لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الرابع
الطبعة السادسة
1422هـ/2002م
بِسْمِ اللَّهِ آلرَّحمَنِ آلرَّحَيمِ
أستراليا
إنها الدولة القارة يمر بها 30 خط طول، عرضها 4042 كيلومتر من الشرق إلى الغرب… فارق التوقيت ساعتان بين مدينتي سيدني في الشرق وبيرث في الغرب.
مساحتها ثمانية ملايين كيلومتر مربع، أي ما يوازي مجموع مساحات المغرب والجزائر وليبيا ومصر والسودان… بينما عدد سكانها 14 مليون نسمة.
إن أستراليا يمكنها أن تستوعب أكثر من 100 مليون نسمة، فلماذا لا يعيش فيها سوى 14 مليوناً فقط؟!.
«إننا نبحث عن النوعية، وليس الكمية… نرغب في أن تكون غالبيتهم من أصول أنجلو ساكسونية حتى يكون هناك انسجام بين أفراد الشعب… ولكننا لم نستطع المحافظة على هذه النظرية فأتت إلينا هجرات من كل أنحاء العالم».
هذا ما يقوله أحد المسؤولين الأستراليين الكبار.
دخل الإسلام إلى استراليا عن طريق التجار والعمال من المسلمين القادمين من أفغانستان وباكستان والهند والذين نقلتهم الحكومة الإنكليزية إلى استراليا للاستعانة بهم لدى قيامها بفتح طرق المواصلات الداخلية… ولا زالت السكة الحديد في بلدة ـ أويليد الأيك ـ تسمى بكلمة ـ خان ـ تخليداً لذكرى هؤلاء العمال المسلمين… ولقد دأب المسلمون على نشر الإسلام في البلاد بحسب إمكانياتهم وظروفهم وعلى المستوى الفردي حيناً والجماعي حيناً آخر حتى إذا كانت سنة 1881م كان عدد المسلمين قد وصل إلى 4700 مسلم وأكثرهم في مقاطعتي ـ أديلائد ـ وبريسبين ـ.
على أن قصة دخول الإسلام إلى استراليا ترجع إلى حوالي عام 1860م، عندما وصلها أول مسلم هندي من كشمير، جاء ومعه 24 جملاً استخدمت في اكتشاف المناطق الصحراوية القاحلة… وبعد 6 أعوام جاء 12 جمالاً مع 120 جملاً من كراتشي لعبوا دوراً كبيراً في نقل البضائع وتوزيع الرسائل، وإقامة شبكة مواصلات محدودة… وحافظ القادمون الجدد على عقيدتهم فأقاموا المساجد الصغيرة في كل مكان وتدفق المسلمون على أستراليا من كل صوب: من تركيا والباكستان ومصر، وسوريا، ولبنان، وأندونيسيا، ويوغسلافيا، وماليزيا، وسنغافورة حتى أصبح عددهم نحو ربع مليون مسلم، يقيمون في مدن متفرقة ويشيدون المساجد الجميلة الكبيرة، وكل جالية تبني لها مسجداً: الألبان والأتراك والقبارصة أقاموا المساجد في ملبورن. ومهاجرو أندونيسيا وماليزيا والباكستان أقاموا مسجداً في كانبرا العاصمة. وفي مدينة برث أقاموا مسجداً في داخل منزل كبير افتتحوه عام 1976م، بعد أن ضاق المسجد القديم بالمصلين… وفي مدينة داروين التي هدمها تقريباً الإعصار الهائل في عام 1974م، يجري بناء مسجد جديد لأول مرة… كذلك يجري بناء مسجد آخر في منطقة «أليس سينيك» السياحية… وفي مدينة سيدني توجد ثلاثة مساجد، واحد منها كبير ضخم، افتتح قبل أن يستكمل بناؤه، إنه مسجد لاكنبه، اسم المنطقة، ويعتبر من أكبر المشاريع الإسلامية في استراليا… وهذا الجامع سيتسع لنحو 1500 مصل و500 مصلية في شرفة خاصة، وسيضم مكتبة عربية كبيرة…
وكان اللبنانيون أول من هاجر إلى استراليا من العرب قدموا إليها حوالي 1854م، ولم تكن هجرة جماعية بل هجرة أفراد.
وهجرة المصريين إلى استراليا هجرة حديثة جداً… ومصر اليوم تشجع أبناءها على الهجرة إلى استراليا…
وهناك أعداد كبيرة من المصريين المؤهلين جامعياً ومن أصحاب الحرف ينتظرون منحهم تأشيرة الهجرة لأستراليا…
إن المغتربين اللبنانيين والمصريين يكونون نحو 93% من مجموع المغتربين العرب ولكل من أفراد الجاليتين أسلوبه في الحياة… المصري يسعى جاهداً إلى اتباع طريق السلامة والأمان في حياته. يعمل موظفاً في البنوك والدوائر الحكومية. أو طبيباً أو صيدلياً أو أستاذاً في الجامعة أو المعاهد الأخرى… وهذا بعكس طباع المواطن اللبناني الذي يعشق المغامرة وينطلق في مبادرات فردية صعبة تكاد تكون مستحيلة النجاح، ومع ذلك يقدم عليها بثقة وإيمان…
يفتح مطعماً متواضعاً وتعمل معه كل أسرته ـ الأم تطبخ، وتعد التبولة وورق العنب والمتبل والحمص بطحينة، والأب والأولاد يخدمون الزبائن… وقد انتشرت المطاعم اللبنانية في أغلب أنحاء أستراليا، وأقبل عليها الأستراليون أكثر من العرب.
وللعرب في استراليا 44 جمعية ونادياً.. عدد ضخم ولكنه لا يعني شيئاً… فهي جمعيات تشتمل على مستويات طائفية عائلية وعشائرية وحزبية ـ كل ضيعة لها جمعيتها. وكل منها ترفض الانفتاح على غيرها… فتحول العرب عنها إلى الأندية الاسترالية ووسط هذا الضياع ترفع الجمعية الإسلامية الشيعية صوتها قائلة «إننا نهيب بجميع المسلمين ونناشدهم العودة إلى إسلامهم وكل من يعاني من مشكلة ويريد الإيضاح والمعرفة فليكتب إلينا…».
أستراليا
للهجرة الإسلامية إلى استراليا قصة تنبض فصولها بالحياة المفعمة بالعزيمة والإيمان. وتحكي أحداثها ما يبعثه الإسلام من قوة في قلوب الذين يثبتهم الله بالقول الثابت فينزل السكينة على قلوبهم ويهديهم بنور اليقين، وهم يواجهون المستحيل ويقابلون المصير المجهول.
ومحاولة البحث والدراسة المبنية على الاستقصاء للهجرة الإسلامية إلى أستراليا محاولة يكتنفها كثير من الصعوبات، فليس هناك من المصادر المكتوبة ما يمكن للباحث الرجوع إليها والاعتماد على ما فيها من معلومات. ولم يفكر أحد من المسلمين الأولين الذين جاؤوا إلى استراليا، أو من الأجيال المتعاقبة، أن يؤرخ دخولهم القارة الجديدة ـ كما فعل غيرهم ـ ومن ثم فلا أدعي حين أتعرض لهذه الدراسة أنني وصلت فيها إلى درجة الإحاطة الكاملة والاستقراء التام.
وإنما هي محاولة تكشف الطريق وتشد الاهتمام لتتبعها محاولات أخرى، تتعرف على الحياة الإسلامية في الطرف الآخر من العالم.
والمصادر التي اعتمدت عليها في هذا البحث أمور ثلاثة:
أولها: السجلات الرسمية الاسترالية.
والثاني: المشافهة والنقل من المسلمين المعمرين من أبناء الرواد المسلمين وأحفادهم في الولايات المختلفة، وهم منتشرون في طول البلاد وعرضها.
والثالث: التعرف بالمسلمين المعاصرين في استراليا والاشتراك الفعلي في أنشطة جالياتهم، والوقوف على مشكلاتهم، ومحاولة جمعهم في اتحاد إسلامي عام يرعى مصالحهم ويرفع من شأنهم، وذلك طوال عامين قضيتهما أستاذاً زائراً في جامعة ملبورون بأستراليا.
وتبدأ القصة… قصة دخول الإسلام أستراليا مع بداية الحياة الجديدة في تلك القارة بعد اكتشافها، فقد دخلها المسلمون مع الأفواج الأولى من المهاجرين الأوروبيين الذين جاؤوها ليكتشفوا مجاهلها، ويعدوها لإنشاء وطن في مستعمرة جديدة وعاصروا مراحل تطور القارة السادسة المجهولة وإنسان العالم القديم يدب عليها فيستخرج خيراتها ويملأها بالحياة.
القارة المعزولة
وأستراليا ـ كما هو معروف ـ أحدث قارات العالم اكتشافاً، أو هي القارة الجديدة القديمة، الجديدة بالنسبة لنا نحن سكان العالم القديم، لأنها لم تكتشف إلا في القرن السابع عشر ولم تبدأ المدنية في غزوها وتعميرها إلا في القرن التاسع عشر، ومع جدتها وحداثة معرفتنا بها فهي قديمة قدم الزمن الضارب في بطون الماضي السحيق. وكانت تتصل بآسيا وأمريكا الجنوبية ثم فصلتها الزلازل والبراكين وعوامل الانفصال الجغرافية من ملايين السنين وعزلها المحيط الهندي من ناحية والباسيفيك من ناحية أخرى، فتوارت عن الأنظار ودخلت في عالم النسيان.
والقارة المعزولة المنسية لم يكن وجودها مجهولاً تماماً لدى جيرانها القدامى من جنس الملايو، بل كانت معروفة لديهم معرفة مشوشة غير محددة([1])، فقد حدثت زيارات متعددة على مر الزمان لساحل أستراليا الشمالي من بعض سكان أندونيسيا والملايو، وهي زيارات تقليدية تحدث حتى اليوم. وسواء كانت هذه الزيارات اختيارية لصيد السمك واللؤلؤ من الشاطىء الشمالي لأستراليا، وهو غنّي بهما، أم اضطرارية حين تدفع الرياح والأنواء القوارب فتضل حتى تصل إليه، فقد وجد العلماء آثاراً ومخلّفات لزيارات قصيرة أجنبية عن البلاد، أثبت البحث العلمي أنها مخلّفات تنسب إلى جنس الملايو. والشعب «الأبوريجينيز» وهو الشعب الأصلي لأستراليا، الذي وجد بعض أفراده مخلطين بدم جيرانهم الآسيويين.
وكأن الشاطىء الشمالي للقارة وهو الصحراوي القاحل الخالي من المياه والزرع والحياة وقف سداً منيعاً ليصد عنها غزو جيرانها من أهل سومطرا وجاوه وماليزا، فلم يكن عنواناً جذاباً يغري بالهجرة إليها من تلك البلاد المجاورة التي كانت تفيض بالخير والنعمة، واعتقدوا أن القارة كلها على هذه الوتيرة من الجفاف والقحط فتجنبوها، وأطلقوا عليها اسم «الأرض المجهولة» وساد الاعتقاد في الزمن القديم بينهم أنها وجدت لتقوم بمهمة التوازن بين نصف العالم الشمالي المليء بالسكان، ونصفه الجنوبي بسكانه القليلين.
وكان الهولنديون أول من اكتشفها من الأوروبيين عام 1606، وأطلقوا عليها اسم «هولندا الجديدة» ولكنهم كانوا في شغل عنها بمستعمراتهم الواسعة الثراء في آسيا كأندونيسيا وجزر الهند فأهملوها، وظلت مهملة حتى عام 1770 حين وفد إليها «جيمس كوك» الإنكليزي وطاف حولها، وعرف بعض شواطئها الأخرى واكتشف صلاحيتها للزراعة والحياة فأعلنها مستعمرة بريطانية، وفي عام 1788 اتخذتها بريطانيا منفى للمجرمين من بلادها وظلت كذلك حتى عام 1840 فأزالت عنها هذه الوصمة وأعلنتها مستعمرة للأحرار، وفتحت أبواب الهجرة إليها لمن شاء من مواطنيها، وبدأت القارة تأخذ نصيبها من الحياة الحرة الكريمة.
عصور للإسلام
ولم تمض سنة واحدة على إعلانها مهجراً للأحرار ـ أي في عام 1841 ـ حتى بدأت الهجرة الإسلامية إليها، وأخذ المسلمون يفدون إلى أستراليا فرادى أولاً، ثم وفدوا إليها بعد ذلك جماعات. ولو نظرنا في تاريخ الهجرة الإسلامية إلى أستراليا منذ بدأ عام 1841 حتى الآن، وقد قارب أن يصل عمره قرناً ونصف قرن لأمكن تقسيمه إلى مراحل ثلاث:
المرحلة الأولى: عصر الرواد فبعد أن سمحت بريطانيا عام 1840 بالهجرة للمدنيين العاديين إلى أستراليا، وفد إليها طلاب الثروة والباحثون عن المغامرات، وهاجر إليها ألوان شتى من العلماء والمكتشفين، والنفعيين والأفاقين، ثم الهاربين من الاضطهاد الديني كالكاثوليك، ومن الاضطهاد السياسي كالإسكتلنديين والإيرلنديين.
وسكن القادمون الجدد ومن عفي عنهم من المسجونين المنفيين، سواحل القارة الشرقية والجنوبية والغربية، وذلك لوفرة المياه فيها وصلاحية أرضها للزراعة، وسهولة المواصلات بينها من ناحية، وبينها وبين الوطن الأم إنجلترا من ناحية أخرى بطريق البحر. ثم أخذت أنظارهم تتجه إلى قلب القارة الغني بأرضه وثرواته ولكن السبل وقفت بهم دون التوغل داخلها، وعاقتهم مشكلة المواصلات عن اقتحام مجاهلها، ولم يستطيعوا اختراق المساحات الشاسعة من الغابات التي تغطي السهول والجبال، وعجزوا عن عبور الآفاق المترامية من الصحراء في شمال القارة وغربها.
ولم يستسلم سكان أستراليا الجدد لليأس وهداهم التفكير إلى الاستعانة بسفن الصحراء، قوافل الجمال، فكانت الحل العملي للمشكلة، والوسيلة الموفقة لاكتشاف المجاهل الداخلية للقارة في وقت لم تكن المواصلات الآلية قد اكتشفها الإنسان في قائمة مخترعاته بعد. واستقدموا قوافل الجمال من سهول الهند وجبال أفغانستان، وكان الجمالون الذين وقع عليهم الاختيار ليقودوا القوافل مسلمين، وقد خبرهم الإنكليز في الهند وأفغانستان فوجدوهم أصحاب سمعة طيبة سواء من الناحية الخلقية، أو في أداء العمل الذي يوكل إليهم.
نقلت هذه القوافل الحملات الاسكتشافية والمواد التجارية وحملت المعدات والأجهزة والمكتشفين. واقتحمت الجمال القارة المستعصية على الأوروبيين، ووصلت بين أطرافها، واكتشفت أماكن جديدة وشقت طرقاً في مجاهل أستراليا وأدغالها وصحاريها، ثم سعت بالقوت والتجارة للذين وجدوا مستقبلهم في قلب القارة يكتشفون ثرواتها وخيراتها، ومع هذه القوافل دخل الإسلام أستراليا، دخلها مع قواد القوافل وحراسها. وكان منظراً مألوفاً للأستراليين ـ الذين ينتظرون هذه القوافل بصبر نافد، يهرعون لاستقبالها فهي تحمل لهم البريد والطعام والصحف وحاجياتهم ومطالب الحياة ـ، أن يروا القوافل من المسلمين وقد أذنوا للصلاة وأقاموا شعيرة الله، ومن ثم أطلق الأوروبيون لقب «شيخ» عليهم ليسبق أسماءهم الإسلامية.
وحملت القوافل الدين الإسلامي معها في حلها وترحالها، حملته إلى كل بلد سافرت إليه، وإلى كل طريق سارت فيه، من «أديليد» جنوباً إلى «داروين» شمالاً، ومن «بيرث» غرباً إلى «سيدني» شرقاً. ومن «برمزيين» في أعلى القارة إلى «ملبورن» في أدناها، وقرىء القرآن في «أليس سبرنج» وصحراء فيكتوريا قبل أن تقرأ التراتيل المسيحية، وارتفع صوت المؤذن بالدعوة والتكبير حي على الصلاة في مجاهل «كوينزلاند» والصحراء الغربية قبل أن يدق الناقوس فوق الكنائس هناك.
ولم يمض وقت طويل حتى كانت قوافل الجمال تمثل جزءاً هاماً من الحياة في القارة المكتشفة، فقد اشتركت في حملات البحث عن الذهب، وفي التنقيب عن المعادن، وكان لها الجهد الكبير في إنشاء المزارع ومراعي الأبقار والأغنام داخل القارة، فحملت إليها المعدات والآلات ومواد البناء ونقلت المصانع الخفيفة لتصنيع المنتجات الزراعية والحيوانية فيها، وأصبحت كالشرايين تحمل الحياة، بين أجزاء القارة وأطرافها.
رواد مسلمون
وعلى الخريطة التاريخية والجغرافية لأستراليا ترك هؤلاء الرواد من المسلمين آثاراً وأسماء تخلد ذكراهم، وترمز إلى ما أسهموا به من جهود في اكتشافها وإعدادها للحياة، فهناك أماكن ما زالت تحمل أسماء إسلامية أطلقها هؤلاء الرواد من المسلمين عليها حين اكتشفوها ومنها تل بيجا وخليفر، وقنطرة، وكيب جافا، ويطلق على خط السكك الحديد الذي يصل بين «إديليد» و«أليس سبرنج» اسم «غان» وهو اختصار لكلمة «أفغان» تخليداً للقافلة الأفغانية القديمة التي اكتشفت الطريق، وظلت تقطعه بجمالها تحمل الحياة والطعام للذين يسكنون داخل القارة حتى اكتشفت المواصلات الآلية وأنشئت طرق السكة الحديد.
ويسجل تاريخ أستراليا لقواد هذه القوافل من المسلمين إسهامهم الحقيقي في اكتشاف القارة، وفضلهم على كثير من المكتشفين الأوروبيين الذين دانوا لهم بحياتهم وقد أنقذوهم من موت محقق، حين ضلوا في متاهات الصحراء، أو في قلب الأدغال المترامية الأطراف، وحين لم تغن عنهم شيئاً، وسائل الإرشاد الحديثة لمعرفة الاتجاهات، قادهم الجمالون عندئذ بحاستهم الفطرية وبهدى إيمانهم وثقتهم بالله، إلى الأمل بعد اليأس وإلى السلامة بعد الخطر المحقق…
ومن الأعلام المسلمين الذين حفروا أسماءهم على صفحات التاريخ الأسترالي «بيجاه درويش» وكان رئيس الجمالين في حملة كالفيرت {Calvert} الاستكشافية المشهورة وكانت تحت قيادة المستكشف«ويلز» Wells وكتب «ويلز» في مذكراته يقول: «لقد أظهر شيخ بيجاه قوة فائقة على الاحتمال وأنا أدين له بحياتي، فقد إنقذني ومن بقي معي من رجال الحملة من الموت. وأذكر عندما وصلت حملة الرحلة إلى أسوأ مراحلها، بعد أن عمي علينا الطريق، وبعد أن أمضت الجمال سبعة وعشرين يوماً من غير ماء أخبرته، والألم يعتصر قلبي، أن الجمال سوف تضطر إلى الصوم عن الطعام كذلك، لننقذ بغذائها الآدميين، فلم تتغير خلجاته بل رأيت الهدوء والسكينة على وجهه ثم أدهشني بقوله: وأنا معها سوف أصوم!!.
وذهب اثنان من أعضاء الحملة للبحث عن بئر في طريق حذرهما منه شيخ بيجاه، لكنهما مضيا ولم يستمعا لنصحه، وبعد خمسة أيام تبعها «بيجاه»، ثم عاد والأسى على وجهه ينطق بنهايتهما، ووضع أمامي بعض حاجياتهما، وانصرف ليخفي دمعة ترقرقت في عينيه الجامدتين!!.
ومضى «ويلز» في مذكراته يقول: «وأشركت «شيخ بيجاه» معي في قيادة الحملة فسار بنا في درب ما كان يخطر ببال أحد أنه طريق مأمون، ولم نلبث إلا أياماً قليلة حتى لاحت لنا مدينة «إديليد» في الأفق البعيد. ووقفت ومن بقي معي أمام «شيخ بيجاه» وقوف الخاشعين لمن وهبهم الحياة».
ويتابع «ويلز» بقية القصة فيقول «ولم نشأ أن ندخل المدينة على صورتنا المتهالكة فناديت بحط الرحال وبعثت من يأتينا بطعام وشراب ويخبر الناس بنجاتنا، وبالدور الذي قام به «شيخ بيجاه» في هذا السبيل. وقضيت الليل أفكر في المصير الذي كان ينتظرنا، فيمن أنقذنا، أهو إله بيجاه وصلواته المخلصة للكعبة في مكة؟ أم هي حاسته الفطرية لمسالك الأرض وشعابها؟ ويرد «بيجاه» على تساؤلاتي بقوله: إنه ربي أسلمت إليه وجهي فهداني إلى الطريق ومن يسلم وجهه إليه بإخلاص يهده سواء السبيل. وفي الصباح استقبلته «إديليد» استقبال الأبطال، وأقام له نائب الملكة الحاكم العام لجنوب أستراليا مأدبة ملكية احتفاء وتكريماً، ومنحه وساماً رفيعاً اعترافاً بفضله».
وتاريخ الحملات الاستكشافية في أستراليا مليء بأمثال «شيخ بيجاه» من المسلمين الذين قاموا بأدوار عظيمة في هذا المجال.
من الهند وأفغانستان
وأدرك الأستراليون المستوطنون ضرورة هذه القوافل لحاجياتهم الجديدة، بعد أن أصبحت كخيط النور الذي يربط الذين يعيشون في قلب أدغالها البعيدة المظلمة والعالم والمدينة على سواحلها. أدركوا ذلك فأغروا قواد القوافل باستقدام أسرهم وأقربائهم من الهند وأفغانستان ليستقروا معهم ليشاركوهم الحياة الرغدة والرزق الموفور في الوطن الجديد. وكانت أسر هؤلاء الرواد وعائلاتهم الطلائع الأولى للحياة الإسلامية المستقرة، ونواة الجالية الإسلامية في أسترالية.
وفي الهند وأفغانستان سمع أقرباء هؤلاء الجمالين ومواطنوهم بالنجاح الذي أحرزوه، وبالغنى الذي اكتسبوه وبالرخاء واليسر الذي يعيشون فيه وبفرص الحياة الموفورة في القارة الجديدة. فشدوا الرحال إليها فرادى وأسرَ وجماعات وارتفع الخط البياني لتعداد المسلمين بهذه الهجرات، فبعد أن كان تعدادهم عام 1844 سبعة وخمسين مسلماً فقط وصل عددهم عام 1861 إلى 661 ملسماً، ثم بلغ عام 1881 خمسة آلاف وثلاثة من المسلمين، ثم ستة آلاف وأحد عشر عام 1901.
وكان من الطبيعي أن يقيم رجال القوافل أول أمرهم حول الآبار ومصادر المياه، ولكنهم بعد أن استقرت بهم الحياة، وفاضت عليهم القارة بخيراتها اتخذوا «إديليد» في جنوب القارة أول موطن إسلامي في أستراليا. و«إديليد» في ذلك الوقت لا تزيد على بضعة منازل وعدة أكواخ خشبية.
ومن الرواد الأوائل الذين أسهموا بنصيب كبير في استقرار الحياة للجالية الإسلامية في أستراليا «محمد غلوم»، وكان قد جمع ثروة كبيرة من العمل في قوافل الجمال والتجارة، لكنه أنفقها على المسلمين، فكان يتعهد القادمين منهم وينفق عليهم حتى يجد لهم عملاً يكتسبون منه وامتدت يده الطولى بالخير الإسلامي إلى إنكلترا فأنفق على المجلة الإسلامية التي تصدر في مدينة ووكنج {Woking} وأعاد طبعها في أستراليا ليقرأها من فيها من المسلمين.
وازداد تعداد الجالية الإسلامية في «إديليد» وبدأت فرص العمل تقل أمامهم فانشتروا في بقية ولايات القارة، واتخذوا أعمالاً أخرى غير قيادة الجمال، فاشتغلوا بالتجارة والزراعة والعمل في المناجم، وفي البحث عن الذهب، ووضعوا بذلك لبنات الاستقرار الأولى للجاليات الإسلامية في غرب أستراليا، وفكتوريا وكوينزلاند، ونيو ساوث ويلز، وتازمانيا، لكن المدد البشري لهذه الجاليات تجمد من مصادره الرئيسية عام 1902 وذلك بصدور قانون يمنع دخول الآسيويين والملونين أستراليا، وقد صدر هذا القانون عقب مطالبات جماهيرية من المستوطنين الأوروبيين الذين داخلهم الخوف من الطوفان البشري الآسيوي الذي لا يفصله عنهم سوى شريط ضيق من مياه المحيط، وكان شعارهم الذي نادوا به وجعلوه مطلباً {فلنبق أستراليا بيضاء { Keep Australia White.
توقف تيار الهجرة الإسلامية من الهند وأفغانستان بعد صدور القانون الذي عرف باسم «أستراليا البيضاء The White Australia»، وانقطعت الصلة بين المسلمين في أستراليا وبلادهم ودفع الحنين إلى الوطن الكثيرين منهم إلى العودة لديارهم، وأخذ عدد المسلمين يتناقص، فنزل من 6011 عام 1901 إلى 2020 مسلماً عام 1911، وبدأت فترة الضعف والركود والاضمحلال في الجاليات الإسلامية.
ولم يكن النقص العددي هو أهم أسباب ذلك الضعف، بل النقص في الثقافة الإسلامية كان أهم هذه الأسباب. ذلك أن تيار المعرفة والثقافة الإسلامية الذي كان يفد إليهم متواصلاً مع القادمين من بلادهم قد توقف بذلك القانون. وتجمدت ثقافة المسلمين الأستراليين الدينية، ثم أخذت معارفهم بأمور دينهم تتناقص، وبمرور الزمن تأثرت معنوياتهم بالحياة الأوروبية الجديدة ثم جرفتهم متاهات المدينة بمدارسها وحياتها الاجتماعية.
ولم تقف معرفة الآباء والأجداد بالمعلومات القليلة عن الإسلام أمام الدعايات المسيحية المنظمة، وتزوجت الحفيدات المسلمات وتزوج الأحفاد بالمسيحيات، ثم كانت ثالثة الأثافي حين تمكن الضعف من بعضهم فتخلى عن الدين كله!! ومن صمد لم يبق من إسلامه غير الاسم والرسم، ومن قبض على دينه منهم كان كالقابض على الجمر!!.
المرحلة الثانية:
وفي عام 1924، بدأت مرحلة جديدة من الهجرة الإسلامية إلى أستراليا تلك هي المرحلة الثانية. فقد سمحت أستراليا لعدد من الأوروبيين الذين شردتهم الحرب العالمية الأولى بالهجرة إليها فجاء مع من جاء عدد محدود من المسلمين الأوروبيين وكان أكثرهم من ألبانيا، واشتغلوا بفلاحة الأرض وأدخلوا لأول مرة زراعة الطباق في أستراليا، كما سمحت في هذه الفترة لعدد قليل من الروس المسلمين الذين فروا بدينهم من الثورة الشيوعية، كذلك جاءها عدد من المسلمين الألمان.
ولم يكن القادمون من المسلمين في المرحلة الثانية أحسن حالاً في ثقافتهم الإسلامية من المستوطنين المسلمين في أستراليا، فقد كانت معرفتهم بالدين وتعاليمه محدودة، ومصادر الثقافة الإسلامية لديهم شبه منعدمة. لكن تيار المسيحية لم يؤثر على أحد منهم كما حدث مع سابقيهم في أستراليا، وظلوا متمسكين بالدين الإسلامي وإن كانت علاقتهم به مع مرور الزمن أصبحت شبه صورية تتمثل في إقامة الشعائر دون فهم لمعانيها وأهدافها، ودون إدراك لحقائق الإسلام وتعاليمه ويمكن اعتبار هذه المرحلة امتداداً لفترة الركود والاضمحلال التي بدأت عام 1902 بصدور ذلك القانون الذي أوقف المدد الإسلامي من البشر ومصادر المعرفة والنور.
المرحلة الثالثة: – دم جديد-
وأمست الحياة الإسلامية في أستراليا في فترة ما بين الحربين العالميتين تعيش في ظلمة من الجهل قاتمة، وباتت تنتظر واحدة من نهايتين:
فجر جديد يضفي عليها النور ويوقظها من مرقدها ويبعث فيها الحياة، أو رقدة أبدية تنتهي بها إلى الزوال والفناء، وأبى الله إلا أن يتم نوره، فجاءت إلى أستراليا إشعاعات جديدة تمتلىء بالحياة والثقافة والقوة مع أفواج الهجرة الثالثة الإسلامية وهي الهجرة المعاصرة التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، وما زالت مستمرة.
والمسلمون الوافدون إلى أستراليا في المرحلة الثالثة لم يفرضوا أنفسهم عليها ولم يأتوا إلى الوطن الجديد مشردين أو فارين من بلادهم، بل دعوا إلى الهجرة بشتى المغريات مع ممن دعي ليهاجر إلى القارة الخالية تنفيذاً للمخطط الأسترالي الجديد، ذلك أن أستراليا أدركت قبيل الحرب العالمية الثانية وأثناءها أن سياسة وقف الهجرة إليها حتى تظل إلى الأبد محتفظة بحياة الرغد والغنى والمستوى المرتفع لسكانها القليلين سياسية غير سليمة، فقد تحققت من أن المطامع الآسيوية ممثلة في اليابان قبل هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وفي الصين وأندونيسيا وبلاد الشرق الأقصى بعد الحرب تتجه إليها. وكانت سياسة العزلة من ناحية أخرى، تشكل خطراً عالمياً عليها فالقارة لم تستغل ثرواتها، مع أنها تكفي لتسعين مليوناً يعيشون عليها في مستوى لا يقل عن مستوى الذين يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية، وتواجهها على الضفة الأخرى من المحيط وعلى عشرات من الأميال آسيا التي تغص بمئات الملايين من البشر الذين يقتلهم الجوع وتمرضهم الفاقة، وتطحنهم قلة الموارد الطبيعية مع كثرة السكان. والحل الطبيعي أمام الضمير العالمي الذي لا بد وأن يفيق يوماً، هو ملء الفراغ السكاني الذي تعاني منه أستراليا بالفائض البشري والزيادة السكانية التي تشكو منها آسيا.
وقد دفع ذلك أستراليا إلى فتح باب الهجرة على مصراعيه للرجل الأبيض ومن يلحق بالرجل الأبيض كسكان الشرق الأوسط بمختلف جنسياتهم ودعتهم إلى الهجرة إليها. وأغرت المهاجرين بحياة أفضل، ومستقبل أكثر ضماناً، وبمستوى أعلى للحياة، وطلبت الأيدي العاملة من أوروبا وبلاد الشرق الأوسط لتعمّر القارة الغنية الخالية من السكان، ولتستغل مصادر الثروات الضخمة فيها ولتواجه السياسة الجديدة في التوسع بالتطوير والإسكان، ولتذر الرماد في عيون الضمير العالمي بدعواها أنها تساعد أوروبا والشرق الأوسط على حل مشكلة ازدحامهما بالسكان.
جاء إلى أستراليا بعد الحرب العالمية الثانية المهاجرون البيض من كل صوب وحدب، ودخلتها أشتات متباينة ومختلفة، ولم يكن يسأل المهاجر عن شيء من ماضيه أو دينه أو هدفه، والسؤال الذي يوجه إليه هو عن مذهبه السياسي، فإن كان شيوعياً منع من الهجرة، وإن كان غير شيوعي فتحت له الأبواب حتى من نبذهم المجتمع ودمغتهم الجريمة، ووفد إليها من الذين خلفتهم الحرب بلا مأوى وبلا وطن، فجاءها كثيرون من دول البلطيق والبلقان وبولندا والمجر وإيطاليا، وهاجر إليها كذلك فريق كبير من دول البحر الأبيض المتوسط رغبة في حياة أفضل.
نقطة تحول
في موجات هذا المد من الهجرة إلى أستراليا جاءها مسلمون من لبنان وقبرص وفلسطين وسوريا وألبانيا ومصر وروسيا ويوغوسلافيا وتركيا، وهؤلاء هم الموجة الثالثة من الهجرة الإسلامية إلى استراليا والتي ما زالت متواصلة إلى اليوم، ومسلمو المرحلة الثالثة من المهاجرين يمثلون الدم الجديد الذي يتدفق اليوم في شرايين الحياة في الجاليات الإسلامية في أستراليا.
ومرحلة الهجرة الإسلامية الثالثة هذه هي أغنى المراحل وأقواها. ولا أتجاوز الحقيقة حين أقول: إنها نقطة التحول في تاريخ الإسلام في القارة السادسة، فقد أنقذت مصيره فيها، وحولت طريقه من درب الاختفاء والزوال إلى جادة القوة والازدهار والانتشار، أدركت بقايا المرحلة الأولى من المهاجرين المسلمين، وأنقذتهم من ضياع ديني محقق، وبعثت فيهم روح الحياة الإسلامية من جديد، وغذت مهاجري المرحلة الثانية بدمائها الشابة وثقافتها الإسلامية المعاصرة. فبثت في حياتهم الإسلامية الجامدة تطور الإسلام ومعاصرته للحياة، وهي بذلك بدأت عصر البعث والنهضة لتاريخ الإسلام في أستراليا.
فقد جاءت وفود هذه المرحلة من المهاجرين المسلمين يملؤهم الحماس والثقة في دينهم، وتدفعهم عناصر الاستجابة للتطور الذي طرأ على العقلية المسلمة في فهم الدين فهماً صحيحاً خالياً من الشوائب، والجمود في التقليد الذي لحق بالإسلام في عصور الظلام الفكري. وهؤلاء اليوم هم السواد الأعظم الذي يسود الجاليات الإسلامية في الولايات الأسترالية.
وهناك تيار آخر يدخل الإسلام عن طريق أستراليا ذلك هم الطلاب الآسيويون المسلمون الذين يأتون طلباً للعلم في معاهد أستراليا وجامعاتها، وهم من الهند والباكستان والملايو وأندونيسيا والفلبين وتايلند والدول الآسيوية الأخرى، يأتون على منح دراسية تقدمها أستراليا أو المنظمات الدولية أو يأتون على نفقتهم الخاصة للتعلم، هؤلاء الطلاب المسلمون يمثلون ركناً مهماً من الحياة الإسلامية في أستراليا، فهم يختلطون بزملائهم الأستراليين في معاهد العلم وبالأسر الأسترالية، ويحتلفون بالمناسبات الدينية الإسلامية، ويشتركون في النشاط الثقافي والاجتماعي والديني مع الجاليات الإسلامية المستوطنة.
وفريق آخر من المسلمين يعيشون في أقصى شمال القارة قرب «داروين» عاصمة الإقليم الشمالي في أستراليا وفي الجزر المجاورة لها كجزر «كوكو» و«ناروو» وأكثرهم من جنس الملايو، ويعملون في صيد اللؤلؤ. وقد جاؤوا إلى هذه المنطقة من زمن بعيد، وانقطعت صلتهم بالعالم الإسلامي والثقافة الإسلامية فتحولت الحياة الدينية عند بعض المسلمين من سكان هذه المنطقة المتفرقين إلى مزيج من تعاليم الإسلام وبقايا من العادات والتقاليد الدينية لقبائل «الأبوريجينيز» سكان أستراليا الأصليين.
ولعل أكثر ما يشد انتباه الباحث في الهجرة الإسلامية إلى أستراليا سكان جزيرة «فيجي» وهي إحدى الجزر القريبة من أستراليا، وكانت إلى عهد قريب تحت الوصاية الأسترالية ثم نالت استقلالها، فالجالية المسلمة في هذه الجزيرة أقرب جاليات المنطقة إلى الإسلام الصحيح، وأكثرها شبهاً بالعرب بملامح أفرادها وسَمْتِهم العربي الخالص، وقامتهم الفارعة وأسمائهم العربية، واعتزازهم بالنفس والكرامة والدين.
وفي نهاية هذا البحث الذي اضطررت إلى إيجازه فلم يتعرض بالتفصيل إلى المسلمين في كل ولاية أو إلى اتجاهاتهم الدينية والفكرية، أرجو أن تتجه أنظار العالم الإسلامي الكبير إلى إخوانهم في تلك البلاد النائية البعيدة ويمدونهم بالعون الأدبي والثقافي، فيقيمون جسور الاتصال معهم ويزودونهم بنور المعرفة الإسلامية ويحمونهم من الحملات التبشيرية التي تلاحقهم هناك. وذلك بالتبصرة الدينية والمعرفة الحقيقية بأمور دينهم عقيدة وشريعة، حتى يشتد بنيانهم ويثبت كيانهم وتمتد جذورهم في تلك الأرض، وتقوى كلمتهم فتعلوا بها كلمة الحق وترتفع منارة الإسلام.
د. علي الحديدي
المسلمون في أستراليا
تعود صلة المسلمين بأستراليا إلى القرن السادس عشر حيث اعتاد مسلمو بعض الجزر الأندونيسية أن يأتوا إلى الساحل الشمالي للقارة ويقضوا هناك موسم صيد الأسماك مستفيدين من الموارد الهائلة المتوفرة في هذا المجال. وبهذا يكون المسلمون قد سبقوا المستعمر الأوروبي إلى القارة الأسترالية بحوالي قرنين من الزمن. وعلى خلاف الأوروبيين فلقد كانت علاقة المسلمين بالسكان الأصليين، الأبوريجينيز، طيبة حيث كان يحصل بينهم تبادل تجاري وحتى تزاوج. ولا يزال هناك بعض الدلائل كالأضرحة التي تؤرخ لوجودهم وكانوا يُعرفون باسم الماكسار (Macasar) نسبة إلى الجزيرة التي كانوا يأتون منها. وهؤلاء لم يكونوا مهاجرين بالمعنى الحقيقي لأنهم لم يأتوا إلى أستراليا بهدف الاستيطان. ولم تكن أعدادهم كبيرة إلى حد يجعلهم يتركون تأثيراً مهماً على الحياة السياسية والاجتماعية هناك.
هكذا كان الوضع لغاية القرن التاسع عشر حيث استقدمت الحكومة الأسترالية مجموعة من المسلمين الأفغان بهدف شق الطرق في أرجاء هذه القارة الهائلة التي تبلغ مساحتها سبعة ملايين ونصف مليون كيلومتر مربع. وكان هؤلاء يأتون مصطحبين معهم الجمال القادرة على السير مسافات طويلة في وسط أستراليا حيث المناخ الصحراوي اللاهب في أمكنة يمكن للإنسان فيها أن يقطع آلاف الأميال دون أن يرى أي أثر للعمران. وتكاثرت أعدادهم تدريجياً وحافظوا على الشعائر الإسلامية إلى حد ما. وتشهد بذلك المساجد التي شيدوها والتي لا يزال بعضها قائماً إلى اليوم.
ومع مرور الأيام ذابوا في المجتمع الأسترالي وعفت آثارهم. وهناك عدد من الكتب الصادر باللغة الإنكليزية تحكي قصتهم وتعطي صورة مفصلة عن أحوالهم أحدها اسمه الجمال والتجمّعات الأفغانية Of Camels and Ghantowns.
ثم توالت هجرة المسلمين إلى أستراليا في منتصف القرن العشرين خصوصاً من تركيا ويوغوسلافيا السابقة وشبه القارة الهندية. ولكن في هذا المجال كانت هجرة اللبنانيين في أعقاب الحرب الأهلية في لبنان حيث توافدت أعداد كبيرة نسبياً خصوصاً إلى سيدني وملبورن اللتين تعتبران أهم مدينتين في أستراليا.
يبلغ عدد المسلمين اليوم في أستراليا حوالي 150 ألفاً حسب الإحصاءات الرسمية. إلا أن هذا الرقم لا يعكس الصورة الحقيقية لعدة أسباب أهمها أن تسجيل الدين في استمارات الإحصاءات أمرٌ اختياري، مما يجعل الوصول إلى رقم واقعي أمراً صعباً. وعلى كل حال تقدر بعض الجهات عدد المسلمين بين 300 ألف إلى نصف مليون نسمة.
ويتوزع المسلمون على الولايات الأسترالية المختلفة، إلا أن أكبر تجمع لهم هو في ولاية نيوساوث ويلز وعاصمتها سيدني تليها ولاية فكتوريا وعاصمتها ملبورن. وتعتبر الجالية اللبنانية المسلمة أكبر الجاليات المسلمة في أستراليا، تليها الجالية التركية ثم الجاليات من مختلف الأقطار العربية. وتوجد عشرات الجمعيات الإسلامية التي ترعى أوضاع المسلمين وتنتظم هذه في مجلس قارّي يدعى الاتحاد الأسترالي للمجالس الإسلامية(AFIC).
كما توجد عشرات المساجد ويحيي المسلمون كافة المناسبات الإسلامية بالإضافة إلى إقامة الجمعة والجماعة. وهم شديدو التأثر بما يجري في أوطانهم الأم وأكثر التيارات الفكري والسياسية في البلاد العربية والإسلامية تجد صدىً لها لدى مسلمي أستراليا. ويعبر المسلمون عادة عن آرائهم ومواقفهم حول القضايا التي تخص المجتمع الأسترالي ومجتمعاتهم التي أتوا منها أيضاً عبر إرسال الوفود إلى المسؤولين الأستراليين لشرح وجهات نظرهم وإرسال الرسائل والمقالات إلى وسائل الإعلام وعبر المقابلات التلفزيونية. ولا تخل وسائل الإعلام الأسترالية من التحيز في تناولها لكثير من القضايا ذات الصلة بالبلدان العربية والإسلامية. وقد يبلغ الأمر أحياناً بعض التحريض خصوصاً في أوقات الأزمات كحرب الخليج الثانية مثلاً. والسبب في ذلك يعود للخلفية الاستشراقية للذين يتعاطون بالشأن الشرق أوسطي في هذا المجال وإلى اعتماد الصحف على عامل الإثارة من أجل جذب قراء أكثر وما يستتبع ذلك من تبسيط لكثير من الأمور التي تحتاج إلى عمق وموضوعية لأجل طرحها بالطريقة الصحيحة. وبالطبع هناك بعض الأصوات والأقلام الرصينة التي تدعو إلى تفهم قضايا المسلمين وعدم معالجة أمورهم من منظار المركزية الأوروبية. وتصدر بعض النشرات الإسلامية بين الحين والآخر ولكنها لا تستمر طويلاً نظراً لشح الموارد ونفاد تحمّس العاملين. وأهم الصحف الإسلامية التي صدرت في أستراليا صحيفة التايمز الأسترالية ـ الإسلامية Australian Moslim times الصادرة باللغة الإنكليزية والمتضمنة لملاحق باللغات العربية والفارسية والأوردية، والتي استمرت في الصدور لحوالي خمس سنوات. وتوجد برامج إذاعية إسلامية بلغات مختلفة. وتعتبر إذاعة الصوت الإسلامي التي تبث حوالي 18 ساعة يومياً باللغة العربية أهم الجهود في هذا المجال. ويشرف على هذه الإذاعة المركز الإسلامي العام في منطقة لاكمبا (Lakemba) حيث مسجد الإمام علي (ع) أكبر المساجد في أستراليا. ولا تقتصر جهود المسلمين في المجال الإعلامي على وسائل التعبير المذكورة إذ أنهم في بعض الأحيان ينظمون تظاهرات صاخبة للاحتجاج على الممارسات الصهيونية في فلسطين والجنوب اللبناني إبان الاحتلال. ومن الأنشطة المهمة في هذا الميدان تظاهرة ضد سلمان رشدي وأخرى ضد الهمجية الصربية في البوسنة والهرسك حيث شارك حوالي 20 ألف متظاهر من الرجال والنساء والأطفال. وبعد انتصار الثورة الإسلامية كانت تقام مسيرة يوم القدس في مدينة سيدني في آخر جمعة من شهر رمضان المبارك.
ومسلموا أستراليا شديدو التأييد للقضايا الإسلامية المحقة خصوصاً القضية الفلسطينية والمقاومة الإسلامية في جنوب لبنان.
أما على الصعيد الاجتماعي فمن الظواهر الايجابية في هذا المجال أن هناك تجمعات إسلامية في مناطق معينة غالباً ما تنمو حول المساجد والمراكز الإسلامية. وهذا مما يساعد إلى حد ما على المحافظة على الهوية الإسلامية أو بالأحرى تأخير ذوبان الأجيال الجديدة في المجتمع الغربي. فعلى سبيل المثال يقطن أغلبية المسلمين القادمين من جنوب لبنان والبقاع في منطقة السانت جورج في مدينة سيدني المحيطة بضاحية أرنكليف (Arncliffe) حيث يقع مسجد السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) والذي تقع بجواره مدرسة الزهراء.
وهناك تجمعات إسلامية أيضاً في مناطق Lakemba و Punchbowl و Bankstown في مدينة سيدني وهذه التجمعات تشكل مجمعات إسلامية مصغّرة ويسود فيها قدر من القيم والتقاليد النابعة من الدين ويكثر بين أهلها التزاور للتعويض عن الأجواء التي فقدوها في أوطانهم وفي هذه المجتمعات لا يكاد الإنسان يشعر بالغربة. وتوجد في هذه المناطق الأفران والمطاعم اللبنانية ويتوفر اللحم الحلال لكل من يطلبه.
وبالنسبة للالتزام الديني يكثر عدد المصلين ويتراوح بين 60 إلى 70 بالمئة من المسلمين، ويكثر التردد إلى المساجد في المناسبات الإسلامية. أما بالنسبة للحجاب فربما بلغت النسبة حوالي 30 إلى 40 بالمئة من المسلمات إلا أن الثقافة الإسلامية التي تحمي الحجاب وتحصنه سطحية إلى حد كبير. والزواج من خارج الدين قليل بالنسبة إلى الشباب ونادر فيما يتعلق بالفتيات. وغالباً ما يتم الزواج بين فتيان وفتيات المسلمين من داخل أستراليا وأحياناً يذهب الشاب أو الشابة إلى لبنان ويتم الزواج هناك. وغالباً ما تنشأ المشاكل الاجتماعية في هذا المجال. وتوجد بعض المدارس الابتدائية الإسلامية ومدرسة ثانوية واحدة وهذا أقل بكثير من الجهد المحتاج إليه بالنسبة للأجيال الجديدة التي تسير على طريق الذوبان في المجتمع الغربي. وتعتبر هذه المسألة التحدي الرئيسي للوجود الإسلامي في الغرب ولحد الآن، في أستراليا على الأقل، لا توجد حلول لها. ومما يزيد الأمر تعقيداً في هذا المجال وجود الخلافات على شتى الصور وغياب حسن التخطيط المستقبلي لدى أغلب المعنيين بالشأن الإسلامي.
وهناك ظاهرة ازدادت في العقد الأخير وهي رجوع عدد كبير من الأسر إلى أوطانهم، خصوصاً لبنان، من أجل الحفاظ على دين وهوية أبنائهم وبناتهم. ولكن غالباً ما ترجع هذه الأسر إلى أستراليا بعد مكوث في لبنان يطول أو يقصر نظراً لعدم قدرتها على التأقلم في الأوضاع اللبنانية وبسبب فقدان الخدمات الأساسية وعدم تمكنها من تأمين معيشتها بنحو قريب مما اعتادت عليه في المهجر.
أما من الناحية الاقتصادية فأغلب المسلمين هم من العمال في المصانع أو سائقي سيارات الأجرة. وهناك عدد من رجال الأعمال ممن يمتلكون مصالح صغيرة. وظاهرة البطالة متفشيّة بين أفراد الجالية الإسلامية وعدد الشباب الجامعي والمثقف قليل نسبياً وأغلب الاختصاصات في هذا المجال هي في حقل الهندسة والكومبيوتر والعلوم الفيزيائية. ويندر التخصص في مجال العلوم الإنسانية أو الصحافية.
بالنسبة للوضع الشيعي تعتبر الجمعية الإسلامية الشيعية التي تأسست في أواخر ستينات القرن العشرين أقدم الجمعيات الشيعية في أستراليا. ولقد تحول اسمها إلى جمعية الزهراء الإسلامية في منتصف الثمانينات. ويعتبر الشيخ فهد مهدي الذي قدم إلى أستراليا عام 1978 أقدم الفقهاء الشيعة في هذه القارة وله الفضل في إيجاد جو إيماني رغم قلة عدد المتدينين في ذلك الوقت. ومن الفقهاء السيد هاشم نصرالله الذي قدم إلى استراليا في عام 1983 والذي شهد العمل الإسلامي معه نقلة نوعيّة. ويوجد فقهاء آخرون في ولايات أخرى. وهناك ظاهرة بدأت منذ منتصف التسعينات تمثلت في قدوم أعداد كبيرة نسبياً من شيعة العراق إلى استراليا وبينهم حوالي عشرين معمماً. ولا بد أيضاً من ذكر المرحوم السيد محمد كاظم القزويني الذي كان له جهد جزيل على صعيد جمع الأموال لبناء مسجد السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) والذي كان يأتي إلى استراليا في المناسبات الإسلامية كشهر رمضان المبارك وذكرى عاشوراء وإلقاء المحاضرات في الثقافة الإسلامية وتعميق حالة الولاء لأهل البيت بين الشيعة في استراليا.
وتعتبر جميعة الزهراء الإسلامية التي يشرف عليها السيد هاشم نصرالله أهم الجمعيات الشيعية في استراليا التي تقوم بالتعاون مع السيد بإحياء المناسبات الإسلامية حيث يكتظ المسجد بالمؤمنين في عاشوراء والمناسبات الإسلامية الأخرى. وتشرف هذه الجمعية على مدرسة الزهراء الكائنة في جوار مسجد الزهراء.
وفي المناسبات الإسلامية المختلفة توجه الدعوات للفقهاء من خارج استراليا للمساهمة في بث الثقافة الإسلامية وإلقاء المحاضرات.
يبلغ عدد أفراد الجالية الشيعية في استراليا حوالي خمسين ألف معظمهم من جبل عامل / لبنان، يليهم الشيعة العراقيون فالإيرانيون ومن ثم الهنود والباكستانيون ومجمل أحوالهم يماثل وضع إخوانهم من المذاهب الأخرى ويواجهون نفس التحديات.
ومن الأنشطة المهمة لجمعية الزهراء الإسلامية إحياء يوم اليتيم في كل عام في ذكرى ولادة خاتم المرسلين، حيث يقام احتفال كبير يدعى إليه بعض المسؤولين الأستراليين ووسائل الإعلام بالإضافة إلى جمهور المؤمنين إذ يتجاوز عدد الحضور الألف نسمة من الرجال والنساء والأطفال. وفي هذا الاحتفال يجري تكفل الأيتام من جمعية المبرات الخيرية ومؤسسة الشهيد. ويبلغ عدد الأيتام الذين تم تكفلهم من قبل مؤمني أستراليا حوالي 500 يتيم.
وهناك بعض الأنشطة الأخرى التي تقوم بها الجمعية كطبع وتوزيع الكتاب الإسلامي باللغة الإنكليزية داخل استراليا وخارجها.
وهناك جمعيات شيعية أخرى كجمعية المصطفى وجمعية البيان والجمعية الجعفرية تقوم بأنشطة تبليغية مختلفة منها إحياء المناسبات الإسلامية المختلفة.
والحضور الإعلامي الشيعي ضعيف إلى حد ما، وتصدر نشرات إسلامية شيعية بين الحين والآخر ولا تستمر طويلاً ومن أبرزها صحيفة الميزان التي كانت تصدر بلغات ثلاث هي العربية والفارسية والإنكليزية في بداية الثمانينات وكذلك مجلة الهدى التي تصدر بين الحين والآخر. ومن البوادر المهمة في هذا المجال مجلة READ الفصلية التي تصدر باللغة الإنكليزية وتعني «اقرأ» وهي تخاطب جيل الشباب الشيعي، الاسترالي الولادة والمنشأ. وكان هناك برنامج إذاعي يسمَّى «إذاعة صوت الإيمان» يبث في أوقات محدودة ودام بضعة سنوات ولم تكتب له الاستمرارية.
وفي أواخر الثمانينات أُسست حركة كشفية تحمل اسم «كشافة المهدي» واستمرت حوالي ست سنوات وكان لها دور إيجابي على صعيد جمع الأطفال والفتيان والفتيات الشيعة وتثقيفهم بالثقافة الإسلامية والقيام برحلات ومخيمات كشفية تعطى فيها دروس في العقيدة والأحكام الشرعيّة.
وعلى صعيد المرأة توجد رابطة الزهراء للمرأة المسلمة وهي جزء من جمعية الزهراء الإسلامية وتقوم بأنشطة مختلفة على صعيد النساء.
ومن التحديات الرئيسية التي تواجه الجالية الشيعية في استراليا ضياع الجيل الجديد وذوبانه في المجتمع الغربي. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار عدم وجود التخطيط للمستقبل والخلافات المستشرية على شتى الصعد فإن الأمور لا تبشر بخير على الإطلاق.
عماد بزي
الاستصحاب
الاستصحاب لغة مأخوذة من المصاحبة تقول: «استصحبت في سفري الكتاب أو الرفيق، أي جعلته مصاحباً لي، واستصحبت ما كان في الماضي، أي جعلته مصاحباً إلى الحال»([2]).
وقد ذكرت له تعاريف متعددة في مصطلح الأصوليين حاول صاحب الكفاية إرجاع بعضها إلى بعض، يقول: «إن عباراتهم في تعريفه وإن كانت شتى، إلا أنها تشير إلى مفهوم واحد وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه»([3]). وقد نوقش في جدوى هذه المحاولة في إحداث الملاءمة بين هذه التعاريف مع ما فيها من التعبير عن خلاف مبنائي بالنسبة إلى الاستصحاب. فالذي عليه قسم من قدامى الأصوليين، أن الاستصحاب من الأمارات الكاشفة عن الحكم وعليه بنى غير واحد حجية مثبتاته ولوازمه فيكون حجة فيها وفيما يترتب عليها من أحكام، ومقتضى ذلك أن التعبير بالحكم ببقاء حكم لا يناسب هذا المبنى لكون الاستصحاب كاشفاً عن الحكم عندهم، فالحكم بالبقاء وليد إجرائه فهو متأخر رتبة عنه ولا يسوغ أخذه فيه للزوم الخلف أو الدور.
والذي يناسب هذا المبنى من التعاريف ما ذكره الشيخ عنهم: «من أن الاستصحاب هو: كون الحكم متيقناً في الآن السابق، مشكوك البقاء في الآن اللاحق»([4])، «فإن كون الحكم متيقناً في الآن السابق أمارة على بقائه ومفيدة للظن النوعي»([5]).
والذي عليه أكثر متأخري الأصوليين أنه من قبيل الأصول لا الأمارات، وإن كان يختلف عنها من بعض الجهات والذي يناسبه من التعاريف ما ذكره الأستاذ خلاف من أنه «استبقاء الحكم الذي ثبت بدليل في الماضي قائماً في الحال حتى يوجد دليل يغيره»([6])، وإن كان في هذا التعريف شيء من الضيق لقصره التعريف على الاستصحابات الحكمية مع أن مفهومه يتسع لها، وللاستصحابات الموضوعية كما يأتي إيضاح ذلك، وتعريف صاحب الكفاية أقرب منه إلى الفن لهذا السبب.
فكلمة الاستبقاء وكلمة الحكم تعطي للاستصحاب مضمون الوظيفة لا الكشف عن الواقع.
وفي رأي بعض أساتذتنا أن تعريف الاستصحاب يجب أن ينتزع من مدلول أدلته لأن الذي يكون موضع حاجتنا هو خصوص ما قامت عليه الأدلة، وليس في الأدلة كلمة استبقاء أو حكم وإنما فيها «حرمة نقض اليقين بالشك من حيث العمل في ظرف الشك، فالصحيح في تعريفه على هذا المسلك أن يقال: إن الاستصحاب هو حكم الشارع ببقاء اليقين في ظرف الشك من حيث الجري العملي»([7]). ولعل وجهة نظر من يقول باستبقاء الحكم أو الحكم ببقاء الحكم هو الأخذ بلوازم هذه الروايات، لأن لازم الحكم ببقاء اليقين وحرمة نقضه بالشك هو الحكم ببقاء المتيقن، أي الحكم الذي كان منكشفاً باليقين وكلا التعريفين صحيح.
الاستصحاب أصل إحرازي
ومن هذا التعريف ندرك السر في تسمية الاستصحاب بالأصل الإحرازي على ألسنة جملة من أعلامنا المتأخرين، وذلك لما لاحظوا من أن لسان اعتباره يختلف عن كل من لسان جعل الطريقية للأمارة وجعل الحجية للأصول المنتجة للوظائف الشرعية.
فقد اعتبر في لسان جعله عدم نقض اليقين بالشك، فهو من ناحية فيه وجهة نظر إلى الواقع، ولكن هذه الناحية لم يركز عليها الجعل الشرعي وإنما ركز الجعل على الأمر باعتبار المكلف مشكوكة متيقناً، وإعطائه حكم الواقع وتنزيله منزلته من حيث ترتيب جميع أحكامه عليه فهو من حيث الجري العملي واقع تنزيلاً وإن كانت طريقيته للواقع غير ملحوظة في مقام الجعل، بينما نرى أن لسان جعل الإمارة ركز على ما فيها من آراء وكشف، واعتباره كاملاً، فهو يقول بفحوى كلامه: إن مؤدى الأمارة هو الواقع (فإذا حدث فعني يحدث) كما جاء ذلك في بعض ألسنة جعل الحجية لخبر الواحد والمسؤول عنه أحد الرواة من أصحاب الأئمة.
أما الأصل غير الإحرازي فهو لا يتعرض إلى أكثر من اعتبار الجري العملي على وفقه مع فرض اختفاء الواقع وبهذا يتضح:
الفرق بين الاستصحاب والامارة والأصل.
فالأمارة تحكي عن الواقع والشارع بلسان جعله يقول: إن مؤداها هو الواقع.
والاستصحاب لا يقول بلسان جعله: إنه هو الواقع، وإنما يأمرك باعتباره واقعاً.
أما الأصل فلا يزيد على كونه مجعولاً كوظيفة عند اختفاء الواقع بجميع مراحله، فهو لا يزيد على طلب الجري والسلوك العملي وفق مؤداه.
حكومة الأمارة على الاستصحاب
وإذا صح هذا فقد وضح السر في تقديم الامارة على الاستصحاب، إذ مع قيام الامارة وانكشاف الواقع بها تعبداً لا موضع للشك ليطلب إليك اعتباره متيقناً، لأن قيامها مزيل ـ في رأي الشارع ـ للشك وإن بقي وجداناً، ومع فرض أن الشارع لا يراك شاكاً، فأي معنى لأن يقول لك: اعتبر شكك يقيناً؟.
حكومة الاستصحاب على الأصل
وبهذا أيضاً يتبين السر في تقديم الاستصحاب على غيره من الأصول غير الاحرازية إذ الأصول غير الإحرازية إنما جعلت عند اختفاء الواقع عن المكلف وعدم العلم به، وما دام المكلف مأموراً باعتبار الشك يقيناً، فهو عالم بالواقع في رأي الشارع تعبداً لاعتباره الشك علماً في هذا الحال، وإعطائه نتائج العلم من حيث ترتيب جميع آثار الواقع عليه.
ومع فرض حصول الواقع التنزيلي لديه فلا اختفاء للواقع ليلجأ إلى الوظيفة، فهو مزيل لموضوعها الذي أخذ فيه عدم العلم بالواقع لحصول العلم به تعبداً كما هو الفرض.
الاستصحاب ووجوب الفحص
وما دمنا قد عرفنا رتبة الاستصحاب من الأمارات، فليس لنا أن نأخذ به ما لم نفحص عن الأمارة الكاشفة عن الحكم، أي الرتبة السابقة له وقد استدل على وجوب الفحص بأدلة كثيرة أهمها ـ فيما نعتقد ـ ثلاثة وهي:
1 ـ وجود العلم الإجمالي بوجود تكاليف إلزامية من الشارع ووجود طرق مجعولة إليها ممن قبله، ومع قيام العلم الإجمالي لا يجوز الرجوع إلى الأصول ـ إحرازية أو غير إحرازية ـ في أطرافه، وهذا ما يوجب الفحص وحل العلم الإجمالي بما يعثر عليه منها، والرجوع بالباقي إلى الأصول.
وأشكل عليه في الكفاية بما مضمونه أن العلم الإجمالي يمكن حله بالعثور على مقدار المعلوم بالإجمال منها، ومقتضى ذلك هو الرجوع في الباقي إلى الأصل من دون حاجة إلى فحص عنه.
وأجاب النائيني عن الإشكال المذكور بأن المعلوم بالإجمال في المقام بما أنه ذو علامة وتميز، فهو غير قابل للانحلال بالظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال، لأن الواقع قد تنجز بما له من تميز فكيف يعقل انحلاله قبل الفحص؟ وتكاليفنا المعلومة بالإجمال نعلم بثبوتها بالكتب المعتمدة فهي ذات تميز خاص، ولا ينحل العلم الإجمالي إلا بفحصها، وإخراج الطرف المشكوك عن المعلوم المنجز بالفحص، واليأس عن العثور على حكمه فيها والرجوع إلى الأصل. وأشكل عليه بكون التكاليف الموجودة في الكتب والمعلومة إجمالاً، هي نفسها مرددة بين الأقل والأكثر، فإذا ظفرنا بالمقدار المتيقن لم يكن مانع من الرجوع إلى الأصل في غيرها من دون فحص.
والظاهر أن هذا النوع من الإشكال يحول النقاش مع الشيخ النائيني إلى نقاش صغروي، لأن العثور على القدر المتيقن منها لديه لا يتم إلا بعد استيعاب هذه الكتب فحصاً. ومع استيعاب هذه الكتب وحل العلم الإجمالي بما يعثر عليه منها، فلا مانع لديه ظاهراً من الرجوع إلى اصل في غيرها، مما لم يوجد في الكتب من دون فحص لحصول اليأس من العثور عليه، والفحص لا موضوعية له أكثر من تحصيل اليأس للمكلف كما هو واضح.
فالظاهر أن الاستدلال بالعلم الاجمالي على وجوب الفحص لإخراج المشكوك عن المعلوم بالإجمال أو غيره من الأصول متين جداً.
2 ـ دعوى استقلال العقل بلزوم الفحص قضاء لحق العبودية وتقريب هذا الاستدلال أن الذي وعيناه من الشارع المقدس في تبليغ أحكامه، هو الجري على الطريقة المتعارفة في التبليغ، أي إظهار الحكم من قبله أمام جماعة تكثر أو تقل، ويكون هؤلاء هم الواسطة في التبليغ.
وفعلية الوصول إلى كل مكلف ليس هو المسؤول عنها، وإنما هي من وظائف المكلفين أنفسهم.
فالمواطن في دولة ما مثلاً من حق دولته أن تحاسبه على كل مفارقة منه إذا كان لديها قانون يحدد جريمته ويضع العقوبة عليها، وكان القانون قد بلغ بواسطة الجرائد ووسائل البث، إذ اعتبرتها الدولة وسائل للتبليغ، وليس له أن يعتذر ببراءة الذمة من التكليف بدعوى أنه لا عقوبة إلا بقانون وأصل، إذ الدولة ليست مسؤولة عن إيصال القانون إلى كل فرد، بل على المواطنين أنفسهم الفحص عنها، ومع اليأس من العثور عليها يرجعون إلى الأصل، وهكذا.
وحكم العقل بلزوم الفحص يكون بمنزلة القرينة المتصلة المانعة من ظهور ما يأتي من الإطلاقات في أدلة الاستصحاب الدالة على جواز العمل به من دون فحص، فهي مقيدة به ابتداء.
3 ـ الاستدلال بالآيات الدالة على وجوب التعلم، ولعلها واردة كلها لتأكيد حكم العقل بلزوم الفحص، وليست أحكاماً تأسيسية لوضوح أنه لا موضوعية للتعلم أكثر من الوصول به إلى أحكام المولى، يرى العقل أن الحجة لله إذ ذاك على العبد، وقد ورد عن أهل البيت في تفسير قوله تعالى: {فَللَّهِ آلحُجَّةُ البَالِغَةُ} [الأنعام: 149]. من أنه «يقال للعبد يوم القيامة هل علمت؟ فإن قال نعم، قيل له: فهلا عملت، وإن قال: لا، قيل: فهلا تعلمت حتى تعمل».
وعلى هذا فأدلة الاستصحاب لا تتم حجيتها إلا بعد اليأس عن العثور على الأدلة الكاشفة عن الحكم الواقعي.
وما يقال عن الاستصحاب يقال عن بقية الأصول إحرازية أو غير إحرازية، نعم في الاستصحابات المثبتة للتكاليف لا يبعد القول بإمكان جريانها من دون فحص، إلا أن الأخذ بها إنما يكون من باب الاحتياط لا أخذاً بدليله.
هذا كله إذا قلنا بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلية، ومع إنكاره لا يبقى موضوع لهذا الكلام وما عداها ـ أعني الأحكام الكلية ـ يجب فيه الفحص.
وأدلة وجوب الفحص لا تشمله لكونها غير ناظرة إلى غير الفحص عن الأحكام الكلية كما هوواضح.
أركان الاستصحاب
وأركان الاستصحاب المستفادة من نفس التعريف بعد تأمل فيه سبعة:
1 ـ اليقين: ويريد به الأصوليون هنا، انكشاف واقع متعلقة وجداناً أو تعبداً.
2 ـ الشك: ويريدون به ما يقابل اليقين بمعنييه ـ الوجداني والتعبدي ـ فكل ما ليس بيقين فهو شك عندهم، سواء كان شكاً بالمعنى المنطقي ـ أي تساوي الطرفين ـ أم كان ظناً غير معتبر، أو وهماً، فالجميع في مصطلحهم شك، ويجري عليها أحكامه.
3 ـ وحدة المتعلق فيهما، أي إن ما يتعلق به اليقين، هو الذي يكون متعلقاً للشك لا غيره.
4 ـ فعلية الشك واليقين فيه، فلا عبرة بالشك التقديري لعدم صدق النقض به، ولا اليقين كذلك لعدم صدق نقضه بالشك.
5 ـ وحدة القضية المتيقنة والقضية المشكوكة في جميع الجهات. أي أن يتحد الموضوع والمحمول والنسبة والحمل والرتبة، وهكذا… ويستثنى من ذلك الزمان فقط، رفعاً للتناقض.
6 ـ اتصال زمان الشك بزمان اليقين، بمعنى أن لا يتخلل بينهما فاصل من يقين آخر، كما هو مفاد تسلط النقض بالشك على اليقين.
7 ـ سبق اليقين على الشك ـ ولو كان السبق رتبياً ـ ليتم صدق عدم نقض الشك له.
فإذا اجتمعت هذه الأركان في موضع أمكن جريان الاستصحاب فيه وترتب حكمه بعد ثبوت حجيته ـ طبعاً ـ ومع تخلف بعضها لا يمكن جريانه أصلاً.
وللأعلام بحوث وتفريعات على هذه الأركان والتماس اللوازم لفقدان بعضها، يطول عرضها والتحدث في صغرياتها جميعاً، ولنجتزىء بذكر المهم منها.
الاستصحاب وقاعدة اليقين
وقاعدة اليقين تشارك الاستصحاب في جملة أركانه إلا ما يتصل بفعلية اليقين والشك منها، إذ لا يقين فعلي فيها لفرض سريان الشك إلى نفس اليقين وإزالته كما هو فحوى تحديدها.
فقاعدة اليقين تفترض أن يكون الشك فيها سارياً إلى نفس اليقين السابق ومزيلاً له، بينما يجمعها الاستصحاب على صعيد واحد إلا في ناحية الزمان، فإذا علمنا ـ ونحن في يوم الأحد مثلاً ـ بحياة زيد يوم الجمعة وشككنا ببقائها إلى يوم السبت فنحن الآن نملك يقيناً بالحياة يوم الجمعة وشكاً بالحياة في يوم السبت، وكلاهما فعليان، فالمثال يصلح للاستصحاب، وإذا علمنا ـ ونحن يوم الجمعة ثم شككنا بعد ذلك فيها في يوم الجمعة كأن يكون قد طرأ علينا ما يزيل ذلك اليقين فالمثال يصلح لقاعدة اليقين، إذ بعد زوال اليقين في حياته يوم الجمعة، لا يبقى عندنا يقين فعلي، فالفارق بينهما إذن هو في فعلية اليقين السابق في أحدهما وعدمها في الآخر.
وقد وقع الخلط بين القاعدتين على ألسنة كثير من الأعلام لخفاء الفارق بينهما، والأدلة التي يملكها الأصوليون لا تنهض ـ على تقدير تماميتها ـ بغير الاستصحاب إذ لا معنى لصدق النهي عن نقض اليقين مع عدم فعليته بداهة.
الاستصحاب وقاعدة المقتضي والمانع
ومن التأمل في هذه الأركان أيضاً، ندرك الفارق بين القاعدتين لاعتبارنا في الاستصحاب وحدة المتعلق لليقين والشك بخلاف قاعدة المقتضي والمانع، فإن متعلق اليقين فيها هو وجود المقتضي للشيء، ومتعلق الشك هو حصول المانع من تأثيره «فإذا صببنا الماء لتحصيل الطهارة من الخبث مثلاً، وشككنا في تحقق الغسل لاحتمال وجود مانع من وصول الماء، فلنا يقين بوجود المقتضي وهو انصباب الماء وشك في وجود المانع، فعدم ترتيب آثار الطهارة لا يصدق عليه نقض اليقين بالشك لعدم تعلق اليقين بالطهارة من آثار وجوده فقط بل تتوقف على المانع أيضاً، والمفروض أنه لا يقين بوجود المقتضي وعدم المانع لتكون الطهارة متيقنة»([8]).
فالفارق بينهما إذن إنما هو اختلاف المتعلق للشك واليقين في قاعدة المقتضي والمانع واتحاده في الاستصحاب.
والأدلة التي يملكها الأصوليون لا تفي بالدلالة على غير الاستصحاب لظهورها بوحدة المتعلق فيها، كما يأتي عرضها وبيان الاستفادة منها. ونظراً لوقوع التشابه بين القاعدتين ووقوع الخلط بينهما، فقد اقتضانا التنبيه عليه.
الخلاف في حجيته
اختلفوا في حجية الاستصحاب «فذهب أكثر العلماء كما حكاه ابن الحاجب ومنهم المالكية والحنابلة وأكثر الشافعية: إلى أن الاستصحاب حجة شرعية فيحكم ببقاء الحكم الذاتي الذي كان ثابتاً في الماضي ما دام لم يقم دليل برفعه أو بتغييره فيبقى الأمر الثابت في الماضي ثابت في الحال بطريق الاستصحاب»([9]).
وفي المعالم نسبة الحجية إلى الأكثر([10])، وخالف في ذلك السيد المرتضى([11])، كما خالف «أكثر الحنفية والمتكلمين كأبي الحسين البصري»([12]).
وهناك تفصيل ذهب إليه أكثر المتأخرين من علماء الحنفية وهو: «أن الاستصحاب حجة دافعة لا حجة مثبتة، أي إنه حجة لدفع ما يخالف الأمر الثابت بالاستصحاب، وليس هو حجة على إثبات أمر لم يقم دليل على ثبوته»([13]).
وللشيعة تفصيلات في أقسام الاستصحاب كثيرة، أهمها: تفصيل الشيخ الأنصاري بين ما إذا كان الشك في المقتضي فلا يجري الاستصحاب أو الشك في الرافع فيجري.
واستقصاء هذه الأقوال والتماس أدلتها على اختلافها من التطويل غير المستساغ.
فالأنسب صرف الكلام إلى التماس الأدلة على أصل الحجية، وبيان مقدار ما تدل عليه، ومنها يعرف القول الحق من جميع هذه الأقوال.
أدلة المثبتين
أما مثبتو الاستصحاب فقد استدلوا بعدة أدلة، أهمها:
1 ـ السيرة العقلائية: بدعوى أن ما «فطر عليه الناس وجرى به عرفهم في عقودهم وتصرفاتهم ومعاملاتهم، إنهم إذا تحققوا من وجود أمر غلب على ظنهم بقاؤه موجوداً حتى يثبت لهم عدمه، وإذا تحققوا من عدم أمر غلب على ظنهم بقاؤه معدوماً حتى يثبت لهم وجوده، فمن عرف إنساناً حياً راسله بناء على ظنه بقاء حياته، ومن عرف زوجية زوجين شهد بها بناء على ظن بقائها، والقاضي يقضي بالملكية في الحال بناء على سند ملكية بتاريخ سابق، ويقضي بالدين في الحال بناء على شهادة شاهدين باستدانة سالفة».
«وهذا كله يدل على أن مما تقضي به الفطرة أن يعتبر ما كان على ما كان حتى يطرأ ما يغيره»([14]).
وقد نوقش بهذه السيرة «بأن عملهم على طبق الحالة السابقة على أنحاء مختلفة: فتارة يكون علمهم لاطمئنانهم بالبقاء، كما يرسل تاجر أموالاً إلى تاجر آخر في بلدة أخرى لاطمئنانه بحياته لا للاعتماد على مجرد الحالة السابقة ولذا لو زال اطمئنانه بحياته، كما لو سمع أنه مات جماعة من التجار في تلك البلدة لم يرسل الأموال قطعاً».
«وأخرى يكون عملهم رجاء واحتياطاً كمن يرسل الدرهم والدينار إلى ابنه الذي في بلد آخر ليصرفهما في حوائجه، ثم لو شك في حياته فيرسل إليه أيضاً للرجاء والاحتياط حذراً من وقوعه في المضيقة على تقدير حياته».
«وثالثة يكون عملهم لغفلتهم عن البقاء وعدمه، فليس لهم التفات حتى يحصل لهم الشك فيعملون اعتماداً على الحالة السابقة كمن يجيء إلى داره بلا التفات إلى بقاء الدار وعدمه» إلى أن يقول: «فلم يثبت استقرار سيرة العقلاء على العمل اعتماداً على الحالة السابقة»([15]).
والظاهر أن هذه المناقشة لا تدفع وجود السيرة. وكونها جارية على وفق الاطمئنان تارة والاحتياط أخرى والغفلة ثالثة لا يدفع قيامها في غير المواضع المذكورة، ولو رجع الإنسان إلى واقعه لوجد نفسه صادراً عن الاستصحابات في جل تصرفاته حتى مع الشك باستمرار الحالة السابقة وعدم الغفلة عنها، وما هذه المواضع إلا من صغريات القاعدة.
لكن دعوى الأستاذ خلاف بأن ما فطر عليه الناس وجرى به عرفهم أنهم إذا تحققوا من وجود أمر غلب على ظنهم بقاؤه… الخ. لا يخلو من مسامحة فإن الذي جرى عليه الناس هو ترتيب الأثر على الحالة السابقة حتى مع الظن بالخلاف أحياناً، كما هو الشأن في الأمثلة التي مرت علينا الآن.
والذي يبدو لي أن الاستصحاب من الظواهر الاجتماعية العاملة التي ولدت مع المجتمعات ودرجت معها، وستبقى ـ ما دامت المجتمعات ـ ضمانة لحفظ نظامها واستقامتها ولو قدر للمجتمعات أن ترفع يدها عن الاستصحاب لما استقام نظامها بحال فالشخص الذي يسافر مثلاً ويترك بلده وأهله وكل ما يتصل به ـ لو ترك للشكوك سبيلها إليه ـ، وما أكثرها لدى المسافرين، ولم يدفعها بالاستصحاب ـ لما أمكن له أن يسافر أصلاً، ولشلت حركتهم الاجتماعية وفسد نظام حياتهم فيها، فقول شيخنا النائيني: «إن عملهم على طبق الحالة السابقة إنما هو بإلهام إلهي حفظاً للنظام»([16]) لا يخلو من أصالة وعمق نظر، ومناقشته بأن منكري حجية الاستصحاب لم يختل النظام عليهم بعد، ولو كان حفظ النظام يقتضي ذلك لاختل على المنكرين تحتاج إلى تأمل، فالمنكرون لحجية الاستصحاب عندما أنكروها لم يتخلوا في واقع حياتهم عن الجري على وفق الاستصحاب وإن تخلوا عنه في الشرعيات.
وكونه ظاهرة اجتماعية يصدر عنها الناس في مجتمعاتهم حتى مع الشك صدوراً تلقائياً ـ كما هو الشأن في الظواهر الاجتماعية ـ لا ينافي أن يلتقي أحياناً الرجاء أو الاحتياط أو الظن بالبقاء أو الاطمئنان أو غيرها، لكن هذه الأمور ليست هي الباعثة على خلق هذه الظاهرة ككل، وإنما هي من وسائل التبرير عن السلوك على وفقها في بعض الأحيان، مما يخيل للإنسان الفرد أن جملة تصرفاته منطقية ومبررة. وإذا صح ما ذكرنا من كونها من الظواهر الاجتماعية العامة، فعصر النبّي (ص) ما كان بدعاً من العصور ولا مجتمعه بدعاً من المجتمعات ليبتعد عن تمثل وشيوع هذه الظاهرة، فهي بمرأى من النبّي (ص) ـ حتماً ـ ولو ردع عنها لكان ذلك موضع حديث المحدثين، وهو ما لم يحدث عنه التاريخ، فعدم ردع النبّي (ص) عنها يدل على رضاه وإقراره لها وبخاصة وهو قادر على الردع عن مثلها وليس هناك ما يمنعه عنه.
ودعوى الردع عنها بالآيات الناهية عن العمل بالظن يرد عليها ما سوف نورده في مبحث السنّة عندما نتحدث عنها وحسابها نفس الحساب.
2 ـ وجوب العمل بالظن: وهو ما استدل به البعض بدعوى أنه «من المقرر أن العمل بالظن واجب، ويغلب الظن ببقاء الشيء على ما كان ما دام لم يوجد ولم يطرأ ما يغيره ويزيله»([17]).
والمناقشة في هذا الدليل واقعة ـ صغرى، وكبرى ـ.
أما الصغرى فلأن الظن لا يتحقق دائماً ببقاء الشيء لمجرد عدم طروء ما يغيره، فالشخص الذي يترك بلده ثمانين حولاً لا يظن ببقائه حياً عادة لا بالظن الشخصي ولا النوعي مع أنه لم يعلم بوجود ما يوجب انعدام حياته وما أكثر صور الاستصحاب التي لا يتحقق فيها ظن بالحالات السابقة.
وأما الكبرى ـ أعني دعوى أن العمل بالظن واجب ـ فهي لا مستند لها أصلاً، وحالها يتضح مما عرضناه في مباحث التمهيد من أن الظن من الطرق غير الذاتية لنقصان كشفه، وما كان غير ذاتي فهو محتاج إلى الجعل، وليس عندنا من الأدلة ما يجعل الطريقة لمطلق الظنون، اللهم إلا إذا تمت مقدمات دليل الانسداد ـ وهي غير تامة ـ فادعاء المفروغية عن وجوب العمل بالظن لا مستند له إذ مع هذه المفروغية المقررة لا نحتاج إلى التماس الأدلة على جميع ما مر من الظنون القياسية وغيرها والتماسها إذ ذاك عبث من الاعلام لا مبرر له.
3 ـ الإجماع: وقد ادعاه غير واحد من الأعلام، يقول في سلم الوصول: «إجماع الفقهاء على أن ما ثبت باليقين لا يزول بالشك»([18])، ويقول في مصادر التشريع: «مما اتفق عليه الفقهاء أن ما ثبت باليقين لا يزول بالشك فيمن توضأ للصلاة ثم شك بعد ذلك في أنه أحدث، يصلي ولا عبرة بشكه. ومن تزوج ثم شك بعد ذلك في أنه طلق تحل له زوجته ولا اعتبار بشكه، وهذا في الحقيقة مبني على أن الحكم الذي ثبت في الماضي يستصحب ويبقى ويستمر حتى يوجد دليل يغيّره»([19]).
هذا الإجماع لا أعرف كيف ادعاه هؤلاء الأعلام، مع نقلهم لذلك الخلاف الكبير في حجية الاستصحاب من قبل كثير من الفقهاء، اللهم إلا أن يوجه الإجماع إلى خصوص هذه الفروع ونظائرها، وهو لا يثبت حجية الاستصحاب لقيامه على نفس الفرع لا على مصدره المتخيل.
السنة
ونريد من الاستدلال بالسنة خصوص ما ورد عن أهل البيت(عليهم السلام) في هذا المجال، لعدم اطلاعنا على أحاديث نبوّية من غير طريقهم بهذا المضمون، وربما كانت موجودة وضيعها علينا نقص الفحص وبخاصة إذا كانت في غير مظانها من كتب الفقه والأصول، وفي أخبار أهل البيت الكفاية ـ بعد أن ثبتت حجية ما يأتون به.
والروايات التي أثرت عنهم كثيرة وبعضها مستوعب لشرائط الصحة، وقد استغرق الحديث فيها في الموسوعات الأصولية أمثال: رسائل الشيخ، وحقائق الأصول، وفوائد الأصول، وغيرها، نذكر روايتين منها ونحيل القراء في بقيتها على هذه الموسوعات، ثم نجترىء في الحديث عنهما، بمقدار ما يتسع له صدر هذه الصفحات.
1 ـ صحيحة زرارة: «قال: قلت له أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من المني، فعلّمت أثره إلى أن أصيب له الماء، فحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئاً وصليت، ثم إني ذكرت بعد ذلك، قال (ع): تعيد الصلاة وتغسله، قلت: فإن لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنه قد أصابه فطلبته ولم أقدر عليه فلما صليت وجدته، قال (ع): تغسله وتعيد، قلت: فإن ظننت أنه قد أصابه ولم أتيّقن ذلك فنظرت فلم أر شيئاً فصليت فرأيت فيه، قال (ع): تغسله ولا تعيد الصلاة، قلت: لم ذاك؟ قال (ع): لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً، قلت: فإني قد علمت أنه قد أصابه ولم أدر أين هو فأغسله، قال (ع): تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها تكون على يقين من طهارتك. قلت: فهل علي إن شككت في أنه أصابه شيء أن أنظر فيه؟ قال (ع): لا، ولكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك، قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟ قال (ع): تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وإن لم تشك ثم رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لأنك لا تدري له شيء أوقع عليك فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك»([20]).
وهذه الرواية من أهم الروايات وأصحها وقد اشتملت على عدة مسائل فقهية أثارها عمق الراوي ودقة نظرته([21])، وقد تحدث عنها أعلام أحاديث مفصلة، ولكنها لا تتصل بطبيعة بحثنا هذا، وما يتصل منها بموضع الحاجة قوله (ع) في مقامين منها «فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك» وهي كبرى كلية طبقها (ع) على بعض مصاديقها في المقامين.
والذي يبدو من التعبير ـ فليس ينبغي ـ وهي كلمة لا تقال عادة في غير مواقع التأنيب أو العتب، ولا موضع لهما هنا لو لم تكن هذه الكبرى مفروغاً عنها عند الطرفين وهي من المسلمات لديهما، كما أن التعليل فيها لأنك كنت على يقين، وإرساله على هذا النحو من الإرسال يوحي أنه تعليل بأمر مرتكز وهو ما سبق أن استقربناه عند الاستدلال ببناء العقلاء من أنه من الأمور التي يصدر عنها الناس في واقعهم صدوراً تلقائياً لعل مصدره ما ذكره شيخنا النائيني من إلهام الله لهم ذلك، أو ما عبر عنه الأستاذ خلاف بفطرة الله الناس عليها، فهي في الحقيقة من أدلة الإمضاء لما عليه بناء العقلاء.
2 ـ موثقة عمار عن أبي الحسن (ع) قال: «إذا شككت فابن على اليقين قلت: هذا أصل؟ قال (ع): نعم»([22]).
ودلالتها على الحجية واضحة وبخاصة إذا تصورنا أنه لا معنى للبناء على اليقين إلا البناء على المتيقن والتعبير «هذا أصل» يدل على سعة القاعدة وعدم تقيدها في الموارد التي بعثت بالسائل على الاستفسار والسؤال.
وعلى هذا فدلالة الروايات وافية، ولنا من إطلاقها وشمولها ـ لجميع أقسام الاستصحاب سواء كان المشكوك فيه هو الحكم أو موضوعه، وسواء كان سبب اليقين بالحكم الشرعي الدليل العقلي أم غيره ـ ما يكفي لإلغاء جميع هذه التفصيلات وغيرها مما ذكروه، والمقياس في جريان الاستصحاب وعدمه هو توفر الأركان السابقة التي انتزعناها جميعاً من مضمون هذه الروايات وعدمها وهو الأساس، والمنطلق للفصل في جميع ما يتصل بعوامل الخلاف التي ذكروها.
وعلى أساس من هذا المقياس سنثير الحديث في عدة من المسائل المهمة ونحاول تقييمها بعد عرض وجهات نظرهم في ذلك.
1 ـ الأصل المثبت: ويراد بالأصل المثبت الأصل الذي تقع فيه الواسطة غير الشرعية ـ عقلية أو عادية ـ بين المستصحب والأثر الشرعي الذي يراد إثباته، على أن تكون الملازمة بينهما ـ أعني المستصحب والواسطة ـ في البقاء فقط.
وإنما قيدناها بهذا القيد إخراجاً لما كانت الملازمة فيه قائمة بينهما حدوثاً وبقاء؛ إذ اللازم إذ ذاك يكون بنفسه متعلقاً لليقين الشك فيجري فيه الاستصحاب فلا حاجة إلى الالتزام بالأصل المثبت، وحجيته موضع اتفاق، ومثاله ما لو علمنا بوجود الكر في البيت ولم نشخص موضعه وشككنا في ارتفاعه، فمقتضى الاستصحاب هو بقاء الكر، فحصنا بعد ذلك فوجدنا كمية من الماء نحتمل أنها هي الكر ولم نجد غيرها، فبمقتضى الملازمة العادية أن الكر المستصحب هو هذا الماء إلا أن تطبيق الكر المستصحب على الموجود خارجاً ليس مما يقتضيه حكم الشارع، وإنما اقتضته الملازمة العادية أو العقلية ـ بحكم عدم عثورنا على غيره ـ فتطبيق أحكام الكر على هذا الماء إنما هو بالأصل المثبت، أي بتوسط تطبيق الكر عليه الذي اقتضته الواسطة غير الشرعية، ومن المعلوم هنا أن هذا الماء الذي يراد إثبات الكرية له غير معلوم الكرية سابقاً، وإنما المعلوم هو وجود الكر في البيت، وليست الملازمة بينه وبين الكرية إلا من حيث البقاء، إذ لازم بقاء الكر في البيت هو ثبوت الكرية للموجود. وقد اختلفوا في حجيته، فالذي عليه الكثير من قدامى الأصوليين هو ثبوت الحجية له بادعاء تناول أدلة الاستصحاب لمثله.
والذي عليه محققو المتأخرين عدم الحجية لوضوح افتقاده لبعض الأركان التي انتزعناها من أدلة الحجية ـ فيما مضى ـ وهو وجود اليقين السابق والشك اللاحق، ومن البين هنا أنه لا يقين بكرية هذا الموجود سابقاً لتستصحب، وإنما اليقين بوجود الكر. ومع فقد اليقين السابق لا مجال لترتيب آثار الاستصحاب لفقده ركناً من أركانه وهو اليقين.
وتقريب آخر لعدم الحجية أن الذي استفدناه من أدلة الاستصحاب أن من أركانه التي اعتبرها الشارع وحدة المتعلق لليقين والشك ليصدق النهي عن نقض اليقين بالشك، إذ مع اختلاف المتعلق لا معنى لأن ينقض اليقين بالشك، ومتعلق اليقين الذي بأيدينا هو وجود الكر سابقاً لا كرية الموجود لفرض جهالة حالته السابقة، والمشكوك الذي نريد معرفة حكمه هو الكر الموجود لا وجود أصل الكر لعدم الثمرة الشرعية بالنسبة لمعرفته لنا فعلاً، فمتعلق الشك إذن غير متعلق اليقين ومع عدم وحدة المتعلق في الشك واليقين ـ موضع احتياجنا ـ لا مجال للاستصحاب لفقده ركناً من أركانه أيضاً.
فسواء فقد الأصل المثبت ذلك الركن أم هذا، لا مجال للقول بحجيته.
وأهم ما أورد في هذا المجال أن ما يقتضيه قياس المساواة هو القول بالحجية.
بتقريب أن الواسطة العرفية أو العقلية من آثار الواسطة وأثر الأثر أثر، فالدليل الدال على اعتبار المشكوك متيقناً إذا شمل الأول فقد شمل آثاره المترتبة عليه طبعاً. وقد أجيب على هذا الإيراد أن هذه الكلية أعني ـ أن أثر الأثر أثر ـ وإن كانت مسلمة عقلاً، إلا أنها في خصوص ما إذا كانت الآثار كلها من سنخ واحد، كما في الحكم بنجاسة الملاقي ونجاسة ملاقي الملاقي حيث إن هذه الآثار جميعاً من الآثار الشرعية المجعولة من قبله، لأن لازم نجاسة الشيء شرعاً نجاسة ملاقيه، ولازم نجاسة ملاقيه نجاسة ملاقي ملاقيه، فالدليل الدال على نجاسة الشيء دال على ترتب هذه الآثار عليه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللوازم العقلية، أما إذا اختلفت الآثار فكان بعضها عقلياً والآخر شرعياً، فالقاعدة غير مسلمة لبداهة أن اثر الشرعي المجعول على شيء لا يكون أثراً شرعياً للوازمه العقلية أو العادية فمن ضرب شخصاً خلف سترة فقدّه نصفين، ثم شك بأن هذا الشخص هل كان حياً عندما ضربه أي أن الموت استند إلى الضرب أو إلى غيره، فاستصحاب حياته إلى حين الضرب لا يكشف عن أن الموت كان مستنداً إلى ضربته، فلا يترتب عليه آثار القتل الشرعية في هذا الحال لوضوح أن الاستناد وعدمه ليسا من آثار حكم الشارع ببقائه حياً، وإنما هو من آثار حياته الواقعية وهي غير محرزة هنا.
ثم إن الاستصحاب لما لم يكن من نسخ الأمارات الكاشفة عن الواقع وأخدنا به إنما هو من قبيل التعبد المحض، فإن علينا أن نتقيد في حدود ما عبدنا به الشارع مما يرجع جعله إليه، أي أن نثبت به خصوص الآثار الشرعية التي عبدنا بها، ولا نتجاوزها إلى غير آثاره من لوازم إثبات الحكم أو الموضوع العادية أو العقلية لاحتياج هذا النوع من التجاوز إلى الدليل.
وحتى الأمارات على رأي بعض أساتذتنا لا تثبت لوازمها العقلية أو العادية، إلا إذا ثبت التخويل الشرعي لها بذلك أي ثبت عموم التعبد بها لهذا النوع من اللوازم، والأخبار والإقرارات وما يشبهها من الأمارات، إنما التزم بإثبات لوازمها على اختلافها لثبوت البناء العقلاني بذلك، وثبوت إمضاء الشارع له على ما يملكه ذلك البناء من سعة وشمول.
فدليل الاستصحاب ـ حتى مع فرض أماريته ـ غير ناظر إلى ترتيب لوازم المتيقن العادية أو العقلية أصلاً ليتمسك به على الإطلاق والشمول.
2 ـ استصحاب الكلي: ولاستصحاب الكلي صور أهمها ثلاث:
أولاها: ما إذا وجد الكلي في ضمن فرد معين، ثم شك في ارتفاعه كما لو وجد الإنسان ضمن شخص في الدار، وشك في خروج ذلك الشخص منها، فاستصحاب بقائه فيها، يوجب ترتيب جميع الآثار الشرعية على ذلك البقاء ـ أعني بقاء الكلي ـ لو كانت هناك آثار شرعية له، ومثل هذا الاستصحاب لا شبهة فيه.
ثانيتها: ما إذا فرض وجود الكلي في ضمن فرد مردد بين شخصين، علم ببقاء أحدهما على تقدير وجوده وارتفاع الآخر كذلك، كما لو فرض وجوده ضمن فرد وشك في كونه محمداً أو علياً، مع العلم بأنه لو كان محمداً لكان معلوم الخروج عن الدار، ولو كان علياً لكان معلوم البقاء.
والاستصحاب في هذا القسم يجري وتترتب جميع آثاره للعلم بوجود الكلي والشك في ارتفاعه، فأركان الاستصحاب فيه متوفرة.
نعم لو كان الأثر مترتباً على الفرد لا على الكلي لا يجري الاستصحاب لفقده بعض أركانه، وهو اليقين السابق لأن كل فرد منهما بحكم تردده فير متيقن فلا يكون موضعاً لروايات هذا الباب.
ثالثتها: ما إذا علم بوجود الكلي ضمن فرد خاص وعلم بارتفاعه واحتمل وجود فرد آخر، له، كان مقارناً لارتفاعه ذلك الفرد أو مقارناً لوجوده.
والظاهر أن الاستصحاب لا يجري فيه لفقده أهم ركن من أركانه وهو اليقين السابق، لأن الكلي لا يمكن أن يوجد خارجاً إلا ضمن الفرد، فهو في الحقيقة غير موجود منه إلا الحصة الخاصة المتمثلة في هذا الفرد أو ذاك «فالعلم بوجود فرد معين، يوجب العلم بحدوث الكلي بنحو الانحصار ـ أي يوجب العلم بوجود الكلي المتخصص بخصوصية هذا الفرد، وأما وجود الكلي المتخصص بخصوصية فرد آخر فلم يكن معلوماً لنا، فما هو المعلوم لنا قد ارتفع يقيناً، وما هو محتمل للبقاء لم يكن معلوماً لنا، فلا يكون الشك متعلقاً ببقاء ما تعلق به اليقين فلا يجري فيه الاستصحاب» «وبما ذكرناه من البيان ظهر الفرق بين القسم الثاني والقسم الثالث، فإن اليقين في القسم الثالث قد تعلق بوجود الكلي المتخصص بخصوصية معينة، وقد ارتفع هذا الوجود يقيناً وما هو محتمل للبقاء، فهو وجود الكلي المتخصص بخصوصية أخرى الذي لم يكن لنا علم به فيختلف متعلق اليقين والشك، وهذا بخلاف القسم الثاني، فإن المعلوم فيه هو وجود الكلي المردد بين الخصوصيتين فيحتمل بقاء هذا الوجود بعينه، فيكون متعلق اليقين والشك واحداً، فلا مانع ن جريان الاستصحاب فيه»([23]).
وهناك مسائل أخرى يتضح الحديث فيها مما فرعوه على الاستصحاب من القواعد، يقول خلاف: وعلى الاستصحاب بنيت المبادىء الشرعية الكلية الآتية:
أ ـ الأصل في الأشياء الإباحة([24]): وهذا الكلام إن أريد به ظاهره من أن الأشياء قبل ورود الشرع بها محكومة بالإباحة كما هو ظاهر مذهب جماعة من المعتزلة فيما حكاه الغزالي عنهم([25])، فهو أجنبي عن الاستصحاب لأن كلام هؤلاء ناظر فيما يبدو إلى أن الإباحة حكم واقعي لها قبل جعل الأحكام، والاستحصاب حكم ظاهري مجعول عند الشك، على أن المبني في نفسه غير سليم، وقد ناقشه الغزالي بقوله: «المباح يستدعي مبيحاً كما يستدعي العلم والذكر ذاكراً وعالماً، والمبيح هو الله تعالى إذا خير بين الفعل والترك بخطابه، فإذا لم يكن خطاب لم يكن تخيير فلم تكن إباحة»([26]).
وجواب الغزالي هذا، مبني على أن الجعل الشرعي متحد الرتبة مع خطاب الشارع، أو أنه مجعول بالخطاب، أما إذا قلنا إن الخطاب مبرز للجعل الشرعي، والجعل الكثير، فإن جوابه لا يتم.
والجواب على هذا المبنى: أن أحكام الشارع لما كانت وليدة مصالح ومفاسد في المتعلقات غالباً وهو ما تكاد تتفق عليه كلمة المسلمين على اختلاف في المبنى ـ ولما كانت المتعلقة مختلفة، من حيث التوفر على المصالح والمفاسد فأحكامها حتماً مختلفة، فالقول بجعل الإباحة لها بقول مطلق، لا يستند على أساس.
وإن أريد بها الحكم الظاهري، أي إن الأشياء محكومة بالإباحة ظاهراً عند الشك في حكمها الواقعي، فهي وإن كانت صحيحة لقول أبي عبدالله (ع) كما في موثقة مسعدة بن صدقة، قال: سمعته يقول: كل شيء هو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته، ولعله سرقة أو المملوك يكون عندك، ولعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك ولعلها أختك أو رضيعتك، والأشياء كلها على هذا حتى تستبين أو تقدم به البينة»([27])، بناء على عموم الاستدلال بها للشبهات الحكمية أو لغيرها من الأدلة وربما دل عليها كل ما يدل على البراءة الشرعية.
ولكن بناء هذه القاعدة على الاستصحاب لا معنى له، لتوفر أدلتها الاجتهادية، بالإضافة إلى عدم انطباقها عليه لفقدها ركناً من أركان الاستصحاب، وهو اليقين السابق بالإباحة، إذ لم يفرض فيها ليستصحب.
نعم، يمكن أن يكون المراد بها أن الأصل في الأشياء الإباحة، إذا كانت معلومة سابقاً، وشك في ارتفاعها فتكون من صغريات قاعدة الاستصحاب.
ولكن هذا التوجيه غير مراد قطعاً لهم لعدم أخذهم فيه هذا الشرط (إذا كانت معلومة الإباحة سابقاً)، على أنه لا خصوصية للإباحة لجواز أن يقال الأصل في الأشياء الحظر إذا كانت محظورة سابقاً، والأصل فيها الوجوب إذا كانت واجبة، وهكذا.
ب ـ «الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يطرأ ما يغيره»([28]): وهذه القاعدة إن كانت ناظرة إلى مقام الثبوت والوقع، فهي صحيحة في بعض مصاديقها، لأن الذي يبقى عند وجوده ما لم يطرأ عليه ما يغيره ما كان فيه مقتضى البقاء، أما ما ليس فيه استعداد البقاء فلا يحتاج في انتفائه إلى المغير، بل إلى أن القاعدة تكون أجنبية عن الاستصحاب، لأن الاستصحاب غير ناظر إلى مقام الثبوت، بل ناظر إلى مقام الإثبات في مرحلته الظهرية.
وإن أريد بها النظر إلى مقام الإثبات، فالاستصحاب لا يثبتها لما قربناه سابقاً من عدم أماريته.
نعم، إذا غيرت القاعدة إلى ابتناء هذه القاعدة على بطر وما يغيره، كانت موافقة لمؤدى الاستصحاب كما نهضت به أدلته السابقة.
ولعل قولهم:
ج ـ «ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه»([29]): أقرب إلى الاستصحاب من التعبير السابق وبخاصة إذا استظهرنا من قولهم: يحكم ببقائه هو الحكم به عند الشك لا واقعاً.
د ـ «ما ثبت باليقين لا يزول بالشك»([30]): وهذه القاعدة إذا أريد بها مدلولها اللغوي كانت أجنبية عن مفاد الاستصحاب لأن مفاده ـ كما مر بيانه ـ ما ثبت باليقين لا يزال بالشك، أي مطلوب اعتباره ثابتاً، لبداهة أن اليقين والشك لا يسريان إلى الواقع فيغيرانه عما هو عليه ليصح مثل هذا التعبير. والظاهر أن مرادهم هو ما يراد من معنى الاستصحاب في حدود ما مر.
هـ «الأصل في الإنسان البراءة»([31]): وابتناء هذه القاعدة على الاستصحاب موقوف على العلم السابق بخلو الذمة والشك اللاحق، وليس مثل هذا العلم متوفراً دائماً، وسيأتي أن هذه قاعدة مستقلة ولها أدلتها الخاصة وليست مبنية على الاستصحاب ككل، لجواز فرضها في صورة توارد التكليفين على الإنسان مع شكه في السابق واللاحق منهما، كما لو علم بصدور حدث وطهارة وجهل أسبقهما، فاستصحاب الحالة السابقة عليهما لا يجري للعلم بانتقاضها بأحدهما، واستصحاب كل منهما لا يجري أيضاً إما لعدم اتصال زمان الشك بزمان اليقين ـ كما ذهب إلى ذلك بعض أساتذتنا ـ وهو من أركان الاستصحاب لاحتمال تخلل اليقين بالانتقاض باليقين بالنسبة إلى كل منهما، فلا يتصل شكه بيقينه زماناً، وأما لجريانهما والحكم بتساقطهما للتعارض فابتناء هذه الصورة من القاعدة على الاستصحاب ليس له وجه.
أما بقية الصور ـ وهي التي يعلم فيها ببراءة الذمة سابقاً ـ ويشك بارتفاعها ـ فهي مختلفة أيضاً لأن الحالة السابقة المعلومة إن أريد بها العدم السابق على تأهل المكلف لورود التكاليف عليه كانت حجيتها مبنية على صحة الاستصحاب في العدم الأزلي.
العدم الأزلي
وحجيته موضع خلاف بين الأعلام وبخاصة المتأخرين منهم، فالذي عليه شيخنا النائيني: أن الاستصحاب لا يجري لكونه من الأصول المثبتة باعتبار أن العدم المعلوم لدى المستصحب عدم محمولي، والذي يراد إثباته عدم نعتي، وثبوت أحدهما لا يثبت الآخر إلا بتوسط لازم عقلي، فالبراءة المعلومة هي البراءة الثابتة قبل تأهل المكلف ـ من باب السالبة بانتفاء الموضوع ـ والبراءة التي يراد إثباتها هي البراءة بعد تأهله، وإحداهما غير الأخرى فلا يجري الاستصحاب.
ولكن الشيخ آغا ضياء العراقي ـ وكان من أعلام الأصوليين في النجف ـ يرى ـ فيما يحكى عنه ـ إمكان جريان الاستصحاب في العدم الأزلي لاعتقاده عدم التمايز في الأعدام، فالعدم المحمولي هو ـ في واقعه ـ عين العدم النعتي وليس غيره ليكون جريانه من قبيل الأصل المثبت.
والذي يقتضي أن يقال: إن المسألة تختلف باختلاف الاستفادة من الأدلة، فإن استفيد اعتبار الاتصاف بالعدم في متعلق الحكم أو موضوعه، فاستصحاب العدم ـ بمفاد كان التامة ـ أي العدم الحمولي لا يثبته لأن الاتصاف من الأمور الوجودية الموقوفة على وجود موضوعها، وإن لم يستفد من الأدلة اعتبار الاتصاف واستفيد تركب المستصعب من جزأين هما ـ في مقامنا ـ المكلف وخلو الذمة، فاستصحاب خلو الذمة ـ بمفاد كان التامة ـ يثبت الموضوع لأن زيداً مثلاً مكلف بالوجدان، والذمة غير مشغولة بالأصل.
هذا كله إذا أريد من العدم العدم الثابت قبل التأهل للمكلف ـ أي في أيام طفولته وقبل اتصافه بالتمييز ـ أما إذا أريد بالعدم العدم الثابت له قبل البلوغ وبعد تأهله للتكليف بالتمييز، فالاستصحاب لا يجري بناء على استفادة أن البلوغ من مقومات الموضوع عرفاً للعلم بتبدل الموضوع، ومع العلم بتبدل الموضوع لا يجري الاستصحاب لفقده ركناً من أركانه.
نعم، من لا يرى البلوغ مقوماً لموضوع التكليف عرفاً، لا مانع من جريان الاستصحاب بالنسبة إليه.
والنتيجة أن بناء هذه القاعدة على الاستصحاب، لا يصدق إلا في بعض الصور على بعض المباني، فلا تصلح أن تكون قاعدة عامة مرتكزة في جملة ركائزها على الاستصحاب.
و ـ «استصحاب النص إلى أن يرد النسخ»([32]): وقد عد المحدث الأسترآبادي هذا النوع من الاستصحاب من الضروريات ويرد الإشكال مفصلاً فيه في مبحث «شرع من قبلنا» والحقيقة أنا لسنا في حاجة إلى هذا الأصل لإثبات استمرار الشريعة، وحسبنا من الأدلة اللفظية أمثال ما ورد من قوله (ع): «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة» ما يثبت الاستمرار.
على أن بعض الأساتذة ذهب إلى أن أصالة عدم النسخ ليس مبناها الاستصحاب ليستشكل فيه بل هي أصل قائم بذاته، ومستنده الإجماع أو الضرورة التي ادعاها المحدث الأسترآبادي.
وما سبق أن قلناه عن أصالة عدم النسخ نقوله عن:
استصحاب الأحكام الكلية: إذا كان منشأ الشك فيها هو احتمال طرو الرافع عليها أي طرو النسخ عليها، لأن الشبهة التي ذكرناها هناك من الشك في سعة المجعول وضيقه، أي دوران الأمر بين مقطوع الارتفاع ومقطوع البقاء، جارية بنفسها هنا فلا حاجة لتكرار الحديث فيها.
خلاصة البحث
والخلاصة أن المقياس في جريان الاستصحاب وعدمه هو توفر الأركان السبعة السابقة، فإن توفرت جرى الاستصحاب، وإن فقد بعضها لا يجري لعدم توفر الدليل عليه.
محمد تقي الحكيم
استقصاء الاعتبار في تحرير معاني الأخبار
قال السيد محسن الأمين:
إن أصحابنا لم يفتهم التعرض لشرح كتب الأخبار والبحث عن جميع فنونها كما فعل سائر علماء الإسلام في شرح صحاحهم وكتب أخبارهم. وصنف أصحابنا في ذلك ما لا يحصى كثرة كما يظهر من مراجعة كتب الرجال والتراجم، فعلقوا الشروح والحواشي العديدة المطولة والمختصرة على كتب الأخبار. إلا أنهم على كثرة ما صنفوا في فن الأخبار وجالوا في هذا المضمار لا يوجد لهم كتاب وافٍ بالبحث عن أسانيد جميع الأخبار وشرح متونها وتفسير غريبها وإيضاح مجملها وبيان ما يستفاد منها من الأحكام والجمع بين متعارضاتها وجميع ما يتعلق بها مع حسن تبويب وترتيب، بحيث يكون جامعاً لجميع ما يتعلق بالأحكام الشرعية.
فإن ما صنف لأصحابنا في شرح الأخبار إما أنه لا يوجد منه إلا الاسم أو ناقص التصنيف أو خاص ببعض كتب الأخبار أو غير ذلك. والكل مشتركة في عدم الوفاء بالمطلوب. ولقد ذكر العلامة الحلي (الحسن بن يوسف بن المطهر) عند تعداد مصنفاته أنه له كتاب (استقصاء الاعتبار في تحرير معاني الأخبار)، قال: ذكرنا فيه كل حديث وصل إلينا وبحثنا في كل حديث عن صحة السند وإبطاله وكون متنه محكماً أو متشابهاً وما اشتمل عليه المتن من المباحث الأصولية والأدبية وما يستنبط من المتن من الأحكام الشرعية وغيرها، وهوكتاب لم يعمل مثله «انتهى».
فهو رحمه الله كان قد قصد عمل كتاب على الصفة التي وصفناها. إلا أن هذا الكتاب لا يوجد له في زماننا عين ولا أثر، وإن كان قد نقل عنه المحقق القمي في حواشي قوانينه فلعله مما أتلفته أيدي الزمان.
ويغلب على الظن أنه كان قد شرع فيه على الوجه الذي رامه وعاقه عن إكماله الحدثان. فهو أول من خطر له هذا الخاطر الذي خطر لنا فيما علمناه، ولا نعلم أحداً صنف في الأخبار أو قصد التصنيف على الوجه الذي نرومه سواه([33]).
وذكر أيضاً أن له كتاب مصابيح الأنوار، قال: ذكرنا فيه كل أحاديث علمائنا وجعلنا كل حديث يتعلق بفن في بابه ورتبنا كل فن على أبواب ابتدأنا فيها بما روي عن علي (ع) وكذلك إلى آخر الأئمة(عليهم السلام). وكتاب الدر والمرجان في الأحاديث الصحاح والحسان.
ولم نقف لهما أيضاً على عين ولا أثر. وأظن أنه لم يبرز منهما كأخيهما السابق إلا اليسير.
استنبول
ـ 1 ـ
أو «الاستانة» أو «اسلامبول» أو «دار السعادة» أو «فروق» أو «القسطنطينية» أو «بيرنطة».
أصل الاسم
يقول المطران بولس الخوري: إن أصل كلمة استنبول هو: اس. تين. بولن. ومعناه باليونانية (إلى المدينة). وأن اليونانيين أطلقوا عليها هذا الاسم لأنها محط أنظارهم.
على أن هناك من يرى غير هذا الرأي، ويقول: إن كلمة استنبول أطلقت على المدينة بعد فتحها من قبل الأتراك وأنهم هم الذين أسموها أولاً: (إسلام بول) ثم حُرِّف الاسم([34]).
تقع على رأس مثلث تحيط أضلاعه ببحر مرمرة والبسفور والقرن الذهبي. وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: «بيرا» أو «بك أوغلي»، و«استانبول» في أوروبا و«اسكودار» على الساحل الآسيوي. وتبعد عن البحر الأسود بـ 27 ميلاً. ويناهز عدد نفوسها المليونين يدين ثلاثة أرباعهم بالإسلام، وفيها أكثر من خمسمائة مسجد وجامع.
كانت عاصمة الدولة العثمانية، ومنذ قيام هذه الدولة توالت محاولات ملوكها الاستيلاء عليها فحاصرها، عثمان الأول ومراد الأول وبايزيد ومراد الثاني، وتم الاستيلاء على المناطق المحيطة بها وأرغم الامبراطور البيزنطي على دفع جزية سنوية للسلطان. وفي العام 857هـ (1453م) نجح محمد الثاني في الاستيلاء عليها بعد حصار دام 53 يوماً، فلقب بالفاتح وعرفت المدينة باسم استانبول. وظلت عاصمة للدولة العثمانية حتى قيام الجمهورية التركية العام 1923م وانتقال العاصمة إلى أنقرة.
وفي عهد السلطان سليم أصبحت استنبول عاصمة الخلافة الإسلامية الجديدة. ويبدو أن السلاطين الخلفاء أرادوا أن يسبغوا على المدينة حلة قدسية تجعلها موضع تطلع المسلمين فجمعوا فيها ما أسموه الآثار النبوية.
فقالوا إن فيها: بردة النبي وسيفه وقوسه وعلمه ومفاتيح الكعبة وأقدم نسخة من القرآن وغير ذلك.
كما قالوا إن فيها سيوف بعض الصحابة.
هذا فضلاً عن قبر الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري الذي يسمونه هناك (سلطان أيوب). والآثار النبوية المدعاة موجودة في قصر (توب كابي) وهو قصر شيده محمد الفاتح العام 1458م ليصبح مقراً للسلاطين فوضعت فيه هذه الآثار.
وهذا المكان هو اليوم مقصد السائحين من كل مكان. وقد كتب على باب المدخل باللغات التركية والفرنسية والألمانية والإنكليزية ما يلي: «لهذا الجناح أهمية دينية بالنسبة للمسلمين منذ قرون طويلة مضت، وكل الآثار، المعروضة فيه آثار مقدسة. من أجل هذا نرجوكم أن تمروا في هدوء، وأن تراعوا الهدوء أيضاً في حديثكم، كما نرجو أن تكون تصرفاتكم لائقة بحرمة وكرامة هذا المكان».
وجناح الآثار في القصر بناه السلطان بين عامي 1474 و1478م.
وفضلاً عن الآثار المتقدم ذكرها فإن في نفس المكان أيضاً ما يقال إنه الرسالة التي بعث بها النبي (ص) إلى المقوقس ملك الأقباط سنة 627م، داعياً إياه إلى الإسلام. وقد عثر عليها عالم الآثار الفرنسي بارتلمي Parthlmy أثناء رحلته إلى مصر العام 1850م، وكانت الرسالة ـ فيما يقال مكتوبة على جلد الحيوان وملصقة على غلاف إنجيل قبطي قديم. وقد حملها العالم الفرنسي معه إلى استنبول وسلمها للسلطان عبد المجيد الذي أمر بحفظها داخل إطار من الذهب، وحفظ الإطار والرسالة داخل صندوق من الذهب.
ويضيفون إلى ذكر الآثار النبوية الموجودة هناك، ذكر شعرة من لحية النبّي (ص) وختمه وقطعة من سنه وأثر لقدمه اليمنى.
وعد أثر قدم النبي (ص) التي يقولون إن أحد قواد الجيش التركي أحضرها للسلطان عبد المجيد العام 1847م، فإنهم يقولون إن الآثار النبوية الأخرى إنما وصلت إلى استنبول عندما تولى السلطان سليم الخلافة وأن شريف مكة بعثها إليه اعترافاً بخلافته.

استنبول
بزوغ القسطنطينية وغروبها
لم تكن القسطنطينية مدينة أو عاصمة عادية… بل كانت محط أنظار العالم في الشرق والغرب وموضع الحسد والطمع.
ولا يعرف التاريخ مثيلاً لما كان يروى عن غناها والحياة فيها… والمآسي التي انتهت بالقضاء عليها: مآسٍ سياسية، وفاجعات غرامية وخلافات دينية، وانتقام وانقلابات، وحياة القصور الفاجرة المستهترة وغناها الفاحش الذي تضطرب له العقول… ألم يذكر المؤرخون أن بيزنطة كانت تملك وحدها ثلثي ثروة العالم أجمع؟…
ثم موقعها الجغرافي الذي ليس له مثيل بين عواصم الدنيا.
وتقول أساطيرهم إن هذا الموقع ليس من اختيار الإنسان، بل من اختيار الآلهة فقد قيل إنها ظهرت للامبراطور وعينت له المكان الذي يجب عليه أن ينشىء فيه عاصمة امبراطوريته القادمة.
ولم يكن الامبراطور قسطنطين هو الذي اختار هذا الموقع لإنشاء عاصمته عليه، بل كانت المدينة قائمة قبله بعشرة قرون…
وتعرضت المدينة خلال ألف عام تقريباً لعدد من الهجمات، كان أهمها الهجوم الذي شنه عليها فيليب المقدوني في عام 340 قبل الميلاد ولكنه فشل.
وبعد ذلك بأكثر من ستة قرون، أي في عام 323 بعد الميلاد حاصرها الامبراطور قسطنطين واحتلها.
وبعد ذلك بسبعة أعوام نقل قسطنطين عاصمته من روما إلى بيزنطية، وأطلق عليها اسمه، فأصبحت تعرف بالقسطنطينية… ومن هنا يبدأ تاريخها… فقد قرر الامبراطور تجميلها ومد حدودها وتوسيعها… واستباح تحف وآثار وأموال الاسكندرية وأنطاكية وأثينا وروما ليصل إلى غرضه.
ثم أخذ يعمل على المحافظة على المدينة من الهجمات الخارجية فأنشأ حولها سوراً على طول بحر مرمرة يحميها من الغزوات الأرضية.
ولكن تاريخ الامبراطورية البيزنطية لا يبدأ على وجه التحقيق إلا في عام 395 بعد الميلاد عندما قرر الامبراطور تيودوسيوس الأكبر تقسيم الامبراطورية الرومانية الواسعة بين ولديه هورنوريوس وأركاديوس فمنح الأول الامبراطورية الغربية بزعامة روما، ومنح الثاني الامبراطورية الشرقية التي كانت تتبع القسطنطينية.
وكانت الامبراطورية شاسعة تضم شواطىء البحر الأسود في الشرق والجنوب والغرب، وشبه جزيرة البلقان واليونان والأرخبيل حتى نهر الدانوب في أوروبا… ثم آسيا الصغرى وسوريا وجميع المستعمرات الواقعة على شواطىء البحر الأحمر، ثم مصر… أي إنها كانت تضم النصف الشرقي من حوض البحر المتوسط مع البحر الأسود والبحر الأحمر…
وكان طبيعياً أن تزدهر التجارة بين القسطنطينية والشرق… وكانت السفن المصرية والعربية والإيرانية تؤلف قوافل، وهي تسير إلى مينائها العظيم محملة بجميع ما تنتجه بلادها لتستبدله بما هي في حاجة إليه من مواد تفتقر إليها…
وكانت القوافل تسير في هذا الطريق وهي مطمئنة، فقد كانت بيزنطية تسيطر تماماً على هذا الجزء من البحر المتوسط الذي يصل بين العالمين الغربي والشرقي وتستطيع إغلاقه متى شاءت.
وهكذا كان طبيعياً أن تثير الحسد والحقد في نفوس العالم أجمع… وكان طبيعياً أن تتعرض للهجمات من جميع النواحي.
وقد تعرضت في خلال تاريخها لهجمات الروس والبلقان والعرب والأتراك وغيرهم.
فقد حاصرتها روسيا أربع مرات… وحاصرها العرب مرتين خلال القرن السابع عندما اندفعوا إلى احتلال العالم الغربي حتى وصلوا إلى إسبانيا وفرنسا…
وقد فشلت جميع هذه الهجمات حتى بدأ الفساد يتطرق إلى الامبراطورية عندما دبت فيها الانقسامات الداخلية والحروب الأهلية والدينية وخاصة في منتصف القرن الحادي عشر عندما وقع فيها الخلاف الكبير، وأدى إلى انقسام الكنيسة بين الأرثوذكسية والكاثوليكية… أو الشرقية والغربية، وقد أدى هذا إلى سقوط المدينة في أيدي الصليبيين في عام 1203م الذين نهبوها وهدموها. ولكن أصحابها استعادوها منهم بعد حوالي 60 عاماً. وأعادوا بناءها وتحصينها، واستطاعوا الصمود خلال الحروب التي نشبت بينهم وبين جنوا وفينيسيا.
ولكن في هذه الفترة الطويلة كانت هناك دولة أخرى قد بدأت تكبر وتشتد وتحتل كل ما يحيط بها من أراض وأملاك ومدن ودول… وكانت هذه الدولة هي تركيا التي تمكنت من احتلال الامبراطورية البيزنطية كلها، ما عدا عاصمتها، القسطنطينية التي كانت تحتل مساحة لا تزيد عن 13 ميلاً…
وبدأ الامبراطور قسطنطين الحادي عشر آخر امبراطور يجلس على عرش بيزنطة، يشعر بالخطر الذي يحيط بعاصمة ملكه المتداعي، فعرض على السلطان محمد الثاني أن يدفع له فدية، ولكن السلطان رفض…
ولم يكن للسلطان محمد الثاني أية خبرة عسكرية أو حربية خاصة… فقد كان لا يزال يافعاً في الواحدة والعشرين من عمره، ولكنه كان يتمتع بشخصية قوية وعزيمة لا تعرف التردد، وثقافة تامة… وفوق ذلك فقد أقسم عندما اعتلى عرش أبيه، أن يقوض أركان الامبراطورية البيزنطية وأن يزيلها من الوجود…
وبدأ السلطان محمد استعداداته بصبر ودقة وأناة… يشرف بنفسه على كل صغيرة وكبيرة… وكانت أول خطوة في استعداداته أن أقام قلعة تجاه القسطنطينية ليستطيع جيشه أن يوجه منها قذائفه إلى أسوار المدينة وإلى داخلها وأقام قلاعاً أخرى على طول الساحل لتحول دون وصول النجدة إلى المدينة المحاصرة عن طريق البحر…
وفي شهر أبريل من عام 1453م، بدأ الأتراك حصارهم للعاصمة البيزنطية. وفي 29 مايو التالي سقطت المدينة في أيديهم. وبسقوطها انهارت الامبراطورية البيزنطية.
ويتفق المؤرخون على أن سقوط القسطنطينية يعتبر بداية التاريخ الحديث… ويعتقد عدد كبير منهم أنه أيضاً بداية عصر النهضة…
نشوء القسطنطينية
وعن نشوء القسطنطينية يتحدث الأستاذ محمد عبدالله عنان قائلاً([35]*):
كانت قسطنطينية منذ قيامها تجذب أنظار العالم القديم، ليس فقط لأنها حلت مكان روما كعاصمة للامبراطورية الرومانية العظيمة ولكن لأنها غدت في نحو قرن من الزمان تضارع روما أو تفوقها في جمال خططها، وعظمة صروحها، واتساع رقعتها، ووفرة ثرائها، وترف مجتمعها، وبينما كانت روما (ملكة الأمم) تتحدر منذ القرن الخامس الميلادي في ظل القبائل البربرية ببطء إلى غمرة الوحشة والنسيان وتفقد روعتها القديمة تباعاً، إذا بمنافستها الجديدة قسطنطينية، تزدهر سراعاً.
ولقيام هذه الحاضرة العظيمة قصة، تتخذ أحياناً سمة التاريخ، ويغمرها أحياناً لون الأسطورة وقد قامت عند إنشائها فوق مواقع قاعدة أقدم منها ببضعة قرون هي بيزنطة، التي يختلط اسمها ويطلق في أحيان كثيرة على قسطنطينية ذاتها، وتغلب صفتها على مرحلة كبيرة من تاريخ الدولة الرومانية الشرقية، ومن ثم فإنه يجب قبل أن نأتي على قصة إنشاء قسطنطينية أن نتحدث عن قصة إنشاء بيزنطة.
قصة إنشاء بيزنطة
ومنشأ بيزنطة أكثر غموضاً وأشد امتزاجاً بالأسطورة. وقد كانت بيزنطة على أي حال ثغراً من ثغور العالم القديم، يشغل موقعه نتوء المثلث الكبير، الذي تشغله قسطنطينية اليوم، والذي يقع في بداية مضيق البسفور من الضفة الأوروبية، وعلى باب القرن الذهبي، ويشغل هذا النتوء بدوره التل الشرقي الأول من التلال السبعة التي تقوم عليها قسطنطينية.
ويرجع قيام هذا الثغر القديم على أرجح الأقوال إلى سنة 657 قبل الميلاد حيث نزلت في موقعه جماعة من المستعمرين بزعامة بحار يدعى بيزاس واستقرت به، وسميت المستعمرة الجديدة بيزنطة نسبة إلى مؤسسها بيزاس ولم تلبث أن نمت وازدهرت ولم تكن كبيرة الرقعة فإن أسوارها لم تجاوز جنوباً وغرباً موقع الهيدروم «وفورم تيودسيوس» ولكنها كانت تمتاز بجمال الموضع وحصانته، وميناؤها يتسع لرسو أكبر السفن. وكانت بموقعها الفذ في مدخل البحر الأسود (بحر مانطس أو بونطس) تشرف على تجارة هذا البحر القديم، وكان خليجها الطويل الممتد شمالاً يعرف «بالقرن الذهبي» لوفرة أسماكه وجودتها، ولأنه كان مثوى السفن المحملة بمختلف السلع والذخائر من مختلف الآفاق([36]).
ولبثت بيزنطة مدى حين تتنازع سيادتها الجمهوريات اليونانية أثينة وإسبارطة ولوسيد يمونية، وتتبادلها آناً بعد آخر، ثم استولت عليها مقدونية أيام الاسكندر الأكبر في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد.
ولما توفي الاسكندر استطاعت بيزنطة أن تسترد استقلالها، ثم رأت أن تعقد حلفاً مع روما ولكن روما ما لبثت أن بسطت سلطانها عليها وجعلتها في عداد مستعمراتها.
وفي سنة 196ق.م. استولى عليها الامبراطور سفيروس وقتل زعماءها وهدمها وقوض أسوارها، لأنها كانت قد انضمت إلى خصومه خلال الحرب الأهلية التي نشبت بينه وبين منافسه بسنيوس نيجر حاكم سوريا([37]).
وفي عهد الامبراطور كلوديوس الثاني (268 ـ 270م) استطاع أهل بيزنطة أن يدفعوا عنها غزو الغوط وفي خلال الحرب التي نشبت عقب حكم الامبراطور ديو كليشيان، بين قسطنطين الكبير وخصومه لجأ ليكلينوس أحد أولئك الخصوم إلى بيزنطة، فحاصره قسطنطين حتى أرغم على التسليم وذلك في سنة 324م وخلصت له بذلك امبراطورية الشرق والغرب معاً.
وكان الامبراطور ديو كليشيان (284 ـ 305م) قد فكر «إزاء تكرر هجمات البربر، على أراضي الامبراطورية الشرقية، أن ينقل عاصمة الامبراطورية من روما إلى نيكوميديا (نيقوبيدية) الواقعة في ولاية بتتيا على شاطىء مرمرة الآسيوي، وأقام فيها بالفعل حيناً ولكن شاء القدر أن يكون خلفه قسطنطين هو منفذ هذا المشروع، وأن يكون تنفيذه على نحو آخر. وكان قسطنطين، قد اقتنع مثل سلفه الأسبق بأن روما، لم تعد تصلح قاعدة للامبراطورية، وأن بواعث الملك والسلامة تدعو إلى اختيار قاعدة أخرى، تكون أكفل بالسهر على سلامة الامبراطورية ورعاية مصالحها، وكان يرى أن تكون هذه القاعدة على مشارف آسيا وأوروبا حتى يستطيع مدافعة القبائل البربرية التي تسكن حوض الدانوب، ولكي يرقب من جهة أخرى حركات الفرس عن كثب. ويقال إنه تردد حيناً في الاختيار بين بيزنطة، وبين خلقدونة، وهي التي تحتل الموقع المقابل على الشاطىء الآسيوي. ولكن قسطنطين كان قد أدرك بنفسه خلال صراعه مع خصمة ليكلينوس ما كان عليه موقع بيزنطة من الجمال والمناعة الطبيعية، والمزايا البحرية والتجارية وانتهى إلى اختيار هذا الموقع الفريد ليقيم عليه حاضرة الامبراطورية الجديدة.
المؤرخ جيبون يصف كيف صنع قسطنطين لاختيار بيزنطة عاصمته
وإليك كيف يصور لنا المؤرخ الفيلسوف جيبون بأسلوبه الشعري كيف نفذ قسطنطين مشروعه العظيم «إن فكرة اجتماع الجمال والسلامة والثراء في بقعة واحدة كانت كافية لتبرير اختيار قسطنطين، بيد أنه لما كان قد افترض في كل عصر مزيج معقول من الروعة والخرافة، لكي يسبغ الجلال اللائق على نشأة المدن العظيمة، فقد رأى الامبراطور أن ينسب قراره إلى مشيئة الحكمة الإلهية المعصومة الخالدة بأكثر مما ينسب إلى نصائح السياسة البشرية المتعثرة. وقد حرص في أحد قوانينه على أن ينبىء الخلف بأنه قد وضع خطط قسطنطينية الخالدة إطاعة لأوامر الله. ومع أنه لم يشأ أن يقص علينا كيف نزل الوحي الإلهي، فإن صمته المتواضع قد زودته براعة الكتاب المتأخرين، الذين يصفون الحلم الليلي الذي طرق خيال قسطنطين حينما أدركه النوم داخل أسوار بيزنطة. فقد رأى أن العبقرية الحامية للمدينة وقد بدت في شكل عجوز وقورة، هدمتها السنون والأوصاب قد انقلبت فجأة إلى عذراء مزدهرة، أخذت يداه تزينها بكل ما هنالك من رموز العظمة الامبراطورية. ثم استيقظ الملك وفسر الحلم بنبوءة سعيدة، وأطاع إرادة السماء دون تردد»([38]).
وهكذا احتفل بوضع خطط العاصمة الرومانية الجديدة (سنة 328م)، وتقول لنا الرواية إن قسطنطين كان يتقدم بنفسه موكب المحتفلين سائراً على قدميه، وفي يده رمح يرسم به حدود المدينة الجديدة ومواقع أسوارها، ولما لاحظ مرافقوه في دهشة أنه تجاوز في تخطيطه أبعد ما يمكن أن تقتضي رقعة مدينة عظيمة، أجاب أنه سوف يسير حتى يرى «هو» ذلك المرشد الخفي الذي يسير أمامه يقرر الوقوف.
قسطنطين يخطط لعاصمته القسطنطينية فوق بيزنطة القديمة
اختطت العاصمة الجديدة فوق موقع بيزنطة القديمة ولكن رقعتها كانت تفوق رقعة بيزنطة القديمة بكثير، وكانت في بدايتها تبلغ نحو أربعة أميال طولاً، ويختلف عرضها بين ميل من شاطىء البسفور إلى أربعة أميال من شاطىء مرمرة إلى القرن الذهبي. وكانت تشغل خمسة تلال من التلال السبعة التي شغلتها قسطنطينية فيما بعد، يبدأ أولها من المرتفع الذي ينتهي بموقع القصر الملكي وكنيسة القديسة إيرين وكنيسة آيا صوفيا، وينتهي الخامس إلى نحو منتصف المدينة الحالية.
وكانت أسوار مدينة قسطنطينية تبدأ على الأرجح من نقطة بجوار القنطرة الداخلية على القرن الذهبي وتنتهي إلى شاطىء مرمرة على مقربة من باب بسماتيا، وتمر في الوسط بالقرب من الموقع الذي يشغله اليوم مسجد الفاتح. وأما الأسوار التي كانت تحيط ببيزنطة من جهة الشاطىء فقد أبقيت كما كانت وأصلحت وحصنت.
ولم يبق اليوم بقسطنطينية من آثار عصر قسطنطين، صروح احتفظت بأصولها القديمة سوى كنيسة القديسة إيرين الواقعة في المدينة على مقربة من البحر وعمود الحية القائم في ميدان الهيبدروم، وهو العمود الذي أحضره قسطنطين من معبد دلفي فيما أحضر من الآثار اليونانية القديمة، وكان مثلث الرأس وقد حطمت رؤوسه الثلاثة فيما بعد، ولكنه بقي في مكانه القديم.
القسطنطينية تفتح عاصمة للامبراطورية الرومانية
وبذل قسطنطين جهدا عظيماً في عاصمته الجديدة وتجميلها، وحمل إليها كثيراً من آثار روما وأثينة وصقلية وأنطاكية وغيرها. وفي اليوم الحادي عشر في مايو سنة 330م افتتحت المدينة الجديدة بصفة رسمية عاصمة للامبراطورية الرومانية، وسميت (روما الجديدة) لكي يسبغ عليها الجلال السياسي المنشود وسميت في نفس الوقت قسطنطينية تخليداً لاسم مؤسسها وكذلك استمر اسم بيزنطة القديم يطلق عليها وتوج الامبراطور قسطنطين في ميدان الهيبدروم «وهو الذي غدا فيما بعد قلب المدينة ومركز حياتها الرسمية والاجتماعية وما زال هذا الميدان الشهير قائماً إلى اليوم يذكرنا بما شهده من تعاقب الأحداث والدهور([39]).
قسطنطين يعتنق النصرانية ويعلنها ديناً للدولة الرومانية
وبدأ قسطنطين بإقامة الأسوار العظيمة حول عاصمته الجديدة، ولا سيما من جهة الغرب، ثم أكملها بعده ولده الامبراطور قسطنطيوس. وقد اشتهر قسطنطين بأنه أول قيصر روماني اعتنق النصرانية، وقد اعتنقها في سنة 312م، وشجع قسطنطين النصرانية، وأسبغ حمايته على النصارى، ولما انتقل إلى الشرق وأسس حاضرته الجديدة أعلن النصرانية ديناً رسمياً للدولة في سنة 334م.
وكان من آثار اهتمام قسطنطين بقضية النصرانية، وما أثار حول معالمها من الجدل والخلاف أن دعا في سنة 325م إلى عقد مجمع ديني في نيقية، على مقربة من نيقوميدية وهي المصيف الامبراطوري في الشرق، وشهده عدد كبير من الأساقفة منهم أريوس أسقف الاسكندرية، وصاحب المذهب الذي ينسب إليه أو «الأريوسية». وكان ملخص مذهب أريوس، أنه لا يوجد إلهان «الأب» و«الابن» وأن (الابن) إنما هو بشر مخلوق، وإن كان يمتاز عن باقي الخلق، وأن الابن ليس له خلود «الأب». وكان بعض أقطاب الكنيسة يرون في «الأريوسية» خروجاً على الدين، وهذا ما رآه بالفعل مؤتمر نيقية حيث قرر أن «الأب» و«الابن» يرجعان إلى نفس الجوهر، كما قرر كفر أريوس وحرمانه، وكان قسطنطين يعطف على أريوس وتعاليمه. ولكنه لم يستطع حمايته. ولما توفي أريوس في سنة 336م، ضعف مذهبه، وإن كان قد حظي بتأييد بعض خلفاء قسطنطين، ولم يأت أواخر القرن الرابع حتى انهارت «الأريوسية» وغمرها النسيان.
ومن أشهر ما يرتبط بسيرة الامبراطور قسطنطين وعصره، أن أمه «القديسة هيلانة» قد اكتشفت ـ حسبما تقول الرواية ـ، قبر السيد المسيح في بيت المقدس، وأنشأت فوقه الكنيسة الشهيرة التي عرفت فيما بعد بكنيسة القيامة أو كنيسة القبر المقدس، التي ما تزال قائمة إلى يومنا.
محمد عبد اللَّه عنان
بين الإسلام وبيزنطة
كانت الدولة البيزنطية والإسلام خلال قرون كثيرة على اتصال وثيق فيما يتعلق بتاريخها الخارجي والداخلي. وكان العرب منذ القرن السابع حتى منتصف القرن الحادي عشر يمثلون الإسلام، ومنذ منتصف القرن الحادي عشر حتى سقوط بيزنطة في سنة 1453م أصبح يمثله الأتراك: السلاجقة منهم أولاً ثم تلاهم العثمانيون.
وكان فتح القسطنطينية هدف السياسة العربية النهائي خلال النصف الأول من القرن الثامن بصورة أوضح. وفي سنة 717م اعتلت عرش بيزنطة الأسرة الأيسورية الفتية ووجد أول أباطرتها، وهو ليو الثالث نفسه في موقف من أخرج ما عرفته الدولة البيزنطية في تاريخها: ذلك أن جيوش العرب أوغلت في آسيا الصغرى ووصلت إلى أسوار العاصمة، بينما حاصرها في البحر أسطول عربي قوي. وفي سنة 718م، انتهت هذه المحاولة الجريئة بالفشل التام. وبعد تلك الهزيمة لم يعد العرب إلى مهاجمة المدينة، ولكن فكرة الاستيلاء على القسطنطينية بقيت ماثلة. ففي سنة 838م، كان الخليفة المعتصم بعد انتصاراته العسكرية في آسيا الصغرى، يحلم بالزحف على القسطنطينية.
وقبل ظهور الأتراك السلاجقة وتوطيد أقدامهم في آسيا الصغرى في القرن الحادي عشر (الخامس الهجري) كانت الحروب تكاد تكون دائمة متصلة بين البيزنطيين والعرب وتذكر المصادر العربية، في كل سنة تقريباً حملات حربية. ثم إن معارك سيف الدولة الحمداني مع البيزنطيين معروفة.
ويقول نورمان بينز صاحب كتاب (الامبراطورية البيزنطية) «ويبدو للمتأمل لأول وهلة أن مصالح هذين العدوين اللذين فرقت بينهما السياسة والدين لم يكن من الممكن أن تلتقي، إلا أن الأمر لم يكن في الواقع كذلك، فإن الأعمال الحربية لم تحل دون قيام العلاقات الثقافية. وقد حفلت هذه الفترة بسلسلة متتابعة من أعمال الحرب والسلم والتخريب والإنشاء والصداقة والعداوة. ولم يكن هناك حقد عنصري، إذ إن الامبراطور نقور الأول (802 ـ 811م) كان ـ كما تقول المصادر الشرقية ـ من أصل عربي([40]) وربما كان من أهل شمال العراق. وفي عهد ليو الثالث بني مسجد في القسطنطينية، ومن هنا وصف أحد أصحاب المدونات الإغريقية هذا الامبراطور بأنه كان ذا عقلية عربية. وكتب بطْرِيق القسطنطينية نيقولا بستكس في النصف الأول من القرن العاشر إلى أمير أقريطش يخاطبه بقوله: «إلى الأمير الأشهر الأشرف الأدنى إلى المحبة». ثم مضى يقول: «إن دولتي العرب والروم ظاهرتان على العالم كله، وهما تمتازان وتتألقان كالشمس والقمر في القبة الزرقاء. ولهذا وحده لا مندوحة لنا عن أن نعيش معاً كإخوة بالرغم من اختلافنا في الطبائع والعادات والدين».
إن الفترة التي تبتدىء منذ الحروب الصليبية إلى سقوط القسطنطينية في سنة 1453م، تختلف اختلافاً بيّناً عما قبلها فيما يختص بمدى العلاقة المتبادلة بين بيزنطة والإسلام. وقد توالت في تاريخ الشرق الأوسط ثلاثة أجناس احتلت المركز الأول في أموره السياسية واحداً بعد الآخر: ففي القرن الحادي عشر أسس السلاجقة الأتراك في آسيا الصغرى سلطنة الروم وعاصمتها قونية. وفي القرن الثالث عشر هزم المغول السلاجقة، وفي القرن الرابع عشر والخامس عشر أقام الأتراك العثمانيون سيادتهم حين غزوا آسيا الصغرى ومعظم شبه جزيرة البلقان ووضعوا أيديهم على القسطنطينية في سنة 1453م، وبذلك قرروا المصير السياسي لبقايا الامبراطورية البيزنطية.
وقد ظلت آسيا الصغرى على رغم الصراع الطويل الذي نشب بين الإسلام والنصرانية في ميادينها، مسيحية حتى بدأ السلاجقة تقدمهم فيها خلال القرن الحادي عشر. ولم يدخل السلاجقة الإسلام في هذه البلاد ـ التي فتحوها والتي غلب الإسلام فيما بعد على أهلها ـ إلا في القرن الحادي عشر. وقد تغير الموقف السياسي فلي آسيا الصغرى نتيجة لذلك تغيراً حاسماً. ففي سنة 1071م، سحق السلاجقة الجيش البيزنطي وأسروا الامبراطور رومانوس ديوجينيس في موقعة ملاذ كرد (منذيكرت) في أرمينية. ومن ذلك الحين صار الإسلام خطراً حقيقياً يهدد بيزنطة بعد أن أصبح لواؤه بأيدي السلاجقة دون العرب.
ولا معنى لأن نتصور ما كان من الممكن أن يحدث في الشرق الأوسط عند نهاية القرن الحادي عشر لو أن الصليبيين لم يظهروا في القسطنطينية ويفتحوا بذلك صفحة جديدة في تاريخ العالم.
لقد ظهرت في القرن الثامن مسألة الصراع العالمي بين العالم المسيحي الأوروبي كله والدولة الإسلامية القوية. وكان الشرق هو الذي يهدد الغرب في هذا الدور.
وعند نهاية القرن الحادي عشر تجدد هذا الصراع العالمي بين العالم المسيحي الأوروبي كله وبين العالم الإسلامي مرة أخرى بوضوح. وفي هذا الدور هدد الغرب الشرق. وبدأت بهذا فترة الحروب الصليبية، تلك الفترة الحافلة بالنتائج السياسية والاقتصادية والثقافية، والتي كانت خطراً داهماً على الامبراطورية البيزنطية وعظيمة الفائدة غرب أوروبا. وكان المسلمون في ذلك الحين تسودهم الفوضى والاضطراب. ويقول مؤرخ عربي معاصر (هو ابن القلانسي) في سنة 1097م 490هـ، «وفي هذه السنة كان مبدأ تواصل الأخبار بظهور عساكر الفرنج من بحر القسطنطينية في عالم لا يحصى عدده كثرة، وتتابعت الأنباء بذلك فقلق الناس لسماعها وانزعجوا لاشتهارها».
وكان موقف الامبراطورية البيزنطية شديد التعقيد في الحروب الصليبية التي كانت عملاً أوروبياً خالصاً، فلم تكن هناك فكرة عن أي حرب صليبية في بيزنطة. وكانت مسألة استعادة فلسطين خيالية إلى حد بعيد. ولم تكن حيوية بالنسبة للامبراطورية، إذ لم يكن هناك عداء ديني بينها وبين الإسلام، ولم يكن هناك خطباء يحرضون على القيام بالحروب الصليبية في بيزنطة. وقد أقحمت الامبراطورية الشرقية في غمرة الحروب الصليبية الأولى على رغمها، فقد كان هدف الامبراطورية هو الحصول على بعض المعونات في حربها مع الأتراك. ولم يكن لهذا الأمر علاقة بالحملة على فلسطين. وكانت السنوات التي سبقت الحرب الصليبية الثالثة هامة إذا نظرنا إليها من ناحية موقف بيزنطة حيال الحركة الصليبية. ففي اللحظة التي بدأت فيها الحرب الصليبية فتح الامبراطور إسحاق أنجيلوس باب المفاوضات مع صلاح الدين، وعقد معه محالفة ضد سلطان السلاجقة في قونية.
لقد دفعت بيزنطة ثمناً غالياً لاضطرارها إلى الاشتراك على رغمها في الحملات التي سارت لحرب الإسلام. ففي سنة 1204م، استولى الصليبيون على القسطنطينية ونهبوها وأسسوا امبراطورية لاتينية. وحين استعاد آل باليولوجوس القسطنطينية في سنة 1267م، كانوا أضعف من أن يقوموا بأي محاولة خطيرة لاستعادة ما فقدوه مما أخذه الأتراك السلاجقة.
وقد رأينا أن الفترة من تاريخ الدولة البيزنطية من سنة 1261 ـ 1453م، إنما كانت فترة صراع سياسي مستيئس، فقد كانت الامبراطورية في الواقع تحتضر احتضاراً طويلاً في أثناء صراع بقاياها مع الإسلام، ولم يكن صراع ند لند، وكان يحمل لواءه هذه المرة الأتراك العثمانيون([41]).
الرحالة العرب في القسطنطينية
أول رحالة عربي وصف القسطنطينية هو هارون بن يحيى ـ فيما نعلم ـ فقد زار القسطنطينية أما في زمان الامبراطور باسيل الأول (867 ـ 886م)، أو في زمن الاسكندر (912 ـ 913م)، ولم يكن سائحاً ولا تاجراً وإنما كان أسيراً وقع في أيدي البيزنطيين في مكان ما في آسيا الصغرى، وأتي به عن طريق البحر إلى العاصمة، فوصف ما رآه بعينيه من أبواب المدينة والهيدروم والقصر الامبراطوري واستلفت نظره الأرغن الذي سمعه هناك، ووصف كذلك موكب الامبراطور إلى كنيسة آيا صوفيا وتمثال جستنيان وقناطر المياه وبعض الأديرة القائمة حول القسطنطينية وغيرها من الأشياء. وفي طريقه من القسطنطينية إلى روما زار مدينة أخرى هامة في الامبراطورية وهي سالونيك «تسالونيكا». ويعطينا وصف هارون بن يحيى مادة شيقة جداً لطبوغرافية القسطنطينية ولبعض احتفالات البلاط والاحتفالات الدينية.
وقد زار القسطنطينية في القرن العاشر مسلم آخر هو المسعودي، الجغرافي والمؤرخ المشهور الذي أنفق معظم حياته في الرحلات. ولما كان متلهفاً على رؤية عاصمة «ملوك الروم النصارى»([42])، فقد زار المدينة أثناء عهد الأسرة المقدونية الباهر، وترك وصفاً موجزاً لها، ويقول: «ولم تزل الحكمة باقية عالية زمن اليونانيين وبرهة من مملكة الروم تعظم العلماء وتشرف الحكماء».
ثم زارها بعد ذلك أربعة من الرحالة العرب وتركوا لنا أوصافاً للمدينة: زارها منهم اثنان في أثناء حكم أسرة (كومنين) الباهر في القرن الثاني عشر. ويعطينا أحدهما وهو أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروي في كتابه (الإشارات إلى معرفة الزيارات) وصفاً موجزاً لأهم آثار العاصمة، وهو يخص بالذكر بعض الآثار الإسلامية، فيقول إنه كان يقوم «في جانب سورها قبر أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله (ص)، وبها الجامع الذي بناه مسلمة، وبه قبر رجل من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)». ويقول في نهاية وصفه للقسطنطينية: «وهذه المدينة أكبر من اسمها، نسأل الله تعالى أن يجعلها دار إسلام بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى».
وقد استجيب دعاؤه سنة 1453م.
أما الثاني وهو الإدريسي الجغرافي المشهور([43]). فقد زار القسطنطينية في القرن الثاني عشر. ووفد عليها في زمن آل (باليوس لوجوس) اثنان من الرحلة العرب ووصفاها؟ أولهما المؤرخ الجغرافي أبو الفداء، وقد زارها في بداية القرن الرابع عشر وشاهد آثار اضمحلال العاصمة، وقال: «وداخل سورها مزارع وبساتين وبالمدينة خراب كثير».
وثانيهما هو الرحالة المغربي ابن بطوطة الذي ولد في طنجه. وزار القسطنطينية في النصف الأول من القرن الرابع عشر، وخلف لنا وصفاً ممتعاً يفيض حيوية. يقول: إن قافلته عندما وصلت أول بوابة للقصر الامبراطوري وجد رجالها عندها حوالي مائة رجل «سمعتهم يقولون: سراكنو! سراكنو! ومعناه المسلمون» ونزل ضيفاً على الامبراطور. ويقول ابن بطوطة: «دخلت سوق الكتاب فرآني القاضي فبعث لي أحد أعوانه، فسأل الرومي الذي معي فقال له: إنه من طلبة المسلمين. فلما عاد إليه وأخبره بذلك بعث إلي أحد أصحابه، وهم يسمون القاضي النجشي كفالي، فقال لي: النجشي كفالي يدعوك، فصعدت إليه إلى القبة التي تقدم ذكرها، فرأيت شيخاً حسن الوجه واللمة عليه لباس الرهبان، وهو الملف الأسود، وبين يديه نحو عشرة من الكتاب يكتبون، فقام إلي وقام أصحابه وقال: أنت ضيف الملك ويجب علينا إكرامك، وسألني عن بيت المقدس والشام ومصر، وأطال الكلام وكثر عليه الازدحام، وقال لي: لا بد لك أن تأتي إلى داري فأضيفك، فانصرفت عنه ولم ألقه بعد».
نمو شعور العداء
على أنه لا بد من القول إنه عندما اشتد خطر الأتراك العثمانيين نما شعور العداء للمسلمين عند أهل القسطنطينية. ويقول مؤرخ بيزنطي من مؤرخي القرن الرابع عشر إنه بينما كانت الصلاة تجري ذات مرة في الكنيسة الامبراطورية، غضب الناس عندما رأوا أتراكاً عثمانيين، ممن سمح لهم بدخول العاصمة، يرقصون ويغنون على مقربة من القصر «يرددون في أصوات غير مفهومة أغاني محمد وتراتيله فصرفوا الناس بهذا عن الكتب المقدسة».
وعلى الرغم من ذلك كانت غالبية الشعب في عشية الكارثة القاضية تنفر من أي اتفاق مع كنيسة روما الكاثوليكية أكثر من نفورها من الإسلام. ولا زال الناس يرددون تلك المقالة المأثورة، التي صدرت عن رئيس ديني بيزنطي يدعى لوكاس توراس في ذلك الحين، وهي: إنه لخير لنا أن نرى العمامة التركية في مدينتنا من أن نرى فيها تاج البابوية».
كيف قضى الترك على الامبراطورية البيزنطية
ونترك هنا الكلام للأستاذ محمد جميل بيهم:
على أنقاض مدينة بيزنطة القديمة أقام قسطنطين الكبير أحد أباطرة الرومان مدينة سميت قسطنطينية نسبة له (330م) ولأسباب دينية وسياسية اتخذها عاصمة له، وكان ذلك ممهداً إلى انقسام الامبراطورية الرومانية إلى دولتين عقب موت أحد خلفائه تيودوس (395م) فالتي عاصمتها قسطنطينية دعيت شرقية، والتي قاعدتها روما، دعيت غربية.
ولما كان اليونان هم عصبية الامبراطورية الشرقية فقد صبغوها بصبغتهم منذ القرن الرابع، ثم تغلبوا على عرشها بعد أسرة يوستنيانس، فعرفت بالامبراطورية البيزنطية.
وبينما كانت هذه الامبراطورية آخذة بالتجدد والنشاط بما بثه فيها اليونان من الحياة الجديدة كانت امبراطورية روما تتلاشى تدريجياً بالأمراض الاجتماعية وبتأثير توالي غزوات الغوط وغيرهم من البرابرة.
فحباً في الاختصار نجعل تقسيم البحث عن عهد البيزنطيين حسب توالي الأسر المالكة بدل الكلام عن كل من الأباطرة على حدة.
1 ـ أسرة تيودوس وآل تراقبة 395 ـ 518م: إن كافة الذين خلفوا تيودوس ما عدا مرسين (450 ـ 457م) لم يكونوا أكفياء، ومع ذلك فقد نجح البيزنطيون بدفع كل من الهون البرابرة، والفرس، رغم اشتباك الكنيسة الشرقية بمشاحنات مزعجة على أنه ولئن أفضى الاضطراب المذهبي إلى إلقاء مقاليد السلطة الدينية إلى الأباطرة، ولكن ذلك لم ينه الخلاف بل زاد الهيجان شدة حتى أدى في عهد أنسطاس إلى التقاطع مع البابوية، هذا ولما انقرضت أسرة تيودوس، كادت الدولة تتلاشى بسبب الثورات العسكرية والاختلافات على العرش ولا سيما أن الذين خلفوهم على الملك كانوا غالباً من أسر دنية لم ينالوا ارتياح الشعب وإنما تغلُّب أسرة يوستنيانس كان منقذاً لها.
2 ـ أسرة يوستنيانس 518 ـ 610م: خلف جستان الأول يوستنيانس الشهير، وفضلاً عن تعهد هذا الشريعة الرومانية بالإصلاح العظيم، وعدا عنايته بارتقاء الصناعة البيزنطية، طمع بإعادة عهد العظمة الرومانية سياسياً. فاندفع كالبحر الزاخر، حتى قضى على مملكة الواندل بإفريقية 534م، وعلى دولة أوستروغوط، في إيطاليا وحتى استولى رغم الفيزيفوط، على الجانب الجنوبي الشرقي في إسبانية. غير أن مساعيه الهجومية أضعفت قوته الدفاعية تجاه فارس، كما أن السلاف، والهون والبلغار ثابروا على غزو مملكته في أيامه وفي عهد خلفائه أفرغوا خزينتها، فأدى ذلك إلى سقوط هذه الأسرة عن العرش حين أساء الامبراطور موريس إلى الجند.
3 ـ أسرة هرقل 12ق.هـ.- 99هـ/ 610م ـ 717م: لقد لاشى هرقل في انتصاراته على الآفار، Avares وفارس التأثير السيىء الذي حاق في الامبراطورية بعد يوستنيانس بسبب الانشقاق الداخلي، ولكن ظهور العرب وقتئذ محق عظمته: فإنهم في أثناء انهماك خلفه بالمشاحنات الدينية استولوا على فلسطين، وسورية، والموصل، ومصر وقبرص ورودس، ولولا قيام الأسرة الأيزورية Isauriene وقتئذ لفازوا في امتلاك قسطنطينية نفسها.
4 ـ أسرة الأيزوريين 99هـ 263هـ./ 717م ـ 867م: لقد استطاع الامبراطوران الأولان من هذه الأسرة أن يدفعا العرب عن قسطنطينية وطرف آسيا، كما أوقفا تيار البلغار ولكنهما لم يقتدرا على دفع الإسلام عن اعتقادهم.
ذلك أن البيزنطيين أعجبوا ببساطة التقاليد الإسلامية وقتئذ فدعا بعضهم قومه إلى رفع التماثيل والصور من الكنائس أسوة بالمساجد، وعلى أثر ذلك شبت ثورات داخلية دموية، ولما كان الأباطرة فيها ما بين موافق ومخالف كان يشتد الخلاف بتعاقبهم حتى إذا ما تولت تيودورا وأعادت الصور والتماثيل 228هـ 842م، سكنت تلك الثورات المخربة. سكنت ولكن بعد أن أثرت تأثيرها، وعدا إعادة كل من العرب والبلغار الكرة على قسطنطينية 783م و813م، فقد أضاع البيزنطيون في أثناء ذلك حق حمايتهم البابوية.
5 ـ أسرة المكدونيين 263ـ 449هـ./ 876ـ 1057م: إذا ذكرت هذه الأسرة فإنما يذكر معها مجد البيزنطيين الذي عززه كفاءة أكثر المالكين منها، فإن الظروف كما ساعدتهم إزاء الدولة العباسية فاستردوا بسبب تقاطع أجزائها ما ملكته منهم حتى بلغوا الفرات ودجلة، فقد ساعدتهم أيضاً تجاه الأمم الغربية ففازوا فيها عدا جنوب إيطاليا، بكل من البلغار والمجر والروس، ونشروا دينهم مع سيادتهم السياسية ولكن إذا ذكرت هذه الأسرة يذكر أيضاً معها انشقاق الكنيسة الأرثوذكسية الشديد الذي وقع في عهدها.
6 ـ أسرة كومنانس 473 ـ 601هـ. 1080 ـ 1204م: ليس في التاريخ السياسي خطر على الأمم مثل التنازع على التاج فقد خلف أسرة المكدونيين السابقة تنازع من هذا القبيل فقضى على كل إصلاح أتته، وأودى بالهيبة التي كانت للامبراطورية حتى تهجم عليها فضلاً عن نورمان صقلية، وعدا الصرب، سلاجقة الترك فبلغوا البوسفور.
على أن استتباب الأمر لأسرة كومنانس أنقذ الامبراطورية مدة قرن ولكن لما عاد البيزنطيون بعده إلى تزاحمهم على العرش أضاعوا في هذه المرة الملك وخلفهم عليه اللاتين.
وذلك أنه لما بلغ بدوين دوفلاندر البندقية في حملته الصليبية: وكان الكسي كومنانس قد تغلب على عرش قسطنطينية قسراً وخلع أخاه الامبراطور إسحاق لانج، التجأ هذا إلى بدوين، فما رده خائباً بل تحول بحملته معه إلى قسطنطينية وأرجع إليه التاج المغصوب.
وكان الحظ يخدم بدوين، فلما مات بعد قليل ذلك الامبراطور البيزنطي أتى به جنده ومواليهم امبراطوراً على قسطنطينية.
وهكذا قام على أنقاض امبراطرية الرومان الشرقية دولة لاتينية تولى على عرشها سبعة ملوك في مدة 57 عاماً، غير أنه لم تستتب لهم الراحة لما اتصل في ملكهم من الاضطرابات الداخلية فضلاً عن الحروب الخارجية ولا سيما مع المملكة الأفلاقية البلغارية.
وفي أثناء الاضطرابات التي أصابت دولة بدوين دوفلاندر في قسطنطينية التي اغتصبت الملك من الامبراطورية البيزنطية، انتعش اليونان وشرعوا يعملون بنشاط لاستقلالهم فأنشؤوا أولاً دويلات في كل من طرابزون وأزنيق وفي الأبيروس، ثم توفق أحدهم ميخائيل من آل باليولوج في استعادة عرش قسطنطينية سنة 660هـ 1261م، فعادت بذلك حياة تلك الامبراطورية.
7 ـ أسرة باليولوج 660- 857هـ/1261 ـ 1453م: إن ميخائيل باليولوج، لئن تمكن من إرجاع الامبراطورية البيزنطية إلى عاصمتها فإنه لم يستطع أن يستعيد من أملاكها إلا جزءاً يسيراً، ومع ذلك فإنه لم يقو على نفوذه في هذا الجزء وملاشاة تدخل الجنويين إلا بعد أن منح بك أوغلي للبندقيين مكافأة لمعاضدتهم له على أولئك، فكان كالمستجير من الرمضاء بالنار.
ولما تأكد بأن الامبراطورية بحاجة قصوى لنصير أعظم لدفع الخطر الإسلامي حاول أن يضم الكنيسة الأرثوذكسية إلى اللاتينية اكتساباً لمعونة هذه الأمة والحبر الأعظم. ولكن عبثاً حاول طيلة حياته، فثار بوجهه الشعب، ولذلك كان أول أعمال ابن أندرونيك الثاني الذي خلفه سنة 681هـ 1282م، قطع العلاقة مع البابوية وكل مداولة بهذا الشأن.
ويرى القارىء كيف أنه لما أذن الله بقيام الترك على انقاض البيزنطيين يسر لهم الأسباب فانحلت امبراطورية هؤلاء، ثم عادت ضعيفة تحوم فوقها مطامع الغربيين من لاتين، وجنويين وبندقيين، فضلاً عن أمراضها الداخلية.
وكان من أهم تلك الاسباب تمكن التباغض بين الروم واللاتين حتى لم يستطع العاملون لضم الكنيستين، إنقاذاً للعالم الأرثوذكسي من الإسلام، أن يحققوا أمنيتهم.
تمكن هذا التباغض في أثناء الحروب الصليبية بسبب عرقلة البيزنطيين مساعي الصليبيين لما أتاه الغربيون من الهمجية في اجتيازهم بلاد الامبراطورية ولما حسب البيزنطيون من الخطر في انتصار الكاثوليك، ثم تأكد التباغض لما أجراه اللاتين في ديار البيزنطيين، من الشدة والعسف حينا أنشؤوا فيها دولتهم، ولذلك صار أتباع الكنيسة الشرقية يفضلون حكم المسلمين على اتباع البابا، وهؤلاء يشمتون بما يصيب الأرثوذكس من المصائب.
وفي تلك الأثناء كانت قد انحلت دولة سلاجقة قونية، وقام على أنقاضها إحدى عشرة حكومة، إحداهن تركيا، ورثن طمع السلاجقة في عاصمة البيزنطيين.
ولدفع تلك الدويلات استخدم الامبراطور أندرونيك المتطوعة المسماة كتلان فكان شرها وبيلاً على مملكته، إذ ثارت بعد وحاصرت العاصمة خمس سنوات، ولم تتحول عنها إلى امتلاك دوقية أثينا إلا بعد أن ضعفت الدولة. وازداد الارتباك بسبب المخاصمات الدينية فالحروب الداخلية، حتى آلَ الأمر لتدخل البلغار في شؤونها فرفعوا أندرونيك الثالث مكان جده إلى العرش سنة 1328م.
ولما لم ينجح هذا بمسعاه في ضم الكنيستين، لم يرَ بداً من مسالمة جيرانه الترك فعقد المعاهدات مع كل من أميري أيدين (1330م) وصاروخان (1333م) فضلاً عن السلطان أورخان العثماني.
وكان موته باسطاً نفوذ الترك، ولا سيما العثمانيين، على دولته بسبب طمع كانتا كوزان الوصي على ابنه حنا الخامس بالعرش والتجاء الاثنين إلى هؤلاء، ثم لما مات كانتا كوزان خلفه ابنه في مخاصمة حنا المذكور، فكان ذلك مُطْمِعاً دوشان ملك الصرب بقسطنطينية، كما كان زحف هذا الملك عليها مثبتاً نفوذ العثمانيين لاستنجاد امبراطورها بهم.
على أن دوشان، ولئن قضى نحبه قبل أن يبلغ عاصمة البيزنطيين، أورث فكرته أورخان وخلفاءه فاجتاز بكر السلطان سليمان باشا (758هـ 1357م) مضيق الدردنيل واحتل تزمب وغاليبولي وما جاورهما من المدن البيزنطية.
ثم اجتاز بعد ذلك السلطان مراد إلى تراقية، ولم يحاول حنا باليولوج مقاومته، وبعد أن دخل ديمتوقد، فتح أدرنة وما جاورها (1361م) واتخذها عاصمة لسلطنته.
وكان نزول العثمانيين شرقي أوروبا وبلوغهم حدود البلقان مرجف أعضاء الغرب ولا سيما الدول القريبة منهم، وأعظمها حينئذ الصرب فجاءت ضدهم، ولينصرف السلطان لحربها صالح البيزنطيين.
غير أن الامبراطور لم يطمئن للصلح فحسب بل انتبه للمستقبل المظلم ولا سيما حينما سمع بانتصارات العثمانيين المطردة، فسافر في هذه المرة بنفسه إلى الغرب واعترف بانضمام الكنيستين. ثم لما لم يجد مع كل تضحية أتاها سبيلاً لاستنفار اللاتين ضد الترك لم ير بداً من الارتماء بين أيدي هؤلاء، وعربوناً على خضوعه أرسل ابنه تيودور للخدمة في جيش السلطان.
ولما أفضى الملك إلى السلطان ييلديرم بايزيد ساعدته الظروف حتى صار المسيطر على الامبراطورية البيزنطية بسبب الخلاف بين الامبراطور حنا وولده أندرونيك وبلغ من نفوذه أنه تدخل في أن يرفع إلى العرش من يؤدي له منهما شروطاً وجزية خيراً من الثاني وبعد أن خلع حنا سجنه وتوج أندرونيك، عاد فأرجع الأول إلى عرش قسطنطينية وأقام الثاني حاكماً على سلانيك فأرضى الاثنين معاً، وإنما أرضى نفسه أكثر بما تقاضاه منهما فضلاً عن تقسيم تلك الدولة.
وبلغ حينئذ من ضعف البيزنطيين أنه لما امتنع حاكم مدينة الأشهر (فيلادلفيا) وهي المدينة الوحيدة التي بقيت لهم في طرف آسيا أن يسلم مفاتيحها للعثمانيين زحف الامبراطور حنا بنفسه مع ابنه وفتحها عنوة باسم السلطان.
وكأن ابنه عمانوئيل كان ينكر عليه هذا الذل، فلما صار الملك له (794هـ 1391م) حاول أن يتملص من النير التركي، ورفض نصب قاض للمسلمين في عاصمته.
إن عمانوئيل وإن لم يلق ناصراً في كل من إيطاليا وفرنسا وإنكلترا، رغماً عن سفره بنفسه إليها، فإن اشتباك ييلديرم بايزيد في حرب تيمورلنك، جعله يتحول عن حصار قسطنطينية بعد فتح أراغوس وسلانيك.
وكاد الزمن يصفو لعمانوئيل بأسر تيمورلنك خصمه بايزيد بل سمح له أن يمثل مع العثمانيين مثل الدور الذي مثلوه مع البيزنطيين. كذلك أنه لما حاول أبناء السلاطين العثمانيين جمع شتات دولتهم بعد الكارثة المغولية واختلفوا على التاج، وجد عمانوئيل مجالاً للتدخل بينهم فضلاً عن استرجاع بعض بلاده، ولا سيما سلانيك، وثغور في البحر الأسود.
ولكن أجل ذلك كان قصيراً. ولما تغلب مراد الثاني على الأمير مصطفى المزاحم له على السلطنة والمحالف لعمانوئيل هم بالاثئار( الأخذ بالثأر) من هذا الامبراطور فحاصر قسطنطينية (826هـ 1422م) وما كان يرجع عنها لولا ثورة شبت بالأناضول، ربما كان عمانوئيل من محركيها.
ولما مات عمانوئيل انقسمت المملكة فيما بين أولاده حسب وصيته، فقسطنطينية وما حولها لبكره حنا، والمورة وجانب من تساليا لقسطنطين وتوما، فالأول قصد مع البطريرك مجتمع فرار Ferare الديني. واعترف فيه بضم الكنيستين طلباً لنجدة الغرب (743هـ 1439م)، وأما الآخران فإنهما اقتنعا بمسالمة تركيا، على أن يؤديا لها الجزية.
على أن الأرثوذكس لم يقبلوا بما اعترف به الامبراطور حنا من الضم، كما أن الغرب لم يكن على استعداد لمساعدتهم، بعد أن أنهكته الحروب الصليبية ولذلك لم ير الامبراطور بداً من طلب الصلح، ولولا انصراف السلطان مراد الثاني لقتال كل من البطلين هونيلد المجري واسكندر بك الألباني لما فاته هذه المرة احتلال قسطنطينية.
بيد أن الأمور مرهونة بأوقاتها فبعد ثلاثة أعوام من تبوأ قسطنطين (12) سرير أخيه قسراً، صارت السلطنة العثمانية إلى محمد الثاني، وكان عاهلاً مفكراً جريئاً فعزم على أن يحقق أمنية طالما جالت في رؤوس قومه وغيرهم من الأمم، واستعداداً لذلك نصب على شاطىء تراقية قلعة ادخر فيها مدفعاً يقذف إلى بعد ألف ذراع قنابل تزن إحداها قنطاراً، فتمنع المراكب الأوروبية من اجتياز البوسفور لنجدة مدينة قسطنطين.
حيئنذ أدرك هذا الخطر، فألقى النداء الأخير مستغيثاً بالغرب، ولما لم يسمع لصوته صدى، ولا رأى لمحاولته أن يحقق فكرة انضمام الكنيستين جدوى ولا سبيلاً قام بالواجب عليه من الدفاع عن عاصمته خير قيام.
ولما أصبح الصباح وشاهد المدافعون عن مدينة قسطنطينية المراكب التركية وقد اخترقت الحصار البحري ودخلت بحيلة مدهشة إلى مرفأ المدينة جبراً بطريق البر أيقنوا بالفشل، إنما آثر الامبراطور الموت على التسليم، وبينما كان الجنويون الذين لبوا وحدهم استصراخه، يفرون كان هو يحض قومه على الدفاع مستبسلاً أمامهم إلى أن قتل ولم يعرف، (1453م) وتم الظفر للترك فخلفه على عرش قسطنطينية السلطان محمد الفاتح كما قامت منذ ذلك على أنقاض الامبراطورية البيزنطية السلطنة العثمانية وجاء تاريخ هذا الفتح (بلدة طيبة 857هـ).
محمد جميل بيهم
تفاصيل الفتح
كان السلطان محمد الفاتح سابع سلاطين السلالة العثمانية. ولما تولى الملك بعد أبيه بعهد منه عام 855هـ كان عمره تسع عشرة سنة وخمسة أشهر. كان من أعظم الملوك جهاداً وأقواهم إقداماً وأكثرهم توكلاً على الله. وامتاز بثقافة واسعة، فأولع بدراسة التاريخ والجغرافيا والرياضيات كما أتقن العربية والفارسية واليونانية واللاتينية.
وحين جلس على سرير الملك لم يكن في آسيا الصغرى خارج عن سلطاته إلا الأجزاء من بلاد القرمان، ومدينة سينوب (مدينة حصينة في شمال الأناضول)، ومملكة طرابزون الرومية (مدينة قديمة على البحر الأسود)، وصارت مملكة الروم الشرقية قاصرة على القسطنطينية وضواحيها. وكان إقليم موره (في جنوب اليونان) مقسماً بين البنادقة وإمارات صغيرة أخرى تحت حكم بعض أعيان الروم والإفرنج. أما بلاد البشناق (البوسنة) فكانت مستقلة فيما الصرب تابعة للدولة العثمانية وعقد السلطان العزم على فتح القسطنطينية.
كانت القسطنطينية من أعظم البلدن وأمنعها. تقع على ملتقى ثلاث طرق مائية يحيط بها البحر من كل جانب سوى الطرف الغربي المحصن بثلاثة أسوار، وكان يمتد في الشمال الغربي ميناء طويل مقوس هو القرن الذهبي الشهير، وإلى الجنوب الغربي يقع بحر مرمرة، وبين البحرين يجري بحر البوسفور. وكانت مبنية على سبعة تلال مما يؤمن لها حماية طبيعية من الجانب البري.
وكانت الأسوار البرية تمتد على مسافة ستة أميال فيما بلغ ارتفاع السور الداخلي من أربعين إلى سبعين قدماً وسمكه من اثني عشر إلى ستة وثلاثين قدماً من الحجارة الصلدة (الصلبة الملساء) وتدعمه أبراج عدة.
أما السور الخارجي فكان ذا أبراج لكنه أقل ارتفاعاً من الأول وبينهما رصيف عرضه خمسون قدماً يستطيع الجند التحشد عليه إذا نجح المهاجم في اقتحام السور الخارجي، وقد بنيت جدرانه بحجارة ملساء ناعمة وعمودية بشكل لا يسمح بتسلقها، وأضيفت فيه أنابيب ماء لغمره عند الضرورة. إلا أن هذه التحصينات لم تثن السلطان عن تكثيف استعداداته بانتظار ساعة الصفر وكان ذلك سنة 857هـ.
وأعطت اعتداءات البيزنطيين على بعض القرى التركية وطيش الامبراطور قسطنطين صاحب المدينة السلطان العثماني فرصة قطع العلاقات والتهيؤ للحرب. فأرسل قوات كبيرة بقيادة طورخان بيك لمهاجمة «الموره» ومشاغلة اليونانيين براً لمنعهم من مساعدة القسطنطينية، وبدأ حصاره للمدينة مستعيناً بجيش قوامه مئتان وخمسون ألف جندي من جهة البر، وبعمارة مؤلفة من مئة وثمانين سفينة من البحر. أما حول المدينة فاستعملت أربع عشرة بطارية وضع بها مدافع «أوربان» التي كانت تقذف كرات من الحجر زنة الواحدة منها اثنا عشر قنطاراً إلى مسافة ميل، وتنسب المدافع إلى اسم صانعها الهنغاري. وأدرك السلطان أن المدينة لا يتم الاستيلاء عليها إلا بهجوم مزدوج من البر والبحر، فحرب البر معروفة أما حرب البحر فمحفوفة بالمخاطر لا سيما أن خليج القرن الذهبي مسدود بسلسلة حديدية ضخمة تمنع السفن من المرور خلاله إلى ميناء المدينة وتحت حراسة البحارة البنادقة المعتادين على خوض معارك البحر.
لما رأى الامبراطور قسطنطين آخر ملوك الروم الاستعدادات العثمانية استنجد بأوروبا فلبّى طلبه أهل جنوه وأرسلوا له عمارة بحرية تحت إمرة جوستنياني الذي أتى بمراكبه واراد الدخول إلى ميناء المدينة فعارضته السفن العثمانية وصارت بينهما حرب هائلة في 11 ربيع الآخر انتهت بدخول جوستنياني الميناء بعد أن رفع المحصورون السلسلة الحديدية ثم أعيدت بعد مروره كما كانت. بعد حصار السلطان للقسطنطينية أسابيع عدة أخذ جنوده مواقعهم على طول مسافة الأسوار في البر من بحر مرمرة إلى ميناء القرن الذهبي، ثم نصبوا مدافعهم بمواجهة الأسوار وبدؤوا قصفها ودكوا الكثير منها، إلا أن أهالي المدينة سرعان ما أعادوا سد بعض الثغرات فيها، حينها لجأ السلطان إلى التكتيك الفريد الذي فاجأ المدينة وجندها وامبراطورها.
استهدفت مدافعه المنطقة المواجهة للبحر خصوصاً قرب السلسلة حيث سقطت مئة قذيفة في خدعة لجلب الانتباه، وعلى رغم الهلع الذي سببته اهتزازات الانفجارات لم يستطع أهل المدينة مقاومة الرغبة في اعتلاء الأسوار المنخفضة المطلة على الميناء لرؤية المفاجأة المرعبة الجديدة… فهناك على التل وراء منطقة «غلطه» شاهدوا سفناً تبحر على الأرض، عشرون بل ثلاثون أو أربعون سفينة، تسير ببطء وأشرعتها منتفخة قد انحدرت إلى مرفأ الخليج الذهبي لقد نجحت فكرة السلطان في ليلة واحدة، إذ نقل السفن من البر على ألواح من الخشب عبر «غلطه» وأنزلها في قسم من القرن الذهبي، من ميناء بشكطاش على الشاطىء الأوروبي لمضيق البوسفور إلى الشاطىء الشرقي لخليج القرن الذهبي وهي مسافة تبلغ ثمانية كيلومترات في أرض غير مستوية، وقد رصفت الطريق بالخشب الذي طُلي بشحم الأغنام والبقر، وسحبت السفن التي وضعت على عجلات مسرعة على الأرض فسحبت الثيران بعضها وسحب بعضها الآخر الجند المجهزون بالبكرات، ووضع قائدان في مقدم السفينة ومؤخرتها وفتحت الأشرعة للاستفادة من الرياح، وترافق ذلك مع صراخ الجنود وأناشيدهم.
إذاً، تمّ في ليلة واحدة نقل ثمانين سفينة ذات ثلاثين مجذافاً من البوسفور إلى خليج القرن الذهبي ودخلت مياهه. ومنذ تلك اللحظة بات أهل المدينة مرغمين على الدفاع عن كافة أضلاع مثلثهم عوض ضلعين فقط، ولم يكن في هذا الجزء سور حيث اعتبر البحر والمرفأ حماية كافية، وبذا زال خطر السلسلة الحديدية فما عادت السفن العثمانية مضطرة لتخطيها والاشتباك مع مراكب البنادقة، كما حوصرت المدينة من ناحية البحر.
ثم بُني الجسر التركي الجديد عبر ألف برميل ربطت سوية ووضع عليها الممر الخشبي الصلب، وعبر هذا الجسر بدأ الجنود بنقل المدافع الضخمة فصارت السفن الثمانون تفرغ حمولتها. وأصبح الروم مرغمين على التصدي للأتراك عبر أضعف نقاطهم الاستراتيجية إضافة إلى حماية الأميال الستة من الأسوار البرية القوية التي تعرّضت لتدمير مراراً وتكراراً من قبل جيش السلطان.
وفيما كان حصار القسطنطينية يقترب من ذروته، أراد المحاصَرون إنقاذ امبراطورهم فأعدوا سفينة للإقلاع به، ولما جاؤوا إليه وكان معهم جوستنياني اكتفى الامبراطور بهز رأسه بعد أن منعه الانفعال من النطق. وبدأ هجوم حاول فيه ثلاثون ألف تركي فتح ثغرة باقتحام الأسوار بسلالم التسلق فقاوم المحاصرون. ثم تكررت المحاولة مع خمسين ألف جندي عبر باب أدرنه ومُزجت الأساليب العسكرية القديمة مع ما كان يعتبر عصرياً في تلك الفترة، واستعملت المدافع مع المجانيق إضافة إلى دخول سلاح جديد عبارة عن برج ضخم من ثلاثة طوابق يسير بعجلات، كما تم اللجوء إلى مدفع ضخم استغرق صنعه ثلاثة أشهر ونقله إلى أرض المعركة شهرين، وكان يزن 13400 كيلوغرام، أما وزن القنبلة الواحدة فبلغ 270 كيلوغراماً. وبعد أن تكاملت الاحتياجات البرية والبحرية، نهض السلطان المجاهد بهمة وحزم في ظهر جمادى الأولى سنة 857هـ وحدد الهجوم النهائي والشامل في العشرين منه. وقبل هذا الموعد بليلة واحدة، أشعل الجنود العثمانيون الأنوار أمام خيامهم للاحتفال بالنصر القريب وراحوا يهللون ويكبّرون حتى إذا لاح الفجر صدرت إليهم الأوامر بالهجوم.
وفي داخل المدينة كان الامبراطور أحس بقرب المعركة بعد سماع أصوات خافتة طوال الليل خارج الأسوار تدل على تنقلات كبيرة. وفجأة علا ـ وفي وقت واحد متفق عليه ـ صوت واحد مخيف من جميع الطوق المحيط بالمدينة، وعلى أصوات الطبول وتكبير الجنود بدأ نصب سلالم التسلق بحماية وابل كثيف من النبال فيما صب جنود المدينة النار السائلة والقار المغلي على المهاجمين، لكن دوي الطبول التركية استمر وبقيت المدافع تهدر من السفن والجسر والبر وقد ارتفع الدخان بسحب كثيفة في أنحاء المدينة. واستطاع الأتراك الدخول عبر ثلمة في السور كانت بعرض ألف قدم، كما نجحوا في تسلق الأسوار التي صارت كوماً من الحجارة المفككة. وكان أول من اجتازها انكشاري اسمه حسن الألوباتي أعقبه ثلاثون من رفاقه الانكشارية ووصل إلى قمة السور، بعدها تدفق الجيش عبر الطريق الذي شقه حسن. وانحصر المدافعون بين السورين الخارجي والداخلي حيث كان الرجال يتساقطون الواحد تلو الآخر والسيوف تضرب بضراوة.
وبعد مقتل قسطنطين وهروب جوستنياني اختفت المقاومة داخل المدينة وضاع النظام واندفع الجيش التركي المنتصر في ثغرات السور وانضم إليه آخرون اقتحموا الأسوار من ناحية المرفأ. وبعد شروق الشمس مباشرة تبين للسلطان محمد الفاتح أنه توصل إلى هدفه، فدخل راكباً وأسرع إلى كنيستها «ايا صوفيا» فدخلها وأمر المؤذن فأذن لصلاة الظهر وصلى ودعا وحمد الله تعالى، وجعلها مسجداً جامعاً وعيّن له الأوقاف، ومن ثم زار قبر أبي أيوب الأنصاري المدفون في المدينة «إسلامبول» أو مدينة الإسلام، كما عُرفت بعدها بالاستانة ودار السعادة.
مضائق استنبول
ما إن استتبت الأحوال للعثمانيين حتى ذهبوا يحصنون أسوار القسطنطينية، بعدما أصابها من التلف والدمار، ويقيمون القلاع على سواحلهم الجديدة الممتدة من البوسفور إلى نهاية الدردنيل، وما زالت آثار تلك الأسوار والقلاع باقية إلى اليوم حول استنبول وسد البحر وجناق وخلد البحر والفنار بمدافعها النحاسية القديمة، كما وضعها الوزير الجندي كوبريلك، وقد أدت واجبها بجانب المدافع الساحلية، وتنتظر تأدية واجبها في أي وقت.
ومذ وطئت أقدام العثمانيين تلك البقاع أغلقوا منافذها عمن عداهم، وأصبحوا سادة المواقع، يفتحونها لمن شاؤوا ويغلقونها في وجه من شاؤوا.
ونهضت روسيا نهضتها المعروفة أيام بطرس الأكبر. الذي جعل شعاره هذه العبارة التاريخية «ينبغي إيجاد نوافذ لروسيا تستطيع بها التنفس». فطمحت نفسه إلى الاستيلاء على منفذ يطل على بحار العالم، بل اشتهت الأستانة ذاتها، وقد أطلق عليها الروس حينذاك زاريغراد (مدينة القيصر). وتوسل الروسيون بشتى الوسائل والدعاية لتبرير موقفهم، ألم تكن القسطنطينية مهد الكنيسة الأرثوذكسية، وروسيا حامية هذه الكنيسة وراعيتها، فلماذا لا تكون الأستانة روسية لكي تحمي رعايا هذا المذهب، وجامع آيا صوفيا كان في سالف ماضيه معقلاً أرثوذكسياً.
ونشبت الدسائس والحروب في القرن الثامن عشر بين الدولتين، إلا أن روسيا كانت تبوء بالخيبة، وظلت المضائق ثلاثة قرون لا تعكر مياهها سفن حربية أجنبية.
وتاريخ المضائق خلال القرن الثامن عشر حافل بشتى المعارك بين الدولتين، تركيا وروسيا. فقد تمسكت الملكة كاترين الثانية بشعار سلفها بطرس، وفي سبيل ذلك قامت بتعزيز سواحل القرم وأكرانيا وتشييد ميناء أودسا. كما استولت على القرم، ثم فتحت قواتها القوقاز وضمته إلى أراضيها في عام 1803م، بينما كانت الامبراطورية التركية تعاني أسباب الضعف وبداية الانهيار.
ولكن أنّى لروسيا والبحرية الإنكليزية واقفة لها بالمرصاد تعاونها بحرية فرنسا. فعمدت حكومة القيصر إلى إثارة دويلات البلقان، وهي في ظلال السيادة العثمانية، واستهلت عملها بأن أثارت الصربيين والبلغاريين والرومانيين واليونانيين للخروج عن طاعة السلطان.
ونحن إذا استعرضنا تاريخ تركيا خلال القرن التاسع عشر وجدناه نضالاً مستمراً بينها وبين الروس. لا تخلو أعوامه من المعارك والفتن والثورات، تلك المعاول القاسية التي كانت تهدم كيان الامبراطورية الآسيوية الأوروبية. ولعله من الصعوبة بمكان أن نتصور كيف استطاعت هذه الدولة طيلة تلك السنين مقاومة هذا العدو الجبار.
ففي عام 1806م تدفع روسيا بالصرب للثورة ضد العثمانيين، ويباد جيش تركي بأكمله، وعقب بضعة أعوام تحقق مأربها، ويعترف السلطان بإدخال الصرب في نطاق النفوذ الروسي. كما اعترفت إنجلترا وفرنسا بالقيصر الروسي حامياً للكنيسة الأرثوذكسية.
وفي خلال حرب الاستقلال اليونانية تنتهز روسيا الفرصة وتستولي على أدرنة، بل هددت جيوشها استنبول، فيوقع السلطان اتفاقية أدرنة التي أصبح لروسيا بمقتضاها الحق في عبور البوسفور من منفذيه، وظلت تنتفع بهذا الاتفاق حتى العام 1839م، لما أرسل مترنيخ مذكرة شديدة اللهجة إلى قيصر روسيا للتخلي عن نفوذه في تركيا، الشيء الذي تم تنفيذه في اتفاقية مؤتمر لندن (عام 1840م) التي بموجبها منعت السفن الحربية من دخول المضائق، وأقفلت في وجه الأسطول الروسي.
ولم تقف روسيا مكتوفة اليدين أمام هذا التحدي… فاستمر إصبعها يلعب في البلقان إلى أن اشتعلت حرب القرم (1854م) وأفضت إلى انتصار جيوش الأتراك والانكليز والفرنسيين على الروس. ومما ذكر في هذا السياق مساهمة الجيوش المصرية في تلك الحروب بمعاونة الحلفاء خير معاونة.
ورغماً عن هذه الهزيمة فلم تيأس روسيا، ومثلها في ذلك مثل الملاكم الذي يتلقى سيلاً من الضربات وهو مع هذا يحاول ـ خلال صموده ـ أن ينال من خصمه بلكمة قاضية ترد إليه اعتباره، فوقفت لعدوتها التقليدية تركيا بالمرصاد، إلى أن أعلنت الحرب عام 1877م، وألّبت عليها دول البلقان، وكان النجاح حليفها هذه المرة، فكسبت نفوذاً وسطوة في شرق أوروبا، وإن لم تنجح في بلوغ هدفها الأساسي استنبول.
ونعتقد أنه منذ هذه الحروب، أصبحت المضائق مسألة أوروبية حيوية… ترنو إليها إنكلترا وفرنسا وألمانيا وروسيا نظرة واحدة، بيد أن شيئاً واحداً كسبته تركيا، وهو أن يكون لها السيطرة المطلقة على المضائق لأن مياهها إقليمية، وهي حرة في اتباع ما تراه لتحصينها والدفاع عنها، وفي فتحها أو غلقها، على حسب مشيئتها، ولم يك هذا الرأي ليرضي روسيا، لأنها ترى أن تجعل المضائق تحت سيطرتها، أو تكون مشتركة مع تركيا في الدفاع عنها. فإن لم تصل إلى تحقيق إحدى الوسيلتين فلتكن دولية.
وهدأت مسألة المضائق نوعاً ما، إلى قيام الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918م) وهنا لجأت إنكلترا وفرنسا ـ رغبة في استبقاء روسيا في صفها لمحاربة الألمان ـ إلى عقد اتفاق سري في لندن بين الدول الثلاث نص فيه على أن تكون الاستانة والمضائق عقب انتهاء الحرب من نصيب روسيا، بشرط أن يستولي الإنكليز على جزيرتي تندوس وأميروس، الواقعتين عند مدخل الدردنيل في بحر إيجه، ولكن لم يتحقق هذا الحلم الذهبي لنشوب الثورة البلشفية في روسيا وخروجها من الحرب قبل نهايتها.
وشاءت الحوادث أن لا ترغم إنجلترا على الخروج عن تقاليدها الموروثة ـ هذه التقاليد التي تعني أن وجود أسطول روسي في البحر المتوسط خطر عظيم على قناة السويس وامبراطوريتها في الهند.
وفي معاهدة سيفر، التي عقدت بين تركيا والحلفاء في سنة 1920م، اضطرت تركيا إلى قبول ما فرض عليها، فرفعت سلطتها عن المضائق، وجعلت استنبول بمثابة مدينة دولية، وتنازلت هذه الدولة عن جميع الولايات غير التركية، بينما قسمت هي ذاتها إلى مناطق نفوذ بين الدول المنتصرة.
بيد أنه لم يقدر لهذه المعاهدة التنفيذ، إذ لم يمض عليها حولان حتى كانت الحركة الوطنية الكمالية قد فازت فوزاً مبيناً. وانهزم اليونانيون في آسيا الصغرى، واضطر الحلفاء إلى التسليم بالأمر الواقع، فانسحبوا من استنبول وسائر المناطق المحتلة، وانطلقت تركيا بزعامة مصطفى كمال إلى استعادة مكانتها المفقودة.
المضائق في مؤتمر لوزان
وعلى هذا اضطر الحلفاء لإعادة النظر في الصلح مع تركيا. فعقد في لوزان (في 20 نوفمبر 1922م) مؤتمر ضم دول الحلفاء من جهة، وتركيا من جهة أخرى، وكان يمثلها القائد عصمت باشا، وفي هذا المؤتمر اعترف باستقلال تركيا وإلغاء القيود التي فرضتها معاهدة سيفر على الجيش والبحرية، كما ألغيت المراقبة على المالية التركية، وفازت تركيا بإلغاء الامتيازات الأجنبية، الخ…
وفيما يختص بالمضائق فقد كان ممثل روسيا «شيشرين» وزير خارجيتها أقوى نصير لتركيا ضد الحلفاء وضد إنكلترا ـ فقد جاءت هذه بنظرية جديدة خالفت فيها نظريتها التقليدية الخاصة بالمضائق، وتمسكت بحرية البحار وحرية الملاحة لجميع الدول، وبموجب هذا الرأي رأت أن تترك تركيا المضائق حرة، فلا تنشىء فيها قواعد بحرية أو جوية، ولا تبني على سواحلها حصوناً أو قلاعاً تقيم فيها مسلحات أو مطارات، ولا ترسي بمياهها سفناً مسلحة ولا تبث ألغاماً تعوق الملاحة في السلم أو في الحرب.
واعترضت روسيا وتركيا في بادىء الأمر على هذه الاتفاقية الجديدة، لأنها لم تكن في صالح تركيا ولا روسيا، إلا أن الأولى ما لبثت أن رضخت مقابل ما استعاضته من مزايا إقليمية أخرى. وأخيراً لم تجد روسيا بداً من الانضمام إلى الاتفاقية (4 آب «أغسطس» 1923م).
وفي طليعة ما نصت عليه معاهدة لوزان حرية الملاحة في المضائق لجميع الدول، كما قررت حيدة (المحايدة) غاليبولي وجزيرتي تندوس وامبروس (تركيا) ومعظم جزر بحر مرمرة وضفتي البوسفور إلى مدى عشرة أميال من الداخل، ورخص لتركيا بتحصين استنبول وإبقاء حامية قوتها 12000 جندي.
اتفاقية مونترو (20 يوليو 1936م)
ظلت حالة المضائق على أساس ما أقرته اتفاقية لوزان إلى صيف 1936م ـ ما طفق الجو الأوروبي يكفهر بالحوادث، وبدأت ألمانيا تتملص من قيود معاهدة فرساي ولو كرنو. فدعت الدول التي وقعت معاهدة لوزان إلى عقد مؤتمر في مونترو لإعادة النظر في حالة المضائق على ضوء الأحداث الجديدة في أوروبا عقب الحرب الإسبانية الأهلية وحرب الحبشة واحتلال الألمان منطقة الرين وتحصينها.
وقد أبلت الصحافة التركية بلاء حسناً في عرض طلباتها واضحة، وقد كانت وجهة نظرها سليمة للغاية. فالمضائق هي قبل كل شيء جزء من الأراضي التركية (المياه الإقليمية) كقناة السويس التي تشق الأراضي المصرية، وكقناة كيل الألمانية ـ والأتراك هم أصحاب المضائق والمدافعون عن بلادهم.
عقد المؤتمر في الحادي والعشرين من شهر حزيران (يونيو) حيث تجدد النضال القديم بين روسيا وبريطانيا، وبعد جدال طويل، أشرف المؤتمر في خلاله على الحبوط، تم اتفاق جديد، استردت الحكومة التركية بمقتضاه سيادتها الكاملة على المضائق وحقها التام في تحصينها، وتقرر إلغاء اللجنة الدولية التي كانت تشرف عليها ابتداء من أول أكتوبر سنة 1936م.
ولعل أهم ما يتضمنه الاتفاق هو:
1 ـ حرية الملاحة التجارية في المضائق وقت السلم.
2 ـ لا يسمح بالمرور في المضائق للسفن الحربية التي تزيد حمولتها على 10000 طن ولا الغواصات ولا حاملات الطائرات أما ما عدا ذلك من السفن فيسمح لها بالمرور في النهار فحسب.
3 ـ وفي وقت الحرب ـ إذا ظلت تركيا على الحياد ـ لا يسمح لسفن الدول المتحاربة بالمرور في المضائق، إلا إذا كان ذلك طبقاً لقرار صادر عن جامعة الأمم، أو كان تنفيذاً لمعاهدة تحالف وتعاون تدخل تركيا فيها طرفاً، بشرط أن تكون هذه المعاهدة قد أعلنت وأودعت في جنيف.
4 ـ أما إذا كانت تركيا محاربة فإن المضائق تغلق في وجه الملاحة التجارية الخاصة بالدول المعادية، أو سفن الدول المحاربة التي تحمل رجالاً أو مؤناً لإمداد العدو، وبوجه عام يترك الأمر لتركيا في هذه الحالة… فأما أن تسمح أو ترفض، ولتركيا أن تتبع القاعدة نفسها وقت السلم في حالة ما إذا شعرت بأنها مهددة بالحرب.
ومدى الاتفاقية عشرون سنة. ويجوز لإحدى الدول التي وقعتها أن تلغيها بعد انقضاء خمسة أعوام على إعلانها ذلك.
وهكذا سجلت الدول في هذه الاتفاقية اعترافها بحقوق تركيا في المضائق.
وفي سبتمبر سنة 1939م، نشبت الحرب العالمية الثانية ولزمت تركيا الحياد الدقيق. واستطاعت أن تسلم بنفسها، على أن جيشها كان معداً لنزول الميدان، ولكن انتهت الحرب بدون أن تشتبك على مياه المضائق أساطيل القتال، ولم تحاول سفينة حربية واحدة عبور أحد منفذيها.
وبانتهاء تلك الحرب عام 1945م، قفزت صحافة السوفييت بإيعاز من حكومتها تطالب تركيا بإعادة النظر في معاهدة منترو، والمطالبة باشتراكها في الدفاع عن المضائق. ولزمت تركيا الهدوء، فلم تتأثر بتلك الدعاية ولم تعبأ بها، وظلت متمسكة بنصوص ميثاق 1936م.
وفي 8 آب (أغسطس) عام 1946 قدمت حكومة السوفييت مذكرة تتضمن مقترحاتها إلى كل دولة من الدول التي وقعت معاهدة مونترو ـ ومنها تركيا طبعاً ـ وقد تضمنت هذه المذكرة تعديلاً أساسياً للميثاق.
وأهم ما اشتملت عليه المذكرة النظام الجديد الذي تقترحه روسيا، وهو:
1 ـ تظل المضائق مفتوحة باستمرار لمرور السفن التجارية التابعة لكل دولة من الدول.
2 ـ تظل المضائق مفتوحة لمرور السفن الحربية التابعة لدول البحر الأسود: روسيا، رومانيا وبلغاريا وتركيا.
3 ـ لا تستطيع السفن الحربية التابعة للدول الأخرى المرور في المضائق إلا في حالات خاصة ينص عليها في الاتفاق.
4 ـ إنشاء نظام للمضائق، باعتبارها الطرق البحرية الوحيدة لدخول البحر الأسود، والخروج منه، ويجب أن تكون من اختصاص تركيا ودول البحر الأسود الأخرى.
5 ـ تقوم تركيا وروسيا باعتبارهما أكثر الدول اهتماماً بحالة المضائق لتحول دون استخدام دولة من الدول إياها بغية الاعتداء على دول البحر الأسود.
وجاء في المذكرة أن حوادث الحرب الأخيرة دلت دلالة ظاهرة على أن نظام المضائق طبقاً لقرارات مونترو لا يكفل سلامة دول البحر الأسود، ولا يحول دون استخدام المضائق للاعتداء على هذه الدول.
وقد يكون أهم ما اشتملت عليه هذه المذكرة مطالبة روسيا بمنحها قواعد بحرية وبرية وجوية على الدردنيل مساحتها 900 فدان،، وتخويلها حق إنشاء مطار، مشترطة أن لا يكون عدد القوات محدوداً، وأن يقفل البحر الأسود في وجه سفن الدول غير الواقعة عليه، على أن تؤيد روسيا في مقابل ذلك استقلال تركيا، وتضمن لها حقها في الدفاع المشترك عن المضائق.
وهكذا نرى روسيا تعود إلى نفس سياستها القيصرية القديمة، التي ما برحت تتعلق بها في القرن التاسع عشر وترنو إلى تحقيقها.
وبعد أيام من تسلم الحكومة التركية هذه المذكرة ودراستها أصدر السيد رجب بكر، رئيس وزرائها بياناً هاماً جاء فيه:
فيما يتعلق بالمذكرة الروسية سندافع عن سلامة أراضينا وسيادتنا القومية، والتحالف مع إنكلترا أساس السياسة الخارجية التركية، كذلك سنرعى ما بيننا وبين الولايات المتحدة من علاقات خاصة.
ثم تكلم عن مركز تركيا في هيئة الأمم المتحدة وعلاقتها بالدول العربية وصلتها باليونان، واشترطت لتعديل الاتفاقية أن لا يمس ذلك استقلالها وأمنها.
رفضت تركيا مطالب روسيا في المضائق رفضاً باتاً، وكانت متفقة في ذلك مع حكومتي لندن وواشنطن.
ويهمنا في هذا المقام أن نقف على رأي حكومة الولايات المتحدة الأميركية وهي عنصر جديد في سياسة المضائق التركية أو في الشرق الأدنى.
احتوت المذكرة الأميركية على أربع نقاط أساسية:
أولها: عدم موافقة الولايات المتحدة على اقتراح روسيا الخاص بدفاع مشترك روسي تركي عن المضائق.
ثانيها: عدم موافقة الولايات المتحدة على اقتراح روسيا بأن يكون الإشراف على المضائق بموجب اتفاق يعقد بين الدول الواقعة على البحر الأسود لا غير.
ثالثها: رغبة الولايات المتحدة في أن تسوى المسائل المشتركة وفقاً لميثاق هيئة الأمم المتحدة.
رابعها: يسر الولايات المتحدة أن تشهد أي مؤتمر دولي يمكن عقده لتعديل الإشراف على المضائق. وتطابق هذه الاقتراحات رأي الحكومة البريطانية، وهكذا وقفت الدول الثلاث، أميركا وبريطانيا وتركيا، موقفاً واحداً تجاه مطالب روسيا القديمة والجديدة في المضائق، ولا يدري إلا علاّم الغيوب ما تخبئه الأقدار في آفاقها.
عبد الرحمن زكي
الشيعة في استنبول
في استنبول عدد كبير من الشيعة بينهم الكثير من مهاجرة الإيرانيين وجلهم من الآذربيجانيين ومسجد الإيرانيين في القسم الأوروبي من استنبول يرجع تاريخ بنائه إلى أكثر من مائتي سنة، أسسه الإيرانيون المهاجرون في (جاكمالجيلار) في وسط خان كبير يسمى (بيوك والده خان)، كانوا يقيمون فيه الاحتفالات الحاشدة في المناسبات المختلفة. وكان بعض السلاطين العثمانيين يحضرون بعض احتفالاتهم. وفي عاشوراء كانوا يخرجون في شوارع استنبول ويشكّلون المواكب الحسينية وكانت الحكومة العثمانية تمنح لهم الحرية التامة.
ويقال إن عدد الإيرانيين المقيمين في ذلك الخان كان ينيف على ألفي نسمة، لذلك أسّسوا المسجد في وسط الخان في مركز مجتمعهم ووسط محلاّتهم التجارية، ولكنهم اليوم تفرقوا في ربوع استنبول فليس لهم احتفال يتلاءم مع كثرتهم، ويقيم في هذا المسجد دائماً إمام إيراني الجمعة والجماعة عملاً بقرار منعقد منذ عهد العثمانيين بين الدولتين وفي هذا المسجد مكتبة واسعة أسسها الشيخ عبد المجيد الواعظي.
وفي القسم الآسيوي من استنبول مسجد للشيعة في جنب المقبرة الخاصة للشيعة في ساحة واسعة تعرف بـ«سيد أحمد دره سي» تقام فيه الاحتفالات الحاشدة في يوم عاشوراء، يشترك فيها أكثر من ستّين ألف نسمة من الشيعة والسنة.
ومن مساجد الشيعة في استنبول مسجد الزينبية في «حلقة لي» من محلات استنبول، وهو مسجد جديد أسسه الشيخ علي أكبر مهدي بور أيّام إقامته في استنبول، تقام فيه الجمعة والجماعة.
ومسجد آوجيلار، تمَّ بناؤه أخيراً في محلة «آوجيلار». ومسجد آخر في آوجيلار لم يتم بناؤه. ومسجد جفت تلى في محلة «جفت تلى». ومسجد جديد في «عثمان قاضي» في «گبذه» من ضواحي استنبول. ومسجد آخر في إحدى محلات استنبول لم يتم بعد.
وللشيعة في استنبول مدرسة ابتدائية ومدرسة متوسطة ومدرسة ثانوية تدرس فيها الدروس باللغتين التركية والفارسية.
ويوجد في استنبول مقبرة ضخمة في ساحة واسعة من القسم الآسيوي (اسكدار) في وادٍ يعرف بـ«سيّد أحمد دره سي» في جنب المقبرة المعروفة بـ«قرجه أحمد دره سي». وقد أسَّس هذه المقبرة الشيعية رجل من أشراف الشيعة يسمى «سيد أحمد» قبل ثلاثة قرون، ويوجد هناك لوحة كبيرة نحت عليها أنَّ هذه المقبرة وقف لمحبّي أهل البيت، ولكنَّها اليوم تعرف بـ«مقبرة الإيرانيين» تشرف عليها «الجمعية الخيرية الإيرانية».
ومن مزارات الشيعة في استنبول مزار (زين الدين ولي)، محل شهادة الشهيد السعيد الشيخ زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين العاملي، الشهير بالشهيد الثاني، المولود في 13 شوال 911هـ. والمستشهد في يوم الجمعة من شهر رجب سنة 965هـ.
وعن مقالات السيد الجزائري أنّهم بنوا له بناء خارج استنبول، يسمّى مزار «زين الدين».
ومزاره اليوم في داخل استنبول، ومن قال: إنه في خارج استنبول، أراد خارج سور استنبول، وهو صحيح لأن مزاره اليوم في شاطىء البحر وقريب جداً من مسجد السلطان أحمد وآيا صوفيا، ولكنَّه في خارج سور المدينة ويعرف بـ «زين الدين ولي».
وللصحابي الجليل، خالد بن زيد الشهير بأبي أيّوب الأنصاري، الذي ذهب غازياً إلى أرض الروم وتوفّي قرب سور البلد سنة 52 من الهجرة، وقبره الآن مزار معروف، يقصده المسلمون المواطنون والسيّاح، وتعرف المنطقة باسمه وهي: «أيّوب سلطان» والحجّاج في بداية أعمال الحج، يزورون مرقده، ثمَّ يغادرون استنبول إلى الحج.
ويوجد في استنبول قبران معموران في جنب مسجد من مساجد استنبول، ينسبان إلى كريمتين من بنات الإمام السّبط أبي عبدالله الحسين (ع)، ولا يخلوان ساعة من الساعات من الزوار.
أقول: ولعَّلهما لبعض أحفاد الإمام الشهيد، الذين تفرَّقوا بالبلاد فراراً من الحكام الجائرين.
وفي استنبول غرفة كبيرة في الزقاق المتصل بالجامعة، كان الأستاذ كلبنارلي([44]) دائماً يقف على باب الغرفة ويقرأ شيئاً من القرآن، ويقول الشيخ علي أكبر مهدي پور: سألته في أحد الأيام عن موضوع الغرفة فقال: ههنا رؤوس أربعين شهيداً من رجال الشيعة، قتلوهم بالفأس وألقوا أبدانهم في البحر ودفنوا رؤوسهم في هذا المكان».
استنبول
ـ 2 ـ
نظراً إلى موقعها الجغرافي الوسيط نشأت في القسطنطينية حضارة مهمة خلال مرحلة القرون الوسطى، تفرعت جذورها شرقاً وغرباً. غير أنها كانت مهددة باستمرار من الشرق والغرب. فالنجاح المذهل للفتوحات العربية حرم الدولة البيزنطية نهائياً من مصر وسورية وشمال إفريقيا. ثم جاءت الحملات الصليبية التي استباحت القسطنطينية ونهبت ثرواتها بسبب انفصالها عن روما وعدائها للباباوية. وعلى رغم طرد الصليبيين، لم تستطع القسطنطينية استعادة مجدها السياسي والاقتصادي ودخلت شيئاً فشيئاً في حالة من الجمود والتراجع والانغلاق على النفس، وكان ذلك من العوامل الأساسية التي مهدت لسقوطها أمام جيش العثمانيين.
مع دخول جيش السلطان محمد الثاني الملقب بالفاتح إلى القسطنطينية العام 1453، بدأت صفحة جديدة مع دخول جيش السلطان محمد الثاني الملقب بالفاتح الى القسطنطينية العام 1453م، بدات صفحة جديدة من تاريخ المدينة تجسدت بحصول تغييرات دينية وسياسية واجتماعية من دون أن يحدث ذلك قطيعة فعلية مع ماضي المدينة اليونانية، وكان محمد الفاتح رجل دولة من الطراز الأول، ومن أول أعماله بعد تحقيقه النصر إعادة تأهيل المدينة بعد أن قُتل أو هرب جزء كبير من سكانها. كذلك جرى التأكيد على الطابع الإسلامي للمدينة بعد تحويل بعض الكنائس إلى جوامع ومنها كنيسة آيا صوفيا، وبعد بناء ضريح أبي أيوب الأنصاري الذي كان من صحابة الرسول (ص). ويكنّ الأتراك تقديراً كبيراً للأنصاري الذي تقول الرواية التاريخية أنه مات وهو يجاهد على مقربة من سور القسطنطينية في أول حملة قادها المسلمون ضد المدينة.
مسجد السليمانية في استنبول
ويعتبر روبير مونران في كتابه أن استنبول عرفت عصرها الذهبي في القرن السادس عشر بعد أن مدها السلاطين منذ محمد الفاتح بطاقات بشرية مؤلفة من الأتراك وغير الأتراك، من المسلمين وغير المسلمين، الذين أحضروا من آسيا الصغرى ودول البلقان والبلاد العربية التي صارت جزءاً من الدولة العثمانية بعد هزيمة دولة المماليك على يد السلطان سليم. وفي عصر السلطان سليمان صارت استنبول قلب العالم الإسلامي وجاوز عدد سكانها الـ 400 ألف نسمة، وكان هؤلاء يتألفون من أكثرية مسلمة تبلغ حوالي الستين في المئة والباقي من المسيحيين واليهود. وتميز المجتمع الاستنبولي بطابعه الفسيفسائي وتنوع جنسياته وأديان سكانه. فبعد الأكثرية التركية، تأتي الأقلية اليونانية التي لعبت دوراً اقتصادياً أساسياً في حياة المدينة، وكانت تسيطر على تجارة الطحين عن طريق البحر. أما الأرمن فكانوا أقل عدداً ولم يبرز دورهم فعلياً إلا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بعد أن برعوا في حركة التجارة في بلاد الأناضول حتى جمع بعضهم ثروات ضخمة وصارت لهم كلمتهم في التجارة العالمية والشؤون السياسية. وينطبق ذلك على اليهود الذين قدموا إلى استنبول من إسبانيا وأوروبا الوسطى وإيطاليا ولعبوا دور الوسيط بين الإدارة العثمانية والمفاوضين الأجانب.
على رغم تداخل نشاطاتهم وأعمالهم، فإن سكان استنبول لم يقطنوا معاً في أحياء واحدة، إذ كانت تفصل بينهم ـ سكنياً ـ قومياتهم وديانهم. وشجعت الدولة هذا التقسيم حتى تتمكن من مراقبة تحركات الأقليات والسيطرة على المدينة في حال أعمال الشغب أو التمرد. وبصورة عامة، تنعّم أهل استنبول بالاستقرار والأمان في زمن السلاطين الأقوياء والإدارة المركزية القديرة، لكن ما أن أطل القرن السابع عشر حتى جاء زمن السلاطين الضعفاء والمنصرفين إلى أمورهم الشخصية، فصار السكان ضحية تقلبات السلطة وانتشار الفساد الذي كان يؤدي إلى الفوضى وحركات العصيان التي كان يقودها أحياناً جيش الانكشارية، وكانت الشرارة الأولى للثورة التي حدثت العام 1651م.
ثمة عوامل أخرى ساهمت في انحطاط المدينة منها الهزات الأرضية وأقواها الهزة التي حصلت العام 1766م ودمرت أحياء بكاملها وألحقت أضراراً كبيرة بالمساجد الكبرى وذهب ضحيتها أعداد من السكان. وهناك أيضاً الحرائق التي كانت تندلع باستمرار في الأحياء الشعبية حيث تسود الكثافة السكانية. ومن المعروف أن البيوت في استنبول كانت مبنية من الخشب، في شوارع ضيقة وموحلة، يصعب التحكم فيها بالنيران عند اشتعالها. وكان ارتكاب خطأ صغير في أحد المطابخ يؤدي غالباً إلى كارثة حقيقية كما حصل في الأعوام 1695 و1696 و1701م.
وبصورة عامة كان هناك تناقض حاد بين الصروح الضخمة المبنية من الحجر وتشمل الجوامع والمدارس وملحقاتها التي كانت تعد من الروائع الفنية، والبيوت الخشبية المشيدة في أحياء موحلة ومعتمة. وتحدث الغربيون الذين زاروا استنبول عن هذا التفاوت الصارخ بين جمال المآذن والقباب الذي يسيطر على مشهد المدينة من الخارج، والبشاعة التي تواجه من ينتقل سيراً على الأقدام داخل أزقتها ودروبها.
ومنذ القرن الثامن عشر تجسدت في استنبول التحولات الكبرى التي عاشتها الامبراطورية العثمانية وكان من نتائجها لاحقاً صعود القوميات وحركات الاستقلال التي قادتها شعوب عدة كانت تعيش في كنف هذه الامبراطورية مثل اليونانيين والأرمن… كذلك بدأ في هذا القرن الانفتاح على الحضارة الغربية ومدنيتها، واهتم أثرياء استنبول ببناء بيوت خشبية فخمة على ضفاف البوسفور تعرف باسم «يالي» مزجت ما بين التقاليد العثمانية والتقاليد الأوروبية. واشتهرت في تلك المرحلة أيضاً الحفلات الموسيقية الليلية وعبر أهل استنبول عن تعلقهم بالطبيعة والأزهار حتى أن هذه المرحلة عرفت بمرحلة «زهرة الخزامى» نسبة إلى السلطان أحمد الثالث الذي كان مثقفاً ومتعلقاً بهذه الزهرة. وفي هذا القرن أيضاً زاد عدد الأسبلة بشكل واضح وكان أشهرها سبيل أحمد الثالث بالقرب من كنيسة آيا صوفيا.
أما القرن التاسع عشر فشهد مرحلة الإصلاحات التي سعت إلى إنقاذ الامبراطورية من انهيارها بعدما أدرك السلاطين أن الأوروبيين صاروا متفوقين في المجالات العسكرية والعلمية والاجتماعية. واستمرت استنبول في التوسع، خصوصاً أنها استقبلت أعداداً مهمة من الأوروبيين الذين كانوا يقيمون في أحيائهم على ضفاف البوسفور مما منح المدينة طابعاً عالمياً، فكانت مرآة للصراعات الحادة التي كانت تعاني منها الدولة بعد أن صارت الدول الغربية الكبرى تتدخل مباشرة في شؤونها الداخلية وتملي عليها شروطها. وفي هذا القرن ظهرت القصور والأبنية المشيدة على الطريقة الغربية وشقت طرقات كثيرة أضيئت بواسطة الغاز. كذلك انتشرت الشركات الأوروبية والمدارس الخاصة العلمانية والدينية والبنوك وجرت محاولات جدية لتطوير وسائل الاتصال والمواصلات.
لم تؤد الإصلاحات وصدور «فرمان الكلخانة» الذي يقر بمساواة جميع مواطني الامبراطورية إلى توحيد هؤلاء، بل على العكس ظلت الدولة العثمانية تصطدم أكثر فأكثر بمشكلة القوميات وحركات الاستقلال وتخسر المزيد من أراضيها. وترافق ذلك مع المذابح الطائفية التي أحدثت تغييرات جذرية في شرق المتوسط وكان لهذه الأحداث تأثير مباشر في سكان استنبول مما زاد الهوة بين المسلمين وغير المسلمين، بين الأتراك وغير الأتراك، فاضطرت آلاف العائلات اليونانية والأرمنية والآشورية إلى ترك استنبول نهائياً، وكان من نتائج ذلك أن الغالبية العظمى من السكان صارت من الأتراك ففقدت المدينة طابعها العالمي الذي تمتعت به لقرون طويلة.
وعلى رغم نهاية الامبراطورية العثمانية وانتقال الدولة إلى أنقره ما زالت استنبول حتى اليوم العاصمة الاقتصادية والثقافية لتركيا، خصوصاً أنها، على رغم القطيعة التي أرادها الأتراك مع ماضيهم، تضم الكثير من الأمكنة التي تذكر بالماضي العريق وتشهد على المجد الغابر وسحر الشرق.
الشهيد الثاني زين الدين بن علي
ذكرنا فيما تقدم أن من مزارات الشيعة في استنبول مزار (زين الدين ولي)، وأنه محل شهادة الشهيد الثاني زين الدين بن نور الدين علي. وفيما يلي تعريف بهذا الشهيد السعيد:
ولد في 13 شوال سنة 911 واستشهد في شهر رجب سنة 966 أو 965 وعمره 54 أو 55 سنة. كان ربعة من الرجال معتدل الهامة، وفي آخر عمره كان إلى السمن أميل بوجه صبيح مدور وشعره سبط يميل إلى الشقرة أسود العينين والحاجبين أبيض اللون لطيف الجسم عبل الذراعين والساقين.
كان أبوه من كبار أفاضل عصره وكذلك جداه جمال الدين والتقي وجده الأعلى الشيخ صالح من تلاميذ العلامة الحلي وكذلك باقي أجداده الثلاثة كانوا أفاضل أتقياء. وأخوه الشيخ عبد النبّي وابن أخيه الشيخ حسن وبعض بني عمومته كانوا علماء أفاضل وأبناؤه تسلسل فيهم العلم والفضل زماناً طويلاً وسموا بسلسلة الذهب، وكان واسطة عقدهم وأكثرهم به يعرفون وإليه ينسبون. والمشهور في جبل عامل أن آل زين الدين الذين يقطنون في صفد البطيخ هم من ذريته وكذلك آل الظاهر في النبطية. وكان لا يعيش له أولاد فمات له أولاد ذكور كثيرون قبل الشيخ حسن الذي كان لا يثق بحياته أيضاً، ولأجل ذلك صنف كتاب «مسكن الفؤاد في الصبر على فقد الأحبّة والأولاد». ثم تزوج أم صاحب المدارك بعد وفاة زوجها فولد له منها الشيخ حسن فهو أخو صاحب المدارك لأمه، وكانا متصافيين تصافياً عجيباً قرآ معاً وذهبا إلى النجف معاً فقرآ عند الأردبيلي وعادا إلى جبع. وكان من سبق منهما إلى الصلاة اقتدى به الآخر ومن حل مسألة مشكلة أخبر بها الآخر وعاش الشيخ حسن بعد صاحب المدارك بقدر ما زاد عليه صاحب المدارك في العمر وهذا من غريب الاتفاق.
كان عالماً فاضلاً جليل القدر عظيم الشأن رفيع المنزلة تقياً نقياً ورعاً زاهداً عابداً، مفخرة من مفاخر الكون وحسنة من حسنات الزمان أو من غلطات الدهر كما يقال. كان فقهياً ماهراً في الدرجة العليا بين الفقهاء، محدثاً أصولياً مشاركاً في جميع العلوم الإسلامية، لم يدع علماً من العلوم حتى قرأ فيه كتاباً أو أكثر على مشاهير العلماء من النحو والصرف والبيان والمنطق واللغة والأدب والعروض والقوافي والأصول والفقه والتفسير وعلم الحديث وعلم الرجال وعلم التجويد وأصول العقائد والحكمة العقلية والهيئة والهندسة والحساب وغير ذلك وألف في كثير من هذه العلوم المؤلفات النافعة الفائقة. والفقه أظهر وأشهر فنونه، وكتبه فيه كالمسالك والروضة مدار التدريس من عصره حتى اليوم ومحط أنظار المؤلفين والمصنفين ومرجع العلماء والمجتهدين. وقد صحح كتب الحديث وقرأها وأقرأها. وبلغ به علو الهمة إلى قراءة كتب غير الشيعة في جل الفنون ورواية أكثرها عن مؤلفيها بالإجازة وطاف البلاد لأجل ذلك كدمشق ومصر وفلسطين وبيت المقدس واستنبول وغيرها وفي الجميع يقرأ جملة من الفنون على علمائها. وفي استنبول قرأ شطراً من معاهد التنصيص على مؤلفه السيد عبد الرحيم العابسي ونسخه بخطه. وكل من قرأ عليهم من غير الشيعة يكون له القبول التام عندهم والصداقة. وهو أول من صنف من الشيعة في دراية الحديث سوى ما يحكى عن الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك من تأليفه فيه ما لا يشفي الغليل. أما المترجم فألف فيه الرسالة المشهورة وشرحها بشرح مبسوط جداً ونقل الاصطلاحات من كتب غير الشيعة وطريقتهم إلى كتب الشيعة، ثم ألف بعده تلميذه الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي وبعده ولده الشيخ البهائي وهكذا. وهو أول من وضع الشرح المزجي من علماء الشيعة ولم يكن ذلك معروفاً عندهم فألف شرح الإرشاد وبعده شروح اللمعة والألفية والنفلية وغيرها على هذا النحو. ولما رأى كتابي التمهيد والكوكب الدري كلاهما للأسنوي الشافعي أحدهما في القواعد الأصولية والآخر في القواعد العربية وما يتفرع عليهما وليس للشيعة مثلهما ألف كتابه تمهيد القواعد، وجمع ما في الكتابين في كتاب واحد؛ وتفرد بالتأليف في مواضيع لم يطرقها غيره أو طرقها ولم يستوف الكلام فيها مثل آداب المعلم والمتعلم فقد سبقه إلى ذلك المحقق الطوسي، فصنف فيه رسالة صغيرة لا تبل الغليل، وألّف هو فيه منية المريد فلم يبق بعدها مُنية لمريد ومثل أسرار الصلاة والزكاة والصوم والحج وأسرار معالم الدين والصبر على فقد الأحبة والأولاد والولاية ووظائف الصلاة القلبية وغير ذلك مما لم يسبق إليه.
وأفرد جملة من المسائل الفقهية وغيرها بالتأليف واستوفى الكلام عليها مثل صيغ العقود والإيقاعات وطلاق الغائب والنية والعدالة والحبوة وميراث الزوجة وحكم المقيمين في الأسفار وتقليد الميت واصلاحات المحدثين والغيبة وخصائص يوم الجمعة وألف في شرح أربعين حديثاً إلى غير ذلك.
وارتفعت به همته إلى طلب التدريس في المدارس العامة فسافر إلى استنبول لذلك، وأعطي تدريس المدرسة النورية في بعلبك ولم يحتج إلى شهادة قاضي صيدا كما كان معمولاً عليه في ذلك الوقت ولا يمكن أخذ التدريس بدونه وذلك بسبب تأليفه خلال 18 يوماً رسالة في عشر مسائل من مشكلات العلوم، وكان لهذه المدارس أوقاف تسلم إلى المدرس مدة تدريسه ليأخذ نماءها فأقام فيها خمس سنين يدرس في المذاهب الخمسة.
وما ظنك برجل يؤلف مؤلفاته الجليلة الخالدة على مرور الدهور والأعوام في حالة الخوف على دمه لا يشغله ذلك عنها مع ما تقتضيه هذه الحالة من توزع الفكر واشتغال البال عن التفكير بمسألة من مسائل العلم يؤلفها بين جدران البيوت المتواضعة وحيطان الكروم، في قصور شاهقة ورياض ناضرة، ولا مساعد له ولا معين حتى على تدبير معاشه ونقل الحطب لدفئه وصنع طعامه.
وما ظنك برجل من أعظم العلماء واكابر الفقهاء يحرس الكرم ليلاً ويطالع الدروس وفي الصباح يلقي الدروس على الطلبة. وكرمه الذي كان له في جبع معروف محله إلى الآن، ويحتطب لعياله ليلاً ويشتغل بالتجارة أحياناً فيتجر بالشريط ويحمله إلى البلاد النائية ويسافر به مع من لا يعرفون قدره، ويباشر بناء داره ومسجده الذي هو إلى جنبها في قرية جبع وداره مفتوحة للضيوف الواردين وغيرهم، يخدمهم بنفسه ويباشر أمور بيته ومعاشه بنفسه. كان يقسم أعماله على أوقاته كما يفهم مما ذكره ابن العودي في رسالته فيصلي المغرب والعشاء جماعة في مسجده ويشتغل فيما بين المغرب والعشاء بتصحيح كتب الحديث وقراءتها وإقرائها، ثم يذهب إلى الكرم لحراسته من السراق ويشتغل عند اللزوم بنقل الحطب ليلاً على حمار إلى منزله، فإذا طلع الفجر جاء إلى مسجده فصلى فيه صلاة الصبح ثم يشرع في البحث والتدريس ثم ينظر في أمر معاشه والواردين عليه من ضيوف ومتخاصمين فيقضي بينهم ثم يصلي الظهرين في وقتيهما، ويصرف باقي يومه بالمطالعة والتأليف ولا يدع لحظة تمضي من عمره في غير اكتساب فضيلة وإفادة مستفيد. وخلف مائتي كتاب بخطه من تأليفه وتأليف غيره.
وألف تلميذه الشيخ بهاء الدين محمد بن علي بن الحسن العودي العاملي الجزيني المدفون على رابية فوق قرية عديسة وعلى قبره قبة ويعرف بالعويذي ـ بالياء والذال المعجمة ـ تصحيف العودي ـ بالدال المهملة ـ رسالة في أحوال شيخه المذكور أدرج حفيد المترجم علي بن محمد بن الحسن بن زين الدين ما وجده منها في كتابه الدر المنثور فقال: ومن ذلك نبذة من تاريخ جدي المبرور العالم الرباني زين الملة والدين الشهير بالشهيد الثاني قدس الله تربته وأعلى في عليين رتبته وهو الذي ألفه الشيخ الفاضل الأجـل محمد بن علي بن حسن العودي الجزيني أحد تلامذته قال: وهذا الكتاب قد ذهب فيما ذهب من الكتب ووقع في يدي منه أوراق بقيت من نسخته أحببت أن أنقلها في هذا الكتاب تيمناً بذكر بعض أحواله.
قال تلميذه ابن العودي في رسالته الآنفة الذكر: كان قد ضبط أوقاته ووزع أعماله عليها ولم يصرف لحظة من عمره إلا في اكتساب فضيلة، ووزع أوقاته على ما يعود نفعه عليه في اليوم والليلة، أما النهار ففي تدريس ومطالعة وتصنيف ومراجعة، وأما الليل فله فيه استعداد كامل لتحصيل ما يبتغيه من الفضائل هذا مع غاية اجتهاده في التوجه إلى مولاه وقيامه بأوراد العبادة حتى تكل قدماه وهو مع ذلك قائم بالنظر في أحوال معيشته على أحسن نظام وقضاء حوائج المحتاجين بأتم قيام، يلقى الأضياف بوجه مسفر عن كرم كانسجام الأمطار وبشاشة تكشف عن شميم كالنسيم المعطار يكاد يبرح بالروح. وأعز ما صرف همته فيه خدمة العلم وأهله فحاز الحظ الوافر لما توجه إليه بكله، وكان مع علو رتبته وسمو منزلته على غاية من التواضع ولين الجانب ويبذل جهده في كل وارد في تحصيل ما يبتغيه من المطالب، إذا اجتمع بالأصحاب عد نفسه كواحد منهم ولم تمل نفسه بشيء إلى التميز عنهم حتى أنه كان يتعرض إلى ما يقتضيه الحال من الأشغال من غير نظر إلى حال من الأحوال ولا ارتقاب لمن يباشر عنه ما يحتاج إليه من الأشغال. ولقد شاهدت منه سنة ورودي إلى خدمته أنه كان ينقل الحطب على حمار في الليل لعياله ويصلي الصبح في المسجد ويشتغل بالتدريس بقية نهاره، فلما شعرت منه بذلك كنت أذهب معه بغير اختياره، وكنت أستفيد من فضائله وأرى من حسن شمائله ما يحملني على حب ملازمته وعدم مفارقته. كان يصلي العشاء جماعة ويذهب لحفظ الكرم ويصلي الصبح في المسجد ويجلس للتدريس والبحث كالبحر الزاخر ويأتي بمباحث عجز عنها الأوائل والأواخر. وقد تفرد عن غيره بمنقبة وفضيلة جليلة وهي أن العلماء لم يقروا على ترويج أمور العلم والتأليف والتصنيف حتى اتفق لهم من يقوم بما يحتاجون إليه إما ذو سلطان يسخره الله لهم أو بعض أهل الخير وكانوا آمنين ولهم وكلاء قائمون بمصالح معيشتهم بحيث لا يعرفون إلا العلم وممارسته، ولم يبرز لهم من المصنفات في الزمان الطويل إلا القليل ومن التحقيقات إلا اليسير. وكان شيخنا المذكور يتعاطى جميع مهماته بقلبه وبدنه حتى لو لم يكن إلا مهمات الواردين عليه ومصالح الضيوف لكفى مضافاً إلى القيام بأحوال الأهل والعيال ونظام المعيشة وأسبابها من غير وكيل ولا مساعد يقوم بها حتى أنه ما كان يعجبه تدبير أحد في أموره ومع ذلك كان في غالب أوقاته في حالة الخوف على تلف نفسه وفي التستر والاختفاء الذي لا يسع الإنسان معه أن يفكر في مسألة من الضرورات البديهية ولا يحسن أن يعلق شيئاً يقف عليه من بعده، وقد برز منه مع ذلك من التصانيف والأبحاث والتحقيقات ما هو ناشىء عن فكر صاف ومغترف من بحر علم واف بحيث أن من تفكر في الجمع بين هذا وما ذكرناه تحير ولو بذل أحدنا مع قلة موانعه وتوفير دواعيه أوقاته جهده في كتابة مصنفاته لعجز عنها.
ويقول ابن العودي: رأيت قطعة بخطه في تاريخ يتضمن مولده وجملة من أحواله جاء فيها: هذه جملة من أحوالي وتصرف الزمان بي في عمري وتاريخ بعض المهمات التي اتفقت لي:
كان مولدي في يوم الثلاثاء 13 شهر شوال سنة 911هـ من الهجرة النبوية، ولا أحفظ مبدأ اشتغالي بالتعلم لكن كان ختمي لكتاب الله العزيز سنة 920هـ من الهجرة النبوية وسني إذ ذاك تسع سنين واشتغلت بعده بقراءة الفنون العربية والفقه على الوالد قدّس سرّه إلى أن توفي في العشر الأوسط من شهر رجب يوم الخميس سنة 925هـ وكان من جملة ما قرأته عليه مختصر الشرائع واللمعة الدمشقية، وفي الروضات: كان والده قد جعل له راتباً من الدراهم بإزاء ما كان يحفظه من العلم كما حكي، قال: ثم ارتحلت في شهر شوال من تلك السنة 925هـ مهاجراً في طلب العلم إلى ميس واشتغلت بها على شيخنا الجليل الشيخ علي بن عبد العالي قدّس الله سره من تلك السنة إلى أواخر سنة 933هـ وكان من جملة ما قرأته عليه شرائع الإسلام والإرشاد وأكثر القواعد والظاهر أنهم كانوا يقرؤون هذه المتون مع بيان أدلة المسائل بوجه مطول أو مختصر. فيكون عمره حين رحلته إلى ميس وهي أول رحلاته 14 سنة ونحو من ثلاثة أشهر وارتحاله من ميس إلى كرك نوح في حياة الشيخ علي الميسي لأن الشيخ علي توفي في جمادى الأولى سنة 938هـ كما صرح به الشهيد الثاني نفسه فيما يأتي من كلامه. وكان الشيخ علي زوج خالته وتزوج في تلك المدة ابنة الشيخ علي وهي زوجته الكبرى وأولى زوجتيه قال ثم ارتحلت في شهر ذي الحجة إلى كرك نوح (ع) وقرأت بها على المرحوم المقدس السيد حسن ابن السيد جعفر (صاحب كتاب المحجة البيضاء) جملة من الفنون وكان مما قرأته عليه قواعد ميثم البحراني في الكلام والتهذيب في أصول الفقه، والعمدة الجليلة في الأصول الفقهية من مصنفات السيد المذكور، والكافية في النحو وسمعت جملة من الفقه وغيره من الفنون. ثم انتقلت إلى جبع وطني زمن الوالد في شهر جمادى الآخرة سنة 934هـ، فتكون مدة إقامته في كرك نوح سبعة أشهر إلا أياماً، قال: وأقمت بها مشتغلاً بمطالعة العلم والمذاكرة إلى سنة 937هـ.
قال: ثم ارتحلت إلى دمشق واشتغلت بها على الشيخ الفاضل المحقق الفيلسوف شمس الدين محمد بن مكي فقرأت عليه من كتب الطب شرح الموجز النفيسي، وغاية القصد في معرفة الفصد من مصنفات الشيخ المبرور المذكور، وفصول الفرغاني في الهيئة، وبعض حكمة الإشراق للسهروردي وقرأت في تلك المدة بها على المرحوم الشيخ أحمد بن جابر الشاطبية في علم القراءة وقرأت القرآن بقراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم، ثم رجعت إلى جبع سنة 938هـ وبها توفي شيخنا شمس الدين المذكور وشيخنا المقدم الأعلى الشيخ علي في شهر واحد وهو شهر جمادى الأولى، وكانت وفاة شيخنا السيد حسن 6 شهر رمضان سنة 933هـ وأقمت بالبلدة المذكورة (جبع) إلى تمام سنة 941هـ ثم عدت إلى دمشق ثانياً أول سنة 942 واجتمعت في تلك السفرة بجماعة كثيرة من الأفاضل فأول اجتماعي بالشيخ شمس الدين بن طولون الدمشقي الحنفي وقرأت عليه جملة من الصحيحين وأجازني روايتهما مع ما يجوز له روايته في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. قال ابن العودي: وكانت قراءته عليه في الصالحية بالمدرسة السليمية وكنت أنا إذ ذاك في خدمته أسمع الدرس وأجازني الشيخ المذكور الصحيحين المذكورين. وقد وقع هنا خلل واضطراب فيما نقله بعض الحاكين لهذه القصة عن رسالة ابن العودي سببه تحريف النساخ.
قال: ورحلت إلى مصر أول سنة 943هـ لتحصيل ما أمكن من العلوم، وفي نسخة 942هـ، فعلى النسخة الأولى تكون إقامته بدمشق في السفرة الثانية شهرين ونصفاً وعلى النسخة الثانية سنة وشهرين ونصفاً. وقال ابن العودي: وكنت أريد صحبته إلى مصر فأرسلت إليه فمنعني وما كان ذلك إلا لسوء حظي، وكان القائم بإمداده وتجهيزه بهذه السفرة الحاج الخير الصالح شمس الدين محمد بن هلال رحمه الله عمل معه عملاً قصد به وجه الله وقام بكل ما يحتاج إليه مضافاً إلى ما أسدي إليه من المعروف وأجرى عليه من الخيرات في مدة طلبه للعلم قبل سفره هذا واصبح هذا الحاج محمد مقتولاً في بيته هو وزوجته وولدان له أحدهما رضيع في السرير سنة 952،هـ وفي بعض النسخ سنة 956هـ ثم ودعناه وسافر من دمشق يوم الأحد منتصف ربيع الأول سنة 942هـ، قال ابن العودي: واتفق له في الطريق ألطاف إلهية حكى لنا بعضها منها: ما أخبرني به ليلة الأربعاء عاشر ربيع الأول سنة 960هـ أنه في منزل الرملة مضى إلى مسجدها المعروف بالجامع الأبيض لزيارة الأنبياء الذين في الغار وحده، فوجد الباب مقفولاً وليس في المسجد أحد، فوضع يده على القفل وجذبه فانفتح فنزل إلى الغار واشتغل بالصلاة والدعاء وحصل له إقبال على الله بحيث إنه ذهل عن القافلة ومسيرها، ثم جلس طويلاً ودخل المدينة بعد ذلك ومضى إلى مكان القافلة فوجدها قد ارتحلت ولم يبق منها أحد، فبقي متحيراً في أمره مع عجزه عن المشي فأخذ يمشي على أثرها وحده فمشى حتى أعياه التعب، فبينما هو في هذا الضيق إذ أقبل عليه رجل لاحق به وهو راكب بغلة فلما وصل إليه قال له اركب خلفي فردفه ومضى كالبرق فما كان إلا قليلاً حتى لحق بالقافلة. وأنزله وقال له: اذهب إلى رفقتك ودخل هو في القافلة. ومنها أنه لما وصل إلى غزة واجتمع بالشيخ محيي الدين عبد القادر بن أبي الخير الغزي وجرت بينه وبينه احتجاجات ومباحثات وأجازه إجازة عامة وصار بينهما مودة زائدة وأدخله إلى خزانة كتبه فقلب الكتب وتفرج في الخزانة، فلما أراد الخروج قال له اختر لنفسك كتاباً من غير تأمل ولا انتخاب فظهر كتاب لا يحضرني اسمه من كتب الشيعة من مصنفات الشيخ جمال الدين بن المطهر، قال: وكان وصولي مصر يوم الجمعة منتصف شهر ربيع الآخر من سنة 942هـ ـ وذلك بعد شهر من خروجه من دمشق ـ واشتغلت بها على جماعة وعد ستة عشر شيخاً ـ (منهم) الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي قرأت عليه منهاج النووي في الفقه وأكثر مختصر الأصول لابن الحاجب وشرح العضدي مع مطالعة حواشيه السعدية والشريفية وسمعت عليه كتباً كثيرة في الفنون العربية والعقلية وغيرهما (فمنها) شرح تصريف العزي (ومنها) شرح الشيخ المذكور لورقات إمام الحرمين الجويني في أصول الفقه (ومنها) أذكار النووي وبعض شرح جمع الجوامع والمحلى في أصول الفقه وتوضيح ابن هشام في النحو وغير ذلك ما يطول ذكره، وأجازني إجازة عامة بما يجوز له روايته سنة 943هـ. (ومنهم) الملا حسين الجرجاني قرأنا عليه جملة من شرح التجريد للملا علي القوشجي مع حاشية ملا جلال الدين الدواني وشرح أشكال التأسيس في الهندسة لقاضي زاده الرومي وشرح الجغميني في الهيئة له. (ومنهم) الملا محمد الأسترآبادي قرأنا عليه جملة من المطول مع حاشية السيد شريف والجامي شرح الكافية (ومنهم) الملا محمدعلي الكيلاني سمعنا عليه جملة في المعاني والمنطق. (ومنهم) الشيخ شهاب الدين بن النجار الحنبلي قرأت عليه جميع شرح الشافية للجاربردي وجميع شرح الخزرجية في العروض والقوافي للشيخ زكريا الأنصاري وسمعت عليه كتباً كثيرة في الفنون والحديث منها الصحيحان، وأجازني جميع ما سمعت، وقرأت وجميع ما يجوز له روايته في السنة المذكورة. (ومنهم) الشيخ أبو الحسن البكري سمعت عليه جملة من الكتب في الفقه والتفسير وبعض شرحه على المنهاج. وفي مقدمات البحار أن له كتاب الأنوار في مولد النبيّ (ص) وكتاب مقتل أمير المؤمنين (ع) وكتاب وفاة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، قال ابن العودي: كثيراً ما كان قدس الله سره يطري علينا أحوال هذا الشيخ ويثني عليه. وذكر أنه كان له حافظة عجيبة كأن التفسير والحديث نصب عينيه وكان أكثر المشايخ المذكورين أبهة ومهابة عند العوام والدولة وكان على غاية من حسن الطالع والحظ الوافر من الدنيا وإقبال القلوب عليه وكان من شدة ميل الناس إليه إذا حضر مجلس العلم أو دخل المسجد يزدحم الناس على تقبيل كفيه وقدميه حتى أن منهم من يمشي حبواً ليصل إلى قدميه يقبلهما. صحبه شيخنا نفع الله به من مصر إلى الحج وذكر أنه خرج في مهيع عظيم من مصر راكباً في محفة مستصحباً ثقلاً كثيراً بعزم المجاورة بأهله وعياله، وكان شأنه إذا حج يجاور سنة ويقيم بمصر سنة ويحج، وكان معه من الكتب عدة أحمال ذكر شيخنا عددها ولكن ليس في حفظي الآن حتى أنه ظهر له من التعجب من كثرتها فروى له أن الصاحب ابن عباد رحمه الله كان إذا سافر يصحب معه سبعين حملاً من الكتب بحيث صار ما صحبه قليلاً في جنب ذلك. وذكر أنه حكى له في أول منزل برز إليه الحاج خارج مصر أنه أخرج حتى صار في ذلك المنزل ألف دينار من المال. وكان محباً لشيخنا مقبلاً عليه متلطفاً به ولما رآه أول مرة راكباً في المحارة وكان هو في المحفة سلم عليه وتواضع معه وقال له يا شيخ أنا أول حجة حججتها ركبت في موهبة (وعاء من خوص) وأنت الحمد لله من أول حجة ركبت في المحارة. وكان شيخنا يرى أن لا يراه وقت الإحرام فاقتفى أنه صادفه حال السير فقال له بصوت عال ما أحسن هذا ما أحسن هذا تقبل الله منكم. وكانت له معه محاورات ولطائف في تضاعيف المباحثات سأله يوماً في الطريق ما تقولون في أمر هؤلاء العوام والرعاع الذين لا يعرفون شيئاً من الدلالات المنجية من المهلكات ما حكمهم عند الله سبحانه وهل يرضى منهم مع هذا التقصير بل ننقل الكلام إلى العلماء الأعلام والفضلاء الكرام الذين جمد كل فريق منهم على مذهب من المذاهب الأربعة ولم يدر ما قيل فيما عدا المذهب الذي اختاره مع قدرته على الاطلاع والفحص وإدراك المطالب، وقنع بالتقليد للسلف وجزم بأنهم كفوه مؤنة ذلك ومن المعلوم أن الحق في جهة واحدة فإن قالت إحدى الفرق إن الحق في جانبها اعتماداً على فلان وفلان فكذلك الأخرى تقول اعتماداً على محققيهم وأعيان مشايخهم لأنه ما من فرقة إلا ولها فضلاء ترجع إليهم وتعول عليهم، فالشافعية مثلاً يقولون نحن الإمام الشافعي وفلان وفلان كفونا ذلك، وكذلك الحنفية يستندون إلى الإمام أبي حنيفة وغيره من محققي المذهب، وكذلك المالكية والحنابلة يستندون إلى فضلائهم ومحققيهم، وكذلك الشيعة يقولون نحن السيد المرتضى والشيخ الطوسي والخواجة نصير الدين والشيخ جمال الدين وغيرهم بذلوا الجهد وكفونا مؤنة التفحص ونحن على بصيرة وثقة من أمرنا، فكيف يكتفي مثل هؤلاء الفضلاء بالاقتصار على أحد هذه المذاهب ولم يطلع على حقيقة المذاهب الأخرى بل ولا وقف على مصنفات أهلها ولا عرف أسماءهم؟ فكون الحق مع الجميع لا يمكن ومع البعض ترجيح من غير مرجح، فأجاب الشيخ أبو الحسن: أما ما كان من أمر العوام فنرجو من عفو الله أن لا يؤاخذهم بتقصيرهم وأما العلماء فيكفي كون كل منهم محقاً في الظاهر، قال شيخنا: كيف يكفيهم مهما ذكر من تقصيرهم في النظر وتحقيق الحال، فقال له: يا شيخ جوابك سهل، مثلا ذلك من ولد مختوناً خلقة فإنه يكفيه عن الختان الواجب شرعاً. فقال له شيخنا هذا المختون خلقة لا يسقط عنه الوجوب حتى يعلم أن هذا هو الختان الشرعي بأن يسأل ويتفحص من أهل الخبرة والممارسين لذلك أن هذا القدر الموجود خلقة هل هو كاف في الواجب شرعاً أم لا، أما أنه من نفسه يقتصر على ما وجده فهذا لا يكفيه شرعاً في السقوط، فقال له: يا شيخ ليست هذه أول قارورة كسرت في الإسلام. توفي سنة 953هـ بمصر ودفن بالقرافة وكان يوم موته يوماً عظيماً بمصر لكثرة الجمع، ودفن بجانب قبة الإمام الشافعي وبنوا عليه قبة عظيمة. قال روح الله روحه الزكية: ومنهم الشيخ زين الدين الجرمي المالكي قرأت عليه ألفية ابن مالك. ومنهم الشيخ المحقق ناصر الدين اللقاني (الملقاني) المالكي محقق الوقت وفاضل تلك البلدة لم أر بالديار المصرية أفضل منه في العلوم العقلية والعربية سمعت عليه البيضاوي في التفسير وغيره من الفنون. ومنهم الشيخ ناصر الدين الطبلاوي الشافعي قرأت عليه القرآن بقراءة أبي عمرو ورسالة في القراءة من تأليفاته. ومنهم الشيخ شمس الدين محمد بن أبي النحاس قرأت عليه الشاطبية في القراءة والقرآن العزيز للأئمة السبعة وشرعت ثانياً اقرأ عليه العشرة ولم أكمل الختم بها، قال ابن العودي: كثيراً ما كان ينعت هذا الشيخ بالصلاح وحسن الأخلاق والتواضع وكان فضلاء مصر يترددون إليه للقراءة في فنون القرآن العزيز لبروزه فيها وكأن هذا الفن نصب عينيه حتى أن الناس كانوا يقرؤون عليه وهو مشتغل بالصنعة لا يرمي المطرقة من يده إلا إذا جاء أحد من الفضلاء الكبار فيفرش له شيئاً ويجلس هو على الحصير، قال: ـ أعاد الله علينا بركاته ـ ومنهم الشيخ الفاضل الكامل عبد الحميد السمنهوري قرأت عليه جملة صالحة من الفنون وأجازني إجازة عامة. (قال ابن العودي): وهذا الشيخ أيضاً كان شيخنا قدس سره كثير الثناء عليه بالجمع بين فضيلتي العلم والكرم وأنه كان في شهر رمضان لا يدعهم يفطرون إلا عنده حتى أنهم غابوا عنه ليلة فلما جاؤوا بعدها تلطف بهم كثيراً وقال كل من في البيت استوحش لكم البارحة حتى لطيفة ـ اسم بنت صغيرة كانت له ـ وكان له جارية إذا جاء أحد يطلبهم للضيافة يقول أعلمي سيدك بالخبر إن فلاناً يطلب الجماعة ليكونوا عنده الليلة، تقول: هذا الخبر لا أعلمه به ولا أقول له عن ذلك، قال قدس سره: ومنهم الشيخ شمس الدين محمد بن عبد القادر الفرضي الشافعي قرأت عليه كتباً كثيرة في الحساب الهوائي والمرشدة في حساب الهند الغباري والياسمينية وشرحها في علم الجبر والمقابلة وسمعت عليه شرح الوسيلة وأجازني إجازة عامة. وسمعت بالبلد المذكور من جملة متكثرة من المشايخ يطول الخطب بتفصيلهم. (ومنهم) الشيخ عميرة والشيخ شهاب الدين بن عبد الحق والشيخ شهاب الدين البلقيني والشيخ شمس الدين الديروطي وغيرهم، (قال ابن العدوي): وكل هؤلاء المشايخ لم يبق منهم أحد وقت إنشاء هذا التاريخ فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون.
قال: ثم ارتحلت من مصر إلى الحجاز الشريف في 17 شهر شوال سنة 943 (فتكون مدة مقامه بمصر 18 شهراً ويومين).
قال طاب مثواه: ورجعت إلى وطني الأول بعد قضاء الواجب من الحج والعمرة والتمتع بزيارة النبيّ (ص) وأصحابه صلوات الله عليهم ووصلت في 14 صفر سنة 944، قال ابن العودي: وكان قدومه إلى البلاد كرحمة نازلة أو غيوث هاطلة أحيا بعلومه نفوساً أماتها الجهل وازدحم عليه أولو العلم والفضل كأن أبواب العلم كانت مقفلة ففتحت وسوقه كانت كاسدة فربحت، وأشرقت أنواره على ظلمة الجهالة فاستنارت. وابتهجت قلوب أهل المعارف وأضاءت أشهر ما اجتهد في تحصيله منه وأشاع وظهر من فوائده ما لم يطرق الأسماع، رتب الطلاب ترتيب الرجال وأوضح السبيل لمن طلب، وفي هذه السنة توشح ببرود الاجتهاد وأفاض مولاه عليه من السعادة ما أراد إلا أنه بالغ في كتمان أمره. (وقال ابن العودي) أيضاً في مكان آخر: أخبرني قدس الله سره لطيفه وكان في منزلي بجزين متخفياً من الأعداء ليلة الاثنين 11 صفر سنة 956هـ أن ابتداء أمره في الاجتهاد كان سنة 944هـ وأن ظهور اجتهاده وانتشاره كان في سنة 948هـ فيكون عمره لما اجتهد 33 سنة وكان في ابتداء أمره يبالغ في الكتمان وشرع في شرح الإرشاد ولم يبده لأحد وكتب منه قطعة ولم يره أحد.
(قال) روح الله روحه الزكية: وأقمت بها (أي جبع) إلى سنة 946هـ، قال ابن العودي: وفي هذه السنة عمر داره التي أنشأها بها وقلت فيها من أبيات:
| لقد أصبحت تفتخرين بُشراً | بزين الدين إذ قد حل فيك | |
| فلا زال السرور بكل يوم | يخاطب بالتحية ساكنيك |
وشرع في عمارة المسجد المجاور للدار المذكورة وانتهى في سنة 948هـ.
