرع النبوة والفرع لا يزيد على أصله.
(ثامناً): قوله: إن موسى قد خلع ثياب هارون المقدسة، وصار هارون محروما من كل حق له، ولوبقي بعد موسى لما كان له شيء، هوكسابقه فهل النبوة رئاسة بلدية من قبل الحاكم لصاحبها شارة وثياب مقدسة، وينعزل صاحبها بالعزل، وتخلع عنه شارتها وثيابها المقدسة.مع أن هذا يكذبه قول النبي (صلّى الله عليه وآله) إلاّ أنه لا نبي بعدي الذي اعترف المؤلف بالاتفاق على صحته، فإنه لولم يكن هارون إذا بقي بعد موسى يكون نبيا لم يكن لهذا الاستثناء معنى كما مر. ومثله قوله: إن يوشع تنازل له موسى عن كل حقوقه، وعزل لأجله هارون، فهل حقوق النبوة تسقط بالاستعفاء والتنازل، والأنبياء يعزلون ويعين مكانهم غيرهم، هذه نتيجة اعراضه عن آيات الذكر الحكيم، وتمسكه بالمترجم والمحرف والمنسوخ.
(تاسعاً): ظهر مما مر أن حديث المنزلة يدل دلالة قطعية على أن عليا أحق بالخلافة والامامة بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) من كل أحد وأن من الواضح أنه لا دلالة له على ما ادعاه من حرمان عشيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) من الطالبيين والعباسيين وأبنائهم من حق الخلافة لا بدلالة قطعية ولا ظنية، وأن دعواه أن ذلك شريعة مقدسة في كل رسالة افتراء على الشرائع المقدسة والرسالات المطهرة.
(عاشراً): قوله ليس لأحد منهم حق من جهة النسب ليس بصواب، فإن أراد به مجرد النسب؛ فلم يقل أحد أن استحقاق الخلافة يكون بمجرد النسب، فنحن نقول: إنه بالفضل، والوحي الالهي، وغيرنا يقول: إنه باختيار الأمة، وان أراد أنه ليس للنسب مدخل في ذلك، فليس بصحيح؛ للاتفاق من الكل على أن للنسب مدخلا، فنحن نقول بانحصارها في علي وولده، وأنتم تقولون بانحصارها في قريش، وقد احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة بأنهم عشيرة النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولذلك قال أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) لما بلغه ذلك ما معناه:
ان تكن الخلافة بالقرابة فالحجة لنا
وإلاّ فالأنصار على دعواهم
وقال:
فإن كنت بالشوري ملكت أمورهم
فكيف بهذا والمشيرون غيب
وان كنت بالقربي وليت عليهم
فغيرك أولى بالنبي وأقرب
وجاء في الحديث المتفق عليه: الأئمة من قريش.
(حادي عشر): إذا لم يكن لهارون وأبنائه شيء من الدنيا، وإنما لهم الله، وإذا كان هارون صار محروما من كل حق له بعد موسى ومعزولاً، وعلي بمنزلته فكيف صار رابع الخلفاء؟ وكيف صار ولده الحسن خليفة بعده؟ وكيف أدخله الخليفة الثاني في الشورى؟ وكيف طالب بالخلافة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)؟ وكيف امتنع عن مبايعة الخليفة الأول مدة؟ هذا يكذب أن منزلة علي هي مثل منزلة هارون.
(ثاني عشر): قوله: هذا ليس بحرمان، وإنما هو رفع لعظيم أقدارهم دعوى غريبة، ومهزلة في بابها عجيبة، حرمانهم من الإمامة التي هي رياسة عامة في أمور الدين والدنيا ليس بحرمان، بل رفع لعظيم أقدارهم وأي رفع لعظيم أقدارهم أعظم من أن يكونوا محكومين لا حاكمين، ومأمورين لا آمرين، يحكم فيهم من لا يساوي شسع نعالهم، ويضطهدهم ويغصب حقوقهم من لا يماثل تراب أقدامهم، أمثال زياد وابنه الدعيين.
محلؤون فأصفى وردهم وشل
عند الورود وأوفى وردهم لمم
(ثالث عشر): إذا كان الله قد صرف الدنيا والخلافة عن أهل البيت اكراما لهم، وتبرئة لنبيه، ولبيت النبوة عن أبعد التهم، ولأن من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه، فيلزم أن تولي من تولى الخلافة من الخلفاء الراشدين: كان إهانة لهم، فإنه إذا كان صرف الخلافة عن شخص إكراماً له كان صرفها إلى غيره اهانة له بالبداهة، وعلي سيد أهل البيت؛ فكيف ولي الخلافة، ولم تصرف عنه إكراماً له، وتبرئة من التهمة، وكذلك ولده الحسن، منطق معكوس، وحجة تثبت ضد المطلوب. إذا كان أهل البيت أهلاً للخلافة – وهم أهل – لم يكن في خلافتهم وصمة على النبوة، ولا على بيت النبوة، ليكون صرفها تبرئة لهم، بل كان صرفها عنهم وصمة وعاراً.
(رابع عشر): إذا كان الله تعالى قد اختار أهل البيت واصطفاهم لنفسه، فمن هو أحق منهم بمنصب الإمامة والخلافة، ولم حرمهم الله منها وهم خيرته وأصفياؤه، وهل ذلك يوجب حرمانهم منها؟ كلا إلاّ عند موسى جار الله الذي تثبت مقدماته دائماً ضد مطلوبه.
(خامس عشر): إذا كان كل من نال ملكاً ورياسة من بيوت العرب في الإسلام صدق فيهم آية ﴿فهل عسيتم إن توليتم ان تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد: 22] «الخ» شمل ذلك كل من تسمى باسم الخلافة إذ لا رياسة ولا ملك أعلى منها، والآية خطاب لجميع الأمة لا تختص بالبيت الأموي والعباسي، وإذا كان تأويل هذه الآية أتى في البيت الأموي والعباسي في أفجع صورة، وقد دامت الدولتان ما يزيد على ستمائة سنة الأموية نحو(91) سنة والعباسية نحو (518) سنة، فأين كانت الأمة المعصومة على رأي موسى جار الله طيلة هذه المدة؟ وكيف مكنت لهاتين الدولتين من الفساد في الأرض في أفجع صورة؟ وهل كان ذلك من آثار عصمة الأمة ونزاهتها؟ وما هو مقدار الزمان الذي تبلغ الأمة فيه رشدها عند موسى جار الله؟ ألا يكفي فيه 600 سنة؟! وماذا يقول فيمن ولي الخلافة من البيت الأموي وهو صحابي مقدس.
ما جرى بعد حجة الوداع
قال في صفحة (ب ن): «تقول تثنية التوراة، دعا موسى يوشع، وقال له أمام أعين جميع إسرائيل: تشدد وتشجع لأنك أنت تدخل مع هذا الشعب الأرض التي كتب الله لكم، وأنت تقسمها لهم، والرب سائر أمامك لا يهملك ولا يتركك. وسار سيرة صاحب التوراة هذه صاحب القرآن في آخر أيام حياته، فبعد حجة الوداع جهز جيشا إلى الشام يزيد على ثلاثة آلاف فيهم أعيان الصحابة من المهاجرين والأنصار بقيادة أسامة، وقال: سر إلى مقتل أبيك بمؤتة بمشارف الشام، واشتد مرض النبي في أول ربيع الأول، وأمر الصديق بالصلاة وبتنفيذ جيش أسامة، وقال: تشددوا، وتشجعوا، لا تخافوا، ولا ترهبوا، ان الله معكم، فالصديق في أمة محمد مثل يوشع في أمة موسى». وقال في صفحة (ز ن): «وإذ اشتد مرضه أمر الصديق أن يصلّى بالناس، وبتنفيذ جيش أسامة، وإذ وجد قوة ونشاطاً خرج وجلس عن يمين الصديق مقتدياً بصلاته، وفي سائر الأيام كان يصلّى داخل البيت مقتدياً به».
(ونقول): ـ (أولاً) – والصواب أن يقال: سار سيرة صاحب التوراة هذه صاحب القرآن في آخر أيام حياته بعد حجة الوداع لما أنزل عليه: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: 5]، فنزل بمكان يدعى غدير خم بين مكة والمدينة، وهوإذ ذاك ليس بموضع يصلح للنزول لعدم الماء والكلأ فيه، وجمع الناس في حر الظهيرة قبل أن يتفرقوا إلى بلادهم، وصعد على منبر من الأحجار فوقها الأحداج، ومعه علي وأخذ بضبعيه ورفعهما ليراه الناس ويتحققوه، وقال أمام أعين جميع من حضر – وهم ألوف -: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى. قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، فقال له بعض أكابر الصحابة: بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
ثم أفرد له خيمة، وأمر الناس أن يدخلوا عليه فيبايعوه بامرة المؤمنين، فبايعه الناس رجالاً ونساء، وبايعه أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله) واستأذن حسان بن ثابت النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يقول في ذلك شيئا فأذن له، فوقف على نشز من الأرض، وقال:
يناديهم يوم الغدير نبيهم
بخم وأسمع بالنبي منادياً
فقال ومن مولاكم ووليكم
فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت نبينا
ولم تلق منا في الولاية عاصيا
فقال له قم يا علي فإنني
رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه
فكونوا له اتباع صدق مواليا
هناك دعا اللهم وال وليه
وكن للذي عادى علياً معاديا
وفي ذلك يقول أبو تمام الطائي:
ويوم الغدير استوضح الحق أهله
بفيحاء ما فيها حجاب ولا ستر
أقام رسول الله يدعوهم بها
ليقربهم عرف وينآهم نكر
يمد بضبعيه ويعلم أنه
ولي ومولاكم فهل لكم خبر
وفي ذلك يقول أبو فراس الحمداني:
قام النبي بها يوم الغدير لهم
والله يشهد والأملاك والأمم
(ثانياً): النبي (صلّى الله عليه وآله) جهز جيشاً بعد رجوعه من حجة الوداع لما أحس بالمرض بقيادة أسامة الشاب، وأمره على وجوه المهاجرين والأنصار، ومنهم الصديق، وقال: سر إلى مقتل أبيك بمؤتة، وكان يأمر، وقد اشتد به المرض، بتجهيز جيش أسامة، ويذم من تخلف عنه، ولكن الجيش لم يجهز، ولم ينفذ وبقي معسكرا بالجرف حتى توفي النبي (صلّى الله عليه وآله). فلماذا لم يجهز ولم ينفذ؟ فهو قد أخطأ في تمثيل الصديق بيوشع؛ لأن يوشع كان مؤمراً على الجيش، والصديق لم يكن مؤمراً، بل كان أسامة مؤمراً عليه، وجيش يوشع جهز ونفذ، وجيش أسامة لم يجهز ولم ينفذ، بل الصواب أن علياً في أمة محمد مثل يوشع في أمة موسى، فكما أقام موسى يوشع لإسرائيل بعده أقام محمد عليا يوم الغدير إماماً لأمته بعده، وكما حاربت يوشع زوجة موسى بعده حاربت عليا زوجة محمد بعده.
(ثالثاً): الصواب أنه لم يأمر أحداً بعينه بالصلاة، وأنه لما أوذن بالصلاة قال: إني مشغول بنفسي فليصل بالناس بعضهم، فطلبت كلتا زوجتيه أن يأمروا أباها بالصلاة، فلما سمع ذلك تحامل وخرج إلى المسجد متوكئا على علي والفضل بن العباس ورجلاه تخطان الأرض، وهذا يدل على أنه خرج في شدة المرض لا أنه وجد خفة، فوجده قد ابتدأ الصلاة، فنحاه عن المحراب، وصلّى بالناس جالسا، ولم يبن على ما مضى من صلاته، وبعضهم أراد الاعتذار عن ذلك، فقال: إنه كان مؤتما بالنبي وسائر الناس به مع أن مثل ذلك لم يشرع في الإسلام أما أنه اقتدى بالصديق في صلاته واقتدى به وهو في حجرته، فمن الأكاذيب الملفقة والنبي أفضل الخلق لا يقتدي بأحد، والصديق أعظم أدبا من أن يقبل ذلك.
(رابعاً): لينظر الناظر، وليتأمل المتأمل ما الذي دعاه إلى تجهيز الجيوش وهومريض مشغول بنفسه عن تجهيز الجيوش.
تاويله حديث الغدير بتأويل فاسد
ذكر في صفحة (190) آية ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الأحزاب: 6] ثم قال: «روت كتب الشيعة عن أئمة أهل البيت: من مات وترك دينا فعلينا دينه، والينا عياله، ومن مات وترك مالاً فلورثته. وروت كتب الأمة عن النبي (صلّى الله عليه وآله): أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك مالاً فلورثته ومن ترك كلا ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي، وهذا البيان في معنى الولاية اتفقت عليه كتب الشيعة، وكتب الأمة، وهذا أحسن بيان للآية وأسمى معنى للولاية، وأشرف وظيفة للنبي، وعلى الامام بعده وعلى الأمة. ثم هذا أصوب تفسير لحديث غدير خم، ويكون الحديث أسمى شرف لعلي ولأولاده لا يوازيه شرف، وعنده ينقطع الخصام».
وقال في صفحة(191): «والإمام والأمة يقوم مقام النبي في هذه الوظيفة، ومن تدين ما يقوت به عياله ومات، فالدين على الله وعلى رسوله كان على الامام وعلى الأمة قضاؤه. روت كتب الشيعة أن النبي قال: أيما مؤمن مات وترك ديناً لم يكن في فساد ولا إسراف فعلى الإمام قضاؤه، فإن لم يقضه فعليه اثمه ووزره، والله قد جعل للغارم سهما في آية الصدقات».
ثم أعاد ذلك في صفحة ( 249) على عادته في التكرير بغير جدوى فقال: «من أقوم ما استجدته واستحسنته ما وافقت فيه كتب الشيعة كتب الأمة صادق الموافقة في معنى الولاية في قول الله: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الاحزاب: 6] فقد روت كتب الشيعة أن النبي كان يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن ترك ديناً أوكلا فعلي، ومن ترك مالاً فلورثته، وروى الصادق أن النبي قال: أيما مسلم مات وترك ديناً ولم يكن في فساد ولا اسراف، فعلى الإمام أن يقضيه، وهذا المعنى أعلى وأجمع تفسير للولاية وأشرف وظيفة اجتماعية للنبي وعلى الامام بعده، وهذا هو الذي أراد الشارع في حديث غدير خم إذ قال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه، وهذا شرف لعلي ولكل امام بعده لا يوازيه ولا يقاربه شرف. أما غير هذا المعنى فلم يرده النبي الكريم ولا ادعاه الامام علي ولا امام بعده، ولم يجىء في عرف الكتاب وعرف السنة المولى بمعنى الرياسة وكل مؤمن مولى مؤمن. ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ [محمد: 11] ».
(ونقول): اعتاد مقابلة الشيعة بالأمة لحاجة في نفسه. وقوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ ولاية عامة لكل شيء ليس فوقها ولاية، وليست دونها مرتبة الخلافة والامامة، وقد ثبتت لعلي بحديث الغدير حيث قال النبي (صلّى الله عليه وآله): ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، هذا نص الآية والحديث لا يحتاج إلى تأويل أو تفسير، أما هذه التمحلات التي تمحلها ليخرج الحديث عن منصوصه، وزعمه أنها تقطع الخصام، وذلك بحمل، أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، على أن من مات وترك ديناً فعليه دينه، وزعمه أن هذا البيان اتفقت عليه كتب الفريقين، وأنه أحسن بيان للآية، وأسمى معنى للولاية، وأشرف وظيفة اجتماعية للنبي وعلى الإمام بعده، وأصوب تفسير لحديث الغدير، وأن الحديث يكون أسمى شرف لعلي وأولاده إلى آخر هذه الثرثرات والتزويقات، فمما لا يجدي نفعا فعموم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ظاهر وثابت للنبي (صلّى الله عليه وآله) بالآية واجماع الأمة، وقد ثبت مثل ذلك لعلي بحديث الغدير. وقول النبي (صلّى الله عليه وآله) أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، ومن ترك كذا أو كذا فإلي وعليّ لا يخصص الولاية بذلك؛ لأنه إنما ذكر شيئاً من متفرعاتها وهي باقية على عمومها، ولا يجوز تفسير الولاية بما يتفرع عليها. وقول أئمة أهل البيت: «من مات وترك دينا فعلينا دينه والينا عياله» لا يدل على تخصيص ولا يتهم بذلك، بل هذا بعض لوازم الولاية العامة، ومن أدلتها على أنه إذا كان قضاء الدين على النبي، وعلى الإمام، وعلى الأمة، فأي شرف للنبي في ذلك وللإمام ولعلي وولده، فهم في ذلك كسائر أفراد الأمة، وإذا كان ذلك عاما لكل امام بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولكل الأمة يكون قوله في حديث الغدير: من كنت مولاه فعلي مولاه لغواً وعبثاً بل كذباً، فكان اللازم أن يقول: من كنت مولاه فهذا عليٌّ وكل إمام مولاه، وكل فرد من الامة مولاه، وإذا كان كذلك؛ فما وجه هذا الاهتمام وجمع الناس في الصحراء والرمضاء قبل أن يتفرقوا إلى بلادهم، وهل يزيد هذا الأمر على حكم فقهي كسائر الأحكام الفقهية، هذه تأويلات موسى جار الله، وهذه تمحلاته مع أن كون ذلك على النبي والامام؛ لأن بيده بيت المال وهو معد لمصالح المسلمين، ومن جملتها قضاء دين الغارم، وفيه الزكاة ومن مصارفها: قضاء دين الغارم كما تضمنته آية الصدقات، أما أنه على الأمة فلا وجه له ولا دليل يدل عليه، ولكنه قد شغف بذكر الأمة المعصومة عنده، فهو يدخلها في كل شيء على أن الذي بيده بيت المال هوالنبي والخليفة بعده، وعلي عنده ليس بخليفة بعده، ولا أولاده خلفاء، فمن أين صارت هذه الوظيفة لهم مع أنها للإمام والخليفة الذي بيده بيت المال، فقد دل الحديث على ثبوت الخلافة لهم، وإذا لم يكن بيدهم بيت المال فمن أين يقضون ديون الغارمين من كافة المسلمين؟ فالذي أراده النبي (صلّى الله عليه وآله) في حديث غدير خم هوالولاية الثابتة له في حياته، ولعلي والأئمة من ولده بعد مماته، وبذلك تكون الولاية أشرف وظيفة للنبي وللإمام بعده، وشرفا لا يوازيه ولا يقاربه شرف، وتخصيصها بقضاء دين الغارم افتراء على النبي، وعلى حديثه، وزعمه أنه لم يجىء في عرف الكتاب والسنة: (المولى) بمعنى الرياسة افتراء على الكتاب والسنة فقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا﴾ [محمد: 11] لم لا يكون معناه أنه أولى بهم، وقد نص الكتاب والسنة في حديث الغدير على أن المولى بمعنى الأولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأي معنى للرياسة أعلى من ذلك وإذا كان نصا فلا يقال انه محل النزاع وإذا استعمل المولى في موضوع بغير هذا المعنى فلا يلزم أن يكون في كل موضع كذلك، ولا يكون ذلك عرفاً للكتاب والسنة.
حديث جمع النبوة والإمامة لأهل البيت
قال في صفحة (د ن): «إن الصديق والفاروق رويا حديث أن الله أبى أن يجمع لأهل البيت بين النبوة والخلافة، وتلقته الأمة بالقبول، فإن لم تقبله الشيعة فحديث المنزلة في معناه». قال: «وادخال علي في الشورى لا ينافي؛ لأن عدم استحقاق علي بالإرث لا ينافي الاستحقاق بانتخاب الأمة واختيارها».
(ونقول): أولاً، أنهما لم يرويا ذلك حديثاً، وإنما قال الفاروق وحده لابن عباس – كما يأتي قريبا -: «كرهت قريش أن تجتمع لكن النبوة والخلافة» فقريش هي التي كرهت ذلك. ما كرهت النبوة حسداً حتى جاء أمر الله وهم كارهون، أما الصديق فلم ينقل عنه ذلك لا حديثاً ولا غيره في ما عملناه.
(ثانياً): قبول الأخبار وعدمه ليس وساقة عرب إذا لم يقبل خصمنا خبرنا لم نقبل خبره. فحديث المنزلة، اتفقنا نحن وأنت على صحته، فيلزمك قبوله وحديث الأدباء – ان صح تسميته حديثاً – اختلفنا فيه فلا يلزمنا قبوله، وزعمك أن الأمة تلقته بالقبول مع عدم قبول أهل البيت (عليهم السلام) خيار الأمة وأتباعهم له جزاف من القول.
(ثالثاً): اعتذاره عن ادخال علي في الشوري بأن عدم الاستحقاق بالنسب لا ينافي الاستحقاق بالانتخاب، فيه أن حديث الأباء – إن صح – ليس فيه تقييد بالنسب، بل هوعام للنسب والانتخاب، فإذا كان الله يأبي أن يجعل لهم الخلافة، فكيف تنتخبهم الأمة لها وتفعل ما يأباه الله وهي معصومة عندك؟ وكيف جعلت الأمة الخلافة لعلي بعد عثمان وللحسن بعد علي؟ وخالفت الله تعالى الذي أبى أن يجمع لهم النبوة والخلافة مع قبولها لما رواه الصديق والفاروق.
زعمه لم يول النبي ولا الصديق والفاروق هاشمياً
قال في صفحة (د ن): «كل قرابة النبي كانت مصروفة زمن النبي عن كل ولاية وعن كل رياسة، ولم يستعمل (صلّى الله عليه وآله) أحداً من بنيهاشم أيام حياته، وطلب عمه العباس ولاية، فقال: يا عم نفس تحييها خير من ولاية لا تحصيها، ولم يكن في أعمال والصديق والفاروق هاشمي؛ لأن القرابة قد صرفت عن أمر الرياسة والولاية، ولم يكن يعتبر في الاستعمال والولاة إلاّ الكفاءة والغناء، وقد كان يقدم في كبار الأعمال بنيأمية عملا بالعدل، وابتعاداً عن التهمة، وتنزيها لحرم النبوة». وقال في صفحة (ن هـ): «إن في ذلك رعاية قوة الدولة الإسلامية؛ لأنها في أول الإسلام كانت في قريش، وكانت قريش تكره أن تجتمع في بنيهاشم النبوة والخلافة، واستشهد بقول عمر لابن عباس: أنتم أهل النبي فما تقول في منع قومكم منكم؟ قال: لا أدري، والله ما أضمرنا إلاّ خيراً. قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة، فتذهبوا في السماء بذخاً وشمخاً، ولولا رأي أبي بكر فيها لجعل لكم نصيباً من الأمر، ولو فعل ما هنأكم قومكم أنهم ينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره». وقال (صفحة ون): «فراعى شرع الإسلام الذي جاء بالمساواة المطلقة هذه الجهة السياسة فقطع كل القطع حق البيت الهاشمي بالإرث، فلم يبق له حق إلاّ مثل حق كل فرد من الأمة».
ونقول: يكذب قوله أن النبي لم يستعمل أحداً من بني هاشم أنه ولّى علياً على اليمن أيام حياته، وجعل إليه قضاءها، وولاه على الجيش المرسل اليها، وعلى الجيش المرسل إلى ذات السلاسل، وولّى أخاه جعفرا رياسة المهاجرين إلى الحبشة، وولاه أيضا على جيش مؤتة، وامارة الجيوش أهم إمارة، وإذا كان لم يول عمه العباس – إن صح ذلك – على ولاية رأى أنه لا يحصيها فليس معناه أنه صرف كل ولاية عن بنيهاشم. وأما الصديق والفاروق فنحتاج إلى الاعتذار عنهما في عدم تولية بنيهاشم، ولم يأت هو بعذر مقبول، وإذا كان الصديق والفاروق لم يوليا هاشمياً فقد ولاهم أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب ولى عبدالله بن العباس البصرة، وأخاه قثما مكة، وأخاهما عبيد الله اليمن، وتماماً أخاهم المدينة لما خرج لحرب الجمل، فهل كان مخطئاً في ذلك وغيره مصيباً؟!
(ثانياً): قوله: «لم يكن يعتبر في الاستعمال إلاّ الكفاءة» مناقض لقوله إن القرابة قد صرفت عن أمر الرياسة والولاية؛ إذ معناه أنها قد صرفت، وان كان فيها كفاءة وغناء؛ للعلة المتقدمة، ولوكانت الكفاءة هي المدار لم يكن في الناس كفؤ لعلي بن أبي طالب الذي شهد له الخليفة بأنه إن وليهم ليحملنهم على المحجة البيضاء، والطريق الواضح، ولا لعبدالله بن عباس.
(ثالثاً): قوله: «وقد كان يقدم في كبار الأعمال بنيأمية عملا بالعدل» «الخ» فيه أن تأخير غيرهم خلاف العدل، وليسوا في الكفاءة فوق غيرهم ولا مثلهم، اللهم إلاّ أن يكون الوليد بن عقبة الذي ولي الكوفة في عهد الخلافة الراشدة، وشرب الخمر، وصلّى الصبح بالناس في مسجد الكوفة وهوسكران ثلاث ركعات وتقيأ الخمر في محراب المسجد، فكان في توليته وأمثاله عمل بالعدل، وابتعاد عن التهمة، وتنزيه لحرم الإسلام، وأي تنزيه. وتولية بني أمية كبار الأعمال نجم عنها مفاسد عظيمة في الإسلام، منها حرب صفين، وشق عصا المسلمين، وتفريق كلمتهم، وغير ذلك مما استطار شرره، وبقي أثره إلى آخر الدهر. وتولية الأكفاء ليس فيه تهمة ولا ما ينافي تنزيه حرم النبوة من أي قبيلة كانوا، وكان الأولى به ترك هذه التعليلات العليلة السخيفة، وعدم اشغالنا وتضييع وقتنا بردها، وعدم اضطرارنا إلى كشف ما لا نود كشفه.
(رابعاً): قوله: «ان في ذلك رعاية قوة الدولة الإسلامة لأنها في أول الإسلام كانت في قريش» فيه أن قوتها لم تكن في أول الإسلام في قريش، بل في الأنصار أو فيهم وفي المهاجرين.
(خامساً): قوله «كانت قريش تكره أن تجتمع في بني هاشم النبوة والخلافة» فيه أن قريشاً وفي أولهم بنو أمية كانوا يكرهون نبوة بنيهاشم لا اجتماع النبوة والخلافة فيهم فقط، وإذا كانت الخلافة كالنبوة بأمر الهي لا باختيار الأمة لاشتراطها بالعصمة التي لا يعملها إلاّ الله ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة: 124] والعاصي ظالم لنفسه كما فصل في محله وليس لرضا قريش وعدم رضاها أثر في ذلك، قال الشاعر:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها
وليغلبن مغالب الغلاب
فإذا كانت قريش تكره أن تجتمع لبني هاشم النبوة والخلافة حسدا وبغضا؛ لأنهم قاتلوهم على الإسلام، فصاروا ينظرون إليهم نظر الثور إلى جازره لم يكن ذلك مانعاً لهم من استحقاق الخلافة، ويكون الوزر في تأخيرهم عنها على قريش، وهذا اعتراف بأن تأخيرهم عن الخلافة كان حسداً وبغضا، وأن كونهم أهل النبي (صلّى الله عليه وآله) من موجبات استحقاقهم لها.
(سادساً): كلام الخليفة لابن عباس الذي استشهد به هنا يدل على أن ذلك من كلام الخليفة، وهو الصواب، وهو قد جعله سابقاً حديثاً.
(سابعاً): قوله «فراعى شرع الإسلام» «الخ» افتراء منه على الشرع الإسلامي كما يعلم مما مر مع أنه مناف لقوله السابق: إن الله صرف الدنيا، والخلافة عنهم إكراماً لهم، وتبرئة للنبوة، وإذا كان الشرع الإسلامي جاء بالمساواة المطلقة، فلماذا حصر الإمامة في قريش واحتج به المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة؟ وهل حصرها في قريش إلاّ كحصرها في بني هاشم أو في علي وولده؟ والخلافة لم يقل أحد من المسلمين أنها بالإرث، ولكنه يخبط خبط عشواء.
وقال في صفحة( 225): «وكذلك الشأن في الشرائع السابقة فإن موسى حرم كل أقاربه من ميراثه في حقوقه، ووظائفه، وورثه فتاه يوشع بن نون. ودعا سليمان – بلسان شريعة التوراة -: ﴿رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ [ص: 35]. لم يكن هذا الملك ينبغي لأحد من ورثته بالنسب. ودعا زكريا فقال: ﴿فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا﴾ [مريم: 5 و6]. ومعلوم أن ارث نبي الأمة وارث كل الأمة لا يكون بنسب الأبدان، بل بنسب الأرواح. ثم لما عاين ما لمريم من عند الله زاد رجاؤه ﴿هنالك دعا زكريا ربه قال هب لي من لدنك ذرية طيبة انك سميع الدعاء﴾ [آل عمران: 38] كل هذه بنسب الأرواح لا مجرد نسب الأبدان». وقال (في ص 226): «فيا ليت لوأن السادة الشيعة قبلت اليوم الحق الذي وقع بارادة الله ورضى نبيه، والاّ يجب أن يكون شأن النبي وشأن دينه الحكيم أقل وأهون عند الله من شأن زكريا ودعائه، وأن يكون شأن أهل البيت في الارث بعد النبي أقل وأذل من شأن غلام زكريا في ارثه اياه وآل يعقوب».
(ونقول): هذا الرجل قال في ما يأتي في حرمانه الزوجة من الأرض أن الشيعة انتحلت ذلك من الأناجيل والتوراة، وبينا هناك بطلان قوله، ونراه لا يزال ينتحل من الأناجيل والتوراة ويستند إلى شريعتهما، ويستشهد بأحكامهما، كما فعله هنا ولا يبالي بالتناقض في كلامه وهذه النغمة في حرمان أهل البيت (عليهم السلام) من خلافة جدهم كما حرم ذرية موسى وأقاربه قد تكررت منه على عادته بغير فائدة وفندناها في ما سبق.
(ونقول) هنا: إن الله تعالى قد جعل هارون وزيرا لأخيه موسى، وشد به أزره، وأشركه معه في النبوة، ولوبقي بعده لكان نبيا كما مر في حديث المنزلة. وهو يبطل زعمه أن أقارب الأنبياء وعشائرهم محرومة من حقوق نبوتهم، وسليمان طلب ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده لا من ذريته ولا من غيرهم، لا بالنسب ولا بالروح، فلا ربط له بما أراده. وزكريا هل كان وليه الذي سأله ولداً بنسب الأرواح، لا بنسب الأبدان؟ وهل كانت الذرية التي طلبها روحية فقط لا بدنية؟ وكونه لما رأى ما لمريم من عند الله زاد رجاؤه لا يجعل ابنه يحيى ولياً بنسب الأرواح لا الأبدان. وهكذا كل أدلة هذا الرجل تكون عليه لا له. ومن الطريف قوله: «معلوم أن ارث نبي الأمة وكل الأمة بنسب الأرواح لا الأبدان»، فإن كونه بنسب الأرواح لا يمنع أن يجتمع معه نسب الأبدان على أن الشرف الحاصل بنسب الأبدان وطهارة الطينة والأصل له كل المدخلية في هذا الارث. مع أنه إذا انحصر إرث نبي الأمة بنسب الأرواح فكيف انحصر إرث الأمة بذلك؟ وأطرف من ذلك قوله: وكل هذه نسب الأرواح لا مجرد نسب الأبدان. فمتى قلنا أو قال أحد في الكون إن آل محمد (عليهم السلام) ليس بينه وبينهم إلاّ نسب الأبدان، كلا بل هم أشبه الخلق به هديا وطريقة وخلقاً وفي جميع أطواره وأحواله وأخلاقه وأفعاله، فقد جمعوا نسب الأبدان ونسب الأرواح على أكمل وجوهها كما جمعها يحيى بن زكريا، ولا ندري ولا المنجم يدري لماذا يلزم أن يكون شأن النبي ودينه أهون عند الله من شأن زكريا ودعائه إلى آخر ما لفقه إذا لم تقبل الشيعة بما زعم أنه وقع بارادة الله ورضا نبيه – وهما بريئان منه – وقد عرفت أن استشهاده بأمر زكريا عليه لا له.
من الذي قدمه النبي (ص) بعده
قال في صفحة (ون): «لم يتول الأمر بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) لا عمه، وكان أعقل قريش وأسودها ولا أبناء عمه، وكل قد كان كفؤاً وأهلاً، فكان هذا برهاناً على أنه لم يكن يطلب ملكاً حيث لم يقدم بعده أحداً بقرب نسب، بل إنما قدم من قدم بالإيمان والتقوى والكمال والغناء. ونقول: بل قدم بعده من قدمه يوم الغدير ويوم نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: 214] فجمعهم وقال لعلي: أنت أخي ووصيي وخليفتي فيهم، رواه الطبري باسناده في التفسير والتاريخ ورواه غيره، ومن لا يوازيه عمه في فضل ولا يدانيه سواء أكان أسود قريش وأعقلها أم لم يكن، وإذا قدم من هو أهل للتقديم لم يدل ذلك على أنه يطلب ملكاً سواء أكان ذا نسب قريب أم لا وأصحابك يقولون: إنه لم يقدم أحداً وإنما اختارت الأمة لنفسها، فكيف تقول إنما قدم من قدم؟ وإذا كان التقديم بما ذكرت من الصفات فليس أحق بها ممن قدمه يوم الغدير ويوم أنذر عشيرته الأقربين.
ما ذكره من فضائل الصديق
قال في صفحة (ز ن): «إن للصديق فضائل في الجاهلية: له عشيرة تحميه، ومال، كان محبوباً. وفي الإسلام بالسبق إلى أمور: الإسلام، الانفاق، الجهاد، عتق العبيد، بناء المساجد، الهجرة، تزويج ابنته، جمع القرآن، الذي يؤتي ماله يتزكى؛ العلم بأحوال العرب وأنسابها، خدمة النبي، آمن الناس عند النبي، الحزم والفراسة به صار وزيراً للنبي في كل أموره».
(ونقول): كان الأولى به ذكر فضائل الصديق الحقيقية، أما إضافة فضائل إليه لا حقيقة لها فذلك مما لا يرضي الصديق بل يغضبه، فالعشيرة والمال مع كثرة المشاركين لا ينبغي أن يحسبا من الفضائل، مع أن المال لم يتحقق، فإن المنقول أنه كان في الجاهلية ينادى على مائدة عبدالله بن جدعان بأجرة. والسبق إلى الإسلام لعلي وحده، أسلم ولم يكن يصلّى لله تعالى على وجه الأرض غير ثلاثة هو أحدهم، والآخران: الرسول (صلّى الله عليه وآله) وخديجة. والانفاق كان لخديجة وبعد موتها من مالها الموروث. والجهاد الكامل كان لعلي وحده في كل موقف، ولم يسمع عن الصديق أنه قتل أحداً وهجرته كانت في استخفاء مع النبي (صلّى الله عليه وآله) وغلام أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم المستأجر عبدالله بن أريقط الليثي، وهو مشرك ولما لحقهم سراقة بن مالك، وهم أربعة أحدهم النبي (صلّى الله عليه وآله) بكى أبوبكر، فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله): مالك تبكي؟ قال: ما على نفسي أبكي ولكن عليك يا رسول الله. قال: لا عليك فدعا على سراقة فغاصت قوائم فرسه في الأرض فطلب أن يدعو له بخلاصه فدعا له فرجع. وعلي كانت هجرته بالفواطم ظاهرا ومعه أبو واقد الليثي، وأيمن ابن أم أيمن، فلحقهم ثمانية فوارس، فقتل على مقدمهم، وعاد عنه الباقون وتزويج ابنته هو الذي قلنا عنه إنه لا يرضى الصديق عده من فضائله، فقد تزوج النبي بنت حيي بن أخطب. وأفضل منه تزويج ابنته التي رد عنها غيره ولم يكن لها كفؤ سواه. والقرآن جمعه مع تأويله علي بن أبي طالب. والعلم بأحوال العرب وأنسابها علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه، كما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في من رآه في المسجد في حلقة وقيل عنه إنه علامة لعلمه بذلك ونحوه وخدمة النبي لم يكن أقوم بها من علي الذي لازمه صغيراً وكبيراً وربي في حجره. وآمن الناس عند النبي (صلّى الله عليه وآله) هو الذي أدى أماناته يوم الهجرة كما أوصاه، أقام منادياً بالأبطح: ألا من كانت له أمانة عند محمد فليأت تؤد إليه أمانته، وائتمنه على الفواطم فهاجر بهن من مكة إلى المدينة، ولم يأتمن على ذلك غيره، وائتمنه على أداء سورة براءة. والوزارة في كل أموره ليست لسوى علي بنص حديث المنزلة الذي اعترف بصحته وآية: ﴿واجعل لي وزيرا من أهلي﴾ [طه: 29] وباقي ما ذكره اما مشارك فيه مع زيادة أوليس له كثير أهمية.
وبعدما ذكر في ص( 41) أحاديث نقلاً عن الوافي لا يعلم مقدار صحة أسانيدها وضعفها عند الشيعة لا ترتبط بالعقيدة، فلا نطيل بنقلها والكلام عليها، وأحاديث تتعلق بيومي الغدير والغار لا يعلم أيضا مبلغ صحتها وضعفها، وليس كل ما في الكتب سواء أكانت من الأمهات أم غيرها يمكن الجزم بصحته. وهل يمكن لأية فرقة أن تجزم بصحة جميع أخبار كتبها، والعهد بعيد والرواة إنما يعتمد في توثيقهم وتعديلهم على الظنون التي كثيراً ما تخطىء، وعلى أقوال أقوام يجوز عليهم الخطأ والاشتباه. تكلم بعد ذلك (في ص 43) على آية الغار فقال: «إن كان الله ثالث الاثنين فإلى أين تبلغ رتبة الأول. فإن كان ارتعد خوفاً على حياة النبي فإن كان أنزل سكينة الله على هذا الأول، وأيد الله هذا الأول ونبيه بجنود لم يرها أحد من قريش غير الأول، فهل نال أحد من خلق الله مثل هذا الشرف، وهذا الثناء الجليل».
(ونقول): كان عليه أن يقتصر على فضائل الصديق المسلمة ولا يستدل عليها بما لا دلالة فيه مما لا يرضى به الصديق، فإن كون الله تعالى ثالث الاثنين لا يستدل به على فضل واحد من الاثنين، فقد قال تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هورابعهم﴾ [المجادلة: 7] إلى قوله: ﴿ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاّ هومعهم أينما كانوا﴾ [المجادلة: 7] فهذا يشمل كل متناجيين مهما كانت صفتهم، وكون الله معهم لا يدل على فضيلتهم، وقوله: ﴿…ان الله معنا…﴾ [التوبة: 40] دال على أنه لا يصل اليهما سوء من الذين قصدوهما، وإنما قصدهم الأصلّي النبي (صلّى الله عليه وآله) لا سواه فالله قد أخبر أنه سيدفع الضرر منهم عن النبي ومن معه مهما كانت صفته وكون السكينة انزلها الله على الصديق غير ظاهر من اللفظ ان لم يظهر خلافه، وهو اختصاصها بالرسول (صلّى الله عليه وآله) وكون الرسول غير محتاج إليها وإنما احتاج إليها من ارتعد ينافيه قوله في مقام آخر: ﴿فأنزل الله سكينتة على رسوله وعلى المؤمنين﴾ [التوبة: 26] مما دل على أنا النبي محتاج إلى انزال السكينة عليه، وليس مقام أدعى إلى الخوف والاضطراب من مقام الغار، فإذا احتاج إلى انزال السكينة عليه في غيره، فهو فيه إليها أحوج، وقوله وأيده الله ونبيه ينافيه افراد الضمير، ولو أراد ذلك لقال: وأيدهما، وقوله لم يرها أحد من قريش غيره حاشية للقرآن الكريم ليست فيه.
قال في صفحة (ز ن): «والنبي وادع أمته في حجة الوداع، وكانت الصحابة تسأله عن كل حال ثم لم يسأله أحد عمن يخلفه بعده لأن الخليفة بعده كان معلوماً عند كل أحد منهم».
(ونقول): إن كانوا لم يسألوه فهو قد ابتدأهم وأخبرهم عمن يخلفه بعده يوم نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: 214] ثم يوم الغدير، ثم في مرض موته، حين قال: آتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً. فقال بعضهم: حسبنا كتاب ربنا وقال: إنه يهجر قد غلبه المرض، وهذا ينافي أن يكون الخليفة معلوماً عند كل أحد أو يدل على أنه غير من يريدونه، وإذا كان الخليفة معلوماً عند كل أحد، فما بال الاجتماع في سقيفة بني ساعدة وقول الأنصار أو بعض الأنصار لا نبايع إلاّ علياً في ما رواه الطبري. ثم قولهم: «منا أمير ومنكم أمير» واحتجاج المهاجرين عليهم بأنهم عشيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) وقومه، وكان يلزم أن يقولوا لهم ان الخليفة معلوم عند كل أحد، واجتماع بني هاشم ومعهم الزبير في بيت فاطمة، وضرب سيف الزبير بالحائط وكسره، ونفي سعد إلى حوران. هذا يدل إما على أنه لم يكن معلوماً عند كل أحد، أو كان معلوماً وخولف، وهذا ينافي ما يدعيه من عصمة الأمة أو عدالتها على الأقل.
قال في صفحة (ز ن): «فقد أرشد أمته إلى اختيار الأحق من غير أن يحرم الأمة من حقوق انتخابها أمامها فقدمت الأمة خليفة رسول الله تقديم اجماع».
ونقول: (أولاً): كونه أرشد أمته إلى اختيار الأحق وكونه كما مر قدم من قدم بالإيمان والتقوى، وكون الخليفة كان معلوماً عند كل أحد يناقض عدم حرمان الأمة من حق الانتخاب مناقضة ظاهرة، فإذا كان النبي (صلّى الله عليه وآله) قدم شخصاً معيناً معلوماً عند كل أحد أنه الخليفة وجب التسليم لأمر النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولم يجز انتخاب غير من قدمه وعينه، وذلك حرمان للأمة من حق انتخاب إمامها.
(ثانياً): الله تعالى ورسوله أعلم بمن يصلح للخلافة أم الأمة؟ الثاني باطل قطعاً، فإن كان الأول لزم أن يرشد الله تعالى الأمة رحمة بها بواسطة نبيه إلى من يصلح للخلافة، ويعينه لها ولا يوكل أمر انتخابه إليها في تشتت أهوائها واختلاف نزعاتها، وهل وقعت الحروب والفتن والمفاسد في الإسلام إلاّ من هذه الانتخابات.
(ثالثاً): كيف يكون إجماعاً من خرج منه بنو هاشم كافة والزبير، وسعد بن عبادة، ومن تابعه من الأنصار، هذا إن لم نعتد برأي سائر المسلمين خارج المدينة الذين لم يؤخذ رأيهم ولا يمكنهم الخلاف بعد انعقاد الأمر، ولله در مهيار حيث يقول:
وكيف صيرتم الاجماع حجتكم
والناس ما اتفقوا طوعاً ولا اجتمعوا
أمر علي بعيد عن مشورته
مستكره فيه والعباس يمتنع
وتدعيه قريش بالقرابة وإلاّ
نصار لا خفض فيه ولا رفع
فأي خلف كخلف كان بينكم
لولا تلفق أخبار وتصطنع|
زعمه عدم النص على الامام
قال في صفحة (ح ن): «ولو فرض محالاُ وجود نص بالإمامة لحرم على من له النص أن لا يقوم بها ولامتنع امتناعاً عادياً خفاء هذا النص على أحد. وعلي ترك الإمامة، والإمام الحسن تركها، وكل إمام بعد الحسين تركها، وكله يبطل دعوى وجود النص لعلي وأولاده من السيدة فاطمة».
(ونقول): الواجب على من له النص القيام بالامامة حسب جهده، وطاقته، وهذا قد حصل. أما القيام بها على كل حال فلو حرم على من له النص أن لا يقوم بها مع خوفه لحرم على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) التخفي بعبادة ربه في أول البعثة أحياناً. ولحرم على هارون أن يقول: ﴿ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني﴾ [الأعراف: 150] ولحرم على لوط أن يقول: ﴿لوأن لي بكم قوة أوآوي إلى ركن شديد﴾ [هود: 80]. وأما هذا النص فلم يخف على أحد وعلي وولده لم يتركوا الإمامة، فهم أئمة أطيعوا أم عصوا، والأنبياء التي كذبتها أممها ولم يتبعها إلاّ قليل منها لا يقال إنها تركت نبوتها، وليست الإمامة هي الحكم والسلطنة.
ما ذكره من فضائل الفاروق
ذكر في صحفة (ن ط) فضائل الفاروق، فلم يقتصر على فضائله الحقيقية، بل أضاف إليها ما اعترف الفاروق نفسه بنفيها عنه كما فعل عند ذكر فضائل الصديق. مثل أنه كان يرى رأياً، فيقبله النبي، ويوافقه الله من فوق عرشه، مع أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يقبل رأيه في أسارى بدر وفي الصلاة على ابن أُبي وفي بعض من رأى قتلهم كما فصلته كتب التواريخ والآثار، ومثل كونه أفقه الصحابة وأعلم الصحابة في زمنه وهو يقول: كل الناس أفقه منك حتى المخدرات، ويقول: لولا على لهلك عمر: ثم قال: إن الصديق استخلفه بعهد منه. وهذا حرمان للأمة من حق انتخابها إمامها، وقد سبق منه أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يشأ أن يحرم الأمة من حقوق انتخابها إمامها، فكيف خالفه الصديق.
زعمه عصمة الخلافة الراشدة
قال في صفحة (س): «نحن فقهاء أهل السنة والجماعة نعتبر سيرة الشيخين أصولاً تعادل سنن النبي الشارع في اثبات الأحكام الشرعية، ونقول: الخلافة الراشدة معصومة عصمة الرسالة المعصومة».
(ونقول): (أولاً): إدخاله نفسه في فقهاء من تسموا بأهل السنة والجماعة، وفقهه هذا المزعوم أدى به إلى مخالفة اجماع المسلمين في عدة مواضع، أشرنا إلى بعضها في ما مضى وإلى بعضها في في ما يأتي من هذا الكتاب، منها تشريك ولد الولد مع الولد في الميراث.
(ثانياً): كون سيرة الشيخين تعادل سنة النبي (صلّى الله عليه وآله)، وكون الخلافة الراشدة معصومة يحتاج إلى اثبات، ولم يأت عليه بدليل سوى مجرد الدعوى. نعم، إذا ادعى ذلك في حق علي بن أبي طالب كان له وجه لآية الطهارة وقول النبي: اللهم أدر الحق معه كيفما دار، علي مع الحق والحق مع علي يدور معه كيفما دار، وحديث الثقلين، وقول علي: سلوني قبل أن تفقدوني «الخ» ولم يستطع أحد أن يرد عليه.
(ثالثاً): نسبته ذلك إلى جميع فقهائهم؛ لم نجد له موافقاً عليه.
(رابعاً): هذه الدعوى لم يدعها أصحاب الخلافة الراشدة أنفسهم، فقال أحدهم: إن لي شيطاناً يعتريني، وقال الآخر: كل الناس أفقه منك، ولولا علي لهلكت وكل ذلك اعتراف بعدم العصمة.
(خامساً): جعله سيرة الشيخين كسنة النبي (صلّى الله عليه وآله) يناقض جعل الخلافة الراشدة معصومة كعصمة الرسالة، فإن الخلافة الراشدة يراد بها خلافة الخلفاء الأربعة، فإذا الخلفاء الأربعة كلهم معصومون، وأحدهم علي بن أبي طالب، وهو لم يرض أن يبايعه عبدالرحمن بن عوف على الكتاب والسنة وسيرة الشيخين، بل على الكتاب والسنة فقط، فإذا عصمة الخلافة الراشدة تثبت عدم عصمة الخلافة الراشدة.
سادساً: الناس قد شككوا في عصمة الأنبياء، فكيف بالخلافة الراشدة.
ما جرى بين الصحابة
قال في صفحة (ا س): «وتعد من لغوالكلام وسقطة القول الكلام في ما جرى بين الصحابة زمن الخلافة الراشدة». ونقول: إن لزمنا الاعراض عما جرى بين الصحابة لم يختص ذلك بزمن الخلافة الراشدة كما ادعاه؛ فإن العدالة والاجتهاد قد ادعيا لجميعهم حتى قال القائل:
ونعرض عن ذكر الصحابة فالذي
جرى بينهم كان اجتهاداً مجرداً
ولكننا نود أن يرشدنا إلى الدليل الذي سبب هذا الحجر على العقول، والألسنة، والأقلام. ونرى الصحابة أنفسها لم تعرض عن الخوض في ما جرى بينها وهم قدوة بأيهم اقتدينا اهتدينا. وهو نفسه لم يعرض عن القول في ما جرى بين الصحابة زمن الخلافة الراشدة، فلام علياً والمهاجرين والأنصار في مقتل عثمان، ولام أبا ذر في سلوكه مع عثمان كما مر ويأتي.
الشورى
قال في صفحة (ا س): «عثمان أول خليفة انتخب بعد مشاورة تامة واستقصاء آراء من حضر بالمدينة. وقد كان العباس قال لعلي: لا تدخل في الشورى إن اعتزلت قدموك، وإن ساويتهم تقدموك، ولم يقبله، وإن كان العباس أنفذ نظراً وأقوى حدساً يرى الأمور من وراء الستور. وكان علي يعلم أنه لا يستحق الأمر بالإرث فدخل لعله يناله بالانتخاب، وكاد ينتخب لو أنه قبل الشرط الذي عرضه له ابنعوف والشرط كان معقولاً به يندفع خوف قريش من البيت الهاشمي على العرب، وإلاّ فلم يكن أحد ينكر فضل علي وكفاءته لكل أمر عظيم».
(ونقول): (أولاً): المشاورة لم تكن إلاّ بين هؤلاء الستة، وسائر من بالمدينة لم تؤخذ آراؤهم، إنما حضر مع الستة بعضهم وليس له رأي. نعم، يقال إن عبدالرحمن شاور أهل المدينة، ولكن من الذي يضمن لنا أنه أخذ بما أشاروا به، أو أن آراءهم لم تكن متناقضة.
(ثانياً): المتأمل في أمر الشورى، إذا جرد نفسه من التقليد، يعلم أنه لم يكن المقصود من الشورى الشورى، بل تثبيت خلافة عثمان بطريق قانوني محكم. فالشورى جعلت بين ستة: علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبدالرحمن بن عوف. وقال الخليفة: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مات وهوعنهم راض، ثم ذكر لكل واحد منهم عيبا، فقال لعلي ما معناه: أنه إن وليهم ليحملنهم على الطريق الواضح والمحجة البيضاء إلاّ أن فيه دعابة، وقال لعثمان: إن وليهم ليحملن آل أبي معيط على رقاب الناس. وجعل العبرة بأكثرية الأصوات، فإن تساوت رجح الفريق الذي فيه عبدالرحمن بن عوف، فإن اتفق الأكثر أو من فيهم عبدالرحمن على واحد وخالف الباقون، قتل المخالف، وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على واحد قتل الستة وترك المسلمون يختارون لأنفسهم، ولسنا بصدد نقد الشىورى من جميع نواحيها، بل بصدد بيان أن المقصود منها تثبيت خلافة عثمان بوجه قانوني؛ فإنه كان من المعلوم أن علياً لا تكون معه الأكثرية، بل أما أن يكون معه صوتان فقط أو نصف الأصوات؛ لأن المتيقن أن من يكون معه هو الزبير وحده أوشخص آخر فقط، ومعلوم أن عبد الرحمن هواه مع عثمان فلا يمكن أن يختار علياً عند تساوي الأصوات، ورجوع الأمر اليه، ثم لما رجع الأمر إليه أراد علياً أن يبايعه على كتاب الله وسنة رسوله، وسيرة الشيخين، فلم يقبل علي إلاّ على كتاب الله وسنة رسوله، وقبل عثمان، فهل كان ابن عوف يرتاب في أن علياً لا يقبل إلاّ بالكتاب والسنة فقط، وهل كان يشك في أن عثمان لا يمتنع من قبول سيرة الشيخين؟! هذه هي الشورى.
(ثالثاً): كون العباس أنفذ نظراً وأقوى حدساً من علي ليس بصواب. إن نسب إلى علي أنه قال عنه أنه يرى الأمور من وراء الستور، وقوله وإن اعتزلت قدموك يصعب التصديق بأنه رأى مصيب، فكيف يقدمونه مع الاعتزال، ولا يقدمونه مع الدخول؟ بل الحق أنه مع الاعتزال مقطوع بعدم تقديمه أما مع الدخول فمحتمل.
(رابعاً): لم يقل أحد ولم يتوهم أحد أن علياً كان يستحق الأمر بالإرث، وقد كرره في كلامه في عدة مواضع وهومن لغوالكلام، وإنما كان يعلم أنه يستحقه بالنص عليه، وإنما دخل لأن للمرء أن يتوصل إلى حقه بكل وسيلة.
(خامساً): عقل علي بن أبي طالب كان أكبر من عقله، وكان يعلم أن هذا الشرط غير معقول، ولا يمكنه الأخذ به؛ لأن سيرة الشيخين إن وافقت الكتاب والسنة أغنيا عنها وإن خالفتهما قدما عليها، وإن كانت فيما لم يرد فيه شيء في الكتاب والسنة كان باب مدينة العلم أعرف بوجوه استنباط حكمه منهما، ولذلك أضاف إليهما – كما في بعض الروايات – واجتهاد رأيي.
(سادساً): أن قريشاً لم تكن تخاف من البيت الهاشمي على العرب ولا على العجم، وإنما كانت تحسد البيت الهاشمي وتعاديه، وهذا الذي دعاها إلى صرف الأمر عنه مع كونها تعرف فضل علي وكفاءته لكل أمر عظيم، وكيف تخاف قريش ممن يقول: «ولله لوأعطيت الأقاليم السبع بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت»، نعم ربما كانت تخاف عدله ومساواته.
زعمه لم يكن في القرن الأول
من يقدم علياً في الخلافة
قال في صفحة (ب س): «لم يكن في القرن الأول أحد يدعي أن علياً أولى بالخلافة والأمر، ولم يدع علي لنفسه الأولوية، وتقديم بيت النبوة دعوى دخيلة أدخلها أهل المكر الذين تظاهروا بالاهتداء كيدا ولم يكن أحد وصياً لنبي في أمته».
(ونقول): ما أكثر القائلين بذلك والمدعين له. منهم الصديق الذي قال: «أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم»، ومنهم بنو هاشم كافة، ومنهم الاثنا عشر الذين خالفوا يوم السقيفة ذكرهم الطبرسي في الاحتجاج، ومن جملتهم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومن قوله:
ما كنت أحسب أن الأمر منصرف
عن هاشم ثم منه عن أبيحسن
أليس أول من صلّى لقبلتكم
وأعلم الناس بالقرآن والسنن
وأقرب الناس عهداً بالنبي ومن
جبريل عون له في الغسل والكفن
من فيه ما فيهم لا يمترون به
وليس في القوم ما فيه من الحسن
ماذا الذي ردهم عنه فنعلمه
ها أن ذا غبن من أعظم الغبن
وفي جملتهم سلمان الفارسي الذي قال: «كرديد ونكرديد». ومن جملتهم أبوالهيثم بن التيهان، وكان بدريا، كان يقول يوم الجمل كما في شرح النهج لابن أبي الحديد:
قل للزبير وقل لطلحة إننا
نحن الذين شعارنا الأنصار
إن الوصي إمامنا وولينا
برح الخفاء وباحت الأسرار
ومنهم الأنصار أو بعض الأنصار، قال الطبري في تاريخه: «قالت الأنصار أوبعض الأنصار: لا نبايع إلاّ علياً»، ومنهم الزبير الذي كان مع علي حتى شب ابنه عبدالله، وقال ابن أبي الحديد في أوائل شرح نهج البلاغة: «إن القول بتفضيل علي قول قديم، وقد قال به كثير من الصحابة والتابعين. فمن الصحابة: عمار، والمقداد، وأبو ذر، وسلمان، وجابر بن عبدالله، وأُبي بن كعب، وحذيفة، وبريدة، وأبو أيوب، وسهل وعثمان ابنا حنيف، وأبوالهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، والعباس بن عبد المطلب، وبنو هاشم كافة، وبنو المطلب كافة، وكان الزبير من القائلين به في بدء الأمر. وكان من بني أمية قوم يقولون بذلك منهم: خالد بن سعيد بن العاص، ومنهم عمر بن عبدالعزيز اهـ».
أما علي فقد بلغت دعواه للأولوية عنان السماء وملأت شكواه الفضاء. وحسبك بالخطبة الشقشقية التي لأجلها أنكر نهج البلاغة كله أو بعضه، وكيف لا يدعي لنفسه الأولوية، وهو لم يبايع إلاّ بعد وفاة الزهراء. وأما تقديم بيت النبوة فقد علم مما مر أنها دعوى قديمة، صحيحة، أصيلة، لا دخيلة، ادعاها جمع من أكابر الصحابة والتابعين. وأن دعوى كونها دخيلة أدخلها أهل المكر كيداً، هي دعوى دخيلة أدخلها أهل المكر وعلماء السوء كيداً لأهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، فزعموا أن أصلها من الفرس الذين دخلوا في الإسلام بقصد الكيد للإسلام الذي ثل عروش ملكهم. وهذا الزعم واضح الفساد، فهي موجودة في صدر الإسلام من أكابر المسلمين قبل أن يدخل الفرس في دين الإسلام. والفرس وغيرهم من العجم الذين دخلوا في الإسلام كان دخولهم فيه عن بصيرة ومعرفة وصدق نية، وجل علماء من تسموا بأهل السنة في كل فن هم من العجم، فمن هم من غير العرب الذين دخلوا في الإسلام وأظهروا التشيع كيداً للإسلام نبئونا بهم إن كنتم صادقين؟
(أما) نفي الوصاية عن جميع الأنبياء، فلم يأت عليها بدليل، فهي مردودة عليه، بل لكل نبي وصي بالنقل والعقل: أما النقل، فروى ابن بابويه في كتاب اكمال الدين بسنده عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في حديث، قال: أوحى الله إلى آدم أن أوص إلى شيث فأوصى إليه، وهوابنه هبة الله، وأوصى شيث إلى ابنه شبان، وشبان إلى مجلث، ومجلث إلى محوق، ومحوق إلى غتميشا، وغتميشا إلى أخنوخ وهوادريس، وادريس إلى ناخور، ودفعها ناخور إلى نوح، وأوصي نوح إلى سام، وسام إلى عثامر، وعثامر إلى برعريثاشا، وبرعيثاشا إلى يافث، ويافث إلى برة، وبرة إلى جفيسة، وجفيسة إلى عمران، وعمران إلى إبراهيم الخليل، وإبراهيم الخليل إلى ابنه اسماعيل، واسماعيل إلى اسحاق، واسحاق إلى يعقوب، ويعقوب إلى يوسف، ويوسف إلى بثرياء، وبثرياء إلى شعيب، وشعيب إلى موسى، وموسى إلى يوشع بن نون، ويوشع إلى داود، وداود إلى سليمان، وسليمان إلى آصف بن برخيا، وآصف إلى زكريا، ودفعها زكريا إلى عيسى بن مريم، وأوصى عيسى إلى شمعون بن حمون الصفا، وشمعون إلى يحيي بن زكريا، ويحيي إلى منذر، ومنذر إلى سليمة، وسليمة إلى بردة، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ودفعها إلى بردة الحديث والمراد في هذا الحديث والله أعلم أن كل نبي كان يوصي إلى من بعده، فقد يكون من بعده نبيا مثله، وقد يكون وصيا والوصي قد يوصي إلى نبي بعده أي يرشد الناس إلى نبوته. ولا ينافي ايصاء شعيب إلى موسى أن موسى جاءته النبوة بعد مفارقة شعيب، فهو كان أولاً وصياً، ثم صار نبياً (والحاصل): أن الأرض لا تخلو من حجة منصوب من الله تعالى إما نبي أو وصي، وإذا كان صاحب الوشيعة لا يصدق بهذا الحديث، فليس له أن يكذبه ويجزم بأن الأنبياء ليس لهم أوصياء، ويقول بما لا يعلم، (وأما العقل) فإذا كان الله تعالى قد أمر بالوصية من يخلف مائة درهم مثلاً؛ أفلا يأمر بالوصية من يخلف أمة عظيمة؛ إن هذا لو صح؛ لكان قدحاً في حكمة الله وأنبيائه (عليهم السلام)، ولله در القائل:
أنبي بلا وصي تعالى اللـ
ـه عما يقوله سفهاها
كيف تخلو من حجة وإلى من
ترجع الناس في اختلاف نهاها
قال في صفحة (هـ س): لوصدق كليمة من أقاويل الشيعة لكان النبي يجهل شيئاً يعلمه كل أحد من زمنه، ولكان الله جاهلاً في كل أفعاله وكاذباً في أكثر أقواله.
دعها سماوية تجري على قدر
لا تفسدنها برأي منك منكوس
ونقول: هل يليق برجل ينتسب إلى العلم أن يتفوه بمثل هذه الكلمات في حق الله تعالى ورسوله (صلّى الله عليه وآله).
ولوعقلها على محال بزعمه
وهل يمكن أن يقول ذو أدب
إن كان الأمر الفلاني حقاً فأمه زانية أو زوجته كذا ولو علقه على أمر هو غير واقع بزعمه. ولكن هذا الرجل شاذ في جميع أطواره. وقد بينا غير مرة أن الذي تختلف فيه الشيعة عن الأشاعرة الذين تسموا بأهل السنة هي مسائل معدودة، فإن كان باستطاعته أن يبين لنا بالحجة والبرهان أن الحق فيها معه، فهو الرجل كل الرجل، أما هذه الدعاوى الفارغة والهذيان، والعبارات الطويلة العريضة التي لم يدعمها بحجة ولا برهان، والشتائم البذيئة فلا تفيد إلاّ جهل قائلها.
الشيعة أقوالها مدعومة بالحجج والبراهين القاطعة لا تقول إلاّ بالحق، ولا تتمسك إلاّ بالصدق. بين لنا هذه الأقوال التي تستلزم جهل النبي، وجهل الله وكذبه – والعياذ بالله – إن كنت من الصادقين.
دع عنك تلك الدعاوى لا دليل
لها مثل الجسوم بلا روح ولا روس
وابغ الحقيقة في قول وفي عمل
لا تفسدنها برأى منك معكوس
ثم ذكر الانقلابات في الخلافة الإسلامية، وغاية الادارة في الشرع الإسلامي والحكومة الثيوقراطية في الإسلام والعقل والنقل، وأطال في ذلك كله بما استغرق 24 صفحة شنع فيها ما شاء بدعاوى لا يرافقها دليل مما تعرف نماذجه من كلامه السابق والآتي ولا يتعلق غرضنا بالكلام عليه صح أم فسد.
عدم تحريف القرآن
قال في صفحة( 23): «القول بتحريف القرآن الكريم بإسقاط كلمات وآيات، وتغيير ترتيب الكلمات أجمع عليه كتب الشيعة، وأخف ما رأيت للشيعة في القرآن الكريم أن جميع ما بين الدفتين في المصحف كلام الله، إلاّ أنه بعض ما نزل، والباقي مما نزل عند المستحفظ لم يضع منه شيء، وإذا قام القائم يقرؤه للناس كما أنزله الله على ما جمعه أمير المؤمنين علي، وأخبار التحريف مثل أخبار الإمامة متواترة عند الشيعة من رد أخبار التحريف، أو أولها؛ يلزم عليه رد أخبار الإمامة والولاية». ونسب (في صفحة 62 و63) إلى المجلسي وصاحب الوافي أن أخبار التحريف متواترة مثل أخبار الولاية وأخبار الرجعة، ثم تعرض (في ص 44) لذكر تحريف القرآن وأساء القول، وجاء بأخشن الكلام على عادته، وأساء الأدب إلى الغاية في حق أميرالمؤمنين علي (عليه السلام)، وإن أبرزه بصورة التعليق مثل قوله: إن صح كذا فعلي هو الزنديق أو أذل منافق إلى غير ذلك من أمثال هذه العبارات التي اعتادها بحسن أدبه والتي لا يليق ذكرها ولومعلقة على فرض غير صحيح.
ونقول: دعوى إجماع كتب الشيعة على ذلك زور وبهتان، بل كتب المحققين ومن يعتنى بقولهم من علماء الشيعة مجمعة على عدم وقوع تحريف في القرآن لا بزيادة ولا نقصان، وتفصيل الكلام في ذلك أنه اتفق المسلمون كافة على عدم الزيادة في القرآن، واتفق المحققون وأهل النظر، ومن يعتد بقوله من الشيعيين والسنيين، وعلى عدم وقوع النقص، ووردت روايات شاذة من طريق السنيين، ومن بعض طرق الشيعة، تدل على وقوع النقص ردها المحققون من الفريقين، واعترفوا ببطلان ما فيها وسبقها الاجماع على عدم النقص ولحقها، فلم يبق لها قيمة، واليك ما قاله رؤساء علماء الشيعة ومحققوهم في هذا الشأن.
كلام الصدوق
قال الشيخ محمد بن على بن الحسين بن بابويه القمي، المعروف بالصدوق وبرئيس المحدثين، في رسالته في اعتقادات الشيعة الإمامية المطبوعة: «اعتقادنا في القرآن أنه ما بين الدفتين، وهوما في أيدي الناس، وليس بأكثر من ذلك، ومن نسب إلينا أنا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب».. فهو ينفي وقوع النقصان، وينسب عدم وقوعه إلى اعتقاد جميع الامامية، ويكذب من ينسبه إليهم تكذيباً باتاً، وإنما لم يقل ولا أقل لأن الزيادة مقطوع بعدمها وليست محل كلام. وصاحب الوشيعة قد رأى رسالة الاعتقادات هذه وقرأها ونقل عنها في آخر صفحة من كتابه (ص 132)، فقال: «يقول الصدوق محمد بن بابويه في رسالة العقائد: اعتقادنا في الغلاة والمفوضة أنهم كفار بالله أضل من جميع أهل الأهواء المضلة، وأنه ما صغر الله أحد تصغيرهم بشيء والأئمة بريئة كل البراءة من أباطيلهم». ومع ذلك يقول: أجمعت كتب الشيعة على تحريف القرآن، فكيف لنا أن نطمئن إلى شيء من أنقاله بعد هذا؟
كلام الشيخ الطوسي
وقال الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، والمعروف بالشيخ الطوسي وبشيخ الطائفة، في أول كتابه: التبيان في تفسير القرآن: أما الكلام في زيادة القرآن ونقصه فمما لا يليق به؛ لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، وأما النقصان فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى، وهو الظاهر في الروايات غير أنه رويت روايات من جهة الشيعة والعامة (أهل السنة) بنقصان آي من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً والأولى الإعراض عنها اهـ. فهذا شيخ الطائفة يقول: إن الكلام في ذلك مما لا يليق، وأن أخبار التحريف رويت من جهة الشيعة وأهل السنة، وانها أخبار آحاد لا توجب علماً ولا عملاً، وصاحب الوشيعة يفتري ويقول: إنها متواترة عند الشيعة، فهل يبقى لنقله قيمة بعد هذا؟!
كلام الشريف المرتضى
وقال الشريف المرتضى في جواب المسائل الطرابلسيات في ما حكاه عنه صاحب مجمع البيان: «إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان، والحوادث العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب، فإن العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم تبلغه في ما ذكرناه؛ لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه: من إعرابه، وقراءته، وحروفه، وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد.
(وقال أيضاً): إن العلم بتفصيل القرآن وإبعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمزني، فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمون من جملتها حتى لو أن مدخلاً أدخل باباً من النحو في كتاب سيبويه، أو من غيره في كتاب المزني؛ لعرف وميز وعلم أنه ملحق، ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وضبطه أكثر من العناية بكتاب سيبويه ودواوين الشعراء. وذكر أيضاً أن القرآن كان على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مجموعاً مؤلفاً على ما هوعليه الآن؛ لأنه كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له، وأنه كان يعرض على النبي (صلّى الله عليه وآله) ويتلى عليه، وأن جماعة من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلّى الله عليه وآله) عدة ختمات، كل ذلك يدل على أنه كان مجموعاً مرتباً، وذكر أن من خالف في ذلك من الإمامية وحشوية العامة (أهل السنة) لا يعتد بخلافهم؛ فإنه مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته» فهو قد احتج لذلك وبينه البيان الشافي الذي ما بعده بيان، والذي لا يمكن لأحد الزيادة عليه، بل ولا الاتيان بمثله ومكانته بين علماء الشيعة لا يصل إليها أحد، ومع ذلك يزعم صاحب الوشيعة اجماع كتب الشيعة على تحريف القرآن، أفيكون بهتان فوق هذا؟!
كلام صاحب مجمع البيان
وقال الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي من أكابر العلماء والمفسرين في مقدمة كتابه مجمع البيان لعلوم القرآن: «أما الزيادة في القرآن فمجمع على بطلانها. وأما النقصان، فروى جماعة من أصحابنا، وقوم من حشوية العامة (أهل السنة) أن في القرآن نقصانا، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهوالذي نصره المرتضى. ثم نقل كلام المرتضى السابق اهـ».
هذا كلام من تعرض للمسألة من عظماء علمائنا المتقدمين.
كلام الشيخ البهائي
وقال الشيخ بهاءالدين محمد بن الحسين العاملي الذي شهرته تغني عن التنوية به: «الصحيح أن القرآن محفوظ عن ذلك – أي التحريف – زيادة كان أو نقصاناً. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: 9] اهـ».
كلام المحقق الثاني الشيخ على الكركي
وصنف الشيخ علي بن عبد العالي الكركي، المعروف بالمحقق الثاني، إمام عصره، رسالة في نفي النقيصة بعد الإجماع على عدم الزيادة..
كلام الفقيه الشيخ جعفر النجفي
وقال الشيخ جعفر الفقيه النجفي، فقيه عصره، واحد أئمته، في مقدمة كتاب كشف الغطاء: «لا ريب أن القرآن محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديان، كما دل عليه صريح القرآن، وإجماع العلماء في كل زمان، ولا عبرة بالنادر». وصاحب الوشيعة قد رأى كشف الغطاء، وقرأه، ورد على جملة من محتوياته كما مر ومع ذلك فهو يقول: أجمعت كتب الشيعة على تحريف القرآن، هذه أمانته وصدقه في النقل.
كلام السيد محسن المحقق البغدادي
وقال السيد محسن الأعرجي، المعروف بالمحقق البغدادي، من أئمة عصره، في شرح الوافية في أصول الفقه: «الاجماع على عدم الزيادة والمعروف بين علمائنا حتى حكي عليه الإجماع عدم النقيصة اهـ». وهؤلاء من المتأخرين، فها هم محققوا علماء الشيعة وأئمة مذهبهم وقادتهم ومن يعول على قوله منهم من المتقدمين والمتأخرين متفقون في كل عصر وزمان على عدم الزيادة وعدم النقصان، ولا شك أن غيرهم من لم يتعرضوا للمسألة على مثل هذا الرأي، وهو مع ذلك يقول: أجمعت كتب الشيعة على تحريف القرآن بالنقصان وأن أخبار التحريف مثل أخبار الإمامة متواترة عندهم، أفيبقي بعد هذا وثوق بشيء من أنقاله ودعاواه أن يبقي لكلامه أقل قيمة؟! ومما يدل دلالة قطعية على اجماع الشيعة على أن القرآن الكريم لا نقصان فيه، بعد إجماعهم القطعي على نفي الزيادة، اتفاق فقهائهم ورواياتهم على كفاية قراءة أي سورة كانت من القرآن في الصلاة عدا سورتي الضحى وألم نشرح فهما سورة واحدة، والفيل ولايلاف فهما أيضا سورة واحدة، أما سوى هذه فيجزي قراءة أي سورة كانت مع اتفاقهم على لزوم قراءة سورة كاملة بعد الحمد في الركعتين الأولتين من الفريضة وعدم جواز التبعيض بناء على وجوب القراءة في الفريضة، بعد الحمد، وهذا ينادى بإجماعهم على عدم النقصان، أفيسوغ بعد هذا كله أن تلصق بهم هذه التهمة الباطلة لولا العصبية وقلة الانصاف.
(الروايات المتضمنة تحريف القرآن بالنقصان من طريق أهل السنة) في مسند
الإمام أحمد وصحيح البخاري
وتاريخ ابن عساكر وغيرها
(1) في مسند الامام أحمد بن حنبل، ج5، ص117، بإسناده عن ابن عباس: جاء رجل إلى عمر فقال: أكلتنا الضبع – يعني السنة – فقال عمر: لو أن لامرئ وادياً أو واديين لابتغى إليهما ثالثاً.
فقال ابنعباس: ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ثم يتوب الله على من تاب، فقال عمر لابن عباس: ممن سمعت هذا؟ قال: من أُبي، قال: فإذا كان بالغداة فاغد علي، فرجع إلى أمالفضل فذكر ذلك لها، فقالت: ما لك وللكلام عند عمر؟ وخشي ابن عباس أن يكون أُبي نسي، فقالت أمه: عسى أن يكون أُبي نسي فغدا إلى عمر ومعه الدرة فانطلقا إلى أُبي فخرج أُبي عليهما، وسأله عمر عما قال ابنعباس فصدقه» والظاهر أن عمر فهم من ابنعباس أن ما قاله قرآن أو كان في الكلام ما يدل على ذلك وتركه الراوي، وإلاّ فلا داعي لهذا الاهتمام ولا لخوف ابن عباس وأمه أن يكون نسي أُبي، ولا لقولها: ما لك وللكلام عند عمر؟ مع دلالة الروايات الأخر على ذلك أيضاً، فهي تفسر المراد من هذه الرواية، كما أنه يظهر أنه سقط بعد قوله واديين من مال بقرينة الروايات الآتية.
(2) في مسند الإمام أحمد أيضاً، ج5، ص131، حدثنا عبدالله([270]) حدثني أُبي حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا: حدثنا شعبة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن أُبي بن كعب قال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: إن الله تبارك وتعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقال: فقرأ ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ [البينة: 1] قال: فقرأ فيها ولو أن ابن آدم سأل وادياَ من مال فأعطيه لسأل ثانياً، فلو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذلك الدين القيم عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيراً فلن يكفره».
(3) في مسند الإمام أحمد أيضاً، ج5، ص132، س1، حدثنا عبدالله حدثني عبيدالله بن عمر القواريري حدثنا مسلم بن قتيبة حدثنا شعبة عن عاصم بن بهدلة عن زر عن أُبي بن كعب قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: ان الله تبارك وتعالى أمرني أن أقرأ عليك فقرأ علي: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البنية: 4 – 1] إن الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيراً فلن يكفره. قال شعبة: ثم قرأ آيات بعدها ثم قرأ: لو أن لابن آدم واديين من مال لسأل واديا ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب. قال: ثم ختمها بما بقي منها.
(4) في صحيح مسلم بهامش صحيح البخاري ج ، ع، ص437، في باب كراهة الحرص على الدنيا: حدثني سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن داود عن أبي حرب بن أبيالأسود عن أبيه، قال: بعث أبوموسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمئة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب. وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾ فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة.
آية الرجم
(5) في مسند الامام أحمد، ج5، ص132، س12، حدثنا عبدالله، حدثني وهب بن بقية عن خالد بن عبدالله الطحان عن يزيد بن أبي زياد عن زر بن حبيش عن أُبي بن كعب، قال: كم تقرؤون سورة الأحزاب؟ قال: بضعا وسبعين آية: قال: لقد قرأتها مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مثل البقرة أو أكثر منها، وأن فيها آية الرجم.
(6) حدثنا عبدالله، حدثنا خلف بن هشام حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زر قال: قال لي أُبي بن كعب: كائن تقرأ سورة الأحزاب وكائن تعدها؟ قلت له: ثلاثاً وسبعين آية، فقال: قط لقد رأيتها وانها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله، والله عليم حكيم.
(7) في صحيح البخاري، في باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت من كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، ج4، ص125، طبع عام 1304ـ1305 بمصر بسنده عن عمر بن الخطاب في حديث أنه قال: «إن الله بعث محمداً (صلّى الله عليه وآله) بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، فلهذا رجم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ورجمنا بعده فأخشى ان طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله (إلى أن قال) ثم إنا كنا نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم (الحديث) قال شيخ الإسلام في حاشية صحيح البخاري: آية الرجم هي (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) لكن نسخت تلاوتها دون حكمها» أقول: نسخ التلاوة ممكن في كل ما روى نقصه من القرآن فهو مشترك بين الفريقين على أن نسخ التلاوة يصعب تصوره، فإذا كان الحكم باقياً فما الفائدة من نسخ التلاوة، ويشبه أن يكون انزال الآية ثم نسخ تلاوتها مع بقاء حكمها عبثاً مع أن الآيات المنسوخ حكمها تلاوتها باقية.
(8) في تاريخ دمشق للحافظ ابنعساكر، ج2، ص228، في ترجمة أُبي بن كعب عن أبي إدريس الخولاني أن أبا الدرداء «ركب إلى المدينة في نفر من أهل دمشق فقرأ فيها على عمر بن الخطاب هذه الآية ﴿اذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية» [الفتح: 26] ولوحميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام، فقال عمر بن الخطاب: من أقرأكم هذه القراءة؟ فقالوا: أُبي بن كعب، فدعاه فقال لهم عمر: اقرأوا فقرأوا ولوحميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام فقال أُبي لعمر: نعم أنا أقرأتهم، فقال عمر لزيد بن ثابت: اقرأ يا زيد، فقرأ زيد قراءة العامة، فقال عمر: اللهم لا أعرف إلاّ هذا، فقال أُبي: والله يا عمر انك لتعلم أني كنت أحضر ويغيبون، وأدنو ويحجبون، ويصنع بي ويصنع، ووالله لئن أحببت لألزمن بيتي فلا أحدث أحداً ولا أقرىء أحداً حتى أموت، فقال عمر: اللهم غفراً إنك لتعلم أن الله قد جعل عندك علماً فعلم الناس ما علمت. قال ومر عمر بغلام وهو يقرأ في المصحف: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ وهو أب لهم، فقال: يا غلام حكها، فقال: هذا مصحف أُبي بن كعب فذهب إليه فسأله فقال له: أنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق وروى نحوه ابن الأثير الجزري في جامع الأصول وفي كنزالعمال: روى هذه الروايات أبوداود الطيالسي في سننه والحاكم في مستدركه.
سورتا القنوت
(9) قال السيوطي في الاتقان والدر المنثور: أخرج الطبراني والبيهقي وابن الضريس أن من القرآن سورتين – وقد سماهما الراغب في المحاضرات سورتي القنوت – ونسبوهما إلى تعليم علي وقنوت عمر ومصحف ابنعباس وزيد بن ثابت وقراءة أبي موسى (إحداهما) بسم الله الرحمن الرحيم انا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك (والثانية) بسم الله الرحمن الرحيم اللهم اياك نعبد ولك نصلّى ونسجد واليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك ان عذابك بالكافرين ملحق.
(10) في كتاب الاحكام في أصول الأحكام للآمدي الشافعي، ج1، ص229 طبع مصر أن في مصحف ابن مسعود ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ وأن أبا حنيفة بنى عليه وجوب التتابع في صوم اليمين.
(11) روى الطبري في تفسيره أن ابنمسعود كان يقرأ: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى.
فإذا كان شذاذ منكم ومنا سبقهم الاجماع ولحقهم رووا ما اتفق المحققون والجمهور منا ومنكم على بطلان ودلت عباراته بانحطاطها عن درجة القرآن الكريم على أنها ليست بقرآن، فكيف تلصقون بنا عيبه وتبرئون أنفسكم!؟ ما هذا بانصاف!
ما روى من طريق غيرنا في وقوع الزيادة في القرآن مع الاجماع منا ومنهم على عدم الزيادة
(1) في صحيح البخاري، في باب: ﴿والنهار إذا تجلى﴾ من كتاب تفسير القرآن، ج3، ص152، طبع عام 1304 بمصر، حدثنا قبيصة بن عقبة حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: دخلت في نفر من أصحاب عبدالله الشام، فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا فقال: أفيكم من يقرأ؟ فقلنا: نعم، فقال: فأيكم أقرأ؟ فأشاروا الي، فقال: اقرأ، فقرأت: والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى قال: أنت سمعتها من في صاحبك؟ قلت: نعم، قال: وأنا سمعتها من في النبي (صلّى الله عليه وآله) وهؤلاء يأبون علينا.
(2) في صحيح البخاري أيضاً: باب وما خلق الذكر والأنثى، حدثنا عمر بن حفص حدثنا أُبي حدثنا الأعمش عن إبراهيم قال: قدم أصحاب عبدالله على أبي الدرداء فطلبهم فوجدهم فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبدالله؟ قالوا: كلنا، قال: فأيكم يحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة قال: كيف سمعته يقرأ والليل إذا يغشى؟ قال علقمة: والذكر والأنثى، قال: أشهد أني سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله) يقرأ هكذا وهؤلاء يريدوني على أن أقرأ وما خلق الذكر والأنثى والله لا أتابعهم اهـ. فهاتان الروايتان صريحتان في الزيادة، وصرح الآمدي الشافعي في كتاب الأحكام في أصول الأحكام، ج1، ص239؛ بأن مصاحف الصحابة مختلفة وأن ابن مسعود أنكر كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن، وصرح أيضاً في ج1، ص233: بأنهم اختلفوا في البسملة هل هي جزء من القرآن أو لا؟ والإمام أبوحنيفة يرى أن البسملة ليست جزءاً من القرآن. فهذا نوع آخر من التحريف انفردت به رواياتكم. وليس لنا أن نعيبه عليكم.
القراءات السبع
قال في (ص 22): «والأحرف السبعة والوجوه العديدة قد أتت في القرآن متواترة من الأمة كافة في القرون كافة. ويقول فيها الصادق: كذبوا لكن القرآن نزل على حرف واحد».
ونقول: قال كثير من علمائنا، وعلماء من تسموا بأهل السنة، بتواتر القراءات السبع، بل ادعى جماعة من مشاهير علمائنا الاجماع على تواترها، بل في مفتاح الكرامة حكاية القول بتواترها عن أكثر علمائنا، منهم المحقق الشيخ علي الكركي في جامع المقاصد، والشهيد الثاني في روض الجنان، قال: «ونفى الأردبيلي في مجمع البرهان الخلاف عن تواترها، وقد نعتت بالتواتر في الكتب الفقهية والأصولية وعد جملة منها. قال: وقد نقل جماعة حكاية الاجماع على تواترها عن جماعة. وفي رسم المصاحف بها وتدوين الكتب لها حتى أنها معدودة حرفاً فحرفاً، وحركة فحركة، ما يدل على أن تواترها مقطوع به، والعادة تقضي بالتواتر في تفاصيل القرآن من أجزائه، وألفاظه، وحركاته، وسكناته؛ لتوفر الدواعي على نقله؛ لكونه أصلاً لجميع الأحكام، بل قال الشهيد في الذكرى بتواتر العشر»اهـ. ويحكى عن السيد ابنطاووس من علمائنا أنه قال في كتابه المسمى (سعد السعود) بعدم تواتر القراءات السبع، وحكي مثله عن الشيخ الرضي شارح الكافية وقال شمس الدين الدين محمد بن محمد الجزري الشافعي في كتابه النشر للقراءات العشر المطبوع بمصر: كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت المصاحف العثمانية، ولو احتمالاً وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ووجب على الناس قبولها، سواء أكانت عن السبعة، أمالعشرة، أم غيرهم، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها أنها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة، سواء أكانت عن السبعة أم عمن هوأكبر منهم. هذا هو الصحيح عند التحقيق من السلف والخلف ونحوه قال أبو شامة في ما حكي عنه في كتاب المرشد الوجيز: «ثم انه على القول بتواترها، هل المراد تواترها إلى أربابها أوإلى الشارع»، في مفتاح الكرامة الظاهر من كلام أكثر علمائنا واجماعاتهم الثاني وبه صرح الشهيد في المقاصد العلية، ونقل الامام الرازي اتفاق أكثر أصحابه على ذلك. وقال الشيخ الطوسي في التبيان: «المعروف من مذهب الامامية والتطلع في أخبارهم ورواياتهم أن القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد غير أنهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القراء وأن الانسان مخير بأي قراءة شاء قرأ وكرهوا تجريد قراءة بعينها» ونحوه في مجمع البيان. وهو قد يعطي أن تواترها إلى أربابها. وعن الزركشي من علماء السنة في البرهان أنه قال: «التحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة أما تواترها عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ففيه نظر، فإن اسنادهم لهذه القراءات السبع موجود في الكتب وهو نقل الواحد عن الواحد»اهـ وقال الزمخشري: ان القراءة الصحيحة التي قرأ بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إنما هي الواحدة في صفتها والمصلّي لا تبرأ ذمته من الصلاة إلاّ إذا قرأ في ما وقع فيه الاختلاف على كل الوجوه كملك وصراط وسراط وغير ذلك وهو صريح في إنكار تواترها إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، وقد حكم الزمخشري بسماجة قراءة ابن عامر قتل أولادهم شركائهم بنصب أولادهم وخفض شركائهم، وأنكر الشيخ الرضي قراءة حمزة تساءلون به والأرحام بخفض الأرحام وبذلك تعلم أنه لا اتفاق على تواترها إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) لا عندنا ولا عند غيرنا ولا على لزوم القراءة باحداها عند غيرنا، ولكن ادعى الاتفاق على ذلك من أصحابنا ولم يثبت، فليخفف موسى جار الله من غلوائه، وليعلم أن دعواه تواترها جزماً ناشىء عن قصور في اطلاعه، واسراع إلى النقد والتشنيع قبل التفحص، وأن قول صادق أهل البيت (عليه وعليهم السلام) كما في صحيح الفضيل وخبر زرارة لما قال له: أن الناس يقولون إن القرآن نزل على سبعة أحرف كذبوا ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد هو الصواب وليس محلاً للاستغراب، وأنه قد قال به الزركشي والزمخشري، ويفهم ذلك من كلام الجزري وأبي شامة وكلهم من علماء غيرنا، كما يعلم من كلام هؤلاء أن دعوى تواترها إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) ظاهرة الوهن.
التحاكم إلى قضاة الجور
ذكر في (ص 24) ما يتلخص في أن في كتب الشيعة عدم جواز التحاكم إلى قضاة الجور، وأن حكومات الدول الإسلامية كلها كذلك.
(ونقول): الدول الإسلامية وقضاتها منها ما هو على العدل واتباع الكتاب والسنة والحكم بهما وهو قليل، ومنها ما هو على الجور والحكم بغير ما أنزل الله وبالرشى والوساطات، فهل ينكر موسى جار الله ذلك وقد ملأ الخافقين، وشحنت به كتب التواريخ والأخبار، وان أنكره فما يصنع بحديث: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً عضوضاً» أما أن كلها على الجور كما ادعاه فلا، ولو اتسع لنا المجال لشرحنا له شيئاً من أحوال من كان يحمل لقب الخلافة وامارة المؤمنين وأفعاله مما لا يجهله هو ولا غيره؛ ليعلم أن حكومات الدول الإسلامية كان أكثرها كذلك؛ ولبينا له كيف كانت حالة القضاة المنصوبين من بعض المتغلبين؛ لكنا نذكر بعض الوقائع نموذجاً. كان شريح القاضي، قاضي الكوفة، سبباً في تفريق جمع مذحج الذين جاؤوا لتخليص هانىء بن عروة المرادي من حبس الدعي ابن الدعي عبيدالله بن زياد بالحيلة والخديعة حتى قتل.
وأفتى القاضي أبوالبختري الرشيد ببطلان الأمان الذي كتبه ليحيى بن عبدالله ابن حسن بن حسن العلوي حين خرج ببلاد الديلم سنة 176هـ، بعدما عرضه يحيى على القضاة، والعلماء، فأخبروه بأنه لا اعتراض عليه، فقدم يحيى بغداد على الرشيد، ثم أراد الرشيد الغدر به وقتله، فأحضر يحيى وأحضر نسخة الأمان، وأحضر القاضي أبا البختري ومحمد بن الحسن الشيباني الفقيه، فقال الرشيد لمحمد بن الحسن: ما تقول في هذا الأمان أصحيح هو؟ فقال: صحيح، فحاجه الرشيد في ذلك، فقال له محمد: ما تصنع بالأمان لوكان محاربا ثم أعطيته الأمان، هل كان آمناً؟ فاحتملها الرشيد على محمد، ثم سأل أبا البختري. فقال: هذا منتقض من وجه كذا وكذا وتفل فيه، فقال له الرشيد: أنت قاضي القضاة، فمزق الأمان أبو البختري وحبس الرشيد يحيى، فمات في الحبس، وإلى ذلك يشير الأمير أبو فراس الحمداني بقوله في قصيدته الشافية:
يا جاهداً في مساويهم يكتمها
غدر الرشيد بيحيى كيف ينكتم
وكان يحيى بن أكثم، قاضي قضاة المأمون، في مجلس المأمون فأفرط به السكر، فأمر المأمون أن يعمل له شبه القبر من الرياحين، ويدفن فيه، وأمر من يغني عنده:
نبهته وهوميت لا حراك به
مكفن في ثياب من رياحين
فقلت قم قال رجلي لا تطاوعني
فقلت خذ قال كفي لا تواتيني
فلما أفاق يحيي، قال:
يا سيدي وأمير الناس كلهم
قد جار في حكمه من كان يسقيني
إني غفلت عن الساقي فصيرني
كما تراني سليب العقل والدين
فاختر لنفسك قاض إنني رجل
الراح تقتلني والعود يحييني
وقال له المأمون يوماً من الذي يقول:
قاض يرى الحد في الزناء ولا
يرى على من يلوط من بأس
قال هوالذي يقول يا أميرالمؤمنين:
لست أرى الجور ينقضي وعلى الأمـ
ـة وال من آل عباس
قال: من هو؟ قال: فلان. قال: ينفى إلى السند.
وقال البديعي في هبة الأيام وغيره: ان الحسن بن وهب لما كان غلاما مازحه يحيى بن أكثم ثم جمشه فغضب الحسن، فأنشد يحيى بن أكثم:
أيا قرا جمشته فتغضبا
وأصبح لي من تيهه متجنبا
إذا كنت للتجميش والعض كارهاً
فكن أبداً يا سيدي متنقبا
ولا تظهر الأصداغ للناس فتنة
وتجعل منها فوق خديك عقربا
فتقتل مشتاقاً وتفتن ناسكاً
وتترك قاضي المسملين معذبا
وذكر الثعالبي في اليتيمة، في ترجمة القاضي التنوخي، أن قضاة البصرة كانوا إذا جاء الليل خلعوا ثوب الوقار للعقار، واجتمعوا على الشراب، وعليهم المصبغات والمخانق وما منهم إلاّ طويل اللحية أبيضها، وفي يد كل منهم كأس من ذهب، فيرقصون ويغمسون لحاهم في تلك الكؤوس ويرشون بعضهم على بعض، وفيهم يقول الشاعر:
مجالس ترقص القضاة بها
إذا انتشوا في مخانق البرم
تخال كلا كأن لحيته
لحية فعلان ضرجت بدم
وسأل بعض القضاة المعروفين رجلاً عما يقول الناس فيه؟ فقال: يقولون إنك تنتسب إلى البرامكة ولست منهم، وانك تستعمل الحشيشة، وتعشق الغلمان.
فقال: أما الانتساب إلى البرامكة فمن يريد الانتساب إلى غير آبائه ينتسب إلى قوم أشراف كبني هاشم لا إلى قوم أصلهم مجوس، وأما الحشيشة فهي والخمر كلاهما محرم فمن أراد المعصية شرب الخمر، وسكت عن الثالثة، وخبره مع الغلام الذي كان يتعشقه فحجبه أهله ونظم في ذلك الأشعار معروف.
وفي أواخر الدولة العباسية كان يضمن القضاء ضمانا بمال يؤديه القاضي. وفي أواخر الدولة الإسلامية التي كانت في عصرنا كان يؤخذ من كل قاض ثلاثمئة ليرة ذهبية ليعين قاضياً مدة ثلاث سنين.
هذه حال أكثر حكومات الدول الإسلامية لا يخفي عليه ولا على أحد ما وقع فيها من الجور والعسف وحال قضاتها الذي لسنا بحاجة إلى بيانه لظهوره، والذي كان هو السبب في وصول المسلمين إلى الحالة التي هم فيها اليوم مما هوغني عن البيان. فهل يرى موسى جار الله عيباً في عدم جواز التحاكم إلى قضاة الجور الحاكمين بغير ما أنزل الله؟ وهل يمكنه ادعاء أن حكومات الدول الإسلامية كلها أوجلها كانت على العدل والانصاف؟ وإننا نسأله: هل يعتقد أن غيرنا من فرق المسلمين يرى نفوذ أحكام قضاتنا من أي مذهب كانوا ليكون له حق بهذا الاعتراض؟
قال في (ص 34) ما مخلصه: «ان كتب الشيعة صرحت أن كل الفرق الإسلامية كافرة وأهلها نواصب».
(ونقول): سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم. لا يعتقد أحد من الشيعة بذلك، بل هي متفقة على أن الإسلام هو ما عليه جميع فرق المسلمين من الاقرار بالشهادتين إلاّ من أنكر ضرورياً من ضروريات الدين كوجوب الصلاة وحرمة الخمر وغير ذلك، وعمدة الخلاف بين المسلمين هو في أمر الخلافة، وهي ليست من ضروريات الدين بالبديهة؛ لأن ضروري الدين ما يكون ضرورياً عند جميع المسلمين، وهي ليست كذلك، وقد صرحت كتب الشيعة كلها بخلاف ما قاله. فقالت: «ان الإسلام هو ما عليه جميع فرق المسلمين، وبه يتوارثون، ويتناكحون، وتجري عليهم جميع أحكام الإسلام». قال الشيخ جعفر بن سعيد الحلي المعروف بالمحقق، فقيه الشيعة، في كتاب شرائع الإسلام: «المسلمون يتوارثون وإن اختلفوا في المذاهب»، وصرحت بمثل ذلك جميع كتب الشيعة الفقهية مع اتفاقهم على أن الكافر لا يرث المسلم، وفي ما رواه الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام): الإسلام هو ما عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، والعجب منه كيف يتشبث بالشواذ ويسندها إلى العقيدة كأنه قد أخذ على نفسه أن لا يودع كتابه كلمة فيها انصاف ويفضي عما في بعض كتب قومه مما يماثل ما نسبه هنا إلى كتب الشيعة وليس لهم مسوغ لذلك ولا مبرر.
ما بال عينك لا ترى أقذاءها
وتريه الخفي من القذى بجفوني
جهاد الأمم الإسلامية
قال في ص( 25): «جهاد الأمم الإسلامية لم يكن مشروعاً، وهو اليوم غير مشروع حتى لو أوصى أحد في سبيل الله وسبيل الله في عقيدته هو الجهاد جاز العدول إلى فقراء الشيعة، والجهاد مع غير الامام المفترض طاعته حرام».
ونقول: الجهاد واجب مع وجود السلطان العادل بجميع أنواعه، ومع عدم وجود السلطان العادل لا يجب إلاّ جهاد الدفاع، فنسبته الينا أن جهاد الأمم الإسلامية غير مشروع، والجهاد مع غير الامام المفترض طاعته حرام، ليس بصواب، فجهاد الدفاع مشروع في كل وقت وزمان وواجب، ولو مع غير الامام المفترض طاعته لا حرام كما في جميع الكتب الفقهية. وقد أفتى مجتهد والشيعة في العراق ـ وهم قدوة الشيعة في جميع الأقطار – بوجوب الجهاد في الحرب العالمية الأولى، وباشره جماعة منهم، فخرج السيد محمد سعيد الحبوبي النجفي، والشيخ فتح الله المعروف بشيخ الشريعة الأصفهاني، والسيد مهدي آل السيد حيدر الكاظمي، وكلهم من كبار العلماء إلى ساحة القتال في ناحية البصرة، وبقيادتهم الألوف المؤلفة من شيعة العراق حتى توفي الأول منهم في ساحة الحرب متأثراً. وتطوع في الجيش العثماني عدد كثير من شيعة إيران فكانوا في جهات حلب مع عدم دخول دولتهم في الحرب، في حين أن علماء غير الشيعة لم نسمع لواحد منهم شيئا من هذا القبيل؛ فلينظر في ذلك المنصفون، وبذلك يظهر فساد ما فرعه عليه من الوصية. فلو أوصى في سبيل الله لكان أرجح مصاريفه وأفضلها الجهاد. وقوله وسبيل الله في عقيدته الجهاد لا يظهر له معنى، فسبيل الله يعم الجهاد وغيره.
تنزيل آيات في كتب الشيعة
قال في ص( 27): «في كتب الشيعة أبواب في آيات وسور نزلت في الأئمة والشيعة، وآيات نزلت في غيرهم تزيدعلى مائة آية قد ضبطتها. ما رأيكم اليوم في تنزيل هذه الآيات وفي تأويلاتها وكيف يذكر ذلك في أقدس كتبها في الحديث».
(ونقول): ليس كل ما في كتب الحديث صحيحا سواء أكان من أقدسها أم أبخسها، وكتب الحديث مشتملة على الصحيح، والضعيف، والمقبول، والمردود، بل صاحب الكتاب لا يعتقد بكل ما رواه فيه؛ لأن غرضه مجرد جمع الروايات كما رويت، ويكل أمر تصحيحها وتضعيفها إلى أنظار العلماء كل بحسب مبلغ نظره، وان كان كل ما في كتب الحديث صحيحاً فلماذا وضع علم الدراية، وعلم الرجال، وقسم الحديث إلى أقسامه المعروفة!؟ ولا نعرف ما المراد بهذه الآيات، ولا يعترف علماء الشيعة بما خرج عن تفاسيرهم المعروفة المشهورة المطبوعة التي عليها الاعتماد كالتبيان، ومجمع البيان، وجامع الجوامع، وليس كل كتاب نسب إلى الشيعة هوصحيح عندهم، ولا كل خبر ذكر في كتاب منسوب إلى الشيعة يمكننا القول بصحته عندهم.
وقد ورد في أقدس الكتب عند غير الشيعة ما لا يمكن تصحيحه، فهل يسوغ لنا أن نقول إنهم كلهم يعتقدون بصحته.
أخرج الأئمة البخاري ومسلم في صحيحيهما وأحمد بن حنبل في مسنده والطبري في تاريخه عن أبي هريرة: «أن ملك الموت جاء إلى موسى (عليه السلام) فقال له: أجب ربك، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، فرجع الملك إلى الله تعالى فقال: انك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ففقأ عيني فرد الله إليه عينه» (الحديث) وفي بعضها «أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى، فلطمه ففقأ عينه، وأنه جاء إلى الناس خفياً بعد موت موسى اهـ». وأصاب عزرائيل في ذلك، فالمثل يقول: «الملسوع يخاف من جرة الحبل» فإذا كان موسى وهو نبي مرسل من أولي العزم لطمه على عينه ففقأها، فلعله يجيء إلى رجل مثل عنتر عبس لا يعرف الله كما يعرفه موسى، فيلطمه لطمة يفقأ بها عينيه معا، ولعل الله يغضب منه ويقول له: ما تعلمت من أول مرة فلا يرد إليه عينيه، فيعيش أعمى، فيرسله الله لقبض روح زيد فيقبض روح عمرو، لأنه أعمى، فيقع اختلال في نظام الكون، أو لعله يجيء إلى بعض العناترة فيضربه ضربة يكسر بها رأسه فيموت، فيحتاج الله تعالى إلى أن يحييه ثانيا؛ ليتم قبض أرواح ما بقي من الناس، أوينصب غيره من الملائكة لهذه المهمة، ولعله يكون أقسى من عزرائيل ويريد الأخذ بثاره، فيلاقي بنو آدم منه الأمرين، فجزى الله عزرائيل عن تخفيه خيراً !!!.
ما وافق الأمة وخالفها
قال في ص (26): «ادعت كتب الشيعة أن الأئمة – أولاد علي – كانت تنكر كل حديث يرويه إمام من أئمة الأمة، وأن الأخذ بنقيض ما أخذته الأمة أسهل طريق في الإصابة، وكل خبر وافق الأمة باطل، وما خالف الأمة ففيه الرشاد، وكان الإمام يقول: دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم، وتقول الشيعة: إن وافق الكل يجب الوقوف، وكان الصادق يأمر بما فيه خلاف العامة، ويقول: إن علياً لم يكن يدين بدين إلاّ خالفته الأمة ابطالاً لأمر علي. وهذا أصل من أصول الفقه عن الشيعة، والأمة قد علمت أن أفضل القرون قرن الرسالة والخلافة فما روي عن سنتهما أرشد وأقرب من الحق، فكون الوفاق سمة البطلان، والخلاف دليل الاصابة، غريب بديع». ونقل (في ص 62) عن الوافي ما اختص بروايته الأمة فلا نلتفت اليه، ثم قال: «ولم كل هذه، هل هذا إلاّ لأن الأمة لا تعادي ولا تلعن العصر الأول ولا ميزة للشيعة في هذا الباب إلاّ هذا».
(ونقول): (أولاً): كون كتب الشيعة ادعت ذلك كذب وباطل فجل أقوال فقهاء الشيعة وأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وفتاواهم موافق لما رواه وأفتى به من يسميهم الأمة، وهم يرون فيه الرشاد لا في ما خالفه، وكيف يقول الإمام: دعوا ما وافق القوم، ويأمر الصادق بما فيه خلافهم، وجل فتاوى الأئمة ومنهم الصادق، وفتاوى فقهائهم موافق لهم، فهذه دعاوى يكذبها فتاوى أهل البيت وأقوال فقهائهم التي كلها موافق للمذاهب الأربعة إلاّ ما ندر. غاية ما في الباب أن علماء الشيعة تقول في كتب الأصول في باب علاج تعارض الأخبار: إذا تعارض خبران أخذ بالأظهر منهما دلالة، أو الأصح سنداً، أوالموافق للكتاب والسنة، فإذا تعذر كل ذلك أخذ بالموافق لفتاوى أهل البيت (عليهم السلام) المخالف لفتاوى غيرهم، كما أمرهم به أئمتهم؛ لأن ذلك أقرب إلى الصواب، فإن ائمة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا أعرف بروايات جدهم (صلّى الله عليه وآله) من كل أحد وكل منهم يروي عن أبيه، عن جده عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، عن جبرئيل، عن الله تعالى، وقد جعل النبي (صلّى الله عليه وآله) أهل البيت بمنزلة باب حطة، وسفينة نوح، وأمر بالتمسك بهم كما أمر بالتمسك بالقرآن، وقال: إن المتمسك بهما لا يمكن أن يضل بعده أبدا؛ فلذلك رجح الخبر الموافق لأقوالهم على الخبر الموافق لأقوال غيرهم، وعليه يحمل ما حكاه عن الوافي إن صح. وهذا بعيد عما يدعيه بعد السماء عن الأرض، وستأتي الإشارة إلى ذلك قريبا عند الكلام على التقية.
(ثانياً): قوله: إن وافق الكل يجب الوقوف لا يظهر له معنى، وهويناقض بظاهره قوله وكل خبر وافق الأمة باطل.
(ثالثاً): كون الامام كان يقول إن علياً لم يكن يدين بدين إلاّ خالفته الأمة إلى غيره إبطالاً لأمر علي – إن صح – لم يكن فيه بعد من أمة كان في رؤسائها من يقتل من لا يبرأ من علي، ومن دينه الذي يدين به، ويأمر بدفن بعضهم حياً، ومن أمة كانت في بعض أدوارها لا يجسر أحد أن يروى خبرا واحدا عن علي، ويخاف من خادمه وزوجته، وكان إذا اضطر إلى الرواية عنه، قال: حدثني أبو زينب أو رجل من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ومن أمة كانت في بعض القرون لا يجسر أحد أن يسمي بينها مولداً باسم علي، وكان علي يسب فيها على المنابر في الأعياد، والجمعات، السنين المتطاولة، وخبر أن أمي عقتني فسمتني علياً مع الحجاج مشهور معروف كما روى ذلك كله ابن أبي الحديد وغيره وخبر علي بن عبدالله بن العباس مع عبدالملك بن مروان حين علم أن اسمه علي وكنية أبو الحسن، فقال: لا احتملهما لك، فغير كنيته وتكنى بأبي العباس، رواه أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء في ترجمة على المذكور.
(رابعاً): بيّنا مراراً أنه ليس بيننا وبينك معاداة العصور ولا لعنها ولا خلاف في ما به يتحقق الإسلام، ولم نختلف إلاّ في مسائل معدودة بيناها في ما مر مراراً، فإن أثبت أن الحق معك فيها فأنت الرجل كل الرجل، وأما ميزة الشيعة فهي أنها اتبعت أهل بيت نبيها الذين أمر الرسول باتباعهم وجعلهم ثاني القرآن في أنه لا يضل المتمسك بهما، وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، فلم كل هذا إلاّ لأن الشيعة متمسكة بأهل بيت نبيها كل التمسك.
التقية
ذكرها في «وشيعته» في عدة مواضع على عادته في التكرير والتطويل بلا طائل ونحن نجمعها في موضع واحد.
معنى التقية ومحلها
قال في ص( 27): «التقية في سبيل حفظ حياته، وشرفه، وحفظ ماله، وفي حماية حق من حقوقه واجبة على كل أحد اماما كان أوغيره». وقال في ( ص 82): «والتقية هي وقاية النفس من اللائمة، والعقوبة وهي بهذا المعنى من الدين جائزة في كل شيء»، وقال في (ص 85) عند نقل كلام الصادق: «والتقية واجبة ان كان في تركها ضرر لنفسه، أوغيره حرام عند أمن الضرر مكروهة حيث يخاف الالتباس على العوام»، وقال في (ص 81): «روى الإمام السرخسي في المبسوط عن الحسن البصري: التقية جائزة إلى يوم القيامة. والتقية أن يقي الإنسان نفسه أوغيره بما يظهره، وقد كان بعض أهل العلم يأبى ذلك ويقول أنه من النفاق والحق جوازه ﴿الا أن تتقوا منهم تقاة﴾ [آل عمران: 28] وقد أذن الشارع لعمار، وهذا النوع من التقية تجوز لغير الأنبياء، أما التقية في الدعوة، والنقل، فلا تجوز أصلاً أبداً لأحد؛ وإلاّ لدخلت الشبهة في الأدلة».
ترجيح أحد الخبرين بمخالفة التقية
قال في (ص 27): للشيعة ولكتبها في حيلة التقية غرام، قد شغفها حبا حيلة التقية، فإذا روى إمام حديثا يوافق ما عليه الأمة، أو عمل عملاً يشبه عمل الأمة؛ فإن الشيعة تردها على أنها حيلة، على أنها تقية، نحن نجل الأئمة، ونحترم أهل البيت، ومن عزة الامام وأعظم شرفه أن يكون من الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلاّ الله. ومن الذين يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم».
وقال في (ص 82): «وأسوأ التقية في رواية الأخبار فقيه الشيعة يقول ولا يتقي: ما اختلف من أخبار أهل البيت فهو التقية والتقية، رحمة للشيعة، والإمام إن قال قولا على سبيل التقية فللشيعي أن يأخذ به إن لم ينتبه إلى أن قول الإمام كان على سبيل التقية. فقيه الشيعة يحمل الرواية على التقية إذا كان رجال السند من أهل السنة أوالزيدية، وهذه حيلة الشيعة في رد السنن الثابتة من الأئمة، الوجه في هذه الرواية التقية لأنها موافقة لما تراه الأمة».
التقية بالعبادة والرواية
وقال في (ص 27): «أما التقية بالعبادة بأن يعمل عملا لم يقصد به وجه الله وإنما أتاه وهماً وخوفاً من سلطان جائر، والتقية بالتبليغ بأن يسند الامام إلى الشارع حكماً لم يكن من الشارع، فإن مثل هذه التقية لا تقع أبداً من أحد له دين ويمتنع صدورها من إمام له عصمة، وحمل رواية الإمام، وعبادة الإمام على التقية طعن على عصمته، وطعن على دينه، والتقية في العبادة عمل لم يقصد به وجه الله، وكل عبادة لم يقصد بها وجه الله باطلة، وهي شرك؛ إن قصد بها النفاق، وكل رواية يرويها عدل، فهي أداء أمانة وهي تبليغ وحملها على التقية قول بأن العدل قد افتراها على الله، وكاد بها الأمة، وكل سامع». وقال في (ص 85): «وليس يوجد بين الكلمات ما يثبت أن إماماً كان يأتي تقية في عبادته بعمل لا يعتقده قربة، أو كان قد يضع حديثا يراه باطلا يرفعه إلى الشارع تقية يتظاهر بالوفاق عند العامة نفاقا، ولا كلام لنا إلاّ في هاتين الصورتين من التقية اهـ».
وقال في (ص 28): «وكل يعلم أن خلاف الرواية السكوت، والساكت آمن من كل شر، ولم يقع أن جائرا عاقب الساكت».
تشديد الصادقين في أمر التقية
حكى (في ص 80) عن أصول الكافي عن الباقر والصادق: «من ترك التقية في دولة الباطل يكون (كذا) لم يرض بقضاء الله، وخالف أمر الله وضيع مصلحة الله التي اختارها لعباده يقولان التقية ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له»، وقال (في ص 85): «كان الصادق يقول: التقية من دين الله في كل ملة في الأقوال، والأفعال، والسكوت عن الحق، حفظا للنفس، والمال، وابقاء للدين، ولولا التقية لبطل دين الله، وانقرض أهله وأمثال ذلك، سمعت أبي يقول: ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف إن كانوا يشهدون الأعياد ويشدون الزنانير، فأعطاهم الله أجرهم مرتين: مرة للإيمان، ومرة للعمل بالتقية، وقال الصادق: كانت طائفة آمنت بمحمد، وأخفت إيمانها تقية. فنزلت ﴿أولئك الذين يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ – على مصائب التقية – ﴿ويدرأون بالحسنة﴾ – بالتقية – (السيئة) [القصص: 54] الاذاعة.
أمور عاب بها التقية
قال (في ص 82): «والتقية على ما عليه الشيعة غش في الدين، وبيانه نصيحة ونصح، والإمام لا يسلك إلاّ طريق النصح، ولم يكن أحد من الأئمة يسلك طريق الغش، وكل يعلم أن من أظهر بلسانه ما لم يعتقده بقلبه، فهو كذب ونفاق تجيزها الشيعة لغرض عدائي».
وقال (في ص 84): «ولا أظن أن الأئمة كانوا يعلمون الشيعة التقية تقية الخداع في الأخبار والنفاق في الأحكام. والشيعة تتقي في طفائف الأمور تعمل أعمالا نفاقية، وتضع أخباراً على وجه التقية، ثم تجاهر بأسوأ الكبائر، وتزعهم أنها تتقي تقية بها تخادع العامة».
وقال (في ص 85): «تقية الشيعة روحها النفاق، وثمرتها كفر التهود، قالوا سمعنا وعصينا إذا تقررت أدباً دينياً فقلت: كل شيعي في غلات التشيع يكون مستوراً وراء التقية لا يبقى لقوله قيمة، ولا يبقى لعمله صدق، ولا لوعده وعهده وفاء، و﴿يحلفون بالله أنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون﴾ [التوبة: 56].
واستشهد (في ص 86) على بطلان التقية – وظن أنه قد فتح بذلك كنزاً – بقول الإمام: «العبادة خوفاً من العذاب عبادة العبيد، وطمعاً في الأجر عبادة الاجراء، وإطاعة للأمر وحباً لله عبادة الأحرار». قال: «فكيف يكون حال إمام معصوم يأتي تقية بعبادة عند سلطان جائر؟ وهماً في خوفه أو طمعاً في رضاه أو سعياً لارضاء هوى باطل، أو كيف أدب إمام له دين يفتري على الله حكماً؟ أو على نبيه حديثاً يتعمد الكذب، ويزعم فيه التقية وهو واهم في خوفه وضال ينافق في تظاهره بالوفاق للعامة؟ ثم كيف تنسب التقية إلى الباقر وفي طوماره ولا تخش إلاّ الله أن يعصمك من الناس؟ نحن أهل السنة والجماعة نبرىء كل مؤمن له أدب من أن يتدرك إلى مثل هذا الدرك الأسفل من الأدب».
وختم كلامه (في ص 85) بقوله: «هذه جمل غثها وسمينها للشيعة في التقية كلمات بعضها حق، وكلها أريد بها باطل وأدعي أنا – احتراماً لكل إمام – أن جميعها موضوع على لسان الصادق والباقر».
(ونقول): قد أفرط هذا الرجل في تعنته، وتعصبه، وعناده، وإساءة القول، ولم يأت بشيء يصح أن يقال عنه: إنه دليل أو شبه دليل.
والعجب منه ومن أمثاله في عيبهم الشيعة بالتقية، وقد نطق بها القرآن الكريم، وجوزها الشارع الحكيم في أفظع وأعظم شيء يتصور في موالاة الكفار، واظهار كلمة الكفر، ومدح الأصنام، وسب الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) كما ستعرف وعيب التقية ليس على الشيعة الذين حفظوا بها دماءهم، وأموالهم، وأعراضهم، بل عارها وشنارها ووبالها على من اضطر الشيعة إليها.
معنى التقية
(التقية): لغة الحذر، وشرعاً: اظهار خلاف الواقع في الأمور الدينية بقول أو فعل خوفاً، وحذراً على النفس، أو المال، أو العرض المعبر عنه في هذا الزمان بالشرف على نفسه، أوعلى غيره.
حكم التقية
(وحكمها): انها واجبة عند حصول هذا الخوف، محرمة عند عدمه، قال الامام الرازي في تفسير سورة آل عمران: «التقية إنما تجوز في ما يتعلق باظهار الموالاة والمعاداة، وقد تجوز في ما يتعلق باظهار الدين، فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل فذلك غير جائز البتة، ومذهب الشافعي أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس. والتقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال يحتمل لقوله (صلّى الله عليه وآله): حرمة مال المسلم كحرمة دمه، ولقوله: من قتل دون ماله فهوشهيد، والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء فكيف لايجوز هنا اهـ».
وقال الباقر (عليه السلام) في ما رواه الكليني في أصول الكافي: «إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقية».
وحكى الإمام الرازي عن مجاهد: «الحكم – يعني في التقية – بالجواز كان ثابتاً في أول الإسلام؛ فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا. قال: وروى عوف عن الحسن: أن التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة، وهذا القول أولى؛ لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الامكان اهـ».
دليل التقية
(والدليل عليها) العقل والنقل، فقد قضى العقل بجواز دفع الضرر بها، بل بلزومه واتفق عليها جميع العقلاء، ونص عليها الكتاب العزيز، والسنة المطهرة. فمن الكتاب آيات منها: قوله تعالى في سورة آل عمران 28 ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلاّ أن تتقوا منهم تقاة﴾ الآية، ومهما اختلف المفسرون في سبب النزول، وفي معنى التولي للكافرين فالآية صريحة في النهي عن اتخاذهم أولياء، وفي تهديد الفاعل لذلك بأنه ليس من الله في شيء بقطع العلاقة بينه وبين الله تعالى، وذلك تهديد عظيم وذم كبير ليس أكبر ولا أعظم منه، ومع ذلك فقد رخص الله فيه وفي اظهاره عند الخوف والتقية. فهل يبقى بعد ذلك مجال للوم الشيعة على التقية لحفظ دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم؟ وهل يبقى مجال لتشدق موسى جارالله وأضرابه؟
(ومنها) قوله تعالى في سورة النحل 106: ﴿من كفر بالله بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ قال الرازي في تفسير هذه الآية: رأى أن ناساً من أهل مكة فتنوا، فارتدوا عن الإسلام وفيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه مع أنه كان بقلبه مصراً على الإيمان. منهم: عمار، وأبواه ياسر وسمية، وصهيب، وبلال، عذبوا. فقتل ياسر وسمية، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها، فقيل: يا رسول الله ان عمارا كفر. فقال: كلا إن عماراً مليء إيماناً من فرقه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو يبكي، فجعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يمسح عينيه، ويقول: مالك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت وفي مجمع البيان: «عن ابن عباس وقتادة نزلت في جماعة أكرهوا وهم عمار وأبوه وسمية أمه وصهيب وبلال وخباب عذبوا وقتل أبو عمار وأمه وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا منه ثم أخبر سبحانه بذك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال قوم: كفر عمار فقال (صلّى الله عليه وآله): كلا إن عماراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، وجاء عمار إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهويبكي فقال: ما وراءك؟ فقال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، فجعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يمسح عينيه ويقول: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت فنزلت الآية اهـ».
وأخرج الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه، قال: «أخذ المشركون عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سب النبي (صلّى الله عليه وآله) وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان. قال: ان عادوا فعد. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين – البخاري ومسلم – ولم يخرجاه». وذكره الذهبي في تلخيص المستدرك معترفا بأنه صحيح على شرطهما.
وروى الكليني في الكافي أنه قيل لأبي عبدالله (عليه السلام): «أن الناس يروون أن علياً (عليه السلام) قال على منبر الكوفة: أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني، ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تتبرؤوا مني، قال: ما أكثر ما يكذب الناس على علي (عليه السلام). ثم قال: إنما قال: إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم ستدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد؛ ولم يقل: فلا تبرؤوا مني. فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ فقال: والله ما ذلك عليه، وما له إلاّ ما مضى عليه عمار بن ياسر، حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان فأنزل الله عز وجل فيه ﴿الا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله) عندها: يا عمار إن عادوا فعد، فقد أنزل الله عزوجل عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا اهـ».
ومنها قوله تعالى في سورةغافر 28: ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه﴾، فهل كان يكتم إيمانه إلاّ وهو يتقي؟
ومما يدل على جواز التقية، بل وجوبها، مضافاً إلى ما سبق عموم قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: 195]. ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: 185]. ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: 78]. ﴿لا يكلف الله نفسا إلاّ ما آتاها﴾ [الطلاق: 7]. ومما يرشد إلى التقية قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾ [الأنعام: 108]. وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «بعثت بالحنيفية السمحة السهلة» وروى ابن سعد في الطبقات الكبير بسنده «أن أبا بكر كان ردف النبي (صلّى الله عليه وآله) بين مكة والمدينة، وكان أبو بكر يختلف إلى الشام، فكان يعرف، وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يعرف، فكانوا يقولون: يا أبا بكر من هذا الغلام بين يديك؟ فيقول: هذا يهديني السبيل». وبسنده ركب رسول الله(صلى الله عليه وآله) وراء ابي بكر ناقته فكلما لقيه انسان قال: من أنت؟ قال: باغٍ أبغي، قال: من هذا وراءك؟ قال هادٍ يهديني. فقد ورّى أبو بكر بما يظهر منه أنه يفتش على ضائع ضاع له وأن النبي (صلّى الله عليه وآله) دليل يدله على الطريق، وهذا نوع من الكذب لأجل الخوف أقره عليه النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولم ينهه عنه. والتورية لا ترفع الكذب، ولهذا لا تجوز في اليمين لفصل الخصومة. وحكى اليعقوبي في تاريخه وغيره: أنه لما جاء بسر بن أبي أرطأة بجيشه إلى المدينة، وطلب جابر بن عبدالله، قال جابر لأم سلمة: إني خشيت أن أقتل، وهذه بيعة ضلال، فقالت: إذا تبايع؛ فإن التقية حملت أصحاب الكهف على أن كانوا يلبسون الصلب، ويحضرون الأعياد مع قومهم. وفي ميزان الاعتدال: «قال مصعب عن الدراوردي لم يرو مالك عن جعفر حتى ظهر أمر بني العباس» فلماذا لم يرو مالك إمام المذهب عن جعفر الصادق في ملك بنيأمية وكتم علمه الذي يرويه عن جعفر حتى ظهر أمر بني العباس هل كان داعيه إلى ذلك إلاّ الخوف والتقية؟ فهل كان مالك أخوف على نفسه من بني أمية، وهو لا يظهر عداءهم، ولا يظهرون عداءهم من الباقر الذي يعادونه ويسبون جده على المنابر؟ وقد قال إبراهيم (عليه السلام) لقومه: ﴿اني سقيم﴾ [الصافات: 89] ولم يكن سقيما، وأمر يوسف فنودي: ﴿أيتها العير انكم لسارقون﴾ [يوسف: 70] ولم يكونوا سارقين ﴿وقالوا صواع الملك﴾ [يوسف: 72] ولم يفقدوه، فإذا جاز الكذب لأنبياء الله تعالى لمصحلة لا تبلغ حفظ النفس، أفلا يجوز الكذب بعمل أوقول تقية لحفظ النفس؟ ولما عزز الله رسولي عيسى إلى أهل أنطاكية بشمعون الصفا أظهر شمعون أولاً أنه منهم حتى توصل إلى مراده. والحاصل: أن الاضطرار يبيح الحرمات بضرورة شرع الإسلام، فيحل للمضطر أكل الميتة لحفظ حياته، ويحل لمس بدن الأجنبية لانقاذها من الغرق، ويسوغ الكذب – وهومن الكبائر – لمصلحة لا تبلغ الاضطرار كالاصلاح بين الناس، ويجب لحفظ نفس محترمة إلى غير ذلك مما لا يحصى، وليست التقية إلاّ نوعاً من الضرورات لحفظ الدم والمال والعرض. ومن العجيب أن خصومنا يتقون إذا ابتلوا بما دون الخوف على النفس، ويشنعون علينا إذا اتقينا عند الخوف على أنفسنا.
وقد أجاب عن الاستدلال بالآية الأخيرة، فقال (في ص 80): «قيل عند الباقر إن الحسن البصري يزعم أن الذين يكتمون العلم تؤذي ريح بطونهم أهل النار، فقال الباقر: فهلك إذا مؤمن آل فرعون. ما زال العلم مكتوماً منذ بعث الله نوحاً فليذهب الحسن يميناً وشمالاً لا يوجد العلم إلاّ ها هنا – وأشار إلى صدره([271]). إمام الأئمة الحسن البصري يقول: إن النبي لم يترك لأمته سوى ما في أيدي الناس. وقد كذب كذبا من يدعي أن عنده من علوم النبي وأسراره ما ليس في أيدي الناس، وكذلك يكذب من يدعي أنه يظهر من ذلك ما يشاء ويكتم ما يشاء. وأراد الباقر أن يرد قول الحسن البصري بأن الكتمان عند التقية طريقة مستمرة من زمن نوح إلى الآن، وأن مؤمن آل فرعون قد كتم بنص القرآن الكريم، ويدعي الباقر أن أكثر المعارف والشرائع لا يوجد إلاّ في صدره وأن التقية والكتمان من دينه ودأبه، ولا أرى إلاّ أن ما أسند إلى الباقر موضوع. ولم يضعه إلاّ جاهل لأن مؤمن آل فرعون لم يكتم العلم، وإنما كتم إيمانه، وبث علمه بتفصيل ذكره القرآن الكريم في آية 18 من سورة غافر والآيات ظاهرة في رد ما يدعيه الباقر، وتدل على بطلان التقية دلالة قطعية والآية الأخيرة ﴿فوقاه الله سيئات ما مكروا﴾ [غافر: 45] نص في أنه ما نجا إلاّ بتركه التقية، ولو اتقى لكان أول ما دخل في قول الله ﴿وحاق بآل فرعون سوء العذاب﴾ [غافر: 45]».
وقال (في ص 81): «عجيب مستبعد أن كتب الشيعة ترفع إلى أعلم الأئمة قولاً لا يمكن صدوره إلاّ من أجهل جاهل، ثم تفتخر، ومؤمن آل فرعون إذ يكتم إيمانه من آل فرعون لا يتقي بالكتم، بل يقتوي به إلى سماع كلماته الناصحة الهادية ولو أظهر؛ لكان قولاً من عدو يدعوهم إلى تبديل الدين، أو أن يظهر في الأرض الفساد، فالكتم في مثله اقتواء وليس باتقاء».
(ونقول): الحسن البصري كان – كما وصفه بعض أئمة أهل البيت (عليهم السلام) – يجارى كل فرقة ويتصنع للرياسة، والإمام الباقر لما علم أنه كان يرى نفسه في غنى عن علم أهل البيت (عليهم السلام) رد قوله هذا بأقوى حجة؛ فإنه لما أطلق ذم كاتم العلم مع الخوف وعدمه. رد عليه بكتمان مؤمن آل فرعون إيمانه، فإذا عذر كاتم الإيمان لخوفه؛ فبالحري أن يعذر كاتم العلم مع أن كتمان الإيمان لا يتم إلاّ باظهار الكفر بخلاف كتمان العلم؛ فإنه يكفي فيه السكوت، وستعرف أن كتمان الإيمان يلزمه كتمان العلم، وبين أنه وان ادعى الاستغناء عن علم أهل البيت (عليهم السلام)، فلن يجد العلم إلاّ عند أهل البيت (عليهم السلام) ورثة علوم جدهم الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وحق له أن يقول ذلك وقد سماه جده الرسول باقر العلم فليذهب الحسن البصري – سواء أسماه إمام الأئمة أم لا – وغير الحسن البصري، وموسى جار الله، وراءهم يميناً وشمالاً، وشرقاً وغرباً، وبراً وبحراً، وأين شاؤوا، فلن يجدوا العلم الصحيح إلاّ عند أئمة أهل البيت، مفاتيح باب مدينة العلم، ووارثي علم جدهم الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ولا يستحق أحد أن يسمّى إمام الأئمة غيرهم على أنه قد حكى في ما مر عن السرخسي عن الحسن البصري أن التقية جائزة إلى يوم القيامة، فكيف يستشهد بكلامه هنا على نفي التقية؟
وقد كذب كذبا من يدعي أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يترك لأمته سوى ما في أيدي الناس الذين أخذوا بآراء الرجل التي تخطىء وتصيب وبالمقاييس، وأعرضوا عن علوم آل محمد (عليهم السلام) الذين جعلوا شركاء القرآن، وأحد الثقلين لا يضل المتمسك بهم، ومثل باب حطة، وسفينة نوح، والذين أمروا بأن يتعلموا منهم، ولا يعلموهم، وأن لا يتقدموهم، ولا يتأخروا عنهم، والذين قولهم وحديثهم «روى جدنا عن جبرئيل عن الباري». ولا نظن أن نسبة هذا الكلام إلى الحسن البصري صحيحة، فهو في علمه ومعرفته لم يكن لينكر أن أهل البيت (عليهم السلام) أعلم الناس في زمانهم، وأن عندهم ما ليس عند الناس، وإن نسب إليه الانحراف عن علي (عليه السلام) وحكيَ عنه إنكار ذلك. وكيف كان فكلامه ليس وحياً لا سيما ان خالف المنقول والمشاهد. وبماذا علم موسى جار الله أن علوم النبي وأسراره أحاط بها من عدا أهل البيت، ولم ينفرد أهل البيت بشيء منها ما هو إلاّ التخرص على الغيب، وعدم انزال أهل البيت بالمنزلة التي أنزلهم الله بها.
وأما قوله: ويكذب كذباً من يدعي أنه يظهر من ذلك ما يشاء، ويكتم منه ما يشاء، فليس أحد أحق بالكذب والافتراء منه في هذا القول. فلا يكتم إلاّ ما يخاف من اظهاره، يكتمه عمن يعلم أنه لا يقبله أويخاف شره على نفسه، ولا يكتمه عمن يقبله من أصحابه وأتباعه.
وإذا أراد الباقر أن يرد قول الحسن البصري بما ذكره، فما أتى إلاّ بواضح البرهان، وشاهد القرآن، ومن هو وارث علم الأنبياء غيره وغير أهل بيته؟!
وإذا ادعى الباقر أن أكثر المعارف والشرائع لا يوجد إلاّ عنده، فحق له ذلك فهو باقر علوم جده الرسول، ومفتاح باب مدينة العلم، وإمام من أمرنا بأن نتعلم منهم ولا نعلمهم، وابن من قال: سلوني قبل أن تفقدوني، وابن من قال: لوثنيت لي الوسادة، وابن من قيل فيه: لولا علي، قضية ولا أبو حسن لها، فقد ورث علوم أجداده خلفاً عن سلف، فهذا الثمر من ذلك الشجر، وهذا السيل من ذلك المطر شاء موسى جار الله وأضرابه أو أبوا.
وإذا كانت التقية والكتمان لعلمه ممن يخاف شرهم، ولا يأمن ضرهم من دينه ودأبه، فما فعل إلاّ ما أوجبه العقل، والدين، والشرع، وما أمر به الله ورسوله، فزعم موسى جار الله أنه موضوع لم يضعه إلاّ جاهل، هو جهل.
وتعليله ذلك بأن مؤمن آل فرعون لم يكتم العلم، وإنما كتم إيمانه، وبث علمه تعليل فاسد، فهل كان حبيب النجار يظهر أنه على دين قوم فرعون، فإن لم يكن يظهر ذلك لم يكن قد كتم إيمانه، وإذا كان يعلم أن فرعون وكل بني آدم لا يستحق واحد منهم أن يكون الها، وأن ما عليه فرعون وقومه باطل، وكتم ذلك، وأظهر خلافه، أفليس يكون قد كتم علماً، وأظهر باطلاً، وهل يصح أن يقال في حقه أنه لم يكتم العلم. وأما أنه بث علمه بما حكته آيات سورة غافر، فإنما يكون رداً على من يقول: إنه لا يجوز لأحد كتم شيء من علمه خوفاً أن يظهر غيره، ولو كان لا يخاف من إظهاره، أو أن من كتم علماً خوفاً ثم أمن لا يجوز له اظهاره بعد الأمن فمؤمن آل فرعون صرح القرآن الكريم أنه كان يكتم إيمانه، وكتمان الإيمان يلزمه كتمان العلم، ثم صرح القرآن بأنه أظهر شيئاً من علمه بقوله: ﴿أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات وان يك كاذبا فعليه كذبه وان يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم أن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب﴾ [غافر: 28] إلى قوله ﴿فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب﴾ [غافر: 45] وهي الآيات التي حكى الله تعالى فيها قوله لقومه، فأما أن يكون خائفاً من إظهار إيمانه، آمناً من عاقبة ما قاله لقومه، أو يكون خائفاً أولاً ثم آمن وعلى كل حال، فهو قد كتم إيمانه يقيناً، وكتمانه كتمان للعلم، وبذلك يظهر أن هذا التعليل الذي علل به فاسد عليل، وأن دعواه أن تلك الآيات ظاهرة في رد ما يدعيه الباقر، ودالة على بطلان التقية دلالة قطعية باطلة بطلانا قطعياً، ودالة على جهله، وسوء أدبه دلالة جلية، وكيف يقول هنا: إنها دالة على بطلان التقية، وهو قد قال في ما مر: التقية بمعنى وقاية النفس من اللائمة والعقوبة هي من الدين، ولكنه لا يبالي بتناقض أقواله.
وقوله: الآية الأخيرة نص في أنه ما نجا إلاّ بترك التقية تقول على الله وآياته، فليس في الآية إلاّ أنه كانت عاقبته أن ﴿فوقاه الله سيئات ما مكروا﴾ أما كون ذلك بسبب التقية فلا تدل عليه بنص ولا ظهور ولا ربط لها بذلك، ولا يبعد أن يكون الله تعالى وقاه سيئات ما مكروا باستعماله التقية في أول الأمر بكتمان إيمانه، ولو أظهره أولا لقتل، ولكنه اتقى فكتم إيمانه وأظهر أنه مثلهم ﴿فوقاه الله سيئات ما مكروا﴾.
وقوله: لو اتقى لدخل في ﴿وحاق بآل فرعون سوء العذاب﴾ طريف جداً فهل كان سبب حوق سوء العذاب بآل فرعون اتقاؤهم.
وقوله: عجيب مستبعد «الخ» هوعجيب لكنه غير مستبعد أن يصدر من هذا الرجل ما لا يمكن صدوره إلاّ من أجهل جاهل بعدما تكرر منه صدور أمثال ذلك، ثم يفتخر بأنه اهتدى إلى ما لم يهتد إليه الإمام الباقر، ويقول مؤمن آل فرعون إذ يكتم إيمانه لا يتقي بالكتم، بل يقتوي به مع أن الكتم سواء اقتوى به أم لا فهو تقية إذ لو كان لا يخاف فلماذا يكتم فإن قال أنه لا يخاف من القتل لكن يخاف من عدم قبول قوله، قلنا: هذا نوع من الخوف أظهر خلاف الواقع بسببه والإمام الباقر إذ يكتم بعض علمه المتضمن أنه إمام من بني أمية وبني العباس لا يتقي بالكتم – إن صح أن لا يسمى ذلك اتقاء – بل يقتوي به إلى اسماع كلماته الناصحة الهادية، وبث أحكام جده الصحيحة العادلة حتى ملأ ذلك منه بطون الكتب والدفاتر، ولو أظهر كل ما عنده من علم لجميع الناس لكان قولاً من عدو يدعوهم إلى خلع طاعة من لا يستحق الخلافة، أو أن يظهر في الأرض الفساد، فلا يتوقفون عن قتله أوسجنه كما فعلوا بجماعة من أهل بيته، فيكون الكتم في مثله اقتواء وليس باتقاء، والصواب أنه اتقاء واقتواء في آن واحد.
فظهر بما تلوناه عليك أن التقية مما قضى به العقل، وفعله كافة العقلاء وأجازه وأمر به النقل حتى في أفظع الأفعال والأقوال وأشنعها، وأن في تركها مخالفة لقوله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: 95] وأنها نوع من أنواع الضرورات التي تباح لأجلها المحذورات، وبذلك تعلم أن جميع ما أتى به سخف باطل، ومماحكة ومراء، وتعصب وعناد لا نصيب له من الصحة، وهو يتخلص في أمور:
(الأول): ما ذكره في معنى التقية ومحلها وهو لا يفترق عما نقوله شيئاً فهو يقول: إنها واجبة على كل أحد في حفظ حياته، وشرفه، وماله، وحماية حقه، فهل بلغه أن الشيعة تجيز التقية في غير هذه المواضع الأربعة؟ كلا ومن زعم غير ذلك فقد كذب وافترى. ويقول: إنها وقاية النفس من اللائمة والعقوبة، وإنها بهذا المعنى من الدين، وهذا هوالذي نقول به، والذي أمرنا به أئمتنا لا نحيد عنه قيد شعرة، وإذا كانت عنده جائزة في كل شيء، فما باله خصصها بغير العبادة والرواية، وما دليل هذا التخصيص؟! ولسنا ندري ما يريد بقوله: مكروهة، حيث يخاف الالتباس على العوام، وفي أي مكان وجده، بل هي واجبة عند الضرر، حرام عند عدمه لا غير، أو مباحة إذا لم يكن فيها اغراء بالجهل، ولا ندري مبلغ صحة هذا النقل أنها واجبة ومحرمة ومكروهة، والذي يظهر انحصارها في واجبة ومحرمة، وما حكاه عن الحسن البصري والسرخسي لا يخرج عن التقية التي تقول بها الشيعة، واباء بعض أهل العلم ذلك جمود وجهل، ولو ابتلي هذا البعض ببعض ما يسوغ التقية لما توقف عنها، ومنع التقية في النقل ما هو إلاّ جهل فلا يجب على الانسان أن يسلم نفسه للقتل، أوما دونه تجنبا عن نقل كاذب، وليس هو بأعظم من اظهار الكفر. وشيوع الشبهة ودخولها في الأدلة ممنوع؛ فللشبهة ما يرفعها من أدلة العقل والنقل، ولو سلم فليس بأعظم من شيوع الكفر.
(الثاني): التقية في الجمع بين الخبرين المتعارضين، زعم أن الشيعة لها غرام بحيلة التقية، شغفها حباً حيلة التقية، وفرع عليه أنه إذا روى إمام حديثاً يوافق ما عليه الأمة ترده على أنها تقية.
وكذب في عبارته الأولى التي تفاصح بها بالحيلة والحيلة؛ فالشيعة اتبعت ما أمر الله به في كتابه من التقية، وجاءت به سنة رسوله (صلّى الله عليه وآله)، وأوصت به أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أحد الثقلين، وشركاء القرآن، وفعله عامة العقلاء ففعلتها – حيث تفعلها – كارهة لها، صابرة على مضضها حسبة لله تعالى، حافظة بها دماءها، وأموالها، وأعراضه من طواغيت الظلمة. وإنما هو قد شغفه حب المراء والعداء، وتفريق الكلمة، ومصادمة البديهة، فجاء بما جاء، ونطق بما نطق، كما كذب في عبارته الثانية تمسكاً بعصبية باطلة، قاده إليها العداء ما ردت الشيعة حديثا ولا عملا؛ لأنه يوافق ما عليه الأمة، ولا هذا رأيها ولا اعتقادها، وجل الأحاديث والأعمال التي تأخذ بها الشيعة وتقتدي بالأئمة فيها موافق لعمل من يسميهم الأمة، وإنما ترجح أحد الحديثين المتعارضين عند فقد جميع المرجحات في السند والدلالة بموافقته لفتوى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كما مر آنفا في موافقة الأمة ومخالفة الأمة، وهذا بعيد عما يزعمه بعد المشرق عن المغرب، وإذا كان يجل الأئمة، ويحترم أهل البيت (عليهم السلام)، ويرى من عزة الامام وأعظم شرفه أن يكون من الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلاّ الله ومن الذين يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، فهل كان الأئمة – وهو لا يراهم بالعين التي تراهم بها الشيعة – أعظم عنده من موسى كليم الله، وهو نبي من أولي العزم حين قال: ﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾ [الشعراء: 21] وحين خرج من مصر خائفاً يترقب، أو أعظم من نبي الله شعيب حين قال: ﴿لو أن لي بكم قوة أوآوي إلى ركن شديد﴾ [هود: 80] أو أعظم من هارون، وزير موسى وشريكه في الرسالة، حين قال: ﴿ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني﴾ [الأعراف: 150] فلماذا لم يكلفوا أن يجاهدوا أعداءهم ولا يخافوهم ويخشوا الله ولا يخشوا أحدا إلاّ هو، أو أعظم من محمد (صلّى الله عليه وآله) حين كان يعبد ربه سراً في أول الرسالة، وحين اختفى ثلاثاً في الغار، ثم فر هارباً إلى المدينة مستخفياً، فلماذا لم يكلف أن يجاهد المشركين يومئذ ولا يخافهم، ويخشى الله ولا يخشى غيره.
وقوله: أسوأ التقية في رواية الأخبار هو من أسوأ الأقوال: وفقيه الشيعة يمنعه ورعه وتقواه عن أن يقول في ما اختلف من أخبار أهل البيت (عليهم السلام)؛ إلاّ بما ثبت عنده من الحق الصريح من الترجيح بالمرجحات في السند والدلالة، وموافقة الكتاب والسنة، وعند فقد جميع ذلك يرجح بموافقة فتاوى أئمة أهل البيت؛ لأنها أقرب إلى الحق كما مر آنفا، ولكن هذا الرجل يقول ولا يتقي إن ما اختلفت من أخبار أهل البيت (عليهم السلام) فهوالتقية عند فقيه الشيعة، ولا شك أن التقية رحمة للشيعة؛ حفظت بها دماءها، وأموالها، وأعراضها، ولولاها لما بقي واحد منها. وهو يشك في ذلك وقد جاءنا من أقاصي الأرض ينابذ الشيعة ويخاصمهم، ويوري نار العداء لهم بغير حق، وقد بلغت حالة المسلمين ما بلغت من وهن سنيهم وشيعيهم، والتقية أولى أن تكون رحمة من اختلاف الأمة المدعي أنه رحمة، المستلزم كون اتفاقها نقمة.