قال ابن العودي: قال نفعنا الله بعلومه: وسافرت إلى العراق لزيارة الأئمة وكان خروجي في 17 ربيع الآخر سنة 946هـ ورجوعي في 15 شعبان منها، قال ابن العودي: (قلت) وكنت في خدمته مع جماعة من الأصحاب وأهل البلاد تلك المرة وكانت من أبرك السفرات بوجوده، واتفق أنه رافقنا من حلب رجل أخو بعض سلاطين الأزبك كان قد جاء من الحج ومعه جماعة ومن جملتهم رجل شيعي أعجمي ومنهم آخر من بلاده في غاية البغض للشيعة والبعد عنهم، وكان شيخاً كبيراً طاعناً في السن وآخر ملا يصلي به إماماً وكان يظهر من الرجل بعد زائد عن الشيخ ورفقته حتى ألف بينه وبين الشيخ وما بقي يصلي إلا معه وإذا نزلت القافلة حين نزوله عن الفرس يجيء إلى عنده وألقى الله سبحانه حبه في قلبه وترك الصلاة مع صاحبه الملا وجعله قائداً لكلاب كانت معه فحصل في نفسه ونفس ذلك الشيخ على شيخنا من الغل والحقد ما حصل وعزما على السعاية به في بغداد. وكان شيخنا في فكر لذلك حتى أنه عزم على الرجوع إن لم يمكنه الزيارة خفية فلما وصلنا الموصل ضعف ذلك الشيخ جداً وعجز عن السفر مع القافلة وانقطع هناك وكفاه الله شره. وزار الشيخ الأئمة(عليهم السلام) مستعجلاً واجتمع عليه مدة وجوده هناك فضلاء العراق وكان منهم السيد شرف الدين السماك العجمي أحد تلامذة المرحوم الشيخ علي بن عبد العالي الكركي وأخذ عليه العهد عند قبر الإمام أمير المؤمنين (ع) إلا ما أخبره إن كان مجتهداً وأقسم له أنه لا يريد بذلك إلا وجه الله سبحانه. ثم بعد رجوعه إلى البلاد جاءه منه سؤالات ومباحث وإيرادات وأجابه عنها بما يقتضيه الحال وحقق فيها المقال ورجع الشيخ إلى وطنه في جبع في تلك السنة وأقام فيه إلى سنة 948.
قال أعلى الله شأنه في الجنة: وسافرت لزيارة بيت المقدس منتصف ذي الحجة سنة 948 واجتمعت في تلك السفرة بالشيخ شمس الدين بن أبي اللطف المقدسي وقرأت عليه بعض صحيح الإمام البخاري وبعض صحيح مسلم وأجازني إجازة عامة ثم رجعت إلى الوطن الأول المتقدم (جبع) وأقمت به إلى أواخر سنة 951 مشتغلاً بمطالعة العلم ومذاكراته مستفرغاً وسعي في ذلك.
سفره إلى القسطنطينية
وأخذه تدريس المدرسة النورية ببعلبك
قال ثم برزت لي الأوامر الإلهية والإشارات الربانية بالسفر إلى جهة الروم والاجتماع بمن فيها من أهل الفضائل والعلوم والتعلق بسلطان الوقت والزمان السلطان سليمان بن عثمان وكان ذلك على خلاف مقتضى الطبع وسياق الفهم لكن ما قدر لا تصل إليه الفكرة الكليلة والمعرفة القليلة من أسرار الحقائق وأحوال العواقب إلى أن يقول:
وأقمت بمدينة دمشق بقية الشهر ثم ارتحلت إلى حلب ووصلت إليها يوم الأحد 16 شهر المحرم سنة 952هـ، وأقمت بها إلى السابع من شهر صفر من السنة المذكورة.
ثم يقول: وكان وصولنا إلى مدينة طوقات صبيحة يوم الجمعة 12 شهر صفر سنة 952هـ ونزلنا بعمارة السلطان بايزيد وهي مدينة كثيرة الخيرات عامرة آهلة يجلب إليها ومنها أكثر الأمتعة والأرزاق، كثيرة المياه والجبال محيطة بها من كل جانب، ويليها إلى الشمال واد طويل متسع فيه نهر كبير جداً، يشتمل هذا الوادي على ما قيل على نحو أربعمائة قرية شاهدنا كثيراً منها ومررنا فيه يومين بعد خروجنا من طوقات. وهذه القرى المذكورة كلها عامرة جداً كثيرة الخير والفواكه متصلة بعضها ببعض لا يفصل بينها شيء، وربما بعد الإنسان منها في نظر واحد ما يزيد من عشر قرى إلى عشرين قرية. وكان خروجنا من طوقات يوم الأحد عند الظهر ووصلنا يوم الأربعاء إلى مدينة أماسية وبها أيضاً عمارة للسلطان بايزيد عظيمة البناء محكمة غاية الإحكام في بقعة متسعة جداً حسنة تشتمل على مطابخ عظيمة البناء وصدقات وافرة لكل وارد فيها مدرسة عظيمة حسنة وحاكم المدينة مع باقي تلك الجهات يومئذ السلطان مصطفى ابن السلطان سليمان، وهذا السلطان مصطفى قتله أبوه خوفاً على الملك سنة 960هـ وهي السنة التي خرج فيها إلى حرب الفرس وفيها مات ولده آخر الزمان (اسمه جهانكير وهو فارسي معناه آخر الزمان) بحلب وقيل إن أباه قتله أيضاً وأقمنا بهذه المدينة 16 يوماً ثم توجهنا منها نحو القسطنطينية (ومن غريب) ما رأيناه في الطريق بعد مفارقتنا إماسية بأيام أننا مررنا بواد عظيم لم نر أحسن منه وليس فيه عمارة طوله مسيرة يوم تقريباً وفيه من سائر الفواكه والثمار بغير مالك بل هو نبات من الله سبحانه كغيره من الأشجار البرية وكذا فيه معظم أنواع المشمومات العطرة والأزهار الأرجة ومما رأينا فيه الجوز والرمان والبندق والعنب والعناب والتفاح وأنواع من الخوخ وأنواع من الكمثري والزعرور والقراصيا حتى أن بعض أشجار القراصيا بقدر شجر الجوز الكبير بغير حرث ولا سقي وفيه البرباريس بكثرة ورأينا من المشمومات الورد الأبيض والأحمر والأصفر والياسمين الأصفر والبلسان والزيزفون والبان وكان ذلك الوقت أوان زهرها وفيه من الأشجار الجيدة العظيمة شجر الصنوبر والدلب والصفصاف والسنديان والملول شجر البلوط وهذه الأشجار كلها مختلطة بعضها ببعض، ورأينا فيه أنواعاً كثيرة من الفواكه قد انعقد حبها ولا نعرف أسماءها ولا رأيناها قبل ذلك اليوم أبداً. ثم سرنا عنه أياماً كثيرة ثم وصلنا إلى أرض أكثر شجرها الفواكه لا سيما الخوخ والتفاح وأكثر ما اشتمل عليه ذلك الوادي يوجد فيها وسرنا في هذه الأرض خمسة أيام وهي من أعجب ما رأينا من أرض الله تعالى وأحسنها وأكثرها فاكهة مجتمعة بعضها ببعض كأنها حدائق منضودة بالغرس لا يدخل بينها أجنبي وفيها أشجار عظيمة طولاً وعرضاً وربما بلغ طولها مائتي شبر فصاعداً ودور بعضها يبلغ ثلاثين شبراً فصاعداً ومررنا في جملة هذا السير على مدن حسنة وقرى بعيدة وكان وصولنا إلى مدينة قسطنطينية يوم الاثنين 17 شهر ربيع الأول سنة 952هـ ووفق الله تعالى لنا منزلاً حسناً رفقاً من أحسن مساكن البلد قريباً إلى جميع أغراضنا وبقيت بعد وصولي 18 يوماً لا اجتمع بأحد من الأعيان ثم اقتضى الحال أن كتبت في هذه الأيام رسالة جيدة تشتمل على عشرة مباحث جليلة كل بحث في فن من الفنون العقلية والفقهية والتفسير وغيرها وأوصلتها إلى قاضي العسكر وهو محمد بن قطب الدين بن محمد بن محمد ابن قاضي زاده الرومي وهو رجل فاضل أديب عاقل لبيب من أحسن الناس خلقاً وتهذيباً وأدباً، فوقعت منه موقعاً حسناً وحصل لي بسبب ذلك منه حظ عظيم وأكثر من تعريفي والثناء علي للأفاضل واتفق في خلال هذه المدة بيني وبينه مباحثة في مسائل كثيرة من الحقائق. (قال ابن العودي): ومن قواعد الأروام المقررة في قانونهم بحيث لا يمكن خلافه عندهم أن كل طالب منهم لا بدّ له من عرض قاضي جهته بتعريفه وأنه أهل لما طلب إلا شيخنا قدس الله سره فإنه استخار الله سبحانه أن يأخذ عرضاً من قاضي صيدا وكان إذ ذاك القاضي معروف الشامي فلم تظهر خيرة وكان بينه وبينه صحبة ومداخلة فبقي متحيراً في أنه يسافر ولا يعلمه ولا يطلب منه عرضاً فاقتضى الرأي أن أرسلني إليه لأسوق معه سياقاً يفهم منه الإعلام بالسفر ولا أطلب منه عرضاً. فمضيت وأعلمته بذلك فقال: نكتب له عرضاً. فقلت هو ما قال لي من جهة العرض، فقال: رواحه بلا عرض لا يمكن لأنه لا ينقضي له إلا به البتة لأن من عادة هؤلاء الأروام وقانونهم أنه لو مضى إمام مذهبهم أبو حنيفة وطلب منهم غرضاً من الأغراض يقولون له أين عرض القاضي؟ فيقول لهم أنا إمامكم ولا أحتاج عرض القاضي فيقولون له لا بد من ذلك نحن لا نعرف إلا القانون (قال): وحكى لنا قدّس سرّه أنه اجتمع ببعض الفضلاء في قسطنطينية فسأله هل معك عرض القاضي؟ فقال لا. فقال إذن أمرك مشكل يحتاج إلى تطويل زائد فأخرج له الرسالة المذكورة التي ألفها وقال هذا عرضي فقال لا تحتاج معه شيئاً. (قال طاب ثراه): ففي اليوم الثاني عشر من اجتماعي به أرسل إلي الدفتر المشتمل على الوظائف والمدارس وبذل لي ما اختاره وأكد في كون ذلك في الشام أو حلب فاقتضى الحال أن اخترت منه المدرسة النورية ببعليك لمصالح وجدتها ولظهور أمر الله تعالى بها على الخصوص فأعرض لي بها إلى السلطان سليمان وكتب لي بها براءة وجعل لي في كل شهر ما شرطه واقفها السلطان نور الدين الشهيد واتفق من فضل الله سبحانه ومنته لي في مدة إقامتي بالبلدة المذكورة في الألطاف الإلهية والأسرار الربانية والحكم الخفية ما يقصر عنه البيان ويعجز عن تحريره البنان ويكل عن تقريره اللسان فلله الحمد والمنة والفضل والنعمة على هذا الشأن ونسأله أن يتم علينا منه الإحسان إنه الكريم الوهاب المنان. ثم أنه ذكر جملة من غرائب نعم الله تعالى عليه في تلك البلدة، قال ابن العودي: لم يذكر اجتماعه فيها بالسيد عبد الرحيم العباسي فقد كان قدس سره كثيراً ما يطري ذكره علينا وأنه من أهل الفضل التام وله مصنفات منها «شرح شواهد التلخيص» سلك فيه مسلكاً واسعاً وسمّاه «معاهد التنصيص في شرح أبيات التلخيص» نقل شيخنا جملة منه بخطه وذكر أنه إذا تعلق بشرح بيت من الأبيات أتى على غالب أحوال قائله وأشعاره وما يتعلق به وأطنب. ولهذا السيد أشعار في غاية الجودة موجود منها شيء بخط شيخنا في بعض المجاميع لجامع الكتاب، (قال): وكانت مدة إقامتي بمدينة قسطنطينية ثلاثة أشهر ونصفاً وخرجت منها يوم السبت 11 شهر رجب سنة 952هـ وعبرت البحر إلى مدينة اسكدار وهي مدينة حسنة جيدة صحيحة الهواء عذبة الماء محكمة البناء يتصل بكل دار منها بستان حسن يشتمل على الفواكه الجيدة العطرة، على شاطىء البحر كقابلة لمدينة قسطنطينية بينهما البحر خاصة وأقمت بها انتظر وصول صاحبنا الشيخ حسين بن عبد الصمد (العاملي والد البهائي وكان بصحبته في ذلك السفر لطلب تدريس مدرسة فأعطي تدريس مدرسة ببغداد) لأنه احتاج إلى التأخر عني تلك الليلة.
سفره من بلاد الروم إلى العراق
قال وكان خروجنا من اسكدار متوجهين إلى العراق يوم السبت لليلتين خلتا من شعبان من هذه السنة سنة 952هـ واتفق أن طريقنا إليها هي الطريق التي سلكناها من سيواس إلى استنبول ووصلنا إلى مدينة سيواس يوم الاثنين لخمس بقين من شعبان وخرجنا منها يوم الأحد ثاني شهر رمضان متوجهين إلى العراق وهو أول ما فارقناه من الطريق الأول وخرجنا في حال نزول الثلج وبتنا ليلة الاثنين على الثلج وكانت ليلة عظيمة البرد.
وانتهينا بعد أربعة أيام من اليوم المذكور إلى مدينة (ملطية) وهي مدينة لطيفة كثيرة الفواكه تقرب من أصل منبع الفرات ومررنا بعد ذلك بمدينة لطيفة تسمى (زغين) وهي قريبة من منبع دجلة وكان وصولنا إلى المشهد المقدس المبرور المشرف بالعسكريين بمدينة (سامراء) يوم الأربعاء رابع شهر شوال وأقمنا بها ليلة الخميس ويومه وليلة الجمعة، ثم توجهنا إلى بغداد ووصلنا إلى المشهد المقدس الكاظمي يوم الأحد ثامن الشهر فأقمنا به إلى يوم الجمعة وتوجهنا ذلك اليوم إلى زيارة ولي الله سلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما ورحلنا منه إلى مشهد الحسين (ع) ووصلنا إليه يوم الأحد منتصف الشهر المذكور وأقمنا به إلى يوم الجمعة وتوجهنا منه إلى الحلة وأقمنا بها إلى يوم الجمعة وتوجهنا منها إلى زيارة القاسم ثم إلى الكوفة ومنها إلى المشهد المقدس الغروي وأقمنا به بقية الشهر.
وكان خروجنا من المشاهد الشريفة بعد أن أدركنا زيارة عرفة بالمشهد الحائري والغدير بالمشهد الغروي والمباهلة بالمشهد الكاظمي 17 ذي الحجة الحرام من السنة المتقدمة ولم يتفق لنا الإقامة لإدراك زيارة عاشوراء مع قرب المدة لعوارض وقواطع منعت من ذلك والحمد لله على كل حال.
قال: واتفق وصولنا إلى البلاد منتصف شهر صفر سنة 953هـ أحسن الله خاتمتنا بخير كما جعل بدايتنا إلى خير بمنه وكرمه، ثم أقمنا ببعلبك ودرّسنا فيها مدة في المذاهب الخمسة وكثيراً من الفنون وصاحبنا أهلها على اختلاف آرائهم أحسن صحبة وعاشرناهم أحسن عشرة، وكانت أياماً ميمونة وأوقاتاً بهجة، ما رأى أصحابنا في الأعصار مثلها، قال ابن العودي: كنت في خدمته تلك الأيام ولا أنسى وهو في أعلى مقام ومرجع الأنام وملاذ الخاص والعام ومفتي كل فرقة بما يوافق مذهبها ويدرس في المذاهب كتبها، وكان له في المسجد الأعظم بها درس مضافاً إلى ما ذكر وصار أهل البلد كلهم في انقياده ومن وراء مراده بقلوب مخلصة في الوداد وحسن الإقبال والاعتقاد وقام سوق العلم بها على طبق المراد ورجعت إليه الفضلاء من أقاصي البلاد، قال: ثم انتقلنا عنهم إلى بلدنا جبع بنية المفارقة وأقمنا في بلدنا إلى سنة 955هـ مشتغلين بالدرس والتصنيف، قال ابن العودي: هذا آخر ما وجدته بخطه الشريف مما نسبته إليه من التاريخ كان خاتمة أوقات الأمان والسلامة من الحدثان ثم نزل به ما نزل وستقف عليه إلى خاتمة الأجل.
مشايخه
في أمل الآمل: روى عن جماعة كثيرين جداً من الشيعة وغير الشيعة في الشام ومصر وبغداد وقسطنطينية وغيرها، ثم قال: ويظهر مما ذكره ابن العودي في ترجمته ومن إجازة الشيخ حسن وإجازة والده أنه قرأ على كثيرين جداً من العلماء غير الشيعة قرأ عنهم كثيراً من كتبهم في الفقه والحديث والأصولين وغير ذلك. وروى جميع كتبهم وكذلك فعل الشهيد والعلامة ولا شك أن غرضهم كان صحيحاً ولكن ترتب على ذلك ما يظهر لمن تأمل وتتبع كتب الأصول وكتب الاستدلال وكتب الحديث. ويظهر من الشيخ حسن عدم الرضا بما فعلوه اهـ. والظاهر أن مراده بما ترتب على ذلك اتباعهم طريقة غير الشيعة في الاجتهاد وتقسيمهم الحديث إلى أقسامه المشهورة فإن ذلك مما لا يرضاه الأخباريون ولذلك ينقل عنهم أن الدين هدم في يومين أحدهما يوم ولد العلامة الحلي وقد بين في موضعه خطأ الأخباريين في زعمهم صحة جميع أحاديث الكتب الأربعة أو القطع بصدورها بما لا مجال لذكره هنا الذي أقله أن أصحاب هذه الكتب كانوا يردون بعضها بضعف السند فكيف بغيرهم. والعلامة والشهيدان أجلّ قدراً من أن يقلدوا أحداً في مثل هذه المسائل أو يقودهم قراء كتب غيرهم إلى اتباع ما فيها بدون برهان وهم رؤساء المذهب ومؤسسو قواعده وبهم اقتدى فيه أهله ومنهم أخذوه وإنما أخذوا اصطلاحات غير الشيعة ووضعوها لأحاديثهم غيرة على المذهب لما لم يروا مانعاً من ذلك وكذلك فعلوا في أصول الفقه وفي الإجماع وغيره وكذلك في فن الدراية وغيره. وكيف يكون عدم رضا الشيخ حسن بما فعلوا لهذه العلة وهو قد تبعهم فيها وزاد عليهم؟.
مؤلفاته
1 ـ روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان للعلامة الحلي وصل فيه إلى آخر كتاب الصلاة وهو أول ما أفرغه في قالب التصنيف بطريق الشرح المزجي، مطبوع.
2 ـ المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية للشهيد الأول وهو شرح مزجي أيضاً مطول. وفي الرياض أكثره مأخوذ من شرح المحقق الكركي، مطبوع.
3 ـ شرح الألفية الشهيدية متوسط بمنزلة الحاشية، فرغ منه ضحى يوم الاثنين 27 رجب سنة 929هـ.
4 ـ شرح الألفية المذكورة مختصر بمنزلة الحاشية تكتب على الهامش لتقييد الفتوى. واعلم أن بعضهم قال إن له ثلاثة شروح على الألفية مطول ومتوسط ومختصر وبعضهم قال إن له المقاصد العلية في شرح الألفية وحاشيتين على الألفية وسطى وصغرى تكتب على الهامش لتقييد الفتوى، واستظهرنا أن يكون الشرحان هما الحاشيتان وذلك أن الشهيد لما رأى رواية يستفاد منها أن الصلاة لها ألف واجب صنف رسالة سماها الألفية جمع فيها ألف واجب تصديقاً لهذا الحديث فشرحها الشهيد الثاني بهذه الشروح الثلاثة.
5 ـ الفوائد الملية في شرح الرسالة النفلية للصلاة للشهيد الأول مزجي مطبوع.
6 ـ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية في الفقه بتمامه وهو آخر ما صنفه وأعطي حظاً عظيماً في التدريس فكان عليه المعول عمله في ستة أشهر وستة أيام وكان في الغالب يكتب كل يوم كراساً فرغ منه خاتمة ليلة السبت 21 جمادى الأولى سنة 957هـ، وهو شرح مزجي مطبوع عدة مرات.
7 ـ مسالك الأفهام إلى شرائع الإسلام شرح على شرائع المحقق الحلي فيه تمام الفقه مختصر في العبادات مطول في سواها وصفه المصنف بأنه من أجل مصنفاته في سبع مجلدات كبيرة وعمل ربيبه السيد محمد صاحب المدارك في العبادات تداركاً لاختصار المسالك فيها والمسالك عليه معول المؤلفين والمدرسين والمجتهدين مطبوع عدة طبعات في مجلدين كبيرين.
8 ـ تعليقات لطيفة على المسالك في مجلدين ذكره في بعض إجازاته.
9 ـ تمهيد القواعد الأصولية والعربية لتفريع الأحكام الشرعية وصفه مؤلفه بأنه كتاب واحد في فنه بحمد الله ومنه، قال: ومن وقف عليه علم حقيفة ذلك وذكر في أوله أنه لما رأى كتاب التمهيد في القواعد الأصولية وما يتفرع عليها من الفروع المؤلف سنة 768هـ والكوكب الدّري في القواعد العربية كلاهما للأسنوي الشافعي أراد أن يحذو حذوه ويجمع بين تلك القواعد في كتاب واحد مع إسقاط ما بين الكتابين من الحشو والزوائد فألف تمهيد القواعد هذا ورتبه على قسمين (أحدهما) في تحقيق القواعد الأصولية وتفريع ما يلزمها من الأحكام الفرعية، (والثاني) في تقرير المطالب العربية وترتيب ما يناسبها من الفروع الشرعية، واختار من كل قسم منهما مائة قاعدة متفرقة من عدة أبواب مضافاً إلى مقدمات وفوائد ومسائل لا نظير لها في رد الفروع إلى أصولها ورتب لها فهرساً مبسوطاً لتسهيل التناول للطالب فرغ منه في المحرم سنة 958هـ.
10 ـ حاشية الإرشاد للعلامة توجد على هوامش الإرشاد من أوله إلى آخره كما عن خط الفاضل الهندي في ظهر روض الجنان على فرائض الإرشاد والحاشية على قطعة من عقود الإرشاد، وقد ذكرت الأخيرة في عداد مؤلفاته مع حاشية الإرشاد لكن الظاهر أنها قطعة منه.
11 ـ حاشية على قواعد العلامة حقق فيها المهم من المباحث ومشى فيها مشي الحاشية المشهورة بالنجارية للشهيد الأول غالب المباحث فيها بينه وبينه برز منه مجلد إلى كتاب التجارة.
12 ـ حاشية مختصرة على الشرائع خرج منها قطعة صالحة ولعلها هي التي ذكرها في الرياض وسماها شرحه الصغير على الشرائع وفي المحكي عن إجازته للشيخ تاج الدين بن هلال الجزائري أنها في مجلدين ورأى صاحب الذريعة نسخة من هذه الحاشية على كتاب الفرائض خاصة من الشرائع.
13 ـ حاشية على خلافيات الشرائع أو حاشية فتوى خلافيات الشرائع كما في أمل الآمل جزء لطيف في خلافيات الشرائع ولعله المسمى في كلام بعض الأفاضل المقاربين لعصره فتاوى الشرائع بمعنى بيان الفتوى في المسائل الخلافية المذكورة في الشرائع.
14 ـ حاشية على المختصر النافع.
15 ـ حاشية الخلاصة وهي التي علقها بخطه على خلاصة العلامة في الرجال وينقل عنها الرجاليون بل نقلوها بأجمعها مفرقة على الأبواب والظاهر أنها هي المذكورة بعنوان فوائد خلاصة العلامة في الرجال.
16 ـ فتاوى المختصر النافع مجردة.
17 ـ فتاوى الإرشاد.
18 ـ فتاوى اللمعة مجردة ولعلها هي المذكورة بعنوان رسالة في فتوى الخلافة من اللمعة.
19 ـ رسالة في أسرار الصلاة سماها التنبيهات العلية على وظائف الصلاة القلبية وأسرارها جعلها ثالثة الرسالتين الألفية في واجبات الفرائض اليومية والنفلية في مستحباتها والتنبيهات في أسرارها وبعض المعاصرين جعل التنبيهات والأسرار اثنين وهما واحد مطبوع عدة مرات.
20 ـ رسالة في أحكام نجاسة البئر بالملاقة وعدمها مطبوعة.
21 ـ رسالة فيما إذا تيقن الطهارة والحدث وشك في السابق منهما مطبوعة.
22 ـ رسالة فيما إذا أحدث في أثناء غسل الجنابة بالحدث الأصغر مطبوعة.
23 ـ رسالة في تحريم طلاق الحائض الحاضر زوجها معها المدخول بها مطبوعة.
24 ـ رسالة في طلاق الغائب.
25 ـ رسالة في حكم صلاة الجمعة حال الغيبة ولعلها الرسالة المنسوبة إليه في عينية صلاة الجمعة نسبها إليه صاحب المدارك والسيد علي الصائغ تلميذه في شرح الإرشاد وغيرهما وفي الرياض قد يقال إنه لم يثبت انتسابها إليه ولو ثبت فلعلها كانت في أوائل حاله ولم يكن ماهراً في الفقه ولذلك صرح في شرح اللمعة بخلافه ثم قال أما انتسابها إليه فقد اتضح من مطاوي هذه الترجمة ومن تصريح سبطه صاحب المدارك وتصريح غيره بذلك وأما كونها من أوائل تصنيفه فغلط واضح لأن تاريخ تأليفها ربيع الأول سنة 963هـ قبل شهادته بأربع سنين فهي من أواخر مؤلفاته. اهـ ولكن تصريحه في الروضة التي هي آخر مصنفاته بعدم الوجوب العيني يدل على أنه قد عدل عما في الرسالة، مطبوعة.
26 ـ رسالة في الحث على صلاة الجمعة وهي غير رسالة عينية الجمعة مطبوعة.
27 ـ رسالة في خصائص يوم الجمعة وكأنها هي المذكورة في الأمل بعنوان رسالة في آداب الجمعة وفي الذريعة باسم أعمال الجمعة.
28 ـ رسالة في أحكام الحبوة فرغ منها يوم الثلاثاء 25 ذي الحجة سنة 956هـ مرتبة على ستة مطالب دائرة على ست كلمات استفهامية. ما مفهوم الحبوة؟ كم أعيان الحبوة؟ هل هي واجبة أو لا؟ مَن المحبو من الورثة؟ كيف يختص مجاناً أم لا؟ لم يُحبى هو خاصة؟ مطبوعة.
29 ـ رسالة في ميراث الزوجة مطبوعة.
30 ـ رسالة في جواب ثلاث مسائل لبعض الأفاضل ويحتمل كونه جوابات المسائل الثلاث الخراسانية الآتية.
31 ـ رسالة في عشرة مباحث مشكلة من عشرة علوم صنفها في استنبول خلال 18 يوماً.
32 ـ رسالة في عدم جواز تقليد الأموات من المجتهدين صنفها برسم الصالح الفاضل السيد حسين بن أبي الحسن جد صاحب المدارك في 18 صفحة ذكر أنه كتبها في جزء يسير من يوم واحد قصير 5 شوال سنة 949هـ.
33 ـ رسالة سماها الاقتصاد والإرشاد إلى طريق الاجتهاد ولعلها المحكية عن كشف الحجب بعنوان الاجتهادية.
34 ـ رسالة في شرح قوله الدنيا مزرعة الآخرة.
35 ـ رسالة في تحقيق النية.
36 ـ رسالة في أن الصلاة لا تقبل إلا بالولاية.
37 ـ رسالة في تحقيق الإجماع في حال الغيبة.
38 ـ رسالة في شرح البسملة.
39 ـ رسالة في تفسير قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ} [التوبة: 100].
40 ـ رسالة المسائل الاستنبولية في الواجبات العينية مذكورة في الرياض.
41 ـ رسالة في الأخبار مشتملة على خمسة فصول في الرياض رأيتها ببلدة ساوة اهـ ولعلها الكتاب الذي فيه نحو ألف حديث الآتي.
42 ـ رسالة في دعوى الإجماع في مسائل من الشيخ ومخالفة نفسه.
43 ـ رسالة في ذكر أحواله وهي التي نقل عنها ابن العودي.
44 ـ منية المريد في آداب المفيد والمستفيد مشتمل على آداب وفوائد جليلة وهو نعم المهذب لأخلاق الطلاب لمن عمل به طبع مرتين في الهند وإيران.
45 ـ بغية المريد مختصر منه وكأن ابن العودي أخذ اسم كتابه في ترجمة الشهيد منه.
46 ـ نتائج الأفكار في حكم المقيمين في الأسفار.
47 ـ كفاية المحتاج في مناسك الحاج وهو المناسك الكبير في الحج والعمرة لطيفة.
48 ـ مسكن الفوائد عند فقد الأحبة والأولاد لم يسبق إلى مثله وسبب تصنيفه له كثرة ما توفي له من الأولاد بحيث لم يبق منهم أحد إلا الشيخ حسن وكان لا يثق بحياته وقد استشهد وهو ابن أربع سنين أو سبع سنين كما مر في ترجمته مطبوع.
49 ـ مبرد الأكباد مختصر منه.
50 ـ كشف الريبة عن أحكام الغيبة لم يسبق إليه مطبوع.
51 ـ البداية في علم الدراية.
52 ـ شرح البداية مزجي فرغ منه ليلة الثلاثاء 5 ذي الحجة سنة 959هـ مطبوعان معاً.
53 ـ البداية في سبيل الهداية وهو غير بداية الدراية المتقدم فقد ذكرا معاً في أمل الآمل ويعطي اسمه أنه في العقائد.
54 ـ جواهر الكلمات في صيغ العقود والإيقاعات في الرياض هو كتاب حسن رأيت منه نسخة في خزانة الحضرة الرضوية ويحتمل اتحاده مع ما سبق في كلام الشيخ المعاصر بعنوان كتاب العقود بل هو الظاهر لكن الحق عندي كونه من مؤلفات غيره وهو الشيخ حسن بن مفلح الصيمري المشهور اهـ. ورأى صاحب الذريعة نسخة صيغ العقود وليس فيها التسمية بجواهر الكلمات وقد وقع خلل في كلام صاحب الرياض فإن عادته أن يعبر بالشيخ المعاصر عن صاحب أمل الآمل وليس في الأمل ذكر لكتاب العقود وإنما ذكره صاحب الرياض نفسه.
55 ـ منار القاصدين في أسرار معالم الدين.
56 ـ غنية القاصدين في اصطلاحات المحدثين.
57 ـ كتاب الرجال والنسب.
58 ـ كتاب تحقيق الإسلام والإيمان. وهو كتاب حقائق الإيمان الذي رأينا منه نسخة مخطوطة في طهران صرح بذلك صاحب الذريعة.
59 ـ كتاب الإجازات قال ولده الشيخ حسن في أواخر إجازته الكبيرة المشهورة: إن والدي جمع أكثر إجازات المشايخ في كتاب مفرد ذكره في فهرست كتب خزانته.
60 ـ جوابات مسائل الشيخ زين الدين ولا يعرف من هو هذا الشيخ زين الدين ولعله الفقعاني شريكه في الدرس.
61 ـ جوابات مسائل الشيخ أحمد والظاهر أن المراد به الشيخ أحمد العاملي الشهير بالمازحي فإن له مسائل سأل عنها الشهيد الثاني وأجابه عنها في الذريعة، أكثرها فقهية تاريخ كتابة النسخة 980هـ.
62 ـ جوابات المسائل الثلاث الخراسانية.
63 ـ جوابات المباحث النجفية.
64 ـ جوابات المسائل الهندية.
65 ـ جوابات المسائل الشامية ذكرت الأربعة في أمل الآمل.
66 ـ جوابات ستين مسألة في الذريعة محذوفة السؤال بعنوان مسألة اقتصر فيها على الجواب فقط وفي آخرها: اعلم أن الشيخ زين الدين الشهيد كتب هذه المسائل في جواب سؤالات وجدتها بخطه لكن تركت السؤالات لمعلوميتها وكتبت الأجوبة لاستقلالها والنسخة بخط شرف الدين علي بن جمال الدين المازندراني الذي كان حياً سنة 1070هـ. اهـ.
67 ـ مختصر الخلاصة ومرّ مختصر مسكن الفؤاد ومختصر المناسك ومختصر منية المريد.
68 ـ إجازة الشيخ حسين بن عبد الصمد وهي إحدى الإجازات الثلاث المشهورات تاريخها ليلة الخميس 3 جمادى الآخرة سنة941هـ.
69 ـ كتاب فيه نحو ألف حديث انتخبها من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب رآه صاحب أمل الآمل بخطه ويحتمل كونه المذكور في الرياض بعنوان رسالة في الأخبار مشتملة على خمسة فصول.
70 ـ الأربعون حديثاً في الفضائل ينقل عنه المولى أحمد الأردبيلي في حديثة الشيعة جملة من أخبار فضائل أمير المؤمنين (ع).
71 ـ آداب الصلاة وهو غير أسرار الصلاة المتقدم.
72 ـ أسرار الزكاة والصوم والحج عن كشف الحجب أنه استخرجه من جواهر القرآن للغزالي ويمكن كونه منار القاصدين في أسرار معالم الدين المتقدم.
73 ـ أنوار الهدى في مسألة البدا.
74 ـ الرسالة الاعتقادية في معرفة الله وما يتبعها من الأصول رآها صاحب الذريعة.
أشعاره
لما زار النبي (ص) سنة 943هـ ووقف على قبره الشريف قال:
| صلاة وتسليم على أشرف الورى | ومن فضله ينبو عن الحد والحصر | |
| ومن قد رقى السبع الطباق بنعله | وعوضه اللَّه البراق عن المهر | |
| وخاطبه اللَّه العلي بحبه | شفاهاً ولم يحصل لعبد ولا حر | |
| عدولي عن تعداد فضلك لائق | يكل لساني عنه في النظم والنثر | |
| وماذا يقول الناس في مدح من أتت | مدائحه الغراء في محكم الذكر | |
| سعيت إليه عاجلاً سعي عاجز | بعبء ذنوب جمة أثقلت ظهري | |
| ولكن ريح الشوق حرك همتي | وروح الرجا مع ضعف نفسي ومع فقري | |
| ومن عادة العرب الكرام بوفدهم | إعادته بالخير والحبر والوفر | |
| وجادوا بلا وعد مضى لنزيلهم | فكيف وقد واعدتني الخير في مصر | |
| فحقق رجائي سيدي في زيارتي | بنيل منائي والشفاعة في حشري |
وقوله:
| لقد جاء في القرآن آية حكمة | تدمر آيات الضلال ومن يجبر | |
| وتخبر أن الاختيار بأيدنا | (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) |
شهادته
يكتنف الغموض كيفية استشهاده فمن ذلك ما ذكر عن حسن بكروملو في أحسن التواريخ أنه قال في سنة 965هـ في أواسط سلطنة الشاه طهماسب الصفوي استشهد إفادة مآب حاوي المعقول والمنقول جامع الفروع والأصول الشيخ زين الدين العاملي وكان السبب في شهادته أن جماعة من السنيين قالوا لرستم باشا الوزير الأعظم للسلطان سليمان ملك الروم إن الشيخ زين الدين يدعي الاجتهاد ويتردد إليه كثير من علماء الشيعة ويقرؤون عليه كتب الإمامية وغرضهم بذلك إشاعة التشيع، فأرسل رستم باشا الوزير في طلب الشيخ زين الدين وكان وقتئذ بمكة المعظمة فأخذوه من مكة وذهبوا به إلى استنبول فقتلوه فيها من غير أن يعرضوه على السلطان سليمان اهـ. ومهما يكن من أمر فالسبب في شهادته لا يخرج عن التشيع. وعن خط السيد علي الصائغ تلميذ الشهيد الثاني أنه رحمه الله أسر وهو طائف حول الكعبة واستشهد يوم الجمعة في رجب تالياً للقرآن على محبة أهل البيت والحال أنه غريب ومهاجر إلى الله سبحانه وختم له بحج بيت الله الحرام وزيارة النبي عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام. وفي لؤلؤة البحرين: وجدت في بعض الكتب المعتمدة في حكاية قتله رحمه الله ما صورته: قبض على شيخنا الشهيد الثاني طاب ثراه بمكة المشرفة بأمر السلطان سليم (مرّ أنه سليمان) ملك الروم خامس شهر ربيع الأول سنة 965هـ. وكان القبض عليه بالمسجد الحرام بعد فراغه من صلاة العصر وأخرجوه إلى بعض دور مكة وبقي محبوساً هناك شهراً أو عشرة أيام ثم ساروا به على طريق البحر إلى قسطنطينية وقتلوه بها في تلك السنة وبقي مطروحاً ثلاثة أيام ثم ألقوا جسده الشريف في البحر اهـ. وعن مقامات السيد نعمة الله الجزائري أنهم بنوا عليه بناء خارج استنبول يسمى مزار الدين اهـ فقتله قد كان خارج استنبول ومن قال إنه قتل في استنبول أراد ذلك توسعاً.
الاستبصار
فيما اختلف من الأخبار
للشيخ محمّد بن الحسن الطوسي، المتوفّى سنة 469هـ: أحد المجاميع الحديثية الأربعة المعتمدة عند الإماميّة، التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند فقهائهم منذ تصنيفه، يقتصر على الأخبار المختلف فيها والجمع بينها، شرحه وعلّق عليه ـ لأهّميته ـ كثير من علماء وأعلام الطائفة منذ القرن الخامس حتّى اليوم.
وهذا الكتاب من أبرز شروحه وأهمها؛ لاشتماله على ميزات وفوائد غزيرة فريدة يعسر وجودها في غيره، خصوصاً في المسائل الدرائية والرجالية.
مقدّمته تضمّنت اثنتي عشرة فائدة، ومباحثه قد قُسّمت تقسيمات رباعية؛ إذ تُذكر الرواية أو الروايات التي في الاستبصار وقول الشيخ في جمعها، ثمّ الكلام في السند وما يتعلّق به من شرح أحوال رجاله؛ للخروج بنتيجة رجالية نافعة، بعد ذلك الشروع في بحث النصّ، وبيان وجوه الرواية، والمعاني التي يمكن أن تحتملها، وقد تُشرح ـ إذا استدعت الحاجة ـ معاني الألفاظ اللغوية لبعض الروايات.
الاسْتَنْداريون
هي سلالة من الأمراء المازندرانيين المحليين الذين حكموا في رستمدار، ورويان، ونور، وكجور، ولاريجان، فيما بعد آمل وگيلان خلال القرن الرابع الهجري.
وقد ورد ذكرهم لأول مرة في حوادث عام 336هـ، وعثر على نقود ضربت باسمهم خلال عام 337هـ ، وعام 343هـ، في مضرب النقد في آمل.
ويرجع استنداريو العصر السلجوقي والعصور التالية، نسبهم إلى بادوسبان أخي دابويه جد سلالة الدابويين في مازندران. وهذان الأخوان هما ابنا گيل بن گيلانشاه المعروف بـ «كاوباره» الذي قدم من أرمينيا إلى إيران خلال سلطنة الملك يزدجرد الثالث، وحصل من هذا الملك الساساني على ولاية طبرستان.
ويرى البعض مثل: أولياء الله الآملي، وظهير الدين المرعشي أن حكومة الاستنداريين تبتدىء في عام 40هـ، وهما يذكران أسماء ملوكهم بالتفصيل، ويحددون سنوات حكمهم حتى زمانهما.
من المحتمل أن يكون الاستندار لقباً يشبه لقب خوازرمشاه، فتكون كل عائلة تصل إلى الحكم في هذه المناطق، تلقب نفسها بـ«الاستندار»، ولكن ثم احتمال آخر، وهو: أن الدول القوية في المنطقة آنذاك مثل دولة البويهيين، وآل زيد، والعلويين، وآل باوند في آمل، وساري وگرگان، والري التي كان الاستنداريون يتلقون أوامرهم منها، كانت تعمد إلى عزل أسرة من هؤلاء الاستنداريين حين تمتنع عن إطاعة الأوامر أو دفع الخراج، وتنصب أسرة أخرى من الاستنداريين بدلاً عنها.
كان الاستنداريون في بادىء الأمر يعتنقون الديانة الزرادشتية، وكانوا على الدوام مظهراً للقوة والأحاسيس الإيرانية الوطنية.
وعلى الرغم مما يذكر حول اتباع الاستنداريين للمذهب السني إلى ما قبل جلال الدولة كيومرث بن بيستون (م 857هـ) الذي اعتنق المذهب الشيعي، إلا أن ملاحظة تأصل التشيع في طبرستان، وگيلان، وقرب رويان (مركز حكم الاستنداريين)، ومراكز التشيع في لنگا، وهوسم في الغرب، وآمل في الشرق تجعلنا نستبعد احتمال بقاء مناطق حكم الاستنداريين مراكز لاتباع المذاهب السنية.
انقسم الاستنداريون بعد كيومرث بن بيستون إلى قسمين: قسم حكم كجور، والقسم الآخر حكم نور، ولاريجان. ومع مجيء الدولة الصفوية داخل هذان القسمان في طاعة الشاه إسماعيل الصفوي، فأبقاهما في مناطق حكمهما.
ثم انقسم الاستنداريون مرة أخرى في زمن الشاه عباس الأول، فأصبحوا ثلاثة أقسام: فكان الملك بهمن يحكم في لاريجان، والملك جهانگير في كجور، والملك جهانگير الآخر في نور. وعندما قدم الشاه عباس إلى مصيف نور، استقبله الملك جهانگير أمير نور، وانضم إلى بلاطه، وقدم الملك بهمن إمارته هدية للشاه عباس، واختار السكن في ساوة، وانضم الملك جهانگير أمير كجور إلى حاشية الشاه عباس.
وعندما قتل الملك بهمن في عام 1005هـ خاف الملك جهانگير أمير كجور على نفسه، وهرب إلى قلعة مارانكوه في كجور فاعتصم فيها، إلا أن القوات الصفوية أمسكت به فيما بعد وقتلته، ومع مقتله في عام (1006هـ) انقرضت سلالة الاستنداريين نهائياً.
أسد (قبيلة)
بنو أسد: قبيلة عربية تنسب إلى جدها أسد بن خزيمة بن مدركة. اشتهرت في الجاهلية والإسلام، فمن أخبارها في الجاهلية: حربها مع طيىء التي انتهت بإجلاء الأسديين عن جزء من أرضهم. وفي وقعة أخرى على بني أسد جرح منهم صخر شقيق الخنساء، ومات بعد ذلك متأثراً بجراحه، ورثته أخته بقصائدها المشهورة.
على أن من أشهر أخبارهم في الجاهلية نزاعهم مع ملكهم حجر وولده أُمرىء القيس الشاعر. وذلك حين أقام الأمير الكندي الحارث بن عمرو ولده حجراً ملكاً على بني أسد عند تقسيم ملكه. ولكن بنو أسد لم يلبثوا أن اغتنموا فرصة تغيب حجر في تهامة! فثاروا فأسرع حجر إليهم، وأعمل فيهم السيف حتى أخضعهم، ومن هنا أطلق عليهم (عبيد العصا) لأن فيهم من ضرب بالعصا حتى مات، ثم نفاهم إلى تهامة، وعاد فعفا عنهم. ثم عاودوا الثورة وقتلوا حجراً. وعندما حاول ولده الشاعر امرؤ القيس الثأر لأبيه عجز عن ذلك.
وفي الإسلام سكن بنو أسد الكوفة في خطة خاصة بهم، وكانوا من قادة جيش أمير المؤمنين (ع) في حروبه بصفين وغيرها على أن منهم من هاجر إلى شمال إفريقيا، وسكن سطيف غربي القيروان.
واشتهر منهم مع الحسين (ع) في كربلاء بطلان هما: مسلم بن عوسجة الأسدي، وحبيب بن مظاهر الأسدي. وهما ممن خرج إلى الحسين (ع) من الكوفة؛ فالتحقا به في كربلاء. وهذا عكس ما يصوره بعض الكتاب السطحيين موهمين: أن الذين دعوا الحسين (ع) إليهم هم الذين خذلوه وخرجوا عليه. في حين أن الذين خرجوا لقتاله هم أوشاب من الناس لا ينتمون لرأي، ولا عقيدة ما عدا المصلحة الشخصية، والمنفعة الذاتية. يقودهم فريق ممن كانت مصالحهم مهددة بنجاح الحسين؛ لاستغلالهم الشعب، واستبدادهم بمقدراته.
أما الذين دعوا الحسين (ع) فقد كانوا إما في السجون، وإما في طريقهم للالتحاق بالحسين (ع) وفي طليعتهم الأسديان حبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة اللذان كان لهما مع غيرهما من الملتحقين به من أمثال: عمرو بن خالد الصيداوي، ومجمع العائذي، وابنه، وجناده بن الحارث السلماني وغيرهم ـ كان لهم مندوحة عن هذا الالتحاق. ولكنهم وقد دعوا الحسين فقد قرروا أن يكون مصيرهم مصير الحسين، وقد كانوا يعلمون هذا المصير. ولا ينكر أنه كان بين الذين خرجوا لحرب الحسين بعض من كتب للحسين، وهم قلة من الرؤساء الانتهازيين الذين خشوا من انتصار دعوة الحسين؛ فأرادوا أن يكون لهم شأن فيها من أمثال: حجار بن أبجر، وشبث بن ربعي، وقيس بن الأشعث وغيرهم من الوصوليين.
وقد كان مسلم بن عوسجة الأسدي هو الذي يأخذ البيعة في الكوفة للحسين (ع) على يد مسلم بن عقيل، ثم إنه التحق بالحسين (ع) بعد مقتل مسلم، وعندما طلب الحسين (ع) إلى أصحابه أن يتفرقوا عنه ليلة العاشر من المحرم، وقال لهم فيما قال: إني لا أعلم أصحاباً أوفى من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي…
ألا وإني قد أذنت لكم؛ فانطلقوا جميعاً في حل، ليس عليكم مني ذمام، وذروني وهؤلاء القوم.
كان مسلم بن عوسجة الأسدي أول المتكلمين بين إخوة الحسين (ع)، وأبنائه، وأهل بيته، وأصحابه فقد وقف مسلم قائلاً: أنحن نخلي عنك، وقد أحاط بك هذا العدو، وبم نعتذر إلى الله في أداء حقك؟ لا والله، لا يراني الله أبداً وأنا أفعل ذلك حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، ولم أفارقك حتى أموت معك.
ولما أقبل عبدالله بن حوزة وصاح بالحسين (ع) أبشر بالنار، وثب مسلم بن عوسجة إلى ابن حوزة فضرب رجله اليمنى فقطعها، وتعلقت رجله اليسرى بالركاب، وعدا به فرسه فتقطع تقطيعاً.
أما حبيب بن مظاهر الأسدي فقد كان على ميسرة أصحاب الحسين (ع)، ولما صرع مسلم بن عوسجة خلال القتال وكان به رمق، مشى إليه الحسين (ع) ومعه حبيب بن مظاهر، فقال الحسين (ع): رحمك الله يا مسلم {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23]. ودنا منه حبيب فقال: عز علي مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة.
فقال له مسلم قولاً ضعيفاً: بشرك الله بخير. ثم قال له حبيب: لولا أني أعلم أني في الأثر من ساعتي هذه؛ لأحببت أن توصيني بكل ما أهمك. فقال له مسلم: فإنني أوصيك بهذا (وأشار إلى الحسين (ع)) فقاتل دونه حتى تموت، فقال له حبيب: لأنعمنك عيناً.
ولما مات مسلم، وعلم الأعداء بموته صاحوا مستبشرين: قتلنا مسلم بن عوسجة. وهنا لم يملك رجل مثل شبث بن ربعي نفسه من أن يصيح بهم وهو منهم: أما إنكم تقتلون أنفسكم بأيديكم وتذلون أنفسكم لغيركم!… لرب موقف لمسلم في المسلمين كريم، لقد رأيته يوم آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تلتئم خيول المسلمين!.
وكما كان مسلم كذلك، كان حبيب يوم كربلاء بطلاً صنديداً، فاستشهد بين يدي الحسين (ع).
وبلغ الأمر بعمر بن سعد وجيوشه أنهم أبوا أن يدفنوا الحسين (ع) ورفاقه الشهداء؛ بل رحلوا عن كربلاء وتركوهم في العراء. فلما مضوا هب فريق من بني أسد كانوا يسكنون الغاضرية غير بعيد عن كربلاء؛ فصلوا على جثث الشهداء، ودفنوا الحسين (ع) في ضريح وحده، ودفنوا ابنه علياً عند رجليه، وحفروا للشهداء من أهل بيته ولأصحابه الذين صرعوا حوله؛ فجمعوهم في حفيرة واحدة، وسووا عليهم التراب، ودفنوا العباس بن علي في موضعه الذي قتل فيه على المسناة بطريق الغاضرية.
ويبدو أن بني أسد عنوا بشهيدهم حبيب بن مظاهر؛ فدفنوه وحده قريباً من مدفن الحسين (ع).
ولا تزال القبائل المتحدرة من بني أسد والنازلة في تلك الضواحي تحتفل حتى الآن في كل عام بذكرى ما فعله أسلافهم من دفن الحسين وأصحابه، باحتفالات شعبية حزينة.
وفي القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) قامت في الحلة بالعراق دولة أسدية شيعية على يد مؤسسها سيف الدولة صدقة بن دبيس.
وفي رجالها يقول العماد الأصفهاني: «ملوك العرب وأمراؤها بنو مزيد الأسديون النازلون بالحلة السيفية على الفرات، كانوا ملجأ اللاجئين، وثمال الراجين، وموثل المعنفين، وكنف المستضعفين، تشد إليهم رحال الآمال، وتنفق عندهم فضائل الرجال، وأثرهم في الخيرات أثير، والحديث عن كرمهم كثير. وكان صدقة يهتز للشعر اهتزاز الاعتزاز، ويخص الشاعر ويؤمنه مدة عمره من طارق الإعواز، يقبل على الشعراء ويمدهم، جميل الإصغاء، وجزيل العطاء «راجع المزيديون».
ومن بني أسد: عبدالله النجاشي المعروف بأبي بجير الأسدي من تلاميذ جعفر الصادق (ع) الذين أعدهم خير إعداد، بحيث إن المنصور العباسي عينه والياً على الأهواز ـ وهو لا يعلم علاقته بالإمام الصادق (ع) ـ ولما تسلم عمله أرسل إلى الصادق (ع) رسالة يطلب إليه فيها أن يضع له منهجاً يسير عليه في ولايته. فكان مما أجابه الصادق (ع): «إن خلاصك ونجاتك هما في حقن الدماء، وكف الأذى، والرفق بالرعية، والتأني، وحسن المعاشرة، واتباع الحق والعدل. إياك والسعاة، وأهل النمائم؛ فلا يلتزمن بك منهم أحد، ولا تقبل منهم قولاً. وأعن الفقراء» إلى غير ذلك مما وضع له من التعاليم التي يسير عليها، والتي طبقها أبو بجير.
وقد كان الصادق (ع) يكتب إليه في شأن بعض المظلومين فيرفع ظلامتهم في الحال.
ومن بني أسد: قيس بن مسهر الصيداوي الذي كان أحد من حملوا رسائل من الكوفيين إلى الحسين (ع) في مكة. ثم كان بعد ذلك رسول الحسين (ع) إلى الكوفيين حين وصل الحسين (ع) إلى الحاجز من بطن الرمة في طريقه إلى العراق قبل أن يعلم بمقتل مسلم. ولما وصل قيس إلى القادسية، اعترضه الحصين بن نمير ليفتشه فأخرج قيس كتاب الحسين إلى جماعة من الكوفيين، فمزقه، فأرسله الحصين إلى ابن زياد في الكوفة، فقتل فيها. ونسبته الصيداوي إلى بني الصيداء، وهم: قبيلة من بني أسد. ومن بني أسد الوزير المفترى عليه محمد بن العلقمي. ولا يزال أعقاب بني أسد معروفين حتى اليوم في العراق، يسكن فرع منهم حول مدينة كربلاء كما يسكنون في منطقة الجبايش التي يطلق عليها أيضاً اسم الجزائر، ويؤلف بنو أسد فيها قسماً من المجموعة الجغرافية لتي تعرف باسم أهل الجزائر. ويسكنون على حافة هور الحمار الجنوبية مع غيرهم في كل من: الشويعرية، والشاطي، والجرباس، والجلعة، كما يسكنون على الحافة الشمالية لنفس الهور في الجبايش، وهي مسكونة منهم بشكل رئيسي.
ونتيجة لإحدى حروبهم مع الدولة العثمانية، وهزيمتهم في تلك الحرب اضطرت الأغلبية الساحقة منهم على الهجرة من الجبايش إلى الحويزة في إيران لعدة سنوات، واستقر بعضهم نهائياً هناك في حين استقر بعض آخر منهم في كرمة علي، وعاد بعضهم إلى موطنه الأول.
وتعود سكنى بني أسد للجيايش إلى ما قبل قرنين ونصف القرن. حيث نزحوا إليها من الحلة على أثر اصطدامهم بآل سعدون الذين كانوا يحكمون اتحاداً قوياً من القبائل جنوب العراق، فحطم هذا الصدام بني أسد، وسيقوا من الحلة حيث كانت لهم هناك إمارة ـ إلى منطقة الأهوار جنوباً حتى منطقة الجبايش. ولقد عاشوا عدة سنوات في مناطق مختلفة من الأهوار مثل: المجرة، والبوشامة، والعمارة، والحويزة. وقد دخلوا في عدد كبير من الحروب ضد كافة العشائر القاطنة في المنطقة، وضد عشائر من العمارة والحويزة، وضد الجيش العثماني.
أسد آباد
مدينة هي مركز ناحية أسد آباد، وهي إحدى نواحي قضاء همذان.
تقع ناحية أسد آباد على خط طول 48ْ،َ7 شرقاً، وخط عرض 34ْ،47َ شمالاً، وعلى بعد 54 كلم إلى الغرب من همذان و450 كلم عن طهران، وترتفع عن سطح البحر حوالي 1593 متراً.
تغلب البرودة على جوها شتاءً، والاعتدال صيفاً، وهي مقسمة إلى ثلاثة أقسام: سهل، وسفح، وجبل، ويأخذ السهل جل مساحتها. وهي ناحية زراعية وإضافة إلى ذلك تشتهر بالبستنة وتربية المواشي، وأهم محصولاتها الزراعية هي: شمندر السكر، والبطاطا، والقمح، والشعير، والعلف الحيواني.
توجد بعض آثار الحضارات الإيرانية القديمة بالقرب من أسد آباد، وكانت هذه الناحية في القرن الرابع الهجري مدينة معمورة كثيرة السكان، وكانت تحتوي على مسجد جامع وسوق مزدهرة، وتشتهر بإنتاج العسل.
يتكلم أهلها بثلاث لغات هي: التركية، والفارسية والكردية.
وقد ولد في محلة (سيدان) من أسد آباد السيد جمال الدين الحسيني الذي اشتهر بالأفغاني (1254 ـ 1314هـ).
ليست أسد آباد اليوم سوى قصبة صغيرة في إيران، ولكنها كانت فيما مضى مدينة مهمة، كما يذكر المؤرخون العرب أمثال: ابن حوقل. صاحب أحسن التقاسيم. مؤلف مرآة البلدان. مؤلف معجم البلدان. فيذكر الأخير: أنّ جماعة من أهل العلم والحديث ينتسبون إليها. ويقول صاحب أحسن التقاسيم:إن مسجدها الجامع، الحديث البناء، يقع في أزقّتها البهيجة، ويقع قصر كسرى على بعد فرسخ منها. ويقول: المدينة الأخرى، هي: (سيرواند) الواقعة على سفح الجبل. هذه خلاصة أقوال المؤرخين العرب فيما يخص أسد آباد.
أما: إحدى الصحف الإيرانية الصادرة حوالي (1960 ـ 1970م)، والمختصة بالآثار التاريخية لإيران، فتقول: إن موقع قصر كسرى هو على ثلاثة فراسخ من غرب أسد آباد، التي هي الآن ـ أي في الستينات ـ الموقع الفعلي لقرية «أجين» ومزارعها، وتضيف: لقد سُمع من أهالي المنطقة ـ وهو شائع الآن تقريباً ـ أن قروياً عَثر ـ قبل حوالي 40 إلى 50 سنة أي في العام 1900 ـ على مسكوكة ذهبية تعود إلى ذلك العصر في هضبة [منورتپه]، اسم مزرعة تقع على بعد نصف فرسخ في القسم الجنوبي لـ(أجين) في سفح الهضبة، ومن القسم الغربي، على بعد ثلاثة فراسخ من أسد آباد.
وقد باع هذا القروي المسكوكة الذهبية ـ بثمن بخس ـ إلى أحد النصارى المقيمين في أسد آباد آنذاك، فذهب بها إلى بغداد، وباعها بثمن عال. ولا زالت هذه القصة مضرب المثل بين أهالي تلك المناطق.
من المؤسف جداً أن أهالي المنطقة ـ نتيجة لعدم اطلاعهم، وعدم توفر وسائل النقل يومذاك ـ لم يستطيعوا تحديد الفترة التي تعود إليها المسكوكة المذكورة من تاريخ سلاطين إيران.
في شهر خرداد من عام 1310هـ ش. حزيران 1930م وأثناء السقي والإِرواء. اكتشف أهالي قرية خاكريز([45])، (10) مسكوكات معدنية تعود للعهد الساساني. وقد قام بمشاهدة تلك المسكوكات المكتشفة، جميع رؤساء الدوائر الحكومية في أسد آباد آنذاك.
إن اكتشاف هاتين المسكوكتين في القسم الغربي لأسد آباد، يثبت ويعين لنا: أن قصر كسرى وأبنيته التاريخية كانت في القسم الغربي لأسد آباد. وأن حوادث الأيام وتحولات الزمان طمست هذا البناء التاريخي كله، ومحته من صفحة التاريخ، شأنه شأن الآثار التاريخية الأخرى في إيران. أما سيرواند ـ التي ضبطها صاحب أحسن التقاسيم ـ فلا تزال قائمة مأهولة، ولكن لا مدينة، بل واحدة من القرى ذات الماء والهواء الجميل، وهي على بعد فرسخين غربي أسد آباد في صدر الجبل، وبالقرب من قرية (شنار شيخ)، وكلاهما من المناطق الجنوبية الخصبة.
أبنية أثرية في أسد آباد
1 ـ في القسم الجنوبي لأسد آباد، وفي امتداد الطريق العام، يقع حمام قديم، ولا تتوفر معلومات دقيقة عن تاريخ بنائه وتأسيسه.
وأوثق تلك المعلومات ما سمع عن معمري أسد آباد: أنه حينما كان الإمام الرضا (ع) قاصداً مرو (كان المأمون في مرو (198 ـ 218هـ)، وطلب الإمام ولياً للعهد) فعند عبوره (ع) من أسد آباد دخل هذا الحمام وحلق رأسه فيه. وليس هناك أية وثيقة صحيحة تأيّد ذلك، أمّا قدم هذا الحمام فأمر لا شك فيه.
2 ـ مسجد محلة الميدان المعروف بمسجد الحاج ميرزا آقاجاني، الذي عاش عصر الملك «فتح علي شاه».
3 و4 و5 ـ الحمّام والمسجد وخزان الماء المبنية على طول امتداد سوق محلة قصاب أسد آباد، على الترتيب إلى جانب بعضها. والأقوى بناء من بينها: خزان الماء الذي يبلغ طوله أكثر من عشرين متراً وعرضه 18 متراً، وارتفاعه 10 إلى 12 متراً. سطحه وحافة قبته تساوي وتقابل سقف السوق. ولا بد من اجتياز وصعود (18) درجة بارتفاع أربعة أمتار للوصول إلى الصنبور الموضوع لغرض ملء الأواني والقُرَب بالماء. ثمة إبريق صخري منصوب في أحد الدرجات منقور عليه أبيات شعرية تشير أن أول من بنى هذا الخزان هو «حاجي علي خان»، وأوقفه للخير، وأن بناءه جدد في سنة 1173هـ على يد (قرا غلام) [اسم شخص يعني بالتركية: العبد الأسود].
وبناء على ما يقوله المعمرون: كان هناك منزل للقوافل، يقع إلى جانب المسجد والحمام والخزان، خرّبته الأيّام.
أما حمام السوق فأرضيته الساخنة مفروشة بصخور المرمر الشفاف، وأما في الحمام البارد فتوجد قطعة من الحجر بطول 68 وعرض 61 وارتفقاع 39 سنتيمتراً نحت على طرفيه صورة أسدين في حالة هجوم على تاج منقوش في وسطهما (حفراً). وحسب بعض المطلعين، فإنّ رخامة حمراء شفافة أيضاً كانت توجد على بوابة الخزينة الساخنة للحمام. اختطفت ليلاً في عام 1334هـ لأنها كانت من الحجر الثمين نوعاً ما.
وفقاً للشرح المتقدم يمكن القول ومن دون تردد: إن هذه الأبنية في (أسد آباد) كانت موقوفة للخير، ومن الصالحات الباقيات للشاه عباس.
وفي الفترة التي حكم فيها الشيخ علي خان زنگنه كرمانشاه، من قبل الشاه صفي (1062 و1065هـ) استكمل بناء هذه الأبنية كما جاء في مضمون الأبيات المنقوشة على الإبريق في الحمام ـ وقد أشرنا إلى مضمون ترجمتها ـ وقد تجدّد بناؤها في عهد الملك كريم خان الزندي (1162 ـ 1193هـ) وبالتحديد في عام 1173هـ على يد قرا غلام المتقدم ذكره.
6 ـ مسجد السوق ذو القبة المستديرة المرتفعة. وحجر تاريخ وموقوفات هذا المسجد منصوب في الجدار الذي يشبه الطاق في الجهة اليسرى من المحراب؛ ومع الأسف ـ فإنّ قسم الموقوفات والتاريخ محكوك. وبما أن صاحب أحسن التقاسيم يقول: إن المسجد الجامع الحديث البناء لأسد آباد يقع في أزقتها، فإنه يُظن أن مسجداً جامعاً آخر ـ غير هذا الذي بناه الشاه عباس ـ كان يوجد أيضاً في أسد آباد.
مراقد أسد آباد
1 ـ مرقد في محلة سيدان جنب دار والد السيد جمال الدين الأفغاني، ويدعى بـ «إمام زاده أحمد» [أي من أولاد الأئمة]. وطبقاً لشجرة النسب الخطية التي وجدت هناك، فهو من أولاد الإمام زين العابدين (ع). وقد حُفِرَ على لوحة مرقده بعد ذكر ألقابه هذا الثناء: قدوة المحققين، وسلطان العارفين أحمد [ثم كلمتين ـ ثلاث محكوكتان ثم] قدس الله غرب شوال ثلاثة وسبعين وستمائة (673) هجري الموافق لأواخر عهد جنكيزخان وسلطنه أباقاخان.
2 ـ في القسم الجنوبي لأسد آباد قرب خط الطريق العام إلى كرمانشاه يوجد مرقد صغير يُسمى (چه چه)، مجهول التاريخ، ولذا يُقَال على سبيل الاستفهام چه چه إمام [چه بالفارسية تعني ماذا؟].
3 ـ مرقد «إمام زادة» (السيد) عبدالله ابن الإمام موسى الكاظم (ع)، الواقع على بعد ربع فرسخ من القصبة، شرق أسد آباد على التلال؛ لم يعرف تاريخه وقصته أيضاً.
4 ـ وهناك في مقبرة القلعة، فوق، وبالقرب من فتحة قناة سلطان بلاغي، يوجد مرقد ومزار الحاج عبدالله الراشدي وخمسة ـ إلى ستة ـ أشخاص من أصحابه وقومه. والمذكور شرح حاله وعلو درجاته في الكتب الإسلامية خاصة تأليفات العلامة المجلسي ـ في صفحة 138 ـ من حق اليقين؛ فعندما يذكر العلامة المجلسي منطقة أسد آباد يتحدث عن عمارتها ونخلها ومنارة مسجدها. وواضح أن المنائر تبنى في المواقع والأماكن المهمة في المدن وهذا ما يؤكد شهرة أسد آباد. وقد أثنوا على صاحب المزار ـ هذا ـ في لوح قبره، وذكروا رفيع منزلته، ولا بأس بذكر بعض ذلك هنا: «هذا قبر الأمير الأعظم معدن الجود والكرم، وذو المناقب الدينية زين زوار بيت الله الحرام، زبدة الأنام، الدارج إلى رحمة الغنيّ، الأمير [عدة كلمات محكومة ثم] جلال الدولة والدين الحاج عبدالله [ثم عدة كلمات محكوكة] الراشدي نوّر الله قبره، وأفاض عليه الرحمة، وغفر الله ذنبه في عاشر شهر ربيع الآخر سنة اثنين وثلاثين وثمانمائة (832هـ)، والذي هو قريب من العصر الكوركاني والعالمي للأمير تيمور، وأيام سلطنة (شاهرخ) ابن الأمير تيمور (807 ـ 851هـ).
5 ـ ومن الأبنية الحديثة في أسد آباد: المدرسة الجمالية نسبة إلى السيد جمال الدين، بُنيت في 1934م بمساعي السيد كاظم خان ناصر الفاطمي من حكام الوقت (1931 ـ 1934م)، وبمساعدة بعض محبي المعرفة في أسد آباد. وتمتاز هذه المدرسة على جميع مدارس القصبات من حيث السعة، والموقع، والشوارع المشجرة المحيطة بها. وفيها ثمانية غرف و10 أقسام. وفيها شوارع طويلة مشجرة، وتبلغ مساحتها 6000 ذراع مربع.
شعراء أسد آباد الماضون
يذكر الحاج لطف علي بيك الشهير بآذر مؤلف كتاب (آتشكده) أي معبد النار 1148 ـ 1161هـ، اثنين من شعراء أسد آباد بصورة موجزة ومبهمة لا نفهم من شرحه سوى أن هذين الشاعرين كانا متكلمي أسد آباد، ولا نفهم شيئاً آخر من كلماته. وينقل هذا الحاج رباعيتين، لكل منهما رباعية، وهما: اگهى أسد آبادي ومحوي.
خطباء أسد آباد القدماء
1 ـ السيد هادي روح القدس (السيد جمال الدين الأفغاني ابن عمته) (1252 ـ 1346هـ).
2 ـ الميرزا لطف الله محزون (ابن أخت السيد جمال الدين) (1273 ـ 1340هـ).
3 ـ الميرزا رضا صابر (1257 ـ 1332هـ).
4 ـ السيد ركن الدين ألف ابن روح القدس (1296 ـ 1336هـ).
5 ـ السيد عبد الحسين مشكاة.
السيد جمال الدين الحسيني
ومن أسد آباد خرج السيد جمال الدين الحسيني الذي اشتهر بالأفغاني والذي نتحدث عنه فيما يلي:
السيد جمال الدين الحسيني الشهير بالسيد جمال الدين الأفغاني ولد في شعبان سنة 1254هـ في أسد آباد، وتوفي في شوال سنة 1314، أو سنة 1315هـ في استانبول، وصلي عليه في جامع التشويقية ودفن في مقبرة شخلر مزارلغي أي مقبرة المشايخ التي تختص بقبور الأولياء والعلماء على مقربة من الجامع المذكور.
سبب وفاته
اختلف في سبب وفاته على أقوال؛ لا يرجع أكثرها إلى مستند: فتلميذه صادق خان البروجردي الآتي ذكره يقول فيما نقله عنه السيد صالح الشهرستاني في مجلة العرفان: لما وصلت إلى الأستانة علمت أنه مات مسموماً في فنجان قهوة. وجرجي زيدان، والشرقاوي يقولان: إنه توفي بمرض السرطان الذي أصابه في فكه، والشيخ مصطفى عبد الرازق يقول: إنه لقح في شفته بمادة سامة سببت له حالة تشبه السرطان. والسيد هبة الدين الشهرستاني يقول في بعض مذكراته: اتهم السلطان عبد الحميد بالإيعاز إلى الطبيب الذي أجرى له في حلقه عملية جراحية فقطع منه الوريد. ويقول شكيب أرسلان فيما علقه على كتاب حاضر العالم الإسلامي: أنه ظهر في حنكه مرض السرطان فأمر السلطان عبد الحميد كبير جراحي القصر قمبور زاده اسكندر باشا، وهو مقرب عند السلطان عبد الحميد جداً أن يجري له عملية جراحية لم تنجح، ومات بعد أيام قلائل، فقيل: إن العملية لم تعمل على الوجه اللازم لها عمداً، وقيل: لم تلحق بالتطهيرات الواجبة فناً، وينقل عن صديقه الكونت لاون استروروغ المستشرق أنه حدثه في لوزان: أن المترجم كان صديقه فدعاه إليه بعد إجراء العملية الجراحية وقال له: إن السلطان أبى أن يتولى العملية إلا جراحه الخاص، وأنه هو رأى حاله ازدادت شدة بعد العملية؛ فيرجو منه أن يرسل إليه جراحاً فرنسوياً طاهر الذمة لينظر في عقب العملية؛ فأرسل إليه الدكتور (لاردي) فوجد أن العملية لم تجر على وجهها، ولم تعقبها التطهيرات اللازمة، وأن المريض قد أشفي، قال: «وقال لي واحد ممن كانوا في خدمة عبد الحميد، وقد رويت له هذه القصة إن قمبور زاده اسكندر باشا كان أطهر وأشرف من أن يركب مثل تلك الدناءة لكن كان رجل عراقي اسمه (جارح) طبيب أسنان يتردد كثيراً على جمال الدين، ويعاين له أسنانه، كانت نظارة الضابطة قد جعلت جارحاً هذا جاسوساً على المترجم، قال لي صاحب هذه الرواية: فأردت أن أمنع جارجاً من الاختلاط بجمال الدين فأشار إلى ناظر الضابطة أن أتركه، ولم تمض أشهر حتى ظهر السرطان في فك المترجم من الداخل، وأجريت له عملية جراحية فلم تنجح، وجارح هذا ملازم للمريض، وبعد موته كنا نراه دائماً حزيناً كئيباً كاسف البال واجم الوجه خزيان بما جعلنا نشتبه في أن يكون ذا يد في إفساد الجرح أو في توليد المرض نفسه، لا أجزم بكونه هكذا فعل؛ لكنني أجزم بأنه كان جاسوساً على المترجم».
وكل هذه الأقوال المتضاربة حدس وتخمين لا يستند واحد منها إلى دليل ويقع مثلها من الناس في أمثال هذه المقامات، والظاهر أنه مات حتف أنفه بمرض السرطان أو غيره.
هو إيراني لا أفغاني
أما نسبته إلى الأفغاني واشتهاره بالأفغاني فمن المشهورات التي لا أصل لها ـ ورب مشهور لا أصل له ـ وسبب اشتهاره بذلك أنه نسب نفسه إلى الأفغان في مصر وخلافها لا إلى إيران تعمية للأمر، ولولا ذلك لما سمي بحكيم الإسلام وفيلسوف الشرق، ولا كانت له هذه الشهرة الواسعة، ولا أنزله الصدر الأعظم علي باشا في استانبول منزلة الكرامة، ولا أقبل عليه بما لم يسبق لمثله، ولا عظمه الوزراء والأمراء، ولا عين عضواً في مجلس المعارف، ولا أجرت له حكومة مصر ألف قرش مصري مشاهرة، ولا عكف عليه الطلبة للتدريس في مصر، ولا تمكن الشيخ محمد عبده أن يصاحبه، ويأخذ عنه، ويتخذه مرشداً وصديقاً حميماً إلى غير ذلك ما يأتي. ومع ذلك فقد انتدب بعض المصريين لذمه في كتاب مطبوع رأيت اسمه، ولم أره سماه فيه بكلب العجم.
ويقال: إنه سئل عن سبب قوله إنه أفغاني؟ فأجاب: بأن ذلك للتخلص من مضائقة مأموري إيران في الخارج ولكن الصواب ما مر. ومن هنا يلزم أن لا يعتمد على المشهورات دينية كانت أو عادية قبل البحث والتنقيب والتحقيق والتمحيص، خصوصاً ما يوافق الميول المذهبية والعقائد الخاصة؛ فهذا الرجل قد ترجمه تلميذه وخريجه الشيخ محمد عبده المشهور في صدر رسالة المترجم في الرد على الدهرية، وبالطبع قد تلقى هذه المعلومات من أستاذه المذكور كما يدل عليه قوله الآتي: وإنا نذكر مجملاً من خبره نرويه عن كمال الخبرة، وطول العشرة قال في جملة ما قال: هو من بيت عظيم في بلاد الأفغان يتصل نسبه بالسيد علي الترمذي المحدث المشهور، ويرتقي إلى سيدنا الحسين بن علي (ع). وآل هذا البيت عشيرة وافرة العدد تقيم في خطة (كنر) من أعمال كابل تبعد عنها مسيرة ثلاثة أيام، ولهذه العشيرة منزلة عليّة في قلوب الأفغانيين لحرمة نسبها وكانت لها سيادة على جزء من الأراضي الأفغانية تستقل بالحكم فيها، وإنما سلب الإمارة من أيديها دوست محمد خان أحد أمراء الأفغان، وأمر بنقل السيد جمال الدين، وبعض أعمامه إلى مدينة كابل، وأنه ولد السيد جمال الدين في قرية (أسعد آباد)، الصواب أسد آباد ـ من قرى (كنر) وانتقل بانتقال أبيه إلى مدينة كابل، وأنه دخل في سلك رجال الحكومة على عهد الأمير دوست محمد خان، ولما زحف الأمير إلى هراة ليفتحها على السلطان أحمد شاه صهره وابن عمه سار السيد جمال الدين معه في جيشه، ولازمه مدة الحصار إلى أن توفي الأمير، وفتحت المدينة وتقلد الإمارة ولي عهدها شير علي خان سنة 1280هـ، وأشار عليه وزيره محمد رفيق خان أن يقبض على إخوته، وكان منهم في الجيش ثلاثة: محمد أعظم، ومحمد أسلم، ومحمد أمين، وكان هوى السيد جمال الدين مع محمد أعظم فأحسوا بذلك وفروا كل إلى ولايته التي كان يليها أيام أبيه، وبعد مجالدات عنيفة عظم أمر محمد أعظم وابن أخيه عبد الرحمن، وتغلبا على عاصمة المملكة، وأنقذا محمد أفضل والد عبد الرحمن من سجن غزنة وسمياه أميراً على افغانستان، ومات بعد سنة، وقام في الإمارة بعده شقيقه محمد أعظم، وارتفعت منزلة السيد جمال الدين عنده؛ فأحله محل الوزير الأول، وعظمت ثقته به؛ فكان يلجأ لرأيه في العظائم وما دونها ـ على خلاف ما تعوده أمراء تلك البلاد من الاستبداد المطلق وعدم التعويل على رجال حكومتهم ـ، وكادت تخلص حكومة الأفغان لمحمد أعظم بتدبير السيد جمال الدين لولا سوء ظن الأمير بالأغلب من ذوي قرابته الذي حمله على تفويض مهمات الأعمال إلى أبنائه الأحداث؛ فساق الطيش أحدهم، هو حاكم قندهار على منازلة عمه شير علي في هراة، فلما تلاقى مع جيش عمه دفعته الجرأة على الانفراد عن جيشه في مائتي جندي، واخترق بها صفوف أعدائه؛ فأوقع الرعب في قلوبهم، وكادوا ينهزمون لولا أن يعقوب خان قائد شير علي التفت فوجد ذلك الغر المتهور منقطعاً عن جيشه فكر عليه وأخذه أسيراً. وتشتت جند قندهار، وحمل شير علي إلى قندهار واستولى عليها، وبعد حروب هائلة تغلب شير علي وانهزم محمد أعظم وابن أخيه عبد الرحمن؛ فذهب عبد الرحمن إلى بخارى، وذهب محمد أعظم إلى إيران، ومات بعد أشهر في نيسابور، وبقي السيد جمال الدين في كابل ولم يمسه الأمير بسوء احتراماً لعشيرته؛ إلا أنه لم ينصرف عن الاحتيال لغدر به فرأى السيد جمال الدين خيراً له أن يفارق بلاد الأفغان فاستأذن للحج فأذن له على شرط: أن لا يمر ببلاد إيران كيلا يلتقي فيها بمحمد أعظم فارتحل عن طريق الهند سنة 1285هـ إلى أن قال: أما مذهبه فحنيفي حنفي ـ طبعاً لأن الغالب على الأفغانيين المذهب الحنفي ـ قال: وهو وإن لم يكن في عقيدته مقلداً لكنه لم يفارق السنة الصحيحة مع ميل إلى مذهب الصوفية «انتهى محل الحاجة».
وكل ذلك لا نصيب له من الصحة؛ بل يشبه قصص ألف ليلة وليلة، والظاهر أن جمال الدين كان يملي هذه القصص على تلميذه الشيخ محمد عبده مبالغة في تعمية الأمر، وإغراقاً في إثبات أنه أفغاني. فالرجل إيراني أسد آبادي همذاني لا أفغاني ولا كابلي ولا كنري؛ بل لعله لم ير الأفغان ولا كابل في عمره، وعشيرته في أسد آباد حتى اليوم لم تكن لها سيادة على جزء من أرض الأفغان، ولا دخل الأفغان واحد منها.
قال السيد صالح الشهرستاني فيما كتبه في مجلة العرفان ج24: لا يزال يوجد في أسد آباد من أفراد قبيلة وأولاد، وأعمام وعمات، وإخوان وأخوات السيد جمال الدين ما ينيف على الخمسين نسمة بين ذكر وأنثى، ومنهم أحد أحفاد أخي السيد جمال الدين وهو السيد محمود ابن السيد كمال ابن السيد مسيح المتوفى عام 1300هـ أخي السيد جمال الدين ابن السيد صفدر. وهو مدرس مدرسة القرية عام 1351هـ قال: ولا تزال الغرفة التي ولد فيها السيد جمال الدين في دار والده الواقعة في محلة (سيدان) أي السادات على حالها حتى اليوم، وتعرف أسد آباد عند أهل القرى المجاورة بقرية السيد جمال الدن، وقال: إن السيد محمود المذكور أهداه نسخة من كتاب فارسي فيه تاريخ حياة السيد جمال الدين، منذ ولادته حتى وفاته بقلم ابن أخت السيد جمال الدين الميرزا لطف الله الأسد آبادي، وأمه هي السيدة طيبة بيكم بنت السيد صفدر أخت جمال الدين، وهو صاحب المذكرات عن خاله المذكور بالفارسية المطبوعة في برلين (انتهى).
وكل ما بني على كونه أفغانياً من دخوله في سلك رجال الحكومة الأفغانية وحضوره بعض حروبها، وميله إلى بعض أمرائها، وحلوله عنده محل الوزير، وإرادة بعضهم الغدر به وخروجه منها بحجة الحج، كله لا أصل له أريد به تكميل القصة المخترعة تمهيداً لكيفية وصوله إلى مصر وغيرها، وبياناً لسببها المخترع؛ ولعله كان لا يحب أن يظهر أنه منفي من قبل شاه إيران، أو كان يريد أن يبالغ في تحقيق أفغانيته التي ألبس نفسه إياها، ومذهبه شيعي كما هو مذهب أبائه وأجداده وعشيرته وأهل بلده، حنيفي جعفري لا حنفي. فانظر إلى هذا الأمر الذي اشتهر وشاع بين الناس في كل صقع وقطر ودون في الكتب المطبوعة التي طبع منها الألوف وانتشرت في أقطار الدنيا في عصر المترجم وليس له أصل، تعلم صدق القول بأنه رب مشهور لا أصل له، مع كون رب للتكثير لا للتقليل. هذا في أمر لا أهمية له فما ظنك بما يكون له نصيب مما يسمونه السياسة والملك ونصرة العقيدة والنحلة وأمثال ذلك. ولعلها إذا مضت مدة طويلة يصبح كونه إيرانياً أو أفغانياً من الأمور المختلف فيها وينتصر لكل فريق([46]).
ولا ندري هل كان الشيخ محمد عبده يعرف حقيقة حاله ويخفيها لخوفه مما خاف منه جمال الدين بصحبته له وأخذه عنه؟ أو كان يجهلها؟ الله أعلم.
وفي كتاب حاضر العالم الإسلامي تأليف (لوتروت ستودارد) الأميركي، وتعريب عجاج نويهض ج 11 ص 135: أن السيد جمال الدين ولد في (أسد آباد) بالقرب من همذان في بلاد فارس وهو أفغاني الأرومة لا فارسي ينحدر نسباً ـ كما يدل عليه لقبه هذا ـ من العترة النبوية الطاهرة ويجري في عروقه الدم العربي البحت الكريم «اهـ».
فتراه قد نطق بالصواب من كونه ولد في بلاد إيران في أسد آباد بالقرب من همذان، وجمع بين ذلك وبين كونه أفغانياً كما يدل عليه لقبه بأن أصل آبائه من الأفغان، والذي دعاه إلى ذلك اعتقاده أن هذا اللقب لقب صحيح. أما بعدما عرفت عدم صحة هذا اللقب فتعرف إلى فساد هذا الجمع.
وقال شكيب أرسلان فيما علقه على كتاب حاضر العالم الإسلامي: إن كل من عرفوا السيد جمال الدين علموا منه أنه من أفغانستان، وأنه من سادات كنر الحسينية المشهورين في تلك الديار، ووالده السيد صفدر، وكان مولده في أسد آباد بقرب كنر سنة 1254 هجرية وفق 1838 ميلادية وكذلك عرف به كبير تلاميذه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية في صدر رسالة رد الدهريين تأليف السيد جمال الدين. ولقد لقيت في المدينة المنورة قبل الحرب العامة بأشهر السيد حسيناً أحد ولاة أفغانستان، ومن سادات كنر المشار إليهم ومن أفاضلهم، وعلمت منه أن السيد جمال الدين رحمه الله هو منهم، كما أني سمعت ذلك من جميع رجال الدولة الأفغانية وسفرائهم الذين جمعتنا بهم التقادير في أوروبا بعد تأسيس سفاراتهم بها، فلا أعلم كيف تتفق كل هذه الروايات من أهل تلك الديار على كون المترجَم أفغاني الدار علوياً حسينياً من أسرة نسبتهم كالشمس ومقامهم في بلاد الأفغان أشهر من أن ينوه به، ويكون في الحقيقة من همذان ومولوداً بها ونقول: هكذا ينشأ من الأخبار التي لا صحة لها إذا جمعت مع الأخبار الصحيحة تناقضات يعجز الأفهام توجيهها أو تُوجه بتوجيهات باردة فاسدة، وشواهد ذلك كثيرة للمتتبع لو أمكنتنا الفرصة لأشرنا إلى جملة منها. أما ما ذكره شكيب ارسلان من أنه علم من السيد حسين أحد ولاة أفغانستان ومن سادات كنر أن السيد جمال الدين منهم، وأنه سمع ذلك من جميع رجال الدولة الأفغانية وسفرائها في أوروبا فيشبه خبر «كذبت سمعي وبصري وصدقت القرآن». والظاهر أن هؤلاء الجماعة أرادوا الافتخار بانتساب السيد جمال الدين إلى بلادهم فصدقوه بدون علم ولم يشاؤوا أن يتبرؤوا من هذه المنقبة مع عدم جزمهم بفسادها لجهلهم حقيقة الحال([47]).
كان السيد جمال الدين ذكياً متوقد الذكاء فصيح الكلام بليغه عالي الهمة قليل النوم كثير التفكير سريع البديهة حسن الأخلاق يتقن اللغات العربية والفارسية والإنكليزية وآدابها وقليلاً من التركية والفرنسية، له جاذبية لكل من حادثه وجالسه؛ ميالاً بطبعه إلى الحركة ومعارضة الحكام والدعوة إلى الإصلاح وترك القديم جريئاً.
وقال السيد صالح الشهرستاني فيما كتبه في مجلة العرفان، ولعله أخذه من الكتاب الفارسي الذي قال إن فيه ترجمته: إن السيد صفدر والد السيد جمال الدين جاء إلى طهران مع ولده جمال الدين أوائل عام 1266هـ وبعدما مكثا فيها ما يزيد على خمسة أشهر سافرا إلى العراق ودخلا النجف في عصر الشيخ مرتضى الأنصاري؛ فاعتنى الأنصاري بجمال الدين، وبقي السيد صفدر في النجف مدة شهرين ثم درس في السنتين الأوليتين منها العلوم الأولية والمتوسطة من دينية وعربية، وفي السنتين الأخيرتين العلوم العالية من التفسير والحديث والفقه والأصول والكلام والمنطق والحكمة الإلهية والرياضيات والطبيعيات ومقدمات الطب والتشريح والهيأة والنجوم وغيرها «انتهى» والذي يعرفه المتأمل أن من أراد أن يدرس كل هذه العلوم في ضمن أربع سنوات يكون قد أضاع الأربع السنوات من عمره مهما بلغ في الذكاء والفطنة. والذي نظنه أنه قرأ في هذه المدة العلوم العربية والمنطق وشيئاً من الكلام والهيأة. والرجل كان ذكياً منطقياً استطاع بذكائه وفطنته وفصاحة لسانه وقوة بيانه أن ينخرط في سلك العلماء الكبار بعلم حصله في هذه المدة. ثم يقول الشهرستاني: إن الشيخ مرتضى كان يوليه لطفاً وعطفاً وحباً ويبشر أباه في رسائله إليه بحسن مستقبله فحسده على ذلك بعض الطلاب من زملائه وأضمر له السوء، فاطلع الأنصاري على ذلك فأرسل جمال الدين إلى الهند مع بعض خواصه فأوصله إلى بمبي وهو لم يتجاوز الخمسة عشر عاماً (انتهى) وهذا كسابقه لا يساعد عليه النظر الصادق والذي يلوح أنه بعدما بقي في النجف أربع سنين تاقت نفسه إلى السفر بما طبع عليه من حب الأسفار. وفي كتاب حاضر العالم الإسلامي ج1 ص 135: كان جمال الدين سيد النابغين الحكماء، وأمير الخطباء البلغاء وداهية من أعظم الدهاة دامغ الحجة قاطع البرهان ثبت الجنان متوقد العزم شديد المهابة كأن في ناسوته أسرار المغنطيسية؛ فلهذا كان المنهاج الذي نهجه عظيماً. وكانت سيرته كبيرة فبلغ من علو المنزلة في المسلمين ما قل أن يبلغ مثله سواه. وكان سائحاً جوّاباً، طاف العالم الإسلامي قطراً قطراً، وجال غربي أوروبا بلداً بلداً فاكتسب من هذه السياحات الكبرى ومن الاطلاع العميق والتبحر الواسع في سير العالم والأمم علماً راسخاً واكتنه أسراراً خفية واستبطن غوامض كثيرة، فأعانه ذلك عوناً كبيراً على القيام بجلائل الأعمال التي قام بها. وكان جمال الدين بعامل سجيته وطبعه وخلقه داعياً مسلماً كبيراً؛ فكأنه على وفور استعداده ومواهبه؛ إنما خلقه الله في المسلمين لنشر الدعوة فحسب فانقادت له نفوسهم وطافت متعاقدة من حوله قلوبهم فليس هناك من قطر من الأقطار الإسلامية وطئت أرضه قدما جمال الدين إلا وكانت فيه ثورة فكرية اجتماعية لا تخبو نارها ولا يبرد أوارها. وكان يختلف عن السنوسي منهاجاً، فجمال الدين كان أول مسلم أيقن بخطر السيطرة الغربية المنتشرة في الشرق الإسلامي، وتمثل عواقبها فيما إذا طال عهدها وامتدت حياتها ورسخت في تربة الشرق قدمها، وأدرك شؤم المستقبل، وما سينزل بساحة الإسلام والمسلمين من النائبة الكبرى إذا لبث الشرق الإسلامي على حال مثل حاله التي كان عليها، فهب جمال يضحي نفسه ويفني حياته في سبيل إيقاظ العالم الإسلامي وإنذاره بسوء العقبى، ويدعوه إلى إعداد ذرائع الدفاع لساعة يصيح فيها النفير. فلما اشتهر شأن جمال خشيت الحكومات الاستعمارية أمره وحسبت له ألف حساب، فنفته بحجة أنه هائج المسلمين ولم تخف دولة جمالاً وتضطهده مثل ما خافته واضطهدته الدولة البريطانية، فسجنته في الهند مدة ثم أطلقت سراحه. فجاء إلى مصر حوالي سنة 1880 وكانت له يد في الثورة العرابية التي أوقدت نارها في وجه الغربيين فلما احتل الإنكليز مصر 1882 نفوا جمالاً للحال، فزايل مصر وأنشأ يسيح في مختلف البلدان حتى وصل إلى القسطنطينية فتلقاه عبد الحميد بطل الجامعة الإسلامية بالمبرة والكرامة، وقربه منه ورفع منزلته، فسحر جمال السلطان الداهية بتوقد ذكائه ونفسه الكبيرة فقلده رياسة العمل في سبيل الدعوة للجامعة الإسلامية، ويغلب أن ما ناله السلطان عبد الحميد من النجاح في سياسته في سبيل الجامعة الإسلامية إنما كان على يد جمال الدين المتوقد الهمة المشتعل العزم، والتحق جمال الدين بالرفيق الأعلى سنة 1896هـ شيخاً وعاملاً كبيراً في سبيل النهضة الإسلامية حتى النفس الأخير من أنفاسه.
وقال شكيب أرسلان فيما علقه على كتاب حاضر العالم الإسلامي:
السيد محمد (جمال الدين) بن صفتر ـ صوابه صفدر ـ من أعاظم رجال الإسلام في القرن التاسع عشر، كان بحسب رأي براون فيلسوفاً كاتباً خطيباً صحفياً، وقبل كل شيء كان رجلاً سياسياً يرى فيه مريدوه وطنياً كبيراً، وأعداؤه مهيجاً خطيراً. وقد كان له تأثير عظيم في حركات الحرية والمنازع الشوروية التي جدت في العشرات الأخيرة من هذه السنين في الحكومات الإسلامية. وكانت حركته ترمي إلى تحرير هذه الممالك من السيطرة الأوروبية وإنقاذها من الاستغلال الأجنبي، وإلى ترقية شؤونها الداخلية بتأسيس إدارات حرة. وكذلك كان يفكر في جمع هذه الحكومات بأجمعها، ومن جملتها إيران الشيعية حول الخلافة الإسلامية؛ لتتمكن بذلك الاتحاد من منع التدخل الأوروبي في أمورها، فجمال الدين بقلمه ولسانه أصدق ممثل لفكرة الجامعة الإسلامية (انتهى).
وقال الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية في ترجمته التي صدر بها رسالة السيد جمال الدين في الرد على الدهرية بعد حذف ما يتعلق بكونه أفغانياً مما مر: يحملنا على ذكر شيء من سيرة هذا الرجل الفاضل ما رأيناه من تخالف الناس في أمره، وتباعد ما بينهم في معرفة حاله وتباين صوره في مخيلات اللاقفين لخبره حتى كأنه حقيقة كلية تجلت في كل ذهن بما يلائمه، أو قوة روحية قامت لكل نظر بشكل يشاكله. والرجل في صفاء جوهره وزكاء مخبره لم يصبه وهم الواهمين، ولم يمسه ضرر الخراصين، وإن نذكر مجملاً من خبره نرويه عن كمال الخبرة وطول العشرة: هو السيد محمد جمال الدين ابن السيد صفتر ـ الصواب صفدر ـ ولد في أسعد آباد ـ الصواب أسد آباد ـ سنة 1254 هجرية، وفي السنة الثامنة من عمره أجلس للتعليم وعني والده بتربيته، وأيد العناية به قوة في فطرته، وإشراق في قريحته، وذكاء في مدركته فأخذ من بدايات العلوم ولم يقف دون نهاياتها تلقى علوماً جمة برع في جميعها فمنها العلوم العربية: من نحو وصرف ومعان وبيان وكتابة وتاريخ عام وخاص. ومنها علوم الشريعة: من تفسير وحديث وفقه وأصول فقه وكلام وتصوف، ومنها علوم عقلية: من منطق وحكمة عملية سياسية ومنزلية وتهذيبية، وحكمة نظرية طبيعية وإلهية، ومنها: علوم رياضية من حساب وهندسة وجبر وهيأة وأفلاك، ومنها: نظريات الطب والتشريح. أخذ جميع تلك الفنون عن أساتذة ماهرين على الطريقة المعروفة في تلك البلاد، وعلى ما في الكتب الإسلامية المشهورة واستكمل الغاية من دروسه في الثامنة عشرة من سنه، ثم عرض له سفر إلى البلاد الهندية فأقام بها سنة وبضعة أشهر ينظر في بعض العلوم الرياضية على الطريقة الأوروبية الجديدة. أما مقصده السياسي الذي قد وجه إليه أفكاره وأخذ على نفسه السعي إليه مدة حياته، وكل ما أصابه من البلاء أصابه في سبيله فهو: إنهاض دولة إسلامية من ضعفها، وتنبيهها للقيام على شؤونها حتى تلحق الأمة بالأمم العزيزة، والدولة بالدول القوية؛ فيعود للإسلام شأنه وللدين الحنيفي مجده، ويدخل في هذا تنكيس دولة بريطانيا في الأقطار الشرقية، وتقليص ظلها عن رؤوس الطوائف الإسلامية، وله في عداوة الإنكليز شؤون يطول بيانها.
أما منزلته من العلم وغزارة المعارف ليس يحدها قلمي إلا بنوع من الإشارة إليها: لهذا الرجل سلطة على دقائق المعاني وتحديدها وإبرازها في صورها اللائقة بها كأن كل معنى قد خلق له، وله قوة في حل ما يعضل منها كأنه سلطان شديد البطش؛ فنظرة منه تفكك عقدها، كل موضوع يلقى إليه يدخل للبحث فيه كأنه صنع يديه؛ فيأتي على أطرافه، ويحيط بجميع أكنافه، ويكشف ستر الغموض عنه؛ فيظهر المستور منه. وإذا تلك في الفنون حكم فيها حكم الواضعين لها ثم له في باب الشرعيات قدرة على الاختراع كأن ذهنه عالم الصنع والإبداع وله لسان في الجدل وحذق في صناعة الحجة لا يلحقه فيهما أحد إلا أن يكون في الناس من لا نعرفه، وكفاك شاهداً على ذلك أنه ما خاصم أحداً إلا خصمه، ولا جادله عالم إلا ألزمه. وقد اعترف له الأوروبيون بذلك بعدما أقر له الشرقيون؛ وبالجملة فإني لو قلت إن ما آتاه الله من قوة الذهن، وسعة العقل، ونفوذ البصيرة هو أقصى ما قدر لغير الأنبياء لكنت غير مبالغ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
أما أخلاقه: فسلامة القلب سائدة في صفائه، وله حلم عظيم يسع ما شاء الله أن يسع إلى أن يدنو منه أحد ليمس شرفه أو دينه؛ فينقلب الحلم إلى غضب تنقض منه الشهب. فبينما هو حليم أواب إذا هو أسد وثاب. وهو كريم يبذل ما بيده قوي الاعتماد على الله لا يبالي ما تأتي به صروف الدهر عظيم الأمانة سهل لمن لاينه صعب على من خاشنه طموح إلى مقصده السياسي الذي قدمناه إذا لاحت له بارقة منه تعجل السير للوصول إليه، وكثيراً ما كان التعجل علة الحرمان، وهو قليل الحرص على الدنيا بعيد من الغرور بزخارفها، ولوع بعظائم الأمور عزوف عن صغائرها شجاع مقدام لا يهاب الموت كأنه لا يعرفه. إلا أنه حديد المزاج وكثيراً ما هدمت الحدة ما رفعته الفطنة، إلا أنه صار اليوم في رسوخ الأطواد وثبات الأفناد. فخور بنسبه إلى سيد المرسلين (ص) لا يعد لنفسه مزية أرفع ولا عزاً أمنع من كونه من سلالة ذلك البيت الطاهر، وبالجملة ففضله كعلمه والكمال لله وحده.
أما خلقه: فهو يمثل لناظره عربياً محضاً من أهالي الحرمين فكأنما قد حفظت له صورة آبائه الأولين من سكنة الحجاز حماه الله. ربعة في طوله، وسط في بنيته، قمحي في لونه، عصبي دموي في مزاجه، عظيم الرأس في اعتدال، عريض الجبهة في تناسب، واسع العينين عظيم الأحداق، ضخم الوجنات رحب الصدر، جليل في النظر هش بش عند اللقاء قد وفاه الله من كمال خلقه ما ينطبق على كمال خُلُقه.
بقي علينا أن نذكر له وصفاً لو سكتنا عنه سئلنا عن إغفاله، وهو أنه كان في مصر يتوسع في إتيان بعض المباحات كالجلوس في المتنزهات العامة، والأماكن المعدة لراحة المسافرين، وتفرج المحزونين، لكن مع غاية الحشمة وكمال الوقار. وكان مجلسه في تلك المواضع لا يخلو من الفوائد العلمية، فكان بعيداً عن اللغو منزهاً عن اللهو، وكان يوافيه فيها كثير من الأمراء، وأرباب المقامات العالية، وأهل العلم. وهذا الوصف ربما عده عليه بعض حاسديه، لكن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، وأي غضاضة على المرء المؤمن في أن يفرج بعض همه بما أباح الله له. هذا مجمل من أحوال السيد جمال الدين الأفغاني أتينا به دفعاً لما افتراه عليه الجاهلون، ولو سلكنا في تاريخه مسلك التفصيل لأدى بنا إلى التطويل (انتهى).
ثم اتبع الشيخ محمد عبده ذلك بما كتبه سليم العنجوري تخطئة لنفسه فيما نقله في شرح سحر هاروت قال: والمطلع على ما كتبناه يعلم خطأه في جل ما رواه، وهذا ما نشره العنجوري في جريدة لسان الحال وغيرها بحروفه، قال:
لا يخفى أننا كنا أتينا في حاشية كتابنا «سحر هاروت» على شيء من ترجمة الحكيم الشرقي الغزير المادة السيد جمال الدين الأفغاني الطائر الصيت، وأبنّا في عرض قصصنا لمحة مما تلقيناه عن بعض المصريين والسوريين من سوء عقيدته ووهن دينه، مما كان مدعاة أسفنا وباعث استغرابنا، ثم أسعدنا البخت بأن التقينا هذه الأيام بصديقنا المحلى بحلية الفضل الحائز قصب السبق في مضماري العقل والنقل الشيخ محمد عبده أعز أخلاء الحكيم المشار إليه؛ فجال بيننا حديث أفضى إلى البحث بما يرويه عنه بعض الناس، ورويناه نحن عنهم: فأوضح لنا بدلائل ناهضة وبراهين داحضة أن ما تتناقله الألسن من هذا القبيل ما كان إلا من آثار ما رماه بعض من غمرتهم أياديه فجازوه بالكنود يعني بهم قوماً كفرة تزلفوا إليه فاغتر ببراقيش ألسنتهم، ووطأ لهم جانب الأنس، سالكاً في سبيل إسعادهم كل سبيل، فلما دارت عليه الدوائر وتحولت الأحوال أخذوا يتحججون بالتلمذة عليه، وينسبون ما أشربوا من الكفر إليه. وبيّن لنا بأجلى أسلوب أن المباحث التي كان يدور بها لسانه أثناء مناظرته الجدلية في بيان عقائد المعطلين كان المراد منها إظهار حقائق النحل والبدع بمعزل عن الاعتقاد بها والجنوح إليها، بل مع تعقيبها بالرد عليها، إقامة الحجج على بطلانها، ثم تأييداً لمقاله هذا وقفنا على رسالة منسوجة بقلم السيد المشار إليه سوّأ بها أصحاب المبادىء المعطلة من أي فريق كانوا، وبين قبح طريقتهم بعبارة حنيف عريق بالإسلام، نثبت هنا منها مبحثه في طريق اعتقاد الألوهية لسعادة الإنسان. قال بعد بيان وجوه زعموها كافية لإصلاح النوع البشري، ورد ما زعموا: «فإذن لم يبق للشهوات قامع، ولا للأهواء رادع؛ إلا الإيمان بأن للعالم صانعاً عالماً بمضمرات القلوب، ومطلوبات الأنفس، سامي القدرة، واسع الحول والقوة، مع الاعتقاد بأنه قد قدر للخير والشر جزاء يوفاه مستحقه في حياة بعد هذه الحياة السرمدية»، ثم قال: «فلم تبق ريبة في أن الدين هو السبب الفرد لسعادة الإنسان، فلو قام الدين على قواعد الأمر الإلهي الحق، ولم يخالطه شيء من أباطيل من يزعمونه ولا يعرفونه، فلا ريب يكون سبباً في السعادة التامة والنعيم الكامل، ويذهب بمعتقديه في جواد الكمال الصوري والمعنوي، ويصعد بذويه إلى ذروة الفضل الظاهري والباطني، ويرفع أعلام المدنية لطلابها، بل يفيض على المتمدنين من ديم الكمال العقلي والنفسي ما يظفرهم بسعادة الدارين». ثم أتى بعد هذا في مزايا الدين الإسلامي خصوصاً بما يطول بيانه، ويعلمه من اطلع على تلك الرسالة هذا كله بعدما قال في وصف الماديين: «إنهم كيفما ظهروا، وفي أي صورة تمثلوا، وبين أي قوم نجموا كانوا صدمة شديدة على أبناء قومهم، وصاعقة مجتاحة لثمار أممهم، وصدعاً متفاقماً في بنية جيلهم، يميتون القلوب الحية بأقوالهم، وينفثون السم في الأرواح بآرائهم، ويزعزعون راسخ النظام بمساعيهم، فما رزئت بهم أمة ولا مني بشرهم جيل إلا انتكث فتله، وتبددت آحاده، وفقد قوام وجوده». ثم أطال في بيان ذلك إلى حد لم يبق معه للريبة في كمال اعتقاده، وجلاء يقينه، فأخذتنا لذلك خفة الطرف، وسارعنا لإذاعته بلسان الصحف شأن المؤرخ العادل، وقياماً بحق الأدب، وضناً بفضل هذا الرجل الخطير من أن تتناوله ألسنة من لا يعرفه خطأ وافتراء، والله يتولى الصادقين.
أخباره
قال الشيخ محمد عبده في ترجمته المتقدمة إليها الإشارة: إنه سافر إلى الهند وعمره 18 سنة أي سنة 1272، فأقام بها سنة وبضعة أشهر، وأتى بعد ذلك الأقطار الحجازية لأداء فريضة الحج، وطالت مدة سفره إليها نحو سنة وهو ينتقل من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر حتى وافى مكة المكرمة سنة 1273. فوقف على كثير من عادات الأمم التي مر بها في سياحته، واكتنه أخلاقهم، وأصاب من ذلك فوائد غزيرة، ثم رجع بعد أداء فريضة الحج إلى بلاده. وفي سنة 1285 سافر إلى الحج على طريق الهند فلما وصل إلى التخوم الهندية تلقته حكومة الهند بحفاوة في إجلال إلا أنها لم تسمح له بطول الإقامة في بلادها، ولم تأذن للعلماء في الاجتماع عليه إلا على عين من رجالها، فلم يقم أكثر من شهر، ثم سيرته من سواحل الهند في أحد مراكبها على نفقتها إلى السويس فجاء إلى مصر، وأقام فيها نحو أربعين يوماً تردد فيها على الجامع الأزهر، وخالطه كثير من طلبة العلم السوريين، ومالوا إليه كل الميل، وسألوه أن يقرأ لهم شرح الاظهار، فقرأ لهم بعضاً منه في بيته، ثم تحول عزمه عن الحجاز، وسارع بالسفر إلى الاستانة، وبعد أيام من وصوله إليها أمكنته ملاقاة الصدر الأعظم عالي باشا، ونزل منه منزلة الكرامة، وعرف له الصدر فضله، وأقبل عليه بما لم يسبق لمثله، وهو مع ذلك بزيه الأفغاني قباء وكساء وعمامة عجراء، وحومت عليه لفضل قلوب الأمراء والوزراء، وعلا ذكره بينهم، وتناقلوا الثناء على علمه ودينه وأدبه، وهو غريب عن أزيائهم ولغتهم وعاداتهم، وبعد ستة أشهر سمي عضواً في مجلس المعارف، فأدى حق الاستقامة في آرائه، وأشار إلى طرق لتعميم المعارف لم يوافقه على الذهاب إليها رفقاؤه. ومن تلك الطرق ما أحفظ عليه قلب شيخ الإسلام لتلك الأوقات حسن فهمي أفندي لأنها كانت تمس شيئاً من رزقه، فأرصد له العنت حتى كان رمضان سنة 1287هـ فرغب إليه مدير (دار الفنون) تحسين أفندي أن يلقي فيها خطاباً للحث على الصناعات، فاعتذر إليه بضعفه في اللغة التركية فألح عليه تحسين أفندي، فأنشأ خطاباً طويلاً كتبه قبل إلقائه وعرضه على وزير المعارف، وكان صفوة باشا وعلي شرواني زاده، وكان مشير الضابطية وعلي دولتلو منيف باشا ناظر المعارف ـ وكان عضواً في مجلس المعارف ـ واستحسنه كل منهم وأطنب في مدحته، فلما كان اليوم المعين لاستماع الخطاب، وتسارع الناس إلى دار الفنون، واحتفل له جمع غفير من رجال الحكومة، وأعيان أهل العلم، وأرباب الجرائد، وحضر في الجمع معظم الوزراء، وصعد السيد جمال الدين على منبر الخطابة وألقى ما كان أعده، وأرسل حسن فهمي أفندي أشعة نظره في تضاعيف الكلام ليصيب منه حجة للتمثيل به وما كان يجدها لو طلب حقاً، ولكن كان الخطاب في تشبيه المعيشة الإنسانية ببدن حي وأن كل صناعة بمنزلة عضو من ذلك البدن يؤدي من المنفعة في المعيشة ما يؤديه العضو في البدن، فشبه الملك مثلاً بالمخ الذي هو مركز التدبير والإرادة. والحدادة بالعضد والزراعة بالكبد والملاحة بالرجلين، ومضى في سائر الصناعات والأعضاء حتى أتى على جميعها ببيان ضاف واف، ثم قال: هذا ما يتألف منه جسم السعادة الإنسانية، ولا حياة لجسم إلا بروح وروح هذا الجسم إما النبوة وإما الحكمة، ولكن يفرق بينهما بأن النبوة: منحة إلهية لا تنالها يد الكاسب يختص الله بها من يشاء من عباده والله أعلم حيث يجعل رسالاته. أما الحكمة، فمما يكتسب بالفكر والنظر في المعلومات وبأن النبي معصوم من الخطأ، والحكيم يجوز عليه الخطأ بل يقع فيه وأن أحكام النبوات آتية على ما في علم الله لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها فالأخذ بها من فروض الإيمان. أما آراء الحكماء فليس على الذمم فرض اتباعها إلا من باب ما هو الأولى والأفضل على شريطة أن لا تخالف الشرع الإلهي. هذا ما ذكرناه متعلقاً بالنبوة وهو منطبق على ما أجمع عليه علماء الشريعة الإسلامية إلا أن حسن فهمي أفندي أقام من الحق باطلاً ليصيب غرضه من الانتقاد فأشاع أن الشيخ جمال الدين زعم أن النبوة صنعة، واحتج لتثبيت الإشاعة بأنه ذكر النبوة في خطاب يتعلق بالصناعة (وهكذا تكون حجج طلاب العنت)، ثم أوعز إلى الوعاظ في المساجد أن يذكروا ذلك محفوفاً بالتفنيد والتنديد، فاهتم السيد جمال الدين للمدافعة عن نفسه وإثبات براءته مما رمِيَ به، ورأى أن ذلك لا يكون إلا بمحاكمة شيخ الإسلام (وكيف يكون ذلك) واشتد في طلب المحاكمة، وأخذت منه الحدة مبلغها، وأكثرت الجرائد من القول في المسألة، فمنها نصراء الشيخ جمال الدين، ومنها أعوان لشيخ الإسلام، فأشار بعض أصحاب السيد عليه أن يلزم السكون ويغضي على الكريهة، وطول الزمان يتكفل باضمحلال الإشاعات وضعف أثرها، فلم يقبل ولجّ في طلب المخاصمة فعظم الأمر، وآل إلى صدور أمر الصدارة إليه بالجلاء عن الاستانة بضعة أشهر حتى تسكن الخواطر ويهدأ الاضطراب، ثم يعود إن شاء، ففارق الاستانة مظلوماً في حقه مغلوباً لحدته([48])، وحمله بعض من كان معه على التحول إلى مصر، فجاء إليها في أول محرم سنة 1288هـ. هذا مجمل ما جرى في الاستانة. وما ذكره سليم العنجوري في شرح شعره المسمى (سحر هاروت) مما يخالف ذلك خلط من الباطل لا شائبة للحق فيه. مال السيد جمال الدين إلى مصر على قصد التفرج بما يراه من مظاهرها ومناظرها، ولم تكن له عزيمة على الإقامة بها حتى لاقى صاحب الدولة رياض باشا، فاستمالته مساعيه إلى المقام، وأجرت عليه الحكومة وظيفة ألف قرش مصري كل شهر([49]) نزلاً أكرمته به لا في مقابلة عمل، واهتدى إليه بعد الإقامة كثير من طلبة العلم، واستوروا زنده فأورى، واستفاضوا بحره ففاض دراً، وحملوه على تدريس الكتب فقرأ من الكتب العالية في فنون الكلام الأعلى، والحكمة النظرية طبيعية وعقلية، وفي علم الهيئة الفلكية، وعلم التصوف، وعلم أصول الفقه الإسلامي، وكانت مدرسته بيته من أول ما ابتدأ إلى آخر ما اختتم ولم يذهب إلى الأزهر مدرساً ولا يوماً واحداً. نعم كان يذهب إليه زائراً وأغلب ما كان يزوره يوم الجمعة. عظم أمر الرجل في نفوس طلاب العلوم واستزجلوا فوائد الأخذ عنه، وأعجبوا بدينه وأدبه، وانطلقت الألسن بالثناء عليه، وانتشر صيته في الديار المصرية ثم وجه عنايته لحل عقد الأوهام عن قوائم العقول فنشطت لذلك ألباب، واستضاءت بصائر، وحمل تلامذته على العمل في الكتابة، وإنشاء الفصول الأدبية والحكمية والدينية، فاشتغلوا على نظره وبرعوا وتقدم فن الكتابة في مصر بسعيه، وكان أرباب القلم في الديار المصرية القادرون على الإجادة في المواضيع المختلفة منحصرين في عدد قليل، وما كنا نعرف منهم إلا عبدالله فكري باشا، وخيري باشا، ومحمد باشا وسيد أحمد، على ضعف فيه ومصطفى باشا وهبي، على اختصاص فيه، ومن عدا هؤلاء فإما ساجعون في المراسلات الخاصة، وإما مصنفون في بعض الفنون العربية أو الفقهية وما شاكلها. ومن عشر سنوات ترى كتبه في القطر المصري لا يشق غبارهم، ولا يوطأ مضمارهم، وأغلبهم أحداث في السن شيوخ في الصناعة، وما منهم إلا من أخذ عنه أو عن أحد تلامذته أو قلد المتصلين به، ومنكر ذلك مكابر وللحق مدابر. هذا ما حسده عليه أقوام اتخذوا سبيلاً للطعن عليه من قراءته بعض الكتب الفلسفية، أخذاً بقول من جماعة من المتأخرين في تحريم النظر فيه، على أن القائلين بهذا القول لم يطلقوه، بل قيدوه بضعفاء العقول قصار النظر خشية على عقائدهم من الزيغ، أما الثابتون في إيمانهم فلهم النظر في علوم الأولين والآخرين من موافقين لمذاهبهم أو مخالفين، فلا يزيدهم ذلك إلا بصيرة في دينهم وقوة في يقينهم، ولنا في أئمة الملة الإسلامية ألف حجة تقوم على ما نقول، ولكن تمكن الحاسدون من نسبة ما أودعته كتب الفلاسفة إلى رأي هذا الرجل وأذاعوا ذلك بين العامة، ثم أيدهم أخلاط من الناس من مذاهب مختلفة كانوا يطرقون مجلسه فيسمعون ما لا يفهمون، ثم يحرفون في النقل عنه ولا يشعرون، غير أن هذا كله لم يؤثر في مقام الرجل من نفوس العقلاء العارفين بحاله، ولم يزل شأنه في ارتفاع والقلوب عليه في اجتماع إلى أن تولى خديوية مصر خديويها المغفور له توفيق باشا، وكان السيد من المؤيدين لمقاصده الناشرين لمحامده، إلا أن بعض المفسدين ومنهم (مستر فيفيان) قنصل إنكلترا الجنرال سعى فيه لدى الجناب الخديوي، ونقل المفسد عنه ما الله يعلم أنه بريء منه حتى غيّر قلب الخديوي عليه، فأصدر أمره بإخراجه من القطر المصري هو وتابعه أبا تراب، ففارق مصر إلى البلاد الهندية سنة 1296هـ وأقام بحيدر آباد الدكن، وفيها كتب هذه الرسالة في نفي مذهب الدهريين، ولما كانت الفتنة الأخيرة بمصر دعي من حيدر آباد إلى كلكتة وألزمته حكومة الهند بالإقامة فيها حتى انقضى أمر مصر، وفثأت الحرب الإنكليزية، ثم أبيح له الذهاب إلى أي بلد فاختار الذهاب إلى أوروبا، وأول مدينة أصعد إليها مدينة لندرة أقام بها أياماً قلائل ثم انتقل منها إلى باريس، وأقام بها ما يزيد على ثلاث سنوات وافيناه في أثنائها، ولما كلفته جمعية العروة الوثقى أن ينشىء جريدة تدعو المسلمين إلى الوحدة تحت لواء الخلافة الإسلامية أيدها الله، سألني أن أقوم على تحريرها، فأجبت، ونشر من الجريدة ثمانية عشر عدداً، وقد أخذت من قلوب الشرقيين عموماً والمسلمين خصوصاً ما لم يأخذه قبلها وعظ واعظ ولا تنبيه منبه، ثم قامت الموانع دون الاستمرار في إصدارها حيث قفلت أبواب الهند عنها، واشتدت الحكومة الإنكليزية في إعنات من تصل إليهم فيه. ثم بقي بعد ذلك مقيماً بأوروبا أشهراً في باريس وأخرى في لندرة إلى أوائل شهر جمادى الأولى سنة 1303هـ، وفيه رجع إلى البلاد الإيرانية (انتهى). وفي تعليق شكيب أرسلان على حاضر العالم الإسلامي: قد زعم (ويلفريد سكافن بلوتت) وهو مما لا يذكره من مترجميه أن جمال الدين ذهب من الهند إلى أمريكا، وأنه منها جاء إلى لندن سنة 1883م قال: وذكر (غولد سيهر) مناقشة جمال الدين مع رنان في أمر قابلية الإسلام للعلم، فقال ما يأتي بالحرف:
«وقد فتحت له أشهر الجرائد وأعظمها نفوذاً أبواب المراسلة فنشر فيها مقالات ممتعة عظيمة القيمة على السياسة الشرقية التي كانت تتنازعها إنكلترة وروسيا، وعلى أحوال تركيا ومصر، وعلى معنى حركة المهدي السوداني. وفي ذلك الوقت جرت بينه وبين أرنست رنان المناظرة التي أساسها محاضرة ألقاها رنان في السوربون على الإسلام والعلم، فجمال الدين الذي أراد تفنيد مزاعم رنان بعدم قابلية الإسلام للتوليد العلمي، وذلك في مقالة في جريدة «الديبا» ترجمت إلى الألمانية. ثم بعد ذلك بقليل عربت محاضرة رنان ـ مصحوبة برد من قلم «حسن أفندي عاصم» إلخ… وقال شكيب أيضاً: وأول أثر ظهر لجمال الدين في ميدان السياسة هو الحركة التي هبت في أواخر أيام الخديوي إسماعيل باشا، وآلت إلى خلعه من الخديوية، وكان للسيد اليد الطولى فيها، ولما جلس توفيق باشا على كرسي مصر شكر لجمال الدين مساعيه، لكن لم يطل الأمر حتى دبت عقارب السعاية في حقه، وجاء من دس إلى الخديوي الجديد أن السيد لم يقف عند هذا الحد، وقد تحدثه نفسه بثورة ثانية وبإقامة حكم جمهوري وما أشبه ذلك، فصدر الأمر فجأة بنفي جمال الدين، وأخرج إلى السويس ومنها ذهب إلى الهند، ولم يدخل بعدها مصر. وجرت الحركة العرابية في غيابه، واحتل الإنكليز مصر، ثم يقول: وفي سنة 1885م ذهب جمال الدين إلى أوروبا، وأول مدينة صعد إليها لندرة، ثم تحول منها إلى باريس حيث وافاه الشيخ محمد عبده أكبر تلاميذه، وأكمل وعاة علومه، فأصدر فيها «العروة الوثقى» التي بلغت من إيقاظ الشرق وهز أعصاب العالم الإسلامي ما لم تبلغه صحيفة سيارة قبلها ولا بعدها، ولكن لم يسعفهما الوقت أن يصدرا منها إلا بضعة عشر عدداً، فعاد الشيخ محمد عبده إلى بيروت حيث كان منفاه على أثر الحادثة العرابية، وبقي جمال الدين في أوروبا يجول في مدنها ويجالس أهل العلم فيها، ثم عاد إلى إيران.
وهنا اختلفت الرواية فيما علقه شكيب على الكتاب المذكور في سبب عوده إليها، فعلى رواية أن الشاه اجتمع به في (ميونخ) عاصمة (بافاريا)، فدعاه الشاه أن يكون بمعيته لما شاهده من وفرة علمه وفضله، وتقدم إليه في الذهاب معه إلى طهران، فلبى السيد دعوته. وعلى رواية أخرى أن الشاه ناصر الدين دعاه بالبرق سنة 1886م إلى حاضرة ملكه طهران، فأكرم مثواه وبالغ في الاحتفاء به، ولكن خشية الرقباء حملت جمال الدين على الاستئذان من الشاه والذهاب إلى روسية حيث أقام مدة وصارت له علاقات كثيرة «انتهى». ويفهم مما كتبه السيد صالح الشهرستاني في مجلة العرفان نقلاً عن الميرزا صادق خان البروجردي ـ أحد أصحاب السيد جمال الدين ـ: أن خروجه إلى روسية كان بأمر من ناصر الدين شاه سنة 1304هـ والله أعلم، وقال الميرزا صادق: وفي أواخر عام 1307هـ وأوائل عام 1308هـ عاد إلى طهران من روسية ونزل في دار الحاج محمد حسن كمباني أمين دار الضرب، وكان في جميع مجالسه وأحاديثه ينتقد السلطان ناصر الدين ووزيره يومئذ ميرزا علي أصغر خان الملقب أمين السلطان، ويدعو إلى الإصلاح ومقاومة الاستبداد، وبلغ ذلك الوزراء فأبلغوه الشاه وأقنعوه بإصدار أوامره سراً إلى الحاج محمد حسن كمباني ليعتذر من السيد جمال الدين بعذر مشروع في مفارقته ليخرج من داره، فأخبره صاحب الدار بأن أخاه التاجر في أوروبا مريض ويضطره ذلك إلى السفر لملاحظته، فعرف المترجم مقصوده وأجابه بأنني أيضاً لا أرغب في البقاء في طهران، وسافر في اليوم الثاني إلى مشهد السيد عبد العظيم الذي يبعد عن طهران نحواً من فرسخ، فبقي فيها ما يزيد عن سبعة أشهر لا يفتر فيها عما كان يبثه في طهران، وبالطبع كان ذلك كله يبلغ مسامع ناصر الدين ووزرائه، فأمر بإبعاده إلى كرمانشاه ومنها إلى خارج إيران ـ العراق ـ وفي ليلة من ليالي شعبان سنة 1308 جاء إليه المدعو آقا باقر خان سردار مع ستة من أهل البلد وأخبره بأن الشاه لا يرى صلاحاً في بقائه بإيران وأن الحصان حاضر فليتفضل ويركبه فأجابه بأني أنا كنت غير راغب في المجيء إلى طهران والبقاء فيها، ولكن الشاه نفسه هو الذي أصر علي بالمجيء إليها، ولا تزال كتبه الكثيرة التي يدعوني فيها للعودة إلى إيران محفوظة عندي، وطلب أن يسمح له بزيارة عبد العظيم فسمح له بذلك، فلما دخل المشهد أطال المكث فيه، فأمر باقر خان من معه بإخراجه قهراً، فأخرج بصورة قبيحة، وقد صادفوه خارجاً.
هذه رواية تلميذه الميرزا صادق البروجردي التي رواها عنه السيد صالح الشهرستاني، والذي يلوح أنه احتمى بمشهد عبد العظيم وامتنع من الخروج فأخرج قهراً بتلك الصورة وكتابه إلى الميرزا الشيرازي الآتي يصرح بذلك، حيث يقول فيه: أمر بسحبي من حضرة عبد العظيم. وأما غير ميرزا صادق من مؤرخي الإيرانيين وغيرهم فيقولون: إن الشاه أرسل خمسمائة فارس من الجنود فقبضوا عليه وساقوه إلى قم، وصحبه منهم هناك خمسون فارساً إلى كرمانشاه ثم إلى ما وراء الحدود الإيرانية. والذي يلوح أن رواية الخمسمائة الفارس مبالغ فيها مبالغة يراد بها تعظيم أمره، وإلا فلا نظن أن مثل ذلك يحتاج إلى أكثر من عشرة جنود، فإن زاد فإلى خمسين. والذي يظهر أن الذين أخرجوه من المشهد هم الستة من أهل البلد وأخذوه من هناك إلى دار الحكومة، ومنها أصحبوه ببعض الجند والله أعلم. ثم أوصلوه إلى خانقين، ومن هناك استلمته الشرطة العثمانية حتى أوصلته إلى بغداد ثم أرسل إلى البصرة. وكان ذلك في سنة 1308هـ. وكتب وهو في البصرة كتاباً إلى المرجع الشيعي الأكبر في ذلك الوقت، السيد محمد حسن الشيرازي بالعربية الفصحى ـ مما يدل على أنه كان قد أتقنها، وذلك دليل علو همته ـ يستفزه فيه ويستصرخه ويحمسه ويستنجده بأنواع العبارات المهيجة الؤثرة في النفوس، وشاع هذا الكتاب في ذلك الوقت وجاءت نسخته إلى النجف وقرأه الناس، ولكن الميرزا الشيرازي لم يظهر منه شيء في هذا الباب من أجل هذا الكتاب، وهذه صورته:
{بسمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحَيم} حقاً أقول: إن هذا الكتاب خطاب إلى روح الشريعة المحمدية أينما وجدت وحيثما حلت، وضراعة تعرضها الأمة على نفوس زكية تحققت بها شؤونها كيفما نشأت، وفي أي قطر نبغت، ألا وهم العلماء فأحببت عرضه على الكل وإن كان عنوانه خاصاً.
حبر الأمة، وبارقة أنوار الأئمة، دعامة عرش الدين، واللسان الناطق عن الشرع المبين، الحاج الميرزا حسن الشيرازي صان الله به حوزة الإسلام، ورد به كيد الزنادقة اللئام.
لقد خصك الله بالنيابة عن الحجة الكبرى، واختارك من العصابة الحقة وجعل بيدك أزمة سياسة الأمة بالشريعة الغراء. وحراسة حقوقها بها، وصيانة قلوبها عن الزيغ والارتياب فيها، وأحال إليك من بين الأنام وأنت وارث الأنبياء مهام أمور تسعد بها الملة في دارها الدنيا، وتحظى بها في العقبى، ووضع لك أريكة الرياسة العامة على الأفئدة والنهى، إقامة لدعامة العدل، وإنارة لمحجة الهدى، وكتب عليك بما أولاك به من السيادة على خلقه حفظ الحوزة، والذود عنها والشهادة دونها على سنن من مضى، وإن الأمة قاصيها ودانيها، وحاضرها وباديها، ووضيعها وعاليها، قد أذعنت لك بهذه الرياسة السامية الربانية، جاثية على الركب، خارة على الأذان تطمح نفوسها إليك في كل حادثة تعروها، وتطل بصائرها عليك في كل مصيبة تمسها، وهي ترى أن خيرها وسعدها منك، وأن فوزها ونجاتها بك، وأن أمنها وأمانيها فيك. فإذا لمح منك غض نظر، أو نأيت بجانبك لحظة، وأهملتها وشأنها لمحة، ارتجفت أفئدتها، وانتكثت عقائدها وزاغت أبصارها، وانهدت دعائم إيمانها، نعم لا برهان للعامة فيما دانوا، إلا استقامة الخاصة فيما أمروا، فإن وهن هؤلاء في فريضة أو قعد بهم الضعف عن إماطة منكر، اعتور أولئك الظنون والأوهام ونكص كل على عقبيه مارقاً عن الدين القويم، حائداً عن الصراط المستقيم وبعد هذا وذاك أقول:
إن الأمة الإيرانية بما دهمها من عراقيل الحوادث التي آذنت باستيلاء الضلال على بيت الدين، وتطاول الأجانب على حقوق المسلمين، ووجوم الحجة الحق (إياك أعني) عن القيام بناصرها، وهو حامل الأمانة والمسؤول عنها يوم القيامة، قد طارت نفوسها شعاعاً، وطاشت عقولها وتاهت أفكارها، ووقفت موقف الحيرة وهي بين إنكار وإذعان، وجحود وإيقان، لا تهتدي سبيلاً وهامت في بيداء الهواجس، في عتمة الوساوس، ضالة عن رشدها لا تجد إليه دليلاً، وأخذ القنوط بمجامع قلوبها، وسدّ دونها أبواب رجائها وكادت تختار ـ يأساً منها ـ الضلالة على الهدى، وتعرض عن محجة الحق وتتبع الهوى، وإن آحاد الأمة لا يزالون يتساءلون شاخصة أبصارهم عن أسباب قضت على حجة الإسلام (إياك أعني) بالسبات والسكوت وحتم عليه أن يطوي الكشح عن إقامة الدين على أساطينه واضطره إلى ترك الشريعة وأهلها إلى أيدي زنادقة يلعبون بها كيف ما يريدون ويحكمون فيها بما يشاؤون، حتى أن جماعة من الضعفاء زعموا أن قد كذبوا، وظنوا في الحجة ظن السوء. وحسبوا أن الأمر أحبولة الحذق، وأسطورة المذق، وذلك لأنها ترى ـ وهو الواقع ـ أن لك الكلمة الجامعة، والحجة الساطعة، وأن أمرك في الكل نافذ، وليس لحكمك في الأمة منابذ، وأنك لو أردت أن تجمع آحاد الأمة بكلمة منك وهي كلمة تنبثق من كيان الحق إلى صدر أهله؛ لترهب به عدو الله وعدوهم، وتكف عنهم شر الزنادقة، وتزيح ما حاق بهم من العنت والشقاء، وتنشلهم من ضنك العيش إلى ما هو أرغد وأهنأ فيصير الدين بأهله منيعاً حريزاً، والإسلام بحجته رفيع المقام عزيزاً. هذا هو الحق إنك رأس العصابة الحقة، وإنك الروح الساري في آحاد الأمة، فلا يقوم قائم إلا بك، ولا تجتمع كلمتهم إلا عليك لو قمت بالحق نهضوا جميعاً ولهم الكلمة العليا، ولو قعدت تثبطوا وصارت كلمتهم هي السفلى، ولربما كان هذا السير والدوران حينما غض حبر الأمة طرفه عن شؤونهم، وتركهم هملاً بلا راعِ، وهمجاً بلا رادع ولا داع يقيم لهم عذراً فيما ارتابوا، خصوصاً لما رأوا أن حجة الإسلام قد اتقى فيما أطبقت الأمة خاصتها وعامتها على وجوبه، وأجمعت على حظر الاتقاء فيه خشية لغوبه، ألا وهو حفظ حوزة الإسلام، الذي به بعد الصيت، وحسن الذكر، والشرف الدائم والسعادة التامة، ومن يكون أليق بهذه المزايا وأحرى بها ممن اصطفاه الله في القرن الرابع عشر، وجعله برهاناً لدينه وحجة على البشر.
أيها الحبر الأعظم! إن الملك قد وهنت مريرته فساءت سيرته، وضعفت مشاعره فقبحت سريرته، فعجز عن سياسة البلاد وإدارة مصالح العباد، فجعل زمام الأمور كليها وجزئيها بيد… أثيم غشوم، ثم بعد ذلك… يسب الأنبياء في المحافل جهراً، ولا يقيم لشريعة الله أمراً، ولا يرى لرؤساء الدين وقرأ، يشتم العلماء، ويقذف الاتقياء، ويهين السادة الكرام، ويعامل الوعاظ معاملة اللئام، وإنه بعد رجوعه من البلاد الإفرنجية قد خلع العذار وتجاهر… وموالاة الكفار ومعاداة الأبرار هذه أفعاله الخاصة في نفسه ثم أنه باع الجزء الأعظم من البلا د الإيرانية ومنافعها لأعداء الدين المعادن والسبل الموصلة إليها والطرق الجامعة بينها وبين تخوم البلاد والخانات التي تبنى على جوانب تلك المسالك الشاسعة التي تتشعب فروعها إلى جميع أرجاء المملكة، وما يحيط بها من البساتين والحقول نهر كارون، والفنادق التي تنشأ على ضفتيه إلى المنبع وما يستتبعها من الجنائن والمروج والجادة من الأهواز إلى طهران، وما على أطرافها من العمران والفنادق والبساتين والحقول والتنباك وما يتبعه من المراكز ومحلات الحرث وبيوت المستحفظين والحاملين والبائعين إن وجد وحيث نبت وحكر العنب للخمور وما يستلزمه من الحوانيت والمعامل والمصانع في جميع أقطار البلاد والصابون والشمع والسكر ولوازمها من المعامل والبنك وما أدراك ما البنك؟ وهو إعطاء الأهالي كلية بيد عدو الإسلام، واسترقاقه لهم، واستملاكه إياهم، وتسليمهم له بالرياسة والسلطان، ثم إن الخائن البليد أراد أن يرضي العامة بواهي برهانه فحبق قائلاً، إن هذه معاهدات زمانية ومقاولات وقتية، لا تطول مدتها أزيد من مائة سنة، يا لله من هذا البرهان الذي سوّله خرق الخائنين، وعرض الجزء الباقي على الدولة الروسية حقاً لسكوتها لو سكتت مرداب رشت وأنهر طبرستان والجادة من أنزلي إلى خراسان وما يتعلق بها من الحدود والفنادق والحقول، ولكن الدولة الروسية شمخت بأنفها وأعرضت عن قبول تلك الهدية، وهي عازمة على استملاك خراسان، والاستيلاء على اذربيجان ومازندران إن لم تنحل هذه المعاهدات، ولم تنفسخ هذه المقاولات القاضية بتسليم المملكة تماماً بيد ذلك العدو هذه هي النتيجة الأولى لخيانة هذا الأخرق، وبالجملة إن هذا المجرم قد عرض أقطاع البلاد الإيرانية على الدول ببيع المزاد وإنه يبيع ممالك الإسلام ودور محمد وآله(عليهم السلام) للأجانب، ولكنه لخسة طبعه، ودناءة فطرته لا يبيعها إلا بقيمة زهيدة ودراهم بخسة معدودة، نعم هكذا يكون إذا امتزجت اللآمة والشره بالخيانة والسفه.
وإنك أيها الحجة: إن لم تقم بنصر هذه الأمة ولم تجمع كلمتهم ولم تنزع السلطة بقوة الشرع من يد هذا الأثيم، لأصبحت حوزة الإسلام تحت سلطة الأجانب يحكمون فيها ما يشاؤون، ويفعلون فيها ما يريدون، وإذا فاتتك هذه الفرصة أيها الحبر: ووقع الأمر وأنت حي لما أبقبت ذكراً جميلاً بعدك في صحيفة العالم وأوراق التواريخ وأنت تعلم أن علماء إيران كافة والعامة بأجمعهم ينتظرون منك ـ وقد حرجت صدورهم وضاقت قلوبهم ـ كلمة واحدة ويرون سعادتهم بها ونجاتهم فيها، ومن خصّة الله بقوة كيف يسوغ له أن يفرط فيها ويتركها سدى. ثم أقول للحجة قول خبير بصير: إن الدولة العثمانية تتبجح بنهضتك على هذا الأمر، وتساعدك عليه لأنها تعلم أن مداخلة الإفرنج في الأقطار الإيرانية، واستيلاءها عليها تجلب الضرر إلى بلادها لا محالة، وأن وزراء إيران وأمراءها كلهم يبتهجون بكلمة تنبض بهذا الشأن، لأنهم بأجمعهم يعافون هذه المستحدثات طبعاً، ويسخطون من هذه المقاولات جبلة، ويجدون بنهضتك مجالاً لإبطالها، وفرصة لكف الشر الذي رضي بها وقضى عليها، ثم إن العلماء ـ وإن كان كل صدع بالحق وجبه هذا الأخرق الخائن بسوء أعماله ـ ولكن ردعهم للزور وزجرهم عن الخيانة ونهرهم المجرمين ما قرت كسلسلة المعدات قراراً ولا جمعتها وحدة المقصد في زمان واحد، وهؤلاء لتماثلهم في مدارج العلوم وتشاكلهم في الرياسة، وتساويهم في الرتب غالباً عند العامة، لا ينجذب بعضهم إلى بعض، ولا يصير أحد منهم لصقاً للآخر، ولا يقع بينهم تأثير الجذب وتأثير الانجذاب، حتى تتحقق هيأة وحدانية وقوة جامعة يمكن بها دفع الشر وصيانة الحوزة، كل يدور على محوره وكل يردع الزور وهو في مركزه هذا هو سبب الضعف عن المقاومة، وهذا هو سبب قوة المنكر والبغي.
وإنك وحدك أيها الحجة بما أوتيت من الدرجة السامية والمنزلة الرفيعة علة فعالة في نفوسهم، وقوة جامعة لقلوبهم، وبك تنتظم القوى المتفرقة الشاردة وتلتئم القدر المتشتتة الشاذة، وإن كلمة تأتي منك بوحدانية تامة، يحق لها أن تدفع الشر المحدق بالبلاد، وتحفظ حوزة الدين، وتصون بيضة الإسلام، فالكل منك وبك وإليك، وأنت المسؤول عن الكل عند الله وعند الناس.
ثم أقول إن العلماء والصلحاء في دفاعهم فرادى عن الدين وحوزته قد قاسوا من ذلك… شدائد ما سبق لها منذ قرون مثيل وتحملوا لصيانة بلاد المسلمين عن الضياع وحفظ حقوقهم عن التلف كل هوان وكل صغار وكل فضيحة! ولا شك أن حبر الأمة قد سمع ما فعله أدلاء الكفر وأعوان الشرك بالعالم الفاضل الصالح الواعظ الحاج ملا فيض الله الدربندي، وستستمع قريباً ما فعله الطغاة الجفاة بالعالم المجتهد التقي البار الحاج السيد علي أكبر الشيرازي، وستحيط علماً بما فعله بحماة الملة والأمة من قتل وكي وضرب وحبس ومن جملتهم الشاب الصالح الميرزا محمد رضا الكرماني الذي قتله ذلك… في الحبس، والفاضل الكامل البار الحاج سياح، والفاضل الأديب النجيب الميرزا محمد علي خان، والفاضل المتفنن اعتماد السلطنة وغيرهم.
وأما قصتي وما فعله ذلك… الظلوم معي، فمما يفتت أكباد أهل الإيمان ويقطع قلوب ذوي الإيقان، ويقضي بالدهشة على أهل الكفر وعبدة الأوثان، إن ذلك اللئيم أمر بسحبي وأنا متحصن بحضرة عبد العظيم (ع) في شدة المرض على الثلج إلى دار الحكومة بهوان وصغار وفضيحة لا يمكن أن يتصور مثلها في الشناعة، هذا كله بعد النهب والغارة، إنا لله وإنا إليه راجعون ثم حملتني زبانيته الأوغاد وأنا مريض على برذون مسلسلاً في فصل الشتاء وتراكم الثلوج والرياح الزمهريرية، وساقتني جحفلة من الفرسان إلى خانقين، وصحبني جمع من الشرطة إلى بغداد، ولقد كتب الوالي من قبل، والتمس منه أن يبعدني إلى البصرة علماً منه أنه لو تركني ونفسي لأتيتك أيها الحبر وبثثت لك شأنه وشأن الأمة وشرحت لك ما حاق ببلاد الإسلام من شر هذا… ودعوتك أيها الحجة إلى عون الدين، وحملتك على إغاثة المسلمين وكان على يقين أني لو اجتمعت بك لا يمكنه أن يبقى على دست وزارته المؤسسة على خراب البلاد، وإهلاك العباد، وإعلاء كلمة الكفر، ومما زاده لؤماً على لؤمه ودناءة على دناءته أنه دفعاً لثرثرة العامة، وتسكيناً لهياج الناس نسب تلك العصابة التي ساقتها غيرة الدين، وحمية الوطن إلى المدافعة عن حوزة الإسلام، وحقوق الأهالي بقدر الطاقة والإمكان إلى الطائفة البابية كما أشاع بين الناس أولاً قطع الله لسانه أني كنت غير مختون، وأسلاماه! ما هذا الضعف، ما هذا الوهن؟ كيف أمكن أن صعلوكاً دنيء النسب، ووغداً خسيس الحسب، قدر أن يبيع المسلمين وبلادهم بثمن بخس دراهم معدودة، ويزدري العلماء ويهين السلالة المصطفوية ويبهت السادة المرتضوية البهتان العظيم، ولا يد قادرة تستأصل هذا الجذر الخبيث، شفاء لقلوب المؤمنين، وانتقاماً لآل سيد المرسلين عليهم السلام، ثم لما رأيت نفسي بعيداً عن تلك الحضرة أمسكت عن بث الشكوى، ولما قدم العالم المجتهد القدوة الحاج السيد علي أكبر إلى البصرة طلب مني أن أكتب إلى الحبر الأعظم كتاباً أبث فيه هذه الغوائل والحوادث والكوارث، فبادرت إليه امتثالاً وعلمت أن الله تعالى سيحدث بيدك أمراً، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
السيد الحسيني
ويقول شكيب في تعليقه على حاضر العالم الإسلامي: فكان هذا النداء من أعظم أسباب الفتوى التي أفتاها ذلك الإمام ببطلان هذا الامتياز، واضطرت الحكومة الفارسية خوف انتفاض العامة إلى إلغائه.
ولكن الحقيقة أن الميرزا الشيرازي أفتى بتحريم تدخين التنباك حينما بلغه إعطاء الامتياز إلى الدولة البريطانية قبل أن يرسل له السيد جمال الدين هذا الكتاب ولم يكن إفتاؤه بتأثير كتاب جمال الدين، ولو لم يكن له مؤثر ديني من نفسه عظيم لم يؤثر فيه كتاب جمال الدين، ولكن الناس اعتادوا إذا مالوا إلى شخص أن يسندوا كل وقائع العالم إليه.
وجاء في بعض أسفاره إلى البحرين ولعله ذهب إليها من البصرة فنزل في دار بعض تجارها، وذهب إلى الشيخ عيسى بن علي آل خليفة أمير البحرين ثم عاد من مجلسه وسافر بعد يومين. وكان يذم الشيخ ويتأسف على رئاسة أمثاله على المسلمين. قال شكيب: وكان السلطان عبد الحميد قد دعا السيد جمال الدين إلى الاستانة وذلك في سنة 1892م فجاءها وكانت هذه المرة الثانية لدخوله هذه العاصمة. إذ كان قد عرف الاستانة مرة قبلها في زمن السلطان عبد العزيز، أقول: إن صح أنه دخل الاستانة مرة قبلها في زمن عبد العزيز كانت هذه المرة الثالثة لدخوله إياها فإنه قد دخلها في زمن عبد الحميد مرتين يقيناً، ففي المرة الأولى جاءها من الهند فأقام بها بين سنة ونصف وسنتين، والمرة الثانية دخلها بعد رجوعه من مصر إلى إيران، ونفي ناصر الدين له سنة 1308م، واستدعاء عبد الحميد له ربما كان في المرة الثانية قال: ولما ورد السيد جمال الدين الاستانة أنزله السطان منزلاً كريماً في دار ضيافة خصه بها في نشاش طاش، وأجرى عليه الأرزاق الوافرة، وكان يدخل على السلطان ويصلي صلاة الجمعة معه، وقال: ومضت مدة وجمال الدين حظي عند السلطان عبد الحميد وكان الجو لم يصف بينه وبين الشيخ أبي الهدى الصيادي فأنشأ ذلك أجل القصص والوشايات بحقه إلى السلطان. ولكن السلطان ـ بحسب قول جمال الدين ـ لم يحفل بهذه الوشاية. وهذا الخلاف مع أبي الهدى لم يزعزع مكانة جمال الدين من السلطان، وربما زاد لديه زلفى، وإنما أدى إلى وحشة السلطان منه استمراره في مجالسه التي كانت تنتابها الناس دائماً على القدح في شاه العجم فحمل ذلك سفير إيران على رفع الشكوى إلى السلطان فاستدعى السلطان إليه جمال الدين وقال له: إن السفير سألني أن أتكلم معك في الكف عن الوقيعة في الشاه، وأنا بناء على أملي فيك وعدته بأنك تكف عنه، قال شكيب: وقد روى لي السيد هذه القصة عندما رجعت من أوروبا إلى الاستانة في أواخر سنة 1892م فقال لي هكذا بالحرف؛ «فقلت للسلطان: ما كنت ناوياً أن أترك شاه العجم حتى أنزله في قبره، ولكن بعد أن أمر أمير المؤمنين بالكف عنه فلا بد من طاعته».
ثم ذكر شكيب أن رجلاً إيرانياً بابي المذهب اسمه أقا رضا خان وجد مع جمال الدين في حبس قزوين وتأكدت بينهما المودة، فبعد مجيء جمال الدين إلى الاستانة زاره هذا الرجل فيها، وأن جمال الدين حمله على قتل الشاه فذهب فقتله وقال له ما ترجمته: خذها من يد جمال الدين، فسر جمال الدين لقتل الشاه، في كلام طويل هذا حاصله، فغضب السلطان عبد الحميد غضباً شديداً لقتل الشاه وشدد المراقبة على جمال الدين فأرسل هذا إلى فيس موريس مستشار سفارة إنكلتره يلتمس منه إيصاله إلى باخرة ليخرج من الاستانة، فتعهد له بذلك، وأن السلطان أرسل إلى جمال الدين يناشده باسم الإسلام أن لا يمس كرامة الخليفة بطلب حماية أجنبية، فثارت في نفسه الحمية الإسلامية وأرسل إلى المستشار أنه عدل عن السفر. وبعد أشهر ظهر في حنكه مرض السرطان وجرى ما قدمناه عند ذكر سبب وفاته.
الأسرار الخفية في العلوم العقلية
تأليف: الحسن بن سديد الدين يوسف بن زين الدين علي بن محمد بن المطهر الحلي المشهور بالعلامة الحلي. ولد ليلة الجمعة 27 رمضان سنة 648 هجرية، وتوفي ليلة السبت 21 محرم الحرام سنة 726 هجرية ألّفه في ثلاثة مجلدات باسم هارون بن شمس الدين محمد الجويني المتوفى سنة 685 هجرية كما صرح المصنف بذلك في مقدمته قال: (لمولانا الصاحب المعظم والصدر الأعظم مخدوم الوزراء ملك العلماء لسان الحكماء المخصوص من الله تعالى بأفضل الكمالات النفسانية… محيي أموات الخواطر، وباعث رفات العلوم الدوائر شرف الملة والحق والدين عزالإسلام والمسلمين هارون ابن الملك العادل الرحيم مخدوم السلاطين ملك الوزراء في العالمين سلطان الأجواد أعظم الأمجاد شمس الملة والحق والدين محمد أعزالله سلطانهما…)([50]).
يعتبر كتاب الأسرار الخفية من أجود وأهم وأحسن المصنفات الفلسفية للعلامة الحلي، وله مكانته الخاصة بين كتبه العقلانية وأشار إلى أهميته في مقدمته قال: (فكان هذا الكتاب أجود من غيره من كتب السابقين لاشتماله على ما لم يذكروه من…)([51])، وعلى هذا الأساس فإنه من أهم كتبه الفلسفية الذي قام بتدريسه سنين طوال. وذكره في إجازاته إلى تلامذته ومن تلك الإجازات الإجازة المؤرخة 720 هجرية التي منحها إلى السيد نجم الدين مهنا بن سنان بن عبد الوهاب الحسيني الجعفري المدني المتوفى سنة 754 هجرية([52]) الذي ورد في إجازته اسم الأسرار الخفية أن له حق الرواية والنقل عنه ومما يجدر ذكره هنا أن هذا الكتاب الفلسفي كان مدار البحث المعتمد عليه لتدريس الفلسفة العالمية في الحوزات العلمية الشيعية، ومن أهم المصادر التي اعتمد عليها علماء الفلسفة في مؤلفاتهم، ومنهم الحكيم المتأله السيد حسين ابن السيد رفيع الدين محمد بن محمود المرعشي الآملي الأصفهاني (المولود في سنة 1001 هجرية والمتوفى سنة 1064 هجرية) الذي نقل عن كتاب الأسرار الخفية في مؤلفاته منها كتابه حاشية على الخفري([53])، واحتفظ هذا الكتاب بأهميته حتى مطلع الألف الثاني للهجرة، وبعد ظهور صدر المتألهين الشيرازي المتوفى سنة 1050 هجرية، وتشكيل مدرسته الفلسفية العملاقة المعروفة باسمه لم يتمكن أي من علماء الفلسفة أن يتحدى هذه المدرسة وأفكارها، أو يعرض شيئاً جديداً في ذلك المستوى حتى اليوم. لذا فقد أهمل كتاب الأسرار الخفية في المجامع العلمية والحوزات الفلسفية الشيعية، ويلزم علينا أن نذكر هنا أن هذا الكتاب هو ثمرة من ثمار القرن الثامن للهجرة، وكان مرجعاً للمحققين ورواد الفلسفة في قرون عديدة، وتدريس هذا الكتاب والتحقيقات التي جرت عليه هي التي مهدت الطريق لنبوغ صدر المتألهين الشيرازي وفي النتيجة مكنته من تأسيس مدرسته الخالدة، وكتاب الأسرار الخفية: يقع في ثلاثة أجزاء، ويعبر المصنف عن كل جزء بالفن الأول، ويبحث الجزء الأول: في علم المنطق، والفن الثاني: ويبحث في علوم الطبيعيات، والفن الثالث وهو المجلد الثالث: يبحث في الإلهيات والمسائل الحكمية وقال المصنف: (… وبدأنا أولاً بالعلوم المنطقية لكونها آلة في تحصيل المجهولات، ثم بالعلوم الطبيعية لكونها باحثة عن المحسوسات، وختمناه بالعلم الإلهي الذي هو الغاية القصوى، وعليه مدار هذا الكتاب…)([54]).
أهم نسخ الأسرار الخفية في العلوم العقلية المعروفة في العالم:
النسخة الوحيدة بخط المصنف التي كانت في مخطوطات خزانة مكتبة الروضة الحيدرية في النجف الأشرف، هي الآن من مخطوطات مكتبة السيد الحيكم العامة في النجف الأشرف (برقم 179) المؤرخة يوم الاثنين 19 ربيع الأول سنة 676 هجرية في ثلاثة مجلدات. قال شيخنا الأستاذ الإمام الطهراني في موسوعته الخالدة: (الأسرار الخفية في العلوم العقلية من الحكمية والكلامية والمنطقية… رأيت النسخة بخطه الشريف في الخزانة الغروية)([55]). وأورد ذلك الشيخ جعفر محبوبة ضمن مشاهداته من نوادر مخطوطات المكتبة الحيدرية في النجف الأشرف ووصف المكتبة: (كان في القديم مخزن لكتب الحضرة العلوية، وفيه من الكتب الثمينة النادرة الوجود ما لم يوجد في غيره، وأغلبها بخط مصنفيها أو عليها خطوطهم…، ومنها الأسرار الخفية للعلامة الحلي رحمه الله وهو رد على أهل المنطق والطبيعي والإلهي ثلاثة أجزاء بخط المصنف…)([56]).
ـ النسخة المؤرخة سنة 681 هجرية نسخها عن نسخة المصنف ثم قرأها في مدينة الحلة على المصنف أحد تلاميذه، وهي من مخطوطات مكتبة العالمة الفاضلة رقية بنت الشيخ ميرزا علامة البرغاني الحائري الصالحي في كربلاء في ثلاثة مجلدات.
ـ النسخة المؤرخة سنة 1074 هجرية بخط الفيلسوف الشهير الأخوند شمس الدين محمد اللاهيجي الجيلاني المعروف بملا شمسا الذي استنسخها أيام إقامته في النجف الأشرف عن نسخة خط المصنف وجاء في آخرها: (… ونسختها من نسخة نسختها على نسخة العلامة المصنف رحمه الله مصلياً ومستغفراً). وهي من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور عبد الحسين الصالحي في قزوين.
ـ النسخة المؤرخة سنة 744 هجرية فيها من الطبيعيات إلى آخر الكتاب من مخطوطات مكتبة فيض الله في اسلامبول برقم 1282.
ـ النسخة المؤرخة سنة 773 هجرية كتبت في النجف الأشرف وهي من مخطوطات مكتبة كوپرلي في اسلامبول برقم 862 وفي نهايتها (بلغ مقابلة وتصحيحاً).
ـ نسخة من أواخر القرن الثالث عشر للهجرة من مخطوطات مكتبة مجلس الشورى في طهران رأيت النسخة عند الأستاذ الحائري رئيس المكتبة.
ـ النسخة المؤرخة سنة 920 هجرية من مخطوطات مكتبة الشهيد البرغاني، وله عليها حواشٍ ثم انتقلت إلى نجله الشيخ جعفر الذي أضاف إليها حواشي كثيرة، وهي اليوم من مخطوطات مكتبة العالمة الفاضلة فاطمة من أسباط الشيخ جعفر المذكور في كربلاء المقدسة.
وأورد ذكر هذا الكتاب السيد إعجاز حسين في كشف الحجب ص 44، وإسماعيل باشا البغدادي في إيضاح المكنون ج1 ص 75 وغيرهم من المؤرخين والمحققين وأرباب القلم والفضل.
عبد الحسين الصالحي
أسرار القرآن
ويقال: مصباح الجنان لإيضاح أسرار القرآن، ويقال: التفسير الصغير: تأليف الشيخ محمد صالح البرغاني القزويني الحائري سنة 1271 هجرية يقع في مجلدين كبيرين: المجلد الأول: من تفسير فاتحة الكتاب إلى آخر سورة الحج، والمجلد الثاني: في تفسير «سورة المؤمنون» إلى آخر القرآن. ألفه بعد تفسيره (الوسيط). وهو تفسير استقصى فيه الأحاديث المروية عن الأئمة الأطهار(عليهم السلام) في التفسير جمعها من كتب الأصحاب وغيرها، وله نسخ شائعة، ونسخة خط المؤلف مخطوطات مكتبة الشيخ عبد الحسين الصالحي في قزوين.
الأسطول
كلمة يونانية معربة ومعناها: مجمع السفن. وأعظم أسطول إسلامي أو عربي كان أسطول الدولة الفاطمية الذي وصفه بعض المؤرخين بقوله: «بلغ عدد ربابنة أسطول الفاطميين خلال القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) خمسة آلاف ربان وعدد سفنه مائتي سفينة، واضطر الإفرنج إلى الانحياز بمراكبهم إلى الجانب الشمالي الشرقي من البحر المتوسط لا يبرحونه لأن هذا البحر يسيطر عليه الفاطميون».
وقال الدكتور حسن إبراهيم حسن، والدكتور طه أحمد شرف في كتابهما (المعز لدين الله):
كان للبحرية الفاطمية في عهد المعز لدين الله شأن يذكر في بلاد المغرب ومصر. وقد اتخذ الفاطميون المهدية مرفأ رئيسياً، ومن سوسة وغيرها من موانىء شمال إفريقيا أماكن تأوي إليها سفنهم. ولا ننسى أن الفاطميين وخاصة المعز قد أفادوا من موقع جزيرة صقلية لما فيه من موانىء وأحواض للسفن.
ولا نغلو إذا قلنا: إن المعز استطاع بفضل أسطوله القوي أن يجعل غربي البحر الأبيض بحيرة فاطمية، ولا غرو فقد هجم أسطوله على أساطيل عبد الرحمن الناصر الأموي في عقر دارها في الأندلس، وانتصر على الروم حلفاء الأمويين في ذلك حتى أرغمهم على طلب الهدنة. وكثيراً ما هجم أسطول المعز على إقليم قلورية «كالابريا» جنوبي إيطاليا. وينبغي أن لا ننسى ذلك الدور الهائل الذي قام به هذا الاسطول في سبيل مساعدة جزيرة أقريطش (كريت).
وقد ذكر النعمان المغربي: أن المهدية كانت غاصّة بالسفن، حتى أن المعز عمل على اتخاذ قاعدة ثانية تخفف الضغط عن هذا الثغر. وقد وجد القاعدة المنشودة في (سوسة)، فيذكر؛ أنه ظهر بدار الصناعة بمدينة سوسة «سبعة مراجل (قدور) أزلية الصنع متقنة ينفذ بعضها إلى بعض كانت مدفونة تحت الأرض إلا أنها تحتاج إلى بعض إصلاح وإلى صهريج يجري عنه الماء إليها، وأنها (أي المراجل) متى امتلأت ماء استغنى بها أهل المدينة عما هو خارج منها، وكانت ذخيرة للمراكب ولغير ذلك مما يحتاج إليه».
ويقول النعمان: «فرفعت ذلك إلى الإمام المعز لدين الله فسر بها وأمر بإصلاحها وإصلاح هذا الصهريج، وأن يبنى مسجد هناك، وكان قبل ذلك قد ذكر له تضايق داري الصناعة بالمهدية بالمراكب وكثرتها وما زاد منها، وأن الدارين قد غصتا بهما، فذكر عمارة دار الصناعة بسوسة والإنشاء بها وكان وجود هذه المراجل من مقدمة الخير فيها».
وهكذا أصبح للمعز لدين الله في إفريقيا ميناءان هامان، يعتمد على دور الصناعة فيهما في إخراج السفن، وعلى أحواضهما في إيوائها. وكان المعز يعمل على أن يجعل من حاضرته المنصورية ميناءً ثالثاً من موانئه الرئيسية، يدل على ذلك قوله: «لئن امتد المقام هنا (في المنصورية) لنجرين البحر بحول الله وقوته إلينا في خليج حتى تكون مراكبنا تحط وتقلع بحضرتنا»([57]) وبهذا نرى أن المعز كان يهتم بتكوين أساطيل قوية، وأنه اتخذ من المهدية وسوسة مراكز أساسية لأسطوله الإفريقي… أما أسطوله الأوروبي فكانت سفنه رابضة في موانىء صقلية.
وقد اتخذ المعز من بعض المدن المصرية دوراً لصناعة الفن، فأنشأ في المقس دار صناعة ضخمة وصفها المسبحي المؤرخ المصري المتوفى سنة 420هـ بقوله: «إنه لم ير مثلها في البحر على ميناء» ويظهر أن المعز لم يهمل دار صناعة الفسطاط التي كانت تسمى «دار صناعة مصر» كما عني بإقامة دور صناعة السفن في موانىء مصر الهامة كالإسكندرية ودمياط.
ولم يكن بناء السفن في مصر راجعاً إلى خوف المعز من غارات الروم والقرامطة على مصر والشام فحسب، بل كان ذلك راجعاً إلى رغبته في بسط نفوذه على البلاد التي قد يتخذها الأعداء طريقاً يغيرون منه على مصر. أضف إلى ذلك أنه حرص على أن تكون لأسطوله السيادة والتفوق على سائر أساطيل البحر الأبيض، ومن ثم ملأ المعز كثيراً من موانىء الشام الهامة مثل صور وعكا وعسقلان بالسفن الكثيرة المختلفة الأنواع وأهمها: الشلنديات: (وهي مختصة بحمل العتاد والرجال)، وفيها آلات الهجوم والدفاع (وتشبه البوارج الحربية اليوم)، والمسطحات والطرادات: (وهي من السفن الصغيرة القوية السريعة تحمل الواحدة منها نحو مائة فارس) والعشاريات: (وهي من القوارب النهرية)، والحراقات: (وهي تلي الشواني في الضخامة وتحمل المنجنيقات وغيرها من معدات الهجوم).
وقد وصف المقريزي عناية المعز بالأسطول في هذه العبارة فقال: «لما سار الروم إلى البلاد الشامية بعد سنة خمسين وثلاثمائة، اشتد أمرهم بأخذ البلاد وقويت العناية بالأسطول في مصر منذ قدم المعز لدين الله، وأنشأ المراكب الحربية، واقتدى به بنوه وكان لهم اهتمام بأمور الجهاد واعتناء بالأسطول، وواصلوا إنشاء المراكب بمدينة مصر واسكندرية ودمياط من الشواني الحربية والشلنديات والمسطحات، وتسييرها إلى بلاد الساحل مثل صور وعكا وعسقلان، وكانت في أيام المعز لدين الله تزيد على ستمائة قطعة».
وكان للأسطول أمير يدعى «قائد القواد» وقد سمي بذلك لأنه كان تحت إمرته عشرة قواد، كما كان يطلق عليه أمير الجيش والمستوفي. وقد بلغ من عناية المعز ومن جاء بعده من الخلفاء بالأسطول، أن الخليفة كان ينفق عليه في غزواته بنفسه ويساعده وزيره أو من يقوم مقامه. ولم يكن بحارة الأسطول من رتبة واحدة، فهناك جماعة تتقاضى راتباً قدره ديناران، وأخرى تتقاضى ثمانية دنانير، وثالثة عشرة دنانير، ورابعة خمسة عشر ديناراً، وخامسة عشرين ديناراً، وسادسة خمسة وعشرين ديناراً. أما أمير الأسطول أو «مقدمه» فكان من كبار الأمراء والأعيان.
كما كان الخليفة يقطع رجال الأسطول إقطاعات عرفت باسم «أبواب الغزاة»، وكان قائد الأسطول يشرف عليه ويتناوب القواد العشرة الإشراف العملي فيأتمر الجميع بأمر القائد الذي تؤول الرئاسة إليه.
ولكي يشجع الخليفة رجال الأسطول أو الغزاة ـ كما كانوا يسمونهم ـ كان يترك لهم من الغنائم المال والثياب والمتاع، ولا يستبقي سوى الأسرى والسلاح. وكانت الفسطاط من أهم مراكز الأسطول. وكان الخليفة يشاهد بنفسه حفلة النفقة على الأسطول عند خروجه ويبارك رجاله ويدعو لهم بالتوفيق كما كان يحضر حفلة استقباله عند عودته.
وقد بلغ اهتمام الخلفاء الفاطميين بالأسطول أنهم اتخذوا لهم منظرة بالمقس يحتفلون فيها بتوديع الأسطول واستقباله. ويتضح ذلك من هذا الوصف الذي أورده المقريزي حيث يقول: «ويتولى النفقة في غزاة الأسطول الخليفة بنفسه بحضور الوزير، فإذا أراد النفقة فيما تعين من عدة المراكب السائرة فيتقدم إلى النقباء بإحضار الرجال، وفيهم من كان يتعيش بمصر والقاهرة وفيهم من هو خارج عنهما فيجتمعون. وكانت لهم المشاهرة والجرايات في مدة أيام سفرهم، وهم معروفون عند عشرين عريفاً، ويقال لهم النقباء، واحدهم نقيب».
وكان رجال الأسطول يشغلون مكانة سامية بين موظفي ديوان الجيش. ولا غرو فإن صاحب ديوان الجيش وهو المستوفي كان أمير الأسطول. وبذلك وضع المعز لدين الله أساس نظام البحرية في مصر، ونهج نهجه من جاء بعده من الخلفاء. وليس أدل على اهتمام المعز بالأسطول من اعتماده على «ديوان الجهاد» أو «ديوان العمائر» كما كانوا يسمونه، في تنظيم شؤون الأساطيل ووقف الأموال الضخمة للإنفاق على الأسطول ورجاله، وكثيراً ما كان المعز يمد هذا الديوان بالأموال الكثيرة من بيت المال.
وكذلك عني المعز بالأسطول التجاري لينقل السلع المصرية إلى البلدان الأخرى. ويعود محملاً بالسلع من هذه البلدان. وقد أصبح للفاطميين أسطولان تجاريان أحدهما في البحر الأبيض المتوسط والثاني في البحر الأحمر. فكانت الإسكندرية ودمياط في مصر، وعسقلان وعكا وصور وصيدا في الشام من أهم الموانىء الفاطمية في البحر الأبيض، كما كانت عيذاب أهم موانىء البحر الأحمر، وكانت مزودة بأسطول حربي يقوم على حماية الأسطول التجاري والقضاء على اللصوصية في هذا البحر.
وقد عني الخليفة المعز «بديوان الإقطاع» الذي كان تابعاً «لديوان الجيش» وكان عمل صاحبه مقصوراً على النظر في الإقطاعات التي أقطعها رجال الجيش وبخاصة من الممتلكات الكثيرة التي كانت تابعة للإخشيديين من قبل. وبهذا نستطيع أن نقول: إن المعز لدين الله نهض بالجيش والبحرية نهضة مباركة. «انتهى ما أورده الكاتبان».
وكان ابن هاني الأندلسي شاعر المعز يرى ويسمع وقائع الأسطول الفاطمي فيتغنى في شعره بتلك الوقائع تغنياً حماسياً جميلاً. وكان معاصروا ابن هاني قد أطلقوا عليه لقب متنبي المغرب تشبيهاً له بشاعر المشرق أبي الطيب المتنبي.
وربما كان ما يجعل ابن هاني جديراً بهذا اللقب هو أن مواضيع مدح ابن هاني للمعز، هي عين مواضيع مدح المتنبي لسيف الدولة. فقد كانت ظروف كلا الممدوحين متشابهة، وكان كلاهما مندفعاً لمقاومة الخطر الخارجي المهدد للبلاد الإسلامية يومذاك بل إن مسؤولية المعز كانت أكبر، فهو مسؤول عن جبهة طويلة ممتدة على مدى شواطىء إفريقيا الشمالية كلها، ثم هو مسؤول عن الجزر الإسلامية المهددة وفي طليعتها جزيرة صقلية.
ولم يكن الوضع الإسلامي والوضع العربي يومذاك مما يقوي العزائم ويشحذ الهمم، بل كان شمل العرب والمسلمين ممزقاً واختلافاتهم مشتدة، لا الهدف يجمعهم ولا الخطر يوحدهم.
وكان الأجنبي الطامع يعرف ذلك كله، وكانت نار الانتقام متأججة في نفوس البيزنطيين (الروم) الذين لم ينسهم تطاول الأيام ذكريات هزائمهم الماضية، وجلائهم عن بلاد الشام وغيرها، وكانوا يحنون للعودة إليها من جديد. بل إن نقفور فوقاس كان يهدد بالاستيلاء حتى على المدينة ومكة واستطاع تحقيق الكثير من أمانيه وفي ذلك يقول ابن هاني:
| أسفي على الأحرار قل حفاظهم | لو كان يجدي الحر أن يتأسفا | |
| يا ويلكم أفما لكم من صارخ | إلا بثغر ضاع أو دين عفا؟ | |
| حتى لقد رجفت ديار ربيعة | وتزلزلت أرض العراق تخوفا | |
| فمدينة من بعد أخرى تستبى | وطريقة من بعد أخرى تقتفى | |
| والشام قد أودى وأودى أهله | إلا قليلاً والحجاز على شفا |
هذه صرخة وطني مناضل يرى بلاده تتساقط أمام ضربات الأعداء، ويرى قومه متخاذلين، هذه صرخة وطني مناضل أكثر منها نغمة شاعر مداح.
والواقع أن المعز لدين الله الفاطمي كان في ذلك العهد أمل العرب والمسلمين، وكانوا يتطلعون إليه من كل مكان، حتى من الأرض البعيدة عنه غير الخاضعة لسلطانه؛ فعندما شعرت مثلاً جزيرة (كريت) بالخطر الداهم، ولاحت لها طلائع الغزو مطلة من بعيد كان همها أن توصل نداءها إلى الرجل المأمول. ويحدثنا الدكتور حسن إبراهيم حسن وهو يتحدث عن كتاب (المجالس والمسايرات) للنعمان فيقول: «وعرض النعمان غير مرة لعلاقة المعز بالدولة البيزنطية؟ فأوضح العماد حاكم الأندلس عبد الرحمن الناصر الأموي على الروم في صراعه مع الفاطميين، وصور ما حل بالروم وحلفائهم أمام أساطيل المعز تصويراً رائعاً، وذكر الرسائل التي بعث بها أباطرة الدولة البيزنطية لاستدرار عطف المعز ومهادنته. ولأول مرة نسمع أن مسلمي جزيرة أقريطش (كريت) الذين كانوا تحت الحكم العباسي يطلبون النجدة من المعز لحرب الروم. ومن دراستنا للوثائق التي تبودلت بين أهل أقريطش وبين المعز لدين الله نرى ما وصلت إليه الدولة الفاطمية من قوة ونفوذ».
وابن هاني يدرك ذلك ويدرك أن ممدوحه أهل لما علق عليه من آمال فيقول:
| لا تيأسوا فالله منجز وعده | قد آن للظلماء أن تتكشفا |
ولقد كان المعز جديراً بالظرف الحرج الذي وضعته فيه الأيام، فلم يدع الوقت يذهب عبثاً وأدرك للوهلة الأولى أنه أمام خطر بري وآخر بحري قد يكون هو الأشد. لذلك صرف جهده أول ما صرفه إلى إنشاء أسطول ضخم يتناسب مع المهمة الثقيلة التي تنتظره وهي حماية الشواطىء الإفريقية الشمالية من أي غزو متوقع، وبذل لهذا الأسطول أقصى ما يستطيع بذله حتى أصبح أسطوله سيد البحر المتوسط، وحتى صار مهدداً للأعداء بعد أن كان الأعداء مهددين، وحتى صاروا يخشونه بعد أن كانت البلاد تخشاهم.
وقد كان هذا الأسطول أعظم ما يمكن أن يصل إليه أسطول في ذلك العصر مجهزاً بأحدث الآلات الحربية والأدوات النارية. فأثار هذا الأسطول حماسة الشاعر، ورأى فيه المخرج من الأخطار والحماية من النوازل، وهاج فيه اعتزازه وحميته، فأنطقه ذلك بقصيدة هي بحق من فرائد الشعر العربي:
| لك البر والبحر العظيم عبابه | فسيان أغمار تخاض وبيد | |
| وما راع ملك الروم إلا اطلاعها | تنشر أعلام لها وبنود | |
| عليها غمام مكفهرّ صبيره | له بارقات جمة ورعود | |
| مواخر في طامي العباب كأنه | لعزمك بأس أو لكفك جود | |
| أنافت بها أعلامها وسما لها | بناء على غير العراء مشيد | |
| من الراسيات الشم لولا انتقالها | فمنها قنان شمخ وريود | |
| من الطير إلا أنهن جوارح | فليس لها إلا النفوس مصيد | |
| من القادحات النار تضرم للصلى | فليس لها يوم اللقاء خمود | |
| إذا زفرت غيظاً ترامت بمارج | كما شب من نار الجحيم وقود | |
| فأنفاسهن الحاميات صواعق | وأفواههن الزافرات حديد | |
| لها شعل فوق الغمار كأنها | دماء تلقتها ملاحف سود | |
| تعانق موج البحر حتى كأنه | سليط لها فيه الذبال عتيد |
ثم يصف وصول وفود الروم متذللة تطلب الصلح مخاطباً المعز مشيراً إلى ما كان من تغلغل الروم قبل ذلك في بلاد الشام:
| فلا غرو إن أعززت دين محمد | فأنت له دون الأنام عقيد | |
| غضبت له أن ثلّ في الشام عرشه | وعادك من ذكر العواصم عيد | |
| وقلت أناس ذا (الدمستق) شكره | إذا جاءه بالعفو منك بريد | |
| تناجيك عنه الكتب وهي ضراعة | ويأتيك عنه القول وهو سجود | |
| إذا أنكرت فيها التراجم لفظه | فأدمعه بين السطور شهود | |
| ليالي تقفو الرسل رسل خواضع | ويأتيك من بعد الوفود وفود |
ويمضي الأسطول الفاطمي في أداء رسالته، وتجوب قطعه البحر المتوسط متحدية كل من تحدثه نفسه بالشر، وتعلن سفنه بنفسها عن نفسها، ثم تلتقي على غير موعد بسفن الأعداء فلا تلبث أن تصطدم بها، ويتهاوى الفريقان في نار الوغى يتجالدون أعنف جلاد، تحفز الروم ثارات متأصلة وأوتار دفينة. وتحفز العرب أخطار منتظرة وشرور مرتقبة، ويتطلع العرب بقلوبهم إلى الوطن العربي العزيز، ويتخيلون ماذا سيحل بتلك الأرض الطيبة، إذا هم تزحزحوا عن موقفهم أو تزلزلوا في حربهم؟ فيندفعون مكبرين، وينطلقون مهللين؛ فتنجلي المعركة عن نصرهم البحري الحاسم في معركة المجاز التي نأخذ شيئاً من وصفها عن ابن الأثير. قال وهو يتحدث عن أحداث سنة 354هـ «… ذلك أن أحمد بن الحسن والي المعز على صقلية أرسل يستمده، فبعث إليه المعز المدد بالعساكر والأموال مع أبيه الحسن. وجاء مدد الروم فنزلوا عبر سهل (مسيني) وزحفوا إلى رمطة، ومقدم الجيش الفاطمي الحسن بن عمارة وابن أخي الحسن بن علي. فأحاط الروم بهم، وعظم الأمر على المسلمين فاستماتوا وحملوا على الروم، وعقر فرس قائدهم (منويل) فسقط عن فرسه؛ فقتل هو وجماعة من البطارقة معه، وانهزم الروم وتتبعهم المسلمون بالقتل، وامتلأت أيديهم بالغنائم والأسرى، ثم فتحوا مدينة رمطة عنوة وغنموا ما فيها وركب فل الروم من صقلية، وجزيرة (ريو) في الأساطيل ناجين بأنفسهم فاتبعهم الأمير أحمد وأصحابه في الماء، وأحرقوا كثيراً من المراكب التي للروم فغرقت وكثر القتل في الروم فانهزموا لا يلوي أحد على أحد…».
ويكون ابن هاني مع قومه بكل شعوره وكل جوارحه، متلهفاً لمعرفة الخبر الأخير.
ولما يبلغ أذنيه نبأ الفوز ينطلق مزهواً متغنياً بالبطولات:
| يوم عريض بالفخار طويل | لا تنقضي غرر له وحجول | |
| مسحت ثغور الشام أدمعها به | ولقد تبل الترب وهي همول | |
| قل للدمستق مورد الجمع الذي | ما أصدرته له قنا ونصول | |
| سل رهط (منويل) وأنت غررته | في أي معركة ثوى منويل | |
| منع الجنود من القفول رواجعاً | تباً له بالمنديات قفول | |
| وبعثت بالأسطول يحمل عدة | فأثابنا بالعدة الأسطول | |
| أدى إلينا ما جمعت موفراً | ثم انثنى باليم وهو جفول | |
| ومضى يخف على الجنائب حمله | ولقد يرى بالجيش وهو ثقيل | |
| لم يتركوا فيها بجعجاع الردى | إلا النجيع على النجيع يسيل | |
| نحرت بها العرب الأعاجم أنها | رمح أمق ولهذم مصقول |
ثم يتحدث عن المعز:
| وجلا ظلام الدين والدنيا به | ملك لما قال الكرام فعول | |
| متكشف عن عزمة علوية | للكفر منها رنة وعويل | |
| فلو أن سفناً لم تحمل جيشه | حملت عزائمه صبا وقبول | |
| يجلو البشير ضياء بشر خليفة | ماء الهدى في صفحتيه يجول | |
| لله عينا من رأى إخباته | لما أتاه بريدها الأجفيل | |
| وسجوده حتى التقى عفر الثرى | وجبينه والنظم والإكليل | |
| لو أبصرتك الروم يومئذ درت | أن الإله بما تشاء كفيل | |
| إن التي رام الدمستق حربها | لله فيها صارم مسلول | |
| نامت ملوك في الحشايا وانثنت | كسلى وطرفك بالسهاد كحيل | |
| تلهيك صلصلة العوالي كلما | ألهت أولئك قينة وشمول |
وتتكرر معارك الأسطول وتتكرر انتصاراته فيحرص الشاعر على الإشادة بالأسطول:
| وسفن إذا ما خاضت اليم زاخراً | جلت عن بياض الصبح وهي غرابيب | |
| تشب لها حمراء قانٍ أوارها | سبوح لها ذيل على الماء مسحوب |
ثم يشير إلى اعتماد عبد الرحمن الناصر الأموي حاكم الأندلس على الروم، واستنصاره بهم على قومه وبني جنسه الفاطميين الذين كانوا يكافحون الروم كفاحاً مريراً، انضم فيه عبد الرحمن الناصر الأموي إلى الروم فيقول ابن هاني مخاطباً المعز:
| لقيت بني مروان جانب ثغرهم | وحظهم من ذاك خسر وتتبيب | |
| وعار بقوم إن أعدوا سوابحاً | صفوناً به عن نصرة الدين تنكيب | |
| وقد عجزوا في ثغرهم عن عدوهم | بحيث تجول المقربات اليعابيب | |
| وجيشك يعتاد الهرقل بسيفه | ومن دونه اليم الغطامط واللوب | |
| يخضخض هذا الموج حتى عبابه | إذا التج من هام البطاريق مخضوب |
وتلتقي جيوش الروم وأساطيلهم بجيوش الفاطميين البرية وأساطيلهم أكثر من مرة. وتقع المعارك البرية والبحرية في أوقات متقاربة، وينتصر الفاطميون، وتحمى بانتصاراتهم ديار الإسلام والعروبة. فيقول ابن هاني مشيراً إلى أن الروم كانوا قبل اليوم سادة البحر المتوسط، تجول فيه أساطيلهم وتصول بلا رقيب ولا منافس، وإلى أن جيوشهم البرية كانت كذلك:
| لو كان للروم علم بالذي لقيت | ما هنئت أم بطريق بمولود | |
| ألقى «الدمستق» بالأعلام حين رأى | ما أنزل الله من نصر وتأييد | |
| فقل له: حال من دون الخليج قنا | سمر وأذرع أبطال مناجيد |
ثم يخاطب المعز مشيراً إلى ما كان عليه الروم من تسلط على البحر، ثم ما آل إليه الأمر من سيطرة الأسطول الفاطمي:
| ذموا قناك وقد ثارت أسنتها | فما تركن وريداً غير مورود | |
| حميته البر والبحر والفضاء معاً | فما يمر بباب غير مسدود | |
| قد كانت الروم محذوراً كتائبها | تدني البلاد على شحط وتبعيد | |
| وشاغبوا اليم ألفي حجة كملاً | وهم فوارس قارياته السود | |
| فاليوم قد طمست فيه مسالكهم | من كل لاحب نهج الفلك مقصود | |
| هيهات راعهم في كل معترك | ملك الملوك وصنديد الصناديد |
وعدا قصائد ابن هاني فهناك قصائد أخرى مثل قصيدة علي بن محمد الأيادي الذي يقول فيها:
| اعجبْ لأسطول الإمام محمّد | ولحسنه وزمانه المستعذب | |
| لبست به الأمواج أحسن منظر | يبدو لعين الناظر المتعجّب | |
| من كل مشرفة على ما قابلت | إشراف صدر الأجدل المتنصّب | |
| دهماء قد لبست ثياب تغنُّج | تسبي العقول على ثياب ترهّب | |
| من كلّ أبيض في الهواء منشّر | منها وأسحم في الخليج مغيّب | |
| كملاءة في البر يقطع شدّها | في البحر أنفاس الرياح الشذّب | |
| محفوفة بمجادف مصفوفة | في جانبين دوين صلب صلّب | |
| كقوادم النسر المرفرف عُرّيت | من كاسيات رياشة المتهدّب | |
| تحتشّها أيدي الرجال إذا ونت | بمصعّد منه بعيد مصوّب | |
| خرقاء تذهب إن يد لم تهدها | في كلّ أوب للرياح ومذهب | |
| جوفاء تحمل موكباً في جوفها | يوم الرهان وتستقلّ بموكب | |
| ولها جناح يستعار بطيرها | طوع الرياح وراحة المتطرّب | |
| يعلو بها حدب العباب مطارة | في كل لجّ زاخر مغلولب | |
| تسمو بأجرد في الهواء متوّج | عريان منسوج الذوائب شوذب | |
| يستنزل الملاّح منه ذؤابة | لو رام يركبها القطا لم يركب | |
| وكأنّما رام استراقة مقعد | للسمع إلاّ أنه لم يشهب | |
| وكأنّما جنّ ابن داوودٍ وهم | ركبوا جوانبها بأعنف مركب | |
| سجروا جواهم نارها فتقاذفوا | منها بألسن مارج متلهّب | |
| من كلّ مسجور الحريق إذا انبرى | من سجنه انصلت انصلات الكوكب | |
| عريان يقدمه الدخان كأنه | صبح يكرّ على الظلام الغيهب | |
| ولواحق مثل الأهلّة جنّح | لحق المطالب فائتات المهرب | |
| يذهبن فيما بينهنّ لطافة | ويجلن فعل الطائر المتغلّب | |
| كنضائض الحيّات رحن لواعباً | حتّى يقعن ببرك ماء الميزب | |
| شرعوا جوانبها مجادف أتعبت | شأو الرياح لها ولما تتعب | |
| تنصاع من كثب كما نفر القطا | طوراً وتجتمع اجتماع الربرب | |
| والبحر يجمع بينها فكأنه | ليل يقرّب عقرباً من عقرب | |
| وعلى مرابها أسود خلافة | تختال في عدد السلاح المذهب | |
| فكأنما البحر استعار بزيهّم | ثوب الجمال من الربيع المعجب |
وقال الدكتور حسن إبراهيم حسن، والدكتور طه أحمد شرف في كتابهما (المعز لدين الله) بعد أن وصفا تحرش عبد الرحمن الناصر الأموي حاكم الأندلس بالفاطميين ثم هزيمته أمامهم: وكان رد الناصر على جرأة المعز بطيئاً فلم يقدم على الانتقام كما أقدم المعز، بل قام في العام التالي (345هـ) بمظاهرة بحرية على سواحل إفريقيا، وعمل في الوقت نفسه على الاستعانة بالروم فتحالف معهم. حقيقة استغل الأمويون عداء البيزنطيين للفاطميين فاتفق الناصر مع قسطنطين الثامن قبل ذلك الوقت (338هـ)، وعقدت معاهدة بين الفريقين. على أنه لا يبعد أن تكون هذه المعاهدة قد اشتملت على نص يتعلق بموقف كل من هاتين الدولتين من الدولة الفاطمية، بدليل: أن الروم قد لبوا نداء الناصر (الأموي)، وعملوا معاً على أن يحصروا الفاطميين، هؤلاء من الغرب، وأولئك من الشرق، وفي ذلك يقول النعمان (في المجالس والمسايرات): «بعد أن كتب (الناصر) إلى طاغية الروم يسأله النصرة وأهدى إليه هدايا وأرسل إليه رسلاً من قبله فأجابه إلى ذلك. وجاءت أساطيل الروم من القسطنطينية ومراكب بني أمية من الأندلس»، وقد ذهب ابن عذاري إلى القول: بأن الناصر استطاع أن يخرب إحدى موانىء شمالي إفريقيا، وأمر بلعن الفاطميين على منابر الأندلس. ومع ذلك فإنه لم يستطيع أن يحقق ما كان يرمي إليه، إذ «خرج إليهم أهل تلك الناحية فقتلوا منهم بشراً كثيراً وهزموهم، فمات في البحر منهم أكثر ممن قتلوه، وغنموا ما كان معهم من السلاح»([58]).
وكذلك أخفق البيزنطيون في صراعهم مع الفاطميين. وقد صور النعمان في المجالس والمسايرات هذه الحروب بهذه العبارة: «وأقبل أسطول الروم فلقي أسطول أمير المؤمنين دون صقلية، ففتح الله لوليه على الروم فهزمهم في البحر وقتل رجاله منهم خلقاً عظيماً وولوا هاربين بين يدي أسطوله إلى مجازرية([59])، ليحموا بلدهم، واتبعهم إلى ما هنالك فلقوه في البحر فهزمهم فنزل عسكر البر بأرضهم؛ فأنكى بالقتل فيهم وأحرق موانئهم، وبلغ غاية الأمل من النكاية. وأرسل ملك الروم إلى أمير المؤمنين بأموال عظيمة، وهدايا جليلة ورغب في التوقف عمن بقي من الروم بأرض قلورية على مال قطعه على نفسه يؤديه عنهم، وأسرى من أسارى أهل المشرق يطلقهم في كل عام لمدة يسيرة يسأل الهدنة فيها».
ومضى الكاتبان قائلين:
وهكذا كان مصير ذلك الصراع أن أخفق الناصر الأموي من الناحيتين الحربية والسياسية، ولذلك لجأ ـ كما تقدم ـ إلى الحط من شأن الفاطميين في بلاده، وسبهم من فوق المنابر حتى لا تضيع هيبته أمام سلطان المعز ونفوذه. وليس هذا كل ما قام به الخليفة الأموي الناصر في سبيل مناوأة الفاطميين، بل عمل على مهادنة مسيحيي الشمال، ومصالحة ملك ليون حتى يتفرغ للصراع مع الفاطميين، ويقول الكاتبان بعد أن يتحدثا عن انتصارات الفاطميين على الروم في صقلية وقلورية:
وهكذا انتهى الدور الأول من هذه الحروب التي شنّها المعز لدين الله على الروم في صقلية وقلورية إلى هذا النصر المؤزر، وزال خطر الروم عن هذه البلاد إلى حين على أن الأمبراطور قسطنطين لم يقف مكتوف اليدين أمام المعز فاتفق مع عبد الرحمن الناصر الأموي على محاربة الفاطميين في صقلية ـ على ما رأينا ـ وعلى مهاجمة إفريقيا نفسها من الشرق في الوقت الذي يهاجمها منه عبد الرحمن الناصر الأموي من الغرب. ولكن جيوش المعز استطاعت أن تحبط هذا المشروع الخطر وانتصرت على الروم في البحر الأبيض كما انتصرت على الأمويين. واضطر الامبراطور البيزنطي إلى طلب الصلح بعد أن حلت به هذه الهزائم المتتالية.
ثم يقول الكاتبان: وقد بلغ من اهتمام الامبراطور نقفور فوكاس (352 ـ 359هـ) ـ (963 ـ 969م) الذي أراد أن يتشبه بمن سبقه من الأباطرة البيزنطيين في الاتجاه نحو الغرب ليشغل الفاطميين خاصة عن التطلع إلى بلاد المشرق. بلغ من اهتمام هذا الامبراطور بمحاربة الفاطميين أنه أعد أسطولاً ضخماً ملأه بالمؤن والذخيرة واختار له مشهوري قواده، وأعد جيشاً يقرب من خمسين ألف رجل مجهزين بأحسن آلات الحرب، وأمر عليه رجلين أحدهما مانويل، وكان يمت إليه بصلة القرابة. وكان الروم يعتقدون أن النصر معقود لهم، ولا عجب فإن صقلية لم يدخلها من قبل جيش بلغت قوته قوة هذا الجيش البيزنطي، على ما ذكره ابن الأثير.
أما جهود المعز لدين الله وأنصاره في صراعهم مع نقفور فوكاس وأنصاره من أهل صقلية فتتجلى في إعداد أحمد بن الحسن الكلبي والي صقلية الأسطول الصقلي (الفاطمي) إعداداً كاملاً، وفي إعداد جيوشه البرية وتوزيعها على موانىء صقلية الشمالية والشرقية، وفي ذلك المدد الذي أمد به المعز واليه على هذه الجزيرة. وقد وصل أسطول الفاطميين إلى الجزيرة في منتصف سنة 353هـ (964م).
ثم أطنب الكاتبان في وصف المعارك التي أشرنا إلى بعضها فيما تقدم.
من وقائع الأسطول الفاطمي
في الحروب الصليبية
وقد سجل ابن القلانسي في كتابه (ذيل تاريخ دمشق) بعض وقائع الفاطميين، وبعض ما قامت به أساطيلهم خلال الاحتلال الصليبي لبلاد الشام قال في أحداث سنة 496هـ: في أول شهر رمضان خرجت العساكر المصرية (الفاطمية) من مصر والأسطول في البحر مع شرف الدولة ولد الأفضل شاهنشاه وكتب في استدعاء المعونة على الجهاد، ونصرة العباد والبلاد بإنفاذ العسكر الدمشقي؛ فأجيب إلى ذلك. وعاقت عن مسيره أسباب حدثت وصوادف صدفت، ووصل أسطول البحر ونزل يافا آخر شوال، وأقام وتفرق الأسطول والعساكر إلى الساحل، وكانت الأسعار بها قد ارتفعت، والأقوات قد قلّت فصلحت بما وصل مع الأسطول من الغلة ورخض الأسعار إلا أن غارات الإفرنج متصلة عليها.
وفي أحداث سنة 501هـ ذكر ما يلي: وفي هذه السنة نهض بغدوين في عسكره المخذول من الإفرنج نحو ثغر صيدا فنزل عليه في البحر والبر ونصب البرج الخشب عليه ووصل الأسطول المصري (الفاطمي) للدفاع عنه والحماية له فظهروا على مراكز الجنوية.
وفي أحداث سنة 502هـ ذكر ما يلي:… وصل عقيب ذلك الأسطول المصري (الفاطمي) ولم يكن خرج للمصريين فيما تقدم مثله كثرة رجال ومراكب وعدد وغلال لحماية طرابلس وتقويتها، فالغلة الكثيرة والرجال والمال لمدة سنة مع تقوية ما في المملكة المصرية من ثغور الساحل وأهله. ووصل إلى صور في يومه الثامن من فتح طرابلس، وقد فات الأمر فيها للقضاء النازل بأهلها، وأقام بالساحل مدة وفرغت الغلة في جهاتها…
وفي أحداث سنة 503هـ ذكر ما يلي: وشرع الإفرنج في عمل البرج ونصبه على سور بيروت فحين نجز، وزحفوا به كسر بحجارة المنجنيق وأفسد فشرعوا في عمل غيره، وعمل ابن صنجيل برجاً آخر، ووصل في الوقت من أسطول مصر (الفاطمي) في البحر تسعة عشر مركباً حربية فظهروا على مراكب الإفرنجي وملكوا بعضها، ودخلوا بالمسيرة إلى بيروت فقويت بها نفوس من فيها من الرعية. وأنفذ الملك بغدوين إلى السويدية يستنجد بمن فيها من الجنوية في مراكبهم فوصل منها إلى بيروت أربعون مركباً مشحنة بالمقاتلة فزحف الإفرنج في البر والبحر إليها بأسرهم في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال ونصبوا على السور برجين، واشتدوا في القتال فقتل مقدم الأسطول المصري وخلق كثير من المسلمين، ولم ير الإفرنج من ما تقدم وتأخر أشد من حرب هذا…
وفي أحداث سنة 546هـ ذكر ما يلي: في هذه الأيام ورد الخبر بوصول الأسطول المصري (الفاطمي) ءلى ثغور الساحل في غاية من القوة وكثرة العدد والعدة، وذكر أن عدة مراكبه سبعون مركباً حربية مشحنة بالرجال. ولم يخرج مثله في السنين الخالية وقرب من يافا من ثغور الإفرنج فقتلوا وأسروا وأحرقوا ما ظفروا به، واستولوا على عدة وافرة من مراكب الروم والإفرنج ثم قصدوا ثغر عكا، وفعلوا فيه مثل ذلك وحصل في أيديهم عدة وافرة من المراكب الحربية الفرنجية، وقتلوا من حجاج وغيرهم خلقاً عظيماً وأنفذوا ما أمكن إلى ناحية مصر وقصدوا ثغر صيدا وبيروت وطرابلس وفعلوا فيها مثل ذلك.
وفي أحداث سنة 548هـ ذكر ما يلي: ووردت الأخبار بوصول أسطول مصر (الفاطمي) إلى عسقلان، وقويت نفوس من بها بالمال والرجال والغلال وظفروا بعدة وافرة من مراكب الإفرنج في البحر وهم على حالهم في محاصرتها ومضايقتها والزحف بالبرج إليها.
إلى غير ذلك من الأحداث التي يتعذر تعدادها: (راجع: الموحدون).
أسْفَرَاين
أسفراين، وذكرت أسفرايين أيضاً، هي الشكل المأخوذ عن «أفسيرايين». وجاء في سبب تسمية المدينة بهذا الاسم: أنَّ أهاليها كانوا متعوّدين على حمل الدروع معهم دائماً. لذلك اتخذ موطنهم اسم «سيرآئين»([60]*) أو «إِسيرآئين». يعني باللغة العربية «شعيرة الدروع» حيث اتخذوا حمل الدروع شعيرة أو شعاراً لهم. وسبب هذا الاشتقاق، وإن يبدو مستساغاً بادىء ذي بدء، إلى حدِّ ما، بَيْدَ أنه يدل ـ بوضوح ـ على أن له ارتباطاً بالتركيب العامي الدارج للألفاظ أكثر من ارتباطه بالاتيمولوجيا التاريخية، لذلك فإنَّ الرجوع إلى المعاجم المختلفة يرشدنا إلى أنَّ جذور «اِسيَر»، و«سِيَر» قد بُحثت في الكلمات: «سِير»، «سِيْردَن»، و«إِسيُردَن»، وكذلك في الكلمات «إِسْييتِر»، «سِيِهْر»، و«سِيرا». ولو تجاوزنا المجموعة الأولى التي تعني التسليم، مع قليل من التأمّل، فإننا نتابع تطور كلمة «سِيَر» التي تُشبه كلمة «سِيهِر» و«آسمان» و«گردون» من ناحية وضعها وشكلها، في المجموعة الثانية.
إنَّ مفردات «سيهِر»، و«هُوَ سييِرَ» و«إِسپَر» في اللغة البهلوية، «وسييتَرة» في الفارسية القديمة، التي استعملت لكلمة «سهپِهر»، وكلمة «سِپرا» الشائعة في اللهجة الأفغانية، والتي تستعمل للدلالة على اللون الرمادي، ومن بين هذه جميعاً تختص كلمة «اِير» في البهلوية حيث تلتقي مع كلمة «اِسيَر» بمعنى «سِيَر» التقاءَ خاصاً، كلّ هذه المفردات تقدّم لنا مجموعة من المصطلحات التي تفسّر كيفية تطور «سِيهرآئين» إلى «اسيرآئين». ومن الطبيعي أنَّ لهذا الاشتقاق معنى مقبولاً.
من حيث الموقع الطبيعي، تقع أسفراين في منطقة جبليّة باردة، لذلك تنعم بصيف معتدل. تتكون الجبال الواقعة شمال خراسان من ثلاث سلاسل متوازية هي: 1 ـ سلسلة «كيه داغ» «اورانداغ». 2 ـ سلسلة «آلاداغ» و«بينالود». 3 ـ جبال متفرّقة، منها، جبال «جغتائي» وارتفاعها (2743 متراً)، تقع جنوب أسفراين. أما المناطق السهلية لهذه المدينة فتقع بين جبال «جغتائي» وجبال «بينالود» و«شاه جهان». ومن الجبال الشمالية لمنطقة أسفراين السهلية يجري نهرا «بيرواز»، و«روئين» اللذين لهما تأثير كبير على الزراعة في تلك المنطقة. وقد تصدّعت هذه الجبال بفعل الفيضانات التي حدثت إبّان عصر «پلئيستوسن» وفيها: طبقات «هرلوسن» و«پلئيستوسن» الكائنة واحدة فوق الأخرى بشكل أفقي، ولها واجهات حادّة وارتفاعات شاهقة. يتكون القسم الأعظم من هذه الطبقات من الرمال والأحجار الرملية «ومارن» والطين. ولذلك تتوفر عيون الماء العذب مع الأملاح بكثرة ولا سيما في السفوح الشمالية لهذه الجبال. يربط أكثر المؤرخين والجغرافيين المسلمين الحياة التاريخية لأسفراين بقرية مهرجان. ويذكرون على أنَّ «مهرجان» هو الاسم السابق «لإسير». وحتى لو صحّ هذا الأمر على نحو الاحتمال، فإنَّ قرية أسفراين كانت موجودة في تلك الحقبة التاريخية حيث انتقل إليها أهالي مهرجان إثر الحوادث الطبيعية أو أثر تعرضها للدمار البشري. وذلك أننا نقرأ في تاريخ الساسانيين بأنَّ قباد فرَّ من بطش أخيه، متوجهاً نحو الشرق، حيث وجود الخاقان التركي، ليعبّىء جيشاً من أجل محاربة أخيه، وتزوج امرأة من أهل أسفراين، أنجبت له ولده «أنوشيروان». وكانت قرية «نوشيروان» لا تزال موجودة في أطراف أسفراين. بعد ذلك صار الأقرباء السببيون لأنوشيروان من الملاكين في خراسان، وكما قيل: فإنَّ حمويه بن علي أصبح من قادة الجيش الإسلامي وساهم في غزوات الشرق… وهناك روايات خرافيّة تعتبر اسفنديار بانياً لأسفراين وترى أنَّ أعقابه كانوا يحكمون هذه المنطقة مدّة طويلة.
بعد فتح «نيشابور»، و«بيهق»، و«گرگان» إبّان الفتوحات الإسلامية، أصبحت الضرورة قائمة لإنشاء طريق يبدأ من نيشابور وبيهق متجهاً نحو گرگان، وذلك لربط هاتين المنطقتين المركزيتين بشمال خراسان. ولا بدّ أن يمرّ هذا الطريق من أسفراين فقط، لذلك فإنَّ أغلب الجغرافيين المسلمين عندما يذكرون «أسفراين» يقولون: إنّها تقع في وسط الطريق بين نيشابور وگرگان. وكانت أسفراين تعدّ قسماً من أقسام مدينة نيشابور عندما كانت تتمتع الأخيرة بمركزية خاصة في جميع مراحل العصر الإسلامي تقريباً.
كانت أسفراين ذات نعم وبركات كثيرة كبقيّة المناطق الجبلية الواقعة شمالي خراسان وموقعها الطبيعي جعل أهلها محظوظين وذلك لندرة تأثير الحوادث الطبيعية والمشاكل البشرية على تمزقهم وتفرقهم. ومن نافلة القول أن نكرر هنا ما ذكرته النصوص الجغرافية المذكورة حول المدينة، من كثرة الكروم والجوز والغلات وبساتين الفواكه. ولكن المقدار المتيسر من المعلومات عنها يذكر وجود خمسة أسواق في هذه المدينة إبّان القرون الوسطى.
ونتيجة لوفرة البضائع من أجل التبادل التجاري، وما تدرّه تلك الأسواق من فوائد وأرباح، لذلك كانت أسفراين مشهورة «بحصن الذهب». كان معظم سكّان أسفراين من أتباع المذهب الشافعي في تلك الفترة. وكانت هذه المنطقة من مراكز الشافعية من خراسان، على أنَّ المذهب الحنفي تسلّل إليها فيما بعد.
إذا أردنا أن نُعدَّ قائمة بأسماء العرفاء والشعراء والفقهاء الذين كانوا يقطنون في تلك المنطقة، فمن المتيقن أنّها ستكون قائمة مفصّلة. ونكتفي هنا بذكر نماذج منهم. ونبدأ بأبي عوانة: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الأسفراييني، ولعله من أقدم المحدّثين. طاف هذا الرجل في كثير من الأمصار والبلدان لتعلّم الحديث، ويمكننا القول إنه سافر إلى جميع الأقطار الإسلامية تقريباً. له مسند في الحديث، استخرجه من صحيح مسلم، وأضاف إليه إضافات قليلة، ومن الجدير ذكره أن صاحب معجم البلدان يذكر شخصاً آخر يدعى: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم لم تتطرق له سائر الكتب.
وهناك شواهد في نصّ ياقوت تدلّ على أنّه لا بدّ أن يكون شرح حال الاثنين متعلقاً بشخص واحد فقط.
ومن العلماء الآخرين: أبوعلي، محمد بن علي بن الحسين الأسفراييني المعروف بابن السقّاء. كان من حفّاظ الحديث، وقد بذل جهوداً كبيرة في سبيله، وجاب كثيراً من المناطق بحثاً عنه. اشتهر هذا الرجل بكثرة نقل الحديث، ومرافقته للصالحين من كبار الصوفية، تُوفّي في أسفراين سنة (372هـ).
يجب أن نذكر أبا حامد: أحمد بن محمد بن أحمد، الفقيه الذي ولد في أسفراين سنة (344هـ). وفي سنة (364هـ) تركها متوجهاً إلى بغداد حيث توطّن فيها. درّس الفقه في بغداد سنة (370هـ). وقد قيل الكثير عن عدد تلاميذه، لكن لا يبعد كما يُزعم أيضاً أن يكون قد تعلّم سبعمائة محدّث وفقيه الحديث على يديه، طيلة حياته في التدريس. انتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي في أواخر عمره قيل: لو كان الإمام الشافعي قد رآه لسُرَّ به حتماً، توفي سنة (406هـ).
وهناك فقيه كبير آخر هو أبو إسحاق: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران المهرجاني المعروف بالأستاذ. يلقّب بركن الدين، كان شافعيّ المذهب، أشعريّ النزعة في الكلام، وشيخ خراسان. كان يتعاون مع ابن فورك أحد المبلّغين الحاذقين للمدرسة الأشعرية في نيشابور تعاوناً حميماً. قضى أكثر دراسته في بغداد، التي سافر إليها قبل سنة (351هـ). وهناك حضر دروس أبي الحسن الباهلي أحد أئمة الأشاعرة في بغاداد. بعد ذلك عاد إلى إيران، وبدأ التدريس في أسفراين، ثم دُعي إلى نيشابور.
خاض هذا الرجل مناظرات ومحاججات فكرية عقيدية مع علاء الكرامي في بلاط السلطان محمود، وقيل عنه: إنّه بلغ درجة الاجتهاد وله مؤلفات كثيرة منها: جامع الحليّ في أصول الدين والرد على الملحدين، وتعليقه في أصول الفقه، وغير ذلك. تُوفّي يوم عاشوراء من سنة (417هـ) في نيشابور، وحمل جثمانه إلى أسفراين حيث دُفن هناك. وله كتاب في الإمام الحسين (ع)، عنوانه: «نور العين في مشهد الحسين»، طبع مع كتاب «قرّة العين في أخذ ثأر الحسين» لمؤلّفه أبي عبدالله: عبدالله بن محمد، وذلك بين سني (1298 و1303هـ).
ومن العلماء الآخرين، أبو العباس: الفضل بن أحمد الأسفراييني، كان قبلة المحقّقين في العصر الغزنوي عمل بادىء أمره في خدمة الأمير الساماني فائق. انتقل بعد وفاته إلى الأمير «سبكتكين» وكان وزيراً له مدّة طويلة. وتولّى تربية محمود الغزنوي. ولّما تسلم هذا مقاليد الحكم، كان أبو العباس الأسفراييني أوَّل وزير له، توفي في نيشابور سنة (404هـ).
ومنهم: أبو المظفّر: طاهر بن محمد الأسفراييني الملقّب «بشهنور» صاحب تفسير «تاج التراجم في تفسير القرآن للأعاجم» باللغة الفارسية. يعتبر هذا الرجل أحد مفسّري القرن الخامس وعلمائه. ويعدّ تفسيره من أقدم التفاسير الفارسية، بعد تفسير الطبري. وهو الآن قيد التصحيح في مجمع البحوث الإسلامية التابع للاستانة الرضوية المقدسة في مشهد، ويأخذ طريقه إلى النشر. ذُكر أنَّ وفاته كانت سنة (471هـ). من الآثار التاريخية في أطراف أسفراين مقبرة الشيخ محمد رشيد الدين. تقع هذه المقبرة على بعد (32 كلم) شمال شرقي أسفراين. ليس في أيدينا معلومات كثيرة عن الشيخ محمد رشيد الدين، ولكن يظهر من قسم من كتيبة منقوشة بالجص باقية في الضلع الشرقي من المقبرة أنَّه حفيد الشيخ همام ونجل حفيد الشيخ أحمد الغزالي ذي الحسب والنسب. وبما أنَّ الشيخ أحمد الغزالي، وهو أخو الإمام محمّد الغزالي، توفي سنة (520هـ)، فلا يبعد أن يكون الشيخ محمد رشيد الدين قد توفي أواخر القرن السادس أو أوائل القرن السابع. ومن الآثار النفيسة لهذه المقبرة صندوق خشبي، صنع أواخر القرن التاسع. أبعاده (1,5× 1) تقريباً. وهو مزيّن بكتيبة مخرّمة، وخطوط هندسيّة مع رسوم نباتيّة.
من العلماء الآخرين من أسفراين: تاج الدين محمد بن أحمد صاحب «الضوء على المصباح» وهو شرح على «مصباح المطرزي». طبع هذا الكتاب سنة (1850م) في لكهنو، كان تاج الدين الأسفراييني من علماء القرن السابع، توفّي سنة (674هـ).
ومنهم: بهشتي أسفراييني، من علماء القرن الثامن، من آثاره: «تفريد الاعتماد» وهو شرح لكتاب «تجريد العقائد»، تأليف: الخواجة نصير الدين الطوسي، توفي سنة (841هـ).
ومن فضلاء أسفراين: عصام الدين الأسفراييني، وهو مشهور أيضاً. ولد سنة (908هـ) تقريباً. وكان موضع عناية الشاعر «عبد الرحمن جامي». من آثاره: حاشية على شرح جامي على الكافية، شرح على تلخيص المفتاح، وسمّاه «الأطول» في مقابل المطوّل للتفتازاني، حاشية على تفسير القاضي البيضاوي.
من عرفاء أسفراين: شمس الدين آذري، وهو أشهر من الجميع، اسمه: حمزة، واسم أبيه: خواجه علي ملك، سافر إلى مكّة والهند مرّات، توفي في أسفراين سنة (866هـ).
ومن فضلاء أسفراين وعرفائها في القرن الثالث عشر: الآخوند الملا إسماعيل الأسفراييني المتخلص بالعارف. درس مقدّمات العلم على أبيه. ثم سافر إلى النجف وقم وشهد وحضر دروس أساتذتها ثم عاد إلى أسفراين وهو يحمل ذخائر وافرة من العلم. انتقل إلى جوار ربّه سنة (1288هـ). أطلق العرب على أسفراين اسم بلقيس ملكة سبأ وذلك لجمالها، ولأنها كانت تذكّرهم بخضرة اليمن وكان هذا الاسم عنوان زينة فقط لأسفراين، لذلك طواه النسيان تدريجياً.
ما وقع لأسفراين من أحداث
عندما استولى الصفاريّون على خراسان، وفرّ رافع بن هرثمة، لاحقه عمرو بن الليث الصفاري، فذهب إلى أسفراين وهناك ألقى القبض على ليث ومعدل وَلَدي أخيه عليّ، اللذين كانا مع أبيهما ضمن جيش رافع المذكور، وعاملهما معاملة طيبة حيث شملهما بلطفه وودّه، وأهدى لهما الملابس.
بما أنَّ أولاد الناصر الكبير قاتلوا مع أحمد طويل قائد الجيش الساماني، في عصر العلويّين. واندحر أحمد في القتال، لذلك التجأ ـ وحده ـ إلى بسطام، وفرَّ جنوده إلى جاجرم وأسفراين. ولّما اندحر محمد خوارزمشاه أمام زحف المغول توجه صوب الشمال الغربي قاصداً أسفراين بعد تركه نيشابور. بعد ذلك يممّ وجهه صوب الري سالكاً الطريق العام الرئيسي، ومن المتيقّن أنه كان يفضل الطريق الجبلي على الطريق السهلي، لأنه كان يحتمل الوقوف بوجه الزحف المغولي بطريقة من الطرق، وكان يرى الصلاح بعدم الخروج من رُقعة خراسان. ولكن الجيش المغولي الذي كان هدفه الوصول إلى خوارزمشاه فقط، عبّأ عدداً من أفراده بقيادة سوبوتاي (سُوبتَى) وذلك سنة (617هـ) لملاحقة السلطان محمد عن طريق توسى، ورادكان، وقوجان واسفراين. ووصل هو إلى قومس، ومن هناك تحرّك نحو الري، ودخلت مجموعة منه بقيادة جُبَّه (يُمّه) گرگان عن طريق نيشابور وجوين. بعد ذلك تحركت، فوصلت الري عن طريق مازندران.
تحدث الجويني في تاريخه عن السلب والنهب والقتل الذي مارسه المغول في أسفراين ورادكان. بعد أن سيطر المغول على خراسان، فوضوا حكم المناطق الغربية الواقعة تحت نفودهم إلى جنتمور وذلك بين سنتي (630) و(633هـ). فعيّن ملك بهاء الدين أميراً على أسفراين وبيهق وجاجرم، كما عيّن ملك نصرة الدين أميراً على منطقتي «كبرد جامه» و«أسترآباد»، واختار شرف الدين الخوارزمي وزيراً له.
عندما توفي السلطان أبو سعيد، وهو آخر إيلخان مغولي مقتدر، كان أمراء خراسان كالآتي: «أمير أرغون شاه جاني قرباني» حاكم نيشابور، وطوس، وأبيورد؛ أمير عبدالله مولائي حاكم قهستان؛ أمير محمود الأسفراييني حاكم أسفراين، لذلك فإنَّ أمراء أسفراين شاركوا في الشورى التي شكّلت لانتخاب «طغا تيمور خان» سنة (737هـ).
ساهمت عمليات نقب الآثار التي جرت في خربات قلعة «نوشيروان» في نجاح خبراء الآثار الإيرانيين على كشف آثار تعود إلى العصر المغولي. ومن الأشياء التي تمَّ كشفها تمثال لبوذا، وليس من البين رأي يطمئن إليه فيما إذا كان هذا التمثال يعود إلى فترة هجوم المغول واستقرارهم، أو إلى فترة أقدم منها. ولكن يبدو عسيراً إلى حدّ ما أن نعتبر وجود هذا التمثال دليلاً على وجود الدين البوذي ونفوذه قبل الإسلام. ومن المسلَّم به أنَّ أسفراين استعادت موقعها تدريجياً بعد إيلغاز المغولي.
يتحدّث حمد الله المستوفي في القرن التاسع عن أسفراين بصفتها مركزاً زراعيّاً غنيّاً بالمياه حيث إنَّ فيها قنوات عديدة إضافة إلى الأنهار الموجودة هناك. وكان للنقود التي تمّ العثور عليها في مناطق أسفراين، والعائدة إلى العصر الإيلخاني أهميّة من الناحية التاريخية والسياسية والاقتصادية، إذ تدلّ على وجود السلطة السياسية للمغول في تلك المناطق آنذاك، مضافاً إلى أنّها تعبّر عن وجود نشاطات تجاريّة مكثّفة.
بعد إعلان استقلال سبزوار سنة (738هـ)، احتلَّ السربداريّون مناطق جوين، وأسفراين، وجاجرم، وبيارجمند. ونادى عبد الرزاق بنفسه أميراً، وسكّ النقود باسمه، وأقرَّ الشعائر الشيعية. وبعد وفاة يحيى الكرّابي اعتصم بعض السربداريين بقيادة نصرالله الباشتيني أخي مسعود السربداريين في قلعة شغان في أسفراين سنة (757هـ). ويبدو أنهم كانوا مشغولين في جمع قوات للمواجهة، ليتمكنوا من مسك زمام الحكومة السربداريّة بقيادة لطف الله، نجل مسعود. أمَّا حيدر القصاب الذي لا بدَّ له أن يزيل هذا الفريق من السربداريين، الذين كانوا يتمتعون بنفوذ ومكانة بين الآخرين، عن طريقه، فقد توجه إلى أسفراين.
ومن ناحية أخرى فإنَّ البهلوان حسن الدامغاني، الذي كان من أنصار شمس الدين علي الحاكم السابق للسربداريين، ولم يك راضياً نوعاً ما لتسلم يحيى الكرابي وحيدر القصاب مقاليد الأمور، فقد تآمر مع السربداريّين المعتصمين في قلعة شغان ضدّ حيدر القصاب. ولكنه واجه تمرداً ضدّه وقع في أسفراين سنة (766هـ)، لأنه بعد اندحار قوّاته على يد قوات «أميرولي» حاكم أسترآباد الذين كانوا تحت قيادة أبي بكر الشاسماني، تمرّد حامي قلعة شغان ضدّه، فتحرك على عجل حتى وصل سبزوار، ومن هناك توجه إلى أسفراين، فاستغل منافسه علي مؤيد الفرصة، فاحتل سبزوار… بعدها كتب رسالة إلى السربداريين الذين كانوا بمعية حسن الدامغاني جاء فيها: «ماذا تستفيدون من وجودكم مع حسن الدامغاني، ناكر الجميل، عديم الشرف؟ ألا تشعرون بالعار في مرافقتكم له؟ أخبركم أني سأقسم الأموال، فإن تأخرتم فسوف تُحرمون منها. فما عليكم إلاَّ أن تأتوني برأسه، وإن لم تفعلوا فلا تتوجهوا إلينا لأنكم ستعرضون نساءكم وأولادكم للخطر…». عندما وصل الأمير تيمور إلى خراسان اهتم بالخواجة علي مؤيد واعتنى به، ثم سافر من نيشابور إلى أسفراين. ولما وصل «الميرزا باديگار محمد» نجل «الميرزا بايسنقر» وحفيد «الميرزا شاهرخ» إلى أسفراين في ربيع الأول سنة (870هـ)، بعدما كان متوجهاً من آذربيجان باتجاه خراسان، نزل السلطان حسين ميرزا بايقرا، الذي كان قادماً من هراة إلى مشهد، نزل في البداية وادياً جبلياً بين «خبوشان» و«أسفراين» بعد عبوره من «النگرادكان» في منطقتي «خبوشان «ويَلُغز» السهليتين.
بدأ نزوح الأكراد إلى مناطق خراسان في عصر الشاه إسماعيل الصفوي. وتمَّ تعيين «أوغلان بوداق خان جكني»، وهو من أمراء الأكراد الكبار، حاكماً على قوجان في زمن الشاه طهماسب الأول. وكانت حكومة أسفراين، منذ ذلك الزمان حتى جلوس الشاه عبّاس الأول على العرش، بيد الأكراد. واستطاع أكراد أسفراين صدّ الأزبكيّين عنها بشدة في هجوم «عبد المؤمن خان أزبك» الذي حدث بعد المذبحة الجماعية والدمار الذي لحق مشهد، وقد دافعوا عن المدينة مدَّة طويلة ولم يستطع الأزبكيون احتلال برج المدينة، أو تسلّق سورها، ما دام من الأكراد شخص واحد على قيد الحياة. وهنا قام الشاه عباس الأول بحثّ الأكراد على الهجرة إلى المناطق المركزية في إيران وذلك لإضعاف قدرة أكراد الغرب، من جهة، وحفظ الحدود الشمالية الشرقية لإيران من جهة أخرى. وفي المرحلة التي تلت ذلك فإنَّ وجود سهول شمال خراسان، ومناطق الكلأ فيها تحت تصرّف الأكراد الذين كانوا يبحثون عن المراتع لمواشيهم من جهة، وتمتَّع الأكراد بمعنويات قتاليّة، ورغبتهم في استقلال نسبي نوعاً من جهة أخرى، هما اللذان دفعا الشاه عبّاس أن ينقلهم إلى خراسان. إنَّ هؤلاء الأكراد الذين كانوا من قبائل زعفرانلو، وشادلو، وميلانلو لم يحلّوا محلَّ القبائل السابقة بصورة هادئة، بل بما أنَّ مناطق بجنورد، وأسفراين، وجاجرم، وكاليوش كانت موطن القبائل الگرائيلية، فلا بدَّ لهذه القبائل التي تنحدر من أصل مغولي أن تتفرَّق من مختلف المناطق حتى يسكن الأكراد مكانهم. و«گرائيت ايل» هم في الحقيقة نفسهم أعقاب قبيلة «گرائيت»، وكانوا يتميَّزون على سائر القبائل المغولية حضارياً وثقافياً، وكانوا سبّاقين في كل شيء حتى في مسألة تأسيس الحكومة، لأنَّ مدينة «قراقوم» في الواقع هي عاصمة «أونگخان الگرائيلي»، وكانت ذات مدنية قبل احتلال المغول لها.
بعد أن تحرك الشاه عباس إلى مرو لقمع الأزبكيين فوَّض حكومة خراسان الشمالية وعاصمتها «خبوشان» إلى «شاهقلي سلطان» الذي كان رئيس قبيلة زعفرانلو. وقد أدى هذا العمل إلى تحفيز الأكراد بالتوجه نحو خراسان. وفي ضوء هذا التوجّه فإنَّ أربعين ألف عائلة من أكراد «جمشگزك (جامش گزك)» الذين كانوا من قبائل زعفرانلو، وشادلو، وكاوانلو، وعمارلو، وقراجولو، انتقلوا إلى خراسان، وتوزَّعوا بين منطقة فسيحة في غرب مدينة مشهد، حتى غرب بجنورد، ومن كلات حتى جوين. وحدثت اشتباكات بين هؤلاء النازحين والقبائل الگرائيلية أدت إلى خروج بقايا المغول عن هذه المناطق ما عدا بعض العوائل التي بقيت فيها، ومن هؤلاء: جماعة «بغايري» الذين لا زالوا يسكنون في «بام» و«صفي آباد» و«دهنة أجاق» من توابع مدينة أسفراين. ولغة هؤلاء تركيّة خاصّة، علماً أن هؤلاء البغايرية من أعقاب الگرائيلية. إنَّ واحدة من آثار العصر الصفوي من هذه المنطقة مدينة «بلقيس» التي تقع آثارها على بعد سبعة كيلومترات جنوب أسفراين، على الجهة اليمنى من طريق أسفراين ـ سبزوار.
تتكون تلال هذه المدينة، التي يحيطها سور عظيم من كل جهاتها، من الآجر غير المطبوخ والطين. وأوجدوا على السور ما مجموعه تسعة وعشرون برجاً بمساحات مختلفة. تقع بوّابة القلعة في الزاوية الجنوبية الغربية، وعلى كل طرف منها برج.
إن دراسة الوضع المعماري والمؤسسات المدنية في هذه المنطقة، الذي يذكر بالعصر الصفوي، يحتاج إلى بحث وتحقيق أكثر.
لقد قلنا سابقاً: إن قبيل «شادلو» اختارت السكن في مناطق بجنورد وأسفراين منذ وصولها إلى خراسان، كما أن قبيلة زعفرانلو اختارت منطقتي قوجان وشيروان. وعندما وصل «آغا محمد خان قاجار» إلى أسفراين، استقبله إبراهيم خان كرد شادلو حاكم بجنورد وأسفراين، وكان ضيفه في أسفراين لبضعة أيام، حتى حضر عنده «أمير گونه خان زعفرانلو» حاكم قوجان ونجله «قمِش خان» حاكم جناران. وبعد أيام وصل «آغا محمد خان» إلى قوجان.
وعندما وصل «فتح علي شاه» إلى خراسان سنة (1217هـ) لإلقاء القبض على «نادر ميرزا افشار» التقى به «إبراهيم خانكرد شادلو» مع عدد من إقطاعيي خراسان في قرج «رادكان». وفي أحداث سنة (1228هـ) حيث كان قد حصل اختلاف بني «إسحاق خان قرائي» والإقطاعيين الأكراد في خراسان، غادر «نجنقلي خان شادلو» حاكم بجنورد وأسفراين مع بقيّة الإقطاعيين الأكراد إلى مشهد. ومن الاضطرابات التي وقعت سنة (1233هـ) في زمن حكومة «شجاع السلطنة» في خراسان اتّخذ أكراد أسفراين الشادلويين مع رئيسهم جانب الحياد. لذلك لما توجه الجيش من المركز قاصداً خراسان ومشهد، احتل «أسفراين» و«صفي آباد».
وفي أحداث أخرى وقعت أوائل حكومة ناصر الدين شاه ظهرت المنافسة في أجلى صورها بين الجماعتين الأصليتين من الأكراد وهما: «الشادلويون» في «تنورد» و«الزعفرانلويون» في «قوجان». ومع وجود الوسطاء الذين أرسلهم «أمير كبير» المركز، فإنَّ «جعفر قلي خان شادلو» الذي كان حاكماً قوياً على منطقتي بجنورد وأسفراين اتخذ جانب العزلة من انتفاضة «سالار»، ولكن قدرة سالار كانت متزايدة إلى الحدّ الذي استعدّت جميع مناطق خراسان الشمالية للتعاون معه ما عدا مناطق قوجان. ولا سيما أكراد شادلو الذين كانت تربطهم مع سالار قرابة سببيّة.
وعندما عجزت قوّات حسام السلطنة، الحاكم المبعوث من المركز إلى خراسان، مع أكراد قوجان بقيادة «سام بيك زعفرانلو»، عن احتلال سبزوار، هاجموا قلعة عنبرستان، ونتيجة الجهود الكبيرة التي بذلها «محمد خان البغايري» وهو من حلفاء جعفر قلي خان شادلو ومحمد حسن خان سالار، سقطت قلعة عنبرستان، وبناء على ذلك استغل «محمد خان البغايري» ظلمة الليل فتوجه نحو «بام» و«جهان أرغيان».
كتب السيد «توحدي» عما حدث فيما بعد، ويحتمل أنَّه نقل النص بذاته من مصدر آخر، فيقول: «توجه حسام السلطنة من عنبرستان قاصداً صفي آباد. وهناك شمل العفو «محمد خان البغايري» بوساطة من سام خان زعفرانلو. يمَّم الأمير وجهه بعد ذلك نحو أسفراين، وبقي هناك شهراً. وغادر «حيدر قلي خان كردشادلو» «ميان آباد» متوجهاً نحو «روئين د» ليلتحق بأخيه «جعفر قلي خان». لم تكن المسافة بين «روئين د» و«أسفراين» أكثر من ثلاثة فراسخ، لكنه لم تحدث أية مصادمة بين الطرفين، ما عدا الغارة التي شنّها حيدر قلي خان مع خيَّالة أكراد شادلو على قلعة «بارت» قريباً من شيروان، حيث كانت موطن أكراد زعفرانلو، وفيها أُسر ما يقرب من مائتي امرأة وطفل، وسلب أموال الناس.
بعد أن اطّلع «سام خان زعفرانلو» على هذه الحادثة قرَّر الثأر بَيدَ أنَّ الأمير «حسام السلطنة» حال دون ذلك. بعد ذلك أرسل «عباس قلي خان» «مير ينجه» إلى «جعفر قلي خان» وعرض عليه ورقة الأمان المرسلة من قبل «أمير كبير».
وهكذا انتهت انتفاضة «جعفر قلي خان كرد شادلو» في خراسان. وبعد الإفراج عن أسرى قلعة «زيارت»، توجه إلى طهران، وبعد مدّة عيَّن حاكماً على «گرگان» و«أسترآباد» بعد تلقيبه «بسهام الدولة».
استمرت التفرقة بين قبيلتي «كرمانج» المقتدرتين في خراسان لصالح الحكومتين القاجارية والبهلوية، وهيَّأت الأرضية لتضعيف قوَّة الأكراد أمام الحكومة. واستغلَّ «رضا شاه» هذا الوضع، فقام في البداية بإعدام «معزز كردشادلو» حاكم بجنورد، ثم قضى على إقطاعيي زعفرانلو. وفي أحداث شهريور (سنة 1320 شمسي) نهض أكراد منطقة أسفراين بزعامة «فرج الله خان بيجرانلو»، ولكنهم لم يفلحوا في تحقيق طموحاتهم. وعندما اندحروا في مواجهة القوَّات الحكومية، وحُكم على إقطاعيي «بيجرانلو» بالإعدام، توسط بعض أعضاء المجلس النيابي، فلمُ ينفَّذ الحكم.
من الصفحات المشرقة الناصعة في تاريخ نضال أسفراين دعم «علي خان بيك بيجرانلو» وأكراد أسفراين لحكومة الدكتور مصدَّق الوطنية. ومنذ سنة (1960م) أصبحت أسفراين مركز القضاء، والنواحي التابعة لها هي: «بام» و«صفي آباد». نفوسها الآن زهاء التسعين ألفاً، مذهبهم هو المذهب الشيعي وفيهم اكتفاء ذاتي في المواد الأوليَّة وذلك باشتغالهم في الزراعة وتربية المواشي([61]).
سيد حسين رئيس السادات
أسفون
بلدة في مصر، قال في الطالع السعيد: معروفة بالتشيع ولكنه خف بها وقل.
أسفونا
اسم حصن كان قرب معرة النعمان في سورية افتتحه محمود بن نصر بن صالح بن مرداس، فقال أبو يعلى عبد الباقي بن أبي حصين يمدحه ويذكر الحصن:
| عداتك منك في وجل وخوف | يريدون المعاقل أن تصونا | |
| فظلوا حول أسفونا كقوم | أتى فيهم فظلوا آسفينا |
راجع: المرداسيون
اسكردو
قاعدة مقاطعة بلتستان الواقعة شمالي الباكستان كل سكانها من الشيعة، ولغة أهلها اللغة البلتستانية كما تنتشر فيها اللغة الأردوية. وفيها العديد من المساجد والحسينيات التي يطلقون عليها اسم «مأتم سراً»، ومنها في النجف العديد من طلاب العلوم الإسلامية.
ووادي اسكردو يرتفع عن سطح البحر بأكثر من سبعة آلاف قدم وتحيط به جبال مرتفعة تذوب الثلوج المتراكمة عليها وتسيل في الوادي أنهاراً طوال فصلي الربيع والصيف، وتروي هذه الأنهار مزارع التوت والمشمش والتفاح التي تشتهر بها هذه المناطق.
وتحصل اسكردو على ما تحتاجه من طريق نقله إليها جواً، سيان كان الذي تطلبه عربات الجيب أو زكائب الإسمنت. والطائرات التي تنقل لإسكردو هذه المهمات، تعود محملة بالفواكه المختلفة لتغمر بها أسواق راولبندي ولاهور وكراتشي. وقد أنيرت اسكردو بالكهرباء سنة 1951م، وفيها مستشفى حديث وعدد من المدارس (راجع بلتستان).
الإسكندرية
ـ 1 ـ
يعود تاريخ الإسكندرية إلى عشرين كانون الثاني سنة 331ق.م. حيث وصل الإسكندر الكبير إلى ذلك المكان بعد احتلاله ممفيس عاصمة مصر التي كانت خاضعة للفرس في ذلك الزمن، إذ لاحظ الإسكندر بحدسه العسكري المكان الاستراتيجي الممتاز الذي تتمتع به تلك القرية المصرية القديمة التي كانت تعرف باسم (رقودة)، فأمر مهندسه (دينو كراتوس) أن يضع التصاميم لمدينة عظيمة تحمل اسمه إلى الأبد.
بنيت المدينة ولم يتح للاسكندر فرصة رؤيتها، وإنما نقلت رفاته إليها بعد ثماني سنوات من وفاته حيث دفن في قلب الإسكندرية وعلى مفارق طرقها الكبيرة ليكون بطلها وإلهها. ومن الشائع أن قبره يقوم الآن في مسجد النبي دانيال في الإسكندرية.
وتعهد خليفة الإسكندر (بطليموس) الأول المدينة برعايته فنمت في عهده نمواً رائعاً وبلغت ما قدر لها الإسكندر من النجاح والثروة. «وزهت وأزهرت فأخجلت أشهر مدن العالم، ولم يكن ينافسها في المجد والعظمة إلا رومية، حتى أنها كانت تلقب في عهد يوليوس قيصر بملكة المدن». «وقد أصبحت مركزاً حضارياً إغريقياً مرموقاً على اعتبار أنها أصبحت الوريثة الشرقية لحضارة أثينا».
وقد ظلت عاصمة لمصر زهاء عشرة قرون. افتتحها العرب صلحاً سنة 21هـ (642م) بعد حصار دام أربعة أشهر فغادرها عدد كبير من سكانها اليونانيين. وفي العام 25هـ (646م) هاجمها الروم غدراً فأعاد العرب فتحها حرباً وقد فقدت أهميتها بانتقال الحكم منها إلى الفسطاط والقاهرة.
وقد دخلها القائد الفاطمي جوهر سنة 358هـ (969م) مبتدئاً باحتلالها واحتلال مصر كلها إذ منها تقدم لاستصفاء بقية البلاد المصرية.
وفي عهد الفاطميين نقل كرسي البطريركية القبطية من الإسكندرية إلى القاهرة. وفي العصر المملوكي أقام فيها بيبرس داراً لصناعة السفن، وحصّنها الغوري سنة 922هـ(1516م) لمواجهة الغزو العثماني. وفي السنة 1798م احتلها الفرنسيون، وأخذها منهم الإنكليز وظلوا فيها حتى العام 1803م ثم اضطروا للجلاء عنها في السنة نفسها بعد فشلهم في نصرة بكوات المماليك. وفي عهد محمد علي تقدمت الإسكندرية وشقت إليها ترعة المحمودية سنة 1819م، وأقيمت فيها دار صناعة السفن سنة 1829م. وفي سنة 1882م ضرب الأسطول الإنكليزي حصون الإسكندرية في حركة أحمد عرابي، وتخرب الكثير فيها بسبب الفتن التي حدثت إثر ذلك.
الإسكندرية منذ الفتح الإسلامي
لعبت الإسكندرية في الفتح الإسلامي دوراً خطيراً، ما دعا المسلمين إلى فتحها مرتين، الأولى سنة 21هـ (641م)، والثانية سنة 25هـ(645م). ثم عكف المؤرخون على الإشادة بفضل المرابطة فيها، والإشارة إلى عمود السواري والمنار وغير ذلك من الآثار السابقة للعصر الإسلامي.
والمتبع للمراجع التاريخية الخاصة بمصر يرى الإسكندرية فقيرة فيها. فلم تنفرد بمؤلفات لتاريخها وطبوغرافيتها مثل القاهرة، بل ولا بشطر مما انفردت به. وزاد الأمر غموضاً أن أكثر معالمها الإسلامية فقدت أو تجددت ففقدت مميزاتها الفنية ونصوصها التاريخية.
وكان من نتيجة البحث، عن مراجع خصصت لها، أن وقفت على المراجع الآتية:
رسالة في فضائل الإسكندرية: مخطوطة في مكتبة أحمد تيمور باشا، مجهولة المؤلف، اشتملت على فتح الإسكندرية وفضل المرابطة فيها، ثم عقد فصلاً إجمالياً عن أسوارها وتعداد مساجدها عداً لا حصراً.
الدرة السنية في تاريخ الإسكندرية: تأليف منصور بن سليم السكندري المتوفى سنة 674هـ (1275م). ذكره السخاوي في كتابه «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ»، كما أشار إليه أحمد تيمور باشا في بحث ورسالة له عن نوادر المخطوطات، وأشار إلى أن النسخة الوحيدة في مكتبة أيا صوفيا في جزأين.
وقد دلت التحريات على أن الكتاب فقد وحلَّ في إحدى دفتيه مجموع قصص عن الإسكندر.
فضائل الإسكندرية: لأبي الفضائل.
فضائل الإسكندرية: لأبي علي الحسن بن عمر بن الحسن الصباغ.
ذكرهما السخاوي ولم نقف لهما على أثر.
الإلمام بما جرت به الأحكام المقضية في واقعة الإسكندرية: تأليف محمد بن قاسم بن محمد النويري السكندري المالكي. صنفه في كارثة الإسكندرية سنة 767هـ(1365م). ومنه نسخة في مكتبة البلدية وأخرى في دار الكتب المصرية، وهو لا يفيد كثيراً في تاريخ الإسكندرية.
مؤلف عن الإسكندرية وآثارها: لابن الصائغ.
ذكرت مجلة الهلال في عددها الصادر في أبريل سنة 1934م نبأ العثور على هذا المؤلف دون ذكر من عثر عليه أو محل وجوده. ونشرت ما كتبه المؤلف عن وصفه لمنار الإسكندرية حينما زاره سنة 115م، وأن المؤلف أندلسي أقام بالإسكندرية سنتين وقف نفسه في خلالهما على التحصيل ودرس العلوم والآداب وفن الهندسة، وزار جميع الآثار الهندسية التي كانت في الإسكندرية حينئذ.
أصحاب مالك من الإسكندرانيين: لابن شعبان.
أصحاب مالك من الإسكندرانيين: لابن يونس.
كورنيش الاسكندرية البحري
نقل عن هذين المؤلفين ابن فرحون في كتابه الديباج المذهب في أعيان المذهب، ولم نقف لهما على أثر أيضاً.
أما من كتبوا عن الإسكندرية حديثاً مثل محمد مسعود وفؤاد فرج وغيرهما فإنهم لم يتعرضوا لتاريخها أو حوادثها في العصر الإسلامي.
التشيع في الإسكندرية
عندما استعرض السخاوي الحركات العلمية في الأقطار الإسلامية، وصف مصر والإسكندرية بقوله:
«ومصر بلد عظيم وقطر متسع شرقي وغربي وصعيد أعلى وأدنى… وسكنها خلق من الصحابة. وكثر العلم بها من التابعين، ثم زاد في زمن عمر بن الحارث، والليث بن سعد، وابن لهيعة، وإلى زمن ابن وهب، والشافعي، وأبي القاسم وأصحابهم. وما زال بها علم جم إلى أن ضعف ذلك باستيلاء العبيديين الرافضة عليها سنة 358هـ (968م)، فشاع التشيع وقلّ بها الحديث والسنة، إلى أن وليها أمراء السنة بعد مائتس سنة، وأنقذها الله من أيديهم على يد الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله، فتراجع العلم إليها، وضعفت الروافض ولله الحمد. وهي الآن أكثر البلاد عمارة بالفضلاء من سائر المذاهب والفنون وفقهم الله.
والإسكندرية تبع لمصر ما زال بها الحديث قليلاً حتى سكن السلفي([62])، فصارت مرحولاً إليها في الحديث والقراءات ثم نقص بعد ذلك».
ويصفها في عصره ـ النصف الثاني من القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) ـ بأنها عدم إلا من بعض الغرباء وغالبهم مالكيون على أنه قد ولي قضاءها عدة من الشافعية.
هذا رأي السخاوي وفيه شيء من التحامل على الفاطميين([63])، شأن الكثير من المؤرخين، لأن الفاطميين في الوقت الذي خصصوا فيه حلقة لدرس فقه الشيعة في الجامع الأزهر بدأت بخمسة وثلاثين طالباً سنة 378هـ (988م) كان جامع عمرو معقلاً للحديث والمذاهب السنية فقد بلغت حلقات التدريس فيه في نهاية القرن الرابع مائة حلقة وعشر حلقات يتزعمها أئمة الفقهاء والقراء وأهل الأدب والحكمة([64]).
أما الإسكندرية فإنها حقيقة تابعة مصر في نهوضها العلمي، وأنها منذ سكنها الحافظ السلفي سنة 511هـ (1117م) صارت مرحولاً إليها في الحديث والقراءات.
وثمة ميزة أخرى لها فإنها سبقت مصر في إنشاء المدارس للمذاهب السنية، فقد أنشى الوزير رضوان بن الولخشي سنة 532هـ (1137م) مدرسة للفقيه أبي الطاهر بن عوف. وكذلك أنشأ به العادل بن السلار وزير الخليفة الفاطمي الظافر مدرسة للحافظ السلفي سنة 546هـ (1151م).
وكان بها في العصر الفاطمي علماء أعلام محدثون ناصروا السنة وكانت الرحلة إليهم([65]). كما أن الحافظ السلفي دخل الإسكندرية وبها علماء أجلاء نشؤوا فيها وآخرون رحلوا إليها واستوطنوها، وكان لهم أثر كبير في نهضتها العلمية فأخذ عنهم وأخذوا عنه أذكر منهم ابن أبي مطر وابنه، فقد كانا من أجلة علماء الإسكندرية في القرن الرابع الهجري وسمع عليهما خلف بن محمد الخولاني المتوفى سنة 374هـ (984م). ومحمد بن ميسر فقيه الإسكندرية في النصف الأول من القرن الرابع الهجري، وعبد الرحمن بن عوف بن عمرو العلاف، سمع عليه عبيد بن محمد القرطبي المتوفى سنة 392هـ (1001م) ، وابن عباد الإسكندراني وكان من شعراء القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، ومن شعره:
| كأنه شمسة من فضة حرست | خوف الوقوع بمسمار من الذهب |
ومحمد بن الخمشي الإسكندري المتوفى في حدود الخمسمائة، ومن شعره في إنسان ينعت بعين الملك:
| ألا إن ملكاً أنت تدعي بعينه | جدير بأن يمسي ويصبح أعوراً | |
| فإن كنت عين الملك حقّاً كما ادعوا | فإن له العين التي دمعها جرى |
ومن شعره أيضاً:
| قال لي العاذل في حبه | وقوله زور وبهتان | |
| ما وجه من أحببته قِبلةٌ | قلت ولا قولك قرآن |
وابن مكنسة الإسكندراني إسماعيل بن محمد المتوفى في حدود الخمسمائة، وكان شاعراً رقيقاً وله أشعار كثيرة منها:
| يا رب عربيد إذا ما انتشى | أربى على المجنون في مسه | |
| قالوا لقد تاب ووالله ما | يتوب أو يجعل في رمسه | |
| وإنما توبته هذه | عربدة أيضاً على نفسه |
وأبو المنصور ظافر بن القاسم الإسكندري الشاعر المعروف بالحداد المتوفى سنة 529هـ (1134م)، ومن شعره:
| وكأنما الدولاب يزمر كلما | غنت وأصوات الضفادع شيز | |
| وكأنما القمري ينشد مصرعاً | من كل بيت واليمام يجيز |
وابن الفحام عبد الرحمن بن أبي بكر بن عتيق بن خلف الصقلي المقرىء المجود وله مصنفات في التجويد والقراءات السبع وكان من شيوخ القراء؛ سكن الإسكندرية وقصده الطلاب من شتى البلاد لعلو إسناده، توفي سنة 516هـ (1122م).
وسند الإسكندرية ابن الحطاب محمد بن إبراهيم الرازي ثم المصري المعدِّل الشاهد مسند الديار المصرية وشيخ الإسكندرية المتوفى سنة 525هـ (1130م). والإمام الطرطوشي محمد بن الوليد بن محمد بن خلف الفقيه الصوفي المالكي، كان عالماً زاهداً. حوَّل قسماً من داره إلى مدرسة فوفد عليه العلماء والطلاب مدة حياته إلى أن توفي سنة 520هـ (1126م). وأبو القاسم بن مخلوف المغربي ثم الإسكندري، أحد علماء المالكية تفقه به أهل الإسكندرية إلى أن مات سنة 533هـ (1138م). والحافظ المقدسي: أبو الحسن علي بن أبي المكارم الإسكندراني المالكي. كان فقيهاً فاضلاً من أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه. أدرك الحافظ السلفي وصحبه، وتوفي سنة 545هـ(1150م).
وصدر الإسلام أبو الطاهر إسماعيل([66]*) بن بكر بن عيسى بن عوف السكندري تفقه على الإمام الطرطوشي وسمع منه ومن أبي عبدالله الرازي، وكان إمام عصره في مذهب الإمام مالك، وعليه المعول في الفتوى، توفي سنة 581هـ (1185م) عن 96 سنة.
وفي هذا القدر كفاية وقد ذكرته للتدليل على انتعاش الحركة العلمية والحديث وعلوم القرآن قبل قدوم السلفي إليها «كل ذلك في عهد الفاطميين». وهذا ما سيعززه السلفي أيضاً بذكره من لقيه بها في أثناء دخوله الإسكندرية ومقامه بها.
الحافظ السلفي: أحمد بن محمد بن سلفة، الحافظ الكبير أبو طاهر بن أحمد السلفي الأصبهاني. كان إماماً حافظاً جليلاً واسع الرحلة ديّناً ورعاً ثبتاً فقيهاً لغوياً انتهى إليه علو الإسناد مع الحفظ والإتقان. قدم مصر واستوطن الإسكندرية سنة 511هـ (1117م)، (في عهد الفاطميين) فأفاد واستفاد وهرع إليه الطلاب للاستفادة من علمه، وأصبحت الإسكندرية كعبة المستفيدين يحج إليها العلماء من أقطار الأرض للأخذ عنه. وفي سنة 546هـ أنشأ له مدرسة العادل بن السلار أقام بها.
وفي سنة 576هـ (1180م) انتقل إلى رحمة الله وعمره 106 سنوات وقيل 98 سنة وقد وضع معجماً سماه معجم السفر رتبه على حروف المعجم. جمع فيه تراجم من لقيهم من العلماء بالإسكندرية أو من مر بها وقصده للسماع منه والأخذ عنه. ونسخة الأصل كانت في مكتبة شيخ الإسلام بالمدينة واستنسخ منها نسخة الشيخ عبد الحي الكتاني لمكتبته بفاس، ومنه نسخة بدار الكتب المصرية تنقص الأول والآخر مأخوذة بالتصوير الشمسي.
ومن هذا المعجم وقفنا على تراجم علماء أجلاء، وشعراء اسكندرانيين في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) زاملوا السلفي وتتلمذوا عليه، أذكر بعض الإسكندرانيين ومنهم من توطنوها: أبو الفتح بدر بن نمير بن يونان الأنطاكي المعروف بنصر. تفقه على مذهب الشافعي، وكان أديباً بارعاً وشاعراً مجيداً له ما يزيد على خمسين قصيدة، توفي سنة 547هـ (1152م). وأبو المعالي رافع بن يوسف بن زيدون القيسي، لازم الإمام السلفي عند بناء المدرسة العادلية وبعدها، وكان يعيد الدروس على أربعين من الصبيان، توفي سنة 551هـ (1156م). وأبو الرضا زيد بن محمد بن عبد الحميد بن الطرابلسي المجلد بالثغر. كان يشتغل بتجارة الكتب وتجليدها، وكان يحفظ كثيراً من الشعر وعنه أخذ السلفي. وأبو الحسن علي بن يوسف بن عبيد الكندي المطرز. كان شاعراً مجيداً ولازم السلفي إلى أن مات. وأبو محمد بن الحسن بن عشير العبدري النحوي. كان متصدراً في جامع الإسكندرية لإقراء القرآن وتدريس النحو. سمع السلفي كثيراً من شعره. والقاضي أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن حديد قاضي الاسكندرية. كان سنيّاً مالكي المذهب من أعرق أسر الاسكندرية وبيتهم بيت علم، توفي سنة 529هـ. وأبو محمد عبدالله بن سعيد بن خلف الخولاني الكتبي، كان حسن الخط وله ميل إلى الأدب وإلى الشعر ورسائل الكتاب، ويقول السلفي: كان لي به أنس تام واستفدت منه كثيراً، وجلد لي مجلدات ونسخ لي جزئيات. وأبو القاسم عبد الرحمن بن عبدالله بن صدقة الكاتب المصري: هو مصري المولد اسكندراني الموطن سمع على أبي العباس الرازي كثيراً، وكان محباً للحديث وأهله. لازم السلفي وسمع عليه. وأبو الحسن علي بن عبدالله بن أبي الأشيم، عالم جليل أمه من أسرة بني حديد قضاة الإسكندرية. صحب الأدباء وأنشد الشعر وكتب كثيراً من الكتب الأدبية ودواوين الشعر. اقتنى الكثير منها الحافظ السلفي واستفاد منه، توفي سنة 532هـ (1137م). وكان مالكي المذهب ومن أهل السنة. وأبو الحسن علي بن محمد بن علي الكتبي المعروف بابن الجيزي، يقول السلفي: سمعت أبا الحسن علي يقول: «فهرست أنا كتب أبي علي الحسن بن علي الحضرمي فبلغت 3742 مجلداً. وأبو محمد عبد العزيز إسماعيل بن بربك بن توهيب، وكان سنّياً مالكي المذهب وكان أديباً شاعراً. يقول السلفي أخذت عنه من شعر متأخري شعراء أبناء مصر كابن جيش وابن الدر وابن القلفاط وآخرين، توفي سنة 522هـ (1128م). وهو أخو عبد الوهاب بن توهيب الشاعر. وأبو الحسين المعروف بابن المفرّض. كان مقدم الشهود بالإسكندرية وقد نيف على التسعين حتى توفي في شعبان سنة 524هـ، يقول السلفي: إنه لازمني واستفدت منه. وهو ووالده من أسرة الصفراوي من أعيان الإسكندرية وعلمائها وكلهم مالكية من أهل السنة. وأبو محمد عبد الوهاب بن إسماعيل بن بربك بن توهيب الوراق، ولم يكن بين ورّاقي الإسكندرية وشعرائها أكبر منه سناً في وقته، وله أكثر من خمسين قصيدة، وتوفي سنة 547هـ. وابن العريف، شيخ من أهل البيوتات المشهورة بالإسكندرية. كان يجيد الرماية، وسمع على السلفي، وعلى غيره من علماء الإسكندرية. ويذكر ابن العريف أنه قرأ القرآن بروايات في صغره على أبي الحسن بن الملين البغدادي، وعلى أبي الربيع الأندلسي وابن مسلم الصقلي، وخلف السالمي، وتوفي في المحرم سنة 537هـ. وأبو الحسن علي بن يحيى الكتامي الجلالي المعروف بالناهض، وكان كبيراً، وكان يحفظ من أشعار متأخري الشاميين كثيراً، ورأى منهم شعراء بطرابلس. ولد بالإسكندرية وبها مات في آخر المحرم سنة 533هـ.
وأبو الحسن علي بن محمد بن علي بن الحسين بن يحيى الجيزي الكتبي. كان من أعرف الناس بالخطوط وأثمان الكتاب. يقول السلفي اشتريت منه كثيراً واستفدت منه فوائد أدبية. وسمعته يقول: سمعت أبا القاسم مكي بن محمد بن مروان النحوي يقول: سمعت القاضي أبا الحسين السيرافي بمصر يقول: بلغت كتبي المجلدة أحد عشر ألف مجلد وسبعمائة وعشرات، ومن المنشور ما إذا عولت على تجليده أردت ثلاثمائة دينار.
وأبو الحسن علي بن عبد الرحمن الصقلي العروضي، وكان من كتاب الإسكندرية وشعرائها ومن أعرف الناس بالخطوط وأثمان الكتب. اشترى منه السلفي كتباً كثيرة واستفاد منه فوائد أدبية.
وأبو المكارم هدية بن عامر بن فتوح الحضرمي المهندس. كان نابغاً في الهندسة وفنونها تلقى الحديث أيضاً على الحافظ السلفي.
من هذه التراجم ترى أن الحافظ السلفي قدم الإسكندرية وبها علماء أعلام أخذ عنهم وأخذوا عنه. ومنهم أسماء لامعة لسيدات نبغن في مختلف العلوم وفي فنون الأدب أذكر منهن: تقية بنت غيث بن علي الأرمنازي الصوري المدعوة: بست النعم. ولدت في المحرم سنة 505هـ بدمشق، يقول السلفي: لم تر عيني شاعرة قط سواها. لها شعر جيد، ومعان حسنة، وقد مدحتني بقصائد كثيرة.