والشيعي إن أخذ بقول الإمام الصادر تقية ولم يتنبه – وهو أقل قليل – كان معذوراً كما يعذر من يأخذ بأقوال أهل المذاهب المختلفة الذي عد اختلافها رحمة ولا يمكن أن يكون كلها قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ لأن قوله واحد، وشرعه واحد، إنما يعذر من يخالفه باجتهاده. وكون كل مجتهد مصيباً قد بين مفاده في الأصول إنما كل مجتهد معذور مع عدم تقصيره، ومقلده معذور كما يعذر الذي يأخذ بما رواه الراوي كذباً وهولا يعلم كذبه. وقد كثرت عليه الكذابة في حياته فضلاً عما بعد وفاته.
وفقيه الشيعة لا يحمل الرواية على التقية بمجرد كون رجال السند ممن تسموا بالسنيين أوالزيدية – كما افتراه هذا الرجل – فالشيعة عملت بروايات الثقات من السنيين والزيدية، كما عملت بروايات جميع من خالفها في العقيدة من الثقات كالفطحية، والناووسية، والواقفة، وغيرهم وردّت أحاديث الشيعة أنفسهم ان لم يكونوا ثقات، ومنه تعلم أن قوله: هذه حيلة الشيعة «الخ» زور، وبهتان، وتعصب بجهل، وحيلة للرد على الشيعة، وإنما رد غيرها السنن الثابتة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) أحد الثقلين، وشركاء القرآن، بقول: أصحابي يعترفون بعدم عصمته كما يعلم مما يأتي في المتعة، والعول، والأذان، والإقامة، وغيرهما.
(الثالث): التقية في العبادة والرواية، فمنع منهما بقوله: أما التقية بالعبادة والتقية بالتبليغ «الخ» وقوله: لا كلام لنا إلاّ في هاتين الصورتين. وهويناقض قوله: التقية في سبيل حفظ حياته، وشرفه، وماله، وحقه واجبة على كل أحد إماماً أو غيره، فإذا توقف حفظ أحد الأربعة على التقية في أحد الأمرين، فإن قال بوجوبها؛ ناقض ذلك منعه لها في الأمرين، وقال بالعدم؛ ناقض ايجابه لها لحفظ أحد الأربعة، وإن خص ايجابها لحفظ أحد الأربعة بغير العبادة والرواية سألناه: عن المخصص، وإن أنكر توقف حفظ أحدها على التقية في أحدهما خالف البديهة. وما نقله عن الإمامين الشافعي والسرخسي مقتضاه العموم. وإذا رخص الله تعالى عماراً في أفحش الأشياء وأقبحها للتقية، أفلا يرخص في اظهار الموافقة في عبادة أوفتوى لحفظ أحد الأربعة؟ أفما فعله عمار أعظم أم المسح على الخف، وغسل الرجلين في الوضوء، وافتاء السائل بما يوافق مذهبه، وأي شيء يبقى بعد ما فعله عمار لا تجوز فيه التقية لولا العصبية، وقلة الانصاف. وقوله: لم يقصد به وجه الله، ثم تفريعه إن ما لم يقصد به وجه الله باطل وشرك، وإن قصد النفاق طريف جداً. فإذا حفظ به أحد الأربعة الواجب عليه حفظها مطيعا أمر الله له بالتقية، كما أمر عماراً ونهى الله عن الالقاء باليد إلى التهلكة، فلم لا يكون قاصداً وجه الله وأي عمل يتقرب به إلى الله خير من ذلك، بل عمله من أعظم القربات. وذكره الوهم مع الخوف لا يظهر له وجه سوى الوهم. وقوله: لا تقع أبداً من أحد له دين وانصاف، فقد بان أنه ليس في وقوعها شيء ينافي الدين والعصمة عند من له انصاف ودين، وقد وقع أعظم منها لمن مُليَء إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه، ودمه، وأقره عليه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) وأمره بالعود إليه إذا عادوا، بل يمتنع صدور غيرها؛ من إمام له عصمة ولو صدر غيرها لكان طعناً على عصمته ودينه؛ لأنه يكون مخالفاً لأمر ربه بها، وملقياً بيده إلى التهلكة، وكيف يقصد به النفاق ليكون شركاً وكيف لا يعتقده قربة، وهو من أعظم القربات. وما ادعاؤه أنه يقصد به النفاق إلاّ نوع من النفاق.
وإذا كانت الرواية أمانة والتقية فيها افتراء على الشارع وكيد للأمة وكل سامع – كما يقول – فالشهادة بالوحدانية، والرسالة، ونبذ الأصنام، أليس هو أمانة والتقية فيها باظهار انكار الوحدانية، ومدح الأصنام التي جعلت شركاء لله تعالى، وسب النبي (صلّى الله عليه وآله)، وإظهار أن ذلك هو الحق الذي يجب اتباعه، وترك ما عداه، أليست افتراء على الشارع وكيداً للأمة، وكل سامع، فكيف رخص فيه وفي الدوام عليه لعمار الذي مليء إيماناً من فرقه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه، ولم يرخص لغيره في ما هو أهون منه. ولسنا ندري ما يريد بالكلمات التي يزعم أنه لا يوجد بينها أن اماما كان يتقي في عبادته أو روايته أهي كلمات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أم كلمات غيرهم، فإن أراد الأولى فإنا نحن شيعتهم وأتباعهم قد وجدنا بين كلماتهم ما يثبت ذلك رواه لنا الثقات عن الثقات بالطرق الصحيحة فاتبعناهم واقتدينا بهم – ونعم القدوة هم – وإن أراد الثانية لم يكن ذلك دليلاً على انتفائه، والإمام لا يضع حديثاً يراه باطلاً – كما زعم – بل يستفتى فيفتي بخلاف رأيه حفظاً لنفسه من أذى الظالمين، فهل ذلك أعظم مما فعله عمار حتى يكون ذلك جائزاً وهذا نفاقاً لولا النفاق وعدم الانصاف؟!
وأما تمويهه بأن خلاف الرواية السكوت، والساكت آمن، فيرده أن التقية بالرواية تكون عند السؤال ومعه قد لا يمكن السكوت، وقد يكون السؤال من نوع التجسس وهذا واضح لكل أحد ولكن عناد هذا الرجل يدعوه إلى التمحل والتعسف، ولو أنصف قليلاً لعلم أن من يكون مثل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في اشتهارهم بالعلم والفضل عند الخاص والعام لا يمكنه السكوت في كل مقام ولا يتيسر له ولا يقبل منه.
(الرابع): تشدد الصادقين في أمر التقية. نقل ما روي عنهما فيها في معرض النقد والاستنكار.
وإذا نظرنا إلى ما جرى على أئمة أهل البيت الطاهر، وأتباعهم، وسائر أفراد البيت العلوي في الدولتين الأموية والعباسية، بل وأكثر الدول الإسلامية من سلاطين الجور الحاملين لقب امارة المؤمنين، وأعوانهم، ومن عاصرهم، أو تأخر عنهم، مما شاع وذاع وتواترت به الأخبار، وتكفلت بنقله كتب الآثار، من الظلم والاضطهاد، الباعث لأشد الخوف بالالقاء في السجون، والقتل بالسم والسيف، والتشريد عن الأوطان، وبناء الحيطان عليهم أحياء، ودفنهم أحياء، ومنع الحقوق، والتخليد في المطامير، وايقاع كل مكروه بهم مما هو معلوم معروف. وقد كان العلم أو الظن أو التهمة بأن الرجل من أتباع أهل البيت كافيا في ايصال أنواع الأذى والضرر إليه بالقتل فما دونه؛ علمنا أن الباقر والصادق عليهما السلام مصيبان كل الاصابة في تشديدهما الأمر بالتقية في دولة الباطل، ووصفهما تاركها بأنه لم يرض بقضاء الله، وخالف أمر الله، وضيع المصلحة التي اختارها الله لعباده، وفي قولهما: «التقية ديني ودين آبائي» و«لا دين لمن لا تقية له» وأن التقية كانت واجبة عليهم بكل أنواعها، وأنهم كانوا معذورين فيها، وإن تركها لو تركوها كان مخلاً بديانتهم، وعصمتهم، وحكمتهم، وإنه لولاها لما بقي لهم ولا لشيعتهم وأتباعهم أثر، وكانت المفسدة أعظم وأضر. قال القاضي ابن أبي جرادة الحلبي في شرح قصيدة أبي فراس الميمية: «لما عزم المنصور على الحج في العام الذي توفي فيه، وهوعام 158هـ، دعا ريطة ابنة أخيه السفاح، وهي زوجة ابنه محمد، وأعطاها مفاتيح وأحلفها بأوكد الإيمان أن لا تفتح بها خزائن عرفها اياها، ولا تطلع عليها أحداً، ولا ابنه المهدي حتى يصح عندهما موته، فيجتمعان وليس معهما ثالث على فتحها، فلما بلغ ابنه موته، وولي الخلافة فتح تلك الأبواب، ومعه ريطة، فإذا أزج عظيم فيه قتلى الطالبيين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، منهم المشايخ، والشباب، والأطفال، فلما رأى ذلك المهدي ارتاع، وأمر فحفرت لهم حفيرة ودفنوا فيها اهـ».
وما جرى عليهم في عهد الملك العضوض، والعصرين الأموي والعباسي المشؤومين، كله سلسلة مظالم قادحة، وحلقات فظائع مفجعة، وشي إلى الرشيد بأن علي بن يقطين أحد وزرائه شيعي، فأمر بالتجسس عليه في عبادته، فأمره الكاظم بالتقية فأخبر الرشيد بعبادته فسلم، وعاقب الواشي واستمر ذلك في أعصار كثيرة، وبقي شرره يتطاير إلى اليوم، ومع ذلك يلام اتباع أهل البيت، ويندد بهم، وينسبون إلى النفاق، والحيلة، إذا اتقوا دفعا للضرر، وبعدا عن الخطر، أفيقع ذلك ممن عنده ذرة من انصاف، وحسبك أن يجيء موسى جار الله بعد ألف ومئات من السنين من أقاصي تركستان، وآخر ما عمر الله، إلى هذه البلاد في هذا الزمان الذي لم يبق فيه للإسلام دولة ولا صولة، وقد ملكت عليهم بلادهم، وأصبحوا غرباء في أوطانهم، وبدلت شرائع دينهم، يضرم نار الخلاف ويهدم بنيان الوفاق بكلماته هذه التي يقطر السم والشر من جوانبها، وينتقد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم بمر الانتقاد بغير حق، ويسيء الأدب في حق أئمة أهل البيت الطاهر (عليهم السلام) وإن أراد ستر ذلك بأن ما أسند إليهم موضوع.
«والتقية من دين الله في كل ملة» كما قال الإمام الصادق فقد كان مؤمن آل فرعون يكتم إيمانه. وكان أهل الكهف يتقون وما هربوا ودخلوا الكهف إلاّ خوفاً وتقية، ولما أفاقوا بعد ثلاثمئة وتسع سنين قالوا: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكي طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا انهم ان يظهروا عليكم يقتلوكم أويعيدوكم في ملتهم﴾ [الكهف: 19 و20] الآية، فأوصوه بالاستخفاء والتقية خوفاً من القتل، أو الفتنة عن الدين، قال الرازي في تفسيره عن ابن عباس ﴿فلينظر أيها أزكى طعاما﴾ يريد ما حل من الذبائح؛ لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً، وفيهم قوم يخفون إيمانهم» فهل كانوا يخفونه إلاّ تقية فبان بذلك صدق قول الإمام الصادق: التقية من دين الله في كل ملة. في الأقوال والأفعال والسكوت عن الحق حفظا للنفس والمال، وابقاء للدين، ولولا التقية لبطل دين الله وانقرض أهله.
وقوله: التقية على ما عليه الشيعة غش في الدين هو عين الغش في الدين، فقد بان أن التقية على ما عليه الشيعة هي عين ما اعترف به في كلامه، وعين ما نقله عن السرخسي، وهي عين ما أمر الله به في كتابه، وعلى لسان نبيه وأوصيائه، وقضى به العقل، ولا نختلف عما يفعله هو وأهل نحلته، وجميع الناس عند خوفهم شيئا وهي عين النصح والنصيحة. وتركها غش في الدين؛ لأنه ايقاع للنفس في الضرر وفي التهلكة. والإمام لا يسلك إلاّ الطريق الصح، ولذلك أمر شيعته وأتباعه بالتقية؛ ليحفظوا نفوسهم من القتل والأذى، وأموالهم من السلب والنهب، وأعراضهم من الانتهاك، ولو أمرهم بترك التقية لكان قد غشهم، ولم يكن أحد من الأئمة يسلك طريق الغش، ولكن هذا الرجل يأبي إلاّ المراء، والعناد، وسلوك طريق الغش. وكل يعلم أن من أظهر بلسانه ما لم يعتقده بقلبه تقية وحفظا لدمه، وماله، وعرضه، مأجور مثاب ثواب الصابرين داخل في قوله تعالى: ﴿الا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ مشارك لعمار الذي رخصه الرسول (صلّى الله عليه وآله) في اظهار كلمة الكفر للتقية، فجعل هذا الرجل ذلك كذبا ونفاقا هومن الشقاق والنفاق ومرض القلب. ويزعم أن الشيعة تجيزه لغرض عدائي – وكذب – لا تجيزه إلاّ حفظاً للنفس أو المال أو العرض كما أجازه الرسول (صلّى الله عليه وآله) في أفظع الأمور تقية، ولكن هذه المماحكات منه ما هي إلاّ لغرض عدائي. وإذا كان لا يظن أن الأئمة كانوا يعلمون الشيعة التقية التي يسميها تقية الخداع في الأخبار والنفاق في الأحكام جهلاً منه أو خداعاً ونفاقاً، فنحن نعلم ولا نظن أنهم كانوا يعلمونهم ما يفعله كل عاقل وذي دين، وما أمر الله به في كتابه، وما فعله عمار، فيفعلونه مكرهين، مرغمين، صابرين على مضضه وبلائه، كما صبر عمار مكرها مرغما وحاشاهم من الخداع والنفاق ومن رماهم بذلك هوأحق وأولى به منهم، وقد اتضح مما مر وضوح الشمس الضاحية أن نسبته إلى الشيعة الاتقاء في طفائف الأمور والأعمال النفاقية بوضع الأخبار على وجه التقية، والمجاهرة بأسوء الكبائر «الخ» نسبة كاذبة باطلة، وعمل من الأعمال الشقاقية النفاقية، ومجاهرة بأسوأ الكبائر. فالشيعة لا تأخذ الأحكام جزافاً ولا تتبع إلاّ ما رسمه لها الدليل في أمر التقية سواء في ذلك طفائف الأمور وعظامها، وان كلامه هذا روحه النفاق والشقاق لله ولرسوله، وثمرته كفر التهود، ﴿قالوا سمعنا وعصينا﴾ سمع قول الله تعالى: ﴿الا من أكره﴾ ﴿الا أن تتقوا﴾، وعصاه وعاب من أطاعه ونحن سمعناه وأطعناه فأي الفريقين أحق أن يدخل تحت هذه الآية.
وأي شيء أعظم في تقرير التقية أدباً دينياً في القرآن. وقلب كل شيعي خال من كل شائبة، مطمئن بامتثال ما أمره به ربه في أمر التقية، ولكن قلب هذا الرجل في غلاف العداء والمراء، مستور عن رؤية الحق، وإذا كان لا يبقى لقول مستعمل التقية قيمة، ولا لعمله صدق، ولا لوعده وعهده وفاء، يكون اعتراضه متوجها إلى الله تعالى؛ لأنه رخص للصحابة في اظهار كلمة الكفر تقية ولجميع المسلمين في جميع أنواع التقية، فعرضهم لأن لا يكون لأقوالهم قيمة، ولا لعملهم صدق، ولا لوعدهم وعهدهم وفاء. وأولى بالانطباق عليه من الآية التي استشهد بها قوله تعالى: ﴿وليحلفن ان أردنا إلاّ الحسنى والله يشهد انهم الكاذبون﴾ [التوبة: 107] ﴿وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق﴾ [غافر: 5].
وما استشهد به من تقسيم الإمام العبادة إلى أقسامها الثلاثة لا شاهد فيه، فعبادة الإمام التي يأتي بها لحفظ دمه، وماله، وعرضه، هي من أخلص العبادات وأفضلها، وهي من عبادة الأحرار أتي بها اطاعة للأمر بالتقية، والنهي عن الالقاء باليد إلى التهلكة، وحبا لله تعالى. وقوله: فكيف يكون حال امام معصوم «الخ»؟ يقال له: كيف يكون حال نبي مرسل، خاتم الأنبياء، وأفضلهم يجيز لعمار النطق بكلمة الكفر، وسب النبي، وانكار الوحدانية والنبوة، والاعتراف بأن الأصنام يحق لها العبادة، وأنها تقرب إلى الله زلفى حفظاً لنفسه، ولا يجيز الاتيان بعبادة أو فتوى حفظاً للنفس؟ فأي الأمرين أفظع وأشنع عند الله وعند العقلاء؟ وبذلك يظهر هذره في قوله: وهما في خوفه «الخ»، فالإمام المعصوم لا يأتي بالعبادة عند الجائر، وهما في خوفه، ولا طمعاً في رضاه، ولا سعياً لارضاء هوى باطل، وليس هو ضالاً ينافق في تظاهره بالوفاق للعامة، بل الضال والمنافق من ينسب إليه الضلال والنفاق. وأما ما حكاه عن طومار الباقر وقد مر له حكاية نظيره فإنا نسأله كيف الجمع بين ما في هذه الطومار والطومار المنزل من عنده تعالى وفيه: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: 195] ونحن معاشر شيعة أهل البيت الذين هم أعلم الناس بسنة جدهم (صلّى الله عليه وآله)؛ نبرئ كل مؤمن ومؤمنة لهما أدب من كل ما يعاب؛ ولكنه أساء فهما فأساء اجابة.
والجمل التي قال: إن غثها وسمينها للشيعة؛ ليس فيها غث، وكلها حق بما مر من الأدلة، لكن عناده وتعسفه وشدة تحامله يأبى له إلاّ أن يجعل فيها غثاً بغير دليل ولا برهان. وقوله: كلها أريد بها باطل هوعين الباطل؛ وإنما جمله وكلماته هذه كلها باطل أريد بها باطل. وإذا كان بعضها حقاً فكيف حكم بأنه موضوع على لسان الإمامين؟ هل هذا إلاّ سوء ظن وتهجم بسوء القول من غير دليل؟!
أدب التقية
قال (في ص 81): «أصابت أصول الكافي إذ تروي إذا حضرت البلية فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم، وإذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم، هذا هو أدب التقية بذل النفيس في حفظ النفس، وبذل النفس في حفظ الدين».
التوكل واليقين
قال (في ص 82): «ثبت عند الشيعة حديث حد التوكل واليقين، وحد اليقين أن لا تخاف مع الله شيئاً».
(ونقول): ما زعمه أب التقية الظاهر أنه لا ربط له بالتقية، بل المراد بالحديثين أنه إذا دار الأمر بين حفظ النفس، وحفظ المال، فحفظ النفس مقدم، وإذا خيف على الدين، وجب الجهاد، وجعل النفس دون الدين. وحديث التوكل أيضاً لا يرتبط بالتقية، وليس فيه منافاة لرأينا في التقية الذي سلف ولا لغيره، ولو جرينا على ظاهره لبطلت التقية من رأس، بل هذا الحديث إذا صح جار مجرى كلام أهل العرفان والمتصوفة الذين ينتسب إليهم كما جاء في بعض كلامه، وما هو في هذه الاستشهادات إلاّ كحاطب ليل.
الحرية في الفكر والقول والعمل
قال (في ص 82): «لم تكن المباحثة والمذاكرة في عصر من العصور توجب خيفة على النفس والنفيس، والمجتهد كان حراً في فكره وقوله وعمله ثم نشره».
وقال (في ص 84): «لم يكن في عصر من العصور الإسلامية قتل شيعي وعقابه إذا أعلن وتجاهر بعقيدته لم يكن البتة شيء من ذلك، وكل ما روي في ذلك، فهو من أوضاع الشيعة».
(ونقول): أمر هذا الرجل من غرائب الأمور، فهو يأبى دائماً إلاّ مصادمة البديهة، وإلاّ العناد ومخالفة الضرورة وانكار المسلمات، كأن الله لم يخلقه إلاّ لذلك. يزعم حرية الفكر، والقول، والعقل، والنشر في جميع الأعصار. والحال أنه لم يكن أحد في عصر من العصور حراً في فكره، وقوله، وعمله، ولا في نشره، وكانت المباحثة والمذاكرة في جميع العصور توجب خيفة على النفس والنفيس؛ فقد أخفى ابنعباس القول بعدم العول أيام الخليفة، وأظهره بعده، وقال: هبته وكان أمراً مهيباً. ونفي سعد إلى حوران ولم يكن حراً في فكره، ونفي أبو ذر ولم يكن حراً في فكره. وقتل حجر بن عدي الكندي وكل هؤلاء من خيار الصحابة، وقتل مع حجر نحو من سبعة أحدهم ابنه، وكلهم لم يكونوا أحراراً في أفكارهم، وأقوالهم، وأعمالهم، ولم يكن في دولة بني أمية أحد يجسر أن يروي فضيلة لعلي بن أبي طالب. ولا أن يسمي باسمه، ولا يكتني بكنيته، ولما دخل علي بن عبدالله بن العباس على عبد الملك بن مروان سأله عن اسمه، وكنيته، فقال: علي أبوالحسن. فقال: لست أحتملهما لك فغير كنيته، وتكنى بأبي العباس، قاله أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء فلم يكن المرء حراً حتى في اسمه وكنيته ولما قتل الحسين (عليه السلام) لم يجسر أحد على رثائه. والإمام أحمد بن حنبل ضرب وحبس؛ لأنه قال بعدم خلق القرآن وضرب غيره وحبس لأنه قال بذلك، أفكان هذا من آثار حرية الفكر والقول والعمل عند موسى جار الله؟ وربما كان للناس بعض الحرية والمذاكرة حتى الدهريين والملحدين إلاّ في ما يرجع إلى فضل أهل البيت (عليهم السلام) ونصرة التشيع فقد كان ذلك ممنوعاً منعاً باتاً ولم يكن جزاء مرتكب هذه الجريمة غير القتل والحبس والنفي والحرمان.
وأغرب من ذلك – ولا غرابة في أمر هذا الرجل – قوله: لم يكن في عصر من العصور قتل شيعي وعقابه لمجاهرته بعقيدته، وزعمه أن كل ما روي في ذلك من أوضاع الشيعة. فإن هذا يدل على جهله بالتاريخ أو على تعصبه وعناده الذي أدى به إلى انكار المسلمات أو على كليهما والأفراد والجماعات الذين قتلوا على التشيع، أو أوذوا في سبيله في كل عصر من العصور لا يمكن احصاؤهم. وكان يكفي لايذاء الرجل وطرده، وحرمانه، بل قتله في دولة بني أمية أن يقال عنه انه ترابي حتى أن جبل أبي قبيس لما استولى عليه الحجاج في حرب ابن الزبير، وجاء الخبر بذلك إلى الشام، قال الشاميون: لا نرضى حتى يؤتى بهذا الترابي الخبيث إلى الشام – ظانين أن أبا قبيس رجل، وكان الرجل إذا نسب إلى الالحاد والزندقة أهون من أن ينسب إلى التشيع، وكان الرجل في عهد بني أمية يتقي من زوجته وخادمه، ولا يجسر أحد أن يروي حديث علي، وكم نهبت وهدمت الدور، وقطعت الأيدي والأرجل والعراقيب، وصلب قوم على جذوع النخل، وفعلت الأفاعيل في ذلك العصر على التشيع؛ جيء بحجر بن عدي وأصحابه وهم نحو أربعة عشر رجلاً من الكوفة الى الشام مكبلين بالحديد لإنكارهم سب علي بن ابي طالب وعدم براءتهم منه فقتل نحو من نصفهم بمرج عذرا، قال ابنالأثير: طلب اثنان من أصحاب حجر أن يرسلوهما إلى معاوية فقال لأحدهما: ما تقول في علي؟ قال: أقول فيه قولك. قال: تبرأ من دينه، الذي يدين الله به؟ فسكت، فتشفع فيه بعض الحاضرين، فنفاه إلى الموصل فمات بها. قال للآخر: ما تقول في علي؟ قال: دعني لا تسألني فهو خير لك، قال: والله لا أدعك، قال: أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيراً، من الآمرين بالحق، والقائمين بالقسط، والعافين عن الناس (إلى أن قال معاوية): قتلت نفسك. قال: بل إياك قتلت. فرده إلى زياد وأمره أن يقتله شر قتلة، فدفنه زياد حياً وقتل دعي بني أمية زياد بن سمية، والملحق بأبي سفيان بشهادة أبي مريم الخمار أنه زنى بأمه وهي تحت عبيد رشيد الهجري على التشيع؛ قطع يديه، ورجليه، ولسانه، وصلبه، وقتل هذا الدعي أيضا جويرية بن مسهر العبدي على التشيع؛ قطع يده، ورجله، وصلبه إلى جذع ابن معكبر، وقتل ابنه الدعي ابن الدعي عبيدالله ميثماً التمار على التشيع؛ صلبه وطعنه في اليوم الثالث بحربة فقتله. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة مصدع المعرقب: «إنما قيل له المعرقب لأن الحجاج، أو بشر بن مروان عرض عليه سب علي فأبي فقطع عرقوبه، قال ابن المديني فقلت للراوي في أي شيء عرقب؟ قال: في التشيع» وقتل الحجاح الطاغية، عامل عتاة بني أمية، في من قتل من شيعة علي (عليه السلام) كميل بن زياد النخعي على التشيع أمر به فضربت عنقه، وقتل هذا الطاغية أيضاً قنبراً مولى علي (عليه السلام) بعدما عرض عليه البراءة من دين علي فلم يفعل فأمر به فذبح. ولم يكن العصر العباسي أقل بلاء على الشيعة من ذلك العصر، فكم قتل ملوك بني العباس قوماً من الشعراء لمدحهم آل علي، وقطعوا لسان بعضهم، وأحرقوا ديوانه، وبعضهم نبشوه بعد موته وأحرقوه. قال ابن شهر آشوب في المعالم: «علي بن محمد بن عمار البرقي أحرقوا ديوانه وقطعوا لسانه وأبوالحسن علي بن وصيف الناشي المتلكم بغدادي من باب الطاق حرقوه. ابن مدلل أو مدرك الحسيني نفي من الموصل. منصور بن الزبرقان النمري نبشوا قبره» هذه هي العصور التي يتشدق موسى جار الله بحرية الفكر والقول والعلم فيها، ويقول بلا خجل ولا استحياء: لم يكن في عصر من العصور الإسلامية قتل شيعي وعقابه لمجاهرته بعقيدته البتة، وكل ما روى في ذلك من وضع الشيعة. وما ذكرناه هوغيض من فيض، وقطرة من بحر، مما وقع من الظلم والاضطهاد لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم في الدولتين الأموية والعباسية وبعدهما وكتب السير والأخبار حافلة بذلك. ومن الجماعات الذين قتلوا بالألوف على التشيع شيعة أفريقية الذين قتلوا في عهد المعز بن باديس سنة 407 كما ذكره ابنالأثير ومنهم: شيعة حلب الذين قتلوا قتلاً عاماً في ما بعد المائة السادسة وكان جل أهلها شيعة، وممن قتل بعد المئة السابعة على التشيع من أعاظم علماء الشيعة محمد بن مكي العاملي الجزيني المعروف بالشهيد الأول الذي قتل بالسيف، ثم صلب، ثم أحرق برحبة قلعة دمشق، والشيخ زين الدين بن علي العاملي الجبعي المعروف بالشهيد الثاني المقتول قرب استانبول، والقاضي نور الله التستري المقتول ببلاد الهند والقاضي شمسالدين محمد بن يوسف الدمشقي الذي قتل شر قتلة على التشيع وأحرق تحت قلعة دمشق، وقتل معه حسين البقسماطي راجع شذرات الذهب في حوادث سنة 942 ج8 ص249 والسيد نصر الله الحائري المقتول في استانبول على التشيع حين أرسله نادرشاه سفيراً إلى الدولة العثمانية للاعتراف بالمذهب الجعفري، فكان جزاءه القتل، وقد ذكر القصة الشيخ عبدالله السويدي البغدادي في بعض رسائله المطبوعة بمصر، وعندي نسخة مخطوطة من هذه الرسالة رواها الشيخ محمد السويدي، عن والده الشيخ عبدالله، وقال: إن والده ذكر القصة في «النفحة المسكية في الرحلة المكية»، وقال في آخرها: «ان هذا الخطيب – يعني السيد نصر الله الحائري – قتل شر قتلة بسبب شيعي، فكان للوالد في أجر قتله سبب وافر». وجدنا السيد علي ابن السيد محمد الأمين، من أعاظم علماء جبل عاملة، قتل مسموماً في عكا في عهد إبراهيم باشا المصري وغيرهم ممن لا يسعنا احصاؤهم في هذه العجالة. وكم كان الشيعة في الحجاز يؤذون بأنواع بالقتل فما دونه في أغلب الأعصار. وكم كان يوضع طبيخ العدس الجريش في حر الحجاز حتى ينتن ويجعل في الحرم الشريف ويدعي على شيعة العجم أنه عذرة وضعوها في المسجد توصلا لايذائهم، وفي عصرنا هذا قتل سيد ايراني شريف من ذرية الرسول (صلّى الله عليه وآله) جاء لأداء فريضة الحج في عهد الوهابيين ادعيَ عليه حمل العذرة على شفتيه وتنجيس الكعبة بها فحكم القاضي بقتله؛ فذبح بين الصفا والمروة بالسيف ذبح الشاة. وأمثال ذلك كثير لا يمكن حصره. ومع كل هذا يقول مؤلف الوشيعة بلا خجل ولا استحياء: لم يكن في عصر من العصور الإسلامية ضرر على شيعي إذا جهر بعقيدته، وما روى في ذلك فهومن أوضاع، وما وشيعته هذه، وما أودعه فيها إلاّ شرارة من تلك النار، وسهم من تلك الكناية.
كتم السر
قال (في ص 82): «كان للأئمة في الدعوة والأمور السياسية أسرار وأخبار أذاعها البعض، فقتل أو كان سببا لقتل امام، فكانت الأئمة قد يتقون الشيعة أكثر من اتقائها الناصب والمخالف، قال امام: ما قتلنا من أذاع سرنا خطأ، بل قتلنا قتل عمد». وقال (في ص 83): «فالتقية إذا كانت بمعنى كتم السر، فهي أدب لازم لم يكن يقوم بها إلاّ قليل، والغالب أن مثل هذا الأدب لم يكن عند الشيعة زمن الأئمة، ولذلك كانت الأئمة تتقي الشيعة أكثر من اتقائها المخالف والناصب».
(ونقول): أولاً لم يكن عند الأئمة أسرار سياسية في ما يرجع إلى الملك والسلطان، وإنما كان سرهم الذي لا يريدون إذاعته القول بإمامتهم في الدين، وأخذ أحكامه عنهم، فكانوا يوصون أتباعهم بالتقية في ذلك، خوفاً من ملوك زمانهم الذين يخافون من ميل الناس إليهم أن ينازعوهم ملكهم، وهذا يشمل ويعم كل ما يدل على القول بإمامتهم اما صريحاً أو ضمناً من فعل عبادة تختص بهم كالمسح على الرجلين، ونقل فتوى تخالف فتوى غيرهم، وغير ذلك، ففي اخفاء ذلك كتم للسر، وفي اظهاره اذاعة له. واظهار هذا وحده كان كافيا في سفك الدماء، ونهب الأموال، والحبس، والضرب، وأنواع الأذى من طواغيت زمانهم لكل من يقول به وينتسب إليه فأمروا أتباعم بالتقية لأجل ذلك، وهي تشمل التقية في العبادة والرواية اللتين حصر كلامه فيهما، وأنكرهما سابقاً واعترف بهما هنا من حيث لا يشعر، فإذا كان كتم السر يشمل عدم اظهار القول بإمامتهم، وعدم اظهار عبادة أو فتوى تختص بهم؛ لأن لازم ذلك القول بإمامتهم فقد شملت التقية العبادة والفتوى، ويترتب على ذلك أمور:
1 – بطلان جعله كتم السر غير التقية بالعبادة والفتوى وغيرهما، بقوله: فالتقية إن كانت بمعنى كتم السر فهي أدب لازم، بل كتم السر يشمل التقية بالعبادة والفتوى وغيرهما.
2 – بطلان قوله إن مثل هذا الأدب لم يكن عند الشيعة زمن الأئمة مستنداً إلى أن الأئمة كانت تتقي الشيعة أكثر من اتقائها المخالف والناصب؛ لأن الشيعة كانت تذيع السر فإن إذاعة السر كما عرفت تشمل العبادة والرواية وغيرهما، وكون ذلك لم يكن عند الشيعة غير صواب، فقد كان ذلك عندهم زمن الأئمة إلاّ من شذ، ومحمد بن أبيعمير من أصحاب الكاظم حبسه الرشيد، وضربه أشد الضرب؛ ليدل على أصحاب موسى بن جعفر، فصبر وعصمه الله من أن يدل عليهم، فيقتلوا ودفنت أخته كتبه خوفاً، فتلفت، فحدث من حفظه، وكذلك كون الأئمة كانت تتقي الشيعة أكثر من غيرهم غير صواب، وإن صح عن أحدهم أنه قاله فهومن باب المبالغة والتشديد في الزجر عن ترك التقية، وكذلك قول: ما قتلنا من أذاع سرنا خطأ بل قتل عمد – إن صح – فإنما هو تشديد ومبالغة في الوصاة بالتقية، وبيان ان تركها قد يسبب قتلنا، وليس المراد أن بعض شيعتهم أذاع سرهم، فكان سبب قتلهم، فهو كقول القائل: من فعل كذا فقد قتلني، وهو مؤيد لما قلناه، وبذلك يبطل قوله: أو كان سبب قتل إمام. الذي رتبه على قول ما قتلنا من أذاع سرنا «الخ» فإننا لا نعلم إماماً قتل بسبب إذاعة السر من بعض أصحابه، وهذا أحد استنتاجاته الخاطئة. لعله أراد بالبعض الذي أذاع السر فقتل هو المعلى بن خنيس مولى الإمام جعفر الصادق الذي قتله بعض طواغيت بني العباس، وأخذ أمواله بسبب ترك التقية، وإذاعة السر باظهار القول بالإمامة، وهو مؤيد لما قلناه.
3 – بطلان قوله السابق لا أظن أن الأئمة كانوا يعلمون الشيعة التقية، وأنها تقية الحق لا تقية الخداع والنفاق كما سماها هناك بحسن أدبه، وبطلان قوله: لم يكن في عصر من العصور قتل شيعي «الخ».
قال (في ص 83): «قال الصادق ذكرت التقية يوما عند علي بن الحسين، فقال: والله لوعلم أبوذر ما في قلب سلمان لقتله ولكفره، وقد آخى الله بينهما. هذه صورة أخرى من تقية كتم ما في القلب من الأفكار والعلوم – ان سمينا الكتم تقية – فمثل هذه التقية لا بأس بها. وليست هي من تقية الشيعة. ومثل هذه التقية قليل عند الأئمة، وأقل عند الشيعة إلاّ إذا أطال المجتهد الشيعي كلاما لا معنى لا في موضوع لا يفهمه فبعد التعب العظيم والأتعاب يتظاهر بالعلم ويقول: وها هنا بيان يسعه الصدر ولا يسعه السطر، ولذلك كتمناه في الصدور، وأرخينا دونه الحجب والستور. هذه تقية لها فائدة تستر العجز والجهل. نعم:
لله سر تحت كل لطيفة
فأخو البصائر غائص يتعلق»
(ونقول): حديث لوعلم أبو ذر «الخ» لا نعتقد بصحته إن لم نجزم ببطلانه، وليس كل ما أودع في الكتاب يمكن وصفه بالصحة من كتب الفريقين، ولو صح لوجب حمله على تفاوت درجات الإيمان والمعرفة. وأما قوله في حق المجتهد الشيعي – صاحب أصل الشيعة – فكان ينبغي له أن يشافهه به. وقد رأى هذا الكلام منه وهو عنده، وفي بلده، وفي بيته، فيفحمه في رد كلام هو بزعمه لا معنى له في موضوع لا يفهمه، فيظهر بذلك عجزه، وجهله، الذي يدعيه لا أن يؤخر جوابه، فيبعث به من وراء البحار والقفار بكلام مجمل لا يقدر أن يجزم سامعه بصحته ولا بفساده حتى لا يصدق عليه قول القائل:
وإذا ما خلا الجبان بأرض
طلب الطعن وحده والنزالا
ثم أتى (في ص 84) بكلمات تشبه كلمات الصوفية ومناحيهم، وجاء في أثنائها ببعض كلمات القذف والقذع مما هو أحق به، ولا حاجة بنا إلى نقله.
قال (في ص 84): «الشيعة تروي عن الصادق أن اسم أميرالمؤمنين خاص بعلي لا يتسمّى به إلاّ كافر، فإن ثبت هذا عن الصادق فقد كفر كل ملوك الإسلام وخلفائهم. هذا جهار بأشنع فاحشة واعتداء طاغ على حرمة الإسلام وأمته، وقد كان الصادق يخاطب خلفاء بنيالعباس بأمير المؤمنين، فكيف مثل هذا الاعتداء الطاغي؟ ومثل هذه التقية المذلة المخزية من امام معصوم من غير عذر قاهر يلجئه إليها بعد أن أسرف في الاعتداء»؟
(ونقول): كذب في ذلك، ولو وجد في رواية لا يعلم حالها ولا مبلغ صحتها وضعفها لم يجز اسناده إلى الشيعة بوجه العموم. وإن صح أن الصادق قال في بعض الخلفاء شيئا، فهوأنه ليس أميرالمؤمنين بحق، وهذا غير بعيد عن جملة ممن تسمى بأمرة المؤمنين أمثال يزيد، ومروان، والوليد من ملوك بني أمية، وجملة من ملوك بني العباس الذين صدرت منهم أشنع الفواحش، وأطغى الاعتداءات على حرمة الإسلام وأمته، وهل كان يأمن الصادق على دمه لولم يخاطب المنصور بأميرالمؤمنين؟! وهل هذا لا يكفي عذراً للمخاطبة بأميرالمؤمنين عند هذا الرجل؟ حتى يقول من غير عذر قاهر يلجئه إليها، ويسمّيها تقية مذلة مخزية حقاً، لقد أسرف هذا الرجل في الاعتداء، وأعطى نفسه من هواها ما تشاء، بغير خجل ولا استحياء، وهل سلم الصادق من شر المنصور مع هذا الخطاب؛ فقد استدعاه مراراً من المدينة إلى العراق ليقتله فنجاه الله منه، هذا وهو يخاطبه بأميرالمؤمنين فكيف لو ترك خطابه بذلك؟ وتركه يدل على أنه لا يعتقد بخلافته ويطعن فيها.
قال (في ص 85): «ومن ينتحل حب أهل البيت مدعيا، ويضمر بغض أكابر الصحابة والقرن الأول متقياً، ويستحل في المخالف كل شيء معتدياً، فهو شر الفرق».
(ونقول): من ينتحل حب أهل البيت (عليهم السلام) مدعياً هو من يجعلهم كسائر الناس لا ميزة لهم في شيء كما سلف منه، وينكر فضائلهم، ويفضل عليهم من لا يساويهم، ولو إلى عدوهم، ويعادي وليهم، ويهجر مذهبهم، ولا يهتدي بهديهم، وينابذ اتباعهم ومحبيهم، وشر ممن يظهر بغض أكابر الصحابة والقرن الأول، ويلعنهم على المنابر الأعوام الطويلة مجاهراً، غير متق ولا متستر ونحن نواليه ونلتمس له الأعذار. والكلام في الصحابة والقرن الأول قد مضى مفصلاً. والشيعة لا تستحل شيئاً في المخالف، فضلاً عن أن تستحل فيه كل شيء، تحترم الدم، والمال، والعرض، وتجري على المخالف لها من فرق المسلمين جميع أحكام الإسلام كما بيناه في ما سبق، وإن كذب هذا الرجل وافترى. وما باله غض النظر، وأرخى الستار، عمن يستحل في الشيعة كل شيء معتدياً.
ما أعجبه من مذهب الشيعة
قال (في ص 30): «يعجبني دين الشيعة في تحريم كل شراب يسكر كثيره، قليله حرام، حتى أن المضطر لا يشرب الخمر ساعة الاضطرار لأنها قاتلة. والشيعة تحرم الجلوس على مائدة كانت أوتكون فيها الخمر».
وقال (في ص 52): «واستحسن من قول الشيعة – لو صدقه فعلها – أن قليل ما يسكر كثيره حرام لا يحل حتى في الاضطرار، تبالغ فيه الشيعة حتى تقول إن الجلوس على مائدة شرب فيها مسكراً حرام، وأحسن من قول الشيعة قول أبي العلاء في لزومياته:
لو كانت الخمر حلاً ما سمحت بها
لنفسي الدهر لا سراً ولا علناً
فليغفر الله كم تطغي مآربنا
وربنا قد أحل الطيبات لنا»
وقال (في ص 30): «استحسن كل الاستحسان مذهب الشيعة الامامية في مسائل الطلاق وبعض أصول المواريث».
(ونقول): الأحكام الشرعية إنما تؤخذ بالنص عليها من الشارع لا بالعقول والآراء، وقول: أستحسن ولا أستحسن، ويعجبني ولا يعجبني. ﴿ان هوإلاّ وحي يوحى﴾ [النجم: 4] ﴿ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: 7] ودين الشيعة هو دين الأئمة الطاهرين الذين أخذوه واحدا بعد واحد عن أبيهم علي بن أبي طالب، عن جدهم الرسول، عن جبرئيل عن الله تعالى، وأخذه عنهم شيعتهم وأتباعهم بالروايات والأسانيد الصحيحة، على أنه مخطىء في نسبته إلى الشيعة تحريم الخمر عند الاضطرار، وتحريم الجلوس على مائدة كانت أو تكون فيها الخمر، أو شرب فيها مسكر حرام، بل الحرام الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر أو عليها الخمر، ولعل مراده ذلك. والشيعة لا تقول شيئاً بهواها واجتهادها واستحسانها، ولا تبالغ، ولا تقول إلاّ ما أخذته عن صاحب الشرع بالسند المعتبر، وقولها بحرمة الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر إنما أخذته من قول أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لا مبالغة فيه. وقوله ﴿لو صدقه فعلها﴾ إن أراد أن فيها من يشرب المسكر، فهذا ليس خاصاً بها، بل يعلم جميع أهل المذاهب والنحل التي تحرم الخمر. والشيعة إن لم تكن أكثر الناس اجتناباً للمحرمات فليست أقلها. وقد جعل قول أبي العلاء في شعره أحسن من قوله الشيعة المأخوذ عن أئمة أهل البيت عن جدهم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، وكفى بذلك جهلاً.
الربــا
قال (في ص 3): «ولم يعجبني فتاواهم – أي الشيعة – في جزئيات الربا، ووجدت ما طالعته من كتب الشيعة مقصرة في بيان الربا». وقال (في ص 56): «كتب الشيعة في مسائل الربا مقصرة. ولها في باب التخلص من الربا حيل منكرة مرفوعة إلى أئمة الشيعة». وذكر أمثلة لذلك، منها: «طلب مني مائة ألف درهم على أن يكون ربحي عشرة آلاف درهم، قال أبو الحسن: لا بأس أعطه مائة ألف درهم، وبعه الثوب بعشرة آلاف درهم، واكتب كتابين». قال: «فان جاز مثل هذه الحيل الشرية في فقه الشيعة، أوفقه أحد المذاهب فلا حرام في الدنيا، والقرآن مهجور، والشرع تحت أقدام المحتالين، والسلام على الدين، وربا اليهود وكل ربا البنوك حلال طلق سائغ هنيء بعد هذه الحيل»، وقال (في ص56 -57): «تقول الشيعة ولا تتقي: الناصب حرب لنا فماله غنيمة، والناصب في عقيدتهم من يعتقد بامامة الشيخين»، وقال (ص 57): «وتقول الشيعة ليس بين الشيعي والذمي، ولا بين الشيعي والناصب ربا». قال: «من يتقول على شرع الإسلام بمثل هذه الأقاويل لا يكون له فقه ولا دين. كتب الشيعة في بيان الربا مقصرة وفي المعاملة بالربا متهورة: ﴿أولئك يدعون إلى النار والله يدعوإلى الجنة والمغفرة باذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون﴾ [البقرة: 211] والقرآن الكريم يحرم الربا أكلاً وايكالاً ثم تأتي كتب المذهب تحل الحيل تضل بها الذين آمنوا، وحياة المجتمع لا تبني على الحيل». ثم أطال بما لا فائدة في نقله، وقال: «كيف يكون إذا أخذت الأمة تحتال بحيل شرية تسمها شرعية تجعل حكم الله تحت أقدام الحيل تتظاهر بالدين وتحتال بالدون». وذكر (في ص 58) في كلام طويل أنه ألف كتاب في الزكاة والربا وأنه عرض فيه لمجتهدي الأمة طريقاً سهلاً ظن فيه إمكان حل لمسائل الربا ينبني على أساس الاحسان في حال والتعاون بين الأموال والأعمال في حال. قال: «وأريت بعون الله وعون القرآن الكريم – ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾ [البقرة: 275] – أن التحريم والاحلال يدور على مدار الفرق بين قرض وقرض لا على مدار الفرق بين بدل وبدل كما جرى عليه أئمة الاجتهاد». ثم افتخر وقال: «وهذا حدس خصني الله به. وادارة تحريم الربا على الفرق بين بدل وبدل وهم قد عم البلاد والآحاد» إلى آخر ما ذكره مما لا فائدة في نقله.
(ونقول): قد عرفت أن الدين يعرف بالنص وليس لأحد أن يقول: يعجبني، ولم يذكر هذا التقصير لنعرفه وكتب الشيعة لم تقصر في مسائل الربا، بل ذكرت جميع أحكامه، وفروعه، ومسائله، ولم تترك منها شاردة ولا واردة بدون نقصان عن كتب غيرهم إن لم يكن فيها زيادة كما هو حالها في جميع أبواب الفقه، ولها السبق في كل شيء وما سبب نسبة التقصير إليها إلاّ القصور منه، ثم ان الفتاوى تؤخذ من كتب الفقه لا من كتب الأخبار التي فيها الصحيح والسقيم، والقوي والضعيف، والمتعارضات، والكتاب الذي نقل منه هوكتاب أخبار لا كتاب فقه، ولفقهاء الشيعة في الحيل الشرعية خلاف وليست صحيحة عند الجميع.
ثم إن الأحكام في الشرع الإسلامي تابعة للعناوين التي في الأدلة لا للاستبعادات ولا لعبارات التهويل الفارغة، كقول: حيل منكرة، حيل شرية، تسميها شرعية، لا حرام في الدنيا، القرآن مهجور، الشرع تحت أقدام المحتالين، السلام على الذين تحل الحيل تضل بها، حياة المجتمع لا تبنى على الحيل، تتظاهر بالدين، تحتال بالدون، وأمثال ذلك وكلامه هذا يشبه كلام المشركين الذين جعلوا الأحكام تابعة للنتائج لا للعناوين ﴿فقالوا إنما البيع مثل الربا﴾ [البقرة: 275] فرد الله تعالى عليهم بأنها تابعة للعناوين لا للنتائج فقال: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وهو يقول: الحيل الشرعية نتيجتها الربا ولم ينظر إلى العناوين. فالكلب نجس محرم في أكثر المذاهب، فإذا وقع في المملحة وصار ملحا طهر وحل أكله؛ لأن الله تعالى نجس الكلب وحرمه، وطهر الملح وأحله. وامرأة الغير الأجنية إذا أرضعت طفلة الرضاع المحرم، وعقد رجل على تلك الطفلة صارت المرأة محرما بعدما كانت أجنبية. والهبة المعوضة يجري عليها حكم الهبة، فإذا باع الموهوب بمثل ذلك العوض جرى عليه حكم البيع. وبيع المجهول فاسد، والصلح عليه صحيح. وبيع ألف درهم بعشرة آلاف درهم ربا محرم، وبيع ثوب قيمته عشرة آلاف درهم بألف درهم أو بالعكس صحيح، وإن كانت نتيجته نتيجة الربا لأن الله تعالى أحل البيع وحرم الربا. وبيع دينار بدينارين رباً محرم وبيع دينار قيمته عشرة دراهم بعشرين درهماً صحيح، مع أن نتيجته نتيجة الربا. فجعل ذلك حيلاً منكرة من الأمور المنكرة، وتسميتها حيلاً شرية من الأعمال الشرية، كما أنه تسميتها حيلاً شرعية ليس في شيء من النقص والعيب، إذ المراد أنها أمور يتوصل بها إلى تبديل الموضوع الذي يتبدل به الحكم.
وهذا الامام أبو حنيفة يقول: لو أن شاهدين شهدا عند قاض أن فلان ابن فلان طلق امرأته، وعلما جميعاً أنهما شهدا بالزور، ففرق القاضي بينهما، ثم لقيها أحد الشاهدين فله أن يتزوج بها،( قال: نعم. قال:) ثم علم القاضي بعد،فليس له( أله) أن يفرق بينهما (تاريخ بغداد(373:13). قال: لا) وذلك لأن حكم الحاكم عنده بغير الواقع فهذا من التوصل بالحيل الشرعية المحرمة فما قوله فيه أيهول فيه مثل هذا التهويل؟!
وما ذكره في تفسير الناصب وأنه ليس بينه وبين الشيعي رباً كذب منه وافتراء، بل الناصب من نصب العداوة لأهل البيت (عليهم السلام)، وما ينقله عن رواية أنه حرب لنا فلا يمكننا الجزم بصحتها لاشتمال كتب الروايات على الصحيح والسقيم كما مر، ولكنا نسأله: هل يستعظم قول من يكفر غير فرقته من المسلمين ويستحل الأموال والدماء، وتقول ليس بين الذمي والمسلم ربا وهي لم تقل ذلك من عند أنفسها، بل قلدت من لو قال الإمام أبو حنيفة أو الإمام الشافعي بمثل قوله لما توقف موسى جار الله في قبوله، فإذا صدر من أهل بيت النبوة، رده بالاستبعاد والتهويل لا بالبرهان والدليل.
وكتب الشيعة لم تتهور في المعاملة بالربا كما مر، ولكنه هو يتهور، يقذف بالباطل وهو أولى بأن يكون داخلاً في الآية التي استشهد بها.
ومسائل الربا وشروطه وأحكامه مبينة مفصلة في كتب الفقه الإسلامية، وجلها إن لم يكن كلها متفق عليه بين المسلمين، وتحريمه من ضروريات فقه الإسلام، ومسائله واضحة ظاهرة ليس فيها اشكال ولا عقد تحتاج إلى حلوله وفلسفته وحدسه – الذي اختصه الله به – والهداية التي اكتسبها من نور القرآن الكريم ما هي إلاّ ضلالات وخيالات وهمية وما أطال به هنا مما نقلنا بعضه، وتركنا جله من الفلسفات والحلول التي لا تبنى على أدلة ولا أصول، كلها تطويل بلا طائل وتضييع للعمر في غير جدوى، ولولا طبع كتابه ونشره لما أتعبنا نفسنا في نقضه.
مسائل في المورايث
قال (في ص 185): «بين الشيعة والأمة في باب المواريث اختلافات مهمة، بعضها بقية من اختلاف الصحابة، والبعض قد حدث باختلاف الاجتهاد، وقد يكون ما يراه الشيعة أوفق بالكتاب وأقرب إلى صلاح المجتمع».
وقال (في ص 187): «أن أول ما نزل في المواريث: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً﴾ [النساء: 7].
وقال (في ص 188): «إن القرآن في هذه الآية سمّى الأم والداً وفي آية ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ [النساء: 11] سمّاها أبا وتسميته القرآن حقيقة، فالأخوة والأخوات تحجب بالأم كاحتجابها بالأب ومن يكون له أم لا يكون له كلالة وهذا حجة قوية قائمة للشيعة على مذاهب الأمة».
ونقول: كثر في كلامه مقابلة الشيعة بالأمة، ولا عذر له في ذلك بما أمه وبان أن نفسه غير خالية من الوصمة.
ولسنا ندري ما يريد بقوله: أن رأي الشيعة أوفق بالكتاب «الخ» الذي جل أقواله الآتية تخالفه. والأم لا تسمى والداً حقيقة، بل تسمّى والدة؛ لأن الوالد للمذكر بحسب وضع اللغة، ولكن تسميته الوالد والوالدة والدين، وتسميته الأب والأم أبوين، من باب التغليب الشائع في كلام العرب كالعمرين، والقمرين، وغير ذلك، وحجة الشيعة القوية على حجب الأخوة والأخوات بالأم هي غير هذه.
العـول
ذكره في مواضع من «وشيعته» على عادته في التكرير والتطويل بغير طائل ونحن نجمعها في موضع واحد روما للاختصار، وتسهيلاً للتناول، ونذكر، أولاً، معنى العول والخلاف فيه، ثم نتبعه بنقل كلماته وردها.
(العول)، لغة، اسم للزيادة والنقصية، فهو من أسماء الأضداد، وفي اصطلاح الفقهاء هوالزيادة في الفريضة عند زيادة السهام عنها ليمكن خروج تلك السهام منها؛ وذلك أن السهام المفروضة في الكتاب ستة: النصف، والثلث، والثلثان، والربع، والسدس، والثمن. فإذا اجتمع في الفريضة سهمان منها أوأكثر بحيث لا تسعهما الفريضة، فمن قال بالعول زاد على الفريضة بقدر ما عالت به، ومن قال بعدم العول قال: يقدم من فرض له في الكتاب فرضان أعلى وأدنى، فيأخذ نصيبه تاماً ويدخل النقص على من فرض له فرض واحد، مثلاً امرأة توفيت عن زوج وأختين لأب، للزوج النصف ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم ان لم يكن لهن ولد﴾ [النساء: 12] وللأختين الثلثان ﴿فان كانت اثنتين فلهما الثلثان﴾ [النساء: 176] والمال ليس له نصف وثلثان، والفريضة هنا من ستة: الزوج النصف ثلاثة، وللأختين الثلثان أربعة، عالت الفريضة بواحد، فمن قال بالعول زاد على الفريضة واحدا فجعلهما من سبعة، وأعطى الزوج ثلاثة من سبعة بعدما كان له ثلاثة من ستة، والأختين أربعة من سبعة بعدما كان لهما أربعة من ستة، ومن قال بعدم العول أعطى الزوج النصف والأختين الباقي. وهذه المسألة وقعت في خلافة الخليفة الثاني، وهي أول مسألة وقعت في العول في الإسلام، فقال: إن أعطينا الزوج النصف لم يبق للأختين ثلثان، وإن أعطينا الأختين الثلثين لم يبق للزوج نصف، ولا أجد أوسع من ادخال النقص على الجميع فجعل الفريضة من سبعة، وقال بقوله الفقهاء الأربعة وباقي الفقهاء أكثرهم، وخالفه ابن عباس – وبالغ في المخالفة – والأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) وجميع فقهائهم، وقال المرتضى في الانتصار: «قال بنفيه أيضا عطاء بن أبي رباح، وحكاه فقهاء أهل السنة عن الإمام الباقر، وهو مذهب داود بن على الأصفهاني»، وفي مفتاح الكرامة حكاه فقهاء العامة عن محمد بن الحنفية. والأخبار ببطلان العول ودخول النقص على بعض أصحاب الفروض دون بعض من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مستفيضة، بل كادت تكون متواترة؛ ففي صحيحة ابن مسلم والفضلاء عن الباقر (عليه السلام): السهام لا تعول، وفي صحيحة ابن مسلم أنه أقرأه أبو جعفر الباقر ذلك في صحيفة الفرائض التي هي املاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخط علي بيده وفي بعضها: السهام لا تعول لا تكون أكثر من ستة. إن الفرائض لا تعول على أكثر من ستة. إن السهام ليس تجوز، ستة لا تعول على ستة. أصل الفرائض من ستة أسهم لا تزيد على ذلك ولا تعول عليها. السهام لا تعول من ستة. سهام المواريث من ستة أسهم لا تزيد عليها. ومعنى أن السهام لا تعول على ستة لا تزيد عليها، فإن من قال بالعول قد زادها على ستة حيث جعل الثمن تسعا والنصف أقل منه والثلثين أقل منهما وهكذا.
فالعول هنا بمعنى الزيادة، أما رواية لا تعول من ستة؛ فيمكن كون من بمعنى عن؛ لأن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، وتعول محتمل للزيادة والنقيضة، فإن من أعال فقد نقص السهام فجعل الثمن تسعاً «الخ» أما رواية لا تعول على أكثر من ستة فيمكن أن يكون معناه لا تزيد على ستة فأكثر بأن تكون سبعة فما فوق نظير ﴿فان كن نساء فوق اثنتين﴾ [النساء: 11] أي اثنتين فما فوق، والله أعلم.
وظاهر أن من قال بالعول إنما قال به باجتهاد الرأى لما لم يجد مخرجا سواه، وفقهاء أهل البيت إنما قالوا به أخذاً بأقوال أئمة أهل البيت (عليهم السلام) التي تلقوها عن جدهم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، وابنعباس إنما أخذ بطلان العول عن أميرالمؤمنين؛ لأنه تلميذه وخريجه عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، أوعن الرسول بلا واسطة، فسنوا لهم هذه القاعدة من تقديم ذوي السهام المؤكدة التي فهموها بالنص، وعلموا أنه تعالى أشار بتأكيدها إلى تقديمها، ومرجع ذلك إلى أن اطلاق آيات الفروض قد قيد بعضه، وبقي الباقي على اطلاقه، فآية فرض الثلثين للأختين مثلا، قد قيد اطلاقها بما إذا لم يكن معهما زوج، فانهما في هذه الصورة ترثان بالقرابة لا بالفرض، فيكون لهما الباقي، والمقيد لاطلاق الكتاب أقوال الأئمة المأخوذة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله).
كلماته في العـول
قال (في ص 30) ما حاصله: «كتب الشيعة وان ردت القول بالعول، وأنكرت على الأئمة اعالة الفرائض إلاّ أنها لم تنج من أشكال ابن العباس والإمام الباقر أن الذي أحصى رمل عالج لم يجعل في مال نصفاً وثلثين، فالاشكال باق، والعول ضروري، فإن ادخال النقص في سهام من أخره الله من الورثة أخذ بحظ كبير جائر من العول ولا يدفع أصل الاشكال؛ فإن التسمية باقية بنص الكتاب، والنقص في جميع السهام هوالعول العادل والذي قسم المال وسمى السهام، هو الذي أحصى رمل عالج وجميع ذرات الكائنات، وهو أصل الاشكال الذي انتحله الباقر، وقد تبين بهذا أن لا عول عند الشيعة قول ظاهري، قيل ببادي الرأي عند بيان الاختلاف رداً لمذهب الأمة، وهرباً من وفاق العامة، والعول هوالنقص فإن كان في جميع السهام بقدر متناسب، فهو العول العادل أخذت به الأمة وحافظت على نصوص الكتاب، وإن كان في سهم بعض الورثة دون بعض، فهو العول الجائر جارت به الشيعة، خالفت به نصوص القرآن الكريم، ولم تدفع به الاشكال، والاشكال الذي تحير فيه ابنالعباس، ثم انتحله الإمام الباقر ثابت رأس، ولا أريد اليوم كما أراد ابنالعباس في يومه أن أبتهل أو أباهل أحداً، وإنما أريد أن تعلموني مما علمتم في ازالة الاشكال رشداً».
وقال (في ص 204): «يقول أهل العلم: أول من حكم بالعول الامام عمر؛ إذ حدث في عهده مسألة ضاق مخرجها عن فروضها، فشاور الصحابة، فأشار العباس إلى العول، وقد كان أنفذ العرب نظراً يرى الأمور من وراء الستور، وتحدس بقوله الصحابة وجه المسألة فتابعوه، ولم ينكره أحد إلاّ ابنه بعد موت عمر، فقيل له: هلا أنكرت في زمن عمر؟. فقال: هبته وكان مهيباً – هيبة اجلال واحترام – وكان ابنعباس في مجلس الاجماع ابن لبون، إذا لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس، وفقهاء الصحابة عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت كانوا أعلم من ابن عباس، فانعقد الاجماع والإمام علي حاضر، ولا أرى إلاّ أن صلة الحدس وسند الاجماع كان نظم القرآن في أول آيات المواريث».
وقال (في ص 205): «والشيعة في مسائل العول ذهبت مذهب ابن عباس، فإنه قال: أول من أعال الفرائض عمر، وأيم الله لوقدم من قدم الله ما عالت فريضة. فقيل له: وأيها التي قدم الله؟ فقال: كل فريضة لم تزل إلاّ إلى فريضة، فهي التي قدم الله، وكل فريضة إذا زالت من فرضها لم يكن لها إلاّ ما بقي، فهي التي أخرها الله، فالزوجان والأبوان يقدمون والبنات والأخوات يؤخرون، فقيل له: فهلا راجعت فيه عمر؟ فقال: انه كان مهيباً ورعاً، ولو كلمته لرجع، وقال الزهري: لولا أنه تقدم ابنعباس إمام عدل إذا أمضى أمراً مضى، وكان ورعا ما اختلف على ابن عباس اثنان من أهل العلم وكان يقول: أترى الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، فأين موضع الثلث؟ وكان يقول: تعالوا فلندع ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين. ما جعل الله في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً. قال: ونحن نقول النقل من فرض إلى عصوبة لا يوجب ضعفاً؛ لأن العصوبة في شرع التوريث أقوى أسباب الارث، اما تقديم البعض وتأخير البعض؛ فإنما يكون في حال التعصيب أما حال تسمية سهام كل واحد فلا يمكن أن يكون واحد أولى وأقدم وأقدم من آخر؛ فإن القرآن سمى للزوج النصف «الخ»، وادخال الضرر على فريق واحد، أخذ بالعول الجائز، وابطال لنص الآية وترك لتسميتها الصريحة، وابطال تسمية الآية في فريق أشنع في المخالفة من أخذ نصف ونصف وثلث من مخرج».
وقال (في ص 206): «الورثة قد تساوت في سبب الاستحقاق فيأخذ كل نصيبه عند الاتساع، وإذا ازدحمت وتدافعت الحقوق غير المستقرة التي لا تزال تتناقص من كل إلى صفر، فقد علمنا من أول آيات المواريث ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: 11] أن كل سهم يؤخذ باسمه من مخرج، فتجتمع الأنصاف التي لا حصر لها، أو الأثلاث التي لا حد لها ومجموعها تعول إليه المسألة، فكل مسائل الأولاد والأخوة والأخوات تخرج من اثنين أو ثلاثة. فعشرة أبناء وعشر بنات وعشرة أخوة وعشر أخوات، المسألة في كلا الصورتين من اثنين أو ثلاثة على حسب تسمية القرآن، ثم تعول إلى ثلاثين نصفاً أوثلاثين ثلثاً، والقرآن الكريم في مسألة الأولاد والأخوات قد اكتفى بمخرجين فقط، فكيف ولم يباهلنا ترجمان القرآن ابنعباس، ثم يقسم أن الذي أحصى كل شيء عدداً لم يجعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، والنصف أبداً واحد من اثنين، والثلث أبداً واحد من ثلاثة، ولو بلغ عدد الأنصاف وعدد الأثلاث مئات، وبيان القرآن أوجز البيان وأوضح البيان، فكيف خفي على فهم مثل ابنعباس، وبأي عذر يترك الفرضي تعبير القرآن. وابن عباس إذا ادعى التأخر في ذي فرض هو يؤخره، فبأي عذر وبأي دليل يترك تسمية القرآن لذي الفرض الذي يؤخره، فابن عباس والشيعة بادخال الضرر في حظ فريق سماه له القرآن يخالفون القرآن أشنع مخالفة، فيأخذون بعول جائر لا وجه له، ويدعون الجهل على الله إذ سمى شيئاً لا وجود له، وأمر بتنفيذ شيء لا امكان له، ولو جاز دعوى التأخير في صورة الازالة عن فريضة إلى غير فرض، فدعوى التأخير في صورة التسمية ترك للقرآن ليس إلا، واسناد تقصير إلى بلاغة القرآن في أكمل بياناته».
وقال (في ص 207): «والشيعة قد تتهور في اسناد التقصير والتناقض إلى بيان القرآن، تقول: إن حظ البنتين في الفرائض وحال الشركة إذا زادت السهام أو نقصت لم يبينها القرآن، ولا ضرر في عدم البيان اكتفاء ببيان أهل البيت على أحسن الوجوه، وإذا عالت الحقوق تقول الشيعة: نعلم أن الكل غير مراد للتناقض، ولم نعلم من القرآن من المراد، بل نطلب البيان من غير القرآن من أخبار الأئمة، يتهمون القرآن الكريم بقصور البيان ولا يتهمون النفس بقصور الفهم»، ثم قال: «وحقوق الورثة شائعة في كل ذرة من ذرات التركة، والقسمة في المشاع عولية بطبيعة الحال لا نزاعية، والعدل المطلق في القسمة عولية أونزاعية هوأخذ الحقوق والحظوظ من مخرج معين حتى يصيب كل أحد حقه، وحتى يسري التناقص إلى كل أحد بنسبة عادلة نافذة، أما مذهب الشيعة في ادخال النفص على فريق دون آخر، فهوعول جائر والتزام أن الله في شؤون الحساب والقسم جاهل جائر، وترك لما سماه الله في كتابه بنص ظاهر».
وقال (في ص 208): «الإعالة نص القرآن الكريم، أجمع عليها شورى الصحابة، وهم أعلم وأفقه من ابنعباس، وقد سكت في مجلس الاستشارة، ولو تكلم لفهم أن سند الاجماع هو بيان القرآن، وبيان القرآن رياضي على وجه الاعالة، وهي أخذ الحظوظ كلها من مخرج كسور سماها القرآن، ومجموع الحظوظ يصح منه المسألة، وقول الله في أول آيات المواريث ﴿فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وان كانت واحدة فلها النصف﴾ [النساء: 11] جملة جميلة جليلة موجزة تصح بها جميع مسائل الفرائض بعد قوله ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ مجموع أنصاف غير محصورة أو مجموع أثلاث غير معدودة. هذا هوالوجه في أن الكتاب الكريم المبين قد حصر جميع مسائل الفرائض بين هاتين الآيتين من مخرجين مسميين لا حدّ لأنصافهما ولا عد لأثلاثهما، ولم يذكر مثل هذا الحساب الرياضي في غيرهما، فإن الاحالة إلى غير حد لا توجد في غيرهما».
وقال (في ص 193): «إرث النسب دل عليه الكتاب ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ [النساء: 11]، ثم قال (في ص 195): «تمهيداً للاستدلال على العول، ففي ابن وبنت يلزم علينا أن نقول: الابن حظه النصفان، والبنت حظها النصف، والمجموع ثلاثة أنصاف من الاثنين – مخرج النصف – وفي ابن وبنتين يلزم أن نقول الابن حظه الثلثان من الثلاثة – مخرج الثلثين -، والبنتان لهما الثلثان منه الثلاثة – مخرج الثلثين -، فيكون القرآن بين حظ الذكر بعبارتين بياناً رياضياً بلسان عربي مبين، وثلاثة أنصاف من اثنين وأربعة أثلاث من ثلاثة هي العول الظاهر، وبيان العول بمثالين في سهام الأولاد، يهدي إلى جواز العول في سائر الورثة دلالة بداهة واقتضاء». ثم أطال في بيان ذلك بما لا فائدة في نقله، ثم قال (في ص 196): «فأعود وأقول ان العول نزل في القرآن نص عليه نص عبارة في أول آياته بأظهر شواهده، فكيف تنكره الشيعة؟ وكيف وقع فيه اختلاف المذاهب؟ وكيف أمكن أن يخفى على ابن عباس؟ ولنا فيه زيادة بيان ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾ [النور: 35] ».
(ونقول): كرر مقابلة الأمة بالشيعة في ما مر ويأتي، ولم يعلم أن الجماعة التي يخرج منها أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، مقتدى الشيعة، في ابطال العول، ويخرج منها ابن عباس حبر الأمة، وغيرهم مما مر لا يجوز أن يطلق عليها لفظ الأمة.
وفرض نصف وثلثين مثلاً في مال يستلزم نسبة الجهل إليه تعالى، كما أشار إليه ابن عباس والإمام الباقر بأن الذي أحصى رمل عالج يعلم أن المال ليس له نصف وثلثان، فلا يمكن أن يكون اطلاق فرض النصف والثلثين الوارد في الكتاب العزيز شاملا لهذا المورد لئلا يلزم نسبة الجهل إليه تعالى، فلا بد من تقييد الاطلاق، وقد دل على هذا التقييد قول ابن عباس الذي أخذه عن أميرالمؤمنين عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، أوعن النبي رأساً، وقول أئمة أهل البيت (عليهم السلام) شركاء القرآن، وأحد الثقلين، وهم أعلم بدين جدهم من كل أحد، أما العول بادخال النقص على الجميع بنسبة سهامهم فلا دليل عليه، مع أنه مستلزم لاستعمال ألفاظ السهام في غير معانيها بدون علاقة، كاستعمال الثمن في التسع وغير ذلك، ولو فرض وجود العلاقة للزم استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي في استعمال واحد، وهوغير جائز كما تقرر في الأصول، وليس هنا معنى جامع ليكون من عموم المجاز، مع أن القرينة مفقودة، ومجرد عدم امكان خروج السهام لا يصلح قرينة مع احتمال تقييد الاطلاق لو فرض عدم وجود الدليل عليه.
وقد ظهر بذلك بطلان جميع ما أطال به من كلامه الذي يشبه رحى تطحن قروناً تسمع جعجعة ولا ترى طحناً.
فالشيعة لم ترد القول بالعول من عند أنفسها، بل بما روته عن نبيها بواسطة أهل بيته أحد الثقلين الذي أمر نبيها بالتمسك بهم، ونجت من أشكال ابنعباس والإمام الباقر بقولها: إن الله فرض في مال نصفاً وما بقي لا نصفاً وثلثين، ووقع فيه غيرها لقوله: إن اطلاق السهام في الآيات شامل لمورد العول، وهو مستلزم للمحال، ونسبة الجهل إليه تعالى إن بقيت السهام على حقائقها ولاستعمال اللفظ في معناه الحقيقي، وفي ما لا علاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، ولا قرينة في استعمال واحد وهو غير جائز كما مر. وادخال النقص في سهام من أخره الله هوعين العدل، وليس أخذاً بحظ كبير ولا صغير جائر من العول، بل غيره هوالجور فإنا أدخلنا النقص على من دل الدليل على دخول النقص عليه، وأنه ليس بذي فرض في هذا الفرض لكونه وارثاً بالقرابة، وكون الحكم عادلاً أو جائراً مرجعه نص الشارع لا الرأى والاستحسان، فما حكم به هو العدل وما لم يحكم به هو الجور، وقد ظهر اندفاع أصل الاشكال والتسمية في الكتاب غير شاملة لمن أخل عليه النقص بعد التقييد، وكون النقص في جميع السهام عولاً عادلاً وفي سهم المؤخر فقط عولاً جائراً إنما يتم مع فرض الشمول، وقد عرفت عدمه وأنه غير ممكن؛ لأن الذي أحصى رمل عالج وجميع ذرات جميع الكائنات يعلم أن المال ليس له نصف وثلثان فكيف يفرضهما فيه. وكون الأمة أخذت بالعول العادل، والشيعة بالسبيل الجائر، كلام جائر، فمن يسميهم الأمة أخذوا بالعول الجائر الذي لم يفرضه الله، وجاروا على أكثر ذوي الفروض، فنقوصهم عن فروضهم التي فرضها الله لهم، وأعطوا المال الذي فرضه الله لشخص غيره بغير دليل. والشيعة بما حفظته عن أئمتها عن جدها الرسول (صلّى الله عليه وآله) أخذت بالسبيل العادل، فأعطت ذوي الفروض فروضهم، وأعطت من لم يجعل الله له فرضا في هذه الصورة الباقي؛ لأن ذلك هو الذي جعله الله له، فهي لم تنقص أحداً شيئاً مما جعله الله له. والذي قسم المال وسمى السهام هوالذي أحصى رمل عالج، ولذلك قلنا: انه لا يمكن أن يفرض في مال سهاماً لا يسعها وليس ذلك أصل الاشكال، فقد عرفت أنه لا اشكال أصلاً، والامام الباقر لم يكن منتحلاً مذهب أحد، ولا قوله في وقت من الأوقات لا ابنعباس ولا غيره، بل كان وارثاً للعلم عن آبائه – الذين تعلم منهم ابنعباس – عن جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي سماه باقر العلم لتوسعه فيه. وقد تبين بهذا أن القول بأن لا عول عند الشيعة ليس قولاً ظاهرياً، بل قول واقعي فإنه لا عول عند الشيعة بالمعنى المصطلح عند الفقهاء، وأما دخول النقص على البعض فليس بعول اصطلاحاً، والشيعة لم تقل به إلاّ لما قام عندها من الدليل لا رداً لمذهب الأمة، ولا هرباً من وفاق العامة؛ لأنهم في أكثر الفروغ قبلوا مذهب من يسميهم الأمة، ولم يردوه، ووافقوا العامة، ولم يهربوا من وفاقهم، وإنما تركوا مذهب شخص واحد قاله برأيه واجتهاده لما ظهر لهم أن الصواب في غيره، بما بينه ابن عباس وبينه أئمة أهل البيت (عليهم السلام). وسيان عندهم مع موافقة الدليل وفاق العامة وخلافها. وسواء أكان العول هو النقص أم الزيادة، فجعل النقص في جميع السهام بقدر متناسب، وتسميته عولاً عادلاً إنما يتم إذا فرض شمول آيات الفرائض للجميع، وقد عرفت بطلانه كما ظهر لك أن القائلين بالعول لم يحافظوا على نصوص الكتاب وخالفوها كلها، فمن فرض له النصف أعطوه أقل منه، ومن فرض له الثلثان أعطوه أقل منهما بالاجتهاد، وهو العول الجائر بكل معنى الجور، وأن الشيعة حافظوا على نصوص القرآن الكريم، فأبقوها بحالها في غير من دخل عليه النقص، وقيدوا ظاهر الاطلاق في من دخل عليه النقص بما ثبت عندهم من السنة، وهذا هو العول العادل الذي وافقت فيه الشيعة نصوص القرآن الكريم وقيدت مطلقاتها بالدليل، ودفعت بذلك اشكال فرض سهام لا يسعها المال. وابنعباس لم يكن متحيراً، بل كان على بصيرة من أمره، ولذلك دعا مخالفه إلى المباهلة، فالذي يدعو إلى المباهلة لا يمكن أن يكون متحيراً وإنما المتحير غيره، وإنما أورد هذا الاشكال على غيره ممن قال بالعول ولا جواب لهم عنه، والاشكال على نفي العول ليس بثابت، ولا رأس، بل قد دك من الأساس، ولم يبق له ذَنب ولا راس، وإنما هو ثابت رأس على من قال بالعول من الناس لا يهدمه معول ولا فاس، ومن أراد المباهلة باهلناه.
والأحكام الشرعية لا تكون بالحدس ولا بالمشاورة والإشارة، ولا بعقد المجالس كمجالس الوزراء والنواب لتدبير المملكة؛ إنما هي بنص الشارع وبيانه، ولا بعقول الرجال، فلو صح أن العباس أشار بالعول كما حكاه ابن عابدين في حاشية الدر المختار بقوله: فأشار العباس إلى العول، فقال: أعيلوا الفرائض، فتابعوه على ذلك، ولم ينكره أحد إلاّ ابنعباس بعد موت عمر. لم تكن إشارته حجة؛ لأنه ليس بمعصوم وكونه كان أنفذ العرب نظراً يرى الأمور من وراء الستور، وتحدس بقوله الصحابة، كلام مزخرف مزوق ليس تحته معنى، فالنبي الذي هو أعظم من العباس وثبتت له العصمة لم يكن يرى الأمور من وراء الستور، وكان يتوقف عن الجواب إذا سئل حتى يأتيه الوحي، ويجوز أن يكون العباس أنفذ العرب نظراً في التجارة وأمور الدنيا. أما الأحكام الشرعية فليس فيها نفوذ رأى لأحد حتى الأنبياء إلاّ بوحي من الله تعالى لا من وراء الستور، ولا من قدامها وليس للصحابة أن يحدسوا وجه المسألة بقول العباس، أومن هوأعلم منه، بل ليس لهم أن يحدسوا وجهها بقول النبي (صلّى الله عليه وآله) حدساً. فإن الحدس والظن لا يؤمن معه الخطأ، وقد نهى الشارع عن اتباعه، وليس لهم الحكم إلاّ بالحس بالسماع من الشارع، وظهور اللفظ على قاعدة التخاطب. وقوله لم ينكره أحد إلاّ ابنه، يكذبه أن عليا كان ممن أنكر كما يأتي في المسألة المنبرية، والصواب أن المراد بالهيبة هيبة الخوف لا هيبة الاجلال والاحترام كما فسرها، فإن الاجلال والاحترام لا يزول بالموت، فكما يجل الرجل ويحترم في حياته، يجل ويحترم بعد موته، فكيف سكت في حياته احتراماً، وبالغ في الانكار عليه بعد موته حتى دعا إلى المباهلة، وكلامه المزوق بأن ابنعباس كان في مجلس الاجماع ابن لبون «الخ» يرده أن ابنعباس كان في خلافة الخليفة الثاني كامل العقل والرشد، وافر العلم، مشهور الفضل، معروفا بالفقه، وكان يسمى حبر الأمة، وترجمان القرآن، وكان يقال إن عنده ثلثي علم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحديثه وما أثر عنه من الأحاديث في الفقه والتفسير وغيرها، ومواقفه في الجدل والخصام معروفة، وكان الخليفة الثاني يفاوضه ويناقشه ويحادثه ويقول له: غص يا غواص، ولو فرض أنه كان «ابن لبون» فلم تكن البزل القناعيس تستطيع صولته إذ لزت معه في قرن وليس العلم والفقه بكبر السن. وأما أن من عدهم كانوا أعلم منه فلعله كان أعلم من جملة منهم لما مر.
ولو سلم، فجائز أن يخطئوا ويصيب بعد الاتفاق على عدم العصمة، وأفقه الصحابة علي بن أبيطالب، فهو الذي كانوا يرجعون إليه ولم يكن يرجع إلى أحد، وهوالذي قال فيه عمر «لولا علي، قضية ولا، لا عشت لمعضلة» فحشره مع من ذكر، وتسويته بهم، وتقديم أحدهم عليه ليس بأول ظلم وقع عليه، وابنعباس إنما أخذ بطلان العول منه كما ذكرناه مراراً.
ولا أعجب من قوله: فانعقد الإجماع وعلي حاضر، فحضوره لم يتحقق. وهبه حضر فابن عباس مخالف، وهو لا يقصر عن جملة منهم علماً وفقهاً ان لم يزد، وكيف ينعقد الإجماع بأربعة والصحابة يعدون بالألوف؟ وهي أن الأربعة أفقه الصحابة، ففي غيرهم فقهاء أيضاً، ومن الذي فسر الاجماع باتفاق الأفقه، وقوله أيضاً، ولا أرى إلاّ أن صلة الحدس في سند الإجماع كان نظم القرآن في أول آيات المواريث، فستعرف أن فلسفته التي ذكرها في أول آيات المواريث ولم يوافقه عليها أحد في القديم ولا الحديث، أو هي وأوهن من بيت العنكبوت، فكون هذا الحدس – الذي هو حدس في حدس – صلته تلك الفلسفة يجعله متقطعاً بلا صلة ولا عائد. وكون هذا الاجماع المزعوم الموهوم سنده ذلك يجعله بلا سند زيادة على ما هوعليه.
والشيعة في العول ذهبت مذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين أخذوه عن جدهم الرسول (صلّى الله عليه وآله)، والذين اقتدى ابن عباس بسيدهم وأخذ عنه القول بعدم العول.
والحديث الذي حكاه عن ابن عباس في أول من أعال الفرائض، قد روي من طريق أهل السنة في كتب الحديث لأصحابنا، وفي مستدرك الحاكم بما يخالف ما حكاه في عدة مواضع، روى المحمدون الثلاثة: الصدوق والكليني والشيخ الطوسي، بأسانيد عديدة، ورواه صاحب المسالك ببعض تلك الأسانيد، وصرح بأن رجاله من أهل السنة، وكلها عن الزهري، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة، قال: جالست ابن عباس فعرض ذكر الفرائض في المواريث، فقال ابنعباس: سبحان الله العظيم، أترون الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، فهذان النصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟ فقال له زفر بن أوس البصري: فمن أول من أعال الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطاب، لما التقت الفرائض عنده ودفع بعضها بعضا، فقال: والله ما أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر، وما أجد شيئاً هو أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كل ذي سهم ما أدخل عليه من عول الفرائض، وأيم الله لو قدم من قدم الله وأخر من أخر الله ما عالت فريضة، فقال له زفر: وأيها قدم وأيها أخر؟ فقال: كل فريضة لم يهبطها عن فريضة إلاّ إلى فريضة، فهذا ما قدم الله، كالزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع عنه إلى الربع لا يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء، والأم لها الثلث فإذا زالت عنه صارت إلى السدس ولا يزيلها عنه شيء، وأما ما أخر فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يبق لها إلاّ ما بقي، كالبنات والأخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلاّ ما بقي، فإذا اجتمع ما قدم الله وما أخر بدىء بما قدم الله فأعطي حقه كاملاً، فإذا بقي شيء كان لمن أخر، وان لم يبق شيء فلا شيء له([272]) فقال زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته والله وكان امرأ مهيباً، فقال الزهري: والله لولا أنه تقدمه إمام عدل كان أمره على الورع، فأمضى أمراً فمضى ما اختلف على ابنعباس في العلم اثنان» ورواه الحاكم في المستدرك بسنده عن محمد بن مسلم بن عبدالله بن شهاب، عن عبيدالله بن عبدالله عن ابنعباس قال: أول من أعال الفرائض عمر. وأيم الله لوقدم من قدم الله إلى قوله فلا شيء له.
والمذكور في هذه الرواية كما سمعت: «هبته والله وكان امرأ مهيباً»، وهو الذي نقله (في ص 204) ناقلاً له عن أهل العلم كما مر. وأما ما نقله (في ص 205) من قوله كان «مهيباً ورعاً» فلم نجد أحداً ذكره ولا ذكر هو مأخذه، فالظاهر أن الأول هو الصواب، فيكون قد منعه من ذلك الهيبة منه، أي الخوف، فلم يظهر ذلك في حياته وأظهره بعد موته لا هيبة الاجلال، فإنها لا تمنع من اظهار الحق وتزول بالموت لو كانت كما مر تفصيله، ولو كان يعتقد أنه لو كلمه لرجع لما تأخر عن كلامه وهو يبالغ في الانكار بعد موته، ويدعو إلى المباهلة وإلاّ لكان سفيهاً، وكيف كان فهو يدل على أنه كان مخالفاً من أول الأمر، وأن المانع له من اظهار قوله هو الهيبة، سواء أكانت هيبة اجلال أم هيبة خوف، ومصدر ابنعباس عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وعن أميرالمؤمنين (عليه السلام)، وعلم ابنعباس وجلالة قدره في العلم والفقه لا تنكر فلا وجه لترك قوله إلى غيره إلاّ العصبية. كما يظهر من قول الزهري أيضاً أنه كان موافقاً لابن عباس وأن جميع أهل العلم كانوا يوافقونه؛ لولا تقدم من تقدمه بالقول بالعول.
وقد استفيد من حديث ابنعباس فوائد، منها: محالية العول، واستلزامه نسبة الجهل أوالعبث إليه تعالى، ومنها: أن من يدخل عليه النقص ومن لا يدخل مستفاد من آيات الفرائض، حيث جعل للأول فرضا واحدا وللثاني فرضين أعلى وأدنى عند وجود من يزيله عن فرضه الأعلى، فأشار بتأكيد فرضه إلى تقديمه وأنه لا يزيله عنه شيء. ومنها: ضابطة من يدخل عليه النقص ومن لا يدخل، فالأول من فرض له فرض واحد، والثاني من فرض له فرضان. ومتى نقصت السهام عن المال تكون الزيادة للأول كما يأتي ومن له الغنم فعليه الغرم.
(ومنها): أن القائل بالعول قاله برأيه واجتهاده من دون استناد إلى نص، وذلك حين التفت عليه الفرائض، ودفع بعضها بعضا، ولم يدر أيها قدم الله وأيها أخر؟!
وابن عباس لم يستند في تقديم البعض وتأخير البعض إلى أن النقل من فرض إلى عصوبة يوجب ضعفاً، سواء أكانت العصوبة أقوى أسباب الارث أم لم تكن، وإنما أستند إلى أن فرض سهام في المال لا يسعها المال لا يقع ممن أحصى رمل عالج عددا، وذكر ضابطة لتقديم البعض وتأخير البعض، أخذها من الوصي عن النبي، وفيها ايماء إلى وجه التقديم بتأكيد الفرض مع أن كون العصوبة أقوى أسباب الإرث لا دليل عليه، ولا يعرف الأقوى والأضعف إلاّ من الشرع. والتعصيب لا نقول به حتى نقول: إن تقديم البعض وتأخير البعض يكون حال التعصيب وتكرير الدعوى بقوله: فإن القرآن سمى للزوج النصف، وادخال الضرر على فريق واحد عول جائر «الخ» لا يثبتها ولا يصححها وتكرير الألفاظ الشنيعة كقوله: أشنع في المخالفة يزيد أقواله ودعاواه شناعة.
وكون الورثة تساوت في سبب الإرث الذي أطال به – مع ما اختصرناه منه – بدون طائل ما هو إلاّ كالرقم على الماء، فقياس الحقوق التي تزدحم وتتدافع كالنصف والنصف والثلث على الحقوق التي لا تزدحم ولا تتدافع كقسمة اثنين أوثلاثة على عشرة قياس فاسد؛ فالأولى لا يمكن خروجها من المال، ومن يقول: ان الله فرضها في مال واحد فقد نسب الله إلى الجهل، أما عشرة أبناء وعشر بنات فقسمة الثلثين عليهم والثلث عليهن لا يشبه العول في شيء؛ إذ كل ثلثين يمكن قسمتهما على عدد كثير، وكل ثلث كذلك بدون أن يلزم محال بخلاف العول، فإن جعل نصف ونصف وثلث للمال محال، وكون هذه السهام أريد بها الأقل؛ شيء خارج عن مدلول اللفظ يحتاج إلى دليل خاص، ولا يكفي فيه أن الشارع في مسألة الأولاد قسم الثلين على عشرة والثلث على عشر، فهذه الفلسفة الباردة التي جاء بها لا تجدي شيئا في اثبات العول، وقوله: ثم تعول إلى ثلاثين نصفاً أوثلاثين ثلثاً تمويه باطل، فهي تقسم على ثلاثين سهماً ولا مانع منه، وتسميته عولاً غير صحيحة فليست قسمته على ثلاثين مسببة عنه أنه فرض فيه ما لا يسعه، بل فرض فيه ما يسعه، فسواء اكتفى القرآن بمخرجين أم لم يكتف لا ربط لذلك بالعول، ولا حاجة إلى مباهلة ابنعباس، ترجمان القرآن، ولا هو أهل لأن يقرن بابن عباس، وعدد الأنصاف لا يزيد على اثنين، عدد الأثلاث على ثلاثة في شيء واحد ومئات الأنصاف ومئات الأثلاث قد حصل في مئات الأشياء لا في شيء واحد، وفي محل الكلام قد فرض النصف والنصف والثلث في شيء واحد.
وبيان القرآن لا يمكن أن يخفى على ترجمان القرآن، ويظهر لأخي تركستان وبأي عذر يترك الفرضي تعبير القرآن، فيحمل النصف على أقل منه والثلث والثلثين على أقل منها، والثمن على التسع بغير دليل ولا برهان، وابن عباس إذ ادعى التأخر في ذي فرض فهو لم يؤخره، وإنما أخذ تأخيره عن مدينة العلم وبابها، ولكن بأي عذر وبأي دليل يترك أهل العول تسمية القرآن لأهل الفروض وينزلونها إلى أقل منها.
وإبطال تسمية الآية في فريق واحد للدليل لا شناعة فيه، بل الشناعة في ابطال تسميتها في الجميع بحمل السهام على أقل منها والنصف والثلث لم تؤخذ من مخرج كما زعم، وإنما أخذ غيرها وهو الأقل منها. وهذه الألفاظ السيئة التي اعتادها: يخالفون القرآن أشنع مخالفة. يدعون الجهل على الله التزام أن الله في شؤون الحساب والقسم جاهل جائر، ترك للقرآن ليس الا، اسناد تقصير إلى بلاغة القرآن، اسناد التقصير والتناقض إلى بيان القرآن، يتهمون القرآن بقصور البيان، وأمثالها لا يعود سوؤها إلاّ على قائلها، فقد علم مما مر من هوالذي خالف القرآن، وأن الذي يدعي الجهل على الله هومن قال: إنه فرض في مال ما لا يسعه، وأن دعوى التأخير في بعض صور التسمية لدليل ليس تركاً للقرآن، بل ترك التسمية في جميع صورها، وحملها على ما هو أقل منها بغير دليل، هوترك للقرآن ليس الا، واسناد تقصير إلى بلاغة القرآن في أكمل بياناته، ونسبته التهور إلى الشيعة في حظ البنتين هو أحد الأمور التي أدى إليه سوء فهمه، فجميع المسلمين، الشيعة وغيرهم، يقولون: إن حظ البنتين مع الانفراد هو الثلثان، وهو غير مذكور صريحاً في القرآن قال تعالى: ﴿فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ [النساء: 11] ذكر ما فوق اثنتين ولم يذكر الاثنتين، ولكن المسلمين أجمعوا على أن حكم الاثنتين حكم الأكثر، وقيل: ان ذلك في لسان العرب معناه اثنتان فما فوق، ومثله الحديث: لا تسافر المرأة لفوق ثلاثة أيام إلاّ ومعها زوجها أو ذو محرم أي ثلاثة أيام فما فوق، فنسبته ذلك إلى الشيعة جهل وتهور.
وأما حال التركة إذا زادت السهام وعالت الحقوق، فلا مؤاخذة على الشيعة إذا أخذت بما أخذه ترجمان القرآن عن مدينة العلم وبابها، وبما قاله أئمة أهل البيت، أحد الثقلين، وأشار إليه القرآن الكريم بجعله لمن يدخل عليه النقض فرضاً واحداً، ولمن لا يدخل عليه فرضين، بارشاد ترجمان القرآن، ومن أنزل القرآن في بيوتهم، وورثوا تفسيره عن جدهم الرسول، وليس المتهور إلاّ من يزعم أن الله فرض في مال ما لا يسعه، وأسند التقصير إلى بيان القرآن بأنه أراد بالسهام ما هوأقل منها بغير قرينة ولا مسوغ في لغة العرب، ومن فسر القرآن ببيان أهل البيت (عليهم السلام) وترجمان أعذر ممن فسره ببيان من تحيروا في تفسيره، ولجأوا إلى استشارة من أشار برأي لم يستند فيه إلى دليل ويجوز عليه الخطأ.
وأما حال التركة وزيادة السهام وهو التعصيب، فنحن وأنتم متفقون على أن البنتين أو الأكثر لهما الثلثان فرضاً، والزائد عندكم لم يبينه القرآن وبينته السنة بقول: ما أبقت الفريضة فلأولي عصبة ذكر، فيكونون قد تهوروا وأسندوا التقصير إلى القرآن الذي لم يبين حكم الزيادة، وعندنا بينه القرآن بآية ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأنفال: 75] بعد تفسيرها من أئمة أهل البيت، شركاء القرآن، بأن الأقرب أولى من الأبعد، فظهر أن التهور في اسناد التقصير والتناقض إلى بيان القرآن لم يصدر إلاّ منه وممن على شاكلته.
وكون حقوق الورثة شائعة في التركة لا ينكره أحد، وكون القسمة في المشاع عولية، بمعنى أن السهام فيه تزاد بأضعافها لتقسم على أصحابها على الوجه الذي تفلسف فيه بما يأتي ستعرف أنه لا فائدة فيه؛ لأن هذه الزيادة – سواء أسميناها عولاً أم لا – لا تشبه العول المتنازع فيه؛ لما ستعرف من أن الثلث مثلاً يمكن قسمته على مائة ولا يلزم منه محال، أما أن يكون لمال ثلثان ونصف، فهو محال. وجعل القسمة عولية ونزاعية لم نجده لغيره، ولا عجب فهو مجمع الغرائب، وكون العدل في القسمة مع عدم العول أخذ الحقوق من مخرج معين، حتى يصيب كل أحد حقه، فهو من توضيح الواضحات، أما مع العول فيقال له: ثبت العرش، ثم انقش، وما ذكره عن مذهب الشيعة في العول، قد تكرر منه وتكرر جوابه، والتزام أن الله في شؤون الحساب جاهل جائر، إنما يكون ممن ينسب إليه تعالى أنه فرض في مال ما لا يسعه.
ولو كانت الإعالة نص القرآن الكريم لما تحير فيها في أول الأمر أول من قال بها. فالنص يفهمه كل أحد من أهل اللسان؛ لأنه ما لا يحتمل الخلاف، ولما احتاج إلى شورى الصحابة، فالشورى تكون في الأمور المشكلة الغامضة، لا في الأمور الظاهرة التي نص عليها الكتاب، ولما خالف فيها علي والأئمة من ولده، ومن أعرف منهم بنص القرآن، وظاهره، ومحكمه، ومتشابهه، ومهزلة اجماع الشورى قد عرفت الكلام فيها. وسكوت ابن عباس أولاً كان خوفاً كما مر. وأما أنه لو تكلم لفهم أن سند الاجماع بيان القرآن، فهو تخرص على الغيب، ولعله لو تكلم لفهم أبوه – إن صح أنه أشار بالعول – ومن وافقه أن الحق بجانبه، ولرجعوا إلى قوله، وبيان القرآن لو كان لما احتيج إلى الاجماع المزعوم الموهوم. وبيان القرآن سواء أكان رياضياً أم غير رياضي لا ربط له بالعول كما ستعرف. وأخذ الحظوظ كلها من مخرج كسور سماها القرآن في صورة العول غير ممكن؛ إن أبقيت تلك الحظوظ على حالها، وإن أنقصت كما يقوله أهل العول، كان ذلك خروجاً عن نص القرآن الذي ذكرها تامة لا ناقصة. ومجموع الحظوظ لا تصح منه المسألة إن أبقيت الحظوظ على حالها، وإن أنقصت فلا يدل القرآن على ذلك، وآية ﴿وان كن نساء فوق اثنتين﴾ آية جميلة، جليلة، موجزة، لا تفتقر إلى أن يشهد لها بذلك، فهي تزيد على ما وصفها أنها معجزة. ولكنها لا ربط لها بآية ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ – كما زعم – حتى تصح بها جميع مسائل الفرائض، فتلك لبيان الذكران والأنثى إذا اجتمعوا، وهذه لبيان نصيب البنات والبنت الواحدة إذا انفردن. وفلسفته التي ذكرها (ص 193 – 196) وأشار إليها هنا بأن في الآيتين مجموع أنصاف وأثلاث كثيرة وذلك هو العول؛ فلسفة خارجة عن دلالة القرآن، فاسدة من عدة وجوه.
(أولاً): إن الله تعالى بين ميراث الأولاد بلسان عربي مبين لا يحتمل هذه الفلسفات الباردة المعوجة، فبين أنه عند اجتماع الذكور والإناث من الأولاد يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وعند انفراد البنتين لهما الثلثان، وعند انفراد البنت لها النصف، وقوله: ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ لم يفهم منها أحد من يوم نزولها إلى أن جاء هذا الرجل يفسرها بتفسيره هذا، إلاّ أنه للذكر سهمان، وللأنثى سهم واحد، فمع اجتماع ذكر واحد وأنثى واحدة القسمة من ثلاثة، ومع اجتماع أكثر تكون الفريضة على هذا النمط، للذكر سهمان وللأنثى سهم واحد، وما تخرج منه السهام صحيحة، فمنه القسمة أما أن ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ أي للذكر مع البنت نصفان، وللبنت نصف، ومع البنتين الثلثان، ولبنتين ثلثان، فشيء لا يدل عليه اللفظ بشيء من أقسام الدلالات، ولا يقتضيه بوجه من الوجوه فضلاً عن أن يدل عليه دلالة بداهة.
(ثانياً): القرآن الكريم بين حظ الذكر بعبارة واحدة فقط هي قوله ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ لا بعبارتين، وقوله: ﴿وان كن نساء فوق اثنتين﴾. وإن كانت واحدة خاص بصورة انفراد البنت عن الابن، فأين هما العبارتان اللتان بين القرآن الكريم حظ الذكر فيهما؟
(ثالثاً): القرآن الكريم بين حظ الذكر بعبارة عربية مبينة بياناً عربياً واضحاً يفهمه كل أحد لا بياناً رياضياً مبنياً على العلوم الرياضية التي لم يكن يعرفها العرب ولا يفهمونها.
(رابعاً): لوكان قوله تعالى: ﴿للذكر مثل حظ الأنثىين﴾ راجعا إلى تتمة الآية، وهي قوله ﴿فلهن ثلثا ما ترك﴾ ﴿فلها النصف﴾ – كما يزعم – لكان للابن الواحد مع البنت الواحدة الثلثان، ولها النصف لأن حظ الأنثيين الثلثان بمقتضي ﴿فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾ وقد جعل هذا الحظ للذكر. وحظ الواحدة النصف بمقتضى: ﴿وان كانت واحدة فلها النصف﴾ والبنتان لم يفرض القرآن لهما النصفين حتى يقال: أن سهم الابن مع البنت النصفان، وسهمها النصف، والله تعالى يقول ﴿للذكر مثل حظ الأنثىين﴾ ولم يقل مثلا حظ الأنثى فلما قال ﴿للذكر مثل حظ الأنثىين﴾ وقال ﴿فلهن ثلثا ما ترك﴾ كان له الثلثان وهوحظهما ولوقال للذكر مثلا حظ الأنثى لصح أن يقال حظ الأنثى النصف، ومثلا حظهما النصفان؛ لكنه لم يقل، فيلزم على مقتضى قوله أن يكون الذكر له الثلثان دائما سواء أكان مع البنت الواحدة أم مع البنتين، وللبنت الواحدة معه النصف وللأكثر الثلثان، فعلى مقتضى العول – للذي يزعمه – في ابن وبنت الثلثان لا النصفان وللبنت النصف، فالقسمة من سبعة للابن أربعة من سبعة، وللبنت ثلاثة من سبعة، عالت الفريضة بواحد، فقد كان للابن أربعة من ستة وللبنت ثلاثة من ستة، فعلى هذه الفلسفة المعوجة التي ذكرها يكون القرآن دالا على أنه مع اجتماع الابن والبنت للابن أقل من سهمين، وللبنت أكثر من سهم، وهو مخالف لضرورة الدين.
(خامساً): لو دل القرآن – كما يزعم – في ابن وبنت على أن للابن نصفين، وللبنت نصفا، وفي ابن وبنتين على أن للابن الثلثين، وللبنتين الثلثين؛ للزم منه نسبة الجهل إلى الله تعالى؛ بأن يفرض في مال ثلاثة أنصاف، وليس له إلاّ نصفان وفي مال أربعة أثلاث وليس له إلاّ ثلاثة، فإن قال: انه فعل ذلك ليبين أن المال يقسم مثالثة في الأول، ومناصفة في الثاني بيانا رياضيا – تركستانياً – قلنا: التعبير عن قولنا للابن ثلثان، وللبنت ثلث ونحوه، بقولنا للابن نصفان، وللبنت نصف، وعن قولنا للابن النصف، وللبنتين النصف، بقولنا: للبنت ثلثان وللابن ثلثان يعد من التعبير الركيك الساقط الذي تأباه بلاغة القرآن وسمو محله، ويكون عدولا عن التعبير الواضح البين إلى التعبير الملغز المعمى، وإنما اضطر القائل بالعول إلى القول به؛ لأنه قد رأى أن المال قد فرض فيه من السهام ما لا يسعه، أما هنا فلا ضرورة وبالجملة فهذه تمحلات باردة تافهة فاسدة، يجب أن يصان عنها كلام الله المعجز. وادعاؤه أن القرآن نص على العول، فكيف تنكره الشيعة وتختلف فيه المذاهب، ويخفى على ابنعباس، وافتخاره بأنه ظهر له ما خفي على كل هؤلاء مستشهدا بآية ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾ يقال فيه: إن الله على كل شيء قدير يقدر على أن يظهر له ما خفي على حبر الأمة وعلى جميع الأمة من عهد الرسالة إلى اليوم ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ [غافر: 33 [.
قياس العـول على الدين
استدل القائلون بالعول بقياسه على الدين مع قصور المال بجامع الاستحقاق؛ لكنه لم يذكره في «وشيعته». والعجب كيف تركه مع تشبثه لكل رطب ويابس، وذكرناه تتميما للفائدة. والجواب: بالفرق بين الدين والميراث إذ لا يستحيل أن يكون على شخص من الدين ما لا يفي به ماله، بل الدين يكون مع فقد المال بالكلية بخلاف الميراث، فإنه يستحيل أن يكون للمال نصف وثلثان، أو أن يستحق شخص الإرث مع فقد التركة، وذلك لأن الدين يتعلق بالذمة، وهي تقبل تحمل الجميع، فإذا فرض تعلقه بعين المال، ولم يسع الجميع لم يكن ذلك محالاً؛ إذ معنى هذا التعلق استحقاق كل أن يستوفي بنسبة دينه. وهذا لا محال فيه، وإنما المحال استحقاق كل استيفاء جميع دينه بخلاف الارث؛ فإنه يتعلق بنفس التركة تعلق انحصار، وهي لا تقبل تعلق جميع السهام، ولهذا يجب الخروج من حقوق الديان كملا، ولا يعد أخذ أحد منهم قسطه استيفاء لجميع حقه، بل لبعضه، وأن فرض قدرة المديون على ايفاء الدين بعد تقسيط ما له على الديان يجب عليه الخروج من باقي حقهم، ومع موته يبقى الباقي في ذمته ويصح احتسابه عليه من زكاة وغيرها، وابراؤه منه، ومع بقائه يعوضون عنه في الآخرة، والإرث مخالف للدين في جميع ذلك، وإن فرض اتساع أموال الميت أمكن استيفاء جميع الديون منها بخلاف العول؛ فإن الحقوق متعلقة بأجزاء مسماة ولا يجوز أن تستوفى قط من مال ميت واحد قل أوكثر.
والأولى أن يقال: إن الدين متعلق بالتركة بلا ريب، فإن أمكن خروجه منها وإلاّ أخرج بالنسبة؛ لأن تعلقه إنما كان بتلك النسبة، وهذا لا محال فيه ولا محذور. أما الميراث في صورة العول، فتعلق السهام كلها بالتركة مع عدم إمكان خروجها منها محال، مع بقائها على حقائقها، ومع ارادة الأقل منها باطل كما مر.
قياس العـول على الوصية
قال (في ص 204): «من أوصى لإنسان بالثلث، ولآخر بالربع، ولثالث بالسدس، ولم تجز الورثة، نقسم الثلث على مجموع السهام وهي من اثني عشر، والمجموع تسعة من أن نرى في الوصية فساداً، ولا في جمع السهام من المخرج تناقضاً، ولا إلى بيان الإمام حاجة، وايجاب الله أقوى من ايجاب العبد، وبيان القرآن أصدق وأحق من بيان الانسان، فالعول طبيعي وبيان القرآن رياضي».
(ونقول): الوصية بما يزيد عن الثلث تقع على وجهين: الايصاء بذلك تدريجاً كالمثال الذي ذكره، ودفعة، كما لو قول: أعطوا نصف مالي لزيد، وعمرو، وخالد، وقياس العول على الوصية على الوجه الأول في المثال الذي ذكره مبني على قولهم بدخول النقص على جميع الموصى لهم، ولا نقول به، بل الحق صحة الوصية الأولى وبطلان الباقي؛ لأنه لما أوصى بالثلث لم يكن مانع من صحته إذ لكل انسان أن يوصي بثلث ماله، فلما أوصى بالثانية والثالثة ولم يجز الورثة كان قد أوصى بما لا يحق له فيبطل. وبذلك جاءت الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ولوسلم دخول انقص على الكل، فهو غير ما نحن فيه؛ لأن من أوصى بما يزيد عن ثلث ماله يكون قد أوصى بماله حق الايصاء به وزيادة، وهذا لا يستلزم محالاً فتصح في ما له حق وتبطل في الزيادة كما لو أوصى ولا مال له، فما صحت فيه يكونون قد استحقوه على الاجتماع بنسبة الوصية، فيقسم فيهم كما يقسم الشيء المستحق بين الشركاء لاشتراكهم في السبب بدون مائز، وكذا على (الوجه الثاني) فظهر بطلان قياس العول على الوصية بأكثر من الثلث بكلا وجهيها. وإذا كان لا يرى في هذه الوصية فساداً ولا تناقضاً ولا حاجة إلى بيان الإمام، ففي العول فساد، وتناقض، وحاجة إلى بيان الامام الذي حرم منه، وكون ايجاب الله أقوى من ايجاب العبد إنما يتم إذا أمكن شمول ايجابه لمورد العول، وهو مستلزم للمحال فالعول ليس بطبيعي ولا وضعي وبيان القرآن الرياضي بعيد عما يزعمه.
المسألة المنبرية
ذكرها في «وشيعته» (ص 204)، فقال: «روى أهل العلم أن الإمام علياً سئل وهويخطب في منبر الكوفة عن امرأة وبنتين وأبوين، فقال: لها ثلاثة ولابنتيه ستة عشر ولأبويه ثمانية من سبعة وعشرين، فقال السائل: أليس للزوجة الثمن؟ فقال علي: صار ثمنها تسعاً، وهذا عول صريح، وجوابه على منبر الكوفة لا يمكن أن يكون تقية، وكان إماماً يقاتل في التنزيل والتأويل».
ونقول: المروي، في هذا السؤال والجواب، خلاف ما نقله، وهذا الذي نقله لم نجده في شيء مما وصل إلينا من كتب الفريقين، فالتفصيل الذي ذكره في الجواب خيانة في النقل.
ففي الدر المختار شرح تنوير الأبصار في الفقه الحنفي: «وأربعة وعشرون تعول إلى سبعة وعشرين كامرأة وبنتين وأبوين وتسمى منبرية». وفي حاشيته المسماة برد المحتار لابن عابدين قوله: وتسمى منبرية لأن علياً سئل عنها وهو على منبر الكوفة يقول في خطبته: الحمدلله الذي يحكم بالحق قطعا، ويجزي كل نفس بما تسعى، وإليه المآب والرجعى، فسئل عنها حينئذ([273]) فقال من غير روية: والمرأة صار ثمنها تسعا ومضى في خطبته فتعجبوا من فطنته (در منتقى) وظاهر هذا أنه لم يزد في الجواب على قوله: والمرأة صار ثمنها تسعاً؛ لأن ذلك هو المناسب لوقوع الجواب في أثناء الخطبة من غير روية.
وفي النهاية الأثيرية: هذه المسألة تسمى في الفرائض المنبرية؛ لأن علياً سئل عنها وهو على المنبر، فقال من غير روية: «صار ثمنها تسعاً» ولو كان الجواب كما حكاه هذا الرجل لم يكن من غير روية. وفي التهذيب للطوسي والمسالك وغيرهما: «استدل القائلون بالعول من غيرنا بما رواه عبيدة السلماني عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) حيث سئل عن رجل مات وخلف زوجة، وأبوين، وابنتين، فقال: صار ثمنها تسعا» ولم يذكروا هذا التفصيل الذي ذكره.
وقال المرتضى في الانتصار: فأما دعوى المخالف: أن أميرالمؤمنين كان يذهب إلى العول في الفرائض، وإنما يروون عنه ذلك، وأنه سئل وهو على المنبر على بنتين وأبوين وزوجة فقال بغير روية: صار ثمنها تسعاً فباطلة؛ لأنا نروي عنه خلاف هذا القول ووسائطنا إليه النجوم الزاهرة من عترته كزين العابدين، والباقر، والصادق، والكاظم، وهؤلاء أعرف بمذهب أبيهم ممن نقل خلاف ما نقوله، وابن عباس ما تلقى ابطال العول في الفرائض إلاّ عنه، ومعولهم في الرواية عنه أنه كان يقول بالعول الرواية عن الشعبي والحسن بن عمارة والنخعي، فأما الشعبي فإنه ولد سنة (36) .
والنخعي ولد سنة (37) وقتل أمير المؤمنين سنة (40) فكيف تصح رواياتهم عنه. والحسن بن عمارة مضعف عند أصحاب الحديث ولما ولي المظالم قال سليمان بن مهران الأعمش: ظالم ولي المظالم. ولو سلم كل ما ذكرناه من كل قدح وجرح لم يكن بازاء من ذكرناه من السادة والقادة الذين رووا عنه ابطال العول، فأما الخبر المتضمن أن ثمنها صار تسعا فإنما رواه سفيان عن رجل لم يسمه. والمجهول لا حكم له. وما رواه عنه أهله أولى وأثبت. قال: وفي أصحابنا من يتأول هذا الخبر إذا صح على أن المراد به أن ثمنها صار تسعاً عندكم أو أراد الاستفهام وأسقط حرفه كما أسقط في مواضع كثيرة» وهو يدل على أن الجواب كان مقتصراً على قوله صار ثمنها تسعاً دون التفصيل الذي ذكره، وما أجاب به السيد المرتضى كاف واف في رد الاستدلال بالمنبرية على أن علياً كان يقول بالعول، وحمله على الاستفهام يراد به الانكاري، وهو قريب جداً، فإن حذف أداة الاستفهام شائع في الكلام، وفي التهذيب: أما الخبر الذي رووه إذا سلمناه احتمل وجهين: أحدهما أن يكون خرج مخرج النكير لا مخرج الأخبار كما يقول الواحد منا إذا أحسن إلى غيره فقابله ذلك بالإساءة وبالذم على الحقيقة، وإنما يريد به الانكار، والوجه الآخر أن يكون أميرالمؤمنين قال ذلك: لأنه كان قد تقرر ذلك من مذهب المتقدم عليه، فلم يمكنه المظاهرة بخلافه. كما لم يمكنه المظاهرة بكثير من مذاهبه حتى قال لقضاته وقد سألوه: بم نحكم يا أميرالمؤمنين؟ فقال: أقضوا كما كنتم تقضون حتى يكون للناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي، وقد روى هذا الوجه المخالفون لنا، روى أبو طالب الأنباري: حدثني الحسن بن محمد بن أيوب الجوزجاني، حدثنا عثمان ابن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكر، عن شعبة، عن سماك، عن عبيدة السلماني، قال: كان علي على المنبر، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين رجل مات، وترك ابنتيه، وأبويه، وزوجة، فقال علي: صار ثمن المرأة تسعاً. قال سماك: قلت لعبيدة: وكيف ذاك؟ قال: إن عمر بن الخطاب وقعت في أمارته هذه الفريضة فلم يدر ما يصنع، وقال: للبنتين الثلثان، وللأبوين السدسان، وللزوجة الثمن، فكان هذا الثمن باقيا بعد الأبوين والبنتين، فقال له أصحاب محمد: أعط هؤلاء فريضتهم، للأبوين السدسان، وللزوجة الثمن، وللبنتين ما يبقى. فقال: فأين فريضتهما؟ الثلثان؟ فقال له علي بن أبي طالب: لهما ما يبقى، فأبى ذلك عليه عمر وابن مسعود. فقال علي على ما رأى عمر، قال عبيدة: وأخبرني جماعة من أصحاب علي بعد ذلك في مثلها أنه أعطى الزوج الربع مع الابنتين والأبوين السدسين، والباقي رد على البنتين، وذلك هو الحق وان أباه قومنا» فظهر أن قوله: هذا عول صريح، ادعاء غير صحيح، وأن وجه التقية فيه ظاهر على مقتضى هذه الرواية، وإن كان الجواب على منبر الكوفة، فالكوفة هي التي لم يمكنه فيها عزل شريح القاضي، ولا ابطال الجماعة في نافلة شهر رمضان، وكونه إماماً يقاتل في التنزيل والتأويل لا يمنع أن لا يوافقه على جملة مما يراه إلاّ القليل، وانظر قول عبيدة: «ذلك هوالحق وإن أباه قومنا».
آيات المواريث وصحيفة الفرائض
ذكر (في ص 202 – 203): «آيات المواريث الخمس: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: 11] ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم» [النساء: 12]. ﴿وان كان رجل يورث كلالة﴾ [النساء: 12] ﴿وأولوالأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأنفال: 75]. ﴿وأولوالأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين﴾ [الأحزاب: 6] ثم قال: كتاب لم يغادر صغيرة ولا كبيرة من المسائل إلاّ أحصاها. يجد فيها المجتهد جواب كل ما يمكن وقوعه في حوادث الإرث والتوريث، وهذه الآيات الخمس هي لا غيرها صحيفة الفرائض التي تدعيها الشيعة، ويقول فيها الباقر وبعده الصادق: ان النبي أملاها على علي وكتبها على بيده، لم يرها بيد الباقر والصادق إلاّ زرارة، وكل مسألة رأى فيها زرارة كان يقول من غير شك باطلة، أما هذه الآيات الخمس فقد أملاها النبي على الأمة وكتب الأمة صحفاً مطهرة؛ لم تضع ولن تضيع كما ضاعت صحيفة الفرائض، وكل ما كتبه علي بيده من الجفر، والجامعة، والمصحف، ومصحف السيدة وطامور الوصايا».
(ونقول): طامور الوصايا مر الكلام عليه عند ذكر شهادة الحسين (عليه السلام). وصحيفة الفرائض وغيرها مما ذكره يأتي الكلام عليه بعد الفراغ من مبحث العول.
وإذا كانت آيات المواريث الخمس يجد فيها المجتهد جواب كل ما يمكن وقوعه في حوادث الارث، فهل رفعت الخلاف بين الأمة في مسائل الارث؟، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا اختلفت الأمة في أحكام المواريث من عهد الصحابة إلى اليوم؟ فاختلف فيها الصحابة أنفسهم مع قرب عهدهم بالقرآن، وكونه أنزل بلغتهم، كما اختلفوا في كثير من مسائل الفقه فضلا عن التابعين، وتابعي التابعين، ومن بعدهم، والقرآن الكريم إنما يراد بأن فيه تبيان كل شيء، أن فيه أصول جميع الأحكام لا جميع فروعها، فليس فيه أن الظهرين والعشاء أربع ركعات، والمغرب ثلاث، والصبح اثنتان، وعدد فصول الأذان والاقامة والتكفير في الصلاة مستحب، أولاً؟ والجماعة في نافلة رمضان. أولا؟ وعدد ركعات نافلة الليل، وأن بنت الابن لها السدس تكميلاً للثلثين كما يأتي في التعصيب إلى غير ذلك مما لا يحصى، ولماذا وجدت المذاهب الأربعة بعدما كانت أكثر بكثير، والمذاهب الإسلامية في بعضها ما يناقض البعض، فهل في القرآن الكريم تناقض، وكل احتج به على مذهبه؟ وإذا لم يكن كذلك فماذا نفعنا في اختلافنا أن القرآن فيه تبيان كل شيء؟ ولكن هذا الرجل يكابر ويعاند.
قال (في ص 208 – 209): «وحيث أن عول الفرائض يدوم فيه من العصر الأول إلى هذه الأيام اشكال قاهر، ولم أر من أهل العلم من دفعه ببيان ظاهر باهر، بل رأينا أن ابنعباس يلاعن بالابتهال، ثم الامام الزهري يقول: لولا أنه تقدمه إمام عدل إذا أمضى أمراً مضى لما اختلف على ابنعباس اثنان من أهل العلم. وللشيعة في العول تطاول على الأمة وتحامل، فبعد كل ذلك بسطت في أصل العول الكلام بسطا يستأصل أصل الاشكال، ويكون فيه فائدة لكل راغب من الطلبة (إلى أن قال): وعقدت باب في أن أهل الأدب قد يقع منهم خطأ في فهم بيان الكتاب ليكون لنا فيه جمال حين تريح الطلبة وحين تسرح في مراعي الفكر ومسارح العلم وفي رياض الاجتهاد.
وإنك إن تستعمل العقل لا يزل
مبيتك في ليل بعقلك مشمس
الفكر حبل متى يمسك على طرف
منه ينط بالثريا ذلك الطرف
والدين كالبحر ما غيضت غواربه
شيئاً ومنه بنوالإسلام تغترف
(ونقول): اشكروا يا علماء الإسلام هذه النعمة، فالعول يدوم فيه من العصر الأول إلى هذه الأيام اشكال قاهر عجز عن حله جميع أهل العلم، ولم يقدر أحد من أهل العلم على دفعه ببيان ظاهر باهر، حتى ابن عباس مع ما وصف به من العلم، وحتى الامام الزهري إلى أن بعث الله للأمة الإسلامية في هذا الأوان وآخر الزمان رجلاً من أقاصي تركستان، فبسط القول في العول ببيان قاهر باهر بسطاً استأصل فيه أصل هذا الاشكال القاهر الذي دام من العصر الأول إلى اليوم، ولم يستطع أحد من العلماء حله، فكان بما آتاه الله من علم حكماً بين الخليفة الثاني، وبين ابنعباس، والإمام الزهري الذي ظهر منه الميل إلى مذهب ابنعباس، ودفع تطاول الشيعة على الأمة وتحاملها، فجاء ببيانات طويلة مملة مكررة تكريراً ممقوتاً لا تزيد عن رحى تطحن قروناً، وليس فيها شيء يصح أن يقال عنه: أنه علم زيادة على ما ذكره علماء الفريقين، فهم قد احتجوا بكل ما في وسعهم مما نقلناه وما لم ننقله. ثم جاء يفتخر بأنه وصل إلى ما لم يصل إليه أحد من أهل العلم. والذي كان من الشيعة هوالاستدلال على نفي العول ورد أدلة الخصم بالطريقة المألوفة بين العلماء، ولا يعد ذلك من التطاول والتحامل إلاّ كل متطاول متحامل. والباب الذي عقده لتخطئة أهل الأدب في فهم الكتاب، وأظهر بلاغته وتفاصحه، وقدرته على التنميق في ذلك، قد يكون أبان فيه خطأ نفسه لاخطأهم وأولى من الشعر الذي أنشده أن يقال:
يخال الفتي من جهله وهو دامس
بأن بات في ليل من العقل مشمس
الفكر حبل منوط بالثري طرف
للحبل أو بالثريا ذلك الطرف
والذين كالبحر بعض الناس قد غرقوا
فيه هلاكاً ومنه البعض قد غرفوا
مسائل ذكرها الباقر (عليه السلام)
رداً على أهل العـول
(1) قال (في ص 215): «تركت زوجها وأخوتها لأم وأختها لأب، المسألة على مذهب الباقر من ستة، والباقي هو السدس للأخت لأب، ولا يمكن الاعالة إذ لو كان بدل الأخت أخ لما زاد على الباقي وهو السدس، وقد كان له الكل ﴿وهو يرثها ان لم يكن لها ولد﴾ [النساء: 176]. يقول الباقر: فما لكم تحرمون من له الكل ولا تنقصون من له النصف؟ ولا يزاد نصيب الأنثى على نصيب الذكر ان حل محلها أبداً».
(2) «تركت زوجها وأبويها وبنتها؛ المسألة من اثني عشر لبنتها خمسة إذ لو كان بدلها ابن لما كان له غير خمسة، ولو تركت بنات لم يكن لهن أيضاً غير هذه الخمسة إذ كان بدل البنات أبناء لم يكن لهم غير هذه الخمسة».
(ثم قال): «اعتراض الإمام الباقر إن ورد فإنما يرد على تسمية الكتاب لا على مسألة ما تريد الأمة فالكتاب سمى للبنت والبنات، والأخت والأخوات، ولم يسم للذكور، فقول الباقر: ما لكم تحرمون من له الكل؟ مغالطة؛ لأن العصبة له الكل عند الانفراد فقط، أما عند الاجتماع فلا تسمية له، يأخذ ما بقي بعد سهام الزوج والأبوين إن بقي من غير مخالفة لنظم الكتاب، والبنت لها المسمى وهو النصف من مخرج السهام، وقول الباقر: لا يزاد نصيب الأنثى على نصيب الذكر إن حل محلها أبداً، خلاف لبيان الكتاب؛ لأن من قال ﴿للذكر مثل حظ الأنييين﴾ عند اختلاط الذكور والإناث هو سمى للإناث عند الانفراد، ولم يسم للذكور عند الانفراد، ولعل ذلك لأن الأنثى عند انفرادها أحوج، وليس لها نصير مساعد، فزيد في حظها وأما عند الاختلاط فأخوها يساعدها، فزيد في حظ الذكور مع الاختلاط مقابل القيام بحاجات الإناث».
(3) قال (في ص 216): «تركت زوجها وأمها وأخوتها للأم وإن كانت مع هؤلاء أخت لأب فلها النصف الذي سماه الله لها، وإن كان بدلها أخ لأب فهو محروم؛ لأن الله لم يسم له شيئاً وإنما جعله عاصباً يأخذ ما بقي إن بقي». قال: «واعتراض الباقر في مثل هذه المسائل مغالطة؛ إذ لم يحرم صاحب الكل وإنما حرم المحروم الذي لم يسم الله له شيئاً، كما حرم الباقر كل الأخوة والأخوات بوجود الأم».
(ونقول): وقد تعدى هذا الرجل طوره، وتجاوز حده، وأساء الأدب مع إمام أهل البيت (عليهم السلام) الذي سمّاه جده الرسول باقر العلم، فنسبه إلى المغالطة تارة وإلى أن اعتراضه يرد على تسمية الكتاب أخرى. ومن أدرى منه بآيات الكتاب، وفي بيته نزل، وهو وآباؤه تراجمته، ووارثوعلومه، لا أهل تركستان، ولا فلان وفلان، ولا زيد ولا عمرو، وهو أحد الثقلين. ولم يسبقه إلى هذه الإساءة سابق يدين بالإسلام، وجاء في مستند هذه الاساءة بما لا يستحق أن يسمى مغالطة، بل هو أقل وأفسد وأبطل من أن يسمى بذلك. الإمام الباقر وارث علوم جده الرسول وآبائه الأئمة الأمناء، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم، يقول: للأخت، في المسألة الأولى، الباقي وهو السدس، وللبنت في المسألة الثانية الباقي وهو خمسه، ويستدل على ذلك ببرهان قاطع لا يمكن رده، فيقول: قد علم من طريقة الشارع في باب الميراث أن الأنثى لا يزاد نصيبها عن نصيب الذكر أن حل محلها أبداً، مع تساوي جهة القرابة، بل أما أن يكون نصيبها على النصف من نصيب الذكر، وهو الأكثر أو مساوياً له كما في قرابة الإمام، أما زيادة نصيبها عن نصيب الذكر فلم يقع أبداً؛ وإن كانت الأم قد تزيد عن الأب كزوج وأبوين مع عدم الحاجب للأم من الأخوة. الفريضة من ستة للزوج النصف، ثلاثة وللأم الثلث، اثنان وللأب الباقي وهو واحد، لكن هذا غير محل الكلام، وهو حلول الذكر محل الأنثى، وهنا لم يحل محلها بل اجتمعا، ويكون للأب ثلثان، وللأم ثلث مع عدم زوج أو زوجة. فإذا كان بدل الأخت في المسألة الأولى أخ كان له الباقي وهو السدس، مع أن الأخ عند الانفراد يكون له الكل ﴿وهو يرثها ان لم يكن لها ولد﴾ والأخت عند الانفراد لها النصف ﴿وله أخت فلها نصف ما ترك﴾ [النساء: 176 فما لكم تنقصون من له الكل إلى السدس، ولا تنقصون من له النصف إلى السدس؟! وإذا كان بدل البنات في المسألة الثانية أبناء لم يكن لهم غير الباقي، فكذلك البنات لهن الباقي. وهذا الرجل يهول دائماً بذكر الأمة وما هي هنا إلاّ واحد أو آحاد معدودة، لم يدعوا لأنفسهم العصمة، ولا ادعاها لهم مدع. ويقول الكتاب سمى للبنت والبنات والأخوة والأخوات ولم يسم للذكور، مع أن الكتاب الذي سمى للأخت النصف فرض للأخ الكل كما سمعت. وقوله: لأن العصبة له الكل عند الانفراد – فقط – مع أن المذكور في كلام الباقر الأخ لا العصبة – فيه أن الأخت أيضاً لها النصف عند الانفراد فقط، فيتوجه الاعتراض بأنه كيف نقص من له الكل، ولم ينقص من له النصف؟ ولم يأت في جوابه بشيء. وقوله: أما عند الاجتماع؛ فلا تسمية له، يأخذ ما بقي بعد سهام الزوج والأبوين، فيه: أن الأخ المذكور في كلام الباقر لا شيء له مع الزوج والأبوين عند الإمام الباقر وأهل بيته، الأئمة الهداة، بل في فيه التراب. فهل يجعل من عنده أدنى تميز ما أبطله الباقر حجة على الإمام الباقر على أنه مع الزوج والأبوين لا يبقى شيء لا مع الولد ولا مع عدم الولد، فهذا الكلام ساقط سواء أقيده بقوله: إن بقي، أم لم يقيده، وقوله من غيره مخالفة لنظم الكتاب فيه. إن القول بالعول مخالفة لنظم الكتاب في جميع ألفاظ السهام التي حصل فيها العول باطلاقها على أقل منها كما عرفت. والبنت التي لها المسمى وهوالنصف لم تعط النصف بل أقل منه. وجعله قول الباقر (عليه السلام) ان الأنثى لا يزيد نصيبها عن نصيب الذكر ان حل محلها خلافا لبيان الكتاب، وتعليله ذلك بأن من قال ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: 11] عند اختلاط الاناث والذكور هو سمى للاناث عند الانفراد، ولم يسم شيئاً للذكور عند الانفراد مع كونه سوء أدب عظيم في حق باقر العلوم بشهادة جده الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ومخالفة صريحة لقول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، هو نفسه كلام فاسد، فإن من قال ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ عند اجتماع الأبناء، وسمى للبنت الواحدة النصف وللبنتين فما زاد الثلثين عند الانفراد قد جعل على لسان نبيه (صلّى الله عليه وآله) للابن الواحد وللابنين، فما زاد جميع المال هذا في الأبناء، وأما في الكلالة فمن جعل للأخت النصف عند انفرادها ﴿وله أخت فلها نصف ما ترك﴾ جعل للأخ الكل عند انفراده ﴿وهو يرثها ان لم يكن لها ولد﴾ والله تعالى قد بين نصيب الذكور والإناث من الأولاد والأخوة عند الانفراد والاجتماع، وهو يدل على صحة احتجاج الباقر (عليه السلام)، وسخافة قول هذا الرجل، وقد ظهر فساد قوله: إذ لم يحرم صاحب الكل وإنما حرم المحروم الذي لم يسم الله له شيئاً، فقد عرفت أن الأخ قد سمى الله له الكل، والباقر إذا حرم كل الأخوة والأخوات بوجود الأم فإنما حرمهم بما أخذه عن جده الرسول (صلّى الله عليه وآله) وبآية ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأنفال: 75] بعدما فسرها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بأن الأقرب يمنع الأبعد لا بالرأى والاجتهاد، فأي الفريقين أحق بالخطأ والمغالطة؟ وأسخف مما مر تعليله التسمية للإناث عند الانفراد، وعدم التسمية للذكر عن الانفراد؛ بأن الأنثى عند الانفراد أحوج وليس لها نصير مساعد، فزيد في حظها. فإنك قد عرفت أن الذكر عند الانفراد له الكل، والأنثى لها النصف، فكيف يكون قد زيد في حظها لو كان يعقل ما يقول؟ مع أن هذا التعليل الذي ذكره: من أنها عند الانفراد أحوج ليس لها نصير مساعد لو تم؛ لاقتضى أن يرد الفاضل عن النصف عليها إلاّ أن يعطى للطبقة المتأخرة كما يقوله أهل التعصيب. على أن مثل هذه التعليلات لو صحت لكانت حكمة لا يجب أن تطرد ولا يجوز أن يبني عليها أحكام شرعية.
وأما المسألة الثالثة: فأشار بها إلى مسألة ذكرها الباقر (عليه السلام) في ذيل المسألة الأولى، فقال: فلا تعطون الذي جعل الله له الجميع في بعض فرائضكم شيئاً وتعطون الذي جعل الله له النصف النصف تاماً؟ فاستفهم السائل عن معنى ذلك، فقال: يقولون في أم وزوج، وأخوة لأم وأخت لأب، فيعطون الزوج النصف، والأم السدس، والأخوة من الأم الثلث، والأخت من الأب النصف، فيجعلونها من تسعة وهي من ستة. قال: كذلك يقولون. قال: فإن كانت الأخت ذكراً أخاً لأب. قال: ليس له شيء. فقال لأبي جعفر: فما تقول أنت جعلت فداك؟ فقال: ليس للأخوة من الأب والأم، ولا الأخوة مع الأب شيء من الأم. ومن ذلك تعلم أنه قصر في نقل هذه المسألة، وبترها بحيث جعلها لا تفهم، فهو يطيل في أكثر ما يذكره بدون طائل تطويلاً مملاً، ويختصر في غير محل الانتصار اختصاراً مخلاً، والامام الباقر أراد في هذه المسألة النقض على أصحاب العول والتعصيب معاً، كما نقض في المسألة الأولى على أصحاب العول فقط، فقال: انه يلزمهم أن تكون الأنثى إذا حلت محل الذكر وارثه، وإذا حل الذكر محلها أن يكون غير وارث، مع أنه علم من طرق الشرع أن الذكر محلها أن يكون غير وارث، مع أنه علم من طرق الشرع أن الذكر أقوى سبباً في الميراث من الأنثى إذا حل محلها، فتشدق موسى تركستان بأن هذا مغالطة هو أقل من أن يقال عنه أنه مغالطة؛ لأن الباقر (عليه السلام) يريد أن يلزم من يقول بإرث الأخوة هنا مع الأم أن تكون الأخت وارثة والأخ إذا حل محلها غير وارث، واللازم باطل، فالملزوم مثله، وقوله: إنما حرم المحروم الذي لم يسم الله له شيئا لا محل له؛ فإن الأخوة لا يرثون مع الأم عند الباقر وأهل بيته، سواء أكانوا ممن سمى الله لهم شيئا أم لا، والامام الباقر إنما حرم كل الأخوة والأخوات بوجود الأم؛ لذلك فإن الأبعد لا يرث مع الأقرب في مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
إرث الزوجة من الأرض والعقار
قال (في ص 212): «النساء لا ترث من الأرض ولا من العقار. هذا أصل به خالفت الشيعة شرع الإسلام انتحلته من شريعة التوراة، وللشيعة انتحالات من الأناجيل والتوراة، ومن سائر الأديان، وبم تحرم الشيعة النساء إرث الأرض والعقار، والكتاب يقول: «ولهن الربع مما تركتم»[النساء/ 12] ؟ «فلهن الثمن مما تركتم» [النساء: 12]. ثم أطال بم لا فائدة في نقله.
(ونقول): الشيعة لم تخالف شرع الإسلام، وإنما خالفه من نبذ أقوال أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين أمر شرع الإسلام بالتمسك بهم كالقرآن، وأخبر أن المتمسك بهم لا يضل أبداً، واتبع من لا يؤمن عليه الخطأ، والشيعة لا تنتحل من شريعة التوراة، ولا الأناجيل، ولا سائر الأديان فهي غنية بما ورثته عن أهل بيت نبيها في كل علم عن كل انتحال، ولا سيما في أحكام الدين، ففي كتب أخبارها ما يزيد عما في الصحاح الستة كثيراً، وإنما الذي يصح أن يقال عنه أنه ينتحل من شريعة التوراة والإنجيل في كل مناسبة كما مر ذلك منه مراراً. أما عدم توريث الزوجة من الأرض والعقار فلم تقل به الشيعة من عند أنفسها، بل بما صح لديها من روايات أئمة أهل البيت واحداً عن واحد عن جدهم الرسول عن جبرئيل عن الله تعالى. وعموم القرآن وان كان شاملا للأرض والعقار إلاّ أنه يجوز تخصيصه بما ثبت من السنة، وقد قلتم أنتم في التعصيب بمثل ذلك، فخالفتم ظاهر القرآن بما رويتموه ما أبقت الفريضة لذي عصبة ذكر. على أن الشريف المرتضى يقول انها تحرم من العين ولا تحرم من القيمة، وقال الكل: إنها لا تحرم من قيمة البناء والشجر. قال المرتضى في الانتصار: ويمكن أن يكون الوجه في صد الزوجة عن الرباع انها ربما تزوجت، وأسكنت هذه الرباع من كان ينافس المتوفي، أويغبطه، أويحسده، فيثقل ذلك على أهله وعشيرته، فعدل بها عن ذلك إلى أجمل الوجوه فهذا أمر جامع بين حفظ حق الزوجة وحفظ شرف أهل الزوج.
حجب الأم بالأخوة
قال (في ص 215): «تقول الشيعة إن الأخ الواحد لا يحجب الأم، أما الأخوان فيحجبان، وأربع أخوات تحجب الأم، والثلاث لا تحجب؛ لأن الأربع في حكم الأخوين والثلاث أنقص. وهذا اجتهاد في اللفظ قد ينقضه المعنى لأن احتياج الأب إلى توفير حظه في ابنيه، وقد يكون ابناه يغنيانه عن تركة الميت، وعن توفير حظه بحجب الأم».
(ونقول): ظاهر الآية ان حجب الأم عن الثلث إلى السدس لا يكون إلاّ بأخوة ذكور ثلاثة فما فوق، لقوله تعالى: ﴿فان كان أخوة فلأمه السدس﴾ [النساء: 11] والأخوة جمع مذكر أقله ثلاثة، لكن روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) اتفقت على حصول الحجب بالأخوين فما فوق، وبأربع أخوات وباخ وأختين فصاعداً إذا كانوا لأب أو أبوين، وبالحجب بالأخوين قال الأئمة الأربعة كما في ميزان الشعراني وفي الدر المختار في الفقه الحنفي وحاشيته لابن عابدين: إن الحجب يكون باثنين من الأخوة، أوالأخوات فصاعداً لأبوين، أو لأب، أو لأم ذكوراً وإناثاً من جهة واحدة، أو أكثر وبذلك ظهر أن ما قاله غير الشيعة فيه اجتهاد في اللفظ، وما قالته الشيعة إنما قالته بما روته عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فقوله: هذا اجتهاد في اللفظ قد ينقضه المعنى في غير محله. نعم الحكمة فيه التوفير على الأب لكن الحكمة لا يجب اطرادها وإنما يجب اطراد العلة.
صحيفة الفرائض والجفر
والجامعة ومصحف فاطمة وغيرها
قال (في ص 203): ومرت إليه الإشارة في أثناء الكلام على العول عند ذكر آيات خمس في المواريث:
«وهذه الآيات الخمس هي لا غيرها صحيفة الفرائض التي تذكر في كتب الشيعة، ويقول فيها الباقر والصادق أن النبي أملاها على علي، وكتبها علي بيده. صحيفة الفرائض التي تدعيها الشيعة لم يرها بيد الباقر والصادق إلاّ زرارة، وكل مسألة رأى فيها زرارة كان يقول من غير شك باطلة. أما هذه الآيات الخمس فقد أملاها النبي على الأمة وكتبها الأمة صحفا مطهرة لم تضع ولن تضيع، كما ضاعت صحيفة الفرائض، وكل ما كتبه علي بيده من الجفر، والجامعة، والمصحف، ومصحف السيدة، وطامور الوصايا».
وفي (في ص 107 – 108 -109): «كل ما قدمت من الدعاوى: مصحف السيدة فاطمة، مصحف علي الذي غاب بيد الامام الغائب المنتظر، طوامير الوصايا، صحيفة الفرائض صحيفة في ذؤابة سيف النبي، الجفر الأبيض والأحمر، الجفر الأكبر والأصغر، الجامعة، ألف حرف وألف باب يفتح كل حرف وكل باب ألف حرف وألف باب. فإن الإسلام وكتابه أرفع وأغنى من كل هذه الدعاوى، والله في كتابه يقول: ﴿وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون» [يوسف: 105] ﴿وما من غائبة في السماء والأرض إلاّ في كتاب مبين﴾ [النمل: 75] ومن ينظر في الجفر ويتيه في جداول الأحرف فهو معرض تائه وأهم متوهم. ومن يقول: إن علم الحرف علم شريف يستنبط منه جميع العلوم إلاّ أنه علم مكنون عند أهله، فقد أصاب اصابة اللزوميات في قوله:
فقد عجبوا لأهل البيت لما
أروهم علمهم في مسك جفر
ومرآة المنجم وهي صغرى
أرته كل عامرة وقفر
فلا يكون جفر الإمام إلاّ مثل نجامة منجم، قوتها ضئيلة، وفائدتها تافهة، ليس من شرف الإمام أن يتدرك إلى دركات عراف العرب، وكاهن اليهود، وفقير الهند، وهم أعلم من منجم يرى في مراياه الصغيرة كل عامرة وقفر، والصوفي الذي يدعي أنه يعاين اللوح المحفوظ أعقل في دعواه من شيعي يعتقد أن الإمام يتلقى العلوم من روح القدس، ثم يدعي أن إمامه ينظر في جداول الجفر يتيه ويتعب عبثاً. فهذه الدعاوى ثبتت أو لم تثبت أكثرها يحط من شأن الإمام، وليس فيها من شرف وفضيلة، فالعالم لا يدعى، والإمام لا يتزيد، وأدب النبي أن يتواضع ويتزيد ﴿وقل رب زدني علما﴾ [طه: 114]. فإن كان ثبت البعض من البعض، فلا يكون إلاّ من نزع عرق إلى أم قيصرية، أوجدة كسروية لا أثراً ولا إرثاً من بيت النبوة؛ فإن الدعوى إن ثبتت فقد أتت بواسطة شهربان ومن يزدجرد لا من محمد بواسطة السيدة فاطمة عليها وعلى أبيها الصلاة والسلام، وإن ادعينا للنبي العلم فلنا أن نقول: إنه يعاين كل ما لدى الله في أم الكتاب، ويتلو كل ما كتبه القلم في لوح الاجمال، وما يكتبه في ألواح التفاصيل، وأن النبي ينعكس في مرايا عقله كل ما في عالم الوجود، ويتجلى في قلبه الله بكل ما له من تجليات وتدليات. هذا هوالعلم للنبي الذي له علوم الأولين وعلوم الأخرين من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، لا النظر في الجفر الأبيض والجفر الأكبر، ولا البحث في مزابل حروف الجفر الأحمر. ومن يدعي النظر في الجفر الأصغر والأكبر والأبيض والأحمر. فأقل ما يقال فيه أنه أول داخل في قول الله جل جلاله: ﴿وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون* وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون﴾ [يوسف: 105 و106]».