وترفة بنت أحمد بن إبراهيم الرازي، من بيت علم، وهي عالمة ديّنة وتسمى أيضاً عائشة. قرأ عليها السلفي سنة 534هـ، وتوفيت بعدها بمدة قريبة.
والخفرة بنت المبشر، وتدعى: جديدة، سمعت بإفادة أبيها جماعة من شيوخ مصر وقرأ السلفي عليها، توفيت سنة 528هـ.
وخديجة بنت أحمد بن إبراهيم الرازي المدعوة: مليحة. أبوها محدث وأخوها محدث، وقد حدثت أختها كما حدثت هي. لها من أبي الوليد أبي محمد إجازة. قرأ عليها السلفي بالإسكندرية. أما أختها ترفة فليس لها سماع إلا من أبيها فقط، وقد توفيت سنة 526هـ.
ولما زار الاسكندرية سنة 641هـ(1243م) محمد بن يوسف سبط بن الجوزي وصفها بقوله:
«قدمت الإسكندرية فوجدتها كما قال تعالى: {ذَاتِ قَرَارِ وَمَعِينٍ} [المؤمنون: 50] معمورة بالعلماء معمورة بالأولياء. كالشيخ محمد الساري، والشاطبي. وأبي شامة. ووجدتها أولى بقول القيسراني في وصف دمشق:
| أرض تحل الأماني في أماكنها | بحيث تجتمع الدنيا وتفترق | |
| إذا شدا الطير في أغصانها وقفت | على حدائقها الأسماع والحدق |
وكذلك حدثنا علي بن ظافر عن مجالس الأدب وأدباء الإسكندرية وشعرائها في أواخر القرن السادس وأول السابع الهجري أحاديث ممتعة في كتابه «بدائع البدائه». ومنه وقفنا على نكت أدبية وأشعار طريفة أعطتنا فكرة ناضجة عن الأدب في الإسكندرية لا تسعني هذه العجالة لاستيفائها فليرجع إليها من أراد في كتابه المذكور.
ومنه عرفنا أسماء أدباء وشعراء عاصروه وأذكر منهم:
«أبو الحجاج يوسف المعروف بالنعجة. وشهاب الدين يعقوب. وأبو الحسن بن النبيه. وأبو القاسم بن نفطويه. والفقيه أبو ثابت بن حسن الكريوني. والأديب عبد المنعم بن صالح الحريري. والقاضي الأعز بن المؤيد. والقاضي المخلص أبو العباس أحمد بن يحيى بن عوف. والفقيه أبو الحسن علي بن الطوسي المعروف بابن السيوري وأبو الحسن بن علي الحصري. والعباس بن طريف الخراط الإسكندري.
قال ابن ظافر: «أخبرني ابن المؤيد رحمه الله قال: اجتمعت مع جماعة من أدباء أهل الإسكندرية في بستان لبعض أهلها، فحللنا روضاً تثنت قامات أشجاره، وتغنت قينات أطياره، وبين أيدينا بركة ماء كجو سماء، أو مرقعة مراء، فنثر عليها بعض الحاضرين ياسميناً زان سماءها بزواهر منيرة، وأهدى إلى لجتها جواهر نثيرة، فتعاطينا القول في تشبيهه، وأطرق كل منا لتحريك خاطره وتنبيهه، ثم أظهرنا ما حرَّرنا، ونشرنا ما حبرنا فأنشد العباس بن طريف الخراط الإسكندري:
| نثروا الياسيمن لما جنوه | عبثاً فاستقر فوق الماء | |
| فحسبنا زاهر الكواكب تحكي | زهر الأرض في أديم السماء |
وأنشد الأديب أبو الحسن علي بن سيف الدين الحصري:
| نثروا الياسمين لما جنوه | فوق ماء أحبب به من ماء | |
| فحكى زهره لنا إذ تبدى | زهر الشهب في أديم السماء |
قال، وكان الذي صغته:
| نثروا الياسمين في لجة الماء | فخلنا النجوم وسط السماء | |
| فكأن السماء في باطن الأر | ض أو الدرّ طفا فوق الماء |
قال: وسمع أبو عبدالله بن الزين النحوي القصة ولم يكن حاضراً معنا فقال:
| نثر الغلام الياسمين ببركة | مملوءة من مائها المتدفق | |
| فكأنما نثر النجوم بأسرها | في يوم صحو في سماء أزرق |
قال علي بن ظافر وسألني الأعز رحمه الله تعالى أن أصنع في مثله فصنعت:
| زهر الياسمين ينثر في الما | ء أم الزهر في أديم السماء | |
| أم هما مبسم شنيب شتيت | في رضاب الخريدة الحسناء | |
| ظل يحكي عقود در على صد | ر فتاة في حلة زرقاء | |
| وإذا خلته حباباً حسبت المـ | ـاء طيباً كالقهوة الصهباء |
ومن أعلام الإسكندرية ومن خيرة شعرائها ابن قلاقس نصرالله بن عبدالله بن مخلوف بن علي بن عبد القوي بن قلاقس الإسكندري. كان أديباً فاضلاً وشاعراً مجيداً. ولد بالإسكندرية سنة 532هـ ونشأ بها وقرأ على السلفي وسمع منه ومن غيره. توفي بعيذاب سنة 567هـ (1171م) ومن شعره:
| اشرب معتقة الطلا صرفاً على | رقص الغصون بروضة غناء | |
| من كف وطفاء الجفون كأنما | تسعى بنار أضرمت في ماء | |
| في سحر مقلتها وخمرة ريقها | شرك العقول وآفة الأعضاء |
وقال من قصيدة:
| عقدوا الشعور معاقد التيجان | وتقلدوا بصوارم الأجفان | |
| ومشوا وقد هزوا رماح قدودهم | هز الكماة عوالي المران | |
| وتدرعوا زرداً فخلت أراقماً | خلعت ملابسها على الغزلان |
وقد أحصيت إلى الآن تراجم لعلماء وأدباء إسكندرانيين أو توطنوا الإسكندرية ابتداء من النصف الثاني من القرن السادس إلى نهاية القرن الثامن الهجري بلغت نحو مائتين وخمسين ترجمة وما زلت أطلب المزيد منها. أذكر بعضاً منهم محمد بن الحسن بن زرارة أبو عبدالله الطائي. كان أديباً شاعراً نحوياً لغوياً. وكان مشرفاً على البيمارستان بالثغر وأميناً لمكتبة الجامع وله فيه حلقة لتدريس الأدب وتوفي في النصف الثاني من القرن السادس الهجري([67]).
وأبو عبدالله محمد بن عبد الواحد بن محمد المالكي الحضرمي قاضي الإسكندرية المتوفى سنة 589هـ. وأبو العباس القرطبي صاحب المفهم في شرح صحيح مسلم، الفقيه المحدث المدرس الشاهد بالإسكندرية توفي سنة 656هـ (1258م).
وشكر بن صبرة بن سلامة أبو الثناء العوفي السلمي الاسكندري، إمام مجود مصدر توفي بالاسكندرية سنة 608هـ (1211م).
وأبو الحسن الأبياري علي بن إسماعيل، أحد العلماء الأعلام وأئمة الإسلام. نبغ في علوم شتى، وفي الفقه والأصول، والكلام، تفقه بأبي الطاهر بن عوف، ودرس بالإسكندرية وانتفع به الناس وتتلمذ عليه ابن الحاجب النحوي وتوفي سنة 618هـ (1221م).
وأسعد الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن مقرب الحافظ التجيبي الإسكندراني المعروف بالجلال العدل تلميذ ابن المفضل. روى عن البوصيري وابن موقا وعنيَ بالحديث وكتب وخرج، وتوفي في صفر سنة 643هـ.
وابن عوف الفقيه رشيد الدين أبو الفضل عبد العزيز بن عبد الوهاب ابن العلامة أبي الطاهر إسماعيل بن مكي الزهري العوفي الإسكندراني المالكي سمع من جده الموطأ وتوفي سنة 647هـ.
وابن رواح المحدث، رشيد الدين أبو محمد عبد الوهاب بن ظافر الإسكندراني المالكي سمع من السلفي وطائفة من العلماء ونسخ الكثير وخرّج الأربعين وكان فقيهاً، توفي سنة 648هـ.
وتاج الدين بن غنوم الإسكندراني. من شعراء المائة السابعة، ومن شعره:
| لا غرو للأعين إن رقرقت | دموعها حين وداع السفر | |
| فالنور قد أصبح مستعبراً | وليس إلا لوداع السحر |
وجمال الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد المجيد بن إسماعيل بن عثمان الصفراوي الإسكندراني المالكي مفتي الإسكندرية ومقرئها، وتوفي سنة 636هـ (1238م).
وعبد الكريم بن عطاء الله أبو محمد السكندري. كان إماماً في الفقه والأصول والعربية تفقه على أبي الحسن الأبياري رفيقاً لابن الحاجب، وله تصنايف كثيرة منها شرح التهذيب ومختصر التهذيب ومختصر المفصل توفي سنة 612هـ (1215م).
والإمام أبو عبدالله محمد بن سليمان المعافري الشاطبي المقرىء الزاهد نزيل الإسكندرية، قرأ بالسبع، ونبغ في القراءات والتفسير. توفي بالإسكندرية سنة (672هـ/1273م).
ووجيه الدين منصور بن سليم المحدث الحافظ ابن العماد الإسكندري الشافعي محتسب الإسكندرية ومؤلف تاريخها، وتوفي سنة 674هـ (1275م).
وقاضي القضاة ناصر الدين أبو العباس أحمد بن منصور المعروف بابن المنير قاضي الإسكندرية. كان إماماً فاضلاً متبحراً في العلوم والأدب. تولى الخطابة أيضاً في الإسكندرية والتدريس في جامع الجيوشي وغيره توفي سنة 683هـ (1284م).
وعبدالله بن محمد النكزاوي السكندري. كان مقرئاً كاملاً. ألف كتاب الشامل في القراءات السبع توفي سنة 683هـ (1284م).
والمكين الأسمر عبدالله بن منصور الشيخ الإمام الإسكندري شيخ القراء بالإسكندرية. كان إماماً عالماً قدوة، أخذ القراءات عن أبي القاسم الصفراوي وتوفي سنة 692هـ.
وشيخ الإسكندرية ومحدثها تاج الدين علي بن أحمد بن عبد المحسن الإمام المحدث المتوفى سنة 704هـ (1304م).
ويحيى بن الصواف الإسكندري المالكي. قال الذهبي: رحلت إليه بالأسكندرية وقرأت عليه، توفي سنة 705هـ (1305م).
وتاج الدين الفاكهاني الإسكندري، كان فقيهاً عالماً صنف شرح العمدة وشرح الأربعين النووية توفي سنة 734هـ (1333م).
وجبهة بنت علي بن يحيى الأنصارية الصعيدية ثم الإسكندرانية، زين الدار، خرَّج لها ابن رافع مشيخة، توفيت سنة 732هـ (1331م).
وأحمد بن صالح بن حسن اللخمي أبو العباس الإسكندري شيخ الإسكندرية ومقرئها، كان موجوداً إلى سنة 785هـ (1383م).
ومحمد بن قاسم النويري المالكي الإسكندراني مؤلف كتاب الإلمام بما جرت به الأحكام المقضية في واقعة الإسكندرية.
ونرى الرحالة خالد بن عيسى البلوي، وقد زارها سنة 737هـ (1336م) وصفها وصفاً خلاباً ثم ذكر من لقيه وأخذ عنه من علمائها فقال:
«فأول من لقيته بها من الأئمة وحاملي الآثار والسنة الشيخ الفقيه الإمام قاضي المالكية وجيه الدين أبو زكريا يحيى بن عبدالله بن اللبان، سمعت عليه في منزله تآليف كثيرة وأجازني الإجازة التامة المطلقة العامة. والشيخ الفقيه العدل شرف الدين أبو البركات عمر ابن الشيخ الإمام العدل المرحوم فخر الدين شهاب الدين أبي محمد عبد الكريم بن عطاء الله السكندري لقيته وأجازني. وشرف الدين أبو العباس أحمد بن أبي الحسن الشهير بابن المصفى، لقيته بمنزله بالإسكندرية فسمعت وقرأت عليه وأجازني. والشيخ سديد الدين أبو عبدالله محمد ابن الشيخ عز الدين اللخمي الإسكندري المشهور بابن عطية، لقيته بمنزله وسمعت عنه الحديث الشريف، وأجازني إجازة تامة. والشيخ العالم المصنف نور الدين أبو الحسن علي بن يونس الهواري التونسي لقيته بالإسكندرية وسمعت عليه. والشيخ الفقيه شمس الدين أبو عبدالله محمد ابن مفتي المسلمين كمال الدين بن عبدالله محمد بن محمد القرشي الإسكندري حامل لواء العدل، لقيته بالإسكندرية فسمعت عليه وأجازني إجازة تامة مطلقة. والفقيه المحدث تقي الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عرام الربعي الشافعي سبط أبي الحسن الشاذلي».
ومن وصف البلوي علمنا أن تحصيل العلم تعدى المدارس والمساجد إلى دور العلماء، ورغم ضياع المعالم الأثرية بالإسكندرية فقد وقفنا على أسماء مدارس ومساجد أخرى كانت مراكز تحصيل أنشئت في القرنين السابع والثامن الهجري أذكر منها:
دار الحديث التكريتية «مسجد أبي علي» بشارع البلقطرية قسم الجمرك. أنشأ هذه المدرسة عبد اللطيف بن رشيد بن محمد بن رشيد الربعي التكريتي، نزيل الإسكندرية، سمع من النجيب جزء بن عرفة وحدث. وله نظم رقيق وكتابة جيدة، توفي سنة 714هـ (1314م). وقد خصصها لدراسة الحديث الشريف والفقه على مذهب الشافعي.
وقد تجددت المدرسة وحولت إلى زاوية بسيطة في القرن الثاني عشر الهجري واحتفظت باللوحة التذكارية لتأسيسها ونصها:
«بسم الله الرحمن الرحيم، {وَأَنَّ آلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ آللَّهِ أَحَداً} [الجن: 18]، أوقف هذا المسجد المبارك ودار الحديث العبد الراجي رحمة ربه عبد اللطيف بن رشيد التكريتي لتلاوة الكتاب العزيز وقراءة الأحاديث النبوّية وطلب العلم الشريف على مذهب الإمام أبي عبدالله محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه في شهر المحرم سنة ثمان وسبعين وستمائة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه».
دار الحديث النبيهية: وكان بالإسكندرية دار حديث ثانية عرفت بدار الحديث النبيهية تولى مشيختها بعد أخيه العلامة إبراهيم بن عبد المحسن الغرافي الإسكندري المتوفى سنة 704هـ (1304م).
وعلى هذا تكون الإسكندرية قد امتازت بوجود داري حديث بها في القرن السادس الهجري في الوقت الذي كان في القاهرة دار حديث واحدة هي التي أنشأها الملك الكامل محمد بن الملك العادل سنة 622هـ (1223م).
رباط الواسطي: هذا الرباط شرقي مسجد أبي العباس المرسي، وقد تجدد، وهو الآن عبارة عن زاوية صغيرة ملحقة بها، من الجهة القبلية قبة بسيطة يتوسطها قبران، أمام الشرقي منهما لوح رخامي مكتوب فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على النبي (ص)، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ آلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ آلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 185] ـ الآية ـ توفي الشيخ السعيد الأمين المفضل المرتضى أطكين شهاب الدين أبو علي منصور ابن الشيخ السعيد الأمين أبو الفتوح نصر ابن الشيخ أبي الفضل جعفر الواسطي القاضي العدل. ليلة الجمعة رابع شهر شعبان الشريف سنة اثنتين وسبعين وستمائة، رحمه الله تعالى ونور ضريحه».
رباط سوار ـ أقام به أبو عبدالله محمد بن سليمان الشاطبي المتوفى سنة 672هـ (1273م).
رباط الهكاري ـ أنشأه محمد ابن الأمير زين الدين أبي المفاخر باخل بن عبدالله الهكاري الإسكندري متولي ثغر الإسكندرية. وكان أديباً عالماً توفي سنة 683هـ (1284م) ودفن عند رباطه خارج باب رشيد.
خانقاه بيليك المحسني:
أنشئت هذه الخانقاه في نهاية القرن السابع الهجري وتولى مشيختها العلامة موسى بن أحمد بن محمود الأقصري المتوفى سنة 740هـ (1340م).
هذه إلمامة موجزة عن النهضة العلمية في الإسكندرية، وهي نهضة مغمورة، على أنه لم يكد ينتهي القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) حتى ركدت الحركة العلمية وزايلها نشاطها، فلم نعد نسمع ذكر الإسكندرية إلا عند نفي أمير أو مملوك إليها. ثم توالت عليها الحادثات ما بين إهمال واضطراب وتخريب.
حسن عبد الوهاب
الحملات الفاطمية الأولى على الإسكندرية
شن الفاطميون عدة حملات عسكرية على مصر وركزوا جهودهم عليها حتى تم فتحها، وأولى هذه الحملات كانت سنة 301هـ 915م، بقيادة أبي القاسم ولي عهد عبيدالله المهدي. وكانت هذه الحملة برية وبحرية وتمكن من دخول الإسكندرية سنة 302هـ/916م، قال الطبري عنها: «وفيها دخل حباسة صاحب ابن البصري([68]) الإسكندرية وغلب عليها وذكر أنه وردها في مائتي مركب في البحر…». ثم ذكر المؤلف مقاومة العباسيين لهذه الحملة بقوله: «وفيها شخص مؤنس الخادم إلى مصر لحرب حباسة وقوي بالرجال والسلاح، والمال»([69])، فهذا يدل من جهة أخرى على مدى الحزم الذي واجه به الخليفة العباسي المطيع لله (334 ـ 363هـ/946 ـ 974م) الموقف، وكلف أشهر رجال دولته هو مؤنس بمدافعة جيش الفاطميين وجهزه تجهيزاً قوياً. كما يدل على أن جيش مصر غير قادر على رد الهجوم الفاطمي. وذكر أيضاً أن الهزيمة حلت بجيش الفاطميين بسبب خلاف حدث بين أفراده، وبلغ عدد الأسرى والقتلى في صفوفه سبعة آلاف. وقد طلب حباسة من عامل العباسيين أن يدخل عليه مصر بالأمان فامتنع من ذلك([70]).
كما يستفاد مما ذكره المؤلف أيضاً أن حباسة كان هو القائد العام لجيس الفاطميين. ولكن هناك من ذكر بأن أبا القاسم([71])، هو الذي قاد هذه الحملة وأنه فتح في طريقه طرابلس وبرقة، وأخذ منهما أموالاً كثيرة([72]). وعلى هذا فإننا نستنتج بأن أبا القاسم كان القائد العام، لأنه يستبعد أن يسند عبيدالله المهدي قيادة جيشه لشخص آخر لم يتأكد بعد من كفاءته وإخلاصه. وأن حباسة كان قائد الجيش البحري، خصوصاً وأن الطبري ذكر في النص السابع أنه ورد الإسكندرية في مراكب بحرية.
وهناك من ذكر بأن أبا القاسم ملك الإسكندرية، وخطب فيها خطباً كثيرة أن الخليفة العباسي استنفر أجناد الشام لقتاله. كما رتب علي بن عيسى الوزير الجمازات([73])، لنقل أخبار تلك الحرب بصورة دورية بين مصر وبغداد مما يدل على مدى العناية التي أولاها الخليفة العباسي لهذه الحرب، وقد كانت حالة مصر المالية في هذه الفترة سيئة فبعث إليها أموالاً كثيرة على مائتي جمازة([74]). ونستخلص من هذا أيضاً أن عبيدالله المهدي لم يغز مصر إلا بعدما عرف سوء أوضاعها المالية وضعف قوتها العسكرية.
أما عدد جيش الفاطميين في هذه الحملة فهناك روايتان بشأنه، فحسبما ذهب إليه الكندي فإنه بلغ مائة ألف أو أكثر. ولكن السيوطي ذكر أنه بلغ أربعين ألفاً وأنه أراد اقتحام مصر، فحال النيل بينه وبينها، فعاد إلى الإسكندرية فملكوها كما ملكوا الفيوم([75]).
ويبدو أن ما ذكره السيوطي في هذه النقطة أقرب إلى الصحة لأن عدد الجيش الذي ذكره يتناسب مع إمكانيات الخلافة الفاطمية الحديثة العهد، بالإضافة إلى بعد المسافة بين القيروان ومصر، وصعوبة الطريق وإن كان الكندي عاصر هذه الأحداث في مصر بالذات، ولكنه يتحيز للعباسيين ولذا يحتمل أنه بالغ في ذكر عدد جيش الفاطميين حتى يظهر الجيش العباسي بمظهر الشجاعة والبطولة. حيث انتصر على خصومه رغم كثرة عددهم.
لقد جرد عبدالله المهدي حملة عسكرية ثانية على مصر، أيضاً سنة 306هـ/920م، فقصدت الإسكندرية، واشتبكت فيها مع الجيوش العباسية في جمادى الآخرة سنة 307هـ/921م، وذكر الكندي أحداثها بقوله: «وأقبلت مراكب صاحب إفريقية قاصدة الإسكندرية عليها سليمان الخادم… وأسرهم ثمل وقتل خلقاً كثيراً واستأمن إليه من بقي ودخل بهم الفسطاط… فأمر تكين بتمييز الأسرى فأطلق أهل القيروان وطرابلس، وبرقة، وميز كتامة، وزويلة ناحية، ثم أذن للناس في قتلهم… كان عدد القتلى سبعمائة أو نحو ذلك. ودخل ثمل الفسطاط، ومعه سليمان فطيف به مقيداً وبرؤساء المراكب وهم مائة وسبعة عشر»([76]). وقد وقف الخليفة العباسي المقتدر من هذه الحملة الفاطمية موقف الحزم والجد أيضاً، فهو الذي شيع قائد جيشه بنفسه وبمحضر كبار رجال دولته لمحاربة خصومه. وبلغ عدد القتلى من الطرفين ثمانية آلاف. ولكن الخسائر التي لحقت بجيش الفاطميين كانت أكثر من خسائر غيرهم بسبب الوباء الذي حلّ بهم زيادة على من قتل منهم([77]). وقد دعا أبو القاسم أهل مكة للدخول في طاعته فأجابوه بقولهم: «إن لهذا البيت رباً يدفع عنه ولن نؤثر على سلطاننا غيره»([78]).
إن هذه الحرب امتازت عن سابقتها بتبادل الطرفين لمكاتبات تضمنت مهاترات وشتائم فقد اتهم أبو القاسم أهل المشرق بالغفلة وقلة الفهم لانقيادهم إلى العباسيين الظلمة المستبدين ودعاهم إلى الثورة عليهم. فرد عليه العباسيون ـ ظلماً ـ بالطعن في نسبه واتهموه بالكفر والإلحاد، وقتل المسلمين وانتهاك حرماتهم وحرق القرآن وتحريف ما فيه…([79])، ولا شك أن هذا يدل على أن الحرب بين الطرفين في هذه المرة أخذت مظهرين: مظهراً يتمثل في الحرب الحقيقية ومظهراً آخر يتمثل في حرب الدعاية والجاسوسية.
إن جيوش الفاطميين في هذه الحملة الثانية كانت برية وبحرية أيضاً حيث ذكر ابن الأثير أن جيوشهم البرية وصلت الإسكندرية في ربيع الآخر سنة 307هـ/921م، بقيادة أبي القاسم الذي فرَّ أمامه عامل العباسيين المطفر بن ذكا([80]). ثم وصلت نجدة بحرية من المغرب تشتمل على ثمانين مركباً، وقد سيطر المغاربة على الإسكندرية ودخلوا الجيزة وملكوا الأشمونين وبعض الصعيد مما يدل على أن مفعول هذه الحملة كان أكثر من التي قبلها ولكن المقتدر أمر بتسيير خمسة وعشرين مركباً بحرياً من طرسوس فيها النفط، فالتقت بمراكب الفاطميين على رشيد واشتبكت معها وأحرقت الكثير منها، كما قتل عدد كبير من بحارتها. وربما يرجع الفضل في انتصارها إلى استعمالها لسلاح النفط الذي لم يكن متوفراً لدى الخصم. وللمرة الثانية ينتصر مؤنس الخادم، ويلقب بالمظفر([81]).
وهناك من ذكر بأن عدد سفن الفاطميين في الحملة الثانية على مصر بلغ مائة مركب، وأن عدد سفن العباسيين بلغ خمسين مركباً بقيادة ثمل الخادم([82]).
وبالغ البعض في ذكر عدد جيش عبيدالله المهدي([83])، في الحملة الثانية على مصر بقوله: «وكان جيش القائم في الدفعة الأخيرة خمسمائة ألف فعرضه عند رجعته فوجده خمسة عشر ألفاً أفناهم الجوع والقتل والوباء»([84]). ولا شك أن هذا العدد مبالغ فيه كثيراً ليس من السهل على الفاطميين أن يجندوا نصف مليون جندي. ففي الحملة الأولى التي كان عدد سفنها مائتي سفينة يرجح أن عدد جيشها بلغ أربعين ألفاً بينما هذه الحملة الثانية من الراجح أن عدد سفنها نحو مائة وعشرين سفينة، لأن الكندي ذكر أن رؤساء المراكب الأسرى من بحارة الفاطميين بلغ مائة وسبعة عشر([85]). ويبلغ جيشه العدد الهائل، والمفروض ـ حسب هذا الرأي ـ أن يكون عدد سفن الفاطميين في هذه الحملة أكثر من الأولى بكثير حتى ينسجم مع هذا العدد الضخم من الجيش ـ وفي الوقت الحاضر ـ رغم تنوع الطرق والمواصلات وسهولتها ـ فمن الصعب جداً على دولة في مستوى الفاطميين آنذاك أن تجهز مثل هذ العدد الهائل وهي في بداية عهدها. ولما توفي عبيدالله المهدي، بادر خليفته أبو القاسم، وبعث حملة ثالثة بقيادة أحد رجاله المسمى زيدان وبالغ في النفقة على جيشها الذي بلغ عدده خمسة عشر ألفاً، ودخلوا الإسكندرية للمرة الثالثة ولكن محمد الإخشيد جهز جيشاً كثيفاً تمكن من قهرهم فعادوا من حيث أتوا مفلولين([86]).
ويبدو أن قصد أبي القاسم من إرسال هذا الجيش أنه أراد أن يظهر لخصومه بأن الدولة الفاطمية لا تزال قوية بحيث لم تتأثر بوفاة أول خلفائها لأننا نراه في نفس الوقت يبعث حملة عسكرية ضد الروم بقياد يعقوب بن إسحاق، وحملة إلى المغرب لإخضاع الثائرين بقيادة ميسور الفتى([87]).
وبعد حملة أبي القاسم هذه نلاحظ أن الحملات العسكرية الفاطمية تتوقف على مصر لمدة ثلاثين سنة تقريباً، وذلك بسبب تصدع الجبهة الداخلية وانشغال الفاطميين بإخماد الثورات المختلفة بحيث استأنف المعز هذه السياسة بعد منتصف القرن الرابع الهجري، حينما أقر الأمن وأخضع الثائرين واستمالهم إليه.
وبالرغم من فشل محاولات الفاطميين العديدة لفتح مصر فقد كانت لها فوائد متنوعة حيث عملت على تعميق الدعوة الفاطمية بين أهلها لأنهم كانوا يدمجون في صفوف جنودهم دعاة لنشر المذهب. كما أن تلك المحاولات العسكرية العديدة كانت بمثابة حملات استطلاعية أفادتهم كثيراً في تدريب جيوشهم على معرفة الطريق، والتعود على جو الصحراء القاسي. كما أفادتهم من حيث الاطلاع على أوضاع مصر وأخلاق أهلها وعاداتهم. ووجد قبل فتحها أتباع كثيرون بين مختلف طبقات المجتمع يدينون بالطاعة للخلافة الفاطمية([88]).
وبإمكاننا أن نعتبر عدم استقرار أمور الفاطميين أول الأمر في المغرب كان في مقدمة العوامل التي أخرت فتح مصر، الأمر الذي جعلهم مشغولين بإخماد الثورات والقضاء على الفتن التي تظهر في مختلف مناطقه بحيث لم يوجهوا كل جهودهم لفتحها. وقد كانوا يدركون خطر بقائهم معزولين في بلاد المغرب، وكذلك خطر اعتمادهم على المغاربة ولذا بدؤوا يسعون لفتحها من بداية عهدهم ـ كما ذكرنا ـ وركزوا على هذه الناحية أكثر من غيرها ولكن لم يتم لهم ذلك إلا في آخر عهد المعز([89]).
إن المحاولات العسكرية العديدة التي بذلها الفاطميون خلال ستين سنة تقريباً تكللت أخيراً بالنجاح وتمكن الخليفة الرابع ـ المعز لدين الله ـ أن يجني ثمار ذلك الكفاح الطويل الذي بذله أسلافه في هذا المجال.
لقد بدأت أوضاعها الاقتصادية تتدهور منذ سنة 351هـ/962م، حيث توالت عليها سنوات عجاف قل فيها ماء النيل وانخفض المنتوج الزراعي ونقصت الغلات وازدادت الأزمة الاقتصادية حدة وتفاقماً فانتشر القحط وغلت الأسعار وتفشت الأمراض والأوبئة، حيث أودت بحياة الكثيرين حتى عجز الناس عن تكفين موتاهم على ما يذكر. وقد قيل بأن عدد الموتى بلغ ستمائة ألف شخص([90]). وعبر البعض عن تردي أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، التي كانت في صالح الفاطميين بقوله: «وكأن البلاد وقد أصبحت بين محن مالية وفتن أهلية بدأت تستدني الجيش الفاطمي رويداً، وما هي إلا كرة الطرف حتى وجه المعز جوهراً بالسيف والذهب كما يقولون»([91]). أما من الناحية السياسية فإن وضعها أيضاً كان على أسوأ ما يكون وفسدت العلاقة بين الإخشيد واليها والخليفة العباسي، وذلك بسبب تصرفات ابن رائق القاسية مع الإخشيد، مما دفع بالأخير إلى التفكير في قطع الخطبة للخليفة العباسي، وإقامتها للمعز كما يرى البعض([92]). كما أن العلاقة فسدت من قبل بين علي بن الإخشيد وبين كافور إذ منع الإخشيد كافوراً من الاجتماع به ولم يطل العهد بعلي بن الإخشيد وتوفي فعين الخليفة العباسي المطيع سنة 335هـ/966م، كافوراً([93]) الإخشيدي على مصر، فاستقر بها ودعا له على منابرها، وقد كان كافور حازماً شجاعاً ذكياً، فتمكن من ضبط أمورها ورد خطر المعز عنها في السنة التي تولى فيها ولكن لم يطل به العهد وتوفي، فارتقى عرشها أحمد بن علي بن الإخشيد الذي كان صغير السن حيث لم يتجاوز عمره إحدى عشرة سنة([94]). أو اثنتين وعشرين سنة([95]). ويرجح الرأي الأول لأنه لو كان عمره اثنتين وعشرين سنة لما اعتبر صغير السن. فازدادت الأوضاع سوءاً وتردياً وقد كان شيعة المعز يكاتبونه من مصر قائلين: «إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المشرق والمغرب» ويقصدون بالحجر الأسود كافوراً، وبالفعل لما توفي ازدادت أوضاعها سوءاً ولم يبق من تجتمع عليه القلوب بها فكتب شيعة المعز إليه يطلبون منه القدوم لأخذها([96]).
هذا ولم تكن الأوضاع الاجتماعية أحسن حالاً من بقية الأوضاع الأخرى، حيث سادت اللامبالاة وانتشر الفساد والانحلال، وانقسم الأهالي والجند بين كافورية وإخشيدية، وعباسية، وضعفت نفوس الرجال وكلت هممهم وخارت العزائم.
ومن جهة أخرى فإن خطر القرامطة استفحل في هذه الفترة حيث أغاروا على مناطق من الشام منذ سنة 352هـ/963م، وأخذوا يخربون وينهبون، ويعيثون في الأرض فساداً فعجز الإخشيد عن صدِّ هجوماتهم نظراً لسوء أحوال مصر الداخلية وضعف إمكانياتها الاقتصادية والعسكرية، فملكوا دمشق، سنة 357هـ/968م، وتعطل طريق الحج في هذه السنة لانعدام الأمن وبالإضافة إلى ذلك ازدياد خطر البيزنطيين ببلاد الشام خاصة في حمص وأنطاكية منذ سنة 358هـ/969م، وقد كانت بلاد الشام تابعة إلى مصر وبذلك نلاحظ مدى كثرة المشاكل الداخلية والخارجية في هذه الفترة([97]). وفي نفس الوقت كانت أوضاع دولة المعز، في حالة استقرار اقتصادي وسياسي حيث استتب الأمن وخمدت نار الثورات وامتد نفوذه على كامل بلاد المغرب بحيث نرى أن أيام دولته في إقبال وأيام دولة الإخشيديين في تقهقر وإدبار.
وزيادة على ما تقدم فهناك من تواطأ من المصريين مع المعز وتعاون معه على فتح مصر ومما ذكره القلقشندي بهذا الصدد أن شخصاً اسمه محمد ويدعى مسلماً([98]). كان في مقدمة المتعاونين مع المعز على فتح مصر، ونص ذلك: «ولما اختل أمر الإخشيدية دعا مسلم هذا ـ واسمه محمد ـ للمعز صاحب إفريقيا يومئذ ولما قدم المعز إلى الديار المصرية تلقاه مسلم بالجمال بأطراف برقة… فأكرمه وأركبه معدلاً له واختص به إلى أن توفي([99]).
وبالإضافة إلى الأوضاع المتردية التي كانت لصالح دولة المعز، فإنه استعد الاستعداد الكافي للقيام بهذا العمل كما ذكرنا([100]). كما أنه أعطى لحملة جوهر على مصر صبغة خاصة وعناية كبيرة فبالغ في احترام جوهر وقادة جيشه، حيث أمر أولاده وإخوته وولي عهده وكبار رجال دولته بالترجل له والخضوع بين يديه، والمشي في خدمته، ولم تقتصر هذه الحملة على الجيش البري فقط، بل شارك فيها الأسطول البحري أيضاً حيث لعب دوراً هاماً في ميدان التموين بصفة خاصة([101]).
ومن خلال ما تقدم تتجلى لنا المحاولات العديدة التي قام بها الفاطميون من أجل فتح مصر والتي استغرقت ما يقرب من ستين سنة، والمجهودات التي بذلوها في هذا السبيل مالية وبشرية من حيث تجنيد الجيوش الجرارة وتجهيزها بمختلف المعدات الحربية اللازمة وتمويلها بالأموال الطائلة. ومن هنا نرى أيضاً مدى العلاقة الموجودة بين سياستهم الداخلية وسياستهم الخارجية.
ويزعم ابن كثير أن المعز «دخلها بلا ضربة ولا طعنة ولا ممانعة»([102]). ولكن هذا الرأي لا يخلو من مبالغة، لأنه ذكر أكثر من واحد من المؤرخين بأن جيش المعز وجد مقاومة ولكنها كانت ضعيفة ولا يعقل أن يتم القضاء على جهاز دولة من الخارج بدون أن تقع حرب ويسقط في الميدان قتلى وجرحى، وقد أقيمت الدعوة للمعز رسمياً بعد فتحها كما أقيمت له الدعوة في نفس السنة بالمدينة المنورة([103]). وهذا يدل على أن الجو كان مهيأ لذلك من قبل.
مرمول محمد الصالح
تفاصيل أخرى
لو أن مصر في سنة 358هـ، كانت من القوة كما كانت في عهد أحمد بن طولون (254 ـ 270هـ)، أو في عهد محمد بن طغج الإخشيد (323 ـ 334هـ)، لما استطاع الفاطميون فتحها على يد جوهر الصقلي. والواقع أن الضعف قد بدأ، منذ وفاة الإخشيد في سنة 334هـ، يتطرق إلى الدولة الإخشيدية؛ فقد استبد كافور بالأمور دون ولدي الإخشيد، أبي القاسم أنوجور (334 ـ 349هـ)، وأبي الحسن علي (349 ـ 355هـ). ومع ذلك استطاع كافور أن يقضي على الثورات التي قامت في ذلك العهد (334 ـ 355هـ)، كما انتصر الحمدانيون في الشام.
ولم يكد كافور يستقل بحكم مصر وما يليها من البلاد في سنة 355هـ، حتى أخذ المعز لدين الله الفاطمي يعد العدة لفتح مصر. وساعده على ذلك ما ساد هذه البلاد من الاضطراب، فانقسم الجند على أنفسهم إلى فريقين: فريق الإخشيدية، الذين يناصرون بيت الإخشيد؛ وفريق الكافورية، الذين يتشيعون لكافور؛ فأرسل المعز «عسكره من المغرب إلى الواحات، فجهز (كافور) إليه جيشاً أخرجوا العسكر وقتلوا منهم»([104]). كما اجتاحت المجاعة مصر، وطمع القرامطة في بلاد الشام، فهاجموها مرتين (في سنتي 353هـ، 357هـ)، وقد أدرك كافور قبل موته (جمادى الأولى سنة 357هـ)، ما أصاب البلاد من نكبات؛ فقد «اشتد الغلاء وفشا الموت في الناس، حتى عجزوا عن تكفينهم ومواراتهم. وأرجف بمسير القرامطة إلى الشام، وبدت غلمانه تتنكر له([105])، لعدم دفع رواتبهم، وطمع أحد أمراء النوبة في مصر الجنوبية فغزاها، حتى وصل إلى إخميم ولم يجد من يقف في وجهه، وعاد إلى بلاده، محملاً بالأسلاب والغنائم.
وقد استمرت هذه الحالة السيئة بعد وفاة كافور، واضطربت أحوال مصر السياسية؛ فلم يكن للخليفة العباسي المطيع (334 ـ 363هـ) من القوة بحيث يستطيع أن يولي على مصر من يشاء. «لذلك اجتمع رجال البلاط الإخشيدي لاختيار شخص تتفق ميوله مع مشاربهم، فوقع الاختيار كما يقول المقريزي([106])، على أبي الفوارس أحمد بن علي الإخشيد، ولم يكن قد تجاوز الحادية عشرة من عمره، وجعل الحسن بن عبيدالله بن طغج ولي عهده وخليفته».
غير أن الحسن بن عبيدالله لم يبق بمصر طويلاً، وعاد إلى بلاد الشام بعد أن حاول الاستبداد بالأمور، وقبض على الوزير جعفر بن الفرات([107])، وترك مصر تنعي أهلها، وتنتابها المصائب، فقد ظلت بعد خروجه منها مسرحاً للفوضى مدة خمسة شهور، حيث وضعت إدارتها في قبضة الوزير ابن الفرات، فلم يستطع أن يخفف المصائب عنها، وعجز عن دفع رواتب الجند، وتفاقمت الثورات، وتمنى الأهالي الخلاص مما هم فيه». ومن ثم سنحت الفرصة لخليفة المعز، لضعف الجنود المصرية، وانقسامهم عى أنفسهم. وقيامهم في وجه حكامهم، وخاصة الوزير ابن الفرات، وميل كثير منهم إلى المبادىء الشيعية. واعتقد الخليفة الفاطمي أن أهالي هذه البلاد لن يقاوموه، بسبب البؤس الذي أصبحوا فيه. هذا إلى أن العباسيين كانوا في حالة من الضعف والاضطراب، بحيث لا يستطيعون إنقاذ مصر، أو إمدادها بالرجال والمال. لهذا لا نعجب إذا نجح جوهر في فتح مصر نجاحاً منقطع النظير. فلم يفقد كثيراً من رجاله، أو تعترضه أية عقبات.
وقد أدرك المعز سوء هذه الحال، فعبر عنها خير تعبير، في هذه العبارة التي وجهها إلى زعماء المغرب، فقال: «والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر؛ ولتدخلن مصر بالأردية من غير حرب، ولتنزلن في خرابات ابن طولون، وتبني مدينة تسمى القاهرة، تقهر الدنيا»([108]). ولا بد أن يكون عيون المعز قد أخبروه بهذه الحالة السيئة التي كانت سائدة في مصر. أضف إلى ذلك أن المعز كان يعني كثيراً بفتح مصر، ويستطلع أخبارها. يدل على ذلك تلك القصة الممتعة التي أوردها المقريزي([109])، ومنها نرى مدى شغف هذا الخليفة الفاطمي باستطلاع أحوال مصر، وما وصلت إليه من فساد اجتماعي. «ووجهت أم الأمراء (زوجة المعز) من المغرب بصبية ربتها لتباع في مصر، فطلب الوكيل فيها ألف دينار. فجاءت امرأة شابة على حمار، فلم تزل حتى اشترتها بستمائة دينار. وقيل له: يا مغربي بنت الإخشيد اشترت الجارية تتمتع بها، وهي ست كافور. فلما عاد أخبر المعز بذلك؛ فأمر بإحضار الشيوخ والرجال، فحدثهم بخبر الجارية، ثم قال: يا إخواننا! انهضوا إليهم، فلن يحول بينكم وبينهم شيء، وإذا كان القوم قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات ملوكهم تخرج وتشتري لنفسها جارية تتمتع بها، فقد ضعفت نفوس رجالهم، وذهبت الغيرة منهم؛ فانهضوا بنا إليهم، فقالوا: السمع والطاعة! فقال: خذوا حوائجكم، فنحن نقدم الاختيار لمسيركم إن شاء الله».
وفي الحق أن أهل مصر، لم يكونوا يبغضون المذاهب الشيعية، بل كانوا يرحبون بالفاطميين، أبناء علي وفاطمة، ترحيباً حاراً، ويؤثرونهم على العباسيين، كما أن حالتهم الاقتصادية والإدارية كانت تتطلب تغييراً شاملاً. ولذلك رأى كثير من المصريين أنهم قد يجدون تحت حكم الفاطميين ما لم يجدوه في عهد العباسيين.
قوة الدولة الفاطمية
أفاد المعز لدين الله من تجارب الماضي، فعمل على أن لا يرتكب ما وقع فيه آباؤه من أخطاء حين حاولوا فتح مصر. ولذلك نراه يغمر البلاد المصرية بخيرة دعاته وجواسيسه، ويستميل إليه أصحاب الجاه والنفوذ فيها. ولما كان يدرك بعد الشقة بين بلاد المغرب ومصر، أعد للأمر عدته، وبدأ في إعداد حملته منذ 356هـ (967م)، فأقام الطرق وعبّدها بين تونس ومصر، وحفر الآبار، وأنشأ النزل على طول الطريق. كما أعد الأموال الضخمة للإنفاق على حملته، وأجزل العطايا والمنح للمغاربة، ولا سيما الكتاميين الذين كانوا العنصر الرئيس في هذه الحملة([110]).
ولم تكن الحملة التي سيرها المعز إلى مصر في سنة 356هـ، والتي استولت على واحة سيوة المصرية، ترمي إلى فتح مصر نفسها، وإنما كانت بمثابة حملة استطلاعية، لارتياد هذا الطريق، والوقوف على مدى صلاحيته لمسير حملة جوهر الكبرى، التي عول المعز على إرسالها بعد قليل، أي في سنة 357هـ.
وقد رغب المعز في أن يبعث في نفوس أشياعه من البربر الأمل، ويبين لهم الطرق القويمة التي يجب أن يسلكوها ليحققوا آمالهم كاملة، وبرهن لهم على أنه يصل ليله بنهاره لتحقيق أمنية تملك عليه نفسه، هي نشر نفوذه المذهبي والسياسي في بلاد المشرق. ومن ثم جعل يحثهم على النظام والتكاتف في نصرة الدين والدولة، حتى ينشر السلام ألويته على ربوع بلاده، وجعل يبين لهم أنه مشغول بشؤون المشرق، بقدر ما هو مشغول بشؤون المغرب.
وهكذا أعد المعز أشياعه المغاربة لحملته على مصر، وأمرهم بالتزام الهدوء بعد خروج جيشه إلى هذه البلاد وبشرهم بفتح المشرق. يتضح ذلك من هذه الوثيقة التي أمدنا بها المقريزي: «واستدعى (أي المعز)، وهو بالمنصورية، في يوم شات، بارد الريح، عدة شيوخ من شيوخ كتامة، وأمر بإدخالهم إليه، من غير الباب الذي جرى الرسم به. فإذا هو في مجلس مربع كبير، مفروش باللبود على مطارح، وحوله كساء، وعليه جبة، وحواليه أبواب مفتحة تفضي إلى خزائن كتب، وبين يديه مرفع ودواة، وكتب حواليه، فقال: يا إخواننا! أصبحت اليوم في مثل هذا الشتاء والبرد، فقلت لأم الأمراء، وإنها الآن بحيث تسمع كلامي: أترى إخواننا يظنون أنا في مثل هذا اليوم نأكل ونشرب، ونتقلب في المثقل والديباج والحرير والفنك والسمور والمسك والعنبر والغناء. كما يفعل أرباب الدنيا؟ ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضركم، لتشاهدوا حالي إذا خلوت دونكم، واحتجبت عنكم. وإني لا أفضلكم في أحوالكم إلا فيما لا بد منه من دنياكم، وبما خصني الله به من إمامتكم. وإني مشغول بكتب ترد علي من المشرق والمغرب، أجيب عنها بخطي. وإني لا أشتغل بشيء من ملاذ الدنيا، إلا بما صان أرواحكم وعمر بلادكم، وأذل أعداءكم، وقمع أضدادكم. فافعلوا يا شيوخ في خلوتكم مثل ما أفلعه، ولا تظهروا التكبر والتجبر، فينزع الله النعمة عنكم، وينقلها إلى غيركم. وتحننوا على من وراءكم ممن لا يصل إلي، كتحنني عليكم، ليتصل الجميل، ويكثر الخير، وينتشر العدل. وأقبلوا بعدها على نسائكم، وألزموا الواحدة التي تكون لكم، ولا تشرهوا إلى التكثير منهن والرغبة فيهن، فينتقص عيشكم، وتعود المضرة عليكم، وتنهكوا أبدانكم، وتذهب قوتكم، ويضعف تمايزكم، فحسب الرجل الواحد، الواحدة. ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم. واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به، رجوت أن يقرب الله علينا أمر المشرق، كما قرب أمر المغرب بكم. انهضوا رحمكم الله ونصركم»([111])!. وهكذا ختم المعز نصيحته بإعدادهم لإخضاع بلاد المشرق، كما أخضعوا المغرب من قبل على يد جوهر وزيري بن مناد بن بلكين.
وقد رأى المعز أن لا تسير جيوشه إلى المشرق إلا بعد أن يقضي على جميع الأخطار التي تهدده في المغرب، فكانت حملته المغربية الكبرى، التي سيرها في سنة 347هـ، وما تبعها من حملات، تهدف إلى إقرار الأمور في بلاد المغرب. واستطاع أن يقضي على الحركات التي قام بها أمراء المغاربة الذين ثاروا عليه، ويحد من نفوذ أنصار الأمويين في بلاد المغرب، ويضعف جماعة الأدارسة، وعلى الرغم من عجزه عن فتح الأندلس وطرد الأمويين منها، استطاع أن يقف في وجه مطامعهم في شمال إفريقيا.
ومن عوامل نجاح المعز، أنه أضفى على قائده جوهر هالة من الاحترام والتقدير، حتى لقد أمر أولاده وإخوته، وولي عهده، وكبار رجال دولته بالترجل بين يدي جوهر، «وأن يمشوا في خدمته وهو راكب؛ وكتب إلى سائر عماله يأمرهم إذا قدم عليهم جوهر، أن يترجلوا مشاة في خدمته. فلما قدم برقة افتدى صاحبها من ترجله ومشيه في ركابه بخمسين ألف دينار ذهباً، فأبى جوهر إلا أن يمشي في ركابه، ورد المال، فمشى». وكان لعمل المعز هذا أثره في احترام الجند وقوادهم لجوهر الصقلي، وأدى ذلك الى انتصاره.
مسير جوهر إلى مصر
سارت حملة جوهر الصقلي من بلاد المغرب إلى مصر في اليوم الرابع عشر من شهر ربيع الثاني سنة 358هـ، وكانت جيوش الفاطميين منظمة تنظيماً دقيقاً، وقد زودها المعز بالأموال الضخمة والرجال والعتاد والمؤن، حتى لا يتطرق إليها الضعف. ولا غرو فقد أنفق الخليفة الفاطمي على إعداد هذه الجيوش أربعة وعشرين مليون دينار، عدا ما حمله ألف جمل من الذهب الذي رصد للإنفاق على هذه الحملة.
وتتجلى ضخامة هذه الحملة الفاطمية مما ورد على لسان أحد المصريين، الذي قال فيها: إنها «مثل جمع عرفات كثرة وعدة»([112])، حتى أن جند جوهر كانت تربو على مائة ألف. وقد وصفها ابن هانىء الأندلسي([113]) شاعر المعز خير وصف فقال:
| رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع | وقد راعني يوم من الحشر أروع | |
| غداة كأن الأفق سد بمثله | فعاد غروب الشمس من حيث تطلع([114]) | |
| فلم أدر إذ ودعت كيف أودع | ولم أدر إذ شيعت كيف أشيع | |
| ألا إن هذا حشد من لم يذق له | غرار الكرى جفن ولا بات يهجع | |
| إذا حل في أرض بناها مدائناً | وإن سار عن أرض غدت وهي بلقع | |
| تحل بيوت المال حيث محله | وجم العطايا والرواق المرفع | |
| وكبرت الفرسان لله إذ بدا | وظل السلاح المنتضى يتقعقع | |
| وعب عباب الموكب الفخم حوله | ورق كما رق الصباح الملمع | |
| رحلت إلى الفسطاط أول رحلة | بأيمن فأل بالذي أنت تجمع |
لم يكن هذا الجيش برياً وحسب، بل كان يصحبه بعض القطع الحربية البحرية. وكانت مدينة الإسكندرية هدف جوهر.
ولم يجد جوهر في الاسكندرية مقاومة تذكر. وقد أدرك حسن نيات الأهلين نحوه، فأمر جنده بعدم التعرض لهم بسوء. واستطاع بفضل حنكته وتجاربه، أن يغمر المصريين بعطفه ووده، ويتألف قلوب جنده بما أجزله لهم من المال؛ فرضي الفريقان عنه وعن سياسته. والحق أن جوهراً ومولاه المعز كانا يعلمان مدى تعلق المصريين بهم، يدل على ذلك أن دعاة المعز وجواسيسه بمصر، حين أرسلوا إليه بأن المصريين على هواه. أنفذ إليهم أعلاماً وقال: «فرقوها على من يبايع من الجند، وأمرهم إذا قربت العساكر (المعزية) ينشرونها»([115])، فلما قربت العساكر من الإسكندرية فعلوا ذلك.
الفتح
أدرك المسؤولون في مصر، وعلى رأسهم الوزير جعفر بن الفرات، أنه لا طاقة لهم بمقاومة هذه الجيوش الكثيفة، وأنه يجب أن يسالموا الفاطميين. حقيقة اضطرب أهل الفسطاط قاعدة مصر في ذلك الحين، وقد حملهم ذلك الاضطراب على الاتفاق مع جوهر، ولذلك عملوا على اختيار الوزير جعفر بن الفرات وبعض العلويين من ذوي المكانة في مصر، للتفاوض مع جوهر بشأن الصلح. وقد دل اختيارهم أحد كبار العلويين لرئاسة وفدهم على الحنكة السياسية، لأن ذلك كان من العوامل التي أدت إلى إجابة القائد جوهر جميع مطالبهم.
ويظهر أن الوفد الذي خرج من الفسطاط لمقابلة جوهر في «تروجة» القريبة من الإسكندرية (في 18 من رجب سنة 358هـ)، إنما خرج تلبية لرغبة إجماعية من أهل مدينة الفسطاط إذ ذاك؛ فلم نسمع أن أحداً من الجنود أو سواهم امتنع عليهم، فكانوا جميعاً متفقين فيما بينهم على أن يلتمسوا من القائد الفاطمي أماناً على أنفسهم وأموالهم وبلادهم. وأن فكرة المقاومة من جانب المصريين لجيوش الفاطميين لم تنبت في أذهان بعض إلا لتموت سريعاً. ومهما يكن من شيء، فإن جوهراً كان على اتصال سريع مع ابن الفرات، وأن أعضاء الوفد حين خرجوا من الجيزة، «لم يتأخر عن تشييعهم قائد ولا كاتب ولا عالم، ولا شاهد ولا تاجر»([116]).
وكان معنى ذلك أن جوهراً كاد يفتح مصر دون إراقة شيء من الدماء، فكان هذا انتصاراً مؤزراً له. ولذلك أجاب جوهر مطالب المصريين التي تتلخص فيما يلي:
أولاً: اعتراف جوهر في العهد الذي قطعه لوفد مصر بأن يؤمن جميع المصريين: جنوداً ومدنيين، مسلمين ومسيحيين، على أنفسهم وأموالهم وبلادهم. وأنهى إليهم أن الوفد الذي ندبوه لمفاوضته قد طلب منه هذا الأمان، وأنه أقرهم على جميع مطالبهم، وتعهد للمصريين بأنه سوف يأخذ على عاتقه نشر العدل والسلام والطمأنينة بين الناس.
ثانياً: ذكر جوهر بأن مولاه المعز قد ندبه لإنقاذ المصريين مما وصلوا إليه تحت حكم العباسيين، وأن يدرأ عنهم الأخطار الخارجية من ناحية القرامطة، الذين غزوا بلاد الشام في سنتي 353، 357هـ، ومنعوا الحجاج عن أداء فريضة الحج وكذلك تعهد لهم بأن يصد عنهم الروم، الذين غزوا شمالي بلاد الشام، واستولوا على كثير من مدنه، كما غزوا شمالي بلاد العراق وعبروا نهر دجلة، وأخيراً قال جوهر على لسان المعز إن الفاطميين إنما جاؤوا لنجدة العالم الإسلامي عامة، والمصريين خاصة من هذه الأخطار، كما يتبين من هذه العبارة: «أنه (أي المعز) لم يكن إخراجه للعساكر المنصورة، والجيوش المظفرة، إلا لما فيه إعزازكم وحمايتكم، والجهاد عنكم، إذ قد تخطفتكم الأيدي، واستطال المستذل، والممعنة نفسه([117]) بالاقتدار على بلدكم في هذه السنة (يشير بذلك إلى الروم)، والتغلب عليه، وأسر من فيه، والاحتواء على نعمكم وأموالكم حسبما فعله مع غيركم من أهل بلدان المشرق، وتأكد عزمه، واشتد كلبه، فعاجله مولانا وسيدنا أمير المؤمنين بإخراج العساكر المنصورة، وبادره بإنفاذ الجيوش المظفرة دونكم ومجاهدته عنكم وعن كافة المسلمين ببلدان المشرق([118]).
ثالثاً: أخذ جوهر على نفسه في ذلك العهد، تحقيق هذه السياسة الدينية الحكيمة؛ فاعترف للمصريين بالحرية الدينية، وترك كل فرد منهم يقيم شعائره التي ألفها؛ وتعهد للمصريين بأن يقوم بإصلاح ديني شامل، فيعمل على تعمير المساجد وإصلاحها. ومع ذلك لم يتوان جوهر في انتهاز الفرصة للإشادة بالأئمة العلويين وتمجيدهم، وأنهم أحق بالخلافة من سواهم.
كما عمل جوهر على محو فكرة الغلو المذهبي، التي رمى بها السنيون جماعة الفاطميين. ويظهر أن السنيين كانوا يرمون الفاطميين بأنهم يؤدون الفرائض على غير ما ألفه المسلمون السنيون. ومن ثم عمل جوهر على محو تلك العقيدة من الأذهان، فخاطب المصريين بقوله: «الإسلام سنة واحدة، وشريعة متبعة، وهي إقامتكم على مذهبكم، وأن تتركوا على ما كنتم عليه من أداء المفروض في العلم والاجتماع عليه في جوامعكم ومساجدكم، وثباتكم على ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة، رضي الله عنهم والتابعين بعدهم، وفقهاء الأمصار الذي جرت الأحكام بمذاهبهم وفتواهم وأن يجري الأذان والصلاة، وصيام شهر رمضان وفطره وقيام لياليه، والزكاة والحج والجهاد على ما أمر الله في كتابه، ونصه نبيه (ص) في سنته، وأجرى أهل الذمة على ما كانوا عليه([119]).
رابعاً: أخذ جوهر على نفسه في ذلك العهد أن يقوم بإصلاح شامل في إدارة البلاد، بالضرب على أيدي العابثين من قطاع الطرق. وضبط السكة بعدم غشها أو زيفها، ونشر العدل بين الرعية، وإعانة المظلوم على الظالم، «مع الشفقة والإحسان، وجميل النظر، وكرم الصحبة، ولطف العشرة، وانتقاد الأحوال، وحياطة أهل البلد في ليلهم ونهارهم، وحين تصرفهم في أوان ابتغاء معاشهم، حتى لا تجري أمورهم إلا على ما لمَّ شعثهم»([120]).
خامساً: كما لم يترك جوهر الوفد الذي ندبه المصريون للاتفاق معه، دون أن يقيده بقيود، يستطيع بها أن يدخل حاضرة البلاد آمناً مطمئناً؛ فأخذ عليهم العهد والميثاق، أن يذيعوا نصوص هذا الاتفاق بين الخاص والعام، وأن يضمنوا عبور جيوش المعز من الجيزة إلى الفسطاط بالخروج إليه، ويسيروا في ركابه، حتى يعبر الجسر، وينزل الفسطاط والمناخ المبارك، كما عبر عنه جوهر بذلك، فقال لهم: «وتحفظون وتحافظون من بعد على الطاعة، وتثابرون عليها، وتسارعون إلى فروضها، ولا تخذلون ولياً لمولانا وسيدنا أمير المؤمنين (ع) وتلزمون ما أمرتم به»([121])، وكان ذلك في شهر شعبان سنة 358هـ.
من ذلك نستطيع أن نقول: إن هذا العهد الذي أعطاه جوهر للمصريين، كان على شيء كبير من الاعتدال والحكمة، فقد خلا من المبالغات التي تجعل مثل هذه المنشورات عديمة الجدوى، فلم يغال في تقربه إلى المصريين، وقد بيّن لهم ما كان يحدق بهم من أخطار، ولم يكن مغالياً في الناحية الدينية، كما لم يكن مبالغاً في تصوير ما سوف يبذله من جهد، في سبيل نشر ألوية العدل والطمأنينة في البلاد، ولقد حقق كل ما عاهدهم عليه، وساس البلاد أحسن سياسة، الأمر الذي يحملنا على أن نضعه بين كبار أعلام القواد والساسة والحكام.
على أن جماعة من الجنود الإخشيدية والكافورية قد عز عليهم أن يستولي جوهر على مصر بهذه السهولة، وأن يزول نفوذهم بين عشية وضحاها، بدخول الجيوش الشيعية المغربية هذه البلاد. ولما كانت الجندية مصدر رزقهم ونفوذهم وهيبتهم، عولوا على الوقوف في وجه الفاطميين، وامتنعوا عن طاعة كل ما جاء في عهد جوهر. وهذا يدل على أن الذين ناوءوا الحكم الفاطمي لم يكونوا من المصريين الذين حنقوا على الكافورية والإخشيدية، وأفتو بقتالهم وقتلهم.
وقد أدرك جوهر خطر هذه الحالة، فعول على استرداد عهده، ليكون حراً فيما يعمل. إلا أن أعضاء هذا الوفد التمسوا من جوهر أن يعدل عن هذا الرأي، ولكنه بيّن لهم أنه قد عول على قتال من يقف في وجهه، لأنه إنما جاء إلى مصر ليحول دون استيلاء الروم والقرامطة عليها، وأن وقوفهم في وجهه يساعد الروم على تحقيق مآربهم، وفي ذلك يقول جوهر مخاطباً أبا الطاهر قاضي مصر السني: «ما تقول يا قاضي في هذه المسألة؟ فقال؛ ما هي؟ قال: ما تقول فيمن أراد العبور إلى مصر ليمضي الى الجهاد لقتال الروم فمنع؟ أليس له قتالهم؟ فقال له القاضي: نعم! فقال: وحلال قتالهم؟ قال: نعم!»([122]).
وأما الجهود التي بذلها أعضاء هذا الوفد فتتلخص في أن الوزير ابن الفرات وصحبه قد التفت حولهم الرعية. وقاموا بمظاهرة حماسية يؤيدون فيها هذا النظام الجديد، ولم يشذ أحد من المصريين، اللهم إلا هذه الفئة من الجند؛ فقد قال واحد من قوادهم لأحد أعضاء وفد مصر، وكان علوياً من سلالة الحسن: «لو جاءنا جدك بهذا ضربنا وجهه بالسيف». وعاب ابن الفرات على المنتقضين سلوكهم، لأنهم هم الذين طلبوا ذلك من الوفد الذي ندبوه لمفاوضة جوهر، وأنهم بعملهم هذا قد خرجوا على أمر طلبوه بأنفسهم.
وهكذا لم يستطع هؤلاء الزعماء أن يفلوا شوكة الإخشيدية والكافورية، الذين اتفقت كلمتهم على أن السيف وحده هو الذين يفصل بينهم وبين جوهر. ومن ثم نصبوا واحداً منهم قائداً، وتحمسوا لحرب جوهر، ووقفوا بذلك في وجه الفاطميين وزعماء المصريين أنفسهم.
أما جوهر فإنه لما وصل إلى الجيزة حول منتصف شهر شعبان سنة 358هـ وجد الإخشيدية والكافورية معسكرين في جزيرة الروضة، وعلى شاطىء النيل الشرقي، من ناحية الفسطاط، فاتبع جوهر طريقين، يدل كلاهما على الحيطة والحذر؛ الأولى: أنه بذل جهداً كبيراً في سبيل الاستيلاء على مخاضة في منية شلقان شمالي الجيزة، يستطيع أن يعبر منها إلى الفسطاط. والثانية: أنه استعان بالسفن على حصار الإخشيدية والكافورية، والعبور إليهم. فاستقبل المراكب الواردة من تنيس ودمياط وأسفل الأرض فأخذها»([123]). وعبر إليهم إلى جهة الفسطاط، قائده المشهور جعفر بن فلاح الكتامي فأوقع بهم. ولذلك اضطر الجنود الذين عسكروا في جزيرة الروضة إلى التقهقر نحو الفسطاط، وخصوصاً حين عبر إليهم جوهر ورجاله، وفر كثير منهم إلى بلاد الشام بعد أن فقدوا زعماءهم.
وقد أيقن جوهر أن الشعب المصري لم يشترك مع الجنود الثائرين في قتال الفاطميين، بل إن المصريين لجؤوا إلى زعمائهم وإلى العلويين منهم بوجه خاص وما زالوا بهم حتى استخلصوا من جوهر أماناً آخر، يتبين منه مدى تسامح ذلك القائد الفاطمي وعطفه على المصريين.
لذلك أرسل جوهر مع صاحب الشرطة في الفسطاط رسولاً، «معه بند عليه اسم المعز لدين الله، وبين ايديهما الأجراس بأن لا مؤونة ولا كلفة، وأمن الناس. وفرقت البنود، فنشر كل من عنده بند بنده في درب حارته»([124]). وبذلك تم استيلاء جوهر على مصر، دون أن يجد معارضة تذكر.
وقد أرسل جوهر الصقلي إلى الشريف أبي جعفر مسلم بن محمد، عهداً ثانياً جاء فيه: «وصل كتاب الشريف الجليل، أطال الله بقاءه، وأدام عزه وتأييده وعلاه، وهو المهنأ بما هنأ من الفتح الميمون. فوقفت على ما سأل من إعادة الأمان الأول. وقد أعدته على حاله، وجعلت إلى الشريف، أيده الله أن يؤمن كيف رأى وكيف أحب، ويزيد على ما كتبته كيف يشاء. فهو أماني وعن إذني وإذن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وقد كتبت إلى الوزير أيده الله بالاحتياط على دور الهاربين إلى أن يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا فيما دخلت فيه الجماعة، ويعمل الشريف، أيده الله! على لقائي يوم الثلاثاء لسبع عشر تخلو من شعبان»([125]).
عبر جوهر الجسر المقام على النيل بين الجيزة والفسطاط، في يوم 17 من شعبان سنة 358هـ، وعسكر بجنوده شمالي مدينة القطائع التي أسسها أحمد بن طولون (254 ـ 270هـ)، ووضع أساس مدينة القاهرة إثر وصوله. وكان لهذا النصر فرح بالغ في بلاد المغرب، وقد أخذ الفرح من نفس المعز كل مأخذ، لأنه أصبح امبراطوراً على جميع شمال إفريقيا، وعلى بعض جزائر البحر الأبيض المتوسط. كما أتاح له هذا الفتح، الفرصة لاختبار جيوشه التي عول على الاستعانة بها في فتح بلاد الشام والحجاز. ويتجلى ذلك الفرح من قصيدة ابن هانىء الأندلسي، التي نقتطف منها هذين البيتين:
| تقول بنو العباس هل فتحت مصر؟ | فقل لبني العباس قد قضي الأمر | |
| وقد جاوز (الإسكندرية) جوهر | تصاحبه البشرى ويقدمه النصر |
الدكتور حسن إبراهيم حسن
وقال مقداد بن حسن الكتامي في فتح القائد جوهر لمصر، وما كان من جعفر بن فلاح بالشام:
| ونحن جلبنا الخيل شعثاً ضوامراً | من الغرب نجتاز المفاوز أشهرا | |
| عليها الكتاميون من آل حمير | من لف لفَّ الجيش من آل بربرا | |
| نهز الرماح السمر ما كان ذابلاً | طويلاً ومربوع الأنابيب جحدرا([126]) | |
| إذا ما نزلنا منزلاً حشد الدجى | إلينا نجوم الليل فيه معسكرا | |
| كتائب لا تألو النبي حفيظة | لها وعليَّاً والمعز وجوهرا | |
| ثمانون ألفاً يلبسون إلى الوغى | ملابس حزم خلعة وسنورا([127]) | |
| يحفون طوع الأمر أروع يعتلي | إلى النصر ميمون النقيبة أزهرا | |
| تلاد الملوك الصيد من آل هاشم | صغيراً ومولاها كبيراً مؤمرا([128]) | |
| تلبس للحرب المغيرة وارتدى | إلى الحرب برداً نثرة وتأزرا([129]) | |
| أخو الحزم إما استقبل النجح مُورداً | عليه وإلا استأنف النجح مُصدرا | |
| إذا زينته الحرب رد بعاعها | عليها وألقى هضبة وتوعرا([130]) | |
| تورع أن يدعوه في خلواتها | بنو دينه إلا الحكيم المدبرا | |
| نفت بعده الأملاك كل غنيمة | خلت وانتقوه الجوهر المتحيرا | |
| إذا اعترك الخطب انتضى في سواده | عقيقة رأي كالشهاب فنورا | |
| سما فحشا ما بين مصر وبرقة | رعالاً وآساداً ضراغم هصرا | |
| كما اعتصم الطود (المقطم) ليله | يؤم إلى الجند الذي قد تمصرا | |
| فما برحوا فيها حصيداً فإنهم | هم جلبوها كدرة الوجه ممطرا | |
| وهم تركوا أن يأخذوا الأمر مقبلاً | فنكب عنهم أزورَ الجند مدبرا | |
| فما ابتكروا إلا نعاماً مشرداً | إلى الشام أوهاماً بمصر مكسرا | |
| ولما نفى عنها القذى وأذالها | من الجدب فاستهدى لها العيش أخضرا | |
| رمى كل ثغر من فضاها بصخرة | وسوم تسويماً إلى الشام جعفرا | |
| أقام بها سوقاً من الضرب في الطلى | فناجز ما بين الفرات ودُمَّرا([131]) | |
| فلا تكذبن لست الغدة بواجد | بأنصر من قومي رجالاً وأصبرا |
جذور فرعونية للإسكندرية
تسبق مجيء الإسكندر إلى مصر
قالت ثناء عطوة:
أزاح الدكتور فوزي الفخراني أستاذ الآثار اليونانية والرومانية في جامعة الإسكندرية ـ الستار أخيراً عن حقيقة تاريخية جديدة، مفادها: أن الإسكندرية التي تنسب إلى الاسكندر المقدوني (الأكبر) هي مدينة فرعونية خالصة، أي أنها لم تكن موقعاً شاغراً قبل مجيئه إليها ولم يخلقه هو من عدم، وإنما فقط أعاد تصميمه.
كما أكد في نظريته التي بلورها بعد دراسات استمرت لسنوات عدة واستندت إلى اكتشافات أثرية يرجع أحدها إلى بدايات هذا القرن: أن الموقع كان يضم 12 قرية فرعونية أكبرها قرية «راقودة» (رع ـ قدت) والتي كانت تسمى المنطقة كلها باسمها، وقد ذكرها بثودو كاليثينيس اليوناني في كتاباته.
وكان أهل هذه القرى يعيشون على التجارة والصيد من خلال موانىء ثلاثة حيوية في البحر المتوسط، وذلك على رغم طبيعته الصعبة إذ يمتد من الشرق إلى الغرب، بينما تدور الأرض من الغرب إلى الشرق محدثة تيارات بحرية معاكسة لامتداده مما يعوق الملاحة فيه.
وعثر الفراعنة (مصادفة) على أول هذه الموانىء إذ وجدوا مكاناً يتخذ شكل الحجرة، اكتشفوا أنه يحمي السفن عندما تدخله من التيارات البحرية فاتخذوه ميناءً (موقعه عند محطة الرمل في وسط المدينة حالياً) وكان يقع بين جزيرة «أنتيرودس» التي تشكل جانبه الغربي، واللسان الصخري المواجه لها طولياً ويمثل جانبه الشرقي، وفيه فتحة شمالية تعد بوغازاً له بعرض 50 متراً تقريباً.
وبما أن الميناء طبيعي فيرجح أن يكون قد استخدم في عصور ما قبل الأسرات، ثم في العصر الفرعوني للتجارة مع بلاد اليونان وغيرها. يؤكد ذلك ما وجد من آثار وجرار تصدير المواد المصرية على جزيرة كريت وشبه جزيرة المورا، والتي تعود إلى عصور فرعونية سحيقة.
ويذكر الفخراني أنه: في العام 1996م، اكتشف الفرنسي فرانكو جوديو ـ الذي كنتُ أعمل مستشاراً أثرياً له في جزيرة أنتيرودس ـ هذا الميناء الطبيعي، وعلى حدوده وفي جوانبه الداخلية عثرنا على قطع فخارية وأخشاب مثمنة ومقوّسة فرعونية الطراز، عندما حلل جوديو عينة منها في فرنسا بالكربون المشع، ثبت أنها تنتمي للقرن السادس قبل الميلاد، أي قبل قدوم الإسكندر بمئتي عام تقريباً (القرن 4.ق.م) مما يؤكد أنه ميناء فرعوني.
الجزء الصناعي الوحيد في هذا الميناء هو الرصيف الصخري الذي بناه مارك أنتوني أواخر العصر البطلمي (31ق.م.) لكي ينشىء فوقه مبنى (التيمونيو) ليعتكف به بعد هزيمته في معركة أكتيوم البحرية أمام أوغسطس الروماني، ولكنه وجده رصيفاً ضيقاً لا يتسع لمثل هذا اللسان المكوِّن للجانب الشرقي من الميناء.
وبذلك استنتج المصريون القدماء: أن الموانىء على البحر المتوسط لا بد وأن تكون على شكل غرفاً مربعة أو مستطيلة لتحتمي بها السفن فطبقوا هذا الاستنتاج عند إنشائهم أول ميناء صناعي على البحر، وذلك بربط غرب جزيرة «فاروس» عند منطقة «رأس التين» بشرق جزيرة «أبو بكَّار» المواجهة لها بجسرين حجريين أحدهما شمالي والآخر جنوبي صنعوا به فتحة البوغار المستطيل الشكل، والذي أشار إليه هوميروس في الأوديسة عندما ذكر أن البطل «أوديسيوس» ترك على جزيرة فاروس قادماً من حروب طروادة ليتزود بالماء والطعام، وترك فُلكه به حتى لا تأخذها الأمواج. وقد اكتشفه غوندي الذي كان يعمل مديراً للموانىء والمنائر العام 1915م، وتدل طريقة بنائه بالكتل الحجرية الضخمة على أنه فرعوني تبعاً لما تعوّد عليه المصريون القدماء في بناء كل منشآتهم. لذلك يرجح أنه يعود إلى الأسرة الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة في الدولة الفرعونية الحديثة. ولكنه الآن لا يعدو كونه أثراً غارقاً، ولا يُعرف بالضبط إن كان غرق أيام الإسكندر أو بعده.
ويكمل الفخراني: وفي القرن الخامس قبل الميلاد حدثنا «إسكيلكس» الكاتب اليوناني عن ميناء فرعوني ثالث كان هو السبب الرئيسي في اختيار الإسكندر لهذا الموقع ليبني عليه مدينته ومقره في مصر. ويكتسب هذا الميناء أهميته من وقوعه في قلب الأراضي المصرية متصلاً بساحلها الشمالي مباشرة بعكس الميناءين السابقين، كما أنه يعد ميناءً فريداً من نوعه، فقديماً كانت للنيل سبعة فروع منها الفرع «الكانوبي» الذي كان يمر بالخطاطبة ودمنهور حالياً، بادئاً من القاهرة ليغذي بحيرة مريوط بالمياه العذبة الناتجة من الفيضان.
وبسبب عمق البحيرة فإنها كانت صالحة للملاحة فتأتي إليها السفن من الجنوب عبر النيل ثم الفرع «الكانوبي» وتسبح بها حتى شاطئها الشمالي فترسو لتنقل البضائع براً على الشريط الساحلي الممتد بينها وبين البحر لمسافة قدرها 1,5 كيلو متر تقريباً. ثم تبحر مرة أخرى بالبحر لتنتقل إلى الميناء الطبيعي السابق، بما كان يعوق ويؤخر العملية التجارية. ففكر الفراعنة في حفر قناة ملاحية تربط البحيرة بالبحر. إلا أنهم اكتشفوا أن مستوى المياه في البحر أعلى منه في البحيرة بحوالي ثلاثة أمتار، فقاموا بعمل «هويس» على ساحل البحر عند نهاية القناة الملاحية، صُمّم على شكل صندوق له بابان متواجهان أحدهما جنوبي يفتح للسفينة الآتية من النيل عبر القناة ثم يغلق ليفتح الباب الشمالي «تدريجاً» فتدخل المياه وتعلو فترتفع معها السفينة شيئاً فشيئاً حتى تصبح على مستوى سطح البحر فتستطيع المرور فيه بسلاسة وسلامة.
ودهش الإسكندر لهذا الأسلوب الفريد في تخطيط الموانىء الملاحية وقرر إنشاء مدينته الجديدة في هذا الموقع. وعندما جاء العام 332ق.م. قام بعملين أساسيين، أولهما وصل جزيرة فاروس بالساحل الإفريقي بلسان حجري رفيع (ازداد عرضه بفعل ما تحمله الرياح إليه من رمال وأتربة فامتد من الأنفوشي إلى المنشية حالياً بعرض كيلومتر واحد تقريباً).
وعن طريقه ومن دون قصد وُجد ميناءان في البحر شمال هذا الهويس، أحدهما شرقي والآخر غربي. فأصبح الميناء الشرقي أكثر أهمية وأماناً، إذ خلا من التيارات البحرية التي كان يصدُّها عنه هذا اللسان الحجري.
وظلت الميناء الشرقية هي الرئيسية حتى الحروب الصليبية. ففي القرن الثاني عشر الميلادي قام «قراجا» حاكم الإسكندرية آنذاك ـ بردم مدخل الميناء بالصخور التي كانت حول عامود الصواري لمنع الغزو الصليبي لمصر من طريقها، فكسدت الحياة بها وفقدت أهميتها برحيل معظم أهلها إلى رشيد حتى أحيى محمد علي الميناء الغربية في النصف الأول من القرن الـ 19م فانتعشت المدينة مرة أخرى حتى اليوم.
أما العمل الثاني الذي قام به الإسكندر فكان تخطيطه لمدينة الإسكندرية بحيث تضم القرى الفرعونية الاثنتي عشرة في حي وطني واحد، وأربعة أحياء أخرى لكل من اليونانيين، المقدونيين، اليهود، ثم الحي الملكي البطلمي ويحيطها جميعاً سور واحد، وذلك بغرض المزج بين حضاراتهم المختلفة. وقام ببناء المدينة المهندس اليوناني دينوقراطيس.
ويقول الدكتور الفخراني: «ليست لدينا أدلة مادية عن مواقع هذه الأحياء وطبيعتها وآثارها… سوى القليل الذي ذكره لنا عنها بثودو كاليثينيس كما أنه لا يمكننا البحث عن أطلالها إذ أنها الآن مناطق مأهولة يصعب هدمها والتنقيب فيها، اللهم إلا إذا قادتنا المصادفة إلى شيء عنها».
وقال عاطف مظهر:
الإسكندرية مدينة حوت المنارة العجيبة التي كانت إحدى عجائب الدنيا السبع، والمكتبة الفريدة التي جمعت علوم القدماء وحكمة الفلاسفة وثقافات الشرق والغرب، والموقع المتميز الذي جعلها مدينة التقاء الحضارات تعيش فيها أجناس شتى من البشر.
يعتقد علماء الآثار ان قصر كليوباترا يرقد في مياه الميناء الشرقي للاسكندرية
د
وتمتاز المدينة بكثرة الخلجان الطبيعية، حيث يمتد الشريط الساحلي مسافة 70 كيلومتراً من شرق المدينة إلى غربها، لتتصل بذلك الشواطىء الذهبية، وتتلاقى الرمال البيضاء الناعمة بمياه البحر الصافية في نحو 25 شاطئاً.
والملاحظ في السنوات الأخيرة اتجاه معظم المصيّفين إلى الإقامة في القرى والمنتجعات السياحية المنتشرة على طول الساحل الغربي للمدينة.
وشهدت تلك المنطقة نهضة عمرانية كبيرة في السنوات الماضية استهدفت إقامة مئات المنتجعات السياحية الفاخرة التي يتوافر فيها جميع سبل الراحة والترفيه، إلى حد جعلها المكان المفضل لرجال المال والسياسة ومشاهير الفن والأدب، ويصاحب الجذب السياحي السكندري جذب فني وثقافي أيضاً ويتمثل في انتقال معظم عروض كبار الفنانين والمسرحيات إليها، كذلك المؤتمرات واللقاءات العلمية والثقافية والفكرية التي تتحول من القاهرة إلى الإسكندرية، لتجعلها العاصمة الفنية والثقافية الصيفية لمصر.
وفي الشتاء ينحسر الازدحام تدريجاً عن المدينة، وتصبح الإسكندرية أكثر هدوءاً وروعة، وهو الفصل الذي يستمتع فيه أهل الإسكندرية بمدينتهم، التي يعرفون أسرارها ويحفظون مواطن جمالها عن ظهر قلب.
وشأنها شأن معظم المدن الساحلية المطلة على البحر المتوسط، تزخر الإسكندرية بالآثار اليونانية والرومانية، التي شهدت قمة ازدهارها في عهد الحضارتين المتوسطيتين الآفلتين.
والزائر للمدينة لا تفوته زيارة المتحف اليوناني الروماني، الذي يحكي تاريخ المدينة وحضارتها في مرحلة من أهم مراحل التاريخ القديم، وهي المرحلة التي امتزجت فيها الحضارات الشرقية والغربية للمرة الأولى في تاريخ الإنسانية، لتخرج إلى الوجود حضارة إنسانية موحدة.
يقع المتحف في وسط المدينة ويحوي ما يزيد على 60 ألف قطعة أثرية ترجع إلى فترة القرنين الثالث قبل الميلاد والخامس الميلادي.
ومن أهم معروضاته المومياوات المحنطة وعمرها نحو ألفي سنة، بالإضافة إلى تماثيل رخامية وغرافيتية لكليوباترا ومارك أنطونيو وأغسطس ويوليوس قيصر وغيرهم من ملوك البطالمة وأباطرة الرومان.
ويحوي المتحف كذلك مجموعة من تماثيل لسيدات اسكندريات تسمى «التناجرا» وهي تماثيل فخارية دقيقة الحجم تمثل الحياة اليومية في الإسكندرية في العصرين اليوناني والروماني. ويحوي أيضاً مجموعة كبيرة من العملات الأثرية النادرة من مختلف العصور التاريخية، تعتبر من أهم وأقيم العملات الأثرية في العالم.
وعلى مقربة من المتحف يقع المسرح الروماني، وهو المسرح الوحيد من نوعه في مصر، ويرجع تاريخه إلى القرن الثاني الميلادي، وكان يستخدم كصالة للموسيقى يبلغ قطرها 42 متراً، وتتخذ مدرجاته، وعددها 12 مدرجاً شكل نصف دائرة.
وفي السنوات الماضية كشفت حفريات أثرية قريبة من المسرح عن مدينة بيزنطية كاملة تحوي شبكة من الطرق القديمة ومدرسة فلسفية وحمامات رومانية كبيرة وخزانات للمياه.
وفي منطقة «كرموز» الشعبية يقع عمود السواري، وهو عمود من الغرانيت، يبلغ طوله 27 متراً، وقطره نحو 27 متراً ويعرف في المصادر الغربية باسم «عمود بومبي» وذلك بسبب الاعتقاد الشائع بأن رماد جثة القائد الروماني الشهير بومبي كان يحفظ في وعاء من البرونز في قاع العمود. فيما يؤكد الأثريون أن العمود أقيم تخليداً لذكرى الامبراطور الروماني «دقلديانوس» الذي تمكن من إخماد ثورة قام بها شعب الإسكندرية للانفصال عن روما، بعد حصار دام أكثر من ثمانية أشهر.
قصر المنتزه، أحد أجمل المعالم السياحية في المدينة
د
وتحوي المنطقة كذلك أطلال معبد السراييوم الذي أقيم لنشر الديانة الجديدة التي ابتدعها ملوك البطالمة للتوحيد بين عناصر الديانتين الفرعونية واليونانية، بهدف التقرب إلى المصريين.
أما أهم المقابر الأثرية التي ترجع إلى ذلك العصر، فهي المقبرة الرومانية التي تقع في حي كوم الشقافة. ويرجع تاريخ إنشائها إلى القرن الأول الميلادي، وهي تمثل طراز المقابر السفلية (الكاتاكومب) ذات الحجرة المنحوتة في الصخر عبر سراديب تحت الأرض. وتتكون من بئر يدور حولها درج حلزوني يؤدي إلى طبقات المقبرة، المبنية على ثلاثة مستويات مختلفة.
ولا تقتصر آثار الاسكندرية على الرومانية فقط لكنها تزخر أيضاً بالآثار الإسلامية.
وتضم مناطق الأنفوشي واللبان وكرموز والجمرك، هي الأحياء التي تكونت في العصور الإسلامية، عدداً من المساجد والوكالات والحمامات القديمة، التي أنشئت أثناء العصور الفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، مثل الخليفة المستنصر بالله الفاطمي سنة 477 هجرية ويعد من أقدم مساجد المدينة.
كذلك مسجد عبد القادر الجيلاني الذي يرجع إنشاؤه إلى أواخر العصر الأيوبي، وكان في الأصل مدرسة وتكية ملحق بها مسجد.
ولكن أهم مساجد المدينة وأكثرها شهرة على الإطلاق جامع أبي العباس المرسي، ويرجع تاريخ إنشائه إلى سنة 706هـ، وقد أعيد بناؤه وترميمه غير مرة.
قلعة قايتباي، بنيت عام 1480 قرب موقع منارة الاسكندرية
د
ويقع أمامه مباشرة مسجد البوصيري صاحب القصيدة المشهورة في مدح الرسول (ص) والمسماة «بُردة المديح»، والتي نسج على منوالها أحمد شوقي قصيدته البُردة».
ومن أهم الآثار الإسلامية في المدينة كذلك قلعة قايتباي، التي تعد نموذجاً رائعاً للعمارة الحربية في العصر المملوكي، ذلك العصر الذي شهدت فيه المدينة رواجاً تجارياً كبيراً. وكانت محطة رئيسية لنقل التجارة بين الشرق والغرب، ولعبت دوراً مهماً في حماية السواحل المصرية وصد غارات الحملات الصليبية، التي استهدفت المشرق العربي طوال قرنين من الزمان.
أقيمت القلعة على إنقاض منارة الإسكندرية، على مدخل الميناء الشرقي القديم. وبناها الملك الأشرف قايتباي سنة 1477م، وهي على شكل شبه مربع يبلغ طولها 150 متراً وعرضها 130 متراً، وتبلغ مساحتها ما يقرب من 20 ألف متر مربع، ويحيطها البحر من ثلاث جهات.
ومن الأحياء ذات الشهرة التاريخية في الإسكندرية والجديرة بالزيارة ضاحية «أبو قير» التي تقع على بعد 20 كيلومتراً من قلب المدينة، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى القديس بوكير وهو من شهداء العصر الروماني.
وكانت أبو قير في الماضي مسرحاً لمعارك بحرية عدة، من أشهرها الموقعة التي تحطم فيها الأسطول الفرنسي على يد الأسطول الإنكليزي أثناء حملة بونابرت على مصر. وتم العثور في مياه «أبو قير» على بقايا سفن حربية فرنسية غارقة.
ولمنطقة العلمين التي تبعد عن الإسكندرية نحو 100 كيلومتر غرباً، شهرة عالمية من نوع خاص. فبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت العلمين من أشهر المزارات الجنائزية في العالم، إذ يتوافد عليها ألوف السياح من أوروبا لزيارة مقابرها التي دفن فيها عشرات الألوف من الجنود. على هذه الأرض دارت معارك ضارية بين جيوش الحلفاء والفيلق الألماني بقيادة رومل الملقب بثعلب الصحراء، وكانت هزيمة الألمان في هذه المنطقة نقطة تحول أساسية في الحرب العالمية الثانية.
في الإسكندرية عشرات المتاحف والحدائق والمتنزهات السياحية التي يصعب حصرها ووصفها، مثل المتحف البحري، ومتحف التاريخ الطبيعي، ومتحف الأحياء المائية، ومتحف الفنون الجميلة، ومتحف محمود سعيد للفنون التشكيلية، والكنيسة المرقسية، ومعبد القيصرون، ومعبد الرأس السوداء، ومقابر الشاطبي، وحديقة الحيوان. وحديقة الشلالات، وحديقة أنطونيادس التي تشبه إلى حد بعيد حدائق فرساي.
وتعتبر حدائق المنتزه من أجمل الحدائق العامة في البلاد، وهي تحيط قصر المنتزه الذي كان المقر الصيفي للأسرة المالكة. ويعتبر تحفة معمارية رائعة. وشيُد فوق ربوة عالية تطل على أجمل شاطىء في الطرف الشرقي للمدينة، وسط حديقة كبيرة ذات تنسيق بديع، تبلغ مساحتها نحو 370 فداناً وفتحت حدائق وشواطىء المنتزه أبوابها للجمهور بعد ثورة 23 تموز (يوليو) سنة 1952.
وقبل مغادرة المدينة لا بد من زيارة متحف المجوهرات الملكية الذي يقع في قصر الأميرة فاطمة الزهراء في منطقة «جليم». وهو يحوي مجموعات نادرة وقيمة من التحف والمجوهرات والأوسمة الخاصة بأسرة محمد علي، التي ظلت تحكم مصر قرابة 150 عاماً، واتصفت بالبذخ والثراء. وتقدر قيمة المجوهرات التي يحويها المتحف بمئات الملايين من الدولارات.
مكتبة الإسكندرية
استدعى الامبراطور بطليموس سوثر أحد كبار رجال الفكر في ذلك العصر ديمتريوس الفالورمي (Demetrios of Phalerom) وقد كان مديراً لمعهد أثينا الشهيرة مدة عشر سنين ـ استدعاه بطليموس إلى بلاطه ليحقق له حلمه وحلم قائده الإسكندر في إنشاء مؤسسة فكرية كبيرة تكون منارة ينهل منها رواد العلم والمعرفة، وتضاهي مدارس أثينا بجلالها وروعتها، وقد أنشأ المتحف الإسكندري الكبير في مبانيه الرائعة والتي ضمت في ما ضمت مكتبة سوف يظل أثرها بارزاً أبداً في تاريخ الحضارة الإنسانية وقد عرفت باسم البروشيوم (Brucheion).
وقام ديمتريوس هذا ـ اعتباراً من السنة 297ق.م. بصفته أمين مكتبة الملك بشراء عشرات الألوف من المخطوطات ونسخها وهذه كانت معروضة للبيع في جميع أنحاء العالم اليوناني، وقد سهل ذلك إنتاج البردي الذي كان وقفاً على مصر وحدها تقريباً فبلغت محتوياتها منذ سنة 285ق.م 200 ألف مجد (Rolls).
كانت المكتبة ملحقة بالسرايات الملكية وكان لها فناء كبير وفيها صالة واسعة يأكل فيها فلاسفة المدرسة الإسكندرية وعلماؤها معاً. وكان لهذه المدرسة اعتمادات مالية خاصة من أموال الدولة للصرف عليها وكان لها رئيس من كبار الحكماء يعينه الملك ومما تجدر ملاحظته هنا أنه لم يعين لهذه المدرسة مدير مصري أبداً بل كان مديرها دائماً يونانياً.
اعتمدت شتى الوسائل لاقتناء الكتب كالشراء والمصادرة وغيرها من الوسائل الملتوية. ويروى أن بطليموس كاكرغيتش استعار كتباً من أثينا لقاء مبلغ من المال دفع كتأمين عن الكتب، ولكنه تخلى عن هذا المبلغ الكبير واستبقى الكتب. أما بطليموس السابع فقد منع إخراج البردي من مصر حتى لا تزاحمه مكتبة أخرى في اقتناء الكتب. وقد كان ذلك سبباً في استنباط طريقة الكتابة على جلد الغزال. وكان التنافس على أشده بين مكتبة الاسكندرية ومكتبة برغاموم (Pergamum) الأثينية لكن هذه الأخيرة لم تصل أبداً إلى علو مرتبة مكتبة الاسكندرية. ويقال إن أنطونيوس أهدى مجموعتها التي بلغت حوالي 200 ألف مجلد إلى كليوباترة تعويضاً عن الأضرار التي لحقت بمكتبة الاسكندرية بفعل الحريق كما سنرى بعد قليل.
وفي عهد بطليموس الثالث أنشأ حوالي سنة 235ق.م، مكتبة في معبد السيرابيوم (Serapeum) عرفت بالمكتبة البنت تمييزاً لها عن المكتبة الأصلية التي عرفت بالمكتبة الأم. وقد انتقيت مجموعتها بطريقة خاصة ووصلت إلى 100 ألف مجلد.
قام أمناء المكتبة الواحد بعد الآخر بتصنيف هذه الكتب تصنيفاً دقيقاً واضعين لها رؤوس الموضوعات (Subject headings) المناسبة، كما وضعوا لها كثيراً من الشروح والتعليقات بالإضافة إلى لائحة بيبليوغرافيا شملت كل المؤلفات اليونانية في ذلك العصر. وكان أمناء المكتبة من أبرز رجال العلم والأدب في عصرهم ومنهم الشعراء والرياضيون واللغويون. وكان أرسطارخوس «ذو ألمعية فائقة في مجال النقد الأدبي وقد أثار نقاطاً مهمة حول هوميروس لا نزال نتأثر بنتائجها إلى أيامنا هذه» أما الشاعر كاليماخوس فقد وضع لوائح بأسماء المؤلفين وأعمالهم وسير حياتهم في 120 مجلداً عرفت باسم (Pinakes) وقد قسمت إلى أقسام: المسرح، والقانون، والتاريخ والشعر، الخ…
وبالإضافة إلى أن هذه المكتبة كانت مركزاً وثائقياً بالنسبة إلى الفكر اليوناني. فقد حوت كثيراً من الكتب والمخطوطات الأجنبية كالهندية والفارسية كما أن كتاب العهد القديم جلب في تلك الأيام من القدس، وقام بترجمته من العبرية إلى اليونانية نحو سبعين عالماً.
حدثت أول كارثة نزلت بالمكتبة والمدينة معاً في عهد يوليوس قيصر عشيق كليوباترة وذلك سنة 47ق.م. إذ ثار أهل المدينة بقيادة شقيق كليوباترة ضد هذه الأخيرة وعشيقها الذي وجد نفسه محاطاً بالخطر من كل جانب. فقام بإشعال الأسطول المصري المرابط هناك، وكان الحريق كبيراً فالتهم قسماً من المدينة ومعه المكتبة. «ويعتبر هذا اليوم أكثر الأيام شؤماً في تاريخ الكتاب إذ أحرق 400 ألف كتاب كما ذكر سينيكا المؤرخ وغيره.
وتوالى الخراب على المدينة حيناً بعد آخر فقام الامبراطور أورليان عام 273م بهدم أبنية المتحف وسواها انتقاماً من ثائري الإسكندرية. كما قام ديوكلسيان بتخريب المدينة أيضاً بسبب ثورتها عليه.
كانت المسيحية قد أخذت في الانتشار والإسكندرية كما هو معروف معقل كبير من معاقل الوثنية صمدت في وجه الدين الجديد زمناً طويلاً. وكان معبد السرابيوم حصن الوثنية المنيع يغير منه الوثنيون على المدينة ويفتكون بالمسيحيين الجدد… لكن شوكة المسيحيين ما لبثت أن قويت فحاصروا قلعة الأكروبوليس ولكن الجانبين قبلا بالتحكيم في النهاية فقضى الامبراطور المسيحي الورع تيودوسيوس (379 ـ 395) للمسيحيين مما حمل عبدة الأوثان على الهرب. فقام المسيحيون وعلى رأسهم البطريرك المتحمس تيوفيلوس بهدم المعابد والآثار والتماثيل. «وقد كان ذلك في عام 391 للميلاد ولا يختلف في هذه الحادثة اثنان».
وعلى بقايا معبد السرابيس أقيمت كنيسة ودير باسم مار يوحنا. وهكذا لاقت المكتبة البنت حتفها على يد المسيحيين المؤمنين بعد أن لاقت المكتبة الأم حتفها على يد الرومان الوثنيين.
وما دامت المكتبة زالت من الوجود في هذا التاريخ أي قبل مجيء العرب إلى مصر بنحو 250 سنة فكيف شاعت رواية حرق العرب لمكتبة الإسكندرية؟.
دخل العرب مصر وحاصروا الإسكندرية مدة طويلة ثم تمكنوا من دخولها بعد أن عقدوا صلحاً مع بطريرك الإسكندرية المقوقس سنة 642م. وقد ثارت المدينة بعد ذلك بوقت قصير فأعيد فتحها عنوة.
«وأما القصة التي تقول بأن المسلمين أحرقوا مكتبة الإسكندرية بإشارة من الخليفة عمر، وأحموا بها حمامات المدينة ستة أشهر فإنها رواية مسلية لا تاريخ علمي رصين».
تلخص القصة بأن حنا فيليبونوس طلب من عمرو بن العاص تسليمه ما في خزائن الروم من كتب الحكمة فاستشار عمرو الخليفة عمر الذي أجابه قائلاً: وأما ما ذكرت من أمر الكتب فإذا كان ما جاء بها يوافق ما جاء في كتاب الله فلا حاجة لنا به، وإذا خالفه فلا أرب لنا فيه وأحرقها… وهكذا أمر عمرو بتوزيعها على حمامات الإسكندرية فما زالوا يوقدون بها ستة أشهر كما تزعم الرواية…!.
هنالك الكثير من الأدلة على فساد هذه الرواية وأولها ما أوردناه أعلاه من زوال المكتبة بقسميها ونورد هنا بعضاً من الأدلة التي ذكرها المؤرخ الإنكليزي الفرد جوشيا بتلر في كتابه فتح العرب لمصر وذلك رغبة في دحض هذه التهمة التي تمسك بها بعض العرب أكثر من غيرهم:
1 ـ إن قصة إحراق العرب لها لم تظهر إلا بعد نيف وخمسمئة عام من وقت الحادثة التي ذكرها البغدادي.
2 ـ إن الرجل الذي تذكر القصة أنه طلب من عمرو تسليمه الكتب (حنا فيليبونوس) مات قبل غزو العرب لمصر بزمن طويل.
3 ـ إن كتاب القرنين الخامس والسادس لا يذكرون عن وجودها شيئاً وكذلك كتاب أوائل القرن السابع.
4 ـ إن هذه المكتبة لو كانت لا تزال باقية عندما عقد المقوقس صلحه مع العرب على تسليم المدينة؛ لكان من المؤكد أن تنقل هذه الكتب، وقد أبيح ذلك في عهد الصلح الذي يسمح بنقل المتاع والأموال في فترة الهدنة التي بين عقد الصلح ودخول العرب إلى المدينة، وقدر ذلك بأحد عشر شهراً.
5 ـ عدم ذكرها من قبل كاتب من أهل القلم كان قريب العهد من الفتح العربي مثل حنا النقيوسي.
ـ لو قضى عمرو بإحراقها لأحرقت مكانها، ولا يعقل أن يعطيها لصديقه فيليبونوس ـ، وعلى فرض أن هذا كان لا يزال على قيد الحياة ـ ليجعلها في أيدي أصحاب الحمامات في المدينة. فإنه لو فعل ذلك لاستطاع هذا أو غيره من الناس إنقاذ العدد الأكبر من هذه الكتب عن طريق الشراء مثلاً.
أحمد طالب
تجديد مكتبة الاسكندرية
ـ 1 ـ
بدأت أعمال بناء إحياء مكتبة الإسكندرية الواسعة الشهرة التي كانت أكبر مركز للمعلومات في العالم القديم. وفي نهاية سنة 1997 تكتمل المكتبة الجديدة لتصير واحدة من عشرين مكتبة ذات أهمية في العالم، منها مكتبة موسكو والمكتبة البريطانية ومكتبة الكونغرس في واشنطن. وستكون مجهزة بأحدث الوسائل التكنولوجية في التنظيم والفهرسة وتضم ما لا يقل عن أربعة ملايين كتاب، مع قدرة على استيعاب كتب جديدة تصل إلى ثمانية ملايين. كذلك ستضم متحفاً للعلوم والخطوط والموسيقى ويلحق بها مركز للمؤتمرات قرب المكان الذي كانت تقوم عليه المكتبة القديمة قبل 2300 سنة.
ستكون المكتبة الاسكندرية الأضخم، تُصمّم وتُشيّد بمساعدة المجتمع الدولي ومشاركته المالية وتبلغ كلفتها 171,5 مليون دولار.
وكانت حكومة مصر وقعت عام 1990م اتفاقاً مع منظمة الأونيسكو لجمع المساعدات المالية للمكتبة الجديدة على النحو الذي أنقذت فيه معابد أبو سنبل في مصر في الستينات والسبعينات.
وفي رأي الدكتور محسن ظهران أستاذ الأدب في جامعة الإسكندرية والرئيس التنفيذي للهيئة العامة لمكتبة الإسكندرية: أن هذا المشروع ذو مغزى كبير ليس لمصر والشرق الأوسط فحسب؛ بل للعالم كله. و«إن التعدد الثقافي سيجتذب اهتماماً كبيراً وكثيراً من الزوار إلى الإسكندرية، لكن هذا ليس هدفنا، إنما تطوير الفكر لأن لا بديل لنا منه في هذه المنطقة من العالم».
ويعتقد المؤرخون: أن المكتبة القديمة أسسها تلميذ أرسطو ديمتيريوس فاليروم في القرن الرابع قبل الميلاد. وهو كان طرد من أثينا، فلجأ إلى الإسكندرية حيث اقترح على الملك بطليموس الأول سوتير أن يجمع كتباً عن الملكية وممارسة الحكم ويدرسها، وأن يبدأ يكتب أرسطو من مكتبته الشخصية. وأعجب الملك بالفكر وطورها إذ أقر بتأسيس مكتبة تحوي «كل كتب العالم» وكتابات كل الأمم.
ولا يعرف أحد بالتأكيد كيف كانت المكتبة القديمة لكن عالم الجغرافيا اليوناني سترابو وصفها بأنها جزء من مجمع غني بالأبنية والحدائق. كانت مركزاً للعلم والأبحاث منظماً في كلياته حيث الطلاب يحصلون على رواتب مالية من صندوق الملك.
كان الهدف الأوسع للمكتبة إنقاذ الأدب اليوناني من الانحطاط، بما يشمل حفظ المخطوطات من حرب مستمرة على ورق البردي ولفائق الجلد والقماش، أو في الأقل نسخ النصوص.
ويظن أن مكتبة الإسكندرية كانت تضم أواسط القرن الأول للميلاد، زهاء 700 ألف مخطوطة على ورق البردي، مبوبة ومفهرسة مع موجزات للمواضيع، وموزعة على الرفوف بحسب أسماء المؤلفين بالتسلسل الأبجدي. وكانت أكبر مجموعة من الكتب عرفها العالم، على حد قول المؤرخ المصري مصطفى العبادي. ويروى أنه كان على كل باخرة ترسو في مرفأ الإسكندرية ذي الحركة النشيطة أن توفر للمكتبة أية مخطوطات يمكن أن تهمها.
ومع اتساع شهرتها، اختار باحثون بارزون عدة الإقامة في المكتبة ومنهم: أبو علم التشريح هيروفيلوس (340 ـ 300 قبل الميلاد) وعالم الهندسة الكبير إقليدس (330 ـ 280 قبل الميلاد)، وإيراتوشينيس (284 ـ 192 قبل الميلاد) الذي حسب محيط الأرض، والشاعر واللغوي كاليماخوس (توفي عام 240 قبل الميلاد)، وأريستارخوس ساموتراس أول علماء الآثار (توفي عام 180 قبل الميلاد)، وكلوديوس بطليمس (90 ـ 168 للميلاد) أبو رسم الخرائط.
وبقيت المكتبة قائمة ومزدهرة 300 سنة بعد تأسيسها. وثمة وقائع قليلة ونظريات كثيرة عن أسباب دمارها واندثارها، ولا تأكيد للقرن الذي زالت فيه.
ويعتقد بعض المؤرخين: أنه في السنة 30 للميلاد تضرر جزء من المكتبة نتيجة حريق، وتلا ذلك زلزال أدى إلى دمارها. فيما يعتقد آخرون أنها احترقت تماماً سنة 48 قبل الميلاد عندما هاجمت السفن المصرية جيوش يوليوس قيصر، فاحترقت السفن وامتدت النار إلى أن بلغت المكتبة بفعل ريح الشمال. وفي رواية أخرى أنه مع تضاؤل الاهتمام بالمكتبة، راحت المخطوطات تستخدم تدريجاً وقوداً لحرق المدينة. وثمة اعتقاد أيضاً أن مسيحيين متعصبين أقلقتهم الكتابات الوثنية المجموعة في المكتبة، روجوا شائعات أن ذهباً دفن في المكان، فغزاه الباحثون عن الكنز. وورد في الموسوعة البريطانية أن أبنية المكتبة ربما دمرتها زنوبيا ملكة تدمر سنة 270 للميلاد.
ولم ترد فكرة إحياء مكتبة الإسكندرية إلا عام 1974م.
وفي أيلول 1988م أعلنت الأونيسكو والاتحاد الدولي للمهندسين المعماريين مسابقة دولية مولها برنامج الأمم المتحدة للإنماء بمبلغ 600 ألف دولار لوضع تصميم للمكتبة وملحقاتها يرمز إلى «لقاء الماضي والحاضر محلياً ودولياً». وفازت في هذه المسابقة التي تقدم إليها 500 مشروع من 77 بلداً، شركة «سنوهيتا» للهندسة والبناء في أوسلو ـ نروج.
وحرص مهندسو «سنوهيتا» على أن يكون المبنى مكملاً لشاطىء الإسكندرية مع تميزه عن الأبنية العالية هناك، وأن يجمع العصرنة إلى التعدد الثقافي ويشير إلى الماضي بالرمز وليس بأشكال تشبه الهندسة القديمة، وخرج المشروع كالآتي:
المبنى الرئيسي أسطواني قطره 160 متراً. ويمثل شكله الدائري الحرف الهيروغليفي الذي يعني الشمس وقد يرمز إلى الشمس أو إلى القمر وهما الشكلان اللافتان في الصحراء عندما يظهران في الأفق.
ويبلغ أعلى ارتفاع في المبنى 32 متراً فوق الأرض وينحدر 12 متراً تحت الأرض لضبط الرطوبة المرتفعة في المنطقة وحماية المخطوطات القديمة، فضلاً عن أن الطبقات السفلى تشكل عازلاً لا مثيل له من الضجة وتستجيب للرغبة في أن يكون 50 في المئة من المبنى من دون نوافذ.
وهذا الشكل يرمز أيضاً إلى الماضي المتجذر في الأرض والمستقبل المرتفع إلى الفضاء الواسع. وانحدار السقف وانفتاحه صوب البحر الأبيض المتوسط وأوروبا والغرب يدل إلى تقوية العلاقات بين الحضارات في المنطقة.
ويتألف المبنى الأسطواني من سبع طبقات أساسية واسعة و14 طبقة إضافية على شكل مسطحات. وصمم المشروع بحيث لا يخامر الداخل إلى الطبقة الأرضية إحساس كذلك الذي يشعر به الداخل إلى مكتبات أخرى في العالم وهو الشعور بالاحتجاز في مكان مقفل. ولا يصطدم النظر بأكداس الكتب، بل لكل مسطح بعد نظري يساعد على عدم إزعاج الرؤية.
وسيغطي الجدار الخارجي للمبنى بأحرف محفورة من لغات مختلفة قديمة وحديثة ذات أحجار وأعماق متنوعة. بحيث يذكر بالجدران القديمة على طول نهر النيل.
وستحوط المياه بثلثي المبنى. والسطح المتحرك للبركة يوحي بحركة مستمرة للمبنى ويعطي انعكاساً مثيراً على الجدران، وستشكل المياه وسيلة تبريد مفيدة.
وتخترق المبنى الأسطواني جسور للمشاة تصل المكتبة بالخليج والجامعة القريبة. وقرب المبنى متحف كروي للعلوم ومتحف آخر يمثل النظام الشمسي مكسو بالزجاج والحجار في شكل هرم، ومركز للمؤتمرات. وسيحاط المكان بأشجار النخيل.
وستكون المكتبة الجديدة أكثر استيعاباً للوافدين من المكتبة القديمة. وسيتيح نظامها الإلكتروني والفهرسة المبرمجة على الكمبيوتر أفضل إفادة للباحثين من أنحاء العالم. وفي حين كان الهدف الأول للمكتبة القديمة جمع كتابات مختلف الشعوب، فإن هذا الأمر يعتبر مستحيلاً اليوم، وإن يكن الهدف أن المكتبة الجديدة عالمية. وسيضمن نقل المخوطات إلى أسطوانات بصرية حفظها أكثر مما فعل الخطاطون والطلاب في الماضي إذ نسخوا الكتابات الموزعة على ورق البردي ولفائق الجلد والقماش.
ومن أجل أن يتحول هذا المشروع حقيقة، عين في شباط 1992م المستشار الإيطالي في المعلومات جيوفاني روميريو مديراً لمشروع مكتبة الإسكندرية ورئيساً لأمانته التنفيذية. وقال روميريو الذي عمل مع الأونيسكو منذ 1974م أن مؤسسته وقعت في تشرين الأول الماضي اتفاقين مع «سنوهيتا» وشريكتها الشركة الهندية المصرية «حمزة وشركاه» للتنفيذ. وأضاف أن العمل المقبل يقسم ثلاثة أقسام: الحفريات وتأسيس العمل، البناء، التجهيزات الداخلية والمفروشات.
ويبدأ العمل الفعلي في تشرين الأول 1994م وينتهي كانون الثاني 1997م «ونخطط للافتتاح سنة 1998م مع 50 موظفاً في مرحلة أولى، ويرتفع العدد تدريجاً إلى 500 شخص».
أما المساعدات المالية، فقد جمع مطلع السنة الجارية 65 مليون دولار من العالم العربي، منها 23 مليوناً من المملكة العربية السعودية و21 مليوناً من العراق و20 مليوناً من الإمارات العربية ومليون من عمان. ووصل أخيراً شيك بألف دولار من دولة موريشيوس في المحيط الهندي.
إلى ذلك، وعدت بلجيكا وبريطانيا بدعم مكتبة الإسكندرية من طريق المنح والتعاون التربوي والعلمي.
ووقعت تركيا بروتوكولاً لتزويد المكتبة نسخاً من مخطوطات ووثائق تعود إلى الامبراطورية العثمانية وعلاقتها بمصر.
وستمول اليونان قاعة المشاهير في مدخل المكتبة حيث ستوضع تماثيل لفلاسفة المكتبة القديمة وعلمائها الكبار وخصوصاً من اليونانيين.
ووعدت الملكة الأسبانية صوفيا تزويد مكتبة الإسكندرية نسخاً من كتب ووثائق ومخطوطات عن الثقافة العربية في أسبانيا. كذلك وعد الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران بدعم المشروع بالمعدات والمخطوطات.
تجديد مكتبة الإسكندرية
ـ 2 ـ
بدعم من الأمم المتحدة والحكومة الإيطالية واليونسكو، صدر عن الهيئة العامة لمكتبة الإسكندرية «فهرست مخطوطات بلدية الإسكندرية» الذي يتألف من تسعة آلاف مخطوطة تضمها مكتبتان عتيقتان هما مكتبة بلدية الإسكندرية ومكتبة مسجد سيدي أبي العباس المرسي، وتضم الأولى ستة آلاف مخطوطة والثانية ثلاثة آلاف مخطوطة.
هذا الفهرست هو حصيلة جهود قام بها الدكتور يوسف زيدان مستشار التراث والمخطوطات في الهيئة العامة لمكتبة الإسكندرية وخبير التراث في مركز المعلومات، بمعاونة فريق من الباحثين الشبان.
وتعد مكتبة بلدية الإسكندرية واحدة من أقدم المكتبات العامة في مصر، بدأ العمل فيها في العام 1892م، وبمرور الزمن تزايد رصيدها من آلاف الكتب والدوريات والمخطوطات التي كانت في معظمها إهداءات. إلا أن هذه الإهداءات توقفت تماماً بعد ثورة تموز (يوليو) 1952م، وكان إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا والي مصر، صاحب النصيب الأكبر في تلك الإهداءات التي حملت توقيعه أو ختمه بصيغة «إبراهيم سر عسكر».
ويميز فهرست الدكتور زيدان عن أول فهرست وضع للمكتبة منذ خمسة وستين عاماً، وهو فهرست محمد البشير الشندي، بميزتين على الأقل: أولاهما أن فهرست الشندي حصر نحو أربعة آلاف مخطوطة فقط، فيما حصر الفهرست الجديد نحو تسعة آلاف مخطوطة. والميزة الثانية أن الفهرس الجديد اعتمد قواعد الفهرسة الوضعية الكاملة التي تقوم على مراحل عدة تبدأ بتحديد عنوان المخطوطة ثم تحديد مؤلفها وبدايتها والوصل المادي لها ورقم حفظها، وتصنيف كل مخطوطة تصنيفاً علمياً دقيقاً، ما يجعل الرجوع إليها من قبل الباحثين والمحققين أمراً ميسوراً.
وتضم مكتبة بلدية الإسكندرية نوادر من المخطوطات منها الجامع الصحيح للإمام مسلم النيسابوري، والمدونة والمختلطة في فقه المالكية، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي ورسالة الحدود لأبي الحسن سعيد الطيب وديوان ابن جندل وسنن ابن ماجه وعشرات المخطوطات غيرها.
بدأ الدكتور يوسف زيدان الفهرست بالمخطوطات العلمية التي تحتويها المكتبة (مكتبة بلدية الإسكندرية) وبرّر ذلك بأن التراث العربي العلمي مهمل في مجمله، كما أن ذلك يتماشى مع السياسة الثقافية العامة لمكتبة الإسكندرية. ويحتوي الجزء الأول على مخطوطات في الطبيعيات والطب والصيدلية والرياضيات والفلك، ويضم وصفاً تفصيلياً لنحو 468 مخطوطة، إضافة إلى 12 مخطوطة تركية وفارسية.
ويقول الدكتور يوسف زيدان: إن مخطوطات الإسكندرية تتوزع على ثلاث مكتبات كبرى هي: المكتبة العامة لجامعة الإسكندرية، ومكتبة مسجد سيدي أبي العباس المرسي، ومكتبة بلدية الإسكندرية، وتضم في مجموعها نحو عشرة آلاف مخطوطة.
وأهم مموعات مكتبة جامعة الإسكندرية هي: مجموعة جعفر ولي باشا، وهي من أنفس المجموعات الخطية في مصر، وتحتوي على 683 مجلداً عربياً تشتمل على 920 عنواناً، إضافة إلى عدد كبير من المصاحف والمخطوطات الفارسية والتركية والفرمانات العثمانية، كما أنها تجمع بين مختلف الفنون والآداب والمعارف.
ومجموعة الدكتور عزيز سوريال عطية وكان يعمل أستاذاً لتاريخ العصور الوسطى في قسم التاريخ في آداب الإسكندرية حتى أوائل خمسينات القرن العشرين، ثم رحل إلى أوروبا وأميركا ودرَّس في جامعاتها إلى أن توفي في العام 1991 عن عمر يناهز التسعين عاماً. وتضم مجموعة مخطوطاته 156 مجلداً عربياً تشتمل عى 177 عنواناً، عدا البرديات والوثائق الأوروبية والخرائط.
ومجموعة المستشرق الألماني ماكس مايرهوف، ويضم القسم العربي للمكتبة نحو 144 مجلداً ضخماً تشتمل على 180 عنواناً.
ومجموعة الأميرة فايزة، وهي من أشهر أميرات الأسرة الحاكمة في مصر قبل ثورة 1952م، وهي أخت الملك فاروق. وتبلغ جملة مخطوطاتها العربية 56 مجلداً تضم 113 عنواناً، وجميعها نصوص صوفية. كما أن مخطوطاتها التركية والفارسية كانت هي الأخرى في التصوف، وقليل من كتب التشيع. وأغلب هذه المخطوطات حديثة النسخ، وهي ذات أهمية كبيرة إذ تحتوي على بعض المخطوطات التي لا توجد منها نسخة أخرى في العالم.
وهناك مجموعة مفهرسة تحت مسمى «الرصيد العمومي» وتضم 25 مجلداً عربياً تشتمل على 29 عنواناً. ويرجح الدكتور زيدان أن تكون هذه المجموعة آلت إلى المكتبة ضمن كتب مجموعة اشترتها الجامعة، أو كانت ضمن القصور المصادرة أو أهديت للجامعة من دون أن يهتم أحد بذكر صاحب الهدية.
ومجموعة دري باشا التي اشترتها الجامعة وتحتوي على 337 مجلداً، بينها 14 مجلداً تشتمل على 15 عنواناً عربياً.
ومجموعة منير ولي، وكان أحد كبار الباشوات في مصر في الربع الثاني من القرن العشرين، واستولت حكومة الثورة على ممتلكاته وبينها هذه المخطوطات، وعددها 10 مجلدات تشتمل على 187 عنواناً عربياً، إضافة إلى بعض المخطوطات التركية.
ومجموعة المعهد الألماني، وتضم 6 مجلدات تشتمل على 9 عناوين، بينها أقدم مخطوطة في مكتبة الإسكندرية هي كتاب البدائع للكاشاني المؤرخة بسنة 599 هجرية.
ومن نوادر المخطوطات في مكتبة الإسكندرية: نسخة بديعة من القرآن الكريم كتبها بخط الثلث بشير بن عبدالله للسلطان سليم سنة 939 هجرية، وهي نسخة مذهبة مزخرفة. ومجموعة عتيقة من أوراق البردي عليها كتابات عربية يعود تاريخ كتابة بعضها إلى القرن الثالث الهجري. ومجموعة من كل فن للحسن بن يوسف الموصلي وتعود إلى القرن السادس الهجري. والمقامات لسهيل بن عباس الراوي. واللمحة اللطيفة في ذكر كسوة الكعبة الشريفة. والكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر لعبد الوهاب الشعراني. وإتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين للإمام مرتضى الزبيدي… وغيرها.
أما مكتبة سيدي أبي العباس المرسي التي تضم نحو ثلاثة آلاف مخطوطة، فمن نوادر مخطوطاتها: جامع المسانيد لأبي الفرج ابن الجوزي، مختصر سنن أبي داوود للمنذري، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي تفسير أبي الليث السمرقندي، شرح الإسفراني على المصباح في النحو للمطرزي، كتاب الوقف، نزهة النظار في صناعة الغبار، شرح اللمع في الحساب لسبط المارديني، مطالع الأنظار في طوالع الأنوار لشمس الدين الأصفهاني، وملتقى الأبحر للحلبي.
وفي المكتبة قدر كبير من مخطوطات القرآن الكريم كتبت في مختلف العصور وبمختلف الخطوط العربية، وأكثرها لفتاً للنظر المصحف الضخم الذي أوقفته زوجة محمد سعيد باشا على مسجد البوصيري سنة 1285هـ، وهو مذهب بالكامل.
ومن نوادر مخطوطات مكتبة بلدية الإسكندرية: الجامع الصحيح للإمام مسلم بن حجاج النيسابوري، والمدونة والمختلطة في فقه المالكية، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، ورسالة الحدود لأبي الحسن سعيد بن هبة الله الطيب، وغاية المقصد في زوائد المسند لنور الدين الهيثمي، وإصلاح المنطق لابن السكيت اللغوي، وكليات الحساب لشمس الدين الزركشي، وديوان ابن جندل، والوافي للنسفي، وكاشف الرموز ومظهر الكنوز لضياء الدين الأذكاني.
مكتبة الاسكندرية
تعود إلى موقعها ابحري القديم
احتفلت مصر في آب (أغسطس) سنة 2000م بالانتهاء من مشروع إحياء مكتبة الإسكندرية وذلك في الموقع نفسه الذي كانت تحتله المكتبة القديمة في الحي الملكي «البروكيوم» أمام شاطىء الشاطبي، وهناك كانت مكتبة الإسكندرية.
وتنجز حالياً الخطوات الأخيرة لتنفيذ التصميم للمكتبة.
المعروف تاريخياً أن مكتبة الاسكندرية، كانت أنشئت عام 292ق.م. في عهد بطليموس الأول، وتم فيها إعداد الترجمة الأولى للعهد القديم إلى اللغة اليونانية المعروفة باسم «سبتوجنت» حين أرسل كاهن جيروساليم (القدس) المترجمين بناء على طلب بطليموس الثاني إلى الإسكندرية لإعداد تلك الترجمة وهي أصبحت في ما بعد أساساً لترجمات أخرى، وما زالت المكتبة اليونانية تستخدمها.
وعندما أحرق الرومان الأسطول البحري المصري امتدت النيران إلى حي المكتبة فأحرقتها فكانت خسارة حضارية ضخمة.
وفي عام 1985م عقد أساتذة جامعة الإسكندرية مؤتمراً لمناقشة عودة مكتبة الإسكندرية إلى الحياة. وفي عام 1988م صدر القرار الجمهوري بتكوين الهيئة العامة لمكتبة الاسكندرية كمكتبة بحثية عامة تحوي معاهد اختصاصية.
وعلى أثر ذلك أصدرت منظمة اليونسكو نداء عالمياً للمساهمة مادياً ومعنوياً في إنشائها. وفي تشرين الأول (أكتوبر) عام 1990م، وقعت مصر اتفاقاً مع المنظمة يؤكد التزام المجتمع الدولي بتنفيذ مشروع إحياء المكتبة، وبدأت مرحلة التنفيذ في أيار (مايو) عام 1995م على أن يتم الانتهاء منها في آب (أغسطس) 2000م.
المشروع أُقيم على مساحة 60 ألف متر مربع بكلفة 160 مليون دولار أميركي ساهمت مصر فيها بنحو 60 مليون جنيه مصري، هي قيمة الأرض المقام عليها المشروع.
أما بقية المبلغ فساهم فيه عدد من دول العالم. إذ قدمت حكومة النروج نصف مليون دولار، وتعهدت إيطاليا تدريب الكوادر الفنية، وأمدت إسبانيا المكتبة بعشرة آلاف مخطوطة إسلامية نادرة لأشهر العلماء والفلاسفة العرب والمسلمين، وكذلك أهم المخطوطات الإسلامية الخاصة بالفتوحات.
ويقول مدير مشروع المكتبة محسن زهران إن احياء مكتبة الاسكندرية مرتبطة بالشكل والسمات التي كانت عليها المكتبة القديمة، وما احتوته من التراث المصري واليوناني، وستكون نواة لأجهزة المعلومات والاتصالات في كل أنحاء العالم وكذلك همزة وصل بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.
وألحقت بها مكتبة لفاقدي البصر، وأخرى لرجال الأعمال فيها المعلومات التي تساعدهم في إعداد دراسات خاصة بمشاريعهم… واستخدمت أحدث أساليب الفهرسة والترقيم عبر الحاسبات ليسهل للقراء الحصول على المعلومات. وسَتَحوي المكتبة نحو 400 ألف مجلد لدى افتتاحها، ويتوقع أن تصل إلى ثمانية ملايين كتاب. فهناك نحو 1500 دورية يتوقع أن يصل عددها إلى أربعة آلاف دورية بالإضافة إلى 50 ألف خارطة و10 آلاف مخطوط.
ويُقام في المكتبة أيضاً متحف للخطوط ومطبعة لنشر أبحاث العلماء وتبادلها مع المؤسسات العالمية. وهناك اتصال مباشر بين مكتبة الاسكندرية والمكتبات العالمية ليتمكن الباحث من الاطلاع على الموجود في المكتبات ومراكز الأبحاث العلمية العالمية.
منارة الإسكندرية
تحدث الرحالة القدماء الذين مروا في مصر، عن مبنى شهير ترك لديهم انطباعاً مؤثراً: منارة الإسكندرية. هذه المنارة التي تعتبر إحدى عجائب الدنيا السبع، بقيت تعمل قرابة ألف سنة بعد 270 قبل الميلاد عندما ارتفعت للمرة الأولى. وقد تضررت مع الزمن بفعل زلازل وهزات أرضية وتحولت جامعاً في إحدى المراحل العربية دمره زلزال أيضاً، وارتفعت أخيراً على أنقاضه وبحجارته قلعة الحصن في زمن المماليك التي لا تزال ماثلة على ثغر الإسكندرية حتى اليوم.
قامت مدينة الإسكندرية سنة 332 قبل الميلاد على يد الإسكندر الكبير الذي بلغ مصر بعد سلسلة من الانتصارات في المنطقة ضد الفرس، إذ اختار مكاناً على المتوسط لإنشاء مدينة عاصمة لمصر، ومرفأ يضبط التجارة بينها وبين شرق المتوسط، وأطلق على المدينة اسم الإسكندرية.
وقبل الوصول إلى مصر، توقف الإسكندر في فينيقيا، وحاصر مدينة صور سبعة أشهر. وكان مرفأ صور أهم قاعدة بحرية، والمرفأ المهم الوحيد على المتوسط في ذلك الزمن. وبعد الحصار القاسي والطويل، سقطت مدينة صور ودمر مرفأها العظيم وتابع الإسكندر طريقه إلى مصر التي رحبت به انتقاماً من الفرس. وأدرك الفاتح أن مصر بلاد منتجة للحبوب على نطاق واسع وتصدر بضائع منوعة ولها أسواق جاهزة في منطقة المتوسط، ولم يكن ثمة مرفأ على المتوسط أو على النيل، فقرر فوراً أن يشيد في المكان الذي تلتقي فيه مياه النيل مياه البحر مرفأ أساسياً يستجيب للحاجات التجارية لامبراطوريته.
ودعا الاسكندر مخطِّط مدن يونانياً ذا خبر من رودس يدعى دينوقراطس للإشراف على أعمال تطوير الاسكندرية، وأبلغ إليه تعليمات عن الأنصاب والمؤسسات الدينية والمدنية التي تحتاج إليها. ثم غادرها في اتجاه الشرق يطارد الفرس، ولم يعد قط إلى المدينة التي حملت اسمه.
وعلى أثر وفاة الإسكندر، تقاسم الامبراطورية اليونانية قادة جيشه الكبار، وكانت مصر من نصيب بطليموس الأول. ونمت الإسكندرية في عهده بسرعة وشيد فيها مباني على نحو منظم واستدعى المهندس المعماري الشهير سوستراتوس للشروع في بناء منارة على ثغر المرفأ الكبير.
أما صاحب فكرة المنارة، فليس معروفاً، وهي ارتفعت 122 متراً عن الأرض 40 طبقة، وكانت البواخر تراها من مسافة 40 كيلومتراً، ذلك أن لا منارة قبلها أو بعدها شيدت بهذا الارتفاع. وقد أحيطت جدرانها برخام محفور بفن جميل وكانت قمتها تشتعل بنار وهاجة تعكسها مرايا ضخمة صوب البحر، فاعتبرت إحدى عجائب الدنيا السبع في ذلك الزمن، تحفة من الفن والعلم المتطور لتلك المرحلة وشارك مهندسون وشعراء في الإشادة بعظمتها.
واستغرق بناء المنارة 12 سنة وجهزت للعمل في عهد ابن بطليموس الأول، بطليموس فيلادلفوس. واستخدم البناؤون كمية كبيرة من الفضة تعادل 742,400 أونصة لتزيينها. وتحولت مع الزمن رمزاً للإسكندرية كما برج أيفل اليوم رمز لباريس.
كانت المنارة ثلاثة أقسام فوق قاعدة واسعة. ضم القسم الأول نحو 300 غرفة ربما استخدمت لسكن العاملين فيها. وتحدث عنها الرحالة الأندلسي ابن جبير الذي جال في المنارة عام 1183م ووصف القسم الأول منها بأنه شبكة من الأدراج والممرات والشقق التي يضيع الزائر داخلها. وحفرت في أعلى هذا القسم كتابة باليونانية يمكن أن يراها بحارة السفن الداخلة إلى المرفأ والخارجة منه هي: «سوستراتوس الكنيدي ابن دكسيفانوس يكرس هذا للآلهة المخلّصة من أجل أولئك الذين يمخرون عباب البحر».
وفوق القسمين الثاني والثالث ارتفعت قبة المنارة التي كانت تشعل ليل نهار. في الليل يرى البحارة النار، وفي النهار يرون الدخان من مسافة بعيدة.
وقد شكك بعض المؤرخين القدامى في أن يكون الوقود المتواصل من الخشب لأنه لا يمكن أن يكون كافياً لإدامة النار ليلاً نهاراً، ويعتقد أحد المؤرخين: أن ثمة وسيلة متطورة اعتمدت إذ لا يمكن تصور سلسلة من الدواب تصعد وتهبط ناقلة الخشب. ويرى آخرون: أن النار كانت تشعل في أسفل المبنى فيعكس البرج الضوء بواسطة مرايا ضخمة لا تزال طريقة عملها مجهولة. ما هي المواد المستخدمة فيها؟ ما هو قياسها؟ هل هي مرايا مسطحة أو محدبة أو مقعرة؟.
هذه الأسئلة أفسحت في المجال للأساطير والكلام على مرآة سرية غريبة الشكل في أعلى المنارة تعكس ضوء الشمس بطريقة فريدة.
وانتقلت الإسكندرية من اليونانيين إلى الرومان سنة 30 قبل الميلاد مع وفاة آخر حكامها اليونانيين كليوباترة وزوجها الروماني أنطونيوس مرقس.
واستمر حكم الرومان في الحقبة المسيحية للمدينة التي انتهت في القرن السابع. وسنة 641م احتلت الجيوش الإسلامية، الإسكندرية بعد حصار دام سنة وتحولت مدينة عربية مع بقاء غالبية مجتمعها غير العربي فاعلة وحية إلى العصور الحديثة.
قرابة سنة 700م هز زلزال المنارة وأوقع برجها. إلا أن العرب مضوا في تشغيلها بواسطة نار تشعل في قمتها. وتعرض البناء لأضرار جسيمة وأجريت له ترميمات بسيطة واستمر يعمل إلى أن حكم مصر أحمد بن طولون (868 ـ 905م) مؤسس الدولة الطولونية، وكان ابن طولون يهتم بالأشغال العامة، فأنشأ ساحات ومبانٍ في الإسكندرية ورمم المنارة للمرة الأولى ترميماً أساسياً سنة 880م وشيد في أعلى المكان جامعاً صغيراً يرتفع فوقه الهلال.
وحصل زلزال ثان عام 956م ألحق أضراراً جديدة بالمبنى، ورمم مرة أخرى سنة 980م.
سنة 1115م تحدث الإدريسي بإعجاب عن ارتفاع المنارة وقوتها.
وسنة 1165م تولى المهندس المعماري يوسف ابن الشيخ قياس المنارة وأكد أن المبنى لا يزال صالحاً باستثناء القبة.
وحصلت سنة 1303م هزة جديدة يعتقد أنها دمرت القسمين العلويين، مخلفة فقط القسم السفلي وبقيت النار في قبتها تدل السفن إلى بر الأمان، وبعد سنوات قليلة توقف إضرام النار فيها وبني فوقها جامع آخر. وتوالت زلازل عدة دمرت المنارة تماماً. وسنة 1480م استخدم السلطان المملوكي قايتباي حجارة المنارة لبناء قلعته التي لا تزال قائمة حتى اليوم، إضافة إلى آثار مبنى المنارة داخل مياه البحر.
لقد زالت منارة الإسكندرية من الوجود، إلا أن عظمتها لن تنسى إلى الأبد.
وقد أوحب منارة الإسكندرية للشعراء العرب فذكروها في شعرهم، فمن ذلك قول الوجيه الدروي:
| وسامية الأرجاء تهدي أخا السرى | ضياء إذا ما حندس الليل أظلما | |
| لبست لها برداً من الأنس صافياً | فكان بتذكار الأحبة معلما | |
| وقد ظللتني من ذراها بقية | ألاحظ فيها من صحابي أنجما | |
| فخيل أن البحر تحتي غمامة | وأني قد خيمت في كبد السما |
وقال ابن قلاقس من أبيات:
| ومنزل جاوز الجوزاء مرتقيا | كأنما فيه للنسرين أوكار | |
| راسي القرارة سامي الفرع في يده | للنون والنور أخبار وأخبار | |
| أطلقت فيه عنان النظم فاطردت | خيل لها في بديع الشعر مضمار |
وقال محمد بن الحسن بن عبد ربه:
| لله در منار اسكندرية كم | يسمو إليه على بعد من الحدق | |
| من شامخ الأنف في عرنينه شمم | كأنه باهت في دارة الأفق | |
| للمنشآت الجواري عند رؤيته | كموقع النوم في أجفان ذي أرق |
أسكو
مدينة، هي مركز ناحية أسكو وتبعد عن تبريز 32 كلم إلى الجنوب الغربي منها و8 كلم عن طريق تبريز ـ مراغة.
تعتبر من المناطق الكثيرة الخضرة، والمتميزة بعذوبة هوائها ويمر نهر (آجي جاي) من خلالها. وهي موغلة في القدم وقد وردت باسم أسكوئيد في كتابات سرجون الثاني، ملك الأشوريين المتوفى عام 705ق.م. وتحدث عنها حمد الله المستوفي فذكر: بأنها قرية تابعة لناحية باويل التي ذكر بأنها تبعد عن تبريز بأربعة فراسخ.
نهضت أسكو خلال حركة المشروطة، وانضمت إلى صفوف الثائرين، وقاتل بعض رجالها المعروفين بشجاعتهم قوات الحكومة والقوزاق الروس جنباً إلى جنب مع المجاهدين التبريزيين، وقد برز من هذه الناحية عدد من علماء الشيعة مثل: الأمير أبي القاسم الأسكوئي ونجم الدين محمد الأسكوئي وموسى بن محمد الباقر الحاشري الأسكوئي ومحمد باقر بن محمد سليم القراجة داغي الأسكوئي وغيرهم. وهناك أقلية من الغلاة الذين يطلقون على أنفسهم اسم (أهل الحق) في إيلخجي. وهي تعد من المناطق الزراعية ومناطق تربية المواشي وتشتهر بزراعة الحبوب والفواكه الصيفية وصناعة السجاد ونسيج الحرير. وتتكون ناحية أسكو من ثلاثة أقسام وتشمل 73 قرية.
إسلام آباد
ـ 1 ـ
هذه قصة انكشاف لموضع على كقربة من راوليندي، وقد اختارته الحكومة ليكون عاصمة باكستان ـ الدولة الجديدة التي ظهرت إلى حيز الوجود في عام 1947م على أثر الكفاح المرير الذي قام به مسلمو شبه القارة، وتوج كفاحهم بالنجاح عندما وافق مجلس النواب البريطاني على إقامة دولتين مستقلتين ـ الهند وباكستان في 15 يوليو من عام 1947م، ففي نفس هذا اليوم استقل قطار خاص بعدة موظفين في دائرة الأشغال العامة من دلهي إلى ميناء كراتشي على بعد ألف ميل في الناحية الجنوبية الغربية منها، وقد أصبح هذا الميناء كراتشي ـ عاصمة لدولة باكستان الناشئة.
وكان زعماء باكستان قد وافقوا على بناء عاصمة في وادي نهر سون الواقع بين راولبندي ومري لكن الظروف العصبية والمشكلات الاقتصادية حالت دون ذلك، لذلك فإن القائمين بالأعمال اختاروا كراتشي لتكون عاصمة الدولة الباكستانية الفيدرالية؛ إذ لم يوجد أي موضع آخر يسع للدوائر الحكومية لكي تتاح إدارة دفة الدولة دون أي تأخير أو عائق.
ومدينة كراتشي التي لم يمض على تأسيسها أكثر من مائة سنة فقد وضعت خطتها لإسكان أقل من نصف مليون من الناس. ولما ظهرت دولة باكستان في أغسطس عام 1947م، أصبحت كراتشي عاصمة الدولة تنبض بالنشاط الهائل والأعمال الحيوية تزاهي أي عاصمة أخرى.
على أن الجو الحار الرطب الذي تمتاز به مدينة كراتشي يجعلها غير صالحة لتحمل أعباء العاصمة الفيدرالية لأن الجو الحار الرطب يجعل العمل فيه صعباً أشد الصعوبة فإن المناخ من شهر آذار إلى شهر تشرين الأول يكون حاراً شديداً الحرارة، كما أنه بارد رطب من شهر تشرين الثاني إلى شهر شباط، ومع ذلك فإن عدد سكان كراتشي أخذ في الارتفاع بصورة مدهشة إذ بلغ ما يقرب من مليوني نسمة في عام 1959م، أي أنه قفز من خمسمائة ألف نسمة في عام 1947م، إلى المليونين في سنة 1959م، كذلك اتسعت رقعة مدينة كراتشي من 240 ميلاً مربعاً إلى 822 ميلاً مربعاً.
وعلى الرغم من ذلك فإن تدفق البشر إلى مدينة كراتشي استمر على الدوام. كل ذلك أدى إلى الاضطراب في تزويد الماء وتوفير الخدمات الصحية وأسباب النظافة، وفوق هذا أدى مناخ المنطقة التي تقع فيها مدينة كراتشي إلى توتر الأعصاب والإصابة بالأمراض، كما أن تركّز الحركة التجارية الكبيرة أثر في عمل الحكومة المركزية أثراً سيئاً في السنوات الأخيرة، ومن ثم أصبحت الضرورة للبحث عن موضع آخر يلائم ظروف عاصمة لدولة كبيرة مثل باكستان.
وفي شهر آب سنة 1955م، وقع الاختيار بعد اضطراب شديد في اتخاذ القرار بهذا الشأن على (جاداب) ـ موضع يقع على 20 ميلاً في الناحية الشمالية الشرقية من كراتشي لبناء عاصمة دائمة، ولكن العوامل الكثيرة وأهمها العوامل السياسية أدت إلى ترك هذا المشروع في كانون الثاني سنة 1957م، وإن كان العمل البدائي قد بدىء في تنفيذه مدة 17 شهراً.
وفي كانون الأول سنة 1958م، عينت لجنة ذات سلطة عليا لدراسة المسألة من جديد واختيار موضع لتشييد عاصمة فيدرالية دائمة.
وبعد ستة أشهر انتهت اللجنة إلى أن كراتشي لا تصلح لأن تكون عاصمة فيدرالية بسبب العوامل الجغرافية والوسائل الإنمائية والمواصلات والأسباب الاجتماعية والثقافية وحاجيات الدفاع، وقالت اللجنة إن أصلح موضع للعاصمة هو الموضع الواقع على مقربة من راولبندي وكان الزعماء الباكستانيون قد اختاروا هذا الموضع فعلاً في شهر يونيو سنة 1947م، أي قبل شهرين من تأسيس دولة باكستان.
والموضع الذي أوصت به اللجنة لإقامة العاصمة الفيدرالية يقع على بعد 7 أميال في الجهة الشمالية الشرقية من راولبندي وتحيط به سلسلة من التلال على صورة هلال والطريق الكبير إلى مصيف مري الجميل الواقع على بعد 34 ميلاً من راولبندي يمر بالموضع المقترح للعاصمة والمنطقة التي هي سهل على العموم يميل من الشمال نحو الجنوب والقسم الشمالي منها عبارة عن تلال مغطاة بالغابات تتخللها أودية ضيقة ومنظر الأرض جميل رائع ويبلغ ارتفاعه 5,264 قدماً على سطح البحر.
وتعرف المنطقة من الناحية الجغرافية بوادي نهر سون، ويقول المؤرخون: إنها من أقدم المواطن للبشرية، إذ إن الصخور المستديرة المتناثرة هنا وهناك التي توجد في أماكن مختلفة تدل على أنها ترجع إلى العهد الجليدي، وكان نهر سون يجري بها، والانكشافات الأركولوجية الحديثة تدل على أن المنطقة كانت موطناً للبشر في العصر الحجري المتوسط والعصر الحجري الأخير أي في 5,000 قبل المسيح.
وعلى بعد نحو 20 ميلاً من هذه المنطقة توجد آثار مدينة تكسيلا القديمة الشهيرة التي كانت مركزاً ثقافياً كبيرا،ً كما كانت عاصمة الإقليم الشمالي الغربي من شبه القارة الهندية الباكستانية من القرن الثالث قبل المسيح إلى القرن السادس الميلادي، وفي خلال هذه الفترة قام الاسكندر الكبير بغزواته التاريخية على هذه البلاد مع قواته الإفريقية. وكانت هذه المدينة التاريخية أهم المراكز للديانة البوذية في ذلك العهد، وقد اشتهرت هذه المدينة في فن النحت الذي امتاز بتماثيله من مدرسة الغندارا، وقد تطور هذا الفن تطوراً عظيماً في هذه المدرسة، وامتزجت فيها التقاليد المحلية بالفنون الإفريقية والرومانية.
أما من ناحية المناخ فإن الموضع الجديد للعاصمة يعتبر موضعاً مثالياً إذ إن درجة الحرارة القصوى لا تربو على 84 فارن هايت، والمعدل السنوي للمطر يبلغ 36 بوصة، وموجة الحرارة لا تدوم إلا لمدة يومين فقط كل سنة، كما أن وقوعه القريب من المصايف الجبلية الجميلة مثل مري وناثيا كلي وابوت آباد ودنكاكلي والأودية الخضراء تجعله يميل إلى البرودة في الصيف ويتيح فرصاً مؤاتية للقيام برحلات سريعة إلى هذه المصايف الخلابة في أيام الإجازة دون تكاليف باهظة.
وإذا قمت بجولة جوية فوق هذه المنطقة تمتّعت نفسك بجمالها الطبيعي والأكواخ الصغيرة القائمة على ضفاف نهري كورانج وسون اللذين يمران بها كأنها خطوط من الفضة والحقول المسطحة تدل على خصوبة أرض المنطقة، وتقع قرية راول على بعد 11 ميلاً من حديقة راولبندي، وهذه القرية ملتقى نهري سون وكورانج. لذلك فإن سد راول أقيم فيها لتوفير الماء للعاصمة الجديدة، ومدينة راولبندي تتمتع بشهرة عالمية لأنها كانت مقراً رئيسياً لقيادة الجيش الشمالية في العهد الإنكليزي قبل الاستقلال، وقد اتخذتها باكستان مقراً رئيسياً للجيش ووزارة الدفاع.
وبدأ التنفيذ بنقل الدوائر الرئيسية المسؤولة عن وضع سياسة الدولة في تشرين الأول سنة 1959م، وذلك بنقل 300 موظف حكومي مع عائلاتهم إلى راولبندي ومنذ 27 تشرين الأول سنة 1959م، بدأت الدوائر الحكومية تقوم بأداء واجبها، ثم أخذت بقية الدوائر الحكومية تنتقل إلى راولبندي دفعة بعد دفعة حتى تم نقل جميع الدوائر الحكومية إلى هناك إلا شيئاً قليلاً منها، وذلك كالدوائر الإقليمية التابعة للحكومة المركزية.
إسلام آباد
ـ 2 ـ
عندما تأسست باكستان وظهرت إلى عالم الوجود كدولة مستقلة في عام 1947م، تمركزت الحكومة المركزية في كراتشي، إذ لم تكن هناك في ذلك الوقت مدينة أفضل منها لجعلها عاصمة للدولة الجديدة، ولكن هذا كان ترتيباً مؤقتاً ولذا ظلت الحاجة إلى وجود عاصمة ملائمة يشعر بها الجميع. وبعد دراسات مطولة اختيرت سهول بوتوار الواقعة قرب راولبندي مكاناً للعاصمة الجديدة. والمكان الذي وقع عليه الاختيار يمتد على مساحة تبلغ 351 ميلاً مربعاً، ويتميز بحسن موقعه وبالتلال القريبة منه التي ترتفع إلى مسافة تتراوح بين 1700 و2000 قدم. وتقطع هذا الموقع سلسلة الجبال التي تمتد من سلسلة جبال مارغالا في الشمال والتي يبلغ ارتفاعها خمسة آلاف قدم. كما أن تلال موري الخضراء أبداً، والمغطاة بالثلوج في الشتاء والواقعة خلف المدينة مباشرة تضفي مزيداً من الجمال على العاصمة. وإلى الغرب من المدينة تقع مدينة تاكسيلا الشهيرة بآثارها البوذية.
ومع قيام إسلام آباد سكنها جماعات من الشيعة.
وإسلام آباد: يطلق أيضاً على مدينة تقع في الناحية الجنوبية الشرقية من وادي كشمير على نهر جهلم.
وعدا هذا فقد كان الامبراطور أورنك زيب يطلق: اسم إسلام آباد على بعض المدن التي يستولي عليها في الهند ولكن هذه المدن عادت إلى أسمائها الأولى.
الإسماعيليون
ـ 1 ـ
هم القائلون بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق (ع) بعد أبيه جعفر، وبذلك اختلفوا عن الشيعة الإمامية الاثني عشرية الذين قالوا بإمامة موسى الكاظم بعد جعفر الصادق (ع).
وقد كانت الدولة الفاطمية على المذهب الإسماعيلي. وبعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر (427 ـ 487هـ)، حصل انشقاق خطير في صفوف الإسماعيليين ذلك أنه تولى الخلافة بعد المستنصر ولده أبو القاسم أحمد. ولكن أحمد هذا لم يكن الابن الأكبر للخليفة، ولا كان هو المؤهل لولاية العهد بنظر بعض الإسماعيليين؛ بل كان المؤهل لها، بنظرهم، أخوه الولد الآخر نزار (477 ـ 488هـ/1084 ـ 1095م) ويرون أن الخليفة المستنصر عهد إلى نزار بولاية العهد فعلاً، وأخذ في البيعة له خلال مرضه؛ إلا أن وزير الخليفة الأفضل بن بدر الجمالي أخذ يماطل بذلك ليحول دون نزار وولاية العهد لأمور كانت بينه وبين نزار، ولقرب أبي القاسم أحمد من الوزير الأفضل إذ كان أحمد متزوجاً من شقيقة الأفضل كما يرون أن المستنصر توفي ووزيره الأفضل مسيطر على الحكم فتمت بذلك ولاية العهد وانتقال الخلافة لأبي القاسم أحمد الذي لقب بالمستعلي بالله.
وهكذا فقد انقسم الإسماعيليون عام 487هـ، إلى فرقتين: واحدة تقول بإمامة أبي القاسم أحمد المستعلي بالله وسميت بالتالي المستعلية، وثانية: تقول بإمامة نزار وسميت بالتالي النزارية.
الإسماعيليون النزاريون
على أثر تولي المستعلي بالله أبي القاسم أحمد الخلافة بعد المستنصر مضى نزار إلى الإسكندرية في وقت مبكر من عام 488هـ/1095م، فتلقاه واليها ناصر الدين افتكين بقبول حسن، وبايعه هو وأهل الاسكندرية وأعلن فيها خليفة بلقب المصطفى لدين الله فلما علم الوزير الأفضل بن بدر الجمالي بذلك خرج إلى الاسكندرية يقود جيشاً كثيفاً، ولكنه انهزم وعاد إلى القاهرة. ثم جهز جيشاً آخر وعاد لحصار الإسكندرية والتضييق عليها بعد أن استمال بعض أتباع نزار من العربان فاضطر للتسليم هو وافتكين فأمنهما الأفضل ثم فتك بهما.
على أن في النزاريين من يقول: إن نزاراً لم يقتل في مصر، وإنه غادرها مع أهل بيته متخفياً بزي التجار نحو سجلماسة، حيث مكث عند عمته هناك بضعة شهور حتى عادت إليه الرسل التي أوفدها لإبلاغ الحسن بن الصباح عن محل إقامته فسار إلى جبال الطالقان مع أهل بيته ومن بقي من دعاته حيث استقر بقلعة ألموت مع الحسن بن الصباح.
وثمة من يقول: إن الحسن بن الصباح كان في مصر حين وقوع الخلاف على ولاية العهد فلم يقر ما جرى، وكان ممن يرون أن المستنصر كان مكرهاً على تولية ولده أحمد وأن الأمر هو لنزار لا لأحمد ففر الحسن بن الصباح من مصر داعياً إلى نزار ثم أرسل بعض فدائييه فأحضروا ابناً لنزار إلى قلعة ألموت([132])، وفي قول آخر: إنه لم يخرج من مصر حتى أخرج معه ابناً لنزار، واسمه في سلسلة الأئمة النزاريين: علي، ولقبه الهادي. فأخفاه الحسن وستره. وبهذا أصبح الحسن بن الصباح الرجل الأول، والموجه الفعلي للدعوة النزارية. ويقول الدكتور محمد كامل حسين عن الحسن الصباح: «أصبح صاحب الأمر في الدعوة الجديدة دون أن يدعي الإمامة، وإن كان العقل المدبر واليد الفعالة لجميع الحوادث التي كانت تجري في العالم الإسلامي في ذلك العصر».
وانتهى النزاع على خلافة المستنصر بانشقاق دائم، قسّم الإسماعيليين الفاطميين إلى فريقين متنافسين أمّا الذين اعترفوا بإمامة المستعلي، الجالس على عرش الخلافة الفاطمية، فهم إسماعيليو مصر وكامل الجماعة الإسماعيلية في اليمن، وهي التي كانت تابعة للحكم الفاطمي آنئذ. وبما أن إسماعيليي كجرات في غرب الهند كانوا جماعة رافدة لإسماعيلييّ اليمن، فقد اعترفوا بالمستعلي إماماً جديداً لهم في تلك الفترة أيضاً. وأصبح أولئك الإسماعيليون الذين تتبّعوا الإمامة في نسل المستعلي يُعرفون بالمستعلية أو المستعلاوية، وحافظوا على علاقاتهم بمقر قيادة الدعوة في القاهرة، التي أصبحت منذ تلك الفترة، وفيما بعد ذلك مقراً للإسماعيلية المستعلية.
أمّا الحالة في الأراضي الشرقية في طول الممتلكات السلجوقية وعرضها، حيث لم يعد للفاطميين أي نفوذ سياسي هناك، فقد كانت مختلفة اختلافاً بالغاً. فبحلول سنة 487/1094، كان حسن الصباح قد ظهر قائداً بلا منازع للإسماعيليين الفرس، بل ولكل الإسماعيليين داخل الممتلكات السلجوقية فعلاً. وعلى أية حال، فإن مسؤولية اتّخاذ موقف بشأن النزاع النزاري ـ المستعلي وقعت في فارس وفي المملكة السلجوقية الأوسع على كاهل حسن الصباح في تلك الفترة. فقد سبق له اتّباع سياسة ثورية مستقلة لسنوات عديدة مضت، ولم يُظهر أي تردّد في تأييد قضية نزار في تلك الفترة ولا في قطع روابطه بنظام الحكم الفاطمي وبمقر قيادة الدعوة في القاهرة، حيث كان الإسماعيليون قد حوّلوا ولاءهم إلى المستعلي. ولقي حسن تأييد كامل الجماعة الإسماعيلية الفارسية لهذا القرار دون معارضة أحد. وهذه شهادة أخرى على قيادة حسن الناجحة وعلى سيطرته القوية على الإسماعيليين الفرس، وهم الذين مكثوا متحدّين في معارضتهم للسلاجقة أيضاً. وفي الحقيقة، فإن حسّ الولاء للإسماعيليين الفرس ووحدتهم المتماسكة كوَّنَا مصدر دهشة للسلاجقة المتخاصمين وللمؤسسة السنيّة القائمة.
وكان قرار حسن الصباح بعدم الموافقة على التطوّرات التي حدثت في مصر الفاطمية ولا على إمامة المستعلي قد لقي تأييداً له من قبل إسماعيليي العراق، حيث لاقت زعامته اعترافاً بها هناك أيضاً، واعترف أولئك الإسماعيليّون المتمسّكون بالنص المعلن للمستنصر في صالح نزار، اعترفوا في تلك الآونة بالأخير خلفاً لوالده في الإمامة، وصاروا يسمّون بالنزارية، المصطلح الذي نادراً ما استخدمه النزاريون أنفسهم. وقد تمّ قمع المتحزّبين لنزار في مصر على وجه السرعة على يدي الأفضل. أمّا ردّة الفعل الأصلية لإسماعيليي سورية على هذا الانشقاق فتبقى غامضة. والظاهر أن كلا الحزبين قد وجد في بداية الأمر في سورية، حيث كان الحجم الكلي لجماعة الإسماعيلية هناك لا يزال غير ذي أهمية إلى حد ما في تلك الفترة. وباعتبارها كانت تخضع سابقاً للنفوذ الفاطمي، فإن جلّ الإسماعيليين السوريين، كما يبدو، قد اعترفوا بإمامة المستعلي في بداية الأمر. ولكن حتّى العقد الثاني (510/1120) راح المستعليون السوريّون يتقلّصون أمام الجماعة النزارية المتنامية بسبب نجاح الدعاة الفرس الذين بعثت بهم ألموت، وأصبح النزاريون الجماعة الإسماعيلية الوحيدة في سورية.
غير أن الإسماعيليين النزاريين، الذين اعترفوا بنزار ـ إماماً جديداً لهم بعد المستنصر، سرعان ما واجهوا صعوبة رئيسية تمثّلت بخليفة نزار في الإمامة، وكان نزار، كما سلفت الإشارة، قد زعم الإمامة إبان ثورته. لكنه أعدم بعد وفاة والده بعام تقريباً. ووقعت النزارية الوليدة في حيرة من أمرها في تلك الفترة بخصوص هوية إمامهم بعد نزار. ولا بد أن المسألة كانت في غاية التعقيد، خاصة وأنه لا يظهر أن أيّاً من بيت نزار قد أعلن زعماً واضحاً بالإمامة عقب وفاة نزار.
وإنها لحقيقة تاريخية أنه كانت لنزار ذرّية من الذكور. فالمصادر التاريخية تذكر أسماء اثنين من أبنائه على الأقل: أبي عبدالله الحسين وأبي علي الحسن. كما أنه معلوم أيضاً أن خطاً من النزاريين المتحدّرين من أبناء نزار واصل تواجده في المغرب ومصر حتى وقت متأخّر من الأزمنة الفاطمية. وبعض أولئك النزاريين كان من بين الذين ادعوا حقّهم بالخلافة الفاطمية، وربّما كانوا من الذين زعموا الإمامة النزارية أيضاً. وعلى سبيل المثال، فإن أبا عبدالله الحسين نفسه كان قد شنَّ، من مقرّه في المغرب، ثورة محبطة ضد الخليفة الفاطمي الحافظ، لكنه وقع أسيراً وأُعدم سنة 526هـ/1131م. وتروي المصادر خبر محاولة محبطة أخرى سنة 543هـ/1148م للاستيلاء على السلطة في القاهرة على يدي أحد أحفاد نزار. وكان هذا النزاري، الذي لم تحفظ المصادر لنا اسمه، قد اتخذ قاعدته في المغرب أيضاً حيث تلقى تأييداً لا بأس به من كتامة ومن البربر الآخرين. وآخر محاولة معروفة للنزاريين المتمركزين في المغرب للإطاحة بالسلالة الفاطمية وقعت في عهد العاضد (555 ـ 567هـ/1160 ـ 1171م)، آخر الخلفاء الفاطميين. وفي العام 556هـ/1161م، ورد إلى برقة محمّد بن الحسين بن نزار، أحد أحفاد نزار، قادماً من مقرّه في المغرب. وقام بثورة لقيت تأييداً كبيراً بهدف الاستيلاء على القاهرة، وتلقّب بلقب المنتصر بالله. لكنه لم يلبث أن تعرّض لخيانة أحد حلفائه الرئيسيين الذي قبض عليه وأرسله إلى القاهرة حيث أُعدم.
في غضون ذلك، لم يقدم حسن الصباح على تسمية خلف نزار في ألموت. إذ من الممكن ألا يكون الإسماعيليون الشرقيّون قد علموا بالمصير المأساوي لنزار في القاهرة في الوقت المناسب، وأنهم واصلوا لبعض الوقت انتظار ظهوره مرة أخرى. وتبقى المسألة غامضة، خاصة وأنه لم تتم استعادة أية مصادر نزارية من تلك الفترة المبكرة. غير أن أدلة نقشية منشورة تكشف أن اسم نزار ولقبه قد استمرا في الظهور على النقود المسكوكة في كرسي الديلم، أي ألموت، بعد سبعين سنة، عقب وفاته حتى زمن محمد بن بزرك أميد (532 ـ 557هـ/1138 ـ 1162م)، خليفة حسن الصباح الثاني في ألموت. وآخر النماذج المعروفة من مثل هذه النقود، دنانير ضُربت في ألموت عام 553/1158 و556هـ/1161م، وتحمل النقش «علي ولي الله/ المصطفى لدين الله، نزار»، الذي يبارك ذرية نزار بدون تحديد.
وكائناً ما يكون الأمر، فقد تركت النزارية الوليدة في تلك الفترة من دون إمام يمكن الوصول إليه. وكان الإسماعيليون قد اختبروا مرة قبل ذلك، أي إبّان فترة ما قبل الفاطميين من تاريخهم، حالة مماثلة عندما كان الأئمة الإسماعيليون مستورين عن أعين أتباعهم. ونسجاً على تلك السابقة الأقدم، فقد كان النزاريون يشهدون في تلك الفترة دوراً من الستر أيضاً، عندما لم يعد الأئمة في متناول أتباعهم. وطبقاً لتقاليد نزارية متأخرة وكما روى مؤرخو الفرس، فقد سبق للعديد من النزاريين في زمن حسن الصباح الاعتقاد بوجهة النظر القائلة بأن ولداً أو حفيداً لنزار أُحضر سرّاً إلى فارس من مصر. ويشهد على إعلان نزار خليفة وإماماً في الإسكندرية دليل أثري تمثَل بقطعة نقود قديمة ظهرت سنة 1994م. وتحمل نقوش هذا الدينار الذهبي المكتشف حديثاً، أول نوع من جنسه، والمسكوك في الاسكندرية سنة 488هـ، زمن ثورة نزار هناك، تحمل عبارة «المصطفى لدين الله»، و«دعاء الإمام نزار».
تحول خطير طرأ على العقيدة الإسماعيلية النزارية هو: أن الحسن الثاني دعا اتباعه إلى طرح جميع التكاليف الدينية، والامتناع عن إقامة الفرائض، وبذلك انقطعت الصلة بين هذه الفرقة، وبين العقيدة الإسماعيلية الفاطمية ولكنها ظلت مع ذلك تحمل اسم «الإسماعيلية».
وفي 17 رمضان سنة 559هـ، أذاع الحسن الثاني: بأنه هو الإمام من نسل نزار بن المستنصر، وبذلك أعلن ظهور الأئمة النزاريين بعد أن كان هو ومن قبله يحكمون باسم الإمام المستور. على أن الحسن الثالث جلال الدين حفيد الحسن الثاني الذي تولى الأمر سنة 607هـ. أمر بالقيام بالفرائض الدينية والعودة إلى ما كان عليه الحال قبل جده الحسن الثاني، وأمر ببناء المساجد، وقرب إليه الفقهاء والقراء وأحسن إليهم ثم اتصل بالخليفة العباسي الناصر لدين الله، وبالملك خوارزم شاه، وغيرهما من ملوك المسلمين وأمرائهم.
وقد توالى على حكم النزارية ثمانية منهم: حسن الصباح الحميري، وكيا بزرك أميد، وحسن بن محمد بزرك أميد، ومحمد بن حسن، وجلال الدين بن محمد بن حسن، وعلاء الدين محمد بن جلال الدين بن محمد، وركن الدين خورشاه بن علاء الدين الذي قتله هولاكو، وانتهت به دولة الإسماعيلية النزارية التي دامت 177 سنة.
الأسماعيليون المستعليون (البهرة)
أما الفرقة الثانية التي قالت بإمامة المستعلي بالله أبي القاسم أحمد؛ فإنها بعد اغتيال الخليفة الآمر بن المستعلي بالله بأيدي النزاريين، وقع فيها أيضاً انشقاق، ففريق منهم، وهم الصليحيون، رأى: أن الإمامة انتقلت بعد المستعلي إلى ولده الطفل الطيب، وأن والده قبل وفاته أوصى بنقله إلى اليمن، واستودعه الملكة الحرة (أروى) كما يرون أن الطيب لم يظهر بل استتر. وبذلك عاد دور الستر من جديد. وفريق آخر قال بخلافة الحافظ، وقد رفضت الملكة الحرة الاعتراف بخلافة الحافظ، وسمت نفسها كفيلة الإمام المستور الطيب ابن الآمر. ولكن الحافظ استمال غيرها من اليمنيين فقلد علي بن سبأ بن زريع حكم اليمن ولقبه «الداعي المعظم المتوج المكنى بسيف المؤمنين». بذلك شاطرت اليمن بالانقسام الجديد بعد أن نجت من الانقسام القديم، وكما يقع في كل انقسام، تضعضعت أحوال اليمن، وكانت الخلافة الفاطمية نفسها تمشي إلى الزوال، وما لبث نور الدين محمود بن زنكي أن مدّ يده إلى مصر، وتقلد صلاح الدين الوزارة وانتهت الخلافة الفاطمية سنة 567هـ فأرسل حملة إلى اليمن بقيادة توران شاه الذي سيطر على هذه البلاد.
ويقول مؤرخ إسماعيلي: «أما الطيب فقد ولىّ دعاة مطلقين بعد الملكة الحرة وأصبحت هذه الدويلة دينية محضة بعد الصليحيين لا شأن لها بالسياسة الدنيوية».
وقد اعتصم الإسماعيليون المستعليون بجبل حصين من جبال اليمن يتعاقب منهم الدعاة المطلقون حتى بلغ عددهم ثلاثة وعشرين. فبعد الملكة الحرة قام بالدعوة في اليمن ذؤيب بن موسى الداعي المطلق، وتعاقب بعده الدعاة حتى محمد عز الدين، وبقي مركز الدعوة في اليمن زهاء أربعة قرون ثم انتقلت الدعوة إلى الهند، وعرف أتباعها باسم «البهرة». ومن العوامل التي أثرت في نقل الدعوة إلى الهند ما كان من صلات تجارية بين اليمن والهند، وإقبال الإسماعيليين على التجارة، كل ذلك أتاح للدعاة فرصة بث الدعوة بين الهندوس حتى تكونت منهم مجموعات إسماعيلية مستعلية لا سيما في جنوبي بومباي. ويقال إن الاسم الجديد الذي أطلق على معتنقي المذهب «البهرة» مشتق من صفتهم المهنية التي طغت على كل منهم وهي التجارة، وأن «البهرة» كلمة هندية قديمة معناها التاجر.
وبعد انتقال الدعوة إلى الهند انقسمت إلى فرقتين: فرقة السليمانية، وفرقة الداودية، وكان الانقسام بسبب من يتولى مرتبة الداعي المطلق فالداودية تنتسب إلى الداعي قطب شاه داوود بن عجب شاه المتوفى سنة 1021هـ، والسليمانية تنتسب إلى الداعي سليمان بن حسن الذي أبى أتباعه الاعتراف بداوود واعترفوا بسليمان سنة 997هـ داعية لهم.
وللإسماعيلية البهرة في شبه القارة الهندية الباكستانية مؤسسات عظيمة، ودور وعمارات وملاجىء، ونحو ثلاثمائة مدرسة منها الجامعة العربية السيفية بسورت التي أسست قبل أكثر من مائة عام لتدريس العلوم الدينية باللغة العربية، وفيها يجد الطالب البهري جميع ما يحتاجه من مأكل ومشرب وملبس وكتب وأدوات كتابية وغير ذلك مجاناً. والباقي مدارس ثانوية وابتدائية تدرس سائر العلوم باللغات الإنكليزية والأوردوية والكجراتية.
وللبهرة نحو مائة مسجد منبثة في كثير من المدن والولايات في شبه القارة الهندية الباكستانية، وأكبر هذه المساجد وأفخمها مسجد بومباي المعروف بغرة المساجد، ولكل جماعة في كل مدينة من المدن (داع) يعين للنظر في شؤون الجماعة الخاصة والهيمنة على سائر أحوالهم الشخصية.
وللبهرة في الخارج مؤسسات كبيرة ودور ضيافة واسعة أعدت خصيصاً للضيوف النزلاء من جماعتهم عند حلولهم في أي مدينة من المدن التي يكثر فيها إخوانهم أو التي يترددون عليها من وقت لآخر، من ذلك قصر سيفي بمكة المكرمة والمدينة المنورة ثم قصور الضيافة في كربلاء والنجف الأشرف وبغداد والبصرة وعدن وإفريقيا الشرقية.
الافتراء على الإسماعيليين
إن معظم ما نعرفه الآن عن عقائد الإسماعيليين وتاريخهم في الأزمنة الوسيطة لم يكن معروفاً حتى عقود قليلة مضت. ويعود ذلك بكل بساطة إلى أن دراسة الإسماعيليين كانت تتمّ على أساس ينحصر تقريباً بالمصادر والروايات التي أنتجها غير الإسماعيليين الذين كانوا معادين لهم عموماً. وكان المناوئون السنّة تحديداً، بدءاً بابن رزام الذي اشتهر في النصف الأول من القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، قد بدؤوا بوضع الشواهد التي قد تساعد في نقض الإسماعيليين على أسس عقائدية محددة. وواصل العبّاسيون أنفسهم تشجيع تصنيف مثل تلك الرسائل المعادية للإسماعيليين، وهي التي بلغت ذروتها في كتابات الغزالي (ت 505هـ/1111م) الذي خصّص كتابه المعادي للإسماعيليين. وفي كتابه «المستظهري» الذي كتبه في نقض الإسماعيليين بطلب من الخليفة العباسي المستظهر (487 ـ 512هـ/1094 ـ 1118م) قدّم الغزالي رؤيته الخاصة لنظام التلقين الإسماعيلي المتدرج المعقد والتثقيف العقائدي الذي يفضي في النهاية إلى مرحلة من الإلحاد وعدم الإيمان كما أنتج المؤلّفون المعادون للإسماعيليين عدداً من الروايات المثيرة للسخرية نسبوا إلى الإسماعيليين فيها، وبشكل مسبق، كل أصناف المعتقدات الهرطقية. وكان يجري تداول هذه الأعمال المزوّرة على أنها كتابات إسماعيلية أصيلة. واستخدمت كمصادر للمعلومات من قبل الأجيال اللاحقة من كتّاب الفرق والكتّاب المناوئين. وكانت النتيجة أن ساهموا إلى حد كبير في صياغة آراء عامة المسلمين المعادية للإسماعيليين.
وخلاصة القول، إن حملة أدبية مناوئة للإسماعيليين واسعة الانتشار كانت قد ظهرت إلى الوجود في العالم الإسلامي بحلول القرن الرابع/ العاشر. وكان هدف هذه الحملة التي قادها كتّاب الفرق والمناوئون المعادون، النيل من مجمل الحركة الإسماعيلية منذ بداياتها الأولى. وتركّزت جهود تلك المصادر المعادية للإسماعيليين بشكل ثابت وملّح في تلك الفترة لنسبة كامل الأهداف الخبيثة والمعتقدات الهرطقية والممارسات اللاأخلاقية إلى الإسماعيليين، في حين تبنّى العبّاسيّون أنفسهم حملات نُظّمت بعناية لنقض النسب العلوي للأئمة الإسماعيليين. وسرعان ما ظهرت إلى الوجود «خرافة سوداء» صورت الإسماعيلية على أنها الإلحاد المطلق في الإسلام، وصارت هذه «الخرافة السوداء» بمرور الوقت وبأصولها المنسية، تُقبل على أنها وصف دقيق لدوافع الإسماعيليين ومعتقداتهم وممارساتهم، الأمر الذي أدّى إلى المزيد من الكتابات المناوئة للإسماعيليين، وإلى المساهمة أكثر في مواقف المسلمين الآخرين المعادية للإسماعيليين.
وقام الأوروبيون من الصليبيين ومن أزمنة متأخرة بإضافة حكاياتهم الخيالية إلى ما أنتجه المسلمون من كتابات مثيرة للسخرية ومعادية للإسماعيليين، وبقي الأوروبيون من العصر الوسيط جاهلين تماماً تقريباً بالإسلام وتقسيماته الداخلية.
وقد ألصقت بالإسماعيليين صفة الباطنية وسُمّوا بها بشكل أساسي. وغالباً ما تم اتخاذ تلك التسمية لتتضمن الفسق ورفع التكاليف، لأنه من السهل تفسيرها بطريقة مغلوطة لتعني أن الإسماعيليين قد وضعوا تأكيداً مفرطاً، أو حتى مطلقاً، على أهمية الباطن على حساب الظاهر، أو المعنى الحرفي للشريعة والواجبات الدينية كما حددها القرآن والشريعة.
وفي سعي باتجاه ذات الحملة الرسمية المعادية للإسماعيليين، قام الخليفة القادر العباسي (991 ـ 1031م) بجمع عدد من علماء الدين في بلاطه في بغداد وأمرهم بكتابة محضر يعلن أن الخليفة الفاطمي المعاصر، الحاكم بأمر الله، وأسلافه ينقصهم النسب العلوي الفاطمي الصحيح. وقد قرىء هذا المحضر، الذي صدر في العام 1011م، في المساجد في طول البلاد الخاضعة للعباسيين وعرضها. يضاف إلى ذلك أن الخليفة القادر كلف عدداً من رجال الدين بكتابة رسائل تدين الإسماعيليين وعقائدهم. وبدءاً من عام 1017م انشقت الحركة المخالفة، التي دَعَت إلى ألوهية الحاكم إلى جانب أفكار متطرفة أخرى، عن الإسماعيلية. وقد وفّرت هذه الحركة أسباباً إضافية للبلبلة والطعن المعادي للإسماعيلية، بالرغم من أن مقر قيادة تنظيم الدعوة الفاطمية في القاهرة كان قد رفض رسمياً تلك التعاليم، وأن أتباعها أنفسهم قد تعرضوا للاضطهاد في مصر الفاطمية. وفي العام 1052م، تبنى الخليفة القائم العباسي (1031 ـ 1075م) محضراً آخر معادياً للفاطميين في بغداد، كان يهدف هو الآخر إلى التجريح بالنسبة العلوي للسلالة الفاطمية الحاكمة.
ومع ذلك، فقد استمرت أعمال التبشير للدعوة الفاطمية سراً في الأراضي العباسية؛ وقد توّج نجاحها مؤقتاً في الشرق خلال الفترة 1058 ـ 1059م عندما تمّ، وبفضل نشاطات القائد التركي البساسيري الموالية للفاطميين في العراق، الاعتراف بالسيادة الفاطمية مؤقتاً في بغداد نفسها حيث احتجز القائم العباسي رهينة بصفة مؤقتة. وبينما واصلت الإسماعيلية انتشارها الناجح في العراق وفارس إبان عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي الطويل (1036 ـ 1094م)، فقد واجه الإسماعيليون عدوّاً هائلاً تمثل في الأتراك السلاجقة، الأسياد الجدد على العباسيين الذين قرروا، باعتبارهم متحمسين للإسلام السني، تخليص العالم الإسلامي من الإسماعيليين والفاطميين. وقد خصص نظام الملك، الوزير العالم للسلاجقة الأوائل والحاكم الفعلي للدولة السلجوقية لأكثر من عقدين من الزمن، فصلاً طويلاً من كتابه، (سياسة نامه)، للتنديد بالإسماعيليين الذين كان غرضهم، ـ بزعمه ـ «إبطال الإسلام وتضليل البشر، وإلقاؤهم في جهنم»([133]). لقد كان نظام الملك يعكس بالتأكيد صدى توجه رسمي معاد للإسماعيليين عندما أعلن بشكل مطلق أنه:
«لم يكن هناك من هو أكثر خبثاً، وأكثر فساداً أو أكثر فجوراً من تلك الفئة من الناس، الذين يتآمرون خلف الجدران لإلحاق الضرر بهذا البلد ويسعون لتدمير الدين… وأنهم بقدر استطاعتهم، لن يتركوا شيئاً إلاّ ويفعلونه اتباعاً للرذيلة والشر والقتل والإلحاد»([134]).
في غضون ذلك، كان العباسيون أنفسهم قد واصلوا تشجيعهم لكتابة الأعمال المرائية ضد الإسماعيليين. وأكثر تلك الأعمال شهرة ما كتبه أبو حامد محمد الغزالي (ت 1111م)، عالم الدين السني، والفقيه الشهير. وكان نظام الملك قد عينّ الغزالي سنة 1091م في منصب تعليمي في المدرسة النظامية المشهورة في بغداد؛ وهناك كلّفه الخليفة المستظهر العباسي (1094 ـ 1118م) بكتابة رسالة في نقض الباطنية (الأسماعيليين). وتمت كتابة هذا العمل، الذي أصبح يُعرف «بالمستظهري»، قبل مغادرة الغزالي لبغداد سنة 1095م بفترة قصيرة. وأنتج الغزالي، عقب ذلك، عدة أعمال أكثر هجوماً على الإسماعيليين وشرعية إمامهم، في الوقت الذي دافع فيه عن حقوق الخليفة العباسي في قيادة الجماعة الإسلامية.
لكن رسالة لكاتب سني مناوىء كان لها ـ على كل حال ـ أعظم الأثر وكانت أكثر ديمومة من الكتابات المعادية للإسماعيليين للمؤلفين المسلمين من العصر الوسيط. وكان بطل هذه «الخرافة ـ السوداء» الرئيسة المعادية للإسماعيليين رجل يقرب اسمه من أبي عبدالله محمد بن رزّام الطائي الكوفي، الذي اشتهر في النصف الأول من القرن العاشر، وترأس محكمة «المظالم» التي كانت تحقق في شكاوى الجمهور في بغداد. وقد كتب ابن رزّام رسالة محبوكة في نقض الإسماعيلية بعد وقت قصير من تأسيس الخلافة الفاطمية. وقد استخدمت هذه الرسالة، وهي التي لا تزال مفقودة، بشكل مكثّف في كتاب آخر معاد للإسماعيليين صُنف قرابة عام 980 من قبل عالم أنساب، وكاتب مخاصم عاش في دمشق، هو أبو الحسين محمد بن علي، المعروف بلقب أشهر وهو أخو محسن. وكتاب أخي محسن، الذي ضمّ أقساماً تاريخية وعقائدية منفصلة، مفقود هو الآخر، مع أن أجزاء هامة منه قد حفظت لنا في بعض كتب التاريخ الإسلامية اللاحقة، ولا سيما في كتب النويري وابن الدواداري والمقريزي.
لقد رسمت رواية ابن رزّام ـ أخو محسن، وهي التي اكتسبت شهرة واسعة، الإسماعيلية بشكل أساسي على أنها مؤامرة سرية لإبطال الإسلام، أسسها رجل غير علوي (عبدالله بن ميمون القداح)، الذي صُوِّر هو الآخر على أنه الجد الأكبر للخلفاء الفاطميين. وطبقاً لهذه الرواية، فإن ميمون القداح كان رجلاً ديصانياً وصار من أتباع أبي الخطاب وأسس فرقة تدعى الميمونية. وأسس ابنه عبدالله، الذي كان يرغب في تدمير الإسلام من الداخل، الحركة الإسماعيلية بدرجاتها السبع (أو التسع) من التلقين التي تنتهي بالكفر والإلحاد. غير أن عبدالله، ومن أجل إخفاء نواياه الخبيثة، إدعى أنه رجل شيعي يعمل باسم محمد بن إسماعيل باعتباره المهدي المنتظر. وفي نهاية الأمر، فإن واحداً من خلفاء عبدالله القداحيين ذهب إلى شمال إفريقية وأسس السلالة الفاطمية الحاكمة، زاعماً أنه من نسل محمد بن إسماعيل.
غير أن التبحّر الحديث تمكن أخيراً، من خلال توضيح السيرة الذاتية الحقيقية لميمون القداح وولده عبدالله، اللذين كانا مصاحبين مواليين للإمامين الباقر والصادق(عليهم السلام)، وعاشا قبل ظهور الحركة الإسماعيلية بزمن طويل، تمكن من تبديد أكثر جوانب رواية ابن رزام ـ أخي محسن إساءة وحطاً، وهي التي نعتها إيفانوف بأسطورة ابن القداح. أما التقدم في دراسة الإسماعيلية المبكرة، فقد وفّر، في الوقت نفسه، بعض الإيضاحات الخلاّبة للأساس الذي قامت عليه الأسطورة التي تم تداولها في الأصل من قبل ابن رزام، ربما بتأثير من الأفكار المعادية للإسماعيليين التي كان القرامطة الأوائل يدعون إليها([135]). غير أن أكثرية المؤلفين المسلمين اللاحقين عاملوا هذه الأسطورة على أنها حقيقة وساهموا بإضافة زياداتهم الخاصة إلى قائمة أصول النسب الفكري لابن القداح وهرطقاته([136]).
وقد استخدمت رواية ابن رزام ـ أخي محسن من قبل عدد كبير من مشاهير كتّاب الفرق، مثل البغدادي (ت 1037) الذي ضمّن كتابه «الفرق بين الفرق» واحدة من أكثر الأوصاف عداء للإسماعيليين. فقد استثنى البغدادي الإسماعيليين (أو الباطنية) من الجماعة الإسلامية بشكل مطلق وقال:
«إن الضرر الذي سببته الباطنية للفرق المسلمة أعظم بكثير من الضرر الذي سببه اليهود والنصارى والمجوس لهم، بل وأخطر من الأذى الذي لحق بهم على يد الدهريين وغيرهم من الفرق الضالة؛ بل وأشد من الأذى الذي يصيبهم من الدّجال الذي سيظهر في آخر الزمان»([137]).
إن ذات الرواية قد أثّرت في محضر بغداد المعادي للفاطميين والصادر في العام 1011، بالإضافة إلى الفصل الذي كتبه نظام الملك عن الإسماعيليين في كتابه، سياسة نامه. وكذلك، إن الافتراءات الطاعنة التي اختلقها ابن رزام أخو محسن قد وفّرت أيضاً مادة وافرة لعدد من الروايات المشوهة بخبث لتعاليم الإسماعيليين وممارساتهم، وهي الروايات التي تم تداولها لقرون على أنها نصوص إسماعيلية حقيقية وكانت ذات تأثير فعال في تصوير الإسماعيليين للمسليمن الآخرين على أنهم جماعة من الهراطقة.
وبالجملة فإن «الخرافة السوداء» التي اخترعها كبار الكّتاب المعادين للإسماعيليين من القرن العاشر، أصبحت تُقبل على أنها وصف دقيق تناقلته أجيال متلاحقة من كتّاب العصر الوسيط المسلمين، والمجتمع الإسلامي عموماً؛ المسلمون الذين كانوا على استعداد في تلك الفترة لإطلاق أي مصطلح فيه قذف على الإسماعيليين، حتى قبل أن يصبح الإسماعيليون النزاريون أنفسهم هدفاً لطعن من نوع محدد. وكان ضمن مثل ذلك المناخ المعادي أن بدأ الأوروبيون من الصليبيين من أزمنة لاحقة باستقصاءاتهم السطحية عن الإسماعيليين النزاريين، مضيفين خرافاتهم الخاصة إلى قائمة الهرطقات والممارسات اللامعقولة المنسوبة إلى الإسماعيليين. وبمرور الوقت، وفّرت تلك المصادر الخيالية الأساس الذي قامت عليه دراسات مستشرقي القرن التاسع عشر الإسماعيلية.
ومن وجه ما، فقد بدا أنه كان مقدراً على الإسماعيليين أن يتم تقديمهم والحكم عليهم بطريقة مغلوطة. وهذا أمر يعتبر من عجائب التقادير في ضوء كثافة الأدب الذي أنتجوه هم أنفسهم عبر تاريخهم، لا سيما أبان العصر الفاطمي([138]). وفي حقيقة الأمر، فإنه بينما كان ابن رزام وأخو محسن والبغدادي وكتّاب معادون للإسماعيليين آخرون كثيرون منشغلين في اختراع أساطيرهم التخيلية المحبوكة، كان حجم هائل من الأدب قيد الإنجاز في فارس وغيرها من الأماكن على أيدي علماء دين وفلاسفة إسماعيليين مشهورين مثل السجستاني والكرماني وناصر خسرو، الذين كانوا يقومون في الوقت نفسه بوظيفة الدعاة المحنكين وينشرون قضية الأئمة ـ الخلفاء الفاطميين ـ ودعوتهم الدينية السياسية. في غضون ذلك، وبدءاً بعمل القاضي النعمان (ت 974)، أسبق من سبق من الفقهاء الفاطميين، فإن نظام الفقه الإسماعيلي الشيعي قد تمت صياغته بصورة محكمة في ظل الفاطميين، الذين أكدوا على الأهمية الروحانية الباطنية للقرآن والفروض الدينية للإسلام بشكل متوازن مع معانيها الحرفية.
وفي حالة نادرة من نوعها في تاريخ الإسماعيلية اهتم الأئمة الإسماعيليون، وهم الذين حكموا الدولة الفاطمية ورغبوا في أن يتم تسجيل أحداث سلالتهم ودولتهم على يد أخباريين موثوقين، بالكتابات التاريخية وشغلوا أنفسهم بها. وقد كلّفوا أو شجعوا تصنيف كتب الأخبار عن السلالة الفاطمية الحاكمة وتواريخ الدولة الفاطمية، ولا سيما بعد نقل مقر خلافتهم إلى مصر سنة 973. وقد ساهم العديد من كتّاب الأخبار في هذا المأثور المؤقت للكتابات التاريخية الإسماعيلية([139]). ووضعت كتب الأخبار الفاطمية تلك، التي لم يصل إلينا منها سوى عدد قليل بصورة مجتزأة أو في اقتباسات لمؤرخين لاحقين، في متناول جميع المؤلفين المسلمين المعاصرين داخل أراضي الدولة الفاطمية وخارجها.
وبسقوط السلالة الفاطمية الحاكمة سنة 1171م، تم تدمير مكتباتهم المرموقة بشكل كامل، في حين تم قمع الإسماعيليين وأدبهم الديني بقسوة في مصر إبان العهدين الأيوبي والمملوكي اللاحقين ـ غير أن قسماً هاماً من الأدب الإسماعيلي من العصر الفاطمي كان قد وجد طريقاً له، قبل ذلك بعقود قليلة، إلى اليمن، من هناك جرى نقله، عقب ذلك إلى الهند. وهذا يفسر لماذا بقيت نصوص إسماعيلية فاطمية ذات طبيعة فلسفية أو دينية كثيرة موجودة، في حين أن كتب الأخبار الفاطمية، التي صنفت في أوقات مختلفة لم تكتب لها النجاة.
يضاف إلى ذلك، أن وثائق أرشفية هامة قد توفرت عن الدولة الفاطمية بشكل دائم، إلى جانب أنواع مختلفة من مصادر المعلومات غير الأدبية حول الفاطميين. ومع ذلك، فإن المؤرخين، مثل بقية الكتّاب المسلمين الآخرين، فضلوا التمسك بأساليبهم المعادية الخاصة في تناولهم للموضوع، وهي التي تجذّرت في المفاهيم المغلوطة ومحاولات الطعن المعادية للإسماعيليين والمنسوبة إلى الكتابات المرائية بشكل أساسي.
وفي العام 1094م، تصدعت الحركة الإسماعيلية بانشقاق رئيسي كانت له عواقب وخيمة على مستقبلها. فقد سبق للخلافة أن بدأت تدهورها العام إبّان خلافة المستنصر الفاطمي الطويلة (1036 ـ 1094م)، ولا سيما بعد الخمسينيات (1050م). وقد قَسَم النزاع على خليفة المستنصر سنة 1094م الحركة الإسماعيلية نفسها إلى فرعين متنافسين اثنين: النزاريين والمستعليين.
كان المستنصر ـ كما مر ذكره ـ قد نصّ على ولده الأكبر، أبي منصور نزار خلفاً له. غير أنه كان للأفضل، وهو الذي كان قد خلف والده بدراً الجمالي وزيراً مطلق الصلاحيات وقائداً عسكرياً فرداً للدولة الفاطمية قبل وفاة المستنصر بأشهر قليلة، خططه المختلفة. فقد كان يفضل، وهو الذي هدف إلى التمسك بزمام الدولة، أن يكون ابن المستنصر الأصغر، أبو القاسم أحمد، خليفة والده، لأنه سيكون معتمداً على الأفضل بصورة كلية. وكان الشاب أحمد قد تزوج في ذلك الوقت من شقيقة الأفضل. وعلى أية حال، فقد تمكن الأفضل، من خلال ما بلغ درجة الانقلاب العسكري داخل القصر، من وضع أحمد على العرش الفاطمي بلقب المستعلي بالله، وحصل على موافقة سريعة لهذا التصرف من كبار رجالات الدولة الفاطمية وقادة تنظيم الدعوة الإسماعيلية في القاهرة.
وغادر نزار المخلوع، الذي لم تُنْقَضْ حقوقه في الوراثة أبداً من قبل والده، القاهرة مسرعاً إلى الاسكندرية، حيث تلقى دعماً محلياً قوياً وأعلن الثورة. غير أن ثورته سحقت سنة 1095م بعد أن حقق بعض النجاحات الأولية. وأُلقي القبض على نزار، واقتيد إلى القاهرة ليواجه حكماً بالإعدام أصدره المستعلي. وكانت نتيجة تلك التطورات أن الحركة الإسماعيلية الموحدة في العقود الأخيرة من حكم المستنصر انقسمت في تلك الفترة فئتين متنافستين اثنتين، قُدّر لهما أن تبقيا عدوتين لدودتين. وتمّ الاعتراف بإمامة المستعلي، وهو الذي تمّ تنصيبه بثبات في الخلافة الفاطمية، من قبل الأفضل بن بدر الجمالي([140]).
تطورات
مرض حسن الصباح في بداية شهر ربيع الثاني سنة 518هـ/ مايو 1124م، ولما شعر أن حياته تقترب من نهايتها أصدر تعليماته لضمان مستقبل زعامة المجتمع الإسماعيلي النزاري فاستدعى كيا بزرگ أميد وهو من أقاربه، استدعاه من لمبسر وعيّنه داعياً على الديلم، ورئيساً على المجتمع النزاري، وفي الوقت نفسه عيّن ثلاثة من كبار النزاريين لمساعدة بزرگ أميد في إدارة الدولة والمجتمع النزاري ونشر أمر الدعوة إلى أن يظهر الإمام المستتر ويتسلم السلطة وهؤلاء المستشارون الثلاثة هم: أبو علي الأردستاني الداعي الخبير الذي كان قد أنقذ حسن الصباح فيما مضى من موقف صعب في ألموت، والثاني هو: حسن آدم قصراني، والثالث: كيابا جعفر قائد القوات النزارية الذي توفي سنة 519هـ 1125م. إن أعباء الدعوة كانت قد ألقيت بصورة عامة على عاتق الداعي أبي علي.
توفي حسن الصباح في نهاية شهر ربيع الثاني سنة 518هـ/ يونيو 1124م، وهو في الشيخوخة. لقد كان ذا شخصية بارزة عجيبة حقاً، شخصية كفوءة كل الكفاءة، وسياسياً ماهراً منقطع النظير. وفي القوت نفسه كان مفكراً كاتباً قضى حياته في التقوى والزهد وينقل المؤرخون الإيرانيون بعض حالات زهده. وكان حسب ما يبدو يتعامل مع الصديق والعدو بصورة متساوية. وقد انتخب لنفسه وللمجتمع النزاري لا سيما في رودبار أسلوب حياة إسلامية بسيطة. كان شديداً في تطبيق الواجب الإسلامي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عاش حياته الطويلة في ألموت ولم يغادر القلعة حتى يقال إنه لم يخرج منها إلا مرة أو مرتين خرج فيهما من قصره فيها إلى سطح القصر!…
وكانت زوجته وبناته يعشن من الغَزْل وعاقب ابنيه حسين ومحمد. عاقب محمداً بتهمة شرب الخمر، وعاقب حسين بتهمة تعاونه ومشاركته في قتل الداعي حسين القائني في قهستان، ويقال: إن حسن الصباح كان عالماً في الفلسفة والفلك على أنه كان يقضي أوقات فراغه في القراءة والكتابة وإدارة أمور المجتمع النزاري.
أسس الدولة النزارية في إيران وفرعاً لها في سوريا وقاد المجتمع النزاري في الأيام العصيبة والصعبة. وأخيراً أصبح القائد الوحيد للمجتمع والدعوة النزاريتين وكان النزاريون يحترمونه ويعظّمونه كثيراً، وكانوا ينادونه: سيدنا، وكان قبره مزاراً للنزاريين قبل أن يدمره المغول.
بعد وفاة حسن الصباح، تم تعيين كيا بزرگ أميد في ألموت داعياً على الديلم ورئيساً للمجتمع والدولة النزاريتين وتوجه الداعي أبو علي الأردستاني إلى بقية القلاع الإسماعيلية وطلب من أهلها البيعة للزعيم النزاري الجديد، ولم تعارض أية فئة من المجتمع النزاري زعامة بزرگ أميد الذي استمر في توليه السلطة أربعة عشر عاماً (518 ـ 532هـ/ 1124 ـ 1138م)، وزاول طوال هذه المدة أسلوب سلفه وسياسته من تقوية الدولة النزارية وتعزيزها أكثر فأكثر رغم الهجمات الجديدة التي لقيها النزاريون من السلاجقة([141])، وكان بزرگ أميد مثل حسن الصباح مديراً كفياً في إدارة الدولة ومدبراً حكيماً في الشؤون العسكرية.
ولما كان هو من سكان منطقة رودبار فقد كان له موقع ممتاز في شمال إيران.
لقد واجه بزرگ أميد منذ البداية معارضة الأعداء من الأمراء المحليين، وفي سنة 520هـ 1126م، أي بعد سنتين من تسلمه السلطة، بدأ السلاجقة هجمات جديدة على النزاريين في قلاعهم في روبادر وقهستان لاختبار كفاءة خليفة حسن الصباح وتدبيره وخلال عشرين سنة لم يقم السلطان سنجر السلجوقي بأية إجراءات تؤذي النزاريين، وهذا دليل وجود تعاقد سلام بين السلطان والنزاريين ولكنه كان قد قرر القضاء على النزاريين، لهذا أرسل جيشاً كبيراً بقيادة وزيره إلى طريثيت في قهستان وكذلك إلى بيهق وطرز في ناحية نيسابور وأمر بإبادة النزاريين ونهب أموالهم وممتلكاتهم، وعاد هذا الجيش، الذي كان قد أوفد من خراسان، عاد إليها دون تحقيق أهدافه. كما أرسل السلطان محمود السلجوقي سنة 520 هجرية جيشاً إلى رودبار ولكنه لم يحقق أي انتصار، بل هزم أمام النزاريين وقام السلاجقة في نفس العام بهجوم آخر كان مصيره الفشل وتمكن النزاريون من اعتقال تمورطغان أحد قادة العدو وظل تمورطغان معتقلاً سجيناً في ألموت مدة طويلة إلى أن أفرج عنه بطلب من السلطان سنجر ورغم هذه المعارك فإن موقع النزاريين في رودبار تعزز في السنوات الأولى من حكومة بزرگ أميد واستولى النزاريون على عدة قلاع في تلك المنطقة بينها حصن منصورة وقلاع أخرى في طالقان، وفي الوقت نفسه تمَّ إنشاء قلاع جديدة مثل قلعة سعادت كوه وأهم منها قلعة ميمون ذر التي بدأ العمل في إقامتها في شهر ربيع الأول سنة 520هـ/ أبريل 1126م، وفي شرق إيران استمر النزاريون بنشاطاتهم. ففي سنة 521هـ/ 1127م قتل الفدائيون معين الدولة أبا نصر أحمد الوزير السجلوقي الذي كان قد أقنع السلطان سنجر بالهجوم على النزاريين، وقد قاد بنفسه جيشاً إلى قهستان. وفي سنة 523هـ/ 1129م تمكن نزاريو قهستان من إعداد جيش أرسلوه إلى سيستان.
وفي شهر جمادى الأولى سنة 523هـ/ مايو 1129م، رأى السلطان محمود السلجوقي أن من صالحه أن يدخل في محادثات سلام مع النزاريين، لهذا طلب من ألموت إرسال سفير إليه في أصفهان فأرسل بزرگ أميد إليه، خواجه محمد ناصحي الشهرستاني إلا أن المحادثات لم تسفر عن نتيجة وبينما كان الموفد النزاري ومرافقوه يغادرون بلاط السلطان قامت مجموعة من الأهالي بالهجوم عليهم وقتلوهم جميعاً وقد رفض السلطان تحمل مسؤولية هذا الحادث. كما رفض طلب بزرگ أميد معاقبة القاتلين. وبعد مدة قصيرة قام النزاريون بالهجوم على مدينة قزوين انتقاماً لدماء جماعتهم فقتلوا حوالي أربعمائة شخص ونهبوا أموالاً كثيرة. فكان ذلك بداية العداء بين أهالي قزوين والنزاريين وقد قام محمود بهجوم فاشل آخر على منطقة ألموت وفي الوقت نفسه فشلت القوات التي كانت قد أوفدت من العراق لاحتلال قلعة لمبسر.
توفي السلطان محمود السلجوقي سنة 525هـ/ 1131م، فاختلف إخوته وابنه داوود في أمر خلافته وكانت هذه فرصة أمام النزاريين. ففي هذه الأحوال أبدى النزاريون اهتمامهم بالأقاليم المحيطة ببحر الخزر حيث أن سلسلة الباونديين في مازندران كانت قد أصبحت عدوة فعالة نشطة في عداء النزاريين.
وفي اسنوات المتبقية من حكومة بزرك أميد، حقق النزاريون في إيران انتصارات عززت مواقعهم وقاموا بعدة هجمات على قزوين والمناطق البعيدة مثل گرجستان (جورجيا). وكان الدعاة النزاريون مستمرين في تلك الأيام بالتبشير في مناطق مختلفة، كما أن المتطوعين قاموا باغتيالات في أعداء النزاريين كان أهمها اغتيال الخليفة الفاطمي (الآمر).
وأخيراً انتهى الأمر إلى الحسن الثاني بن محمد بن بزرگ أميّد سنة 558هـ/1164م، فإذا به ـ كما مر ـ يعلن الأخذ بمفهوم جديد للدين معلناً: أن القيامة نوعان قيامة جسدية: وهي تكون في العالم الآخر. وقيامة روحانية وقد أعلنها على أتباعه. فكان ما كان من الإباحة على أساس أن لا محرمات بعد اليوم، واستناداً إلى القول: (لو ظهرت الحقائق بطلت الشرائع).
ويصف المؤرخ علاء الدين عطاء الملك الجويني المتوفى سنة 658هـ/(1259م) إعلان حسن بن محمد عن حلول القيامة الروحية وما جرى ذلك اليوم على الصورة التالية:
«وفي اليوم السابع عشر من شهر رمضان في عام 559هـ/(1164م)، أمر حسن بإقامة منبر في ساحة ألموت متوجهاً نحو الغرب. مع أربع رايات كبار ذات أربعة ألوان أبيض وأحمر وأصفر وأخضر على زواياها الأربعة وجمع الناس الذين سبق استدعاؤهم إلى (ألموت) من مختلف الأقطار في الساحة ورتب الذين من المشرق على الجنب الأيمن والذين من المغرب على الجانب الأيسر والذين من الشمال من (رودبار) و(الديلم) في المقدمة مواجهين للمنبر.
ونزل حسن عند الظهر من القلعة وعليه رداء أبيض وعمامة بيضاء، واقترب من المنبر من الجانب الأيمن، وارتقاه بأكمل خلق وتفوه بالسلام ثلاث مرات، أولاً للديالمة ثم للذين على اليمين وبعد ذلك للذين على الشمال، وجلس هنيهة، ونهض بعدها واتكأ على سيفه وتكلم بصوت عال موجهاً خطابه لسكان الأكوان من جن وإنس وملائكة، فأعلن أن رسالة قد جاءته من الإمام المستتر مع دليل جديد.
ثم قال: «إن إمام وقتنا قد بعث إليكم صلواته ورحمته ودعاكم عباده المختارين، ولقد أعفاكم من أعباء تكاليف الشريعة وآل بكم إلى البعث».
ثم يقول الجويني: «وأكد حسن بالتصريح بأنه كما في عصر الشريعة إذا لم يطع إنسان، ولم يعبد؛ بل تبع حكم القيامة بحجة أن الطاعة والعبادة هما أمران روحيان كان ينكل به ويرجم ويقتل، كذلك الآن في عصر القيامة إذا تقيد إنسان بحرفية الشريعة وواظب على العبادة الجسدية والشعائر؛ فإن ذلك تعصب ينكل به ويرجم ويقتل من أجله».
ثم أكمل حسن كلامه قائلاً: «لقد أعفي الناس من تكاليف الشريعة لأن عليهم في فترة القيامة هذه أن يتوجهوا بكل جوارحهم نحو الله، ويهجروا كل الشعائر الدينية وجميع العبادات القائمة. فقد وضع في الشريعة بأن على الناس عبادة الله خمس مرات في اليوم وأن يكونوا معه. وهذا التكليف كان ظاهرياً فقط. ولكن الآن في أيام القيامة عليهم أن يكونوا دائماً مع الله في قلوبهم وأن يبقوا نفوسهم متوجهة دائماً نحو الحضرة الإلهية فإنها الصلاة الحقيقية» (انتهى).
وبالرغم مما كان في كلام حسن من التهديد والوعيد، والإنذار حتى بالرجم والقتل. فقد قوبل كلامه هذا بنقمة من الجموع الإسماعيلية الحاضرة، على أنه من الطبيعي أن نجد إلى جانب ذلك من يرحب بطرح التكاليف وأن يلقى حسن المذكور من يماشيه وكان في طليعة الناقمين شقيق زوجة حسن، فصمموا على التخلص منه وتعهد بذلك شقيق الزوجة، وقرروا التنفيذ بعد فشل جهودهم لوقف ما جرى.
ففي يوم الأحد السادس من ربيع الأول سنة 561هـ/(1166م)، قام شقيق الزوجة باغتيال حسن.
وكان الحسن هذا بعد عام واحد من تاريخ إعلان ما أعلنه قد أدخل تطوراً آخر على الدعوة، فبعد أن كان هو ومن سبقه يقولون بأنهم يحكمون باسم الإمام المستور. أعلن في السابع عشر من شهر رمضان سنة 559هـ بأنه هو الإمام من نسل نزار بن المستنصر.
ولكن الأمر لم ينته باغتيال أصله، بل بقي مستمراً على عهد خليفته ابنه (علاء محمد) الذي تولى بعد أبيه، وهو في التاسعة عشرة من عمره، وتوفي سنة 607هـ (1210م). كما كانت المعارضة الشديدة مستمرة، وإذا كان قد تزعمها في عهد حسن، شقيق زوجته، فقد تزعمها الآن حفيد حسن وسميه جلال الدين حسن إذ كان على خلاف أبيه وجده في العقيدة متشدداً في خلافه لهما كل التشدد.
وكان متفقاً مع المعارضة بأنه بمجرد وصوله إلى الحكم سيزيل ما حدث، ويعود بالحكم إلى القواعد الأولى، وهكذا كان، فما أن ولي بعد أبيه سنة 607هـ حتى أعلن إلغاء كل ما قرره سلفاه وعنف الآخذين بمنهجهما ومنعهم بكل صرامة من الاستمرار على ذلك.
ولم يكتف بذلك بل اتصل بحكام الأقطار الإسلامية يعلنهم التمسك بقواعد الإسلام ليوثق الصلات بهم وبجمهور المسلمين فراسل الخليفة في بغداد الناصر لدين الله، وخوارزمشاه، وغيرهما من الملوك والأمراء، كما أرسل والدته وزوجته إلى الحج وأمر ببناء المساجد، وقرَّب إليه الفقهاء والقراء.
ومن البديهي أن لا يكون جلال الدين حسن قد استطاع استئصال جذور ما حدث، وأن يظل له أتباعه الآخذون به شأن جميع الدعوات في كل زمان ومكان، مهما عمل العاملون على محاربتها واضطهاد أتباعها.
على أن أمر دولة هؤلاء النزاريين لم يطل كثيراً بعد جلال الدين حسن، فقد توفي جلال الدين سنة 618هـ (1225م) وتولى بعده ابنه علاء الدين محمد الذي توفي سنة 653هـ (1260م) فتلاه ابنه ركن الدين خورشاه وهو الذي انتهى به ملك النزاريين بعد أن قتله هولاكو سنة 654هـ (1261م).
على أن الدولة إذا كانت قد انتهت فإن من أخذوا بأقوال الحسن الثاني بن محمد لم ينتهوا، بل ظلت عليها قلة وظلوا هم وحدهم منفردين باسم الإسماعيليين. أما الآخرون فقد تسموا باسم (البهرة) كما مر([142]).
من هنا استغل المستغلون ما جرى، ورأوا أنه ما دام الفاطميون ينتسبون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق (ع) فهم إسماعيليون نسباً ومذهباً، وهم كانوا يعلنون ذلك لأن ليس في إعلانه ما يضيرهم ما داموا من أعرق الناس إسلاماً وإيماناً ـ ما دام الفاطميون إسماعيليين، وما دام أتباع الحسن الثاني بن محمد بن بزرك أميد يسمون إسماعيليين، إذن فليلصقوا بالأولين عقائد الآخرين وليشنعوا عليهم، وهكذا كان من ذلك اليوم حتى اليوم.
وجاء قوم لم يكونوا ذوي نوايا سيئة ولكن رأوا أمامهم ما سطره أصحاب النوايا السيئة، فحسبوه حقيقة أخذوا بها وإذا كان ما ذكرناه عن بعض النزاريين هو حقائق واقعة فلا بد لنا في الوقت نفسه من إنصاف جمهرتهم حيث يجب الإنصاف وتبرئتهم مما تزيّد به عليهم المتزيدون.
من ذلك أنهم أطلقوا على الإسماعيليين النزاريين اسم (الحشاشون) نسبة إلى (الحشيش) المخدر المعروف، زاعمين أن ما كانوا يقدمون عليه من اغتيالات مقرونة بضروب من البسالة الفائقة وتضحية بالنفس عزيزة المثال، إنما كان نيتجة لتخديرهم بالحشيش بحيث يفقدون إرادتهم وينفذون ما يؤمرون بتنفيذه بلا وعي…
وهذا من أعجب الافتراءات، إذ إن من المسلم به أن استعمال الحشيش يقتل في النفس أسمى ما فيها من شجاعة وكرامة وغيرة. ثم إن مستعمله يبوح بأسراره ويكشف عن مكنوناته، وهذا عكس ما يقتضي أن يكون عليه الفدائي المكلف بمهمات ينبغي لها شيء بعد الشجاعة مثل الكتمان وحفظ الاسرار.
وأصل هذه الفرية هو ما ذكره الرحالة (ماركو بولو) عما زعم أنه (جنة شيخ الجبل)([143])، والتي شاء له خياله أن ينطلق في وصفها انطلاقاً مغرقاً في التخيل والخرافة حيث يقول:
«أنشأ (الحسن بن الصباح) في واد بين جبلين حديقة غناء فسيحة غرس فيها جميع أنواع الزهور وأشجار الفاكهة، وجعل فيها مقصورات ذات قباب بديعة الشكل وزخرفها بنقوش ذهبية. وأوجد في الحديقة أنهاراً من خمر وأخرى من عسل وثالثة من لبن. وأقام الحور العين والولدان المخلدين، والجميع يلهون بالموسيقى والغناء والرقص، وذلك كله لفتنة أتباعه بأن هذه هي الجنة التي وعد الله بها المتقين. وأن في استطاعة شيخ الجبل أن يدخل جنته هذه من يشاء ويحرم منها من يشاء، لذلك تفانوا في طاعته والامتثال لأوامره، ولم يكن يسمح لأحد بدخولها إلا لطبقة الفدائيين».
وتعليقاً على ما ذكره (ماركو بولو) يقول المستشرق الروسي (إيفانوف) وهو المتخصص بالدراسات (النزارية) والذي زار ألموت مرتين لدراستها على الطبيعة والتأكد من بعض ما ورد عنهم([144])، وعنها، يقول إيفانوف: «أي جنة وارفة الظلال في أرض يجتاحها الشتاء بجليده وزمهريره سبعة أشهر في العام» إلى آخر ما قال.
ثم تفنن الزاعمون في مزاعمهم فكان مما قالوه:
إن الحسن كان يعتمد تعويد أتباعه الحشيش وإدمانه فلا يستطيعون الحياة بدونه وأنهم كانوا ينفذون كل ما يطلب منهم لقاء حصولهم على الحشيش، فإذا نفذوا الأوامر أعطوا الحشيش وأدخلوا الجنة!!.
وهكذا اختلفت تعليلات الزاعمين، فقد رأينا من يقول إن فقدانهم للوعي باستعمال الحشيش هو الدافع لهم، وهنا من يقول بأن تلهفهم على امتلاك الحشيش هو الدافع.
وبعد البحث الطويل عثرت على مصدرين، أنا ذاكر لهما في هذه الدراسة عن النزاريين وأصل تلقيبهم بالحشاشين:
وأول هذين المصدرين هو كتاب (مجموعة الوثائق الفاطمية) لمؤلفه الدكتور جمال الدين الشيال وفيه نص ثمين في هذا الموضوع، وذلك أنه لما اشتد الصراع بين النزاريين المنشقين عن الفاطميين، وبين الفاطميين، كان من وسائل هذا الصراع ما نسميه في اصطلاحنا الراهن الوسائل الإعلامية بإمكانيات ذلك العصر، فكان النزاريون يوزعون بيانات تبين فساد خلافة أحمد المستعلي ومن تلاه ويمكن أن يتلوه من الخلفاء فيرد الفاطميون على البيان ببيان وعلى الأدلة بأدلة.
فمن ذلك أن الخليفة الفاطمي (الآمر بأحكام الله) أصدر رسالة باسم (الهداية الآمرية في إبطال الدعوى النزارية)، فرد عليها النزاريون، فرد الفاطميون على الرد برسالة جاء فيها:
«لما صدرت هذه الهداية عن حضرة سيدنا ومولانا المنصور أبي علي الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين… أشرق بها نور الحق المبين، وعمت بركتها جميع أهل الدين».
ثم تقول الرسالة: «ولما وصلت إلى دمشق ووقف عليها نفر من جماعة الحشيشة فلّت عزمهم وكدَّرت شربهم…» إلى آخر ما جاء في الرسالة.
ويفسر الدكتور الشيال إطلاق هذا الوصف على النزاريين بأنه كان للتشهير بهم بمعنى أنهم في قولهم بإمامة نزار إنما كانوا يخرفون كما يخرف الحشّيشيّة، أي أن الفاطميين لم يتهموهم باستعمال الحشيش. بل وصفوهم بأوصاف مستعمليه بما يطرأ على عقولهم من التخريف.
وإذا كنا لم نطلع على نصوص خاصة بردود النزاريين، فقد اطلعنا على نصوص وردت خلال ردود الفاطميين عليهم، ويبدو مما ورد في الرد على الرسالة التي وصف فيها النزاريون بالحشيشية أن الذي ورد فيها هو النص الكامل للرد النزاري، إذ جاء فيها ما يلي:
وصل كتاب من الدعاة المستخدمين في دمشق مشتملاً على فصل هذا نصه: لما كان يوم الخميس السابع والعشرين من ذي الحجة بعد فراغ قراءة المجلس الشريف([145])، على المستجيبين للدعوة الهادية ـ كثّرهم الله ـ ورد على المملوك رجل من القوم الماكرين لم تجر له بذلك عادة، وصحبه أحد المستجيبين للدعوة الهادية، فجلسا هنيهة، وأخرج الرجل من كمه نسخة الهداية الواردة من المقام الأشرف، وأن تلك النسخة كانت عند المستجيب، وخصَّ ذلك الرجل بسماعه إياها، وأن الرجل لما وقف على مضمونها اشتبه عليه أمره وضاق بها ذرعاً، وحملته تلك الحال إلى أن مضى بتلك النسخة إلى طاغوته، فطلب منه جوابها وخلاص مشكلاتها، فأجابه على ذلك في آخر الهداية، إذ كان البياض يسع الجواب، بهذه الفصول».
ثم يلي ذلك رد النزاريين على (الهداية). ويبدو جلياً أن الرد كان ـ بالرغم من إيجازه، إذ لم يتجاوز الصفحة الواحدة من كتاب «مجموعة الوثائق الفاطمية» ـ كان هو النص الكامل للرد. كما يبدو ذلك من قول الرد الفاطمي، بأن جواب النزاريين على رد الفاطميين كان على ما بقي من بياض من نسخة (الهداية). وبذلك يكون النزاريون لم يردوا على وصفهم بالحشيشية، بل مروا به مرور الكرام، وهذا يدل على أنهم لم يفهموا منه اتهامهم بتعاطي الحشيش، بل فهموا منه ما استنتجه الدكتور الشيال:
«أنهم إنّما كانوا يخرّفون كما يخرّف الحشيشية».
ولو فهموه غير هذا الفهم، ولو فسروه بأنه اتهام لهم بتعاطي الحشيش لما سكتوا عن الرد على هذا الاتهام.
ورد النزاريون على هذا الرد، فرد الفاطميون على ردهم برسالة أوردوا فيها وصفهم للنزاريين بالحشيشية مرة ثانية، إذ جاء فيها: «وقد وقفت يا أبناء الدعوة على ما سطرتموه في كتابكم من جواب الحشيشية ـ هداها الله وأصلحها ـ عما تضمنته الهداية…».
وكان تاريخ هذا الرد الأخير 27 ذي الحجة دون ذكر السنة، وقد حدد الدكتور الشيال السنة استنتاجاً وهي: سنة 516هـ.
وبهذا الرد ينتهي ما وصل إلينا من وثائق في هذا الموضوع، إذ إن كتاب (مجموعة الوثائق الفاطمية) ينتقل إلى مواضيع أخرى تتضمن وثائق لا علاقة لها بالصراع العقيدي بين الفاطميين وبين الإسماعيليين النزاريين. وهنا لا يجوز أن يفوتنا ما في هذه الوثائق من معلومات عن أساليب الصراع الفكري في ذلك العصر وعن وسائل المتصارعين، وأداة ما يمكن أن نسميه «الإعلام» الحكومي، وعدم لجوء هذا الأعلام إلى وسائل القهر، بل اعتماده وسائل الإقناع مع ما في هذه الوسائل من كلمات قاسية. فهو لا يلغي حق خصومه في مناقشة عقيدته، ولا يفرض عليهم رأيه بالقوى المادية من قتل وسجن وتعذيب وإرهاب، بل يترك لهم حرية الرد عليه والرد على الرد وهذا مما يتميز به الحكم الفاطمي.
ففي حين كان لا يجرؤ إنسان في كل عهود الحكام السابقين للفاطيين واللاحقين لهم على أن يتفوه بما يناقض كلمة من كلماتهم أو رأي من آرائهم، فإذا فعل، كان القتل مصيره المحتوم ـ نرى هنا كيف عامل الفاطميون مخالفيهم ومناقضيهم في أساس عقيدتهم، وكيف ردوا على الكلمة بكلمة مثلها لا بالسيف وكيف قارعوا الحجة بالحجة لا بالإرهاب والموت.
على أن لنا تفسيراً آخر غير التفسير الذي فسره الدكتور الشيال للقب (الحشيشية) الذي أطلقه الفاطميون على النزاريين، وهو أنهم يقصدون بذلك أن النزاريين تجار حشائش فعليهم الانشغال بذلك لا بشؤون السلطة والعقيدة. ويقصدون بالحشائش: الحشائش الطبية كما سنفصله في الآتي من القول.
المصدر الثاني هو ما كتبه الكاتب الغربي (بول آمير) في كتابه (سيد ألموت) وهو الكتاب الذي ترجمه إلى اللغة الفارسية ذبيح الله منصوري، ونقل لنا مضمون ما جاء فيه عن هذا الموضوع بعض الأصحاب المجيدين للفارسية.
ويتلخص ذلك بأن الصفة التي أطلقت على النزاريين: (الحشاشون) هي في الأصل صفة: (الحشائشيون). وهي الصفة التي كانت تطلق في تلك العهود على من يتعاطون جمع الحشائش البرية التي تستعمل هي نفسها أدوية أو تستقطر منها الأدوية، وقد كان يختصّ بذلك أفراد، فيهم من هم من الأطباء أو الصيادلة، كان يطلق على الواحد منهم لقب: (الحشائشي) حتى لقد أصبح ذلك مهنة من المهن المشتهرة، وكان لها أسواق خاصة بها وتجار يتعاطون بيع الحشائش الطبية وشراءها([146]).
هذا ملخص ما قاله بول آمير، ونقول نحن: وممن اشتهر بذلك من العلماء: أبو العباس أحمد بن مفرج الإشبيلي الأندلسي المعروف بابن الرومية المولود في إشبيلية سنة 561هـ/ (1165م) فقد كان صيدلياً عقاقيرياً، كما كان نباتياً عشّاباً. وكذلك كان من رجال الحديث، وكما قيل عنه: «ودعته إلى الأسفار رغبته في سماع الحديث والاتصال بشيوخه، وميله إلى تحري منابت الأعشاب وجمع أنواع النبات»، وكذلك: تقي الدين الحشائشي الذي كان في عقر هولاكو، واشتهر بمعرفته الواسعة بالحشائش الطبية. وكانت له مؤلفات جليلة في النبات والعقاقير، وفي الحديث وعلمه، على أن الصفة التي غلبت عليه هي صفة (العشّاب)([147]).
وهناك أسر تحمل لقب الحشائشي وتتوارثه دون أن تعمل في (الحشائش)، ولا شك أن أسلافها ممن عملوا فيها فأطلق اللقب عليهم، وظل يطلق على أنسالهم حتى بعد أن تركوا العمل في الحشائش ومنهم مثلاً: محمد بن عثمان الحشائشي المولود سنة 1271هـ (1855م)، في مدينة تونس مؤلف كتاب (جلاء الكرب عن طرابلس الغرب) وغيره من المؤلفات.
يقول بول آمير:
عمل النزاريون في ذلك بشكل واسع، فقد كان لهم في جبالهم قرى ودساكر ومزارع كان ينطلق فيها حتى النساء والأطفال في جمع الحشائش الطبية التي كانوا يتوسعون في زراعتها ولا يقتصرون على ما تنبته الطبيعة، حتى لقد كانوا يزرعونها في حدائق البيوت.
وكان جامعو الحشائش من الحقول والبراري يبيعون ما يجمعونه إلى أشخاص معينين متصلين بسيد ألموت حيث يصدرونها إلى مختلف المدن.
ويسمي (بول آمير): محمود السجستاني أحد وكلاء سيد ألموت واحداً ممن كان إليهم أمر استيراد هذه الحشائش ثم تصديرها. ويذكر حواراً جرى بين السجستاني وبين من يسميه علي الكرماني وهو من الموظفين عنده، يطلب إليه التنبه بأن لا يخلط الحشائش الطبية بغيرها من الحشائش الرخيصة قائلاً له: إذا نحن خلطنا مرة واحدة أنواعاً من زهر البنفسج والسبستان والأنذروت مع أخلاط نفايات الزهور وأرسلناها مرة إلى عملائنا في الري وكاشان وأصفهان وسائر المدن فإن أحداً منهم لن يشتري بعد ذلك منا أدوية.
وكان في كل مدينة سوق خاص يسمى سوق الحشائشيين، وكانت الحشائش تجمع بألموت في جوالق يكتب عليها: اسم المرسلة إليه، واسم المدينة مع كلمة (سوق الحشائشيين). أما ما يستقطر منها فيوضع في قوارير خاصة محفوظة من عوامل الكسر وترسل مع أحمال الحشائش.
وبذلك كانت ألموت معروفة بأنها أحد المراكز الكبرى للأدوية الحشائشية واستيرادها ثم تصديرها. (انتهى).
ومن هنا لصق بالنزاريين لقب الحشائشيين. ثم استغله خصومهم فطوّروه إلى (الحشاشين). وللتأكد من هذا قمت برحلة إلى مملكة النزاريين منشورة بتفاصيلها في بحث (ألموت) الآتي.
هدف رحلتي
قمت برحلة إلى قلعة ألموت وكان من أهداف رحلتي الوصول إلى الحقيقة في هذا الأمر، وكنت من قبل التقطت الخيط الذي يمكن أن يوصل إليها وذلك أنني رأيت أن أهم ما تجب معرفته هو الزمن الذي بدىء فيه بنسبة الإسماعيليين النزاريين إلى الحشيش، ومن هو أول من نسبهم إليه، فإذا بي أكتشف أنهم لم يلقبوا أول الأمر بحشاشين، بل لقبوا بحشيشية، ثم طور المطورون هذا اللقب إلى (حشاشين).
وكان الاكتشاف الغريب أن الذين أطلقوا عليهم هذا اللقب (الحشيشية) هم الإسماعيليون الفاطميون الذين انفصل عنهم الإسماعيليون النزاريون وبادروهم بالعداء واغتالوا خليفتهم (الآمر).
ثم استمر الصراع محتدماً بمختلف وسائله، ومنها الإعلامية بإمكانيات ذلك العصر. فكان النزاريون يوزعون بيانات تبين فساد خلافة أحمد المستعلي، ومن تلاه ويمكن أن يتلوه، فيرد المستعليون على البيان ببيان وعلى الأدلة بأدلة.
فمن ذلك أن الخليفة الآمر بأحكام الله أصدر رسالة باسم (الهداية الآمرية في إبطال الدعوى النزارية). فرد عليها النزاريون، فرد المستعليون على الرد برسالة جاء فيها: «ولما صدرت هذه الهداية عن حضرة سيدنا ومولانا أبي علي الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين… أشرق بها نور الحق المبين وعمت بركتها جميع أهل الدين».
ثم تقول الرسالة: «ولما وصلت إلى دمشق ووقف عليها نفر من جماعة الحشيشية فلّت عزمهم وكدّرت شربهم…».
إلى آخر ما جاء في الرسالة.
وعندما نشر الدكتور جمال الدين الشيال هذه الرسالة في (مجموعة الوثائق الفاطمية)، ارتأى تفسيراً معقولاً لكلمة (الحشيشية). فالدكتور الشيال ليس من المؤرخين المخرجين التاريخ عن رسالته، والمسخرين له لأهوائهم وأغراضهم، بل هو مؤرخ متحرِّ للحقيقة وحدها، لذلك لم ينصرف ذهنه إلى أن المقصود من كلمة (حشيشية) هو اتهام المطلقة عليهم باستعمال الحشيش المخدر، لأن هذا لا يقوله أي منصف، لذلك فسرها بأن من أطلقها على الإسماعيليين النزاريين كان يقصد بذلك أنهم (يخرفون) كما (يخرف) مستعمل الحشيشة، أي أن كلامهم غير منطقي.
وإذا كنا لم نطلع على نصوص خاصة بردود النزاريين، فإنا اطلعنا على نصوص وردت خلال ردود المستعلية عليهم، ويبدو مما ورد في الرد على الرسالة التي وصفت النزاريين بالحشيشية أن الذي ورد هو النص الكامل للرد النزاري إذ جاء فيها ما يلي: «وصل كتاب من الدعاة المستخدمين في دمشق مشتملاً على فصل هذا نصه: لما كان يوم الخميس السابع والعشرين من ذي الحجة بعد الفراغ من قراءة المجلس الشريف على المستجيبين للدعوة الهادية ـ كثرهم الله ـ ورد على المملوك رجل من القوم الماكرين لم تجر له بذاك عادة، وصحبه أحد المستجيبين للدعوة الهادية، فجلسنا هنيهة، وأخرج الرجل من كمه نسخة الهداية الواردة من المقام الأشرف، وأن تلك النسخة كانت عند المستجيب، وخص ذلك الرجل بسماعه إياه، لأن الرجل لما وقف على مضمونها اشتبه عليه أمره وضاق بها ذرعاً، وحملته تلك الحال إلى أن مضى بتلك النسخة إلى طاغوته فطلب جوابها وخلاص مشكلاتها، فأجابه على ذلك في أواخر الهداية إذ كان البياض يسع الجواب، بهذه الفصول».
ثم يلي ذلك رد النزاريين على (الهداية)، ويبدو جلياً أن الرد كان على إيجازه إذ لم يتجاوز الصفحة الواحدة من كتاب (مجموعة الوثائق الفاطمية)، كان هو النص الكامل للرد. كما يبدو ذلك من قول الرد المستعلي بأن جواب النزاريين على رد المستعلية كان على ما بقي من بياض من نسخة (الهداية). وبذلك يكون النزاريون لم يردوا على وصفهم بالحشيشية، وهذا يدل على أنهم لم يفهموا منه اتهامهم بتعاطي الحشيش المخدر، ولو فهموه كذلك وفسروه بأنه اتهام لهم بتعاطي الحشيش لما سكتوا عن الرد على هذا الاتهام.
ورد النزاريون على هذا الرد، فرد المستعلية على ردهم برسالة أوردوا فيها وصفهم للنزاريين بالحشيشية مرة أخرى، إذ جاء فيها: «وقد وقفت يا أبناء الدعوة على ما سطرتموه في كتابكم من جواب الحشيشية ـ هداها الله وأصلحها ـ عما تضمنته الهداية…».
وكان تاريخ هذا الرد الأخير 27 في ذي الحجة دون ذكر السنة، وحدد الدكتور الشيال السنة استنتاجاً وهي سنة 516هـ.
وإذا كان تفسير الدكتور الشيال لكلمة (الحشيشية) معقولاً ويمكن الأخذ به، فإنه لم يقنعني كل الأقناع، وظللت معتقداً أن لهذا الوصف تفسيراً آخر.
وكنت أعرف أن فريقاً من العلماء والأطباء العرب اشتهروا بجمع الحشائش الطبية وبيعها أدوية، ومن أشهرهم: أبو العباس أحمد بن مفرج الإشبيلي الأندلسي المعروف بابن الرومية الذي مرّ ذكره فيما تقدم، كان صيدلانياً عقاقيرياً، كما كان نباتياً عشاباً، وكذلك كان من رجال الحديث، وكما قيل عنه: «ودعته إلى الأسفار رغبته في سماع الحديث والاتصال بشيوخه، وميله إلى تحري منابت الأعشاب وجمع أنواع النبات» وكانت له مؤلفات جليلة في النبات والعقاقير.
وهناك أسر تحمل لقب (الحشائشي) وتتوارثه دون أن تعمل في (الحشائش)، ولا شك أن أسلافها ممن عملوا فيها فأطلق اللقب عليهم، وظل يطلق على أنسالهم حتى بعد أن تركوا العمل في الحشائش. ومنهم مثلاً محد بن عثمان الحشائشي المولود سنة 1271هـ/(1855م) في مدينة تونس مؤلف كتاب «جلاء الكرب عن طرابلس الغرب» وغيره من المؤلفات ـ وقد مر ذكر ذلك ونعيده وما بعده هنا ليتسق الحديث ـ.
فقلت لماذا لا تكون صفة «الحشيشية» التي أطلقت على النزاريين يقصد بها التهكم بأنهم باعة حشائش لا أصحاب دولة وعقائد؟.
وكنت أتحدث بذلك أمام بعض الأصدقاء الإيرانيين فذكر أنه قرأ شيئاً من هذا القبيل في كتاب يتحدث عن النزاريين ووعدني بالبحث عن الكتاب في مكتبته، ثم جاءني به، فإذا هو كتاب لمؤلف أوروبي هو بول آمير مترجم إلى اللغة الفارسية، ويعني اسمه ما يمكن أن نطلق عليه باللغة العربية (سيد ألموت)، وإذا فيه بحث هو في صميم ما نتحدث عنه هنا فيما يتعلق بالمقصود من نسبة النزاريين إلى الحشائش، وتفضل الصديق بترجمة ما كتبه «بول آمير» ويتلخص ذلك: بأن المقصود بتلك النسبة هي الصفة التي كانت تطلق في تلك العهود على من يتعاطون جمع الحشائش البرية التي تستعمل هي نفسها أدوية، أو تستقطر منها الأدوية. وعمل النزاريون في ذلك في شكل واسع، فكان لهم في سفوح جبالهم قرى ودساكر ومزارع كان ينطلق فيها حتى النساء والأطفال لجمع الحشائش الطبية التي كانوا يتوسعون في زراعتها ولا يقتصرون على ما تنبته الطبيعة، حتى لقد يزرعونها في حدائق البيوت.
وكان جامعو الحشائش من الحقول والبراري يبيعون ما يجمعونه إلى أشخاص معينين متصلين بسيد ألموت حيث يصدرونها إلى مختلف المدن([148]).
ويسمي «بول آمير» محمود السجستاني أحد وكلاء سيد ألموت واحداً ممن كان لهم أمر استيراد هذه الحشائش ثم تصديرها، ويذكر حواراً جرى بين السجستاني وبين من يسميه علي الكرماني وهو من الموظفين عنده، يطلب إليه التنبه أن لا يخلط الحشائش الطبيعة بغيرها من الحشائش الرخيصة قائلاً له: إذا نحن خلطنا مرة واحدة أنواعاً من زهر البنفسج والسبستان والأنذروت مع أخلاط نفايات الزهور وأرسلناها مرة إلى عملائنا في الري وكاشان وأصفهان وسائر المدن فلا أحد منهم يشتري منا بعد ذلك أدوية.
وكان في كل مدينة سوق خاص يسمى سوق الحشائشيين، وكانت الحشائش تجمع بألموت في جوالق يكتب عليها اسم المرسلة إليه واسم المدينة مع كلمة (سوق الحشائشيين). أما ما يستقطر منها فيوضع في قوارير خاصة محفوظة من عوامل الكسر وترسل مع أحمال الحشائش وقد مر ذكر ذلك.
ومن هنا لصق بالنزاريين لقب (الحشيشية)، ثم استغله خصومهم فطوروه الى (الحشاشين).
وكان من عوامل رحلتي هذه التحقق في موطن الإسماعيليين النزاريين الأول، فإذا بي أمام حقائق تؤكد ذلك كل التأكيد، ولم يبق الأمر أمر ترجيح، بل أمر يقين، وقد تبين لي أن تلك الأرض من أخصب الأرضين في إنبات الحشائش الطبية، وأنه لا يزال هناك حتى اليوم لهذه الحشائش جامعوها وتجارها المختصون بها يصدرونها إلى كل مكان ومن أهم الحشائش التي تتداولها أيدي التجار اليوم: كاب زيان، وختمي، وبنفشه، وأمثالها مما هو معروف هناك. وفي داخل قلعة (لمسر) التي هي من أهم قلاع النزاريين لا يزال ينبت ـ كما ينبت في غيرها ـ ما يعرف في إيران باسم كبركل، وهو نبات يغلي زهره بالماء وتعالج به آلام الظهر والبطن.
وهكذا تتبين صحة ما كنت فسرت به لقب (الحشيشية) الذي أطلقه (المستعلية) على النزاريين، وهو الاستهزاء بهم بالقول إنهم باعة حشائش لا أصحاب دولة ومذهب وعقائد.
أسطورة الحشاشين
استطاع الإسماعيليون النزاريون استئناف الحركة الثورية والعقائد الإسماعيلية التي التزموا بها قبل قيام الدولة الفاطمية، ونظموا حركة ثورية مسلحة في مواجهة السلاجقة الأتراك في إيران وبلاد الشام. ولما كانوا يقابلون قوة السلاجقة العسكرية المتفوقة وغير المتمركزة، فقد اتخذوا أسلوباً ملائماً لأوضاعهم وأحوالهم، بدأ بعمليات اغتيالية لأعدائهم في مختلف المناطق. ومن هؤلاء الأعداء كان الصليبيون الذي اغتال النزاريون من كبارهم من اغتالوا.
إن الأخبار العدائية المزيفة التي نسبت إلى النزاريين كلهم من إسقاطهم للشرعية قد ساعدت على تصعيد تشكيل صورة سلبية عن النزاريين([149]).
وبمرور الأيام فإن أنباء الاغتيالات التي كانت تنسب إلى النزاريين لفتت آنذاك انتباه الصليبيين والمؤرخين وشغلت بالهم وأثارت اهتمام الغربيين في آخر سنوات القرن الثاني عشر الميلادي (السادس الهجري)، فسيطرت عليهم صور وهمية خيالية في تبرير دوافع أعمال الفدائيين النزاريين وتطوعهم الفدائي.
كما كان النزاريون عرضة لغضب التنظيمات الرسمية السنية مضافاً إلى الاتهامات والشائعات التي رميَ بها الإسماعيليون الأوائل، فكان المؤلفون المسلمون في القرون الوسطى يطلقون على النزاريين مصطلحات مزرية مثل: (الباطنية) و(التعليمية)، وتطور الأمر حتى صار أعداء النزاريين في المجتمع الإسلامي في عهد حكام (ألموت) وبعده لا سيما منذ النصف الثاني من القرن الثاني عشر يطلقون عليهم اسم (الملاحدة)، كما شملوا معهم بذلك غيرهم من الإسماعيليين.
ثم تعددت النعوت المزرية ومنها نعتهم بـ (الحشيشية) (الحشاشين)، الذين يتعاطون المادة المخدرة المعروفة بـ (الحشيش).
إن عدداً من المؤرخين المسلمين ومنهم أبو شامة وابن ميسر استعملوا أحياناً كلمة (الحشيشية) نعتاً لنزاريي الشام دون أن يوضحوا ما يعنون بهذه الكلمة ومن أين جاءت وعن سبب استعمالها. فمثلاً يقول ابن ميسر: في الشام يسمونهم: «الحشيشية»، أمّا في ألَموت فيعرفون: بالباطنية، والملاحدة، وفي خراسان: يسمونهم التعليمية، ولكنهم جميعهم إسماعيليون. ولعل هذه الكلمة انتهى استعمالها بعد ذلك فإن ابن خلدون (المتوفى سنة 808 هجرية ـ 1408 ميلادية) يذكر إن مصطلح «الحشيشي» كانت تطلق خاصة على المتطوعين النزاريين الذين كانوا يوفدون من ألَموت في مهمات خاصة للقيام باغتيال الشخصيات السياسية، وعلى هذا فإن اعتقاد المؤرخين بأن نعت الحشيشية كان لا يطلق إلا على النزاريين في بلاد الشام، ولم يكن يطلق على النزاريين في إيران هو أمرٌ مشتبه فيه، وغير صحيح وهكذا فإن من الأصح أن نفترض أن مصطلح الحشيشية قد ظهر في الدول الإسلامية العربية، إلا أن هذه الكلمة لم تصبح منتشرة في الأفواه والكتابات مثل انتشار كلمة (الملاحدة) في اللغة الفارسية في إيران.
لقد ذكرنا من قبل أن أقدم وثيقة مكتوبة وصلت إلينا عن إطلاق كلمة الحشيشية على النزاريين في بلاد الشام هي الرسالة المستعلية الجدلية التي كتبت حوالى سنة 516 هجرية 1123 ميلادية. ولكن هذه الوثيقة لا تذكر لماذا أطلق هذا الاسم على النزاريين في الشام وليس فيها ما يؤكد أن النزاريين كانوا يستعملون الحشيش. وعلى أي تقدير فإن من المؤكد أنه في بداية القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) كانت كلمة الحشيشية معروفة لدى المسلمين آنذاك، وأن تاريخ استعمال هذا المصطلح يعود إلى النصف الثاني من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) أي قبل الشقاق النزاري المستعلي.
إن المدمنين على استعمال الحشيش كانوا من المطرودين في المجتمع، ويعتبرون من الجناة والمجرمين وكانت غالبية الناس تعتقد أن هؤلاء من الملعونين المطرودين من المجتمع.
وهذا هو السبب في إطلاق مصطلح «الحشيشية» على الإسماعيليين النزاريين طوال القرنين السادس والسابع للهجرة (الثاني عشر والثالث عشر) وليس لأن النزاريين والمتطوعين منهم كانوا يستعملون الحشيش باستمرار وبصورة سرية. مع العلم بأن الإدمان على مادة مخدّرة ومهدئة للأعصاب مثل الحشيش تكون مضرة مثبطة للهمة في تحقيق المتطوعين انتصارات في مهماتهم التي كانت على الأغلب تستلزم الانتظار الطويل للحصول على الفرصة المناسة، هذا بصرف النظر عن زهد حسن الصبّاح وتقواه وورعه، وهو الذي وضع بنفسه خطط السياسة والمبدأ الثوري لهؤلاء. على أي حال فإن الحقيقة أنه ليست هناك في النصوص والمستندات الإسلامية غير الإسماعيلية التي كانت تنظر إلى هذه الفرقة نظرة عدائية حاقدة لا يوجد ما يُشعر أن النزاريين كانوا يستعملون الحشيش والواقع هو أن كبار المؤرخين المسلمين الذين كتبوا عن النزاريين مثل: الجويني الذي كان ينسب أية بادرة أو عقيدة أو عمل شيطاني ودنيء قذر إلى الإسماعيليين لم يطلقوا كلمة «الحشيشية» على الإسماعيليين. وإن بعض النصوص العربية التي أطلقت نعت «الحشيشية» على النزاريين لم تذكر أبداً أن سبب هذه التسمية هو استعمالهم الحشيش، في حين أن هذه النصوص كانت مستعدة لأن توجّه آلاف التهم والافتراءات إلى النزاريين. إن النصوص والوثائق والمستندات الموجودة تؤكد أن كلمة «الحشيشية» هي السبب في ظهور أفكار وعقائد واهية لا أساس لها من الصحة حول أنهم كانوا يستعملون الحشيش بصورة دائمة مستمرة.
ومنذ بداية النصف الثاني من القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) فإن أشكالاً مختلفة من كلمة «الحشيشية» في بلاد الشام وصلت إلى مسامع الصليبيين الذين كانوا يحصلون على معلوماتهم عن المسلمين بالطرق الشفوية. إن هذه المعلومات أصبحت أساساً وقاعدة لكثير من الكلمات مثل Assassini و Assissini وHeyssessini ما أصبح عنواناً للإسماعيليين النزاريين في الشام في النصوص اللاتينية للصليبيين، وبقية اللغات الأوروبية التي تحولت أخيراً إلى كلمة Assassins، وأن عمليات الاغتيال السياسية التي كان يقوم بها النزاريون اكتسبت فيما بعد صور خيالية في الأدب الغربي وفي القصص الغربية الشعبية، وكان ذلك في الوقت الذي أصبحت كلمة « Assassin» اسماً جديداً ودخلت في المعاجم. ليس من العجيب أن لا نجد أساطير (الأساسين) الخيالية في النصوص والمصادر الإسلامية التي تمت كتابتها خلال القرنين السادس والسابع الهجري (الثاني عشر والثالث عشر الميلادي) حيث أن هذا العصر هو عصر هيمنة وسيطرة وقوة النزاريين السياسية في إيران والشام وهو عصر تكوّن وظهور هذه الأساطير في النصوص والمصادر الأوروبية.
إن الغربيين هم الذين صنعوا أساطير الإرهابيين (الحشاشين) بصورة شعبية مألوفة ونشروها ووزعوها في أوروبا وأوروبا الشرقية، علماً بأن جذور هذه الأساطير هي من المصنوعات الخيالية التي صنعتها أوهام الأوروبيين في القرون الوسطى.
إن أساطير الحشاشين التي كانت تتألف من عدد من القصص والروايات أخذت بالتطور والتكامل تدريجياً، واتسمت بصيغة جديدة. هذه القصص والروايات بلغت ذروتها بعد الأسطورة التي رواها ماركو پولو. وكان ماركو پولو قد دمج بعض هذه القصص وجعلها روايات وقصصاً مسلسلة وأضاف إليها من نفسه، وجعل منها الجنة التي أُعِدّت فيها جميع اللذائد للفدائيين والمتطوعين. وكان أصحاب القصص والروايات يضيفون على هذه الأساطير حسب أذواقهم واضعين مواصفات وقصص السابقين نصب أعينهم جاعلينها أساساً لأعمالهم وتأليفاتهم. ثم يضيفون إليها حسب أذواقهم ما يدور في خواطرهم وأذهانهم. وعلى أي حال فمنذ القسم الأخير من القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) فإن المؤرخين، والقصاصين، والسائحين، والسفراء، والمندوبين الغربيين الذين كانوا يسافرون إلى أوروبا الشرقية، كانوا يروون قصصاً وأساطير عن الحشاشين أو الإرهابيين كما لو كان يشترك بعضهم مع بعض واضعين يداً في يد في تدبير مؤامرة على الحشاشين. وبعد قرن واحد انتشرت هذه الأساطير بصورة واسعة وصارت موضع ثقة بالنسبة لأعمال النزاريين، تماماً مثل ما كان المؤلفون المسلمون فيما مضى قد كتبوا أساطير سوداء عن الإسماعيليين التي أخذت بمرور الزمن وصفة حقيقية صادقة عن المذهب الإسماعيلي.
إن أقدم رواية أوروبية معروفة تتحدث عن تضحيات الفدائيين هي التي يرويها «بورخارد اشتراسبورغي» الذي سافر إلى الشام في خريف سنة 571 هجرية ـ 1175 ميلادية. لقد نقل بورخارد هذه القصة في جانب من تقريره عن الحشاشين (Heyssessini) إلى فردريك الأول الملقب ببارباروسا (ذو اللحية الحمراء) حيث كان قد أوفده في مهمة دبلوماسية إلى صلاح الدين الأيوبي.
بعد أن يذكر بورخارد في روايته أن للحشاشين (الإرهابيين) زعيماً أدخل الرعب في قلوب ملوك المسلمين والأُسر المسيحية في الأراضي المجاورة وذلك بالطريقة التي يستعملها في قتلهم واغتيالهم: ثم يستطرد قائلاً:
«الطريقة التي يستعملها في عملياته هي: إن لهذا الزعيم قصوراً جميلة كثيرة في الجبال تحيطها أسوار عالية ومرتفعة، ولهذا لا يمكن لأحد أن يدخل إليها إلا من باب صغير يحافظ عليه الحراس. ثم يسترسل في تخيلات وتصورات عجيبة. لا شك أن بورخارد وخلال إقامته في بلاد الشام سنة 571 هجرية ـ 1175 ميلادية قد سمع قصصاً وروايات من أفواه الناس عن النزاريين. وقد صدّق ما سمعه من أفواه المصادر المسيحية في الشام واعتبرها حقيقية وصادقة. ولما لم تكن لديه أية معلومات مسبقة فإنه استخدم عقله ودرايته وجمع الأخبار التي كان قد سمعها، وصنع منها حكايته التي كتبها لفردريك الأول.
وإذا كان بورخارد قد أضاف إلى روايته دافعاً مثيراً وهو المكافأة التي يقدمها زعيم النزاريين إلى الفدائيين في حالة تنفيذ مهمتهم بصورة كاملة، وطاعتهم للزعيم والقائد دون اعتراض، وهذه المكافأة هي «الجنة»، يمكن اعتبار أن هذا الكلام هو الأول من نوعه ورواية أساسية ورئيسية عن «أسطورة الجنة» حيث يمكن بأنواع مختلفة اعتبارها إحدى أركان أساطير الإرهابيين «الحشاشين» الأساسية.
إن أقدم وثيقة مسجلة عن أساليب النزاريين السرية هي ما كتبه بورخارد عنهم. إن أغلب التفصيلات التي يذكرها بورخارد عن برامج وتعليمات الفدائيين التربوية التي اقتبس الكثير فيها من المؤلفين الغربيين ما هي إلاّ مجرد روايات وقصص غير حقيقية ومزيفة ووهمية وخيالية صرفة مبنية على الإشاعات.
وعلى أي حال، فإن «أسطورة الجنة» التي برزت لأول مرة في تقرير بورخارد. أصبحت فيما بعد جزأً لا ينفك عن أساطير الحشاشين.
إن ما شرحه بورخارد عن انتخاب وتعليم الفدائيين أصبح النواة والبؤرة الرئيسية لأسطورة أخرى اقتبسها المؤلفون والكتاب الأوروبيون، وأجروا تعديلات وتغييرات كثيرة عليها. وعلى هذا الأساس ففي سنة 571 هجرية ـ 1175 ميلادية. تمهدت الأرضية لانتشار أساطير الحشاشين في الأوساط الصليبية والمصادر الأوروبية. إن ما بعثه بورخارد ضمن تقريره السياسي إلى الامبراطور فردريك الأول، كان قد وُزّع في ألمانيا قبل سنة 566 هجرية ـ 1170 ميلادية وكان قد اطّلع عليه الكثير من المؤلفين الآخرين في شمال أوروبا ومنهم آرنولد لوبكي واستفاد منه.
إن جميع المؤلفين والقصصيين الأوروبيين بعد بورخارد، الذين حاولوا الكتابة عن «الحشاشين» وكتبوا قصصاً خيالية عن كيفية تعيين وانتخاب وتعليم الفدائيين، كرروا مع تنقيح بسيط طفيف جميع ما كان قد جاء في تقرير بورخارد.
في هذا الأمر هو ما كتبه جيمز ويتري، أسقف عكا (1216 ـ 1228م) حيث يعطينا فكرة جديدة عن تطور وتكامل أساطير الحشاشين.
إن شروح جيمز ويتري التي كتبها في النصف الأول من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) هي مستقلة عما كان قد كتبه بورخارد، ومن ناحية احتوائها على الأساطير تحتل مكاناً وسطاً بين ما كتبه الأسقف الأعظم لمدينة صور وبين رواية بورخارد الخيالية، ويبدو أن جيمز ويتري قد وقع بسهولة تحت تأثير القصص التي سمعها في المكان الذي كان موجوداً فيه. أما الحجر الأساس الآخر، فيمكن أن نجده في كتاب آرنود لوبكي (المتوفى سنة 1212 ميلادية)، وهو الكاتب الألماني الذي كتب تاريخه قبل سنة 607 هجرية ـ 1210 ميلادية بقليل تحت عنوان هامش وتكملة لتاريخ الصقالبة الذي كتبه هلمون بوساواي (Helmond of Bosou) فهو يزعم أن من يضحي بنفسه من النزاريين الفدائيين ويموت بسعادة فذلك لأن الشيخ يعطيه خنجراً مباركاً خُصص لهذا الأمر ثم يسقيه شراباً مسكراً، ويسلب منه عقله وضميره وفي هذا الوقت الذي يكون فيه هذا الفدائي في حالة من الإغماء، يسحره ويعرض عليه بسحره أحلاماً خيالية، مليئة باللذات والمسرّات، ويعطيه وَعداً بأن جميع هذه اللذات والمسرّات جزاءً ومكافأة خالدة له؛ لقيامه وتنفيذه الأوامر والتعليمات التي أُعطيت له. الوصف الذي يعطيه آرنولد لوبكي، يعتبر هاماً من عدة نواحٍ: أولاً، أنه بسهولة وبساطة تامة لا يُدخل في نفسه أي شك أو تردد حول صحة ما قيل له بواسطة مصادره الشفوية ويؤكد على ثقته واعتماده على هذه المصادر ويقول إن أساطير الحشاشين (الإرهابيين) كانت قد عرفت منذ البداية لدى الأوساط والمحافل الصليبية. ولا شك أن هذا الأمر قد سهل فيما بعد أي في القرون الوسطى في أوروبا التلاعب بهذه الأساطير والدس فيها. ثانياً، وهو أكثر أهمية إن هذا التقرير هو أعرق وأقدم نص غربي يشير إلى نوع من المشروب المسكر الذي يقدمه الشيخ إلى الفدائيين ويسقيهم منه وهذا هو أول تقرير حول أسطورة جديدة يمكن تسميتها بـ«أسطورة الحشيش» وأخذها ماركو پولو ومصادر غربية أخرى وكبروها وبسطوها. هذه الأسطورة الجديدة حول أحلام الفدائيين الحشيشية من المحتمل جداً أن تكون من العناوين العدائية والافتراءات النابعة من الحشيش، والتي كانت قد أطلقت على الإسماعيليين النزاريين السوريين من قبل المسلمين المعارضين لهم في تلك الأيام. ثالثاً، إن تقرير آرنولد لوبكي أحدث شقاقاً جديداً في «أسطورة الجنة»، وهو أن الفدائيين كان بإمكانهم تذوّق لذات الجنة السماوية وجنة الخلد في هذا العالم عبر هذا الأسلوب الخيالي الوهمي.
شروح ومواصفات آرنولد لوبكي عن الفدائيين قد ابتعدت كثيراً عن الشروح والمواصفات التي أعطاها كل من بورخارد وجيمز ويتري. جاء كلام جيمز ويتري الذي نقله ماركو پولو بحذافيره في أساطير الحشاشين أو الإرهابين.
تفتتت واضمحلت الدولة النزارية الإيرانية في سنة 654 هجرية ـ 1256 ميلادية أمام هجوم المغول، وبعد فترة قصيرة أي سنة 668 هجرية ـ 1270 ميلادية فَقَدَ النزاريون في سوريا الاستقلال والقدرة وأصبحوا رعايا مطيعين لدولة المماليك.