(ونقول): إن ضاعت صحيفة الفرائض، والجفر، والجامعة وما ذكر معها عنده وعند أمثاله ممن حرموا أنفسهم من علوم أهل بيت النبوة (عليهم السلام) فلم تضع عند أهلها، بل بقيت محفوظة يرويها الثقات عن الثقات، ويودع العلماء ما فيها كتبهم وجوامعهم، ورآها بيد الباقر والصادق زرارة وغيره، لا زرارة وحده. وممن رآها وقرأها محمد بن مسلم الطائفي، وممن قرئت عليه أبو بصير. وان كان زرارة رأى في أول الأمر أن بعض ما فيها باطل لمخالفته ما في أيدي الناس، فقد علم بعد حين أنه حق وصواب؛ لما أعلمه الامام بذلك، وإذا كان صادق أهل البيت وباقر علومهم يقولان: إنها إملاء رسول الله، وخط علي بيده، وروتها لنا الثقات عن الثقات، فهي أولى بالاتباع من الأقوال المستندة إلى آراء الرجال، وإلى المقاييس والاستحسانات، وكذلك الجفر والجامعة ومصحف فاطمة التي حفظنا ما فيها وضيعها هو وقومه، وطامور الوصايا مر الكلام عليه عند ذكر شهادة الحسين (عليه السلام). والمصحف كتب فيه علي (عليه السلام) التأويل والتنزيل، وذكره السيوطي وقال: لو ظفر به لكان كنزاً ثميناً أو ما هذا معناه. وأما الجفر فقد وردت روايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بأنه كان عند علي مسك جفر (جلد جدي من الماعز) مكتوب فيه من العلوم، وهو إملاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخط علي بيده، وتوارثه أبناؤه من بعده، وورد نحو ذلك في صحيفة الفرائض والجامعة وغيرها، وهذا ليس من الأمور المستحيلة ولا من الأمور المشينة، بل فضيلة تضاف إلى فضائل أهل البيت الكثيرة، فإذا وردت به الرواية وجب قبوله، فقوله: «ومن ينظر في الجفر ويتيه في جداول الأحرف، فهو معرض تائه واهم متوهم» قد دل على أنه هو وحده معرض تائه واهم متوهم، ليس الجفر علماً من العلوم وإن توهم ذلك كثيرون، ولا هو مبني على جداول الأحرف، ولا على علم الحرف، ولا ورد به خبر ولا رواية، وإن اقتضى ذلك كلام كشف الظنون بقوله: ادعى طائفة أن الإمام علي بن أبي طالب وضع الثمانية والعشرين حرفاً على طريق البسط الأعظم في جلد الجفر يستخرج منها بطرق مخصوصة، وشرائط معينة، وألفاظ مخصوصة ما في لوح القضاء والقدر إلى آخر ما قال الجفر كما قدمناه جلد كتب فيه علي (عليه السلام) من إملاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنواعاً من العلوم والحوادث المتأخرة، هكذا جاءت الرواية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ولم يتحقق غير ذلك، ولكن الناس توسعوا في تفسيره، وقالوا فيه أقاويل لا تستند إلى مستند شأنهم في أمثال ذلك. ولو ثبت أنه كما قال كشف الظنون لم يكن فيه استبعاد ولا استنكار، بل استنكار ذلك واستبعاده حجر على قدرته تعالى، وتضييق لسعة علمه، وعجائب قدرته، لا تحيط بها العقول، ولا تصل إليها الأوهام، فجعل جفر الإمام مثل نجامة منجم، وعرافة العرب، وكهانة اليهود، وفقير الهند، جهل وتعصب في غير محله، في الجفر علم إلهي بلسان خاتم النبيين، وقلم سيد الوصيين، فجعله كالأمور المذكورة لا يخرج عن الجهل والتعصب الذميم. نعم، الإمام أعلم من منجم ولكن صاحب اللزوميات ضرب لذلك مثلا مرآة المنجم:
والله قد ضرب الأقل لنوره
مثلاً من المشكاة والنبراس
ومن ذلك تعلم أنه أول داخل في قوله تعالى: ﴿وكأين من آية في السماوات والأرض…﴾ [يوسف: 105] الآية.
وقد سبقت دعوى الشيعي هذه دعوى من قال: إن بعض الصحابة كانت تحدثه الملائكة حتى اكتوى كما مر، والشيعي لم يدع أن إمامه ينظر في جداول الجفر كما عرفت لكن هذا الرجل يتيه في وادي التعصب ويتعب نفسه عبثاً.
والعالم والإمام يتحدث بنعمة الله ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: 11] وليس ذلك منافياً للتواضع وطلب المزيد، هذه هي أدلة هذا الرجل، وهذه هي انتقاداته.
وأراد بعيبه الأئمة الطاهرين: بالأم القيصرية، والجدة الكسروية متفاصحاً بأثر وإرث الاقتداء بسلفه الأموي أحد أركان الأمة المعصومة هشام بن عبد الملك حين قال لزيد الشهيد: تطلب الخلافة وأنت ابن أمة؟ فقال: الخلافة أعظم أم النبوة؟ وقد كان اسماعيل ابن أمة، وكان من ذريته سيد النبيين، وكان اسحق ابن حرة وكان من ذريته القردة والخنازير وبعد فما يقصر برجل جده رسول الله، وأبوه علي أميرالمؤمنين، وجدته خديجة، وأمه الزهراء أن يكون ابن أمة، فلا عيب على أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وجدهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأبوهم الوصي، وأمهم البتول، بأن أمهم قيصرية، وجدتهم كسروية. ومفاتيح بيت النبوة لم تكن بيده ليعرف ما جاء منه بواسطة السيدة فاطمة من الذي جاء بواسطة شهربانو، كلام فارغ يأسف المرء على وقت يضيعه في رده.
وعلم النبي (صلّى الله عليه وآله) قد أفضى به إلى أخيه وابن عمه وباب مدينة علمه، ووارث علمه، فصار كأنه عاين كل ما لدى الله في أم الكتاب إلى آخر ما زوقه من عبارات الصوفية حتى وصل إلى التدليات، وأملي عليه من ذلك ما كتبه في مسك جفر توارثه منه أولاده واحداً بعد واحد وكانوا ينظرون فيه. وهذا هو العلم للنبي الذي له علوم الأولين والأخرين، وورثها منه أخوه وابنعمه سيد الوصيين وورثها لأبنائه الأئمة الطاهرين، لا هذا الكلام الساقط الذي بحث عليه هذا الرجل واستخرجه من مزابل فكره.
والجفر بعدما وردت به الروايات عن الأئمة الهداة؛ بأنه مسك جفر فيه علم من إملاء النبي بخط الوصي، ولم يكن مانع يمنع من ذلك عقلي ولا نقلي وجب التصديق به، ويكون آية من آيات الله تعالى، فمنكره أقل ما يقال منه: إنه داخل في قوله تعالى: ﴿وكأين من آية﴾ إلى قوله ﴿وهم مشركون﴾ ولكن التركستاني بانصافه وعلمه الجديد وأقواله التي لا تتجاوز حد الاستبعاد والسخرية والاستهزاء ينكر ذلك كله، وقبله قد استبعد أناس البعث والحشر والنشر وقالوا: ﴿اذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا﴾ [الاسراء: 49] واستهزؤوا بالرسل وسخروا منهم ﴿فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون﴾ [الأنعام: 10].
التعصب
هو إعطاء ما زاد عن سهام الورثة المفروضة في الكتاب للعصبة، كميت خلف بنتا أو بنتين، فللواحدة بنص الكتاب النصف، وللبنتين الثلثان، يبقي نصف أو ثلث. فعندما يرد النصف على البنت، فتأخذ جميع المال، ويرد الثلث على البنتين، فيكون المال بينهما بالسوية، وليس للعصبة شيء. وهكذا جميع المسائل التي يزيد المال فيها عن سهام الورثة يرد الزائد على أصحاب السهام بنسبة سهامهم بتفصيل مذكور في محله، عدا الزوج والزوجة فلا رد عليهما كما لا ينقص نصيبهما عند العول. وعند من قال بالتعصيب: يكون الزائد للطبقات المتأخرة من العصبة الذكور كالأخ، وابنالأخ، والعم، وابن العم دون الإناث، فلا تعطى الأنثى؛ وإن كانت أقرب من الذكر في النسب شيئاً.
قال (في ص 216): «في توريث العصبة خلاف طويل عريض بين الأمة والشيعة. سئل الصادق: المال لمن هوللأقرب أوللعصبة؟ فقال: المال للأقرب، والعصبة في فيه التراب وتوريث الرجال دون النساء قضية جاهلية».
قال (في ص 217): «دليل الأمة قول النبي: الحقوا الفرائض بأهلها فما أبقته الفرائض فلأولى رجل ذكر، وحديث جابر أن سعد بن الربيع قتل يوم أحد، وأن النبي (صلّى الله عليه وآله) زار امرأته فجاءت بابنتي سعد، فقالت: يا رسول الله ان أباهما قتل وأخذ عمهما المال كله ولا تنكحان إلاّ ولهما مال، فقال النبي: سيقضي الله في ذلك فأنزل الله ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثىين﴾ [النساء: 11] حتى ختم الآية، فدعا النبي أخا سعد وقال: أعط الجاريتين الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فلك. ورأينا المعنى الجوهري في الوارث هو التعاون والتناصر حتى إذا لم يوجد في القريب كان في صدر الإسلام يحرم من الإرث ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ [الأنفال: 72] والتناصر في نظام الأبوة كان ينتشر في عمود النسب بين العصبة، وعلى النظام الأبوة، وعلى روح التناصر بين نظام المواريث في الإسلام».
وقال (في ص 218): «والله سمى للبعض حظه ولم يسم حظ الأخرين وهم العصبة؛ ولم يكن عدم التسمية في الأخرى لضعف في القرابة أوالاستحقاق، بل لشدة القرابة وقوة الاستحقاق؛ بدليل أن الكتاب لم يسم إلاّ حظ الاناث فقط البنت والأم والأخوات، ولم يسم حظ الأبناء والأب والأخوة.بين القرآن حال أكبر عصبة وهو الأب؛ ليتبين حال سائر العصبات بدلالة النص».
وقال (في ص 219): «والسنة وهي قول الشارع ،الحقوا الفرائض بأهلها وما أبقته الفرائض فلأولي رجل ذكر بيان لبعض ما تفيده آيات الكتاب الكريم، فإن الكتاب قد سمى حظ ذي الفرض، ولم يسم حظ العصبة، وهم أقوى الورثة. وقد طاش طيش كتب الشيعة، فقالت: إنما هذه السنة كلمحة ألقاها الشيطان على السنة العامة»، وأن طاوساً راوي هذا الحديث عن ابنعباس قد تبرأ منه، وأن ابن عباس أنكر رواية طاوس، وأن العصبة في فيه التراب. هذه تقولات الشيعة على بيان الكتاب الكريم، والسنة الكريمة، وعلى نظام التوريث في الإسلام، تقولات، وتهم عن غفلة، وأوهام فإن السنة إن نسيها ناس أوأنكرها منكر فإن الذين هم أحفظ منه وأعدل قد حفظوها، والأمة قد تلقتها حتى إن لم تثبت هذه السنة فإن بيان الكتاب يغنينا كما قدمنا بيان الكتاب في الفروع، وهم أحق، وفي الأصول، وهم أكبر. وفي الأخوة في الكلالة، ثم يشمل كل هؤلاء العصبات ﴿للرجال نصيب﴾ [النساء: 7] ﴿وأولوا الأرحام بعضهم﴾ [الأحزاب: 6].
وقال (في ص 222): «فتوريث العصبة ثابت بجميع آيات المواريث في الفروع والأصول والأخوة، وفي فروع الأصول البعيدة، وكل آيات الإرث فيها إرث العصبة، فتراب الشيعة ان أصاب فليس يصيب الا في الكتاب».
(ونقول): كرر ما اعتاده من مقابلة الشيعة بالأمة لظلمة في رأيه مدلهمة. وقال المرتضى في الانتصار: كما قال الباقر (عليه السلام): «توريث الرجال دون النساء مع المساواة في القربى والدرجة من أحكام الجاهلية، وذم الله من أقام عليها بقوله ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما﴾ [المائدة: 50] ورواية ما أبقته الفرائض» «الخ» رواها عبدالله بن طاوس، عن أبيه، عن ابنعباس، عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وقال الشيخ الطوسي في التهذيب: «الذي يدل على بطلان هذه الرواية أنهم رووا عن طاوس خلاف ذلك، وأنه تبرأ من هذا الخبر، وذكر أنه لم يروه، وإنما هو شيء ألقاه الشيطان على ألسنة العامة، روى ذلك أبو طالب الأنباري، قال: حدثنا محمد بن أحمد البربري، قال: حدثنا بشر بن هارون، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثني سفيان عن أبياسحاق، عن قارية بن مضرب، قال: جلست عند ابنعباس وهو بمكة، فقلت: حديث يرويه أهل العراق عنك، وطاوس مولاك يرويه ان ما أبقت الفرائض فلأولي عصبة ذكر؟ فقال: أمن أهل العراق أنت؟ قلت: نعم، قال: أبلغ من وراك اني أقول قول الله عزوجل: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله﴾ [النساء: 11] وقوله ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ [الأحزاب: 6] وهل هذه إلاّ فريضتان، وهل أبقتا شيئاً، ما قلت هذا، ولا طاوس يرويه عليَّ، قال قارية بن مضرب: فلقيت طاوساً. فقال: لا والله ما رويت هذا على ابنعباس قط، وإنما الشيطان ألقاه على ألسنتهم، قال سفيان: أراه من قبل ابنه عبدالله بن طاوس فإنه كان على خاتم سليمن بن عبدالملك، وكان يحمل على هؤلاء القوم حملاً شديداً – يعني بني هاشم – اهـ».
وأجاب الشيخ الطوسي عن الخبر الثاني: «بأن رواية رجل واحد وهو عبدالله بن محمد بن عقيل، وهو عندهم ضعيف واهن، ولا يحتجون بحديثه، وهو منفرد بهذه الرواية، وما هذا حكمه لا يعترض به ظاهر القرآن الذي بينا وجه الاحتجاج منه» وأشار بذلك إلى ما ذكره قبل هذا. فقال: والذي يدل على بطلان القول بالعصبة قوله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً﴾ [النساء: 7] فذكر تعالى أن للنساء نصيباً مما ترك الوالدان والأقربون كما أن للرجال نصيباً مثل ذلك، فلئن جاز لقائل أن يقول: ليس للنساء نصيب، جاز أن يقول آخر: ليس للرجال نصيب، وإذا كان القول باطلا، فما يؤدي إليه ينبغي أن يكون باطلاً، قال: ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ فحكم الله تعالى أن ذوي الأرحام بعضهم أولى ببعض، وإنما أراد لذلك الأقرب فالأقرب بلا خلاف، ونحن نعلم أن البنت أقرب من ابن ابن ابن أخ، ومن ابن العم أيضا، ومن العم نفسه، لأنها إنما تتقرب بنفسها إلى الميت، وابن العم يتقرب بالعم، والعم بالجد، والجد بالأب، والأب بنفسه، ومن يتقرب بنفسه أولى ممن يتقرب بغيره بظاهر التنزيل، وإذا كان الخبر الذي رووه يقتضي أن من يتقرب بغيره أولى ممن يتقرب بنفسه، فينبغي أن نحكم ببطلانه اهـ.
وجعله المعنى الجوهري في الوإرث هو التعاون والتناصر خبط وخلط، فالتعاون والتناصر كان سبباً للإرث في صدر الإسلام لحكمة موقتة اقتضت ذلك، ثم نسخ وجعل الميراث بالقرابة فقط بقوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين﴾ فجعله المعنى الجوهري في الوارث هوالتعاون والتناصر – مع أنه رجوع إلى أمر منسوخ – لا دليل عليه حتى قبل النسخ، بل المعنى الجوهري في الوإرث هو القرابة، وتفريعه على ذلك أن التناصر في نظام الأبوة كان ينتشر في عمود النسب بين العصبة تفريع لا محل له سواء أصح في نفسه أم لم يصح، كقوله: إنه على روح التناصر بني نظام المواريث في الإسلام، بل بني على القرابة لا سيما بعد نسخ التوارث بالتناصر.
وكون التسمية لضعف القرابة والاستحقاق وعدمها لشدة القرابة وقوة الاستحقاق وعدمها، فلسفة باردة، وما علل به فاسد، فالله سمى للأب ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ [النساء: 11] وسمى للكلالة وفيهم الذكر والأنثى، وسمى للزوج فالتسمية ليست تابعة لضعف القرابة والاستحقاق ولا عدمها لضد ذلك، وهبه كذلك فأي ربط له بالتعصيب.
وكون بيان القرآن لميراث الأب أكبر عصبة ليتبين منه حال سائر العصبات بدلالة النص لا يرجع إلى محصل كأكثر كلامه، ولم يقله أحد قبله. وما وجه الدلالة ككون حديث الحقوا الفرائض بأهلها بيانا لبعض ما تفيده آيات الكتاب، فالآيات لا تدل على التعصيب بوجه من الوجوه؛ ليكون الحديث بياناً لمداليل بعضها، كما اقتضته مخيلة هذا الرجل.
وكتب الشيعة لا يطيش طيشها؛ لأن الطيش شأن من لا يرجع في أموره إلى أصل ثابت، ومرجع الشيعة في كتبها إلى أقوال الأئمة من أهل بيت نبيها التي أخذوها إمام عن إمام حتى انتهت إلى جدهم الرسول (صلّى الله عليه وآله). ورويت لنا عنهم بالأسانيد الصحيحة، ولا يقولوا بالرأى والقياس والاستحسان، وكون ذلك ألقاه الشيطان على ألسنة العامة مبالغة في إنكاره الذي قاله طاوس، وتبرؤ طاوس المنسوب إليه رواية الحديث منه، وانكار ابنعباس أن يكون طاوس رواه عنه، كل ذلك لم تروه الشيعة، وإنما رويتموه أنتم وروته الشيعة عنكم، وأخذته منكم، كما مر في رواية أبي طالب الأنباري، ومر أن سفيان أحد رواته، قال: أراه من قبل ابنه عبدالله بن طاوس، وكان على خاتم سليمان بن عبدالملك، وكان يحمل على بنيهاشم حملا شديدا، ولولا ذلك ما جعله سليمان على ديوان الخاتم، فروى ضد ما يراه بنو هاشم عداوة لهم وارادة للخلاف عليهم. فالذي طاش طيشه، وجاش تعصبه، وذهب رشده، حتى لم يعد يميز بين رواية الشيعة ورواية غيرهم ولا يعرف مناحي الكلام هوهذا الرجل لا كتب الشيعة.
والشيعة لم تتقوّل على بيان الكتاب الكريم الذي هو بريء مما تقوّله عليه هذا الرجل، ونسبه إليه من دلالته على التعصيب بدعوى انفرد بها لم يسبقه إليها سابق ولا يلحقه لاحق، فأي تقّول على بيان الكتاب الكريم أفظع وأفحش من هذا! كما أنها لم تتقول على السنة الكريمة، بل هو تقول عليها وحاول إثباتها برواية يبرأ منها من رويت عنه، وترك ما قاله فيها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم أعرف بسنّة جدهم من كل أحد، ومنهم لا من غيرهم يجب أن يؤخذ نظام التوريث في الإسلام. ولا تكون التهم الباطلة والغفلة والأوهام إلاّ ممن أعرض عنهم وترك وصاية الرسول (صلّى الله عليه وآله) بالتمسك بهم إذ جعلهم شركاء القرآن لا يضل المتمسك بهما أبداً، فمن هو الأحق بالتقول والغفلة والوهم والسنة إن نسيها ناس أو أنكرها منكر، فمن يكون أحفظ لها منهم ومن ذا الذي يصل إلى درجتهم في العدالة والحفظ فضلاً عن أن يكون أعدل وأحفظ منهم، أهو عبدالله بن طاوس أحد أعوان فراعنة الملك العضوض الذي كان يحمل على أهل البيت حملاً شديداً، ويجاهر بعداوتهم، وقد فرض الله مودتهم وجعلها أجر الرسالة. وأما أن الأمة تلقتها فافتراء على الأمة، فقد ردها حبر الأمة، وردتها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) سادات الأمة. وأما بيان الكتاب فقد عرفت أنه بريء من ذلك. ومن أعجب الأعاجيب قوله: ثم يشمل كل هؤلاء العصبات للرجال نصيب. وأولو الأرحام فإن الآية الأولى لو قال قائل: إنها صريحة في نفي التعصيب، لم يكن بعيداً من الصواب؛ لأن أهل التعصيب يخصونه بالرجال دون النساء، والآية تجعل الميراث شاملاً للرجال والنساء، ولذلك قال المرتضى كما مر إن توريث الرجال دون النساء سنة جاهلية وآية أولي الأرحام إن لم تدل على نفي التعصيب لا تدل على ثبوته، وقد عرفت أنها فسرت من قبل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بأن الأقرب أولى من الأبعد، فهي إلى الدلالة على بطلان التعصيب أقرب. وبذلك يظهر سخف قوله، توريث العصبة ثابت بجميع آيات المورايث الذي لم يسبقه إليه أحد، وان جميع آيات المواريث لا مساس لها بالتعصيب الذي وقع النزاع فيه، فإذا دلت الآيات على توريث من هوعصبة في طبقة واحدة، فهل تدل على توريث العصبة في طبقة متأخرة؛ لأن كلا منهما عصبة. استدلال سخيف عجيب، فتراب افترائه لم يصب إلاّ فم الكتاب، بل فمه وحده.
وقال (في ص 220): «وللشيعة في نفي التعصيب سنة محفوظة هي: أن حمزة عم النبي (صلّى الله عليه وآله) لما قتل يوم أحد أعطى النبي ابنة حمزة كل الميراث، ولم يعط العباس شيئا ولا أعلم الآن وجه الحديث: هل كان قضاء النبي حرماً للأخ كما تدعيه الشيعة أو لأن العباس كان غنياً وهو الأظهر».
(ونقول): الأحاديث لا تدفع بالاحتمالات، وما استظهره لا مستند له، وغنى العباس لا يسوغ منع حقه منه.
وقال (في ص 220-221): «يترتب على الاختلاف في توريث العصبة اختلاف في حظوظ الورثة، وذكر لذلك شواهد، منها: زوج وأبوان للزوج النصف وللأم الثلث بنص الكتاب، والأب وارث بنص الكتاب ﴿وورثه أبواه﴾ ولم يسم له حظ فهوعصبته له الباقي، ومن يقول: ان الأم لها هنا السدس، ثم يعبر عنه بثلث ما بقي، فقد احتال على أن يستر خلافه لله ولكتابه. بها يبطل قول الشيعة بطولا لا يقوم بعده أبداً؛ لأن الأب ليس بصاحب فرض هنا؛ إذ لا فرض له إلاّ عند وجود الولد، وارثه منصوص لا يكون إلاّ بالعصوبة، وادعاء أن حظ الأب هنا السدس رد لنص الكتاب فإن السدس مشروط بوجود الولد».
(ونقول): قد خبط في المقام خبط أعمى ركب متن عمياء في ليلة ظلماء.
(أولاً): إن هذه المسألة ليست من مسائل التعصيب المصطلح، فزجها في مسائله غلط.
(ثانياً): علماء الشيعة متفقة على أن للزوج هنا النصف، وللأم الثلث، وللأب الباقي، وهوالسدس كما هو نص القرآن الكريم. لم يقل أحد منهم ان للأم هنا السدس إلاّ مع الحاجب، ولا أن لها ثلث الباقي، وإنما حكوا عن غير الشيعة أن للأم ثلث الباقي مطلقا كما عن بعض. وعن بعض آخر الفرق بين الزوج والزوجة، فقوله: إن القائل بذلك احتال لستر خلافه لله ولكتابه هو إشارة إلى قول يختص بأصحابه، والشيعة مجمعة على خلافه، فتأمل واعجب.
(ثالثاً): قوله: بها يبطل قول الشيعة الخ بها: أي بهذه المسألة يبطل قول الشيعة بعدم توريث العصبة مع ذوي السهام؛ لأن الأب عصبة لم يسم له نصيب، فله الباقي وادعاء أن له السدس رد لنص الكتاب؛ لأن السدس مشروط بوجود الولد، هذا توجيه كلامه. وفساده أظهر من أن يخفى، فالخلاف في العصبة التي هي من طبقة متأخرة، والأب من الطبقة الأولى مجمع على توريثه، ونص عليه الكتاب، فتوريثه لا يبطل قول الشيعة، ولا يثبت قول غيرهم، ولو فرض أنه يسمى عصبة، فإذا كان لرجل دين على تركي من أهل استانبول هل له أن يطالب به تركياً من أهل بخارى لأن كلا منهما تركي!؟
(رابعاً): من قال إن نصيب الأب هنا السدس لم يقل إنه فرض له بنص الكتاب حتى يقال إن قوله هذا رد لنص الكتاب؛ لأن السدس فيه مشروط بوجود الولد، وإنما قال: إن له الباقي واتفق أن الباقي هنا هوالسدس.
اعتراضات على التعصب
قال (في ص 220): «للشيعة على أصول توريث الأمة اعتراضات، منها: في بنت، وبنت ابن، وعم أن يكون الباقي بعد النصف للعم؛ لأنه أولى رجل ذكر، وأن لا يكون لابنة الابن شيء، وفي أخت لأب، وأم وأخت لأب، وابن عم أن يكون الباقي لابن العم، والأخت لأب محرومة وللأمة متمسك من الكتاب؛ لأن حظ البنات وحظ الأخوات الثلثان، فاعطاء السدس تكميل لما سماه الكتاب ببيان السنة، وعند الشيعة لا إرث لأحد من أولاد الولد عند وجود البنت، والشقيقة لا يرث معها العم ولا الأخت لأب؛ فإن الميراث كله للأقرب».
(ونقول): الحكم في المسألة الأولى عند أهل التعصب: أن للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين، وللعم الباقي، وهو الثلث، فتوجه عليهم الاعتراض بأنه ينبغي على القول بالتعصيب أن يكون الباقي بعد النصف الذي هو فرض البنت للعم وحده؛ لأنه أولي عصبة ذكر، وأن لا يكون لابنة الابن شيء؛ لأنها ممنوعة بالبنت التي هي أقرب منها وليست عصبة، وجعل السدس لها تكملة للثلثين لا دليل عليه؛ لأنها إن دخلت في آية ﴿فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾ [النساء: 11] لزم أن يكون الثلثان بينها وبين البنت بالسوية ولا يكون للبنت حينئذ النصف؛ لأنه فرضها مع انفرادها وان لم تدخل – وهو الصواب – لم يكن دليل على إعطائها السدس.
والحكم في المسألة الثانية عند أهل التعصيب: أن للأخت للأبوين النصف، وللأخت للأب السدس تكملة للثلثين، والباقي وهو الثلث لابن العم، فتوجه عليهم الاعتراض هنا بمثل ما توجه في المسألة الأولى من أنه ينبغي أن يكون الباقي بعد النصف الذي هو فرض الأخت للأبوين لابن العم وحده، وأن لا يكون للأخت للأب شيء لما مر في المسألة الأولى حرفاً بحرف. وحكم المسألتين عندنا هو ما ذكره عملاً بتقديم الأقرب، ولا نراه جاء في الجواب عن هذا الاعتراض بشيء، وزعمه أن لهم عليه متمسكاً من الكتاب وأن حظ البنات والأخوات الثلثين، فأعطاء السدس تكميل لما سماه الكتاب ببيان السنة واضح البطلان؛ لأن الله تعالى جعل في الكتاب العزيز الثلثين فرض البنتين فما زاد، والأختين لأب وأبوين فما زاد، ولم يجعله فرض البنت وبنت الابن، ولو سلم فيجب أن يقتسماهما بالسوية لا بالنصف والسدس. وكذلك الله تعالى فرض الثلثين للأختين للأبوين أو للأب ولم يفرضهما للأخت للأبوين والأخت للأب، بل فرض الأولى هنا النصف وليس للثانية فرض؛ لأن تلك أقرب منها، ولو سلم فيجب أن يقتسماهما بالسوية لا بالنصف والسدس؛ فإنه لا دليل عليه في المقامين، فدعوى أن ذلك تكميل لما سماه الكتاب ببيان السنة افتراء على الكتاب والسنة.
وقال (في ص 222): «ومن اعتراضات الشيعة على أصول الأمة أن يكون الابن الصلبي أضعف من ابن ابن ابن عم، في رجل مات وخلف ابنا و28 بنتا المال يقسم على ثلاثين للابن منها اثنان، وإن كان بدل الابن ابن ابن ابن عم لكان للبنات عشرون، وللأبعد عشرة من ثلاثين، فيكون حظ الأبعد خمسة أمثال حظ الأقرب. وما تقولون أن ترك هذا الميت هؤلاء البنات معهن بنت ابن؟ فإن قلتم أن البنات لهن الثلثان والباقي للعصبة، وليس لبنت الابن شيء. يقال المسألة بحالها إلاّ أنه مع بنت الابن ابن ابن، فإن قلتم أن البنات لهن الثلثان والباقي بين ابن الابن وبنت الابن للذكر مثل حظ الأنثىين؟ فقد خالفتم أصلكم، وخالفتم حديثكم في أي كتاب وأي سنة وجدتم أن بنات الابن إذا لم يكن معهن أخوهن لا يرثن شيئاً وإذا حضر أخوهن ورثن بسبب أخيهن.
هذه اعتراضات الشيعة ظاهرة الورود، ذكرتها اعجاباً بها، واستحساناً لها، ومن نظرة فيما تقدم فأجوبتها بين يديه».
(ونقول) من نظر نظرة فيما تقدم منه لا يجد شيئاً من أجوبتها لا بين يديه ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا فوقه ولا تحته. ومن نظر نظرة فيما قدمناه يجدها واضحة الورود.
مخالفته إجماع المسلمين
وضرورة الدين بتوريث ولد الولد مع الولد
قال (في ص 224): «خلف ابنه وأولاد ابنه المتوفي في حياته، أو أولاد بنته المتوفاة في حياته اتفقت الشيعة والأمة على أن الميراث لابنه وليس لأولاد ابنه أوبنته شيء. والذي أراه ويطمئن إليه قلبي أن المال في الصورة الأولى نصفه للابن، ونصفه لأولاد الابن، وفي الصورة الثانية ثلثاه للابن وثلثه لأولاد البنت. والأصل أن القريب ان كان واسطة يحجب الأبعد، وإلا، فلا؛ إذ لا تكون نقطة أقرب من نقطة لا إذا كانتا على حظ واحد، فإن زال الأقرب فالأبعد يحل محله، فيكون هو الأقرب؛ إذ لا بعد إلاّ بوجود الواسطة، فإذا زالت اقترب البعيد وحل محل القريب. هذ هوالذي بنى عليه بقاء النوع الانساني، وهو الذي يقتضيه نظام المجتمع، وهو الذي يرشد إليه القرآن الكريم، فإنه يعتبر أولاد المتوفى خلفاً عنه، فيدخلون في قوله ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ الآية دخول الأولاد دخولاً أولياً. وكيف ينادينا الكتاب الكريم ببني آدم إذا لم نكن خلفاً حقيقاً، وابناً صلبياً لآدم ذهب الأصول، فحللنا محلها وأول الأصول ابن فنحن ابن آدم بل نحن آدم لا يحجبنا حاجب بعد ما ذهب».
(ونقول): بعد اجماع المسلمين كافة، بل حصول الضرورة من الدين على أن الابن يحوز الميراث دون ابن الابن وابن البنت، فلا مسوغ لقوله الذي أراه ويطمئن إليه قلبي، فإنه ابتداع في الدين، فالأحكام الشرعية لا تصاب بالآراء واطمئنان القلب، ولا يجوز لأحد أن يخالف اجماع المسلمين، وضرورة الدين، لرأى يراه، وهوى يهواه، هذا مثال من أمثله مرت وتأتي من معرفة هذا الرجل وآرائه وتهوره، والأنكى من ذلك استدلاله عليه: بأن القريب إن كان واسطة يحجب الأبعد، وإلاّ فلا. إلى آخر ما تفلسف به؛ فإن ذلك مع مخالفته الاجماع لا يصح في نفسه إذ القرب إلى الميت والبعد عنه يدور مدار وجود الواسطة في الولادة والانتساب وعدمها، ووجود واسطة واحدة لا وسائط، وهذا لا يتفاوت الحال فيه بين حياة الواسطة وموتها فإن الابن ينتسب إلى جده بواسطة أبيه سواء أكان أبوه حياً أم ميتاً، فإن جده قد ولد أباه، وأباه قد ولده، فإذا مات أبوه لم يصح أن يقال ان جده قد ولده إلاّ بواسطة أبيه، وهوابن ابن الجد سواء أكان أبوه حياً أم ميتاً، فالابن ان كان حيا حجب ابنه، وان كان ميتاً حجبه عمه؛ لأنه أقرب منه، وموت أبيه لم يجعله في درجة عمه في القرب، وهذا واضح. وقوله: هذا هوالذي بنى عليه بقاء النوع الانساني، وهوالذي يقتضيه نظام المجتمع. كلام ليس تحته محصل، فالأحكام الشرعية لا تبني على مثل هذه الألفاظ بقاء النوع الانساني نظام المجتمع، فمن شرع الأحكام وسنها أعرف بما يبتني عليه بقاء النوع الانساني وبنظام المجتمع من كل أحد، والأشد من ذلك نكاية دعواه: أنه الذي يرشد إليه القرآن الكريم ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ الآية فإنه ان سلم شمول الولد لولد الولد فآية أولى الأرحام دالة، والاجماع قائم والسنة ثابتة على لزوم تقديم الأقرب على الأبعد، وإلاّ لورث ابن الابن مع وجود أبيه. ونداء القرآن لنا ببني آدم لا يوجب أن تكون في درجة واحدة في القرب إلى آدم، فكلنا بنوآدم لكن بعضنا أقرب من بعض، وكوننا نحن آدم يقتضي أن نكون أنبياء لأن آدم نبي، وحينئذ فلا عجب أن يأتي هوبما يخالف شرع الإسلام فإنه نبي. آراء سخيفة، وتمحلات ممقوتة.
عرض النبي (صلّى الله عليه وآله)
إرثه على العباس
قال (في ص 32- 33): «حديث عرض النبي (صلّى الله عليه وآله) إرثه لعمه سيدنا العباس، وابن عمه علي أميرالمؤمنين إن ثبت يكون أصلاً عظيماً في أصول المواريث. في الوافي2- 133 عن الكافي: دعا النبي (صلّى الله عليه وآله) عمه العباس وعلياً، أميرالمؤمنين، قبيل وفاته، فقال لعمه العباس: تأخذ تراث محمد، وتقضي دينه، وتنجز عداته، فرد العباس عليه وقال: شيخ كثير العيال، قليل المال، فقال النبي: سأعطيها من يأخذها بحقها، وقال يا علي: أتنجز عدات محمد، وتقضي دينه، وتقبض تراثه. هذا حديث مهم جليل لم أره في كتب الأحاديث غير كتب الشيعة عددته إذ رأيته كنزاً غنياً يستخرج منه أصول في أبواب الفقه، وعرض الإرث إن صح لكان له شأن جليل جزيل، لأن ذلك يقلب أصول الإرث في الإسلام قلباً يمكن أن يكون فيه صلاح وحكمة اجتماعية، فإن الإرث عند الفقهاء خلافة في الملك وفي الحقوق ليس فيها لا للمورث ولا للوإرث اختيار. الوارث يكون خليفة في ملك الميت وحقوقه. عرض المورث أو لم يعرض، شاء الوارث أو لم يشأ وهل الارث نقل يتوقف على ارادة الوارث او انتقال لا يكون الا بقبول الوارث في هاتين المسألتين؟ لأهل العلم أنظار وأقوال. لأجل ذلك عددت حديث عرض الإرث كنزاً فيه علوم وأصول لو صح لكان له أصل جليل، ولكن راويه قد أفسده إفساداً بحديث عفير، عن أبيه، عن جده، عن نوح صاحب السفينة التي استوت على الجودي، ثم لا إرث للعصبة عند الشيعة، أما عند فقهاء الأمة فابن العم لا يرث عند وجود العم، وحرم الوارث ليس في اختيار المورث في شريعة صاحب القرآن، وكيف يكون قول الشيعة في التعصيب إن ثبت حديث العرض. وسيدنا العباس كان غنياً، وكان أعقل وأرفع من أن يرد عرض النبي بخلاً أوغفلة عن عظيم الشرف، والعباس كان أشرف قريش وأنفذهم نظراً، والنبي (صلّى الله عليه وآله) كان يكرم العباس اكرام أبيه، وكان العباس للنبي أطوع أقربيه. نعم، كان العباس عمه لأبيه، وكان سيدنا أبو طالب عمه لأبيه وأمه، ولنا أن نقدم أولاد سيدنا أبي طالب على عم النبي لا بأس فيه هو الغالب، لأن سيدنا أبا طالب قد قام مقام عبدالله بعد عبد المطلب، فأولاده أخوة للنبي، والأخ مقدم على العم، هذا هوالأصوب، وهذا هوالكافي.
(ونقول): يلزم قبل التكلم على ما قاله في هذا الحديث أن نبين ما يظهر منه.
والظاهر أن النبي (صلّى الله عليه وآله) عرض ممتلكاته على عمه العباس ليهبها له في حياته أو يكون وصيه عليها على أن يقضي دينه، وينجز عداته، فإن الدين مقدم على الميراث، فأبى واعتذر بأنه شيخ كبير السن، عاجز عن القيام بهذا المهم الذي يحتاج إلى مزيد تعب، كثير العيال، قليل المال، فربما لا تفي تلك الممتلكات بدينه وعداته الكثيرة فيحتاج إلى التضحية بقسم كبير من ماله، فيكون قد أضر بعياله الكثيرين مع قلة ماله، وكان قد غلب على ظنه ذلك، وعرض ذلك على علي فقبل، ويدل عليه ما في تتمة الحديث من أنه نزع خاتمه من اصبعه، فقال: تختم بهذا في حياتي، ودعا بالمغفر، والدرع، والراية، وذي الفقار، والسحاب (العمامة) والبرد، والأبرقة، والقضيب، ثم دعا بزوجي نعال عربيين، وبالقميص الذي أسري به فيه ليلة المعراج، والقميص الذي خرج فيه يوم أحد، والقلانس الثلاث: قلنسوه السفر، وقلنسوه العيدين والجمع، وقلنسوة كان يلبسها ويقعد مع أصحابه، وبالبغلتين الشهباء والدلدل، والناقتين العضباء والقصواء، والفرسين ذا الجناح وحيزوم، والحمار عفير وقال: اقبضها في حياتي، الحديث.
وحينئذ نقول له: كيف يكون هذا الحديث قالباً لأصول الإرث في الإسلام قلباً، فإنا نراه لا يؤثر شيئاً على أصول الإرث، فضلاً عن أن يقلبها قلباً أما عندك فالأنبياء لا تورث وما تركوه صدقة، فإذا كانوا قد وهبوه في حياتهم، أو سلموه لمن يقضي به ديونهم، لم يبق موضوع للإرث، كمن أنفق ماله في حياته، ولم يترك شيئاً، أو أوصى بصرفه في دينه. إذا فما هوالذي يقلب أصول الإرث قلباً. وكأنه توهم أن المراد بقوله تأخذ تراث محمد تكون وارثاً له دون وارثه، فيفهم منه أن للإنسان أن يجعل ميراثه لغير وارثه بشرط قبول ذلك الغير. فلذلك جعله قالباً لأصول الارث، وهو توهم فاسد، فالمراد بقوله تأخذ تراث محمد أي ما يكون تراثاً بعد موته لولم ينقله عن ملكه في حياته، ولم يوص به ولم يكن عليه مقابله دين، فهو من باب ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ [يوسف: 36] أي عنباً يؤول إلى الخمر والإرث كما ذكره أولا اضطراري لا اختياري، ولم يقل ولم يحتمل أحد من العلماء انه اختياري، وهوحكم لا عقد حتى يتوقف على القبول، فما بناه عليه من دلالة الحديث على أنه اختياري فاسد فانهار كل ما بناه عليه، وقد ظهر أنه لو صح هذا الحديث أو لم يصح ليس فيه علوم ولا أصول سوى جواز أن يهب النبي (صلّى الله عليه وآله) ما يملكه في حياته، أو يسلمه لمن يقضي به دينه، وهذا ليس به شيء يخالف ما يذهب إليه فقهاء الإسلام، وأشار بقوله: ان راويه قد أفسده «الخ» إلى ما ذكره صاحب الكافي بعد هذا الحديث بقوله: وروى أن أميرالمؤمنين (عليه السلام) قال أن ذلك الحمار كلم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال بأبي أنت وأمي إن أبي حدثني، عن أبيه، عن جده، عن أبيه أنه كان مع نوح في السفينة فقام إليه نوح فمسح على كتفه، ثم قال يخرج من صلب هذا الحمار حمار يركبه سيد النبيين وخاتمهم الحديث، فأي شيء في هذا يفسد ذلك الحديث إفساداً: أهو تكليم الحمار لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وما فيه من المعجز، والبوصيرى يقول:
والجذع حن إليه والبعير شكا
لسيد الرسل ما يلقي من الألم
وقد رويتم أن بعض الصحابة كلمه الذئب، أم حكايته عن أبيه عن جده عن أبيه أنه كان مع نوح في السفينة، وإذا جاز في الحيوانات أن تكلم الرسول (صلّى الله عليه وآله) جاز أن تفهم لغة آبائها وتحكي عنها كما جاء نظيره في نمل سليمان (عليه السلام). وهب أن هذا الحديث كان كذباً، فأي ربط له بالحديث الذي قبله المروى بسند متصل إلى أبيعبدالله جعفر بن محمد الصادق حتى يقال:إن راويه قد أفسده إفساداً بحديث عفير، فإذا ذكر عالم في كتابه حديث مسنداً، ثم ذكر بعده حديثاً مرسلاً مكذوباً أوغير مكذوب، فهل يستلزم كذب أحدهما كذب الآخر. هذا علم لم نجده لأحد قبل موسى جار الله. وفقهاء الأمة هم أهل بيت النبوة الذين جعلهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) شركاء القرآن، وبمنزلة باب حطة وسفينة نوح والذين لا يحصى ما انتشر عنهم من العلم والفقه وعندهم أن الإرث مع وجود العم وابن العم والبنت للأقرب وهوالبنت بالفرض والرد واستعمال حرم بكسر الراء في مصدر حرم بدل حرمان مع ثقله وخفة حرمان واشتهاره ليس له من داع إلاّ حب الشذوذ، والتعصيب لا علقة له بالمقام سواء أثبت حديث العرض أم لم يثبت.
والأحاديث لا ترد بالاجتهاد والاستبعاد، فسيدنا العباس رضوان الله عليه. نعم، كان غنيا، ولكن المال عزيز على الانسان في كل عصر وزمان، وقد قال العباس لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) لما أسر يوم بدر، وقال له الرسول: أفد نفسك وابني أخيك عقيلاً ونوفلاً وحليفك: إنه ليس لي مال. فقال: أين المال الذي وضعته حين خرجت عند أم الفضل؟ الحديث. فهذا يرفع استبعاد أنه كيف رد ما عوضه عليه النبي (صلّى الله عليه وآله)، وكون النبي كان يكرم العباس إكرام أبيه لا مساس له بالموضوع، وكونه أطوع أقربيه غير مسلم، بل كان أطوعهم له وأذبهم عنه، وأحبهم إليه علي بن أبي طالب. وأين مرتبة العباس الذي خرج يوم بدر لحرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو وابنا أخويه عقيل ونوفل بن الحإرث بن عبد المطلب حتى أسر، وبقي في مكة ولم يهاجر حتى ضرب الإسلام بجرانه، من مرتبة علي بن أبي طالب الذي لم يفارقه طرفة عين، وبات على فراشه ليلة الغار، وفداه بنفسه وجاهد أمامه في كل مواقفه حتى قام الإسلام بسيفه، وأين مرتبته من مرتبة أبي طالب الذي حمى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحامى عنه، وقاسى البلاء والشدة في حمايته، وأوصى أولاده بنصره، وقال في ذلك الأشعار وما زالت قريش كاعة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى مات أبو طالب فنالت قريش عند موته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى قال: لشد ما وجدنا فقدك يا عم وكون العباس عمه لأبيه، وأبو طالب عمه لأبيه وأمه لا يوجب تقديم أولاد أبي طالب، فإنه ليس لنا أن نقدم أحدا لزيادة وصلته في النسب، ولا كان النبي (صلّى الله عليه وآله) يفعل ذلك؛ وإنما هذا من فعل الملوك، وأبناء الدنيا، بل المستحق للتقديم من امتاز بفضله وأعماله وجهاده في الإسلام، ومحاماته عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وكانت هذه الخصال متوفرة في علي بن أبيطالب من بين سائر بني هاشم، وفي أبيه أبي طالب من قبله، ولو كان ذلك كافياً لما كان لنا أن نساوي بين عقيل بن أبي طالب الذي خرج لحرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم بدر، وبين أخيه علي لتساويهما في النسب، واستعمال «بل» هو الغالب هنا غير مناسب. والأولى بل هوالمظنون أو المحقق أو نحو ذلك. وكيف يقول سيدنا أبو طالب وهو وكافر مشرك مات على شركه في ضحضاح من نار باعتقاد قومه، وكون أولاد أبي طالب بمنزلة أخوة النبي (صلّى الله عليه وآله)، والأخ مقدم استدلال ركيك واه لا محصل له، ولا يوجب تقديماً ولا تعظيماً ولا توجب هذه الأخوة الموهومة شيئا من الفضل، بل موجب الفضل ما قدمناه ومن موجبه الأخوة التي خص بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علياً دون سائر أصحابه.
المتعة
وهي النكاح إلى أجل، ذكرها في عدة مواضع من «وشيعته» وكرر وأطال تطويلاً مملاً ممقوتاً كعادته وزاد، ونحن نجمع ما فرق، ونفرق ما اجتمع بحسب المناسبة كعادتنا.
قال (في ص 31): «كتب الشيعة إذا تعصبت على المسألة، فهي تجازف في الكلام، تتجاوز حد التشدد في المبالغة مثل ما روت في المتعة والمسح على الخفين وغيرهما، كان الباقر والصادق يبالغان في المتعة، ويقولان: من لم يستحل متعتنا، ولم يقل برجعتنا، فليس منا».
(ونقول): كتب الشيعة بعيدة عن التعصب والتشدد، وان تشددت في بعض مسائلها فتشددها ناشئ من التشدد والتعصب عليها، والتشدد مع الحق لا يضر. والتساهل مع الباطل لا ينفع، فالمهم تمييز الحق من الباطل. وقد نسي أوتناسى مجازفات قومه في الكلام إذا تعصبوا على المسألة، وتجاوزهم حد التشدد في مواضع يضيق عنها الاحصاء، ونسي نفسه في تعصباته وتشدداته في كل مسألة ذكرها بما قد تجاوز كل حد حتى أدى به ذلك إلى مخالفة الاجتماعات وانكار المسلمات. ومنها هذه المسألة، فله فيها سلسلة دعاوٍ انفرد بها وجاوز وتجاوز الحد.
(الدعوى الأولى): إنها من بقايا الأنكحة الجاهلية ولم تكن مباحة في الإسلام. فذكر في مطاوي كلامه (في ص 31-120-127-128-131-132-135-139-144-146-147-165 ) ما حصل مجموعه:
«أرى أن المتعة من بقايا الأنكحة في الجاهلية كانت أمراً تاريخياً لا حكماً شرعياً بقيت في صدر الإسلام بقاء العوائد التي لا تستأصل إلاّ بزمن، فالعرب قبل الإسلام كان لها أنكحة دامت حتى صارت عادة أبطلها الإسلام، منها: البغاء، المخادنة، الاستبضاع. المتعة يمكن أن البعض كان يرتكبها في صدر الإسلام جرياً على العادة مستحلاً أو جاهلاً. ويمكن أن الشارع أقرها لبعض في بعض الأحوال من باب ما نزل فيها ما قد سلف، وقد نزل في أشد المحرمات، ونسخت وحرمت تحريم أبد. ولم يكن نسخها نسخ حكم شرعي، بل نسخ أمر جاهلي. ولم يكن في الإسلام نكاح متعة. ليس بيد أحد دليل لإباحتها في زمن من صدر الإسلام ولم تقع من صحابي في الإسلام، ولو وقعت فلا يتمكن أحد أن يثبت أنها كانت باذن من الشارع، بل دوام عمل كان في الجاهلية وعادة معروفة راسخة لم يقتلع منه البعض حتى نودي بتحريمه مرات يوم خيبر ويوم الفتح وأيام حجة الوداع، فوهم الرواة أن تكرار النداء كان لتكرير الإباحة مثل العري في الطواف حرم في صدر الإسلام ولم ينقطع إلاّ بعد زمن وإلاّ بالقوة بعد البراءة حتى عدت المتعة من غرائب الشريعة. وكما تكرر نزول تحريم الخمر تقريراً لتحريم كان من قبل، فدعوى إباحة الشارع في صدر الإسلام ساقط (كذا). وقال (في ص 44): «العرب قبل الإسلام كانت لها أنكحة دامت حتى صارت عادة أبطلها الاسلام، ومنها المتعة، والعادة لا يقتلعها إلاّ الزمن، فدامت المتعة في صدر الإسلام والتبس الأمر على البعض فارتكبها جاهلاً أو مستحلاً»، و(في ص 131): «أما العقد إلى أجل فإن أثبت مثبت أنه كان يقع في صدر الإسلام وأنه كان بعلم من الشارع، فنحن نقول: إن النكاح كان ينعقد ويبطل التوقيت؛ لأن النكاح من أقوى العقود، وينعقد انعقاداً يبطل كل الشروط، فتبين تبيناً لا يذر من ريب لمتثبت أن نكاح المتعة لم يقع في صدر الإسلام. وعلى هذا البيان يحمل كل حديث ثبت سنده في صحاح الأئمة مثل البخاري ومسلم واحد والحمدلله الذي هدانا لهذا، ومر رواية الترمذي عن محمد بن كعب عن ابن عباس: إنما كانت المتعة في أول الإسلام. كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة. فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه وتصلح له شيئه حتى إذا نزلت الآية: ﴿الا على أزواجهم أوما ملكت إيمانهم﴾ قال ابنعباس: فكل فرج سوى هذين فهو حرام، والظاهر أن العقد في مثل هذه الصورة كان ينعقد انعقاد دوام يترتب عليه كل آثاره ولا ينقطع إلاّ بالطلاق أوبالموت. قيل لعمر: يعيب عليك الناس أنك حرمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله نستمتع بقبضة ثم نفارق عن ثلاث، فقال: إن النبي إنما أحلها زمن الضرورة وقد رجع الناس إلى سعة ثم لم أعلم أحداً من المسلمين عاد إليها ولا عمل بها، فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق، وقد أصبت والله يعلم يريد أن النكاح بقضيته ينعقد انعقاد دوام، ثم ينقطع بطلاق بعد أيام وأي ضرورة كانت في عهد النبي تضطر الناس إلى المتعة إلاّ أنها كانت عادة معروفة رسخت في الجاهلية لم يمكن قلعها إلاّ بعد زمن لم يكن غير هذه الضرورة حتى استأصلها الفاروق. ومن غرائب أقوال أهل العلم ان المتعة من غرائب الشريعة لأنها أبيحت في صدر الإسلام، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم أوطاس، ثم حرمت بعد ذلك تحريم الأبد، ثم ليس لقول في هذا الباب قرار، فقد قيل أذن بها في حجة الوداع ومنع عنها في حجة الوداع. وحديث المتعة من غرائب الأحاديث كان يقول بها جماعة من الصحابة حتى قال بها جماعة من التابعين منهم طاوس، وعطاء وسعيد بن جبير، وجماعة من فقهاء مكة. روى الحكام في علوم الحديث عن الامام الأوزاعي أنه كان يقول: يترك من قول أهل الحجاز خمس، منها المتعة».
ونقول: في هذا الكلام خبط وخلط وافتراء وتهافت وتناقض من وجوه:
(أولاً): الأحكام الشرعية مصدرها الكتاب والسنة وإجماع المسلمين لا الآراء والتخمين، فقوله: أرى كذا ويمكن كذا ويمكن كذا هذر من القول: ولو كانت تؤخذ بالآراء والشهوات لما بقي لهذا الدين أثر.
(ثانياً): زعمه أن المتعة من بقايا الأنكحة الجاهلية، وأنها لم تكن في صدر الإسلام، وأنها لم تقع من صحابي، وان وقعت فبغير اذن الشارع، وأنها كانت أمراً تاريخياً لا حكماً شرعياً، وان نسخها نسخ لأمر جاهلي لا لحكم شرعي هو من مخترعات هذا العصر، وليس له أثر في كلام العلماء السالفين، فهو من الأكاذيب الملفقة والأباطيل لدحض الحق، ولم ينقل ناقل أنه كان في الجاهلية نوع من النكاح يشابه المتعة ويماثلها، ولو كان لنقل فإن شرائع الجاهلية كثر تناقل الرواة لها، ولم يذكروا فيها شيئاً من هذا القبيل، فأدراجها مع البغاء، والمخادنة، والاستبضاع كذب وافتراء. فالبغاء والزنا، والمخادنة (اتخاذ الرجل امرأة والمرأة رجلاً يزنى بها) والاستبضاع في النهاية نوع من نكاح الجاهلية كان الرجل منهم يقول لأمته أو امرأته: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها حتى يتبين حملها يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد. أما المتعة فلم يذكر محدث، ولا مؤرخ، ولا لغوي، ولا غيرهم أنها من أنكحة الجاهلية إلاّ بعض أهل هذا العصر كالآلوسي في بلوغ الارب، ومحمد ثابت المصري في كتاب جولة في ربوع الشرق، وصاحبنا في «وشيعتة» وقد دلت الأدلة القاطعة التي لا يمكن لأحد ردها، ولا إنكارها، ولا التشكيك فيها من الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، وأقوال أئمتهم على أنها كانت مشروعة في صدر الإسلام، مباحة بنص الشارع، وأن كثيراً من الصحابة فعلوها في حياة النبي (صلّى الله عليه وآله) بأمره، وأذنه، وترخيصه، وبعد وفاته، وأن نسخها عند من يقول به نسخ لحكم شرعي، وهو مع ذلك يماحك ويتمحل ويعاند ويكابر ويقول: إنها لم تكن في صدر الإسلام وأن نسخها نسخ لأمر جاهلي وحسبه بهذا جهلاً وعناداً. (فالكتاب) آية ﴿فما استمتعتم﴾ ويأتي الكلام عليها عند تعرضه لها (والسنة) الروايات الصحيحة الصريحة المستفيضة – ان لم تكن متواترة – الآتية التي رواها أئمة الحديث في صحاحهم البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل والنسائي والترمذي وغيرهم الدالة على أذن النبي (صلّى الله عليه وآله) فيها، وعلى وقوعها في عهد الرسالة، ومدة حياة النبي (صلّى الله عليه وآله) فيها، وفي خلافة الشيخين، وعدم نسخها. وكذلك الروايات الآتية التي ذكروها دليلا للنسخ؛ فإنها لو ثبتت؛ لكانت دالة على أنه نسخ لحكم شرعي، فهي تكذب دعاواه، وكل هذه الروايات نص صريح لا يقبل شيئاً من تأويلاته وتمحلاته الفاسدة.
ومن جملة الروايات رواية الترمذي عن محمد بن كعب المار ذكرها في كلامه آنفا للتصريح فيها بأن المتعة كانت في أول الإسلام، وأن الرجل كان يتزوج المرأة إلى أجل بقدر ما يرى أنه يقيم وهي تكذب قوله لم يكن في الإسلام نكاح متعة. واستظهاره أن النكاح كان ينعقد دائماً ليس في الكلام ما يشير اليه؛ إلاّ أن يكون وحياً نزل عليه، ومن جملتها رواية يعيب عليك الناس. المار ذكرها أيضاً في كلامه، وتفسيره لها بما فسر به الأولى لا دلالة في الكلام عليه بشيء من الدلالات وما يرضى به صاحبه تفسيراً لكلامه، وإنما أراد أنه يمكنه ايقاع النكاح من أصله دائماً ثم يطلق لا أنه إذا أوقعه إلى أجل انعقد دائماً، ولا يتوهم ذلك من عنده شيء من فهم، وهي دالة على أنه كان مشهوراً بين الناس أن الله رخص في المتعة، وأنه هو الذي حرمها، فلذلك عاب الناس عليه تحريمها لأنه ضيق عليهم فيما كان رخصة من الله وهو لم ينكر أنه حرمها وإنما اعتذر بأن النبي (صلّى الله عليه وآله) أحلها زمن الضرورة ورجع الناس إلى سعة، ولم يبق لها لزوم، ولم يعتذر بأن النبي (صلّى الله عليه وآله) حرمها بعدما أحلها بل ظاهره أن احلالها باق؛ ولكنه لم يعلم أن أحداً عاد إليها، ولا عمل بها لكونهم في سعة وغنى عنها لا لأنها محرمة. وفي هذا رد صريح لما ادعاه من أنها من بقايا عوائد الجاهلية، وفي قوله: أي ضرورة الخ. رد على الخليفة الذي قال أن النبي أحلها لضرورة. ورجع الناس إلى سعة؛ فإنه كالصريح في أن الضرورة عدم السعة لا ما زعمه من أنها عادة جاهلية لم يمكن قلعها إلاّ بعد زمن. ثم اعتذر بعذر أوسع من ذلك، وهؤ أنه لو فرض بقاء الضرورة إلى التزوج بقبضة فالآن من شاء نكح بقبضة نكاحاً دائماً وفارق بعد ثلاث بطلاق، فالضرورة لا تدعو إلى المتعة لامكان الاستغناء عنها بالدائم بمهر مثل مهر المتعة، والفراق بالطلاق بدلاً من انقضاء الأجل، وقد أصبت في تحريمي المتعة ولم أضيق على الناس فليس لهم أن يعيبوا على تحريمها هذا هومعنى الحديث لا ما تمحله، ولسنا الآن بصدد أن هذا العذر مقبول أولا، وأن التزوج دائماً بقبضة لا يتيسر غالباً، وإنما كلامنا في أن ما ذكره هذا الرجل لا مساس له بالحديث، وقد ظهر أن ما استشهد به من الحديثين هوعليه لا له، ككثير من استشهاداته واستدلالاته. ويكذبه أيضاً قول الخليفة نفسه: «متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أحرمهما وأعاقب عليهما».
(والإجماع): حكاه الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره، فقال: «اتفقوا على أنها كانت مباحة في صدر الإسلام» والاجماع مشاهد من أقوال العلماء فقد عرفت أنه لم ينكر أنها كانت مشروعة في الإسلام أحد قبل هذا العصر.
ومن أقوال أئمة المسلمين بأنها شرعت في الإسلام ما حكاه النووي في شرح صحيح مسلم عن القاضي عياض عن المازري أنه قال: ثبت أن نكاح المتعة كان جائزاً في أول الإسلام وقال: «إنه كان نكاح المتعة مباحاً في أول الإسلام ثم حرم، وهو الآن جائز عند الشيعة» وقال ابن المنذر بنقل صاحب الوشيعة: «جاء من الأوائل الترخيص في المتعة ولا أعلم اليوم من يجيزها إلاّ بعض الشيعة» فبان أن دعاواه هذه مخالفة منه لاجماع، ومصادمة وتكذيب لما يرويه أئمة الأمة الذين أثنى عليهم أعظم الثناء.
(ثالثاً): زعمه أنها كانت من العوائد التي لا تستأصل ولا تقتلع إلاّ بزمن، وإلاّ بالقوة، وأن بعضهم كان يرتكبها جرياً على عادة مستحلاً أو جاهلاً، وأنه لم يقتلع منها إلاّ بعد أن نودي بتحريمها مرات أيام خيبر، والفتح، وحجة الوداع، وقياسها على ما جاء في آية ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ [النساء: 22]، وعلى العري في الطواف، وتحريم الخمر فساده أوضح من أن يبين، فكونها من عوائد الجاهلية قد عرفت فساده. والعوائد الجاهلية يقتلعها الإسلام بمجرد نهي النبي (صلّى الله عليه وآله) عنها، ولم يكن الذين آمنوا به ليبقوا عليها بعد النهي حتى يقتلعها الزمن، ونسبة ذلك لهم قدح في إيمانهم، وعدالتهم، ومناف لما وصفهم به من أنهم:
رهبان ليل يذكرون كلامه
آساد غيل في الوغى بنهار
(وقوله): مستحلاً أو جاهلاً لا بد أن يكون مراده به مستحلاً عالماً بالتحريم أو جاهلاً بالتحريم بقرينة، وأي شيء أفظع من نسبة استحلال الزنا إلى الصحابة بعد علمهم بالتحريم وأين تكون عدالتهم. وكيف يتصور عاقل أن الصحابة داوموا على فعلها ولم يقتلعوا عنها إلاّ بعد أن نودي بتحريمها مرات آخرها في حجة الوداع، فكانوا يفعلونها إلى حجة الوداع التي هي آخر حياة النبي (صلّى الله عليه وآله) فإن كانوا لم يسمعوا هذا النداء الذي تكرر ثلاث مرات، بل سبع مرات على رؤوس الأشهاد، في غزوات متعددة، ومواضع متبددة، في ضمن سنين، فذلك ما لا يقبله عقل، وإن كانوا سمعوا وأصروا وعصوا فهو نسبة لأشنع القبائح اليهم. هذا هو العلم الذي هدى إليه موسى جار الله، أما قياسه لها على ما جاء في آية ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ فهو قياس فاسد، فذاك نكاح ثبت حصوله في الجاهلية بنص القرآن، وتحريمه بنص القرآن، وضرورة دين الإسلام، ولم يرد فيه ترخيص أصلاً، وهذا نكاح لم ينقل أنه كان في الجاهلية، وورد القرآن بتحليله، واتفق المسلمون على أنه شرع في صدر الإسلام – وان خالفهم موسى تركستان في آخر الزمان – واختلفوا في نسخه، وصرحت الروايات الصحيحة الآتية بأنه وقع في عصر النبي (صلّى الله عليه وآله)، وباذنه، وآية ﴿الا ما قد سلف﴾ ليس فيها اقرار لنكاح الجاهلية بوجه استثناء من المفهوم أي فالناكح ما نكح أبوه مؤاخذ إلاّ ما قد سلف في الجاهلية فلا مؤاخذة عليه لأن الإسلام يجب ما قبله، وهذا ليس فيه شيء من اقرار نكاح الجاهلية.
ثم أنه تكلم على آية ﴿إلا ما قد سلف﴾ فقال (في ص 149): «ذكر في القرآن المحرمات خمس عشرة نسوة أولاها امرأة في نكاح أبيك، وأخراها محصنة لم تدخل في حيطة نكاحك ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ الآية». و(في ص150- 151): «يعجبني اعجابا يملأ قلبي فرحاً وقناعة قول إمام الأمة، شمس الأئمة، الإمام السرخسي في كتاب المبسوط الذي لم يؤلف قلم الاجتهاد في مذاهب الإسلام كلها كتابا في فقه الشريعة مثله فقد قال في موجز ايضاحه: معنى الاستثناء نفي مثل هذه الآيات إن إلاّ في معنى ولا ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلاّ الذين ظلموا منهم﴾ [البقرة: 150] ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ [النساء: 22] الآية. ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكأرى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلاّ عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: 43] ﴿وما لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلاّ خطأ﴾ [النساء: 92] قال وهذا الذي قاله صاحب المبسوط في هذه الآيات الأربع معنى بديع سهل واضح. اهـ. باختصار.
وهذا الذي نقله عمن سماه إمام الأمة، وشمس الأئمة، وبالغ فيه وفي كتابه هذه المبالغة، وأعجبه ملأ قلبه فرحاً وسروراً لا يساعد عليه لغة ولا عرف، وقد قاله أبو عبيدة في الآية الأولى، وأنكر عليه الفراء والمبرد كما في مجمع البيان فكيف يكون بديعا سهلاً واضحاً سواء أقاله شمس الأئمة أم بدرها، بل هو في الأولى استثناء منقطع كقوله: ﴿ما لهم به من علم إلاّ اتباع الظن﴾ [النساء: 157] أو أن الحجة بمعنى الحاجة، فالاستثناء متصل. وفي الثانية: الاستثناء منقطع كما صرح به علماء العربية. والتفسير مخرج من المفهوم كما مر ووضع له فيه مكان (ألا) لا يصحح الكلام على أنه إذا كان المعنى ولا ما قد سلف يكون نهيا عما سلف وهوغير معقول، وتوجيهه: بأن المراد عدم انعقاده، تكلف وتعسف، وفي الثالثة ﴿الا عابري سبيل﴾ [النساء: 43] استثناء من قوله ولا جنباً لأن لا تقربوا الصلاة يراد به مواضع الصلاة وهي المساجد أي لا تقربوها جنباً إلاّ عابري سبيل، فإن عبور الجنب في المسجد مغتفر، وفي الرابعة (الا خطأ﴾ [النساء: 92] مثل ﴿الا ما قد سلف﴾ [النساء: 22 و23] أي فقاتل المؤمن مؤاخذ إلاّ الخطأ، فلا اثم فيه وإنما فيه الدية. فهذه العبارات المنمقة: يعجبني إعجاباً يملأ قلبي فرحاً وقناعة لا تدخل على القلب شيئاً من الفرح ولا من القناعة؛ لأن ما يخالف اللغة والعرف لا يعجب أحداً ولا يفرحه ولا يقنعه.
(رابعاً): قياس ذلك على العري في الطواف، وتحريم الخمر قياس فاسد، فالعري في الطواف ثبت أنه من أحكام الجاهلية، ونظمت فيه الأشعار في الجاهلية:
اليوم يبدو نصفه أو كله
فما بدا منه فلا أحله
(والمتعة): لم يرو راوٍ، ولا مؤرخ أنها كانت في الجاهلية، (والعري) لم يناد به إلاّ مرة واحدة يوم براءة، (والمتعة) يدعي أنه نودي بتحريمها مراراً، (والعري) الظاهر أن الذين كانوا يفعلونه من المشركين لقوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ [التوبة: 1] فكيف يقاس عليه ما فعله المسلمون من الصحابة.
(والخمر): ورد تحريمها في آيتين في سورة المائدة ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ [المائدة: 90] وفي سورة البقرة: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس واثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: 219] ولم ينزل تحريم الخمر في أول الإسلام، فكيف يقاس بها ما يدعي أنه نودي بتحريمه مراراً ثلاثاً، أو أربعاً، أو سبعاً بعد الإباحة من مبدأ الإسلام.
(رابعاً): إذا كانت لم تشرع في الإسلام، ولم يفعلها أحد من الصحابة، وقد نودي بتحريمها في حياة النبي (صلّى الله عليه وآله) ثلاث مرات، أو أربع، بل سبع على رؤوس الأشهاد، وبمرأى ومسمع من الصحابة، بلغ فيه الشاهد الغائب، فلماذا احتاج الخليفة أن يحرمها، ويتهدد بالعقاب على فعلها في شأن عمرو بن حريث، ولو لم تكن فعلت في زمانه لما احتاج إلى هذا النهي والتهديد، وكيف تجرأ الصحابة على فعلها بعد تكرار النهي عنها، والمناداة به مراراً، وهل يقبل ذلك من عنده ذرة من عقل؟
(خامساً): زعمه أن الذي تكرر هو النداء بالتحريم، فتوهم الرواة منه تكرير الإباحة كما قاله أولاً، أوالتبس الأمر على بعض الصحابة فارتكبها جاهلاً أو مستحلاً كما قاله ثانياً. فساده أوضح من أن يبين؛ إذ كيف يتوهم عاقل أن جميع الرواة سمعوا النداء بالتحريم مراراً، فتوهموا منه الإباحة، وجل الصحابة التبس عليهم الأمر، فتوهموا التحريم إباحة، وهبهم توهموا ذلك في المرة الأولى، فهل يمكن أن يتوهموه ثلاث مرات إلى سبع مرات في سنين متباعده، وهب أن واحداً منهم توهم ذلك، فكيف توهم الجميع، والنداء كان بمسمع الألوف مراراً في أوقات مختلفة، فهل يمكن أن يتوهموا كلهم من قول المنادي المتعة حرام، ان المتعة مباحة، هذا ما لا يتفق لصغار الصبيان ولا من أبلد البلداء، وهو يدلنا على أن هذا العذر الملفق قصد به تصحيح ما لا يمكن أن يصح.
وإذا كان قد تكرر ثلاث مرات – على قوله – في أوقات متباعدة – وتباعد بعضها بسنين: أيام خيبر، والفتح، وحجة الوداع، وسبع مرات – على ما سنبينه – بزيادة عمرة القضاء، وحنين، وأوطاس، وتبوك وإذا كان يستحيل عادة عدم علم الجميع بتحريمها في مثل تلك الحال؛ يلزم أن يكون الصحابة بعد سماعهم النداء بالتحريم ثلاث مرات أوسبع مرات في أوقات مختلفة متباعدة بقوا مصرين على عمل جاهلي هو زنا وحكم جاهلي من بقايا أحكام الجاهلية مداومين عليه إلى آخر أيام حياة النبي (صلّى الله عليه وآله).
فإن النداء بالتحريم في حجة الوداع لا بد أن يكون تقدمه فعلها؛ وإلاّ لم يحتج إلى النداء، ثم بقوا مصرّين عليه طول خلافة أبي بكر وشطراً من خلافة عمر بعدما سمعوا النداء بتحريمه في حجة الوداع. ويفعله منهم ابن مسعود الذي وصفه بما وصفه هذا ما لا يتصوره عاقل، وأين عدالة الصحابة ونزاهتهم، وهم الذين قال عنهم ان أقلهم – ولا أقل بينهم – أجل من أن يبتذل آية. هذا علم موسى جارالله، وهذه أدلته، وحمل روايات البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم المصرحة بوقوعها أيام خيبر والفتح وأوطاس وحجة الوداع على الوهم، والاشتباه من الراوي بين التحريم والاباحة يسقط كل رواية رواها الثقات لإمكان الوهم فيها، ويفتح الباب لابطال كل حديث في الصحاح وغيرها، ولوساغ التعويل على احتمال الوهم لكان كل من يسمع رواية لا توافق هواه يحملها على الوهم ولما بقي من أحكام هذا الدين شيء، ولعمت الفوضى في الأحكام، مع أن هذا يناقض دعواه عند التكلم على متون الأحاديث من أن أحاديث الصحاح قد خلت من كل شائبة، وأن أصحابها نقدوا الأحاديث نقد الصيارفة، وأنه لم يبق في أحاديث الأمة زيف أو دخيل، وأي زيف أعظم من أن يكون فيها التحليل بدل التحريم.
(سادساً): زعمه أنها إن كانت وقعت كانت تنعقد دائماً، ويبطل التوقيت محض تخرص وتحكم، إذ ليس لذلك أثر في تلك الروايات، بل هي صريحة في خلافه لا سيما قوله (صلّى الله عليه وآله): اجعلوا بينكم وبينهن أجلا فإذا كان التوقيت يبطل، فما فائدة الأمر به، وتعليله ذلك بأن النكاح من أقوى العقود ينعقد انعقاداً يبطل كل شرط يناقض ما يأتي منه أن الصديق شرط على الزبير شرطا تتطلق به ابنته أسماء منه إذا فركته، ولكن التناقض والتهافت في كلامه ليس له كبير أهمية عنده، وإذا كان النكاح من أقوى العقود فما باله ينفسخ بالطلاق باللفظ العامي والملحون.
(سابعاً): أصاب من قال: أن أقوال أهل العلم في المتعة من غرائب الأقوال، وحديثها من غرائب الأحاديث، وليس لقول في بابها قرار. وأخطأ من قال: إن المتعة من غرائب الشريعة إذ ليس في الشريعة غرائب كيف وهي الشريعة السهلة السمحة التي ما جعل الله فيها علينا من عسر ولا حرج، والمطابقة لمصحلة الخلق في كل عصر وزمان، وإنما أقوال أهل العلم فيها من غرائب الأقوال، فانهم لما أرادوا تصحيح ما لا يمكن أن يصح أدى ذلك إلى وقوع الغرائب في أقوالهم. واختلاف الروايات التي رووها فيها هو الذي أدى بهم إلى ذلك، وهي لم يقتصر فيها على الاباحة في صدر الإسلام، والتحريم يوم خيبر، والاباحة يوم أوطاس، والتحريم بعدها مؤيداً، والأذن بها في حجة الوداع والمنع عنها فيها كما قال، بل اختلفت في وقت النسخ أكثر من ذلك، ففي بعضها انه كان يوم خيبر وكان في المحرم سنة سبع وفي بعضها في عمرة القضاء وكانت في ذيالحجة سنة سبع، وفي بعضها يوم الفتح بعد أن أباحها، وكان الفتح لعشر بقين من رمضان سنة ثمان، وفي بعضها في غزاة حنين وكانت في شوال سنة ثمان، وفي بعضها عام أوطاس بعد أن رخص فيها ثلاثة أيام، وكانت أوطاس في شوال بعد حنين بقليل، وفي بعضها في غزوة تبوك، وكانت في رجب سنة تسع، وفي بعضها في حجة الوداع بعد أن أباحها، وكانت سنة عشر فعلى هذه الروايات تكون قد أبيحت ونسخت في سنة سبع، وثمان، وعشر سبع مرات لا مرتين فقط كما قال بعضهم. وبين حنين وفتح مكة نحومن شهر، فتكون قد أبيحت وحرمت في شهر مرتين، وباضافة أوطاس تكون قد حرمت وأبيحت في نحومن شهر ثلاث مرات، فهذا الاختلاف العظيم أمارة على بطلان أحاديث التحريم، ولزوم التمسك بالاباحة المعلومة لا على بطلان أصل الاباحة فانها معلومة من الشرع لا تتوقف على هذه الأحاديث. وأمر المتعة على ما رووه حقا أنه لغريب، ولكن أمر غرابته ليس بعجيب، فإنهم أرادوا أن يصححوا ما لا يمكن أن يصح فوقعوا في هذه الغرابة التي اعترف بها هذا الرجل، وأجراها الله على لسانه من حيث لا يشعر وإن كان قد تقدمه غيره، فقالوا: ان أمر المتعة من غرائب الشريعة.
وأغرب من أمر المتعة أمر هذا الرجل، فإنه الذي ينبغي أن يقال فيه أن أمره من أغرب الأمور فإنه خالف اجماع المسلمين، وقال: إن المتعة لم تكن مباحة في شرع الإسلام أصلا، وحمل الأحاديث الواردة فيها في الصحاح – التي يقول عنها أنه لم يبق فيها زيف ولا دخيل – على الوهم، وحكى عن جماعة من الصحابة وجماعة من التابعين وجماعة من فقهاء مكة منهم ابن جريح وعن أهل الحجاز القول بها كما سمعت، وهويقول لم تكن مباحة في شرع الإسلام أصلا، وقد تبين بما ذكرناه – تبينا لا يذر من ريب لمن عنده أدنى تثبت وانصاف – أن نكاح التمتع وقع في صدر الإسلام باجماع المسلمين باذن الشارع وعلمه، وأن القول بعدم وقوعه مخالف للاجماع، ومكذب للروايات الواردة في الصحاح، وقدح في أكابر الصحابة، وأن انعقاده نكاح دوام نوع من الهذر لم يرد به خبر ولا أثر سواء أكان النكاح من أقوى العقود أم لا.
ثبوت المتعة بالقرآن الكريم
أنكر هذا الرجل كعادته في إنكار المسلمات والاجماعيات أن تكون المتعة ثبتت بالقرآن، وتشدد في ذلك، وأطنب، وأساء القول، وكرر الشيء الواحد عدة مرات في عدة مواضع من «وشيعته» البالية بغير جدوى كعادته الممقوتة.
فقال (في ص 164): «ليس بيد الشيعة في حل المتعة دلالة أو آية إلاّ ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ وفي (ص 208): «حيث أن متعة الشيعة كبيرة إلاّ على فقهاء الشيعة ثقيلة في السماوات وفي الأرض، وإسنادها إلى الكتاب المبين عيب شديد على الدين، وإهانة لنساء المسلمين رأيت من موجب الأدب أن انبسط بالكلام عليها ببيان سهل يفيده الكتاب وأصول الشريعة»، وفي (ص 32): «إن ادعى مدع أن المتعة كانت حلا باذن الشارع فلتكن، ولنقل أن لا بأس بها ولا كلام في هذه على ردها وإنما كلامي الآن على أنها ثبتت بالقرآن الكريم أولاً. كتب الشيعة تدعي أنه نزل فيها قول الله جل جلاله: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾ [النساء: 24] وأرى أن أدب البيان يأبى، وعربية هذه الجملة الكريمة تأبى أن تكون هذه الجملة الجميلة الكريمة نزلت في المتعة؛ لأن تركيب هذه الجملة يفسد، ونظم هذه الآية الكريمة يختل لو قلنا: أنها نزلت فيها». و(في ص 159): «وأي كلمة يمكن أن تكون أضيع من آية ﴿فما استمتعتم﴾ [النساء: 24] لو قلنا ان الله قبل أن يتم بيان حكم أخذ في بيانه ترك الكلام أبتر وعجل ليرضي شيعة علي، كما عجل موسى ليرضي ربه، فأخذ في بيان متعة الشيعة خوفاً من ضياع كف من بر، وحفنة من شعير». وفي (ص 163): «هل يمكن أن يكون متكلم أعجمي يعرف شيئاً من البيان يقطع كلامه قبل اتمامه، ويطفر طفرة عصفور، ويأذن أن يفسد سفاد عصفور مقابل كف من بر، ويطيل الكلام في أجر السفاد، ثم يقول: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا﴾ [النساء: 25] هل يكون مثل هذا الكلام كلام عاقل له شأن». و(في ص 167): «قال تتفلسف كتب الشيعة، تروى عن هشام بن الحكم أن الله أحل الفروج للرجال على حسب القدرة أربعاً للقادر على مهورها، وإمساكها، ونفقاتها، ولمن دونه في الغنى والقدرة ثلاثاً، واثنتين، أو واحدة، ومن لا يقدر على مهر حرة ونفقتها، فمما ملكت يمينه، ومن لا يقدر على حرة، ولا امساك مملوكة، فله المتعة بأيسر ما يقدر عليه من مهر بلا لزوم امساك، ولا نفقة يغني الله كل واحد عن الفجور بما أعطاه من القوة». و(في ص167- 168): «هذه فلسفة بديعة وصنيعة جيدة اجتماعية لو قيلت في غير شرع القرآن، أما في شرع القرآن فهي فلسفة مزخرفة محرمة تحرف القرآن مثل سائر تأويلات الشيعة وتنزيلاتها، فآيات القرآن في قوله ﴿والمحصنات من النساء﴾ [النساء: 24] إلى قوله ﴿غير مسافحين﴾ ذكر النكاح المطلق الذي ينبني عليه نظام البيت والعائلة والمجتمع، ثم فرع عليه شرطية الاستمتاع بالنكاح المذكور من الأزواج فقط، ثم قال من غير فاصل ﴿ومن لم يستطع منكم طولا﴾ [النساء: 25] إلى قوله ﴿مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ فالاستمتاع المذكور من بين هاتين الآيتين لا يمكن أن يكون متعة الشيعة – على حسب هذه الفلسفة – إلاّ إذا اختل نظام الآية، وبطل ترتيب البيان في القرآن، وهي توجب إما اختلال نظم الآية وبطلان ترتيب البيان وإما أن يكون تفلسف الشيعة هباء منبثاً فمتعة الشيعة جفاء مجتثا»، و(في ص120- 122 ): «مادة المتعة نزلت في آيات كثيرة بمعان أصلها واحد: متعة التسريح باحسان، متعة الحج، الانتفاع بطيبات الرزق». ثم قال: «ومن عجيب اعجاز القرآن أن المتاع وباب التفعل والتفعيل فيه قد جاء في القرآن لانتفاع موقت، ولم يجىء الاستمتاع فيه إلاّ في الانتفاع الدائم الذي لم ينقطع إلاّ بانقطاع حياة الدنيا: ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ [الأحقاف: 20] أما متعة النكاح، ونكاح المتعة فلم ينزل قرآن فيها وفيه، ولبيان هذا المعنى عقدت هذا الباب». و(في ص 140): «الكتاب الكريم يقول: ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ [النساء: 25] ﴿محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾ [المائدة: 5] ونكاح المتعة لا احصان به، والمتعة فيها سفاح ماء في غير حرث، والمتعة فهي اتخاذ خدن في كلا الطرفين فهي حرام بنصوص القرآن الكريم». وفي (ص 148 و149): «مهما أنكر ملأ شيئأ فلا أنكر على الشيعة أن تتبع الظن، وتعيد ما تهوى الأنفس، وتهتوي حيث تستهويها دعوى الولاية، وتفتري على العصر الأول، وتقول على الله وعلى دين الله كل ما يوحيه عشق الوضع، وهوى التقية ما أنكر شيئاً من ذلك لها دعاويها؛ إنما أنكر القول بأن متعة الشيعة نزل فيها القرآن الكريم، ثم استبعد غاية الاستبعاد أن يكون مؤمن يعلم لغة القرآن، ويؤمن باعجازه، ويفهم افادة النظم يقول: إن الآية نزلت في متعة النساء قول لا يكون إلاّ من جاهل يدعي ولا يعي. ثم ان أصل الشيعة قد حصر الأدب في أعيان الشيعة، واحتظر أئمة الأدب في حظيرة التشيع، واحتكر البلاغة والأدب في زريبة الترفض والتشيع، وجعل البلاغة سمة الترفض، وميزة الشيعة، وبالغ وأسرف في هذه الدعوى وجعل خلافها مكابرة وعنادا للحق فلوا كان الأدب والبلاغة ميزة الشيعة فكيف أجمعت على قول لا يكون إلاّ من جاهل؟».
وفي (صفحة 140): «الكتاب الكريم يقول ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ [النساء: 25] ﴿محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾ [المائدة: 5] ونكاح المتعة لا احصان به. والمتعة فيها سفاح ماء في غير حرث، واتخاذ خدن في كلا الطرفين، فهي حرام بنص القرآن الكريم».
وذكر (في ص 149 – 159): «محرمات النكاح في القرآن وما يتبعها، والطلاق قبل الدخول، وما يتحقق به الاحصان، وأن معنى السفاح الزنا، والآيات المكنى بها عن المواقعة ﴿محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾ [النساء: 25] ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: 187] ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ [البقرة: 223]. وأطال في ذلك من دون جدوى في نحو من خمس أوراق، وتجاوز الحد في البذاءة وسوء القول»، ثم قال (ص 159 و160): «فصرف ماء الحياة على غير ما في هذه الآيات هو السفاح في وضع اللسان وأدب القرآن في عقد كان أوغيره: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين﴾» [المائدة: 5].
(وفي ص 60): «فأي عمل في مسألة حل المحصنات يمكن أن يكون حابطاً وهو في الآخرة خاسراً سوى سفح ماء الحياة في غير حرثه، وفي غير ابتغاء ما كتب الله: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ [الكهف: 103] ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم﴾ [الكهف: 105] الآيات، وأي ضلال غشي أو يغشى قلب مسلم هو زعمه أن كل آية فيها ذكر الكفر أو الاستهزاء بآيات الله نزلت في غيره فقط يزعم أن حكمها لا يتناوله، ومن يمكن أن يكون أكفر بالإيمان في آية حل المحصنات من عاد يترك المحصنة، ويتمتع، ومن يكون أكفر أو أهزأ إلاّ من يؤمن بالله وكتابه، ثم يتركه، وينبذه وراء ظهره، أو يضعه تحت قدميه يدوسه.
نادت على الدين في الآفاق طائفة
جنت كبائر آثام وقد زعمت
يا قوم من يشتري ديناً بدينار
إنّ الصغائر تجني الخلد في النار
وهذه بلية قد غمت وعمت وأعمت، سلكتها في قلوبنا كتب الكلام، ثم تكلم (في ص 161) في المهر بما لا يرتبط بالموضوع بأنه يجب بنفس العقد ويكون معجلاً ومؤجلاً، ثم قال: ولبيان تمام العقد، وتقرر أثره قال: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ [النساء: 24] الخ (به) أي بهذا النكاح المتقدم بيانه منهن أي من الأزواج التي ملكت إيمانكم تمام عصمتهن. هذا معنى هذه الجملة، وهي نص فيه، وسياق الكلام، ومقام البيان لا يحتمل أبعد احتمال غيره». و(في ص 161 و162): «ولو كانت هذه الجملة لبيان متعة الشيعة لاختل نظام هذه الآيات الثلاث يعني: ﴿والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت إيمانكم وأحل لكم ما وراء ذلك أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ ﴿فما استمتعتم﴾ [النساء: 24] ولبقي الكلام الأول في أصل النكاح أبتر، ويبطل التفريع بالفاء، ولكان العقد وهوالأصل في المتعة غير مذكور في الكتاب». و(في ص 164): «ليس في الآية على تفسير الشيعة إلاّ تحقق الاستمتاع، ووجوب الايثار، بل لا يوجد فيها ما يدل على وقوع العقد من الطرفين، ولا على رضا المرأة، فإن الاستمتاع، وإيتاء الأجر لا يكون إلاّ بعد العقد ولا ذكر له في هذه الجملة، ولكان اختلاف الضميرين في به (ومنهن) لغوا ولكان قوله: ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة﴾ [النساء: 24] حشوا ولغواً اشتغالاً بأمر تافه حقير بعد الاعراض عن الكلام في بيان أمر هو أهم ما ينبني عليه حياة الانسان. هذا لا يكون إلاّ من باقل، ولا من باقل يبسط كفيه، ويفتح فكيه، يخرج لسانه ليقول بكف من بر أو بحفنة من شعير، ثم تكلم في بيان المهر بما لا يرتبط بالموضوع بأنه يجب بنفس العقد ويكون معجلاً ومؤجلاً ولبيان تمام العقد». و(في ص 162): «ثم قوله ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ [النساء: 24] جملة شرطية والشرطية إذا كان جزاؤها جملة انشائية يكون جزاؤها عمدة الكلام، والشرط قيدا للحكم، فلوكانت هذه الجملة في حل متعة الشيعة لكان حق الكلام أن يكون فما آتيتموهن أجورهن فاستمتعوا منهن، وإذا أراد قائل أن يفيد حل المتعة فقال: إن تمتعت بها فأعط أجرها. كان ذلك قول أعجمي لا يفهم ما يقول كان عليه أن يقول إن أعطيت الأجر، فتمتع بها. هذه مسألة نحوية ابتدائية اكتبها وأنا خجل، كيف أمكن أن شيخا جليلاً احتكر الأدب سمة للترفض والبلاغة ميزة للتشيع يقول: أن الآية نزلت في متعة الشيعة».
وقال (في ص 138 – 139): «من وجوه تحريم المتعة أن القرآن إذ ذكر حال من لا يستطيع طولاً أن ينكح ذكر النكاح فقط، ولم يذكر الإجارة، ولم يذكر المتعة فقال: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاٍ أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت إيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: 25] فهذه الآية نص قطعي يحرم نكاح المتعة؛ لأن من لم يستطع طولاً لو كان له المتعة بأجرة لذكره القرآن الكريم؛ وإلاّ يكون (كذا) القرآن قاصراً في بيان شرعه، وبهذا يحط إلى دركة الصفر فلسفة فقهاء الشيعة».
وقال (في ص 163): «لو كان ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ [النساء: 24] في حل المتعة بكف من بر، فكيف قوله بعد هذه الآية: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما﴾ [النساء: 25] وهل يتصور عاقل أن يكون الانسان عاجزا عن كف بر، ثم يشتري ويملك يمينه جارية؟ ومجرد نزول آية: ﴿ومن لم يستطع﴾ [النساء: 25] ﴿فما استمتعتم﴾ [النساء: 24] يكفي في تحريم المتعة؟ فإنها نقلت من لم يستطع أن ينكح المحصنة إلى ملك اليمين، ولم يذكر له ما هو أقدر عليه من ملك اليمين، فلو كان التمتع بكف من بر جائزاً لذكره، فلو حل تمتع لكان بيان القرآن قاصراً والذي يبين غافلاً نسي من ذكره قبل جملتين».
وقال (في ص 164): «آية: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ [النساء: 24] على تفسير الشيعة ليس فيها إلاّ تحقق الاستمتاع، ووجوب الايتاء، وليس فيها ما يدل على وقوع العقد من الطرفين، بل ولا على رضا المرأة».
وقال (في ص 165): «أحسن احتمالات فيما ينسب للباقر والصادق أن ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ نزل في المتعة أن السند موضوع، وإلاّ فالباقر والصادق جاهلان. روى الوافي أن أبا حنيفة سأل الصادق عن متعة النساء، أحق هي؟ فقال: سبحان الله أما تقرأ كتاب الله: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ فقال: والله لكأنها آية لم أقرأها قط: هذه الحكاية كاذبة من غير شك لم يضعها إلاّ أدعياء الشيعة، ونحن قبل أن نجل إمام الأمة نجل إمام أهل البيت من أن يقول قولاً لا يقوله إلاّ مدع جاهل، وأن يفتري على كتاب الله». وقال في ص 166: «لا يوجد في غير كتب الشيعة قول لأحد أن الآية نزلت في متعة النساء، وقد أجمعت الأمة على تحريم المتعة، ولم يقل أحد أن الآية قد نسخت».
وقال (في ص 168): ﴿ومن لم يستطع طولا﴾ فالقرآن الكريم قد نقله من نكاح إلى نكاح ﴿فأنكحوهن بأذن أهلهن﴾ [النساء: 25] ثم لم يذكر في آية من الآيات حديث المتعة، وهي استئجار باتفاق كتب الشيعة لا وقت لها ولا عدد، ولو كانت نكاحاً لما كان لصاحب الأربع أن يتمتع. ونقل القرآن من نكاح إلى نكاح فقط أبطال للاستئجار، واتفاق كتب الشيعة على أن لصاحب الأربع أن يتمتع اتفاق على أنها استئجار، وإلاّ بطل ﴿فأنكحوا ما طاب لكم﴾ [النساء: 3] الآية، فاتفقت كتب الشيعة على بطلان متعة الشيعة بآيات القرآن وهم لا يشعرون».
وقال (في ص 273): «أجمعت أمهات كتب الشيعة على أن الآية نزلت في متعة الشيعة، ولا أتعجب من قولهم تعجبي من هذا الاجماع ومن هذه الدعوى؛ فإنه جهل باللغة عظيم، وغفلة عن أدب البيان كبيرة، وخطأ في فهم الكتاب فاحش أدبيا ومنطقيا». وقال في ص184- 185: «وأفحش خطأ عندي قول الشيعة التي لم تزل تقول إن الآية نزلت في متعة الشيعة، فإن مثل هذا القول غفلة فاحشة عن مسألة نحوية ابتدائية بعد الإغراق في احتكار الأدب والبلاغة في زرائب التشيع، وهو بعد ذلك فرية على الله، وعلى القرآن الكريم، وعلى أهل البيت وعلى الأئمة».
ونقول (أولاً): كرر في ما نقلنا وفي ما أعرضنا عن نقله قوله متعة الشيعة، وهي سيئة منه شنيعة، فهي متعة الدين والإسلام، ومتعة الله، وكتابه، وسنة رسوله صلّى الله عليه وآله سلم، وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). ومتعة أبي بكر، وعمر في بعض خلافته، ومتعة الصحابة، والتابعين، وعلماء المسلمين، كابن جريح، وأمثاله؛ وان كره ذلك وأباه موسى تركستان. وقد بان بما ذكره سابقاً ولاحقاً من الأدلة بطلان قوله: ليس بيد الشيعة دليل سوى الآية.
(ثانياً): إن متعة الإسلام التي أحلها الله في كتابه، وأمر بها نبيه (صلّى الله عليه وآله)، وفعلها أصحابه كبيرة على هذا الرجل ﴿وانها لكبيرة إلاّ على الخاشعين﴾ [البقرة: 45] ﴿وان كانت لكبيرة إلاّ على الذين هدى الله﴾ [البقرة: 143]. ثقيلة عليه، وكذاك الحق محمله ثقيل، وقد أسندها إلى الكتاب المبين خيار صحابة النبي الأمين كابن مسعود، وأُبي بن كعب، وابنعباس، وغيرهم، وخيار التابعين كما يأتي، فجعل ذلك عيباً شديداً على الدين ليس إلاّ من قلة الدين جعل ما أباحه الله إهانة لنساء المؤمنين. فإنه من أخلاق الجاهليين، وقد انبسط بالكلام عليها وأعاد الكرة مرة بعد مرة ومرات مستمرة تعصباً وعناداً ومن دون فائدة ولا جدوى، وأساء القول ولم يأت بما يوجبه الأدب، ولم يزده هذا الانبساط إلاّ انقباضاً عن الحق، ولم يستطع لا ببيانه السهل، ولا ببيانه الصعب أن يثبت أن قوله مما يفيده الكتاب، أو ينطبق على أصول الشريعة.
(ثالثاً): زعمه أن كتب الشيعة وحدها تدعي نزول الآية في المتعة، وأنه لا يوجد في كتب غيرها قول لأحد بذلك، كذب منه وافتراء، فقد شاركها في ذلك كتب أجلاء العلماء ممن تسموا بأهل السنة من المفسرين والمحدثين وغيرهم، ومنهم الذين قالوا بنسخها بآية ﴿الا على أزواجهم﴾ [المؤمنون6] فإن القول بالنسخ اعتراف بنزولها في المتعة، وشاركها في ذلك أجلاء الصحابة والتابعين، فكل هؤلاء لا يعرفون أدب البيان ونظم القرآن، ويعرفه وحده موسى تركستان. ما سميت المتعة متعة إلاّ تبعاً لتسمية القرآن الكريم. وهذه كلمات من أشرنا إليهم ننقلها لتعرف مبلغ علم هذا الرجل وصدقه.
روى الطبري في تفسيره أن ابن مسعود كان يقرأ ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ إلى أجل مسمّى وهو وإن كان خبر واحد لا يثبت به القرآن كما قال الطبري، أو من باب التفسير فهو يدل على أنه كان يرى أن الآية نازلة في المتعة، وقال الامام الرازي في تفسيره: روى أن أبي بن كعب كان يقرأ ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ إلى أجل مسمّى وهذا أيضاً قراءة ابنعباس اهـ. ويأتي قول عمران بن حصين: نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلم تنزل آية تنسخها، ولم ينه عنها النبي حتى مات. وروى الطبري أيضاً في تفسيره عن أبي كريب، حدثنا يحيي بن عيسى، حدثنا نصير بن أبي الأشعث عن حبيب بن أبي ثابت عن أبيه، ورواه الثعلبي في تفسيره عن حبيب بن أبي ثابت عن أبيه: أعطاني ابن عباس مصحفاً، فقال: هذا على قراءة أبي. قال أبو كريب: قال يحيي: فرأيت المصحف عند نصير فيه ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ إلى أجل مسمّى» وفيه بسنده عن أبي نصيرة، سألت ابنعباس عن متعة النساء. فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ قلت: بلى. قال: فما تقرأ فيها ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ «إلى أجل مسمّى» قلت: لا، لو قرأتها هكذا ما سألتك. قال: فإنها كذا أنزلت. وبسند آخر عن أبي نصيرة نحوه. وبسند آخر عن أبي نصيرة قرأت هذه الآيات على ابنعباس ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ قال ابنعباس: «إلى أجل مسمّى» قلت: ما أقرؤها كذلك؟ قال: والله نزلها الله كذلك ثلاث مرات، وبسنده عن شعبة عن أبي إسحاق عن عمير ان ابن عباس قرأ ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ إلى أجل مسمّى»، وبسنده عن شعبة عن أبي إسحاق عن ابنعباس نحوه. وبسنده عن قتادة قال في قراءة أُبي بن كعب ﴿فما استمتعتم به منهن «إلى أجل مسمّى» فآتوهن أجورهن﴾اهـ تفسير الطبري وفي الدر المنثور في تفسير كتاب الله بالمأثور للسيوطي: أخرج ابن أبي حاتم عن ابنعباس في حديث أنه كان يقرأ ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ «إلى أجل مسمّى». قال وأخرج الطبراني، والبيهقي في سننه، عن ابنعباس (إلى أن قال) وكانوا يقرؤون هذه الآية ﴿فما استمتعتم به منهم﴾ «إلى أجل مسمّى». قال: وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصححه من طرق عن أبي نضرة([274]) قال: قرأت على ابن عباس ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾ قال: ابنعباس ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ «إلى أجل مسمّى» فقلت: ما نقرؤها كذلك! فقال: ابنعباس: والله لأنزلها الله كذلك، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: في قراءة أبي بن كعب ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ «إلى أجل مسمّى»، وأخرج ابن أبي داود في المصاحف، عن سعيد بن جبير قال: في قراءة أبي بن كعب ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ «إلى أجل مسمّى»، وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق عطاء، عن ابنعباس: رحم الله عمر ما كانت المتعة إلاّ رحمة من الله رحم بها أمة محمد، ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلاّ شقي، قال: وهي التي في سورة النساء ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ إلى كذا وكذا من الأجل، على كذا وكذا… قال: وليس بينهما وراثة، فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل فنعم، وإن تفرقا فنعم… وليس بينهما نكاح. وأخبر أنه سمع ابنعباس يراها الآن حلالاً، اهـ. وهذه القراءة ولو قيل إنها غير متواترة، وغير ما جاءت به مصاحف المسلمين – كما في تفسير الطبري – فإنها تدل على أن الذين قرأوا بها كانوا يرون أن الآية واردة في المتعة؛ ولعلها كانت من باب التفسير لا القرآن، وفي شرح التحرير لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (ج 2 ص 195، طبع مصر) عند ذكر قوله تعالى: ﴿وان كان رجل يورث كلالة أوامرأة وله أخ أوأخت﴾ الآية: المراد أولاد الأم بدليل قراءة ابن مسعود وغيره وله أخ أوأخت من أم والقراءة الشاذة كالخبر على الصحيح. وقال: العلامة الشرقاوي في الحاشية، قوله: كالخبر، أي خبر الواحد في الاحتجاج بها. وحينئذ فلتكن هذه القراءة كخبر الواحد في الاحتجاج بها على أن الآية نازلة في المتعة.
وجماعة من أكابر العلماء كانوا يقولون بورود الآية في المتعة، رواه الطبري في تفسيره بسنده عن السدي ومجاهد وأخرجه عبد بن حميد وابنجرير عن مجاهد كما في الدر المنثور وروى الطبري في تفسيره عن شعبة أنه سأل الحكم بن عتيبة عن آية: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾، منسوخة هي؟ قال: لا([275]). قال الحكم: وقال علي: لولا أن عمر نهى عن المتعة، ما زنى إلاّ شقي، وهو كالصريح بأن شعبة والحكم كانا يقولان بنزولها في المتعة، فشعبة إنما سأله عن أنها منسوخة أم لا؟ أما كونها واردة في المتعة فكان مسلما عنده، والحكم بجوابه أنها غير منسوخة علم أنها واردة في المتعة عنده، فظهر أن قوله ينزل في جواز المتعة قرآن محض تعصب وعناد ومصادمة للبديهة. وإن أكابر الصحابة والعلماء الذين اعترفوا بنزولها في المتعة هم أعرف منه وأدرى باللغة وأدب البيان، وأن هذا الكلام ما دعاه إليه إلاّ جهله واتباع هواه قصدا لتصحيح قول من يعترف بعدم عصمته، وإذا كان الصحابة والتابعون والعلماء والمفسرون يقولون بنزولها في المتعة، وهو يقول لم ينزل في جوازها قرآن، فلم يبق إلاّ أن ينزل عليه جبرئيل، ويخبره بذلك، أو يكلمه الله من وراء حجاب كما كلم موسى بن عمران.
ثم أراد بتمحلاته التي صارت معروفة أن يجيب عن قراءة من قرأ إلى أجل مسمّى. فقال (في ص 166): «نعم، روي في الشواذ زيادة «إلى أجل مسمّى» ولا ريب أن هذه الزيادة لم تكن إلاّ على سبيل البيان، وتفسير المعنى من كتاب المصحف، أو من صاحب المصحف، وما يراه صحابي أو تابعي ليس بحجة على أحد، ولم تكن حجة على أحد أصلا، لأن من نسبت إليه هذه الزيادة قراءته في الأسانيد المتواترة وفي كل المصاحف بغير هذه الزيادة» وقال (في ص 167): «تسمية الأجل شرط لا رخصة فيه عند الشيعة، وإن لم يسم أجل ينعقد دواماً فسقوط «إلى أجل مسمّى» من التلاوة ومن المصاحف يهدم مذهب الشيعة في متعة النساء؛ لأن ارتفاع شيء بعدما ثبت يجتث كل آثاره ثم الأجل في المتعة أجل العقد والزيادة الشاذة لو ثبتت لا تكون إلاّ أجل الاستمتاع، والبون بين الأجلين أطول من بعد المشرقين، فعقد المتعة إذا انعقد ينعقد إلى أجل رغماً لهوى متمتع يتمتع إرغاماً لمن حرمها لأن القراءة الشاذة ردّت الأجل إلى الاستمتاع لا إلى العقد، والعقد الذي هزله جد إذا انعقد ينعقد عقد ثبات ودوام».
ونحن يكفينا وجود هذه الزيادة في مصحف أُبي بن كعب وقراءتة بها وقراءة ابن مسعود وابنعباس بها سواء أكانت قرآنا يتلى أم لا، لأنها تدل على اعتقادهم أن الآية نزلت في المتعة، وهم الذين نزل القرآن بينهم وحفظوه وجمعوه، وإن كانت تفسيراً فالتفسير من أُبي لا ممن كتبوا المصحف، وإن كان منهم فهم أيضاً من الصحابة، وهو يكذب زعمه أنه لا يوجد في غير كتب الشيعة قول لأحد أنها نزلت في المتعة، ويكذب أيضاً دعاواه السابقة بأنه لم يقل أحد بنزولها في المتعة، ولكنه لا يبالي أن يكذب نفسه بنفسه، وقوله: الأجل شرط لا رخصة فيه «الخ» نوع من استدلالاته التي خص بها. نحن نقول: الآية واردة في المتعة سواء أقرئت «إلى أجل مسمّى» أم لم تقرأ، ونجعل قراءة من قرأ من الصحابة «إلى أجل مسمّى» دليلاً على أنه كان يرى نزولها في المتعة، وسقوط «إلى أجل مسمّى» من التلاوة لا يفهم له معنى، فمن قرأ بها قرأ بها طول حياته، ولم تسقط من تلاوته، ومن لم يقرأ بها لم تكن في تلاوته من أول الأمر، فما معنى سقوطها من التلاوة. وسقوطها من المصاحف؛ لأن رسم المصاحف على غير هذه القراءة وهي القراءة المشهورة، فأين هو الشيء الذي ارتفع بعدما ثبت ارتفاع ليلة القدر؟ والأجل في المتعة أجل العقد، والأجل في قراءة من قرأ «إلى أجل مسمّى» وان كان قيدا للاستمتاع إلاّ أنه لا يخرج عن كونه أجلاً للعقد، والاستمتاع إلى أجل لا يكون إلاّ في العقد إلى أجل الدائم، فالاستمتاع فيه غير محدود. هذا ان لم نحمل قوله ﴿فما استمتعتم﴾ على إرادة فما عقدتم عقد متعة، فقوله: القراءة الشاذة ردت الأجل إلى الاستمتاع لا إلى العقد خال عن التحصيل، وقوله: البون بين الأجلين أطول من بعد المشرقين، أبعد عن الصواب من بعد المشرقين، وقوله: عقد المتعة إذا انقعد ينعقد لا إلى أجل، قد عرفت فساده، فعقد المتعة لا يكون إلاّ إلى أجل، والعقود تابعة للقصود، فإذا انعقد انعقد إلى أجل رغماً لهوى متمحل يتمحل إرغاماً لمن يخالف من حرم، وكذلك قوله: والعقد الذي هزله جد «الخ» مع أنه لا يزيد على الاستدلال بعين الدعوى، ويشبه الهزل لا الجد. وكون ما يراه صحابي أو تابعي ليس بحجة على أحد، صحيح، ولذلك لم يكن حجة على أحد ما رآه بعض الصحابة من تحريمها، ولكن قوله هذا يناقض قوله السابق عند ذكر عصمة الخلافة الراشدة من أنه يعتبر سيرة الشيخين تعادل سنن النبي (صلّى الله عليه وآله) في إثبات الأحكام الشرعية، وأن الخلافة الراشدة معصومة عصمة الرسالة، ولكن التناقض لا أهمية له عنده. ونحن لم نستند في الحل إلى أقوال الصحابة في قراءتهم هذه إلاّ لكشفها عن أن الآية نزلت في المتعة، فيجب التمسك بها حتى يثبت الناسخ. وكونها ليست قرآناً غير معلوم بعد قراءة أُبي، وابن مسعود، وابنعباس بها، وحلف ابن عباس أنا هكذا أنزلت، وكون من نسبت إليه قراءته في الأسانيد المتواترة بغير هذه الزيادة غير صحيح، فمن نسبت إليه لم يرو أنه قرأ بغيرها فضلاً عن التواتر. نعم، الموجود في المصاحف بغير هذه الزيادة، فهل يوجب ذلك الجزم ببطلانها مع روايتها عمن ذكر، وتأكيد ابنعباس ذلك بالقسم، وقد ظهر أيضاً فساد قوله: لم ينزل في المتعة قرآن.
(رابعاً): قوله: وأرى أن أدب البيان «الخ» هو من جملة آرائه التي علم حالها في ما مر ويأتي في مخالفتها العرف، واللغة، وإجماع المسلمين، والعقول السليمة، ودعواه التي كررها مراراً وضمنها ألفاظه الخشنة البذيئة بأن أدب البيان وعربية هذه الجملة وإفادة النظم ولغة القرآن وإعجازه تأبى أن تكون هذه الآية نزلت في المتعة. وتعليله ذلك بلزوم اختلال نظم الآيات؛ بدعوى أنه لو كانت هذه الآية نزلت في المتعة، لكان الله تعالى قبل أن يتم بيان الحكم في أصل النكاح الذي أخذ في بيانه ترك الكلام أبتر، وعجل إلى بيان حكم المتعة مع كونه اجتهاداً في مقابل النص هو أوضح فساداً من أن يحتاج إلى رد، ولبيان ذلك وغيره مما لا يزال يتغنى به. نذكر ما جاء من الآيات الكريمة في أحكام النكاح: قال الله تعالى في أوائل سورة النساء: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم إلاّ تعدلوا فواحدة أوما ملكت إيمانكم﴾ [النساء: 3] فبين الدائم وملك اليمين، ثم قال: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ [النساء: 4] فبين حكم المهر، وبذلك تمّ بيان قسمين من النكاح: نكاح الحرة الدائم وملك اليمين، ثم بين بعد آيات كثيرة مثل آيات المواريث وغيرها محرمات النكاح من النساء، والرضاع، والمصاهرة. فقال: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلاّ ما قد سلف﴾ [النساء: 22] ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ إلى قوله ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلاّ ما قد سلف﴾ ] النساء: 23] ﴿والمحصنات من النساء﴾ ذوات الأزواج: ﴿الا ما ملكت إيمانكم﴾ [النساء: 24] من سبي من كان لها زوج، أو كان لها زوج فباعها.
﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ بثمن أو صداق ﴿محصنين غير مسافحين﴾ [النساء: 24] فبين أنه يحل لهم أن يبتغوا بأموالهم ما عدا ما ذكر من المحرمات بشرط أن يكون نكاحاً شرعياً لا سفاحاً، وهذا شامل لأقسام النكاح الأربعة: نكاح الحرة، والأمة دواماً، والمتعة، وملك اليمين. ولما كان الأول والرابع قد نص عليهما فيما تقدم لم يحتج إلى إعادتهما، ونص على الثالث بقوله: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة﴾ [النساء: 24] وسمّى المهر هنا أجراً، كما سمّى المهر في الدائم صداقاً، وبين حكم هذا المهر بأنه يجوز الحط منه بالتراضي، ثم بين حكم الرابع بقوله: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت إيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ (إلى قوله) ﴿فأنكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف﴾ (إلى قوله) ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم﴾ [النساء: 25] وبذلك تمّ الكلام على جميع أقسام النكاح، فأين هو البتر الذي يحصل في الكلام، واختلال النظم لو أريد بهذه الجملة المتعة لو كان يعقل ما يقول؟ فظهر أنه لا شيء من أدب البيان، ولا نظم الآية يأبى ذلك، بل الأمر بالعكس، فإن حملها على الدائم، وحمل الأجور على المهور يوجب التكرير بلا فائدة كما يأتي عن حكاية الإمام الرازي، فإن الدائم قد تقدم بقوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾، والمهور بقوله: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾ والمهر في الدائم يجب بالعقد لا بالاستمتاع فلا يصح جعل ﴿فآتوهن أجورهن﴾ لبيان مهر الدائم بخلاف المتعة، فإن المهر لا يجب إلاّ بالاستمتاع. هذا الذي ينافي أدب البيان ونظم الآية، ولو كان في دعوى نزولها في المتعة ما يوجب ما ذكره؛ لتفطن له العلماء السالفون، وردّوا به على القائلين بحليتها، فانهم قد تشبثوا في ردّهم بكل رطب ويابس؛ إلاّ أن يكون قد اهتدى في آخر الزمان إلى ما لم يهتد إليه علماء الصحابة، والتابعين، وباقي علماء المسلمين (فكم ترك الأول للآخر﴾ كما ظهر أنه إن أريد بهذه الجملة المتعة لم يبق الكلام في أصل النكاح أبتر – وإن صورت له مخيلته ذلك تمحلاً وتعنتاً – بل دعواه هذه بتراء نكراء. ولم يكن قد عجل ليرضي شيعة علي – التي تفتخر بأنها شيعته، كما عجل موسى تركستان إلى البهت والسخرية بغير حق ليرضي هواه. ولا عجلة موسى بن عمران. وأنه لا يلزم من حمل الآية على المتعة قطع كلام قبل اتمامه ولا طفرة عصفور ولا وثبة ليث هصور. وما اذن الله فيه لا يسوغ لذي دين أن يعبر عنه بعبارت السخرية والاستهزاء. والمتعة مما أذن الله تعالى فيه بالأدلة القاطعة سواء أسماها – بأدبه – سفاد عصفور أم ملك بأعلى القصور، فالأحكام الشرعية لا تثبت ولا تنفى إلاّ بالدليل لا بمثل هذه الكلمات التي لا تشين إلاّ قائلها. وأن قوله: ويطيل الكلام في أجر السفاد ما هو إلاّ اعتراض على الله تعالى، وتهجين لكلامه، وسخرية من أحكامه، ولا يكون مثل هذا الكلام كلام عاقل ولا متدين ولا كلاماً له شأن، ولا كلام من يعرف شيئاً من أدب البيان، وأي كلمة يمكن أن تكون أضيع من آية يتلاعب بها على مقتضى هواه، ويحملها على مشتهاه. وحفنة بر وكف شعير هي كتعليم السورة قد جاءت بها صحاح الأخبار كما يأتي وجوزها الشارع مهراً لهما، والشرع جاء ببيان حكم الخطير والحقير، وقد حكى هو فيما مر أنه قيل لعمر: كانت المتعة رخصة من الله نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث، فقال: فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق، وإن تمحل له هناك بأنه كان ينعقد دائماً؛ لكنه يكفينا كون الدائم يكون بقبضة، فإبرازه بمعرض السخرية ما هو إلاّ استهزاء بأحكام الله ﴿فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون﴾ [الانعام: 5] وآية ﴿ومن لم يستطع﴾ [النساء: 25] يأتي الكلام عليها.
وما حكاه عن هشام بن الحكم بيان شاف واف تام لا بيان أتم منه موضح للحكمة البالغة في أحكام الشريعة الإسلامية، ومبين أنها أرقى الشرائع وأسماها، وأشدها قمعا لمادة الزنا والفجور بحيث لا تدع مجالاً لمرتكبه؛ إلاّ أن يكون لا يبالي بمعصية الله، ويختارها عفواً مقدماً للحرام على الحلال، وللفجور على العفاف. وهذا البيان كسائر بيانات الشيعة وفرائد علومهم التي ورثوها عن أهل بيت الوحي، ومعادن العلم لا يصل إليها هو ولا من فوقه، وإبرازه لها في معرض النقد والعيب لا يضرها.
فكم من عائب قولاً صحيحاً
وآفته من الفهم السقيم
وفلسفته التي زخرفها ردّاً على ما قاله هشام بأن حمل ﴿فما استمتعتم﴾ [النساء: 24] على النكاح إلى أجل يحرف القرآن، ويخل بنظم الآية، ويبطل ترتيب البيان قد ظهر مما مر في الأمر الرابع أنها فلسفة مزيفة لم تكن إلاّ هباء منبثاً وجفاء مجتثاً وتحريفاً لكلام الله عن مواضعه.
(خامساً): إذا ورد لفظ الاستمتاع في آية في الانتفاع الدائم في الحياة الدنيا، فهل يجب أن يكون كل لفظ استمتاع كذلك؟ على أن الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا ليس كلهم كان استمتاعهم بها دائماً، ويأتي في أحاديث البخاري ومسلم وغيرهما التعبير عن المتعة بالاستمتاع، ففلسفته هذه واهية باردة.
(سادساً): معنى (محصنات) متزوجات غير زانيات، أوعفائف غير زوان. ومعنى ﴿محصنين غير مسافحين﴾ متزوجين غير زانين، أو أعفة غير زناة كما قاله المفسرون، وهو الذي يظهر من اللفظ. ﴿ولا متخذات أخدان﴾. ﴿ولا متخذي أخدان﴾ أي أخلاء في السر؛ لأن الرجل منهم كان يتخذ صديقة فيزني بها، والمرأة تتخذ صديقاً فيزني بها، وعن ابن عباس: كان قوم في الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي منه، فنهى الله عن الزنا سراً وجهراً بقوله: ﴿الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ [الأعراف: 33] فمعنى غير مسافحات ولا متخذات أخدان غير زانيات لا سراً ولا جهراً، وبذلك ظهر حال هذا الرجل في استدلالاته، وظهر كذب قوله نكاح المتعة لا احصان به. المتعة فيها سفاح ماء في غير حرث. المتعة اتخاذ خدن في كلا الطرفين، وترتيبه على ذلك أنها حرام بنص القرآن هذا القياس أو الأقيسة التي رتبها من الشكل الأول لا ينقصها في صحة الاستدلال بها إلاّ أن الصغريات فيها كاذبة. الاحصان النكاح بعقد صحيح ومن الذي قال لك: المتعة لا احصان فيها. السفاح الزنا مقابل النكاح الصحيح، ومن أخبرك أن المتعة سفاح والأخدان الأصدقاء؟ ومن أين علمت أن المتعة اتخاذ أخدان في كلا الطرفين؟ هذا نموذج من علم هذا الرجل واحتجاجه بعين الدعوى، حكى الفخر الرازي في تفسيره عن أبي بكر الرازي أنه استدل على أن ليس المراد من الآية نكاح المتعة بأن قوله ﴿غير مسافحين﴾ سمّى الزنا سفاحاً لأنه لا مقصود فيه إلاّ سفح الماء ولا يطلب فيه الولد وسائر مصالح النكاح. والمتعة لا يراد منها إلاّ سفح الماء، فكانت سفاحا. وأجاب الفخر الرازي عن ذلك بأن المتعة ليست كذلك، فإن المقصود منها سفح الماء بطريق مشروع مأذون فيه من قبل الله، فإن قلتم: المتعة محرمة، فنقول: هذا أول البحث، فلما قلتم: ان الأمر كذلك، فظهر أن هذا الكلام رخو اهـ. كما ظهر كذب قوله: المتعة سفاح ماء في غير حرث، فإن السفاح هوالزنا والمتعة إذا كانت حلالا فمن يسميها سفاحا مفتر على الله ورسوله. وهي قد تكون في حرث يقصد به النسل وقد لا تكون كذلك كالنكاح الدائم للولود والعاقر، وكذب قوله هي اتخاذ خدن في كلا الطرفين، فالمراد بالأخدان كما عرفت الأصدقاء في السر لأجل الزنا، والمتعة نكاح بسنة الله ورسوله فجعلها زنا رد على الله ورسوله، وادعاء أنها حرام بنص القرآن الكريم افتراء على القران الكريم. ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أوكذب بآياته انه لا يفلح الظالمون﴾ [الأنعام: 21].
(سابعاً): قوله وما أنكر (م الأشياء) الخ، فنحن مهما أنكرنا من شيء فلا ننكر عليه اتباعه الأوهام في «وشيعته» فليس عنده غيرها، وأن يتبع تقليده ويعبد هواه وأن يهتوي حيث تستهويه دعوى التعصب والعناد، وأن يفتري على العصر الأول، فيزعم أنه مقدس وعلى الأمة فيدعي أنها معصومة، وأن يقول على الله وعلى دين الله، كل ما يوحيه عشق التقليد، والوضع، وهوى التعصب لا ننكر شيئا من ذلك عليه له دعاويه، بل لا ننكر عليه انكاره أن تكون الآية نزلت في متعة النساء، ومبالغته في ذلك بتلك العبارات الشنيعة التي نضح بها اناؤه، وإطالته، وتكريره الذي يوجب التهوع، ولا تفاصحه بوضع (م الأشياء) مكان من الأشياء، ليقود الفصاحة والأدب إلى حظيرة تنصبه ويودعه زريبة تنصبه، ولا نعجب من مخالفته اجلاء الصحابة، واجلاء العلماء من أهل نحلته الذين قالوا بنزولها في متعة النساء. ولازم كلامه أن لا يكونوا من المؤمنين الذين يعلمون لغة القرآن، ويؤمنون بإعجازه، ويفهمون إفادة النظم، وعليهم نزل وهم تراجمته، وأن يكونوا عنده جهلاء يدعون ولا يعون، وهو أحق بذلك منهم، ومن كل أحد لا نعجب من شيء من ذلك، ولا نستبعد صدور أمثاله منه بعدما ظهر من مخالفته الاجماعات، والمسلمات، وإنكاره البديهيات، بل مخالفته ضرورة الدين في توريث أولاد الأولاد مع الأولاد وأنه يدعي ولا يعي، وإنكار تميز الشيعة في الأدب، والبلاغة وفضلهم على الأدب العربي لا يكون إلاّ من جاهل ولا يمكن أحداً إنكاره مهما تعصب وتنصب، وجعل قلة الأدب سمة للنصب، واحتكره في زريبته (وهل ترى من أديب غير شيعي). والشيعة لا تتبع الظن، ولا تتبع إلاّ الدليل القاطع كما يعلم من حالها في الأصولين، وإنما هو يتبع الأوهام، ولا تعبد إلاّ الله لا الهوى والعصيبة للباطل كما هو دأبه. وهي تفتخر وتعتز بولاية أهل بيت نبيها (عليهم السلام) عن إيمان وعقيدة لا عن دعوى كاذبة كما هو شأنه، وبولاية من قال فيه الرسول (صلّى الله عليه وآله): «من كنت مولاه فهذا على مولاه اللهم وال من والاه» [13] ولا تفتري على الأعصار، ولا تقول إلاّ بما صحت به الأخبار، ولا تقول على الله وعلى دينه إلاّ الحق هي أورع وأتقى وأخوف لله من أن تفتري أوتقول غير الحق، ورثت ذلك عن أئمتها وأهل بيت نبيها، أهل الورع والصدق والتقوى، لا تستحل وضعاً ولا كذباً وهي غنية عن الوضع بما ورثته عن مفاتيح باب مدينة العلم ومعادن الحكمة وشركاء القرآن. والتقية التي نزل بها القرآن وأمر بها عمار وهي دين أولياء الله في كل عصر ومتبع كل ذي عقل لا يعيب بها إلاّ رقيق الدين عظيم الجهل.
﴿ومن لا يستطع طولاً﴾ [النساء: 25] قد نقله القرآن من نكاح إلى نكاح، ولكن هل حجر عليه غير ذلك النكاح الذي نقله اليه؟ كلا، إذ لا يدل القول بأن من لا يتمكن من نكاح الحرائر دواماً فلينكح الإماء على حرمة نكاح الحرائر والإماء متعة بشيء من الدلالات كما يأتي. كما لا يدل قولنا من لم يمكنه لباس الحرير فليلبس القطن على أنه يحرم عليه لباس الكتان. فإذا دل دليل على جواز لبس الكتاب لم يكن منافياً، وكان الحاصل أن من لم يتمكن من الحرير له لبس القطن أوالكتان، وحديث المتعة فيه أنه قد ذكره قبل ذلك بقوله ﴿فما استمتعتم﴾ فلم يحتج إلى ذكره بعد، وليست هي استئجار بل نكاح بمهر إلى أجل باتفاق كتب الشيعة وعلمائهم، وشبهها بالاستئجار لا يجعلها استئجاراً حقيقة ولا تنعقد بلفظ الاستئجار إجماعاً والله تعالى يقول: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾ [النساء: 24] وهوعنده وارد في النكاح الدائم، فهل هذا يجعل النكاح الدائم استئجاراً. وزعمه أنها لو كانت نكاحاً لما كان لصاحب الأربع أن يتمتع، لا دليل عليه. فالنكاح في الشرع قسمان: دائم منحصر في الأربع، وإلى أجل غير منحصر فيهن، كما أن الوطأ بملك اليمين نكاح شرعي ولا ينحصر في عدد فبطل قوله، ونقل القرآن من نكاح إلى نكاج فقط ابطال للاستئجار. وإذا كان نقلاً من نكاح إلى نكاح فقط فإن المتعة نكاح فقط، وليست باستئجار كما عرفت ولا يستلزم ذلك بطلان ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ [النساء: 3] الآية، باختصاصه بالدائم. فأين هو اتفاق كتب الشيعة على بطلان المتعة بآيات القرآن. ولكنه هو قد اعتاد أن يبطل كلامه بكلامه وهو لا يشعر.
(ثامناً): ما أطال به من ذكر محرمات النكاح واتبعه به ما هو إلاّ كرحى تطحن قروناً كأكثر ما أطال به في «وشيعته» فسفح ماء الحياة على غير ما أحله الله هو السفاح، وقد أثبتنا بالبراهين القاطعة أن المتعة مما أحله الله فمن يجعلها سفاحاً فقد رد على الله حكمه وكفر بالإيمان وحبط عمله، وكان من ﴿الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً﴾ [الكهف: 104] وليس بيد من حرمها دليل سوى تحريم بعض الصحابة وسوى روايات متناقضة متدافعة، فإن كان بوسعه اثبات تحريمها بدليل غير ذلك فليأت به وله الفلج. أما هذه الجعجعات والكلام البذيء فهي سلاح العاجز، وآيات الذم التي أوردها هم بمضمونها أحق، وهي به أليق، وأضر ضلال غشي أو يغشى قلبه إن كان يزعم أن الآيات التي ذكرها نزلت في غيره فقط وحكمها لا يتناوله، ومن يمكن أن يكون أكفر في آية حل (المحصنات) من عاد يصرفها عن وجهها ويحملها على غير ما أريد بها، ويحرم ما أحله الله بغير دليل، بل بشهوة النفس، والتعصب، والعناد، والعداوة. وقد بان بما ذكرناه من هو الذي يترك كتاب لله وينبذه وراء ظهره أو يضعه تحت قدميه ويدوسه وأحق مما أنشده يقال له:
قد أرخصت دينها في الناس طائفة
بدرهم لم تبعه أو بدينار
لكن بشهوة نفس واتباع هوى
فساقها سائق التقليد للنار
وهذه بلية قد عمت وأعمت سلكها في قلوبهم التقليد واتباع الأهواء لا كتب الكلام وما ربط كتب الكلام بالمقام، كتب الكلام تشحذ الأفهام ممن تأمل واستقام.
(تاسعاً): ما ادعاه من اللوازم الباطلة على تقدير كون الآية في المتعة غير لزوم اخلال النظم وبقاء الكلام أبتر الذي تقدم من بطلان التفريع، وكون العقد غير مذكور واختلاف الضميرين لغوا و﴿لا جناح عليكم﴾ [النساء: 24] حشوا غير صواب (أما التفريع) بالفاء. فإن قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: 24] لما شمل الدائم والمنقطع إجمالاً وكان حكم الدائم قد تقدم تفصيله صح تفريع حكم المنقطع على ذلك الاجمال بقوله ﴿فما استمتعتم﴾ [النساء: 24] فكان تفصيلاً بعد اجمال وأما عدم العقد من الطرفين ورضا المرأة فهو زعم غريب زعمه عنا وفي ص 164 – ولا غرابة في أمر هذا الرجل، فإن معنى ﴿فما استمتعتم﴾ فما تزوجتم به منهن وعقدتم عليه متعة، وهو دال على العقد كما دل عليه ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ فإن كان ذلك قد ذكر فيه العقد، فهذا كذلك وإن كان ذكر ضمناً فهنا قد ذكر ضمناً وهو كاف ولو فرض أن ﴿فما استمتعتم﴾ معناه فما انتفعتم فهو دال على العقد ضمناً أيضاً سواء أحمل على الدائم أم المتعة لا مناص عن ذلك، والفقهاء استدلوا على صحة جملة من عقود التجارة بآية ﴿الا أن تكون تجارة عن تراض﴾ [النساء: 29] وليس فيها تصريح بالعقد، وجل آيات النكاح إن لم تكن كلها لم تدل على وقوع العقد من الطرفين ولا على رضا المرأة صراحة. ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: 3] ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء/ 24]. ﴿فمن ما ملكت إيمانكم﴾ [النساء: 25]. فهل هذا دليل على جواز الإكراه في النكاح على مقتضى علم هذا الرجل وفلسفته المعوجة. وما في ﴿فما استمتعتم﴾ يجوز كونها شرطية وموصولية كما يفهم من العكبري في إعراب القرآن [14] والأولى أن تكون موصولة مبتدأ عبارة عن النساء، والضمير في به عائد عليها على اللفظ وما الموصولة وإن كانت لغير العاقل إلاّ أنه يجوز استعمالها في صفات من يعقل و(من) في منهن للتبعيض حال من الهاء في به، وجملة فآتوهن خبر، والعائد ضمير النسوة، ويظهر من قوله: به أي بهذا النكاح المتقدم بيانه أنه جعل ما عبارة عن النكاح أي، فالنكاح المتقدم الذي استمتعتم به منهن، وحينئذ لا بد من تقدير ضمير في جملة فآتوهن يعود على المبتدأ أي فآتوهن أجورهن فيه أو لأجله، ولا يخفى ما فيه من التكلف المنافي لبلاغة القرآن ولو سلم فهولا ينافي ورودها في المتعة كما لا يخفى، فالمعنى الذي جعل الآية نصاً فيه لتكون خاصة بالدائم لا تحتمله إلاّ على أبعد احتمال، وذلك الاحتمال لا يجعلها خاصة بالدائم. وهكذا دأبه يدعي الإجماع في محل الخلاف وفي محل الإجماع على العدم، والنصوصية مع عدم الدلالة، وينكر المسلمات، ويخالف الإجماعات بدون تحرج ولا مبالاة على أن قراءة جماعة من أكابر الصحابة والتابعين (إلى أجل مسمّى) كما مرّ دالة على أنها عندهم واردة في المتعة، وهم أعرف بنصوص القرآن وظواهره من كل أحد. وأما اختلاف الضميرين في به ومنهن فإنما هو لكون الأول راجعاً إلى ما الموصولة على اللفظ أو الشرطية لا إلى هذا النكاح كما توهمه، والثاني راجع إلى النساء، ولسنا ندري لماذا يكون اختلاف الضميرين لغوا إن أريد بها المتعة كما لا ندري لماذا يكون ﴿لا جناح عليكم﴾ «الخ» حشواً ولغواً وبيان الحكم الشرعي في أي شيء كان حقيراً أو كبيراً لا يصح أن يقال عنه: إنه اشتغال بأمر تافه فليس في الشريعة أمر تافه، والأمر المهم الذي ينبني عليه حياة الإنسان قد فرغ من بيانه واشتغل ببيان غيره وقوله: ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة﴾ راجع إلى نكاح المتعة، فأل في الفريضة للعهد الذكري. في مجمع البيان قال السدي معناه لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء مدة الأجل المضروب في عقد المتعة يزيدها الرجل في الأجر وتزيده في المدة اهـ». لكن الطبري في تفسيره روى عن السدي أنه: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى، يعني: الأجرة التي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما، فقال: أتمتع منك أيضا بكذا وكذا، فازداد قبل أن يستبري رحمها اهـ. ومراد السدي العقد عليها ثانيا، ولا يرد عليه ما أورده الطبري من فساد القول بإحلال جماع المرأة بغير نكاح، ولا ملك يمين فإنه إحلال بنكاح. وبأقل مهما بلغت به البلادة فبسط كفيه وأخرج لسانه لما سئل عن ظبي بيده بكم اشتراه مشيراً بأنه اشتراه بأحد عشر درهماً فقد الظبي لن يبلغ مدى هذا الرجل في تحكماته وتمحلاته وتقولاته على الكتاب والسنة.
(عاشراً): ما تحذلق به في أمر الجملة الشرطية التي جوابها انشاء، وأخذه الخجل من كتابة مسألة نحوية ابتدائية ظهرت له وخفيت على من احتكر الأدب سمة للرفض وقال: أنه لا يصدر إلاّ من أعجمي لا يعرف أدب البيان هو كسائر أقواله رقم فوق ماء، والعجمة ظاهرة في كلماته مثل: ادخاله ال على براءة كما مر، واللحن كثير في كلامه فيما لا يلحن فيه صغار الطلبة كما نبهنا على جملة منه فيما مر، مما يدل على جهله بأدب البيان، فهذه الجملة لم يعلم انها شرطية، بل يجوز أن تكون خبرية وما موصولة كما مر، بل هو الأولى وعلى فرض كونها شرطية، وكون عمدة الكلام هو وجوب المهر بالاستمتاع، فلا محذور فيه، فإن حلية المتعة تفهم منه ضمناً. ونكاح المتعة كما مر داخل في عموم: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: 24] وإنما ذكر ثانياً لتفصيل ما أجمل كقولنا سيجيئك العلماء، فإذا جاءك زيد منهم فأكرمه، وليترتب عليه حكم آخر بين بقوله: ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة﴾ [النساء: 24] كما مر فبعد ما بين النكاح اجمالا بقوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ قال: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ فالقسم الذي كان نكاحه نكاح متعة والعقد عليه عقد متعة مما ابتغيتم بأموالكم يجب إيتاؤهن أجورهن حال كونها فريضة أي مفروضة لا يجوز غصب شيء منها ومنعه. وهذا إن حمل استمتعتم على معنى عقدتم عقد متعة، وإن حمل على معنى انتفعتم كما هو أصل معنى الاستمتاع يكن المعنى أنه يجب إيتاء الأجر عند حصول الاستمتاع لبيان أن الأجر يجب بالاستمتاع لا بمجرد العقد كما في الدائم، فإنه يجب بالعقد وجوباً مراعى بعدم الطلاق قبل الدخول، وإلاّ سقط النصف فإذا كانت الجملة في حلية المتعة فلا مناص عما عبر به فيها. ولو قيل فما آتيتموهن أجورهن فاستمتعوا منهن لكان كلاماً ساقطاً غير مفيد للمطلوب قول جاهل أعجمي لا يفهم ما يقول. والحاصل: أنه قد بين في أول السورة النكاح الدائم: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: 3] ثم وجوب إيتاء الصداق: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾ ثم محرمات النكاح ثم إحلال ما عداها بنكاح دائم أو منقطع أو ملك يمين. ثم وجوب إيتاء المهر في نكاح المتعة وجواز تجديده قبل انقضاء الأجل أو بعده بزيادة في الفريضة. ولو كان يعرف شيئاً من أدب البيان لعلم أن حملها على النكاح الدائم هو المنافي لأدب البيان ونظم القرآن، فإنه إذا كان جزاء الجملة هو عمدة الكلام تكون عمدة هذه الجملة هي وجوب أداء المهور. وهذا قد تقدم بقوله ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾ فيلزم التكرير لغير فائدة، وهو ما يأباه أدب البيان ونظم القرآن. والإمام الرازي حكى الاستدلال على نزولها في المتعة بأنه أوجب المهور بمجرد الاستمتاع، والاستمتاع عبارة عن التلذذ والانتفاع والأجور في الدائم لا تجب على الاستمتاع، بل على النكاح – أي العقد – ولذا لزم نصف المهر بمجرد العقد. وإنا لو حملناها على الدائم لزم تكرار بيان حكم النكاح في السورة الواحدة، لأنه تعالى قال في أول هذه السورة: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ [النساء: 3] الخ ثم قال ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾ [النساء: 4] بخلاف ما لو حملناها على المتعة، فإنه يكون حكماً جديداً» والذين قالوا بنزولها في متعة الإسلام هم: ابنعباس، ترجمان القرآن، وابن مسعود وأُبي بن كعب الذي أمرالله رسوله أن يقرأ عليه، والسدي، ومجاهد من أعلم الناس بتفسير القرآن. فليرفع عن نفسه هذا الخجل بموافقة هؤلاء للشيعة. وليعلم أن المسائل النحوية الابتدائية والانتهائية لم تكن لتخفى على أقل طلبة الشيعة.
(حادي عشر): سواء أسمى المتعة اجارة أم نكاحا بأجرة تهجينا لأمرها تعصباً وعناداً للحق، أم ما شاء له هواه، أم نكاحاً بمهر، فهي قد ثبتت بالكتاب والسنة كما عرفت. أما استدلاله بآية ﴿ومن لم يستطع منكم طولا﴾ [النساء: 25] وزعمه أنها نص قطعي في تحريم المتعة على عادته في دعوى القطع في ما لا يخرج عن الوهم، فالآية يراد بها أن من لم يستطع نكاح الحرائر لقلة طوله وقلة غناه، فليتزوج من الإماء لقلة مهورهن ونفقتهن وتكاليفهن. وليس المراد النكاح بالشراء وملك اليمين كما توهم لقوله تعالى بعد ذلك ﴿فانكحوهن باذن أهلهن وأتوهن أجورهن بالمعروف﴾ [النساء: 25] ولو أريد الاستدلال بها بنحو آخر لعله قد استدل به غيره، فنقله وخلطه بغلطه هذا وهو أن الآية نقلت من لم يستطع نكاح المحصنة إلى نكاح ملك اليمين، ولم تذكر ما هو أقدر عليه من ذلك وهو المتعة إلى آخر ما ذكره. والجواب: يفهم مما مر في آية ﴿وليستعفف﴾ [النور: 33] من أنها لا تدل على حرمة المتعة ولا إباحتها بشيء من الدلالات لا بمنطوق ولا بمفهوم ولا ربط لها بذلك بوجه من الوجوه، وإنما هي مسوقة لبيان أن نكح الأمة دواماً مشروط بعدم القدرة على نكاح الحرة دواماً. فمنطوقها إن من لم يستطع تزوج الحرائر دواماً، ومفهومها أن من استطاع ذلك ليس له تزوج الإماء ولا دلالة لها على شيء وراء هذا من حلية المتعة أو حرمتها. فإذا وجد ما يدل على حلية المتعة لم يكن معارضاً لمفهوم الآية ولا لمنطوقها، فهي بمنزلة قولنا من لم يستطع أن يشتري البطيخ فليشر القثاء. فلا يدل على أنه ليس له أن يشتري الخيار، فإذا وجد ما يدل على إباحة شراء الخيار كان مقتضى الجمع بين الأدلة أن من لم يقدر على شراء البطيخ له شراء القثاء أوالخيار. فالله تعالى أباح نكاح الحرائر دواماً بمهر مطلقاً ونكاح الحرائر والإماء إلى أجل بمهر مطلقاً، ونكاح الإماء دواماً بشرط عدم استطاعة نكاح الحرائر، ومنع منه مع الاستطاعة وجوز نكاح الإماء بملك اليمين مطلقاً. هذه هي أحكام النكاح التي بينها الله تعالى في كتابه ليس بينها تناف ولا تعارض لوكان يدري ما يقول. على أن مهر الحرة في الدائم كما يمكن أن يكون قنطاراً من ذهب يمكن أن يكون تعليم سورة وكفا من بر كما صرح به الخليفة، وأقل ما يتمول ومهرها في المنطق كما يمكن أن يكون كفا من بر يمكن أن يكون قنطاراً من ذهب وكما يمكن أن لا يستطيع نكاح الحرة دائماً لكثرة المهر أو لأمر آخر ويتمكن من نكاح الأمة يمكن ذلك في نكاحها متعة. فأسباب عدم الاستطاعة لا تنحصر في كثرة المهر وفي النفقة كما مر في آية ﴿وليستعفف﴾ وبذلك ينحط إلى دركات ما تحت الصفر بكثير تفلسفه هذا البارد السخيف.
(ثاني عشر): قد بان بما ذكرناه سابقاً ولاحقاً من الأدلة بطلان قوله ليس بيد الشيعة دليل سوى الآية، بل بيدها مضافاً إلى ذلك السنة والإجماع على المشروعية، والخلاف في النسخ، وبأن بطلان قوله لا يوجد في غير كتب الشيعة قول لأحد أنها نزلت في متعة النساء، ويبطل قوله لم يقل أحد أنها نسخت أقوال من أجابوا عنها بأنها نسخت من علماء من تسموا بأهل السنة كما يأتي.
ومنهم ابن حزم في كتاب الناسخ والمنسوخ وهبة الله بن سلامة المفسر في كتاب الناسخ والمنسوخ المطبوع بهامش أسباب النزول للواحدي حيث قال عند ذكر الآيات المنسوخة من سورة النساء: الآية العاشرة قوله تعالى في متعة النساء: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾ [النساء: 24] نزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منزلاً في أسفاره فشكوا إليه العزبة فقال: استمتعوا من هؤلاء النساء، فكان ذلك مدة ثلاثة أيام ولاء، فلما نزل خيبر حرمها وحرم لحوم الحمر الأهلية ثم ذكر أنها نسخت بآية ميراث الزوجة ثم حكى عن الشافعي أنها نسخت بآية ﴿الا على أزواجهم أوما ملكت إيمانهم﴾ [المؤمنون: 6] وقد بان بذلك جهله وقصور معرفته وأنّ قول الشيعة ليس فيه خطأ فضلاً عن كونه فاحشاً وأنّ أفحش خطأ وافتراء على الله وعلى القرآن الكريم هو إنكاره ذلك. وإنّ هذه المسألة النحوية لا تخفى على صبيان المكاتب من الشيعة.