في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، كان اسم الحشاشين قد انتشر واشتهر في جميع أنحاء أوروبا بواسطة الصليبين والأوروبيين الذين كانوا قد سافروا إلى الشرق، وبسبب القصص والحكايات المتنوعة التي كانت قد قيلت حول شعوب في الماضي البعيد كانت تعرف بهذا الاسم والعنوان. إن هذه القصص والحكايات لا سيما تلك التي كانت تروى عن تضحيات الفدائيين وحول الأساليب المشبوهة التي كان يمارسها شيخ الجبل، قد أثرت في الأوروبيين بصورة جذرية وعميقة بحيث كان الشعراء المغامرون يصفون إخلاصهم في الحب والغرام لنسائهم بأنه كإخلاص وتضحيات الحشاشين لشيخ الجبل. إن أساطير الحشاشين كانت قد خصصت لنفسها حياة مستقلة لا سيما في إيطاليا. وكانت إيطاليا مركزاً لمثل هذه الأساطير التي كانت تُنقل إليها بواسطة أعضاء المجتمع التجاري الفينيسي([150])، والمجتمعات التجارية الإيطالية الأخرى في شرق البحر الأبيض المتوسط. وبعد انقطاع الاتصالات المباشرة بين النزاريين والأوروبيين، ازدادت تفرعات وتشعبات أساطير الحشاشين، وإن الأساطير التي كانت تتميز «بالجهل الخيالي الغربي» أصبح بإمكانها إبراز نفسها بطلاقة وحرية. في مثل هذه الظروف تمكن ماركو پولو الفينيسي (1254 ـ 1324 ميلادية) السائح الأوروبي المعروف في القرون الوسطى أن يعطي حياة جديدة لأساطير الحشاشين.
كان والد ماركو پولو وعمه أي نيكولو ومافئو قد أمضيا سبعة أعوام متجولين في الشرق في الستينات من سنة 1260. قرر نيكولو ومافئو أن يأخذا معهما في رحلتهم الثانية إلى الشرق، ماركو الشاب ابن نيكولو، وكان عمره آنذاك سبعة عشر عاماً. غادر الشقيقان بولو مدينة فينيسيا (Venice) في صيف عام 1271 ميلادية وفي تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1271 بدءا رحلتهما نحو الشرق من مدينة عكا.
وبعد رحلة طويلة مديدة زماناً ومكاناً عاد الثلاثة إلى وطنهم بعد غربة حوالي خمس وعشرين سنة. وبعد أحداث انتهى ماركو پولو إلى السجن وفي السجن قرر ماركو پولو أن يكتب ذكرياته عما شاهده في «الدول الشرقية من عجائب وغرائب». وكان أحد السجناء واسمه روستيچيائو أو روستيچلو الپيزاوي، ذا قابلية جيدة في الكتابة، ولعله كان كاتباً قصصياً روائياً. ولما خرج ماركو پولو من السجن في شهر أغسطس عام 1299م كان روستيچلو قد انتهى من كتابة ذكريات ماركو پولو وقد تفنن الاثنان ما شاء لهما التفنن في الخيال والاختراع والافتراء.
ومن هنا جاءت أسطورة الحشيش ذيلاً وتبعاً لأسطورة الجنة.
إن المصدر الذي اعتمدته أغلبية القصاصين والكتاب الأوروبيين في خلق أساطير الحشاشين هو ما جاء في مذكرات ماركو پولو. ومن المؤكد أن الأوصاف التي ذكرها ماركو پولو تتسم بصبغة أوروبية وتمتد جذورها إلى مواصفات وكتابات بورخارد استراسبورغي وآرنولد لوبكي وجيمز ويتري.
وإن التقدم الذي حصل في الدراسات الإسماعيلية خاصة حول النزاريين في عصر ألموت الذي كان تاريخهم مستوراً تحت غطاء من الرموز والأسرار والغموض مما كان لفترة طويلة ساحة مساعدة لصنع قصص خيالية وهمية، كان مفيداً ومثمراً جداً. إن هذا التقدم في إعادة تقييم النزاريين الدراسات والتحقيقات التي قام بها فلاديمير إيفانوف (1886 ـ 1970م) والمارشال جي ـ أس هاجسن (1922 ـ 1968م) وبرنارد لويس حيث أكد هؤلاء إن النزاريين في عصر ألموت كانوا الرجال الذين يدافعون عن العلم والفضيلة وأن الإسماعيلية النزارية التي كانت قد أعطت لدعوتها صبغة روحانية لا يمكن اعتبارها فرقة من القناصين والقتلة المدمنين الذين تمت تربيتهم وتعليمهم على ذلك.
هل أن الفدائيين النزاريين كان بإمكانهم حقاً أن يكونوا أولئك الرجال الحمقى والمغفلين الذين صنعتهم هذه الروايات والقصص؟ أن يكونوا عملاء وأنصار زعيم أو قائد ماكر محتال يتمكن بسهولة أن يدمنهم على اللذات الشهوانية ثم يطلب منهم أن يضحوا بأنفسهم في سبيل أهوائه وميوله ورغباته الشيطانية؟ إلى أي حدٍ تتمكن هذه الصورة أن تكون الوجه الحقيقي الصادق لرجل مثل حسن الصباح مؤسس الحركة الثورية النزارية؟ كان حسن الصباح شخصية إسلامية كثيرة التقوى والزهد لم يخرج من قلعة ألموت طوال ثلاثين عاماً ولما اتهُّم ابنه بشرب الخمر أمر بتأديبه ومحاكمته، هذا الرجل الذي أرسل زوجته وبناته إلى قلعة بعيدة في دامغان؛ ليعيشوا هناك إلى الأبد، وليدبروا أمرهم عن طريق غزل القطن والصوف. لقد تمكن حسن الصباح أن يتزعم حركة مستقلة، وأن يؤسس حكومة مستقلة قائمة على أسس ومبادىء وإيديولوجية المذهب الإسلامي الشيعي الإسماعيلي. إن الصراع الذي قاده حسن الصّباح على النظام القائم في دولة السلاجقة، وأدامه زعماء نزاريون آخرون في إيران وبلاد الشام، قد أثار بطبيعة الحال المعارضة العسكرية والقلمية على النزاريين الذين كانوا فيما مضى بصفتهم إسماعيليين، عرضة لعداء المجتمع الإسلامي بصورة عامة، وعلى مرور الزمان فإن الروايات الإسلامية المعادية للإسماعيلية وفيها جذور الأساطير الأولى عن الإسماعيلية التي اكتملت وأصبحت على شكل أساطير الحشاشين الخيالية الوهمية التي خلقها الصليبيون الذين لا يعرفون شيئاً لا عن الإسلام ولا عن النزاريين. وخلاصة القول إن أساطير الحشاشين قد ظهرت نتيجة تعاون وتعاضد وتناسق عظيم بين المسيحيين والمسلمين في عصر الحروب الصليبية.
وعلى هذا الأساس فإن الرحلة التي بدأها ابن رزام من بغداد وانتهت عبر الصين، وإيران، والشام، وممالك أخرى، انتهت بواسطة ماركو پولو في سجن جنوا، وإن الأساطير السَوداء المعادية للإسماعيلية التي كتبها المسلمون قد وجدت مثيلها في أساطير الحشاشين التي كتبها الصليبيون المسيحيون. إن أساطير الحشاشين التي ليست لها صفة تاريخية كان لها في الحقيقة تاريخ أسطوري مثير ومدهش([151]).
بعد انقضاء الدولة
بعد إعلان الحسن الثاني بن محمد بن بزرك أُمِيّد سنة 558هـ (1164م)، عقيدته الجديدة التي تلغي التكاليف الشرعية، حدث الانشقاق في الاسماعيليين النزاريين، فبعض تابع الحسن الثاني، وبعض ظل على عقيدته، وفي طليعتهم شقيق زوجته الذي ما لبث أن اغتال الحسن سنة 562هـ/(1166م)، ولكن اغتياله لم يلغ ما جرى، بل بقي مستمراً على عهد خليفته ابنه (علاء محمد) الذي تولى بعد أبيه، وهو في التاسعة عشرة من عمره، وتوفي سنة 607هـ (1210م). كما أن المعارضة الشديدة ظلت مستمرة، وإذا كان قد تزعم المعارضة في عهد حسن شقيق زوجته، فقد تزعمها الآن حفيد حسن وسميه جلال الدين حسن إذ كان على خلاف أبيه وجده متمسكاً بالشريعة الإسلامية.
وعندما تولى الحكم بعد أبيه سنة 607هـ أعلن إلغاء كل ما قرره سلفاه.
وتوالى خليفتاه بعده على طريقته الإسلامية وهم: ابنه علاء الدين محمد الذي توفي سنة 653هـ (1260م)، وحفيده ركن الدين خورشاه الذي انتهى به حكم النزاريين بعد أن قتله هولاكو سنة 654هـ (1261م)، وقد انتهى حكم الإسماعيليين وهم قسمان: قسم ظل على انحراف حسن الثاني، وقسم على استقامة حفيده علاء الدين محمد. ولا يزال لكل من الفريقين اتباع حتى الآن. فالذين ظلوا على طريقة الحسن الثاني عرفوا باسم (القاسمية)، وهم اليوم أتباع آغاخان، والفريق الآخر عرفوا باسم (المؤمنية).
على أن التساؤل هنا ينصب على أمر الإمامة عند المؤمنين فقد قتل ركن الدين خورشاه دون أن يكون له وريث لإمامته فما شأن الإمامة بعده.
يقول الدكتور فرهاد دفتري:
الإمامة النزارية توارثتها ذرية ركن الدين خورشاه، آخر أسياد ألموت الذي قتله المغول سنة 655هـ/1257م. وتمثّل القرون المبكرة من عصر ما بعد ألموت أكثر الأطوار غموضاً في تاريخ الجماعة الإسماعيلية النزارية. عندما عاش النزاريون في مناطق مختلفة متخفّين في ظل القيادة المحلية لدعاتهم. وكذلك، عاش الأئمة الإسماعيليون النزاريون بشكل سري في فارس من غير اتّصال مباشر بأتباعهم. وكان خلال تلك القرون المبكرة من عصر ما بعد ألموت أن بدأ الأئمة الإسماعيليون النزاريون، ومعهم أتباعهم، يخفون أنفسهم في رداء من الصوفية، وهي تقليد باطني إسلامي آخر كان مزدهراً في فارس آنئذ في شكل طرق متنوعة. وبحلول نهاية القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي عندما ظهر الأئمة النزاريون في أنجودان، وسط فارس، كانت روابط قوية قد توطّدت بين النزاريين الإسماعيليين والصوفية. وبدا الإمام الإسماعيلي للعالم الخارجي في تلك الفترة في هيئة شيخ كبير صوفي أو «مرشد»، وكان أتباعه «مريدون» له، الأمر الذي سهّل للإسماعيليين الفرس تجنّب الاضطهاد في بيئة معادية.
جامع في هنغاريا
د
ويقول الدكتور دفتري في بحث آخر مستفيض:
إن النزارية في إيران رغم شعارات الجويني، والمؤرخين الذين جاؤوا بعده، استمرت في حياتها بعد تدمير قلاعها، وانهيار دولتها على أيدي المغول. وبالرغم من المذابح التي ارتكبها هؤلاء بهم طوال العامين 654 ـ 655هـ/1256 ـ 1257م، فإن هذا المجتمع لم ينْهَرْ بصورة نهائية حيث نجا عدد كبير من رجاله من مذابح رودبار وقهستان وفي الوقت الذي كان ركن الدين خورشاه يقضي آخر أيام حياته بين المغول، فإن القيادة النزارية تمكنت من إخفاء ابنه ونائبه المنصوص عليه شمس الدين محمد، الذي أصبح قدوة الأئمة النزاريين في عصر ما بعد ألموت. وبهذا فإن الإمامة النزارية استمرت من جيل إلى جيل عن طريق سلالتين مختلفتين من الأئمة. على أنه تعذر على النزاريين طيلة قرنين الاتصال المباشر مع أئمتهم حيث أن الأئمة في هذه الفترة كانوا يحيون حياة سرية في مختلف أنحاء إيران ومن أجل أن يصون النزاريون أنفسهم من ملاحقة الأيلخانيين والتيموريين والسلالات الأخرى التي حكمت إيران، فإنهم وقد فقدوا تنظيماتهم، اضطروا للأخذ بالتقية أخذاً حازماً، وتواروا تحت الستار الصوفي.
وأما في سوريا فإن بيبرس الأول حتى سنة 671هـ/1273م، جعل المجتمع النزاري تحت سلطته وبعد ذلك فقد هذا المجتمع أهميته السياسية واستمر رعية مخلصة للمماليك، ومن بعدهم للعثمانيين، دون أن يكون له اتصال مع النزارية الإيرانية. ثم ظهرت نزارية ثالثة في منطقة جيحون العليا، المنطقة التي كان المذهب الإسماعيلي قد انتشر فيها قبل عدة قرون. ويبدو أن نزارية برخشان وما حولها، قد آمنوا بالأئمة النزاريين منذ زمن قبل سقوط ألموت وهؤلاء النزاريون في هذه المنطقة البعيدة ظلوا آمنين من خلفيات الهجوم المغولي على إيران وكانوا خلال عصر ألموت قد أوجدوا لأنفسهم آداباً وتعاليم خاصة بهم، واهتموا بمؤلفات ناصر خسرو كما حافظوا بعد عصر ألموت على مقدار كبير من المؤلفات النزارية المكتوبة باللغة الفارسية التي بقيت من عصر ألموت. على أن أعظم نجاح حققه المذهب النزاري بعد عصر ألموت كان في شبه القارة الهندية، وكان المجتمع النزاري الهندي الذي يطلق عليه عادة اسم (خوجه)، يمضي نحو التقدم والازدهار بفضل قيادة زعمائه وشيوخه المحليين إلى أن تحول إلى قاعدة رئيسية للفرقة النزارية.
إن نبأ اغتيال ركن الدين خورشاه في سنة 655هـ/1257م، كان ضربة نفسية موجعة نزلت بالنزاريين المضطربين المشردين الذين كانوا قد اعتادوا بأن يكون إمامهم، أو نوابه، أو ممثلوه المحليون في متناولهم، والمجتمعات النزارية الإيرانية حُرمت الآن من قيادة مركزية كانت قبل هذا تختارها قاعدة قيادة ألموت، لهذا فإن هذه المجتمعات اضطرت لتحويل حياتها على مبادىء محلية مستقل بعضها عن بعض. وفي إيران بينما كان المدافعون عن گردكون صامدين أمام المغول وحلفائهم المحليين في ناحية بحر الخزر، كان النزاريون في الديلم وقهستان في مأمن من الأخطار. وبقية النزاريين المنتشرين في بقية مناطق إيران، إما أنهم هاجروا إلى هذه المناطق وإما إنهم ذابوا في المجتمعات غير النزارية المجاورة. وفي الوقت نفسه رحل نزاريو قهستان الذين نجوا من مذبحة المغول، رحلوا إلى أفغانستان والسند والپنجاب ومناطق أخرى من القارة الهندية. ويبدو أن نزاريي رودبار تمكنوا بعد فترة زمنية قصيرة من أن يتوحدوا تحت نوع من القيادة المركزية خلال فترة زمنية تقل عن عشرين عاماً من سقوط ألموت، فشكلوا قدرة عسكرية كانت نشطة لفترة من الزمان. وحاول نزاريو شمال إيران عدة مرات استعادة ألموت والقلاع المهمة الأخرى في رودبار لأن هذه القلاع لم تكن قد دُمرت نهائياً كما أشار الجويني والمؤرخون الإيرانيون الآخرون في عصر الأيلخانيين. والحقيقة هي أن المغول أنفسهم جددوا بناء ألموت ولمبسر لأنفسهم وفي سنة 674هـ/1275 ـ 1276م، أي بعد خمسة أعوام من سقوط قلعة گردكوه كان نزاريو رودبار قد بلغوا من القوة إلى الحد الذي تضامنوا مع أحد أخلاف الخوارزميين واستعادوا ألموت ثانية لمدة سنة واحدة إلى أن طردوا منها بقوات أرسلها أباقا خان (663 ـ 680هـ/1265 ـ 1282م) ابن هولاكو.
تقول الروايات النزارية، إن نزاريي إيران خلال الأشهر التي تلت سقوط ألموت تمكنوا من إخفاء شمس الدين محمد بن ركن الدين خورشاه وهو طفل صغير كان يحمل نص الإمامة من والده. إن شمس الدين الذي جلس على كرسي الإمامة بعد وفاة والده سنة 655هـ/1257م، نُقل إلى آذربيجان بواسطة عدد من الشخصيات النزارية حسب ما تقول هذه الروايات ثم ترعرع هناك، وكان يعيش سراً في زي صاحب مهنة حياكة وتطريز، ولذلك عُرب بـ (زردوز) [حائك الذهب]. وفي مخطوطة (سفرنامه) التي ألفها النزاري القهستاني إشارة إلى أن شمس الدين محمد ومن المحتمل جداً أن خلفه أيضاً، كانا يعيشان سراً في آذربيجان أو جنوب القفقاس.
توفي شمس الدين محمد حوالى سنة 710هـ/1310 ـ 1311م في آذربيجان بعد إمامة استمرت حوالي خمسين سنة، وخلال فترة إمامته الطويلة تمكنت النزارية الإيرانية وخاصة في رودبار من إعادة تنظيمها، واستعادت ألموت مرة أخرى بصورة مؤقتة، في حين أصبحت النزارية في سوريا تحت سلطة مماليك مصر.
بعد وفاة شمس الدين محمد، حصل خلاف حول الذي سيخلفه، وانقسمت سلسلة الأئمة النزارية وأنصارها إلى قسمين: المحمد شاهية والقاسم شاهية. وانتهت سلسلة الأئمة المحمد شاهية قبل حوالى القرنين وكان أشهر أئمتها الشاه طاهر الدكني. أما سلسلة القاسم شاهية فما زالت مستمرة حتى يومنا هذا ومنذ السنوات الأولى من القرن الماضي عُرف أئمة القاسم شاهية بـ (آغا خان) وهم اليوم الأئمة النزاريون الوحيدون.
الإسماعيليون في أوروبا
سيطر العثمانيون على الكثير من أراضي المجر لمدة قرن ونصف (في القرنين السادس عشر والسابع عشر). وأسلم خلال تلك الفترة عدد قليل من الهنغاريين. ويبدو أن نجاح الأتراك في أسلمة نسبة كبيرة من سكان البلقان (الألبان والبوشناق وغيرهما في القرن التاسع عشر) لم يلق النجاح المماثل في هنغاريا، بسبب طبيعة الصراع الكاثوليكي ـ الأورثوذكسي في البلقان، وقرب الأورثوذكس من الإسلام، وبغضهم للسلطة البابوية، لكن علاقات هنغاريا بالإسلام تعود إلى عصور أقدم، إذ عاش في هنغاريا عدد كبير من الإسماعيليين قبل نحو ألف عام، وتمتعوا بنفوذ اقتصادي مهم قبل أن ينصهروا في المجتمع. فمن هم هؤلاء المسلمون الذين سكنوا أبعد المناطق جغرافية إلى الشمال؟.
تشير الأخبار إلى أن تحالفاً من سبع قبائل مجرية قام بالتغلغل في حوض جبال الكاربات في القرن التاسع الميلادي، وتوجد آثار تدل على وجودهم في منطقة شوبرون (في غرب هنغاريا) بحدود 830 ميلادية، وفي الكاربات الشرقية في منتصف القرن. ولكن الموجة الرئيسية قدمت في تسعينات القرن بسبب ضغط قبائل تركية، وأسس هنغاريون دولة نظمت على أساس قبلي بزعامة «آرباد» رئيس التحالف. وكانت منطقة الكاربات سكناً لشعوب مختلفة، منها الآقاريون الذين نزحوا إليها في حوالي القرن السادس، وبعض القبائل السلافية، سبقتهم إليها قبائل الهون التي اشتهر زعيمها أتيلا (410 ـ 453م). الذي أرعب الامبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي. وامتدت حملات أتيلا العسكرية من القسطنطينية شرقاً مروراً بإيطاليا حتى فرنسا غرباً. واسم أتيلا (بالهنغارية أَته) غوطي الأصل، ويعني تصغيراً لكلمة أب (لاحظ أن كلمة أتا في التركية أب وفي الهنغارية القديمة أتيا). وتعود أولى المعلومات عن قبائل الهون إلى 318 قبل الميلاد، إذ وردت معلومات عنهم في النصوص الصينية. وبنى الصينيون سور الصين العظيم في حدود العام 220 قبل الميلاد لاتقاء شر الهون. ويعتبر هنغاريو الهون أقارب لهم، وسميت المنطقة باللغة اللاتينية هنغاريا نسبة إلى هذا الشعب الوثني المحارب. أما الوطن الاصلي للهنغاريين فهو سهوب أواسط آسيا الواقعة إلى الشمال من بحر آرال، ومنطقة بشقيريا، إذ عاشوا سوية مع الشعوب التركية والإيرانية التي أخذوا من لغاتها وعاداتها وفكرها الكثير. وكان ذلك في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد على ما يبدو. وتشير الكلمات التركية الكثيرة في اللغة الهنغارية إلى تلك الفترة. ويقدر العلماء عدد الجيش الهنغاري الذي غمر حوض الكاربات بعشرين ألف مقاتل، وعدد الهنغاريين بعوائلهم نحو 100 ألف، وفي تقديرات أخرى 500 ألف شخص. ومر القرن العاشر الميلادي وأوروبا ترتعد من هؤلاء المحاربين الذين عاثوا فيها، إذ اجتاحت جحافل قواتهم الكثير من الدول فوصلوا حتى إسبانيا واكتسحوا إيطاليا وتغلغلوا حتى شمال ألمانيا، ووصلوا القسطنطينية عاصمة الامبراطورية البيزنطية.
ويشار إلى أن الجغرافيين العرب كانوا أول من أشار إلى الهنغاريين، وبينهم المسعودي وبعده ياقوت الحموي.
بعد تأسيس الدولة الهنغارية أعلن الملك إشتفان (حكم بين 997 ـ 1038م) تنصره، وأصبحت المسيحية دين الدولة الرسمي، ولقاء ذلك منحه البابا سيلفستر الثاني التاج عشية عيد ميلاد العام 1000 ميلادي. وكانت ديانة الهنغاريين الأوائل مشابهة لأديان شعوب وسط آسيا، وعندهم الساحر (شامان) هو الذي يتوسط بين الإنسان والأرواح والآلهة.
وانشغل اشتفان في بناء أسس دولة أوروبية على النمط الإقطاعي المعروف آنذاك، وبذلك تنفست أوروبا الصعداء بعد توقف الهجمات الهنغارية. وبعد وفاة اشتفان في 1038م اعتبرته الكنيسة الكاثوليكية قديساً، وذلك في احتفال كبير في 20 آب (أغسطس) من العام 1083م، وأصبح ذلك التاريخ يعرف بعيد القديس اشتفان، ويحتفل الهنغاريون اليوم بالذكرى الألفية لقيام دولتهم ببرنامج واسع سيبلغ ذروته في عيد القديس اشتفان.
بعد وفاة اشتفان اندلعت الصراعات الهنغارية الداخلية التي لم تتوقف إلا بعد استلام لاسلو الأول الحكم. ويذكر أن جحافل الأوروبيين الأولى المتجهة إلى الشرق لاحتلال فلسطين في فترة ما أصبح يعرف بحروب الصليبين الفرنجة مرت عبر هنغاريا في 1096م. غير أن هذه الحملة بدأت بسلب المدن وسرقة الناس ما حدا بالملك الهنغاري كالمان إلى محاربتها وطردها خارج الحدود ومنذ ذلك الحين لم يسمح الهنغاريون بدخول الجيوش الصليبية بلادهم، وإن فعلوا فعلى مضض وبمرافقة الجيش الهنغاري وإشرافه.
كان الهنغاريون يسمون المسلمين بالإسماعيليين، كذلك انتشرت تسمية بُسرُمين التي اشتقت من بسُرمان، وهي التسمية التي أطلقها المسلمون هناك على أنفسهم، وجاءت تصحيفاً لكلمة مسلمان المعروفة في اللغات التركية والإيرانية. ويرجح أن الإسماعيليين تسمية تدل على تشيع هؤلاء المسلمين.
ويرى الباحثون الهنغاريون في مطلع القرن الماضي أن الإسماعيليين هم أتراك الهوية، وأطلق معاصروهم عليهم تسمية «كاليز» أو «كاريز»، التي تشير إلى موطن الأتراك في خوارزم (الواقعة جنوب بحر آرال). بينما ترجح الدراسات الحديثة أن البسرمينيين هم من الشعوب الإيرانية، انتفضوا ضد الخزر (الذين اعتنقوا اليهودية في فترات متأخرة وهم أجداد اليهود الأشكناز) وهاجروا إلى حوض الكاربات في القرن العاشر الميلادي بأعداد كبيرة.
وقطن الكثير من الإسماعيليين قرب بلغراد الحالية، وآخرون عند نهر سافا (في سلافونيا وهي ضمن صربيا اليوم). وعندما ضم الملك لاسلو هذه المناطق الى هنغاريا في 1083 ـ 1091م، أصبح هؤلاء المسلمون اتباعاً في الدولة الهنغارية. وبتأثير قوانين سنها الملوك الهنغاريون لتشتيت المسلمين بهدف صهرهم دينياً وقومياً، انتشر الإسماعيليون في بقاع كثيرة من الأراضي الهنغارية، ويمكن تعداد الكثير من القرى والمدن التي يشير اسمها إلى ساكنيها المسلمين، مثل بُسرمين أو كالوز أو كالِز، وهناك قرى نجد فيها أصداء أسماء عربية كذلك. ولا تزال بعض القرى تحمل الاسم إلى اليوم، وأشهرها مدينة هايدوبُسرُمين الواقعة قرب مدينة دبرتسن في شرق هنغاريا.
ونجد، بتأثير من الإسماعيليين وبسبب نفوذهم المالي ـ الاقتصادي، أن بعض المسكوكات الهنغارية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر حملت حروفاً عربية. وكان شكل العملة الهنغارية آنذاك يحمل الكثير من ملامح النقود العربية الإسلامية.
جامع باشاغازي في بيتش (هنغاريا)
د
كان المسلمون يتعهدون الخزانة ويشرفون على الإدارة المالية وجباية الضرائب في عهد الملك اشتفان. لكن وبضغط من الكنيسة البابوية، سن الملوك الهنغاريون قوانين لتنصير المسلمين. واستندت القوانين التي نادراً ما كانت توضع موضع التنفيذ على سياسة الصهر العرقي وإجبار المسلمين على مخالفة الشريعة. وأول قانون يذكر الإسماعيليين بالاسم كان ضمن مجموعة قوانين الملك لاسلو في العام 1092م. نجد في المادة 9 من المجموعة فقرة نصت على الآتي: «إذا ما عاد التجار الذين يطلق عليهم الإسماعيليين إلى قوانينهم القديمة بعد تنصرهم، وختنوا أولادهم، أبعدوهم عن سكناهم إلى قرى أخرى. أما الذين تثبت براءتهم عند التحقيق، فليبقوا في محل سكناهم».
جامع حسن باشا في بيتش
د
وبعد عقد من السنين أصدر مجلس الملك كالمان تشريعات أشد وطأة: «إذا ما أحس أحد بأن أياً من الإسماعيليين يصوم أو يأكل، أو يمتنع عن تناول لحم الخنزير، أو يغتسل جرياً على عادة الوثنيين أو ينفذ أحد تعاليم طائفته الدينية، فليبلغ الملك عنه، ويحصل المخبّر على جزء من ممتلكات الإسماعيلي». وذكرت المادة 46 من القانون الآتي: «كل قرية إسماعيلية تبني كنيسة وتدفع لها الجراية. وبعد اكتمال بناء الكنيسة، ينقل نصف الإسماعيليين من القرية وليسكنوا معنا»… و«لا يتجرأ أي إسماعيلي تزويج ابنته إلى أبناء جلدته، بل إلى بني قومنا». و«إذا ما حل شخص ما ضيفاً على إسماعيلي، أو دعا منهم أحداً إلى غداء، ليأكل هو وضيفه لحم الخنزير فقط».
لم تنفذ هذه القوانين دوماً بهذه الشدة والصرامة، إلا بعد ضغوط جديدة من الباب فاضطر الملك أندراش الثاني في العام 1231م إلى وعده بعدم تشغيل المسلمين في أية وظيفة حكومية. وبمرور الوقت أصبح الإسماعيليون يتكلمون الهنغارية، بل أن ممثليهم قالوا لياقوت الحموي إن قوميتهم مجرية، ودينهم الإسلام. واستمر ذلك الحال وفشل التنصير الإجباري لفترة طويلة إلى أن جاءت الفاجعة.
كان الإسماعيليون يتمتعون بالقدرة على الحفاظ على دينهم لعاملين، أولهما دورهم في الحياة الاقتصادية وسيطرتهم على إدارة خزينة الدولة وأعمال الصيرفة، والثاني القوة العسكرية التي يمثلون كونهم من المقاتلين الأشداء. ومن يملك المال والسلاح لا يؤثر فيه سن القوانين ولا تركعه أنواع التمييز. لكن الأمر انقلب بين عشية وضحاها بعد اكتساح التتار هنغاريا في 1241 ـ 1242م، ففقدوا المال والقوة.
فشل الملك بيلا الرابع في صد التتار بقيادة باتو خان، لكنه نجح في إعادة إعمار البلد بعد الخراب الهائل الذي لحق به خلال عقدين أو ثلاثة، وقام بتوطين الكثير من السلاف والألمان الساكسونيين في المناطق التي أباد التتار سكانها.
بعد ذلك التاريخ لم يعد للإسماعيليين قوة مؤثرة في هنغاريا ويمكن أن نصادف القليل منهم في فترات لاحقة إذ توجد إشارات إلى خدمة عدد منهم في جيش الملك بيلا الرابع (1260م) وإلى وجود أفراد منهم بين حاشية لاسلو الرابع (1289م). وانصهرت البقية تماماً في المجتمع الهنغاري بحدود نهاية القرن الرابع عشر الميلادي.
ثائر صالح
أسنا
بلدة في مصر، قال صاحب الطالع السعيد: كان التشيع فيها فاشياً فجف حتى خف.
أَسند عنه
مرت كلمة موجزة عن هذا الموضوع في الصفحة الخامسة من المجلد الثاني (الطبعة الثالثة) وننشر هنا عنه هذا البحث:
مما يعترض الباحث في أحوال الرواة، والمراجع لكتب لرجال، هو وصف الراوي بأنه: «أسند عنه».
وهذا الوصف قد استعمله الشيخ الطوسي في كتابه المعروف بالرجال، وتبعه من تأخّر عنه في الاستعمال، ولم أجد من سبقه من الرجاليّين ـ العامة والخاصة ـ إلى استعماله بصدد تعريف الراوي به.
وقد وقع الأعلام من علماء الرجال في ارتباك غريب بشأن هذا الوصف من حيث تركيب لفظه، ومن حيث تحديد معناه، حتى أنَّ بعض مشايخنا الكرام توقّف وصرّح بأنّه لم يفهم له معنى مراداً.
فقمت بتجوال طويل في ما يعني بالأمر من مصادر وفنون ومباحث، فتمخّض سعيي عن هذا البحث:
إنَّ كلمة «أسند عنه» من مشتقّات الأصل المركب من الحروف الثلاثة (س، ن، د)، ولهذه المادة في اللغة وضع ومعنى، ولها أيضاً مغزى اصطلاحي وراء الأصل اللغوي.
وقد انطوت هذه المادة ومشتقاتها على أهمية نابعة من أهميّة ما يسمّى في علم الحديث بالسند، فإنَّ لسند الحديث شأناً استقطب من العلماء جهوداً توازي ما يبذل في سبيل متن الحديث، فقد اختصّ له علماء، فنّنوا حوله الفنون من: دراية، ورجال، وطبقات، وألّفوا في كلّ من هذه الفنون المؤلفات النافعة، ضبطوا لها القواعد، وجمعوا منها الوارد والشارد.
وكان من بعد أثر السند المصطلح، في أصل اللغة أن أخذت مادّته وتصاريفها طريقاً في كلمات اللغويّين، وموقعاً من كتب اللغة، فنجد ألفاظاً مثل: السند، الإسناد، المسند،… معروضة في المعاجم والقواميس اللغوية بما لها في المعنى المصطلح عند علماء الحديث، مع أنَّ ذلك ليس من مهمّة اللغويّين.
ولعلّ الوجه الصحيح لهذا التصرّف: أن هذه الألفاظ تخطّت في العرف العام مجرّد المعاني اللغوية، واتخذت أوضاعاً ثانية لا مناص من ذكرها في عرض المعنى اللغوي، إن لم ينحصر المعنى المفهوم بها، بعد أن لم يعد المعنى اللغوي ملحوظاً بالمرّة.
فللوصول إلى ما تنطوي عليه كلمة «أسند عنه» لا بدّ من الإحاطة بكل ما لمادّة «سند» ومشتقاتها من المعنى المصطلح، فنقول:
السند
قال الزمخشري: سَندُ الجبل والوادي هو مرتفع من الأرض في قُبُله، والجمع أسناد… ومن المجاز: حديث قويّ السند، والأسانيد قوائم الحديث.
والأسانيد: جمع أسناد ـ بفتح الهمزة ـ الذي هو جمع سند، والتعبير بالقوائم بلحاظ أنّ الحديث ـ والمراد هنا متنه فقط ـ إنّما يقوم على ما يسبقه من الرواة الناقلين له، وأنَّ بها تتميز صحة المتون وعدم صحتها، وبها تعرف قيمة الحديث، ومن ذلك يتّضح أن المعنى اللغوي المذكور لا يناسب أن يكون ملحوظاً في تسمية طريق المتن بـ «السند» بلحاظ أن الطريق هو أوَّل ما يواجهه الإنسان من الحديث، فإنَّ هذا المعنى لم يحلظ فيه جهة القيام به والاعتماد عليه، ومع هذا فإنَّ السيوطي قد احتمله.
وقال الفيومي: السند ما استندت إليه من حائطٍ أو غيره.
وقال ابن منظور: من المجاز سيّد سند، وهو سندي أي معتمدي.
والمناسبة بين هذا المعنى، والمعنى المصطلح، هي أنَّ الحديث يستند إلى طريقه ويعتمد عليه، فهو إنّما يكتسب القوّة والضعف منه، تبعاً لأحوال رواته، أو لخصوصيّات الطريق من الاتصال والانقطاع.
وأما السند اصطلاحاً
فهو طريق المتن، أو: مجموع سلسلة رواته حتى ينتهي إلى المعصوم، ولا يختص اسم السند بالطريق المذكور فيه جميع رواته، فلو حُذف الطريق كلّه، فإنما يكون سنده محذوفاً لا أنّه مرسل لا سند له، وكذا لو حذف بعضه فإنَّ إطلاق الاسم يشمل المذكورين والمحذوبين، وهذا أمر مسلّم عند أهل الخبرة.
فمن الغريب ما ذكره المحقّق الكلباسي من أنّه: «لا يحضره إطلاق السند على المحذوفين، وإن وقع إطلاق الطريق على المذكورين».
هذا، مع أنَّ التفريق بين كلمتي السند والطريق، بعيد عن التحقيق، وخاصة عند تعريف السند بأنّه طريق المتن.
الإسناد
قال الجوهري: أسندَ الحديث رفعه…
وقال صاحب التوضيح: الإسناد أن يقول حدّثنا فلان عن رسول الله (ص) ويقابل الإسناد الإرسال وهو عدم الإسناد.
وقال الفيومي: أسندتُ الحديث إلى قائله، بالألف رفعته إليه بذكر قائله.
وقال الأزهري: الإسناد في الحديث رفعه إلى قائله.
ومنه ما ورد عن أبي عبدالله الصادق (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): إذ حدّثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدّثكم فإن كان حقاً فلكم، وإن كان كذباً فعليه. وهذا الاستعمال حقيقة، إلاّ إذا كان الإسناد بمعنى ذكر السند، كما يقال أسْنِدْ هذا الحديث، أي اذكر سنده، فهو مجاز، لأنَّ إطلاق السند على سلسلة رجال الحديث مجاز كما صرّح بذلك الزمخشري.
وقد يطلق الإسناد على السند، فيقال: إسناد هذا الحديث صحيح، وقد ورد في الحديث عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه رضي الله عنهم، قال: قال رسول الله (ص): إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده، فإن يك حقاً كنتم شركاء في الاجر، وإن يك باطلاً كان وزره عليه.
ووقع هذا في كلمات كثير من القدماء منهم أبو غالب الزراري في رسالته، والشيخ المفيد في أماليه، والشيخ الطوسي في الفهرست.
قال في شرح مقدمة المشكاة: تطلق كلمة السند على رجال الحديث الذين قد رووه، ويجيء الإسناد أيضاً بمعنى السند، وأحياناً بمعنى ذكر السند.
ونقل السيوطي عن ابن جماعة: أنَّ المحدثين يستعملون السند والإسناد لشيء واحد.
وهذا الإطلاق ليس حقيقياً، فإنَّ الإسناد من باب الإفعال المتضمّن معنى التعدية والنسبة، وهذا ليس موجوداً في واقع السند، نعم يكون الإطلاق مجازاً باعتبار أنَّ السند موصل إلى المتن وموجب للسلوك إليه.
قال السيد حسن الصدر: وذلك من جهة أن المتن إذا ورد فلا بدّ له من طريق موصل إلى قائله، فهذا الطريق له اعتباران:
فباعتبار كونه سنداً ومعتمداً ـ في الصحة والضعف مثلاً ـ يسمى سنداً.
وباعتبار تضمّنه رفع الحديث إلى قائله يسمى إسناداً.
ومعنى (رفعه) هو نسبته مسنداً أي بسند متصل إلى قائله، كما يقال في الحديث المتصل السند إلى رسول الله (ص) إنه حديث مرفوع، مقابل المرسل والمقطوع والموقوف.
المُسْنَدِ
هو لغةً: إما اسم مفعول من أَسْنَدَ، مثل أكرم إكراماً فهو مُكرِم وذاك مُكرَمٌ، أو اسم آلة.
قال ابن منظور: وكل شيء أَسندتَ إليه شيئاً فهو مُسْنَدٌ، وما يستند إليه يسمى (مُسنداً) و(مِسنداً) وجمعه (المساند).
وهو اصطلاحاً: يُطلق على قسم من الحديث، وعلى بعض الكتب.
أمّا المُسّنَد من الحديث
فهو ما اتصل إسناده، حتى يُسند إلى النبي (ص)، ويقابله: المُرْسَل والمنقطِع، وهو ما لم يتصل.
قال الخطيب البغدادي: وصفُهم الحديث بأنه «مسند» يريدون أن إسناده متصل بين راويه وبين من أسند عنه، إلا أنَّ أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أسند عن النبّي (ص) واتصال الإسناد فيه أن يكون كل واحد من رواته سمعه ممَّن فوقه حتى ينتهي ذلك إلى آخره، وإن لم يُبينّ فيه السماع بل اقتصر على العنعنة.
وقال السيد حسن الصدر: إن علمت سلسلته بأجمعها ولم يسقط منها أحد من الرواة بأن يكون كل واحد أخذه ممن هو فوقه حتى وصل إلى منتهاه: فمسندٌ، ويقال له: الموصول والمتصل، وأكثر ما يستعمل «المسند» فيما جاء عن النبي (ص).
وإطلاق المسند على الحديث إن كان باعتبار رفعه إلى النبيّ (ص) كما هو الظاهر، وصرّح به جمع من اللغويين في معنى (أسند الحديث) كما مرَّ ذكر أقوالهم، فهو بصيغة اسم المفعول، وهو إطلاق حقيقي.
وإن كان باعتبار ذكر رواته متصلين، فهو من باب إطلاق الإسناد على السَّنَد نفسه، فالحديث المُسْند، هو الحديث الذي ذُكر سنده، فهذا إطلاق مجازي، ولعل بالنظر إلى هذا ذكر الزمخشري: أن من المجاز قولهم حديث مسند.
وأما كونه مسنداً باعتبار كونه آلةً للاستناد والاعتماد، فهو في الحديث اعتبار بعيد، لأنه ليس كلّ حديث معتمداً كذلك.
وأما الكتاب المسمى بالمسند
فقد قال الكتاني عنه: هي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حِدة، صحيحاً كان أو حسناً أو ضعيفاً، مرتَّبين على حروف الهجاء في أسماء الصحابة، كما فعله غير واحد وهو أسهل تناولاً، أو على القبائل، أو السابقة في الإسلام، أو الشرافة النسبية، أو غير ذلك.
وقال: وقد يُطلق (المُسْنَدُ) عندهم على كتاب مرتَّب على الأبواب، أو الحروف أو الكلمات، لا على الصحابة، لكون أحاديثه مسندةً ومرفوعة أُسندت ورُفعت إلى النبيّ (ص).
ومن هذا الباب ما ألَّفه كثير من المحدثين من المسانيد حيث أوردوا في كل منها ما رواه أحد الأعلام المتأخرين عن عهد الصحابة، فجمعوا ما رواه ذلك العلم بشكل متصل وبطريق مسند إلى النبيّ (ص)، كما أُلِّفَ للأئمة مسانيد بهذا الشكل، وخاصة لأئمة أهل البيت(عليهما السلام)، ومن خلال التتبُّع في كتب الحديث نجد أنَّ تسمية المجموعات الحديثية المسندة إلى النبيّ (ص) بطريق واحد من الأئمة المعصومين(عليهم السلام) بـ «المسند» منسوباً إلى ذلك الإمام، كمسند الحسن أو الحسين أو الباقر أو الصادق (ع)، بل في زمان الباقر (ع) أيضاً.
ومن هنا يمكننا القول بأن تاريخ تأليف الكتب على شكل «المسند» يعود إلى أواسط القرن الثاني، بل إلى أوائل هذا القرن بالضبط حيث توفي الإمام الباقر (ع) سنة (114) للهجرة، وان في المؤلفين للمسانيد، جمع من أصحابه (ع).
وبهذا نُصَحّحُ ما قيل في صدد تاريخ تأليف المسند من تحديده بأواخر القرن الثاني أو نسبته إلى مؤلفين متأخرين وفاةً عن بداية القرن الثالث.
وأما تسمية الكتاب بالمسند مضافاً إلى مؤلفه أو شيخه الذي يروي عنه فليس بمجاز، لأنه اسم مفعول من أَسْنَدَ الحديثَ إذا رفعه إلى النبيّ (ص) حيث يرفع المؤلف أو الشيخُ الحديثَ بسندٍ متصلٍ إليه (ص) وأما أنه يسمى بالمسند باعتبار أنه يستند إليه في الحديث فيكون اسم آلة، فهو اعتبار بعيد لما ذكرنا من أن تلك المسانيد لم تؤلَّف على أساس احتوائها على الحديث الصحيح والموثوق كله.
نعم يمكن أن يكون مشيراً إلى قوة المؤلف والشيخ باعتبار اتصال سنده إلى النبي (ص) لا اعتبار حديثه، فالاعتبار الأول أولى بالقصد، فهو ـ إذن ـ بمعنى الحديث المرفوع إلى النبي (ص)، كما هو الملاحظ من عادة المؤلفين لما أسموه بالمسند.
أسند عنه
قد استعمل الشيخ الطوسي هذه الكلمة في كتاب رجاله، في ترجمة العديد من الرواة، ولم يستعملها غيره إلاّ تبعاً له، وقد وقع علماء الرجال والدراية في ارتباك غريب في لفظها ومعناها:
فمن حيث عدد من وقعت في ترجمته من الرواة، حصرهم بعض بمائة وسبعة وستين مورداً.
وقال السيّد الخوئي: إنهم قليلون يبلغ عددهم مائة ونيّف وستين مورداً.
وقال السيد الصدر: إنهم خمس وثلاثمائة، لا غير، من أصحاب الصادق (ع).
بينما نجد الموصوفين بهذه الكلمة في كتاب «رجال الطوسي» المطبوع يبلغ (341) شخصاً منهم شخصٌ (واحد) من أصحاب الباقر والصادق(عليهما السلام) ومنهم (330) من أصحاب الصادق (ع) واثنان من أصحاب الكاظم و(سبعة) من أصحاب الرضا (ع) ومنهم شخص (واحد) من أصحاب الهادي (ع).
وهذا يقتضي أن لا يكون ذكر الوصف مختصاً بالرواة من أصحاب الصادق (ع) لكن البعض زعم ذلك، وأكد عليه آخر، وأصرّ ثالث على ذلك مستنداً إلى أنَّ الكتب الرجالية الناقلة عن رجال الشيخ الطوسي، لم تنقل الوصف المذكور مع غير أصحاب الصادق (ع)، بل لم يترجم لبعض الموصوفين من غير أصحاب الصادق (ع) أصلاً، وبالتالي فهو يخطّىء النسخة المطبوعة في النجف لإيرادها الوصف مع أسماء من أصحاب الأئمة غير الصادق (ع).
لكن هذا الالتزام غير مستقيم
فأوَّلاً: أنه لا يمكن الالتزام بوقوع الاشتباه والخطأ في وصف أفراد قليلين، من غير أصحاب الصادق (ع)، بهذا الوصف، من بين آلاف الرواة، فلماذا خُصّ هؤلاء فقط بمثل هذا، مع أنهم متباعدون في الذكر؟ ولماذا لم يقع مثله في أصحاب النبيّ (ص) أو أصحاب علي (ع)؟ ثمَّ أليس هذا الاحتمال يسري إلى بعض أصحاب الصادق (ع) الموصوفين بهذا الوصف؟ وإذا كانت هناك خصوصية تدفع وقوع الخطأ في هؤلاء فهي تدفعه في أولئك.
وثانياً: أن النسخة المطبوعة ـ حسب ما جاء فيها ـ معتمدة جداً، إذ إنها تعتمد على نسخة خط الشيخ محمد بن إدريس الحلي، التي قابلها على خطّ المصنّف الطوسي، مضافاً إلى أن الكتب الناقلة عن رجال الطوسي غير معروفة النسخ، فلعلّها مُنِيَتْ بما مُنِيَ به غيرها من الكتب من التحريف، مما يُوهِنُ الاعتماد عليها، فكما يُمكن تخطئة النسخة المطبوعة، فمن الممكن تخطئة الكتب الناقلة، أو النسخ التي اعتمدها الناقلون، أو أنَّ الناسخين لكتبهم أخطؤوا أو اجتهدوا في تفسير الكلمة فحذفوها من غير أصحاب الصادق (ع)!.
ومن حيث مفاد الكلمة وقع للعلماء ارتباك آخر:
فالعلامة الحلي أعرض عن ذكرها في تراجم بعض الموصوفين بها، حتى من أصحاب الصادق (ع)، وعلَّل بعض الرجاليين تصرّفه هذا بأن «الوجه فيه خفاء المفاد، وعدم وضوح المراد».
وهذا التعليل يقتضي حذف الكلمة رأساً لا حذفها من بعض الموصوفين فقط.
وقال السيد الخوئي: ولا يكاد يظهر لنا معنى محصل خال عن الإشكال، وقال أيضاً: لا يكاد يظهر معنى صحيح لهذه الكلمة في كلام الشيخ قدّس سرّه في هذه الموارد، وهو أعلم بمراده.
وأما المفسرون لها فقد ذهبوا إلى تفسيرات مختلفة، ومنشأ الاختلاف هو كيفيّة قراءة الفعل (أسند)؟، ومن هو الفاعل؟ وإلى من يعود ضميره، ومرجع الضمير في (عنه)؟.
فقُرىء الفعل بلفظ: (أَسْنَد) بصيغة الفعل الماضي المعلوم فاعلُه الغائب.
وبلفظ: (أُسْنِدَ) بصيغة الماضي المجهول الفاعل.
وبلفظ: (أُسْنِدُ) بصيغة المضارع المبني للمتكلم.
والضمير الفاعل يعود: إمّا إلى الراوي الموصوف بها، أو إلى الحافظ ابن عُقدة، أو مجهول: هم الشيوخ، أو الشيخ الطوسي المتكلّم.
والضمير المجرور يعود: إلى الراوي، أو الإمام المعنون له الباب.
فالاحتمالات سبعة
الاحتمال الأول: أن الراوي أَسْنَدَ عن الإمام (ع)، والمقصود: روايته عنه بواسطة آخرين، وإن كان قد أدرك زمانه وروى عنه بلا واسطة، ولهذا عدّه الشيخ في «أصحاب ذلك الإمام، إلا أنه يتميز عن سائر أصحاب ذلك الإمام بروايته عنه مع الواسطة أيضاً.
اختار هذا التفسير المحقّق السيّد الداماد، ونقله الكلباسي مائلاً إليه، وكذا البارفروشي وليس مراد الملتزمين بهذا الرأي: أن الراوي يروي عن الإمام مع الواسطة دائماً، حتى يردّ بوجود رواية له عن الإمام بدون واسطة أحد كما توهم.
فإن هذا التوهم ـ مع أنه مخالف لصريح كلمات الملتزمين بهذا المعنى كما ذكرنا ـ منافٍ لعدّ الراوي من أصحاب الإمام (ع) فإنَّ كونه من أصحابه يقتضي روايته عنه، ومن البعيد عدم التفات أمثال المحقق الداماد إلى هذه المفارقة الواضحة.
وهذا الاحتمال يندفع بأمور
أولاً: إن من أصحاب الصادق (ع) عدة، أوردهم الشيخ في باب الرواة عنه (ع)، وقد رووا عنه مع الواسطة كثيراً من الروايات، ومع ذلك فالشيخ لم يصفهم بقولهم «أسند عنه» مثل:
أبان بن عثمان الأحمر: فقد ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (ع) وقد روى عنه بلا واسطة كثيراً، وروى عنه بواسطة أيضاً، فروى عن علي بن الحسين (ع)، عن الصادق (ع) في تهذيب الشيخ نفسه (ج10، ص 512).
وروى عن (من ذكره)، عن الصادق (ع) في الكافي للكليني: (ج7، كتاب 2، باب 4، حديث 1).
وفي التهذيب: (ج9، حديث 1335)، وموارد أُخرى.
ومع ذلك فإن الشيخ لم يصفه في الرجال بالوصف المذكور.
وإبراهيم بن عبد الحميد: ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (ع)، وأصحاب الكاظم (ع)، وروى عنهما بلا واسطة.
كما روى بواسطة أبان بن أبي مسافر، عن الصادق (ع) في الكافي (ج2، كتاب ،1 باب 47، حديث19).
وروى بواسطة إسحاق بن غالب، عن الصادق (ع) في الكافي: (ح2، كتاب 1، باب 176، حديث 4 وكتاب 3، حديث 14)، ومع ذلك فإنَّ الشيخ لم يصفه في رجاله بالوصف المذكور.
وأحمد بن أبي نصر البزنطي: روى عن الكاظم، والرضا، والجواد (عليهم السلام)، ذكره الشيخ في أبوابهم وروى عن الكاظم (ع) بلا واسطة، وروى عنه بواسطة أحمد بن زياد في الكافي: (ج 7، كتاب 1، باب 13/ حديث 17)، وفي الفقيه: (ج 4، حديث 549)، وفي التهذيب: (ج 8،حديث 295 وج9، حديث 872)، والاستبصار: (ج 3، حديث 1107).
ومع ذلك فإنَّ الشيخ لم يصفه بتلك الصفة في الرجال.
وثانياً: أنا نجد من الموصوفين بقوله: «أسند عنه» من ليست له رواية مع الواسطة عن الإمام، فالحارث بن المغيرة جميع رواياته عن الصادق (ع) بلا واسطة، وهذه الدعوى تعتمد على ما استقصي من رواياته في الكتب الأربعة.
ومع ذلك ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (ع) قائلاً «أسند عنه».
وثالثاً: أن المتتبع يجد أن أكثر الرواة عن أحد من الأئمة يروون عن ذلك الإمام بواسطة وبدونها مع بعد خفاء مثل هذا على الشيخ الطوسي، ومع ذلك فإنَّ الشيخ لم يصف سوى عدد معين من الرواة، من بين الآلاف المذكورة أسماؤهم في كتاب رجاله.
فلا بد من وجود معنى للوصف يبرر تخصيص هذا العدد المعدود به، دون غيرهم.
هذا، مع عدم مناسبة هذا الاحتمال لمعنى الكلمة اللغوي فإنَّ معنى أسندَ كما مَر هو رفع الحديث عن قائله (الواسطة) إلى الإمام (ع)، والمناسب لهذا الاحتمال التعبير بقوله: «أسند إليه» لا «أسند عنه» إذا كان الضمير في (عنه) عائداً إلى الإمام (ع)، كما هو الظاهر.
وأمّا ما ذكره السيد في الرواشح: من تقسيم الأصحاب إلى أصحاب سماع، وأصحاب لقاء، وأصحاب رواية بالواسطة؛ فهذا عجيب جداً، فالسامع معدود من الأصحاب بلا شك، وأما الملاقي فلو فرضنا عدّه من الأصحاب فله وجه، لكن كيف يكون من لم يسمع؟ ولم يلاق؟ بل ولم يعاصر الإمام (ع) معدوداً من أصحابه؟.
ثم من أين عُرف هذا التفصيل؟ وليس في عبارة الشيخ ما يدل عليه؟ ولم يذكر إلا أنه قصد تعداد أصحاب كل إمام (ع) ومن روى عنه؟.
وهذا الرأي يعارض تماماً الاحتمال الثالث.
وقد أورد عليه بعض المعاصرين بقوله: وهذا الوجه ضعيف جداً، إذ قد صرح الشيخ في مواضع كثيرة من موارد ذكر هذه الكلمة أيضاً بالرواية عن الإمام (ع) الذي عدّه في أصحابه، أو عن إمام قبله، أو بعده، أو عنهما جميعاً.
قال في محمد بن مسلم الثقفي: أسند عنه… روى عنهما وفي جابر الجعفي أسند عنه، روى عنهما. وفي وهب بن عمرو الأسدي: أسند عنه، روى عنهما (عليهما السلام).
بعد توجيه الإشكال بأن الشيخ قرن بين الإسناد عن الإمام (ع) والرواية عنه بسياق واحد ونسق واحد، فلا وجه لدعوى أن عمدة روايته هو أن يكون مع الواسطة، وأن الرواية المباشرة إن حصلت فهي قليلة، فإن عبارة الشيخ باعتبار اتحاد النسق وخلوها عن قيد الكثرة أو القلّة ـ تأبى هذا التفصيل، ولا قرينة خارجيّة موجبة للالتزام بذلك.
وهذا التوجه تعقيب على التوهم الذي أشرنا إليه في صدر هذا الاحتمال ودفعناه.
الاحتمال الثاني:
أنّ الراوي سمع الحديث من الإمام (ع).
ذكره الوحيد البهبهاني، قال: «ولعلَّ المراد: على سبيل الاستناد والاعتماد».
ويحتمله ما نقل عن صاحب القوانين.
ويدفعه
أن كون مراد الشيخ الطوسي بهذه الكلمة الدلالة على مجرد السماع أمر غير مناسب للنهج الذي وضعه لكتاب الرجال، حيث صرّح في مقدمته أنه قصد جمع أسماء من روى عن كل إمام (ع).
ومعنى كلامه أن المذكورين في باب أصحاب كل إمام إنما رووا وسمعوا عن ذلك الإمام فلا معنى لإعادته ذلك مع التراجم، وخاصة تخصيص قليل منهم بذلك.
ولعلّه لأجل هذه المفارقة قيّد المحقق الوحيد السماع بكونه على سبيل الاعتماد.
لكن هذا التقييد لا يؤثر شيئاً في تصحيح هذا الاحتمال، مع أنَّ الكلمة لا تدل من قريب أو بعيد على هذا القيد، إن لم تدل على نفيه، فإن الشيخ صرّح بتضعيف بعض الموصوفين بها كما نجد كثيراً من المجاهيل والعامة في عدادهم، وسيأتي تفصيل الكلام في دلالة الكلمة على الحجيّة أو عدمها.
الاحتمال الثالث:
أن المراد بهذا الوصف هو تلقي الحديث من الراوي سماعاً، مقابل الأخذ من الكتاب كما يشهد به تتبع موارد استعمال هذه العبارة التي اختص بها الشيخ في كتاب الرجال، هذا ما ذكره السيد بحر العلوم في رجاله.
والجواب
أن السيد إنما أراد الاستشهاد بهذا على عدم تأليف المقول فيه هذا الوصف لكتاب، وأن الاعتماد على روايته الشفهية، فإنه استشهد بهذا لنفي كون عبد الحميد العطار صاحب كتاب، وأن ما ذكره النجاشي في ترجمة ابنه محمد من قوله: «له كتاب» إنما هو راجع إلى ابنه محمد، لا عبد الحميد المذكور استطراداً، قال: ويشهد لكون الكتاب لمحمد: عدم وضع ترجمة لأبيه عبد الحميد… وكذا قول الشيخ في رجاله: «عبد الحميد أسند عنه».
لكن هذا المعنى غير صحيح، فإن كثيراً من الموصوفين إنما هم مؤلفون، وسيأتي استعراض أسماء من ألّف منهم، وهذا يُنافي كلياً ما سنختاره في الاحتمال السابع.
وأما ما ذكره من شهادة التتبع لما ذكره فلم يتضح لنا وجهه؟؟.
الاحتمال الرابع:
أن الحافظ ابن عقدة أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي المتوفى سنة (333هـ) أسندَ عن الراوي في كتاب رجاله الذي ألفه لذكر أصحاب الصادق (ع).
ذكره جمع، منهم السيد حسن الصدر الكاظمي، واختاره، بعد أن قدّم مقدمات حاصلها: أن الكلمة مذكورة في خصوص رجال الشيخ، وأنه ذكر ذلك خاصة في باب أصحاب الصادق (ع)، وأن المذكور من رجاله من أصحابه عدّتهم (3050) راوياً، وأن الموصوفين من أُولئك الرواة (305) رجال فقط، وأن الشيخ صرّح في أول كتابه: «أنه لم يجد في ما رمي إليه من ذكر أصحاب الأئمة، إلا مختصرات، إلا ما ذكره ابن عقدة من رجال الصادق (ع)، فإنه بلغ الغاية في ذلك، ولم يذكر رجال باقي الأئمة (عليهم السلام) «وقال الشيخ»: «أنا أذكر ما ذكره، وأورد من بعد ذلك ما لم (يذكره) (انتهى)، قال الصدر: يعني ما لم يذكره من رجال باقي الأئمة(عليهم السلام)، لا رجال الصادق (ع) كما تُوهم، وأن أصحابنا ذكروا في كتبهم في ترجمة ابن عقدة أن له كتباً منها كتاب أسماء الرجال الذين رووا عن الصادق أربعة آلاف رجل، وأخرج لكل رجل حديثاً مما رواه عن الصادق (ع).
وبعد تمهيد هذه المقدمات، قال الصدر: الظاهر أن الشيخ نظر إلى الحديث الذي أخرجه ابن عقدة في ترجمة من رواه عن الصادق (ع)، فإذا وجده مسنداً عن ابن عقدة عن ذلك الرجل قال في ذيل ترجمته: «أسندَ» يعني ابن عقدة «عنه» أي عن صاحب الترجمة، فيُعلم أن ابن عقدة يروي عن ذلك الرجل بإسناد متصل.
وإن لم يجد الحديث الذي أخرجه ابن عقدة مسنداً، بأن وجده مرسلاً أو مرفوعاً، أو مقطوعاً، أو موقوفاً، أو نحو ذلك، لم يذكر حينئذ شيئاً من ذلك لعدم الفائدة.
وقال الصدر: إنه لم يعثر على التنبه لهذا المعنى من أحد.
لكن يلاحظ أن هذا الرأي كان معروفاً قبل الصدر.
ويدفع هذا الاحتمال بأُمور
الأول: أن من ذكرهم ابن عقدة إنما هم من أصحاب الصادق (ع) خاصة كما ذكره الصدر، وصرّح به الشيخ في مقدمة رجاله، بينما نجد بين الموصوفين بقوله: «أسند عنه» عدداً من أصحاب الباقر، والكاظم، والرضا، والهادي(عليهم السلام)، وقد مرَّ الكلام في عدم اختصاص الكلمة بأصحاب الصادق (ع).
الثاني: أن المفهوم من كلام الشيخ في الرجال أن ابن عقدة أورد مع ترجمة كل رجل من أصحاب الصادق (ع) ما رواه الرجل عن الإمام، ولا بد أن تلك الروايات قد بلغت ابن عقدة بطريق مسند إلى ذلك الرجل، كما هو المتعارف عند المحدثين الأوائل، وإلا فمن أين لابن عقدة الإطّلاع على رواية الراوي عن الإمام حتى يُثبتها في كتاب رجاله؟ إذن فجـميع روايات هذا الكتاب متصلة السند من ابن عقدة، عن الراوي، وعلى ذلك فجميع من ذكرهم له إليهم سند، فلا بد أن يكونوا كلهم ممن يقال فيه «أسند ابن عقدة عنه»!.
(وبعبارة أُخرى): إن ابن عقدة إذا ذكر شخصاً في عداد أصحاب الصادق (ع)، فلا بد أنه اطلع على روايته عن الإمام، بوقوفه عليها ووصولها إليه، ومن البعيد أن ابن عقدة لم يرو بطريق مسند تلك الروايات التي أثبتها في تراجم الرواة من أصحاب الصادق (ع) أو أن تكون الروايات غير مسندة إلى رواتها، وهو مع ذلك أثبتها في كتابه؟ مع ما هو المعروف من سعة علمه وروايته وبلوغه الغاية في كثرة الاطلاع والرواية، فمن المستبعد ممن هذه صفته أن يُعرِّف بأربعة آلاف رجل وينقل روايتهم! لكن لا يُسند بطريق متصل إلا إلى (305) رجال منهم، كما يدّعيه السيد الصدر؟!.
الثالث: أن نجد كثيراً من الرجال الذين وقع لابن عقدة سندٌ متصل إليهم، وهم من أصحاب الصادق (ع) قد وردت أسماؤهم في باب أصحابه من رجال الشيخ، والمفروض أن جميع المذكورين في هذا الباب هم من الذين ترجمهم ابن عقدة في كتابه، ومع أن ابن عقدة نفسه له إلى أُولئك سند متصل، فإنّا لم نجد وصف «أسند عنه» في ترجمته من الرجال.
وليس من الممكن فرض غفلة الشيخ الطوسي عن اتصال سند ابن عقدة إليهم، لأن الشيخ أورد روايات ابن عقدة المسندة إليهم في كتاب أماليه (مع) أن المفروض أن ابن عقدة هو قد أورد الروايات في كتاب رجاله.
وليس من المحتمل: أن ابن عقدة أورد في رجاله روايات أُولئك الرجال من دون سند له إليهم مع أنه يرويها مسندة إليهم في غير كتاب الرجال، ومن أولئك:
أبان بن تغلب: ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (ع)، وأورد في الأمالي روايته عن الأهوازي عن ابن عقدة، بسنده المتصل إلى أبان، عن الصادق (ع).
وأحمد بن عبد العزيز: ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (ع)، وأورد في الأمالي بسنده عن ابن عقدة، بسنده عن أحمد، عن الصادق (ع). والحسن بن حذيفة: ذكره في أصحاب الصادق (ع)، وأورد في أماليه عن الجعابي، بسنده عن ابن عقدة، بسنده عن الحسن، عن الصادق (ع).
وصفوان بن مهران: ذكره في أصحاب الصادق (ع)، وأورد في الأمالي عن الأهوازي، بسنده عن ابن عقدة، بسنده عن صفوان، عن الصادق (ع).
وعبدالله بن أبي يعفور: ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (ع)، وأورد في الأمالي عن الأهوازي، عن ابن عقدة بسنده عن عبدالله، عن الصادق (ع).
ومحمد بن عباد بن سريع البارقي: ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (ع)، وأورد في الأمالي عن الجعابي، عن ابن عقدة، بسنده عن محمد الصادق (ع).
ومحمد بن يحيى المدني: ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (ع)، وأورد في الأمالي عن الأهوازي، عن ابن عقدة بسنده عن محمد، عن الصادق (ع).
والمعلّى بن خنيس: ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (ع)، وأورد في الأمالي عن الأهوازي عن ابن عقدة، بسنده عن المعلّى، عن الصادق (ع).
ومع هذا، فإنَّ الشيخ الطوسي لم يصف أحداً من هؤلاء بأنه: «أسند عنه».
الاحتمال الخامس:
أن الفعل مبني للمفعول، والمراد: أن الشيوخ أسندوا عن الراوي، أي رووا عنه بالأسانيد، ذكره المجلسي الأول الشيخ المولى محمد تقي، واعتبره كالتوثيق، وقال: «إن المراد أنه روى عنه الشيوخ واعتمدوا عليه وهو كالتوثيق. ولا شك أن هذا المدح أحسن من لا بأس به».
والجواب
أنه لو تمّ هذا الاحتمال لكانت صفة «الإسناد» عن الراوي الموصوف لازمةً له كلما ذُكر في أصحاب أي واحد من الأئمة، من دون اختصاص بباب أصحاب الصادق (ع) فقط، لكن الشيخ يصف الرجل بهذا الوصف عند ذكره في باب أصحاب الصادق (ع) وقد لا يصفه به إذا ذكره في أصحاب إمام آخر كالباقر، والكاظم(عليهما السلام)، وهذا يقتضي أن تكون هناك علاقة بين الصفة المذكورة والإمام المذكور. (وبتعبير آخر) لو كان مجرد إسناد الشيوخ مقتضياً لوصفه بأنه أسند عنه، لم يكن وجه لتخصيص وصفه بباب دون باب، وإليك بعض الأشخاص الذين وُصفوا في باب، ولم يوصفوا في باب آخر، منهم:
الحسن بن عمارة البجلي: ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (ع) موصوفاً، ولم يصفه في باب أصحاب السجاد (ع).
وحفص بن غياث القاضي: ذكره في أصحاب الصادق (ع) موصوفاً، وذكره في بابي أصحاب الباقر، والكاظم(عليهما السلام) من دون وصف.
والحارث بن المغيرة: ذكره في أصحاب الصادق (ع) موصوفاً، وذكره في باب أصحاب الباقر (ع) بلا وصف.
وعبدالله بن أبي بكر: وصفه في أصحاب الصادق (ع)، وذكره في أصحاب السجاد (ع) من دون وصف.
وعبد المؤمن بن القاسم الأنصاري: وصفه في أصحاب الصادق (ع)، وذكره في رجال الباقر (ع) من دون وصف.
وعلقمة بن محمد الحضرمي: ذكره في أصحاب الصادق (ع) موصوفاً، ولم يصفه عند ذكره في أصحاب الباقر (ع).
هذا، مع أنَّ جمعاً من الرواة الذين أسند عنهم الشيوخ، لم يوصفوا بأنهم (أسند عنهم)، وقد عددنا بعضهم عند دفع الاحتمال الثالث.
ولو قيل: إن المراد بهذا الاحتمال أن الشيوخ أسندوا عن الرجل خصوص ما رواه عن الصادق (ع).
قلنا: هذه الخصوصية تنافي الاحتمال نفسه، إذ معنى الإسناد عنه هو أن للشيوخ طريقاً متصلاً إلى الراوي، بقطع النظر عن نوع الرواية وشخص من يروي عنه الراوي، فلا يفرق بين ما يرويه عن الصادق (ع) وبين ما يرويه عن الباقر (ع)، إنما المهم وجود سندٍ للشيوخ يوصل إلى الراوي حتى يصدق أنه أسند عنه الشيوخ.
مضافاً إلى أنَّ هذه الخصوصية غير موجودة في كلام الملتزم بهذا الاحتمال، ولا تدل عليه خصوصية في الكلمة نفسها.
وأورد عليه أيضاً ما حاصله: أن في الموصوفين كثيراً ممن لم يعرف حاله، ولا له حديث في كتبنا، فكيف يقال في حقه إن الشيوخ رووا عنه بالأسانيد، وهذا الإيراد ظاهر.
ولا بد من التذكير: بأنَّ العلامة المجلسي الثاني صاحب البحار استعمل هذه الكلمة في كتاب رجاله المعروف باسم الوجيزة، في ترجمة الموصوفين في رجال الشيخ، من دون تعيين مفادها بنظره، والظاهر أنه تابع الشيخ الطوسي في ذلك، لانحصار موارد ذكره لها بما ذكره الشيخ الطوسي.
والظاهر ـ أيضاً: أنه أرجع الضمير المجرور في (عنه) إلى الراوي، لأنه استعمل الضمير المثنى، بعد ذكر اسمين موصوفين بالكلمة فيقول مثلاً: جناب بن عائذ، وابن نسطاس العزرمي: أسند عنهما، وكذا في موارد أُخرى وبما أن المجلسي رحمه الله لم يتطرّق لذكر ابن عقدة ولا لغيره ممن يصلح أن يكون فاعلاً للفعل «أَسند»، فمن المحتمل ـ قوياً ـ أن يكون الفعل ـ في نظره ـ مبنيّاً للمفعول.
كما يبدو اهتمامه بهذا الوصف، ولعله يلتزم بما التزم به والده المولى محمد تقي من دلالة الكلمة على المدح، أو التوثيق.
الاحتمال السادس:
أن الشيخ الطوسي يقول عن نفسه: «أُسْنِدُ عنه» أي إن للطوسي سنداً متصلاً بالراوي يروي عنه.
ويدفعه
أن كثيراً من أصحاب الأئمة (عليهم السلام) المذكورين في الرجال، قد صحّ للشيخ الطوسي طرق مسندة إليهم، وخاصة أصحاب الأصول والكتب، وقد ذكر طرقه إليهم في المشيخة الملحقة بكتابه «تهذيب الأحكام»، وأورد أسماءهم في كتاب «الفهرست».
فلو كان الشيخ قاصداً من قوله: «أُسندُ عنه» التعبير عن وجود طريق له إلى الموصوفين، لزم أن يذكرهذه الكلمة مع كل أولئك الرجال الذين له إليهم طريق مسند، وعددهم يتجاوز التسعمائة، دون الاقتصار على (341) رجلاً فقط.
فممّن ذكرهم الشيخ في الرجال، من دون وصف، مع توفر جهات هذا الاحتمال فيهم:
كليب بن معاوية الأسدي: ذكره الشيخ في باب أصحاب الباقر (ع)، وفي باب أصحاب الصادق (ع)، وفي باب من لم يرو عنهم من دون أن يصفه بأنه «أسند عنه» مع أن له إليه طريقاً ذكره في «الفهرست».
وحماد بن عثمان، ذو الناب: ذكره الشيخ في باب أصحاب الصادق (ع)، وفي باب أصحاب الكاظم (ع)، وفي باب أصحاب الرضا (ع) من دون أن يصفه كذلك.
مع أنّ له إليه طريقاً، «الفهرست».
الاحتمال السابع:
إنّ المراد: أن الراوي أسند الحديث عن الإمام، أي: رفع الحديث إلى قائله نقلاً عن الإمام (ع)، وألّف عن ذلك ما يعدّ مُسنداً للإمام.
واستفادة هذا المعنى من عبارة «أسند عنه» يحتاج إلى توضيح، وهو: أن الفعل «أسْنَدَ الحديث» ـ كما مرَّ في صدر البحث ـ معناه: رَفَعَ الحديث، إلى قائله، فإذا قيل: أسْنَدَ فلانٌ الحديثَ عن زيد، فمعنى هذه الجملة أن فلاناً رفع الحديث إلى قائله نقلاً عن زيد.
وبعبارة أُخرى: إن حرف المجاوزة «عن» تزيد على «أَسْنَدَ» خصوصية ما، لأن مدخول حرف المجاوزة «ضمير» يعود إلى شخص غير المسند إليه الحديث، فإن الذي يسند إليه الحديث هو قائله، وأما المسند عنه الحديث فهو ناقله، وهو الواسطة بين الراوي والقائل.
هذا من الناحية اللغوية.
وإذا لاحظنا التعبير، من ناحية اصطلاح «الإسناد» في علم الدراية، فهو كما مر أيضاً: رفع الحديث إلى النبيّ (ص)، والحديث المسند: هو الحديث الذي يذكر سنده المتصل من الراوي إلى النبيّ (ص)، وبإضافة كلمة المجاوزة «عن» إلى هذا المعنى المصطلح يتحصل من عبارة «أسند عنه»: أن الراوي يرفع الحديث إلى النبيّ (ص) بسند متصل نقلاً عن غيره.
فقائل الحديث المُسْنَد، إنما هو النبيّ (ص)، وناقل الحديث المُسْنَد لا بد أن يكون هو الواسطة الذي يروي عنه الراوي، وليس هو في بحثنا إلا الإمام (ع). ومن الواضح أن الشيخ لم يخالف اللغة ولا الاصطلاح في تعبيره هذا. لكن الجزم بإرادته هذا المعنى، يتوقف على ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن الفعل مبني للمعلوم، وفاعله ضمير يعود إلى الراوي.
الأمر الثاني: أن الضمير المجرور بـ (عن) يعود إلى الإمام (ع).
الأمر الثالث: أن الأحاديث التي ينقلها الراوي عن الإمام (ع)، إنما هي مسندة، أي مرفوعة إلى النبيّ (ص)، مرويّة عن الإمام (ع) بطريقة المسند المتصل به (ص).
ولو تمت هذه الأمور، لثبت أن معنى الجملة المذكورة هو الذي استفدناه منها لغةً واصطلاحاً، لكن هذا لا يعد مبرراً لتخصيص عدة من الرواة بالوصف المذكور، دون غيرهم ممن تجمعت فيهم الشرائط المفروضة في هذا المعنى، فقد عثرنا في محاولة تتبعية موجزة على كثير من الأسماء التي التزمت بمنهج الإسناد المذكور، ومع هذا فإن الشيخ لم يصفهم بقوله «أَسْنَدَ عنه» مع ذكره لهم في الرجال، إذن فما هو الموجب لتخصيص عدة معدودة بالوصف المذكور؟.
ولذا مسّت الحاجة إلى عقد أمر رابع لبيان المخصص الذي وُفّقنا للتوصل إليه، وهو: أن كل واحد من الموصوفين قد جمع ما رواه عن الإمام من الأحاديث المسندة إلى النبيّ (ص) في كتاب باسم المُسند.
فلنحقق في هذه الأمور.
الأمر الأول: أن الفعل معلوم الفاعل وهو الراوي:
من المعروف أن الرجاليين يذكرون بعد اسم الراوي ما يتعلق به من الخصوصيات، من صفة، أو تأليف، أو شيخ أو راو، أو غير ذلك.
وبما أن الشيخ خصَّ كتاب رجاله لتعديد أسماء أصحاب كل إمام في باب من روى عنه، ولذا سمى كتابه بالأبواب، ولم يؤلفه لغرض الجرح والتعديل، فلذا لم يتعرض لهذين إلا نادراً، وطريقته أن يذكر اسم الراوي، وكنيته، ونسبته، ونسبه مكتفياً بذكره في أحد الأبواب عن التصريح بأنه من أصحاب الإمام (ع) المعقود له الباب، لأن شرطه في الكتاب، والمعنون به كل باب، هو ذكر ما لذلك الإمام من أصحاب في ذلك الباب، ولذا لا يصرح بأنه روى عنه، إلا إذا كان في التصريح بذلك فائدة وأثر، كما إذا أراد أن يذكر معه روايته عن إمام آخر، فإنه يقول: روى عنه، وعن الإمام الآخر مثلاً: في ترجمة حماد بن بشر، من أصحاب الباقر (ع) قال: روى عنه، وعن «أبي عبد الله (ع). أو إذا أراد أن يؤكد على أن الراوي يروي عن إمامين(عليهما السلام) كالصادقين مثلاً، فإنه يقول: روى عنهما، كما في ترجمة جابر بن يزيد الجعفي، ومحمد بن إسحاق بن يسار المدني صاحب المغازي، ومحمد بن مسلم بن رباح الطائفي، ووهب بن عمرو الأسدي.
ومن المعلوم ـ لدى خبراء الفنّ ـ أن فاعل «روى» إنما هو الراوي المذكور هذا الكلام في ترجمته، وهذا هو المتعين عندهم.
وكذلك لو أراد أن يعرّفه بخصوصية لروايته، كقوله «أَسْنَدَ» فإن الإسناد من نسخ الرواية والنقل، وهو من عمل الراوي وصفاته المرتبطة به، فلا بد أن يكون القائم بالإسناد والفاعل له هو الراوي.
وإذا اقترنت كلمة «أسند» بكلمة «روى» كما ورد في بعض التراجم، فإن وحدة السياق عندما يتحدث عن خصوصيات الراوي في روايته، دليل على أن الفعل مبني للفاعل، وأن القائم بالإسناد هو القائم بالرواية، وهو الراوي وقد نُقل هذ الرأي عن الشيخ محمد، والشيخ عبد النبيّ في الحاوي.
ومقصود الشيخ التنصيص على إسناد الرواية عن الإمام، باعتبار أن الإسناد له خصوصية زائدة على مجرد الرواية. وقد يُستأنس في هذا المقام بما ذكره الخطيب البغدادي في ذكر الإمام الباقر (ع) ما نصّه: وقد أَسْنَدَ محمد بن علي الحديث عن أبيه، وذكر حديثاً مسنداً مرفوعاً إلى النبيّ (ص) رواه الإمام الباقر (ع)، عن أبيه، عن آبائه معنعناً، وقال الجوزي؛ أَسْنَدَ أبو جعفر، عن جابر بن عبدالله، وأبيه سعيد الخدري، وأبي هريرة، وقال في ترجمة الصادق (ع): أَسْنَدَ جعفر بن محمد، عن أبيه والملاحظ أن الجوزي استعمل قوله (أسند فلان عن فلان) في كثير من التراجم بعد طبقة الصحابة، فليلاحظ هذا، مضافاً إلى ما سيأتي في الأمر الثاني من إثبات عود الضمير في (عنه) إلى الإمام، وهو يقتضي تعيّن كون الفعل (أسند) منسوباً إلى الرواي.
الأمر الثاني: أن الضمير المجرور بعن يعود إلى الإمام (ع):
لا خلاف بين الخبراء في أن من دأب الشيخ استعمال الضمائر العائدة إلى الأئمة في كل باب بدلاً من ذكر أسمائهم، فيقول في باب أصحاب الباقر (ع) مثلاً: روى عنه، والضمير عائد إلى الباقر (ع) بلا خلاف، أو يقول: روى عنهما، والضمير عائد إلى الإمامين الباقر، والصادق(عليهما السلام)، وإن لم يسبق لهما ذكر ظاهر، وهذا اصطلاح من الشيخ، وأطبق الأصحاب على الالتزام به.
ثم إن وحدة السياق في تعبير الشيخ، كما يقول الكلباسي تقتضي عود الضمير المجرور بعن في قوله «أسند عنه» إلى الإمام الذي عُقد الباب لذكر أصحابه، فالمفهوم من قول الشيخ في ترجمة غياث بن إبراهيم ـ مثلاً ـ من أصحاب الصادق (ع): «أسند عنه»، وروى عن أبي الحسن (ع) هو أن الرجل أَسْنَدَ عن الصادق (ع)، وله الرواية عن الكاظم (ع). وقد التزم بذلك الشيخ محمد، والشيخ عبد النبيّ في الحاوي.
هذا، مضافاً إلى أن الضمير لو لم يعد إلى الامام، فلا بد أن يكون عائداً إلى الراوي، إذ لا معنى لعوده إلى غيرهما، كما لم يحتمله أحد أيضاً، ولو عاد إلى الراوي لكان قوله «أسندَ عنه» دالاً على خصوصية في الراوي، فهي لا بد أن تكون ملازمة له في جميع الأبواب كسائر خصوصياته وصفاته، لكن هذا لم يثبت مع الموصوفين بكلمة أسند عنه، فإن الراوي المذكور في ثلاثة أبواب مثلاً، لم يوصف إلا في باب واحد، وقد أشرنا إلى بعض الرواة من هذا القبيل فيما سبق. ويؤيده أن الفعل مبني للفاعل، كما أثبتناه في الأمر الأول.
وكما يؤيده أن ابن حجر العسقلاني عند نقله عن الطوسي في ترجمة إبراهيم بن الزبرقان، أظهر الضمير في قوله «أسند عنه» فقال: قال أبو جعفر الطوسي في رجال الشيعة: إبراهيم بن الزبرقان التيميّ الكوفي، أَسْنَدَ عن جعفر الصادق (ع)، بينما الموجود في رجال الشيخ: «أسند عنه».
الأمر الثالث: الأحاديث التي يرويها هؤلاء الرواة إنما هي مسندة عن الإمام (ع) إلى النبيّ (ص):
الذي يبدو لنا، صحة ما يقال من أن الرواية عن هؤلاء الموصوفين بهذه الكلمة «أسند عنه» قليلة جداً لكن هذا إنما قيل عند البحث في خصوص المصادر الحديثية المعروفة بالأصول الأربعة، والتي تعنى بالأحكام الشرعية فقط.
وأمّا المصادر الحديثية الأخرى، وخاصة تلك التي تتفنّن في إيراد الأحاديث، ككتب الأمالي التي تعتمد ـ في جملتها ـ على التنوع وتهدف إلى إيراد أحاديث المناسبات الزمانية والمكانية، وخاصة أحاديث الفضائل، وتعتمد ذكر الرواية من طرق العامة التي هي أبلغ في الاحتجاج، أما هذه المصادر ففيها الكثير من روايات هؤلاء الموصوفين، منهم:
من أصحاب الصادق (ع): جابر بن يزيد الجعفي، وغياث بن إبراهيم، والحسن بن صالح بن حيّ، وحفص بن غياث القاضي، ومحمد ابن الإمام الصادق (ع) ومحمد بن مروان، ومحمد بن مسلم، وسفيان بن سعيد الثوري.
ومن أصحاب الكاظم (ع): موسى بن إبراهيم المروزي، وعبدالله بن علي.
ومن أصحاب الرضا (ع): أحمد بن عامر الطائي، وداوود بن سليمان القزويني، وعبدالله بن علي، وعلي بن بلال، وغير هؤلاء ممن يأتي ذكرهم، والاستقصاء لأسانيد عامة الروايات يدلنا على ما نقول، وليس المدعى أن جميع روايات هؤلاء مسندة، بل المقصود أن هؤلاء الرواة لهم روايات مرفوعة مسندة عن ذلك الإمام.
وإذا تّمت هذه الأمور، ثبت أن الرواة المذكورين، لهم روايات مسندة كذلك رووها عن الإمام، لكن هل مجرد هذا هو المبرر لأن يقول الشيخ في حقهم «أسند عنه»؟.
هذا ما دعانا إلى الإجابة عنه في:
الأمر الرابع: وهو أن الراوي للحديث المذكور، الموصوف بأنه «أسند عنه» إنما ألف كتاباً يحتوي على ما رواه ذلك الإمام (ع) مسنداً إلى النبيّ (ص):
ليس كل من روى الحديث المسند إلى النبيّ (ع)، عن أحد من الأئمة، يوصف بأنه «أسند عنه»، فإنا نجد الكثيرين ممن التزموا المنهج المذكور في رواياتهم، لكن الشيخ لم يصفهم بذلك، منهم:
إسماعيل بن مسلم بن أبي زياد، السكوني، الشعيري الكوفي.
فإنه روى عن الصادق (ع) كذلك: أي بسندِ مرفوع متصل بالنبيّ (ص) كثيراً جداً ففي أمالي المفيد، وفي أمالي الطوسي: الجزء الأول والجزء الثاني، وفي أمالي الصدوق، وفي ثواب الأعمال للصدوق.
ومع كثرة ما للرجل من الروايات المسندة فإن الشيخ ذكره في رجاله من دون وصف بأنه أسند عنه.
والحسن بن علي بن فضالة: روى عن الرضا (ع) مرفوعاً كذلك، في أمالي الصدوق، وفي إكمال الدين للصدوق، وذكره الشيخ في رجاله، بلا وصف.
وسليمان بن جعفر الجعفري: روى عن الرضا (ع) في الخصال للصدوق، وذكره في أصحابه من الرجال، من دون وصف.
وسليمان بن مهران الأعمش: روى عن الصادق (ع) كذلك في أمالي الصدوق، وفي الخصال، وذكره في أصحابه من دون وصف.
وطلحة بن زيد: روى عن الصادق (ع) مسنداً كذلك، في أمالي الصدوق. وفي الخصال له. وفي ثواب الأعمال له وذكره في أصحابه، بلا وصف.
والحسين بن زيد الشهيد: روى عن الصادق (ع) مسنداً كذلك، في أمالي الطوسي، الجزء الأول وفي الجزء الثاني وأمالي الصدوق، وفي أمالي المفيد، وفي ثواب الأعمال للصدوق، وفي إكمال الدين للصدوق، وفي الخصال للصدوق، وذكره في أصحابه، بلا وصف.
وعبد السلام بن صالح، أبو الصلت الهروي: روى عن الرضا (ع) مسنداً كذلك، في أمالي الصدوق، وفي الخصال له، وفي إكمال الدين، وذكره في أصحابه من دون وصف.
وعبدالله بن الفضل الهاشمي: روى عن الصادق (ع) في أمالي الصدوق، وذكره في أصحابه، بلا وصف.
وعلي بن جعفر الصادق (ع): روى عن أخيه الكاظم (ع) في أمالي الصدوق، وفي أمالي الطوسي الجزء الأول والجزء الثاني، وذكره في أصحابه من دون وصف وقال: له كتاب ما سأله عنه.
وروى أيضاً مسنداً عن أبيه الصادق (ع) في أمالي الطوسي ج2.
وروى عن الرضا (ع) كذلك، في أمالي الطوسي الجزء الأول.
ومسعدة بن صدقة: روى عن الصادق (ع) كذلك في أمالي الصدوق. وفي الخصال له، وفي ثواب الأعمال له، وفي أمالي الطوسي ج 2 وله رواية كثيرة في كتاب «قرب الإسناد» للحميري، ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (ع) من دون وصف.
والمفضل بن عمر الجعفي: روى عن الصادق (ع) مسنداً في أمالي الطوسي الجزء الأول والجزء الثاني، وفي أمالي الصدوق، وفي إكمال الدين وذكره في أصحابه من دون وصف.
ووهب بن وهب أبو البختري القرشي: روى عن الصادق (ع) مسنداً في الخصال، وفي أمالي الصدوق، وفي ثواب الأعمال، وذكره في الرجال من أصحابه بلا وصف.
ومسعدة بن زياد: روى عن الصادق (ع) مسنداً في الخصال، وفي أمالي الصدوق، وفي ثواب الأعمال. وذكره في الرجال من أصحابه بلا وصف.
وغير هؤلاء كثير من الرواة.
فلماذا لم يصف الشيخ الطوسي هؤلاء بوصف «أسندَ عنه» وإنما خص الوصف بعدة معدودة؟! وللإجابة على هذا السؤال، توصلنا إلى الأمر الرابع، وهو أن الراوي الذي اعتمد المنهج المذكور في روايته، إنما ألّف كتاباً جامعاً لما رواه عن الإمام (ع) مع كون رواياته على هذا المنهج، أي منهج الإسناد والنقل ـ عن الإمام ـ لما يرويه الإمام مسنداً أي مرفوعاً إلى النبيّ (ص) ولأثبات هذا الأمر، وتوضيح ثبوته، قمنا بمحاولة تتبعية واسعة، جرياً وراء أسماء الرواة الموصوفين، وتوصّلنا بتوفيق من الله ـ إلى أن جمعاً منهم لهم كتب، يروون ما فيها من حديث عن الإمام (ع) على النهج المذكور أي بالسند المتصل المرفوع إلى النبيّ (ص)، وقد يسمى مثل هذا الكتاب «بالنسخة»، باعتبار أن جميع ما فيه منقول جملة واحدة عن الإمام (ع) كما يعبر عنه «بالأصل»، فيما إذا كان معتبراً ومعتمداً وقد يعبّر عنه بـ «الكتاب المبّوب» أو بكتاب مقيداً بكونه «عن ذلك الإمام» وربما يعبّر عنه باسم «المُسْنَد» منسوباً إلى الإمام المنقول عنه، وهذه التسمية الأخيرة تؤكد ما ذهبنا إليه من تفسير جملة «أسْنَدَ عنه» وإليك قائمة بمن عثرنا على ذكر تأليفه على هذا المنهج، ممن ذكره الشيخ، وذكر بعض موارد حديثه على المنهج أيضاً.
1 ـ محمد ابن الإمام الصادق جعفر بن محمد (ع): قال الشيخ الطوسي في أصحاب الصادق (ع) بعد ذكر نسبه: المدني، ولده (ع)، أسند عنه، يلقّب بديباجة وقال النجاشي: له نسخة يرويها عن أبيه، وقال في طريقه: حدّثنا محمد بن جعفر عن آبائه وقد عثرت على بعض أخباره في الكتب التالية: أمالي الصدوق، أمالي المفيد، أمالي الطوسي ج1 وج2.
2 ـ داوود بن سليمان بن يوسف: قال الشيخ في أصحاب الرضا (ع) بعد ذكر نسبه: أبو أحمد الغازي «أسند عنه» روى عنه ابن مهرويه.
وقال النجاشي: ذكره ابن نوح في رجاله، له كتاب عن الرضا (ع) وعدّه المفيد من خواصّه وثقاته.
ووقفنا على رواياته المسندة التالية: في مناقب أمير المؤمنين، لابن المغازلي الشافعي. وفي أمالي الصدوق. وفي الخصال له، وفي ثواب الأعمال له، وفي عيون أخبار الرضا (ع) له ج1.و ج2. وفي أمالي المفيد. وله رواية في كتاب «الغدير» الجزء الأول ص 28، وفي أمالي الطوسي: ج1 و ج2.
وله رواية في البحار، للمجلسي: ج40، عن اليقين لابن طاووس.
وأيضاً في البحار ج107 وج108 ص 47 وج109.
3 ـ أبان بن عبد الملك الخثعمي: عنونه الشيخ في أصحاب الصادق، ثم قال: الكوفي، أسند عنه.
وقال النجاشي بعد ذكر اسمه: الثقفي، شيخ من أصحابنا، روى عن أبي عبدالله (ع) كتاب الحج واحتمل السيد الخوئي اتحاد الخثعمي والثقفي.
4 ـ محمد بن ميمون التميمي الزعفراني: عنونه الشيخ، في أصحاب الصادق (ع) وقال: أسند عنه، يكنى أبا النضر.
وقال النجاشي: عامّي، غير أنه روى عن أبي عبدالله (ع) نسخة، وله رواية موقوفة على عليّ، في أمالي الطوسي ج1.
5 ـ حفص بن غياث: عنونه الشيخ، في أصحاب الصادق (ع) وقال بعد نسبه: أبو عمر، النخعي القاضي الكوفي «أسند عنه».
وقال النجاشي: له كتاب… عن عمر بن حفص بن غياث، ذكر كتاب أبيه، عن جعفر بن محمد (ع)، وهو سبعون ومائة حديث أو نحوها.
وقال الشيخ: عامي المذهب، له كتاب معتمد.
وذكر الرازي كتابه.
وله رواية مسندة عن الصادق في أمالي الصدوق، وثواب الأعمال.
6 ـ محمد بن إبراهيم العباسي الإمام: عنونه الشيخ في أصحاب الصادق (ع) وقال: العباسي، الهاشمي، المدني «أسند عنه» أُصيب سنة (140) وله سبع وخمسون سنة، وهو الذي يلقب بابن الإمام.
وقال النجاشي: له نسخة عن جعفر بن محمد كبيرة.
7 ـ عبدالله بن علي: عنونه الشيخ في أصحاب الرضا (ع) وقال: «أسند عنه».
وقال النجاشي: روى عن الرضا (ع)، وله نسخة رواها… قال: حدّثنا علي بن موسى الرضا (ع) النسخة.
وقال ابن عقدة: أخبرني عبدالله بن علي، قال: هذا كتاب جدّي عبدالله بن علي، فقرأت فيه: «أخبرني علي بن موسى أبو الحسن، عن أبيه، عن جدّه جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي (ع) أن النبيّ (ص)…
وروى الطوسي في أماليه عنه في الموارد التالية: ج1.
8 ـ محمد بن أسلم الطوسي المتوفى سنة (242هـ): عنونه الشيخ، في أصحاب الرضا (ع) وقال: أسند عنه.
وقال السيّد بحر العلوم في هامشه: هو الذي روى حديث سلسلة الذهب عن الرضا (ع)، وقد نقله الأربلي في كشف الغمّة، عن كتاب تاريخ نيسابور وقد ذكر له الجلبي والأفندي كتاباً باسم «المُسند».
9 ـ أحمد بن عامر بن سليمان الطائي: عنونه الشيخ في أصحاب الرضا (ع)، وقال: روى عنه ابنه عبدالله بن أحمد، «أسند عنه».
وقال النجاشي: ولد سنة (157هـ) ولقي الرضا (ع) سنة (194هـ) وله نسخة رواها عن الرضا (ع). وقال النجاشي: دفع إليّ هذه النسخة، نسخة عبدالله بن أحمد بن عامر الطائي: أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى الجندي شيخنا رحمه الله قرأتُها عليه: حدّثكم أبو الفضل عبدالله بن أحمد بن عامر، قالّ: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا الرضا علي بن موسى (ع)، والنسخة حسنة.
وذكر الشيخ الحُرُّ طريقَه إلى كتاب «صحيفة الرضا (ع)» وفيه:… عبدالله بن أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه(عليهم السلام).
أقول: صحيفة الرضا، هو المسمى بمُسند علي الرضا (ع) وبمُسند أهل البيت، وهو الكتاب المعروف المشهور بين الطوائف الإسلامية، وله طبعات عديدة وقد طُبع باسم «كتاب ابن أبي الجعد» وهي كنية الطائي، ورتّبه الشيخ عبد الواسع الواسعي، وطُبع ترتيبه باسم «مسند الإمام الرضا».
وقال الخطيب البغدادي في ترجمة عبدالله بن أحمد بن عامر: روى عن أبيه، عن علي بن موسى الرضا (ع)، عن آبائه نسخة.
وقال الذهبي في ترجمة عبدالله أيضاً: عن أبيه عن علي الرضا، عن آبائه بتلك النسخة.
وقد روى ابن عقدة الحافظ الكتاب، قائلاً: أخبرني عبدالله بن أحمد بن عامر في كتابه قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني علي بن موسى بهذا.
وقد وردت بعض رواياته في الكتب التالية:
في «مناقب علي بن أبي طالب (ع)» لابن المغازلي. وفي «الكفاية في علوم الرواية» للخطيب البغدادي. وفي «عيون أخبار الرضا للصدوق» ج1.و ج2. وفي «الخصال»، له. وفي أمالي الطوسي، وفي «البحار» ج40، وفي «الخصال» موقوفاً على عليّ (ع).
10 ـ موسى بن إبراهيم المروزي: عنونه الشيخ، في أصحاب الصادق (ع) وقال: أسند عنه. وقال في الفهرست: له روايات يرويها عن الإمام موسى الكاظم (ع).
وقال النجاشي: له كتاب، ذكر أنه سمعه وأبو الحسن (ع) محبوس عند السندي بن شاهك.
وقال الجلبي: مسند الإمام، موسى بن جعفر، الكاظم (ع): رواه أبو نعيم الأصبهاني، وروى عنه ـ أي عن الإمام ـ هذا المُسند، موسى بن إبراهيم.
وقد عثر شقيقي السيد محمد حسين الحسيني الجلالي، على هذا المسند، وحقّقه، وطبع في طهران ـ إيران، بمطبعة بهمن، سنة (1352هـ)، وقال: في المقدمة: إن اسم الكتاب جاء في صدر النسخة المخطوطة، وفي السماعات التي سجّلت عليها، هكذا: «مسند الإمام موسى بن جعفر (ع)»، وفي النسخة عدّة سماعات أقدمها سنة (534هـ) و(550هـ).
وأحاديث الكتاب مسندة على النهج المذكور، أي إن الإمام يروي الروايات عن أبيه عن آبائه عن النبيّ (ص)، عدا بعض الأحاديث، حيث جاء فيها «عن الإمام عن النبي» والظاهر أن هذا حديث بتصرّف الرواة أو النساخ، اختصاراً.
وقد عثرت على أحاديث للمروزي، عن الإمام على المنهج المذكور، في المصادر التالية: في الأمالي الخميسيّة/ الإمام المرشد بالله الزيدي ج1، في المناقب، لابن المغازلي، وفي ثواب الأعمال للصدوق، وفي الخصال له. وفي الأمالي له. وفي أمالي الطوسي، الجزء الأول وله رواية في بحار الأنوار ج107.
11 ـ إبراهيم بن محمد أبو يحيى المدني: عنونه الشيخ في أصحاب الصادق (ع) وقال: «أسند عنه» وقال النجاشي: ذكر بعض أصحابنا أن له كتباً مبوّبة في الحلال والحرام، عن أبي عبدالله (ع).
وقال الشيخ: له كتاب مبوّب في الحلال والحرام عن جعفر بن محمد (ع).
والظاهر أن قولهما «عن جعفر (ع)» صفة للكتاب، أي إن الكتاب نقله إبراهيم عن الإمام (ع).
12 ـ عبدالله بن بكير بن أعين: عنونه الشيخ في أصحاب الصادق (ع)، وقال: الشيباني: الأصبحي، المدني، ابن أخت مالك القصير «أسند عنه»، وقال في الفهرست: فطحي المذهب، إلا أنه ثقة، له كتاب.
وقال النجاشي: له كتاب، كثير الرواة، وقال أبو غالب الزراري في رسالته: كان… فقيهاً كثير الحديث وروى كتابه بسنده.
وقال شيخنا الطهراني: مسند عبدالله بن بكير بن أعين لأبي العباس، أحمد بن محمد بن سعد السبيعي، الهمذاني، المعروف بابن عقدة، الزيدي، الجارودي المتوفى سنة (333هـ).
أقول: من المحتمل قوياً، أن الكتاب لعبدالله، وأن ابن عقدة راوٍ له فقط، فليُتأمل، وقد وردت روايته المسندة، عن الصادق (ع) في أمالي الطوسي: (ج2 ص 222).
13 ـ محمد بن مسلم بن رباح (ت 150هـ): عنونه الشيخ في أصحاب الصادق (ع) وقال: الثقفي، أبو جعفر الطحّان، الأعور، أسند عنه… روى عنهما (ع). وقال النجاشي: وجه أصحابنا بالكوفة، فقيه ورع، وكان من أوثق الناس له كتاب يسمى «الأربعمائة مسألة في أبواب الحلال والحرام».
أقول: روى عن الصادق (ع) مسنداً موقوفاً على عليّ (ع) حديث الأربعمائة، لاحظ الخصال: ص 576، وله رواية في أمالي الطوسي: (ج1، ص 94 وج2، ص 69).
14 ـ غياث بن إبراهيم الأسدي: ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (ع)، وقال: أبو محمد، التميمي، الأسدي أسْند عنه، وروى عن أبي الحسن، وقال في الفهرست: له كتاب وذكر كتابه أبو غالب الزراري وقال النجاشي: ثقة، له كتاب مبوّب في الحلال والحرام.
ووردت روايته في المصادر التالية: في أمالي الصدوق، وفي الخصال له، وفي ثواب الأعمال له، وفي إكمال الدين له، وفي أمالي المفيد.
وموقوفاً على عليّ (ع) في أمالي الصدوق.
15 ـ غالب بن عثمان الهمداني: ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (ع)، وقال: مات سنة (166هـ) وله ثمان وسبعون سنة، وهو المشاعري الشاعر، كوفي، أسند عنه، يكنى أبا سلمة.
وقال النجاشي: كان زيديّاً، وروى عن أبي عبدالله (ع)، ذكر له أحاديث مجموعة.
16 ـ إسماعيل بن محمد بن مهاجر: قال الشيخ في أصحاب الصادق (ع): الأزدي، الكوفي، أسند عنه.
وقال النجاشي: له كتاب القضايا، مبوّب، وهو ثقة.
والمقصود الذي نريد استفادته من هذا العرض هو أن الكتب المنسوبة إلى هؤلاء المذكورين فيما سبق، إنما هي الكتب التي رووها مجموعة، عن الإمام المروي عنه، ولقد رأينا أن الكتاب: تارة يُسمى بالنُسخة، وأُخرى بالمسند، وقد يسمى بالكتاب، أو الكتاب المبوب، ويسمى أيضاً بالأحاديث، أو الروايات.
ولي ملاحظة أُخرى مؤكدة، وهي: أن كلاً من هؤلاء إنما ألف «كتاباً واحداً» فقط، فلا بد أن تكون رواياته المنقولة عنه في بطون الكتب، إنما هي من روايات كتابه وبهذا نعرف أن كتابه إنما هو مؤلف على منهج الإسناد المذكور.
فكثير من الموصوفين بقوله «أسند عنه» ليس له أكثر من كتاب واحد، منهم:
1 ـ إبراهيم بن نصر بن القعقاع.
2 ـ أحمد بن عائذ بن حبيب.
3 ـ إسحاق بن بشر، أبو حذيفة الخراساني.
4 ـ إسماعيل بن محمد بن إسحاق.
5 ـ أيوب بن الحر.
6 ـ بسام بن عبدالله الصيرفي الأسدي.
7 ـ جبلة بن حنان، وذكره النجاشي بعنوان: جبلة بن حيان.
8 ـ الحارث بن عمران الجعفري.
9 ـ حديد بن حكيم.
10 ـ الحسن بن صالح بن حيّ.
11 ـ الحسين بن حمزة.
12 ـ الحسين بن عثمان بن شريك الرؤاسي.
13 ـ زهير بن محمد.
14 ـ الصباح بن يحيى المزني.
15 ـ صالح بن أبي الأسود.
16 ـ عبد المؤمن بن القاسم الأنصاري، له رواية في أمالي الطوسي: ج2، ص 304.
17 ـ علي بن أبي المغيرة الزبيدي، ذكر له النجاشي كتاباً في ترجمة ابنه الحسن.
18 ـ علي بن بلال، من أصحاب الرضا (ع). له رواية في عيون الأخبار للصدوق: ج2، وفي الأمالي له، وبحار الأنوار ج39.
19 ـ عليّ بن عبد العزيز الفزاري.
20 ـ عمر بن أبان الكلبي.
21 ـ الليث بن البختري المرادي.
22 ـ محمد بن سليمان بن عبدالله الأصبهاني.
23 ـ محمد بن شريح الحضرمي.
24 ـ محمد بن مروان الذهلي، وانظر أمالي الصدوق ص 524.
ومجمل ما ذهبنا إليه هو أن هؤلاء المقول فيهم «أسند عنه» إنما ألّفوا لذلك الإمام ما يعد «مسنداً» له.
ويبقى أمام هذا الرأي سؤالان:
السؤال الأول
إذا كان هذا العدد الكثير من الرواة، قد ألّفوا ما يسمى «بالمسند» للإمام، فلماذا لم تعرف كتبهم جميعاً؟ وإنما المعروف كتب قليل منهم، والمعروف إنما يعرف اسمه فقط، وأما الموجود فعلاً فلا يتجاوز عدد أصابع اليد، فلماذا تخلو المعاجم والفهرسات عن ذكرها، حتى كتابي الطوسي والنجاشي المعدّين لاستقصاء مثل ذلك؟.
والجواب
أن روايات أكثر الموصوفين، قليلة جداً، بل غير موجودة أصلاً في كتبنا الحديثية، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، والذي يبدو لي بعد ملاحظة الأسماء في قائمة الموصوفين: أن أكثر هؤلاء غير إماميّين ففيهم كثير من الزيدية وعديد من العامة، بل عدة منهم من كبار العامة.
ومن الواضح لدى أهل الفن أن الفهارس إنما وضعت لجمع أسماء المصنّفين الشيعة فقط، وإنما يذكر غيرهم، إذا كانت روايات كتبهم معتمدة، ككتاب حفص بن غياث القاضي، وقد صرّح بهذا الشرط الطوسي في مقدمة فهرسته ويبدو ذلك من النجاشي أيضاً.
فالسبب أولاً: لعدم ذكر كثير من هؤلاء هو: أنهم ليسوا من الشيعة الإمامية، أو أن كتبهم غير معتمدة، فلا يدخلون في الشرط المذكور. والمرجع حينئذٍ هو سائر المعجم وفهارس الكتب التي ألفها العامة.
والسبب ثانياً : أن الفهارس الموضوعة إنما تذكر الكتاب الذي وقع في أيديهم وتداولوه بطريق السماع أو القراءة أو الإجازة أو غيرها من الطرق، ولا يذكرون فيها ما لم يقع بأيديهم من الكتب، ومن الواضح أن جميع الكتب المؤلفة في العهود السابقة لم تكن متداولة، إما لضياعها وتلفها، أو لوقوعها في زوايا النسيان والإهمال.
ولا عجب في ضياع أكثر الكتب، فلنا أمثلة كثيرة لمثل ذلك، فكتب الصدوق التي تتجاوز الثلاثمائة، لا يذكر منها سوى اسم «220» كتاباً، ولم يوجد منها سوى «18» كتاباً مع أنَّ وفاته متأخرة إلى سنة«381هـ».
والعلامة الحلي المتوفى سنة (726هـ) ألّف حوالي ألف كتاب، ولم يذكر من كتبه سوى (101) ولم يوجد منها سوى (36) كتاباً. فكيف بمن تقدم عصره وعاش في القرن الثاني؟!.
ومن يدري؟ فلعلّ تلك المؤلّفات والكتب، لا تزال موجودة، لكن في خزائن الكتب البعيدة، أو القريبة لكن في بطون القماطر والأسفاط وقد كشفت الأيام بفضل التسهيلات التي تضعها المؤسسات العلمية والفنية للرواد، وبفضل الجهود المضنية والمحمودة التي يبذلها المحقّقون، عن عدّة ذخائر، كانت تعدّ من الضائعات، والتي لم تذكر في كتب الفهارس حتى أسماؤها.
مثل كتاب «مسند الإمام موسى بن جعفر» تأليف: موسى بن إبراهيم المروزي، الذي حقّقه الأخ السيد محمد حسين الحسيني الجلالي.
ومثل كتاب «تفسير الحبري» أو «ما نزل من القرآن في عليّ» تأليف: الحسين بن الحكم بن مسلم الحبري الكوفي المتوفى سنة (286هـ)، الذي وُفقت لتحقيقه، والذي لم يذكره حتى المتأخرون من أصحاب الفهارس.
ومثل كتاب «الإمامة والتبصرة من الحيرة» تأليف: الشيخ علي بن الحسين بن بابويه، والد الشيخ الصدوق، والمتوفى سنة (329هـ) الذي حقّقته أيضاً.
السؤال الثاني
أنّا نجد في الرواة من تجمعت فيه هذه الشروط، أعني روايته عن الإمام، ما أسنده الإمام (ع) إلى النبي (ص) في نسخة، ومع ذلك فإن الشيخ لم يصفه بقوله «أسند عنه»، مثل:
إسماعيل ابن الإمام الكاظم موسى بن جعفر (ع): روى عن أبيه الكاظم (ع) مسنداً معنعناً، عن آبائه، مرفوعاً إلى النبي (ص) جميع ما في كتاب «الجعفريات» المسمى بالأشعثيّات؟.
وأسْند كذلك عن أبيه، روايات كثيرة، أوردها ابن المغازلي في مناقب أمير المؤمنين (ع): ص 40 و294 برقم 236 و337 و338. وص 380 ـ 381.
وفي الخصال للصدوق: ص 295، وفي الأمالي له: ص 202 وص 290 و417. وموقوفاً على الكاظم (ع) ص 301 و347، وفي أمالي الطوسي ج2 ص 44 و232.
وقد ترجمه الشيخ في الفهرست وقال: وله كتب يرويها عن أبيه، عن آبائه (ع)، مبوّبة.
وقال في ترجمة ابن الأشعث الذي روى كتبه: «روى نسخة، عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه موسى بن جعفر (ع)».
وقد ترجمه النجاشي وقال: وله كتب يرويها عن أبيه، عن آبائه.
فقد ذكراه بالرواية المسندة، وأنّه روى نسخة، وأنّ كتبه مبوبة، ومع ذلك لم يصفه الشيخ بأنه (أسند عن أبيه).
والجواب
إن هذا الكتاب لم يروه عن إسماعيل أحد إلا ابنه موسى، والراوي عن موسى إنما هو محمد بن محمد بن الأشعث الكوفي المصري، وسائر الرواة إنما يروون الكتاب عن ابن الأشعث، ولم تعهد لأحد غيره روايته عن موسى مباشرة، أو عن إسماعيل المؤلف بالفرض، فلو كنا نشكك في تأليف إسماعيل لهذا الكتاب لكان المؤلف هو ابن الأشعث، لانتهاء الطرق المختلفة إليه واجتماعها عنده، دون من قبله من الرواة.
ويؤكد هذا أن الكتاب يسمى بالأشعثيّات، نسبة إليه، وإلا فلماذا لم يسمّ بالإسماعيليات.
وهنا احتمال آخر: وهو أن يكون الكتاب كله من تأليف الإمام الصادق (ع) ولذا قد يسمى بالجعفريات، وأنه روى عنه كنسخة، رواها الإمام الكاظم (ع) ابنه.
ويؤكد هذا الاحتمال السيد محمد صادق بحر العلوم، فيقول: وهي الروايات التي رواها عن أبيه موسى، عن جدّه جعفر بن محمد الصادق (ع)… وحيث أنّها كلها مرويّة عن الإمام جعفر الصادق (ع) سمّيت (الجعفريات) فهي ـ إذن ـ من تأليفه. وإذا كان الكتاب من تأليف ابن الأشعث فهو لم يرو عن الإمام مباشرة، ولذا لم يترجم إلا في باب من لم يرو عنهم (عليهم السلام) من الرجال، فلا معنى لوصفه بأسند عنه.
وإن كان المؤلف هو الإمام الصادق (ع) فالأمر أوضح.
لكن التعريف بكتاب «نوادر الراوندي» من مصادر البحار، قال: وأكثر أخبار هذا الكتاب مأخوذ من كتاب موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر (ع) الذي رواه سهل بن أحمد الديباجي، ويؤكد المجلسي ذلك بعثوره على روايات رواها الصدوق في أماليه المعروف باسم المجالس في المجلس «71» ينتهي سندها إلى موسى بن إسماعيل، روى عنه محمد بن يحيى الخزاز، ونجد في ترجمة موسى هذا أن له كتاب جوامع التفسير، وله كتاب الوضوء روى هذه الكتب محمد بن الأشعث، وأضاف الشيخ له كتاب الصلاة.
وهذا الاحتمال لو ثبت يبطل الاحتمال الأول، حيث إن ذلك الاحتمال يبتني على انحصار الرواية عن موسى بن محمد بن الأشعث، وهذا ما تنقضه رواية الصدوق، لكن: ألا يمكن أن تكون خصوص هذه الرواية قد حدّثها موسى لغير محمد أيضاً؟ وأما الكتاب كله مجموعاً فيكون من تأليف محمد فقط، لهذا ألا نجد في من يروي الكتاب من يعتمد طريقاً غير محمد، فلو كان الكتاب من تأليف موسى، لنقل الكتاب كلّه من طريق آخر غير طريق محمد، وهذا لم يعثر عليه!.
هذه احتمالات ثلاثة:
ويؤكد الثاني: قول الشيخ في باب من لم يرو عنهم(عليهم السلام) من رجاله في ترجمة ابن الأشعث أنه يروي نسخة عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه إسماعيل، عن أبيه موسى (ع).
والتعبير بأنّه يروي «نسخة»، قرينة على أنّه ـ أي ابن الأشعث ـ ليس هو المؤلف لأنه أولاً: مجرد راو للكتاب، وثانياً: أنّه ـ أي الكتاب ـ نسخة، ومعنى النسخة كما أسلفنا هو: الكتاب المؤلف المنقول بكامله عن آخر، وبهذا يندفع الاحتمال الأول.
وأما الاحتمال الثالث الذي ذكره المجلسي، فيردّه: مع انفراده به، تواتر نسبة الكتاب المذكور ـ المعروف باسم الأشعثيّات ـ إلى إسماعيل والد موسى.
وعلى فرض كون الإمام الصادق (ع) هو المؤلّف ـ وهو الاحتمال الثاني ـ فلا وجه لوصل إسماعيل بأنه أسند عن الصادق (ع)، لأنه لم يُسنِد ولم يرو عنه، وإنما الراوي عنه هو ابنه الإمام موسى الكاظم (ع)، وإسماعيل يروي عن أبيه الكاظم (ع) مباشرة، فتكون روايته عن الصادق (ع) مع الواسطة.
وبهذا اتضح عدم النقض على ما التزمناه من المعنى في قوله «أَسْنَدَ عنه» لعدم اجتماع الشروط في إسماعيل. ولا يصحّ على فرض أن الكتاب هو من تأليف الإمام الصادق (ع) أن يقال: إن حق إسماعيل أنه أسند عن الكاظم (ع) بمجرد توسط الإمام الكاظم في نقله وروايته لكتاب هو في الحقيقة من تأليف أبيه الصادق (ع).
القيمة العلمية لهذا الوصف
وأما قيمة هذا الوصف من الناحية الرجالية، فنقول: إن الالتزام بمنهج الإسناد المصطلح، أي الرواية بسند متصل إلى النبيّ (ص)، بالنسبة إلى ما يرويه أئمة أهل البيت الاثنا عشر(عليهم السلام)، ليس له ملزم عند المعتقدين بإمامتهم من الشيعة، لأنهم يرون أن الأئمة لديهم المعرفة التامة بالشريعة من مصادرها وينابيعها، وبما أن الأدلّة القطعية من الكتاب المحكم والسنة المتواترة دلّت على حجيّة قولهم، وطهارتهم من الكذب والباطل، ووجوب اتّباعهم والأخذ منهم، كما ثبت ذلك في كتب الكلام والإمامة.
فالأئمة(عليهم السلام) لا يسألون عن سند ما يروونه من الأحاديث، ولا عن مدرك ما يدلون به من أحكام. وقد جرى هذا الأمر لدى أتباع أهل البيت(عليهم السلام) مجرى المسلّمات، وتصدّى بعض الرواة لحسم الموقف تجاه هذا الأمر، فوجّه السؤال عينه إلى الأئمة:
روى الطوسي، بسنده عن سالم بن أبي حفصة، قال:
لما هلك أبو جعفر، محمد بن علي الباقر (ع)، قلت لأصحابي: انتظروني حتى أدخل على أبي عبدالله، جعفر بن محمد، فأعزّيه به، فدخلت عليه، فعزّيته ثم قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب ـ والله ـ من كان يقول: «قال رسول الله» فلا يْسأل عمّن بينه وبين رسول الله (ص)، والله لا يرى مثله أبداً؟!.
قال: فسكت أبو عبدالله (ع) ساعة، ثم قال: قال الله تبارك وتعالى إن من عبادي من يتصدّق بشق من تمرة فأربيها له كما يربي أحدكم فِلوه حتى أجعلها له مثل جبل أحد فخرجت إلى أصحابي، فقلت: ما أعجب من هذا! كنّا نستعظم قول أبي جعفر (ع): قال رسول الله (ص) بلا واسطة، فقال أبو عبدالله: «قال الله تعالى» بلا واسطة!.
ويبدو من هذه الرواية أن الأمر كان موضع بحث واهتمام من قبل الرواة، لكن الرواة الشيعة كانوا يقنعون بما بيّنه الأئمة(عليهم السلام) في تبرير ظاهرة الإرسال في أحاديثهم، فقد روى الشيخ المفيد في الأمالي، بسنده، عن جابر، قال: قلت لأبي جعفر (ع) إذا حدّثتني بحديث فأسْنِدْهُ لي؟.
فقال: حدّثني أبي، عن جدي رسول الله (ص) عن جبرائيل، عن الله عزَّ وجلَّ، وكل ما أحدّثك بهذا الإسناد.
وروى في الإرشاد، مرسلاً، قال: وروي عنه (ع) أنه سئل عن الحديث تُرسله ولا تُسنده؟!.
فقال: إذا حدّثت الحديث فلم أسنده، فسندي فيه: أبي، عن جدي، عن أبيه، عن جده رسول الله (ص)، عن جبرائيل، عن الله عزَّ وجلَّ.
وروى الكليني، بسنده، عن هشام بن سالم، وحماد بن عثمان، وغيرهما قالوا: سمعنا أبا عبدالله (ع) يقول: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين (ع)، وحديث أمير المؤمنين (ع) حديث رسول الله (ص) وحديث رسول الله (ص) قول الله عزّ وجلّ.
وقد صرّح علماء الدراية من أعلام الشيعة بهذا الأمر المسلّم:
فالحسين بن عبد الصمد ـ والد الشيخ البهائي ـ يقول: وليس من المرسل عندنا: ما يقال فيه «عن الصادق (ع)، قال: قال النبيّ (ص): كذا» بل هو متصل من هذه الحيثيّة لما نبيّنه.
وقال الصدر معلّقاً عليه: لم أعثر على بيانه والوجه فيه ظاهر، لأنا إنما توقّفنا في المرسل من جهة الجهل بحال المحذوف، فيحتمل كونه ضعيفاً، ولا يجيء هذا في قول المعصوم إذا روى عن النبيّ (ص)، أو غيره ممن لم يدركه، لحجّية قوله (ع).
وقوله «عندنا» يشير إلى ما هو المتعارف عند الإمامية في مختلف الأدوار من الالتزام بحجيّة ما يقول الأئمة(عليهم السلام) وما يرويه أحدهم مما ظاهره الإرسال والوقف ـ باصطلاح أهل الدراية ـ من دون اتصال إسناده إلى النبيّ (ص).
لكن هذا يخالف مسلك العامة من الالتزام بمنهج العنعنة والإسناد المرفوع إلى النبيّ (ص) وعدم اعتبار الحديث غير المرفوع، مهما كان راويه، ويسمّونه بالموقوف، على خلاف بينهم من بعض الخصوصيات، ولم يعتبروا لأهل البيت(عليهم السلام) خصوصية تميّزهم عن غيرهم من سائر الرواة، فهم كغيرهم، في توقف حجيّة رواياتهم على الإسناد، ولا وزن عندهم ـ لغير المسند المتصل بالنبيّ (ص).
ومن الواضح أن الالتزام بمثل هذه الفكرة في أهل البيت(عليهم السلام) ناشىء من الجهل بسامي مقامهم وجليل قدرهم، وعدم الاعتراف بما ثبت لهم من الولاية والعلم والإمامة، وبناء على ذلك: فالالتزام بمنهج «الإسناد» بحقهم وفي اعتبار رواياتهم، فيه إزراء ونقص للملتزم بلزوم ذلك في حقهم. وقد يؤكّد هذا أنّا نجد الكثير من الموصوفين بهذه الصفة، هم من رجال العامة بل من المعتمدين عندهم وصرّح الشيخ الطوسي نفسه بعاميّة بعضهم: نعم ربما يكون الالتزام بهذا المنهج حاوياً على هدف أسمى من مجرد الرواية والاحتجاج بها، بل إلزام العامة بأحاديث الأئمة، كي لا يبقى لديهم عذر في ترك مذهب أهل البيت، ولا مطعن على آرائهم.
ولعلّ من وصف بهذا الوصف من ثقات أصحابنا وكبرائهم، قد حاولوا أداء مثل هذا الهدف السامي، وقد وجدنا من القدماء من اهتمّ بهذا الأمر وهو الحسين بن بشر الأسدي.
قال ابن حجر في لسانه: ذكره ابن أبي طي في رجال الشيعة الإمامية، وقال: إنه كان محدّثاً فاضلاً جيّد الخط والقراءة عارفاً بالرجال والتواريخ جوّالاً في طلب الحديث، اعتنى بحديث جعفر الصادق (ع)، ورتّبه على المُسْنَد وسمّاه (جامع المسانيد) كتب منه ثلاثة آلاف… ولم يتمّه، ووثّقه الشيخ المفيد.
ونجد في المعاصرين من تصدّى لمثل هذا الأمر: فالشيخ محمّد بن الميرزا علي أكبر التبريزي المجاهد، قد ألّف كتاب «سلاسل الذهب فيما يرويه العترة، عن سيد العجم والعرب» جمع فيه الأخبار التي رواها الأئمّة المعصومون، عن جدّهم النبيّ (ص) مسنداً.
ومن هنا يتأكّد لدينا أن الكلمة «أَسْنَدَ عَنْه» في نفسها لا تدل على الوثاقة أو المدح، كما لا تدل على القدح والجرح، بل إنما تدل على مخالفة الراوي لنا في المذاهب إلا إذا اقترن بقرائن أُخرى، أو عورض بتوثيقات فالأمر يدور مدار ذلك.
فما ذكره العلامة المحدّث المجلسي الأول من: دلالة اللفظ على المدح وأنه كالتوثيق، وأنه أحسن من قولهم في مقام مدح الراوي: لا بأس به.
وكذا ما ذكره المحقّق الوحيد البهبهاني من أنّه: لعلّ المراد سماع الرواية على سبيل الاستناد والاعتماد.
وما عن القوانين من جعل الكلمة من أسباب الوثاقة.
كل ذلك مبنيّ على تفسيرهم الكلمة بغير ما ذكرنا، وقد عرفت عدم إمكان تصحيح ما ذكروه.
وكذا اعتبار الكلمة قدحاً مباشراً في الراوي لا وجه له.
ويؤيّد ما ذهبنا إليه أنّ بعض الموصوفين قد صرّح بضعفه وهو محمد بن عبد الملك، الذي ضعّفه الشيخ الطوسي بعد وصفه بقوله «أَسند عنه» كما أنّ بعضهم من أجلاّء الطائفة كمحمد بن مسلم.
ومن هنا يمكن أن تفسّر ظاهرة قلّة روايات بعض الموصوفين، بل عدم وجود الرواية عنهم في مصادرنا الحديثية أصلاً، بأن هؤلاء ـ غالباً ـ ليسوا من رجال حديثنا، ولم يقعوا في طريق رواياتنا، ولم يتصدّ أعلامنا للنقل عنهم إلا في أبواب خاصة، كباب الفضائل وما أشبهه.
والذي اعتقده: أن الشيخ الطوسي بنى تأليف كتاب الرجال على أساس تتبع جميع الروايات المنقولة عن المعصومين(عليهم السلام) سواء من طرق الخاصّة أو العامة، فأثبت أسماء من روى عنهم. وجمع رواة كلّ إمام في باب، ووصف بوصف «أَسْنَدَ عنه» من بين الرواة عن ذلك الإمام خصوص من روى عنه ملتزماً منهج الإسناد المذكور ـ وهو المتصل إلى النبيّ(ص) ـ أولئك الرواة الذين جمعوا روايات ذلك الإمام على ذلك المنهج في كتاب خاص باسم «المسند».
الخاتمة
هذا ما انتهينا إليه من البحث، وخلاصة ما نراه:
1 ـ أن الفعل أَسْنَدَ، هو مبني للمعلوم وفعله ماض، وفاعله الضمير العائد إلى الراوي الموصوف به.
2 ـ أن الضمير في (عنه) يعود إلى الإمام الذي عدّ الراوي من أصحابه.
3 ـ المراد بهذا الوصف: أن الراوي إنما يروي عن الإمام الروايات المسندة إلى النبيّ (ص) وأنه جمع ذلك في كتاب يعدّ «مُسنداً».
4 ـ أن الوصف لا يختص بأصحاب الصادق (ع) بل وُصف به رواة الأئمة: الباقر، والكاظم، والرضا، والهادي، عليهم السلام، وإن كان أكثر الموصوفين هم من أصحاب الإمام الصادق (ع).
5 ـ أن وصف الرجل بذلك يدلّ في البداية على أنّ الرجل عامي المذهب لا يعترف بأن الإمام يُسند إليه الحديث، بل إنما يعتبر من كلام الإمام ما كان مرفوع منه إلى النبيّ (ص) لكن إذا دلّت القرائن الخارجية على أنّ الراوي الموصوف به شيعيّ المذهب فهو دليل على أنّ هذا الراوي كان نبيهاً جداً، وأراد أن يجع ما رواه الأئمة(عليهم السلام) مُسْنَداً إلى جدّهم للاحتاج بذلك على الآخرين الذين لا يعتقدون بإمامتهم فيكون الوصف دالاً على جلالة وفضل.
فالوصف ـ على كلّ حال ـ لا يدلّ على قدح يؤدي إلى الضعف أو مدح يؤدي إلى الثقة، بل هو دليل على منهجية خاصة في رواية الحديث.
محمد رضا الجلالي الحسيني
أسْنَق
أسنق بفتح أولها وسكون السين وفتح النون: قرية تبعد عن مدينة تبريز نحو مائة كيلومتر، تقع ما بين بلدة سراب وتبريز. تحتوي على 400 دار يسكنها نحو 1500 نفس يشتغلون بالزراعة وتربية المواشي وصنع السجاد، ومحصولاتها الزراعية هي القمح والشعير.
وفيها مسجد أثري قديم يعود تاريخه إلى القرن السابع الهجري مبني بفن هندسي، في داخله أربعة أعمدة حجرية، وفي خارجه عمودان، وله شرفات.
خرج من أسنق العالم الخطيب المفكر الشيخ محمد الجليلي المقيم اليوم في طهران.

مع الشيخ محمد الجليلي
د
أسوان
البلد المعروف في جمهورية مصر العربية والذي قام فيه السّد العالي.
قال صاحب كتاب الطالع السعيد في علماء الصعيد الذي تكرر ذكره فيما مر ما يلي:
لما كانت البلاد للعلويين غلب على أهلها التشيع، وكان بها قديماً أيضاً، وقد قلّ ذلك واضمحلّ.
وفي هذا القول ما يلقي ضوءاً على تاريخ التشيع في مصر، وعلى وجوده فيها قبل قيام الدولة الفاطمية، وعلى استمراره بعدها إلى فترة بعيدة بلغت عهد صاحب الطالع السعيد المتوفى سنة 748هـ. ولا شك أنها استمرت بعده إلى مدى لا يعلمه إلا الله، لأن أحداً بعد صاحب الطالع السعيد لم يدوّن شيئاً في هذا الموضوع، وبذلك ضاعت علينا كثير من الحقائق.
وبالرغم من أنه لم يكن من أهداف صاحب الكتاب تدوين تاريخ التشيع في عصره وما قبل عصره، بل كان يؤلف كتاباً في علماء الصعيد، فإن الحديث كان يجرّه عرضاً إلى ذكر كثير من الحقائق الثمينة التي لم يكن لها أن تصل إلينا لولاه، كهذا الذي ذكره عن أسوان وما ذكره عن غيرها.
وإذا كان الذي ذكره عن أسوان يدلنا على قدم التشيع فيها فإن ما ذكره عن (أدفو) يدل على أن الشيعة في مصر خلال حكم الدولة الفاطمية لم يكونوا كلهم على المذهب الشيعي الفاطمي وحده، بل كان فيهم من هو على هذا المذهب، ومن هو على المذهب الشيعي الجعفري الذي يعرف بالإمامي أيضاً.
وهذا الذي أخذناه في (دائرة المعارف) عن (الطالع السعيد) ليس هو كل شيء في هذا الموضوع ففي أجزاء كتاب (أعيان الشيعة) تفاصيل أخرى يراها من يرجع إلى كثير من التراجم المنقولة عن (الطالع السعيد). بل لقد كان في أقرباء صاحب الكتاب وأبناء بلدته من كانوا لا يزالون محتفظين بالتشيع، وهو حين يتحدث عن أحدهم من ذوي رحمه مستنكراً عليه تشيّعه، يقول في جملة كلامه عنه، بعد وصفه بصفات العلم والورع، يقول عنه: (مرض فلم أصل إليه، ومات فلم أصلِّ عليه).
وذلك استنكاراً منه لتشيعه.
وذكر أسوان يجرنا إلى ذكر التماسيح التي تحدث عنها أحمد حسين ذهب سليمان في كتابه (رحلة مع تماسيح النيل) الذي قال فيها:
إن إنشاء سدّ خزان أسوان أولاً ثمّ إنشاء السد العالي ثانياً منع مرور الأسماك الكبيرة والتماسيح واتجاهها شمالاً. إذاً فما أسمعه في قريتي عن رؤية أجدادنا لبعض التماسيح صحيح، وليس خيالاً يؤسس أساطير لا علاقة لها بالواقع الحي. يؤكد الباحث أن خزان أسوان لم يمنع التماسيح من الاتجاه شمالاً. بل كانت تصل إلى فرعي دمياط ورشيد. وكانت تصل في أوائل العصور الإسلامية إلى البحيرات في الشمال. قبيل إنشاء سد خزان أسوان كان مجرى النيل في النوبة وشمال السودان يزخر بأعداد كبيرة منها. لعدم وجود عوائق صناعية على مجراه، وكثرة وجود الجزر الصخرية والرملية والجنادل. وكانت أشهر مواقع التكاثر والاستقرار منطقة رمال نيرول وفرقندي على الضفة الغربية للنهر شمال أبو سمبل. وكانت التماسيح تأتي مع الفيضان، إضافة إلى تلك التي كانت تعيش في المنطقة.
التماسيح التي كانت تأتي مع تيار النهر كانت تبحث عن الغذاء من الأسماك غير المستقرة من شدة اندفاع المياه، هذه التماسيح كانت تخرج نحو الشواطىء باحثة عن الغذاء، فكانت تخطف ضحاياها من الآدميين والماشية والكلاب. يحكى أن فلاحاً استخدم قارباً صغيراً للعبور حتى جزيرة وسط النيل وهناك خرج تمساح ضخم وحاول التهامه، هرب الفلاح وجرى، لحق به التمساح وحاول التهامه. لم يجد الفلاح أمامه سوى شجرة تسلّقها حتى ينجو وقف التمساح على ذيله حتى يتمكن منه. وظلّ الوضع هكذا حتى مرّ بعض الفلاحين فهرب التمساح. ونجا الفلاح الذي أغمي عليه لأنه لم يصدق أنه نجا.
التمساح من الزواحف البرمائية آكلة اللحوم، ظهرت منذ 200 مليون سنة وانقرضت منها الديناصورات الضخمة. ويظل التمساح في المياه عندما تكون الحرارة مرتفعة. ولكنه يخرج من المياه ليرقد على الشاطىء وقت الأصيل وحتى غروب الشمس. وفي الشتاء يقضي معظم وقته في المياه. يمارس نشاطه ليلاً. لأن الأسماك تكثر بجوار الشاطىء. وتكون المياه أكثر دفئاً. ثم يخرج من الماء نهاراً لكي يختزن جسمه أكبر قدر من سعرات حرارتها.
يحوي فكّ التمساح الذي يخلو من اللسان على 66 من الأسنان الحادة. وهو حيوان اجتماعي يفضل العيش في جماعات. وأعين التمساح تزداد اتّساعاً في الضوء الخافت كي يفزع الفريسة. لذا يعد التمساح صياداً ليلياً ينشط في الظلام. وأقدامه مزودة بمخالب تساعده ـ على رغم قصرها ـ في القبض على الفريسة، ويعتبر التمساح النيلي من أرقى الزواحف.
يكون تلقيح الأنثى عند بدء الربيع. في نيسان (أبريل) من كل سنة وكثيراً ما تدور معارك بين الذكور للتنافس على الأنثى. تنتهي بموت أحدهما أو انسحابه مهزوماً في المعركة. وتضع الأنثى البيض في مكان رملي هادىء داخل الأخوار وعلى أرض محمية من الرياح، بعيدة عن متناول المارة من الأهالي ومن الثعالب التي تشمّ رائحتها وتسرق بعضها بالحفر. بعد أن تقوم الأنثى بحفر حفرة عمقها نصف متر، تضع الدفعة الأولى من البيض. ثم تتبعها كل يومين بدفعات متجاورة على هيئة صفوف عرضية من أسفل لأعلى، ويكون اختيارها لأرضٍ تنحدر نحو المياه.
تضع عدداً من البيض يتراوح بين 40 و60 بيضة تقوم بمراقبة المكان، وترقد عليها أحياناً وتكون شديدة الشراسة خلال فترة حضانتها للبيض، والتي تتراوح بين 80 و90 يوماً. عندما يقترب موعد فقس البيض تنصت إلى الأجنة. ثم تحفر الرمال بقدميها وتساعد الصغار على الخروج منها بأسنانها. ثم تصنع بذيلها خطّاً عميقاً ينحدر من أعلى إلى أسفل. بدءاً من موقع الحفر وحتى خط شاطىء المياه، حتى تسهل على التماسيح الصغار اتّباعها. وتبقى بجوارهم أياماً تطمئن عليهم وتطارد المخلوقات البرية والمائية الفضولية. وتستمر مراقبة الأنثى لصغارها ثمانية أشهر ثم تتركهم.
التمساح النيلي العملاق يراوح طوله بين 7 و10 أمتار، ووزنه قد يبلغ طنّاً ونصف الطّن. ويكسو ظهره درع عظمي صلب. وذيله يمثل ثلث طول جسمه ويستخدمه في الدفاع عن نفسه والهجوم، ويشبه حدّ السيف، ويستطيع أن يقسم به جملاً أو جاموسة بضربة واحدة. والتمساح النيلي معمر يمتد به العمر مئة سنة، وفكّه السفلي ثابت بعكس الأنسان. بينما العلوي يتحرك. لذا فإن حركة الفك تضغط على الغدد الدمعية مما يؤدي لانسياب دموع التماسيح الخادعة وهذا هو السر في التعبير الذي يكثر الأدباء (والنساء) من استخدامه.
ولحم التماسيح يؤكل مثل باقي الأحياء المائية، والمطاعم الإفريقية تقدم في مطاعمها وجبة شهية من لحم التمساح.
الإشارات (كتاب)
تأليف الشيخ محمد علي الشهير بالملا علي البرغاني القزويني شقيق الشهيد الثالث ابن الشيخ محمد ابن الشيخ محمد تقي ابن الشيخ محمد جعفر ابن الشيخ محمد كاظم ولد في برغان سنة 1175 هجرية، وتوفي فيما بين الطلوعين من يوم الأحد 12 ربيع الثاني سنة 1269هـ.
فقيه الفلاسفة، وفيلسوف الفقهاء، ومن أقطاب العرفاء الذين كانت لهم صولات وجولات في ميدان العلم. يقع الكتاب في مجلّد واحد وهو من أشهر كتب الفلسفة في القرن الثالث عشر للهجرة المعارضة لمدرسة صدر المتألهين الشيرازي.
يشتمل الكتاب على مقدمة وأربعين إشارة وخاتمة ويبحث في المقدمة في بيان وجوب الوقوف على تحصيل معرفة الله ومعرفة آيات الله، ثم يليه الإشارة الأولى في بيان تقسيم الوجود ثم يتفرع منها إلى أنواع. النوع الأول: يبحث في وجود ذات الله، والنوع الثاني: في بيان أفعال الباري تعالى، والنوع الثالث: في بيان آثار وجود الله تعالى بالدلائل العقلية والحسية. ثم يتعرض لمدرسة صدر المتألهين الشيرازي ويقول ليس الوجود مشتركاً معنوياً بين الواجب والممكن خلافاً لما ذهب إليه صدر المتألهين الشيرازي الذي يقول إن الوجود صادق على الواجب والممكن بالاشتراك المعنوي.
ومن آرائه الفلسفية في كيفية الحشر يوم القيامة يقول في الإشارة الحادية عشرة من هذا الكتاب إن الجسم ينقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: هو الجسم العنصري، والجسم الثاني: هو الجسم الفلكي، والجسم الثالث: هو الجسم البرزخي، والقسم الرابع: هو الجسم المجرد من المادة، ويختلف المؤلف في الجسم المجرد من المادة مع الفلاسفة لأن الجسم ذو أبعاد ثلاثة، والمجرد ليس ذا أبعاد ثلاثة.
ثم يقول: بأن الجسم البرزخي في يوم القيامة هو الجسم المقداري أي له طول وعرض وعمق بدون مادة، والجسم المثالي هو جسم ظلّي شبحي وهو الجسم التعليمي في عالم البقاء الأعلى (العُلوي).
ويقول في الإشارة السابعة عشرة في الفرع الثالث: إن للإنسان جسمين: الجسم الأول هو الجسم الظاهري المركب من العناصر الأربعة، وبعد موته يندثر في قبره ويذهب كل عنصر من أجزاء البدن إلى أصله فالماء يمتزج مع الماء والتراب مع التراب وهكذا. وأما الجسم الثاني الذي هو ضمن الجسم الأول، فهو الجسم الباقي، وبه يتمّ الحشر في القيامة.
يقول صدر المتألهين الشيرازي: النفس روحانية في ذاتها وتحتاج في أفعالها إلى المادة وهي جسم الإنسان، ويستفاد من أقواله في الأسفار وتفسيره لا سيما تفسير سورة يس أن البعث يوم القيامة هو معاد روحاني.
ويبحث المؤلف في الإشارة الأربعين عن النار ويتمّ كلامه في خاتمة الكتاب عن عمر الإنسان الطبيعي الذي ذهب فيه قول الأطباء، وهو أنه مائة وعشرون سنة، وللكتاب نسخ خطية كثيرة منها نسخة بخط المؤلف من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور وقد مرّ ذكر المدارس الفلسفية المعارضة لصدر المتألهين الشيرازي في بحر الإخوان الإلهيين، ومنها هذه المدرسة التي لم تتمكن من الصمود أمام مدرسة صدر المتألهين العملاقة.
وهناك اليوم من رواد هذه المدرسة في كل من الأحساء والقطيف والبحرين والكويت وجنوب العراق في كل من البصرة وسوق الشيوخ. وفي إيران جماعة في تبريز وكرمان، ويعرفون بالفرق الشيخية وجماعة في مدينة مشهد ليسوا من الشيخية وإنما هم من رواد هذه المدرسة التي تسمى بمدرسة تفكيكي أو مكتب تفكيكي ولم يكن لهم أي نفوذ في الحوزات العلمية الشيعية في العتبات المقدسة بالعراق ومدينة قم المقدسة، ويمكن القول إن هذا الكتاب كتاب فلسفي يبحث في المعارف الإلهية، والعقائد، وأصول الدين، ومعرفة المبدأ، والمعاد، والرجعة على مذاق الشيخية. وهو يستشهد في أقواله بالآيات القرآنية وكلمات الأئمة الأطهار والأحاديث ثم ينقل أقوال الحكماء والفلاسفة ومنهم السهرودي، وبعض أشعار كلشن راز الشبستري وغيرها.
عبد الحسين الصالحي
الأشباه والنظائر (كتاب)
تأليف أبي بكر وأبي عثمان الخالديين
هذا الكتاب يعرض قطعات مختارة من شعر المتقدمين والمخضرمين يتخلّلها إيضاحات لبعض النقط الغامضة وتنبيهات على فوائد لا تخلو من الأهمية مع إيراد الأشباه والنظائر، كلما عنّت، للمعاني التي تضمنتها تلك القطعات المختارة. وهذه الأشباه والنظائر، التي هي الميزة الكبرى للكتاب، لا تقتصر على كلام المتقدمين أو المخضرمين فحسب، بل تشمل المحدثين حتى المعاصرين للمؤلفين أيضاً، فيدرك القارىء فضل السبق الذي كان للطائفة الأولى مع تقدير مدى التقصير أو البراعة في الأخذ التي امتازت بها الطائفة الأخرى، وينصف الطائفتين كل واحدة منهما من الأخرى في وقتٍ واحدٍ بناءً على شواهد موضوعة بعضها إلى بعض في نسقٍ واحدٍ.
إشبيلية([152]*)
ـ1ـ
عقب حصار دام قرابة شهر سقطت مدينة إشبيلية في أيدي الفاتحين العرب.. كان ذلك في ربيع عام 94هـ (712م)، حينما ترك بها موسى بن نصير حامية ولىّ قيادتها إلى عيسى بن عبدالله الطويل المدني، وجعله عاملاً على المدينة، وفي ذلك العام بعد هدوء قصير الأجل، ثار أهالي إشبيلية على العرب، بيد أن عبد العزيز بن موسى أخذهم بالشدة، فأخمد الفتنة واستعاد المدينة، ولما عاد موسى بن نصير إلى دمشق أصبح ابنه عبد العزيز والياً على الأندلس، واختار إشبيلية حاضرة له، وابتنى فيها مسجداً. وهناك قتله جنده (رجب عام 97هـ/ مارس/ آذار 719م) بتحريض الخليفة الأموي. وبعد وفاته نقل العرب قاعدة حكمهم إلى قرطبة… حتى إذا قسمت الأندلس إلى إقطاعيات، كانت إشبيلية من نصيب جند حمص.
عني الأمير عبد الرحمن الثاني بإشبيلية، فشيد حولها سوراً منيعاً، وبنى أيضاً مسجداً جامعاً وداراً للصناعة، وفي أيامه استولى النورمنديون القراصنة على مدينة إشبيلية (230هـ/ 844م) فغزوا المدينة بعد حصار قصير، بيد أنهم سرعان ما أجبروا على الفرار عقب معركة عنيفة. وكان من نتيجة الصدام الأندلسي النورمندي أن أوفد الأمير سفيره يحي بن الحكم الغزال إلى بلاط ملكهم. ومع ذلك، فلم تقف الغارات النورمندية ضد منطقة إشبيلية.
وفي خلال القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) اشتد النزاع بين الأسرتين اليمنيتين الكبيرتين في إشبيلية، وكانت أحداثها تهدد الأمن دوماً، ولم يستتب الهدوء حتى انتصر ابراهيم زعيم إحدى الأسرتين، وعلى أي حال، فقد مرّت إشبيلية في أيام عبد الرحمن الثالث بعهد يسوده الرخاء والسلام.
بيد أن أزهى عصور إشبيلية وأهمها هو العصر الذي جاء عقب سقوط الخلافة الأموية حين أصبحت المدينة قاعدة بني عباد الذين استقلوا منذ عام (414هـ 1023م)، وكان موسس هذه الأسرة، القاضي أبو القاسم محمد الأول بعد أن استولى على السلطة في يده، واعترف في أول الأمر بسيادة السلطان يحي بن علي الحمودي، وسرعان ما تخلص من سلطانه. ولما توفي أبو القاسم خلفه ابنه أبو عمرو عباد المعروف بالمعتضد، الذي حكم سبعاً وعشرين سنة قاسية (ت461هـ/ 1068م)، وقد اشتهر ابنه أبو القاسم محمد الثاني وعرف بالمعتمد. وكان ذواقة للشعر. وفي أيامه أصبحت إشبيلية ملتقى النابغين من علماء العصر. والجدير بالذكر أنه استولى على قرطبة من بني جوهر، وسرعان ما هدّدته أطماع ملك قشتالة ألفونس الثالث، فاضطر إلى طلب النجدة من سلطان المرابطين بالمغرب يوسف بن تاشفين، فجاء إليه يوسف في 12 رجب عام 479هـ (23 أكتوبر/ تشرين الأول 1086م)، وانتصر انتصاراً باهراً في معركة الزلاقة، ولما عاد إلى مراكش، انتهز النصارى الفرصة فاعتدوا على أملاك المسلمين، فاضطر المعتمد مرة أخرى إلى الاستنجاد بالمرابطين، فأنجده يوسف، لكن لم يمض وقتٌ طويلٌ حتى استولى بدوره على مملكته.
ففي عام 484هـ (1091م)، سقطت إشبيلية وقرطبة والمرية ومرسية ودانية في أيدي قادة المرابطين، ونهب جنودهم المدينة الجميلة.. وهدموا قصور بني عباد، وأسروا المعتمد ونفوه إلى مراكش، حيث مات في مدينة أغمات عام 488هـ (1095م).
زوال سلطان المرابطين
ومجيء الموحدين
ابتهج الإشبيليون عندما استمعوا إلى أنباء سقوط دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين.. وفي إثر ذلك استولى واحدٌ من أمراء جيشهم «براز بن محمد المسوفي» قائد السلطان عبد المؤمن على إشبيلية، وتمّ ذلك في عام 541هـ (يناير/ كانون الثاني/ 1147م)، وأجبر حامية المرابطين على الفرار.. ثم أصبحت إشبيلية قاعدة للموحدين في الأندلس بالإضافة إلى أقاليمهم الإفريقية.
وفي عام 1148م، استعمل السلطان عبد المؤمن على إشبيليه يوسف بن سليمان الموحدي. وفي عام 1156م، ولّى عليها ابنه أبا يعقوب يوسف بناءً على رغبة أهلها حتى خلف أباه. ولما غادرها ولّى عليها شقيقه أبا إسحاق إبراهيم مع أحد القادة. وفي إشبيلية نهض أبو يعقوب عام 1184م، بإعداد جيش لحملة شنترين التي استشهد فيها، وأعاد ابنه أبو يوسف يعقوب المنصور (1184 ـ 1199م)، جيش الموحدين إلى إشبيلية.. وفي أيام هذين الحاكمين أبي يعقوب وأبي يوسف، سمت المدينة إلى ذروة المجد الحضاري. وتعتبر أيامهما من أزهر العهود الأندلسية، شيّد خلالها سلاطين الموحدين ـ وكبار رجال الدولة ـ القصور والدور، كما زاد عدد المساجد والحمامات والنزل والأسواق زيادة كبيرة. وبني في عهد أبي يعقوب يوسف، الجامع الكبير الجديد على الموقع الذي قامت عليه بعد ذلك الكنيسة الباقية إلى اليوم (شيدت في القرن الخامس عشر)، وتختلف آراء المؤرخين حول تاريخ البناء: يقول صاحب روض القرطاس: إن بناءه كان عام 567هـ (1171م)، وفي الوقت نفسه يذكر صاحب كتاب الحلل الموشية (مجهول المؤلف) أنه شيّد عام 572هـ (1176/ 1177م)، ولم يبق من جامع الموحدين الكبير بإشبيلية إلا صحنه ويعرف الآن بساحة أشجار البرتقال، وأهم ما بقي منه المئذنة المشهورة التي يعرفها العالم باسم «الخيرالدا».
وكان لأبي العلاء إدريس بن أبي يوسف يعقوب المنصور (1218 ـ 1230م)، فضل كبير في تجميل إشبيلية والعمل على النهوض بها.. فعمد إلى تحصينها، بأن أقام بها عام 1221م، برجاً ضخماً هو «برج الذهب» المشهور الذي ما زال قائماً، ثم جدّد أسوار إشبيلية وشيّد أمامها سوراً يحيط بها جميعاً كما حفر حولها خندقاً. ولما مات أبو العلاء قضي على أمل الإنقاذ من التهديد المسيحي.. فقد سقطت المدن التي كانت تؤلف خط دفاعها الأمامي، كقرطبة وقومونة وحصن القصر وحصن الفرج وقلعة جابر.
وبرج الذهب.. هذا، أعاد بناءه في القرن الرابع عشر الملك بدور الطاغية واحتفظ باسمه العربي برج الذهب وجزؤه السفلي ما زال قائماً.
إشبيلية في أيام الموحدين
كانت إشبيلية في أيام الموحدين تنقسم إلى حيٍّ أساسي هو قلب المدينة، وأحياء أخرى تحيط بها. وكان يحيط بالمدينة وأحيائها أسوار تحميها من اعتداءات الأعداء. وكان خارج تلك الأسوار أرياض، كما كان حال معظم المدن الأندلسية.. وكانت إشبيلية المدينة تشتمل على مسجدين جامعين: أولهما جامع ابن عدبس الذي بناه القاضي عمر بن عدبس بأمر الأمير عبد الرحمن الأوسط عام 829م، وما زالت بقاياه ظاهرة تشهد على ماضيه، وإن كانت تنهض عليه كنيسة سان سلفادور، وثانيهما جامع القصبة الكبيرة الذي أسسه أبو يعقوب يوسف، وتقوم عليه اليوم كاتدرائية إشبيلية، ومن ساحة هذا الجامع كانت تتشعب جميع طرق إشبيلية مؤديةً إلى الأبواب المفتوحة بالأسوار.
وعلى الرغم من فقد وزوال كثير من معالم إشبيلية الإسلامية، فما زالت تحتفظ حتى اليوم بطابعها الذي اتّسمت به في عصر الموحدين رغم التغييرات الرئيسة التي أحدثها الإسبان في النظم الاجتماعية، فإن كنائس إشبيلية المعاصرة قامت على أسس مساجدها القديمة، بل إن أبراج هذه الكنائس تذكرنا دواماً بالمآذن الإشبيلية، لما كُسِيت به من زخارف الأرابسك، كذلك تشهد دور إشبيلية اليوم، بأفنيتها الداخلية المغروسة بالأشجار التي تتوسطها نافورة مياه في غالب الأحيان.
كانت الحياة التجارية زاهرة، خاصة حول الجامع الذي كانت تحيطه الأسواق والقيساريات، ومن تلك الأسواق: سوق الصباغين والقصابين وسوق الصاغة. وكانت دار صناعة إشبيلية تنهض ببناء القطع الحربية، والسفن وما يتعلق بأدوات الملاحة. وكانت تقع هذه الدار على نهر الوادي الكبير قرب برج الذهب خارج الأسوار. وكانت المياه ترد إلى إشبيلية بواسطة قنطرة مياه عالية تبدأ من عين ماء بالقرب من قلعة جابر أو قلعة وادي إيره، وتنتهي عند باب قرمونة من أبوب إشبيلية. وقد أقام هذه القنطرة الخليفة أبو يعقوب يوسف الموحدي سنة 1172م، وما زالت قطعة منها قائمة إلى اليوم بالقرب من الباب المذكور، وكانت المياه تتوزع في شبكات من الأنابيب في جوف الأرض إلى القصور والدور.
ولعل من أهم المعالم الأثرية الإسلامية الباقية، من بقايا العصر الإسلامي (الكازار).
القصر: الكازار
وقد يكون من أبدع عمائر الموحدين في إشبيلية «القصر»، وينهض على مسافة رمية حجر من مقر الجامع الكبير. وهو دون شك قصر أحلام هنيئة تحيطه البساتين اليانعة ذات العطر الأخّاذ. وكانت قاعات القصر وردهاته على أيام المسلمين تعجّ بالشيوخ المعممين والفلاسفة المفكرين، وشعراء الزجل المبدعين، بل ومشاهير المغنين والمطربين، وعلى بعد وإلى أعلى، تطل قاعات الحريم والسيدات خلف المشربيات الأنيقة يحدقن النظر فيمن يقرؤؤن لهم ويسمعون عنهم. وحينما نجول في أرجاء القصر الفسيح، نتصور الفرق بين زخارفه الأصيلة وزخارفه المستحدثة المنقوشة بأيدي الصناع المدججين حسب تعليمات ملوكهم. وما زالت النافورة تعمل برتابة، مثل الموسيقى العربية، ويمتزج خرير المياه الهادئة بأنغام الببغاوات والعصافير، وهي ترفرف مبتهجة بين أغصان النخيل.. وفي القصر أيضاً كان يتبختر أعلام العلماء وهم يتبادلون أحاديث اللغة والفلسفة والتاريخ.. ومن يدري؟ فلربما كانت جماعات الموسيقيين يلعبون على آلاتهم الجميلة التي تنعش موشحاتهم قلوب النادمين الآسفين.
ويعترف بعض مؤرخي القصر: أن عمارته الأصلية تعود إلى عام 1181م، أثناء حكم أبي يعقوب يوسف.. وفيما بين باب الأسد في ميدان النصر وردهة العدالة، تقف قطعة من جدار رومانية النشأة، ونتيجة لهذا يقطع بعض علماء الآثار: أن القصر العربي احتضنته الأطلال الرومانية السابقة.. وفي ميدان سنت توماس شاهد بعض أجزاء برج عبد العزيز الذي كان يؤلف جزءاً من قصرنا الرائع.. ومن هذا البرج العربي رفع الملك فرناندو العلم المسيحي ليرفرف إلى اليوم حينما وقع القصر غنيمة في يده. وباب القصر الرئيسي اليوم، يقع في ميدان النصر، ويقال: إن الأعمدة الرخامية وعددها 12 عموداً من طراز عصر النهضة قد حلت مكان العمد العربية الأصلية فيما بين الأعوام 1540 و1564م، وذلك بعد إزالتها.
ومن أهم قاعات القصر وأبهائه، ساحة السيدات ذات الاثنين والأربعين قوساً (عقداً) أندلسياً فاتن التصميم، وقاعة السفراء المجاورة لتلك الساحة، وتعلوها قبة نصف برتقالية، ونشاهد على الجدران لوحات مصورة لملوك إسبانيا،.. إنها حقاً لأنبل وأبدع قاعات القصر.
وهناك قاعة الطعام على الجانب الغربي لقاعة السفراء.. يقودك الدليل في أرجاء القصر إلى عشرات وعشرات من القاعات الجميلة وكأن كل قاعة متحف للجمال وحسن الذوق تثير إعجابك ودهشتك. وقد عاش الملك بدرو القاسي في «الكازار». حقاً إنها لفرصة أن تمرّ بقاعة نوم الملك بدرو ـ التي ترجع نقوشها إلى الفنانين المدججين في القرن السادس عشر ـ وكان وثيق الصلة بالقصر ينفق الكثير من المال عليه من أجل إصلاحه وتجديده ليكون قميناً بمقر أعاظم الملوك، كان بدرو ومن حكموا بعده، يستقبلون فيه ضيوفهم القادمين من أنحاء إسبانيا وأوروبا.
لقد جعل من إشبيلية ـ مرة أخرى جديرة بعاصمة ملكية.. كما كانت في أيام المسلمين!.
الجامع الكبير
وأهم ما تبقّى من الجامع الكبير، مئذنته الرائعة المعروفة بالخيرالدا (1195م)، وقد ارتقت في جلال ورشاقة بين العمائر الحديثة.
وتقدر مساحة قاعدة المئذنة بثلاث وأربعين قدماً مربعة، وهي مبنية بالآجر وسمك جدرانها سبعة أقدام تتخلّلها نوافذ، وقد حولت المئذنة إلى برج لناقوس الكنيسة. وبلغ ارتفاع البرج ما يزيد على ثلاثمائة قدم، وتشاهد من أعلى قمته إشبيلية وضواحيها واضحة مع معالمها.
حينما رأى يوسف بن عبد المؤمن أن الجامع القديم (جامع عمر بن عدبس) لم يعد يفي بحاجات أهل إشبيلية، قرر بناء جامع جديد يضاهي جامع قرطبة. ويذكر علامتنا الأستاذ حسين مؤنس: أنه عهد إلى أكبر مهندسي عصره أحمد بن باسة وضع تصميم الجامع، وأقام طائفة من رجاله للإشراف على الأعمال، وعاونه في العمل أبو بكر بن زهر وأبو بكر اليناتي وعبد الرحمن بن سعيد العنسي.
كانت مساحة الجامع كمساحة جامع قرطبة، وها هي قطعة مقتبسة من إنشاء ابن صاحب الصلاة تعطينا فكرة عن روعة هذا الجامع وبألفاظها الطريفة:
“في بناء القبة التي على محرابه في العمل بصناعة الجبس والأقباء بالبناء ونجارة الخشب بغاية الاحتفال، وابتنوا عن يسار المحراب ساباطاً في الحائط (أي قنطرة فوق الطريق تؤدي من القصر إلى أحد أبواب الجامع) يمشي في سعة فيه الماشي، معدّاً لخروج الخليفة عليه من القصر إلى هذا الجامع وعلى يمين المحراب أقباء في حائط الجامع معقود بالبناء ليوضع المنبر فيه عند إخراجه للخطبة وإدخاله فيه، وصنع هذا المنبر من أكرم الخشب مفضلاً منقوشاً مرقشاً محكماً بأنواع الصنعة، مرصعاً بالصندل مجزعاً بالعاج والأبنوس… وكمل بالتسقيف… فكانت المدة في بنائه ثلاثة أعوام وأحد عشر شهراً قمرياً… وكان صحنه قسمين: قسماً مسقوفاً وقسماً غير مسقوف”.
وقد تمّ بناؤه في 14 شعبان سنة 571هـ (28 فبراير/ شباط 1176م)، وكانت أول جمعة صليت فيه في 24 ذي الحجة 577هـ (أول مايو/ أيار 1182م).
كان هذا الجامع واحداً من آلاف الجوامع والمساجد التي عمرت بها الأندلس.. ولم يبق من الجامع الكبير سوى مئذنة الخيرالدا بعد مسخها!.
وأخيراً… أقبلت سنة 1247م، حينما استطاع فردنند الثالث (بفضل الاتفاق الذي عقده مع محمد بن الأحمر أول سلاطين غرناطة من بني نصر) أن يحاصر إشبيلية حصاراً كاملاً دام ستة عشر شهراً.. حتى سقطت المدينة ثمرة يانعة في أول شعبان عام 646هـ (19 نوفمبر/ تشرين الثاني 1248م)، وأبقى على حياة السكان المسلمين، وسمح لهم بالهجرة إلى شمال إفريقيا أو إلى البقاع الإسلامية في الأندلس.
الفن الإشبيلي
وإلى العصور الوسطى، لم يكن لإسبانيا فنّها الأصيل الذي ينسب لأبنائها. كان فنانو إشبيلية حتى القرنين الرابع عشر والخامس عشر يستعيرون جميع المدارس الفلمنكية في التصوير، إذ لم يكن لهم بعد فنهم الخاص! وقد زار الفنان الفلمنكي الشهير «فان أيك» أسبانيا في القرن الخامس عشر، ومنذ تلك الزيارة أخذ التأثير الفلمنكي في التصوير يتعمق، ويؤكد شخصيته عند فناني الإسبان، وكان الثراة يقدمون بشغف على الفوز بأعمال الفنانين الفلمنكيين كما زاد تردد مصوري الفلمنك على إسبانيا. وأول مصور إشبيلي له سجل فني ممتاز هو «خوان سانخز دي كاسترو» الذي عاش بإشبيلية من عام 1454 إلى 1516م، ولم تصلنا أنباء مفصلة عن حياته الفنية إلا أنه تشرّب التأثر الفلمنكي ووصلتنا بعض أعماله القليلة، ثم يقابلنا ابن إشبيلية الفنان الموهوب «بدرو سانخز»، وتلميذه «خوان نونيز» الذي برع في تقليد أستاذه، ولعل أهم لوحاته «التقوى»، وهاك فنان أتى من قرطبة واستوطن إشبيلية (1525م)، ليعمل في كاتدرائيتها، وهو «أليزو فرنانديز»، و«لويز دي فرجاس» المولود في إشبيلية عام 1502م، ويمكن القول، أنه أول مصور أندلسي استجاب للتأثير الإيطالي، ومن بعده المصور «بدرو كامبانيا» الذي استقر في إشبيلية عام (1548م)، والفنان «بدرو فيللجاس مارموليجو» (1520 ـ 1597م)، وستورميو الألماني الأصل، وفرانشسكودي زورباران.. حقاً إن إشبيلية أثرت الفن بأعمال أبنائها المصورين البارعين.. ولكن من أهم هؤلاء اثنان عبقريان، هما بلاسكويت وموريللو.
بلاسكويت وموريللو العبقريان:
ففي الخامس عشر من يونيو (حزيران)، عام 1599م ولد في إشبيلية دييجو رودريجويز دي سلفا إي بلاسكويت، وبعد ثماني عشرة سنة (1617م)، كان ميلاد موريللو، ولذلك يمكن القول بأن أحدهما عاصر الآخر واستهلّا حياتهما في البيئة نفسها، لكن منذ شبابهما اتّخذ كل منهما طريقة مختلفة عن الأخرى، فبلاسكويت الصغير ـ ابن الثالثة عشرة صار تلميذاً للفنان العنيف هريرا، أما موريللو فدخل مدرسة الأكاديمية خوان دي كاستللو.. وقدر لبلاسكويت أن يتحول من قيود تقاليد المدرسة الإشبيلية، بينما استطاع موريللو أن يطور إطارات تلك المدرسة ويصل بها إلى أبدع النتائج، وسار كل منهما على الدرب الذي اختاره لنفسه..
وفي مارس 1621م، مات فيليب الثالث وخلفه ابنه الشاب فيليب الرابع الذي بدأ وبسرعة يجمع حول عرشه نوابغ الآداب والفنون في أيامه، ورحل بلاسكويت مع الفنان باشيكو إلى مدريد وفي نفسيهما رغبة جامحة ليحظيا بمقابلة الملك، ولم يوفقا، فعادا إلى إشبيلية.. وفي العام التالي رحل بلاسكويت لعله يحقق أمنيته، وفاز هذه المرة وحظي بالمقابلة الرسمية وشدّه الملك إلى الخدمة في بلاطه، وهكذا فقد أقام بإشبيلية، وأصبح يعتبر في طليعة عباقرة الفنون في كاستيل!.
واليوم إذا أردت أن تتعرف على بلاسكويت ومدرسته الفنية فعليك أن تقصد متحف البرادو العظيم في مدريد دون أن تقصد إشبيلية! فلا شيء من لوحاته التي رسمها في شبابه باقية اليوم في مسقط رأسه!
أما موريللو فقد ذاق متاعب الفقر والعمل الشاق في شبابه، فكان عليه أن يعول نفسه وشقيقته التي اعتمدت عليه طوال حياتها. وأخيراً أخذ يتذوق نتائج عمله الناجح، واقتصد بعض المال من بيع لوحاته، ثم سافر إلى مدريد حيث قابل مصور البلاط ـ صديقه القديم بلاسكويت ـ للأخذ بمشورته.
وقابله وتبادلا عبارات المحبة، ومنحه بلاسكويت كثيراً من العطف فاستضافه في بيته طوال إقامته في مدريد وحصل على إذن له بالعمل في المراسم الملكية. وهكذا احتضنه عالم جديد ملؤه الأمل والتشجيع والأخذ بيده، وأخيراً نصحه بلاسكويت أن يسافر إلى إيطاليا لعله يلقى المجد في روما أو فلورنسا، وأعطاه عدة رسائل لأصدقائه ـ بيد أنه في إحدى اللحظات اعتذر لصديقه عن القيام بتلك الرحلة! وواصل عمله من أجل الفن الذي عشقه وأخلص له لآخر لحظة، فقد مات فجأة وهو يضع اللمسات الأخيرة في آخر لوحاته الدينية.. وقع من ارتفاع شاهق فوق الأرض.. وكانت وفاته في الثالث من أبريل (نيسان) عام 1683م، في مدينة قادش، فنقل جثمانه إلى مدينة إشبيلية واحتفل بجنازه احتفالاً لائقاً لعبقري مثله، فقد اشترك في حمل الجثمان أربعة ممن يحملون لقب ماركيز، وأربعة من أمراء الفرسان، ودفن في كنيسة سانتا كروز تحت إحدى لوحاته الخالدة!.
إشبيلية في القرن التاسع
د
موريللو وبلاسكويت إبنا إشبيلية الخالدان.. فخر المدينة الفاتنة مع كوكبة من علمائها العرب الإشبيليين.
إشبيلية اليوم
وبعد.. تلك هي إشبيلية الأمس، فما هي إشبيلية اليوم.. إشبيلية الحديثة.. إنها ما زالت فتنة الأندلس وما زالت أرشق مدن الإسبان، ويزيد عدد سكانها عن ستمائة ألف نسمة! وتتمتع بشخصية فريدة بين المدن الإسبانية، بل مدن العالم القديمة طوال أيام السنة… أحياؤها، طرقاتها، دورها القديمة وقصورها وحدائقها ومتاحفها ودور عبادتها وآثارها ونافوراتها. جميعها رائعة وساحرة وجميلة.
وعن إشبيلية يتحدث قصي الحسين
تعتبر إشبيلية، من أوائل المدن التي مصّرها العرب في الأندلس. وقد كان ذلك العام 94هـ/ 712م، حين دخلها موسى بن نصير، وولى قيادتها إلى عيسى بن عبدالله الطويل المدني، وجعله عاملاً عليها، وعندما عاد موسى بن نصير إلى دمشق، خلّف ابنه عبد العزيز بن موسى بن نصير والياً على الأندلس. فاختار إشبيلية حاضرة له، وابتنى فيها مسجداً. ثم تولّى إمرتها عبد الرحمن الثاني، فشيّد سوراً منيعاً، وبنى أيضاً مسجداً جامعاً وداراً للصناعة. بيد أن أعظم عصور إشبيلية وأزهاها، هو عصر بني عباد، إذ كانت دار الملك عام 414هـ/1023م). وغدت أيام المرابطين بعد عام 479هـ/1086م) مركزاً للحكم، كما أصبحت فيما بعد عام 541هـ/1147م) قاعدة للموحدين في عهد السلطان عبد المؤمن الذي استعمل عليها ابنه أبا يعقوب يوسف بن سليمان الموحدي العام 1184م، وفي عهده سمت إشبيلية المدينة البديعة إلى ذروة المجد الحضاري، فاعتبرت أيامها من أعظم العهود الأندلسية، ولكنها لقيت مصرعها كقاعدة إسلامية أيام الموحدين، وذلك حين سقطت في أيدي القشتاليين في 27 رمضان سنة 646هـ/ 1248م، بعد سقوط قرطبة باثني عشر عاماً، وغدت منذ ذلك الحين حتى مطلع القرن السادس عشر، دار الملك في قشتاله. وهي ما تزال إلى اليوم من أجمل مدن الأندلس، وقد أسبغت عليها العصور والدول المتعاقبة، طابعاً من الروعة والجلال، بحيث لا يزال يمثل في صروحها ومعاهدها الفخمة وآثارها العربية الإسلامية الكثيرة.
رمضان في ربوع الأندلس
سمّيت إشبيلية اشتقاقاً من اسمها اللاتيني «إشبالي» أو «هسبالي». غير أنها كانت تسمى أيضاً في الأدب الأندلسي «حمص»، وذلك لأن جند حمص الشام هم الذين دخلوها عند الفتح، وأطلقوا عليها هذا الاسم، لما لمسوه من شبه بين المدينتين في الموقع والخطط والتربة. وإليها يشير الشاعر أبو الطيب، صالح بن شريف الرندي في مرثيته حين يقول:
| وأين حمص وما تحويه من نزهٍ | ونهرها العذْب فيّاض وملآنُ |
وإشبيلية الأندلسية، مثلها مثل سائر المدن الأندلسية، لا تزال عمارتها العربية والإسلامية تعبق بالأفراح والأتراح التي كانت تحياها المجتمعات الأندلسية في المناسبات العظيمة التي بدت تهزّ جنباتها بين الحين والآخر. ولعل المناسبات الرمضانية، والأعياد الموسمية، كانت أبهج تلك المناسبات الكريمة الميمونة. إذ نراها تأخذ بنفوس الناس وتحملهم على الاندفاع بحماسة لموافاتها بالفرح والحبور والقدوم الميمون. وقد تحدث الباحثون والمؤرخون عن تلك المناسبات الرمضانية، ورووا عنها الحكايات المشوقة، وجمعوا لها الأخبار اللافتة. فوصفوا لنا مثلاً، حال البلاد والعباد في أيام رمضان ولياليه، وكيف كانت ترتفع الزينات في الدور والقصور والأسواق والساحات والشوراع التي ينتهي بعضها إلى بعض كما كانت ترتفع أيضاً فوق قباب المساجد وعلى مآذنها العالية وفي باحاتها الواسعة، وفوق سائر العمائر الإسلامية الأخرى مثل المدارس والحمامات والأضرحة والسبل والتكايا والزوايا والمشاهد المختلفة.
وقد وصف أكثر من باحث ومؤرخ بكثير من اللهفة والحرارة، كيف كانت ترتفع معالم الزينات الرمضانية فوق العمائر العربية الإسلامية في إشبيلية الأندلسية، وذكر بعضهم كيف كانت العامة تقبل على هذه المناسبة الكريمة بكل اغتباط، في الأسواق والباحات جرياً على تقاليد مشرقية عريقة، عرفتها المدن العربية الإسلامية، حين كانت تحيي المناسبات الرمضانية في دمشق وبغداد وبيروت والقاهرة، وصولاً إلى طرابلس وصفاقس والقيروان.
ولا شك في أن مدينة إشبيلية، بلغت قمة مجدها وعظمتها على عهد الأمير الشاعر المعتمد بن عباد. ومما يروى عنه، أنه في موسم رمضان، من كل عام، كان يأمر بتزيين الحدائق والقصور التي تقع اليوم إلى جنوب مئذنة «الخيرالدا» الشهيرة، ويطلق عليها اسم «رياليس الكاثاريس» أي القصور الملكية. كما كان يأتي بفرق الموسيقيين والمنشدين لإحياء تراث رمضان العربي الإسلامي المشرقي، في إشبيلية الأندلسية. وهذا ما كان يجعل المدينة تتلألأ بالأضواء ليلاً، في جميع دروبها وأزقتها الضيقة. وفي جميع أقبيتها وأسواقها، وعلى رؤؤس مآذنها ومناراتها وقبابها. واعترافاً بفضل ابن عبّاد على مدينة إشبيلية، إذ جعلها درّة الأعياد والمواسم الرمضانية، فقد عبروا عن امتنانهم له اليوم، بإقامة «عمود» مرمري في حدائق القصر الملكي، لإحياء ذكراه المئوية التاسعة عام 1991م وكتبوا عليه باللغة الإسبانية: «من مدينة إشبيلية إلى مليكها المعتمد بن عباد في ذكراه المئوية التاسعة.. (7 أيلول/ سبتمبر 1091م)، (رجب 484هـ، إشبيلية 1991م)».
وسط المدينة
وكان وسط المدينة القديم في إشبيلية، يلبس في رمضان أبهى حلله وزيناته مع بداية حلول شهر رمضان. فتنتشر الزينات وترتفع الرايات والبيارق في خطط الأحياء العريقة والشوارع القديمة الأندلسية الضيقة. وكانت العامة تحتشد في الأماسي الرمضانية داخل أروقة المسجد الجامع في إشبيلية، وما كان يحيط به من عمائر دينية ومدنية عربية الطابع إسلامية الروح. إذ يقبل الناس على صلاة التراويح وحلقات الوعظ والإرشاد الديني والحلقات الصوفية. إضافة إلى حلقات الذكر وحلقات قراءة القرآن وتجويده وقصص القصاصين والرواة.
ونحن اليوم إذ ننظر إلى ما يعرف بالقصور الملكية في إشبيلية، التي تعتبر من أفخم المباني التي خلفتها الدولة الإسلامية في المدينة، فإننا نجدها مزيّنة بالآيات القرآنية الكريمة وفي جدرانها وأعمدتها وأسقفها وقببها. ولشدّة انبهار الإسبان بها، حافظوا عليها بعناية فائقة وعندما فكروا في توسيع هذه القصور، استقدموا البنائين العرب المسلمين لتزيين جدران القصور الجديدة بالزخارف والآيات القرآنية ذاتها، وأسندوا زخرفتها إلى الفنانين من المسلمين المدجنين.
عمائر الموحدين في إشبيلية
ساحة بلازا في إشبيلية
د
حقاً كانت إشبيلية في عهد أبي يعقوب (عام 1184م) وفي عهد ابنه أبي يوسف (1199م)، وهما من بناة دولة الموحدين، بلغت أعلى ذرى مجدها. فقد شيّد خلالها سلاطين الموحدين ـ وكبار رجال الدولة ـ القصور والدور، كما زاد عدد المساجد والحمامات والنزل والأسواق زيادة عظيمة، وبني في عهد أبي يعقوب يوسف، الجامع الكبير الجديد، على الموقع الذي قامت عليه بعد ذلك «الخيرالدا»: ويذكر صاحب «روض القرطاس»: أن بناءه تمّ عام 567هـ/ 1171م. كما يذكر في الوقت نفسه صاحب كتاب «الحلل الموشية» (مجهول المؤلف) أنه شيد عام 572هـ/ 1176م. ولم يبق من جامع الموحدين الكبير بإشبيلية إلا صحنه ويعرف الآن بساحة أشجار البرتقال، وأهم ما بقي منه المئذنة المشهورة التي يعرفها العالم باسم «الخيرالدا».
وكان لأبي العلاء إدريس بن أبي يوسف يعقوب المنصور فضلٌ كبيرٌ في تجمل إشبيلية والعمل على النهوض بها. فعمد إلى تحصينها بأن أقام بها عام 1221م، برجاً ضخكاً هو «برج الذهب» المشهور الذي ما زال قائماً. ثم حدّد أسوار إشبيلية، وشيّد أمامها سوراً يحيط بها جميعاً، كما حفر حولها خندقاً.
وكانت الحياة التجارية في إشبيلية خصوصاً في مواسم رمضان المبارك إذ أن الأسواق والقيساريات، كانت تحيط بجامع ابن عدبس الذي بناه القاضي عمر بن عدبس بأمر من الأمير عبد الرحمن الأوسط عام 829م وما زالت بقاياه ظاهرة تشهد على ماضيه ـ كما كانت تحيط بجامع القصبة الكبير الذي أسسه أبو يعقوب يوسف ومن تلك الأسواق التجارية: سوق الصبّاغين وسوق القصابين وسوق الصاغة، وكانت دار صناعة إشبيلية تنهض ببناء القطع الحربية والسفن وما يتعلق بأدوات الملاحة. وكانت هذه الدار تقع على نهر الوادي الكبير قرب برج الذهب، خارج الأسوار.
ويذكر المؤرخون أن سلاطين الموحدين، كانوا يمجّدون شهر رمضان، فيجعلوه موسماً للبر والإحسان للفقراء والضعفاء. وهو إلى ذلك يمثل عندهم الزهد عن متاع الدنيا وغرورها، والتقرب من الله سبحانه وتعالى بالعمل الصالح والبر والإحسان، وكانوا يحتفلون به احتفالاً يتناسب مع مكانته في نفوس المسلمين. ويذكر أحد الباحثين أن السلطان الموحدي أو قائده، كان يركب في أول شهر رمضان من كل عام، في موكب فخم تشيعه حاشيته المقربة، يشبه أول العام الهجري من حيث اللباس والآلات والأسلحة وغيرها. ولشدّة اهتمام السلاطين الموحدين، كان واحدهم يخطب في هذا الشهر ثلاث خطب في أيام الجمعة الثانية والثالثة والرابعة.
وكانت المقصورة المعدة لصلاته، تفرش بالسجاجيد، ويفرش سائر الجامع بالحصر. ثم يركب السلطان في موكب حافل وفخم كالذي ركبه في أول يوم من شهر رمضان، وما إن يصل إلى المسجد حتى يهبّ الناس لاستقباله والاحتفاء بطلعته. ثم ينزل عن دابته ويدخل المسجد، يحيط به رئيس وزرائه، وكبار رجال الدولة والأمراء والقوّاد.
وإذا حان وقت الصلاة، أذّن مؤذنو القصر على باب مجلس الخليفة، وأذّن سائر المؤذنين في المآذن، ووقف إمام الجامع على المنبر، عند ذلك يسير القاضي، حتى يصل إلى المنبر، ثم يتبعه متولي بيت المال يحمل المبخرة، ثم يصعدان إلى المنبر، إلى أن يصلا إلى ذروته فيبخران المنبر، ثم ينزلان.
وعند ذلك يخرج السلطان والمقرؤون بين يديه، يرتّلون آيات من الذكر الحكيم ترتيلاً محموداً فإذا نزل السلطان ووقف على الدرجة الأولى من المنبر جهر المقرؤون بالقراءة، وكبّر المؤذنون، وأخذ القرّاء يتلون الفاتحة، ثم يضجّ المكان بتلاوتها عقب ذلك. بعد هذا يبدأ السلطان في إلقاء خطبته التي غالباً ما يكون موضوعها التّبرّك بطلعة هذا الشهر الميمون، مع ذكر نعمه وفضائله وكرمه، والحثّ على عمل الخير وطاعة الله. وعندما ينتهي السلطان من إلقاء خطبته، ينزل ويصلي بالناس.
وبعد الانتهاء من الصلاة، يأخذ السلطان في توزيع الصدقات والهبات على موظفي المسجد. وكانت تقام من باب القصر إلى المسجد الذي سيصلي فيه السلطان الموحدي، مظاهر الزينة. وكان لا يمرّ بجماعة في طريقه، إلا وينفحهم بالمال، على رغم كثرة التجمعات في الطريق. وكان كرم السلاطين ووزرائهم وكبار رجال الدولة، يتجلّى في شهر رمضان. ومما يؤثر عن أحد الأمراء الأندلسيين في إشبيلية أنه كان سخيّاً، وأنه كان يوزع كل يوم في شهر رمضان عشرة آلاف رغيف مع قدور الطعام. وكان يضاعف هذا العدد في أيام الأعياد.
وهكذا فقد كان كرم الأمراء والكرماء والسلاطين وعطفهم كبيراً على الناس في أيام رمضان في الأندلس، حتى نجد أن دورهم وقصورهم كانت لا تخلو في كل ليلة من ليالي هذا الشهر المبارك من إقامة المآدب الخاصة والعامة، حتى فاق ما كانوا ينفقونه في هذا الشهر، ما كانوا ينفقونه في سائر شهور السنة.
ويذكر أن بني عباد، كان لا يدخل عليهم أحد في شهر رمضان بعد العصر فيخرج من دارهم، إلا بعد الإفطار عندهم. وأن دورهم كانت لا تخلو في كل ليلة من ليالي شهر رمضان من ألف نفس مفطرة فيها. وكانت صلاتهم وصدقاتهم في هذا الشهر الكريم، تفوق مبلغ ما يصرف منها في جميع شهور السنة. وكانت هذه الولائم والمآدب تقام في القصر وفي دار الوزير وفي دور أصحاب اليسار وفي المساجد والجوامع، وربما في الأماكن العامة، حيث يلتئم شمل الفقراء والمساكين والضعفاء وأبناء السبيل.
رمضان في قصر الكازار
والحق يقال أن قصر الكازار في إشبيلية يعتبر من أبدع عمائر الموحدين. وكان يعرف «بالقصر». وهو ينهض على مسافة رمية حجر من مقرّ الجامع الكبير. وكان يعتبر قصر أحلام هنيئة، تحيطه البساتين اليانعة ذات العطر الأخّاذ. وكانت قاعات القصر وردهاته في أيام الموحدين خصوصاً في موسم رمضان، تعجّ بالشيوخ المعممين والفلاسفة المفكرين وشعراء الزجل المبدعين، بل ومشاهير المغنين والمطربين.
وكانت المقصورات في الطبقة العليا مخصصة للحريم. ولذلك كانت النساء الجميلات يظهرن بعفافهن خلف المشربيات الأنيقة، يحدّقن النظر فيمن يقرؤون لهم ويسمعون عنهم. كذلك كانت أرجاء القصر الفسيحة تتلألأ بالزينات الرمضانية. أما الفوانيس والشمعدانات، فكانت تضفي مسحة من الجمال على نقوش الجدران وزخارفها، والنافورات تتوسط الحدائق والساحات وخرير مائها يعمل برتابة مثل الموسيقى العربية.
ويذكر المؤرخون أنه في أبهاء القصر، كان يتبادل أعلام العلماء العرب والمسلمين، أحاديث اللغة والفلسفة والتاريخ وكتب الشرح والتفسير، وإلى جانبهم جماعات الموسيقيين يلعبون على آلاتهم الموشحات في مجالس الأنس والسمر والليالي الهادئة. ويعترف بعض مؤرخي القصر أن عمارته الأصلية إنما تعود إلى العام 1181م، أثناء حكم أبي يعقوب يوسف بن سليمان الموحدي. ومن أهم قاعات القصر وأبهائه: ساحة السيدات ذات 42 قوساً أندلسياً. وقاعة السفراء، وتعلوها قبة نصف برتقالية. وقاعة الطعام في الجانب الغربي، أما قاعة نوم السلطان، فإنها ترجع بنقوشها إلى الفنانين العرب والمسلمين، الذين برعوا في إضفاء مسحة جمالية خاصة عليها منذ العصور الساحقة.
مجلس السحور عند السلطان
وكان السلطان في إشبيلية طوال شهر رمضان، يجلس في المسجد يستمع إلى المقرئين وهم يتلون القرآن، وإلى المؤذنين وهم يؤذّنون ويذكرون فضائل السحور ويختمون بالدعاء. أما مجلس السحور، فقد كان يهيّأ تهيئة خاصة في رمضان. فكان إذا جاء وقت السحور مثلاً، أحضرت جفان القطائف وجرار الجلاب. فيأكل الجميع ويأخذ بعضهم ما شاء له من الأطعمة المتبقية، وما بقي بعد ذلك يحمله الخدم معهم إلى دورهم على سبيل الاستزادة، وينصرف كل إلى حال سبيله بعد انتهاء السحور.
أما السلطان، فكان يجلس للسحور إلى مائدة كبيرة ملأى بصحائف الأطعمة، فيتناول منها المخض، وهو اللبن المنزوع الزبد وعصير الفواكه والموز، وغير ذلك من الأطعمة الخفيفة التي لا يزال المسلمون يتناولونها إلى اليوم، وكان الغرض والقصد عند السلاطين من السحور تحقيق حكمة الصوم المتجلّية في البركة، لأن السحور، كما قال النبي (ص) «كله بركة». وكانت الأهازيج الرمضانية الأندلسية:
أيها النوام قوموا للفلاح
واذكروا الله الذي أجرى الرياح
إن حبيس الليل قد ولّى وراح
وتدانى عسكر الصبح ولاح
اشربوا عجلى فقد جاء الصباح
قصي الحسين
قصة مئذنة الخيرالدا في إشبيلية
حظيت مدينة إشبيلية الأندلسية باهتمام الحكام العرب في الأندلس وخصوصاً في عهد الموحدين، فجعلوها عاصمة لهم أشادوا فيها الكثير من المعالم العمرانية التي ما زال قسمٌ كبيرٌ منها باقياً حتى الآن، أهمها مئذنة جامع إشبيلية (الخيرالدا).
خضعت إشبيلية لكل من القرطاجيين والرومان والواندال والقوطيين والعرب. وبقي القوطيون فيها حتى مطلع العقد الثاني من القرن الثامن الميلادي عندما فتحها العرب المسلمون وأخضعوا غالبية أراضي شبه الجزيرة الإيبيرية إلى سيطرتهم خلال ثلاث سنوات بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير وبدأت إشبيلية تتحول من مدينة رومانية إلى مدينة عربية إسلامية. وبعد فترة الإمارة قامت دول عُرفَت بدول الطوائف وهي: سرقسطة (سرغوسة) وطليطلة، وبطليموس (بداخوس)، وبلنسية، وقرطبة، وغرناطة، ومملكة إشبيلية. وكان مركز إشبيلية في غرب الأندلس، يتبع أسرة بني عباد المعروفة بتشجيعها العلم والأدب وكان منها القاضي أبو الوليد إسماعيل بن محمد بن عباد والأديب عباد المعتضد.
مرت الأندلس بوضع سياسي سيء في فترة الطوائف، شجع الإسبان على شدّ هممهم وتجميع قواتهم العسكرية والقيام بهجوم على مدينة طليطلة الواقعة في قلب شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 1085م من دون أن يحرك ملوك الطوائف ساكناً لنجدتها. وفي هذا الوضع، لم يبق المرابطون الذين أقاموا دولتهم في البلاد المغربية متفرجين لما يحدث لإخوانهم المسلمين في الأندلس، بل قدموا لهم المساعدة وصدّوا القوات الإسبانية في معركة الزلاقة سنة 1086م وانتصروا عليهم انتصاراً باهراً بقيادة الأمير يوسف بن تاشفين. وعندما ساءت أحوال العرب في ظل ملوك الطوائف مرة ثانية وعادوا إلى خلافاتهم، عَبَرَ الأمير يوسف بن تاشفين إلى الأندلس واستولى على مواقع ملوك الطوائف وأخضع إشبيلية وباقي الممالك لإمرته. وفي فترة ضعف المرابطين تمكن الإسبان من إسقاط بعض المدن الإسبانية مثل سرغسطة وألمرية وطرطوشة ولاردة. وأدّى هذا الوضع إلى دخول الموحدين إلى الأندلس وانتقل قائدهم أبو يوسف يعقوب إلى الأندلس لتجميع القوات العربية الموحدية سنة 1184م ثم عاد إلى مراكش متابعاً إدارة الحكم في الأندلس حتى وفاته.
بناء مئذنة الخيرالدا
مئذنة الخيرالدا
د
أشاد الموحدون في الأندلس عاصمتهم إشبيلية، فإضافة إلى قصر إشبيلية (الكازار) وبرج الذهب، أسسوا جامع إشبيلية سنة 1172م ومئذنة (الخيرالدا) في عهد الخليفة أبي يعقوب يوسف وابنه أبي يوسف يعقوب وشارك في تخطيطها وبنائها عدد من المهندسين والبنائين والعمال المهرة ومن أهمهم شيخ بنائي الأندلس أحمد بن باسه. وتشير بعض المصادر إلى أن أعمال الخيرالدا انتهت سنة 1198م من قبل علي غومارا وكلفت الخليفة مبالغ هائلة من الدنانير الذهبية، بينما تشير مصادر أخرى، إلى أن الأعمال انتهت سنة 1195م.
والخيرالدا برجٌ عالٍ رباعيّ الشكل، طول قاعدتها من الأسفل 13,60 متراً، أي تقوم على مساحة قدرها 184,96 متراً مربعاً، وعرض حائطها 2,50 متراً، وقسمت إلى أدوار تزينها شرفات صغيرة ونوافذ غاية في الدقة والجمال واحتوت على سلّم شيّد بشكلٍ مريحٍ حتى يُصعد إليها بكل سهولة. ولعبت المئذنة دوراً مهماً في مجال الفلك، فاستخدمت لرصد النجوم، ومعرفة اتّجاه القبلة وأوقات الصلاة وتثبيت بداية شهر رمضان المبارك ومراقبة مواعيد شروق الشمس وغروبها لتحديد موعد الإفطار.
سقوط إشبيلية
وفي ظروف تضعضع حكم الموحدين في الأندلس، ضغطت قوات الفرنجة في شمال شبه الجزيرة الإيبيرية ووسطها، فسقطت بعض المواقع مثل جزيرة مايوركا (ميورقة) وقرطبة وبلنسية ودانية (دينة) وجيّان (خاين) وشاطبة ومورسية إلى أن وصلت القوات إلى عاصمة الموحدين إشبيلية وأخضعتها لها سنة 1248م. وبسقوط مدينة إشبيلية انتهى الحكم الموحدي في الأندلس وانحسر الحكم العربي على بعض المناطق. وأدّى ذلك إلى ظهور شخصيات بارزة، كابن هود وابن الأحمر، واستطاع الثاني أن يحتفظ ببعض المناطق في جنوب الأندلس وتأسيس مملكة غرناطة (الأندلس الصغرى) التي شملت ثلاث ولايات. غرناطة في الوسط، ألمرية في الشرق، ومالقة في الجنوب والغرب، واستمرت إلى حين سقوط غرناطة عام 1492م.
الخيرالدا
د
مرّ على إشبيلية بعد ذلك ما مرّ على بقية مدن الأندلس، إذ تتالى على حكمها كثير من الملوك الأسبان شوهوا بعض المعالم العمرانية العربية الإسلامية كمسجد إشبيلية واستبدلوه بكاتدرائية كبيرة، وأجروا تعديلات على بعضها وخصوصاً مئذنة المسجد (الخيرالدا)، إذ أضاف هيرنان رويث بين العامين (1560 ـ 1568م)، قسماً أعلى ووضع بداخلها الأجراس. وحظيت الخيرالدا، التي جاء اسمها من كلمة إسبانية تعني «تدور»، في السنوات الأخيرة باهتمام المسؤولين في إشبيلية وبُذِلت جهودٌ لترميم الأجراس التي تعطلت سابقاً وعادت للرنين بعد أن انتهت إجراءات التبديل في العاشر من حزيران (يونيو) من عام 1998م.
غازي حاتم
إشبيلية
ـ2ـ
مدينة إشبيلية قديمة جداً، لكن المؤكد تاريخياً أنها بلغت أعلى درجات عظمتها في عهد الملك العربي الشاعر المعتمد ابن عباد، الذي اتّخذها عاصمة لملكه، وأقام فيها الحدائق والقصور، وزيّنها بأبهى أنواع الزهور.
وتعتبر القصور الملكية في المدينة من أبهى ما خلفته دولة الموحدين، حتى أن الملوك الكاثوليك انتقلوا إليها، لكنهم لم يفلحوا في تنصير روح المدينة الموحدية العربية الأصيلة، فقرروا الاحتفاظ بطابعها العربي، وأقاموا فيها قصورهم التي بنواها على شاكلة القصور الموحدية. وبلغ بهم الأمر أنهم استعانوا في زخرفة وبناء القصور التي أقاموها بحرفيين أندلسيين من الموريسكيين الذين حافظوا على طابع الأندلس الزخرفي الذي يضم تنويعات على الحرف العربي وآيات من القرآن ولفظ الجلالة باعتبارها فنوناً عربية فريدة.
الحي العربي القديم في المدينة يطلقون عليه اسم «سانتا كروث» أو الصليب المقدس. على مدخله تقع مئذنة «الخيرالدا» الشهيرة، التي تعتبر أقرب إلى الأعاجيب منها إلى مئذنة تستخدم للدعوة إلى الصلاة، وكانت تعتبر حتى وقت قريب أعلى مبنى في العالم، وتمّ بناؤها عام 712 ميلادية، ومصممها عربي عاش في المدينة يذكر التاريخ أن اسمه «جعفر»، ويذكر آخرون أن اسمه «ابن يعقوب يوسف». ويقال إن من أشرف على البناء هو شاعر يدعى «أبو بكر»، ذلك فإن البناء أقرب إلى القصيدة منه إلى بناء من الطوب.
يناهز ارتفاع «الخيرالدا» 250 قدماً (93 متراً)، وليس لها سلّم بل يدور حولها طريق منحدر صاعد يقال إن المؤذن كان يصعد إلى قمتها على صهوة جواد، وكان مبناها القديم ينتهي بأربع كرات تشير إلى أركان الأرض الأربعة، أضاف إليها هيرنان رويث عام 1568م أربعة تماثيل من عصر النهضة، وأضاف على قمتها قطعة متحركة تدور مع اتّجاه الريح، ويقال أن اسمها في اللغة الإسبانية «الخيرالدا» أي «الدوارة» جاء من دوران تلك القطعة.
إلى جواز المئذنة هناك صحن المسجد الذي بات ملتصقاً بالكاتدرائية التي بناها الملوك الكاثوليك رغبة منهم في استغلال المئذنة كقطعة فنية في إطار ذلك المبنى، وتعتبر الكاتدرائية من أضخم ما أقيم في إسبانيا منذ سقوط الأندلس وبداية العهد المسيحي.
والبيوت في الحي القديم لا تزال تحمل الطابع العربي الأصيل الذي عرفه عرب الأندلس. البيوت متدرجة، لها بوابات صغيرة تفضي إلى باحة أو فناء في وسطه نافورة مزينة برسوم «الزليج» المتعددة الألوان. تحفّ بها الأشجار والزهور، وتصطف من حولها غرف المنزل، وعلى واجهات البيوت تنتشر الكتابات العربية ونماذج للزخرفة الهندسية.
الشوارع المتعرجة لا تسمح لمرور سيارة صغيرة. أسماء الشوارع أينما اتّجه المرء لا تزال تحمل عبق التاريخ. هنا شارع «المورو» أي «العربي» وهناك شارع «المجيد». وبعض الشوارع لا يزال يحمل أسماء أمراء دولة الموحدين، أو الأمراء الأمويين… كأن التاريخ لم يتقوّض من داخله.
السير في الحارات المتعرجة الصاعدة الهابطة والمرصوفة بالحجر ينقل السائح إلى عالم أشبه بالخيال. فيه متعة للأذن والعين والإحساس. الشوارع رائعة النظافة، والجدران مدهونة بطبقة كلسية بيضاء، والشرفات زاهية الألوان يغلب عليها اللون الأخضر. الزهور تتدلّى من مزهرياتها على كل الشبابيك والأبواب، والياسمين ورائحته ينتشران في كل مكان لا سيما في فصل الصيف، وخرير الماء نغمة موسيقية لا تنقطع، وتصل إلى أذن السائر في تلك الشوارع مخترقة جدران البوابات الواطئة.
بعض البيوت يبدو قديماً جداً، لكن سرعان ما يكتشف السائح أنه حديث العهد، ولكن روعِيَ في بنائها طراز المدينة العربي الذي تعتز به المدينة، وكأن أهلها عجزوا عن استعادة العظمة الأندلسية في حقبتها العربية فقرروا الاحتفاظ بها عبر العودة إلى طرازها المعماري.
في آخر مكان جنوب المدينة القديمة يقبع نهر «الوادي الكبير» القادم من عمق الأندلس متّجهاً غرباً حتى المحيط الأطلنطي. كانت إشبيلية تشكل في العهود الأولى لاكتشاف أميركا اللاتينية أهم مرافىء إسبانيا. ولعل هذا الأمر يفسر، كما في بقية المدن ـ المرافىء والصروح المبنية على حافة النهر من الجانب الآخر من المدينة. وبرج الذهب صرح عربي مكوّن من جزأين، الأول مضلع ضخم شبه مستدير، ثم جزء ثانٍ اعلى مضلع أيضاً ولكنه يبدو رفيعاً كالمئذنة. ويبدو أن البناء كان قلعة لحراسة المدينة وحمايتها من الغارات القادمة عبر النهر. وهناك أساطير وراء التسمية المعروفة عنه بانه «برج الذهب»، حيث يؤكد الرواة أن الذهب المنهوب من أميركا اللاتينية بعد الفتح كان يجري تخزينه هناك.
وعبور النهر بعد المرور على الموقع «برج الذهب» يمكن أن يتمّ عبر سبعة جسور بناها الإسبان للوصول إلى جزيرة «لاكارتوخا».
طلعت شاهين
الإشراق في مطلع الإحقاق
الإشراق في مطلع الإحقاق: للشيخ محمد رضا بن عبد المطلب التبريزي المتوفى حدود سنة 1208 هجرية من أعاظم المتكلمين الشيعة.
ألّفه باسم والي ولايات قراداغ من بلاد أذربيجان الأمير نجف علي خان ابن الأمير محمد كاظم خان ووصفه بقوله: (… الأمير المكرم المفخم الممدوح بلسان العرب والعجم صاحب السيف والقلم…
الأمير الكبير نجف علي خان ابن الأمير الكبير الشهير محمد كاظم خان والي ولايات قراداغ من بلاد أذربيجان).
يبحث الكتاب في علم الكلام، ويقول المصنف في مقدمته: (… إن علم الكلام أساس الدين وهو السبيل إلى حق اليقين وأحكام أصول الدين المبين، لقد صنّفوا فيه كتباً كثيرة حسنة غير أنها مشتملة على التطويل… ومختصراتها خالية عن اكثر الفوائد… إلى تأليف كتاب مختصر في علم الكلام خالٍ عن تطويل المرام عارٍ عن زوائد أقاويل الأنام…).
لم يقف عليه شيخنا الأستاذ الإمام الطهراني لذلك لم يذكره في موسوعته الخالدة الذريعة إلى تصانيف الشيعة كما لم أجد له ذكراً في فهرسات المكتبات العامة والخاصة، ونسخة الأصل بخط المصنف من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور.
عبد الحسين الصالحي
إشراق اللاهوت
في نقد شرح الياقوت
«الياقوت» في علم الكلام للنوبختي، وشرحه «أنوار الملكوت» للعلامة الحلي جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر المتوفى سنة 726هـ طبعة جامعة طهران. وشرحه هذا (إشراق االلاهوت لابن أخته وتلميذه السيد المطلب بن مجد الدين أبي الفوارس محمد بن علي الحسيني الأعرجي الحليّ ـ كما على النسخ ـ المولود سنة 681هـ، والمتوفى عاشر شوال 754هـ، شرحه في حياة خاله العلّامة، أو هو لأخيه ضياء الدين عبدالله كما في الذريعة 13/ 115.
1ـ نسخة قديمة كانت في مكتبة الشيخ محمد السماوي في النجف الأشرف.
2ـ نسخة كتبت في القرن الثامن، في مكتبة السيد الحكيم العامة في النجف الأشرف، ولعلّها هي التي كانت في مكتبة السماوي.
3ـ نسخة كتبت سنة 921هـ، كانت في مكتبة الشيخ محمد باقر ألفت الأصفهاني.
4ـ نسخة في المكتبة المركزية في جامعة طهران، رقم 6765، كتبت في الحلّة سنة 921هـ، مذكورة في فهرسها 16/ 356.
5ـ نسخة في مكتبة ملك في طهران، رقم 788، كتبت في القرن الحادي عشر، 376 ورقة، مذكورة في فهرسها 1/43.
6ـ نسخة كتبت سنة 770هـ.
الأشعريون
قال السيد حسن مدرسي الطباطبائي فيما كتبه إلينا في تحقيقه عن الأشعريين: هم بطن من كهلان من القحطانية([153]) نسبتهم إلى الأشعر، وهي قبيلة مشهورة في اليمن.
وللأشعريين مفاخر كثيرة في الجاهلية والإسلام ذكرت في الباب الخامس من «تاريخ قم» المؤلَّف سنة 378هـ، ومؤلفه على ما نقله ابن طباطبا هو أبو علي الحسن بن محمد بن حسن بن السائب بن مالك الأشعري القمي، ألّف كتابه هذا باسم كافي الكفاة الصاحب بن عباد ـ الوزير البويهي الشهير ـ وهو أوفى المصادر وأجمعها بحثاً عن أخبار الأشعريين وآثارهم ومفاخرهم وسائر ما يتصل بهم. وقد خصّ الباب الرابع والخامس من تاريخه الكبير هذا بتاريخ الأشعريين وأخبارهم([154]).
وقد ذكر من مفاخرهم في الجاهلية: أنهم كانوا من احترام العرب لهم بحيث يلجأ إليهم الناس، وفي ذلك يقول عامر بن لؤي:
| إلى حيث يلقي الأشعرون ركابهم | بجنب ثبير ذي الذرا والمناكب |
كما يذكرهم أبو طالب (ع) في لاميته الشهيرة بقوله:
| وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم | بمفضى السيول من إساف ونائل([155]) |
كما ينقل مؤلف تاريخ قم عن الكلبي والزهري: أن الركن اليماني ببيت الله الحرام بناه أحد الأشعريين عند تجديد عمارة البيت قبل بدء دعوة النبي (ص)([156]).
ويذكر المؤلف من مفاخرهم في الإسلام أن الأشعريين جاؤوا إلى الرسول الكريم (ص) من اليمن، وآمنوا بالإسلام طواعية ورغبة مع أن سائر العرب كفروا به وما آمنوا إلا بعد ما وقع من الحروب وظهور أمر الإسلام.
وأن الأشعريين كانوا أول من عبر الماء في المدائن، حيث كان الفرس على الجانب الآخر من الفرات، فدخل مالك بن عامر الأشعري الماء بفرسه وهو ينشد:
| والأول القاطع منكم مأجور | قد خاب كسرى وأبوه سابور |
مـــــا تصنعـــــون والحــــــديث مأثـــــور
فتبعه المسلمون، ومالك بن عامر هذا أول من آمن بالنبي (ص) من الأشعريين، وهو الذي دعا له النبي (ص) بكثرة الأولاد([157]).
ويذكر المؤلف كذلك العديد من المآثر لهم في الإسلام.
الأشعريون والتشيع
وكان عدد كبير من هذه الأسرة يسكن الكوفة، وكانوا من شيعة أمير المؤمنين وأولاده (عليهم السلام) على ما تحدثنا به المصادر، وهؤلاء هم الذين انتقلوا بعد إلى مدينة قم، ونشروا فيها التشيع وأظهروه.
ومن مواقفهم في الكوفة ـ على ما ذكر الطبري ـ أنه لما قدم عبدالله بن مطيع إلى الكوفة والياً لعبدالله بن الزبير، صعد المنبر فكان مما قاله: أما بعد فإن أمير المؤمنين عبدالله بن الزبير بعثني على مصركم وثغوركم وأمرني بجباية فيئكم وأن لا أحمل فضل فيئكم عنكم إلا برضى منكم ووصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وبسيرة عثمان بن عفان التي سار بها في المسلمين فاتّقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا وخذوا على أيدي سفهائكم. وألا تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني. (إلى آخر ما قال).
فقام اليه السائب بن مالك الأشعري، فقال: أما أمر ابن الزبير إياك أن لا تحمل فضل فيئنا عنا إلاّ برضانا فإناّ نشهدك بأناّ لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنا، وأن لا يقسم إلاّ فينا، وأن لا يسار فينا إلاّ بسيرة عليّ بن ابي طالب(ع) التي سار بها في بلادنا هذه حتى هلك رحمة الله عليه،..(الى آخر ما قال).
ثم كان السائب بعد ذلك من أبرز أعوان المختار بن أبي عبيد الثقفي في طلبه بثأر الحسين (ع).
أما أشعريو قم فلا أدل على صلتهم الوثقى بآل البيت مما ورد على ألسنة الأئمة من مدحهم فقد قال الإمام جعفر الصادق (ع) كما نقل الكشي وهو يتحدث عن عمران بن عبدالله بن سعد الأشعري: هذا نجيب من قوم نجباء، ما نصب لهم جبار إلا قصمه الله([158]).
ومما يكشف عن قوة ارتباطهم بآل البيت وملازمتهم لهم أن اثني عشر من أولاد سعد بن عبدالله بن مالك بن عامر الأشعري هم من رواة الحديث عن الإمام جعفر الصادق (ع). ومن أولاد السائب بن مالك والأحوص وغيرهما نرى من يروي عن سائر الأئمة (عليهم السلام)، وكانوا يعدّون من أصحابهم وأنصارهم ولعل عددهم يربو على المائة([159]).
وقد قال إلإمام علي بن موسى الرضا (ع) لزكريا بن آدم بن عبدالله بن سعد الأشعري: «أهل بيتك ـ أي الأشعريون ـ يدفع عنهم بك كما يدفع عن أهل بغداد بأبي الحسن (ع). وقال في حقه: «مأمون على الدين والدنيا».
وقد امتاز أولاد مالك بن عامر الأشعري من بين سائر أصحاب الأئمة (عليهم السلام) بالجهر بمذهب أهل البيت في حين أن سائر الأصحاب والموالين كانوا يتّقون في مذهبهم ولا يجرؤون على إظهاره. وبذلك عرف الأشعريون بالتشيع لدى عامة الناس ولدى الخلفاء والحكام.
وكذلك فإن الأشعريين في مدينة قم كان لهم التقدم في إخراج خمس أموالهم وإرساله إلى الأئمة (عليهم السلام) وكانوا كثيراً ما يقفون عليهم أموالهم.
وكل علوي نزل قم قابلوه بالإكرام والتبجيل.
وقصتهم مع الشاعر دعبل الخزاعي معروفة حين ابتاعوا منه الثوب الذي وهبه له الإمام الرضا (ع) بألف مثقال ذهب وقطعوه قطعة قطعة أخذ كل واحد منهم قطعة واحتفظ بها. واشتروا الدراهم التي وهبها له الإمام كل درهم بعشرة دراهم.
نفوذ الأشعريين في قم
بعدما استقر الأشعريون في قم أثروا وسادوا، واستولوا على الأمور وأنجبوا البنين، وبلغ عددهم من الكثرة إلى درجة أن الإصطخري([160])، وابن حوقل([161])، واليعقوبي([162])، وغيرهم، قالوا إن العرب كانوا يشكلون أكثرية أهل قم، وكان لكل من عبدالله بن سعد الأشعري، وحمزة بن اليسع، وعامر بن عمران أكثر من أربعين ولداً، وبلغ أحفاد عبدالله بن سعد، وأخيه الأحوص على ما جاء في كتب أنساب العرب 3600 عدا عمّن ترك منهم مدينة قم واستوطن بلاد أخرى.
ومما يدل على نفوذهم وسيطرتهم على الأمور أنهم كانوا ينزلون عمال الخلفاء وولاتهم خارج المدينة، ولا يسمحون لهم بالدخول، وأنهم كانوا ينتخبون القضاة من بينهم، ولا يسمحون لقضاة الخلفاء أن يمارسوا القضاء عندهم، وكثيراً ما ثاروا على الخلفاء وعلى ولاتهم، ونجدهم في قرن واحد (القرن الثالث) ثاروا خمس ثورات وقد أدّى تكاثرهم إلى انصهار العناصر غير العربية بهم إلى الحد الذي أصبح فيه طابع المدينة العام هو الطابع الأشعري العربي، وكأنه لا وجود لغيرهم في تلك المدينة.
وربما اختار الخلفاء أحياناً لولاية قم بعض الأشعريين كما جرى في عهد الرشيد حين اختير عامر بن عمران بن عبدالله الأشعري والياً لقم. وقبله كان حمزة بن اليسع الأشعري، وابنه علي بن حمزة من ولاتهم.
وكان من تجاهر الأشعريين القميين بالتشيع وسيطرتهم على المدينة أن أصبحت قم في تلك العصور مركزاً للتشيع وبرزت بطابع شيعي واضح صريح بحيث أصبح اللفظان «قم والتشيع» في عرف ذلك الزمن مترادفين، وكانت قم تعني التشيع. ويبدو ذلك جليّاً فيما ورد في كتاب أحسن التقاسيم للمقدسي، وصورة الأرض لابن حوقل، والمسالك والممالك للإصطخري، وحدود العالم، وعجائب المخلوقات، ومعجم البلدان، ومراصد الاطلاع، وآثار العباد وبعض المصادر الأخرى.
ومن ذلك قول أبي العلاء المعري:
| لعمرك ما أسر بيوم فطر | ولا أضحى ولا بغدير خم | |
| وكم أبدى تشيعه غويٌّ | لأجل تنسب ببلاد قم |
نهاية دور الأشعريين
وأخيراً فإن هذه الأسرة العربية التي بلغت القمة في النفوذ والسيطرة في مختلف المجالات أخذت تتراجع وتنزل من ذاك المستوى العالي حتى انسحبت من الميدان في القرن الرابع الهجري ولم يبق منها إلا مجموعات ضعيفة فقيرة لا حول لها ولا طول. وكان من أكبر العوامل في ذلك توالي الحملات العسكرية عليهم واضطرارهم للثورات على الحكام ثم ما كان يشجر بينهم من خلاف شتّت كلمتهم بعد التوحيد.
وكان يعيش بعضهم بما بقي لهم من مخلفات الأموال بقناعة وتقشّف، ويعمل بعض آخر مع القوافل التي كانت ترتاد مدينة قم فيرافقونها في مسيرتها، ويؤدون لها خدمات متواضعة لقاء ما يقوم بحاجاتهم الضرورية.
واليوم نجد في قم أسراً تحمل اللقب الأشعري هي من بقايا أولئك الأشعريين القدامى. وهذه الأسر معروفة بالفضل وسموّ الأخلاق وفيها العلماء والفضلاء البارزون.
وبعض هؤلاء الأشعريين لا يزال يحتفظ بشجرة النسب التي تشير إلى انتمائهم إلى أجدادهم الأشعريين القدامى.
وقبور الأشعريين الأوائل لا تزال إلى الآن قائمة في (مقبرة شيخان) وهي موضع إجلال وتكريم من أهالي قم.
كيف انتقل الأشعريون إلى قم
ويروي السيد صالح الشهرستاني في تحقيقه الذي كتبه لنا كيفية نزوح الأشعريين بهذه الصورة:
لقد كان ذلك في أواخر القرن الأول الهجري، وقصة ذلك أنه بعد أن قتل الحجاج بن يوسف الثقفي في العراق محمد بن سائب الأشعري وكان عميداً لقبيلة الأشاعرة، وأخذت النكبات تنزل تترى على هذه القبيلة من قبل الحجاج وسائر عمال الدولة الأموية، عزم رؤساؤها ورجال الفكر فيها على ترك أرض العراق بأفراد قبيلتهم قاصدين ناحية أصفهان في إيران. ولما كان من أكبر رؤساء هذه القبيلة الشقيقان عبدالله والأحوص ابنا سعد بن مالك الأشعري، وكانا في سجن الحجاج ثم اضطر إلى إطلاق سراحهما تحت ظروف سياسية قاهرة ملزماً إياهما البقاء في الكوفة ولما كان هذا الشقيقان يشعران بأن مصيرهما سيكون مصير بقية رجال الشيعة فقد تركا الكوفة تحت جنح الظلام متنكرين بزيّ بعض الأعراب، واتّجها نحو أصفهان يرافقهما شطرٌ كبيرٌ من رجال قبيلتهما (الأشاعرة) بما فيهم إخوتهما عبد الرحمن وإسحاق ونعيم، واجتازوا حدود منطقة أصفهان، ونزلوا ضفاف نهر (قم) للانتجاع.. وفي اليوم الثاني من نزولهما هذه الأرض شاهد بعض رجال قبيلة الأشاعرة أن سكان هذه المنطقة الأصليين يدخلون مواشيهم في قلاع عالية الجدران ويغلقون عليها أبواب القلاع ومنافذها، ولما سألوهم عن سبب ذلك. أجابوهم خوفاً من غزو عشائر الديلم التي تغزوهم كل سنة في مثل هذا الموسم فتنهب وتقتل. وقد وصلت هذه العشائر في غزوها الآن إلى بضعة فراسخ من هذه القرية. وحينما سمع الأحوص ذلك نادى في رجال قبيلته بردّ غزو عشائر الديلم، وأن على رجال القبيلة الدفاع عن أنفسهم ومواشيهم ونسائهم وأطفالهم الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ولا قلعة لهم يصونون بها أعراضهم وأموالهم. وحينما اقتربت عشائر الديلم من الأحوص وقبيلته بادرها الأشعريون بهجوم مباغت عنيف قضى على تلك العشائر وردّها على أعقابها بعد أن تركت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى واستطاع الأحوص بذلك إنقاذ قبيلته ورد العادية عن المتحصنين في القلعة من السكان الأصليين، أما عشائر الديلم فنكصوا على أعقابهم، ولم يعودوا بعد ذلك إلى غزو هذه الناحية وقراها.
وقد اتصل رؤساء السكان الأصليين بالشقيقين عبدالله والأحوص شاكرين لهما ولأفراد قبيلتهما صنيعهم ومقدمين لهم الهدايا وملتمسين منهم عدم النزوح عن هذه الأرض والاستيطان فيها كمزارعين ومستغلّين لها ومستفيدين من مراتعها. فتقبّل الشقيقان هذا الاقتراح واستوطنت قبيلتهما هذه الناحية التي عرفت فيما بعد بـ (قم).
وبمرور الزمان التحق بقية رجال قبيلة الأشاعرة بهؤلاء مهاجرين من العراق ومستوطنين هذه الناحية، وهكذا تمّ سكنى قبيلة الأشاعرة ضفاف نهر (قم)، وأخذوا ينشرون فيها التشيع. وقد تمّ ذلك كله خلال عشر سنوات بدأت سنة 73هـ وانتهت سنة 83هـ ثم تفرّق بعض أفخاذ هذه القبيلة في المناطق المتاخمة لقم ككاشان، وآوة، وساوة، والقرى الممتدة بين قم وأصفهان. وقد دلّت الروايات على أنه كان لطلحة بن الأحوص دور هام في تمصير مدينة (قم) بعد أن استوطنها رجال قبيلته، وأنه كان أول من شرع ببناء العمارة بالآجر بعد الإسلام.
إن مدينة (قم) التي يعود الفضل بتأسيسها على شكل مدينة شيعية عامرة بمكان قصبة صغيرة لبني سعد الأشعري وخاصة لابن عبدالله بن سعد الأشعري ابن عم طلحة المذكور الذي كان من أجلّة فضلاء الشيعة في الكوفة ثم انتقل إليها مع أبيه، إن هذه المدينة أخذت بعد سنة 83هـ تتّسع وينتشر فيها العمران وتشاد على أرضها المساجد والمدارس الدينية والمعاهد العلمية وقبور الأولياء والملوك والعظماء والأمراء والعلماء وأصبحت تدريجياً من المدن الإسلامية الشيعية المقدسة وخاصة بعد دفن فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر (ع) المعروفة بـ (معصومة قم) فيها.
أما تفصيل دفنها فيها فهو أنه لما استقدم المأمون الإمام الرضا (ع) من المدينة إلى (مرو) لإسناد ولاية العهد إليه سنة 200هـ خرجت بعده أخته فاطمة من المدينة تتفقّده في سنة 201هـ فلما وصلت إلى (ساوة) البعيدة عن (قم) 72 كيلومتراً في طريقها إلى (مرو) مرضت فسألت كم بينها وبين (قم) أجيبت عشرة فراسخ فقالت: احملوني إليها فحملوها إلى (قم) وأنزلوها في دار موسى بن الخزرج بن سعد الأشعري الذي استقبلها على رأس من استقبلها من العلماء والأشراف ورؤساء القبائل. ثم إنه وصل إليها وأخذ بزمام ناقتها وجرّها إلى منزله وكانت في داره يوماً ثم توفيت فأمر موسى بتغسيلها وتكفينها وصلى عليها ودفنها في أرضٍ كانت له وهي الآن روضتها. «راجع: قم».
أشْكِذَر
مدينة إيرانية يبلغ عدد سكانها حسب إحصائية عام 1986: 9,637 نسمة وهي مركز ناحية أشكذر التي يبلغ عدد سكانها حسب نفس الإحصائية 30,000 نسمة، وتتبع هذه الناحية محافظة يزد.
تقع أشكذر إلى جانب الطريق بين طهران ويزد على خط طول 16,54 شرقاً، وخط عرض 54,31 شمالاً، ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر 1,218م.
تتّصف هذه الناحية باعتدال مناخها، ومن أهم محصولاتها الزراعية: العنب والرمان، والشمام والفستق أما الصناعات اليدوية فهي صناعة السجاد. ويستخرج منها الملح والجص.
ومن أكبر المناطق الريفية التابعة لأشكذر: منطقة زارج الواقعة على بعد سبعة كيلومترات إلى الشرق منها، ويبلغ عدد سكانها حسب إحصائية 1984م: 9,734 نسمة.
يتشكل أهالي أشكذر من خليط من أكثرية شيعية وأقلّيّة زرادشتية، وقد كانت هذه الناحية في السابق قرية كبيرة يرجع تاريخها إلى عصر الأشكانيين، ولا تزال بعض الآثار الزرادشتية موجودة في ناحية أشكذر.
أشكَوَر
هي عبارة عن منطقتين ريفيتين في إيران يبلغ عدد سكانهما حسب إحصائية 1976: (16,666 نسمة)، وهما تابعتان للناحية المركزية التي يبلغ عدد سكانها حسب إحصائية 1984: (144,402 نسمة) والتي تتبع بدورها لقضاء رودسر من محافظة كيلان.
تتشكّل ناحية أشكور من قسمين: أشكور العليا وأشكور السفلى، ويشتمل كلا القسمين على 157 قرية، 50 قرية منها تابعة لأشكور العليا و107 قرى تابعة لأشكور السفلى.
تحدّ هذه الناحية من الجنوب قزوين، ومن الغرب رودبار ألموت، ومن الشرق تنكابن، ومن الشمال رودسر، ويغلب عليها الطابع الجبلي، حيث تقع في ناحية جبلية تمتد من الجزء المركزي لجبال ألبرز حتى سفوحها الجنوبية.
يفصل نهر (بلرود) شطري أشكور عن بعضهما فتقع أشكور السفلى (أو جير ولايت) إلى الغرب منه، وتقع أشكور العليا (بالا ولايت أو جور ولايت) في جهة كيلان، ويتميز كلا الشطرين ببرودة طقسهما، ولذلك يلجأ العديد من سكانهما إلى قضاء فصل الشتاء في سهول كيلان.
أهم منتجات هذه الناحية عبارة عن، البندق والجوز والحبوب والمنتوجات الحيوانية.
كانت أشكور جزءاً من ناحية الديلم التاريخية، ويبدو أنها خرجت من سيطرة الخلافة في بغداد بثورة يحي بن عبدالله العلوي عام 176هـ. وكان الأهالي فيها قد أخذوا بفضل جهود العلويين يتحولون عن ديانتهم الزرادشتية بالتدريج إلى الديانة الإسلامية، ومع بدء الخلاف بين الشيعة الزيدية، وسلطة الخلفاء، أخذ أهالي أشكور، المعروفون بصلابتهم وقوة بأسهم، يتّجهون إلى المذهب الزيدي ويتمسكون به حتى اختلط بقوميتهم وترسّخ في نفوسهم.
وخلال فترة حكم العلويين في طبرستان، كانت أشكور تعدّ معقلاً من معاقل السادات العلويين، إلا أن الأمر تغيّر بعد ظهور الإسماعيليين النزاريين في الديلم خلال القرن الرابع الهجري حيث أخذ بعض أهالي أشكور يتحولون إلى المذهب الإسماعيلي، وساعدوا حسن الصباح في الاستيلاء على قلعة ألموت في عام 483هـ. وبعد سقوط هذه القلعة في عام 654هـ حافظ الإسماعيليون النزاريون في ناحية أشكور على مذهبهم، وكانوا يتمتعون بقوة كبيرة بحيث حاولوا أن يستولوا مرة أخرى على قلعة ألموت في زمن أباقا المغولي (663 ـ 680هـ).
وفي عام 776هـ استولى السيد مهدي كيا أحد أمراء سلالة الكيائيين في كيلان الذين كانوا يتبعون المذهب الزيدي ـ على أشكور فعادت إليها الحكومة الزيدية مرة أخرى، واستمر أهالي أشكور متمسكين بالمذهب الزيدي حتى بعد اضطهاد الشاه إسماعيل الأول لهم، إلاّ أن دخول الكيائيين في المذهب الشيعي الاثني عشري حدا بهم أن يتحولوا هم بدورهم إلى هذا المذهب، وفي الوقت الحاضر فإن جميع أهالي أشكور هم من أتباع المذهب الاثني عشري. وهم يتكلمون اللغتين الفارسية والتركية واللهجة الكيلكية، والجدير بالذكر أن الأهالي الذين يتكلمون اللغة التركية كانوا قد قدموا إلى أشكور من أماكن أخرى.
برز من أشكور خلال القرون الأخيرة العديد من علماء الشيعة، منهم: قطب الدين الأشكوري (م1088هـ)، وأبو الباسم بن السيد معصوم الكيلاني الأشكوري (م1325هـ)، والسيد أسد الله الأشكوري ((م1333هـ)، والسيد حسين الأشكوري (م1349هـ)، ومحمد بن محمد حسين الأشكوري (م1356هـ)، والسيد أبو الحسن الأشكوري (م1368هـ).
أصحاب الإجماع
قال السيد محسن الأمين:
هم الذين اشتهروا أن العصابة أجمعت على تصحيح ما يصحّ عنهم. والأصل في ذلك: كلام الكشي في رجاله، ونحن ننقل عبارته، ونبيّن المراد منها، ونذكر اختلاف العلماء في مهناها.
قال الشيخ أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال على ما نقل عنه ما هذا لفظه: (تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر، وأبي عبدالله عليهما السلام) أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر، وأبي عبدالله (عليهما السلام)، وانقادوا لهم بالفقه فقالوا: أفقه الأولين ستة: زرارة، ومعروف بن خربوز، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي. قالوا: وأفقه الستة زرارة. وقال بعضهم ـ مكان أبي نصير الأسدي ـ: أبو نصير المرادي، وهو ليث بن البختري «انتهى».
قال في الوسائل: ثم أورد، يعني الكشي، أحاديث كثيرة في مدحهم، وجلالتهم، وعلوّ منزلتهم، والأمر بالرجوع إليهم، تقدم بعضهم في كتاب القضاء «انتهى» وذلك مثل ما رواه بإسناده إلى الصادق (ع) أنه قال: أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة: محمد بن مسلم، وبريد بن معاوية، وليث بن البختري المرادي، وزرارة بن أعين إلى غير ذلك. ثم قال: (تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبدالله (ع) أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون، وأقرّوا لهم بالفقه من دون أولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم، وهم ستة نفر: جميل بن دراج، وعبدالله بن مسكان، وعبدالله بن بكير، وحماد بن عيسى، وحماد بن عثمان، وأبان بن عثمان قالوا وزعم أبو إسحاق الفقيه يعني ثعلبة بن ميمون أن أفقه هؤلاء: جميل بن دراج. وهم أحداث([163]) أصحاب أبي عبدالله (ع). ثم قال بتسمية الفقهاء من أصحاب إبراهيم، وأبي الحسن الرضا (ع): أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم وأقرّوا لهم بالفقه والعلم، وهم ستة نفر أُخَر دون الستة النفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبدالله (ع) منهم: يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحي بياع السابري، ومحمد بن أبي عمير، وعبدالله بن المغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمد بن أبي بصير، وقال بعضهم مكان فضالة: عثمان بن عيسى، وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى «انتهى كلام الكشي».
فالمتفق عليه ستة عشر، خمسة من الطبقة الأولى، وخمسة من الأخيرة، والستة الوسطى. والذين نقل الكشي الإجماع عليهم ثمانية عشر في كل طبقة ستة، فإن فضالة معطوف على ابن فضال لا على أبي نصر، كما توهّم، وإلا لكانوا سبعة وقد صرّح بأنهم ستة مع أن السوق يأباه. وإذا انضمت الأربعة الذين حكى عن البعض الإجماع عليهم إلى الثمانية صاروا اثنين وعشرين. وعن ابن داوود في رجاله في ترجمة حمدان بن أحمد نقلاً عن الكشي: أنه من خاصة الخاصة، أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه، والإقرار له بالفقه في آخرين «انتهى».
قال الفاضل المعاصر: الموجود من نسخ كتاب الكشي خالٍ عنه، ولعله أخرجه من الأصل، وعليه يصيرون ثلاثة وعشرين. وهذا الإجماع الذي ذكره الكشي قد اشتهر بين العلماء، وتلقّاه جلّهم بالقبول نظراً إلى جلالة الناقل وبصيرته بالرجال، وإفادة هذا النقل كما الوثوق بمؤدى ذلك الإجماع حتى تداولوه في كتب الفقه والرجال وغيرها، وبحثوا عن مؤدّاه وتنازعوا في معناه حتى كأنه رواية أو آية.
وقد اختلفت الأنظار في تفسير الإجماع على تصحيح ما يصحّ عنهم فقيل: المراد به أن الطريق إذا صحّ عنهم قد صحّ عن الإمام ولا ينظر إلى ما بعدهم من رجال السند حتى ولو رووا عن معروف بالفسق أو بالوضع، أو مجهول، أو أرسلوا الحديث كان صحيحاً، فمراسيلهم، ومقاطيعهم، ومرافيعهم، ومسانيدهم مقبولة. نسبة إلى المقدمة الثالثة من أول أجزاء الوافي إلى جماعة من المتأخرين. وقال المحقق البهبهاني في التعليقة: إنه المشهور وإنه الظاهر من العبارة «انتهى» ويفهم ذلك من العلامة الطباطبائي في محكي رجاله حيث قال في ترجمة زيد النرسي في ردّ من طعن على أصله بأنه موضوع، والجواب على ذلك: أن رواية ابن أبي عمير لهذا الأصل تدل على صحته واعتباره والوثوق بمن رواه إلى أن قال: وحكى الكشي في رجاله إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه، والإقرار له بالفقه والعلم. ومقتضى ذلك صحة الأصل المذكور لكونه مما قد صحّ عنه، بل توثيق راويه أيضاً لكونه العلّة في التصحيح غالباً والاستناد إلى القرائن، وإن كان ممكناً إلا أنه بعيد في جميع روايات الأصل «انتهى» وربما حكى عنه القول الآخر. ونسب أيضاً هذا القول إلى العلامة، وابن داوود، والشهيد، والمحقق، والداماد، والفاضل الخراساني، والمجلسيين وغيرهم وتكثّرت نسبته إلى المشهور في كلمات العلماء.
وحينئذٍ فالمراد من تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء هو حصول الوثوق لهم والاطمئنان بصدور الرواية عنهم؛ وإن جهل من رووا عنه أو علم أنه ضعيف بسبب العلم بأن هؤلاء لا يروون إلا ما يعتمدون عليه، وتقوم لهم القرائن على صحته؛ وإن كان الذي رواه لهم ضعيفاً، وذلك بسبب فقههم، وضبطهم، وبصيرتهم بوجوه الخلل فلا يروون كل ما يسمعون.
قال المحقق البهبهاني: وربما يتوهّم بعضٌ من إجماع العصابة وثاقة من روى عنه هؤلاء، وفساده ظاهر. نعم يمكن أن يفهم منه اعتداد بالنسبة إليه. وعندي أن رواية هؤلاء إذا صحت إليهم لا تقصر عن أكثر الصحاح «انتهى». وعن كتاب البيع من غاية المراد بعد ذكر رواية عن الحسن بن محبوب عن خالد بن جرير عن أبي الربيع ما لفظه: وقد قال الكشي: أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع الشامي.
قلت: في هذا توثيق ما لأبي الربيع الشامي «انتهى». وقيل: لا يفهم من العبارة المذكورة إلا الإجماع على وثاقتهم وصدقهم فيما يروونه ولا يستلزم ذلك صدق من رووا عنه إذا كان ضعيفاً لأن الثقة ينقل عمّن يثق به ومن لا يثق به ولا يخل ذلك بوثاقته. فالمراد: أنه إذا صحّ السند إليهم فلا يتوقف في صحته من جهتهم. وقال صاحب الوافي بعد حكاية القول الأول ما تقدم عنه ما لفظه: وأنت خبير بأن هذه العبارة ليست صريحة في ذلك، ولا ظاهرة فيه؛ فإن ما يصحّ عنهم إنما هو الرواية لا المروي، بل كما يحتمل ذلك يحتمل كونها كناية عن الإجماع على عدالته (انتهى). وحاصله: أن متعلق التصحيح: الرواية بالمعنى المصدري، أي قولهم: حدثني وأخبرني مثلاً. فإذا صحّ وثبت عن ابن أبي عمير أنه قال: حدثني فلان عن الصادق (ع)، فالذي صحّ وثبت عنه أن فلاناً حدثه عن الصادق (ع). وأما أن الصادق (ع) قال ذلك، فلم يثبت عن ابن أبي عمير حتى يشمله الإجماع المذكور.
وحكى أبو علي في رجاله هذا القول عن أستاذه صاحب الرياض وأنه مع ذهابه إلى القول الأول في أكثر مصنفاته بالغ في إنكاره، وقال: إن المراد دعوى الإجماع على صدق الجماعة، وصحة ما ترويه إذا لم يكن في السند من يتوقف فيه. فإذا قال أحدهم: حدثني فلان، يكون الإجماع على صدق دعواه. وإذا كان فلاناً ضعيفاً أو غير معروف لا يجديه ذلك نفعاً، وأنه ادّعى عدم العثور في الكتب الفقهية من الطهارة إلى الدّيات على عمل فقيه بخبر ضعيف محتجّاً بأن في سنده أحد الجماعة وهو إليه صحيح (انتهى). وبالتّتبّع يعلم ما في دعواه الأخيرة.
وحاصل الكلام: أن الأكثر فهموا من هذه العبارة الإجماع على تصحيح الروايات التي تصحّ عن هؤلاء ويثبت أنهم رووها ويلزم من ذلك الحكم بوثاقتهم وتصديقهم والمراد من التصحيح: الحكم بالصحة وهي الثبوت والتحقق.
والمراد بما صحّ عنهم: ما ثبت وتحقق عنهم حملاً للفظ على معناه اللغوي والعرفي إذا لم يثبت خلافه، كقولهم: صحّ عن النبي (ص) أنه قال كذا وأنه عمل كذا. وإطلاق الصحيح على ما يكون رواته عدولاً إمامية في جميع الطبقات اصطلاح حادث من زمن العلامة وأصله من باب إطلاق العام على الخاص، فلا وجه لإطالة الكلام هنا في أن المراد الصحة باصطلاح القدماء أو المتأخرين، وفي أن الاصطلاحين متغايران أو متّحدان والبعض فهموا منها الإجماع على وثاقتهم وتصديقهم لأن الذي صحّ وثبت عنهم قولهم: حدثني فلان عن فلان وأما أن الإمام (ع) قال ذلك فلم يثبت عنهم، فإذا حكموا بصحة ما يصحّ عنهم فهو الحكم بوثاقتهم وتصديقهم، ولا يفهم منه الحكم بعد التهم بالمعنى الأخص على هذا التفسير كما يدل عليه كلام الوافي المتقدم. وربما يستظهر هذا المعنى من صدر عبارة الكشي حيث ادّعى في الستة الأولى إجماع العصابة على تصديقهم لا غير.
ثم أضاف إلى ذلك في البقية تصحيح ما يصحّ عنهم فيكون المراد منه تصديقهم أيضاً من قبيل عطف التفسير. وبما ذكرناه من أن المراد وثاقتهم وتصديقهم فيما يروونه، لا العدالة بالمعنى الأخص، يندفع إشكال نسبة بعضهم إلى فساد المذهب الذي لا يجتمع مع العدالة. ويبطل ترجيح أن المراد الإجماع على صحّة ما يصحّ طريقه إليهم بأن ذلك لا ينافي فساد المذهب مع الوثاقة بخلاف العدالة. وذلك كالفطحية في عبدالله بن بكير على ما ذكره الشيخ، وحكاه الكشي نفسه عن محمد بن مسعود. والناووسية في إبان بن عثمان على ما حكاه الكشي أيضاً عن الحسن بن علي بن فضال، ونسبه العلامة في الخلاصة إلى الفطحية وفي المنتهى إلى الوقف. وما ذكروه في كتاب الرجال وغيرها من الأمارات الدّالّة على صحة مذهبه إن تمّ لا ينافي، فإن من قدح في مذهبه عدة من أصحاب الإجماع، والوقف في عبدالله بن المغيرة وإن رجع عنه فإنهم أطلقوا كونه من أصحاب الإجماع ولم يستثنوا حال وقفه. والفطحية في الحسن بن علي بن فضال الذي عدّه بعضهم مكان الحسن بن محبوب، وإن قيل: إنه رجع عنها عند الموت، والوقف في عثمان بن عيسى الذي عدّه بعضهم مكان فضالة، وقيل فيه: إنه شيخ الواقفة ووجهها وإنه استبد بمال الكاظم (ع) ومنع الرضا (ع) منه وإن قيل إنه تاب.
والحاصل أن الإجماع المذكور لا يدل على العدالة بل إما أن يدل على قبول ما صحّت روايته إليهم كما نسب إلى الأكثر أو على تصديقهم فيما يروونه كما فهمه البعض. قال الشيخ محمد في شرح الاستبصار بعد نقل ما نسب إلى الأكثر وتوقف في هذا بعض قائلاً: إنّا لا نفهم منه إلا كونة ثقة.
قال: والذي يقتضيه النظر القاصر أن كون الرجل ثقة أمر مشترك فلا وجه لاختصاص الإجماع بهؤلاء المذكورين. وحينئذٍ لا بد من بيان الوجه (انتهى).
والظاهر أن المراد أنه يوجد غير هؤلاء ممن لا خلاف في صدقهم ووثاقتهم، فما فائدة تخصيص الإجماع بهؤلاء المذكورين. ويمكن الجواب بمنع تحقق الاتفاق على وثاقة غيرهم، وبإمكان عدم تحققه عند الكشي وبإمكان أن يريد من تصحيح الحديث معنى زائداً على مجرد وثاقة الراوي بأن يدخل فيه الضبط والفقاهة ونحو ذلك.
فتخلص من مجموع ما ذكرناه أن العبارة بنفسها ليست ظاهرة فيما نسب إلى الأكثر إن لم تكن ظاهرة في عدمه، فإن الذي صحّ وثبت عن ابن أبي عمير مثلاً قوله: حدثني فلان، فهذا هو الذي حكموا بصحته. وأما أن الإمام (ع) قال ذلك فلم يثبت عن ابن أبي عمير إلا إذا كان راوياً عن الإمام (ع) بلا واسطة فلا يشمله الإجماع المذكور كما أشرنا إليه سابقاً، ولا يفهم منه أزيد من تصديقهم وقبول رواياتهم لا سيما بعد اقتصار الكشي في الستة الأولين على التصديق خاصة. ثم عطف عليه في الباقي تصحيح ما يصح عنهم المشعر بأن المراد به تصديقهم من باب عطف التفسير كما عرفت…
نعم إرادة المعنى الذي فهمه الأكثر من العبارة ممكنة بنحوٍ من التّوسّع. أما أن اللفظ ظاهر بنفسه وفي إرادته فلا. فقد يقال: إنه لو كان المراد مجرد تصديقهم ووثاقتهم لكان اللازم التعبير به أو بنحو ذلك من العبارات الشائعة، ولا داعي إلى التعبير عنه بهذه العبارة الطويلة التي لا تدل عليه إلا بالالتزام، وليست واضحة الدلالة عليه بخصوصه حتى وقع الاختلاف في معناها وأنكر الأكثر دلالتها على ذلك بخصوصه. واقتصار الكشي في صدر العبارة على التصديق فقط لا يضرّ بعد ذكره أن الثمانية عشر الباقية دونهم في المرتبة. وظهور العطف في المغايرة والتفسير خلاف الظاهر، وإن كان يحتمل أن يكون المراد أنهم دونهم في العدد لا في المرتبة. والإنصاف أن ذلك كله لا يوجب ظهورها فيما نسب إلى المشهور. والتعبير بهذه العبارة عن الوثاقة والصدق لا غبار عليه، ودلالتها عليه واضحة كما يظهر من تضاعيف ما تقدم.
وظهور العطف في المغايرة لا يزيد على ظهور الاقتصار في صدر العبارة على التصديق في عدم المغايرة وهذا الإجماع من أقوى الشواهد على اكتفاء الأصحاب في قبول الرواية بالوثاقة بالمعنى الأعمّ من غير اعتبار العدالة الخاصة لما عرفت من نسبة جملة منهم إلى فساد المذهب والله العالم.
أصدق الأخبار في قصة الأخذ بالثأر
كتاب للسيد محسن الأمين يحتوي على تفاصيل حركة التوابين الذين ثاروا طلباً لثأر الحسين(ع). ثم تفاصيل حركة المختار بن أبي عبيد الثقفي التي كان شعارها الأخذ بثأر الحسين(ع). «طبع عدة مرات».
إصطخر
مدينة قديمة في إيران تقع على خط عرض 59,50 شمالاً وخط طول 53 غير بعيد عن برسبولس شمالاً.
وقد اعتبرت في وقت من الأوقات العاصمة الرسمية للساسانيين مع طيسفون العاصمة الحقيقية. وفي العام 23هـ (643 م) وصلها المسلمون ثم تمردت عليهم ولم يدم التمرد فعادوا إليها العام 29هـ (649 م) وظلّت خلال العهود الإسلامية ذات أهمية كبيرة، ثم بدأت تتراجع وظلّت عاصمة كورة إصطخر أحد أقسام إقليم فارس الخمسة.
ولما تأسست مدينة شيراز العام 64هـ (684م) على مسيرة يوم إلى الجنوب من إصطخر كان تأسيسها بداية التراجع النهائي لإصطخر إذ أصبحت شيراز عاصمة إقليم فارس وازدهرت لا سيما منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وكان هذا الازدهار نذيراً باضمحلال إصطخر.
ويصفها الإصطخري في كتابه الجغرافي (المسالك والممالك) ـ وهو منها ـ حوالي منتصف القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) بأن مساحتها لا تزيد على ميل وأن أسوارها مهدمة.
أما المقدسي المتأخر عن الإصطخري بنحو ثلاثين سنة (985 م) فيشيد بوصف جسرها المقام على النهر وبحديقتها الغنّاء. كما يشيد بمسجدها الكبير وأعمدته الضخمة وينقل المقدسي أن هذا المسجد كان في الأصل معبد نار تحوّل بعد ذلك إلى مسجد.
وكانت الضربة القاضية في ثورتها على همام الدولة البويهي ابن عضد الدولة، مما حمل عضد الدولة على تجهيز حملة تغلبت عليها ولم تقم لها بعد ذلك قائمة.
وآخر حديث عنها كان في بداية القرن السادس الهجري إذ جاء ذكرها في وصف إقليم فارس في كتاب (فارس نامه) بوصفها قرية لا يزيد سكانها على مائة نسمة.
وتقع بالقرب من إصطخر بعض المناطق الأثرية التاريخية مثل (تخت جمشيد) الواقع جنوبي إصطخر على نهر بلور. على أن هذا الاسم يطلق الآن على مجموع القصور الإخمينية في مدينة برسبولس.
وإلى الشمال الغربي من إصطخر توجد ثلاثة حصون مشادة على رؤوس الجبال الصخرية بين كل واحد منها والآخر ما بين كيلومترين وثلاثة كيلومترات وتسمى جميعاً باسم قلعة إصطخر أو «كوه إصطخر» أي جبل إصطخر. وكان لهذه الحصون شأنٌ كبيرٌ في العهود الإسلامية، إذ أنها في موقعها المنيع كانت تسيطر على ما جاورها.
وكان ولاة إصطخر المسلمون يقيمون في واحد من هذه الحصون التي كان لكل منها اسم خاص به إلى الاسم العام الذي يجمع الثلاثة، وبتغيّر الأزمان كانت تتغير الأسماء، وأشهر تلك الأسماء اسم (قلعة إصطخر) التي سميت كذلك (ميان قلعة) أي القلعة الوسطى لتوسطها الحصنين الآخرين.
وقد عني البويهيون عناية كبيرة بحصن إصطخر، فقد كانت إقامتهم على الأغلب في إقليم إصطخر.
وقد ابتنى عضد الدولة في القرن الرابع الهجري صهاريج كبيرة للماء في قلعة إصطخر مستفيداً من بركة طبيعية قديمة كانت هناك.
وفي العام 467هـ (1074م) كانت جيوش نظام الملك في عهد ملكشاه تحاصر حصن إصطخر مضيقة على فضلويه الذي سيطر على إقليم فارس ثم اضطر للتسليم فسجن في الحصن ثم قتل. ثم صار الحصن سجناً للكبراء والأمراء.
وفي العهد الصفوي كان الحصن لا يزال قائماً مأهولاً وإليه التجأ بعض الثوار فحاصره الشاه عباس الأول ثم استولى على الحصن وخربه.
أصفهان
ويقال أصبهان، وهي مأخوذة عن كلمة (سباهان) أي العساكر لأنها كانت مجتمع عساكر الأكاسرة. قال ياقوت: (وهي مدينة عظيمة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها، ويسرفون في وصف عظمتها حتى يجاوزا حدّ الاقتصاد إلى غاية الإسراف).
تقع أصفهان في هضبة خصبة بالمنطقة المركزية من إيران، على بعد 420 كيلومتراً من طهران، وهي بعد طهران تعدّ ثاني مدينة من حيث كثرة السكان. يمر بها نهر (زاينده رود) الذي يعدّ من أكبر أنهار إيران المركزية. فيزيد هذه المدينة نعمة ويمنحها جمالاً، وتقدر درجة اندفاع مياه هذا النهر في فصل الربيع بمعدل 80 متراً مكعباً في الثانية، وتنخفض في منتصف الصيف. وفي سني الجفاف تقلّ هذه الدرجة إلى 6 أمتار مكعبة في الثانية. وتمتاز أصفهان بكونها أحد المراكز الرئيسية للصنائع اليدوية النفيسة كأنواع الستائر المزركشة والتطريز والفسيفساء والأواني الفضية المنقوشة وغير ذلك من الإنتاج اليدوي الخاص بها الذي يشكل قسماً كبيراً من صادرات إيران. هذا إلى جانب صناعة السجاد في المدينة وضواحيها التي تعتبر من أهم إنتاجها حيث تضم حوالي 300 معمل لنسج مختلف أنواع السجاد الذي يعدّ من أهم صادرات أصفهان والبلدان الإيرانية إلى الخارج، عدا المعامل العديدة للغزل، والنسيج، وغيرهما مما جعل المدينة بمثابة مركز هام للصناعة الإيرانية كما أن إنتاجها لمختلف أنواع المنسوجات الصوفية جعلها تحمل لقب (مانشستر إيران). وفيها كذلك بعض المصانع للكبريت والبلاستيك وغير ذلك من المصنوعات.
وتقام اليوم بالقرب منها معامل الحديد والصلب الضخمة مما سيطور مستقبلها تطويراً خطيراً.
واشتهرت أصفهان منذ القديم بآثارها التاريخية وصناعتها اليدوية الفنية وبين هذه الآثار الرائعة، جسر (الله وردى خان) المعروف أيضاً باسم (سه وسي ششمه) حيث يتشكل هذا الجسر من 33 قوساً من القناطر أقيم على نهر زاينده رود في عهد الشاه عباس الكبير، ويبلغ طوله 295م، وعرضه 14 متراً ثم مسجد الشيخ لطف الله العاملي، وهو من روائع فن البناء وعمارة شهل ستون، وعالي قابو، وقبر السلطان سنجر، ومقبرة بابا ركن الدين، ومئذنة شهل دختران، ويعود تاريخ إقامة هذه المنارة إلى عام (501هـ). ومنارة ساربان من عهد السلجوقيين، ومسجد جهان من عهد الشاه عباس، وكنيسة جلفا للأرمن، وهناك المئذنتان المتحركتان المعروفتان باسم منارة جنبان، وغير ذلك من عشرات الآثار التي جعلت هذه المدينة مطمح أنظار الباحثين والسّوّاح.
ويعود منشأ شهرة هذه المدينة إلى عهد الملك الصفوي عباس الكبير حيث كان يقوم بإحداث أبنية جديدة، ويعمل في سبيل توسيع نطاق العمل، ورفع مستوى الاقتصاد حتى أطلقوا عليها: أصفهان، نصف جهان، أي نصف الدنيا، وقد لقبها الكثيرون آنذاك بباريس الشرق، حتى أن السائحين الأوروبيين الذين زاروها خلال تلك الفترة كانوا يعتبرونها من أكبر مدن العالم مما شهد به شاردن وتاورنيه الفرنسيان ولا سيما في كثرة متاجرها.
السيد أبو الحسن الأصفهاني
د
ويمر نهر زاينده رود جنوب أصفهان، وعلى ضفة هذا النهر تقع في مقابلة أصفهان بلدة جلفا، ومعظم سكانها من الأرمن، ويربط بين جلفا وأصفهان جسران أثريان.
انحراف الأصفهانيين عن أهل البيت
وكان أهل أصفهان في القديم منحرفين عن أهل الكتاب والتشيع، ولما عمل إبراهيم بن هلال الثقفي الكوفي ثم الأصفهاني صاحب كتاب (الغارات) (كتاب المعرفة في المناقب والمثالب) استعظمه الكوفيون وأشاروا عليه بتركه وأن لا يخرجه من بلده فقال: أيّ البلاد أبعد عن الشيعة؟ فقالوا: أصفهان، فحلف أن لا يرويه إلا بها ثقة بصحة أسانيده فانتقل إليها ورواه بها. وكذلك وصفها المقدسي بأن في أهلها غلوّاً بمعاوية.
وفي الرسالة التي أرسلها أبو بكر الخوارزمي إلى أهل طبرستان التي يتحدث فيها عما نال التشيع على أيدي غير العرب من الاضطّهاد والقتل والتّرويع، في هذه الرسالة يقول في جملة ما يقول: «نسأل الله أن لا يحشرنا على نصب أصفهان» والنصب ـ كما لا يخفى ـ هو شدّة العداء لأهل البيت والتشيع.
الخلافات المذهبية في أصفهان
الواجهة الجنوبية الشرقية لمسجد الإمام في أصفهان
د
النحلة المذهبية الحنبلية، كان استبدادها واعتدادها بنفسها من الأسباب الكثيرة التي حملت النحلة الإسماعيلية الباطنية على أن تتحدّاها في نواحي أصفهان بشخصية ابن عطاس، وأتباعه من الإسماعيليين النزاريين.
ولما نبغت الدولة السلجوقية الحنفية المذهب، وانتهض المذهب الشافعي على يد نظام الملك الطوسي تضاءلت سلطة الحنابلة بأصبهان والناس على دين ملوكهم. وقام النزاع بين الشافعية والحنفية.
قال ياقوت في معجم البلدان: (وقد فشا في أصفهان الخراب في هذا الوقت، وقبله في نواحيها لكثرة الفتن والتعصب بين الشافعية والحنفية، والحروب متصلة بين الحزبين، فكلما تغلبت طائفة نهبت محلّة الأخرى وأحرقتها وخربتها، وكذلك الأمر في أريافها وقراها التي كانت كل واحدة فيها كالمدينة).
وقد رجحت كفّة الشافعيين بأصبهان بعد انتقال بني الخجندي إليها الذين جاؤوها من بلدة خجند من مدن ما وراء النهر. ونظام الملك هو الذي حمل من مرو إلى أصفهان أبا بكر محمد بن ثابت الخجندي فصار مدرساً في مدرسته وذلك بعد تأسيس المدرسة النظامية فيها.
ومنذ أواخر القرن الخامس الهجري صارت الكلمة النافذة في أصفهان لبني الخجندي الشافعيين([164]). وازداد هذا المذهب قوة بانتقال الخلفاء العباسيين إلى المذهب الشافعي في القرن الخامس.
وذكر سبط ابن الجوزي في تاريخ مرآة الزمان: أن أبا محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي المتوفى سنة 600هـ لما دخل أصفهان وقف على كتاب لأبي نعيم الأصفهاني الحافظ مؤرخ أصفهان ألّفه في معرفة الصحابة فانتقد عليه في مائة وتسعين موضعاً فطلبه بنو الخجندي ليقتلوه فاختفى وخرج من أصفهان في إزار.
وفي أيام الغزو المغولي سنة 633هـ كان الشافعية والحنفية يتقاسمون أصفهان ويسودها مذهباهما وكانوا في احتراب دائم. وفي أول الأمر لما شعروا بالخطر المهدد لهم جميعاً اتفقوا على مقاومة المغول، ولكنهم لم يلبثوا أن عادوا إلى الاختلاف فخرج قومٌ من الشافعية إلى من يجاورهم من المغول فقالوا لهم: اقصدوا البلد حتى نسلمه لكم فنقل ذلك إلى قاآن بن جنكيز خان الذي خلف أباه فأرسل الجيوش إلى أصفهان فحاصروها، ومع ذلك ظلّ الشافعية والحنفية يقتتلون حتى قتل كثير منهم. ثم فتح الشافعية أبواب المدينة للمغول على عهد بينهم وبين المغول أن يقتلوا الحنفية ويتركوا الشافعية، فلما دخلوا البلد بدؤوا بالشافعية فقتلوهم قتلاً ذريعاً ثم قتلوا الحنفية. وقد ورد تفصيل هذه الحادثة في شرح النهج الحديدي، ولكن أصفهان صارت في دولة الصفويين دار الملك ودار العلم. وصار جميع أهلها المسلمين شيعة إلى اليوم.
النوابغ في أصفهان
ومن المشاهير الذين نبغوا في أصفهان أبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني ومقاتل الطالبيين. ومؤرخ أصفهان حمزة بن الحسين الأصفهاني صاحب تاريخ أصفهان، والحافظ أبو نعيم أحمد بن عبدالله صاحب حلية الأولياء المتوفى سنة 430هـ، وأبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا الذي ولد في أصفهان ومات فيها سنة 322هـ، وقد قال ياقوت: إن له في أصفهان عقباً كثيراً فيهم علماء وأدباء ونقباء ومشاهير.
وقد عدّ الثعالبي في اليتيمة ناقلاً عن كتاب حمزة: خمسة وثلاثين شاعراً باللغة العربية نبغوا في أصفهان، وذكر من معاصريه عدا أولئك، عبدان الأصفهاني المعروف بالخوزي، وأبا سعيد الرستمي، وأبا القاسم بن أبي العلاء، وأبا محمد الخازن، وأبا العلاء الأسدي، وأبا الحسين الغويري.
قال الدكتور مصطفى جواد: إن قصة الأدب العربي في أصفهان ما انفكّت في العصر البويهي تقدم أعلام الأدباء والشعراء. وانصرمت أيام بني بويه وتلاهم السلاجقة، وفي عهدهم شبّ الأدب الفارسي وقويت اللغة الفارسية، ولكن ظلّ الأدباء الأصفهانيون مقيمين على ولعهم باللغة العربية ولهجهم بالأدب العربي، ويمثل لنا من بينهم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني مؤلف مفردات القرآن، وكتاب المحاضرات، وكتاب الذريعة، وتفصيل النشأتين.
ونبغ في أواخر القرن الخامس الطغرائي صاحب لاميّة العجم المستشهد في الربع الأخير من القرن السادس.
وفي القرن السادس وما يليه لم تتغير حدّة اللغة العربية ولا ضعفت الرغبة العارمة في اللغة المذكورة، ويمثل هذين الزمنين العماد الأصفهاني أبو عبدالله محمد بن محمد بن حامد الشاعر الناثر المؤلف المؤرخ صاحب جريدة القصر وجريدة العصر أعظم مرجع في سير شعراء القرن السادس خاصة في كل البلاد الإسلامية والعربية، ذكر فيه شعراء إيران والعراق وشمال إفريقية والأندلس. وقد طبع بعض أجزائه ولم يطبع البعض، وصاحب الفتح القسي في الفتح القدسي الذي ضمنه تاريخ فتح القدس من صلاح الدين سنة 583هـ وما قبله وما بعده، وكتاب البرق الشامي في حروب صلاح الدين والحروب الصليبية، وتاريخ بني سلجوق، ونصرة الفترة وعصر الفطرة الموجود منه نسخة بدار الكتب الوطنية بباريس، واختصره تلميذه قوام الدين أبو ابراهيم الفتح بن علي البنداري الأصفهاني وسماه: (زبدة النصرة ونخبة العصرة). وهذا مطبوع. وتوفي العماد بدمشق سنة 497هـ.
وجاءت الدولة الإيلخانية واللغة الفارسية لا تزال ناهضة وانتشرت وعمّت إلا في أصفهان، فقد ظلّت أصفهان تصور عواطفها بالشعر العربي الذي يمثله في عصر هذه الخضرمة بين الدولتين العباسية والإيلخانية نظام الدين الأصفهاني الذي كان حيّاً سنة 680هـ «انتهى».
وقبل ذلك عرفت أصفهان شاعراً عربياً حقق في شعره ما يشبه الملحمة العربية ونظم في علي بن أبي طالب (ع) قصيدة بلغت ثمانمائة بيت ونيّفاً وثلاثين بيتاً. وقال بعضهم: إنها بلغت الألف بيت. ذاك هو أحمد بن علوية الأصفهاني الذي توفي سنة 320هـ وقد تجاوز المائة، ويبدو أن اللغة العربية وعلومها وآدابها ظلّت سائدة في أصفهان، وأنها في أواسط القرن الحادي عشر الهجري أيام الصفويين كانت على ما كانت عليه من قبل، ويدل على ذلك ما ذكره الرحالة العاملي علي الجبيلي في رحلته الشعرية حين زار أصفهان، وأشار إلى مجالس الشعر والنثر العربيين العامرة آنذاك.
وعدا عن الشعر والأدب فقد أخرجت أصفهان أعلام الفقهاء والمحدثين لا سيما من الحنابلة إذ كان المذهب الحنبلي أكثر شيوعاً، وبعد أن ساد التشيع فيها أصبحت ذات حوزة علمية شيعية من أكبر الحوزات العلمية وتتالى فيها كبار علماء الشيعة حتى اليوم.
أصفهان في الشعر العربي
وفي أصفهان يقول أحد شعرائها:
| لست آسي من أصفهان على شيء | سوى مائها الرحيق الزلال | |
| ونسيم الصبا ومنخرق الريح | وجو صاف على كل حال |
ويقول شاعر آخر ذاكراً قرية (جي) إحدى قرى أصفهان التي يرويها نهر زاينده رود الذي يروي أصفهان نفسها:
| قد اعتدلت أوقاتها وفصولها | وما استكرهت يقظاتها ومنامها | |
| فمن حل (جيّاً) ليس يثني رحاله | وأنسي حاجات بأخرى انتظامها | |
| لتشرب مياه الزندرود إذا اشتكت | من السقم نفس كي يزول سقامها |
ويقول أبو عبدالله الحسين النظري:
| حوت اصفهان خصالاً عجاباً | بها كل ما تشتهيه استجابا | |
| هواء منيراً وماء نميراً | وخيراً كثيراً ودوراً رحابا | |
| وترباً زكياً ونبتاً ورياً | وروضاً رضياً يناغي السحابا | |
| وفاكهة لا ترى مثلها | نسيماً وطعماً ولوناً عجابا | |
| تفيد الأعلاء برءاً كما | يفيد الربيع الرياض الشباب | |
| وزاد محاسنها زندرود | مياهاً كطعم الحياة عذابا |
وقال في تاج العروس: جي ـ بالفتح ـ لقب أصفهان قديماً. وقد كان ذو الرمة وردها فقال:
| نظرت ورائي نظرة الشوق بعدما | بدا الجو من (جي) لنا والعساكر |
ثم يقول في التاج: أو هي (يعني جي) بلدة بها أو محلة برأسها مفردة وقد استولى عليها الخراب إلا أبيات.
ومنها كان سلمان الفارسي رضي الله عنه.
وقال أبو عامر الجراواءاني في جي:
| سقى الله جيّاً إن جيّاً لذيذة | من الغيث ما يسري لها ثم يبكر | |
| فلا بقة في الليل يؤذيك لسعها | لنوم ولا برغوثة حين تسهر | |
| وماء ركاياها زلال كأنه | إذا ما جرى في الحلق ثلج وسكر |
وقيل في جي:
| لئن خربت جي وليس بصقعها | لذي الفضل عز إن فيه بقايا | |
| أفاضل دنياهم وأعيان دهرهم | خبايا طوتها بأصفهان زوايا |
ومن طرائف الشعراء في أصفهان أن الشيخ حبيب الكاظمي الذي كان حيّاً سنة 1269هـ زار أصفهان فتقلّب بين الرضا عمن فيها وبين الغضب عليهم ـ على عادة الشعراء ـ ولا شك أنه في غضبه كان ظالماً([165]). قال في حال الرضا:
| ايها البالغ الكمال كمالاً | قاصر في المديح فيك لساني | |
| غير أني أقول قولاً وجيزاً | ثابتاً عن قواطع البرهان | |
| منتهى العلم والتقى والمعالي | والندى والأمان والإيمان | |
| صاغها بارىء الخلائق جسماً | فقضاها بهيكل الإنسان | |
| ومحل حواه سام فأمسى | كعبة الوفد مشعر الركبان | |
| فهي دار وبالحقيقة كنز | قد حوى ما يجل عن تبيان | |
| وعجيب لها السماك محل | كيف صار المحل في أصفهان |
وقال في حال الغضب:
| أواه من طمع يكلف للنوى | نفساً يعللها المنى بالأنفس | |
| فتروح تذرع بالسرى بيد الفلا | وتشق بالتسهاد ثوب الحندس | |
| تبني له الآمال فوق ذرى السهى | بيتاً وتكسوه ثياب السندس | |
| حتى إذا أخذ النوى أطرافه | هزئت وقالت يا رقيع تنفس | |
| تسعى النفوس إلى المنى ولربما | يجني ثمار الغرس من لم يغرس | |
| ما في الأماني راحة لكنما | هي راحة صفعت قفاء المفلس | |
| إما تسل عن أصفهان وما جرى | فالغيث دمعي والبروق تنفسي | |
| إذ شممت ما لا أرتضي وألفت ما | لا أقتضي وحسوت ما لم أحتس | |
| ما غبت عن نحس الوجوه تطلّباً | دفع الأذى إلا وقعت بأنحس | |
| ماذا أروم من العلا في معشر | جعلت اهاب الضأن زين الأرؤس | |
| صم إذا حدثتهم أو حدثوا | خرس وهل يجديك صوت الأخرس | |
| فأروح لا مستأنساً بحديثهم | أبداً ومن لي بالحديث المؤنس | |
| ما لي أرى الآمال إن ضاحكتها | يوماً تلقتني بوجه أعبس | |
| ما بال حظي كلما نبهته | من نومه يأوي لحال أوكس | |
| قد كنت أطمع في الجواري برهة | فحظيت لكن بالجواري الكنس | |
| كم كنت أرعاها كأني حارس | والهم يرعاني لغير تحرس | |
| وطني يعز علي إلا أنه | ألف السهام البعد من جور القسي | |
| إن جئتم دار السلام فبلغوا | عني السلام أولي المحل الأقدس | |
| واشرح لهم متن الصحيفة قائلاً | إني حملت صحيفة المتلمس |
المسجد الجامع
في أصفهان اليوم مسجد يعتبر من أقدم المساجد الإسلامية، فيه آثار ساسانية وإسلامية وأموية وعباسية وبويهية وسلجوقية وصفوية وقاجارية ومغولية، ويعود إنشاؤه إلى عهد الرواد المسلمين الأوائل. وقد كان في الأصل بيتاً من بيوت النار عند المجوس فتحول في العهد الإسلامي إلى مسجد يعرف اليوم باسم المسجد الجامع. وهو عبارة عن خمسة مساجد متداخل بعضها في بعض. ومما نسب فيه إلى العهود الأولى مسجد
ينسب إلى عمر بن عبد العزيز يقع في الجانب الشرقي منه، وتضم جدرانه كتابات على قواعد مستطيلة من
خان مادرشاه في أصفهان
الكاشي الأزرق على طول الجدران فيما تحويه أسماء الخلفاء الراشدين بأوصافهم ونعوتهم. وطرز الكتابة لا يدل على القدم لأنها مما نعرفه في هذا العصر.
وفي جنوب المسجد ما يعرف باسم (صفة الصاحب) ويقال إنها مدرسة الصاحب بن عباد. وحين تمشي إليها ترى في مدخلها جرناً كبيراً مقاماً على قاعدة عالية منقوشاً على أعلاه أسماء النبي والأئمة ولا يبدو أنه قديم العهد. ويواجهك إيوان فخم مفتوح من الجهة الشمالية على طول البناء وعرضه، وتقوم فوقه على مساحته قبة كبيرة، أما جدرانه فمزنرة بنقوش من الكاشي وكتابات وآيات. ثم تدخل تحت عقد إلى حجرة واسعة في صدرها محراب تعلوها قبة على مساحتها وتحيط بها من جانبيها الشرقي والغربي عقود على ممرات وأواوين.
د
ولا يزال المحراب الذي أنشأه السلطان محمد خدابنده في المسجد الجامع قائماً، كما أن فيه منبراً صفوياً، ومنبراً من قبل العهد الصفوي، وفي المحراب نقوش وآيات وله قبة بديعة، وعليه تاريخ سنة 710هـ.
وفي الجانب الغربي من المسجد بناء مغولي مبني على شكل الخيام، ويعرف ببيت الشتاء وهو من أطرف ما أنشىء من البناء.
وربما كان هذا المسجد هو المسجد الذي وصفه مفضل بن سعيد بن الحسين المافروخي في كتابه (محاسن أصفهان) حيث يقول: «والجامعان: الكبير العتيق والبديع الأنيق. بنى أصله القديم عرب قرية طبران وهم التيم.. ثم أعيد في أيام المعتصم سنة ست وعشرين ومائتين، ثم زاد فيه أبو علي بن رستم في خلافة المقتدر، فصار أربع أدور يماس كل حد من جماعتها رواقاً، يلاحق كل رواق منه أسواقاً. وهو منذ اتّخذ يطن بالتهليل والتحميد، ويحن بالتسبيح والتمجيد، لا ينضم لإحدى الصلوات الخمس أقل من خمسة آلاف رجل. وتحت كل أسطوانة منه شيخ مستند ينتابه جماعة من أهلها بوظيفة درس أو رياضة نفس. تزين بمناظرة الفقهاء، ومطارحة العلماء، ومجادلة المتكلمين، ومناصحة الواعظين، ومحاورات المتصوفين، وإشارات العارفين، وملازمة المعتكفين إلى ما يتصل به من خانكاهات قوراء مرتفعة، وخانات عامرة متسعة، وقد وقفت لأبناء السبيل من الغرباء والمساكين والفقراء، وبحذائه دار الكتب وحجرها وخزائنها. إلى آخر ما قال…».
قبر المجلسي
ويتصل بالمسجد قبر المجلسي، بينه وبين المسجد ممر وقد كان حين زرناه مزدحماً بالزائرين نساءً ورجالاً والنساء أكثر عدداً. وربما كان هذا الازدحام لأننا كنا في مساء الخميس وهو ليلة الجمعة.
تمشي إليه فترى على دكّة بائعاً للشموع، وتدخل إلى بناء مستطيل فوقه قبة بسيطة وإلى جهته الشمالية يقوم قبر المجلسي الأول، وقبر المجلسي الثاني متصلين، فتدخل من مدخل مقطع بأعمدة خشبية إلى ثلاثة منافذ، وفوق القبرين قبتان. وجدران البناء ذات نقوش منوعة ومرايا صغيرة. وهناك البلاط الكاشي في الأعلى وعلى الجوانب، وكذلك القناديل والمصاحف، وقد كان مضاءَ بالكهرباء، وفيه صورة للمجلسي لم ندرِ أهي للأول أم للثاني.
وينفرج المقام عن الشمال والجنوب بإيوانين تحت عقدين. وإلى الشرق حجرة صغيرة ذات مدخل ضيق تضيئها الزائرات بالشموع الكثيرة، وكان في الخارج قارىء لسيرة الحسين يزدحم مجلسه بالرجال.
قبر الصاحب بن عباد
يقوم قبر الصاحب في أقدم حي من أحياء أصفهان اسمه (جوباره) ويسمى أيضاً حي اليهود لكثرة ما فيه من اليهود.
قبر الصاحب بن عباد في أصفهان
د
تقوم على القبر قبة، وفيه مصابيح بعضها مضاء وبعضها غير مضاء، ورأينا فيه عدداً من الزائرين والزائرات المتبركين التالين للقرآن وللأدعية. والازدحام هنا أقل من الازدحام على قبر المجلسي والنساء أكثر عدداً، وأكثرهن شابات وتنتشر على جانب جدران المقام لوحات فيها الزيارات والأدعية والصورة والأرض مفروشة بالسجاد وكان يصلي فيها بعض النساء ورأينا شيخاً يجلس في زاوية على الأرض يكتب على منضدة واطئة وأمامه مصباح بترولي.
أصفهان اليوم
ولا تزال أصفهان حتى اليوم مقراً للدراسات الدينية، ويبلغ عدد طلابها ما يزيد على خمسمائة طالب تؤويهم المدارس الآتية: مدرسة الصدر، مدرسة الجدة الكبيرة، مدرسة الجدة الصغيرة، مدرسة شهار باغ، مدرسة نيم أورد، مدرسة ملا عبدالله، مدرسة كاسه، المدرسة النورية، المدرسة الناصرية، مدرسة عربان، مدرسة ميرزا مهدي، مدرسة ميرزا حسين، مدرسة الشيخ محمد علي، المدرسة الشفيعية، مدرسة تركها، مدرسة درب كوشك، مدرسة شهار باغ صدر وغيرها.
هذا في مدينة أصفهان نفسها أما في المناطق التابعة لها فتوجد مدارس دينية في كل من: نجف آباد وشهر رضا وريز وغيرها.
وقد غزت المدارس التبشيرية الأجنبية للبنين والبنات أصفهان، مما حفز فريقاً من علماء أصفهان ووعاظها إلى الاهتمام بهذا الأمر، والعمل على إنشاء مدارس حديثة تعني بالتوجيه الإسلامي، وبدأ تفكيرهم بذلك سنة 1383هـ، وبعد عامين أي سنة 1385هـ نفذوا فكرتهم فأقاموا بناية كبيرة لتكون مدرسة ثانوية أطلقوا عليها اسم المدرسة الأحمدية، وعندما زرتها في ربيع عام 1385هـ ـ 1966م كان البناؤون يعملون فيها، ورأيت فيها قاعة كبيرة للمحاضرات، وكان الخطباء قد بدؤوا يلقون فيها المحاضرات في الليل على طلاب الجامعة وخرّيجي الجامعات. وعلمت منهم أنهم ينوون إنشاء أربعة عشرة مدرسة كهذه المدرسة على أسماء الأئمة الأحد عشر وجدهم الأعلى رسول الله (ص) وأبيهم علي وأمهم الزهراء (عليهم السلام)، وقد بدؤوا أول ما بدؤوا بالمدرسة الأحمدية.
ومن علماء أصفهان المشرفين على الحوزة الدينية اليوم كل من:
الحاج آغا رحيم أرباب، والشيخ مهدي النجفي، والشيخ محمد باقر زند كرماني، والسيد حسين الموسوي الخادمي والسيد محمد رضا الخراساني، والسيد عبد الحسين الطيب، والسيد أبو الحسن شمس آبادي، والشيخ مرتضى الأردكاني وغيرهم([166]).
وفي أصفهان اليوم سيدة مجتهدة هي السيدة نصرت أمين درست الفقه حتى بلغت درجة الاجتهاد، ونالت الإجازات من كبار علماء عصرها، وألفت الكتب العديدة دون أن تحمل اسمها، بل أخرجتها باسم (سيدة إيرانية)، وهي اليوم تقوم بأعباء التوعية الإسلامية لنساء أصفهان فتلقي كل أربعاء في بيتها دروساً على النساء في التفسير والفقه والأخلاق والفلسفة ولا يقل حضور درسها عن الخمسمائة إمرأة، وبسبب الإقبال على دروسها اضطرت أن تضع أربع مكبرات للصوت. وتساعدها في هذه الأيام إحدى تلميذاتها التي تتجاوز أحياناً الدراسات الدينية إلى الدراسات الأدبية فتلقي أحياناً دروساً في الشعر والفلسفة.
سلالات العلماء في أصفهان
ميدان الإمام الخميني (نقش جهان) في أصفهان
د
وقد شهدت أصفهان نبوغ عدد من العلماء والمفكرين ممن نشؤوا فيها أو هاجر إليها، ولا تزال هذه الأسماء حيّة في أصفهان بما تركه أصحابها من بنين تسلسل فيهم العلم حتى اليوم فهناك العدد الجمّ من أهل العلم والفضل من كل من آل الصدر، والمجلسي، والخوانساري، والطباطبائي، والتويسركاني والكلباسي، والشفتي، والمدرس، والخاتون آبادي، والفشاركي، واللاهيجي.
أما أسرة الخوانساري صاحب روضات الجنات فيعرفون اليوم باسم الروضاتي وهناك آل النجفي، وهم أسباط الشيخ جعفر الكبير، وأحفاد الشيخ محمد تقي الذي هاجر إلى النجف من قرية (إيوان كي) قرب طهران، وتزوج بنت الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء، واستقرّ في النجف ثم عاد ابنه الشيخ محمد باقر إلى إيران فسكن أصفهان، وصار إماماً لمسجد الشاه، وعرف بالنجفي، ولا تزال سلالته تحمل هذا الاسم.
وأما آل الصدر الذين نزح جدهم من جبل عامل إلى أصفهان في محنة الجزار فهم متفرعون اليوم إلى ستة أسماء: الصدر العاملي، والخادمي، والصدر، والمستجابي، والفصولي، والرباني.
وإلى أصفهان نزح من لبنان المحقق الكركي في عهد الصفويين وأصبح الرجل الثاني في الدولة، وتزوجت ابنته هناك فعرف زوجها بالداماد (أي الصهر)، فولد من هذا الزوج الفيلسوف الإيراني السيد محمد باقر الذي عرف أولاً بابن الداماد ثم صار يعرف بالداماد. وكان للمحقق الكركي بنت أخرى تزوجت في أصفهان وولدت مير زين العابدين فتزوج بنت ابن خالته السيد محمد باقر. ومن هذا الزواج اليوم في أصفهان كما في طهران ومشهد الرضا ونجف آباد العدد الجم من أهل العلم والفضل يحملون لقب الداماد ما عدا واحداً منهم هو السيد جمال الدين الذي فضل النسبة العربية فأصبح يعرف بالسيد جمال الدين الصهري. أما السيد محمد باقر فلا يعرف له اليوم نسل في أصفهان.
المدارس اليوم
وفي أصفهان اليوم أكثر من ثلاثين مدرسة ثانوية للبنين بين أهلية وحكومية وثماني عشرة مدرسة ثانوية للبنات. وفيها جامعة تضم كلّيّات للطّب والصيدلة والعلوم والآداب. ومكتبة كلية الآداب من أكبر المكتبات الإيرانية.
مكتبة وزارة المعارف في أصفهان
لوزارة المعارف في أصفهان مكتبة كبيرة تحوي على عدد كثير من المخطوطات القديمة. وقد زرتها وتصفّحت ما سمح الوقت القليل بتصفّحه من مخطوطاتها. فكان أقدم مخطوط فيها هو كتاب مناقب ابن شهرأشوب مكتوباً بخط جعفر بن أحمد بن الحسن بن قمرويه الجابري سنة (587هـ).
وفيه أنه نظر فيه علي بن يوسف بن علي الفوعي (نسبة إلى الفوعة القرية الشيعية في محافظة حلب) وفيه اسم فوعي آخر غير واضح. واسم موسى بن… بن إبراهيم الفوعي مولداً والحلبي أصلاً. واسم محمد بن موسى… الفوعي. واسم آخر غير واضح يليه: ابن محمد بن… من قرية إدلب (سنة 886هـ) وفيه اسم تاج الدين بن محي الدين بن تاج الدين بن محمد بن زهرة الحسيني الحلبي سنة (986هـ).
وهنا لا بد لنا من التساؤل عن كيفية وصول هذا الكتاب وربما غيره مما لم نره إلى أصفهان، هل في هذا دلالة على رحلات علمية من علماء حلب وأطرافها إلى إيران لا سيما أصفهان على نسق الرحلات العاملية؟
وهل استعين بهؤلاء العلماء كما استعين بالعلماء العامليين؟ نحن نعلم من ترجمة تاج الدين بن محمد بن حمزة بن عبدالله بن محمد بن عبد المحسن بن الحسن بن زهرة بن عز الدين أبي المكارم حمزة الحسيني الإسحاقي الموصوف: بالحلبي ثم الفوعي والمتوفى سنة 927هـ أنه رحل إلى إيران وبقي فيها سبع عشرة سنة. وقد ذكر الرضي الحنبلي صاحب (در الحبب) وهو يتحدث عنه قائلاً: «رحل إلى بلاد العجم وحصّل بها جانباً من العلم والمال، وبقي بها غائباً قريباً من سبع عشرة سنة» إلى آخر ما ذكره…
ويبدو أن تاج الدين بن محي الدين الوارد اسمه على الكتاب الخطي هو حفيد تاج الدين هذا، فهل رحل هو الآخر إلى إيران كما رحل جدّه حاملاً معه هذا الكتاب وغيره من الكتب؟..
ومن الكتب الخطية التي رأيناها كتاب صغير غير مؤرخ يبلغ عدد صفحاته 71 صفحة اسمه: الإرشاد في أحوال الصاحب بن عباد. تأليف أبي القاسم أحمد بن محمد الحسني الحسيني القوبائي الأصفهاني. وقيل لنا: إن القوبائي ربما كان نسبة إلى كوبا (بالباء) الفارسية، وهي بلدة تبعد عن أصفهان نحو ستين كيلومتراً.
وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب ما يلي: لما رأيت الصاحب الجليل كافي الكفاة إسماعيل أنار الله مضجعه مدفوناً في بقعة خربة الآثار في دار غربة من تلك الديار في محلة ليس لها أنيس…
وفي آخره يقول (والحديث لا يزال عن قبر الصاحب) «سمعت عن بعض أنه استهدمه بعض من نصب لتعمير (باغ القوشخانة) كما استهدم بقعة الشيخ الأجل علي بن سهل طاب ثراه، واشتهر بذلك واستخف، وسقط عن محله من أجل ذلك».
ومن الكتب الخطية التي رأيناها كتاب ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة للشهيد الأول تاريخ كتابته سنة 957هـ بخط أبي الحسن شريف بن حبيب الله. وهناك نسخة ثانية من نفس الكتاب بعدة خطوط آخرها خط محمد حسين نائيني سنة 1057هـ وكلا النسختين هما المجلد الأول.
أصفهان كما رأيتها العام 1966م
لا يزال القديم والجديد يصطرعان في شوارع أصفهان، دون أن يستطيع الجديد تغلّباً، وهو وإن كان يبدو أنه سائر إلى الغلبة إلا أنه يمشي إليها مشياً بطيئاً فلا تدري متى يمكن أن يصل، فهذه الشوارع الرحبة العريضة التي هي من أبرز مظاهر التجديد، إن هذه الشوارع لم تستطع أن تضفي على أصفهان حلّة الجدّة، فإذا كانت بمجرد شقّها ثم بما بذل في سبيل تمديدها وتعريضها من جهدٍ، إذا كانت بذلك تحاول أن تعطيك الصورة الواضحة عن أصفهان الحديثة، فإنها بأرصفتها الترابية، وبما يتفرّع عنها من أزقّة بدائيّة ملتوية ضيّقة، وبما في تلك الأزقة من بيوت طينية الجدران عتيقة البناء، بكل ذلك تحس أن أصفهان لا تزال أصفهان القديمة. إن شقّ الشوارع الكبرى لم يغير من طبيعة البناء على جوانبها، فترى الشارع جديداً، ولكن البناء على الجانبين لا يزال هو البناء الأول لم يتجدّد بل إن الكثر من أحياء أصفهان لا بد في الوصول إلى بيوتها من دخول دهاليز طويلة هي أشبه بالكهوف، فسقوف بعضها بالخشب، وبعضها بالعقود، فإذا مررت في الزقاق وسرت في الدهاليز ووقفت أمام البوابة الخشبية الأثرية خُيّل إليك أنك واصلٌ إلى بيت بسيط لا يختلف عن طبيعة هذا الزقاق وهذا الدهليز، ولكن ما إن تدخل البيت حتى ترى أن المظهر الخارجي شيء، والحقيقة شيءٌ آخر، وترى أنك في دار أنيقة بغرفها وبركتها وباحتها وبكل ما فيها، تشبه بيوت دمشق القديمة التي لا توحي بواباتها وواجهاتها وطريق الوصول إليها بأنك واصل إلى ما ستصل إليه. على أن أصفهان استطاعت بشارع واحد أن تكون فريدة بين المدن، هذا الشارع هو ـ خيابان جهار باغ ـ أي شارع الحدائق الأربع، وأول ما تلاحظ أنه ثلاثة شوارع شارع في الوسط يحدق به صفّان من الأشجار، وشارعان على الجانبين يرافقهما الشجر أيضاً، ورصيف عريض لكل واحد من هذين الشارعين، فيتكون من ذلك شارع من أجمل شوارع الدنيا وأكثرها اتّساعاً واتّساقاً. وإذا كانو قد أطلقوا عليه اسم شارع الحدائق الأربع فيجدر أن يسمى ـ الشارع الحديقة ـ وسبب تسميته أنه أقيم مكان أربع حدائق كانت بهذا الشارع فحمل اسمها عن جدارة. وهو بهذا الشجر الغضيض المتشابك فروعاً وأغصاناً ـ والمتراصّ على كل الجوانب ـ لا سيما على ضفتي القسم الأوسط.. شارع يعزّ مثيله في بلد من البلدان. وحتى هذا الشارع الأنيق البهيج يتصارع فيه القديم والجديد ويتجاذبانه من هنا وهناك، ولكن غلبة الجديد هنا تبدو للعيان، فإذا جئت الشارع من الشمال ومشيت فيه متّجهاً إلى الجنوب رأيت شارعاً متناقضاً، هو حديث إن كان المقصود بالحداثة، حداثة الإيجاد، ولكن حداثة الإيجاد هنا غير مكتملة فالقسم الأوسط منه ترابي، والبناء على الجانبين قديم، وحتى الشجر هنا في هذه الجهة يختلف عما ستراه في الجهة الجنوبية.
فإذا أوغلت ماشياً إلى الطرف الجنوبي بدت لك أصفهان الحديثة في كل شيء، فها هنا أرشق المتاجر والمطاعم والسينمات والفنادق والحوانيت، أرشقها وأحدثها وأبهجها. وها هنا الشوارع العرضانية المتفرعة عنه والمتناسبة معه. ويمتد هكذا نضيراً شجيراً متألقاً حتى ينتهي بساحة 24 أسفند الجميلة الرحبة، فتبرز فيها أكبر الفنادق والمتاجر وأزهاها، وتطل عليها الجبال الشواهق من علٍ، وتمضي في الساحة حتى تلتقي بنهر زايندرود وجسره الطويل ذي الثلاث والثلاثين قنطرة (سي وسه بل)… فإذا دهمك الأصيل وأنت تسير واقترب غروب الشمس وأنت على طيّتك، رأيت منظراً حلواً. فيه الجسر إلى يسارك ومجرى النهر أمامك. مجرى النهر العريض الناضب بعضه والجاري بعضه، النابض ماء ولكن المزدهر عشباً حتى يعود كميدان أخضر محصور بالشجر ومجاور بالماء ومحروس بالجبال.
في الشطر الجنوبي من هذا الشارع مروراً إلى الساحة يلتقي الأصفهانيون في الآصال متنزهين، فإذا دنا الليل ازدادوا إقبالاً على النزهة وازداد الشارع بهجة وتألقت فيه الأضواء على جوانبه شعلاً بالنور الأحمر والأخضر الثابت والمتحرك. أما المتاجر فقد شعّت هي الأخرى بالمصابيح واستعدت للسهر عارضة أجمل وأدق ما صنعته الأيدي الأصفهانية المبدعة. والناس ذاهبون آيبون من هنا وهناك مستمتعين بكل ما هيأ لهم هذا الشارع الجديد الجميل، ولا يفوتك أن تلاحظ أن النساء هنا قلّة قليلة ويخيّل إليك أن أكثرهن عابرات لا متنزهات، وهنّ محجبّات إلا النادر في الفتيات منهن.
ومن الطريف أن ما قابل شاطىء النهر اتّخذ موقعه مسمى لمكانه فتجد هنا: سينما الساحل وأوتيل الساحل وتجد حتى ـ كوشت ساحل ـ أي لحم الساحل. ومن ساحة 24 أسفند يتفرّع باتّجاه الغرب الشجر، وفيه تبدأ أصفهان الحديثة التي تختلف عما رأيته من قبل، هنا الشارع شارع متناسق بكل ما فيه، بهذه الأرصفة المتقنة، بهذه الدارات الأنيقة، بهذه المنازل الرشيقة، بهذا الشجر الظليل. ومن جنوب شارع جهار باغ يتفرع شارع يحمل اسم عاملي شهير، إنه شارع الشيخ البهائي الذي يعدّ من أضخم شوارع أصفهان، ولقد عبرناه في الليل ومضينا في طوله المديد فكانت بعض متاجره منارة بالأضواء الملونة. أما أكثره فمساكن ومنازل.
الأسواق القديمة
في أصفهان أسواق كبرى كسوق الشاه، وإذا كان يحمل اسماً معيناً فهو ليس كذلك في الحقيقة، بل هو مجموعة أسواق متداخل بعضها في بعض، متفرّع بعضها عن بعض.. يحمل كل منها اسماً خاصاً، ويؤلف مجموعها ـ سوق الشاه ـ وهو من ألطف الأسواق وأكثرها طرافة ومتعة. دخلناه من ساحة نقش جهان من مدخل حافظ منحرفين إلى سوق اللوافين، فإذا بنا أمام مشاهد منوعة وطرائف متعددة، فإلى يسارنا (بسطة) ملابس جاهزة تلاصقها (بسطة) أواني زجاجية تقابلها دكان حلويات ونمشي فنرى بائع فواكه يقابله لحام فبائع ملابس جاهزة فبائع دفاتر. يقابله بائع تنوعت بضائعه وتعددت معروضاته، وإن كانت في هذا التنوع والتعدد لم تعدم رابطة تؤلف بينها فيها مزيج من الحبال والسطول والأخراج والراحات وأرسنة الخيل والحمير بعضها من الحديد وبعضها من الحبال، ودلاء المطاط، ثم مخزن للحديد يقابله بائع اللحم والجلاجل الكبيرة وسروج العربات تلاصقه مكتبة مدرسية فبائع سجاد يقابله حلاق. وهكذا يمضي سوق اللوافين في بضائعه عارضاً منها ما تناقض وتخالف، رابطاً بين ذلك بوثاق من حاجات الناس التي تتناقض هي الأخرى وتتخالف، فلم يمتنع عن أن يجمع بين المكتبة واللحم والسروج، وبين كل ما لا يجتمع في سوق واحد، لم يمتنع عن أن يجمع ذلك في صف واحد وجوار متلاصق. ولعله كان في ذلك منطقياً أكثر من غيره، فالرجل الذي يأتي فيساوم على أرسنة الخيل وبرادغ البغال مثلاً.. لماذا لا نفكر أنه قد يتذكر بأن ابنه بحاجة إلى كتاب وأن بيته بحاجة إلى آنية.. وأخيراً يحسّ بالجوع.. فيميل من دكان إلى دكان حتى ينتهي إلى الحلويات والفواكه.
سوق آخر
وينتهي سوق اللوافين متصلاً بسوق علي قلى خان فنرى هنا أيضاً مجموعات متناقضة، والشيء الوحيد الذي يختفي فيه هو أدوات الخيل، والحبال والسطول، ولكنه يظل متبايناً، يجمع مثلاً جنباً إلى جنب بين بائع الفواكه وبائع الملابس الجاهزة. وقد تجمع الدكان الواحدة بين الخس واللبن والرز المطبوخ بالحليب، ثم تُفاجأ وأنت تمشي بالحمام منشورة (وزراته) الحمراء على الجدران. وتوغل بعد ذلك فترى دنيا أخرى من المتاجر الأنيقة التي تظل هي الأخرى متباينة البضائع ولكنها أقرب إلى التجانس. ويجب أن نذكر ونحن نجول في هذه الأسواق أننا لم نكن نجول في الفضاء وتحت السماء، بل تحت عقود حجرية تقي السوق من أشعة الشمس، ومن صبيب المطر. ويتشعّب السوق إلى أسواق يتداخل بعضها في بعض وتحوي أنواع الطرف مما أخرجته الصناعة الأصفهانية بفنّها الرفيه وإتقانها البديع، أو مما جلب إليها ووفد عليها. كما تتفرّع عن السوق بعض المدارس الدينية والخانات التجارية والمساجد، وفيه مما فيه ـ باغ قلندرها أي حديقة القلندرية، وللقلندرية أخبار وأحداث ليس هذا موضوع الإفاضة فيها. ولكن حديقتهم هي اليوم اسم لغير مسمى، فلا حديقة ولا شجر ولا عشب، بل سوق ومخازن ودكاكين.
مسجد جهار باغ
مساجد أصفهان لا مثيل لها في أي مكان بما تحويه من ضروب الفن وروعته الصناعية ودقة العمل، فهناك مدرسة ـ جهار باغ ـ ومسجدها… وإذا كان شارع جهار باغ هو الشارع الحديقة فإن هذه المدرسة هي المدرسة الحديقة. فإن نهراً يشقّها على طولها وتتوّسّطها بركة كبيرة وتقوم فيها الحدائق والأشجار. وهذا كله يكسبها جمالاً طبيعياً فائقاً. ولكن الروعة تبدو حين نستقبل مدخلها من الصحن في اتّجاه القبلة، ونرى القبلة والمأذنتين والعقود والنقوش والفسيفساء والزخارف. كذلك عندما نستقبل العقود الأخرى لا سيما الباب الشمالي. ويبلغ الفن أقصاه في الداخل حيث الجدران والقبّة والعقود والأواوين. وهذا مسجد ومدرسة دينية معاً أنشأهما الشاه حسين الصفوي، وأنشأ لنفسه فيها غرفة بسيطة كان يؤمها ويجلس فيها ولا يزيد عدد طلاب المدرسة اليوم على ثلاثين طالباً.
مسجد الشيخ لطف الله العاملي في أصفهان
د
مسجد الشيخ لطف الله العاملي
هذا اثرٌ من جبل عامل في أصفهان، اثرٌ عامليٌّ سليل علماء عامليين احتضنتهم أصفهان فكانوا أكفياء هذا الاحتضان بما بذلوه من علم وعمل وإخلاص، وكانت أصفهان وفيّة لهم بما يسّرت لهم من سبل وما مهّدت لهم من وسائل، ثم حفظت ذكراهم في هذا المسجد العظيم الذي إذا كان يحمل اسم واحد منهم فإنما هو رمز لهم جميعاً. تقبل على المسجد فتلقاك واجهته بقيشانيها الجميل ونقوشها البديعة وخطوطها ورسومها اللطيفة. فترى أمامك لوحة فائقة من أبدع الصنع بجدرانها الثلاثة. وتدخل في الرواق المستطيل المعقود بالقيشاني، وتنحرف في الرواق الثاني فتدخل المسجد مستقبلاً المحراب تحت القبة التي تغمر المسجد كله فيتيه بصرك في بدائع المحراب والزوايا والجدران والقبّة وبقدر ما تملك نفسك واجهة المدخل، تنساها أمام ما رأيت من جديد، ليس المسجد متّسع المساحة، ولكنه لوحة من أروع اللوحات العالمية.
مسجد الشاه
تشكل واجهة مسجد الشيخ لطف الله جزءاً من السور الكبير الذي يحيط بساحة ـ نقش جهان ـ وساحة نقش جهان أي ساحة صورة العالم هي الساحة الرحبة الجميلة التي أعجب بها الأصفهانيون فأطلقوا عليها الاسم الكبير، وهي جديرة بأن تسمى بأحسن الأسماء. وفي الجهة الجنوبية تشكل واجهة مسجد الشاه جزءاً آخر من السور في نفس امتداد مسجد الشيخ لطف الله ولكن في اتّجاه معاكس. وتمضي إلى مسجد الشاه بعد مسجد الشيخ لطف الله، فترى فيه تتابع اللوحات وتعاقب الإبداع وتنوع الصور. في الباحة والأواوين والأقبية والمآذن والعقود والجدران. على أن فيه شيئاً آخر هو أعجب من هذه الأعاجيب، ذلك أن المسجد متّسع الجنبات لا يبلغ صوت الخطيب فيه إلى كل جانب فاستطاع مهندسه البارع أن يبنيه على فن يتجاوب فيه الصوت تجاوباً متتابعاً يتيح انتقاله إلى كل أذن داخل المسجد، ويبلغ به مدى بعيداً في صحن المسجد. ولقد كنت أسمع عن هذا من قبل فلا أتصوره حتى كنت هنا وأصغيت إلى تتابع الصدى، تتابعاً متتالياً قيل إنه يبلغ سبع مرات، ولكنني لم أستطع عدّها وإن سمعت تعدّدها كما وقفنا في الصحن بعيداً عن مكاننا وسمعنا من يهتف في الداخل سماعاً ما كنا لندركه لو كنا في غير هذا المسجد. وهكذا استطاع ذاك المهندس أن يوجد مكبراً للصوت، بلا مكبر ولا كهرباء ولا أسلاك. من قبل أن يعرف العالم هذه المكبرات بمئات السنين. أما المهندس الذي قام بكل ذلك فالمعروف أنه عاملي من جبل عامل إنه بهاء الدين العاملي (الشيخ البهائي).
قمة مسجد الشيخ لطف الله في أصفهان
د
ڇهل ستون
ومضينا إلى ڇهل ستون (الأربعين عموداً) تنتصب على ضفاف الماء فتنعكس على صفحته فتبدو العشرون أربعين. على أن الشيء العظيم هو ما كان داخل البناء، في تلك اللوحات التي تبلغ أعلى درجات الفن، والتي تمثل المعارك والمجالس والأشخاص، مثل حروب نادر شاه وحروب الشاه إسماعيل الصفوي وانتصاراتهم لقد أفرغ فيها الفنانون الإيرانيون أدقّ ما حققوه وما عرفوا به من براعة.
من تاريخ أصفهان
جوزيف من أهالي جورجيا، غادر مدينة تفليس منذ الطفولة إلى الدول الأوروبية لتعلم اللغات الأجنبية وخلال عودته من ميناء فنيسيا إلى استنبول تعرّف صدفة في الباخرة على غاردان (Gardan) مبعوث لويس الرابع عشر ملك فرنسا في مهمة سياسية إلى بلاط سلطان حسين الصوفي فاستخدمه غاردان مترجماً وسكرتيراً له في هذه المهمة.
ووصل الموفد الفرنسي إلى مدينة قزوين في عام 1130 هجرية (1717 ميلادية) عبر طرابوزان، أرض روم، إيروان، نخجوان، تبريز، وسلطانية. وكان سلطان حسين الصفوي قد وصل إلى قزوين آنذاك قادماً من أصفهان.
وقدّم غاردان أوراق اعتماده إلى الشاه الصفوي في هذه المدينة.
وغاردان هذا هو جدّ الكولونيل غاردان (1766 ـ 1818م) الذي أوفده نابليون الكبير سفيراً لفرنسا ورئيساً للوفد العسكري الفرنسي لدى بلاط السلطان فتح علي شاه في عام 1222 هجرية (1807 ميلادية).
أقام غاردان والوفد المرافق له في مدينة أصفهان ثلاثة عشر عاماً. ولما توجّه الأمير طهماسب ميرزا ابن سلطان حسين الصفوي وكان آنذاك وليّاً للعهد ليلاً إلى مدينة كاشان ومنها إلى مدينة قزوين مع ألفٍ من القوات المسلحة بعد أن كان الأفغان قد حاصروا مدينة أصفهان.
كان شقيق غاردان يرافقه في هذه الرحلة لتجميع القوات.
وعاش غاردان في مدينة أصفهان طوال مدة سيطرة الأفغان على هذه المدينة، وفي عام 1144هـ وخلال انهيار حكم الأفغان ومجيء نادر شاه، غادرها إلى مدينة شيراز ومنها إلى البصرة عائداً إلى بلاده فرنسا.
وصادفت إقامة غاردان في إيران، وجود المبشر البولندي المعروف فاده يوداس كروسينسكي (Thaddee yudas krusinsky) في إيران وقد كان هذا يعمل في التبشير بالدين المسيحي كما كان يتدخل في الأمور السياسية في البلاط وكان قد أتقن دراسة التاريخ الإيراني.
لقد ترك كل من كروسينسكي وغاردان وجوزيف الجورجي مترجم غاردان وهم الذين شاهدوا بأعينهم الكثير من أحداث استيلاء الأفغان على أصفهان ـ ترك كل واحدٍ منهم مذكرات ومقالات حول هذه الأحداث. وتتميز مقالات ومذكرات كروسينسكي عن مثيلاتها نظراً لاهتمام كاتبها ودقته وتعتبر من المصادر المهمة لمعرفة أحوال تلك الأيام وقد تمّت ترجمتها في اللغة البولندية إلى الكثير من اللغات الأخرى وقد نقل عبد الرزاق بيك الدنبلي صاحب كتاب المآثر السلطانية القسم الأعظم منها من اللغة التركية إلى اللغة الفارسية تحت عنوان عبرت نامه (كتاب العبر) أو بصيرت نامه (كتاب البصيرة) في عصر عباس ميرزا ولي العهد.
وخلال إقامته في مدينة أصفهان بعث غاردان عدة رسائل إلى وزارة الخارجية الفرنسية شرح فيها أحداث الهجوم الأفغاني على عاصمة الصفويين. حيث ما زالت تلك الرسائل محفوظة في سجلات وزارة الخارجية.
وفيما يلي ترجمة إحدى تلك الرسائل:
إن مضمون هذه الرسالة، عبارة عن أحداث محاصرة مدينة أصفهان، وسيطرة الأفغان على القرى والمناطق والجسور الواقعة في أطراف العاصمة.
وقائع حرب الإيرانيين مع الأفغان
السجل رقم 79 ـ التاريخ 17 فبراير 1723 ميلادية (العاشر من جمادى الأولى 1135 هجرية) وصل السلطان محمود مع جيش مؤلف من عشرة آلاف من الأفغان إلى مسافة تبعد ستين كيلومتراً عن العاصمة أصفهان وكان ذلك في اليوم الخامس من شهر آذار (السابع عشر من جمادى الأولى سنة 1134 هجرية)، وكان الإيرانيون قد نظموا جيوشهم للوقوف بوجه القوات الأفغانية. وكان والد السلطان محمود قد حرّض سكان ولاية قندهار على الشاه الإيراني.
وفي اليوم التالي في اليوم السادس من آذار استعد 45 ألفاً من المقاتلين الإيرانيين لحرب الأفغان وخرجوا ليلاً من المدينة وأقاموا مخيّماً لهم.
وفي اليوم السابع من آذار وصل القادة الذين عليهم أن يشرفوا على هذا المخيم وصلوا مع أتباعهم.
لقد تمّ اختيار أحد القادة العرب مع جماعته للجناح الأيمن بينما أخذ علي مردان خان وهو كبير قبيلة ألوار مع جماعته الجناح الأيسر. وتمّ تسليم قلب الجناح إلى كل من قورجي باشي قائد فرقة الخيالة وقلرآقاسي قائد الحرس الملكي الخاص بينما أخذ كل من اعتماد الدولة وتوبجي باشي قيادة خلفية الجيش.
وفي الثامن من آذار تقابل الجيشان وكان السلطان محمود قد صنع من الجمال متاريس، ووضع جنوده خلف هذه المتاريس بينما كان قد وضع المدافع على ظهور هذه الجمال. وكان الإيرانيون يعتمدون على كثرة أفرادهم وبدؤوا هجومهم حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر وكان قلرآقاسي شقيق حاكم ولاية جورجيا أول من بدأ الهجوم وحارب ببطولة وكفاءة إلا أن القوات الإيرانية رغم قدرتها على مقاومة محاصرة العدو رفضت مساعدته ففتحت قوات محمود المتحدة نيران أسلحتها على القوات الإيرانية فانهزم الإيرانيون من ساحة المعركة.
أما علي مراد خان الذي كانت قد بدت خيانته للشاه، وانكشفت كل الانكشاف فقد توجّه مع مائتين من أفراده إلى مقاطعته في لرستان، بينما وقع كل من قلرآقاسي وتوبجي باشي وعدد من القوات الجورجية البواسل، وقعوا قتلى في ساحة القتال، كما وأن اعتماد الدولة (وكان اسمه محمد قلى خان شاملو وكان الوزير الأعظم للسلطان حسين وكان قد تولى هذا المنصب بعد عزل فتح علي خان الداغستاني من منصبه بعد سمل عينيه)، وخمسة وعشرين ألفاً من جنوده لاذوا بالفرار، فهرب بعضهم إلى أطراف العاصمة بينما توجّه البعض الآخر إلى العاصمة نفسها، واغتنمت القوات الأفغانية الفرصة فاستولت على الكثير من معدات اعتماد الدولة، ومعدات وعدد آخر من أمراء الجيش كما استولت هذه القوات على ثمانية مدافع لم تكن قد أطلقت قذيفة واحدة. وكان فيليب كلمب (Fhilippe Colombe) الذي كان في خدمة الشاه الإيراني، قد حاول تعطيل هذه المدافع إلا أنه قتل في هذا الحادث. وخسر الإيرانيون في هذه المعركة بين 1200 إلى 1300 رجل بينما كانت خسائر الأفغان ثلاثمائة قتيل فقط، وكان عدد القوات الإيرانية التي وصلت إلى أصفهان ليلاً مذعورة لا يتجاوز المائتين، وإذا كان محمود يعرف الذعر والاضطراب اللذين استوليا على أهالي العاصمة أصفهان فإنه يعلم أن بإمكانه أن يدخل العاصمة بسهولة ويستمر في القتال داخل المدينة.
وخلال اليومين التاليين أي في اليوم التاسع والعاشر من آذار وبالرغم من أن الشاه قد أمر بجمع المتطوعين إلا أن الأهالي لم يرحبوا بذلك ولم يبق مع الشاه سوى مائتين من حرسه الخاص. وكان الأهالي يرون عدم الوقوف بوجه قوات محمود الفاتح تحسّباً لسفك المزيد من الدماء، وفي صباح اليوم الحادي عشر من آذار استدعى الشاه نجله الأكبر أحمد، وكان في الخامسة والعشرين من العمر، من البلاط وعينه قائداً عاماً للقوات، وقال لأهالي العاصمة: إن نجله هو الحاكم على أرواح وأموال جميع السكان بالنيابة عن الملك.
فاستعد أعيان المدينة جميعهم بأسلحتهم في ساحة العاصمة كما استخدم كل واحد منهم عدداً من الجنود وبدؤوا بوضع المتاريس وحفر الخنادق في شوارع العاصمة.
وفي منتصف الليل حاول عددٌ من أفراد العدو الدخول إلى العاصمة عبر جسر شيراز وبعد تبادل إطلاق النار بين الجانبين لم يحقق أي طرف منهما أي انتصار.
وفي المأدبة التي أقامها الأمير أحمد في تلك الليلة وشارك فيها كبار رجال البلاط شوهد الأمير مغتراً بنفسه، بادية عليه علامات الإصرار على سفك الدماء.
وبدا أن كبار المدعوين أدركوا أن الأمير أحمد على معرفة جيدة بالفساد والفوضى السائدين في البلاد ولهذا قرروا تنصيب أمير آخر مكانه. وفي صباح اليوم الثاني وبعد أن كان من المقرر ان يتجول أحمد في أرجاء المدينة، إذا بالشاه يأمر باعتقاله في البلاط.
وفي اليوم الثالث عشر لم يقع حادث جديد إلا أنه حاول عددٌ من أفراد العدو الاقتراب من بوابات العاصمة، حيث أطلقت عليهم عدة عيارات نارية وظل الجيش الأفغاني في حصونه في أطراف جسر شيراز.
وفي اليوم الرابع عشر ظلّ كل شيء على ما كان عليه، غير أن القوات الإيرانية أطلقت نيرانها المكثفة على مجموعة كبيرة من الخيالة الأفغان الذين كانوا قد اقتربوا كثيراً من العاصمة.
وفي اليوم الخامس عشر عيّن الشاه نجله الثاني صفي ميرزا بإيعاز من كبار رجال الدولة بدلاً من أحمد ميرزا، بنفس الصلاحيات مما سبب دهشة الأهالي الذين لم يتوقعوا ذلك.
وعصر اليوم نفسه عمّت الدهشة والاستيحاش جميع أنحاء العاصمة حيث إن سكان أصفهان تصوروا أن محمود يعتزم الاستيلاء على العاصمة ولكن تبيّن بعد ذلك أن عدداً من الأفغان لا يتجاوزون الخمسمائة شخص بدؤوا هجوماً من أحد المناطق لطرد الأهالي من العاصمة إلا أن سكان العاصمة باتوا في المدينة ولم يغادروها وتمّ تبادل بعض الإطلاقات.
وفي اليوم السادس عشر من آذار (28 جمادى الأولى 1134هـ) توجّه الأفغان نحو ضاحية (جلفا) وبالرغم من أن سكانها الأرمن، بأمر من الشاه نصبوا المتاريس في جميع الأزقة إلا أنه في فجر اليوم السابع عشر دخل حوالي 5000 إلى 6000 جندي أفغاني بكامل أسلحتهم إلى هذه الناحية وطمأنوا الأرمن بعدم إلحاق أي أذى بهم.
وفي الساعة التاسعة صباحاً جهّز محمود قواته بحجة أنه قرّر التوجّه إلى فرح آباد. إلا أنه لم يتوجّه إلى هناك بذريعة أنه لا توجد هناك الوسائل والمعدّات اللازمة لاستضافته. وفي نفس اليوم أي اليوم السابع عشر قرر اقتحام مدينة أصفهان مع ألفٍ من قواته من جهة (عباس آباد) إلا أن الإيرانيين صدّوا الجيش الأفغاني وأجبروه على التراجع وكان أهالي المدينة على أهبة الاستعداد طوال الليل.
وفي اليوم الثامن عشر (الأول من جماى الثانية 1134هـ) استدعى صفي ميرزا جميع رؤساء الهيئات الأجنبية وأبلغهم أن الشاه سيطلب منهم المساعدة إذا اقتضت الضرورة وسألهم عما إذا كانت تربطهم صلات بسكان ضاحية جلفا الذين كانوا قد استسلموا لقوات الأفغان دون أية مقاومة فكان ردّهم أن سكان ضاحية جلفا لم تصلهم أية إمدادات عسكرية للدفاع عن أنفسهم.
وكان الشاه قد أفرج عن حاكم جلفا، وعن رجل الأرمن اللذين كان قد أدخلهما السجن وهدّد ببقر بطنيهما ووعد أهالي جلفا بالأمان إذا طردوا الأفغان من ضاحيتهم.
وفي اليوم التاسع عشر أمر محمود وهو في مرتفعات فرح آباد جنوده بنهب ضاحية جلفا.
وفي اليوم العشرين بدأ حوالي ثلاثة آلاف من قوات العدو هجومهم على جسر مارنان الواقع في الجانب الغربي من جسر شيراز وبعد اشتباكات بسيطة وصل عدد منهم إلى الجسر، وتوجّه القسم الآخر منهم إلى جسر جلفا على امتداد الشاطىء.
وبدأ الأفغان بضرب محلات عباس آباد بالمدفعية وكانت هذه المدفعية قد نُصبَت على ظهور الجمال بعد عبورهم النهر.
وبدأت عملية ضرب هذه المحلات في الساعة الحادية عشرة صباحاً واستمرت حتى الساعة السادسة بعد الظهر. وكان الإيرانيون يدافعون عن أنفسهم بالمدفعية إلا أن عملياتهم لم تكن ناجحة وكانت خسائر العدو في الأرواح بين 40 إلى 50 قتيلاً بينما كان عدد ضحايا الإيرانيين تسعة أو عشرة قتلى وعند غروب الشمس انسحب الأفغان بعد عبورهم النهر مع جِمالهم، وغادروا جسر مارنان كلية.
مضى اليوم الحادي والعشرون من شهر آذار وهو يوم عيد النوروز أحد أعياد الإيرانيين وكان الأفغان يمرحون ويفرحون في هذا اليوم في ضاحية جلفا بينما كان عدد من قواتهم ينهبون القرى المجاورة.
وفي اليوم الثاني والعشرين دخل محمود إلى قصر فرح آباد ولما كان الشاه الصفوي قد جمع جميع ما كان في هذا القصر ونقله إلى أصفهان فلم يحصل محمود على شيء.
وفي الأيام الثلاثة التالية أي الثالث والعشرين والرابع والعشرين والخامس والعشرين تلقى الشاه بين 500 إلى 600 مقاتل.
استنفر محمود قواته واستعرضها وقد اعتقد الجميع أنه في صدد القيام بهجوم شامل على أصفهان ولكن تبيّن بعد ذلك أن الهدف من ذلك هو تهديد حاكم جلفا وأعيان المنطقة. لقد اختار ما بين ثلاثين إلى أربعين فتاة ليأخذهن معه إلى أفغانستان وطلب من أهاليها جزية مقدارها 60000 تومان.
وفي اليوم السادس والعشرين اعتقل الشاه، الأمير صفي ميرزا في البلاد وعيّن نجله الثالث طهماسب ميرزا مكانه.
كان يبدو أن محمود يعتزم تدمير مدينة أصفهان واعتقال الكثير من الأهالي كأسرى ورهائن والانسحاب من المدينة قبل أن تصل قوات نجدة إلى الشاه قوامها إثنا عشر ألفاً حسب ما شاع في المدينة. ولهذا طلب من البلاط الصفوي مبلغاً من المال وألف فتاة. وحوالي الساعة الرابعة مساءً بدأ هجومه بثلثي قواته من جانب جسر جلفا وكان الهدف الاستيلاء على بساتين منطقة هزار جريب، إلا أن الإيرانيين أغلقوا إحدى عيون الجسر وأطلقوا نيران مدافعهم وبندقياتهم دفاعاً عن العاصمة مما اضطرّ محمود للانسحاب ليلاً تاركاً خلفه مائة قتيل من قواته.
وفي اليوم السابع والعشرين قدم أهالي جلفا مبلغاً من الجزية الذي كان قد طلبها محمود منهم وبقي محمود هناك ينتظر بقية المبلغ وكانت هذه الكمية هي المسكوكات التي كانت النساء قد جمعتها زينة.
ولم يقم محمود في اليومين الثامن والعشرين والتاسع والعشرين بأي هجوم غير أنه وضع كبار الأرمن في جلفا تحت التعذيب القاسي مطالباً ببقية الجزية ولكي يعرف أيضاً مقدرتهم المالية.
وفي اليوم الثلاثين قام محمود بهجوم من جانب الجسر إلا أنه اضطر للانسحاب تاركاً وراءه بين 30 إلى 40 قتيلاً.
وفي اليوم الحادي والثلاثين لم يقم أي من الجانبين بأية عملية، وخرج طهماسب ميرزا ونصب خيمته في منطقة جهار باغ وقام بإصدار المراسيم اللازمة.
وفي اليوم الأول من نيسان (13 جمادى الثانية 1134هـ) وصل إلى العاصمة من مناطق مختلفة ما يقارب 2000 من أفراد النجدة وتمّ إرسالها حالاً لمراقبة بوابات العاصمة.
وفي اليوم الثاني من نيسان وصل مئتان من المعترضين من أطراف العاصمة مطالبين العون من الشاه لطرد القوات الأفغانية من ديارهم حيث بدؤوا بنهب منازلهم، ثم توجّه هؤلاء إلى دار كل من ملاباشي (الملا محمد حسين)، وحكيم باشي (ميرزا رحيم)، وهذان الشخصان هما ملازما السلطان حسين، وبأيديهما مفتاح الحل لجميع المشاكل، وحطّموا أبواب منزليهما اعتقاداً منهم أن هذين الرجلين هما السبب في عزل وتعيين الشخصيات. ثم طلب هؤلاء من الشاه التنازل عن العرش لصالح شقيقه الأكبر عباس.
ولم تكن هناك أية عملية في اليوم الثالث.
وفي اليوم الرابع قام نحو خمسة آلاف من الأفغان بهجوم على العاصمة من جانب بيدآباد وقتلوا عشرين من الإيرانيين الذين كانوا يراقبون إحدى بوابات المدينة، وقد استمر هذا الهجوم زهاء الساعتين، وقد انسحب الإيرانيون تاركين خلفهم ما بين 30 إلى 40 قتيلاً. وكان الأفغان لا يرحمون أحداً ويقتلون كل من يعتقلونه حتى النساء، ومضى اليومان الخامس والسادس بهدوء وفي هذين اليومين وصل إلى أصفهان بين 500 إلى 600 جندي ومعهم عشرون حملاً من البارود قادمين من مدينة همذان.
وفي صباح اليوم السابع قام نحو 7000 من الأفغان بالهجوم على المدينة من جانب جسر مارنان، وقاموا كذلك بتعمير جانب من الجسر كان الإيرانيون قد دمروه للحيلولة دون وصول الأفغان إلى المدينة. وعبر هذا الطريق وصل الأفغان إلى بساتين عباس آباد وبالرغم من أن ضحاياهم كانت 500 قتيل إلا أنهم استقروا في تلك البساتين واستمر تبادل إطلاق النار بين الجانبين طوال الليل.
وفي اليوم الثامن حقق الأفغان انتصارات أكثر ووصلوا إلى القرب من معاقل أحمد آغا أحد ندماء الشاه الذي كان رفع منصبه إلى قولرآقاسي.
وكان أحمد آغا قد جمع 300 من أفراده فوق سطوح المنازل المجاورة وكان يحارب الأفغان ببسالة وقوة وقتل جمعاً من أفراد العدو بنيران مدافعه التي أطلقها على الحصون المشرفة. وفي الساعة الثالثة من صباح اليوم التاسع قام الأفغان بهجوم جديد على معاقل أحمد آغا إلا أن القوات الإيرانية صدّت هذا الهجوم الذي استمر حتى الساعة السابعة.
ولما كانت الشكوى وقد وصلت إلى الشاه عن سوء تدبير أحمد آغا وكان الشيخ غير راضٍ عن تصرفاته فقد استبدل به محافظاً آخر لبوابة عباس آباد.
اقتصرت المناوشات بين الجانبين منذ اليوم الأول من شهر مارس وحتى التاسع منه على تبادل نيران المدفعية ولكن خلال هذه المدة كان محمود يرسل جنوده لنهب وتدمير القرى المجاورة للعاصمة والتي تبعد عنها بعض الكيلومترات، كما وكان يسعى للحيلولة دون إيصال المعونة والمساعدات من خارج العاصمة إلى داخلها.
كانت أسعار السلع اليوم قد ازدادت عدة أضعاف عما كانت عليه قبل شهرين.
وساد الهدوء على المدينة منذ اليوم العاشر من مارس ولكن في اليوم الرابع أرسل محمود نحو 4000 من الأفغان لبثّ التفرقة بين صفوف الجيش الإيراني، فقد هاجمت مجموعة من هؤلاء جهار باغ بالا واحتلت موقعين مقابل بستان هزار جريب وقد نصب محمود ثلاثة مدافع في هذين الموقعين كان قد جاء بها من فرح آباد إلا أن الإيرانيين نصبوا دعامة أمامها ووضعوا عدداً من المدافع فوقها. وفي هذا اليوم هاجم الأفغان جسر شيراز إلا أن القوات الإيرانية تصدّت لهذا الهجوم.
وفي اليوم الخامس والعشرين قام الأفغان بثلاث هجمات متزامنة على المدينة دون أن يحصلوا منها على أية نتيجة. وفي اليوم السادس والعشرين استولوا على بوابة طوقجي وبهذا أغلقوا الطريق على إيصال المساعدات والمعونات إلى المدينة بصورة كاملة. وفي اليوم السابع والعشرين اجتمع عدد كبير من القرويين من القرى المجاورة في ساحة الميدان وكان الأفغان قد نهبوا قراهم. وكان هؤلاء يصرخون أنه لو امتنع الشاه عن الخروج من القصر لطرد جنود محمود فإنهم سيلتحقون بالأفغان.
وخوفاً من الفوضى والاضطراب فقد أمر الملك بإغلاق جميع أبواب القصر الملكي كما وأمر 2000 من الجنود بطرد الأفغان من بوابة طوقجي التي كانوا قد احتلوها.
إن هؤلاء الجنود اقتربوا من القوات الأفغانية خلال اليومين 28 و29 مارس (11 و12 شعبان 1134هـ) إلا أن الأفغان الذين كانوا قد ثبتوا موقعهم دون علم الإيرانيين، لم يغادروا هذه المنطقة وبقوا فيها.
وفي اليوم الثلاثين قام الإيرانيون بمساعدة 200 من العرب([167]) كانوا قد انضموا إليهم قاموا بهجوم على الأفغان معتقدين أن عدد القوات الأفغانية ليس بالكثير. ولكن سرعان ما خرج 2000 من الأفغان كانوا قد اختبؤوا خلف جدران البساتين. ولاذ الإيرانيون بالفرار تاركين خلفهم مئتي قتيل وغنم الأفغان سبعة أو ثمانية جمال محملة بالمدافع الخفيفة. وبعد أن التحق ثلاثة آلاف آخرين بالجنود الإيرانيين تمكنوا من طرد الأفغان من المواقع التي كانوا قد احتلوها وانسحب الأفغان إلى قرب الطاحونة الموجودة جنب جسر مارنان.
استمر القتال حتى المساء وكان عدد القتلى من الأفغان بين 300 إلى 400 قتيل بينما لم يتجاوز عدد القتلى من الإيرانيين 30 شخصاً.
في اليوم العاشر وقعت اشتباكان طفيفة في هذا الموقع وفي اليوم الثاني عشر قام عدد من الأفغان بالهجوم على لنجان الواقعة على مسافة اثني عشر كيلومتراً عن أصفهان وقتلوا جميع الرجال هناك وأسروا النساء والأطفال وفي اليوم الثالث عشر التحق 600 من الأهالي بالقوات التي كانت قد استقرت في جبال سياه على مسافة ثلاثين كيلومتراً من أصفهان.
وفي اليوم الخامس عشر هاجم محمود هذا المخيم الذي كان يستقر فيه 6000 شخص وبالرغم من الثبات في المرحلة الأولى فإن القوات الأفغانية اندحرت في النهاية تاركة خلفها، الكثير من القتلى.
ولم يعرف عدد القتلى من الأفغان حيث كان الأفغان يسحبون القتلى والجرحى من ساحة القتال حالاً.
في اليوم السادس عشر نقل محمود قواته التي كانت مستقرة في فرح آباد، إلى هذه المنطقة وأمر بوضع المتاريس على طريق فرح آباد.
وفي الأيام الأولى من شهر حزيران من اليوم الأول حتى الحادي عشر لم يقع حادث هام. عدا عن أنه في مساء اليوم التاسع أرسل الشاه نجله طهماسب ميرزا مع عدد كبير من المرافقين إلى مدينة قزوين لجمع القوات هناك حيث بات من المؤكد أنه لا يمكن إعادة الأوضاع إلى مجاريها دون الحصول على المساعدات.
منذ اليوم الحادي عشر من حزيران حتى الأول من تموز (من 21 شعبان حتى 16 رمضان 1134م) استمر الأفغان بإشعال النار في مزارع القمح ومنع وصول المعونة إلى أصفهان.
وخلال شهر رمضان الذي كان قد بدأ من اليوم الخامس عشر من حزيران توقفت المعارك بين الجانبين.
وبعد يومين وصل عدد من الأرمن إلى صفهان قادمين من جلفا وأخبروا أن محمود يعمل في إقامة المتاريس، وأنه أعاد عدداً من البنات اللاتي كان قد أسرهنّ، إلى عوائلهن. وأكد أنه لم يتمكن من احتلال مدينة أصفهان بعد أن أسر هذه المجموعة من البنات. وقام القساوسة الأرمن بتعميد العدد الكبير من هؤلاء البنات، ويعتقد هؤلاء القسيسون أنه وبعد التعميد الثاني سيتطهّر هؤلاء البنات تماماً.
الفن العماري في أصفهان
عندما دخل الإسلام بلاد فارس، وجد فيها خمسة آلاف عام من التاريخ والجمال، وقد كان للثقافة الفارسية، والميراث المعماري لهذه البلاد غنى غير عادي مما كان له أثره الواضح في التأثير على المباني التي شيّدت في إيران خلال العهود الإسلامية، ولكن إيران قد تأثرت بعمق ـ وما زالت ـ بالحضارة الإسلامية. وتشهد على ذلك فنون المدن الإيرانية التي تعيش في تراث ذلك الفن الإسلامي الرائع.
وفي ظلّ الدولة الصفوية تشرّبت إيران أكثر بالفنون الإسلامية وسعت إلى تكييف طرازها الحضاري مع معطيات القيم الروحية في الإسلام، فازدهر العمران والفنون، وظهرت حركة فنية عمرانية كبيرة في العاصمة تبريز، ثم ما لبث هذا النشاط أن انتقل إلى مدينة قزوين، وتعرف هذه الفترة بالحكم الصفوي الأول. وعندما انتقلت العاصمة الصفوية إلى أصفهان في عهد الشاه عباس الأول انتقل إليها ازدهار العمارة والفنون وتألّقت أصفهان كنموذج متميز ومتجدد للعمارة الإسلامية ومن خلال الأفكار المعمارية الرائعة التي قدمها العالم الجليل الشيخ بهاء الدين العاملي المولود في بعلبك بلبنان، والذي يعتبر من أعظم مهندسي العهد الصفوي وواضع تصاميم لعدة معالم صفوية شهيرة منها مسجد الإمام (مسجد شاه سابقاً) والمشرف على تنفيذه، واشترك في وضع تصاميم المساجد والقصور والجسور والمباني الدينية والحمامات والمنتزهات، وقد عرفت هذه الفترة بالحكم الصفوي الثاني. أما أهم الخصائص المعمارية المهمة التي تميزت بها مباني العهد الصفوي فهي فخامتها وارتفاع جدرانها ومداخلها العالية الضخمة المتأثرة بالمعابد والقصور التي شيّدت في بلاد فارس خلال فترة ما قبل الإسلام وخاصة في العهد الساساني. وتميزت المباني الصفوية أيضاً بالأواوين الواسعة التي تعلوها القباب والعقود نصف الدائرية العالية، وكذلك الساحات الداخلية المكشوفة الكبيرة والصغيرة التي تقوم في وسطها نافورات المياه (الشاذروان) والأشجار المثمرة المتنوعة.
ومن المعالم البارزة في العمارة الصفوية استعمال الطابوق (الآجر) في تشكيل الزخارف الهندسية بأنواعها كافة، وكذلك تزيين المباني الدينية بالبلاط المزجج الملون (القاشاني) على شكل نقوش متنوعة وخاصة كتابة الآيات القرآنية الكريمة وبالخط الكوفي الجميل، مما أعطى مسحة معمارية وتشكيلية جديدة جمعت بين معالم العمارة الفارسية القديمة وروحانية الإسلام. وهناك عنصر أساسي آخر أخذه الفن الإسلامي في إيران عن الفن الساساني السابق له، وانتشر بعد ذلك في دول إسلامية أخرى: إنه الحل الأمثل الذي حلّت به مشكلة الانتقال من المبنى ذي القاعدة المربعة إلى القبة نصف الدائرية التي تعلوه، باستخدام الحنيات الركنية وهي مثلثات مقعرة من الحجر أو الآجر مع الجصّ تمكن من الانتقال المباشر من المربع إلى القاعدة الدائرية للقبة المجاورة للأضلاع.
ويختلف هذا الحل عن مثلث القبة الذي ينتقل من المربع إلى الدائرة بالأقواس أو بمثمن الأضلاع، وهو الذي نشاهده في الآثار البيزنطية والرومانية.
ومن مواد البناء الرئيسية التي استعملت في تشييد المباني الصفوية هو الطابوق (الآجر) المصنوع من الطين الذي يوضع في قوالب مستطيلة والمشوي بالنار، وقد ظهر في هذه البلاد منذ آلاف السنين، وكان لهذه المادة أثرها الكبير في إنشاء المدن ومبانيها. أما أبرز معالم العمارة الصفوية في إيران فهي:
مسجد الإمام (مسجد شاه سابقاً)
يعدّ هذا المسجد من أجمل المباني الصفوية، ويعتبر تحفة معمارية رائعة ومظهراً لأقصى ما وصل إليه فنّ العمارة الإسلامية في إيران، شيّد من قبل الشاه عباس الكبير الصفوي بين عامي 1021 و1040هـ (1612 ـ 1630م). وأهم ما يميز هيكله العام تناسق أجزائه وتشييده على مساحة واسعة.
مسجد الإمام (مسجد شاه سابقاً) في أصفهان
د
يقع مسجد الإمام في وسط مدينة أصفهان وتطل بوابته الرئيسية على الميدان المركزي الكبير المسمى بـ (ميدان نقش جهان). وتطل على الميدان أيضاً بوابتان أخريان هما بوابة «مسجد الشيخ لطف الله» والبوابة المسماة «عالي قابو» (الباب العالي)، وهناك مدخل آخر يطل على الميدان يؤدي إلى سوق المدينة.
وعلى جانبي بوابة مسجد الإمام (مسجد شاه سابقاً) توجد مئذنتان ارتفاع كل منهما 33 متراً وهما أقل ارتفاعاً من مآذن رواق قاعة الصلاة (المصلى)، وخلف البوابة تقوم نصف قبة فوق المدخل ارتفاعها 27 متراً عن مستوى أرضية المسجد.
الواجهة الشرقية لمسجد الإمام في أصفهان
د
أما إيوان المدخل المؤدي إلى المسجد فينحرف عن اتّجاه البوابة الرئيسية المطلّة على الميدان المركزي، وذلك حتى يأخذ المحراب مكانه الصحيح تجاه القبلة، الأمر الذي دعا القائمين على البناء إلى أن ينحرفوا بتخطيط المسجد بأكمله عن الميدان المركزي الذي يطل عليه. يتوسّط المسجد صحن كبير (الفناء المكشوف) تحيط به أواوين تتالف من طابقين وتعلوها عقود (أقواس) مدببة شبيهة بالعقود الموجودة في الميدان المركزي ـ ويتوسط كل ضلع من أضلاع الصحن الكبير إيوان مفتوح ملحق به قاعة تعلوها قبة. وهذا الأسلوب من البناء شبيه بطراز عمارة مسجد الجمعة السلجوقي في أصفهان. ويتميز إيوان القبلة في مسجد الإمام بكبر حجمه وتعلوه قبّة كبيرة الحجم شبيهة بالقباب السلجوقية. وعلى طرفي الإيوان توجد مئذنتان ارتفاعهما يزيد قليلاً على ارتفاع مآذن بوابة المسجد الرئيسية. ويحتوي هذا المسجد على مدرستين تقعان بين الإيوانين الجانبيين وبين إيوان القبلة.
ومن أهم الخصائص المعمارية التي يتميز بها مسجد الإمام هي زخارفه القاشانية الداخلية والخارجية الجميلة التي تتخللها كتابات من الآيات القرآنية الكريمة.
يعتبر مسجد الشيخ لطف الله العاملي بالإضافة إلى مسجد الإمام، من أجمل المساجد الصفوية في إيران. يقع هذا المسجد وسط مدينة أصفهان ويطلّ مدخله الرائع على الميدان المركزي الكبير (ميدان نقش جهان) وقد زين بأروع الزخارف القاشانية الجميلة ويقابل بوابة (عالي قابو). وتشير اللوحة التذكارية المثبتة على مدخل المسجد إلى أن تاريخ بنائه يعود إلى ما بين سنتي 1011 و1028هـ /(1602 ـ 1618م)، وهناك لوحة تذكارية أخرى قرب المحراب تشير إلى المعماري محمد رضا ابن أستاذ حسين من مدينة أصفهان، مؤرخة في سنة 1618م.
وكان المسجد يعرف بمسجد الصدر أو مسجد فتح الله، ولكنه سمي بعد ذلك بمسجد الشيخ لطف الله العاملي.
إن التخطيط العام لهذا المسجد يتميز بأنه لا يشابه تخطيط المساجد الأخرى، وذلك لعدم وجود الصحن (الفناء الأوسط) وكذلك لعدم وجود المئذنة فيه. أما مدخل الإيوان الكبير فيحتوي على مقرنصات رائعة بشكل قباب مكسوة بالقاشاني الجميل. وقاعة الصلاة لهذا المسجد، عبارة عن قاعة كبيرة مربعة الشكل، وتغطي جدرانها زخارف قاشانية جميلة، وتعلو هذه القاعة قبّة ارتفاعها أقل من ارتفاع قبة مسجد الإمام وتقوم هذه القبة على قاعدة إسطوانية الشكل تتخللها نوافذ تملؤها زخارف جصيّة مفرغة على هيئة تفريغات نباتية حيث تسمح هذه الفتحات بدخول الضوء والهواء إلى داخل قاعة الصلاة.
وقد غطي المسجد من الداخل والخارج بزخارف قاشانية رائعة.
وهو من المباني الصفوية المهمة في مدينة أصفهان، وشيّد بأمرٍ من الشاه عباس الأول الكبير ليكون تحفة معمارية رائعة يمثل أجمل المباني الحكومية في العهد الصفوي.
ويحتوي قصر عالي قابو على ستة أدوار مزينة بأروع الزخارف الجبصية ورسومات جميلة وتحيط به صالة فخمة كبيرة يتوسطها حوض جميل تحيط به أوراد ومزهريات وتماثيل للحيوانات والطيور. وفي الطابق السادس توجد صالة موسيقية واسعة.
قصر ڇهل ستون (قصر الأربعين عموداً)
يعدّ من أشهر القصور في مدينة أصفهان، وكان مركز السلطة الحاكمة للدولة الصفوية آنذاك. شيّد في عهد السلطان عباس الثاني سنة 1057هـ (1647م)، ويشغل أرضاً مساحتها حوالي 50 فداناً، واعتمد في بنائه الطراز الشرقي متأثراً بالقصور التي شيدت في العهد التيموري.
أما سبب تسميته بهذا الاسم فلا يخلو من الطرافة، ذلك أن الشرفة الكبيرة من واجهة القصر تجلس على عشرين عموداً طويلاً من خشب البلوط القوي وهي تواجه الحوض الكبير المقابل لشرفة القصر فتنعكس صورها جميعاً في ماء الحوض الذي صمم بحيث تنعكس صورة القصر بأكمله من خلاله وهذا ما ضاعف عددها، لذلك سُمِيَ بقصر ڇهل ستون (الأربعين عموداَ). ويحتوي القصر على قاعة مزخرفة بأنواع المرايا والتزيينات التي تغطي جميع المرافق، إضافة إلى الأعمال الفنية واللوحات المرسومة على سقوف القصر وجدرانه.
د. رؤوف الأنصاري
أصفهان والغزو المغولي
الجوزجاني هو المؤرخ الوحيد الذي أشار إلى احتلال المغول لأصفهان، من بين المؤرخين المسلمين الذين ذكروا وقائع هجوم المغول على إيران.
ولعل بُعد أصفهان ووقوعها في جنوبي إيران، كان السبب في عدم توجّه «جوبوتاي» و«سوبوتاي» أميرا الجيوش المغولية، إليها، في حملة صيف سنة 618 هجرية (1221م)، بعد الاستيلاء على الري وقزوين وهمذان وقسم كبير من العراق (المراد عراق العجم).
ولكن على كل حال، فقد انطلق جوبوتاي في الربيع التالي من مركز القيادة المغولية في صحراء مغان باتجاه همدان ليخمد الفتنة فيها، وورد المدينة. ولكنه سرعان ما عاد باتّجاه الشمال ليلتحق بالجيش الأصلي في آذربيجان. ثم استمر المغول في حملتهم الكبرى وعبروا القفقاز.
ولكن يجب أن يعلم أن هؤلاء المغول ليسوا هم المغول الذين اقتربوا للمرة الأولى من أصفهان بعد سبع سنوات أي صيف سنة 626 هجرية (1228م). فإن هؤلاء المغول هم القوات التي هاجمها قبل ذلك بعام السلطان جلال الدين قرب دامغان وهزمها([168]).
لم يشر أي من المراجع إلى مبدأ عمليات تلك المجموعة، ولكن يمكن فرض أنها بقايا الجيش الذي تركوه للسيطرة على الاستحكامات الجبلية الأفغانية. وقد ذكر «النسوي»([169]) فهرساً بأسماء أمرائهم، وأحدهم هو «بايحونويان» الذي حلّ محل «جرماغون» قائد القوات المغولية في المغرب([170]).
معركة أصفهان التي وقعت سنة 626 هجرية (25 آب 1228م) لم تكن حرباً قطعية، فبعد أن اقترب عساكر الجيش المغولي من أسوار المدينة، لم يقوموا بأي جهد لاقتحامها، بل اكتفوا بالدوران حولها ثم عادوا باتّجاه الشمال، وتوجّهوا بسرعة فائقة إلى الري وبلغوها خلال ثلاثة أيام، ومن هناك توجهوا إلى نيشابور، ثم أوصلوا أنفسهم إلى ما وراء جبال أفغانستان.
ولكن بعد عامين، نرى أن هؤلاء أنفسهم، تركوا مقرّهم ـ حيثما كان ـ وتوجّهوا لتقوية جيوش «جرماغون» الذي كان مأموراً من قبل «أوكتاي» ـ الخان الأكبر للمغول ـ بملاحقة السلطان جلال الدين. وكيفما كان فإن مجموعات خاضعة لقيادة هذا الأمير هي التي سيطرت على أصفهان في نهاية الأمر.
فيما يتعلق بعمليات جرماغون، يعطينا الجويني([171]) ـ وهو مصدرنا الأصلي حول المغول ـ معلومات قليلة للغاية. يعكس هذا المؤرخ، في هذا القسم من تأريخه، مذكرات والده الذي كان يشغل مقاماً في الجهاز المغولي الحاكم، ومن الممكن أن تكون آراء والده قد وقعت تحت تأثير أربابه الذين كانوا مخالفين لجرماغون، وهي بطبيعة الحال تميل إلى التقليل من عملياته، كما أنه من الممكن أن يكونوا قد قاموا بتحوير تفاصيل عملياته العسكرية، وعلى كل حال، من الممكن أن تكون مصادر المعلومات المتعلقة بأصفهان، في هذا القسم من تاريخ (جهان كشا)، مرتبطة بمرحلة ما بعد احتلال أصفهان بواسطة جرماغون وبايجو اللذين وضعا تحت مراقبة حاكم خرسان.
إن سكوت الجويني في مورد احتلال أصفهان، كان باعثاً على سكوت تاريخ رشيد الدين([172]) الذي نقل كلام الجويني في هذا القسم من تاريخه بنحو أشدّ اختصاراً.
والجوزجاني، بدوره، يذكر بشكل مختصر ومبهم نشاط جرماغون في مغرب إيران، وخصوصاً العمليات التي أدّت إلى سقوط أصفهان. يقول في هذا الصدد ما حاصله:
«إن جيش جرماغون المغولي الذي كان في العراق، كان دائماً في حالة قتال وعراك مع جيش أمير المؤمنين، ولم يتمكن بأي وجه من المساس بدار الخلافة، وكانت الهزيمة تصيب الكفار بشكل دائم وخاصة في محاولات الاستيلاء على مدينة أصفهان. لقد استغرقت عملية الاستيلاء على أصفهان مدة خمس عشرة سنة. ولولا استشهاد قاضي أصفهان، لما تمكن الكفار من السيطرة عليها، حيث بقي جيش جرماغون وختيانوين خمس عشرة سنة يقاتلون في مدينة أصفهان وأطرافها، ولم يغلق أهل أصفهان أبواب المدينة في هذه المدة، وبقيت مفتوحة ليلاً ونهاراً، ولم تدع جلادة حماة أصفهان مجالاً للمغول لكي يدخلوا المدينة، حتى جاءت جماعة المرتدّين برجل من الطريق، وأمروه بقتل القاضي. فلما استشهد القاضي سقطت المدينة».
قبل أن نحلّل كتابة الجوزجاني، نشير إلى شخصين آخرين، كانا شاهدين لتلك الوقائع، وهما الشاعر المعروف سعدي الشيرازي، والراهب سيمون دو سنت كانتن (Simon de Saint – Quentin)، الذي أرسل إلى ذلك المكان ضمن هيئة سنة 1247م (645هـ.ق)، وهو مؤلف (تاريخ التتار)، المحفوظة ضمن مجموعة تاريخ «ونسان دوبووه» (Vincent Beauvais).
يشرح سعدي حرب أصفهان ضمن بيان قصة أحد أصدقائه الجنود الذي كان يسكن في أصفهان، في الباب الخامس من ديوانه (بوستان) الذي أنشد سنة 655هـ .ق([173]). ويذكر أيضاً تلك الواقعة بذلك النحو سيمون دو كانتن في (تاريخ التتار)([174]) في فصل دمار إيران بنحو مختصر.
فإذا كانت تلك المصادر معتبرة، فنحن نريد على الأقل أن نعلم بأن أصفهان لم تسقط في الصيف، لأن فيضان النهر، كان يجعل من العسير عبور السيول. إن رواية سعدي لسيرة حياته تلقي أضواء كثيرة على المسائل التاريخية للمدينة. فنحن نعلم أنه بعد أن أكمل دراسته في بغداد سنة 1236م (633هـ)، وقبل سفره إلى الشام، أمضى مدة من الزمن في مدينة أصفهان عند أحد أصدقائه، وترك أصفهان قبل احتلال المدينة.
متى استولى المغول على أصفهان؟
رأينا في كلام الجوزجاني، أن المغول استولوا على أصفهان، ولكن ذلك استلزم خمس عشرة سنة، وأضاف أن جيوش جرماغون وختيانون بقوا خمس عشرة سنة يخوضون المعارك قبالة أبواب المدينة.
وهذا الكلام الأخير الذي يدل على أن المدينة احتلت في سنة 643هـ. (1245م) عندما حلّ بايجو مكان جرماغون وغدا قائد المغرب، غير صحيح، ولعله سهو في الكلام، وذلك لأن الجوزجاني يقول في موضع آخر: «نهبت جميع مدن إيران ودمرت ما عدا مدينة أصفهان التي صمدت مدة خمس عشرة سنة من أول ظهور جنكيزخان وهجومه على ديار العراق إلى أن احتلت». وهذه المدة إذا حسبناها من نهاية هجوم الجيوش لا من بدايتها، غير صحيحة على التحقيق.
في سنة 635هـ (1238م) هاجمت فرقة من جيوش المغول مدينة بغداد، وتمّ دفع هذه الهجمة بواسطة شرف الدين إقبال الشرابي قائد جيوش الخليفة المستنصر، وأمراء الجيش: مجاهد الدين أيبك دوات دار الصغير ودوات دار الكبير ألتون بارس. وقد ضبطت تلك الوقائع بواسطة بارهه براوس([175]) والجوزجاني([176]) ورشيد الدين، ولكن الأول منهم فقط هو الذي ذكر تاريخها([177]).
بناء على رواية الجوزجاني، فإن جيش المغول دخل منطقة ما بين النهرين (العراق) من معبر حلوان، ويرى رشيد الدين أن معسكر الجيش كان في همدان ومن تلك الطريق ورد المنطقة. وكان جرماغون لا يزال حينها في إيران، على قول الجوزجاني: «أقام جيوشه في حدود قم وكاشان، وأخرج بعضها إلى فارس وكرمان. وصالح أخو حاجب براق خطائي الذي كان قد أضحى قائد كواشير وكرمان، بين الأتابك أبو بكر فارس سلطان تلك البلاد والمغول، واتفقوا على مبلغ من المال يؤدّى كل سنة، وبذلك عمّ الهدوء والاستقرار مملكتي فارس وكرمان وسلمتا من جيش الكفار، بينما خرجت جملة مدن العراق وآذربيجان وطبرستان».
وكانت أصفهان من تلك المدن.
ذكر تاريخ أصفهان بواسطة مرجع غير دقيق يعني أمير دولتشاه السمرقندي. يقول دولتشاه في شرح حال كمال الدين إسماعيل: «أثناء هجوم المغول على أصفهان، كان الشاعر قد سلك طريق الرياضة والحياة الصوفية، فلم يكن هناك من يشغله. واستغلّ أحد الأصفهانيين هذا الظرف ليخفي ثروته، فأدخلها في أحد الآبار الملاصقة للصومعة. وفي أحد الأيام، بينما كان أحد أولاد المغول يلاحق بقوسه طيراً في هذا المكان، سقطت بالصدفة» الإصبع الجلدية التي يستخدمها لرمي نباله في البئر التي أخفى فيها الأصفهاني كنزه، وانتهى البحث عن تلك الأداة الجلدية إلى كشف الكنز، مما أيقظ حرص وطمع المغول، فعذبوا كمال الدين المسكين عذاباً أليماً ليكشف لهم عن مكان الكنوز التي توهّموا أن تكون مطمورة.
يقول دولتشاه: إنه كتب عند قتله رباعية بدمه. ويذكر دولتشاه التاريخ الدقيق لوفاة كمال الدين بأنه في أول جمادى الثاني سنة 635هـ. وهذا يوافق 21 كانون الأول (ديسمبر) 1237 ميلادية، وهذا التاريخ يعيّن أن المدينة احتلت في أواخر الخريف أو أوائل الشتاء، أي في الفصل الذي يناسب فيه حصار المدينة نتيجة تراجع مياه النهر، وهي الطريقة التي اتّبعها المغول في مواضع أخرى أيضاً([178]).
ومن الممكن أن يكون سيمون دوسنت كانتن صادقاً في إظهار ادّعائه، لأنه كان بنفسه حينذاك في ذلك المكان. والجوزجاني ـ كما رأينا ـ تحدّث فقط عن استشهاد القاضي الذي كان يثير الحماسة وروح مقاومة المهاجمين في نفوس أهل أصفهان. تلك المقاومة التي لم يكن لها نظير في أي مكان من إيران، ويجب علينا ـ من دون الالتفات إلى رأيه ـ أن تبقى بشكل كلي من دون رأي.
ج .أ. بويل J. A. Boyle
أصفهان في عهد مرداويج
كان أسفار بن شيرويه في البداية في خدمة العلويين في طبرستان، إلا أنه وبعد مدة أعرض عنهم، والتحق بالأمير نصر الساماني وأنصاره في خراسان. في سنة 316هـ وبمساعدة الأمير نصر الساماني ومرداويج بن زيار استولى على الداعي الصغير (حسن بن قاسم) وقتله، وهزم ماكان البركاكي، ثم استولى على جرجان (كركان)، وطبرستان، وقزوين، وقم، وكاشان، ولرستان. وبعد ذلك أرسل أسفار، مرداويج إلى سلار أحد أمراء آل مسافر في طارم حيث كان قد أوجد إمارة مستقلة في تلك الناحية ليدعوه إلى مبايعة أسفار، غير أن مرداويج كان شديد التبرم من مظالم أسفار حيث اتّحد سراً مع سلار، وحرّض الجنود على أسفار مما أدى إلى هزيمة أسفار، وفي النهاية قتله سنة 316هـ، واستقر هو في مدينة الري. وبعد أن قتل مرداويج أسفار وطرد ماكان ألحق طبرستان بممتلكاته.
كان ثلاثة ما أبناء بويه الصياد وهم: علي، وحسن، وأحمد في خدمة ماكان في طبرستان؛ ولكنهم بعد هزيمة ماكان على أيدي مرداويج، التحقوا بمرداويج بن زيار سنة (316 ـ 317هـ). وأعطى مرداويج حكومة الكرخ لعلي وهو أكبر أبناء بويه. وفي سنة 319هـ استولى مرداويج على مقاطعة الجبال وضمّ ولاية أصفهان إلى ولايته. إلا أن الخليفة المقتدر بالله العباسي اشترط على مرداويج أن ينسحب من أصفهان ليعترف بحكمه على المناطق التي احتلها، غير أن الخليفة العباسي اغتيل بعد فترة قصيرة، واحتفظ مرداويج بسلطته على أصفهان. وفي سنة 322هـ قرر الخليفة العباسي القاهر بالله أن يستمر مرداويج في الحكم شريطة أن ينسحب من أصفهان، ووافق مرداويج على أمر الخليفة وأمر أخاه وشمكير وهو في أصفهان أن يسلّم المدينة إلى مبعوث الخليفة إلا أن القاهر بالله تخلّى عن الخلافة فعاد مرداويج واستولى على مدينة أصفهان ثانية.
كان مرداويج يهدف إلى إحياء الأمبراطورية الساسانية ثانية على ضفاف نهر دجلة. وأخيراً اغتيل في سنة 323هـ في الحمام على أيدي غلمانه الأتراك.
أصفهان في عهد السامانيين والبويهيين
كان أبناء بويه في بداية نهضة الدعاة العلويين في كيلان وطبرستان إلى جانب العلويين على الحكام والأمراء السامانيين كما كانوا ضمن أنصار ماكان بن كاكي القائد الديلمي، كانوا إلى جانبه حتى هزيمته على أيدي مرداويج. ومنذ هذا التاريخ أصبحوا في خدمة مرداويج. وبعد مقتل مرداويج أرسل علي بن بويه الملقب بعماد الدولة أخاه حسن المعروف بركن الدولة لفتح أصفهان. فاستولى ركن الدولة على أصفهان وتوجّه نحو همذان والري وقزوين وقم وكاشان، واستولى على هذه المدن غير أن وشمكير الزياري (شقيق مرداويج) استعاد مدينة أصفهان من حسن بن بويه، ولكن بعد مدة قصيرة عادت أصفهان إلى البويهيين ثانية.
أصبحت أصفهان منذ هذا التاريخ ضمن سلطة البويهيين. فرض ركن الدولة سلطته على أصفهان بصفتها عاصمة حكومته وعلى الأقاليم الأخرى وهي عراق العجم وكرمانشاه من سنة 322 إلى 366هـ بفضل نشاطاته القتالية وحُسن تدبير أخيه. وفي هذه الفترة وقعت اشتباكات وصراعات بين البويهيين وبين السامانيين. ومن بين هذه الصراعات وقوع اشتباكات في عهد إمارة نوح بن نصر، بين منصور قراتكلين حاكم خراسان آنذاك وبين البويهيين، وانتهز قراتكلين فرصة غياب ركن الدولة البويهي سنة 339هـ واستولى على مدينة الري وزحف نحو مدينة كرمانشاه كما قام بملاحقة ركن الدولة واستولى على مدينة أصفهان أيضاً ثم عاد في سنة 341 من أصفهان إلى مدينة الري.
وفي عهد حكومة عبد الملك، أرسل أبو سعيد بن بكر بن مالك وهو أمير وقائد ساماني، جيشاً كبيراً بقيادة محمد بن ماكان لفتح مدينة أصفهان. فتمكّن ماكان، أن يهزم مؤيد الدولة (ابن ركن الدولة) ويستولي على مدينة أصفهان إلا أنه جرت في النهاية مصالحة بين ركن الدولة وبين عبد الملك الساماني وعادت أصفهان ثانية لسيطرة ركن الدولة.
بعد وفاة ركن الدولة استولى ابنه مؤيد الدولة ـ أبو منصور البويهي ـ بمساعدة وزيره الصاحب بن عباد من سنة 366 إلى 372هـ على مملكة والده وبعد وفاة شقيقه (عضد الدولة) في سنة 372هـ ضمّ جميع منطقة عراق العجم وجرجان وطبرستان إلى ممتلكاته. وبعد وفاة مؤيد الدولة سنة 373هـ وبفضل جهود وزيره الصاحب بن عباد حكم شقيقه فخر الدين على أصفهان وبقية المناطق الخاضعة للحكومة من سنة 373 حتى 387. وبعد وفاة فخر الدولة. سلّمت زوجته السيدة خاتون حكومة أصفهان إلى ابن خالها أبو جعفر محمد بن دشمنزيار، الملقب بعلاء الدولة، وكان هذا قد حكم أصفهان حتى سنة 414هـ. وفي سنة 421هـ زحف مسعود الغزنوي نحو أصفهان واحتلها ولكن بعد وفاة محمود الغزنوي سنة 421 وعودة ابنه مسعود الغزنوي إلى خراسان عاد علاء الدولة إلى أصفهان. ولكن بعد وفاة علاء الدولة في سنة 433هـ وحصول خلافات بين أبنائه قام طغرل السلجوقي باحتلال مدينة أصفهان للمرة الثانية بعد محاصرة استمرت سنة واحدة وأنهى بحكومة كاكويه (علاء الدولة وأبنائه) على هذه المنطقة.
الملحمة الشعرية العلوية الأصفهانية
هذه القصيدة التي تكاد تدخل في باب شعر الملاحم هي من مفاخر أصفهان ومن أياديها على الأدب العربي التي كادت تصل به إلى الشعر الملحمي العالمي. وناظمها هو أحمد بن علوية الأصفهاني المتوفى سنة 320 أو 321هـ بعد أن تجاوز المئة.
قال في (أعيان الشيعة):
عن العلامة في الإيضاح أنه قال: النونية المسماة بالألفية والمحبرة في مدح أمير المؤمنين (ع)، وهي ثمانمائة ونيف وثلاثون بيتاً، وقد عرضت على أبي حاتم السجستاني فقال: يا أهل البصرة غلبكم والله شاعر أصفهان في هذه القصيدة في أحكامها وكثرة فوائدها. وفي معجم الأدباء قال حمزة: له قصيدة على ألف قافية شيعية عرضت على أبي حاتم السجستاني فأعجب بها وقال: يا أهل البصرة غلبكم أهل أصفهان (اهـ) وتسميتها بالألفية يدل على أنها ألف بيت وهو صريح قول حمزة والعلامة مع تسميتة لها بالألفية قال: إنها ثمانمائة ونيّف وثلاثون بيتاً كما سمعت، وكأن هذا هو الذي وصل إليه منها. وحمزة الأصبهاني أعرف بأهل بلده وليت شعري أين ذهبت هذه الألفية التي أعجب بها أبو حاتم على جلالته كل هذا الإعجاب حتى لم توجد لها نسخة في هذه الأعصار إلا أبياتاً مقطعة منها أوردها ابن شهراشوب في المناقب، وفرّقها على أبواب كتابه وفصوله، فأورد منها في كل موضع بيتاً أو بيتين أو أكثر مما يناسب المقام فتارةً يقول: ابن علوية الأصفهاني، وتارةً ابن علوية، وتارة الأصفهاني، وتارةً ابن الأسود، وتارةً المحبرة، وتارةً الألفية ونحو ذلك والمقصود في الجميع واحد، وقد جمعنا ما تفرّق منها في كتاب المناقب ورتّبناه بحسب الإمكان وعلى مقتضى المناسبة فقد يوافق بعضه ترتيب ناظمها، وقد يخالفه ولعله لا يوافقه مطلقاً لكن هذا ما أمكننا فبلغ ذلك 324 بيتاً وقد وقع فيها في نسخة المناقب المطبوعة تحريفاً كثيراً أخرج بعض أبياتها عن أن يفهم لها معنى فما تمكّنّا من إصلاحه بحسب القرائن أصلحناه وما استغلق علينا أبقيناه بحاله. وصاحب الطليعة يقال: إنه جمع منها ما يقرب من 250 بيتاً ولعله وجد منها في غير المناقب أيضاً أو بقي في المناقب شيء لم يقع عليه نظرنا بعد التفتيش([179]) قال:
| ما بال عينك ثرة الإنسان | عبرى اللحاظ سقيمة الأجفان |
يقول في مديحها:
| نور تضيء به البلاد وجنة | للخائفين وعصمة اللهفان | |
| بحر تلاطم حافتاه بنائل | فيه القريب ومن نأى سيان | |
| ختن النبي وعمه (كذا) أكرم به | ختناً وصنو أبيه في الصنوان | |
| أحيى به سنن النبي وعدله | فأقام دار شرائع الإيمان | |
| وسقى موات الدين من صوب الهدى | بعد الجدوب فقرن في العمران | |
| وتفرجت كرب النفوس بذكره | لما استفاض وأشرق الحرمان | |
| صلى الإله على ابن عمّ محمد | منه صلاة تعمد بختان | |
| وبه تنزل أن أذني وحيه | للعلم واعية فمن ساواني | |
| وله إذا ذكر الفخار فضيلة | بلغت مدى الغايات باستيقان | |
| إذ قال أحمد إن خاصف نعله | لمقاتل بتأول القرآن | |
| قوماً كما قاتلت عن تنزيله | فإذا الوصي بكفة نعلان | |
| هل بعد ذاك على الرشاد دلالة | من قائل بخلافه ومعاني | |
| وله يقول محمد أقضاكم | هذا وأعلمكم لدى التبيان | |
| إني مدينة علمكم وأخي لها | باب وثيق الركن مصراعان | |
| فأتوا بيوت العلم من أبوابها | فالبيت لا يؤتى من الحيطان | |
| لولا مخافة مفتر من أمتي | ما في ابن مريم يفتري النصراني | |
| أظهرت فيك مناقباً في فضلها | قلب الأديب يظلّ كالحيران | |
| ويسارع الأقوام منك لأخذ ما | وطئته منك من الثرى العقبان | |
| متبركين بذاك ترأمه لهم | شم المعاطس أيما رئمان | |
| وله ببدر إن ذكرت بلاءه | يوم يشيب ذوائب الولدان | |
| كم من كمّي حلّ عقدة بأسه | فيه وكان ممنع الأركان | |
| فرأى به هصراً يهاب جنابه | كالضيغم المستبسل الغضبان | |
| يسقي مماصعه بكأس منية | شيبت بطعم الصاب والخطبان([180]) | |
| إذ من ذوي الرايات جدل عصبة | كانوا كأسد الغاب من خفان | |
| وله بأحد بعدما في وجهه | شجّ النبي وكلم الشفتان | |
| وانفضّ عنه المسلمون وأجفلوا | متطايرين تطاير الخيفان([181]) | |
| ونداؤهم قتل النبي وربنا | قتل النبي فكان غير معان | |
| ويقول قائلهم ألا يا ليتنا | نلنا أماناً من أبي سفيان | |
| وأبو دجانة والوصي وصيه | بالروح أحمد منهما يقيان | |
| فروا وما فرا هناك وأدبروا | وهما بحبل الله معتصمان | |
| حتى إذا ألوى هنالك مثخناً | يغشى عليه أيما غشيان | |
| وأخو النبي مطاعن ومضارب | عنه ومنه قد وهى العضدان | |
| يدعو أنا القضم([182]) القضاقضة الذي | يصمي العدو إذا دنا الزحفان | |
| لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى | إلا أبو حسن فتى الفتيان | |
| قال النبي: أما علمت بأنه | مني ومنه أنا؟ وقد أبلاني! | |
| جبريل قال له: وإني منكما! | فمضى بفضل خلاصة الخلّان | |
| وحلّ النبي إلى تبّوك وإنه | لمخلف عنه بأمر الماني([183]) | |
| حذرا على أموالها وضعافها | وكرائم النسوان والصبيان | |
| من ماكرين منافقين تخلّفوا | فثنوا إلى أهليه صرف عنان | |
| ولكاشحيه عداوة في تركه | خوض بلا مرض ولا نسيان | |
| فأتى النبي مبادراً وفؤاده | متخلع من لاعج الرجفان | |
| لم يا أمين الله أنت مخلّفي | عنها؟ ولست عن الجهاد بواني! | |
| أو لم تجدني ذا بلاء في الوغى | حسن بحيث تناطح الكبشان! | |
| قال النبي له: فداك أحبتي! | لم تؤت من سأم ولا استرزان | |
| بأبي أبا حسن! أما ترضى بأن | بوئت أكرم منزل ومكان | |
| أصبحت مني يا علي كمثل ما | هارون أصبح من فتى عمران | |
| إلا النبوة إنها محظورة | من أن تصير سواي في إنسان | |
| وله إذا ذكر الغدير فضيلة | لم ننسها ما دامت الملوان | |
| قام النبي له بشرح ولاية | نزل الكتاب بها من الديان | |
| إذ قال بلغ ما أمرت به وثق | منه بعصمة كالىء حنان | |
| فدعا الصلاة جماعة وأقامه | علماً بفضل مقالة وبيان | |
| نادى: ألست وليكم؟ قالو بلى | حقاً! فقال: فذا الوليّ الثاني | |
| فدعا له ولمن أجاب بنصره | ودعا الإله على ذوي الخذلان | |
| نادى ولم يك كاذباً بخ بخ أبا | حسن ربيع الشيب والشبان | |
| أصبحت مولى المؤمنين جماعة | مولى إناثهم مع الذكران | |
| لمن الخلافة والوزارة هل هما | إلا له وعليه يتفقان | |
| أوماهما فيما تلاه إلا هنا | في محكم الآيات مكتوبان | |
| أدلوا بحجتكم وقولوا قولكم | ودعوا حديث فلانة وفلان | |
| هيهات ضلّ ضلالكم أن تهتدوا | أو تفهموا لمقطع السطان | |
| حتى إذا صدعت حقائق أمره | نفروا نفور طرائد البهزان (كذا) | |
| زعموا بأن نبينا اتبع الهدى | وأتاهم بالإفك والعدوان | |
| كذبوا ورب محمد وتبدلوا | وجروا إلى عمه وضد بيان | |
| وتجنبوا ولد النبي وصيروا | عهد الخلافة في يدي خوان | |
| فطوى محاسنها وأوسع أهلها | منع الحقوق وواجب السمعان | |
| أو تعلمون حديث نجم إذ هوى | في داره من دون كل مكان | |
| قالوا أشر نحو النبي بنغمة | نسمع له ونطعه بالإذعان | |
| قال النبي ستكفرون إن أنتم | ملتم عليه بخاتم العصيان | |
| وستعلمون من المرنّ بفضله | ومن المشار إليه بالأرنان | |
| قالوا ابنه فما نخالف أمره | فيما يجيء به من البرهان | |
| فإليه أوْمِ فقال إن علامة | فيها الدليل على مراد العاني | |
| فابغوا الثريا في السطوح فإنها | من سطح صاحبكم كلمع يماني | |
| سكنت رواعده وقلّ وميضه | فتبيّنته حساير العوران | |
| فضلاً عن العين البصير بقلبه | والمبصر الأشياء بالأعيان | |
| أو يعلمون وما البصير كذي العمى | تأويل آية قصة الثعبان | |
| إذ جاء وهو على مراتب منبر | يعظ العباد مبارك العيدان | |
| فأسرّ نجواه إليه ولم يروْا | من قبل ذاك مناجياً للجان | |
| سأل الحكومة بين حزبي قومه | عنه ودان لحكمه الجريان | |
| كقضية الأفعى التي في خفّه | كمنت ومنها تصرف النابان | |
| رقشاء تنفس بالسموم ضئيلة | صماء عادية لها قرنان | |
| تدعى الحباب ولو تفهم أمره | من عابني بهوى الوصي شفاني | |
| ماذا دعاه إلى الولوج لحينه | وضلاله في ذلك الشنحان | |
| لما يتمم لبسه أهوى به | في الجو منقض من الغربان | |
| حتى إذا ارتفعا به وتعليا | أهواه مثل مكابد حردان | |
| فهوى هوي الريح بين فروجه | متقطعاً قلقاً على الصوان | |
| لا يهتدون لما اهتدى الهادي له | مما به الحكمان يشتبهان | |
| في رجم جارية زنت مضطرة | خوف الممات بعلة العطشان | |
| إذ قال ردّوها فردت بعدما | كادت تحلّ عساكر الموتان | |
| وبرجم أخرى والد عن ستة | فأتى بقصتها من القرآن | |
| إذ أقبلت حسرى إليه أختها | حذراً على حرى الفؤاد حصان | |
| ويرجم أخرى مثقل في بطنها | طفل سويّ الخلق أو طفلان | |
| نودوا ألا انتظروا فإن كانت زنت | فجنينها في البطن ليس بزاني | |
| خصمان مؤتلفان ما لم يحضرا | ناساً وعند الناس يختلفان | |
| جهراً لباطن بغيه ولباطن | منها إلى الصديق يختصمان | |
| لم يجهلا حكم القضية في الذي | جاءا إلى الفاروق يصطحبان | |
| لكن للازم حجة كانا بها | ذهبا على الأقوام يتّخذان | |
| قولا به مكراً كما دخلا على | داود قالا لا تخف خصمان | |
| في قصة الملأ الذين نبيهم | سألوا له ملكاً أخا أركان | |
| قال النبي فإن ربي باعث | طالوت يقدمكم أخا أقران | |
| قالوا وكيف يكون ذاك وليس ذا | سعة ونحن أحق بالسلطان | |
| قال اصطفاه عليكم بمزيده | من بسطة في العلم والجثمان | |
| والله يؤتي من يشاء ولم يكن | من نال منه كرامة بمهان | |
| وكذاك كان وصي أحمد بعده | متبسطاً في العلم والجثمان | |
| لما تولّى الأمر شذ عصابة | عند شذوذ نوافر الثيران | |
| بكم فلا هم يعقلون ولا هم | يتصفحون عمون كالصمان | |
| قال النبي فإن آية ملكه | إتيان تابوت له ببيان | |
| إتيان تابوت ستأتيكم به | أملاك ربي أيما إتيان | |
| فيه سكينة ربكم وبقية | يا قوم مما روث الآلان | |
| هل أرض مسجدة توطا منهم | من بعد ذاك سواهما جنبان | |
| إذ ذاك أذهب كل رجس عنهم | ربي وطهرهم من الأدران | |
| أتراك في شك له من أنه | للفضل خص بفتحه بابان | |
| ولمن يقول سوى علي كل من | آذى ابا حسن فقد آذاني | |
| حقاً ومن آذى النبي فإنه | مؤذ لخالقي الذي أنشاني | |
| حقاً ومن آذى المليك فإنه | في النار يرسف أيما رسفان | |
| إني وجبريل وإنك يا أخي | يوم الحساب وذو الجلال يراني | |
| لعل الصراط فلا مجاز لجائز | إلا لمن ذي الجلال أتاني | |
| ببراءة فيها ولايتك التي | ينجو بها من ناره الثقلان | |
| هذا الذي دون الجبلة نصره | بالنفس منه وما حواه وقاني | |
| فضل الإله أنا ورحمة ربكم | هذا وآفة طاعة الشيطان | |
| ويألف ألف أيكم ناجى أخي | فيهن دونكم أخي ناجاني | |
| ولكل حرف ألف باب شرحه | عندي بفضل حكومة وبيان | |
| أم من سرى معه سواء عندما | مضيا بعون الله يبتدران | |
| نحو البنية بيته العالي الذي | ما زال يعرف شامخ البنيان | |
| حتى إذا انتهيا إليه بسدنة | وهما لما قصدا له وجلان | |
| وتفرّق الكفار عن أركانه | وخلا المقام وهو الحيان | |
| أهوى ليحمله قراه وصيّه | فونى سوى ألف ونى هذان (كذا) | |
| إن النبوة لم يكن ليقلها | إلا نبي أيّد النهضان | |
| فحنى النبي له مطاه وقال قم | فاركب ولا تك عنه بالخشيان | |
| فعلاه وهو له مطيع سامع | بأبي المطيع مع المطاع الحاني | |
| ولو أنه منه يروم بنانه | نجماً لنال مطالع الدبران | |
| فتناول الصنم الكبير فزجّه | من فرقه ورماه بالكذان | |
| حتى تحطم منكباه ورأسه | ووهى القائم والتقى الطرفان | |
| ونحا بصم جلامد أوثانهم | فأبادها بالكسر والإيهان | |
| وغدا عليه الكافرون بحسرة | وهم بلا صنم ولا أوثان | |
| أم من شرى لله مهجة نفسه | دون النبي عليه ذو تكلان | |
| هل جاد غير أخيه ثم بنفسه | فوق الفراش يغطّ كالنعسان | |
| أم من على المسكين جاد بقوته | وعلى اليتيم مع الأسير العاني | |
| حتى تلا التالون فيها سورة | عنوانها هل أتا على الإنسان | |
| أم من طوى يومين لم يطعم ولم | تطعم حليلته ولا الحسنان | |
| فمضى لزوجته ببعض ثيابها | ليبيعه في السوق كالعجلان | |
| يهوى ابتياع جرادق لعياله | من بين ساغبة ومن سغبان | |
| إذ جاء مقداد يخبر أنه | مذ لم يذق أكلاً له يومان | |
| فهوى إلى ثمن المثال فصبّه | من كفّ أبيض في يدي غرثان | |
| فطرا من الإعراب سائق ناقة | حسناء تاجرة له معسان | |
| نادى ألا اشترها فقال وكيف لي | بشرا البعير وما معي فلسان | |
| قال الفتى ابتعها فإني منظر | فيما به الكفان تصطفقان | |
| فبدا له رجل فقال أبائع | مني بعيرك أنت يا رباني | |
| أخبر شراك أهن ربحك قال ها | مائة فقال فهاكها مائتان | |
| وأتى النبي معجباً فأهابه | وإليه قبل قد انتهى الخبران | |
| نادى أبا حسن أأبدأ بالذي | أقبلت تنبئنيه أم تبداني | |
| قال الوصي له فأنبئني به | إني أتجرت فتاح لي ربحان | |
| ربح لآخرتي وربح عاجل | وكلاهما لي يا أخي فخران | |
| فأبثه ما في الضمير وقال هل | تدري فداك أحبتي من ذان | |
| جبريل صاحب بيعها والمشتري | ميكال طبت وأنجح السعيان | |
| والناقة الكوماء كانت ناقة | ترعى بدار الخلد في بطنان | |
| أم من عليه الوحي أملى واثقا | جبريل وهو إليه ذو اطمئنان | |
| إذ قال أحمد يا علي اكتب ولا | تلمح وذاك به الأمين أتاني | |
| من ذي الجلال به فإني عنكما | متبرز في هذا الغيطان | |
| وخلا خليل حليله بخليله | ويداه عند الوحي تكتنفان | |
| ووعت مسامعه حلاوة لفظه | ورآه رؤية غير ما رؤيان | |
| أم من له في الطير قال نبيه | قولاً ينير بشرحه الأفقان | |
| يا رب جىء بأحب خلقك كلهم | شخصاً إليك وخير من يغشاني | |
| كيما يواكلني ويؤنس وحشتي | والشاهدان بقوله عدلان | |
| فبدا علي كالهزبر ووجهه | كالبدر يلمع أيما لمعان | |
| فتواكلا واستأنسا وتحدثا | بأبي وأمي ذلك الحدثان | |
| أم من له ضرب النبي بحبه | مثل ابن مريم إن ذاك لشان | |
| إذ قال يهلك في هواك وفي القلى | لك يا علي جلالة جيلان | |
| كعصابة قالوا المسيح إلهنا | فرد وليس لأمهم من ثاني | |
| وعصابة قالوا كذوب ساحر | خشي الوقوف به على بهتان | |
| فكذاك فرد ليس عيسى كالذي | جهلاً عليه تخرص القولان | |
| وكذا علي قد دعاه إلههم | قوم فأحرقهم ولم يستان | |
| وأباه قوم آخرون تلى له | من بين منتكث وذي خذلان | |
| أم أيهم فخر الأنام بخصلة | طالت طوال فروع كل عنان | |
| من بعد أن بعث النبي إلى منى | ببراءة من كان بالحوان | |
| فيها فأتبعه رسولاً ردّه | تعدو به القصواء كالسرحان | |
| كانت لوحي منزل وافى به الر | وح الأمين فقصّ عن تبيان | |
| إذ قال لا عني يؤدي حجتي | إلا أنا أو لي نسيب داني | |
| أم من يقول له سأعطي رايتي | من لم يفر ولم يكن بجبان | |
| رجلاً يحب الله وهو يحبه | قرماً ينال السبق يوم رهان | |
| وعلى يديه الله يفتح بعدما | وافى النبي بردها الرجلان | |
| فدعا علياً وهو أرمد لا يرى | أن تستمر بمشية الرجلان | |
| فهوى إلى عينيه يتفل فيهما | وعليهما قد أطبق الجفنان | |
| فمضى بها مستبشراً وكأنما | من ريقه عيناه مرآتان | |
| فأتاه بالفتح النجيح ولم يكن | يأتي بمثل فتوحه العمران | |
| أم من أقل بخيبر الباب الذي | أعيا به نفر من الأعوان | |
| هل مدّ حلقته فصير متنه | ترساً يفلّ بها شبا القضبان | |
| ترساً يصك به الوجوه بملتقى | حرب بها حمي الوطيس عوان | |
| أم من له في الحر والبرد أستوت | منه بنعمة ربه الحالان | |
| فتراه يلبس في الشتاء غلالة | وتراه طول الصيف في خفتان | |
| هل كان ذاك لامة من قبله | أو بعده، فأبانه العصران؟ | |
| أم من له قال النبي: فإنني | وأخي بدار الخلد مجتمعان | |
| نرعى ونرتع في مكان واحد | فوق العباد كأننا شمسان | |
| أم من بسيدة النساء قضى له | ربي فأصبح أسعد الأختان | |
| من بعد خطاب أتوه فردّهم | ردّاً يبيّن مضمر الأشجان | |
| فأبان منعهما وقال صغيرة | تزويجها في سنها لم يان | |
| حتى إذا خطب الوصي أجابه | من غير تورية ولا استئذان | |
| فالله زوجه وأشهد في العلى | أملاكه وجماعة السكان | |
| والله قدر نسله من صلبه | فلذا لأحمد لم يكن بتان | |
| أم من بخاتمه تصدق راكعاً | يرجو بذاك رضى القريب الداني | |
| حتى تقرب منه بعد نبيه | بولاية بشواهد ومعاني | |
| بولاية في آية لولاتها | نزلت حصاهم واحد واثنان | |
| فالأول الصمد المقدس ذكره | ونبيه ووصيه التبعان | |
| هل في تلاوتها بآي ذوي الهدى | من قبل ثالث أهلها يليان | |
| هذه الولاية أن تعود عليهما | من بعده من عقدها قسمان | |
| أم من عليه الشمس ردت بعدما | كسي الظلام معاطف الجدران | |
| حتى قضى ما فات من صلواته | يا خير (بأخير) يوم مشرق ضحيان | |
| والناس من عجب رأوه وعاينوا | يترجحون ترجح السكران | |
| ثم أنثنت لمغيبها منحطة | كالسهم طار بريشة الظهران | |
| وابناه عند قوى الجنان عليهما | فهما لدار مقامه ركنان | |
| وهما معاً لو يعلمون لعرشه | دون الملائك كلها شنفان | |
| والدرر والمرجان قد نُحلاهما | مثلاً من البحرين يلتقيان |
هذا ما أمكن جمعه من هذه القصيدة وأنت ترى أن فيها أبياتاً كثيرة مستغلقة بسبب التحريف الذي طرأ عليها ولم نتمكن من معرفة صوابها ووضعنا إشارة على قليل منها وأكثرها تركناه بحاله ولعل أحداً يوفق لنسخة صحيحة مخطوطة فيصححها.
الشيخ لطف الله العاملي([184]*)
مرّ الحديث عن مسجده… وفي الكلمة التالية بعض التعريف به:
قال في رياض العلماء:
كان مولده في ميس من قرى جبل عامل وقد توجّه في أوائل عمره منها إلى زيارة مشهد الرضا (ع). وأقام به مدة، وكان يشتغل فيه بتحصيل العلوم.
إلى أن يقول: وقد تخلص من مخمصة مجيء الأوزبكية إلى تلك الروضة المقدسة، وتوجّهه إلى خدمة ذلك السلطان (عباس الصفوي)، وكان يدرس بقزوين برهة من الزمان، ثم انتقل منها بأمر ذلك السلطان إلى أصفهان.
ويقول عنه أيضاً: وكان له عدة أولاد ذكور وإناث، وأكبرهم سنّاً ومكاناً الشيخ جعفر. وكان له بنتان: تزوج بإحداهما الميرزا حبيب الله، الصدر المعروف، وحصل له منها الوزير الجليل الميرزا مهدي وأخوه الميرزا علي رضا شيخ الإسلام بأصبهان، وتزوج بالثانية السيد الميرزا محمد مؤمن العقيلي الأسترآبادي. وقد تولد منها أولاد ذكور عديدون معروفون في عصرنا هذا.
وقال عباس إقبال الآشتياني:
لا شك أن مسجد الشيخ لطف الله هو واحد من أجمل الآثار العمرانية في أصفهان، حيث يشدّ المشاهد إليه بجماله وإبداع الفنانين الذين أضفوا علية آيات الزينة والجمال.
يقوم هذا المسجد في الضلع الشرقي لميدان (نقش جهان) بإزاء بناية (عالي قابو) أو «دولتخانه»، ويندر أن يكون له نظير في أقطار الأرض، لزخارفه وفسيفسائه داخل وخارج القبة، وللخطوط التي بلغت غاية الروعة، بيد علي رضا التبريزي العباسي.
بدأ العمل بهذا المسجد بأمر من الملك عباس الأول عام 1011هـ أي في نفس العام الذي أمر فيه ببناء ساحة (نقش جهان) والأسواق الأربعة المحيطة به، واستمر العمل فيه حتى عام 1028هـ.
والهدف الرئيسي الذي أراده الملك في بنائه لهذا المسجد والمدرسة المجاورة هو تهيئة محل تدريس ومركز إقامة للشيخ لطف الله العاملي، الذي اشتهر آنذاك بتقواه وزهده وجلالة قدره، وكان الملك يجلّه ويعظمه وكثير التعلق به.
ونقصد في هذه المقالة الإشارة باختصار إلى حياة الشيخ لطف الله، وعلاقاته مع بعض المشاهير من علماء عصره ليتسنى للقارئين الإحاطة بإلمامة موجزة عن حياة هذا الشخص الذي اشتهر هذا المسجد العظيم باسمه، وليقفوا على بعض أوضاع الحوزة العلمية في عصر الشيخ التي عاشت أفضل أدوار حياتها في زمن الدولة الصفوية.
في نوروز عام 1941م كنت في أصفهان، وخلال شرائي لبعض الكتب، حصلت على مجموعة تحتوي على بعض النسخ الخطية وموضوعها جميعاً الحديث والرجال. كانت هذه المجموعة في السابق من ممتلكات الشيخ لطف الله العاملي، حيث لا يزال أثر خطه وختمه باقياً على ظهر الورقة الأولى.
وقد كتب الشيخ فهرستاً لهذه المجموعة على ظهر هذه الورقة كالآتي:
«هذه مجموعة مشتملة على مناسك الحج وجزء من رسالة الحساب للشيخ بهاء الدين محمد سلّمه الله وأربعين حديثاً جمعها الأمير فيض الله([185]) في أحوال العامة، وحواش على بعض المتون الفقهية للملا عبدالله التستري، وكتبت أنا على أوائلها حواشي وأنا الفقير إلى الله لطف الله العاملي الميسي، ورسالة في العمل بخبر الآحاد وكتاب شرح الدراية للشهيد الثاني وحواش للشيخ بهاء الدين محمد سلمه الله تعالى على الاثني عشرية للشيخ حسن([186]) قدس سره. وأجزاء من اختيار الرجال (كذا) للملا عناية الله بن شرف الدين على الكوه بايه([187]) والجزء الأول من كتاب الكشي في الرجال والجزء الثاني منه أيضاً في معرفة الرجال والثالث والرابع والخامس منه أيضاً».
وفي ذيل هذه العبارات، بعد اسم كتاب ملا عبدالله الشوشتري، هناك ختمان، من المسلم به أنهما بخط الشيخ لطف الله العاملي، وهما عبارة عن هذه الكلمات: «ثقتي بلطف الله تقيني».
وموضوع رسالة ملا عبدالله الشوشتري هذه كما يتضح من المقدمة، هو حواش وتعليقات لهذا المؤلف على الرسالة الاثني عشرية في الصلاة، تأليف الشيخ جمال الدين الحسن بن زين الدين العاملي (959 ـ 1011هـ) ابن الشهيد الثاني وهو صاحب كتاب المعالم.
وقد دون الكاتب العبارات التالية في آخره هذه الرسالة: «كتب هذه الرسالة الفقير إلى الله الغني حسن بن آل براق الحسني في بلدة أصفهان للأخ والمؤاخي لوجه الله الطيب الطاهر الفاضل العالم العامل التقي النقي الرضي المرضي شيخ الإسلام والمسلمين الشيخ لطف الله العاملي عامله الله بلطفه وزاد في شرفه في أواخر شهر ربيع الأول سنة ألف واثني عشرة من الهجرة النبوية على مشرّفها السلام والتحية».
يتّضح من هذه العبارة، أن رسالة الملا عبدالله الشوشتري هذه، قد دونها كاتب بعينه في أصفهان للشيخ لطف الله، في تاريخ أواخر ربيع الأول عام 1012هـ.
ويبدو جليّاً أن هذه المجموعة المذكورة أعلاه، والتي هي في حوزة كاتب هذه السطور في الوقت الراهن، كانت عائدة في يومٍ ما للشيخ لطف الله العاملي، الإمام والمدرس المعروف في عهد الملك عباس، والله وحده يعلم كم يد تداولتها بعد وفاته عام 1032هـ حتى الآن وكم يد سوف تتداولها فيما بعد.
يوجد ضمن هذه المجموعة ـ كما يظهر الفهرست الذي وضعه الشيخ لطف الله ـ رسالتان، من تأليف شخصين من كبار العلماء المعاصرين للشيخ لطف الله، واحدة من تأليف الشيخ بهاء الدين محمد العاملي أي الشيخ البهائي المعروف (953 ـ 1030هـ)، حيث يذكر الشيخ اسمه في هذا الفهرست مع الجملة الدعائية «سلمه الله»، والأخرى من تأليف الملا عبدالله بن حسين الشوشتري (المتوفى عام 1012هـ) وهو من العلماء الزاهدين العابدين في عصر الملك عباس الكبير، ومن مشايخ ملا محمد تقي المجلسي الأول ومير مصطفى التفريشي مؤلف كتاب نقد الرجال.
على الرغم من أن الشيخ لطف الله قد اكتفى في فهرسته بذكر اسم ملا عبدالله الشوشتري مجرداً، وقد عرض آراء مخالفة لآرائه الفقهية في الحواشي والتعليقات، إلا أنه لم يخرج عن حدّ الأدب وأشار إلى اسمه بالجملة الدعائية «دام ظلّه».
تظهر التواريخ أن العلاقة بين الشيخ البهائي والشيخ لطف الله، كانت غاية في الصفاء والمودة، وكان الشيخ البهائي يعتقد بعلم الشيخ لطف الله، ويحثّ الناس على الرجوع إليه في المسائل الفقهية([188]) إضافة إلى كون الشيخ البهائي من المشايخ الذين منحوا الإجازة للشيخ لطف الله وقد أجازه رسمياً في جمادى الأولى عام 1032هـ لرواية قسم كبير من مؤلفاته بخطه([189]).
ولكن يبدو أن العلاقة بين الشيخ لطف الله ومعاصره الآخر الملا عبدالله الشوشتري لم تكن على ما يرام، إذ كان ثمة خلاف في المسائل العلمية بينهما. وقد كتب صاحب (عالم آراي عباسي) ونقل عنه مؤلفي رياض العلماء، ومستدرك الوسائل قوله: كانت بين الشيخ لطف الله العاملي ومير محمد باقر الداماد (المتوفى سنة 1040هـ) من جهة، والملا عبدالله الشوشتري من جهة أخرى مناقشات دائمة في الأمور العلمية والاجتماعية، وظلّت الأمور بينهم على حالها حتى آخر عمر ملا عبدالله. حتى كان يوم السبت 25 محرم عام 1021 حين كان الملا عبدالله على فراش الموت، عاده المرداماد والشيخ لطف الله، فقبّل الملا عبدالله رأسَي وعنقَي خصميه العلميين وعاملهما بفرح وسرور ثم فارق الحياة في صبح اليوم التالي.
تشير الأدلة المتوفرة لدينا، أنه غالباً ما كانت المناقشة بين ملا عبدالله والشيخ لطف الله تقترن بالأدب والاحترام، بينما لم تكن تقترن بذلك في بعض الأحيان بين الملا عبد الله والميرداماد([190]).
ولكن مثل هذه المنافسات والخصومات قد انتهت ـ كما أشرنا آنفاً ـ بوفاة الملا عبدالله، وربما كان إغماضه وسروره في حال احتضاره، قد بدل المناقشات والمجادلات السابقة إلى صلح وصفاء، بحيث أمّ الميرداماد جموع العلماء الذين قدموا لتشييع جنازة الملا عبدالله، في صلاتهم عليه([191]).
وكان الملا عبدالله الشوشتري خائفاً في فترة من الفترات من الملك عباس الكبير، فلجأ إلى الحرم الرضوي في مشهد، وعندما دخل الملك مشهد عام 1009هـ ذهب للقاء الملا عبدالله، ثم اصطحبه، معزّزاً مكرماً معه إلى أصفهان، وحظي في أصفهان بنفوذ واسع في البلاط، بحيث دعا الملك في عام 1017هـ لوقف جميع أملاكه الشخصية باسم المعصومين الأربعة عشر، وتوزيع عائدتها السنوية على السادات، وكذلك أشار عليه ببناء مدرستين في أصفهان إلى جانب ميدان نقش جهان، واحدة لدرسه وإقامته، والثانية لدرس وإقامة الشيخ لطف الله العاملي. ولا تزال مدرسة الملا عبدالله قائمة إلى جانب البوابة القيصرية في الضلع الشمالي لميدان نقش جهان، بينما آلت مدرسة الشيخ لطف الله ـ التي كانت ملتصقة بالمسجد ـ إلى الخراب.
وأما الشيخ لطف الله بن عبد الكريم بن إبراهيم، فهو في الأصل من أهالي ميس من قرى جبل عامل وعائلته من فقهاء الإمامية، إذ كان أبوه وجدّه الأعلى وابنه قد اشتهروا بهذا العنوان.
وفي الفترة التي كان الملوك الصفويون يسعون جاهدين فيها لترويج أحكام المذهب الشيعي، وتشجيع وإكرام فقهاء هذا المذهب، سافر الشيخ لطف الله الميسي العاملي إلى إيران كما فعل جمعٌ كبيرٌ آخر من فقهاء البحرين وجبل عامل، وسكن في بادىء الأمر في مشهد المقدسة، وكان إذ ذاك في مقتبل عمره، فدرس في هذه البقعة المقدسة على علمائها، ومنها الملا عبدالله الشوشتري([192])، ثم عيّنه الملك عباس الكبير خادماً للحرم الرضوي، ومكث فيها حتى حدثت فتنة الأزبك، واستيلائهم على مشهد.
لاذ بعد ذلك بالفرار ولجأ إلى قزوين واشتغل بالتدريس فيها. ثم استقدمه الملك عباس من قزوين إلى أصفهان. حيث بنى له في عام 1011هـ مسجداً ومدرسة في جانب ميدان نقش جهان ـ حملا اسمه، ليكونا محلاً لتدريسه وإقامته، وكما أسلفنا فإن العمل فيها استغرق حتى عام 1028هـ، وحين الفراغ من العمل بهذين البناءين، أمر الملك عباس بإنشاء مسجد جديد في الجزء الجنوبي للميدان، وهذا المسجد هو (مسجد الشاه).
وبعد أن اكتمل العمل في مدرسة ومسجد الشيخ لطف الله وأصبحا مهيّأين للصلاة وللتدريس، أقام هذا الرجل الجليل في المدرسة وباشر فيها وفي المسجد بالتدريس وإمامة المصلّين وخصّص له الملك مبلغاً معيّناً لشؤون حياته.
وكان للشيخ بعض الآراء والاعتقادات الخاصة به في المسائل الفقهية والفتاوى الشرعية، وينقل صاحب رياض العلماء أنه كان يناقش علماء عصره حول بعض هذه المسائل بغير حق، ومنها اعتقداه بوجوب إقامة صلاة الجمعة في حال غياب صاحب الزمان، وكان يقوم شخصياً بإقامة هذه الصلاة في مسجده واستمر على عمله هذا، وكان مقلّدوه يتبعونه في ذلك.
كانت مؤلفات الشيخ منحصرة في الحواشي والتعليقات التي كان يكتبها على بعض الكتب الفقهية التي صنّفها العلماء السابقون لعهده وفي الرسائل التي كان يردّ فيها على الفتاوى الدينية للمعاصرين. ولم يكن الشيخ لطف الله محروماً من العلوم الأدبية، بل كان ينظم الشعر في بعض الأحيان.
يذكر مؤلف كتاب مجمل التواريخ([193]) بأن وفاة الشيخ لطف الله كانت في عام 1032هـ، أي في نفس السنة التي استولى فيها الملك عباس على بغداد وكذلك يورد صاحب (عالم آراي عباسي) تاريخ وفاته في ذيل حوادث نفس هذه السنة 1032هـ ويقول: «مرض الشيخ لطف الله الميسي العربي الجبل عاملي في أوائل هذه السنة، قبل السفر إلى دار السلام بغداد في أصفهان، ثم توفي»([194]).
وينقل الميرزا عبدالله الأفندي في كتاب رياض العلماء عن (عالم آراي عباسي) نفس مضمون هذه الجملة ويقول: كانت وفاة الشيخ في أوائل عام 1032هـ ، قبيل فتح بغداد، وكان تاريخ فتح قلعة بغداد يوم الأحد الثالث والعشرين من ربيع الأول عام 1032هـ.
ويذكر صاحب (عالم آراي عباسي) مقطوعة شعرية لتحديد سنة وفاة الشيخ لطف الله. وعلى أي حال فإن المادة التاريخية التي يذكرها صاحب هذا الكتاب لتحديد عام الوفاة تختلف مع السنة التي يحددها نفس هذا المؤلف وهي سنة 1032هـ بسنة واحدة، ويتّضح ذلك من خلال حسب الجمل لعبارة «شيخ لطف الله».
ومهما كانت الحقيقة، فليس مهماً كثيراً الاختلاف في سنة واحدة، وإن كنت أرجح أن يكون التاريخ الحقيقي للوفاة هو ما صرّح به مؤلف مجمل التواريخ وصاحب (عالم آراي) وهو 1032هـ.
تعليق الأستاذ محمود شهابي على المقال
كان هذا المقال قد نشر في مجلة (يادكار) فعلق عليه الأستاذ محمود الشهابي بما يلي:
1ـ وردت في صفحة 55، السطر الخامس العبارة التالية: «وفي تاريخ جمادى الأولى 1032هـ أجازه الشيخ البهائي رسمياً…» وكانت هذه العبارة غامضة بالنسبة لي، بسببين:
أولاً: لأن الشيخ البهائي ـ قد توفي عام 1032هـ، كيف يكون قد أجاز الشيخ لطف الله عام 1039.
ربما حددت خطأ مطبعي بين 32 و23، ولكن حتى هذا التاريخ لا يتوافق مع ما ورد في كتاب الذريعة، إذ يحدد تاريخ أخذ الإجازة في عام 1020.
ثانياً: وبما أن الذريعة هي إحدى المصدرين الذين اعتمدهما الكاتب في مقاله، فإنها تحدد شهر شوال لأخذ هذه الإجازة، وإذا كان الكاتب قد اعتمد في تحديد الشهر على البحار الذي هو مصدره الثاني، فقد كان ينبغي أن يشير إلى هذا الاختلاف الموجود بين المصدرين.
ومن جانب آخر، فلو فرضنا ـ جدلاً ـ أن العام الذي حدّده الكاتب صحيح، فإن شهر جمادى الأولى غير صحيح إذا كان من عام 1032هـ، إذ ورد في صفحة 59، في السطرين 12 ـ13 من نفس هذه المجلة العبارة التالية: «… كانت وفاة الشيخ في أوائل عام 1032هـ، قبل فتح بغداد، وكان تاريخ فتح قلعة بغداد يوم الأحد الثالث والعشرين من ربيع الأول عام 1032هـ».
رد الأشتياني
1ـ فيما يخص عام 1032هـ ، فإن الحق مع الأستاذ الشهابي، حيث طبع عام 1032هـ خطأ بدلاً من عام 1022هـ ، وبعد مراجعتي للمصادر المعروفة، أدركت أني كنت قد أخطأت في تحديد جمادى الأولى عام 1022هـ تاريخاً لإجازة الشيخ البهائي للشيخ لطف الله، فقد كانت نسخة بحار الأنوار، المجلد السادس والعشرون تالفة وغير واضحة. والصحيح هو ما ذكره المؤلف القدير لكتاب الذريعة،أي شوال عام 1020هـ.
السيد أبو الحسن الأصفهاني
وأبرز من نسب إلى أصفهان في العصور المتأخرة:
السيد أبو الحسن بن محمد ابن السيد عبد الحميد الأصفهاني المسكن، النجفي الهجرة والمدفن، الذي انفرد في عصره بالمرجعية الشيعية العالمية مما ندر نظيره.
ولد سنة 1284هـ في قرية صغيرة من قرى أصفهان ولا يزال إخوته فيها إلى الآن. وأصلهم من نواحي بهبهان ثم انتقل جده إلى القرية المذكورة. وتوفي ليلة الثلاثاء 9 ذي الحجة سنة 1365هـ في الكاظمية عن 81 سنة وحمل نعشه إلى النجف الأشرف فدفن فيه وشُيِع تشييعاً عظيماً لم يسبق له مثيل في بغداد وكربلاء والنجف وعطلت أسواق طهران عاصمة إيران ثلاثة أيام حداداً عليه وأقيمت له مجالس الفاتحة في مدن إيران ومدن العراق وقصباته ودمشق وفي جملة من بلاد جبل عامل وسوريا واشترك في مأتمه عظماء المسلمين من جميع النحل وعظماء النصارى واليهود وغيرهم.
لم يكن أبوه من أهل العلم وإنما كان جدّه من العلماء وقرأ جده في النجف الأشرف على الشيخ موسى بن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء وكتب تقريرات درسه. وهي عند المترجم. وولد السيد محمد أبو المترجم في كربلاء حين مجيء والده إلى العراق لطلب العلم. وقرأ المترجم أولاً في قريته على بعض أهل العلم فيها ثم رحل في أوائل البلوغ إلى صفهان فقرأ على علمائها، وأتمّ فيها السطوح، وحضر في دروس الخارج، وكان ممن قرأ عليهم في أصفهان الشيخ محمد الكاشي، وكان الشيخ محمد هذا عالماً في علوم عديدة منها علم الحكمة العقلية والرياضيات ثم رحل المترجم إلى النجف الأشرف سنة 1308هـ، وأخذ عن الميرزا حبيب الله الرشتي في الفقه إلى أن توفي الرشتي سنة 1312هـ، واختصّ بالشيخ ملا كاظم الخراساني فحضر دروسه في الفقه والأصول إلى أن توفي الخراساني سنة 1329هـ فاستقلّ بالتدريس.
وقد انحصرت فيه الرياسة العلمية الدينية في النجف الأشرف. ومن جليل أعماله جراية الخبز على الطلبة بالنجف وما يعولون والنفقات المالية وإرساله المرشدين من أهل العلم إلى الأقطار في إيران والعراق حتى البلاد التي يكون فيها عدد قليل من الشيعة وقيامه بنفقاتهم وإيصاؤهم أن لا يقبلوا من أحد شيئاً وتفقده أهل البيوتات والمستورين وبرّه بهم وعنايته بتطبيب المرضى منهم وإرسالهم إلى البلدان التي فيها حذاق الأطباء وقيامه بنفقاتهم. وبنى المساجد والحسينيات في البلاد المحتاجة إلى ذلك، يقول عنه السيد محسن الأمين في موسوعته (أعيان الشيعة):
نظرته عام سفري للعراق سنة 1352هـ ومارسته فرأيت فيه رجلاً كبير العقل واسع العلم والفقه بعيد النظر دقيقه، صائب الرأي عميق الفكر حسن التدبير واسع التفكير عارفاً بمواقع الأمور جاهداً في إصلاح المجتمع ـ لو استطاع ـ شفيقاً على عموم الناس عالي الهمة سخيّ النفس جليل المقدرة عظيم السياسة مضافاً إلى مكانته العلمية في الفقه والاجتهاد، وإن ما حازه من الرياسة العامة كان عن جدارة واستحقاق. ولم يبرز منه مؤلف غير الرسائل العملية في أحكام العبادات وذلك لاشتغاله بالتدريس وأجوبة المسائل التي ترد عليه من الاستفتاءات من جميع الأقطار وأجوبة الرسائل التي ترد عليه في شتّى الأمور وانشغاله بأمور الرياسة ومباشرة أكثر أمورها بنفسه وذلك لا يترك له فراغاً لأن يخط سطراً واحداً في التصنيف والتأليف.
الأصول الأربعمائة([195])
بلغ النشاط الثقافي للشيعة القمة في عصر الإمام الصادق (ع) وذلك حيث تخلّلت فترة الانتقال بين الحكم الأموي والعباسي، وارتفع الضغط السياسي على الشيعة عموماً، وتهافت أهل العلم والمعرفة من كل جانب على مدرسة الإمام الصادق (ع) حتى بلغ الرواة عنه (ع) أربعة آلاف رجل، وانصرفت طائفة كبيرة من هؤلاء لضبط ما رووه عن الإمام (ع) سماعاً في كتاب خاص في مواضيع الفقه والتفسير والعقائد وغيرها، وقد اصطلح التاريخ الشيعي على تسمية هذه الكتب بـ (الأصول) كما حصرها في (أربعمائة) أصل وهذا ما نعنيه بـ (الأصول الأربعمائة).
ما هو الأصل
اختلفت تعاربف الأعلام وتعابيرهم في تحديد مفهوم الأصل فقال السيد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة 1212هـ:
(الأصل في اصطلاح المحدثين من أصحابنا بمعنى الكتاب المعتمد الذي لم ينتزع من كتاب آخر..).
(تنقيح المثال 1 ـ 464)
وقال عناية الله القهبائي: (… فالأصل مجمع عبارات الحجة (ع) والكتاب يشتمل عليه وعلى الاستدلالات والاستنباطات شرعاً وعقلاً) (مجمع الرجال 1 ـ 9).
وقال شيخنا الطهراني:
(الأصل هو عنوان صادق على بعض كتب الحديث خاصة كما أن الكتاب عنوان يصدق على جميعها فيقولون له (كتاب أصل)، أو (له كتاب وله أصل)، أو (قال في كتاب أصله)، أو (له كتاب أصل) وغير ذلك. وإطلاق الأصل على هذا البعض ليس بجعل حادث من العلماء بل يطلق عليه الأصل بما له من المعنى اللغوي ذلك لأن كتاب الحديث إن كان جميع أحاديثه سماعاً من مؤلفه عن الإمام (ع) أو سماعاً منه عمن سمع عن الإمام (ع) فوجود تلك الأحاديث في عالم الكتابة من صنع مؤلفها وجود أصلي بدوي ارتجالي غير متفرّع من وجود آخر فيقال له الأصل لذلك) (الذريعة 2 ـ 126).
وقال الشيخ عبدالله المامقاني:
(ربما جعل بعض من عاصرناه… مرجع هذه الأقوال جميعاً إلى أمر واحد.. وجعل المتحصل أن الأصل مجمع أخبار وآثار جمعت لأجل الضبط والتحفظ عن الضياع لنسيانٍ ونحوه…) (مقباس الهداية 91).
هذه جملة من التعاريف التي ذكرها الأعلام ونجد أصدق وصف لها ذكره السيد محسن الأمين بعدما تعرض لجملة منها قائلاً:
(وكل ذلك حدس وتخمين) (أعيان الشيعة 1 ـ 49).
والوجه فيما ذكره السيد الأمين أن هذه التعاريف لم تستند إلى دراسة نصوص الأصول الموجودة اليوم ومن الناحية التاريخية لم نعهد هذا الاصطلاح إلا في كتب علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري، ومن تأخر عنهم أو بتعبير أدقّ في كتب ثلاثة وهم:
1ـ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، المتوفى 412هـ.
2ـ الشيخ أبو العباس النجاشي المتوفى 450هـ.
3ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى 460هـ.
إذ بالتّتبّع في فهرستي الطوسي، والنجاشي يعلم أن الأصل عنوان مستقل يطلق على بعض كتب الحديث خاصة دون غيرها، وربما كان في بدء الاستعمال استعانة بالمفهوم اللغوي لكلمة (الأصل) إلا أنه أصبح له مفهوم اصطلاحي فيما بعد وللتدليل على ذلك نكتفي بذكر ثلاثة نصوص من الشيخ الطوسي على ذلك:
1ـ قال في المقدمة: (فإني لما رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرست كتب أصحابنا… ولم يتعرض أحد منهم باستيفاء جميعه إلا ما قصده أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله (الغضائري) فإنه عمل كتابين أحدهما ذكر فيه الأصول…) (الفهرست 24).
2ـ قال في ترجمة أحمد بن محمد السيرافي: (له كتب في الفقه على ترتيب الأصول) (الفهرست 61) وكذلك (في معالم العلماء 22).
3ـ قال في ترجمة بندار بن محمد بن عبدالله: (له كتب منها كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الصوم، كتاب الحج، كتاب الزكاة وغيرها على نسق الأصول) (الفهرست 66) وكذا (معالم العلماء 29).
وبالرغم من أن الطوسي أوسع من تعرض لذكر الأصل لا نجد في أي موضع من كتابه تعريفاً لمفهوم الأصل وكذا من عاصره فهل التعاريف المتقدمة تحدد مفهوم الأصل؟ الذي أرى أن التعاريف المذكورة كلها ناشئة من الحدس والتخمين كما صرّح بذلك السيد الأمين.
أما التعريف الأول: إذ لم نجد أي تصريح من المتقدمين بأن الأصول هو الكتاب المعتمد بل نجد تصريحهم بضعف المؤلف الذي هو من أصحاب الأصول كعلي بن حمزة البطائني فقد روى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة لعن الرضا (ع) إياه (راجع الفهرست 122) ومن لم يرد في حقه توثيق جمع كثير.
وأما التعريف الثاني: حيث توجد أعيان قسم من النسخ التي وضعها الطوسي والنجاشي بالكتاب وهي مجردة عن أي استدلال أو استنباط شرعي أو عقلي بل تحتوي على الأحاديث المروية عن الأئمة (عليهم السلام).
وأما التعريف الثالث: فلأن ما ذكره وإن كان صادقاً بمفهومه اللغوي إلا أنا نجد ذلك اصطلاحاً من القرن الخامس الهجري وخاصة الشيخ الطوسي والنجاشي كما لا يخفى فكيف لا يكون بجعل حادث، ثم لم يعهد التعبير بـ (قال في كتاب أصله) أو (له كتاب أصل) إطلاقاً وذلك نظراً إلى هذا الاصطلاح.
(ومن هنا) نجد أن التعاريف مستندة إلى الظّنّ والتخمين بل يحق أن نقول إنهم اصطلحوا لمفهوم الأصل اصطلاحاً جديداً فلهم رأيهم الخاص.
إذاً فما هو المائز بين الأصل والكتاب في اصطلاح المتقدمين؟.
لا يمكننا القول بأن المائز هو شخصية المؤلف إذ نجد أن المؤلف الواحد يعبر عن بعض كتبه بالأصل وعن البعض الآخر بالكتاب منهم:
1ـ إسماعيل بن مهران بن محمد بن أبي نصر السكوني فقد قال الطوسي: (صنف مصنفات كثيرة ومنها كتاب الملاحم وكتاب ثواب القرآن وكتاب خطب أمير المؤمنين (ع) ـ ثم ذكر إسناده وقال: وله أصل أخبرنا به عدة من أصحابنا…) (الفهرست 34 و37).
2ـ زكار بن يحي الواسطي، قال الطوسي: (له كتاب الفضائل وله أصل) (الفهرست 101).
ولا يمكن القول بأن الفارق هو الرواية عن مطلق المعصومين من دون نقل عن كتاب إذ نجد عدة منها موصوفة بالكتاب دون الأصل ومن أشهرها كتاب سليم بن قيس الهلالي ـ كما ستعرف ـ.
كما لا يمكن القول أيضاً بأن المائز هو الرواية عن الإمام الصادق (ع) مطلقاً بالسماع أو من دون سماع إذ نجد في أصحابه والرواة عنه من وصفت مؤلفاته (بالكتاب) دون الأصل ومنهم:
1ـ ليث المرادي أبو بصير (الفهرست 156).
2ـ ومحمد بن النعمان الأحول (مؤمن الطاق) (الفهرست 158).
والذي أراه أن الأصل هو (الحاوي للحديث المروي سماعاً غالباً عن الإمام الصادق (ع) من تأليف رواته.
وأنه لا دخل لشخصية الراوي ولا موضوع الرواية في مفهوم الأصل فتنحصر الأصول في عصر الصادق (ع) وأواخر عصر أبيه الباقر (ع) وأوائل عصر ابنه الكاظم (ع) كما أشرنا بقولنا (غالباً) والمستند في هذه الدعوى أمور:
1ـ نصوص بعض القدماء على أن أصحاب الأصول كانوا في عصر الصادق (ع).
2ـ إن أصحاب الأصول الذين نصّ عليهم الطوسي والنجاشي من أصحاب الصادق (ع) غالباً.
3ـ دراسة الأصول الموجودة.
وإليك توضيحاً لهذه الأمور:
نصوص المتقدمين
نجد جمعاً من أعلام المتقدمين نصّوا على أن الأصول ألفت في عصر الصادق (ع) وأن الأحاديث الواردة فيها كانت سماعاً لمؤلفيها من الإمام (ع).
قال الشيخ أمين الإسلام الطبرسي المتوفى سنة 548هـ في أعلام الورى:
(روى عن الإمام الصادق (ع) من مشهوري أهل العلم أربعة آلاف وصنف في جواباته في المسائل أربعمائة كتاب تسمى الأصول رواها أصحابه وأصحاب ابنه موسى الكاظم (ع).
وقال الشهيد الأول المستشهد سنة 786هـ في الذكرى:
(كتبت من أجوبة الإمام الصادق (ع) أربعمائة مصنّف لأربعمائة مصنّف، ودوّن من رجاله المعروفين أربعة آلاف رجل).
وقال المحقق الحلي المتوفى سنة 676هـ في المعتبر:
(كتبت من أجوبة مسائل جعفر بن محمد أربعمائة مصنّف لأربعمائة مصنّف سموها أصولاً).
وقال الشيخ حسين بن عبد الصمد في الدراية:
(قد كتبت من أجوبة مسائل الإمام الصادق فقط أربعمائة مصنّف لأربعمائة مصنّف تسمى الأصول في أنواع العلوم).
(راجع أعيان الشيعة 1 ـ 93 والذريعة 2 ـ 129).
ونكتفي بهذه الأقوال عن النصوص المماثلة وسنذكر بعضها عرضاً.
أصحاب الأصول
إن أغلب من نص الشيخ الطوسي والنجاشي على كونه ذا أصل، صرح أصحاب الرجال والتراجم على أنه من أصحاب الصادق (ع)، عدا القلّة الذين لم يذكر في تراجمهم الصحبة والرواية عنه (ع)، وسنذكر أسماء من ذكراه مع العدد والصفحة والإشارة لمن لم تعلم له صحبة بعلامة الاستفهام (؟) كما وأتممنا الأنساب والألقاب بقوسين ( ) وهم كالآتي:
1ـ آدم بن الحسين النخاس الكوفي (النجاشي 82).
2ـ آدم بن المتوكل أبو الحسين بياع اللؤلؤ الكوفي (النجاشي 81).
3ـ أبان بن تغلب (الفهرست 42) (معالم العلماء 27).
4ـ إبراهيم بن أبي البلاد (يحيى بن سليم) (الفهرست 32) (المعالم 6).
5ـ إبراهيم بن عثمان أبو أيوب الخراز (الكوفي) (الفهرست 31) (معالم العلماء 6).
6 إبراهيم بن عمر (عمير) اليماني الصنعاني (الفهرست 32) (معالم العلماء 6).
7ـ إبراهيم بن مسلم بن هلال الضرير الكوفي ذكره شيوخنا من أصحاب الأصول (؟) (النجاشي 20).
8 ـ إبراهيم بن مهزم الأسدي (الفهرست 32) (معالم العلماء 5).
9 ـ إبراهيم بن يحيى (؟) (الفهرست 32) (معالم العلماء 6).
10ـ أحمد بن الحسين بن سعيد بن عثمان القرشي له كتاب النوادر ومن أصحابنا من عدّه في جملة الأصول (؟) (النجاشي 50) (معالم العلماء 15).
11ـ أديم بن الحرّ الجعفي الكوفي (النجاشي 83).
12ـ أسباط بن سالم بياع الزطي (النجاشي) (معالم العلماء 28).
13ـ إسحاق بن جرير (بن يزيد البجلي الكوفي) (الفهرست 39) (معالم العلماء 26).
14 ـ إسحاق بن عمار الساباطي (الفهرست 39) (معالم العلماء 26).
15ـ إسماعيل بن بكير (الكوفي) (الفهرست 37) (معالم العلماء 10).
16 ـ إسماعيل بن دينار (الفهرست 37) (معالم العلماء 10).
17 ـ إسماعيل بن عثمان با أبان (؟) (الفهرست 38) (معالم العلماء 10).
18ـ إسماعيل بن عمار (معالم العلماء 10).
19 ـ إسماعيل بن محمد (القمي ظ) (؟) (الفهرست 38) (معالم العلماء 9).
20 ـ إسماعيل بن مهران بن محمد بن أبي نصير السكوني (الفهرست 34) (معالم العلماء 10).
ذكر الطوسي ترجمته في موضعين ولكن القهبائي جزم باتّحادهما.
21 ـ أيوب بن الحرّ الجعفي يعرف (بأخي آدم) (النجاشي 80).
22 ـ بشر (بشير) بن مسلمة (الكوفي أبو صدقة) (الفهرست 64) (معالم العلماء 28).
23 ـ بشار بن يسار (الضبيعي الكوفي) (الفهرست 64) (معالم العلماء 29).
24 ـ بكر بن محمد الأزدي (أبو محمد الغامدي) (الفهرست 64) (معالم العلماء 28).
25 ـ جابر بن يزيد الجعفي (الفهرست 70) (معالم العلماء 32).
26 ـ جميل بن دراج (النخعي) (النجاشي 69) (معالم العلماء 32).
27 ـ جميل بن صالح (الكوفي) (النجاشي 69) (معالم العلماء 32).
28 ـ حارث بن الأحول (؟) (الفهرست 89) (المعالم 44).
29 ـ حبيب الخثعمي (الأحول) (الفهرست 89) (المعالم 44).
30 ـ حريز بن عبدالله السجستاني (الفهرست 88).
31 ـ الحسن الرباطي (الفهرست 74) (معالم العلماء 35).
32 ـ الحسن بن زياد العطار (معالم العلماء 34).
33 ـ الحسن بن صالح بن حي (الأحول) (الفهرست 75) (معالم العلماء 34).
34 ـ الحسن بن موسى (الحناط الكوفي) (الفهرست 74) (معالم العلماء 34).
35 ـ الحسين بن أبي العلاء (احفاف الزندجي) قال الطوسي (له كتاب يعد في الأصول 79) وكذلك ابن شهر أشوب (معالم العلماء 38).
36 ـ الحسين بن أبي غندر (الكوفي) (الفهرست 84) (المعالم 41).
37 ـ حفص بن البختري (البغدادي) (الفهرست 87) (المعالم 43).
38 ـ حفص بن سالم (الحناط) (الفهرست 87).
39 ـ حفص بن سوقة (العمري) (الفهرست 87) (المعالم 43).
40 ـ الحكم الأعمى (الفهرست 87).
41 ـ الحكم بن أيمن (؟) (الفهرست 87).
42 ـ حميد بن زياد النينوي (المتوفى سنة 313) (معالم العلماء 43).
43 ـ حميد بن المثنى العجلي (الفهرست 85).
44 ـ خالد بن أبي اسماعيل (الكوفي) (الفهرست 92) (المعالم 46).
45 ـ خالد بن صبيح (نصيح) (الكوفي) (الفهرست 91) (المعالم 46).
46 ـ داود بن زربي (الخندقي البندار) (الفهرست 93) (المعالم 48).
47 ـ داود بن كثير الرقي (كما في نسخة) (الفهرست 93) (معالم العلماء 48).
48 ـ ذريح المحاربي (الفهرست 95) (معالم العلماء 49).
49 ـ ربعي بن عبدالله (الهذلي البصري) (الفهرست 96) (معالم العلماء 50).
50 ـ ربيع الأصم (؟) (الفهرست 95) (معالم العلماء 50).
51 ـ رفاعة بن موسى (الأسدي) (معالم العلماء 50).
52 ـ زرعة بن محمد الحضري (الفهرست 100).
53 ـ زكار بن يحيى الواسطي (الهمداني) (الفهرست 101).
54 ـ زياد بن المنذر (أبو الجارود) (الفهرست 98).
55 ـ زيد الزراد (الفهرست 97) (المعالم 51).
56 ـ زيد النرسي (الفهرست 97) (المعالم 51).
57 ـ سعدان بن مسلم العامري (الكوفي) (الفهرست 105) (المعالم 55).
58 ـ سعد بن أبي خلف (الزهري) (الفهرست 102) (المعالم 55).
59 ـ سعد بن طريف الإسكاف (الحنظلي) (معالم العلماء 55).
60 ـ سعيد (عبد الرحمن) الأعرج (الفهرست 103) (المعالم 55).
61 ـ سعيد بن غزوان (الأسدي) (الفهرست 103 (المعالم 55).
62 ـ سعيد بن سلمة (الكوفي) (الفهرست 103) (المعالم 55).
63 ـ سعيد بن يسار الضبعي (الفهرست 102) (المعالم 55).
64 ـ سفيان بن صالح (؟) (الفهرست 107) (المعالم 58).
65 ـ شعيب بن أعين الحداد (الكوفي) (الفهرست 108) (المعالم 58).
66 ـ شعيب (بن يعقوب) العقرقرفي (الفهرست 108) (المعالم 58).
67 ـ شهاب بن عبد ربه (الأسدي الصيرفي) (الفهرست 109) (المعالم 59).
68 ـ صالح بن رزين (الكوفي) (الفهرست 110) (المعالم 60).
69 ـ عبدالله الصيرفي (الكوفي) (النجاشي 167).
70 ـ عبدالله بن الهيثم (الكوفي) (النجاشي 168).
71 ـ علي بن أبي حمزة (سالم) البطائني (الفهرست 122).
72 ـ علي بن أسباط الكوفي (الكندي) (الفهرست 116) (المعالم 63).
73 ـ علي بن رئاب الكوفي (الفهرست 113) (المعالم 62).
74 ـ هشام بن الحكم (الفهرست 203).
75 ـ هشام بن سالم (الجواليقي الجعفي) (الفهرست 203) (المعالم 129).
76 ـ وهب بن عبد ربه (الأسدي) (معالم العلماء 127).
77 ـ أبو محمد الخزاز (لم يعلم اسمه) (الفهرست 219) (المعالم 135).
ومن بين هؤلاء من له أصول متعددة، قال الشيخ الطوسي في ترجمة حريز بن عبدالله السجستاني: (له كتب منها كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، وكتاب النوادر، تعدّ كلها في (الأصول) (الفهرست 88).
وقد جاء نفس الكلام في ترجمة حفص بن عبدالله السجستاني في (معالم العلماء 44) وأظن قوياً بأن كلمة، (حفص) فيه تصحيف من كلمة (حريز).
كما وأرى ما قاله بن شهرآشوب عن حميد بن زياد النينوي المتوفى سنة 313: (إن له أصل) في (معالم العلماء 43) أيضاً ناشئاً مما ورد في ترجمة الرجل في الفهرست للشيخ الطوسي حيث قال في ترجمته: (روى الأصول أكثرها) (الفهرست 85).
وجاء هذا النص الأخير في ترجمة أحمد بن هلال العبرتائي المتوفى سنة 267 قائلاً: (وقد روى أكثر أصول أصحابنا) (معالم العلماء 21).
كما وأشير إلى بعض الأصول إشارة خاطفة كما قال في آل زرارة بن أعين المتوفى سنة 150هـ: إن (لهم روايات كثيرة وأصول وتصانيف) (الفهرست 100) وبأي معنى فسرنا هذه الجملة ومهما قدرنا اختلاف النسخ والسقط فيها، فإن الباحث المتتبع في فهرستي الطوسي والنجاشي يطمئن بأنهما لم يذكرا أكثر من مائة أصل من أصول أحاديث الشيعة المبحوث فيها قطعاً.
دراسة الأصول
يمكننا تحديد المفهوم الاصطلاحي للأصل والكتاب بمراجعة الموجود اليوم منهما ونكتفي بذكر اثنين منهما:
1 ـ كتاب الديات لظريف بن ناصح ذكره الطوسي في (الفهرست 112)، وذكر إسناده إليه، وأورده الشيخ الصدوق المتوفى سنة 381هـ في كتابه: (من لا يحضره الفقيه 4 ـ 54 طبعة النجف).
وإليك مفتتح الكتاب: قال الصدوق في دية جوارح الإنسان ومفاصله: روى الحسن بن علي بن فضال، عن ظريف بن ناصح، عن عبدالله بن أيوب قال: حدثني حسين الرواسي، عن ابن أبي عمر الطبيب قال: عرضت هذه الرواية على أبي عبدالله (ع) فقال: نعم هي حق، وقد كان أمير المؤمنين (ع) يأمر عماله بذلك، قال: أفتى (ع) في كل عظم له مخ فريضة مسماة إذا كسر فجبر على غير عثم ولا عيب جعل فريضة الدية ستة أجزاء…) (الفقيه 4 ـ 54).
فإنك ترى هذه الرواية عرضها الطبيب المذكور على الإمام الصادق (ع) ومع ذلك نرى الشيخ الطوسي الذي ضمن الاستبقاء للمصنفات لم يعدّه من الأصول وذلك لأن المعتبر في الأصل سماع المؤلف من الإمام الصادق (ع) وهذا لم يحصل بل كان مجرد العرض (ومن هنا) حل الالتباس للمتأخرين وظنوا أن العرض يثبت كونه أصلاً فعدّوه في الأصول ونرى أن ذلك اصطلاح غير مستساغ حيث لم يعده الطوسي والنجاشي ومن في عصرهما من الأصول ولو التزمنا كونه أصلاً للزم أن ينسب إلى الطبيب المذكور لا ظريف الذي هو السند في الرواية.
2 ـ أصل زيد النرسي، ذكر الطوسي في الفهرست (97) والنسخة المحصورة اليوم تحتوي على خمسين حديثاً روى عشرين حديثاً منها عن الإمام الصادق (ع) سماعاً أو حكى عنه مشاهدة، وكذلك اثني عشر حديثاً عن ابنه الإمام الكاظم (ع) والباقي بواسطة واحدة كذلك.
ونكتفي بذكر حديثين منه:
الحديث الأول: (حدثنا الشيخ أبو محمود هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري أيده الله تعالى، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثنا جعفر بن عبدالله العلوي أبو عبدالله المحمدي، قال: حدثنا محمد بن أبي عمير عن زيد النرسي، عن أبي عبدالله (ع) قال سمعته يقول: إذا كان يوم الجمعة، ويومي العيدين أمر الله رضوان خازن الجنان أن ينادي في أرواح المؤمنين، وهم في عرصات الجنان إن الله قد أذن لكم بالزيارة إلى أهاليكم…).
والحديث الأخير: (زيد قال حدثني أبو نصير، عن أبي جعفر (ع) قال: ما زالت الخمر في علم الله وعند الله حراماً؛ وإنه لا يبعث الله نبياً ولا يرسل رسولاً إلا ويجعل في شريعته تحريم الخمر، وما حرم الله حراماً فأحلّه من بعد إلا للمضطر، ولا أحلّ الله حلالاً قط ثم حرمه. تمّ كتاب زيد النرسي) وبهذا اتّضح أن النرسي يروي في أصله عن الإمام الصادق (ع)، وعن ابنه الإمام الكاظم (ع) سماعاً ومشاهدة، ويروي عن أبيه الإمام الباقر (ع) بواسطة واحدة، وعلى ذلك يصحّ ما قلناه من أن الأصل (هو الحاوي للحديث المروي غالباً بالسماع عن الإمام الصادق (ع).
كما واتّضح بما ذكرنا أن ما ذكره الوحيد الهبهاني المتوفى سنة 1208هـ قائلاً: (الأصل هو الكتاب الذي جمع فيه مصنفه الأحاديث التي رواها عن المعصوم أو عن الراوي والكتاب والمصنف لو كان فيهما حديث معتمد لكان مأخوذاً من الأصل غالباً… وإنما قيّدنا بالغالب لأنه ربما كان بعض الروايات يصل معنعناً ولا يؤخذ من أصل وبوجود مثل هذا فيه لا يصير أصلاً) (مقباس الهداية 91).
يعتبر هذا أقرب التعريفات ولو بدلنا قوله: (رواها عن المعصوم) بقولنا: (روى أغلبها عن الصادق (ع) سماعاً) لكان التعريف التام.
عصر التأليف
تكاد الآراء في عصر التأليف تختلف أشدّ الاختلاف وفي الحقيقة هذا الخلاف نابع من التعريف الذي اختاروه لمفهوم الأصل فبينما نجد بعضهم لا يتعرض إلى عصر التأليف إطلاقاً كما في عبارة الشهيد الثاني المستشهد سنة 965هـ في شرح الدراية حيث قال: (استقرّ أمر المتقدمين على أربعمائة مصنّف لأربعمائة مصنّف سموها أصولاً فكان عليها اعتمادهم) (الذريعة 2 ـ 130).
ونجد بإزاء ذلك نصوصاً تصرح بزمن التأليف ويمكن حصرها في قولين:
الأول: أن زمن التأليف عصر الصادق (ع) ولا تمتنع الرواية عن الباقر والكاظم (ع) وقد تقدم تفصيلاً.
الثاني: عصر الأئمة (عليهم السلام) من الإمام علي (ع) إلى زمان العسكري (ع) وذهب إليه كل من المفيد والسيد محسن الأمين والشيخ الطهراني فقال الشيخ المفيد المتوفى سنة 412هـ.
(إن الإمامية صنفوا عن عهد أمير المؤمنين (ع) إلى زمن العسكري (ع) أربعمائة كتاب تسمى الأصول).
وقال السيد الأمين:
(… قد صنف قدماء الشيعة الاثني عشرية المعاصرين للأئمة (عليهم السلام) من عهد أمير المؤمنين (ع) إلى عهد أبي محمد الحسن العسكري ما يزيد على ستة آلاف وستمائة كتاب في الأحاديث المروية من طريق أهل البيت (عليهم السلام) المستمدة من مدينة العلم النبوي في علوم الدين من أصول الاعتقاد والتفسير والفقه والمواعظ والأدب وأعمال السنة ونحو ذلك في مدة تقرب من مائتي سنة وخمسين سنة وامتاز من بين هذه الستة آلاف والستماية كتاب أربعمائة كتاب عرفت بالأصول الأربعمائة).
أعيان الشيعة (1 ـ 5)
وقال شيخنا الطهراني:
(لم يتعين في كتبنا الرجالية تاريخ تأليف هذه الأصول بعينه ولا تواريخ وفيات أصحابها تعييناً وإن كنا نعلم بها على الإجمال والتقريب… نعم الذي نعلمه قطعاً أنه لم يؤلف شيء من هذه الأصول قبل أيام أمير المؤمنين (ع) ولا بعد عصر العسكري (ع) إذ مقتضى صيرورتها أصولاً كون تأليفها في أعصار الأئمة المعصومين…) (الذريعة 2 ـ 130).
ومما ذكرناه في تعريف الأصل تعرف أن هذه الأقوال مبنية على ما عرفوا به الأصل حدساً وتخميناً أو بتعبير أوضح ما اصطلحوا عليه في مفهوم الأصل وبالنظر إلى دراسة الأصول الموجودة والشواهد الخارجية المتقدمة استنتجنا أن تاريخ التأليف كان عصر الصادق (ع) والزمن المتصل بعصره خاصة وبذلك يكون أقرب الأقوال إلى الواقع ما ذهب إليه المحقق الداماد المتوفى سنة 1040هـ قائلاً:
(المشهور أن الأصول الأربعمائة مصنف لأربعمائة مصنف من رجال أبي عبدالله الصادق (ع) بل وفي مجالس السماع والرواية عنه ورجاله زهاء أربعة آلاف رجل وكتبهم ومصنفاتهم كثيرة إلا أن ما استقر الأمر على اعتبارها والتعويل عليها وتسميتها بالأصول هذه الأربعمائة).
أهمية الأصول
إن الاصطلاح على تسمية أربعمائة كتاب بالخصوص باسم الأصل لا بد وأن يكون منبعثاً من مزية فيها توجب ذلك ولولاها لما اقتضت الحال الاصطلاح الجديد وقد صرح جمع من الأعلام بجملة من هذه المزايا، قال الشيخ الطوسي: (بأن كثيراً من مصنفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة وإن كانت كتبهم معتبرة) (مجمع الرجال 1 ـ 8) واعتبار كتبهم إنما هو من جهة وثاقة المؤلفين لهذه الأصول.
وقال الشيخ البهائي في مشرق الشمسين من جملة ما يوجب حكم قدماء الأصحاب بصحة الحديث ما نصه:
(منها وجوده في كثير من الأصول الأربعمائة المشهورة أو تكرره في أصلٍ واحدٍ أو أصلين منها بأسانيد مختلفة متعددة أو وجوده في أصل رجل واحد من أصحاب الإجماع… وقد بلغنا عن مشايخنا أنه كان من دأب أصحاب الأصول أنهم إذا سمعوا عن أحد من الأئمة (عليهم السلام) حديثاً بادروا إلى إثباته في أصولهم لئلا يعرض لهم نسيان لبعضه أو كله بتمادي الأيام) وقال المحقق الداماد في الرواشح:
(.. يقال قد كان من دأب أصحاب الأصول أنهم إذا سمعوا من أحدهم (عليهم السلام) حديثاً بادروا إلى ضبطه في أصولهم من غير تأخير).
وقال شيخنا الطهراني:
(من الواضح أن احتمال الخطأ والغلط والسهو والنسيان وغيرها في الأصل المسموع شفاهاً عن الإمام أو عمن سمع عنه أقل منها في الكتاب المنقول عن كتاب آخر لتطرق احتمالات زائدة في النقل عن الكتاب فالاطمئنان بصدور عين الألفاظ المندرجة في الأصول أكثر والوثوق به آكد..) (الذريعة 2 ـ 126).
وقد ذهب السيد محسن الأمين إلى خلاف ذلك وقال:
ـ (إن الكتاب أهم من الأصل لأن الكتب أربعة آلاف أو ستة آلاف والأصول أربعمائة وخصوصية الأصول التي امتازت بها إما زيادة جمعها أو كون أصحابها من الأعيان أو غير ذلك) (أعيان الشيعة 1 ـ 94).
وفي الحقيقة إذا كانت الكثرة في العدد هي المائز لكان الكتاب أهم لكثرة العدد فيه دون الأصل ولكن عرفت أن الكثرة العددية وشخصية المؤلف ليست مائزة وإنما المائز الوحيد هو كيفية الرواية أعني الرواية سماعاً عن الإمام الصادق (ع) ولا شك أن هذا يوجب مزية للأصل.
وقال القهبائي: (يظهر منها (خطبة النجاشي) أيضاً أن مدح الرجل بأن له مصنفاً وكتاباً أكثر من مدحه بأن له أصلاً…).
وهذا الاستظهار بعيد عن الواقع لأن النجاشي في مقام ردّ المخالفين الناقدين للشيعة بأن لا سلف لهم ولا مصنف (بالإضافة) إلى أن اصطلاح المدعى إنما هو في خصوص (الأصل) و(الكتاب) في القرن الخامس خاصة وأما لفظ (المصنف) و(الجزء) فلا اصطلاح جديد فيها بل هي بمعانيها اللغوية وكذا لفظ (الأصل) و(الكتاب) في عبارات القدماء قبل القرن الخامس.
عدد الأصول
المشهور المشهور أن عدد الأصول أربعمائة ولكن لم أقف ـ حسب تتبعي ـ على تنصيص أكثر من نيّف وسبعين أصلاً ذكرها الشيخ الطوسي والنجاشي اللذين قاما بفهرست مؤلفات الشيعة وخاصة الطوسي الذي وعد بالاستيفاء فإنه لم يذكر في الفهرست أكثر من تسعة وخمسين أصلاً في الوقت الذي لا يعبر عنها النجاشي بالأصل مما يظهر اختلاف الرأيين في مفهوم الأصل بل صرّح النجاشي بالاختلاف في بعض المواضع كقوله في ترجمة أحمد بن الحسين بن سعيد بن عثمان القرشي: (له كتاب النوادر ومن أصحابنا من عدّه في جملة الأصول) (النجاشي 50).
كما أن الطوسي وصف بالإجمال حيث قال في ترجمة أحمد بن محمد بن عمار الكوفي: (ثقة جليل القدر كثير الحديث والأصول) (الفهرست 53).
ولأي معنى فسرنا هذه النصوص المجملة فلا يمكننا تعداد مجموع الأصول التي ذكرها الطوسي والنجاشي بأكثر من مائة أصل.
(إذا) لو كانت الأصول أربعمائة ـ كما هو المشهور ـ فلماذا لم يذكراها وهما قد ضمنا الاستيفاء؟ ولو كانت أقل فمن أين جاء التحديد بالأربعمائة كما هو المشهور؟
وفي مقام التوفيق أعتقد: أن عدد الأصول على التعريف الذي ذكرناه أعني: كتاب الحديث المروي سماعاً عن الصادق (ع) لا يتجاوز المائة أصل ويشهد لذلك أمور ثلاثة:
الأول: أن مجموع ما ذكره الطوسي والنجاشي لا يزيد على أكثر من نيّف وسبعين أصلاً ـ كما عرفت مفصلاً ـ مع أن الطوسي ضمن الاستيفاء.
الثاني: ما ذكره الطوسي في ترجمة محمد بن أبي عمير الأزدي المتوفى سنة 217هـ قائلاً: روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى كتب مائة رجل من رجال الصادق (ع) (الفهرست 168).
وابن أبي عمير هذا هو الراوي لأكثر النسخ المذكورة للأصول.
الثالث: ما قاله الطوسي في ترجمة حميد بن زياد النينوي المتوفى سنة 310هـ.
قائلاً: (له كتب كثيرة على عدد كتب الأصول) (الفهرست 85).
ولم يذكر عدد كتبه لكن النجاشي ذكر أحد عشر كتاباً ولا بد أنها في حدود المائة على أوجه الاحتمالات.
وما ذكره المشهور إنما نشأ من تعريفهم للأصل بأنه الكتاب المعتمد أو المصدر الحديثي الذي لم ينقل عن كتاب آخر ونحو ذلك. ولا شك أن مصادر أحاديث الشيعة في حدود الستة الآلاف والستمائة كتاب ـ على ما حدّده السيد الأمين ـ فيمكن تحديد المعتمد منها بأربعمائة كتاب فعبروا عنها بـ (الأصول الأربعمائة) فإن الرواة عن الإمام الصادق (ع) قد بلغوا أربعة آلاف رجل فقد قال الشيخ المفيد: (إن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه (ع) من الثقاة على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل) (الإرشاد 289).
ونقل النجاشي بإسناده عن أحمد بن عيسى قوله: (خرجت إلى الكوفة في طلب الحديث فلقيت بها الحسين بن علي الوشا فسألته أن يخرج لي كتاب العلاء بن رزين القلاء وأبان بن عثمان الأحمر فأخرجهما إليّ فقلت له أحب أن تجيزهما لي فقال: يرحمك الله وما عجلتك؟ اذهب فاكتبها واسمع من بعد فقلت: لا آمن الحدثان فقال: لو علمت أن الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت فإني أدركت في هذا المسجد تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد…) (تنقيح المقال 1 ـ 292).
بل إن الشيخ فخر الدين الطريحي المتوفى سنة 293هـ عدّ كثيراً من الكتب في الأصول في (جامع المقال 33) مع أن ذلك لم يعهد في كتب المتقدمين منها:
1 ـ كتاب الحسين بن عبيد السعدي.
2 ـ كتاب حفص بن غياث المتوفى سنة 194هـ.
3 ـ الرحمة لسعد بن عبدالله الأشعري المتوفى سنة 301هـ وقال إنه مشتمل على عدة كتب.
وقال شيخنا الطهراني وله أيضاً هذه الكتب برواية العامة (الذريعة 10 ـ 172).
4 ـ كتاب عبيد الله بن علي الحلبي وقالوا إنه عرضه على الصادق (ع).
5 ـ نوادر الحكمة لمحمد بن أحمد الأشعري.
6 ـ نوادر محمد بن أبي عمير المتوفى سنة 217هـ.
7 ـ كتاب يونس بن عبد الرحمن اليقطيني ونقل أنه عرض على العسكري (ع) (فيظهر) من ذلك أنه يعتبر الأصل كل ما انتسب إلى المعصوم (ع) سماعاً أو قراءة أو عرضاً وسنبحث فيما وصف بكونه أصلاً من الكتب الموجودة اليوم.
الأصول الموجودة
والنسخ التي اطّلعت عليها من الأصول ينتهي إسنادها إلى الشيخ أبي سعيد منصور بن الحسين الآبي الوزير القمي صاحب (نثر الدرر) ووزير مجد الدولة البويهي.
يقول العلامة المجلسي عن أصل زيد الزراد بأنه اعتمد على (نسخة قديمة مصححة بخط الشيخ منصور بن الحسن (كذا) الآبي وهو نقله عن خط الشيخ الجليل محمد بن الحسن القمي وكان تاريخ كتابتها سنة 374هـ وذكر أنه أخذهما وسائر الأصول المذكورة… من خط الشيخ الأجلّ هارون بن موسى التلعكبري…) (بحار الأنوار 1 ـ 43).
ومن هذا النص يظهر أن المجلسي هو المروج الوحيد لهذه الأصول إذ جميع النسخ التي رأيتها ومنها نسخة الحر العاملي المتوفى سنة 1104هـ ينتهي إسنادها إلى الآبي المذكور فإذا صحّ أن نسخة الأصل بخط الآبي عند المجلسي فهو أول من روّجها إذ لم نجد لحدّ الآن سنداً آخر ونسخة أخرى.
وقد طبعت هذه الأصول في مجلّد في المطبعة الحيدرية بطهران سنة 1371هـ باهتمام الشيخ حسن المصطفوي وباسم (الأصول الستة عشر) كما وتوجد جملة منها في مكتبة السيد الحكيم العامة بالنجف كلها بخط النساخة الشهير الشيخ محمد السماوي كتبها سنة 1336هـ برقم (629).
وتوجد في مكتبة الشيخ شير محمد الجورقاني الهمداني النجفي الذي جرّد نفسه لاستنساخ كتب الأصحاب ومقابلتها وتصحيحها ومنها هذه الأصول فقد استنسخها ـ على ما أفاده ـ من نسخ جلبت من مدينة (تستر) أي النجف الأشرف وبعد الفراغ من الاستنساخ قابلها بنسخة السيد أبي القاسم الأصبهاني ونسخ أخرى.
وقد استنسخت عن نسخته وألحقت بها ما لم يستنسخه وإليك ثبتاً بأسماء الأصول الموجودة في المواضع الثلاثة:
1 ـ أصل زيد الزراد.
2 ـ أصل أبي سعيد عباد العصفري.
3 ـ أصل عاصم بن حميد الحناط.
4 ـ أصل زيد النرسي.
5 ـ أصل جعفر بن محمد بن شريح الحضرمي.
6 ـ أصل محمد بن المثنى الحضرمي.
7 ـ أصل جعفر بن محمد القرشي.
8 ـ أصل عبد الملك بن حكيم.
9 ـ أصل المثنى بن الوليد الحناط.
10 ـ أصل خلاد السندي.
11 ـ أصل الحسين بن عثمان بن شريك.
12 ـ أصل سلام بن أبي عروة.
13 ـ أصل عبدالله بن يحي الكاهلي.
14 ـ أصل نوادر علي بن أسباط.
15 ـ أصل عبدالله المعروف بديات.
16 ـ أصل ما وجد من كتاب درست بن أبي منصور.
وجاء في آخر المطبوع ما نصّه:
(صورة خط الشيخ الحر العاملي محمد بن الحسن صاحب كتاب وسائل الشيعة وهذا نصّه: (اعلم) أني تتبّعت أحاديث هذه الكتب الأربعة عشر فرأيت أكثر أحاديثها موجوداً في الكافي أو غيره من الكتب المعتمدة والباقي له مؤيدات فيها ولم أجد فيها شيئاً منكراً سوى حديثين محتملين للتقية وغيرها حرره محمد الحر العاملي).
ولم أعلم ما قصده من الحديثين المشار إليهما بالضبط ولعل مراده الحديث الثلاثين والحديث الثاني والأربعين من أصل زيد النرسي حيث اشتملا على ما يخالف أصول العقائد، كما لم يعلم ما قصده من الأربعة عشر من مجموع الستة عشر المطبوعة.
وذكر شيخنا الطهراني ضمن تعريفه لكتاب الوصية لأبي الفتح محمد بن علي الكراجكي المتوفى سنة 449هـ أنه يوجد نسخة منه مع جملة من الأصول في مكتبة راجه فيض آباد الماري (الذريعة ـ أحرف الواو والمخطوط).
لكننا لم نقف لحد الآن على تلك النسخة.
ويجدر بنا أن نعرف الأصول الموجودة بأعيانها اليوم سواء في ذلك ما عرف باسم الأصل وما وصف بأنه من الأصول. ومن أراد التوسع والاطّلاع على الأصول التي لا توجد أعيانها فعليه بمراجعة ما كتبه شيخنا الطهراني في كتابه الذريعة (2 ـ 135 ـ 167) فإنه قد استقصى أسماءها بالتفصيل.
وإليك تعريفاً مقتضباً بالأصول الموجودة كاملة أو قسماً منها:
1 ـ أصل أبان من تغلب البكري المتوفى سنة 141هـ.
ذكره الشيخ الطوسي في أصحاب الأصول (الفهرست 40) ونقل الفقيه محمد بن إدريس الحلي المتوفى سنة 598هـ أحاديث من هذا الراحل وأثبتها في آخر كتاب السرائر في فصل بعنوان (المستطرفات) انتقى فيه المؤلف بعض الأحاديث من كتب الحديث. وهذا الأصل رابع تلك الكتب، ولم تقف يد التتبع ـ لحد الآن ـ على نسخة كاملة وعسى أن نقف على ذلك في المستقبل.
2 ـ أصل أبان بن محمد البجلي المعروف بسندي البزاز.
قال شيخنا الطهراني: (.. كان ابن أخت صفوان ابن يحيى من أصحاب الإجماع الذي توفي سنة 210هـ نقل عنه السيد ابن طاووس في علم المحرم من كتاب الإقبال معبراً عنه بالأصل. وكان موجوداً عنده ونقل عن نسخته) (الذريعة 2 ـ 136).
وقد ذكر النجاشي له كتاب النوادر بإسناده (النجاشي 12).
3 ـ أصل جعفر بن محمد بن شريح الحضرمي.
قال شيخنا الطهراني: (من الأصول الموجودة بعينها إلى الوقت الحاضر يروي فيه عن أصحاب الأئمة (عليهم السلام) (الذريعة 2 ـ 145).
ويبتدىء السند في نسختنا: (الشيخ أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد بن إبراهيم التلعكبري أيّده الله قال حدثنا محمد بن همام قال: حدثنا حميد بن زياد الدهقاني قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن زيد بن جعفر الأزدي قال حدثنا جعفر بن محمد بن شريح الحضرمي).
ذكره العلامة المجلسي بإسناده وقال: (وأكثر أخباره تنتهي إلى جابر الجعفي) (بحار الأنوار 1 ـ 44).
ولم يرد وصفه بالأصل في كلام الشيخ الطوسي وذكره بعنوان الكتاب بإسناده التلعكبري المذكور (الفهرست 68).
4 ـ أصل الحسين بن عثمان بن شريك بن عدي العامري الوحيدي الكوفي الراوي عن أبي عبدالله الصادق (ع) قال شيخنا الطهراني: (… هو مختصر موجود بعينه برواية التلعكبري عن أبي عقدة بإسناده عن مؤلفه) (الذريعة 2 ـ 147).
ومبتدأ السند من نسختنا: (الشيخ أيّده الله قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن أبي عمير عن الحسين بن عثمان).
وقال العلامة المجلسي: (وكتاب الحسين بن عثمان: النجاشي والشيخ ذكرا إليه سنداً ووثقه الكشي وغيره والسند فيما عندنا من النسخة القديمة عن التلعكبري عن ابن عقدة عن جعفر بن عبدالله المحمدي عن ابن أبي عمير عن الحسين بن عثمان…) (بحار الأنوار 1 ـ 45).
وجاء في نسخة الهمداني بعنوان الكتاب وكذا وصفه الطوسي وذكر إسناده إلى ابن أبي عمير المذكور (الفهرست 81).
وكذلك النجاشي وصفه بالكتاب قائلاً: (له كتاب تختلف الرواية فيه فمنها ما رواه ابن أبي عمير..) ثم ذكر إسناده وبعض الأسانيد عين سند النسخة الموجودة (النجاشي 42).
5 ـ أصل خلاد السندي (السدي) البزاز الكوفي.
قال شيخنا الطهراني: (وهو مختصر موجود بعينه برواية التلعكبري عن أبي عقدة بإسناده إلى خلاد (الذريعة 2 ـ 149).
وقد ذكره كل من الطوسي والنجاشي بعنوان (الكتاب) بالإسناد الآتي في (الفهرست 92) وكذلك العلامة المجلسي في (بحار الأنوار 1 ـ 45).
والسند في نسختنا: (الشيخ أيّده الله قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثني يحيى بن زكريا بن شيبان قال: حدثنا محمد بن أبي عمير قال: حدثنا خلاد السندي).
وقد كتب الهمداني نسخته سنة 1348هـ وقابلها بنسخة السيد أبي القاسم الأصفهاني سنة 1350هـ.
6 ـ أصل درست بن (أبي) منصور محمد الواقفي الواسطي وقد وصفه كل من الطوسي والنجاشي بالكتاب وروياه بإسنادهما راجع (الفهرست 94) و(النجاشي 124).
وقد كتب الهمداني نسخته سنة 1352هـ عن نسخة علي أكبر الحسيني سنة 1286هـ. وفي آخرها ما نصه: (قوبل مع نسخة في آخرها قد فرغت من نسخه من أصل أبي الحسن محمد بن الحسن بن الحسين بن أيوب القمي أيّده الله سماعاً له عن الشيخ أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري أيّده الله بالموصل في يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي القعدة سنة 374هـ أربع وسبعين وثلاثمائة).
7 ـ أصل زيد الزراد.
ذكره الشيخ الطوسي في أصحاب الأصول في (الفهرست 97) وكذلك العلامة المجلسي في (بحار الأنوار 34) والمحدث النوري في (مستدرك الوسائل 3 ـ 393) وشيخنا في (الذريعة 2 ـ 151) إلا أن النجاشي عبر عنه بالكتاب وذكر إسناده إليه (النجاشي 132).
والسند في نسختنا هكذا: (حدثنا أبو محمد هارون بن موسى بن محمد التلعكبري قال: حدثنا أبو علي محمد بن همام قال: أخبرنا حميد بن زياد بن حماد، قال: حدثنا عبدالله بن أحمد بن نهيك أبو العباس قال: حدثنا محمد بن أبي عمير عن زيد الزراد).
وفي آخرها: (تمّ كتاب زيد الزراد وفرغ من نسخه من أصل أبي الحسين محمد بن الحسن بن الحسين بن أيوب القمي أيّده الله في يوم الخميس لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة 374هـ).
وقال العلامة المجلسي في حجية هذا الأصل وأصل زيد النرسي الآتي ما نصّه: (كتاب زيد الزراد أخذ عنه أولو العلم والرشاد وذكر النجاشي أيضاً مسنده إلى ابن أبي عمير عنه وقال الشيخ في الفهرست والرجال لهما أصلان لم يروهما أبن بابويه وابن الوليد وكان ابن الوليد يقول هما موضوعان وقال ابن الغضائري: غلط أبو جعفر في هذا القول فإني رأيت كتبهما مسموعة من محمد بن أبي عمير انتهى. (راجع الفهرست 97) وأقول: وإن لم يوثقهما أرباب الرجال لكن أخذ أكابر المحدثين في كتابيهما واعتمادهم عليهما حتى الصدوق في معاني الأخبار وغيره ورواية ابن أبي عمير عنهما وعدّ الشيخ كتابيهما في الأصول لعلها تكفي لجواز الاعتماد عليهما مع أنا أخذناهما من نسخة قديمة مصححة بخط الشيخ منصور بن الحسن الآبي وهو نقله من خط الشيخ الجليل محمد بن الحسن القمي وكان تاريخ كتابتها أربع وسبعين وثلاثمائة وذكر أنه أخذهما وسائر الأصول المذكورة بعد ذلك من خط الشيخ الأجلّ هارون بن موسى التلعكبري (ره) (بحار الأنوار 43).
والظن أن السبب الذي دعا ابن بابويه إلى دعوى الوضع فيهما اشتمالهما على أحاديث منكرة والذي وقفت عليه في أصل النرسي حديثان أحدهما يقتضي التجسيم وهو الحديث الثلاثون وثانيهما خلاف ضرورة العقل وهو الحديث التاسع والأربعون ولعل مراد الحر العاملي بأنه وجد فيهما حديثين يحتملان التّقية هما الحديثان المذكوران.
8 ـ أصل زيد النرسي.
ذكره الطوسي في أصحاب الأصول في (الفهرست 97) ووصفه النجاشي بالكتاب (132).
وقال شيخنا الطهراني: (… من مصادر كتاب مستدرك الوسائل وقد بسط الكلام فيهما في خاتمة المستدرك) (الذريعة 2 ـ 151).
وقال العلامة المجلسي: (والنرسي من أصحاب الأصول روى عن الصادق والكاظم (عليهما السلام) وذكر النجاشي سنده إلى ابن أبي عمير عنه والشيخ في التهذيب وغيره ويروي من كتابه وروى الكليني أيضاً في كتابه في مواضع منها: في باب التقبيل عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير، ومنها في كتاب الصوم بسند آخر عن ابن أبي عمير عنه) (بحار الأنوار 1 ـ 43).
والسند في نسختنا هكذا: (حدثنا الشيخ أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري أيّده الله تعالى قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني قال: حدثنا محمد بن أبي عمير عن زيد النرسي).
وآخر النسخة: صورة ما في آخر النسخة: تمّ كتاب زيد النرسي والحمدلله رب العالمين كتبه منصور بن الحسن بن الحسين الآبي في ذي الحجة سنة 374هـ.
9 ـ أصل سلام بن أبي عمرة الخراساني الكوفي.
قال شيخنا الطهراني: (مختصر يرويه عنه عبدالله بن جبلة الذي توفي سنة 219هـ وهو من الأصول الموجودة برواية التلعكبري عن ابن عقدة بإسناده إلى مؤلفه) (الذريعة 2 ـ 152).
ووصفه كل من الطوسي والنجاشي بالكتاب بالسند الموجود راجع (الفهرست 108) و(النجاشي 143).
وسند النسخة هكذا: (الشيخ أيّده الله تعالى قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد (بن عقدة) قال: حدثنا القاسم بن محمد بن الحسين بن حازم، قال: حدثنا عبدالله بن جبلة الكناني، قال: حدثنا سلام بن أبي عمرة).
10 ـ أصل سليم بن قيس الهلالي العامري التابعي الكوفي قال شيخنا العلامة: (… كتاب سليم هذا من الأصول الشهيرة عند الخاصة والعامة قال ابن النديم: «هو أول كتاب ظهر للشيعة») (الذريعة 2 ـ 153).
وروي عن الصادق (ع) أنه قال: (ومن لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم بن قيس الهلالي فليس عنده من أمرنا شيء ولا يعلم من أسبابنا شيئاً وهو أبجد الشيعة وهو سر من أسرار آل محمد (ص).
وقال الشيخ النعماني: (ليس بين جميع الشيعة ممن حمل العلم ورواه عن الأئمة (عليهم السلام) خلاف في أن كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الأصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت (عليهم السلام) وأقدمها…).
وصفه الطوسي بالكتاب وذكر إسناده إليه في (الفهرست 107).
وقد ناقش الوحيد البهبهاني في كونه أصلاً راجع (مقباس الهداية 51) كما وأسهب العلامة المامقاني في صحة النسبة راجع (تنقيح المقال 2 ـ 53).
وقد عرفت التوفيق بين عبارات المتقدمين والمتأخرين في مفهوم الأصل فلا حاجة إلى الإعادة. وللكتاب عدة أسانيد وسند نسختنا هكذا:
(أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري قال أخبرنا علي بن همام بن سهيل، قال: أخبرنا عبدالله بن جعفر الحميري، عن يعقوب بن يزيد ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب وأحمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي).
وقد توقف جمع في توثيق أبان بن أبي عياش ـ الواقع في السند ـ لأجل تضعيف ابن الغضائري إياه، قال السيد الخوئي: إن اسم أبان (فيروز) واسم عياش (هارون) راجع: (معجم رجال الحديث 1 ـ 18).
وقال المحقق المامقاني: (… وأما ابن عباس فقد رجحنا كونه إمامياً ممدوحاً وكون خبره حسناً والحسنة حجة على الأظهر) (تنقيح المقال 2 ـ 52) وذكر شيخنا الطهراني بحثاً مسهباً في الكتاب وأسانيده. والكتاب مطبوع عدة طبعات في النجف وبمبي وبيروت.
11 ـ أصل عاصم بن الحميد الحناط الكوفي.
وصفه الشيخ الطوسي بالكتاب في (الفهرست 146) وجاء في رسالة أبي غالب أحمد بن محمد الزراري المتوفى سنة 367هـ: (وكان جدي أبو طاهر أحد رواة الحديث قد لقي محمد بن خالد الطيالسي فروى عنه كتاب عاصم بن حميد وكتاب سيف بن عميرة وكتاب العلاء بن زربي).
والسند في نسختنا هكذا:
حدثني أبو الحسن محمد بن الحسن بن الحسين بن أيوب القمي أيّده الله قال: حدثني أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري أيّده الله تعالى.
قال: حدثنا واختلاف نسخة راجع (الذريعة 2 ـ 135).
وذكر النسخ الموجودة ونكتفي بذكر ثلاث منها:
أـ نسخة الحاج محمد علي النجف آبادي بخط مير محمد سليمان بن مير معصوم بن مير بهاء الدين الحسيني النجفي كتبها في المدينة المنورة المؤرخة 1048هـ.
بـ ـ نسخة الشيخ النوري بخط السيد محمد الموسوي الخوانساري المؤرخة سنة 1270هـ.
جـ ـ نسخة الشيخ محمد السماوي بخط الشيخ الحر العاملي عليها تملكه سنة 1087 وهي أتمّ النسخ والظاهر مقابلتها بنسخة العلامة المجلسي وهي بخط أبي محمد الرماني تاريخ كتابتها سنة 609هـ.
وعندي نسخة منه استنسختها على نسخة السيد المستنبط وهي نسخة قديمة وفي آخرها ما نصه: (صورة تاريخ المنتسخ) غرة ربيع الآخر من سنة تسع وستمائة ،ولعل المراد نسخة العلامة المجلسي الآنفة، أبو علي محمد بن همام بن سهيل الكاتب قال: حدثنا أبو القاسم حميد بن زياد بن هوادا في سنة 309هـ قال: حدثني عبدالله بن أحمد بن مساور وسلمة، عن عاصم بن حميد).
وفي آخر نسختنا: (نسخة منصور بن الحسن الآبي من أصل أبي الحسن محمد بن الحسن القمي أيّده الله في ذي الحجة لليلتين مضتا منه سنة 374هـ يوم الأحد وهذه الكلمات كما عن ظاهر الشيخ الحر بخط الملا رحيم الجامي شيخ الإسلام).
وقد استنسخها الشيخ الهمداني سنة 1347هـ عن نسخة السيد أبي القاسم الأصفهاني سنة 1339هـ عن نسخة السيد نصرالله الحائري.
12 ـ أصل أبي سعيد عباد العضوي الكوفي.
وصفه الطوسي والنجاشي بالكتاب وذكرا سندهما إليه في (الفهرست 146) و(النجاشي 225) وسند نسختنا هكذا: (أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري، قال حدثنا أبو علي محمد بن همام بن سهيل قال أخبرنا ابو جعفر محمد بن أحمد بن خاقان النهدي قال حدثني محمد بن علي بن إبراهيم الصيرفي أبو سمينة قال: حدثني أبو سعيد العضوي).
وفي آخرها: (صورة ما في آخر هذه النسخة… كتبها منصور بن الحسن بن الحسين الآبي في يوم الخميس لليلتين بقيتا من شهر ذي القعدة من سنة 374هـ بالموصل من أصل أبي الحسن محمد بن الحسن بن الحسين بن أيوب القمي).
13 ـ أصل عبدالله به يحيى الكاهلي.
وصفه الطوسي والنجاشي بالكتاب وأسندا إليه في (الفهرست 128) و(النجاشي 164) وقال المجلسي: (وكتاب الكاهلي مؤلفه ممدوح) في (بحار الأنوار 1 ـ 45).
وسند نسختنا هكذا: (الشيخ أيّده الله قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد عن محمد بن أحمد بن الحسن، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، قال: حدثنا عبدالله بن يحيى الكاهلي).
استنسخها الهمداني سنة 1348هـ وقابلها بنسخة السيد أبي القاسم الأصفهاني سنة 1350هـ.
14 ـ أصل عبد الملك بن حكيم الخثعمي الكوفي.
وصفه كل من الطوسي والنجاشي بالكتاب وأسندا إليه في (الفهرست 136) (النجاشي 179) وسند نسختنا هكذا: (الشيخ أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، قال: أخبرنا علي بن الحسن بن علي بن فضال، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن حكيم، قال: حدثني عمي عبد الملك بن حكيم…) وبنفس الإسناد ذكره العلامة المجلسي في (بحار الأنوار 1 ـ 45).
15 ـ أصل علاء بن رزين القلاء الثقفي.
قال شيخنا العلامة: (هو أحد الأصول الموجودة إلى عصرنا نسخ عن خط الشهيد وهو نسخه عن حفظ محمد بن إدريس الحلي).
وذكره كل من الطوسي والنجاشي بعنوان الكتاب في (الفهرست 138) و(النجاشي 229) وقد تقدم كلام أبي غالب الزراري في رواية جده لهذا الكتاب.
وقد قال الطوسي: (له كتاب وهو أربع نسخ) ثم ذكر أسانيد النسخ الأربعة وهذا الموجود مختصر الأصل اختصره الشهيد الأول ظاهراً أو ابن إدريس ولكن لم يعلم أنه تلخيص أية نسخة من تلك النسخ الأربع.
وفي آخر نسختنا ما نصه: (هذا آخر المختار من كتاب العلاء بن رزين القلاء الثقفي نقلاً عن خط الشيخ العالم محمد بن مكي وهو نقل من خط الشيخ الجليل أبي عبدالله محمد بن إدريس في العشر الآخر من جمادى الأولى سنة 80هـ.
16 ـ أصل علي بن أسباط الكوفي.
قال الشيخ الطوسي: (له أصل وروايات) وذكر إسناده (الفهرست 116) وقال النجاشي: (له كتاب نوادر مشهور) وذكر إسناده (النجاشي 191).
وقال شيخنا العلامة: (ذكر الأصل له في الفهرست وهو موجود ولكن النجاشي قال: (له كتاب نوادر مشهور ولاشتهاره بالنوادر نذكره في حرف النون) (الذريعة 2 ـ 164).
فترى أن شيخنا اعتبر النوادر والأصل كتاباً واحداً مع أنه لا شاهد لذلك لتعدد الإسناد إليهما.
الذي أراه أن النسخة الموجودة ليست بكتاب النوادر ولا الأصل، بل هي (الروايات) التي ذكرها الطوسي بقوله: (له أصل وروايات) وذلك لأجل اختلاف الأسانيد المذكورة وإليك الأسانيد الثلاثة:
أـ السند في نسختنا هكذا: (الشيخ أيّده الله قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، قال: أخبرنا علي بن الحسن بن فضال، عن علي بن أسباط..).
بـ ـ وسند النجاشي: (أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الجراح الجندي، قال حدثنا محمد بن علي بن همام أبو علي الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن موسى قال: حدثنا أحمد بن هلال، عن علي بن أسباط) (النجاشي 191).
جـ ـ سند الطوسي: (أخبرنا الحسين بن عبيدالله (ابن الغضائري)، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن أبي قتادة، عن موسى بن جعفر البغدادي عن علي بن أسباط، وأخبرنا ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن علي بن أسباط) (الفهرست 116).
17 ـ أصل المثنى بن الوليد الحناط الكوفي، وصفه الطوسي والنجاشي بالكتاب وأسند إليه (الفهرست 196).
وقال أبو غالب الزراري: (كتاب مثنى الحناط حدثني به جدي عن الحسن بن محمد بن خالد الطيالسي، عن الحسن ابن بنت الياس عن المثنى).
والسند في نسختنا: (الشيخ أيّده الله، قال حدثنا أحمد بن سعيد، قال، حدثنا علي بن الحسن بن فضال، قال: حدثنا العباس بن عامر القصبي، قال: حدثنا المثنى بن الوليد الحناط…).
وفي آخرها: صورة ما في آخر النسخة… كتبه منصور بن الحسن بن الحسين الآبي في ذي الحجة سنة 374هـ من نسخة أبي الحسن محمد بن الحسن بن الحسين بن أيوب القمي). استنسخها الهمداني سنة 1348هـ.
18 ـ أصل محمد بن مثنى بن القاسم الحضرمي.
وصفه النجاشي (بالكتاب) وذكر مسنده إليه (النجاشي 287) وقال شيخنا: (من الأصول الموجودة بأعيانها برواية التلعكبري عن أبي علي بن همام، عن حميد بن زياد بإسناده إلى مؤلفه). (الذريعة 2 ـ 166).
والسند في نسختنا هكذا: (حدثنا الشيخ أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري أيّده الله تعالى قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن زيد بن جعفر الأزدي البزاز، قال حدثنا محمد بن المثنى بن القاسم الحضرمي).
استنسخها الهمداني سنة 1348هـ وقابلها بنسخة أبي القاسم الأصفهاني سنة 1350هـ.
19 ـ أصل محمد بن جعفر البزاز/الفهرست.
وصفه الطوسي بالكتاب وذكره بإسناده في (الفهرست 180).
وقال شيخنا العلامة: (من الأصول المختصرة برواية التلعكبري بإسناده إليه وهو يرويه سماعاً عن يحيى بن زكريا اللؤلؤي) (الذريعة 2 ـ 166) وجاء هذا الأصل في نسختنا بعنوان: (حديث القرشي).
20 ـ كتاب حريز بن عبدالله السجستاني الأزدي الكوفي ذكر الطوسي له كتاب الصلاة والزكاة والصيام والنوادر، ثم قال:
(تعدّ كلها في الأصول) وذكر إسنادها إليه (الفهرست 88).
وقال ابن إدريس: (كتاب حريز أصل معتمد معول عليه) وعدّه الشيخ فخر الدين الطريحي من الأصول في (جامع المقال 33) وذكر النجاشي سنداً إلى كتبه قد يفيد أنه ذا أصل قال ما نصه: (أخبرنا الحسين بن عبيدالله، قال: حدثنا أبو حسين محمد بن الفضل بن تمام من كتابه وأصله قال حدثنا محمد بن علي بن يحيى الأنصاري…) (النجاشي 112).
21 ـ كتب الحسن والحسين ابني سعيد الأهوازيين عدّها الشيخ الطوسي من الأصول وقال إنها خمسون كتاباً على ما نقله علماء الرجال راجع (جامع المقال 33) وقد وصفها كل من الطوسي والنجاشي بالكتاب راجع (الفهرست 83) و(النجاشي 48).
ويوجد اليوم من كتبه (كتاب المؤمن) أو (حقوق المؤمنين) بخط المحدث النوري الشيخ حسين بن محمد تقي الطبرسي المتوفى سنة 1320هـ.
22 ـ بصائر الدرجات لأبي جعفر محمد بن الحسن بن فروخ الصفار القمي المتوفى سنة 290هـ عدّه العلامة المجلسي من الأصول المعتبرة في (بحار الأنوار 1 ـ 27) بينما وصفه كل من الطوسي والنجاشي بالكتاب راجع (الفهرست 274) طبع في تبريز وراجع تعريفاً بالنسخة الموجودة في كتاب (الذريعة 3 ـ 125).
23 ـ كتاب الديات لظريف بن ناصح الكوفي البغدادي من أصحاب الباقر (ع) عدّه شيخنا العلامة من الأصول في (الذريعة 2 ـ 160) بينما وصفه كل من الطوسي والنجاشي بالكتاب راجع (الفهرست 112) و(النجاشي 156).
وقد أورد الشيخ الصدوق جميع الكتاب في (من لا يحضره الفقيه 4 ـ54) طبعه النجف سنة 1377هـ.
وكذلك الشيخ الطوسي في (تهذيب الأحكام 10 ـ 295) طبعة النجف سنة 1382هـ.
24 ـ قرب الإسناد لأبي جعفر محمد بن عبدالله الحميري.
قال العلامة المجلسي: (من الأصول المعتبرة المشهورة وكتبناه من نسخة قديمة مأخوذة من خط الشيخ محمد بن إدريس وكان عليها صورة خطه). (بحار الأنوار 1 ـ 26).
وقد عبر عنها النجاشي بالمسائل (ص284) راجع في شأنه (الذريعة 17 ـ 67) وطبع مكرراً في النجف سنة 1369هـ وفي طهران سنة 1370هـ.
25 ـ كامل الزيارة لأبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه المتوفى سنة 367هـ، قال العلامة المجلسي: (إنه من الأصول المعروفة وأخذ منه الشيخ في التهذيب وغيره من المحدثين) (بحار الأنوار).
وقد وصفه الطوسي في جملة مؤلفاته: بالكتاب وذكر إسناده إليه في (الفهرست 67) راجع في شأنه (الذريعة 17 ـ 355) وقد طبع بتحقيق الشيخ عبد الحسين الأميني في النجف سنة 1356هـ.
وصفه العلامة المجلسي: بأنه (من الأصول المعتبرة) في (بحار الأنوار 27). وكذلك الشيخ الطريحي في (جامع المقال 33). بينما عدّه كل من الطوسي والنجاشي ضمن كتبه وتصانيفه مع إسنادهما إليه راجع (الفهرست 44) و(النجاشي 59) طبع في طهران سنة 1370هـ وفي النجف سنة 1384هـ.
26 ـ مقتضب الأثر في الأئمة الاثني عشر.
تأليف أحمد بن محمد بن عياش الجوهري المتوفى سنة 401هـ، قال العلامة المجلسي: (إنه من الأصول المعتبرة عند الشيعة كما يظهر من التّتبّع) (بحار الأنوار 1 ـ 37) ووصفه الشيخ الطوسي بالكتاب وذكر إسناده إليه في (الفهرست 57) وطبع في قم سنة 1379هـ.
27 ـ كتاب النوادر.
تأليف: أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، عدّه الشيخ الطريحي من الأصول في (جامع المقال 33) بينما وصفه الطوسي والنجاشي (الفهرست 49) و(النجاشي 64) طبع على الحجر في إيران طبعة سقيمة بدون ذكر اسم الكتاب والمؤلف وتوجد نسخة مخطوطة بخط أبي الفتح الأسفراييني سنة 1080هـ وعليها تملك الحر العاملي في سنة 1087 في مكتبة السيد الحكيم العامة في النجف.
نتيجة البحث:
وقد توصلنا في هذا البحث إلى النتائج التالية:
أولاً: أن الأصل مما اصطلح عليه علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري.
ثانياً: أن المحدثي ذكروا في تحديد مفهوم (الأصل) أقوالاً كانت في الغالب مجرد حدس وتخمين كما صرّح بذلك السيد محسن الأمين.
وإن لكلمة (الأصل) معنيان:
الأول: المعنى الاصطلاحي وهو عبارة عن (الحاوي للحديث المروي سماعاً من الإمام الصادق (ع) غالباً ومن تأليف رواته (ع) وقد استشهدنا لذلك بنصوص المتقدمين وإن أغلب من ذكرهم الطوسي والنجاشي في أصحاب الأصول هم من أصحاب الإمام الصادق (ع) ودراسة الأصول الموجودة).
الثاني: المعنى اللغوي بمعنى المصدر والمرجع ـ كما في عصرنا ـ وذلك حيث تستعمل في غير كتب الحديث من العلوم المختلفة أو تستعمل قبل القرن الخامس الهجري.
ثالثاً: تحديد زمن التأليف بعصر الإمام الصادق (ع) أي من روى عنه (ع) ولا ينافي ذلك أن يروي عن أبيه الباقر (ع) وابنه الكاظم (ع).
رابعاً: إن أريد من الأصل مفهومه اللغوي فأصول أحاديث الشيعة عدداً ستة آلاف وستمائة ـ تقريباً ـ.
وإن أريد مفهومه الاصطلاحي المذكور فلا يزيد على المائة عدداً والمذكور منها في فهرستي الطوسي والنجاشي لا تزيد على نيّف وسبعين أصلاً.
خامساً: أن أعيان الأصول قد أهملت نظراً لاحتواء (الكتب الأربعة) و(جوامع الحديث) لهذه الأصول وغيرها من مصادر أحاديث الشيعة ولأجل ذلك استغنى المحدثون عن الأصول بأعيانها لوجود مضامينها ورواياتها في هذه الكتب المتأخر تأليفها زمناً عن زمن تأليف الأصول ولم أقف ـ حسب تتبعي ـ للأصول التي ذكرها الشيخ الطوسي على أكثر من ثلاثة أصول موجودة اليوم، ومن الكتب التي وصفت بأنها أصول على أكثر من سبعة وعشرين كتاباً وعساني أوفق للاطلاع عليها في المستقبل.
ويقول الشهيد الثاني بهذا الصدد: (كان قد استقرّ أمر الإمامية على أربعمائة مصنف سمّوها أصولاً فكان عليها اعتمادهم، وتداعت الحال إلى أن ذهب معظم تلك الأصول ولخصها جماعة في كتب خاصة تقريباً على المتناول وأحسن ما جمع منها الكافي والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه).
ومن نا يجدر بنا البحث في تاريخ تدوين الحديث عند الشيعة فيما بعد تأليف الأصول وهذا يستدعي دراسة موضوعية مماثلة في (جوامع الحديث) و(الكتب الأربعة).
محمد حسين الحسيني الجلالي
أصول الفقه
ـ 1 ـ
لما كان المسلمون في حاجة ماسة في مصالحهم ووقائعهم إلى التشريع فقد بذل علماؤهم قصارى جهودهم وسنّوا قواعد يستمدون منها أحكامهم الشرعية ويستندون إليها في أقضيتهم وحوادثهم، وأسموا مجموعة هذه القواعد علم أصول الفقه.
وكلمة أصول جمع مفردها أصل، والأصل بمعناه اللغوي ما يرتكز عليه الشيء ويبتني عليه، وفي العرف يطلق على معانٍ كثيرة منها الأربعة المتداولة في ألسنة الأصوليين وهي الظاهر والدليل والقاعدة والاستصحاب، والأولى هنا إرادة معناه اللغوي ليشمل أدلة الفقه إجمالاً وغيرها من عوارضها ومباحث الاجتهاد والتقليد وغيرهما([196]).
1 ـ تعريفه: علم أصول الفقه في الاصطلاح الشرعي هو العلم بالقواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية([197]).
وقيل في تعريفه: هو القواعد التي يرتكز عليها قياس استنباط الفقهاء للأحكام الشرعية الفرعية الكلية أو الوظائف المجعولة من قبل الشارع أو العقل عند اليأس من تحصيلها من حيث الموازنة والتقييم.
والقواعد هنا الكبريات التي لو انضمت إليها صغرياتها لأنتجت ذلك الحكم أو الوظيفة، لأن الكبرى هي التي تصلح أن تكون قاعدة لقياس الاستنباط وعليها تبنى نتائجه([198]).
ويقول الآمدي([199]): «… وأما أصول الفقه فاعلم أن أصل كل شيء هو ما يستند تحقق ذلك الشيء إليه، فأصول الفقه هي أدلة الفقه وجهات دلالتها على الأحكام الشرعية وكيفية حال المستدل بها من جهة الجملة لا من جهة التفصيل، بخلاف الأدلة الخاصة المستعملة في آحاد المسائل الخاصة».
2 ـ موضوعه: موضوع كل علم هو الشيء الذي يبحث في ذلك العلم عن أحواله العارضة لذاته، ولما كانت مباحث الأصوليين في علم الأصول لا تخرج عن أحوال الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية المبحوث عنها فيه، وأقسامها، واختلاف مراتبها، وكيفية استثمار الأحكام الشرعية منها، على وجهٍ كليّ، كانت هي موضوع علم الأصول([200]).
فموضوع البحث في علم أصول الفقه إذاً هو الدليل الشرعي الكلي من حيث ما يثبت به من الأحكام الكلية، فالأصولي يبحث مثلاً في القياس وحجيته، والعام وما يفيده والأمر وما يدل عليه، وهكذا، مثلاً إن القرآن هو الدليل الشرعي الأول على الأحكام ونصوصه التشريعية لم ترد على حال واحدة بل منها ما ورد بصيغة الأمر. ومنها ما ورد بصيغة النهي. ومنها ما ورد بصيغة العموم أو بصيغة الإطلاق. فصيغة الأمر، وصيغة النهي، وصيغة العموم، وصيغة الإطلاق، أنواع كلية من أنواع الدليل الشرعي العام، وهو القرآن. فالأصولي يبحث في كل نوع من هذه الأنواع ليتوصل إلى نوع الحكم الكلي الذي يدل عليه مستعيناً في بحثه باستقراء الأساليب العربية والاستعمالات الشرعية، فإذا وصل ببحثه إلى أن صيغة الأمر تدل على الإيجاب. وصيغة النهي تدل على التحريم. وصيغة العموم تدل على شمول جميع أفراد العام قطعاً. وصيغة الإطلاق تدل على ثبوت الحكم مطلقاً ووضع القواعد الآتية: الأمر للإيجاب. النهي للتحريم. العام ينتظم جميع أفراده قطعاً. المطلق يدل على الفرد الشائع.
وهذه القواعد الكلية وغيرها مما يتوصل الأصولي ببحثه إلى وضعها يأخذها الفقيه قواعد مسلمة ويطبقها على جزئيات الدليل الكلّي ليتوصل بها إلى الحكم الشرعي العملي التفصيلي. فيطبق قاعدة: الأمر للإيجاب ـ على قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الّذِيْنَ آمَنُوْا أَوْفُوا بِالعُقُوْدِ» [المائدة: 1] ويحكم على الإيفاء بالعقود بأنه واجب. ويطبق قاعدة النهي للتحريم، على قوله تعالى:
«يَا أَيُّهَا الّذِيْنً آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قوْمٍ» [الحجرات: 11]، ويحكم بأن سخرية قوم من قوم محرمة. ويطبق قاعدة: العام ينتظم جميع أفراده قطعاً على قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ» [النساء: 23] ويحكم بأن كل أم محرمة. ويطبق قاعدة: المطلق يدل على أي فرد: على قوله تعالى: في كفارة الظهار «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» [النساء: 92] ويحكم بأنه يجزي في التكفير تحرير أي رقبة مسلمة أو غير مسلمة، إلا إذا دلّ الدليل الخاص على التخصيص أو التقييد كما في كفارة الظهار فقد ارتأى بعض الفقهاء اشتراط كون الرقبة مسلمة.
والأصولي لا يبحث في الأدلة الجزئية ولا فيما تدل عليه من الأحكام الجزئية وإنما يبحث في الدليل الكلي وما يدل عليه من حكم كلّي ليضع قواعد كلّيّة لدلالة الأدلّة كي يطبقها الفقيه على جزئيات الأدلة لاستثمار الحكم التفصيلي منها. والفقيه لا يبحث في الأدلة الكلية ولا فيما تدل عليه من أحكام كلية وإنما يبحث في الدليل الجزئي وما يدل عليه من حكم جزئي([201]).
3 ـ الغاية من دراسته: الغاية من دراسة علم الأصول هي الوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية، فالغاية إذاً هي تطبيق قواعده ونظرياته على الأدلة التفصيلية للتوصل إلى الأحكام الشرعية التي تدل عليها، فبقواعده وبحوثه تفهم النصوص الشرعية، ويعرف ما تدل عليه من الأحكام، ويعرف ما يزال به خفاء الخفي منها. وما يرجح منها عند تعارض بعضها ببعض، وبقواعده وبحوثه يستنبط الحكم بالقياس أو الاستحسان أو الاستصحاب أو غيرها في الوقائع التي لم يرد نص بحكمها (عند القائلين بهذه الأصول) وبقواعده وبحوثه يفهم ما استنبطه الأئمة المجتهدون حق فهمه ويوازن بين مذاهبهم المختلفة في حكم الواقعة الواحدة لأن فهم الحكم على وجهه والموازنة بين حكمين مختلفين لا يكون إلا بالوقوف على دليل الحكم ووجه استمداد الحكم من دليله، ولا يكون هذا إلا بعلم أصول الفقه، فهو عماد الفقه المقارن([202]).
4 ـ نشأته وتطوره: نشأ علم الأصول في القرن الثاني للهجرة، إذ في القرن الهجري الأول لم تكن حاجة إليه لأن الرسول (ص) كان حياً وهو كان يفتي الناس ويقضي بينهم بما يوحي إليه من ربه من القرآن المجيد. وبما يلهم به من السنن، وبما يؤديه إليه اجتهاده الفطري من غير حاجة إلى أصول وقواعد يتوصل بها إلى الاستنباط والاجتهاد، وأصحابه كانوا يفتون ويقضون بالنصوص التي يفهمونها بملكتهم العربية السليمة من غير حاجة إلى قواعد لغوية يقتدرون بها على فهم النصوص. ويستنبطون فيما لا نص فيه بملكتهم التشريعية التي ركزت في نفوسهم من صحبتهم للرسول (ص) ووقوفهم على أسباب نزول الآيات وورود الأحاديث وفهمهم مقاصد الشارع ومبادىء التشريع، ولكن لما اتّسعت الفتوح الإسلامية واختلط العرب بغيرهم وتشافهوا وتكاتبوا ودخل في العربية كثير من المفردات والأساليب غير العربية ولم تبق الملكة اللسانية على سلامتها وكثرت الاشتباهات والاحتمالات في فهم النصوص. دعت الحاجة إلى وضع ضوابط وقواعد لغوية يقتدر بها على فهم النصوص كما يفهمها العربي الذي وردت النصوص بلغته كما دعت إلى وضع قواعد نحوية يقتدر بها على صحة النطق.
وكذلك لما بَعُدَ العهد بفجر التشريع واحتدم الجدال بين أهل الحديث وأهل الرأي. واجترأ بعض ذوي الأهواء على الاحتجاج بما لا يحتجّ به وإنكار بعض ما يحتجّ به. دعا كل هذا إلى وضع ضوابط وبحوث في الأدلة الشرعية وشروط الاستدلال بها وكيفية الاستدلال بها. ومن مجموعة هذه البحوث الاستدلالية وتلك الضوابط اللغوية تكون علم أصول الفقه.
لكنه بدأ ضئيلاً ثم تدرج في النمو حتى بلغت أسفاره المئات، فإنه بدأ أول ما بدأ منثوراً متفرقاً في خلال أحكام الفقه لأن كل مجتهد كان يشير إلى دليل حكمه ووجه استدلاله به وكل مخالف كان يحتجّ على مخالفه بوجوه من الحجج. وكل هذه الاستدلالات والاحتجاجات تنطوي على ضوابط أصولية.
5 ـ أول من دونه: يقول الأستاذ عبد الوهاب خلاف([203]): أول من جمع أصول الفقه في مجموعة مستقلّة في سفر على حدة أبو يوسف صاحب أبي حنيفة كما ذكره ابن النديم في الفهرست ولكن لم يصل إلينا ما كتبه.
وأول من دوّن من قواعد هذا العلم وبحوثه مجموعة مستقلة مرتبة مؤيداً كل ضابط منها بالبرهان ووجهة النظر فيه الإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة 204 للهجرة. فقد كتب فيه رسالته الأصولية([204]) التي رواها عنه صاحبه الربيع المرادي وهي أول مدوّن في هذا العلم وصل إلينا فيما نعلم ولهذا اشتهر على ألسنة العلماء أو واضع علم أصول الفقه الإمام الشافعي، ثم تتابع العلماء على التأليف في هذا العلم من إسهاب وإيجاز.
ومن أشهر الكتب الأصولية التي ألّفت على طريقة الشافعي والمالكية في الاستنباط([205]) كتاب المستصفى لأبي حامد الغزالي الشافعي المتوفى سنة 505هـ، وكتاب أحكام الأحكام لأبي الحسن الآمدي الشافعي المتوفى سنة 631هـ، وكتاب المنهاج للبيضاوي الشافعي المتوفى سنة 685هـ، ومن شروحه شرح الأسنوي.
ومن أشهر الكتب الأصولية التي ألّفت على طريقة الحنفية في الاستنباط([206]) أصول أبي زيد الدبوسي المتوفى سنة 430هـ وأصول فخر الإسلام البزدوي المتوفى سنة 483هـ، وكتاب المنار للحافظ أبي البركات النسفي المتوفى سنة 701هـ. وله شروح كثيرة([207]) منها شرح المصنف المسمى كشف الأسرار، مطبوع.
وقد سلك بعض العلماء في التأليف في علم الأصول طريقاً جامعاً بين الطريقتين الشافعية المالكية والحنفية فعني بتحقيق القواعد الأصولية وإقامة البراهين عليها، وعُنِيَ كذلك بتطبيقها على الفروع الفقهية وربطها بها.
ومن أشهر الكتب الأصولية التي ألفت على هذه الطريقة المزدوجة كتاب بديع النظام الجامع بين البزدوي والأحكام لمظفر الدين البغدادي الحنفي المتوفى سنة 694هـ، وكتاب التوضيح لجمال الدين صدر الشريعة المتوفى سنة 747هـ، والتحرير لكمال الدين بن الهمام المتوفى سنة 761هـ، وجمع الجوامع لتاج الدين بن السبكي المتوفى سنة 771هـ.
ومن المؤلفات الحديثة الموجزة المفيدة في هذا العلم كتاب إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم اصول للإمام الشوكاني المتوفى سنة 1250هـ، وكتاب أصول الفقه للشيخ محمد الخضري المتوفى سنة 1345هـ، وكتاب تسهيل الوصول إلى علم الأصول للشيخ محمد عبد الرحمن عيد المحلاوي.
أما الشيعة فإن أول من أسس أصول الفقه منهم وفتح بابه: الإمام محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) (56 ـ 114هـ) ثم بعده ابنه الإمام جعفر الصادق (ع) (80 ـ 148هـ)، وقد أمليا على أصحابهما قواعد الأصول وجمعوا من ذلك مسائل رتبها المتأخرون على ترتيب المصنفين فيه بروايات مسندة إليهما متصلة الإسناد، وكتب مسائل الفقه المروية عنهما موجودة بأيدينا إلى هذا الوقت.
(منها): كتاب أصول آل الرسول مرتب ترتيب مباحث أصول الفقه الدائر بين المتأخرين، جمعه السيد هاشم بن زين العابدين الخوانساري الأصفهاني المتوفى سنة 1318هـ وهو مطبوع.
(ومنها): الأصول الأصلية للسيد عبدالله شبر الحسيني الكاظمي المتوفى سنة 1242هـ جمع فيه المهمات من المسائل الأصولية المنصوصة في الآيات والروايات، فمن الآيات مائة وأربع وثلاثون آية، ومن الروايات ألف وتسعمائة وثلاثة أحاديث، وهو مجلّد كبير، توجد نسخته المخطوطة في المكتبة الحسينية في النجف الأشرف وأخرى عند حفيد المؤلف السيد علي ابن السيد محمد شبّر.
(ومنها): الفصول المهمة في أصول الأئمة للشيخ المحدث محمد بن الحسن بن علي بن الحر العاملي المشغري صاحب كتاب وسائل الشيعة المتوفى سنة 1104هـ وهو مطبوع.
وأول من صنّف فيه من الشيعة هشام بن الحكم تلميذ الإمام الصادق (ع) فإنه صنف كتاب الألفاظ ومباحثها وهو أهم مباحث هذا العلم، ثم يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين، فإنه صنّف كتاب اختلاف الحديث ومسائله، وهو مبحث تعارض الحديثين ومسائل التعادل والترجيح في الحديثين المتعارضين رواه عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع)، ذكر ذلك النجاشي في كتاب الرجال المطبوع.
ومشاهير أئمة علم أصول الفقه الأوائل من الشيعة هم:
أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل الفضل بن نوبخت من أهل القرن الثالث، ذكره ابن النديم في الفهرست وعدّ من مصنفاته كتاب أبطال القياس، وكتاب نقض اجتهاد الرأي على ابن الراوندي، وهذان الكتابان من مباحث علم أصول الفقه، وعدّ النجاشي في كتاب الرجال عند ذكر مصنفات النوبختي هذا ـ كتاب الخصوص والعموم ، وهو من أهم مباحث علم أصول الفقه.
ومن المشاهير أيضاً الذين ألّفوا في علم أصول الفقه أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي، فقد ألّف كتاب خبر الواحد والعمل به، وكتاب الخصوص والعموم، كما ذكره النجاشي في كتاب رجاله.
(ومنهم) أبو علي محمد بن أحمد بن الجنيد الكاتب الإسكافي، ذكره النجاشي في كتاب رجاله وعدّ من مصنفاته كتاب إبطال القياس.
(ومنهم) محمد بن أحمد بن داود بن علي بن الحسن القمي، له كتاب مسائل الحديثين المختلفين.
(ومنهم) أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان المعروف بابن المعلم وبالشيخ المفيد فإنه صنف في أصول الفقه كتاباً تامّ المباحث صغيراً وقد رواه قراءة عليه الشيخ أبو الفتح الكراجكي وأدرجه بتمامه في كتابه كنز الفوائد المطبوع.
(ومنهم) السيد المرتضى علم الهدى أبو القاسم علي بن الحسين الطاهر النقيب الموسوي، فإنه صنف في أصول الفقه كتاب الذريعة في علم أصول الشريعة في جزأين لم يصنف مثله جمعاً وتحقيقاً، توجد نسخته المخطوطة في مكتبتنا، وصنف أيضاً كتاب مسائل الخلاف في أصول الفقه وكتاب مسائل منفردات في أصول الفقه، وكتاب إبطال القياس.
(ومنهم) الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، له كتاب العدة في أصول الفقه كتاب جامع لكل مباحثه ومسائله على غاية البسط والتحقيق، طبع في الهند وفي إيران، وله شرح وعليه حواشٍ كثيرة، وأفرد مسألة حجية الخبر في تصنيف كبير.
(ومنهم) الشيخ سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي، له كتاب المصادر في أصول الفقه، وكتاب التنقيح عن التحسين والتقبيح.
(ومنهم) جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي الأسدي، فإنه صنف في أصول الفقه كتاب النهاية ثم اختصر هذا الكتاب وسمي المختصر، تهذيب الأصول المطبوع بإيران، وهو متن عكف عليه العلماء بالشروح والحواشي، ثم صنف كتاب المبادىء، وهو من أشهر المتون الأصولية كثرت عليه الشروح والحواشي، مطبوع بإيران وله أيضاً شرح غاية الوصول في علم الأصول.
(ومنهم) المحقق نجم الدين جعفر بن سعيد الحلي، فإنه صنف كتاب معارج الوصول إلى علم الأصول مطبوع بإيران، وكتاب نهج الوصول إلى علم الأصول، وهما من أشهر الكتب الأصولية عند الشيعة.
وقد ألّف متأخرو الشيعة في علم الأصول مؤلفات كثيرة لا تحصى طُبِعَ أكثرها، منها: معالم الأصول للشيخ حسن بن زين الدين العاملي، مطبوع وعليه حواش وله شروح، وعليه مدار التدريس اليوم.
(ومنها) قوانين الأصول للشيخ أبي القاسم القمي يقع في جزأين مطبوع، وعليه مدار التدريس اليوم.
(ومنها) كفاية الأصول للشيخ محمد كاظم الخراساني مطبوع، وعليه مدار التدريس اليوم وله شروح وحواش كثيرة. كما صدرت في هذا الموضوع بعض الكتب الحديثة.
محمد صادق بحر العلوم
أصول الفقه
ـ 2 ـ
علم «أصول الفقه» شأنه شأن سائر العلوم والظواهر لم يطلع إلى عالم الوجود دفعة واحدة، ولم يبق على حالة معينة، إلا أنه متى وجد وكيف تطور؟ هذه هي المسألة التي نحاول بحثها في هذه المقالة التي آمل أن تميط اللثام ـ ولو إلى حدّ معين ـ عن هذه المسألة الغامضة المعقدة… إذ مع كل الجهود والمساعي التي بذلت في هذا السبيل لم يتسنّ لمرجع أو مصدر أن يضم بين دفّتيه أطراف هذه المسألة بحيث يمكن أن يُستند إليه.
الفذلكات التاريخية المنتشرة في كتب استقلت بهذا الموضوع أم لم تستقلّ أفادت إلى حد كبير في توضيح هذه المسألة في مذاهب أهل السنة بل وحتى في المذاهب التي يطلق عليها الكتّاب اسم «البائدة» كالظاهرية. إلا أنه مما لا شك فيه أنها لم تعط جواباً كاملاً عن هذا الموضوع في المذهب الشيعي. هذا المذهب الذي يأتي عدد معتنقيه في الدرجة الثانية بعد أهل السنة، وقد خلّف آثاراً كثيرة أمثال:
النهاية والخلاف والمبسوط لشيخ الطائفة الطوسي… والتذكرة والمنتهى والمختلف والتحرير والقواعد والإرشاد للعلامة الحلي.. والسرائر لابن إدريس.. والشرائع والمعتبر للمحقق.. واللمعة والدروس والذكرى والبيان للشهيد الأول.. والمسالك وشرح اللمعة للشهيد الثاني.. وجامع المقاصد للمحقق الكركي.. وشرح الإرشاد للأردبيلي.. والكفاية والذخيرة للمحقق السبزواري.. ورياض المسائل للسيد علي الطباطبائي.. والحدائق للبحراني.. ومفتاح الكرامة للسيد جواد العاملي.. والجواهر للشيخ محمد حسن النجفي… والمكاسب للشيخ الأنصاري.. ومصباح الفقيه للحاج آقا رضا الهمداني… ومئات من المؤلفات الأخرى في الفقه وآثار مهمة أخرى أمثال، الذريعة للسيد المرتضى.. والعدة للشيخ الطوسي.. والتهذيب والنهاية والمبادىء للعلامة الحلي وأخيراً المعارج والمناهج والزبدة والمعالم والضوابط والقوامع والحقائق والفصول والقوانين والرسائل والكفاية ومئات من الكتب المهمة الأخرى في الأصول لا مجال لذكرها الآن.
إني على يقين بأن كل عالم منصف لا ينكر أن الدقة والعمق والسعة والشمول التي تميزت بها كتب أمثال الحدائق والجواهر والمكاسب وكذلك القوانين والفصول والرسائل والكفاية قلّ أن تجد لها نظيراً في كل مؤلفات المذاهب الأخرى.
بعض كتّاب الشيعة ـ أيضاً ـ لم يبذلوا المساعي اللازمة في هذا السبيل مع الأسف، بل اقتصروا في كتاباتهم على الفذلكات التاريخية المذكورة ولم يعطوا موضوع تاريخ أصول الفقه الشيعي حقه([208]).
ومن الضروري أن أذكر أن كل المساعي والجهود التي بذلتها في هذا السبيل ليست بالكافية إذ أن البحث والتحقيق في هذا الصدد يتطلب مطالعة جميع مسائل أصول الفقه ليتّضح زمن ظهورها، والتحولات التي طرأت عليها في الأزمنة التاريخية المختلفة، وهو عمل جبار قد يتطلّب سنين متطاولة! ولعلي استطعت بهذه الوجيزة أن أفتح باباً لتحقيق أوسع وأشمل.
ولندخل الآن في صلب البحث، ولا بد قبل أن أشرع في تاريخ تطور علم الأصول أن أبيّن:
1 ـ ما هو علم الأصول؟ لعلم الأصول تعريفات متعددة ولعل أدقّها وأشملها هو: العلم بالقواعد الكلية التي لو حصلنا على مصاديقها الجزئية، وضممنا هذه المصاديق إلى تلك القواعد الكلية لخرجنا بحكم فقهي كلي (سواء كان الحكم واقعياً أم ظاهرياً).
وعلى سبيل المثال فإن «دلالة الأمر على الوجوب» قاعدة أصولية، لأننا لو حصلنا على مصداق لهذا الأمر كالأمر مثلاً بالنفقة على الزوجة والأبناء، وهذا الأمر لو جمعناه مع قاعدة «كل ما أمر به فهو واجب» لحصلنا على النتيجة التالية:
«النفقة على الزوجة والأبناء واجبة» وهذه النتيجة هي حكم فقهي.
2 ـ موضوع علم الأصول المشهور بين علماء هذا العلم وخاصة المتأخرين منهم هو أن موضوع علم الأصول يقتصر على الأدلة الأربعة وهي: الكتاب، والسّنّة، والإجماع، والعقل([209]). إلا أن بعض العلماء تناول هذه الأدلة باعتبارها حجة ودليلاً دون أن يبحث عن حجيتها (أي دون أن يبحث في صلاحية هذه الأدلة لتكون حجّة ودليلاً) وهؤلاء أبعدوا بحث حجية الأدلة عن المسائل الأصلية. واعتبروها من مبادىء هذا العلم([210]).
ونسب هذا القول إلى صاحب القوانين([211]).
والبعض الآخر اعتبر موضوع علم الأصول هو الأدلة الأربعة نفسها بغض النظر عن كونها دليلاً، وعلى هذا فإنهم اعتبروا البحث عن حجية هذه الأدلة جزءاً من مسائل هذا العلم، ذهب إلى هذا صاحب الفصول([212]).
ولم يقصر صاحب الكفاية موضوع الأصول على الأدلة الأربعة بل إنه قال بأن علم الأصول كلّي، ينطبق على جميع مواضيع مسائل علم الأصول، سواء كانت ضمن الأدلة الأربعة أم لم تكن، وعلى هذا فإن «خبر الواحد» وإن لم يكن من الأدلة الأربعة([213])، يدخل ضمن علم الأصول، لأن موضوعه من مسائل علم الأصول([214]).
3 ـ مما ذكر نعلم أن مسائل الأصول تستطيع أن تكون (ولو على حدّ أحد الأقوال) مقدمة كبرى في القياس الاستنباطي، لو ضممنا إليها مقدمة صغرى مناسبة لكانت النتيجة حكماً فقهياً كلّيّاً، كمسألة حجية خبر الواحد أو عدم حجّيته والاستصحاب والقياس وغيرها.
4 ـ من هنا فإن (فائدة علم الأصول) قد اتّضحت هي الأخرى وهي عبارة عن كسب القدرة على الاستنباط.
5 ـ والمسألة المهمة التي أرى لزاماً طرحها في هذه المقدمة هي: بأيّ شيء تتمايز العلوم؟ بموضوعاتها أم بأغراضها أم بأمور أخرى؟.
يذهب صاحب الكفاية إلى أن الباعث على تمايز العلوم هو اختلاف الأغراض التي من أجلها دوّنت هذه العلوم، وعلى هذا فإنه من الممكن أن تكون بعض المسائل مشتركة بين علمين، إذ ربما يترتب على هذه المسائل غرضان يُدوّن لكل منهما علم خاص([215]).
فمسألة (جواز أو عدم جواز اجتماع الأمر والنهي) مثلاً من المسائل الأصولية ويقصد منها بيان صحة أو بطلان عمل تعلق به عنوان أمر وعنوان نهي. لكن هذه المسألة نفسها يمكن أن تندرج ضمن علم الكلام الذي يبحث عن المبدأ والمعاد، وعن الأمور الممتنعة أو الممكنة الصدور عن المبدأ. والمسألة المذكورة لها علاقة بهذا الموضوع، إذ يُبحث فيها عن الجواز العقلي لصدور أمر ونهي في موضوع واحد من قبل الله تعالى.
والآن نبدأ بأصل الموضوع، ونتناوله من خلال قسمين:
القسم الأول: حول مولد علم الأصول ومكانته بين العلوم الأخرى.
القسم الثاني: حول تطور علم الأصول خلال التاريخ.
مولد علم الأصول ومكانته بين العلوم الأخرى
الاتجاه إلى علم الأصول واستخدامه لعلم الفقه بدأ ـ بدون شك ـ بعد وفاة الرسول الكريم (ص)، واتّسع نطاق هذا العلم بازدياد الحاجة إليه وبازدياد المتطلبات وتباعد العهد عن حياة الرسول القائد. والفقه الشيعي لم يعرف علم الأصول ـ بمعناه الواسع. إلا بعد الغيبة الكبرى (329) إذ إن وجود النبي (ص) ووجود الإمام لدى الشيعة قد نفى الحاجة إلى علم الأصول، فإن قول المعصوم وفعله وتقريره حجة لا تحتاج معها إلى اجتهاد أو قواعد أصولية بشكل واسع.
لكن تأخر الحاجة إلى استخدام قواعد هذا العلم لا يعني تأخر نفس هذه المسائل عن ظهور الإسلام. بل إن أغلب هذه المسائل موجودة قبل ظهور الإسلام وبعضها يمتد به الزمن إلى عصور أبعد من ذلك بكثير.
مباحث علم الأصول
تتحدد بما يلي:
1 ـ المبادىء اللغوية في علم الأصول: كالوضع وأقسامه، والحقيقة والمجاز والمنقول والمشترك، وعلامات الحقيقة، واستخدام اللفظ في أكثر من معنى واحد وغيرها.
وهذه ليست من الموضوعات الأصلية في علم الأصول، بل إنها من الموضوعات الأدبية غالباً وإنما تناولها علم الأصول لأن التوصل إلى فهم الموضوعات والمحمولات أو النسب في بعض مسائل علم الأصول متوقف عليها. لهذا فلا يمكن أن نقرن مولد هذه المسائل بظهور علم الأصول.
2 ـ مباحث الألفاظ: كدلالة الأمر، ودلالة النهي، ودلالة الجملة الخبرية، والفور والتراخي، والمرة والتكرار، والتوصلي والتعبدي، والأمر عقيب الحظر، ودلالة ألفاظ العموم، واسم الجنس، والمجمل والمبين، ونظير هذه.
هذه من المسائل الأساسية لعلم الأصول. إلا أن علم الأصول يستوحي هذه المسائل من علوم اللغة والأدب ومن العرف والعقل أحياناً. لذلك ينبغي أن نبحث في تاريخ هذه المسائل من خلال تاريخ العلوم اللغوية الأدبية وغيرها، وهو تاريخ يسبق تاريخ الإسلام.
3 ـ مباحث الاستلزامات (العقليات غير المستقلة) كوجوب المقدمة، ومبحث الضدّ، واجتماع الأمر والنهي، ودلالة النهي على الفساد، ويجب إلحاق المفاهيم بهذه المجموعة.
هذا النوع من المسائل ليس إلا تلفيقاً بين اللفظ وحكم العقل، إلا أن علم الأصول يعني بالجانب العقلي منهما لا الجانب اللفظي. أي أن الذي يُطرح في علم الأصول هو: هل أن بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته ملازمة عقلية أو لا؟ وهل أن وجوب الشيء عقلاً يستدعي حرمة ضده أم لا؟ وهل أن اجتماع الأمر والنهي في موضوع واحد مع تعدد جهات المصداق هو من قبيل اجتماع الضدين أم لا؟ وهكذا. من هنا يتّضح أن تاريخ هذه المسائل يرتبط بتاريخ العلوم العقلية وهي أبعد من ظهور الإسلام أيضاً.
نعم، في باب المفاهيم، التي هي أيضاً تركيب بين اللفظ والعلم، يبحث علم الأصول في جانبها اللفظي لا العقلي. ففي باب مفهوم الشرط ـ مثلاً ـ يبحث علم الأصول عن هذه المسألة: هل الجملة الشرطية تدل على أن الشرط علّة منحصرة للجزاء، فإذا كانت كذلك يُستَفاد مفهومها حسب قاعدة عقلية قائلة: «انتفاء العلّة المنحصرة يستلزم انتفاء المعلول». وإن لم تكن كذلك لا يستفاد منها هذا المفهوم. ولكن مع ذلك، جانبها اللفظي المذكور يرتبط أيضاً بالعلوم الأدبية التي يعود تاريخها إلى فترة سبقت الإسلام.
4 ـ المباحث العقلية المستقلّة: كالتحسين والتقبيح العقليين والملازمة بين حكم العقل والشرع والأصول العقلية وكما هو واضح فإن تاريخ هذه المسائل العقلية أسبق من ظهور الإسلام.
5 ـ المسائل العقلانية: كحجيّة الظهور، وحجية خبر الثقة، وغيرها وهذا النوع من المسائل العقلانية أي أن دأب العقلاء منذ القديم كان على هذا النحو. ولم يردع الشارع ما دأبوا عليه، بل إنه أقرّه أحياناً، لذا فإن الشارع ليس له دور تأسيسي في هذا الصدد كي نستطيع أن نبحث عن تاريخ هذه المسائل في الفترة التي أعقبت ظهور الإسلام.