(ثالث عشر): زعمه أحسن الاحتمالات فيما ينسب للصادقين (عليهما السلام) أنّ السند موضوع تكذيب للروايات بغير دليل والقول بأنّ الآية نزلت في المتعة قال به جماعة من أجلاء الصحابة والعلماء وقد جعله قول مدع جاهل مفترٍ وهو أولى بالدعاوى الباطلة والجهل والافتراء على كتاب الله منهم وإذا قال به جماعة من أجلاء الصحابة والعلماء فلا غرو أن يقول به إمام أهل البيت والإمام أبو حنيفة وإمام أهل البيت هو إمام الأمة بحق الذي أخذ عنه من سماه إمام الأمة. وقطعه بكذب الحكاية يوجب القطع بجهله وجرأته على الباطل. والشيعة ليسوا بأدعياء في تشيعهم قد أخلصوا في حب أهل بيت نبيهم وحفظوا فيهم وصية جدّهم (صلّى الله عليه وآله) وما الدعي إلاّ من يرد أقوالهم بالهوى والغرض ويكذب رواياتهم الصحيحة بغير دليل ولا مستند. ودعواه إجماع الأمة على التحريم مع مخالفة أئمة أهل البيت وعلماء شيعتهم هي كسائر دعاويه الفاسدة. ونحن لا نتعجب من ادعائه هذه الدعاوى التي علم بطلانها ولا من خطئه الفاحش في فهم الكتاب أدبياً ومنطقياً بعدما ظهر منه في كل مواقفه من التمحل والتعسف ومصادمة البديهة ومخالفة الإجماعات.
ثبوت المتعة بالسنة النبوية
ثبوت المتعة بالسنة النبوية المستفيضة بل المتواترة التي رواها أئمة الحديث في صحاحهم: البخاري، ومسلم، وأحمد بن حنبل، والنسائي، وغيرهم من أئمة الحديث الدالة على اذن الرسول (صلّى الله عليه وآله) فيها أو على وقوع ذلك في عهد الرسالة وعهد الشيخين أو على الإباحة، وأنه لم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي (صلّى الله عليه وآله) مدة حياته.
روى البخاري في صحيحه بسنده عن جابر بن عبدالله، وسلمة بن الأكوع قالا: كنا في جيش، فأتانا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: «انه قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا». وروى مسلم في صحيحه بسنده عن جابر بن عبدالله، وسلمة بن الأكوع، قالا: خرج علينا منادي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: إن رسول الله قد أذن لكم أن تستمتعوا يعني متعة النساء، وروى مسلم في صحيحه أيضاً بسنده عن سلمة بن الأكوع، وجابر بن عبدالله؛ أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أتانا، فأذن لنا في المتعة. وروى البخاري في صحيحه في باب ما يكره من التبتل والخصاء بسنده قال: قال عبدالله: كنا نغزو مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وليس لنا شيء، فقلنا ألاَ نستخصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة: 87] الآية. البخاري في باب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) نحوه. قال القسطلاني في إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري في ذلك الباب: وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي في التفسير. وقال أيضاً في شرح الحديث: (عبدالله) ابن مسعود «أن تنكح المرأة بالثوب» أي إلى أجل في نكاح المتعة، وقال في موضع آخر وهو نكاح المتعة (ثم قرأ علينا) أي عبدالله بن مسعود كما في رواية مسلم وكذا الإسماعيلي في تفسير المائدة. ثم قال: قال في الفتح وظاهر استشهاد ابن مسعود بهذه الآية هنا يشعر بأنه كان يرى جواز المتعة اهـ. مسلم في صحيحه بسنده عمن سمع عبدالله – يعني ابن مسعود كما سمعت – يقول: كنا نغزو مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليس لنا نساء. فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل. ثم قرأ عبدالله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾. مسلم أيضاً بسنده مثله إلاّ أنه قال: ثم قرأ علينا هذه الآية ولم يقل قرأ عبدالله. ومسلم أيضاً بسنده مثله إلاّ أنه قال: كنا ونحن شباب، فقلنا: يا رسول الله! ألا نستخصي؟ ولم يقل: نغزو، قال النووي في شرح صحيح مسلم: فيه أي في استشهاد ابن مسعود بالآية إشارة إلى أنه كان يعتقد إباحة المتعة كقول ابنعباس وأنه لم يبلغه نسخها اهـ. وفي تفسير الفخر الرازي روى أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لما قدم مكة في عمرته تزين نساء مكة، فشكا أصحاب الرسول (صلّى الله عليه وآله) اليه طول العزوبة فقال: استمتعوا من هذه النساء. وفي شرح النووي لصحيح مسلم عن القاضي عياض أنه قال: روى حديث إباحة المتعة جماعة من الصحابة فذكره مسلم من رواية ابن مسعود وابن عباس وجابر وسلمة بن الأكوع وسبرة بن معبد الجهني اهـ. وفي صحيح مسلم بسنده عن عطاء: قدم جابر بن عبدالله معتمراً. فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء. ثم ذكروا المتعة. قال: استمتعنا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر وعمر. وفي صحيح مسلم أيضاً بسنده عمن سمع جابر بن عبدالله يقول: كنا نستمتع، بالقبضة من التمر والدقيق، الأيام، على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر، في شأن عمرو بن حريث. وهما صريحتان في بقاء المشروعية بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) مدة خلافة أبي بكر وشطراً من خلافة عمر. وفي صحيح مسلم أيضا بسنده عن أبي نضرة: كنت عند جابر بن عبدالله. فأتاه آت فقال: ابنعباس وابنالزبير اختلفا في المتعتين. فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثم نهانا عنهما عمر. فلم نعد لهما. الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من مسند عبدالله بن عمر(95:2) بسنده عن عبدالرحمن بن نعم أو نعيم الأعرجي، سأل رجل ابنعمر عن المتعة، وأنا عنده، متعة النساء؟ فقال: والله ما كنا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) زانين ولا مسافحين!! ثم قال: والله لقد سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال، وكذابون ثلاثون أو أكثر». الإمام أحمد في مسنده أيضاً من حديث عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي (صلّى الله عليه وآله) حتى مات. وفي تفسير الفخر الرازي عند ذكر الاحتجاج على إباحة متعة النساء عن عمران بن الحصين أنه قال: إن الله أنزل في المتعة آية وما نسخها بآية أخرى وأمرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالمتعة وما نهانا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء يريد أن عمر نهى عنها اهـ. وروى الثعلبي في تفسيره – كما في مجمع البيان – بإسناده عن عمران بن الحصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله ولم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا رسول الله، وتمتعنا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومات ولم ينهنا عنها. فقال بعد رجل برأيه ما شاء.
فهذه الروايات تكذب دعاواه السخيفة كلها تكذيباً صريحاً، فقول جابر: استمتعنا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر وعمر كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق، الأيام، على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر حتى نهى عنه عمر وقول ابنعمر لما سئل عن متعة النساء: والله ما كنا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله): زانين ولا مسافحين يكذب دعواه أنه لم يكن في الإسلام نكاح متعة وأنها لم تقع من صحابي، وما اشتملت عليه روايات جابر وسلمة من أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله). أذن لهم في متعة النساء وأمرهم بها وما اشتملت عليه روايات عبدالله بن مسعود من أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رخص لهم في نكاح المرأة بالثوب إلى أجل واستشهاده بآية ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة: 87] كله يكذب دعوى أنها لم تكن باذن من الشارع، ويسقط قوله: فدعوى إباحة الشارع لها في صدر الإسلام ساقطة، وكلها تكذب هذيانه بأنها من بقايا الأنكحة الجاهلية، وأنها كانت أمرا تاريخيا لا حكما شرعيا، وأنه ليس بيد أحد دليل باباحتها في صدر الإسلام. والحمدلله على ما ظهر من أن ما حمد الله عليه وزعم أنه هداه إليه هو دعاوى مجردة قد قامت البراهين القطعية على فسادها.
وأراد أن يتمحل عذراً عن روايات ابن مسعود على عادته فقال (في ص 128 – 130) ما حاصل مجموعه: «روى الإمام الطحاوي في معاني الآثار عن عبدالله بن مسعود: كنا نغزو وليس لنا نساء. فقلنا: ألا نختصي»، الحديث المتقدم، ثم قال: «هذا الكلام لفقته ألسنة الرواة من كلمات جرت في مجالس متفرقة على حوادث مختلفة حفظ الرواي منها جواب النبي لقائل قد قال: ألا نختصي، وقد كان جواب النبي على أسلوب حكيم يرشد المضطر إلى ترك أشد الحرامين ولو بارتكاب الأخف، وكلام الحكيم في أمثاله لا يفيد إحلال الأخف، وإنما يرشد إلى تقليل الشر عند الاضطرار إلى أحد الشرين. قلت ذلك لأن ابن مسعود لم يغب في غزوة غيبة طويلة تضطره إلى الاختصاء، ولأن قول الصحابة: ألا نختصي؟ يدل دلالة قطعية على أن حرمة التمتع كانت معلومة مثل حرمة الزنا، وإلاّ لما قال أجهل صحابي ألا نختصي ولأن أطول الغزوات غيبة عن المدينة مثل خيبر والفتح وتبوك كانت بعد نزول: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله﴾ [النور: 33] وابن مسعود كان أقوم الناس بأدب الدين وأطوعهم لأوامر الكتاب، وكان يعلم أن أمد الإغناء يمكن أن يمتد إلى سنين فلم يمكن أن يقول صحابي له أدب خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله ألا نختصي وهويحفظ آية ﴿وليستعفف﴾ ولم يغب عن زوجه إلاّ أياماً أو أسابيع، وهل كان ابن مسعود أفقر من أن يكون له كف من بر». ثم أعاد الكلام في آية ﴿وليستعفف﴾ فكرر وأطال بما يوجب الضجر والملال من دون جدوى على عادته السيئة، فذكرها (في ص 133-135 وفي ص 139 و164 و169) أكثر من تسع مرات بمضامين متقاربة ونضح إناؤه بما فيه من سوء القول فقال ما ملخصه: قوله تعالى في سورة النور: ﴿وانكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: 32]. ﴿وليستعفف الذين لا يجدون﴾. ﴿والذين يبتغون الكتاب﴾ ﴿وآتوهم من مال الله﴾. ﴿ولا تكرهوا فتياتكم﴾ [النور: 33] هذه الآيات الكريمة، وحدها تكفي أن تثبت أن المتعة كانت محرمة في صدر الإسلام تحريم أبد، ولو حلّت لما كان لهذه الآية الجليلة ولا لجملة من جملها الخمس معنى. الاستعفاف مبالغة التعفف، ومن لم يتمكن من نكاح فعليه الاستعفاف حتى يمكنه الله ويغنيه من فضله، ولو حل تمتع لبطل هذا الأمر. وآية ﴿وليستعفف﴾ نص قاطع محكم في تحريم المتعة تحريم أبد. ومجتهد الشيعة الذي تفلسف في توجيه هواه ومذهبه قد نسي ومر على آية في القرآن الكريم وأعرض عنها. كأين من آية في القرآن الكريم وسنن أمة النبي الحكيم (صلّى الله عليه وآله) يمرون عليها وهم عنها معرضون. هذه الآية تهدي من لا يجد نكاحاً إلى الاستعفاف حتى يغنيه الله لا إلى التمتع ولا إلى الاستئجار لا يتمتع ولا يمتع لا يستأجر ولا يؤجر إلاّ مذهب الشيعة لا دين الكتاب الكريم ولا أهل بيت النبي الحكيم (صلّى الله عليه وآله). ثم إن كان جملة ﴿وما استمتعتم﴾ في حل المتعة ولا يقوله إلاّ باقل أو أعجمي جاهل، فإين كان الله الذي لا ينسى وإين كان قوله ﴿وليستعفف﴾ هل نسيه أو نسخه؟ وجملة شرطية نزلت تفريعاً في تفصيل آيات النكاح، هل تنسخ آية فيها تأكيد حرمة النكاح وتقديسه بايجاب الانتظار إلى إغناء الله؟ وأي معنى لقوله لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله؟ لو حل تمتع بكف من بر أو بعدهم وأي حاجة إلى الاستعفاف لو حل المتعة بوجه من الوجوه؟ فوجوب الاستعفاف عند العجز عن النكاح يناقض حل التمتع بينهما مناقضة منطقية ومراقبة عروضية والله أرشد كل فقير إلى النكاح بقوله ﴿وانكحوا الأيامى﴾ ثم أوجب على نفسه إغناء الفقير في دوام العقد والزيجة ولو جاز تمتع الشيعة لم يبق لهذه الآية شأن ولما كان لذكر آية الاستعفاف بعدها من مناسبة إعجازية أو أدبية تعالى:
كتاب الله وهو أجل قدراً
من الأخبار عنه بالتعالي
قال: ومن كان الخاطب بآية ﴿اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله﴾ [آل عمران: 200] وقد نزلت قبل هذه الغزوات بمدة. وهل يمكن أن يوجد جزع أشد وأذم من جزع مجاهد يقول: ألا نختصي، وهو يحفظ ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء﴾ [البقرة: 214] وهل يمكن أن يكون صحابة أفضل نبي أوهن وأوقح في جنب الله عند نبيه من أصحابه أي نبي كان وقد كانوا:
رهبان ليل يذكرون كلامه
آساد غاب في الوغي بنهار
ثم تمضي عليهم سنون لا يجس في قلب أحد منهم واجس تمتع ولا داعية ميل إلى زوجة. ومثل ابن مسعود في ورعه ودينه إذا اعتقد حرمة زنا وقال: ألا نختصي لا يمكن أن يعتدي على القرآن يضرب بعض الآيات ببعضها يبتذل في سبيل سبقه آية ﴿ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا﴾ [المائدة: 87]، وأي فرق بين هذا الاعتداء وبين قول خليع يستحل زنا بغادة جميلة ويقول ﴿لا تحرموا﴾ وأقل صحابي ﴿ولا أقل بين الصحابة﴾ أجل من أن يبتذل آية مثل هذا الابتذال، فكيف ابن مسعود وهو أحفظ الصحابة واقرأهم بلا استثناء وأعلم من أكثرهم وأشبههم أدباً وهدياً بالنبي (صلّى الله عليه وآله).
(ونقول): (أولاً): أنه لم يرو ذلك الإمام الطحاوي وحده، بل رواه قبل الطحاوي أصحاب الصحاح وغيرهم: الإمام البخاري، والإمام مسلم، والإمام أحمد بن حنبل، والنسائي، وابن ماجة، وغيرهم وهم الذين قال عنهم فيما يأتي عند ذكر متون الأحاديث أنهم أئمة الأمة، وأن لهم رواية محيطة، ودراية نافذة واسعة، وأنهم نقدوا الأحاديث نقد الصيارفة خالص النقود من زيوفها، وأنه ما فاتهم شيء من سنن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأحاديثه وأنه لم يبق في أحاديث الأمة زيف أو دخيل، وهنا يقول هذه كلام لفقته ألسنة الرواة من كلمات جرت في مجالس متفرقة على حوادث مختلفة، وهل هذا إلاّ قدح في نقد هؤلاء الأئمة للأحاديث بأنه اختلط عليهم الأمر، فجمعوا كلاماً لفقته ألسنة الرواة من كلمات جرت في مجالس متفرقة على حوادث مختلفة لم يميزوا بينها فلفقوها وجمعوها، وهل هذا إلاّ تناقض ظاهر وكم له في كلامه أمثال.
(ثانياً): لا أقبح ولا أبرد ولا أسخف من هذا العذر الذي اعتذره عن ترخيص النبي (صلّى الله عليه وآله) لهم في النكاح بالثوب إلى أجل، بأنه ترخيص في الزنا، لكونه أخف حرمة من الاختصاء فإن هذا لا يصدر ممن عنده ذرة من معرفة مع أنه مناقض لما وصفهم به من أنها تمضي عليهم سنون لا يجس في قلب أحد منهم واجس تمتع ولا داعية ميل إلى زوجة، ولما وصف به ابن مسعود من الورع والدين، فمن تكون هذه صفتهم، هل يتفوه من عنده ذرة من علم أو عقل بأنهم يقدمون على الزنا، ثم يزيد بأن النبي (صلّى الله عليه وآله) رخص لهم فيه لأنه أخف حرمة من الاختصاء، هل يمكن أن يتكلم بمثل هذا مفلت من دبر هرقل ومناقض أيضاً لأمر الله سبحانه وتعالى لهم بالصبر والمصابرة، ولكن التناقض في كلامه لا شيء أرخص منه وأي حكمة في ذلك يمكن اسنادها إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وهم لم يريدوا بقولهم ألا نختصي حقيقة، وإنما أرادوا إظهار زيادة المشقة أي ماذا نصنع؟ أنختصي! فلم يبق بيدنا شيء نفعله إلاّ الإختصاء كما يقول المتضجر: ماذا أفعل أأقتل نفسي؟ فالاضرار هنا إلى أحد الأمرين يبيح الأخف ضرراً منهما كإنقاذ الأجنبية من الغرق المستلزم مس بدنها كما هو واضح.
(ثالثاً): زعمه أن ابن مسعود وغيره لم يغب عن أهله غيبة طويلة في عهد الرسالة تضطره للاختصاء هو رد للآثار الثابتة بالاستبعادات والتأويلات الخارجة عن مداليل الألفاظ، ولوجاز التعويل عليها لم يسلم لنا حديث، فكل يؤل على مشتهاه. إن الاختصاء لم ترد حقيقته كما عرفت، وهل كان مع الصحابة فعرف سرهم، وعلانيتهم، وظاهر أحوالهم، وباطنها، على أن عوامل الطبيعة في مثل ذلك كما تكون مع الغيبة الطويلة تكون مع القصيرة أمثال الشهر والشهرين والأقل، وطبائع الأشخاص في ذلك مختلفة مع أن هذه الدعوى لوصحت لأبطلت عذره المتقدم من أن جواب النبي (صلّى الله عليه وآله) كان على أسلوب حكيم «الخ»، كما لا يخفى.
(رابعاً): أحكام الشريعة كانت تنزل تدريجاً، فيجوز أن يكون حلية المتعة شرعة يومئذ، وبذلك يبطل زعمه أن قوله: ألا نختصي يدل على أن حرمة التمتع كانت معلومة على أنه قد قال فيما مر: كانت في عهد الرسالة تثبت سنة وتخفى على جماعة من الصحابة كثيرة وأن ابنعباس قد خفي عليه سنن في أبواب الربا والصرف مع ما قيل عنه أن عنده ثلثي علم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلابن مسعود أسوة به، فصح على مقتضى قوله أن يكون التمتع مشروعاً وخفي عن جماعة كثيرة من الصحابة، ولا ينافي ذلك ما وصف به ابن مسعود من صفات التعظيم.
(خامساً): إن صح أن أطول الغزوات كانت بعد نزول آية ﴿وليستعفف﴾ لم يمنع ذلك أن يشكو ابن مسعود إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) مشقة العزوبة، ويقول: ألا نختصي، والأمر الطبيعي لا يتنافي مع القيام بأدب الدين واطاعة أوامر الكتاب، ولا يرتبط بذلك ويمكن حصوله في المدة الطويلة والقصيرة، ولا يرفعه الأدب ولا الخروج للجهاد في سبيل الله، بل هو أمر قهري من لوازم الطبيعة يحصل للمجاهدين والقاعدين والمتأدبين والقليل الأدب والمطيعين لأوامر الكتاب والعاصين لها. فقول ابن مسعود أو غيره للرسول (صلّى الله عليه وآله): ألا نختصي، ليس عصياناً لقوله تعالى: ﴿وليستعفف﴾ ولا خروجاً عن أدب الدين، بل هو شكاية إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) كما يدل عليه ما في رواية أخرى: شكونا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) العزبة ومن عادة الأتباع أن يشكوا إلى متبوعهم كل ما ينوبهم خصوصا من هو أحنى عليهم من الأب الشفيق وهم – كما مر – لم يريدوا حقيقة الاختصاء، بل اظهار زيادة المشقة والضجر، فأرشدهم إلى المتعة وأباحها لهم عن الله تعالى، فكانت شكايتهم سببا لحصول الفرج لهم. وإذا كان ابن مسعود يعلم أن أمد الاغناء يمكن أن يمتد إلى سنين كان ذلك أدعى إلى أن يشتكي إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) العزبة وابن مسعود لم يعلم بحلية المتعة قبل ذلك الوقت؛ فبطل قوله هل كان أفقر من أن يكون له كف من بر وآية ﴿وليستعفف﴾ لا دلالة لها على تحريم المتعة بشيء من الدلالات، ولذلك لم يذكرها أحد في أدلته قبل هذا الرجل مع تشبثهم في ذلك بكل رطب ويابس اللهم إلاّ أن يكون وقع ذلك من أحد أمثاله، فهذا التكرار والتطويل والتهويش والتهويل من دون برهان ولا دليل لا يغني من فتيل وان دلت على وجوب الاستعفاف عن الزنا من الذين لا يقدرون على التزوج لفقرهم حتى يغنيهم الله من فضله، فيتمكنون من مهر الزوجة ونفقتها، والمهر في كل من النكاح الدائم والمنقطع يجوز أن يكون كفا من بر أو درهما أو تعليم سورة أو قنطارا من ذهب، وقد أجمع المسلمون كافة على أن كل ما يتمول يصح أن يكون مهرا في الدائم، بل يصح بدون مهر أصلا كما نطق به القرآن الكريم ويكون لها مع الدخول مهر المثل، وقد صرح الخليفة الثاني كما نقله هو في ما مر بأن كفا من بر يصح أن يكون مهرا في النكاح الدائم، واعترف هو أيضا في ما مر بأن أقوال الشيخين حجة كأقوال الرسول (صلّى الله عليه وآله) كما أجمع كل من قال بنكاح المتعة أن كل ما يتمول يصح أن يكون مهرا قل أو كثر، ككف من بر، أو درهم، أو تعليم سورة، أو قنطار من ذهب. وكما يمكن أن لا يقدر المرء على النكاح الدائم لفقره مع غلاء المهر، وكثرة النفقة، يمكن أن لا يقدر على المنقطع لعدم رضا المرأة بمهر قليل أو عدم رضاها بالمنقطع أصلا ولو بمهر كثير أو عدم تمكنه ولو من القليل كدرهم أو درهمين، فيدخل تحت قوله لا يجدون نكاحاً. وكما يمكن أن ترضى في المنقطع بمهر قليل ككف من بر أو درهم أو تعليم سورة، يمكن أن ترضى بذلك في الدائم، والمنقطع والدائم يشتركان في جوازهما بكل مهر وان قل جدا أو كثر جدا وفي امكان عدم القدرة على النكاح لفقد المهر قل أو كثر ولوسلم ورود الآية في الدائم؛ لأنه الغالب لم يكن فيها دلالة على حل المتعة ولا حرمتها؛ لأنها إنما تدل على وجوب الاستعفاف بترك الزنا عند عدم التمكن من الدائم. أما إن الزنا ما هو وبأي شيء يحصل وأي نكاح صحيح وأي نكاح باطل فلا دلالة لها عليه. فإذا كان نكاح المتعة مباحا مع قطع النظر عن هذه الآية بما دل عليه لم يكن فعلها منافيا للاستعفاف ولا هذه الآية منافية لحليتها. فظهر بما ذكرناه أن ما يتفق به بقوله إن هذه الآية نص قاطع محكم «الخ» عار عن التحصيل وأن الآية لا ربط لها بما ذكره بوجه من الوجوه وأن قوله لما كان لهذه الآية الجليلة ولا لجملها الخمس معنى ليس له معنى وإن جملها الخمس لا ترتبط بحيلة المتعة ولا بحرمتها أصلا، وأن هذا الذي تفلسف به في معنى الآية لتوجيه هواه ومذهبه يدخله في عموم، وكأين من آية في القرآن الكريم وسنن أمة النبي الحكيم يمرون عليها وهم عنها معرضون ولها تاركون، وتعبيره عن المتعة بالاستئجار والايجار كما مر منه مراراً ما هو إلاّ هذر من القول لا يثبت حقاً ولا ينفي باطلاً كما علم بما أقمناه من الأدلة على شرعية المتعة وعدم نسخها انها من دين الكتاب الكريم وسنة النبي الحكيم ومذهب كثير من الصحابة وأهل البيت عامة، وأن دعاواه هذه المجردة لا قيمة لها كما ظهر أن إنكار كون ﴿فما استمتعتم﴾ في حل المتعة لا يقع من باقل ولا أعجمي جاهل، فأين كان الله الذي لا ينسى حتى يتكرر حكم النكاح الدائم الذي ذكره في أول السورة بقوله ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ [النساء: 3] وحكم المهر المذكور بقوله ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾ [النساء: 4] فيعيده مرة ثانية بقوله ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾ [النساء: 24] فهل نسيه وأين كان الله تعالى الذي أوجب المهر في الدائم بمجرد العقد هل نسيه أو نخسه فأوجبه بالاستمتاع لا بالعقد. وجملة شرطية نزلت تفريعاً في حكم المتعة التي دخلت في آيات النكاح كما مر عند الكلام على تلك الجملة الشرطية لا تنافي آية ﴿وليستعفف﴾ التي فيها تأكيد حرمة النكاح وتقديسه حتى تكون ناسخة لها كما بيناه وأي معنى لقوله ﴿لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله﴾ [النور: 33] إذا حل نكاح دائم بكف من بر أو بدرهم كما أجمع عليه المسلمون، وحكاه هو عن الخليفة الثاني، وأي حاجة إلى الاستعفاف إذا حل هذا فما يكون جوابه، فهو جوابنا والجواب يعلم مما مر عند بيان معنى آية الاستعفاف، فظهر أن وجوب الاستعفاف عند العجز عن النكاح وحل المتعة ليس بينها مناقضة منطقية ولا مراقبة عروضية مما تفاصح به عند من ينصف ويفهم مناحي الكلام، وإذا كان الله تعالى حث على النكاح ونهى عن أن يكون الفقر مانعاً منه، ووعد بإغناء الفقير إذا تزوج وأمر من لم يقدر على النكاح أن يتعفف عن الزنا فما ربط ذلك بحلية المتعة وحرمتها، فإذا قال تعالى من تزوج فقيراً يغنه الله من فضله، ويجوز النكاح إلى أجل، ومن لم يجد نكاحاً لفقره فليستعفف حتى يغنيه الله من فضله أي منافاة بينها تنافي الإعجاب والأدب بعد الاجماع على جواز كون المهر في الدائم والمتعة من حفنة بر إلى قنطار ذهب.
كتاب الله وهو أجل قدراً
تعالى عن أباطيل الرجال
ويلزم على رأيه أن لا يشتكي المجاهدون جوعهم إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا جاعوا، ولا عطشهم إذا عطشوا، ولا شيئاً مما يصيبهم؛ لأن ذلك ينافي أمرهم بالصبر والمصابرة. فالصبر على الشدة مع امكان التخلص منها هو صبر بلادة لا صبر شرف وأجر. وتهويله بأنه هل يمكن أن يوجد جزع أشد من جزع مجاهد يقول ألا نختصي، وهو يحفظ آية ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة﴾ وهل يمكن أن يكون صحابة أفضل نبي «الخ» بتلك العبارة المعقدة. تهويل بارد. المجاهد يطلب منه الثبات في الحرب وعدم الفرار وعدم الجزع والخوف ولا يطلب منه إذا حصل له أمر طبيعي أن يشكوه إلى نبيه الذي يمكن أن يبيح له ما يرفعه سواء أكان من صحابة أفضل نبي أم لا؟ وأي ربط لأفضلية النبي وعدمها بالمقام ولم يكن في المقام جزع ولا هلع؟ وإذا كانوا رهبان ليل في عبادة الله بالصلاة والدعاء والتلاوة لم يلزم أن يكونوا رهبان نصارى، لا رهبانية في الإسلام. ولم تسلب منهم شهوة النكاح، وقد ورد تعلموا من الديك خمس خصال وعد منها كثرة الطروقة، وحبب إليه (صلّى الله عليه وآله) من الدنيا ثلاث أولها النساء ومات عن تسع نسوة، وتسمية ذلك وهناً ووقاحة من الوهن والوقاحة لما عرفت. وقوله مضت عليهم سنون «الخ» من جملة عباراته الفارغة. قوله: لا يجس في قلب أحدهم واجس تمتع تكذيب للأحاديث النبوية. وقوله ولا داعية ميل الى زوجة نسبة لهم إلى مخالفة السنة إن أراد أنهم لم يتزوجوا ويكذبه المعلوم من حالهم إن أراد عدم ميلهم للنساء وعلى ذكر البيت الذي أنشده جرى على اللسان هذان البيتان:
حب النساء شريعة مسنونة
مأخوذة عن أحمد المختار
ما كان في شرع النبي ترهب
من عابد أو فارس كرار
(سادساً): مثل ابن مسعود في ورعه ودينه إذا كان يرى ويروي حلية المتعة.
ويروي ذلك أئمة الأمة مثل: البخاري ومسلم وأمثالهما الذين قال هو فيهم في ما يأتي أنهم نقدوا الأحاديث نقد الصيارفة، ولم يبق في كتب الأمة زيف أو دخيل، ويستشهد بعده بآية ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [الأنعام: 87] وجب قبول قوله واتباعه، ولم يجز رد روايته وحقاً أنه إذا اعتقد حرمة الزنا واستباح المتعة – كما حكاه عن نفسه – فلا بد أن يكون استباحها بنص الرسول (صلّى الله عليه وآله) ولا يمكن أن يعتدي على القرآن يضرب بعض الروايات ببعضها، وإنما تلا آية ﴿لا تحرموا﴾ مستشهداً بها لما سمعه وثبت عنده من إحلال النبي (صلّى الله عليه وآله) عن الله تعالى للمتعة ورادّاً بذلك على من حرمها ولا يمكن أن يبتذل في سبيل قضاء شهواته آية ﴿لا تحرموا﴾ ولا أن يعتدي فما ذكره أدل على خلاف مراده. ومثل هذا الذي وقع من ابن مسعود في علمه ودينه وأدبه مثل من تزوج بحسناء وقال لا تحرموا. أما الاعتداء وابتذال السنة والآيات في سبيل تأييد هوى النفس فهو ما فعله هذا الرجل في صرف الروايات والآيات عن موردها بغير دليل ولا موجب سوى شهوة النفس، وابن مسعود لا يمكن أن يبتذل آية من كتاب الله، ولكن عد هذا الرجل الاستشهاد بالآية الكريمة على ما تدل وتنطبق عليه ابتذالاً لها هو عين الابتذال للحق والصواب والاخلال بواجب الآداب. ولم يفهم لقوله – ولا أقل بين الصحابة – معنى، فهل يرى أن الصحابة كلهم في ذروة واحدة، فمروان بن الحكم والوليد بن عقبة والمغيرة بن شعبة وبسر بن أرطأة وأضرابهم في درجة الخلفاء الراشدين لا يقلون عنهم في شيء.
فظهر أن قوله أن هذا الكلام كان ملفقاً كلام ملفق مزوق بعيد عن الحقيقة والحق.
الروايات المدعي فيها النسخ
مسلم في صحيحه بسنده عن سلمة بن الأكوع: رخص رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، عام أو طاس، في المتعة ثلاثاً ثم نهى عنها.
روايات سبرة بن معبد الجهني
مسلم في صحيحه بسنده عن الربيع بن سبرة؛ أن أباه غزا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فتح مكة. قال: فأقمنا خمس عشرة (ثلاثين بين ليلة ويوم) فأذن لنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في متعة النساء فخرجت أنا ورجل من قومي. ولي عليه فضل في الجمال وهو قريب من الدمامة، مع كل واحد منا برد، فبردي خلق وأما برد ابن عمي فبرد جديد غض. حتى إذا كنا بأسفل مكة، أو بأعلاها. فتلقتنا فتاة مثل البكرة العنطنطة. فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟ قالت: ويراها صاحبي تنظر إلى عطفها. فقال: إن برد هذا خلق وبردي جديد غض. فتقول: برد هذا لا بأس به. ثلاث مرات أو مرتين. ثم استمتعت منها فلم أخرج حتى حرمها رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
(وبسنده) عن الربيع بن سبرة بن معبد، عن أبيه؛ أن نبي الله (صلّى الله عليه وآله)، عام فتح مكة، أمر أصحابه بالتمتع من النساء قال: فخرجت أنا وصاحب لي من بني سليم. حتى وجدنا جارية من بني عامر. وكأنها بكرة عيطاء. فخطبناها إلى نفسها. وعرضنا عليها بردينا. فجعلت تنظر فتراني أجمل من صاحبي. وترى برد صاحبي أحسن من بردي. فأمرت نفسها ساعة. ثم اختارتني على صاحبي. فكن معنا ثلاثاً. ثم أمرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بفراقهن.
(وبسنده) عن الربيع بن سبرة، عن أبيه أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نهى يوم الفتح عن متعة النساء.
(وبسنده) عن الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه؛ أنه أخبره؛ أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نهى عن المتعة زمان الفتح متعة النساء وأن أباه كان تمتع ببردين أحمرين.
(وبسنده) عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه، عن جده قال: أمرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة ثم لم نخرج منها حتى نهانا عنها. (وبسنده) عن سبرة الجهني أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نهى عن المتعة. وقال: إلاّ أنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة. ومن كان أعطى شيئاً فلا يأخذه.
(وبسنده) عن الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه، أنه قال: أذن لنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالمتعة. فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بنيعامر. كأنها بكرة عيطاء. فعرضنا عليها أنفسنا. فقالت: ما تعطيني؟ فقلت: ردائي. وقال صاحبي: ردائي. وكان رداء صاحبي أجود من ردائي. وكنت أشب منه. فإذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها. وإذا نظرت إلى أعجبتها. ثم قالت: أنت ورداؤك يكفيني فمكثت معها ثلاثا. ثم أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: «من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع، فليخل سبيلها».
(وبسنده) عن الربيع بن سبرة الجهني أن أباه قال قد كنت استمتعت في عهد النبي (صلّى الله عليه وآله) امرأة من بني عامر، ببردين أحمرين. ثم نهانا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن المتعة.
(وبسنده) عن الربيع بن سبرة الجهني أن أباه حدثه، أنه كان مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) «فقال: يا أيها الناس! اني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء. وأن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله. ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً».
(وبسنده) عن الربيع بن سبرة، عن أبيه، أن النبي (صلّى الله عليه وآله) نهى عن نكاح المتعة.
الإمام أحمد بن حنبل في مسنده فيما أخرجه من حديث سبرة بن معبد، بسنده عن الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم الفتح فأقمنا خمس عشرة من بين ليلة ويوم قال: قال: فأذن لنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المتعة وخرجت أنا وابن عم لي في أسفل مكة، أو قال في أعلى مكة فلقينا فتاة من بني عامر بن صعصعة كأنها البكرة العنطنطة قال: وأنا قريب من الدمامة، وعليَّ برد جديد غض، وعلى ابن عمي برد خلق قال: فقلنا لها: هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟ قالت وهل يصلح ذلك؟ قال: قلنا: نعم قال: فجعلت تنظر إلى ابن عمي فقلت لها: ان بردي هذا جديد غض، وبرد ابن عمي هذا خلق قالت: برد ابن عمك هذا لا بأس به قال: فأستمتع منها فلم نخرج من مكة حتى حرمها رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
(وبسنده) عن ربيع بن سبرة، عن أبيه أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نهى عن متعة النساء يوم الفتح.
(وبسنده) عن ربيع بن سبرة: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حجة الوداع ينهى عن نكاح المتعة.
(وبسنده) عن الربيع بن سبرة، عن أبيه: خرجنا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من المدينة في حجة الوداع، إلى أن قال: فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم أمرنا بمتعة النساء، فرجعنا اليه، فقلنا: يا رسول الله انهن قد أبين إلاّ إلى أجل مسمّى. قال: «فافعلوا» قال: فخرجت أنا وصاحب لي على برد وعليه برد، فدخلنا على امرأة فعرضنا عليها أنفسنا، فجعلت تنظر إلى برد صاحبي فتراه أجود من بردي، وتنظر إليّ فتراني أشب منه، فقالت: برد مكان برد واختارتني فتزوجتها عشرا ببردي فبت معها تلك الليلة، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد فسمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو على المنبر يخطب يقول: «من كان منكم تزوج امرأة إلى أجل، فليعطها ما سمّى لها، ولا يسترجع مما أعطاها شيئاً وليفارقها فإن الله تعالى قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة».
(وبسنده) عن الربيع بن سبرة، عن أبيه: نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن نكاح المتعة.
(وبسنده) عن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه أمرهم بالمتعة قال: فخطبت أنا ورجل امرأة قال: فلقيت النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد ثلاث فإذا هو يحرمها أشد التحريم، ويقول فيها أشد القول، وينهى عنها أشد النهي.
(وبسنده) عن الربيع بن سبرة، عن أبيه سبرة الجهني أنه قال: أذن لنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المتعة قال: فانطلقت أنا ورجل هو أكبر منّي سناً من أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله)، فلقينا فتاة من بنيعامر كأنها بكرة عيطاء، فعرضنا عليها أنفسنا. فقالت: ما تبذلان؟ قال كل واحد منا: ردائي قال: وكان رداء صاحبي أجود من ردائي، وكنت أشب منه قالت: فجعلت تنظر إلى رداء صاحبي ثم قالت: أنت ورداؤك تكفيني قال: فأقمت معها ثلاثاً قال: ثم قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «من كان عنده من النساء التي تمتع بهن شيء فليخل سبيلها» قال: ففارقتها.
(وبسنده) عن الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلما قضينا عمرتنا، قال لنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «استمتعوا من هذه النساء». والاستمتاع عندنا يومئذٍ التزويج، قال: فعرضنا ذلك على النساء فأبين إلاّ أن يضرب بيننا وبينهن أجلا قال: فذكرنا ذلك للنبي (صلّى الله عليه وآله) فقال: «افعلوا» فانطلقت أنا وابن عم لي ومعه بردة ومعي بردة، وبردته أجود من بردتي، وأنا أشب منه، فأتينا امرأة فعرضنا ذلك عليها فأعجبها شبابي وأعجبها برد ابن عمي، فقالت برد كبرد قال: فتزوجتها فكان الأجل بيني وبينها عشراً قال: فبت عندها تلك الليلة ثم أصبحت غادياً إلى المسجد فإذا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين الباب والحجر يخطب الناس يقول: «ألا وإن الله تبارك وتعالى قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً».
ابن ماجة القزويني في سننه بسنده عن الربيع بن سبرة، عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حجة الوداع. فقالوا: يا رسول الله! ان العزبة قد اشتدت علينا. قال: «فاستمتعوا من هذه النساء» فأتيناهن. فأبين أن ينكحننا إلاّ أن نجعل بيننا وبينهن أجلا. فذكروا ذلك للنبي (صلّى الله عليه وآله). فقال: «اجعلوا بينكم وبينهن أجلا». فخرجت أنا وابنعم لي. معه برد ومعي برد. وبرده أجود من بردي. وأنا أشب منه. فأتينا على امرأة، فقالت: برد كبرد. فتزوجتها فمكثت عندها تلك الليلة. ثم غدوت ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) قائم بين الركن والباب، وهو يقول: «أيها الناس! اني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع. ألاَ وان الله قد حرمها إلى يوم القيامة. فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها. ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً».
هذه هي روايات سبرة التي أخرجها مسلم، وابن حنبل، وابن ماجة نقلناها كلها ليتضح ما في دعاواه وآرائه من الفساد، وهو قد أشار إليها في ص 133 مستدلا بها على التحريم المؤبد. فقال: وقد روى الإمام أحمد، والإمام مسلم عن سبرة الجهني التحريم المؤبد من يوم الفتح إلى يوم القيامة اهـ.
(ونقول): (أولاً): انها كما دلت على التحريم المؤبد يوم الفتح دلت على الإباحة يوم الفتح، وعلى الإباحة في حجة الوداع، وبه تبطل دعواه السابقة انها لم تكن مباحة في شرع الإسلام أصلا وأنها من بقايا أحكام الجاهلية ومبالغة في ذلك واطالة لسانه بسوء القول: فكيف عرف دلالتها على التحريم. وعمي عن دلالتها على الإباحة؟!
(ثانياً): إنها لا تصلح دليلاً لما زعمه من التحريم المؤبد من وجوه.
(الأول): انها مع تسليم سندها معارضة بما مر من الروايات عن جابر، وعمران بن الحصين، وابن مسعود، وابنعباس وابن عمر، وسلمة بن الأكوع وغيرهم، وتلك أرجح لكثرة رواتها. وروايات سبرة إنما رواها الربيع بن سبرة عن أبيه، فهي بمنزلة رواية واحدة مع تأكيد تلك بالاستشهاد بآية تحريم الطيبات والتصريح ببقاء الإباحة إلى خلافة الشيخين حتى نهى عنها عمر، وتأكيد ابن عمر ذلك بالحلف بأنهم لم يكونوا على عهد الرسالة زانين ولا مسافحين، وتصريح عمران بن الحصين بنزول آية المتعة، والعمل بها، وعدم نسخها، وعدم نهي النبي (صلّى الله عليه وآله) عنها طول حياته، وأن الذي حرمها قال ذلك برأيه.
(الثاني): انها مختلفة في تاريخ الإباحة والنسخ، ففي بعضها من روايات مسلم وابن حنبل أنهما كانا يوم الفتح، وفي بعضها من روايات ابنحنبل وابن ماجة أنهما كانا في حجة الوداع. وفي بعضها من روايتهما لم يعين الوقت، وإذا ضممنا إلى ذلك ما ورد في اباحتها، وتحريمها يوم خيبر، وعمرة القضاء، وحنين، وأوطاس، وتبوك وتكون قد أبيحت ونسخت سبع مرات كما تقدم مفصلاً في أول البحث عند الكلام على قوله أن المتعة من غرائب الشريعة، وكما فصلناه في الحصون المنيعة.
(الثالث): أن مضامينها متنافية متناقضة مع كونها حكاية لواقعة واحدة مع شخص واحد، فرواية سبرة الأولى التي فيها التحريم يوم الفتح فيها تناقض بين روايتي مسلم وابن حنبل، فمسلم روى أن سبرة كان جميلاً وبرده خلق وصاحبه من قومه كان قريباً من الدمامة وبرده جيد، وأن الذي تمتع بها هو سبرة دون صاحبه وأحمد روى أن القريب من الدمامة هو سبرة وبرده جيد غض وبرد ابنعمه خلق وأن الذي استمتع بها هو ابن عمه لا هو، ورواية سبرة الأولى في صحيح مسلم ومسند أحمد ظاهرها أن الإذن كان بعد خمسة عشر يوماً من دخول مكة. وروايتا مسلم وأحمد الأخريان ظاهرهما أن الترخيص كان حين دخول مكة لقوله حين دخلنا مكة، فلما قدمنا مكة طفنا ثم أمرنا بمتعة النساء، وروايتا مسلم وأحمد الأولتان دلتا على أن سبرة خرج مع رجل من قومه ابنعم له، ورواية مسلم الثانية على أنه خرج مع صاحب له من بنيسليم وسبرة من جهينة وجهينة أبو بطن من قضاعة ابن معد بن عدنان. وبنو سليم بطن من مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو سليم بن منصور وبنو سليم بن فهم أيضاً فرقة من الأشاقر وهم بطن من دوس ودوس فرقة من غسان وغسان بطن من قحطان، وجميع العرب الموجودين يرجعون إلى عدنان وقحطان وقضاعة كما في عيون المسائل، فلا يتوهمن متوهم أن بني سليم من جهينة. وروايتان من روايات مسلم دلتا على أن سبرة تمتع بامرأة من بني عامر ببرد واحد، ورواية ثالثة لمسلم على أنه استمتع بامرأة من بنيعامر ببردين أحمرين، فكم مرة تمتع سبرة يوم فتح مكة مع أن في الروايات ما يدل على أن ذلك كله حكاية لواقعة واحدة صدرت معه يوم الفتح، فإن راوي هذه الروايات كلها عنه شخص واحد وهو ابنه الربيع بن سبرة، وهي متحدة في أكثر الخصوصيات مثل خروجه مع رجل، وعرضهما أنفسهما على المرأة، ورفيقه دميم أكبر منه سناً، وهو جميل شاب، وتردد المرأة بينهما لذلك، واختيارها الشاب وكونها من بني عامر، وكونها مثل البكرة العنطنطة أو العيطاء التي بمعناها، فكيف تتفق معه كل هذه الخصوصيات كل مرة ومع ذلك فمرة كان هذا يوم الفتح، ومرة في حجة الوداع، ومرة كان هو الشاب الجميل الذي برده رديء فاختارته المرأة، ومرة بالعكس، كل هذا مما يدل على أن هذه الروايات موضوعة مضافاً إلى أمور أخرى ذكرناها في الحصون المنيعة لبطلان هذه الروايات.
زعمه الإجماع على تحريم المتعة
من الصحابة والأمة
قال (في ص 127): «أجمعت الشيعة على أن عمر نهى عن متعة النساء على ملأ من الصحابة والإمام علي وشيعته عنده وسيفه بيده حاضر ولم ينكر ذلك على عمر منكر، فهذا إجماع على ثبوت النهي وعلى ثبوت النسخ. والمجلس كان مجلس استشارة ولم يكن أحد يسكت فيه خوفاً أو وهماً، ولم يكن من دأب علي أن يسكت في مثل هذه الساعة على مثل هذه المسألة، وفي السكوت هدم لحكم جليل من أحكام الدين هو شعار له وشارة. ودعوى التقية بعد كل هذه شأن ذليل متهور يهرأ ويهزأ ويتفل على وجه الحق ثم ينجو بالسوأة، وابنعباس كان قد اشتهر عنه القول بالمتعة حتى جرت مجرى الأمثال، وكان يقول بالمتعة جماعة من الصحابة، وعن جابر أنهم كانوا متمتعون من النساء حتى نهاهم عنها عمر ثم امتنعوا. والنهي زمان عمر كان بإجماع من الصحابة فيهم علي، والإجماع إجماع على ثبوت نهي الشارع، وعلى ثبوت النسخ من الشارع، ثم قد أجمعت الأمة على منع المتعة والامتناع عنها. وقد كانت في عهد الرسالة تثبت سنة وتخفى على جملة من الصحابة كثيرة، وعلمها عند واحد أو جماعة ويرى صحابي رأياً من عند نفسه يخالفها أو لا يخالفها، وابن عباس قد خفي عليه سنة في أبواب الربا والصرف، كما خفي عليه وعلى جماعة من الصحابة تحريم المتعة حتى أجمعت شورى الصحابة عند عمر وعلي على أن الشارع حرمها تحريم الأبد، وهذا معنى قول جابر أنهم كانوا يتمتعون حتى نهاهم عمر».
و(في ص 133): «قال ابنالمنذر: جاء من الأوائل الترخيص في المتعة، ولا أعلم اليوم من يجيزها إلاّ بعض الشيعة، وقال عياض: ثم وقع الإجماع على تحريمها. وتمتع جماعة من صحابي أو تابعي ليس بحجة، ثم خلاف جماعة لم يبلغها حديث التحريم، أو بلغها وعملت على خلافه لا يقدح أصلاً وأبداً في الحجة؛ إذ قد صح عند الأمة حديث التحريم المؤبد بإجماع في شورى الصحابة زمن عمر، ووافقته الأمة».
وفي (ص 135): «ثبت عند أهل العلم وأئمة الاجتهاد وأئمة المذاهب تحريم المتعة بوجوه، وذكر منها إجماع الأمة على التحريم بعد ما تقرر النهي والنسخ في شورى الصحابة زمن عمر، وكان علي حاضرا بالمجلس، وقد ثبت بإجماع الشيعة وأهل السنة والجماعة وبرواية زيد بن زين العابدين، ومحمد بن الحنفية عن امام الأئمة وأميرالمؤمنين علي (عليه السلام) تحريم المتعة تحريم أبد، الرواية ثابتة قطعاً، ودعوى التقية ساقطة بالضرورة فالإجماع قطعي».
و(في ص 126): «روى الإمام مالك والزهري عن أئمة أهل البيت، عن علي أميرالمؤمنين (عليه السلام) أن النبي نهى يوم خيبر عن نكاح المتعة. روى الإمام الشافعي عن ابنعيينة عن الزهري عن الحسن([276]) عن أبيه الباقر محمد بن علي عن علي بن أبيطالب أن النبي حرم نكاح المتعة يوم خيبر. روى محمد بن الحنفية، عن أبيه علي بن أبي طالب أن منادي رسول الله نادى يوم خيبر: إلاّ ان الله ورسول الله ينهاكم عن المتعة. والامام الطحاوي في معاني الآثار روى بسند ثابت أن علياً قال لابن عباس: إنك رجل تائه ألم تعلم أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نهى عن متعة النساء. وروى عن عبدالله بن عمر: والله لقد علم ابن عباس أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حرمها يوم خيبر (وروت كتب الشيعة بالسند عن زيد بن زين العابدين علي عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن النبي (صلّى الله عليه وآله) حرم يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة، والشيعة لا تنكر هذه الرواية وإن قالت أنها وردت مورد التقية ودعوى التقية بعد ثبوت الرواية هراء وهواء وطعن على دين الإمام».
و(في ص 141): «ثبت بسند أجمع عليه الشيعة والأمة أن شورى الصحابة وركنها الأعظم علي (عليه السلام) قررت وأقرت على تحريم المتعة تحريم الأبد زمن النبي (صلّى الله عليه وآله)».
و(في ص 147): «بعدما ذكر حديث – قيل لعمر يعيب عليك الناس – المتقدم قال وبه – أي بهذا الحديث – يرتد عن دينه ما ابتهرته الشيعة على لسان الامام علي (عليه السلام) أنه كان يقول لولا نهيه عن المتعة ما زنى إلاّ شقي أو إلاّ شفا – قليل – فذلك القول من عمر رد لهذا القول الذي وضعته الشيعة على لسان علي إلى أن قال: فلو كان علي صار يقول هذا القول بعد زمن الفاروق لكان أذل الناس».
و(في ص 149): «العرب قبل الإسلام كانت لها أنكحة دامت حتى صارت عادة أبطلها الإسلام ومنها المتعة، فدامت في صدر الإسلام حتى تقرر في شورى الصحابة زمن عمر ثبوت النهي والنسخ وتحريم الأبد، فنهى عنها عمر، فأشيع اشاعة غرض أو غفلة أن الناهي إنما هو عمر، فبقي الاختلاف زمن التابعين حتى رجع الأكثر إلى ما كان يراه عمر، فأجمعت الأمة بعده على التحريم إلاّ الشيعة، ولم يكن بيدها من دليل إلاّ إرغام بمجرد ولم يوجد لها من زخرفة إلاّ أنها شارة لأهل البيت (عليهم السلام) وشعار للأئمة (عليهم السلام)».
(ونقول): كلامه هذا كسائر كلماته قد اشتمل على أمور هي عبارة عن دعاوى مجردة عن دليل ومماحكات وتمحلات وتناقضات ومصادمات للبديهة ومخالفات لإجماع المسلمين، ودعوى للإجماع في محل الخلاف وللقطع في موضع القطع بالعدم وغيرها من هذا النسخ. فلنتكلم على كل واحد منها على حدة.
(الأول): زعمه إجماع الصحابة على ثبوت النهي، واستدلاله بأنه وقع على ملأ منهم، ولم ينكره أحد، وعلي (عليه السلام) حاضر، فكان إجماعاً. وفيه أن حضوره غير معلوم ومن الذي ذكره. ومما يضحك الثكلى قوله: «وشيعته عنده وسيفه بيده» فهل كان الموقف موقف حرب وطعن وضرب واحداث فتنة في الإسلام هي أعظم مفسدة مما حصىل، ولعله يقصد بذلك الهزء وهو أولى به. ولو كان عند علي (عليه السلام) من شيعته من يغني عنه لنفعه قبل هذا الموقف، ولم يكن عنده حمزة ولا جعفر ولا عبيدة. وسيفه ولم يكن في يده بل في غمده لا يؤذن لا بالسل، ولو فرض أنه كان حاضراً وسكت، فقد سكت فيما هو أعظم من تلك الساعة. ومن عند كلامه على التقية أنه لم يكن أعظم من موسى (عليه السلام) كليم الله حين قال: ﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾ [الشعراء: 21]. ولا من هارون (عليه السلام) لما قال: ﴿إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني﴾ [الأعراف: 150]. ولا من لوط (عليه السلام) إذ قال: ﴿لو أن لي بكم قوة﴾ [هود: 80] ولا من محمد (صلّى الله عليه وآله).
وقد فر من قومه لما تعاقدوا على قتله إلى الغار، فاختفى فيه ثلاثاً ثم إلى المدينة مستخفياً. على أن دعوى عدم إنكاره كذب وافتراء فقد قال: لولا ما تقدم به فلان ما زنى إلاّ شفا أو ما هذا معناه، وهذا غاية ما يمكنه من الإنكار، وأما زعمه أن الشيعة ابتهرته ووضعته على لسان علي (عليه السلام) يكذبه أنه إنما رواه عن علي (عليه السلام) علماء غير الشيعة ممن تسمّوا بأهل السنة، فالابتهار ليس إلاّ من هذا الرجل الذي لا يبالي ما يقول وبذلك يرتد عن دينه ما «ابتهره»([277]) على الشيعة غير هياب ولا مبال من أنها وضعته على لسان علي (عليه السلام). ففي تفسير الطبري ج5، ص9، بسنده عن شعبة عن الحكم، قال علي (عليه السلام): لولا أن عمر نهى عن المتعة، ما زنى إلاّ شقي. ومثله عن الثعلبي في تفسيره. وفي الدر المنثور في تفسير كلام الله بالمأثور للسيوطي ج2، ص140، أخرج عبدالرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن الحكم، قال علي (عليه السلام): لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى الأشفا. ومن ذلك يعلم مبلغ أمانة هذا الرجل ومبلغ علمه بالأحاديث ومبلغ أدبه في قوله فلو كان علي (عليه السلام) صار يقول الخ. وما يدريه أنه قاله في زمن الفاروق أو بعده. أما الروايات التي أسندت إليه روايات التحريم؛ فهي مخالفة لما رواه عنه الأئمة (عليهم السلام) من ذريته الذين هم أعرف بمذهبه من كل أحد فلا يتلفت اليها. والتقية قد بينا عند الكلام عليها أنها ثابتة في العقل والنقل، وأنها من الدين، فما كلامه هذا إلاّ هراء وهواء وطعن على دين الإسلام كما أن دعوى عدم إنكار أحد عليه أيضاً كذب وافتراء، فقد أنكر عليه جماعة وأبوا عليه هذا النهي كما مر عند ذكر ثبوتها بالسنة، ففي الدر المنثور للسيوطي ج2، ص141، قال: أخرج عبدالرزاق وابن المنذر من طريق عطاء عن ابنعباس قال: يرحم الله عمر، ما كانت المتعة إلاّ رحمة من الله رحم بها أمة محمد، ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا أشفى (الحديث). وفي النهاية الأثيرية عن كتاب الهروى ما لفظه في حديث ابنعباس ما كانت المتعة إلاّ رحمة رحم الله بها أُمة محمد (صلّى الله عليه وآله) لولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا أشفا أي إلاّ قليل من الناس. وقال الأزهري: أي إلاّ أن يشفى أن يشرف على الزنا ولا يواقعه اهـ.(النهاية) وفي لسان العرب في الحديث عن عطاء سمعت ابنعباس يقول: ما كانت المتعة وساق الحديث إلى أن قال: والله لكأني أسمع قوله أشفا ـ عطاء القائل – ودعوى رجوعه عنها باطلة مختلقة كدعوى قول علي (عليه السلام) له: إنك رجل تائه الخ. وابنعباس إنما أخذ القول بإباحتها عن علي وابنعمر لم يكن ليقول: والله لقد علم ابنعباس أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حرمها، فإنه قدح في ابنعباس بمخالفة الرسول (صلّى الله عليه وآله) عالماً لا يقدم عليه ابن عمر مع أن المروي عنه إنكار تحريمها. وقوله: والله ما كنا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) زانين ولا مسافحين وجوابه لمن قال له: إن أباك نهى عنها مشهور، وممن رواه الترمذي عن قول عمران بن الحصين نزلت آية المتعة في كتاب الله وعملنا بها مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلم تنزل آية تنسخها، ولم ينه عنها النبي (صلّى الله عليه وآله) حتى مات وفي رواية عنه أن الله أنزل في المتعة آية وما نسخها بآية أخرى وأمرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بها وما نهانا عنها ثم قال رجل برأيه ما شاء أو فقال بعد رجل برأيه ما شاء. وقول جابر فعلناهما مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما كالصريح في أن الامتناع لنهي عمر لا لغيره وهو إنكار ضمني وما أسنده إلى جابر لا يدل عليه شيء من الأحاديث المنقولة المار ذكرها، فهو يقول في أحدها: استمتعنا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر وعمر، وفي الأُخر كنا نستمتع بالقبضة على عهد رسول الله وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث، وفي الثالث فعلناهما – أي المتعتين – مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما. فهل في هذا الكلام دلالة على أن من لم يبلغه النسخ كان يتمتع يعتقد أن الأمر باق حتى ثبت النسخ بشيء من الدلالات كما يزعمه هذا الرجل فهو افتراء على جابر وتفسير كلامه بما لا يرضى به ولم ينسبه أحد إليه. نعم، لم ينكر عليه أحد إنكار ممانعة ومقاومة، ومن ذا الذي يجسر على هذا وهو يقول: أنا أحرمهما وأعاقب عليهما فيعرض نفسه للعقاب، ويقول: لو كنت تقدمت لرجمت. وممن أفتى بها أُبي بن كعب كما مر عند الكلام على آية ﴿فما استمتعتم﴾ وكانت فتواه هذه طول حياته، وقال المرتضى في الشافي: أفتى بالمتعة جماعة من الصحابة والتابعين وعد من الصحابة عبدالله بن عباس وعبدالله بن مسعود وجابر بن عبدالله الأنصاري وسلمة بن الأكوع وزاد العلامة في كشف الحق المغيرة بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان وفي كشف الحق قال محمد بن حبيب البختري: كان ستة من الصحابة وستة من التابعين يفتون بإباحة المتعة للنساء. وظاهر هذا النقل عنهم أنهم كانوا يفتون بها طول حياتهم كما أن ذلك صريح ما مر عن ابن عباس وابن عمر وعمران، كل هذا وهو يتحمل ويقول: إنه خفي عليهم تحريم المتعة حتى أجمعت شورى الصحابة على أن الشارع حرمها يحمل على ذلك قول جابر المتقدم مع أنه لا يدل على الإجماع على التحريم، بل على الامتناع لأجل النهي بعد سماع هذا التهديد، فظهر فساد دعواه إجماع الصحابة على النهي وسخفها، وأنها دعوى للإجماع في محل الخلاف، وأغرب من ذلك دعواه أنه ثبت بإجماع الشيعة ومن تسموا بأهل السنة وبرواية زيد وابن الحنفية عن علي (عليه السلام) تحريم المتعة تحريم أبد، فستعرف أنه لا إجماع لا من الشيعة ولا من غيرهم، وكيف جمع الشيعة على روايته عن علي (عليه السلام) وتخالفه، وأن جميع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يفتون عليها كما روى ذلك عنهم بالتواتر والاتفاق أصحابهم وأتباعهم من شيعتهم ومحبيهم الذين هم أعرف بمذهبهم من كل أحد وهو مع ذلك يشتط ويقول بلا خجل ولا مبالاة الإجماع قطعي ورواية النهى عن زيد وابن الحنفية عن أميرالمؤمنين علي بالتحريم باطلة قطعاً؛ لأنها مخالفة لما ثبت عنه بالتواتر المتقدم سواء أكانت دعوى التقية ساقطة أم قائمة، فقوله الرواية ثابتة قطعاً ودعوى التقية ساقطة بالضرورة، فالإجماع قطعي، كلها دعاوى ساقطة لا برهان عليها أسرع مدعيها إلى دعوى القطع – على عادته – في محل الشك أو القطع بالخلاف كما ظهر فساد قوله: إن النهي زمن عمر كان بإجماع الصحابة فإنه وحده هو الناهي، ولم ينقل عن أحد غيره أنه نهى، بل جماعة أبوا عليه هذا النهي كما مر وفساد قوله لم يكن أحد يسكت خوفاً أو وهماً، وقوله أو وهماً وهمٌ منه ذكر مثله سابقاً عند الكلام على التقية وبينا وهمه فيه وظهر أنه وحده هو المتهور الذي يهرأ ويهزأ وينقل على وجه الحق، ثم ينجو بالسوأة وأن هذه العبارات السيئة التي اعتادها وتفاصح بها (يهرأ ويهزأ) لا أحد أحق بها منه.
(الثاني): زعمه أن هذا الإجماع إجماع على ثبوت النسخ والنهي من الشارع وفيه. مع أن الإجماع أصلاً غير واقع، فضلاً عن أن يكون على ثبوت نهي الشارع – أن الناهي قد أسند النهي إلى نفسه بقوله: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما بطريق الحصر، وتقديم الضمير المنفصل على فعل النهي الدال صريحاً على أنه هو الناهي لا غيره، كما تقرر في علم البيان في مثل قولنا أنا فعلت كذا ولو كان المراد نهي الشارع لكان إسناد النهى إلى الشارع بأن يقال نهى الشارع عنها متعيناً؛ لأنه أدخل في القبول منه ولم يكن ليسنده إلى نفسه.
(الثالث): زعمه ثبوت النهي والنسخ وتحريم الأبد في شورى الصحابة وأن المجلس الذي وقع تحريمها فيه كان مجلس استشارة، وفيه أنه لم يكن مجلس استشارة كما زعم ولكنه مجلس انذار وتهديد، وأنها لم تكن شورى من الصحابة وفي ذلك المجلس الذي يدعيه وإنما كان تحريم وتهديد ووعيد من رجل واحد فقط، وأن هذه الشورى المزعومة الموهومة لم يحضرها علي ولم يكن ركنها الأعظم ولا غير الأعظم ولم يكن لها أركان ولا بناء ولم يكن إلاّ تحريم رجل واحد وتهديده المخالف بالعقاب على أن الاستشارة لا محل لها في الأحكام الشرعية وأحكام الشرع لا تكون بالشورى وبالآراء وإنما سبيلها نص الشارع: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: 7] وليس سبيلها آراء الرجال حتى يشيروا فيها بنفي أو باثبات وإنما الاستشارة في الحروب وسياسة الملك وأمور الدنيا، وهل تكون الشورى ناسخة لوحي الله تعالى؟ وإذا كانت المتعة حرمت في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله) تحريم الأبد فلا بد أن يكون اطلع على هذا التحريم كافة الصحابة لا سيما بعد أن تكرر النهي سنة سبع وثمان وتسع وعشرة في آخر حياة النبي (صلّى الله عليه وآله) في حجة الوداع، فهل يحتمل عاقل أنه بقي أحد يجهل هذا النهي لو كان وكيف خالفه جماعة من الصحابة، وأي حاجة إلى شورى الصحابة في هذا الحكم بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) بعدة سنين، فهذا كله يبطل ما يقوله ويناقض ما يدعيه ويدل على أن الأمر على خلاف ما زعمه واجتماع شورى الصحابة عند عمر وعلي على تحريمها افتراء على الصحابة وما أبعد الشورى عن قول من يقول لو تقدمت لرجمت، على أن هذه الشورى التي يدعيها إن كان أصحابها قالوا بالتحريم اجتهاداً فهو مردود عليهم لعدم عصمتهم وإن كانوا رووه عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وكان النهي ثابتا عندهم، فأي حاجة إلى الشورى؟
(الرابع): زعمه إجماع الأمة بعد الصحابة على التحريم، وهي دعوى واضحة البطلان، قال المرتضى في الشافي: أفتى بالمتعة جماعة من الصحابة والتابعين وعد من التابعين أباسعيد الخدري، وسعيد بن جبير، وابنجريح، ومجاهد وغيرهم ممن يطول ذكره اهـ. وزاد العلامة في كشف الحق عطاء وقد اعترف صاحب الوشيعة (ص 132) بأنه كان يقول بالمتعة جماعة من التابعين منهم طاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وجماعة من فقهاء مكة منهم ابنجريح، ومر قول محمد بن حبيب البختري كان ستة من التابعين يفتون بإباحة المتعة للنساء، فهذا كله يكذب حصول الإجماع في عصر التابعين، ومن بعدهم كما ثبت كذب حصوله في عصر الصحابة ويدل على أنه لم يحصل لا على المنع ولا على الامتناع.
قال المرتضي في الشافي: فأما سادة أهل البيت وعلماؤهم فأمرهم واضح في الفتيا بها كعلي بن الحسين زين العابدين، وأبي جعفر الباقر، وأبيعبدالله الصادق، وأبي الحسن موسى الكاظم، وعلي بن موسى الرضا (عليهم السلام). أما تهويله بأنه ثبت عند أهل العلم، وأئمة الاجتهاد، وأئمة المذاهب تحريم المتعة بإجماع الأمة، فأهل العلم هم أهل البيت الذي أمرنا أن نتعلم منهم، ولا نعلمهم وأن لا نتقدمهم ولا نتأخر عنهم، وإذا أردنا دخول مدينة علم المصطفى أن نأتي بابها علي بن أبي طالب (عليه السلام) سيد أهل البيت وكلهم أفتوا بإحلالها. أما أئمة الاجتهاد فدعوى إفتائهم كلهم بتحريمها غير ثابت، ففي حاشية مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر في الفقه الحنفي المطبوع بالآستانة سنة 1319 لصاحب الشرح ج 1 ص 270 ما لفظه: وقال مالك هو- أي نكاح المتعة – جائز لأنه كان مباحا فليبق إلى أن يظهر ناسخه اهـ. وذكر في الشرح المذكور أنه منسوخ بإجماع الصحابة، ثم قال: فعلى هذا يلزم عدم ثبوت ما نقل من إباحته عند مالك. ففرع عدم ثبوت النقل على النسخ بإجماع الصحابة وحيث أن إجماعهم غير متحقق بل عدمه ثابت بافتاء جماعة منهم بذلك كابن عباس وابن مسعود وابنعمر وجابر الأنصاري وعمران بن الحصين وغيرهم ممن تقدم، فالتفريع غير ثابت. ولوفرض افتاؤهم كلهم بتحريمها، فحكم القرآن الكريم، والسنة النبوية، وأقوال أكابر الصحابة والتابعين والفقهاء أمثال ابن جريح، فقيه مكة، مقدمة.
الخامس: اعترافه بأن ابنعباس وجماعة من الصحابة كانوا يقولون بالمتعة وأن جابراً كان يقول: إنهم كانوا يتمتعون من النساء حتى نهاهم عنها عمر واعتراف ابن المنذر بثبوت الترخيص في المتعة من الأوائل الذي لا يمكن أن يكون ترخيصاً في حكم جاهلي مناقض ومكذب لقوله السابق: أنها لم تشرع في الإسلام وأنها من بقايا أنكحة الجاهلية، وأنها كانت أمراً تاريخياً لا حكماً شرعياً، ولكنه ينقل ما يكذبه ويحتج به ولا يبالي.
(السادس): زعمه أنها كانت تثبت سنة وتخفى على جماعة كثيرة من الصحابة والتباس الأمر عليهم لوأمكن في غير هذا المقام، فهو هنا غير ممكن بعد ما نودي بتحريمها – على ما زعموا – مراراً عديدة على رؤوس الأشهاد، وفي غزوات متعددة أحدها يوم فتح مكة المتأخر عن صدر الإسلام كثيراً، وفي آخر حياة النبي (صلّى الله عليه وآله) في حجة الوداع، فبقاء حكمها خافياً عنهم، أو عن بعضهم طول حياة النبي (صلّى الله عليه وآله)، ومدة خلافة أبي بكر، وشطراً من خلافة عمر واستمرارهم على فعلها حتى نهاهم عمر في شأن عمر بن حريث؛ ممتنع عادة، ولا يؤمن به صغار العقول فضلاً عن كامليها.
(السابع): زعمه أن تمتع جماعة من صحابي أو تابعي ليس بحجة يبطله أن الصحابة الذين تمتعوا أسندوا ذلك إلى ترخيص النبي (صلّى الله عليه وآله) وأمره كما نصت عليه الأخبار التي نقلناها، فكيف لا يكون حجة، وإذا كان تمتع جماعة من الصحابة مع إسنادهم الترخيص إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) ليس بحجة فتحريم صحابي واحد مع إسناده التحريم إلى نفسه ومخالفة جماعة من صحابي وتابعي وغيرهم له كيف صار حجة والتمست له الوجوه البعيدة وسردت وأولت لأجله الروايات الصحيحة. وزعمه أن الجماعة المخالفة لم يبلغها حدث التحريم أو بلغها وعملت على خلافه يبطله ان عدم بلوغها ممتنع عادة كما عرفت واحتمال بلوغها وعملها على خلافة أشنع وأبشع فإنه نسبة لاجلاء الصحابة إلى الاقدام على الزنا عمدا ومخالفة نهي النبي الصريح وفيهم مثل ابن مسعود الذي وصفه (ص 128ـ 129ـ130) بأعلى صفات الفضل، ومنها أنه أقوم الناس بأدب الدين وأشبه الصحابة هدياً بالنبي (صلّى الله عليه وآله)، وكيف يلتئم هذا مع عدالة جميع الصحابة ومع كون عصرهم أقدس العصور وأفضلها كما قاله فيما سلف سيما عصر الرسالة ومع قوله (ص 129) فأين قول الكتاب ﴿وليستعفف﴾ [النور: 33] الآية. ومن كان المخاطب بقوله ﴿اصبروا وصابروا﴾ [آل عمران: 200] وهل يمكن أن يكون صحابة أفضل نبي أوهن وأوقح من صحابة أي نبي كان، وقد كانوا رهبان ليل، فأي تهور أعظم من هذا أو أي تناقض أقبح منه! وحديث التحريم المؤيد ما صح ولن يصح وكيف يصح حديث مضطرب يقتضي أن تكون أبيحت وحرمت سبع مرات، وقد بيّنا عدم صحة حديث التحريم في الحصون المنيعة بما لا مزيد عليه. وما أسنده إلى جابر لا يدل عليه شيء من أحاديثه المتقدمة وهي: استمتعنا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر وعمر. كنا نستمتع بالقبضة على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث فعلناهما أي المتعتين مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثم نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما، فهل يتوهم أحد عنده ذرة من فهم أن معنى هذا الكلام أن من لم يبلغه النسخ كان يتمتع بقبضة يعتقد أن الأمر باق حتى ثبت النسخ والتحريم المؤبد، فهو افتراء على جابر وتفسير كلامه بما لا يرضى به ولا يدل عليه ولم ينسبه أحد اليه.
(الثامن): زعمه أن أشيع اشاعة غرض أو غفلة أن الناهي هو عمر، وهذا تمويه وستر للحقائق فقد ترك الخداع من كشف القناع بقوله: أنا أحرمهما وأعاقب عليهما، والغفلة لا يتوهمها إلاّ الغارق في الغفلة، وأي غفلة تبقى بعد هذا التصريح. نعم، أشيع اشاعة غرض لا غفلة فيه أن النهي من صاحب الشرع وليس كذلك وبقاء الاختلاف زمن التابعين دليل على بطلان قرار الشورى الذي زعمه. ولم يكن بيد من قال بحرمتها من دليل؛ إلاّ ارغام من أحلها، ومتابعة من حرمها مع الاعتراف بعدم عصمته، ولم يوجد لها من زخرفة إلاّ أشباه هذه الزخرفات التي يذكرها هذا الرجل.
دعوى رجوع ابن عباس
عن القول بالمتعة
قال (في ص 133): «قال الشعبي: حدثني بضعة عشر نفراً من أصحاب ابنعباس أنه ما خرج من الدنيا حتى رجع عن قوله في الصرف والمتعة، فإن لم يقبل رجوعه فإجماع التابعين بعده يرفع قوله والأمة ترث العلم ولا ترث ضلال أحد».
(ونقول): دعوى رجوع ابنعباس عنها باطلة، فقد اشتهر القول بها عنه اشتهاراً ما له من مزيد حتى نظمت فيه الأشعار، ففي الدر المنثور للسيوطي وغيره من طريق سعيد بن جبير، قلت لابن عباس: ماذا صنعت ذهب الركاب بفتياك وقالت فيه الشعراء. قال: وماذا قالوا؟ قلت: قالوا:
أقول للشيخ، لما طال مجلسه
يا صاح هل لك في فتيا ابنعباس
هل لك في رخصة الأطراف آنسة
تكون مثواك حتى مصدر الناس
ورجوعه لم يصح، والرواية بذلك عن الشعبي مع إرسالها وكون النفر الذين رووا ذلك عن ابنعباس مجهولين، ومع انحراف الشعبي عن علي وبني هاشم، وكونه نديم الحجاج، وقاضي عبدالملك بن مروان لم تكن لتعارض ما صحت واستفاضت روايته. وفي الكشاف عن ابن عباس أن آية ﴿فما استمتعتم﴾ محكمة – يعني لم تنسخ – وكان يقرأ ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ إلى أجل مسمّى اهـ. وهو يدل عن عدم رجوعه وفي النهاية الأثيرية عن كتاب الهروي ما لفظه وفي حديث ابن عباس ما كانت المتعة إلاّ رحمة رحم الله بها أمة محمد (صلّى الله عليه وآله) لولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا الأشفى أي إلاّ قليل من الناس، وقال الأزهري: أي إلاّ أن يشفى أي يشرف على الزنا ولا يوافقه اهـ. النهاية. وروى مسلم في صحيحه بسنده أن عبدالله بن الزبير قام بمكة، فقال: إن أناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة. يعرض برجل فناداه فقال: إنك لجلف جاف، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين يريد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك، فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك، قال النووي في شرح صحيح مسلم: يعرض برجل يعني: يعرض بابن عباس اهـ. ومن ذلك يفهم أن هذه المسألة دخلتها العصبية، واستمرت حتى اليوم وفي تفسير الفخر الرازي: قال عمارة سألت ابنعباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قال: متعة كما قال الله تعالى قلت: هل لها عدة؟ قال: نعم، عدتها حيضة. قلت: هل يتوارثان؟ قال: لا اهـ. والظاهر أن مراده من نفي كونها نكاحا نفي النكاح الدائم بحيث يترتب عليها جميع أحكامه، وكأنه فهم ذلك من سؤال السائل، وإلاّ فما ليس بنكاح فهو سفاح. على أن فتوى ابنعباس ليست هي المستند، فسواء عندنا رجوعه عنها وعدمه. وقوله: «الأمة ترث العلم ولا ترث ضلال أحد» من جملة هذيانه الذي لا يرجع إلى محصل ولا يرتبط بالمقام والأمة التي يتغنى دائماً بذكرها كما ترث العلم قد ترث الضلال؛ لأن العصمة ليست إلاّ لذي الجلال ومن شاء الله. ويأتي قريباً في الحوار بين ابنعباس وابنالزبير ما يدل على اشتهار القول بالمتعة عن ابنعباس اشتهاراً لا يقبل التكذيب وأن إسناد الرجوع إليه مجرد تلفيق.
قصة أسماء ذات النطاقين
قال (في ص 131): «فلو قلنا: إن أسماء ذات النطاقين بنت الصديق، أخت السيدة عائشة أم المؤمنين، تزوجها الزبير حواري النبي (صلّى الله عليه وآله) نكاح متعة، فمن يثبت لنا أن هذا النكاح كان متعة إلى أجل فانقطع بانقضاء الأجل. والحزم قد يوجب على الصديق الاحتياط تداركاً للأمر عند ظهور عدم القيام بين الزوجين، فالغالب أن الصديق – وقد كان حازماً – احتاط لعقيلته، فشرط على الزبير أمراً به تتطلق كريمته إذا تركته وشاع في الناس أنه نكاح إلى أجل، ثم وضعت ألسنة الرواة على لسان السيدة أسماء النكاح كان متعة بأجرة إلى أجل لأن سادة قريش كانت تستنكف الاتجار بشرف المرأة والصديق كان أسود وأغنى من أن تمتع عقيلته نفسها بأجرة لضرورة أو ضعة هذا الذي وقع ومن ادعى غيره فقد افترى».
(ونقول): الأحكام الشرعية تشمل جميع المكلفين لا فرق فيها بين أحد وأحد، يستوي ذات النطاقين وذات النطاق الواحد، وأخت السيدة عائشة أم المؤمنين وأخت أم جميل زوجة أبي لهب والزبير حواري النبي وغيره. فإذا قلنا انه تزوج أسماء نكاح متعة كان هذا العقد منعقداً إلى أجل فانقطع بانقضاء الأجل؛ لأن ذلك هو معنى نكاح المتعة لغة وشرعاً وعرفاً وغيره يحتاج إلى دليل واثبات، ولا يكفي فيه التخرص بمقتضى الشهوات، فقوله: الغالب أن الصديق «الخ» تخرص على الغيب وقول بغير علم ولو جاز مثله لجاز لكل أحد أن يقول الغالب كذا والغالب كذا، فيؤول كل حديث لا يوافق هواه على ما يوافق، وحينئذ تقع الفوضى في الدين ولا يسلم لنا خبر ولا حديث، فالألفاظ لها ظاهر يجب الأخذ به والعمل عليه ولا يجوز العدول عنه بقول الغالب أن المراد. على أنه لو كان شيء مما قاله واقعاً لنقل ولاعتذر به ابن الزبير وأمه أسماء حين قال له ابن عباس: إن أول مجمر سطع في المتعة لمجمر آل الزبير، وحين قال: سل أمك عن بردي عوسجة؛ فإنها لم تزد حين سألها على أن قالت: يا بني، احذر هذا الأعمى الذي ما أطاقته الإنس والجن، واعلم أن عنده علم فضائح قريش ومخازيها كما يأتي قريباً. وإذا كان الصديق حازماً والحزم يوجب عليه اشتراط أمر تنفسخ به عقدة النكاح عند ظهور عدم القيام، فلم لم يستعمل هذا الحزم إلاّ في تزويج ابنته ذات النطاقين من الزبير حواري الرسول (صلّى الله عليه وآله)؟ ولِمَ لَمْ يحتط هذا الاحتياط في تزويج أخته من الأشعث بن قيس الذي ارتد ثم تاب فردها إليه؟ والأشعث كان أولى بأن يحتاط منه لأنه ليس في درجة الزبير، وكيف لم يوجب عليه الحزم الاحتياط هناك، وأوجبه عليه في حق حواري الرسول (صلّى الله عليه وآله) في تزوجه بذات النطاقين لشد سفرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) بنطاقها أو لشعة ولم يستعمل هذا الحزم غيره من الصحابة حين زوجوا بناتهم وأخواتهم، فلم ينقل أن أحداً منهم استعمل مثل هذا الحزم واشترط مثل هذا الشرط – وهم كانوا أولى بذلك – فليس كل بناتهم مثل ذات النطاقين تحسن التبعل ولا كل أصهارهم مثل حواري الرسول يطيع أوامر الله في زوجته. كل ذلك يدلنا على أن هذا الشرط الذي صورته مخيلته لم يقع من الصديق وأنه مجرد اختلاق. واشتراط أمر به تتطلق كريمته من زوجها الزبير إذا تركته قهراً عليه ينافي ما سبق منه من أن النكاح من أقوى العقود ينعقد انعقاداً يبطل كل الشروط ولكن التناقض في كلامه طبيعة. ونسبتة إلى ألسنة الرواة الوضع على لسان السيدة أسماء أن النكاح كان متعة بأجرة أجل قدح في الصحابة أو من بعدهم من الرواة ونسبته لهم إلى الكذب والوضع على لسان ذات النطاقين بنت الصديق أخت أم المؤمنين زوجة الحواري، وهو أيضاً مناقض لقوله المتقدم أن الأخبار لم يبق فيها زيف أو دخيل واعتراف منه بالوضع في أخباره وتكذيب لنفسه في ما ادعاه على الشيعة مراراً أنها تضع ولا تحسن الوضع، ولعله رأى هنا أن رواته وضعت وأحسنت الوضع.
وروى ابن أبي الحديد وغيره أن ابن الزبير خطب بمكة وابن عباس تحت المنبر، فقال: إن هاهنا رجلاً أعمى الله قلبه، كما أعمى بصره، يزعم أن المتعة حلال من الله ورسوله، إلى أن قال: وقد قاتل أم المؤمنين وحواري رسول الله (صلّى الله عليه وآله). فقال ابنعباس لقائده سعيد بن جبير بن هشام مولى بني أسد بن خزيمة: استقبل بي وجه ابنالزبير وارفع من صدري، وكان قد كف بصره فاستقبل به وجهه، وأقام قامته، فحسر عن ذراعيه، ثم قال: يا ابنالزبير:
قد أنصف القارة من راماها
أنا إذا ما فئة نلقاها
ترد أولاها عن أخراها
حتى تصير حرضاً دعواها
فأما العمى، فإن الله تعالى يقول: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ [الحج: 46]. إلى أن قال: فأما المتعة فسل أمك أسماء إذا نزلت عن بردي عوسجة. وأما قتالنا أم المؤمنين فبنا سميت أمالمؤمنين لا بك ولا بأبيك، فانطلق أبوك وخالك([278]) إلى حجاب مدّه الله عليها فهتكاه عنها، ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها، وصانا حلائلهما في بيوتهما، فلا أنصفا الله ولا محمداً من أنفسهما إذ أبرزا زوجة نبيه وصانا حلائلهما، وأما قتالنا إياكم فانا لقيناكم زحفاً فإن كنا كفاراً فقد كفرتم بفراركم منا وإن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيانا، وأيم الله لولا مكان صفية فيكم ومكان خديجة فينا لما تركت لبني أسد بن عبد العزى عظماً إلاّ كسرته. فلما عاد ابن الزبير إلى أمه سألها عن بردي عوسجة، فقالت: ألم أنهك عن ابن عباس وعن بني هاشم فإنهم كعم الجواب إذا بدهوا؟ قال: بلى، وعصيتك. فقالت: يا بني احذر هذا الأعمى الذي ما أطاقته الإنس والجن واعلم أن عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها، فإياك وإياه آخر الدهر. فقال في ذلك أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي من أبيات:
يا ابنالزبير لقد لاقيت بائقة
من البوائق فألطف لطف محتال
إن ابنعباس المعروف حكمته
خير الأنام له حال من الحال
عيرته المتعة المتبوع سنتها
وبالقتال وقد عيرت بالمال
فاحتز مقولك الأعلى بشفرته
حزاً وحياً بلا قيل ولا قال
وفي العقد الفريد عن الشعبي أن ابن الزبير حين قال لابن عباس: أفتيت في المتعة؟ قال له ابنعباس في جملة كلام: إن أول مجمر سطع في المتعة مجمر آل الزبير.
وقوله: «سادة قريش كانت تستنكف الاتجار بشرف المرأة» تهويش بارد فاسد فإنها إذا ثبتت حلية المتعة كان القائل بأنها اتجار بشرف المرأة راداً على الله ورسوله ومستهزئاً بأحكامه، وليس في حلال امتهان لشرف، ويمكن أن يقال مثله في الدائم بأنه اتجار بشرف المرأة؛ لأنها تأخذ مقابل وطء الزوج لها ثمناً هو المهر ونفقة ونحو ذلك من العبارات الشعرية التي يقصد منها مجرد التنفير أو الترغيب، ولا تستند إلى حق ولا صواب، والسيادة لا توجب الارتفاع على أحكام الله ولا تجوز الاستكبار عنها والاستنكار لها وإطاعة أمر الله ليس فيها ضعة على أحد، وبذلك ظهر أن الذي وقع غير ما ادعاه وأن دعوى وقوعه محض افتراء.
زعمه النكاح المطلق لا يشمل المتعة
وكل آية فيها النكاح تحريم لها
قال (في ص 128): «النكاح إذا أطلق لم يكن يشمل نكاح المتعة لا لغة ولا شرعا»، و(في ص 152): «اذا أطلق النكاح لا ينصرف إلاّ على هذا العقد الدائم في تعارف أهل اللغة وعرف الشرع» و(في ص 165): «نسخت المتعة بكل آية نزلت في النكاح» و(في ص 135 و136): «كل آية فيها حل النكاح أو تحريمه يدل على تحريم المتعة فإن النكاح إذا أطلق لا يشملها لا لغة ولا شرعاً لا يطلق على ماء الورد اسم الماء إلاّ بالاضافة ولا يطلق اسم الأزواج واسم امرأة الرجل ونساء المؤمنين على المتمتع بهن. هذه بينة لغوية بيانية إنكارها مكابرة واستكبار. ﴿والذين هم لفروجهم حافظون* إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم فإنهم غير ملومين* فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ [المؤمنون :7:6:5]. لا ريب أن التمتع ابتغاء وراء ذلك، فالتمتع عدوان وذلك إشارة، ولا إشارة إلاّ إلى مشاهد، ولا مشاهد إلاّ الأزواج، ومطلق الأزواج لا تشمل إلاّ صاحبة تعيش معك في بيتك تملك عصمتها بنكاح مطلق دائم، ولم يرد لا في اللغة ولا في القرآن الكريم ولا في كتب العهدين العتيق والجديد اطلاق اسم المرأة على من يتمتع بها بأجرة أو بقوة، وجاء في أسفار التوراة اسم زانية وبغي على من تمتع بها بأجرة وترك عندها رهناً عصاه وخاتمه شارة رياسة وقوله النذيرة: ﴿أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا﴾ [مريم: 20] حكاية لما كان عليه عصرها سمته بغاء وبغياً ثم قص القرآن قول اليهود: ﴿ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا﴾ [مريم: 28] فجعل التمتع بغاء من جانب المرأة وسوء أسوأ من جانب الرجل».
(ونقول): بلغ من جهل هذا الرجل وتعصبه وعناده أن يستدل في أكثر المواضع بعين الدعوى، ويرتب أقيسة صغرياتها ممنوعة، ويستنتج منها نتائج باطلة، وكان الأولى بنا عدم تضييع الوقت في رد كلامه هذا الذي يعد من المهملات لولا طبع كتابه وانتشاره، وأخذنا على أنفسنا رده، فزعمه أن النكاح إذا أطلق لا يشمل المتعة لا لغة ولا شرعاً افتراء على اللغة والشرع، بل هو نكاح لغة وشرعاً. والمتمتع بها زوجة لغة وشرعاً. في الكشاف في تفسيراته (إلا على أزواجهم): فإن قلت هل فيه دليل على تحريم المتعة قلت: لا؛ لأن المنكوحة نكاح المتعة من جملة الأزواج.
وفي القاموس: النكاح الوطوء والعقد له. وقياس ذلك على الماء وماء الورد غير صحيح، بل هو كالماء وماء البحر وماء النهر، فما جعله بينة لغوية بيانية لا بينة فيه لا لغوية ولا بيانية إلاّ عند من يريد المكابرة والاستكبار على أنه لو سلم جدلاً أن النكاح المطلق لا يشمل المتعة لم يصح أن يعلل به، قوله: «ان كل آية فيها حل النكاح أو تحريمه يدل على تحريم المتعة» لأن تحليل شيء أو تحريمه لا يدل على تحريم غيره، فإذا قال الشارع: خلق الله الماء طهوراً لا يدل على أنه خلق ماء الورد نجساً، ولو قال: الماء نجس لم يدل على أن ماء الورد نجس، فهذا نوع آخر من استدلالات هذا الرجل المنبئة عن جهله المطبق. وقد ظهر أنه لا ريب في بطلان قوله: «لا ريب أن التمتع ابتغاء وراء ذلك، وأن قوله الأزواج لا تشمل إلاّ صاحبة تعيش معك في بيتك بنكاح دائم». لم يزد فيه على مجرد الدعوى كأكثر دعاواه، وأن الصاحبة التي تعيش معك في بيتك تشمل الدائمة والمنقطعة، والأجل يمكن كونه عشرات السنين وأن دعواه عدم اطلاق المرأة والزوج على من يتمتع بها في اللغة والقرآن الكريم افتراء على اللغة والقرآن الكريم، بل يشملهما اسمهما بلا ريب كما مر عن الكشاف، وأن قوله على من يتمتع بها بأجرة مجرد تضليل وسوء قول دعاه إليه حب التشنيع بالباطل لسوء طويته ولا ينطق به إلاّ جاهل، وقوله أو بقوة لا يفهم له معنى ولو فهم مراده منه لكان كسائر هذيانه وكلام التوراة الذي استشهد به لم ينقل لفظه ليعلم انطباقه على ما يدعيه، وهبه كذلك فما لنا ولكلام التوراة المنسوخ وكتب العهدين الذين أولع، وشغف بالاستشهاد بهما في كل مناسبة يكفينا عنها كتاب ربنا وسنة نبينا ولغة قومنا، ودعواه أن قول مريم عليهاالسلام ﴿ولم أك بغيا﴾ حكاية لما كان عليه عصرها وأن الذي كان فيه هو المتعة افتراء على البتول وبغي على الشرائع، فليس في كلامها إلاّ أنها لم تكن زانية وكذلك قول اليهود، فترهاته هذه لا ترتكز على أصل ولا أساس.
زعمه آيات الطلاق ومتاع التسريح والعدة
تدل على تحريم المتعة
قال (في ص 136) ما حاصله: «آية ﴿اذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ [الأحزاب: 49] دلت على أن عقد النكاح المشروع لا ينقطع إلاّ بطلاق ونكاح المتعة ينقطع بغير طلاق، ولا يوجب متاع التسريح فلا يكون مشروعاً وعلى أن العقد لا يوجب العدة إلاّ بعد المس والمس لا يوجب العدة إلاّ على الأزواج. ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة: 234] ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: 228]، فكل نكاح لا يوجب به القرآن عليها العدة باطل بالضرورة ولا آية أوجبت عدة متعة».
(ونقول): هذا استدلال غريب واستنباط عجيب قاده إليه رأي غير مصيب.
(أولاً): آية: إذا نكحتم المؤمنات، واردة في بيان حكم الطلاق ولا طلاق إلاّ في الدائم، وكل مفادها أن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها ولها المتعة، وفهم من آية تنصيف المهر لمن فرض لها مهر أن المتعة لمن لم يفرض لها مهر وليست مسوقة لبيان عن عقد النكاح بماذا ينقطع بل لبيان أنه إذا انقطع بالطلاق قبل الدخول فلا عدة عليها ولها المتعة مع عدم تسمية المهر، فأين هي من الدلالة على أن عقد المتعة غير مشروع؛ لأنه ينقطع بغير طلاق، ولا يوجب متاع التسريح هي بعيدة عن ذلك أبعد من السماء عن الأرض ولا يستدل بها عليه من عنده ذرة من فهم.
(ثانياً): عقد النكاح المشروع ينقطع بالموت والعيب والخلع والمباراة بناء على أنهما غير الطلاق، فقوله: لا ينقطع إلاّ بطلاق، غير صحيح.
(ثالثاً): دعواه أنها دلت على أن العقد لا يوجب العدة إلاّ بعد المس، باطلة؛ فإنها إنما دلت على أن عدة الطلاق لا تجب إلاّ بالمس لا مطلق العدة.
(رابعاً): قوله: والمس لا يوجب العدة إلاّ على الأزواج، من توضيح الواضح والتطويل بلا طائل.
(خامساً): تعليل ذلك بآية عدة الوفاة غير صحيح؛ لأن عدة الوفاة تجب على المدخول بها وغيرها كما مر.
(سادساً): كون كل نكاح لا يوجب به القرآن عليها العدة باطلاً بالضرورة؛ لأن جميع الأحكام لا يجب أخذها من القرآن، بل بعضها يؤخذ من السنة.
(سابعاً): قوله ولا آية أوجبت عدة في المتعة، باطل؛ لأن آية عدة الوفاة تشمل الدائمة والمنقطعة، وعليه فتوى أئمة أهل البيت وعلمائهم، أما عدة انقضاء الأجل مع الدخول فثبتت بالسنة.
زعمه آيات الطلاق والصداق وغيرها
تدل على تحريم المتعة
قال (في ص 137): «من وجوه تحريم المتعة كل آيات الطلاق والصداق والعدة والمواريث والحقوق ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة: 228] تدل دلالة ظاهرة قطعية تفيد اليقين على أن العقد الحلال إنما هو هذا النكاح الذي تثبت به كل هذه الأشياء وهذه الحقوق، فكل عقد لا يترتب عليه طلاق ولا إرث ولا يكون فيه لها مثل الذي عليها لا يكون حلالاً هذه بينته في كل الشرائع وكل القوانين».
(ونقول): هذا استدلال آخر من استدلالاته العجيبة التي لا ترتكز على أصل معطوف على ما سبق، فأحكام الشرع تابعة لأدلتها وعناوين موضوعاتها: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: 7] فإذا دل الدليل على حلية المتعة وجب الأخذ به، وإذا جاء في الشرع: أن الطلاق لا يكون إلاّ في الدائم، وأن المتمتع بها لا يقع بها الطلاق، وتبين بانقضاء العدة، وجب الأخذ به ولم يكن بينهما تناف ولا مخالفة للآيات، وأما الصداق فثابت في كل منهما، قل أو كثر بغير فرق، والعدة ثابتة على كل منهما في الوفاة من غير فرق، وفي الطلاق مع الفرق بالأدلة الفارقة، وليس في ذلك ما يخالف آيات القرآن. وأما الميراث، فلو لم تخصص آيات المواريث بالدائمة بالأدلة الصحيحة لقلنا به في الكل، فلما قام الدليل على التخصيص قلنا به ولم يكن فيه مخالفة للآيات، وهكذا الكلام في الحقوق، فظهر أن هذه الآيات لا تدل دلالة قطعية ولا ظنية على حصر العقد الحلال في النكاح الذي تثبتت به هذه الأشياء وهذه الحقوق، وأنه إذا دل دليل على عدم ثبوت بعضها في نوع من أنواع النكاح لم يكن ذلك منافياً لتلك الآيات، وأن قوله كل عقد لا يترتب عليه هذه الأشياء لا يكون حلالاً جزاف من القول لا يستند إلى دليل ولا برهان وأنه لا بينة من ذلك في شيء من الشرائع، وأما قوانين الدول فليست مستنداً لأحكام الشرع إلاّ عند هذا الرجل الذي يستشهد بها وبالكتب المنسوخة.
عدم إرث القاتلة والكافرة وعدم نفقة الناشز
قال (في ص 137): «والمجادل الذي يتحيل في دحض الحق بالباطل يقول القاتلة والكافرة لا ترث والناشزة لا نفقة لها. وقوله في عقيدته باطل؛ لأن السقوط عند قيام المانع لا ينافي ولا ينفي الوجوب بأصل العقد، ولعل هوى التشيع يبيح التشييع، وأن يقول شيعي لعامي قولاً يراه في أصل فقه مذهبه باطلاً. فعقد القاتلة انعقد موجباً للإرث، والناشزة للنفقة؛ وإنما سقط الحق الثابت بمانع حدث بعد، وعقد الكافرة انعقد موجباً للإرث وسقط الإرث بمانع قائم حين العقد قصاصاً لأنها لا ترى الإرث بدينها، أما إذا كانت ترى الإرث بدينها أو بقانون الدولة فالإرث ثابت بالعقد لا يسقط باختلاف الدين».
(ونقول): لهذا المجادل المتحيل لدحض الحق بالباطل الذي لا تخلو كلمة من كلماته من سوء القول الذي لا يعتمده إلاّ جاهل:
إن من يحرم المتعة قد استدل على تحريمها بحصر النكاح المحلل في الزوجة وملك اليمين ﴿الا على أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم﴾ [المؤمنون: 6] وليست المتمتع بها ملك يمين، وهو واضح ولا زوجة، وإلاّ لورثت ووجبت نفقتها، فلما لم ترث ولم تجب نفقتها؛ دل على أنها ليست بزوجة. فأجابهم أصحابنا بأن انتفاء الإرث أو النفقة لا يوجب انتفاء الزوجية لانتفاء الإرث في القاتلة والكافرة، والنفقة في الناشز مع بقاء الزوجية تدل على أنه لا ملازمة بين الزوجية والإرث، ولا بينها وبين النفقة بحيث كلما وجدت وجدا وكلما انتفيا انتفت، تكون الوجوب بأصل العقد والسقوط لمانع لا يضر شيئا حيث ثبت امكان تخلف الإرث والنفقة عن الزوجية سواء أكان ذلك لمانع طارئ أو لمانع من أول الأمر، فبطل الاستدلال بانتفاء الإرث والنفقة على انتفاء الزوجية، فكما جاز أن ينتفي الإرث أو النفقة لحصول مانع مع اقتضاء العقد لهما جاز أن ينتفيا لحصول مانع من أول الأمر كما اعترف هو في الكافرة؛ لكنه أراد أن يتحيل لدحض الحق بالباطل فلم تتم حيلته، فقال: إن سقوط إرثها كان قصاصاً لأنها لا ترى الإرث بدينها. نحن نقول: لا ملازمة بين الزوجية والإرث، فانتفاؤه لا يوجب انتفاءها؛ لأن الزوجة الكافرة لا ترث إجماعا، وانتفاء إرثها لا يوجب انتفاء زوجيتها سواء أكان ذلك قصاصا أم غير قصاص، فالمتمتع بها كذلك والزوجة الكافرة والمتمتع بها كلاهما فيها مانع الإرث من حين انعقاد الزوجية، فلا يجيء في الكافرة الجواب الذي لفقه في القاتلة من أن أصل العقد مقتضى للإرث وإن سقط الإرث بمانع حادث. وجعله الإرث ثابتاً إذا كانت تراه بدينها، أو بقانون الدولة لا يفهم له معنى، فإذا أراد إرثها من المسلم فهو منتف بالإجماع، سواء أكانت ترى الإرث بدينها أم لا، بل أجمع أهل نحلته على عدم التوإرث من الجانبين مع اختلاف الدين، وأي مدخل لقانون الدولة في أحكام الشرع. وإن أراد إرث الكافرة من الكافر فهو غير محل الكلام، فظهر أن قول الشيعة في رد هذا الاستدلال لا يخالف أصول الفقه عندهم، وأنهم لم يحتجوا على غيرهم بما يرونه باطلا في عقيدتهم كما تشدق به، وتفاصح بقوله هوى التشيع يبيح التشييع وهو بعيد عن الفصاحة قريب من أن يكون مهملاً.
آية وابتغوا ما كتب الله لكم
وقال (في ص 138) ما حاصله بعد حذف كثير من عباراته الفارغة: «من وجوه تحريم المتعة قوله تعالى: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: 187] وقد كتب الله لنا في حل النكاح مقاصد مطلوبة أصلية قضاء الوطر فيها مطلوب تابع، فالنكاح لم يشرع لمجرد قضاء الوطر؛ بل لأغراض مشروعة مطلوبة وسفح الماء في الشهوة واقتضاء الشهوة بالمتعة لا يقع وسيلة إلى المقاصد التي كتب الله لنا، فلا يكون مشروعاً، وهذا برهان عقلي بمعنى معقول أفادته نصوص الكتاب الكريم الحكيم. المتعة لا ينبني عليها المجتمع؛ إلاّ إذا كان شيوعيا يشترك في نسوته رجاله أو يشرك كل امرأة في نفسها رجاله. المتعة لا ينبني على قواعدها بيت عائلة أو أسرة، ولا يقوم على عمودها نسب، ولا تنمو من نواتها شجرة لها أغصان ولها أفنان، وكل هذه مقاصد أصلية مطلوبة في بقاء النوع بالنكاح، فحيث لا تتحقق يقينا لا يكون فيها النكاح مشروعاً، فنكاح المتعة باطل بحكم الكتاب ونصوصه الظاهرة».
(ونقول): الأحكام الشرعية إنما تثبت بنص الشرع لا بهذه الخزعبلات، والمقاصد المطلوبة الأصلية التي كتب الله لنا كما تتحقق في الدائم تتحقق في المتعة، فإنها أحد قسمي النكاح بلا فرق سوى الأجل والطلاق. وجعله المتعة نظاماً شيوعياً يشترك فيه الرجال في النساء والنساء في الرجال افتراء منه على الحق، واجتراء على الله ورسوله ودينه. متى كانت المتعة كذلك وهي تزويج بعقد ومهر وعدة كالدائم، فأي اجتراء وافتراء أعظم من جعلها نظاماً شيوعياً، والمتعة ينبني على قواعدها بيت عائلة، ويقوم على عمودها نسب وولدها ولد شرعي، وتنمومن نواتها شجرة لها أغصان وأفنان، وإن افترى موسى تركستان وأكثر من الهذيان فإنها لا تفترق عن الدائم إلاّ بالأجل الذي يجوز أن يكون عشرات من السنين، فهذه الفلسفة الباردة التي سماها برهاناً عقلياً أفادته نصوص الكتاب ما هي إلاّ سفسطة ومخرقة ونصوص الكتاب بريئة منها بعيدة عنها، ولا تزيد أن تكون اجتهاداً واهياً سخيفاً في مقابل نصوص الكتاب، وزعمه أن نكاحها باطل بحكم الكتاب ونصوصه الظاهرة باطل بحكم الكتاب والسنة ونصوصهما القطعية؛ على أنه يلزم على مقتضى فلسفته هذه ألا يكون نكاح التي علم أنها لا تلد ليأس أو غيره مشروعاً لأنه لم يقصد به إلاّ سفح الماء في الشهوة، ولا تتحقق به تلك المقاصد الأصلية المطلوبة التي ذكرها.
فتوى ابن جريج فقيه مكة بإباحة المتعة
قال (في ص 133): «وقد أسرف في القول بإباحة المتعة فقيه مكة ابن جريج كما كان يسرف في العمل بها حتى أوصى بنيه بستين امرأة، وقال: لا تتزوجوا بهن فإنهن أمهاتكم وقد روى أبو عوانة في صحيحه عن ابن جريج عن هذا المسرف المتمتع أنه قال لهم بالبصرة: اشهدوا أني قد رجعت عن المتعة. أشهدهم بعد أن حدثهم فيها ثمانية عشر حديثاً أنه لا بأس بها، وبعد أن شبع وعجز».
(ونقول): نسبته ابن جريج إلى الإسراف في القول والعمل إسراف منه، وليس هو أهلا لأن يتجرأ ويقول هذا القول في ابن جريج، فقيه الحرم، وأحد الأعلام والأئمة الحفاظ الفقهاء المحدثين، ومن أوعية العلم والعباد، صائمي الدهر، ومن لم ير أحسن صلاة منه، ومن تظهر عليه خشية الله، وهو من أهل نحلته، وذكره الذهبي في تذكرة الحفاظ، فقال: ابن جريج الإمام الحافظ، فقيه الحرم، أبو الوليد ويقال، أبو خالد عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج الرومي الأموي، مولاهم المكي الفقيه صاحب التصانيف أحد الأعلام، حدث عن جماعة وروى عنه السفيانان ومسلم بن خالد وابن علية وحجاج بن محمد وأبوعاصم وروح ووكيع وعبدالرزاق وأمم سواهم، قال أحمد بن حنبل: كان من أوعية العلم؛ وهو ابن أبيعروبة أول من صنف الكتب، وقال عبدالرزاق: ما رأيت أحداً أحسن صلاة من ابن جريج، كنت إذا رأيته علمت أنه يخشى الله. ويقال: إن عطاء قيل له من نسأل بعدك؟ قال هذا الفتى إن عاش، يعني ابن جريج. وقال أبوعاصم: كان ابن جريج من العباد وكان يصوم الدهر إلاّ ثلاثة أيام من الشهر وكانت له امرأة عابدة. وعن عبدالرزاق، كان من ملوك القراء وخرجنا معه فأتاه سائل فأعطاه ديناراً، قال جرير كان ابن جريج يرى المتعة تزوج ستين امرأة، قال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: استمتع ابن جريج بتسعين امرأة حتى أنه كان يحتقن في الليلة بأوقية شيرج طلبا للجماع، قال ابنقتيبة مولده بمكة سنة 80. وقال الواقدي: مات سنة 150 اهـ. وإخباره أهل البصرة أنه رجع عن المتعة بعد ما روى فيها ثمانية عشر حديثاً أنه لا بأس بها وبعدما تمتع بستين أو تسعين امرأة الله أعلم بصحته ولوكان صحيحاً لأشار الذهبي في ترجمته، فما هو إلاّ موضوع مختلق، وكيف يمكن أن يرجع عن القول بها بعدما روى ثمانية عشر حديثا أنه لا بأس بها إلاّ أن يراد بالرجوع تركها لكبر سنه.
خبر عبدالله الليثي مع الباقر (عليه السلام)
قال (في ص 124): «في الكافي والتهذيب: سألنا الباقر عن المتعة؟ فقال: أحلها الله في كتابه وسنة نبيه (صلّى الله عليه وآله) نزلت في القرآن: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾ [النساء: 24] فهي حلال إلى يوم القيامة. فقيل له: يا أبا جعفر مثلك يقول هذا وقد حرمها عمر، فقال: وإن كان فعل. فقيل: فانا نعيذك بالله من ذلك أن تحل شيئاً حرمه عمر؟ فقال: أنت على قول صاحبك وأنا على قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، هلم ألاعنك أن القول ما قال النبي (صلّى الله عليه وآله) وأن الباطل ما قاله صاحبك، فأقبل عبدالله الليثي وقال: أيسرك أن نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمك يفعلن ذلك فأعرض الباقر (عليه السلام) حين ذكر نساءه وبنات عمه».
وفي (ص 142): «فكيف يكون إمام دين يستجيز في بنات الأمة أمراً إذا ذكر في نسائه وبنات عمه يظل وجهه مسوداً وهو كظيم يعرض غضبان، يتوارى من سوء ما ذكر به بناته، فهل يمكن أن يستجيز شرع القرآن في بنات نبيه. ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب: 6] فالمؤمنون أخوة أبوهم النبي وأزواجه أمهاتهم وبنات الأمة بناته».
وفي (ص 140): «لا نشك أن الليثي قد أغلظ وأساء الأدب في خطاب الإمام بهذا. ولو أنه ذكر للباقر (عليه السلام) قصة لوط (عليه السلام): ﴿يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي﴾ [هود: 78] لكفى ولأصاب ولم يسىء الأدب. قصة عرض لوط بناته لا محمل لها إلاّ نكاح المتعة ولا يستحلها لوط إلاّ في غاية الضرورة والنبي لوط (عليه السلام) وقد وقع في غاية الضرورة، ولم ينس غاية الأدب فاكتفى بعرض بناته، وما اعتدى بعرض بنات الأمة».
وقال (في ص 141): «قصة عرض لوط بناته تدل دلالة أدبية على تحريم المتعة مثل تحريم الزنا، فإن قول القائل الكريم، أحمل عار بناتي أهون عليَّ من أن أحمل عارا في ضيوفي، معناه: إن عار الضيوف أقبح. هذا أدب قديم عادّى وكرم سامي، أما التمتع ببنات الأمة فأدب شيعي وكرم شيعي، هذا هو عذر الليثي في خطاب أوجب اعراض الإمام وهذا عذر يقطع الكلام ولا يترك مجالاً لامتهان ولا لعان».
وفي (ص 142): «كنت لا أزال أتعجب تعجب حيرة من قوم كانوا يأتون الذكران ويذرون ما خلق لهم ربهم من أزواجهم وهم قوم عاد كيف قالوا في بنات خيرات حسان عرضهن لهم أبوهن: ﴿لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وانك لتعلم ما نريد﴾ [هود: 79] وهذا القول أدب نزيه جليل كان ينبغي أن يكون لفقيه حكيم، وإمام كريم يكرم أمته تكريماً، ويحترم ملته احتراماً، وهذه عبرة عابرة فهل من معتبر ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ [القمر: 17].
(ونقول): إنما أعرض الإمام الباقر عن عبدالله الليثي حين ذكر نساءه وبنات عمه؛ لما بدا منه من الجفاء، والغلظة، وسوء الأدب من ذكر نسائه وبنات عمه في مجالس الرجال في معرض التشنيع والتهجين المنافي للشهامة والغيرة، عملاً بقوله تعالى ﴿واعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف: 199] وأشد منه جفاء وغلظة وسوء أدب، قول هذا الرجل في حق إمام أهل البيت وباقر علوم جده (صلّى الله عليه وآله) يظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من سوء ما ذكر به بناته، ومثل هذا قد تكرر منه مراراً، أما تمويهه هذا الذي كرره مراراً على عادته، فقد كررنا جوابه أيضا بأن الأحكام الشرعية تتبع الدليل ولا تتبع التمويه والتهويل، فالمتعة ان كان عليها دليل شرعي لم يكن لقوله كيف يستجيز في بنات الأمة كذا؟ بنات الأمة بناته، وأمثال هذه الألفاظ، إن لم يكن عليها دليل بطلت سواء أكن بنات الأمة بناته أم لا؟ وإعراض الإمام الباقر (عليه السلام) عن الليثي لما عرفت مما لا يرتبط بحلية المتعة أو بحرمتها وإباحة الأشياء لا ترفع قبح ذكر بعض الأمور في المجالس والمحافل وذكر النساء في مجالس الرجال، فهل إباحة الفعل تسوغ أن يقال لرجل: أيسرك أن ابنتك يطأها زوجها، ويتفخذها، ويضاجعها ويضمها، ويقبلها؟ وهل إذا قيل له ذلك فأعرض وغضب وزجر المتكلم يكون ملوماً؟ ويسوغ أن يقال له: كيف تستجيز في بنات الأمة أمراً إذا ذكر في بنتك غضبت وترجرجت؟ وهل يدل على أن تلك الأمور محرمة؟ بل إباحة الفعل بالأصل لا ترفع قبحه من بعض الناس، كالأكل على الطريق، وغير ذلك مما لا يحصى، وإذا كانت المتعة مباحة فلا يلزم أن يفعلها كل أحد، فكم من مباح يترك تنزها وترفعا. ونظير ما قاله الليثي للباقر (عليه السلام) ما قاله بعض أئمة المذاهب لبعض أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، فقال له: ما قولك في المتعة؟ فقال: حلال. فقال: أيسرك أن يتمتع بناتك أو أخواتك؟ قال: ما شأن البنات والأخوات هنا. شيء أحله الله وإن كرهته نفسي، فما حيلتي ولكن ما قولك في النبيذ فقال: هو حلال، فقال أيسرك أن تكون بناتك وأخواتك نباذات. قال: شيء أحله الله وإن كرهته نفسي فما حيلتي. وجواب ابنعمر المشهور المعروف حين قيل له: ان أباك حرمها هو عين جواب الإمام الباقر وقد رواه الترمذي ولم نر أحداً اعترض عليه بمثل اعتراض هذا الرجل على الإمام الباقر (عليه السلام) بكلامه الخشن البذيء.
وأما تعليمه لليثي بأنه لوذكر للباقر (عليه السلام) قصة لوط (عليه السلام) لكفى ولأصاب ولم يسىء الأدب. فهو لم يخرج به عن الخطأ وإساءة الأدب بأفحش أنواعها بنسبة نبي الله لوط (عليه السلام) إلى أنه بناته للزنا، ونسبة الإمام الباقر (عليه السلام) باقر العلم كما سمّاه جدّه (صلّى الله عليه وآله) إلى أنه جهل ما اهتدى هو إليه بزعمه، والإمام الباقر (عليه السلام) يعلم من تفسير القرآن ومعانيه ما لا يعلمه هو ولا الليثي ولا غيرهما من جميع العلماء، وقد خلف بهذا الذي نسبه إلى لوط (عليه السلام) أقوال أئمة المفسرين. ففي مجمع البيان في تفسير ﴿هؤلاء بناتي)، معناه أن لوطا لما هموا بأضيافه عرض عليهم نكاح بناته، وقال هن أحل لكم من الرجال، فدعاهم إلى الحلال قيل: أراد بنته لصلبه عن قتادة، وقيل: أراد النساء من أمته لأنهن كالبنات له، فإن كل نبي أبو أمته، وأزواجه أمهاتهم عن مجاهد وسعيد بن جبير، ثم قيل: عرضهن بالتزويج وكان يجوز في شرعه تزويج المؤمنة من الكافر كما كان في أول الإسلام ثم نسخ، وقيل: أراد التزويج بشرط الإيمان عن الزجاج، وقيل كان لهما سيدان مطاعان فيهم فأراد أن يزوجهما بنتيه زعوراء وريتاء اهـ. فظهر أن قوله قصة عرض لوط بناته لا محمل لها إلا المتعة افتراء على كتاب الله وعلى نبيه، وأن قوله أن لوطاً (عليه السلام) وقع في غاية الضرورة، ولم ينس غاية الأدب، فاكتفى بعرض بناته وما اعتدى بعرض بنات الأمة – تعريضاً بالإمام الباقر (عليه السلام) – لا يقوله من عنده أدنى فهم، فلوط (عليه السلام) لم يكن ليعرض بناته إلاّ للحلال كما يدل عليه قوله ﴿هن أطهر لكم﴾ ولم يكن ليدفع الحرام بالحرام، وأن نسبة عرض بناته بالحرام إليه اساءة أدب عظيمة، وضرورة دفع اللواط لا تجوز عرض الزنا، ولم يصل إلى ذلك إلاّ علم هذا الرجل والدلالات التي خلقها الله تعالى وعرفها العلماء هي ثلاث، ولكن هذا الرجل بعلمه الجم وذهنه الحاذق اخترع دلالة رابعة هي الدلالة الأدبية، فاستدل بها على حرمة المتعة، وجعل قول القائل الكريم أحمل عار بناتي أهون من أن أحمل عاراً في ضيوفي أدباً قديماً عادياً وكرماً سامياً، وجعله عذراً لليثي في إساءته الأدب مع الإمام الذي أوجب إعراضه عنه. نعم، هذا أدب لكنه أدب حديث تركستاني وكرم جديد خرافي اطلع الله عليه هذا الرجل، ولم يطلع عليه أحداً من خلقه سواه، فخرج به عن دائرة الأدب مع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم ومع أنبياء الله (عليهم السلام) فنسب نبي الله لوطاً (عليه السلام) إلى عرض بناته للزنا دفعاً للواط بضيوفه لأن عار الضيوف أقبح، فأي أدب وكرم يصل إلى درجته ويلزم على قياس قوله هذا أن رجلاً لوجاءه قوم يريدون أن يفعلوا بضيوفه فعل قوم لوط فعرض نفسه لهم أن يكون ذلك منه أدباً عادياً وكرماً حاتمياً سامياً. وهذا عذر بقطع الكلام فإن من يجعل عرض نبي من الأنبياء بناته للزنا من الأدب والكرم لا مجال للكلام معه، ولا أزال أتعجب من استنباطات هذا الرجل وتمحلاته التي لا يساعد عليها لفظ، وقد زاد تعجبي منه الآن حيث قد أدّى به تفكيره بعد طول حيرة إلى أن يجعل اللواطيين اللواط المحرم الفاحش على النكاح المحلل الطاهر هو أدباً نزيهاً جليلاً كان ينبغي أن يكون لفقيه حكيم وإمام كريم، ولسنا ندري كيف استفاد من قولهم ﴿ما لنا في بناتك من حق﴾ [هود: 79] انه أدب نزيه جليل، وكأنه حمله على أنه عرضهن عليهم للزنا، فأبوا الزنا، فلذلك جعله أدباً نزيهاً جليلاً أو على أنهم أبوا الزنا بهن لأنهن بناته احتراماً له، وكلاهما غير صواب فلوط (عليه السلام) عرض بناته عليهم للتزويج المحلل لا المحرم فأجابوه بأنه قد علم أنه لا أرب لهم ولا رغبة في نكاح الاناث وأنهم يريدون نكاح الذكور، وحالهم كان معلوماً مشهوراً عنده وعند غيره فهذه عبرة عابرة من جملة عبر هذا الرجل، فهل من معتبر.
زعمه النكاح هزله جد
فلا ينعقد إلاّ دائماً
قال (في ص 165): «لا تنكر الشيعة أن النكاح جده جد وهزله جدّ، وما يكون هزله جداً إذا انعقد لا ينعقد إلاّ لازماً أقوى من عقد البيع يوجب ملكاً لا يرتفع إلاّ بالموت أو بالطلاق وانقطاع المتعة بدون طلاق لم يكن إلاّ من عدم الانعقاد». ونقول: هذا الكلام هو بالهزل أشبه منه بالجد، وإلى الهذيان أقرب منه إلى القصد. العقود كلها يشترط فيها القصد، والهزل ليس له أثر عند الشيعة في جميع العقود، وكونه لا يرتفع إلاّ بالموت أو بالطلاق استدلال بعين الدعوى وهو في كلامه كثير، بل هو نوعان أحدهما: يرتفع بما ذكر والآخر بانقضاء الأجل، وجعله الانقطاع بدون طلاق دليل عدم الانعقاد طريف جداً، فإن كل عقد مؤجل ينقطع بانقطاع الأجل كالإجارة التي تنتهي بانتهاء أجلها وذلك دليل الانعقاد ولوكان غير منعقد لم يحتج إلى انقضاء الأجل.
خبر النوبية ومرعوش
ذكر (في صفحة 141) فضائل الخليفة الثاني، ثم قال: «حتى أن نوبية أعتقها عبدالرحمن بن خالد وكانت ثيبة رؤيت حبلى، واعترفت أنها حبلت من مرعوش بدرهمين، فأمر بها عمر فجلدت مائة ثم غربت، وسقط الحد لأنها جاهلة ولم يكن علي ليسكت وقد شهد عذاب مؤمنة مسكينة جاهلة، وعلي يعلم أن المتعة بدرهمين حلال وشعار لبيت النبوة».
(ونقول): من ضروريات الفقه الإسلامي أن الحدود تدرأ بالشبهات، فلو كانت تزوجت متعة بدرهمين؛ لكان ذلك شبهة دارئة للحد بالإجماع، فكيف يحدها الخليفة مائة حد الزاني غير المحصن مع وجود الشبه والجهل. وقوله: سقط الحد لأنها جاهلة لا يفهم له معنى؛ لأنه مناقض لقوله: فأمر فجلدت مائة وإن كانت محصنة وسقط حد الرجم لجهلها، فلماذا جلدت مائة؟ والقضية إن صحت ظاهرة في الزنا أو هي مجملة وكيف كان فلا يصح الاستشهاد بها ولم يتيسر لنا حين التحرير مراجعتها. وتكريره قول وشعار لبيت النبوة وما في معناه مظهراً له بمظهر السخرية لا يدل إلاّ على جهله وقلة بضاعته وأنه أحق بالسخرية.
آية: ﴿وإذ أسر النبي﴾
ذكر (في ص 128) وأشار إليه (في ص 142): «قيل للصادق (عليه السلام) هل تمتع النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال نعم: وقرأ ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه﴾ [التحريم: 3] حديثا وأطال في ذلك وكرر على عادته في أنه ان لم يكرر الشيء عشراً فما فوق فلا أقل من مرتين وشنع ما شاءت له بذاءة لسانه.
ولا نعلم من أين نقل هذا الذي عزاه إلى الصادق (عليه السلام) ولا يصح أن ينسب إلينا في تفسير القرآن غير ما ذكره أكابر مفسرينا كالشيخ الطوسي في التبيان، والطبرسي في مجمع البيان، وجمع الجوامع دون غيرها، وأمامنا الآن مجمع البيان وقد ذكر في تفسير الحديث الذي أسره النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى بعض أزواجه وجوها كثيرة منها: أنه كان يتعلق بمارية القبطية عن الزجاج، وفي خبر: أنه يتعلق بمن يملك بعده وليس فيها هذا الذي ذكره، فإطالته في ذلك وتشنيعه لا يعود بالشناعة إلاّ عليه.
تصديق المرأة في أنها خلية من زوج
تعجب (في ص 145) من تجويز الصادق (عليه السلام) التمتع بمن تدعي أنه ليس لها زوج وعدم ايجاب التفتيش.
وهذا التعجب في غير محله، فالنساء مصدقات في مواضع كثيرة بدون قيام البينة في الحيض والطهر وانقضاء العدة وغير ذلك، فإذا أفتى الإمام الصادق (عليه السلام) وارث علم جده الرسول (صلّى الله عليه وآله) بتصديقهن في الخلو من الزوج لم يكن ذلك محل تعجب ولا استغراب، كما لم يكن محل تعجب ولا استغراب فتوى الإمام أبيحنيفة كما ذكره الخطيب في تاريخ بغداد بأنه إذا شهد شاهدان عند القاضي بأن فلانا طلق زوجته، وهما يعلمان بأنهما كاذبان، فحكم القاضي بطلاقها، جاز لأحد الشاهدين أن يتزوجها.
المحلل والمحلل له
قال (في ص 146): «الشارع لعن المحلل والمحلل له، والمحلل لم يلعنه إلاّ لأنه نكاح متعة ولو كان نكاح المتعة جائزاً لما كان للشارع أن يلعنه، ولكان لعنه جهلا من الشارع لشرعه، ثم لكان لغواً قول القرآن: ﴿فان طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ [البقرة: 230] لأن حرمة المرأة بعد الثلاث لزوجها الأول تنتهي بذوق العسيلة والانتهاء بالذوق قد نص عليه الشارع».
(ونقول): هذا أيضاً من استدلالاته واستنباطه الغريبة التي انفرد بها وخبط فيها خبط عشواء، وليس لها معنى محصل، بل من نوع الهذيان فإن نكاح المحلل نكاح دائم لا نكاح متعة بالاتفاق؛ لاحتياجه إلى الطلاق كما دل عليه قوله: ﴿فان طلقها) فخبط وخلط نكاح المحلل بنكاح المتعة. والمحلل له لعنهما الشارع؛ لأنهما فعلا فعلاً دنيئاً فكان فعلهما مكروهاً، والمكروه قد ورد اللعن عليه في موارد كثيرة كالنائم في البيت وحده والمسافر وحده، والآكل طعامه وحده، والمحلل شبه في الشرع بالتيس المستعار، والمحلل له قد طلق زوجته ثلاثاً ففعل ما يوجب تحليلها، فصار ملوماً بذلك ويدل كلامه على أن نكاح المحلل محصور في نكاح المتعة، ولذلك لعنه الشارع، ولولا ذلك لم يكن له أن يلعنه، ولكان لعنه جهلاً من الشارع لشرعه، والحال أن نكاح المحلل محصور في النكاح – الدائم كما مر – بالاتفاق وهو جائز بضرورة دين الإسلام، وإذا كان زنا فكيف جوزه الشارع ليحصل التحليل بقوله: حتى تنكح زوجاً غيره، وكيف صححه وأوجب الطلاق بعده إذا أراد المراجعة، أفيكون تمحل وسخافة وخبط وخلط أعظم من هذا؟! وقوله: ثم لكان لغوا قول القرآن: ﴿فان طلقها﴾ كأنه يريد به أنه لو جاز نكاح المتعة لحصل به التحليل، فلا يحتاج إلى قوله: ﴿فان طلقها﴾ لأن نكاح المتعة ينقضي بانقضاء الأجل وهو تمحل كسابقه، فإن قوله: ﴿فان طلقها﴾ يدل على أنه لا يكفي في التحليل نكاح المتعة، بل لا بد من كونه دائماً وأي دلالة لذلك على كون نكاح المتعة غير جائز، فإذا قال الشارع: النكاح الدائم والنكاح إلى أجل كلاهما صحيح، والمحلل في طلاق الثلاث هو الدائم المؤجل كان قوله: ﴿فان طلقها﴾ مقيداً للنكاح في قوله ﴿حتي تنكح زوجا غيره﴾ بالنكاح الدائم، فأي تناف بين هذه الأحكام وأي شيء أوجب أن يكون قوله: ﴿فان طلقها﴾ لغوا إلاّ في مخيلة هذا الرجل.
الأمر بتزوج الأبكار
قال (في ص 171): «روت أمهات كتب الشيعة عن نبي الأمة (صلّى الله عليه وآله) الأمر بتزوج الأبكار فانهن وأنهن قال: وهذه السنة قد جمعت مقاصد النكاح وبركات الزواج ولا تكون في متعة الشيعة».
(ونقول): ما ربط الأمر بتزويج الأبكار بمتعة الشيعة وما بقي عليه إلاّ أن يستدل على حرمة المتعة بلمع البرق وقصف الرعد ونزول المطر، وإذا كانت هذه المقاصد والبركات لا توجد في متعة الشيعة، فهل توجد في تزوج الثيبات، فإن قال: لا، كان تزوج الثيبات حراماً كالمتعة وإن قال: نعم، فقد كذب في قوله: لا توجد في متعة الشيعة، فانظر واعجب.
الحكومة الإيرانية والحكومة التركية
قال (في ص 172): «العجم ونساؤها والحكومة بمملكة الشيعة في عذاب بئيس وحرج ضيق شديد من متعة فقهاء الشيعة ومن إحدى سيئات متعة الشيعة ما كنت أراه في بلادها من ابتذال المرأة في شوارع مدن العاصمة وقراها ابتذالاً لا يمكن أن يوجد أفحش منه ولا في نظام الشيوع المطلق، وكتبت في هذه الجماعة من مجتهدي العاصمة، وقلت: هلا يوجد على مثل هذه المهانة عندكم من غيرة! وهلا يوجد لكم منها من تأثر! وما رأيت على وجه مجتهد عند ذلك إلاّ بشاشة وهشاشة تبسم إن كان استهان بي فقد استخف واستهان بدينه وأمته وأمهاته من قبل، وحكومات الأمم الإسلامية اليوم أرشد في شرف دينها وصلاح دنياها من فقهاء الأمة، فحكومة الدولة الإيرانية نراها اليوم بفضل مليكها الأعظم قد فسخت المتعة فسخاً قطعياً بتاتاً، وأعظم حكومة شيعية بفضل ملكها الأجل قد اهتدت إلى عقد معاهدة مع أقوى حكومة سنية تركية، ولم تزل أمهات الكتب في المدارس تبذر بذور العداء في قلوب الأساتذة والطلبة». و(في ص 185): «يعجبني غاية الاعجاب أن حكومة الدولة الإيرانية التي تسعى في اصلاح حياة الأمة ودنياها وفي تعمير الوطن واحيائه أخذت في اصلاح دين الأمة، فمنعت منعاً باتاً متعة فقهاء الشيعة، وأخذت في تصفية عقائد الأمة في مدارسها وكلياتها وكتبها تستبدل إيمان الإمام على أميرالمؤمنين وعقيدة أهل البيت (عليهم السلام) بعقائد الشيعة الإمامية التي في أمهات كتبها المتأخرة» و(في صفحة ي) «أرى ابتذال النساء وحرمات الإسلام في شوارع مدنكم بلغ حداً لا يمكن أن يراه الإنسان في غير بلادكم».
ونقول: ليهنئه ما عند العرب ونسائها لا سيما البلد الذي ألف كتابه وطبعه فيه وعند الحكومة بمملكة غير الشيعة من النعيم المقيم والسعة العظيمة من ترك متعة فقهاء الشيعة فدور البغاء فيها غاصة بالمومسات وبلد طبع كتابه تزيد على ذلك (الخول) وما كنا نود أن يجري قلمنا بمثل هذا لولا أنه اضطرنا إليه. ومن إحدى محاسن تحريم متعة الإسلام ما كان يراه في بلاد الإسلام لا سيما البلد الذي ألف كتابه وطبعه فيه من انتشار دور البغاء وابتذال المرأة في شوارع مدن العواصم وقراها، فإن كان يريد أن جميع النساء في مدن العاصمة التي رآها وقراها كما وصف فقد كذب وافترى. نساء مدن العاصمة التي رآها (حين رآها) من أشد النساء تستراً وتحجباً وعفافاً وصيانة فإنه رآها قبل اجبار الحاكم – الذي أشاد بمدحه – النساء على السفر وان كان يريد أنه يوجد أفراد من النساء مبتذلات، فليقل لنا هل لا يوجد مثل ذلك في كل بلد من بلاد الإسلام على ظهر الكرة الأرضية؟ ونساء مدن الإسلام في إيران إن لم تكن أعف وأستر من نساء سواها فليست دونها في الستر والعفاف. فقوله: ابتذالاً لا يمكن أن يوجد أفحش منه في نظام الشيوع المطلق، كذب فاحش ساقه إليه التعصب والعناد، وبهتان لا بهتان أفحش منه، وظلم لا ظلم أشنع منه، وإذا كان كتب لبعض مجتهدي العاصمة بما قال، فيقول لهم: هلا يوجد على مثل هذه المهانة عندكم من غيرة؟! فدور البغاء في بلادكم منتشرة والفتيان والفتيات يسبحون ويسبحن جميعاً على شاطىء البحر عارين وعاريات، وهلا يوجد لكم منها من تأثر، وإن كان كتب فهل رأى على وجه واحد منهم بشاشة وهشاشة تبسم أو عبوس وتقطيب تألم. حسبنا أيها الرجل كلاماً فارغاً وتشتيتاً وتفريقاً بين المسلمين وعيبا بما فيك مثله أو أكثر. وأي فائدة تجنيها من عيبك أمة عظيمة بغير ما فيها أو بما فيك مثله وأعظم، ثم تزعم أن بشاشة العالم في وجهك – بما طبع عليه من مكارم الأخلاق – هي استهانة بك واستخفاف واستهانة بدينه وأمته وأمهاته من قبل. تغضب على المجتهدين وتصفهم بسيء الوصف لأنهم لا يتابعونك على تحريم ما أحله الله، فلو كنت ذا غيرة على الدين والإسلام والمسلمين لدعوتهم إلى مباحثتك وانتصبت – بما أوتيته من بلاغة وقوة حجة – لمخاصمتهم وحججتهم وخصمتهم، وسجلت ما دار بينك وبينهم وطبعته ونشرته ليعلم الناس حينئذ أن الحق والصواب في جانبك. وإن كانت الأخرى سلمت لهم ورجعت عن رأيك، أما أن تأتي إلى عاصمة إيران وتتبع العورات، وتعد السيئات، وتغضي عن الحسنات، وتكتب في ورقة بعض الكلمات، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ثم تأتي مصر وتطبع وتنشر بأقبح العبارات، وأبشع الألفاظ ما خيلته لك واهمتك ولا يوافقك على أكثره أهل مذهبك، ويطبعه لك من لا يهمه إلاّ أن ينتفع في دنياه بدراهم معدودة، فليس هذا من سيرة أهل الدين والعلم والإخلاص، وقد جئتنا إلى الكوفة وسألتنا عن التقية والمتعة فأجبناك فلم تنبس ببنت شفة، وذلك بعدما سألت صاحب أصل الشيعة فأجابك فلم تتكلم بحرف، وإنما كتبت بعد رجوعك لبغداد أسئلة في دفتر تنتقد بها الشيعة لا تمت للعلم ولا إلى الانصاف بصلة وصلتنا فأجبناك عنها، وأجابك غيرنا وممن أجابك عالم في البصرة لم تنشر شيئاً من أجوبته كما اعترفت به في وشيعتك، فهلا باحثتنا حين رأيناك بالكوفة وباحثت صاحب أصل الشيعة وأقنعتنا بحججك الواضحة، ثم طبعت ما دار بيننا ونشرته ليعرف الناس فضلك وأن الحق في جانبك. أما ما جئت ترمي به من مكان سحيق فما أجدره بقول القائل:
وإذا ما خلا الجبان بأرض
طلب الطعن وحده والنزالا
وينبغي للأمم الإسلامية من جميع الفرق ان تبادر قبل فوات الفرصة إلى العمل بنصائح هذا الرجل، فتقتدي بحكومات الأمم الإسلامية، وتدع الاقتداء بفقهاء الأمة لتنال بذلك شرف الدين وصلاح الدنيا. فإن حكومات الأمم الإسلامية اليوم هي أرشد في شرف دينها وصلاح دنياها من فقهاء الأمة – عند هذا الرجل. أليس كذلك؟ فعلى المسلمين اليوم – حفظا لدينهم ودنياهم – أن يمشوا على نهج أعظم حكومة شيعية وأقوى حكومة سنية تركية. وإن كانت أمهات الكتب في المدارس تبذر بذور العداء في قلوب الأساتذة والطلبة فقد أصبح الأساتذة والطلبة – والحمدلله – بفضل ما بذرته الوشيعة في قلوبهم من بذور الألفة والاتحاد مع غيرهم إخواناً على سرر متقابلين.
وحكومة الدولة الإيرانية – التي يقول عنها أنها أخذت في إصلاح دين الأمة وأعجبه ذلك غاية الإعجاب وقد منعت أشياء كثيرة غير ما ذكره وأجابت أشياء كثيرة، فكان عليه أن يذكر ذلك لنعرف أعجبه، ذلك أيضاً غاية الإعجاب؟ أم دون الغاية؟ أم لم يعجبه أصلاً؟ وأن لا يقتصر على ذكر شيء واحد يوافق هواه. وشيعة علي وأهل البيت أقرب إلى أن يطلعوا على إيمانه وعلى عقيدة أهل البيت من صاحب الوشيعة ومن المدارس والكليات الجديدة وكتبها.
المتعة شارة أهل البيت
مما أولع به هذا الرجل وكرره في كلامه على عادته في التطويل والتكرير الممقوتين وجعله نقدا على الشيعة قوله: المتعة شارة أو شعار أو حيلة لأهل البيت (عليهم السلام) وللأمة، ففي (ص 31): «كان الباقر والصادق عليهما السلام يبالغان في المتعة ويقولان: من لم يستحل متعتنا ولم يقل برجعتنا فليس منا ويجعلها علماء الشيعة شارة أهل البيت (عليهم السلام) وشعار الأئمة». و(في ص 126): «تقول الشيعة وتفتخر أن حلية المتعة وزينة التمتع شعار لأهل البيت (عليهم السلام) وشارة لبيت النبوة»، و(في ص 127): «وفي السكوت من علي (عليه السلام) هدم لحكم جليل من أحكام الدين هو شعار له وشارة»، و(في ص 141): «ولم يكن علي (عليه السلام) ليسكت وهو يعلم أن المتعة بدرهمين حلال وشعار لبيت النبوة»، و(في ص 135): «وجعل المتعة حلية لأهل البيت (عليهم السلام) أو شارة وشعار للأئمة (عليهم السلام) لا يكون إلاّ جنفاً من جنف أو شنيعة من شنيعة يصدق فيها قول القائل عدوعاقل خير من صديق جاهل»، و(في ص 135) بعدما عبر عن المتعة بعبارات قبيحة. قال: «فكيف يجعل شارة لبيت نبوة العرب إلاّ من عجمي كسروى مدائني إذا لقي عربيا سمعت له شهيقا وهو يفور يكاد يتميز من الغيظ» و(في ص 144): «لم يوجد للشيعة زخرفة إلاّ أن المتعة شارة لأهل البيت وشعار للأئمة» و(في ص 148): «ثم تعدت الشيعة واعتدت حتى ادعت أن المتعة شارة للأئمة وشعار لأهل البيت» و(في ص 159): «أي كلمة يمكن أن تكون أضيع من آية: ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ [المائدة: 5] لوقلنا ان متعة الشيعة شعار أهل البيت بيت النبوة، وقلنا أنها شارة أئمة الدين» و(في ص 164): «الزنا أقرب إلى الحل من متعة تجعل شعارا لبيت نبوته – نبوة الشرع-».
(ونقول): ليس المقام مقام مفاخرة وافتخار، بل مقام بيان حكم شرعي – الشيعة ذكرته واستدلت عليه، وهو لم يزد على تكرير العبارات الفارغة التي لا طائل تحتها وعلى السباب والشتم والبذاءة وسوء القول، ولم يأت بدليل ولا شبه دليل، فليفتخر ما شاء بتحريم ما أحله الله، فتشدقه بهذه الألفاظ الممقوتة وتفاصحه جنفاً من نجف. شنيعة من شيعة. لا يعود إلاّ بالمذمة والشناعة عليه، ونسبة الجهل إليه، وإذا كان عدوعاقل خير من صديق جاهل، فما قولك بعدوٍ جاهل، وكيف لا يجعل شارة لبيت نبوة العرب شرعه وأباحه نبي العرب والعجم، ويجعل شارة للمسلمين ما لم يشرعه ذلك النبي وهو شعار العجم والمجوس، وقد خالف بقوله من عجمي كسروي الخ قوله تعالى: ﴿ان أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: 13] وقول نبيه (صلّى الله عليه وآله): لا فضل لعربي على عجمي إلاّ بالتقوى. [453] إن لا أحد خير من أحد إلاّ بالتقوى. فشهيقه هذا وهو يفور يكاد يتميز من الغيظ سيؤدي به إلى الثبور، وقد وجد للشيعة الأدلة القاطعة المتقدمة لا ما زخرفه من أنه لم يوجد لها زخرفة إلاّ أنها شارة للبيت، والشيعة لا تتعدى ولا تعتدي، بل هو معتد في جعله الزنا أقرب إلى الحل مما نزل بحله القرآن وجاءت به بعدم نسخه السنة المطهرة.
تجاوزه الحد في الافتراء
والقذف والتشنيع وسوء القول
أفرط هذا الرجل في تشنيعه وافترائه على الشرع المطهر وسوء قوله، فجعل المتعة زنا بل أقبح من الزنا فاستحق حد القاذف ولئن سلم من ذلك في الدنيا فلن يسلم منه في الآخرة.
فقال (في ص 134): «المتعة بأجرة سماها القرآن البغاء: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾ [النور: 33] وإذا كان عرض المتعة وأجرتها حراما والاكراه يوجب عقاب الله وغضبه فنفس العمل أشد وأفحش»، و(في ص 145): «أما متعة الشيعة اليوم فهو زنا مستحل». ثم أكثر من أمثال هذه الكلمات حسبما أداه إليه أدبه وتعصبه وتنصبه. فقال: «هي زنا فاحشة ومقتا وزيادة استحلال زيادة في الكفر وزيادة في الفساد بها يترك الرجل فراشه ويهجر ربة البيت فتكفر وتبرأ، ثم تدعو على الآمر بها وتلعنه وبها تفسد العائلة، و(في ص 164): «فأي فرق بين متعة الشيعة وبين زنا برضا أو بقهر، وان كان فرق فعلى فائدة حل الزنا إذ قد يكون زنا لا يكون فيه اتجار يهين المرأة، والزنا أقرب إلى الحل من متعة يتاجر بها الشرع ومن متعة تجعل شعارا لبيت نبوته ونبيها أبو أمته وأزواجه أمهات بناتها» و(في ص 165): «متعة الشيعة زنا وزيادة استحلال وعقيدة باطلة بدعوى التقرب بها إلى الله».
(ونقول): زعمه أن المتعة سمّاها القرآن بغاء افتراء منه على القرآن، فهي نكاح بعقد ومهر أجازه القرآن وإبداله المهر بالأجرة لقصد التشنيع لا يعود إلاّ بالشناعة عليه، وجعله ذلك من قبيل اكراه الفتيات على البغاء بغي منه وعناد للحق وافتراء على كتاب الله، فإكراه الفتيات كان من المشركين على الزنا والبغاء بأجرة من دون محلل شرعي، وقد نهى الله عنه في كتابه كما نهى عن سائر المحرمات والمتعة بعقد ومهر إلى أجل قد رخص الله فيه في كتابه واعترف جملة من أجلاء الصحابة بعدم نسخه وفعلته الصحابة في عصر الرسالة وبعده، وفعله التابعون، فتسوية أحدهما بالآخر عين الجهل والعناد والافتراء على الكتاب والسنة. والفحش الذي جاء في كلامه يوجب لقائله عقاب الله وغضبه ويلحق به فاحشة ومقتاً، وزيادة في الكفر، وزيادة في الفساد، وزيادة استحلال للحرام، وعقيدة باطلة، وكون الرجل بها يترك قرانه، ويهجر ربة البيت، فتفعل ما تفعل لا يفترق شيئاً عن تعدد الزوجات وملك اليمين الذي لا ينحصر في عدد بالاتفاق، فإنه يقال فيهما بذلك، يترك الرجل فراشه ويهجر ربة البيت، فتكفر وتبرأ ثم تدعو على الآمر به، وتلعنه وبه تفسد العائلة، فهل يوجب ذلك تحريم تعدد الزوجات؟ هذا علم صاحبنا، وهذه أدلته والأحكام الشرعية تثبت بنصوص الشارع لا بمثل هذه التلفيقات والكلمات التي لا طائل تحتها، والتي تدل على جهل قائلها كقوله أيضا اتجار يهين المرأة متعة يتاجر بها الشرع، فما أحله الله لا اهانة فيه لأحد، وإنما هذا الكلام اهانة لشرع الله تعالى وتهجين لأحكامه، وإذا كان النبي أبا أمته وأزواجه أمهات بناتها، فهو بما شرعه وأحله وأمر به أعرف بما يهينها ويشرفها من هذا الرجل الذي جاء يكيل الدعاوى كيلاً بلا دليل ولا برهان. ان هذا الرجل يتهجم على الأحكام ويقول في المتعة انها زنا بل يفضل الزنا عليها، وقد كذب بذلك نفسه في دعواه فيما تقدم أنها كانت تنعقد دائما ويبطل الأجل. وهذا يبطل افتراءه هنا بجعلها زنا. والإمام أبوحنيفة وزُفر قالا بانعقادها دائماً وبطلان الأجل. على أن المسائل الخلافية والاجتهادية في النكاح لا يجوز نسبة أحد فيها إلى الزنا إذ لا أقل من كونه نكاح شبهة، أفلا يكفي في حصول الشبهة استناد مستحلها إلى الكتاب والسنة والإجماع وفتاوى أئمة أهل البيت والشرع الإسلامي صحح نكاح المجوس وسائر الفرق ولم يقل أحدا انه زنا. ثم ما يقول فيما إذا خالف الإمام الشافعي والإمام مالك في إحدى الروايتين عنه بقية المذاهب الأربعة، فقال بأنه يحل للرجل أن ينكح المتولدة من زناه كما حكاه الشعراني في ميزانه وغيره، وأشار إليه الزمخشري بقوله من أبيات:
وأن شافعياً قلت قالوا بأنني
أبيح نكاح البنت والبنت تحرم
وما يقول في قول الإمام أبي حنيفة الذي حكاه الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة أبيحنيفة أنه لوشهد شاهدان كذبا وهما يعلمان أنهما كاذبان بأن فلاناً طلق زوجته فحكم القاضي بطلاقها جاز لأحد الشاهيدن أن يتزوجها. هل يقول إن ما حكم به الإمامان الشافعي وأبو حنيفة زنا أو يقول إنه نكاح صحيح ويستشهد بذلك بقول البوصيري:
وكلهم من رسول الله ملتمس
غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم
لا شك في أنه يقول بالثاني، فإذا كيف يجعل زنا ما أفتى به أئمة أهل البيت: السجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) وفقهاؤهم ووافقهم حبر الأمة ابنعباس وعدد غير يسير من أجلاء الصحابة والتابعين، ووافقهم الإمام مالك في إحدى الروايتين كما مر وابن جريح فقيه مكة لا شك أنه لا يجرأ على ذلك رجل يؤمن بالله واليوم الآخر وعنده ذرة من علم. وهل كان الإمام الصادق وباقي أئمة أهل البيت أقل فقها وعلما من أئمة المذاهب الأربعة حتى تكون فتواهم نفي تصحيح النكاح مقبولة وفتوى الصادق وباقي الأئمة غير مقبولة، وهم ان لم يكونوا أفقه من أئمة المذاهب فليسوا دونهم.
عباراته الشنيعة التي تفوه بها
قد استعمل في تهجين أمر المتعة (عبارات ذكرها في ص 135 و139 و140 و146 و160 و162) لا يتفوه بها ذوعلم وأدب، ولا ترجع إلى دليل مثل: المتعة اتجار المرأة بفرجها، ببدنها وعرضها. المتعة تجرح شرف المرأة. المتعة اجارة المرأة نفسها ليتمتع بها الرجال، أو تجارة المرأة بفرجها امتهان لها وهتك لشرفها، وفتك بعزتها. المتعة اجارة واجارة المنفعة بيع وتجارة. ولم يستحل دين تجارة المرأة ببدنها وعرضها وشرفها وعفافها. بذل المرأة نفسها في سبيل الهوى والحب اجابة لداعي الهوى أقرب إلى العفاف والشرف من بذلها في سبيل حفنة من الحب. نحن نقول: أداء التراويح جماعة شعار للسنة، فهذا القول يمكن أن يكون له وجه أدبي وديني، أما اتجار المرأة بفرجها فلن يكون إلاّ خزيا لا يدانيه خزي يحمر منه وجه الأدب ويسود منه جلد الأجرب.
وأخس رجل لا يرضى أن يتمتع أحد بأخته أو بنته، فكيف يستحلها الفقيه والإمام في بنات الأمة والمرأة إذا أجرت نفسها أو اتجرت بها مرة يتجنبها الرجال، ومن يمكن أن يكون أكفر بالإيمان في آية المحصنات من عاد يترك المحصنة ويتمتع بالتي تتجر ببدنها فتؤجره بكف من بر أو حفنة من شعير. ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً﴾. ومنهم الذين يتبعون الشهوات هل هم إلاّ الذين يستحلون التمتع بكف من بر؟ ثم يقولون: من لم يقل بكرتنا ويستحل متعتنا فليس منا يكفينا كل تعب في سبيل تحريم متعة النساء كلمة المتعة وحدها التي تجرح شرف المرأة فإن الإنسان غاية للكون وللتشريع إلى آخر ما تفلسف به مما لا طائل تحته. وقد أكثر من سفاسفه هذه، وأطال في زخارفه وأطنب في هذيانه فيما هو من هذا البحر وعلى هذه القافية، وتجاوز الحد في سوء قوله وأطال بما أوجب الملال، وكرر وأعاد على عادته الشنيعة، وعاد إلى هذه المهزلة مرارا بعبارات تركنا أكثرها لعدم فائدة في نقلها واكتفينا بنموذج منها والأحكام الشرعية لا تثبت ولا تنتفي بتزويق العبارات وتنميقها وتجنيسها وتسجيعها. هتك وفتك. الحب والحب ولا بعبارات الفحش المنفرة والبذاءة ولا بالتكرير والتطويل، وليس الحكم في حسم النزاع إلاّ الدليل. فالمتعة إن دل الدليل على اباحتها لم تحرم بهذه العبارات التي ملؤها البذاءة والفحش، إن لم يدل الدليل على اباحتها كفى ذلك في حرمتها من غير حاجة إلى هذه العبارات التي هي صفات قائلها. فتعبيره عما أحله الله بهذه العبارات لا يكون إلاّ خزيا عليه لا يدانيه خزي يحمر من وجه الدين ويسود منه جبين الحق، ولكن هذا الرجل لا يحمر وجهه ولا يصفر من أقواله هذه التي اسودّ منها وجهه عند أهل الحق وتعبيره باتجار المرأة بفرجها وأمثاله لا يشبه إلاّ قول من يريد أن يعيب التزوج ويستحسن الترهب، فيقول: التزوج اتجار المرأة بفرجها لأنها تأخذ المهر من الزوج ثمنا مقابل الوطء وتأخذ النفقة مقابل الاستمتاع، وقول من يقول: إن فلاناً المتزوج بفلانة يمتهنها في شرفها، يطأوها وينظر إلى فرجها، وينظر إليها عارية ويفعل ويفعل إلى غير ذلك من ألفاظ الفحش والبذاءة التي يمكن أن يعبر بها عن النكاح المحلل وهو بعينه قول من كان يأبى الصلاة من المشركين، ويقول لا أحب أن يعلوني استي، فيأبى الإسلام لذلك، وهو بعينه فعل أهل الجاهلية في وأدهم بناتهم تخلصاً من عار التزويج أو غيره، وأراد هذا الرجل أن لا يفوته التشبه بهم، فجعل ما أباحه شرع الإسلام ونطق بإباحته الكتاب والسنة واتفق جميع المسلمين على أنه شرع، واختلفوا في نسخه مثل الزنا بل على الزنا أقرب إلى الشرف والعفاف منه، وهذا رد على الله ورسوله وجميع علماء المسلمين الذين اتفقوا على أنه شرع، وسخرية بدين الله وذم له سواء أكانت شرعيتها باقية أم منسوخة، وهذا ما لا يستحله دين من الأديان، وحفنة من الحب التي كرر ذكرها في كل مناسبة ليعيب ويشنع بها قد ذكرنا مراراً أنها يصح أن تجعل مهراً في كل نكاح، وقد نقل ذلك هو عمن حرمها في قوله: فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث، فما بالك تعيب ما يلزمك عيبه كما ذكرنا غير مرة اتفاق المسلمين على أن كل ما يتمول يصح كونه مهرا قل أو كثر وقد كان في عصر الرسالة يكون المهر تعليم سورة وكون أخس رجل لا يرضى أن تتمتع أخته أو بنته قد مر اعتراض أحد أئمة المذاهب به على هشام بن الحكم فأجابه بأنه شيء أحله الله وان أبته نفسي، فما حيلتي ولكن ما تقول في النبيذ؟ قال: حلال، قال: أيسرك أن تكون أختك أو بنتك نباذة فأفحمه كما أن قوله اجارة المرأة نفسها ليتمتع بها الرجال يمكن أن يقال مثله في النكاح الدائم بأنه بيع المرأة نفسها ليتمتع بها الرجال ويطؤها الزوج ويفعل كذا وكذا، وإذا طلقت تمتع بها زوج آخر، فإذا طلقت تمتع بها ثالث، فتكون قد باعت نفسها ليتمتع بها الرجال. أليس كل ذلك حق وواقع في الشرع، فهل هو عيب إلاّ على قائله، وإذا صح له دعوى أن المتعة اجارة؛ لأنها إلى أجل بمال صح أن يدعي أن النكاح الدائم بيع لأنه تمليك لا إلى أجل بمال. أما استشهاده بالجماعة في التراويح والجماعة في الفرائض، فكل عبادة لم يرد فيها رخصة من الشارع لا يمكن أن يكون لها وجه أدبي ووجه ديني، والذي سن الجماعة في التراويح لقصد الاجتماع على العبادة هو الذي حرم المتعة في شأن عمرو بن حريث لما تمتع بامرأة فحملت فرأى فيها مفسدة، وهو الذي أسقط «حي على خير العمل» من الأذان والاقامة لئلا يعلم الناس أن الصلاة خير العمل فيتركوا الجهاد، وهو الذي أمضى الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد قصدا لردع الناس عن الطلاق، وكان يرى الاجتهاد في الأحكام وكان له في ذلك قصد حسن، ولكننا بعد أن علمنا أن الله أكمل الدين وانقطع الوحي، وليس لأحد أن يجتهد في تغيير الأحكام لم يلزمنا اتباعه. أما الجماعة في الفرائض فمن ضروريات دين الإسلام؛ فلا وجه لذكرها في المقام إلاّ التطويل، وقوله إذا أجرت المرأة نفسها أو اتجرت بها مرة يتجنبها الرجل مما يضحك الثكلى، فهي لم تفعل ذلك وإنما تزوجت بعقد ومهر إلى أجل بإباحة من الله ورسوله، فإن كان ذلك إجارة وتجارة فليكن الدائم بيعا وتجارة كما مر، وأما أنه يتجنبها الرجال فمع فرض صحته يأتى مثله في الطلاق، فمن تزوجت وطلقت مرارا يتجنبها الرجال، فيلزم على مقتضى قوله أن لا يشرع الطلاق، وإذا فرض أن شيئا مباحا يوجب تجنب الرجال لها لا يجعله ذلك محرما، ودعواه أن لفظ المتعة وحده يكفيه في تحريمها طريفة جدا، فلفظ المتعة قد جاء في القرآن بلا ريب بآية ﴿فما استمتعتم﴾ [النساء: 24] وهو يقول انها واردة في النكاح الدائم. فإذا هي كافية في تحريم النكاح الدائم ومن يمكن أن يكون أكفر بالإيمان في آية حِل المحصنات من عاد يفضل الزنا على ما أحله الله ويتلاعب بالآيات ويحملها على هواه وما أحقه بقوله تعالى: ﴿ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما﴾ [النساء: 27] من هم الذين يتبعون الشهوات هل هم إلاّ أمثال هذا الرجل الذي يحرم ما أحله الله ورسوله اتباعاً لشهوة نفسه وميلاً مع هواه.
قال (في ص 126): «وإذا افتلينا كتب الشيعة واجتلينا حالها في حلية المتعة فلا علينا إلاّ أن اقتفينا اجتهاد أئمة المذاهب واقتدينا به ثم اكتفينا بنوره واهتدينا به إلى هدي الله في كتابه».
(ونقول): لا نكلفه افتلاء كتب الشيعة، بل يكفيه أن ينظر نظرة واحدة في كتب قومه بشيء من الانصاف، فيتضح له أن ما نزل به الكتاب، وأباحه النبي الكريم، وعملت به الصحابة والتابعون عدة سنين لم يكن لأحد أن يحرمه برأيه، وهو غير معصوم، وان أبى فله اقتفاؤه اجتهاد أئمة مذهبه واقتداؤه بهم، ولنا اقتفاؤنا لأهل بيت نبينا وأئمة مذهبنا الذين نُدعى بهم يوم يُدعى كل أناس بامامهم واقتداؤنا بهم. امتثالا لقول نبينا (صلّى الله عليه وآله): «اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي». وقد اكتفينا بنورهم واهتدينا به إلى هدى الله في كتابه، فأي الفريقين أحق بالاصابة، وأحق بالأمن. وهيهات أن يُهدى إلى هدى الله في كتابه الأنور يخرج من مشكاة بيت النبوة ومصابيح الهدى أئمة بيت النبوة. مع أن افتاء أئمة المذاهب كلهم بتحريمها غير صحيح؛ لافتاء الإمام مالك بها كما مر، ونحن قد افتلينا وشيعته فما وجدنا فيها إلاّ الدعاوى الفارغة والمخالفات لإجماع المسلمين. واعلم أن المتعة عند الشيعة ان وقعت فإنما تقع نادراً وفي حالات استثنائية، وهم يرونها عيباً وإن كانت حلالاً فليس كل حلال يفعل.
اعتذاره عن التطويل
قال (في ص 148): «لقد علمت أني أسهبت إسهاباً أنتهى بي إلى الاملال، وعذري فيه أن مسألة شرف النساء أو ابتذالهن له في حياتنا الاجتماعية الأدبية أهمية عظيمة، وأحاديث المتعة متضاربة متعبة لا تطمئن قلب الفقيه المجتهد، وكتب الشيعة قد أسرفت في القول بها ابتياراً والوضع فيها ابتهاراً حتى عدت عدوانا، وعادت عداء، فعدت سفح ماء الحياة في غوار المتمتعات تقربا إلى الله ارغاماً لمن استنصر الله به في دينه، ثم تعدّت واعتدت حتى ادعت المتعة شعاراً لأهل البيت نزل فيها القرآن الكريم اهـ. باختصار.
(ونقول): لقد صدق في أنه أسهب وأطال بما أدّى إلى الاملال من دون جدوى ولا شبه جدوى سوى ألفاظ مزوقة مجنسة مسجعة بما زادها برودة وسماجة ابتياراً ابتهاراً عدت عدوانا عادت عداء فدعت تعدت واعتدت ادعت مدعياً أنه يريد المحافظة على شرف النساء، والله ورسوله أعظم محافظة على شرفهن بما أودع في الكتاب العزيز والسنة المطهرة في هذه المسألة. ويا ليته أتى بشيء يصح الاعتماد عليه في هذه الأخبار المتضاربة التي كشف تضاربها عن الوضع فيها انتصاراً لمن حرمها باجتهاده وارغاماً لمن أحلها بدلالة الكتاب والسنة لا عن الوضع في ما روته الشيعة كما زعم. وهذه الأحاديث المتضاربة المتبعة قد أتعب أناس قبله أنفسهم في ترقيعها واصلاحها فلم يتسطيعوا ولم يأتوا بشيء كما بيناه في «الحصون المنيعة»، وهم كانوا أعلم منه وأعرف، وأقدر على التوجيه والاصلاح، ولا يصل هو إلى ما يقارب درجة أدناهم، والشيعة أشد ورعاً وأعظم تقوى من الإسراف في القول والوضع والعداء بغير حق بما ورثته عن أئمتها الطاهرين، وأهل بيت نبيها الطيبين، وما نسبت إلى أهل البيت إلاّ ما أفتوا به، وإلى القرآن الكريم إلاّ ما نزل فيه، وإنما الإسراف والابتيار والوضع والابتهار والتعدي والاعتداء منه ومن أمثاله.
المعارضة في النكاح
قال (في ص 157): «وإذا نظر الفقيه الحصين إلى عقد النكاح يراه عقد معاهدة حيوية تأخذ المرأة ميثاقها الغليظ من زوجها وإن وجدنا أو ادعينا في عقد النكاح معنى المعاوضة، فأصل المعاوضة بين الزوجين، فلذلك لا ينعقد عقد النكاح إلاّ بذكرهما في الايجاب والقبول وإلاّ بحضورهما في المجلس، وتسلم كل للآخر والمال من طرف المرء ليس بعوض أصلاً أبداً لكنه زائد وجب عليه لها على سبيل الكرامة».
(ونقول): هذه فلسفة جديدة في النكاح ونوع جديد من العلم اختص به هذا الرجل، ولم يطلع عليه فقهاء المسلمين، فكلهم يقولون: إن المهر عوض البضع والمعاوضة بين الزوجين بمعنى أن من أحدهما العوض ومن الآخر المعوض. نعم، جوز الشارع العقد بدون ذكر المهر عوض البضع. أما هو فيقول: المعاوضة بين الزوجين بمعنى أن أحدهما عوض والآخر معوض، لكنه لم يبين أيهما العوض وأيهما المعوض؟ فهل الزوجة عوض الزوج أو الزوج عوض الزوجة؟ هذا بقي مبهماً في كلامه. وأغرب من ذلك تعليله بأن النكاح لا ينعقد إلاّ بذكرهما في الايجاب والقبول مع أن كل عقد كذلك، ففي البيع يقال بعتك كذا بكذا، فيقول: قبلت، كما يقال: زوجتك فلانة بمهر كذا. فيقول: قبلت. والميثاق الغليظ الذي أخذته الزوجة من الزوج وهو العقد، قد ذكره الله تعالى في معرض التوبيخ للزوج على أخذ شيء من المهر بقوله تعالى: ﴿وآتيتم احداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذنا منكم ميثقاً غليظاً﴾ [النساء: 20 و21] فدل على أن الميثاق الغليظ كان على المهر وأن المعاوضة بين البضع والمهر فهو يدل على خلاف ما ادعاه ويثبت ما نفاه. وأغرب من هذا التعليل تعليله بأنه لا ينعقد عقد النكاح إلاّ بحضور الزوجين في المجلس، وتسلم كل الآخر فإنه لم يسمع من مسلم عالم ولا جاهل قبله، وكأنه أخذه من الذين لا يزال مستشهداً بأحكام كتابهم.
صاحب كتاب أصل الشيعة
قال (في ص 149): «صاحب كتاب أصل الشيعة قد أتى بفرية كبيرة بهيتة إذ تكلم على طبقات الشيعة، وافترى ابتهاراً من غير استحياء على كل من ذكرهم فيها بالتشيع الذي عليه شيعة اليوم هم براء من كل عقيدة أبدعتها أمهات كتب الشيعة. كل يؤمن إيمان علي ويتولى كل صحابي يغسل رجليه ويمسح على خفيه لم يكن لأحد منهم عقيدة الشيعة في الإمامة. نعم، كل كان يحب أهل البيت محبة أهل السنة والجماعة لهم:
فإن كان في حب الحبيب حبيب
حدود لقد حلت عليه حدود
(ونقول): لم يزد في كلامه على سوء القول من دون حجة، وليس ذلك من دأب أهل العلم. وأمهات كتب الشيعة كأصحابها منزهة عن الابتداع ليس دأبها إلاّ الاتباع للحق وإن وجد فيها ما لم يصح فهو موجود في سواها، والذين ذكرهم صاحب أصل الشيعة في طبقات الشيعة الله أعلم بعقائدهم وسرائرهم، وكونهم ليسوا على عقيدة الشيعة اليوم لم يأت عليه بدليل، فهذا الكلام لا يفيد إلاّ التطويل. وأما محبة أهل البيت فقد ذكرنا عند تعرضه لها كيف يجب أن تكون. والبيت الذي استشهد به الأولى أن يقال بدله:
وكل محب كان في الحب صادقاً
فعن طاعة المحبوب ليس يحيد
خبر حسبنا كتاب ربنا
قال (في ص 144): «بعدما ذكر جملة من فضائل الخليفة الثاني أن النبي وافقه في آخر عهد من حياته حين قال: حسبنا كتاب ربنا. لم ينكر قوله وإنما أنكر نزاع الناس، فقال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع، وقال: انه لا يرتاب في أن هذا وفاق من النبي له».
(ونقول): خبر حسبنا كتاب ربنا كان الأولى به أن لا يتعرض له ولا يضطرنا إلى الجواب عن كلامه فيه لأنه قد اقترن بقوله: غلب عليه الوجع وغلبه الوجع، وكان ابنعباس يقول: إن الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم، رواه البخاري في صحيحه في باب قول المريض قوموا عني ورواه ابن سعد في الطبقات. وفي رواية أخرى للبخاري فقالوا: ما شأنه أهجر؟ وروى هذه الرواية الطبري في تاريخه وابن سعد في الطبقات، وفي رواية أخرى لابن سعد في الطبقات، فقال بعض من كان عنده: ان نبيالله ليهجر. وفي رواية أخرى لابن سعد فقالوا: إنما يهجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وفي رواية للطبري في تاريخه فقالوا: ان رسول الله يهجر وذلك يبطل كل ما قاله هذا الرجل.
رعية الإمام الجائر والإمام العادل
قال (في ص 35): «روى الكافي أن الباقر كان يقول: إن الله قال لأعذبن كل رعية دانت بولاية إمام جائر ولا أستحي وإن كانت الرعية في أعمالها بررة تقية، ولأعفون عن كل رعية في الإسلام دانت بولاية إمام عادل من الله ولا أستحي، وإن كانت الرعية ظالمة مسيئة في أي كتاب، قال الله هذه الكلمات ثم ما الفائدة من أمثال هذه الكلمات».
(ونقول): قد بيّنا في ما سلف أن الكتب فيها الغث والسمين، والصحيح والسقيم، ولكنا نقول: من دان بولاية إمام جائر كان شريكاً له في جوره ولا يمكن أن يكون براً تقياً في كل أعماله، وإذا عمل بعض أعمال البر يجوز أن لا يقبلها الله؛ لأنه إنما يتقبل من المتقين، ويكون أبعد عن عفو الله؛ لأنه مشاق له في عقيدته، والعقيدة يكون المخطىء فيها أبعد عن العذر؛ لأن الله تعالى أقام الحجج والبراهين الساطعة، ووهب للناس العقول التي يميزون بها بين الحق والباطل. فالمخالف للحق في عقيدته اما معاند أو مقصر بخلاف من يرتكب المعصية لشهوة دعته إلى ذلك فيرجى له أن يشمله الله بعفوه إذا لم يقصر في عقائده، وإن صح الحديث جاز أن يكون من الأحاديث القدسية التي رواها الباقر عن آبائه عن جده الرسول (صلّى الله عليه وآله) عن جبرئيل عن الله تعالى. والفائدة من أمثال هذه الكلمات هي تهجين الجور والظلم والمبالغة في الردع عن معاونة الظالم على ظلمه والحث على العدل وعلى معاونة العادل على عدله. وقد نسي هو أو تناسى إطالته الكلام في أشياء كثيرة لا فائدة فيها.
النسيء
قال (في ص 35 و36): «ما هو النسيء الذي هو زيادة في الكفر، وهل كان له عند العرب قبل الإسلام نظام يدور عليه حساب السنين وسنو عمر النبي (صلّى الله عليه وآله) هل عدت على وفق نظام النسيء أو كان للعرب تقويم خال عن النسيء، به كان يعد عمر الإنسان؟ في الوافي الكتاب 5 ص 45 أن حساب الشهور عند الأئمة كان روميا ما وجه اتخاذ الأئمة حساب الروم وشهورهم وسنيهم، وحساب العرب كان عربياً وتاريخ الهجرة عربي ما وجه اتباع الروم ووجه الابتداع؟».
(ونقول): النسيء فعيل من النسء وهو التأخير. وسميت العصا منسأة لأنه يؤخر بها الشيء ويبعد. والنسيء: هو جعل شهر من الأشهر الحرم مكان شهر، كانوا في الجاهلية إذا احتاجوا إلى القتال في شهر من الأشهر الحرم قاتلوا فيه وجعلوا مكانه شهرا آخر قال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم﴾ [النساء: 36] ثلاثة منها سرد ذوالقعدة وذوالحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب، وكانت العرب تحرم القتال في الشهور الأربعة. في مجمع البيان: وذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم واسماعيل، ثم قال الله تعالى: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله﴾ [التوبه: 37] في مجمع البيان: «كانوا أصحاب غارات وحروب، فربما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم، فيمكثون بذلك زماناً، ثم يزول التحريم إلى المحرم ولا يفعلون ذلك إلاّ في ذيالحجة، قال ابن عباس معنى (زيادة في الكفر) أنهم أحلوا ما حرم الله، وحرموا ما أحل الله، ثم ذكر أن الذي كان ينسؤهما كان يقول: إني قد نسأت المحرم العام وهما العام صفران، فإذا كان العام القابل قضينا فجعلناهما محرمين، وقال مجاهد: كان المشركون يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذيالحجة عامين، وفي المحرم عامين، وفي صفر عامين، وكذلك في الشهور حتى وافقت الحجة التي قبل حجة الوداع في ذيالقعدة، ثم حج النبي (صلّى الله عليه وآله) في العام القابل حجة الوداع فوافقت في ذيالحجة فذلك حين قال النبي (صلّى الله عليه وآله) إلاّ وأن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض. السنة إثنا عشر شهراً منها أربعة حرم. أراد أن الأشهر الحرم عادت إلى مواضعها وعاد الحج إلى ذيالحجة وبطل النسيء اهـ. وفي تفسير الرازي أن القوم علموا أنهم لورتبوا حسابهم على السنة القمرية، فإنه يقع حجهم تارة في الصيف وتارة في الشتاء، وكان يشق عليهم الأسفار، ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات، لأن سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلاّ في الأوقات اللائقة الموافقة، فعلموا أن بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا، فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية، ولما كانت السنة الشمسية زائدة على السنة القمرية بمقدار معين، احتاجوا إلى الكبيسة وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران أحدهما: جعل بعض السنين ثلاثة عشر شهرا وانتقال الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذيالحجة، وبعده في المحرم، وبعده في صفر، وهكذا في الدور حتى ينتهي بعد مرة مخصوصة مرة أخرى، فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران: الزيادة في عدة الشهور وتأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى غيره. ثم قال: وأما المفسرون فانهم ذكروا في سبب هذا التأخير وجها آخر، فقالوا: إن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة وكان ذلك شريعة ثابتة من زمان إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)، وكانت العرب أصحاب حروب وغارات فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها وقالوا: إن توالت ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئاً لنهلكن وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، فيحرمونه ويستحلون المحرم.
قال الواحدي وأكثر العلماء أن هذا التأخير ما كان يختص بشهر واحد، بل كان ذلك حاصل في كل الشهور، وهذا القول عندنا هو الصحيح على ما قررناه اهـ. يعني أنهم كانوا إذا أخروا المحرم إلى صفر أخروا صفر إلى ربيع وهكذا حتى ينتهي بعد مدة إلى ذي الحجة، ونظامه عند العرب في الجاهلية الذي يدور عليه حساب السنين هو هذا الذي نقله الواحدي عن أكثر العلماء. وسنوعمر النبي (صلّى الله عليه وآله) لم تكن تعد على وفق النسيء بحيث تخالف عدد الشهور. نعم، ذكروا في سيرته (صلّى الله عليه وآله) أنه حملت به أمه أيام التشريق من ذي الحجة وولد في ربيع الأول، فإن كان ربيع تلك السنة كان حمله أقل من ستة أشهر ولا يكون الحمل أقل من ستة أشهر بنص القرآن، وان كان ربيع السنة القابلة كانت مدة حمله أكثر من سنة وهو خلاف ما اتفق عليه فقهاء أهل البيت ورواياتهم من أن أقصى مدة الحمل سنة، وأجيب باحتمال أن يكون ذلك محمولاً على النسيء بأن يكون ذوالحجة الذي حملت فيه هو شهر آخر غير ذي الحجة لأجل النسيء ولعله يريد هذا. أما عند من قال بجواز تأخر الحمل أكثر من سنة بل سنين فلا يجيء، هذا اشكال. وأما ما ذكره من أن في الوافي أن حساب الشهور كان عند الأئمة رومياً فهو يشير إلى ما في الوافي ج 5 ص 45 عن الفقيه والتهذيب عن عبدالله ابن سنان عن أبيعبدالله (عليه السلام) أنه قال: تزول الشمس في النصف من حزيران على نصف قدم، وفي النصف من تموز على قدم ونصف، وفي النصف من آب على قدمين ونصف، وفي النصف من أيلول على ثلاثة أقدام ونصف، وفي النصف من تشرين الأول على خمسة ونصف، وفي النصف من تشرين الآخر على سبعة ونصف، وفي النصف من كانون الأول على تسعة ونصف، وفي النصف من كانون الآخر على سبعة ونصف، وفي النصف من شباط على خمسة ونصف، وفي النصف من آذار على ثلاثة ونصف، وفي النصف من نيسان على قدمين ونصف، وفي النصف من أيار على قدم ونصف، وفي النصف من حزيران على نصف قدم. قال صاحب الوافي: «هذا الحديث يبين اختلاف الظل الباقي عند الزوال بحسب الأزمنة كما أشرنا إليه سابقا والظاهر أنه مختص بالعراق وما قاربها كما قاله بعض علمائنا اهـ». وغير خفي أن حساب زوال الشمس وتقديره بالاقدام لا يتم إلاّ على الحساب الشمسي الرومي للشهور لا على الحساب العربي القمري. وهذا ليس معناه أن حساب الشهور كان عند الأئمة رومياً كما لا يخفى ولا يتوهمه من عنده أدنى معرفة حتى يسأل عن وجه اتخاذ الأئمة حساب الروم وشهورهم وسنيهم مع أن حساب العرب وتاريخ الهجرة كان عربياً، ويجعل ذلك ابتداعياً؛ بل هذه فضيلة ومنقبة للإمام الصادق (عليه السلام) وفي تطبيقه معرفة زوال الشمس بالاقدام على الأشهر الرومية التي لا يمكن معرفته وتطبيقه إلاّ عليها، وما ربط هذا بالنسيء وبسني عمر النبي (صلّى الله عليه وآله).
حجات النبي (صلّى الله عليه وآله)
قال (في ص 26): «نحن نعلم أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قد حج بعد الهجرة حجة واحدة، ويقول الباقر والإمام الصادق: ان النبي قد حج بمكة مع قومه عشرين حجة كلها كانت مستترة لأجل النسيء كان في قومه كثرة قبل النبوة، فكيف أمكن له الاستتار، ولم يكن بعد النبوة فرض الحج بمكة، ولم يكن متعبداً بعد النبوة إلاّ بشرعه، فعلى أي شريعة كان يحج؟ وهل كان يحضر في مواسم الحج مع الناس؟».
(ونقول): اتفق المسلمون كافة على أنه (صلّى الله عليه وآله) لم يحج بعد الهجرة إلاّ حجة واحدة وهي التي تسمّى حجة الوداع أو حجة الإسلام. رواه الكليني في الكافي بسنده عن جعفر (عليه السلام). (لعله أبوجعفر) وقال ابن سعد في الطبقات الكبير: قالوا انه (صلّى الله عليه وآله) أقام بالمدينة عشر سنين يضحي ولا يحج حتى كان في ذيالقعدة سنة عشر من الهجرة فحج حجة الوداع اهـ. وفي السيرة الحلبية: لم يحج (صلّى الله عليه وآله) من المدينة غيرها قيل لاخراج الكفار الحج عن وقته؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يؤخرون الحج في كل عام أحد عشر يوما حتى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة فيعود إلى وقته، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام في هذه الحجة: إلاّ أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض. فإن هذه الحجة كانت في السنة التي عاد فيها الحج إلى وقته وكانت سنة عشر.
وأما حجاته (صلّى الله عليه وآله) قبل النبوة، ففي رواية الكليني السابقة أنه حج بمكة مع قومه حجات. وفي رواية الكليني بسنده عن الصادق (عليه السلام) حج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عشر حجات مستترا في كلها يمر بالمأزمين فينزل فيبول. وفي رواية عشرين حجة، وروى محمد بن ادريس الحلي في آخر السرائر عن جامع البزنطي عن زرارة، سمعت أباجعفر وأباعبدالله من بعده عليهماالسلام يقولان: حج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عشرين حجة مستترة منها عشر حجج أو قال سبع – الوهم من الراوي – قبل النبوة اهـ. هذه هي الروايات الواردة في ذلك من طرقنا وليس فيها أن الاستتار كان لأجل النسيء كما قال، فيمكن كونه لأجله فإن حجهم بسبب النسيء كان يقع في غير أشهر الحج، فيحج هو في أشهر الحج مستتراً، ويمكن أنه كان يستتر في بعض أعمال حجه عنهم لأنهم كانوا أهل جاهلية يخالفون الشرع في بعض أعمال الشرع التي منها أنهم كانوا يقفون بجمع وهو مع بقية العرب يقف بعرفة كما يأتي. أما غيرنا فاختلفوا كم حج قبل الهجرة بعد اتفاقهم على أنه لم يحج بعدها إلاّ حجة واحدة فقيل: حج بعد النبوة قبل الهجرة حجة واحدة، رواه ابنسعد في الطبقات بسنده عن مجاهد. وقيل: حج بعد النبوة قبل الهجرة حجتين وهما اللتان بسنده كان عندهما بيعتا العقبة الأولى والثانية، وأن الحجة التي بايعه فيها ثمانية أو ستة من الأنصار كما يأتى هي العقبة الأولى لا غيرها لكن ابن سعد قال: انها غيرها. وقيل: انه حج بعد النبوة قبل الهجرة ثلاث حجات، (احداها): قبل العقبة الأولى وهي التي أسلم فيها ثمانية أو ستة من الأنصار حين عرض عليهم بمني. (والثانية): الحجة التي لقي فيها اثني عشر رجلاً من الأوس والخزرج، (والثالثة): الحجة التي بايعه فيها السبعون عند العقبة الثانية قاله ابن سعد في الطبقات. وفي السيرة النبوية لدحلان أنه (صلّى الله عليه وآله) لم يحج بعد فرض الحج غير حجة الوداع، قال قال أبوإسحاق السبيعي: وحج وهو بمكة أخرى، ولكن قوله أخرى يوهم أنه لم يحج قبل الهجرة إلاّ واحدة وليس كذلك، بل حج قبلها مرارا قيل حجتين، وقيل ثلاث حجج. قال: والحق الذي لا ارتاب فيه كما في شرح الزرقاني على المواهب أو هو لم يترك الحج وهو بمكة لأن قريشا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج. وإذا كانوا وهم على غير دين – يحرضون على اقامة الحج فكيف يظن به أنه (صلّى الله عليه وآله) يتركه؟ قال: وقد ثبت حديث جبير بن مطعم أنه رأى النبي (صلّى الله عليه وآله) واقفا بعرفة وأنه من توفيق الله له وكانت قريش تقف بجمع ولا تخرج من أرض الحرم، وكان (صلّى الله عليه وآله) يخالفهم ويصل إلى عرفة ويقف بها مع بقية العرب. وصح أنه (صلّى الله عليه وآله) كان يدعو قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية. قال الزرقاني فلا يقبل نفي ابن سعد أنه لم يحج بعد النبوة إلاّ حجة الوداع؛ لأن المثبت مقدم على الثاني، ولذلك قال ابن الجوزي حج قبل النبوة وبعدها حجات لا يعلم عددها، وقال ابنالأثير في النهاية كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر اهـ. كلام دحلان. وإذا كان بقاؤه بمكة بعد النبوة وقبل الهجرة ثلاث عشرة سنة يكون قد حج بعد النبوة وقبل الهجرة ثلاث عشرة حجة – وحينئذ فما ورد في روايتنا كما سبق من أنه حج مع قومه قبل الهجرة عشرين حجة هو الصواب يكون حج سبعاً قبل البعثة وثلاث عشرة بعدها أو ثمانية قبلها واثنتي عشرة بعدها.
وأما فرض الحج ففي السيرة الحلبية قال الجمهور: فرض الحج كان سنة ست من الهجرة، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة عشر، وقيل: فرض قبل الهجرة واستغرب اهـ.
إذا عرفت ذلك كله علمت أن حجه (صلّى الله عليه وآله) قبل الهجرة أو قبل النبوة أو بعدها عدة حجات بمكة مع قومه لا يختص برواياتنا عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) وأن حجه بعد النبوة قبل الهجرة لابد أن يكون قبل فرض الحج في شرع الإسلام لأنه لم يفرض إلاّ بعد الهجرة كما عرفت. أما أنه كان في قومه كثرة، فكيف أمكنه الاستتار فكثرة قومه لا تمنعه من الاستتار بأن يحج وحده أو مع قومه، ويستتر في بعض الأعمال. وأما أنه بعد النبوة لم يكن فرض الحج بمكة ولم يكن متعبدا بعد النبوة إلاّ بشرعه فلا يختص بنا، فإن ورد علينا ورد على غيرنا، وهذا يدل على قلة اطلاعه. وإذا ثبت أنه كان يحج قبل أن يفرض الحج فلا بد أن يكون ذلك على شريعة غيره، واعتراضه بأنه بعد النبوة لم يكن متعبداً إلاّ بشرعه غير وارد لأن ذلك إنما يسلم فيما له فيه شرع، أما قبل فرض الحج في شرعه فلا مانع أن يتعبد فيه بشرع غيره، ويمكن أن يكون قد شرع الحج في حقه خاصة بعد النبوة وان لم يكن قد شرع في حق غيره. وأما قبل النبوة فحال الحج كغيره من الأحكام والعبادات وللأصوليين خلاف مشهور في أنه قبل النبوة هل كان متعبداً بشرعه أو بشرع غيره؟! ومن ذلك يعلم الجواب عن قوله هل كان يحضر في مواسم الحج، وكيف كان فإيراد هذه المسائل في فقه عقائد الشيعة لا وجه له.
قال (في ص 36): «حج أبو بكر وعلي مع الناس في السنة التاسعة. تقول كتب الشيعة: إن حج السنة التاسعة كان في ذيالقعدة في دور النسيء، وكيف يصح ذلك والكتاب الكريم سمّاه: يوم الحج الأكبر».
(ونقول): كتب الشيعة التي بأيدينا لم نجد فيها ما ذكره، ففي مصباح المتهجد للشيخ الطوسي: في أول يوم من ذي الحجة سنة تسع من الهجرة بعث النبي (صلّى الله عليه وآله) سورة براءة حين نزلت عليه مع أبي بكر، ثم نزل على النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه لا يؤديها عنك إلاّ أنت أو رجل منك، فأنفذ عليا حتى لحق أبابكر فأخذها منه وهو صريح في أن حج تلك السنة كان في ذيالحجة لا في ذيالقعدة. وقال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ [التوبة: 2]. اختلف في هذه الأشهر الأربعة فقيل ابتداؤها يوم النحر عن مجاهد وهو المروي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وقيل: من أول شوال، وقيل: ابتداؤها يوم النحر لعشرين من ذيالقعدة لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وفيها حجة الوداع وكان سبب ذلك النسيء عن الجبائي، فهو لم يقل ان حج تلك السنة كان في ذيالقعدة، بل نقله عن الجبائي، ولم ندر ما هي كتب الشيعة التي تقول ذلك، وان كانت تقول ذلك وقد شاركتها في هذا القول كتب غير الشيعة. قال الإمام الرازي في تفسير الآية: اختلفوا في هذه الأشهر الأربعة، فقيل: ان ابتداءها شوال، وقيل: ابتداؤها العشرون من ذيالحجة، وقيل: ابتداء تلك المدة كان من عشر ذيالقعدة إلى عشر من ربيع الأول؛ لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذيالحجة أي حجة الوداع. والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: إلاّ إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض اهـ. فهو قد نقل ما نقله الطبرسي وظهر منه ترجيح القول الأخير. وفي الكشاف في تفسير ﴿إن عدة الشهور عندالله اثنا عشر شهراً﴾ إلى قوله ﴿منها أربعة حرم﴾ [التوبة: 36] ثلاثة سرد ذوالقعدة وذوالحجة والمحرم، وواحد مفرد وهو رجب ومنه قوله (صلّى الله عليه وآله) في خطبته في حجة الوداع إلاّ أن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض السنة إثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذوالقعدة وذوالحجة والمحرم. ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذيالحجة وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية وقد وافقت حجة الوداع ذيالحجة وكانت حجة أبي بكر قبلها في ذيالقعدة اهـ. فظهر أن إسناده ذلك إلى كتب الشيعة وحدها كان عن قصور في اطلاعه. وحينئذ فيسأل كيف حج أبو بكر وعلي في ذيالقعدة في دورالنسيء وهو من سنن الجاهلية؟ ويمكن الجواب من وجهين: (الأول): أن الحج لم يكن قد فرض بناء على أنه قد فرض سنة عشر من الهجرة كما هو أحد الأقوال المتقدمة في الفصل الذي قبل هذا ويؤيده أن الحج لو كان مفروضاً قبل سنة عشر لما تركه النبي (صلّى الله عليه وآله) وعدم استطاعته له بعيد لا سيما أن مكة المشرفة كانت قد فتحت سنة ثمان من الهجرة، وإذا لم يكن الحج مفروضا فلا مانع من حج أبي بكر وعلي في دور النسيء لغاية تبليغ علي سورة براءة. (الثاني): يمكن أن يكون أبو بكر وعلي خرجا مع المشركين في حجهم في ذيالقعدة وبلغ علي (عليه السلام) سورة براءة في الموسم، ثم حج هو وأبوبكر في ذيالحجة من تلك السنة، وهذا الجواب يتم سواء أقلنا بأن الحج كان قد فرض أم لا، ولا ينافي ذلك أن يكون حج وحده حجاً صحيحاً، والله أعلم. ومن هنا تعلم عدم المنافاة بين ذلك وبين تسميته في الكتاب الكريم بيوم الحج الأكبر إلاّ على القول بأن يوم الحح الأكبر يوم عرفة أو يوم النحر، والقول بأنه وقع في ذي القعدة. وأن غيره من علماء غير الشيعة قالوا بوقوعه في ذي القعدة، فتوجه عليهم الاعتراض. أما على القول بأن الحج الأكبر هو مطلق الحج؛ لأن العمرة تسمّى الحج الأصغر أو أنه سمّى الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين فيه فلا يرد هذا الاعتراض أيضاً وكل ذلك يدل على قصور اطلاعه.
اسانيد الشيعة وغيرهم وأخبارهم
قال (في ص 46) بعد ذكر بعض أخبار نقلها من كتب الشيعة: «وهذه وأمثالها تشهد شهادة قطعية أن الشيعة تضع ولا تحسن الوضع لا ذوق للشيعة في الوضع ولا مهارة. تروى كتب الشيعة أن إماماً من أئمة أهل البيت يقول: ذروا الناس فإن الناس أخذوا عن الناس، وأنتم أخذتم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)». و(في ص 47): «نقلاً عن شرح الكافي للمجلسي (1-28) أن شيوخنا رووا عن الباقر والصادق وكانت التقية شديدة، وكانت الشيوخ تكتم الكتب، فلما خلت الشيوخ وماتت، وصلت كتب الشيوخ إلينا. فقال إمام من الأئمة: حدثوا بها فإنها صادقة. تعترف الشيعة أنه لم يكن عندها علم الحلال والحرام والمناسك إلى زمن الباقر والصادق. نرى أن التقية جعلت وسيلة إلى وضع الكتب. ثم جعل كل هذا دليلاً على جواز العمل بالوجادة. هذا خلاصة للشيعة في أسانيد الأخبار والكتب. يقول أهل العلم: إن أخبار الشيعة متونها موضوعة، وأسانيدها كلها مفتعلة مختلقة. والوضع زمن الأموية والعباسية كان شائعاً غاية الشيوع للدعوة والدعاية لأسباب سياسية. وقد كان أعداء الإسلام وأعداء الدولة الإسلامية من اليهود والمجوس يتظاهرون بالدين نفاقاً، ويضعون الأحاديث مكراً بالدين نفاقاً، ويضعون الأحاديث مكراً بالدين واثارة للفتن. وأصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من الشيعة المتظاهرة وأخرجتها العصبية من ذكر الفضائل إلى تعداد الرذائل. وكل متن يناقض المعقول أو يخالف الأصول أو يعارض الثابت من المنقول فهو موضوع على الرسول». و(في ص 48): «كان لأئمة الأمة رواية محيطة أحاطت احاطة مفترقة مستغرقة على كل ما رويت (كذا) لم تغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصتها، وكان لهم دراية نافذة واسعة حتى نقدت الأحاديث بعد التثبت في أسانيدها نقد الصيارفة خالص النقود من زيوفها، ثم دونت الجوامع في الصحاح ودونت المسانيد فيما صح وحسن وثبت من الأحاديث، فما فات الأئمة شيء من سنن النبي وأحاديثه ولم يدخل ولم يبق في كتب الأمة زيف أو دخيل.
وكان لهم دراية نافذة واسعة وكانت لهم رعاية صادقة ناصحة».
و(في ص 49): «وروايات أهل البيت أئمة الشيعة – إن كان لهم رواية – فكلها ينتهي إلى علي أمير المؤمنين وكل ما صح وثبت عن علي فقد روته أئمة الأمة قبل أئمة الشيعة بزمن وهم أدركوه، وهم كانوا أعلم وأحرص. هذا ما للشيعة وما لأئمة الأمة في مسألة الأسانيد والمتون. فاجلالا لأهل البيت واحتراما لأئمة الشيعة أنكر كل أخبار الشيعة لو ثبت بعض ما في كتب الشيعة، فالأئمة وأهل البيت جاهلة، سيئة الأدب، قليلة الدين. في أبواب ما نزل من الآيات في الأئمة والشيعة وفي أعداء أهل البيت دليل لا يزر عيبا على من يقول: كل ما في كتب الشيعة موضوعة، كل ما روى في تأويل الآيات وتنزيلها استخفاف بالقرآن ولعب بالآيات، لا يدل إلاّ على جهل القائل بها لوثبت أخبار الكافي في القرآن وفي تأويل الآيات وتنزيلها فلا قرآن ولا إسلام ولا شرف لأهل البيت ولا ذكر لهم».
(ونقول): الشيعة لا تضع ولا تحسن الوضع، ولا ذوق لها فيه، ولا مهارة، ولا تحتاج إليه، وهي غنية بما ورثته من علوم آل محمد – مفاتيح باب مدينة العلم، وشركاء القرآن – عن الوضع والكذب، وغيرها قد يضع ويحسن الوضع ويكون له فيه ذوق ومهارة وقد يضع ولا يحسن الوضع ويكون وضعه من دون ذوق ومهارة كمن روى «ما أبطا عني جبرئيل إلاّ ظننت أنه بعث إلى فلان» «وما أبطأ عني الوحي إلاّ ظننت أنه نزل في آل فلان». فواضع هذا لقلة ذوقة ومهارته لم يتفطن إلى أن فيه نسبة النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى الظن بعدول الباري تعالى عن نبوته وإلى الظن بأن نبوته قد انقطعت ومن شك في استمرار النبوة أو ظن انقاطعها لم يكن مسلماً فضلاً عن أن يكون نبياً خاتم الأنبياء وسيدها وأفضلها. وقد وضعوا لأمير الشام حين أدر عليهم الأموال من بيت مال المسلمين أحاديث في ذم علي بن أبيطالب (عليه السلام) لم يكن لهم ذوق ولا مهارة في وضعها (منها) أن آية ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل﴾ [البقرة: 205] نزلت في علي بن أبيطالب (عليه السلام) ومنها: أن علياً خطب بنت أبي جهل فخطب النبي (صلّى الله عليه وآله) وقال في خطبته لا والله لا تخطب بنت عدو الله على بنت رسول الله، فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني حتى نظم ذلك مروان بن أبي حفصة شاعر بني العباس متقربا بذلك إليهم فقال:
وساء رسول الله إذا ساء بنته
بخطبته بنت اللعين أبي جهل
كما ذكره ابن أبي الحديد وغيره من المؤرخين. فواضع هذا لا ذوق له في الوضع ولا مهارة، فإنه لم يتفطن إلى أن علياً في مكانته في الإسلام لا يمكن أن تصدق نسبة الإفساد في الأرض إليه، وأنه لا يمكن أن يتزوج على الزهراء في حياتها، وأن النبي (صلّى الله عليه وآله) لو قال ذلك لكان قدحاً في نبوته – والعياذ بالله – لتحريمه ما أحله الله؟ إن صح قول أحد الأئمة: الناس أخذوا عن الناس، وأنتم أخذتم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان راجعاً إلى الفتوى لا إلى الرواية، إذ كل من يروى يسند حديثه إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله). أما الفتوى فالشيعة تأخذ أحكامها عن أئمة أهل البيت الذين أخذوا عن آبائهم عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وغيرها يأخذ أحكامه عن الناس من أئمة المذاهب الذين يعلم أنهم يفتون بالاجتهاد الذي يجوز فيه الخطأ لكن صاحبه معذور أخطأ أم أصاب.
والشيعة كغيرهم قسّموا أسانيد الأخبار والكتب إلى أقسامها المعروفة عند الجميع من: الصحيح، والحسن، والموثق، والضعيف، والمجهول، والمرسل، والمقطوع، والمضمر، والآحاد، والمتواتر، وغيرها من الأقسام المفصلة في كتب الدراية للشيعة ولغيرها. وأما تحمل الرواية فطرقه عندهم هي ما عند غيرهم كالسماع من الشيوخ والقراء عليهم والإجازة والوجادة وغيرها مما فضّل في كتب الدراية فسخه لطريقة الشيعة في الأسانيد وتحمل الرواية وابرازه لها بهذا الشكل تعصب منه وقلة أمانة، وقوله: إن شيوخنا رووا إلى قوله… صادقة؛ الدال على جواز تحمل الرواية بالوجادة لا غبار عليه فإنها أحد طرق التحمل فذكره في معرضها النقد قلة انصاف، وماذا ينكر من اشتداد التقية المؤدي إلى كتمان الكتب، وهل كان جزاء من ينتمي إلى أئمة أهل البيت ويأخذ دينه عنهم غير القتل بشر القتلات وأفظعها. قد حبس الرشيد محمد بن أبيعمير أحد أصحاب الكاظم ورواة الحديث، وضربه أشد الضرب ليدل على أصحاب موسى بن جعفر، فكاد يبوح لشدة البلاء، ثم عصمه الله ودفنت أخته كتبه في غرفة، فتلفت بما أصابها من المطر وأمثال هذا كثير لا يحصى، وكم بنيت الحيطان على العلويين، ووضعوا أحياء في أساطين البناء، وكم خلد شيعة أهل البيت في السجون، وأودعوا المطامير! أليس بعض هذا كافيا في لزوم التقية!؟ فقوله: نرى أن التقية جعلت وسيلة إلى وضع الكتب، ثم جعل هذا دليلاً على جواز العمل بالوجادة رأى فاسد ومقال جائر. التقية لم تجعل وسيلة إلى وضع الكتب، والتقية التي لا يمكن إنكار وجوبها لا يسوغ لمنصف أن يعيب بها ويجعلها نقداً ووضع الكتب على لسان أئمة أهل البيت والتوسل إلى ذلك بالتقية لا داعي له حتى يرتكبه رواة الشيعة، فإن كان الاحتياج إلى الوضع لقلة علوم أهل البيت فهم ينابيع العلم والحكمة والذين أمرنا بأن نتعلم منهم ولا نعلمهم، وإن كان حبا بالوضع والكذب فهؤلاء الرواة قد اتسموا بالعدالة والوثاقة والتحرز في كتب الرجال، وهم أبعد عن الكذب والوضع من كل أحد، وإن وجد بينهم مقروح فيه، فالشيعة ترد أحاديثه ولا تقبلها وجعله هذا الكلام دليلا على أن الشيعة لم يكن عندها علم الحلال والحرام والمناسك إلى زمن الباقر والصادق عليهما السلام سوء فهم منه وعناد وتعصب، فإذا كانت شيوخ الشيعة تكتم بعض الكتب المروية عنهما في زمن شدة التقية، ثم ظهرت تلك الكتب عند خفة التقية، فليس معناه أنه ليس عند الشيعة غير هذه الكتب، ولا أن الشيعة لم تكن تعلم ما في هذه الكتب من الحلال والحرام والمناسك وتعمل به كيف لا وهم رواتها وحفظتها، وإنما المراد، أنها لم تكن منتشرة انتشارها زمن خفة التقية وأول الكلام صريح في أنها مروية عن الباقر والصادق، ومعمول بها في زمانهما وقبل زمانهما، فكيف يقول لم يكن عندها علم الحلال والحرام إلى زمنهما، ولكنه لا يدري ما يقول. والشيعة ورثت علم الحلال والحرام والمناسك أولاً عن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، باب مدينة علم المصطفى، وفاصل القضايا، وحلال المشكلات، والذي قال فيه الخليفة: «لولا علي لهلك عمر»، «قضية ولا أبوالحسن لها»، «لا عشت لمعضلة ليس لها أبو الحسن». وله من المؤلفات جمع القرآن وتأويله، وكتاب أملى فيه ستين نوعاً من أنواع علوم القرآن، وذكر لكل نوع مثالاً يخصه وهو الأصل لكل من كتب في أنواع علوم القرآن، وكتاب الجامعة، وكتاب الجفر، وصحيفة الفرائض، وكتاب في زكاة النعم؛ وكتاب في أبواب الفقه؛ وكتاب آخر في الفقه؛ وعهده للأشتر. ووصيته لابن الحنيفة، وكتاب عجائب أحكامه، وقد تكلمنا على هذه الكتب في الجزء الأول من أعيان الشيعة (ص154ـ187)، ثم عن أولاده أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأحد الثقلين واحداً بعد واحد. وإنما كان انتشار ذلك في زمن الصادقين. وحاشا أهل العلم أن يقولوا في أخبار الشيعة ومتونها ما ذكره وإن قاله قائل فهو من أهل الجهل، بل هو أجهل من كل جاهل، وما يحمل قائل ذلك عليه إلاّ العداوة والعصبية، وقلة الخوف من الله تعالى. وأخبار الشيعة متون وأسانيد كأخبار غيرها، بل هي أقرب إلى الصحة لأنها لا تعمل ولا تعتقد إلاّ بما يرويه الثقات عن الثقات، عن الأئمة الهداة، عن جدهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) عن جبرئيل، عن الله تعالى كما قال الشاعر:
ووال أناسا قولهم وحديثهم
روى جدنا عن جبرئيل عن الباري
ولا تأخذ بما يرويه مائة ألف أو يزيدون وتحكم بعدالتهم جميعا وفيها أمثال: بسر بن أرطأة ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة وأضرابهم وفيهم الذين أقاموا لأم المؤمنين أربعين أو خمسين شاهداً يشهدون زوراً أن هذا ليس ماء الحوأب، فكانت أول شهادة زور أقيمت في الإسلام، وتسبب عنها قتل عشرات الألوف من المسلمين.
وإذا كان الوضع شائعاً زمن العباسية والأموية، فمن هم الذين كانوا يضعون الأحاديث غير علماء السوء من الأمة المعصومة – عنده – كانوا يضعونها لمن يبذل لهم الأموال ويوليهم الولايات ضد أهل البيت وفي مدح أعدائهم والذين ابتدأوا بالوضع وحملوا الناس عليه بالترغيب والترهيب هم ملوك بنيأمية في ملكهم العضوض، فبذل أول ملك منهم الأموال العظيمة وولى الولايات الجليلة لمن يروي له حديثاً في ذم علي وأهل بيته، ثم فيمن يروى في فضائل غيرهم، ثم تبعه بنو أمية على ذلك مدة ملكهم، ثم بنو العباس على هذا الأساس لأسباب يسميها المؤلف سياسية، وبأي اسم سماها فهي لا تخرج عن العداوة لأهل البيت الطاهر وقصد اخفاء فضلهم وغمط حقهم، ويأبى الله ذلك. أما أهل البيت وشيعتهم فلم يكونوا في حاجة إلى وضع ولا في فقر إلى اختلاق لغناهم بالفضائل والمناقب التي اعترف بها العدو قبل الصديق، بل لم يكونوا قادرين على إظهارها للملأ وهي حق حتى كانوا لا يجسرون أن يصرحوا باسم علي إذا رووا عنه؛ فيقولون حدثني أبوزينب أو رجل من أصحاب رسول الله، ومنعوا عن أن يسموا باسمه أو يكنوا بكنيته. وقد قال بعض من تسموا بأهل السنة في حق أميرالمؤمنين علي (عليه السلام): «ما أقول في رجل أخفى أولياؤه فضائله خوفا وأعداؤه حسدا وظهر من بين ذين ما ملأ الخافقين» وكون اليهود والمجوس كانوا يضعون الأحاديث كلام خال عن التحصيل قاله مخادع ماهر، وتبعه عليه كثيرون، فنسبوا وضع الأحاديث والمكر بالدين واثارة الفتن إلى اليهود والمجوس سترا للأمر، والصواب إن الذين فعلوا ذلك هم الذين أسلموا كرهاً وتظاهروا بالدين نفاقاً، وأحقادهم يوم بدر وغيره باقية في صدورهم وهم أعداء الإسلام، فبذلوا الأموال وولوا الولايات لمن يضع لهم الأحاديث في ذم علي وأهل بيته ومدح غيرهم، مكرا بالدين، وإثارة للفتن، وعداوة لصاحب الشرع وأهل بيته، ولم يظهر المراد من قوله: الشيعة المتظاهرة ولعل المراد ما في قوله السابق يتظاهرون بالدين نفاقا. والصواب: أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل والذم كان ممن قدمنا ذكره كما ذكره ابن أبيالحديد في شرح النهج وغيره، أما الشيعة فأئمتها غنية بالفضائل لا تحتاج إلى الاختلاق كما مر وقد كان إبراهيم بن محمد الثقفي من أهل الكوفة ألف كتاباً في المناقب والمثالب، فأشار عليه أهل الكوفة أن لا يظهره خوفاً عليه، فسألهم: أي البلاد أبعد عن الشيعة؟ فقالوا: أصفهان، فحلف أن لا يروينه إلاّ بأصفهان ثقة منه بصحة أسانيده، فانتقل إلى أصفهان ورواه بها.
والشروط التي ذكرها لمتون الأحاديث ليس الشأن في ذكرها بل الشأن في تطبيقها ومعرفة أن أي حديث يناقض المعقول، وأي حديث لا يناقضه، فحديث النظر إلى الله تعالى يوم القيامة يقول المعتزلة: أنه محال محال مناقض للمعقول، ويقول الأشاعرة: أنه غير مناقض. والشأن في أن أي القولين أصح، والأصول التي يدعي أن الحديث يناقضها تختلف فيها الأنظار، فالمهم تصحيح الصحيح منها والثابت من المنقول عند قوم قد لا يثبت عند أخرىن، وهكذا كل كلامه تطويل بلا فائدة.
وكل أمة تدعي لأئمتها ما ادعاه لأئمته، والله أعلم بالمصيب منها والمخطىء، والاختلاف في أحوال الرجال من الرواة ينفي الجزم بأنه لم يبق في الكتب زيف أو دخيل، وإذا كانت أئمة الأئمة نقدت الأحاديث كما وصف فلماذا رد أحاديث أعظم أئمة الحديث في المتعة – كما مر -: البخاري ومسلم وابن حنبل والنسائي وابن ماجة الدالة على مشروعيتها؟ وقال: إنها لم تشرع وبالغ في ذلك، وقال في بعضها هذا كلام لفّقته ألسنة الرواة إلى آخر ما مر وهنا يقول: لم يبق في أخبار الأمة زيف أو دخيل، فكان في ذلك كالنعامة قيل لها، احملي. قالت: أنا طير. قيل لها: طيري. قالت: أنا جمل. أو كالبومة قيل لها: ما بال رأسك كبير؟ قالت: أنا شويخة. قيل: فما بال ذنبك صغيراً؟ قالت: أنا قديخة. قيل: ما تصديق من رأسك إلى ذنبك.
وقوله عن أهل البيت ان كان لهم رواية عجيب. وهل الرواية إلاّ لهم. فقد روى راو واحد وهو أبان بن تغلب عن إمام واحد وهو جعفر بن محمد الصادق ثلاثين ألف حديث. وقال الحسن بن على الوشا: أدركت في مسجد الكوفة سبعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد. وأحصى الحافظ ابنعقدة الرواة عن جعفر بن محمد من الثقات خاصة فكانوا أربعة آلاف. وقد صنف أصحاب الأئمة فيما رووه في فنون شتى ما يزيد على ستة آلاف وستمائة كتاب، وقال البهائي في الوجيزة: إن ما تضمنته كتبنا من هذه الأحاديث يزيد على ما في الصحاح الستة بكثير كما يظهر لمن تتبع أحاديث الفريقين وهذا الرجل يقول ان كانت لهم رواية.
ما ضر شمس الضحى والشمس مشرقة
أن لا يراها الذي في عينه رمد
قوله: كلها تنتهي إلى علي؛ الصواب أن روايات أهل البيت أئمة الشيعة – الذين تفتخر الشيعة بأنهم أئمتها وتدعى بهم يوم يدعى كل أناس بامامهم – كلها تنتهي إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن جبرئيل عن الله تعالى كما قال أحد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما مضمونه: كل ما حدثتكم به فسندي فيه أبي عن جدي عن أبيه عن جده عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وكون كل ما صح وثبت عن علي روته أئمة الأمة قبل أئمة الشيعة بزمن يرده أنه متى كان من يسميهم أئمة الأئمة يروون حديث علي في عهد من عهود الإسلام أفي العهد الأول الذي سئل عنه الخليل بن أحمد النحوي واشترط عليه السائل أن لا يبوح به في حياة السائل، فقال الخليل: هذا يدل على أن الجواب أعظم من السؤال. فقال: رأيت الصحابة كأنهم بنو أم وأب، وعلياً كأنه ابن علة، فأجابه الخليل بجواب معروف واشترط عليه كتمان الجواب مدة حياة الخليل، أم في العهد الأموي والعباسي وكان لا يجسر أحد أن يروي عنه حديثاً كما مر واستمر ذلك إلى اليوم، فقام موسى التركستاني ينكر فضلهم ويفضل عليهم من لا يلحقهم في فضل. والذي للشيعة في الأسانيد أنه لا يقبلون إلاّ ما رواه الثقات عن الثقات حتى ينتهي إلى صاحب الشرع، وفي المتون أنهم لا يقبلون ما يناقض المعقول أو يخالف الثابت من المنقول، وقد ملأت كتبهم في أحوال الرجال والبحث عن عدالتهم وضعفهم الخافقين. والذي لأئمة من يسميهم الأمة قد علم حاله مما مر. وهذه التهويلات بتلك الألفاظ الهائلة: لا قرآن، لا إسلام، لا شرف، لا سماوات، لا أرضون، لا بحار، لا أنهار، لو ثبت كذا فكل ما في كتب الشيعة موضوع. لو ثبت كذا فهو استخفاف بالقرآن. لا تدل إلاّ على جهل قائلها. لماذا كل هذا التهويل لأن ما ذكر يخالف ما يعتقده موسى جار الله ولعل فيما يعتقده حقاً وباطلاً وصواباً وخطأ ليس موسى جار الله معصوماً، وان ادعى العصمة لنفسه ولأمتة في مواضع لا تحصى من «وشيعته». نحن لا نقول بصحة كل ما في كتب الأخبار للشيعة لا في الأحكام الشرعية ولا غيرها لا الكافي ولا غيره، ولا ندعي العصمة التي يدعيها له ولأمته، بل في هذه الأخبار جميع أقسام الحديث مما يحتج به وما لا حجة فيه، فعلينا أن نبحث عن صحة سند الحديث وضعفه، وقد تكفلت بتوثيق الرجال وتضعيفهم كتب الرجال ولا يلزمنا الاعتقاد أو العمل بكل ما صح سنده، بل نطرح ما خالف الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أو خالف العقل. وإذا كان جميع ما في كتب الأخبار صحيحاً فلماذا وضعت كتب الرجال، ولماذا قسم الحديث إلى أقسامه المعروفة، فقوله لو ثبت كذا فالأئمة وأهل البيت جاهلة، سيئة الأدب، جهل منه وسوء أدب وإنكاره كل أخبار الشيعة احتراماً للأئمة – بزعمه – تعد منه وتجاوز للحد كدعواه وضع كل ما في كتب الشيعة. فإذا كان في هذه الأخبار ما يخالف رأيه لا يترتب عليه ما ذكره من اللوازم إذ يجوز على رأيه الخطأ والصواب، ويجوز أن يكون في هذه الأخبار ضعيف السند، فاصداره هذه الأحكام الجائرة على كل أخبار الشيعة تهور وخطأ.
وأشار (في ص 50) إلى بعض ما في الكافي، وقال: «إنه أصح كتاب عند الشيعة»، ثم أتى بعبارات أساء فيها الأدب كثيرا مع الإمام الصادق (عليه السلام)، إمام أهل البيت، لم نر من مقتضى الأدب نقلها. وهو لا يساوي تراب أقدام الصادق، وقد بيّنا أن الشيعة لا تعمل ولا تعتقد بكل ما في الكافي، ولا تراه كله صحيحاً، وتقسم أخباره إلى الأقسام المعروفة التي فيها الصحيح والضعيف سواء أكان أصح كتاب عندها أم أضعفه.
أم العباس
قال (في ص 33): «كلام كتب الشيعة في أمالعباس فيه شيء من سوء الأدب لا أرتضيه وهذه قد عادت للشيعة وكتبها عادة»، و(في ص 50): «ما في الوافي في أم العباس لعله نزعة شيعية زادتها الشيعة على الشعوبية».
(ونقول): هذه مسألة تاريخية ذكرها كافة المؤرخين من الشيعة وغيرهم، فتخصيص كتب الشيعة بذلك قلة انصاف منه، وهذه وأمثالها قد عادت له عادة. والشعوبية لم تؤثر شيئاً في تاريخ الإسلام ولم يحوجها أهل الإسلام إلى زيادة شيء فيه. والشيعة أصدق حديثاً من أن تزيد على الشعوبية أو غيرها، ولكن نزعات العداوة للشيعة تحمل على مثل هذا القول.
إيمان جد النبي (صلّى الله عليه وآله) وأبيه وأمه وعمه
قال (في ص 51): «(مسائل حسنة فقهية في كتب الشيعة) يعجبني غاية الإعجاب عقيدة الشيعة في جد النبي عبدالمطلب وعمه أبي طالب وأمه الثانية فاطمة أم علي. عن الصادق: يحشر عبدالمطلب أمة وحده عليه سيماء الأنبياء وهيبة الملوك. نزل جبرئيل على النبي عن الله تعالى إني قد حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك. ومثل هذه الأحاديث وإن كانت رويت على طريق الدعاية وعلى قصد تأييد هوى من الأهواء، فإن قلبي يميل إلى هذه العقيدة وان لم يكن عندي لها دليل بل يميل قلبي إلى توسيع هذه العقيدة في عمود النسب حتى يدخل في دائرة الرحمة الالهية التي رسمها اشعاع بركة النبي كل ما لم يرد فيه نص الحرمان. وكنت أستبعد غاية الاستبعاد قول ابنحزم في كتابه الاحكام في أصول الأحكام: وقد غاب عنهم أن سيد الأنبياء هو ولد كافر وكافرة. عجيب من مثل هذا الإمام الكبير محمد بن حزم مثل هذه الصراحة ومثل هذا القطع، وقد كان والد النبي وأمه على دين إبراهيم أو أمكن أن يكون على دينه».
(ونقول): العقائد لا تكون بالإعجاب ولا بميل القلب، بل تكون بالدليل والدليل على إسلام من ذكر كالنور على السطور. بما روي عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم أولى بالاتباع من كل أحد ومنه الحديث الذي نقله، فالصلب الذي أنزله عبدالله ويمكن شموله لجميع أجداده إلى آدم، والبطن الذي حمله آمنة، والحجر الذي كفله عبدالمطلب وأبو طالب وزوجته فاطمة بنت أسد، لكنه لم يذكر أباه وأمه الوالدة مع ذكرهما في الرواية ومع أن الوالدة أولى بالذكر من المربية المتفق على إسلامها، ويزد إسلام أبي طالب بما سيجيء، ومع ذلك لم يقل به أكثر قومه لأحاديث موضوعة رويت في عصر الملك العضوض على طريق الدعاية ضد أهل البيت النبوي قصد تأييد هوى من الأهواء، عداوة لمن ولده وآخر حجر كفله بل عداوة له نفسه، وأخذها من تأخر بالقبول غفلة عن حالها، وبناء على بعض الأسس غير الثابتة في قبول الخبر حين ينتهي إلى صحابي. وزعمه أن أحاديث إيمان هؤلاء رؤيت على سبيل تأييد الدعاية وعلى قصد تأييد هوى من الأهواء، لم يسقه إليه إلاّ هوى من الأهواء. ويقول: إن عقيدة إسلام هؤلاء ليس لها عنده دليل؛ مع أن الدليل على إسلام أبيطالب مما لا ينبغي الشك فيه، ولذلك نصره وحامى عنه وتحمل أذى قومه في سبيله، وأوصى أولاده علياً وجعفراً عند موته بنصره، فقال:
إن علياً وجعفراً ثقتي
عند ملم الخطوب والكرب
لا تخذلا وانصرا ابن عمكما
أخي لأمي من بينهم وأبي
والله لا أخذل النبي ولا
يخذله من بني ذوحسب
وصرح بالإسلام في شعره في عدة مواضع، وإنما كان يخفي إسلامه ليتمكن من نصره فهو الذي يقول:
ولقد علمت بأن دين محمد
من خير أديان البرية دينا
ويقول:
ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب
لدينا ولا يعني بقول الأباطل
كذبتم وبيت الله نخلي محمداً
ولما نطاعن دونه ونناضل
وننصره حتى نصرع حوله
ونذهل عن أبنائنا والحلائل
إلى غير ذلك من أشعاره. أما قول الصادق الذي ترويه الشيعة فلا يصلح دليلاً عنده لأن الشيعة – بزعمه -: كل أحاديثها موضوعة. ومثل هذه الأحاديث رويت على سبيل الدعاية ولتأييد هوى من الأهواء. وأولى بذلك ما روى بضدها من أن والدي النبي (صلّى الله عليه وآله) ماتا كافرين وأنهما في النار. وكيف يقول بما لم يرد فيه نص الحرمان. وقد وردت في هؤلاء نصوص الحرمان – بزعم أصحابه – والعجب منه أنه فيما يصيب فيه يبني اصابته على غير دليل، وكان يستبعد غاية الاستبعاد ما قاله ابنحزم من أن سيد الأنبياء ولد كافر وكافرة، ويتعجب منه. ولكنه لو لم ينظر ابنحزم بعين الرضا – التي هي عن كل عيب كليلة – لما استبعد أن يصدر منه مثل هذا الكلام فقد أتى ابن حزم في كتابه الفصل من التعصب بالباطل على الشيعة والأكاذيب وقلب الحقائق بما تقشعر منه الجلود وتسميته بالإمام الكبير ليست إلاّ لذلك.
الطلاق والغسل والمسح
قال (في ص 52): «واستحسن الكثير من أقوال الشيعة في أدب الطلاق ونظامه. ولا استحسن غلو الشيعة في تحريم غسل الرجلين في الوضوء، وغسل كل شيء وكل الأعضاء في كل حال وعلى كل حال مباح في الأصل، فالتحريم جهل عظيم. وغسل الأرجل تعبداً وتنظفاً سنة قديمة ثبتت في كل الأديان السماوية ووردت في أسفار موسى على أنها سنة إبراهيم». و(في ص 54): «والمسح بالرؤوس له تاريخ قديم ولم يثبت في دين من الأديان السماوية إلاّ الغسل في الأرجل».
الغسل والمسح في آية الوضوء
و(في ص 52): «والغسل المسح في الأرجل قرآن متواتر وفي سنة النبي كلاهما سنة متواترة وقول الباقر والصادق: يأتى على الرجل سبعون سنة ما قبل الله منه صلاة لأنه غسل الرجلين تحكم استكبار عند (كذا) جلال الله وتحجير لاختيار الله» و(في ص 52-53-54): «وابن عباس كان يقول في آية ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ لا أجد في القرآن إلاّ المسح لكن الأمة أبت إلاّ الغسل. ومثل هذا أسلوب محاورة للصحابة في المناظرة، وفي تقرير الاشكال كان يقول هذا على ملأ من فقهاء الصحابة للمذاكرة والاستفادة وفيهم إمام الأئمة علي أميرالمؤمنين، وأفضل الأمة، وافقه الصحابة الإمام عمر الفاروق، وهو الذي كان يقدم ابنعباس على شيوخ الصحابة في مجالس العلم اجلالاً لعلمه، واعتماداً على عظيم أدبه، فتسليم الصحابة إجماع منهم على أن وظيفة الرجلين هي الغسل وإلاّ لأنكروا عليه قوله: لكنكم أبيتم إلاّ الغسل، وكان هذا الإجماع قبل الصادق وأبيه الباقر بقرن كامل. فتحريم غسل الأرجل لابد أن يكون موضوعاً على لسان الصادق، وإلاّ فالصادق جاهل يعاند جده المعصوم. وابن عباس كان من أعلم تلاميذ علي وأكثرهم تعلقاً بعلي، وكان يوم الإجماع من شيعة علي وان ارتد بعد مدة وصار كافراً على ما تزعمه الشيعة (401:2) أصول الكافي. وروى أهل العلم بسند كل رجاله. إن ابنعباس قال اكتفاء القرآن الكريم في التيمم بمسح الوجوه والأيدي يرشد إلى أن وظيفة الأرجل في الوضوء هي المسح فقط، فالتيمم هو مسح ما كان يغسل في الوضوء وترك ما كان يمسح فيه ولا ريب أن هذا القول فيه فقه جليل لطيف، وحدس سريع خفيف، إلى ما في أوضاع الشرع من الانتظام العجيب الحصيف. وعندنا عليه زيادة وذلك أن الآية فيها الوجهان وكل وجه آية بذاتها، وحمل أحد الوجهين على الآخر تكلف نحوي، وتصرف في قول القائل من غير اذنه، واعتداء على قصده، وحجر على اختياره، وبيان معنى الوجهين حق مخصوص للشارع، والشارع كان يعمل بكلا الوجهين كان يغسل رجليه وهو أغلب أحواله في احتفائه وقد يمسح رجليه وهو منتعل متخفف (لابس خفا) وإذا راعينا معنى النظافة من الأحداث والأخباث في الوضوء ومصلحة التيسير ورفع الحرج؛ عرفنا أن النصب أمر بغسل الأرجل في حال الاحتفاء، والخفض تيسير بمسح الأرجل في حال الانتعال، والاختفاف على أنه رخصة. نعلم لو كان التيمم عزيمة في شرع الإسلام والوضوء رخصة لكان لمسح الأرجل في حال احتفائها وجه جواز، ثم لما كان لتحريم غسل الأرجل من وجه لا شرعاً ولا عقلاً، فقد قلنا: إن غسل كل شيء في كل حال مباح وهو ضروري في الأحيان، فلا يأتي شرع بتحريمه إلاّ على قاعدة شيعية إمامية. كل ما عليه العامة فساد والأخذ بخلاف ما عليه الأمة رشاد. وهذه القاعدة هي أصل من أصول الفقه عند الشيعة» و(في ص 54 و55) «والمسح باليد زمن إبراهيم وقبله بقرون كان رمز تقديس، وكل شيء يراد تقديسه كان الكاهن يمسحه بيده وملكي صادق (كذا) كبير عصره دعا لإبراهيم وباركه مسح بيديه رأسه رمزاً على أن يكون إماماً للأنبياء وأبا الجمهور، وهذا من أعجب أعاجيب ما وقع في التاريخ القديم ترويه التوراة بقول فصل وعبارات جزيلة، يصدقه القرآن الكريم في آيات جليلة، وما كان يقدس الإنسان بمسح رأسه إلاّ غيره، ولم يكن إنسان يتقدس بنفسه، وأحياه الإسلام فكرم الإنسان وهداه إلى أن الإنسان لا يتقدس إلاّ بعمله وأقر المسح رمزا للتقديس، وجعل المسح ثالث أركان الوضوء قبل غسل الأرجل؛ لأن اهتداء الإنسان في سبيل حياته لا يستقيم إلاّ إذا استقام رأسه وتقدس عقله، ولعل (كذا) لأجل هذا المعنى تأخر نزول آية الوضوء إلى عشرين من نبوته لأن الأمة لم تتقدس إلاّ بعد عقدين من سعيه».
المسح على الخفين
قال (في ص 31): «كتب الشيعة إذا تعصبت على المسألة تجازف في الكلام، تتجاوز حدود التشدد في المبالغة، مثل ما روي في المسح على الخفين، كان الصادق يقول يأتى على الرجل سبعون سنة ما قبل الله منه صلاة لأنه مسح على خفيه لأنه غسل الرجلين». و(في ص 55): سورة المائدة وآية الوضوء والتيمم نزلت في السادسة من الهجرة وعدد هذه الآية في السورة صار تاريخاً لنزولها. وآية التيمم نزلت في سفر النبي الذي ضاع فيه جزع أم المؤمنين عائشة، ومقتها مشهورة كانت في السادسة وعلي أعلم بمنازل الآيات. وما في التهذيب عن الباقر: أن عمر جمع الصحابة وفيهم علي فقال: ما تقولون في المسح على الخفين؟ فقام المغيرة بن شعبة: فقال رأيت النبي يمسح، فقال علي: قبل المائدة أو بعدها؟ فقال: لا أدري. فقال علي: سبق الكتاب الخفين إنما نزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة. مع كونه خطأً تاريخياً أو موضوعاً شاهد على إجماع من في المجلس أن النبي كان يمسح على الخفين حيث أن علياً لم ينكر على المغيرة قوله رأيت النبي يمسح على خفيه. وإذ ثبت أن النبي كان يمسح على خفيه فهذا الفعل من الشارع بيان لمعنى الجر في: وأرجلكم» و(في ص 46): «ثبت المسح على الخفين في آخر أيامه بالمدينة في حديث عبدالله البجلي وكان بعد حجة الوداع. هذا بعض ما لأهل العلم في المسح على الرجلين والغسل؛ والمسألة معركة حرب كبيرة لم تكن في القرن الأول فلنضع أوزارها بعد اليوم».
(ونقول): أحكام الشرع ليست بالاستحسان بل بالدليل عن صاحب الشرع، فاستحسان أقوال الشيعة في الطلاق وعدم استحسانها، في غسل الرجلين في الوضوء، لا قيمة له. نعم، يمكن الاستدلال على صحة الحكم بموافقته للحكمة وطريقة الشارع في باقي أحكامه وعلى فساده بمخالفته لذلك، وكيف كان فنحن نحمد الله على أن استحسن بعض أحكامنا ولم يستقبحها كلها. وغسل كل شيء وكل الأعضاء مباح في الاصل لا يقول أحد بتحريمه لا من الشيعة ولا من غيرها، لكن إباحته في الأصل لا تجعله جزءاً من الوضوء الذي هو محل الكلام إذ لا يكفي في ذلك الأصل. فاستدلاله على كونه جزء الوضوء بإباحته في الأصل جهل عظيم لا يستبعد صدوره منه. وقد نسخ ديننا جميع الأديان السماوية وأسفار موسى وغيرها، فلا شغل لنا منها بغير الدين الإسلامي وما نزل به القرآن الكريم. والتنظف لا يحتاج إلى الأديان السماوية والتعبد يجب أخذه من ديننا لا من غيره، فالاستشهاد بالأديان السماوية تطويل بلا طائل، صح ما حكاه عنها أم لا، فإن كان موسى جارالله يريد غسل رجليه اتباعاً لما جاء في أسفار موسى فله شأنه.
وقد خبط في آية الوضوء خبط عشواء كعادته وتمحل وتعسف ولم يأت بطائل، فادعى أن الغسل والمسح كلاهما متواتر في القرآن والسنة، ولا تواتر في الغسل لا في القرآن ولا في السنة. أما القرآن ففي الآية قراءتان الجر والنصب في: وأرجلكم، فإذا سلم أن القراءتين متواترتان يكونان بمنزلة آيتين مستقلتين كما قال. فقراءة الجر تعين المسح لتعين عطف الأرجل على الرؤوس، وأما قراءة النصب فأما أن تعطف فيها الأرجل على الوجوه أو على محل الجار والمجرور، وكلاهما جائز بحسب القواعد العربية، لكن عطفها على الوجوه يلزم منه التعقيد اللفظي المخل ببلاغة القرآن الموهم خلاف المقصود بتأخير لفظ عن موضعه وتقديم لفظ، فتكون كقولك أكرم زيداً أو عمرا واستخف بخالد وبكر مع إرادة أن بكراً مأمور بالكرامة لا بالاستخفاف به فتعين عطف الأرجل على قراءة النصب على محل الجار والمجرور فإن العطف عليه سائغ شائع قال:
معاوي اننا بشر فاسجح
ولسنا بالجبال ولا الحديدا
ويكون ذلك جمعاً بين القراءتين، وهذه حجة من قال بالمسح. أما من قال بالغسل فحمل قراءة النصب على عطف الأرجل على الوجوه، وقراءة الجر على المجاورة نحوهذا جحر ضب خرب بجر خرب لمجاورة ضب وكلاهما غير صحيح؛ أما الأول: فيلزم منه التعقيد اللفظي المخل ببلاغة القرآن، وأما الثاني: فهو ضعيف فلا يحمل عليه القرآن على أن الجر بالمجاورة لا يصح مع الفاصل وهو هنا موجود وهو حرف العطف. (إن قيل): نصب الأرجل دال على عطفها على الوجوه (قلنا): نصبها لا يعين ذلك لبقاء احتمال عطفها على محل الجار والمجرور الذي هو عربي جيد. (إن قيل): تأخير الأرجل لبيان أن غسلها يجب أن يكون بعد مسح الرؤوس، (قلنا): لا دلالة في التأخير على ذلك؛ لأن الواو لا تفيد الترتيب بل مطلق الجمع. ان قيل: قراءة الجر لا تنافي الغسل لأن غسل الأرجل لما كان مظنة الإسراف عطفت على الممسوح لبيان أنه يبنغي أن تغسل غسلا خفيفا يشبه المسح لئلا يلزم الإسراف كما قاله صاحب الكشاف. (قلنا): هذا الغاز يجب أن يصان عنه كلام الله تعالى المبني على بلاغة الاعجاز مع أنه الغاز بما لا يفهم ولا يهتدي إليه ولا بقول المنجم، ولم يقع مثله في كلام. والعجب من صاحب الكشاف كيف يتفوه بمثله لكن من يريد جعل ما لا يكون كائنا لابد أن يقع في مثل هذا. فتعين أن تكون الأرجل في قراءة النصب معطوفة على محل الجار والمجرور وبذلك يكون المسح متعينا على كل حال، فزعمه أن الغسل في الأرجل قرآن متواتر هذر من القول لا يعرف له معنى صحيح، حتى لوسلمنا تواتر قراءة النصب، وحمله قراءة النصب على الغسل، وقراءة الجر على المسح على الخفين ستعرف فسادها، (وأما السنة) فدعواه تواترها بالغسل والمسح على الخفين مجازفة محضة فظهر أن جعله قول الباقر والصادق تحكم، استكبار عن جلال الله وتعجيزاً لاختيار الله ما هو الأمر على كتاب الله وتحكم استكبار وعناد لأمر الله وإساءة أدب عظيمة مع أولياء الله.
أما فلسفته الباردة وتمحله الفاسد في كلام ابنعباس فلا يجدي نفعا، فابن عباس لم يقل ذلك ليجعله أسلوباً للمحاورة والمناظرة وتقريراً للاشكال ولا للمذاكرة والاستفادة، بل قاله عن اعتقاد ورداً على من يقول بالغسل، وهل يقبل قوله: لا أجد في القرآن إلاّ المسح والتأويل؟ وهل يمكن أن يعارض قول الناس قول الله ليكون محلاً للمناظرة والمذاكرة؟! ودعواه إجماع الصحابة التي أعدها لكل حادث طريفة جدا، فإذا كان عدم الانكار يفيد الإجماع فعدم انكارهم قوله: لا أجد في القرآن إلاّ المسح، إجماع منهم على أن وظيفة الرجلين هي المسح، وإلاّ لأنكروا عليه قوله: لا أجد في القرآن إلاّ المسح، فهو قد ادعى دعويين: (إحداهما): أنه لا يجد في القرآن إلاّ المسح، (والثانية): ان الناس قد أخطأوا بقولهم بالغسل لمخالفته للقرآن، والصحابة قد سمعوا ذلك منه وسكتوا، فعلى قوله يكون سكوتهم إجماعا منهم على صحة الدعويين، وكان هذا الإجماع قبل أن يخلق الله موسى جار الله بما يزيد عن ألف وثلثمائة سنة. فقوله بإجماع الصحابة على أن وظيفة الرجلين الغسل، افتراء منه على الصحابة، وجهل ومعاندة لصاحب الشريعة المعصوم، وكيف كان، فابن عباس مخالف، فأين الإجماع؟! وأما أفضل الأمة بعد سيد الأمة فهو من لم يشاركه أحد من الأمة في فضائله كما شهد له بذلك خزيمة بن ثابت ذوالشهادتين بقوله:
من فيه ما فيهم لا يمترون به
وليس في القوم ما فيه من الحسن
وشهدت له بذلك شواهد اليقين التي لا يمكن ردها. وأما أن فيهم أفقه الصحابة فهو لم يدع ذلك لنفسه حين قال: كل الناس أفقه منك حتى المخدرات. لولا علي لهلك عمر. قضية ولا أبوحسن لها. لا عشت لقضية ليس لها أبو حسن.
ولم يكن يقدم ابن عباس ويأخذ بقوله كما زعم، بل الذي كان يقدمه ويأخذ بقوله في الفتاوى والأمور المشكلة هو علي بن أبي طالب، وحسبك ما مر من أقواله آنفا، وقد أخذ بقوله في وضع التاريخ، وغزو الفرس، وحلي العكبة وغيرها، وأين ابن عباس وغير ابن عباس من علي ابن أبيطالب؟!. وابنعباس لم يجسر على إظهار قوله في العول في حياته، بل أظهره بعد وفاته كما مر في العول. وبذاءة لسانه – التي اعتادها – في حق الصادق إمام أهل البيت الطاهر، وفي حق غيره قد دلت على سوء أدبه وعدم صفاء نفسه، وان أبرزها بصورة التعليق. وجَدُّ الصادق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب معصوم بالبرهان القاطع لا بمثل دعاواه الفارغة. وإذا كان ابنعباس من أعلم تلاميذ علي وأكثرهم تعلقاً به؛ فلابد أن يكون أخذ قوله: لا أجد في القرآن إلاّ المسح منه، ولا يمكن أن يترك علي وتلميذه قول القرآن إلى قول الناس وهو من شيعته يوم الإجماع الذي لوصح؛ لكان على عكس ما توهمه موسى جارالله كما يعلم مما مر وقبله وبعده إلى آخر حياته، وما نسبه إلى الشيعة في حقه سخافة لا يقولها أحد منهم ولا تستحق الجواب، ولم أجدها في أصول الكافي في الطبعة التي عندي. نعم، روى كثير من المؤرخين أنه أخذ مال البصرة وذهب إلى الحجاز، فإن صح، فهي موبقة عظيمة لا تختص الشيعة بالقائها عليه، ولكن المحققين من علماء الشيعة وغيرهم لا يصححون نسبة ذلك إليه، ويقولون إنه لم يفارق علياً حتى استشهد، بدليل ما ذكروا أنه هو الذي أخذ البيعة للحسن بالكوفة بعد قتل أبيه، ولا يبعد أن يكون ما نسب إليه موضوعا من أعداء بني هاشم عامة وآل أبي طالب خاصة، أو أنه صدرت منه هفوة، ثم تاب منها، وعاد إلى علي ولكن مؤلف الوشيعة لا يألو جهداً في نسبة القبائح إلى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) فتعود تلك القبائح عليه. والاستنباط اللطيف العجيب الذي استنبطه ابنعباس ولا شك أنه أخذه من قدوته علي بن أبي طالب، وعلي أخذه من منبع الرسالة. مع ثناء صاحب الوشيعة عليه بتلك العبارات يخالفه ويقول: عندنا عليه زيادة. وإنما هي كزيادة زياد في آل حرب، فحمل إحدى القراءتين على الأخرى بالوجه الصحيح الذي تقتضيه لغة العرب، وفصاحة القرآن وبلاغته، أم لازم واجب دفعاً للتناقض ورفعاً للتعارض وصوناً لبلاغة القرآن الكريم عن التعقيد اللفظي. فإذا كانت القراءتان متواترتين، وكانتا بمنزلة آيتين مستقلتين، فلا مناص عن الجمع بينهما بما ذكر، وليس ذلك تكلفاً بل حمل على وجه عربي جيد جاءت لغة العرب الفصيحة بمثله، ولا حجرا على اختيار الشارع، فالشارع لا يمكن أن يختار ما لا يدل عليه اللفظ وما يوجب سقوط بلاغة القرآن ولزوم التعقيد في عبارته. أما الحمل على وجوب الغسل حال الاحتفاء والمسح على النعل والخف حال لبس أحدهما، فذلك فرع صحة عطف الأرجل على الوجوه، وقد عرفت فساده. فهو تصرف في قول الله تعالى من غير اذنه وبما لا يرضاه وبما لا يصححه تكلف نحوي ولا صرفي، وبما يوجب التعقيد في كلامه تعالى، واعتداء على قصده، وافتراء عليه، وتقييد بغير مقيد، والآية تنص على المسح بالأرجل لا بجلود الشياة والبقر والإبل، والمكلف أمر بأن يوضىء جلده لا جلود الأنعام وإرادة الخفاف من الأرجل مجاز ينافيه أصالة الحقيقة وفقد القرينة. ومسح الرسول (صلّى الله عليه وآله) على الخفين لم يثبت ان لم يثبت عدمه.
وأئمة أهل البيت الذين نزل القرآن والأحكام في بيتهم وعلى جدهم، وورثوا علومه أعرف بالأحكام بمعاني القرآن من موسى تركستان ومن كل إنسان، وهم قد أوجبوا المسح بالرجلين دون الغسل ودون المسح على الخف. ومسح المنتعل بالنعل العربية برجليه ممكن بادخال يده تحت التراك، فلو فرض أن النبي (صلّى الله عليه وآله) مسح منتعلاً لم يناف ذلك المسح بالرجلين، وليس بيان معنى الوجهين حقاً مخصوصاً بالشارع كما توهم، بل الله تعالى خاطب الناس بما يفهمون، فعليهم العمل بما يفهمون من غير انتظار بيان آخر، والشارع لا يمكن أن يأتى ببيان آخر يخالف اللغة والتخاطب، ويخل ببلاغة القرآن، وعمله بكلا الوجهين لم يثبت، بل ثبت خلافه كما مر. وأما مراعاة معنى النظافة والتيسير ورفع الحرج وغير ذلك من هذه العبارات المزوقة، فأحكام الشرع تثبت بنص الشارع وتوقيفه لا بالحدس والظن والتخمين والمناسبات والاستحسانات وتنميق العبارات، وحكم الشرع لا يعرفها إلاّ الشارع وليس لعقولنا طريق إليها، وقد عرفت أن النصب لا يمكن أن يكون أمرا بغسل الأرجل لا في حال الاحتفاء ولا غيرها، وان الخفض نص في وجوب المسح بالرجلين؛ لا بالخفين والنعلين، لأن الخف والنعل ليسا برجل. فهذا التفصيل الذي فصله بأن النصب أمر بالغسل حال الاحتفاء للتنظيف، والخفض أمر بالمسح حال الانتعال أو الاختفاف يشبه الألغاز في الكلام، ولا يستند إلى مستند غير الأوهام والمناسبات والاستحسانات التي لا يجوز بناء الأحكام الشرعية عليها، وأنه تلاعب بآيات القرآن، وإذا كان المسح رخصة حال الاختفاف، فليكن كذلك حال الاحتفاء أيضا تيسيرا لعدم وجود الماء الكافي لغسل الرجلين في كثير من الحالات. فالتيسير فيه أولى من التيسير في نزع الخف والنعل اللذين لا مشقة فيهما. والوضوء والتيمم كلاهما عزيمة لا رخصة فيهما بالمعنى المعروف للعزيمة والرخصة من الوجوب والاستحباب والإباحة. والرخصة بمعنى التيسير مجرد مناسبة لا يبتني عليها حكم شرعي، فقوله: لو كان التيمم عزيمة والوضوء رخصة؛ لكان لمسح الأرجل في حال احتفائها وجه جواز، عار عن الفائدة. وفي كتاب ربنا ودلالته الواضحة غنية عن هذه التمحلات الباردة، وقد بيّنا أن المتنازع فيه هو كون الغسل جزءا من الوضوء الذي هو عبادة واجبة أو مستحبة، فقوله: أنه مباح وأنه ضروري في الأحيان لا يأتى شرع بتحريمه لا يصدر من أحد ينسب إلى علم، فالإباحة لا تثبت الوجوب وكونه ضرورياً في بعض الأحيان لا يجعله جزءاً من العبادة، ولم يأت شرع بذلك إلاّ على قاعدة موسوية تركستانية مستوحاة من هوى النفس. وقد بيّنا في أوائل الكتاب عند ذكره لخلاف ما عند العامة بطلان قوله كل ما عليه العامة «الخ» وأن كونه أصلاً من أصول الفقه عند الشيعة لا أصل له، فراجع.
وهذا الرجل مولع بأقوال التوراة يستشهد بها في كل مناسبة لكن بما لا ينطبق على مدعاه. ما لنا وللتوراة حسبنا كتاب ربنا الذي نسخ التوراة والانجيل. يقول: إن كبير عصر إبراهيم دعا لإبراهيم وباركه بمسح رأسه بيديه، وإبراهيم (عليه السلام) غني باتخاذ الله له خليلا عن كبير عصره ودعائه ومباركته. ويجعل من أعجب الأعاجيب موافقة القرآن الكريم في ايجاب مسح الرأس في الوضوء لذلك. لكن من أعجب الأعاجيب اشتغاله بهذه الأمور. يقول: ما كان يقدس الإنسان بمسح رأسه إلاّ غيره، والإسلام جعل الإنسان لا يتقدس إلاّ بعمله فيمسح رأسه بيده. ونحن نقول: الإنسان لا يتقدس إلاّ بعمله في الإسلام وقبل الإسلام وفي كل عصر، ويرجى له البركة بمسح الصالحين في الإسلام وغيره، وكون الكاهن كان يمسح كل ما يراد تقديسه بيده موجود مثله في الإسلام، فالنبي (صلّى الله عليه وآله) كان يمسح رؤوس الأطفال ويبارك عليهم، ويدعو لهم، وكل مولود يولد كان يؤتى به إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) ليبارك عليه وكل رجل صالح يرجى منه ذلك، وكل رجل في الإسلام وغيره لا يباركه بمسح رأسه إلاّ غيره، أما هو فبركته لا تزداد ولا تحدث بمسحه رأسه إنما يرجى له البركة بمسح صالح رأسه، وخص الرأس؛ لأنه أشرف عضو في الإنسان، وكون الإنسان يمسح رأسه بيده في وضوئه لا يدل على أنه لا تحصل له البركة بمسح أحد الصالحين رأسه، ومسح الرأس باليد في الوضوء عبادة أمر الله بها لا لأنها بركة وتقديس من الإنسان لنفسه. فهذا والذي جعله علة لجعل المسح ثالث، أركان الوضوء، والذي جعله علة لتأخر نزول آية الوضوء كلها تمحلات وفلسفات باردة وتطويل بغير فائدة، ككون الأمة لم تتقدس إلاّ بعد عقدين من سعيه، أي بعد عشرين سنة من نبوته حين نزلت آية الوضوء، والأمة لم تقدسها آية الوضوء، ولا يقدسها الوضوء؛ إنما يقدسها اخلاص إيمانها وشريف أعمالها، وهذا كان حاصلا لبعضها من أول البعثة وبعضها لم يحصل له شيء منه طول حياته كالذين مردوا على النفاق من أهل المدينة ومن حولها من الأعراب والمؤلفة قلوبهم، وبعضها كان تقديسه ضعيفا بضعف إيمانه وعمله.
ونسبة كتب الشيعة إلى التعصب والمجازفة مر عند الكلام على المتعة أنها بعيدة عن ذلك. وإذا ثبت بالدليل وجوب المسح دون الغسل وعدم جواز المسح على الخف لم يكن في قول الصادق (عليه السلام) تشدد، فالعمدة هو الدليل لا هذه الألفاظ الفارغة.
وكون آية الوضوء والتيمم نزلت في السادسة من الهجرة لم نجد ما يدل على صحته بعد البحث، ولم يذكر هو مأخذه. وكون عدد الآية في السورة صار تاريخا لنزولها، أي أنها الآية السادسة من السورة موقوف على صحة ذلك، وكذلك كون آية التيمم نزلت في السفر الذي وقع فيه حديث الافك لم نجد مستنده، ولا ذكره هو.
والباقر (عليه السلام) أعرف بمنازل الآيات من كل أحد منزه عن الخطأ، واتباعه عن الوضع لأنه باقر العلم والمتوسع فيه بشهادة جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) ولأنه شريك القرآن بحديث الثقلين، ووإرث علوم جده اميرالمؤمنين (عليه السلام) الذي اعترف موسى جارالله بأنه أعلم بمنازل الآيات، وأتباعه منزهون عن الوضع لغناهم بعلمه. وكون رواية الباقر (عليه السلام) شاهداً على إجماع من في المجلس أن النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يمسح على الخفين غريب، إذ لم يقل ذلك إلاّ المغيرة بن شعبة والباقون لم يعلم رأيهم وعلي (عليه السلام) كذب المغيرة ضمنا بقوله: سبق الكتاب الخفين، ومعناه: إن قوله وأرجلكم يدل على وجوب مسح الرجل، والخف ليس رجلاً، وسأله أولاً أن هذه الرؤية كانت قبل المائدة أو بعدها؟ فإن قال قبل المائدة أجابه: بأن آية الوضوء التي في المائدة لم تكن أنزلت بعد، وان قال بعد المائدة، رد عليه: بأنه سبق الكتاب الخفين، فلما قال لا أدري اقتصر في الرد على الثاني الدال على أنه بعد نزول آية الوضوء لم يمسح على الخفين. ولوفرض أن عليا لم ينكر ذلك على المغيرة، فكيف دل على إجماع من في المجلس وهم لم يتكلم منهم أحد؟ ودون ثبوت مسح النبي (صلّى الله عليه وآله) على الخفين خرط القتاد حتى يكون بياناً لمعنى الجر ومعنى الجر واضح لا يحتاج إلى بيان. ولسنا نعرف مبلغ حديث عبدالله البجلي من الصحة وأحاديث أئمة أهل البيت الذين أمرنا بالتمسك بهم كما أمرنا بالتمسك بالقرآن والذين هم أصدق حديثاً من البجلي والجدلي ومن كل أحد أنكرت المسح على الخفين وهي أولى بالاتباع. والمسألة كانت معركة حرب كبيرة في القرن الأول وبعده، وكفى في ذلك مخالفة علي أعلم الأمة وابن عباس حبرها. ومما مر تعلم أنه لم يجىء بشيء يوجب وضع أوزارها بعد اليوم ويقتضي هذا التبجح.
مال الناصب ونكاح الإماء
قال (في ص 60): «نحن لا نقول قول الشيعة وقول الصادق في مال الناصب بل نقول قول الإسلام: كن في مال الغير وحقه كما تريد أن يكون الغير في حقك ومالك. وللشيعة في كتبها ميل منتشر إلى الازدحام في النساء. رجل أمته تحت عبده يأمر عبده أن يعتزلها ولا يقربها حتى تحيض فإذا حاضت بعد مسه اياها ردّها عليه بغير نكاح، فسيدها يطؤها بملك اليمين وعبده يطؤها بملك النكاح. عن الصادق: رجل زوج عبده أمته ثم اشتهاها يقول له: اعتزلها فإذا طمثت وطأها ثم يردها عليه إذا شاء، وليس لعبد رجل طلاق في أمة الرجل ان زوجه إياها؛ لأن الله يقول ﴿عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء﴾ هذا مبلغ فقه الصادق وهذه عصمته».
(ونقول): هل يصدق قول هذا الرجل كن في مال الغير «الخ» قول جماعة من أصحابه، وفعلهم في حقنا بما لا يسعنا بيانه، ولا نود ذكره ولا الإشارة إليه لولا ما يضطرنا إليه؛ هذا الرجل بتشنيعاته علينا بالباطل، وحاشا للشيعة أن تقول إلاّ بما قاله نبيها (صلّى الله عليه وآله): لا يحل مال امرىء إلاّ عن طيب نفسه فهي أشد تمسكا به من كل مسلم. وأن تقتدي إلاّ بمثل قول زين العابدين (عليه السلام): لو أن قاتل الحسين استودعني السيف الذي قتله به لأديته إليه.
وقد تسافل الزمان أي تسافل حتى صار موسى التركستاني يهزأ بفقه الإمام جعفر بن محمد الصادق، فقيه أهل البيت، ووارث علوم آبائه عن جده الرسول (صلّى الله عليه وآله)، واحد الثقلين اللذين لا يضل المتمسك بهما إلى يوم القيامة، فيقول هذا الكلام بلا خجل ولا استحياء. وإذا كانت سخافة هذا التركستاني أدته إلى أن يرد على الله ورسوله ويخالف إجماع المسلمين فيورث ولد الولد مع الولد كما مر فلا نستغرب منه رده على جعفر الصادق وفقه الصادق الذي عن أبيه عن أجداده عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن جبرئيل عن الله تعالى لم يؤده إلى أن (يبيح الطلا وهي الشراب المحرم) ولا أن (يبيح نكاح البنت والبنت تحرم) ولا أن (يبيح لهم أكل الكلاب وهم هم) كما أشار إليه الزمخشري الحنفي في أبياته المشهورة المطبوعة على أول الكشاف. وماذا نقم من فقه الصادق. فهل ينكر قول الله تعالى ﴿عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء﴾ [النحل: 75] أو ينكر دلالته على المطلوب، أو يرى من المحال أن يطلق الرجل أمته المزوجة من عبده، أو يفسخ نكاحها ويطأها بعدما اعتدت، ثم يردها عليه بعقد أو تحليل. أما تشدقه بأن للشيعة في كتبها ميلاً فتتوالى الازدحام في النساء فهو من باب «أساء فهما فأساء اجابة»، فقد أجمعت فقهاء الشيعة على أن من زوج عبده أمته حرم على المولى وطء الأمة حتى تحصل الفرقة وتنقضي عدتها، فإذا أراد ردّها على العبد لا يجوز إلاّ بعقد جديد، أو احلال جديد عند من يجوز احلال المولى أمته لعبده. قال فقيه الشيعة، جعفر بن سعيد الحلي المعروف بالمحقق، في كتاب شرائع الإسلام في بحث نكاح الاماء: إذا زوج عبده أمته كان عقداً صحيحاً لا إباحة، وله أن يفرق بينهما بغير لفظ الطلاق. وقال أيضاً: يحرم على المالك وطء مملوكته إذا زوجها حتى تحصل الفرقة وتنقضي عدتها إذا كانت ذات عدة. وقال في بحث العدد: عدة الأمة في الطلاق مع الدخول قرآن وإن كانت لا تحيض وهي في سن من تحيض اعتدت بشهر ونصف سواء أكانت تحت حر ام عبد. ثم قال: لو طلقت الأمة بعد الدخول لم يجز للمولى الوطىء إلاّ بعد الاعتداد اهـ. وفي الجواهر في شرح قوله (يحرم على المالك وطيء مملوكته إذا زوجها): بغيره ولو عبده وبعد قوله (اذا كانت ذات عدة): بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه مضافاً إلى النصوص المعتبرة. عشر لا يجوز نكاحهن ولا غشيانهن وعد منها: أمتك ولها زوج. ونحوه الآخر بزيادة: وهي تحته. يحرم من الإماء عشر: وعد منها أمتك، ولها زوج. أمتك، وهي في عدة. فعلم من ذلك: أن تزويج المولى عبده أمته لا يكون إلاّ بالعقد له عليها أو باحلالها له عند من جوز الاحلال، وأن المولى له أن يطلقها أو يفسخ العقد، وأنه إذا طلق أو فسخ بانت من العبد فلا يجوز رجوعه إليها إلاّ بعقد أو احلال جديد، فإن ورد ما يخالف ذلك من الروايات، وجب ردّه لمخالفته الإجماع أو حمله على ما يوافقه. وهو الذي أشار إليه في أول كلامه بقوله: رجل أمته تحت عبده «الخ»، فقد أشار به إلى ما روي عن الباقر (عليه السلام) أنه سئل عن قول الله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت إيمانكم﴾ [النساء: 24] قال: هو أن يأمر الرجل عبده وتحته أمته فيقول له: اعتزل امرأتك، ولا تقربها، ثم يحبسها عنه حتى تحيض، ثم يمسكها فإذا حاضت بعد مسه اياها ردها عليه بغير نكاح. فهذه الرواية بظاهرها مخالفة للنص والإجماع الدالين على أن النكاح الأول بطل بفسخ العقد فيجب ردها وعدم العمل بها، أو حملها على التحليل بناء على جوازه فإن فيه خلافا بين أصحابنا. وشرط العمل بالخبر عندنا أن لا يخالف المشهور، فكيف بما خالف الإجماع، وليس كل ما أودع في كتب الأخبار يمكن العمل به، وقد مر عند ذكر علوم الأئمة روايات في مسند الإمام أحمد دالة على أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جوز الأكل في شهر رمضان بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، فهل لنا أن نعيب بها أهل السنة لأنها وردت في صحاحهم مع علمنا بأنهم لا يعملون بها؟ فقوله: فسيدها يطؤها بملك اليمين، وعبده يطؤها بملك النكاح تهجيناً للأمر وتشنيعاً لا يعود بالشناعة إلاّ عليه؛ لتوهمه أن العبد والسيد يشتركان في وطئها هذا بالعقد وهذا بملك اليمين، فصدق عليه: أساء فهما فأساء إجابة. أما الرواية الثانية: فليس فيها إلاّ أنه يردها عليه إذا شاء، والمراد: أنه يردها عليه بعقد أو احلال فليس فيها ما يخالف شيئاً مما ثبت، فهذا فهم موسى جار الله وهذه معرفته.
كل ما لنا حل لشيعتنا
نقل (في ص 60 و61): «أحاديث فيها الصحيح والسقيم، والغث والسمين، عن بعض الأئمة تتضمن: كل ما لنا فهو حل موسع لشيعتنا لتطيب مواليدهم – أنا وأهل بيتي أورثنا الله الأرض ونحن المتقون والأرض كلها لنا، وما أخرج الله منها من شيء فهو لنا. ثم رتب عليه أن كل الأموال للامام، فلا يحل لأحد لا نكاح ولا تجارة ولا طعام إلاّ بإباحة من الإمام. ثم قال: كل هذه دعاوى لا تكون لنبي ولا إمام ولا لأحد من الفراعنة والنماردة».
(ونقول): في هذه المنقولات حق وباطل. فالحق أن للإمام نصف الخمس من الغنائم وهو سهم الله الراجع إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) وسهم ذوي القربى، وأنهم أحلوا لشيعتهم ما أخذ من السبي، وللإمام فيه نصف الخمس لتطيب مواليدهم. أما من لا يعتقد ذلك فهو حل له بطبيعة الحال ونكاحه صحيح. وأما أن كل الأموال للإمام لا يحل نكاح ولا تجارة ولا طعام إلاّ باباحته، فباطل لا يعتقده أحد منا، وهذه كتب الفقه عندنا خالية من ذلك، وقد بينا غير مرة أنه لوكان كل ما في كتب الحديث صحيحا لما احتيج إلى علم الرجال وعلم الدراية. فتهويله بألفاظه الخشنة يشبه فعل الفراعنة والنماردة.
زعمه الشيعة تنكر على الأمة مذاهبها
قال (في ص 61): «الشيعة تنكر على الأمة مذاهبها وأعمالها، ثم نقل حديثين يتضمن أحدهما إعادة الناصب الزكاة إذا عرف هذا الأمر، والآخر إعادة المخالف الحج كذلك. قال عن الصادق: إنه كان يقول لا يستقيم الناس على الفرائض والطلاق والزكاة إلاّ بالسيف».
(ونقول): ومن تسميهم الأمة ينكرون أيضاً على الشيعة مذاهبها وأعمالها «فما بال باؤكم تجر، وباؤنا لا تجر» والخبران إن صحا محملهما، فقد شرط من شروط الزكاة والحج وقومه لا يعتقدون فيما يخالفهم دون ذلك، فما باله يعتقد بما فيه مثله. والخلاف بين أئمة أهل البيت وغيرهم من الفقهاء في العول والتعصيب من أحكام الفرائض معروف ومشهور، وكذلك الطلاق، فعند أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لا يصح طلاق المدخول بها الحاضر معها زوجها في حال الحيض ولا في طهر المواقعة، ويشترط حضور شاهدين عدلين يسمعان الطلاق وكونه بالعربية الصحيحة بلفظ: أنت طالق. دون الملحون، ودون غيره مما يؤدي معناه، وإذا قال: أنت طالق ثلاثا لم تقع إلاّ واحدة. وباقي الفقهاء يجيزونه في حال الحيض مع قولهم: انه بدعة وفي طهر المواقعة ولا يشترطون الإشهاد، ويجيزون الطلاق بالملحون والمحرف والمصحف وكل ما يفيد معنى الطلاق، ووقوع الثالث بلفظ واحد. وقد اعترف هو في ما سبق بأنه أعجبه مذهب الشيعة في الطلاق. وفي الزكاة بعض الاختلاف وجل الأمة أخذت في الفرائض والطلاق والزكاة بغير أقوال أهل البيت ونبذت أقوالهم، فلذلك قال الصادق هذا القول. ويمكن أن يراد في خصوص الزكاة معنى آخر هو أنه لا يؤدي الناس الزكاة إلاّ بالسيف وكيف كان، فأي انتقاد على الشيعة في ذلك؟!
الرجعة
حكى (في ص 62 و63) عن المجلسي وصاحب الوافي أن أخبار الرجعة متواترة وقال رجعة جماعة من أولياء الله وأعدائه لأجل الانتقام من الأموية لن تقع.
(ونقول): الرجعة أمر نقلي ان صح النقل به لزم اعتقاده وإلاّ فلا، ولا يستحق كل هذا التهويل ولا كل هذا الاستنكار لولا التعصب والاستكبار، وجزمه بأنها لن تقع دعوى منه لعلم الغيب الذي اختص الله به. وقد كثر التشنيع بها على الشيعة من خصومهم وهو ظلم، فإن كان من حيث دعوى وهو أنها محال أو مستبعدة فهو يشبه قول منكري البعث ﴿إذا كنا تراباً وعظاماً أإنا لمخرجون﴾ [النمل: 67] فرد الله تعالى عليهم ﴿أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد﴾ [ق: 15] وقد وقع نظيرها في الأمم السالفة فيما حكاه القرآن الكريم ﴿أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾ [البقرة: 259] ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾ [البقرة: 243] وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لتسلكن سنن من كان قبلكم حذوالنعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لودخلوا جحر ضب لدخلتموه [517] وإن كان من جهة عدم ثبوت الرواية بها عندكم فذلك لا يوجب عيب من يدعي ثبوت الرواية بها عن أهل بيت نبيه، ولا يوجب الجزم بأنها لن تقع والتقول على قدرة الله، وكان عليكم أن تنظروا في أسانيد رواياتها فإن كان فيها ضعف رددتموها من هذه الجهة، وكان قولكم مقبولاً، وحجتكم ظاهرة. أما ردّها بمجرد الدعوى بقول: لن تقع، فليس من دأب أهل العلم والانصاف. وقد أجاب السيد الحميري سواراً القاضي بحضرة المنصور، فيما رواه المفيد في الفصول حين قال سوار: يا أميرالمؤمنين انه يقول بالرجعة. فقال السيد أقول بذلك على ما قال الله تعالى: ﴿ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون﴾ [النمل: 83] ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا﴾ [الكهف: 47] فعلمناه أن هنا حشرين عاماً وخاصاً وقال سبحانه: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل﴾ [غافر: 11]. ﴿فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾ [البقرة: 259]. ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم﴾ [518] [البقرة: 243].
الولاية
وحكى عن المجلسي وصاحب الوافي أيضاً أن أخبار الولاية متواترة، ثم قال: «والولاية في الدين تعم جميع المسلمين يدخل في آياتها الإمام علي وأولاده مثل دخول كل مؤمن وأولاده والولاية وظيفة دينية أو حق ديني يستوي فيها الكل من غير تقدم وتأخر».
(ونقول): الولاية التي صغر أمرها وحقر شأنها وسوى فيها بين علي وأولاده وسائر الناس لحاجة في نفسه هيهات أن تكون كذلك، بل هي الولاية الثابتة بقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ومن كنت مولاه فهذا علي مولاه، وبقوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ [المائدة: 55] الخاصة بمن تصدق بخاتمه في صلاته وهو راكع، والثابتة بقوله (صلّى الله عليه وآله): إني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض. مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله كان آمناً. مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هوى.
تأويل آيات في الكافي
أطال (في ص 63) وأطنب وطول وهول بأن في الكافي نزول آيات في ما يكون من الصحابة بعد وفاة النبي وأن الصحابة والأمة أنكرت ما لعلي ولأولاده حسداً وبغياً وأمثال ذلك.
(ونقول): الكافي وغيره من كتب الأخبار لا يقول واحد من الشيعة بأن جميع ما فيه صحيح كما قلنا مراراً، كما لا يمكنكم أن تقولوا بأن جميع ما في كتب أخباركم صحيح؛ وإذا كان كذلك فما فائدة علم الرجال وكتب الرجال ودراية الحديث. والشيعة لا تعتمد في تفسير القرآن الكريم على غير ما في كتب أئمة مفسريها كالتبيان لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، ومجمع البيان للطبرسي، وجمع الجوامع له، وكلها مطبوعة، وليس معنى اعتمادها عليها أنها ترى كل ما فيها صواباً فإن العصمة لله وحده ولمن عصمه. وحسد كثير من الأمة لعلي وولده ملحق بالضروريات لا يحتاج فيه إلى الروايات.
الخمس والزكاة
قال (في ص 66): «يعجبني وأستحسن رأي الشيعة في تعميم ما غنمتم من شيء من آية الغنائم. فإنها وان نزلت في غنائم الحرب إلاّ أن حادثة النزول لا تخصص عموم العام المستغرق المؤكد. ﴿ما غنمتم من شيء﴾ يدخل فيه غنائم الحرب من المنقول وغيره وما استفيد من المعادن والكنوز وربح التجارة والزراعة والصناعة. هذا فقه جليل لطيف فإن مقادير الزكاة أربعة:
(1) خمس غنائم الحرب والمعادن والركاز والكنوز.
(2) نصف الخمس في بعض ما تخرجه الأرض بالزرع وهو العشر.
(3) ربع الخمس في البعض الآخر وهو نصف العشر.
(4) ثمن الخمس في الذهب والفضة وأموال التجارة. وهذا نظام هندسي صعودا أو هبوطاً مثل سلسلة سهام الفرائض معناه أن حق الشرع في جميع الأموال خمس ما يربح منها. ونصاب الفضة مائتا درهم، حق الشرع منها خمسة دراهم، ونصاب الذهب عشرون مثقالاً حصة الزكاة منه نصف مثقال. فهذا ارشاد من الشارع إلى أن الربح المأذون فيه غايته خمسة وعشرون في كل مئتين من الفضة والذهب فنسبة حصة الزكاة إلى مقدار النصاب واحدة هي خمس الربع الذي يحصل منه في الغالب ومقدار النصاب في الأموال واحد وهو أربعون نصاب الذهب عشرون مثقالاً فيها نصف مثقال، ونصاب الفضة مائتا درهم زكاتها خمسة دراهم، ثم ذكر دية الإنسان وأطال بما لا فائدة فيه، وقال هذا الرأى أرانيه الله في معنى هذه الآية ﴿وما غنمتم من شيء﴾».
و(في ص 72) قال: «إن آية الخمس في بيان الأئمة وعقيدة الأمة خاصة بغنائم الحرب». ثم أكد أنها عامة وأطال في بيان ذلك.
و(في ص 69): «وعليه ينهار بعض الانهيار ما يراه الشيعة الإمامية في الخمس وأهليه وفي مصارفه وينهار تمام الانهيار ما تعتقده في معنى هذه الآية، فإن الخمس لو جعلت ثلاثة أسداسه للإمام أو نائبه والثلاثة الباقية حق الفقراء من بنيهاشم، فأي شيء يبقي لليتامي والمساكين وابن السبيل. ومسألة الغنائم وكونها من خصائص هذه الأمة فيها اشكال من وجوه، منها: أن غنائم الغلبة في القرون الأولى ذكرها القرآن الكريم في سور متعددة ومنها: أن الإمام أحمد وجماعة رووا حديثاً معناه أن الغنائم لم تحل لهذه الأمة إلاّ لأنها ضعيفة، فحلها لها ضرورة وليس بشرف لها، فإن الجهاد لم يشرع إلاّ لوجه الله والدين فقط لا للغنائم ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ [الأنفال: 67] فشيء لم يجعل حلالاً إلاّ لأجل الضعف كيف يكون حقا لآل محمد وكثير من أئمة الأمة. حرمة الصدقة على النبي وأهل بيته كرامة جليلة وتنزيه عظيم من ريبة وأوساخ، ولا يلحق على أهل البيت بمثل هذه الكرامة الجليلة نقصان يحتاج إلى جره بخمس الغنائم. ثم لوكان الخمس عوضا عن حرمة الصدقة لاستحقه من يستحق الصدقة على نحواستحقاق الصدقة، ولا يستأهل الصدقة إلاّ الفقير، ثم لا يستأهل الفقير إلاّ على وجه جواز الصرف، لا على وجه وجوب الصرف».
و(في ص 70): «فما معنى كون الخمس حقا فرضا لآل محمد، ومحمد وآل محمد أكرم على الله وعند الله من أن يجعلهم الله فقراء إلاّ إلى الله». ثم ذكر أقوال الشيعة في الخمس في زمن غيبة الإمام، وبينها أقوال شاذة لا يعمل بها أحد، وقولان هما العمدة: سقوطه زمن الغيبة، ودفعه لنائب الإمام وهو المجتهد العادل يصرفه على مهمات الدين، ومساعدة الضعفاء والمساكين». ثم قال: «كل هذه الأقوال كلمات تخرج من أفواه الشيعة لم تقلها ولا تقولها شريعة ونحن لا ننكرها». ونقول: قد أخطأ في جعل هذه الأقوال في الخمس كله، بل هي في نصفه والنصف الثاني يصرف على فقراء بنيهاشم جبرا لما فاتهم من الصدقة المحرمة عليهم، وقوله: لم تقلها ولا تقولها شريعة، دعوى منه شنيعة في بابها فقد قالتها شريعة علماء آل محمد الذين أخذوا دينهم وشريعتهم عن ثقات أئمتهم عن جدهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) عن جبرئيل عن الله تعالى، فبطل تعجبه بقوله ونحن – أي الشيعة – لا ننكرها تعجبا من عدم انكارهم».
و(في ص 73 و74) قال: «إن للأئمة في آية الخمس أقوالاً قيل: يقسم الخمس على ستة وهم المذكورون في الآية حكى عن أبي العالية، وأن سهم الله يصرف إلى البيت وعمارة المساجد. وقيل: على خمسة بجعل سهم الله ورسوله واحدا. وقيل: لله ولرسوله مفتاح الكلام فإن الأرض كلها لله، ثم الحكم لله ولرسوله والخمس للأربعة: لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. سهم الرسول كان له في حياته فهل سقط بموته؟. قيل: هو باق يصرف إلى الخليفة بعده، وقيل: سقط. وسهم ذوي القربي كان النبي (صلّى الله عليه وآله) يصرفه إلى بني هاشم وبني المطلب. وقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد في الإسلام والجاهلية. وقد أجمع الصحابة في عهد الخلافة الراشدة وفيهم علي على تقسيم الخمس على ثلاثة أسهم لليتامي والمساكين وابن السبيل. والنص معلوم لهم فكان إجماعاً».
و(في ص 75): «ثبت أن النبي إذ قسم أموال بني النضير قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار».
و(في ص 78) عند الكلام على فدك: «في الأم للإمام الشافعي أن الفاروق قال لعلي في المسلمين اليوم خلة فإن أحببتم تركتم حقكم من الخمس وجعلناه في خلة المسلمين وأهل البيت هم أحق الناس بالإيثار وأكرم الخلق كافة وأرحم الناس بأمة محمد».
(ونقول): هذه هو الأمر الثاني الذي أعجبه من آراء الشيعة مضافاً إلى الأمر الأول وهو الطلاق فنحمد الله على ذلك. ولكن ادماجه الخمس في الزكاة غير صواب. فالخمس في الغنائم سواء أخصصناها بغنائم الحرب أم عممناها لأرباح التجارة والزراعة والكنوز والمعادن. ومصرفه لله ولذي القربي واليتامي والمساكين وابن السبيل بنص القرآن الكريم والزكاة في ثلاثة أشياء النقدين والغلات والأنعام ومصرفها للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل بنص القرآن الكريم وقد سمّى الأول خمساً ﴿فان لله خمسه) والثاني زكاة ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾.
أما ما تفلسف به وقال: إن الله أراه إياه من أن مقادير الزكاة التي أدرج فيها الخمس أربعة وجعلها كلها تدور على الخمس، وأنه نظام هندسي كسهام المواريث فلا يبتني على أساس فالله قد فرض الخمس في الغنائم والعشر وربعه في الزكاة والخمس لا ربط له بالزكاة سواء أسمينا العشر ونصفه وربعه بأسمائها، أم سميناها نصف الخمس وربعه وثمنه، فتغيير اسمها لا يوجب اندراج الخمس فيها، ولا جعل ذلك نظاماً هندسياً وما ربط الهندسة بالمقام، وسهام الفرائض اقتضى تفاوتها في المقدار أن يكون فيها ثمن وربع ونصف وسدس وثلث وثلثان، وليس لنظام الهندسة في ذلك دخل، وارجاع الزكاة إلى الخمس، وزعم أن معناه أن حق الشرع في جميع الأموال خمس ما يربح منها، وأن جعل زكاة مئتي درهم خمسة دراهم وعشرين مثقالا لا نصف مثقال ارشاد إلى أنه ينبغي أن يكون ربح المئتين خمسة وعشرين لا أزيد، أو أن ربحها في الغالب كذلك. تخرص بلا دليل والربح ليس له حد ولا غلبة في ذلك، والزكاة في الذهب والفضة على المال المخزون سنة إذا بلغ النصاب ولم يغير وزكاة مال التجارة غير هذا، فهذه الفلسفة التي تبجح وافتخر بأن الله أراه اياها لم تصادف محلها.
والخمس ثلاثة أسداسه للإمام أو نائبه والثلاثة الأسداس الباقية للفقراء من بنيهاشم ومنهم اليتامي والمساكين وابنالسبيل؛ لأن المراد يتامى بني هاشم ومساكينهم وأبناء السبيل منهم كما صح عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فلا ينهار ما يقولونه لاتمام الانهيار ولا بعضه، وإنما تنهار أقاويله وتمحلاته الفاسدة.
وكتاب الله جعل الزكاة مقابلة للخمس قبل كتب الشيعة، ﴿واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ [الأنفال: 41] ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [النور: 56] ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة: 60] فجعله الزكاة قسماً من الخمس، مجرد تمحل. وإذا كان بيان المقادير لم يجىء في القرآن إلاّ في آية الخمس فقد جاء بيانها في السنة المطهرة.
وإشكاله على كون الغنائم من خصائص هذه الأمة بأن القرآن ذكر غنائم الغلبة في سور متعددة لا يتعلق لنا به غرض، فلم يصح عندنا أنه من خصائصها، وسواء أصح أم لم يصح لا فائدة فيه. أما استشهاده بحديث الإمام أحمد وتفسيره له بما يوافق هواه فيشبه ما ذكره سابقا من أن آل محمد لا حق لهم في الخلافة؛ لأن لهم الله أو ما هذا معناه. وهنا يقول: الخمس لا يستحقه آل محمد؛ لأنه جعل لأجل الضعف، بحديث لا يدري ما هو ولا مبلغ صحته وضعفه، وليس ذلك بشرف لهم، فينبغي أن يحرم آل محمد من الخمس وأن يموت فقراؤهم جوعا لئلا ينقص شرفهم كما حرموا من الخلافة محافظة على شرفهم، وكون الجهاد لم يشرع إلاّ لوجه الله والدين فقط لا للغنائم طريف جداً؛ فإذا كان الجهاد شرع لذلك فهل يلزم أن يحرم المجاهدون من الغنائم؟ إذاً فالله تعالى حيث أمر بقسمة الغنائم في المجاهدين، قد خالف شرعه، والرسول (صلّى الله عليه وآله) في قسمتها في المجاهدين، مخطىء. وإذا كان لله ولرسوله فيها حق مع كون حلها ضرورة لأجل الضعف وليس بشرف، فلآل محمد أسوة بالله وبرسوله، فشرفهم لا يزيد على شرف الله والرسول. هذه فلسفات موسى جار الله وتعمقه في فهم الآيات والأحاديث. والآية التي ذكرها؛ صدرها: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا﴾ [الأنفال: 67] نزلت يوم بدر حين رغب المسلمون في أخذ الفداء من الأسرى وكان الإسلام ضعيفاً أما بعد قوته فقد قال الله تعالى: ﴿فإمّا منّاً بعدُ وإمّا فداء﴾ [محمد: 4] وبذلك يظهر أنها خارجة عما أراد.
وحرمة الصدقة على النبي وأهل بيته تنزيه عظيم لهم من الأوساخ، أما إنه تنزيه من ريبة فلا. والنقصان الذي يلحقهم بحرمانهم من الزكاة نقصان مالي، لا نقصان أدبي، فجبر بالخمس.
والعوض لا يجب أن يساوي المعوض من كل وجه من أن نصف الخمس لا يستحقه إلاّ الفقراء من بني هاشم، ومنهم اليتامي والمساكين وابن السبيل. أما النصف الآخر وهو سهم الله وسهم الرسول، فيصرفه الرسول أو الإمام أو نائبه فيما ينوبه وفي مصالح المسلمين على أن هذا اجتهاد منه في مقابل النص فإن الأخبار صرحت بأن الخمس جعل لبني هاشم مقام الزكاة تنزيها لهم عن أوساخ الناس، كما ستعرف عند ذكر ما رواه الطبري في آية الخمس. ولا يفهم معنى لقوله ولا يستأهل الفقير إلاّ على وجه جواز الصرف فإن الفقير أحد مصارف الزكاة وأقله الوجوب التخييري.
وكون الخمس حقاً فرضاً لآل محمد قد عرفت معناه بما لا مزيد عليه، ولكن فلسفة موسى جارالله اقتضت أن يبقي فقراء آل محمد حفاة عراة جياعاً يتكففون الناس لأنهم أكرم على الله وعند الله من أن يجعلهم الله فقراء إلاّ إليه. وجعل نصيبهم في خمس الغنائم يغنيهم عن سؤال الناس ويقوم بحاجتهم، ينافي كرامتهم كما اقتضت فلسفته فيما سبق؛ أن جعل نصيب لهم في الخلافة ينافي كرامتهم، فالواجب أن يبقوا رعايا يحكم فيهم من لا يساويهم؛ لئلا تنقص كرامتهم، وإذا كان الله لم يجعلهم فقراء إلاّ إليه فقد جعل لهم الخمس من ماله الذي رزقه عباده.
وهبني قلت إن الصبح ليل
أيعمى العالمون عن الضياء
والأقوال التي نقلها عن الشيعة في الخمس قد أخطأ في جعلها في الخمس كله بل في نصف الخمس. أما النصف الثاني فيصرف على فقراء بنيهاشم جبراً لما فاتهم من الصدقة المحرمة عليهم. وقوله: لم تقلها، ولا تقولها شريعة دعوى في بابها شنيعة، فقد قالتها شريعة علماء آل محمد المأخوذة عن ثقات أئمتهم عن جدهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) عن جبرئيل عن الله تعالى، فبطل تعجبه بقوله ونحن – أي الشيعة – لا ننكرها تعجباً من عدم إنكارهم لها. والأقوال التي نقلها عن الأئمة في آية الخمس تخالف ما حكاه الطبري في تفسيره حيث قال: اختلف أهل التأويل في ذلك، فقيل: ﴿فان لله خمسه﴾ [الأنفال: 41] مفتاح كلام، ولله الدنيا والآخرة وما فيهما، وإنما معنى الكلام: فإن للرسول خمسه فخمس الله وخمس رسوله واحد. وقال أبو العالية الرياحي: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة، أربعة لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس، فيأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة، وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة: سهم للرسول، وسهم لذي القربى، وثلاثة للثلاثة الباقية. وقال آخرون ما سمّي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) من ذلك، فإنما هو مراد به قرابته وليس لله ولا لرسوله منه شيء، فاما من قال سهم الرسول لذوي القربى فقد أوجب الرسول سهما وان كان (صلّى الله عليه وآله) صرفه إلى ذوي قرابته فلم يخرج من أن يكون القسم كان على خمسة أسهم اهـ. فصرح في القول الأخير بأن المراد بذي القربى قرابة الرسول، وبه صرح الطبري أيضاً وهو لم يذكره، وهو مما يبطل تفسيره يأتى ذوي القربى فيما يأتي، وجعل السهام على القول الأول خمسة، وهو جعلها أربعة، وإنما الذي جعلها أربعة من قال: إن سهم الرسول لذوي قرابته. والصواب أن سهم الرسول من الخمس باق بعد وفاته، وأنه للإمام بعده وهو نصف الخمس، والنصف الثاني لفقراء بنيهاشم كما ثبت عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام). والمشهور بين أصحابنا اختصاص سهم ذوي القربى ببني هاشم دون بنيالمطلب أخي هاشم، وصرف النبي (صلّى الله عليه وآله) ذلك إلى الهاشميين أو هم المطلبيين دليل على أنهم المرادون في آيتي الخمس والفيء. وزعمه الإجماع على قسمة الخمس ثلاثة أسهم؛ دعوى مجردة مخالفة لنص القرآن كسائر إجماعاته المتقدمة التي أعدها لكل نازلة، ومن أين لنا أن نعلم أنه لم ينكره أحد أو أنهم تمكنوا من إنكاره فلم ينكروه؟ والذي قسمه النبي (صلّى الله عليه وآله) من أموال بني النضير بين المهاجرين دون الأنصار ليس هو سهم ذي القربى، بل سهام اليتامى والمساكين وابن السبيل، بناء على أن المراد بهم غير بنيهاشم، كما ستعرف المدلول عليه بقوله تعالى بعد آية الفيء الآتية ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾ [الحشر: 7] إلى آخر الآية، أو أن أموال بني النضير مما أوجف عليه بخيل وركاب، فالذي قسمه بين المهاجرين هو سهم المجاهدين من الغنيمة.
وما حكاه عن الشافعي في الأم مع كونه من أخبار الخمس ولا محل لذكره في فدك، صريح في أن لبني هاشم حقاً في الخمس متميز لا سهماً في الأخماس الأربعة الباقية كما يزعمه هو، وأن الفاروق كان يعتقد ذلك فطلب إلى علي ترك حقهم في الخمس موقتاً جبراً لخلة المسلمين، ولو كان المراد حقهم في الأخماس الأربعة الباقية لما كان لطلب تنازلهم وحدهم وجه؛ لتساويهم مع غيرهم فيها، فالحديث عليه لا له سواء أراد الاستدلال به على مسألة فدك بدليل ذكره فيها، أم على مسألة الخمس، وكون أهل البيت أحق الناس بالايثار وأكرم الخلق وأرحم الناس بالأمة لا ربط له بما فيه الكلام، وهو أنه هل لهم حق في الخمس وهو سهم ذي القربى، أو لا؟ وايثارهم وكرمهم ورحمتهم لا تنفي ذلك ولا تثبته ولا ترتبط به، وإذا كانوا كذلك – عند هذا الرجل – فهل يكون جزاؤهم أن ننكر حقوقهم التي فرضها الله لهم في كتابه؛ ليتم لهم الايثار والكرم والرحمة؟ وهذا الخبر قد روى نظيره السيوطي في الدر المنثور في تفسير كلام الله بالمأثور فقال: أخرج ابن المنذر عن عبدالرحمن بن أبي ليلى: سألت علياً، فقلت: يا أميرالمؤمنين أخبرني كيف كان صنع أبي بكر وعمر في الخمس نصيبكم؟ فقال: أما أبو بكر فلم تكن في ولايته أخماس، وأما عمر فلم يزل يدفعه إليّ في كل خمس حتى كان خمس السوس وجنديسابور، فقال وأنا عنده: هذا نصيبكم أهل البيت من الخمس، وقد أخل ببعض المسلمين واشتدت حاجتهم. فقلت: نعم، فوثب العباس بن عبدالمطلب، فقال: لا تعرض في الذي لنا. فقلت: ألسنا أحق من المسلمين، وشفع أميرالمؤمنين؟ فقبضه، فوالله ما قبضناه ولا صدرت عليه في ولاية عثمان، ثم أنشأ علي يحدث، فقال: إن الله حرم الصدقة على رسوله فعوضه سهماً من الخمس عوضاً عما حرم عليه، وحرمها على أهل بيته خاصة دون أمته، فضرب لهم مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سهماً عوضاً مما حرم عليهم، وهذا الخبر دال على أن عمر كان يرى أن نصيبهم في الخمس لهم بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأنه غير السهام الأربعة كما مر في الذي قبله، وأنه إنما شفع إليهم شفاعة في صرف على المسلمين المعوزين، وأن العباس لم يرض بذلك، وأن علياً دعاه كرم نفسه أو ما الله به أعلم إلى القبول، وأنه في ولاية عثمان لم يقدر على أخذه ولعله قبلها أيضاً كذلك، وقول عبدالرحمن كيف كان صنعهما في الخمس نصيبهم؟ دال على أنه كان يعتقد أنه حق لهم حيث وصفه بأنه نصيبهم مرسلا له ارسال المسلمات، وأن كونه نصيبهم كان معروفاً مشهوراً، وما في هذه الرواية من أنه لم يكن في ولاية أبي بكر أخماس قد ينافي ما في روايتي سعيد بن جبير والحاكم الآتيتين قريباً، من أن أبا بكر رد نصيب القرابة وجعل يحمل به في سبيل الله، وأن علياً كان يلي الخمس حياة أبي بكر، لكن الظاهر أن المراد بذلك العقارات الثابتة فلا منافاة والتولية لم يعلم ثبوتها قال: وأخرج ابن أبيحاتم عن ابن عباس، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): رغبت لكم عن غسالة الأيدي لأن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم. وأخرج ابن أبيشيبة عن مجاهد: كان آل محمد لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم الخمس. وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن علي: قلت: يا رسول الله ألا توليني ما خصنا الله به من الخمس؟ فولانيه. وأخرج الحاكم وصححه عن علي: ولأن لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) خمس الخمس، فوضعته مواضعه حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبيبكر وعمر اهـ. ويأتى عند ذكر المراد بذي القربى ما له علاقة بالمقام.
الفيء
قال (في ص 74): «أما الفيء: ما أفاء الله على رسوله ولم توجف عليه الأمة من خيل ولا ركاب فكله لا خمسه لله ولرسوله. ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾. أما بعد النبي فالفيء كله لكل الأمة».
(ونقول): آية الفيء هي قوله تعالى في سورة الحشر: ﴿وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابنالسبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوه واتقوا الله والله شديد العقاب، للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم يبتغون فضلاً من ربهم ورضوانا وينصرون الله ورسوله وأولئك هم الصادقون﴾ [الحشر: 7 و8].
فقوله: كله لله ولرسوله، الصواب أن يضيف إليه الأربعة الباقية المذكورة في الآية، وكونه كله لكل الأمة بعد النبي غير صواب، بل الصواب أنه للإمام القائم مقامه ولذوي قربى الرسول (صلّى الله عليه وآله) وهم بنو هاشم كما ثبت عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ولليتامى والمساكين وابنالسبيل، ويأتي بيان المراد منهم. وفي تفسير الرازي عن الواحدي: كان الفيء في زمن الرسول (صلّى الله عليه وآله) مقسوماً على خمسة أسهم، أربعة منها له خاصة، والخمس الباقي يقسم على خمسة أسهم سهم منها لرسول الله أيضاً والأسهم الأربعة لذي القربى واليتامى والمساكين وابنالسبيل، وأما بعد وفاته عليه الصلاة والسلام فللشافعي فيما كان من الفيء لرسول الله قولان: أحدهما: أنه للمجاهدين، والثاني: أنه يصرف إلى مصالح المسلمين.
من هم ذوو القربى
في آيتي الخمس والفيء
قال (في ص 75): «ومَن ذوو القربى في آية الفيء وقد جاء ذكره في آيات كثيرة، وحيثما ذكر فقد ذكر بعده اليتامى والمساكين، ولم يوجد في آية من قرينة تدل على أنه ذو قربى الرسول. والقرآن الكريم بيّن ذوي القربى في آية الفيء فقال: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾ [الحشر: 8] للفقراء لا يمكن أن يكون بدلاً من (لله) ولا من (لرسوله) فلم يبق إلاّ أن يكون بدلاً من لذي القربى، فذو القربى من ترك دياره وأمواله وبذل نفسه ونفيسه ونصر الله ونصر رسوله، يبتغي فضلا من الله ورضواناً لا عرضاً من الدنيا وهم المهاجرون، فذوو القربى في آية الفيء هم المهاجرون بنص القرآن الكريم لا يدخل فيهم ذوو قربى النبي إلاّ بوصف كونه هاجر مع النبي».