6 ـ المباحث الشرعية: والتي يطلق عليها الأدلة السمعية، كأصل البراءة الشرعي، وأصل الاحتياط الشرعي، والاستصحاب وغيره، وفي هذه المسائل وحدها يمكن القول بأن ظهورها أعقب ظهور الإسلام، لكننا لا نستبعد أن يكون حكم الشرع في هذا الصدد إرشاداً لأحكام عقلية أو إقراراً لها، وهذه أيضاً يسبق تاريخها تاريخ ظهور الإسلام.
7 ـ تعارض الأدلة، أو ما يسمى بالتعادل والترجيح وأصول هذه المباحث عقلية أو عقلانية، كأصل تساقط المتعارضين، والجمع العرفي بين المتعارضين، وما أشبهها. ويندر أن نجد في هذا الصدد غير هذا اللون من المباحث كالرجوع إلى المرجّحات المنصوصة، وعلى هذا فإن جذور هذه المسائل أبعد من ظهور الإسلام.
8 ـ الاجتهاد والتقليد: هذا الباب وإن كان قد طرح في علم الأصول، فإن مسائله فرعية لا ترتبط بعلم الأصول.
بناءً على هذا فإن علم الأصول من حيث مسائله، علم تلفيقي، تكاد تكون جميع مسائله مقتبسة من العلوم الأخرى، لكننا لا نستطيع في الوقت نفسه أن نقول بأن علم الأصول ليس بعلمٍ مستقلٍّ أو هو كشكول لمسائل ترتبط بعلوم أخرى، لأننا علمنا بأن تمايز العلوم يرتبط باختلاف الأغراض لا باختلاف المسائل، فمن الممكن اشتراك أكثر من علم في بعض المسائل. إلا أن الغرض من هذه المسائل في كل علم يختلف عن غرضها في العلوم الأخرى. ومسائل علم الأصول هي من هذا النوع من المسائل غالباً. فإن أكثرها يترتب عليه عدة أغراض قد دُوّن لكل غرض منها علم خاص. فإن طُرحَت في علم الأصول فيراد منها أن تكون مقدمة كبرى في القياس وإن طرحت في العلوم الأخرى فيراد منها غرض آخر مختلف.
وأخيراً ينبغي أن نقول بأن علم الأصول علم آليّ، وهو من الفقه بمثابة المنطق من العلوم العقلية.
القسم الثاني
المراحل التاريخية التي مرّ بها علم الأصول
مرّ علم الأصول بمراحل تاريخية متعددة لكل منها مزاياها وتطوراتها الخاصة، اختصّ بعض هذه المراحل بالمذهب السّنّي وبعض آخر بالمذهب الشيعي وقسمٌ منها كان مشتركاً بين المذهبين.
المرحلة الأولى
وهي التي نطلق عليها اسم المرحلة الأولى التأسيسية.
يعتبر الأستاذ محمد أبو زهرة الشافعي مؤسس علم الأصول ويقول في كتابه «محاضرات في أصول الفقه الجعفري»: (والجمهور من الفقهاء يقرّون للشافعي بأسبقيته بوضع علم الأصول) وفي كتابه «الشافعي» يكرّر هذه المقولة، ويؤكد أن الرازي هو القائل: (اعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسطو إلى علم المنطق وكنسبة الخليل بن أحمد إلى العروض).
لو كان المقصود من تأسيس علم الأصول هو اختراعه وإيجاده، فنحن لا نرى صحة نسبة هذا الأمر لأي شخص كان، إذ أننا علمنا أن علم الأصول تلفيق لمسائل ترتبط باللغة والأدب، والعلوم العقلية، وبناء العقلاء والشارع. من هنا فإن اختراع علم الأصول يجب أن ينسب أن أهل اللغة والعقل والشارع لا لأي شخص آخر.
فكيف يمكننا القول بأن الشافعي هو الذي أسس ووضع قواعد: دلالة الأمر على الوجوب، والنهي على الحرمة والتحسين والتقبيح العقليين، والعمل بخبر الثقة، وحجية الاستصحاب؟ هذه المسألة عينها يمكن أن تلحظ في نسبة وضع المنطق إلى أرسطو.
ولو كان المقصود من تأسيس علم الأصول الكشف والتوضيح والتطبيق للقواعد الأصولية في استنباط الأحكام، فإن نسبته إلى الشافعي إن صحّ في قسم من القواعد الأصولية فنحن على يقين بعدم صحته في جميعها، إذ من الواضح أن باب الاجتهاد والتمسك بالقواعد الأصولية للاستنباط كان مفتوحاً منذ صدر الإسلام وخاصة بعد وفاة الرسول الكريم (ص)، فالصحابة والتابعون والفقهاء دأبوا في استنباطهم على الاستناد إلى هذه القواعد فحملوا الأمر على الوجوب، والنهي على الحرمة وقرنوا العام بالخاص والمطلق بالمقيّد، وعملوا بظاهر الألفاظ واستندوا إلى الإجماع وخبر الثقة.. ترى أليس هذا اجتهاداً وتمسكاً بالقواعد الأصولية؟! هل يمكن القول بأن الذين سبقوا الشافعي من الصحابة والتابعين والفقهاء كابن عباس وابن مسعود والشعبي وابن سيرين وابن أبي ليلى وأبي حنيفة ومالك، ومحمد بن الحسن وآخرين، لم يجتهدوا قطّ! ألم يكن هؤلاء على علم بالمسائل الأصولية كالتمسك بظواهر الكتاب والسّنّة، والعمل بالرأي وإجماع الصحابة والمصالح المرسلة والقياس وغيرها؟! ولو أنهم كانوا على علم بها فهل ترى أنهم تركوا الاستناد إليها؟ لماذا؟ كيف جاز لنا إذن ـ والحالة هذه ـ أن نسميهم فقهاء؟! وكيف صار أبو حنيفة صاحب رأي وقياس؟!.
نعم.. تميز العصر الأول للرسالة بقلّة وبساطة المسائل التي تواجه الفرد والجماعة وبوجود النبي والصحابة، وبالاطلاع على أسباب النزول وسائر القرائن التي تيسّر فهم القرآن والحديث.. ولهذا كله فإن حدود الاجتهاد كانت ضيقة وعلى مستوى بسيط.. خلافاً للأعصر التالية التي ازدادت فيها المسائل تعقيداً. وابتعد زمن نزول الكتاب وصدور السنة، وخفيت القرائن والشواهد وتعقّدت لذلك طرق الاجتهاد وصعبت، من هنا فإن الاجتهاد في زمن الشافعي كان بلا ريب أصعب من الاجتهاد في العصور التي سبقته.
وأرى من المناسب هنا أن أشير إلى بعض الآيات والروايات العامة والخاصة التي تؤيد وجود الاجتهاد في زمن الرسول الكريم وذلك استناداً إلى حجية الفتوى بشكل مطلق أو إلى استناد أئمة المذهب إلى ظواهر الكتاب والسنة، وإلى وجود بعض المصطلحات الأصولية في عصر الصحابة أيضاً.
1 ـ يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم «فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الذِّينِ» [التوبة 122].
تدل هذه الآية على الوجوب الكفائي للتفقه في الدين، وليس التّفقّه في الدين إلا طلب الأحكام والشريعة والتخصص فيها، وهذا يعني الرجوع إلى القواعد الأصولية ولو بشكلها البسيط الميسر.
2 ـ روي أن الرسول (ص) قال لمعاذ حين أرسله إلى اليمن: «بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسول الله (ص) قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد برأيي».
وكذا قول الرسول (ص) لابن مسعود: «اقض بالكتاب والسّنّة إذا وجدتهما فإن لم تجد الحكم فيهما اجتهد برأيك».
وتوافرت الروايات عن طريق أهل السنة على مدح وذم العمل بالرأي والاجتهاد، والذي نستخلصه، منها بشكل قطعي، هو أن الاجتهاد كان معمولاً به في زمن الصحابة، بل في زمن الرسول (ص) نفسه، وواضح أن العمل بالرأي والاجتهاد لا يمكن أن يتحقق دون الاعتماد على قواعد أصولية ولو على سطح بسيط وفي حدود ضيقة.
3 ـ وردت عن طريق الشيعة روايات متعددة تدل على حجية الفتوى وعدم جواز العمل بالقياس والرأي، منها قول الصادق (ع) لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة وافتِ بالناس فإني أحب أن أرى في شيعتي مثلك».
ويقول (ع) لمعاذ بن مسلم النحوي «بلغني أنك تقعد في الجامع وتفتي الناس، قلت: نعم وأردت أن أسألك عن ذلك.. إلى أن يقول (ع): اصنع ذلك فإني كذا أصنع».
إن هذه الروايات تشير بشكل صريح إلى أن الاجتهاد كان معمولاً به في ذلك الزمن.
4 ـ تدل بعض الروايات إلى استناد الأئمة (عليهم السلام) بظواهر الكتاب والسنة منها صحيح زرارة، عن أبي جعفر (ع) يسأله: ألا تخبرني من أين علمت وقلت إن المسح ببعض الرأس، وبعض الرجلين، فضحك وقال: يا زرارة قال رسول الله (ص) ونزل به الكتاب من الله ـ عز وجلّ ـ لأن الله عز وجل قال: «فَاغْسِلُوْا وُجُوهَكُمْ» [المائدة: 6] فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يُغسَل، ثم قال: وأيديكم إلى المرافق، فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنه ينبغي أن يُغسلا إلى المرفقين، ثم فصل بين الكلام فقال: «وَامْسَحُوا بِرُؤُؤسِكُمْ» فعرفنا حين قال برؤوسكم أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: «وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الكَعْبَيْنِ»، فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما، ثم فسر ذلك رسول الله (ص) للناس فضيعوه.
5 ـ وردت في بعض الروايات مصطلحات أصولية: كالناسخ والمنسوخ، والعام والخاص وغيرها.
6 ـ نستطيع الاستدلال أيضاً بإطلاق بعض الآيات والروايات الدالة على حجية خبر الواحد، وأصل البراءة، والاستصحاب وغيرها على تطبيق بعض القواعد الأصولية لاستنباط الأحكام في صدر الإسلام.
والنتيجة التي نستخلصها من كل ما مرّ هي أن هذه الآيات والروايات تدل على أن الاجتهاد والاستفادة من القواعد الأصولية كان متعارفاً منذ صدر الإسلام، ولو على مستوى بسيط ولو كان قصد الأستاذ أبي زهرة وغيره من كلمات الوضع والتأسيس تدوين علم الأصول، أي أن الشافعي هو أول من دوّن علم الأصول وألّف فيه، فإننا سنجيب عن ذلك في فصول تالية.
يذهب السيد حسن الصدر في كتابه «تأسيس الشيعة» إلى أن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) هما مؤسسا علم الأصول فيقول: «أول من أسس علم الأصول. وفتح بابه وفتق مسائله: الإمام أبو جعفر الباقر (ع) ثم بعده ابنه الإمام أبو عبدالله الصادق (ع) أمليا على أصحابهما قواعده..».
إن ما أوردناه على كلمة «التأسيس» التي استعملها أبو زهرة يرد أيضاً على عبارة السيد حسن الصدر.
المرحلة الثانية
المرحلة الثانية هي مرحلة التصنيف، ويمكن تقسيم هذه المرحلة ـ بلحاظ درجات كمالها وامتزاجها مع سائر العلوم ـ إلى مراحل متعددة، لكنّا نتحدث هنا عن بداية التصنيف.
مسائل علم الأصول التي لم تكن مستقلة من قبل والتي كانت تطرح في أثناء المسائل الفقهية، وجدت لها في هذه المرحلة استقلالاً ذاتياً.
يقول ابن خلدون في مقدمة تاريخه: « كان أول من كتب فيه ـ علم الأصول ـ الشافعي أملى فيه رسالته المشهورة، تكلم فيها في الأوامر والنواهي و…».
ذكرنا أن السيد حسن الصدر يرى أن الإمامين الصادقين (عليهما السلام) هما مؤسسا علم الأصول، وصُنّفت أماليهما فيما بعد، منها: «أصول آل الرسول» تأليف السيد الشريف الموسوي هاشم بن زين العابدين الخونساري الأصبهاني. و«الأصول الأصلية» تأليف السيد عبدالله الشبري. و«الفصول المهمة» تأليف الشيخ محمد بن الحسن بن علي بن الحر المشغري، صاحب وسائل الشيعة.
ويقول بعد ذلك إن قول السيوطي في كتاب الأوائل: «أول من صنف في أصول الفقه الشافعي بالإجماع» إن كان يقصد منه التأسيس فغير صحيح، وإن كان قصده التصنيف المتعارف فلا يصح أيضاً، إذ أن أول مصنف في علم الأصول هشام بن الحكم شيخ المتكلمين الإمامية ـ ومصنف كتاب «الألفاظ ومباحثها» وبعده «يونس بن عبد الرحمن» صاحب كتاب «اختلاف الحديث» وهو الذي روى مبحث التعادل والتراجيح عن الإمام موسى بن جعفر والشافعي متأخر عنهما.
ينتقد أبو زهرة في مقدمة «أصول الفقه الجعفري». مقولة السيد الصدر. فيؤيد أن الباقر والصادق (عليهما السلام) قد أمليا على أصحابهما مسائل علم الأصول، ولكن هذا ليس بتصنيف، فالشافعي هو الذي صنف في هذا العلم، ومن طرف آخر فإن هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن، وإن كانا قد تركا آثارهما قبل الشافعي، فآثارهما مشتركة بين علم الأصول وعلوم أخرى، ولو افترضنا اختصاصها بعلم الأصول فإنها تختص بمسألة واحدة منه، بينما صنّف الشافعي جميع مسائله بترتيب بديع.
في رأينا أن الشافعي لم يكن مؤسس علم الأصول ـ كما تقدم ـ ولم يصنّف فيه تصنيفاً كاملاً، كما اعترف أبو زهرة نفسه بذلك بل أضاف لما جاء به الآخرون، وحقق فيه على قدر ما يمتلكه من استعداد كبير.
والذي ينبغي أن نضيفه هنا: هو أن رسالة الشافعي لم تطرح مسائل الأصول بشكلها المجرّد كما شاع ذلك في العصور التالية بل إنها طرحت هذه المسائل من خلال الكتاب والسّنّة وهذه الحقيقة تتّضح لو قارنّا عناوين فصول الرسالة: «باب ما نزل من الكتاب عاماً يراد به العام ويدخله الخصوص»، «باب ما أنزل من الكتاب عام الظاهر وهو يجمع العام والخاص»، «باب بيان ما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص»، بما جاء في كتاب المتأخرين.
إضافة إلى ذلك فإن علم الأصول في هذا الكتاب ليس بغالب على سائر العلوم الأخرى فيه، لذا فإنّا لا نستطيع أن نعتبر رسالة الشافعي من كتب الأصول، ولو من باب التغليب، إنا نرى في الكتاب عناوين لا ترتبط بالأصول مثل: «باب فرض الله طاعة رسوله مقرونة بطاعة الله ومذكورة وحدها»، «باب ما أمر الله من طاعة رسوله»، «باب ما أبان الله لخلقه من فرضه على رسوله اتّبع ما أوحى إليه وما شهد له به من أتباع ما أمر به ومن هداه وأنه هادٍ لمن اتّبعه»، «باب فرض الصلاة الذي دلّ الكتاب ثم السّنّة على من تزول عنه بالعذر وعلى من لا تكتب صلاته بالمعصية»، «باب الفرائض التي أنزلها الله نصّاً»، «الفرائض المنصوصة التي سنّ رسول الله معها»، «حمل الفرائض»، «في الزكاة»، «في الحج»، «في العدد»، «في محرمات النساء»، «في محرمات الطعام» وعناوين أخرى من هذا القبيل. من هنا، ومن ملاحظة حجم الكتاب، قد لا يكون إطلاق اسم كتاب أصول الفقه عليه إطلاقاً حقيقياً.
مع كل هذا فإن مطالعة هذا الكتاب وكتب الشافعي الأخرى تعطينا فكرة واضحة عن المقام العلمي الذي يتمتع به هذا الرجل.
أرى لزاماً أن أذكر هذه الملاحظة:
صحيح أن علماء الشيعة سبقوا أهل السنة بتدوين بعض مسائل علم الأصول، لكن عملهم هذا لم تكن غايته استخدام المسائل الأصولية في استنباط الأحكام الفرعية، لأن الأئمة كانوا على قيد الحياة آنذاك، ولم يحتاجوا عندها إلى استنباط الأحكام، بل إن اشتغال الشيعة بالمسائل الأصولية كان غرضه الدفاع عن عقائدهم الخاصة في مقابل أهل السّنّة، من هنا فإن بحوثهم تميزت بطابع خاص مثل: «اختلاف الحديثين»، و«إبطال القياس» إذ لهم في مثل هذه نظر خاص بهم.
أما أهل السّنّة، فمع تأخرهم عن الشيعة في أمر التدوين، إلا أنهم أسبق منهم من غير شك في تنظيم هذا العلم وتكميله لأنه القاعدة التي يستندون إليها في استنباط الأحكام وكان لسبقهم هذا عاملان:
الأول: أنهم افتقدوا قبل الشيعة مصدراً مهماً من مصادر التشريع وهو السّنّة، وكان ذلك مع وفاة الرسول الكريم (ص).
الثاني: قصور ما وصل إليهم، صحيحاً عن الرسول، عن تلبية متطلباتهم وشؤونهم الدينية.
من هنا فإن مسألة الرأي والإجماع ظهرت عندهم في وقت مبكر، ولأجل سدّ النقص في مصادر الأحكام توسّلوا بالقياس، وفتوى أهل المدينة والمصالح المرسلة، والاستحسان وأمثالها، وفيها صنفت الكتب المتعددة بالتدريج.
ملخص ميزات هذه المرحلة:
أهم ميزات هذه المرحلة تتلخّص فيما يلي:
1 ـ كانت المسائل الأصولية قبل هذه المرحلة تطرح إلى جانب المسائل الفقهية ومن خلالها، لكنها استقلّت في هذه الفترة.
2 ـ طوى علم الأصول في هذه الفترة مراحله الأولية ولذلك كان بسيطاً لا تعقيد فيه، ولم يتخذ طابع الدقة والتحليل العميق الذي تميزت به العصور المتأخرة، إضافة إلى أن المسائل الفقهية المعقدة الصعبة لم تكن مطروحة حتى تلك الفترة.
3 ـ إننا نعلم أن المسائل الكلامية قد ظهرت في العهد الأموي، وراجت في العصر العباسي، والفترة التي نتحدث عنها لم يشتد فيها النزاع الكلامي كما اشتدّ في القرن الثالث، ولم يسمح أئمة المذاهب لأتباعهم بالخوض في هذه المسائل، بل ومنعوهم أحياناً. لهذا فإن المسائل الكلامية والمباحث المنطقية لم تجد لها طريقاً في بحوث علم الأصول في هذه الفترة.
المرحلة الثالثة
المرحلة الثالثة هي في الحقيقة مرحلة اندماج علم الأصول بعلم الكلام، وأغلب هذه المرحلة يختصّ بأهل السّنّة. فقد دخل ميدان البحث الأصولي متكلمو أهل السّنّة وخاصة المعتزلة منهم إذ هم أهل بحث وجدل فانحرفوا به عن مسيره الأصلي باعتباره طريقاً لاستنتاج الأحكام الفرعية، وبحثوا في المسائل الأصولية كمسائل كلية ومجردة عن المسائل الفرعية.
ولو وضعنا نصب أعيننا الهدف الذي يتوخّاه تدوين علم الأصول لألفينا الكتب الأصولية لهذه المرحلة مجموعة من علوم لغوية وأدبية وكلامية ومنطقية بعيدة عن الحقل الأصولي أي كالحالة التي كانت قبل استعمال علم الأصول في مجال استنباط الأحكام.
إن الكتب التي صنفت في هذه المرحلة إنما كانت على يد المتكلمين وخاصة المعتزلة، وبسبب انغلاق باب الاجتهاد (في القرن الرابع) فإن أصول أهل السنة في الحقيقة تابعة لتلك المرحلة ولم يحدث عليها تغيير كبير إلا ما دخلها من مسائل منطقية بالتدريج كما أشرنا من قبل.. واكتفى المتأخرون بشرح تلك المصنفات وتوضيحها والتعليق عليها ولم يصنفوا كتباً مستقلة. لذا فإننا نذكر قسماً من أهم الكتب التي صنفت في هذه المرحلة والتي ينتسب مؤلفوها إلى مذاهب سنية مختلفة مع ذكر تاريخ وفاة المصنفين(هـ):
1 ـ الآراء الأصولية لأبي علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي (المتوفى سنة 303).
2 ـ الآراء الأصولية لأبي هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي (المتوفى سنة 321).
3 ـ الأصول لأبي الحسن عبيدالله بن الحسن الكرخي (المتوفى سنة 340).
4 ـ أصول الفقه لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص (المتوفى سنة 370).
5 ـ العمد، تصنيف القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي الأسدآبادي (المتوفى سنة 415).
6 ـ المغني (بعض مجلداته كالمجلد السابع عشر) تصنيف القاضي عبد الجبار المعتزلي الأسدآبادي.
7 ـ التحصيل، تصنيف أبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي الأسفراييني (المتوفى سنة 429).
8 ـ تقويم الأدلة، تصنيف أبي زيد عبيدالله بن عمر بن عيسى الدبوسي القاضي الحنفي (المتوفى سنة 430).
9 ـ المعتمد، تصنيف أبي الحسين محمد بن علي الطيب البصري (المتوفى سنة 346).
10 ـ الإحكام في أصول الأحكام تصنيف أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي الظاهري (المتوفى سنة 456).
11 ـ الكفاية، تصنيف أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء الحنبلي (المتوفى سنة 458).
12 ـ البرهان، تصنيف أبي المعالي عبد الملك بن أبي محمد عبدالله بن يوسف إمام الحرمين الجويني (المتوفى سنة 478).
13 ـ كنز الوصول، تصنيف فخر الإسلام علي بن محمد البزدوي (المتوفى سنة 482).
14 ـ الأصول لأبي بكر السرخسي محمد بن أبي بكر (أو أبي سهل) شمس الأئمة الحنفي (المتوفى سنة 483، أو 490).
15 ـ المستصفى، تصنيف أبي حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي (المتوفى سنة 505).
16 ـ كفاية الفحول في علم الأصول، تصنيف عبد العزيز بن عثمان بن إبراهيم المعروف بالقاضي النسفي (المتوفى سنة 533).
17 ـ المحصول، تصنيف محمد بن عمر بن حسين بن حسن المعروف بالإمام الفخر الرازي (المتوفى سنة 606).
18 ـ الإحكام في أصول الأحكام، تصنيف أبي الحسن، علي بن محمد بن سالم الآمدي (المتوفى سنة 631).
19 ـ منتهى السؤل والأمل، تصنيف أبي عمرو، عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، المعروف بابن الحاجب (المتوفى سنة 646).
20 ـ مختصر المنتهى، تأليف المصنف السابق.
21 ـ الحاصل، تصنيف محمد بن الحسين، المعروف بتاج الدين الأرموي (المتوفى سنة 656).
22 ـ التحصيل، تصنيف أبي الثناء، محمود بن أبي بكر، المعروف بسراج الدين الأرموي (المتوفى سنة 682).
23 ـ تنقيح الفصول في علم الأصول، تصنيف أبي العباس، أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن القرافي (المتوفى سنة 684).
24 ـ منهاج الوصول إلى علم الأصول، تصنيف أبي الخير، أو أبي سعيد، عبدالله بن عمر بن أحمد، المعروف بناصر الدين البيضاوي (المتوفى سنة 685).
25 ـ بديع النظام الجامع بين كتابي البزدوي والأحكام، تصنيف أحمد بن علي بن تغلب (أو ثعلب) الحنفي، المعروف ابن الساعاتي (المتوفى سنة 694).
26 ـ منار الأنوار، تصنيف أبي البركات، عبدالله بن أحمد بن محمود، المعروف بحافظ الدين النسفي (المتوفى سنة 701).
27 ـ شرح منار الأنوار، باسم كشف الأسرار، للمصنف المذكور.
28 ـ أصول الفقه، لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحنبلي (المتوفى سنة 728).
29 ـ تنقيح الأصول، تصنيف عبيدالله بن مسعود البخاري (المتوفى سنة 747).
30 ـ التوضيح، شرح تنقيح الأصول، تأليف المصنف المذكور.
31 ـ شرح مختصر المنتهى، تصنيف عبد الرحمن بن ركن الدين أحمد عبد الغفار المعروف بالقاضي عضد إيجي (المتوفى سنة 756).
32 ـ جمع الجوامع، تصنيف أبي النضر، عبد الوهاب بن علي بن عبد الكوفي السبكي (المتوفى سنة 771).
33 ـ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، تصنيف المؤلف السابق.
34 ـ شرح منهاج البيضاوي، للمصنف السابق أيضاً.
35 ـ نهاية السول في شرح منهاج الأصول، تصنيف أبي محمد عبد الرحيم بن حسن بن علي الأسنوي (المتوفى سنة 772).
36 ـ الموافقات، تصنيف أبي إسحاق، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي، المعروف بالشاطبي (المتوفى سنة 790).
37 ـ معيارالعلوم في علم الأصول، تصنيف أحمد بن يحي الزيدي، صاحب البحر الزخار (المتوفى سنة 840).
38 ـ شرح جمع الجوامع للسبكي، تصنيف أحمد بن أمين الدين الرملي (المتوفى سنة 844).
39 ـ شرح منتهى السؤل لابن الحاجب، تصنيف أحمد بن أمين الدين الرملي المصنف السابق.
40 ـ شرح منهاج الوصول للبيضاوي، للمصنف السابق أيضاً.
41 ـ التحرير، تصنيف كمال الدين محمد بن عبد الواحد، المعروف بابن همام الحنفي (المتوفى سنة 861).
وكتب كثيرة أخرى لا يسع ذكرها المقال.
إن هذه المرحلة، وإن ختصّت بأهل السّنّة، لا تخلو من تصنيفات أصولية أهمها:
1 ـ كتاب الخصوص والعموم، تصنيف أبي سهل، إسماعيل بن علي بن إسحاق النوبختي (عالم القرن الثالث الهجري).
2 ـ كتاب إبطال القياس، للمصنف السابق.
3 ـ كتاب خبر الواحد والعمل به. تصنيف أبي محمد حسن بن موسى النوبختي (أحد علماء القرن الثالث الهجري).
4 ـ كتاب العموم والخصوص، تصنيف العالم السابق.
5 ـ كتاب نقض اجتهاد الرأي على ابن الراوندي، تصنيف أبي سهل، إسماعيل بن علي النوبختي. (القرن الثالث الهجري).
6 ـ كتاب إبطال القياس، تصنيف أبي منصور صرام النيشابوري (القرن الثالث الهجري).
7 ـ كتاب مسائل الحديثين المختلفين، تصنيف محمد بن أحمد بن داود المعروف بابن داود (المتوفى سنة 368).
8 ـ كتاب كشف التمويه والالتباس في إبطال القياس، تصنيف محمد بن أحمد بن الجنيد (المتوفى سنة 381).
ملخص ميزات هذه المرحلة
تمتاز هذه المرحلة بما يلي:
1 ـ كان علم الأصول في المراحل السابقة آلة لاستنباط الأحكام الشرعية. أما في هذه المرحلة فإنه افتقد إلى حد كبير طبيعته العملية واتّجه نحو التّجرّد واتّخذ طابعاً نظرياً.
2 ـ اقترن علم الأصول في هذه المرحلة بالاستدلالات المنطقية ولم يقتصر على ظواهر الكتاب والسّنّة والإجماع وغيرها. من هنا أضيف قسم من المسائل المنطقية إلى المسائل الأصولية.
3 ـ دخل قسمٌ من المسائل العقلية والكلامية إلى هذا العلم كالتحسين والتقبيح العقليين والملازمة بين حكم العقل والشرع، ووجوب شكر المنعم واختصاص وجوب الشكر بالمنعم قبل ورود المشرع أو شمول هذه النسبة قبل ورود المشرّع، والتكليف بالمحال، والتكليف بالمعدوم، وصفة العلم الناتج عن التواتر، وعصمة الأنبياء وأمثالها.
هذه المسائل قد استقلّت فيما بعد بالتدريج عن علم الأصول، إلا أن علم الأصول لم يتخلص أبداً من تأثير العلوم العقلية والكلامية والمنطقية بشكلٍ تامٍّ.
المرحلة الرابعة
وهي مرحلة كمال علم الأصول وتجديد استقلاله، وهي خلافاً للمراحل السابقة تختص بالشيعة، وتعتبر المرحلة الثانية لتدوين أصول فقه الشيعة الإمامية.
تخلّص علم الأصول في هذه المرحلة من حالته البسيطة الأولية، ونال قسطاً كبيراً من الكمال والنضوج، كما أنه استقلّ إلى حدّ كبير عن مسائل علم الكلام.
وكما أشرنا من قبل فإن باب الاجتهاد قد انفتح عند أهل السنة بعد وفاة النبي (ص) مباشرة واستمرّ هذا الباب مفتوحاً حتى وفاة الإمام أحمد بن حنبل رابع أئمة فقه أهل السّنّة (241هـ) بل استمر بعده أيضاً قليلاً، لكن هذا الباب قد سدّ بعد استقرار المذاهب الأربعة في بداية القرن الرابع الهجري، وأضحى الاتّجاه نحو التقليد فقط، وكانت الكتب الاستدلالية بعد هذه الفترة تعنى بالشرح والتوضيح وتطبيق القواعد الأصولية مع الأحكام الفقهية للمذهب المعين فحسب ونتيجة الاجتهاد لم تكن تتجاوز إطار المذاهب الأربعة، وعادت الأدلة وسيلة لإثبات المذهب لا أن تؤخذ نتيجة الدليل كيفما كانت، وبعبارة موجزة لم يعد باب الاجتهاد مفتوحاً، ومن هنا فإن علم الأصول عند السّنّة لم يحظ بتطور يذكر منذ تلك الفترة.
أما الشيعة فإنهم لم يشعروا بحاجة إلى الاجتهاد بمعناه الواسع حتى الغيبة الكبرى (سنة 329هـ)، لكن الشعور بالحاجة قد برز بعد الغيبة الكبرى.
وأول من أحسّ بضرورة الاجتهاد من الشيعة الحسن بن علي بن أبي عقيل العماني، (عالم القرن الثالث الهجري) عرف بابن أبي عقيل، ومحمد بن أحمد بن الجنيد المعروف بالإسكافي وبابن الجنيد (المتوفى سنة 381).
وقام هذان العالمان باستخلاص الفقه من نصوص الروايات، أي أنهما في الحقيقة قد وضعا اللبنات الأولى للاجتهاد عند الشيعة.
يبدو أن ابن عقيل لم يصنف كتاباً في علم الأصول، بل خلف كتاباً ضخماً في الفقه باسم: «المتمسك بحبل آل الرسول».
أما ابن الجنيد فقد ترك مؤلفات كثيرة أحدها كتاب «كشف التمويه والالتباس» في علم الأصول. وقد ذكر اسم هذا الكتاب في المراحل السابقة لكنه يبدو أكثر مناسبة لكتب هذه المرحلة.
وتذكر الكتب الفقهية هذين العالمين باسم «القديمين».
بعد هذين العالمين نهض بإثراء الاجتهاد عند الشيعة أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان، المعروف بالشيخ المفيد (المتوفى سنة 413هـ)، كتب الشيخ في العلوم المختلفة، ومن جملة مصنفاته كتاب في الأصول نقله عنه تلميذه الشيخ أبو الفتح الكراجكي (المتوفى سنة 449هـ) وجمعه في كتاب باسم (كنز الفوائد).
وبعد الشيخ المفيد تولّى مهمة تطوير علم الأصول اثنان من تلاميذه هما علم الهدى، علي بن الحسين الموسوي، المعروف بالسيد المرتضى (المتوفى سنة 436) وشيخ الطائفة، محمد بن الحسن الطوسي، المعروف بالشيخ الطوسي (المتوفى سنة 460)، وهذان العالمان هما من أكبر علماء الشيعة، واستطاعا أن ينقلا علم الأصول في زمانهما إلى الذروة من الكمال.
ولقد خلف هذان العالمان آثاراً متعددة في علم الأصول أهمها وأكملها:
1 ـ «الذريعة إلى أصول الشريعة» للسيد المرتضى.
2 ـ «عدة الأصول» لشيخ الطائفة. وكلا الكتابين قد استعرضا جميع المسائل الأصولية. وبعد أن نقلا الأقوال والأدلّة، حققا في هذه المسائل استناداً إلى الأسس العلمية في إطار المذهب الشيعي.
ولقد صرّح السيد المرتضى في مقدمة الذريعة بحذره من خلط المسائل الأصولية بالمسائل الكلامية فيقول:
«فقد وجدت بعض من أفرد في أصول الفقه كتاباً وإن كان قد أصاب في كثرة من معانيه وأوضاعه ومبانيه قد شرد من قانون أصول الفقه وأسلوبها وتعدّاها كثيراً وتخطّاها فتكلم على حدّ العلم والظّنّ وكيف يولد الظن العلم؟ والفرق بين وجود المسبب عن السبب وبين حصول الشيء عند غيره على مقتضى العادة و… و… و… إلى غير ذلك من الكلام الذي هو محض صرف خالص للكلام في أصول الدين دون أصول الفقه.
فإن كان دعا إلى الكلام على هذه المواضع أن أصول الفقه لا تتمّ ولا تثبت إلا بعد ثبوت هذه الأصول، فهذه العلّة تقتضي أن يتكلم على سائر أصول الدين، من أولها إلى آخرها وعلى ترتيبها، فإن أصول الفقه مبنية على جميع أصول الدين مع التأمل الصحيح وهذا يوجب علينا أن نبتدي في أصول الفقه بالكلام على حدوث الأجسام وإثبات المحدث وصفاته وجميع أبواب التوحيد… ومعلوم أن ذلك لا يجوز».
ويقول أيضاً: «والكلام في هذا الباب إنما هو الكلام في أصول الفقه بلا واسطة من الكلام فيما هو أصول لأصول الفقه، والكلام في هذا الفن إنما هو مع من تقررت معه أصول الدين وتمهدت ثم تعدّاها إلى غيرها مما هو مبني عليها، فإذا كان المخالف لنا مخالفاً في أصول الدين كما أنه مخالف في أصول الفقه أحلناه على الكتب الموضوعة للكلام في أصول الدين، لم نجمع له في كتاب واحد بين الأمرين».
والشيخ الطوسي أيضاً في الفصل الأول من كتاب عدة الأصول يؤكد أيضاً أنه إذا احتاج أحياناً إلى توضيح مسألة في أصول الدين فإنما يتعرض لها بمزيد من الاختصار «لأن لشرح ذلك موضعاً غير هذا والمطلوب من هذا الكتاب بيان ما يختصّه من تصحيح أصول الفقه التي ذكرناها وبيان الصحيح منها والفاسد».
إن هذين العالمين، بالرغم من المساعي التي بذلاها في هذا السبيل، لم يستطيعا مع الأسف أن يخلصا علم الأصول نهائياً من المسائل الكلامية فنرى في كتاب الذريعة والعدة مسائل مثل:
1 ـ في ذكر ما يجب معرفته من صفات الله والنبي والأئمة.
2 ـ في صفة العلم الواقع عن الأخبار.
3 ـ في أنه هل كان النبي متعبداً بشرائع من تقدّمه من الأنبياء.
4 ـ في أنه لا يجوز أن يفوض الله ـ تعالى ـ إلى النبي أو إلى العالم أن يحكم في الشرعيات بما شاء إذا علم أنه لا يختار إلا الصواب.
ومسائل أخرى مشابهة لهذه، وما هو جدير بالذكر أن علم الأصول، بالرغم من الاستقلال التدريجي الذي ناله بعد هذه الفترة، وبالرغم من تخلصه من المسائل المذكورة في المراحل التالية، كان متأثراً دائماً بالمسائل الكلامية والمنطقية، بل إنه تأثر في المراحل الأخيرة بالمسائل الفلسفية التي نفذت وتوغّلت فيه.
والتحقيق في هذا الصدد واستخراج أماكن تأثير العلوم العقلية في علم الأصول يحتاج إلى مجال أرحب، لا تتيحه لنا هذه البحوث الموجزة.
ولا بد من القول: إن الشيعة مع تأخرهم عن أهل السّنّة مدة ثلاثة قرون تقريباً في التصدي لمسائل الاجتهاد، وصلوا بهذا العلم في مدة وجيزة إلى غاية كماله ورقيّه. والسبب في ذلك يعود إلى:
أولاً: إن الجهود التي بذلها أهل السنة خلال عدة قرون في حقل علم الأصول قد وصلت إلى أيدي الشيعة جاهزة، فاستفادوا منها وأضافوا إليها آراءهم الخاصة.
ثانياً: أن باب الاجتهاد بقي مفتوحاً لدى الشيعة بعد هذه الفترة، خلافاً لأهل السنة الذين اقتصروا على اجتهاد الأئمة الأربعة فلم يحدّ الشيعة في اجتهادهم سوى مخالفة الإجماع لا مخالفة الأفراد، ومن هنا فإن الاجتهاد عند الشيعة قد طوى مراحل تكامله وتطوره.
ملخص ميزات هذه المرحلة
1 ـ تكامل علم الأصول لدى الشيعة.
2 ـ بلوغ علم الأصول درجة كبيرة من القوة في الأسس والمتانة في الاستدلال.
3 ـ استقلال علم الأصول عن مسائل علم الكلام، وتخّلصه منها نسبياً.
هذا الاستقلال لا يتنافى أبداً مع تأثر علم الأصول بعلم الكلام تأثراً شديداً محسوساً في هذه المرحلة، بل في المراحل الأخرى، حتى يومنا هذا.
المرحلة الخامسة
وهي مرحلة ركود الاستنباط وتوقف علم الأصول عن التطور لدى الشيعة.
واستمرت هذه الفترة منذ وفاة الشيخ الطوسي حتى عصر ابن إدريس الحلي (المتوفى سنة 598). وفي هذه الفترات التي استمرت أكثر من قرن توقف فيها الاجتهاد عند الشيعة، وأطلق ابن إدريس وآخرون على علماء هذه الفترة اسم: المقلدة، إذ أنهم تابعوا الشيخ الطوسي في الفقه ولم يتصدّوا للاستنباط ولاستخدام القواعد الأصولية.
ولهذا الركود أسباب عدة منها: النبوغ العلمي الكبير للشيخ الطوسي والشعور بالعجز في مقابل الأسس القوية التي وضعها الشيخ وقوة استنباطه، والتصور بأن الاستنباط في مقابل استنباط الشيخ إهانة لمكانته، ولعل واحدة من هذه الأسباب أو بمجموعها قد أدّت إلى هذه الحالة.
مع هذا فإن كتباً في علم الأصول قد ألّفت في هذه الفترة أهمها:
1 ـ «التقريب»، تأليف حمزة بن عبد العزيز، المعروف بسلار أو (سالار)، (والمتوفى سنة 448 أو 463هـ).
2 ـ كتاب «المصادر» تأليف الشيخ سديد الدين محمود بن علي الحمصي الرازي (المتوفى في أواخر القرن السادس الهجري).
3 ـ كتاب «التبيين والتنقيح في التحسين والتقبيح» لنفس المؤلف السابق.
4 ـ القسم الأصولي من كتاب «غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع» تأليف أبي المكارم حمزة بن علي بن زهرة، المعروف بابن زهرة، (المتوفى سنة 585هـ).
ولعل الكتاب الأخير هذا هو بداية لكتب المرحلة التالية، لأن مؤلف هذا الكتاب عمد إلى مخالفة الشيخ الطوسي أحياناً، ففي باب دلالة الأمر على الفور مثلاً: يقول الشيخ بأن الأمر يدل على الفور، بينما يقول ابن زهرة: إنه لا يدل على الفور ولا على التراخي، كما في باب دلالة النهي على الفساد، يقول الشيخ الطوسي إن النهي دالّ على الفساد، بينما يرفض ابن زهرة وجود ملازمة بين الحرمة والفساد… الخ.
وتمتاز هذه المرحلة بأن علماءها وقعوا تحت تأثير استنباطات الشيخ الطوسي، بل إنهم قلّدوه أحياناً حتى في العبارات أيضاً.
المرحلة السادسة
مرحلة النهوض من جديد
بدأت هذه المرحلة كما ذكرنا آنفاً على يد العالم الكبير محمد بن أحمد بن إدريس الحلي المعروف بابن إدريس الحلي (المتوفى سنة 598): مع أن ابن زهرة العلوي (المتوفى سنة 585) قد أسهم فيها إلى حدٍّ ما.
فقد خالف ابن زهرة في كتابه (غنية النزوع) بعض آراء الشيخ التي لم يجرؤ أحدٌ على مخالفتها حتى تلك الفترة.
صنّف ابن إدريس كتاب «السرائر» وهو واحدٌ من أهم المصادر الفقهية الشيعية، ولم يكتف ابن إدريس في هذا الكتاب ببيان آرائه الفقهية، بل إنه ذكر في كل فرع الأساس الأصولي للمسألة أيضاً وربما ذكر أحياناً عدة مسائل أصولية في فرعٍ واحدٍ. من هنا فإن مخالفته لمن سبقه في هذا الكتاب لا تنحصر بطريقة الاستنتاج، بل تتعدّاها إلى مخالفة أصول الاستنباط وأسسه أيضاً.
لقد عمد ابن إدريس في كتابه هذا إلى ذكر آراء شيخ الطائفة نقلاً عن النهاية والمبسوط وكتب أخرى أيضاً، ولعلنا لا نستطيع أن نجد صفحة من صفحات هذا الكتاب خالية من ذكر اسم الشيخ وآرائه وليس هدفه نقل هذه الآراء طبعاً، بل إنه استهدف تسليط أضواء النقد عليها، ولم يقتصر نقده على الشيخ فحسب بل تعدّاه إلى مقلديه وتابعيه أيضاً، وكأنه كرّس فصول الكتاب لانتقاد الشيخ وأتباعه.
إن الكتاب، بما فيه مقدمته، يوضح لنا بجلاء انزعاج ابن إدريس الشديد من روح التقليد السائدة آنذاك.
ولم تتوقف هذه النهضة بل استمرت في التقدم وتعهّدها محققون نوابغ من أمثال نجم الدين، جعفر بن الحسين بن يحي بن سعيد المعروف بالمحقق الحلي (المتوفى سنة 676هـ) وتلميذه الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر الحلي (المتوفى سنة 726هـ) وآخرون، وعاد علم الفقه وعلم الأصول ثانية ليبلغا درجة كبيرة من النضج والكمال، فحلّت بعض كتب هؤلاء العلماء محل مؤلفات الشيخ، فقد أصبح كتاب الشرائع للمحقق الحلي مدار بحث وتدريس وشرح وتعليق بدلاً من كتاب النهاية للشيخ الطوسي. ونذكر الآن بعض مؤلفات هذه المرحلة:
1 ـ نهج الوصول إلى معرفة علم الأصول، للمحقق الحلي.
2 ـ معارف الأحكام، للمحقق الحلي أيضاً.
3 ـ تهذيب الوصول إلى علم الأصول، للعلامة الحلي وهو مختارات من مختصر المنتهى لابن الحاجب.
4 ـ مبادىء الوصول إلى علم الأصول للعلامة الحلي، طبع مرة مع كتاب معارج المحقق ومرة أخرى بشكلٍ مستقلٍّ.
5 ـ نهاية الوصول إلى علم الأصول، للعلامة الحلي وهو كتاب موسع رأيت منه نسخة خطية في المكتبة المركزية لجامعة طهران، ويبدو أنه لم يطبع حتى الآن.
6 ـ غاية الوصول وإيضاح السبل في شرح مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل، للعلامة الحلي أيضاً.
7 ـ النكت البديعة في تحرير الذريعة، لنفس المؤلف، وذكر اسم هذا الكتاب في «الخلاصة».
8 ـ شرح غاية الوصول في الأصول، وهو شرح العلامة الحلي على نصّ حجّة الإسلام الغزالي.
9 ـ منتهى الوصول إلى علمي الكلام والأصول، للعلامة الحلي يقع في مجلد واحد.
10 ـ نهج الوصول إلى علم الأصول للعلامة الحلي.
11- منية اللبيب في شرح التهذيب، تصنيف ضياء الدين، عبدالله بن مجد الدين أبو الفوارس محمد بن الأعرج الحسيني، ابن أخت العلامة الحلي.
12 ـ غاية البادي في شرح المبادي، تصنيف ركن الدين الجرجاني تلميذ العلامة، عاصر السيد عميد الدين ابن أخت العلامة.
13 ـ غاية السؤل في شرح تهذيب الأصول، تصنيف أبي طالب، محمد بن الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر، المعروف بفخر المحققين، (المتوفى سنة 771هـ).
14 ـ شرح المبادىء للمصنّف المذكور.
15 ـ شرح تهذيب الأصول، تصنيف السيد جمال الدين عبدالله بن محمد بن الحسن الحسيني الجرجاني.
16 ـ شرح مبادىء الأصول، تصنيف أبي عبدالله، مقداد بن عبدالله بن محمد بن الحسين بن محمد السيوري، المعروف بالفاضل المقداد (المتوفى سنة 826هـ).
17 ـ تهذيب القواعد تصنيف زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد الجبعي العاملي، المعروف بالشهيد الثاني (المقتول سنة 965هـ) وهذا الكتاب يضم مجموعة من القواعد الأصولية والأدبية وكل منها يشتمل على 100 قاعدة.
18 ـ معالم الأصول، للشيخ محمد حسن بن زين الدين، نجل الشهيد الثاني، (المتوفى سنة 1011هـ)، ونظراً لاختصار هذا الكتاب وبساطته فقد حلّ محل المختصر والتهذيب ككتاب مدرسي، ولم يترك مكانه لكتاب آخر حتى الآن.
19 ـ زبدة الأصول، لمحمد بن الحسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي المعروف بالشيخ البهائي (المتوفى سنة 1031هـ)، وحذا الشيخ البهائي في هذا الكتاب حذو مختصر ابن الحاجب وتهذيب العلامة فذكر جميع المسائل الأصولية بشكلٍ موجزٍ، كما أنه قلّد الغزالي في المستصفى وابن الحاجب في المختصر فذكر قسماً من المسائل المنطقية في البداية.
ملخّص ميزات هذه المرحلة
1 ـ عادت روح الاجتهاد إلى علماء الشيعة، وبدأ الاجتهاد يرتقي سلّم كماله التدريجي.
2 ـ اتّسمت الدراسات الأصولية في هذه المرحلة بشكلٍ رئيسيّ بشرح كتب الأسلاف والتعليق عليها وتلخيصها، فخرجت عن طابع التصنيف المستقلّ، ولم تختصّ هذه السّمة بالشيعة بل إنها شملت الدراسات الأصولية عند السّنّة أيضاً.
3 ـ أدخل بعض علماء الشيعة في هذه المرحلة بعض المسائل المنطقية أيضاً في كتبهم الأصولية مقلّدين بذلك علماء السّنّة، وهذا أدّى إلى أن يتأثّر علم الأصول بالمنطق إضافة إلى تأثّره بعلم الكلام.
المرحلة السابعة
تمتاز هذه المرحلة بظهور الحركة الأخبارية التي أضعفت علم الأصول وأهمّ روّاد هذه الحركة المولى محمد أمين الأسترآبادي المتوفى سنة 1033هـ مؤلف كتاب «الفوائد المدنية».
كان الأسترآبادي معارضاً للمجتهدين ووجّه سياط نقده عليهم ابتداء من «القديمين» وحتى «الشهيدين» واتّهمهم باتّباع مدرسة آل السّنّة، وكرّس كتابه «الفوائد المدنية» في الرّدّ على المجتهدين وانتهى من تأليفه في ربيع الأول سنة 1031هـ بمكة المكرمة.
كان الأخباريون يقولون:
1 ـ إن مؤسسي علم الأصول هم أهل السّنّة، وإن استخدام القواعد الأصولية يؤدي بالضرورة إلى أن تصبح فروع المذهب تحت هيمنة أفكارهم.
2 ـ إذا كان الفقه يتطلّب استعمال القواعد الأصولية فإن ذلك يعني أن أصحاب الأئمة لم يكونوا فقهاء، لأن مسائل علم الأصول ظهرت عند الشيعة بعد الغيبة الكبرى.
3 ـ إن علم الأصول يؤدي أخيراً إلى فقدان أهمية نصوص المذهب.
وهذه اعتراضات لا أساس لها من الصحة ولا نحتاج إلى الإطالة في ردّها ونكتفي بالقول:
أولاً: إن مؤسسي علم الأصول ـ كما أسلفنا في بحوثنا السابقة ـ ليسوا أهل السّنّة.
ثانياً: إن احتياج استنباط الأحكام إلى استعمال القواعد الأصولية لا يعني أن التّفقّه يحتاج إلى قواعد علم الأصول بشكل مطلق خاصة بالمعنى الواسع لعلم الأصول الذي نفهمه اليوم. بل إن ابتعادنا عن زمن النصوص وتعذّر اتصالنا بالمعصوم هو الذي جعلنا بحاجة ماسة إلى علم الأصول ومن هنا فإن أهل السنة أحسّوا بالحاجة إلى هذا العلم في زمن الخلافة بينما برزت الحاجة عند الشيعة بعد الغيبة الكبرى.
بناءً على هذا فإن أصحاب الأئمة كانوا فقهاء بالرغم من عدم استعمالهم القواعد الأصولية لاتصالهم بالمعصوم.
ثالثاً: إن قواعد علم الأصول لا تهدف إلى صياغة أدلة مقابلة لأدلة القطعية، بل إنها تهدف إلى إيجاد ملكة في استنباط الأحكام من الكتاب والسّنّة وسائر الأدلة أحياناً.
لهذا كله فإن اعتراضات الأخباريين مردودة بأجمعها.
إن نشاط المدرسة الأخبارية في هذه المرحلة مهّدت الأجواء لظهور موسوعات لجمع الروايات منها:
1- كتاب الوافي: في ثلاث مجلّدات كبيرة، تأليف المولى محسن الفيض الكاشاني(المتوفى سنة1091هـ).
2 ـ كتاب وسائل الشيعة في ثلاثة مجلدات، تأليف المولى محمد بن الحسن الحرّ العاملي (المتوفى سنة 1104هـ).
3 ـ بحار الأنوار في 25 مجلّداً ـ تأليف المولى محمد باقر المجلسي (المتوفى سنة 1110هـ).
تأليف هذه الموسوعات في هذه المرحلة لا يعني أبداً أن مؤلفيها كانوا أخباريين أو مخالفين لاستعمال القواعد الأصولية في الاستنباط، كما لا يعني أيضاً أن الحركة الأخبارية كانت هي السبب في ظهور هذه المؤلفات بل إن السبب في ظهورها يعود إلى أمور أخرى لعل أهمها العثور على مصادر كانت خافية على مؤلفي الكتب الأربعة. أما دور الحركة الاخبارية فينحصر بإيجاد أجواء مناسبة لظهور مثل هذه التأليفات.
ومهما يكن السبب فإن تأليف هذه الكتب أسدى إلى عالم استنباط الفقه الشيعي خدمة جلّى، فقد أزالت المشاكل التي كانت تعتري علماء الشيعة في بعض موارد استنباط الأحكام الفقهية أو الأصولية بسبب فقدان النصوص.
فقد كان علماء الشيعة يستخدمون بعض القواعد الأصولية ـ كحجية الاستصحاب مثلاً ـ عن طريق الأدلة العقلية الاعتبارية مقلّدين بذلك أهل السّنّة، لكن هذه الأدلة لم يكن يطمئن إليها المحققون.
وزالت مثل هذه العقبات مع ظهور هذه التأليفات، فالاعتماد على الروايات الصحيحة في هذه الكتب بعث الاطمئنان في نفوس المحققين وأوضح بعض تفاصيل الموضوع.
لقد أدّى النزاع بين الأخباريين والأصوليين في هذه المرحلة إلى تأليف كتب مهمة في علم الأصول منها:
1 ـ غاية المأمول في شرح زبدة الأصول، تأليف جواد بن سعدالله بن جواد الكاظمي، المعروف بالفاضل جواد (المتوفى في أواسط القرن الحادي عشر الهجري).
2 ـ حاشية المعالم، تأليف السيد حسين بن ميرزا رفيع الدين الآملي الأصفهاني، المعروف بسلطان العلماء (المتوفى سنة 1064هـ).
3 ـ حاشية زبدة الأصول، تأليف العالم السابق.
4 ـ الوافية، تأليف المولى عبدالله بن محمد التوني، المعروف بالفاضل التوني (المتوفى سنة 1071هـ).
5 ـ شرح زبدة الأصول للشيخ البهائي، تأليف المولى محمد صالح ابن المولى أحمد السروري، المعروف بالملّا صالح المازندراني (المتوفى سنة 1081هـ).
6 ـ حاشية معالم الأصول، تأليف المولى محمد صالح المذكور.
7 ـ شرح عدة الأصول، تأليف المولى خليل بن الغازي، المعروف بالملا خليل القزويني (المتوفى سنة 1089هـ).
8 ـ حاشية معالم الأصول، تأليف محمد بن الحسن الشيرواني (المتوفى سنة 1098هـ).
9 ـ حاشية شرح المختصر للعضدي، تأليف آغا جمال الخوانساري (المتوفى سنة 1125هـ)، نجل الآغا حسين الخوانساري المتوفى سنة 1098هـ.
10 ـ شرح الوافية، تأليف السيد صدر الدين بن محمد باقر الرضوي القمي (المتوفى بين سنتي 1160 ـ 1170هـ).
بقي أن نذكر أن كتاب «مشارق الشموس في شرح الدروس» تأليف الآغا حسين الخوانساري يتضمن آراء المصنف وأفكاره في الأصول على الرغم من أنه كتاب فقهي، كما أن هذا الكتاب قد اتّخذ طابعاً فلسفياً وترك في مؤلفات المرحلة التالية أثره الكبير، ومن هنا فمن المناسب أن نعدّه ضمن مؤلفات هذه المرحلة.
علم الأصول في هذه المرحلة قد ضعف ـ كما ذكرنا ـ ولكن الذي لا يمكن إنكاره هو أن الكتب التي ألّفت خلال هذه المرحلة وخاصة المتأخرة منها كانت لها أهمية كبرى لأنها وضعت البذرة الأولى للمرحلة الأخيرة وهيّأت الأجواء المناسبة لإيجادها.
كما أن علماء هذه المرحلة قلّما دوّنوا كتاباً مستقلاً في علم الأصول لتأثرهم الشديد بالمرحلة السابقة، وجلّ تأليفات هذه المرحلة اقتصر فيها على شرح كتب الأسلاف والتعليق عليها.
المرحلة الثامنة
المرحلة الثامنة هي المرحلة الجديدة لعلم الأصول، ورائد هذه المرحلة الأستاذ الأكبر المولى محمد باقر بن محمد أكمل المعروف بالوحيد البهباني أو الآغا باقر البهبهاني (المتوفى سنة 1206هـ).
استطاع الوحيد البهبهاني أن يرتفع بعلم الأصول تدريجياً إلى القمة، وخاض هو وتلامذته معركة ضارية ضد الحركة الاخبارية، وكان هدف مدرسته في بداية الأمر تفنيد شبهات الأخباريين واتهاماتهم وإثبات الاحتياج إلى القواعد الأصولية في استنباط المسائل الفرعية.
يقول الأستاذ الوحيد في كتاب «الفوائد الحائرية»: «لما بَعُدَ العهد عن زمان الأئمة وخفيت أمارات الفقه والأدلة على ما كان المقرر عند الفقهاء والمعهود بينهم بلا خفاء بانقراضهم وخلوّ الديار عنهم إلى أن انطمس أكثر آثارهم كما كانت طريقة الأمم السابقة والعادة الجارية في الشرائع الماضية، أنه كلما يبعد العهد عن صاحب الشريعة تخفى أمارات قديمة وتحدث خيالات جديدة، إلى أن تضمحلّ تلك الشريعة. توهّم متوهّم أن شيخنا المفيد ومن بعده من فقهائنا إلى الآن كانوا مجتمعين على الضلالة مبدعين بدعاً كثيرة… متابعين للعامة مخالفين لطريقة الأئمة ومغيّرين لطريقة الخاصة مع غاية قربهم لعهد الأئمة ونهاية جلالتهم وعدالتهم ومعارفهم في الفقه والحديث وتبحّرهم وزهدهم وورعهم».
ثم يقول: «وشبهتهم الأخرى هي أن رواة هذه الأحاديث ما كانوا عالمين بقواعد المجتهدين مع أن الحديث كان حجة لهم فنحن أيضاً مثلهم لا نحتاج إلى شرط من شرائط الاجتهاد وحالنا بعينه حالهم، ولا يقطعون بأن الراوي كان يعلم أن ما سمعه كلام إمامه، وكان يفهم من حيث أنه اصطلاح أهل زمان المعصوم (ع) ولم يكن مبتلى بشيء من الاختلالات التي ستعرفها ولا محتاجاً إلى علاجها».
في هذا النص يستعرض الأستاذ الوحيد بعض شبهات الأخباريين وحججهم ضد علم الأصول التي أشرنا إليها في بداية المرحلة السابقة.
ثم يشرح بتفصيل لم يسبق له مثيل بعض مواضع الخلاف بين الأخباريين والأصوليين مثل: حجية القطع الحاصلة من المقدمات العقلية، وحجية ظواهر الكتاب وجريان أصل البراءة في الشبهات الحكمية التحريمية.
مدرسة الأستاذ الوحيد عملت أيضاً على حذف البحوث التي دأب علماء الشيعة على طرحها في كتبهم الأصولية خلال المراحل السابقة تقليداً لأهل السنة أمثال: القياس والاستحسان والمصالح المرسلة.
وكان لعزل مثل هذه المسائل عن علم الأصول أثر في إبعاد بعض شبهات الأخباريين، وأيضاح طريقة علماء الشيعة في تدوين علم الأصول وهدفهم من دراسة المسائل الأصولية.
لقد بات واضحاً أن علماء الشيعة لا يهدفون من علم الأصول إلى إكمال مصادر الاستنباط ، فمصادر الاستنباط لديهم ليست بناقصة، بل إن هدفهم من تدوين علم الأصول هو التحقيق في الجوانب المختلفة لمصادر الفقه الإسلامي، والتوصل إلى الطريق الصحيح للاستنباط منها.
موضوع خبر الواحد مثلاً من المواضيع الأصولية التي عولجت ودرست من جوانب مختلفة في عدة أبواب من علم الأصول في هذه المرحلة، فقد درست حجية سند الخبر في باب حجية خبر الواحد، وحجية دلالته في باب حجية الظهور، وجهة الصدور وعلاج المعارضة في باب التعادل والتراجيح، وجواز تخصيص عام الكتاب بخبر الواحد في باب العام والخاص.. وهكذا الإجماع والاستصحاب وسائر الموضوعات الأخرى.
ومن هنا فلا ضرورة أبداً لمعالجة مواضيع مثل: القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها من الأمارات الظنية التي ليس لها تأثير في استنباط الفقه الشيعي بل ورد النهي عن استعمال بعضها في طريق الاستنباط.
ولهذا السبب فقد عمدت مدرسة الأستاذ الوحيد إلى إخراج مثل هذه المسائل بشكل تام من علم الأصول تدريجياً.
وبدلاً من ذلك فإننا نجد علم الأصول في هذه المرحلة يتناول بحكم الضرورة موضوعات لم تطرح أصلاً في كتب السابقين، وموضوعات أخرى تناولتها كتب الأصول السابقة على مستوى سطحي وفي إطار ضيق جداً، مثل: حجية الظن المطلق، والعلم الإجمالي والمواضيع المتعلقة به كالاضطرار إلى بعض أطراف العلم الإجمالي، والخروج من محل الابتلاء، ومسائل أخرى.
مما تقدم يتّضح أن علم الأصول قد تحررّ في هذه المرحلة من قيود بعض المسائل، كما تناول مسائل جديدة، واتّخذ طابعاً تحقيقياً امتاز بالعمق والدقة.
لقد بلغ علم الأصول الشيعي في هذه الفترة أعلى مراحل كماله تدريجياً، وهذه الحقيقة تتّضح لنا من مقارنة كتب هذه الفترة كالرسائل والكفاية بكتب المراحل السابقة أو بمؤلفات سائر المذاهب الأخرى.
يذكر صاحب كتاب المعالم الجديدة ثلاثة أجيال من علماء هذه المرحلة واصلوا عمل الأستاذ الوحيد وبلغوا بهذا العلم خلال نصف قرن إلى ذروة كماله:
الجيل الأول: وهم الذين تتلمذوا للأستاذ الأكبر، كالسيد مهدي بحر العلوم (المتوفى سنة 1212هـ). والشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفى سنة 1227هـ) والميرزا أبي القاسم القمي (المتوفى سنة 1227هـ). والسيد علي الطباطبائي (المتوفى سنة 1221هـ). والشيخ أسد الله التستري (المتوفى سنة 1334هـ).
الجيل الثاني: وهم الذين تخرّجوا على بعض علماء الجيل الأول، كالسيد محسن الأعرجي الكاظمي (المتوفى سنة 1228هـ)، وشريف العلماء، محمد شريف بن حسن علي (المتوفى سنة 1245هـ)، والمولى أحمد النراقي (المتوفى سنة 1245هـ)، والشيخ محمد تقي بن عبد الرحيم (المتوفى سنة 1248هـ)، والشيخ محمد حسن النجفي، صاحب الجواهر، (المتوفى سنة 1266هـ).
الجيل الثالث: وعلى رأسه الشيخ مرتضى الأنصاري (المتوفى سنة 1281هـ) تلميذ شريف العلماء، وقد استطاع تلاميذ الشيخ الأنصاري ممن تلقّوا عنه بشكل مباشر أو غير مباشر أن يبلغوا بعلم الأصول إلى قمة كماله.
يتّضح مما تقدم أن الشيخ الأنصاري هو مؤسس آخر مرحلة من مراحل تطور علم الأصول وهي المرحلة التاسعة التي يمكن أن نطلق عليها اسم المرحلة المعاصرة.
من أهم الكتب التي ألّفت في هذه المرحلة، أو في المرحلتين الأخيرتين هي:
1 ـ الفوائد الحائرية: تأليف الأستاذ الأكبر محمد باقر بن محمد أكمل، المعروف بالوحيد البهبهاني (المتوفى سنة 1206هـ).
2 ـ قوانين الأصول: تأليف الميرزا أبو القاسم ابن المولى محمد حسن الجيلاني، المعروف بالميرزا القمي (المتوفى سنة 1231هـ).
3 ـ المحصول: تأليف السيد محسن ابن السيد حسن الحسيني الأعرجي الكاظمي (المتوفى سنة 1240هـ).
4 ـ الوافي في شرح الوافية: تأليف السيد محسن الأعرجي المذكور.
5 ـ مصابيح الأصول: تأليف المولى أحمد الخوانساري.
6 ـ مفاتيح الأصول: تأليف السيد محمد بن علي بن محمد علي الطباطبائي (المتوفى سنة 1242هـ).
7 ـ مفتاح الأصول: تأليف المولى أحمد بن محمد مهدي النراقي (المتوفى سنة 1247هـ).
8 ـ عناوين الأصول: تأليف المير عبد الفتاح بن علي الحسيني المراغي (المتوفى سنة 1250هـ). ويشتمل هذا الكتاب على قواعد فقهية وأصولية.
9 ـ حقائق الأصول: تأليف الحاج عبد الرحيم بن علي النجف آبادي.
10 ـ الفصول في علم الأصول: تأليف الشيخ محمد حسن بن عبد الرحيم (المتوفى سنة 1261هـ).
11 ـ إشارات الأصول: تأليف الحاج المولى محمد إبراهيم بن محمد حسن الكاخكي الأصفهاني، المعروف بالكلباسي (المتوفى سنة 1262هـ).
12 ـ ضوابط الأصول: تأليف السيد محمد إبراهيم بن محمد باقر الموسوي القزويني (المتوفى سنة 1265هـ).
13 ـ نتائج الأفكار، تأليف العالم المذكور.
14 ـ فرائد الأصول: تأليف الشيخ مرتضى محمد أمين بن شمس الدين الأنصاري (المتوفى سنة 1271هـ).
15 ـ مفاتيح الأصول: تأليف السيد محمد باقر ابن السيد على القزويني (المتوفى سنة 1286هـ).
16 ـ نخبة الأصول: تأليف السيد محمد باقر القزويني المذكور.
17 ـ مطارح الأنظار: تأليف الميرزا أبو القاسم ابن الحاج محمد علي الطهراني المعروف بكلانتر (المتوفى سنة 1292هـ).
18 ـ بشرى الوصول إلى علم الأصول: تأليف السيد حسن بن محمد بن الحسن الكوهكمري (المتوفى سنة 1299هـ).
19 ـ أوثق الوسائل في شرح الرسائل، تأليف موسى بن جعفر ابن المولى أحمد التبريزي.
20 ـ جوامع الشتات: تأليف محمود بن جعفر بن الباقر بن القاسم الميثمي (المتوفى سنة 1310هـ).
21 ـ قوامع الفضول: للميثمي المذكور.
22 ـ بدائع الأصول: تأليف الحاج ميرزا حبيب الله الرشتي (المتوفى سنة 1312هـ).
23 ـ غاية المسؤول في علم الأصول: تأليف ضياء الدين محمد حسين بن محمد علي الشهرستاني (المتوفى سنة 1315هـ).
24 ـ بحر الفوائد في شرح الفرائد: تأليف الحاج ميرزا محمد حسن الأشتياني (المتوفى سنة 1319هـ).
25 ـ مجمع الأصول: تأليف محمد باقر بن محمد علي المازنداني (المتوفى سنة 1322هـ).
26 ـ كفاية الأصول: تأليف الآخوند، المولى محمد كاظم الخراساني (المتوفى سنة 1329هـ).
27 ـ فوائد الأصول: تأليف الآخوند أيضاً.
28 ـ تعليقة على الرسائل: له أيضاً.
29 ـ إيضاح الفرائد في علم الأصول: تأليف السيد محمد ابن الأمير محمد تقي التنكابني (المتوفى سنة 1359هـ).
30 ـ نهاية الدراية في شرح الكفاية: تأليف الشيخ محمد حسين النجفي الأصفهاني المعروف بالكمباني (المتوفى سنة 1361هـ).
31 ـ مقالات الأصول: تأليف الآقا ضياء الدين العراقي (المتوفى سنة 1361هـ).
32 ـ فوائد الأصول: (تقرير دروس النائيني)، تأليف الشيخ محمد علي الكاظمي(المتوفى سنة 1365هـ).
33 ـ أجود التقريرات، (تقرير دروس النائيني) تأليف السيد أبو القاسم الخوئي.
34 ـ شرح كفاية الأصول: تأليف الشيخ عبد الحسين الرشتي.
35 ـ نهاية النهاية في شرح الكفاية: تأليف الحاج ميرزا علي الإيرواني.
36 ـ درر الأصول: تأليف الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (المتوفى سنة 1355هـ).
37 ـ حقائق الأصول (شرح كفاية الأصول): تأليف السيد محسن الحكيم (المتوفى سنة 1390هـ).
38 ـ نهاية الأفكار (تقرير دروس الآقا ضياء الدين العراقي)، تأليف: الشيخ محمد تقي البروجردي (المتوفى سنة 1391هـ).
39 ـ دراسات الأصول (تقرير دروس السيد أبو القاسم الخوئي) تأليف السيد علي الشاهرودي.
40 ـ مصباح الأصول (تقرير دروس الخوئي) تأليف: السيد محمد سرْوَر البهبودي.
41 ـ جواهر الأصول (تقرير دروس السيد الخوئي) تأليف فخر الدين الزنجاني.
42 ـ مصابيح الأصول (تقرير دروس السيد الخوئي) تأليف: علاء الدين بحر العلوم.
وكتب أخرى غيرها كثيرة جداً لا تسعها هذه الخلاصة.
ملخص أهم ميزات هذه المرحلة
1 ـ امتازت هذه الفترة، وخاصة منذ زمن الشيخ الأنصاري حتى الآن برواج التحقيق في المسائل الأصولية أكثر من أية مرحلة أخرى. وألّفت كتب كثيرة منها المستقل ومنها ما هو شرح أو تعليق على آثار السابقين.
ولو قارنّا الكتب المؤلفة خلال هذه المرحلة بكتب المراحل السابقة أي التي ألفت خلال أحد عشر قرناً، لألفينا ـ بما لا يقبل الشك ـ أن كتب هذه المرحلة تفوق سابقتها كمّاً وكيفاً.
2 ـ لقد شاع في هذه المرحلة نوعٌ آخرٌ من التأليف يقوم فيه الطالب بتدوين محاضرات أستاذه لسائر زملائه، أو أنه يؤلف أحياناً في نفس مواضيع الأستاذ ويسمى مثل هذا اللون من الكتابات «تقريراً» وقلّ أن نجد له نظيراً في المراحل السابقة.
3 ـ إن روّاد هذه المرحلة لم يكتفوا بانتقاد آراء الأخباريين العامة بشأن علم الأصول، بل إنهم بحثوا في المسائل الفرعية للاخباريين وانتقدوها مثل عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية لاستنباط الحكم الشرعي، وعدم حجية ظواهر الكتاب، وعدم جواز إجراء أصل البراءة في الشبهات الحكمية التحريمية، وأمثالها.
4 ـ لاحظنا أن المسائل المنطقية والكلامية كان لها تأثير على علم الأصول منذ مراحله الأولى، بل إن بعض هذه المسائل قد نوقشت وبحثت في علم الأصول، إلا أن المؤلفات الأصولية في هذه المرحلة خلت من طرح المسائل الكلامية والأصولية بل إن تأثير هذه المسائل على علم الأصول قد قلّ، إلا أننا مع ذلك نجد بحوث علم الأصول لا زالت متأثرة بمسائل كلامية وأصولية مثل: الجزئي والكلي، والكلي الطبيعي والعقلي، والجنس والفصل، والقضية الحقيقية والخارجية، والكلام النفسي واللفظي واتّحاد الطلب والإرادة والجبر والاختيار، واختيارية الإرادة ونظائرها.
إضافة إلى ذلك، فإن بعض علماء هذه المرحلة بل علماء أواخر المرحلة السابقة مثل: الآغا حسين الخونساري عملوا بالتدريج على زيادة تأثر علم الأصول بمسائل فلسفية مثل: الاعتباري والانتزاعي، وعدم صدور الكثير عن الواحد وبالعكس وتوارد علّتين على معلول واحد، وأصالة الوجود والماهية، والحركة القطعية والتوسّطيّة، وعدم التغيّر وعدم التعلّل الذاتي. واستحالة تأخر أجزاء العلة عن المعلول، وبساطة المشتق، والفرق بين المبدأ والمشتق، والفرق بين الجنس والمادة وبين الفصل والصورة، والشوق المؤكد مستتبع لتحريك العضلات، ومبادىء الإرادة، واتّحاد حكم الأمثال، والجعل بالذات وبالعرض وبالتّبع، والجعل البسيط والمركب، والشيء ما لم يجب لم يوجد، والموجود بوجود واحد لا يمكن أن تكون له أكثر من ماهية واحدة، والحيثية التعليلية والتقليدية، والطبيعة بلحاظ ذات الطبيعة ليست سوى الطبيعة نفسها، وغيرها.
5 ـ يتناول علم الأصول اليوم مسائل كثيرة لم يكن بعضها مطروحاً من قبل، وبعضها الآخر كان قد تمّ بحثها في نطاق ضيق محدود خلال المراحل السابقة، وقسم من هذه المسائل الجديدة يعتبر الآن من الأركان الأساسية لعلم الأصول، ولهذه المسائل فروع متعددة تعقد لكلّ منها دراسات وأبحاث مستقلّة، مثل: الصحيح والأعمّ والترتب، واجتماع الأمر والنهي، والتمسك بالعام في الشبهات المصداقية، ودوران الأمر بين متباينين، ودوران الأمر بين الأقل والأكثر، ودوران الأمر بين محذورين والعلم الإجمالي، والخروج من محل الابتلاء، والاستصحاب الكلي، والأصل المثبت، والتمسك العام واستصحاب الحكم المخصص، واستصحاب الأمور التدريجية، واستصحاب أحكام الشرائع السابقة، والاستصحاب التعليقي، ومناط بقاء الموضوع في باب الاستصحاب التعليقي، ومناط بقاء الموضوع في باب الاستصحاب، والنسبة بين الأصول، والنسبة بين الأصل والأمارة، والحكومة والورود وغيرها من المسائل.
6 ـ إن طريقة علم الأصول في معالجة المسائل خلال هذه المرحلة تختلف اختلافاً تامّاً عن الطريقة التي كانت تتبعها الدراسات الأصولية في المراحل السابقة. فلقد تغيرت في هذه المرحلة أسس البحوث وطريقة الاستدلال، ولم تحتفظ الدراسات الأصولية الجديدة سوى بالمصطلحات التي كانت متداولة سابقاً.
المؤلفات الأصولية المتأخرة كالكفاية والرسائل تتناول بعض الأبحاث مثل: استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد والصحيح والأعمّ، ومبحث الضد، واجتماع الأمر والنهي، ومفهوم الشر، والتمسك بالعام في الشبهات المصداقية والمفهومية، والبراءة، والاستصحاب وغيرها بطريقة تختلف تماماً عن طريقة مؤلفات المراحل السابقة، وتتّضح هذه الحقيقة بمقارنة الكتابين المذكورين بكتب المراحل السابقة مثل: المعتمد، والمستصفى، ومختصر ابن الحاجب وشرحه، والمعالم، والزبدة، وحتى القوانين، والفصول وغيرها.
الدكتور أبو القاسم كرجي
أصول الفقه المقارن
قبل أن نبدأ هذه الدراسة، إن علينا أن نحدد مدلول مفردات هذا التركيب الإضافي (أصول، الفقه، المقارن) ليسهل الانطلاق من هذا التحديد إلى التماس تعريفه مستوفياً للشرائط المنطقية من حيث الاطراد والانعكاس.
فماذا يراد بهذه الكلمات.
1 ـ كلمة أصول
وهي جمع، مفردها أصل، ومعناها اللغوي: ما يرتكز عليه الشيء ويُبنَى.
وفي المصطلحات الفقهية والأصولية ذكروا لها معاني وصل بها بعضهم إلى خمسة:
1 ـ ما يقابل الفرع، فيقال مثلاً في باب القياس: الخمر أصل النبيذ، أي إن حكم النبيذ مستفاد من حكم الخمر.
2 ـ ما يدل على الرجحان، فيقال: الحقيقة أصل المجاز، أي إذا تردّد الأمر بين حمل كلام على الحقيقة وحمله على المجاز، كان الحمل على الحقيقة أرجح.
3 ـ الدليل، أي الكاشف عن الشيء والمرشد له.
4 ـ القاعدة، أي الركيزة التي يرتكز عليها الشيء كقوله (ص) بني الإسلام على خمسة أصول، أي على خمس قواعد.
5 ـ ما يجعل لتشخيص بعض الأحكام الظاهرية أو الوظيفية كالاستصحاب أو أصل البراءة.
ولصدر الشريعة عبيدالله بن مسعود رأيٌ وهو أنها لم تستعمل هنا إلا «بمعناها اللغوي الحقيقي دون نقله إلى استعمال آخر، إذ مخالفة الأصل لا يصار إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة هنا لأن المعنى مستقيم، واللفظ في الحقيقة وإن كان يشمل البناء الحسّي والعقلي، إلا أن إضافة الأصل للفقه الذي هو عقلي صرفته عن الابتناء الحسّي، وقصرته على البناء العقلي»([216]).
وما يراه صدر الشريعة، لا يخلو عن وجه، والظاهر أن هذه المعاني وإن تعددت في بدو النظر في اصطلاح الفقهاء، إلا أن رجوعها إلى المعنى اللغوي غير بعيد، ومنشأ التعدد في ألسنتهم اختلاط المفهوم بالمصداق على الكثير مما حملهم على دعوى الاشتراك اللفظي بينها.
وإذا كان ولا بد من دعوى التعدد في مفهومها، فالذي نراه أعلق بالمفهوم الذي نريد تحديده للعنوان هو كلمة القواعد، كما سنشير إلى وجوب ذلك فيما بعد.
2 ـ كلمة الفقه
ولكلمة الفقه أيضاً مدلولان: لغوي واصطلاحي، فمدلولها اللغوي الفهم والفطنة، ولها في الاصطلاح عدة تعاريف رأينا الأنسب منها بعد تكميل بعضها ببعض، فيما يتصل بعنواننا هي: جموع الأحكام الشرعية الفرعية الكلية أو الوظائف المجعولة من قبل الشارع، أو العقل عند عدمها، وإذا ضممنا هذين المعنيين إلى ما سبق أن حددناه من كلمة المقارن، اتّضح لنا ما نريد من التعريف لعنوان بحثنا هذا.
تعريف أصول الفقه المقارن:
فهو: القواعد التي يرتكز عليها قياس استنباط الفقهاء للأحكام الشرعية الفرعية الكلية، أو الوظائف المجعولة من قبل الشارع أو العقل عند اليأس من تحصيلها من حيث الموازنة والتقييم.
وبالطبع لا نريد بالقواعد هنا غير الكبريات التي لو انضمت إليها صغرياتها لأنتجت ذلك الحكم أو الوظيفة، لأن الكبرى هي التي تصلح أن تكون قاعدة لقياس الاستنباط وعليها تبنى نتائجه.
وبهذا ندرك أن تعريف شيخنا النائيني للمسائل الأصولية بأنها «عبارة عن الكبريات التي تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية»([217]) من أسدّ التعريفات لولا احتياجه إلى كلمة «الفرعية الكلية» إخراجاً للكبريات التي لا تنتج إلا أحكاماً جزئية كبعض القواعد الفقهية وضميمة الوظائف إليه، ليستوعب التعريف مختلف المسائل المعروضة لدى الفقهاء وستأتي التفرقة بين الحكم والوظيفة في تمهيدنا اللاحق.
وتلاؤم هذا التعريف مع ما يتبادر من كلمة أصل بمفهومها اللغوي من أوضح الأمور.
فأصول الفقه إذن أسسه التي يرتكز عليها وتبنى عليها مسائله على اختلافها.
إطلاق كلمة الأدلة والحجج عليها
وربما أطلق على هذه القواعد كلمة أدلة باعتبار ما يلزم أقيستها من الدلالة على الأحكام أو الوظائف ـ يطلق عليها كلمة حجج باعتبار صحة بحكم كونها واسطة في الإثبات ـ كما الاحتجاج بها بعد توفر شرائط الحجية لها، وإطلاق هذه الكلمات عليها بما لها من حدود لا تخلو من تجوز.
ما يقع موقع الصغرى ليس من الأصول
وإذا صحّ ما ذكر من أن ما يصلح أن يسمى (أصلاً) للفقه هو خصوص الكبرى المنتجة لأنها هي التي تصلح للارتكاز عليها كقاعدة لبناء الاستنباط، اتّضح السر في عدم تعميمنا في التعريف إلى ما يشمل الصغريات، سواء ما وقع منها في مجالات استكشاف المراد من النص كمباحث الألفاظ أم غيرها كمباحث الملازمات العقلية، لوضوح كونها ليست من الأصول التي يرتكز عليها البناء وإن توقف عليها إنتاج القياس وإعطاؤه الثمرة العملية.
وأظن أن الأعلام الذين وسعوا في التعريف إلى ما يشملها فأبدلوا كلمة الكبريات بكلمة (ما يقع في طرق الاستنباط) أو ما يشبهها، كان همهم في الدرجة الأولى وضع تعريف لما اعتادوا تسميته بالأصول، فوقعوا في مفارقات عدم انعكاس تعريفهم لوقوع كثير مما اتفقوا على تسميته بالمبادىء في صميم علم الأصول لاشتراكها في الكثير من الأحيان في تنقيح الصغريات لقياس الاستنباط كعلوم اللغة والنحو والبلاغة، بالإضافة إلى خروجهم على ما توحي به هذه الكلمة من دلالة.
والحق الذي نعتقده أن بحث ما يتصل بمباحث الألفاظ وغيرها مما يلابس قياس الاستنباط مما اعتادوا بحثه في علم الأصول وإن كان على درجة من الضرورة لإغفال بحثه على هذا المستوى في مظانه من الكتب الأخرى، إلا أن تسميته بالأصول لا يتّضح لها وجه.
فالأنسب اعتبارها من المبادىء وبحثها على هذا الأساس مع تقليص بحثها إلى ما تمسّ الحاجة إليه من حيث تشخيص دلالتها اللغوية، وإقصاء كل ما لا يمتّ إلى واقعها اللغوي من البحوث الفلسفية وغيرها.
الفرق بين القواعد الأصولية والفقهية
والذي أخاله أن تقييدنا للحكم الشرعي بكلمة (كلي) في التعريف السابق سهّل علينا الانطلاق إلى التمييز بين القواعد الفقهية والأصولية.
وهذه المسألة ـ أعني التفرقة بينهما ـ من أعقد ما بحث في مجالها، ولم تفصح فيها كثير من كلماتهم وإن حامت حول ما نريد بيانه أكثرها ـ فيما نعتقد ـ وأهم ما ينبغي التنبيه عليه من الفروق ثلاثة وهي:
1ـ إن القاعدة الأصولية لا تنتج إلا حكماً كلياً أو وظيفة كذلك بخلاف القاعدة الفقهية، فإن إنتاجها منحصر على الدوام في الأحكام والوظائف الجزئية التي تتصل اتصالاً مباشراً بعمل العامل.
2ـ إن القاعدة الأصولية لا يتوقف استنتاجها والتعرف عليها على قاعدة فقهية بخلاف العكس، لأن القواعد الفقهية جميعاً إنما هي وليدة قياس لا تكون كبراه إلا قاعدة أصولية.
3ـ إن القاعدة الأصولية لا تتصل بعمل العامي مباشرة ولا يهمه معرفتها لأن أعمالها ليس من وظائفه وإنما هو من وظائف مجتهدة، ولذلك لا نجد أي معنى لإلقائها إليه في مجالات الفتوى، بخلاف القاعدة الفقهية فإنها هي التي تتصل به اتصالاً مباشراً وهي التي تشخص له وظيفته، فهو ملزم بالتعرف عليها لاستنباط حكمه منها بعد أخذها من مجتهده.
ولعل هذا هو مراد شيخنا النائيني وإن لم توضحه بعض تقريرات بحثه، فلا يرد على تفرقته هذه ما ذكر «من أن بعض القواعد الفقهية لا يمكن إلقاؤها إلى العامي ولا يستطيع معرفتها فضلاً عن تطبيقها، وذلك كقاعدة ما لا يضمن، أو التسامح في أدلة السنن، أو قاعدة لا ضرر ولا حرج، بداهة أن المكلف عاجز عن تطبيق هذه القواعد على مواردها»([218]).
لأن عجز العامي عن معرفة هذه القواعد بنفسه لا يرفع عنه مسؤولية فهمها والاستعانة بمن يوضحها له لتعلقها بصميم عمله، وليس من وظيفة المجتهد أن يعدد جميع مصاديق هذه القواعد ليمهّد للعامي جهة الانتفاع بها فيما لو ابتلي ببعضها وإلا لضاق به نطاق الزمان عن استيعابها جميعاً، على أنا نشكّ أن العامي ـ وبخاصة من قارب درجة الاجتهاد ولم يجتهد بعد ـ عاجز عن تطبيقها متى حددت له جهتها الفقهية، وأبرزت له معالمها، وترك له أمر التماس موضوعاتها وتطبيقها على نفسه.
ولعل أهم ما يمكن أن تؤاخذ به التفرقة الأولى ـ وهي العمدة في الفروق ـ ما شوهد من إنتاج بعضها للنتائج الفقهية والأصولية معاً مما يبعث على الحيرة في التماس مقياس موحد للتفرقة بينهما، فقد لوحظ مثلاً على الاستصحاب وأصل الطهارة أنهما ينتجان أحياناً الحكم الكلي، وأحياناً الأحكام الجزئية، وبمقتضى ذلك لا يمكن عدّهما من المسائل الأصولية ولا الفقهية بذلك المقياس، وهذا ما حمل البعض على عدم الأخذ به واللجوء إلى التماس مقاييس أخرى.
ولكننا لا نجد في هذه المؤاخذة ما يوجب طرح هذا المقياس، وليس هناك ما يمنع من اشتراك الموضوع الواحد بين علمين وأكثر إذا تعددت فيه الحيثيات بتعدد العلوم.
فالاستصحاب من حيث إنتاجه للحكم الكلي يكون موضوع مسألة أصولية، ومن حيث إنتاجه للحكم الجزئي يكون موضوع مسألة فقهية، وتعدّد الحيثية يعدّد الموضوع حتماً، وكذلك القول في أصل الطهارة وغيرها من الموضوعات المشتركة بين مسائل الفقه والأصول.
أما لماذا بحثت بعض هذه الموضوعات في الأصول ولم تبحث في الفقه أو بالعكس، فالذي احتمله أن قدماء الأصوليين ـ وهم الذين برمجوا لنا هذه العلوم ـ لاحظوا الغلبة في نوع إنتاج هذه القواعد، فقسموا بحوثها على هذا الأساس ولهذا السبب بحثوا أصل الطهارة في الفقه لغلبة إنتاجه للنتائج الجزئية، وبحثوا الاستصحاب في الأصول لغلبة إنتاجه للحكم الكلي.
وربما كان الباعث لبعضهم بالإضافة إلى ذلك، ما يرون في بعضها من تمشيها في مختلف أبواب الفقه وعدم اقتصارها على باب دون باب، فآثر لذلك بحثها في الأصول تسهيلاً للباحث وإبعاداً له عن تضييع الوقت في التماسها في مختلف المظان، بخلاف البعض الآخر فإنه يخصّ بعض أبواب الفقه دون بعض كأصل الطهارة إذ من السهولة واليسر التماسه في بابه الخاص من الفقه.
وهذه وجهات نظر في البرمجة، قد توافق عليها أصحابها، وقد تختلف معهم، ولكنها على كل حال لا توجب رفع اليد عن المقياس الذي ذكرناه شريطة أن يتقيد بلحاظ الحيثية في هذه المواضيع المشتركة على نحو ما ذكرناه سابقاً.
الفارق بينه وبين أصول الفقه
هناك فوارق بينه وبين أصول الفقه، يتصل بعضها في منهجة البحث، وسيأتي الحديث عنه في موضعه، وبعضها في سعة كل منها وضيقه بالنسبة إلى طبيعة ما يبحثه، فإذا كان من مهمة الأصولي أن يلتمس ما يصلح أن يكون كبرى لقياس الاستنباط، ثم يلتمس البراهين عليه، فإن مهمة المقارن في الأصول أن يضم إلى ذلك استعراض آراء الآخرين، ويوازن بينها على أساس من القرب من الأدلة والبعد عنها، وما عدا ذلك فطبيعة مسائلهما متّحدة كما يدل على ذلك تقارب تعريفيهما وإن اختلفا في الغاية من كل منهما، لأن الغاية من علم الأصول تحصيل القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
الغاية من أصول الفقه المقارن
بينما نرى أن الغاية من أصول الفقه المقارن هو الفصل بين آراء المجتهدين بتقديم أمثلها وأقربها إلى الدليلية، وربما كانت رتبة الأصولي المقارن متأخرة عن رتبة الباحث في الأصول، لأن الفصل بين الآراء لا يكون إلا بعد تحصيل القدرة على معرفة الأمثل من الأدلة، وهي لا تكون إلا للمجتهدين عادة في الأصول.
موضوع أصول الفقه المقارن
هو: كل ما يصلح للدليلية من أدلته، وحصره إنما يكون بالاستقراء والتتبع، ولا معنى لتخصيصه بالأدلة الأربعة لا بما هي أدلة كما ذهب إلى ذلك المحقق القمي، ولا بما هي كما ذهب إليه صاحب الفصول ليرد عليهما خروج كثير من المباحث الأصولية، أمثال الاستصحاب والقياس وخبر الواحد لبداهة أنها ليست من الكتاب أو السّنّة أو الإجماع، أو دليل العقل وإن كانت أدلة حجيتها مما ترجع إليها.
وهما ـ أعني أصولي الفقه والفقه المقارن ـ متشابهان في تمام مواضيعهما، وإن اختلفا بقيد الحيثية في كل منهما.
والخلاصة: أن في كل منهما مواضع للالتقاء وأخرى للافتراق، فهما يلتقيان في طبيعة مسائلهما وتشابه موضوعاتهما، ويفترقان في الغاية من بحثهما وفي منهج البحث، ثم في سعته في أحدهما وضيقه في الآخر.
الفارق بينه وبين أصول القوانين
ويتّضح هذا الفارق ـ الذي رأينا ضرورة بحثه في مثل هذا التمهيد لطبيعة ما بينهما من علائق ـ من تعريفهم لأصول القانون إن صحّ أن له تعريفاً محدداً، يقول السنهوري: «ليس هناك علم واضح المعالم بين الحدود يسمى علم أصول القانون ولكن توجد دراسات تبحث في القانون وفي نشأته وتطوره وفي طبيعته ومصادره وأقسامه»([219]).
وفي حدود ما انتهينا إليه من تحديد لكلمة أصل، فإن الذي يصلح أن يكون أصلاً للقانون مما يتصل بهذه الدراسات هو خصوص مصادر القانون وطبيعته وأقسامه ونشأته وتطوره، فهو خارج عن صميم الأصول وملحق بمبادئه ومداخله لبداهة أن تصور نفس الشيء وطبيعته يعد من المبادىء الضرورية لعلمه، ودراسة نشأته وتطوره هي أقرب إلى التاريخ منها إلى العلم.
وكلمة المصادر هنا ذات معانٍ في أعرافهم لعل أهمها معنيان:
1 ـ الأصل التاريخي، وهو الذي أخذ القانون الذي يراد دراسته عنه أحكامه، فالقانون الفرنسي مثلاً، يعتبر أصلاً للقوانين المصرية والعراقية في الكثير من موادها.
2 ـ السلطة التي تعطي القواعد القانونية قوتها الملزمة وتسمى بـ (المصدر الرسمي) ولكل قانون مصدر أو مصادر متعددة.
و«المصادر الرسمية هي: التشريع، والعرف، والقانون الطبيعي، وقواعد العدالة، وأحياناً الدين»([220]).
«ويتصل بالمصدر الرسمي ما يسمى بالمصدر التفسيري، وهو المرجع الذي يجلو غامض القانون ويوضح مبهمه، والمصادر التفسيرية اثنان: الفقه والقضاء»([221]).
والتفسير إنما يلجأ إليه إذا كان في النص غموض أو تناقض أو نقص، وقد وضعوا للتفسير طرقاً قسّموها إلى قسمين: داخلية وخارجية، فالداخلية: هي التي يلتمس المفسر من نفس النص معالم تهديه إلى واقع ما يجهله، وأهم طرقها:
«القياس، الاستنتاج من باب أولى (مفهوم الموافقة)، والاستنتاج من مفهوم المخالفة، وتقريب النصوص المتعلقة بموضوع واحد بعضها من بعض»([222]).
والطرق الخارجية «وهي التي يستند فيها المفسر على عنصر خارجي عن التشريع نفسه، ومن ذلك الاستناد إلى حكمة التشريع والاسترشاد بالأعمال التحضيرية، والاسترشاد بالعادات والرجوع إلى المصدر التاريخي للتشريع»([223]).
والذي يبدو أن لعلماء القانون مواقف مختلفة من الدعوة إلى إيجاد مصادر إلى جنب القانون يرجع إليها عند نقصه وعدم استيفائه لحاجات الناس، فالذي عليه الأستاذ بلوندو عميد كلية الحقوق في باريس هو الأخذ بالطريقة التقليدية، وهي التي سادت في القرن الثامن عشر ومبدؤها الحجر على الرجوع إلى غير القانون لعقيدة أصحابها «إن التشريع الرسمي يكفينا وحده للكشف عن جميع الأحكام الحقوقية الضرورية لحاجات الحياة الاجتماعية»([224]) وقد «صرح في مذكرته إلى إلى مجمع العلوم الأخلاقية بأن المصدر الوحيد في الوقت الحاضر إنما هو القانون» «وعلى هذا فقد أقصى من مصادر الحكم ما سماه بالمصادر غير الصحيحة التي أقيمت غالباً في مقام إرادة الشارع، وقد عدّد منها الاجتهادات والمذاهب القديم منها والحديث والعرف الذي لم تدل عليه صراحةُ القانون، وكذلك حسن العدالة وفكرة المصلحة العامة»([225]).
ولكن القرن التاسع عشر حفل بطريقة جديدة سميت (بالطريقة العقلية) وأرادوا بها «الاستنجاد بالعقل ليكتشف حلولاً وأحكاماً للمسائل تكون متناسبة مع فكرة الإنصاف والحاجات العملية» ولكن حرصها «على إدخال ما يصدر عنها من حلول وأحكام في نطاق نصوص القانون بعد توسيع ذلك النطاق وتبيين تلك النصوص»([226]) ، حولها في نظر العلماء إلى امتداد لتلك الطريقة التقليدية واستمرار لها، مما أوجبت الثورة عليها من قبل الأستاذ فرانسوا جيني الذي جاء بطريقة (البحث العلمي الحر) كردّ فعل لمفعول تلكم الطريقتين، وتقوم نظريته الحديثة على أساس من:
1 ـ «القول بأن ما يترك في نطاق القانون جميع ما يصدر عنه».
2 ـ و«الاعتراف إلى جانب القانون بمصادر أخرى تمشي موازية له، ويكون لهذه المصادر قيمة حقوقية وإن لم تكن نفس القيمة التي للقانون، وذلك على نحو ما كان عليه الرومان من الاعتراف بالاجتهاد كمصدر من مصادر الحقوق»([227]).
وفي حدود ما اطلعت عليه أن الكلمة بعد لم تتفق لدى علماء القانون على وضع أصول وقواعد تفي بحاجات الناس، سواء ما يتصل بالطرق التفسيرية الداخلية أم الخارجية «وهذا ما جعل القاضي يفسر القانون حين الاقتضاء تبعاً لمواهبه المسلكية وحسب ذمّته تحت مراقبة محكمة التمييز، وهو يستوحي ذلك من روح القانون التي أراد الشارع بلوغها، ومن الوثائق التي سبقت وضع القانون وأعدّته، ومن هنا يفهم كم هي خطرة هذه السلطة من التفسير»([228]).
ومن هذا العرض الموجز، ندرك مواقع الالتقاء بين أصول الفقه المقارنة وأصول القوانين في اهتمام كل منها بالجانب التأريخي.
فالمقارن في الدرجة الأولى مسؤول عن التماس القواعد العامة التي يستند إليها الفقهاء ليتعرف عليها تمهيداً للموازنة والتقييم والباحث عن مصادر القانون لا يهمه أكثر من «استيعاب المبادىء الأساسية التي يقوم عليها القانون»([229]) وهما في هذه الجنبة يختلفان عن الباحث في علم الأصول في رأي جمهرة الأصوليين، فهو عندما يبحث المصادر لا يبحثها إلا لتكون مستنداً له في استنباط الأحكام، فهو لا يفترض آراء مسبقة في الفقه يريد أن يتعرف على أصولها شأن الباحث المقارن، أو الباحث في أصول القانون، وإنما يريد أن يتعرف على أحكامه من هذه الأصول.
ويفترق أصول الفقه المقارن عن أصول القوانين في اهتمامه بالجانب التقييمي بالتماس الأدلة والجج، ومحاولة عرض الأصول عليها، والتنبيه على أقربها للحجية، بينما لا يهم الباحث في أصول القوانين شيء من ذلك ويفترقان بعد ذلك في طبيعة المصادر وسعة الجوانب التفسيرية في أصول الفقه عنها في أصول القوانين، فهما وإن اشتركا في بحث بعض مباحث الحجج كالقياس وبحث النسخ وإلغاء الأحكام السابقة، إلا أن الجنبة الاستيعابية في أصول الفقه أشمل وبخاصة بمفهومه لدى القدماء.
والحقيقة أن علم أصول القوانين، ما يزال بحاجة ماسة إلى يد مطورة تستعين على وظيفتها باقتباس بحوث من أصول الفقه، ليقوم بواجبه من تأسيس قواعد عامة تكون هي المرجع في التماس الوظيفة، أو الحكم عند تعذّر وفاء النصوص بالحاجة إما لغموضٍ أو تضاربٍ أو عدم تعرض للحكم، أو غيرها من موجبات التوقف عن الأخذ بالقانون ليقطعوا بذلك السبيل على تحكم القضاة واجتهاداتهم التي لا ترتكز على أساس.
والخلاصة: أن علم أصول الفقه المقارن، يلتقي بأصول القوانين في ناحيته التاريخية، وإن اختلف عنه من حيث سعة بحوثه وتنوّعها وإخضاعها للجانب التقييمي، سواء ما يتصل منها بتشخيص الصغريات وهو ـ ما ذكر استطراداً في علم الأصول ـ أم ما يتصل منها بتأسيس القواعد الكبروية لقياس الاستنباط.
محمد تقي الحكيم
المنهج التقليدي
في أصول الفقه ومعوقات التجديد
يواجه مشروع تجديد منهج البحث في أصول الفقه عقبتين رئيستين:
الأولى: الضعف حيال الاتجاه الذي يتبنى المنهج الرائج في الدوائر العلمية.
الثانية: شيوع نزعة التقليد.
وتنطوي ظاهرة تقليد المتقدمين والتعبّد بقناعاتهم، على جملة أخطاء أساسية، باعتبار أن منهج المتقدمين وما أفرزه من تصورات وآراء يمثل نتاجاً خاضعاً لظروف وملابسات دورتهم التاريخية الخاصة، ومع أنه لا يمكننا في ضوء هذا أن نعتبر رجال تلك الحقب مخطئين فإنه لا شك في أن مجمل تلك الظروف قد تغيرت، وتبدلت معها حاجات المجتمع بنحو لا يمكن الاستجابة لها عبر المنهج التقليدي، مما يؤكد ضرورة أن تتمّ معالجة الإشكاليات الراهنة عبر إبداع رؤية ومنهج جديدين يرتفعان إلى مستوى الموقف المطلوب من الحاجات المستجدّة.
إن التحولات المنهجية أصبحت أمراً مألوفاً ومتداولاً في مختلف الدوائر والمستويات العلمية والبحثية في العالم، ومن المؤسف غياب هذه الظاهرة في مراكزنا العلمية بسبب صدور ضيقة، مما دعا العقلاء لأن يبدوا استغرابهم من محاولة المنهج التقليدي استيعاب المتغيرات التي يشهدها المجتمع دون طروء أدنى تغيير على بنيته الداخلية، إذ أن ذلك يعني عدم مدخلية التغيير الذي يطال الظروف والموضوعات والمسائل النظرية، في تركيب منهج الاستنباط الفقهي، مع أن هذا التصور بعيد جداً عن الواقع حيث نلاحظ اقتران المتغيرات بتحوّل في المنهج كأمر شائع ومتداول ضمن المستويين المادي والمعنوي.
إن الإيمان بضرورة تجديد منهج الاستنباط يحتاج إلى معالجة سريعة، وفي خلاف ذلك فإن علينا أن نتحمل خسائر فادحة لا يمكن تعويضها، خاصة مع ملاحظة أهمية أن يكون هنالك موقف محدد للحكومة الإسلامية من مختلف المتغيرات.
ومن الواضح أننا نذعن بأن التحول لا يمكن أن يطال الأدلة الشرعية ومصادر الاستنباط، إلا أن منهج الاجتهاد فيها وآلية استيحاء المفاهيم منها ينبغي أن يتغير، كالمناهج الأخرى التي تتحول على ضوء التغير في ظروف الزمان والمكان، ونلاحظ تاريخياً أن المنهج الفقهي مرّ بتحولات منهجية متعددة تستجيب للمتغيرات الزمنية، مما يؤكد أنه لا يمكن تحديد حركة الفقه في منهج خاص ونهائي.
تجديد المنهج دعامة الدولة الإسلامية
يشكل التجديد الفقهي دعامة أساسية للنظام الإسلامي، إذا بني على منهج أصولي معتدل يراعي ظروف العصر الراهن، بينما يؤدي إهمال هذا الأمر وتجاهل معطياته، إلى ركود الفقه، وما يستتبع ذلك من خسائر جسيمة في مختلف مجالات الحياة.
إنني أردّد دوماً: أن الفقيه الذي لا يستوعب في منهجه مجمل المتغيرات ويلاحظ خصائص الموضوعات الدخيلة في طبيعة أحكامها، لا يمكن اعتباره مجتهداً، سواء في عهد الحكومة الإسلامية أو في غيره من الحقب. ومن المؤسف أنه في هذه المرحلة لم يتحقق تحوّل معتدّ به في الرؤى الفقهية، حتى مع ملاحظة تشكيل الحكم الإسلامي في إيران، كتغيير أدّى إلى طروء تحوّلات جذرية في بنى الحياة، وإنما لا زال هنالك من يؤكد على ضرورة التمسك بالمنهج التقليدي في معالجة مشاكل الدولة والمجتمع.
التحوّل إلى المنهج الجديد
بعد المتابعة الشاملة اتّضح لكاتب السطور، أنه لا يمكن تحقيق الاستجابة للتحديات الراهنة دون استبدال المنهج التقليدي بمنهج جديد يتوافر على ميزات خاصة، وفي هذه الصورة فإن الفقيه لن يتأهل لمعالجة الموضوعات المستجدّة والمستحدثة وحسب، وإنما سيتحلّى بالكفاءة للتعامل مع الموضوعات التي طرأت عليها تغيرات ذات مدخلية في أحكامها.
ويبتعد الفقيه صاحب المنهج التجديدي عن الأهواء والوساوس، ويقيم انطباعاته ورؤيته الإبداعية على أساس العناصر الأصلية في عملية الاستنباط، دون أن يتأثر بالعوامل الذاتية والموضوعية التي تعترض ذلك بشكل غير مبرر ، ولذلك فعلى هذا الفقيه أن يطرح منهجه بكامل الجرأة العلمية في مواجهة أنصار الجمود الفكري، والمتفقّهين غير الواعين، لكي يتّضح للمجتمع أن التجديد هو الخيار المؤدي إلى تجاوز إخفاقات التجربة الفقهية التي شهدناها خلال القرون الماضية.
لقد أدرك فقهاء العصر، ممن حملوا وعياً للظرف الاجتماعي، عجز الأساليب التقليدية في الاجتهاد عن مواكبة الأصول الفقهية العامة للمتغيرات، مما يحتّم طرح أساليب حديثه.
وفي اعتقادي فإن الطريق الوحيد لمعالجة هذه الإشكالية هو السعي إلى ملء الفراغات الملاحظة في المنهج التجديدي والتخلص من نقاط ضعفه؛ لأن الفقيه يستطيع عبر ذلك فقط، الارتفاع إلى مستوى التطور الحضاري واستيعاب الظواهر المستجدّة والتّحوّلات النوعية الطارئة على الموضوعات لأجل مواءمتها مع الأحكام الكلية للشريعة، وطرح مسائل الفقه بشكل منتظم لتحويلها إلى صياغات قانونية مدوّنة في متناول يد المجتمع، مما يتوقف على توظيف ذلك النمط من الاجتهاد.
تبعات تلكؤ التجديد المنهجي
في هذه المرحلة التي تشهد تطبيق الحكم الإسلامي في إيران، لا ينبغي أن يتأخر الأخذ بالمنهج الاجتهادي الجديد وبلورة معطياته التطبيقية… أكثر مما حصل، كما يلزم في دائرة الممارسة الفقهية تجاوز المسائل العبادية والفردية واستيعاب المجالات الأخرى أيضاً، حذراً من تقييد الفقه في ذلك الإطار وتحويله إلى منهج غير عملي عاجز عن التعامل مع مشكلات البشر ومنزوٍ بعيداً عن ميدان الحياة، مما سيحمّل المعنيين مسؤولية كبيرة أمام الله، أن يكونوا هدفاً للنقد والملامة من قبل الأجيال القادمة.
عدم جدوى الادّعاء المجرد عن الدليل
يطرح بعض العقلاء والمثقفين اليوم تساؤلاً، على أساس ظهور الأرضية التطبيقية للقانون الإسلامي في مجالات نظير الاقتصاد، الحقوق، العقوبات، حدود الملكية، المعاملات المصرفية، السياسة والعلاقات الدولية.. ويهدف هذا التساؤل إلى تحديد ما أنجزه الفقه في إطار تلك المجالات، ومدى ما قدمه حيالها من مسائل تشكل نسقاً قانونياً منظماً يؤمن إدارة المجتمع ومعالجة مشكلاته.
نعم… إلى متى يمكننا أن نظل نردّد دعوى قدرة الفقه على استيعاب الحياة ومشاكلها استيعاباً يتواصل إلى قيام الساعة دون دليل… من برنامج أو قانون واضح ومدوّن؟
وهل يمكننا في إثبات دعوانا هذه الاكتفاء بواقع الممارسة الاستنباطية التقليدية في إطار المفاهيم المحدودة، أو مسائل العبادات الفردية المطروحة ضمن (الرسائل العملية) وهي نموذج ظلّ يتكرر مئات المرات، ونتساءل: هل يمكن طرح هذه (الرسائل العملية) كقانون للبلاد ودستور للمجتمع؟
لا نشك أن ذلك غير ممكن، ولا يوجد شخص قدم هكذا دعوى، مما يلزمنا باستئناف عمل اجتهادي على مستوى المباني والأسس والمصادر، يشمل كافة أبعاد الحياة (بنحو يتناسب مع متغيراتها) لتجمع المعطيات والقصورات المنبثقة في إطار ذلك الاجتهاد، لأجل صياغتها في أشكال قانونية تخضع للدراسة والاختبار، حيث يمكن بعد ذلك تنظيمها في نسق قانوني متكامل يطرح على مستوى عالمي.
وعلى أية حال، لا بدّ أن نذعن بأن غياب البحث الفقهي القانوني المنظم، وتخلّف الدور الفقهي عن مواكبة المتغيرات ووجود هذه المشاكل والنواقص، ليس من الخصائص والسّمات الذاتية في فقه الاجتهاد، لكنها في تصورنا ناشئة عن غياب تاريخي لعناصر الاجتهاد الموضوعية.
معطيات المنهج الاجتهادي المعتدل
يمكن إيجاز معطيات هذا المنهج في:
1 ـ قيام الممارسة الاستنباطية على أساس حقائق العصر ونمط الوعي العالمي.
2 ـ القدرة على تقديم الأحكام الشرعية في شكل دستوري وقانوني.
3 ـ تقديم أجوبة محددة وواضحة لجميع ما يطرح من أسئلة ضمن مختلف المجالات، الأعمّ من العبادية والفردية والاجتماعية والحكومية.
4 ـ عدم اتّهام الفقه بالعجز عن إدارة المجتمع الإسلامي الكبير.
5 ـ خروج الفقه من حالة الركود إلى مرحلة الفاعلية واتّساع دائرته وانساجمها مع مظاهر الحياة الحديثة.
6 ـ اختفاء الأحكام الاحتياطية التي لا تمتلك مبررات وأدلة معتبرة، والتي تسبّبت في تشويه الفقه.
المنهج الاحتياطي الأصولي في مقام بيان الحكم([230]):
إن أتباع (منهج الاحتياط) لا يقدمون على إصدار الفتوى في المسائل الضرورية، وهم في سوى ذلك إما أن يتوقفوا أمام المسائل تماماً، أو أنهم يتعاملون معها بالاحتياط، كما لو طرحت عليهم مسألة نظرية أو مستحدثة.
يجدر بنا هنا أن نسجل بعض الملاحظات حول هذا المنهج.
الملاحظة الأولى: يمتلك كل اتّجاه أو مذهب مجموعة من القضايا القيمية (الحلال، الحرام…) التي يقيمها على أساس موضوعات ومعايير خاصة، وهو يطالب أتباعه بالسعي إلى الوفاء بمقتضيات تلك القيم والأحكام، من أفعال وتروك، وفي تصور كل مذهب فإن العمل طبقاً لقيمه موجب لتحقيق الفضيلة كما أن ارتكاب أضدادها باعث على الرزيلة.
الملاحظة الثانية: إن الملاك في تحديد مجموعة القضايا القيمية لا يتمثل في العوامل الذهنية والخارجية، أو التقاليد الاجتماعية الخاطئة، كما لا يتأثر بنزعة التسامح أو التشدد، وإنما ينبغي أن يكون المعيار في ذلك، هو الأسس والضوابط والمحددات الخاصة برؤية ذلك المذهب والتي يتمّ في ضوئها بيان الأحكام للأتباع بشكل واضح.
لاحظت في هذا السياق، وضمن البحوث التي أنجزتها خلال تجربتي في الممارسة الفقهية، أن بعض المسائل الابتلائية وموضوعات الأحكام، لم يتمّ بحثها على أساس الأدلة وطبقاً للموازين العلمية، وإن البعض الآخر منها بحث بمعزل عن المتغيرات الزمانية والمكانية والظروف الملابسة لخطابها، أو أنها عولجت بنزعة احتياط ذات صبغة (إخبارية) لم تكن مألوفة في عهد النبي (ص) والأئمة (عليهم السلام)، أو الفقهاء المتقدمين والمتأخرين.
إن المنهج الاحتياطي الأصولي، ورغم أنه ظهر مؤخراً، إلا أن الظروف التي قارنت مرحلة ظهوره لم تكن بالنحو الذي تتنافى معه ومع أعماله وتطبيقه… أما اليوم ومع تغير الظروف فإن الأحكام الشرعية لا بد أن تبيّن بشكل علمي مستدلّ، لا سيما أن فتاوى المجتهدين تتلقى كنموذج للاقتداء والاتّباع.
لذا فإن هذا اللون من التفكير (النزوع للاحتياط) علاوة على منافاته لأساس تشريع الاجتهاد، قد حال دون اتّساع دائرة الفقه ومصاديقه، بالنحو الذي يبرر لنا أن الاحتياط في غير الموارد التي يتوفر فيها دليل خاص… يمثل مخالفة للاحتياط، ومع ظهور آلاف المسائل المستجدّة اليوم وافتقادها لدليل خاص وارد بشأنها، فإن هذا المنهج لا يمكن أن يقدم بإزائها إجابات مناسبة.
نورد هنا نماذج للمجالات التي يعجز منهج الاحتياط عن تقديم إجابات علمية في إطارها…
1 ـ في حقل الطب: كمسائل التشريح، وزرع الأعضاء، من إنسان حيّ أو متوفى إلى إنسان حيّ آخر، أو من إنسان ميت دماغيّاً (إكلينيكيا)، وكمسائل الحمل والتلقيح الصناعي، ومساعدة الأزواج الذين يعانون من العقم في ذلك بالاستفادة من مياه الرجل الأجنبي، وقضية منع الحمل دائمياً أو مؤقتاً، وجواز الإجهاض (إلى مرحلة معينة من عمر الجنين) وحمل النطفة في رحم مؤجرة، وغير ذلك.
2 ـ في الحقل الفني: القضايا المتعلقة بالعمل السينمائي، والمسلسلات التلفزيونية، والموسيقى الغنائية، وأعمال النحت والرسم، وعشرات المسائل الأخرى.
3 ـ الأوراق النقدية: كمسألة أن الأوراق النقدية لها مالية كالسلع الأخرى أم لا، وهل ماليتها حقيقية أم اعتبارية؟ وعلى فرض أن يكون لها مالية ذاتية فهل هي من قبيل الأمور المثلية أم القيمية؟ وهل حكمها كحكم الدينار والدرهم؟، وهل هي من (المعدود) الذي يسوغ بيعه وشراؤه مع الزيادة ولا تجري فيه أحكام الربا؟…
وهل المضاربة في الأوراق النقدية مشروعة كالمضاربة في الدنانير؟، وهل تتعلق بها الزكاة كالدنانير؟.
وأيضاً ما هو حكم الشيكات و(الكمبيالات) من جهة الشراء والبيع، وما هو حكم شراء بطاقات (اليانصيب)؟ ومسائل عديدة أخرى.
4 ـ في دائرة نظام العقوبات: ما هو حكم إعادة زرع الأعضاء المقطوعة بالحد، لنفس الشخص المحدد (المعاقب) أو لآخر غيره؟، أو لمن تعود ملكية العضو المقطوع: للمحدود، أو لمقيم الحد، أو للحاكم الشرعي، أو بيت المال، ومسائل أخرى متعددة؟
5 ـ في مجال الملكية: حدود الملكية وشروطها، هل التأليف والاختراع ونحوهما من أسباب الملكية، أم أنها تختص بالأعيان المتحققة في الخارج دون الأمور المعنوية؟
6 ـ في مجالات أخرى: نظير مسائل التأمين، على الحياة أو الأعضاء أو المنزل ووسيلة النقل، هل هي جزء من المعاملات أم لا؟ وما هو حكم شروطها المتعارفة؟ وأيضاً مسائل الذباحة بالآلات الحديثة، واشتراط إسلام من يباشر الذبح، وما يرتبط بالسفر في الفضاء.. هل يعتبر السفر العمودي مناظراً في الحكم للسفر المألوف على الأرض (الأفقي)، والسفر إلى مناطق يختلف ليلها ونهارها عمّا هو مألوف في مناطقنا؟ و…
إن هذا النوع من المسائل لا يمكن معالجته إلا وفق الأسلوب الاجتهادي القائم على أسس استدلالية علمية، وإنما نلاحظ وجود عدد من المسائل التي لم تقدم حيالها أجوبة مناسبة، فلأنها لم تخضع لذلك النمط الاجتهادي الحديث المستقل عن المؤثرات الذاتية والموضوعية والتقاليد الاجتماعية الخاطئة، وإنما بحثت على أساس منهج الاحتياط المؤدي عملياً لسدّ باب الاجتهاد، والذي يمنع من اتّساع دائرة الفقه ونطاق مصاديقه.
الملاحظة الثالثة: الفتوى المجردة عن ملاحظة الظروف الموضوعية التي يلزم مراعاتها انسياقاً وراء طبيعة منهج الاحتياط.
ورغم أن ذلك لم يكن منشأ لمشاكل حقيقية في بعض المجتمعات، إلا أنه في موارد أخرى كان سبباً للعسر والحرج الشديدين، مع تأكيدنا أن من البديهي أنه لا يمكن أن يشكل التسامح أو التشدد معياراً للحكم الإلهي حتى على مستوى طبيعة الطرح، كما لا يمكن أن يتمثل ذلك بالعوامل الذاتية أو التقاليد الاجتماعية الخاطئة، والاعتراضات غير الواعية التي تصدر من بعض الفقهاء أو المتظاهرين بالقداسة ممن تتمثل غايتهم النهائية في إرضاء العوام من الناس.
عوامل ظهور منهج الاحتياط
يمكن تحديد عوامل تكوّن هذا المنهج وظهوره عبر النقاط التالية:
1 ـ عدم استيعاب ميزتي التسامح والسهولة في الشريعة.
2 ـ عدم الوعي بحقائق العصر وظروف المجتمع.
3 ـ فقدان الرؤية الشمولية.
4 ـ ضعف استيعاب الأسس الشرعية.
5 ـ التعويل المطلق على الأخبار، حتى مع غياب المبرر العلمي أو وجود أدلة قوية تعارضها.
6 ـ الاكتفاء بظواهر الأخبار مع عدم ملاحظة نصوص الأخبار الأخرى التي تعارضها.
7 ـ الامتناع عن مراجعة الآراء المطروحة، مراجعةً تقوم على أساس الأدلة العلمية.
8 ـ التسليم بعدم مشروعية الخروج على آراء المتقدمين.
9 ـ تجاهل أهمية دور التخصصات العلمية الحديثة في تحديد موضوعات الأحكام.
10 ـ الجمود العلمي، والرضوخ لضغوطات العامة من الناس.
11 ـ غياب الجرأة العلمية الكافية.
12 ـ التأثر بجملة العوامل الذاتية والموضوعية التي مثلت عاملاً مهماً في تكوين هذا المنهج.
13 ـ التشكيك والوساوس التي تنتاب المرء حين إصدار الفتوى.
من الطريف أن بعض الفقهاء رفضوا التصدي للمرجعية بعد وفاة الشيخ مرتضى الأنصاري، معتذرين بالعجز عن إصدار الفتوى، بسبب ما يعتريهم من وساوس حين الاستنباط ومعالجة الأدلة الشرعية.
تبعات منهج الاحتياط
1 ـ ركود الفقه وجموده.
2 ـ المنع من تكامل عملية الاجتهاد.
3 ـ عدم مراعاة الموازين الاجتهادية.
4 ـ غياب الدقة الكافية في بلورة أدلة الاستنباط.
5 ـ نفور الأذواق السليمة من بعض الأحكام الاحتياطية.
6 ـ إشاعة النموذج السطحي من الممارسة الفقهية.
7 ـ غياب الدور التخصصي في تحديد موضوعات الأحكام ضمن عملية الاستنباط، مما سبّب غموض بعض جهات الموضوع الشرعي، وهو ما قد يؤدي إلى إصدار فتاوى خاطئة.
8 ـ تقلص الفقه وعدم استيعابه للمجالات الحياتية.
9 ـ عدم مواكبة الفقه للمتغيرات.
10 ـ غياب الدقة في فحص أدلة الأحكام الشرعية.
11 ـ ظهور الاحتياطات المتنوعة ضمن دائرة واسعة في الفقه.
ونلاحظ أن تلك الاحتياطات لم يكن لها أثر في الفقه الأول الذي نزل في [مكة] والمدينة المنورة على الرسول الأكرم (ص)، لأن الفقه والشريعة قد بنيا على السماحة والمرونة، ولا تنسجم الشدة مع روح الشرع، إلا في الموارد التي يتوفر فيها دليل خاص على الاحتياط كما في موارد الدماء والأعراض.
وعلى أية حال فإن الفقهاء الواعين بموازين الاجتهاد قد حذروا أهل الاستنباط من التمادي في الاحتياط غير القائم على دليل علمي، ومنهم السيد ابن طاووس الذي يقول: «رأيت بعض العلماء قد شددوا على الناس وضيقوا عليهم، رغم أن الله سبحانه ورسوله قد عاملوهم بالسماحة والتساهل»([231]).
أما صاحب الجواهر الشيخ محمد حسن النجفي وفي الاجتماع الكبير الذي أوصى فيه باتخاذ الشيخ مرتضى الأنصاري، مرجعاً في الفتوى، فقد قال وهو ينظر إلى الشيخ الأنصاري: «يا شيخ قلّل من احتياطاتك، فإن الإسلام شريعة سهلة سمحاء».
مناقشة أدلة الاحتياط
لا شك في أن الفقهاء يتحملون مسؤوليات كبيرة، وأن زهدهم وتقواهم يقتضي مراعاة الحدّ الأعلى من الدقة والاحتياط في تحديد الأحكام الشرعية، وإن أي تقصير في هذا المجال لن يمرّ دون مساءلة شرعية.
أكدت المصادر الروائية هذه الحقيقة، فقد ورد في أمالي الشيخ المفيد عن الإمام علي (ع) ضمن حديثه مع كميل بن زياد: «أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت»([232]).
وعن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «وخذه بالاحتياط في جميع أمورك ما تجد إليه سبيلاً»([233]). كما قال: «وتأخذ بالحايط لدينك»([234]).
وعن أبي الحسن (ع): «وعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا»([235]). وقد وردت أخبار عديدة لا حاجة بنا إلى ذكرها.
وفي ضوء هذا لا بد من تحديد مفهوم (الاحتياط) الذي أكدت عليه الأخبار هذه. فهل هو الاحتياط في الفتوى، أو السعي إلى استيعاب الحقيقة، أو أنه تكرار مفردة إلجاء المكلفين إلى ممارسات صعبة ومعقدة الأمر الذي لا يلتئم مع روح الشريعة؟.
إن الاحتياط في مجال الفقه الاجتهادي يقتضي أن يبادر الفقيه إلى تحديد الحكم الشرعي من مصادره السليمة، ثم يتولى تحديد موضوعه بشكل دقيق، ليبين الحكم للآخرين.
كما ينبغي أن يفتي الفقيه على أساس العوامل الذاتية أو الذوق الاجتماعي الخاص والتقليد الخاطىء، لأن ذلك لن يعدّ حينئذٍ حكماً شرعياً.
وعلى هذا فإن الاحتياط، دون شك ينبغي أن لا يعقّد وظيفة المكلفين وأساليب امتثالهم للشرع.
فكم من الفقهاء قضوا الساعات والليالي الطوال لتحديد حكم موضوع مستحدث، غير المطالعة في مصادر الاستدلال الأساسية، ودراسة آراء المتقدمين، ولكن الفقيه ربما افتقد الدليل على الحكم، وامتنع عن التصريح بحقيقة الأمر، فالتمس دليلاً غير علمي وأفتى بالحرمة ـ احتياطاً ـ في مورد مشكوك الحرمة، أو جعل من مشكوك الوجوب واجباً، وراح يتّخذ الاحتياط منهجاً في التعامل مع الموضوعات المستجدة…
وهكذا نلاحظ الفقيه، في بعض الموارد التي رخّص الشرع فيها، يلتزم بالاحتياط، أو أنه يحتاط مع وجود دليل على الحلّيّة، معتمداً على أدلة غير أصولية، كالإجماع الاجتهادي أو الإجماع المصطلح المنقول أو المدركي، مما نلاحظه شائعاً في أبواب الفقه، أو متمسكاً بالخبر الضعيف أو المرسل، أو بالشهرة التي ظهرت بعد الشيخ الطوسي، وحتى بالشهرة بين المتقدمين، ما قبل الطوسي (باستثناء المورد الذي يورث الاطمئنان بالحكم).
إن هذا الفقيه، إذا امتنع عن الفتوى، أو احتاط أو أفتى بالحرمة، فإنه ليس متجاهلاً لضرورة الاحتياط في هذا المجال فحسب، وإنما هو مخالف للاحتياط أساساً.
في نطاق الشبهات التحريمية التي يتوفر فيها دليل للحكم بالحلّية، كأصالة البراءة والحِلّ التي يشرع التمسك بها إزاء مشكوك الحرمة، فإن الحكم بالحلّية أيسر بكثير وأوفق للاحتياط من الإفتاء بالحرمة أو إيجاب الاحتياط.
قال تعالى في كتابه الكريم: «يَأيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أحَلَّ اللهُ لَكَ» [التحريم: 1] وقال تعالى: «يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِيْنَ» [المائدة: 87].
ووردد في المأثور أن «المحرِّم لحلال الله، كالمحلّل لحرام الله»([236]).
حاجة الحكم إلى دليل
لا بد أن ننتبه إلى أن الفتوى بالحرمة أو الاحتياط، يحتاجان إلى الدليل وإلى إحراز وجود الموضوع بقدر حاجة الفتوى بالوجوب إلى ذلك، ولا ينبغي أن يتصور بأن الشك في الحرمة موجب للترك، لأن هذه التصورات غير القائمة على أساس علمي والمخالفة للشرع، هي التي أدّت إلى انحطاط المسلمين وتفشّي مظاهر السقوط الاجتماعي بينهم في بعض الحقب التاريخية، حيث تركت هذه الرؤية أثرها الكبير في ذلك الإطار، ونمتلك على ذلك أمثلة عديدة لا نرى من المناسب استعراضها هنا.
لقد أدى الحكم بحرمة الظواهر الحديثة، كالعلوم ومعطياتها والتقنية وألوان الفنون، إلى أن تضطر الدول الإسلامية في العديد من هذه المجالات إلى الاستعانة بالخبرات الأجنبية، مما شكّل مصدراً لتسرّب النفوذ الأجنبي إلى بلادنا.
مرحلة ظهور منهج الاحتياط
لم يكن منهج الاحتياط متعارفاً في عصر النص، وحسب رأي أهل السنة فإن هذا المنهج أيضاً لم يكن مألوفاً زمن النبي الأكرم (ص)، ولا في عصر التابعين وتابعي التابعين، ولا بين الاتجاهات الفقهية التي ظهرت في عصر الصحابة، كمذهب أهل البيت، ومدرسة الرأي، وأهل الحديث.
وبعبارة أخرى فإنه لم يؤلف هذا المنهج بين المتقدمين (ما قبل الشيخ الطوسي) والمتأخرين، وأوائل (متأخري المتأخرين) إلا في الموارد التي يتوفر فيها دليل خاص على الاحتياط، كمسائل الدماء والنفوس والأعراض وموارد (العلم الإجمالي).
ونلاحظ أن المسائل الفقهية في المراحل السابقة لم ترد فيها احتياطات بالمستوى الذي نشاهده في نظائرها الحالية، ويبدو ذلك واضحاً في المدونات القديمة، كرسائل (جمل العلم والعمل) للسيد المرتضى، ورسائل الشيخ المفيد، و(نهاية) الشيخ الطوسي، و(الوسيلة) لابن حمزة، و(تبصرة المتعلمين) للعلامة الحلي، و(جامع المقاصد) للمحقق الكركي، و(شرائع الإسلام) للمحقق الحلي، وغيرها.
غير أننا نلاحظ ظهور هذا المنهج في أدوار الفقه المتأخرة، كما يبدو بوضوح لدى الشيخ علي كاشف الغطاء، والمولى أحمد النراقي صاحب (مستند الشيعة) وكل منهما أستاذ للشيخ مرتضى الأنصاري الذي تأثر بهما وأخذ عنهما هذا المنهج، ولذلك كانت سائر فتاواه مبنية على الاحتياط، حتى فيما يرتبط بمناسك الحج.
يقول المولى نصر الدين الترابي الدزفولي المعروف بـ (شاكر) في كتاب (اللمعات): اعترضت يوماً على أستاذي الشيخ الأنصاري، وأكدت له أنه لا يوجد فقيه يماثله في منهج الإفتاء، حيث كثيراً ما يمتنع عن الفتوى ويلجأ إلى الاحتياط. فأجاب الشيخ الأنصاري قائلاً: لو كنت اطّلعت على طريقة الشيخ علي كاشف الغطاء في الفتوى لما اعترضت عليّ أبداً، ولاعتبرتني حينئذٍ متجرئاً وضعيف التقوى.
مخالفتنا لمنهج الاحتياط
إن خلافنا مع مجتهدي الأصوليين ممن يعتمدون منهج الاحتياط، خلاف مع منهجهم هذا وليس معهم بصفتهم الشخصية.
وقد اعتبرت الشيخ الأنصاري النجم المتألّق في سابع مراحل الاجتهاد الفقهي، وثامن مراحل الفقه، وخامس مراحل طبيعة البيان الفقهي([237]).
وفي تصوّرنا أنه ليس سوى الشيخ الطوسي ممّن حاز هذا الموقع في الأدوار الثلاثة معاً.
لقد استوعبت جوانب الشخصية العلمية الفذّة وسمات التقوى عند الشيخ الأنصاري وأستاذيه، النراقي وكاشف الغطاء، حيث بحثت ذلك بشكل تفصيلي في كتابي (مراحل الاجتهاد في رؤية المذاهب الإسلامية).
كما أنني ورغم مخالفتي للاخباريين واحتياطاتهم في الشبهات التحريمية والوجوبية، أحتفظ بالاحترام الكبير في الوقت ذاته للميرزا محمد الأسترآبادي مؤلف (منهج المقال) ومؤسس الاتجاه الأخباري، وكذلك فيما يرتبط بالميرزا محمد أمين الأسترآبادي صاحب (الفوائد المدنية) الذي راج هذا الاتجاه بفضله، وذلك نتيجة لما تكوّن لديّ من قناعات إثر متابعتي لسيرتهما الشخصية، وليس خلافي معهما إلا على مستوى المنهج العلمي.
إخفاقات منهج الاحتياط
إن منهج الاحتياط، كما بيّنّا آنفاً، ربما يكون ملائماً لبعض المراحل الاجتماعية السابقة، غير أننا نتساءل: هل هذا المنهج قدر على مواكبة واستيعاب المتغيرات الجذرية التي لحقت بنمط الحياة المعاصر؟.
في اعتقادنا أن هذا الاتّجاه عاجز عن تأمين المعالجات الكافية للراهن من قضايا العصر وهو يخفق في إدارة مجتمع صغير فضلاً عن دولة أو عالم بأكمله، لا سيما مع دعوى استمرار ذلك حتى قيام الساعة.
سيولّد هذا الاتجاه مشاكل اجتماعية عديدة، ولهذا فإن بعض الفقهاء الكبار، وبرغم اعتمادهم منهج الاحتياط في المسائل العبادية والفردية، يتخلّون عن هذا المنهج في المجالات التي تتعلق بالمجتمع والأمة.
نعم، إذا اقتصر الفقه على معالجة حقل العبادات والمسائل الفردية، كما هو شأنه في العهود الماضية، فإن المنهج الاحتياطي قابل للتطبيق لعدم تأديته إلى مشاكل حقيقية، ولكن الفقهاء إذا حاولوا استيعاب مسائل الاجتماع والاقتصاد والحكومة، فإن هذا المنهج ينطوي على تعقيدات ومشاكل جمّة لا يمكن أن تطاق.
حيث يمكن للمكلّف أن ينظّم حياته الشخصية طبقاً لمنهج الاحتياط، غير أنه لا يستطيع بناء حياته في إطار النظام الاجتماعي والسياسي والحكومي على أساس ذات المنهج، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الهدف من تشريع الاجتهاد هو تجسيد الأحكام الإلهية وتطبيقها في مجالات الحياة المختلفة.
إن الاحتياطات غير المبررة علمياً، فاقدة للقيمة وهي مخالفة للاحتياط في تحديد الحكم الشرعي، ولذلك فإن الاحتياط هنا يتجلّى في ترك الاحتياط، حيث أنه ووفقاً لأسس الاستنباط الأصيلة، فإن الحكم الشرعي في غير موارد الدليل الخاص على الاحتياط، هو البراءة سواء في الشبهات التحريمية أو الوجوبية.
إن النّخب الواعية وأصحاب الضمائر الحية في العالم، يتملّكهم الشوق لاستيعاب مفاهيم الإسلام وأحكامه بشكلها النقيّ والسليم، لا بالنحو الذي اقتضاه الذوق الاحتياطي للبعض في مجال تحديد الأحكام.
ودون شك فإن حقائق الإسلام وأحكامه إذا تمّ تحديدها بما يتطابق مع ظروف العصر وعلى أساس المصادر المعتمدة والصحيحة، فإن المسلمين سيقبلون على تجسيدها والالتزام بها.
وحينما نلاحظ اليوم ثغرات ونواقص في مستوى بلورة الموقف الإسلامي حول موضوعات الأحكام ومسائل القضاء والحقوق ونظام العقوبات، ومجالات السياسة والعلاقات الدولية والاقتصاد، فإنه ينبغي أن يبحث عن ذلك الخلل في إطار حقيقة أن بعض الفقهاء، وبدلاً عن السعي إلى اكتشاف الموضوعات الواقعية واستيعابها، وبدلاً عن تفعيل الفقه الاجتهادي ـ في مفهومه الواقعي ـ فإنهم لا زالوا يلجؤون إلى النمط التقليدي في الفقه والمنهج الاحتياطي في الأصول، دون اعتماد المنهج الأصولي العلمي المعتدل، وهم يتعاملون مع هذه القضية دون وعي وعلى أساس أنها أمرٌ طبيعيٌّ وسائغٌ.
وفي ضوء ذلك لا يمكن لتلك الشريحة من الفقهاء أن تؤمِّن إجابات متكاملة إزاء إشكاليات عالم اليوم المعقد.
كما أن الممارسة الاجتهادية القائمة على أساس منهج الاحتياط لا يمكنها أبداً تطبيق الأحكام على موضوعاتها الواقعية، بالنحو الذي يهدف إليه الإسلام.
إن تفحّص القرآن الكريم والسّنّة الشريفة ومصادر الفقه الأصيلة، يبيّن لنا أن الشريعة الإسلامية أقيمت على أساس متين من السماحة والمرونة، وأن التّشدّد اللامبرر علمياً في مقام الفتوى مخالف للاحتياط الشرعي وغير منسجم مع روح الشريعة ومضامينها، إضافة إلى أنه يستتبع ردود فعل اجتماعية غير محبّذة.
ومن المناسب إيراد بعض الآيات الكريمة المدللة على هذه الحقيقة.
«يُرِيْدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيْدُ بِكُمُ العُسْرَ» [البقرة: 185].
«يُرِيْدُ اللهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيْفاً» [النساء: 28].
«مَا يُرِيْدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ» [المائدة: 6].
وكذلك ملاحظة بعض الأخبار الواردة في هذا الشأن.
«الدين يسر، وأحب الدين عند الله الحنيفية السهلة»([238]).
«بعثت على الشريعة السهلة السمحة».
«بعثت بالحنيفية السمحة»([239]).
«خذوا من العمل ما تطيقون به»([240])
«بشروا ولا تنفّروا، يسّروا ولا تعسّروا»([241])
«وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم»([242])
وما سوى ذلك من النصوص الشرعية التي لا حاجة بنا إلى الإطالة في ذكرها.
وعلى هذا الأساس ينبغي السعي إلى استنباط الأحكام مع مراعاة جانب اليسر والسماحة التي تتجلّى في الإسلام ومصادره النقية، والحذر من التشدد والاحتياط في ذلك مع فقدان الدليل العلمي والوضح.
مناقشة لأدلة الاحتياط
1 ـ يعتقد البعض أن إهمال الاحتياط في الفتوى يوفر أرضية لاستغلال أحكام الشرع بشكلٍ سيءٍ من قبل العامة، ولذلك فإنهم يعتمدون الاحتياط ليحولوا دون ذلك.
غير أن هذا التصور خاطىء إذ يجب بيان الأحكام على أساس أدلة الشرع على أية حال، حتى لو قام البعض باستغلالها بشكلٍ سيءٍ، كما أن ذلك لا يبرر رفضنا لحقيقة أن البعض يسيء الاستفادة من الفتاوى الشرعية، سواء أعلنّاها أم تكتّمنا عليها واحتطنا في الإفتاء.
2 ـ يعتقد آخرون أن الإفتاء طبقاً للاحتياط يعكس حجم التقوى والالتزام الديني لدى الفقيه، بينما يشكّل التساهل مؤشراً على ضعف في تلك التقوى.
لكن هذه القناعة غير دقيقة، حيث أن فتاوى الفقهاء في أحد جوانبها المهمة تعكس الدين الإسلامي وتمثل القناة التي يلاحظ منها الرأي العام العالمي هذا الدين، خاصة في عهد تشكيل الحكومة الإسلامية حيث أخذت أحكام الشرع موقع النموذج البارز في هذا الإطار، وذلك ما يحتّم علينا أن نجعل المعيار هو الاجتهاد وهو القواعد الأصولية العلمية دون ملاحظة الجهات الأخرى.
وعلى صعيد آخر نعتقد أن الفتوى إذا طرحت بالشكل الذي تخالف فيه موازين الفقه الاجتهادي ومحددات الذوق والرؤيا السليمة، فإن ذلك يؤدي إلى تكريس الضلال عند أهل الانحراف، وتنفير المسلمين ذوي الوعي والدراية، وتؤدي إلى تكوين انطباعات سيئة ومتشائمة لديهم.
وفي مقابل ذلك، طالما استندت الفتاوى إلى محددات الفقه الاجتهادي وتمّ الالتفات إلى ظروف وخصائص الموضوعات بأسلوب علمي ومقنع بعيداً عن تأثيرات الشهرة الفتوائية غير القائمة على أساس متين، فإنه يؤدي إلى إقناع أهل الضلال وإسكاتهم، ويعزز من إيمان المسلمين، لأن ذلك سيثمل خير دليل على حقانية الإسلام، وهكذا نخلص أن مسؤولية الفقهاء في إطار الاستنباط هي:
أولاً: السعي إلى تعزيز ودعم حرية البحث العلمي على أساس الأدلة المعتبرة.
ثانياً: محاولة الخروج من دائرة تأثير القبليات الذاتية المتوارثة، والتي نشأت عما تبقّى من أثر المنهج (الأخباري) في الفقه.
ثالثاً: الالتفات إلى بديهة أنه كما يتعذر الحكم بحلّية حرام الله تعالى، فإنه لا يشرّع تحريم الأمور المحلّلة، وقد ورد في الحديث «المحرم حلال الله، كالمحلل حرام الله».
لذا فإن البعض يجب أن يدركوا فداحة خطئهم وخطورة اعتمادهم في ذلك المنهج الاخباري أو المنهج الأصولي في الاحتياط، ولا بد من الالتفات في ضوء ذلك إلى حجم الخطورة الناجمة عن عدم استيعاب حاجات المجتمع، وتأثير الفهم الخاطىء لأسس الاجتهاد على الممارسة الفقهية، وما ينشأ من نتائج سلبية عن الوساوس أو القناعات الذاتية والاعتماد على الذوق الشخصي والانسياق وراء التعصب الأعمى.
إن العوامل المذكورة أدّت إلى وقوع أخطاء كبيرة في عرض القضايا الإسلامية ضمن دائرة المجتمعات المتلهّفة للتعرف على حقائق الدين، وأفضت إلى استئناس بعض الأذهان بالآراء غير العلمية والطراز الثابت من التفكير، إلى الحدّ الذي يبادر فيه بعضهم إلى لوم الفقيه ومهاجمته حينما يقوم بطرح وجهة نظر جديدة تستند إلى الموازين العلمية، وقد يبلغ ذلك درجة لا يمكن للفقيه الواعي فيها أن يعلن آراءه وتصوراته العلمية، نتيجة الجو الضاغط الذي يشكله بعض من يحيطون أنفسهم بهالات القداسة ويلجؤون إلى تحريض العامة ضد من يحمل قناعات علمية تخالف نموذج التفكير السائد.
بديهي أن عامة الناس يحصلون على قناعاتهم من أشخاص يتظاهرون بالفقاهة والتقوى، غير أنهم في الواقع إنما يتبعون أعرافاً وتقاليد اجتماعية خاطئة. ويلاحظ بشكل عام أن ذلك النمط من المتظاهرين بالفقه لا يقدمون على الفتوى بحلّية الموضوعات المستحدثة إلا إذا أثبت ذلك بنصّ قرآني صريح أو خبر متواتر قطعي الدلالة والحال أن الإفتاء بحلّية مورد لا يتوفر دليل على تحريمه أمر متيسّر، لتطابقه مع الأسس والقواعد الأولية، وإنما الصعب هو الإفتاء بالحرمة، إذ أن ذلك يتطلّب دليلاً واضحاً عليها.
إن على هؤلاء أن يدركوا جيداً، أن الحكم بالحرمة أو الاحتياط بحاجة إلى دليل بنفس القدر الذي يحتاجه الإفتاء بالحلية أو الوجوب، ولا ينبغي أن يتصور الشك في الحرمة والاحتياط في مورد الشك يستلزم الترك والاجتناب.
إن هذا اللون من التفكير ساهم في إفراز مظاهر الانحطاط والسقوط الاجتماعي المؤلمة في التاريخ الإسلامي.
إن النزعة التحريمية إزاء ما يستجدّ من الظواهر في الحياة، أدّت إلى ضياع فرص التقدم والتطور العلمي والتقني لبلاد الإسلام، وألجأتها إلى الاستعانة بالأجانب في هذه المجالات، بالقدر الذي وفّر مجالاً واسعاً للنفوذ الأجنبي والسيطرة على شعوب تلك البلاد.
محمد إبراهيم الجناتي
منهج دراسة النص عند الأصوليين
اكتسب علم أصول الفقه أهميته عند المسلمين من احتلاله المركز المهم بين العلوم الإسلامية التي لها علاقة بعملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية المتمثلة بالكتاب والسّنّة.
ذلك أنه العلم الذي يهيء القواعد العامة التي يرجع إليها الفقيه عند تعامله مع النصوص الشرعية من آيات وروايات بغية استفادة الحكم الشرعي منها، حيث يقوم بتطبيق تلكم القواعد العامة التي أفادها من هذا العلم على صغرياتها أو قل مصاديقها، وذلك مثل قاعدة خبر الثقة، وقاعدة الظهور، فإن الأولى يستخدمها الفقيه في دراسة السند، والثانية يستخدمها في دراسة الدلالة.
وعندما يتمّ ويصح تطبيق هاتين القاعدتين على رواية باعتبارها نصاً لفظياً شرعياً يتوصل الفقه إلى الحكم الشرعي المطلوب.
وتوفر هذا العلم على دراسة الدلالة اللغوية للنص الشرعي أكثر منه على دراسة السند، ذلك أن دراسة السند هي موضوع علم الحديث والذي يهم الأصولي منه هو تعرف حجيته من ناحية شرعية.
فقد تناول هذا العلم دراسة دلالة الألفاظ من خلال المفردات والتراكيب ومن خلال المادة والهيئة. وأفاده في دراسته للدلالة من الفلسفة القديمة وعلم الكلام ومن علم المنطق ومن علم النحو وعلوم البلاغة، وما لابسها من معارف أخرى.
وركز محور دراسته في استخلاص القواعد العامة للدلالة وتعرف مشروعيتها ومدى اعتبارها شرعاً.
مصدر الفكر الأصولي:
ورجع في ذلك إلى مصدرين هما:
1 ـ السيرة الاجتماعية العامة (بناء العقلاء).
2 ـ مدركات العقل الفطري (البديهيات العقلية).
وقبل تعريف كل من هذين المصدرين وكيفية ومدى استفادة الأصولي مادته العلمية منهما لا بد من توضيح الفرق بين مصدر العلم ومصدر البحث ابتعاداً عن الوقوع في مفارقة الخلط بينهما.
فمصدر البحث ـ كما يعرّف في علم المكتبات ـ هو الكتاب أو الوثيقة أو الواقع الميداني وما إليها مما يرجع من يريد كتابة بحثٍ ما في موضوعٍ ما فلسفياً أو علمياً أو أدبياً أو فنياً أو غيرهما.
أما مصدر العلم فهو المجال الذي يرجع إليه العالم عند وضع العلم لاستقاء مادة العلم منه.
فمثلاً: علم النحو مصدره:
1 ـ السماع: ما يسمع من كلام العرب الفصحاء.
2 ـ القياس: ما يقاس على المسموع من كلام العرب الفصحاء.
وعلم الفقه ومصدره:
1 ـ الكتاب (آيات الأحكام).
2 ـ السّنّة (أحاديث الأحكام).
3 ـ الإجماع: (اتفاق الفقهاء الكاشف عن رأي المعصوم).
4 ـ العقل: (الإدراك العقلي الكاشف عن رأي المعصوم).
وبعد هذا، فما هو مصدر علم أصول الفقه؟
لم يذكر الأصوليون هذا العنوان في كتبهم الأصولية ولم يتناولوه بالبحث.
والمطلوب منهجياً أن يدرج هذا الموضوع في مباحث هذا العلم، وموقعه الطبيعي من حيث التبويب بعد المقدمة العلمية لهذا العلم.
وباختصار: مصدر الفكر الأصولي ـ كما ذكرت آنفاً ـ يتمثّل في:
1 ـ الظواهر اللغوية الاجتماعية العامة (أي المشتركة بين جميع لغات البشر).
2 ـ المدركات العقلية العامة (أي المشتركة بين جميع مشتركات البشر).
وعلم الأصول يتحرك في تعامله مع هذين المصدرين داخل دائرة التشريعات، شرعية وعرفية وقانونية.
وكأصول للفقه الإسلامي فإنه يقتصر في دراساته على ما يرتبط بالتشريع الإسلامي من قواعد وضوابط وما إليها.
تصنيف المواد الأصولية
وفي ضوء نتائج دراسات الأصوليين لهذين المصدرين المتفرقة هنا وهناك صنفوا المواد الأصولية إلى:
ـ الأصول اللفظية.
ـ الملازمات العقلية.
- الأصول العملية.
وفي الأصول اللفظية يتفق علماء أصول الفقه على أن الهدف من دراستها هو تشخيص صغريات لكبرى ظاهرة الظهور.
وعليه: فالأساس في دراسة الأصول اللفظية هو ظاهرة الظهور.
واستدلّوا على حجية الظهور ببناء العقلاء أو سيرة العقلاء، أي أن الأخذ بظواهر الكلام من الظواهر الاجتماعية العامة لجميع اللغات وفي جميع المجتمعات.
أما الملازمات العقلية فاستدلوا على اعتبارها بالدليل العقلي، وقصدوا منه كما يوضحه أستاذنا المظفر ـ: «حكم العقل النظري بالملازمة بين الحكم الثابت شرعاً أو عقلاً وبين حكم شرعي آخر، كحكمه بالملازمة في مسألة الأجزاء ومقدمة الواجب ونحوهما، وكحكمه باستحالة التكليف بلا بيان اللازم منه حكم الشرع بالبراءة، وكحكمه بتقديم الأهم في مورد التزاحم بين الحكمين المستنسخ منه فعلية حكم الأهم عند الله، وكحكمه بوجوب مطابقة حكم الله لما حكم به العقلاء في الآراء المحمودة.
فإن هذه الملازمات وأمثالها أمور حقيقية واقعية يدركها العقل النظري بالبداهة أو بالكسب لكونها من الأوليات والفطريات التي قياساتها معها، أو لكونها تنتهي إليها فيعلم بها العقل على سبيل الجزم.
وإذا قطع العقل بالملازمة ـ والمفروض أنه قاطع بثبوت الملزوم ـ فإنه لا بد أن يقطع بثبوت اللازم وهو ـ أي اللازم ـ حكم الشرع.
ومع حصول القطع، فإن القطع حجة يستحيل النهي عنه، بل به حجية كل حجة «أصول الفقه ط3 ج2 ص112».
وبالنسبة للأصول العملية فإنها ـ كما يوضح السيد السبزواري ـ: «من الارتكازيات العقلية التي يكفي في اعتبارها شرعاً عدم وصول الردع، ولا نحتاج إلى إقامة الدليل على اعتبارها من الكتاب والسّنّة والإجماع وتطويل الكلام في ذلك، فإن العقلاء بفطرتهم بعد الفحص عن الحجة واليأس منها لا يرون أنفسهم ملزمين بشيء فعلاً أو تركاً، وهذا هو البراءة المصطلحة، وأنهم بفطرتهم يرون العلم الإجمالي منجزاً في الجملة، ويعبر عن ذلك في الاصطلاح بالاشتغال والاحتياط، وعند الدوران بين المحذورين لا يرون أنفسهم ملزمين بشيء منهما بالخصوص، ويعبر عنه بالتخيير، ومع اليقين السابق والشك لاحقاً تحكم فطرتهم باتّباع اليقين السابق، ويعبر عنه بالاستصحاب «تهذيب الأصول ط2 ج2 ص144».
ذكرت هذا لأبيّن هناك منطلقين ـ منهجياً ـ ينطلق منهما العالم الأصولي لاستفادة القاعدة الأصولية، هما:
1 ـ التأكد من أن الظاهرة اجتماعية عامة، اكتسبت شموليتها من تباني وتعارف الناس عليها بما هم عقلاء.
2 ـ التأكد من أن المشروع الإسلامي قد أقرّ هذه الظاهرة، أي اعتبرها ظاهرة سليمة تقوم بدور تنظيم العلاقة بين الإنسان وسواه وتحقق المصلحة المقصودة للشريعة الإلهية.
فمثلاً: من تلكم الظواهر (أصالة الحقيقة) التي تعني حمل كلام المتكلم على إرادة المعنى الحقيقي من كلامه عند الشك في ذلك.
هذه الأصالة ظاهرة اجتماعية عامة اقتضاها عند الناس تنظيم العلاقة بين المتكلم والمتلقّي.
وقد أقرّها الشرع المقدس بعدم الردع عنها، وبأخذه بها في سلوكه الاجتماعي.
تعريف النص
يطلق النص في لغة أصول الفقه ويراد به معناه اللغوي.
ويطلق ويراد معناه الاصطلاحي (الأصولي).
والفرق بينهما أن النص في معناه الأصولي يعني تعيين اللفظ لمعناه بدفع كل احتمالات إرادة معنى آخر غيره.
وهو ما لا نقصده هنا.
وهو في معناه اللغوي قد يراد به التعيين، من قولهم نصّ على الشيء نصّاً وتنصيصاً إذا عيّنه بذاته.
وقد يراد به اللفظ (الكلام) مفرداً وفقرةً وجملةً.
وهو المعنى الشائع ـ الآن ـ في لغة الثقافة المعاصرة، وهو المقصود لنا هنا أيضاً، ولكن في إطار الشريعة.
أي أن المقصود هنا وبشكل خاص (النصوص الشرعية) المتمثلة في آيات الأحكام وروايات الأحكام.
وبعد هذا فما هو المنهج المتّبع في دراسة النص الشرعي لتبين دلالته واستنباط الحكم الشرعي منه.
منهج دراسة النص
من استقراء محتويات الدرس الأصولي وقفنا على الأنماط التالية لمنهج دراسة النص عند الأصوليين.
1 ـ المنهج اللغوي الاجتماعي.
وأعني به رجوع العالم الأصولي في دراسة دلالة الألفاظ إلى اللغة الاجتماعية.
وأريد باللغة الاجتماعية تلك الألفاظ المستعملة في حوار وتفاهم أبناء المجتمع، سواء دونت في المعاجم اللغوية أو لم تدوّن، ذلك أن الشارع المقدس سار في لغته سيرة الناس في حوارهم وخطابهم وتفاهمهم.
فإذا أردنا ـ مثلاً ـ أن نتعرف معنى الظهور اللفظي علينا أن نلاحظ كلام الناس في عصر التشريع وكيف يتبيّنون ظهور الألفاظ من كلام بعضهم البعض.
فما يعنيه الظهور في فهمهم له وتفاهمهم به هو المعنى المطلوب.
غير أن هذا المنهج لم يقدر له أن يغطي كل موضوعات مباحث الالفاظ في الدرس الأصولي، ولماذا؟ هذا ما سنتبيّنه بعد حين.
وأقرب مثال لذلك من المؤلفات الأصولية هو كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي (ت204هـ)، ومختصر الشيخ المفيد (ت413هـ) في أصول الفقه.
2 ـ المنهج الكلامي.
وهو الذي يعتمد فيه العالم الأصولي على مبادىء وقواعد علم الكلام فينطلق لوضع القاعدة من تطبيق معطيات علم الكلام على الظواهر التي يحاول استفادة القاعدة منها.
فيتفهّم معنى الظهور ويؤصل أصالته على أساس أن الظهور من متبينات العقلاء والشارع المقدس سيد العقلاء، وهذا يعني أن تباني العقلاء يكشف عن رأي المشرع الإسلامي لأنه سيدهم ورئيسهم، وهو منحى العلماء المتكلمين في البحث.
والفرق بين هذا المنهج والمنهج اللغوي العرفي هو أن العالم في المنهج اللغوي العرفي توصل إلى فهم معنى الظهور عن طريق ملاحظة استعمالات المشرع الإسلامي نفسه، أي أفاد هذا عن دراسة استقرائية لاستعمالات المشرع الإسلامي.
بينما أفاده صاحب المنهج الكلامي عن طريق الاستنتاج، أي بدراسة استنتاجية، وهي استكشافه رأي المشرع عن طريق اتفاق جميع العقلاء على المسألة، والمشرع أحدهم من غير شك لأنه رئيسهم.
وهذا المنهج الكلامي غطى جميع موضوعات مباحث الألفاظ في كتب الأصوليين منذ عهد ذريعة المرتضى وعدة الطوسي وحتى كفاية الخراساني.
وهو أيضاً أقدم منهج أصولي اعتمدته المؤلفات الأصولية، وأغرقت في استخدامه إغراقاً كان ملحوظاً وملاحظاً عليه.
ويدلّنا على هذا نعي الشريف المرتضى في مقدمة كتابه الأصولي (الذريعة) على من تقدمه هذا الإغراق المشار إليه.
وهو يقصد بهذا كتب المعتزلة الأصولية أمثال:
ـ الآراء الأصولية لأبي علي الجبائي (ت303هـ).
ـ الآراء الأصولية لأبي هاشم الجبائي (ت321هـ).
ـ الآراء الأصولية لأبي الحسن الكرخي (ت340هـ).
ـ أصول الفقه لأبي بكر الجصاص (ت370هـ).
ـ كتاب العهد للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ت415هـ).
ـ كتاب التحصيل لأبي منصور الأسفراييني (ت429هـ).
ـ تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي الحنفي (ت430هـ).
المعتمد لأبي الحسين البصري (ت436هـ)([243]).
والذي يؤخذ من ناحية منهجية على الإغراق في استخدام المنهج الكلامي هو المفارقة التي نراها واضحة في كتب الأصول المقررة في الحوزات العلمية الإمامية حتى كفاية الخراساني وهي عدم التفرقة بين العقل والدليل العقلي أو قلّ بين العقل وبناء العقلاء فإنّا إذا عبّرنا عن بناء العقلاء بالدليل العقلي شيء لا غبار عليه لأن العقلاء إنما تبانوا وتعارفوا على السلوك المعين لأن عقلهم كان قد أملى عليهم هذا السلوك المعين، أما أن نطلق على بناء العقلاء عنوان العقل فإن فيه شيئاً من المسامحة.
وهذا هو الذي جرّ إلى استخدام الطريقة الاستنتاجية فيما ينبغي أن تسلك فيه الطريقة الاستقرائية.
فبناء العقلاء لأنه سلوك له واقع خارجي يعاش ويعايش فإن الطريق إليه هو الاستقراء.
أما العقل الذي يعني التصور والتفكير فالطريق إليه هو الاستنتاج، فإننا عندما نستدل ببناء العقلاء على حجية الظهور لا نستدل بالعقل بشكل مباشر وإنما نستدل بالسلوك الذي مصدره العقل.
والسلوك لأنه عمل خارجي له واقع محسوس لا يكون الطريق السوي إلى الوصول إليه إلا الاستقراء.
وكما ألمحت اعتمد الأصوليون المشار ليهم هذا المنهج الكلامي في جميع موضوعات علم أصول الفقه.
أي حتى في المفردات والتراكيب والأساليب أمثال الحقيقة والمجاز والأوامر والنواهي والعموم والخصوص، وهي المواد التي تحدد قواعدُها الظهور اللفظي.
والمفروض ـ منهجياً ـ لأننا في أصول الفقه ندرس النصوص الشرعية من آيات وروايات وهي نصوص عربية أن ندرسها من واقع الاستعمال العربي الاجتماعي، لا أن نخضعها لمبادىء كلامية وذلك لأن اللغة من الاعتباريات، ومبادىء علم الكلام قواعد عقلية مسرحها التكوينيات لا الاعتباريات.
ونحن برجوعنا إلى اللغة العربية الاجتماعية نهدف إلى أن نتعرف اعتبار المعتبر في دلالة اللفظ.
من هنا كان لا بد من إعادة النظر في منهج دراسة النص عند الأصوليين ولكن قد يكون الانتقال من المنهج الكلامي كاملاً إلى المنهج اللغوي الاجتماعي كاملاً فيه شيء غير قليل من مجافاة التربية الفكرية، والابتعاد عن اللغة العلمية الأصولية الموروثة، فكان لا بد أيضاً من سلوك منهج يجمع بين المنهجين، وهو ما قد يعبّر عنه بالمنهج التكاملي.
وهو ما تبنّته كلية الفقه في كتبها المقررة لدراسة مادة أصول الفقه.
المنهج التكاملي
وأعني به التفصيل في دراسة النص الشرعي بين القواعد وتفاصيل القواعد.
ففي القواعد نرجع إلى الدليل العقلي في إثبات حجية القاعدة التي ترتبط بالنص الشرعي وهي المتمثلة في المسائل التالية:
ـ حجية خبر الثقة.
ـ حجية ظهور اللفاظ.
ـ تشخيص مراد المتكلم.
وفي تفاصيل القواعد نرجع إلى العلوم اللغوية العربية وإلى تاريخ الحضارة العربية في عصر التشريع.
أصول الفقه للشيخ محمد رضا المظفر
صنف الشيخ محمد رضا كتابه هذا إلى المباحث التالية:
1 ـ مباحث الألفاظ.
استعرض فيه المفردات والتراكيب والأساليب التي هي بمثابة صغريات لكبرى الظهور أو قل مصاديق وجزئيات لقاعدة الظهور.
2 ـ مباحث الملازمات العقلية.
تناول فيه التلازم بين حكم العقل وحكم الشرع بما يمثل الجزئيات لقاعدة كل ما حكم به العقل حكم به الشرع.
3 ـ مباحث الأصول العملية.
عقده لدراسة الظواهر العامة التي هي جزئيات من سيرة العقلاء.
4 ـ مباحث الحجة.
عرض فيه للأدلة الأربعة وما إليها بإثبات حجيتها.
والجديد في هذا التصنيف الذي يعدّ خطوة زائدة في مجال تطوير تبويب المواد الأصولية هو إضافة الباب الأخير (مباحث الحجة).
فقد كانت الموضوعات التي بحثها في هذا الباب تبحث عند سابقيه ضمن موضوعات أخرى كالقطع والظن كما في كتاب (فرائد الأصول) للشيخ الأنصاري.
ولكن قد يؤخذ عليه تصنيفه هذا الباب آخر أبواب الكتاب، والمفروض منهجياً أن يوضع في أول الكتاب بعد المقدمة العلمية مباشرة لأن المباحث الأخرى تشتمل على صغريات هذه الحجج ومعرفة الكبرى قبل الصغرى هو الشيء الطبيعي منهجياً وهذا أمر يتمّ بسهولة عند إعادة طبع الكتاب.
أما ما نحن بصدد بيانه من التطوير في منهج دراسة النص الشرعي فنراه ماثلاً في أكثر من موضع من الكتاب المذكور.
ومنه ـ كمثال واحد نكتفي به لبيان المقصود ـ ما ذكره في تفسير آية النبأ والاستدلال بها على حجية خبر الثقة فقد سار الخطوات التالية:
قام أولاً: بشرح مفردات الآية الكريمة.
ثم أعطى المعنى العام للآية من منطلق ربط النص بالواقع الاجتماعي الذي نظر النص إليه بصفته نصّاً تشريعياً أنزل يهذب سلوكاً اجتماعياً قائماً آنذاك، ومن منطلق ربط السلوك الذي هدف النص إلى تهذيبه بواقع الحضارة الراهنة آنذاك.
فقد فهم من خلال هذا الربط أن الناس آنذاك كانوا يصدقون كل خبر ينقل إليهم سواء كان ناقله ثقة أو غير ثقة، فنزلت الآية الكريمة لتهذب وتصحح هذا السلوك بتشريع حرمة العمل على وفق خبر الفاسق قبل التبين من واقع الخبر، وبتشريع اشتراط الوثاقة في الخبر لجواز قبول الخبر وترتيب الأثر العملي عليه.
وهي نظرة علمية جيدة أفادها من منطلق معرفته لواقع الحياة الاجتماعية للبشرية وما يطرأ عليها من تطورات، ومعرفته الحضارة الإنسانية وما يمرّ بها من تغيرات.
وجاءته هذه النظرة من اطّلاعه على بحوث الحضارة ودراسات العلوم الاجتماعية، وما توصلت إليه من نتائج مهمة ترتبط بقضايا التشريعات بشرية وإلهية.
بينما تناول السابقون عليه النص منفصلاً عن الواقع وخاضعاً للاحتمالات العقلية التي تقوم على الاستنتاجات الشخصية لا الاستقراءات التاريخية.
وهي نقلة علمية رائدة مهّد فيها سبيل المنهج لمن يأتي بعده.
وللتوثيق أنقل هنا نص كلامه في الاستدلال بالآية المذكورة من الكتاب المذكور (الطبعة الثانية ببيروت سنة 1410هـ ـ 1990م، المجلد الثاني، الصفحات 64، 65، 66، 67 تحت عنوان: أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز: الآية الأولى ـ آية النبأ) قال:
الآية الأولى ـ آية النبأ:
وهي قوله تعالى من سورة الحجرات 6: «إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيْبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ».
وقد استدل بهذه الآية الكريمة من جهة مفهوم الوصف ومن جهة مفهوم الشرط، والذي يبدو أن الاستدلال بها من جهة مفهوم الشرط كافٍ في المطلوب.
وتقريب الاستدلال يتوقف على شرح ألفاظ الآية أولاً، فنقول:
1 ـ التبين، إن لهذه المادة معنيين:
الأول: بمعنى الظهور،فيكون فعلها لازماً، فنقول، تبيّن الشيء، إذا ظهر وبان، ومنه قوله تعالى: «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ» [البقرة: 187]، «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُ الحَقُّ» [فصلت: 53].
والثاني: بمعنى الظهور عليه، يعني العلم به واستكشافه، أو التصدي للعلم به وطلبه، فيكون فعلها متعدياً، فتقول: تبيّنت الشيء إذا علمته، أو إذا تصديت للعلم به وطلبته. وعلى المعنى الثاني وهو التصدي للعلم به يتضمن معنى التثبّت فيه والتّأنّي فيه لكشفه وإظهاره والعلم به. ومنه قوله تعالى في سورة النساء 94: «إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا» ومن أجل هذا قرىء بدل فتبينوا: (فتثبتوا) ومنه كذلك هذه الآية التي نحن بصددها «إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإِ فَتَبَيَّنُوا» وكذلك قرىء فيها (فتثبتوا) فإن هذه القراءة مما تدل على أن المعنيين (وهما التبين والتثبّت) متقاربان.
2 ـ «أنْ تُصِيْبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ». يظهر من كثير من التفاسير أن هذا المقطع من الآية كلامٌ مستأنفٌ جاء لتعليل وجوب التّبيّن. وتبعهم على ذلك بعض الأصوليين الذين بحثوا هذه الآية هنا.
ولأجل ذلك قدروا لكلمة (فتبينوا) مفعولاً، فقالوا مثالاً: «معناه فتبينوا صدقه من كذبه»: كما قدروا لتحقيق نظم الآية وربطها لتصلح هذه الفقرة أن تكون تعليلاً كلمة تدل على التعليل بأن قالوا: «معناها: خشية أن تصيبوا قوماً بجهالة، أو حذار أن تصيبوا، أو لئلا تصيبوا قوماً…» ونحو ذلك.
وهذه التقديرات كلها تكلّف وتمحّل لا تساعد عليها قرينة ولا قاعدة عربية. ومن العجيب أن يؤخذ ذلك بنظر الاعتبار ويرسل إرسال المسلمات.
والذي أرجحه أن مقتضى سياق الكلام والاتّساق مع أصول القواعد العربية أن يكون قوله: «أنْ تُصِيْبُوا قَوْماً…» مفعولاً لتبيّنوا فيكون معناه (فتثبتوا واحذروا إصابة قومٍ بجهالةٍ).
والظاهر أن قوله تعالى: «فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيْبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ» يكون كناية عن لازم معناه، وهو عدم حجية خبر الفاسق، لأنه لو كان حجة لما دعا إلى الحذر من إصابة قوم بجهالة عند العمل به ثم من الندم على العمل به.
3 ـ الجهالة: إسمٌ مأخوذٌ من الجهل أو مصدر ثانٍ له، قال عنها أهل اللغة: «الجهالة: أن تفعل فعلاً بغير العلم» ثم هم فسروا الجهل بأنه المقابل للعلم، عبّروا عنه تارةً بتقابل التّضادّ وأخرى بتقابل النقيض، وإن كان الأصح في التعبير العلمي أنه من تقابل العدم والملكة.
والذي يبدو لي من تتبّع استعمال كلمة الجهل ومشتقاتها في أصول اللغة العربية أن إعطاء لفظ الجهل معنى يقابل العلم بهذا التحديد الضيّق لمعناه جاء مصطلحاً جديداً عند المسلمين في عهدهم لنقل الفلسفة اليونانية إلى العربية الذي استدعى تحديد معاني كثير من الألفاظ وكسبها إطاراً يناسب الأفكار الفلسفية، وإلا فالجهل في أصل اللغة كان يعطي معنى يقابل الحكمة والتّعقّل والرّويّة فهو يؤدي تقريباً معنى السّفه أو الفعل السفهي عندما يكون عن غضب مثلاً وحماقة وعدم بصيرة وعلم.
وعلى كل حال هو بمعناه الواسع اللغوي يلتقي مع معنى الجهل المقابل للعلم الذي صار مصطلحاً علميّاً بعد ذلك. ولكن ليس هو إياه. وعليه، فيكون معنى (الجهالة) أن تفعل فعلاً بغير حكمة وتعقّل ورويّة الذي لازمه عادة عدم إصابة الواقع والحق.
إذا عرفت هذه الشروح لمفردات الآية الكريمة يتّضح لك معناها وما تؤدي إليه من دلالة على المقصود في المقام.
إنها تعطي أن النبأ من شأنه أن يصدق به عند الناس ويؤخذ به من جهة أن ذلك من سيرتهم، وإلا فلماذا نهى عن الأخذ بخبر الفاسق من جهة أنه فاسق. فإراد تعالى أن يلفت أنظار المؤمنين إلى أنه لا ينبغي أن يعتمدوا كل خبر من أي مصدر كان، بل إذا جاء به فاسقٌ ينبغي ألا يؤخذ به بلا تروٍّ، وإنما يجب فيه أن يتثبتوا أن يصيبوا قوماً بجهالة أي بفعل ما فيه سفه وعدم حكمة قد يضرّ بالقوم. والسر في ذلك أن المتوقع من الفاسق أن لا يصدق في خبره فلا ينبغي أن يصدق ويعمل بخبره.
فتدل الآية بحسب المفهوم على أن خبر العادل يتوقع منه الصدق فلا يجب فيه الحذر والتثبت من إصابة قوم بجهالة. ولازم ذلك أنه حجة.
والذي نقوله ونستفيده وله دخلٌ في استفادة المطلوب من الآية، أن النبأ في مفروض الآية مما يعتمد عليه عند الناس وتعارفوا الأخذ به بلا تثبّت، وإلا لما كانت حاجة للأمر فيه بالتّبيّن في خبر الفاسق، إذا كان النبأ من جهة ما هو نبأ لا يعمل به الناس.
ولما علقت الآية وجوب التبين والتثبت على مجيء الفاسق يظهر منه بمقتضى مفهوم الشرط أن خبر العادل ليس له هذا الشأن، بل الناس لهم أن يبقوا فيه على سجيّتهم من الأخذ به وتصديقه من دون تثبّت وتبيّن لمعرفة صدقه من كذبه من جهة خوف إصابة قوم بجهالة. وطبعاً لا يكون ذلك إلا من جهة اعتبار خبر العادل وحجيته، لأن المترقب منه الصدق، فيكشف ذلك عن حجية قول العادل عند الشارع وإلغاء احتمال الخلاف فيه.
والظاهر أن بهذا البيان للآية يرتفع كثير من الشكوك التي قيلت على الاستدلال بها على المطلوب فلا نطيل في ذكرها وردّها.
إنه يشير إلى ما ذكره الشيخ الأنصاري في (الرسائل)([244]) بعد أن بيّن وجه الاستدلال بالآية الكريمة على حجية خبر الثقة، حيث قال: «وكيف كان فقد أُورد على الآية إيرادات كثيرة ربما تبلغ إلى نيّف وعشرين».
وهي تعطينا الصورة الواضحة عن المنهج الكلامي الذي يتعامل العالم الأصولي من خلاله مع النص منفصلاً عن واقعه الاجتماعي.
وللتوثيق والمقارنة أنقل هنا ما ذكره الشيخ الأنصاري من الإيرادات التي لا يمكن الذب عنها، قال: «أما ما لا يمكن الذب عنه فإيرادان:
أحدهما: أن الاستدلال إن كان راجعاً إلى اعتبار مفهوم الوصف أعني الفسق ففيه: أن المحقق في محلّه عدم اعتبار المفهوم في الوصف، خصوصاً في الوصف الغير المعتمد على موصوف محقق، كما فيما نحن فيه فإنه أشبه بمفهوم اللقب. ولعلّ هذا مراد من أجاب عن الآية، كالسيدين وأمين الإسلام والمحقق والعلامة وغيرهم، بأن هذا الاستدلال مبني على دليل الخطاب ولا نقول به.
وإن كان باعتبار مفهوم الشرط، كما يظهر من المعالم والمحكيّ عن جماعة، ففيه: إن مفهوم الشرط عدم مجيء الفاسق بالنبأ، وعدم التّبيّن هنا لأجل عدم ما يتبيّن. فالجملة الشرطية هنا مسوقة لبيان تحقق الموضوع، كما في قول القائل: إن رُزِقتَ ولداً فاختِنه، وإن ركب زيد فخذ بركابه، وإن قدم من السفر فاستقبله، وإن تزوجت فلا تضع حق زوجتك، وإذا قرأت الدرس فاحفظه. قال الله سبحانه: «وَإذَا قُرِىءَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأنْصِتُوا» [الأعراف: 204]، و«وَإذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أوْ رُدُّوهَا» [النساء: 86]، إلى غير ذلك مما لا يحصى.
ومما ذكرنا ظهر فساد ما يقال: تارةً إن عدم مجيء الفاسق يشمل ما لو جاء العادل بنبأ فلا يجب تبيّنه فيثبت المطلوب، وأخرى إن جعل مدلول الآية هو عدم وجوب التّبيّن في خبر الفاسق لأجل عدمه، يوجب حمل السالبة على المنتفية بانتفاء الموضوع، وهو خلاف الظاهر.
وجه الفساد: أن الحكم إذا ثبت لخبر الفاسق بشرط مجيء الفاسق به كان المفهوم بحسب الدلالة العرفية أو العقلية انتفاء الحكم المذكور في المنطوق عن الموضوع المذكور فيه عند انتفاء الشرط المذكور فيه. ففرض مجيء العادل بنبأ عند عدم الشرط ـ وهو مجيء الفاسق بالنبأ ـ لا يوجب انتفاء التّبيّن عن خبر العادل الذي جاء به لأنه لم يكن مثبتاً في المنطوق حتى ينفى في المفهوم. فالمفهوم في الآية وأمثالها ليس قابلاً لغير السالبة بانتفاء الموضوع، وليس هنا قضية لفظية سالبة دار الأمر بين كون سلبها لسلب المحمول عن الموضوع الموجود أو لانتفاء الموضوع.
الثاني: ما أورده، في محكي العدّة والذريعة والغنية ومجمع البيان والمعارج وغيرها، من أنّا لو سلمنا دلالة المفهوم على قبول خبر العادل الغير المفيد للعلم، لكن نقول: إن مقتضى عموم التعليل وجوب التّبيّن في كل خبر لا يؤمن الوقوع في الندم من العمل به وإن كان المخبر عادلاً، فيعارض المفهوم والترجيح مع ظهور التعليل.
لا يقال: إن النسبة بينهما وإن كان عموماً من وجه، فيتعارضان في مادة الاجتماع وهي خبر العادل الغير المفيد للعلم، لكن يجب تقديم عموم المفهوم وإدخال مادة الاجتماع فيه، إذ لو خرج عنه وانحصر مورده في خبر العادل المفيد للعلم كان لغواً، لأن خبر الفاسق المفيد للعلم أيضاً واجب العمل، بل الخبر المفيد للعلم خارج عن المنطوق والمفهوم معاً، فيكون المفهوم أخصّ مطلقاً من عموم التعليل.
لأنّا نقول: ما ذكره أخيراً من أن المفهوم اخص مطلقاً من عموم التعليل مسلم، إلا أنّا ندعي التعارض بين ظهور عموم التعليل في عدم جواز العمل بخبر العادل الغير العلمي وظهور الجملة الشرطية أو الوصفية في ثبوت المفهوم. فطرح المفهوم والحكم بخلوّ الجملة الشرطية عن المفهوم اولى من ارتكاب التخصيص في التعليل. وإليه أشار في محكي العدة بقوله:
«لا نمنع ترك دليل الخطاب لدليل، والتعليل دليل»([245]).
وليس في ذلك منافاة لما هو الحق، وعليه الأكثر، من جواز تخصيص العام بمفهوم المخالفة، لاختصاص ذلك أولاً بالمخصّص المنفصل. ولو سلم جريانه في الكلام الواحد منعناه في العلّة والمعلول، فإن الظاهر عند العرف أن المعلول يتبع العلّة في العموم والخصوص.
فالعلّة تارةً تخصص مورد المعلول وإن كان عاماً بحسب اللفظ. كما في قول القائل: «لا تأكل الرمان لأنه حامض»، فيخصّصه بالأفراد الحامضة فيكون عدم التقيّد في الرمان لغلبة الحموضة فيه.
وقد توجب عموم المعلول وإن كان بحسب الدلالة اللفظية خاصاً، كما في قول القائل: «لا تشرب الأدوية التي يصفها لك النسوان، وإذا وصفت لك امرأة دواءً فلا تشربه، لأنك لا تأمن ضرره».
فيدل على أن الحكم عام في كل دواء لا يؤمن ضرره من أي واصف كان، ويكون تخصيص النسوان بالذكر من بين الجهّال لنكتة خاصة أو عامة لاحظها المتكلم.
وما نحن فيه من هذا القبيل، فلعل النكتة فيه التنبيه على فسق الوليد، كما نبّه عليه في المعارج([246]). وهذا الإيراد مبني على أن المراد بالتبيّن هو التّبين العلمي كما هو مقتضى اشتقاقه.
ويمكن أن يقال: إن المراد منه ما يعمّ الظهور العرفي الحاصل من الاطمئنان الذي هو مقابل الجهالة.
وهذا، وإن كان يدفع الإيراد المذكور عن المفهوم ـ من حيث رجوع الفرق بين الفاسق والعادل في وجوب التبين إلى أن العادل الواقعي يحصل منه غالباً الاطمئنان المذكور بخلاف الفاسق، فلهذا وجب فيه تحصيل الاطمئنان من الخارج ـ لكنك خبير بأن الاستدلال بالمفهوم على حجية خبر العادل المفيد للاطمئنان غير محتاج إليه، إذ المنطوق على هذا التقرير يدل على حجية كل ما يفيد الاطمئنان، كما لا يخفى، فيثبت اعتبار مرتبة خاصة من مطلق الظن.
ثم إن المحكي عن بعض منع دلالة التعليل على عدم جواز الإقدام على ما هو مخالف للواقع: بأن المراد بالجهالة السفاهة وفعل ما لا يجوز فعله، لا مقابل العلم، بدليل قوله تعالى: «فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» [الحجرات: 6]. ولو كان المراد الغلط في الاعتقاد لما جاز الاعتماد على الشهادة والفتوى.
وفيه، مضافاً إلى كونه خلاف ظاهر لفظ الجهالة: إن الإقدام على مقتضى قول الوليد لم يكن سفاهة قطعاً، إذ العاقل بل جماعة من العقلاء لا يقدمون على الأمور من دون وثوق بخبر المخبر بها فالآية تدل على المنع عن العمل بغير العلم، لعلّة هي كونه في معرض المخالفة للواقع.
وأما جواز الاعتماد على الفتوى والشهادة، فلا يجوز القياس بها، لما تقدم في توجيه كلام ابن قبّة، من أن الإقدام على ما فيه مخالفة الواقع أحياناً: قد يحسن لأجل الاضطرار إليه وعدم وجود الأقرب إلى الواقع منه، كما في الفتوى، وقد يكون لأجل مصلحة تزيد على مصلحة إدراك الواقع، فراجع.
فالأولى لمن يريد التّقصّي عن الإيراد التّشبّث بما ذكرنا، من أن المراد بالتبيّن تحصيل الاطمئنان، وبالجهالة الشك أو الظن الابتدائي الزائل بعد الدقة والتأمل، فتأمل.
ففيها إرشاد إلى عدم جواز مقايسة الفاسق بغيره وإن حصل منه الاطمئنان، الحاصل من الفاسق يزول بالالتفات إلى فسقه وعدم مبالاته بالمعصية وإن كان متحرّزاً عن الكذب.
ومنه: يظهر الجواب عما ربما يقال من: أن العاقل لا يقبل الخبر من دون اطمئنان بمضمونه، عادلاً كان المخبر أو فاسقاً. فلا وجه للأمر بتحصيل الاطمئنان في الفاسق».
الأصول العامة للفقه المقارن
بوّب مؤلف هذا الكتاب السيد محمد تقي الحكيم كتابه تبويباً منهجيّاً سليماً ترابطت فيه موضوعات هذا العلم ترابطاً عضوياً وترتبت ترتيباً أخذ كل موضوع فيه موضعه الطبيعي من الكتاب.
والمنهجية عند المؤلف ميزة تفرّد بها ـ في حدود اطّلاعي ـ من بين أقرانه علماء الحوزة العملية في النجف الأشرف.
ويرجع هذا ـ فيما أقدر ـ إلى عاملين هما:
1 ـ موهبة التنظيم التي منحها الله إياه.
2 ـ قراءاته الكثيرة والمتنوعة، التي نمّت عنده هذه الموهبة وصقلتها صقلاً مميزاً آتى ثماره فيما كتب من بحوث ورسائل وكتب.
بدأ كتابه بالباب التمهيدي الذي عرّف فيه الفقه المقارن وأصول الاحتجاج وأصول الفقه المقارن، ثم تلاها بمباحث الحكم، وختم الباب بعرضه لمنهج البحث الذي سيسلكه في دراسته هذه.
ثم في الباب الأول، بحث أدلّة الفقه: الكتاب والسّنّة والإجماع ودليل العقل والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وفتح الذرائع وسدّها والعرف وشرع من قبلنا ومذهب الصحابي. وعقد الباب الثاني للاستصحاب منفرداً لأنه أصلٌ إحرازيٌّ يقع بين الأمارة والأصول غير المحرزة وخصّص الباب الثالث للأصول العملية غير الإحرازية وهي: البراءة والتخيير والاحتياط. وفي الباب الرابع في مبحث الإستحسان ناقش استدلال المثبتين له… وفي الباب الخامس بحث موضوع القرعة.
وأخيراً ختم الكتاب بموضوعي الاجتهاد والتقليد.
وهو بهذا التبويب جمع جميع الأصول أو قل الأدلة الفقهية التي وضع هذا العلم لالتماس أدلّتها التي تثبت مشروعيّتها وتمنحها حجيتها.
وبتعبير آخر: اقتصر على استعراض الكبريات (القواعد الأصولية) دون إدخال صغرياتها حريم البحث ذلكم الإدخال الذي أوقع الدرس الأصولي في غير موضع منه في مفارقة الخلط بين الكبريات والصغريات.
ولتوضيح هذا نأخذ مباحث الألفاظ عن سابقيه فإنها في حقيقتها العلمية هي صغريات لكبرى الظهور، فالمفروض منهجياً أن تبحث دلالة الألفاظ تعريفها وأقسامها، ثم تذكر المباحث المشار إليها مصادر لتحديد الظهورات.
وهي إلتفاتة منهجية من المؤلف موفقة غاية التوفيق.
وأيضاً تلافى المؤلف ما وقع فيه شيخنا المظفر من تأخير مباحث الحجج عن موقعها الطبيعي في التبويب السليم.
أما ما نحن في معرضه من بيان تطوير منهج دراسة النص الشرعي من خلال بحوث المؤلف، فنأتي على شواهد لذلك من الكتاب المذكور للإيضاح والتوثيق.
1 ـ ففي تفسير آية النبأ لإثبات حجية خبر الثقة ربط المؤلف النص بواقع حادثة نزول الآية الكريمة باعتباره قرينة موضحة لدلالة الآية، واتّخذ من سياق الآية في إطار ترتيب ألفاظها وترابط معانيها قرينة أخرى في إفادة المعنى المطلوب.
ثم قام بتطبيق قاعدة مفهوم الشرط الأصولية ليسلمه ذلك إلى النتيجة المقصودة.
وهذا المنهج ـ كما ترى ـ منهج تكاملي جمع بين الفهم العرفي والحسّ اللغوي، والطريقة الكلامية في الاستدلال. قال في (ص206 ـ 207 ـ 208 من ط2):
«وقد استدلّ المثبتون ـ على اختلاف أدلتهم ـ بعد ضمّ بعضها إلى بعض بالأدلة الأربعة: الكتاب، السّنّة، الإجماع، حكم العقل.
وأهم أدلّتهم من الكتاب آيتان:
أولاهما قوله تعالى: «يَاأيّهَا الّذِيْنَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيْبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِيْنَ» [الحجرات: 6].
والظاهر من الآية بقرينة مورد نزولها أنها واردة مورد الردع عن بناء عقلاني قائم إذ ذاك، وهو الاعتماد على خبر الواحد وإن كان غير مؤتمن على النقل.
وقد صبّت الآية ردعها على خصوص الفاسق ـ بما أنه غير مؤتمن على طبيعة ما ينقله بقرينة تعلقها التبيين على نبئه بالخصوص.
وتخصيص التبين بخبر الفاسق، يكشف بمفهوم الشرط عن إقرارهم على الآخذ بخبر غيره.
وليست القضية هنا واردة لبيان الموضوع ـ كما قد يتخيل ذلك ـ لكون الجزاء معلقاً على المجيء، وانتفاء التبين لانتفائه من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع وهي لا تدل على المفهوم.
وذلك لأن الموضوع في القضية الشرطية إذا كان مؤلفاً من جزأين «أحدهما مما يتوقف عليه الجزاء عقلاً دون الآخر، كما إذا قيل: إن ركب الأمير، وكان ركوبه يوم الجمعة، فخذ بركابه، فإن توقف الجزاء على أصل الركوب عقلي، وعلى كونه في يوم الجمعة شرعي مولوي، ففي ذلك يثبت لها المفهوم بالإضافة إلى خصوص الجزء الذي لا يتوقف عليه تحقق الجزاء عقلاً ولا يكون لها مفهوم بالإضافة الى الجزاء الآخر»([247]).
والموضوع الذي ركز عليه التبين هنا، كان مركباً من النبأ ومجيء الفاسق به، فإن انتفى مجيء الفاسق به، انتفى لزوم التبيّن عنه، فكأنه قال النبأ الذي لا يجيء به الفاسق لا يجب التبين عنه، وهو معنى حجية النبأ الذي يجيء به غير الفاسق، والظاهر أن انطواء الآية على تخصيص الردع بقسم من الأخبار التي قام بناؤهم على الأخذ بها مطلقاً وإقرار الباقي مما لا ينبغي أن يكون موضعاً لكلام، وظهورها في ذلك لا تزعزعه كثرة ما أورده عليها من إشكالات قد يخضع أكثرها لفلسفة لغوية. ولكنه لا يقوى مهما كانت قيمته على زلزلة ما لها من ظهور عرفي وهو الأساس في الحجية، وبخاصة إذا لاحظنا أسلوب عرضها للفكرة وألقينا عليها الأضواء من أسباب النزول.
ولكن الآية في ظاهرها واردة لإقرار بناء عقلائي قائم ورادعة عن قسمٍ منه، وهو الأخذ بأخبار الفاسق ـ بما أنه غير مؤتمن على خبره كما تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع، ويقتضيه التعليل ـ فهي من مكملات الدليل القادم، أعني بناء العقلاء.
2 ـ وفي تفسير آية النفر في الموضوع نفسه أفاد دلالة الآية على حجية خبر الثقة من حاق التعبير بالنص، ومن ربط النص في الواقع التاريخي الذي كان الناس يعيشونه ولا يزالون يعيشونه.
فهو ـ بهذا ـ يدخل المنهج عنصري اللغة والتاريخ فيعتمد المنهج اللغوي الاجتماعي في إفادة معنى الآية الكريمة. قال (في ص28 ـ 29 من الطبعة نفسها):
«الآية الثانية وهي قوله تعالى: «وَمَا كَانَ المُؤْمِنُوْنَ لِيَنْفِرُوْا كَافّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّيْنِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» [التوبة: 122].
والذي يبدو لي من صدر الآية أن شبهة عرضت لبعض من هم خارج المدينة من المسلمين في أن لزوم التّفقّه المباشر من النبي (ص) إنما هو من قبيل الواجبات العينية التي لا يسقطها قيام البعض بها عنهم، ففكروا بالنفر جميعاً إلى المدينة ليأخذوا الأحكام عنه مباشرة، فنزلت هذه الآية لتفهمهم بأن هذا النوع من النفر الجماعي لا ضرورة له، وليس هو مما ينبغي أن يكون لما ينطوي عليه من شلّ لحركتهم الاجتماعية وتعطيل لأعمالهم، فاكتفى الشارع بمجيء طائفة من كل فرقة منهم للتّفقّه في الدين والقيام بمهمة تعليمهم إذا رجعوا إليهم.
والظاهر من أمثال هذه الآيات التي يقع فيها تقابل الجمع بالجمع أنها واردة على نحو الجموع الانحلالية لا المجموعية، بمعنى أن كل واحد من هذه الطائفة مسؤول عن تعليم بعض المكلفين لا أن المجموع مسؤولون عن تعليم المجموع، ونظيره في تعبيراتنا المتعارفة ما لو أصدرت وزارة التعليم مثلاً بياناً إلى المعلمين في الدولة في أن يكافحوا الأمية بتعليم المواطنين الأميين، فليس معنى ذلك أن يجتمع المعلمون جميعاً ليعلموا دفعة واحدة مجموع الأميين، بل معناه أن على كل واحد أن يجنّد نفسه لتعليم غيره فرداً كان أو أكثر.
والعمومات المجموعية نادرة فلا يصار إليها إلا بدليل.
والذي أتصوره أن الطريقة السائدة في عصورنا من الهجرة إلى مراكز التفقه كالنجف الأشرف، وقم، والقاهرة من بعض من يسكنون بعيداً عنها، ثم العودة إلى بلادهم ليعلموا إخوانهم أحكام دينهم هي نفس الطريقة التي دأبوا عليها في عصر النبي (ص) ودعت إليها الآية.
وليس في هذه الطريقة اجتماع المبلغين والمرشدين في مقام الأداء ليكونوا لمستمعيهم مقدار ما يتحقق به التواتر، بل يكتفون بالواحد الموثوق به منهم، فالآية على هذا واردة في مقام جعل الحجة لأخبار آحاد الطائفة، وإن شئت أن تقول إنها واردة لإمضاء بناء عقلائي في ذلك كسابقتها.
وإذا صحّت هذه الاستفادة لم تبق حاجة إلى استعراض ما يراد من كلمة (لعل) في الآية، أو كلمة (الحذر) فيها، لعدم توقف دلالة الآية عليها، ويكفي في الإلزام بالرجوع إليهم لأخذ الأحكام تشريع ذلك، وإن كان بلسان الترخيص ومن لوازم الترخيص في مثله جعل الحجية لما يحدثون به فلا يسوغ تجاهلها مع قيامها بداهة.
واحتمال أن يراد بالطائفة ما يبلغ به حدّ التواتر على أن يجتمع الكل لتبليغ كل واحد منهم احتمال يأباه ظاهر الآية، وكيفية الاستفادة من نظائرها كما يأباه الواقع العملي لما درج عليه المبلغون في جميع العهود بما فيه عهد الرسول (ص) على أن لفظ طائفة أوسع منه فتضييقها إلى ما يخصّه بالخصوص لا ملجأ له ولا شاهد عليه.
وبهذا يتّضح واقع ما أثاره الآمدي وغيره من التشكيكات حول دلالة الآية على حجية خبر الواحد([248])، فلا حاجة إلى الدخول في تفصيلاته.
3 ـ وفي دلالة حديث الثقلين على عصمة أهل البيت يستخدم المؤلف المنهج اللغوي لاستيحاء العصمة من حاق تعبير النص، ثم ـ وبالآخرة ـ يستخدم المنهج الكلامي تلميحاً إليه وإشارة إلى معطياته في هذا المقام. قال (في ص166 ـ 167 ط2).
«وقد استفيد من هذا الحديث عدة أمور نعرضها بإيجاز:
1 ـ دلالته على عصمة أهل البيت:
أ ـ لاقترانهم بالكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتصريحه بعدم افتراقهم عنه، ومن البديهي أن صدور أي مخالفة للشريعة سواء كانت عن عمدٍ أم سهوٍ أم غفلةٍ، تعتبر افتراقاً عن القرآن في هذا الحال وإن لم يتحقق انطباق عنوان المعصية عليها أحياناً كما في الغافل والساهي، والمدار في صدق عنوان الافتراق عنه عدم مصاحبته لعدم التقيد بأحكامه وإن كان معذوراً في ذلك، فيقال فلان ـ مثلاً ـ افترق عن الكتاب وكان معذوراً في افتراقه عنه؛ والحديث صريح في عدم افتراقهما حتى يردا الحوض.
ب ـ ولأنه اعتبر التمسك بهم عاصماً عن الضلالة دائماً وأبداً، كما هو مقتضى ما تفيده كلمة لن التأبيدية، وفاقد الشيء لا يعطيه.
جـ ـ على أن تجويز الافتراق عليهم بمخالفة الكتاب وصدور الذنب منهم تجويز للكذب على الرسول (ص) الذي أخبر عن الله عزّ وجلّ بعدم وقوع افتراقهما، وتجويز الكذب عليه متعمداً في مقام التبليغ والإخبار عن الله في الأحكام وما يرجع إليها من موضوعاتها وعللها، منافٍ لافتراض العصمة في التبليغ، وهي مما أجمعت عليها كلمة المسلمين على الإطلاق حتى نفاة العصمة عنه بقول مطلق، يقول الشوكاني بعد استعراضه لمختلف مبانيهم في عصمة الأنبياء: «وهكذا وقع الإجماع على عصمتهم بعد النبوة من تعمّد الكذب في الأحكام الشرعية لدلالة المعجزة على صدقهم؛ وأما الكذب غلطاً فمنعه الجمهور، وجوّزه القاضي أبو بكر»([249]). ولا إشكال أن الغلط لا يتأتّى في هذا الحديث لإصرار النبي (ص) على تبليغه في أكثر من موضع وإلزام الناس بمؤدّاه؛ والغلط لا يتكرر عادةً. على أن الأدلة العقلية على عصمة النبي، والتي سبقت الإشارة إليها، من استحالة الخطأ عليه في مقام التبليغ ـ وكل ما يصدر عنه تبليغ ـ كما يأتي، تكفي في دفع شبهة القاضي أبي بكر، وتمنع من احتمال الخطأ في دعواه عدم الافتراق».
4 ـ وفي مبحث (الاستحسان) يناقش المؤلف استدلال المثبتين له بالكتاب العزيز نقاشاً اعتمد فيه المنهجين اللغوي والكلامي متكاملين لينتهي إلى أن ما استدلّ به من الآي الكريمة لا يفيد المدعى. قال (في ص373 ـ 374):
«وقد استدلّوا على حجية الاستحسان بعدة أدلة، بعضها من الكتاب وبعضها الآخر من السّنّة والثالث من الإجماع.
أدلتهم من الكتاب:
وأهمها: 1 ـ قوله تعالى: «الّذِينَ يَسْتَمِعُوْنَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُوْنَ أحْسَنَهُ» [الزمر: 18].
2 ـ قوله تعالى: «وَاتَّبِعُوا أحْسَنَ مَا أُنْزِلً إلَيْكثمْ مِنْ رَبِّكُمْ» [الزمر: 55].
بتقريب أنه تعالى مدحهم على اتّباع أحسن ما يستمعونه من القول في الآية الأولى، وألزمهم باتّباع أحسن ما أنزل إليهم من ربهم في الآية الثانية، والمدح والإلزام أمارة جعل الحجية له.
ويرد على الاستدلال بهاتين الآيتين ونظائرهما:
1 ـ إن هذه الآيات استعملت لفظة (الأحسن) في مفهومه اللغوي، وهو أجنبي عمّا ذكروه لها من المعاني الاصطلاحية، ولو سلم فعلى أيها ينزل ليصلح للدليلية عليه، مع أنها متباينة وليس بينها قدرٌ جامعٌ، بل لا يمكن تصوّره إلا بضرب من التّعسّف كما سبقت الإشارة إليه، وحمله على بعضها دون بعض مصادرة واضحة.
نعم القائلون بأن الاستحسان هو الأخذ بأقوى الدليلين يمكنهم التمسك بهذه الآيات.
2 ـ إن الآية الأولى وإن مدحت هؤلاء المستمعين على اتّباع أحسن الأقوال، لا أنها افترضت أن هناك أقوالاً بعضها أحسن من بعض وترجيح بعض الأقوال على بعض إذا كانت صادرة من شارع، نظراَ لأهميتها ـ كما هو مقتضى التعبير عنها بكونها أحسن ـ إنما هو من شؤون الكتاب والسّنّة.
وقد سبق أن قلنا إن ترجيح دليل لفظي على دليل عند المزاحمة أو المعارضة، يعود في واقعه إلى تعيين الحجة الفعلية من بين الأقوال، فهو راجعٌ إليها، فعدّ الاستحسان دليلاً في مقابلها ـ بأمثال هذه الآيات لا يتّضح وجهه، ومن الواضح أن الأخذ بأقوى الدليلين لا يتعدّى الأخذ بأحدهما فهو ليس دليلاً في مقابلهما.
وما يقال عن هذه الآية، يقال عن الآية الأخرى مضافاً إلى أنها اعتبرت اتّباع الأحسن في خصوص ما أنزل عليهم، لأن الأحسن بعض ما أنزل ـ بحكم إضافته إلى ما ـ فإثبات أن الاستحسان مما أنزل أو مما لم ينزل، لا يرجع تعيينه إلى هذه الآية لبداهة أن القضية لا تثبت موضوعها.
3 ـ إن الآيتين أجنبيتان عن عوالم جعل الحجية للاستحسان أو غيره لأنهما غير واردتين لبيان هذه الجهة، ولذل لو بدلت لفظة الأحسن بلفظة أنهم يعملون بالاستحسان في مجالات الاستنباط لا يستقيم المعنى بحال».
5 ـ وفي موضوع القرعة (ص552) وهو يستعرض أدلّتها من الكتاب يدخل العنصر التاريخي في البحث بشكل واضح، وعلى أساس مبدأ مقارنة الأديان (الشرائع الإلهية) فيما يسوغ لنا الأخذ به منها وما لا يسوغ.
وهذا اللون من الاستدلال إضافة لم تعهد في دراسات سابقيه. قال:
«أدلتها في الكتاب:
1 ـ قوله تعالى: «وَإنَّ يُوْنُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ* إذْ أبَق إلَى الفُلْكِ المَشْحُونٍ* فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ» [الصافات: 139 ـ 141].
بتقريب أن المساهمة في اللغة هي المقارعة لإلقاء السهام، والمدحض هو المغلوب. فإذا كان يونس وهو من المرسلين ممن يزاول القرعة، فلا بد أن تكون مشروعة إذ ذاك.
2 ـ قوله تعالى: «ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الغَيْبِ نُوْحِيهِ إلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُوْنَ أقْلامَهُمْ أيُّهُمُ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ» [آل عمران: 44].
والآية واردة لحكاية الاقتراع على كفالة مريم، وقد ظفر بها زكريا، وهو من الأنبياء وممن شارك في الاقتراع.
والحديث حول تعميم الحجية في هاتي الآيتين ـ وهما حاكيتان عن وقائع صدرت في شرائع سابقة ـ يدعونا أن نتذكر ما قلناه في مبحث (شرع من قبلنا) من الخلاف في حجية الشرائع السابقة، فمن ذهب إلى نسخها لا يصلح له الاستدلال بهما.
ومن ذهب إلى بقائها جملة إلا ما ثبت فيه النسخ، ساغ له الاستدلال بهما. وعلى مذهب جمهور علماء الحنفية وهو الذي أكّدناه سابقاً واعتبرنا الأدلة ناهضة به يسوغ الاستدلال بهما أيضاً لإثباتها في الجملة، لأن نفس حكاية القرآن لهما يوجب العلم بوقوع مضمونهما وعدم تحريفه، وما صحّ من مضامين الشرائع السابقة حجة على رأيهم يجب الأخذ بها ما لم يثبت النسخ.
على أن أدلّتها القادمة من السنة تدل على إقرار مضامين هاتين الآيتين في ثبوت أصل المشروعية لها».
وعلى هذا المنهج من الجمع بين مختلف عناصر المنهج من لغوية وتاريخية وكلامية ومقارنة أديان وسواها سار المؤلف في دراسته لقضايا علم أصول الفقه وقواعده، سالكاً كل عنصر فيما يناسبه بثقة ووعي.
وبهذا يكون قد أكمل الشوط الذي بدأه الشيخ المظفر، وبشكلٍ وافٍ مادةً ومتكاملٍ منهجاً وأصالة فكرٍ وعمق نظرةٍ.
وبهذا يمضي التطوير الجديد في منهج دراسة النص الشرعي بنقل منهج الدرس الأصولي من وقوفه عند المنهج الكلامي واعتماد مبادىء ومعطيات الفلسفة القديمة إلى المنهج التكاملي الذي جمع بين المنهج العلمي والمنهج الكلامي، مستخدماً كلاً في ما يناسبه وواضعاً إياه في موضعه.
الدكتور عبد الهادي الفضلي
أصول النحو وصلته بأصول الفقه
الأصول، في اللغة: جمع أصل وهو: «أسفل كلّ شيء».
وقال الراغب: «أصل الشيء قاعدته التي لو تُوهّمت مرتفعة لارتفع بارتفاعها سائره، لذلك قال تعالى: «أصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّمَاءِ» [إبراهيم: 24].
ويطلق الأصوليون كلمة «أصل» على معانٍ منها:
1 ـ (الدليل) أو المصدر الذي يستندون إليه في استنباط الحكم الشرعي فيقولون مثلاً: «الأصل في هذه المسألة: آية المائدة» أو: «الأصل: حديث ابن مسعود» وأمثال ذلك.
2 ـ ومنها (القاعدة الأصولية) التي مهّدوها لكيفية استنباط الحكم من الدليل، كقولهم: «الأصل أن النص مقدّم على الظاهر» و«الأصل أن عامّ الكتاب قطعيّ» وهكذا.
3 ـ ومنها أن كلمة الأصل تطلق على «الوظيفة» التي يعمل بها المكلف عند عدم عثوره على دليل من الأدلة التي يستنبط منها الحكم إلى أن يعثر على الدليل، فيقال: «الأصل براءة الذّمّة»، أو: «الأصل استصحاب الحال السابقة»، أو: «الأصل الاحتياط».
4 ـ ومنها ما يقابل الفرع في العملية القياسية، فيقولون: «الخمر أصل النبيذ» أي أن حكم النبيذ ينبني على حكم الخمر، لتساويهما في العلة.
5 ـ ومنها ما يدل على «الرجحان»، فيقولون: «الأصل الحقيقة» أي إذا تردّد الأمر بين حكم الكلام على الحقيقة أو المجاز فإن الحقيقة أرجح.
ولعل المعاني الثلاثة الأولى هي الأقرب إلى ما نسميه بـ «أصول الفقه» فإن أصول الفقه تعني: الأدلة التي يستنبط منها الفقه، كما تعني القواعد التي تتم بها عملية الاستنباط من الأدلة، وتعني أيضاً الأصول العملية التي نجري عليها عند خفاء تلك الأدلة، وهذه الثلاثة تشترك بالمعنى اللغوي للأصل، أي: «الأساس الذي ينبني عليه الشيء».
وفي تشخيص الأدلة والأصول العملية اتفق الأصوليون على: النص الشعري ـ من الكتاب والسّنّة ـ والإجماع، ثم اختلفوا، بعد ذلك، في أدلة ما لا نصّ فيه: القياس، ودليل العقل، والاستحسان، والاستصحاب والمصالح المرسلة، وغيرها.
وفي القواعد الممهدة لعملية الاستنباط من الأدلة اتفقوا على اليسير منها، واختلفوا في الأكثر، فتراهم مختلفين في: طرق وصول النص، وأوجه دلالته، وفي كيفية حصول الإجماع ونقله، وفي أركان القياس ومسالك علّته، وفي مصاديق ما يمكن أن يكون مسرحاً لإدراك العقل حكم الله فيه، وأمثال ذلك.
أما النحاة فيعنون بما يسمّونه: «أصول النحو» ما عناه الأصوليون من «أصول الفقه» بشقّيها، أي الأدلة والمصادر التي يبنى عليها النحو… والقواعد الممهدة لاستباط الحكم النحوي من هذه الأدلة والمصادر، وأبرز من كتب في أصول النحو ـ ولعله أول من أسس ذلك ـ هو أبو الفتح عثمان بن جني (392هـ) في «الخصائص» ثم تلاه أبو البركات الأنباري (577هـ) في كتابه «لمع الأدلة» ثم جلال الدين السيوطي (911هـ) في كتاب «الاقتراح»، ولم أعثر، في حدود جهدي، على كتب لقدماء النحاة تعنى بهذه الأصول غير ما ذكرت. وقد كان لمنهج البحث الأصولي أثره الكبير في منهج البحث النحوي في كل من الناحيتين: تشخيص الأدلة… وأوجه أدلتها. وربما علّل بعض النحويين ذلك: بأن «النحو معقول من منقول، كما أن الفقه معقول من منقول».
لذلك نجد في تشخيصهم لأدلة النحو نفس ما وجدناه عند الأصوليين من: النص «السماع»، والقياس، والإجماع، والاستحسان، والاستصحاب، وغيرها. وفي أوجه دلالتها نراهم يبحثون ـ كما بحث الأصوليون ـ في: طرق حمل النص، وثقة النّقلة والرواة، عن التواتر والآحاد، والمرسل، والمجهول، وشروط ذلك كما يتحدثون عن إجماع أهل العربية، ومتى يكون حجة، ومتى تجوز مخالفته، وعن أنواع من الإجماع أخرى، كإجماع العرب، والإجماع السكوتي، وإحداث قول ثالث.
وتكلموا عن أقسام القياس: قياس العلّة، وقياس الشبه، وقياس الطرد. وعن أركانه الأربعة من: أصل، وفرع، وحكم، وعلّة وشروط هذه الأركان وقد خصّ ابن جني العلّة ببحوث غاية في الدقة، تحدث فيها عمّا تحدث عنه الأصوليون، فذكر العلة والسبب1/ 162، وتعارض العلل 1/166، والعلة المتعدية والعلة القاصرة 1/169، والمعلول بعلّتين 1/174 وأمثال ذلك مما بحثه الأصوليون في باب العلّة القياسية.
وفي مسالك العلّة تحدث السيوطي عن: النص عليها والإيماء إليها، والإجماع، والسير والتقسيم، والشبه، والطرد، وعدم الفارق. وكل هذه المسائل هي التي يذكرها الأصوليون، عادةً، في مسالك العلّة الشرعية.
وعرّفوا الاستصحاب بما يشبه تعريف الأصوليين: «إبقاء حال اللفظ على ما يستحقّه عند عدم دليل النقل عن الأصل» ووضعوه في نفس المرتبة التي وضعه بها الأصوليون بالنسبة للأدلة الأخرى، أي انه لا يجوز العمل به عند وجود الأدلة والأمارات.
أما الاستحسان فقد ذكره ابن جني، ولكن الأنباري والسيوطي لم يجعلاه من أدلتهما ـ مع ذكرهما له ـ لأنهما شافعيان والإمام الشافعي يبطله ويقول في رسالته: «الاستحسان تلذّذ» ونقل عنه قوله: «من استحسن فقد شرّع» أو «فإنه أراد أن يكون شارعاً».
ولم ينسَ النحويّون أن يختموا أصولهم بما تختم به أصول الفقه عادةً من باب «التعارض والترجيح» وقد ذكروا في هذا الباب: تعارض النصوص، وتعارض الأقيسة، وتعارض النص والقياس وأمثال ذلك.
بعد هذا العرض الموجز لما يسمّيه هؤلاء المؤلفون بـ «أصول النحو» نستطيع، بأدنى نظر، أن نشخّص الأثر الكبير لمنهجة أصول الفقه عليه، خاصة وأن الذين ألّفوا هذه الأصول ـ وإن ادّعى كل منهم أن مبتكرها ـ كانوا حريصين على الاعتراف باتّباعهم حدّ أصول الفقه. يقول ابن جني ـ وهو أول من كتب في هذه الأصول ـ: «لم نر أحداً من علماء البلدين ـ البصرة والكوفة ـ تعرّض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه».
وقال الأنباري: «وألحقنا بالعلوم الثمانية ـ يقصد علوم الأدب ـ علمين وضعناهما: علم الجدل في النحو، وعلم أصول النحو… على حدّ أصول الفقه، فإن بينهما من المناسبة ما لا خفاء به، لأن النحو معقول من منقول كما أن الفقه معقول من منقول».
وقال السيوطي عن كتابه «الاقتراح»: «في علم لم أُسبَق إلى ترتيبه، ولم أُتَقَدَّم إلى تهذيبه، وهو أصول النحو الذي هو بالنسبة إلى النحو كأصول الفقه بالنسبة إلى الفقه» مع أنه نقل في كتابه جلّ ما قاله الأنباري في اللمع، وما قال ابن جني في الخصائص.
وكل من تتبّع أصول النحو في هذه الكتب الثلاثة ـ وبخاصة اللمع والاقتراح ـ يجد أثر أصول الفقه شائعاً في تعريفاتها، وتقسيماتها، وشروطها، وأحكامها. بل كانت الظاهرة الشائعة في العصور المتأخرة تقليد المؤلفين من النحاة للفقهاء والأصوليين في وضع كتب على غرارهم، كما قال أبو البركات في مقدمة كتابه «الإنصاف» إنه وضعه في «المسائل الخلافية بين نحويّي البصرة والكوفة، على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة» ومثل ذلك قال في مقدمة «الإغراب في جدل الإعراب» وتبعه السيوطي في «الأشباه والنظائر النحوية» كذلك.
وليس المهم هنا هو معرفة تأثر النحاة بالأصوليين، ولكن المهم أن نسأل الطريقة التي اتّبعها هؤلاء النحاة في تأصيل هذه الأصول، لنحكم بعد ذلك على مقدار قيمتها.
الطرق المتّبعة لتأسيس الأصول
المعروف أن النحو ولد أشبه ما يكون بالصناعة الكاملة ـ من ناحية المنهج والاستنتاج ـ في كتب المدرستين، وبخاصة في كتاب سيبويه ومعاني الفرّاء وإذا كانت هناك إضافات تستحق الذكر، بعدهما، فهي بلا شكّ حدثت قبل تأسيس الأصول النحوية هذه، وذلك لأن النحو بعد القرن الرابع بدأ يلوك نفسه، ويدور ـ كما هو معروف ـ في حلقة مفرغة من التعليلات والأوهام، ولكنها لا تخرج غالباً عمّا جاءت به المدرستان من مسائل وأحكام.
والذي نعرفه عن «الأصول» ـ أية أصول سواء أكانت للفقه، أم للنحو، أو للأدب، أم لأي فنّ آخر ـ ما هي إلا مناهج وأصول بحث تقوم عليها أحكام ذلك الفن وقضاياه، من أجل ذلك ينبغي أن تكون أصول البحث في رتبة سابقة، أو موازية للبحث أو المبحوث فيه، وهذه طبيعة كل أساس يراد البناء عليه، فماذا يراد إذن بهذه الأصول التي جاءت متأخرة جداً عن النحو، باعتباره صناعة قائمة، هذه الأصول التي استعارها (مبتكروها) من أصول علم آخر قام جنباً إلى جنب مع النحو، وبدأ بناة العلمين معاً يقيمونها في عصر متقارب، ولا بدّ أن يكون لكل منهما أسسه ومناهجه الملائمة لطبيعته؟
من حيث الأساس هناك تفسيران مقبولان لتدوين أصول أي علم بعد قيامه واكتماله:
1 ـ الطريقة التأسيسية النظرية: وهي أن يكون هذا التدوين «نقدياً نظرياً» وذا طبيعة جدلية منطقية، أي إن واضعي تلك الأصول نظروا في أحكام ومسائل الفن القائم، فلم تعجبهم أصوله ومناهجه المهزوزة، لذلك طفقوا يحققون القواعد والأصول المثلى التي يجب أن يقوم عليها بناء الفن، سواء أكانت مسائله وأحكامه السابقة صحيحة في معيار هذه الأصول الجديدة أم فاسدة.
وعلى هذه الطريقة أسس الإمام الشافعي أصوله وبنى فقهه، وخالف فيه الفقه القائم في مدرستي الكوفة والمدينة ـ أصولاً وأحكاماً ـ وفيهما فقه أستاذيه: مالك بن أنس، ومحمد بن الحسن الشيباني، وذلك لأن أصول الشافعي ومناهجه الجديدة تُبطِل من أصول مالك ما كان يعتمده من «إجماع أهل المدينة» و«المصالح المرسلة» و«سّنّة الصحابة» وغيرها. وتبطل من أصول العراقيين ـ أبي حنيفة وطلابه ـ ما كانوا يرونه من «الإجماع السكوتي» و«الاستحسان» و«الرأي» وما كانوا يشترطونه للسّنّة من شروط تضيّق دائرة الاعتماد على الحديث النبوي.
ثم جاء المتكلمون من أتباع مذهب الشافعي وغيرهم، فصقلوا هذه الأصول ووسّعوها وأحكموا قواعدها، وخالفوا ـ في بعضها ـ ما ذهب إليه إمام المذهب، ولذلك كانت هذه الطريقة تسمى أحياناً بـ «طريقة الشافعية» وأحياناً بـ «طريقة المتكلمين».
2 ـ الطريقة الوصفية التسجيلية: وهي أن يكون هذا التدوين ـ في جملته ـ «وصفاً» لخطوات أصحاب الفن القائم، وطبيعته حينئذٍ طبيعة تاريخية، أي إن واضعي هذه الأصول رجعوا إلى مسائل هذا العلم وأحكامه، فلاحظوا أن العلماء السابقين كانوا يبنون حكمهم في هذه المسألة على هذا الأصل، وفي تلك المسألة على ذلك الأصل، وفي ثالثة على أصلٍ ثالث، وهكذا الى أن اسْتَقْرَوا مسائل العلم كلها، وضمّوا الأصول المتشابهة بعضها إلى بعض، فحصل لهم، نتيجة استقرائهم الشامل وملاحظتهم الدقيقة، مجموعة عن أصول هذا العلم ومناهجه.
وعلى هذه الطريقة دوّنت أصول الفقه عند الحنفية، وسميت بـ «طريقة الفقهاء» على أساس أن المأثور عن أقطاب المذهب وفقهائه، أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن ـ: هي كتب الفقه فقط، وكانت هذه الكتب تضم المسائل التي تعرض لهم فيحكمون فيها، وقد يختلفون فيما بينهم فيحتجّ كل منهم لرأيه، ومن هذه الحجج استنتج فقهاء المذهب ـ بعد ذلك ـ الأصول التي كان الفقهاء الثلاثة يبنون الاستشهاد بها بفروع المذهب الفقهية .
أصول النحو ليست نظرية ولا وصفية،: من خلال هذين التفسيرين نستطيع أن نقوّم «أصول النحو» التي جاءت متأخرة عن النحو، لنجد أنها ليست تأسيسية نظرية، وليست وصفية تاريخية، وإنما هي عمل تقليدي صرف لأصول علم آخر، يبعد كثيراً بطبيعته ومصادر أحكامه عن علم النحو.
أ ـ أما أنها ليست تأسيسية نظرية فلسببين:
1 ـ أن بُنَاة هذه الأصول لم يعملوا عمل الشافعي، فيغيروا من مناهج النحو ومسائله ومصادر أحكامه التي كانت قائمة في مدرستي الكوفة والبصرة النحويّتين ـ كما فعل الشافعي مع أصول مدرستي الكوفة والمدينة الفقهيتين ـ فيقدموا لنا «نحواً جديداً» على غرار فقه الشافعي وجدّة مناهجه، بل إن كل ما أحدثوه أنهم عمدوا إلى تلك المسائل والأحكام السابقة، فبحثوا في عللها وأسبابها، وتجادلوا في ذلك ثم طال بهم الجدل، حتى انتقلوا من علّة الحكم إلى علّة العلّة، وعلّة علّة العلّة، التي سميت أحياناً بالعِلل الأُوَّل، والعلل الثواني، والعلل الثوالث، وأحياناً بـ: العلل التعليمية، والعلل القياسية، والعلل الجدلية.
وحين جاء رجل مثل ابن مضاء القرطبي (592هـ) ردّ على النحاة هذه العلل الثواني والثوالث، وقبل العلّة الأولى في رفع «زيد» من «قام زيدٌ» لأنه فاعل، وذلك لأن ما عدا هذه العلة «لا يزيدنا علماً بأن الفاعل مرفوع، ولو جهلنا ذلك لم يضرّنا جهله، إذ قد صحّ عندنا رفع الفاعل الذي هو مطلوبنا، باستقراء المتواتر الذي يوقع العلم».
والحق في ذلك مع ابن مضاء لأن في هذه التعليلات المتتالية إثقالاً لهذه الصناعة اللغوية، بمصطلحات صناعات أخرى، كل امتيازاتها أنها كانت أكثر جلَبةً منها، فظهرت كتبهم النحوية المتأخرة خليطاً من فنون مختلفة، وهذا شيء لا حاجة به للإطالة، لأنه معروف.
2 ـ إن بُناة هذه الأصول كانوا يصرّحون بأن طريقتهم في جمعها هي «طريقة الفقهاء» أي أنهم جمعوها مما تفرّق من مناهج النحاة السابقين، كما جمع الأحناف أصولهم مما تفرّق من مناهج فقهاء المذهب.
يقول ابن جني ـ وهو أقدم واضعي هذه الأصول، وأكثرهم دقة، وملاحظة واستيعاباً، بعد بحث مستفيض في تخصيص العلل ـ: «واعلم أن هذه المواضيع التي ضممتها، وعقدت العلّة على مجموعها قد أرادها أصحابنا ـ يعني البصريّين ـ وعَنَوها، وإن لم يكونوا جاؤوا بها مقدمة محروسة، فإنهم لما أرادوا وإياها نووا، ألا ترى أنهم إذا استرسلوا في وصف العلّة وتحديدها قالوا: إن علّة (شدّ) و(مدّ) ونحو ذلك في الإدغام، إنما هي اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد…» ثم يضرب أمثلة أخرى يقول في نهايتها: «فهذا الذي يرجعون إليه فيما بعد متفرّقاً قدّمناه نحن مجتمعاً».
ثم يشبّه عمله هذا بعمل الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة فيقول: «وكذلك كتب محمد بن الحسن رحمه الله، إنما ينتزع أصحابنا ـ وهنا يعني فقهاء الحنيفة ـ منها العلل، لأنهم يجدونها منثورة في أثناء كلامه، فيجمع بعضه إلى بعض الملاطفة والرفق، ولا تجد له علّة في كلامه مستوفاة محررة، وهذا معروف من هذا الحدث عند الجماعة غير منكور».
ب ـ وأما أنها ليست وصفية تاريخية فلأنها ـ مع هذا التصريح الواضح من ابن جني أنه اتّبع في تأسيس أصوله «طريقة الفقهاء» وهي وصفية تاريخية ـ نجد أن أصوله النحوية وأصول من تأخر عنه، ليست لها تلك الطبيعة الوصفية التسجيلية لأصول الأحناف، وذلك لأن ملاحظاته وملاحظات أصحابه، في الواقع، لم تأخذ طريقها الطبيعي فتعمد إلى مسائل النحو الذي يؤرخون له، ومواضع الخلاف بين أقطابه كعيسى بن عمر والخليل وسيبويه من البصريّين، والكسائي والفرّاء وهشام الضرير من الكوفيّين، وطرائق كل فريق من هؤلاء للاحتجاج لرأيه، ليستنتجوا من إحصائها وتصنيفها أدلة علماء النحو وأصولهم التي بنوا عليها مسائله، كما صنع فقهاء الحنفية في استنتاج أصولهم من كتب أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وإنما عكسوا القضية فركبوا الطريق من نهايته، وعمدوا إلى أدلّةٍ وأصول معروفة لعلمٍ آخر في الفقه، فجعلوها بداية شوطهم، وحمّلوها ـ راضية أم كارهة ـ فروع علم آخر لا يمتّ إليها بصلة، بحجّة «أن كلاً منهما معقول من منقول» كما يقول الأنباري. ولو أنهم ركبوا الطريق الصحيح لما وجدوا في كتب قدمائهم شيئاً من هذه الأصول، عدا السماع والقياس، كما سنبيّن ذلك فيما يأتي.
ومع ذلك فلننظر في قيمة هذه الأصول التي نقلوها من الفقه إلى النحو، لنجد هل وفّقوا في هذا النقل؟
قيمة ما سمّي بأصول النحو
ونبدأ من هذه الأصول بما رجّحناه أن أدلّة النحو لا تتعدّاه، وهي أدلة «السماع والقياس».
وهذان الأصلان، وإن وجد في الفقه ما يقابلهما من: «النص» و«القياس على النص»، إلا أن طبيعة «الحكم» الذي يستنبطه الفقيه، ومجال حركته يختلف تماماً عن طبيعة «الحكم» النحوي فيهما، لذلك فلا يكون مورد الفقيه والنحوي من هذين المصدرين واحداً، لأختلاف نظر الوارد، ولتفصيل ذلك نشير إلى بعض ما نأخذه على النحاة من فروق يختلف فيها استنباط الحكم، من النص والقياس عليه، بين كل من النحوي والفقيه، ثم مقدار ما قدمه كل من النحاة والفقهاء من النحوي والفقيه، ثم مقدار ما قدمه كل من النحاة والفقهاء من «تأصيل» لهذه الأدلة التي ادّعى اشتراكهما فيها، وصقل للقواعد والضوابط التي أعانتهم في أوجه دلالتها، وأهمها عند الطرفين:
1 ـ النص أو السماع
هناك نصوص مشتركة بين الفقهاء والنحاة أهما: القرآن والسّنّة، ولكن يصعب أن نوحّد بين مناهج البحث فيهما، فيستعير النحاة كل ما وضعه الأصوليون من قواعد لأوجه دلالتها على المطلوب، لأن هذا «المطلوب» ليس واحداً بين الطرفين، ولا يكفي ما نقلناه عن ابن الأنباري من «أن كلاً من النحو والفقه معقول من منقول» لأن جهة النظر العقلي فيهما مختلفة.
أ ـ القرآن: والقرآن هو أهم الأدلة السمعية المشتركة، وأهميته نابعة من كونه النص المتواتر وصوله إلى كل من النحوي والفقيه، ولكن استفادة كل منهما من هذا الدليل المقطوع به تختلف باختلاف طبيعة المستدلّ عليه عندهما، ونحن نسجّل ذلك في النقاط الآتية:
1 ـ إن النحو يمكن أن يستنبط من كل آية في كتاب الله، لأن طبيعة أحكامه تتعلق بلفظ القرآن ونظمه، وليس الأمر كذلك بالنسبة للفقه، لأن أحكامه لا تصدر إلا عن الآيات المتعلقة بأفعال المكلفين مما نسميه «آيات الأحكام» وهي لا تتجاوز خمسمائة آية.
فمصدر النحوي من القرآن إذن غير مصدر الفقيه.
لأن نظر هذا يتعلق بالشكل، ونظر ذلك يتعلق بالمضمون.
ويحتجّ هذا بكل ما في كتاب الله، ويحتجّ ذلك ببعض آياته.
ودلالة النص القرآني على المطلوب تختلف بين الفقيه والنحوي، فهي عند النحوي «دلالة قطعية». وعند الفقيه «دلالة ظنّيّة»، لأن حكم النحوي برفع الفاعل ونصب المفعول مثلاً، لا يختلف بين أن تكون الآية «نصّاً» في مدلولها أو «ظاهر النص»، ولكن حكم الفقيه يختلف بين النص والظاهر، حتى اضطر الأصوليون لأن يبحثوا كثيراً في دلالات الصيغ من: الأمر، والنهي، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، وفي دلالات التنبيه والإشارة، والإيماء، وفي مفاهيم الشرط، والوصف والحصر، والغاية وأمثال ذلك مما هو معروف، وكل دلالاتها ظنّيّة، لأنها كلها من ظواهر الكتاب.
من أجل ذلك كان ينبغي أن تكون «قواعد الاستنباط» من هذا النص تختلف بين مستنبط ومستنبط.
2 ـ إن مسألة اختلاف القراءات وحجّيتها، مسألة لا تبحث عادةً في أصول الفقه إلا نادراً، مثل جواز القراءة في الصلاة بإحدى هذه القراءات، ولكن هذه المسألة مهمة جداً بالنسبة للنحوي، لأن أكثر القراءات متواترة ومرفوعة إلى النبي (ص) وحتى لو افترضنا بأن القرآن لم ينزل إلا بواحدة منها، تبقى الأخريات من أقوى الحجج النحوية، لأنها نصوص عربية فصيحة، ورواتها من الصحابة والتابعين قوم فصحاء، وفي قمة العصر الذي يحتجّ به النحاة عادة.
ولكن النحاة ـ مع ذلك ـ لم يبحثوا في حجّية القراءات، ولم يحققوا فيها كما حقق الأصوليون في حجية الظواهر، بل إن النحاة ـ وبخاصة نحاة البصرة ـ لم يجعلوا القراءات ـ مع تواترها ـ أولى بالاحتجاج من شواهدهم التي أقاموا عليها قواعدهم، وردّوا كثيراً منها متّهمين أصحابها باللحن أو الشذوذ، لأنها تخالف القاعدة التي بنوها على الشاهد والشاهدين، وربما كان هذا الشاهد لشاعر مجهول، أو امرأة من أسد أو تميم غير معروفة، حتى انتقد ذلك الفخر الرازي (606هـ) في أثناء شرحه لقوله تعالى في أول النساء: «وَاتَّقُوا اللهَ الّذِي تَسَاءَلُوْنَ بِهِ وَالأرْحَامَ» وقراءة حمزة ومجاهد لها بجرّ «الأرحام» التي رفضها البصريون، لأنها مخالفة لقاعدتهم بعدم جواز العطف على الضمير من غير إعادة حرف الجرّ، وتجويز سيبويه لذلك مستشهداً ببيتين مجهولي القائل مثل:
| فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا | فاذهب فما بك والأيام من عجبِ |
بجرّ «الأيام» عطفاً على «بك» فعلّق الفخر الرازي: «والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين، ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد، مع أنهما من أكابر علماء السلف في علم القرآن».
وقبل الرازي كان الشيخ الطوسي (460هـ) يقول عن الاحتجاج بمثل هذه الأشعار على صحّة الشيء المشتبه في القرآن: «لأن غاية ذلك يستشهد عليه ببيت شعر جاهلي، أو لفظ منقول عن بعض الأعراب، أو مثل سائر عن بعض أهل البادية، ولا تكون منزلة النبي (ص) ـ وحاشاه من ذلك ـ أقلّ من منزلة واحدٍ من هؤلاء، ولا ينقص عن رتبة النابغة الجعدي، وزهير بن كعب وغيرهم، ومن طرائف الأمور أن المخالف إذا أورد عليه ـ أي القرآن ـ شعر من ذكرناه ومن هو دونهم سكَنَت نفسه، واطمأن قلبه، وهو لا يرضى بقول محمد بن عبدالله بن عبد المطلب (ص)، ومهما شكّ الناس في نبوته، فلا مرية في نسبه وفصاحته، فإنه نشأ بين قومه الذين هم الغاية القصوى في الفصاحة، ويُرجَع إليها معرفة اللغة… وكيف يجوز أن يحتجّ بشعر الشعراء عليه، ولا يجوز أن يحتجّ بقوله عليهم؟!.. لأنهم ليسوا بأن يجعلوا عياراً عليه، بأولى من أن يجعل هو (ص) عياراً عليهم».
وإليك نماذج مما ردّ به النحاة هذه القراءات الصحيحة، واتّهامهم لقرّائها وهم من فصحاء العرب:
1 ـ ردّوا قراءة نافع المدني وابن عامر الدمشقي قوله تعالى: «وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيْهَا مَعَايِشَ» [الأعراف: 10] لأنها بالهمز، حتى قال المازني: «إن نافعاً لم يدر ما العربية». وحجّتهم في ذلك أن القاعدة تقضي أن حرف العلّة إذا كان زائداً يقلب عند التكسير همزة مثل: «صحيفة وصحائف» و«عجوز وعجائز» ولكنه إذا كان أصلياً لا يقلب مثل: «معيشة ومعايش» ـ وعليه قراءة الجمهور ـ ولكنّ استقراءهم كان ناقصاً، والقاعدة غير مطّردة، فالعرب تجمع مصيبة على «مصائب» ومنارة على «منائر» مع أن همزتها مقلوبة عن حرف أصلي.
2 ـ ردّوا قراءة ابن عباس، وعروة بن الزبير، ومقاتل، ومجاهد، وابن أبي عبلة وغيرهم قوله تعالى: «مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى» [الضحى: 3] بالتخفيف، بحجّة أن العرب أماتت ماضي «يدع» ومصدره، مع أن هؤلاء الذين قرؤوها بالتخفيف هم من العرب وفصحائهم، وممن يحتجّ بكلامهم، ومع أن الفعل جارٍ على القياس، وبعض اللغويين يثبتون ذلك استناداً إلى حديث رسول الله (ص): «لينتهينّ قومٌ عن ودعهم الجمعات أو ليختمنّ على قلوبهم» ومع أنهم يروون عن إمام النحاة أبي الأسود الدؤلي قوله:
| ليت شعري عن خليلي ما الذي | غاله في الحبّ حتى ودعه |
3- إن البصريّين حين أسسوا قاعدة عدم جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف والمجرور، ردّوا قراءة ابن عامر المتواترة: «وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيْرٍ مِنَ المُشْرِكِيْنَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ» [الأنعام: 137] وقراءة غيره: «فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدهِ وَرُسُلهُ» [إبراهيم: 47] مع أن لهما شواهد شعرية ونثرية يذكرها الكوفيون وشرّاح ابن مالك عادة، ولكن البصريين غالوا في ردّها جميعاً، وما ورد في الشعر أجازوه للضرورة، حتى اتّهم الزمخشري في الكشّاف عبدالله بن عامر ـ وهو أحد القرّاء السبعة، ومن كبار التابعين، ومن صميم العرب الذين يحتجّ بكلامهم ـ بقوله: «إن الذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف (شركائهم) مكتوباً بالياء» مما يوحي بأنه اخترع القراءة من نفسه، وقد ناقشه الأستاذ سعيد الأفغاني في كتابه «في أصول النحو» مناقشة جيدة، ختمها بقوله: «وكان على الزمخشري، وهو أعجمي تخرّج بقواعد النحاة المبنية على الاستقراء الناقص، أن يتجزأ لنقد رجل عربي قويم الملكة، فصيح اللسان، حجّة في لغة العرب، شيئاً غير هذه الخطابيّات».
ب ـ السّنّة: وأما سنّة رسول الله (ص) والمفروض أنها من أوسع المصادر المشتركة بين الفقيه والنحوي، فإننا نجد الفوارق الآتية بينهما:
1 ـ ما تقدّم في الكلام عن القرآن من تعلق نظر الفقيه بالمعنى والمضمون، وتعلّق نظر النحوي بشكل السّنّة ونظمها، على أن الفقهاء يوسّعون دائرة السّنّة لتشمل فعله (ص) وتقريره، والنحو لا علاقة له بالفعل والتقرير.
2 ـ إن النحاة السابقين لم يشاركوا الفقهاء بالاحتجاج حتى بالسّنّة القولية، مع أن رسول الله (ص) أفصح من نطق بالضّاد، وذلك لسببين ادّعاهما أبو حيّان وغيره من المتأخرين: وقوع التصحيف واللحن في بعض الأحاديث… وأن كثيراً ممن يوثق بدينه ينقل الحديث بالمعنى، وأساس الحكم النحوي قائم على صحة اللفظ وإن صدر عن كافر مبتدع، لذلك أهمل النحاة الاستشهاد بالحديث، حتى قال أبو حيّان الأندلسي: «إن الواضعين الأولين لعلم النحو، المستقرين للأحكام من لسان العرب، كأبي عمرو، وعيسى بن عمر، والخليل، وسيبويه، من أئمة البصريّين، والكسائي، والفرّاء وعلي بن مبارك الأحمر، وهشام الضرير، من أئمة الكوفيّين، لم يفعلوا ذلك ـ يقصد الاحتجاج بالحديث ـ وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين، وغيرهم من نحاة الأقاليم، كنحاة بغداد، وأهل الأندلس».
وقد استشهد ابن خروف (609هـ) بالحديث فتعقّبه ابن الصائغ (680هـ) في شرح الجمل، وردّ عليه متحاملاً، ثم جاء دور ابن مالك (672هـ) فأكثر من الاستشهاد بالحديث في التسهيل، وقسا عليه شارحه أبو حيّان (745هـ) حتى قال: «والمصنف قد أكثر من الاستدلال بما ورد في الأثر، متعقباً بزعمه على النحويّين، وما أمعن النظر في ذلك، ولا صحب من له التمييز» كما ردّ على ابن مالك أبو إسحاق الشاطبي (790هـ) وجلال الدين السيوطي (911هـ) وغيرهم، ولم ينح نحو ابن مالك في الاحتجاج بالحديث إلا قلّة، منهم ابن هشام (761هـ) والمحقق الرضي (686هـ) فقد أضاف إلى الاحتجاج بسنّة الرسول (ص) احتجاجه بأقوال أهل البيت (عليهم السلام).
وبإهمال النحاة الاحتجاج بالسّنّة، أفقدوا نحوهم أوسع مصادره الموثوقة، واقتصروا على شواهد من الشعر والأمثال، فوقعوا فيما وقعوا فيه من نقص الاستقراء، في حين استفاد أصحابهم اللغويّون من احتجاجهم بالسّنة فأثروا معجماتهم بمفردات عربية سليمة.
3 ـ إنهم لم يعتمدوا في تحقيق ما احتجّوا به من شواهد الشعر والأمثال، كما اعتمد الفقهاء والمحدّثون في تحقيق السّنّة النبويّة ـ سنداً ومتناً ـ لذلك جاء الكثير من شواهدهم مجهول القائل والرواية، بل وجد فيما احتجّوا به نفس السببين اللذين أنكروهما على الأحاديث: وقوع التصحيف واللحن… والنقل بالمعنى أحياناً، كما أنهم لم يتحرّجوا في الاحتجاج بما نقله مثل حمّاد الرواية الذي كان ـ كما يقول يونس ـ: «يلحن، ويكسر الشعر، ويكذب، ويصحّف»، ويروى أن الكميت امتنع عن إملاء شعره عليه، وقد طلب منه ذلك، وقال له: «أنت لحان ولا أكتبك شعري».
وإذا كان الأمر كذلك فلِمَ استعار واضعو هذه الأصول من أصحاب أصول الفقه كل ما قالوه في طرق حمل النص، ووثقة النقلة والرواة، والتواتر، والآحاد، والمرسل، والمجهول وأمثالها مما لم يلتزموا به في نقلهم لغة العرب، الأمر الذي دعا الفخر الرازي إلى أن ينحو باللائمة على أصحابه الأصوليين، لأنهم لم يقوموا هم بهذه المهمة بدلاً من النحاة ـ وقد نقل النحاة المتأخرون نصّ قوله هذا ـ قال: «والعجب من الأصوليين أنهم أقاموا الدلائل على خبر الواحد أنه حجّة في الشرع، ولم يقيموا الدلالة على ذلك في اللغة والنحو، وكان هذا أولى، وكان من الواجب عليهم أن يبحثوا في أحوال اللغات والنحو، وأن يفصحوا عن جرحهم وتعديلهم، كما فعلوا ذلك في رواة الأخبار، لكنهم تركوا ذلك بالكلّيّة، مع شدة الحاجة إليه، فإن اللغة والنحو يجريان مجرى الأصل للاستدلال بالنصوص».
ولو أن النحاة قاموا بتحقيق نصوصهم التي يحتجّون بها لما دعا الرازي أصحابه إلى ذلك.
2 ـ القياس
يُعرّف القياس عند النحاة، كما يُعرَّف عند الأصوليين: «حَملُ غير المنقول على المنقول، في حكم، لعلّةٍ جامعةٍ» وربما فضّل الأصوليون أن يقولوا: «حمل غير المنصوص على المنصوص…» أو: «حمل فرع على أصل في حكم، بجامع بينهما أو ما يشبه ذلك مما يتضمن أركانه الأربعة، الأصل، والفرع، والحكم، والعلّة المشتركة. ولكن هذه التعريفات عند كل من النحاة والأصوليين متأخرة جداً عن نشأة القياس عندهما، وهذا أمرٌ طبيعي لقانون التطور في أي فنّ من الفنون».
لمحة تاريخية
ويبدو لي أن القياس نشأ عند الطرفين، في عصرٍ متقارب، وقد يكون الفقهاء أسبق من النحاة قليلاً، وكانت نشأته عندهما نشأة بدائية، قوام القياس فيها على «المشابهة» بين الحادثتين، ومن يقرأ «رسالة» الشافعي ـ وهي أقدم تدوين منظّم لأصول الفقه ـ يجد القياس عنده: مرادفاً للاجتهاد، وليس واحداً من مجالاته، ولا يجد فيها ما نجده في أصول الفقه المتأخرة، من أركان القياس وشرائطها، ومسالك العلّة وقوادحها، وأمثال ذلك من دقّةٍ اقتضاها تطور الفقه الإسلامي.
ولا يبعد أن النحاة ـ في هذا العصر المتقارب ـ لم يأخذوا نفس القياس الذي كان يستعمله الفقهاء، وإنما تأثروا، جميعاً، بما جدّ في الحياة العقلية للمسلمين يومئذٍ في جميع فروع المعرفة، فأخذ كل منهما عن مصدر ثالث، وبخاصةٍ إذا تذكّرنا أن حلقات الدرس في مساجد البصرة والكوفة لا تبعد كثيراً عن بعضها، فالمسجد الواحد يحتوي حلقات مختلفة، للحديث ، والفقه، والتفسير، وعلم الكلام، والقراءة، والنحو، وأن بعض الطلاب في بداية نشأته يتنقّل عادةً بين جلّ هذه الحلقات، فيأخذ عن شيوخها طريقة أدائهم وأسلوب تفكيرهم، وتنطبع في ذهنه بعض مصطلحاتهم، ولكنه إذا تخصّص بعد ذلك وانصرف بجهده لواحدة من هذه الحلقات، ثم جاء دوره ليكون هو شيخ الحلقة، ظهر تأثير جولته تلك، على أسلوبه وطريقة تفكيره، وبعض مصطلحاته.
ولا أدري لِمَ يصرّ بعضهم على أن النحاة، في هذه الفترة أخذوا القياس عن الفقهاء، والقياس في اللغة أكثر طبيعةً منه في الشريعة؟! ثم لِمَ يصحّ للفقيه أن يحمل «الفقّاع» المأخوذ من الشعير، على «الخمر» فيحكم «بحرمته» لأنه يجد في شاربه ما يعتري شارب الخمر من «سُكر»، ولا يصحّ للنحوي أن يحمل «طاب الخشكنانُ» الذي لم تعرفه العرب، ولم تنطق به، على «طابق السويق» فيعطيه نفس الحركات، لأنه يجد فيه نفس الإسناد؟!
وما لنا نذهب بعيداً، ونحن نجد القياس أمراً طبيعياً حتى عند الأطفال، حين يتعلمون لغة آبائهم، فهم إذ يسمعون آباءهم، يحاولون أول الأمر أن يحاكوهم فيما يتكلمون به، حتى إذا ألِفوا حركة ألسنتهم ونطق أصواتهم وترسّخت في أذهانهم طريقتهم في صياغة الأسماء والأفعال والأوصاف، وفي التذكير والتأنيث، وتأليف الجمل وأساليبها، نراهم يعودون إلى هذا المخزون الذي ألِفوه فيركّبون جملاً من مفردات لعلّ آباءهم لم يسمعوا بها من قبل، وتكون جملهم الجديدة صحيحة في العادة، وما ذلك إلا نتيجة «عملية قياسية» عفوية.
فالقياس إذن أقرب إلى واقع اللغة منه إلى واقع الشريعة.
ولكن الذي يؤخذ على النحاة أنهم لم يبذلوا جهداً في تأصيل هذا القياس، بل في أصولهم عموماً، كما بذل الفقهاء جهدهم في تأصيل قياسهم وأصولهم الفقهية.
ونظرة تاريخية لما حدث من تطور في تأصيل القياس عند الطرفين، نجد أنه حين نشأ عند الفقهاء في أوائل القرن الثاني، واختلفت مدارسهم في طريقة الأخذ به، واضطرب كثيراً بين العراقيين وأهل المدينة، فاختلط بـ «الرأي» حيناً، و«بالاستحسان» و«المصلحة المرسلة» حيناً آخر، وبقي على هذا الاضطراب، واختلاف المدارس في تطبيقه، من وفاة إبراهيم النخعي، رأس مدرسة الرأي بالكوفة (95هـ) إلى وفاة محمد بن الحسن (189هـ) تلميذ أبي حنيفة. في آخر هذه الفترة جاء دور الإمام الشافعي (204هـ)، وهو نتاج المدرستين معاً، فنَقَدَ فقه العراقيين بنفس القوة التي نَقَدَ بها أهل المدينة، ووضع حدّاً لاضطراب القياس في الفترة السابقة، وشاعت «رسالته» التي بعثها إلى عبد الرحمن بن مهدي (198هـ) وفيها خطّته في أصول الفقه والاعتماد على القياس فقط، وألّف كتبه المعروفة في: «إبطال الاستحسان» و«اختلاف العراقيين» و«الرّد على محمد بن الحسن» و«اختلاف مالك الشافعي» و«جماع العلم» و«اختلاف الحديث» وكلها وصلتنا في كتاب «الأم» وكان من الطبيعي أن يدافع فقهاء الحنفية والمالكية عن مناهج أئمتهم وأصولهم الفقهية، فبدأ الأحناف في استخراج أصولهم مما تفرّق في كتب أبي يوسف ومحمد بن الحسن، كما بدأ المالكية يجمعونها من أصول إمامهم في «الموطأ» وما روي عنه في «المدوّنة»، ونتجت عن حملة الشافعي والرّد عليها، هذه الثروة الهائلة من الكتب الأصولية المعروفة.
أما في الجانب النحوي فإن القياس عندهم يقترن باسم «عبدالله بن إسحاق الحضرمي» (177هـ) في الكلمة المشهورة التي قالها عنه ابن سلام وردّدها بعده الآخرون بأنه: «أول من بعج النحو ومدّ القياس والعلل» ثم تلميذه من بعده عيسى بن عمر الثقفي (149هـ) الذي قيل: «إنه وضع كتابين في النحو سمّى أحدهما «الإكمال» والآخر «الجامع» ولكن لم يصلنا هذان الكتابان، ولا مقتطفات منهما في الكتب المتأخرة، كما لم يصلنا شيء عن «القياس» الذي مدّه ابن أبي إسحاق، والحقيقة أن الذي وصل إلينا هو ما بعد هذه الفترة، مما أفاض به عبقري البصرة الخليل بن أحمد، الذي قام على نحوه كتاب سيبويه، ومنه تعريف طريقته في القياس والتعليل.
والملاحظ أنه لم يحدث أن كتب أحد النحاة ممن تأخر عن الخليل، ما يشفي الغليل عن أصول هذا القياس، واختلاف النحاة في مدرستي البصرة والكوفة في طريقة الأخذ به، مع إمكان أن يستخرج أتباع المدرستين الفقهيتين ـ أصول هذا النحو والقياس من كتاب سيبويه وشروحه، ومن معاني الكسائي، ومعاني الفرّاء، ومقتضب المبرّد، ومجالس ثعلب، والكتب النحوية المتأخرة عنها، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وكل ما حدث أن انبرى نحوي في القرن الرابع، وآخر في القرن السادس، وثالث في القرن العاشر، ووجدوا أمامهم صنيع الفقهاء، وما حرّروه من أصول القياس ومسالك علّته، فأخذوا يستعيرونها لقياسهم النحوي، كأن لم تكن هناك فوارق بين اللغة والشريعة.
وأنا قد أتعقّل أن تكون أركان القياس في كل من الفقه والنحو هي هذه الأربعة: ـ الأصل والفرع والعلّة والحكم ـ ولكن كيف أعقل أن تكون شروط هذه الأركان نفس الشروط، وقواعدها نفس القواعد، ومسالك العلّة نفس المسالك، وقوادحها نفس القوادح؟! مع اختلاف طبيعة «الأصل» وطبيعة «الحكم» الذي يبنى عليه كما تقدم بيان ذلك.
ولأضرب مثلاً لذلك بـ «مسالك العلّة» أي الطرق التي نستطيع بها تشخيص علّة الحكم.
وهذه الطرق عند الأصوليين نوعان:
نوعٌ مقطوعٌ بدلالته، لأن تشخيص العلّة جاء من قبل الشارع، وذلك: بنصّ الشارع على العلة، أو إيمائه إليها، أو قيام الإجماع على أن العلة كذا.
ونوع دلالته على العلّة ظنّية، لأن الشارع لم يشر إليها، وإنما استنبطها الفقيه بطرقه الظّنّيّة، كالمناسبة، والشّبه، والطّرد، والدّوران، والسبر والتقسيم.
وهذه المسالك ـ بنوعيها ـ هي ما ذكروه للقياس النحوي.
وملاحظاتنا على المسألة القياسية في ذلك ما يأتي:
1 ـ النص على العلّة:
قد يكون النص على العلة من قبل الشارع، أو الإيماء إليها ممكناً، لأن ألاحكام الشرعية قوانين يراد بها تنظيم علاقات الأفراد والمجتمعات ولا بدّ أن تكون مبنية على أسباب، ولأن نصوص الشارع فيها متوفرة في كتاب الله وسنّة نبيّه، وفي بعضها يذكر الشارع حكمه في الحادثة، ويريد أن يعرّف المكلفين بالوجه الذي من أجله شرع لهم هذا الحكم، فينصّ على العلّة أو يومىء إليها، كقوله تعالى: «فَبِظُلْمٍ مِنَ الّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ» [النساء: 160] و«مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ…» [المائدة: 32] و«كَيْ لا يَكُونَ دَوْلَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ» [الحشر: 7] وكقول رسول الله (ص): «إنما نهيتكم عن لحوم الأضاحي لأجل الدّافّة» و«من أحي أرضاً ميتةً فهي له» وأمثال ذلك.
ولكن هل يُعقل أن العربي حين يتكلم بلغته ـ فيرفع الفاعل، وينصب المفعول، ويرفع اسم كان وينصب خبرها، ويُعرِب بعض الألفاظ ويبني بعضها، ويشتق، ويصوغ، ويذكّر ويؤنّث، ويحذف ويضمر، وأمثال ذلك ـ ينصّ على الأسباب التي جعلته ينطق بلغته على هذه الكيفية؟! بل هل له أن يراعي أو يدرك تلك الأسباب حتى ينصّ عليها في بعض ويومىء إليها في البعض الآخر؟! أو أن العربي ـ كغيره من الأجناس الأخرى ـ يتكلم بلغة قومه، بصورة عفوية دون أن يخطىء في حركاته، واشتقاقاته، وتركيباته، كما لا يخطىء غيره من المتكلمين، باللغات الأخرى، لأنهم يصدرون في كل ذلك عن مخزون ما ألِفوه من صياغة وتركيب؟!