و(في ص 76 و77): «أما ذوو القربى في آية الغنائم فهو مثل ذوي القربى في آية ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين﴾ ذو القربى من صاحب المال وذو القربى من أصحاب الغنائم قريب النبي وقريب غيره سواء من غير فرق. وخمس الغنائم حق الله. وحق الشرع من الغنائم فيه معنى الزكاة والصدقة لم يكن يأخذه ذوو قربى النبي الكريم، ولم تكن تصرفه الخلافة الراشدة الرشيدة إلاّ في اليتامى والمساكين وابن السبيل، ومجد النبي الكريم وشرف ذوي قرابته الكرام كان يبعدهم عن ان يكون أحدٌ منهم مع اليتامى والمساكين وابن السبيل ولم يكن النبي يعطي أحداً من ذوي قرباه الأسهم من الأخماس الأربعة الباقية لا من الخمس الذي كان يعتبر من أوساخ المال حقاً للمساكين. وقد رأينا في تاريخ التشريع وتاريخ الإسلام أن الله تعالى كان ينجي أهل البيت وينجيهم من كل مظان التهم تثبيتا لدينه، يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا. نعلم علم اليقين أن النبي كان يؤثر أهل الصفة والأرامل على أهل بيته وعلى أحب الخلق إليه السيدة فاطمة. وحين شكت إليه الطحن والرحى وسألته أن يخدمها من السبي وكلها إلى الله وقال لها ولعلي: إلاّ أدلكما على خير مما سألتمانيه؟… كان هذا رأى النبي وكانت السيدة سيدة نساء العالمين فاطمة أقرب الناس إلى أبيها في كل آدابه، وأحق من الانصار بأدبهم إذ يقول القرآن فيهم: ﴿ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾.
(ونقول): مر قوله في الخمس أن سهم ذوي القربى كان يصرفه النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى بني هاشم وبني المطلب وهو يدل على الدوام والاستمرار، فيدل على أنه ما كان يصرفه إليهم إلاّ لأنه حقهم، فما الذي أسقط حقهم منه بعد وفاته. وفي تفسير الرازي بعد ذكر آية الفيء ما لفظه: «واعلم أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله ولذي القربى بنو هاشم وبنو المطلب اهـ». فلو فرض أنه ليس في الآيات التي فيها ذوالقربى قرينة تدل على أنه ذو قربى الرسول، ففي الإجماع المدعى من الرازي وغيره وفي صرف النبي (صلّى الله عليه وآله) سهم ذي قربى إليهم في حياته وفي الأخبار الآتية ما يدل على ذلك، أفلا يكفي هذا قرينة على ارادتهم مع أن المتبادر لأول وهلة منه هو ذلك، ولا يحتاج إلى قرينة أخرى فإن (أل) في القربى للعهد ولا قربى معهودة سواهم مضافا إلى الأخبار الكثيرة الواردة في أن المراد بذي القربى في آيتي الخمس والفيء قرابة النبي (صلّى الله عليه وآله) من طريق أهل البيت (عليهم السلام) وغيرهم التي لا يبقي معها مجال للشك والريب، إما من طريق أهل البيت فكثيرة لا حاجة بنا إلى نقلها وإما من طريق غيرهم. فما رواه الطبري في تفسيره بسنده عن ابن عباس: كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس، فأربعة منها لمن قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربع، فربع لله والرسول ولذي القربى، يعني قرابة النبي (صلّى الله عليه وآله) فما كان لله والرسول فهو لقرابة النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولم يأخذ النبي (صلّى الله عليه وآله) من الخمس شيئاً، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والرابع لابن السبيل. ثم قال الطبري: وأما قوله ولذي القربى – يعني في آية الخمس – فإن أهل التأويل اختلفوا فيهم، فقيل: هم قرابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من بني هاشم – وذكر من قال ذلك فروى بسنده عن خصيف عن مجاهد: كان آل محمد لا تحل لهم الصدقة، فجعل لهم خمس الخمس، وبسند آخر عن خصيف عن مجاهد: كان النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته لا يأكلون الصدقة فجعل لهم خمس الخمس. وبسند آخر عن خصيف عن مجاهد قال: قد علم الله أن في بنيهاشم فقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة. وبسنده عن السدي عن ابن الديلمي، قال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام: أما قرأت في الأنفال ﴿واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسة وللرسول ولذي القربى﴾ قال: نعم. قال: فانكم لأنتم هم. قال: نعم. وبسند آخر عن خصيف عن مجاهد، قال: هؤلاء قرابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذين لا تحل لهم الصدقة. وبسنده عن عطاء عن ابن عباس أن نجدة كتب إليه يسأله عنه، فكتب إليه: كنا نزعم أنا نحن هم، فأبى ذلك علينا قومنا. قال الطبري وقيل: بل هم قريش كلها، وذكر من قال ذلك فروى عن سعيد المقبري، قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن ذي القربى، فكتب إليه ابن عباس: قد كنا نقول أنا هم، فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى. وفي الدر المنثور: أخرج الشافعي، وعبدالرزاق في المصنف، وابن أبي شيبة، ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابنمردويه، والبيهقي، في سننه عن ابن عباس وذكر مثله. ثم قال: وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من وجه آخر عن ابن عباس أن نجدة الحروري أرسل إليه يسأله عن سهم ذي القربى الذين ذكر الله، فكتب إليه: أنا كنا نرى أنا هم فأبى علينا قومنا، وقالوا: لمن تراه؟ فقال ابن عباس: هو لقربى رسول الله قسمه لهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا، فرددناه عليه، وأبينا أن نقبله، وكان عرض عليهم أن يعين ناكحهم، وأن يقضي عن غارمهم، وأن يعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك. قال الطبري: وقيل سهم ذي القربى كان للرسول، ثم صار من بعد لولي الأمر من بعده. عن قتادة أنه سئل عن سهم ذي القربى؟ فقال: كان طعمة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما كان حياً فلما توفي جعل لولي الأمر من بعده. قال: وقيل بل سهم ذي القربى كان لبني هاشم وبنيالمطلب خاصة، وممن قال ذلك الشافعي، وكانت علته في ذلك ما روى بالاسناد عن جبير بن مطعم، قال: لما قسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سهم ذي القربى من خيبر على بنيهاشم وبنيالمطلب مشينا أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء أخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله به منهم، أرأيت أخواننا بني المطلب، أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة. فقال: انهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد. ثم شبك يديه إحداهما بالأخرى. ثم قال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال سهم ذي القربى كان لقرابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من بنيهاشم وحلفائهم من بنيالمطلب؛ لأن حليف القوم منهم ولصحة الخبر الذي ذكرناه بذلك عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله). ثم قال: واختلف أهل العلم في حكم هذين السهمين – سهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسهم ذي القربى – بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال بعضهم: يصرفان في معونة الإسلام وأهله. وعن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية كما صرح به في الدر المنثور: اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال قائلون: سهم النبي لقرابة النبي (صلّى الله عليه وآله). وقال قائلون: سهم القرابة لقرابة الخليفة، واجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة. وقال آخرون: إنهما إلى والي أمر المسلمين. وقال آخرون: سهم الرسول مردود في الخمس والخمس مقسوم على ثلاثة أسهم على اليتامى والمساكين وابن السبيل وهو قول جماعة من أهل العراق. وقال آخرون: الخمس كله لقرابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثم روى بسنده عن المنهال بن عمرو: سألت عبدالله بن محمد بن علي وعلي بن الحسين عن الخمس، فقالوا: هو لنا فقلت لعلي: ان الله يقول اليتامى والمساكين وابن السبيل قال: يتامانا ومساكيننا، ثم قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن سهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مردود في الخمس والخمس مقسوم على أربعة أسهم على ما رو ي عن ابنعباس: للقرابة سهم وللثلاثة الباقية ثلاثة أسهم؛ لأن الله أوجب الخمس لأقوام موصوفين بصفات كما أوجب الأربعة الأخماس الأخرىن، وقد أجمعوا أن حق الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم، فكذلك حق أهل الخمس لن يستحقه غيرهم، وغير جائر أن يخرج عنهم إلى غيرهم. كما غير جائز أن تخرج بعض السهمان التي جعلها الله لمن سماه في كتابه بفقد بعض من يستحقه إلى غير أهل “السهمان الأخر” اهـ. وفي الدر المنثور في تفسير كلام الله بالمأثور للسيوطي: أخرج ابن أبي شيبة عن السدي ﴿ولذي القربى﴾ قال: بنو عبدالمطلب. وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن الزهري وعبدالله بن أبي بكر أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قسم سهم ذي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب. وأخرج ابنمردويه عن زيد بن أرقم، قال آل محمد الذين أعطوا الخمس آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء﴾ يعني من المشركين ﴿فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى﴾ يعني قرابة النبي (صلّى الله عليه وآله) (إلى أن قال): وكان المسلمون إذا غنموا في عهد النبي أخرجوا خمسه فيجعلون ذلك الخمس الواحد أربعة أرباع فربعه لله وللرسول ولقرابة النبي فما كان لله فهو للرسول والقرابة وكان للنبي نصيب رجل من القرابة والربع الثاني للنبي إلى أن قال: فلما توفي النبي رد أبو بكر نصيب القرابة فجعل يحمل به في سبيل الله اهـ. الدر المنثور.
وقد ظهر بما مر: أن جل الروايات متوافقة على أن المراد بذي القربى هم قرابة النبي (صلّى الله عليه وآله)، وهم بنو هاشم لأنهم القرابة القريبة المتبادرة عند الاطلاق، أو هم وبنو المطلب، وأن القول بأنهم قريش كلهم ما هو إلاّ تحامل على بنيهاشم وحسد لهم، كما يشير إليه قول ابن عباس السابق: كنا نزعم، أو نقول، أو نرى أنا نحن هم فأبي ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى الدال على أن ابن عباس لم يزل متمسكاً بأن بني هاشم هم ذوو القربى وأن سائر قريش أبت عليهم ذلك بدون حق، فأشار إلى معتقده من طرف خفي، وصرح بعض التصريح إذ لم يمكنه التصريح التام، وأصرح من ذلك ما في حديثه الثاني حيث قال: هو لقربى رسول الله وأن عمر كان عرض عليهم من ذلك عرضاً رأوه دون حقوقهم فردوه عليه ولم يقبلوه، كما ظهر أن غير بني هاشم قد طالب بذلك في حياة النبي (صلّى الله عليه وآله) فمنعه. والحجة التي مرت عن الطبري حجة قوية، وهي قاضية بأن ذوي القربى هم بنوهاشم، وغير جائز أن يخرج سهمهم إلى غير أهل “السهمان الأخر” وأن الذين قالوا بخلاف ذلك ما قالوه إلاّ بالظن والتخمين ولم يستندوا إلى مستند.
وكما أن للفقراء المهاجرين إلى آخر الآية، لا يمكن أن يكون بدلاً من (لله) و(لرسوله) لا يمكن أن يكون بدلاً من لذي القربى؛ لما مر من ظهوره في قربى النبي (صلّى الله عليه وآله) ودلالة الإجماع والروايات على ذلك، فتعين كونه بدلاً من اليتامى والمساكين وابنالسبيل، فزعمه كونه ذوالقربى في آية الفيء هم المهاجرون بنص القرآن هو كسائر مزاعمه لا نصيب له من الصحة.
وإن سلم أن ذا القربى في آية ﴿وأتى المال على حبه ذوي القربى﴾ أريد به ذوالقربى من صاحب المال، فلا يلزم أن يكون ذوالقربى في آية الغنائم مثله يراد به ذو القربى من أصحاب الغنائم، بعد ورود تفسيره في الأخبار وكلام العلماء بأن المراد به قربى النبي (صلّى الله عليه وآله) ودعوى الإجماع على ذلك كما مر.
وكون خمس الغنائم فيه معنى الزكاة والصدقة ليس بصواب، فإنه مأخوذ بالسيف والقهر والغلبة لا بالصدقة. وجملة من الأخبار السابقة قد نصت على أن الخلافة الراشدة كانت تصرفه فيهم، وأنها صرحت بأنه حقهم على أنها خالفت ما ثبت من الشرع – ولم يدع أحد فيها العصمة – لا يجب اتباعها، وقد ثبت بما مر أن ذوي القربى في آيتي الخمس والفيء هم بنوهاشم.
ولذوي قرابة النبي الكرام أسوة بالله وبرسوله في كونهما مع اليتامى والمساكين وابن السبيل، فلو كان ذلك يخل بمجد أو شرف لما ذكر الله ورسوله معهم. والمجد والشرف ليس بالغنى والمال بل بمحاسن الصفات والأفعال، وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) يفتخر بالفقر، ويقول: الفقر فخري ولم يكن الغنى شرفاً إلاّ عند الجهال. على أن المراد بالثلاثة هم يتامى بني هاشم ومساكينهم وابن السبيل، فهم كما يأتى فإذا كان أحدهم يتيماً أو مسكيناً أو ابن سبيل فما الحيلة حتى لا يكون مع اليتامى والمساكين وأبناء السبيل. ومجد النبي الكريم وشرف ذوي قرابته الكرام يقتضي – على رأي هذا الرجل – أن يحرموا من كل شيء: من الخلافة والأمارة، ومن خمس الغنائم ومن الفيء ليبقوا رعايا فقراء يتكففون الناس، ويتم لذلك مجدهم وشرفهم. مع أن هذا اجتهاد في مقابل النصوص الكثيرة المتقدمة وزعمه أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يكن يعطي أحداً من ذوي قرباه إلاّ من الأخماس الأربعة، تقول على النبي (صلّى الله عليه وآله)، فقد كان يعطي بني هاشم سهم ذوي القربى، وقد اعترف بذلك فيما سبق من كلامه في الخمس، ولكنه لا يبالي بتناقض كلامه يقسم الأخماس الأربعة الباقية في المجاهدين، ولا يعطي بني هاشم منها شيئاً إذا لم يكونوا مجاهدين ويمنعهم من الزكاة التي هي من أوساخ الناس تنزيها لهم وتشريفاً، والخمس لا يعتبر من أوساخ المال لكونه غنيمة أخذ بالسيف والقهر والغلبة، وكون بعضه حقا للمساكين الذين هم مساكين بني هاشم وفقراؤهم لا يجعله من أوساخ المال. وقد عرفت تصريح الأخبار الكثيرة بأن الله تعالى جعل الخمس لبني هاشم عوضاً عن الزكاة التي هي أوساخ الناس، وغسالة الأيدي، تكريماً لهم وتشريفاً، وهذا الرجل يصادم بآرائه الشاذة قول الله ورسوله.
وإذا أعطى النبي (صلّى الله عليه وآله) أهل البيت حقهم المفروض لهم في الكتاب العزيز لم يكن في ذلك تهمة لينجيهم وينجيهم منها، ومنعهم من حقهم ظلم وتاريخ التشريع وتاريخ الإسلام الذي انفرد بفهمه، والتجنيس بين ينجهم وينجيهم لا يفيد شيئا من ذلك واذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم لا يكون بمنعهم حقهم.
وكلامنا في أن سهم ذي القربى من الخمس هل هو حق لأهل البيت وبنيهاشم، أو لا؟ ونحن نقول: دلت الأدلة السابقة على أن سهم ذي القربى من الخمس هو حق لهم، فكون النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يؤثر الفقراء من الغرباء على حب الناس إليه من أهل بيته لا ربط له بذلك بوجه من الوجوه لا نفياً ولا اثباتاً، فإذا كان يؤثر الغرباء على القرباء، فهل هذا معناه أن قرابته ليس لهم حق في الخمس؟ كما أن كون سيدة نساء العالمين أقرب الناس إليه في كل آدابه ليس له ربط باستحقاقها من الخمس وعدمه، فتنميق الألفاظ وتزويقها لا يكون دليلاً للأحكام.
من هم اليتامى والمساكين وابن السبيل
في آيتي الخمس والفيء
في مجمع البيان: أنهم من بني هاشم أيضاً لأن التقدير: ولذي قرباه، ويتامى أهل بيته ومساكينهم، وابن السبيل منهم، قال: وروى المنهال بن عمرو عن علي بن الحسين (عليه السلام) في قوله ﴿ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ قال: هم قربانا ومساكيننا وأبناء سبيلنا. وقال جمع من الفقهاء: هم يتامى الناس عامة وكذلك المساكين وأبناء السبيل. وقد روي ذلك أيضاً عنهم (عليهم السلام). روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال كان أبي يقول: لنا سهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسهم ذي القربى ونحن شركاء الناس في ما بقي اهـ.
الزكاة
قال (في ص 71): «تقول كتب الشيعة: زكاة الشيعة للشيعة فإن لم يجد ينتظر سنين ثم يطرحها في البحر. ثم ذكر آيات الانفاق وآيات الزكاة، وقال: الانفاق والزكاة في عرف القرآن شيء واحد ولم يكن في الملك نصاب كانوا ينفقون من كل شيء من غير حد وكانوا في كل ما يؤمرون يأتون بغاية الكمال لذلك كان القرن الأول أفضل الأمة وخير البرية».
(ونقول): طرحها في البحر كذب وافتراء، فمصرف الزكاة أصناف ثمانية بنص القرآن الكريم. أحدها: سبيل الله وهو عندنا كل مصلحة أو قربة، فمهما عدمت المصارف لا يعدم سبيل الله، فكيف يتصور عاقل أنها تطرح في البحر؛ ولكنه اعتاد أن لا يتورع عن كذب ولا بهتان. وارادة الزكاة من الانفاق ممكن وليس بمتعين، وإذا لم يكن في الملك نصاب فليس ذلك بزكاة، وكونهم كانوا ينفقون من كل شيء من غير حد، ويأتون فيما يؤمرون بغاية الكمال أن أريد أن ذلك كان في جميعهم، فهو خلاف المحسوس. وقد بخلوا بدرهم أو بعض درهم يقدمونه بين يدي نجواهم صدقة ولم يعمل بذلك إلاّ علي بن أبي طالب حتى نسخ. وتركوا النبي (صلّى الله عليه وآله) يخطب يوم الجمعة وخرجوا للنظر إلى العير لما سمعوا صوت الطبل حتى لم يبق معه إلاّ نفر قليل وعاتبهم الله تعالى بقوله ﴿وإذا رأوا تجارة أولهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾ [560] وبنو آدم لم يتساووا في الصفات في عصر من الأعصار. وحديث كون العصر الأول أفضل الأمة مر بيان فساده.
فــدك
قال (في ص 77ـ78ـ79): «فدك قرية خارج المدينة قرب خيبر ذات نخل، كانت من صفايا النبي خالصة له إذ لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ولم ترها السيدة فاطمة قط، ولا تتصرف فيها في حياة النبي أصلاً. كان النبي من غلاتها ينفق على أهل بيته، وعلى أحب الخلق إليه السيدة فاطمة وأهل بيتها، قدر الكفاية وعلى ذوي الفاقة من أهل المدينة،… وبعد النبي دفعها الصديق إلى علي يصرف غلاتها في الجهات التي كان النبي يجعلها فيها كما سلم لعلي السيف والبغلة والعمامة وكثيراً غير ذلك من الآثار المباركة، ولم يكن له من جهة الإرث لأن ابن العم لا يرث عند وجود العم، قام علي بادارة فدك مدة، ثم في السنين الأخيرة من خلافة عمر قال علي لأميرالمؤمنين عمر: بنا عنها العام غنى وللمسلمين إليها حاجة، فاجعلها على المسلمين تلك السنة. والسيدة سيدة نساء العالمين راجعت الصديق ميراثها من أبيها إرثاً أو نحلة؛ وإذ سمعت حديث النبي فيما تركه الأنبياء اكتفت به وانصرفت؛ إذ رأت الحق ثم لم ترجع ولم تنازع: وكانت أرفع وأعلى من كل ما ترويه كتب الشيعة، وكانت غنية غنى النفس، مستغنية غنى المال، وكان قلبها بموت أبيها وحسراتها عليه أشغل من أن يحمل شيئاً على صاحبيه في الدنيا والآخرة… ولما انتهى الأمر إلى علي سلك في فدك وسهم ذوي القربى مسلك الخلافة الراشدة، ترك فدك على ما كانت عليه. لم يكن من شأن الإمام المعصوم وهو أميرالمؤمنين وبيده القوة لا يخالفه أحد أن يقر الباطل على بطلانه وأن يبطل الحقوق. وقيل له في فدك، فقال: إني لأستحيي من الله إن أراد شيئاً منعه الصديق وأمضاه الفاروق، والشيعة لا تنكر هذه الرواية عن محمد بن إسحاق سألت أبا جعفر محمد بن علي قلت: أرأيت علياً حين ولي العراق وما ولي من أمر الناس كيف صنع في سهم ذوي القربى وفدك؟ قال: سلك طريق أبي بكر وعمر. قلت: وكيف ذلك وأنتم تقولون ما تقولون، قال: أما والله ما كان أهله يصدرون إلاّ عن رأيه. فقلت: فما منعه؟ قال: كان يكره أن يُدّعَى عليه مخالفة أبي بكر وعمر. وإنما تدعي أن علياً كان في آخر الأمر على بقية من التقية قوية. هذه دعوى فارغة ليس للشيعة عليها من دليل ودعوى تطعن في دين الإمام وتذهب بعصمته. ونحن لا نرتاب أن علياً كان يرى الحق مع الصديق والفاروق فيوافق وفاق عقيدة لا وفاق نفاق وتقية. وأن السيدة فاطمة راجعت الخليفة في الإرث وقالت: أيرثك أولادك ولا إرث أنا رسول الله؟ فروى لها إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة، وصدقت روايته، ثم لم تجد في نفسها حرجاً مما قضى به ولم تهجره هجر مغاضبة، بل ان كانت هجرته فهجر اشتغال عنه بأبيها وبشوق اللحاق به».
(ونقول): أما أن فاطمة (عليها السلام) لم تر فدكا فممكن رأتها في سترها المتناهي، بحيث أنها كانت تخرج لزيارة مقابر الشهداء ليلاً، ولم تشأ أن يرى جنازتها أحد، فاتخذ لها النعش المغطى شبه الهودج يمكن أن لا تخرج إلى فدك، وأما أنها لم تتصرف فيها في حياة النبي (صلّى الله عليه وآله) أصلاً، فباطل. روى أبو سعيد الخدري أنه لما نزلت ﴿وآت ذا القربى حقه﴾ [الاسراء: 26، الروم: 38] أعطى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام) فدك. حكاه المرتضى في الشافي الذي يرده به على المغني للقاضي أبي بكر الباقلاني من علماء المعتزلة: ثم قال وقد روى من طرق مختلفة غير طريقة أبي سعيد أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وآت ذا القربى حقه﴾ دعا النبي (صلّى الله عليه وآله) فاطمة (عليها االسلام) فأعطاها فدك [561] وفي نهج البلاغة: «بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين».
وإذا كان قد دفعها الصديق إلى علي وقام بإدارتها مدة فما وجه غضب فاطمة حتى ماتت واجدة عليه كما رواه البخاري في صحيحه وهجرته. ولماذا دفنها علي ليلاً سراً وأخفى قبرها بوصية منها حتى أنه لا يعرف قبرها على التعيين إلى اليوم؟ وأما السيف والبغلة والعمامة وغيرها من الآثار المباركة فالذي ثبت عندنا ورواه ثقاتنا أن النبي (صلّى الله عليه وآله) دفعها كلها في حياته في مرض موته إلى علي بمحضر جمع كثير من المهاجرين والأنصار، ولولا ذلك لكانت إرثاً لفاطمة وحدها. والصحيح أن علياً لم يقم بإدارة فدك، ولم تدفع إليه بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) وخرجت عن يده ويد زوجته الزهراء ولم تعد إلى ورثة الزهراء إلاّ في خلافة عمر بن عبدالعزيز وخلافة السفاح والمهدي والمأمون، وأن ما ذكره من قول علي لعمر: إن لنا عنها العام غنى «الخ»، مختلق لا صحة له. وفي آخر خلافة عمر كانت قد كثرت الفتوحات وفتحت على المسلمين مملكتا كسرى وقيصر، وكثرت عليهم الأموال، وتقلبوا في النعيم فلم يكن بهم حاجة إلى نخلات بيد علي وابنيه لو فرض أنها في أيديهم، وعلي قعيد بيته لا يلي ولاية، ولا يؤمر على جيش، أو لا يقبل التأمير وإنما يعمل في أرضه بينبع أو غيرها، ولم يكن ذا ثروة ليتنازل للمسلمين عنها لغناه وحاجتهم. وقد روى أبوبكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في كتاب السقيفة – على ما حكاه ابن أبي الحديد بسنده أن أبا بكر كان يأخذ غلتها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم ويقسم الباقي، وكان عمر وعثمان وعلي يفعلون كذلك، فلما ولي معاوية اقطع مروان بن الحكم ثلثها، وعمرو بن عثمان بن عفان ثلثها، ويزيد بن معاوية ثلثها، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان أيام خلافته فوهبها لعبد العزيز ابنه، فوهبها عبدالعزيز لابنه عمر فلما ولي عمر بن عبدالعزيز الخلافة كانت أول ظلامة ردّها دعا حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وقيل: علي بن الحسين فردها عليه. ويمكن أن يكون دعاهما معاً. وكانت بيد أولاد فاطمة مدة ولاية عمر بن عبدالعزيز فلما ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم فصارت في يد بني مروان كما كانت يتداولونها حتى انتقلت الخلافة عنهم، فلما ولي السفاح ردّها على عبدالله بن الحسن بن الحسن، ثم قبضها المنصور لما حدث من بني حسن ما حدث، ثم ردها المهدي ابنه على ولد فاطمة ثم قبضها موسى بن المهدي وهارون أخوه حتى ولي المأمون، فردّها على الفاطميين، فلم تزل في أيديهم حتى ولي المتوكل فأقطعها عبدالله بن عمر البازيار، وكان فيها أحد عشرة نخلة غرسها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بيده، فكان بنو فاطمة يأخذون ثمرها، فإذا قدم الحج أهدوا لهم من ذلك التمر فيصلونهم، فصرم عبدالله بن عمر البازيار ذلك الثمر ووجّه رجلاً يقال له بشر بن أبي أمية الثقفي إلى المدينة فصرمه، ثم عاد إلى البصرة ففلج اهـ. هذه هي فدك التي كانت بيد أهل البيت من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس أخرىن، فانظر في هذا الخبر تجد فيها العبر لمن أبصر وتدبر، ولله در دعبل حيث يقول:
أرى فيأهم في غيرهم مقتسماً
وأيديهم من فيئهم صفرات
ويظهر أن نخلها كان كثيراً يعتد به بحيث يقطعه معاوية أثلاثاً لثلاثة أشخاص كبراء كما مر. أما دعواه أنها إذا سمعت الحديث فيما ترك الأنبياء اكتفت وانصرفت الخ – التي قلد فيها غيره – فكان الأولى به عدم نبش هذا الدفائن وأن لا يضطرنا إلى ذكر ما لا نحب ذكره، ولو أتى على دعاواه هذه الطويلة العريضة بدليل أو شبه دليل لكان لنا أن نجيبه عنه، أما وقد اقتصر على الدعاوى المجردة فكان الأولى أن لا نجيبه بشيء؛ ولكننا لا نترك جوابه بأمور يسيرة نشير إليها إشارة الضرورة، فنقول: دعواه هذه يكذبها ما رواه الإمام البخاري في صحيحه من أنها ماتت وهي واجدة عليه. وقد ادعى نحو هذه الدعوى القاضي عبد الجبار الباقلاني في كتاب المغني فقال: إنها لما سمعت ذلك كفت عن الطلب، وأجابه المرتضى في الشافي بقوله: لعمري أنها كفت عن المنازعة والمشاحنة لكنها انصرفت مغضبة متظلمة متألمة والأمر في غضبها وسخطها أظهر من أن يخفى على منصف، فقد روى أكثر الرواة الذين لا يتهمون بتشيع ولا عصبية من كلامها في تلك الحال وبعد انصرافها عن مقام المنازعة ما يدل على ما ذكرناه من سخطها وغضبها، ثم روى ما يدل على ذلك. وفي شرح النهج لابن أبي الحديد عند ذكر فدك قال: انه يذكر الأخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم في أمر فدك لا من كتب الشيعة ورجالهم، قال: لأنا مشترطون على أنفسنا أن لا نحفل بذلك وجميع ما نرويه من كتاب أبي بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في السقيفة وفدك، وأبو بكر الجوهري هذا عالم، محدث كثير الأدب، ثقة، ورع، أثنى عليه المحدثون ورووا عنه مصنفاته، ثم ذكر روايته خطبة فاطمة لما بلغها إجماع أبي بكر على منعها فدك وهي صريحة بخلاف ما يدعيه، ثم ذكر كلامها في مشهد الأنصار وهو أيضاً صريح في خلاف ما يدعيه شرح النهج، ج4، ص79 إلى أن قال: قالت والله لا كلمتك أبداً. قال: والله لا هجرتك أبداً، قالت: والله لأدعون الله عليك، قال: والله لأدعون الله لك، فلما حضرتها الوفاة أوصت أن لا يصلّى عليها فدفنت ليلاً اهـ. ثم ذكر روايته كلامها لنساء المهاجرين والأنصار وهو أيضاً دال على خلاف ما يدعيه هذا الرجل، ومن قلدهم شرح النهج، ج4، ص87، وخبر استئذانهما عليها في مرضها يدل على خلاف ما يدعيه شرح النهج، ج4، ص104، وذكر قول عبدالله بن الحسن بن الحسن كانت أمي صديقة بنت نبي مرسل فماتت وهي غضبى على إنسان فنحن غضاب لغضبها، وإذا رضيت رضينا، ج4، ص86، وكتب الشيعة لم ترو إلاّ مطالبتها بحقها ولم نسمع في كل بني آدم أن أحداً كان أرفع وأعلى من أن يطالب بحقه ويحتج عليه لكن هذا الرجل – متابعة لنصر هواه – رأى آراء شذ فيها عن جميع الخلق، فهو يرى أن جعل نصيب لأهل البيت في الخلافة نقص عليهم، وإن جعل نصيب لهم في الخمس والفيء يوجب التهمة لهم كما مر، وهنا يرى أن مطالبتهم بحقهم تنافي رفعتهم وعلوهم فانظروا واعتبروا يا أولي الأبصار. وكونها غنية غنى النفس لا يمنعها من المطالبة بحقها ولا ينافيه، أما غنى المال فلم يكن لها من كل ما أظلته السماء غير فدك. وتفننه بتعبيره تارة بغنية، وأخرى بمستغنية لا يخرج عن البرودة. وإذا كان قلبها بموت أبيها وحسراتها عليه أشغل من أن يحمل شيئاً على صاحبيه في الدنيا والآخرة، فقد كان الأولى بهما – ولم يحصل لهما شرف في الدنيا والآخرة إلاّ بصحبة أبيها أن لا يرداها عن شيء طلبته ويرضيا المسلمين من مالهما – لو فرض أنه لا حق لها فيما طلبته – أو يسترضياهم لها كما فعل أبوها يوم بدر فاسترضاهم ليردوا ما بعثت به ابنته زينب في فداء بعلها أبيالعاص ابن الربيع ويطلقوه لها ففعلوا وما كانت زينب تبلغ منزلة فاطمة سيدة نساء العالمين ولا أبوالعاص – وهو يومئذ كافر – يبلغ رتبة علي بن أبي طالب. والقلوب لا يمنعها شغلها بالحزن على موت الأحباء وبالحسرات عليهم مهما بلغ من أن تحمل وجداً وغيظاً على أحد إذا اقتضى الحال ذلك، بل يزيدها. ودعواه أنه لم يكن يخالف أميرالمؤمنين (عليه السلام) في زمن خلافته أحد دعوى فارغة فما أكثر المخالفين له، فهل تمكن من عزل شريح القاضي ومن إبطال الجماعة في نافلة شهر رمضان حين كانوا يصيحون واسنة… ومن القضاء في المواريث على مقتضى فتواه حين قال لقضاته: اقضوا كما كنتم تقضون. ولو كانت التقية والخوف تطعن في دين الإمام وتذهب بعصمته – كما زعم لطعنت في دين موسى كليم الله وأحد أولي العزم من الرسل وفي نبوته وعصمته حين قال ﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾ [الشعراء: 21] وفي دين هارون وذهبت بعصمته حين قال ﴿إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني﴾ [الأعراف: 150] وفي دين لوط وذهبت بعصمته إذ قال ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي﴾ [هود: 80]، وفي دين محمد ونبوته وعصمته حين فر من أهل مكة هارباً واختفى ثلاثاً في الغار، وقبل ذلك كان يعبد ربه بمكة مستخفياً، والرواية الأولى عن علي في فدك التي ذكرها لا تعرفها الشيعة بل تنكرها، وكم من فرق بينها وبين الثانية عن الباقر (عليه السلام) التي صرحت بأن الذي منعه عن أخذ فدك وسهم ذوي القربى كراهة أن يدعى عليه مخالفة الشيخين الذي لا يحتمله الناس منه لا أنه ليس له فيهما حق، وهي أيضاً ليست من روايات الشيعة، وإنما رواها أبو بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في كتاب السقيفة شرح النهج، ج4، ص86، وهو بنص ابن أبيالحديد ليس من الشيعة، فظهر بما ذكرنا أن دعوى أن عليا كان على بقية من التقية ليست دعوى فارغة، وإنما دعاوى هذا الرجل كلها جوفاء فارغة.
وإذا كان لا يرتاب فيما نسبه إلى علي والزهراء، فنحن لا نرتاب في أن دعاواه لا تستند إلى دليل ولا برهان، ومنها دعواه هذه على علي والقلوب لا يعلم ما فيها إلاّ خالقها، وقوله: لا وفاق نفاق، وتقيه، جهل منه ونفاق فقد بينا أن الخوف حصل للأنبياء والرسل فأحرى أن يحصل لعلي – وهو لا يراه بالعين التي تراه بها الشيعه – لا يراه إلاّ فرداً من أفراد الأمة كما صرح به في بعض كلامه، وإذا كان اظهار الوفاق خوفاً نفاقاً فأحرى أن يكون أمراً بالنفاق قوله تعالى: ﴿الا أن تتقوا منهم تقاة﴾ [آل عمران: 28] تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وأما أن الزهراء صدقت ولم تجد في نفسها حرجاً، فيكذبه ما مر مفصلاً، ولا حاجة إلى إعادته، وأما أنها إن هجرته فهجر اشتغال عنه بأبيها وبشوق اللحاق إليه، فما هو الذي أوجب أن تحزن على أبيها كل هذا الحزن حتى أوجب أن تهجر الخليفة وتشتغل عنه بشوق اللحاق بأبيها، وهل كانت تجهل ما أمر الله به من الصبر على المصائب وما نهى عنه من الجزع وهي لم يؤت إليها بشيء يغضبها، بل كانت محترمة معظمة مرفهة منعمة أديت إليها جميع حقوقها، فما الذي يحزنها كل هذا الحزن ويشغلها كل هذا الشغل ويشوقها إلى اللحاق بأبيها هل هو إلاّ أمر عظيم اشتهت معه الموت؟ ولكن هذا الرجل لا يدري ما يقوله أله أم عليه.
التفويض
ذكره (في ص 86) وذكر له معاني باطلة، وقال: إن الشيعة تعتقد ببطلانها وأن معتقدها كافر غال، ولكنه أطال بذكرها لغير فائدة.
وقال (في ص 87): «من معاني التفويض أن الله خلق نبيه على أحسن أدب وأرشد عقل، ثم أدبه فأحسن تأديبه، فقال: ﴿خذ العفو وأمر بالمعروف واعرض عن الجاهلين﴾ ثم أثنى عليه فقال: ﴿وانك لعلى خلق عظيم﴾ ثم فوض إليه دينه ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾. ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾، ثم فوض النبي ذلك إلى الأئمة فلا يختار النبي ولا الإمام إلاّ ما فيه صلاح وصواب ولا يخطر بقلبه ما يخالف مشيئة الله، وما يناقض مصلحه الأمة مثل الزيادة في عدد ركعات الفرض وتعيين النوافل، فرض الله الصلوات ركعتين ركعتين، وأضاف النبي الباقي فأقره الله، وسن النبي النوافل أربعاً وثلاثين ركعة، فأقر الله ذلك، وذلك إظهاراً لكرامة النبي والإمام، ولم يكن أصل التعيين إلاّ بالوحي، ثم لم يكن الاختيار إلاّ بالالهام، وله في الشرع شواهد حرم الله الخمر وحرم النبي كل مسكر، فأجازه الله ولا فساد في مثل ذلك عقلاً، وقد دلت الأخبار عليه».
و(في ص 89): «من معاني التفويض، التفويض في بيان العلوم والأحكام وفي تفسير الآيات، سأل ثلاثة الصادق عن آية فأجاب كل واحد بجواب، واختلاف الأجوبة كان يقع أما على سبيل التقية وأما أنه كان للإمام أن يبين معنى الآية. فالتفويض ثابت في التفسير مثل ثبوته في الأحكام، والتفويض في الحكم كما كان لصاحب موسى في سورة الكهف وكما وقع لذي القرنين. والتفويض في الإعطاء والمنع كما وقع لسليمان: ﴿هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب﴾.
(ونقول): عقيدة الشيعة في النبي، وفي جميع الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم لا تعدو أنهم لا يقولون على الله إلاّ الحق لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. وكل نقل أتى عنهم لا يمكن رده إلى هذا فهو باطل، أو موكول علم تأويله إليه تعالى، وفي الإمام، أنه قائم مقام النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يخالفه ولا يخالف حكم الله في قول ولا عمل. أما حديث الزيادة في الفرائض وتعيين النوافل فإذا صح سنده فليس فيه شيء ينافي ذلك، فالله تعالى فرض الفرائض والنبي زاد في عدد ركعاتها بالهام منه تعالى، أو بغيره. وسن النوافل كذلك وحرم كل مسكر كذلك فأمضاه الله. أي خلل أو نقد في ذلك أو اتباع لغير أمر الله! ثم إن هذا الذي حكاه عن النبي (صلّى الله عليه وآله) من الزيادة في عدد ركعات الفرض وتعيين النوافل وتحريم المسكر وجعله نقداً لعقائد الشيعة قد ذكر مثله في حق الخليفة الثاني، فقال: أنه كان يقول قولا أو يرى رأياً فيقبله النبي ويوافقه الله من فوق عرشه، فكيف صار ما هو من فضائل الفاروق عيباً ونقدا لغيره. وإن صح ما نقله عن الصادق في الجواب عن الآية، كان محمولاً على أنه بين لأحدهم بعض ما تدل عليه، وللأخرى البعض الآخر بما لا ينافي مدلولها.
الغلاة والمفوضة وسبب الغلو
حكى (في ص 89) قول الصدوق في رسالة العقائد: «اعتقادنا في غلاة الشيعة والمفوضة أنهم كفار وأنهم أضل من جميع أهل الأهواء المضلة، ثم قال: ومن بين الشيعة ليس بغال: الشيعة تفرط افراطاً في الأئمة ثم تفرط تفريطاً في الأمة، وفي القرن الأول يدعون العصمة وتمام الإحاطة في الأئمة ويطعنون على الأمة والقرن الأول أفضل قرون الأمة».
وفي (ص 91ـ92): «هل لا نسب ولا قرابة بين تلك العقائد التي يعدها صدوق الشيعة سفاهة وضلالة وبين تلك الدعاوى المسرفة التي تسندها كتب الشيعة إلى الأئمة اسناد افتخار عنه المنافرة وتعداد الفضائل للأئمة على ما ترويه كتب الشيعة؟ كلمات ثقلت في السماوات والأرض ولهم دعاوى عريضة تخترق السماوات إلى العرش إن كانت أكثرها لموضوعة. إلاّ أني أتوهّم أن بعضها ثابت بالضرورة، وإلاّ لما ترك أئمة الفقه وأئمة السنن والأحاديث أخبار الأئمة من ولد الإمام علي أميرالمؤمنين، ولما عادت الأئمة من أهل البيت أئمة الاجتهاد وأئمة السنن». ثم أورد عدة أحاديث فيها ما لا تعتقده الشيعة وفيها ما لا يضر اعتقاده. وتمادى في اساءة الأدب وسوء القول في حق الأئمة ولا سيما في حق الإمام الصادق وأبيه الباقر بما نمسك عنه عنان القلم وكفى ذلك في مبلغ دينه وأدبه وكفى ذماً لقائله صدور مثله منه.
و(في ص 103ـ104): «أبو الخطاب محمد بن المغلاص كان من أخص أصحاب الصادق حتى نشر دعوته ولعنه الصادق وطرده، ولم يكن إلاّ ماكراً يتظاهر بالتشيع، ولما تمكن من نشر دعوته لو لم تكن للأئمة تلك الدعاوى العريضة. وهل يكون للصادق حق في لعن هذا القائم وهو ابن دعاويه العريضة. وللشيعة في كتبها باب في نفي الربوبية من الأئمة، وهل توجد ضرورة إلى عقد مثل هذه الأبواب السخيفة في كتاب أهل التوحيد والإسلام لو لم تكن تفرط من الأئمة كلمات في مثل هذه الدعاوى الفارغة التي تكاد السماوات ينفطرن منه (كذا) وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا».
(ونقول) له: اقلب تصب، فالشيعة لم تفرط ولن تفرط، بل أنت أفرطت افراطاً في القرن الأول، فزعمت أن أقوال أهله تعادل السنة النبوية الثابتة كما مر مع اعتراف قومك بعدم عصمة أهله، وفرطت تفريطاً في الأئمة فزعمت أنهم كسائر الأمة، وفضلت عليهم من لا يساويهم، وأسأت الأدب معهم في عدة مواضع من وشيعتك. أما الشيعة فلا تغلو وتبرأ من كل غال، كما نقلته أنت عن الصدوق في رسالته في عقائد الشيعة الإمامية؛ ولكنك مع ذلك تماحك وتعاند وتقول من من الشيعة ليس بغال، وترى أن اسناد بعض المعجزات إلى الأئمة والاحاطة بالعلم الذي ورثوه عن جدهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) معدن العلوم غلواً، ويسند قومك إلى جماعة من الصحابة ما هو أعظم ولا يرونه ولا تراه أنت غلواً فأي انصاف هذا؟ والشيعة إن ادعت العصمة والإحاطة للأئمة فلم تدع ذلك جزافاً كأقوالك، بل ادعته بحجة وبرهان. وزعمه الطعن على الأمة والقرن الأول مر الكلام عليه في صدر الكتاب ككونه أفضل القرون… والعجب منه أنه رأى رسالة الصدوق في عقائد الشيعة التي نقل عنها هذا الكلام وهي تصرح بأن القرآن هو ما بين الدفتين بغير زيادة ولا نقصان، ومع ذلك نسب إلى الشيعة القول بتحريف القرآن كما مر في صدر الكتاب. والنسب الذي يدعيه بين عقائد الغلاة وعقائد المعجزات – إن صح – فهو كالنسب بين تأليه عيسى بن مريم، وبين ابرائه الأكمه والأبرص، وإحيائه الموتى باذن الله، فيلزم على قياس قوله أن لا ينسب لعيسى شيء من ذلك في القرآن؛ لئلا يصير ذلك سبباً لاعتقاد الألوهية فيه. على أن هذا النسب لوكان هو السبب لأثر في آصف ومن نسبت إليهم المعجزات من الصحابة كما مر، وإنما السبب الضلال الذي به عبدت وألهت الأحجار والأشجار والنجوم وغيرها. وإذا صح عند الشيعة فضائل ومعجزات لأئمتهم حق لهم أن يسندوها إليهم إسناد افتخار عند المنافرة وتعداد الفضائل. وكان في زمن الرسول (صلّى الله عليه وآله) رجل من جملة كتاب الوحي، ثم ارتد وهرب وجعل يقول معناه كنت أغير في ألفاظ الوحي واقرأه محمد وهو يعلم، فهذا كحال ابن مقلاً. والإمام الصادق عليه وعلى آبائه وأبنائه أفضل الصلاة والسلام كان أتقى لله وأعلم وأعرف وأنزه وأشرف من أن يدعي ما ليس له وما ليس فيه على رغم كل من يدعي خلاف ذلك. وتهويله بأن للأئمة في كتب الشيعة كلمات ثقلت في السماوات والأرض إلى آخر ما هول به. وزعمه أن أكثرها موضوعة، وتوهمه ثبوت بعضها بالضرورة الذي جمع فيه بين الوهم وهو الغلط، والضرورة المفيدة للقطع توهم فاسد. فأئمة أهل البيت كانوا أصدق أهل زمانهم وأوثقهم وأورعهم، فلا يمكن أن يصدر ما لا يوافق الحق، وليس كل ما نسب إليهم في كتب الأخبار للشيعة تصححه الشيعة كما ذكرناه غير مرة؛ وإلاّ لما وضعت كتب الرجال والدراية، بل انها توجب عرض الخبر على الكتاب والسنة والأخذ بما وافقهما وطرح ما خالفهما ولوصح سنده. وكتب الأخبار عند الشيعة كما هي عند غيرها فيها الصحيح والضعيف إذا علم ذلك فكل حديث يرويه أي شخص كان يخالف الكتاب والسنة، أو إجماع المسلمين، أو فيه غلو يوجب المشاركة في شيء من صفة الربوبية، أو يخالف ما ثبت بالضرورة من دين الإسلام، فهو باطل، طرحه أو تأويله، وأئمة أهل البيت براء منه والشيعة أيضاً بريئة منه، ولو قال بمضمونه أحد فهي لا تشك في غلطه وخطئه، وكل حديث يدل على معجز أو منقبة لأهل البيت أو علم أو مكانة لهم عندالله يمكن وقوعها ولا يستحيل عقلاً أو شرعاً صدورها، وروتها الثقات وجب قبولها، ولم يجز ردّها. هذه عقيدة الشيعة وهذه طريقتها وكل ما ينسب إليها سوى ذلك فهو باطل، ولو وجد في كتاب جمعه أحدها فهي لم تكن في وقت من الأوقات تعتقد ما في تلك الكتب، ولا تزال تجاهر وتصرح بأن في كتب الأخبار الصحيح والسقيم، فلا بد من النظر أولاً في السند، فإذا صح نظر في المتن، فإن خالف ما ثبت من الكتاب أو السنة أو إجماع المسلمين وجب طرحه، ولو كان سنده في غاية الصحة. أفيجوز بعد هذا كله التنديد وسوء القول الذي تجاوز به هذا الرجل الحد حتى تعدى إلى إمام أهل البيت وفقيههم الإمام جعفر الصادق الذي اتفق المسلمون كافة على عدالته ووثاقته ووفور علمه وفضله. واسشتهاده لثبوت بعض تلك الأمور من الأئمة بأنه لولا ذلك لما ترك أئمة الفقه وأئمة السنن والأحاديث أخبار الأئمة من ولد علي ولما عاداهم الأئمة؛ استشهاد بما لا شاهد فيه، فأئمة الفقه لا نجد لهم عذراً في ترك أقوال أئمة أهل البيت وأخبارهم؛ إلاّ مداراة ملوك زمانهم الذين علم انحرافهم عن أهل البيت (عليهم السلام) وعمن يميل إليهم خوفاً على ملكهم – إن صح أن يكون ذلك عذراً – بعد أحاديث الثقلين، وباب حطة، وسفينة نوح. فالذين يحتاجون إلى الاعتذار عنهم هم أئمة الفقه والسنن لا أئمة أهل البيت (عليهم السلام). أما أئمة السنن والأحاديث فكلهم رووا عن أئمة أهل البيت إلاّ واحداً لم يروعن الصادق معتذراً بأنه لم ير التقية لا ما توهمه هذا الرجل، ولكنه روى عن عمران بن حطان مادح عبدالرحمن بن ملجم على قلته أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب، وقد رووا عن عمر بن سعد قاتل الحسين (عليه السلام). وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) لم تعاد أحداً من أئمة الاجتهاد وأئمة السنن، وإنما كانت ترد بعض فتاواهم وأخبارهم بالدليل.
والحاجة إلى عقد باب نفي الربوبية عن الأئمة إنما هي لرد دعاوى الغالين والمبطلين، فهو كالآيات النافية لألوهية عيسى (عليه السلام) وعبادة الأصنام، والأئمة منزهون عن الدعاوى الفارغة وهم شركاء القرآن لا يفارقونه ولا يفارقهم بنص حديث الثقلين، فكل ما يسند إليهم أو يقال عنهم مما ينافي جلالة قدرهم وعظمة قدسهم باطل مردود أيا كان مسنده، وقائله وإساءته الأدب في حقهم تكاد السماوات يتفطرن منها.
الخلافة الراشدة وأهل البيت
قال (في ص 78): «ما في كتب الشيعة وكتب الأخبار في شأن الصحابة والخلافة الراشدة مع أهل البيت كلها كانت مما تتلوه الشياطين على ملك الإسلام ودولته. كلها تهم على أهل البيت وافتراء بل فرية عظيمة طاعنة في دين أهل البيت وأدب الأئمة قبل أن تكون طعنا في غيرهم».
(ونقول): ما أهون الدعاوى على مدعيها إذا كانت مجردة عن الدليل، ما لنا ولكتب الطرفين التي انفرد بها أهلها لننظر في ما اتفق عليه الجميع، واتفقت فيه الأخبار، وأجمع عليه أهل السير والآثار، وننبذ التقليد ومذهب الآباء والأجداد، وحينئذ يظهر لنا جليا ما كانت تتلوه الشياطين على دين الإسلام وشريعته وتلصقه به وهو منه بريء، ويظهر لنا من هو المفتري على أهل البيت، وتمييز الطعن والافتراء لا يكون بالأقوال المجردة، وبألفاظ التهويل الفارغة.
معجزات الأئمة
قال عند الكلام على التفويض (ص 78) عند ذكر بعض معانيه: «تقول كتب الشيعة إن الأخبار تمنع من القول بهذا. وإن صح في كتب الشيعة من الأئمة معجزات لم تكن للنبي يوماً من الأيام».
(ونقول): المعجزات أو الكرامات هي الأمور الخارقة للعادة التي يجريها الله على يد عباده من نبي أو وصي أو ولي لاثبات دعوى النبوة أو لمصلحة من المصالح. وهذه لا مانع عقلياً يمنع من اجراء الله لها على أيدي الأوصياء والأولياء، ومنكر ذلك منكر لقدرته تعالى، والاعتقاد بها متوقف على صحة النقل وليس كل من يدعي له المعجزة والكرامة تكون الدعوى له صحيحة. والشيعة لم تذكر من معجزات الأئمة إلاّ ما روته الرواة الذين فيهم الثقات وغيرهم والتمييز لكتب الرجال وعلمائها. والمعجزات التي استعظمها، وقال: إنها لم تكن للنبي يوماً من الأيام هي داخلة في ذلك، ومهما عظمت فلا تزيد على احضار آصف بن برخيا وزير سليمان بن داود عرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه، ولا تزيد على ما ذكر مما حاصله أن بعض الصحابة كان يقول: كنت أحدث – يعني تحدثني الملائكة – حتى اكتويت، فلما اكتويت انقطع ذلك عني فلما عدت عاد وروت كتب الأخبار لغير الشيعة ما معناه أن رجلين من الصحابة كانا إذا رجعا من عند النبي (صلّى الله عليه وآله) ليلاً تضيء لهما عصا أحدهما، فإذا افترقا أضاءت لكل واحد عصاه. وحديث يا سارية الجبل مشهور معروف، وحاصله أن جيشاً للمسلمين كان يحارب في خلافة عمر وقائده يسمّى سارية، فنظر عمر وهو يخطب على المنبر إلى الجيش وقد أوشك جيش العدوان يغلبه، فنادى: يا سارية الجبل فسمعه سارية وبينهما مسافات شاسعة فاعتصم بالجبل وسلم فلما رجع الجيش أخبروا بذلك. وروى الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ما معناه أن عمر بن عبدالعزيز كان يحضر معه الخضر يسدده، وأن بعض الصالحين رآه معه فسأله: من كان معك؟ قال: أو قد رأيته. قال: نعم. قال: إنك رجل صالح، هذا أخي الخضر، يحضر معي يسددني إلى غير ذلك مما يجده المتتبع في كتب غير الشيعة المعتمدة عندهم، ولم نجد أحدا منهم يستنكره ويستعظمه، وقد جعل صاحب العقائد النسفية وشارحها حديث يا سارية الجبل دليلاً على ثبوت المعجزات للأولياء. ولا رأينا موسى جارالله يفوه في ذلك بكلمة، فإذا روت الشيعة في حق العترة الطاهرة شيئاً من الكرامات تناولته الألسن بالتكذيب والاستنكار والاستعظام، ونسبوا قائله إلى الغلو وقال فيه هذا الرجل أنه لم يكن للنبي في يوم من الأيام.
الحكم بين الأمم لله وحده
قال (في ص 90): «القرآن الكريم نزل بأدب عظيم في العقائد واختلاف الأمم ﴿أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون﴾ [الزمر: 46] ﴿إن الله يفصل بينهم يوم القيامة﴾ [الحج: 17] فالحكم بين الأمم والفصل بين العقائد لله وحده يوم القيامة فقط.
(ونقول): إذا كان القرآن الكريم نزل بهذا الأدب العظيم في العقائد، واختلاف الأمم وجعل الحكم والفصل له وحده يوم القيامة، فما باله لم يتأدب بهذا الأدب، ولا بشيء منه ونصب نفسه للحكم بين الأمم، والفصل بين العقائد في الدنيا، وقام يشنع ويهجم وينتقد ويزيد ويرعد ويطبع وينشر يريد حمل الناس اعتقاداته شاؤوا أم أبوا، ما نراه إلاّ يقول ما لا يفعل ويعلم ما لا يعمل.
زعمه النبي يدعو ويتكلم للعقيدة الباطلة
قال (في ص 107): «من الأعاجيب التي تناسب حال كتب الشيعة ما ورد في التوراة: إذا قام في وسطك نبي أتى بمعجزة وقال لتذهب وراء آلهة أخرى فلا تسمع لكلام ذلك النبي؛ لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون إلهكم من كل قلوبكم، وراء الرب إلهكم تسيرون وإياه تعبدون وذلك النبي يقتل لأنه تكلم بالزيغ. قال: وهذا يفيد أن الله قد يضع الكلمات الباطلة والعقائد الفاسدة على أفواه الأنبياء امتحاناً، فعلى الأمة أن لا تأخذ بالكلام الفاسد والعقيدة الباطلة ولوتكلم بها نبي أو أتى بها رسول».
(ونقول): قد أولع هذا الرجل بالاستشهاد بالتوراة المحرفة المنسوخة من أعجب الأعاجيب أن يتكلم بهذا الكلام رجل يدعي العلم فيستشهد بكلام متناقض، ويقول: انه يناسب حال كتب الشيعة فمن يتكلم بالزيف الموجب للقتل كيف يكون نبياً ويأتى بمعجزة. ويزيد هو في هذا التهور فيقول: إنه يفيد أن الله قد يضع الكلمات الباطلة والعقائد الفاسدة على أفواه الأنبياء. مع أنه إذا كان يضع ذلك على أفواههم لم يبق وثوق بكلامهم، فيكون نقضا للغرض، ومنافياً لعصمة الأنبياء، فلا يمكن أن يكون الامتحان بمثل هذا، وكفى هذا دليلاً على علم هذا الرجل وحسن أدبه مع الأنبياء، وبذلك تعلم أن تشبيهه حال كتب الشيعة بذلك تهور منه وافتراء.
البداء
قال (في ص 104): «حدثت في مذهب الإسلام عقيدة يهودية محضة عقيدة البداء لله، فإذا قال إمام قولاً أو أخبر أنه سيكون له قوة وظهور، ثم لا يقع ما قاله، أو يقع خلافه، فكأن الإمام يقول به الله في ذلك الأمر فأتى بغيره».
و(في ص 109): «كانت للأئمة أخبار لا تقع أو قد يقع خلافها، وكان يحدث بهذا السبب لبعض الشيعة ارتياب في الأئمة، وكان الأئمة في مثل هذه الأحوال يدعون البداء لله. وأكثر الشيعة ما كانوا يعرفون أسرار البداء والأئمة كانت تقول: إن معرفة أسرار البداء صعب (كذا) لا يتمكن منها كل أحد، ومن أجل ذلك حدثت التقية عند الأئمة إلاّ أن أكثر الأئمة ما كانوا يقومون بها، ولم يكن إمام يتحاشى من كلام صعب لا يتحمله إلاّ نبي مرسل أو ملك مقرب أو مؤمن امتحن الله قلبه للتقوى، ثم نسج منها عقيدة علم مخزون وسر مكنون لا يذاع إلاّ للشيعة».
و(في ص 110) تكلم على البداء فأطال بلا طائل كعادته في تفسير البداء والاستشهاد بالآيات وطول لسانه ونسب إلى الشيعة – كذباً وبهتاناً – أنها تقول بالبداء بمعناه الظاهري وأن الأئمة ومنهم الصادق تقول به – وكذب – واستدل على بطلان البداء بمعناه الظاهري بما كفته الشيعة مؤونة الاستدلال عليه.
و(في ص 111 و112): «الله جل جلاله مقدس إلاّ أن لسان النبوة إذا عبر عن شيء فضرورة البيان بلسان البشر تضطره إلى تعبير قد يكون فيه تشبيه. فلسان البيان يميل ويتنازل إلى تلبس وتشبيه أما الإيمان فهدي إلى التقديس والتنزية. تأخذ بكل من غير تأويل وتجمع كلا من غير تعطيل وتحويل. ثم استشهد بآيات في التوراة فيها التصريح بالبداء لله تعالى بمعناه الظاهري، وأنه لم يكن يعلم فبدا له فعلم. والتصريح بالاستراحة، والفراغ، والحزن، والندم، والأسف، والنسيان وقال: ان ذلك تعبير بشري تدلى إليه التعبير السماوي جرياً على فهم الإنسان وعرفه. ثم أوّلَ كل ذلك بما لا يظل بنقله. ثم قال: فالبداء عقيدة يهودية ثم أعدت عقيدة البداء عدوى الوباء من أسفار التوراة بألسنة الأئمة قلوب الشيعة إلى كتب الشيعة».
و(في ص 114) نقل الرويات الدالة على البداء عند الشيعة وأطال.
و(في ص 115): «تقول كتب الشيعة تزخرف قولها إن البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع. فالبداء نسخ تكويني كما أن النسخ بداء تشريعي. قال: وهذا القول زخرفة إذ لا بداء في النسخ والحكم كان موقتاً في علم الله. فأين البداء؟ نعم، بدا لنا ذلك من الله بعد نزول النسخ فالبداء لنا في علمنا لا لله».
و(في ص 115): «تقول الشيعة لا بداء في القضاء ولا بداء بالنسبة إلى جناب القدس الحق ولا بداء عند ملائكته القدسية ولا في هتن الدهر الذي هو ظرف الوجود القار والثبات البات. وإنما البداء في القدر في امتداد الزمن الذي هو أفق التقضي والتجدد وظرف التجريد والتعاقب ولا بداء إلاّ بالنسبة إلى الكائنات الزمانية وبالنسبة إلى من في عالم الزمان والمكان واقليم المادة كل هذه وان كانت أقوالا صحيحة إلاّ أنها زخرفة لا تثبت البداء لله».
و(في ص 116): «حكى عن أصول الكافي أن أول من قال بالبداء من بني إسماعيل هو عبد المطلب جد النبي كان يعلم بنبوة ابنه بأخبار الأنبياء وإذ غاب في رعاية أبله قال يا رب أتهلك آلك ولما تفطن بإمكان البداء قال: إن تفعل فأمر ما بدا لك، ثم استدل على أن عبد المطلب لم يقل بالبداء ثم قال: نعم قال عبد المطلب حين هجم الحبشة لهدم البيت:
لا هم إن المرء يمـ
ـنع أهله فامنع حلالك
إن كنت تاركهم وكعـ
ـبتنا فأمر ما بدا لك
ثم قال في تفسيره: إن كنت أنا تركتهم فأمر ما في دفع العدو يبدو منك بقضائك، فاستجاب الله دعاءه، فبدا له أن يرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول، فالبداء من الله في هذه الحادثة هو ظهور قضاء قد كان منه في سابق علمه».
و(في ص 117): «ثم الكلام على زعم كتب الشيعة ماض واقع والشرط في كلام العاقل لا يفيد إلاّ الأمل في المستقبل فلا بد أن يكون معنى الكلام فأمر ما يبدو منك في منع عدوك من بيتك أو في انجاء نبيك وحفظه هذا معنى الكلام ولا يمكن غيره».
و(في ص 118): «للشيعة في كل ما تدعيه عقيدة تعصب عصيب يضطرها إلى وضع فاحش فقد وضعت حديث أخذ الميثاق من كل نبي أن يقول بالبداء يقول الباقر: يوحي الله إلى الملكين أن اكتبا عليه قضائي وقدري، ونافذ أمري، واشترطا لي البداء، فأي حاجة لله أن يشترط أو كيف يكون شأن الله ان لم يشترط ولمن وعلى من يكون الاشتراط وكتب الشيعة من دعوى البداء لله في حرج عظيم تتحول وتتحيل في التخلص منه ولو بتحريف كلمة عن موضعها يقول الصادق: ما بعث الله نبيا إلاّ أخذ عليه ثلاث خصال: الاقرار له بالربوبية، وخلع الأنداد، وأن الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء. يريد الصادق أن يوهم بذلك أن تقديم ما يشاء أو تأخير ما يشاء هو البداء، بل هو الاختيار والاختيار لا يكون إلاّ بالعلم لا بالبداء وتفسير البداء بالاختيار تحريف في كلمات القرآن الكريم».
و(في ص 120): «عاد إلى البذاءة والتكرير وفسر البداء بما لم يفسره به أحد وهو أن الله قد يعلق بركة لعبد على حركة تقع من العبد، فإذا وقعت ترتب عليها فعل الله. ثم قال: وبداء الشيعة في كتبها عقيدة يهودية محضة سلكته الكتب عن ألسنة الأئمة في قلوب الشيعة تخلصا من تبعة دعوى من دعاويها وأدب الأئمة خالص من كلها بريء».
(ونقول): البداء مصدر بدا يبدو بداء، أي ظهر، ويستعمل في العرب بمعنى الظهور بعد الخفاء، فيقال: فلان كان عازماً على كذا ثم بدا له فعدل عنه. وقد أجمع علماء الشيعة في كل عصر وزمان على أنه بهذا المعنى باطل ومحال على الله؛ لأنه يوجب نسبة الجهل إليه تعالى، وهو منزه عن ذلك تنزيهه عن جميع القبائح، وعلمه محيط بجميع الأشياء احاطة تامة جزئياتها وكلياتها لا يمكن أن يخفى عليه شيء ثم يظهر له، ولكن ورد في بعض الأخبار من طرق الشيعة نسبة البداء إليه تعالى كما ورد في القرآن الكريم: ﴿يدالله﴾ [الفتح: 10] ﴿خلقت بيدي﴾ [ص: 75] ﴿الرحمن على العرش استوي﴾ [طه: 5] ﴿وجاء ربك﴾ [الفجر: 22] ﴿الله يستهزي بهم﴾ [البقرة: 15] ﴿وغضب الله عليهم﴾ [الفتح: 6]. وورد في بعض الأخبار عند الجميع أن الله ينزل إلى سماء الدنيا. وكما علمنا بالدليل العقلي أن الله تعالى منزه عن الأعضاء والجوارح وعن التركيب وعن الاستواء على العرش كاستواء أحدنا على السرير وعن النزول والصعود والمجيء والذهاب، لاستلزام ذلك المكان والجهة وهما من لوازم الجسم الحادث، وعن الغضب الذي هو انفعالى نفساني، وعن الاستهزاء الذي هو ظهور فعل في البدن والجوارح. وكل ذلك من لوازم الحدوث. كذلك علمنا أن الله تعالى لا يبدو له شيء بعد أن كان خفيا عنه لاستلزامه الجهل، والله منزه عنه، وكما لزم حمل الآيات المذكورة والخبر المذكور على ما لا ينافي نزاهته تعالى أو ايكال علمه إليه، كذلك يلزم حمل البداء الوارد في بعض الأخبار على معنى لا ينافي نزاهته تعالى، وهو مناسب للفظ البداء كل المناسبة بأن يراد بالبداء الاظهار بعد الاخفاء لا الظهور بعد الخفاء. ومعناه أن يظن حدوث شيء في الكون لسبب من الأسباب، ثم يفعل الله تعالى ما يبطل هذا الظن، ولما كان هذا شبيها بالبداء أطلق عليه لفظ البداء مجازا، فالبداء نسخ في التكوين كما أن النسخ المعروف نسخ في التشريع. فكما أنه تعالى يحكم حكماً من الأحكام من وجوب أو تحريم أو غيرهما يكون ظاهره الاستمرار بحيث لو لم ينسخ لكان مستمراً ولا يصرح باستمراره؛ وإلاّ لكان نسخه مناقضاً لذلك، ولا بتحديده بزمان؛ وإلاّ لكان توقيتاً لا نسخاً ثم ينسخه، فيكون الناسخ قرينة على أن هذا الظهور غير مراد، وأن الحكم كان في الواقع محدوداً لكنه لم يظهر تحديده لمصحلة اقتضت ذلك، فالنسخ إنما هو للظهور لا نسخ للحكم في الواقع لأن النسخ معناه الازالة فإن كان الحكم مستمراً في علم الله واقعاً إلى الأبد كان نسخه محالاً؛ للزوم التناقض أو الجهل بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد. فمع كون المصلحة توجب الاستمرار لا يجوز النسخ ومع كونها لا توجبه لا يجوز الحكم بالاستمرار إلاّ من الجاهل، وان كان في الواقع محدود إلى حين النسخ لم يكن ذلك نسخا إذ لا ازالة هنا. ولذلك قال بعض الفرق من غير المسلمين باستحالة النسخ، وكذلك قد يظهر من بعض الإمارات حدوث شيء في الكون، ثم يظهر بطلان ذلك فيعبر عنه بالبداء مجازاً لشبهه بمن كان يريد فعل شيء ثم بدا له أن يفعل خلافه، مثل ما ورد في حق الكاظم (عليه السلام) أنه بدا الله في شأنه فإنه كان يظن أن الإمام بعد الصادق هو ابنه اسماعيل لأنه أكبر ولده والإمامة للأكبر بحسب النص، فلما توفي اسماعيل في حياة أبيه ظهر أنه ليس بامام، فالله تعالى أظهر بموته بطلان ما كان يظن من امامته وعبر عن ذلك بالبداء مجازاً. ونظير ذلك ما يحكى أن عيسى (عليه السلام) أخبر بموت عروس ليلة زفافها فوجدت في الصباح غير ميتة، وتحت فراشها حية وعلم أنها تصدقت بصدقة تلك الليلة فدفع الله عنها الموت، وهذه كان قد قدر الله عمرها إلى ليلة زفافها وكان إخبار عيسى (عليه السلام) بناء على ما علمه من ذلك التقدير، وكان مشروطاً بعدم التصدق، وكان الله تعالى يعلم بأنها ستتصدق ولا تموت، وعيسى (عليه السلام) يجهل ذلك، وهذا هو المحو والإثبات الوارد في الكتاب العزيز ﴿يمحوالله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ [الرعد: 39] فلا محو إلاّ بعد إثبات كما اعترف به في «وشيعته» فلا بد من حمل المحو على محو ما ثبت ظاهراً لا ما ثبت واقعاً وإلاّ لزم نسبة ما لا يليق إليه تعالى، وهذا هو معنى البداء المجازي.
نگــر
مقاطعة تقع شمال الباكستان، ويبلغ عدد نفوسها ثلاثين ألف نسمة كلّهم من الشيعة وعاصمتها صيفاً «نكر» وفي الشتاء بلدة (شلت) ويبلغ عدد نفوس الأولى خمسة آلاف، والثانية أربعة آلاف. ومن أشهر بلدانها بلدة (غولمت) وفيها مقام (سيد شاه ولي تقوي) وبسببه تتمتع بقدسية خاصة.
والإمارة تقع في منطقة جبلية يتراوح أعلى ارتفاع فيها بين ثمانية آلاف إلى تسعة آلاف قدم وهي تنتج مختلف الفواكه والمحصولات الزراعية المتنوعة وفيها بعض المعادن والثروة الحيوانية، وتشتهر ببعض الأعشاب التي ترسل إلى الصين واليابان وبورما حيث تستعمل بخوراً مقدساً عند البوذيين في معابدهم ويسمّونها (الكوت) أو ترسل إلى ألمانيا فتستعمل كعقار لمداواة السرطان وهذه الإمارة تتمتع باستقلال داخلي كامل ولا ترتبط بالباكستان إلاّ بالدفاع والخارجية والمواصلات.
وفيما عدا قانون العقوبات فهي تطبق الفقه الشيعي الجعفري في جميع معاملاتها وتعطل شهر المحرم كله عطلة رسمية وتعطل أسبوعاً لعيد الغدير ويوماً واحداً في وفاة الأئمة وتحرم الربا تحريماً باتاً. وهذا كله جرى بعد الاستقلال وطبقه أميرها الحالي الأمير شوكت علي خان. وهو من أسرة إيرانية الأصل تجتمع في النسب مع أسرة أمراء هونزا فهم أبناء عم وإمارة هونزا هي الأخرى مستقلة استقلال إمارة نگر وأهلها جميعهم من (الآغاخانية) ما عدا ألف نفس من الشيعة.
ويقول رجال الأسرتين أنّهما يرجعان بالنسب إلى يزدجرد آخر ملوك الفرس الساسانيين ويروون أنّه بعد مقتل يزدجرد هاجر بعض أبنائه واسمه آذر جمشيد إلى الهند حتّى وصل كشمير ثمّ جاء إلى غلفيت وكانت محكومة من ملك بوذي فثار عليه آذر ونجح في ثورته ثمّ تزوج ابنة الملك البوذي وتتابع أبناؤه في تلك البلاد.
إلاّ أنّ إنشاء إمارة نكر يعود إلى مائتي سنة فقط ومنذ ذلك التاريخ تحكمها الأسرة الحالية. وعرفت من أميرها الحالي الأمير شوكت علي خان الذي التقيت به في كراتشي أنه يساعده في الحكم رئيس وزارة ومجلس وزراء، وأنّه تصادفهم أحياناً مشاكل في تطبيق الفقه الجعفري في شؤونهم المدنية فيستفتون النجف الأشرف ويأتيهم الحل منها. وأنّهم أنشأوا في الإمارة مدرسة دينية تدرس الفقه وغيره من العلوم الإسلامية وفي خلال عطلة الشهر وعطلة الأسبوع اللتين تعطلهما الإمارة في المحرم وعيد الغدير يظل في الدوائر من يشرف على الشؤون العامة والحوادث الطارئة. ومن أعيادهم التي يحتفلون بها عيد النوروز.
نهاوند
مدينة نهاوند على نحو أربعين ميلاً جنوب همذان وكانت مدينة جليلة منذ أيام الساسانيين. وبعد أن فتحها المسلمون بجيش من أهل البصرة صارت تعرف المدينة وناحيتها باسم ماه البصرة لأنّ خراجها كان يحمل في أعطيات أهل البصرة مثل خراج الدينور الذي كان يحمل في أعطيات أهل الكوفة. وتكلم ابن حوقل في المئة الرابعة (العاشرة) فقال هي مدينة جليلة كثيرة التجارة والرساتيق. ويرتفع إليها زعفران الروذراور، وبها جامعان أحدهما عتيق والآخر محدث. وذكر ياقوت: يروى أنّ كثيراً من عرب البصرة سكنوها منذ أيام الفتح الأولى. واشتهرت نهاوند بصنف من العطور. وروى المستوفي في المئة الثامنة (الرابعة عشرة) أنّ جل أهلها في أيامه من الأكراد. ويكثر في رساتيقها القطن لا سيما في ثلاثة رساتيق ذكر أسماءها وهي: ملاير واسفيذان وجُهُوق.
وفي نهاوند يقول القائل:
يا طول ليلي بنهاوند
مفكراً بالبث والوجد
فمرة آخذ من منية
لا تجلب الخير ولا تجدي
ومرة أشدو بصوت إذا
غنيته صدع لي كبدي
قد جالت الأيم بي جولة
فصرت منها ببروجرد
كأنّني في خانها مصحف
مستوحش في يد مرتد
الحمدلله على كل ما
قدر من قبل ومن بعد
نهاية الإحكام في معرفة الأحكام
كتاب للحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلامة الحلي.
يحتوي على جلّ المسائل الفرعية الفقهية مع الإشارة إلى الدلائل بعبارة موجزة.
يعرّفه العلامة في مقدمة الكتاب بقوله: لخصت فيه فتاوى الإمامية على وجه الإيجاز وأشرت فيه إلى العلل مع حذف الإطالة والإكثار.
نهاية التقريب (منظومة)
اقتبست اللغة العربية من اللغة الفارسية([279]) في باب الشعر نهجاً فلم تألفه، هو المنظومات الطويلة أو المزدوجات.
والمنظومة أو المزدوجة: قصيدة طويلة أو قصيرةـ حسب حاجة الناظم ـ إن شاء عشرة أبيات وإن شاء مئات الألوف([280])، لأنّ المنظومة تطلق العنان للناظر فيستوفي موضوعه دون تقيد بقافية مستمرة، فكل بيت مؤلف من شطرين يتحدان في القافية، ثم يأتي البيت الثاني بقافية جديدة… وهكذا إلى ما شاء الله.
وقد نظم المسلمون القصص، والمتون العلمية، والرحلات، والشعر التعليمي والحكمي… بهذا الأسلوب.
المنظومات العلمية: هي مزدوجات تتكفل بنظم متن من المتون العلمية لتسهيل حفظه على الطالب، وتقريبه إلى ذاكرته عند حاجته إلى تذكر مطالبه.
وفي هذا الفن من الاختصار، وجمع الموارد المتشعبة في أبيات قليلة سهلة الحفظ والاستذكار، ما لا يخفى.
وقد خلف سلفنا منظومات في تفسير القرآن الكريم أو بعض سوره، وفي القراءات القرآنية والتجويد، وعلم الحديث والفقه، والمنطق والنحو والخط… أمثال الشاطبية في علوم القرآن، وألفيّة ابن مالك في النحو…
المنظومة التي بين أيدينا:
تهذيب المنطق للتفتازاني من الكتب الدراسية المعروفة في الحوزات العلمية، اعتنى به العلماء والطلاب شرحاً وتدريساً وحفظاً وفهماً.
وقد أدلى السيد الناظم بدلوه فأتحفنا بمنظومة تجمع مطالبه وتيسر حفظه على الطالب، وفي أقل من ثلاثمائة بيت.
نظمه سنة 1283هـ ذكر الشيخ الطهراني أنّه رأى النسخة في خزانة كتب المؤلف.
والناظم هو السيد ضياء الدين محمد حسين الشهرستاني المرعشي الحائري، من كبار علماء كربلاء في عصره.
ولد في كرمانشاه في 15 شوال/ 1255هـ ونشأ بها وأخذ مقدمات العلوم فيها، ثم هاجر إلى كربلاء، فقرأ بها السطوح وأتمها، ولازم حوزة والده محمد علي الشهرستاني، وحوزة المولى حسين الفاضل الأردكاني، وقد أجيز منهما بالاجتهاد.
خلّف من الكتب أكثر من ثمانين كتاباً ورسالة عربية وفارسيةـ منها رسالتنا هذه.
في التصورات:
دلالةُ اللفظ على ما ساوقه
من المعاني سُميت مطابقه
وجزؤه تضمُّن وما خرج
فعندنا في الالتزام مُندرج
واعتبروا فيه لُزوماً عُلماً
بالعُرف أو عقلاً، وكل منهما
يلزمه ما في كلامي سبقاً
مقدراً إن لم يكن مُحقَّقا
وليس عكسُه بلازم فلا
يُلازمان ما ذكرنا أوّلاً
لفظ بجزئه على الجزء يدُل
بالوضع والقصد مُركب كقُل
فتامٌ، وذاك: إما خبرُ
أو هو إنشاءٌ كيا قوم اذكروا
أو ناقصٌ وذاك: تقييديُّ
أو غيره كقولنا: هنديُّ
وما سواه مفردٌ فالكلمة
ما كان مقروناً بإحدى الأزمنة
إن استقل نحو: قومي باتوا
وما عداه الاسم والأداة
وأيضاً: إن وحُد معنى عُلما
فمع تشخيص يُسمى علماً
ودونه مُشكَّكٌ إن اختلف
مصداقُهُ، والمتواطي: ما ائتلف
وإن تكثَّرت معان وُضعا
لها جميعاً فاشتراكٌ وقعا
وإن يكن في الثاني منهما اشتهر
سُمي منقولاً إذ الوضع هُجر
وأنسبهُ للناقل في الطريقهْ
وغيرُه المجاز والحقيقهْ
نهاية المرام في علم الكلام
للعلامة الحلي، جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، المتوفى سنة 726هـ كتاب واسع كبير يقع في عدة مجلدات، تناول فيه كل المباحث الكلامية بدقة وشمول، فرغ منه في يوم 14 ربيع الأول سنة 712.
1 ـ نسخة كاملة كتبها محمد باقر الهزار جريبي، وفرغ منها في 7 محرم 1114هـ ـ عن نسخة قابلها وصححها تاج الدين بن محمد حسن الأصفهاني ـ المشتهر بالفاضل الهندي، مؤلف «كشف اللّثام» ـ على مخطوطة بخط الشيخ ناصر بن إبراهيم البويهي، المتوفى سن 853هـ، في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد، رقم 11606، مذكورة في فهرسها 419:11 .
2 ـ نسخة قديمة لعلها من مخطوطات القرن الثامن الهجري، في مكتبة السيد المرعشي العامة، في قم رقم 254، مذكورة في فهرسها 280:1.
3 ـ نسخة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) في طهران رقم 10192.
نهاية نهج الحق وكشف الصدق
تأليف العلامة الحلي، جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، المتوفى سنة 726هـ.
كتاب يتناول المباحث الكلامية والعقائدية وأصول الدين، ثم مباحث أصول الفقه، ثم الفقه، وأثبت في كل المراحل ما يذهب إليه هو وطائفته، وناقش ما يخالف ذلك بأسلوب رصين ونقاش نزيه، مما ساعد على شهرته وانتشاره منذ ظهوره، وبالرغم من ذلك لم يرتضه القاضي روزبهان، فألف كتاباً وهاجمه بلسان بذيء وسمّاه «إبطال الباطل».
فانبرى له القاضي نور الله المرعشي ـ المستشهد سنة 1019هـ فانتصر للعلامة الحلي وألف في الرد على روزبهان كتاباً سمّاه «إحقاق الحق».
ورد عليه أيضاً الشيخ محمد حسن المظفر النجفي بكتاب سمّاه «دلائل الصدق».
نهاية الوصول إلى علم الأُصول
للعلاّمة الحلّي، الحسن بن يوسف بن المطهّر الأسدي (648ـ726هـ).
يشتمل على آراء وأقوال أعلام الفرق في مذاهبها الأُصولية، ومناقشتها، ثمّ تقديم الرأي المختار فيها وتعضيده بالأدلة والبراهين المحكمة، مرتب في 12 مقصداً، وكلّ مقصد يضمّ فصولاً، وكلّ فصل يضمّ عدّة مباحث، المقصد الأول: في ماهية علم الأُصول، والأخير: في الاجتهاد والتقليد والتعادل والتراجيح.
نهر الكلب
نهر الكلب الواقع قريباً من مدخل بيروت أنّى له هذه التسمية وما سبب هذا اللقب؟
كان الأقدمون يدعونه ليكوس، وهي كلمة يونانية تعني الذئب. وعن أصل هذا الاسم تروي إحدى الأساطير: أنّ كلباً هائلاً كالغول كان يحرس هذا المضيق فلا يدع أحداً يجتازه ما لم يبح أمامه بكلمة السر. ويبدو أن هذا النوع من الأساطير كان شائعاً آنذاك إذ يوجد توارد واضح بين الأسطورة التي ذكرنا وأسطورة أبي الهول الذي، حسب الرواية، كان يفترس من لم يستطع إلى فك أحاجيه سبيلاً.
هناك أسطورة أخرى تناولت لقب هذا الموقف وتفيد أنّ النهر دعي كلباً نسبة لصنم على هيئة كلب، لم يعثر له على أثر، نصبه وعبده الوثنيون وزعموا أنّه إذا حاول العدو الغدر والتسلل ينبح الكلب فيحذرهم من هجماته. غير أنّ التفسير المنطقي لهذه التسمية يفترض أنّ النهر لقب ذئباً أو كلباً للدوي الذي تحدثه مياهه عند انصبابها في البحر واصطدامها بالأمواج المتلاطمة.
لنهر الكلب شأن كبير في تاريخ الحروب لأنّ عند مصبّه مضيقاً حرجاً لا بد أن يقطعه من كان يحاول المرور في سواحل فينيقيا. به مر الفراعنة خلال حملاتهم ضد الحثيين، وبه سلك ملوك آشور لما أرادوا إخضاع صور وصيدا، وبه سارت كتائب Vespasien الثائرة نحو القدس. وجاء في معجم البلدان لياقوت أنّ ملوك الشام، لرد هجمات المعتدين، بنوا فوق رأس نهر الكلب قلعة وحصّنوها تحصيناً منيعاً. لذا أضحى هذا الموقع ـ أي نهر الكلب ـ مضيقاً به اصطلت نيران الحروب بين المهاجمين والمدافعين، بين قوات الاحتلال والمواطنين.
وذكر استرابون الجغرافي أنّ أهل أرواد كانوا يقطعون هذا النهر بسفنهم، لذا رجح الأب لامنس «أن هذا النهر كان قديماً واسع الأطراف عند مصبه فكانت السفن ترسو عنده كما في ميناء، فتصونها من الرياح الصخور المنتصبة في جهتها الجنوبية». وفي نهر الكلب أيضاً تملكت الدهشة صليبيي غودفري دي بوييه لدى رؤيتهم قصب السكر.
وتكمن شهرة هذا الموقع في النصب التذكارية التي تحمل كتابات متعددة ومتنوعة، كما أنّه يحوي آثارات أخرى.
الملك انطوخيوس الأول المعروف بسوتير شيّد سنة 250م جسراً هدم وأصلح مراراً، ومن جملة من أصلحوه سيف الدين أبي الحاج أوقطاي المنصوري سن 1292. وشيّد جسراً آخر باسم السلطان زهير برقوق (1382ـ1399) ويعرف اليوم بالجسر العربي، ويقال إنّ الجسر هدم واضمحل، والجسر الموجود الملقب بالعربي جسر ثاني أقامه الأمير بشير.
أمّا الطريق الرومانية، بعد أن وسعها الملك مرقس أوريليوس انطونيوس (177ـ180) دعاها باسمه Antonini Via أي طريق أنطونيني. ومن الآثار الرومانية قناة الري التي بناها الرومان لنقل المياه إلى السهول القريبة من نهر الكلب.
وبالنسبة إلى الكتابات (هيروغليفية ومسمارية ويونانية ولاتينية وعربية وفرنسية وإنكليزية) التي وجدت منقوشة على صخور نهر الكلب وعددها حوالي 18 فقد رقمتها مديرية الآثار بالحرف الروماني: (I) نبوخذ نصر ملك آشور (II) برقوق (III) كركلا (IV) غورو (V) رمسيس، ونابوليانا (VII) (VI) نصب مهدم (IX) احتلال الشام (X) الاحتلال الإنكليزي الفرنسي (XI) بروكلوس وكتابة إغريقية (XII) كتابة إغريقية (XIII) …ملك آشور ربما شلمناصر (XVI) رمسيس الثاني (XVIII) ملك آشور أسرحدون ـ وهناك أيضاً لوحة الجلاء.
أقدم هذه الكتابات النقوش المصرية وتعود إلى القرن الثالث عشر ق.م. ونظراً إلى سلامتها الحالية، يرجح أنّها حفظت مدة بطريقة ما من تأثيرات وتغيرات الطقس. والأنصاب المصرية تحمل الأرقام التالية: (V)، (XIV)، (XVI).
(V): تمثل رمسيس الثاني وهو يقتل أسيراً أمام المعبود بتاج مع كتابة هيروغليفية، ولكن هذا المشهد وهذه الكتابة لم يعودا واضحين بسبب الكتابة التي وضعها مكانهما نابليون.
(XIV): الفرعون يقدم أسيراً مع كتابة هيروغليفية.
(XVI): الفرعون ينهي أسيراً مع كتابة هيروغليفية.
أما الكتابات الآشورية فتحمل الأرقام التالية: (I)، (VI)، (VII)، (VIII)، (XV)، (XVII).
(I): نبوخذنصر الثاني وكتابة تروي تأسيسه إمبراطوريته وحملته إلى لبنان. النص يعود لسنة 587 أو 586ق.م.
(VIII)-(VI): ملكان أشوريان في حالة العبادة.
(XVII): الملك اسرحدون رافعاً يده للعبادة مع كتابات مسمارية تروي انتصاراته وخضوع 22 ملكاً له واستسلام مدينة صور. هذا النص نقش سنة 671ق.م.
(XV)-(XIII)هذه الرسومات تمثل آشور بانيبال الثاني والأرجح أنّها تمثل شلمناصر الثالث.
الكتابات اليونانية تحمل الرقمين (XI)-(XII):
(XI): من سنة 382. مبعوث معبودة هيليوبوليس، بروكلوس، كان حاكم فينيقيا.
(XII): كتابة يونانية غير واضحة.
الكتابة العربية تحمل الرقم (II) وهناك أيضاً لوحة الجلاء.
(II): كتابة للسلطان سيف الدين (1421) تنسب بناء الجسر للسلطان المملوكي زهير برقوق (1382ـ1399).
الكتابات اللاتينية تقسم إلى قسمين قديمة وحديثة نسبياً: الكتابة القديمة تحمل الرقم (III) أما الكتابات الأخرى فتحمل الأرقام: (X), (IX), (V), (IV).
(III): كتابة للإمبراطور كركلا217 ـ221م يعتبر نفسه من خلالها متحدراً من Antonin Le Pieux.
(IV): 25 تموز (يوليو( 1920 انتصار غورو ودخوله الشام.
(V): نص رمسيس الثاني الذي أتلفته الكتابة التي دونها سنة 1861 نابوليون خلال حملته التي وضعت حداً للمجازر التي كانت قائمة بين الدروز والمسيحيين.
(IX): سنة 1919 نقش نص باللغة الإنكليزية يذكر دخول الإنكليز وإحدى وحدات الشريف حسين إلى الشام وحلب وحمص. وسنة 1920 نقش آخر يذكر أيضاً دخول الإنكليز المدن التي ذكرنا.
(X): نص نقش باللغتين الفرنسية والإنكليزية يذكر احتلال فرنسا وإنكلترا لبيروت وطرابلس سنة 1918.
وهناك نصب آخر مجهول الرقم يذكر فخر الفرنسيين والحلفاء بتشييد سكة حديد خط الناقورة ـ بيروت ـ طرابلس.
ولا يمكننا إلا أن نذكر لوحة الجلاء «في 31 كانون الأول 1936».
نيسابور
ـ1ـ
من مدن إيران المعروفة اليوم، والإيرانيون يلفظونها نيشابور بالشين، وكانت أحد المراكز العلمية الهامة في العالم الإسلامي وكان للشافعية والحنفية فيها مدارس كثيرة، وكان بها البحث والتحقيق قائماً في هذه المدارس وفي الزوايا والخوانق، كما كان فيها مكتبات متعددة مشحونة بنفائش الكتب حتّى إنّ ابن الأثير ينقل في حوادث سنة 256 عن فتن نيسابور واختلال أوضاعها على أثر حروب الأتراك الغز مع أمراء سنجر ومحمود بن محمد خلان خاقان سمرقند أنّ ثماني مدارس من مدارس الحنفية وسبع عشرة مدرسة للشافعية تهدمت، وخمس مكتبات أحرقت، وسبع مكتبات انتهبت وبيعت بثمن بخس. كما أنّ مسجد عقيل الذي كان مجمع أهل العلم ومستودع خزائن الكتب الموقوفة صار خراباً كله.
ومن جملة المدارس المرموقة في هذه المدينة في ذلك العهد كانت المدرسة النظامية التي كان أبو حامد محمد الغزالي يدرّس فيها أمداً، ثم كان يدرس فيها مكانه تلميذه محي الدين محمد بن يحيى (المولود سنة 476 في ترشيز والمقتول في رمضان 548). وكان طلبة العلم يسافرون من كل مكان إلى نيسابور التماساً للاستفادة من محضره، ولما قتل بيد الغزنويين شمل المصاب به العالم الإسلامي ودنيا المعرفة ورثي بالعربية والفارسية، وتوجد في رثاء هذا الفقيه العالم قصائد عزاء معروفة.
وكان يعيش في هذه المدينة كثير من العلماء والفقهاء والأدباء والمفسرين والمتصوفين الذين تحفل بتراجمهم كتب التاريخ وكتب الطبقات. وتكفي مطالعة الذيل الموسوم بالسياق والذي كتبه عبد الغفار بن إسماعيل الفارسي المتوفى سنة 529 على كتاب تاريخ نيسابور لأبي عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم (321ـ405) حتّى يدرك مدى ما بلغته نيسابور من مركز علمي.
ومع أنّ نيسابور تهدمت في حوادث الغز بصورة لم يبق معها حتّى اثنان ممن فيها، إلاّ أنّ (شادياخ) ما لبثت بعد فترة أن غدت مدينة عامرة ومجمعاً للعلماء وذوي الفضل حتّى هدمها المغول تماماً سنة 618.
ونترك الكلام بعد هذا للأستاذ مؤيد ثابتي:
يرجع تاريخ بناء نيسابور إلى عهد «شاهْپُور الأول» ابن ارْدِشير بابَكَان من سلسلة الملوك الساسانيين حيث تمّ بناؤها على يده وتحت رعايته. وكما يزعم علماء الجغرافيا فإنّها كانت في الأصل «نيوشاهپور» بمعنى العمل الحسن الذي نفّذه شاهپور، أو المكان الجيد المختص بشاهپور. وبعد شابور الأول تكفّل شاپور الثاني بإكمال بنائها فأنشأ فيها عمارات جديدة فنسبت بذلك إليه.
كانت مدينة نيسابور في العصر الإسلامي، وما قبله، من المدن المتألقة وكانت تتمتع بموقع اقتصادي وتجاري خاص، مع خصبة بتربتها فكانت تصدر أكثر منتوجاتها إلى الخارج.
وكانت في تلك العصور من المدن الأربعة المعروفة في قطاع خراسان، حيث كانت تتميز بكونها معقلاً أساسياً للحكام والسلاطين الكبار في أكثر من مرحلة.
فقد اختلفت الروايات فيما يتعلق بتاريخ فتح هذه المدينة حيث يدل بعضها على أنّ فتحها في عهد عمر بن الخطاب على يد الأحنف بن قيس والبعض الآخر يقول إنّه تمّ الاستيلاء عليها في عهد عثمان بن عفان، وذلك عام 31 من الهجرة.
وكانت قد بلغت في فترة من الزمن من الاتساع والشهرة إلى حدٍ سُميت فيه بـ «أمّ البلاد» بالنسبة إلى سائر بلاد خراسان.
وقد أسهم في شهرتها إضافة إلى كونها معقلاً للعلماء البارعين، انتسابها إلى الحكيم الفيلسوف الشهير (عمر الخيّام النيسابوري).
وربّما كان موقعها الاستراتيجي والاقتصادي وكثرة سكانها وخصوبة أرضها، من الأسباب التي أدّت إلى حوادث وانقلابات دامية ومجازر بشعة على أرضها طول الزمن. إنّ من أهم الكتب التي ألفت عن تاريخ نيسابور هو «تاريخ نيسابور» لمؤلفه الحاكم أبو عبدالله محمد بن عبدالله النيسابوري المتوفى سنة 405 من الهجرة.
والكتاب هذا يتألف من 12 جزءاً وهو باللغة العربية، يحتوي على تاريخ وجغرافيا وأسماء القرى والمحلات وأسماء الرجال المعروفين وأمور أخرى تتعلق بها. ولكن لم يُعثر بعد على هذا الكتاب ومن المحتمل أن يكون ضائعاً نهائياً لكن عثر على قسم من ترجمته في مكتبة «كور سنلوجافع» في مدينة «بورسا» في تركيا، أمّا المترجم فلم يعرف من هو.
وفي عام 129 قام أبو مسلم الخراساني بثورة في خراسان واستولى عليها بأكملها، وعيّن «قحطبة» الذي كان من العسكريين المعروفين في عصره حاكماً لنيسابور، كما أقام أبو مسلم نفسه أيضاً لفترة في هذه المدينة.
وعندما دعا المأمون الإمام علياً بن موسى الرضا (عليه السلام) للمجيء إلى خراسان بعد أن جعله ولياً لعهده مرّ الإمام بنيسابور، وأقام فيها فترة وكان ذلك سنة 200.
والمأمون نفسه عهد بإمارة خراسان إلى الطاهرين فتسلّم الحكم في البداية طاهر بن الحسين وفي نهاية عهدهم محمد بن طاهر.
وفي عام 259 هاجم نيسابور يعقوب بن ليث الصفاري فاستقبله أهلها ورحّبوا به، وتجمعوا حوله، فاستطاع أن يقضي على محمد بن طاهر ويمسك بأزمة الأمور، وهكذا تمّ القضاء على حكومة الطاهرين نهائياً.
فأصبحت نيسابور في عهد الصفاريين قاعدة الحكم لمنطقة خراسان وإن كانت منذ البداية من مراكز الحكم الأساسية لتلك المنطقة في عهد الطاهرين.
وكانت إمارة نيسابور، في الفترة ما بين 334 حتّى 384 بيد سلسلة السيمجوريين والسامانيين وأخيراً الديلميين.
ولمّا تولّى الغزنويون حكومة نيسابور، شهدت هذه المدينة فترة ازدهار.
ثمّ سقطت حكومة نيسابور سنة 429 على يد السلاجقة وكان عهد هؤلاء أيضاً بداية فترة الأمن والارتياح وأخذ العلم والأدب ينتشران…
لكن نيسابور سقطت مرة أخرى في يد الغزنويين سنة 430 إلى أن ألحق السلاجقة بهم هزيمة نكراء سنة 431 حيث استولى السلاجقة على قطاع خراسان بأكمله وقضوا على حكومة الغزنويين نهائياً. وفي تلك الفترة من تاريخ نيسابور بدأ الهدوء والطمأنينة يسيطران على كافة أنحاء خراسان في ظل حكومة السلاجقة.
فالإمبراطورية التي كانت رقعتها منتشرة من أبعد نقطة في تركستان إلى أقصى نقطة في ممالك الروم من جيحون إلى أنطاكية، انتعشت وتطوّرت على يد نظام الملك الطوسي.
لقد أعطت تلك الفترة الطويلة من حكم السلاجقة الفرصة الكافية لدار العلم في نيسابور كي تُبرز جدارتها في نشر العلم والثقافة والمعرفة وتخريج العديد من العلماء والمفكرين الذي تألّق نجمهم وملأ صيتهم الآفاق.
في غضون هذه الفترة التي بدأت في أواسط حكم السلطان محمود الغزنوي وختمت في أواخر حكم السلطان سنجر السلجوقي، كانت تعيش في هذه المدينة مجموعة من الشخصيات الكبيرة ورجالات العلم والفضل سواء من القاطنين في تلك المنطقة أو من الذين توافدوا عليها بغية كسب العلم والمعرفة.
من هؤلاء الأعاظم الحكيم الفيلسوف عمر الخيام، والعارف السالك الشهير الشيخ أبو سعيد أبو الخير، وإمام الإسماعيليين النزاريين حسن الصباح وموفق النيسابوري وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني، والهراسي وأبو حامد الغزالي ومحمد يحيى ممدوح الخاقاني وأبو عبدالله الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيع وأبو القاسم عبد الكريم الشبستري وفخر الدين عبد العزيز الكوفي، وأبو بكر الكرامي، وأبو علي دقّاق والشيخ فريد الدين العطار وكثيرٌ غيرهم من الذين حفلت بذكر أسمائهم كتب التراجم…عدا عن نظام الملك الطوسي الذي يحظى بصيتٍ ذائع، حيث استطاع أن يبني «في عهد السلاجقة» عدة مدارس ومؤسسات علمية سمّيت باسمه «المدارس النظامية». وكانت «نظامية نيسابور» من جملة تلك المدارس التي شهدت أساتذة وعلماء بارعين كانوا يدرّسون فيها لفترات طويلة منهم إمام الحرمين الجويني والغزالي، وأبو المظفر أحمد بن محمد الخوافي وغيرهم وفي سنة 536 سقطت حكومة نيسابور السلجوقية بيد «أتسز» الذي كان ينتمي إلى سلسلة الخوارزمشاهيين.
ولكن السلطان سنجر استعادها بعد سنة من سقوطها.
في سنة 548 دارت معارك ضاربة بين السلطان سنجر وطائفة من العشائر «التركمانية» كانت تدعى (الغز) وسقطت نيسابور بيد تلك الطائفة وبسطوا سلطتهم على كافة بلاد خراسان فعاثوا فيها فساداً وارتكبوا مجازر بشعة من النهب والقتال والدمار.
ثمّ وصلوا إلى نيسابور فأحدثوا فيها خراباً ودماراً لا مثيل لهما وقتلوا ألوفاً من أهلها وأحرقوا جميع مساجدها ومكتباتها.
وفي ذلك الهجوم قُتِل على يدهم الإمام محمد يحيى النيسابوري الذي مرّ ذكره وكان من الأساتذة البارعين في «نظامية نيسابور».
وهكذا كانت تنتقل حكومة نيسابور من يد إلى أخرى بين طائفة «الغز» حتى سنة 593 عندما جاء حتفهم، فقضى عليهم نهائياً السلطان محمد الخوارزمشاه في السنة ذاتها.
لقد استعادت مدينة نيسابور مجدها وكرامتها في عهد السلطان محمد خوارزمشاه. فعاد إليها الهدوء والطمأنينة وتحولت إلى مدينة جميلة رائعة آهلة بالسكان ولكن هذا الهدوء لم يقدر له أن يدوم طويلاً، فسرعان ما تحول إلى عاصفة عنيفة، فكان حظّ نيسابور أن تقع في مَهَبّ تلك العاصفة أكثر من غيرها نعم، إتّجه جيش «المغول» الجرار نحو خراسان سنة 616 ليستولي بعد فترة قصيرة على كافة أنحائها، فعاثوا فيها أبشع الفساد، وارتكبوا أفظع الجرائم، لم يمرّوا على ذي روح إلاّ وقد نالوا منه ولم يتركوا رطباً ولا يابساً إلاّ وقد أبادوه.
أجل، كانت مدينة نيسابور بمثابة مصباح انطفأ ضوءه من جراء تلك الأحداث الدامية، فتحوّلت تلك المدينة العامرة، الآهلة بالسكان التي كانت موطناً ومعقلاً للعديد من العلماء الكبار، لفترة طويلة من التاريخ، تحوّلت إلى مقابر صامتة وعروش خاوية.
انتفاضة السربداريين
لقد كانت الأوضاع الحكومية في أواخر عهد «المغول» متفاقمة للغاية ولم تكن تحظى بثبات واستقرار، حيث كان في كل ناحية وزاوية أميرٌ ورئيس يدّعي الحكم والاستقلال.
وكانت تحكم في ذلك العهد، مختلف أنحاء إيران أربع طوائف منهم (السربداريون) الذين كانوا يحكمون آنذاك نيسابور ومدينتين أخريين هما سبزوار وإسفراين([281]) في عام 737 من الهجرة وفي عهد «طغا تيمور» آخر ملوك سلسلة «المغول» تدهورت أوضاع الحكومة بسبب سوء تدبيره وساد البلاد جو من الفتور والاسترخاء. فسرعان ما أدّت هذه الأحداث إلى قيام انتفاضة (السربداريين) ([282]) وبالتالي سيطرتهم على كل من «سبزوار» ونيسابور وجوين وضواحيها وذلك خلال فترة قصيرة. ودارت معارك عدة بين طغاتيمور والسربداريين إلاّ أنّه لم يستطع القضاء عليهم واضطر في النهاية إلى مصالحتهم.
ثم قتل طغاتيمور على يد السربداريين عا 754 وهكذا قُضي على حكم المغول نهائياً وفي العام 771 قام «الخواجة علي المؤيد» الذي كان من أهالي سبزوار، بثورة وسيطر على مدينة «دامغان» وضواحيها فاستقبله سكان تلك المناطق الذين كانوا كلهم من الشيعة ورحّبوا به و تجمعوا حوله.
وبعد فترة قصيرة سيطر هو على كل من «بسطام» و«إسفراين» وأخيراً مدينة نيسابور. فهذا التقدم السريع الذي أنجزه الخواجة علي بفضل تدبيره وإدارته الحازمة أرعب «الملك غياث الدين پيرعلي» حاكم «هرات» الذي كان من السنة وعلى مذهب الحنفية.
فقام لمواجهته بإيعاز وتشجيع من علماء السنة الذين أفتوا بضرورة تلك المواجهة وشرعيتها.
وهكذا تحولت الحروب السابقة التي كانت تندلع بين حين وآخر بين حكّام «هرات» ونيسابور من أجل توسيع رقعة الملك، تحوّلت هذه المرة إلى حروب طائفية بين الشيعة والسنة وإلى سجال مذهبي طائفي، وبطبيعة الحال كان من ضحايا تلك الحروب كل مرة، جمع من الدهاقين والمزارعين، كانوا يُقتلون على يد الطرفين المتصارعين، فضلاً عن الجنود العسكريين، باسم الخلافات المذهبية كما كانت تُنهب وتُسرق كل ممتلكاتهم وتحرق مزارعهم في كل هجوم.
لقد هاجم الملك غياث الدين نيسابور وسبزوار أكثر من مرة خلال ثلاث سنوات لكنه لم يستطع أيّ من الطرفين أن ينتصر على الآخر إلى أن نجح في هجومه الأخير حيث سيطر على نيسابور بأكملها وكان ذلك عام 777 من الهجرة.
وفي هذه الأثناء، برز نجم تيمورلنك الذي كان يحكم حينذاك كلاً من بلخ وهرات حيث حاول أن يستغل الفرصة مستفيداً من الضعف والفتور الذي كان يسود البلاد، من جرّاء الفوضى والتفكك وعدم الاستقرار التي كانت تعاني منها أغلب الحكومات في إيران والعراق وما وراء النهر.
لأنّه كما ذكرنا آنفاً نشبت في تلك الفترة من الزمان خلافات عنيفة بين طوائف المغول حتى آل الأمر بهم إلى الضعف والإنهيار والإنقراض بعدما تركوا الكثير من الدمار والخراب.
وهكذا كان الواقع في سائر البلاد، حيث كان لكل زاوية من البلاد، أميرٌ ورئيس يدعي الحكم والاستقلال وكانت هذه المجموعات الصغيرة والكبيرة هنا وهناك على صراع دائم في ما بينهم.
نعم، في ظل هذه المستجدات وفي هذه الأجواء المؤاتية قام الأمير تيمور الذي كان باسلاً وحسن التدبير فعمل على توسيع رقعة سلطته حيث استطاع أن يضم إلى حكمه الكثير من الممالك في فترة قصيرة من دون أن يواجه أية قوة عسكرية. فشكّل إمبراطورية واسعة من حدود الصين إلى أقصى نقطة في آسيا الصغرى.
ووصل بعد فترة إلى نيسابور وأقام هناك حيث عيّن الخواجة جمال الدين ابن أخت الخواجة علي المؤيد الحاكم السابق لنيسابور عينه حاكماً لها.
ثم رجع مرة ثانية إلى نيسابور عام 807 وأقام فترة ثم ذهب إلى سمرقند وتوفي هناك في السنة نفسها فقام بعده ابنه «شاهرخ» خلفاً له.
وبعد مرور سنة على حكومة «شاهرخ» أي في عام 808 من الهجرة هزّ زلزال عنيف أركان نيسابور فهلك جمع غفير من أهل المدينة ولحقت بها أضرار جسيمة من الدمار والخراب.
فبادر شاهرخ إلى ترميم ما دمّره الزلزال وأحدث فيها مساجد وعمارات جديدة، لكن أخذت نيسابور تفقد أهميتها ورونقها شيئاً فشيئاً لأنّ مدينة «مشهد» بدأت تنمو وتزدهر منذ أواسط أيام حكومة تيمور وخاصة في عهد خلفه شاهرخ حيث أصبحت تدريجياً، مركز الحكم الأساسي في قطاع خراسان، فبدأت المدن الواقعة في جوارها تفقد نضارتها ورونقها.
ومدينة نيسابور إضافة إلى ما ذكرنا ساهمت في كسر شوكتها وهبوط مكانتها، الأحداث التي وقعت فيها والعواصف التي شهدتها ممّا أدّت إلى تدهورها، فلم يُذكر منذ تلك الفترة حدث بارز ذو أهمية تاريخية حصل في مجرى حياة هذه المدينة.
علماء نيسابور
قلنا إنّ نيسابور كانت في ذروة رونقها ونضارتها منذ أوائل القرن الرابع الهجري حتّى أواسط القرن السادس.
عدد العلماء والفضلاء الذين كانوا يقطنون هذه المدينة في تلك الفترة هو أكثر من أن يحصى إضافة إلى العلماء الذين كانوا يتوافدون عليها بغية كسب العلم والمعرفة فلذلك كانت تعتبر من المراكز العلمية الأساسية طيلة ثلاثة قرون. ونذكر هنا عدداً من أبرز علمائها:
1 ـ أبو محمد الفضل بن شاذان بن خليل النيسابوري من أصحاب الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) والإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، كان يقطن نيسابور في عهد الطاهريين، فنفاه عبدالله بن طاهر من نيسابور ثم رجع إليها بعد فترة وتوفي سنة 360هـ ودفن هناك وعُرف لابن شاذان ما يقارب مائة وثمانين تأليفاً من أبرزها: أربع مسائل في الإمامية، الاستطاعة، الأعراض والجواهر، الإيضاح في الرد على سائر الفرق، حدوث العالم، الردّ على الباطنية والقرامطة ،كتاب، المتعتين متعة الحج ومتعة النساء، مسائل البلدان.
2ـ الخواجة أبو الفتح عمر بن إبراهيم الخيام النيسابوري الحكيم والفيلسوف وعالم الرياضيات علم من أعلام الفكر ورائد من روّاد العلم حظي بصيت عالمي ذائع لم تكن ميزة الحكيم عمر الخيام في الأساس بالشعر، بل كان اختصاصه ومهارته أكثر شيء في حقل الحكمة والفلسفة والرياضيات، لكنّه اختار الشعر سبيلاً ونهجاً وفناً في حياته العلمية لتبيين نتاجه الفكري وللتعبير عن دقائق أسرار وغرائب نكت يصعب الإداء بها نثراً.
وقد امتزجت حياته العلمية بحياته الفنية فجعلته شاعراً مرموقاً متفوّقاً، حيث أصبحت شهرته رهن رباعياته الجذّابة المثيرة.
إنّه يُعرب عبر شعره عن حقائق كثيرة بكلام بليغ وببيان مستقى من عالم الفكر والتحير، نابع عن روح جامح عنيد ويحذر الإنسان من مغبّة تماديه في الغفلة لذلك صار مقامه الأدبي فوق مقامه العلمي والرياضي.
وقد اجتذبت رباعيات الخيام كثيراً من الفنانين وذوّاقي الشعر الذين درسوها ووعوها. فوجدت الدراسات الفنية النقدية سبيلها إليها، وسبق المستشرقون إلى ذلك فظهر منهم سلسلة ترجمات من تلك الرباعيات تضمها المكتبات الشهيرة في البلاد الأوروبية ويستفيد منها هواة الفن والأدب.
إنّ من أهم الترجمات والدراسات التي ظهرت باللغات الأوروبية عن عمر الخيام هي للشاعر الإنكليزي الشهير «فيتزجرالد» نشرت عام 1859 في بريطانيا حيث يمكن القول إنّ سمعة الخيام في الخارج منطلقة من حسن الذوق الفني لدى هذا الشاعر الإنكليزي حيث أدرك مغزى رباعيات الخيام ومضامينها بشكل جيد وعرض فن الخيام وأفكاره وقدم شرحاً وتفسيراً لها بصورة واضحة، وعلى أثر التعريف بالخيام وآثاره في البلاد الأوروبية أسس ناد ثقافي في لندن سنة 1892 باسم الخيام.
ليس هناك تفاصيل مستفيضة عن حياة الخيام، والمؤرخون على خلاف في ما بينهم حول تاريخ وفاته.
وما عرف من آثار ومؤلفات الخيام ثمانية كتب سوى ديوانه الشعري هي:
1ـ رسالة في الجبر والمقابلة.
2ـ رسالة في شرح ما أشكل من مصادر كتاب أقليدس.
3ـ خلاصة في الطبيعيات.
4ـ رسالة في الوجود.
5ـ رسالة في الكون والتكليف.
6ـ رسالة في الاحتيال لمعرفة مقداري الذهب والفضة في جسم مركب منهما.
7ـ الرسالة المسمّاة بلوازم الأمكنة في الفصول وعلة اختلاف الطقس في البلاد والأقاليم.
8ـ الزيج الملكشاهي.
3ـ فريد الدين أبو حامد محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن إسحاق الكركني النيسابوري المعروف بالشيخ العطار، الطبيب والشاعر والعارف الشهير، علم من أعلام الأدب الفارسي كان يعيش في نيسابور في عهد الملوك الخوارزمشاهيين.
والسبب في اشتهاره بلقب «العطار» هو أنّه كان بائعاً للأدوية وكان يزاول مهنة الطبابة وكان يملك صيدلية كان قد ورثها عن أبيه.
ويظهر من دراسة شعره اطلاعه على العلوم والفنون الأدبية والحكمة والكلام. وتضلّعه في معرفة علم النجوم والأفلاك وإحاطته بالعلوم الدينية من تفسير ورواية وحديث وفقه فشعره مرآة لسموّ فكره وشموخ رأيه ودراية عقله.
ما بقي للشيخ من الآثار حتّى اليوم هو إثنا عشر كتاباً ما بين منظوم ومنثور هي:
1ـ تذكرة الأولياء.
2ـ أسرار نامه.
3ـ الهى نامه.
4ـ بند نامه.
5ـ خسرو نامه.
6ـ مصيبت.
7ـ مختار نامه.
8ـ منطق الطير.
9ـ ديوان قصايد.
ولم يعثرحتّى الآن على الثلاثة الباقية وهي: 10- جواهر نامه،11- شرح القلب، 12- مظهر الصفات. لقد كان العطار من معاصري الصوفي الشهير قطب الدين حيدر والشيخ سعد الدين الحموي كما كان أستاذاً للخواجة نصير الدين الطوسي.
ومن الكتب التي ظهرت باللغات الأجنبية عن حياة العطار وأفكاره كتاب للمؤلف «هلموت ريتر» وهي: PAS MEER DER SEELE.
كانت ولادة العطار سنة 537 ووفاته سنة 618.
4ـ مسلم بن الحجاج النيسابوري صاحب الصحيح. المتوفى عام 261.
5ـ أبو بكر محمد بن إبراهيم المنذر النيسابوري عالم فقيه توفي في مكة سنة 318 له عدة مؤلفات أبرزها كتاب الأشراف، كتاب المبسوط، كتاب الإجماع.
6ـ أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل الأموي النيسابوري المعروف بالأصم العالم بالحديث. المتوفى سنة 346.
7ـ أبو نصر إسماعيل بن حماد الجواهري النيسابوري صاحب صحاح اللغة عالم بالأصول والكلام واللغة. المتوفى سنة 393.
8ـ أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري، العالم الكبير صاحب «يتيمة الدهر». المتوفى سنة 429.
9ـ أبو الطيب سهل محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون بن موسى بن عيسى بن إبراهيم بن بشر الحتفي المعروف بالصعلوكي المفسر والأديب والفقيه وعالم علم الحديث. المتوفى سنة 402 على الأصح.
10ـ علي بن عبدالله بن أحمد النيسابوري المعروف بابن أبي الطيب صاحب التفسير الكبير. المتوفى سنة 458.
11ـ أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيع عالم علم الحديث، فقيه ومؤرخ صاحب تأليفات كثيرة منها الصحيحان، العلل والأمالي، أمالي العشيات، تاريخ علماء نيسابور. توفي سنة 405.
12ـ الإمام محمد بن يحيى بن أبي منصور الملقب بمحيِّ الدين عالم وفقيه شافعي من تلامذة الغزالي ومن كبار أئمة خراسان في عصره كان مدرساً في نظاميّة هرات ونيسابور صاحب تأليفات كثيرة منها: المحيط في شرح الوسيط والانتصاف في مسائل الخلاف. المتوفى سنة 548.
13ـ أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الميداني صاحب كتاب مجمع الأمثال والسامي في الأسامي. المتوفى سنة 518.
14ـ أبو المعالي عبد الملك ابن الشيخ أبي محمد بن عبدالله بن أبي يعقوب بن يوسف بن عبدالله بن محمد بن حمويه الجويني المعروف بإمام الحرمين.
اشتهر بهذا اللقب لأنّه كان يشغل منصب الافتاء والتدريس لفترة في مكة والمدينة. كان من أعاظم علماء الشافعية، له تصانيف عدّة منها: الشامل في أصول الدين، والبرهان في أصول الفقه، وتلخيص التقريب، والإرشاد، والعقيدة النظامية. توفي سنة 478.
15ـ أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران النيسابوري صاحب كتاب الغاية في القراءات. المتوفى سنة 381.
16ـ أبو القاسم عبدالكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد بن أبي القاسم القشيري، الفقيه والمفسر والشاعر وعالم علم الحديث والأصول من تلامذة العارف الشهير أبو علي الدقاق، من تصانيفه التيسير في علم التفسير. المتوفى سنة 465.
17ـ أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن سعيد الفارسي الحافظ النيسابوري صاحب تصانيف عدة منها مجمع الغرائب وكتاب السياق في تاريخ نيسابور المتوفى سنة 529.
18ـ أبو علي الحسن بن علي الدقاق النيسابوري من أكابر العرفاء والمتصوفة المتوفى سنة 350.
19ـ أبو عبد الرحمن بن محمد بن الحسين السلمي الصوفي النيسابوري صاحب كتاب طبقات الصوفية. المتوفى سنة 412.
20ـ حسن بن عبدالله بن سعيد بن يحيى بن مهران، أبو هلال العسكري صاحب كتاب الصناعتين وكتاب الأوائل. المتوفى سنة 359.
مؤيد ثابتي
نيسابور مركز خراسان
أقدم قاعدة للعلوم الإسلامية في إيران
كانت أسباب الحضارة والثقافة أكثر توفراً على ضفاف الأنهار الكبيرة مثل النيل ودجلة والفرات والسند وغيرها بسبب غزارة المياه فيها، وإذا لم تكن أنهار كبيرة في مكان فإنّ الناس كانوا يجتمعون ويعيشون إلى جانب الأنهار الصغيرة التي تنبع من الجبال ويؤسسون المدن. ثم فيما بعد إلى جانب سفوح الجبال العظيمة التي كانت تتوفر فيها الينابيع وخزانات المياه وبدؤوا يفكرون في الاستفادة من المياه الجوفية، والإيرانيون كغيرهم بدؤوا بحفر الآبار واستخراج المياه من باطن الأرض للري والزراعة.
السهل الواسع الكبير في سفح جبال نيشابور، تلك الجبال التي تتميز بخزانات كبيرة من الثلوج. هذا السهل كان يروى من أنهار كثيرة كـ«ديزباد» وگرينه» و«دَر رود» و«بوجان» و«مير آباد» و«خرسف رود» ولقد أصبح هذا السهل قبل غيره من مناطق خراسان قاعدة لإقامة السكان فيه، وصار عامراً قبل غيره من المناطق الأخرى.
ولما كانت نيشابور تمتاز بمناخ معتدل وبكثرة أنواع الخضراوات وأشجار الفواكه، فقد تأسست قبل غيرها من المدن في هذه المنطقة قبل ظهور الإسلام. ويُنسب تأسيسها إلى الملك شاپور ابن أردشيربايكان. وإن شاپور الثاني الملك الساساني جدد بناء المدينة وعمل على ازدهارها. وسُميت هذه المدينة بهذا الاسم لأنّ كلمة «نِه» معناها مدينة و«نهشابور» معناها المدينة التي بناها شاپور وبكثرة الاستعمال تحولت إلى نيشابور.
ولهذه المدينة أسماء أخرى منها «أَبرَشهر» و«بَرشهر» و«سمنجور» ولكنها معروفة مشهورة باسم نيشابور، وأهلها ينطقونها «نيشابور» ولكن العرب يسمونها «نيسابور».
يقول أبو عبدالله الحاكم صاحب كتاب تاريخ نيشابور المتوفى سنة 405هـ إنّ مدينة نيشابور في القرون الأولى من العصر الإسلامي كانت تضم ستين قرية اندمجت رويداً رويداً في مدينة نيشابور، ومن المحتمل أن تكون قرى وقعبات أخرى قد دُمجت فيها في القرنين الخامس والسادس الهجريين.
أمّا أسماء القرى التي اندمجت وشكلت مدينة نيشابور حسب ما جاء في تاريخ أبو عبدالله الحاكم فهي:
1ـ بوي آباد أو الزيق.
2ـ حنانه خشك.
3ـ شحنة العليا.
4ـ شحنة السفلى.
5ـ ماهك آباد.
6ـ سورين كوي.
7ـ دزدان (حيث كان فيها السجن الحكومي).
8ـ زمجار السفلى.
9ـ زمجار العليا.
10ـ باغ كبار.
11ـ وينك آباد.
12ـ عارك آباد.
13ـ دوديه يهود.
14ـ باغك.
15ـ شهرستانة.
16ـ شاپور (سُميت فيما بعد نصر آباد).
17ـ لعانجي السفلى.
18ـ بشمان آباد.
19ـ داربجرد.
20ـ حيرة.
21ـ طبيرانه.
22ـ وافكر سليط.
23ـ وافكر معاذ.
24ـ مناشك العليا.
25ـ مناشك السفلى.
26ـ خرقن علي آباد.
27ـ حافظ.
28ـ محفوظ.
29ـ باغ بهله.
30ـ زيرك آباد.
31ـ محمد آباد.
32ـ فول.
33ـ خندرون.
34ـ كنار السفلى.
35ـ راقعة.
36ـ سيمجرد العليا.
37ـ سيمجرد السفلى.
38ـ حفص آباد.
39ـ تلا جرد السفلى.
40ـ تلاجرد العليا.
41ـ جنجرود العليا.
42ـ جنجرود السفلى.
43ـ سهل.
44ـ تاشيش.
45ـ قباب (گنبدان).
46ـ خشنانه.
47ـ قناة خمره العليا.
48ـ خرك آباد.
49ـ عمروى آباد (عمرويه آباد).
50ـ قناة العليا جوري.
51ـ باب طاق.
52ـ مسجد.
53ـ جوري العليا.
54ـ جوري السفلى.
55ـ جوسق.
56ـ سيستويه.
57ـ حافظ.
58ـ سلمة.
59ـ سوانقادر العليا.
60ـ سونقادر السفلى.
ومن هذا يمكن القول إنّ مدينة نيشابور كانت مدينة صغيرة عندما دخلها المسلمون ثم أضيفت إليها القرى المجاورة.
محلات نيشابور: كان في مدينة نيشابور في عهد حاكمها أبي عبدالله الحاكم المتوفى سنة 405هـ سبعة وأربعين محلة كما جاء في كتاب «تاريخ الحاكم» وهي:
1ـ محلة جولاهكان وفيها أكثر من ثلثمائة زقاق.
2ـ محلة الحيرة التي فيها سوق نيشابور ويبدأ من بداية الحيرة إلى قُرب روضة السلطان حسين وطوله فرسخ واحد والسوق مسقوف كله.
3ـ محلة الجامعة.
4ـ محلة بوي آباد وهي من أهم محلات نيشابور ويُضرب بها المثل، وإن أبا مسلم صاحب الدعوة العباسية نزل في خان هذه المحلة في بداية وصوله إلى نيشاپور.
5ـ محلة ملق آباد (ملك آباد) التي كانت تقع في أعلى محلة الحيرة.
6ـ محلة ميدان زياد التي كانت كبيرة جدّاً.
7ـ محلة نصر آباد (شاپور) وتقع أعلى المدينة وهي مكان سكن الفقهاء والتجار.
8ـ محلة حوض كسلان (خزان ماء كسلان) وكان فيها مسجد.
9ـ محلة الزيق وكانت تقع في أعلى المدينة.
10ـ مناسك العليا.
11ـ مناسك السفلى.
12ـ محلة الدين حيث أسس الصحابة مسجداً فيها.
13ـ محلة نهر آباد وكانت محلة كبيرة.
14ـ محلة باب أبي الأسود.
15ـ محلة القباب.
16ـ محلة خواست التي كانت متصلة باشادياخ.
17ـ محلة الشادياخ وكانت مقام عبدالله بن طاهر وقد دمرها يعقوب بن الليث الصفار وحوّلها إلى بساتين.
18ـ محلة جُلاباد وكان متصلة بشادياخ وهي محلة كبيرة.
19ـ تلاجرد متصلة بجُلاباد وخنجرود وكانت كبيرة.
20ـ محلة خنجرود (گنج رود).
21ـ محلة حفص آباد.
22ـ محلة حمزك آباد وكانت محلة كبيرة.
23ـ محلة محمد آباد وفيها البساتين وخزانات الماء.
24ـ محلة القز وكانت أحسن المحلات من حيث المناخ وجاء اسمها في معجم البلدان واسمها الآخر هو «بوثرگان) «بوحگان».
25ـ محلة باب البستان (درباغ) وكان فيها بستان أبي مسلم.
26ـ محلة باب عقيل.
27ـ محلة باب العسكر وفيها سوق الطباخين وبائعي الأطعمة والعلافين.
28ـ محلة باب عروة.
29ـ محلة الحرب.
30ـ محلة باب معاذ.
31ـ محلة (الصفصاف) وكان فيها الكثير من أشجار الصفصاف.
32ـ محلة المرقعة وربما كانت محلة المربعة وسجلها الكاتب سهواً.
33ـ محلة سرپل (رأس الجسر).
34ـ محلة دزدان (اللصوص) وكان سجن اللصوص يقع بالقرب من دار الإمارة في نيشابور.
35ـ محلة باب معمر.
36ـ محلة باب بستان تلاجرد.
37ـ محلة ميدان حسين.
38ـ محلة سيمجرد.
39ـ الرلقيا.
40ـ محلة جوري العليا وكان يجتمع فيها الأهالي في الأعياد كما كان فيها مصلّى نيشابور.
41ـ محلة جوري السفلى.
42ـ محلة سركوي (رأس المحلة).
43ـ محلة سنجد ستانة.
44ـ محلة باغ رازيان (بستان رازيان) وكان فيها الكثير من الفقهاء وعلماء الدين والتجار.
45ـ محلة باغك المتصلة بمحلة قز حيث نزل فيها عبدالله بن عامر لدى وصوله إلى نيشابور وفيها مسجده.
46ـ محلة زمجار وجاء اسمها في «مراصد الاطلاع» باسم «رمجار».
47ـ محلة خر كل آباد وكانت متصلة بزمجار. وفي الصفحة 124 من كتاب الحاكم جاء اسم محلتين إضافة إلى المحلات السبعة والأربعين وهما محلة سرواقة في الجانب الغربي من مدينة نيشابور ومحلة كرمانيان.
وجاء في كتاب «مراصد الإطلاع» وهو ملخص «لمعجم البلدان لياقوت الحموي» اسم محلات أخرى في مدينة نيشابور من المحتمل أنّها استحدثت بعد عهد أبي عبدالله الحاكم وهي:
1ـ جيز آباد.
2ـ محلة داراب جرد.
3ـ محلة الرمادة.
4ـ محلة سلش.
5ـ محلة فارويه.
6ـ محلة شاهنبر.
7ـ محلة عزره (ربما كانت عروة).
8ـ محلة فولو.
9ـ محلة كلاغ أستان.
10ـ محلة الميدان.
11ـ محلة ميان.
12ـ محلة دور.
هذه الأسماء هي أسماء المحلات التي ذكرها أبو عبدالله الحاكم في كتاب «تاريخ نيشابور» وأسماء المحلات التي جاء ذكرها في «مراصد الاطلاع» و«معجم البلدان».
المحلات الأخرى في نيشابور: عند مقارنة أسماء شخصيات نيشابور التي كتب عنهم الحاكم في كتابه بالتفصيل وأشار إلى أنّ منازلهم كانت تقع في محلات غير المحلات السبعة والأربعين، فقد حققنا عن أسماء تلك المحلات، وتبين أنّ هذه المحلات كان موجودة في عهد الحاكم ولكن لأسباب مجهولة لم يذكرها الحاكم مع المحلات السبع والأربعين محلة. وهي كما يلي:
1ـ محلة قُهندِز.
2ـ محلة سعيد بن الصباح.
3ـ محلة باغ سين (بستان سين).
4ـ محلة عمر آباد.
5ـ محلة دوران كوس.
6ـ محلة سر حوض أبي العنبر (رأس حوض أبي العنبر).
7ـ محلة ميدان هاني.
8ـ سلمة العنبي.
9ـ محلة باب الدير.
10ـ محلة أبي الأسود.
11ـ محلة قصر الجند.
إذاً، فإنّ محلات مدينة نيشابور هي كما يلي:
1ـ ما ذكرها الحاكم في الصفحتين 123 و124 من تاريخه إضافة إلى محلتي «سرواقة» و«كرمانيان» ومجموعها تسع وأربعون محلة.
2ـ إحدى عشر محلة أشار إليها الحاكم ضمن فهرس شخصيات وأعلام نيشابور وقال إنّ بيوت بعض الشخصيات كانت هناك.
3ـ المحلات التي جاء ذكرها في «معجم البلدان» و«مراصد الإطلاع» ولا توجد أسماؤها في كتاب تاريخ نيشابور وهي إثني عشر محلة. إذاً، فإنّ مجموع المحلات التي سجلناها في هذا المقال بلغت اثنين وسبعين محلة وهذا العدد من المحلات يبين حجم مدينة نيشابور القديمة.
بوابات نيشابور: كان لمدينة نيشابور ست بوابات، اثنتان منها في محلة قهندز والأربع الأخرى في المدينة، هي بوابة پل (الجسر) وبوابة معقل وبوابةُ قُهندِز وبوابة پل تكين (جسرتكين). وكانت مدينة نيشابور في القرن الرابع الهجري مدينة كبيرة عامرة وكانت مساحتها فرسخاً واحداً في فرسخ واحد وكان فيها مسجد من آثار عمرو بن ليث الصفاري، وكان يقع أمام ميدان المعسكر. وكان سوق نيشابور يقع في ضاحية المدينة كما كانت توجد بوابات كثيرة في ضاحية المدينة إحداها باب القباب، وكانت تفتح نحو الغرب، وأمامها بوابة الحرب وكان تقع في الجانب الشرقي في أمام ضاحية پشت فروش. وفي الجنوب من نيشابور كانت تقع بوابة أحوص آباد وهناك أيضاً بوابات أخرى باب معمر وباب أبي الأسود وباب عروة وباب الدير وباب الري جاء ذكرها في تاريخ أبي عبدالله الحاكم. كما جاء ذكر بوابة شوخنان وباب زكية في كتاب «أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي السعيد» كما جاء ذكر بوابات باب عسكر وباب عقيل وباب معاذ في كتاب الحاكم وإن مجموع بوابات نيشابور التي جاءت أسماؤها في الكتب المختلفة بلغت سبعة عشر بوابة.
أسواق نيشابور: السوق الكبير في مدينة نيشابور يسمّى سوق الجهات الأربع الكبير، وسوق آخر يسمّى سوق الجهات الأربع الصغير، ويُطلق على إحدى هذه الجهات الأربع اسم جهة كرمانيان. وكانت أسواق أخرى تتفرّع من هذين السوقين بصورة عمودية: السوق الكبير يمتد شمإلاَّ من بوابة رأس الجسر إلى الجنوب متصلاً بمقبرة حسين. وربما أطلق على هذا السوق اسم سوق الحيرة أيضاً. وكانت في هذه الأسواق خانات ومحلات لمختلف المهن، وكان أصحاب كل مهنة يستقرون في مكان خاص، كما كانت خانات خاصة للسراجين وبائعي الأقمشة والحدادين والخرازين.
مياه نيشابور: كانت تمر تحت البيوت في مدينة نيشابور قنوات عمقها مائة درج أو أكثر أو أقل وكان لأهالي المدينة سراديب في القنوات وكانت مياه نهر فوشنجان الذي يقع على مسافة فرسخين من مدينة نيشابور الحالية تروي بساتين المدينة ويستفيد منها أصحاب البيوت، وكان هناك مراقبون يشرفون على تنظيم المياه للمحلات وتقسيمها.
مدينة نيشابور من المناطق المعتدلة المناخ وخاصة بين الطلوعين، فإنّ مناخها صاف وعذب.
يقول ابن حوقل صاحب المسالك والممالك بأنّه لا يوجد في خراسان مدينة مناخها أطيب من مناخ نيشابور، وهذه المدينة عامرة وأنّ تجارها أغنياء تصل إليها الكثير من القوافل يومياً وتملأ مخازن المدينة بأنواع البضائع والأمتعة. وتُرسل الأقشمة الحريرية والقطنية من نيشابور إلى المناطق الأخرى.
أزقة نيشابور: كانت مدينة نيشابور مليئة بالمحلات والأزقة لم أشاهد أسماء أزقة نيشابور في أي كتاب ولكن أبا عبدالله الحاكم عندما يشير إلى أعلام وشخصيات نيشابور يذكر أسماء الأزقة التي كان يعيش أو يسكن فيها هؤلاء الرجال والشخصيات، نذكرها فيما يلي:
1ـ زقاق يعقوب الوراق (يعقوب بن معقل) وكان الزقاق في محلة زمجار.
2ـ زقاق الخندق.
3ـ زقاق خدام في باب عروة.
4ـ زقاق سكش.
5ـ زقاق حمدان.
6ـ زقاق عباس بن حمزة الواعظ.
7ـ زقاق عاصم.
8ـ زقاق حرب.
9ـ زقاق أبي ذر الواقع في باب معمر.
10ـ زقاق رشنة الواقع في باب معاذ.
11ـ زقاق بأذان.
12ـ زقاق عمار.
13ـ زقاق زنجويه.
14ـ زقاق طرخان.
15ـ زقاق أدلي.
16ـ زقاق الإمام يحيى بن محمد يحيى.
17ـ زقاق معقل.
18ـ زقاق يحيى الذهلي.
19ـ زقاق صرامين.
20ـ زقاق معن آباد.
21ـ زقاق عباس آباد (بلاس آباد).
وجاء في كتاب «أسرار التوحيد» و«مراصد الاطلاع» و«معجم البلدان» أسماء أزقة أخرى نذكرها فيما يلي:
22ـ زقاق خالد.
23ـ زقاق خرجوش (معرب كلمة خرگوش ـ أي الأرنب).
24ـ زقاق معاذ.
25ـ زقاق حجاف.
26ـ زقاق عدني كوبان.
كان في نيشابور في القرون الأولى من العصر الإسلامي كنائس وَبِيَع للمسيحيين واليهود. كما كان فيها معبد للزرادشتيين.
خانات نيشابور: كانت التجارة في مدينة نيشابور مزدهرة حسب كثرة سكانها ولا شك إنّ خانات كثيرة كانت قد تأسست وأنشأت لتكون محلات للتجار كما وأنّ بعض هذه الخانات كانت مكان إقامة القوافل والتجار والمسافرين القاديمن إلى هذه المدينة ولكن لا نجد في أي كتاب أو أي مكان ذكراً لهذه الخانات وأسمائها. ولكن نذكر فيما يلي أسماء بعض هذه الخانات:
1ـ خان معربكة في ملقاباد.
2ـ خان سعيد بن الصباح.
3ـ خان دستي (وهو معرب كلمة دشتي). وتقع مزرعة دشت على مسافة فرسخين من نيشابور.
4ـ خان بوي آباد وكان مكان إقامة أبي مسلم.
5ـ خان ميكاليان.
6ـ خان رخش.
مقابر نيشابور: كانت مقابر مدينة نيشابور تقع داخل المدينة ويبدو أنّ أغلب المحلات الكبيرة كان لكل منها مقبرة خاصة. وأسماء المقابر التي جاء ذكرها في كتاب «تاريخ أبي عبدالله الحاكم» وهي تحمل في الوقت نفسه أسماء رجال وشخصيات مدينة نيشابور هي:
1ـ مقبرة الحيرة ويسمونها مقبرة نصر بن زياد القاضي.
2ـ مقبرة باغك.
3ـ مقبرة جنيدالله (ربما اسمها جندالله).
4ـ مقبرة المصلى.
5ـ مقبرة العلوية.
6ـ مقبرة باب معمر وفيها قبور أحمد بن حرب ويحيى بن معاذ والكثير من رجال العلم.
7ـ مقبرة شادياخ.
8ـ مقبرة تلاجرد وكان فيها مرقد محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) وعليها اليوم بناية من العصر الصفوي.
9ـ مقبرة شاهنبر حيث قبور الكثير من الفقهاء.
10ـ مقبرة فز.
11ـ مقبرة باب عروة وكان فيها قبور حسن بن معاذ وحسين بن الوليد القرشي وحفص بن عبد الرحمن والكثير من الرجال.
12ـ مقبرة عبدالله الطاهري وفيها قبور أحفاده ورجال عشيرته وقبور السادات العلويين.
13ـ مقبرة جُل آباد (كُل آبا) وفيها قبور الكثير من أولياء الله والعلماء.
14ـ مقبرة ميدان زياد.
15ـ مقبرة حسين بن معاذ.
16ـ مقبرة أبو علي الثقفي.
ويحتمل أن تكون فيها مقابر كثيرة أخرى.
مدارس نيشابور: كانت قد تأسست مدارس كثيرة في القرون الأربع الأولى الهجرية لطلاب وتلاميذ العلوم الدينية. ويقول حافظ أبرر في تاريخه الذي كتبه في بداية القرن التاسع الهجري أنّه كان بمدينة نيشابور ثمانية مدارس تُنسب إلى الخلفاء وسبعة عشر مدرسة لأبناء السنة الشافعيين، ومن أهم مدارسها المدرسة النظامية التي أسسها الخواجة نظام الملك الطوسي حيث كان قد أسس المدارس النظامية في كل من بغداد والبصرة وأصفهان وبلخ ومرو وهرات وكان الشيخ سعدي قد درس فترة في نظامية بغداد. وفي ضوء هذه المعلومات فإنّ أسماء أربعة مدارس فقط موجودة حالياً وهي:
1ـ مدرسة أبو إسحاق إبراهيم بن سيمجور الواقعة في بستان دارس بنيشابور.
2ـ مدرسة ميان ديه ومؤسسها أبو إسحاق إبراهيم بن محمود بن حمزة الفقيه الحاكم المعروف بالقطان.
3ـ مدرسة سراجان.
4ـ مدرسة الصابوني.
مساجد نيشابور: كانت قد تأسست مساجد كثيرة في مدينة نيشابور وأوّل مسجد بناه عبدالله بن عامر بعد أن دمر معبد قهندز ولم تكن لهذا المسجد مئذنة وأنّ يزيد بن المهلب عند حكم مدينة نيشابور بنى مئذنة مسجد قهندز.
أمّا جامع نيشابور فقد بناه أبو مسلم. صاحب الدعوة وكانت مساحة أرض الجامع ثلاثين فداناً وفيها ألف عمود أو قاعدة لحفظ سقف الجامع وكان يتّسع لستين ألف مصل. وكانت المياه جارية في أرض الجامع وكانت البرك والأحواض موجودة للوضوء وكان في وسط أرض الجامع خزان تجمع فيه الثلوج في فصل الشتاء ليستفيد منها الأهالي لا سيما المرضى في فصل الصيف. وكان قد زرع في أرض الجامع أشجار الأرز والتوت وكان مائة خادم يقومون بتنظيف الجامع وكانت واردات أوقاف الجامع تبلغ حوالي مائة ألف مثقال من الذهب.
وكان في جانب آخر من الجامع بناء يحتوي على اثني عشر عموداً، ستة من هذه الأعمدة كانت من الرخام وعمودين من أشجار نهر دجلة وأربعة من اللبن والجص. وكان لهذا البناء قبة مطلية بالذهب قُدّر ذهبها بحوالى عشرين ألف مثقال، وإنّ ثمن المنابر والصناديق والقنادير والسجاجيد والأشياء الأخرى الموجودة في الجامع كان يقدّر بحوالي مائة ألف مثقال من الذهب.
مئذنة جامع نيشابور: كان لجامع أبي مسلم مئذنة، قال بعضهم عنها أنّها كانت قصيرة ولمّا جاء منصور بن طلحة بن طاهر، ابن أخ عبدالله بن طاهر لحكومة نيشابور أمر بهدم المئذنة وأنشأ مئذنة مرتفعة قوية مطلية بالفسيفساء والذهب. وقد بُنيت حسب أسلوب هندسي خاص بحيث كانت الأوقات الزمنية تُعرف من ظل المئذنة وربما كانت هذه المئذنة عبارة عن ساعة شمسية. ولمّا جاء دور عمرو بن ليث الصفاري هدم هذه المئذنة وأسس مئذنة جديدة سجل اسمه ولقبه عليها. ولمّا جاء دور خمارتكين لحكومة نيشابور: بني مئذنة كانت عجيبة وهي عالية ومرتفعة بحيث لا مثيل لها في أيّة مدينة أخرى، وكانت من الناحية الهندسية على شكل بحيث كلمّا هبّت الرياح كانت المئذنة تميل وتتحرك دون أن تسقط.
وبعد أن يذكر أبي عبدالله الحاكم اسم مسجد عبدالله بن عامر وجامع أبو مسلم يذكر أسماء المساجد الأخرى في مدينة نيشابور كما يلي:
1ـ المسجد الذي بناه الصحابة عند فتحهم نيشابور في محلة شاهنبر وكانوا يصلّون فيه.
2ـ مسجد محلة فز وكان إلى جوار دار الإمام الرضا (عليه السلام)، وكان الإمام الرضا قد أقام الصلاة في هذا المسجد لعدّة أيام عندما كان في نيشابور.
3ـ المسجد المعروف بالمسجد المقابل للجبل وكان مسجداً قديماً معظماً.
4ـ مسجد باب معمر وكان يقع بين مقبرتين.
5ـ مسجد رجاء بن معاذ بن مسلم.
6ـ المسجد الذي كانوا يسمّونه مُصلّى الجن.
7ـ مسجد باب قهندز حيث أقام الصحابة الصلاة فيه مدّة تسعة أشهر.
8ـ مسجد خان معاذ.
9ـ مسجد الإمام يحيى المتصل بخان البستان.
10ـ مسجد ابن حرب.
11ـ مسجد أيوب بن الحسن.
12ـ مسجد حمش (محمد).
هذه المساجد هي التي أشار إليها أبو عبدالله الحاكم في نهاية كتاب «تاريخ نيشابور» ويذكر في نفس الكتاب وخلال إشارته إلى شخصيات نيشابور. أسماء مساجد أخرى وهي:
13ـ مسجد أبو عبدالله المطوعي.
14ـ مسجد أحمد بن الحاج أبو القاسم.
15ـ مسجد منيع أو منيعي.
16ـ مسجد محمد بن عقيل وكان يقع في بداية زقاق حرب.
17ـ مسجد أصرم بن غياث وكان يقع في محلة «زمجار».
18ـ المسجد العتيق في محلة ملقاباد.
19ـ مسجد ميان ديه أسسه أبو إسحاق الحاكم المعروف بالقطّان.
20ـ مصلّى يقع في محلة الحيرة.