بل هل نحن الذين تكلمنا بلغة العرب ـ بعد أن عرفنا عللها كما استنبطها النحاة ـ حين نتكلم بهذه اللغة، فنرفع، وننصب، ونخفض، ونجزم، ننصّ أو نشير إلى أسباب ذلك؟! أو هو بحثٌ في اللغة العربية؟!!.
وقد حاول هؤلاء المؤلفون في أصول النحو، أن يؤكدوا مسلك النّص على العلّة، وبخاصة ابن جنّي، فهو بعبقريته اللغوية النادرة، وملاحظته الدقيقة عقد فصلاً في كتابه لذلك، مؤكداً أن العرب نصّوا على العلّة أحياناً، ولم يذكر أكثر من خمسة شواهد لا تنهض جميعاً لأن تعتبر أمثلة للنص على العلّة، إلا بتدخّل فهم ابن جنّي لها، بعكس تنصيص الشارع الواضح: «من أجل ذلك» أو «لعلّة كذا» أو «لأنها مسكرة»، ولعل أوضح هذه الشواهد ما دار بينه وبين صاحبه «الشجري»، وهو بدويّ في القرن الرابع، وقد سأله ابن جنّي:
«كيف تقول: ضربتُ أخاك؟ فقال: كذاك، فقلت: أفتقول: ضربتُ أخوك؟ فقال: لا أقول (أخوك) أبداً، فقلت: فكيف تقول: ضربني أخوك؟ فقال: كذاك، فقلت: ألست زعمت أنك لا تقول (أخوك) أبداً؟ فقال: أيش ذا؟! اختلفت جهتا الكلام» ثم يعلّق ابن جنّي مستنتجاً: «فهل هذا في معناه الاّ كقولنا نحن: صار المفعول فاعلاً».
وهذا النوع من الاستنكار لمماحكة من يحاورك، يمكن أن يصدر عن أيّ عربي ألِفَ طرائق لغته، فإذا استوضحته، أو غالطته بها، فهو يدرك بسليقته ومخزون ما ألِفه من كلام قومه: كيف ينطق هنا، وكيف ينطق هناك، بل حتى الأطفال في سن الرابعة يدركون «اختلاف جهات الكلام» وإن لم يدركوا لماذا اختلفت… يؤيد ذلك ما سبق لابن جنّي ـ في موضع آخر ـ من أنه سأل صاحبه الشجري هذا: «كيف تجمع (دكاناً)؟ فقال: دكاكين، قلت: فسرحاناً؟ قال: سراحين. قلت: فقرطاناً؟ قال: قراطين، قلت: فعثمان؟ قال عثمانون، فقلت له: هلاّ قلت أيضا (عثامين)؟ قال: أيش عثامين! أرأيت إنساناً يتكلم بما ليس من لغته، والله لا أقولها أبداً».
فأنت تجد أن الرجل يعلّل اختلاف الجمع هنا وهناك بعادته اللغوية فقط، وأن الإنسان لا يتكلم بما ليس من لغته، ولكن هذا ليس إدراكاً للعلّة القياسية، ولا تنصيصاً عليها، بل ولا في معنى: «صار المفعول فاعلاً» ـ كما يقول ذلك ـ لأن ابن جنّي لو لم يغالط صاحبه: «ألست زعمتَ أن لا تقول (اخوك أبداً)» لما كان بحاجة لأن يلتفت إلى اختلاف جهتي الكلام.
والمفروض أن النصوص العربية التي استقرأها الخليل وأصحابه، ليستنبطوا قواعدهم منها، كانت خالية من هذا الظرف المغالط الذي وضع ابن جنّي صاحبه فيه، فكيف ينصّون على الجهات التي من أجلها رفعوا ونصبوا، أو اشتقّوا وصرّفوا!! وقد كان الخليل أقرب إلى واقع القضية مما ادّعاه ابن جنّي لها، وأنت تعرف أن موضع الخليل من النحو كموضع الشافعي من أصول الفقه ويعتبره ابن جنّي «كاشف قناع القياس في علمه» وهو بعد ذلك أقدم عهداً وأكثر صلة بالعرب الذين يحتجّ بأقوالهم من كل هؤلاء يقول الخليل ـ حين سئل عن العلل التي يعتلّ بها في النحو ـ:
«عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك؟ فقال: إن العرب نطقت على سجيّتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله، وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللتُ أنا بما عندي أنه علّة لما عللته فيه، فإن أكن اصبت العلّة فهو الذي التمست، وإن تكن هناك علّة له، فمَثَلي في ذلك مَثَلُ رجلٍ حكيمٍ دخل داراً محكمة البناء، عجيبة النظم والأقسام، وقد صحّت عنده حكمة بانيها… فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها، قال: إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا، ولسبب كذا وكذا، سنحت له وخطرت بباله، محتملة لذلك، فجائز أن يكون الحكيم الباني فعل ذلك للعلّة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلّة، إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علّة لذلك، فإن سنح لغيري علّة لما عللته من النحو، هي أليق مما ذكرت بالمعلول، فليأت بها».
وهذا كلام ـ في حدود تعليل النحاة لأقيستهم ـ طبيعي جداً، ولكنه من العلل المستنبطة لا المنصوصة.
2 ـ الإجماع على العلّة:
وأغرب من نصّ العرب على العلّة الإجماع عليها، فأنا قد أفهم في الفقهيات أن المسلمين الذين حُرّمت الخمر عليهم ـ أو أن فقهاءهم ـ يدركون علّة ذلك، أو يتخيّلونها، لأنهم في صدد البحث عنها، فيقولون هي «الإسكار» مثلاً، وقد يجمعون على ذلك، فيكون المسلك لمعرفة العلّة حينئذٍ إجماع المسلمين أو إجماع الفقهاء، ولكن كيف يتيسّر ذلك في اللغة؟ ما المقصود بالإجماع على العلّة هنا: أهو إجماع العرب، أو إجماع النحاة؟
أ ـ فإن كان إجماع العرب، فقد سبق أن كل قبيلة تتكلم بلغتها ولهجتها بطريقة عفوية، ولا شك أن هناك قبائل أخرى تختلف معها في طريقة النطق أو الاشتقاق، ولم تكن هذه القبيلة، ولا غيرها ـ حين التكلم ـ بصدد أن تدرك علل كلامها، وعلى فرض أنها كانت بهذا الصدد، فهل أدركت؟ ثم هل علّلت؟ وأخيراً هل أجمعت؟ وهي أسئلة يتوقف إمكان الإجماع على الإجابة عنها، ثم ما قيمة هذا الإجماع مع علمنا باختلاف القبائل؟ وما فائدة هذا الإجماع لمدّعيه من النحاة، وقد كان يكفيهم أن عربياً، أو قبيلة عربية علّلت كلامها، فنقيس على تلك العلة، لأنها حينئذٍ علّة منصوص عليها، ويصحّ القياس عليها من دون حاجة إلى هذا التمحّل بادّعاء الإجماع؟
ب ـ وإذا كان المقصود بالإجماع على العلّة هو إجماع النحاة، وهو أمرٌ معقولٌ، ولكن هل حصل هذا الإجماع؟ وعلى فرض حصوله فما قيمته من ناحية الاحتجاج به؟ لأن المقصود أن نقيس على كلام العرب، لا كلام النحاة.
قد يقال: بأن إجماع النحاة على العلّة «يكشف» عن أنها هي العلة عند العرب، كما يكشف إجماع الفقهاء على العلة أنها هي التي قصدها الشارع في حكمه. ولكن ذلك قياس مع الفارق، فالمفروض أن الشارع هو الذي أعطى الحجّة لإجماع الفقهاء «ما اجتمعت أمّتي على خطأ» أو ضلالة، فكان لإجماعهم هذا «الكشف» عن العلة عند الشارع، ولكن من الذي أعطى النحاة هذه القوة «الكاشفة» عن قول العرب؟! أقال العرب مثلاً: «ما اجتمع النحاة على خطأ» أو: «ما قاله نحاتنا فهو قولنا»!!
وسيأتي مزيد إيضاح لذلك عند الحديث عن مسألة «الإجماع» نفسها.
3-المسالك المظنونة:
وإذا كان الحديث عن النص على العلّة، والإيماء إليها، والإجماع، ما قد رأيت، فلم يبق إلا الحديث عن المسالك المظنونة، ولا أعتقد أن المعقول منها والمفيد في المسألة النحوية غير «المشابهة» و«الاطّراد»، وهذا ما حصل في أوليات الاستنباط النحوي، حينما سأل يونس بن حبيب شيخه ابن أبي إسحاق: «هل يقول أحد (الصويق) يعني (السويق)؟ قال: نعم، عمرو بن تميم يقولها ـ ثم أردف ـ: وما تريد إلى هذا، عليك بباب من النحو يطّرد وينقاس» و«الشّبه» و«الطرد» ـ ويتبعه الدّوران لأنه طرد وعكس ـ هي المسالك المعقولة للقياس النحوي.
وأما المناسبة، وهي الملاءمة بين العلّة والحكم، فإننا إذا أخذنا المثال الذي ضربه النحاة لها، فلا نجدها تفيد النحوي في قياس غير المنقول على المنقول، وهذا المثال هو ما ضربه ابن الأنباري ونقله عنه السيوطي، في رفع ما لم يسمّ فاعله، فقال: «اسم أُسنِد الفعل إليه، مقدّماً عليه، فوجب أن يكون مرفوعاً، قياساً على الفاعل، فالفاعل: ونائبه: فرع مقيس، والحكم: الرفع، والعلّة الجامعة: الإسناد».
وهذه العلّة مناسبة فعلاً، ولكن القياس حينئذٍ هدر، لا فائدة منه، لأنه لم يكن أكثر من توجيه لكلام العرب، ولا يفيدنا في القياس على كلامهم، فكلاهما ـ المقيس والمقيس عليه ـ عرف بالنقل لا بالقياس، ولا حاجة حينئذٍ للعملية القياسية، وكثير من علل النحاة المتأخرين ـ وبخاصة الأنباري والسيوطي ـ كذلك، فهم لا يذكرونها لتفيد في قياس غير المنقول، وإنما ليجدوا مثالاً للعلّة القياسية عند الفقهاء.
4 ـ أركان القياس:
وفي أركان القياس نجد الأصوليون لا يقيسون «الأصل» على أصلٍ آخر، لأنه إذا جعلنا أحدهما مقيساً والآخر مقيساً عليه، فإن ظهر حكم الفرع ـ بنتيجة القياس ـ موافقاً لحكم الأصل، بطلت فائدة القياس، لأن الحكم في كل منهما معلوم بالنص، وإن ظهر مخالفاً فقد أبطلنا النص الوارد في الفرع بالقياس وهو منفي إجماعاً. كذلك هم لا يقيسون الأصل على الفرع، للسبب نفسه، ولا الفرع على الفرع ـ إلا ما قيل عن بعضهم ـ لما فيه من التشريع الباطل، لأنه من دون مستند.
وهذه اللوازم كلها لا تتنافى عند هؤلاء النحاة، لذلك نراهم يحملون: الفرع على الأصل، والأصل على الفرع، كما يحملون الأصل على الأصل، والفرع على الفرع، وقد ذكر السيوطي لذلك أربعة أنواع:
1 ـ حمل فرع على أصل، كإعلال الجمع لإعلال المفرد، مثل «قيمة، وقِيَم» أو تصحيحه لصحته مثل: «ثوْر وثِوَرة».
2 ـ حمل أصل على فرع، كإعلال المصدر لإعلال فعله: «قام قياماً» أو تصحيحه لصحة فعله: «قاوم قواماً».
3 ـ حمل النظير على نظيره، كما منعوا «أفعل التفضيل» من رفع الظاهر لشبهه بـ «أفعل التعجّب»، وأجازوا تصغير «أفعل التعجّب» حملاً على اسم التفضيل.
4 ـ حمل ضدّ على ضدّ، ومن أمثلة النصب بـ «لم» حملاً على الجزم بـ «لن»، أولهما لنفي الماضي، والثاني لنفي المستقبل.
وأنت تعلم أنها في هذا كله في غنى عن القياس، لأن الأصل والفرع قد ورد به السماع من العرب في كل هذه الأمثلة، فلماذا القياس؟
على أن هذه الأنواع الأربعة ـ من وجهة فنية ـ نوعٌ واحدٌ، لأنها كلها في المصطلح القياسي من باب «حمل الأصل على الأصل» ولعل الذي أشبه السيوطي فيها كلمتا «الفرع» و«الأصل» فهما تردان في باب القياس بمعنى المقيس والمقيس عليه، وفي باب الاشتقاق بمعنى المشتق والمشتق منه، وكون المصدر «أصل» الاشتقاق والفعل «فرعه» عند البصريّين، وكون المفرد «أصل» التصريف، والمثنى والجمع «فرعان» مسألة لا دخل لها مطلقاً في باب القياس، فالأصل والفرع في تنويع السيوطي من باب القياس، والأصل والفرع في أمثلته من باب الاشتقاق والتصريف!!
ويقول ابن جنّي: إن النحويّين «شبهوا الأصل بالفرع في المعنى الذي أفاده الفرع من ذلك الأصل، ألا ترى أن سيبويه أجاز في قولك: (هذا الحسن الوجه) أن يكون الجرّ في موضعين: أحدهما الإضافة، والآخر تشبيه بـ (الضارب الرجل) الذي إنما جاز فيه الجرّ تشبيهاً بـ «الحسن الوجه» ثم نسب ابن جنّي هذا الوضع «الدائر» إلى العرب، وذلك في دفاعه عن رأي سيبويه بـ: «إن العرب إذا شبّهت شيئاً بشيء مكنّت ذلك الشبه لهما، وعمرت به الحال بينهما، ألا تراهم لما شبّهوا الفعل المضارع بالاسم فأعربوه، تمموا ذلك المعنى بينهما بأن شبّهوا اسم الفاعل بالفعل فأعلموه».
وقال في موضعٍ سابقٍ: «وهذا يدلّك على تمكّن (الفروع) عندهم، حتى أن (اصولها) التي أعطتها (حكماً) من أحكامها قد حارت فاستعادت في فروعها ما كانت هي أدّته إليها، وجعلته عطيّة منها لها!!».
وهذا كلام لو صدر عن غير ابن جنّي لقيل: هو إلى الخيال الشعري أقرب منه إلى البحث اللغوي، وكله مما لا حاجة لهم به، لأن الدليل عليه، ليس هو القياس ولا التشبيه، وإنما هو كلام العرب الذي ثبت بالاستقراء، والعرب لم تشبّه شيئاً بشيء، ولم تفترض أن أحدهما أصل، والآخر فرع، وإنما أنت الذي شبّهت الفعل المضارع بالاسم، فادّعيت: أنه أُعرب لذلك، والحقيقة أن العرب نطقوا بالفعل المضارع مرفوعاً، ومنصوباً، ومجزوماً ونطقهم بذلك يكفي في الدلالة على إعرابه، من دون حاجة إلى قياسه على الاسم، ولا تأتي النوبة إلى القياس إلا بعد فقدان النص «السماع».
5 ـ القياس والاستقراء: من الفوارق المهمة بين القياس النحوي والفقهي مسألة«الاستقراء»، فالمحققون من النحاة حين يعرّفون النحو يقولون: هو «علم بمقاييس مستنبطة من استقراء كلام العرب». ويقول ابن السرّاج: «وهو علم استخرجه المتقدمون فيه من استقراء كلام العرب». ويقول ابن إسحاق الشاطبي: «الذين اعتنوا بالقياس والنظر فيما يعدّ، من صلب كلام العرب، وما لا يعدّ، لم يثبتوا شيئاً إلا بعد الاستقراء التّامّ، ولا نفوه إلا بعد الاستقراء التّامّ».
فالقياس النحوي إذاً قائمٌ على الاستقراء، ولا تكاد تتمّ لهذا الأصل فائدته دون الاعتماد على أصل آخر هو «الاستقراء» وهذا أمرٌ معروفٌ عند النحويّين عموماً، حتى قال بعض المحدثين: «لستُ أعقل النحو إلا استقراءً ثم قياساً».
والأمر ليس كذلك بالنسبة للقياس الفقهي، فهو عندهم: عملية اجتهادية تتمّ من دون حاجة إلى الاستقراء، لا التّامّ منه ولا الناقص، وذلك لأن المشرع عند الفقهاء «واحد» ونصوصه معروفة منضبطه في كتاب الله وسنّة نبيّه، ويمكن القياس على أي نصّ تظهر لهم علّته، والمشرّعون عند النحاة لا يحصون عدداً، وبلادهم متباعدة، ولهجاتهم مختلفة، لذلك فعملية الاستنباط عندهم بحاجة إلى: التّتبّع، والإحصاء، والفرز، والملاحظة، ثم استنتاج العلّة حتى يصحّ القياس عليها، ولا يصحّ لهم القياس على أي نصّ لأيّ عربي، كما يصحّ ذلك عند الفقهاء.
وإذا افترض أننا سمعنا عربياً، ممن يصحّ الاحتجاج بقوله، قال: «علّمته تعليماً» فلا يصحّ لنا أن نصوغ المصدر بزنة «تفعيل» من كل فعلٍ مضعّف «فعّل» ما لم نستقرىء ما وصلنا من كلام العرب في ذلك فإذا وجدناهم يصوغون ـ باطّراد ـ مصدر هذا الفعل بهذه الصيغة، قسنا حينئذٍ عليه: « تثقيف من ثقّف» و«تنظيم من نظّم» و«تبويب من بوّب» وأمثالها، وهكذا القول في صوغ أسماء الفاعلين والمفعولين، وأسماء الزمان والآلة وجموع التكسير، والنسب، والتصغير وغير ذلك.
ولهذا أخذ الأخفش على بشار بن برد حين قال:
| الآن أقصر عن سميّة باطلي | وأشار بـ (الوجلى) عليّ مشير |
وقال:
| على (الغزلى) مني السلام فربما | لهوت بها في ظلّ محضلَة زهر |
فاشتقّ من الوجل والغزل وصفاً: «وجلى» و«غَزَلَى» لأن ذلك لم يسمع من العرب.
وإنما قاسه بشار على «جَمزى» من «الجمز» ـ أي السرعة ـ وهو ليس موضوع قياس.
و«جمزى» هذه لم ترد إلا في بيت لأمية بن أبي عائذ:
| كأني ورحلي إذا رعتها | على جمزى جازى بالرمال |
فقاس بشار عليه غزلى ووجلى دون أن يتمّ استقراء هذا الوصف.
ومع هذا الفرق الواضح بين قياس لا يتمّ إلا بالاستقراء، وقياس لا علاقة له به، لا بد أن تكون هناك فروق بين قواعد تأصيل كل منهما، ولذلك اختلفت الأقيسة النحوية بين مدرستي البصرة والكوفة، وبين نحاة المدرسة الواحدة أحياناً تبعاً لنقص التّتبّع والتصنيف اللذين لا يتم تجريد القاعدة ثم القياس عليها إلا بهما، وهذا شيء لا حاجة به للإطالة لأنه معروف.
يضاف إلى ذلك ان المدرستين معاً أهملتا الاحتجاج بالحديث الشريف ـ كما سبق ـ ففقدتا مادةً غنيةً جداً لاستقراء اللغة، كما أهملوا الاحتجاج بالقراءات المتواترة لأنها تخالف القاعدة التي استعجلوا في تجريدها وبنائها على استقرائهم، الناقص، وأمثال ذلك مما تمّ عرضه.
3 ـ الإجماع
وقد ذكر هؤلاء النحاة، لهذا الأصل، ثلاثة أنواع: إجماع العرب، وإجماع البلدين، والإجماع السكوتي.
أ ـ إجماع العرب: ونستبق الأمر فنقرر: أن إجماع العرب لا يمكن أن يكون دليلاً «مستقلّاً» عن السماع والقياس، لسببين:
1 ـ لعدم إمكانه، وقد قال عنه السيوطي نفسه: «إجماع العرب حجة، ولكن أنّى لنا بالوقوف عليه». وقد كانت تجربة الأصوليين قبله في «إجماع الأمة» قليلة الجدوى، لعدم إمكانه، إلا فيما هو ضروري من ضروريات الدين، وهي في غنى عن الإجماع، لتوافر النصوص فيها، لذلك ضاق هذا الإجماع، عند المذاهب الفقهية المختلفة، فأصبح يعني: إجماع الصحابة، أو إجماع الخلفاء الراشدين، او إجماع أهل المدينة، أو إجماع الإمامية، أو إجماع العترة، أو إجماع المذاهب الأربعة، إلى آخر ما ادّعاه الأصوليون من صور الإجماع، كل ذلك من أجل أنهم لم يتمكّنوا من تحصيل «إجماع الأمة» فكيف يمكن لمقلّديهم من النحويين تحصيل «إجماع العرب» على قولٍ ما، مع أننا نعلم أن استقراءهم، سواء أكانوا في البصرة أم الكوفة، كان استقراءً ناقصاً، لأنه مقصور على قبائل بعينها في كل من المصرين.
2 ـ لعدم الحاجة لهذا النوع من الإجماع، وذلك لأن أساس الأحكام النحوية هو السماع من العرب، والسماع، عندهم، يكفي أن تمثله القبيلة والقبيلتان، بل والشاهد والشاهدان، فلِمَ الإجماع إذن؟ ولم نجد نحوياً اشترط «للسماع» أن تجمع عليه العرب، فإذا قال سيبويه مثلاً عن الفعل المضاعف مثل «وردتُ» أنه «إذا تحرّك الحرف الأخير فالعرب مجمعون على الإدغام»، أو قال في المفرد المنادى: «كل العرب ترفعه بغير تنوين»، أو قال: «وليس من العرب إلا وهو يقول (تنبّأ) مسيلمة فليس معناه: أنه يحتجّ بالإجماع باعتباره دليلاً مستقلاً عن السماع، بل إنه يريد أن ينفي عن السماع الذي احتجّ به الندرة أو الشذوذ، إلى حدّ أن العرب كلها تنطق به».
تماماً كما لو قال الفقيه مستدلاً بحديث ما: «أجمعت (الصحاح) على نقله» أو «المحدثون قاطبة يروون ذلك»، أو «لا أحد منهم إلا ويروي ذلك» وليس معنى هذه العبارات أنه يستدلّ بـ «الإجماع»، بل بالنص المستفيض.
ب ـ إجماع البلدين والبلدان هما: البصرة والكوفة، وأول من بحث في هذا النوع من الإجماع، أبو الفتح عثمان بن جنّي في الخصائص، قال: «اعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده: ألّا يخالف المنصوص، والمقيس على المنصوص، فأما إن لم يعط يده بذلك، فلا يكون إجماعهم حجّة عليه».
معنى ذلك أن ترتيب الأدلّة ـ من حيث حجّيتها ـ عند ابن جنّي: النص أولاً، ثم القياس على النص، ثم الإجماع، وقد كان ترتيبها عند الأصوليين، أن يقع الإجماع بعد النص، ثم يأتي القياس على أصل ثبت بالنص أو الإجماع.
وسرّ مخالفة ابن جنّي ترتيب الأصوليين، أن حجّية الإجماع عندهم تستند إلى قوله (ص) «لا تجتمع أمّتي على ضلالة» الذي أعطى لإجماعهم العصمة عن الوقوع في الخطأ، «ولم يرد ممن يطاع أمره في قرآن ولا سنّة أنهم ـ النحاة ـ لا يجتمعون على الخطأ».
من أجل ذلك قدّم القياس على إجماعهم، وسوّغ لكل قائس بلغ شأوهم، أن يخالف إجماعهم، وذلك لأن النحو «علم منتزع من استقراء هذه اللغة، فكلُّ من فُرق له من علّةً صحيحة، وطريق نَهجَةً، كان (خليلَ) نفسه و(أبا عمرو) فكرِهِ».
ثم ذكر بعد ذلك: «أنه مما جاز خلاف الإجماع الواقع فيه منذ بُدىء هذا العلم وإلى آخر هذا الوقت، ما رأيته أنا في قولهم: (هذا حُجْرُ ضبٍّ خَرِبٍ) فهذا يتناوله آخر عن أول، وتالٍ عن ماضٍ، على أنه غلط من العرب، لا يختلفون فيه ولا يتوقفون عنده… إلى آخره» ثم يذكر حجّته في مخالفة هذا الإجماع.
وحين تصل إلى هذا الحدّ من قول أبي الفتح، تعجّب ممن فَهِم عن هذا الرجل قوله بحجّية الإجماع، لأنه ـ وهو من نعرف جلالة قدر، ودقّة ملاحظة، وتمكناً من زمام قول ـ لا يمكن أن يصل إلى رأي لا محصّل له!! وذلك لأنه إما أن يكون إجماع البلدين ـ عنده ـ حجّة، فبعد عصر انعقاده لا يصح له ولا لأي مجتهد آخر، وإن بلغ مبلغ الخليل، أن يخرق هذا الإجماع لأية علّة فُرقت له، وهذا هو معنى حجّية الإجماع عند من يعترف به… وإما أن يكون جائزاً له، أو لغيره، أن يخرجوا على إجماع البلدين، لإمكان وقوعهم في الخطأ ـ وهو رأيٌ سديدٌ جداً ـ فلماذا يذهب إذاً إلى أن إجماعهم حجّة؟!
قد تقول لي: إن أبا الفتح لحجّية هذا الإجماع من أوَّلَ: أن يعطيك خصمك يده، ألا يخالف هذا الإجماع المنصوص، ولا المقيس على المنصوص، وقد خالف إجماع النحويّين على تغليط «هذا جحر ضبّ خربٍ» القياس الذي انعقد في نفس ابن جنّي، فلم يعد إجماعهم حجّة عليه.
أقول لك: أنا أفهم من اشتراط ابن جنّي ذلك، أنه قصد به إضعاف القول بحجية الإجماع، وذلك لأننا نفهم من حجّية الإجماع أنه، بعد انعقاده، يكون حجّة على المجتهدين الذين يستطيعون أن يقيسوا، لا على المقلّدين او المبتدئين في النحو، وإلا فإذا جاز لكل مجتهدٍ فُرِقت له علّة صحيحة أن يخالف إجماع المجمعين، فلا خصوصية حينئذٍ لقصر الحجّية على «إجماع البلدين»، ذلك لأن إجماع أهل البصرة وحدهم حجّة عليك إذا لم يخالف المنصوص ولا المقيس عليه، وإجماع أهل الكوفة، أو بغداد أو الأندلس، أو مصر، كذلك حجّة إذا لم يخالف المنصوص ولا المقيس على المنصوص، بل إن قول الكسائي وحده، أو سيبويه، أو المبرّد، أو ابن جنّي حجّة عليك إذا لم يخالف المنصوص والمقيس، فإذا انعقد في نفسك قياس على خلاف ما قاسوا، لم يعد قولهم حجّة!!
فما معنى حصر الحجية إذن بإجماع البلدين وحده؟!
أما الذين تأخروا عن ابن جنّي من مؤلفي هذه الأصول، فإن السيوطي ـ كعادته ـ نقل قوله ولم يعقّب.
وابن الأنباري، في لمع الأدلة، حصر أدلة النحو في ثلاثة: النقل، والقياس، واستصحاب الحال. وذكر الاستحسان وأدلة أخرى ولم يرتضها، ولم يذكر في كتابه الإجماع لا بنفي ولا إثبات ولكنه، في كتاب «الإنصاف» احتجّ كثيراً بالإجماع، أو بخلاف الإجماع، لآراء البصريّين والكوفيّين، أو للرّدّ عليها.
ويبدو لي أنه لم يكن يقصد من ذكر «الإجماع» في الإنصاف، إلا معناه اللغوي «الاتفاق على الأمر» لا المعنى الاصطلاحي الذي يقصد منه أن الإجماع دليل مستقلّ عن النقل والقياس، وذلك:
1 ـ لأن هذه المسائل التي ذكر فيها الإجماع، كانت أدلّتها ـ عند الطرفين ـ إما منصوص عليها، أو مقيسة، وذكر الإجماع فيها إنما هو من باب إلزام الخصم بانه «متفق» مع خصمه على صحة النص، أو صحة القياس، وليس هذا من باب الاحتجاج بالإجماع، على أنه دليل مقابل للنص أو للقياس عليه.
2 ـ أن الأنباري لو كان يذهب إلى حجّية الإجماع لذكره في موضعه الطبيعي، وهو كتاب «لمع الأدلّة» مع أن هذا الكتاب وضعه ـ كما يقول في مقدمته ـ بعد وضع كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف.
3 ـ ولو سلّمنا بأنه كان يعني هذا الإجماع معناه المصطلح عليه، فإنه يكون من باب «الإجماع المنقول» وهو كخبر الواحد، لا بد من معرفة ناقله، وعدالته وتوثيقه، ومعرفة العصر الذي نقل الإجماع عنه، وعدم وجود المخالف فيه، وأمثال ذلك مما هو غير متوافر فيما حكاه الأنباري، والكتاب، بعد ذلك، كتاب في مسائل الخلاف، وما من مسألة فيه إلا كانت مسرحاً لخلاف بين نحاة المصرين، أو بين نحاة كل مصر منهما أحياناً، فكيف نقطع بعدم وجود المخالف؟!
جـ ـ الإجماع السكوتي: والإجماع السكوتي ذكره السيوطي، على أساس أنه صورة من صور «إجماع العرب» وعرّفه بما يلي: «أن يتكلم العربي بشيء، ويبلغهم ـ يعني العرب ـ ويسكتون عليه».
ثم استشهد له باستدلال ابن مالك في التسهيل على جواز توسيط خبر «ما» الحجازية، ونصبه بقول الفرزدق:
| فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم | إذ هم قريش، وإذ ما مثلهم بشر |
وقد قرّب استدلاله بالإجماع، «أن الفرزدق كان له أضداد من الحجازيّين والتميميّين، ومن مناهم أن يظفروا له بزلّة، يشنّعون بها عليه، مبادرين لتخطئته، ولو جرى شيء من ذلك لنقل، لتوفر الدواعي على التحدث بمثل ذلك إذا اتفق ففي عدم نقل ذلك دليل على إجماع أضداده الحجازيّين والتميميّين على تصويب قوله».
وهذا الحديث كله ضرب من الوهم، وذلك:
1 ـ لأنه يكاد يكون نقلاً حرفياً، من احتجاج بعض الأصوليين بالإجماع السكوتي، وقد كفانا الشافعي مؤنة الرّد عليهم بقوله: «لا يُنسب إلى ساكتٍ قول».
2 ـ إن مدّعي هذا الإجماع بينه وبين الحادثة قرون وقرون، فمن أدراه بأن كل واحد من الحجازيّين والتميميّين بلغو قول الفرزدق؟ أو أن كل واحد لم يعترض عليه حين بلغه ذلك؟ على أن المسألة لا تتعلق بأضداده من الحجازيّين والتميميّين، فالمفروض أن الإجماع هنا صورة من صور إجماع العرب، لا إجماع أهل الحجاز، ولا بني تميم، فلا بدّ أن يبلغ العرب كلهم فيسكتوا ثم إن مجرد عدم علم السيوطي ـ أو ابن مالك ـ بنقل اعتراضهم، لا يكوّن له علماً بعدم وقوعه، لأن «عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود».
3 ـ إن مدّعي هذا الإجماع من الأصوليّين أن يتوفر في سكوت الساكتين عنصر «الرضى» بالقول، حتى يتمّ الإجماع، فمن أدرانا ـ على فرض أنهم سمعوا وسكتوا على قول الفرزدق غير معترضين ـ أن سكوتهم كان عن «رضى» بقوله، الا يحتمل أن كل قبيلة سمعته ظنّت أنه يتكلم بلغة قبيلة أخرى، فلِمَ تعترض عليه؟ ألا يحتمل أن من سمعه، ولم يعترض اعتبره خطأ من أخطاء الفرزدق، وتجنّب الاعتراض إما لعدم اهتمامه، أو اعتماداً على اعتراض غيره، كما سكت معاصرو عبدالله بن أبي إسحاق حين اعترض الفرزدق وخطّأه بقوله:
| مستقبلين شمال الشام تضربنا | بحاصبٍ من نديف القطن منثور | |
| على عمائمنا تُلقى وأرجلنا | على زواحف تزجى مخها رير |
فقال: إنما هي «رير» بالضم.. ثم حاول أن يصلح له البيت: «على زواحف نزجيها محاسير» أو لعلهم سكتوا خوفاً من لسان الفرزدق لأنه هجا ابن أبي إسحاق حين اعترضه:
| ولو كان عبد الله مولى هجوته | ولكن عبدالله مولى مواليا |
وهذه الاحتمالات، أو أكثرها، واردة على الحادثة وأمثالها، ومع ورودها لا يمكن التحقق من أن قول الفرزدق بلغ كل العرب، وأنهم حين بلغهم سكتوا ولم يعترضوا، وأن سكوتهم كان عن رضى بقوله، حتى يتمّ هذا الإجماع!!
4 ـ إن الفرزدق ممن يحتجّ بأقوالهم عادةً، وتكلّف الإجماع على مثله ـ سكوتياً أو غير سكوتي ـ ضربٌ من العبث لا طائل تحته، على أن «ما» هنا تسمى «الحجازية»، ولا بد أن الفرزدق نطق بها على لغتهم، لأنهم هم الذين يعملونها، والتميميّون يخالفون في ذلك، فكيف يعتبر سكوتهم عن رضى، لنكوّن بذلك إجماعاً!
4 ـ الاستحسان
والاستحسان من أدلّة الحنفية، وقد ردّ الشافعي وكتب فيه «أبطال الاستحسان» ولذلك لم يعتبره الأنباري والسيوطي من أدلة النحو، لأنهما شافعيان!! ومن تعاريفه عند الحنفيّة أنه: «ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس» على أساس أن العلّة القياسية ـ وإن كانت ظاهرة ـ إلا أن العمل بها قد يقتضي في بعض الأحيان عسراً وحرجاً، فيتركها المجتهد إلى العمل بعلّةٍ خفية ضعيفة «استحساناً» منه لها، لأنها توجب اليسر والسهولة على الناس.
وعلى هذا الأساس خصّ ابن جنّي هذا الاستحسان بباب في خصائصه، وعرّفه بما يشبه تعريف أصحابه من الحنفية، فقال وجماعة «إن علّته ضعيفة غير مستحكمة، إلا أن فيه ضرباً من الاتّساع والتصرّف». ثم ضرب له أمثلة كثيرة منها:
قولهم: الفتوى، والبقوى، والتقوى، على أساس أن القياس يقتضي أن تكون بالياء: الفتيا والبقيا… ولكنهم تركوا القياس هنا، للتفريق بين الاسم والصفة.
ثم رأى أن هذا «التفريق» علّة خفيّة غير مطردة، لأننا نراهم لا يفرقون بينهما ـ الاسم والصفة ـ أحياناً، وضرب لذلك أمثلة منها: أنهم يجمعون «حَسَن» على «حِسان» ـ وهي صفة ـ كما يجمعون «جبل» ـ على جبال وهي اسم ـ لو كان التفريق بين الاسم والصفة واجباً، لا طرداً في جميع الباب، كاطّراد رفع الفاعل ونصب المفعول.
«ومن الاستحسان: رجل غديان وعشيان، وقياسيه: غدوان وعشوان؛ لأنهما من: غدوت وعشوت… ومثله: دامت السماء تُديم ديماً، وهو من الواو… ومن ذلك: استحوذ، وأغيلت المرأة، و(صددْتَ فأطولتَ الصدود وقلّما)…» إلى آخر ما ذكر من أمثلة تتعلّق بخروج بعض الكلمات العربية عن قياساتها.
وهناك ملاحظتان على هذا الاستحسان باعتباره واحداً من أدلة النحو:
1 ـ أن هذه الأمثلة التي ذكرها ابن جنّي هنا في باب الاستحسان، سبق له أن ذكرها في أبواب أخرى تعود للقياس، مثل باب الاطرّاد والشذوذ 1/69، وباب تخصيص العلل 1/144، وهي بالقياس أشبه منها بالاستحسان، وذلك لأن خروج مثل «فتوى» و«غديان» و«ديماً» و«استحوذ» و«أغيلت» وأمثالها عن أبوابها يعتبر شذوذاً، وعدم اطّراد للعلّة القياسية في هذه المواضع، وهنا يأتي النزاع الذي أثاره الأصوليون وتبعهم فيه النحاة أنه: إذا اطّردت العلّة القياسية في أكثر أمثلة الباب، ودار الحكم معها حيث تدور، ولكنه تخلّف في بعض الأمثلة، مع وجود العلّة، فهل يعتبر هذا التخلف «نقضاً» للعلة. بمعنى أنه يكشف أن ما افترضناه علّة لم يكن في الواقع علّة، فيبطل القياس؟ أو أن ذلك يعتبر «تخصيصاً» لعموم العلّة، ويبقى القياس جارياً في كل ما اطّردت علّته، عدا الأمثلة الشاذة؟
وكثير من الأصوليين والنحويّين ـ ومنهم ابن جنّي ـ اختار القول بتخصيص العلّة وعدم النقض، بمعنى أن يبقى القياس عاماً جارياً في كل موضع وجدت فيه العلّة، أما الشّواذّ التي كانت موارد لتخصيص العموم، فهي صحيحة أيضاً ـ استناداً إلى نصوصها المسموعة ـ ولكنها تظلّ مقصورة على مواردها ولا يقاس عليها.
قال في باب تخصيص العلل: «اعلم أن محصول مذهب أصحابنا، ومتصرّف أقوالهم مبني على جواز تخصيص العلل، وذلك أنها، وإن تقدمت على الفقه، فإنها، أو أكثرها، إنما تجري مجرى التخفيف والفرق، ولو تكلّف نقضها لكان ذلك ممكناً، وإن كان على غير قياس».
وقال في باب الاطّراد والشذوذ: «واعلم أن الشيء إذا اطّرد في الاستعمال وشذّ عن القياس، فلا بدّ من اتّباع السمع الوارد به في نفسه لكنه لا يتّخذ أصلاً يقاس عليه غيره، ألا ترى أنك إذا سمعت (استحوذ) و(استصوب) أدّيتهما بحالهما ولم تتجاوز ما ورد به السمع فيهما إلى غيرهما، ألا تراك لا تقول في استقام: (استقوم) ولا في استساغ: (استسوغ)… إلى آخره».
وحتى في الباب الذي عقده للاستحسان، فإنه بعد أن ذكر أمثلةً خارجة على أبوابها، علّل ذلك بأنه: «يخرج ليعلم به أنه أصل استقام: استقوم، وأصل مَقَامَة مَقْوَمَة وأصل يُحْسِن: يُؤَحْسِن، ولا يقاس هذا، ولا ما قبله، لأنه لم تستحكم علّته، وإنما خرج تنبيهاً وتصرفاً واتّساعاً».
وعقّب على قول الشاعر: «أقائلُنَّ أحضِروا الشهودا» بقوله: «فألحق نون التوكيد اسم الفاعل تشبيهاً له بالفعل المضارع، فهذا إذن استحسان، لا عن قوة علّة، ولا عن استمرار عادة، ألا تراك لا تقول: أقائِمُنَّ يا زيدون، ولا: أمنطلقنّ يا رجال، إنما تقول بحيث سمعته، وتعتذر له، وتنسبه إلى أنه استحسان منهم على ضعف منه، واحتمال بالشبهة له».
فإذا تمّ هذا وكانت هذه الأمثلة راجعة إلى القول بتخصيص العلّة القياسية، فهي إذن ليست من باب الاستحسان المصطلح عليه، لأن الاستحسان شيء وتخصيص العلل شيء آخر، وأصحاب ابن جنّي من الحنفية ـ الذين تابعهم في تاصيل الاستحسان في النحو لأنهم أضلّوه في الفقه ـ هؤلاء في الوقت الذي يلتزمون به صحّة القول بالاستحسان، يذهبون إلى فساد القول بتخصيص العلل.
2 ـ وفي حالة الفرض بأن القول بالاستحسان قول بتخصيص العلّة القياسية ـ كما يراه بعضهم ـ وإن كان ذلك خطأ عند أصحاب ابن جنّي من الأحناف ـ نعود لمناقشة الذين يذهبون إلى أن هذا الاستحسان دليل من أدلّة النحو، كالقياس وكالسماع فنسألهم: إذا كانت هذه أمثلة الاستحسان عند ابن جنّي، أي: المواضع التي يشذ فيها الحكم القياسي ولا تطّرد علّته، وإذا كانت هذه المواضع ـ عنده ـ نسمعها ولا نقيس عليها، أي أننا لا يمكن أن نستفيد منها «حكماً نحوياً فيما لا نصّ فيه» كما يستفيد الأحناف من استحسانهم حكماً شرعياً ومصادر أحكامه؟!
إن كل ما يفيده هذا الباب الذي عقده ابن جنّي للاستحسان، ونقله السيوطي في الاقتراح، هو تفسيره لشذوذ هذه الأمثلة، وقد يكون بعض هذا التفسير مقبولاً في الأسباب التي دعت العرب للخروج عن سنن القول التي سار عليها، ولكن ليس هذا هو الغرض من الاستحسان باعتباره «أصلاً»، فالأصول ليست بصدد أن تقول لنا: إن هذا العربي ترك نهج القياس الذي سار عليه و«استحسن» هنا أن يضيف نون التوكيد إلى اسم الفاعل، وإنما هي بصدد أن تقول: إن النحوي يستطيع أن يترك القياس ويستحسن إضافة نون التوكيد إلى اسم الفاعل، وابن جنّي يصرّح بأن ذلك غير ممكن، فلا يصحّ أن تقول: أقائمنّ يا زيدون، ولا: أمنطلقنّ يا رجال.
وإذا كان هذا الاستحسان مخالفاً لوظيفة «الأصول» المشابهة له، لأنه «أصل غير منتج» فجعله في أصول النحو وأدلّتها إرباك لهذه الأصول، وإذا كانت وظيفته تفسيرية فقط، فليجلس في زاوية من زوايا «فقه اللغة» وأسرار العربية.
5 ـ الاستصحاب
لم يذكر ابن جنّي الاستصحاب، كما ذكر الاستحسان، ربما لأن أصحابه من الحنفية لم يعتبروه من أدلة الفقه، وإن ذهب بعض المتأخرين منهم إلى أنه: «حجة دافعة، لا حجة مثبتة، أي: حجة لدفع ما يخالف الأمر الثابت بالاستصحاب، وليس هو حجة على إثبات أمرٍ لم يقم دليل على ثبوته».
ولكن الأنباري والسيوطي ـ وهما شافعيان ـ أثبتا الاستصحاب وأنكرا الاستحسان، ولك أن تقدّر بعد ذلك، أكانت هذه الأصول النحوية قائمة على تتبّع مناهج النحو الكوفي والبصري لمعرفة أدلتهما؟ أم على تقليد مناهج الفقه الحنفي والشافعي لتطبيق أصولهما؟
ومهما يكن من أمرٍ، فإن الأصوليين وإن اختلفوا في تعريف الاستصحاب وحجّيته ، إلا أنهم اتفقوا على أنه: «استفعال مأخوذ من الصحبة، وهي استدامة إثبات ما كان ثابتاً، أو نفي ما كان منفياً».
وأوجز تعريفاته أنه: «إبقاء ما كان» أو «الحكم ببقاء أمر شكّ في بقائه».
والظاهر أن الاستصحاب عندهم يستند إلى قاعدة قد تكون مسلّمة عند العقلاء هي: «عدم نقض اليقين بالشك» تؤيدهما روايات كثيرة لذلك قال ابن القيّم في توجيه بعض الأمثلة: «ولما كان الأصل بقاء الصلاة في ذمّته أمر الشّاكّ أن يبني على اليقين ويطرح الشّكّ».
يؤخذ من ذلك أن أهم أركانه، أو العناصر التي تضبط عملية استصحاب الحال هي:
1 ـ اليقين السابق، وهو العلم بواقع الحال السابقة للشيء.
2 ـ الشّكّ اللاحق، وهو ـ عندهم ـ أعمّ من الشّكّ المنطقي ـ أي تساوي الاحتمالين ـ والظّنّ، والوهم.
3 ـ فعلية اليقين والشّكّ، ويعنون بذلك: أن اليقين السابق ما يزال قائماً بالنفس في ظرف وجود الشّكّ اللاحق، أي أن ما حصل من شكّ متأخر يعارض بقاء المتيقّن واستمراره فقط، لا أنه يسري إلى اليقين السابق، في ظرف وجوده، فيزلزله من أساسه، لأنه حينئذٍ لا يبقى شيءٌ يمكن استصحابه.
ولتوضيح فكرتهم عن ذلك نضرب المثل الآتي:
لنفترض اني كنت في يوم «الجمعة» على يقين من أن «هنداً» هي زوج «عمرو»، واستمرّ هذا «اليقين» إلى يوم السبت حيث سمعت بخصومة وقعت بينهما، حصل لي منها «شكّ» أو «ظنّ» بطلاقها وانتهاء زوجيّتها، فيقال لي حينئذٍ: كنت على يقين من «بقاء» الزوجية، ولم يحصل لك يقين آخر بانقطاعها، وإنما حصل لك شكّ «ولا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك» أما إذا افترضنا بأن شك يوم السبت لم يعارض استمرار اليقين فقط، وإنما رجع القهقري إلى يقين يوم الجمعة فزلزله من الأساس، فلم تعد الزوجية ثابتة لنستصحب بقاءها.
على ضوء ذلك نعود إلى تطبيق النحاة لقاعدة الاستصحاب في المسائل النحوية، وهم يعرّفونه بما يشبه تعريف الأصوليين: «إبقاء حال اللفظ على ما يستحقه عند عدم دليل النقل على الأصل».
ثم يضرب ابن الأنباري لذلك مثلاً فيقول:
«ومثال التمسك باستصحاب الحال في الفعل أن نقول في فعل الأمر، الأصل في الأفعال البناء، وإنما يعرب منها ما يشابه الاسم، وهذا الفعل لم يشابه الاسم، فكان باقياً على أصله في البناء».
وأنا ـ في حدود جهدي ـ لا أعرف كيف يمكن تطبيق الاستصحاب هنا، ولا يوجد «يقين» نشكّ في استمراره وبقائه!! ومع ذلك فلنلاحظ ما يأتي:
1 ـ ما المقصود من استصحاب الحال هذا؟
أ ـ فإن كان المقصود: أن الأفعال كلها محكومة بالبناء يقيناً، وفعل الأمر واحد منها، فلا يشذّ عن هذا الحكم، فالمسألة إذن خاضعة للقياس المنطقي «الاقتران»، لا للاستصحاب، وتكون مقدمات القياس هكذا: «صيغة الأمر فعل، وكل فعلٍ مبني، إذن صيغة الأمر مبنية».
وكذلك إذا كان المقصود أن: كل فعلٍ غير مشابهٍ للاسم مبني، وفعل الأمر غير مشابه للاسم، إذن هو مبني.
ب ـ وإن كان المقصود من الاستصحاب هنا: أننا كنّا على «يقين» من أن الأفعال كلها مبنية، لأنها لا تتحمل المعاني الإعرابية كالأسماء، ثم حصل لنا «شكّ» ـ أو يقين آخر ـ بأن بعضهما يتحمل المعاني الإعرابية لمشابهته الاسم، فذلك يقتضي نقض اليقين السابق، أي نقض الأصل، لأن الذي حصل إن كان يقيناً فقد نقضنا اليقين السابق بيقين مثله، وإن كان «شكّاً» فليس هو شكاً في استمرار اليقين السابق حتى نستصحبه، وإنما هو شك في أصل وجود اليقين، أي أن الزمن الذي تيقّنّا به أن الأفعال كلها مبنية انتقض هو نفسه، فقد ظهرت لنا فيه أن بعض الأفعال غير مبني، فزال ذلك اليقين.
2 ـ على أن المسألة خالية من «اليقين» أصلاً، وكلها ظنون يختلف فيها النحاة بحسب اجتهادهم وإن سمّوها «أصولاً» فالبصريون يرون أن «أصل الإعراب للأسماء فقط» والكوفيّون يرون أن «أصل الإعراب للأسماء والأفعال، وأصل البناء للحروف» وليست هناك قاعدة عقلية أو غير عقلية تقول: «لا تنقض الظّن بالظّن» حتى تكون مجالاً للاستصحاب.
3 ـ إن بعض النحاة المتأخرين، ومنهم الأنباري والسيوطي وبعض الدارسين المحدثين، يحمّلون قدماء النحويين ـ بصريّين وكوفيّين ـ حتى سيبويه والخليل استدلالهم بقاعدة الاستصحاب، لأنهم قالوا ـ مثلاً ـ: وهذا «مخالف للأصل» أو «موافق للأصل» أو «وهو الأصل»، أو استدلّ بعضهم بقاعدةٍ ما دون أن يسميها «أصلاً» أو «استصحاباً»، كاستدلال سيبويه بقاعدة: «إن الواو لا تزاد أولاً أبداً» وأمثال ذلك من قواعد وأصول استنبطها النحاة من استقرائهم الناقص، ولا يمكن أن يقصد بها الخليل أو سيبويه «قاعدة الاستصحاب» لأن التطور الفكري في عصرهما لم يصل بعد إلى هذه القاعدة.
يؤيد ذلك أن «استصحاب الحال» لم يكن أصلاً من أصول الفقه إلا في وقت متأخر، «وهو من وضع متأخري الشافعية» لذلك لم نجد لمصطلح الاستصحاب ذكراً في «رسالة الشافعي»، ولا في كتب محمد بن الحسن وغيره من أصحاب أبي حنيفة، ولا عند غيرهم من الفقهاء إلا في القرن الرابع، وليس من المعقول أن يكون «الاستصحاب» أصلاً من أصول النحو، في زمن لم يعرف عند الفقهاء، مع اعتراف واضعي هذه الأصول النحوية بأنهم وضعوها طبقاً لأصول الفقه!!
على أن هذا المصطلح «الاستصحاب» لم يذكر ـ كما ذكر القياس ـ ولا مرة واحدة في كتب النحو المتقدمة، من كتاب سيبويه إلى خصائص ابن جنّي، ولعل أول من ذكره منهم ابن الأنباري في القرن السادس.
4 ـ إن كلمة «الأصل» لا تعني «الاستصحاب» بالضرورة، فقد سبق أنها تطلق على معانٍ منها: «الدليل» الذي قد يكون نصاً، وقد يكون قياساً، ومنها:«القاعدة» التي انتهى إلى تعقيدها أصحاب الفن في توجيه الاستفادة من الدليل، كالذي يقوله الأصوليون، مثلاً: «الأصل أن النص مقدّم على الظاهر» و«الأصل أن عامّ الكتاب قطعي» وأمثالها، كما تطلق كلمة «الأصل» على «الراجح» عند التردّد بين أمرين، كل منهما محتمل، فيقال: «الأصل الحقيقة» عند تردّد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو المجاز، و«الأصل عدم الاشتراك» عندما يتردّد كون اللفظ مشتركاً أو غير مشترك.
فإذا تنازع الفقهاء في مسألةٍ ما وطبّقوا عليها واحدة من هذه الأصول والقواعد فليس معنى ذلك أنهم عملوا بالاستصحاب، وإنما رجعوا لتطبيق القاعدة على جزئياتها ومصاديقها.
وتعبير النحاة هنا بـ «الأصل» من هذا القبيل.
ذلك لأن ما يسميه النحاة بـ «الأصل» مثل: «الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة» و«الأصل في الخبر أن يكون نكرة» و«الأصل في الفعل أن يكون ثلاثياً صحيحاً مجرداً… إلى آخره» و«ألاصل في الأسماء الإعراب» و«الأصل في الأفعال البناء» وأمثال ذلك من أصول ذهنية مجرّدة، اخترعها النحاة دون أن تخطر ببال المتكلم العربي، أقول: هذه الأصول ما هي في الواقع إلا «مُثُلٌ عليا» افترضها النحاة للكلمة والجملة العربية لتسهّل عليهم عملية التصنيف والتبويب فيما بعد، فما كان جارياً على هذا «الأصل المثالي» جعلوه في «قاعدة» وما خرج عن هذا الأصل، فإن كان غير مطّرد اعتبروه «شاذّاً» لا يقاس عليه، وإن كان مطّرداً، جعلوا له«قاعدة» فرعية أخرى، فالفعل «ضرب» جاز على «الأصل» والفعل «قال» معدول به عن الأصل، ولكنهم أخضعوه لأصلٍ آخر، مفترض أيضاً، فقالوا: «الأصل في قال: قَول، والأصل في باع: بَيَع» ليستنتجوا من ذلك قاعدة تصريفية مطّردة يصح القياس عليها «إذا تحركت الواو ـ أو الياء ـ وانفتح ما قبلها قلبت ألفاً» كما استنتجوا قاعدة : «إذا وقعت الواو أو الياء متطرّفة، إثر ألف زائدة، قلبت همزة» مثل: كساء وبناء، فإن أصلهما «كساو» و«بناي».
وحين وجدوا المبتدأ في قوله تعالى: «وُجُوْهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ» [القيامة: 22] معدولاً به عن الأصل المفترض: «الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة» جعلوه ضمن «أصل » فرعي آخر: «حصول الفائدة للمخاطب»:
| ولا يجوز الابتدا بالنكره | (ما لم تُفِد) كعند زيدٍ نمره |
وهكذا… فليس مرادهم هذه الأصول المفترضة إذن غير بناء نظريتهم النحوية الكاملة، وتأسيس القواعد والضوابط التي لا تشذّ عنها بنية صرفية، أو جملة نحوية.
والخلاصة: أن ما يقوله النحاة السابقون: «موافق للأصل» أو «مخالف للأصل» لا يقصدون به ـ فيما أعتقد ـ أن «ضرب» مستصحبة لأنها موافقة للأصل، و«قال» غير مستصحبة لأنها معدولة عن الأصل،!! كما فهم ذلك استاذنا الدكتور تمام حسان في أصوله مع كبير إجلالي لما قدمه من جديد في المسألة النحوية ـ ولعل ذلك كان اعتماداً منه على ما قاله ابن الأنباري في الإنصاف: «من تمسك بالأصل فقد تمسك باستصحاب الحال» ويبدو لي أن ذلك كان تطبيقاً غير سليم للاستصحاب وذلك لأن المقصود بـ «استصحاب الحال» ـ كما هو واضح من بعض تعريفاته: «الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول» أن يكون للشيء الواحد حالان في زمانين: الحال الأولى معلومة ثابتة، والحال الثانية مجهولة مشكوكة، فنستصحب حال العلم به في الزمان السابق إلى حال الشك به في الزمان اللاحق، لنلغي بهذه العملية الاستصحابية دور الشك الطارئ. وليس الأمر كذلك بالنسبة لـ «ضرب» و«قال» فكل منهما معلوم الحال في كل من الزمانين. السابق واللاحق، لاطّرادهما في كلام العرب. جاهليّين وإسلاميّين ـ فأين الاستصحاب إذن؟
نعم لو حدث «ضرب» أو «قال» نُطقٌ آخر، يختلف عما كانت تنطق به سابقاً وحصل لنا من ذلك ما يوحي بأن هذا المنطق المتأخر قد يكون فصيحاً، فلنا حينئذٍ أن «نستصحب» الحال المعلومة لكل منهما، ونلغي بذلك دور النطق المتأخر المشكوك بفصاحته، وهنا يكون للاستصحاب دور في المسألة النحوية، ولكن مثل هذا ـ في حدود ما أعلم ـ لم يحصل عند النحاة السابقين، أي أنهم لم يجروا الاستصحاب في نفي ما طرأ على اللغة من تطوّر أو تغيير، لأنهم حددوا الفترة الزمنية التي يحتجّ بها في الحواضر، من الجاهلية إلى منتصف القرن الثاني، دون أن يعطوا للسابق فيها حق الامتياز عن اللاحق، فإبراهيم بن هرمة (150هـ) ـ وهو آخر من يحتج به عندهم ـ له من قوة الاحتجاج بشعره ما لامرىء القيس وغيره من الأوائل، أما ما تأخر عن هذه الفترة فقد قطعوا بعدم فصاحته، ولم يحتاجوا فيه إلى الاستصحاب لعدم وجود الشك بفصاحته.
خلاصة البحث
بعد هذا العرض الموجز لما سمي بـ «أصول النحو» يبدو لي أن الذين وضعوا هذه الأصول، لم يكونوا على جانب من الجدية في وضع «أصول» يراد لها أن تكون «منطقاً» أو منهج بحث للتفكير النحوي، واستنباط أحكامه، كما كانت «أصول الفقه» منطق الفقه، ومنهج التفكير الفقهي، وكل ما في الأمر أنهم رأوا في أصول الفقه «أصولاً جاهزة»، يمكن ضرب الأمثال لها ـ ولو بالتّمحّل ـ من مسائل النحو وأحكامه.
وقد رأيت أن الأصول ـ أية أصول ـ تبحث في ناحيتين. تشخيص الأدلة.. وأوجه دلالتها ولم يوفّق هؤلاء المؤلفون ـ عدا ابن جنّي ـ في عملية «التقليد» التي ساروا عليها، لا في تشخيص أدلّة النحو، ولا في طرق دلالتها، أما التشخيص فلم يثبت منها ما يصلح لأن يكون «دليلاً» لاستنباط الحكم النحوي غير «النص» و«القياس على النص» مع ما أثرناه وأثاره الكثيرون من ملاحظات على أصولهم في السماع والقياس.
أما الإجماع، والاستحسان، والاستصحاب، فهي إلى الوهم أقرب منها إلى الظن. وقد أوحتها طبيعة تقليد هؤلاء النحاة لمذاهبهم الفقهية كما رأيت!!
وأما أوجه دلالة الأدلة، فقد نقشت بصورة ساذجة عن أصول المذاهب الفقهية التي كان يتبعها هؤلاء النحاة سواء في الأركان أم الشرائط، أم الأقسام أم المسالك، أم قواعد التوجيه.
وأنا إذ أستثني ابن جنّي، فلأن كتابه «الخصائص» لم يعقد لأصول النحو وحدها ـ وإن توسّع في بحوث القياس بما يعود نفعه على فروع اللغة عموماً ـ ولأنه بما له من أصالة، وسعة، وجدّيّة، لم ينقل عن أصول الفقه نقلاً يكاد يكون حرفياً ـ كما فعل الأنباري والسيوطي ـ بل إن عقده بابين للإجماع والاستحسان، لم يكن فيهما ما يشعر بأنه يؤكد حجّيّتهما، على أساس أنهما كالقياس والسماع، وقد رأيت كيف أنه غمز من قناة الإجماع وجوّز للقائس مخالفته، وجعل الاستحسان أصلاً تفسيرياً، أما بقية كتابه فهو من أروع ما كتب في فقه اللغة وخصائصها وأسرارها، وسيبقى مصدر طلاب فروع اللغة الذي لا يغني عنه مصدر آخر.
ويغلب على الظن أنه إذا أُريد وضع أصول يُستكشَف منها طبيعة استنباط الحكم النحوي عند مؤسسيه، فيجب أن تترك هذه المحاولات جانباً، ويعمد الدارسون المحدثون، إلى كتاب سيبويه وشروحه، ومقتضب المبرّد، ومعاني الفرّاء، ومجالس ثعلب، وأمثالها من كتب تمثل الفروع النحوية في فترتين من ألمع فترات الدرس النحوي في مدرستي البصرة والكوفة، ويُستنتج من بناء أصحابها أحكامها على النصوص المسموعة، وما استعانوا به من تعليل أقيستهم وطرق احتجاجهم، وتؤخذ بنظر الاعتبار النقود المتأخرة المتّسمة بالجدية لمناهج النحاة السابقين، وتكتب بذلك كله «أصول النحو» الصحيحة الملائمة لطبيعة أحكامه وأدلته وليس ذلك على جهد الدارسين المحدثين ببعيد.
الدكتور مصطفى جمال الدين
أصول البحث
بغية أن نتعرف تعريف هذا العلم، ونعرف ماذا يعنى بـ (أصوا البحث) لا بد من أن نمهد لذلك ببيان معنى كلمة (أصول) ثم معنى كلمة (بحث) في هذا السياق.
الأصول
أما الأصول فهي جمع (أصل).
والأصل ـ كما يعرفه المعجم اللغوي العربي:
«ما يبني عليه الشيء، أو ما يتوقف عليه»([250]).
و «أصل الشيء أساسه الذي يقوم عليه»([251]).
و«هو ما يبتني عليه غيره»([252]).
وقد مرت كلمة (أصل) شأنها شأن الكثير من الكلمات العربية بمراحل تطورت فيها دلالتها من معنى الى آخر، حيث وضعت أول ما وضعت لأسفل الشيء «فيقال: أصل الجبل، وأصل الحائط، وأصل الشجرة»، ويراد به أسفل الجبل أي قاعدته، وأسفل الحائط أي أساسه، وأسفل الشجرة أي جذرها.
«ثم توسع المعنى حتى تناول كل ما يستند وجود الشيء إليه، فالأب أصل الولد، والنهر أصل للجدول»، وهكذا([253]).
وبعد ذلك تطورت دلالة الكلمة من الاستعمال في المعاني المادية المحسوسة التي ذكرت في أعلاه إلى التوسع في دائرة الاستعمال لما يشمل الأفكار والأمور المعنوية، فأصبحت تطلق الكلمة في لغة العلوم، ويراد بها: القاعدة التي يبنى عليها الحكم.
فعندما يقال: (أصول العلم) فإنه يراد بها قواعد العلم التي تبنى عليها أحكامه.
وهو المعنى المراد هنا.
فأصول البحث ـ في ضوء هذا ـ تعني قواعد البحث.
ويقابل (الأصول) ـ الكلمة العربية ـ في اللغة الإنجليزية كلمة (Rules) أو كلمة (Regulations).
البحث
قال ابن فارس في تعريف (البحث) لغوياً: «الباء والحاء والثاء، أصل واحد، يدل على إثارة الشيء.
قال الخليل: البحث: طلبك شيئاً في التراب.
والبحث: أن تسأل عن شيء وتستخبر.
تقول: استبحث عن هذا الأمر.
وأنا استبحث عنه.
وبحثت عن فلان بحثاً.
وأنا أبحث عنه.
والعرب تقول: (كالباحث عن مدية) يُضْرَبُ لمن يكون حتفه بيده، وأصله في الثور تدفن له المدية في التراب فيستثريها وهو لا يعلم فتذبحه، قال (أبو ذؤيب الهذلي):
| ولا تكُ كالثور الذي دُفنت له | حديدة حتفٍ ثم ظلّ يثيرها |
قال: والبحث لا يكون إلا باليد ـ وهو بالرجل الفحص ـ قال الشيباني: البَحُوث من الإبل التي إذا سارت بحثت التراب بيدها أُخُراً أُخُراً([254])، ترمي به وراءها. قال:
| يبحثن بحثاً كمُضِلّات الخَدَم |
ويقال: «بحث عن الخبر أي طلب علمه»([255]).
ويستخلص (المعجم الكبير) للبحث معنيين، هما:
1 ـ الحفر.
2 ـ طلب الشيء.
ثم توسع في دلالة الكلمة من المادي إلى المعنوي، ومن مجال الحسّ الى مجال الفكر، فأصبحت تطلق على «بذل الجهد في موضوع ما، وجمع المسائل التي تتصل به».
وهو ما نعنيه هنا.
ويقابله في الإنجليزية Investigation.
وقد عُرّف علمياً بأكثر من تعريف، منها:
1 ـ تعريف فان دالين، بأنه «محاولة دقيقة ومنظمة وناقدة، للتوصل إلى حلول لمختلف المشكلات التي تواجهها الإنسانية، وتثير قلق وحيرة الإنسان».
2 ـ تعريف ويتني Whitiny: «البحث: استقصاء دقيق يهدف إلى اكتشاف حقائق وقواعد عامة يمكن التأكد من صحتها مستقبلاً».
3 ـ تعريف بعضهم بأنه: جهدٌ علميٌ يهدف إلى اكتشاف الحقائق الجديدة والتأكد من صحتها، وتحليل العلاقات بين الحقائق المختلفة.
4 ـ تعريف بولنسكي Polansky: «البحث: استقصاء منظم يهدف إلى اكتشاف معارف والتأكد من صحتها عن طريق الاختبار العلمي».
5 ـ البحث: وسيلة للدراسة يمكن بواسطتها الوصول إلى حل لمشكلة محددة، وذلك عن طريق التّقصّي الشامل والدقيق لجميع الشواهد والأدلة التي يمكن التحقق منها، والتي تتصل بهذه المشكلة المحددة([256]).
ويلاحظ على بعض هذه التعريفات المذكورة أنها وُضعت لبيان معنى البحث التجريبي، وذلك لمرادفتها البحث (الاستقصاء) و«التقصي الشامل» الذي يراد به ـ هنا ـ الاستقراء Induction الذي يعتمد الملاحظة والتجربة، ويقوم على التعميم لأنه ينتقل من الواقعة إلى القانون، ومما عرف في زمان أو مكان معين إلى ما هو صادق دائماً وفي كل مكان([257]).
وعليه يكون مثل هذه التعريفات غير شامل للبحوث التي تقوم على أساس من المنهج العقلي أو المنهج النقلي أو المنهج التكاملي أو غيرها.
ويرجع هذا إلى أن هذه التعريفات وأمثالها هي لعلماء غربيين انطلقوا من خلفياتهم الثقافية المتأثرة بأجواء الثورة الثقافية التي ألغت اعتبار المناهج القديمة، ولمتأثرين بهم من العلماء العرب.
ولأن المناهج القديمة كالمنهج العقلي والمنهج النقلي لا تزال تستخدم في ثقافتنا الإسلامية كمناهج أصيلة لا نستطيع الركون إلى شيء من هذه التعريفات.
وعليه ليس أمامنا إلا التماس تعريف آخر يعمّ مختلف البحوث بمختلف مناهجها.
وأقرب تعريف إلى طبيعة معنى البحث أن يقال:
البحث: هو استخدام الوسائل العلمية من أفكار وأدوات وفق قواعد المنهج لمعرفة مجهولٍ ما.
ويأتي ـ فيما بعده ـ مزيد توضيح له.
وفي ضوء ما تقدم، فإن أصول البحث تعني قواعد البحث.
وعلم أصول البحث يعني دراسة قواعد البحث. ولما كانت قواعد البحث يطلق عليها المناهج، تكون دراستنا هنا لمناهج البحث.
تاريخ أصول البحث
يرتبط تاريخ المنهج بتاريخ التفكير، ذلك أن البحث يعني التفكير والمنهج يعني الطريقة، وكل تفكير ـ بدائياً كان أو غير بدائي، أصيلاً أو غير أصيل ـ لا بد من اعتماده على طريقة تساعده في الوصول إلى النتيجة.
ومن هذا نستطيع أن نقول: إن المنهج كان توأم التفكير في الولادة، فإذن هو قديم قدم التفكير.
وفي ضوئه يأتي التأريخ لنشوء وتطور الفكر البشري تأريخاً لنشوء وتطور المنهج.
وسأعرض هنا لما ألمح إليه علماء المنهج من مراحل تطويرية مرّ بها الفكر الإنساني أولاً، ثم أحاول المقارنة ثانياً بينها وبين ما أشار إليه القرآن الكريم وهو يؤرّخ للظاهرة الدينية، ومنها الفكر الديني، وذلك لما لمسته من مفارقة وقع فيها بعض علماء المنهج المسلمين متأثرين بالجو الثقافي الغربي المعاصر الذي يلغي اعتبار الدين وحياً إلهياًـ كما سنتبين هذا.
يذهب علماء المنهج متأثرين بما انتهى إليه علماء الإنسانيات من نتائج في دراستهم لنشوء وتطور الفكر الإنساني إلى أن الفكر البشري مرّ بثلاث مراحل، وفي كل مرحلة منها كان للإنسان منهجه الذي يلتقي وطبيعة المرحلة.
وهذه المراحل هي:
1 ـ مرحلة الأسطورة.
2 ـ مرحلة الفلسفة.
3 ـ مرحلة العلم.
1- مرحلة الأسطورة Myth:
ولكي نتفهّم واقع هذه المرحلة لا بد من تحديد المراد بالأسطورة، وبيان مدى علاقة الدين بها، ومن ثم ننتقل إلى تعرف الذي كان يعتمده الإنسان الأسطوري في التفكير.
يعرّف ابن منظور الأساطير بأنها الأباطيل، وبأنها أحاديث لا نظام لها([258]).
وحديثاً يعرّفها (المعجم الوسيط) بالأباطيل أيضاً وبالأحاديث العجيبة([259]).
وهي من الكلم المعرّب عن (إسطوريا Istoreya) السريانية، التي هي بدورها مأخوذة من اليونانية، وهي فيها (هستيريا)، فحوّلها نظام التقارض اللغوي إلى (أسطوريا) في السريانية، وحوّل (أسطوريا) إلى (أسطورة) في العربية.
وجاء في بيان أسباب نزوا الآية الكريمة: «وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إذّا جَاؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إلّا أسَاطِيْرُ الأوّلِين» [الأنعام: 25]، أن النضر بن الحارث الذي تعلّم أحاديث ملوك فارس في الحيرة، كان يجلس في موضع مجلس رسول الله (ص) إذا غادره، ويحكي للناس أحاديث رستم واسفنديار([260]) وهما من أبطال الفرس الأسطوريين ليشكك الناس في أن قصص القرآن وأحاديثه من هذا.
وعلمياً عرّفت الأسطورة بأنها حكاية تقليدية تروي أحداثاً خارقة للعادة أو تتحدث عن أعمال الآلهة والأبطال([261]).
وتنتقل بوساطة الرواية([262]).
«وبدأ التفسير الحديث للأسطورة في القرن التاسع عشر مع المستشرق والعالم اللغوي البريطاني ماكس مولر Max Muller الذي صنف الأساطير وفقاً للغرض الذي هدفت إليه» و«اعتبرها تحريفات لغوية»([263]).
«ثم جاء العالم الأنثربولوجي والباحث الفلوكلوري البريطاني السير جيمس جورج فريزر Frazer فربط الأسطورة في كتابه الشهير: الغصن الذهبي: دراسة في السحر والدينThe Golden Bough, Study in Magic and Religion بفكرة الخِصب في الطبيعة»([264]).
«وثمة تفسير يرى أن الأسطورة ابتكرت للإبانة عن الحقيقة في لغة مجازية ثم نسي المجاز وفسرت حرفياً…
ولا يسلّم علماء الإنسان القديم الآن بنظرية واحدة تطبّق على كل الاساطير، والأصحّ عندهم التفسير الخاص بأساطير كل أمّة»([265]).
ولأن الأسطورة حكاية تروى أو تنقل بوساطة الرواية ـ كما رأينا ـ يكون منهجها هو النقل.
وهذا ـ بدوره ـ يكشف لنا أن المنهج النقلي أقدم المناهج وأسبقها من ناحية تاريخية.
أما عن علاقة الدين بالأسطورة فتقول ( الموسوعة العربية الميسرة ط2 ـ 1972م ـ ص148): «وبين الأسطورة والدين علاقة، وكثيراً ما تحكي الشعائر أحداث أسطورة»([266]).
وهي تشير بهذا إلى معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء أمثال: عمر نوح، وفوران التنور بطوفانه، وتحوّل نار النمرود مع إبراهيم إلى برد وسلام، وقصة قصر بلقيس، وعصا موسى، وكذلك خلق الكون والخ…
فإن جميع هذه وأمثالها كانت قبل التاريخ المدوّن، ولم نعثر على ما يشير إلى شيء منها من آثار، وإنما تعرفناها من الكتب الدينية والحكايات الأسطورية، وهي بهذا تدخل إطار الغيبيات، والعلم الحديث لا يؤمن إلا بالمشاهد والمحسوس، أو ما يمكن أن يخضع للملاحظة أو التجربة، كما سنتبيّن هذا في المرحلة الثالثة.
يقول (هيوم Hume) ـ متأثراً بالمنهج التجريبي ـ: «لقد رأينا الساعات وهي تصنع في المصانع، ولكننا لم نر الكون وهو يصنع، فكيف نسلّم بأنه له صانعاً»([267]).
«ولذلك رأى أن العناية الإلهية وخلود النفس وسائر صفات الله وكل قصة الخلق كما تؤمن بها المسيحية وكل الأخرويات هي ـ في رأيه ـ مجرد خرافات»([268]).
ويقول (جوليان سوريل هكسلي): «تعتبر التطورات العلمية التي حدثت قي القرن الماضي انفجاراً معرفياً Knowledge Explosion في وجه جميع الأساطير الإنسانية عن الآلهة والدين كما تفجرت الأفكار القديمة عن المادة ونسفت بمجرد تفجير الذرة»([269]).
ولا أريد أن أطيل حيث سيأتي ـ فيما بعد ـ مزيد بيان لهذا، ووقفة نقد مع هؤلاء وأمثالهم، وإنما أريد ـ فقط ـ أن أشير هنا إلى أن الدين في جانب كبير من أفكاره يعتمد المنهج النقلي أيضاً.
فإذن أول ما وجد من المناهج قريناً للتفكير الإنساني ـ في ضوء هذا ـ هو المنهج النقلي.
غير أننا سنجد ـ فيما بعد ـ أن المناهج الثلاثة: النقلي والعقلي والتجريبي، ولدت في أحضان الدين، إلا أنها لم تأخذ شكلها الفني وطابعها العلمي إلا بعد نضج الفلسفة القديمة حيث يرسم المنهج العقلي طريقه بوضوح، وبعد استقلال العلم عن الفلسفة حيث شقّ المنهج التجريبي مجراه في التفكير البشري بعمق، وبعد تقعيد القواعد وتأصيل الأصول في العلوم الإسلامية حيث تأكد وتعمق المنهج النقلي مفهوماً، واستخداماً.
2- مرحلة الفلسفة Philosophy:
تعني الفلسفة بدراسة المبادىء الأُولَى للأشياء وحقائقها وعلاقة بعضها ببعض.
«وكانت تشمل العلوم جميعاً»([270]).
ثم انفصلت عنها العلوم الرياضية فسائر العلوم الأخرى، واقتصرت في دراساتها على الموضوعات التالية:
ـ المعرفة.
ـ الوجود.
ـ القيم الثلاث (الحق والخير والجمال).
والعلم الذي اختص بدارسة الحق هو علم المنطق، والذي اختصّ بدراسة الخير هو علم الأخلاق، وبالجمال هو علم الجمال أو الفن.
وكان علم المنطق يمثل منهج التفكير حيث يعنى بدراسة قواعد التعريف وقواعد الاستدلال وقواعد تنظيم العلوم، التي استقلت ـ هذه الأخيرة ـ فيما بعد باسم (مناهج البحث).
فمناهج البحث التي ولدت في أحضان الفلسفة كانت فرعاً من المنطق.
ولأن الفلسفة تقوم على أساس من التفكير العقلي، ويتوصل إلى نظرياتها وآرائها عن طريقه كان منهجها المنطقي عقلياً أيضاً.
فكانت الفكر المرحلي الذي تمخّض عن المنهج العقلي.
وأخيراً، استقلّ علم المنطق عن الدرس الفلسفي، وكذلك استقلّ علم الأخلاق عنها، وتبعهما في ذلك علم الجمال، فأصبح كل واحد من هؤلاء الثلاثة علماً مستقلّاً بذاته.
واختصّت الفلسفة بدراسة (المعرفة) و(الوجود).
ثم وبعد ذلك انفصلت الدراسات المتأخرة بما يعرف بنظرية المعرفة.
واقتصرت الفلسفة على دراسة (ما بعد الطبيعة) أو ما يعرف بـ (الميتافيزيقا Metaphysics).
«وقد بدأ التفكير الفلسفي المنظم أول ما بدأ في بلاد اليونان في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، فظهرت (المدرسة الأيونية lonian School). وبعدها ظهرت (المدرسة الإيلية Eleaatic School)، ثم كان عصر الفلسفة الإغريقية الذهبي مع سقراط وأفلاطون وأرسطو.
وبعد أرسطو ظهرت (الرواقية Stoicism) و(الإبيقورية Epicureanism) فـ(الأفلاطونية المحدثة Neo-Platonis).
3- مرحلة العلم Science:
يراد بالعلم هنا: «المعرفة النظامية المنسقة المبنية على الملاحظة والاختبار»([271])، وهو ما يعرف بـ (العلم التجريبي) في مقابل العلم بمعناه العام.
وتقتصر عناية العلم التجريبي على دراسة العناصر التي تتألف منها الاشياء وظواهرها على اختلاف أنماطها العلمية.
وقد مهّد له ولإلغاء الاعتماد على المنهج العقلي حلول عصر الفلسفة الحديثة Philosophy Modern الذي «يمكن القول: إنها بدأت مع الفلاسفة العقليين الذين جعلوا العقل الفرد القول الفصل في الحكم على الأشياء، وأبرز هؤلاء: ديكارت Descartes، وسبينوزا Spinoza، ولايبنتز Leibnitz»([272])، حيث جاء بعد هؤلاء الفلاسفة العقليين «الفلاسفة التجريبيون الذين قالوا: إن أصل المعرفة التجربة لا العقل.
وفي طليعة هؤلاء: جون لوك Locke ودايفيد هيوم Hume»([273]). «وفي القرن السادس عشر، ومع غليلو Galileo على وجه التحديد بدأ عصر العلم التجريبي Experimental Science ومنذ ذلك الحين طبّق الإنسان الطرائق العلمية Scientific Methods في البحث».
«وتقضي الطريقة العلمية الحديثة بدراسة الوقائع المشاهدة، ثم تفسير هذه الوقائع أو الظواهر بفرضية Hypothesis تتخذ منطلقاً لمزيد من البحث.
فإذا أيّد الاختبار المكثف هذه الفرضية على نحو يخلو من جميع الثغرات الهامة أصبحت الفرضية نظرية Theory.
حتى إذا قام الدليل القطعي على صحة النظرية بحيث يتعذر وضع أية نظرية أخرى قادرة على تعليل نفس المعطيات أصبحت (النظرية) قانوناً Law.
ولكنها تبقى مع ذلك مجرد تعميم لبيّنة تجريبية، لا تقريراً لحقيقة سرمدية»([274]).
وكان هذا هو النضج الفكري الذي تبلور في جوّه وبوضوح المنهج التجريبي.
الدين Religion:
وبعد هذه الرفقة العلمية لتاريخ مسيرة التفكير الإنساني الذي تمخّض عن المناهج الثلاثة النقلي والعقلي والتجريبي، نكون برفقة العنصر الأساسي المفقود في حلقات هذه الدراسات، والذي حشر بغير حق في مجال الأسطورة، وهو الفكر الديني الإلهي.
إن من الصعوبة بمكان أن يأتي الباحث بتعريفٍ للدين عام يشمل في عمومه جميع أنواعه.
ومرجع هذا هو اختلافها في المنشأ والوجهة.
ومن هنا رأيت أن أقسم الدين إلى أنواعه، ثم أعرّف كل نوع على حدة.
وبهذا اللون من السير في البحث نستطيع أن ندرك سبب المفارقة التي وقع فيها الباحثون الذين اعتدّوا الدين من نوع الأسطورة أو السحر او ما إليهما.
فمن خلال الواقع الذي عاشه الإنسان، ويعيشه على هذا الكوكب، بما خامر ذهنه من اعتقاد، وما ملأ وجدانه من إيمان نقف على الأنواع التالية للدين:
1 ـ الدين الإلهي:
ويتمثل هذا في الشرائع الإلهية التي بعث الله تعالى بها الأنبياء كشريعة نوح وشريعة إبراهيم وشريعة موسى وشريعة عيسى وشريعة نبينا محمد (ص).
ومصدره: الوحي الإلهي.
2 ـ الدين البدائي:
ويتمثل هذا في معتقدات الشعوب البدائية من عبادة المخلوقات كالإنسان والحيوان والكواكب والأوثان وما إليها.
ومصدره: الوهم البشري.
3 ـ الدين الطبيعي (الربوبية Deism):
وتعرفّه موسوعة المورد([275])، بعامة: بـ «الإيمان بالله من غير اعتقاد بدايانات منزلة.
وبخاصة: مذهب فكري يدعو إلى الإيمان بدين طبيعي مبني على العقل لا على الوحي، ويؤكد على المناقبية او الأخلاقية منكراً تدخل الله في نواميس الكون.
وقد ظهرت الربوبية أول ما ظهرت في القرن السابع عشر.
ويعتبر مونتيسكيو Montesquieu وفولتير Voltaire وروسّو Rousseau من أبرز الدّاعين إليها.
ومصدره: العقل الفردي.
وقد أشار القرآن الكريم الى الدين البدائي، والى مناقضته وموازاته للدين الإلهي في (سورة الكافرون)، قال تعالى: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ * قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُوْنَ* لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلا أنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أعْبُدُ* وَلا أنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ* وَلا أنْتُم عَابِدُونَ ما أعْبُدُ* لَكُمْ دِينِكُمْ وَلِي دِينِ» [الكافرون: 1 ـ9].
كما أنه سمّاه ديناً.
والخطأ في اعتداد الدين مطلقاً من الأساطير جاء من عدم التفرقة بين الأديان الإلهية والأديان البدائية للتشابه بين النوعين في ذكر الحوادث الخارقة للعادة أو لنواميس الطبيعية.
ومتى أدركنا الفرق في أن الأسطورة حادثة غير موثقة، ندرك وجه المفارقة.
وهو أن مجيء المعجزة مشابهة للأسطورة إنما هو من باب المجاراة لمتطلبات الذهنية البشرية المعاصرة لها.
ولنأخذ مثالاً لذلك عصا موسى (ع) حيث جعلت السحرة يؤمنون بأن فعلها ليس من السحر في شيء لأنهم سحرة يدركون معنى السحر ويدركون الفرق بينه وبين ما سواه من أفعال، كما أنه ليس من فعل البشر ـ موسى أو غيره ـ وإنما هو من فعل قوة عليا قدرتها فوق قدرة البشر.
فالخبرة التي أفادها السحرة من تجاربهم في القدرة على التمييز بين ما هو سحر وما هو ليس بسحر، وتحكيم العقل قادتهم إلى الإيمان بربّ موسى والاستجابة لدعوته.
فالإيمان منهم جاء عن إخضاع الحادثة لتقييم الخبرة لها واختبارها في ضوء ما مرّوا به من التجارب.
وهو معنى التوثيق للمعجزة الذي أشرت إليه.
«فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى* قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّهُ لَكَبِيْرُكُمُ الّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمْ وَأرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنَا أشّدُّ عَذَاباً وَأبْقَى* قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أنْتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا* إنّا آمَنّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللهُ خَيْرٌ وَأبْقَى» [طه: 70 ـ 73].
فقولهم «قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ» هو التوثيق للحادثة الذي وصل بها إلى درجة الإيمان اليقيني (بها)، والارتفاع بها عن مستوى الأسطورة.
فالباحثون في المنهج إنما وقعوا في هذه المفارقة لأنهم اعتمدوا ما انتهى إليه (علم الاجتماع الديني) ـ وهو يدرس نشأة الدين ـ من أن الدين هو من وضع الشعوب البدائية تحت ضغط أوضاع طبيعية أو اجتماعية معينة، فرضتها الظروف الراهنة آنذاك من غير أن يفرق بين البدائي منه والإلهي، فكان الخطأ المشار إليه.
ويكفينا هنا أن نذكر ما سجله (الكسيس كاريل) في كتابه (الإنسان ذلك المجهول) من ملاحظة علمية دقيقة على النتيجة التي أشرت إليها وأمثالها، قال «يجب أن نفهم بوضوح أن قوانين العلاقات البشرية ما زالت غير معروفة، فإن علوم الاجتماع والاقتصاديات علوم تخمينية افتراضية»([276]).
ولا أعتقد أننا بعد أن نقرأ أمثال هذه الملاحظة يسوغ لنا أن نركن أو نتحاكم في تقييم أو تفسير أو تعليل قضايانا الدينية والفكرية إلى التخمين والافتراض وأحياناً إننا نؤمن بأن معتقدات اتباع الأديان البدائية هي أساطير غير موثقة، وأباطيل مرفوضة.
أما بالنسبة إلى الأديان الإلهية فنفترق في إيماننا بها عن أولئكم الباحثين الغربيين الذين لم يؤمنوا بالدين مطلقاً.
ومن هنا نؤمن بأن عندنا بالإضافة إلى المنهج التجريبي المنهج النقلي والنهج العقلي لأن الدين الإسلامي يؤمن بها جميعاً، كلّاً في مجاله ـ كما سيأتي.
وبعد:
فهي إلمامة سريعة لتعريف أصول البحث دلالة وتاريخاً، بغية التمهيد بها لما يأتي من بحوث الكتاب.
المعرفة
رادف بعض أرباب المعاجم العربية بين المعرفة والعلم([277])
وفارق بينهما آخرون بأن قالوا:
العلم هو إدراك الكلي والمركب…
والمعرفة هي إدراك الجزئي والبسيط…
والمعرفة تستعمل في التصورات…
والعلم يستعمل في التصديقات…
ولذا يقال: عرفت الله، ولا يقال: علمته([278]).
والمعرفة هي الإدراك المسبوق بنسيان حاصل بعد العلم…
بخلاف العلم…
ولذلك يسمى الحق (تعالى) بالعالم دون العارف([279]) وقصر (المعجم الوسيط) المعرفة على ما يدرك بإحدى الحواس، فقد جاء فيه: «وعرف الشيء عِرفاناً وعِرّفانا ومعرفة، أدركه بحاسة من حواسه، فهو عارف وعريف، وهو وهي عروف، وهو عروفة، والتاء للمبالغة([280]).
عرفها البستاني في (محيطه): «إدراك الشيء على ما هو عليه»([281]).
وفي (صحاح اللغة والعلوم): «معرفة (ج) معارف Knowledge: هي ثمرة التقابل والاتصال بين ذات مدركة وموضوع مدرَك.
وتتميز من باقي معطيات الشعور من حيث أنها تقوم في آنٍ واحدٍ على التقابل والاتحاد الوثيق بين هذين الطرفين»([282]).
وحديثاً:رادفوا بينها وبين الفكر…
وفرقوا بينهما بأن قالوا:
المعرفة: فكر غير منظم.
والعلم: فكر منظم، أو معرفة منظمة.
ونستطيع أن نخلص من هذا كله إلى أن المعرفة هي: مطلق الإدراك تصوراً كان أو تصديقاً، منظماً أو غير منظم.
مصادر المعرفة
دأب دارسو نظرية المعرفة ـ فلسفياً أو علمياً ـ على حصر مصادرها في مصدرين، هما:
ـ الحسّ.
ـ والعقل.
كما دأبوا على استعراض الصراع الفكري والجدلي بينهم في أن المصدر هو الحسّ فقط أو هو العقل فقط أو هما معاً.
وكان هذا لأنهم استبعدوا الفكر الديني أو المعرفة الدينية من مجال دراساتهم للسبب الذي ذكرته آنفاً.
ولأنّا نؤمن بالدين الإلهي ـ كما تقدم ـ تتربع المصادر لدينا وكالتالي:
1 ـ الوحي.
2 ـ الإلهام.
3 ـ العقل.
4 ـ الحسّ.
الوحي Revelation:
قال ابن فارس: «الواو والحاء والحرف المعتلّ: أصل يدل على إلقاء علم في إخفاء إلى غيرك»([283])
وفي (معجم لاروس): «الوحي: كل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه، ثم غُلِّبَ في ما يلقيه الله إلى أنبيائه»([284]).
وقال الشيخ المفيد: «وأصل الوحي هو الكلام الخفي، ثم قد يطلق على كل شيء قصد به إفهام المخاطب على السر له من غيره، والتخصيص به دون مَن سواه، وإذا أضيف إلى الله تعالى كان فيما يخص به الرسل ـ (ص) ـ خاصة دون من سواهم على عرف الإسلام وشريعة النبي (ص)»([285]).
وفي (مفردات الراغب)([286]): «ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه وحيٌ».
وذلك أضرُبٌ حسبما دلّ عليه قوله تعالى: «وَمَا كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إلاّ وَحْياً أوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإذْنِهِ مَا يَشَاءُ إنّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ…» [الشورى: 51].
ذكرت الآية الكريمة ثلاثة طرق لتكليم الله تعالى البشر، هي:
1 ـ الإلهام، الذي عبرت عنه بالوحي، وهي لغة القرآن في هذا؛ لأن كلمة الوحي تشمله من حيث اللغة لأنه إلقاء علم إلى الغير في السر والإخفاء، ومنه قوله تعالى: «وَأَوْحَيْنَا إلَى أُمِّ مُوْسَى أنْ أرْضِعِيهِ» [القصص: 7]، وقوله تعالى: «وَأوْحَى رَبُّكَ إلَى النَّحْلِ» [النحل: 68].
2 ـ من وراء حجاب، كما في حديث موسى، قال تعالى: «وَهَلْ أتَاكَ حَدِيْثُ مُوْسَى* إذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً* فَلَمَّا أتَاهَا نُودِيَ يَا مُوْسَى* إنِّي أنَا رَبُّكَ فَاخْلَحْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوَادِي المُقَدّسِ طُوىً* وَأنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى* إنَّنِي أنَا اللهُ لا إلَهَ إلاّ أنَا فَاعبُدْنِي وَاقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْري*» [طه: 9 ـ 14].
3 ـ إرسال الملك المكلف بوظيفة التبليغ للأنبياء، وهو جبريل أو جبرائيل، وهو أقرب ملائكة الله المقربين لديه، ويعرف بـ (روح القدس)([287]) لطهارته، و(الروح الأمين) لائتمانه على التبليغ إلى الرسل والأنبياء.
وإليه يشير أيضاً قوله تعالى: «وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَّسُوْلٍ إلاّ نُوْحِي إلَيْهِ» [الأنبياء: 25].
وعرّفه علمياً (المعجم الفلسفي ـ مجمع) بما نصّه:
«1 ـ فكرة دينية وفلسفية، معناها: كشف الحقيقة كشفاً مباشراً مجاوزاً للحسّ ومقصوراً على من اختارته العناية الإلهية.
ويتّخذ هذا الكشف صوراً شتّى نظّمها المتكلمون في مراتب مختلفة كالرؤيا الصادقة، والاتصال بجبريل في صورة رجل عادي.
2 ـ يذهب فلاسفة الإسلام إلى أن الوحي اتصال النفس الإنسانية بالنفوس الفلكية اتصالاً روحياً فترتسم فيها صور الحوادث وتطّلع على عالم الغيب.
وللأنبياء استعداد خاص لهذا الاتصال.
3 ـ فسّر محمد عبده الوحي تفسيراً قريباً من هذا، وقرر أنه عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من عند الله بواسطة أو بغير واسطة([288]).
وأخيراً استقرّت كلمة (الوحي) مصطلحاً علمياً شرعياً يراد به:
أ ـ جبرائيل وسيطاً في نقل ما يؤمر بنقله من الله تعالى إلى الأنبياء.
ب ـ ما يتلقّاه الأنبياء من عِلْم من عالم الغيب، ويتمثل في شريعتنا في القرآن الكريم والسّنّة النبوية الشريفة.
فالوحي ـ على هذا ـ مصدر من مصادر المعرفة، وبخاصة فيما يتعلق بالغيبيات وعالم الغيب.
الإلهام Inspiration:
قال الراغب الأصفهاني: «الإلهام: إلقاء الشيء في الروع.
ويختصّ ذلك بما كان من جهة الله تعالى وجهة الملأ الأعلى، قال تعالى: «فَألْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا…» [الشمس: 8]»([289]).
والرّوع ـ لغة ـ: القلب والذهن والعقل.
وفي (المعجم الوسيط)([290]): «الإلهام: إيقاع شيء في القلب يطمئن له الصدر، يختص الله به بعض أصفيائه.
والإلهام: ما يلقى في القلب من معانٍ وأفكارٍ».
وعرّفه (صليبا) في (المعجم الفلسفي)([291]) بقوله:
«الإلهام: مصدر ألهم، وهو أن يلقي الله في نفس الإنسان أمراً يبعثه على فعل الشيء أو تركه، وذلك بلا اكتساب أو فكر، ولا استفاضة، وهو وارد غيبيّ».
وعدّه بعضهم ـ كما رأينا فيما سبقه ـ من أنواع الوحي.
وعُدّ في رأي آخرين رافداً معرفياً مستقلاً.
وكيف ما كان الأمر، فالإلهام مصدر آخر من مصادر المعرفة كالوحي.
العقل Reason:
قال ابن فارس: «العين والقاف واللام أصل واحد منقاس مطّرد، يدل عُظْمُهُ على حُبسة في الشيء أو ما يقارب الحبسة من ذلك العقل، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل.
قال الخليل: العقل: نقيض الجهل، يقال: عَقَلَ يعقل عقلاً، إذا عرف ما كان يجهله قبل، أو انزجر عما كان يفعله، وجمعه عقول.
ورجل عاقل، وقوم عقلاء وعاقلون، ورجل عَقُول إذا كان حسن الفهم وافر العقل، وما له معقول أي عقل([292]).
وقال الدكتور صليبا: «العقل ـ في اللغة ـ: هو الحَجْر والنهي، وقد سمي بذلك تشبيهاً بعقل الناقة، لأنه يمنع صاحبه من العدول عن سواء السبيل، كما يمنع العقال الناقة من الشرود»([293]).
هذا من حيث اللغة.
وعلمياً للعقل أكثر من معنى نستطيع أن نوجزها مدرجة تحت العناوين التالية:
1 ـ العقل الشرعي:
وهو ما يميز به بين الحق والباطل، والصواب من الخطأ، والنافع من الضّارّ.
وسمّيته شرعياً لأنه هو الذي يعتبر شرطاً في التكليف والخطابات الشرعية، وترتب الأحكام القانونية عليه في التشريعات الوضعية.
وهو الذي ورد ذكره في الحديث، ففي الصحيح عن أبي جعفر الباقر (ع): «لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له: أقبِلْ فأقبَلَ، ثم قال له: أدبِرْ فأدبَرَ، ثم قال: وعزّتي وجلالي، ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك، ولا أكملتك إلا فيمن أحب، أما إني إياك آمر، وإياك أنهى، وإياك أعاقب، وإياك أثيب»([294]).
2 ـ العقل الفلسفي:
وأعني به المبادىء العقلية (الفلسفية) التي يلتقي عندها العقلاء جميعاً، وهي: مبدأ العليّة، ومبدأ استحالة التناقض، واستحالة الدور، واستحالة التسلسل.
وسميته فلسفياً لأنه هو الذي يقول ببداهة وضرورة هذه المبادىء، وهي مما يدرس ويؤكد عليه في الفلسفة، وعليه يقوم المنهج العقلي الذي يتّخذ من الدرس الفلسفي مجالاً له.
3 ـ العقل الاجتماعي:
وأريد منه المبادىء العقلية التي تطابقت واتفقت عليها آراء الناس العقلاء جميعاً في مختلف مجتمعاتهم وشتّى أزمانهم وأماكنهم، كقبح الظلم، وحسن العدل، ووجوب ما لا يتمّ الواجب إلا به، واقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه، وهو ما يعرف في لغة أصول الفقه بسيرة العقلاء.
وتعريفه يعرب عن وجه تسميته بالاجتماعي.
4 ـ العقل الخلقي:
نسبة إلى الأخلاق، حيث تقسمه الفلسفة الأخلاقية إلى قسمين: نظري وعملي.
أ ـ العقل النظري:
وهو الذي يتّجه إلى ما ينبغي أن يعلم، فينصب على الإدراك والمعرفة.
ب ـ العقل العملي:
وهو الذي يتّجه إلى ما ينبغي أن يعمل، فينصب على الأخلاق والسلوك.
وفي الفلسفة الحديثة «يحدد برونشفيك Brunschvigg في (كتابات فلسفية ج2 ص84 وما يليها، باريس سنة 1954) ثلاث وظائف للعقل، هي:
أ ـ التجريد والتصنيف.
ب ـ التفسير.
جـ التنظيم»([295]).
ويذهب (كَنْت Kant) في كتابه (نقد العقل المحض ط1 ص298 ص455) إلى أن «كل معرفتنا تبدأ من الحواس، ومن ثم تنتقل إلى الذهن، وتنتهي في العقل.
وليس فينا ما هو أسمى من العقل لمعالجة مادة العيان وردّها إلى الوحدة العليا للفكر»([296]).
وهي نظرية الفلاسفة الإسلاميين بصورة عامة، والتي أطلق عليها الشهيد السيد محمد باقر الصدر عنوان (نظرية الانتزاع) في كتابه (فلسفتنا)([297]) وعبر عنها بقوله: «وتتلخص هذه النظرية في تقسيم التصورات الذهنية إلى قسمين:
أ ـ تصورات أولية.
ب ـ وتصورات ثانوية.
فالتصورات الأولية هي الأساس التصوري للذهن البشري، وتتولّد هذه التصورات من الإحساس بمحتوياتها بصورة مباشرة، فنحن نتصور الحرارة لأننا أدركناها باللمس، ونتصور اللون لأننا أدركناه بالبصر، ونتصور الحلاوة لأننا أدركناها بالذوق، ونتصور الرائحة لأننا أدركناها بالشم. وهكذا جميع المعاني التي ندركها بحواسنا، فإن الإحساس بكل واحد منها هو السبب في تصوّره ووجود فكرة عنه في الذهن البشري.
وتتشكّل من هذه المعاني القاعدة الأولية للتصور وينشىء الذهن بناء على هذه القاعدة التصورات الثانوية، فيبدأ بذلك دور الابتكار والإنشاء، وهو الذي تصطلح عليه هذه النظرية بلفظ (الانتزاع) فيولد الذهن مفاهيم جديدة من تلك المعاني الأولية.
وهذه المعاني الجديدة خارجة عن طاقة الحسّ، وإن كانت مستنبطة ومستخرجة من المعاني التي يقدمها الحسّ إلى الذهن والفكر.
وهذه النظرية تتّسق مع البرهان والتجربة، ويمكنها أن تفسر جميع المفردات التصورية تفسيراً متماسكاً.
فعلى ضوء هذه النظرية نستطيع أن نفهم كيف انبثقت العلة والمعلول، والجوهر والعرض، والوجود، والوحدة، في الذهن البشري.إن كلها مفاهيم انتزاعية يبتكرها الذهن على ضوء المعاني المحسوسة.
فنحن نحس ـ مثلاً ـ بغليان الماء حين تبلغ درجة حرارته مائة، وقد يتكرر إحساسنا بهاتين الظاهرتين ـ ظاهرتي الغليان والحرارة ـ لآلاف المرات ولا نحس بعليّة الحرارة للغليان مطلقاً، وإنما الذهن هو الذي ينتزع مفهوم العلية من الظاهرتين اللتين يقدمهما الحسّ إلى مجال التصور»([298]).
هذه النظرية ـ في واقعها ـ جاءت لتبيان مدى علاقة العقل بالحسّ، وأن الأمر ليس كما يذهب إليه الحسّيّون من الفلاسفة القدامى والتجريبيون من الفلاسفة المحدثين من أن الحسّ هو المصدر الوحيد للمعرفة البشرية، وإنما هناك الأفكار الفطرية والبسيطة التي يولد العقل مزوداً بها، وهناك الأفكار الغيبية التي تأتي عن طريق الوحي أو الإلهام.
وتفسير ما يعنيه (كَنْت) وتعنيه النظرية الانتزاعية فسلجياً: هو أن الحواس تقوم بوظيفة نقل المعلومات إلى الذهن، ويقوم الذهن بوظيفة جمعها وتخزينها، ثم يأتي دور العقل فيقوم بوظيفة التجريد والتصنيف والتحليل والتنظيم والتقعيد.
ومن جميع ما تقدم ندرك انتظام العقل في سلسلة مصادر المعرفة ومدى أهميته في مصافها.
الحس Sense:
لم يكن الإدراك بإحدى الحواس من المعاني التي أدرجها المعجم العربي القديم في قائمة الحسّ.
ففي (لسان العرب): «حسّ الشيْ يحس حَساً وحِساً وحسياً، وأحس به وأحسه: شعر به.
ويقال: حسستُ الشيء إذا علمته وعرفته».
وهو أقرب المعاني التي ذكرها ابن منظور إلى معنى الحس العلمي الذي نريد أن نتحدث عنه هنا.
ولعل أول ما اشير إليه عربياً هو فيما جاء في مثل الحديث الذي ذكره ابن الأثير في (النهاية)([299])، وما قام به من تعريف للإحساس، قال: «(إنه قال لرجل: متى أحسست أُمَّ مِلْدَم) أي متى وجدت مس الحمى.
وهي (يعني الحواس): مشاعر الإنسان كالعين والأذن والأنف واللسان واليد».
ولأن المعنى دخل المعجم العربي في العصر العباسي، كما رأينا الإلماح إليه من قبل ابن الأثير المتوفى سنة (606هـ) عدّه (المعجم الوسيط) من المولد، قال: «الحس: الإدراك بإحدى الحواس الخمس (مو) أي مولد».
وقد ركز الفلاسفة على الحواس الخمس كمصدر للمعرفة، وتوسع علماء وظائف الأعضاء (الفسيولوجيون) باستقصاء جميع أعضاء الحسّ وبيان دورها في تحصيل المعرفة، فقسموا «الحواس الخمس إلى مجموعتين:
أ ـ المجموعة الأولى: وتتألف من حاستي اللمس والذوق وتقوم بدور نقل الانطباعات البيئية أو الإحساسات المختلفة عن طريق الاحتكاك المباشر بالأشياء المادية المحيطة بالإنسان.
ب ـ المجموعة الثانية: وتتألف من حاسة البصر وحاسة السمع وحاسة الشّم، وتقوم بدور نقل انطباعات الأشياء المادية، بل عن طريق الأشعة الضوئية الصادرة عن الأشياء المرئية بالنسبة لحاسة البصر، وعن طريق الأمواج الصوتية المنبعثة من الأشياء المسموعة الصوت بالنسبة لحاسة السمع، وعن طريق الروائح المنبعثة من الأشياء ذات الرائحة بالنسبة لحاسة الشّمّ»([300]).
وقالوا: «بالإضافة إلى أعضاء الحسّ الخمسة التي تعرف بالحواس الظاهرة ـ والتي مرّ ذكرها ـ (هناك)حواس أخرى كثيرة (تشاركها في تحصيل المعرفة) وتعرف بالحواس الباطنة، ومنها:
ـ عضو الإحساس بالأتّزان الموجود في الأذن الداخلية الذي عن طريقه يشعر الشخص بتوازن جسمه أو انحرافه أثناء الوقوف أو الحركة أو ركوب الدراجة، ويشعر أيضاً يتوازن رأسه مع أعضاء جسمه الأخرى، وكذلك من ناحية مواقع أعضاء جسمه بالنسبة لبعضها.
ـ أعضاء الحسّ الداخلية كالقلب والمعدة والرئتين التي تجعل مخّ الإنسان يشعر بالجوع والعطش وألم المعدة مثلاً وما يجري مجراها.
ـ وقد ثبت ـ أيضاً ـ في الوقت الحاضر أن في سطح الجلد عصبية حسّية أخرى بالإضافة إلى الخلايا الحسّية الجلدية المختصة بالإحساس باللمس: فهناك الخلايا الحسية الجلدية المتخصصة بالإحساس بالحرارة، وهي منتشرة في جميع أنحاء الجسم على هيئة بقع لا تُرى بالعين المجردة يتجاوز مجموعها (30,000) بقعة.
وتوجد على سطح الجلد خلايا حسيّة متخصصة بالشعور بالضغط، وجميعها تنتشر في مختلف مناطق الجسم على هيئة مجاميع تختلف كثافتها باختلاف تلك المناطق.
كما ثبت أيضاً أن حاسة الذوق مؤلفة بدورها من أربع مجموعات من الخلايا الحسّية الذوقية المنتشرة على سطح اللسان، يختصّ بعضها بالإحساس بالحلاوة، وبعض آخر بالمرارة، وثالث بالحموضة، ورابع بالملوحة، فطرف اللسان مثلاً أكثر تخصصاً بالإحساس بالحلاوة، وحافته بالحموضة، وقاعدته بالمرارة([301]).
والحسّ ـ كما رأينا ـ ذو دور مهم في تحصيل المعرفة.
أنواع المعرفة
بعد أن تبيّنّا تعريف المعرفة وتعرّفنا مصادرها ننتقل ـ هنا إلى استعراض أنواعها الرئيسية التي تتحدث عن الكون والإنسان والحياة لنتعرّف مجالاتها العامة، ومن ثم مناهجها العامة، وهي:
1 ـ الدين.
2 ـ الفلسفة.
3 ـ العلم.
- ـ الفن.
الدين
وأريدُ به ـ هنا الدين الإلهي المتمثل الآن في الشريعة الخاتمة (الإسلام).
وحقيقته منتزعة من واقعه، وهي أنه: عقيدة إلهية يقوم على أساس منها نظام كامل وشامل لجميع شؤون الحياة.
والدين بهذا التعريف يأتي أوسع مجالاً من الفلسفة والعلم، ومعارفه ـ وهي ما يعرف بالعلوم الشرعية الإسلامية ـ تعرب عن هذا وتؤكده ففيه:
1 ـ ما يدخل في مجال العلم من الإشارة أو العرض لبعض النظريات والقوانين العلمية التي يمكن أن تبحث في ضوء المنهج التجريبي فتخضع للملاحظة أو التجربة، أمثال:
أ ـ حركة الفلك:
المشار اليها في مثل قوله تعالى: «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيْزِ العَلِيْمِ* وَالقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالعُرْجُونِ القَدِيمِ* لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ وَلا اللّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» [يس: 38 ـ 40].
حيث تفند هذه الآي الشريفة النظرية الفلكية القديمة القائلة بأن الفلك جرم شفاف ثبتت فيه الكواكب تثبيتاً فلا حركة لها ولا فيها، وإنما الحركة للفلك التي هي فيه فقط.
وتفيد أن لكل كوكب ـ مما ذكر ـ حركة في نفسه وحركة في مداره الفلكي.
وهذا مما يدخل في مجال الملاحظة.
ب ـ دور الرياح في توزيع سقوط المطر:
المشار إليه في قوله تعالى: «اللهُ الّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيْرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفِ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإذَا أصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» [الروم: 48].
فقد ثبت ـ علمياً ـ أن من العوامل التي تسيطر على توزع سقوط المطر: مقدار الرياح المحملة بالرطوبة([302]).
جـ ـ نزول الحديد:
المشار إليه في الآية الكريمة: «وَأنْزَلْنَا الحَدِيْدَ فِيْهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ» [الحديد: 25].
فقد ثبت ـ علمياً ـ أن الرجم Meteorite وهو شهاب أو نيزك يبلغ سطح الأرض من غير أن يتبدّد تبدّداً كاملاً، إنه يتكون «من حديد حيناً ومن حجارة حيناً ومن مزيج من الحديد والحجارة في بعض الأحيان»([303]).
فهذه وأمثالها كثير في القرآن الكريم والحديث الشريف مما يدخل في مجال البحث العلمي وتُفادُ نتائجها من الملاحظة الإستقرائية.
2 ـ ما يدخل في مجال الفلسفة من الإلماح أو الاستعراض لبعض النظريات أو القوانين العقلية الفلسفية مما يمكن دخوله مجال البحث الفلسفي وفق المنهج العقلي، أمثال:
أ ـ الاستدلال بمبدأ العليّة:
كما ورد في القرآن الكريم في قصة إبراهيم (ع)، قال تعالى: «وَكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ* فِلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أفَلَ قَالَ لا أحِبُّ الآفِلِينَ* فَلَمَا رَءَا القَمَرَ بَازِغاً قَال هَذَا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالّينَ* فِلَمَا رَءَا الشَّمْسً بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أكْبَرُ فِلَمَّا أفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِي إنِّي بَريءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلّذِي فَطَرَ السَّمَاواتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وَمَا أنَا مِنَ المُشْرِكِينَ» [الأنعام: 75 ـ 79].
حيث تفيد الآي الشريفة هذه أن النبي إبراهيم (ع) استدلّ من الأفول باعتباره أثراً حادثاً أن لهذه الكواكب مؤثراً محدِثاً، وهو الله تعالى.
وكما ورد في (نهج البلاغة) ـ الخطبة 185 ـ من قول الإمام أمير المؤمنين (ع): «الحمدلله الذي لا تدركه الشواهد ولا تحويه المشاهد ولا تراه النواظر ولا تحجبه السواتر، الدّالّ على قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده».
ب ـ الاستدلال بدليل التمانع:
كما في قوله تعالى: «مَا اتّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلَهٍ إذاً لَذَهبَ كُلُّ إلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ» [المؤمنون: 91].
وهذا وأمثاله مما ورد في القرآن الكريم أو الحديث الشريف أو المأثور عن أئمة وعلماء المسلمين مما يندرج في قائمة الاستدلال الفلسفي الذي يسير في تطبيقاته على ضوء المنهج العقلي.
3 ـ ما هو من الغيبيات:
وهو كثير في القرآن والحديث والمنقول التاريخي أمثال:
أ ـ الإيمان بوجود الجنّ.
ب ـ الإيمان بوجود الملائكة.
جـ ـ الإيمان بيوم القيامة.
د ـ الإيمان بالجنة.
هـ ـ الإيمان بالنار.
و ـ الإيمان بالإسراء والمعراج.
ز ـ الإيمان بعمر نوح وطوفانه.
ح ـ الإيمان بانفلاق اليمّ لموسى.
ط ـ الإيمان بخلق آدم من تراب.
ي ـ الإيمان بولادة عيسى من غير أب.
وأمثال هذه مما لا مسرح للعقل فيها لأنه لا يستطيع أن يثبت ـ هنا ـ أكثر من إمكانها وجواز وقوعها.
كما أنه لا مجال للملاحظة والتجربة فيها ـ كما هو واضح.
فلا محيص لإثباتها إذن من الرجوع إلى المنقولات والنصوص الدينية في ضوء معطيات المنهج النقلي.
وهذا الغيب أو الغيبيات مما انفرد به الدين.
وفي ضوء جميع ما تقدم تدخل أفكار الدين جميع مجالات البحث، فبعض في مجال الغيب، وهو مما استقلّ به، وبعض في مجال ما وراء الطبيعة، وبعض في مجال الطبيعة والإنسان.
ومن البيّن أن اختلاف المجال أو الموضوع يتطلّب اختلاف المنهج الذي يتبع في دراسته وبحثه.
ومن هنا نقول:
ـ يرجع في دراسة الأفكار الغيبية إلى المنهج النقلي.
ـ وفي دراسة الأفكار الميتافيزيقية إلى المنهج النقلي.
ـ وفي دراسة الأفكار التي ترتبط بالطبيعة والإنسان تكويناً ومجتمعاً إلى المنهج التجريبي.
ـ وفي دراسة التشريعات الدينية ـ لأم مصدرها النصوص النقلية ـ يرجع إلى المنهج النقلي.
وهكذا…
الفلسفة
ولأن مجال الفلسفة انحصر الآن في دراسة ما يعرف بـ (ما بعد الطبيعة Metaphysics)، وهو مما لا يمكن إخضاعه للملاحظة أو التجربة، لا بد من الالتزام في بحث أفكاره بالمنهج العقلي.
ولكن، قد يقال: إن الفلسفة الحديثة بعد الانتفاضة العلمية التي أحدثها رينيه ديكارت حيث «بدأ بتحطيم كل اتصالية بالفلسفة القديمة وعفى على كل ما فعل قبله في هذا العلم وشرع بإعادة تحديده بتمامه منذ البداية وكأن أحداً ما تفلسف قبله قط» ـ كما يقول شلينك([304])، و«وضع المبدأ الشهير: لا يجوز للإنسان أن يصدق سوى الأشياء التي يقرّها العقل، وتؤكدها التجربة»([305]).
ومهّد به لهيمنة المنهج التجريبي على أبحاث الفلسفة وانهزام المنهج العقلي أمامه، كيف نُلزم بالتزام المنهج العقلاني في الدرس الفلسفي؟!
نقول في الجواب عن هذا: إننا إذا أدركنا أن الثورة الثقافية في أوروبا التي أتت على الموروث الفلسفي فبددته، وربما حطمت الكثير منه إن لم نقل كله، لم تمسّ شيئاً منه مما هو موجود لدينا في مدونات الدراسات الإسلامية.
ذلك أن الفلسفة الإسلامية، وكذلك التراث الفلسفي الإغريقي الموجود عندنا، ومثلهما علم الكلام، لا تزال جميعها عقلانية الفكر وعقلانية المنهج: وتدرس وتبحث على هذا الأساس.
فمن هنا ليس الآن لنا ونحن نريد دراسة الفكر الفلسفي الإسلامي أو الإغريقي إلا اتّباع المنهج العقلي.
وقد نضيف إليه وبخاصة في علم الكلام المنهج النقلي أيضاً.
العلم
وأعني بالعلم ـ هنا ـ ما يعرف بـ (العلوم الطبيعية) كالفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والفلك وإلخ، و(العلوم الإنسانية) كالتربية وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم الاقتصاد وعلم الإدارة وإلخ.
ولأن مجالها الطبيعة والإنسان بدراسة ما فيهما من ظواهر، وهي مما يدخل في إطار الملاحظة أو التجربة، يأتي استخدام المنهج التجريبي فيها أمراً طبيعياً.
الفن Art
ومجاله التعبير عما يحدث في النفس، ولذا عرّفه (المعجم الفلسفي) بأنه «تعبير خارجي عما يحدث في النفس من بواعث وتأثرات بواسطة الخطوط أو الألوان أو الحركات أو الاصوات أو الألفاظ، ويشمل الفنون المختلفة كالنحت والتصوير»([306]).
ولأن مجاله التعبير عما يحدث في نفس الإنسان فهو بالعلوم الإنسانية ألصق، وإليها أقرب، فيأتي ـ لهذا ـ منهجه المنهج التجريبي.
ملحوظة:
وبعد هذا المرور السريع في التعريف لمجالات المعرفة وما يلتقي وطبيعتها من منهج لا بد من الإشارة إلى التالي:
1 ـ أن المناهج المذكورة هي المناهج العامة، وعنها تنبثق المناهج الخاصة ـ كما سيأتي هذا.
2 ـ إن هذه المناهج العامة قد تتداخل فيشترك أكثر من منهج في دراسة مسألةٍ ما إذا كانت المسألة ذات جوانب متعددة ومختلفة.
ولنأخذ مثالاً لهذا ـ بغية الإيضاح ـ فكرة وجود عوالم أخرى غير عالمنا هذا.
فالبحث الفلسفي في ضوء المنهج العقلي يُسلمنا إلى النتيجة القائلة بإمكان وجود عوالم أخرى غير عالمنا هذا، لأن القول بالفكرة لا يلزم منه الوقوع في غائلة الدور أو التسلسل أو التناقض.
والبحث الديني يوصلنا إلى وقوع أو تحقق وجود عوالم أخرى غير عالمنا هذا، لما ورد في حديث جابر الجعفي عن الإمام محمد الباقر (ع): «لعلك ترى أن الله إنما خلق هذا العالم الواحد، وترى أن الله لم يخلق بشراً غيركم، بلى ـ والله ـ لقد خلق الله ألفَ ألفِ عالم، وألفَ ألفِ آدم، أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين»([307]).
والبحث العلمي يدلنا على حقيقة تلكم العوالم، أو يكشف لنا على الأقل عن جانب من حقيقة تلكم العوالم، فقد عثرت الكشوف العلمية الحديثة على «هياكل بشرية مشابهة لهيكل هذا الإنسان الحالي، كانت تعيش على الأرض قبل ملايين السنين»([308]).
3 ـ إن أكثر الدراسات المعاصرة لموضوع مناهج البحث أكدت على المنهج التجريبي متجاهلة أو ناسية المنهج العقلي والمنهج النقلي وهما عماد دراساتنا للفكر الإسلامي، متأثرة عن قصد أو عن غير قصد بالدراسات الغربية في الموضوع.
4 ـ كان هذا الحديث عن المعرفة مدخلاً للحديث عن المنهج: تعريفه وأقسامه.
المنهج Method
يقال: مَنهج ـ بفتح الميم، ومِنهج ـ بكسرها.
ويقال أيضاً: منهاج ـ بكسر الميم، والألف بعد الهاء.
وهو في اللغة العربية: الطريق الواضح.
وأضاف إليه المعجم اللغوي العربي الحديث معنى آخر، هو: (الخطّة المرسومة)([309]).
ولعلّه أفاد من هذا التعريف العلمي له أو من الترجمة العربية لكلمة Method الإنجليزية بسبب اشتهارها في الحوار العلمي العربي، وهي تعني: الطريقة، والمنهج، والنظام.
وعُرّف المنهج علمياً بأكثر من تعريف، منها.
1 ـ ما جاء في معجم (الصحاح في اللغة والعلوم)([310]): «المنهج: هو خطوات منظمة يتّخذها الباحث لمعالجة مسألة أو أكثر ويتتبعها للوصول إلى نتيجة».
2 ـ وفي (المعجم الفلسفي ـ مجمع) و(معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب)([311]): «وسيلة محددة توصل إلى غاية معينة».
3 ـ وعرّفه عناية في كتابه (مناهج البحث)([312]):
«المنهج: طائفة من القواعد العامة المصوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم».
وعرّفه عبد الرحمن بدوي في كتابه (مناهج البحث العلمي)([313]) بالتعريفين التاليين:
4 ـ البرنامج الذي يحدد لنا السبيل للوصول إلى الحقيقة.
5 ـ الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم.
6 ـ وفي كتاب (البحث العلمي) للدكتور محمد زياد عمر([314]): «وقد حدّد العلماء المنهج بأنه فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة إما من أجل الكشف عن حقيقة مجهولة لدينا، أو من أجل البرهنة على حقيقة لا يعرفها الآخرون».
7 ـ وعرّفه النشار في كتابه (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام)([315]) بـ «طريق البحث عن الحقيقة في أي علم من العلوم أو في أي نطاق من نطاقات المعرفة الإنسانية».
8 ـ وأشهر تعريف للمنهج هو التعريف القائل: بأنه «الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة»([316]).
ونخلص من هذه التعريفات إلى أن:
9 ـ المنهج: مجموعة من القواعد العامة يعتمدها الباحث في تنظيم ما لديه من أفكار أو معلومات من أجل أن توصله إلى النتيجة المطلوبة.
وباختصار:
المنهج: طريقة البحث.
أقسام المنهج
يقسم المنهج تقسيماً أولياً إلى قسمين، هما:
أ ـ المنهج التلقائي:
ويراد به ما يزاوله عامة الناس في تفكيرهم وأعمالهم من دون أن يكون هناك التفات منهم إليه، أو خطة واضحة ثابتة في أذهانهم له، وإنما يأتيهم عفواً ووفق ما يمليه الظرف.
وقد أشار إلى هذا مناطقة بورت رويال بقولهم: «إن عقلاً سليماً يستطيع أن يصل إلى الحقيقة في نطاق البحث الذي يقوم به، بدون أن يعرف قواعد الاستدلال»([317]).
ب ـ المنهج التأملي:
وهو ما نسميه ونصطلح عليه بالمنهج ـ وهو موضوع دراستنا هذه ـ وسمي بالتأمل لأنه جاء نتيجة التأمل الفكري الذي أدّى إلى وضع قواعده وأصوله.
وهو ينقسم إلى قسمين رئيسين، هما:
أ ـ المناهج العامة:
وتعرف بالمناهج المنطقية أيضاً.
ب ـ المناهج الخاصة:
وتسمى المناهج الفنية أيضاً.
المناهج العامة
تعريفها:
المناهج العامة: هي تلكم القواعد المنهجية العامة التي يرجع إليها عند البحث في أي حقل من حقولِ نوعٍ عام من أنواع المعرفة التي تقدم تعريفها فيما سبق.
تقسيمها:
تنقسم المناهج العامة إلى الأقسام التالية:
1 ـ المنهج النقلي.
2 ـ المنهج العقلي.
3 ـ المنهج التجريبي.
4 ـ المنهج الوجداني.
المنهج النقلي:
المنهج النقلي: هو طريقة دراسة النصوص المنقولة. ويقوم على العناصر العامة التالية:
1 ـ توثيق إسناد النص إلى قائله:
بمعنى التأكد من صحة صدور النص من قائله.
ويتأتّى هذا بالرجوع إلى المنهج الخاص في المجال المعرفي الخاص، كعلم الرجال في دراسة أسانيد أحاديث الأحكام الفقهية، وتاريخ الرواة العاربة والحاضرة في دراسة اللغة والأدب.
2 ـ التحقق من سلامة النص:
بمعنى التأكد من أن النص لم يدخله التحريف أو التصحيف أو الزيد أو النقص أو ما إلى هذه، أي أنه سليم من هذه وكما قاله قائله.
3 ـ فهم مدلول النص:
ويتأتّى هذا بالرجوع إلى الوسائل والأدوات العلمية المقرر استخدامها لذلك، وتعرف في ضوء المنهج الخاص بحقله المعرفي كعلم أصول الفقه بالنسبة إلى معرفة مداليل النصوص الفقهية من آيات وروايات.
ومجال استخدام هذا المنهج: كل معرفة مصدرها النقل.
المنهج العقلي:
المنهج العقلي: هو طريقة دراسة الأفكار والمبادىء العقلية.
ويقوم على قواعد علم المنطق الأرسطي، فيلتزم الحدود والرسوم في التعريف، والقياس والاستقراء والتمثيل في الاستدلال.
وقد عدّل فيه المناطقة المسلمون، فالتزموا في التعريف ما سمّوه بـ (شرح الاسم)، وابتعدوا عن وجوب الأخذ بالحدّ والرسم، وعلّلوا هذا بعدم وجود فصول لحقائق الأشياء يمكن الوصول إليها ومعرفتها، وعليه يكتفي بـ (الخاصة) وهي تعني ما يطلق عليه في البحوث العلمية التجريبية بـ (الظاهرة).
كما أضافوا إلى مادة الاستقراء في كثير من مؤلفات المنطق الحديثة الطرق الخمس التي وضعها (جون استيوارت مل)، والتي تسمى (طرق الاستقراء) و(قوانين الاستقراء)، وموضوعات أخرى رأوا من اللازم إضافتها([318]).
أما خطوات البحث، والتي يسميها هذا المنطق بـ (حركة العقل بين المعلوم والمجهول) وقد يطلقون عليها اسم (النظر) واسم (الفكر)، فيلخصها أستاذنا الشيخ المظفر في كتابه (المنطق)([319]) بقوله: إن النظر ـ أو الفكر ـ المقصود منه: إجراء عملية عقلية في المعلومات الحاضرة لأجل الوصول إلى المطلوب.
والمطلوب: هو العلم بالمجهول الغائب.
وبتعبير آخر أدق: إن الفكر هو: حركة العقل بين المعلوم والمجهول.
وتحليل ذلك: أن الإنسان إذا واجه بعقلة المشكل (المجهول) وعرف أنه من أي أنواع المجهولات هو، فزع عقله إلى المعلومات الحاضرة عنده، المناسبة لنوع المشكل، وعندئذٍ يبحث فيها، ويتردد بينها، بتوجيه النظر إليها، ويسعى إلى تنظيمها في الذهن، حتى يؤلف المعلومات التي تصلح لحلّ المشكل، فإذا استطاع ذلك، ووجد ما يؤلفه لتحصيل غرضه، تحرك عقله حينئذٍ منها إلى المطلوب، أعني معرفة المجهول وحلّ المشكل.
فتمر على العقل ـ إذن ـ بهذا التحليل خمسة أدوار:
1 ـ مواجهة المشكل (المجهول).
2 ـ معرفة نوع المشكل، فقد يواجه المشكل ولا يعرف نوعه.
3 ـ حركة العقل من المشكل إلى المعلومات المخزونة عنده.
4 ـ حركة العقل ـ ثانياً ـ بين المعلومات للفحص فيها، وتأليف ما يناسب المشكل ويصلح لحلّه.
5 ـ حركة العقل ـ ثالثاً ـ من المعلوم الذي استطاع تأليفه مما عنده إلى المطلوب.
ومنذ أن ترجم هذا المنطق من اليونانية إلى العربية عن طريق السريانية والفارسية، كان ولا يزال هو المنهج المعتمد في الدراسات الإسلامية، وبخاصة الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام وأصول الفقه.
ومدّ رواقه أيضاً على الدراسات اللغوية العربية فاعتمد إلى حدٍّ بعيد في علم النحو وعلوم البلاغة.
وهو المنهج المتّبع والمعتمد حالياً في الدرس الفلسفي والدرس الكلامي والدرس الأصولي في الحوزات العلمية (مراكز الدراسات الدينية) عند الشيعة.
وكذلك في الحوزات العلمية السّنّيّة في مثل أفغانستان وهندستان واليمن ومصر ودول المغرب العربي.
المنهج التجريبي:
المنهج التجريبي: هو طريقة دراسة الظواهر العلمية في العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.
ويعتبر المنهج التجريبي المنهج العلمي الحديث، وأهم ما تمخّضت عنه النهضة العلمية الحديثة في أوروبا من معطيات فكرية.
وكانت نشأة هذا المنهج العلمية قد تمت في القرن السابع عشر على يد (فرانسيس بيكون Francis Bacon بتأليفه كتابه المعروف بـ (الأوركانون الجديد Novel Organum الذي «بدأ العمل فيه منذ سنة 1608، ثم عدّل فيه 12 مرة، ونشره نشرة نهائية في سنة 1620م»([320]).
«وكان هذا الكتاب نقطة التحول في تاريخ أوروبا العلمي، وسيطر (بسببه) المنهج الاستقرائي سيطرة كاملة على مناهج العلماء في العلوم الطبيعية… ثم طبق ـ مع تعليلات خاصة ـ في العلوم الإنسانية»([321]).
وقد ركز وأكد بيكون على «ضرورة تخليص العلم من شوائبه الدينية (كذا)، وضرورة إخضاعه بكلياته وجزئياته للملاحظة العلمية.
وبمعنى آخر: يجب أن يقوم العلم على أساس وضعي بعيد كل البعد عن كل تأثير ديني أو ميتافيزيقي»([322]).
ثم رست قواعد هذا المنهج رسواً وثيقاً ومكيناً في القرن التاسع عشر عندما أصدر (جون أستيوارت مل John Stuart Mill) كتابه (مذهب المنطق A System of Logic).
وتمّ ـ من بعد ـ بسببه فصل العلم عن الفلسفة والدين، وقصر اعتماده على المنهج التجريبي فقط.
ويقوم هذا المنهج على الاستقراء عن طريق الملاحظة والتجربة.
ومجاله: المعرفة التي مصدرها الحس.
أما خطواته فكالتالي:
1 ـ تحديد المشكلة موضوع البحث.
2 ـ صياغة الفرضية، وهي مقولة مؤقته عن صلة بين حادثتين أو أكثر، أو متحولين أو أكثر.
3 ـ إجراء الملاحظة أو التجربة.
4 ـ النتيجة.
وقوانين الاستقراء التي وضعها جون استيوارت مل لضبط عمليات البحث التجريبي لتؤدي إلى نتائج سليمة ومعرفة علمية صحيحة، هي ـ كما جاءت في موسوعة الفلسفة (2/470 ـ 471ط 1984م):
1 ـ منهج الاتفاق Method of Agreement:
ومفاده: أن ننظر في مجموع الأحوال المولّدة لظاهرة ما نريد دراسة أسبابها.
فإذا وجدنا أن هناك عاملاً واحداً يظل موجوداً باستمرار على الرغم من تغيّر بقية العناصر أو المقومات، فيجب أن نعد هذا الشيء الثابت الواحد هو علّة حدوث هذه الظاهرة.
ويضرب لهذا مثالاً: (ظاهرة الندى)، فإن هذه الظاهرة تحدث أولاً حينما ينفخ الإنسان بفيه على جسم متبرد مثل لوح من الزجاج في يوم بارد.
ونجد هذه الظاهرة أيضاً على السطوح الخارجية لزجاجات تستخرج من بئر.
كما نجدها ثالثاً حين نأتي بإناء فيه ماء بارد ونضعه في مكان دافىء.
ففي كل هذه الأحوال نجد أنه على الرغم من اختلاف العناصر التي تتركب منها الظاهرة، من نفخ على جسمٍ باردٍ، أو سطحٍ قارورة بها ماء يستخرج من بئر، أو سطح زجاجة مملوءة ثلجاً ادخلت في مكان دافىء، فإن ثمة عاملاً واحداً موجوداً باستمرار هو اختلاف درجة الحرارة بين الجسم وبين الوسط الخارجي أو الشيء المماس.
فنستنتج من هذا أن السبب في حدوث ظاهرة الندى هو الاختلاف في درجة الحرارة بين الجسم والوسط المماس له.
2 ـ منهج الافتراق Method of Difference:
ولكي نتأكد من صحة الاستنتاج وفقاً للمنهج السابق ـ منهج الاتفاق ـ لا بد أن نأتي بمنهجٍ مضادٍّ في الصورة، لكنه مؤيد في النتيجة، فنجري ما يسمي بالبرهان العكسي.
هذا المنهج يسمى منهج الافتراق.
ويقول: إذا اتفقت مجموعتان من الأحداث من جميع الوجوه إلا وجهاً واحداً، فتغيّرت النتيجة من مجرد اختلال هذا الوجه الواحد، فإن ثمة صلة عليّة بين هذا الوجه وبين الظاهرة الناتجة.
ونسوق مثالاً لذلك تجربة أجراها (باستير) لمعرفة سبب الاختمار، فقد أخذ باستير قنينتين ووضعهما في برميل واحدٍ في درجة حرارة واحدة، وكان في كلتا القنينتين نفس السائل، وأغلق فوهة إحداهما، بينما ترك فوهة الأخرى مفتوحة، فتبيّن له بعد مدة من الزمن أن السائل في القنينة المفتوحة تغيّر وحدث فيه اختمار، بينما نفس السائل في القنينة المغلقة الفوهة لم يتغيّر ولم يحدث فيه اختمار.
فاستنتج من هذا أن كون فوهة إحدى القنينتين قد تركت مفتوحة، بينما بقيت الأخرى محكمة الإغلاق هو السبب في حدوث الاختمار.
ومعنى هذا ان الهواء هو السبب في حدوث الاختمار، وذلك لأنه يحتوي على جراثيم دخلت السائل فأحدثت هذا الاختمار.
3 ـ منهج التغيرات المساوقة Method of Concomitant Variations:
ويمكن أن يسمى أيضاً باسم (منهج المتغيرات المتضايقة) أو (التغيرات المساوقة النسبية).
يقول هذا المنهج: إننا لو أتينا بسلسلتين من الظواهر فيها مقدمات ونتائج، وكان التغير في المقدمات في كلتا السلسلتين من الظواهر ينتج تغيراً في النتائج في كلتا السلسلتين كذلك، وبنسبة معينة، فلا بدّ أن تكون ثمة صلة عليّة بين المقدمات وبين النتائج.
مثال ذلك: ما فعله باستير أيضاً حين أتى بعشرين زجاجة مملوءة بسائل في درجة الغليان، فوجد في الريف أن ثماني زجاجات فقط هي التي تغيرت لما أن فتح أفواهها.
وفي المرتفعات الدنيا تبيّن له أن خمساً منها تغيرت بعد فتحها.
وفي أعلى قمة جبل لم يتغير منها غير زجاجة واحدة.
ولما أتى بالزجاجات العشرين إلى غرفة مقفلة أثير غبارها وفتح فوهاتها تغيرت الزجاجات العشرون كلها.
فاستنتج من هذا أن تغير الجوّ قد أحدث تغيّراً في حدوث الاختمار إذ الجراثيم أكثر في غرفة أثير غبارها، وأقل من ذلك في الريف، وأقلّ من هذا في سفح الجبل، وأقلّ جداً في قمة جبلٍ عالٍ.
4 ـ المنهج المشترك (للاتفاق والافتراق) The Joint Method of Agreement and Difference:
ويصوغه (مل) هكذا «إذا كان شاهدان أو أكثر من الشواهد التي تتجلّى فيها الظاهرة تشترك في ظرفٍ واحدٍ، بينما شاهدان أو أكثر من الشواهد التي لا تتجلّى فيها الظاهرة ليس فيها شيء مشترك غير الخلوّ من هذا الظرف، فإن هذا الظرف الذي فيه وحده تختلف مجموعتا الشواهد هو المعلول أو العلّة أو جزء لا غنى عنه من الظاهرة».
5 ـ منهج البواقي Method of Residues:
وهو منهج للتكهن بالعلة استنتاجاً من فحص موقف يحتوي على ظاهرة واحدة بقي علينا أن نفسرها.
وهذا المنهج يتضمن تطبيقاً لمبدأ الافتراق ابتداء من المعلول لنكتشف العلّة.
فمثلاً: إذا كان معلوماً أن المعلول A يفسره X، وإن X لها مفعول في A، فإنه إذا حدثت A مصحوبة بـ B فإنه ينتج عن مبدأ الافتراق أن شيئاً آخر غير X هو علّة B.
ومن الأمثلة المشهورة على هذا المنهج التجربة التي قام بها الفيزيائي الفرنسي الشهير (أراغو Arago) حين جاء بإبرة ممغطسة وعلقها في خيط من الحرير وحرّك الإبرة، فإنه وجد أنها تصل إلى حالة السكون على نحوٍ أسرع لو وضعنا تحتها لوحة من النحاس، مما لو لم نضع مثل هذه اللوحة.
فتساءل: ربما كانت ظاهرة زيادة الإسراع إلى السكون راجعة إلى مقاومة الهواء، أو طبيعة مادة الخيط، لكن تأثير هذين العاملين: الهواء ونوع الخيط، كان معروفاً بالدقة مع عدم وجود لوحة النحاس ، فالعنصر الباقي وهو لوحة النحاس هو ـ إذن ـ العلة في زيادة الإسراع إلى السكون».
ونستخلص من هذا:
1 ـ أن استيوارت مل اعتمد في وضع قوانينه الخمسة المذكور على (مبدأ العليّة) و(مبدأ الاطراد في الحوادث).
2 ـ يريد بمنهج الاتفاق: التلازم في الوجود بين العلّة والمعلول، بمعنى أنه إذا وجدت العلة وجد المعلول.
3ـ يريد بمنهج الافتراق: التلازم في العدم بين العلة والمعلول، بمعنى أنه إذا عُدمت عُدم المعلول.وبتعبير آخر: إذا لم توجد العلة لم يوجد المعلول.
4- يريد بالمنهج المشترك: أن العلة إذا وجدت وجد المعلول، وأذا عُدمت عدم المعلول.
5 ـ يريد بمنهج التغيرات المتساوقة: أن أي تغيّر يحدث في العلة لا بد أن يحدث في المعلول.
6 ـ يريد بمنهج البواقي: أن علة الشيء لا تكون علّة ـ في الوقت نفسه ـ علّة لشيء آخر مختلف عنه.
ولمزيد الاطلاع في تعرف معنى هذه الطرق الخمس أو القوانين الخمسة أكثر، يرجع إلى الكتب التالية:
ـ خلاصة المنطق.
ـ مذكرة المنطق.
ـ المعجم الفلسفي، للدكتور جميل صليبا.
المنهج الوجداني:
المنهج الوجداني:هو طريقة الوصول إلى معارف التصوّف والأفكار العرفانية.
والوجدان ـ هنا ـ يوازي الحصول على المعرفة يعني إعمال الفكر والروية، بينما الوجدان يعني وجود المعرفة من غير إعمالٍ لفكرٍ أو روية.
وهو نوع من الإلهام معتضداً بالنصوص المنقولة في إطار ما تؤول به على اعتبار أن دلالتها من نوع الإشارة لا من نوع العبارة.
ويعتمد فيه على الرياضة الروحية بغية أن تسمو النفس فترتفع إلى مستوى الأهلية والاستعداد الكافي لأن تلهم ما تهدف إليه.
قال الغزالي: «والقلب مثل الحوض، والعلم مثل الماء، وتكون الحواس الخمس مثل الأنهار، وقد يمكن أن تساق العلوم إلى القلب بواسطة أنهار الحواس والاعتبار والمشاهدات حتى يمتلىء علماً.
ويمكن أت تسدّ هذه الأنهار بالخلوة والعزلة وغضّ البصر، ويعمد إلى عمق القلب بتطهيره، ورفع طبقات الحجب عنه حتى تتفجر ينابيع العلم من داخلة»([323]).
مناهج عامة أخرى
وهي:
1 ـ المنهج التكاملي.
2 ـ المنهج المقارن.
3 ـ المنهج الجدلي.
المنهج التكاملي:
المنهج التكاملي: هو استخدام أكثر من منهج في البحث بحيث تتكامل ما بينها في وضع وتطبيق مستلزمات البحث.
ويقسم المنهج التكاملي إلى قسمين، هما:
1 ـ المنهج التكاملي العام.
2 ـ المنهج التكاملي الخاص.
ويفرق بينهما في:
ـ أن المنهج التكاملي العام هو الذي يستخدم في علم من العلوم.
- والمنهج التكاملي الخاص هو الذي يستخدم في بحث مسألة أو قضية من علمٍ ما.
وأسوق هنا بعض الأمثلة للمنهج التكاملي العام مرجئاً التفصيل وذكر أمثلة المنهج التكاملي الخاص إلى مواضعها من الكتاب، وهي:
ـ في علم الكلام الذي يعتمد فيه ، قد تعتمد بعض المدارس الكلامية أو الباحثين الكلاميين المنهج التكاملي المؤلف من المنهج العقلي والمنهج النقلي.
ومن تطبيقات هذا، ما صنعته في كتابي (خلاصة علم الكلام).
ـ في علمي التصوف والعرفان حيث يعتمد فيه على منهج تكاملي مؤلف من المنهج الوجداني والمنهج النقلي.
ـ في الفقه السنّي عدا الظاهري، فإنه يقوم أيضاً على منهج تكاملي مؤلف من المنهج النقلي والمنهج العقلي.
ـ في علم النحو العربي القديم، فقد استند علماؤه في بحثهم مسائله على منهج تكاملي مؤلف من المنهج النقلي والمنهج العقلي.
ـ ومثل علم النحو العربي علوم البلاغة العربية وغيرها.
المنهج المقارن:
يعرّفه (المعجم الفلسفي ـ مجمع) بـ «مقابلة الأحداث والآراء بعضها ببعض لكشف ما بينها من وجود شبه أو علاقة.
والمقارنة والموازنة من العلوم الإنسانية بمثابة الملاحظة والتجربة من العلوم الطبيعية، يقول ابن خلدون:«إن الباحث يحتاج إلى العلم باختلاف الأمم والبقاع والأمصار في السير والأخلاق والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الأحوال، والإحاطة بالحاضر من ذلك، ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق والخلاف، ويعلّل المتفق منها والمختلف) ـ المقدمة»([324]).
ويعرفه معجم (الصحاح في اللغة والعلوم): «المنهج المقارن: منهج يسلك سبيل المقارنة بين صور مختلفة من الأحداث والظواهر»([325]).
وهو مأخوذ مما أضافه المعجم العربي الحديث لمعاني الكلمة، ففي (المعجم الوسيط): «قارن الشيء بالشيء وازنه به (محدثه)، وبين الشيئين أو الأشياء وازن بينها»([326]).
فالمقارنة ـ إذن ـ تعني الموازنة بين الأشياء.
والمنهج المقارن: الطريقة التي يتبعها الباحث في الموازنة بين الأشياء.
المنهج الجدلي:
نسبة إلى الجدل، وهو ـ في اللغة ـ: مقابلة الحجة بالحجة.
ومنه المجادلة، ومعناها: المناظرة والمخاصمة([327]).
ويمكننا أن نعرّفه بالطريقة المستخدمة في المناقشات العلمية أو لمعرفة الصراعات الطبيعية والاجتماعية.
وينقسم هذا المنهج إلى قسمين:
1 ـ المنهج الجدلي القديم.
2 ـ المنهج الجدلي الحديث .
المنهج الجدلي القديم:
هو الذي يعرف في المنطق اليوناني بـ (صناعة الجدل) وبـ (آداب المناظرة) كما عنونت به بعض الكتب العربية التي صنفت فيه.
ويعرفه الجرجاني بقوله: «الجدل: وهو القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات.
والغرض منه: إلزام الخصم وإفحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان»([328]).
ويتقوم بالعناصر التالية:
1 ـ تتألف شخوصه من طرفي الحوار والنقاش، وهما:
أ ـ الطرف المجيب: وهو الذي يقف موقف المدافع والمحامي عن أفكاره وآرائه أثناء الهجوم عليه من الطرف الثاني.
ب ـ الطرف السائل: وهو الذي يقف موقف المهاجم والناقد لأفكار وآراء الطرف الأول.
2 ـ تتألف مادته العلمية التي تُعتَمَد في المناقشة والمحاورة من:
أ ـ القضايا المشهورات: وهي التي اشتهرت بين الناس واشتهر التصديق بها عند العقلاء.
وتستخدم هنا كمبادىء مشتركة بالنسبة للسائل والمجيب.
ب ـ القضايا المسلمات: وهي التي قام التسالم بين الطرفين على صدقها.
ويختص استخدامها هنا بالسائل.
3 ـ تتألف أدوات الجدل ـ وهي الأوصاف التي ينبغي أن تتوافر في المجيب ـ من التالي:
أ ـ معرفته واستحضاره لمختلف القضايا المشهورات التي تتطلبها المجادلة.
ب ـ تمييزه بين معاني الألفاظ المشتركة والمنقولة والمشككة والمتواطئة والمتباينة والمترادفة، وما إليها من أحوال الألفاظ المذكورة في علم المنطق.
ج ـ تمييزه بين المتشابهات بما يرفع الاشتباه بينها.
د ـ القدرة على معرفة الفروق بين الأشياء المختلفة.
4 ـ تتألف التعليمات للسائل بما ينبغي لأن يتحلّى به من أوصاف من التالي:
أ ـ أن يكون على علم بالموضع أو المواضع التي منها يستخرج المقدمة المشهورة اللازمة له.
والموضع ـ هنا ـ مصطلح منطقي يراد به: الأصل أو القاعدة الكلية التي تتفرع منها قضايا مشهورة.
ب ـ أن يهيء في نفسه الطريقة التي يتوسل بها لتسليم المجيب بالمقدمة.
جـ ـ أن لا يصرّح بهدفه من إثارة النقاش إلا بعد اعتراف وتسليم المجيب بما يريد والتأكد من عدم بقاء أي مجال عنده للإنكار.
هذه أهم العناصر الرئيسية للجدل، نقلتها باختصار وتصرف من كتاب (المنطق) ـ ج3: صناعة الجدل ـ لأستاذنا الشيخ المظفر.
ولمن يريد المزيد والتفصيل يرجع إليه أو إلى الكتب الأخرى المؤلفة في الجدل أو المناظرة.
المنهج الجدلي الحديث:
ويعرف بـ (المنطق الديالكتيكي) نسبة إلى (Dialectic) الكلمة الإنجليزية التي تعني الجدل الذي هو المناقشة بطريقة الحوار([329]).
وذلك لأن المادية الجدلية Dialectical Materialism ـ في المذهب الماركسي ـ «تذهب إلى القول بأن الأشياء كلها تنطوي على جوانب أو مظاهر متناقضة، وبأن التواترات والصراعات هي القوة الدافعة التي تحدث التغيير»([330]).
وهو ـ كما هو معلوم ـ منطق الفلسفة الماركسية.
يقول الدكتور صفوت حامد مبارك في كتابه (الفكر الماركسي)([331]). «الماركسيون يرون أن هذا المنهج يختلف عن مناهج العلوم المختلفة إذ ييسّر الطريق إلى فهم كل الميادين: الطبيعة والمجتمع والفكر، خلافاً لمناهج العلوم المفردة التي لا تعين إلا على فهم مجال واحد من مجالات العلم والعمل».
ويقول أيضاً: «والماركسيون يرون أن منهجهم هذا هو المنهج العلمي الوحيد إذ أنه يستند إلى أحدث إنجازات العلم والخبرة الإنسانية، فهو يرى أن العالم في حركة دائمة وفي تجدد مستمر، وليس هناك شيءٌ مطلقٌ، كل ما في الكون يتطور باستمرار، ويتّجه في حركته من أدنى إلى أعلى.
وحركة الكون وتطوّره الدائمان نابعان من التناقضات الكامنة في جميع أجزائه، هذه التناقضات التي تؤدي إلى صراع بين الجديد والقديم، صراع ينتهي بالانتصار الحتمي للجديد».
«فالديالكتيك هو ـ إذن في نظر ماركس ـ علم القوانين العامة للحركة سواء في العالم الخارجي أو الفكر البشري»([332]).
ويعرّف لينين الديالكتيك بقوله: «الديالكتيك بمعناه الدقيق: هو دراسة التناقض في صميم جوهر الأشياء».
ويوضحه ستالين بقوله: «إن نقطة الابتداء في الديالتيك خلافاً للميتافيزيقية هي وجهة النظر القائمة على أن كل أشياء الطبيعة وحوادثها تحوي تناقضات داخلية، لأن لها جميعاً جانباً سلبياً وجانباً إيجابياً، ماضياً وحاضراً، وفيها جميعاً عناصر تضمحل أو تتطور، فنضال هذه المتضادات هو المحتوى الداخلي لتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية»([333]).
ولمعرفة تفاصيل هذا المنهج يرجع إلى الكتب الماركسية المؤلفة فيه.
المناهج الخاصة
تعريفها:
المنهج الخاص: مجموعة من القواعد وضعت لتستخدم في حقلٍ خاصٍ من حقول المعرفة، أو علم خاص من العلوم.
أنواعها:
وتتنوع هذه المناهج متعددة بعدد الحقول المعرفية وأنواع العلوم.
وسأستعرض منها ـ هنا ـ المنهجين التاليين:
1 ـ منهج أصول الفقه الشيعي.
2 ـ منهج الفقه الشيعي.
منهج علم أصول الفقه
يعتبر علم أصول الفقه من أهم العلوم الشرعية التي وضعها العلماء المسلمون دون أن يتأثروا بتجارب مماثلة سابقة، ودون أن يحذوا حذو محاولات متقدمة.
ومن هنا كان علم أصول الفقه علماً إسلامياً خالصاً.
وكان عامل وضعه هو حاجة المسلمين إلى استفادة الأحكام الشرعية العملية (أو الفرعية) من أدلتها عن طريق وسيلة الاجتهاد.
وقد حاولت جهدي أن أطّلع على منهج خاص به مدوّن فيما لديّ من مراجع في الدراسات الأصولية، وما لديّ من مؤلفات في المناهج وطرق البحث، فلم أوفق لذلك.
فرأيتني ـ والحالة هذه ـ لا طريق أمامي للوصول إلى وضع منهج للبحث الأصولي إلا محاولة استخلاصه من عموميات الدرس الأصولي في ضوء الخطوط العامة للمناهج الخاصة التي تكلفت بعرضها ودراستها مدونات علم المناهج.
وتمهيداً للوصول إلى هذا لا بدّ من وضع هيكل عام أو تصور شامل لواقع البحث الأصولي في هدفه ومادته وخطواته وما اعتمده في تجاربه العلمية على أيدي الباحثين فيه من مناهج عامة.
الهيكل العام لعلم أصول الفقه
والهيكل العام لعلم أصول الفقه المستخلص من واقع التجارب العلمية فيما كتب فيه، هو كالتالي:
1 ـ الهدف من البحث في أصول الفقه:
هو استخلاص القواعد الأصولية من مصادرها النقلية أو العقلية بغية الاستفادة منها في مجال الاجتهاد الفقهي.
2 ـ مادة البحث الأصولي:
وتتمثل في مصادر التشريع الإسلامي (أو أدلة الأحكام الفقهية).
3 ـ خطوات البحث الأصولي:
وتتلخص في التالي:
أ ـ تعيين المصدر (الدليل).
ب ـ تعريف المصدر (الدليل).
جـ ـ إقامة البرهان على حجية المصدر (الدليل) لإثبات شرعيّته.
د ـ تحديد مدى حجية المصدر (الدليل).
هـ ـ استخلاص القاعدة الأصولية من المصدر (الدليل).
و ـ بيان دلالة القاعدة.
ز ـ بيان كيفية تطبيق القاعدة لاستفادة الحكم الفقهي.
4 ـ المنهج العام للبحث الأصولي:
سنتبيّن من خلال التطبيق الآتي أن البحث الأصولي يسير وفق المناهج العامة التالية:
أ ـ المنهج النقلي في جملة من مسائله.
ب ـ المنهج العقلي في جملة أخرى من مسائله.
جـ ـ المنهج التكاملي (من النقلي والعقلي) في جملة ثالثة من مسائله.
وسأحاول ـ هنا ـ توضيح العناصر المذكورة من خلال التطبيق على بعض القواعد الأصولية.
ولتكن القواعد التالية:
ـ قاعدة الظهور.
ـ قاعدة تعارض الخبرين.
ـ قاعدة الاستصحاب.
قاعدة الظهور
سوف نتحدث عن قاعدة الظهور ضمن النقاط التالية:
1 ـ الهدف من دراسة ظاهرة الظهور.
2 ـ الموضوع الذي تُبحث فيه هذه الظاهرة أصولياً.
3 ـ تعريف الظهور.
4 ـ مدى دلالة الظهور.
5 ـ الدليل على حجية الظهور.
6 ـ أنموذج تطبيقي.
1 ـ يهدف الباحث الصولي من دراسة ظاهرة الظهور إلى استخلاص قاعدة عامة تطبق على ظواهر الكتاب والسّنّة فقهياً لاستنباط الحكم الشرعي في ضوئها.
وإذا أردنا أن نستخدم لغة هذا العلم نقول: إن الغاية من إثبات حجية الظهور، هي: تنقيح كبرى تصدق على صغرياتها من ظواهر الألفاظ، وسيتّضح هذا أكثر في عرضنا للأنموذج التطبيقي.
وإليه يشير الشهيد الصدر بقوله: «معنى حجية الظهور اتّخاذه أساساً لتفسير الدليل اللفظي على ضوئه»([334]).
وتسمى ـ كما رأينا ـ قاعدة الظهور ، وحجية الظهور.
وتعرف أيضاً بـ (أصالة الظهور)، «لأنها تجعل الظهور هو الأصل لتفسير الدليل اللفظي»([335])
2 ـ ومحلها من موضوعات علم أصول الفقه هو موضوع دلالة ظواهر الكتاب الكريم وموضوع دلالة ظواهر السّنّة الشريفة.
يقول الشيخ محمد رضا المظفر: «إن البحث عن حجية الظواهر من توابع البحث عن الكتاب والسّنّة، بل إنما نحتاج إلى إثبات حجيتها لغرض الأخذ بالكتاب والسّنّة، فهي من متمّمات حجيتهما، إذ من الواضح أنه لا مجال للأخذ بهما من دون أن تكون ظواهرهما حجة»([336]).
3 ـ لكي نتعرّف معنى الظهور لا بد لنا من تعرّف مدى دلالة اللفظ على معناه، وهذا يقتضينا أن نقسم الدلالة ـ هنا ـ إلى الأقسام الثلاثة التالية:
أ ـ الدلالة العلمية (القطعية).
ب ـ الدلالة الظّنّيّة.
جـ ـ الدلالة الاحتمالية.
ذلك أن اللفظ بحسب دلالته لغوياً أو اجتماعياً على معنى ينقسم إلى قسمين:
أ ـ ما يدل على معنى واحد فقط.
واصطلح عليه الأصوليون بأن سمّوه بـ (النص).وعرّف (المعجم الوسيط)([337]) النص بـ «ما لا يحتمل إلا معنى واحد، أو لا يحتمل التأويل».
ومن الطبيعي أن دلالة مثل هذا اللفظ هي دلالة علمية قطعية.
ولأنها تفيد القطع، والقطع حجيته ذاتية ـ كما يعبّر الأصوليون ـ لا نحتاج إلى إقامة الدليل على حجيتها.
ب ـ ما يدل على أكثر من معنى.
ويقسم باعتبار تنوع المعنى المدلول عليه إلى قسمين:
1 ـ فقد يكون المعنى المدلول عليه واضحاً بيّناً لا يحتاج في حمل اللفظ عليه إلى تأويل.
وسماه الأصوليون بـ (الظاهر)، لأنه المعنى الواضح البيّن من إطلاق اللفظ.
ولكن، لأن اللفظ كما يدل عليه يدل على معنى آخر محتمل إرادته من قبل المتكلم تكون دلالته ظنية، لأنها الراجحة بالنسبة إلى الدلالة على المعنى الآخر المحتمل.
2 ـ وقد يكون المعنى المدلول عليه غير واضح ولا بيّن، وإنما يحتاج في صرف اللفظ إليه إلى مؤنة تأويل.
وسمي في بعض الكتب الأصولية بـ (المؤول) لافتقاره في فهمه من إطلاق اللفظ إلى التأويل.
ولأن صرف اللفظ في الدلالة عليه يفتقر إلى التأويل يكون مرجوحاً بالنسبة إلى المعنى الظاهر الراجح، فتكون دلالته ـ على هذا ـ احتمالية.
الخلاصة اللفظ
يدل على معنى يدل على أكثر
واحد (النص) من معنى
يدل على معنى راجح يدل على معنى
واحد (النص) مرجوح(المؤول)
ونخلص من هذا إلى أن الظهور: يعني دلالة اللفظ على المعنى الراجح من المعاني المشمولة بدلالته.
4 ـ وعرفنا من تقسيمنا الدلالة إلى الأقسام الثلاثة المذكورة في أعلاه، ومن تعريفنا لمعنى الظهور أن دلالة ما يعرف بـ (الظاهر) دلالة ظنّية لأن معناه المعنى الراجح، والرجحان يعني الظّنّ ـ كما هو معلوم.
5 ـ أم الدليل لإثبات حجية الظهور واعتباره شرعاً، فيتلخص بالتالي:
أ ـ أن الأخذ بالظهور اللفظي من الظواهر الاجتماعية العامة التي دأبت جميع المجتمعات البشرية على الاعتماد عليها في ترتيب كافة الآثار الاجتماعية والقانونية وغيرها.
ب ـ لم يثبت أن الشرع الإسلامي حظر الأخذ بها والاعتماد عليها، بل الثابت أنه سار على ما سارت عليه المجتمعات البشرية من الأخذ بها والاعتماد عليها.
وقد علم هذا بالوجدان.
وهذا يعني أن الظهور كما هو حجة عند الناس أقاموا عليه سيرتهم المعروفة بـ (سيرة العقلاء)، هو حجة في الشرع الإسلامي أيضاً.
فالدليل على حجية الظهور ـ باختصار ـ هو سيرة العقلاء وبناؤهم، أو ما أطلقت عليه (العقل الاجتماعي).
6 ـ ولنأخذ المثال التالي كنموذج تطبيقي:
أ ـ أن (أقيموا) في قوله تعالى: «وَأقِيمُوا الصَّلَوَاةَ» [البقرة: 43] أمرمجرد من القرينة الصارفة له عن الدلالة على الوجوب، فهو ظاهر في الوجوب.
ب ـ ولأن (أقيموا) ظاهر في الوجوب نطبق عليه قاعدة الظهور، لتأتي النتيجة هي وجوب الصلاة، أخذاً بظاهر هذه الآية الكريمة واعتماداً عليه.
ومتى أردنا أن نصوغ هذا صياغة علمية في هدي تعليمات الشكل الأول من القياس المنطقي الذي يعتمد تطبيق الكبرى على صغرياتها للوصول إلى النتيجة المطلوبة، نقول:
| الصغرى | الكبرى | النتيجة |
(أقيموا) ظاهرة قرآني + وكل ظاهر قرآني حجة = فأقيموا حجة.
7 ـ والنتيجة التي ننتهي إليها من هذا البحث: أن ظاهرة الظهور الاجتماعية دليل شرعي يُستند إليه في استفادة الحكم الفقهي من ظواهر القرآن الكريم والسنة الشريفة.
قاعدة تعارض الخبرين
سنختصر الحديث عن هذه القاعدة في النقطتين التاليتنين:
ـ بيان معنى التعارض.
ـ حلّ التعارض شرعاً.
1 ـ يعني الأصوليون بالتعارض ـ هنا ـ التكاذب بمعنى أن كلاًّ من الخبرين إذا توفر على جميع شروط ومقومات الحجية يبطل الخبر الآخر، ويكذبه.
2 ـ واستدلّوا لحلّ هذا التعارض بما ورد في (مقبولة عمر بن حنظلة)([338]) من قوله: «قلت: فإن كان كل رجل اختار رجلاً من أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما، اختلفا في حديثكم؟
قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث، وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر.
قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا، لا يفضل واحد منهما على الآخر؟
قال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي به حكما، المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشّاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه، وإنما الأمور ثلاثة: أمرٌ بيّنٌ رشده فيتبع، وأمرٌ بيّنٌ غيُّه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله ورسوله (ص): «حلال بيّن، وحرام بيّن، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم».
قلت: فإن كان الخبران عنكما([339]) مشهورين قد رواهما الثّقات عنكم؟
قال: ينظر، فما وافق حكمه حكم الكتاب والسّنّة، وخالف العامة فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكم الكتاب والسّنّة ووافق العامة.
قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسّنّة، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم، بأي الخبرين يؤخذ؟
قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد.
قلت: جعلت فداك، فإن وافقهم الخبران جميعاً؟
قال: تنظر إلى ما هم إليه أميَل ـ حكامهم وقضاتهم ـ فيُترَك ويُؤْخَذ بالآخر.
قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟
قال: إذا كان ذلك فأرجه (وفي بعض النسخ: فأرجئه) حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات»([340]).
حيث أستفيد من هذه المقبولة: أن حل التعارض يتمّ بالتالي:
ـ إذا كان أحد الخبرين مشهور الرواية، والآخر شاذّ الرواية، يؤخذ بالمشهور ويطرح الشّاذّ.
ـ وإذا كان أحد الخبرين موافقاً في حكمه لحكم الكتاب والسّنّة، والآخر مخالفاً في حكمه لحكم الكتاب والسّنّة يؤخذ بالموافق ويطرح بالمخالف.
ـ وإن كان أحد الخبرين موافقاً في حكمه لحكم قضاة وحكام العامة، والآخر مخالفاً لحكم قضاة وحكام العاة، يؤخذ بالمخالف، ويطرح الموافق.
والمراد بالعامة ـ في هذا السياق ـ «أولئك الرعاع وقادتهم من الفقهاء الذين كانوا يسيرون بركاب الحكام ويبررون لهم جملة تصرفاتهم بما يضعون لهم من حديث حتى انتشر الوضع على عهدهم انتشاراً فظيعاً».
وتسمى هذه المرجحات، وتختصر كالتالي:
1 ـ الشهرة في الرواية.
2 ـ موافقة الكتاب والسّنّة.
3 ـ مخالفة العامة([341]).
قاعدة الاستصحاب
ويأتي الحديث عن هذه القاعدة في النقاط التالية:
1 ـ تعريف الاستصحاب.
2 ـ بيان أركان الاستصحاب.
3 ـ الاستدلال لحجية الاستصحاب.
وسأقتصر ـ هنا ـ لأجل الاختصار على ما ذكرته في كتابي (مبادىء أصول الفقه)([342])، وهو:
1 ـ عُرّف الاستصحاب بأنه «حكم الشارع ببقاء اليقين في ظرف الشك من حيث الجري العملي».
وسوف يتضح معنى هذا التعريف أكثر عند استعراض أركان الاستصحاب فيما يأتي.
ولأجل توضيحه بالمثال تقريباً إلى الأذهان نقول:
إذا كان المكلف على حالة معينة وكان متيقناً منها ثم شكّ في ارتفاعها، فإن الشارع المقدس يحكم ـ هنا ـ بإلغاء الشّكّ، وعدم ترتيب أي أثر عليه، وبالقيام بترتيب آثار اليقين السابق في مجال العمل والامتثال.
كما إذا كان المكلف على وضوء وكان متيقناً من ذلك، ثم شكّ في انتقاض وضوئه هذا بنومٍ أو غيره، فإنه ـ هنا ـ يبني على وضوئه السابق، ويرتب عليه آثاره الشرعية من جواز الصلاة به، وغيره، ويلغي الشك الطارىء عليه، بمعنى أنه لا يرتب عليه أي أثر.
2 ـ ويشترط في جريان الاستصحاب لينهي إلى الحكم المطلوب أن يتوفر الموضع الذي يجري فيه على الأركان التالية:
أ ـ اليقين:
وهو العلم ـ وجداناً أو تعبّداً ـ بالحالة السابقة على الشك.
ب ـ الشك:
وهو كل ما لم يصل إلى مرحلة اليقين (العلم الوجداني أو التعبدي).
جـ ـ وحدة المتعلق في القين والشك.
أي أن ما يتعلق به اليقين هو نفسه يقع متعلقاً للشك.
د ـ فعلية الشك واليقين فيه.
«فلا عبرة بالشك التقديري لعدم صدق النقض به، ولا اليقين كذلك لعدم صدق نقضه بالشك».
هـ ـ وحدة القضية المتيقنة والقضية المشكوكة في جميع الجهات.
«أي أن يتّحد الموضوع والمحمول والنسبة والحمل والرتبة، وهكذا.
ويستثنى من ذلك الزمان فقط رفعاً للتناقض».
و ـ اتصال زمان الشك بزمان اليقين.
«بمعنى أن لا يتخلل بينهما فاصل من يقين آخر».
ز ـ سبق اليقين على الشك.
3 ـ واستدلّ على حجية الاستصحاب بعدة أدلة أهمها ما يلي:
أ ـ سيرة العقلاء:
وقد استدلّ بها على حجية الاستصحاب على غرار الاستدلال بها على (حجية الظهور).
وملخص الاستدلال:
هو «أن الاستصحاب من الظواهر الاجتماعية العامة التي ولدت مع المجتمعات، ودرجت معها، وستبقى ـ ما دامت المجتمعات ـ ضمانة لحفظ نظامها واستقامتها، ولو قدّر للمجتمعات أن ترفع يدها عن الاستصحاب لما استقام نظامها بحال، فالشخص الذي يسافر ـ مثلاً ـ ويترك بلده وأهله وكل ما يتصل به، لو ترك للشكوك سبيلها إليه ـ وما أكثرها لدى المسافرين ـ ولم يدفعها بالاستصحاب، لما أمكن له أن يسافر عن بلده، بل أن يترك عتبات بيته أصلاً، ولشلّت حركتهم الاجتماعية وفسد نظام حياتهم فيها».
و«عصر النبي (ص) ما كان بدعاً من العصور، ولا مجتمعه بدعاً من المجتمعات، ليبتعد عن تمثّل وشيوع هذه الظاهرة، فهي بمرأى من النبي (ص) ـ حتماً ـ ولو ردع عنها لكان ذلك موضع حديث المحدثين، وهو ما لم يحدّث عنه التاريخ، فعدم ردع النبي (ص) عنها يدل على رضاه وإقراره لها، وبخاصة وهو قادر على الردع عن مثلها، وليس هناك ما يمنعه عنه».
ب ـ السّنّة:
وقد استدلّ على حجية الاستصحاب بأحاديث، منها:
موثقة عمار عن أبي الحسن (ع): قال: إذا شككت فابنِ على اليقين.
قلت: هذا أصل؟
قال (ع): نعم.
والرواية من الوضوح في غنى عن الشرح.
النتائج
1 ـ وكما رأينا أن البحث في ظاهرة الظهور، انتهج ـ من المناهج العامة ـ المنهج العقلي حيث ارتكز في ما توصّل إليه من النتيجة على العقل الاجتماعي (سيرة العقلاء).
2 ـ وأن البحث في ظاهرة تعارض الخبرين انتهج المنهج النقلي حيث اعتمد في الوصول إلى النتيجة المطلوبة على مقبولة عمر بن حنظلة المنقولة عن الإمام (ع).
3 ـ وفي ظاهرة الاستصحاب تكامل المنهج فكان في الاستدلال بسيرة العقلاء عقلانياً وفي الاستدلال بموثقة عمار نقلياً.
وهذه النتائج تعزز ما ذكرته آنفاً من أن البحث الأصولي قد ينتهج المنهج العقلي، وقد يسلك المنهج النقلي، وقد يجمع بينهما فيكون منهجه تكاملياً.
وعلى أساس هذا:
1 ـ يسير المنهج الأصولي في هدي المنهج النقلي العام الخطوات التالية:
1 ـ تعيين موضوع البحث.
2 ـ تعريف الموضوع.
3 ـ جمع النصوص التي لها علاقة بالموضوع دلالةً أو ملابسةً، شريطة أن تكون مصادرها موثقة ومعتمدة.
4 ـ تقييم أسانيد النصوص في ضوء قواعد علمي الحديث والرجال.
5 ـ تقييم متن النص وفق قواعد تحقيق التراث.
6 ـ تعرّف دلالة النص من خلال معطيات الوسائل والأساليب العلمية الخاصة بذلك من لغوية وغيرها.
7 ـ استخلاص القاعدة من النص، وصياغتها صياغة علمية تُعتمَد فيها اللغة العلمية لأصول الفقه.
8 ـ بيان كيفية تطبيق القاعدة.
9 ـ عرض بعض الأمثلة لتطبيق القاعدة.
2 ـ ويسير المنهج الأصولي في هدي المنهج العقلي العام الخطوات التالية:
1 ـ تعيين موضوع البحث.
2 ـ تحديد الموضوع.
3 ـ التماس الدليل العقلي الدّال عليه المعتمد شرعاً وتوضيح دلالته عليه.
4 ـ استخلاص القاعدة وصياغتها صياغة علمية تُعتمَد فيها لغة أصول الفقه.
5 ـ بيان كيفية تطبيق القاعدة.
6 ـ عرض بعض الأمثلة لتطبيق القاعدة.
مراجع أصول الفقه
ألّف علماء أصول الفقه الشيعة الوفير من الكتاب والرسائل في علم أصول الفقه.
واتّبعوا في إعدادها الأشكال التالية:
1 ـ المتن، مثل:
ـ أصول الفقه، الأمير السيد أبو الفتح الشريفي الحسيني.
2 ـ الكتاب المفصل، مثل:
ـ معالم الدين، الشيخ حسن العاملي.
ـ قوانين الأصول، الميرزا القمي.
ـ كفاية الأصول، المولى الخراساني.
3 ـ الشرح، وهو على أشكال:
أ ـ مزجي، مثل:
ـ شرح كفاية الأصول، الشيخ الرشتي.
ب ـ هامشي، مثل:
ـ شرح الكفاية، السيد المروج.
4 ـ الحاشية، مثل:
ـ حاشية المعالم، الشيخ الأصفهاني.
ـ حاشية الكفاية، الشيخ المشكيني.
5 ـ التقريرات:
وهي محاضرات الأستاذ يكتبها تلميذه.
ومن أمثلتها:
ـ تقريرات العراقي.
ـ تقريرات النائيني.
6 ـ المنظومة، مثل:
ـ سبيكة الذهب، المازندراني الحائري.
7 ـ الموضوعات الخاصة، مثل:
ـ الإجماع، السيد الصدر.
ـ الاستصحاب، السيد اليزدي.
وقد رأيت أن أقتصر ـ هنا ـ على ذكر المطبوع منها ـ في حدود ما اطّلعت عليه ـ وهي:
1 ـ أصول الفقه، الشيخ المفيد (ت413هـ).
«ذكره النجاشي، ورواه عنه العلامة الكراجكي، وأدرجه مختصراً في كتابه (كنز الفوائد) المطبوع، وهو مشتمل على تمام مباحث الأصول على الاختصار»([343]).
ونشره مستقلاً مركز الدراسات والبحوث العلمية العالية في بيروت سنة 1408هـ ـ 1988م.
2 ـ الذريعة إلى أصول الشريعة، الشريف المرتضى (ت436هـ)، ط بإيران.
3 ـ عدة الأصول، شيخ الطائفة الطوسي (ت460هـ) طبع في بمبىء سنة 1312هـ وفي إيران مع الحواشي الخليلية عليه سنة 1314هـ، وأعادت نشره مؤسسة آل البيت سنة 1403هـ بتحقيق محمد مهدي نجف.
4 ـ معارج الأصول، المحقق الحلي (ت676هـ)، طبع بطهران سنة 1310هـ، وأعيد طبعه حديثاً بإعداد محمد حسين الرضوي.
5 ـ مبادىء الوصول إلى علم الأصول، العلامة الحلي (ت726هـ) طبع في طهران سنة 1310هـ مع سابقه، وأعيد نشره في النجف الأشرف سنة 1390هـ بتحقيق عبد الحسين محمد علي البقال، ثم في بيروت سنة 1406هـ مصوراً عن نشرة النجف.
6 ـ طريق استنباط الأحكام، المحقق الكركي (ت940هـ)، طبع في النجف الأشرف سنة 1391هـ بتحقيق عبد الهادي الفضلي.
7 ـ معالم الدين وملاذ المجتهدين، الشيخ حسن العاملي (ت1011هـ)، ويعرف بـ (معالم الأصول)، طبع حجرياً بإيران عدة مرات، ونشر حروفياً في النجف الأشرف بتحقيق عبد الحسين محمد علي البقال.
8 ـ الأصول الأصلية، الفيض الكاشاني (ت1091هـ)، طبع في النجف الأشرف.
9 ـ القوانين المحكمة في الأصول، الميرزا القمي (ت1231هـ) طبع على الحجر بإيران.
10 ـ مهذب القوانين، السيد محمد صالح الداماد، ط سنة 1303هـ.
11 ـ هداية المسترشدين في شرح معالم الدين، الشيخ محمد تقي الأصفهاني (ت1248هـ)، ويعرف بـ (حاشية المعالم)، طبع على الحجر بإيران.
12 ـ غنائم المحصلين: حاشية على معالم الدين، الشيخ محمد طه نجف ط طهران 1315هـ.
13 ـ الفصول الغروية في الأصول الفقهية، المشتهر باسم (الفصول)، الشيخ محمد حسين الحائري (ت 1250هـ)، ط على الحجر بإيران.
14 ـ ملخص كتاب الفصول، السيد صدر الدين الصدر، ط حجرياً بطهران.
15 ـ العناوين، السيد عبد الفتاح المراغي، ط سنة 1274هـ و1297هـ.
16 ـ ضوابط الأصول، السيد إبراهيم القزويني الحائري (ت1262هـ) ط بإيران سنة 1271هـ.
17 ـ نتائج الأفكار، السيد إبراهيم القزويني الحائري، ط مع الضوابط، ومستقلاً في بمبىء سنة 1258هـ.
18 ـ المقالات الغرية، الميرزا محمد صادق التبريزي.
19 ـ فائدة الأصول، المشهور بـ (الرسائل)، الشيخ مرتضى الأنصاري (ت1281هـ).
يشتمل على خمس رسائل في القطع والظن والبراءة والاستصحاب والتعادل والترجيح، ط على الحجر في طهران سنة 1295هـ و1323هـ. ثم تجاوزت طبعاته العشرين.
20 ـ بحر الفوائد في شرح الفرائد، الميرزا محمد حسن الأشتياني (ت1319هـ) ط في طهران على الحجر في مجلّد كبير سنة 1350هـ.
21 ـ حاشية على الرسائل، الشيخ آغا رضا الهمداني، ط إيران 1318هـ.
22 ـ عمدة الوسائل في الحاشية على الرسائل، السيد عبدالله الشيرازي ط النجف سنة 1365هـ ـ 1383هـ بأربعة أجزاء.
23 ـ مختصر الرسائل، الشيخ مهدي الخالصي، ط في خراسان سنة 1343هـ.
24 ـ كفاية الأصول، الملا محمد كاظم الخراساني (ت1329هـ)، في جزأين، أولهما في مباحث الألفاظ، والثاني في الأدلة العقلية، ط مكرراً.
ـ شروح الكفاية:
25 ـ حاشية الكفاية، الشيخ علي القوجاني (ت1333هـ).
26 ـ الهداية في شرح الكفاية، الشيخ عبد الحسين أسد الله الكاظمي (ت1336هـ).
27 ـ حاشية علي كفاية الأصول، الشيخ مهدي الخالصي (ت1343هـ) ط بغداد سنة 1328هـ.
28 ـ نهاية المأمول، الميرزا حسن الرضوي القمي (ت1352هـ).
29 ـ شرح الكفاية، الشيخ محمد علي القمي (ت1354هـ).
30 ـ حاشية الكفاية، الميرزا أبو الحسن المشكيني (ت1358هـ).
31 ـ شرح الكفاية، السيد حسن الإشكذري اليزدي (ت1359هـ).
32 ـ نهاية النهاية، علي الأيرواني.
33 ـ شرح الكفاية، الشيخ محمد الشهير بسلطان العراقي.
34 ـ مصباح العقول في شرح كفاية الأصول، محمد بن محمد حسين الأشكوري ط في النجف سنة 1353هـ.
35 ـ حاشية الكفاية، أبو القاسم الأصفهاني.
36 ـ شرح الكفاية، السيد جمال الدين الأسترآبادي.
37 ـ نهاية الدراية، الشيخ محمد حسين الأصفهاني (ت1361هـ).
38 ـ شرح كفاية الأصول، الشيخ عبد الحسين الرشتي، (ت1383هـ) ط في النجف 1370هـ بجزأين.
39 ـ حقائق الأصول، السيد محسن الحكيم (ت1390هـ) ط في النجف سنة 1372هـ بجزأين.
40 ـ منتهى الدراية، السيد محمد جعفر الجزائري المروج، ط في النجف سنة 1388هـ. بعدة أجزاء.
41 ـ معالم الوصول، السيد عبد الكريم علي خان، ط في بيروت سنة 1401هـ 1981م.
42 ـ الوصول إلى كفاية الأصول، السيد محمد بن مهدي الشيرازي، ط في النجف بخمسة أجزاء.
43 ـ شرح الكفاية، الشيخ محمد الكرمي الحويزي.
44 ـ عناية الأصول، السيد مرتضى الفيروزآبادي، ط بالنجف سنة 1965م بأربعة أجزاء.
45 ـ العناوين في الأصول، الشيخ مهدي الخالصي، ط في بغداد 1342هـ بجزأين.
46 ـ فصل الخصومة في الورود والحكومة، ميرزا محمد باقر، ط في النجف سنة 1354هـ.
47 ـ الفوائد الأصولية، له أيضاً، ط مع سابقه.
48 ـ مقالات الأصول، آغا ضياء الدين العراقي.
49 ـ أصول الفقه، الشيخ محمد رضا المظفر، ط في النجف سنة 1959 ـ 1962م بثلاثة أجزاء.
50 ـ أصول الاستنباط، السيد علي نقي الحيدري، ط ببغداد سنة 1959م.
51 ـ الأصول العامة للفقه المقارن، السيد محمد تقي الحكيم، ط في بيروت سنة 1963م.
52 ـ المعالم الجديدة، السيد محمد باقر الصدر، الطبعة الثالثة في بيروت سنة 1401هـ.
53 ـ دروس في علم الأصول، السيد محمد باقر الصدر، ط ببيروت سنة 1978م بثلاث حلقات.
54 ـ منتهى الأصول، السيد ميرزا حسن البجنوردي، ط في النجف، ثم في قم.
55 ـ تهذيب الأصول، السيد عبد الأعلى السبزواري، ط ببيروت سنة 1406هـ.
56 ـ الأصول على النهج الحديث، الشيخ محمد حسين الأصفهاني، ط في النجف سنة 1957م.
57 ـ الترتب، في السيد جمال الدين الكلبايكاني (ت1377هـ).
58 ـ رسائل في الأصول، له أيضاً، ط في النجف.
59 ـ المحصول من فن الأصول، السيد جمال الدين الأسترآبادي.
60 ـ التحقيقات الحقيقية في الأصول العملية، الشيخ حسن الخاقاني (ت1381هـ) ط سنة 1368هـ.
61 ـ دراسات في أصول الفقه، السيد محمد كلانتر.
62 ـ القياس: حقيقته وحجيته، الدكتور مصطفى جمال الدين.
63 ـ مبادىء أصول الفقه، عبد الهادي الفضلي، ط في النجف سنة 1967م.
ـ التقريرات:
64 ـ فوائد الأصول (تقريرات النائيني)، الشيخ محمد علي الكاظمي ط في النجف سنة 1351هـ.
65 ـ أجود التقريرات (تقريرات النائيني)، السيد أبو القاسم الخوئي، ط في صيدا سنة 1348هـ ـ 1354هـ بجزئين.
66 ـ نهاية الأفكار (تقريرات العراقي)، الشيخ محمد تقي البروجردي ط في النجف سنة 1371هـ.
67 ـ تنقيح الأصول (تقريرات العراقي)، السيد محمد رضا اليزدي، ط في النجف سنة 1371هـ.
68 ـ منهاج الأصول (تقريرات العراقي والسيد الأصفهاني)، الشيخ إبراهيم الكرباسي، ط في النجف بخمسة أجزاء.
69 ـ مصابيح الأصول (تقريرات الخوئي)، السيد علاء الدين بحر العلوم.
70 ـ مصباح الأصول (تقريرات الخوئي)، الشيخ محمد سَرْوَر الواعظ.
71 ـ محاضرات في أصول الفقه (تقريرات الخوئي)، الشيخ إسحاق فياض ط في النجف سنة 1962م بثلاثة أجزاء.
72 ـ دراسات (تقريرات الخوئي)، السيد علي الشاهرودي، ط في النجف سنة 1952م.
73 ـ التقريرات في مباحث الألفاظ، الشيخ محمد علي القابجي، ط في النجف سنة 1349 ـ 1351هـ بثلاثة أجزاء.
74 ـ تحرير الأصول (تقريرات الشيخ محمد باقر الزنجاني)، السيد محمد الشاهرودي، ط في النجف سنة 1384هـ بأربعة أجزاء.
75 ـ مباحث الدليل اللفظي (تقريرات الشهيد محمد باقر الصدر)، السيد محمود الهاشمي، ط في النجف سنة 1977م.
76 ـ تعارض الأدلة الشرعية (تقريرات الشهيد الصدر)، السيد محمود الهاشمي، ط ببيروت سنة 1975م.
ـ الأراجيز:
77 ـ سبيكة الذهب، الشيخ محمد صالح المازندراني الحائري.
78 ـ الدرة اليهية، الميرزا محمد بن سليمان التنكابني، ط بإيران.
79 ـ أرجوزة في أصول الفقه، الشيخ مهدي الأزري البغدادي ط في بغداد سنة 1327هـ.
80 ـ ارجوزة في أصول الفقه، السيد ميرزا محمد هاشم الخوانساري المعروف بجهار سوقي (ت1318هـ) ط مع مجموعة رسائله سنة 1317هـ.
ـ وغيرها.
منهج علم الفقه
يُعَدُّ علم الفقه ـ هو الآخر ـ علماً إسلامياً خالصاً، حيث لم يؤثر أنه تأثر بتجارب علمية سابقة، أو أعمال مماثلة تقدمته.
وهنا، وكما صنعت في التوسل بالهيكل العام لعلم أصول الفقه إلى الوصول إلى منهج البحث الأصولي، لا بد من هذا التوسل، للسبب المتقدم نفسه.
ويتمثل الهيكل العام لعلم الفقه في وضع التصور الشامل للتالي:
ـ هدف علم الفقه.
ـ وسيلة علم الفقه في الوصول إلى الحكم الشرعي.
ـ مصادر علم الفقه الشرعية التي يستخلص الحكم الشرعي منها.
ـ دور علم أصول الفقه في تغطية الجانب الكبير من منهج البحث الفقهي.
ـ مادة علم الفقه التي يعتمدها في البحث.
1 ـ يهدف علم الفقه في أبحاثه إلى استفادة الأحكام الشرعية الفرعية (العملية) من مصادرها (أدلتها) الشرعية.
2 ـ ويتوسل إلى ذلك بوسيلة الاجتهاد بتطبيق القواعد اللغوية والأصولية والفقهية والقرائن المساعدة على النص الشرعي أو موضوع البحث لاستخلاص الحكم.
3 ـ ومصادر الحكم الشرعي ـ كما تقدم ـ هي: الكتاب والسّنّة والإجماع والعقل.
ويراد بالكتاب: القرآن الكريم (آيات الأحكام).
وبالسّنّة: قول المعصوم وفعله وتقريره ، مقطوعة كانت أو مظنونة في ضوء ما تقرّه قواعد علم الحديث وعلم الرجال وعلم أصول الفقه… (أحاديث الأحكام).
وبالإجماع: ما كان كاشفاً عن رأي المعصوم.
وبالعقل: سيرة العقلاء الكاشفة عن اعتمادها من الشارع المقدس، بعدم ردعه عنها، أو بأخذه بها.
4 ـ ويغطي علم أصول الفقه الجانب الكبير من منهج البحث الفقهي بتزويده الفقهاء بالقواعد الأصولية، وتعريفهم كيفية تطبيقها لاستفادة الحكم الشرعي من مصدره.
5 ـ ولأن القواعد الأصولية ليست هي المادة الفقهية وحدها في مجال البحث، وإنما هناك إلى جانبها القواعد اللغوية والقواعد الفقهية وقواعد علمي الحديث والرجال، ومعطيات التفسير القرآني في تبيان مؤديات آيات الأحكام، وما يقدمه تاريخ التشريع الإسلامي وعصر النصوص الشرعية من قرائن مساعدة لفهم مداليل الأحاديث الفقهية، ليس أمامنا إلا أن نلتمس المنهج الفقهي من تجارب الفقهاء المجتهدين في أبحاثهم الفقهية الاستدلالية، تماماً كما صنعت في استفادة منهج أصول الفقه ـ كما ألمحت في أعلاه ـ وللسبب نفسه حيث لم يقدر لي أن أقف على منهج مدوّن للفقيه فيما اطلعت عليه من مصادر ومراجع.
ولنأخذ لهذا الدراسات التالية:
1 ـ موضوع (الكر) من كتاب (دروس في فقه الإمامية)، عبد الهادي الفضلي.
2 ـ موضوع (أرض الصلح) من كتاب (الأراضي)، بقلم: محمد إسحاق فياض.
3 ـ مسائل مختلفة يستعرض فيها تطبيق القواعد التالية:
أ ـ القاعدة اللغوية.
ب ـ القاعدة الأصولية.
جـ ـ القاعدة الفقهية.
د ـ القاعدة الرجالية.
ه ـ القرائن التاريخية.
و ـ القرائن التفسيرية.
الكر
سنتناول الموضوع من خلال النقاط التالية:
ـ تعريف الكر.
ـ تقدير الكر.
ـ تقدير الكر عند فقهائنا وأدلتهم.
أ ـ التقدير بالوزن: الأقوال، أدلة الأقوال.
ب ـ التقدير بالحجم: الأقوال، أدلة الأقوال.
ـ الموازنة بين الأقوال وأدلتها.
ـ النتيجة.
ـ نتائج أخرى.
ومبحث الكر ـ كما هو معلوم ـ من مباحث كتاب الطهارة في الفقه الإسلامي.
تعريف الكر:
الكر: من وحدات الكيل المألوفة والمعروفة في العراق عصر صدور النصوص التي تضمنته لتحديد كمية الماء الكثير من حيث الوزن والحجم.
فقد جاء في (لسان العرب): «والكر مكيال لأهل العراق».
وورد في معرض التقدير على لسان الفقيه البصري ابن سيرين حيث قال: «إذا كان الماء قدر كر لم يحمل القذر». وفي رواية: «إذا بلغ الماء كراً لم يحمل نجساً».
وفسره ابن الأثير في (النهاية 4/162) بعد ذكره حديث ابن سيرين بقوله: «الكر بالبصرة ستة أوقار».
وهو دليل استخدامه عند أهل البصرة.
إلا أنه لم يكن مألوفاً ولا معروفاً عند الكثيرين من أهل الحجاز مصدر النصوص الشرعية.
ويدل على هذا إقرانه ـ في الغالب ـ عندما يذكرونه بتحديده بوحدات الكيل الأخرى أو بوحدات الوزن أو وحدات المساحة.
وفي أمثال سؤال إسماعيل بن جابر ما يشير إلى هذا، قال: «سألت أبا عبدالله (ع) عن الماء الذي لا ينجسه شيء؟
قال: كر
قلت: وما الكر؟
قال: ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار».
تقدير الكر:
1 ـ قُدّر بستة أوقار، كما قرأنا في نص (النهاية) المذكور في أعلاه.
والوقر ـ بكسر الواو ـ الحمل، «وأكثر ما يستعمل في حمل البغل والحمار»([344]).
ولعله على أساس منه قال في (لسان العرب): «والكر ستة أوقار الحمار».
2 ـ وقدر بوحدة كيل أخرى، هي (القفيز)، قال في (لسان العرب): «وهو (يعني الكر) عند أهل العراق: ستون قفيزاً، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف، وهو ثلاث كيلجات».
3 ـ وقدر بـ (الوسق) ـ وهو وحدة كيلية أيضاً ـ قال الأزهري: «الكر ستون قفيزاً، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف.
فهو ـ على هذا الحساب ـ اثنا عشر وسقاً، وكل وسق ستون صاعاً».
4 ـ وقدر بـ (الإردب) قال في (المعجم الوسيط): «الكر: مكيال لأهل العراق، أو ستون قفيزاً، أو أربعون إردباً».
5 ـ وقدر بـ (الرطل)، وهو من وحدات الوزن.
6 ـ وقدر من وحدات المساحة بـ (الشبر) و (الذراع).
وهذا ما سنراه فيما يليه.
تقديره عند فقهائنا:
سلك فقهائنا في تحديد كميته ـ تبعاً للنصوص الشرعية ـ تقديرين، هما:
أ ـ التقدير بالوزن.
ب ـ التقدير بالحجم.
ـ التقدير بالوزن:
ووحدة التقدير التي قالوا بها هنا هي (الرطل)، وذهبوا فيه مذهبين، هما:
1 ـ مذهب الصدوقين ـ على ما حكي عنهما ـ والسيد المرتضى، وهو (1200) ألف ومائتا رطل مدني.
قال السيد في (جمل العلم والعمل ص49): «وحد الكر: ما قدره ألف ومائتا رطل بالمدني».
وحكى هذا عن (ناصرياته) أيضاً.
2 ـ مذهب المشهور، وهو: (1200) ألف ومائتا رطل عراقي.
الدليل:
1 ـ لم أعثر فيما بين يدي من مراجع على دليل المذهب الأول، إلا ما ألمح إليه أستاذنا السيد الحكيم مما يصلح لأن يكون دليلاً عليه، وخلاصته:
إنه يمكن الاستدلال له بمرسلة ابن أبي عمير عن الإمام الصادق (ع): قال: «الكر من الماء الذي لا ينجسه شيء ألف ومائتا رطل».
بتقريب أن المراد بالرطل في هذه المرسلة الرطل المدني بقرينة رواية علي بن جعفر عن أخيه الإمام الكاظم (ع) قال: «سألته عن جرة ماء فيها ألف رطل وقع فيه أوقية بول، هل يصلح شربه؟ أو الوضوء منه؟ قال: لا يصلح، وذلك بحمل الرطل في نص ابن جعفر على الرطل المدني لأن السائل والمسؤول مدنيان».
والسبب في ذلك أنه لو حمل الرطل في هذا النص على العراقي وكذلك في نص ابن أبي عمير لتنافيا، لأن مفهوم نص ابن أبي عمير ظاهر في عدم تنجس ما هو أكثر من ألف ومائتي رطل، ومنطوق نص ابن جعفر ظاهر في تنجسه.
وعليه: يحمل الرطل في نص ابن أبي عمير على المدني لدفع التنافي، وبذلك يتمّ الاستدلال على تقدير الكر ـ وزناُ ـ بألف ومائتي رطل مدني.
2 ـ واستدل للمشهور بـ:
ـ مرسلة ابن أبي عمير المتقدم ذكرها.
ـ صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام الصادق (ع): «قال: قلت له: الغدير فيه ماء مجتمع تبول فيه الدواب وتلغ الكلاب ويغتسل فيه الجنب؟
قال: إذا كان قدر كر لم ينجسه شيء، والكر ستمائة رطل».
ووجه الاستدلال:
1 ـ من حيث السند:
الروايتان معتبرتان في رأي المشهور لارتفاع اعتبار نص ابن مسلم إلى مستوى الصحيح، ولأن المرسِل في نص ابن أبي عمير هو ابن أبي عمير الذي ترقى مراسيله في رأي المشهور إلى مستوى الاعتبار وصحة الاحتجاج بها.
2 ـ من حيث الدلالة:
أ ـ كل من النصين نصّ في تحديد الكمية من حيث عدد الوحدات الوزنية.
ب ـ إلا أنهما مجملان من حيث المراد من الرطل.
والإجمال فيهما آتٍ من أن لفظ (رطل) فيهما مشترك لفظي، له ثلاثة معانٍ كان يستعمل فيها في عهد النصوص ويطلق عليها، وهي الرطل العراقي والرطل المكي والرطل المدني.
وعليه: يكون كل معنى من هذه المعاني الثلاثة يحتمل أنه مراد المتكلم ومقصوده.
وبتعبير آخر: إن كلاً من كلمتي (رطل) في النصين تدل على معنى واحد من المعاني الثلاثة، ولكن على نحو البدل، أي أنها تدل على العراقي أو المكي أو المدني([345]).
وعلى أساس منه: لا بد من التماس القرينة المعينة الي تعين المعنى المراد للمتكلم من هذه المعاني.
وهناك أكثر من وجه لبيان القرينة المعينة، منها:
1 ـ ما ذكره السيد محسن الحكيم في (المستمسك 1/ 125) حيث أوضح أن كلاً من النصين يكون قرينة على تعيين المراد من الآخر.
ويتمّ هذا: بحمل الرطل في المرسلة على العراقي بقرينة الصحيحة، وبحمله في الصحيحة على المدني بقرينة المرسلة.
وذلك لأنه «لو حملت المرسلة على غير الرطل العراقي كانت الصحيحة منافية لها على أي معنى حمل الرطل فيها، فيتعين حمل الرطل فيها على العراقي.
وكذا القول في الصحيحة فإنها لو حملت على غير المكي لنافتها المرسلة على أي معنى حمل الرطل فيها، فيتعين حمل الرطل فيها على المكي».
2 ـ ما ذكره أستاذنا السيد الخوئي، فقد جاء في (التنقيح 1/191): «أن كل واحدة منهما (يعني الروايتين) معينة لما أريد منه في الأخرى حيث أن لكل منهما دلالتين: إيجابية وسلبية، وهي مجملة بالإضافة إلى إحدى الدلالتين، وصريحة بالإضافة إلى الأخرى.
وصراحة كل منهما ترفع الإجمال عن الأخرى، وتكون مبينة لها لا محالة.
فصحيحة محمد بن مسلم لها دلالة:
أ ـ على عقد إيجابي وهو أن الكر ستمائة رطل.
ب ـ وعلى عقد سلبي وهو عدم كون الكر زائداً على ذلك المقدار.
وهي بالإضافة إلى عقدها السلبي ناصة لصراحتها في عدم زيادة الكر عن ستمائة رطل ولو بأكثر محتملاته الذي هو الرطل المكي فهو لا يزيد على ألف ومائتين رطل بالأرطال العراقية.
إلا أنها بالنسبة إلى عقدها الإيجابي مجملة إذ لم يظهر المراد بالرطل بعد.
هذا حال الصحيحة.
وأما المرسلة فلها أيضاً عقدان:
أ ـ إيجابي، وهو أن الكر ألف ومائتا رطل.
ب ـ وسلبي، وهو عدم كون الكر أقل من ذلك المقدار.
وهي صريحة في عقدها السلبي لدلالتها على أن الكر ليس بأقل من ألف ومائتي رطل قطعاً ولو بأقل محتملاته الذي هو الرطل العراقي.
ومجملة بالإضافة إلى عقدها الإيجابي لإجمال المراد من الرطل ولم يظهر أنه بمعنى العراقي أو المدني أو المكي.
وحيث أن الصحيحة صريحة في عقدها السلبي لدلالتها على عدم زيادة الكر على ألف ومائتي رطل بالعراقي، فتكون مبينة لإجمال المرسلة في عقدها الإيجابي، وتدل على أن الرطل في المرسلة ليس بمعنى المدني أو المكي، وإلا لزاد الكر عن ستمائة رطل حتى بناء على إرادة المكي منه، لوضوح أن ألفاً ومائتي رطل مدنياً كان أم مكياً يزيد عن ستمائة رطل ولو كان مكياً.
فهذا يدلنا على أن المراد من ألف ومائتي رطل في المرسلة هو الأرطال العراقية لئلا يزيد الكر عن ستمائة رطل كما هو صريح الصحيحة، بل قد استعمل الرطل بهذا المعنى في بعض الأخبار([346]) من دون تقييده بشيء، ولما سئل (الإمام) عما قصده بيّن (ع) أن مراده منه هو الرطل العراقي.
بل ربما يظهر منها أن الشائع في استعمالات العرب هو الرطل العراقي حتى في غير العراق من غير أن يتوقف ذلك على نصب قرينة عليه.
كما أن المرسلة لما كانت صريحة في عدم كون الكر أقل من ألف ومائتي رطل على جميع محتملاته كانت مبينة لإجمال الصحيحة في عقدها الإيجابي، وبياناً على أن المراد بالرطل فيها خصوص الأرطال المكية، إذ لو حملناه على المدني أو العراقي لنقص الكر عن ألف ومائتي رطل بالأرطال العراقية، وهذا من الوضوح بمكان.
وبالجملة: إن النص من كل منهما يفسر الإجمال من الأخرى.
وهذا جمع عرفي مقدم على الطرح بالضرورة».
ـ التقدير بالحجم:
وقرر التقدير التكعيبي ـ هنا ـ على أساس أن شكل الحجم للكر مكعب أو أسطواني أو متوازي المستطيلات، ولعله ليسر وسهولة تقدير الأشكال الأخرى على ضوء تقديرها.
وأخذ الشبر والذراع وحدتي قياس لاعتبارهما آنذاك ولتيسرهما لدى كل مكلف وفي كل وقت ولسهولة تقديرهما حتى بالنظر.
الأقوال
وأهم الأقوال في المسألة، هي:
1 ـ تحديد الحجم بـ 42 شبراً مكعباً.
وهو قول المشهور، والرأي الأشهر من بين الآراء في المسألة.
وقال به القدامى أمثال: الشيخ الطوسي في (النهاية) و(الاقتصاد)، والمحقق الحلي في (الشرائع)، والعلامة الحلي في (التبصرة) و(الإرشاد)، والشهيد الثاني في (الروضة).
ومن المتأخرين: السيد صاحب الرياض في (الرياض)، والشيخ صاحب الجواهر في (الجواهر).
ومن متأخري المتأخرين والمعاصرين: السيد اليزدي في (العروة) والسيد الحائري القمي والسيد الشاهرودي والسيد الخونساري والسيد الخميني والسيد الكلبايكاني والسيد المرعشي في (حواشي العروة)، والشيخ المبارك القطيفي في (الهداية).
2 ـ تحديده بـ 36 شبراً مكعباً.
وبه قال أمثال: السيد صاحب المدارك من المتأخرين، ومن متأخريهم والمعاصرين: الشيخ البروجردي في (نهج الهدى) والشيخ الخاقاني في (أنوار الوسائل) والسيد الميلاني والسيد الرفيعي والسيد شريعتمداري في (حواشي العروة) والشيخ زين الدين في (كلمة التقوى).
3 ـ تحديده بـ 27 شبراً مكعباً.
وإليه ذهب المتأخرين أمثال: الشهيد الأول ـ كما عن الروضة ـ والمحقق الكركي ـ كما حكاه عنه في التنقيح 1/197 ـ والشيخ الأردبيلي في (مجمع الفائدة والبرهان).
ومن متأخريهم والمعاصرين أمثال: الشيخ آل شبير ـ كما حكاه حفيده في أنوار الوسائل ـ والشيخ الستري البحراني في (معتمد السائل)، والشيخ آل صاحب الجواهر والسيد الحكيم والسيد الطباطبائي القمي والسيد الخوئي في (حواشي العروة)، وسيدي الوالد الشيخ الفضلي كما أفاد ذلك شفهياً.
وعرف هذا القول ـ في كتب الفقه ـ بقول القميين، لإفتاء أكثر الفقهاء القمّيين به.
الدليل:
1 ـ وعمدة ما استدلّ به للقول الأول: هو ما روي عن أبي بصير، قال: «سألت أبا عبدالله (ع) عن الكر من الماء: كم يكون قدره؟
قال: إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصفاً في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه في الأرض فذلك الكر من الماء».
أ ـ بتوثيق سند الرواية:
وذلك لأن فيه ما يدعو إلى التوثيق بسبب الاشتباه في بعض رجال السند، والاختلاف في وثاقة بعضهم.
والسند ـ كما في (الاستبصار 1/10) ـ وهو: «وأخبرني الشيخ ـ رحمه الله ـ عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن محمد عن محمد بن يعقوب بن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان عن أبي بصير».
فقالوا:
ـ إن أحمد بن محمد هو أحمد بن محمد بن عيسى بقرينة رواية محمد بن يحيى العطار عنه وروايته عن عثمان بن عيسى.
ـ إن عثمان بن عيسى ـ وإن كان واقفياً ـ ثقة.
ـ إن ابن مسكان هو عبدالله.
ـ إن أبا بصير هو ليث المرادي بقرينة رواية عبدالله بن مسكان عنه وبهذا تكون الرواية موثقة.
ب ـ بتوجيه دلالتها على المطلوب:
لأن في الدلالة ما يستدعي التوجيه وهو اقتصارها على ذكر بُعدين فقط من أبعاد الحجم الثلاثة.
فقالوا:
إن اقتصار الرواية على ذكر بُعدين فقط هو المألوف والمعروف، وفي هديهما يستنتج البعد الثالث، ومساوياً لهما لأن ذلك هو المتعارف.
وعلى هذا:
تكون الرواية من حيث السند موثقة ـ كما تقدم.
ولا أقل من أنها منجبرة بعمل الأصحاب.
ومن حيث الدلالة تفيد أن حجم الكر هو حاصل ضرب 3× 3× 3== 42
شبراً مكعباً كما نص عليه غير واحد.
وعلى وجه الدقة 42,875 شبراً مكعباً.
2 ـ واستدل للقول الثاني بصحيحة إسماعيل بن جابر، قال: «قلت لأبي عبدالله (ع): الماء الذي لا ينجسه شيء؟
قال: ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته».
بالتقريب التالي:
أ ـ الذراع تساوي شبرين، فذراعان تساويان أربعة أشبار، وذراع وشبر تساويان ثلاثة أشبار.
ب ـ المراد من (السعة) في الصحيحة: مساحة القاعدة.
جـ ـ والمراد بذراع وشبر في الصحيحة طول ضلع القاعدة.
د ـ إن الشكل الهندسي المقصود هنا هو متوازي المستطيلات.
هـ ـ ومن المعلوم هندسياً أن حجم متوازي المستطيلات يساوي: مساحة القاعدة × الارتفاع (العمق).
و ـ عليه:
فمساحة القاعدة تستخرج بضرب: 3×3= 9 شبر مربع.
ثم لاستخراج الحجم يضرب 9×4= 36 شبراً مكعباً.
3 ـ واستدل للقول الثالث بـ:
ـ صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة، ولكن بالتقريب التالي:
أ ـ الذراع يقدر بشبرين ـ كما تقدم.
ب ـ المقصود بـ (السعة) في الصحيحة: مساحة القاعدة ـ مثلما تقدم.
جـ ـ الذراع والشبر في الصحيحة واللذان يساويان ثلاثة أشبار، هما طول قطر القاعدة.
د ـ والشكل الهندسي المقصود هنا هو الأسطواني، بقرينة رواية السبعة والعشرين الآتية، وموافقة كمية الحجم الأسطواني لمدلول رواية الوزن ـ كما ستأتي الإشارة إليه.
هـ ـ حجم الشكل الأسطواني ـ هندسياً ـ يساوي: مساحة القاعدة × الارتفاع (العمق).
و ـ مساحة القاعدة للشكل الأسطواني هي مساحة الدائرة، وتستخرج بضرب نصف القطر × نصف المحيط.
والمحيط يساوي ثلاثة أضعاف القطر.
ولأن القطر ـ هنا ـ يساوي: ثلاثة أشبار.
فنصفه يساوي: 1,5 شبراً ونصف الشبر.
والمحيط ـ هنا ـ يساوي: 3×3= 9 شبر.
ونصف المحيط يساوي: 4,5 أربعة أشبار ونصف الشبر.
ولاستخراج مساحة القاعدة ـ هنا ـ نضرب نصف القطر في نصف المحيط، أي: 1,5×4,5=6,75 شبر.
ثم نضرب مساحة القاعدة المذكورة في الإرتفاع (العمق) لاستخراج حجم الكر، أي: 6,75×4=27 شبراً مكعباً.
ـ وصحيحة إسماعيل بن جابر الأخرى، قال: «سألت أبا عبدالله (ع) عن الماء الذي لا ينجسه شيء؟
قال: كر.
قلت: وما الكر؟
قال: ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار».
بتقريب:
أ ـ إن الشكل الهندسي المقصود ـ هنا ـ هو المكعب، بقرينة تساوي البعدين المذكورين في الصحيحة والبعد الثالث المفهوم منهما ـ كما سيأتي فيما يليه.
ب ـ إن الصحيحة «وإن لم تشمل على ذكر شيء من الطول والعرض والعمق إلا أن السائل كغيره يعلم أن الماء من الأجسام، وكل جسم مكعب يشتمل على أبعاد ثلاثة لا محالة.
فإذا قيل: ثلاثة في ثلاثة، مع عدم ذكر البعد الثالث علم أنه أيضاً ثلاثة.
كما يظهر هذا بمراجعة أمثال هذه الاستعمالات عند العرف فإنهم يكتفون بذكر مقدار بعدين من أبعاد الجسم إذا كانت أبعاده الثلاثة متساوية»([347]).
وعليه:
يكون حاصل ضرب 3×3×3 هو مقدار الكر، وهو 27 شبراً مكعباً.
الموازنة:
والموازنة ـ هنا ـ تقوم بين صحيحة ابن جابر الأولى ورواية أبي نصير.
ثم بين الاستظهارين لصحيحة ابن جابر الأولى.
فنقول:
1 ـ إن رواية أبي بصير لا تنهض إلى مستوى معارضة الصحيحة، وذلك لضعف سندها الناشىء من تردد (أبي بصير) بين الموثق والضعيف.
وما ذكر لتطبيق الاسم على أبي بصير الموثق، وهو أن أكثر روايات ابن مسكان هي عن أبي بصير الموثق أقصى ما يفيدنا الظن بذلك، ومن بُعد الظن بالصدور ظنّاً لا يرقى في مستواه إلى مستوى الظن المطمئن بالصدور كما هو في الصحيحة.
يضاف إليه:
مطابقة كمية الماء التي تبلغ سبعة وعشرين شبراً مكعباً للوزن بشهادة أكثر من فقيه قام بالتجربة.
ففي (المستمسك 1/131): «ووَزَن ماء النجف في هذه الأزمنة جماعةٌ فكان وزنه يساوي ثمانية وعشرين شبراً تقريباً، وبعض الأفاضل منهم ذكر أنه يساوي سبعة وعشرين شبراً».
وفي (التنقيح 1/202): «إنّا وزنَّا الكر ثلاث مرات ووجدناه موافقاً لسبعة وعشرين».
وفي (نهج الهدى 1/30): «وكفاية بلوغ المجموع سبعة وعشرين كما هو مذهب القميين قريب جداً لكونه أقرب إلى ما اعتبروه من الوزن الخاص الذي هو ألف ومائتا رطل بالعراقي.
وقد قدرناه في النجف الأشرف مع جمع من الأفاضل فكان يساوي ثمانية وعشرين شبراً ونصفاً تقريباً».
واختلاف الشبر ونصف الشبر بين التجارب المذكورة، ربما كان من الاختلاف في طول الشبر، أو من الاختلاف في كثافة الماء، وهو أمرٌ طبيعي.
وإطلاق الشبر في لسان الدليل ليحمل على المتعارف، وكذلك إطلاق الماء ليشمل جميع مصاديق الماء على اختلاف كثافاتها، إنما هو لغفران مثل هذه الفروق اليسيرة.
2 ـ إن استظهار إرادة متوازي المستطلات من صحيحه ابن جابر، والذي يساوي حجمه ستة وثلاثين شبراً مكعباً، يقابله استظهار إرادة الشكل الإسطواني منها، الذي يساوي حجمه سبعة وعشرين شبراً مكعباً.
ولأنّا نعتقد أن الإمام يعلم بدلالة الرقم المذكور في الرواية على الشكلين المذكورين، يفرض علينا أن نتّخذ من هذا قرينة على صحة التقدير بسبعة وعشرين شبراً مكعباً، لأن هذا لو لم يكن مقصوداً ومراد للإمام لنبّه عليه، وقيّد الرواية بما يدل على إرادة الستة والثلاثين كحدّ أدنى لحجم الكر، ولم يطلق.
ولأنه أطلق بما يشمل التقديرين يكون هذا قرينة على أن الحد الأدنى للكر هو سبعة وعشرون شبراً مكعباً.
النتيجة:
هي أن الكر من حيث الحجم هو ما بلغ سبعة وعشرين شبراً مكعباً.
نتائج أخرى:
ومما يستخلص من الروايات أيضاً النتائج التالية:
1 ـ إن الأشكال الهندسية التي أشارت إليها الروايات هي:
ـ المكعب، كما في رواية أبي بصير، وصحيحة ابن جابر الثانية.
ـ الإسطواني، كما في صحيحة ابن جابر الأولى على رأي القائلين بالسبعة والعشرين.
ـ متوازي المستطيلات، كما في صحيحة ابن جابر الأولى على رأي القائلين بالستة والثلاثين.
2 ـ إن الاختلاف في الحجم بين الشكلين الإسطواني ومتوازي المستطيلات في صحيحة ابن جابر الأولى أمر طبيعي يأتي من اختلاف الشكل.
3 ـ إن الأشكال التي ذكرت في الروايات هي الأشكال الغالبة على أوعية الماء آنذاك طبيعية وصناعية.
أما الآن فالأشكال الهندسية الغالبة على أوعية الماء المستخدمة حالياً ـ طبيعية وصناعية ـ هي:
ـ المكعب.
ـ الإسطواني.
ـ متوازي المستطيلات.
ـ الكروي.
ـ نصف الكروي.
والرسم التالي يبين لنا أشكالها وكيفية استخراج حجم الكر في كل منها:
ـ 1 ـ
الإسطواني/ الإسطوانة الدائرية Circular Cylinder
الشكل ←
الحجم= مساحة القاعدة × الارتفاع
ـ 2 ـ
المكعب Cube
الشكل ←
الحجم= الطول × العرض × الارتفاع.
ـ 3 ـ
متوازي المستطيلات Cuboid
الشكل←
الشكل ←
الحجم= الطول × العرض × الارتفاع
ـ 4 ـ
نصف الكرة hemisphere

الشكل ←
الحجم نصف حجم الكرة.
= ( ط ( ))= ط ( ).
الحجم= ط ( )
حيث: (ط= ، ( )= نصف القطر).
ط ( )= 27
( )= = 12,892← ( )= 2,345 شبر.
ـ 5 ـ
الكرة Sphere

الشكل ←
الحجم= ط ( )
الحجم= ط ( )= 27
( )= = ← ( )= 1,861 شبر
ولأن الكر في عصر صدور النصوص كان مما تعمّ به البلوى وكثرة حاجة الناس إليه يأتي التقدير بالحجم هو التكلف الملائم لطبيعة يسر الشريعة الإسلامية.
ذلك أن الوزن لا يتيسر إلا في حالات وظروف خاصة، بينما القياس بـ (الشبر) متيسر لكل أحد، وبخاصة أن النصوص لم تنص على الحجم وأناطت التكليف بالتقدير بالذراع والشبر.
ويتجلّى هذا واضحاً في مثل الغدران والحفر التي تتجمع فيها المياه، وكانت ـ آنذاك ـ مما يبتلى به الناس بكثرة حيث كان قطع الطرق في الأسفار يأخذ الأيام والشهور من وقت الإنسان، وليس أمامه في الكثير من مدة السفر إلا مياه الغدران والحفر والمصانع.
ومن هنا يكون الوزن أمارة على التقدير بالحجم.
والتفاوت اليسير مغتفر ـ كما أسلفت لما ذكرته من سبب.
5 ـ ولأن في التقدير بالأشبار يسراً لا يوجد في التقدير بالمقاييس المعروفة الآن أمثال (اللتر) و(المتر) و(الغرام)، يأتي الاقتصار على الأشبار أمراً مرغوباً فيه.
6 ـ وإذا أردنا المقارنة أو تحويل الشبر إلى المقاييس المتعارفة حالياً، فإن الشبر المتعارف الذي هو مقياس التقدير الشرعي يترواح بين 22 سنتيمتراً إلى 24 سنتيمتراً.
والرطل العراقي يتراوح بين 305 غراماً و330 غراماً، مراعى فيه تفاوت المثقال الشرعي الذي هو واسطة تحويل الرطل إلى الغرام، واختلاف كثافة المياه.
ومن المعلوم: أن الكيلو غرام الواحد من الماء النقي يسع لتراً واحداً.
وعلى هذا يقاس في عمليات التحويل.
أرض الصلح
فصل من فصول كتاب (الأراضي: مجموعة دراسات وبحوث فقهية) بقلم: محمد إسحاق فياض، (النجف الأشرف 1981م) ص324 ـ 328:
تناول الباحث فيه موضوع (أرض الصلح) من خلال النقطتين التاليتين:
1 ـ تعريف أرض الصلح.
2 ـ الروايات في الموضوع ومؤدياتها الدلالية.
قال:
البحث فيها يقع في مرحلتين:
الأولى: فيما هو مقتضى عقد الصلح.
الثانية: فيما هو مقتضى مجموعة من النصوص التشريعية.
أما المرحلة الأولى: فأرض الصلح هي الأرض التي فتحت من قبل المسلمين من دون أن يسلم أهلها، ولا قاوموا الدعوة الإسلامية بشكل مسلح، بل ظلّوا على دينهم في ذمة الإسلام بعقد الصلح فتصبح الأرض أرض الصلح.
وعليه فإن اللازم هو تطبيق بنود عقد الصلح عليها، فإن نص فيها على أن الأرض لأهلها اعتبرت ملكاً لهم، غاية الأمر إن كانت الأرض داخلة في نطاق ملكيتهم قبل هذا العقد، كما إذا كانوا قائمين بإحيائها قبل تاريخ تشريع ملكية الأنفال للإمام (ع) أو انتقلت إليهم ممن يكون مالكاً لها ففي مثل ذلك لا يؤثر عقد الصلح إلا في إبقائها في ملكهم باعتبار أن لوليّ الأمر استملاك الأرض منهم على حساب الدولة أو الأمة.
وأما إذا لم تكن الأرض ملكاً لهم، كما إذا كان قيامهم بإحيائها بعد تاريخ التشريع المزبور، فعندئذٍ يؤثر عقد الصلح في منحهم ملكية الأرض ولا مانع من ذلك إذا رأى ولي الأمر مصلحة فيه.
وأما إذا نصّ في بنود عقد الصلح على استملاك الدولة للأرض أو الأمة فحينئذٍ تصبح الأرض خاضعة لمبدأ ملكية الإمام (ع) أو المسلمين، ولكن ظلّت في أيديهم مع وضع الخراج والطسق عليها، هذا إذا كانت الأرض ملكاً لهم، ولكن بعقد الصلح انتقلت إلى الدولة أو الأمة. وأما إذا كانت ملكاً للدولة فعقد الصلح إنما يؤثر في مشروعية إبقائها في أيديهم، ويؤخذ منهم الجزية والخراج على حسب ما هو مقتضى عقد الصلح.
وأما الأراضي الموات حين عقد الصلح، أو الغابات التي لا ربّ لها، فإنها ملك الإمام (ع) وله أن يتصرف فيها بما له من المصلحة. نعم إذا أدرجها في عقد الصلح لزم أن يطبق عليها ما هو مقتضى هذا العقد، ولا يجوز الخروج عن مقرراته ومقتضياته.
فالنتيجة أن مقتضيات عقد الصلح تختلف باختلاف الموارد والمصالح على أساس أن أمره بيد وليّ الأمر فله أن يعقد الصلح معهم على حسب ما يراه من المصلحة للدولة أو الأمة وهي بطبيعة الحال تختلف باختلاف المقامات.
وأما المرحلة الثانية: فقد وردت في المسألة مجموعة من الروايات.
منها: صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبدالله (ع) قال: (الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم وكل أرض خربة، وبطون الأودية) الحديث([348]).
ومنها: مرسلة حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح (ع) في حديث إلى أن قال: (والأنفال كل أرض خربة باد أهلها، وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ولكن صالحوا صلحاً وأعطوا بأيديهم على غير قتال) الحديث([349]).
ومنها: معتبرة محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (ع) أنه سمعه يقول: (إن الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم، أو قوم صولحوا وأعطوا بأيديهم، وما كان من أرض خربة، وبطون أودية) الحديث([350]).
ثم إن المستفاد من معتبرة محمد بن مسلم، وكذا من مرسلة حماد بن عيسى أن عقد الصلح فيهما كان مقتضياً لإعطاء الأرض وتسليمها، وقد عرفت أن ما تمّ عليه عقد الصلح بشأن الأرض قد يكون مقتضاه تسليم الأرض لوليّ الأمر وإعطائها له على أساس أنها بمقتضى هذا العقد تصبح ملكاً للدولة. ولكن مع ذلك لولي الأمر إبقاء الأرض في أيديهم وتحت تصرفهم مقابل أخذ الخراج والطسق منهم.
وعلى الجملة فالكفار قد يسلمون الأرض إلى وليّ الأمة تسليماً ابتدائياً وبدون شرط مسبق، وقد يسلمون الأرض من جهة شرط مسبق كعقد الصلح.
وأما صحيحة حفص بن البختري فقد جعلت عنوان الصلح في مقابل عنوان الإعطاء، ولكن من الطبيعي أن جعل الأرض التي تمّ بشأنها الصلح من الأنفال قرينة واضحة على أن مقتضاه ملكية الأرض للإمام (ع) والمراد من الإعطاء فيها هو إعطاء الأرض وتسليمها للإمام (ع) تسليماً ابتدائياً وبدون أي شرط مسبق بقرينة جعله في مقابل الصلح.
ولكن هذه المجموعة من الروايات ليست في مقام بيان تمام أنواع الصلح وأقسامه، وإنما هي في مقام بيان ما هو من الأنفال، ومن الطبيعي أن أرض الصلح التي تكون من الأنفال هي الأرض التي اقتضى الصلح ملكيتها للإمام (ع).
وأما أراضي أهل الذمة التي هي في أيديهم فالظاهر أن علاقتهم بها تكون على مستوى الملك. ومن الطبيعي أن إبقاء تلك الأراضي في أيديهم من قبل وليّ الأمر إنما هو بموجب ما تمّ بينهم وبين وليّ المسلمين بشأنها في عقد الصلح، وتدل على الملك مجموعة من الروايات:
منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن شراء أرض أهل الذمة فقال: (لا بأس بها فتكون إذا كان ذلك بمنزلتهم تؤدي عنها كما يؤدون) الحديث([351]).
ومنها: مضمرة زرارة قال: (لا بأس بأن يشتري أرض أهل الذمة إذا عملوها وأحيوها فهي لهم)([352]).
وتؤكد ذلك رواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبدالله (ع) قال: (لا تشتر من أرض السواد شيئاً إلا من كانت له ذمّة) الحديث([353]).
فإن الظاهر من هذه المجموعة هو شراء رقبة الأرض، وحملها على شراء الحق المتعلق بها كما كان الأمر كذلك في شراء الأرض المفتوحة عنوة وإن كان بمكان من الإمكان إلا أنه خلاف الظاهر فيكون بحاجة إلى قرينة.
فالنتيجة أن أرض الصلح تختلف باختلاف ما تمّ عليه عقد الصلح بشأنها، وليس لها ضابط كلّي في جميع الموارد.
نموذج تطبيق القواعد النحوية
وأوضح مثال يطرح هنا هو (آية الوضوء) وما روي فيها من قراءات قرآنية، وما جاء فيها من إعراب نحوي لبيان دلالتها، ومن ثم محاولة استفادة الحكم الشرعي في ضوء ما ينتهي إليه البحث النحوي من خلال تطبيق القواعد النحوية على الآية الكريمة موضوع البحث:
1 ـ الآية الكريمة:
«يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ» [المائدة: 6].
وسينصب البحث في الآية الكريمة على إعراب كلمة (أرجل)، ويقوم على أساس مما ورد فيها من قراءة قرآنية لأجل توثيق شكل الكلمة الإعرابي.
2 ـ القراءة:
قال أبو عمرو الداني في كتابه (التيسير)([354]): «نافع وابن عامر والكسائي وحفص (وأرجلكم) بنصب اللام، والباقون بجرّها».
ويعني بهذا: أن ثلاثة من القرّاء السبعة وهم: نافع وابن عامر والكسائي قرؤوا بالنصب وثلاثة منهم، وهم: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة قرؤوا بالجرّ.
وقرأ عاصم بالنصب في رواية حفص عنه، وبالجرّ في رواية شبعة.
فالقراءاتان متواترتان، ومتعادلتان من حيث العدد.
ومن هنا ذهب بعضهم إلى التخيير بين المسح والغسل، وذهب بعض آخر إلى الجمع بين الغسل والمسح، كما نقل السياغي في (الروض النضير)([355]) عن النووي في (شرح مسلم) أنه قال: «قال محمد بن جرير والجبائي ـ رأس المعتزلة ـ يخير بين المسح والغسل، وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بين المسح والغسل».
وواضح أن مستند التخيير هو الأخذ بظاهر القراءتين، والجمع للجمع بينهما احتياطاً.
3 ـ الإعراب:
أما توجيه إعراب القراءتين فاختلف فيه على النحو التالي:
قراءة النصب:
أ ـ بالعطف على المنصوب وهو (وجوهكم وأيديكم) على اعتبار أن العامل فيه هو (اغسلوا) فيكون المعنى (اغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم).
ب ـ بالعطف على محل الجار والمجرور وهو (برؤوسكم) لأنه في محل نصب بالفعل (امسحوا) فيكون المعنى (امسحوا رؤوسكم وأرجلكم).
الموازنة:
والموازنة بين الإعرابيين تقتضي ترجيح العطف على الأقرب إلى المعطوف في سياق الكلام وهو (رؤوسكم)، لأن العطف على الأبعد يتطلب وجود قرينة سياقية تصرف المعطوف عن العطف على الأقرب إلى العطف على الأبعد، وهي غير موجودة في الآية الكريمة.
قراءة الجر:
أ ـ بالعطف على المجرور، وهو (برؤوسكم) بمعنى (وامسحوا برؤوسكم وبأرجلكم).
ب ـ بالحمل على الجوار، وفحواه: أن الأرجل لأنها مجاورة للمجرور وهو (برؤوسكم) حملت عليه في الإعراب فقط.
الموازنة:
والموازنة بين الإعرابين تقتضي ترجيح العطف على لفظ (برؤوسكم)، لا الحمل على الجوار، لأن الشاهد الذي اتّخذ مقياساً للجوار، وهو قول بعض العرب: (هذا حجرُ ضبٍ خربٍ) بجر (خرب) حملاً على جواره للمجرور وهو (ضب)، لا يصلح لأن تقاس عليه الآية الكريمة، وذلك للأسباب التالية:
أ ـ أن الشاهد نعت والآية عطف، ولا قياس مع الفارق.
ب ـ إن الجر على الجوار لا يحسن في المعطوف ولا يصحّ، لأن حرف العطف حاجز بين الاسمين ومبطل للمجاورة، كما يقول ابن هشام في (شرح شذور الذهب) ص332 ـ 333.
وقال في (مغني اللبيب)([356]): «ولا يكون في النسق لأن العاطف يمنع من التجاور».
جـ ـ اعتبار الحمل على الجوار شذوذاً من قبل جمع من أعلام محققي النحاة لا يجوز حمل شيء من كتاب الله تعالى عليه، منهم:
ـ أبو الفتح ابن جنّي، في (الخصائص 1/191 ـ 192).
ـ أبو حيّان الأندلسي، في تفسير (البحر المحيط 2/145).
ـ أبو البركات ابن الأنباري، في (الإنصاف 2/615).
ـ أبو سعيد السيرافي، انظر: (خزانة الأدب 2/323).
ـ أبو جعفر النحاس في (إعراب القرآن 1/258) قال: «لا يجوز أن يعرب شيء على الجوار في كتاب الله عزّ وجلّ ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط، وإنما وقع في شيء شاذّ، وهو قولهم: (هذا جحر ضب خرب)، والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية: (هذان جحرا ضب خربان)، وإنما هذا بمنزلة الإقواء، ولا يحمل شيء من كتاب الله عزّ وجلّ على هذا».
ـ أبو إسحاق الزجاج، في (معاني القرآن وإعرابه 2/167)، قال: «وقال بعض أهل اللغة هو جرّ على الجوار، فأما الخفض على الجوار فلا يكون في كلمات الله».
ـ مكي بن أبي طالب القيسي في (مشكل إعراب القرآن 1/221).
ـ وغير هؤلاء.
4 ـ النتيجة:
وفي ضوء ما تقدم تكون النتيجة:
أ ـ إن قراءة الجر تعني عطف الأرجل على الرؤوس ومشاركتها لها في المسح.
ب ـ وعليه تكون قراءة الجر قرينة مفسرة لقراءة النصب بأن المتعيّن في إعرابها ومعناها هو عطف الأرجل على محل الرؤوس.
جـ ـ وعلى أساسه يتعين ظهور الآية في الدلالة على المسح.
د ـ ومن ثم تطبّق قاعدة الظهور، فتأتي النتيجة الأخيرة: وجوب المسح.
نموذج تطبيق القواعد البلاغية
سننتاول هنا (حديث الولاء) ونتعامل معه وفق الخطوات التالية:
ـ ذكر نص الحديث.
ـ تخريج الحديث.
ـ بيان معنى الحديث.
بيان أسلوب الحديث.
ـ استخلاص النتيجة.
1 ـ نص الحديث:
(الولاء لُحمَة كلحمة النسب).
وفي رواية أخرى:
(الولاء لحمة كلحمة الثوب).
وفي ثالثه:
(الولاء لحمة كلحمة النسب لا تباع ولا توهب).
2 ـ تخريج الحديث:
رواه الشيخ الطوسي في (الاستبصار)([357]) عن محمد بن أحمد بن يحيى عن ابراهيم بن هاشم عن النوفلي عن السكوني عن الإمام الصادق عن أبيه (ع) عن النبي (ص).
والرواية معتبرة، كما هو الظاهر من سندها المذكور.
3 ـ معنى الحديث:
قال النبي (ص) هذا الحديث لبيان أن الولاء سبب آخر من أسباب التوارث، فكما أن النسب من أسباب الميراث، كذلك الولاء، فهو مثله في تسبيب التوارث، ذلك أن للميراث أسباباً توجبه قسّمها الفقهاء إلى نسب وسبب، وقسّموا السبب إلى الزوجية والولاء، وقسّموا الولاء إلى ثلاثة أقسام، وهي ـ كما يلخصّها الشيخ مغنية في (فقه الإمام جعفر الصادق (ع))([358]):
الأول: وهو أن يرث السيدُ عبدَه بشرط أن يعتقه تبرعاً، لا في كفارة أو نذر، وأن لا يتبرأ من ضمان جريرته وأن لا يكون للعبد وارث.
الثاني: ضمان الجريرة، والمراد بها الجناية، ومعنى ضمانها أن يتفق اثنان على أن يضمن كل منهما جناية الآخر، أو يضمن أحدهما ما يجنيه الآخر دون العكس، ويصحّ ذلك بشرط أن لا يكون للمضمون وارث قريب، ولا مولى معتق، فإذا كان الضمان من جانب واحد، قال المضمون للضامن: عاقدتُك على أن تنصرني وتدفع عني وتعقل عني وترثني، فيقول الآخر: قبلتُ.
وإذا كان الضمان من الجانبين قال أحدهما: عاقدتك على أن تنصرني وانصرك وتعقل عني وأعقل عنك وترثني وأرثك، فيقول الآخر: قبلتُ.
ومتى تمّ ذلك كان على الضامن بدل الجناية وله الميراث مع فقد القريب، والمعتق، مقدماً على الإمام في الميراث.
الثالث: ولاء الإمام، إذا مات إنسانٌ وترك مالاً ولا وارث له من أرحامه ولا ضامن جريرة ولا مولى معتق، كان ميراثه للإمام، إلا إذا كان الميت زوجة، فإن الزوج يأخذ النصف بالفرض والنصف الآخر بالرد، وإذا كان زوجاً أخذت الزوجة الربع والباقي للإمام.
وقال ابن الأثير في (النهاية)([359]): «ومعنى الحديث: المخالطة في الولاء، وأنها تجري مجرى النسب في الميراث، كما تخالط اللحمة سَدَى الثوب حتى يصيرا كالشيء الواحد لما بينهما من المداخلة الشديدة».
وشرحه الشيخ الطوسي على روايته له والتي نصها: (الولاء لحمةٌ كلحمة النسب لا تباع ولا توهب) باحتمال دلالته على أحد المعنيين التاليين:
أحدهما: أن يكون المراد بذلك: المنع من جواز بيعه كما لا يجوز بيع النسب، وقد بيّن ذلك بقوله (لا تباع ولا توهب).
ويؤكد ذلك أيضاً ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد عن موسى بن القاسم بن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) ـ قال: سألته عن بيع الولاء يحلّ؟ قال: لا يحل.
والوجه الآخر: أن نخصه بأن نقول: إنه مثل النسب في أن يرثه الأولاد الذكور منهم دون الإناث، بدلالة الأخبار الأولى التي ذكرها قبل هذا الحديث من كتابه المذكور.
4 ـ الأسلوب البلاغي للحديث:
قال الشريف الرضي في (المجازات النبوية)([360]) بعد ذكره الحديث: «وهذه استعارة لأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ جعل التحام الوليّ بوليّه كالتحام النسيب بنسيبه في استحقاق الميراث، وفي كثير من الأحكام، وذلك مأخوذ من لحمة الثوب وسداه، لأنهما يصيران كالشيء الواحد بما بينهما من المداخلة الشديدة والمشابكة الوكيدة».
ويمكننا أن نقول أيضاً: إن كلمة (لحمة) إذا لحظت بمعنى (القرابة) ـ كما هو أحد معانيها وقد يكون مأخوذاً في الأصل من لحمة الثوب ـ يأتي أسلوب الحديث من نوع التشبيه البلاغي، وقد يسمي تشبيهاً مجملاً لحذف وجه الشبه منه وهو المداخلة.
أما إذا لحظت بمعنى لحمة الثوب، يأتي التشبيه ـ هنا ـ وليداً عن تشبيه قبله، وتقديره: (النسب لحمة كلحمة الثوب في المداخلة).
وفي كلتا الحالتين هو تشبيه مجمل.
هذا على رواية (الولاء لحمة كلحمة النسب).
وعلى رواية (الولاء لحمة كلحمة الثوب) يكون الأسلوب تشبيهاً أيضاً ومجملاً لحذف وجه الشبه منه كسابقه.
وعلى رواية (الولاء لحمة كلحمة النسب لا تباع ولا توهب) يكون التشبيه مفصلاً للتصريح بوجه الشبه.
5 ـ النتيجة:
وننتهي من كل ما تقدم إلى أن الولاء سبب من أسباب الإرث لتشبيهه بالنسب.
نموذج تطبيق القواعد الدلالية
سأستعرض ـ هنا ـ دلالة كلمة (صعيد) الواردة في آية التيمّم، في ضوء الخطوات التالية:
ـ ذكر نص الآية.
ـ ذكر أقوال الفقهاء.
ـ ذكر أدلّة الأقوال.
ـ التعقيب على منهج الفقهاء في الاستدلال.
ـ الانتهاء إلى النتيجة.
1 ـ الآية الكريمة:
«فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» [النساء: 43 والمائدة: 6].
2 ـ المستفاد من مراجعتي لعدد كبير من كتب الفقه الإمامي الفتوائية والاستدلالية أن لهم في المسألة قولين، هما:
أ ـ المراد بالصعيد في الآية الكريمة: وجه الأرض.
ب ـ المراد بالصعيد في الآية الكريمة: التراب.
وفي عدد غير قليل من الكتب الاستدلالية أن مستند القول هو المعجم اللغوي العربي.
يقول الشيخ البحراني في (الحدائق)([361]): «المطلب الثاني: فيما يجوز به التيمم وما لا يجوز، وقد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا المقام في مواضع: الأول: هل يكفي مجرد ما صدق عليه اسم الأرض أو يشترط خصوص التراب؟ قولان.
فقال الشيخ: لا يجوز إلا بما يقع عليه اسم الأرض إطلاقاً، سواء كان عليه تراب أو كان حجراً أو حصى أو غير ذلك.
وبذلك صرح في (المبسوط) و(الجمل) و(الخلاف)، كذا نقله عنه في (المعتبر).
وهو مذهب ابن الجنيد، والمرتضى في (المصباح)، واختاره المحقق والعلامة، وهو المشهور بين المتأخرين.
وعن المرتضى في (شرح الرسالة) أنه قال: لا يجزىء في التيمم إلا التراب الخالص، أي الصافي من مخالطة ما لا يقع عليه اسم الأرض كالزرنيخ والكحل وأنواع المعادن، كذا نقله عنه في (المعتبر) أيضاً…
ونقل هذا القول عن أبي الصلاح وظاهر المفيد».
3 ـ ثم قال: «ومنشأ الخلاف في هذا المقام هو الخلاف بين أهل اللغة في تفسير الصعيد في الآية…
فالمرتضى ومن قال بمقالته تمسكوا بأحد القولين. والآخرون تمسكوا بالقول الآخر».
وقال الشيخ صاحب الجواهر([362]) في معرض الإشكال على القول بالاجتزاء في التيمم بالحجر ونحوه: «لكن قد يشكل الجميع([363]) بظهور أن منشأ الاختلاف في التيمم بالحجر ونحوه الاختلاف في معنى الصعيد، فلا يجتزىء به مطلقاً، بناءً على أن الصعيد هو التراب خاصة كما في (الصحاح) و(المقنعة)، وعن (الجمل)([364]) و(المفصل) و(المقاييس) و(الديوان) و(شمس العلوم) و(نظام الغريب) و(الزينة) لأبي حاتم، بل ربما استظهر من (القاموس) و(الكنز)، كما أنه حكي عن الأصمعي، وكذا عن أبي عبيدة لكن بزيادة وصفه بالخالص الذي لا يخالطه سبخ ورمل، وبنى الأعرابي([365]) وعباس([366]) والفارس([367])، بل عن المرتضى (رحمه الله) نقله عن أهل اللغة».
4 ـ وكما رأينا مما ذكره صاحب الحدائق، وما استعرضه صاحب الجواهر من استدلال: أن أكثر الفقهاء رجعوا في تحديد معنى الصعيد في الآية الكريمة إلى المعاجم اللغوية العربية.
غير أن الملاحظ على منهجهم:
أ ـ عدم التفرقة بين عالم اللغة (أو اللغوي الدلالي)، وعالم المعجم (أو المؤلف المعجمي).
ب ـ عدم الموازنة بين القولين في ضوء أصول اللغة وترجيح ما ترجحه.
ومن هنا رأيت بحث المسألة في هدي هاتين الملاحظتين ليتّضح أمامنا وبجلوةٍ تامةٍ كيفية الاستدلال باللغة في مجالي (المعجم) و(الدلالة).
وستأتي خطوات البحث كالتالي:
ـ عرض معاني كلمة (صعيد) المعجمية.
ـ استبعاد ما لا يلتقي وطبيعة التيمم من المعاني.
ـ إحصائية بعدد المعاجم لكل معنى.
ـ استبعاد المعاجم لمؤلفين معجميين غير دلاليين، التي لم توثق المعنى بنسبته لعالم لغوي دلالي، أو بدعمه بشاهد لغوي.
ـ تصنيف المنتقى ضمن قوائم إحصائية.
ـ ثم الموازنة بين القوائم.
ـ فالانتهاء إلى النتيجة.
ـ المعاجم التي رجعت إليها مباشرة، هي:
1 ـ العين، الخليل.
2 ـ مجاز القرآن، أبو عبيدة.
3 ـ الصحاح، الجوهري.
4 ـ ديوان الأدب، الفارابي.
5 ـ مجمل اللغة، ابن فارس.
6 ـ القاموس المحيط، الفيروزآبادي.
7 ـ تاج العروس، الزبيدي.
8 ـ لسان العرب، ابن منظور.
9 ـ المفردات الراغب الأصفهاني.
10 ـ مجمع البحرين، الطريحي.
11 ـ المغرب، المطرزي.
12 ـ المصباح المنير، الفيومي.
13 ـ معجم ألفاظ القرآن الكريم، مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
14 ـ المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
والمعاجم غير المباشرة، وهي التي اطلعت على ما ذكرته عن طريق المعاجم المباشرة، هي:
15 ـ جمهرة اللغة، ابن دريد.
16 ـ تهذيب اللغة، الأزهري.
- والمعاني التي ذكرتها المعاجم المذكورة، هي:
1 ـ وجه الأرض:
العين، المصباح، المغرب، الصحاح، القاموس، التاج، الوسيط، المجمع، المجاز، المفردات، معجم ألفاظ القرآن الكريم.
2 ـ التراب:
الديوان، المصباح، التهذيب، الصحاح، المجمل، القاموس، التاج، الوسيط، المجمع.
3 ـ الطريق:
المصباح، المجمع، معجم ألفاظ القرآن الكريم.
4 ـ الأرض بعينها:
التاج، اللسان، معجم ألفاظ القرآن الكريم.
5 ـ الأرض الطيبة:
التاج، اللسان.
6 ـ التراب الطيب:
التاج، اللسان.
7 ـ الأرض المستوية:
التاج، اللسان.
8 ـ المرتفع من الأرض:
التاج، اللسان، الوسيط.
9 ـ الأرض المرتفعة من الأرض المنخفضة:
التاج، اللسان.
10 ـ التراب الذي لم يخالطه سبخ ولا رمل:
التاج، اللسان، الجمهرة، المجمع.
11 ـ التراب ذو الغبار:
التاج، اللسان.
12 ـ الموضع الواسع:
الوسيط.
- ـ الغبار:
المفردات.
ـ والمعاني التي تلتقي وطبيعة التيمم، ويحتمل أن تكون مدلولاً لكلمة (صعيد) في الآية الكريمة، هي:
1 ـ وجه الأرض.
2 ـ التراب.
3 ـ الأرض بعينها.
4 ـ الأرض الطيبة.
5 ـ التراب الطيب.
6 ـ التراب الذي لم يخالطه سبخ ولا رمل.
7 ـ التراب ذو الغبار.
8 ـ المرتفع من الأرض.
وبملاحظة أن القائل بأن معنى الصعيد هو الأرض بعينها أن مراده من القيد (بعينها) في مقابل (التراب) بخصوصه، يمكننا أن نذهب إلى أنه يريد به وجه الأرض.
وبملاحظة أن المقصود من طيب الأرض وطيب التراب هو أن تكون الأرض قد أخصبت وأكلأت، وكذلك التراب، يمكننا أن ندخل هذين تحت عنوان التراب الذي لم يخالطه سبخ ولا رمل.
وبملاحظة أن المراد من تقييد التراب بأنه ذو غبار أن لا يكون قد تحجّر أو تمدر يدرج هذا القول تحت عنوان التراب.
وبعد هذه الملاحظات تكون المعاني لكلمة (صعيد) المحتمل إرادتها منه هنا هي:
1 ـ وجه الأرض.
2 ـ التراب مطلقاً.
3 ـ التراب الذي لم يخالطه سبخ ولا رمل.
4 ـ المرتفع من الأرض.
وبعد هذا الذي تقدم لا بد لنا من فرز أسماء العلماء اللغويين الدلاليّين الذين نسبت إليهم أقوال هذه المسألة، وهم:
1 ـ الخليل.
2 ـ أبو عبيدة.
3 ـ ابن الأعرابي.
4 ـ الفراء.
5ـ ثعلب.
6 ـ الزجاج.
لنفرز أقوالهم في المسألة أيضاً، وهي كالتالي:
1 ـ ذهب كل من الخليل وأبي عبيدة وثعلب والزجاج إلى أن المعنى في الآية: وجه الأرض.
وذهب ابن الأعرابي إلى أن المعنى هو الأرض بعينها… وأخذاً بالملاحظة المذكورة في أعلاه يصبح هو الآخر قائلاً بأن المعنى هو وجه الأرض.
2 ـ وذهب الفرّاء إلى أن المعنى ـ هنا ـ هو التراب. وعليه يصبح عندنا معنيان للصعيد ـ هنا ـ هما: (وجه الأرض) و(التراب)، وذلك لأن المعاني الأخرى قد استبعدنا بعضها لأنها لا يحتمل إرادتها، وأدخلنا بعضها تحت عناوين بعض، ثم استخلصنا منها ما نسب لعالم دلالي.
أما الشواهد اللغوية فقد استشهد هنا بالتالي:
1 ـ الآية الكريمة: «فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً» [الكهف: 40].
استشهد بها أبو إسحاق على أن المراد بالصعيد وجه الأرض([368]).
2 ـ قوله تعالى: «صَعِيداً جُرُزاً» [الكهف: 8].
استشهد به الفرّاء على أن المراد بالصعيد التراب([369]).
3 ـ قول جرير:
| إذا تيم ثوت بصعيد أرض | بكت من خبث لؤمهم الصعيدُ |
ذكره الزبيدي([370]) وابن منظور([371]) شاهداً على أن المراد بالصعيد وجه الأرض.
4 ـ قول جرير أيضاً:
والأطيبين من التراب صعيدا
ذكره ابن منظور([372]) شاهداً على أن المراد بالصعيد وجه الأرض.
5 ـ قول ذي الرّمّة:
قد استحلّوا قسمة السجود
والمسح بالأيدي من الصعيد
استشهد به الخليل([373]) على أن المراد بالصعيد وجه الأرض.
وكما رأينا أن خمسة من العلماء اللغويين من مجموع ستة ذهبوا إلى أن الصعيد هو وجه الأرض، أي بنسبة 93,6%.
وأن أربعة من الشواهد من مجموع خمسة هي لإثبات أن معنى الصعيد هو وجه الأرض، أي بنسبة 80%.
فإذا ضممنا هذه إلى تلك تأتي النتيجة بأن معنى الصعيد المقصود في الآية الكريمة هو وجه الأرض.
ولذا وجدنا جل متأخري المتأخرين من فقهائنا الإمامية يذهبون إلى ذلك.
فمن محشي (العروة الوثقى) ـ ممن لدي حواشيهم، وهي خمس عشرة حاشية ـ ذهب إلى القول به اثنا عشر فقيهاً، وهم: الجواهري والحكيم والشاهرودي والميلاني والشريعتمداري والخوانساري والشيخ البروجردي والخميني والخوئي والكلبايكاني والطباطبائي القمي وزين الدين.
ومن قبلهم صاحب العروة السيد اليزدي، قال: «يجوز التيمم على مطلق وجه الأرض على الأقوى، سواء كان تراباً أو رملاً أو حجراً أو مدراً أو غير ذلك»([374]).
وقوله: (على الأقوى) يشير به إلى أقوائية دليل القول بالنسبة إلى دليل القول الآخر أو الأقوال الأخرى.
نموذج تطبيق القواعد الأصولية
ولنأخذ ـ هنا ـ قاعدة الاستصحاب، ونتبع في تطبيقها الخطوات التالية:
1 ـ ذكر الموضوع أو المسألة.
2 ـ ذكر الحكم.
3 ـ تطبيق القاعدة.
1 ـ من المسائل الفقهية التي تذكر في أحكام المياه مسألة الشك في إطلاق الماء، وفحواها:
إذا كان الماء مطلقاً ثم شك في زوال إطلاقه، ما هي وظيفة المكلف من حيث الجري العملي أيحكم بإطلاقه؟ أم يحكم بعدم إطلاقه؟
2 ـ الجواب: وظيفته أن يحكم بإطلاقه.
3 ـ والدليل على ذلك هو الاستصحاب، لأن المكلف كان على يقين من إطلاق الماء، ثم شك في زوال الإطلاق، فليس له أن ينقض اليقين بالشك.
يقول السيد اليزدي في (العروة الوثقى)([375]): «والمشكوك أطلاقه لا يجري عليه حكم المطلق إلا مع سبق إطلاقه».
ويقول السيد الحكيم معلقاً عليه: «فحينئذٍ يستصحب إطلاقه كسائر العوارض المشكوكة الارتفاع فيجري عليه حكم المطلق»([376]).
ويعلق السيد السبزواري على المسألة بقوله: «لأصالة بقاء الحدث أو الخبث بعد استعماله فيهما، ومع سبق الإطلاق يستصحب فيرتفع الحدث والخبث حينئذٍ»([377]).
4 ـ فالنتيجة هي أن يحكم المكلف في مثل هذه المسألة بإطلاق الماء ببركة تطبيق قاعدة الاستصحاب.
نموذج تطبيق القواعد الفقهية
ولتكن معاملتنا هنا مع (قاعدة الفراغ) و(قاعدة الفراش) سائرين الخطوات التالية:
1 ـ ذكر الموضوع أو المسألة، بعد التأكد من أنها من موارد انطباق القاعدة حسبما هو محرر في موضعه من البحث في القاعدة.
2 ـ تطبيق القاعدة.
3 ـ بيان النتيجة.
قاعدة الفراغ:
1 ـ المسألة:
من الموارد التي تطبق فيها قاعدة الفراغ ما لو تيقن المكلف من إتيانه بالواجب المكلف به، ثم وبعد الفراغ من أداء الواجب شك في أن عمله الذي قام به جامعاً للأجزاء والشرائط وفاقداً للموانع أو لا؟
مثل ما لو توضأ وصلّى، وبعد أن فرغ من صلاته شك في صحة وضوئه.
2 ـ هنا يقوم المكلف بتطبيق قاعدة الفراغ التي تقول له ابنِ على صحة وضوئك، ولا تعتنِ بشكك، حيث أن لسان دليل القاعدة ينهي إلى هذا، ففي صحيح محمد بن مسلم قال: «قلت لأبي عبدالله (ع): رجل شكّ في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة؟
قال: يمضي على صلاته ولا يعيد»([378]).
3 ـ وتكون النتيجة لديه: الحكم بصحة وضوئه.
قاعدة الفراش:
1 ـ الموضوع:
وأيضاً هي من القواعد التي يرجع إليها في حالة الشك، وذلك كما لو كانت إمرأة قد تزوجت زواجاً شرعياً من رجلٍ ما، وحصل منها وهي في عصمة زوجها اتصال جنسي غير شرعي مع رجل آخر، وحملت ووضعت حملها في مدة يمكن فيها نسبة المولود لزوجها الشرعي، وشك في أمر الولد هل هو من زوجها الشرعي أو من الرجل الآخر.