21ـ مسجد عبيدالله بن إبراهيم بن بالويه في زقاق معقل.
22ـ مسجد كسلان الواقع في محلة كسلان.
23ـ مسجد ديز الذي كان قد أسّسه الصحابة.
24ـ مسجد مطرز وكان أهم مساجد نيشابور.
مكتبات نيشابور: كانت في مساجد نيشابور ومدارسها مكتبات يبدو أنّ جميع أو أغلبية كتبها أُبيدت في هجوم الأتراك الغز وفي الفتوحات المغولية. وكان يوجد في مسجد عقلا خمسة آلاف مجلد من الكتب. وحسب ما جاء في تاريخ حافظ أبرو كان في مدينة نيشابور حوالي ثلاثة عشر أو أربعة عشر مكتبة عاملة أُحرق بعضها ونُهب البعض الآخر.
ومن عجائب الزمان أنّ واحداً من الكتب التي نُهبت من مسجد المنيعي في نيشابور وهو كتاب الإبانة أو كتاب الصناعتين في علم الفصاحة والبلاغة تأليف أبو هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري موجود حالياً في مكتبة الروضة الرضوية المقدسة وأنّ المدعو أحمد بن حامد قد سجل على الغلاف الداخلي من الكتاب، سجل فتنة الغُز ونهب كتب مسجد المنيعي في نيشابور، وأشار إلى أنّ عبد الجليل قد أوقف الكتاب واعترف أنّ الكتاب لا يعود إليه وأنّ بيعه وشراءه ممنوع ومحظور. ولا يُعرف من الذي سلّم الكتاب إلى مكتبة الروضة الرضوية. وتاريخ تأليف الكتاب سنة 394 هجرية وإن عُمر الكتاب هو ألف سنة وقد شاهدته بنفسي.
ونحن حين نمعن النظر في أسماء المحلات والمساجد والمدارس والمقابر والأسواق والأزقة والبوابات في مدينة نيشابور، يبدو لنا أنّها كانت مدينة كبيرة عامرة وأنّه لها موقع ممتاز في عصور ما قبل الإسلام، وكانت تعتبر من أمهات مدن خراسان. وبالرغم من أنّ تأسيس هذه المدينة يعود إلى الملك شاپور بن أردشير ولكن الآثار التي اكتُشفت في أنقاش مدينة نيشابور القديمة حتّى الآن تشير إلى أنّ تاريخ تأسيس نيشابور يعود إلى قبل هذا التاريخ، وتبين من الكشفيات إنّ هذه المدينة دُمرت عدّة مرّات وأعيد بناؤها عدّة مرّات وما زالت الدراسات والمطالعات الأثرية جارية لتعيين تاريخ تأسيس هذه المدينة.
دخول المسلمين إلى نيشابور: على أي حال إنّ مدينة نيشابور هذه فتحها الأحنف بن قيس في عهد عمر بن الخطاب، وكان حاكمها آنذاك (ماهويه) الذي كان قد عيَّنه يزدجرد الساساني قد هرب منها وفتحها المسلمون سلماً، وفي عهد عثمان بن عفان عُيّن عبدالله بن عامر حاكماً على خراسان وكان هذا ابن خال الخليفة.
وفي عهد عبدالله بن عامر سصكان في قُهندِز نيشابور معبد كبير للزرادشتيين وكانت توجد معابد زرادشتية أخرى في أطراف مدينة نيشابور. ومن هذه المعابد ما زال معبدان موجدين إلى الآن: واحد في سهل رخ والآخر في ضاحية عشق آباد. وفور وصول عبدالله بن عامر إلى نيشابور أمر بتدمير معبد قُهنذِر وأسس مكانه مسجداً، فكان هذا المسجد أوّل مسجد أسّس في نيشابور في النصف الأوّل من القرن الأوّل الهجري.
ولمّا كان سكان نيشابور قد وافقوا على دفع الجزية فإنّهم احتجوا على تدمير معبد قهنذر فخص عبدالله بن عامر مكاناً بعيداً في المدينة لتأسيس معبد، ولهذا كانوا يسمّون جانباً من مدينة نيشابور بزقاق المعبد.
إنّ المهاجرين المسلمين الذين جاؤوا إلى نيشابور من الحجاز والأماكن الأخرى وصفوا مدينة نيشابور بأنّها أهم مدن خراسان نظراً لمساحتها وكثرة سكانها وازدهار تجارتها.
ولمّا كان مناخ المدينة معتدلاً والأرزاق متوفرة فيها فقد طابت لهم الإقامة فيها، وقد كان بين هؤلاء عدد من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.
ابتداء تعليم القرآن: أوّل من بدأ بتعليم القرآن في نيشابور هو يحيى بن صبيح، وكان مسجد يحيى بن صبيح في مدخل خان معربكه. وكان أبو زكريا بن عبد الرحمن التميمي الذي ولد في نيشابور معلمّا للقرآن.
وأخذ الدين الإسلامي ينتشر في خراسان كلّها وأصبحت نيشابور المركز العلمي والديني الأوّل للإسلام. وكثرة عدد الفقهاء والفضلاء والأدباء والمفسرين والشارحين والمحدثين والشعراء واللغويين والنحويين والرياضيين الذين ظهروا في نيشابور زادت في شهرة هذه المدينة في العالم الإسلامي.
رجالات نيشابور: خلال القرون الإسلامية الأربع الأولى كان عدد رجالات نيشابور البارزين قد بلغ ألفين وستمائة وخمسة وثمانين رجلاً منهم ألف وثمانمائة وستة من نيشابور نفسها وثمانمائة وتسعة وسبعون آخرون جاؤوا من سبعة وسبعين بلداً إسلامياً.
مقارنة بغداد بنيشابور: مدينة بغداد التي أصبحت فيما بعد المركز العلمي والديني بدئ بتأسيسها سنة 145 هجرية وانتهى بناؤها سنة 149 ولكي تصبح بغداد مركزاً لاجتماع العلماء والفضلاء احتاجت إلى فترة زمنية لم تقل عن خمسين عاماً فيتضح أنّ بغداد لم تكن قد كسبت أهمية من الناحيتين العلمية والدينية في القرنين الأولين وإنّما أصبحت فيما بعد مركزاً علمياً. ورغم أنّ بغداد كانت عاصمة الخلفاء العباسيين وكانت قد توفرت فيها التسهيلات الكثيرة لازدهار مختلف العلوم إلاَّ أنّ مدينة نيشابور كانت أعرق منها وتمكّنت فيما بعد أن تحافظ على موقعها العلمي والديني. وإذا طالعنا تواريخ القرون الإسلامية الأولى، فإنّنا لا نجد مدينة تشبه في ذلك مدينة نيشابور. وخلاصة القول: أنّ أهمية مدينة نيشابور العلمية وجهدها في نشر الدين الإسلامي وبسط العلوم المختلفة كانت بالغة الغاية ولمّا كانت نيشابور جزءاً من بلاد خراسان فيمكن القول إنّ خراسان كانت السبّاقة بين النواحي الإسلامية في نشر الدين الإسلامي وتأليف الكتب الإسلامية وازدهار العلوم المختلفة ونشر الأحاديث وأحكام القرآن وبث العلوم الدينية.
ولمزيد من المعلومات نذكر فيما يلي أسماء بعض الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وأسماء الرجال الذين هاجروا من المدن الأخرى إلى نيشابور لتلقي العلوم واستوطنوا فيها وأصبحوا من رجالاتها، هذه المدينة التي دمرها الجيش المغولي السفاك وزرع النباتات على أنقاضها.
الصحابة ومن إليهم المهاجرون إلى نيشابور: أحد هؤلاء الصحابة هو الحكم بن عمرو الغفاري الذي كان عاملاً مالياً على خراسان والصحابي الآخر هو شقيقه عطية بن عمرو الغفاري.
عبدالله الأسلمي الذي كان يقيم في المدينة ويقال أنّه توفي فيها.
عامر بن سليم الأسلمي ويقول حفيده عمرويه إن جدّه عامر بن سليم توفي فيها ودفن في مقبرة ملقاباد.
عثمان بن أبي العباس الثقفي.
المهلب ابن أبي صفوة (أي صفرة).
الصحابي قيس بن أبي وديعة الأنصاري الذي جاء إلى خراسان مع عبدالله بن عامر.
الصحابي محتقر بن أوس… الذي كان قد تكلم مع النبي (صلّى الله عليه وآله).
أبو رفاعة تيم بن أسد العدوي.
عثمان بن حبيب جاء إلى خراسان مع عبدالله بن عامر.
همان (همام) بن زيد وجاء مع عبدالله بن عامر إلى نيسابور وكان له أولاد وأحفاد في نيشابور.
أبو رشد بن رفاعة وابنه فريط جاءا إلى خراسان وسكنا فيها وأصبح لهما أولاد وأحفاد.
غالب بن عبدالله بن فضالة بن عبدالله وكان حاكماً على خراسان.
عبد الرحمن سرة بن حبيب كان يقيم في البصرة جاء إلى نيشابور لغزو سجستان وأقام في أبرشهراء نيشابور ثم انتقل إلى مرو وتوفي هناك وكان له أولاد هناك.
سعيد بن حريث جاء مع جيش الإسلام لغزو خراسان وتوفي فيها.
أبو بكر الأنصاري كان في مرو وتوفي فيها وكان له أولاد في قرية نيسيابورتره.
الصحابي الحخام أزقوت بن أبي الأسود. وكان أبو الأسود من مرافقي أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وتعلّم منه ثلاث مقدمات في علم النحو وعلّمها إلى خليل بن أحمد، وخليل علّمها إلى سيبويه وإلى آخرين وانتشر هذا العلم. وكان للحخام أبناء في مرو.
العباس بن مرادس السلمي الشاعر وكان له أبناء في مرو.
الصحابيان الاقرع وورقة ابنا حابس التميمي.
أوس بن ثعلبة التميمي جاء مع سعيد بن عثمان بن عفان إلى خراسان.
كعب بن عتيبة، له أبناء في مرو.
عبدالله بن خازم السلمي كان حاكماً من قبل عبدالله بن عامر وأقام في جُوين وله أبناء هناك.
أبو عمرو الأنصاري أقام في قرية بايشان في مرو وأولاده من العلماء الفقهاء.
محمد مولى الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وهو تاجر من مرو وكان اسمه ماناهيه وكان مجوسياً ولمّا سمع باسم النبي (صلّى الله عليه وآله) هاجر إلى المدينة فأسموه محمداً وأصبح مولى الرسول وعاد إلى مرو مسلمّا وكان منزله أمام باب جامع مرو.
التابعون: التابعون هم أولئك الذين اعتنقوا الإسلام دون أن يروا رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولكنّهم اتصلوا بالصحابة. فيما يلي أسماء بعض هؤلاء التابعين:
منهم:
1ـ جعدة المخزومي ابن أم هانىء أخت أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
2ـ أبو سعيد بن عبدالله التميمي الحسن البصري الزاهد الفقيه الواعظ.
3ـ أبو سليمان النيسابوري أخذ علم الحديث عن أنس بن مالك.
4ـ سعيد بن عثمان بن عفان ولد بالمدينة وجاء مع جيش الإسلام.
5ـ طلحة الطلحات كان مع جيش سعيد بن عثمان بن عفان وجاء إلى نيسابور.
6ـ عبدالله الصامت. وهو ابن أخ أبي ذر الغفاري.
7ـ علقمة بن قيس النخعي من تلاميذ أمير المؤمنين (عليه السلام).
8ـ عكرمة مولى عبدالله بن عباس بن عبد المطلب عاش فترة في نيشابور.
9ـ غياث بن عبدالله من كبار أصحاب أمير المؤمنين عليه (عليه السلام).
10ـ قتيبة بن مسلم من العلماء التابعين وكان والياً على خراسان.
أصبحت مدينة نيشابور رويداً رويداً وبفضل كثرة رجال الحديث والفقهاء والمفسرين وعلماء اللغة والنحو والعلوم الأخرى، أصبحت إحدى المراكز المهمة للعلوم الإسلامية، وقد وفد إليها رواد العلم من كل مكان واستقروا فيها واتخذوا منها موطناً ومن ترابها مدفناً. جاؤوا من الأندلس ومن شتى البلاد والمدن من اسفراين وأردبيل واستوا (ڨوچان) وأبهر وأبيورد وأشروسنة وبخارا وباحرز وبسطام وترشيز وبلخ وبردعة وبغداد والبصرة وبدزجان وتربت جام وبيهن وسبزوار وخسروگرد وتربت حيدرية وترمذ وحلوان وجوزجان وجدبن وجنابد وخُجند (تركستان) وخوارزم وخوي وخداف والدينور ودمشق وداحفان ودهستان والرقة (سوريا) والري وزور آباد وزن وساوه وسمرقند وسرخس وسيستان وسحنان وشوش والشاش وصفان وطالقان ومازندران وطرسوس (تركيا) وطوس وطبس وعدن وفارس وفسا وفارياب (تركستان الشرقية) وقزوين وقم والقيروان (شمال أفريقيا) وكابل وكسكر وكش (تركستان الشرقية) وكلات والكوفة وكرمان وجرجان والمدينة المنورة ومرو الرود ومصر والموصل ومكة المكرمة ونَسا ونوقان وواسط (العراق) وهرات وهمذان ويزد واليمن.
أسماء الشخصيات ورجال نيشابور الوافدين من البلاد الأخرى:
1 ـ من بلاد الأندلس (إسبانيا) جاء ستة طلاب لدراسة العلوم وأصبحوا من شخصيات المدينة.
2ـ من أسفراين: أربعون من أعلام نيشابور هم من أهالي مدينة أسفراين.
3ـ من استوا (قوچان الحالية) ثلاثة عشر من أعلام نيشابور هم من أهالي هذه المدينة أحدهم هو مسلم بن حجاج بن مسلم صاحب «صحيح مسلم» وهو من كتب الصحاح الستة. توفي ليلة الأحد الثاني من رجب سنة 261 هجرية وقبره في ميدان زياد بنيشابور.
4ـ من أردبيل ـ أبو العباس الوراق محمد بن أحمد بن عبدالله الأردبيلي من أعلام نيشابور.
5ـ من أبهر زنجان ـ أبو بكر القاضي عبد الرحمن بن محمد بن علوية الأبهري من أعلام نيشابور.
6ـ من أبيورد ـ ستة عن أعلام نيشابور.
7ـ من أشروسنه ـ حامد بن أبي حامد الأشروسني كان مدرساً للحديث في نيشابور.
8ـ من مدين بخارا ـ جاء إلى نيشابور خلال أربعة قرون، خمسون من رجال بخارا وأصبحوا من أعلام نيشابور.
9ـ من باخرز في خراسان ـ إثنان أصبحا من أعلام نيشابور.
10ـ من بسطام (بالقرب من مدينة شاهرود) خمسة أصبحوا من أعلام نيشابور.
11ـ من مدينة بست (كاشمر الحالية وترشيز سابقاً) واحداً وعشرون أصبحوا من أعلام نيشابور.
12ـ مدينة بلخ ـ ثلاثة وخمسون أصحبوا من أعلام نيشابور.
13ـ من مدينة بردع (حالياً في القفقاس) أربعة أصبحوا من أعلام نيشابور.
14ـ من مدينة بغداد التي تأسّست في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري. هاجر منها إلى نيشابور خلال القرنين الثالث والرابع الهجري واحداً وأربعون وأصبحوا من أعلام نيشابور.
15ـ من مدينة البصرة ـ إثنان وعشرون أصبحوا من أعلام نيشابور.
16ـ من مدينة بوزجان ـ مركز وقاعدة ترتب جام وما زالت آثارها وأنقاضها قائمة على مسافة فرسخين شرقي مدينة تربت جام ـ ثلاثة أصبحوا من أعلام نيشابور.
17ـ من بيهق وسبزوار وخسروگرد بالقرب من سبزوار ـ واحداً وعشرون أصبحوا من أعلام نيشابور.
18ـ من تربت حيدرية ـ من قرية زاوه ـ أبو عبدالله محمد بن أحمد بن المثنى السعيد النيشابوري من الأعلام وكان محدثاً كثير الحديث سافر إلى مدن كثيرة لتدريس الحديث.
19ـ من مدينة ترمذ في تركستان الشرقية ـ ثلاثة عشر جاؤوا لكسب العلوم الدينية وأصبحوا من أعلام نيشابور.
20ـ من حلوان ـ أبو الحسين محمد بن الفضل بن لؤلؤ الحلواني. أصبح من أعلام نيشابور.
21ـ من جوزجان (كوزه كنان في تركستان) أربعة أصبحوا من أعلام نيشابور.
22ـ من جوين في خراسان ـ ثمانية أصبحوا من أعلام نيشابور.
23ـ من جنابد (گناباد قهستان) خمسة أصبحوا من أعلام نيشابور.
24ـ من مدينة خُجند تركستان ـ إثنان وهما أبو عبدالله سليمان بن إسرائيل الخجندي وأبو الفضل أحمد بن يعقوب بن عفر بن الجنيد بن موسى التميمي. من أعلام نيشابور.
25ـ من خوارزم ـ إثنان هما أبو محمد عبدالله بن عبدالوهاب التميمي الخوارزمي وأبو بكر محمد بن جرير الأديب الخوارزمي من أعلام نيشابور.
26ـ من مدينة خوى في آذربايجان ـ محمد بن عبدالله الخوئي من أعلام نيشابور.
27ـ من خواف تربت حيدرية في خراسان ـ أبو الحسن علي بن قاسم بن علي الخوافي الأديب الشاعر من أعلام نيشابور.
28ـ من مدينة دينور (أراك) ـ أبو محمد حسن بن محمد بن عبدالله الدنيوري من أعلام نيشابور.
29ـ من مدينة دمشق (سوريا) خمسة أصبحوا من أعلام نيشابور.
30ـ من مدينة دامغان ـ إثنان هما أبو الحسن أحمد بن خلد الدامغاني وأبو محمد التاجر عبد العزيز بن محمد الدامغاني من أعلام نيشابور.
31ـ من سهل دهستان بشمال بجنورد على الضفة اليمنى من نهر أترك ـ أبو نصر عبدالمؤمن بن عبدالملك الدهستاني من أعلام نيشابور.
32ـ من مدينة الرقة (العراق) إبراهيم بن أحمد بن عبدالله الرقي من أعلام نيشابور، وكان جدّه سافر إلى نيشابور في عهد الطاهرية.
33ـ من مدينة الري. كانت مدينة الري من المراكز والقواعد العلمية الإسلامية في القرون الإسلامية الأولى، ومع هذا فقد ذهب خلال القرون الأربعة الأولى، أربعة وأربعون لكسب العلم والحديث إلى نيشابور وأصبحوا من أعلامها.
34ـ من زورآباد ـ على الحدود مع أفغانستان ـ أبو الفضل محمد بن أحمد بن الحسن بن زياد القيسي النيسابوري الزورآبادي من أعلام نيشابور. وكان منزله في زقاق رشته في باب معاذ بنيشابور.
35ـ من زوزن ـ كانت مدينة عامرة جدّاً ومن مناطق خراسان الحدودية، تتصل بمدينة تايباد. وجاء ذكر بلاد زوزنخ في كتاب گلستان والكتب التاريخية. ينسب إليها شخصيات أدبية وعلمية كثيرة، وقد دمرت هذه المنطقة تماماً لا يعيش فيها أحد. وفتحوا في الأعوام الأخيرة بعض قنواتها، أمّا بقية ضياعها فهي قاحلة ـ إثني عشر منهم أصبحوا من أعلام نيشابور.
36ـ من مدينة ساوه ـ أبو يعقوب يوسف بن إسماعيل بن يوسف الساوي من أعلام نيشابور.
37ـ من مدينة سمرقند ـ في ما وراء النهر ـ إثني عشر جاؤوا إلى نيشابور لكسب العلم خلال أربعة قرون أصبحوا فيما بعد من أعلام نيشابور.
38ـ من مدينة سرخس ـ مدينة سرخس القديمة هي الآن في أراضي الدولة الجارة. كانت مدينة عامرة جدّاً وفيها شخصيات علمية ـ تسعة عشر من رجالها أصبحوا من أعلام نيشابور.
39ـ من مدينة سيستان ـ رغم المسافة البعيدة بينها وبين نيشابور فقد جاء منها تسعة أصبحوا من أعلام نيشابور.
40ـ من مدينة سمنان ـ أبو الحسن عبدالله بن يونس بن عبدالله السمناني من أعلام نيشابور.
41ـ من مدينة سوس ـ من مدينة شوش في خوزستان ـ أبو سعيد محمد بن يوسف بن يعقوب السوسي من أعلام نيشابور.
42ـ من مدينة ساس ـ مدينة شاش (جاج) ي تركستان ـ ثلاثة عشر من أعلام نيسابور أهمهم محمد بن علي بن إسماعيل أبو بكر القفال الشاشي (إمام العصر في ما وراء النهر).
43ـ من مدينة صغاني ـ من مدينة جغانيان ـ محمد بن المشير الصغاني من أعلام نيشابور.
44ـ من مدينة طالقان قزوين ـ إثنان هما محمود بن خداش الطالقاني وأبو محمد عبدالله بن بشر بن عميرة البكري الطالقاني من أعلام نيشابور.
45ـ من طبرستان في مازندران ـ أحد عشر أديباً ونقيباً وواعظاً وصوفياً من أعلام نيشابور.
46ـ من مدينة طرسوس ـ على حدود بلاد الإسلام مع الروم وهي اليوم ضمن بلاد تركيا وفيها قبر عبدالله المأمون الخليفة العباسي ـ ثلاثة من أهالي طرسوس أصبحوا من أعلام نيشابور.
47ـ مدينة طوس ـ هضبة طوس والمدن الواقعة في منطقة طوس متصلة بأرض نيشابور وخلال أربعة قرون جاء منها إلى نيشابور تسعة وأربعون أصبحوا من أعلام نيشابور.
48ـ من مدينة طبس ـ أربعة أصبحوا من أعلام نيشابور.
49ـ من عدن على ساحل البحر الأحمر ـ أبو عمرو بكر بن أحمد بن زكريا الشاهد المعروف بالعدني من أعلام نيشابور.
50ـ من بلاد فارس ـ واحداً وعشرون أصبحوا من أعلام نيشابور، بينهم من كان فقيهاً أو أديباً أو نحوياً أو واعظاً أو مفسراً أو صوفياً أو قارئاً.
51ـ من مدينة فسا ـ أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي إمام أهل الحديث. من أعلام نيشابور.
52ـ من مدينة فارياب في تركستان الشرقية سُمّيت فيما بعد «أترار» وكان أمير تيمور الكوركاني قد توفي في أترار. إثنان هما داود بن محراق الفاريابي وأبو عثمان سعيد بن مشكان من أعلام نيشابور.
53ـ من مدينة قزوين ـ سبعة أصبحوا من أعلام نيشابور.
54ـ من قهستان وهي تضم طبس وبشروية وتون (فردوس) وگناباد (جناباد) وڨاين وزوزن. خلال أربعة قرون ـ أحد عشر منهم أصبحوا من أعلام نيشابور.
55ـ من مدينة قم ـ أبو الحسن علي بن موسى بن زيد الفقيه القمي إمام أهل الرأي في عصره ـ من أعلام نيشابور.
56ـ من قيروان بشمال أفريقيا ـ أبو عثمان سعيد بن محمد بن سلمة العارف الزاهد المغربي ولادته بالقيروان في قرية يقال لها كركنت، كان واحد عصره في الورع والزهد والصبر وجاور مكة فوق العشرة وتوفي في نيسابور سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة ودفن بجنب أبي حفص وأبي عثمان في الحيرة.
57ـ من مدينة كابل عاصمة أفغانستان حالياً ـ محمد بن الحسين الكابلي النيسابوري ـ من أعلام نيشابور.
58ـ من كسكر ـ في ضواحي مدينة رشت. وعباءات كسكر معروفة ـ أبو طاهر محمد بن محمد بن سعيد المعدل الكسكري النيسابوري ـ من أعلام نيشاور.
59ـ من مدينة كش ـ (المدينة الخضراء) في تركستان الشرقية وهي مكان ميلاد أمير تيمور الكوركان خمسة من المحدثين والفقهاء والزهاد من أعلام نيشابور.
60ـ من مدينة كلات ـ من نواحي خراسان ـ ومعروفة بكلات نادري ـ إثنان هما أبو محمد عمرو بن زرارة بن واقد الكلاتي النيسابوري وأبو أحمد محمد بن عبدالله الكلاتي النيسابوري. من أعلام نيشابور.
61ـ من الكوفة في العراق ـ إثنا عشر أصبحوا من أعلام نيشابور.
62ـ من مدينة كرمان ـ خمسة أصبحوا من أعلام نيشابور أهمهم أبو عبدالله محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني وله تصانيف كثيرة وهو صدر أهل الحديث في زمانه.
63ـ من مدينة گرگان (جرجان) خمسون نقيباً وأديباً ووراقاً ومحدثاً وعالماً أصبحوا من أعلام نيشابور.
64ـ من مدين ثلاثة هم أبو جعفر حسن بن محمد بن جعفر المديني الزاهد المدفون بمقبرة ملقاباد الذي يزار ويرجى إجابة الدعاء وأبو عبدالرحمن محمد بن إبراهيم بن القاسم المديني النيسابوري وأبو عبدالرحمن عبدالعزيز بن يحيى المديني من أعلام نيشابور.
65ـ من المدينة المنورة ـ مدينة النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ ستة خلال أربعة قرون أصبحوا من أعلام نيشابور أهمهم أبي الإسحاق الأسبح إبراهيم بن عبدالله بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول الحديث في نيشابور وتوفي سنة 285 هجرية.
66ـ من مدينة مرو ـ التي تبعد ستون فرسخاً من نيشابور ـ جاء منها أربعة وتسعون خلال أربعة قرون لكسب العلوم كان بينهم الفقيه والقاضي والزاهد والمحدّث وأهمهم أبو العباس المروزي أحمد بن معيد بن مسعود. قيل: ما أخرجت خراسان من الرؤساء مثل أبي العباس في الرأي والعقل والدهاء.
67ـ من مدينة مرو الرود بالقرب من مدينة مرو ـ أربعة أصبحوا من أعلام نيشابور.
68ـ من مصر ـ أربعة من أهالي مصر أصبحوا من أعلام نيشابور.
69ـ الموصل ـ مدينة الموصل في العراق ـ أبو تراب محمد بن إسحاق بن محمد الموصلي أصبح من أعلام نيشابور.
70ـ مكة المعظمة ـ من مدينة مكة عطاء بن أحمد أبي السايت المكي أصبح من أعلام نيشابور.
71ـ نسا ـ مدينة نسا بالقرب من عشق آباد في الأراضي الروسية وأنقاض هذه المدينة مدفونة تحت الحصى والرمال. خمسة وعشرون من أهالي نسا أصبحوا من أعلام نيشابور وأهمهم: أبو العباس حسن بن سفيان بن عامر بن عبدالعزيز بن النعمان بن عطاء الشيباني النسوي وهو من أهالي قرية بالوز على مسافة ثلاث فراسخ من مدينة نسا وهو محدّث معروف توفي سنة 303 هجرية.
72ـ نوقان ـ مدينة قديمة في سهل طوس وتعتبر اليوم من محلات مدينة مشهد المقدسة وكما جاء في ذكر طوس أنّ تسعة وأربعين من طوس وثلاثة من نوقان أصبحوا من أعلام نيشابور وهم: أبو تراب أحمد بن محمد بن الحسين الواعظ الطوسي النوقاني وأبو الحسن علي بن جعفر بن عبدالله الطوسي النوقاني وأبي بكر أبي تراب المسافري النوقاني.
73ـ الواسط ـ من مدينة واسط في العراق أربعة أصبحوا من أعلام نيشابور.
74ـ هراة ـ مدينة هراة التي كانت هي الأخرى قاعدة العلوم الإسلامية جاء إلى نيشابور سبعة وأربعون رجلاً لكسب العلوم الدينية وأصبحوا من أعلام نيشابور وأنّ الخواجة عبدالله الأنصاري المعروف بشيخ هراة أمضى فترة في نيشابور.
75ـ همدان ـ من مدينة همدان خمسة أصبحوا من أعلام نيشابور وأهمهم أبو حامد المزوري، أحمد بن الحسين بن علي قاضي القضاة في خراسان وكان والده من همدان.
76ـ يزد ـ إثنان من يزد وهما أبو محمد التاجر عبدالله بن محمد بن مهيمن اليزدي ومحمد بن أحمد بن جعفر اليزدي أصبحا من أعلام نيشابور.
77ـ اليمن ـ من بلاد اليمن على البحر الأحمر إثنان أصبحا من أعلام نيشابور وهما أبو جعفر محمد بن علي العلوي اليماني ومسلم بن عبدالعزيز اليماني وأبو عبدالله الخصيب.
إنّ هذا العدد من الرجال والشخصيات الذين جاؤوا إلى نيشابور من سبعة وسبعين مدينة إسلامية لكسب العلوم الإسلامية وأصبحوا من أعلام نيشابور خير دليل على أهمية هذه المدينة من الناحية العلمية وهي أيضاً خير دليل على أنّ ميدنة نيشابور كانت خير مكان لكسب العلوم والفنون وإنّ أساتذة بارزين كانوا دائماً يشرفون على الدراسة في هذه المدينة.
إنّ طريقة الإدارة والدراسة في هذه المدينة كانت إلى درجة ممتازة في القرون الإسلامية الأربعة الأولى بحيث أصبح ألفان وستمائة وخمسة وثمانون من الشخصيات البارزة ومن المؤلفين والشعراء واللغويين والنحويين، من أعلام هذه المدينة.
بعض أعلام مدينة نيشابور: فيما يلي أسماء عدد من أعلام مدينة نيشابور وهم من أهالي هذه المدينة:
1ـ أبو يعقوب إسحاق بن محمد بن محمد بن مطر الحنظلي راهويه كان في نيشابور وتوفي فيها. سأله مرة عبدالله بن الطاهر أمير خراسان: لماذا يقال لك راهويه؟ أجاب: ولدتني أمي في طريق مكة ولهذا سُميت براهويه أي المولود على الطريق. كان والدي يكره هذا الاسم ولكنّي لا أكرهه.
2ـ أبو محمد أحمد بن حريس قاضي نيشابور وهراة.
3ـ حمد بن خاج بن القاسم العاموي وكان له مسجد في نيشابور.
4ـ أبو عبدالله أحمد بن سنان القشيري الخرقني وكانت خركن قرية خارج مدينة نيشابور.
5ـ أحمد بن علي حموية النحوي النيشابوري.
6ـ أحمد بن محمد بن مضر المعروف بمعاذ النيشابوري.
7ـ أبو الحسن أيوب بن الحسن الفقيه الزاهد. وكان مسجده ومنزله في محلة نصر آباد بنيشابور وقبره في رأس ميدان زياد.
8ـ أبو سعيد أشرف بن محمد القاضي النيشابوري من أعوان أبو يوسف القاضي.
9ـ أبو علي وهو عبدالله بن مبارك كان نصرانياً وأسلم وأصبح من أئمة المسلمين.
10ـ أبو أحمد المحدث وكان يروي الكثير من الأحاديث.
11ـ أبو عبدالله المطوعي النيسابوري، كان صاحب صومعة ومسجد وكان الأهالي يطلبون البركة من مسجده وصومعته.
12ـ خشنام الصديق النيشابوري ـ وكان منزله في سوق عمار في زقاق معن آباد.
13ـ أبو محمد زياد بن عبدالرحمن وينسب إليه ميدان زياد نيسابور.
14ـ زنجويه بن عبدالرحمن العابد النيسابوري وكانوا يسمّونه زنجويه الحيري وهو من محلة الحيرة.
15ـ أبو القاسم سهل بن بشر بن أبو القاسم الفقيه الملقب بسهلويه.
16ـ سعيد بن الصباح النيشابوري شقيق يحيى وتنسب إليهما محلة وخان في نيشابور.
17ـ سعيد بن سلام بن قتيبة بن مسلم، والى نيشابور.
18ـ أبو طلحة طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن شادان الخزاعي ذو اليمنيني وإلى خراسان.
19ـ أبو القاسم طاهر بن عبدالله بن عطا أمير خراسان، توفي في شهر رجب سنة 248 هجرية.
20ـ عبدالله بن هارون بن عبدالله بن مأمون بن هارون الرشيد الخليفة العباسي وكان من علماء نيشابور.
21ـ عبدالله بن يوسف بن خرشيد الدويري النيسابوري. ودوير قرية على باب بوابة نيشابور.
22ـ أبو محمد عبدالله بن مخلد التميمي النيسابوري النحوي.
23ـ أبو عبدالرحمن عبدالله بن محمد البرهاني النحوي النيسابوري.
24ـ أبو العباس عبدالله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق الخزاعي أمير نيشابور.
25ـ عبدالرحمن بن عمار النيسابوري الشهيد وإن زقاق عمار يُنسب إلى والده.
26ـ أبو الصلت عبدالسلام بن صالح بن سليمان بن ميسرة خادم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام).
27ـ علي بن جمعة بن هاني بن قنبر عبدالإمام علي (عليه السلام) حيث إنّ هاني بن قنبر جاء إلى نيشابور مع جعدة من هيبرة ابن أخت أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وإنّ آل قنبر في نيشابور كانت عائلة كبيرة.
28ـ أبو الحسن علي بن الحسن بن موسى الهلالي الدارابجردي، ودارابجرد محلة متصلة بمدينة نيشابور.
29ـ أبو الحسن علي بن مخلد بن شيبان النيسابوري، وكان منزله في رقاق زنجويه.
30ـ عقيل بن خويلد بن معاوية بن سعيد كان قد حُظي بمقابلة الرسول (صلّى الله عليه وآله).
31ـ أبو نصر الشاهنبري فتح بن رخ بن سنان بن رشد بن عبدالله العامري. وشاهنبر كانت محلة في عليا مدينة نيشابور.
32ـ أبو عبدالله الفقيه، الأديب محمد بن إبراهيم بن سعيد بن عبدالرحمن العبدي جاء إلى نيشابور وتوفي فيها.
33ـ أبو جعفر الديباج محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) جاء إلى نيشابور ودرس عند مشايخ نيشابور وتوفي بجرجان وقبره هناك.
34ـ أبو عبدالله السعراني الصواف محمد بن الحسين بن طرخان النيسابوري. وسوق طرخان في نيشابور يُنسب إليه.
35ـ أبو بكر الفقيه الزاهد محمد بن داوديه بن منصور. توفي في شهر صفر سنة 265 هجرية، ودُفن في مقبرة محلة الحيرة.
36ـ أبو عبدالله محمد بن رافع بن أبي زيدا القشيري، شيخ عصره. كان منزله في السوق الأولى في بستان زارس.
37ـ أبو أحمد الفقيه الأديب محمد بن عبدالوهاب بن حبيب بن مهران العبدي الفرا. وهو أعقل المشايخ ولُقب بـ «حمد». وكان أهالي نيشابور يسمّون محمد، «حمد» أو «حمش» ويسمّون أبناءهم «حمد».
38ـ أبو عبدالله النيسابوري محمد بن عقيل بن خويلد بن معاوية بن سعيد الخزاعي، من أعيان العلماء الصالحين، وإنّ المسجد والمئذنة الموجودة في رأس زقاق حرب تنسب إليه.
39ـ أبو عبدالله الذهلي محمد بن يحيى بن عبدالله بن خالد بن فارس النيسابوري إمام عصره في علم الحديث.
40ـ أبو الحسين القشيري النيسابوري مسلم بن حجاج بن مسلم مؤلف «صحيح مسلم» كان منزله في محلة زمجار نيشابور وكان يعيش من العرصات التي كان لديه في استوا (قوچان الحالية) وتوفي في شهر رجب سنة 261 هجرية وقبره في رأس ميدان زياد بنيشابور.
41ـ مسلم بن الحسين بن معاذ بن مسلم النيسابوري وكان قد جلس مع سفيان بن سعيد الثوري.
42ـ أبو محمد نصر بن زياد بن نهيگ قاضي نيشابور. وكان على مذهب الكوفيين. توفي سنة 236 وهو في السادسة والتسعين من العمر.
43ـ أبو محمد نصر بن محمد بن النصر بن سلمة بن الحرود بن يزيد النيسابوري البيشكي. وبيشك هي قصبة «رخ» وقبره هناك ويُزار. يقول يحيى بن منصور القاضي: عندما سافر سعيد بن عثمان بن عفان إلى خراسان وصل إلى بيشك قادماً من أصفهان ومرض هناك وتزوج في بشك وأصبح له بنت من زوجته البيشكية أسماها عين النساء. تزوجها محمد بن نصر البيشكي وهو من علماء زمانه وأنجبت له ولداً أسماه نصراً وأنّ نصر بن محمد البيشكي هو جدّ والد أبي الحسن المحمي النصر بن سلمة بن عروة أبو سعيد النيشابوري.
44ـ محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن عبدالله بن خلد بن فارس الذهلي، إمام نيشابور في الفتوى وينسب إليه سوقى ومسجد واستشهد.
45ـ يحيى بن حماد كاتب عبدالله بن طاهر والي خراسان وكان نيشابورياً.
46ـ يوسف بن يحيى الذهلي شقيق الإمام محمد بن يحيى الشهيد.
47ـ أبو الأسود. وتنسب إليه محلة أبي الأسود في أعلى مدينة نيشابور وكذلك بوابة تنتهي إلى طريق الجبل.
48ـ إبراهيم بن إسحاق بن حمدان بن عبدالله الثقفي النيسابوري. أقام في بغداد حتّى توفي فيها. واستدعاه أحمد بن حنبل وكان يمازحه وكان يتناول الفطور معه.
49ـ إبراهيم بن محمد بن نوح بن عبدالله بن خلد بن أشر بن أبو إسحاق المزكي النيسابوري. وكان والده يكنى أبو طالب. يقول عبدالله بن سعيد: لم أشاهد مثل إبراهيم بن أبي طالب. توفي سنة 295 هجرية ودُفن في مقبرة حسين بن معاذ. وقال أبو عبدالله محمد بن يعقوب الحافظ لا يوجد في مدينتنا نيشابور رجال في الحديث مثل محمد بن يحيى ومسلم بن الحجاج وإبراهيم بن أبي طالب. وإنّ لإبراهيم بن أبي طالب مصنفات في علم الحديث.
50ـ أبو إسحاق المالكي إبراهيم بن محمود بن حمزة الفقيه المعروف بالقطان. مسجده ومدرسته معروفة في ميان ديه. ولم يكن للمالكية معلمّا في نيشابور بعد أبو إسحاق.
تجنباً من إطالة الكلام نتوقف عن ذكر أسماء بقية رجال العلم والحديث وعلماء وشخصيات نيشابور. ونذكر هنا أنّ هذا العدد من الأسماء الموجودة في تاريخ أبو عبدالله الحاكم تعود إلى القرون الأربعة الأولى للإسلام وهناك رجال وشخصيات علمية أخرى في القرنين الخامس والسادس وأوائل القرن السابع الهجري. يجب مطالعة كتب الرجال والكتب الأخرى للتعرّف على أحوالهم.
وقد أحصى بعض المؤرخين النابغين من أبنائها خلال القرون الإسلامية الأربعة الأولى، فبلغ عددهم ألفين وستمئة وخمسة وثمانين نابغاً ما بين فقهاء وشعراء ومؤلفين ولغويين ونحويين. هذا عدا الذين وفدوا إليها ونبغوا فيها وصاروا من أبنائها ثم ماتوا فيها.
وفي العصر العباسي حكمها الطاهريون إلى أن قضى عليهم يعقوب بن ليث الصفاري. وبعد الصفاريين استولى عليها السامانيون وبعدهم الغرنويون. وبعد الغزنويين استولى عليها السلاجقة ووقعت فتنة الغُز في عهد حكومة السلطان سنجر السلجوقي في سنة 536 هجرية، حيث أغاروا على المدينة ونهبوها وقتلوا أهاليها ودمروها. وبعد السلاجقة جاء دور الخوارزمشاهيين. وفي عهد السلطان محمد خوارزمشاه سنة 618 هجرية دخلها الجيش المغولي وذبح أهاليها ونهبها ودمرها وزرعوا أراضي المدينة بعد تسطيحها ودفن تحت الأنقاض الكثير من الكتب ومؤلفات النيسابوريين.
إنّ الفتح المغولي لنيشابور والقضاء عليها بيد المغول أفقدها قاعدتها العلمية. وحتّى يومنا هذا وبعد مرور سبعمائة وسبعين عاماً على هذه الكارثة لم تتمكن نيشابور من استعادة موقعها السابق.
والجدير بالذكر أنّ نيشابور دمرتها الزلازل العنيفة عدّة مرّات. وخلاصة القول: إنّ مدينة نيشابور كانت قاعدة خراسان وأقدم قاعدة للعلوم الإسلامية في إيران.
عبد الحميد المولوي
قضاء([283]*) نيشابور
وأهم الأحداث التاريخية
(قضاء) نيشابور قاعدته مدينة نيشابور ومساحته 9308كلم مربعاً وعدد سكانه حسب إحصاء سنة (1370هـ / 1991م) بلغ 399,287 نسمة. والكثافة النسبية السكنية فيه حوالي 42 شخصاً في كل كيلومتر مربع واحد… ويحتوي على 632 قرية ويقع في القسم المركزي من محافظة خراسان. بين الطول الجغرافي 6580 ْ إلى 7590 ْ والعرض الجغرافي 42350 ْ. يحدّها من الشمال قضاء چناران وقوچان ومن الجنوب قضاء كاشمر وتربت حيدرية ومن الشرق قضاء مشهد ومن الغرب قضاء أسفراين وقضاء سبزوار.
وهو يتألف من خمسة أقسام هي:
1ـ تحت جلگه [السهل التحتاني] وقاعدته بزغان والقرى التابعة له هي: تحت جلگة وطاغنكوه وفيروزه.
2ـ زيرخان [الخان الأعلى] قاعدته قدمگاه والقرى التابعة له هي: أردوغش وإسحاق آباد وزير خان.
3ـ سرولايت وقاعدته چكنة والقرى التابعة له هي: بينالود وسرولايت.
4ـ ميان جلگة [السهل الأوسط] قاعدته عشق آباد والقرى التابعة له هي: غزالي وعشق آباد وبلهيرات.
5ـ المركزي وقاعدته مدينة نيشاور والقرى التابعة له هي: دربقاضي وريوند وفضل ومازول.
تقع هضبة نيشابور في سفح جبل بينالود؛ وهذا الجبل هو امتداد سلسلة جبال ألبرز يمتد إلى الجانب الشمالي الغربي والجنوبي الشرقي. وأعلى قمة في هذه السلسلة من الجبال ارتفاعها 3400 متر ويقع في الشمال من نيشابور وهو في الوقت نفسه أعلى قمة في خراسان.
إنّ هضبة نيشابور المرتفعة محصورة بين جبال بينالود والجبل الأحمر وتربط سهل إيران بهضبات آسيا الوسطى. وإنّ هذا الطريق كان خلال قرون متتالية أحد أهم الطرق الرئيسية وكان طريق المسافرين والطريق التجاري والطريق العسكري الذي يسلكه الجيش خلال الحروب خلال الفتوحات. وللأسف فإنّه كان في الوقت نفسه طريق القبائل المعتدية في هجماتها الوحشية البربرية.
واليوم تربط هذه الهضبة مدينة مشهد بالعاصمة طهران بطريق القطار الحديدي. إنّ موقع نيشابور الاستثنائي طوال العصور الماضية كان حسب مقتضيات الزمان إما لإفادة مدينة نيشابور أو للإضرار بها. ففي عهود السلام والاستقرار كان سبيل الإعمار والازدهار والتجارة فيها، وذلك لما تحتويه هذه الأرض من المصادر الطبيعية مثل معادن الفيروز ولخصوبة ترابها واتساع مساحتها. أمّا في زمن الحرب، ولأنّها كانت مطمح أنظار الأعداء والمهاجمين فكانت عُرضة للحملات المتعددة ممّا أدّى بها إلى الانهيار المتواصل. فالمعالم والآثار الكثيرة الباقية في أطراف المدينة تؤكد مدى اتساع هذه المدينة في العصور القديمة.
سبب تسيمة نيشابور
أقدم وثيقة تشير إلى نيشابور هي الأفستا التي تذكر تحت كلمة «رئونت» ومعناها العظمة والجلال. ويحتمل أنّ هذه الكلمة تحوّلت فيما بعد إلى كلمة «ريوند» وهي الآن اسم إحدى القرى التابعة لنيشابور. وفي بعض نصوص العصر الإسلامي نشاهد كلمة «أبَرْشهر» بدلاً من نيشابور ويُحتمل أن تكون هذه الكلمة استعملت في عصور ما قبل الإسلام. إنّ المسكوكات التي اكتشفت تؤكد هذا الأمر. فمثلاً نقرأ في المسكوكة التي تحمل صورة قباد الساساني كلمة «أبَرْشهر».
والحديث عن كلمة «أبَرْ شهر» مستفيض، فهناك من يقول إنّ «أبَرْشهر» مأخوذة من «أپرناك» التي تعود إلى قوم «پرني» وهم أسلاف البارتيين. ومن يقول إنّ المقصود بـ «أبْرشهر» المدينة الغائمة أو السحابية أو المدينة في ارتفاعها للسحاب. ولكن هذه الأقوال مرفوضة، فربما تكون الكلمة الأولى وهي «أبَرْشهر» مقبولة لأنّ كلمة «أبَرْ» تعادل كلمة «بَرْ» ومعناها المكان المرتفع والكبير.
المسكوكات الموجودة من عنصر الباكتريين في أفغانستان تشير إلى ملك اسمه «نيكه فور» وكانت سلطته واصلة إلى نيشابور وتقول بعض الروايات أنّه هو الذي شيّد هذه المدينة التي تحوّلت فيما بعد إلى «نيسه فور» و«نيسافوز» وأخيراً إلى «نيشابور». وكلمة «نيسافور» معناها بالعربية الشيء الذي له ظِلّ وربما سمّيت بذلك لوجود أشجار كثيرة هناك يستريح الناس تحت ظلالها… وكلمة نيشابور كانت تستعمل في العصر الساساني على شكل «نيوشاپور» ومعناها المكان الجيّد والطيب لشاپور لأن شاپور الثاني هو الذي حدد بناءها. ولكن الكثيرين من المؤرخين يعتقدون أنّ شاپور الأول هو الذي بناها وإذا اعتبرنا كلمة نيوشاپور صحيحة في تسمية هذه المدينة فإنّ كلمة «نيو» يمكن اعتبارها كما تلفظ اليوم «نو» بمعنى الجديدة. إذاً إنّ معنى كلمة «نيشابور» هي المدينة التي جُدّد بناؤها، ومن المؤكد أنّ شاپور الأول هو الذي بنى هذه المدينة وبعد كارثة الزلزال الذي أصابها فإنّ شاپور الثاني أمر بإعادة بنائها فسُمّيت باسم «نيوشاپور».
كانت مدينة نيشاپور في أوائل الإسلام معروفة باسم «أبَرشهر» وجاء هذا الاسم على المسكوكات في العصرين الأموي والعباسي. وسُمّيت أيضاً «إيران شهر» وربما كان ذلك عنواناً فخرياً لهذه المدينة. ولمّا كانت هذه المدينة إحدى المدن الأربع التي توالت قاعدة لخراسان فقد سُمّيت أيضاً بـ «أم البلاد».
وكان زرادشت قد أسّس إحدى ثلاث معابد النار المعروفة في إيران واسمه «مهربرزين» في جبال نيشابور.
في أوائل القرن الثالث الهجري، أي سنة 205 أصبحت خراسان تحت سلطة (طاهر بن الحسين) الذي اختاره المأمون والياً ولكنه استقل بأمره وأغفل ذكر الخليفة العباسي في خطبة الجمعة على أنّه توفي نفس الليلة فخلفه ابنه طلحة في حكم خراسان وسيستان وتوفي طلحة سنة 213 هجرية وخلفه أخوه عبدالله بن طاهر في الحكم فجعل نيشابور عاصمة له في سنة 215 وبادر في إعمار المدينة واعتنى عناية الزراعة وحفر القنوات وإصلاح أمور الري وبناء عمارات جديدة وتأسيس قرى كثيرة.
وقد بنى لنفسه بستاناً ومقراً خارج مدينة نيشابور أسماه شادياخ.
وفي أوائل النصف الثاني من القرن الثالث الهجري أي سنة 259 احتل يعقوب ليث الصفاري مدينة نيشابور وبعد وفاته جعل عمرو بن ليث الصفاري سنة 279 هجرية مدينة نيشابورعاصمة له وبنى عمارات كثيرة في المدينة. وبعد وفاة عمرو وقعت خراسان في قبضة السامانيين وظلّت نيشابور عاصمة في عهد هذه السلالة. وبعد السامانيين جاء دور الغزنويين فكانت مدينة نيشابور قاعدة الولاية تابعة لمدينة غزنين. ثمّ أصبحت نيشابور سلطة السلاجقة. وفي سنة 429 هجرية استولى طغرل بيك السلجوقي على المدينة وجعلها عاصمة له حيث استعادت موقعها السابق ولكن بعد وفاة طغرل نقل خلفه ألب إرسلان بلاطه إلى أصفهان بعد أن كان قد قضى فترة طويلة من حكمه في مدينة نيشابور. وفي سنة 437 هجرية عندما مرّ ناصر خسرو العلوي بنيشابور كانت في ذروة ازدهارها.
أصبحت نيشابور حضارياً وثقافياً في حكومة السلاجقة وخاصة في عصر ملكشاه بفضل مساعي وزيره خواجه نظام الملك الطوسي ذائعة الصيت في العالم، وتأسّست فيها المدرسة النظامية، كما تأسّست ثلاث عشرة مكتبة كانت أهمها تحتوي على حوالى خمسة آلاف كتاب وسُمّيت نيسابور «دار العلم» وكانت خلال أعوام متتالية مركز تجمّع العلماء والمفكرين. وبصورة عامة يمكن القول بأنّ نيشابور بعد العصر السلجوقي إلى هجوم المغول كانت دائماً قاعدة ولاية خراسان الكبرى.
فتنة الغُز في نيشابور
كانت قبائل الغُز مثل السلاجقة من التركمان المسلمين مستوطنين في ما وراء النهر ورحلوا إلى أطراف مدينة بلخ بعد استيلاء القراختائيين على هذه الديار ولكن الأمير قماج حاكم بلخ المنصوب من قبل السلطان سنجر طلب منهم مغادرة هذا المكان فرفضوا ذلك وطلبوا من قماج أن يدفعوا له الضرائب ويستمروا في البقاء في مراتع بلخ ولمّا تعذّر ذلك دخلوا الحرب مع قماج ونهبوا مدينة بلخ ثمّ تقدّموا بالاعتذار إلى السلطان سنجر وأعلنوا استعدادهم لدفع أموال كثيرة له وإرسال الكثير من المواشي إليه سنوياً على أن يبقوا في مراتع المنطقة إلاّ أنّ سنجر رفض ذلك وتوجّه للحرب معهم مع حوالي مائة ألف مقاتل.
وفي شهر محرم سنة 548 انكسر سنجر وكان الأمر كذلك في شهر جمادى الأولى من السنة نفسها انكسر حبيش سنجر بالقرب من مدينة مرو وقُتل الأمير قماج في هذه المعركة وأسر سنجر وزوجته ثمّ قامت قبائل الغز بمذابح في كل من مرو وبلخ وطوس ونيشابور واستشهد في هذه المعارك الكثير من العلماء والزهّاد ورجال الدين في نيشابور التي دمروها ومن جملة ما قاموا به في نيشابور نهب المكتبات السبع وإشعال النار في خمسة مكتبات كبيرة معروفة. كما دمروا خمسة وعشرين داراً للعلم. وأشار الكثيرون من المؤرخين إلى الدمار الذي أصاب هذه المدينة، ومن جملة هؤلاء الشاعر الكبير الخاقاني الذي رثاها شعراً. أمّا قادة جيش سنجر فإنّهم خلال السنوات الثلاث التي كان فيها سنجر أسيراً في أيدي الغز نصبوا ولي عهده سليمان شاه ملكاً في نيشابور ولكنّه كان ضعيفاً وخوافاً من الغز فذهب إلى العراق في شهر صفر سنة 549. فاستدعى قادة جيش سنجر ركن الدين خاقان محمود ابن أخت السلطان سنجر من ما وراء النهر إلى خراسان وقرأوا الخطبة باسمه في نيشابور. وفي هذه الأحوال تمكّن أحد غلمان السلطان واسمه مؤيد آي آبَه، أن يستولي على نيشابور وطوس ونساء وأبيورد وبيهق ودامغان واستقرّ في نيشابور وطرد قبائل الغُز من هذه الناحية. وأخيراً وافق على أن يدفع الضرائب السنوية إلى الخاقان محمود على أن تصبح هذه المناطق مستقلة. وفي أوائل سنة 551 تمكّن السلطان سنجر بتدبير من أحد قادة جيشه أن يهرب من مخالب الغُز، ولكن في الرابع عشر من شهر ربيع الأوّل سنة 552 توفي بمدينة مروشاهجان ودُفن هناك.
وكانت نيشابور قد تعرّضت للحريق سنة 538 أو 548 قبل هجوم الأتراك الغُز عليها.
وما سلم من هذا الحريق دُمر في هجوم الأتراك الغز، فغادر الناس المدينة وبنوا مدينة جديدة في ضواحي المكان الذي كان قد بناه عبدالله بن طاهر.
فتنة المغول في نيشابور
في سنة 618 هجرية كان طغاچارنويين صهر چنگيز المغولي ينهب الأهالي في نواحي نيشابور ووقف أهالي نيشابور يقارعونه، وكان القتال عنيفاً حيث قُتل ألف رجل من الجانبين في يوم واحد. ولكن أصيب طغاجار خلال عودته بسهم مات به وبعد أيام قليلة عرف أهالي نيشابور أنّ صهر چنگيز هو الذي قُتل في هذه المعركة وأنّ المغول لا يسكتون على ذلك. فاتّحدوا مع شرف الدين حاكم نيشابور وأقسموا اليمين على أن يقفوا بوجه المغول حتّى آخر قطرة من دمائهم.
ولمّا سمع تولي خان ابن چنگيز هذا الخبر توجّه بعد فتح مدينة مرو مع جيشه نحو نيشابور وأعلن لجميع قادة جيشه أن جنگيز قال بما أنّ أهالي نيشابور قتلوا طغاجار فلا يبقى أحد حياً في المدينة ويجب تدميرها وزراعة الشعير على أنقاضها. لذا قام الجيش المعروف بسفكه للدماء بمحاصرة المدينة في يوم الأربعاء منتصف شهر ربيع الآخر ومعه مائة منجنيق وعربة وثلاثة آلاف قاذف للنبال وأبعمائة سُلّم وثمانمائة مقاتل يقذفون النفط وآلاف الأطنان من الصخرة. أمّا شرف الدين حاكم المدينة فقد أقام أمام كل بوابة في المدينة إثني عشر ألف مقاتل فاستمرّت المعركة بين الجانبين ثمانية أيام قُتل خلالها الكثير من الجانبين كما قُتل عدد من كبار قادة تولي. وفي هذه الأثناء قرّر حاكم نيشابور بموافقة أئمة الدين وأعيان المدينة أن يرسلوا قاضي بلاد خراسان ركن الدين علي بن إبراهيم المعيشي إلى تولي معلنين خضوعهم وقبولهم بدفع الضرائب غير أنّ تولي خان رفض هذا الطلب واحتفظ بالقاضي عنده.
في اليوم التالي وبعد إقامة صلاة الجمعة في نيشابور. قام تولي خان بتفقد أطراف المدينة وقال لجنوده أريد أن تستولوا هذه الليلة على هذه المدينة. فبدأ الجيش هجومه مستخدماً المجانيق والنفط والمعدات الحربية الأخرى. فدخلوا المدينة من سبعين نقطة وبدأ حوالي عشرة آلاف جندي بمذبحة في الأهالي. وفي صباح يوم السبت دخلت زوجة طغاجار (ابنة جنگيز) إلى المدينة ومعها عشرة آلاف خيّال وبدأت عملية القتل والنهب والغارة حتّى يوم الأربعاء ولم يبق في المدينة حيّاً عدا أربعة أشخاص فقد قتلوا جميع الأهالي ودمّروا سور المدينة وجميع المنازل والقلاع والقصور وفتحوا سور المدينة لمدّة سبعة أيام ثمّ زرعوا في أنقاضها الشعير وبقوا هناك حتّى اخضرّت به الأرض واستمرّ إحصاء القتلى إثني عشر يوماً فبلغ عددهم مليون وسبعة وأربعين ألفاً من الرجال عدا الأطفال والنساء.
نيشابور بعد هجوم المغول
وبعد سنوات من هجوم المغول كانت مدينة نيشابور خالية من السكان ولم تُزرع القرى والأرياف والقصبات المحيطة بها وبقيت هذه الأرض الخصبة قاحلة بلا زرع. وفي أواخر عصر سلطة المغول، باشر غازان خان والسلطان أبو سعيد بإعمار المدن، التي كانت قد دُمرت في خراسان. ومن هذه المدن كانت مدينة نيشابور التي بدأ الإعمار فيها في ذلك الوقت. وفي عهد حكومة السربدارية توافد الأهالي من كل صوب نحو المدينة وبدؤوا بزراعة الأراضي والقرى والأرياف. ولمّأ كانت مدينة نيشابور القديمة، قد دُمرت تماماً، فقد أسّسوا المدينة الجديدة في الجانب الشمالي والغربي من المدينة القديمة ولكنّها أصيبت فيما بعد بكارثة الزلزال الذي دمّرها وقضى على الآلاف من أهلها.
الزلازل في نيشابور
يقول الحاكم أبو عبدالله بن النيشابوري صاحب تاريخ نيشابور: جاء في هوامش تاريخ اليميني الذي تمّ تأليفه سنة أربعمائة ونيف الهجرية أنّه منذ تأسيس مدينة نيشابور إلى سنة تأليف هذا الكتاب (تاريخ اليميني) ضرب ثمانية عشر زلزالاً المدينة ثمّ يعاد بناؤها ثانية وعاد للمدينة موقعها من الناحية السياسية والاقتصادية والثقافية إلى حدٍ ما.
وبعد هذه الزلازل الثمانية عشر التي لم يُذكر تاريخ وقوعها، فإنّ الزلزال الذي وقع سنة 530هـ دمّر نيشابور تدميراً كاملاً. ووقع زلزال سنة 555 أي بعد سبع سنوات من فتنة الغُز وإشعال النار في نيشابور فدمر المدينة، ومن بقي من أهلها ذهبوا إلى شادياخ. ولكن في سنة 666 ضرب نيشابور زلزال شديد أعنف من جميع تلك الزلازل بحيث لم يبق في المدينة عدا سبعون شخصاً كانوا جميعهم في الصحراء. وآخر زلزال عنيف ضرب المدينة كان سنة 808 في يوم الأحد الآخر من شهر جمادى الأولى.
يقول أبو القاسم الطاهري إنّ من المتعذر أن نعرف مكان مدينة نيشابور الجديدة بعد هجوم المغول عليها وكذلك أين تقع المدينة التي وصفها الرحالة المغربي ابن بطوطة في القرن الثامن الهجري. ولمّا كان لا يوجد في منطقة شادياخ أنقاض للمدينة فمن المحتمل أن تكون مدينة نيشابور قد بُنيت مكان نيشابور القديمة جدّاً، والدليل على ذلك آثار السوق القديم الواقع في الجانب الغربي من تل آلب أرسلان إنّ الزلزال قد دمر مدينة نيشابور بحيث لم يبق منها عدا تل من التراب وإنّ المكان الجديد لمدينة نيشابور يقع على مسافة ثلاثة أو أربعة أميال شمال وشمال غرب مدينة شادياخ. وعلى مسافة 24 ميلاً جنوب شرق مدينة نيشابور الجديدة توجد بعض الآثار يعتقد أنّها تعود لمدينة نيشابور في عهد الساسانيين. وفي الحد الفاصل بين هذه الأنقاض ومدينة نيشابور الحالية وعلى مسافة أربعة أميال إلى الجانب الجنوبي والجنوبي الشرقي توجد آثار وأنقاض نيشابور المعروفة في العصور الوسطى.
ربما تتمكن الحفريات في المستقبل أن تبين بصورة قاطعة أكيدة مكان تأسيس أوّل مدينة اسمها نيشابور، وإذا تمكن علماء الآثار من أن يتوصلوا إلى هذا الأمر فإنّهم يكونون قد توصلوا إلى حل أصعب مشكلة تاريخية حيث أنّ الزلازل المتتالية والتنقيبات التي قام بها السماسرة الذين يبحثون عن الكنوز قد دمرت مختلف مناطق نيشابور بحيث يتعذر على علماء الآثار القيام بتنقيبات علمية. ويشير صنيع الدولة في كتابه إلى نماذج من هذه الحفريات والتنقيبات التي قام بها الطامعون بالكنوز: «كان أهالي أطراف مدينة نيشابور يذهبون إلى الأنقاض المتبقية من نيشابور وكانوا خلال تنقيباتهم يعثرون على أشياء كثيرة بحيث كان هؤلاء السماسرة في عهد السلطان جلال الدين خوارزمشاه يستأجرون هذه المنطقة بمبلغ ثلاثين ألف دينار سنوياً وقيل إنّهم كانوا يعثرون في يوم واحد على أموال تعادل قيمتها قيمة ما دفعوه أي ثلاثين ألف دينار أو أكثر».
وفي سنة 735 هجرية عندما عبر ابن بطوطة في رحلته على نيشابور وصفها بأنّها دمشق الصغيرة، ويشير إلى كثرة الفواكه والبساتين والمياه فيها كما يشير إلى أسواق المدينة الواسعة المليئة بالبضائع.
نيشابور في عهد السربدارية
في سنة 740 هجرية عندما كانت مدينة نيشابور تحت سلطة سلالة السربدارية، كان المؤرخ والجغرافي الإيراني الكبير حمد الله المستوفي قد قضى فترة من حياته في خراسان وخاصة في نيشابور. ففي ذلك العهد كانت نيشابور تعتبر من المدن الإيرانية العامرة الهامة، وكانت الزراعة في هذه المنطقة والمناطق التابعة لها والتي سُمّيت فيما بعد بمنطقة ريوند قد بلغت ذروتها بحيث حسب قول حمد الله المستوفى أنّ أربعين طاحونة كانت تعمل ليل نهار على ساحل نهر بستان آباد.
نيشابور في العصر التيموري
لم تتعرض مدينة نيشابور للدمار والخراب في هجوم تيمورلنك عليها لأنّ حاكم سبزوار وحاكم نيشابور وهما علي مؤيد السربداري وعلي بيك جاني قرباني كانا قد أعلنا ولاءهما لتيمور. ويقول روي غونزالس دي كلاويخو المبعوث الخاص لهنري الثالث ملك الكاستيل وليون (إسبانيا) خلال مروره في مدينة نيشابور في شهر تموز سنة 1404م وهو يصف هذه المدينة. «تقع مدينة نيشابور وسط سهل تحيطها البساتين والبيوت الجميلة… مدينة كبيرة جدّاً فيها مختلف أنواع المحاصيل. نيشابور أكبر مدن خراسان… فيها معادن الفيروز ورغم أنّ هذا الحجر الثمين موجود في أماكن ومناطق أخرى، إلاّ أنّ فيروز نيشابور معروفٌ جدّاً وتوجد في أطراف مدينة نيشابور أراضي زراعة خصبة كثيرة».
ولكن كان من المقدّر أن تتحمل نيشابور بعد فترة من الأمن والاستقرار، كارثة زلزال كبير سبق أن تحدثنا عنه وهو أنه بعد سنة واحدة من جلوس شاهرخ ابن تيمور على سرير السلطة، وفي سنة 808 هجرية هزّ زلزال كبير مدينة نيشابور واستمرّ عدّة أيام فدمّر المدينة بصورة هائلة. ورغم أنّ نيشابور كانت قد رفعت رأسها واستعادت مجدها في عهد حكومة شاهرخ وبقية السلاطين الكوركانيين غير أنّ أهمية مدينة هرات المتزايدة يوماً بعد يوم في عهد الكوركانيين وانتقال العاصمة من قزوين إلى أصفهان في العصر الصفوي كانا السبب بأن تستعيد نيشابور ازدهارها السابق.
نيشابور في العصر الصفوي
والاختيار والقاجاري
بعد ازدهار مدينة مشهد بما هي أهم مدينة دينية، في العصر الصفوي، فإنّ حال مدينة نيشابور كحال مدينتي هرات ومشهد كان معرضاً لهجوم الأزبك والتركمان وأخيراً الأفغان.
الهجوم الأول الذي قام به الأفغان كان في أواخر عهد الشاه سلطان حسين الصفوي فأدّى إلى تدمير تحصينات نيشابور وبعض العمارات المهمة فيها. إلاّ أنّ هذا الدمار لا يقاس بالهجوم الثاني للأفغان. ففي سنة 1160 هجرية وبعد اغتيال نادرشاه قام أحد قادة جيشه أحمد خان الابدالي الذي اشتهر فيما بعد باسم أحمد شاه الدُرّاني، قام بمحاصرة مدينة نيشابور ولكنّه لم يتمكن في تلك السنة من أن يستولي عليها. ففي السنة الثانية جمع قوات كبيرة ووصل إلى سور المدينة وبعد حرب دامية فتح المدينة، وبدء يقتل أهلها. ويقول السائح الإنكليزي جورج كرزن بعد أن يصف الخراب الناجم عن الهجوم الثاني للأفغان على نيشابور «حسب أقوال أولئك الذين شاهدوا تلك الأحداث بأنفسهم وما زالوا أحياءً أنّ المصائب والبلايا التي لحقت بأهالي مدينة نيشابور إثر هجوم الأفغان عليها لا تقلّ عن المصائب والبلايا التي أصيبوا بها نتيجة هجوم التتر. وحسب أقوال أحد المعمرين المقيمين في نيشابور أنّ هجوم أحمد خان قد دمّر المدينة بحيث لم تبق دار واحدة عامرة للسكن وأنّ هذه الأحوال استمرّت مدّة طويلة». ولحسن الحظ فإنّه بعد وفاة أحمد خان الابدالي هدأت الأحوال في نيشابور وإن عباس قلي خان بيات الذي خلف أحمد خان في نيشابور دعى المزارعين والكادحين الذين كانوا قد غادروا المدينة وشجعهم على العودة وبدأ بتعمير وإصلاح سور المدينة وبعض العمارات. ورويداً رويداً بدأ الأهالي الذين كانوا قد غادروا نيشابور إلى الأدغال والكهوف بالعودة ولما وقعت نيشابور في أيدي آقا محمد خان القاجار كانت مدينة عامرة، ويصفها فريزر السائح الذي كان قد مرّ من هناك في سنة 1238 هجرية بأنّها مدينة طولها أربعة آلاف قدم وسكانها حوالي 30 إلى 40 ألف نسمة وإنّ النشاطات الاقتصادية غير فعالة.
المجاعة التي حدثت في سنة 1288 هجرية قد دهورت الأوضاع الاقتصادية في نيشابور بحيث اضطر أصحاب الحوانيت (الدكاكين) إلى أغلاق حوانيتهم ولم يبق من مجموع ثمانمائة حانوت إلاّ مائة وخمسون حانوتاً (دكاناً) كان أصحابها يعيشون بمرارة.
منذ بداية القرن الرابع عشر الهجري كانت مدينة نيشابور على شكل مستطيل يبلغ محيطه 3432 متراً. وفي المدينة شارعان رئيسيان أحدهما يمتد من الشرق إلى الغرب والثاني من الشمال إلى الجنوب يلتقيان في وسط المدينة وتتألف من التقائهما أربعة أسواق. كل واحد من هذه الأسواق يمتد إلى إحدى بوابات المدينة وهي: بوابة العراق وبوابة مشهد وبوابة آرگ وبوابة اگنار. ويعيش حوالي عشرة آلاف من أهالي المدينة في أربع محلات وهي: اصطخر وبالأگودال وسرسنگ وسعدشاه.
أغلبية أهالي نيشابور يعملون في الزراعة وفي مناجم الفيروز والملح. وتوجد في المدينة حوالى أربعمائة وخمسون حانوتاً (دكاناً) وفيها أحد عشر حماماً ومدرستان ابتدائيتان.
ويعتقد السائح الإنكليزي كرزن الذي كان قد دخل مدينة نيشابور سنة 1310 هجرية عن طريق بوابة پاگنار أنه من مسافات بعيدة قبل الدخول إلى المدينة تظهر الجدران المنهارة والأبراج المهمدمة وكذلك منارات المسجد بوضوح.
وبعد خمسة عشر عاماً من أوّل رحلة قام بها جورج كرزن إلى نيشابور وصل البحاثة والمحقق الأميركي جاكسون إلى مدينة نيشابور ويقول عنها: «إنّ سكان المدينة البالغ عددهم عشرة آلاف نسمة يعيشون في أربعة محلات رئيسية، والخانات في المدينة ليست كبيرة ولا صغيرة بل متوسطة وفيها عدة حمامات كبيرة وأسواقها ليست واسعة. كما يصف أعمال وفعاليات الحوانيت (الدكاكين) الموجودة في المدينة والبالغ عددها أربعمائة وخمسون (دكاناً) بأنّها مزدهرة فعالة والبناية الأثرية الوحيدة في المدينة هي مسجدها الذي يعود بناؤه حسب الصخرة المنقوشة فيه إلى سنة 1021 هجرية أي في عهد الشاه عباس الصفوي غير أنّ أساس البناية هي في سنة 899 هجرية وقام بإنشائها علي بهلوان الگرجي ابن بايزيد.
مصير نيشابور بعد التدميرات المتتالية
لم يسبق في العالم أن تكون مدينة اندثرت ودُمرت إلى الحد الذي وصلت إليه نيشابور ثم أُعيد بناؤها. إنّ هذه المدينة التاريخية العظيمة قاست من الطبيعة، كما ذاقت مرارة المهاجمين، وفي كل مرة تدمر كان يعاد بناؤها، وتبدأ من جديد. فكأنّما حكم عليها بالدمار المتواصل.
وإذا بحثنا عن أسباب هذا التدمير المتتالي، فإنّ أوّل هذه الأسباب هو موقعها، حيث أنّ هذه المدينة كما هو الحال بالنسبة للمدن القديمة مثل الري ودامغان تقع على الطريق الرئيسي لخراسان هذا إضافة إلى كون هذا الطريق ممر تجاري،فإنه استُخدم مرّات عديدة طريقاً لعدوان الأجانب. أمّا السبب الآخر فهو غضب الطبيعة على هذه المدينة حيث نرى أنّها تعرّضت مراراً لكارثة الزلزال، وكلّما بدأ سكانها بتجديد بنائها نرى غضب الطبيعة يعود عليها ويحوِّلها إلى أنقاض. ولهذا فقدت المدينة موقعها كأوّل مدينة رئيسية في بلاد خراسان وأصبحت بعد مدينة مشهد ثاني مدينة في محافظة خراسان، كما أنّنا لم نعد نشاهد بعد ذلك رجالاً كباراً مثل الخيام والعطّار وآخرين يبرزون من هذه المدينة ولا نجد مدارس وجامعات فيها كالنظامية.
أمّا السبب المهم الآخر الذي أصبح سدّاً أمام ازدهار المدينة من الناحية السياسية فهو وجود مركز ديني مذهبي سياحي كبير مثل مدينة مشهد التي ازدهرت بسرعة فائقة وأصبحت من أهم مدن خراسان بل من أهم مدن إيران. إنّ مدينة مشهد بعد أن دمّرت مدينة طوس بدأ ازدهارها على أيدي ابن تيمور ومن بعده على أيدي الملوك الصفويين بوجود المزار المقدس للإمام الرضا (عليه السلام) وأصبحت قاعدة خراسان بعد أن كانت نيشابور تحتل هذه المكانة. وهي إلى اليوم تمضي نحو التقدّم والازدهار بفضل وجود المرقد الطاهر للإمام الرضا (عليه السلام).
فيروز نيشابور
الفيروز حجر أزرق اللون ثمين ويعتبر من الأحجار الكريمة المعروفة في العالم ومناجمه موجودة في أماكن عديدة من الدنيا منها تركستان وآسيا الصغرى وجنوب غرب الولايات المتحدة الأميركية ونيومكسيكو وأريزونا وكولورادو ونِفادا. ولكن من بين جميع معادن الفيروز في العالم فإنّ معدن نيشابور أجودها وأغلاها. ويقول محمد بن منصور صاحب كتاب گوهرنامه «لا قيمة للفيروز غير النيشابوري» إنّ فيروز نيشابور سبعة أنواع وهي:
1ـ أبو إسحاقي، وهو شفاف للغاية ولونه جميل.
2ـ فيروز الأزهري هو قريب من أبو إسحاقي.
3ـ سليماني.
4ـ زرهوني.
5ـ خاكي.
6ـ عبد المجيدي.
7ـ عندليبي.
أمّا الفيروز الذي له لونان فيسمّونه الأبرش.
وتقع مناجم فيروز نيشابور في ستة وديان من الجبال المعروفة باسم بارمعدن على مسافة 50 كيلومتراً شمال غربي نيشابور في قطاع ريوند، وتمّ حتّى الآن حفر أكثر من ألف نفق في هذه الوديان للعثور على الفيروز. إنّ فيروز نيشابور معروف منذ القدم وإنّ المؤلفين والكتّاب أشاروا إليه في كتبهم ومنهم محمد بن بكران الخراساني سنة 605 هجرية في كتابه جهان نامه الذي ألّفه باسم السلطان علاء الدين خوارزمشاه حيث يقول: الفيروز المعدن الرئيسي في نيشابور في جبال بشان وأردلان ويسمّون معدّه بـ أبو إسحاقي وربما كان أوّل من عثر على هذا المعدن اسمه أبو إسحاق. وإنّ فيروز هذا المعدن أحسن وأقوى من بقية الفيروزات.
إبراهيم زنكنه
في نيسابور
يقول حسن الأمين: هذا ما كتبته عن نيسابور وقد زرتها سنة (1958م ـ 1378هـ):
ها هي ذي نيسابور، وها أنذا أمشي إليها هابطاً من القطار، وها هي ذي جاثمة أمامي في عرض السهل بشجرها الوريق وبنيانها العريق وشوارعها الظليلة.
هي ذي نيسابور، وعلى هذا الطريق مرّ أبو هلال العسكري وأبو منصور الثعالبي ونصير الدين الطوسي وفريد الدين العطار.
من هنا سلكوا، وهذا الثرى كان موطئاً لأقدامهم، وهذا الفضاء كان مسرحاً لأبصارهم!…
في هذه الظلال كتب أبو بكر الخوارزمي بدائعه، وخلف هذه الأبواب أملى بديع الزمان الهمذاني روائعه ومقاماته…
تحت هذا السقف أو ذاك خط «صحيح مسلم»، وفي هذا المنزل أو ذاك أنشئ «صحاح اللغة»، وعند هذه السرحات أو حول تلك الرحبات خرج كتاب «اليتيمة» وانتشر «التفسير الكبير».
بلى، ومن ها هنا، أو من هنالك كان يطل عمر الخيام على الناس ويمشي مستوحياً الحياة حكمته وشعره!…
ها هنا قد حلا لي أن أهتف مع النابغة:
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار
ماذا تحيون من نؤي وأحجار
وأنّ أنشد مع عنترة:
يا دار عبلة بالجواء تكلمي
وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي
إنّ الدمنة قد تستوقفك ولو لم تكن هي منزلاً لنعم أو مسكناً لعبلة، وإنّك قد تهيم بالنؤي والطلل، ولو لم تكن أنت شاعراً غزلاً أو عاشقاً معموداً.
وأي دمنة أعلق بقلبك من الدمنة التي عرف ثراها أبا حامد الغزالي وأبا بكر محمد بن إبراهيم النيسابوري. وروى صعيدها حديث الفضل بن شاذان ومحمد بن علي بن سهل.
ها هي ذي نيسابور أمامي أفتحها كتاباً وأجلوها صحفاً فتفيض أمامي علماً جمّاً وذكرى حيّة، وتبعث في نفسي أشجى ما تبعثه بقايا الأحباب.
ويوم كان يهولني التاريخ متحدثاً عن نكبة نيسابور بالمغول، بعدما كان يشوقني قاصاً سير العلم والأدب والشعر فيها، لم كن أحسب أنّي سألمس تلك النكبة بيدي وأحسسها بنفسي وأبصرها بعيني.
ولم أكن أتخيل أنّ الفجيعة قد بلغت هذا المدى بحاضرة الحواضر العلمية.
ولكنّني وأنّا أتطلع إلى هذا الركام المجتمع، وأمشي في هذه التلال المتلاحقة، واعلم أنّ ما اجتمع فكان ركاماً، وما تلاصق فاستحال تلالاً، لم يكن إلاّ دور المدينة المهدومة وقصورها المنقوضة ومدارسها المنسوفة.
ولكنّني أنا أرسل البصر إلى الآماد البعيدة فأرى امتداد الخراب، أوقن أن ما حدث المحدثون في التاريخ كان ليصوّر حقيقة المأساة، وأنّ كل خيال يقصر عن إدراك بربرية المغول ووحشية جنكيز وهمجية هولاكو.
لقد جئتها والأصيل، واحتوتني محطتها في مئات المؤمنين الهابطين إليها لصلاة العصر، ففي محطتها يتحتم على القطار العائد من (مشهد الرضا) أن يقف وقتاً يتّسع للصلاة، وهو تدبير إيراني لا مثيل له في أي بلد إسلامي آخر. ففي مناهج القطارات الإيرانية أن تقف في مواقيت الصلوات زمناً محدداً، وفي غرف القطار وأدلته ما يشير إلى مواعد الوقوف، فإذا هبط الهابطون للصلاة ـ كما فعلوا بجموعهم الغفيرة في محطة نيسابور ـ لم يهدروا الوقت في السؤال عن القبلة، بل إنّ سهماً مشرعاً في الفضاء مكتوباً عليه كلمة (قبلة) هو الدليل إلى القبلة، فمن شاء صلّى في الأرض الفضاء مستدلاً بالسهم ومن شاء مشى إلى مصلّى المحطة فصلّى فيه، ويستوي في ذلك الرجال والنساء، فلكل مصلاه المنفرد به.
وقد يتخيل الغريب العابر أنّ دليل القطار وسهم المحطة شكليان، وأنّ لا حقيقة وراء هذه المظاهر، ولكنّه ما أن يبصر الصفوف تتراص نظيمة بالمصلين، حتّى يدرك أنّ ما قرأه وما أبصره كان الحقيقة الخالصة.
وما استهوتني صلاة كما استهوتني صلاة أولئك المؤمنين وهم يتزاحمون على التطلع إلى الله مستقبلين القبلة متوجهين إلى الكعبة.
هنالك في محطة نيسابور في مصلاها وقف الإيرانيون يرتلون:
بسم الله الرحمن الرحيم، ويسألونه أن يهديهم الصراط المستقيم… وهنالك في البر المديد، تطلعت نفوسهم إلى البيت العتيق يناجونه من وراء الأبعاد ويرنون إليه من خلف الآماد.
ولقد هفوت لأنّ أقف في صفوفهم، وأن أرفع يدي بالقنوت كأيديهم، فما كان شيء أحبّ إليّ في تلك الساعة من سجدات على ذلك الصعيد وركعات بين تلك الحشود…
فيا أيّها المصلون في محطة نيسابور عصر اليوم الخامس عشر من ذي الحجة سنة 1378هـ: تقبل الله صلواتكم… وغفر لكم ذنوبكم، وأجزل لكم الثواب العظيم، فلقد كنتم صورة الإيمان الخالص والتقوى الصافية.
نيسابور الحاضر
شاقني السير في أزقة نيسابور، وطاب لي التجوال في أسواقها، فطفقت أمشي وأمشي في البلدة التي هي اليوم قرية كبيرة يناهز عدد سكانها الثلاثين ألفاً، لقد امتدّت إليها يد التجديد فأنشئت فيها شوارع حديثة وعمرت أسواق جديدة، فإذا تعديت ذلك فأنت أمام أزقة قروية وحوانيت ريفية.
وتمضي فيها فيطلع أمامك «بازارنو»، ومعنى بازارنو، السوق الجديد، ولكن ليس في السوق الجديد إلاّ القديم المعرق في القدم، ولقد كان ولا شك في يوم من الأيام جديداً فتطاول عليه العهد فعاد قديماً، ولم يحتفظ من الجدة إلاّ بالاسم فحسب، ولقد وددت لو تراءى لي القدم بعد أن رأيت الجديد، إذ لا أحسب أن وراء هذا الجديد مكاناً لقديم.
ها هنا في «بازارنو» يتجمع النجارون والحذاؤون والمنجدون، وحسبك بهذه المهن عراقة في القدم وعراقة في الجدة، وحسبك بها دليلاً على قدم هذا الجديد… وجدة هذا القديم.
وبازارنو ككل أسواق نيسابور القديمة معقود الأعلى بعقود حجرية تظلّله من الشمس صيفاً وتقيه من المطر شتاء.
وترى في نيسابور (البوابات) الخشبية الكبيرة ذات الحلقات الحديدية على ما تعهده من مدن الشرق القديمة… ترى هذه البوابات على طول الأزقة العتيقة في كل مكان.
أين اليوم من الأمس؟
ونيسابور مدينة الأعلام في الشعر والنشر والفقه والفلسفة والتصوف أين هي اليوم من كل ذلك؟
لا شك أنّها آخذة من النهضة الحديثة بأوفر نصيب، ولا شك بأنّ موجة التعليم الجديدة تمضي فيها على أغنى مثال، وإذا كنت لا أعرف إحصاء لمدارسها فحسبي أن أشير إلى (ثانوية الخيام) التي كان اسمها يلوح لنا في الطريق، وأن أشير إلى (مدرستها الفقهية) التي زرناها في بنائها القديم المتهدم بعضه، والتي عرفت أنّ فيها ما يناهز المائة من الطلاب، بعضهم من المدينة نفسها وبعضهم من أقاليمها.
لقد حدثت طلابها، فإذا هم كغيرهم من الطلاب الدينيين يدرسون باللغة العربية، ويبدؤون دراستهم بدراسة هذه اللغة وعلومها، إنّهم يفهمون العربية ويقرؤون بها، ولكن يعسر عليهم النطق بألفاظها، ولا تنطلق ألسنتهم بكلامها إلاّ حين ينتقلون لتحصيلهم العالي إلى النجف. ولقد رأيت واحداً ممن درس فيها ثم مضى إلى النجف وكان عائداً إلى بلاده ليتزوج ثم يعود إلى النجف، فإذا هو يبين بالعربية أحسن إبانة.
سألته أتود أن تعود بعد تخرجك من النجف إلى نيسابور؟… فإذا الفتى ذو مطامح بعيدة تضيق عنها مدينته، إذ أجابني أن نيسابور بلد صغير، فأنا سأقيم في «المشهد» فهي للدين والدنيا.
وسألت في نيسابور عن الصوفية ما شأنهم اليوم وقد كانت نيسابور من أعرق مدنهم وحسبهم فيها فريد الدين العطار، فعرفت أنّ فيها منهم بقايا يعدون بالمئات وأنّهم ـ والعهدة على الراوي الشيخ أحمد غرويان أحد وعاظ المدينة ـ لا يصلون مع الناس في المساجد العامة، بل يصلون في بيوتهم، وأنّ بينهم وبين الناس نوعاً من التجافي، وأنّه ليس لهم في نيسابور اليوم رباط ولا خانقاه على ما هو معروف من حال الصوفيين، وأسفت أن لم يتح لي الوقت القصير أن ألقى أحداً منهم لاستزيده معرفة بأحوالهم.
وفي نيسابور بعض البهائية، كما أنّ فيها العديد من الأرمن النازحين إليها من أذربيجان.
ولعل من مظاهر التسامح الديني أنّ نيسابورياً مسلماً كان يزين دكانه البسيط بصورة للمسيح المصلوب فيها الكثير من الفن والإبداع.
وفي نيسابور تصدر جريدة أسبوعية واحدة ذات أربع صفحات صغار اسمها «رعد خراسان» يصدرها الأستاذ هادي غازي.
والعالم النيسابوري (مؤيد ثابتي) أراد أن يعيد للمدينة بعض سيرتها في التأليف فأصدر كتاباً قيماً باللغة الفارسية عن تاريخ نيسابور.
وفي نيسابور مسجدها الجامع القديم، إنّ تاريخه يعود إلى سنة 899هـ ولقد جئناه وقت صلاة المغرب فرأينا فيه خمس جماعات لخمسة أئمة فاستدللنا أنّ في نيسابور خمسة مجتهدين.
وعندما كنّا في ظاهر البلدة مساء أبصرنا القرويين يعودون منها وقد تزودوا بحاجاتهم وانطلقوا إلى قراهم، بعض على الحمير وبعض على الخيل وبعض على الدراجات الهوائية، وكان ثلاثة رفاق يسيرون معاً: إثنان على دراجتيهما وواحد على فرسه.
قبر عمر الخيام
روايتان قرأتهما عن قبر عمر الخيام، وفي كل منهما ما يثير الفضول ويحفز لرؤية هذا القبر والتعرف عليه.
وإذا كانت شهرة الخيام قد طبقت الآفاق وسرت في كل عصر ومصر. بما لم تسر مثله سيرة شاعر شرقي آخر… فإنّ هذه الشهرة إنّما كانت لأنّ عمر كان شاعراً من طراز خاص، فرباعيات الخيام هي التي حملت اسمه إلى كثير من اللغات، وهي التي جعلت منه ذاك الرجل المشتهر.
ولكن الحقيقة أنّ الشعر هو بعض مواهب الخيام، وأنّ للخيام مواهب أخرى تفوق موهبته الشعرية، فهو قبل كل شيء حكيم، رياضي فلكي مهندس. وتغلب الشعر على الحكمة وغير الحكمة، وعرف العالم عمر الخيام صاحب الرباعيات.
رواية السمرقندي
قلت إنّي قرأت روايتين عن قبر عمر الخيام:
صاحب الرواية الأولى هو أقرب الرواة عهداً بالخيام ومن تلاميذه المعجبين به، هو النظامي السمرقندي الذي قال إنّه بعد وفاة الخيام التمس زيارة قبره فاصطحب دليلاً أخذه إلى قبره ـ الحيرة ـ وأشار إلى قبر عمر.
ويسترسل الراوي فيقول: إنّه سمع أستاذه حجة الحق عمر الخيام يقول: «سوف يكون قبري في بقعة تلقي عليها الأشجار زهورها مرتين كل عام». وأنّ السمرقندي زار القبر فوجده في حضن أشجار الخوخ والكمثرى، ووجده مغطّى بالنوار الذي يتساقط من تلك الأشجار، وعندئذ عرف صدق نبوءته لأنّ كلاً من هاتين الشجرتين تنبت أوراقها في موسم غير موسم الأولى…
رواية هارولد لام
وصاحب الرواية الثانية هو الكاتب الإنكليزي هارولد لام الذي قال:
ـ عندما كنت في إيران وجدت أنّ قلة من الناس تعرف قبر عمر… إلى أن يقول: وروى لي بعضهم أنّ الحجاج عندما يمرون بمدينة نيسابور لا يفوتهم أن يبصقوا على قبر الخيام.
بعد الروايتين
التلميذ الوفي الذي فاته ـ على ما يبدو ـ أنّ يشهد موت أستاذه، وأن يشيع جنازته، ثم رأى وفاء لذلك الأستاذ أن يصطحب دليلاً يرشده إلى قبره، هذا التلميذ الوفي حفظ لنا صورة جميلة عن قبر الخيام.
ووصفه للقبر، وحديثه عنه لا يدل على أنّه زاره بعد وفاة صاحبه بقليل، بل يدل على أنّ تلك الزيارة كانت بعد سنين قد تكون طويلة، فإلى أن يغرس الخوخ والكمثرى على القبر وإلى أن ينموا ويزهرا، لا بد لذلك من عدد من السنين غير قليل، ونفهم من هذه الرواية أنّ الناس عنوا بالخيام بعد وفاته وأنّهم حققوا له نبوءته، أو بالأحرى نفذوا وصيته، فإنّ هذا الذي يرويه السمرقندي عن لسان عمر الخيام هو أقر إلى أن يكون وصية من أن يكون نبوءة، وإن كان الخيام قد أورده على أسلوب النبوءة.
لقد احترم الناس إرادة الخيام، فجعلوا الأشجار تلقي زهورها على قبره في العام مرتين…
ويهمنا أن نعرف ما هو حال القبر اليوم وإلى أي مدى ظلّت نبوءة الخيام متحققة ووصيته نافذة.
زيارتي لقبر الخيام
لم أكن قد قررت الإقامة الطويلة في نيسابور بل كنت قد قررت أن أمضي فيها ليلة واحدة، لذلك رأيت أن أعجل بزيارة الأجداث التي لا تزال تحتفظ بها نيسابور لا سيما جدث عمر الخيام، وأكون مجافياً للحقيقة إذا أنا قلت إنّه لم تكن غايتي الأولى من زيارة نيسابور هي زيارة قبر الخيام، ولعلي أستطيع أن أعد من حسنات عمر الخيام أنّه كان السبب في زيارتي لنيسابور، ولولاه لفاتتني تلك المتعة الروحية التي أحسست بها في زيارتي لتلك المدينة الخالدة، ولولاه لما عشت تلك الساعات مستغرقاً في الذكريات النيسابورية العظيمة، ذكريات الفحول من شوامخنا الأفذاذ في العلم والشعر والأدب.
على قبر العطار
احتفظت نيسابور بقبور أربعة من أعلامها وعفى الزمن على قبور الآخرين… هؤلاء الأربعة هم الفضل ابن شاذان وفريد الدين العطار ومحمد المحروق وعمر الخيام، ولما تذهب إلى قبورهم تعرف امتداد المدينة ومدى ما بلغته من اتساع الرقعة قبل أن يدهمها المغول بغزوهم المدمر…
خرجنا من البلدة وقد انبسطت أمامنا السهول وبدت القباب فوق حقول القمح، وبعد أن سرنا قليلاً في طريق ـ المشهد ـ تركناه إلى طريق ترابي ترجنا فيه الحفر رجا حتّى بلغنا قبر فريد الدين العطار، فإذا هو في باحة واسعة مسورة بجدران من الطين اليابس، وفي الطرف الجنوبي من جدارها الغربي بضع غرف معدّة مقابر لبعض الأسر. أمّا القبر نفسه فيقع في الطرف الجنوبي من الباحة تحت قبة خضراء من الكاشي، وعلى القبر شاهدة عمودية كبيرة قديمة العهد نقشت على جانبها آية الكرسي، وفي وسطها أشعار صوفية فارسية، والشاهدة مستندة إلى عمود مضلع في أعلاه كتابة فيها أسماء النبي وعلي وفاطمة والأئمة الأحد عشر.
والعطار علم من أعلام الصوفية فضلاً عن منزلته العلمية والأدبية، وقد استهشد فيمن استشهدوا من أعلام نيسابور في الغزو المغولي الأوّل. ولنزعته الصوفية هذه، ولسوء ظن الناس بالصوفيين وشطحاتهم، قلّ تقدير النيسابوريين له وحبّهم إياه، وبالتالي قلّت زياراتهم لقبره، بل ربما انعدمت، واقتصرت على الصوفيين وحدهم، وأحسب أنّه لولا هذه البقية الباقية من صوفيي نيسابور لزال القبر من عهد بعيد.
على قبر الفضل بن شاذان
خلفنا العطار ومضينا في طريقنا إلى قبر الفضل بن شاذان، وكان الطريق بين حقول القمح الواسعة، وكنّا نسير فوق أطلال نيسابور القديمة فتبدو حولنا آثار شوارعها الزائلة…
ها هي السيارة تمضي بنا قدماً، وها هم القرويون على الطريق عائدون من المدينة إلى قراهم مزودين بما ملأ (إخراجهم) وأوقر دوابهم، وها هي الدراجات تنازع الدواب السيطرة على النقل، ها هي كثيرة على الدرب ذاهبة آيبة.
وما أن دخلنا القبر حتّى ادركنا الفارق بين عناية النيسابوريين بالفضل ابن شاذان وبين عنايتهم بفريد الدين العطار، وعرفنا فعلاً أنّ العطار لا يظفر إلاّ بعناية الصوفيين وحدهم، بينما يظفر ابن شاذان بعناية الجميع وإجماعهم على تقديره، ولا بدع فهو الفقيه الجليل صاحب الإمامين موسى الكاظم وعلي الرضا.
كان القبر في باحة مسورة مزروع بعضها قمحاً، وعلى القبر شاهدة أفقية، وأرضه مفروشة بالسجاد، وعلى جدرانه بعض الستائر والزيارات المكتوبة، وفوق الضريح كتاب ـ مفتاح الجنان ـ.
وفي الساحة الخارجية قبور كثيرة فوقها بلاطات صغيرة على مستوى الأرض مكتوب عليها أسماء أصحابها بعبارات عربية بحتة، فعلى أحد القبور مكتوب مثلاً: هذا مرقد مرحوم حسن ولد قربان 1312، وعلى قبر آخر: هذا مرقد مرحوم عباس علي ولد كربلائي يوسف 1325، وعلى قبر ثالث: هذا مرقد مرحوم يوسف علي ولد حسن 1288، إلى عدد كبير من أمثال هذه القبور.
وإذا استثنينا حذف الألف واللام من كلمة المرحوم، فالتعبير كما ترى عربي سليم.
ولكن هناك قبراً آخر لم يكتب اسم صاحبه بهذه البساطة، بل أنّه قبر معتنى بمظهره، وفوق هذا فإنّ اسم صاحبه مكتوب بشكل طريف. فصاحب القبر كان طبيباً لذلك نقش على قبره اسمه مسبوقاً بصفات تدل على ذلك، ولكن بمبالغات عجيبة لا أستطيع نقلها كلها، بل أنقل بعضها كمثال عليها:
«… مجمع كرامات النفساني والروحاني أفلاطون الدوراني وجالينوس الزماني ميرزا محمد طبيب توفي سنة 1233».
وإذا استثنينا الخطأ الوارد في كلمتي ـ الدوراني ـ و ـ الزماني ـ فإنّ العبارة هي الأخرى عربية. فما هو سر هذه القبور، ولماذا كتبت شواهدها بالعربية دون الفارسية؟
بقي ما قاله هارولد لام عن قلة من يعرفون قبر الخيام، وعمّا روي من أنّ ـ الحجاج ـ عندما يمرون بمدينة نيسابور لا يفوتهم أن يبصقوا على قبر الخيام.
أمّا عن الشطر الأوّل فيخيل إليّ إنّه صحيح إلى حد ما. وأمّا عن الشطر الثاني، فهو كلام فيه الكثير من الغلو. فالذي يظهر أنّه يقصد بكلمة الحجاج زوار قبر محمد المحروق المجاور لقبر الخيام، وإطلاقه كلمة ـ الحجاج ـ على هؤلاء غير صحيح، لأنّ كلمة الحجاج لا تطلق إلاّ على الذين يقصدون مكة في موسم معين.
هؤلاء الزوار هم دائماً من الأتقياء الورعين الذين يلمون بقبر محمد المحروق في طريقهم إلى زيارة الرضا، أو يقصدون المحروق بالذات ممّا جاوره من البلدان، وهؤلاء لا ينسون للخيام أنّه شاعر الخمرة، فلا ينظرون لقبره نظرة رضا، ولكن لا إلى الحد الذي ذكره هارولد لام، كما نرى من حديث قيم القبر الآتي.
قبر الخيام
يقع قبر الخيام في الضاحية الأخرى بعيداً عمّا كنّا فيه، إنّه فيما أسماه السمرقندي بمقبرة ـ الحيرة ـ، ولما أقبلنا عليه بدا لنا شيء لم نجد له مثيلاً من قبل لا في قبر العطار ولا في مقبرة الفضل.
لقد أبصرنا هنا على أبواب قبر الخيام، الرياض والشجر والأعشاب والأزهار والأوراد، ثمّ أقبلنا على باب ولجناه إلى ممر عريض يتوسطه صفان من الورد المتفتح، وعلى جانبيه صفوف من الشجر الغضيض الممتد حدائق رحيبة غناء.
ومشينا في الممر تستقبلنا قبة عالية، حسبنا أنّ الخيام يرقد تحتها، فعجبنا أن يكون للخيام مثل قبور الأولياء، وأن يجد من يعده ولياً من أولياء الله فيشيد على ضريحه مثل هذه القبة الشامخة التي توحي بأنّ صاحبها يزار ويقدس.
ولكن العجب زال حين عرفنا أنّ القبة ليست للخيام وأنّ نصيبه منها هو ليس إلاّ المجاورة، فإنّ صاحب القبة هو أحد أولياء الله حقاً من نسل الرسول، ويعرفه الناس باسم ـ محمد المحروق ـ وقد قدر للخيام أن يكون بعد الموت جاراً للأولياء… يضطر لزيارته من لا يفكر في زيارته.
أمّا قبر الخيام نفسه فيقوم إلى شرقي القبة ويفصله عنها فاصل بسيط.
وإذا كان السمرقندي يوم زار القبر قد وجده في حضن أشجار الكمثرى والخوخ، ووجد النوار يغطيه في موسمين مختلفين، فكذلك هو اليوم، ولكن باختلاف بسيط، هو أنّه في عصر السمرقندي كان الشجر يحتضنه والنوار يكسوه، أمّا اليوم فإنّ الشجر يطل عليه، والنوار يشارفه، ولعله ليس من باب المصادفة أن لا يكون الزهر والورد إلاّ حول قبر الخيام، وأن لا يكون على قبر الفضل وقبر العطار لا شجر ولا نوار ولا ورد ولا زهر. وإذا بدا أنّ العناية إنّما هي موجهة إلى جار الخيام ـ محمد المحروق ـ لا إلى الخيام نفسه، فإنّنا بعد أن قرأنا ما قاله السمرقندي نعتقد أنّ الشجر والورد قد تسلسلا على تلك الأرض منذ ذاك العصر حتّى هذا العصر، وأنّ نبوءة الخيام عن قبره ظلّت صادقة وستظل صادقة إلى ما شاء الله.
ومن طرائف القبر قيمه العجوز([284])، فقد سألته رأيه في عمر الخيام، فأبى أن يصرّح به، وقال بالعربية التي يحسنها قليلاً:
ـ غير معلوم.
ولكنّني ألححت عليه في السؤال فقال:
ـ هو حكيم رياضي…
ثمّ أخذ يتلو بالفارسية شعراً للخيام، ثمّ تكلم مع رفاقنا بالفارسية فضحكوا وقالوا لي: لقد صرّح برأيه، أنّه لا يحب الخيام، ولمّا علم أنّي عرفت رأيه ساءه ذلك، ثمّ قال بالعربية:
ـ يقولون شارب للخمر فاسق.
ولمّا سألته هل تحفظ شعره؟… قال: قليلاً منه، ثمّ قال:
ـ لا لزوم لي بشعره.
ولا شك أنّه متبرم باضطراره لمجاورة ـ شارب الخمر الفاسق ـ ولكن الذي يعزيه، أنّه في الحقيقة قيم قبر حفيد الرسول: التقي الورع ـ محمد المحروق ـ.
ولمّا هممنا بالعودة قدم لي القيم دفتراً لأسجل كلمة فيه، فكتبت كلمة قلت فيها:
لقد وقفنا على قبر الخيام متغاضين عن زلاته، مكبرين لمواهبه، معجبين به محترمين لقبره، وإن كان هذا يغضب صديقنا الجديد جار القبر السيد جعفر.
ولمّا عرف القيم مضمون ما كتبت ضحك طويلاً، وبدا راضياً عن هذا القول، وكان آخر ما ودعنا به أن هتف بي:
ـ نسألك الدعاء…
الشعر ونيسابور
ـ يقول ابن حوقل في كتابه (صورة الأرض): نيسابور تعرف بأبر شهر. وفيها يقول أبو تمام الطائي:
أيا سهري بليلة أبرشهر
ذممت إليّ نوماً في سواها
وفي نيسابور يقول رجل من بني سليم:
أليلتنا بنيسابور ردّي
عليّ الصبح ويحك أو أنيري
كواكبها زواحف لاغبات
كأنّ سماءها بيد مدير
|
وقال معن بن زائدة الشيباني:
تمطى بنيسابور ليلي وربما
يُرى بجنوب الري وهو قصير
فأصبحت أما من أُحب فنازح
وأما الأُلى أقليهم فحضور
أراعي نجوم الليل حتّى كأنّني
بأيدي عداة سائرين أسير
لعل الذي لا يجمع الشمل غيره
يدير رحى جمع الهوى فتدور
فتسكن أشجان ونلقى أحبة
ويورق غصن للشباب نضير
وقال أبو الحسن الاستراباذي، وهو بهذا الشعر ظالم لنيسابور ولأهلها:
لا قدّس الله نيسابور من بلد
سوق النفاق بمغناها على ساق
يموت فيها الفتى جوعاً وبرهم
والفضل ما شئت من خير وأرزاق
والحبر في معدن الغرثي وإن برقت
أنواره في المعاني غير براق
وقال المرادي وهو كسابقه:
لا تنزلن بنيسابور مغترباً
ألا وحبلك موصول بسلطان
أولاً فلا أدب يجدي ولا حسب
يغني ولا حرمة ترعى لإنسان
ولكن شاعراً نيسابورياً هو علي بن عبدالله بن أحمد النيسابوري المعروف بابن أبي الطيب قال وكأنّه يرد على هذين الشاعرين:
فلك الأفاضل أرض نيسابور
مرسى الأنام وليس مرسى بور
هي قبة الإسلام نائرة الصوى
فكأنّها الأقمار في الديجور
من تلق منهم تلقه بمهابة
رفت عليه لفضله الموفور
لهم الأوامر والنواهي كلها
ومدى سواهم رتبة المأمور
وهو وإن قصّر بالشاعرية ولم يجد بالشعر، فإنّه ما قصّر بالدفاع عن بلده وأجاد في النضال عنه.
وقال أبو العباس الزوزني المعروف بالمرادي: ليس في الأرض مثل نيسابور، بلد طيب ورب غفور.
نيسابور
ـ2ـ
مدينة نيشابور أو (نيسابور) إحدى المدن المهمة في محافظة خراسان، وتقع في الشمال الشرقي من إيران، وإلى الجنوب الغربي من مدينة مشهد المقدسة مركز المحافظة، وتبعد عنها بحوالي مائة كيلومتر، وهي تقع على إحدى الطرق البرية الرئيسية التي تربط طهران بمدينة مشهد، والذي يبلغ طوله حوالي 900 كيلومتر.
تعتبر مدينة نيشابور من المدن التاريخية القديمة في إيران، حيث شهدت الكثير من الحوادث التاريخية والطبيعية، وتعرّضت للتخريب عدّة مرّات على يد الغزاة، وكذلك بفعل الزلازل والكوارث الطبيعية الأخرى، ويتميز أهلها بالنشاط والحيوية، حيث كانوا يسارعون إلى بنائها وتشييدها بشكل أفضل من السابق بعد كل حادثة تتعرّض لها.
تتميز المدينة بموقعها الجغرافي الاستراتيجي وطقسها الجميل والمعتدل صيفاً والبارد شتاءً، وهي كانت ولا تزال مركزاً مهماً من المراكز الزراعية والصناعية والعلمية في إيران، حيث يوجد فيها أيضاً أحد المخيمات التربوية والتعليمية الكبرى في إيران، ومعروفة كذلك بوفرة الأحجار الكريمة، منها حجر الفيروز (حجر الظفر) النادر، ويحتضن ترابها رفات العديد من مشاهير العلم والأدب والفن مثل: الحكيم (عمر الخيام)، و(الشيخ العطار)، و(كمال الملك)، وكذلك (الفضل بن شاذان) وهو من أصحاب الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) الذي مرّ على هذه المدينة أثناء رحلته التاريخية من المدينة المنورة إلى خراسان. كما أنّ هذه المدينة تحتضن في ترابها رفات السيدين (إبراهيم) و(محمد المحروق)، وهما من المنسوبين للإمام الرضا (عليه السلام).
مدينة نيشابور القائمة الآن شيّدت على بُعد 15 كيلومتراً عن أطلال المدينة القديمة التي هُدِّمت مراراً عبر التاريخ بفعل الزلازل والحرائق وجرائم الغزاة… ويسكنها حالياً حوالي 500 ألف نسمة، وتحيط بها تقريباً 400 قرية ومدينة صغيرة وقصبة، هي تابعة لها من الناحية الإدارية… وتزخر المدينة اليوم بالعديد من المدارس والحوزات العلمية والدينية والأكاديمية.
وتذكر المصادر التاريخية أنّ هذه المدينة شيّدت لأوّل مرّة في عهد الساسانيين من قبل شاهبور الأوّل أوّ الثاني.
وفي عام 31 للهجرة، فتحها الجيش الإسلامي، ونُصِّب غيث بن الحسام والياً على خراسان التي كانت تشمل (مرو وهرات وبلخ ونيشابور).
وفي أوائل القرن الثاني الهجري، ثار أبو مسلم الخراساني ضد الخلافة الأموية، ودخل مدينة نيشابور في عام 131 للهجرة، وخضعت هذه المدينة لحكمه حتّى عام 138 للهجرة، حيث قُتل في بغداد.
بعد ذلك خضعت هذه المنطقة لسلطة طاهر بن الحسين، وذلك في أوائل القرن الثالث الهجري؛ ومنذ هذا التاريخ بدأت مدينة نيشابور مرحلة الإعمار والتطور والتوسع حتّى عهد عبدالله بن طاهر الذي اتخذها عاصمة لسلطانه، وشيّد فيها البستان المعروف بـ (شادياخ).
وبعد حكومة الطاهريين، خضعت منطقة خراسان في أواخر القرن الثالث الهجري للسلالة الصفارية، وأصبحت في عام 279 للهجرة عاصمة للسلطان عمرو بن الليث الصفاري، حيث توسعت أكثر في عهده، وشيّدت فيها مباني وعمارات جديدة.
وبعد عهد عمرو بن ليث، سقطت مدينة نيشابور بيد السامانيين.
وعن مدينة نيشابور في عهد السامانيين نقلت المصادر التاريخية أوصافاً رائعة، كتبها ابن حوقل والإصطخري جاء فيها: المدينة ذات طول يبلغ ثلاثة أميال، وعرضها ثلاثة أميال أيضاً، ومقسّمة إلى أربعين منطقة. أزقتها منظمة وعددها حوالي خمسين، وتتقاطع فيما بينها بشكل منظّم وهندسي بحيث تشكّل تقاطعات متعددة.
أمّا فيما يخصّ الشكل المعماري للمدينة فإنّها منظّمة بشكل، بحيث إنّها مقسّمة إلى ثلاثة أقسام كالآتي:
1ـ الجزء الخاص بالمدينة.
2ـ ضواحي المدينة.
3ـ مقرّات الحراسة والأمن.
الجزء الخاص بالمدينة يتكوّن من برج وسور وأربعة مداخل، ويحتمل أن يكون مكانه في المنطقة التي يقع فيها التل المعروف الآن بـ (ألب أرسلان)، والخرائب الموجودة على هذا التل الآن هي بقايا أطلال هذا الجزء الأساسي من المدينة القديمة.
بعد السامانيين، سقطت مدينة نيشابور وكذلك حكومة خراسان بيد الغزنويين الذين حكموا في هذه المنطقة حوالي قرن كامل؛ قبل أن يحتل (طغرل بيك السلجوقي) هذه المنطقة في عام 329 للهجرة، ويتخذ من مدينة نيشابور عاصمة له.
في عهد السلاجقة استعادت نيشابور مرّة أخرى مكانتها الحضارية المرموقة، وتأسّست عدّة مدارس في نيشابور في عهد الخواجة نظام الملك وزير (ألب أرسلان)، كما تمّ افتتاح 13 مكتبة في هذه المدينة في هذا العهد، وأكبرها كانت تحتوي على 5000 كتاب، وعاش في هذا العهد الشاعر والفيلسوف وعالم الرياضيات الشهير والفلكي المعروف الحكيم عمر الخيام في مدينة نيشابور.
في عام 530 للهجرة تعرّضت مدينة نيشابور لهزّة أرضية شديدة جدّاً، تهدّمت مبانيها بشكل تام؛ وبعد ثمانية أعوام شب حريق هائل التهم ما تبقّى من المدينة؛ ولم تمضِ سوى فترة وجيزة إلاّ وتعرّضت المدينة لغزو وسلب عام من قبل الأتراك الغزّ، ممّا اضطرّ سكانها إلى النزوح عنها، وتشييد مدينة أخرى بالقرب منها.
كذلك فإنّ هذه المدينة تهدمت أيضاً فيما بعد على يد جنكيز المغولي وجيشه، ممّا دعا السكان إلى تشييد مدينة أخرى في الشمال الشرقي منها.
هذا وقد زار مدينة نيشابور حمد الله المستوفي في عام 731 للهجرة، وابن بطوطة في عام 757 للهجرة، وكتبا عنها باعتبارها من المدن المكتظة بالسكان في منطقة خراسان، وأشادا بمسجدها الكبير والمدارس الكبيرة الأربع التي كانت موجودة فيها.
كتب العديد من المؤرخين والمستشرقين المعروفين بشأن مدينة نيشابور، ودوّنوا مشاهداتهم للمدينة، مثل ابن حوقل واليعقوبي وياقوت الحموي والمقدسي والإصطخري وحمد الله المستوفي، وكذلك عدد من الرحّالة والمستشرقين مثل فريزر والأستاذ بارتوليد ونولدوكة، ولا بأس أن نشير هنا إلى بعض هذه الكتابات: كتب ياقوت الحموي: المجازر التي ارتكبها جنيكز خان كانت أسوأ بكثير من حملات الأتراك الغزّ… حيث اغتيل صهر جنكيز خان قبل ستة أشهر من هذه الواقعة في مدينة نيشابور، ممّا دعا (تولوي) ابن جنيكز خان إلى محاصرة المدينة ورفض كل دعوات العفو والصفح والتوسل التي أطلقها أهل المدينة؛ وهاجمها بكل وحشية، وارتكب المجازر الدموية بحق سكانها، وأسر حوالي 400 شخص من الحرفيين والصناعيين من سكانها وأخذهم معه.
كما هدم المغول جميع مبانيها وعماراتها، وحرقوا أرضها ووضعوا أربعمائة مغولي عند أطلال المدينة وخرائبها حتّى يقضوا على ما تبقى من سكانها الذين أخفوا أنفسهم أثناء الغزو والمجازر!
حول هذه المدينة كتب حمد الله المستوفي ما يلي: «بعد سقوط السلالة المغولية في إيران، أصبحت نيشابور ضمن ممتلكات دولة (السربداران) الذين اتخذوا (سبزوار) عاصمة لهم؛ وأعدم آخر زعيم لهذه السلالة في المدينة وتخلصت من هؤلاء الظالمين، وكانت نيشابور مدينة مهمة حتّى أواسط القرن الثامن عشر الميلادي، قبل أن تسقط وتخرّب مرّة أخرى بيد أحمد شاه الأفغاني».
وكتب ابن حوقل عن الصناعات والمعادن التي اشتهرت بها نيشابور ما يأتي: «كانت محلات وفنادق ومضايف مدينة نيشابور مليئة بأصحاب الصناعات المختلفة، حيث كانوا يستخرجون معادن الحديد والفضة وأحجار الفيروز (حجر الظفر) والنحاس والمعادن من أطراف المدينة».
إنّ معادن الفيروز (حجر الظفر) النادرة عالمياً والثمينة موجودة بكثرة في أعماق الجبال الواقعة على بُعد 36 ميلاً إلى الشمال الغربي من نيشابور على الطريق الذي يربطها بمدينة قوجان، ولا زالت محتفظة بأهميتها العالمية إلى الآن، حيث تختزن في جوفها أحجار الظفر (الفيروز) الثمينة.
كذلك حافظت نيشابور على أهميتها ومكانتها في عهد الغزنويين والسلاجقة، رغم أنّ بعض السلاطين السلجوقيين كانوا يفضلون مدينة مَرو عليها.
كتب المقدسي ما يلي: «كانت نيشابور مخزناً لتجارة فارس وكرمان والهند وكذلك ري وجرجان والخوارزم».
وحول المسجد الجامع في المدينة كتب المقدسي قائلاً:
«المسجد الجامع يتكوّن من ستة أقسام… المبنى الأصلي للمسجد الذي كان يحتوي على منبر الإمام، شُيّد قسم منه في أواسط القرن الثامن الهجري من قبل أبي مسلم الخراساني، والقسم الآخر شيّده عمرو بن ليث الصفاري في أواخر القرن التاسع الهجري. القسم الذي بناه أبو مسلم أقيم على أعمدة خشبية، والقسم الذي بناه عمرو بن ليث الصفاري أقيم على أعمدة طابوقية مدوّرة».
كذلك أشار الإصطخري في كتاباته إلى أسواق نيشابور والأقشمة التي كانت تنتج في المدينة وتُحمل إلى ما وراء البلدان الإسلامية، وكتب عنها بشكل مفصّل.
كتب المستشرق المعروف (نولدكه) حول نيشابور ما يلي: «كان اسمها (أبرشهر)، وأسماها باسمها الجديد (نيشابور) أحد السلاطين الساسانيين، وهو شاهبور الأوّل أو الثاني…».
كما كتب الرحّالة المشهور (فريزر) في مذكراته ما يلي: «بلغ طول المدينة القابل للإسكان في عام 1821 للميلاد 4000 قدم؛ فلو كان كل ذلك المكان مسكوناً لبلغ عدد نفوسها 30 أو 40 ألف نسمة، إلاّ أنّ القسم الأكبر من المدينة كان مهدّماً».
كان الإيرانيون يعتبرون عدد البيوت المسكونة في المدينة يبلغ حوالي 2000 بيت، إلاّ أنّ فيرزر كان يعتقد أنّ نفوسها لا يتجازون الخمسة آلاف نسمة.
كتب الأستاذ بارتولد: «يوجد في مدينة نيشابور قبر السيّد محمد المحروق شقيق علي بن موسى الرضا، وهو من أهم مزارات المدينة.
في أحد أضلاع هذا المكان المقدس، الذي يقع وسط بستان كثيف الأشجار، توجد مقبرة الفلكي والشاعر الحرّ عمر الخيام الذي عاش في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي».
مشاهير نيشابور
الشخصيات العلمية والفكرية التاريخية تتميز بمكانة خاصة في التاريخ، حيث إنّ حياتها وآثارها ترتبط بشكل وثيق وراسخ بتاريخ المدينة التي عاشت وترعرعت وأبدعت فيها… وهكذا فإنّ نيشابور، كغيرها من المدن الإيرانية المهمة، تعتبر مسقط رأس ومدفن العديد من الأولياء والشخصيات التاريخية المهمة… لذا، فإنّ التعريف بهذه الشخصيات والغور في أعماق خصائصها وآثارها البارزة لا ينفصل عن تاريخ هذه الأرض العريقة والقديمة، بل إنّ هذه الشخصيات التاريخية في الواقع هي التي خطّت بعلمها وفكرها وأعمالها تاريخ هذه الأرض وفخرها ومكتسباتها، لذا لا يمكن أن نكتب عن مدينة نيشابور دون أن نشير إلى أهم الشخصيات التاريخية التي ولدت وعاشت ودفنت في هذه المدينة المهمة، مثل السيدين (إبراهيم) و(محمد المحروق)، وعمر الخيام، والشيخ العطار وكمال الملك، وغيرهم الكثير؛ وهكذا فإنّنا سنشير فيما يلي إلى مراقد هؤلاء العِظام وجوانب من حياتهم.
السيدان إبراهيم ومحمد المحروق من المنسوبين للإمام الثامن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، ويُقال إنّ السيد محمد المحروق هو شقيق الإمام الرضا (عليه السلام).
مرقد هذين السيدين في مكان واحد وتحت قبة واحدة.
المرقد يقع في الضلع الشرقي لبستان كبير كثيف الأشجار، يقع في طرفه الآخر مرقد عمر الخيام.
وتحتضن مدينة نيشابور مرقد الحكيم والفلكي والشاعر الكبير عمر الخيام الذي ولد وعاش وتوفي فيها، ويؤم هذا المرقد سنوياً الآلاف من عشاق العلم والأدب والشعر الأصيل.
ولد الخيام في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجري في مدينة نيشابورز.. وكان من كبار المؤيدين لحكمة ابن سينا في عهده كما كان الطبيب والفلكي الخاص لبلاط السلطان ملك شاه.
ألّف عدّة آثار معروفة في الرياضيات، وأهمها كتابه في الجبر والمقابلة. وفضلاً عن ذلك، فإنّ الخيام كُلِّف في عام 467 للهجرة بإصلاح التقويم الإيراني الذي كان يستخدمه الناس بالرغم من ظهور الإسلام ودخوله إلى هذه المناطق؛ وظهر إلى الوجود ما يعرف بالتقويم الجلالي.
اشتهر الخيام في أيام حياته بالحكمة والطب والفلك والرياضيات، إلاّ أنّه يعرف اليوم في العالم أكثر بسبب رباعياته الفلسفية الرائعة؛ التي تتميز بالبساطة والنعومة والبعيدة عن التصنّع والتكلّف، حيث ضمّنها أفكاره الفلسفية ورؤاه حول الخلق والكون ومصير الناس ومصائبهم، والأهوال التي تصب عليهم في هذه الحياة؛ ونظم كل ذلك في أبيات شعرية خالدة، لا زالت حية يتغنّى بها عشّاق مثل هذا الأدب الإنساني الرفيع.
توفي الخيام في عام 509 أو 517 للهجرة، ودفن بالقرب من مرقد السيد محمد المحروق.
وفي عام 1934م، أقيم مهرجان دولي كبير في الذكرى الألفية للفردوسي في مدينة طوس، وتوقع القائمون على المهرجان أن يبادر المشاركون في المهرجان لزيارة مرقد الخيام، فعمدوا إلى تشييد ضريح لا بأس به على قبره؛ وبعدها بدأت جموع الناس بزيارة ضريح الخيام بشكل مستمر.
وفي عام 1956م، قرّرت جميعة الآثار الوطنية في إيران تشييد ضريح جديد للخيام، وكلّفت أحد المهندسين بإعداد مخطط هندسي لذلك؛ وبعد إجراء الدراسات الهندسية من قبل المهندس، اقترح أن يقام ضريح قريباً من المكان الأوّل للشاعر عمر الخيام، بسبب قرب المكان الأوّل والتصاقه بمرقد السيّدين إبراهيم ومحمد المحروق… فتمّ انتخاب المكان الحالي لهذا الأمر، ووضع الحجر الأساس للمبنى في عام 1959م، وانتهت عمليات تشييد مقبرة الخيام في أوائل عام 1962 ونقلت إليها رفاته.
هذا ويبلغ ارتفاع مقبرة الخيام الحالية 22 متراً، ومقامه على هيكل حديدي ذي عشرة أضلاع مصمّم بشكل هندسي رائع.
الشيخ فريد الدين العطّار
ذكر أكثر المؤرخين أنّ اسمه هو (محمد) وكنيته (أبو حامد)، وبعضهم كنّاه بـ (أبي طالب)… وحول لقبه (فريد الدين) لا يوجد اختلاف بين المؤرخين، كما أنّه في قصائده وغزلياته ومؤلفاته كان يحبّ أن يعبر عن نفسه بالشيخ العطّار، حيث عرفه معاصروه والآخرون بهذا الاسم الذي طغى على باقي أسمائه وألقابه، وعرف تاريخياً به… وذكر المؤرخون أنّ سبب هذه التسمية يعود إلى أنّه كان يمارس الطبابة وصنع الأدوية.
ولد الشيخ العطّار في مدينة نيشابور في حوالي عام 540 للهجرة، وتوفي عام 618 للهجرة، وهو مدفون الآن في مقبرة رائعة الجمال وسط حقل كثيف الأشجار وبقرب مزار السيد محمد المحروق وعمر الخيام، إلى جانب مرقد الفنان والرسام الشهير كمال الملك.
عرف الشيخ العطّار منذ شبابه بميوله الصوفية، وكان يأنس بعلم الحال ويتأثّر بالآلام والمصائب، وعبّر عن ذلك في مؤلفه (مصيبت نامه).
الميرزا محمد خان غفاري (كمال الملك)
ولد الميرزا محمد خان غفاري المعروف بـ (كمال الملك) عام 1885م في قرية تابعة لمدينة كاشان… وهو رسام شهير، ظهرت براعته في الرسم منذ صغره، حيث ولد في أسرة تحبّ الرسم والفن.
ارسل الميرزا محمد إلى طهران ليتقن فنه عند رسام البلاط الملكي (مزين الدولة)، ودرس عنده ثلاث سنوات تخرّج بعدها أستاذاً في الرسم، وعُرِّف إلى ناصر الدين شاه، حيث أبدع في رسم اللوحات للبلاط الملكي، وبعد أربعة أعوام قُلِّد لقب (نقاشباشي) (رئيس الرسامين)؛ ورسم حوالي 170 لوحة مذيّلة بهذا اللقب.
بعد إنهائه للوحة الرائعة المعروفة (قاعة المرايا) لُقِّب بـ (كمال الملك)؛ ثمّ أرسل إلى أوروبا ومكث هناك حوالي خمسة أعوام درس خلالها لوحات الرسامين العالميين المعروضة في أكبر المتاحف العالمية… ليعود بعدها إلى إيران محمّلاً بالتجارب الفنية العالمية، إلاّ أنّه تعرّض لغضب (رضا شاه) واصطدم معه، وبالتالي نُفي حتّى تاريخ وفاته عام 1940م… ولم يترك أيّة لوحة فنية عن تلك الفترة، سوى لوحة ناقصة بعنوان (الرجل العجوز).
دفن إلى جانب مرقد الشيخ فريد الدين العطّار، ويؤمّه اليوم الآلاف من عشاق الرسم والفن الإيراني.
الآثار التاريخية في نيشابور
تزخر نيشابور بالعشرات من الآثار والأماكن التاريخية… فبالإضافة إلى ما ذكرناه من مراقد ومقابر للأولياء والشخصيات المهمة، نشير أدناه إلى عدد آخر من هذه الآثار.
في الجهة الجنوبية للشارع الأصلي في مدينة نيشابور يوجد مبنى تاريخي يعود للعهد الصفوي، كان يستخدم كمضيف للزائرين، يتقدّمه باب كبير مرتفع ويحيطه من كل جانب ست طاقات، وبعد الدخول عبر الباب يوجد ممر طويل واسع نسبياً، تحيط به عدّة حجرات صغيرة، فضلاً عن فسحة في الطابق الثاني… كانت الحجرات تستخدم من قبل التجار الذين كانوا يمرون على نيشابور باعتبارها مركزاً تجارياً مهماً آنذاك… هذا وإن قدم هذا المبنى التاريخي يعود إلى أكثر من أربعمائة عام.
الأثر التاريخي الآخر الذي تعرف به نيشابور هو المسجد الجامع الذي يعود إلى العهد التيموري، كما أنّ إيوانه الجنوبي يعتبر من روائع الهندسة المعمارية.
شُيّد هذا المسجد عام 899 للهجرة، من قبل علي بهلوان كرمي ابن بايزيد الذي دفن في قبو مدخل المسجد الرئيسي. للمسجد ثلاثة مداخل في الشمال والشرق وغرب المسجد.
كذلك توجد على بُعد 12ـ15 كيلومتراً من المدينة أطلال وخرائب، المدينة القديمة التي دمرت بفعل الكوارث الطبيعية والغزو المغولي الذي أشرنا إليه آنفاً… وهي تشمل تل ألب أرسلان، وتل آهنكران والخرائب المحيطة بهما والتي تقع حول مرقد الشيخ العطّار، والتل الكثيف بالأشجار الذي يقع إلى الشمال من مرقد السيد محمد المحروق.
هذا وأجريت عدّة عمليات تنقيب من قبل فرق التنقيب الأجنبية والإيرانية في أطلال المدينة القديمة، واكتشف الكثير من الأدوات واللوازم القديمة والأحجار التي تحكي عن حضارة هذه المنطقة وعراقتها.
نينوى
قريتان الأولى قرب الموصل تقابلها من الجانب الشرقي والثانية تقع في شمال شرقي كربلاء وكانت قرية عامرة في القرن الرابع الهجري. وهي الآن سلسلة تلال أثرية ممتدة من جنوب سدّة الهندية على ضفة نهر العلقمي وتعرف بتلال نينوى يرجع تاريخها إلى عصر الإمبراطورية الساسانية. ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان قائلاً: (… بوزن طِيطوَى وهي قرية يونس بن متى (عليه السلام) بالموصل. وبسواد الكوفة ناحية يُقال لها نينوى منها كربلاء التي قتل بها الحسين)([285]). وقريب من هذا الكلام ذكرها صفي الدين البغدادي في مراصد الإطلاع([286]).
ضريح العطار
يقول عبد الحسين الصالحي: تقع نينوى على ضفة نهر العلقمي في شمال شرقي كربلاء وكانت قرية عامرة من عصر الإمبراطورية الساسانية حتّى القرن الرابع الهجري، تخرّج منها الشيخ أبو القاسم حميد بن زياد الدهقان النينوي الحائري المتوفى سنة 310 هجرية من شيوخ الشيعة ومؤسس مدرسة كربلاء الكبرى([287]) تخرج من مدرسته جمع غفير من العلماء، منهم الكليني المتوفى سنة 329 هجرية صاحب كتاب الكافي([288]) وغيره. وفي زمان التنكيل ومنع الزائرين من زيارة قبر الحسين (عليه السلام) في العصر الأموي والعباسي كانت نينوى ملجأ للوافدين لزيارة قبر الحسين (عليه السلام) ومركز لتجمعهم ثم يسيرون ليلاً لزيارة القبر المطهر، وعند الفجر يرجعون إلى نينوى.
نزل الحسين (عليه السلام) بنينوى في يوم الأربعاء غرة شهر محرم الحرام سنة 61 هجرية. قال الطبري (224ـ310 هجرية) في تاريخه (… فلم يزالوا يتسايرون حتّى انتهوا إلى نينوى المكان الذي نزل به الحسين، قال فإذا راكب على نجيب له وعليه السلاح متنكب قوساً مقبل من الكوفة فوقفوا جميعاً ينتظرونه فلمّا انتهى إليهم سلم على الحر بن يزيد وأصحابه ولم يسلم على الحسين (عليه السلام) وأصحابه فدفع إلى الحر كتاباً من عبيدالله بن زياد فإذا فيه: أمّا بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي فلا تنزله إلاّ بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمرى والسلام). ومثل هذا الكلام ذكره الدينوري المتوفى سنة 282 هجرية في كتابه الأخبار الطوال([289]) فطلب الحسين (عليه السلام) من الحر أن ينزل في نينوى فقال الحر لا والله ما أستطيع ذلك، هذا رجل قد بعث إليّ عيناً فتقدّم زهير بن القين، فقال: يا ابن رسول الله إنّ قتال هؤلاء أهون من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعد من ترى ما لا قبل لنا به. فقال له الحسين (عليه السلام) فإنّي أكره أن أبدأهم بقتال حتّى يبدأوا. فقال له زهير بن القين: سر بنا إلى هذه القرية حتّى تنزلها فإنّها حصينة وهي على شاطئ الفرات فإن منعونا قاتلناهم فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيئ من بعدهم. فقال له الحسين (عليه السلام): وأيّة قرية هي قال هي العقر فقال الحسين (عليه السلام): (اللهم إنّي أعوذ بك من العقر)([290])، فترك الإمام الحسين (عليه السلام) قرية نينوى بعد أن منعه الحر من النزول فيها، حتّى أتوا كربلاء فوقف الحر وأصحابه أمام الحسين (عليه السلام) ومنعوهم من المسير، قال الحسين (عليه السلام) وما اسم هذا المكان قالوا له كربلاء قال: ذات كَربٍ وبَلاَءٍ، ثمّ أمر الحسين (عليه السلام) بأثقاله فحطّت بذلك المكان وذلك يوم الأربعاء غرة المحرم من سنة إحدى وستين هجرية (تشرين الأوّل/ أكتوبر) 685م وقيل يوم الخميس ثاني المحرم وكان شهادته في العاشر من المحرم يوم عاشوراء.
عبد الحسين الصالحين
هاشميات الكميت بن زيد الأسدي
«الهاشميّات» مجموعة قصائد طويلة أنشدها الكميت بن زيد الأسدي (60هـ -126هـ) يدعو فيها المسلمين لموالاة آل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله)، الهاشميين، والثورة على الحكم الأموي القائم، في حقبة من الزمن عرفت الإعداد لهذه الثورة، ومثّل الكميت، في آونةٍ، دور داعية من دعاتها البارزين.
أنشد الكميت قصائده في مناخ يمكن لهذه الأبيات التي ينشدها الحارث بن عبد اللّه الحشرج الجعدي أن تصوره. يقول الحارث الجعدي:
أبيتُ أرعى النُّجوم مرتفقاً
إذا استقلَّت تجري أوائلها
من فتنةٍ أصبحت مجلَّلةً
قد عمَّ أهل الصلاة شاملها
من بخراسان والعراق ومن
بالشام، كلٌّ شجاه شاغلها
فالناس، منها، في لون مظلمةٍ
دهماء ملتجئةٍ غياظلها
يمسي السَّفيه الذي يعنف بالـ
ـجهل سواء فيها وعاقلها([291])…
عاش المسلمون، كما يبدو، في فتنةٍ شاملةٍ شغلتهم جميعهم، ولم يدروا ما يفعلون. سواء في ذلك السّفيه الجاهل منهم والعاقل.
يحتاج النّاس الذين يحيون في كربة مظلمة إلى مخلِّص. وقد أنشد الكميت قصائده داعياً إلى هذا المخلِّص، ويبدو أن صوت الكميت كان يصل إلى غير مصر من الأمصار الإسلاميَّة ما يشير إلى امتداد الدعوة وترابط حلقاتها، فقد خاطب الشاعر الداعية «جماعة أهل مرو» الذين كان يقودهم الحارث بن سريج:
إلاَّ أَبْلغ جماعة أَهلِ مَرْو
على ما كان من نايٍ وبُعْدِ
رسالة ناصح يهدي سلاماً
ويأمُرُ في الذين ركبوا بجِدِّ
وأبلغ حارثاً عنَّا اعتذاراً
إليه بأنَّ من قبلي بجُهد
ولولا ذاك قد زارتك خيلٌ
من المصرين بالفرسان تردي
فلا تهنوا ولا ترضوا بخسف
ولا يغرركم أسدٌ بعهد
وإلاَّ فارفعوا الرايات سوداً
على أهل الضلالة والتعدِّي
فكيف وأنتم سبعون الفاً
رماكم خالد بشبيه قرد…
يقول د. شوقي ضيف، في تعليقه على رسالة الكميت هذه: «وهذه دعوة صريحة إلى الثورة على أسد وأخيه خالد. وكأن الكميت كان يريد أن تثور خراسان على الدولة. وهذا ما حدث فعلاً بعد ذلك، فإن الخراسانيين هم الذين انتفضوا على بني أمية. ولعلَّ في هذا الشعر أيضاً ما يدل على أن خراسان كانت تعد منذ هذا التاريخ وكراً مهمّاً للشّيعة»([292]).
يلاحظ استخدام د. ضيف كلمة «وكر» المتضمنة موقفاً من هذه الثورة، والمنشئة ظلالاَّ من الاحتقار والإدانة. ويلاحظ، أيضاً، أن د. ضيف لم يجد قراءة رسالة الكميت، ذلك أنها تعتذر عن المشاركة في ثورة قائمة، وتنصح بالموقف المفروض أن يتخذ، فهي ليست دليلاً على أن الكميت «كان يريد أن تثور خراسان على الدولة»، لأن خراسان كانت ثائرة، وقد حدث ما منع الكوفة والبصرة من المشاركة في الثورة، ما دفع الكميت إلى الاعتذار والنّصح، وقد جاء في تاريخ الطبري في صدد هذه الثورة: «… لمّا بلغ هشام بن عبد الملك أمر الحارث بن سريج كتب إلى خالد بن عبد الله أن أرسل أسداً [أسد بن عبد الله القسري، وهو اخو خالد] يصلح ما أفسد، فإن تكن رجية فلتكن به، فقدم أسد إلى خراسان، وما يملك عاصم [الوالي] من خراسان إلاَّ مرو وناحية أبرشهر…» ([293]).
ويقول د. النعمان القاضي أن الحارث بن سريج تزعم ثورة عنيفة في خراسان زلزلت المنطقة تحت أقدام الأمويين بضع سنين. والحارث هذا فارس من فرسان الثغور، يؤثر عنه انه اجتاح جيوش الترك ونجى الجيش الإسلامي من العطش. كان خارجياً، ثم تحوّل إلى الإرجاء والجبر. وعنده، وعند الجهم بن صفوان، انتهت الأفكار السلبيّة للمرجئة وأصبحت أفكاراً ثورية ملتزمة مبادئ الإسلام الأساسيّة في المساواة بين المسلمين، وإشاعة العدل في المجتمع.
يفيد مما سبق أن الواقع الاجتماعي بلغ درجةً من السوء جعلت المرجئة، وهم المعروفون بإرجائهم الحكم في الأمور الخلافيّة إلى يوم الحساب، ما كان يخدم الحكم القائم، يشاركون في ثورة تهدف إلى تغيير هذا الحكم، وكان مقدراً لها أن تشمل المُصْرَين: الكوفة والبصرة وخراسان، غير أن «جهداً» أصاب ثوار المصرين فلم يؤازروا ثوار خراسان، ما أتاح لأسد بن عبد الله أن يقضي على تحركهم، ثم قضى على حركة المصرين التي قادها زيد بن علي. وقد أوتي لهذه الحركة التي لم تلبث أن استأنفت نشاطها أن تنتصر وتقضي على الحكم الأموي، رافعة الرايات السود التي أشار الكميت إليها في رسالته إلى جماعة «مرو». وأن يكن خلفاء بني العباس قد انحرفوا في ما بعد، فقد أشار المستهل بن الكميت إلى ذلك عندما خاطب أبا جعفر المنصور، قائلاً:
لئن نحن خفنا في زمان عدوّكم
وخفناكم إن البلاء لراكد
وكان الكميت داعية من دعاة هذه الثورة ينشد هاشمياته في مناخها، ويدعو إلى القيام بها، من دون أن يسمي شخصاً معيناً، وإنما كان يتحدث عن صفات هذا الشخص المنتمي إلى آل البيت، وهذا ما كانت تدعو إليه الثورة آنذاك: «الرضا من آل محمّد»، كما تذكر كتب التاريخ.
نوعٌ من الشِّعر جديد
تعدُّ «هاشميات الكميت» نوعاً جديداً من الشِّعر. ففي ملاحظة أولى نرى أنها قصائد تخاطب المتلقي مباشرة، لتحدِّثه في قضية سياسية اجتماعية كبرى من قضاياه، وهذا ما لم يعرفه الشعر العربي من قبل، إذ كان الشاعر يعرض للقضية التي تهمُّه في بيت أو بيتين أو عدة أبيات من الشعر، ينظمها في معرض مدحه لشخص ما، أو هجائه لشخص آخر.أما الكميت فانصرف إلى القضية نفسها يعرض، ويكشف ويجادل… ليصل، والمخاطب، إلى الاقتناع بنظرية في الحكم، تقتضي الخروج بغية إقامة النظام الشرعي العادل.
وقد لاحظ الشعراء والنقّاد تميز شعر الكميت من الشعر السائد، واختلافه. جاء في الأغاني: أنشد الكميت الفرزدق قوله:
طربت وما شوقاً إلى البيض أطربُ
ولا لعباً منّي، وذو الشيب يلعبُ
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى
وخير بني حوّاء، والخيرُ يطلب
فقال الفرزدق له: «قد طربت إلى شيء ما طرب إليه احد قبلك. فأما نحن فما نطرب، ولا طرب من كان قبلنا إلاَّ إلى ما تركت أنت الطرب إليه»([294]).
يترك الكميت ما يطرب الشعراء إليه، ويطرب إلى شيء ما طرب إليه أحد من قبل، فكان شعره جديداً، يقتضي رؤية جديدة، وهذا ما لم يفعله كثير من الشعراء والنقاد ما أوقعهم في مشكلة تطبيق مقاييس الشعر التقليدي: المديح والهجاء… على نوع من الشعر غير تقليدي.
وقد وصف القدماء شعر الكميت بالخطب. وممّا جاء في هذا الصّدد:
«جاء حماد الراوية إلى الكميت فقال: اكتبني شعرك. فقال: أنت لحان ولا أكتبك شعري». فقال له: وأنت شاعر!؟ إنما شعرك خطب». وقال بشار: «الكميت خطيب وليس بشاعر». وقال الجاحظ: «ومن الخطباء الشعراء الكميت بن زيد الأسدي، وكنيته أبو المستهل». وقال: «إن للخطبة صعداء، وهي على ذي اللب أرمى. الكميت وكان خطيباً»، وهو «أول من دل الشيعة على طرق الاحتجاج»([295]).
ولاحظ المحدثون تميز شعر الكميت، فقال د. شوقي ضيف: إن أهمية الكميت تتمثل في أنه «لم يتبع الدروب الموروثة، بل اختار لنفسه درباً جديداً غير مألوف من سابقيه ومعاصريه، فسار فيه وأظهر في ذلك براعة فائقة، إذ حول شعره من ميادين العاطفة إلى ميادين الفكر، وجعله كأنه مقالة يكتب فيها عن نظرية بني هاشم في الخلافة. وهو يجمع لهذه المقالة الخيوط من هنا وهناك، أو قل المقدمات ليكون ما يريد من حجج وأدلَّة»([296]). وقال د. النعمان القاضي: ان الهاشميات كانت «شعراً لا كالشعر.. باباً جديداً من أبواب الشعر فتحه الكميت لأول مرة، وهو باب التقرير والاحتجاج»([297]).
وإن يكن القدماء والمحدثون قد لاحظوا أن شعر الكميت يتصف بخصائص الخطبة، أو المقالة، التي تجمع الأدلة والحجج لتقرر وتقنع، فإن د. عبد القادر القط يرى أن «هاشميات الكميت» «نموذج لهذا اللون الفريد من الشعر السياسي الذي يتدفق من عاطفة جياشة بحب صادق يشارف أحياناً ما يشبه الوجد الصوفي» «وإن ما يبدو جدلاً سياسياً في هذه الهاشميات هو في حقيقته ألصق بما يمكن أن نسميه بالاستهواء الخطابي الذي يحيل الخطيب فيه الفكرة إلى احساس بوسائل الخطابة المعروفة من تكرار أو سخرية أو تأكيد او اتجاه إلى عاطفة السامع ومحاولة اثارة وجدانه قبل اقناع عقله»([298]).
«الهاشميات»، كما نرى، شعر جديد (خطابة في رأى ومقالة في رأى ثان واحتجاج عقلي في رأى ثالث، و«استهواء خطابي يحيل الفكرة احساساً في رأى رابع»)، يهدف إلى إقناع المتلقي بالرؤية التي ينطق بها. وإن تكن الجدة والفرادة العنصر المشترك في هذه الآراء جميعها، فإن الأسئلة التي تطرح في هذا المقام هي: ما الخصائص الفنية التي ميزت هذا الشعر، وجعلته جديدا؟ وما طبيعة نشوئها؟ وما دورها في تطور الشعر العربيّ؟
فرادة التجربة الشعريّة
خروج سياسي ـ اجتماعي يؤتي خروجاً فنياً
تختلف تجربة الكميت الشعرية عن تجارب الشعراء المحترفين بكونها تجربة حياتية معيشة في حين كانت تجارب أولئك الشعراء ذهنية. في الحالة الأولى، ينبثق الشعر من التجربة الحياتية ليجسّدها وينطق برؤيتها التي كانت الأساس في نشوء الشعر.