2 ـ في مثل هذه الحالة تطبق قاعدة الفراش التي تقول: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، فينسب الولد استناداً لهذه القاعدة إلى صاحب الفراش وهو الزوج الشرعي، وترجم المرأة حدّاً لأنها محصنة، حيث أريد بـ (العاهرة) ـ كما هو ظاهر لسان الحديث ـ المرأة، لأن كلمة (عاهر) تطلق ـ في اللغة ـ على الرجل وعلى المرأة، فيقال: رجل عاهر، وإمرأة عاهر وعاهرة([379]).
3 ـ فتكون النتيجة: الحكم بإلحاق الولد بالزوج الشرعي.
ومن تطبيقاتها:
أ ـ ما رواه سعيد الأعرج عن الإمام الصادق (ع)، قال: «سألته عن رجلين وقعا على جارية في طهرٍ واحدٍ، لمن يكون الولد؟
قال: للذي عنده الجارية لقول رسول الله (ص): الولد للفراش وللعاهر الحجر»([380]).
نموذج تطبيق القواعد الرجالية
وستكون قاعدتنا ـ هنا ـ (عمل الأصحاب)، ووفق الخطوات التالية:
1 ـ ذكر الراوي وروايته.
2 ـ ذكر الإشكال على سند الرواية.
3 ـ رد الإشكال بتطبيق القاعدة.
4 ـ بيان النتيجة.
1 ـ الرواية: سنداً ونصّاً:
محمد بن الحسن عن المفيد عن أحمد بن محمد عن أبيه محمد بن يحيى عن محمد بن علي بن محبوب عن أحمد بن الحسين عن فضالة عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (ع): «أنه سئل عن التيمّم بالجص؟
فقال: نعم.
فقيل: بالنورة؟
فقال: نعم.
فقيل: بالرماد؟
فقال: لا، إنه ليس يخرج من الأرض، إنما يخرج من الشجر»([381]).
2 ـ نوقش في سند هذه الرواية بتضعيف السكوني لتصريح العلامة الحلي في (الخلاصة) بعاميته.
3 ـ وفي (نهج الهدى)([382]) حيث استدل مؤلفه الشيخ البروجردي بهذه الرواية على جواز التيمم بالجص، وردّ الإشكال المذكور بتطبيقه القاعدة، قال: «لا بأس بالعمل برواية السكوني، فإنه وإن صرّح العلامة في الخلاصة بكون الرجل عامياً، إلا أنه يظهر من الشيخ والنجاشي من عدم التعرض لمذهبه كونه إمامياً شديد التقيه لاشتهاره بين العامة واختلاطه بهم وكونه من قضاتهم، كما لعل ذلك هو المنشأ لرميه بكونه عامياً، مع أنه على فرض كونه عامياً، يكفيه بناؤهم على العمل بروايته، بل وترجيح روايته على رواية من هو من أجلّة أهل العدل، ويكفيك في ذلك دعوى الشيخ (قدس سره) إجماع الشيعة على العمل بروايته كما نص عليه في غير موضع من كتبه، فيظهر حينئذٍ كون الرجل موثقاً، لا يقدح في العمل بروايته ما نسب إليه من كونه عامياً».
وفي (الوسائل)([383]): «إسماعيل بن أبي زياد السكوني الشعيري، ـ واسم أبي زياد مسلم ـ قال العلامة: كان عامياً، وقال الشيخ والنجاشي: له كتاب، ووثقه الشيخ في (العدة)، ونقل الإجماع على العمل بروايته ـ كما مرّ نقله ـ ووثقه المحقق في المسائل العزية».
4 ـ والنتيجة التي ننتهي إليها من هذا هي: وثاقة السكوني وجواز العمل بروايته.
نموذج تطبيق القرائن التاريخية
ولنأخذ ـ هنا ـ الظاهرة الدينية في معنى كلمة (الطهارة) شرعاً قرينة على أنها من الحقائق الشرعية في مجتمع نزول القرآن الكريم ومجيء الشريعة الإسلامية المطهرة.
ونعالج المسألة على هدي الخطوات التالية:
1 ـ تعريف الطهارة فقهياً.
2 ـ مداليل النصوص الشرعية بكلمة (طهارة).
3 ـ الظاهرة الدينية لكلمة (طهارة).
4 ـ النتيجة.
وضمن هذه المقتطفة من كتاب (دروس في فقه الإمامية):
1 ـ اختلف الفقهاء في تعريف الطهارة على طوائف ثلاث، هي:
ـ الطائفة الأولى:
تلكم التعاريف الشاملة والعامة للطهارة بقسميها الحدثية والخبيثة، وهي جلّ تعريفات فقهاء السنة، مثل:
التعريف المذكور في (زاد المستقنع): «الطهارة هي: ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث».
والتعريف الوارد في (ترشيح المستفيدين): «وشرعاً: رفع المنع المترتب على الحدث أو النجس».
وذهب إليه من فقهاء الشيعة الشيخ أبو علي، فقد نقل في (الجواهر) أنه عرّفها في (شرح النهاية) بـ «أنها التطهير من النجاسات ورفع الأحداث».
ـ الطائفة الثانية:
هي التعريفات التي قصرت مفهوم الطهارة على الطهارة التعبدية دون أن تفرق بين المبيح منها وغير المبيح، كتعريف الشهيد الأول في (اللمعة): «وشرعاً: استعمال طهور مشروط بالنية».
ـ الطائفة الثالثة:
التعريفات التي ضيقت مفهوم الطهارة بقصره على الطهارة التعبدية المبيحة للدخول في الصلاة… نحو تعريف الشيخ الطوسي في (النهاية): «الطهارة في الشريعة: اسم لما يستباح به الدخول في الصلاة».
وتعريف المحقق في (الشرائع): «الطهارة: اسمٌ للوضوء أو الغسل أو التيمم على وجه له تأثير في استباحة الصلاة».
وعلى هذا التعريفات (الطائفة الثالثة) لا يصح إطلاق الطهارة حقيقةً على وضوء الحائض للذكر، ووضوء الجنب للنوم، ووضوء المحتلم للجماع، لأنها غير رافعة للأحداث المذكورة، فهي غير مبيحة للدخول في الصلاة، أي لا تصح الصلاة بها.
وعلى التعريف في الطائفة الثانية، لا يصح إطلاق الطهارة حقيقةً على الطهارة الخبثية.
والمعروف والمشهور بين فقهاء الشيعة هو التعريف الأخير القاصر للطهارة على التعبدية المبيحة.
وذهب بعضهم إلى التعريف الثاني ـ كما قرأته عن الشهيد الأول في (اللمعة).
قال الشهيد الأول في (غاية المراد في نكت الإرشاد): «إن إدخال إزالة الخبث فيها ليس من اصطلاحنا» ـ كما نقل عنه هذا في (الجواهر) ـ.
2 ـ إلا أننا إذا ألقينا على استعمال النصوص الشرعية لألفاظ الطهارة نرى أنها أطلقتها على الطهارة مطلقاً، أي بما يعمّ قسميها، ومن غير استخدام ما يدل أو يشير على التجوز في الاستعمال، ومن أمثلة هذا:
ـ «حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإذَا تَطَهَّرْنَ» [البقرة: 222].
ـ «لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ» [الواقعة: 79].
ـ «وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ» [المدثر: 4].
ـ (وقد جعلت الماء طهوراً لأمتك من جميع الأنجاس).
ـ (وكلما غلب كثرة الماء فهو طاهر).
ـ (كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر).
3 ـ يضاف إليه:
أن مفهوم الطهارة الشرعي من المفاهيم التي كانت معروفة لدى أبناء مجتمع التنزيل، لأنها من المفاهيم التي كانت تسود مجتمعات المتعبديبن بالموسوية والمسيحية.
فلا تحتاج إلى وضع جديد، وكل ما تحتاجه هو التهذيب أو الإضافة وفق التشريع الإسلامي الجديد، وهو ما تمّ بالفعل، وفهمه أبناء مجتمع التنزيل بيسر.
ويسري هذا في عموم الألفاظ الشرعية لاستمرار الظاهرة الدينية، من عهد أول نبي، واستمرار ظاهرة الكتاب الإلهي منذ صحف إبراهيم، ومعرفة عموم الناس لذلك.
وتاريخ الأديان المقارن، وكذلك تاريخ التشريع الإسلامي يؤيد هذا.
4 ـ إن هذه الظاهرة الدينية تأتي قرينة واضحة لتدعيم أن كلمة (طهارة) من الحقائق الشرعية.
فالطهارة في الشريعة الإسلامية تعني ما تعنيه في الشرائع الأخرى مع فارق ما غيّر في أطراف مفهومها.
خطوات المنهج الفقهي
والآن ـ بعد عرض جملة من البحوث الفقهية على اختلاف ألوانها ـ نستطيع أن نستخلص خطوات منهج البحث الفقهي التي على الباحث الفقهي أن يأخذ بها.
وقبل عرضها لا بد من الإشارة إلى مادة البحث الفقهي التي تعامل معها الباحثون الفقهيون في النماذج المتقدمة وأمثالها، لأنها الإشارة المساعدة في فتح الضوء الأخضر أمامنا.
مادة البحث الفقهي
1 ـ النصوص الشرعية من الكتاب والسّنّة.
2 ـ القواعد:
أ ـ اللغوية:
ـ الصرفية.
ـ النحوية.
ـ البلاغية.
ـ الدلالية.
ـ المعجمية.
ب ـ الأصولية:
ـ الاجتهادية التي تنهي إلى الحكم الشرعي.
ـ الفقاهية التي تعين الوظيفة العملية للمكلف في حالة الشك في الحكم بديلاً عنه.
جـ ـ الفقهية.
د ـ الرجالية.
3 ـ القرائن.
أ ـ التاريخية الاجتماعية.
ب ـ التفسيرية.
وبعد هذه التوطئة المقتضبة، التي تفصل ـ عادة ـ تفصيلاً وافياً في حقولها المعرفية الخاصة بها من: علوم اللغة العربية، وعلم أصول الفقه، ومباحث القواعد الفقهية، وعلم رجال الحديث، وتاريخ التشريع الإسلامي، وعلم الأديان المقارن، وكتب التفسير، وما يلابس هذه، ننتقل إلى بيان خطوات المنهج:
خطوات منهج البحث الفقهي
1 ـ تعيين موضوع البحث.
ولا بد في عنوان الموضوع من أن يكون واضحاً غير غائم أو عائم أو مطاطي.
2 ـ تحديد موضوع الحكم.
ويرجع في تحديد وتعريف الموضوعات إلى التالي:
أ ـ النصوص الشرعية.
فإذا كان في البين نصوص شرعية تحدّ موضوع الحكم وتحدده تكون هي المرجع المتعين الذي يرجع إليه في هذا.
وإذا لم تكن هناك نصوص شرعية يتعرف تعريف وحدود الموضوع من خلالها، يلاحظ:
ب ـ إذا كان الموضوع من الموضوعات العلمية أو المهنية مثلاً: التشريح الطبي والتلقيح الصناعي ومعاملات المصارف (البنوك)، ومعاملات الشركات كالتأمين… وإلخ، يرجع فيه إلى ذوي التخصص، ويصطلح عليهم في علم الفقه بـ (العرف الخاص).
جـ ـ وإن لم يكن الموضوع علمياً أو مهنياً، وإنما كان من الموضوعات الاجتماعية، فيرجع في تعرف واقعه ومعرفة تحديده إلى أبناء المجتمع، ويصطلح عليهم في علم الفقه بـ (العرف العام).
3 ـ جمع النصوص المرتبطة بالحكم والملابسة لها.
4 ـ دراسة النصوص من خلال النقاط التالية:
أ ـ تقييم السند إذا كان النص رواية لا آية، في ضوء قواعد ونتائج علم رجال الحديث.
ب ـ تقويم المتن ـ سواء كان النص آية أو رواية ـ في ضوء قواعد ونتائج علم تحقيق التراث.
جـ ـ استفادة دلالة النص على الحكم في ضوء القواعد اللغوية والأصولية والفقهية معززة بالقرائن التاريخية الاجتماعية والقرائن التفسيرية.
د ـ استخلاص الحكم.
هـ ـ صياغة الحكم.
5 ـ وفي حالة فقدان النص أو إجماله أو تعارضه مع نص آخر تعارضاً محكماً يؤدي إلى سلب كل منهما حجية الآخر، يرجع إلى:
أ ـ الأصول العملية.
ب ـ القواعد الفقهية اللاتي يرجع إليهن في موضع الشك.
مراجع البحث الفقهي
وهنا لا بد لنا من ذكر أهم المراجع التي على الباحث الفقهي أن يرجع إليها عند إعداد بحثه، وهي ـ في هدي ما تقدم من بحث عن المنهج الفقهي:
1 ـ كتب الصرف.
2 ـ كتب النحو.
3 ـ كتب البلاغة.
4 ـ المعاجم:
أ ـ المعاجم اللغوية العامة.
ب ـ معاجم المعاني اللغوية.
جـ ـ معاجم ألفاظ القرآن الكريم.
د ـ معاجم غريب القرآن.
هـ ـ كتب القراءات القرآنية.
و ـ كتب التجويد.
ز ـ معاجم غريب الحديث.
5 ـ كتب المنطق.
6 ـ كتب أصول الفقه.
7 ـ كتب القواعد الفقهية.
8 ـ كتب التفسير.
9 ـ كتب الرجال.
10 ـ مصادر تاريخ التشريع الإسلامي.
11 ـ كتب تحقيق التراث.
12 ـ كتب الفقه الإمامي.
13 ـ كتب فقه المذاهب الإسلامية الأخرى.
14 ـ كتب الفقه المقارن.
15 ـ المعاجم الفقهية.
وسأقتصر على ذكر المطبوع منها فقط ليسر تناوله وسهولة الوصول إليه.
1 ـ مراجع الصرف
| 1 ـ التصريف | أبو عثمان المازني البصري |
| 2 ـ المنصف (شرح تصريف المازني) | ابن جني الموصلي |
| 3 ـ التصريف الملوكي | ابن جني الموصلي |
| 4 ـ شرح التصريف الملوكي | ابن يعيش الحلبي |
| 5 ـ الممتع | ابن عصفور الإشبيلي |
| 6 ـ المبدع | أبو حيان الغرناطي |
| 7 ـ الشافية | ابن الحاجب المصري |
| 8 ـ شرح الشافية | الرضي الأسترآبادي |
| 9 ـ شرح الشافية | الجاربردي التبريزي |
| 10 ـ شرح الشافية | نقره كار النيسابوري |
| 11 ـ شرح الشافيه | النظام القمي |
| 12 ـ شرح التصريف العزي | الشريف الجرجاني |
| 13 ـ مفتاح العلوم | السكاكي |
| 14 ـ مراح الأرواح | أحمد بن علي |
| 15 ـ شذا العرف | الحملاوي المصري |
| 16 ـ في علم الصرف | أمين السيد |
| 17 ـ مختصر الصرف | عبد الهادي الفضلي |
2 ـ مراجع النحو
| 1 ـ كتاب سيويه | |
| 2 ـ شرح كتاب سيبويه | السيرافي |
| 3 ـ المقتضب | المبرد |
| 4 ـ الأصول | ابن السراج |
| 5 ـ الإيضاح | أبو علي الفارسي |
| 6 ـ المقتصد في شرح الإيضاح | الجرجاني |
| 7 ـ المقرّب | ابن عصفور |
| 8 ـ تذكرة النحاة | أبو حيان الأندلسي |
| 9 ـ ارتشاف الضرب | أبو حيان الأندلسي |
| 10 ـ الجمل | الزجاجي |
| 11 ـ شرح الجمل | ابن عصفور |
| 12 ـ شرح الجمل | ابن هشام |
| 13 ـ الكافية | ابن الحاجب |
| 14 ـ شرح الكافية | ابن الحاجب |
| 15 ـ شرح الكافية | الرضي الأسترآبادي |
| 16 ـ الفوائد الضيائية (شرح الكافية) | الملا جامي |
| 17 ـ شرح العصام على كافية | ابن الحاجب |
| 18 ـ تسهيل الفوائد | ابن مالك |
| 19 ـ شرح التسهيل | ابن مالك |
| 20 ـ المساعد على تسهيل الفوائد | ابن عقيل |
| 21 ـ الألفية= الخلاصة | ابن مالك |
| 22 ـ شرح ألفية ابن مالك | ابن الناظم |
| 23 ـ شرح ألفية ابن مالك | ابن عقيل |
| 24 ـ توضيح المقاصد والمسالك | ابن ام قاسم المرادي |
| 25 ـ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك | ابن هاشم |
| 26 ـ البهجة المرضية في شرح الألفية | السيوطي |
| 27 ـ شرح ألفية ابن مالك | المكودي |
| 28 ـ منهج السالك إلى ألفية ابن مالك | الأشموني |
| 29 ـ الأزهار الزينية في شرح متن الألفية | زيني دحلان |
| 30 ـ التصريح بمضمون التوضيح (حاشية على أوضح المسالك) | الأزهري |
| 31 ـ حاشية ابن حمدون على شرح المكودي | |
| 32 ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل | |
| 33 ـ حاشية السجاعي على شرح ابن عقيل | |
| 34 ـ حاشية الصبان على شرح الأشموني | |
| 35 ـ زواهر الكواكب (حاشية على شرح الأشموني) | التونسي |
| 36 ـ شرح الكافية الشافية | ابن مالك |
| 37 ـ المفصل | الزمخشري |
| 38 ـ شرح المفصل | ابن يعيش |
| 39 ـ الإيضاح في شرح المفصل | ابن الحاجب |
| 40 ـ تمهيد القواعد الأصولية والعربية | الشهيد الثاني |
| 41 ـ مغني اللبيب | ابن هشام |
| 42 ـ حاشية الأمير على المغني | |
| 43 ـ حاشية الدسوقي على المغني | |
| 44 ـ الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية
من الفروع الفقهية |
جمال الدين الأسنوي |
| 45 ـ همع الهوامع | السيوطي |
| 46 ـ الفوائد الصمدية = الصمدية | بهاء الدين العاملي |
| 47 ـ الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية | ابن معصوم |
| 48 ـ مفتاح العلوم | السكاكي |
| 49 ـ دراسات في قواعد اللغة العربية | عبد المهدي مطر |
| 50 ـ دراسات لأسلوب القرآن الكريم | محمد عبد الخالق عضيمة |
| 51 ـ النحو الوافي | عباس حسن |
| 52 ـ مختصر النحو | عبد الهادي الفضلي |
3 ـ مراجع البلاغة
| 1 ـ مجازات القرآن | الشريف الرضي |
| 2 ـ المجازات النبوية | الشريف الرضي |
| 3 ـ دلائل الإعجاز | الجرجاني |
| 4 ـ أسرار البلاغة | الجرجاني |
| 5 ـ مفتاح العلوم | السكاكي |
| 6 ـ التبيان في علم البيان | ابن الزملكاني |
| 7 ـ الصناعتين | العسكري |
| 8 ـ التلخيص= تلخيص المفتاح | الخطيب القزويني |
| 9 ـ الإيضاح (شرح التلخيص) | الخطيب القزويني |
| 10 ـ المختصر (شرح التلخيص) | التفتازاني |
| 11 ـ المطول (شرح التلخيص) | التفنازاني |
| 12 ـ سر الفصاحة | ابن سنان الخفاجي |
| 13 ـ الطراز | العلوي اليمني |
| 14 ـ أصول البلاغة | ميثم البحراني |
| 15 ـ علوم البلاغة | المراغي |
| 16 ـ جواهر البلاغة | الهاشمي |
| 17 ـ تلخيص البلاغة | الفضلي |
| 18 ـ تهذيب البلاغة | الفضلي |
4 ـ المعاجم اللغوية العربية
| أ ـ المعاجم العامة | |
| 1 ـ العين | الخليل الفراهيدي |
| 2 ـ جمهرة اللغة | ابن دريد |
| 3 ـ البارع | أبو علي المقالي |
| 4 ـ التهذيب | الأزهري |
| 5 ـ الصحاح | الجوهري |
| 6 ـ ديوان الأدب | الفارابي |
| 7 ـ مجمل اللغة | ابن فارس |
| 8 ـ معجم مقاييس اللغة | ابن فارس |
| 9 ـ أساس البلاغة | الزمخشري |
| 10 ـ المحكم والمحيط الأعظم | ابن سيده |
| 11 ـ المحيط | الصاحب بن عباد |
| 12 ـ شمس العلوم | نشوان الحميري |
| 13 ـ التكملة والذيل والصلة | الصغاني |
| 14 ـ مختار الصحاح | الرازي |
| 15 ـ لسان العرب | ابن منظور |
| 16 ـ القاموس المحيط | الفيروزآبادي |
| 17 ـ تارج العروس | الزبيدي |
| 18 ـ الجيم | الشيباني |
| 19 ـ المغرب | المطرزي |
| 20 ـ المصباح المنير | الفيومي |
| 21 ـ معجم لاروس | خليل الجر |
| 22 ـ الصحاح في العلوم واللغة | المرعشليان |
| 23 ـ معيار اللغة | الشيرازي |
| 24 ـ البستان | البستاني |
| 25 ـ المرجع | العلائلي |
| 26 ـ محيط المحيط | البستاني |
| 27 ـ أقرب الموارد | الشرتوني |
| 28 ـ المعجم الكبير | مجمع اللغة العربية بالقاهرة |
| 29 ـ المعجم الوسيط | مجمع اللغة العربية بالقاهرة |
| 30 ـ متن اللغة | أحمد رضا |
| 31 ـ المنجد | اليسوعي |
| 32 ـ الرائد | جبران مسعود |
| ب ـ معاجم المعاني: | |
| 1 ـ الصاحبي | ابن فارس |
| 2 ـ متخير الألفاظ | ابن فارس |
| 3 ـ فقه اللغة | الثعالبي |
| 4 ـ المخصص | ابن سيده |
| 5 ـ تهذيب الألفاظ | ابن السكيت |
| 6 ـ جواهر الألفاظ | قدامة بن جعفر |
| 7 ـ الفروق اللغوية | أبو هلال العسكري |
| 8 ـ المعجم في بقية الأشياء | أبو هلال العسكري |
| 9 ـ نظام الغريب | الربعي |
| 10 ـ كفاية المتحفظ | ابن الأجدابي |
| 11 ـ شرح كفاية المتحفظ | محمد الفاسي |
| 12 ـ الألفاظ الكتابية | الهمداني |
| 13 ـ الإفصاح في فقه اللغة (تهذيب المخصص) | الصعيدي وزميله |
| جـ ـ معاجم ألفاظ القرآن الكريم: | |
| 1 ـ مجاز القرآن | أبو عبيدة |
| 2 ـ معجم القرآن | عبد الرؤوف المصري |
| 3 ـ كلمات القرآن | مخلوف |
| 4 ـ معجم ألفاظ القرآن الكريم | مجمع اللغة العربية بالقاهرة |
| 5 ـ تفسير مفردات القرآن الكريم | (سميح الزين) |
| د ـ معاجم غريب القرآن الكريم: | |
| 1 ـ الغريبين: غريب القرآن والحديث | (الهروي) |
| 2 ـ كتاب مشكل القرآن والحديث وغريبه | (ابن قتيبة) |
| 3 ـ تفسير غريب القرآن | ابن قتيبة |
| 4 ـ عريب القرآن وتفسيره | اليزيدي |
| 5 ـ العمدة في غريب القرآن | مكي القيسي |
| 6 ـ المفردات في غريب القرآن | الزمخشري |
| 7 ـ المفردات في غريب القرآن | الراغب الأصفهاني |
| 8 ـ تحفة الأريب لما في القرآن من الغريب | أبو حيان الأندلسي |
| 9 ـ غريب القرآن | ابن الخطيب |
| 10 ـ نزهة القلوب | السجستاني |
| 11 ـ تفسير غريب القرآن | الطريحي |
| 12 ـ مجمع البحرين ومطلع النيرين في
غريب الحديث والقرآن |
الطريحي |
| هـ ـ كتب أسباب النزول | |
| 1 ـ لباب النقول في أسباب النزول | السيوطي |
| 2 ـ أسباب النزول | الواحدي |
| و ـ كتب القراءات: | |
| 1 ـ السبعة | ابن مجاهد |
| 2 ـ التيسير في القراءات السبع | الداني |
| 3 ـ النشر في القراءات العشر | ابن الجزري |
| 4 ـ إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر | الدمياطي البناء |
| 5 ـ معجم القراءات القرآنية | سالم مكرم وزميله |
| ز ـ كتب التجويد: | |
| 1 ـ الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق التلاوة | مكي القيسي |
| 2 ـ التمهيد في علم التجويد | ابن الجزري |
| 3 ـ منجد المقرئين | ابن الجزري |
| 4 ـ قواعد التجويد | العاملي |
| 5 ـ بداية الهداية | اللويمي |
| حـ ـ معاجم غريب الحديث: | |
| 1 ـ الغريبين: غريب القرآن والحديث | الهروي |
| 2 ـ مجمع البحرين ومطلع النيرين
في غريب الحديث والقرآن |
الطريحي |
| 3 ـ غريب الحديث | الحربي |
| 4 ـ غريب الحديث | القاسم بن سلام |
| 5 ـ الفائق في غريب الحديث | الزمخشري |
| 6 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر | ابن الأثير |
| 7 ـ غريب الحديث | الهروي |
5 ـ مراجع المنطق
يرجع إليها الباحث لمعرفة طرق التعريف وطرق الاستدلال، ومنها:
| 1 ـ النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية الإلهية | ابن سينا |
| 2 ـ منطق التجريد | نصير الدين الطوسي |
| 3 ـ الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد | العلامة الحلي |
| 4 ـ اللآلىء المنتظمة في علم المنطق والميزان
(أرجوزة مع شرحها) |
الملا السبزواري |
| 5 ـ شرح الرسالة الشمسية | القزويني |
| 6 ـ حاشية ملا عبدالله (على تهذيب التفتازاني) | التفتازاني |
| 7 ـ المنطق | المظفر |
| 8 ـ مذكرة المنطق | الفضلي |
| 9 ـ خلاصة المنطق | الفضلي |
6 ـ مراجع أصول الفقه
تقدم ذكرها في فصل (منهج علم أصول الفقه: مراجع أصول الفقه) فراجع
7 ـ مراجع القواعد الفقهية
| 1 ـ الفوائد والقواعد | الشهيد الأول |
| 2 ـ القواعد الفقهية | السيد البجنوردي |
| 3 ـ قواعد الفقيه | الشيخ الفقيه |
| 4 ـ القواعد الفقهية | الشيخ الخالصي |
| 5 ـ القواعد الثلاث | السيد الروحاني |
8 ـ مراجع التفسير
| 1 ـ تفسير القرآن الكريم | علي بن إبراهيم القمي |
| 2 ـ تفسير العياشي | محمد بن مسعود السمرقندي |
| 3 ـ تفسير فرات الكوفي | |
| 4 ـ التبيان | الشيخ الطوسي |
| 5 ـ مجمع البيان | الشيخ الطبرسي |
| 6 ـ الصافي | الفيض الكاشاني |
| 7 ـ البرهان | السيد التوبلي |
| 8 ـ آلاء الرحمن | الشيخ البلاغي |
| 9 ـ البيان | السيد الخوئي |
| 10ـ الميزان | السيد الطباطبائي |
| 11 ـ مواهب الرحمن | السيد السبزواري |
| 12 ـ المحرر الوجيز | ابن عطية |
| 13 ـ البحر المحيط | أبو حيان الأندلسي |
| 14 ـ الكشاف | الزمخشري |
| 15 ـ جامع البيان | الطبري |
| 16 ـ جامع أحكام القرآن | القرطبي |
| 17 ـ التفسير الكبير | فخر الدين الرازي |
| 18 ـ فتح القدير | الشوكاني |
9 ـ مراجع الرجال
| 1 ـ الرجال | أبو العباس النجاشي |
| 2 ـ رجال الكشي | الكشي |
| 3 ـ رجال الطوسي | الطوسي |
| 4 ـ الفهرست | الطوسي |
| 5 ـ فهرست منتجب الدين القمي | |
| 6 ـ معالم العلماء | ابن شهرآشوب |
| 7 ـ التحرير الطاووسي | العاملي |
| 8 ـ رجال أبو داود الحلي | |
| 9 ـ رجال العلامة الحلي (كشف المقال
في معرفة الرجال |
|
| 10 ـ خلاصة الأقوال | العلامة الحلي |
| 11 ـ شعب المقال | الميرزا النراقي |
| 12 ـ جامع الرواة | الأردبيلي |
| 13 ـ الفوائد الرجالية | السيد بحر العلوم |
| 14 ـ منهج المقال (الرجال الكبير) | الميرزا محمد الأسترآبادي الكبير |
| 15 ـ منتهى المقال (مختصر منهج المقال) | أبو علي الحائري |
| 16 ـ الوجيزة | محمد باقر المجلسي |
| 17 ـ جامع المقال | الطريحي |
| 18 ـ اتقان المقال | محمد طه نجف |
| 19 ـ الوسائل (الخاتمة) | الحر العاملي |
| 20 ـ مستدرك الوسائل (الخاتمة) | الميرزا النوري |
| 21 ـ تنقيح المقال | المامقاني |
| 22 ـ رجال الخاقاني | |
| 23 ـ عيون الرجال | السيد حسن الصدر |
| 24 ـ نتيجة المقال | البافروشي |
| 25 ـ نقد الرجال | التفريشي |
| 26 ـ رجال الكلباسي | أبو الهدى الكلباسي |
| 27 ـ منتخب الرجال | الشاه عبد العظيمي |
| 28 ـ مجمع الرجال | القهبائي |
| 29 ـ ثقات الرواة | هبة الدين الشهرستاني |
| 30 ـ معجم رجال الحديث | السيد الخوئي |
10 ـ مراجع تحقيق التراث
| 1 ـ أصول نقد النصوص ونشر الكتب | برجستراسر |
| 2 ـ تحقيق النصوص ونشرها | عبد السلام هارون |
| 3 ـ أصول تحقيق النصوص | مصطفى جواد |
| قواعد تحقيق المخطوطات | صلاح الدين المنجد |
| تحقيق التراث | عبد الهادي الفضلي |
11 ـ مراجع الفقه الشيعي
تصنف مراجع الفقه الشيعي كالتالي:
1 ـ المراجع في آيات الأحكام (فقه القرآن).
2 ـ المراجع في أحاديث الأحكام (فقه الحديث).
3 ـ المراجع في الفتوى (المتون والرسائل العلمية).
4 ـ المراجع في الفقه الاستدلالي (الموسوعات الفقهية).
5 ـ المراجع في الفقه الخلافي (الموسوعات الخلافية).
(كتب آيات الأحكام):
1 ـ فقه القرآن، الراوندي (سعيد بن عبدالله ت573هـ) نشر في النجف سنة 1398هـ.
2 ـ كنز العرفان في فقه القرآن، الفاضل المقداد (المقداد بن عبدالله السيوري الحلي ت 826هـ)، طبع في طهران سنة 1311هـ مستقلاً، ثم بهامش تفسير محمد بن القاسم الأسترآبادي المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (ع)، ثم أعيد طبعه في النجف الأشرف سنة 1964م بثلاثة أجزاء، وفي إيران سنة 1384هـ بجزأين، وكرر نشره ببيروت سنة 1408هـ مصوراً على طبعة إيران الأخيرة.
3 ـ زيد البيان في شرح آيات أحكام القرآن، المولى الأردبيلي (أحمد بن محمد ت993هـ)، طبع على الحجر بإيران في مجلد كبير، ثم في إيران أيضاً على الحروف بعدة مجلدات.
4 ـ قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر، الجزائري (أحمد بن إسماعيل النجفي ت حدود 1150هـ)، طبع في النجف سنة 1963م بثلاثة مجلدات.
(كتب أحاديث الأحكام):
1 ـ الكافي، الكليني (محمد بن يعقوب ت 329هـ)، طبع على الحجر بإيران سنة 1312 ـ 1315هـ، ثم على الحروف وبإيران سنة 1375هـ.
2 ـ من لا يحضره الفقيه، الصدوق (محمد بن علي بن بابويه ت 381هـ)، طبع ببيروت عام 1401هـ تصويراً على طبعة النجف الأشرف الحروفية.
3 ـ تهذيب الأحكام، الطوسي (محمد بن الحسن ت460هـ)، طبع حجرياً بإيران سنة 1318هـ في مجلدين، ثم أعيد طبعه في النجف سنة 1378هـ في عشر مجلدات.
4 ـ الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، الطوسي، طبع بلكهنو في مجلدين سنة 1307هـ، وأعيد طبعه في النجف بأربعة مجلدات، وأعيد طبعه مصوراً عليه ببيروت سنة 1406هـ.
5 ـ الوافي، الكاشاني (محمد محسن ت1091هـ) طبع حجرياً بإيران سنة 1324هـ بثلاثة أجزاء.
6 ـ وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة، الحر العاملي (محمد بن الحسن ت1104هـ)، طبع حجرياً في طهران سنة 1288هـ، وفي تبريز سنة 1313هـ، وأعيد طبعه حروفياً في طهران 1375هـ وأعيد مصوراً عليه في بيروت عام 1403هـ ب(20)مجلداً.
وله فهرست من صنع مؤلفه، سماه (من لا يحضره الإمام) طبع بإيران، ومعه في الطبعة الحروفية.
وله شروح، منها: (أنوار الوسائل) للخاقاني محمد طاهر آل شبير (ت1406هـ)، طبع منه جزآن.
7 ـ بحار الأنوار، المجلسي (محمد باقر ت1111هـ) طبع بإيران حجرياً في خمسة وعشرين مجلداً سنة 1315هـ، وأعيد طبعه بإيران أيضاً حروفياً بأكثر من مئة مجلد.
8 ـ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، الميرزا النوري (حسين بن محمد تقي الطبرسي ت1320هـ) طبع في إيران حجرياً سنة 1321هـ، ثم أعيد طبعه في طهران سنة 1382هـ.
9 ـ جامع أحاديث الشيعة، لجنة من العلماء، يطبع في إيران، وبعد لم يتمّ طبعه كاملاً.
(كتب الفتوى):
1 ـ رسالتان مجموعتان من فتاوى العلمين: علي بن موسى بن بابويه القمي ت329هـ والحسن بن أبي عقيل من أعلام القرن الرابع.
2 ـ المقنع، الصدوق (محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ت381هـ)، وكانا قد طبعا قبل هذا في طهران أيضاً سنة 1276هـ ضمن (الجوامع الفقهية لكبار الشيعة الإمامية).
3 ـ الهداية، الصدوق (انظر: المقنع).
4 ـ المقنعة: المفيد (محمد بن النعمان الحارثي البغدادي ت413هـ)، طبع في تبريز سنة 1274هـ وسنة 1294هـ، وطبع مع كتاب (تهذيب الأحكام) للطوسي ـ الذي هو شرح استدلالي له ـ راجعه).
5 ـ المسائل الصاغانية، المفيد، طبع في النجف 1370هـ.
6 ـ الأعلام فيما اتفقت عليه الإمامية من الأحكام، للمفيد، طبع في النجف 1951م.
7 ـ جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى (علي بن الحسين الموسوي ت436هـ) طبع في النجف سنة 1967م وسنة 1968م.
وله شرح مطبوع، هو لابن البراج بعنوان (شرح جمل العلم والعمل) نشرته جامعة مشهد بإيران سنة 1974م.
8 ـ الانتصار، الشريف المرتضى، طبع ضمن (الجوامع الفقهية) في طهران سنة 1276هـ وفي النجف سنة 1391هـ منفرداً.
9 ـ المسائل الناصريات، الشريف المرتضى طبع ضمن (الجوامع الفقهية).
10 ـ الكافي، أبو الصلاح (تقي الدين بن نجم الدين عبدالله الحلبي ت447هـ)، طبع في قم سنة 1403هـ).
11 ـ النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، الطوسي (محمد بن الحسن ت460هـ)، طبع في بيروت سنة 1970م، وسنة 1980م.
وعليه شرح للمحقق الحلي بعنوان (نكت النهاية = حل مشكلات النهاية)، منشور ضمن (الجوامع الفقهية).
12 ـ الجمل والعقود، الطوسي، طبع ضمن (رسائل الشيخ الطوسي) في بيروت سنة (1408هـ).
13 ـ المراسم = المراسم العلوية، سلار (حمزة بن عبد العزيز الديلمي ت463هـ) نشر ضمن (الجوامع الفقهية) ثم طبع مستقلاً في النجف الأشرف سنة 1400هـ.
14 ـ إصباح الشيعة بمصباح الشريعة، الصهرشتي (سليمان بن الحسن) كان حياً قبل 460هـ.
15 ـ الجواهر = جواهر الفقه، ابن البراج (القاضي عبد العزيز بن نحرير الطرابلسي ت481هـ) نشر ضمن (الجوامع الفقهية).
16 ـ المهذب، ابن البراج (القاضي عبد العزيز الطرابلسي) وقد يطلق عليه (المهذب القديم) تفرقة بينه وبين مهذب ابن فهد.
17 ـ الغنية = غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع، ابن زهرة (أبو المكارم حمزة بن علي الحسيني الحلبي ت585هـ)، نشر ضمن (الجوامع الفقهية).
18 ـ إشارة السبق إلى معرفة الحق، ابن أبي الفضل (أبو الحسن علي بن أبي الفضل الحسن بن أبي المجد الحلبي)، نشر ضمن (الجوامع الفقهية).
19 ـ الوسيلة إلى نيل الفضيلة، ابن حمزة (محمد بن علي بن حمزة المشهدي من فقهاء القرن السادس الهجري) نشر ضمن (الجوامع الفقهية)، ومستقلاً في النجف الأشرف سنة 1399هـ.
20 ـ شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، المحقق الحلي (جعفر بن الحسن الهذلي ت676هـ)، نشر مراراً مطبوعاً على الحجر في إيران، منها نشرة سنة 1377هـ، وطبع على الحروف في بيروت، وفي النجف الأشرف سنة 1389هـ بأربعة مجلدات، وفي بيروت أيضاً سنة 1978م في مجلدين.
وترجم إلى اللغة الفارسية الروسية واللغة الفرنسية. وشرح بعدة شروح قاربت التسعين شرحاً، طبع منها:
1 ـ مسالك الإفهام للشهيد الثاني.
2 ـ مدارك الأحكام للسيد العاملي.
3 ـ جواهر الكلام للنجفي.
4 ـ هداية الأنام للكاظمي.
5 ـ ذرائع الأحلام للمامقاني.
6 ـ مصباح الفقيه للهمداني.
7 ـ دلائل الأحكام للخنيزي.
8 ـ شرح الشرائع للفاني.
21 ـ المختصر النافع = النافع = النافع في اختصار الشرائع، المحقق الحلي، اختصر به كتابه (شرائع الإسلام) المار الذكر، نشرته وزارة الأوقاف المصرية سنة 1956م وسنة 1958م ثم أعيد طبعه في النجف الأشرف سنة 1964م، وفي بيروت سنة 1987م.
وعليه أكثر من شرح، والمطبوع منها:
1 ـ المعتبر في شرح المختصر، للمؤلف نفسه، طبع على الحجر بطهران 1318هـ.
2 ـ التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، للمقداد السيوري طبع بأربعة أجزاء.
3 ـ الرياض، للسيد الطباطبائي، طبع حجرياً بمجلدين كبيرين.
4 ـ المهذب البارع، ابن فهد الحلي.
22 ـ الجامع للشرائع، يحي بن سعيد (أبو زكريا يحي بن أحمد بن يحي بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلي ت690هـ).
23 ـ قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام، العلامة الحلي (أبو منصور الحسن بن يوسف ت726هـ)، طبع مستقلاً وطبع متناً مع شروحه المطبوعة، ومنها:
1 ـ إيضاح الفوائد في شرح القواعد، لفخر المحققين ابن المؤلف.
2 ـ جامع المقاصد في شرح القواعد، للمحقق الكركي.
3 ـ مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، للسيد العاملي.
4 ـ شرح القواعد، للشيخ المظفر (طبع منه كتاب الحج).
24 ـ تبصرة المتعلمين في أحكام الدين، العلامة الحلي، طبع في طهران سنة 1324هـ وسنة 1329هـ، وبغداد سنة 1338هـ ودمشق سنة 1342هـ والنجف سنة 1380هـ وبيروت سنة 1404هـ.
وعليه أكثر من حاشية وأكثر من شرح، وطبع منها:
1 ـ حاشية الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء بهامش طبعة بغداد لسنة 1338هـ.
2 ـ حاشية السيد محسن الأمين، طبع مع المتن سنة 1342هـ. ثم طبع طبعة ثانية.
3 ـ حاشية الشيخ جعفر البديري بهامش طبعة النجف 1340هـ.
4 ـ شرح التبصرة، الآقا ضياء العراقي.
5 ـ كفاية المحصلين في شرح تبصرة المتعلمين، الميرزا محمد علي بن محمد طاهر (آقابالا) التبريزي الخياباني، طبع سنة 1353هـ، وهو شرح مزجي.
6 ـ التكملة في شرح التبصرة الشيخ إسماعيل التبريزي، طبع مجلد منه من البيع إلى آخر الديات سنة 1337هـ.
7 ـ اللمعات النيرة في شرح تكملة التبصرة، الشيخ محمد كاظم الخراساني (ت1329هـ)، طبع مع (الشذرات).
8 ـ صراط اليقين في شرح تبصرة المتعلمين، الشيخ أحمد بن زين الدين الإحسائي (ت1241هـ)، مدرج في (جوامع الكلم) المطبوع سنة 1274هـ.
9 ـ شرح التبصرة، السيد عبد الكريم آل السيد علي خان ـ وهو شرح استدلالي ـ طبع منه كتاب الخمس.
10 ـ فقه الصادق، السيد صادق الروحاني القمي ـ وهو شرح استدلالي أيضاًـ.
25 ـ تحرير الأحكام الشرعية على مذاهب الإمامية = تحرير الفتاوى والأحكام، العلامة الحلي، نشر في طهران مطبوعاً على الحجر سنة 1314هـ.
26 ـ إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، العلامة الحلي، نشر مع شرحه الموسوم بـ (مجمع الفائدة والبرهان) سنة 1272هـ ومزجاً مع (روض الجنان) سنة 1307هـ.
وعليه شروح، طبع منها:
1 ـ غاية المراد في شرح نكت الإرشاد، الشهيد الأول، ط في إيران مكرراً، منها طبعة عام 1302هـ.
2 ـ روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، الشهيد الثاني، ط في إيران سنة 1307هـ.
3 ـ مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، المولى الأردبيلي.
4 ـ الطهارة (شرح طهارة إرشاد الأذهان)، الشيخ مرتضى الأنصاري.
5 ـ الخمس (شرح لخمس إرشاد الأذهان) للأنصاري أيضاً طبع بعنوان (ملحقات المكاسب).
27 ـ نهاية الإحكام في معرفة الأحكام، العلامة الحلي.
28 ـ اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية، الشهيد الأول (محمد بن مكي العاملي ت786هـ) نشر مستقلاً في إيران أكثر من مرة، آخرها سنة 1406هـ.
ومن شروحه المطبوعة:
1 ـ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، الشهيد الثاني.
2 ـ الخيارات في بعض مسائل البيوع (شرح استدلالي على اللمعة)، الشيخ علي بن الشيخ جعفر آل كاشف الغطاء (ت1303هـ) طبع بطهران مجلّده الأول المنتهي إلى خيار التفليس سنة 1319هـ.
29 ـ الدروس الشرعية في فقه الإمامية، الشهيد الأول، نشر في إيران سنة 1269هـ.
30 ـ البيان، الشهيد الأول، طبع في إيران سنة 1329هـ.
31 ـ ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، الشهيد الأول، طبع في طهران سنة 1271هـ.
32 ـ معالم الدين (الطهارة)، الشيخ حسن بن زين الدين العاملي (ت1011هـ)، طبع بإيران مكرراً منها سنة 1322هـ.
33 ـ المفاتيح = مفاتيح الشرائع، الكاشاني (محمد ابن مرتضى المدعو بمحسن ت1091هـ) في مجلدين: أولهما في العبادات والسياسات والثاني في العادات والمعاملات.
34 ـ النخبة في الحكمة العملية والأحكام الشرعية، له أيضاً، طبع بإيران سنة 1330هـ.
35 ـ الدرة المنظومة، السيد محمد المهدي بحر العلوم (ت1212هـ) ـ في الطهارة والصلاة ـ طبعت عدة مرات، مستهلها:
| أفتتح المقال بعد البسملة | بحمد خير منعم والشكر له |
وقال في تسميتها وتاريخ نظمها:
| غراء قد وسمتها بالدره | تاريخها عام الشروع (غره) 1205 |
ـ وعليها شرح مطبوع لآغا بن عابد الشيرواني الدربندي (ت1276هـ) سماه (خزائن الأحكام في شرح الدرة المنظومة).
36 ـ نجاة العباد في يوم المعاد، صاحب الجواهر (الشيخ محمد حسن النجفي ت1266هـ).
1 ـ وسيلة المعاد في شرح نجاة العباد، إسماعيل بن أحمد العقيلي النوري (ت1321هـ)، طبع منه الطهارة والصلاة في ثلاثة مجلدات سنة 1311هـ ـ 1324هـ.
2 ـ فوز المعاد وسلامة المرصاد (حاشية)، السيد أبو تراب الخوانساري (ت1346هـ) طبع في النجف سنة 1341هـ.
3 ـ سبيل الرشاد في شرح نجاة العباد، له أيضاً، طبع منه في النجف مجلد الصوم والميراث.
ـ وله مختصر بعنوان (ذريعة الوداد في مختصر نجاة العباد)، الميرزا حسين الخليلي (ت1326هـ)، طبع بالهند ثم بإيران.
37 ـ معتمد السائل، الشيخ عبدالله بن عباس الستري البحراني (ت حدود 1270هـ) ط سنة 1400هـ.
38 ـ منجية العباد في يوم المعاد، الشيخ محمد حسين الكاظمي (ت 1308هـ) ط سنة 1297هـ.
ـ وعليه حاشية للسيد مهدي بن أحمد آل حيدر الكاظمي ط سنة 1305هـ.
39 ـ بغية الخاص والعام، للشيخ الكاظمي أيضاً، ط في بمبىء سنة 1298هـ.
41 ـ وسيلة النجاة، الشيخ محمد هادي بن محمد أمين الطهراني النجفي (ت1321هـ) ط سنة 1301هـ.
42 ـ نعم الزاد ليوم المعاد، نجف: (محمد طه بن مهدي التبريزي ت1323هـ) طبع في لكهنو سنة 1309هـ وفي النجف سنة 1315هـ وفي بمبىء سنة 1323هـ ثم مع حواشي السيد كاظم اليزدي عليها في سنة 1327هـ.
43 ـ القطرات والشذرات، الشيخ محمد كاظم الخراساني (ت1329هـ) ط في بغداد.
44 ـ العروة الوثقى فيما تعم به البلوى، اليزدي (محمد كاظم بن عبد العظيم الطباطبائي ت1337هـ)، طبع طبعات متعددة ومتنوعة، مستقلاً ومحشى، وأولى طبعاته كانت سنة 1330هـ في بغداد وبجزأين، ثم في صيدا سنة 1348هـ.
ولأنه تميز وامتاز بكثرة فروعه كثرت الحواشي عليه، فقد طبع في بمبىء (الهند) سنة 1339هـ وبهامشه حاشية الشيخ علي آل صاحب الجواهر (ت1340هـ)، وفي أعلى صفحة العنوان من هذه الطبعة بيتان من الشعر، هما:
| فقيه بيت الوحي ما خاب في | عروته الوثقى من استمسكا | |
| فإن أهل البيت أدرى بما | في البيت من أحكامه مدركا |
وفي أسفل الصفحة ثلاثة أبيات هي:
| كاظم أهل البيت بالعروة الـ | ـوثقى أتى فاستوجب الشكرا | |
| والناس في الأشياء قد تستوي | وما استوت علماً ولا خُبرا | |
| والشرع بيت للهدى قائم | والبيت أهلوه به أدرى |
وطبعت في النجف عام 1349هـ وبهامشها حاشية الميرزا محمد حسين النائيني (ت1355هـ).
وطبع كثير من حواشيها مستقلاً مجدولاً، منه:
1 ـ حاشية الحاج آقا حسين القمي الحائري، طبعت على الحجر في النجف الأشرف سنة 1356هـ بخط أحمد الزنجاني.
2 ـ حاشية الميرزا محمد حسين النائيني.
3 ـ حاشية الشيخ عبد الكريم اليزدي، ط بإيران سنة 1347هـ.
4 ـ حاشية السيد محمد الفيروزآبادي، ط بالنجف.
5 ـ حاشية السيد أبو الحسن الأصفهاني.
6 ـ حاشية الشيخ محمد رضا آل ياسين.
7 ـ حاشية الميرزا عبد الهادي الشيرازي.
8 ـ حاشية السيد روح الله الخميني.
وطبع كتاب (العروة الوثقى مذيلاً بأربع حواشٍ هي:
1 ـ حاشية آغا ضياء العراقي.
2 ـ حاشية السيد أبو الحسن الأصفهاني.
3 ـ حاشية السيد آغا حسين القمي.
4 ـ حاشية السيد آغا حسين البروجردي.
وطبعت (العروة الوثقى) في طهران (د. ت) بمجلد واحد كبير مذيلة بخمس حواشٍ هي:
1 ـ حاشية السيد محمد رضا الموسوي الكلبايكاني.
2ـ حاشية السيد محسن الطباطبائي الحكيم.
3 ـ حاشية السيد محمود الحسيني الشاهرودي.
4 ـ حاشية السيد محمد كاظم الشريعتمداري.
5 ـ حاشية السيد أبو القاسم الخوئي.
وطبعت في بيروت سنة 1404هـ (ط2) بمجلدين مذيلة بعشر حواشٍ هي:
1 ـ حاشية السيد روح الله الخميني.
2 ـ حاشية السيد أبو القاسم الخوئي.
3 ـ حاشية السيد أحمد الخونساري.
4 ـ حاشية السيد محمد كاظم الشريعتمداري.
5 ـ حاشية السيد حسن الطباطبائي القمي.
6 ـ حاشية السيد محمد الرضا الكلبايكاني.
7 ـ حاشية السيد شهاب الدين المرعشي النجفي.
8 ـ حاشية السيد أبو الحسن الرفيعي.
9 ـ حاشية السيد محمود الشاهرودي.
10 ـ حاشية السيد محمد الهادي الميلاني.
ولها حواشٍ أخرى مطبوعة أيضاً، مثل:
1 ـ حاشية السيد عدنان الغريفي.
2 ـ حاشية الشيخ أحمد كاشف الغطاء.
3 ـ حاشية الشيخ عبدالله المامقاني ط سنة 1342هـ.
4 ـ حاشية السيد محمد بن زين العابدين النقوي ط سنة 1343هـ.
5 ـ حاشية الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء.
6 ـ حاشية السيد الميرزا آغا الأصطهباناتي.
7 ـ حاشية الشيخ محمد حسن المظفر.
8 ـ حاشية السيد حسين البروجردي.
9 ـ حاشية السيد يونس الأردبيلي.
10 ـ حاشية السيد محمد تقي الخوانساري.
11 ـ حاشية السيد محمد الرضوي.
12 ـ حاشية الشيخ عبد الكريم الزنجاني.
13 ـ حاشية الشيخ محمد كاظم الحاج حيدر الشيرازي.
14 ـ حاشية السيد صدر الدين الصدر.
15 ـ حاشية السيد محمد جعفر المروج الجزائري.
16 ـ حاشية السيد محمد الحسني البغدادي.
17 ـ حاشية الميرزا حسن البجنوردي.
18 ـ حاشية السيد عبدالله الشيرازي.
19 ـ حاشية الشيخ محمد أمين زين الدين.
وعلى الكتاب شروح استدلالية، والمطبوع منها:
1 ـ مستمسك العروة الوثقى، السيد الحكيم 13 مج.
2 ـ مصباح الهدى، الشيخ الآملي 10 مج.
3 ـ مهذب الأحكام، السيد السبزواري.
4 ـ تقريرات السيد الخوئي بأقلام تلامدته، منها: ـ التنقيح، ـ والمعتمد.
5 ـ كفاية الفقه المتعلقة بالعروة الوثقى من تقريرات الملا محمد كاظم بن حسين الخراساني وتحرير السيد محمد كاظم الطبطبائي الكوه كمري طبع جزآن منه.
6 ـ دليل العروة الوثقى، الشيخ الحلي.
7 ـ مباني العروة الوثقى، الشيخ الفقيه العاملي.
8 ـ العمل الأبقى، السيد علي شبر.
9 ـ نهج الهدى، الشيخ البروجردي.
10 ـ الفقه، السيد محمد الشيرازي.
11 ـ مدارك العروة الوثقى، الشيخ يوسف الخراساني الحائري.
12 ـ الفقه الأرقى في شرح العروة الوثقى، الشيخ عبد الكريم الزنجاني.
13 ـ بحوث في شرح العروة الوثقى، السيد محمد باقر الصدر.
14 ـ الحجة العظمى في شرح العروة الوثقى (تقريراً لبحث السيد عبد الأعلى السبزواري)، السيد جمال الدين الحسيني الأسترآبادي.
15 ـ مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى، السيد علي بن السيد مصطفى بن علي أكبر أسيري الغالي.
ـ وترجم كتاب العروة الوثقى إلى لغة الأردو السيد سَرْوَر حسين اللأمروهوي الهندي، وسماها (شريعة الهدى في ترجمة العروة الوثقى).
45 ـ هدية المتقين، الشيخ هادي آل كشف الغطاء، طبع سنة 1342هـ ـ وهو تلخيص لكتابه الاستدلالي الموسع: هداية الأنام في معرفة الأحكام ـ.
46 ـ سفينة النجاة، آل كاشف الغطاء (الشيخ أحمد بن علي ت1345هـ) طبع في النجف سنة 1338هـ وسنة 1355هـ وسنة 1356هـ.
وعليه حاشية موسعة لأخي المؤلف الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، طبعت مع الأصل سنة 1364هـ.
47 ـ ذخيرة العباد ليوم المعاد، الميرزا محمد تقي الشيرازي (ت1338هـ).
48 ـ نعم الزاد ليوم المعاد، الشيخ حبيب بن صالح آل قرين البصري الأحسائي (ت1364هـ).
49 ـ خير الزاد ليوم المعاد، الشيخ عبد المحسن بن الشيخ حسين الخاقاني ط في النجف سنة 1357هـ.
50 ـ وسيلة النجاة، الأصفهاني (السيد أبو الحسن ت1365هـ)، طبع في النجف سنة 1341هـ و1343 و1346 و1355هـ.
ومن حواشيه المطبوعة:
1 ـ حاشية الشيخ محمد رضا آل ياسين، ط النجف 1367هـ.
2 ـ حاشية السيد حسين الحمامي، ط النجف 1369هـ.
3 ـ تحرير الوسيلة، السيد روح الله الخميني، ط بإيران 1404هـ.
4 ـ حاشية السيد عبد الأعلى السبزواري.
ومن شروحه المطبوعة:
1 ـ بغية الهداة في شرح وسيلة النجاة السيد محمد الجواد الطباطبائي التبريزي.
51 ـ المسائل المهمة، السيد حسن الصدر، ط سنة 1337هـ.
52 ـ الدر الثمين في أهم ما يجب معرفته على المسلمين، السيد محسن الأمين، ط بجزأين الأول في الأصول والثاني في الفروع.
53 ـ بلغة الراغبين في فقه آل ياسين، الشيخ محمد رضا آل ياسين الكاظمي (ت1370هـ) ط في النجف سنة 1356هـ.
54 ـ منهاج الصالحين، الحكيم (السيد محسن الطباطبائي ت1390هـ) طبع طبعته الأولى بجزأين في النجف سنة 1366هـ وأيضاً في المكان والزمان المذكورين طبع (منهاج الناسكين) الخاص بالحج والذي يعد مكملاً له.
وله حاشيتان مطبوعتان، هما:
1 ـ حاشية السيد أبو القاسم الخوئي، وهي حاشية مزجية.
2 ـ حاشية السيد محمد باقر الصدر، وهي حاشية ذيلية.
55 ـ نخبة المسائل، السيد هادي الميلاني (ت1395هـ) ط في النجف سنة 1370هـ.
56 ـ الفتاوى الواضحة، السيد محمد باقر الصدر، ط في النجف.
57 ـ كلمة التقوى، الشيخ محمد أمين زين الدين، ط في البحرين بعدة أجزاء.
كتب الاستدلال:
1 ـ من لا يحضره الفقيه، الصدوق.
عليه شرح بعنوان (روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه) للمجلسي الأول (محمد تقي بن مقصود ت1070هـ) طبع بأربعة عشر مجلداً.
2 ـ تهذيب الأحكام في شرح المقنعة، الطوسي.
3 ـ الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، الطوسي أيضاً. وقد نهج المؤلفان فيها طريقة مدرسة الفقهاء المحدثين.
4 ـ المبسوط، الطوسي، طبع في طهران بمجلد كبير، وأعيد طبعه سنة 1387هـ.
5 ـ السرائر= السرائر الحاوي تحرير الفتاوي، الحلي (محمد بن أحمد بن إدريس العجلي ت598هـ)، طبع على الحجر بإيران سنة 1270هـ، ومعه مستطرفاته.
6 ـ المعتبر= المعتبر في شرح المختصر (المختصر النافع)، المحقق الحلي.
7 ـ إيضاح الفوائد في شرح القواعد، فخر المحققين (محمد بن الحسن الحلي ت771هـ) طبع في قم (إيران) سنة 1387هـ.
8 ـ غاية المراد في شرح نكت الإرشاد (إرشاد الأذهان)، الشهيد الأول.
9 ـ جامع المقاصد في شرح القواعد (قواعد الأحكام)، المحقق الكركي (علي بن عبد العالي ت940هـ)، طبع على الحجر بإيران بستة مجلدات، وصل فيه إلى تفويض البضع من كتاب النكاح، وتمّمه الفاضل الهندي بكتابه (كشف اللثام عن وجه قواعد الأحكام).
10 ـ المسالك= مسالك الإفهام (شرح شرائع الإسلام) الشهيد الثاني، طبع حجرياً بإيران في مجلدين كبيرين.
11 ـ الروض= روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، الشهيد الثاني.
12 ـ مجمع الفائدة والبرهان، الأردبيلي (أحمد بن محمد ت993هـ)، طبع حروفياً بسبعة مجلدات، وقبلها حجرياً سنة 1202هـ.
13 ـ مدارك الأحكام (شرح شرائع الإسلام)، العاملي (محمد بن علي الموسوي ت1009هـ).
14 ـ معالم الدين في ملاذ المجتهدين، الشيخ حسين بن زين الدين العاملي (ت1011هـ)، ط (طهارته) في إيران سنة 1322هـ.
15 ـ ذخيرة العباد في شرح الإرشاد، المولى محمد باقر السبزواري (ت1090هـ) طبع بإيران سنة 1274هـ.
16 ـ كفاية المقتصد، له أيضاً، طبع بإيران سنة 1269هـ و1270هـ.
17 ـ الحدائق= الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة، البحراني (يوسف بن أحمد آل عصفور ت1186هـ)، طبع حجرياً بتبريز سنة 1318هـ بست مجلدات ثم حروفياً باثنين وعشرين مجلداً، وعليها تعليقة ذيلية لأستاذنا الشيخ محمد تقي الإيرواني.
18 ـ تتمة الحدائق (عيون الحقائق الناضرة في تتميم الحدائق الناضرة)، آل عصفور (حسين بن محمد ت1216هـ)، طبع في النجف سنة 1342هـ.
19 ـ مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة العاملي (محمد جواد ت1226هـ)، طبع حروفياً بأحد عشر مجلداً كبيراً في القاهرة سنة 1323هـ.
20 ـ وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة، السيد محسن الأعرجي الكاظمي (ت1227هـ) ط بإيران سنة 1320هـ.
21 ـ كشف الغطاء= كشف الغطاء عن خفيات مبهمات الشريعة الغراء، الشيخ جعفر الكبير (جعفر بن خضر الجناحي النجفي ت1228هـ) ط حجرياً بإيران.
22 ـ غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام، القمي (الميرزا أبو القاسم بن محمد ت1231هـ) ط حجرياً بإيران سنة 1319هـ ومعه رسائل عديدة له.
23 ـ مناهج الأحكام، له أيضاً، طبع منه مجلد الصلاة بطهران سنة 1371هـ.
24 ـ معتمد الشيعة في أحكام الشريعة، المولى مهدي بن أبي ذر النراقي ت1209هـ.
25 ـ الرياض= رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل، الطباطبائي (علي بن محمد ت1231هـ) ط على الحجر بمجلدين كبيرين سنة 1272هـ.
وعليه شرح بعنوان:
ـ وثيقة الوسائل في شرح رياض المسائل، السيد أحمد بن علي الحسيني الرشتي، ط سنة 1320هـ.
26 ـ مقابسؤ الأنوار ونفائس الأسرار في أحكام النبي المختار وعترته الأطهار، التستري (أسد الله ت1234هـ) ط على الحجر بإيران سنة 1322هـ.
27 ـ المناهل، الطباطبائي الحائري (السيد محمد بن علي ت 1242هـ) ط بإيران.
28 ـ مستند الشيعة إلى أحكام الشريعة، النراقي (أحمد بن محمد مهدي ت 1245هـ) ط بإيران على الحجر بمجلدين كبيرين.
29 ـ الجواهر= جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، النجفي (محمد حسن بن محمد باقر ت1266هـ) ط على الحجر بستة مجلدات كبار، ثم على الحروف في ثلاثة وأربعين مجلداً.
قالوا فيه: «لم يكتب مثله جامع في استنباط الحلال والحرام، ولم يوفق لنظيره أحد من الأعلام، لأنه محيط بالفقه من أوله إلى آخره، محتوٍ على وجوه الاستدلال، مع دقة النظر ونقل الأقوال، قد صرف مؤلفه عمره الشريف وبذل وسعه في تأليفه فيما يزيد على ثلاثين سنة».
30 ـ ذخائر النبوة، الشيخ هادي بن محمد أمين الطهراني (ت1321هـ) طبع منه مجلد الخيارات سنة 1325هـ.
31 ـ المكاسب= المتاجر، الأنصاري (مرتضى بن محمد أمين التستري ت1281هـ) طبع حجراً عدة طبعات، ثم حروفاً بأحد عشر مجلداً.
وعليه شروح، منها:
1 ـ حاشية المكاسب، لليزدي.
2 ـ حاشية المكاسب، للخراساني.
3 ـ حاشية المكاسب، للأصفهاني الكمباني.
4 ـ منية الطالب في حاشية المكاسب، للخونساري.
5 ـ غنية الطالب في شرح المكاسب، للأوردكاني.
6 ـ هداية الطالب إلى شرح المكاسب، الشيخ فتاح الشهيدي.
7 ـ حاشية ميرزا علي الأيرواني.
8 ـ نهج الطالب في حاشية المكاسب، للحجة الكوه كمري.
9 ـ نهج الفقاهة، للسيد الحكيم.
10 ـ مصباح الفقاهة، للسيد الخوئي بقلم تلميذه الشيخ محمد علي التوحيدي.
11 ـ محاضرات في الفقه الجعفري، للسيد الخوئي أيضاً بقلم تلميذه السيد علي الحسيني الشاهرودي.
12 ـ بلغة الطالب في شرح المكاسب، للسيد عبد المحسن فضل الله.
32 ـ الطهارة، للأنصاري أيضاً.
33 ـ البرهان القاطع، بحر العلوم (السيد علي بن رضا ت1298هـ) طبع بإيران بثلاثة مجلدات.
34 ـ هداية الأنام في شرح شرائع الإسلام، الكاظمي (محمد حسين ت1308هـ) عدة مجلدات.
35 ـ مصباح الفقيه (شرح شرائع الإسلام)، الهمداني (رضا بن محمد ت1322هـ) ط حجرياً بثلاثة مجلدات كبار، في الطهارة والصلاة والصوم والزكاة.
36 ـ ذرائع الأحلام في شرح شرائع الإسلام، المامقاني (محمد حسن ت1323هـ) ط على الحجر بعدة مجلدات سنة 1319 ـ 1349هـ.
37 ـ دلائل الأحكام في شرح شرائع الإسلام، الخنيزي (أبو الحسن علي بن حسن القطيفي ت1363هـ) ط في النجف الأشرف سنة 1395هـ بثمانية مجلدات.
38 ـ كتاب الزكاة، الشيخ مرتضى الأنصاري، ط في ملحقات المكاسب.
39 ـ فقه الإمامية، آغا نجفي (محمد تقي بن محمد باقر الأصفهاني) ط منه مجلد الطهارة سنة 1299هـ ومجلد البيع سنة 1294هـ.
40 ـ السؤال والجواب، للسيد محمد كاظم اليزدي، من جمع تلميذه الشيخ علي أكبر الخوانساري، طبع مجلده الأول من الطهارة إلى النكاح سنة 1340هـ.
41 ـ تحرير المجلة (مجلة الأحكام العثمانية للأحوال الشخصية) آل كاشف الغطاء (محمد الحسين ت1374هـ)، طبع في النجف سنة 1359هـ بخمسة مجلدات.
42 ـ شرح القواعد (قواعد الأحكام)، المظفر (محمد حسن ت1375هـ)، طبع منه كتاب الحج بمجلد واحد.
43 ـ بغية الهداة في شرح وسيلة النجاة، الطباطبائي (محمد الجواد التبريزي 1387هـ) طبع منه مجلدان.
44 ـ مستمسك العروة الوثقى، الحكيم (محسن الطباطبائي ت1390هـ)، طبع في طبعته الثانية بثلاثة عشر مجلداً.
46 ـ مصباح الهدى (شرح العروة الوثقى)، الآملي (محمد تقي ت1391هـ) طبع بعشر مجلدات.
47 ـ دليل العروة الوثقى، الشيخ حسين الحلي، طبع منه مجلد واحد في الطهارة.
48 ـ بحوث فقهية، الحلي أيضاً، بقلم تلميذه السيد عز الدين بحر العلوم.
49 ـ العمل الأبقى في شرح العروة الوثقى، شبر (علي بن محمد الحسيني ت1393هـ) طبع منه أربعة مجلدات.
50 ـ نهج الهدى في التعليق على العروة الوثقى، الشيخ محمد تقي البروجردي، طبع منه جزآن في الطهارة والصلاة.
51 ـ أنوار الوسائل، الخاقاني (محمد طاهر بن عبد الحميد آل شبير ت1406هـ) طبع منه مجلدان في الطهارة.
52 ـ كتاب الخمس (شرح مبحث الخمس في تبصرة العلامة الحلي)، السيد عبد الكريم علي خان.
53 ـ مباني العروة الوثقى، الفقيه (محمد تقي العاملي) طبع منه جزء الخمس.
54 ـ التنقيح (شرح العروة الوثقى)، الخوئي، بقلم تلميذه علي الغروي، عدة مجلدات.
55 ـ مباني تكملة المنهاج، الخوئي أيضاً، ط بمجلدين.
56 ـ دروس في فقه الشيعة، الخوئي أيضاً بقلم تلميذه السيد مهدي الخلخالي، ط منه جزآن.
57 ـ المكاسب المحرمة، السيد روح الله الخميني، ط بطهران في مجلدين.
58 ـ كشف الحقائق عن الفقه الجعفري في المكاسب، تقريرات بحث الميرزا هاشم الآملي، بقلم تلميذه السيد حسين الطبري، ط في النجف سنة 1380هـ.
59 ـ القطرة في زكاة الفطرة، تقريرات بحث السيد عبدالله الطاهري الشيرازي، بقلم تلميذه الشيخ علي محمد المازندراني، ط في النجف سنة 1380هـ.
60 ـ مصباح الفقيه في المواريث، الشيخ يوسف الفقيه العاملي، ط سنة 1352هـ.
61 ـ مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام، السبزواري (عبد الأعلى الموسوي) طبع في النجف الأشرف بثلاثين مجلداً.
62 ـ الفقه، الشيرازي (محمد بن مهدي الحسيني) طبع منه حتى الآن سبعون جزءاً.
وغيرها.
ومما لا يزال مخطوطاً يقف الباحث والدارس على ذكر شيء قليل منه في الموسوعات الكبرى كالجواهر ومفتاح الكرامة، وباستعراضٍ وافٍ في كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) لآقا بزرك الطهراني.
كتب بين بين:
ومما يأتي بين العرض والاستدلال:
1 ـ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقيية، الشهيد الثاني (زين الدين بن علي العاملي ت966هـ) طبع حجراً في إيران بمجلدين كبيرين، وحروفاً ببيروت بمجلدين أيضاً وفي النجف بعشر مجلدات.
وعلى نشرته الحجرية أكثر من حاشية كتبت بالأشكال الزخرفية، ومن أهمها حاشية سلطان العلماء (السيد علاء الدين الحسيني المرعشي 1064هـ).
وطبع من شروحه:
ـ سراج الأمة في شرح اللمعة، الشيخ محمد حسن بن صفر علي البارفروشي، ط سنة 1324هـ.
2 ـ السداد= سداد العباد ورشاد العُبّاد، آل عصفور (الشيخ حسين بن محمد الدرازي البحراني ت1216هـ) ـ وهو في العبادات والمتاجر ـ طبع أكثر من مرة، منها في بمبىء سنة 1339هـ وفي سنة 1408هـ مصوراً على نشرة النجف الأشرف التي كانت سنة 1381هـ.
وله من الشروح:
أ ـ توضيح المفاد، للشهابي (الشيخ عبد المحسن الدرازي).
ب ـ مفتاح الرشاد، للعصفور، (الشيخ ناصر بن الشيخ أحمد).
ج ـ فقه الإمام جعفر الصادق (ع)، مغنية (محمد جواد العاملي)، طبع ببيروت في ستة مجلدات.
(كتب الخلاف):
1 ـ الخلاف، الطوسي، طبع في طهران سنة 1377هـ.
2 ـ المنتهى= منتهى المطلب في تحقيق المذهب العلامة الحلي (ذكر فيه خلاف علمائنا خاصة ومستند كل قائل مع الترجيح لما صار إليه) طبع بتبريز.
3 ـ التذكرة= تذكرة الفقهاء، العلامة الحلي (ذكر فيه خلاف علماء الإسلام في كل مسألة مع تأييد قول الشيعة) طبع في طهران.
4 ـ المختلف= مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، العلامة الحلي، طبع في إيران سنة 1323هـ.
5 ـ الإنصاف في تحقيق مسائل الخلاف (من كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام)، الشيخ محمد طه نجف (ت1323هـ)، طبع مع بعض رسائله الفقهية الأخرى سنة 1324هـ.
12 ـ فهارس كتب الشيعة
| 1 ـ الفهرست | الشيخ الطوسي |
| 2 ـ الفهرست | منتجب الدين القمي |
| 3 ـ معالم العلماء | ابن شهرآشوب |
| 4 ـ كشف الحجب والأستار عن أحوال
الكتب والأسفار |
السيد إعجاز حسين الكنتوري |
| 5 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة | الشيخ آغا بزك الطهراني |
13 ـ مراجع فقه المذاهب الإسلامية غير الشيعية
| 1 ـ مذاهب الأباضية([384]): | |
| 1 ـ فقه الإمام جابر بن زيد | جمع يحي محمد بكوش |
| 2 ـ الإيضاح | أبو ساكن عامر الشماخي (ت792). |
| 3 ـ منهج الطالبين وبلاغ الراغبين | خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي (من فقهاء القرن العاشر الهجري). |
| 4 ـ النيل وشفاء الغليل (مختصر) | عبد العزيز الثميني (ت1223هـ). |
| 5 ـ شرح النيل | محمد بن يوسف أطفيش (ت1332هـ) |
| 2 ـ مذهب الحنفية: | |
| 1 ـ المبسوط | محمد بن الحسن الشيباني (ت198هـ) |
| 2 ـ المبسوط | محمد بن أحمد السرخسي (ت483هـ). |
| 3 ـ مختصر القدوري | أحمد بن محمد القدوري البغدادي (ت428هـ) |
| 4 ـ بدايع الصنايع في ترتيب الشرائع | أبو بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ) |
| 5 ـ الهداية شرح البداية | علي بن أبي بكر المرغياني (ت593هـ). |
| 6 ـ وقاية الرواية في مسائل الهداية | برهان الشريعة محمود بن أحمد المحبوبي (ت نحو 673هـ) |
| 7 ـ حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار المعروفة بحاشية ابن عابدين | أحمد بن عبد الغني (ت1307هـ) |
| 3 ـ مذهب المالكية:
1 ـ المدونة الكبرى عن الإمام مالك بن أنس |
|
| 2 ـ مختصر خليل | خليل بن إسحاق (ت767هـ) |
| 3 ـ الشرح الكبير على مختصر سيدي خليل | أحمد بن محمد العدوي الخلوتي الشهير بالدردير (ت1201هـ) |
| 4 ـ مذهب الشافعية: | |
| 1 ـ الأم | الإمام الشافعي |
| 2 ـ مختصر المزني | إسماعيل بن يحي المزني (ت264هـ) |
| 3 ـ المهذب | إبراهيم بن علي الشيرازي (ت276هـ) |
| 4 ـ الوسيط | أبو حامد الغزالي (ت505هـ) |
| 5 ـ مذهب الحنبلية: | |
| 1 ـ مختصر الخرقي | عمر بن الحسين الخرقي (ت334هـ) |
| 2 ـ شرح الخرقي | محمد بن الحسين الفراء (ت458هـ) |
| 3 ـ المقنع | ابن قدامة المقدسي (ت620هـ) |
| 4 ـ الشافي (شرح المقنع) | عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة (ت682هـ) |
| مذهب الظاهرية: | |
| 1 ـ المحلّى | أبو محمد علي بن أحمد الشهير بابن حزم الأندلسي (ت456هـ). |
| 7 ـ مذهب الزيدية: | |
| 1 ـ مجموع الفقه المروي عن الإمام زيد بن علي والمعروف بمسند الإمام زيد | جمع ورواية تلميذه أبي خالد عمرو بن خالد وتصنيف أبي القاسم عبد العزيز بن إسحاق البغدادي (ت343هـ) |
| 2 ـ الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير | الحسين بن أحمد السياغي اليمني (ت1221هـ) |
| 3 ـ الأزهار في فقه الأئمة الأطهار (مختصر) | أحمد بن يحي بن المرتضى الحسني اليماني (ت840هـ) |
| 4ـ التاج المذهب لأحكام المذهب(شرح متن الأزهار) | أحمد بن قاسم العنسي اليماني |
| 8 ـ مذهب السلفية: | |
| 1 ـ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية | |
| 2 ـ مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب |
14 ـ مراجع الفقه المقارن
| 1 ـ تذكرة الفقهاء | العلامة الحلي |
| 2 ـ البحر الزخار | ابن المرتضى |
| 3 ـ المغني | ابن قدامة |
| 4 ـ الفقه على المذاهب الأربعة | الجزيري |
| 5 ـ الفقه على المذاهب الخمسة | مغنية |
| 6 ـ مقارنة المذاهب في الفقه | شلتوت وزميله |
| 7 ـ معجم فقه السلف | الكتاني |
15 ـ المعاجم الفقهية
| 1ـ معجم لغة الفقهاء (عربي ـ إنجليزي) | قلعة جي وزميله |
| 2 ـ القاموس الفقهي | أبو جيب |
| 3 ـ المغرب في ترتيب المعرب
(شرح غريب ألفاظ الفقه الحنبلي) |
المطرزي |
| 4 ـ المصباح المنير (في غريب الشرح الكبير للرافعي في الفقه الشافعي) | الفيومي |
| 5 ـ تهذيب الأسماء واللغات | النووي |
| 6 ـ أنيس الفقهاء | القونوي |
| 7 ـ معجم الفقه المالكي | ابن عبدالله |
| 8 ـ شرح غربب ألفاظ المدونة | الجبي |
| 9 ـ معجم الفقه الحنبلي | قلعة جي |
| 10 ـ معجم فقه ابن حزم الظاهري | جامعة دمشق |
| 11 ـ طلبة الطلبة في اللغة على ألفاظ كتب أصحاب أبي حنيفة | النسفي |
أنواع البحث
1 ـ يتنوع البحث تنويعاً أساسياً إلى بحث نظري وبحث علمي.
البحث النظري:
سمي نظرياً نسبة إلى النظر Speculation
والنظر ـ هنا ـ «هو الفكر الذي تطلب فيه المعرفة لذاتها لا الفكر الذي يطلب به العمل أو الفعل»([385]).
أو هو: «نشاط ذهني هدفه العلم والمعرفة ويقابل العمل»([386]).
وفي (المعجم الوسيط): «يقال: أمر نظري: وسائل بحثه الفكر والتخيل، وعلومه نظرية: قلّ أن تعتمد على التجارب العلمية ووسائلها»([387]).
ويقصر الفيلسوف (كانت Kant) البحث النظري (على كل بحث لا يخضع للتجربة كخلود الروح ووجود الله([388]).
ومما ذكرنا يمكننا الخلوص إلى أن البحث النظري هو الذي يعتمد المنهج العقلي أو المنهج النقلي.
فيأتي بهذا مقابلاُ للبحث العملي الذي يعتمد المنهج التجريبي.
البحث العملي:
وكما رأينا: إن البحث العملي هو الذي يعتمد المنهج التجريبي، ومن أهم وسائله المعمل أو المختبر Factory.
وينقسم البحث العملي إلى قسمين: معملي وميداني.
1 ـ البحث المعملي:
وهو الذي تجري تجاربه داخل المختبر أو المكتبة أو العيادة.
ويعتمد فيه على التجرية.
2 ـ البحث الميداني:
هو دراسة الكائنات الحية في بيئاتها المعتادة.
أو ما تجمع بياناته خارج المختبر والمكتبة والعيادة. ويعتمد فيه على الملاحظة.
ـ وينوع البحث تنويعاً أساسياً آخر إلى: بحث معياري وبحث وصفي.
البحث المعياري:
في (المعجم الفلسفي ـ مجمع): «معياري Normative نسبة إلى المعيار.
والعلوم المعيارية: هي العلوم التي تتجاوز دراستها وصف ما هو كائن إلى دراسة القيم من حق وخير وجمال، ومن هنا كان علم المنطق والأخلاق والجمال من حيث تنتهي إلى أحكام تقييمية دون أن تصدر أوامر أو تعليمات (علوماً معيارية).
وهي تقابل العلوم الوضعية Positif أو الوصفية Descriptif وهي التي تدرس ما هو كائن»([389]).
«وهي عند (ووندت): العلوم التي تهدف إلى صوغ القواعد والنماذج الضرورية لتحديد القيم كالمنطق والأخلاق وعلم الجمال.
وهي مقابلة للعلوم المسماة بالعلوم التفسيرية أو التقريرية Sciences explicatives التي تقوم على ملاحظة الأشياء وتفسيرها كما هي في الطبيعة»([390]).
وفي ضوء ما تقدم نقوى أن نعطي معنى البحث المعياري بأنه الذي يتعدى في دراسة الفكرة أو الظاهرة الوصف لواقع الفكرة أو لواقع الظاهرة، إلى التقويم وفق المعايير العقلية، وإعطاء أحكام تقييمية على أساس منها.
البحث الوصفي:
ومن الواضح أننا من تعرفنا معنى البحث المعياري تعرفنا معنى البحث الوصفي بأنه لا يتعدى وصف الفكرة أو الظاهرة، بل يقتصر على تفسير واقعها، دونما تقويم أو تقييم وفق المقاييس الفكرية والمعايير العقلية.
مجالات البحث
لأن هناك أكثر من مجال من مجالات المعرفة والفكر يُلزَم أن تطبق عليه أثناء معالجته معالجة فكرية أصول البحث العلمي… رأيت أن أتوفر على ذكر المهم منها هنا لأزيل ما قد يتوهم من اقتصار البحث على مجال ما يعرف حديثاً بالدراسة.
وهذه المجالات هي:
1 ـ الدراسة:
ترادف معاجم المصطلحات الأدبية العربية بين الدراسة والبحث، ففي (معجم مصطلحات الأدب)([391]): «الدراسة، البحث: المقال النثري الذي يعالج موضوعاً علمياً معيناً بالفحص والاستقراء»([392]).
وفي (المعجم الأدبي)([393]): «دراسة: راجع مادة بحث»، وفي مادة بحث([394]) يعرّف البحث بأنه: «دراسة تتناول موضوعاً معيناً من جميع وجوهه أو من جانب محدود، ويكون عادة على شيء من الاتساع».
وهذا المعنى المذكور في أعلاه، والمشهور في الأوساط الثقافية ـ جامعية وغيرها ـ لكلمة (دراسة) العربية من المعاني المحدثة.
والغريب أن المعنى مع شهرته وتركزه ووضوحه لم يدخل المعاجم اللغوية الحديثة كالمعجم الوسيط ومعجم لاروس وأمثالهما.
والدراسة بهذا المعنى المذكور والمعروف أهم مجال من مجالات البحث الذي يجب أن تطبق فيها أصوله وتتوفر فيها عناصره وأوصافه.
ولعله لهذا رادفت المعاجم المشار إليها بين لفظ الدراسة ولفظ البحث.
وأيضاً قد يكون من هنا جاء الوهم بأن مجال البحث عن الدراسة فقط.
2 ـ التحليل:
أريد بالتحليل ـ هنا ـ بحث الفكرة أو الظاهرة بحثاً شاملاً يستوعب كل الأطراف والشؤون، وعميقاً ينفذ إلى كل الزوايا ليكتشف الخبايا العلمية التي فيها.
هذا اللون من المعالجة لا بد أن يخضع ـ هو الآخر ـ لأصول البحث، وأن يترسم تعليماته في الوصول الى الهدف.
3 ـ النقد:
النقد العلمي هو عملية علمية يستهدف من ورائها تقويم الأثر العلمي ـ دراسة كان أو تحليلاً أو غيرهما ـ ومن ثم تقييمه تقييماً يبرز مدى التزامه بأصول البحث وقدرته على الوصول إلى النتائج المطلوبة.
هذا النمط من التفكير هو أيضاً مجال من مجالات البحث لا بد لمن يقوم به من الأخذ بأصول البحث والالتزام بتطبيقها.
4 ـ المناقشة:
أعني بالمناقشة ـ هنا ـ المناظرة الفكرية التي تعتمد طريقة الجدل، فإنها هي ـ أيضاً ـ مجال من مجالات البحث يلزمه الالتزام بأصوله.
وأكثر ما يكون هذا في البحوث الفلسفية والأصولية (أصول الفقه) حيث تناقش الآراء: قولاً ودليلاً، إيجاباً أو سلباً، قبولاً أو رفضاً.
5 ـ الرد:
والمراد بالرد ـ هنا ـ الجواب لإشكال علمي أشكل به على فكرة ما، أو اتّهام علمي وُجّه لمعتقدٍ ما.
فهو كذلك ميدان أو مجال من مجالات البحث، عليه أن يترسم خطواته ويلتزم أصوله.
وأكثر ما يكون هذا في البحوث الكلامية (علم الكلام)، ودراسات العقائد في الأديان والمذاهب.
6 ـ المقارنة:
هي أن يقرن الباحث بين فكرتين أو ظاهرتين بغية أن يتعرف ما بينهما من نقاط التقاء ووجوه افتراق، وقد يمتد به البحث إلى تعرف عوامل الالتقاء وأسباب الافتراق.
والمقارنة لأنها معالجة علمية تسجل مجالاً آخر من مجالات البحث يقوم على أصوله، ويسير في هدي تعليماته.
7 ـ الموازنة:
أعني بالموازنة ـ هنا ـ محاكمة الأدلة بإخضاعها لمعايير النقد العلمي وتقديم ما رجحت كفته في الميزان النقدي.
وأكثر ما يكون هذا في الدراسات كالفقه الاستدلالي الذي يقوم الباحث فيه بعرض الأقوال في المسألة ثم باستعراض أدلتها، ثم بموازنتها، فالانتهاء إلى النتيجة المطلوبة.
ولأن الموازنة هي أيضاً مما يتّسم بالمعالجة العلمية تأتي ـ وبوضوح ـ مجالاً من مجالات البحث يأخذ بأصوله ويسير وفق هديه.
8 ـ الاستدلال:
ومن الواضح أن المراد بالاستدلال ـ في هذا السياق ـ هو إقامة الدليل لإثبات المطلوب.
وهو بهذا ميدان آخر من مجالات البحث، عليه أن يلتزم أصوله ويأخذ بتعليماته.
إلى غيرها من معالجات علمية أخرى.
أسلوب البحث
لا بد لتعرف الأسلوب ـ هنا ـ وهو أسلوب البحث العلمي، أو الأسلوب العلمي Scientific Style من تقدمة تتضمن تعريف الأسلوب على نحو الإطلاق، ثم تقسيمه، فالانتهاء إلى معرفة الأسلوب العلمي.
تعريف الأسلوب:
لغوياً ذكر للأسلوب أكثر من معنى هي:
«الأسلوب: الطريق.
ويقال: سلكت أسلوب فلان في كذا: طريقته ومذهبه.
والأسلوب: طريقة الكاتب في كتابته.
والأسلوب: الفن، يقال: أخذنا في أساليب من القول: فنون متنوعة.
والأسلوب: الصف من النخيل ونحوه. (ج) أساليب»([395]) «ويطلق الأسلوب عند الفلاسفة:
– على كيفية تعبير المرء عن أفكاره.
ـ وعلى نوع الحركة التي يجعلها في هذه الأفكار، ولذلك قال (بوفون): إن الأسلوب هو الإنسان»([396]).
ولعله لهذا عرّفه بعضهم بـ «طريقة الإنسان في التعبير عن نفسه كتابةً»([397]).
وذلك لأن الأسلوب من الفروق الفردية التي تميز الفرد عن الآخر، ولذا قالوا: لكل كاتب أسلوبه، ولكل عصر أسلوبه.
وتسلمنا هذه التعاريف منطلقين من واقع معرفتنا للأسلوب إلى أنه ـ باختصار ـ طريقة التعبير.
تقسيم الأسلوب:
يقسم الأسلوب ـ كطريقة تعبير ـ إلى ثلاثة أقسام: الأسلوب الخطابي والأسلوب الأدبي والأسلوب العلمي.
1 ـ الأسلوب الخطابي:
نسبة إلى الخطابة، وهي «فنّ أدبي يعتمد على القول الشفوي في الاتصال بالناس لإبلاغهم رأياً من الآراء حول مشكلة ذات طابع جماعي»([398]).
وأوضح عبد النور في (المعجم الأدبي)([399]) معنى الخطابة إيضاحاً وافياً بإلقاء الضوء على خصائص هذا الفن وعناصر أسلوبه ومؤهلات صاحبه، قال: «خطابة Art Aratoire:
1 ـ فن التعبير عن الأشياء بحيث أن السامعين يصغون إلى ما يقوله المتكلم في موقف رسمي مختلف عن المجالس المألوفة في الحياة اليومية.
وهي تشد ـ عادة ـ الرابط بين أذهان السامعين وقلوبهم من جهة، والأفكار التي تتناهى إليهم من جهة أخرى.
وهذا يفرض على المتكلم أن يكون ذا ثقافة واسعة ليتوصل إلى تنسيق خطبته، وتوضيح الأفكار التي يعالجها، وطريقة عرضها لتتوافق مع المحرضات النفسية والعقلية في الجمهور.
2 ـ من المفروض في الخطيب أن يكون مفيداً جذاباً مؤثراً.
وكل هذا يقضي بتمتعه بعدد من الميزات الذهنية والجسمية والأخلاقية الضرورية.
وأول ما يطلب منه أن يكون بيّن الذكاء، سريع الخاطر، نافذ الحجة، قادراً على تقليب الأفكار على مختلف وجوهها.
وأن تكون أحكامه صادقة، مفصحة عن الحقيقة، متينة المقدمات والنتائج.
وأن يكون مطلعاً على علم النفس لدى الجماهير فيشعر برهافة حسه ما يجب أن يقال، وما يتحتم أن يهمل.
وأن يدرك حجج الخصم وموقف الجمهور، فيهيىء لكل موقف ما يتطلب من حجج وبراهين.
وأن يقدم على الهجوم عند الحاجة، وينكفىء للانقضاض عند المناسبة المؤاتية.
وأن يغلف أفكاره بأقوال دقيقة المدلول، فكهة حيناً، ساخرة أحياناً، آسرة لانتباه الجمهور.
كما يفرض عليه فن الخطابة أن تكون ذاكرته أمينة، زاخرة بالمعلومات والمعارف والشواهد.
وأن يكون خياله حاداً قادراً على تجسيد الأفكار والمواقف.
وأن ينفرد بإحساس رهيف لإثارة العواطف وتحويلها من حالة إلى أخرى، فإذا شاء أشجى جمهوره، وإذا أراد أثار مرحه وضحكه.
وكل هذه الصفات مجتمعة هي التي تكوّن الخطيب البارع.
3 ـ لا حدود لمضمون الخطبة، لأن موضوعها شامل، يعنى بجميع النشاطات الإنسانية التي يتيسّر التعبير عنها بالكلام، فليس ثمة موضوع عام أو خاص، مادي أو فكري، أو أخلاقي، أو ديني، أو اقتصادي، أو اجتماعي، أو سياسي، أو أدبي، أو فني، أو علمي، أو قضائي، لم يعبّر عنه بخطبة من الخطب».
ـ نموذج للأسلوب الخطابي:
وأروع نموذج يذكر مثالاً للأسلوب الخطابي هو خطبة الإمام أمير المؤمنين (ع) في الجهاد.
«وهي من خطب (نهج البلاغة) رقم 27.
قال عليه السلام:
أما بعد:
فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة منه ألبسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء، وديث بالصغار والقماء، وضرب على قلبه بالأسداد، وأديل الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف، ومنع النصف.
ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً، وسراً وإعلاناً، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلّوا، فتواكلتم وتخاذلتم، حتى شنت عليكم الغارات، وملكت عليكم الأوطان.
وهذا أخو غامد وقد وردت خيله الأنبار، وقد قَتَلَ حسانَ بن حسان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها.
ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة، فينتزع حجلها وقُلبها وقلائدها ورعاثها، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام.
ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلاً منهم كَلْمٌ، ولا أريق لهم دم، فلو أن امرءاً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً، ما كان به ملوماً، بل كان به جديراً.
فيا عجباً، عجباً، والله، يميت القلب، ويجلب الهمّ، من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم على حقكم.
فقبحاً لكم وترحاً، حين صرتم غرضاً يُرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، وتُغزَون ولا تَغزُون، ويعصى الله وترضون.
فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الصيف قلتم: هذه حمّارة القيظ، أمهلنا يسبخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبارة القرّ، أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فراراً من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرّون، فأنتم والله من السيف أفر.
يا أشباه الرجال، ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم، ولم أعرفكم معرفة والله جرت ندماً، وأعقبت سدماً، قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحاً، وشحنتم صدري غيظاً، وجرعتموني نُغَب التهمام أنفاساً، وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب.
لله أبوهم، وهل أحد منهم أشدّ لها مراساً، وأقدم فيها مقاماً مني، لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرّفت على الستين، لكن لا رأي لمن لا يطاع».
إن من يقرأ هذه الخطبة الشريفة قراءة نقدية سيخلص إلى أن الإمام (ع) قد اعتمد في أسلوبها على العناصر التالية:
1 ـ انتقاء المفردات انتقاءً يتناسب وموضوع الخطابة ويلتقي وجوّ الخطبة.
2 ـ قوة التعبير عن مدى التأثر والتأثير.
3 ـ استخدام الصيغ الإنشائية كالتعجب والاستفهام استخداماً يضع الصيغة في موضعها السياقي الفني اندفاعاً ودفعاً.
وهذه العناصر من أهم مكونات الأسلوب ومقوماته.
إلى غيرها من عناصر أخرى أشار إليها دارسو بلاغة الإمام (ع)([400]).
ويرجع هذا إلى أن «التعبير: هو القالب اللفظي الذي ينقل العاطفة ويرسم الخيال ويبرز المعنى».
كما أنه «عنصر أصيل ذو قيمة عظيمة في النص الأدبي»([401]).
وإلى هنا، أترك للطالب العزيز تعيين مواضع هذه العناصر المذكورة من الخطبة الشريفة.
2- الأسلوب الأدبي:
نسبة إلى الأدب الذي يراد به ـ هنا ـ «الكلام الإنشائي البليغ الذي يقصد به التأثير في عواطف القراء والسامعين»([402]).
وهو ما يعرف قديماً بـ (صناعة الأدب).
أو كما يعرّفه (المورد ـ مادة Literature ـ الأدب: مجموع الآثار النثرية والشعرية المتميزة بجمال الشكل أو الصياغة، والمعبرة عن فكرات ذات قيمة باقية .
ومن قبله عرّفه الزيات بقوله: «أدب اللغة: ما أثر عن شعرائها وكتّابها من بدائع القول المشتمل على تصوير الأخيلة الدقيقة وتصوير المعاني الرقيقة مما يهذب النفس ويرقّق الحسّ ويثقف اللسان»([403]).
ويتحدث عنه عبد النور فيقول: «الأدب في معناه الحديث هو علم يشمل أصول فن الكتابة، ويعنى بالآثار الخطية، النثرية والشعرية.
وهو المعبر عن حالة المجتمع البشري، والمبين بدقة وأمانة عن العواطف التي تعتمل في نفوس شعب أو جيل من الناس، أو أهل حضارة من الحضارات».
موضوعه:
وصف الطبيعة في جميع مظاهرها، وفي معناها المطلق، في أعماق الإنسان، وخارج نفسه، بحيث أنه يكشف عن المشاعر من أفراح وآلام، ويصور الأخيلة والأحلام، وكل ما يمر في الأذهان من الخواطر.
من غاياته:
أن يكون مصدراً من مصادر المتعة المرتبطة بمصير الإنسان وقضاياه الاجتماعية الكبرى، فيؤثر فيها ويغنيها بعناصره الفنية.
وبذلك يكون أداة في صقل الشخصية البشرية وإسعادها، ويتيح لها التبلور والكشف عن مكنوناتها.
وهو يؤدي من خلال فنونه المتطورة، المعاني المتراكمة خلال الأزمنة، والمستحدثات المعاصرة في شموليتها الإنسانية أو حصريتها الفردية.
ويبرز في نصوصه المتوارثة إسهام الشعوب كبيرة وصغيرة، قديمة ومعاصرة، في بناء الحضارة، متوخياً المزاوجة بين المضمون والشكل ليجعل منها وحدة فنية.
يستوعب الأدب معظم الفنون الأخرى ويتجاوزها، باستعماله الأصوات والجرس وتناغم المقاطع هو موسيقى.
وبالتأليف والتركيب واللون وبراعة الأسلوب هو هندسة معمارية ورسم ونحت.
وهو يحلق بجناحي الفكر متخطياً الزمان والمكان. ولذلك يعتبر الأدب أكمل الفنون وأسماها.
وهو أقلّها تعرضاً للفناء، لأن عوامل الزمان والمكان تعجز عن تدميره والقضاء عليه، لا سيما بعد اهتداء الإنسان إلى عملية النساخة والطباعة.
ففي حين أن لوحة الرسام قد تتعرض للفساد أو للحريق، وأن التمثال قد يتحطم، فإن الأثر الأدبي لتعدد نسخه، وانتشاره في أماكن مختلفة ينجو في معظم الأحيان من الضياع».
ـ نموذج الأسلوب الأدبي:
(من النثر):
نص رسالة من عبد الحميد بن يحيى بعث بها إلى أهله وهو منهزم مع مروان إثر سقوط الدولة الأموية:
«أما بعد: فإن الله تعالى جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور، فمن ساعده الحظ فيها سكن إليها، ومن عضته بنابها ذمّها ساخطاً عليها، وشكاها مستزيداً لها، وقد كانت أذاقتنا أفاويق استحليناها. ثم جمحت بنا نافرة، ورمحتنا مولية، فملح عذبها، وخشن لينها، فأبعدتنا عن الأوطان، وفرقتنا عن الإخوان، فالدار نازحة، والطير بارحة.
وقد كتبت والأيام تزيدنا منكم بُعداً، وإليكم وجداً، فإن تتم البلية إلى أقصى مدتها يكن آخر العهد بكم وبنا، وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار عدونا نرجع إليكم بذل الإسار، والذل شر جار.
نسأل الله تعالى الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، أن يهب لنا ولكم ألفة جامعة في دار آمنة، تجمع سلامة الأبدان والأديان، فإنه رب العالمين وأرحم الراحمين»([404]).
(من الشعر):
مقتطفة من قصيدة لأبي تمام:
| ديمة سمحة القياد سكوبٌ | مستغيث بها الثرى المكروبُ | |
| لو سعت بقعة لإعظام نعمى | لسعى نحوها المكان الخصيب | |
| لذّ شؤبوبها وطاب فلو تسـ | تطيع قامت فعانقتها القلوب | |
| هي مــــــــــــاء يجـــري ومــاء يليــــــــــــــه
كشف الروض رأسه واستسر المحـــــــــــــــ فإذا الري بعـد محــل وجرجـــــــــــــــــــــــــ أيــها الغيـث حي أهــلا بمغـــــــــــــــــــــــــــ |
وعـــــــزال تهمـــــي وأخـــــرى تـــــذوب
ـــــل منهـــــــــــــا كمــا استســـــر المريب ـــــــــــان لـــديهــــــا يبريــن أو محلــــوب ـداك وعنـــد الســــرى وحيـــــــن تـــــؤوب |
والأسلوب الأدبي ـ كما رأينا في هذين الأنموذجين ـ «يمتاز بالخيال الرائع، والتصوير الدقيق، وتلمس أوجه الشبه البعيدة بين الأشياء، وإلباس المعنى ثوب المحسوس، وإظهار المحسوس في صورة المعنوي»([405]).
وعلى الطالب الكريم استخراج السمات المشار إليها من النصين الأدبيين المذكورين.
3 ـ الأسلوب العلمي:
نسبة إلى العلم ، والعلم ـ كما مرّ ـ هو المعرفة المنظمة.
والأسلوب العلمي: هو الشكل أو الصورة اللفظية التي تصاغ فيها المادة العلمية أو المضمون الفكري.
(عناصره):
وأهم مقومات الأسلوب العلمي:
1 ـ الالتزام باللغة العلمية شكلاً، والفكر المنطقي مضموناً.
2 ـ الدقة في صوغ العبارة صياغة تعتمد الألفاظ الحقائق، وتبتعد عن استخدام الألفاظ المجازية والمحسنات الكلامية.
3 ـ الوضوح في الأداء، والابتعاد عن الغموض.
4 ـ الاقتراب من ذهن المخاطب بالأسلوب ـ قارئاً كان أو سامعاً ـ ما أمكن ذلك.
5 ـ وضع العبائر في خط سياقها مترابطة لفظاً ومعنى، بحيث تمهد السابقة للاحقة، وتأخذ التالية بعناق المتقدمة.
ـ نموذج للأسلوب العلمي:
بحث (المصالح المرسلة).
وهو القسم السابع من الباب الأول من كتاب (الأصول العامة للفقه المقارن) للسيد محمد تقي الحكيم.
نموذج للأسلوب العلمي
المصالح المرسلة
تحديدها:
ولتحديد معنى المصالح المرسلة لا بد من تحديد معنى المصلحة أولاً ثم تحديد معنى الإرسال فيها ليتضح معنى هذا التركيب الخاص.
يقول الغزالي: المصلحة هي: «عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرّة»، وقال «ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرّة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع».
«ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة»([406]).
وعرفها الطوفي بقوله: هي «السبب المؤدي إلى مقصود الشرع عبادة وعادة»([407]) وأراد بالعبادة «ما يقصده الشارع لحقه»([408]) والعادة «ما يقصده الشارع لنفع العباد وانتظام معايشهم وأحوالهم»([409]).
أما تعريفهم للإرسال فقد وقع موقع الاختلاف لديهم، فالذي يبدو من بعضهم أن معناه عدم الاعتماد على أي نص شرعي، وإنما يترك للعقل حق اكتشافها، بينما يذهب البعض الآخر إلى أن معناها هو عدم الاعتماد على نص خاص وإنما تدخل ضمن ما ورد في الشريعة من نصوص عامة، واستناداً إلى هذا التفاوت في معنى الإرسال، تفاوتت تعاريف المصلحة المرسلة.
فابن برهان يعرفها بقوله هي: «ما لا تستند إلى أصل كلّي أو جزئي»([410]) وربما رجع إلى هذا التعريف ما ورد على لسان بعض الأصوليين المحدثين من «أنها الوصف المناسب الملائم لتشريع الحكم الذي يترتب على ربط الحكم به جلب نفع أو دفع ضرر، ولم يدل شاهد من الشرع على اعتباره أو إلغائه»([411]).
بينما يذهب الأستاذ معروف الدواليبي إلى إدخالها ضمن ما شهد له أصل كلي من الشريعة يقول ـ وهو يتحدث عن الاستصلاح ـ: «الاستصلاح في حقيقته هو نوع من الحكم بالرأي المبني على المصلحة، وذلك في كل مسألة لم يرد في الشريعة نص عليها، ولم يكن لها في الشريعة أمثال تقاس بها، وإنما بني الحكم فيها على ما في الشريعة من قواعد عامة برهنت على أن كل مسألة خرجت عن المصلحة ليست من الشريعة بشيء، وتلك القواعد هي مثل قوله تعالى : «إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإحْسَانِ» [النحل: 90]، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار»([412]).
وقد أردف بعضهم بينها وبين الاستصلاح([413])، كما رادف آخر بينها وبين الاستدلال([414]).
وهو ما لم يتّضح له وجه لبعده عما لهذه الألفاظ من مداليل لديهم، فالاستصلاح كما صريح كلامهم، هو بناء الحكم على المصلحة المرسلة لا أنه عينها، كما أن الاستدلال إنما يكون بها لا أنها عين الاستدلال.
وبما أن هذه التعاريف التي نقلنا نموذجين منها لا تحكي عن واقع واحد ليلتمس تعريفه الجامع المانع من بينها، وربما اختلف الحكم فيها لديهم باختلاف مفاهيمها فلا جدوى بمحاكمتها.
والأنسب أن تعرض أحكامها وتحاكم على أساس ما ينتظمها من الأدلة نفياً أو إثباتاً على أسس من تعدد المفاهيم.
تقسيم الأحكام المترتبة على المصلحة
وقد قسموا أحكامها المترتبة عليها بلحاظ ما لمصالحها من رتب إلى أقسام ثلاثة:
1 ـ الضروري: «وهو المتضمن لحفظ مقصود من المقاصد الخمس التي لم تختلف فيها الشرائع بل هي مطبقة على حفظها»([415]). يقول الغزالي: «وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضلّ، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص إذ به حفظ النفوس، وإيجاب حدّ الشرب إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حدّ الزنا إذ به حفظ النسل والأنساب، وإيجاز زجر الغصاب والسراق إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش الخلق وهم مضطرون إليها»([416])؛ ثم يقول: «وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليها ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها أصلاح الخلق، ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر، والقتل، والزنا، والسرقة، وشرب المسكر»([417]).
2 ـ الحاجي:وأرادوا به «ما يقع في محل الحاجة لا الضرورة»([418]) كتشريع أحكام البيع، والإجارة، والنكاح لغير المضطر إليها من المكلفين.
3 ـ التحسيني: وأرادوا به ما يقع ضمن نطاق الأمور الذوقية كالمنع عن أكل الحشرات، واستعمال النجس فيما يجب التطهر فيه، أو ضمن ما تقتضيه آداب السلوك كالحثّ على مكارم الأخلاق، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات، وقد عرفه الغزالي بقوله هو: «ما لا يرجع إلى ضرورة ولا حاجة، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا والمزايد»([419]).
ولهذا التقسيم ثمرات أهمها تقديم بعضها على بعض في مجالات التزاحم فيها مرتبة من حيث الأهمية، فالأول منها مقدم على الأخيرين والثاني على الثالث، ولعل قسماً من الأقوال القادمة يبتني في حجيته على الأخذ ببعض هذه الأقسام دون بعض.
الاختلاف في حجيتها
ذهب مالك وأحمد ومن تابعهما «إلى أن الاستصلاح طريق شرعي لاستنباط الحكم فيما لا نص فيه ولا إجماع، وأن المصلحة المطلقة التي لا يوجد من الشرع ما يدل على اعتبارها ولا على إلغائها مصلحة صالحة لأن يبنى عليها الاستنباط»([420]).
وغالى فيها الطوفي، وهو من علماء الحنابلة، فاعتبرها الدليل الشرعي الأساس في السياسات الدنيوية والمعاملات، وقدمها على ما يعارضها من النصوص عند تعذّر الجمع بينها([421]).
بينما ذهب الشافعي ومن تابعه: «إلى أنه لا استنباط بالاستصلاح، ومن استصلح فقد شرع كمن استحسن، والاستصلاح كالاستحسان متابعة للهوى»([422]).
وللغزالي وهو من الشافعية تفصيل فيها فهو يرى أن «الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل إلا أنه يجري مجرى وضع الضرورات، فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد الشرع بالرأي فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس. أما الواقع في رتبة الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد له أصل معين، ومثاله أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً لم يذنب ذنباً، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسارى أيضاً، فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع، لأنا نعلم أن مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان فإن لم يقدر على الحسم قدرنا على التقليل، وكان هذا التفاتاً إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة لا بدليل واحد وأصل معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين، فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين»([423]).
وخلاصة ما انتهى إليه في ذلك اعتبار أمور ثلاثة إن توفرت في شيء ما كشفت عن وجود الحكم فيه وهي:
1 ـ كون المصلحة ضرورية.
2 ـ كونها قطيعة.
3 ـ كونها كلية([424]).
هذا كله إذا وقعت في مرتبة الضروري «وإن وقعت في مرتبة الحاجي فقد رأى في المستصفى ردها، وفي شفاء الغليل قبولها»([425]).
أما الاحناف فالمنسوب إليهم أنهم لا يقولون بالمصالح المرسلة، ولا يعتبرونها دليلاً، وقد تنظّر الأستاذ خلاف في هذه النسبة، واستظهر من عدة وجوه خلاف ذلك([426]).
وقد نسب الأستاذ الخفيف إلى الشيعة وأهل الظاهر «العمل بالمصالح المرسلة لكونهم لا يرون العمل بالقياس»([427])، وسيتّضح الحال فيها.
ولعل الفصل في هذه الأقوال نفياً أو إثباتاً يتّضح مما عرضوه للحجية من أدلة، وقد آثرنا تحريرها على ترتيب ما ذكروه في التقديم والتأخير.
أدلة الحجية من العقل
وخلاصة ما استدل به للاستصلاح منها بعد إكمال نواقص بعضها ببعض هو:
1 ـ أن الأحكام الشرعية إنما شرعت لتحقيق مصالح العباد، وأن هذه المصالح التي بنيت عليها أحكام الشريعة معقولة، أي مما يدرك العقل حسنها، كما أنه يدرك قبح ما نهى عنه، فإذا حدثت واقعة لا نص فيها «وبنى المجتهد حكمه فيها على ما أدركه عقله من نفع أو ضرر، كان حكمه على أساس صحيح معتبر من الشارع، ولذلك لم يفتح باب الاستصلاح إلا في المعاملات ونحوها مما تعقل معاني أحكامها فلا تشريع فيها بالاستصلاح».
وهذا الاستدلال لا يتم إلا على مبنى من يؤمن بالتحسين والتقبيح العقليين، والدليل كما ترون قائم على الاعتراف بإمكان إدراك العقل لذلك.
وقد سبق أن قلنا: إن العقل قابل للإدراك، ولو أدرك على سبيل الجزم كان حجة قطعاً لكشفه عن حكم الشارع، ولكن الإشكال، كل الإشكال، في جزمه بذلك لما مر من أن أكثر الأفعال الصادرة عن المكلفين، إما أن يكون فيها اقتضاء التأثير أو ليس فيها حتى الاقتضاء، وما كان منها من قبيل الحسن والقبح الذاتيين فهو نادر جداً، وأمثلته قد لا تتجاوز العدل والظلم وقليلاً من نظائرهما.
وما فيه الاقتضاء يحتاج إلى إحراز تحقق شرائطه وانعدام موانعه، أي إحراز تأثير المقتضى وهو مما لا يحصل به الجزم غالباً لقصور العقل عن إدراك مختلف مجالاته، وربما كان بعضها مما لا يناله إدراك العقول كما مر عرض ذلك مفصلاً.
2 ـ قولهم: «إن الوقائع تحدث والحوادث تتجدد، فلولا لم يفتح للمجتهدين باب التشريع بالاستصلاح ضاقت الشريعة الإسلامية عن مصالح العباد وقصرت عن حاجاتهم، ولم تصلح لمسايرة مختلف الأزمنة والأمكنة والبيئات والأحوال مع أنها الشريعة العامة لكافة الناس، وخاتمة الشرائع السماوية كلها»([428]).
وقد أجبنا على نظير هذا الاستدلال في مبحث القياس، وبيّنا أن أحكام الشريعة بمفاهيمها الكلية، لا تضيق عن مصالح العباد ولا تقصر عن حاجاتهم، وهي بذلك مسايرة لمختلف الأزمنة والأمكنة والبيئات والأحوال وبخاصة إذا لوحظت مختلف المفاهيم بعناوينها الأولية والثانوية وأحسن تطبيقها والاستفادة منها.
والحقيقة أن تأثير الزمان والمكان والأحوال إنما هو في تبدل مصاديق هذه المفاهيم.
فالآية الآمرة بالاستعداد بما يستطيعون له من قوة لإرهاب أعداء الله قد لا نجد لها مصداقاً في ذلك الزمن إلا بإعداد السيوف والرماح والتروس والخيول وأمثالها، لأن القوة السائدة هي من هذا النوع، ولكن تبدل الزمان وتغير وسائل الحرب حوّل الاستعداد إلى إعداد مختلف الوسائل السائدة في الأمم المتحضرة للحروب كالقنابل النووية وغيرها، فالمفهوم هو وجوب الاستعداد بما يستطاع لهم من قوة لم يتغير في الآية، وإنما تغيرت مصاديقه وهكذا…
فالتبدل في الحقيقة، لم يقع في المفاهيم الكلية، وإنما وقع في أفرادها ومصاديقها، فما كان مصداقاً لمفهوم ما ربما تحول إلى مصداق لمفهوم آخر.
ولقد وسع لنا الشارع المقدس بما شرحه لنا من العناوين الثانوية من جهة، وبفتحه لنا أبواب الاجتهاد سواء في التعرف على أحكامه الكلية أم التماس مصاديقها بما سدّ حاجاتنا الأساسية إلى تطوير أنفسنا، ومسايرة عصورنا ضمن إطار ما جاء به من أحكام، ولكن لا على أن نفسح المجال أمام أوهامنا وظنوننا لنتحكم في مصائر العباد كيفما نشاء، وما دام مقياس الحجية بأيدينا ـ وهو ما سبق أن عرضناه ـ فلا مجال لاعتماد ما يخالف هذا المقياس، والأساس فيه هو تحصيل العلم بالحكم أو العلمي، ولا أقل من تحصيل الوظيفة التي يأمن معها الإنسان من غائلة العقاب.
الاستدلال بسيرة الصحابة
وكما استدلوا بالعقل فقد استدلوا عليها بسيرة الصحابة، ومما جاء في دليلهم: «أن أصحاب رسول الله لما طرأت لهم بعد وفاته حوادث وجدّت لهم طوارىء شرعوا لها ما رأوا أن فيه تحقيق المصلحة، وما وقفوا عن التشريع لأن المصلحة ما قام دليل من الشارع على اعتبارها، بل اعتبروا أن ما يجلب النفع أو يدفع الضرر حسبما أدركته عقولهم هو المصلحة، واعتبروه كافياً لأن يبنوا عليه التشريع والأحكام، فأبو بكر جمع القرآن في مجموعة واحدة، وحارب مانعي الزكاة، ودرأ القصاص عن خالد بن الوليد، وعمر أوقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة ووقف تنفيذ حد السرقة في عام المجاعة، وقتل الجماعة في الواحد، وعثمان جدد آذاناً ثانياً لصلاة الجمعة([429]) إلخ».
والغريب أن تنزل هذه التصرفات وأمثالها على القياس تارة والاستحسان أخرى والمصالح ثالثة، وتعتبر على ألسنة البعض أدلة عليها، وما أدري هل تتسع الواقعة الواحدة لمختلف هذه الأدلة مع تباينها مفهوماً أم ماذا؟!
ومهما يكن فإن النقاش في هذا النوع من الاستدلال واقع، صغرى وكبرى.
أما الصغرى فلعدم إمكان تكوين سيرة لهم من مجرد نقل أحداث عن أفراد منهم يمكن أن تنزل على هذا الدليل أو ذاك، ومن شرائط السيرة أن يصدر المجموع عنها في سلوكهم الخاص، وكذلك لو أريد من هذا الدليل إجماعهم السكوتي على ذلك بالتقريب الذي ذكروه بالقياس، والذي عرفت – فيما سبق- مناقشته.
أما اذا اريد الاستدلال بتصرفاتهم الفردية فهي لا تصلح للدليلية على اي حال لعدم الايمان بعصمتهم أولاً، واجتهادهم لا يتجاوز في حجيته أنفسهم ومن يرجع اليهم بالتقليد.
واما المناقشة في الكبرى فلعدم حجية مثل هذه السيرة أو الاجماع على أمثال هذه الأدلة، لأن التصرفات غير معللة على ألسنتهم، وما يدرينا أن الباعث على صدورها هو إدراك المصالح من قبلهم، والسيرة مجملة لا لسان لها لنتمسك به، وغاية ما يمكن ان تدل عليه هو حجية نفس ما قامت عليه من أفعال لو كانت مثل هذه السيرة من الحجج التي يركن اليها لا حجية مصادرها المتخيلة، على ان هذه التصرفات – كما سبقت الاشارة اليها – جارٍ اكثرها على مخالفة النصوص لأمور اجتهادية لا نعرف اليوم عواملها وبواعثها الحقيقية، وفيما سبق عرضه في بحث القياس ما يغني عن إطالة الحديث.
الاستدلال بحديث لا ضرر
وقد تبناه الطوفي وقرب دلالته ـ بعد أن أطال الحديث في سنده ـ بقوله: «وأما معناه فهو ما أشرنا إليه من نفي الضرر والمفاسد شرعاً، وهو نفي عام إلا ما خصصه الدليل، وهذا يقتضي تقديم مقتضى هذا الحديث على جميع أدلة الشرع، وتخصيصها به في نفي الضرر وتحصيل المصلحة لأنا لو فرضنا أن بعض أدلة الشرع تضمن ضرراً، فإن نفيناه بهذا الحديث كان عملاً بالدليلين، وإن لم ننفه به كان تعطيلاً لأحدهما وهو هذا الحديث؛ ولا شك أن الجمع بين النصوص في العمل بها أولى من تعطيل بعضها»([430]). ويقول: «ثم إن قول النبي (ص) لا ضرر ولا ضرار يقتضي رعاية المصالح إثباتاً والمفاسد نفياً إذ الضرر هو المفسدة فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما»([431]).
والذي يرد علة هذا الاستدلال:
1 ـ اعتقاده أن نسبة هذا الحديث إلى الأدلة الأولية هي نسبة المخصص مع أن من شرائط المخصص أن يكون أخص مطلقاً من العام ليصح تقديمه عليه، وقد سبق بيان السر في ذلك في بحوث التمهيد وغيرها.
والنسبة هنا بين حديث لا ضرر وأي دليل من الأدلة الأولية، هي نسبة العموم من وجه، فوجوب الوضوء مثلاُ، بمقتضى إطلاقه شامل لما كان ضررياً وغير ضرري، وأدلة لا ضرر شاملة للوضوء الضرري وغير الوضوء، فالوضوء الضرري مجمع للحكمين معاً، ومقتضى القاعدة التعارض بينهما والتساقط، ولا وجه لتقديم أحدهما على الآخر لأن نسبة العامَّيْن إلى موضع الالتقاء من حيث الظهور نسبة واحدة.
والظاهر أن الطوفي ـ بحاسته الفقهية ـ أدرك تقديم هذا الدليل على الأدلة الأولية وإن لم يدرك السر في ذلك.
والسر هو ما سبق أن ذكرناه من حكومة هذا النوع من الأدلة على الأدلة الأولية لما فيه من شرح وبيان لها. فكأنه يقول بلسانه إن ما شرع لكم من الاحكام هو مرفوع عنكم اذا كان ضررياً، فهو ناظر اليها ومضيق لها.
وما دام لسانه لسان شرح وبيان فلا معنى لملاحظة النسبة بينه وبين غيره من الأدلة.
2 ـ اعتقاده أن بين الضرر والمصلحة نسبة التناقض، ولذلك رتب على انتفاء أحدهما ثبوت الآخر لاستحالة ارتفاع النقيضين مع أن الضرر معناه لا يتجاوز النقص في المال أو العرض أو البدن وبينه وبين المصلحة واسطة، فالتاجر الذي لم يربح في تجارته ولم يخسر فيها لا يتحقق بالنسبة إليه ضرر ولا منفعة فهما إذن من قبيل الضدين اللذين لهما ثالث، ومتى حصلت واسطة بينهما فانتفاء أحدهما لا يستلزم ثبوت الآخر، وعلى هذا المعنى يبتني ثبوت المباح، وهو الذي لا ضرر ولا مصلحة فيه.
وإذن فانتفاء الضرر هنا لا يستلزم ثبوت المصلحة، ومن هنا قلنا: إن حديث لا ضرر رافع للتكليف لا مشرع، فهو لا يتعرض إلى أكثر من ارتفاع الأحكام الضررية عن موضوعاتها، أما إثبات أحكام أخر فلا يتعرض لها، وإنما المرجع فيها إلى أدلتها الأخرى.
وإذا اتضح هذا لم يبق أمام الطوفي ما يصلح للاستدلال به على المصالح المرسلة فضلاً عن الغلو فيها.
غلوّ الطوفي في المصالح المرسلة
وكان من مظاهر غلوّ الطوفي فيها تقديمه رعاية المصلحة على النصوص والإجماع، واستدل على ذلك بوجوه:
«أحدهما أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، فهو إذن محل وفاق، والإجماع محل خلاف، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه([432]).
ويرد على هذا الاستدلال عدم التفرقة بين رعاية المصلحة وبين الاستصلاح كدليل، فالأمة، وإن اتفقت على أن أحكام الشريعة مما تراعى فيها المصالح، ولكن دليل الاستصلاح موضع خلاف كبير لعدم إيمان الكثير منهم بإمكان إدراك هذه المصالح مجتمعة من غير طريق الشرع. وقد سبق إيضاح ذلك في مبحث العقل.
فدليل الاستصلاح إذن ليس موضع وفاق ليقدم على الإجماع».
«الوجه الثاني: أن النصوص مختلفة متعارضة، فهي سبب الخلاف في الأحكام المذمومة شرعاً، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرطاً فكان أتباعه أولى، وقد قال عز وجل: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا» [آل عمران: 103]، «إنَّ الّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ» [الأنعام: 159]، وقال (ع) «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» وقد قال عز وجل في مدح الاجتماع «وَألَّفَ بَيْنَ قُلوُبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مَا ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ» [الأنفال: 63]. وقال عليه السلام: «كونوا عباد الله إخواناً».
ومن تأمل ما حدث بين أئمة المذاهب من التشاجر والتنافر، علم صحة ما قلنا، حتى أن المالكية استقلوا بالمغرب، والحنفية بالمشرق، فلا يقار أحد المذهبين أحداً من غيره في بلاده إلا على وجه ما، وحتى بلغنا أن أهل جيلان من الحنابلة إذا دخل إليهم حنفي قتلوه، وجعلوا ماله فيئاً حكمهم في الكفار، وحتى بلغنا ان بعض بلاد ما وراء النهر من بلاد الحنفية، كان فيه مسجداً واحداً للشافعية وكان والي البلد يخرج كل يوم لصلاة الصبح فيرى ذلك المسجد فيقول: أما آن لهذه الكنيسة أن تغلق؟ فلم يزل كذلك، حتى أصبح يوماً وقد سد باب ذلك المسجد بالطين واللبن فأعجب الوالي ذلك ».
ثم أن كلاً من أتباع الأئمة، يفضل إمامه على غيره في تصانيفهم ومحاوراتهم حتى رأيت حنفياً صفف مناقب أبي حنيفة، فافتخر فيها بأتباعه، كأبي يوسف ومحمد وابن المبارك ونحوهم، ثم قال يعرض بباقي المذاهب:
« أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع».
وهذا شبيه بدعوى الجاهلية وغيره كثير، وحتى أن المالكية يقولون: الشافعي غلام مالك، والشافعية يقولون: أحمد بن حنبل غلام الشافعي، والحنابلة يقولون: الشافعي غلام أحمد بن حنبل.
«والحنفية يقولون: إن الشافعي غلام أبي حنيفة لأنه غلام محمد بن الحسن، ومحمد غلام أبي حنيفة»، قالوا لولا أن الشافعي من أتباع أبي حنيفة لما رضينا أن ننصب معه الخلاف. وحتى أن الشافعية يطعنون بأن أبا حنيفة من الموالي، وأنه ليس من أئمة الحديث.وأحوج ذلك الحنفية الى الطعن في نسب الشافعي وانه ليس قرشياً بل من موالي قريش، ولا إماماً في الحديث لأن البخاري ومسلماً أدركاه ولم يرويا عنه، مع أنهما لم يدركا إماماً إلاّ رويا عنه، حتى احتاج الإمام فخر الدين والتميمي في تصنيفيهما مناقب الشافعي الى الاستدلال على هاشميته، وحتى جعل كل فريق يروي السنَّة في تفضيل إمامه، فالمالكية رووا:« يوشك أن تضرب أكباد الإبل ولا يوجد أعلم من عالم المدينة». قالوا: وهو مالك، والشافعية رووا: «الأئمة من قريش، تعلموا من قريش ولا تعلموها» أو «عالم قريش ملأ الأرض علماً»، قالوا: ولم يظهر من قريش بهذه الصفة إلاّ الشافعي، والحنفية رووا: «يكون في امتي رجل يقال له النعمان هو سراج أمتي، ويكون فيهم رجل يقال له محمد بن ادريس وهو أضر على أمتي من إبليس». والحنابلة رووا:« يكون في أمتي رجل يقال له احمد بن حنبل يسير على سنتي سير الأنبياء» أو كما قال فقد ذهب عني لفظه».
وقد ذكر أبو الفرج الشيرازي في أول كتابه المنهاج «واعلم أن هذه الأحاديث ما بين صحيح لا يدل، ودال لا يصح. أما الرواية في مالك والشافعي فجيدة لكنها لا تدل على مقصودهم لأن عالم المدينة إن كان اسم جنس فعلماء المدينة كثير ولا اختصاص لمالك دونهم، وإن كان اسم شخص فمن علماء المدينة الفقهاء السبعة وغيرهم من مشايخ مالك الذين أخذ عنهم وكانوا حينئذٍ أشهر منه، فلا وجه لتخصيصه بذلك وإنما حمل أصحابه على حمل الحديث عليه كثرة أتباعه وانتشار مذهبه في الأقطار، وذلك أمارة على ما قالوا، وكذلك الأئمة من قريش لا اختصاص للشافعي به، ثم هو محمول على الخلفاء في ذلك، وقد احتج به أبو بكر يوم السقيفة، وكذلك تعلموا من قريش لا اختصاص لأحد به».
«أما قوله: عالم قريش يملأ الأرض علماً» فابن عباس يزاحم الشافعي فيه، فهو أحق به لسبقه وصحبته ودعا النبي (ص) في قوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» فكان يسمى بحر العلم وحبر العرب، وإنما حمل الشافعية الحديث على الشافعي لاشتهار مذهبه وكثرة أتباعه، على أن مذهب ابن عباس مشهور بين العلماء لا ينكر».
«وأما الرواية في أبي حنيفة وأحمد بن حنبل فموضوعة باطلة لا أصل لها، أما حديث «هو سراج أمتي» فأورده ابن الحوزي في الموضوعات، وذكر أن مذهب الشافعي لما اشتهر أراد الحنفية إخماله، فتحدثوا مع مأمول بن أحمد السلمي وأحمد بن عبدالله الخونساري وكانا كذابين وضاعين، فوضعا هذا الحديث في مدح أبي حنيفة وذم الشافعي، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره».
«وأما الرواية في أحمد بن حنبل فموضوعة قطعاً لأنا قدمنا أن أحمد كان أحفظ الناس للسنة وأشدهم بها إحاطة حتى ثبت أنه كان يذاكر تأليف ألف حديث وأنه قال: خرجت مسندي من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين الله عز وجل، فما لم تجدوه فيه فليس بشيء».
«ثم إن هذا الحديث الذي أورده الشيرازي في مناقب أحمد ليس في مسنده، فلو كان صحيحاً لكان هو أولى الناس بإخراجه والاحتجاج به في محنته التي ضيّق الأرض ذكرها».
فانظر بالله أمراً يحمل الأتباع على وضع الأحاديث في تفضيل أئمتهم وذم بعضهم، وما مبعثه إلا تنافس المذاهب في تفضيل الظواهر ونحوها على رعاية المصالح الواضح بيانها الساطع برهانها، فلو اتفقت كلمتهم بطريق ما لما كان شيء مما ذكرنا عنهم».
«واعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارض الروايات والنصوص، وبعض الناس يزعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب، وذلك أن أصحابه استأذنوه في تدوين السنة في ذلك الزمان فمنعهم من ذلك وقال: (لا أكتب مع القرآن غيره) مع علمه أن النبي (ص) قال: «اكتبوا لأبي شاه خطبة الوداع» وقال: «قيدوا العلم بالكتابة» قالوا: فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ما روي عن النبي (ص)، لانضبطت السنة، ولم يبق بين أحد من الأمة وبين النبي (ص)، في كل حديث إلا الصحابي الذي دون روايته، لأن تلك الدواوين تتواتر عنهم إلينا كما تواتر البخاري ومسلم ونحوهما»([433]).
ثم أورد بعد ذلك على نفسه بقوله: «فإن قيل خلاف الأمة في مسائل الأحكام رحمة وسعة، فلا يحويه حصرهم من جهة واحدة لئلا يضيق مجال الاتساع، قلنا هذا الكلام ليس منصوصاً عليه من جهة الشرع حتى يمتثل، ولو كان لكان مصلحة الوفاق ارجح من مصلحة الخلاف فتقدم».
«ثم ما ذكرتموه من مصلحة الخلاف بالتوسعة على المكلفين معارض بمفسدة تعرض منه، وهو أن الآراء إذا اختلفت وتعددت اتبع بعض رخص بعض المذاهب فأفضى إلى الانحلال والفجور كما قال بعضهم:
| فاشرب ولط وازن وقامر واحتجج | في كل مسألة بقول إمام |
يعني بذلك شرب النبيذ وعدم الحد في اللواط على رأي أبي حنيفة، والوطأ في الدبر على ما يعزى إلى مالك، ولعب الشطرنج على رأي الشافعي».
«وأيضاً فإن بعض أهل الذمة ربما أراد الإسلام فيمنعه كثرة الخلاف وتعدد الآراء ظناً منه أنهم يخطئون، لأن الخلاف مبعود عنه بالطبع، ولهذا قال الله تعالى: «اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتاباً مُتَشَابِهاً» [ الزمر: 23] أي يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً، لا يختلف إلا بما فيه من المتشابهات وهي ترجع إلى المحكمات بطريقها، ولو اعتمدت رعاية المصالح المستفادة من قوله (ع): «لا ضرر ولا ضرار» على ما تقرر، لاتحد طريق الحكم وانتهى الخلاف، فلم يكن ذلك شبهة في امتناع من أراد الإسلام من أهل الذمة وغيرهم»([434]).
ومع الغض عما في نصه هذا من خطابيه وتطويل قد لا تكون له حاجة، إن الاختلاف ضرورة لا يمكن دفعها عن البشر، وهو لا يستدعي الصراع والخصام المذهبي ما دام أصحابه يسيرون ضمن نطاق الاجتهاد بموضوعية تامة، وما دامت الأهواء السياسية وغيرها بعيدة عنه.
وهذا النوع من الصراع بين أتباع المذاهب كانت من ورائه دائماً عوامل لا ترتبط بالدين.
وكانت السياسة من وراء أكثرها وكثير من هؤلاء المصطرعين لم يكونوا من العلماء المجتهدين، وإنما كانوا مرتزقة باسم الدين لانسداد أبواب الاجتهاد في هذه الفترات التي أرخ لها، وحيث يوجد الغرض والهوى والجهل، ومحاولات الاستغلال من تجار الضمائر والمبادىء توجد التفرقة والصراع، وأمثال هؤلاء المفرقين من العلماء إنما هم دمى بيد السلطان تحركها كيفما تشاء.
وإلا فإن العالم الصحيح لا يضرّه الاختلاف معه في مجالات استنباطه وربما سرّ لعلمه بقيمة ما يأتي به الصراع من تلاقح فكري، وإنماء وتطور للأفكار التي يؤمن بها. والعلماء في مختلف المجالات العلمية يختلفون، وما سمعنا خلافاً أوجب الصراع فيما بينهم باسم العلم فضلاً عن أن يدبّ الصراع إلى أبناء شعوبهم فيقتتلون، اللهم إلا إذا كانت السلطات من ورائه كما هو الشأن في موقف سلطة الكنيسة من بعض العلماء المكتشفين أمثال غاليلو.
والشيعة أنفسهم رأوا طوائف من علمائهم وهم بحكم فتح أبواب الاجتهاد على أنفسهم كانوا يختلفون، وينقد بعضهم آراء البعض الآخر، ومع ذلك كله نرى تقديسهم لعلمائهم يكاد يكون منقطع النظير.
وما استشهد به من الآيات والروايات على المنع من الاختلاف أجنبي عن هذا النوع من الاختلاف الذي يقتضيه البحث الموضوعي، لأن المنع عن هذا النوع منه تعبير آخر عن الدعوة إلى الجمود وإماتة الفكر والنظر في شؤون الدين، وهو ما ينافي الدعوة إلى تدبر ما في القرآن والنظر إلى آياته، بل لا ينافي الدعوة إلى تدبر ما في الكون والحث على استعمال العقل، وهو ما طفحت به كثير من الآيات والأحاديث، لأن طبيعة التدبر واستعمال الفكر تدعو إلى اختلاف الرأي.
فالاختلاف المنهي عنه هو الاختلاف الذي يدعو إلى التفرقة وتشتيت كلمة الأمة، أي الاختلاف الذي يستغل عاطفياً لتفرقة الشعوب لا الاختلاف الذي يدعو إليه البحث الموضوعي وهو من أسباب الألفة والتعاطف بين أربابه، ففي الاستدلال خلط بين نوعي الاختلاف.
ومع التغافل عن هذه الناحية فإن دعواه بأن رعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه فهو سبب الاتفاق ـ لا أعرف لها وجهاً، لأن المصالح الحقيقية التي يتطابق عليها العقلاء محدودة جداً، وما عداها كلها مواضع خلاف بل هي نفسها موضع لخلاف كبير في مواقع تطبيقها كما سبق بيانه في مبحث العقل، فكيف يكون النظر فيها موضعاً لاتفاق الكلمة وبخاصة إذا وسعنا الأمر إلى عوالم الظنون بها والأوهام، وهل تكفي مواضع الاتفاق منها لإقامة شريعة إذا تجردنا عن النصوص.
وبهذا يتّضح الجواب على ما أورده على نفسه من إشكال وأجاب عليه، فكون الاختلاف رحمة وسعة مما لا إشكال فيه أصلاً إذا كان في حدود البحث الموضوعي، والذي يدل عليه كل ما يدل على وجوب المعرفة المستلزمة حتماً للاختلاف من آيات وأحاديث، ومعارضتها بمفسدة الأخذ بالرخص لا تعتمد على أساس.
فالآخذون بالرخص إما أن يكونوا معتمدين على حجة كأن يكون هناك مرجع مستوفٍ لشرائط التقليد يسيغ لهم ذلك، فالأخذ بها لا يشكل مفسدة وأصحابها معذورون، وإما أن لا يكونوا على حجة، وهؤلاء لا حساب لنا معهم لتمردهم على أصل الشريعة في عدم الركون في تصرفاتهم على أساس، وكونهم يستغلون الرخص لتبرير أعمالهم أمام الرأي العام فإنما هو من قبيل الخداع والتمويه، ولو لم تكن هناك رخص لارتكبوا هذه الأعمال والتمسوا لها مبررات غير هذه.
وكون الاختلاف مانعاً من دخول أهل الذمة إلى الإسلام هو الآخر لا يخلو من غرابة، فإن هؤلاء إن كانوا على درجة من الثقافة عرفوا أن هذا المقدار من الاختلاف مبرر في جميع الشرائع، بل هو مما تقتضيه الطبيعة البشرية لاستحالة اتفاق الناس في فهم جميع ما يتصل بشؤون شرائعهم، بل جميع ما يتصل بشؤونهم الحياتية وغيرها، ومتى منع الاختلاف أحداً من الدخول في الإسلام؟!
وهناك أدلة أخرى له لا تستحق أن تعرض ويطال فيها الحديث وأجوبتها تعرف مما سبق أن عرضناه في مبحث القياس.
فغلوّ الطوفي في استعمال المصالح المرسلة وتقديمها على النصوص والإجماع لا يستقيم أمره بحال.
نفاة الاستصلاح وأدلتهم:
أما نفاة الاستصلاح وفي مقدمتهم الشافعي فأهم ما استدلوا به:
1 ـ إيمانهم بكمال الشريعة واستيفائها لحاجات الناس «ولو كانت مصالح الناس تحتاج إلى أكثر مما شرعه ومما أرشد إلى الاهتداء به لبيّنه ولم يتركه لأنه سبحانه قال على سبيل الاستنكار: «أيَحْسَبُ الإنْسَانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً» [القيامة: 36]([435]).
والجواب على هذا الاستدلال أن مثبتي الاستصلاح لا ينكرون وفاء الشريعة بحاجات الناس وإن أنكروا وفاء النصوص بها، فهم يعتبرون أن العقول من وسائل إدراكها كالنصوص على حد سواء، واهتداء العقول إليها إنما هو بهداية الله عزّ وجلّ لها، فالعقول إذن كاشفة وليست بمشرعة.
2 ـ ما يستفاد من قول الغزالي وهو يرد على من يريد اعتبار الاستصلاح أصلاً خامساً «من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع؛ فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع، فهي باطلة مطروحة، ومن صار إليها فقد شرع، كما أن من استحسن فقد شرع، وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصوداً بالكتاب والسنة والإجماع فليس خارجاً من هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياساً بل مصلحة مرسلة إذ القياس أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة، وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في أتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة»([436]).
والجواب الذي يصلح ـ لمثبتي الاستصلاح ـ التمسك به. إن حصر معرفة المصلحة التي تحفظ مقاصد الشرع بالكتاب والسنة والإجماع لا دليل عليه لما سبق من إثبات كاشفية العقل وإدراكه للمصالح والمفاسد المستلزم لإدراك حكم الشارع بها.
ومع إمكان الإدراك فليس هناك ما يمنع من وقوعه أحياناً، وعلى أي حال فالمسألة مبنائية.
3 ـ ما ذكره الآمدي في كتابه الأحكام من أن«المصالح على ما بيّنّا، منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتبارها، وإلى ما عهد منه إلغاؤها، والمرسلة مترددة بين ذينك القسمين، وليس إلحاقها بأحدهما أولى من إلحاقها بالآخر، فامتنع الاحتجاج بالمرسل دون شاهد بالاعتبار يبين أنه من قبيل المعتبر دون الملغى»([437]).
وموضع الفجوة في هذا الاستدلال اعتبار المصلحة مترددة بين القسمين إذا أريد من ترددها بين ما دلّ على الاعتبار من النصوص، وما دلّ على الإلغاء لافتراض القائلين بالاستصلاح أن النصوص غير متعرضة لها اعتباراً أو إلغاء، وإنما اكتشفوا اعتبارها من قبل الشارع بدليل العقل، فهي إذاً معتبرة من الشارع ولكن من غير ما عهد منه، فهي قسم ثالث في عرض ذينك القسمين، وأن شئت أن تقول إنّ الاعتبار على قسمين: معهود من الشرع بطريق النصوص، ومعهود منه بطريق العقل، وهذا من القسم الثاني وليست بأحد القسمين اللذين ذكرهما الآمدي ليقال: «وليس إلحاقها بأحدهما أولى من إلحاقها بالآخرة».
تلخيص وتعقيب:
وخلاصة ما انتهينا إليه أن تعاريف المصالح المرسلة مختلفة، فبعضها ينص على استفادة المصلحة من النصوص والقواعد العامة، كما هو مقتضى استفادة الدواليبي والطوفي.
ومقتضى هذا النوع من التعاريف إلحاقها بالسنة، والاجتهاد فيها إنما يكون من قبيل تحقيق المناط بقسمه الأول، أي تطبيق الكبرى على صغراها بعد التماسها ـ أعني الصغرى ـ بالطرق المجعولة من الشارع لذلك، ولا يضر في ذلك كونها غير منصوص عليها بالذات، إذ يكفي في إلحاقها بالسّنّة دخولها تحت مفاهيمها العامة، ومتى اشترطنا في السّنّة أن تكون خاصة لتكون مصدراً من مصادر التشريع، فعدّها ـ بناء على هذه التعاريف ـ في مقابل السنّة لا يعرف له وجه.
وأما على تعاريفها الأخر فينحصر إدراكها بالعقل، والذي ينبغي أن يقال عنها إنها تختلف من حيث الحجية باختلاف ذلك الإدراك، فإن كان الإدراك كاملاً ـ أي إدراكاً للمصلحة بجميع ما يتعلق بها في عوالم تأثيرها في مقام جعل الحكم لها من قبل المشرع ـ فهي حجة، إذ ليس وراء القطع، كما سبق تكراره، مجال لتساؤل أو استفهام؛ يقول المحقق القمي: «والمصالح إما معتبرة في الشرع وبالحكم القطعي من العقل من جهة إدراك مصلحة خالية من المفسدة كحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، فقد اعتبر الشارع صيانتها وترك ما يؤدي إلى فسادها([438])..إلخ».
ولكن القول بحجيّتها هنا لا يجعلها دليلاً مستقلاً في مقابل العقل، بل هي نفس ما عرضناه سابقاً في مبحث حجيته.
وإن لم يكن إدراكه لها كاملاً بأن كان قد أدرك المصلحة، واحتمل وجود مزاحم لها يمنع من جعل الحكم، أو احتمل أنها فاقدة لبعض شرائط الجعل كما هو الغالب فيها، بل لا يتوفر الإدراك الكامل إلا في حالات نادرة وهي التي تكون لمصلحة ذاتية ـ كما سبق ـ فإن القول بحجيتها ـ أعني هذا النوع من المصالح المرسلة ـ مما يحتاج إلى دليل، وليس لدينا من الأدلة ما يصلح لإثبات ذلك، لما قلناه من أن الإدراك الناقص ـ وهو الذي لا يشكل الرؤية الكاملة ـ ليست حجيته ذاتية، بل هي محتاجة إلى الجعل والأدلة غير وافية بإثباته.
والشك في الحجية كافٍ للقطع بعدمها لتقومها بالعلم، وقد مرّ إيضاح ذلك كله.
وبهذا يتضح أن الشيعة لا يقولون بالمصالح المرسلة إلا ما رجع منها إلى العقل على سبيل الجزم، كما هو مقتضى مبناهم الذي عرضناه في دليل العقل وما عداه فهو ليس بحجة، فنسبة الأستاذ الخفيف القول بها إلى الشيعة ليس بصحيح على إطلاقه.
صفات الباحث
من أهم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الباحث، أو الشروط ـ كما يعبر عنها بعضهم ـ والتي يراد بها المؤهلات المكونة لشخصية الباحث.
1ـ الموهبة:
ويراد بها الاستعداد الفطري لدى المرء للبراعة فيما يريد القيام به من سلوك فكرياً كان أو علمياً.
ومعنى هذا العنصر الأساسي في تكوين شخصية الباحث أن يكون لديه الاستعداد الفطري والقابلية للبحث.
والاختبار ـ عادة ـ هو الذي يكشف عن مدى استعداد الشخص للبحث أو عدم استعداده.
فمتى ما وجد المرء نفسه موهوباً في هذا المجال، كان هذا هو الخطوة الأولى للانطلاق في تنمية القدرة على البحث لديه.
2 ـ الذهنية العلمية:
ويعنى بها ـ في هذا السياق ـ القدرة على القدرة التفكير تفكيراً علمياً.
والعامل الذي يساعد على تكوين وصياغة الذهنية العلمية لدى الفرد هو ممارسة عملية النقد العلمي، وباستمرار.
فمتى ما كان هذا، وكان المرء ذا قابلية لأن تكون لديه الذهنية العلمية، وُفِّق لأن تصوغ هذه الممارسات العلمية وأمثالها ذهنيته صياغة علمية قادرة على التفكير طبق قوانينه العلمية.
والاختبار ـ أيضاً ـ هو الذي يكشف عن وجود الذهنية العلمية أو عدم وجودها.
ومتى كان الإنسان ذا ذهنية علمية، كانت هذه الخطوة الثانية له للانطلاق في تنمية القدرة على البحث لديه.
3 ـ المنهجية:
ويراد بها ـ هنا ـ أن يكون المرء عارفاً بأصول المنهج العلمي العام، وقواعد المنهج العلمي الخاص، اللذين يناسبان موضوع بحثه.
مع وجود القدرة لديه على هندسة بحثه وفق قوانين المنهجيين ليصل إلى نتائج سليمة في بحثه.
4 ـ المعرفة العلمية.
وهي أن يكون الباحث متخصصاً في موضوع بحثه أو ـ على أقل تقدير ـ ملماً إلماماً وافياً كافياً بموضوع بحثه.
وكذلك فيما يلابس موضوعه من معارف علمية أخرى يفتقر إليها في البحث.
5 ـ الأمانة في النقل:
وهي أن يكون أميناً فيما ينقله من النصوص أو الآراء أو غيرهما، فلا يقدم على الزيد فيها أو النقص منها، أو التغيير بشكل أو بآخر، أو الانتحال، والسرقة.
وأن يتوثق من نسبة النص إلى مصدره والرأي إلى قائله.
6 ـ الصدق في القول:
وأن يكون صادقاً في كل ما يقوله في بحثه صدقاً يحمّله مسؤولية المخالفة أو التزوير أو ما إليهما.
7 ـ الصراحة في الرأي:
وأن يكون صريحاً في إبداء ما يتوصل إليه من رأي، لأن الباحث ناشد حقيقةٍ، والحقيقة لا تقبل التضبيب أو التظليم.
8 ـ الموضوعية Objectivity:
وهي أن يكون الباحث مع موضوع بحثه فقط، فلا يقحم في مبادئه أو مطالبه أي اعتبار شخصي، وإنما ينظر الأشياء ويتصورها على ما هي عليه، أي من غير أن يشوبها بنظرة ضيقة أو بتحيّز خاص.
وبتعبير آخر:
أن يتجرد الباحث من اعتباراته الذاتية الشخصية، ويدخل الموضوع بذهنية علمية لا تأثير للعواطف عليها، وينتهي منه إلى ما ينهيه إليه.
ويقابل الموضوعية الذاتية Subjectivity، وهي تعني تأثر الباحث باعتباراته الذاتية ونوازعه الشخصية، ولذا عبّر عنها بعضهم بالاتجاه التأثري.
9 ـ الوضوح:
ويراد به أن يكون الباحث واضحاً في:
ـ الهدف من البحث.
ـ خطوات البحث.
ـ نتائج البحث.
فيبتعد عن الغموض، ويتجنب الانغلاق.
10 ـ الأسلوبية:
وهي أن يلتزم الباحث الأسلوب العلمي في بحثه.
11 ـ الأخلاقية:
وهي أن يتحلى بـ:
أ ـ الصبر، لأن البحث مسؤولية، والمسؤولية لا بد لها من تحمل، والتحمل بطبيعته يتطلب الصبر.
ب ـ والمثابرة على مواصلة البحث فلا تثنيه العوائق والصعوبات، بل يعمل على تذليلها وتسهيلها.
جـ ـ الاحترام لآراء الآخرين مهما ضؤلت أو هزلت، ومهما عظمت أو خطرت.
ذلك أن الاحترام من أجلّ وأجمل سمات العالم، فلا ينبغي للباحث أن يسقط من شخصيته هذه السّمة الجليلة الجميلة.
د ـ التواضع، فلا يأخذن الباحث الغرور بما قد يصل إليه من نتائج ذات قيمة علمية، لأن الغرور مطية الهلاك.
وقال حاجي خليفة في بيان صفات الباحث وشروط بحثه: «وشُرط في التأليف:
1 ـ إتمام الغرض الذي وضع الكتاب لأجله من غير زيادة ولا نقص.
2 ـ وهجر اللفظ الغريب وأنواع المجاز، اللهم إلا في الرمز.
3 ـ والاحتراز عن إدخال علم في علم آخر.
4 ـ وعن الاحتجاج بما يتوقف بيانه على المحتج به عليه لئلا يلزم الدور.
وزاد المتأخرون:
5 ـ اشتراط حسن الترتيب.
6 ـ ووجازة اللفظ.
7 ـ ووضوح الدلالة.
وينبغي أن يكون مسوقاً على حسب إدراك أهل الزمان، وبمقتضى ما تدعوهم إليه الحاجة، فمتى كانت الخواطر ثاقبة، والأفهام للمراد من الكتب متناولة، قام الاختصار لها مقام الإكثار، وأغنت بالتلويح عن التصريح، وإلا فلا بد من كشف وبيان وإيضاح وبرهان ينبه الذاهل، ويوقظ الغافل»([439]).
شروط البحث
من أهم الشروط التي ينبغي أن يتوفر عليها البحث لكي يكون بحثاً حياً وذا فائدة، الشروط التالية:
1 ـ إمكانية البحث:
وأعني بذلك أن لا يكون البحث في موضوع تستحيل معالجته لعدم قدرة الإنسان على ذلك كمعرفة حقيقة الذات الإلهية، فإنها من الأمور التي يمتنع على الإنسان إخضاعها للبحث لاستحالة الوصول فيها إلى النتيجة المطلوبة، لأنها فوق مستوى الإدراك العقلي للإنسان.
ويلحق بالمستحيل الموضوعات المتعسر معالجتها، إما لعدم قدرة الإنسان على الوصول إلى ذلك، أو لأن كلفة البحث بدنياً ومالياً أكثر بكثير مما قد يحصل عليه الباحث من نتائج، كمحاولة معرفة ما وراء المجموعة الشمسية مثلاً.
2 ـ توفر المدة الكافية للبحث:
ذلك أن المدة الزمنية التي يستطيع أن يوفرها الباحث لبحثه إذا كانت غير كافية لإعداد بحثه أو إجرائه لا فائدة من دخوله في البحث لأنه يعلم مسبقاً أنه لن يصل في مدته المقدورة له إلى النتيجة المطلوبة.
3 ـ أهمية البحث:
وأريد بها أن يكون البحث ذا قيمة علمية تعطيه أهميته المبررة للدخول فيه.
4 ـ فائدة البحث:
وأقصد من هذا أن يكون البحث في نتائجه ذا فائدة للبشرية، دنيوية كانت تلكم الفائدة أو أخروية.
ذلك أن البحث إذا لم يكن له فائدة هكذا يكون مضيعة لوقت الباحث وجهده اللذين يمكن أن يفيد منهما في مجال آخر ذي فائدة.
5 ـ التجديد في البحث:
وهو أن يأتي الباحث في بحثه بجديد مبتكر، أو جديد يضفيه إلى تجارب من سبقه في مثل بحثه ليكملها أو يتكامل معها.
والجديد قد يكون في الفكرة، وقد يكون في العرض، وقد يكون في غيرهما.
وأفاد حاجي خليفة في هذا بقوله: «ثم إن التأليف على سبعة أقسام لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها، وهي:
1 ـ إما شيء لم يسبق إليه فيخترعه.
2 ـ أو شيء ناقص يتمّمه.
3 ـ أو شيء مغلق يشرحه.
4 ـ أو شيء طويل يختصره دون أن يخلّ بشيء من معانيه.
5 ـ أو شيء متفرق يجمعه.
6 ـ أو شيء مختلط يرتبه.
7 ـ أو شيء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه.
وينبغي لكل مؤلف كتاب في فن قد سُبق إليه أن لا يخلو كتابه من خمس فوائد:
1 ـ استنباط شيء كان معضلاً.
2 ـ أو جمعه إن كان مفرقاً.
3 ـ أو شرحه إن كان غامضاً.
4 ـ أو حسن نظم وتأليف.
5 ـ أو إسقاط حشو وتطويل»([440]).
ذلك أن الباحث إذا لم يضف جديداً يكون قد أضاع وقتاً كان بإمكانه أن يستفيد منه في مجال آخر يحقق فيه الجديد المطلوب.
6 ـ توفر مصادر البحث:
وهذا مما لا بد منه لنجاح البحث في مسيرته، وفي وصوله إلى النتيجة المطلوبة.
لأن عدم توفر المصادر يعني عدم توفر مادة البحث، والبحث بلا مادة لا يكون بحثاً.
إن هذه الشروط المذكورة، وما إليها من شروط أخرى يراها الباحث أساسية في بحثه، لا بد من التأكد منها قبل القدوم على إعداد أو إجراء البحث، ليضمن الباحث لبحثه النجاح في تطبيق خطواته وتحقيق نتيجته.
مقدمات البحث
لا بد للباحث قبل البدء بإعداد البحث ـ تحضيراً أو كتابةً ـ من التمهيد لذلك بالمعدات أو المقدمات التالية:
1 ـ تعيين موضوع البحث:
وهي أن يقوم الباحث بتعيين موضوع بحثه تعييناً واضحاً يجسّده تجسيداً كاملاً فيضعه نصب عينيه شكلاً ومضموناً.
وذلك لأن كل ما هو آتٍ من مقدمات متوقف على هذه المقدمة.
2 ـ وضع قائمة بعناوين مصادر الموضوع:
وبعد أن يعين الباحث موضوع بحثه ينتقل إلى إعداد المقدمة الثانية من مقدمات بحثه، وهي:
1 ـ مراجعة المكتبات، عامة وخاصة، ومتخصصة وغير متخصصة.
2 ـ قراءة فهارس الكتب، العامة، والمتخصصة.
3 ـ فحص الدوريات العلمية، العامة والمتخصصة.
4 ـ مساءلة الأساتذة المعنيين بمثل بحثه، متخصصين وهاوين.
5 ـ ثم جمع جميع ما يقف عليه من عناوين الكتب والأبحاث التي لها ارتباط بموضوع بحثه، وعمل قائمة فهرسية بها، تحتوي البيانات التالية:
1 ـ عنوان الكتاب.
ـ اسم المؤلف.
ـ مكان وزمان الطبع (واسم المكتبة التي تحتفظ به إن كان مخطوطاً مع ذكر رقمه فيها).
ـ عدد الطبعة.
ـ ملحوظة، تتضمن مدى علاقة الكتاب بموضوع البحث.
2 ـ عنوان البحث.
ـ اسم الكتاب.
ـ اسم الدورية.
ـ تاريخ وعدد الإصدار.
ـ ملحوظة، تتضمن مدى علاقة البحث بموضوع بحثه.
3 ـ قراءة المصادر:
ثم يقوم الباحث بقراءة المصادر التي أدرجها في القائمة قراءة متأنية وفاحصة، يهدف منها إلى:
أ ـ التمييز بين المصدر الأساسي بالنسبة إلى موضوع بحثه، والآخر غير الأساسي.
ب ـ معرفة ما في محتوياتها من مادة علمية ترتبط بموضوع بحثه معرفة تفصيلية تيسر له الرجوع إليها والاستفادة منها.
4 ـ تصنيف المصادر:
وفي هدي قراءة الباحث للمصادر وتعرفه الأساسي منها وغير الأساسي، يصنف المصادر المذكورة في القائمة الأولى إلى قائمتين هما:
أ ـ قائمة المصادر الأساسية:
ويضمنها عناوين المصادر الأساسية بالنسبة لموضوع بحثه.
ب ـ قائمة المراجع الثانوية:
ويضمنها عناوين المراجع الثانوية بالنسبة لموضوع بحثه.
لتكون القائمة الأولى المنهل لمادة موضوع بحثه يرده ويصدر عنه بما يحتاجه منها.
وتكون القائمة الثانية المؤمل الذي يأنس إليه ويستأنس به في إلقاء شيء من الضوء على مادة موضوع بحثه المذكورة في المصادر الأساسية.
وتبقى هاتان القائمتان مفتوحتين ليضيف إليهما كل ما يعثر عليه بعد إعدادهما مما يدخل فيهما من مصادر أو مراجع.
5 ـ وضع خطة البحث:
وبعد أن ينتهي الباحث من تصنيف المصادر مستهدياً إلى ذلك بقراءاتها، عليه أن ينتقل إلى إعداد مقدمة أخرى مهمة جداً في مساعدته على البحث، ودلالته على مسالك طريقه، هي (خطة البحث)، مستهدياً إليها من قراءته المصادر أيضاً.
ويشترط فيها أن تنظم بتبويب نقاط البحث فيها وخطواته تنظيماً عضوياً يربط بينهما، ووضع كل نقطة في موضعها من حيث التقديم والتأخير والأهمية العلمية.
ذلك أن الخطة ترسم للباحث نفسه وأمام قرائه «الخطوط العريضة الأساسية التي يسير عليها الباحث في بحثه، أو هي الصورة الصغيرة لما سيكون عليه البحث»([441]).
وتحتوي الخطة ذكر التالي:
1 ـ عنوان البحث:
وينبغي أن يكون واضحاً معرباً وحاكياً عن حقيقة البحث وواقعه.
2 ـ المقدمة:
وتشتمل على النقاط التالية:
أ ـ ذكر سبب اختيار الموضوع.
ب ـ بيان مختصر لمحتويات أبواب البحث.
3 ـ التمهيد:
وقد يطلق عليه (الباب التمهيدي)، وربما سمّاه بعضهم بـ (المدخل)، وآخر بـ (التوطئة).
وهو من المدخولات الحديثة في التأليف العربي تأثراً بالتأليف الغربي.
كما أن التعبير عنه بـ (باب) تعبير تجوزي إذ ليس هو من جوهر موضوع البحث، وإنما هو تمهيد ومدخل له. وكلمة (تمهيد) ـ في واقعها ـ ترجمة للكلمة الإنجليزية Introduction.
وفيه يذكر الباحث النقاط التي سيستعرضها من:
ـ ملابسات موضوع بحثه.
ـ أو ما يلقي عليه الضوء من قريب.
ـ والمنهج الذي سيتبعه في بحثه.
ـ وما إلى هذه من تعريف لمصادر بحثه.
ـ وأشياء أخرى يراها ممهدة لانطلاقه في البحث.
4 ـ بيانات تبويب البحث بذكر عناوين أبوابه وفصوله، أو عناوين مواضيعه التفصيلية.
5 ـ الخاتمة:
وتتضمن عادة:
ـ خلاصة البحث.
ـ ونتائج البحث.
ولأن هذا لا يتأتّى إلا بعد الانتهاء من البحث، تذكر في الخطة مجردة من ذلك.
وكذلك ما يليها من خطوة، وهي:
6 ـ الفهارس:
وتنقسم الخطة إلى: مجملة ومفصلة.
أ ـ المجملة:
وهي التي يقتصر فيها الباحث على ذكر النقاط المذكورة في أعلاه دونما تفصيل لها أو شرح.
ب ـ المفصلة:
وهي التي يفصل ويشرح فيها الباحث ما يحتويه التمهيد والأبواب تفصيلاً وافياً يأتي وكأنه في شكله اختصار للبحث.
6 ـ تعيين منهج البحث:
وأعني به هنا (منهج البحث العام)، ذلك أن خطة البحث نهائية كانت أو ابتدائية، تسلمنا ـ بطبيعة الحال ـ إلى تحديد المنهج العام الذي ينبغي أن نسير عليه، ونأخذ بتعليماته في البحث، وقد تفرض علينا ذلك فرضاً.
فعلى ضوء الخطة نتعرف إن كان الموضوع عقلياً أو نقلياً أو غيرهما، وهل يتطلب منهجاً منفرداً أو منهجاً متكاملاً.
في هدي هذا نعيّن المنهج العام لموضوع البحث.
طريقة أداء البحث
وللبحث أكثر من طريقة يؤدى بها، ويُقدَّم من خلالها للمستمع أو القارىء، وأهمها: طريقة المحاضرة وطريقة الكتابة.
1 ـ المحاضرة:
المحاضرة ـ بالمعنى المعروف لدينا اليوم ـ من الكلم المحدثة.
ومن غير شك أنها أخذت من (حاضرَ القوم) إذا جالسهم وحادثهم بما يَحْضره، ترجمةً للكلمة الإنجليزية Lecture.
فالباحث قد يعدّ بحثه ويستظهره أو يستحضره في ذهنه، ثم يلقيه على مستمعيه ارتجالاً.
ونستطيع أن نعبر عنه في هذه الحالة بـ (البحث الشفوي).
2 ـ الكتابة:
وقد يقوم الباحث بتدوين وكتابة بحثه بشكل ما يعرف حديثاً بـ (البحث) عندما ينشر في إحدى الدوريات، أو على هيئة كتاب، فيمكن أن يعبر عنه في هذه الحالة بـ (البحث التحريري).
ويشترك البحثان في طريقة الإعداد مع اختلاف يسير ـ كما سيأتي؟
طريقة إعداد البحث
لا بد لنا ـ بعد أن عرفنا مقدمات البحث وكيفية أدائه من معرفة كيفية إعداده.
ولبيان هذا نقول: إننا نمر في عملية إعداد البحث بمرحلتين هما:
جمع مادة البحث، وصياغة البحث.
1 ـ جمع مادة البحث:
ولجمع المادة العلمية الخاصة للبحث يقوم الباحث بعملين متتابعين، هما:
أ ـ إعداد أوراق الجمع، وهي على نوعين:
ـ البطاقات.
ـ الملف.
وللباحث أن يختار أيهما أيسر وأسهل له.
أما الطاقات:
وتسمى أيضاً بالجذاذة والجزازة والرقعة، وهي ترجمات للكلمة الإنجليزية Card، وللكلمة الفرنسية Fishe.
وقد نستعمل الكلمتان الإنجليزية والفرنسية معربتين، فيقال (كارت) و (فيشه).
فمنها ما هو معدّ لهذا يباع في المكتبات السوقية.
وقد يعدها الباحث نفسه كما يرغب ويتطلبه بحثه.
يسجل عليها الباحث كل ما يراه مرتبطاً ببحثه من مقروءاته في المصادر من كتب ودوريات وغيرهما، أو من مسموعاته من المعنيين من ذوي الاختصاص أو ذوي الخبرة.
ثم يقوم يتصنيفها حسب الموضوعات ضمن حُزَم، كل حزمة تحمل عنوان موضوعها.
يعدها هكذا تسهيلاً للرجوع إليها أثناء صياغة البحث.
والملف ـ وهو النوع الثاني ـ هو دفتر أو مجموعة أوراق بين دفّتين تلفهما، فهو الآخر مما يستعمل في جمع المادة العلمية للبحث.
يقسمه الباحث وفق موضوعات بحثه المذكورة في خطة البحث ويدرج تحت كل عنوان ما يراه من مادته.
ويشترط في جمع المادة العلمية للبحث ـ سواء كانت في بطاقات أو ضمن ملف ـ ما يلي:
1 ـ ذكر عنوان المصدر:
فإن كان كتاباً: ذكر اسمه واسم مؤلفه ـ ومحققه أو مترجمه إن كانا ، وبيانات طبعه، ورقم جزئه إن كان، ورقم الصفحة أو الصفحات.
وإن كان دورية، ذكر عنوان الموضوع المنقول منه، واسم الكاتب ـ والمترجم إن كان ـ واسم الدورية وعنوانها، وتاريخ إصدارها، ورقم العدد، ورقم الصفحة أو الصفحات.
وإن كان شخصاً من المعنيين: ذكر اسمه كاملاً ولقبه العلمي ومجال تخصصه، وعنوانه الكامل.
2 ـ الأمانة في النقل:
بأن ينقل الباحث المادة من المصدر كما هي من غير زيد فيها أو نقص منها، أو تغيير لها، أو إصلاح لخطئها.
وإذا كانت لديه ملاحظة على شيء فيها يريد تسجيلها حتى لا ينسى، يذكرها أسفلها بعد عبارة (ملاحظة من الباحث).
2 ـ صياغة البحث:
ويراد بها كتابة البحث.
وبها يفترق البحث عن المحاضرة كطريقتين لأداء البحث، ففي المحاضرة يدون الباحث خلاصات بحثه أمام كل نقطة من نقط خطته ليفيد منها كمذكرات له أثناء إلقاء محاضرته ارتجالاً.
ويسير الباحث في كتابة بحثه الخطوات التالية:
| ـ كتابة المسودة. | ـ كتابة المبيضّة. |
| ـ كتابة التعليق. | ـ كتابة الفهرس. |
| ـ المراجعة الأولية. | ـ المراجعة الأخيرة. |
1 ـ (المسودة Rough copy):
المسودة ـ كما تعرّف معجمياً ـ: «الصحيفة أو الصحائف تكتب أول كتابة، ثم تنقح وتحرر وتبيّض»([442]).
وهي أول ما يبدأ الباحث به.
وأول ما يبدأ كتابته فيها أبواب بحثه وفصوله، أو موضوعاته، أعني أنه يرجىء كتابة المقدمة والخاتمة حتى الانتهاء من كتابة الأبوب.
وأول ما يبدأ به من الأبواب الباب التمهيدي.
وبعد أن ينتهي من كتابة موضوعات البحث تمهيداً وجوهراً ينتقل إلى كتابة الخاتمة فالمقدمة.
2 ـ (التعليق Annotate):
وهو كتابة التعليقات، وهي ـ كما هو واضح ـ جمع تعليقة.
والتعليقة ـ كما تعرّف معجمياً ـ:«ما يذكر في حاشية الكتاب من شرح لبعض نصه، وما يجري هذا المجرى»([443]).
ويراد بالحاشية ـ هنا ـ أسفل صفحة الكتاب أخذاً من حاشية الثوب.
ويتضمن التعليق النقاط التالية:
1 ـ تخريج الآيات القرآنية:
أ ـ بذكر رقم السورة فرقم الآية، بينهما خط مائل: ¼.
ب ـ أو بذكر اسم السورة فرقم الآية: بينهما نقطتان: البقرة: 25.
2 ـ تخريج الأحاديث.
أ ـ بذكر مصادرها الأصول.
ب ـ أو بذكر مصادرها الناقلة لها عن مصادرها الأصول إن لم يستطع الباحث لأسباب قاهرة ومانعة من الوقوف عليها.
3 ـ تخريج النصوص الأخرى المنقولة، سواء كانت مأثورات أو أمثالاً أو أشعاراً أو غيرها:
أ ـ بذكر مصدرها المباشر.
ب ـ أو بذكر المصدر غير المباشر الناقل عن مباشر، وهكذا، إن لم يعثر على المصدر المباشر لسبب قاهر.
4 ـ توضيح معاني المفردات مستقاة من المعاجم اللغوية الموثقة.
5 ـ ترجمة الأعلام ترجمة مختصرة جداً، سواء كانت تلكم الأعلام لأناسي أو لمواضع جغرافية أو لغيرهما.
6 ـ الملاحظات الاستطرادية التي يتطلبها سياق البحث.
7 ـ شرح المصطلحات التي يرى الباحث ضرورة شرحها، ولم يكن شرحها من جوهر البحث وصلب موضوعه، لأنها إن كانت كذلك تشرح في متن الكتاب.
8 ـ وكذلك الشأن في توضيح القواعد والنظريات وما إليها.
3 ـ (المراجعة الأولية):
وبعد أن ينتهي الباحث من تسويد مادة بحثه والتعليق عليها يقوم بمراجعتها المراجعة الأولى للتأكد من:
ـ سلامة تعبيره ووضوحه.
ـ سلامة منقولاته.
ـ صحة تعليقاته.
فيصوب ما يرى ضرورة تصويبه وتصحيحه.
4 ـ (المبيضة Clean Copy):
وهي الصورة النهائية أو الشكل الأخير لكتابة البحث.
وفيها ينتهي الباحث من كل مستلزمات البحث من:
1 ـ تنظيم وتبويب محتويات البحث وفق الخطة الأخيرة له، التي استقرّ عليها رأي الباحث واستند إليها في صياغة بحثه الصياغة الأخيرة.
2 ـ ضبط المفردات التي تحتاج إلى ضبط بشكلها بالسكون والحركة والمدّة والشدّة.
3 ـ الترقيم، بالقيام بالتالي:
ـ وضع العناوين الأصول في وسط أعلى الصفحة، والعناوين الفروع في الجانب بين قوسين: ( )، أو فوق خط…
ـ تقويس الآية بقوسين موردين: ، والحديث بقوسين عاديين: ( )، والنصوص الأخرى بقوسين مزدوجين: ” “.
ـ وضع الفاصلة ، في نهاية كل جملة، أو فقرة تامة.
ـ وضع النقطة . في نهاية كل فصل تام من الكلام.
ـ وضع الجملة المعترضة والكلام المعترض بين خطين أفقيين: ـ ـ .
ـ وضع الزيادة التي يقتضيها سياق البحث بين خطين عموديين: ׀ ׀ .
ـ وضع علامة الاستفهام ؟ بعد الجملة الاستفهامية.
ـ وضع علامة التعجب ! بعد جملة التعجب.
ـ وضع علامة التعليل؛ قبل التعليل.
ـ وضع النقطتين الشارحتين : قبل الشرح.
ـ وضع النقطتين المقسمتين مع الخط الأفقي: ـ قبل التقسيم.
ـ وضع أرقام الهوامش بين قوسين صغيرين بعد موضع التعليق.
5 ـ (الفهرس Index):
وبعد أن ينتهي الباحث من كل ما تقدم يقوم بوضع الفهارس التالية:
1 ـ فهرست المراجع التي رجع إليها، وتدون كالتالي:
أ ـ عنوان الكتاب، اسم المؤلف، اسم المحقق أو المترجم إن كانا، بيانات النشر إن كان الكتاب مطبوعاً أو بيانات الخط إن كان مخطوطاً.
ب ـ أو لقب المؤلف فاسمه، عنوان الكتاب، بيانات النشر أو الخط.
جـ ـ عنوان البحث، اسم الكتاب، عنوان الدورية المنشور فيها، بيانات الدورية.
2 ـ فهرست محتويات الكتاب:
أ ـ فهرس إجمالي، تذكر فيه عناوين الموضوعات الرئيسة.
ب ـ أو فهرس تفصيلي، تذكر فيه عناوين الموضوعات الرئيسة والموضوعات الفرعية.
وقد يكون هذا مع شيء من الشرح.
6 ـ (المراجعة الأخيرة):
وبعد هذا كله يقوم الباحث بمراجعة ما كتبه من أوله إلى آخره ليصحح ما قد أخطأ فيه من تدوين الكلمة أو تشكيلها، وما إلى هذا، ليخرج البحث سليماً ونظيفاً في شكله النهائي وصورته الأخيرة.
د. عبد الهادي الفضلي
- () ظهرت في أساطيرهم وقصصهم الشعبية إشارات إليها، وكنّوا عنها بالبلاد المجهولة تارة والبلاد البعيدة عن الشاطىء الآخر تارة أخرى. وتارة ثالثة بالبلاد التي تسكنها الجنيات وتسحب جنياتها قوارب الصيد ليخطفن الرجال ويتزوجن بهم هناك فلا يعودون. ↑
- () مصادر التشريع، 127. ↑
- () حقائق الأصول (متن)، ج2 ص 391. ↑
- () مصباح الأصول، ص 5. ↑
- () مصباح الأصول، ص 5. ↑
- () مصادر التشريع، ص 127. ↑
- () مصباح الأصول، ص 6. ↑
- () مصباح الأصول، ص 241. ↑
- () سلم الوصول، ص 305. ↑
- () ص 218 من العالم. ↑
- () ص 218 من العالم. ↑
- () إرشاد الفحول، ص 237. ↑
- () سلم الوصول، ص 307. ↑
- () مصادر التشريع، ص 128. ↑
- () مصباح الأصول، ص 11. ↑
- () مصباح الأصول، ص 11. ↑
- () سلم الوصول، ص 308. ↑
- () راجع ص 308 منه. ↑
- () راجع ص 128 منه. ↑
- () مصباح الأصول، ص 49 ـ 50. ↑
- () لزرارة صاحب هذه الرواية صحيحتان أخريتان تجريان بهذا المستوى والعمق من كثرة التفرعات في الأسئلة وقوة الدلالة على حجة الاستصحاب، تراجع في المصدر نفسه. ↑
- () مصباح الأصول، ص 64. ↑
- () مصباح الأصول، ص 114 وما بعدها. ↑
- () مصادر التشريع، ص 129. ↑
- () المستصفى، ج1 ص 40. ↑
- () المستصفى، ج1 ص 40. ↑
- () الدراسات، ص 154. ↑
- () مصادر التشريع، ص 129. ↑
- () فلسفة التشريع في الإسلام، ص 180. ↑
- () مصادر التشريع، ص 129. ↑
- () مصادر التشريع، ص 129. ↑
- () فلسفة التشريع في الإسلام، ص 179. ↑
- () يشير بهذا إلى كتابه (البحر الزخار في شرح أحاديث الأئمة الأطهار). ↑
- () إسلام بول: تعني الإسلام الكثير. ↑
- (*) كانت القسطنطينية عاصمة الامبراطورية الرومانية الشرقية لمدة تربو على أحد عشر قرناً، ثم كانت لأكثر من أربعة قرون عاصمة الامبراطورية العثمانية التي خلفت الامبراطورية البيزنطية. والقسطنطينية شأنها شأن روما، مبنية على سبعة تلال، وكانت، مثل روما، مدينة خالدة: إن موقعها الاستراتيجي أكسبها أهمية تفرض نفسها في الشؤون العالمية.والقسطنطينية عبارة عن تجمع بلدات تقع بصورة رئيسة على الجانب الأوروبي للممر المائي العظيم الذي يصل البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأسود، عند نقطة تضيق عندها القناة التي تفصل أوروبا عن آسيا فلا يزيد عرضها على نصف ميل. وهذا الموقع هو قلعة طبيعية يصعب اقتحامها بل مهاجمتها وثمة خليج بطول أربعة أميال، يعرف باسم القرن الذهبي، يشكل مرفأ طبيعياً رائعاً يوفر الملجأ والحماية للأسطول المدافع عن المدينة.
كان عدد سكان القسطنطينية العاصمة عام 1914 في حدود أربعة ملايين. سكانها متعددو اللغات، معظمهم مسلمون ويونانيون وأرمن، وفيها جالية كبيرة من الأوروبيين وغيرهم من الأجانب. وكان التأثير الأوروبي جلياً في الأسلوب المعماري للمباني الجديدة، وفي أزياء اللباس، وفي تجديدات أدخلت على المدينة كإنارة الشوارع.
كان التحديث في بدايته بل كان قد بدأ للتو. فالإنارة الكهربائية أدخلت إلى القسطنطينية لأول مرة في عام 1912م وشهدت المدينة بداية العمل لإنشاء شبكة صرف صحي لخدمة شوارعها الضيقة القذرة. أما قطعان الكلاب السائبة التي ظلت خلال قرون ترتع في الشوارع فقد نقلت بحراً، بأمر من المجلس البلدي، إلى جزيرة خالية من الماء، لتنفق فيها. وأنجز بعض العمل لتعبيد الطرق ولكنه لم يكن عملاً يذكر، أما الشوارع فظلت تتوحل عند هطول الأمطار، أو تنفث الغبار في الجو كلما هبت رياح على المدينة.
تتحكم بمناخ المدينة رياح عنيفة تهب تارة من الشمال وطوراً من الجنوب فتسبب تبدلات فجائية من القيظ الشديد إلى القر الشديد. كذلك كان المناخ السياسي في بداية القرن العشرين يخضع لتبدلات فجائية قصوى، وخلال سنوات عديدة سبقت عام 1914م لم تكن لدى المراقبين البريطانيين فكرة عن مصدر الرياح ولا عن وجهتها. وكانت المناورات السياسية في الباب العالي الباب المؤدي إلى مكاتب الصدر الأعظم، ومنه استمدت الحكومة العثمانية اسمها، تدور وراء حجاب من الغموض الذي لم تتمكن السفارة البريطانية من هتكه.
كانت سفارات الدول الكبرى في حي بيرا، وهو الحي الأوروبي في المدينة الواقع شمال القرن الذهبي. وقد كبرت الجاليات الأجنبية على مقربة من سفاراتها، وكانت تعيش حياتها الخاصة، بمعزل عن حياة المدينة. وكانت الفرنسية لغة البعثات الدبلوماسية والحفلات. وكان فندق «قصر بيرا» يقدم خدمات تضاهي ما تقدمه الفنادق الفخمة في المدن الأوروبية الكبرى. لقد انساق معظم الأوروبيين وراء إغراء العيش في عزلة الجيوب التي تسكنها جالياتهم، ونادراً ما كان أحدهم يشعر بالراحة في الشوارع الضيقة في «استانبول»، القسم القديم من المدينة جنوب القرن الذهبي، بأسواره وتحصيناته الآيلة إلى الخراب. ↑
- () سقوط الدولة الرومانية للمؤرخ جيبون (الفصل السابع عشر). ↑
- () سقوط الدولة الرومانية لجيبون (الفصل الخامس). ↑
- () سقوط الدولة الرومانية لجيبون (الفصل السابع عشر). ↑
- () يقع ميدان الهيدروم بين جامع السلطان أحمد وجامع (كنيسة) آيا صوفيا ويسمى بالتركية (آت ميداني) يعني ميدان الخيل. ↑
- () والمراجع العربية بدورها ترد هذا القول إلى الروم: فيقول ابن الأثير في حوادث سنة 187هـ. «وكان يملك الروم حينئذ امرأة اسمها ريني، فخلعها الروم وملك نقفور، وتزعم الروم أنه من أولاد جفنة بن غسان». ↑
- () نورمان بينز، في الامبراطورية البيزنطية. ↑
- () يستعمل كتاب العرب لفظ ـ الروم للدلالة على البيزنطيين الإغريق في العصور الوسطى وتستعمل أيضاً للدلالة على أتراك الأناضول (آسيا الوسطى). ↑
- () راجع بحث الأدارسة. ↑
- () هو الدكتور عبد الباقي كلبناري، ولد سنة 1317 وتوفي سنة 1403هـ وهو من كبار رجال الفكر في تركيا ومن أشهر مؤرخيها، ومن رجال الشيعة البارزين فيها. ↑
- () خاكريز أي السدّ: من القرى المجاورة لأسد آباد. تقع في الجانب الغربي منها على مسافة ربع فرسخ، وفي سفح الهضاب التي عمل منها سد ترابي، ومنه سميت بـ«خاكريز» أي السد. ↑
- () كان هناك من أدرك حقيقة جمال الدين فاستغل ذلك للطعن فيه. وفي ذلك يقول الدكتور عثمان أمين في مقاله عن جمال الدين بمجلة العربي إن وريقات نشرت في القاهرة بعنوان: «تحذير الأمم من كلب العجم». وكذلك فإن أبو الهدى الصيادي كتب إلى صاحب مجلة المنار يصف جمال الدين بـ (المتأفغن) يقول فيما يقول عنه: «لقد ثبت في دوائر الدولة رسمياً أنه مازندراني من أجلاف الشيعة». ↑
- () قال الدكتور عثمان أمين في مقال له في مجلة العربي وهو يتحدث عن جمال الدين وعن علاقة الشيخ محمد عبده به:… فلا بدع إذن أن نرى محمد عبده، الذي كان يناصر في كتاب «العقيدة المحمدية» آراء السنيين والأشاعرة ـ وهم يمثلون حزب المحافظين في الإسلام ـ لا يتردد الآن في التحول عن تلك الطريق، وإذا به في كتاب «الحاشية على شرح العقائد العضدية» ينقلب مناصراً، المعتزلة والعقليين وجميع النظار من الأحرار والمتسامحين.هذا ما قاله الدكتور عثمان في مقاله عن جمال الدين. ولكن الحقيقة أن تحول الشيخ محمد عبده إنما كان تحولاً عن أراء السنيين الأشاعرة إلى آراء الشيعة، وهي الآراء التي وافقهم فيها المعتزلة، وهي نفس آراء جمال الدين وآراء مذهبه التي لقنها لتلميذه الشيخ محمد عبده.
وفي عصر جمال الدين كان ميرزا حسين خليل المرجع في النجف وكان من زملاء جمال الدين في الدراسة ويروي محمد جابر في الجزء الثاني من المجلد 29 الصفحة 159 من مجلة العرفان، أن الشيخ عبد الحسين صادق حدثه أن جمال الدين كتب من استنبول إلى صديقه ميرزا حسين خليل ملتمساً أن يكتب إليه بما تحتاجه النجف من إصلاح ليعرضه على السلطان عبد الحميد، أن ميرزا حسين خليل عقد مجلساً من كبار العلماء وطلبوا عدة مطالب. وأن الشيخ عبد الحسين نفسه تولى كتابة الجواب.
وقد كان السيد جمال الدين حكيماً في أنه لم يعلن إيرانيته أو بالأحرى تشيعه في عصر تسوده العصبيات المذهبية. فما دام يرى نفسه داعية إصلاح، فقد كان عليه أن لا يعطي خصوم الإصلاح منافذ يدخلون منها إلى عقول العامة فيثيرونها عليه. ↑
- () قال الأستاذ أبو رية في مجلة العربي:لما ضاق الظالمون والمستعمرون به ذرعاً، بعد أن سعرها عليهم ناراً تلظى، لم يجدوا مناصاً من أن يأتمروا به، ليستريحوا منه، فدبر لهم الطغيان ممثلاً في شخص عبد الحميد الذي كان سلطاناً على الدولة العثمانية وإمامه الأكبر «أبي الهدى الصيادي» شيخ الطريقة الرفاعية، وصاحب الكلمة العليا في بلاد السلطان.
وقد نشأ التفكير في تدبير هذه المؤامرة عندما كان السيد جمال الدين في باريس يحرر هو والأستاذ الإمام محمد عبده صحيفة «العروة الوثقى»، إذ علم السلطان عبد الحميد أن السيد جمال الدين متصل بأعضاء جمعية «تركيا الفتاة» التي كانت تعمل على خلعه، وتخليص تركيا من طغيانه وبخاصة لما رأى أن العروة الوثقى تنوه بهذه الجمعية، وأن السيد جمال الدين يسميها «الجمعية الصالحة» ويباركها ويدعو الله لها بالتوفيق في عملها. ثم ازداد مقت السلطان وغضبه عليه عندما جاءته شكوى من شاه إيران بأن السيد جمال الدين يشهر بأعماله الظالمة في بلاده ويؤلب صحف أوروبا عليه، ويطلب من السلطان عبد الحميد أن يعمل ما استطاع على إزالة هذا الكابوس الذي يجثم على صدر كل حاكم ظالم، وأنه إذا لم يتدارك الأمر اليوم فإن النار ستندلع حتى تصل إلى الاستانة.
ولم تكد هذه الشكوى تصل إلى السلطان عبد الحميد حتى تولاه الذعر والهلع، وأخذ هو وهامانه أبو الهدى وحاشيته، في تنفيذ ما ائتمروا به. وكان أول شيء فعلوه أن سعوا في اجتذاب السيد جمال الدين إلى الاستانة ـ وكان حينئذ في لندن ـ حتى يكون أدنى إلى المقصلة، فبعث إليه السلطان بخطاب خلاب طلب فيه أن يأتي إلى الاستانة فأبى السيد في أول الأمر أن يستجيب له. فعاد السلطان وعزز خطابه الأول بخطاب أكثر مداهنة واستعطافاً، ووعده فيه بأن يعود إلى أوروبا بعد «الحظوة» بالمقابلة! فخدع السيد وأجاب الدعوة وهو لا يعلم ما خبأه له القدر من كيد السلطان وحزبه! وما كاد يصل إلى الاستانة، حتى وضعوه في قفص من ذهب ـ كما وصف ذلك سائح ألماني ـ ولم يمكنوه من مغادرة البلاد.
ولبثوا بعد ذلك يتحينون فرصة يهتبلونها للفتك به إلى أن جرت مقابلة بين السيد الأفغاني وبين خديوي مصر، الخديوي عباس حلمي، فتذرعوا بها للوصول إلى ما يضمرون، فزعموا أن وراء هذه المقابلة مؤامرة خطيرة هي خلع الخلافة عن السلطان عبد الحميد، وإعطاؤها إلى عباس حلمي خديوي مصر، وبذلك تصبح عباسية، بعد أن كانت عثمانية. وجعلوا ثالث المتآمرين في ذلك السيد عبدالله نديم إذ عزوا إليه أنه هو الذي جمع بين الخديوي عباس وبين السيد جمال الدين.
وقد روى هذا الأمر أحمد شفيق باشا، المصري، في كتابه «مذكراتي في نصف قرن» فقال: «إن الخديوي عباس حلمي الثاني لما زار الاستانة في سنة 1893 للمرة الأولى بعد ولايته كان شديد الرغبة في مقابلة السيد جمال الدين الأفغاني، لما كان يسمع عنه في مصر، فأرسل إليه مصطفى أفندي الحصري المصري لتحديد موعد المقابلة، فأفهمه السيد جمال الدين، أن هذه المقابلة لن تكون إلا بعد إذن السلطان! فاستأذن الخديوي السلطان غير مرة دون جدوى».
«وذات يوم بينما كان الخديوي ممتطياً جواده متنزهاً في الكاغد خانة قابل السيد جمال الدين، وعرفه بنفسه، ومكثا نحو ساعة يتجاذبان أطراف الحديث. فوصل الخبر إلى السلطان فأحضر لديه السيد جمال الدين وقال له: أتريد أن تجعلها عباسية؟؟ (أي يسند الخلافة إلى عباس)، فرد عليه جمال الدين بأن الخلافة ليست خاتماً في أصبعه يضعه في أي مكان يريد!!.
ولكي يحكم المتآمرون تدبير مكيدتهم نشروا بين الناس هذين البيتين، وأرجفوا بأن السيد جمال الدين قد أنشدهما للخديوي، وهما:
شاد الخلافة في بني العباس عباس لكن نعته السفاح ولانت خير مملك ستشيدها بالبشر يا عباس يا صفاح ولم يكد السيد عبدالله نديم يسمع هذين البيتين حتى عارضهما ببيتين على لسان أبي الهدى وهما:
هي الخلافة أرجوها وترجوني فقد تربع فيها من همو دوني يا غوث يا جد قد آن الأوان لنا فأين وعدكما في خان شيخون - () في تعليق شكيب أرسلان على كتاب حاضر العالم الإسلامي: فأجرت الحكومة المصرية عليه معاشاً شهرياً 13 ألف قرش «1هـ» ولعل الصواب معاشاً سنوياً بدل شهرياً لتتفق الروايات. ↑
- () الأسرار الخفية في العلوم العقلية الصفحة الثانية من النسخة المخطوطة موجودة لدى عبد الحسين الصالحي. ↑
- () نفس المصدر الصفحة الأولى من النسخة المخطوطة موجودة لدى عبد الحسين الصالحي. ↑
- () انظر فهرست المشكاة ج5 ص 1707: من منشورات جامعة طهران. ↑
- () نفس المصدر ج6 ص 2263: من منشورات جامعة طهران. ↑
- () الورقة الأولى والثانية من نسخة الأسرار الخفية المخطوطة موجودة لدى عبد الحسين. ↑
- () انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج2 ص 45 بيروت دار الأضواء. ↑
- () الشيخ جعفر محبوبة: ماضي النجف وحاضرها ج1 ص 148 ـ 149 مطبعة الآداب النجف الطبعة الثانية 1378هـ 1958م. ↑
- () المجالس والمسايرات. ↑
- () المجالس والمسايرات للنعمان. ↑
- () هو الخليج الذي يفصل بين صقلية وإيطاليا. ↑
- (*) سِيَر في اللغة العربية تعني الدّرع. وآئين تعني النظام أو الشعيرة أو الطقس. ↑
- () وفي أسفراين يقول أبو الحسن علي بن نصر القندورجي:
سقى الله في أرض أسفرايين عصبتي فما تنتهي العلياء إلا إليهم وجربت كل الناس بعد فراقهم فما ازددت إلا فرط ضن عليهم - () السلفي هذا الذي يباهي به السبخاوي، هو الذي بنى له الفاطميون مدرسته، ومع ذلك يشتمهم السخاوي (ح). ↑
- () يقول حسن الأمين: مع تقديرنا لإنصاف الكاتب، نرى أنه ليس في هذا الذي قاله السخاوي شيء من التحامل، بل كل التحامل الذميم والتعصب الأعمى، مما عرف به السود العقول العمي البصائر. ↑
- () يقول حسن الأمين: هذه هي حقيقة الحكم الفاطمي في إطلاق الحريات وعدم التعرض لمن يخالفه في العقائد المذهبية، هذه هي الحقيقة التي تفرد بها الفاطميون، فجاءت لأول مرة ولآخر مرة. فالدول التي جاءت قبلهم كانت مناهجها تقوم على اضطهاد من هم على غير مذهبها، وكذلك الدول التي جاءت بعدهم. أما هم فقد سمحوا لغيرهم بأن يقيم معاهده الدينية، وأن يدرس فيها مذهبه ويحشد فيها فقهاءه بل أنهم أنفسهم أقاموا أكثر تلك المعاهد. ↑
- () في صميم الحكم الفاطمي ترك الفاطميون فيها علماء أعلام يناصرون السنة ويُرحل إليهم ـ على حد تعبير الكاتب ـ وحسب الفاطميين بهذا فخراً لم يسبقهم فيه سابق ولا يلحقهم لاحق. ↑
- (*) في حسن المحاضرة إسماعيل بن مكي وفي مرآة الجنان ابن بكر. ↑
- () من مرّ ذكرهم من أول الكلام حتى ابن قلاقس، من العلماء السنيين عاشوا كلهم في ظلال الحكم الفاطمي ورعايته، وقد أطلق لهم حريتهم وشجعهم وبنى لبعضهم المدارس. ولا يخفى أن الحكم الفاطمي انتهى في مصر سنة 567هـ (ح). ↑
- () المقصود بكلمة (ابن البصري) أن أبا عبيدالله المهدي، كان يقيم في بني سهم من باهلة بالبصرة، ولذا نسب إليها وقد قتله المهدي العباسي (158، 169هـ 774، 785م) على الزندقة حسب ما زعم البعض. ولكن هذا الرأي مرجوح وذلك نظراً لوفاة المهدي العباسي منذ وقت مبكر لا يمكن أن يعاصر فيه والد عبيدالله المهدي، انظر صلة تاريخ الطبري، لعريب بن سعد، ص 36. ↑
- () تاريخ الأمم 8: 257. ↑
- () نفسه 8: 257. ↑
- () أبو القاسم: هو محمد بن عبدالله المهدي وولي عهده تولى الخلافة بعده. ↑
- () عريب بن سعد، صلة تاريخ الطبري. ص 37 ابن الأثير، 6: 147 ابن حماد، أخبار ملوك بني عبيد ص 12 ابن عذاري، 1: 172. ↑
- () هي الخيول السريعة في سيرها. ↑
- () عريب بن سعد 370. ابن عذاري، 1: 171، 172. ↑
- () الكندي، كتاب الولاة ص 269، 270 السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 410. ↑
- () نفسه، ص 276، 277، E. L.T.3 (Art. UBAID ALLAH El MAHDI) pp. 125-126. ↑
- () عريب بن سعد، ص 55، 58. ↑
- () نفسه، 58، ابن الأثير، 6: 161. ↑
- () من شعر أبي القاسم في هذا الصدد.
يا أهل شرق الله زالت حلومكم أم اختدعت من قلة الفهم والأدب صلاتكم مع من؟ وحجكم بمن؟ وغزوكم فيمن؟ أجيبوا بلا كذب فرد الصولي شاعر العباسيين بأبيات بذيئة. ↑
- () الكندي، كتاب الولاة وكتاب القضاة، ص 275. ↑
- () الكامل في التاريخ، 6: 161 أبو الفداء، المختصر في أخبار البشر، 2: 96. ↑
- () الكندي، كتاب الولاة، ص 276. ↑
- () يلاحظ أن الكاتب يسمي الخليفة الفاطمي الأول باسم عبيدالله كما هو مشهور. ولكن اسمه الصحيح (عبدالله) لا (عبيدالله) وقد ثبت ذلك مما وجد منقوشاً على النقود وغير النقود. ↑
- () ابن حماد، ص 12. ↑
- () كتاب الولاة، ص 277. ↑
- () ابن الأثير، 6: 238 ابن عذاري، 1: 209. ↑
- () نفسه، 6: 238. نفسه، 1: 209، 234. ↑
- () ذكر البعض بهذا الصدد أنه عثر على دينار ضرب باسم المعز في مصر، يعود تاريخ ضربه إلى سنة 341هـ 953م أي منذ بداية عهد المعز، انظر: النقود الإسلامية للمقريزي، ص 77، 78 (تعليق المحقق). علي إبراهيم حسن، تاريخ جوهر الصقلي ص 23. ↑
- () حسن إبراهيم حسن وآخر، المعز لدين الله، ص 68. ↑
- () ابن الأثير، 7: 31. علي إبراهيم حسن، تاريخ جوهر الصقلي، ص 23. ↑
- () أبو المحاسن، 4: 34 محمد الأعظمي، عبقرية الفاطميين، ص 83. ↑
- () ابن الأثير، 7: 31 علي إبراهيم حسن ص 23. ↑
- () في أصله عبد أسود اشتراه أحد المصريين، ثم آل أمره إلى ابن طغج فنال عنده مكانة لذكائه وحزمه وترقى في المناصب إلى أن تولى أمر مصر بعد وفاة سيده (انظر البداية والنهاية لابن كثير 11: 266). ↑
- () ابن كثير، 11: 226 خطط المقريزي، 1: 329، 330. ↑
- () تاريخ الأمير حيدر الشهابي، 1: 258. ↑
- () أبو المحاسن، 4: 30، 31. ↑
- () أبو المحاسن، 4: 21، 22، 23 عارف تامر القرامطة أصلهم، نشأتهم، ص 50. ↑
- () ذكر المقريزي أنه يكنى بأبي جعفر، وهو من الأشراف، وقد استقبل المعز في جماعة من وجهاء مصر وأعيانها حينما رحل إليها من المغرب، انظر اتعاظ الحنفاء 1: 133. ↑
- () صبح الأعشى، 4: 298. ↑
- () ابن أبي دينار، ص 64 حسن إبراهيم حسن وآخر، المعز لدين الله، ص 82. ↑
- () حسن إبراهيم حسن وآخر، نفس المرجع، ص 83، 84 صابر محمد دياب، ص 102. ↑
- () البداية والنهاية في التاريخ، 11: 266. ↑
- () ابن الأثير، 7: 31 ابن حماد، 40. ↑
- () المقريزي: خطط، ج2؛ ص 27. ↑
- () المقريزي: خطط ج2 ص 27. وقد ظل انخفاض النيل من سنة 351 إلى سنة 360هـ. ↑
- () المصدر نفسه ج1، ص 23. ↑
- () ابن خلكان: وفيات الأعيان ج2 ص 55، 56. ↑
- () المقريزي: خطط ج1 ص 378. ↑
- () اتعاظ الحنفا ص 64 ـ 65. ↑
- () ابن أبي دينار: المونس في أخبار إفريقيا وتونس ص 62. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا ص 60 ـ 61. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا ص 71. ↑
- () ديوان ابن هانىء ص 16 وما يليها. ↑
- () إشارة إلى كثرة الجند بحيث أظلمت الدنيا بسبب تحركهم نحو الشرق. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا ص 66. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا ص 67. ↑
- () أي الهاربة المولية، يقال: أمعن الرجل، هرب وتباعد. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا ص 67. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا ص 69. ↑
- () المصدر نفسه ص 68. ↑
- () المصدر نفسه ص 70. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا ص 71. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا ص 72. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () المقريزي: اتعاظ الحنفا ص 72. ↑
- () الجحدر: القصير. ↑
- () السنور: ما يلبس من سلاح كالدرع والخوذة والمغفر. ↑
- () تلاد القوم: هو الذي ولد فيهم أو نشأ عندهم، فجوهر مولى الأسرة منذ الصغر. ↑
- () تلمس المغيرة: ركب الخيل المغيرة، والنثرة: الدرع. ↑
- () البعاع: ماء السحاب، والمتاع عامة. والمعنى: قابل الشدة بالشدة. ↑
- () دمر: بلدة من ضواحي دمشق. ↑
- () وصل حسن الصباح إلى مصر سنة 471: 1078 ومكث ثلاث سنوات في القاهرة أولاً ثمّ في الاسكندرية، التي كانت قاعدة للمعارضة ضد بدر الجمالي الوزير الفاطمي صاحب السلطات المطلقة وأمير الجيوش ولا نعرف شيئاً حول خبرات حسن في مصر، غير أنه من المؤكد أنه لم يقابل المستنصر. وطبقاً لمصادر نزارية لاحقة استخدمها مؤرخو الفرس، فإنه قد دخل في نزاع مع بدر الجمالي، بسبب تأييده كما هو واضح لنزار، المسمّى لولاية عهد المستنصر. وطبقاً لرواية أخرى ذات مفارقة تاريخية أوردها ابن الأثير، فإن المستنصر شخصياً هو من أخبر حسن الصباح في القاهرة بأن الخليفة سيكون نزاراً. وعلى أية حال، فالظاهر أن حسناً قد أُبعد بالنتيجة عن مصر في ظل ظروف غامضة وبأمر من بدر الجمالي. وعاد إلى أصفهان في ذي الحجة 473/ حزيران 1081.ويقال بأن أعداء حسن وضعوه على ظهر سفينة مع بعض الفرنجة وبعثوا به إلى المغرب. وبعد مغامرات قليلة بدت وكأنها معجزة، رست السفينة بحسن في سورية، فذهب إلى حلب ثم إلى بغداد، وومنها إلى خوزستان وأصبهان وأخيراً إلى يزد وكرمان، حيث كان يمارس وظائفه كداعية طوال تلك الرحلة ولم يوفر جهداً في الدعوة إلى مذهبه. ثم عاد عقب ذلك إلى أصبهان، وغادرها بعد ذلك إلى دامغان فأمضى ثلاث سنوات أيضاً قضاها في تحويل كثير من الناس إلى مذهبه. وارتحل بعد ذلك إلى جورجان، ومن هناك إلى الديلم عبر دماوند وقزوين. واستقر به المقام في نهاية المطاف في ألموت، حيث قضى وقته في التأمّل وعاش حياة دينية صرفة.
بحيث أنه لم يغادر مكان إقامته طوال فترة الـ 35 سنة التي قضاها في ألموت، سوى مرتين صعد فيهما إلى شرفة قصره، ولم يضع قدمه خارج الحصن أبداً. ↑
- () نظام الملك، سياسة نامه (بالإنكليزية) ص 231. ↑
- () المصدر السابق، ص 188. ↑
- () دفتري، الإسماعيليون، ص 106 ـ 115. ↑
- () إيفانوف، المؤسس المزعوم للإسماعيلية (بومباي، 1946)، ص 28 ـ 103؛ و«ابن القداح» (بومباي، 1957)؛ ومقالة شتيرن في مجلة BSOAS، العدد 17 (1955)، ص 10 ـ 33؛ وأعاد نشرها في كتابه، دراسات، ص 357 ـ 388؟؛ ومقالة هـ. هالم عن القداح في مجلة EIR. م1، ص 182 ـ 183. ↑
- () أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، الفرق الإسلامية، القسم 2، ترجمة هالكين (تل أبيب، 1935)، ص 107. ↑
- () لمزيد من التفاصيل انظر بونوالا، ببلوغرافيا الأدب الإسماعيلي (ماليبو، كندا، 1977)، ولا سيما ص 47 ـ 132. ↑
- () انظر مقالة ا. ف سيّد عن مصادر التاريخ الفاطمي في مجلة : Annals Is-Iamogiques، العدد 13 (1977)، ص 1 ـ 41؛ والفصل عن التاريخ الفاطمي للهمداني في تاريخ كمبردج للأدب العربي (كمبردج، 1990، ص 234 ـ 247) من تحقيق م. ج. ل. يونغ. ↑
- () د. فرهاد دفتري. ↑
- () لا بد لنا هنا من أن نشير إلى علاقة النزاريين بالخوارزمشاهيين الذين خلفوا السلاجقة، ثم بالمغول بعد انهيار الخوارزميين:اضمحلت دولة السلاجقة الكبرى بعد وفاة سنجر في 552هـ/ 1157م وتشكلت حكومات ودويلات صغيرة شبه مستقلة يحكم كل واحدة منها أمير أو قائد جيش تركي. وفي الوقت نفسه برزت على الساحة السياسية قدرة توسعية جديدة مع أمنيات كبيرة قاعدتها خوارزم. وكانت منطقة خوارزم التي تقع على الضفة الجنوبية من نهر جيحون في آسيا الوسطى، قد وقعت قبل حوالي مائة عام بيد سلالة من الأتراك التابعين للسلاجقة أو قد جعل حكام هذه السلالة السلطة وراثية وأطلقوا على أنفسهم الاسم القديم لسلاطين هذه الناحية وتسمُّوا بالخوارزمشاهية وانتهز الخوارزمشاهيون الأوضاع المتدهورة والخلافات القائمة بين السلاجقة بعد وفاة سنجر وأعلنوا استقلالهم، وبدؤوا ببسط سلطانهم على بلدانهم وحوالي سنة 586هـ/1190م استولى خوارزم شاه علاء الدين تكش (567 ـ 596هـ/1172 ـ 1200م) على خراسان وجعل القسم الأكبر من أراضي حكومة سنجر تحت سلطته. إن انهيار حكومة السلاجقة أتاح الفرصة للخلفاء العباسيين لأن يستعيدوا من جديد قدرتهم وأصبح الخليفة العباسي الناصر (575 ـ 622هـ/1180 ـ 1225م) المركز السياسي في المشرق الإسلامي. وقد بذل جهوده لإعادة الوحدة الدينية إلى العالم الإسلامي بقيادة الخلافة وطلب المساعدة ممن هو بالفعل عدوه وهو السلطان تكش للقضاء على آخر ملوك سلاجقة إيران وطغرل الثالث (571 ـ 590هـ/1176 ـ 1194م) فأتيحت الفرصة بذلك للجيش الخوارزمشاهي بأن يزحف نحو الغرب وفي سنة 590هـ/1194م قضى تكش على طغرل الثالث في مدينة الري وانتهت بذلك حكومة السلالة السلجوقية. وكان من الواضح أن خوارزم شاه الفاتح يود أن يحل محل السلاجقة فيما كان لهم من سلطان.
ومع أن الخليفة الناصر باعتباره الخليفة أقر خوارزمشاه ملكاً على غرب إيران وخراسان وتركستان فإن خوارزمشاه أراد أن يكون للخوارزمشاهيين ما كان للسلاجقة ومن قبلهم للبوبهيين من التسلط، على الخلافة في بغداد فقاومهم الناصر وفشل خوارزمشاه في ذلك وشكل الخوارزمشاهيون دولة قوية امتدت حدودها من الهند حتى الأناضول في آسيا الصغرى، غير أن عمر هذه الدولة كان قصيراً. حيث انهارت أمام هجوم المغول، كما انهارت أمامهم الدولة النزارية في إيران. إثر انهيار المقاومة الخوارزمية للمغول ومقتل جلال الدين آخر أمرائهم بعد هزيمته الساحقة سنة 628هـ/1231م صار النزاريون وجهاً لوجه أمام المغول.
لقد ورث الخوارزميون عداء النزاريين عن أسلافهم السلاجقة. والدولة النزارية التي كانت الأمور تراوح بينها وبين الخوارزميين بين الحرب وبين التفاوض، لم تشتبك مع الخوارزميين وحدهم بل كانت بين الحين والآخر في حروب مع جيرانها، وقد احتل النزاريون مناطق جديدة في گيلان ودخلوا رويان على أن علاقتهم مع أعدائهم القدامى القزوينيين قد تحسنت.
هكذا كان الموقف عندما خرج الخوارزميون من الساحة، وصار النزاريون يقابلون المغول الذين كانوا بقيادة (أوگتاي) بن جنگير (1229 ـ 1241م) يتطلعون إلى الوثوب على إيران من جديد. ولم يلبث المغول أن ملؤوا الفراغ الذي حدث بغياب الخوارزميين فاحتلوا (دامغان).
ولما كان محمد الثالث زعيم النزاريين مصمماً على مقاومة المغول فقد راح يفتش عن حلفاء أقوياء يساندونه في الوقوف في وجه المد المغولي المتعاظم، فتطلع إلى أوروبا لعله يجد في ملوكها من يدرك حقيقة الخطر المغولي فأوفد بمساعدة الخليفة العباسي المستنصر (623 ـ 640/1226 ـ 1242) سنة 1238م سفراء إلى ملك فرنسا وملك إنكلترا مطالباً بأن تتوحد القوى الإسلامية والمسيحية لمواجهة المغول. وقد نقل (ميثيو باريس) في كتابه محادثات هؤلاء الموفدين إلى أوروبا لا سيما في بلاط هنري الثالث بإنكلترا.
ولكن مهمة هذه السفارات لم تحقق نجاحاً لأن الملوك المسيحيين الأوروبيين كانوا يعملون على التوحيد لا مع المسلمين، بل مع المغول على المسلمين.
وبعد بضع سنين في عهد الخان المغولي الجديد (گيوك) (1246 ـ 1248م) قطع النزاريون علاقاتهم مع المغول قطعاً نهائياً، بعد أن نال وفدهم المرسل مع غيره من الوفود للمشاركة باحتفالات تولي گيوك عرش المغول، ما ناله من المهانة، ورد گيوك على رسالة محمد الثالث بعنف وبعد فترة قصيرة حقق گيوك وعيده فأرسل (أبلچكتاي) على رأس جيش إلى إيران ليلتحق بالقوات المعسكرة فيها، وليداهم الجميع أول ما يداهمون بلدان النزاريين وقلاعهم، على أن يلتحق بهم هو بنفسه فيما بعد. ولكنه مات قبل أن يتحقق له ذلك، فواصل ابن عمه منگوقا آن (1251 ـ 1259م) تطبيق مخطط گيوك في حرب النزاريين على يد أخيه هولاكو. ولم يبدأ هولاكو تحركه من منغوليا نحو الغرب قبل سنة 651/1253م.
ويروي (روبروكي) الذي كان موجوداً في منغوليا في هذه الفترة نفسها سنة 1254م: أن مجموعة من الفدائيين النزاريين أرسلوا إلى منغوليا لمحاولة اغتيال منگوقا آن انتقاماً لما دبره على النزاريين.
وكان هولاكو يعد عدته بهدوء وطمأنينة للقيام بهجوم كبير على إيران من آسيا المركزية، ولم يصل إلى إيران قبل العام 654هـ/1256م. وقبل وصوله، وفي شهر جمادى اللآخرة سنة 650/ آب1252م، ارسل من منغوليــا جيشـــاً مؤلفاً من 12000مقاتل بقيادة قائد مسيحي نسطوري هو (كيتبوقا) ) للانضمام إلى القوى المغولية
المرابطة في إيران، والهجوم على قلاع النزاريين. ↑
- () عدا عن الهند والباكستان وإفريقيا الشرقية يوجد النزاريون في إيران وليست هناك أرقام يوثق بها عن عددهم فيها، يعيشون في مقاطعة خراسان وأغلبهم يعيشون في القسم الجنوبي من المقاطعة في مدن قائن وبيرجند وبعض القرى القريبة مثل قرية خُشك ومؤمن آباد ونصر آباد ومزداب وفي شمال مقاطعة خراسان عدا حوالي 1500 الذين يعملون في وظائف ومهن مختلفة في مدينة مشهد، موزعون على مدن نيسابور وتربت حيدرية وبعض المدن الصغيرة وكذلك في قرى دزباد (ديزباد) وقاسم آباد وشاه تقي والأرياف المختلفة الأخرى. وحافظ أغلبية النزاريين في شمال خراسان على بيوتهم في دزباد التي هي مسقط رأس أجدادهم وتوجد فيها بعض انقاض القلاع الإسماعيلية وبعد مقاطعة خراسان فإن أغلب النزاريين يعيشون في المحافظة المركزية في طهران وفي تسع قرى بأطراف مدينة محلات ويعيش عدد قليل في محافظة كرمان في مدينة كربان وسيرجان وبابك والقرى المجاورة لها وكذلك في مدينة يزد، وفي قريتي خشك ودزباد وفي مدينة كابل ومناطق أخرى من أفغانستان وفي بدخشان والمناطق المجاورة لباكستان وفي منطقة جيحون العليا وخاصة في ناحية شفنان وناحية روشان في غرب بامير. وتوجد جماعات نزارية صغيرة في باركند وكاشغر في تركستان الصينية. ↑
- () المقصود بشيخ الجبل هنا: الحسن بن الصباح. ↑
- () انصرف (إيفانوف) بكل قدراته العلمية والعملية لدراسة المذهب الإسماعيلي وتاريخه، وله كتب كثيرة في هذا الموضوع. ↑
- () كان الدعاة يعقدون في العصر الفاطمي مجالس تسمى بالمجالس الشريفة، يلقون فيها المحاضرات، وفيها ما يتعلق بشرح المذهب وأصوله. ↑
- () أدركنا في دمشق الأيام التي كانت فيها كل دار تقريباً تربي خروفاً وتعلفه ليكبر ويسمن. وكان يمر على تلك الدور بائع الحشيش الذي يعلف به الخروف فيطرق الباب ويصيح معلناً عن نفسه: (الحشّاش). وكان الصغار والكبار يلقبونه بـ (الحشّاش). ↑
- () كان رشيد الدين الصوري (639هـ/ 1241م)، صاحب كتاب «الأدوية» يدرس النباتات في منابتها بل يستصحب معه إلى لبنان وسورية مصوراً يحمل أصباغاً مختلفة متنوعة فإذا شهد النباتات في منابتها حققها وأطلع المصور عليها لينقلها بألوانها ومقادير ورقها وأغصانها وأصولها ويصورها بنسبها ما تبدو في الواقع، بل كان يتتبع تطور النبات ويريه للمصور في حال نبته وطراوته، ثم في حال اكتماله وظهور بذره ثم في حال أفوله ويباسه. ↑
- () نشرت الجرائد في شهر أيلول سنة 2000 ما يلي:تدرس وزارة الصحة السورية حالياً مشروعاً لإنتاج الأدوية العشبية بالاستفادة من النباتات والأعشاب الطبية المتوافرة في مختلف المناطق السورية.
وتعتبر الوزارة المشروع فرصة لإنتاج أدوية خاصة بها ببراءات اختراع محلية تضمن لها الحماية الفكرية، إلى جانب توسيع المعامل المنتجة للخلطات والتسويق لها في شكل جيد في الأسواق الخارجية.
وذكرت مصادر اقتصادية أن «الوزارة حددت لائحة تتضمن 25 نباتاً يمكن البدء بتصنيعها واستخدامها في الرعاية الصحية الأولية. وتعتبر هذه النباتات جزءاً من قائمة تتضمن مئات النباتات التي ثبتت فعاليتها الصحية».
وقالت المصادر إن معامل الخلطات الشعبية الموجودة في سورية حالياً «استطاعت أن تقدم الأعشاب الطبية بطريقة صيدلانية مراقبة من وزارة الصحة، عن طريق تجفيفها بشكل جيد ومدروس، وتعبئتها ضمن أكياس سيللوزية طبيعية بخليط متوازن من الأعشاب والنباتات الطبية تؤلف في ما بينها خصائص طبية مفيدة ومغذية تحافظ على مادتها الفعالة، ما يساعد على تجاوز الأخطاء المرتكبة في سوق العطارين، خصوصاً من ناحية التجفيف».
وتحتل سوريا المرتبة الأولى في الشرق الأوسط في مجال إنتاج الأعشاب والنباتات الطبية، ما ساعد على تزايد صادراتها إلى مختلف الأسواق، خصوصاً في الخليج العربي، والتي تلبي سورية 60 في المئة من حاجاتها. وتشمل هذه المنتجات المريمية وأوراق المليسة والزعتر البري وثمار الشمرة والكراوية وزهر البابونج وثمار اليانسون. ↑
- () الذين قاموا بذلك جماعة محدودة العدد قاومهم النزاريون أنفسهم ولهم نظراء في كل الطوائف الإسلامية، فالقاديانية مثلاً خرجت من الطائفة السنّية… ↑
- () نسبة إلى فينيسيا (البندقية). ↑
- () ملخصة عن دراسة للدكتور فرهاد دفتري. ↑
- (*) راجع عن التشيع في إشبيلية بحث الأندلس. ↑
- () نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، للقلقشندي: ص159. ↑
- () تاريخ قم ألف في 20 باباً بالعربية، نقله حسن بن علي بن حسن بن عبد الملك القمي في سنة 805 ـ 806 إلى الفارسية، ولكن لم يصل إلينا من هذا الكتاب إلا خمسة أبواب من الترجمة الفارسية. والأصل العربي وباقي الأبواب من الترجمة غير موجودة، والظاهر أنه قد ضاع. ↑
- () راجع ديوانه والسيرة النبوية لابن هشام ج1، ص291. ↑
- () تاريخ قم: ص280 ـ 281. ↑
- () تاريخ قم: ص268 و277. ↑
- () رجال الكشي على حدّ نقل جامع الرواة: 642. ↑
- () تجد قائمة بأسمائهم في كتب رجال الحديث الشيعية. ↑
- () المسالم والممالك، 199 طبع ليدن. ↑
- () صورة الأرض، ص315 طبع بيروت. ↑
- () البلدان ص40 طبع النجف. ↑
- () قوله أحداث لعله حدث، من حداثة السن. وربما كانت الكلمة حداث. ↑
- () بنو الخجندي: أسرة من العلماء والفقهاء والمتكلمين والوعّاظ الشافعيين، يعود أصلهم إلى خجند الواقعة في ما وراء النهر.كانوا ذوي شوكة ومكانة في أصفهان في الفترة بين القرنين 5 ـ 7هـ/11 ـ13م وكانوا يسيطرون على أحد الحيين المهمين في المدينة المذكورة ويدعى «دردشت»، كما كانوا يرأسون مجموعة كبيرة من سكانها.
وكان آل صاعد يتولون رئاسة اتباع المذهب الحنفي في عهد آل خجند. وكان النزاع قائماً في أغلب الأحيان بين هاتين الطائفتين وبين رئيسيهما. وقد أصاب الدمار والخراب أصفهان مرات عديدة إثر هذه الاضطرابات.
وأبو بكر محمد بن ثابت الخجندي (ت 483هـ/ 1090م)، هو أول من عرف من هذه الأسرة، كان يعيش في مرو ويدرس ويخطب فيها. وقد عيّنه نظام الملك وزير ملكشاه للتدريس في المدرسة النظامية التي بناها بنفسه في أصفهان. ونال منزلة رفيعة في أصفهان خلال فترة قصيرة. وانتقلت إليه إمامة الشافعية بأصفهان تدريجياً. ↑
- () هو شاعر أصله من العراق وسكن فترة طويلة في جبل عامل ثم عاد إلى العراق. ↑
- () عند إعداد هذه الطبعة الجديدة، كان هؤلاء قد توفّوا جميعاً. ↑
- () لم يحدد الكاتب حقيقة هؤلاء العرب ومن أين جاؤوا «ح». ↑
- () انظر: تاريخ إيران، كامبريدج، ج5، ص330 (كمبريدج 1968). ↑
- () نور الدين محمد النسوي مؤلف تاريخ سيرة جلال الدين المنكبرني. ↑
- () سيرة جلال الدين بتصحيح مجتبى مينوي (طهران 1344 ـ 1965)، ص167. أحد أمراء المغول «يسعورنويان» (YASAOUR) الذي يكون متّحداً مع «يسعور بهادر»، أرسل من قبل جنكيز خان مع أوكتاي لأجل احتلال وتدمير غزنة.(راجع كتاب أمراء المغول في أفغانستان والهند على أساس طبقات ناصر الجوزجاني، تأليف بويل، ص 235 ـ 247). ↑
- () المراد عطا الملك الجويني (632 ـ 681) مؤلف تاريخ (جهان كشاي). ↑
- () رشيد الدين فضل الله الهمداني (645 ـ 718) وزير سلاطين المغول في إيران ومؤلف (جامع التواريخ رشيدي). ↑
- () بوستان، بتصحيح محمد علي فروغي، ص154 ـ 156، طهران 1316 هـ. ش. ↑
- () طبع جان ريتشارد، باريس 1965، ص54. ↑
- () التقويم التاريخي لبارهه براوس (Barhe Breaus)، ترجمة واليس بوج، لندن 1932، ص404. ↑
- () جامع التواريخ، طبع بلوشه، ص343 ـ 344، وص606 ط الدكتور رحيمي. وأيضاً (خلفاء جنكيز) تأليف بويل، نيويورك 1971، ص233. ↑
- () راجع طبقات ناصري، ج2، من ص704 فما بعدها. ↑
- () خاصة في كركانج. ولأجل زيادة الاطلاع يرجع إلى الكتاب الذي كتبه ر.آ. سيكلتون، توماس ا. فارستون، وجورج دوبانتر. ط نيو هاون ولندن 1965م، ص102 ـ 104. ↑
- () أعيان الشيعة ↑
- () الخطبان بالضم في تاج العروس: نبت شديد المرارة، يقال: أمرّ من الخطبان. ↑
- () الخيفان: الجراد إذا اختلفت فيه الألوان لأنه حينئذٍ أطير ما يكون. المؤلف. ↑
- () القضم والقضيم من القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان روى علي بن ابراهيم القمي في تفسيره أن طلحة العبدري لما طلب المبارزة يوم أحد برز إليه علي (ع) فقال له طلحة: من أنت يا غلام؟ قال: أنا علي بن أبي طالب! قال: قد علمت يا قضيم أنه لا يجسر علي أحد غيرك! «الحديث»، ثم روى بسنده عن الصادق (ع) أنه سئل عن معنى قول طلحة يا قضيم! فقال إن رسول الله (ص) كان بمكة لم يجسر عليه أحد لمكان أبي طالب وأغروا به الصبيان، فكان إذا خرج يرمونه بالحجارة والتراب، فشكا ذلك إلى علي (ع)، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إذا خرجت فأخرجني معك فخرج معه، فتعرض له الصبيان كعادتهم، فحمل عليهم علي (ع)، وكان يقضمهم في وجوههم وآنافهم وآذانهم فكانوا يرجعون باكين إلى آبائهم ويقولون قضمنا علي! فسمي لذلك القضيم. والقضاقض: بالضم الأسد من القض وهو الكسر والتفريق، يقال: أسد قضاقض يحطم كل شيء ويقضقض فريسته، قال في تاج العروس والهاء في قضاقضة للمبالغة. ↑
- () الماني: بمعنى المقدر وهو الله. المؤلف. ↑
- (*) راجع: ترجمته في (أعيان الشيعة). ↑
- () المقصود بالأمير فيض الله، هو العالم الشهير في الفقه والأصل السيد الأمير فيض الله بن عبد القاهر الحسيني التفريشي، وقد كان من تلامذة الملا أحمد الأردبيلي، وقد توفي في مشهد في رمضان عام 1025 ودفن فيها، وترك وراءه بعض المؤلفات. ↑
- () المقصود هو الشيخ جمال الدين أبو منصور حسن العاملي ابن الشيخ زين الدين الشهيد الثاني الذي أشير إلى حياته في بعض هذه المقالة. ↑
- () ملا عناية الله بن شرف الدين على الكوه بايه أي الأصفهاني، من علماء الرجال ومن تلامذة الشيخ البهائي والمحقق الأردبيلي الملا عبدالله الشوشتري ومن العلماء المشهورين في عهد الملك عباس الكبير (996 ـ 1038هـ)، وقد أتمّ كتاب اختيار رجال الكشي في أصفهان، في محرم من عام 1011هـ، وله كتاب آخر في ترتيب كتاب الرجال للنجاشي. ↑
- () روضات الجنات ص519، ورياض العلماء القسم الأول، المجلد الثالث (نسخة خطية) في أحوال الشيخ لطف الله وأمل الآمل، القسم الأول (خطي). ↑
- () بحار الأنوار (كتاب الإجازات) ج26، ص130 ـ 131، وكتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج1، ص238. ↑
- () عالم آراي عباسي صفحة 608 ورياض العلماء في ترجمة أحوال الملا عبدالله الشوشتري وكذلك مستدرك الوسائل الجزء الثالث، ص405. ↑
- () مستدرك الوسائل ص415 الجزء الثالث، (عالم آراي عباسي) ص608. ↑
- () هو شهاب الدين عبدالله بن محمد الشوشتري، أستاذ الشيخ لطف الله، وقد وقع أسيراً بيد الأزبك عام 997هـ في مشهد، واستشهد على أيديهم في بخارى، ولا ينبغي الخلط بينه وبين الملا عبدالله بن حسين الشوشتري الذي مرّ ذكره آنفاً، الذي توفي عام1021هـ والذي كان في خلاف مع الشيخ لطف الله، ويطلق بعض المؤلفين على شهاب الدين عبدالله القمي الشهيد الثالث. ↑
- () يعتبر هذا الكتاب المختصر في غاية الفائدة، فهو تاريخ مجمل ولكنه يفصل تاريخ الصفوية، ويحتوي على معلومات هامة جداً، ولم يتسنّ لي معرفة مؤلفه، ولكنه ألّف في عصر الملك عباس الثاني. ↑
- () عالم آراي عباسي) ص710. ↑
- () راجع بحث الاستبصار. ↑
- () قوانين الأصل للمحقق القمي (ص5 طبع إيران). ↑
- () أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (ص8) طبع مصر سنة 1399 هجرية الطبعة الرابعة. ↑
- () الأصول العامة للفقه المقارن للسيد محمد تقي الحكيم (ص41) طبع بيروت 1383هـ. ↑
- () الاحكام في أصول الأحكام (ج1 ـ ص8) طبع مصر سنة 1332 هجرية. ↑
- () احكام الأحكام للآمدي (ج1 ـ ص8). ↑
- () اًصول الفقه لخلاف (ص9 ـ ص10). ↑
- () أصول الفقه لخلاف (ص11). ↑
- () انظر أصول الفقه (ص14 ـ 16). ↑
- () طبعت هذه الرسالة طبعات عديدة. ↑
- () انظر طريقتهم في الاستنباط في أصول الفقه لخلاف (ص15). ↑
- () انظر طريقتهم في الاستنباط في أصول الفقه لخلاف (ص16). ↑
- () انظر كشف الظنون للحلبي (حرف الميم). ↑
- () يقول الدكتور وجيه كوثراني: أما في علم أصول الفقه، فقد كان يمكن لقواعد هذا العلم لولا سيادة الاتجاه الأخباري على الاتجاه العقلي فيه، أن تنشّط التفكير التاريخي النقدي ارتكازاً إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه الاجتهاد كمنهج وكتأثير في الواقع. ذلك أن الاجتهاد الذي يقوم بالدرجة الأولى على الاهتمام بالواقع ومعاينته ومعاناته وعلى إعطاء العقل الدور الأساسي في عملية الاستنباط والاستقراء لمجاراة التصور التاريخي وحلّ ما ينتجه هذا التطور من مشكلات وإشكالات، كان يمكن أن يحرر الكتابة التاريخية العربية من نقل النصوص على علاتها ـ اعتماداً على علم الرجال وحده ـ وأن يدفع باعتماد منهج يتم «الذهاب فيه من الواقع إلى النص، فينشأ علم التاريخ ـ كما يقول حسن حنفي أيضاً ـ كعلم استقرائي، ولا يستنبط من نصوص مكتوبة تخضع لتأويل اللغة واختلاف التفسيرات. ويكون فيه فهم الحاضر مقدمة لاكتشاف الماضي. وتعطي فيه الأولوية المطلقة للإبداع على التقليد، وللجديد على القديم. لكن انسداد باب الاجتهاد بفعل التضييق والتنكيل والتعذيب ثم التفكير وإحلال القتل، كان من شأنه أن يؤدي إلى سيادة الفكر «الرسمي» الأحادي ويمكن ونحن في صدد البحث عن منهج تاريخي في علومنا الإسلامية أن نتوقف عند تيارين أساسيين في مناهج النظر الأصولي والتفسيري:أولاً: التيار العقلي في علم أصول الفقه، وهو تيار قديم كان ينمو ويضعف، ويقف تبعاً لطبيعة العلاقة القائمة بين أطراف ثلاثة: السلطان والمجتمع والمعرفة.
ثانياً: «التفسير الموضوعي والتوحيدي للقرآن» وهي دعوة حديثة العهد كان قد أطلقها محمد باقر الصدر في وقتنا الحاضر.إن علم أصول الفقه الذي نشأ لضرورة تاريخية ـ هي البعد الزمني عن عصر التشريع ـ هو العلم بمجموعة العناصر المشتركة والقواعد العامة لعملية استنباط الحكم الشرعي. فهو يعلم كيف يجب النهج في استنباط الحكم وفقاً للنظريات العامة وصولاً إلى مجال التطبيق في الفقه. فهو كالمنطق بالنسبة للتفكير الفلسفي. ولقد نشأ هذا العلم تاريخياً كعلم ضروري لممارسة الاجتهاد بالرأي واستخدام العقل في استنباط الأحكام في مواجهة الفقهاء الذين أنكروا على الإدراك العقلي أن يكون وسيلة بيانية موصلة إلى المعرفة. وإذا أدركنا أن الذي ساد على مستوى «التاريخ الرسمي» هو سلطان التقليد للمذاهب الفقهية المنجزة في مرحلة تاريخية معينة، أدركنا الأثر السلبي لهذا التقليد على التفكير العلمي عامة والمنهج التاريخي خاصة. ويعبّر محمد باقر الصدر عن هذا الواقع بقوله: «إن التفكير الأصولي» كان قد بدأ ينضب في القرنين الخامس والسادس الهجريين، ويستنفد قدرته على التجديد ويتجه إلى التقليد والاجترار حتى أدى ذلك إلى سدّ باب الاجتهاد رسمياً».ومن هنا تصبح مهمة تجديد علم الأصول في وقتنا الحاضر مهمة أساسية وملحة لتخليص المعرفة التاريخية من قيود التقليد الأخباري وإدخالها في منهج النقد التاريخي الذي لا يقف عند حدود الجرح والتعديل. بل يستخدم شتى معطيات العلوم التي أنتجتها تجارب الفكر البشري حتى يومنا هذا. فكما استلهم علم الأصول من التطبيق الفقهي وعلم الكلام والفلسفة والظرف الموضوعي وعامل الزمن، ليعطي عنصر إبداعه الذاتي وعناصر إبداعه في المجالات الأخرى، فإن المنهج التاريخي يمكن أن يفيد كثيراً من هذا الإبداع الأصولي القديم في محطات تطوره التاريخي، ومن إمكانات تجدده في ضوء ما يمكن أن تفيده مناهج العلوم الإنسانية المعاصرة. ↑
- () الميرزا أبو القاسم القمي، القوانين ج1، ص9 طبعة عبد الرحيم، والشيخ محمد حسين بن محمد رحيم، الفصول، ج1، ص1282، ومحمود بن جعفر الميثي، قوامع الفضول، ص15 وغيرهم. ↑
- () مبادىء العلوم: هي الموضوعات الخارجة عن المسائل الأصلية للعلم، لكنها تدخل ضمن أساس العلم ومبناه، والمبادىء تنقسم إلى قسمين: تصورية وتصديقية. المبادىء التصورية: هي التصورات التي تؤدي إلى معرفة مسائل العلم، مثل معرفة موضوعات أو محمولات مسائل العلم. المبادىء التصديقية: هي التصديقات التي تؤدي إلى معرفة المسائل، كالقضايا المأخوذة في أدلة المسائل والمؤدية إلى العلم بثبوت محمولات المسائل لموضوعاتها. (سعد الدين التفتازاني، منطق التهذيب: والملا عبدالله اليزدي، شرح التهذيب: والحكيم السبزواري، منظومته وشرحها، ص8، طبعة ناصري). ↑
- () منهم الخوئي في أجود التقريرات، ج1، ص9 طبعة مصطفوي 1367، لقد راجعت «القوانين» فلم أعثر في نص المصنف على هذه العبارة، ولكن صاحب حاشية توضيح القوانين صرح بهذا نقلاً عن حاشية المصنف، في شرحه لعبارة المصنف «وأما موضوعه فهو أدلة الفقه». ↑
- () الشيخ محمد حسين بن محمد رحيم، الفصول، ج1، ص10. ↑
- () لأننا علمنا أن الأدلة الأربعة هي الكتاب والسّنّة والإجماع والعقل، وهذا لا يشمل خبر الواحد، إذ أن خبر الواحد جزء من السنّة التي هي عبارة عن قول النبي أو مطلق المعصوم وفعله وتقريره. ↑
- () الملا محمد كاظم الخراساني، الكفاية، ج1، ص6. ↑
- () ن. م. ص5. ↑
- () مباحثات الحكم عند الأصوليين ص9 ↑
- () فوائد الأصول، ج4، ص107. ↑
- () مصابيح الأصول ج1 ص13. ↑
- () أصول القانون للدكتور عبد الرزاق السنهوري وأحمد حشمت، ص1. ↑
- () أصول القانون للدكتور عبد الرزاق السنهوري وأحمد حشمت، ص164 وما بعدها ↑
- () أصول القانون للدكتور عبد الرزاق السنهوري وأحمد حشمت، ص164 وما بعدها ↑
- () أصول القانون للدكتور عبد الرزاق السنهوري وأحمد حشمت، ص164 وما بعدها ↑
- () أصول القانون للدكتور عبد الرزاق السنهوري وأحمد حشمت، ص164 وما بعدها ↑
- () المدخل إلى علم أصول الفقه ص332 وما بعدها. ↑
- () المدخل إلى علم أصول الفقه ص332 وما بعدها. ↑
- () المدخل إلى علم أصول الفقه ص332 وما بعدها. ↑
- () المصدر السابق ص335. ↑
- () المصدر السابق ص7 وما بعدها نقلاً عن الموسوعة الفرنسية. ↑
- () مباحث الحكم عند الأصوليين ص40. ↑
- () يتحدث الشيخ الجناتي هنا عن ظاهرة الاحتياط في الفتوى، في إطار المدرسة (الأصولية)، وذلك مقابل الاحتياط المعروف لدى المدرسة الاخبارية. وهما وإن تشابها في بعض معطياتهما العملية، إلا أن الأساس والمنطق النظري لكل منهما يباين الآخر منهجاً كما هو معروف، ولذلك فإن الكاتب هنا سيظل يقيد (منهج الاحتياط) المبحوث عنه هنا بـ (الأصولي). ↑
- () كشف المحجة في ثمرة المهجة، ص15. ↑
- () وسائل الشيعة، قم، مؤسسة آل البيت، ج27 ص167 ح46. ↑
- () المصدر نفسنه، ص172 ح61 ↑
- () المصدر نفسه، ص167 ح42. ↑
- () المصدر نفسه، ص154 ح1. ↑
- () التاريخ الكبير، ج6 ص34. تذكرة الموضوعات، القيسراني، ص717. ↑
- () لمزيد من التفاصيل راجع كتابي (مراحل الاجتهاد) و(مراحل الفقه). ↑
- () فتح الباري في شرح صحيح البخاري، ج2 ص45 وصحيح مسلم ج5 ص141 بشيء من التصرف. ↑
- () كنز العمال، ج11 ص445. ↑
- () فتح الباري في شرح صحيح البخاري، ج11 ص85. ↑
- () الدر المنثور، ج1 ص465 وتفسير ابن كثير، ج1 ص1324 وتفسير القاسمي ج3 ص87 وفتح الباري ج25 ص31 ووسائل الشيعة ج14 ص74. ↑
- () صحيح مسلم، ج7 ص91. ↑
- () تاريخ التشريع الإسلامي ص310 ـ 311. ↑
- () الرسائل (فرائد الأصول) ط مؤسسة النعمان 1411هـ ـ 1991م، 1/117، 118، 119، 120 «خبر الواحد». ↑
- () عدة الأصول، ص176. ↑
- () معارج الأصول، ص144. ↑
- () دراسات الأستاذ المحقق الخوئي ص97. ↑
- () إقرأ ما كتبه الآمدي، ج1 ص171 من الأحكام وما ورد في الكفاية وشروحها ورسائل الشيخ حول هذه التشكيكات. ↑
- () إرشاد الفحول ص34. ↑
- () الصحاح: مادة (أصل). ↑
- () المعجم الوسيط: مادة (أصل). ↑
- () التعريفات: مادة (اصل). ↑
- () انظر: معجم لاروس: مادة (أصل). ↑
- () الأخر: ضد القُدُم، يقاول: رجع أخراً، كما يقال: ذهب قُدُماً. ↑
- () مقاييس اللغة: مادة (بحث). ↑
- () انظر: البحث العلمي، د. عبيدات ورفيقيه ط4 ص41، وأصول البحث العلمي ومناهجه، د. بدر، ط5 ص16. ↑
- () انظر: المعجم الفلسفي (مجمع): مادة (استقراء). ↑
- () لسان العرب، مادة (سطر). ↑
- () مادة (سطر). ↑
- () رستم دستان: من أبطال الفرس، شخصية أسطورية، قالوا: إنه عاش نحو 300 ق.م. وقام بأعمال عجيبة، تزوج بإمرأة تركية طورانية، وقتل في الحرب، تغنّى الفردوسي في (الشاهنامه) بمغامراته، وزين الفنانون الفرس مخطوطاتهم بمشاهد أخباره… (المنجد في الأعلام: رستم دستان).واسفنديار: اسم فارسي، ورد في سيرة ابن هشام أن النضر بن الحارث كان إذا جلس رسول الله (ص) مجلساً فدعا فيه إلى الله تعالى، وتلا فيه القرآن وحذّر فيه قريشاً ما أصاب الأمم الخالية، خلفه في مجلسه إذا قام، فحدثهم عن رستم السنديد وعن اسفنديار وملوك فارس… (وهو) من أبطال الفرس، وأخباره في (الشاهنامه)… (المفصل في الألفاظ الفارسية المعربة ص9).
وفي (الفهرست): «أسماء الكتب التي ألفها الفرس في السير والأسماء الصحيحة التي لملوكهم: كتاب رستم واسفنديار، ترجمة جبلة بن سالم. ص 424 ط بيروت». ↑
- () موسوعة المورد 7/93 مادة Myth ↑
- () الموسوعة العربية الميسرة 148. ↑
- () موسوعة المورد والموسوعة العربية الميسرة أيضاً. ↑
- () موسوعة المورد أيضاً. ↑
- () الموسوعة العربية الميسرة أيضاً. ↑
- () هكذا في المطبوعة وأخال أنها خطأ مطبعي، صوابه: أحداثاً أسطورية. ↑
- () الإسلام يتحدى ط 6 ص27. ↑
- () موسوعة الفلسفة 2/618 ط1، 1984م. ↑
- () الإسلام يتحدى ط6 ص25 نقلاً عن: Hindstan Times, Sunday Magazine,Sept 24,1961 ↑
- () المعجم الوسيط: فلسفة. ↑
- () موسوعة المورد: مادة Science. ↑
- () موسوعة المورد 8/25. ↑
- () م. ن. ↑
- () موسوعة المورد: مادة Sience. ↑
- () 3/169 مادة Deism ↑
- () الإنسان ذلك المجهول، تعريب شفيق أسعد فريد ط3 ص40. ↑
- () انظر: المعجم الوسيط: مادة (علم). ↑
- () انظر: محيط المحيط: مادة (عرف). ↑
- () م.ن. ↑
- () مادة (عرف). ↑
- () مادة (عرف). ↑
- () مادة (عرف). ↑
- () مقاييس اللغة 6/93. ↑
- () مادة (وحى). ↑
- () تصحيح الاعتقاد 56. ↑
- () ص515. ↑
- () كلمة (القدس) من المعرب عن العبرية وتعني: الطهر. ↑
- () مادة: الوحي. ↑
- () المفردات 455. ↑
- () مادة (لهم). ↑
- () 1/130. ↑
- () مقاييس اللغة 4/69. ↑
- () المعجم الفلسفي 2/84. ↑
- () صحيح الكافي 1/1. ↑
- () موسوعة الفلسفة 2/71. ↑
- () موسوعة الفلسفة 2/74. ↑
- () انظر: 61 ـ 62 من ط13 لسنة 1402هـ ـ 1982م. ↑
- () م.ن. ↑
- () مادة (حسس). ↑
- () الفكر: طبيعته وتطوره. د. نوري جعفر1 ص204 بتصرف. ↑
- () م. س 203. ↑
- () انظر: الموسوعة العربية الميسرة 1712. ↑
- () موسوعة المورد 7/821. ↑
- () انظر: معجم الفلاسفة 275. ↑
- () م.ن. ↑
- () المعجم الفلسفي «مجمع» مادة: الفن. ↑
- () التوحيد، الصدوق 277. ↑
- () عقيدتنا: عبدالله نعمة 58. ↑
- () انظر: المعجم الوسيط: مادة (نهج). ↑
- () مادة (نهج). ↑
- () مادة (نهج). ↑
- () ص76. ↑
- () ص6 ط3 في 1977. ↑
- () ص48. ↑
- () 1/36. ↑
- () مناهج البحث العلمي ص5. ↑
- () نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 1/35 نقلاً عن: Introduction Logique de Port Royal. ↑
- () يرجع إلى: مذكرة المنطق: المقدمة ـ مبحث التبويب، لمعرفة شيء من هذا. ↑
- () ط2 ج1 ص17. ↑
- () موسوعة الفلسفة 1/394. ↑
- () نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 1/37. ↑
- () أصول البحث العلمي ومناهجه ص58 عن محمد طلعت عيسى: البحث الاجتماعي مبادؤه ومناهجه، القاهرة: مكتبة القاهرة الحديثة 1963 ص27 ـ 28. ↑
- () المعجم الفلسفي (صليبا) 2/589 ـ 590 نقلاً عن: إحياء علوم الدين 3/19. ↑
- () انظر مادة: (منهج). ↑
- () مادة (نهج).. ↑
- () مادة (قرن). ↑
- () لسان العرب: مادة (جدل). ↑
- () التعريفات 78. ↑
- () انظر: المورد: مادة Dialectic. ↑
- () موسوعة المورد 3/187. ↑
- () ط1، 1400هـ – 1980م ص23. ↑
- () فلسفتنا ص13 ص207 نقلاً عن ماركس ـ إنجلز والماركسية ص24. ↑
- () م. ن. نقلاً عن: المادية الديللكتيكية والمادية التاريخية ص12. ↑
- () المعالم الجديدة 141. ↑
- () م. س 142. ↑
- () أصول الفقه 2/137. ↑
- () مادة (نصص). ↑
- () المقبولة: هي الرواية التي يتلقّاها العلماء بالقبول من حيث السند، ويعملون بمضمونها، وعمر بن حنظلة: هو عمر بن حنظلة العجلي البكري الكوفي، قال فيه الشهيد الثاني: «لم ينص الأصحاب فيه بجرح ولا تعديل، لكن أمره عندي سهل، لأني حققت توثيقه في محل آخر» ص44 من الدراية. وقال ابنه الشيخ حسن العاملي: «قال ـ يعني الشهيد ـ في بعض فوائده: الأقوى عندي أنه ثقة لقول الصادق (ع) في حديث الوقت: إذاً لا يكذب علينا» ص103 من إتقان المقال ـ انظر: مبادىء أصول الفقه ص69 ط3. ↑
- () يقصد الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام). ↑
- () مبادىء أصول الفقه 69 ـ 71 نقلاً عن أصول الفقه للمظفر 3/250. ↑
- () انظر: مبادىء أصول الفقه 65 ـ 72. ↑
- () ص104 ـ 107. ↑
- () الذريعة 2/209. ↑
- () النهاية لابن الأثير 5/213. ↑
- () الرطل العراقي = 130 درهماً شرعياً/ المدني = 195 درهماً شرعياً/ المكي = 260 درهماً شرعياً. ↑
- () هو رواية الكلبي النسابة: «أنه سأل أبا عبدالله (ع) عن النبيذ؟فقال: حلال.فقال: أنا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك؟!
فقال: شه شه، تلك الخمرة المنتنة.
قلت ـ جعلت فداك ـ فأي نبيذ تعني؟
فقال: إن أهل المدينة شكوا إلى رسول الله (ص) تغيّر الماء وفساد طبائعهم فأمرهم أم ينبذوا، فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له فيعمد إلى كف من تمر فيقذف به (فيلقيه) في الشن فمنه شربه ومنه طهوره.
فقلت: وكم كان عدد التمر الذي في الكف؟
قال: ما حمل الكف؟
فقلت: واحدة أو اثنتين.
فقال: ربما كانت واحدة وربما كانت اثنتين.
فقلت: وكم كان يسع الشن ماءً؟
فقال: ما بين الأربعين إلى الثمانين إلى ما فوق ذلك.
فقلت: بأي الأرطال؟
فقال: أرطال مكيال العراق». ↑
- () التنقيح 1/202. ↑
- () الوسائل ج6 الباب 1 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام الحديث 1، 4. ↑
- () الوسائل ج6 الباب 1 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام الحديث 1، 4. ↑
- () الوسائل ج6 الباب 1 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام الحديث 10. ↑
- () الوسائل ج12 الباب21 من أبواب عقد البيع الحديث 8، 2، 5. ↑
- () الوسائل ج12 الباب21 من أبواب عقد البيع الحديث 8، 2، 5. ↑
- () الوسائل ج12 الباب 21 من أبواب عقد البيع الحديث 8، 2، 5. ↑
- () ص98. ↑
- ()1/217. ↑
- () ص 895. ↑
- () 4/24. ↑
- () ط5 ج6 ص194 ـ 195. ↑
- () 4/240. ↑
- () تحقيق الزيني ص172. ↑
- () 4/293. ↑
- () الجواهر 5/120. ↑
- () كذا في المطبوعة، وصوابه: على الجميع. ↑
- () هكذا في المطبوعة، وصوابه (المجمل) وهو كتاب مجمل اللغة لابن فارس. ↑
- () كذا في المطبوعة، وصوابه: ابن الأعرابي. ↑
- () كذا في المطبوعة: وصوابه: أبي العباس وهو ثعلب. ↑
- () كذا في المطبوعة، وصوابه: ابن فارس. ↑
- () انظر: التاج: مادة (صعد). ↑
- () انظر: التاج: مادة (صعد). ↑
- () التاج: مادة (صعد). ↑
- () اللسان: مادة (صعد). ↑
- () م. ن. ↑
- () العين: مادة (صعد). ↑
- () العروة الوثقى: فصل في بيان ما يصح التيمم به. ↑
- () 1/9 ط2 «ذات التعليقات العشر». ↑
- () المستمسك 1/206 ط2. ↑
- () مهذب الأحكام 1/281. ↑
- () انظر: قواعد الفقيه 277 ـ 299. ↑
- () انظر: المعجم الوسيط: مادة (عهر). ↑
- () القواعد الفقهية 4/22. ↑
- () الوسائل 1/971 ط5. ↑
- () 1/387 ـ 388. ↑
- () الخاتمة 20/138. ↑
- () رتبت ذكر المذاهب وفق تاريخ ظهورها في المجتمع الإسلامي. ↑
- () المعجم الفلسفي (صليبا) مادة (نظر). ↑
- () المعجم الفلسفي (مجمع): مادة (نظر). ↑
- () مادة (نظر). ↑
- () المعجم الفلسفي (مجمع): مادة (نظر). ↑
- () مادة (معيار). ↑
- () المعجم الفلسفي (صليبا): مادة (معياري). ↑
- () ص541. ↑
- () وانظر أيضاً: معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب ص94. ↑
- () ص108. ↑
- () ص47. ↑
- () المعجم الوسيط: مادة (سلب). ↑
- () المعجم الفلسفي (صليبا): مادة (أسلوب). ↑
- () معجم مصطلحات الأدب 542. ↑
- () المعجم الأدبي ص 103 عن: المفيد في البلاغة لأبي حاقة ص 227. ↑
- () المعجم الأدبي 103. ↑
- () انظر ـ على سبيل المثال ـ : (بلاغة الإمام علي) للدكتور الحوفي ـ فصل: التعبير. ↑
- () بلاغة الإمام علي ص236. ↑
- () معجم مصطلحات الأدب ص5. ↑
- () تاريخ الأدب العربي ص3 ط26. ↑
- () تاريخ الأدب العربي للزيات 199. ↑
- () معجم مصطلحات الأدب 541 عن: البلاغة الواضحة للجارم وأمين. ↑
- () المستصفى، ج1 ص140. ↑
- () رسالة الطوفي المنشورة في مصادر التشريع، ص93. ↑
- () رسالة الطوفي المنشورة في مصادر التشريع، ص93. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () إرشاد الفحول، ص242. ↑
- () سلم الوصول، ص309. ↑
- () المدخل إلى أصول الفقه، ص284. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص302. ↑
- () إرشاد الفحول، ص242. ↑
- () إرشاد الفحول، ص216. ↑
- () المستصفى، ج1 ص140. ↑
- () المستصفى، ج1 ص140. ↑
- () إرشاد الفحول، ص216. ↑
- () المستصفى، ج1 ص140. ↑
- () مصادر التشريع، ص73. ↑
- () مصادر التشريع، ص80. ↑
- () مصادر التشريع، ص81 وما بعدها. ↑
- () مصادر التشريع، ص74. ↑
- () مصادر المستصفى، ج1 ص141. ↑
- () محاضرات في أسباب الاختلاف للخفيف، ص244. ↑
- () مصادر التشريع، ص74. ↑
- () محاضرات في أسباب الاختلاف، ص244. ↑
- () مصادر التشريع، ص75. ↑
- () مصادر التشريع، ص75. ↑
- () رسالة الطوفي، ص90. ↑
- () رسالة الطوفي، ص91. ↑
- () رسالة الطوفي، ص109. ↑
- () رسالة الطوفي، ص109 إلى 113. ↑
- () رسالة الطوفي، ص116. ↑
- () مصادر التشريع، ص78. ↑
- () المستصفى، ج1 ص143 وما بعدها. ↑
- () مصادر التشريع، ص79 نقلاً عنه. ↑
- () القوانين المحكمة، ج2 ص92. ↑
- () كشف الظنون 1/35 ـ 36. ↑
- () كشف الظنون 1/35. ↑
- () أيسر الوسائل في كتابه البحوث والرسائل ص14 ط2. ↑
- () المعجم الوسيط: مادة (سود). ↑
- () المعجم الوسيط: مادة (علق). ↑