لم يكن الكميت يطرب لمّا يطرب إليه الشعراء المحترفون، وإنما كان يطرب لأمر آخر يمليه الواقع، والطرب، هنا، يعني الحالة التي تدفع الشاعر إلى القول، وتملي الشعر، وتنشئ حركة القصيدة إلى التشكل في بناء جديد مختلف، يجسد التجربة الجديدة المختلفة. ويمكن أن نرى في هذين البيتين ما يشير إلى طبيعة صدور الشعر وتوجّهه:
فاعتَتَب الشَّوقُ عن فؤادي والشِّـ
ـعـرُ إلى من إليه مُعْتَتَبْ
إلى السِّراج المنير أحمدَ لا
يعدلني رغبةٌ ولا رَهبْ
خرج الكميت على الواقع، فكان هواه الذي يجن ويبدي لبني هاشم اصحاب الحق في الحكم القائم على شرع الله، والذي يقضي بالمساواة والعدالة وعيش الانسان حياة كريمة. وقد تمثل هذا الخروج على الواقع خروجاً على تقاليد البناء التقليدي للقصيدة العربية، فلم يبدأ الكميت قصائده بـ«الطللية» على عادة الشعراء، وإنما بدأها بذكر من يطرب لهم، ويدعو إلى اتباعهم.
بدا الكميت الهاشمية الأولى بقوله:
من لقلبٍ متيم مستهام
غير ما صَبْوةٍ ولا أحلام
… بل هواي الذي أجنُّ وأبدي
لبني هاشم فروع الأنام([299])
وبدأ الهاشميات الأخرى بإعلان هواه للهاشميين ودعوته إليهم([300]).
ويبدو أنّ الكميت كان يدرك حقيقة ما يقوم به من خروج فني، كما كان يدرك خروجه السياسي ـ الاجتماعي، فنراه يدعو إلى الاهتمام بالإنسان، ساكن الدار وليس بالدار، ويأخذ على الشعراء الآخرين أنينهم ورحيلهم وبكاءهم التلاع القفار، يقول الكميت:
ما لي في الدار بعد ساكنها
ولو تذكَّرت أهلَها أرَبُ
لا الدّار ردَّت جواب سائلها
ولا بكت أهلها اذِ اغتربوا
يا باكي التلعة القفار، ولم
تبكِ عليه التلاعُ والرُّحبُ([301])
ويقول:
فدع ذكر من لست من شأنه
ولا هو من شأنك المنصب
وهات الثناء لأهل الثناء
بأصوب قولك فالأصوب
بني هاشم فهم الأكرمون
بنو الباذخ الافضل الأطيب([302])
ويقول:
ـ سل الهموم لقلبٍ غير مَتْبُولِ
ولا رهينٍ لدى بيضاء عطبولِ
ولا تقف بديار الحيِّ تسألها
تبكي معارفها ضلاًّ بتضليل
ما انت والدار إذ صارت معارفها
للريح ملعبةً ذاتِ الغرابيل([303])
وهكذا يبدو أن الخروج على الواقع السياسي الاجتماعي أثمر خروجاً فنياً على البناء التقليدي، ما يفيد أن التجربة الحياتية هي التي تؤتي التجديد الاصيل. وإن يكن أبو نواس قد خرج على البناء التقليدي، في ما بعد، فإن الكميت سبقه إلى ذلك، بفعل تجربته الاصيلة، واهتمامه بالإنسان، فكان التجديد خلقاً لبناء شعري مكتمل وليس اختلاقاً، او افتعإلاَّ يستبدل مقدمة بمقدمة أخرى.
توظيف الحركات الشعرية في سياق البناء العام للمقدمة وظيفة إخراج المتلقّي على واقعه
والخلق الشعري للبناء المكتمل يوظف الحركة الشعرية في سياق البناء العام، وقد أدت المقدمة في هاشميات الكميت وظيفة إخراج المتلقي على الواقع من طريق إثارة تشويقه وفضوله، ودفعه إلى التأمل في واقعه، ما يفضي إلى حركة تالية تكشف هذا الواقع وتبين بؤسه، وضرورة السعي لتغييره.
ومن الأمثلة التي تبيّن وظيفة المقدمة في اثارة شوق المتلقي إلى المعرفة، وفضوله، مقدمة الهاشمية الثانية. فقد جاء في الأغاني:
قال الكميت للفرزدق: «نفث على لساني، فقلت شعراً، فأحببت أن أعرضه عليك، فإن كان حسناً أمرتني بإذاعته، وإن كان قبيحاً أمرتني بستره. وكنت أولى من ستره عليَّ. فقال الفرزدق: أما عقلك فحسن، وإني لأرجو أن يكون شعرك على قدر عقلك، فأنشدني ما قلت. فأنشده: «طربت وما شوقا إلى البيض اطرب». قال: فقال لي: فيمَ تطرب يا بن اخي؟ فقال: «ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب». فقال: بلى، يا بن اخي، فالعب، فإنك في اوان اللعب، فقال:
ولم يلهني دارٌ ولا رسم منزلٍ
ولم يتطرّبني بَنانٌ خَضَّب([304])
فقال: وما يطربك يا بن اخي؟ فقال:
ولا السّانحات البارحات عشيَّة
أمرَّ سليم القرن أم مرَ أعضب
فقال: أجل، لا تتطيّر، فقال:
ولكن إلى أهل الفضائل والنّهى
وخير بني حواء، والخيرُ يطلبُ
فقال: ومن هؤلاء؟ ويحك، فقال:
إلى النفر البيض الذين بحبِّهم
إلى الله في ما نابني اتقرَّب
قال: ارحني ويحك! من هؤلاء؟ قال:
بني هاشم رهط النبيِّ فإنّني
بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب
خفضت لهم مِنّي جناحي مودّةٍ
إلى كنفٍ عِطْفاه: اهلٌ ومرحبٌ (…)
فقال له الفرزدق: يا ابن اخي، اذع ثم اذع، فانت، واللّه، اشعر من مضى واشعر من بقي ([305]).
يوصل الكميت متلقيه إلى القول: «أرحني ويحك! من هؤلاء؟»، فتؤدي المقدمة وظيفة إثارة الشوق والفضول، فيجيب، وينشئ الحركة الثانية بعد أن أخرج المتلقي من سكونه وركوده، وأيقظه من سباته.
رأينا مدى إعجاب الفرزدق بهذا النوع من الشعر، ونقرأ في كتب تاريخ الأدب أخباراً تفيد أن هذا الشعر انتشر وحفظ، ومن هذه الأخبار: «يروي عكرمة الضبي عن أبيه أنه ادرك الناس بالكوفة من لم يروِ: «طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب» فليس بشيعي»([306]).
وقد ابتدع الكميت حركة شعرية أخرى يهز بها السكون والركود ويدفع بالمتلقي إلى التأمل في واقعه، والخروج لتغييره، فقد بدأت هاشميته اللامية بهذه الحركة، فقال في مطلعها:
إلاَّ هل عمٍ في رايه متأمّلُ!؟
وهل مدبرٌ بعد الإساءة مقبلُ؟
وهل أمةٌ مستيقظون لرشدهم
فيكشفَ عنه النّعسة المتزمِّلُ
فقد طال هذا النوم واستخرج الكرى
مساويهم لو كان ذا الميلُ يُعْدَلُ
وعُطِّلت الأحكامُ حتى كأنَّنا
على ملّةٍ غير التي نتنحَّلُ([307])
يبدأ الكميت قصيدته بحرف استفتاح، يليه حرف استفهام يطرح سؤإلاَّ ينكر واقعاً يكون المتأمل، فيه، في حالة عمى. ويكرر الاستفهام، للمرة الثانية، لينكر واقعاً يكون فيه المقبل مدبراً بعد الاساءة. والاستفهام الانكاري يتضمن اتهاماً بالقبول وتحريضاً على الخروج. يتكرر الاستفهام، للمرة الثالثة، ليحرض على اليقظة إلى الرشد، والنهوض من حالة النوم، ثم يأتي تقرير الواقع في جمل خبرية تصوره. وهكذا تؤدي الحركة الأولى وظيفة خلخلة السكون القائم، وتشكيل حالة الإحساس بالفقد ما يدفع للخروج والسعي، فتأتي الحركة الثانية لتكشف الواقع وتحدد مسار السعي.
وظف الكميت تقنيات فنية لمسنا منها التكرار، وخروج الاستفهام إلى الإنكار والتحريض، وتنوع الأساليب، ونلمس الثنائيات الضدية بين عم/ متأمل، مدبر/ مقبل، استيقاظ/ النعسة المتزمل، الاستيقاظ/ النوم والكرى. ونلحظ أن الاستيقاظ نوع من كشف الغطاء ما يتيح للإنسان أن يرى ويتحرك. وهذا جميعه يفضي إلى الاقتناع بأن النوم قد طال وبأن اليقظة ضرورية.
للرحلة وظيفة السعي إلى الهدف
يبدأ الكميت قصائده بحركة تخرج الناعس المتزمل من نومه إلى الاستيقاظ للرشد الوعي، فيخاطب العقل الذي كشف عنه الغطاء في حركات القصيدة التالية التي تنتهي بالرحلة على ناقة تجتاز الصعاب، ويخوض ممتطيها صراعاً ينتصر فيه، وهذه الرحلة تؤدي وظيفة في بناء القصيدة العام، اذ أنها سعي إلى الهاشميين أنفسهم. والشاعر، هنا،يستجيب للجو الشعري السائد، الذي يطلب طللية ورحلة في القصيدة، وينافس بذلك الشعراء المحترفين، لكنه يجعل هذه الحركة في نهاية القصيدة، ليجبر المتلقي الراغب في سماعها، على سماع القصيدة بكاملها، في الوقت نفسه الذي تكون فيه هذه الحركة موظفة في سياق البناء العام، اذ أنها رحلة إلى من بدأت القصيدة بهواهم، فهي حث على السعي اليهم، سعياً يحقق هدف النفس الوالهة…
يقول الكميت في الهاشمية الأولى:
ولهت نفسي الطَروب إليهم
ولهاً حال دون طعم الطَّعام
ليت شعري هل ثمّ، هل آتينهم
أم يحولنّ دون ذاك حمامي
إن تشيّع بي المذكَّرة الوجنا
ءُ تنفي لغامها بلغام… ([308])
ثم يصف الناقة والرحلة. ويقول في الهاشمية الثانية:
أولئك إن شطّت بهم غربة النّوى
امانيّ نفسي والهوى حيث يشعبُ
فهل تبلِّغنيهم على بعد دارهم
نَعَمْ ببلاغ الله وجناء ذِعلب([309])
ثم يصف الناقة والرحلة، وصراعاً يدور تنتصر فيه الراحلة على الكلاب المدربة ما يشير إلى ذلك الصراع الدائر في الواقع الاجتماعي بين قوى الخير ممثلة بالهاشميين وقوى الشر ممثلة بأرباب الحكم القائم، وإلى أن النصر كائن في نتيجة المطاف لقوى الخير. وهكذا يوظف الكميت حركة القصيدة الأخيرة، وهي وصف للرحلة والراحلة، في بناء القصيدة العام، فيبلغ من «الدهاء الفني» مرتبة كبرى، في الوقت نفسه الذي نافس فيه المحترفين في موضوع خاص بهم وتفوق عليهم، كما يبدو للقارئ المطَّلع([310]).
التحرّك إلى كشف الواقع
الثنائيّة الضدِّيَّة
تُخْرِجُ الحركة الأولى المتلقّي من نعاسه إلى رشده، وتوصله الحركة الأخيرة إلى من ينبغي حث السعي اليهم، وتكشف الحركات التي تلي الحركة الأولى وتسبق الحركة الأخيرة للمستيقظ، الثائب إلى رشده، الواقع، فنلحظ، في كل هاشمية من الهاشميات، ثنائية ضدية، يمثل طرفها الأول الحكام والواقع القائم الذي ينشئونه، ويمثل طرفها الثاني الهاشميون والواقع البديل الذي سيقام. وقد جاء، في الهاشمية الاولى، في بيان صفات الهاشميين:
للقريبين من ندى والبعيديـ
ـن من الجور في عرى الأحكام
والمصيبين باب ما اخطأ النّا
س، ومرسي قواعد الإسلام
والحماةِ الكفاة في الحرب إن لفّ
ضرامٌ وقوده بضرام
والغيوث الذين ان امحل النا
س، فماوى حواضن الايتام
والرَّوايا التي بها يحمل النا
س وسوق المطبَّعات العظام…
غصب الهاشميين المتصفين بالكرم والعدل والعلم، وارساء قواعد الاسلام، والشجاعة والاهتمام بالناس. حقهم في الحكم حكام يرون الناس و«الأنعام» سواء، فما يعنيهم سوى جز الصوف وانتقاء النعجة السمينة. فيقول الكميت في الهاشمية نفسها، إن الهاشميين:
ساسة لا كمن يرعى النا
س سواء ورعية الأنعام
فلا كعبد المليك او كوليد
او كسليمان، بعد، او كهشام
رأيه فيهم كرأى ذوي الثلة
في الثائجات جنح الظلام
جز ذي الصوف وانتقاءٌ
لذي المخّة نعقاً ودعدعاً بالبهام… ([311])
وجاء في الهاشمية اللامية، في وصف الواقع الذي أوصل الأمويون إليه المسلمين:
وعطّلت الأحكامُ حتّى كأنَّنا
على ملَّةٍ غير التي نتنحَّلُ
كلام النبيّين الهداة كلامنا
وأفعال أهلِ الجاهليَّة نفعلُ
رضينا بدنيا لا نريدُ فراقها
على أننا فيها نموت ونُقتلُ…
لهم في كلِّ عام بدعة يحدثونها
أزلّوا بها أتباعهم ثم أوجلوا
تحلّ دماء المسلمين لديهمُ
ويَحْرُمُ طلعُ النَّخلة المتهدِّلُ
ففي هذا الواقع يفزع الناس إلى مخلص، يتمثل في الهاشميين:
إلاَّ يفزع الأقوام ممّا أظلَّهم
ولمّا تجبهم ذات وِدقين ضِئبلُ
إلى مَفْزعٍ لن ينجي الناس من عمى
ولا فتنةٍ إلاَّ إليه المتحوَّلُ
إلى الهاشميين البهاليل إنهم
لخائفنا الرّاجي ملاذٌ وموئلُ
إلى آيِّ عدلٍ أم لآيَّة سيرةٍ
سواهم يؤمّ الظاعن المترحِّلُ
وفيهم نجوم الناس، وهم للناس في ما ينوبهم غيوث حياً، واكف ندىً، وعرى ثقةٍ ومصابيح تهدي…
التكرار ـ المحور
يلاحظ تكرار «الناس» مرات عديدة ما يدل بوضوح على انهم محور اهتمام الشاعر، وهو يريد ان يخرجهم إلى الثورة من طريق كشف الواقع وتقديم البديل، ومن طريق الاقناع، ليس العقلي فحسب، وانما مما سماه هو «الرشد».
يريد الكميت من الناس ان يستيقظوا لرشدهم، أي أن يعوا واقعهم وعياً كيانياً يفضي إلى سعي قد يكلف الانسان حياته، ولهذا كان لا بد من ايصال المتلقي إلى بلوغ حالة «الاستيقاظ للرشد». واستخدم الكميت وسائل كثيرة، ابرزها الجدل الذي كان يدور في صفوف الكلاميين، فمثل شعر الكميت التطور الذي صار إليه العقل العربي في هذه المرحلة.
الجدل الكلاميّ
عرض الكميت، في سياق إيصال متلقية إلى يقظة للرشد تفضي إلى اتخاذ قرار الخروج، نظرية الأمويين في الحكم، وناقشها، وبين تهافتها وأنها تتضمن مفارقة كبرى، فكان بهذا يهز السائد والراكد، ويحرض على التفكير. يقول الأمويون إنهم يتولون الخلافة بحكم قرابتهم من النبي(صلّى الله عليه وآله). فإن يكن الأمر هكذا، فالأولى أن يتولى الخلافة آل بيت النبي، فإن يكن النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يورث، كما يزعم الأمويون مناقضين ادعاءهم الأول، فإن القبائل الاخرى لها حق بالخلافة، وخصوصاً الأنصار الذين آووا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ونصروه. يقول الكميت في نقاش قضية الحق بالخلافة، مخاطباً الهاشميين:
بخاتمكم غصباً تجوز أمورهم
فلم أرَ غصباً مثله يُتغصَّبُ
وجدنا لكم في آل حاميم آيةً
تأوّلها منا تقيٌّ ومُعْرِبُ
وفي غيرها آياً وآياً تتابعت
لكم نصَبٌ فيها لذي الشكِّ منصبُ
بحقكم أمست قريش تقودنا
وبالفذِّ والرديفين منها نركب
إذا اتضعونا كارهين لبيعةٍ
أناخوا لأخرى، والأزمَّة تجذب
ردافا علينا فلم يسيموا رعيَّةً
وهمُّهمو أن يمتروها فيحلبوا
… ولكن مواريث ابن آمنة الذي
به دان شرقيٌّ لكم ومُغرِّبٌ
… يقولون لم يورث، ولولا تراثه
لقد شركت فيه بكيل وأرحَبُ
وعكٌّ ولخمٌ والسكون وحميرٌ
وكندة والحيان: بكر وتغلب
… ولا كانت الأنصار فيها أدلّةً
ولا غُيّباً عنها إذا الناس غُيَّبُ([312])
يثبت الكميت تناقض نظرية الأمويين، ويبيِّن أنهم مغتصبون، ويثبت حق الهاشميين بتولي الخلافة، استناداً إلى ما جاء في القرآن الكريم من آيات، منها ما جاء في سورة «حم»: ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلاَّ المودة في القربى﴾، ومنها ما جاء في آيات اخرى، مثل قوله تعالى: ﴿وآت ذا القربى حقه﴾ و﴿وانما يريد اللّه ليذهب عنم الرجس آل البيت ويطهركم تطهيراً﴾ و﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى﴾.
ويضيف الكميت، في مكان آخر، حجة أخرى يوردها مقرراً حق الإمام علي(عليه السلام) بالخلافة، فيقول، مشيراً إلى بيعة غدير خم:
وأصفاه النبيّ على اختيارٍ
بما اعيا الرَّفوض له المذيعا
ويوم الدَّوح دوح غدير خمٍّ
أبان له الولاية لو أطيعا
ولكنّ الرِّجال تبايعوها
فلم ار مثلها خطرا مبيعاً
أضاعوا أمر قائدهم فضلّوا
واقومهم لدى الحدثان ريعا
تناسوا حقَّه وبغوا عليه
بلا ترةٍ، وكان لهم قريعا([313])
يرى الكميت أن الرجال «تبايعوا» الخلافة، ولم يطيعوا امر النبي فضلوا، متناسين حق الإمام علي (عليه السلام) باغين عليه.
الصياغة الفنية للنظرية
يسعى الكميت الذي أيقظ الناعس المتزمل إلى إقناع متلقيه بنظرية في الحكم، تستند إلى النص القرآني، ووصية النبي محمد (صلّى الله عليه وآله)، وإلى نظرية الأمويين أنفسهم في الإرث، وكان قد بين قبلاً صفات الخليفة الهاشمي، وهي: العلم والعدل والشجاعة والزهد ما يفيد أن الحكم يقوم على شرع الله الذي يقضي بالعدالة والمساواة. يناقش الكميت هذه القضية فيقول:
فيا ساسةً هاتوا لنا من حديثكم
ففيكم لَعَمْري ذو أفانين مقوَلُ
أأهل كتاب نحن فيه وأنتمُ
على الحقِّ نقضي بالكتاب ونعدلُ
فكيف، ومن أنّى، وإذ نحن خلفةٌ
فريقان شتى تسمنون ونهزلُ
… كأن كتاب الله يُعنى بأمره
وبالنّهي فيه الكودنيُّ المركَّلُ
ألم يتدبَّر آية فتدلُّه على تـ
ـرك ما يأتي أم القلبُ مقفلُ([314])
الخروج واجب ديني
يدعو الكميت الساسة الحاكمين إلى حديث ينشئ ثنائية تضاد، تبين التناقض القائم بين فئتين، وهذا يخالف ما أمر به القرآن الكريم الذي عطلت احكامه، فغدا الخروج ضرورة دينية وواجبا شرعيا على حاكم يخالف كتاب الله، فتاتي الدعوة إلى الثورة نتيجة طبيعية، فيقول، مستخدما مثلا يتداوله العرب:
فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم
فحتّى م حتى م العناءُ المطوَّلُ
رضوا بفعال السوء من أمر دينهم
فقد أيتموا طورا عداءً وأثكلوا
كما رضيت بخلاً وسوء ولايةٍ
لكلبتها في اول الدهر حوملُ
نباحاً اذا ما الليل أظلم دونها
وضرباً وتجويعاً خبالٌ مُخبَّلُ([315])
كربلاء: تبديد الخوف ونهج مقاوم
وإن يكن الخروج إلى الثورة يقتضي تبديد الخوف، فإن الكميت يوظف حادثة كربلاء، ليبين جور الأمويين من نحو أول، وليقدم نهجاً في المقاومة من نحو ثانٍ، فيقول:
يحلِّئن عن ماء الفرات وظلِّه
حسيناً ولم يُشهَرْ عليهن منصلُ
كأن حسيناً والبهاليل حوله
لأسيافهم ما يختلي المتبقِّل
… تهافت ذِبَّان المطامع حوله
فريقان شتّى ذو سلاحٍ وأعزلُ
فلم أرَ موتورين أهل بصيرةٍ
وحقٍّ لهم أيدٍ صحاحٍ وأرجلُ
كشيعته والحرب قد ثفيت لهم
أمامهم قدر تجيشُ ومرجل
… فإن يجمع الله القلوب ونلقهم
لنا عارض من غير مزنٍ مُكلّلُ([316])
يلاحظ تكرار كلمة السوء، وبيان طبيعة تعامل الأمويين مع الناس، فهم يرونهم كالأنعام، وما أدى إليه التخاذل، وإن الحل يتمثل بأن يجمع الله القلوب ويتم اللقاء المفضي إلى النصر.
حديث الذّات، الصراع مع نوازع النّفس
يوصل الكميت، كما راينا، متلقيه إلى الاقتناع بضرورة الثورة المفضية، «ان جمع اللّه القلوب»، إلى النصر، ويعرض إلى مسالة التضحية بالنفس، فيؤكد ان حياة كالتي تعاش ليست بذات قيمة.
رضينا بدنيا لا نريد فراقها
على أننا فيها نموت ونقتل
وإن لا بد من تحرك، يحقق الهدف فيعجل اللّه تعالى ما يؤمل:
فيا ربُّ عجل ما يؤمل فيهم
ليدفأ مقرور ويشبع مرمل
وينفذ، في راض مقرٍّ بحكمه
وفي ساخط منا، الكتاب المعطّلُ
وكيف يتمّ التعجيل؟.
يقول الشاعر:
تجود لهم نفسي بما دون وثبةٍ
تظلُّ بها الغربان حولي تحجلُ
يبدو ان الشاعر يقول أنه يضحي بكلّ شيء إلاَّ بالحياة، لكن ينبغي إلاَّ يؤخذ هذا البيت مفردا، إذ أن الشاعر يكمل حديثه مع نفسه، مشاركاً المتلقي في مناقشة الأمر، ويقول: «وقلت لها بيعي من العيش فانياً… أتتني بتعليل ومنتني المنى، وقد يقبل الامنية المتعلل…»، ثم يحسم الامر، ويقول ما يريد الوصول إليه:
وإن أبلغ القصوى أخض غمراتها
إذا كره الموت اليراع المهلل
هذا هو الموقف الذي يريد الكميت إيصال متلقيه إليه، ويتمثل في التهيؤ للخروج باقتناع مطلق وبذل مطلق عندما تبلغ الأمور الدرجة القصوى، وقد بلغه من طريق حديث ذاتي، شارك المتلقي فيه، ووصلا سوية إلى اتخاذ الموقف. وهذا نوع من النقاش داخلي، يتم بين الإنسان ونفسه، أو هو نوع من الصراع الداخلي، يتمكن فيه الإنسان من الانتصار على نوازع النفس، وهذه ميزة جديدة في شعر الكميت تتمثل في تصوير الصراع الداخلي، وقد تطورت في ما بعد، وبرزت ظاهرة في أدب الصوفيين الذين جعلوا الصراع الداخلي مع نوازع النفس محوراً من محاور أدبهم.
الهاشمية: بناء محكم ورؤية كليّة
ونحن، إن كنا نريد قراءة هاشميات الكميت قراءة جديدة، يجب إلاَّ نقتطع بيتا ونقول: هذا يمثل موقف الكميت من القضية هذه او تلك، او هذا البيت يمثل ميزة فنية، معتقدين شان كثير من النقاد، ان البيت يمثل الوحدة في القصيدة العربية، ذلك ان هذه الرؤية مخطئة بعامة، وخصوصا في هاشميات الكميت، وان كان من وجود مستقل للبيت، فهو وجود مختلف عن وجوده منتظما في بناء القصيدة العام.
وفي سياق هذه القضية يمكن أن ندرج حديث د. النعمان القاضي عن البيت التالي:
فدى لك موروثاً أبي وأبو أبي
ونفسي، ونفسي بعد بالناس اطيب
يناقش د. القاضي رأيا ورد في كتاب «أدب الخوارج» للدكتورة سهير قلماوي، يقول: «إن هذا البيت يمثل مدى ما وصل إليه الإسفاف في شعر الكميت» ويرى أن «هذا البيت الذي عد مثإلاَّ للإسفاف قد قام في تقرير القضية التي ناظر الكميت فيها بني أمية مقام المقدمة الصغرى من مقدمات المنطق التي انتزعها من خصومه، وبنى عليها بمقدمة اخرى هي زعمهم ان النبي لا يورث ليخلص من ذلك إلى النتيجة المنطقية التي هدف إليها، وهي ان بني أمية متناقضون، وليتخذ من تناقضهم دليلاً على اغتصابهم حق غيرهم من الهاشميين.
فنحن، إذاً، لا نحتكم، في هذا البيت، إلى مقاييس البلاغة او النقد المالوفة في جمال التعبير ودقة التصوير، وانما نحتكم فيه إلى مقياس آخر هو مدى ما قدمه هذا البيت إلى القصيدة في موضعه من دلالة فكرية اسهمت في استكمال الاحتجاج وتقرير الفكرة التي استهدفت القصيدة تقريرها»([317]).
انشأت تجربة الكميت الوجدية، كما يبدو، بناءً تنتظم فيه حركات القصيدة لتنطق برؤية إلى عالمها.
يبدو الكميت مقرر نظرية، وجدلا خطيبا يهدف إلى التأثير والإقناع، وصائغ فكر يمثل ما وصل إليه العقل العربي في عصره، من تطور…
الحافز الحق للثورتين
السياسية الاجتماعية والشعرية
قد يكون في هذا شيء من الصحة، والصحيح هو ان الكميت كان داعية ثورة، وجسد شعره هذه الدعوة النابعة من إيمان عميق يقرب من الوجد الصوفي… كان الشعر جديدا من حيث بناء القصيدة وقد بينا ذلك ومن حيث بناء العبارة المنتظمة في سياق البناء العام، وسوف نبين هذا في ما يلي.
لاحظ بعض القدماء تميز شعر الكميت على هذا المستوى. يروى ان ابا تمام سال الخشاف عن الكميت بن زيد وعن شعره وعن رايه فيه، فقال: «لقد قال كلاما خبط فيه خبطاً من ذاك. [مما لا يجوز] لا يجوز عندنا ولا نستحسنه، وهو جائز عندكم. وهو، على ذاك، اشبه كلام الحاضرة بكلامنا واعربه واجوده، ولقد تكلم في بعض اشعاره بلغة غير قومه».
يقرِّر الخشاف، أولاً، أن الكميت خرج على المذهب الشعري السائد، وتكلم بلغة جديدة، غير قومه. وثانياً أن الكميت يصنف في الشعراء المحدثين الذين يمثلهم أبو تمام، وثالثاً إن الكميت أقرب هؤلاء المحدثين إلى القدماء، ما يشير إلى أنه يمثل دور الحلقة الوسط بين القدماء والمحدثين.
وقد لاحظ النقاد، في العصر الحديث([318])، ظاهرة فنية في شعر الكميت تتمثل في توظيفه خصائص فنية في سياق قصيدته، ومن هذه الخصائص، استثارة المتلقي، التكرار، التكرار المؤكد، المتمثل بألفاظ ذات معانٍ متقاربة، والجناس التام، والجناس الناقص والتقسيم، واقتران الالفاظ بصفات توضح دلالتها، والارصاد للقافية، والتضاد، واستخدام الفاظ ذات صيغ واحدة او متقاربة، والطباق، والترصيع والالتفاف لتأييد فكرة أو نفيها، وتكرار ألفاظ ذات ايقاع واحد متقاربة في معناها وايحائها. ورأى د. القط أنه «يمكن أن نجد في تلك الصيغ الموقعة المشتركة بدايات واضحة لبعض مظاهر البديع التي يربطها الدارسون دائماً بالمخضرمين من شعراء الدولة الأموية والعباسية، وببعض شعراء الدولة العباسية كمسلم بن الوليد وابي نواس ثم ابي تمام رأس هذا الاتجاه».
ويضيف د. القط فيقول: «وتؤكد هذه الظاهرة الملموسة في شعر الكميت ان التطور الفني الذي عرف، في ما بعد، باسم البديع، كان تطورا طبيعيا ممتدا متأثراً بطبيعة التجربة عند الشاعر وبحسه اللغوي والموسيقي».
وكان د. أحمد نجا قد انتهى، بعد أن استنفد وجوه المقارنة بين الكميت ومجددي العصر العباسي إلى القول: «الكميت بن زيد هو الحافز الحق للثورة الادبية العباسية والسباق للتحرر والتجديد»([319]).
وإنه لمن الامور ذات الدلالة ان يكون شعر الكميت الحافز الحق للثورة التي اوصلت العباسيين، في ملابسات معروفة، إلى الحكم، وان يكون في الوقت نفسه الحافز الحق للثورة الأدبية العباسية، فهذا يفيد ان التجربة الحياتية الكيانية للشاعر الموهوب المتفرد تؤتي الجديد الذي يمثل عصره اصدق تمثيل، ولأنه يمثل عصره بهذا الصدق، فهو شعر إنساني عظيم يظل خالداً ومؤثراً ما بقي الانسان يعيش الوجد والفكر، ويقول الشعر الذي ينطق بهما.
د. عبد المجيد زراقط
الكميت بن زيد الأسدي
صاحب الهاشميات
تلت كربلاء صحوة عبّر عنها عبد الله الأحمر بقوله:
صحوت، وقد أصحوا الصبا والعواديا
وقلت لأصحابي: أجيبوا المناديا
واتخذت هذه الصحوة، الملبية نداء الثورة، على اثر انتهاء حركة التوابين إلى ما انتهت إليه، شكل دعوة سرية بدأت مع بدء حركة التوابين، واستمرت. وكان لهذه الدعوة دعاتها المتصفون بصفات يمكن تبينها لدى أحدهم، وهو عبد الله المري.
جاء في تاريخ الطبري([320]): «ما رأيت، من هذه الأمة، أحداً كان أبلغ من عبد الله المري في منطق ولا عظة». كان يخطب فيركز على أهمية النبي(صلّى الله عليه وآله)، ويتساءل: هل هناك أعظم حقاً منه!؟ وهل هناك أعظم حقاً من ذريته!؟ ثم يصور هول الجرائم التي ارتكبت بحقهم، مخوفاً القاتل والخاذل… ثم، وبعد أن يصل إلى غايته، يفتح باب التوبة، ويدعو إلى نصرتهم، وفق برنامج عمل محدد يعلنه في خطبته.
وكان، كما جاء أيضاً في تاريخ الطبري، يعيد هذا الكلام، في كل يوم، حتى يحفظه الجميع، ويقتنعون به.
كان الداعية إلى الثورة يريد الوصول إلى هذه النتيجة. وقد عرفت الدعوة السرية داعية، سعى، في خطابه النثري والشعري، إلى تحقيق هذه النتيجة، فكان خطابه، وبخاصة الشعري منه، مختلفاً عن السائد، وذلك لأنه كان يريد لهذا الخطاب أن يصل إلى الناس فيقبلوا عليه بشوق ورغبة، فيستهويهم ويقنعهم. ويتدبرونه اطلاعاً وإعادة اطلاع ودراسة حتى يحفظوه ويقتنعوا بما يدعو إليه، من مبادئ وخطة تحرك لتحقيقها.
شروط نجاح شعر الدعوة
يحتاج الداعية الساعي إلى نجاح في الوصول إلى الناس وإقناعهم، إلى تحقيق جملة شروط يمليها الواقع التاريخي، وقد تمثلت هذه الشروط، في تلك المرحلة بما يلي:
1ـ كان الرواة وعلماء علوم العربية وسائل النشر والحفظ والدراسة، فكان على الشاعر أن يرضيهم.
2ـ وكانت تسود الوسط الثقافي مقاييس شعرية يقوم الشعر وفقها، فكان على الشاعر أن يستجيب لها، وان يحقق مستوى من الجودة ينافس فيه شعراء المديح، وكان هؤلاء يحرصون على تهذيب شعرهم وتجويد صياغته.
3ـ كان الشعر يهدف إلى أن يشكل، لدى المتلقي، حالة وجدانية مماثلة لحالة الشاعر، والى إقناعه، ولهذا كان يسعى إلى الإقناع العقلي، وتجسيد الفكرة إحساساً وشعوراً، ما يجعل الخطاب كيانياً حسياً ووجدانياً وعقلياً، يمثل حالة الإيمان التي كان يعيشها الشاعر، ويريد للمتلقي أن يتوصل إلى عيشها.
كان الشعر، في تلك المرحلة، مصدر معرفة في مقام أساسي، يستخدم في تحصيل ما أطلق عليه اسم «العلوم العربية». ولهذا كان الرواة وعلماء هذه العلوم، كما يقول الجاحظ، «يبهرجون أشعار المولدين، ويستسقطون من رواها»([321]). فإن يكن هذا حال الرواة في عصر الجاحظ فكيف بهم في عصر الكميت؟ وإن يكن الجاحظ قد أضاف: «ولم أرَ ذلك إلاَّ في راوية للشعر غير بصير بجوهر ما يروي»، فإن هذا لا ينفي تحكم هؤلاء الرواة والعلماء، ما يدفع الشاعر الراغب في حضور فاعل إلى الاستجابة لشروطهم، ومقاييسهم، وهذا ما فعله الكميت عندما راح يطلب الغريب، ويجود قسم الطللية والرحيل في الوقت نفسه الذي كان يدعو فيه إلى الاهتمام بقضايا الانسان، فهو الذي يشغله، وليس الديارالمقفرة. كان الكميت يطلب «العويص» في قسم، وينشئ الجديد في قسم آخر، ويجود في مختلف أقسام القصيدة:
يروي محمد بن سهل، راوية الكميت، أن هذا كان يقول([322]):
ـ «إذا قلت الشعر فجاءني أمر سهل مستوٍ لم أعبئ به حتى يجيء شيء فيه عويص فاستعمله».
«إني، إذا قلت، أحببت أن أحسن».
وقد قيل له: «إنك، يا أبا المستهل كالجالب التمر إلى هجر»، فأجاب: «ولكن تمرنا أجود من تمركم».
وكان يرى أنه وريث الشعراء العرب الفحول، قال كعب بن زهير، مفضلاً نفسه والحطيئة على الشعراء، متسائلاً: من يحوك القوافي بعدهما:
من للقوافي شأنها من يحوكها
إذا ما ثوى كعب وفوَّز جرول!؟
وقال الكميت، مجيباً عن هذا التساؤل:
فدونكموها يا آل أحمد إنها
مقللة لم يألُ فيها المقلل
مهذبة غراء، في غب قولها،
غداة غد، تفسير ما قال مجمل
فأتتكم على هول الجنان ولم تطع
لنا ناهياً ممن يئن ويرحل
وما ضرها إن كان في الترب ثاوياً
زهير وأودى ذو القروح وجرول
4ـ كان الجدل سائداً في تلك المرحلة بين أصحاب الآراء والمعتقدات المتباينة، فاستخدم كل فريق وسائل الإقناع لاكتساب الأنصار والرد على الخصوم. والداعية يحتاج إلى معرفة بهذه الوسائل، وإلى إجادة استخدامها، في خطابه. وهذا يجعل الشعر، الناهض بأداء هذه المهمة، مختلفاً عن الشعر السائد بتوظيفه خصائص فنية يبتدعها ليحقق هدفه، ما جعل هذا الشعر جديداً، يتكلم صاحبه، كما قال بعض النقاد، بلغة غير لغة قومه.
كان على الشاعر الداعية أن يستجيب لهذه الشروط الموضوعية، ليكون شعره حاضراً وفاعلاً في محيطه، ما يقتضي أن يكون الشاعر نفسه قادراً على إنتاج هذا الشعر الفاعل، أي أنه ينبغي أن تتوافر لدى الشاعر شروط ذاتية تؤهله للقيام بمهمة الداعية الناجح، فهل كان الكميت يمتلك المؤهلات اللازمة والكافية للنهوض بأداء مهمات الدعوة للثورة؟ وبِمَ اتصف شعره المختلف؟ وما هو موقعه في سيرورة تاريخ الشعر العربي؟
الكميت بن زيد داعية ثورة متميز
تفيد دراسة شخصية الكميت أن هذا الشاعر هيئ ليكون داعية ثورة على الحكم القائم، فقد ولد أيام مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) سنة ستين [أو إحدى وستين للهجرة]. وقتل سنة ست وعشرين ومائة في أواخر الحكم الأموي. وكان غزير الإنتاج الشعري، فكان مبلغ شعره حين قتل خمسة آلاف ومائتين وتسعة وثمانين بيتاً([323])، لم تحتفظ منها كتب تاريخ الأدب إلاَّ بالقليل، وهذا مظهر من مظاهر إغفال الرواة لهذا النوع من الشعر، ما يؤكد ما ذهبنا إليه آنفاً، من أن الكميت كان يسعى إلى تحقيق شروط تفرض على الرواة حفظ شعره وروايته، ولم ينجح في ذلك تمام النجاح.
ولد الكميت، في الكوفة، في أيام كربلاء، وكان قومه بنو أسد هم الذين دفنوا الإمام الحسين (عليه السلام) وأنصاره. ولعلَّ كربلاء ظلت حاضرة في أذهانهم، وذاكرتهم، وفي أحاديثهم وفي نفوسهم ووجدانهم، فرضعها الطفل مع الحليب معرفة بالواقع، ورفضاً له، ورغبةً في تغييره. يعزز ذلك أمران أولهما أن بني أسد لم يكونوا راضين عن «هذه القرشية» المستأثرة،والمتمثلة ببني أمية وثانيهما أنه ولد لأبوين لا يملكان من حطام الدنيا شيئاً. أسهمت شروط هذه النشأة في تحديد اختيار الكميت، فشب وهو يعتقد مذهباً دينياً وسياسياً واجتماعياً، وهو مذهب آل البيت، فراح يدعو له بعد أن تهيأ له الأمر كأفضل ما يكون. ويمكن أن نلمس هذا من خلال الأخبار التالية التي ترويها كتب الأدب:
ـ يقول صاحب خزانة الأدب: «قال بعضهم: في الكميت خصال لم تكن في شاعر. كان خطيب بني أسد وفقيه الشيعة وحافظ القرآن. وكان ثبت الجنان، وكان كاتباً، وكان نسابة، وكان جدلياً»([324]).
ـ ويقول أبو الفرج الأصفهاني، في أخبار متفرقة: إن الكميت كان شاعراً مقدماً، عالما بلغة العرب، خبيراً بأيامها، راوية للشعر والحديث. وقد بلغ من مقدرته أنه كان يحفظ شعر نصيب أكثر منه، وأنه تنازع وحماد الراوية العلم بأيام العرب ورواية الشعر وتفسيره فأفحمه، وأنه كان عالماً بالنجوم، وقد مارس التعليم في جامع الكوفة الكبير([325]).
ـ كان الكميت، إضافةً إلى امتلاكه هذه القدرات والمهارات، إنساناً مؤمناً يخاف الله لدرجة أن يندم على هجائه بني كلب، فقال: «فعممتهن بالفجور، والله، ما خرجت بليل قط إلاَّ خشيت أن أرمى بنجوم السماء لذلك».
وكان مخلصاً في دعوته لمذهبه «إذ أظهر ما كتم العباد من الحق، وجاد حين ضن الناس»، من دون أن يشاء مقابلاً لذلك إلاَّ الثياب تبركاً. يروي محمد ابن سهل، راوية الكميت: «دخلت مع الكميت على أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام)، فأعطانا ألف دينار وكسوة. فقال له الكميت: والله ما أحببتكم للدنيا. ولو أردت الدنيا لأتيت من هي في يديه. ولكنني أحببتكم للآخرة. فأما الثياب التي أصابت أجسامكم، فأنا أقبلها لبركاتها، وأما المال فلا أقبله. فرده وقبل الثياب»، «فقال أبو جعفر (عليه السلام)، اللهم اغفر للكميت»([326]).
ويرى د. عبد القادر القط أن قصائد الشاعر المعروفة بـ«الهاشميات» نموذج فريد اللون من الشعر السياسي الذي يتدفق من عاطفة جياشة بحب صادق يشارف، أحيانا، ما يشبه «الوجد الصوفي» و «الإيمان الوجداني الخالص»([327]).
كان الكميت يصدر، في شعره، عن هذا الإيمان الخالص الذي يقرب من الوجد الصوفي، ويدعو للثورة على الحكم القائم وتغييره. وقد جهد في أن يحتل موقعه عن جدارة. وقد غدا، بهذا الجهد، الشاعر العارف بكل علوم عصره ومعطياته السياسية والثقافية والاجتماعية، والعامل بكل ما يستطيع على نشر مذهبه والإقناع به، والجهاد من اجله، فأنشد قصائد عرفت باسم «الهاشميات» نشر ما وصل إلينا منها في كتاب «الروضة المختارة».
ومن الأخبار التي تشير إلى أهمية الكميت في وجدان المسلمين: وعياً ولا وعياً ما يرويه صاحب الأغاني عن دعبل بن علي أنه قال، وكان يهجو الكميت لهجائه اليمنية: «رأيت النبي (صلّى الله عليه وآله) في النوم، فقال لي: مالك وللكميت بن زيد؟ قلت: يا رسول الله، ما بيني وبينه إلاَّ كما بين الشعراء. فقال: لا تفعل. أليس هو القائل:
فلا زلت فيهم حيث يتهمونني
ولا زلت في أشياعهم أتقلب
فإن الله قد غفر له بهذا البيت. قال: فانتهيت عن الكميت بعدها([328]).
نقاش ما ناله من ظلم وتشويه
لم ينجُ الكميت، على الرغم من هذا التميز، ولعله بسبب هذا التميز، من ظلم وتشويه نالا من أمثاله من الشعراء، ومن مظاهر ذلك ما يلمسه الباحث، في كتب تاريخ الأدب، من إهمال له وتجنٍ عليه. ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:
ـ أهمل محمد بن سلام الجمحي (ت231هـ) الكميت، ولم يتحدث عنه، في كتابه: «طبقات الشعراء» كما تحدث عن أمثاله من الشعراء. وأدّى هذا الإهمال من ابن سلام وسواه إلى فقد القسم الأكبر من شعره.
ـ تحدَّث الأصمعي (ت123هـ) عن الكميت غير أنه نال منه، ولم يعامله وفق المقياس نفسه الذي عامل به عمر بن أبي ربيعة وآخرين من المولدين. قال الأصمعي: «الكميت بن زيد ليس بحجة لأنه مولد، وكذلك الطرماح»([329]). وقال أيضاً:
«وعمر بن أبي ربيعة مولد، وهو حجة. سمعت أبا عمرو بن العلاء يحتج في النحو بشعره، ويقول: هو حجة، وفضالة بن شريك الأسدي وعبد الله بن الزبير الأسدي وابن الرقيات هؤلاء مولدون، وشعرهم حجة»([330]).
تثير أحكام الأصمعي سؤإلاَّ يتعلق بالمقياس الذي اعتمده في تحديد «الحجة» الذي يستشهد بشعره، فكيف يكون الكميت «ليس بحجة» لأنه مولد، ويكون كل من الشعراء الآخرين الذين يذكرهم «حجة»، وهم مولدون؟
القضية، كما يبدو، ليست قضية مولد، وإنما قضية نيل من الكميت، وذلك لأن الحكم بـ«الحجة» مهم جداً في تحديد مكانة الشاعر وشعره، فالشاعر الحجة يروى شعره، ويدرس، ويستشهد به، ويتم تداوله، ونفي هذه الصفة عن أي شاعر يفقده اهتمام الرواة والعلماء وتداول الشعر.
ـ وعاب عليه علماء كثيرون من «أخذه» من الشعر العربي القديم واستفادته من معاني القرآن الكريم، فيقول المفضل الضبي: «لا يعتد بالكميت في الشعر… و أنشدني أي معنى له حتى آتيك به من أشعار العرب»([331]).
وحاول ابن كناسة أن يضع مؤلفاً في سرقاته من القرآن وغير القرآن([332]).
كثر حديث الشعراء والنقاد العرب عن الأخذ، أو السرقات الشعرية، ولم ينجُ شاعر من هذا الاتهام، غير أن اللافت هو الاتهام بسرقة معاني القرآن الكريم، فكأن التأثر بالقرآن الكريم سرقة، وهو في الحقيقة وليد نهج مختلف في الشعر يصدر عن ذلك الإيمان الخالص، أو الوجد الصوفي الذي كون وجدان الشاعر المسلم ورؤيته إلى العالم وأشيائه.
ـ يتحدث عبد الله بن قتيبة (ت276هـ) عن إيمان الكميت وشعره، فيقول: «… فإنه يتشيع وينحرف عن بني أمية بالرأى والهوى، وشعره في بني أمية أجود من شعره في الطالبيين، ولا أرى علة ذلك إلاَّ قوة أسباب الطمع، وإيثار عاجل الدنيا على آجل الآخرة»([333]).
واللافت أن يتفق الجاحظ مع ابن قتيبة، وكانا على طرفي نقيض، فيقول الجاحظ: «الكميت كان شيعياً من الغالية»، ويصف شعره، في مديح رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، كقوله: «إليك، يا خيرَ من تضمنت الأرض، وإن عاب قولي العيب» بأنه من الحمق([334]). ونقل المرزباني، في موشحه، هذا الرأى فقال: «ولا يعيب قوله في وصف النبي (صلّى الله عليه وآله) إلاَّ كافر بالله، مشرك»([335]).
الحق أنه لا يعيب قوله في النبي (صلّى الله عليه وآله) وآله (عليهم السلام) إلاَّ كافر بالله، مشرك، غير أن هذا الذي كان يحدث، فكان الكميت يذكره في قصائده، ليقرر حقيقة، وأنه لمن التجني ألاَّ يرى هذه الحقيقة من يأخذ على الكميت ذكرها في شعره، ويصف صنيعه بالحمق، ذلك أن الواقع التاريخي يفيد أن من يذكرهم الكميت لم يكتفوا بأن يعيبوا المدح، بل اغتصبوا حق آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقتلوهم، ولعنوهم على رؤوس المنابر، فأي حمق أن يشار إلى هذا في سياق خطاب شعري يرى إلى هذه القضايا؟
أما أن شعره في الأمويين أجود، ومرد ذلك إلى أسباب الطمع فيعود إما إلى التجني والتشويه، أو إلى تحكيم مفهوم شعري يرى إلى شعر محترفي المديح بوصفه الشعر الأجود، أو إلى الأمرين كليهما.
والحقيقة أن الكميت اضطر إلى مدح الأمويين، بعد أن هرب من سجن خالد القسري والي العراق الذي أمره الخليفة بأن يقطع يدي الكميت ولسانه ثم يقتله. وتفصل ذلك أخبار طويلة عن إخفاق الثورة، وتواطئ خالد القسري([336]) مع المعارضة وانقلابه عليهم من بعد، واستفحال الصراع اليمني القيسي…، ولجوء الكميت إلى وجوه مضر، واستجارته بقبر معاوية بن هشام الخ.. ثم قتله بسيوف جند والي العراق، يوسف بن عمرو الثقفي، وفي مجلسه، بأن ادخل الجند سيوفهم في بطن الكميت فظل ينزف، ويجود بنفسه، ويقول عندما يفتح عينيه: «اللهم آل محمد، اللهم آل محمد، اللهم آل محمد…» ([337]).
أما عن مديحه للأمويين، فيقول د. عبد القادر القط: «للكميت قصيدة معروفة في مدح مسلمة والامويين عامة. نلحظ بينها وبين قصائد الشاعر في الهاشميين فرقاً ملموساً في المستوى الفني والنفسي (…) فإننا نحس إزاء القصيدة بغلبة النظم الرديء والصنعة الشكلية التي لا تنضح بعاطفة أو صدق أو توفق إلى صور فنية ذات قيمة أو عبارة شعرية محكمة»([338]) ويقول صاحب الأغاني، في صدد هذه القصيدة: «ولم يجمع من قصيدته تلك يومئذٍ إلاَّ ما حفظه الناس منها فألف. وسئل عنها، فقال: ما أحفظ منها شيئاً، إنما هو كلام ارتجلته»([339]).
ـ ويرى بعض الباحثين أن شعر الكميت أحدث تأثيراً سيئاً شتت الشمل، فيقول أحمد الهاشمي: «لشعره من التأثير السياسي والمذهبي اثر سيء شتت شمل الوحدة العربية»([340]). ويقول د. شوقي ضيف: «ومعنى ذلك أن قصيدته المذهبة [ ويقصد القصيدة التي يهجو بها القبائل اليمنية] كتبت لخدمة الشيعة عن طريق تشتيت الجماعة الإسلامية وبث الفرقة بينها»([341]).
يقتضي الحكم الدقيق الصادق على هجاء الكميت لأحياء اليمن، أولاً، معرفة ملابسات صدور هذا الهجاء، يروي صاحب الأغاني([342]) «إن سبب هجاء الكميت أهل اليمن، أن شاعراً من أهل الشام يقال له حكيم بن عياش الكلبي كان يهجو علي بن أبي طالب (عليه السلام) وبني هاشم جميعاً، وكان منقطعاً إلى بني أمية. وانتدب له الكميت فهجاه وسبه، فأجابه. ولج الهجاء بينهما.وكان الكميت يخاف أن يفتضح في شعره عن علي عليه السلام لما وقع بينه وبين هشام، وكان يظهر أن هجاءه إياه في العصبية التي بين عدنان وقحطان». ويروي صاحب الأغاني، في مكان آخر، أن الأعور الكلبي عرف قصة هرب الكميت من السجن، متنكراً بثياب زوجته التي بقيت في السجن، فقال قصيدته التي يرمي فيها امرأة الكميت بأهل الحبس، فهاج الكميت ذلك حتى قال: «ألا حييت عنا يا مدينا»، وهي ثلاثمائة بيت، لم يترك فيها حياً من أحياء اليمن إلاَّ هجاهم، وتوارى، وطلب، فمضى إلى الشام، فقال شعره الذي يقول فيه: «قف بالديار وقوف زائر»، في مسلمة بن عبد الملك..
تفيد هاتان الروايتان ما يلي:
1ـ لم يبدأ الكميت بالهجاء، ولم يستجب لدعوات قومه بالرد على الكلبي، كما يذكر أبو الفرج في رواية أخرى، إلاَّ عندما وجد أن لا مندوحة عن الرد لسببين أولهما ديني سياسي وثانيهما شخصي يمس العرض والكرامة.
2ـ أعطى الكميت رده صفة الهجاء القبلي كي لا يفتضح وكي لا يعرض الإمام علياً (عليه السلام) للهجاء. وهذا ما كان يريده الكلبي، أن يستعدي الأمويين على الكميت وعلى مضر، ففضلاً عما سبق، نقرأ في الأغاني أن الكميت قال لابنه المستهل: «… يا بني، أنت تعلم انقطاع الكلبي إلى بني أمية، وهم أعداء علي، عليه السلام، فلو ذكرت علياً لترك ذكري وأقبل على هجائه، فأكون قد عرضت علياً له، ولا أجد ناصراً من بني أمية، ففخرت عليه ببني أمية، وقلت:إن نقضها عليَّ قتلوه، وإن أمسك عن ذكرهم قتلته غماً وغلبته». ويعلق صاحب الأغاني على قول الكميت: «فكان كما قال. امسك الكلبي عن جوابه، فغلب عليه. وأفحم الكلبي»([343]).
3ـ أنشد الكميت هجاءه في وقت تأجج فيه الصراع بين العدنانية والقحطانية، وكانت الثورة قد أخفقت، وراح خالد القسري والي العراق، القحطاني، يسعى إلى خلع الخليفة، أو إلى أن يكون رجل العراق الوحيد مستنداً إلى العصبية اليمنية، فعمد المضريون العدنانيون، إلى كشف خططه، فعل ذلك الكميت، وفعله الفرزدق أيضاً الذي خاطب هشام بن عبد الملك بقوله:
أرى مضر المصرين ذل نصيرها
ولكن قيساً لا يذل شآمها
فمن مبلغ بالشام قيساً وخندفاً
أحاديث ما يشفى ببرء سقامها
فَغَيِّرْ أميرَ المؤمنين، فإنها
يمانية حمقاء أنت هشامُها([344])
كان الهدف إذاً ما سماه الفرزدق «يمانية حمقاء»، يطلب تغييرها، وقد تم ذلك في حركة تشبه الانقلاب، وذلك عندما أتى الوالي القيسي يوسف بن عمرو الثقفي في ليل واستلم ولاية العراق من خالد القسري وكان يبيت نية اغتيال الكميت، وقد فعل جنوده ذلك بعد آونة يسيرة من وصوله.
إن الانقسام القبلي، كما يبدو، كان واقعاً، ولم تحدثه مذهبة الكميت، وإنما كانت نتيجة له، ووليدة ملابسات معقدة. وهذا الانقسام، أو التشتيت، والذي بقي يتخذ أشكإلاَّ من الصراع المرير طوال عهد الحكم الأموي، كان نتيجة لسياسة رد الناس إلى أنسابهم التي وضع معاوية أسسها، واتبعها الحكام من بعده، وكان من مظاهرها التحريض على الهجاء وإذكاء جذوته، بغية تغذية التشتت والصراع القبليين.
وهذا يفيد أن الشيعة ما كانوا يريدون تشتيت الجماعة الإسلامية وبث الفرقة بينها، كما يقول د. ضيف، وإنما كانوا يريدون وحدة الجماعة الإسلامية، فبها يتم الخلاص من حكم السيف والمال المموه بشرعية مدعاة زائفة. وتفرق الجماعة الإسلامية وصراع فئاتها يبقي هذا الحكم مستبداً بها. هل كانت الجماعة الإسلامية تنتظر مذهبة الكميت كي تتفرق!؟ ألم تكن المبادئ الأساس في السياسة الأموية تتمثل في رد الناس إلى أنسابهم؟ وتقوم على التمزيق القبلي؟ الم توضع نظرية الأنساب بإشراف الأمويين أنفسهم؟ أيحتاج د. ضيف إلى التذكير بنقائض جرير والفرزدق والأخطل وغيرهم والتي كان السلطان الأموي يتبناها ويذكي جذوتها؟
لقد أتت مذهبة الكميت نتيجة واقع كان قائماً بفعل سياسة الحاكم، وأتت، في الوقت نفسه، على إثر إخفاق ثورة إسلامية لعب الانقسام القبلي الدور الأساسي في إخفاقها. هذا الإخفاق وملابساته جعل الكميت يستجيب لرجاء عشيرته، ويرد على شاعر طالما هجا قومه وهجاه وأفحش، وما كان ليجيبه لأنه كان مهتما بأمور أخطر بكثير من الهجاء. وقد ندم الكميت، في ما بعد، لصدور هذا الهجاء عنه، كما مر بنا في بداية هذا البحث.
ولم يعدم الكميت من أنصفه من بين القدماء، فقال أبو الفرج الأصفهاني: «وقصائده الهاشميات من جيد شعره ومختاره»، وروي أن معاذ الهراء قال عن الكميت: «ذاك أشعر الأولين والآخرين»([345]) وقال أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي:«الكميت، وكان يتعمد إدخال الغريب في شعره، وله في آل البيت الأشعار المشهورة، وهي أجود شعره»([346]).
ويرى د. نعمان القاضي، بحق، أن المتجنين على الكميت كانوا متأثرين في أحكامهم بأمرين أساسيين: الأول مذهب الشاعر الديني والسياسي، والثاني اتجاه شعره المخالف للقدماء. إذ طبقوا عليه مقاييسهم المتعارف عليها في المدح والهجاء، في حين كان شعره يقتضي نظرة خاصة جديدة لشعر خاص بصاحبه جديد. وهذه النظرة الجديدة سنرى بها إلى شعر الكميت في بحث يلي، إن شاء الله.
د. عبد المجيد زراقط
هداية المسترشدين
في شرح أُصول معالم الدين
تأليف: الشيخ محمد تقي الرازي النجفي الأصفهاني، المتوفّى سنة 1248هـ.
شرح استدلالي مبسوط ـ في ثلاث مجلّدات ـ على قسم الأُصول من معالم الدين وملاذ المجتهدين للشيخ أبي منصور الحسن بن زين العاملي (الشهيد الثاني)، المتوفّى سنة 1011هـ، الذي أصبح مدار التدريس في الحوزات العلميّة منذ تأليفه.
هرات
ـ1ـ
يقع ربع هرات برمته، في البلاد المعروفة اليوم بأفغانستان. ويسمّى باسمه نهر هرات أو هري رود. ومخرج هذا النهر في جبال الغور. ويجري في أوله مسافة نحو الغرب. ولسقي وادي هرات شقت منه أنهار كثيرة، بعضها في أعلى مدينة هرات وبعضها في أسفلها. وقد سمّى المقدسي سبعة من هذه الأنهار بوجه خاص وقال إنّها تسقي ما حول القصبة من رساتيق خصبة.
ويجري نهر هرات في أوّله من الشرق إلى الغرب ويمر بمدينة هرات على سبعة أميال من بابها الجنوبي بالقرب من مدينة مالن. وعليه هناك جسر قال المقدسي فيه: «ليس بجميع خراسان أعجب عملاً منه. وفيما يلي هرات، كان هري رود يمر بمدينة فوشنج قرب ضفته الجنوبية، ثم ينعطف شمالاً فيجري إلى سرخس، وقبل أن يصلها، يستقبل مياه نهر المشهد. ثمّ في ما يلي ذلك تفنى مياهه في المفازة شمال سرخس. ثمّ في ما يلي ذلك تفنى مياهه في المفازة شمال سرخس. وقال حافظ أبرو أنّ نهر هرات يعرف أيضاً باسم خجاچران (وتهجئة هذا الاسم تتعدد بتغيّر نقاط الإعجام، أمّا التهجئة الصحيحة فغير معروفة). وهو يؤكد أنّ مخرجه كان في عين لا تبعد كثيراً عن موضع مخرج نهر هيلمند.
وفي المئة الرابعة (العاشرة) كانت هرات، على ما وصفها به ابن حوقل والمقدسي، مدينة جليلة عليها حصن وسور له أربعة أبواب: باب سراي مما يلي الشمال في الطريق إلى بلخ. والباب الثاني إلى الغرب يفضي إلى نيسابور، وهو باب زياد. وباب فيروز آباد، وقد سمّاه المقدسي باب فيروز، كان في الجنوب، يُخرج منه إلى سجستان. وكان في الشرق باب خُشْك، ويؤدّي إلى جبال الغور. وكانت أبوابها هذه خشباً إلاّ باب سراي فقد كان حديداً، على قول ابن حوقل. وكان لحصن هرات (ويقال له القهندز) أربعة أبواب أيضاً «بحذاء كل باب من أبواب المدينة باب لهذا الحصن ويسمّى باسم ذلك الباب». والمدينة مقدار نصف فرسخ في مثله. ودار الإمارة بمكان يعرف بخراسان أباذ في ظاهر البلدة بينهما ميل، على طريق فوشنج الذاهب غرباً. وعند كل باب من أبواب المدينة الأربعة، سوق وفي ظاهر الباب ربض واسع. وكان المسجد الجامع في وسط أسواق المدينة. «وليس بخراسان وسجستان مسجد أعمر بالناس من مسجد هرات». «والسجن على ظهر قبلة مسجد الجامع» أي في غربه.
وفي شمال هرات: الجبال، وهي من المدينة على فرسخين. والاراضي هنا بادية لا تسقى. ويرتفق الناس من هذه الجبال «بالحجارة للأرحية والفرش. وعلى رأس هذا الجبل بيت نار (قديم) يسمّى سِرِشك» كان يقصده المجوس في المئة الرابعة (العاشرة). وفي نصف المسافة بين بيت النار والمدينة بيعة للنصارى. وإلى جنوب هرات، في طريق مالن، قنطرة على هرى رود. وبينها وبين المدينة بساتين كثيرة ورساتيق عامرة تسقيها أنهار عديدة. وقراها متصلة مقدار مرحلة على طريق سجستان.
واستمرّت هرات على ازدهارها وعمرانها حتّى اجتياح المغول لها. وحين كان ياقوت فيها سنة 614هـ (1217م) أي قبل أن تنكب بهذه الكارثة بأربع سنوات، وصفها بقوله «لم أر (بخراسان) مدينة أجلّ ولا أعظم ولا أفخم ولا أحسن ولا أكثر أهلاً منها، فيها بساتين كثيرة ومياه غزيرة». وأيّد معاصره القزويني كلامه هذا وأشار إلى أرحيتها التي «تديرها الريح بنفسها كما يديرها الماء» وهو منظر لم يألفه القزويني. على أنّ هرات قد انتعشت بعدما أصابها من كوارث على يد التتر، فإنّ المستوفي في المئة التالية لها، أيّد قول ابن بطوطة في أنّها كانت أكبر المدن العامرة في خراسان، بعد نيسابور. ودور أسوارها حينذاك تسعة آلاف خطوة، ولها 18 قرية يسقيها نهر (نهربچه) يأخذ من هرى رود. وكان يجود فيها صنف من الأعناب يقال له «الفخري» وكذلك التين. وكان أهل هرات في المئة الثامنة (الرابعة عشرة) من السنة. وقد كان أقصى ما بلغته هرات من ازدهار، على قول المستوفي، في المئة السادسة (الثانية عشرة) أيام حكم الدولة الغورية فيها. فقد كان فيها حينذاك 12000 دكان، و6000 حمام، و659 مدرسة، وعدد سكانها 444,000.
وفي ختام المئة الثامنة (الرابعة عشرة)، بعد أن تملك تيمور هرات، نقض أسوارها وأرسل معظم الحذاق من صناعها إلى المدينة الجديدة شهر سبز في ما وراء النهر تكثيراً لسكانها.
وقال ياقوت في معجم البلدان عن هرات: مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان لم أر بخراسان عند كوني بها سنة 607 مدينة أجل ولا أعظم ولا أفخم ولا أحسن ولا أكثر أهلاً منها، فيها بساتين كثيرة ومياه غزيرة وخيرات كثيرة، محشوة بالعلماء ومملوءة بأهل الفضل والثراء، وقد أصابها عين الزمان ونكبتها طوارق الحدثان وجاءها الكفار من التتر وخربوها حتّى أدخلوها في خبر كان.
هرات في الشعر العربي
قال أبو أحمد السامي الهروي:
هرات أرض خصبها واسع
ونبتها اللُّفّاح والنرجس
ما أحد منها إلى غيرها
يخرج إلاّ بعدما يفلس
وقال الزوزني:
هرات أردت مقامي بها
لشتى فضائلها الوافره
نسيم الشمال وأعنابها
وأعين غزلانها الساحره
وقد كان الشيخ حسين عبد الصمد والد الشيخ البهائي قد تولّى فيها منصب شيخ الإسلام على عهد الصفويين، وكان لولده المذكور بعض الإقامة فيها مع والده، فقال فيها شعراً:
إنّ الهرات بلدة لطيفة
بديعة شائقه شريفه
أنيقة أنيسة بديعة
رشيقة آنسة منيعه
خندقها متصل بالماء
وسورها سام إلى السماء
ذات فضاء يشرح الصدورا
ويورث النشاط والسرورا
حوت من المحاسن الجليلة
والصور البديعة الجميلة
ما ليس في بقية الأمصار
ولم يكن في سالف الأعصار
لست ترى في أهلها سقيماً
طوبى لمن كان بها مقيما
ما مثلها في الماء والهواء
كلا ولا الثمار والنساء
كذلك الباحات والمدارس
فما لها فيهن من مجانس
هواؤها من الوباء جُنه
كأنّه من نفحات الجنة
فيبسط الروح وينفي الكربا
ويشرح الصدر ويشفي القلبا
لا عاصف منه تحل الحره
ولا بطيء السير فرد مره
بل وسط يهب باعتدال
كغادة ترفل في أذيال
فمن رماه الدهر بالإفلاس
حتى على المسكن واللباس
فلا يصاحب بلدة سواها
لأنه يكفيه في هواها
لو قيل إنّ الماء في الهرات
يعدل ماء النيل والفرات
لم يك ذاك القول بالبعيد
فكم على ذلك من شهيد
تراه في الأنهار جار صاف
كأنّه لآلئ الأصداف
لا يحجب الناظر عن قراره
بل يطلعنه على أسراره
تظن غور عمقه شبرين
من الصفا وهو على رمحين
خفيف وزن رائق الأوصاف
ما مثله ماء بلا خلاف
يهضم ما صادف من طعام
كأنّما أكلته من عام
نساؤها مثل الظباء النافرة
ذوات ألحاظ مراض ساحره
يسلبن حلم الناسك الأواه
يسلمن جسمه إلى الدواهي
من كل حور وعذبة الألفاظ
تقتل من تشاء بالألحاظ
أضيق من عيش الأديب ثغرها
أضعف من حال الأديب خصرها
يا حبذا أيامنا اللواتي
مضت لنا ونحن في هرات
نسترق اللذات والأفراحا
ولا نحل الهزل والمزاحا
وعيشنا في ظلّها رغيد
والدهر مسعف بما نريد
واهاً إلى العود إليها واها
فما يطيب العيش في سواها
هرات
ـ2ـ
القادمون من الغرب إلى بلاد الشمس المشرقة، عبر خراسان التي تشكل الجزء الشمالي من أفغانستان لا بد لهم أن يجتازوا امتداد السهول الإيرانية فتظهر الصحراء الرمادية فجأة أمامهم مثل جوهرة في الوادي الخصيب الذي تسقيه مياه هاري رود، وتكتنفه الحقول والبساتين المتقاطعة والقنوات والأراضي المحروثة المعدة لأكثر الزراعات خصوبة، ويتراءى لهم الفلاحون، عن بُعد، تلف رؤوسهم عمائم بيض وهم ينثرون بذور القمح والكمون والزعفران.
وتحت أضواء الخريف الخافتة تهتز الأشجار بألوانها الزاهية وتتماوج رؤوس الحَوَر الذهبية الناصعة مع النسيم الغادي، وأشجار التوت بأثمارها الجافة تجود على من يبتغي منها شيئاً، أمّا الأعناب فليس ما يماثلها جودة في أي مكان.
وعندما يتجه الركب إلى الطريق الذي تمتد على جانبيه أشجار الصنوبر السود يدرك القادمون أنّهم وصلوا إلى هِرات الجميلة التي تدعى واحة الفيروز.
تعتبر هرات([347]) من المدن الكبيرة الهامة التاريخية في خراسان القديمة وأفغانستان الحالية وكانت هذه المدينة قائمة قبل ظهور الدين الإسلامي وبعد أن فتحت أبوابها بوجه الإسلام بدأت هجرة العرب ومنهم السادات العلويين إليها.
كان أهاليها كبقية أهالي خراسان يحبون أهل البيت والعلويين. ومن أهم أسباب هجرة المهاجرين إلى هذه المدينة إضافة إلى حُب أهاليها لأهل البيت (عليهم السلام)، يجب أن نشير إلى مناخها الطيب وكثرة الغلال والفواكه ورفاهية أهاليها وموقعها الجغرافي والتجاري الثمين حيث تقع بين خراسان وما وراء النهر وإيران والهند.
ومن أوائل العلويين السادات الذين هاجروا إلى هرات نذكر عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب. وقد استشهد على أيدي أبي مسلم الخراساني وقبره في «مصرخ» في هرات. إنّ المزارات الكثيرة الموجودة في هذه المدينة تؤكد هجرة السادات إليها واستيطانهم واستقرارهم فيها والعيش بين أهاليها. ومن بين هذه المزارات مزار القاسم بن الإمام الصادق (عليه السلام) في مصرخ ومزار عبدالله الواحد بن مسلم بن عقيل في محلة «خوانحه آباد» ومزار السيد عبدالله (377هـ) وابنه السيد أبو يعلى المختار من السادات الحسينيين وغيرهم وعلى أي حال فإنّ هجرة السادات إلى هذه المدينة بدأت منذ القرن الثاني الهجري وما بعده.
الجامع الأزرق في هرات
وأشارت كتب الأنساب إلى عدد كبير من السادات الزيدية والسادات السجادية والسادات الموسوية الذين هاجروا إلى هرات في القرنين الثالث والرابع الهجريين وبصورة عامة وحسب تقارير مصادر الأنساب فإنّ مدينة هرات تعتبر من أهم مدن هضبة إيران بعد طبرستان وبلخ التي استقبلت ورحبت وآوت السادات.
ومن جهة أخرى، فإنّ مدينة هرات نظراً لتاريخها الحضاري والثقافي ربّت في أحضانها منذ القرن الثاني الهجري وما بعد ذلك العلماء والفضلاء من فقهاء ومحدّثين ومفسرين وغيرهم، وكان بعضهم من الشيعة فمنهم أبا صلت الهروي من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث والسيد أبو طالب يحيى الحسيني الهروي وحسب قول الميرزا أفندي الأصفهاني فإنّه كان من كبار علماء الشيعة ومن الموثوقين من «السيد ابن طاووس»، في كتابه «الإقبال». وكان هذا العالم الجليل ألّف كتاباً باسم «الأمالي» وكان يعيش في أوائل القرن الرابع الهجري.
وكان يعيش في هراة في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجريين فقيه آخر هو الشيخ عصمي الهروي، وكان بارعاً في الفقه والكلام وكان يروي عن «السيد المرتضى». وتزامناً مع هذا الفقيه كان يعيش الشيخ أبو عبدالله الحسين الپوشنگى وكان ثقةً متصلاً بالشيخ المفيد.
وكان لأهالي هرات دور هام في الثورات الشيعية التي كانت متناسقة مع مصالح التشيع منذ بداية القرن الثامن. ولا يمكن تجاهل دور أهالي هرات منذ ثورة يحيى بن زيد في الجوزجان وأبي مسلم الخراساني في خراسان حتّى انتصار المأمون على أخيه الأمين. وكان قائد قوات المأمون «طاهر ذو اليمنين الپوشنگي» وپوشنگ هي من توابع هرات وكانت مزدهرة عامرة حتّى القرن الثامن الهجري.
إنّ الطاهريين كانوا متهمين بالتشيع وعلى أي حال فإنّ التشيع بدأ في هرات منذ دخول الإسلام إليها وإنّ عدداً ملحوظاً من الشيعة كانوا يعيشون في هذه المدينة دائماً والإحصاءات الموجودة تقول إنّ الشيعة حتّى القرن الثامن وبداية عصر التيموريين لم يكونوا إلى الحد الذي يمكن اعتبارهم الأغلبية أو تكون لهم القدرة المتفوقة. إذاً فإنّ المدينة كانت مدينة غير شيعية وأنّ بعض الشيعة كانوا في كثير من العصور التاريخية يدخلون المدارس والمساجد والدوائر الحكومية بالتقية. ويصف ابن بطوطة الذي كان قد سافر إلى هرات في القرن الثامن وفي عصر إمارة آل كرت، يصف المدينة ويقول: «هرات أكبر مدينة عامرة في خراسان، وأنّ أهاليها يمتازون بالصدق والنجابة والديانة وهم على مذهب أبي حنيفة وأنّ مدينتهم طاهرة من الفساد».
أمّا «آل كرت» وخلال حكومتهم التي كانت طويلة الأمد نسبياً (643ـ792هـ) فإنّهم بذلوا مساعيهم لتعزيز أركان التسنن لهذا فإنّ هرات في هذه الفترة الزمنية كانت تعرف بأنّها قاعدة التسنن في خراسان على العكس من مدينة سبزوار التي كانت قاعدة التشيع في خراسان وأنّ العلاقات المتعكرة بين هاتين القاعدتين كانت تؤدي إلى الحرب والقتال. كما أنّ حرباً ضارية وقعت في سنة 748هـ بين السلطان حسين الكرت والأمير مسعود السربداري وقد زحف تيمور مرتين على مدينة هرات، ففي المرة الثانية وقعت أضرار جسيمة وخسائر كبيرة في الأرواح وخاصة في توابع المدينة مثل بوشنگ، ولكن سرعان ما أصبحت مركز حكومة شاهرخ وعاصمة بلاد التيموريين بعد موت تيمور وخطت خطوات سريعة في الازدهار والعمران.
إنّ تاريخ التشيع في هذه المدينة وانتشار التشيع في البلاد المجاورة لها مثل الغور وغرجستان وسبزوار ومشهد وسياسة اللين والتساهل المذهبي الذي مارسه التيموريون واهتمامهم بالعرفاء وبأهل البيت (عليهم السلام) وبالسادات أدّت إلى ازدهار الحضارة وقد استغل الشيعة هذه الفرصة فازدهر التشيع فيها ولكن محاولة اغتيال شاهرخ أدّت إلى رد فعل واعتقال وإعدام ونفي وبصرف النظر عن تدخل الشيعة أو عدم تدخلهم في هذه العملية فإنّ تنفيذ هذه العملية بواسطة «الحروفية» وهي فرقة منشقة عن الشيعة أدّى إلى ذلك وإلى اتهام العارف الشيعي السيد قاسم الأنوار بالمشاركة في تدبير المحاولة.
ولكن المصادر التاريخية متفقة على أنّ السيّد قاسم الأنوار بريء من هذه التهمة وأنّ السبب الرئيسي لنفيه إلى ما وراء النهر هو اختلاف أسلوبه البعيد عن التملّق لبلاط شاهرخ مضافاً إلى شعبيته بين أهالي هرات وخوف شاهرخ من هذه الشعبية. يقول «خواندمير» بعد أن يصف ويثني على السيّد ومكانته العلمية والمعنوية:
وبعد نفي «السيّد قاسم الأنوار كان يمنع العلماء وكبار عرفاء الشيعة بين فترة وأخرى من النشاط الشيعي في المدينة. غير أنّ التشيع كان يمضي في مسيرته. وبسبب موقع هرات وعظمة المدينة كان توارد العلماء والطلاب والشعراء من المناطق البعيدة والقريبة مستمراً، وكانت الأغلبية من هؤلاء من الشيعة، وكان إقبال السادات العلويين نحو المدينتة أكثر من قبل وكانوا يسيّرون عجلة التشيع في العاصمة بشتى الطرق والأساليب. إنّ «شاهرخ ميرزا» نفسه ونتيجة شوقه ومحبته لأهل البيت (عليهم السلام) والسادات وزيارته للعتبات المقدسة ومنها عتبة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) كان بصورة غير مباشرة يسير على طريق نشر التشيع والثقافة الشيعية.
إنّ ضرب المسكوكات باسم الأئمة الإثني عشر في عهد بابر ميرزا الذي تسلّم السلطنة بعد شاهرخ ميرزا والشكوك التي أثيرت حول مذهبه كانت ولا شك مستوحاة من الأحوال الاجتماعية. وفي عصر بابر ميرزا تجاوز عدد من الشيعة المتطرفين لأوّل مرّة، حج الاعتدال.
وبعد موت شاهرخ ميرزا وقبل أن يتسلم بابر ميرزا السلطة كانت الأوضاع في مدينة هرات متدهورة لفترة من الزمن. وأُلغْ بيگ الابن الأكبر لشاهرخ توجه من ما وراء النهرالى العاصمة هرات لفتحها وفتح خراسان ومعه ولداه عبد اللطيف وعبد العزيز وبعد أن فتحها توجّه إلى مشهد واسترآباد لمرافقة علماء الدولة وإخضاع بابر ميرزا. وفي هذه الأحوال استولى على هرات يار علي التركماني ولد ميرزا اسكندر بن قرا يوسف (قراقونيلو) بمساعدة ودعم من سكان أطراف المدينة.
ونظراً لكون يار علي شيعياً وإذا قبلنا نظرية «بتروشفسكي» الذي يقول إنّ التشيع والشيعة في هذا العصر كانوا يعيشون في أطراف المدينة وفي القرى المجاورة نستنتج أنّ الشيعة بعد وفاة شاهرخ انتهزوا الفرصة بما يملكونه من إمكانيات عسكرية وجرأة سياسية واستولوا على العاصمة.
إنّ هذه النظرية تكون مقبولة إذا لاحظنا أنّ مذهب الناس في أطراف هرات ومنها پوشنگ وقبل عصر التيموريين كانت تختلف عن مذهب أهالي هرات وپوشنگ كانت تابعة للفقه الشافعي، بينما كانت هرات كما قلنا سابقاً تابعة للمذهب الحنفي. وإنّ نزعة الشافعيين نحو التشيع في القرنين التاسع والعاشر الهجري في إيران وخراسان من جهة وتظاهر أبناء الشيعة بالمذهب الشافعي من جهة أخرى أمران لا ينكران. إنّ عملية يار علي التركماني هذه دفعت ألغ بيگ إلى العودة إلى هرات بسرعة وخلال عودته، قام بتأديب سكان المدن والقرى القريبة من هرات بأشد أنواع التأديب، وقد يئس من أهالي هرات والتسلط عليهم وعاد إلى ما وراء النهر. يقول مؤلف كتاب «لب التواريخ».
«… لمّا طالت غيبته عن هرات… إتُّهِم الأهالي الذين يعيشون خارج سور المدينة بأنّهم ساعدوا يار علي التركماني ولد ميرزا اسكندر بن قرا يوسف في إثارة الفتن، فقد قسّم المحلات خارج المدينة ووزّعها على الأمراء لنهبها وإنّ هذا الأمر وقع في شهر رمضان في وسط الشتاء حيث الناس لا يخرجون من بيوتهم بسبب برودة الجو».
لا توجد أّية حالات خاصّة بارزة في عهد حكومة السلطان أبو سعيد الذي خلف بابر ميرزا على حكومة هرات.
وفي عصر حكومة السلطان حسين با يقرا الطويلة الهادئة، وهو آخر سلاطين التيمورية، كان الشيعة في هرات قد حققوا تقدّماً كبيراً. ورغم وجود حاجزين كبيرين ورئيسيين أمام تنمية التشيع في عهد السلطان حسين بايقرا وهما نور الدين عبد الرحمن الجامي والأمير علي شير نواني، الأوّل في ميدان العرفان والفقه والآداب والثاني في ساحة السياسة والأدب وكانا يعتبران قوتان لا منافس لهما ولكن نزعة هذا السلطان الباطنية الخفية للتشيع وسياسته في دعم كبار علماء الشيعة وإخلاصه بالنسبة للسادات العلويين فإنّ التشيع استمر بمزيد من السرعة في تنمية عقيدته ونشرها. إنّ الشيعة استخدموا أساليب مختلفة ولكن ذات هدف واحد وهو التنمية والتوسع والنشر والتعريف بثقافة المذهب الشيعي.
قلعة تشرف على هرات كانت عاصمة لخلفاء تيمورلنك
التشيع في هرات([348])
كان كمال الدين حسين الكاشفي (الواعظ) وولده فخر الدين من أبناء الشيعة وهو من أهالي مدينة سبزوار ولكنّهما أقاما في هرات. إنّ دراسة أفكارهما وعقائدهما وآثارهما بحاجة إلى فرصة مناسبة وتحقيق مفصل. ولكن ما يجب أن نقوله هنا أنّ هذا الاب وهذا الابن كانا من الوعاظ المعروفين جداً في هرات، وأنّ عباراتهما اللطيفة وبيانهما الجذّاب وصوتهما الحسن وسيطرتهما على الفصاحة والبلاغة جذبت إليهما، لا أهالي هرات فحسب، بل حتّى أهالي نيشابور وسبزوار وتوابعهما.
فإنّ أسلوبهما في قراءة المراثي والخطابة كان نموذجاً لبقية الوعاظ وطلاب العلوم الدينية ومحكاً لنجاحهم أو خيبتهم وحصولهم على الشهرة.
كان حسين الواعظ الكاشفي يُدرّس في مدارس هرات وإنّ طلاباً وتلامذة كثيرين كانوا يستفيدون من تعليماته ودروسه التي كانت ترتبط بالمذهبين الشيعي والسني. إنّ «محمود الواصفي» هو أحد تلاميذه السنيين وإنّ هذا الأمر أي تعلّم أبناء السنّة عند عالم شيعي وتعلّم الشيعة عند عالم سني كان اعتيادياً مألوفاً في ذلك الزمان. وكان من الأساليب الحسنة التي لم تحوّج الجانبين إلى اتّباع أسلوب التقية. وكان الكاشفي في خطاباته وأفعاله الدعائية يتطرق إلى المسائل الإسلامية وإلى فضائل أهل البيت (عليهم السلام) ويمتنع عن التطرق إلى القضايا التي تثير الخلافات. ولهذا، فإنّ جموع غفيرة من أبناء السنّة والشيعة كانوا يحضرون محاضراته. وقد حافظ في مؤلفاته على هذا الأسلوب. وله مؤلف اسمه «روضة الشهداء» يتطرق فيه إلى مظلومية أهل البيت واستشهادهم وخاصة استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وهذا الكتاب هو أوّل كتاب من نوعه. ولهذا ونتيجة لاستفادة قُرّاء المراثي والتعازي من هذا الكتاب فإنّ قراءة المراثي تحوّلت إلى قراءة ما بالروضة وعرف قرّاء المراثي بقراءة الروضة (نسبة إلى روضة الشهداء هذا).
وكانت تربط الكاشفي علاقات وثيقة بجامي([349]) وعلي شير النواتي وكان يحظى باحترام خاص في بلاط هرات ولا بد من أن نشير إلى أنّه تولّى منصب القضاء في مسقط رأسه بزومار يقول في مقدمة «روضة الشهداء». «أنّ جماعة من محبّي أهل البيت (عليهم السلام) يجدّدون بحلول شهر المحرم مصيبة الشهداء ويقومون بالعزاء لأبناء الرسول (صلّى الله عليه وآله)».
ونستدل من قوله هذا إنّ الرثاء والعزاء في عشرة المحرم في هذا العهد كان جارياً ويعتبر واحداً من الشعائر الإسلامية التي تقام في كل عام. ويبدو أنّ هذا الأمر لم يكن خاصاً بأبناء الشيعة. وكان الكاشفي يستغل هذه المراسم لنشر ثقافة أهل البيت (عليهم السلام). وقد تابع ابنه بعده فخر الدين صفي الواعظ الكاشفي أسلوب أبيه وملأ مقاعد تدريس والده ومنابر وعظه وخطاباته وتوجد عن ذلك وثائق ومستندات تاريخية إضافة إلى كتابين ثمينين من مؤلفاته هما «حرز الأمان» و« لطائف الطوائف».
إنّ تطبيق مبدأ «التقية» لم يقتصر على هذين العالمين الشيعيين بل كان يشمل عدداً كبيراً من العلماء وطلاب العلوم الدينية. ومنهم «السيّد أمير عطاء الله جمال الحسين» المعروف بـ «الأمير جمال الدين» صاحب كتاب «روضة الأحباب في سيرة النبي والآل والأصحاب». وكان من أفاضل المحدثين في عصره ومن المتفردين في علم الحديث وكان قديراً في بقية العلوم الدينية والمعارف اليقينية. وكان يدرّس في مدرسة «السلطانية» في هرات.
وكان ابنه «الأمير نسيم الدين محمد» الملقب بـ «ميركشاه» من كبار علماء زمانه وحيد عصره وفريد أقرانه في مواصلة العلوم الجارية وخاصة علم الحديث.
والحسين بن عبد الحق الأردبيلي الذي يقال «إنّه أوّل من ألّف في الشريعة على مذهب الشيعة بالفارسية».
ورغم هذا وبسبب ممارسته التقية في هرات فإنّه عندما عاد فيما بعد إلى مسقط رأسه في آذربايجان عندما استولى الصفويون على السلطة اتُّهِمَ بالتسنن مثل بقية الذين كانوا يضطرون إلى ممارسة التقية. وينقل «محمود الواصفي» في كتابه «بدائع الوقائع» حكاية تقية أحد طلاب العلوم الدينية الذي كان زميله لعدّة سنوات في إحدى المدارس في هرات. ويقول إنّني لم أشك أبداً في أنّه من أبناء السنة. وفي صراع حدث بين الشيعة والسنة وقف إلى جانب الشيعة وأبرز تشيّعه.
إنّ هذا الأمر دليل على نفوذ التشيع الواسع في الأجهزة الحكومية وبين مختلف طبقات الناس في هرات.
الرواج المباشر
الأسلوب المتعارف والطريقة السارية في ترويج ونشر عقيدة أو نظرية هي الدعاية المباشرة لها. ولكن هذا الأسلوب لا يخلو من المخاطر والأهوال خاصة في وقت تكون هذه الدعاية ويكون هذا الأسلوب أو هذه العقيدة والنظرية تختلف عن عقائد أغلبية أفراد المجتمع. وحول رواج التشيّع في هرات فقد استخدمت هذه الطريقة وهذا الأسلوب وكانت تستعمل في المجتمعات العامة بأفصح بيان. يقول الأسفزاري عن ذلك:
«عندما جلس صاحب الجلالة أبو الغازي السلطان حسين ميرزا على عرش مُلك خراسان، فإنّ جماعة من الجهلة والسفهة والمغفلين حسبوا أنّ جلالته بما أنّه يتخلص في أشعاره باسم «الحسيني» فله ميول وانحيازات نحو هذه العقيدة الباطلة وإنّ المذهب السني ومذهب الجماعة سيطعن وزمّروا كثيراً وأعلنوا أنّ أسماء الأئمة الإثني عشر تُقرأ في الخطب وعلى المنابر وأنّ أسماء الخلفاء الراشدين أُهملت، ومن هؤلاء السيد حسن الكربلائي… حيث تمكن أن يلحق نفسه ببلاط السلطان وآخر هو السيد علي واحد العين وهو من أهالي مدينة قاين بدأ بالتبشير للمذهب الشيعي وكان خطيباً بارعاً فتمكن أن يجمع حوله جماعة وأن يتحدّث إليهم مخالفاً أبناء السنة والجماعة حسباناً من أنّ صاحب الجلالة سيدافع عنه في عقيدته هذه… ففي يوم عيد الأضحى صعد «السيد واحد العين» على المنبر في المصلّى وبدّأ يطعن بأبناء السنة والدفاع عن أبناء الشيعة… فأؤمر الملك جماعة من قواته بإنزاله عن المنبر…» إلاّ أنّ القرائن تشير أنّ هذه البادرة من السيد واحد العين بموافقة ضمنية من السلطان حسين الذي كان منحازاً للتشيع ولكن بسبب بعض المصالح ومراعاة الاحتياط كان لا يتطاهر بذلك. ويقول مؤلف آخر أنّ «جامي» لعب دوراً هاماً في منع السلطان من تنفيذ برنامج «السيد علي واحد العين» ومخططه.
«في بداية جلوس صاحب الجلالة الهمايون [السلطان حسين ميرزا] أراد السيد أبو الحسن الكربلائي ومن شابهه أن يغيروا الخطبة على منابر الشريعة من قرارها المعروف وعادتها المعهودة السالفة ويقرؤوها باسم الأئمة الإثني عشر (عليهم السلام). ولمّا بلغ هذا الخبر إلى [الجامي] قال كان المعهود في جميع الخطب المعتادة التي كانت من المبدأ إلى الغاية توصل إلى مسامع المستمعين باختصار أسماء أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بقول: «وعلى آله وعترته» والآن فإنّ إلغاء أسماء الخلفاء وتغيير أسلوب السلف الصالح سيؤدي إلى الفساد والجريمة».
ولكن بصورة عامة إنّ ما يبدو من عقائد وأحوال السلطان حسين، ومن هذا الحادث هو أنّ السلطان وجماعة من الشيعة حوله وبتشجيع من هؤلاء خطط ودبّر هذا الأمر وطلب من «السيد علي واحد العين تنفيذه ليختبر ردود فعل الآخرين، فإذا كانت ردود الفعل ضعيفة طبق هذا المخطط بصورة عامة، ولكن بما أنّ ردود الفعل كانت قوية وعنيفة، طرح الموضوع مع العالم الكبير المعروف «جامي» فحذره جامي من ذلك.
ونستنتج من هذا وممّأ جرى أنّ قدرة الشيعة الاجتماعية والثقافية والسياسية بلغت من القوة في هذا العصر بحيث تركوا أسلوب الدفاع جانباً واتخذوا أسلوب الهجوم ودعوة الآخرين إلى عقيدتهم وكانوا يمضون قدماً إلى الأمام بسرعة.
المدح وقراءة المناقب
إنّ عادة المدح وقراءة المناقب كانت إحدى العادات الاعتيادية الجارية في ذلك العهد، وقد راجت هذه العادة في عصر السلطان حسين بايقرا أكثر فأكثر. وكان لهذا الأمر أثر بالغ في نشر فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وبالنتيجة في رواج التشيع. وكان المداحون وقراءة المناقب لا يكتفون في شرح وبيان فضائل الأئمة (عليهم السلام) بل كانوا يهاجمون المعارضين أيضاً ممّا يؤدي إلى النزاع وربما الاستشهاد في هذا السبيل. كما كان الأمر مع «حسين علي المدّاح» حيث مات في هذا السبيل (حوالى 890هـ).
المداح الآخر الذي كان معروفاً جداً ويقف في الشوارع وفي ملتقى الطرقات والميادين ومحلات اجتماع الجماهير ويبدأ بالمدائح وقراءة المناقب هو «حيدر علي المداح». ويستفاد من أقوال «واصفي الهروي» أنّه كان في هذا العصر مداحون كثيرون في مدينة هرات يقومون كل يوم في مختلف مناطق المدينة في المساجد والمدارس والميادين وملتقى الطرقات والمزارات وغيرها بذكر فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وكانت هذه العملية تعتبر من خصائص المدينة.
وكان يجتمع حولهم الكثير من الجمهور فيستمعون إلى فضائل أهل البيت (عليهم السلام). ويشرح المؤلف المذكور إحدى ذكرياته عن هذا الموضوع ويقول:
[أنا والميرزا بيرم] كنّا معاً دائماً وكنّا نتحدّث عن كل شيء. ذات يوم كنّا نتجوّل في مدرسة گوهر شادبيگم وكان «حسن علي المداح» فوق المنبر يمدح أهل البيت، وفجأة اخذ يتطرف في كلامه فتغيّرت أحوال الميرزا بيرم وقال: سأقتل هذا الكافر، أو أسعى في قتله. قلت له: يا صاحبي، إنّ مثل هذا المسكين كثيرون في هذا البلد ومثلي ومثلك من أبناء السنة كثيرون أيضاً وليس من الضروري أن نحاول أنا وأنت في قتل هذا الرافضي. وهذا زمان ظهر فيه «الشاه إسماعيل» في العراق. إنّ من عاقبة الأمور والجزم أن لا نهتم لمثل هذه الأعمال.
قراءة الروضة
قلنا إنّ قراءة الروضة منذ هذا العهد أصبح عنواناً لمراسم العزاء للإمام الحسين (عليه السلام) وكانت هذه المراسم تقام في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم في كل عام. إنّ هذا الشعار الإسلامي استعاد مكانته السابقة في هرات. ومنقول من مقدمة «روضة سيد الشهداء» أنّ جموع غفيرة من الناس كانوا يشتركون فيها كل عام ويتعرفون على معارف الأئمة ومظلومياتهم، وإنّ العواطف والمشاعر التي كانت تحصل من هذه المجالس كانت تُسَيَّر إلى مجراها الحقيقي وهو التشيع الإثني عشري، ولهذا كانت مجالس قراءة الروضة ومجالس العزاء من الأمور والوسائل المؤثرة في تنمية وازدهار التشيع. وينقل السيد «الشيبي» بعض السطور من مقدمة «روضة الشهداء ويشير إلى إقامة هذه المراسم في كل عام من قبل محبي أهل البيت (عليهم السلام) ويستنتج قائلاً: «من هنا يتضح أنّه ربّما حلّ البكاء على الإمام الحسين في هرات محل الذكر الصوفي الذي كانت النقشبندية قد ألفته. وإذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً فهو دليل على مدى استعداد الجماهير لقبول التشيع في نهاية القرن التاسع وربما كان كتاب «روضة الشهداء» من أسباب نجاح حركة «الشاه إسماعيل»، في ذلك العصر.
الأسلوب العرفاني ـ السياسي
إنّ كبار عرفاء الشيعة، بشخصياتهم العرفانية البارزة وورعهم وتقواهم، كانوا يجذبون الجماهير من طلاب العلوم ومختلف طبقات الشعب نحو الدين ونحو فضائل الأئمة (عليهم السلام) ومن ثم وفي المرحلة الأخرى يميلون تدريجياً نحو التشيع. إنّ هؤلاء العرفاء بتعليمهم المعارف الإسلامية والمفاهيم العرفانية وعرض الكرامات كانوا يجذبون القلوب نحو رواد العرفان الإسلامي الأصيل أئمة الشيعة. ومن أجل تحقيق أهدافهم كانوا مرة يتقربون إلى بلاط السلاطين التيموريين ومرة يبتعدون عنه، كما نرى في نفي السيد نعمت الله ولي من ما وراء النهر في عصر تيمور وطرد السيد قاسم الأنوار من هرات في عهد شاهرخ بسبب استغلالهما السياسي لمناصبهما العرفانية والمعنوية لصالح التشيع. والنموذج الآخر هو استغلال «الخواجة علي» وبقية أجداد الصفوية، العرفان لكسب السلطة والقدرة السياسية للتشيع. وفي عهد السلطان حسين أيضاً كان يعيش عرفاء كبار مثل، ابن «السيد محمد نور نجش القاني» العارف الجليل والسيد قاسم نور نجش (فيض نجش) حيث كان يحظيان بمكانة مرمومة عند السلطان، وكان السلطان قد منح «السيد قاسم فيض نجش» مدينة سمنان بسبب منصبه العرفاني.
هذا وقد ازدهر العرفان وأدب التشيع في عهد التيموريين وإنّ هذا الأمر بدوره لعب دوراً هاماً في تنمية التشيع، ويحتاج الحديث عنه إلى فصل خاص. وإثر هذه المساعي الحثيثة التي بذلها العرفاء والشعراء والمداحون وقرّاء الابتهالات وقرّاء الروضة وخطباء الشيعة تهيأت أفكار الجماهير وذهنيتهم بالنسبة لفضائل الأئمة وكرامات أهل البيت (عليهم السلام) وأخيراً قبول التشيع.
إنّ هذه النزعات الواسعة نحو التشيع كانت نتيجة نزعة السلطان حسين بايقرا نحو التشيع ونتيجة نشاطات الشيعة في مختلف المجالات منها الأدب الشيعي في أبعاده: العرفان والمناقب والابتهالات. حيث أنّ التشيع ازدهر بسبب دخول مناقب أهل البيت (عليهم السلام) في الشعر الفارسي في القرن الثامن وازدهاره بصورة شاملة في القرن التاسع.
وتحت ظلال الظروف التي كانت قد حصلت في العصر التيموري والجهود والمساعي الحثيثة التي قام بها علماء الشيعة في مدينة هرات حيث كانت المدينة في مستهل هجوم تيمور عليها قاعدة أبناء السنة.
او كانت غريبة عن الشيع وأنّ ابن بطوطة كان قد قال عنها إنّها حنفية المذهب، ففي نهاية العصر التيموري كسبت المدينة وجهاً شيعياً، وصارت: المدينة التي تصبح على قراءة المناقب والمديح، وتبدأ عامها بالعزاء والرثاء الكربلائيين.
هراسكان
أوّل اطلاعنا على كلمة (هراسكان) كان أثناء مطالعة آثار الخواجة أفضل الدين محمد المرقي الكاشاني، المعروف بـ (بابا أفضل) حيث جاء في خاتمة إحدى رسائله: كانت هذه الإجابات آخر حديث الخواجة، فقد انتقل إلى جوار الحق تعالى، وكانت قد أرسلت من مرق إلى منتخب الدين الهراسكاني صاحب الأسئلة.
وفي إحدى قصائد ديوان السيد أبي الرضا الراوندي (ضياء الدين فضل الله) والمتعلقة بهجوم جيوش الملك سلجوق بن محمد بن ملكشاه على حدود كاشان، عدّد الراوندي أسماء مناطق جرت الوقائع فيها، ومنها قرى نطنز، وكاشان، فذكر في البيت الخامس والستين:
(وهراسكان، فلا تسل ما نابها)… ولدى قيام السيد جلال الدين محدّث همّت بطبع الديوان، بذل جهداً كبيراً في سبيل تحقيق أسماء القرى والقصبات القديمة، ومن جملة ذلك، هراسكان، حيث رجع إلى مصادر مختلفة استفاد منها أنّ هذه القرية أو القصبة كانت واقعة قريباً من كاشان.
وفي متن وقفية بتاريخ شهر رمضان عام 703 ذكرت أسماء قرى هراسكان، وبيدگل، ومختص آباد، وأشارت هذه الوقفية إلى أنّ القرى الثلاثة المذكورة كانت مصارفها موقوفة على دار السيادة بكاشان، غير أنّ الوقفية لم تذكر حدودها، واكتفت بالقول: «هذه القرى الثلاثة هناك مشهورة معروفة مستغنية من ذكر التحديد والتوصيف…».
وعلى سبيل المصادفة عثر على ثلاث نسخ أصلية لوقفية أخرى بتاريخ 877، ذُكر فيها أنّ الأمير عماد الدولة الشيرواني قد خصّص ثمار مزارع على المسجد المعروف باسمه وملحقاته ومن ذلك هذه الجملة: «أربعة عشر يوماً بلياليها من أصل خمسة عشر للقناة والأراضي المعروفة بـ (دولت آباد) من المزارع الواقعة حوالي مدينة كاشان»، وحول تعيين حدود هذه المزرعة جاء في متن الوقفية: «بحدّ أراضي يحيى آباد، وبحدّ مزرعة نصر آباد، وبحدّ القرية المتروكة هراسكان، وبحدّ الأرض البوار في مزرعة محمود آباد».
لقد كانت مدينة كاشان تتغذى بالمياه من ينبوع «فين»، ولا تحتاج إلى مياه القنوات، فكانت الأخيرة تسقي المزارع المذكورة، ولكن نضوب عين «فين» أدّى إلى استفادة أهالي كاشان من هذه القنوات، الأمر الذي سبّب قلة المياه بالنسبة إلى مزارع دولت آباد، ونصر آباد، ومحمود آباد، فأصبحت بوراً، حتّى اختفت أسماؤها من الذاكرة شيئاً فشيئاً.
ويذكر مفضل بن سعد المافروخي مصنّف كتاب (محاسن أصفهان) من أنّ قرية هراسكان فتحت قناة باسم الماء الأبيض (سعيد آب) باتجاه (أبروز). وبالفعل ففي أراضي الجنوب الشرقي المتصل بمدينة كاشان توجد مقبرة كبيرة تعرف بـ «وادي أفروز» (دشت أفروز)، وهناك توجد قناة «سفيد آب» التي كانت تجري من عين «فين».
من خلال ذلك يمكن تعيين الموقع الذي كانت فيه قرية هراسكان، وليس أقلّ من القول بأنّ هذه القرية القديمة كانت واقعة في الأراضي المتصلة بشرقي كاشان. ولكن يبقى التساؤل قائماً: متى انقرضت هذه القصبة (هراسكان)؟ ولماذا؟
في متن الوقفية المؤرخة رمضان 703 والمشار إليها في سبق، ورد: «سبب الضربة القاسية والحملة الشريرة من جيوش الملك السلجوقي في القرن السادس والتي وجهت إلى هراسكان…». ومن هذه العبارة يتضح أنّ شيئاً من العمران كان موجوداً في قرية هراسكان في أوائل القرن السادس، وأنّ مقداراً من عوائده كان يؤمن قسماً من مخارج دار السيادة بكاشان وعلى أنّه في النصف الثاني من القرن التاسع بني مسجد الأمير عماد الدولة في كاشان وهو من فقرات الوقفية المذكورة، فإنّ قرية هراسكان كانت مهجورة.
اللهيار صالح
الهرمل
منطقة الهرمل (لبنان) تقسم إلى ثلاثة أقاليم: بلدة الهرمل وهي مركز القضاء، الوديان والجرد، والسهل. ويشكل هذا القضاء من حيث موقعه، أقصى الشمال في محافظة البقاع إذ تمتد المنطقة السهلية منه حتى الحدود السورية مشكلة الجزء الغربي من وادي البقاع. ويحدّه شمالاً سوريا وجنوباً قضاء بعلبك وشرقاً مجرى نهر العاصي وقضاء بعلبك وغرباً قضاءاً عكار وطرابلس. وتنحصر الهرمل بين مجرى العاصي من الشرق حيث يبلغ الارتفاع عن سطح البحر 450 متراً، وبين سلسلة جبال لبنان الغربية من الغرب حيث يبلغ الارتفاع 2100 متر. ويقع قضاء الهرمل ضمن منطقة جافة متوسط الأمطار فيها يبلغ سنوياً 250 ملم. وهو معدل مأخوذ على مدى 24 سنة. كما أنّ الفترة الممتدة من حزيران حتّى أيلول هي فترة جفاف كلي. أمّا بالنسبة إلى الحرارة في الهرمل فهي تراوح بين 5,5 درجات في كانون الثاني و26,5 درجة في شهر آب لتعود فتهبط ثانية إلى 9,5 درجات في كانون الأوّل. ويلاحظ أنّ المنطقة تتعرض بانتظام، في بعض الأيام، للجليد خلال كانون الأوّل والثاني وشباط من كل سنة فتصل الحرارة أحياناً إلى 5 درجات تحت الصفر.
وفي دراسة وضعتها مصلحة الأبحاث العلمية في تل العمارة أنّ ثلاثة أنواع من الاراضي تتميز بها منطقة الهرمل: الأولى الأراضي السمراء القليلة الخصب وتتميز بارتفاع نسبة الكلس فيها فتبلغ حدّها الأقصى، الثانية التربة الحمراء القاتمة وتختلف عن سابقتها في اللون، وفي زيادة بسيطة بنسبة الطين وهي كلسية إجمالاً وكائنة في جنوب القضاء، والثالثة التربة الحمراء وفيها ارتفاع ملحوظ في الطين ونقص نسبي في الكلس على أنّها تنفرد بعمقها وبخصبها، وهي الكائنة في الجرد.
ومن خصائص قضاء الهرمل كونه مجتمعاً عشائرياً يقوم على الزراعة وتربية المواشي.
وفي تفصيل أدق يتضح أنّ لكل من أقاليمه الثلاثة ميزاته الخاصة. فمنطقة الوديان مجتمع عشائري غير مستقر يمضي الشتاء في الأودية والصيف في الجرد نظراً لبُعد الأراضي الزراعية عن المناطق السكنية. ويتميز السهل عن الوديان باستقرار نسبي وبكون أراضيه الزراعية محيطة بالقرى، وهي قرى حقيقية وثابتة، وهذا أمر يميزها عن قرى الوديان التي تعتبر مراكز تجمّع سكانية يطلق عليها محلياً اسم «مرح» ولا تتوفر فيها مقومات القرية. أمّا بلدة الهرمل فتعتبر لكونها مركز القضاء قطباً جاذباً تتوفر فيها التجهيزات والخدمات الأساسية لمعيشة السكان. كما تتميز بكونها مركزاً سكنياً مستقراً ذا مستوى معيشي مرتفع بالنسبة إلى السهل والوديان.
وفي إحصاء أجرته إحدى المؤسسات التابعة للأونيسكو تبين أنّ المعدل العام للولادات في قضاء الهرمل هو 22,8 في المائة بينما معدل الوفيات هو 7,77 في المائة. أمّا زيادة السكان فتبلغ 25 في المائة. وفي دراسة أخرى وضعتها المؤسسة ذاتها عن قضاء الهرمل وحركة النزوح فيه وتأثيرها على الأهالي، تبين أنّ هذه الحركة تتم تحت تأثير عوامل عدّة من بينها انتهاء الزراعات الموسمية والمناخ البارد في الجرد بحيث لا يتمكن السكان من احتماله نظراً لطبيعة السكن البدائية وشح المرعى وعدم تحمّل الماشية للطقس البارد شتاء. كما أنّ وجود المدارس في القرى والوديان يفرض على معظم سكان الجرد العودة لإرسال أولادهم إلى المدرسة ولو في وقت متأخر. وتقول هذه الدراسة أنّ النتائج الاجتماعية المترتبة على حركة النزوح بين الجرد والوديان هي التالية: عدم اهتمام الأهالي بالتجهيز السكني، عدم تكوين مراكز سكنية تكتسب مقومات القرى، انخفاض في مستوى المعيشة واكتفاء بالحد الأدنى من الحاجات الضرورية وأخيراً عدم استقرار اجتماعي وعائلي.
- () لسان العرب لابن منظور، مادة (نحا)، حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1/10. ↑
- () حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1/10. ↑
- () جمهرة اللغة، تحقيق رمزي البعلبكي 1/575. ↑
- () مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، ج 1 مادة (نحا). ↑
- () لسان العرب، مادّة (نحا). ↑
- () لسان العرب، مادّة (نحا). ↑
- () البحث النحوي عند الأصوليين، السيد مصطفى جمال الدين، ص 24. ↑
- () أبو الأسود الدؤلي ونشأة النحو العربي، فتحي الدجني، ص 13 ـ 14. ↑
- () مصطلح النحو، نشأته وتطوره حتى أواخر القرن الثالث الهجري، عوض حمد القوزي، ص 8 ـ 15. ↑
- () أخبار النحويّين البصريّين، السيرافي، ص 13. ↑
- () المفصّل في تاريخ النحو العربي، محمد خير الحلواني، 1/15 (الحاشية). ↑
- () أبو الأسود الدؤلي، الدجني، ص 14. المصطلح النحوي، القوزي، ص 14. ↑
- () إنباه الرواة على أنباه النحاة، القفطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، 1/15. ↑
- () أبو الأسود الدؤلي، الدجني، ص 111. ↑
- () الفصول الخمسون، ص 149. ↑
- () المصطلح النحوي، ص 9. ↑
- () المصطلح النحوي، ص 10. ↑
- () إحياء النحو، إبراهيم مصطفى، ص 12. ↑
- () مجاز القرآن، أبو عبيدة، تحقيق محمد فؤاد سزكين، 1/18. ↑
- () تلخيص البيان في مجازات القرآن، الشريف الرضي، تحقيق محمد عبد الغني حسن، ص 5 ـ 6. ↑
- () طبقات النحويين واللغويين، الزبيدي، ص 13. ↑
- () أخبار النحويين البصريين، السيرافي، ص 21. ↑
- () طبقات النحويين واللغويين، الزبيدي، ص 27. ↑
- () أخبار النحويين البصريين، السيرافي،. ص 17. ↑
- () الإيضاح في علل النحو، الزجاجي، تحقيق مازن المبارك، ص 89. ↑
- () الفهرست، ابن النديم، ص 59 ـ 60. ↑
- () طبقات الشعراء، ابن سلام، ص 7. ↑
- () طبقات الشعراء، ابن سلام، ص 7. ↑
- () طبقات النحويين واللغويين، الزبيدي، ص 26. ↑
- () أخبار النحويين البصريين، السيرافي ص 15، 17، 20، 22، 24، 25. ↑
- () طبقات الشعراء، ابن سلام، ص 5. ↑
- () طبقات النحويين واللغويين، الزبيدي، ص 21. ↑
- () المفصّل في تاريخ النحو العربي، محمد خير الحلواني، ص 12. أبو الأسود الدؤلي، الدجني، ص 13 ـ 14. مصطلح النحو، القوزي، ص 8. ↑
- () أبو الأسود الدؤلي ونشأة النحو العربي، الدجني، ص 2 2 ـ 23. ↑
- () طبقات الشعراء، ابن سلام، ص 6 ـ 7. ↑
- () المفصّل في تاريخ النحو العربي، الحلواني، ص 14. ↑
- () الأصول في النحو، ابن السراج، 1/37. ↑
- () الخصائص، ابن جني، 1/34. ↑
- () المقرب، ابن عصفور، 1/45. ↑
- () حاشية الصبان على شرح الأشموني، 1/15. ↑
- () حاشية الصبان على شرح الأشموني، 1/16. ↑
- () شرح الألفية، ابن الناظم، ص 302. ↑
- () غاية الإحسان في علم اللسان، مخطوط، 1/ب. ↑
- () شرح التصريح على التوضيح، خالد الأزهري، 1/14. ↑
- () الحدود النحوية، الفاكهي، نقلا عن حاشية الإيضاح في علل النحو، ص 89. ↑
- () أبو عثمان المازني ومذاهبه في الصرف والنحو، رشيد العبيدي، ص 106. ↑
- () البحث النحوي عند الأصوليين، السيد مصطفى جمال الدين، ص 26. ↑
- () صدر عن (دار الإنصاف للتأليف والترجمة والنشر في بيروت) سنة 1949م. ↑
- () مقال «نظرة في النحو» ج9 و10 وم14 من (مجلة المجمع العلمي العربي) بدمشق بقلم: طه الراوي. ↑
- () «الموفي في النحو الكوفي» لصدر الدين الكنغراوي. ↑
- () مع أنّ بعضهم عرف بنصر، بن عاصم الليثي (ت89) أو عبد الرحمن بن هرمز (ت117) على أنّ أحدهما واضع علم النحو، فإنّهم يعدّون مؤسس هذا العلم أبا الأسود (انظر القواعد النحوية: 77 طبقات النحويين: 20). ↑
- () هذه الرواية التاريخية أيّدها عدد من المحققين: القفطي في «إنباه الرواة». أبو الهلال العسكري في «الأوائل». ابن الأنباري في «نزهة الألباء». الكفعميُّ في «مختصر نزهة الألباء». ابن حجر في «الإصابة». أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني». ابن شهر آشوب في «المناقب». اليافعي في «مرآة الجنان». الأزهري في «تهذيب اللغة». ابن منظور في «لسان العرب» ابن خلّكان في «وفيات الأعيان». ابن فارس في «مقاييس اللغة». جلال الدين السيوطي في «بغية الوعاة، والوسائل، والمزهر». ابن أبي جمهور الأحسائي في «بغية الرعاة، والوسائل، والمزهر». ابن أبي جمهور الأحسائي في «المجلى». الإمام فخر الرازي في «مناقب الشافعي». مصطفى صادق الرافعي في «تاريخ آداب العرب». المحدّث القمي في «سفينة البحار». أبو علي في «منتهى المقال». وأكثر من مئات العلماء والمحققين الآخرين ذكروا في كتبهم هذا الموضوع التاريخي، وعدّوه من القضايا المسلّم بها. ↑
- () ورد في بعض الروايات أنّ علياً (عليه السلام) قال لأبي الأسود: «اكتب: الكلام كله لا يخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى». وهي الجملة بتعبيرها التي ذكرها سيبويه في مطلع كتابه. ↑
- () مقصوده «اسم علم مبهم». ↑
- () أطوار الثقافة، ج2، ص35: تأسيس الشيعة ص61. نزهة الألباء، ص4 و5. وهي نظير رواية ذكرت في أوائل كتاب المصباح في النحو لأبي الحسن سلامة بن عياض الشامي النحوي. ↑
- () أطوار الثقافة ج2، ص36. تأسيس الشيعة ص55، منقولاً عن روضة العابدين. ↑
- () نقلاً عن تأسيس الشيعة ص57. وللاطلاع أكثر حول موجبات تأسيس قواعد النحو والصرف في اللغة العربية انظر: طبقات النحويين ص14ـ16. تأسيس الشيعة ص56ـ61. أبو النحوي ص261 و270 وكتب طبقات أخر. ↑
- () الفهرست ص67، طبعة مصر. ↑
- () معجم الأدباء دار المأمون 1355هـ، ج1، ص206. ↑
- (*) تمر هنا في (دائرة المعارف) عدّة دراسات عن نشأة النحو. وكان لا بد من هذا التكرار عند كل بحث عن النحو ليتسق سير البحث (ح). ↑
- () مراتب النحويين 23 والمزهر 2/396. ↑
- () المزهر 2/397. ↑
- () مراتب النحويين 23. ↑
- () لحن العامة 40. ↑
- () الفاضل 4. ↑
- () طبقات الشعراء 5. ↑
- () وفيات الأعيان 2/26. ↑
- () المزهر 2/397. ↑
- () بغية الوعاة 2/22. ↑
- () أخبار النحويين البصريين 14. ↑
- () المفصل للحلواني 100، وانظر: الأغاني 20/370. ↑
- () أخبار النحويين البصريين 11. ↑
- () المزهو 2/397. ↑
- () خزانة الأدب 1/136، ط1. ↑
- () الشعر والشعراء 171 ط القسطنطينية (مصورة عالم الكتب). ↑
- () الفاضل 5. ↑
- () الأشباه والنظائر 1/8. ↑
- () الإيضاح 89. ↑
- () مراتب النحويين 24، ط2. ↑
- () الأغاني 11/298. ↑
- () أخبار النحويين البصريين 11. ↑
- () طبقات النحويين واللغويين 13. ↑
- () الفهرست 59. ↑
- () أعيان الشيعة 36/345، ط1، نقلاً عن محاضرات الراغب الأصفهاني. ↑
- () شرح ديوان الحماسة 1/127. ↑
- () لمع الأدلة 97. ↑
- () نزهة الألباء 4 تحـ محمد أبو الفضل إبراهيم. ↑
- () الاقتراح 2-3 تحـ قاسم. ↑
- () معجم الأدباء 14/48ـ49. ↑
- () إنباه الرواة 1/4. ↑
- () إنباه الرواة 1/6. ↑
- () إنباه الرواة 1/5. ↑
- () صبح الأعشى 3/151. ↑
- () مرآة الجنان 1/144، 203. ↑
- () البداية والنهاية 8/312م السعادة بمصر. ↑
- () مقدمة ابن خلدون 546. ↑
- () غاية النهاية 1/346. ↑
- () الإصابة 304. ↑
- () الاقتراح 203. ↑
- () المزهر 2/397. ↑
- () خزانة الأدب 1/136. ↑
- () نشأة النحو 26ـ27، ط5. ↑
- () مدرسة البصرة النحوية (محاضرات أملاها على طلبة ماجستير اللغة العربية بجامعة بغداد) في العالم الدراسي 66ـ1967م «مخطوطتي الخاصة». ↑
- () من مقال له بعنوان (نشأة النحو العربي) منشور في مجلة جامعة الملك سعود ـ العدد الأول، ص67. ↑
- () سيبويه إمام النحاة 137ـ138، ط2. ↑
- () تاريخ النحو وأصوله 1/26. ↑
- () ابن عصفور والتقريب 15. ↑
- () نقلاً عن الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/11. ↑
- () نقلاً عن المرجع نفسه 2/11. ↑
- () الحلقة المفقودة في تاريخ النحو العربي 16ـ17. ↑
- () متن محاضرات لأستاذنا الأستاذ كمال إبراهيم عن (مدرسة البصرة النحوية) ألقاها على طلبة ماجستير اللغة العربية بجامعة بغداد لعام 1966ـ1967م. ↑
- () القمَطْر: بكسر أوّله وفتح ثانيه وإسكان ثالثه، وعاء تصان فيه الكتب. ↑
- () جلود الفلجان: هي جلود الحمير الوحشية. ↑
- () الصكاك: جمع صك وهو كتاب الإقرار بالمال أو غيره. ↑
- () ويعمل من قصب البردي. ↑
- () ويعمل من الحشيش. ↑
- () الجلد الأدم: هو الجلد الأحمر المدبوغ، وجمعه: آدمة. ↑
- () ويعمل من الكتان. ↑
- () مستهتر: مولع، ذو هواية. ↑
- () أدرسها: عفّاها. ↑
- () أحرفها: غيّرها، من التحريف بمعنى التغيير. ↑
- () الفهرست 60ـ61. ↑
- () هو يزيد بن الحكم الثقفي. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 24. ↑
- () ص8. ↑
- () 19/219. ↑
- () 2/398. ↑
- () 2/313. ↑
- () 2/380. ↑
- () 1/292. ↑
- () 2/106. ↑
- () 2/107. ↑
- () 2/347. ↑
- () 1/115. ↑
- () الموشح 165ـ166. ↑
- () من تاريخ النحو 36. ↑
- () بغية الوعاة 2/231. ↑
- () مجالس العلماء للزجاجي 171. ↑
- () طبقات النحويين 39. ↑
- () المزهر 2/412. ↑
- () مراتب النحويين 23. ↑
- () الإنباه 2/105. ↑
- () م.ن. ↑
- () ص7. ↑
- () ص26. ↑
- () 2/375. ↑
- () انظر: الموشح 50. ↑
- () 2/118. ↑
- () 42. ↑
- () 1/324. ↑
- () ص23. ↑
- () إنباه الرواة 2/269. ↑
- () طبقات النحويين واللغويين 43. ↑
- () نزهة الألباء 45. ↑
- () أوّل كتاب في نحو العربية، د. حسن عون، مجلة كلية الآداب لجامعة الإسكندرية 1958م. ↑
- () نشأة النحو 81 وانظر: كتاب سيبويه 3/423 ط هارون. ↑
- () انظر: سيبويه إمام النحاة لناصف 102 ط2. ↑
- () أخبار النحويين البصريين 28. ↑
- () راجع: تحقيق التراث 145. ↑
- () تطور الدرس النحوي 53. ↑
- () تاريخ العلماء النحويين 95ـ96. ↑
- () 1/426. ↑
- () 1/320ـ321. ↑
- () 1/369. ↑
- () 1/444ـ445. ↑
- () انظر: ترجمة ابن كثير. ↑
- () 2/167. ↑
- () فجر الإسلام 173، ط 6. ↑
- () يرجع إلى تراجم المذكورين في كتاب (المختصر من كتاب نشر النور والزهر في تراجم أفاضل مكة من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر). ↑
- () إنباه الرواة 2/172. ↑
- () في أصول النحو 13 عن تاريخ دمشق 5/454 مخطوطة الظاهرية، وانظر: الأغاني 1/290 مصورة ط دار الكتب. ↑
- () 2/38. ↑
- () بغية الوعاة 1/404. ↑
- () 2/19. ↑
- () 2/18. ↑
- () بغية الوعاة 2/164. ↑
- () انظر: من تاريخ النحو 91ـ92. ↑
- () الزجاجي للمبارك 17. ↑
- () الزجاجي 18. ↑
- () المدرسة النحوية في مصر والشام 29 عن مقدمة المنجد لكتاب دور القرآن بدمشق للنعيمي. ↑
- () تاريخ التعليم في الأندلس 376. ↑
- () بغية الوعاة 2/351. ↑
- () بغية الوعاة 2/352. ↑
- () بغية الوعاة 2/565. ↑
- () أبو البركات بن الأنباري 35. ↑
- () ابن كيسان النحوي 23. ↑
- () بغية الوعاة 2/287. ↑
- () بغية الوعاة 1/484. ↑
- () تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس 382. ↑
- () تطور الدرس النحوي 50. ↑
- () 1/56. ↑
- () البغية 1/28. ↑
- () البغية 2/345. ↑
- () البغية 2/248. ↑
- () البغية 1/496. ↑
- () البغية 1/525. ↑
- () البغية 2/344. ↑
- () البغية 1/66. ↑
- () البغية 2/275. ↑
- () البغية 1/570، 571. ↑
- () البغية 1/130. ↑
- () البغية 1/471. ↑
- () البغية 1/29. ↑
- () البغية 1/469. ↑
- () 244. ↑
- () لمعرفة هذا يراجع أمثال: ماضي النجف وحاضرها لجعفر محبوبه، وفرحة الغري لابن طاووس الحلي. ↑
- () البغية 1/437. ↑
- () مصادر الفكر العربي الإسلامي في اليمن 368. ↑
- () البغية 1/500. ↑
- () البغية 1/74. ↑
- () البغية 1/173. ↑
- () البغية 1/23 وجاء فيهما (الحلبي) بالباء الموحدة تحريفاً. ↑
- () الدراسات العربية في الجامعات العالمية، حسين حسن سليمان، مجلة الخفجي العدد 8 السنة 11 شهر المحرم 1402هـ ـ نوفمبر 1981م. ↑
- () البغية 2/148. ↑
- () البغية 1/549. ↑
- () البغية 1/290. ↑
- () الأعلام 6/61، ط4. ↑
- () الأغاني 12/297. ↑
- () المصدر نفسه، 12/300. ↑
- () المصدر نفسه، 12/301. ↑
- () المصدر نفسه، 12/321 و331. ↑
- () المصدر نفسه، 11/307 النوك: الحمق. ↑
- () المصدر نفسه، 12/315. ↑
- () المصدر نفسه، 12/312. ↑
- () المصدر نفسه، 12/305. ↑
- () المصدر نفسه، 12/306. ↑
- () المصدر نفسه، 12/308. ↑
- () المصدر نفسه، 12/330. ↑
- () المصدر نفسه، 12/310. ↑
- () المصدر نفسه 12/321. ↑
- () الأغاني، 12/329 تكمل من مروج الذهب، 2/286. ↑
- () راجع بهذا الصدد لسان العرب 4/18 ط بولاق. ↑
- () بهذا الصدد راجع الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى ﴿يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب﴾ والدكتور مصطفى زيد النسخ في القرآن 1/27. ↑
- () راجع في النصوص التي نذكرها في موضوع البداء آية اللّه السيد الخوئي. البيان في تفسير القرآن 270 – 277. ↑
- () صحيح مسلم 3/167. ↑
- () لو أنّه قال: (الشيعية) بدل (الإسماعيلية) لكان كلامه أقرب إلى المنطق السليم «ح». ↑
- () المقريزي: أتعاظ 41:1، هامش 1 ابن خلدون العبر 6، 65 ابن الأثير: المصدر السابق 8، 11 حسن إبراهيم: المرجع السابق 46 النعمان: افتتاح ورقة 23 وانظر (54ـ55 من ط بيروت 1970) ونظراً لأنّ وداد القاضي التي نشرت رسالة الافتتاح لم تعتمد في النشر إلا على ثلاث صور للمخطوط واحدة منها ملفقة والاثنتان الأخريان غير كاملتين ولم تشر إلى نسخة مكتبة الجامعة وهي أقدم وأكمل من غيرها فإنّني أعتمد على الأخيرة وأكتفي بالإشارة إلى ما يقابلها في ط وداد القاضي. ↑
- () ابن الأثير: المصدر 8، 11 المقريزي اتعاظ 1، 41، وفيهما جاء هذا القول مختصراً النعمان افتتاح ورقة 25 (58 ط بيروت) ابن أيبك الدواداري: المصدر السابق 113 النويري: المصدر السابق 26، ورقة 24. ↑
- () مدينة قديمة في منطقة الكاف ـ تونس تقرب من مجانة ومنها يسلك في اتجاه مسكيانة ولا تبعد عن الأربس وسبيبة بأكثر من مرحلة كانت حتّى عصر البكري لطيفة بها جامع وفندق وسوق انظر 145 منه الاستبصار 162 ابن حوقل. المصدر 86. ↑
- () هي مدينة في الشمال الغربي من تونس تقرب من مدينة الكاف ولا تبعد عن أقرب نقطة للحدود الجزائرية بمسافة كبيرة. ↑
- () النعمان: افتتاح ورقة 23 (55 ط بيروت) وقد وصفت مرماجنة هنا بدار الشيعة. ↑
- () المقدسي: المصدر 226ـ227 ويعبر عن هذا المعنى بقوله «مرماجنة من عمل رستاق تبسة». ↑
- () انظر الاستبصار: 161 وتسمّآ الأخيرة مجانة المطاحن والمعادن أيضاً. ↑
- () البكري: المصدر 49ـ50ـ145. ↑
- () عن كورة قسطيلية وقاعدتها توزر ومن مراكزها حامة بني بهلول وهم من بقايا الروم 157ـ159 وعن درجين انظر الشماخي: السير 447. ↑
- () البكري: المصدر 48ـ49. ↑
- () النعمان: افتتاح ورقة 24، (56 ط بيروت). ↑
- () النعمان: افتتاح ورقة 12ـ13 (44 بيروت). ↑
- () نفسه ورقة 107، (150ـ151 ط بيروت) المقريزي: اتعاظ 1: 60 س 7 (ط 1967) ابن الأثير: المصدر 8، 13 ابن أيبك الدواداري: المصدر السابق6 :21. ↑
- () البكري: المصدر 75 وانظر أيضاً 161 منه وفيها: «وجميع أهلها شيعة وتسمّآ الكوفة الصغرى». ↑
- () نفسه الإدريسي: المصدر 76. ↑
- () اليماني: سيرة جعفر 117. ↑
- () ابن عذاري: المصدر 1، 264ـ265. ↑
- () النعمان: افتتاح ورقة 54 (90 ط بيروت). ↑
- () ابن الأثير: المصدر 8، 150 المقريزي اتعاظ 75:1. ↑
- () الأحكام السلطانية: 92ـ94 (طبع المطبعة المحمودية بمصر). ↑
- () الشرف المؤبد: 44. ↑
- () صبح الأعشى: 3/481. ↑
- () مثل توريثه ابن الابن مع الابن وغير ذلك كما ستطلع عليه المؤلف. ↑
- () في لسان العرب، في الحديث، فتمعر وجهه أي تغير. وأصله قلة النضارة وعدم اشراق اللون، من قولهم: مكان أمعر، وهو الجدب الذي لا خصب فيه. اهـ. (المؤلف). ↑
- () راجع: شرح النهج لابن أبيالحديد وتاريخي الطبري وابنالأثير وكتب أسماء الصحابة. قال الشاعر في عمر بن عبدالعزيز لما رفع السب:وليت فلم تشتم عليا ولم تخفبريا ولم تتبع مقالة مجرم
وقال الشريف الرضي، يخاطب عمر بن عبدالعزيز:
أنت نزهتنا عن السب والشتم
فلو أمكن الجزاء جزيتك
↑ - () راجع تاريخي الطبري وابن الأثير وغيرهما ـ (المؤلف). ↑
- () هذا شطر بيت للحارث بن حلزة (بكسر الحاء وتشديد اللام المكررة) اليشكري، قال:لا تكسع الشول بأعبارهاإنك لا تدري من الناتج
قال الجوهري: كسع الناقة إذا ضرب خلفها (بكسر الخاء وسكون اللام) بالماء البارد ليزاد اللبن في ظهرها؛ وذلك إذا خاف عليها الجدب في العام القابل: قال الحارث بن حلزة:
لا تكسع الشول بأغبارها
إنك لا تدري من الناتج
والشول جمع شائلة على غير قياس، وهي التي أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر فجف لبنها. (والأغبار) جمع غبر كقفل وأقفال، وهو بقية اللبن في الضرع. يقول: لا تغزر ابلك أي تترك حلبها وتطلب بذلك قوة نسلها واحلبها لأضيافك فلعل عدوا يغير عليها فيكون نتاجها له دونك / وقال الخليل: هذا مثل، وتفسيره إذا نالت يدك من قوم شيئا بينك وبينهم أحنة فلا تبق علي شيء انك لا تدري ما يكون في الغد. ↑
- () يشير إلى قول علي عليهالسلام في خطبته لما بلغه غلبة بسر بن أبيأرطأة علي اليمن مخاطبا أصحابه: أما والله لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم.هنالك لو دعوت أتاك منهمفوارس مثل أرمية الحميم
قال ابن أبيالحديد: وهم بنو فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضرحي مشهور بالشجاعة – منهم علقمة بن فراس، وهو جذل الطعان، ومنهم ربيعة بن مكدم بن حدثان بن جذيمة بن علقمة بن فراس الشجاع المشهور حامي الظعن حيا وميتا، والبيت المتمثل به لأبي جندب الهذلي، وأول الأبيات:
إلاّ يا أم زنباع أقيمي
صدور العيس نحو بني تميم
وقال الشريف الرضي: الأرمية جمع رمي وهو السحاب والحميم هنا وقت الصيف وانما خص الشاعر سحاب الصيف بالذكر لأنها أشد جفولا وأسرع خفوقا لأنه لا ماء فيه، وانما يكون السحاب ثقيل السير لا متلائه بالماء وذلك لا يكون في الأكثر إلاّ زمان الشتاء، وانما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا والاغاثة إذا استغيثوا والدليل على ذلك قوله هنالك لو دعوت أتاك منهم. (المؤلف). ↑
- () هكذا في النسخة المطبوعة، وهي غير مضمونة الصحة، ولا يخفى أن العبارة ناقصة فلعله سقط شيء من الطابع ويدل عليه ما في غاية المرام عن مسند أحمد بن حنبل في آخر الحديث. فاجتذب من تحتي كساء خيبريا كان بساطا لنا علي منامة في المدينة فلفه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأخذ طرفي الكساء وألوى بيده اليمنى إلى ربه عزوجل، وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا الحديث (المؤلف). ↑
- () إعلم أنّ لهذا الرجل ميلاً إلى الشذوذ حتّى في وضع العدد لصفحات كتابه وضع العدد في أوّل الكتاب بالحروف الأبجدية لكن على غير الطرز المتعارف إلى غاية 36 ورقة ثم وضعها بالأرقام الهندية إلى نهاية الكتاب وصفحة (م) قد تكررت في كلامه والتي هنا هي الأولى فتنبه ـ المؤلف ـ. ↑
- () ابن أبي الحديد في شرح النهج ناسباً له إلى الحديث المرفوع. ↑
- () الحاكم في المستدرك. ↑
- () المفيد في الإرشاد وغيره ـ المؤلف ـ. ↑
- () هو ابن الإمام أحمد بن حنبل ـ المؤلف ـ. ↑
- () وأشار إلى صدره ليس في الرواية ـ المؤلف ـ. ↑
- () الظاهر أنّ الأخير لا مصداق له ـ المؤلف ـ. ↑
- () المسألة أثناء الخطبة ليس فيها حسن أدب ويظهر أن ذلك كان متعارفاً فقد جاء في نهج البلاغة أنّ رجلاً من أهل السود أعطاه كتاباً وهو يخطب فجعل ينظر فيه ـ المؤلف ـ. ↑
- () كأنه أبو نصيرة المتقدم في سند الروايات الأخر وصحف أحدهما بالآخر ـ المؤلف ـ. ↑
- () كلمة قال لا ليست في النسخة المطبوعة من الطبري سقطت سهواً من الطابع والتصحيح من الروضة ـ المؤلف ـ. ↑
- () هكذا في النسخة ولعل في العبارة سقطاً ـ المؤلف ـ. ↑
- () تبعنا لفظه في هذه الجملة مع عدم ظهور صحتها عربية ـ المؤلف ـ. ↑
- () يريد به طلحة لأنّه تيمي وأم ابن الزبير تيمية. ↑
- () من أشهر المزدوجات في اللغة الفارسية شاهنامة الفردوسي التي بلغت ستين ألف بيت. وقد أكثر شعراؤهم من النظم في هذا الباب، في القصص والعرفان، وما أسموه سوانح وهي مذكرات شخصية.فورثنا عنهم المثنوي المعنوي لجلال الدين الرومي، ومنظومات في قصص يوسف وزليخا وغيرها. وقلّ شاعر من شعرائهم لم يمارس هذا الباب من الأدب. ↑
- () جاء في بعض المجلات الأدبية، أنّه عثر في رواق الجامع الأزهر على تفسير للقرآن الكريم منظوماً، بلغت أبياته أكثر من نصف مليون بيت. ↑
- () أما بقية الطوائف فهم «آل مظفر» كانوا يحكمون كرمان وضواحيها و«آل جلاير» كانوا يحكمون أذربيجان وضواحيها و«ملوك كرت» كانوا يحكمون كل من غزنة، غور، هرات، سرخس. ↑
- () قادة السربداريين ثمانية هم: 1ـ الأمير عبد الرزاق الباشتين. 2ـ الأمير وجيه الدين مسعود الباشتين. 3ـ شمس الدين فضل الله الباشتين. 4ـ محمد آيتمور. 5 ـ كلو اسفنديار. 6ـ الخواجة شمس الدين علي. 7ـ الخواجة يحيى الكراوي. 8ـ الخواجة ظهير الدين. ↑
- (*) المقصود بكلمة قضاء هنا: هو الوحدة الإدارية الثانية التي تأتي بعد الوحدة الأولى المحافظة. ↑
- () هو في الواقع قيم قبر محمد المحروق ولكن تجاور القبرين جعله وكأنّه قيم لكليهما. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج8، ص368 القاهرة الطبعة الأولى 1324هـ ـ 1906م. ↑
- () صفي الدين البغدادي: مراحل الاطلاع ج3 ص1414 القاهرة الطبعة الأولى 1374هـ ـ 1955م. ↑
- () أعيان الشيعة ج6 ص253 بيروت دار التعارف 1403هـ ـ 1983م. ↑
- () النجف الأشرف إسهامات في الحضارة الإنسانية ج1 ص519 لندن 1421هـ ـ 2000م. ↑
- () أحمد الدينوري: الأخبار الطوال ص251 الطبعة الأولى بالقاهرة 1960م. ↑
- () أبي جعفر محمد الطبري: تاريخ الطبري ج5 ص409 القاهرة دار المعارف بمصر. ↑
- () د. النعمان القاضي، الفرق الإسلامية في الشعر الأموي، مصر: دار المعارف، مكتبة الدراسات الأدبية 58، ص396 و397. ↑
- () د. شوقي ضيف، التطور والتجديد في الشعر الأموي، مصر، دار المعارف، مكتبة الدراسات الأدبية، 10، ط6، ص272. ↑
- () الطبري، تاريخ الأمم والملوك، مصر، المطبعة الحسنيّة، 8/226. ↑
- () أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، القاهرة: دار الكتب، 17/28. ↑
- () أبو عبدالله بن عمران (المرزباني)، الموشح، مصر، دار نهضة مصر، ص308، أبو عثمان عمرو بن بحر (الجاحظ)، البيان والتبيين، بيروت: الشركة اللبنانية للكتاب، 1968، 1/ص39 و125. ↑
- () ضيف، مصدر سابق، ص281. ↑
- () د. القاضي، مصدر سابق، ص604 و624. ↑
- () د. عبد القادر القط، في الشعر الإسلامي والأموي، بيروت: دار النهضة العربية، 1976، ص278. ↑
- () الروضة المختارة، القصائد الهاشميات، والقصائد العلويات، للكميت بن زيد الأسدي وابن أبي الحديد المعتزلي، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1392هـ، 1972م، ص8. ↑
- () راجع المصدر نفسه، ص25 و26، وص49 و50، وص61، وص74، وص78. ↑
- () المصدر نفسهن ص50، و51. ↑
- () المصدر نفسه، ص74 و75. ↑
- () المصدر نفسه، ص80 و81. ↑
- () تفيد هذه المقدمة، وخصوصاً هذا البيتن خروج الكميت على «الطللية» ما يعزِّز رأينا الذي ذكرناه آنفاً. ↑
- () الأغاني، مصدر سابق، 17/28. ↑
- () د. سهير القلماوي، أدب الخوارج في العصر الأموي، القاهرة، 1945، ص134. ↑
- () الروضة المختارة، مصدر سابق، ص61. ↑
- () المصدر نفسه، ص23 و24. ↑
- () المصدر نفسه، ص44 و45. ↑
- () راجع للمزيد، المصدر نفسه، ص59. ↑
- () المصدر نفسه، ص8ـ25. ↑
- () المصدر نفسه، ص31ـ33. ↑
- () المصدر نفسه، ص79. ↑
- () المصدر نفسه، ص63، و64. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () المصدر نفسه، ص65ـ67. ↑
- () د. القاضي، مصدر سابق، ص622 و623. ↑
- () الموشح، مصدر سابق، ص310. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () ص98 المطبعة الحسينية ـ القاهرة. ↑
- () الحيوان للجاحظ ـ القاهرة 3/130. ↑
- () الأغاني ـ دار الكتب 17/36. ↑
- () الأغاني 17/40. ↑
- () خزانة الأدب. ↑
- () الأغاني. ↑
- () ن.م. ↑
- () في الشعر الإسلامي ـ بيروت 278. ↑
- () الأغاني. ↑
- () فحولة الشعراء ـ بيروت ص20. ↑
- () ن.م. ـ ص16. ↑
- () الموشح القاهرة ص302. ↑
- () الفهرست ـ القاهرة ص105. ↑
- () الشعر والشعراء ـ بيروت 1/24. ↑
- () البيان والتبيين ـ بيروت 39. ↑
- () «الموشح» مصدر سابق، ص311. ↑
- () كان هشام بن عبد الملك قد اتهم خالد بن عبدالله القسري. وكان يقال: «إنّه يريد خلعك…» الأغاني، مصدر سابق، 17/15. ↑
- () الأغاني، مصدر سابق، ص40. ↑
- () في الشعر الإسلامي والأموي، مصدر سابق، ص305، ويحيل المؤلف إلى كتاب «شعر الكميت بن زيد الأسدي»، 1/224. ↑
- () الأغاني، مصدر سابق، 17/8. ↑
- () أحمد الهاشمي، جواهر الأدب، القاهرة، 2/153. ↑
- () د. شوقي ضيف، التطور والتجديد في الشعر الأموي، القاهرة: دار المعارف، ط2، ص272. ↑
- () الأغاني، مصدر سابق، 17/36 و18. ↑
- () الأغاني، مصدر سابق، ص327 و38. ↑
- () المصرين: يقصد الكوفة والبصرة. تنتسب القبائل القيسية إلى مضر فعدنان. وخندف اسم امرأة ينسب إليها عدد من القبائل المضرية والقيسية. ↑
- () الأغاني، مصدر سابق، 17/ و33. ↑
- () أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، المؤتلف والمختلف، بيروت: دار إحياء الكتب، ص157. ↑
- () من هنا دراسة كتبها باحث إيراني وترجمت لنا إلى اللغة العربية. ↑
- () دراسة كتبها باحث إيراني وترجمت لنا إلى العربية. ↑
- () هو نور الدين بن عبد الرحمن، من أبرز شعراء الفرس، تأثّر في أواخر حياته بالتعاليم الصوفية. من مؤلفاته الفارسية (هفت أورنك) سبع مثنويات قصصية. وله مؤلفات عربية. ولد سنة (817هـ ـ 1414م) في قرية (جام) بالقرب من هرات وإليها ينسب. وتوفي في هرات سنة (898هـ ـ 1492م). ↑